‫‪www.ikhwan-info.

net‬‬

‫المصطلحات الربعة‬
‫في القرآن‬

‫أبو العلى المودودي‬

‫‪-1-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫تقديم الطبعة الولى‬
‫هذه رساله ألفها الستاذ السيد أبو العلى المودودي في سنة ‪1360‬هـ ‪ 1941 -‬م ‪ ،‬ونشر فصولها تباعا في مجلته الشهرية "‬

‫ترجمان القرآن " ثم جمعها ونشرها في رسالة سماها " المصطلحات الربعة في القرآن " ‪ .‬وما كتبه الستاذ المودودي نفسه في‬

‫مقدمته لهذه الرساله عن أهميه هذه المصطلحات في السلم‪ ،‬فيه ما يغني عن إعادة ذكره في هذا التقديم‪ ،‬وحسبنا أن نبين هنا‬
‫تأريخ تأليف هذه الرسالة والمناسبة التي دعت لتأليفها ‪.‬‬

‫تم تأليف هذه الرسالة سنة ‪1360‬هـ‪ ،‬وهي السنة التي تأسست فيها " الجماعة السلمية " في الهند ‪ ،‬فكان لهذه الرسالة يد – وأي‬
‫يد – في إيضاح دعوة الجماعة ‪ ،‬وتحديد موقفها من جميع الحزاب والجمعيات التي كانت قائمة في البلد ‪ .‬فما تقدم بعدها أحد‬

‫للشتراك إل كان على بينة تامة من الفرق بين دعوة الجماعة وبين ما تدعو إليه سائر الحزاب والجمعيات ‪ ،‬على الرغم من أن‬
‫بعضها يدعي أنها ما قامت إل لجل السلم ونشر دعوته‪.‬‬

‫وقد ظهر من هذه الرسالة حتى الن أربع طبع – في كل طبعه نحو ‪ 3000‬نسخة – باللغة الردية ‪ ،‬ولم تنقل حتى يومنا هذا إلى أيه‬

‫لغة أخرى‪ ،‬إل هذه الترجمة العربية التي نهض بها الخ الفاضل الديب الستاذ السيد محمد كاظم سباق‪ ،‬من زملء " دار العروبة‬
‫للدعوة السلمية " وها نحن أولء نتشرف بتقديمها إلى اخواننا الناطقين بالضاد‪.‬‬

‫وهذه الرسالة هي الثانية من رسائلنا – تحلت بالطبع في مدينة دمشق – معقل السلم الحصين – على أيدي اخوان لنا في العلم‬
‫والدين ‪ ،‬ممن اجتمعت قلوبنا وقلوبهم على حب السلم والستماته في سبيله ‪ ،‬جزاهم ال عن السلم وأهله خير الجزاء‪ ،‬ووفقنا‬
‫جميعا للعمل بما فيه مرضاته ‪ ،‬انه ولي التوفيق وانه سميع مجيب ‪.‬‬

‫وقد سبق أن نشر في دمشق ريسالة " مبادئ السلم " للستاذ المودودي ‪ ،‬وثماني رسائل أخرى نشرت في القاهرة – يجد القارئ‬

‫اسماءها في ختام هذه الرسالة – والمأمول أن تعقبها رسائل أخرى من هذه السلسلة قريبا إن شاء ال ‪.‬‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد ل رب العالمين‬

‫لهور في ‪ 13‬جمادى الولى ‪ 1374‬هـ‬
‫‪ 8‬كانون الثاني ( يناير ) ‪ 1955‬م‬
‫كتبه العاجز الفقير إلى رحمة ال تعالى‬
‫محمد عاصم الحداد‬

‫‪-2-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫المقدمة‬
‫الله والرب والدين والعبادة‬
‫هذه الكلمات الربع أساس المصطلح القرآني وقوامه‪ ،‬والقطب الذي تدور حوله دعوة القرآن‪ .‬فجماع ما يدعو إليه القرآن الكريم هو‬
‫أن ال تعالى هو الله الواحد الحد والرب الفرد الصمد‪ ،‬ل إله إل هو‪ ،‬ول رب سواه‪ ،‬ول يشاركه في ألوهيته ول في ربوبيته أحد‪.‬‬
‫فيجب على النسان أن يرضى به إلها وأن يتخذه دون سواه ربا‪ ،‬ويكفر بألوهية غيره ويجحد ربوبية من سواه‪ ،‬وأن يعبده وحده ول‬
‫سلْنا مِ نْ قَبلِ كَ مِ نْ رَسو ٍل إلّ‬
‫يعبد أحدا غيره ويخلص دينه ل تعالى ويرفض كل دين غير دينه سبحانه كما ورد في التنزيل‪( :‬وَما أَر َ‬
‫نوحي إلي ِه أن ُه ل إله إلّ أنا فاعبدونِ)‪( .‬النبياء‪)25 :‬‬
‫(وما أُمِروا إ ّل لِ َيعْيُدوا إلها واحِدا ل إلهَ إ ّل هوَ سُبحا َنهُ عمّا يُشْرِكون)‪( .‬التوبة‪)31 :‬‬
‫(إنّ هذه أمّ ُت ُكمْ أمّة واحدةً وأنا رَ ّب ُكمْ فاعبدون) (النبياء‪)92 :‬‬
‫ب ك ّل شيء) (النعام‪)164 :‬‬
‫(قل أغيْ َر ال ابغي رَبّا و ُهوَ ر ّ‬
‫ل صالحا ول يشرك بعبادة ربه أحدا)‬
‫(فَمَن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عم ً‬

‫(الكهف‪)110 :‬‬

‫(ولقد بَعثنا في كل أمة رسولً أن اعبدوا ال واجتنبوا الطاغوت) (النحل‪)36 :‬‬
‫(أفغير دين ال يبغون وله أسلم من في السماوات والرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) (آل عمران‪)83 :‬‬
‫(قل إني أمرتُ أن أعبدَ ال مخلصا له الدين) (الزمر‪)11 :‬‬
‫(إن ال ربي وربّكم فاعبدوه هذا صراطٌ مستقيم) (آل عمران‪)51 :‬‬
‫هذه الي المعدودة إنما سردناها مثالً وأنموذجا‪ ،‬وإل فمن قرأ القرآن وتتبع آياته‪ ،‬فإنه يحس لول وهلة ان كل ما نزل به القرآن‬
‫الكريم من الهدي والرشاد ل يدور إل حول هذه المصطلحات الربعة‪ ،‬وليس موضوع الكتاب وفكرته الساسية إل‪:‬‬
‫أن ال هو الرب والله‪.‬‬
‫وأنه ل رب ول إله إل هو‪.‬‬
‫فإياه ينبغي أن يعبد النسان‪.‬‬
‫وله وحده ينبغي أن يخلص الدين‪.‬‬

‫‪-3-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫أهمية المصطلحات الربعة‬
‫ومن الظاهر البيّن أنه لبد لمن أراد أن يدرس القرآن ويسبر غور معانيه‪ ،‬أن يتفهم المعاني الصحيحة لكل من هذه الكلمات الربع‬
‫ويتلقى مفهومها الكامل الشامل‪ ،‬فإذا كان النسان ل يعرف ما الله‪ ،‬وما معنى الرب‪ ،‬وما العبادة‪ ،‬وما تطلق عليه كلمة الدين فل‬
‫جرم‪ ،‬أن القرآن كله سيعود في نظره كلما مهملً ل يفهم من معانيه شيء‪ .‬فل يقدر أن يعرف حقيقة التوحيد‪ ،‬أو يتفطن إلى ماهية‬
‫الشرك‪ ،‬ول يستطيع ان يخص عبادته بال سبحانه أو يخلص دينه له‪ .‬وكذلك إذا كان مفهوم تلك المصطلحات غامضا متشابها في‬
‫ذهن الرجل وكانت معرفته بمعانيها ناقصة فل شك أنه يلتبس عليه كل ما جاء به القرآن من الهدى والرشاد‪ ،‬وتبقى عقيدته‬
‫وأعماله كلها ناقصة مع كونه مؤمنا بالقرآن‪ .‬فإنه لن ينفك يلهج بكلمة ل إله إل ال ويتخذ مع ذلك آلهة متعددة من دون ال‪ .‬ولن‬
‫يبرح يعلن أنه ل رب إل ال ثم يكون مطيعا لرباب من دون ال في واقع المر‪ .‬إنه يجهر بكل صدق وإخلص بأنه ل يعبد إل ال‬
‫تعالى ول يخضع إل له‪ ،‬ولكنه مع ذلك يكون عاكفا على عبادة آلهة كثيرة من دون ال‪ .‬وكذلك يصرح بكل شدة وقوة أنه في حظيرة‬
‫دين ال وكنفه وإن قام أحد يعزوه إلى دين آخر غير السلم هجم عليه وناصبه الحرب؛ ولكنه يبقى مع ذلك متعلقا بأذيال متعددة ول‬
‫شك أنه ل يدعو أحدا غير ال تعالى ول يسميه بالله أو الرب بلسانه‪ ،‬لكن تكون له آلهة كثيرة وأرباب متعددة من حيث المعاني‬
‫التي وضعت لها هاتان الكلمتان‪ ،‬والمسكين ل يشعر أصلً أنه قد أشرك بال آلهة وأربابا أخرى وغذ نبّهته إلى أنه عابد لغير ال‬
‫ومقترفٌ للشرك في الدين‪ ،‬لنقض عليك يخمش وجهك‪ ،‬إل أنه يكون عابدا لغير ال حقا وداخلً في غير دينه بدون ريب من حيث‬
‫مغزى (العبادة) و (الدين) وهو ل يدري مع كل ذلك أن العمال التي يرتكبها هي في حقيقة المر عبادة لغير ال وأن الحالة التي قد‬
‫سقط فيها هي نفس المر دينٌ ما انزل ال به من سلطان‪.‬‬

‫السبب الحقيقي لهذا الفهم الخاطئ‬
‫يدلنا النظر في عصر الجاهلية وما تبعه من عصور السلم أنه لما نزل القرآن في العرب وعرض على الناطقين بالضاد كان حينئذ‬
‫يعرف كل امرئٍ منهم ما معنى (الله) وما المراد بـ (الربْ)‪ ،‬لن كلمتي (الله) و (الرب) كانتا مستعملتين في كلمهم منذ قبل‪،‬‬
‫وكانوا يحيطون علما بجميع المعاني التي تطلقان عليها‪ .‬ومن ثم إذا قيل لهم‪ :‬ل غله إل ال ول رب سواه ول شريك له في ألوهيته‬
‫وربوبيته‪ ،‬أدركوا ما دُعوا إليه تماما وتبين لهم من غير ما لبس ول إبهام أي شيء هو الذي قد نفاه القائل ومنع غير ال أن‬
‫يوصف به؛ وأي شيء قد خصه وأخلصه ل تعالى‪ ،‬فالذين كفروا إنما كفروا عن بينة ومعرفة بكل ما يبطله وينعي عليه كفره‬
‫بألوهية غير ال وربوبيته‪ ،‬وكذلك من آمن فقد آمن عن بينة وبصيرة بكل ما يوجب قبول تلك العقيدة الخذ به أو النسلخ عنه‪.‬‬

‫‪-4-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وكذلك كانت كلمتا (العبادة) و (الدين) شائعتين في لغتهم وكانوا يعلمون ما البعد‪ ،‬وما الحال التي بعبر عنها بالعبودية‪ ،‬وما هو‬
‫المنهاج العملي الذي يطلق عليه اسم (العبادة) وما مغزى (الدين) وما هي المعاني التي تشتمل عليها هذه الكلمة؟ ومن ثم لما قيل‬
‫لهم "أن اعبدوا ال واجتنبوا الطاغوت" وادخلوا في دين ال منقطعين عن الديان كلها ما أخطأوا في فهم هذه الدعوة التي جاء بها‬
‫القرآن‪ .‬وما إن قرعت كلماتها أسماعهم حتى تبينوا‪ :‬أي نوع من التغيير في نظام حياتهم جاءت تطالبهم به تلك الدعوة؟‬
‫ولكنه في القرون التي تلت ذلك العصر الزاهر جعلت تتبدل المعاني الصلية الصحيحة لجميع تلك الكلمات‪ ،‬تلك المعاني التي كانت‬
‫شائعة بين القوم عصر نزول القرآن‪ ،‬حتى أخذت تضيق كل كلمة من تلكم الكلمات الربع عما كانت تتسع له وتحيط به من قبل‪،‬‬
‫وعادت منحصرة في معان ضيقة محدودة؛ بمدلولت غامضة مستبهمة‪ .‬وذلك لسببين اثنين‪:‬‬
‫الول‪ :‬قلة الذوق العربي السليم ونضوب معين العربية الخالصة في العصور المتأخرة‪ ،‬والثاني أن الذين ولدوا في المجتمع السلمي‬
‫ونشؤوا فيه‪ ،‬لم يكن قد بقي لهم من معاني كلمات (الله) و (الرب) و (العبادة) و (الدين) ما كان شائعا في المجتمع الجاهلي وقت‬
‫نزول القرآن‪ .‬ولجل هذين السببين أصبح اللغويون والمفسرون في العصور المتأخرة يشرحون أكثر كلمات القرآن في معاجم اللغة‬
‫وكتب التفسير بالمعاني التي فهمها المتأخرون من المسلمين بدلً من معانيها اللغوية الصلية‪ .‬ودونك من ذلك أمثلة‪:‬‬
‫إن كلمة (الله) جعلوها كأنها مترادفة مع كلمة الصنام والوثان‪.‬‬
‫وكلمة (الرب) جعلوها مترادفة مع الذي يربي وينشئ وللذات القائمة بأمر تربية الخلق وتنشئتهم‪.‬‬
‫وكلمة (العبادة) حددوها في معاني التأله والتنسك والخضوع والصلة بين يدي ال‪.‬‬
‫وكلمة (الدين) جعلوها نظيرا لكلمة النحلة (‪.)Religion‬‬
‫وكلمة (الطاغوت) فسروها بالصنم أو الشيطان‪.‬‬
‫فكانت النتيجة أن تعذر على الناس أن يدركوا حتى الغرض الحقيقي والمقصد الجوهري من دعوة القرآن فإذا دعاهم القرآن أل‬
‫يتخذوا من دون ال إلها‪ ،‬ظنوا أنهم وفّوا مطالبة القرآن حقها لما تركوا الصنام واعتزلوا الوثان؛ والحال أنهم ل يزالون متشبثين‬
‫بكل ما يسعه ويحيط به مفهوم (الله) ما عدا الوثان والصنام‪ ،‬وهم ل يشعرون أنهم بعملهم ذلك قد اتخذوا غير ال إلها‪ .‬وإذا‬
‫ناداهم القرآن أن ال تعالى هو الرب فل تتخذوا من دونه ربا‪ ،‬قالوا ها نحن أولء ل نعتقد أحدا من دون ال مربيا لنا ومتعهدا لمرنا‪،‬‬
‫وبذلك قد كملت عقيدتنا في باب التوحيد‪ ،‬والواقع أنه قد أذعن أكثرهم لربوبية غير ال من حيث المعاني الخرى التي تطلق عليها‬
‫كلمة (الرب) غير هذا المعنى – المربي‪ .-‬وإذا خاطبهم القرآن أن اعبدوا ال واجتنبوا الطاغوت‪ ،‬قالوا‪ :‬ل نعبد الوثان‪ ،‬ونبغض‬
‫الشيطان ونلعنه ول نخشع إل ل‪ ،‬فقد امتثلنا هذا المر القرآني أيضا امتثالً‪ ،‬والحال أنهم ل يزالون متمسكين بأذيال الطواغيت‬

‫‪-5-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫الخرى غير الصنام المنحوتة من الحجار‪ ،‬وقد خصوا سائر ضروب العبادة – اللهم إل التأله‪ -‬لغير ال‪ ،‬وقل مثل ذلك في (الدين)‪،‬‬
‫فإنه ل يفهم الناس من معنى إخلص الدين ل تعالى غير أن ينتحل المرء ما يسمونه (الديانة السلمية) وأل يبقى في ملة الهنادك‬
‫أو اليهود أو النصارى‪ .‬ومن هنا يزعم كل من هو معدود من أهل الديانة السلمية أنه قد أخلص دينه ل‪ ،‬والحق أن أغلبيتهم ممن‬
‫لم يخلصوا دينهم ل تعالى من حيث المعاني الواسعة التي تشتمل عليها كلمة (الدين)‪.‬‬

‫نتائج هذا الفهم الخاطئ‬
‫من الحق الذي ل مراء فيه أنه قد خفي على الناس معظم تعاليم القرآن‪ ،‬بل قد غابت عنهم روحه السامية وفكرته المركزية لمجرد ما‬
‫غشي هذه المصطلحات الربعة الساسية من حجب الجهل‪ .‬وذلك من أكبر السباب التي قد تطرق لجلها الوهن والضعف إلى‬
‫عقائدهم وأعمالهم على رغم قبولهم دين السلم وكونهم في عداد المسلمين‪ .‬ومن أجل ذلك كله يجدر بنا أن نفصل معاني تلك‬
‫المصطلحات الربعة ونشرحها شرحا كاملً‪ ،‬ليتبين غرض القرآن الحقيقي وتعاليمه الساسية‪.‬‬
‫ومع أني قد حاولت اللمام بمفهوم تلك المصطلحات في مقالت لي عديدة تقدم لي كتابها‪ ،‬غير أن ما قد كتبته حتى الن ل يكفي في‬
‫حد ذاته لدرء الخطاء التي قد تسربت إلى الذهان في هذا الباب؛ ول يكاد يقتنع به الناس ويطمئنون إليه لنهم يحسبون كل ما آني‬
‫به من الشرح والتفصيل لمعاني تلك الكلمات من غير استشهاد بآي الكتاب العزيز ومن غير استناد إلى معاجم اللغة – يحسبونه رأيا‬
‫لي ارتأيته؛ والظاهر أن رأيي الشخصي ل يمكن أن يقنع الذين ل يرون رأيي ول يوافقونني عليه على القل‪ .‬فأردت في هذه الرسالة‬
‫أن أبين المعاني الكاملة الشاملة لهذه المصطلحات الربعة‪ ،‬من دون أن آتي في ذلك بقول ل يؤيده القرآن أو برأي ل يستند إلى‬
‫معاجم اللغة‪.‬‬
‫وسأتناول بالبحث أو ًل كلمة (الله) ثم (الرب) ثم (العبادة) ثم (الدين) إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫أبو العلى‬

‫‪-6-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫‪1‬‬

‫‪-‬اللـــــه‬

‫التحقيق اللغوي‬
‫مادة كلمة (الله)‪ :‬الهمزة واللم والهاء‪ ،‬وقد جاء في معاجم اللغة من هذه المادة ما يأتي بيانه فيما يلي‪:‬‬
‫[ألهتُ إلى فلن]‪ :‬سكنت إليه‬
‫[ألهَ الرجل يأله] إذا فرغ من أم ٍر نزل به فألهه أي أجاره‬
‫[ألِه الرجلُ إلى الرجل]‪ :‬اتجه إليه لشدة شوقه إليه‪.‬‬
‫[اله الفصيل] إذا ولع بأمّه‬
‫[أله الهة والُوهَة] عبد‪.‬‬
‫وقيل (الله) مشتق من (له يليه ليها]‪ :‬أي احتجب‬
‫ويتبين من التأمل في هذه المعاني المناسبة التي جعلت "اله ياله إلهة" تستعمل بمعنى العبادة – (أي التأله) – (الله) بمعنى المعبود‪:‬‬
‫‪ -1‬أن أول ما ينشأ في ذهن النسان من الحافز على العبادة والتأله يكون ما أتاه احتياج المرء وافتقاره‪ .‬وما كان النسان ليخطر‬
‫بباله أن يعبد أحدا ما لم يظن فيه أنه قادر على أن يسد خلته‪ ،‬وأن ينصره على النوائب ويؤويه عند الفات‪ ،‬وعلى أن يسكن من‬
‫روعه في حال القلق والضطراب‪.‬‬
‫‪ -2‬وكذلك أن اعتقاد المرء أن أحدا ما قاض للحاجات ومجيب للدعوات‪ ،‬لستلزم أن يعده أعلى منه منزلة وأسمى مكانة‪ ،‬وأل يعترف‬
‫بعلوه في المنزلة فحسب‪ ،‬بل أن يعترف كذلك بعلوه وغلبته في القوة واليد‪.‬‬
‫‪ -3‬ومن الحق كذلك أن ما تقضى به حاجات المرء غالبا حسب قانون السباب والمسببات في هذه الدنيا‪ ،‬ويقع جل عمله في قضاء‬
‫الحاجات تحت سمع المرء وبصره‪ ،‬وفي حدود ل تخرج من دائرة علمه‪ ،‬ل ينشئ في نفس المرء شيئا من النزوع إلى عبادته أبدا‪،‬‬
‫ل آخر يطلب منه عملً أو وظيفة فيجيبه الرجل إلى طلبه‬
‫خذ لذلك مثلً أن رجلً يحتاج إلى مال ينفقه في بعض حاجته‪ ،‬فيأتي رج ً‬
‫ل عن أن يعتقد – أن الرجل يستحق العبادة من قبله‪ ،‬لما‬
‫ويقلده عملً‪ ،‬ثم يأجره على عمله‪ ،‬فإن الرجل ل يخطر له ببال أصلً – فض ً‬
‫علم بل رأى بأ ّم عينه كل المنهاج الذي بلغ به غايته وعرف الطريقة التي اتخذها الرجل لقضاء حاجته‪ .‬فإن تصور العبادة ل يمكن‬
‫أن يخطر ببال المرء إل إذا كان شخص المعبود وقوّته من وراء حجاب الغيب‪ ،‬وكانت مقدرته على قضاء الحوائج تحت أستار‬
‫الخفاء‪ .‬من ها هنا قد اختيرت للمعبود كلمة تتضمن معاني الحتجاب والحيرة والوله مع اشتمالها على معنى الرفعة والعلوّ‪.‬‬

‫‪-7-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫‪ -4‬ورابع الربعة أنه من المور الطبيعية التي ل مندوحة عنها أن يتجه النسان في شوق وولع إلى من يظن فيه أنه قادر على أن‬
‫يقضي حاجته إذا احتاج‪ ،‬وعلى أن يؤويه إذا نابته النوائب‪ ،‬ويهدئ أعصابه عند القلق‪.‬‬
‫فتبين من ذلك كله أن التصورات التي قد أطلقت من أجلها كلمة (الله) على المعبود هي‪ :‬قضاء الحاجة والجارة والتهدئة والتعالي‬
‫والهيمنة وتملك القوى التي يرجى بها أن يكون المعبود قاضيا للحاجات مجيرا في النوازل وأن يكون متواريا عن النظار يكاد يكون‬
‫سرا من السرار ل يدركه الناس‪ ،‬وأن يفزع إليه النسان ويولع به‪.‬‬

‫تصور الله عند أهل الجاهلية‪:‬‬
‫ويجمل بنا بعد هذا البحث اللغوي أن ننظر ماذا كانت تصورّات العرب والمم القديمة في باب اللوهية التي جاء القرآن بإبطالها‪.‬‬
‫يقول سبحانه وتعالى‬
‫‪( -1‬واتخذوا من دون ال آله ًة ليكونوا لهم عزا) (مريم‪)81:‬‬
‫(واتخذوا من دون ال آلهة لعلهم يُنصرون) (يس‪)74 :‬‬
‫يتبين من هاتين اليتين الكريمتين أن الذين كان يحسبهم أهل الجاهلية آلهة لنفسهم كانوا يظنون بهم أنهم أولياؤهم وحماتهم في‬
‫النوائب والشدائد وأنهم يكونون بمأمن من الخوف والنقض إذا احتموا بجوارهم‪.‬‬
‫‪( -2‬فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ال من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب) (هود‪)101 :‬‬
‫(والذين يدعون من دون ال ل يخلقون شيئا وهم يخلقون‪ .‬أمواتٌ غير أحياءٍ وما يشعرون أيّان يبعثون‪ .‬إلهكم إلهٌ واحدٌ) (النحل‪:‬‬
‫‪)22-20‬‬
‫(ول تدع مع ال إلها آخر‪ ،‬ل إله إل هو) (القصص‪)88 :‬‬
‫(وما يتّبع الذين يدعون من دون ال شركاء إن يتبعون إل الظن وإن هم إل يخرصون) (يونس‪)66 :‬‬
‫وتتجلى من هذه اليات بضعة أمور‪ ،‬أحدها أن الذين كان أهل الجاهلية يتخذونهم آلهة لهم كانوا يدعونهم عند الشدائد ويستغيثون‬
‫بهم؛ والثاني‪ :‬أن آلهتهم أولئك لم يكونوا من الجن أو الملئكة أو الصنام فحسب بل كانوا كذلك أفرادا من البشر قد ماتوا من قبل‪،‬‬
‫كما يدل عليه قوله تعالى‪" :‬أمواتٌ غير أحياء وما يشعرون أيان يُبعثون" دللة واضحة والثالث‪ :‬أنهم كانوا يزعمون أن آلهتهم هذه‬
‫يسمعون دعاءهم ويقدرون على نصرهم‪.‬‬

‫‪-8-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ولبد للقارئ في هذا المقام من أن يكون على ذكر من مفهوم الدعاء‪ ،‬ومن وضعية النصرة التي يرجوها النسان من الله فالمرء إذا‬
‫ل فدعا خادمه وأمره بإحضار الماء أو إذا أصيب بمرض فدعا الطبيب لمداواته‪ ،‬ول يصحّ أن يطلق على طلب‬
‫كان أصابه العطش مث ً‬
‫الرجل للخادم أو للطبيب حكم "الدعاء" وكذلك ليس من معناه أن الرجل قد اتخذ الخادم أو الطبيب إلها له‪ .‬وذلك أن كل ما فعله الرجل‬
‫جار على قانون العلل والسباب ول يخرج عن دائرة حكمه‪ .‬ولكنه إذا استغاث بولي أو وثن – وقد أجهده العطش أو المرض‪ -‬بدلً‬
‫من أن يدعو الخادم أو الطبيب‪ ،‬فل شك أنه دعاه لتفريج الكربة واتخذه إلها‪ .‬فإنه دعا وليا قد ثوى في قبر يبعد عنه بمئات من‬
‫الميال‪ ،‬فكأني له يراه سميعا بصيرا ويزعم أن له نوعا من السلطة على عالم السباب مما يجعله قادرا على ان يقوم بإبلغه الماء‬
‫أو شفائه من المرض‪ ،‬وكذلك إذا دعا وثنا في مثل هذه الحال يلتمس منه الماء أو الشفاء‪ ،‬فكأنه يعتقد أن الوثن حكمه نافذ على‬
‫الماء أو الصحة أو المرض‪ ،‬مما يقدر به أن يتصرف في السباب لقضاء حاجته تصرفا غيبيا خارجا عن قوانين الطبيعة‪ .‬وصفوة‬
‫القول أن التصور الذي لجله يدعو النسان الله ويستغيثه ويتضرع إليه هو ل جرم تصور كونه مالكا للسلطة المهيمنة على قوانين‬
‫الطبيعة وللقوى الخارجة عن دائرة نفوذ قوانين الطبيعة‪.‬‬
‫‪( -3‬ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرّفنا اليات لعلهم يرجعون‪ .‬فلول نصرهم الذين اتخذوا من دون ال قربانا آلهةً بل ضلّوا‬
‫عنهم وذلك إفكُهم وما كانوا يفترون) (الحقاف‪)28-27 :‬‬
‫(ومالي ل أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون‪ ،‬أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمان بض ّر ل تغن عني شفاعتهم شيئا ول ينقذون)‬
‫(يس‪)23-22 :‬‬
‫(والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إل ليقربونا إلى ال زُلفى إن ال يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون) (الزمر‪)3 :‬‬
‫(ويعبدون من دون ال مال يضرهم ول ينفعهم ويقولون هؤلء شفعاؤنا عند ال) (يونس‪)18 :‬‬
‫فيتجلى من هذه اليات الكريمة أمور عديدة منها أن أهل الجاهلية ما كانوا يعتقدون في آلهتهم أن اللوهية قد توزعت فيما بينهم‪،‬‬
‫فليس فوقهم إله قاهر‪ ،‬بل كان لديهم تصور واضح لله قاهر كانوا يعبرون عنه بكلمة (ال) في لغتهم‪ .‬وكانت عقيدتهم الحقيقة في‬
‫شأن سائر اللهة أن لهم شيئا من التدخل والنفوذ في ألوهية ذلك الله العلى‪ ،‬وأن كلمتهم تُتَلقى عنده بالقبول وأنه يمكن أن تتحقق‬
‫أمانينا بواسطتهم ونستدر النفع ونتجنب المضار باستشفاعهم‪ .‬ولمثل هذه الظنون كانوا يتخذونهم أيضا آلهة مع ال تعالى‪ .‬ومن هنا‬
‫يتبين أن النسان عن اتخذ أحدا شافعا له عند ال ثم أصبح يدعوه ويستعين به ويقوم بآداب التبجيل والتعظيم ويقدم له القربات‬
‫والنذور‪ ،‬فكل ذلك على ما اصطلح عليه أهل الجاهلية اتخاذه إياه إلها‪.‬‬
‫‪( -4‬وقال ال‪ :‬ل تتخذوا إلهين اثنين‪ ،‬إنما هو إله واحدٌ فإياي فارهبون) (النحل‪)51 :‬‬

‫‪-9-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(ول أخاف ما تشركون به إل أن يشاء ربي شيئا) (النعام‪)80 :‬‬
‫(إن نقول إل اعتراك بعض آلهتنا بسوء) (هود‪)54 :‬‬
‫ويتضح من هذه اليات الحكيمة‪ ،‬أن أهل الجاهلية كانوا يخافون من قبل آلهتهم أنهم إن أسخطوا آلهتهم على أنفسهم لسبب من‬
‫السباب أو حرموا عنايتهم بهم وعطفهم عليهم نابتهم نوائب المرض والقحط والنقص في النفس والموال ونزلت بهم نوازل أخرى‪.‬‬
‫‪( -5‬اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ال والمسيح بن مريم وما أمروا إل ليعبدوا إلها واحدا ل إله إل هو) (التوبة‪)31 :‬‬
‫(أرأيت من اتخذ إلهه هواه‪ ،‬أفأنت تكون عليه وكيل) (الفرقان‪)43 :‬‬
‫(وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولدهم شركاؤهم) (النعام‪)137 :‬‬
‫(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ال) (الشورى‪)21 :‬‬
‫وفي اليات يقف المتأمل على معنى آخر لكلمة (الله) يختلف كل الختلف عن كل ما تقدم ذكره من معانيها‪ ،‬فليس ههنا شيء من‬
‫تصور السلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة‪ ،‬فالذي اتّخذ إلها هو إما واحد من البشر أو نفس النسان نفسه‪ ،‬ولم يتخذ ذلك إلها من‬
‫حيث أن الناس يدعونه أو يعتقدون فيه أنه يضرهم وينفعهم‪ ،‬أو أنه يستجار به‪ ،‬بل قد اتخذوه إلها من حيث تلقوا أمره شرعا لهم‪،‬‬
‫وائتمروا بأمره وانتهوا عما نهى عنه‪ ،‬واتبعوه فيما حلله وحرمه‪ ،‬وزعموا ان له الحق في أن يأمر وينهى بنفسه‪ ،‬وليس فوقه‬
‫سلطة قاهرة يحتاج إلى الرجوع والستناد إليها‪ .‬فالية الولى تبين لنا كيف اتخذت اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أربابا وآلهة‬
‫من دون ال‪ ،‬كما بين ذلك الحديث النبوي الشريف فيما رواه المام الترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم رضي ال عنه‬
‫"أنه دخل على رسول ال صلى ال عليه وآله وسلم وفي عنقه صليب من ذهب وهو يقرأ هذه الية‪ ،‬قال‪ ،‬فقلت‪ :‬إنهم لم يعبدوهم‪،‬‬
‫فقال‪ :‬بلى‪ ،‬إنهم حرموا عليهم الحلل وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم"‪.‬‬
‫وأما الية الثانية فمعناها واضح كل الوضوح‪ ،‬وذلك أن من يتبع هوى النفس ويرى أمره فوق كل أمر فقد اتخذ نفسه إلها له في‬
‫واقع المر‪.‬‬
‫أما اليتان التاليتان بعدهما فإنه وإن وردت فيهما كلمة (الشركاء) مكان (الله)‪ ،‬فالمراد بالشرك هو الشراك بال تعالى في اللوهية‪.‬‬
‫ففي هاتين اليتين دللة واضحة على أن الذين يرون أن ما وضعه رجل أو طائفة من الناس من قانون أو شرعة أو رسم هو قانون‬
‫شرعي من غير أن يستند إلى أمر من ال تعالى‪ ،‬فهم يشركون ذلك الشارع بال تعالى في اللوهية‪.‬‬

‫‪-10-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ملك المر في باب اللوهية‬
‫إن جميع ما تقدم ذكره من المعاني المختلفة لكلمة (الله) يوجد فيما بينها ارتباط منطقي ل يخفى على المتأمل المستبصر‪ .‬فالذي‬
‫يتخذ كائنا ما وليا له ونصيرا وكاشفا عنه السوء‪ ،‬وقاضيا لحاجته ومستجيبا لدعائه وقادرا على أن ينفعه ويضره‪ ،‬كل ذلك بالمعاني‬
‫الخارجة عن نطاق السنن الطبيعية‪ ،‬يكون السبب لعتقاده ذلك ظنه فيه أن له نوعا من أنواع السلطة على نظام هذا العالم‪ .‬وكذلك‬
‫من يخاف أحدا ويتقيه ويرى أن سخطه يجر عليه الضرر ومرضاته تجلب له المنفعة‪ ،‬ل يكون مصدر اعتقاده ذلك وعمله إل ما‬
‫يكون في ذهنه من تصور أن له نوعا من السلطة على هذا الكون‪ .‬ثم أن الذي يدعو غير ال ويفزع إليه في حاجاته بعد إيمانه بال‬
‫العلي العلى‪ ،‬فل يبعثه على ذلك إل اعتقاده فيه أن له شركا في ناحية من نواحي السلطة اللوهية‪ .‬وعلى غرار ذلك من يتخذ حكم‬
‫أحد من دون ال قانونا ويتلقى أوامره ونواهيه شريعة متبعة فإنه أيضا يعترف بسلطته القاهرة‪ .‬فخلصة القول أن أصل اللوهية‬
‫وجوهرها هو السلطة سواء أكان يعتقدها الناس من حيث أن حكمها على هذا العالم حكم مهيمن على قوانين الطبيعة‪ ،‬أو من حيث أن‬
‫النسان في حياته الدنيا مطيع لمرها وتابع لرشادها‪ ،‬وأن أمرها في حد ذاته واجب الطاعة والذعان‪.‬‬

‫استدلل القرآن‬
‫وهذا هو تصور السلطة الذي يجعله القرآن الكريم أساسا يأتي به من البراهين والحجج على إنكار ألوهية غير ال‪ ،‬وإثبات اللوهية‬
‫ل تعالى وحده‪ .‬فالذي يستدل به القرآن في هذا الشأن هو انه ل يملك جميع السلطات والصلحيات في السماوات والرض إل ال‪.‬‬
‫فالخلق مختص به‪ ،‬والنعمة كلها بيده‪ ،‬والمر له وحده‪ ،‬والقوة والحول في قبضته‪ ،‬وكل ما في السماوات والرض قانت له ومطيع‬
‫لمره طوعا وكرها‪ ،‬ول سلطة لحد سواه ول ينفذ فيها الحكم لحد غيره‪ ،‬وما من أحد دونه يعرف أسرار الخلق والنظم والتدبير‪ ،‬أو‬
‫يشاركه في صلحيات حكمه‪ .‬ومن ثم ل إله في حقيقة المر إل هو‪ ،‬وإذ لم يكن في الحقيقة إله آخر من دون ال‪ ،‬فكل ما تأتونه من‬
‫الفعال معتقدين غيره إلها باطل من أساسه‪ ،‬سواء أكان ذلك دعاءكم إياه واستجارتكم له أم كان خوفكم إياه ورجاءكم منه‪ ،‬أم كان‬
‫اتخاذكم إياه شافعا لدى ال‪ ،‬أم كان إطاعتكم له وامتثالكم لمره؛ فإن هذه الواصر والعلقات التي قد عقدتموها مع غير ال‪ ،‬يجب أن‬
‫تكون مختصة بال سبحانه لنه هو الذي يملك السلطة دون غيره‪.‬‬
‫وأما السلوب الذي يستدل به القرآن الكريم في هذا الباب‪ ،‬فدونك بيانه في كلمه البليغ المعجز‪:‬‬
‫(وهو الذي في السماء إلهٌ وفي الرض إل ٌه وهو الحكيم العليم) (الزخرف‪)84 :‬‬

‫‪-11-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫خلَقون) (إلهكم إلهٌ واحدٌ) (النحل‪،17 :‬‬
‫(أفمن يخلق كمن ل يخلق أفل تذكرون) (والذين يدعون من دون ال ل يخلقون شيئا وهم يُ ْ‬
‫‪)22 ،20‬‬
‫(يا أيّها الناس اذكروا نعمة ال عليكم هل من خالقٍ غير ال يرزقكم من السماء والرض ل إله إل هو‪ ،‬فأنى تؤفكون) (فاطر‪)3 :‬‬
‫(قل أرأيتم عن أخذ ال سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إلهٌ غير ال يأتيكم به) (النعام‪)46 :‬‬
‫(وهو ال ل إله إل هو له الحمد في الولى والخرة وله الحُكم وإليه ترجعون‪ .‬قل أرأيتم إن جعل ال عليكم الليل سرمدا إلى يوم‬
‫القيامة من إله غير ال يأتيكم بضياءٍ أفل تسمعون‪ .‬قل أرأيتم إن جعل ال عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إلهٌ غير ال يأتيكم‬
‫بلي ٍل تسكنون فيه أفل تبصرون) (القصص‪)72-7 :‬‬
‫(قل ادعوا الذين زعمتم من دون ال ل يملكون مثال ذرةٍ في السماوات ول في الرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من‬
‫ظهير‪ .‬ول تنفع الشفاعة عنده إل لمن أذن له) (سبأ‪)22:23 :‬‬
‫(خلق السماوات والرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كلٌ يجري لجلٍ مسمى)‬
‫(الزمر‪)5 :‬‬
‫(خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من النعام ثمانية أزواجٍ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في‬
‫ث ذلكم ال ربّكم له الملك ل إله إل هو فأنى تُصرفون) (الزمر‪)6 :‬‬
‫ظلمات ثل ٍ‬
‫(أمن خلق السماوات والرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإلهٌ مع ال بل هم‬
‫قومٌ يعدلون‪ .‬أمن جعل الرض قرارا وجعل خللها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا‪ .‬أإل ٌه مع ال بل أكثرهم ل‬
‫يعلمون‪ ،‬أمّن يُجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الرض‪ .‬أإلهٌ مع ال قليلً ما تذكرون‪ .‬أمّن يهديكم في ظلمات‬
‫البرّ والبحر ومن يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته أإله مع ال تعالى ال عما يُشركون‪ .‬أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من‬
‫السماء والرض أإل ٌه مع ال قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) (النمل‪)64-60 :‬‬
‫(الذي له ملك السماوات والرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريكٌ في الملك وخلق كل شيءٍ فقدره تقديرا‪ .‬واتخذوا من دونه آله ًة ل‬
‫يخلقون شيئا وهم يخلقون‪ ،‬ول يملكون لنفسهم ضرا ول نفعا ول يملكون موتا ول حيا ًة ول نشورا) (الفرقان‪)3 :2 :‬‬
‫(بديع السماوات والرض أنّى يكون له ولدق ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيءٍ وهو بكل شيءٍ عليم‪ .‬ذلكم ال ربكم ل إله إل هو‬
‫خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل) (النعام‪)102 – 101 :‬‬

‫‪-12-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(ومن الناس من يتخذ من دون ال أندادا يحبونهم كحب ال والذين آمنوا أشد حبا ل‪ ،‬ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب إنّ‬
‫القوة ل جميعا) (البقرة‪)165 :‬‬
‫(قل أرأيتم ما تدعون من دون ال أروني ما خلقوا من الرض أم لهم شرك في السماوات) (ومن أضل ممن يدعو من دون ال من‬
‫ل يستجيب له إلى يوم القيامة) (الحقاف‪)5 ،4 :‬‬
‫(لو كان فيهما آله ٌة إل ال لفسدتا فسبحان ال رب العرش عما يصفون‪ .‬ل يُسئل عما يفع ُل وهُم يُسئلون) (النبياء‪)23-22 :‬‬
‫(ما اتخذ ال من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعل بعضهم على بعض) (المؤمنون‪)91 :‬‬
‫(قل لو كان معه آله ٌة كما يقولون إذا لبتغوا إلى ذي العرش سبيلً‪ .‬سبحانه وتعالى عمّا يقولن علوّا كبيرا) (السراء‪)43 – 42 :‬‬

‫ففي جميع هذه اليات من أولها إلى آخرها ل تجد إل فكرة رئيسية واحدة أل وهي أن كلً من اللوهية والسلطة تستلزم الخرى وأنه‬
‫ل فرق بينهما من حيث المعنى والروح‪ .‬فالذي ل سلطة له‪ ،‬ل يمكن أن يكون إلها ول ينبغي أن يتخذ إلها‪ .‬وأما من يملك السلطة‬
‫فهو الذي يجوز أن يكون غلها وهو وحده ينبغي أن يتخذ إلها‪ .‬ذلك بأن جميع حاجات المرء التي تتعلق بالله أو التي يضطر المرء‬
‫لجلها أن يتخذ أحدا إلها له ل يمكن قضاء شيء منها من دون وجود السلطة‪ .‬ولذلك ل معنى للوهية من ل سلطة له‪ ،‬فإن ذلك أيضا‬
‫مخالف للحقيقة‪ ،‬ومن النفخ في الرماد أن يرجع إليه المرء ويرجو منه شيئا‪.‬‬
‫والسلوب الذي يستدل به القرآن واضعا بين يديه هذه الفكرة الرئيسية‪ ،‬يمكن القارئ أني فهم مقدماته ونتائجه حق الفهم بالترتيب‬
‫التي‪:‬‬
‫‪ -1‬إن أعمال قضاء الحاجة وكشف الضرر والجارة والتوفيق والنصر والرقابة والحماية وإجابة الدعوات التي قد تهاونتم بها‬
‫وصغرتم من شأنها‪ ،‬ما هي بأعمال هينة في حقيقة المر‪ ،‬بل الحق أن صلتها وثيقة بالقوى والسلطات التي تتولى أمر الخلق‬
‫والتدبير في هذا الكون فإنكم إن تأملتم في المنهاج الذي تقضى به حوائجكم التافهة الحقيرة‪ ،‬عرفتم أن قضاءها مستحيل من غير أن‬
‫ل كأسا من الماء تشربونها أو حبة من القمح تأكلونها فما‬
‫تتحرك لجله عوامل ل تحصى في ملكوت الرض والسماء خذوا لذلك مث ً‬
‫أدركوا إذ تعمل كل من الشمس والرض والرياح والبحار قبل أن تتهيأ لكم هذه وتصل إلى أيديكم‪ .‬فالحق أنه ل تتطلب إجابة دعائكم‬
‫وقضاء حاجتكم وما إليها من الشؤون سلطة هينة‪ ،‬بل يتطلب ذلك سلطة يقتضيها ويستلزمها خلق السماوات والرض وتحريك‬
‫السيارات وتصريف الرياح وإنزال المطار وبكلمة موجزة يقتضيها ويتطلبها تدبير نظام هذا الكون بأسره‪.‬‬

‫‪-13-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫‪ -2‬وهذه السلطة غير قابلة للتجزئة‪ ،‬فل يمكن أبدا أن تكون السلطة في أمر الخلق بيد وفي أمر الرزق بيد أخرى‪ ،‬وأن تكون‬
‫الشمس مسخرة لهذا وتكون الرض مذللة لذاك‪ .‬كما ل يمكن أن يكون النشاء في يد والمرض والشفاء في يد أخرى‪ ،‬والموت‬
‫والحياة بيد ثالثة‪ .‬فإنه لو كان المر كذلك ما أمكن لنظام هذا الكون أن تقوم له قائمة‪ .‬فما لب ّد منه أن تكون جميع السلطات‬
‫والصلحيات بيد حاكم واحد يرجع إليه كل ما في السماوات والرض‪ .‬فإنّ نظام هذا العالم يقتضي أن يكون المر كذلك وهو في‬
‫الواقع كذلك‪:‬‬
‫‪ -3‬وإذ كانت السلطة كلها بيد الحاكم الواحد ولم يكن لحد غيره نقير منها ول قطمير‪ ،‬فاللوهية أيضا مخصوصة به ل محالة‪،‬‬
‫وخالصة له دون غيره ول شريك له فيها‪ .‬فل يملك أحد من دونه أن يغيثك أو يستجيب دعاءك أو يجيرك أو يكون حاميا لك ونصيرا‬
‫أو ليا ووكيلً‪ ،‬أو يملك لك شيئا من النفع أو الضر‪ .‬إذا ل إله لكم غير ال بمعنى من تلك المعاني التي قد تخطر ببالكم‪ ،‬حتى إنه ل‬
‫يمكن أن يكون أحدا إلها لكم بأن له دالة عند حاكم هذا الكون وتتقبل شفاعته لديه‪ ،‬لمكانه من التقرب عنده‪ .‬كل بل ليس في وسع‬
‫أحد أن يتصدى لمر من أمور حكمه وتدبيره‪ ،‬ول يستطيع أحد أن يتدخل في شيء من شؤونه‪ ،‬وكذلك قبول الشفاعة أو رفضها‬
‫متوقف على مشيئته وإرادته‪ ،‬وليس لحد من القوة والنفوذ ما يجعل شفاعته مقبول لديه‪.‬‬
‫‪ -4‬وما يقتضيه توحد السلطة العليا أن يكون جميع ضروب الحكم والمر راجعة إلى مسيطر قاهر واحد‪ ،‬وإلّ ينتقل منه جزء من‬
‫الحكم إلى غيره‪ .‬فإنه إذا لم يكن الخلق إل له ولم يكن له شريك فيه‪ ،‬وإذا كان هو الذي يرزق الناس ولم تكن لحد من دونه يد في‬
‫المر‪ ،‬إذا كان هو القائم بتدبير نظام هذا الكون وتسيير شؤونه ولم يكن له في ذلك شريك‪ ،‬فما يتطلبه العقل ألّ يكون الحكم والمر‬
‫والتشريح إل بيده كلك ول مبرّر لن يكون أحد شريكا له في هذه الناحية أيضا‪ .‬وكما أنّه من الخطأ أن يكون أحد غيره مجيبا لدعوة‬
‫الداعي وقاضيا لحاجة المحتاج‪ ،‬ومجيرا للمضطر في دائرة ملكوته في السموات والرض‪ ،‬فمن الخطأ والباطل كذلك أن يكون أحد‬
‫ل بنفسه‪ ،‬وآمرا مستبدا بحكمه‪ ،‬وشارعا مطلق اليد في تشريعه‪ ،‬إن الخلق والرزق والحياء والنامة‪ ،‬وتسخير‬
‫غيره حاكما مستق ً‬
‫الشمس والقمر‪ ،‬وتكوير الليل والنهار والقضاء والقدر‪ ،‬والحكم والملك‪ ،‬والمر والتشريع ‪ ..‬كل أولئك وجوه مختلفة للسلطة الواحدة‪،‬‬
‫ومظاهر شتى للحكم الواحد‪ ،‬والحكم والسلطة ل يقبل شيء منهما التجزئة والتقسيم البتة‪ .‬فالذي يعتقد أمر كائن ما من دون ال مما‬
‫يجب إطاعته والذعان له بغير سلطان من عند ال‪ ،‬فإنه يأتي من الشرك بمثل ما يأتي به الذي يدعو غير ال ويسأله‪ .‬وكذلك الذي‬
‫يدعي أنه مالك الملك‪ ،‬والمسيطر القاهر‪ ،‬والحاكم المطلق بالمعاني السياسية‪ ،‬فإن دعواه هذه كدعوى اللوهية ممن ينادي بالناس‪:‬‬
‫"إني وليكم وكفيلكم وحاميكم وناصركم"‪ ،‬ويريد بكل ذلك المعاني الخارجة عن نطاق السنن الطبيعية‪ .‬ألم تر أنه بينما جاء في القرآن‬
‫أن ال تعالى ل شريك له في الخلق وتقدير الشياء وتدبير نظام العالم‪ ،‬جاء معه أن ال له الحكم وله الملك ليس له شريك في الملك‪،‬‬

‫‪-14-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫مما يدل دللة واضحة على أن اللوهية تشتمل على معاني الحكم والملك أيضا‪ ،‬وأنه مما يستلزمه توحيد الله أل يشرك بال تعالى‬
‫في هذه المعاني كذلك‪ .‬وقد فصل القول في ذلك أكثر مما تقدم فيما يلي من اليات‪:‬‬
‫(ق ْل اللهمّ مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك من تشاءُ وتعز من تشاء وتذل من تشاء) (آل عمران‪)26 :‬‬
‫(قل أعوذ برب الناس‪ .‬ملك الناس‪ .‬إله الناس) (الناس‪)3-1 :‬‬
‫وقد صرح القرآن بالمر بأكثر من كل ما سبق في (سورة غافر ) حيث جاء‪:‬‬
‫(يوم هم بارزون‪ ،‬ل يخفى على ال منهم شيء‪ ،‬لمن الملك اليوم ل الواحد القهار) (غافر‪)16 :‬‬
‫أي يوم يكون الناس قد انقشعت الحجب عنهم‪ ،‬ول يخفى على ال خافية من أمرهم‪ ،‬ينادي المنادي‪ :‬لمن الملك اليوم؟ ول يكون‬
‫الجواب إل أن الملك ل الذي غلبت سلطته جميع الخلق‪ ،‬وأحسن ما يفسر هذه الية ما رواه المام أحمد بن حنبل – رحمه ال – عن‬
‫عبد ال بن عمر رضي ال عنهما‪ ،‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قرأ هذه الية ذات يوم على المنبر (وما قد روا ال حق قدره‪،‬‬
‫والرض جميعا قبضته يوم القيامة‪ ،‬والسموات مطويات بيمينه‪ ،‬سبحانه وتعالى عما يشركون) ورسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫يقول‪ :‬هكذا بيده ويحركها‪ ،‬يقبل بها ويدبر‪ ،‬يمجد الرب نفسه‪ ،‬أنا الجبار‪ ،‬أنا المتكبر‪ ،‬أنا العزيز‪ ،‬أنا الكريم‪ ،‬فرجف برسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم المنبرُ حتى قلنا‪ :‬ليخرّنّ به‪.‬‬

‫‪-15-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫‪-2‬الـــــرب‬
‫التحقيق اللغوي‬
‫مادة كلمة (الرب)‪ :‬الراء والباء المضعّفة‪،‬ومعناها الصلي الساسي‪ :‬التربية‪ ،‬ثم تتشعب عنه معاني التصرف والتعهد والستصلح‬
‫والتمام والتكميل‪ ،‬ومن ذلك كله تنشأ في الكلمة معاني العلو والرئاسة والتملك والسيادة‪ .‬ودونك أمثلة لستعمال الكلمة في لغة‬
‫العرب بتلك المعاني المختلفة‪:‬‬
‫(‪ )1‬التربية والتنشئة والنماء‪:‬‬
‫ب الولد) أي ربّاه حتى أدرك فـ (الرّبيب) هو الصبي الذي تربيه و (الربيبة) الصبية‪ .‬وكذلك تطلق الكلمتان على الطفل‬
‫يقولون (ر ّ‬
‫الذي يربى في بيت زوج أمه و (الربيبة) أيضا الحاضنة ويقال (الرّابة) لمرأة الب غير الم‪ ،‬فإنها وإن لم تكن أم الولد‪ ،‬تقوم بتربيته‬
‫ب ربّا) من باب نصر معناه‬
‫وتنشئته‪ .‬و (الراب) كذلك زوج الم‪( .‬المربب) أو (المربى) هو الدواء الذي يختزن ويدّخر‪ .‬و (رَبّ يُر ّ‬
‫الضافة والزيادة والتمام‪ ،‬فيقولون (ربّ النعمة)‪ :‬أي زاد في الحسان وأمعن فيه‪.‬‬
‫(‪ )2‬الجمع والحشد والتهيئة‪:‬‬
‫يقولون‪( :‬فلن يرب الناس) أي يجمعهم أو يجتمع عليه الناس‪ ،‬ويسمون مكان جمعهم (بالمرّبّ) و (التربّب) هو النضمام والتجمّع‪.‬‬
‫(‪ )3‬التعهد والستصلح والرعاية والكفالة‪:‬‬
‫يقولون (رب ضيعة) أي تعهدّها وراقب أمرها‪ .‬قال صفوان بن أمية لبي سفيان‪ :‬لن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني‬
‫رجل من هوازن‪ ،‬أي يكفلني ويجعلني تحت رعايته وعنايته‪ .‬وقال علقمة بن عبدة‪:‬‬
‫وقبلك ربتني فضيعت ربوب‬

‫وكنت امرءا أفضت إليك ربابتي‬

‫أي انتهى إليك الن أمر ربابتي وكفالتي بعد أن رباني قبلك ربوب فلم يتعهدوني ولم يصلحوا شأني‪ .‬ويقول الفرزدق‪:‬‬
‫سلءها في أديم غير مربوب‬

‫كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت‬

‫أي الديم الذي لم يليّن ولم يدبغ‪ .‬ويقال (فلن يربب صنعته عند فلن) أي يشتغل عنده بصناعته ويتمرن عليها ويكسب على يده‬
‫المهارة فيها‪.‬‬
‫(‪ )4‬العلء والسيادة والرئاسة وتنفيذ المر والتصرف‪:‬‬
‫يقولون (قد ربّ فلن قومه)‪ :‬أي ساسهم وجعلهم ينقادون له‪ .‬و (ربيت القوم) أي حكمتهم وسدتهم‪ ،‬ويقول لبيد بن ربيعة‪:‬‬
‫ب معد بين خبث وعرعر‬
‫وأهلكن يوما رب كندة وابنه ور ّ‬

‫‪-16-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫والمراد برب كندة ههنا سيد كندة ورئيسهم‪ .‬وفي هذا المعنى يقول النابغة الذبياني‪:‬‬
‫ى لك من ربٍ تليدي وطارفي‬
‫تخُبّ إلى لنعمان حتى تناله فد ً‬
‫(‪ )5‬التملك‪:‬‬
‫قد جاء في الحديث أنه سأل النبي صلى ال عليه وسلم رجلً "أرب غنم أم رب ابل؟‪ ،‬أي أمالك غنم أنت أم مالك ابل؟ وفي هذا المعنى‬
‫يقال لصاحب البيت (رب الدار) وصاحب الناقة‪( :‬رب الناقة) ومالك الضيعة‪( :‬رب الضيعة) وتأتي كلمة الرب بمعنى السيد أيضا‬
‫فتستعمل بمعنى ضد العبد أو الخادم‪.‬‬
‫هذا بيان ما يتشعب من كلمة (الرب) من المعاني‪ .‬وقد أخطأوا لعمر ال حين حصروا هذه الكلمة في معنى المربي والمنشئ‪ ،‬ورددوا‬
‫في تفسير (الربوبية) هذه الجملة (هو إنشاء الشيء حالً فحالً إلى حد التمام)‪ .‬والحق أن ذلك إنما هو معنى واحد من معاني الكلمة‬
‫المتعددة الواسعة‪ .‬وبإنعام النظر في سعة هذه الكلمة واستعراض معانيها المتشعبة يتبين أن كلمة (الرب) مشتملة على جميع ما يأتي‬
‫بيانه من المعاني‪:‬‬
‫‪-1‬المربي الكفيل بقضاء الحاجات‪ ،‬والقائم بأمر التربية والتنشئة‪.‬‬
‫‪-2‬الكفيل والرقيب‪ ،‬والمتكفل بالتعهد وإصلح الحال‪.‬‬
‫‪-3‬السيد الرئيس الذي يكون في قومه كالقطب يجتمعون حوله‪.‬‬
‫‪-4‬السيد المطاع‪ ،‬والرئيس وصاحب السلطة النافذ الحكم‪ ،‬والمعترف له بالعلء والسيادة‪ ،‬والمالك لصلحيات التصرف‪.‬‬
‫‪-5‬الملك والسيد‪.‬‬

‫استعمال كلمة (الرب) في القرآن‬
‫وقد جاءت كلمة (الرب) في القرآن بجميع ما ذكرناه آنفا من معانيها‪ .‬ففي بعض المواضع أريد بها معنى أو معنيان من تلك المعاني‪.‬‬
‫وفي الخرى أريد بها أكثر من ذلك‪ .‬وفي الثالثة جاءت الكلمة مشتملة على المعاني الخمسة بأجمعها في آن واحد‪ .‬وها نحن نبين‬
‫ذلك بأمثلة من آي الذكر الحكيم‪.‬‬
‫بالمعنى الول‬
‫(قال معاذ ال إنه ربي أحسن مثواي) (يوسف‪)23 :‬‬

‫‪-17-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫بالمعنى الثاني وباشتراك شيء من تصور المعنى الول‪.‬‬
‫(فإنهم عدوٌ لي إل رب العالمين‪ .‬الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين‪ .‬وإذا مرضت فهو يشفين) (الشعراء‪)80-77 :‬‬
‫(وما بكم من نعمة فمن ال‪ ،‬ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون‪ ،‬ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون) (النحل‪-53 :‬‬
‫‪)54‬‬
‫ب كل شيء) (النعام‪)164 :‬‬
‫(قل أغير ال أبغي ربا وهو ر ّ‬
‫(ربّ المشرق والمغرب ل إله إل هو فاتخذه وكيلً) (المزمل‪)9 :‬‬

‫بالمعنى الثالث‬
‫(هو ربكم وإليه ترجعون) (هود‪)34 :‬‬
‫(ثم إلى ربكم مرجعكم) (الزمر‪)7 :‬‬
‫(قل يجمع بيننا ربنا) (سبأ‪)26 :‬‬
‫(وما من دابةً في الرض ول طائرٍ يطير بجناحيه إل أممٌ أمثالكم‪ ،‬ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربّهم يُحشرون) (النعام‪)38 :‬‬
‫(ونفخ في الصور فإذا هم من الجداث إلى ربّهم ينسلون) (يس‪)51 :‬‬

‫بالمعنى الرابع وباشتراك بعض تصور المعنى الثالث‪.‬‬
‫(اتّخذوا أحبارهم ورُهبانهم أربابا من دون ال) (التوبة‪)31 :‬‬
‫(ول يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ال) (آل عمران‪)64 :‬‬
‫والمراد بالرباب في كلتا اليتين الذين تتخذهم المم والطوائف هداتها ومرشديها على الطلق‪ .‬فتذعن لمرهم ونهيهم‪ ،‬وتتبع‬
‫شرعهم وقانونهم‪ ،‬وتؤمن بما يحلون وما يحرمون بغير أن يكون قد أنزل ال تعالى به من سلطان‪ ،‬وتحسبهم فوق ذلك أحقاء بأن‬
‫يأمروا وينهوا من عند أنفسهم‪.‬‬
‫(أما أحدكما فيسقي ربه خمرا) ‪( ..‬وقال للذي ظنّ أنه ناجٍ منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه) ‪( ..‬فلما جاءه الرّسول‬
‫قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللتي قطّعن أيديهنّ إنّ ربي بكيدهنّ عليم) (يوسف‪)50 ،42 ،41 :‬‬

‫‪-18-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫قد كرر يوسف عليه السلم في خطابه لهل مصر في هذه اليات تسمية عزيز مصر بكلمة (ربهم) فذلك لن أهل مصر بما كانوا‬
‫يؤمنون بمكانته المركزية وبسلطته العليا‪ ،‬ويعتقدون أنه مالك المر والنهي‪ ،‬فقد كان هو ربهم في واقع المر‪ ،‬وبخلف ذلك لم يُرد‬
‫يوسف عليه السلم بكلمة (الرب) عندما تكلم بها بالنسبة لنفسه إل ال تعالى فإنه لم يكن يعتقد فرعون‪ ،‬بل ال وحده المسيطر‬
‫القاهر ومالك المر والنهي‪.‬‬

‫بالمعنى الخامس‪:‬‬
‫ب هذا البيت الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوفٍ) (قريش‪)4-3 :‬‬
‫(فليعبدوا ر ّ‬
‫(سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون) (الصافات‪)180 :‬‬
‫(فسبحان ال ربّ العرش عما يصفون) (النبياء‪)22 :‬‬
‫(قل من ربّ السماوات السبع وربّ العرش العظيم) (المؤمنون‪)86 :‬‬
‫ب المشارق) (الصافات‪)5 :‬‬
‫(رب السماوات والرض وما بينهما ور ّ‬
‫(وأنه هو رب الشّعرى) (النجم‪)49 :‬‬

‫تصورات المم الضالة في باب الربوبية‬
‫ومما تقدم من شواهد آيات القرآن‪ ،‬تتجلى معاني كلمة (الرب) كالشمس ليس دونهما غمام‪ .‬فالن يجمل بنا أن ننظر ماذا كانت‬
‫تصورات المم الضالة في باب الربوبية‪ ،‬ولماذا جاء القرآن ينقضها ويرفضها‪ ،‬وما الذي يدعو إليه القرآن الكريم؟ ولعل من الجدر‬
‫بنا في هذا الصدد أن نتناول كل أمة من المم الضالة التي ذكرها القرآن منفصلة بعضها عن بعض‪ ،‬فنبحث في عقائدها وأفكارها‬
‫حتى يستبين المر ويخلص من كل لبس أو إبهام‪.‬‬

‫قوم نوح عليه السلم‬
‫إن أقدم أمة في التاريخ يذكرها القرآن هي أمة نوح عليه السلم‪ ،‬ويتضح مما جاء فيه عن هؤلء القوم أنهم لم يكونوا جاحدين‬
‫بوجود ال تعالى‪ ،‬فقد روى القرآن نفسه قولهم التي في ردّهم على دعوة نوح عليه السلم‪:‬‬
‫(ما هذا إل بشرٌ مثلكم يريدُ أن يتفضل عليكم‪ ،‬ولو شاء ال لنزل ملئكة)‬

‫‪-19-‬‬

‫(المؤمنون‪)24 :‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وكذلك لم يكونوا يجحدون كون ال تعالى خالق هذا العالم‪ ،‬وبكونه ربا بالمعنى الول والثاني‪ ،‬فإنه لما قال لهم نوح عليه السلم‬
‫(هو ربكم وإليه ترجعون) (هود‪)34 :‬‬
‫و (استغفروا ربكم إنه‪ ،‬كان غفارا) و (ألم تروا كيف خلق ال سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا وال‬
‫أنبتكم من الرض نباتا)‬

‫(نوح‪)17 ،16 ،15 ،10 :‬‬

‫لم يقم أحد منهم يرد على نوح قوله ويقول‪ :‬ليس ال بربنا‪ ،‬أوليس ال بخالق الرض والسماء ول بخالقنا نحن‪ ،‬أو ليس هو الذي‬
‫يقوم بتدبير المر في السماوات والرض‪.‬‬
‫ثم إنهم لم يكونوا جاحدين أن ال إل ٌه لهم‪ .‬ولذلك دعاهم نوح عليه السلم بقوله‪( :‬ما لكم من إله غيره) فإن القوم لو كانوا كافرين‬
‫بألوهية ال تعالى‪ ،‬إذا لكانت دعوة نوح إياهم غير تلك الدعوة وكان قوله عليه السلم حينئذ من مثل "يا قوم! اتخذوا ال إلها)‪.‬‬
‫فالسؤال الذي يخالج نفس الباحث في هذا المقام هو‪ :‬أي شيء كان إذا موضوع النزاع بينهم وبين نبيهم نوح عليه السلم‪ .‬وإننا إذا‬
‫أرسلنا النظر لجل ذلك في آيات القرآن وتتبعناها‪ ،‬تبين لنا أنه لم يكن موضوع النزاع بين الجانبين إل أمرين اثنين‪ :‬أولهما أن نوحا‬
‫عليه السلم كان يقول لقومه‪ :‬إن ال الذي هو رب العالمين والذي تؤمنون بأنه هو الذي قد خلقكم وخلق هذا العالم جميعا‪ ،‬وهو‬
‫الذي يقضي حاجاتكم‪ ،‬هو في الحقيقة إلهكم الواحد الحد ول إله إل هو‪ ،‬وليس لحد من دونه أن يقضي لكم الحاجات ويكشف عنكم‬
‫الضر ويسمع دعواكم ويغيثكم‪ ،‬ومن ثم يجب عليكم أل تعبدوا إل إياه ول تخضعوا إل له وحده‪.‬‬
‫(يا قوم اعبدوا ال ما لكم من إله غيره) (العراف‪)59 :‬‬
‫(ولكني رسولٌ من رب العالمين أبلغكم رسالت ربي) (العراف‪)62-61 :‬‬
‫وكان قو مه بخلف ذلك م صرين على قولهم بأن ال هو رب العالم ين دون ريب‪ .‬إل أن هناك آلهة أخرى لها أيضا بعض الدخل في‬
‫تدبير نظام هذا العالم‪ ،‬وتتعلق بهم حاجاتنا‪ ،‬فل بد أن نؤمن بهم كذلك آلهة لنا مع ال‪:‬‬
‫ن ودا ول سواعا ول يغوث ويعوق ونسرا) (نوح‪)23 :‬‬
‫ن آلهتكم ول تذر ّ‬
‫(وقالوا ل تذر ّ‬
‫وثانيهما أن القوم لم يكونوا يؤمنون بربوبية ال تعالى إل من حيث إنه خالقهم‪ ،‬جميعا ومالك الرض والسماوات‪ ،‬ومدبر أمر هذا‬
‫العالم‪ ،‬ولم يكونوا يقولون بأنه وحده هو الحقيق – كذلك‪ -‬بأن يكون له الحكم والسلطة القاهرة في أمور الخلق والجتماع والمدنية‬
‫والسياسة وسائر شؤون الحياة النسانية‪ ،‬وبأنه وحده أيضا هادي السبيل وواضع الشرع ومالك المر والنهي‪ ،‬وبأنه وحده يجب‬
‫كذلك أن يتبع‪ .‬بل كانوا قد اتخذوا رؤساءهم وأحبارهم أربابا من دون اله في جميع تلك الشؤون‪ .‬وكان يدعوهم نوح عليه السلم –‬

‫‪-20-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫بخلف ذلك إلى أل يجعلوا الربوبية يتقسمها أرباب متفرقة بل عليهم أن يتخذوا ال تعالى وحده ربا بجميع ما تشتمل عليه كلمة‬
‫(الرب) من المعاني وأن يتبعوه ويطيعوه فيما يبلغهم من أوامر ال تعالى وشيعته نائبا عنهن فكان يقول لهم‪:‬‬
‫(إني لكم رسولٌ أمين‪ .‬فاتقوا ال واطيعون) (الشعراء‪)108 -107 :‬‬

‫عاد قوم هود‬
‫ويذكر القرآن بعد قوم نوح عادا قوم هود عليه السلم‪ .‬ومعلوم أن هذه المة أيضا لم تكن جاحدة بوجود ال تعالى‪ ،‬وكذلك لم تكن‬
‫تكفر بكونه إلها‪ .‬بل كانت تؤمن بربوبية ال تعالى بالمعاني التي كان يؤمن بها قوم نوح عليه السلم‪ .‬أما النزاع بينها وبين نبيها‬
‫هود عله السلم فلم يكن إل حول المرين الثنين اللذين كان حولهما نزاع بين نوح عليه السلم وقومه يدل على ذلك ما يأتي من‬
‫النصوص القرآنية دللة واضحة‪:‬‬
‫(وإلى عادٍ أخاهم هودا‪ ،‬قال يا قوم اعبدوا ال ما لكم من إله غيره) (العراف‪)65 :‬‬
‫(قالوا أجئتنا لنعبد ال وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا) (العراف‪)70 :‬‬
‫(قالوا لو شاء ربنا لنزل ملئكةً)‬

‫(فصلت‪)11 :‬‬

‫(وتلك عادٌ جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمرَ كل جبّارٍ عنيد) (هود‪)59 :‬‬

‫ثمود قوم صالح‬
‫ويأتي بعد ذلك ثمود الذين كانوا أطغى المم وأعصاها بعد عاد وهذه المة أيضا كان ضللها كضلل قومي نوح وهود من حيث‬
‫الصل والمبدأ فما كانوا جاحدين بوجود ال تعالى ول كافرين بكونه إلها وربا للخلق أجمعين‪ .‬وكذلك ما كانوا يستنكفون عن عبادته‬
‫والخضوع بين يديه‪ ،‬بل الذي كانوا يجحدونه هو أن ال تعالى هو الله الواحد‪ ،‬وأنه ل يستحق العبادة إل هو‪ ،‬وأن الربوبية خاصة‬
‫له دون غيره بجميع معانيها‪ .‬فإنهم كانوا مصرين على إيمانهم بآلهة أخرى مع ال وعلى اعتقادهم أن أولئك يسمعون الدعاء‪،‬‬
‫ويكشفون الضر ويقضون الحاجات‪ ،‬وكانوا يأبون إل أن يتبعوا رؤساءهم وأحبارهم في حياتهم الخلقية والمدنية‪ ،‬ويستمدوا منهم بدلً‬
‫من ال تعالى شرعهم وقانون حياتهم‪ .‬وهذا هو الذي أفضى بهم في آخر المر إلى أن يصبحوا أمة مفسدة‪ ،‬فأخذهم من ال عذاب‬
‫أليم ويبين كل ذلك ما يأتي من آيات القرآن الحكيم‪.‬‬

‫‪-21-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم أل تعبدوا إل ال قالوا لو‬
‫شاء ربنا لنزل ملئكة فإنا بما أرسلتم به كافرون) (حم‪ :‬السجدة ‪)14-13‬‬
‫(وإلى ثمود أخاهم صالحا‪ ،‬قال يا قوم اعبدوا ال ما لكم من إله غيره) (هود‪)61 :‬‬
‫(قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوّا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا)‬
‫(إذ قال لهم أخوهم صالحٌ أل تتقون‪ .‬إني لكم رسولٌ أمين‪ .‬فاتقوا ال وأطيعون) (الشعراء‪)144-151 :‬‬
‫(ول تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الرض ول يصلحون)‬

‫(الشعراء‪)152-151 :‬‬

‫قوم إبراهيم ونمورد‬
‫ويتلو ثمود قوم إبراهيم عليه السلم‪ .‬ومما يجعل أمر هذه المة أخطر وأجدر بالبحث‪ ،‬أن قد شاع خطأ بين الناس عن ملكها نمرود‪،‬‬
‫أنه كان يكفر بال تعالى ويدعي اللوهية‪ .‬والحق أنه كان يؤمن بوجود ال تعالى ويعتقد بأنه خالق هذا العالم ومدبر أمره‪ ،‬ولم يكن‬
‫يدعي الربوبية إل بالمعنى الثالث والرابع والخامس‪ .‬وكذلك قد فشا بين الناس خطأ أن قوم إبراهيم عليه السلم هؤلء ما كانوا‬
‫يعرفون ال ول يؤمنون بألوهيته وربوبيته‪ .‬إنما الواقع أن أمر هؤلء القوم لم يكن يختلف في شيء عن أمر قوم نوح وعاد وثمود‪.‬‬
‫فقد كانوا يؤمنون بال ويعرفون أنه هو الرب وخالق الرض والسماوات ومدبر أمر هذا العالم‪ ،‬وما كانوا يستنكفون عن عبادته‬
‫كذلك‪ .‬وأما غيّهم وضللهم فهو أنهم كانوا يعتقدون أن الجرام الفلكية شريكة مع ال في الربوبية بالمعنى الول والثاني ولذلك كانوا‬
‫يشركونها بال تعالى في اللوهية‪ .‬وأما الربوبية بالمعنى الثالث والرابع والخامس فكانوا قد جعلوها خاصة لملوكهم وجبابرتهم‪ .‬وقد‬
‫جاءت نصوص القرآن في ذلك من الوضوح والجلء بحيث يتعجب المرء‪ :‬كيف لم يدرك الناس هذه الحقيقة وقصروا عن فهمها؟‪.‬‬
‫وهيا بنا ننظر قبل كل شيء في الحادث الذي حدث لبراهيم – عليه السلم‪ -‬عند أول ما بلغ الرشد؛ والذي يصف فيه القرآن كيفية‬
‫سعي إبراهيم وراء الوصول إلى الحق‪:‬‬
‫(فلما جن عليه الليل رأى كوكبا‪ ،‬قال هذا ربي؛ فلما أفل‪ ،‬قال ل أحب الفلين‪ .‬فلما رأى القمر بازغا‪ ،‬قال هذا ربي‪ ،‬فلما أفلَ قال لئن‬
‫لم يهدني ربي لكونن من القوم الضالين‪ .‬فلما رأى الشمس بازغة‪ ،‬قال هذا ربي‪ ،‬هذا أكبر؛ فلما أفلت قال يا قوم إني بريءٌ مما‬
‫تشركون‪ .‬إني وجهتُ وجهي للذي فطر السماوات والرض حنيفا وما أنا من المشركين) (النعام‪)79-76 :‬‬
‫فيتبين واضحا من اليات المخطوط تحتها أن المجتمع الذي نشأ فيه إبراهيم عليه السلم‪،‬كان يوجد عنده تصور فاطر السماوات‬
‫والرض وتصوّر كونه ربا منفصلً عن تصوّر ربوبية السيارات السماوية‪ .‬ول عجب في ذلك‪ ،‬فقد كان القوم من ذرية المسلمين‬

‫‪-22-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫الذين كانوا قد آمنوا بنوح عليه السلم‪ ،‬وكان الدين السلمي لم يزل يحيا وُيجدد فيمن داناهم في القرب والقرابة من أمم عاد‬
‫وثمود‪ ،‬على أيدي الرسل الكرام الذين توالوا عليها كما قال ع ّز وجل‪( :‬جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم)‪ .‬فعلى ذلك كان‬
‫إبراهيم عليه السلم أخذ تصور كون ال ربا وفاطرا للسماوات والرض عن بيئته التي نشأ فيها‪ .‬وأما التساؤل الذي كان يخالج‬
‫نفسه فهو عن مبلغ الحق والصحة فيما شاع بين قومه من تصوّر كون الشمس والقمر والسيارات الخرى شريكة مع ال في نظام‬
‫الربوبية حتى أشركوها بال تعالى في العبادة‪.‬فجدّ إبراهيم عليه السلم في البحث عن جوابه قبل أن يصطفيه ال تعالى للنبوة‪ ،‬حتى‬
‫أصبح نظام طلوع السيارات السماوية وأفولها هاديا له إلى الحق الواقع وهو أنه ل رب إل فاطر السماوات والرض‪ .‬ولجل ذلك تراه‬
‫يقول عند أفول القمر‪ :‬لئن لم يهدني ربي لخافنّ أن أبقى عاجزا عن الوصول إلى الحق وانخدع بهذه المظاهر التي ل يزال ينخدع‬
‫بها مليين من الناس من حولي‪ .‬ثم لما اصطفاه ال تعالى لمنصب النبوة أخذ في دعوة قومه إلى ال‪ ،‬فإنك ترى بالتأمل في الكلمات‬
‫التي كان يعرض بها دعوته على قومه أن ما قلناه آنفا يزداد وضوحا وتبيانا‪:‬‬
‫(وكيف أخاف ما أشركتم ول تخافون أنكم أشركتم بال ما لم ينزّل به عليكم سلطانا) (النعام – ‪)81‬‬
‫(وأعتزلكم وما تدعون من دون ال) (مريم – ‪)48‬‬
‫(قال بل ربكم رب السماوات والرض الذي فطرهنّ) (النبياء – ‪)56‬‬
‫(قال أفتعبدون من دون ال ما ل ينفعكم شيئا ول يضركم) (النبياء – ‪)66‬‬
‫(إذ قال لبيه وقومه ماذا تعبدون‪ .‬أأفكا آله ًة دون ال تريدون‪ .‬فما ظنّكم بربّ العالمين) (الصافات‪)87 -85 :‬‬
‫(إنّا بُرآ ُء منكم ومما تعبدون من دون ال كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بال وحده) (الممتحنة‪)4 :‬‬
‫فيتجلى من جم يع القوال لبراه يم عل يه ال سلم أ نه ما كان يخا طب ب ها قوما ل يعرفون ال تعالى ويجحدون بكو نه إله الناس ورب‬
‫العالمين أو أذهانهم خالية من كل ذلك‪ ،‬بل كان بين يديه قوم يشركون بال تعالى آلهة أخرى في الربوبية بمعناها الول والثاني وفي‬
‫اللوهية‪ .‬ولذلك ل ترى في القرآن الكريم قولً واحدا لبراهيم عليه السلم قد قصد به إقناع أمته بوجود ال تعالى وبكونه إلها وربا‬
‫للعالمين‪ ،‬بل الذي تراه يدعو أمته إليه في كل ما يقول هو أن ال سبحانه وتعالى هو وحده الرب والله‪.‬‬
‫ثم لنستعرض أمر نمرود‪ .‬فالذي جرى بينه وبين إبراهيم عليه السلم من الحوار‪ ،‬قصه القرآن في ما يأتي من اليات‪:‬‬
‫(ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه ال الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن‬
‫ال يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر) (البقرة – ‪)258‬‬

‫‪-23-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫أنه ليتضح جليا من هذا الحوار بين النبي وبين نمرود أنه لم يكن النزاع بينهما في وجود ال تعالى أو عدمه وإنما كان في أنه من‬
‫ذا يعتقده إبراهيم عليه السلم ربا؟ كان نمرود من أمة كانت تؤمن بوجود ل تعالى‪ ،‬ثم لم يكن مصابا بالجنون واختلل العقل حتى‬
‫يقول هذا القول السخيف البين الحمق‪" :‬إني فاطر السماوات والرض ومدبر سير الشمس والقمر" فالحق أنه لم تكن دعواه أنه هو‬
‫ال ورب السماوات والرض وغنما كانت أنه رب المملكة التي كان إبراهيم –عليه السلم‪ -‬أحد أفراد رعيتها‪ .‬ثم أنه لم يكن يدعي‬
‫الربوبية لتلك المملكة بمعناها الول والثاني‪ ،‬فإنه كان يعتقد بربوبية الشمس والقمر وسائر السيارات بهذين المعنيين‪ ،‬بل كان يدعي‬
‫الربوب ية لمملك ته بالمع نى الثالث والرا بع والخا مس‪ .‬وبعبارة أخرى كا نت دعواه أ نه مالك تلك الممل كة‪ ،‬وأن جم يع أهالي ها عب يد له‪،‬‬
‫وأن سلطته المركزية أساس لجتماعهم‪ ،‬وأمره قانون حياتهم‪ .‬وتدل كلمات (أن آتاه ال الملك) دللة صريحة على أن دعواه للربوبية‬
‫كان أساسها التبجح بالملكية‪ .‬فلما بلغه أن قد ظهر بين رعيته رجل يقال له إبراهيم‪ ،‬ل يقول بربوبية الشمس والقمر ول السيارات‬
‫الخرى في دائرة ما فوق الطبي عة‪ ،‬ول هو يؤ من بربوب ية صاحب العرش في دائرة ال سياسة والمدن ية‪ ،‬ا ستغرب ال مر جدا فد عا‬
‫إبراهيم عليه السلم فسأله‪ :‬من ذا الذي تعتقده ربا؟ فقال إبراهيم عليه السلم بادئ ذي بدء‪" :‬ربي الذي يحيي ويميت يقدر على إماتة‬
‫الناس وإحيائهم!" فلم يدرك نمرود غور المر فحاول أن يبرهن على ربوبيته بقوله‪" :‬وأنا أيضا أملك الموت والحياة‪ ،‬فأقتل من أشاء‬
‫وأحقن دم من أريد! ‪ "..‬هنالك بين له إبراهيم عليه السلم أنه ل رب عنده إل ال الذي ل رب سواه بجميع معاني الكلمة‪ ،‬وأنى يكون‬
‫ل حد غيره شرك في الربوب ية و هو ل سلطان له على الش مس في طلوع ها وغروب ها؟! وكان نمرود رجلً فطنا‪ ،‬ف ما أن سمع من‬
‫إبراهيـم عليـه السـلم هذا الدليـل القاطـع حتـى تجلت له الحقيقـة‪ ،‬وتفطـن لن دعواه للربوبيـة فـي ملكوت ال تعالى بيـن السـموات‬
‫والرض إن هي إل زعم باطل وادعاء فارغ فبهت ولم ينبس ببنت شفة‪ .‬إل انه قد كان بلغ منه حب الذات واتباع هوى النفس وإيثار‬
‫مصالح العشيرة‪ ،‬مبلغا لم يسمح له بأن ينزل عن ملكيته المستبدة ويئوب إلى طاعة ال ورسوله‪ ،‬مع أنه قد تبين له الحق والرشد‪.‬‬
‫فعلى ذلك قد أعقب ال تعالى هذا الحوار بين النبي ونمرود بقوله‪( :‬وال ل يهدي القوم الظالمين) والمراد أن نمرود لما لم يرض أن‬
‫يت خذ الطر يق الذي كان ينب غي له أن يتخذه بعد ما تبين له ال حق‪ ،‬بل آ ثر أن يظلم الخلق ويظلم نف سه مع هم‪ ،‬بال صرار على ملكي ته‬
‫المستبدة الغاشمة لم يؤته ال تعالى نورا من هدايته‪ ،‬ولم يكن من سنة ال أن يهدي إلى سبيل الرشد من كان ل يطلب الهداية من‬
‫تلقاء نفسه‪.‬‬

‫‪-24-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫قوم لوط عليه السلم‬
‫ويعقب قوم إبراهيم في القرآن قوم لوط‪ ،‬الذين بعث لهدايتهم وإصلح فسادهم لوط بن أخي إبراهيم عليهما السلم ‪ .-‬ويدلنا القرآن‬
‫الكريم أن هؤلء أيضا ما كانوا متنكرين لوجود ال تعالى ول كانوا يجحدون بأنه هو الخالق والرب بالمعنى الول والثاني‪ .‬أما الذي‬
‫كانوا يأبونه ول يقبلونه فهو العتقاد بأن ال هو الرب المعنى الثالث والرابع والخامس‪ ،‬والذعان لسلطة النبي من حيث كونه نائبا‬
‫من ع ند ال أمينا‪ .‬ذلك بأن هم كانوا يبتغون أن يكونوا أحرارا مطل قي الحر ية يتبعون ما يشاؤون من أهوائ هم ورغبات هم وتلك كا نت‬
‫جريمتهم الكبيرة التي ذاقوا من جرائها أليم العذاب ‪ .‬ويؤيد ذلك ما يأتي من النصوص القرآنية‪:‬‬
‫إنـ أجري إل على رب‬
‫(إذ قال لهـم أخوهـم لوط أل تتقون إنـي لكـم رسـولٌ أمينـٌ‪ .‬فاتقوا ال وأطيعون‪ .‬ومـا أسـألكم عليـه مـن أجـر ْ‬
‫العالمين‪ .‬أتأتون الذّكران من العالمين‪ .‬وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قو ٌم عادون) (الشعراء‪)166 – 161 :‬‬
‫وبدي هي أن م ثل هذا القول لم ي كن ليخا طب به إل قوم ل يجدون بوجود ال تعالى وبكو نه خالقا وربا لهذا العالم؟ فأ نت ترى أن هم ل‬
‫يجيبون لوطا عليه السلم بقول من مثل‪" :‬ما ال؟" من أين له أن يكون خالقا للعالم؟" أو "أنى له أن يكون ربنا ورب الخلق أجمعين؟"‬
‫بل تراهم يقولون‪:‬‬
‫(لئن لم تنته يا لوط لتكوننّ من المخرجين) (الشعراء‪)167 :‬‬
‫وقد ذكر القرآن الكريم هذا الحديث في موضع آخر بالكلمات التية‪:‬‬
‫(ولوطا إذ قال لقو مه إن كم لتأتون الفاح شة ما سبقكم ب ها من أ حد من العالم ين‪ .‬أإن كم لتأتون الرجال وتقطعون ال سبيل وتأتون في‬
‫ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إل أن قالوا ائتنا بعذاب ال إن كنت من الصادقين) (العنكبوت‪)29-28 :‬‬
‫أفيجوز أن يكون هذا جواب قوم ينكرون وجود ال تعالى؟‪ .‬ل وال ومـن ذلك يتـبين أن جريمتهـم الحقيقيـة لم تكـن إنكار ألوهيـة ال‬
‫تعالى وربوبيته‪ ،‬بل كا نت جريمت هم أنهم على إيمانهم بال تعالى إلها وربا فيما فوق العالم ال طبيعي‪ ،‬كانوا يأبون أن يطيعوه ويتبعوا‬
‫قانونه في شؤونه الخلقية والمدنية والجتماعية‪ ،‬يمتنعون من أن يهتدوا بهدي نبيه لوط عليه السلم‪.‬‬

‫قوم شعيب عليه السلم‬
‫ولنذكر في الكتاب بعد ذلك أهل مدين وأصحاب اليكة الذين بعث إليهم شعيب عليه السلم‪ .‬ومما نعرف عن أمرهم أنهم كانوا من‬
‫ذر ية إبراه يم عل يه السلم‪ .‬إذن ل حا جة إلى أن نب حث فيهم‪ :‬هل كانوا يؤمنون بوجود ال تعالى وبكو نه إلها وربا أم ل؟ إنهم كانوا‬
‫في حقي قة ال مر أ مة نشأت على ال سلم في بدا ية أمر ها‪ ،‬ثم أخذت بالف ساد ب ما أ صاب عقائد ها من النحلل وأعمال ها من ال سوء‪.‬‬

‫‪-25-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ويبدو مما جاء عنهم في القرآن كأن القوم كانوا بعد ذلك كله يدّعون لنفسهم اليمان‪ ،‬فإنك ترى شعيبا عليه السلم يكرر لهم القول‪:‬‬
‫يا قوم اعملوا كذا وكذا إن كنتم مؤمنين وفي خطاب شعيب عليه السلم لقومه وأجوبة القوم له دللة واضحة على أنهم كانوا قوما‬
‫يؤمنون بال وينزلو نه منزلة الرب والمعبود‪ .‬ولكن هم كانوا قد تورطوا في نوع ين من الضلل‪ :‬أحده ما أن هم كانوا أ صبحوا يعتقدون‬
‫اللوه ية والربوب ية في آل هة أخرى مع ال تعالى‪ ،‬فلم ت عد عبادت هم خال صة لو جه ال‪ ،‬وال خر أن هم كانوا يعتقدون أن ربوب ية ال ل‬
‫مد خل ل ها في شؤون الحياة الن سانية من الخلق والجتماع والقت صاد والمدن ية وال سياسة‪ ،‬وعلى ذلك كانوا يزعمون أن هم مطلقوا‬
‫العنان في حياتهم المدنية ولم أن يتصرفوا في شؤونهم كيف يشاؤون‪ ،‬ويصدق ذلك ما يأتي من اليات‪:‬‬
‫(وإلى مد ين أخا هم شعيبا‪ ،‬قال يا قوم اعبدوا ال ما ل كم من إله غيره قد جاءت كم بين ٌة من رب كم فأوفوا الك يل والميزان ول تبخ سوا‬
‫الناس أشياءهم ول تفسدوا في الرض بعد إصلحها ذلكم خي ٌر لكم إن كنتم مؤمنين) (العراف‪)85 :‬‬
‫(وإنْ كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلتُ به وطائفةٌ لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم ال بيننا وهو خيرُ الحاكمين) (العراف‪)87 :‬‬
‫(ويـا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسـط ول تبخسـوا الناس أشياءهـم ول تعثوا فـي الرض مفسـدين‪ .‬بقيـة ال خي ٌر لكـم إن كنتـم‬
‫ك لنت الحليم‬
‫مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ‪ .‬قالوا يا شعيب أصلتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاءُ إن َ‬
‫الرشيد) (هود‪)87-85 :‬‬
‫والعبارات الخيرة المخطوط تحتها خصوصية الدللة على ضللهم الحقيقي في باب الربوبية واللوهية‪.‬‬

‫فرعون وآله‬
‫وه يا ب نا نن ظر الن في ق صة فرعون وآله‪ ،‬ف من قد شاع عن هم في الناس من الخطاء والكاذ يب أك ثر م ما شاع في هم عن نمرود‬
‫وقومه‪ .‬فالظن الشائع أن فرعون لم يكن منكرا لوجود ال تعالى فحسب‪ ،‬بل كان يدعي اللوهية لنفسه أيضا‪ .‬ومعناه أن قد بلغت منه‬
‫ال سفاهة أ نه كان يجا هر على رؤوس الناس بدعوى أ نه فا طر ال سماوات والرض‪ ،‬وكا نت أم ته من البله والحما قة أن ها كا نت تؤ من‬
‫بدعواه تلك‪ .‬وال حق الوا قع الذي يش هد به القرآن والتار يخ هو أن فرعون لم ي كن يختلف ضلله في باب اللوه ية والربوب ية عن‬
‫ضلل نمرود‪ ،‬ول كان يختلف ضلل آله عن ضلل قوم نمرود‪ .‬وإنما الفرق بين هؤلء وأولئك أنه قد كان نشأ في آل فرعون لبعض‬
‫السباب السياسية عناد وتعصب وطني شديد على بني إسرائيل‪ ،‬فكانوا لمجرد هذا العناد يمتنعون من اليمان بألوهية ال وربوبيته‪،‬‬
‫وإن كانت قلوبهم تعترف بها شأن أكثر الملحدين الماديين في عصرنا هذا‪.‬‬

‫‪-26-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وبيان هذا الجمال أنه لما استتبت ليوسف عليه السلم السلطة على مصر‪ ،‬استفرغ جهده في نشر السلم وتعاليمه بينهم‪ .‬ورسم‬
‫على أر ضه من ذلك أثرا محكما لم يقدر على محوه أ حد إلى القرون‪ .‬وأ هل م صر وإن لم يكونوا إذ ذاك قد آمنوا بد ين ال عن بكرة‬
‫أبيهم‪ ،‬إل أنه ل يم كن أن يكون قد بقي فيهم من لم يعرف وجود ال تعالى ولم يعلم أنه هو فاطر ال سماوات والرض‪ .‬ول يس المر‬
‫ي قف ع ند هذا بل ال حق أن كان تم للتعال يم ال سلمية من النفوذ والتأث ير في كل م صري ما جعله – على ال قل – يعت قد بأن ال إله‬
‫الل هة رب الرباب في ما فوق العالم ال طبيعي ولم ي بق في تلك الرض من يك فر بألوه ية ال تعالى‪ .‬وأ ما الذ ين كانوا قد أقاموا على‬
‫الك فر‪ ،‬فكانوا يجعلون مع ال شركاء في اللوه ية والربوب ية‪ .‬وكا نت تأثيرات ال سلم المختل فة هذه في نفوس أ هل م صر باق ية إلى‬
‫الز من الذي ب عث ف يه مو سى عل يه ال سلم‪ .‬والدل يل على ذلك تلك الخط بة ال تي ألقا ها أم ير من القباط في مجلس فرعون‪ .‬وذلك أن‬
‫فرعون حينما أبدى إرادته في قتل موسى عليه السلم‪ ،‬لم يصبر عليه هذا المير القبطي من أمراء مجلسه‪ ،‬وكان قد أسلم وأخفى‬
‫إسلمه‪ ،‬ولم يلبث أن قام يخطب‪:‬‬
‫(أتقتلون رجلً أن يقول ربي ال وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن‬
‫ف كذاب‪ .‬يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الرض فمن ينصرنا من بأس ال إن جاءنا)‪.‬‬
‫ال ل يهدي من هو مسر ٌ‬
‫(يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الحزاب‪ .‬مثل داب قوم نوحٍ وعادٍ وثمود والذين من بعدهم)‪.‬‬
‫(ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث ال من بعده رسولً) ‪( ..‬ويا قوم ما‬
‫لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار‪ .‬تدعونني لكفر بال وأشرك به ما ليس لي به عل مٌ وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار)‪(.‬غافر‬
‫– ‪)42 -41 – 34 – 31 – 28‬‬
‫وتشهد هذه الخطبة من أولها إلى آخرها بأنه لم يزل أثر شخصية ال نبي يوسف عليه السلم باقيا في نفوس القوم إلى ذلك الحين‪،‬‬
‫و قد م ضت على عهده قرون متعددة‪ .‬وبفضل ما علمهم هذا النبي الجل يل‪ ،‬لم يكونوا قد بلغوا من الجهالة أل يعلموا شيئا عن وجود‬
‫ال تعالى‪ ،‬أو أل يعرفوا أنه الرب والله‪ ،‬وأن سيطرته وسلطته غالبة على قوى الطبية في هذا العالم‪ ،‬وأن غضبه مما يخاف ويتقى‪.‬‬
‫ويت ضح أيضا من آ خر هذه الخطبة أن أ مة فرعون لم تكن تج حد بألوهية ال وربوبي ته جحودا باتا‪ ،‬وإن ما كان ضللها كضلل المم‬
‫الخرى مما ذكرناه آنفا – أي كانت هذه المة أيضا تشرك بال تعالى في صفتي اللوهية والربوبية وتجعل له فيهما أندادا‪.‬‬
‫أما مثار الشبهة في أمر فرعون فهو سؤاله لموسى عليه السلم (وما رب العالمين) حينما سمع منه‪( :‬إنا رسول رب العالمين!) ثم‬
‫قوله لصاحبه هامان‪( :‬ابن لي صرحا لعلي أبلغ السباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى) ووعيده لموسى عليه السلم‪( :‬لئن‬
‫اتخذت إلها غيري لجعل نك من الم سجونين)‪ ،‬وإعل نه لقو مه‪( :‬أ نا رب كم العلى) وقوله لملئه‪( :‬ل أعلم ل كم من إله غيري)‪ – .‬فم ثل‬

‫‪-27-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫هذه الكلمات التي قالها فرعون قد خيلت إلى الناس أنه كان ينكر وجود ال تعالى وكان فارغ الذهن من تصور رب العالمين‪ ،‬ويزعم‬
‫لنفسه أنه الله الواحد‪ ،‬ولكن الواقع الحق أنه لم يكن يدعي ذلك كله إل بدافع من العصبية الوطنية‪ .‬وذلك أنه لم يكن المر في زمن‬
‫النبي يوسف عليه السلم قد وقف على أن شاعت تعاليم السلم في ربوع مصر بفضل شخصيته القوية الجليلة‪ ،‬بل جاوز ذلك إلى‬
‫أن تمكن لبني إسرائيل نفوذ بالغ في الرض مصر تبعا لما تهيأ ليوسف عليه السلم من السلطة والكلمة النافذة في حكومة مصر‪.‬‬
‫فبقيت سلطة بني إسرائيل مخيمة على القطر المصري إلى ثلثمائة سنة أو أربعمائة‪ .‬ثم أخذ يخالج صدور المصريين من العواطف‬
‫الوطن ية والقوم ية ما جعل هم يتع صبون على ب ني إ سرائيل‪ ،‬واش تد ال مر ح تى الغوا سلطة ال سرائيليين ونفوذ هم إلغاء‪ .‬فتولى ال مر‬
‫بعدهـم السـر المصـرية الوطنيـة وتتابعـت فـي الحكـم‪ .‬وهؤلء الملوك الجدد لمـا أمسـكوا زمام المـر لم يقتصـروا على إخضاع بنـي‬
‫إسرائيل وكسر شوكتهم‪ ،‬بل تعدوه إلى أن حاولوا محو كل أثر من آثار العهد اليوسفي في مصر وإحياء تقاليد ديانتهم الجاهلية‪ .‬فلما‬
‫بعث إليهم في تلك الونة موسى عليه السلم‪ ،‬خافوا على غلبتهم وسلطتهم أن تنتقل من أيديهم إلى أيدي بني إسرائيل مرة أخرى‪.‬‬
‫فلم ي كن يب عث فرعون إل هذا العناد واللجاج على أن ي سأل مو سى عل يه ال سلم ساخطا م تبرما‪ :‬و ما رب العالم ين؟ و من يم كن أن‬
‫ل وجود رب العالم ين‪ .‬وتت ضح هذه الحقي قة كأو ضح ما يكون م ما جاء في القرآن‬
‫يكون إلها غيري؟ و هو في الحقي قة لم ي كن جاه ً‬
‫الكر يم من أحادي ثه وأحاد يث ملئه وخ طب مو سى عل يه ال سلم‪ .‬فيقول فرعون – مثل – تأكيدا لقوله إن مو سى عل يه ال سلم ل يس‬
‫برسول ال‪.‬‬
‫(فلول ألقي عليه أسورةٌ من ذهب أو جاء معه الملئكة مقترنين) (الزخرف‪)53 :‬‬
‫أفكان لرجل فارغ الذهن من وجود ال تعالى والملئكة أن يقول هذا القول وفي موضع آخر يقص القرآن الحوار التي بين فرعون‬
‫وبين النبي موسى عليه السلم‪:‬‬
‫(فقال له فرعون إ ني لظ نك يا مو سى م سحورا‪ .‬قال ل قد عل مت ما أنزل هؤلء إل رب ال سماوات والرض ب صائر وإ ني لظ نك يا‬
‫فرعون مبثورا) (بني إسرائيل‪)102-101 :‬‬
‫وفي محل آخر يظهر ال تعالى ما في صدور قوم فرعون بقوله‪:‬‬
‫(فلما جاءتهم آياتنا مبصرةً قالوا هذا سحرٌ مبينٌ وجحدوا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) (النمل‪)14-13 :‬‬
‫ويصور لنا القرآن ناديا آخر جمع موسى عليه السلم وآل فرعون بهذه الية‪:‬‬
‫ب وقد خاب من افترى‪ .‬فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن‬
‫(قال لهم موسى ويلكم ل تفتروا على ال كذبا فيسحتكم بعذا ٍ‬
‫هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما بطريقتكم المثلى) (طه‪)63-61 :‬‬

‫‪-28-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫والظاهر أنه لم يكن قام النزاع ونشأ الخذ والرد بينهم وبين نبيهم موسى عليه السلم حين أنذرهم عذاب ال ونبههم على سوء مآل‬
‫ما كانوا يفترون‪ ،‬إل لن هم قد كان في قلوب هم ول شك بق ية من أ ثر عظ مة ال تعالى وجلله وهيب ته ول كن حاكم هم الوطني ين ل ما‬
‫أنذروهم بخطر النقلب السياسي العظيم‪ ،‬وحذروهم عاقبة اتباعهم لموسى وهارون‪ ،‬وهي عودة غلبة السرائيليين على أبناء مصر‪،‬‬
‫قست قلوبهم واتفقوا جميعا على مقاومة النبيين‪.‬‬
‫وبعد ما قد تبين لنا من هذه الحقيقة‪ ،‬من السهل علينا أن نبحث‪ :‬ماذا كان مثار النزاع بين موسى عليه السلم وفرعون‪ ،‬وماذا كانت‬
‫حقي قة ضلله وضلل قوم هن وبأي معا ني كل مة (الرب) كان فرعون يد عي لنف سه اللوه ية والربوب ية‪ .‬فتعال نتأ مل لهذا الغرض ما‬
‫يأتي من اليات بالتدريج‪.‬‬
‫‪ -1‬إن الذ ين كانوا يلحون من مل فرعون على حسم دعوة مو سى عليه الصلة والسلم وا ستئصالها من أرض مصر‪ ،‬يخاطبون‬
‫فرعون لبعض المناسبات ويسألونه‪:‬‬
‫(أتذرُ موسى وقومه ليفسدوا في الرض ويذركم وآلهتكَ) (العراف‪)127 :‬‬
‫وبخلف ذلك يناديهم الذي كان قد آمن بموسى عليه السلم‪:‬‬
‫(تدعونني لكفر بال وأشرك به ما ليس لي به علمٌ) (المؤمن‪)42 :‬‬
‫فإذا نظرنا في هاتين اليتين وأضفنا إليهما ما قد زودنا به التاريخ وآثار المم القديمة أخيرا من المعلومات عن أهالي مصر زمن‬
‫ل من فرعون وآله كانوا يشركون بال تعالى في المع نى الول والثا ني لكل مة (الرب) ويجعلون م عه شركاء‬
‫فرعون‪ ،‬يتجلى ل نا أن ك ً‬
‫من الصنام ويعبدونها‪ .‬والظاهر أن فرعون لو كان يدعي لنفسه الربوبية فيما فوق العالم الطبيعي‪ ،‬أي لو كان يدعي أنه هو الغالب‬
‫المتصرف في نظام السباب في هذا العالم‪ ،‬وأنه ل إله ول رب غيره في السماوات والرض‪ ،‬ولم يعبد اللهة الخرى أبدا‪.‬‬
‫(‪ )2‬أما كلمات فرعون هذه التي قد وردت في القرآن‪:‬‬
‫ت لكم من إله غيري) (القصص‪)38 :‬‬
‫(يا أيها المل ما علم ُ‬
‫(لئن اتّخذت إلها غيري لجعلنّك من المسجونين) (الشعراء‪)29 :‬‬
‫فليس المراد بذلك أن فرعون كان ينفي جميع ما سواه من اللهة‪ .‬وإنما كان غرضه الحقيقي من ذلك رد دعوة موسى عليها لسلم‬
‫وإبطالها‪ .‬ولما كان موسى عليه السلم – يدعو إلى إله ل تنحصر ربوبيته في دائرة ما فوق الطبيعة فحسب‪ ،‬بل هو كذلك مالك المر‬
‫والنهي‪ ،‬وذو القوة والسلطة القاهرة بالمعاني السياسية والمدنية‪ ،‬قال فرعون لقومه‪ :‬يا قوم ل أعلم لكم مثل ذلك الله غيري‪ ،‬وتهدد‬
‫موسى عليه السلم‪ ،‬أنه إن اتخذ من دونه إلها ليلقينّه في السجن‪.‬‬

‫‪-29-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وممـا يعلم كذلك مـن هذه اليات‪ ،‬وتؤيده شواهـد التاريـخ وآثار المـم القديمـة‪ ،‬أن فراعنـة مصـر لم يكونوا يدعون لنفسـهم مجرد‬
‫الحاكميـة المطلقـة‪ ،‬بـل كانوا يدعون كذلك نوعا من القداسـة والتنزه بانتسـابهم إلى اللهـة وال صنام‪ ،‬حرصـا منهـم على أن يتغلغـل‬
‫نفوذهم في نفوس الرعية ويستحكم استيلؤهم على أرواحهم‪ .‬ولم تكن الفراعنة منفردة بهذا الدعاء‪ ،‬بل الحق أن السر الملكية ما‬
‫زالت في أكثر أقطار العالم تحاول الشركة – قليلً أو كثيرا – في اللوهية والربوبية في دائرة ما فوق الطبيعة‪ ،‬علوة على ما كانت‬
‫تتوله مـن الحاكميـة السـياسية‪ ،‬ومـا زالت لجـل ذلك تفرض على الرعيـة أن تقوم بيـن يديهـا بشيـء مـن شعائر العبوديـة‪ ،‬على أن‬
‫دعوا هم تلك لللوه ية ال سماوية لم تكن هي المق صودة بذاتها في الحقي قة‪ ،‬وإن ما كانوا يتذرعون بها إلى تأث يل حاكميتهم السياسية‪.‬‬
‫ومن ذلك نرى أنه ما زالت السر الملكية في مصر وغيرها من القطار الجاهلية تذهب ألوهيتها بذهاب سلطانها السياسي‪ ،‬وقد بقيت‬
‫اللوهية تتبع العرش في تنقله من أيد إلى أخرى‪.‬‬
‫(‪ )3‬ولم تكن دعوى فرعون الصلية الغالبة المتصرفة في نظام السنن الطبيعية‪ ،‬بل باللوهية السياسية! فكان يزعم أنه الرب العلى‬
‫لرض مصر ومن فيها بالمعنى الثالث والرابع والخامس لكلمة (الرّب) ويقول إني أنا مالك القطر المصري وما فيه من الغنى والثروة‬
‫وأ نا الحق يق بالحاكم ية المطل قة ف يه‪ ،‬وشخ صيتي المركز ية هي ال ساس لمدي نة م صر واجتماع ها‪ ،‬وإذن ل يجرينّ في ها إلّ شريع تي‬
‫وقانوني‪ .‬وكان أساس دعوى فرعون بعبارة القرآن‪:‬‬
‫(ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه النهار تجري من تحتي أفل تبصرون) (الزخرف – ‪)51‬‬
‫وهذا الساس نفسه هو الذي كانت تقوم عليه دعوى نمرود للربوبية‪.‬‬
‫و (حاجّ إبراهيم في ربّه أن آتاه ال الملك) (البقرة‪)258 :‬‬
‫وهو كذلك الساس الذي رفع عليه فرعون المعاصر ليوسف عليه السلم بنيان ربوبيته على أهل مملكته‪.‬‬
‫(‪ )4‬أمّا دعوة موسى عليه السلم التي كانت سبب النزاع بينه وبين فرعون وآله‪ ،‬فهي في الحقيقة أنه ل إله ول ربّ بجميع معاني‬
‫كلمـة (الرب) إل ال رب العالميـن‪ ،‬وهـو وحده الله والرّب فيمـا فوق العالم الطـبيعي‪ ،‬كمـا أنـه هـو الله والرب بالمعانـي السـياسية‬
‫والجتماع ية‪ ،‬ل جل ذلك ي جب أل نخلص العبادة إل له‪ ،‬ول نت بع في شؤون الحياة المختل فة إل شر عه وقانو نه‪ ،‬وا نه – أي مو سى‬
‫عليه السلم – قد بعثه ال تعالى باليات البينات وسيُنزل ال تعالى أمره ونهيه لعباده بما يوحي إليه؛ لذلك يجب أن تكون أزمّة أمور‬
‫عباده بيده‪ ،‬ل بيد فرعون‪ .‬ومن هنا كان فرعون ورؤساء حكومته يُعلون أصواتهم المرّة بعد المرّة بأن موسـى وهارون – عليهما‬
‫السلم – قد جاءا يسلبان أرض مصر‪ .‬وأرادا أن يذهبا بنظمنا الدينية والمدنية ليستبدل بها ما يشاءان من النظم والقواعد‪.‬‬
‫(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين‪ .‬إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد) (هود‪)97-96 :‬‬

‫‪-30-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(ول قد فت نا قبل هم قوم فرعون وجاء هم ر سولٌ كر يم‪ .‬أن أدّوا إليّ عبا َد ال إ ني ل كم ر سول أم ين‪ .‬وان ل تعلوا على ال إ ني آتي كم‬
‫بسلطان مبين) (الدخان‪)19-17 :‬‬
‫(إنا أرسلنا إليكم رسو ًل شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولً فعصى فرعون الرسول فأذناه أخذا وبيلً) (المزملّ‪)16-15 :‬‬
‫(قال فمن ربكما يا موسى‪ .‬قال ربّنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى) (طه‪)50-49 :‬‬
‫(قال فرعون وما رب العالمين‪ .‬قال رب السماوات والرض وما بينهما إن كنتم موقنين‪ .‬قال لم نّ حوله أل تستمعون‪ .‬قال ربكم ورب‬
‫آبائكم الولين‪ .‬قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون‪ .‬قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون‪ .‬قال لئن اتخذت إلها‬
‫غيري لجعلنّك من المسجونين) (الشعراء‪)29-23 :‬‬
‫(قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى) (طه‪)57 :‬‬
‫(وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربّه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الرض الفساد) (غافر‪)26 :‬‬
‫(قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) (طه – ‪)63‬‬
‫وبإنعام النظر في هذه اليات بالتدريج الذي قد سردناها به‪ ،‬يتجلى أن الضلل الذي تعاقبت فيه المم المختلفة من أقدم العصور‪ ،‬كان‬
‫هو عينه قد غشت وادي النيل ظلماته‪ ،‬وأن الدعوة التي قام بها جميع النبياء منذ البد‪ ،‬كانت هي نفسها يدعو بها موسى وهارون‬
‫عليهما السلم‪.‬‬

‫اليهود والنصارى‬
‫وتطلع علي نا ب عد آل فرعون ب نو إ سرائيل وال مم الخرى ال تي دا نت باليهود ية والن صرانية‪ .‬وهؤلء ل مجال لل ظن في هم أن يكونوا‬
‫منكر ين لوجود إله العالم‪ ،‬أو يكونوا ل يعتقدون بألوهي ته وربوبيّ ته فإن القرآن نف سه يش هد بكون هم أ هل الكتاب‪ .‬وأ ما ال سؤال الذي‬
‫ينشأ في ذهن الباحث عن أمرهم فهو أنه ما هو على التحديد الخطأ في عقيدتهم ومنهج عملهم في باب الربوبية – الذي قد عدهم‬
‫القرآن من أجله من القوم الضالين؟ والجواب المجمل على السؤال تجده في القرآن نفسه في آيته الكريمة‪:‬‬
‫( قل يا أ هل الكتاب ل تغلوا في دين كم غ ير ال حق ول تتبعوا أهواء قو ٍم قد ضلوا من قبلُ وأضلوا كثيرا وضلّوا عن سواء ال سبيل)‬
‫(المائدة – ‪)77‬‬
‫فيعلم من هذه الية أن ضلل اليهود والنصارى هو من حيث الصل والساس نفس الضلل الذي ارتطمت فيه المم المتقدمة‪ ،‬وتدلنا‬
‫هذه الية أيضا أن ضللهم هذا كان آتيا من غلوّهم في الدين‪ .‬وها نحن نرى بعد ذلك كيف يفصل القرآن هذا الجمال‪:‬‬

‫‪-31-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(وقالت اليهود عزير ابن ال وقالت النصارى المسيح ابن ال) (التوبة‪)30 :‬‬
‫(لقد كفر الذين قالوا إن ال هو المسيح ابن مريم‪ .‬وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا ال ربي وربكم) (المائدة – ‪)72‬‬
‫(ل قد ك فر الذ ين قالوا إن ال ثالث ثلثة و ما من إله إل إله وا حد)‪( .‬وإذ قال ال يا عي سى بن مر يم أأ نت قلت للناس اتخذو ني وأمي‬
‫إلهين من دون ال قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق) (المائدة‪)116 ،73 :‬‬
‫(ما كان لبشرٍ أن يؤتيه ال الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ال ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلّمون‬
‫الكتاب وبما كنتم تدرسون‪ .‬ول يأمرَكم أن تتخذوا الملئكة والنبيين أربابا‪ ،‬أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) (آل عمران‪)80-79 :‬‬
‫فكان ضلل أهل الكتاب حسب ما تجل عليه هذه اليات‪ :‬أولً أنهم بالغوا في تعظيم النفوس المقدسة كالنبياء والولياء والملئكة التي‬
‫تستحق التكريم والتعظيم لمكانتها الدينية‪ ،‬فرفعوها من مكانتها الحقيقية إلى مقام اللوهية وجعلوها شركاء مع ال ودخلء في تدبير‬
‫أ مر هذا العالم‪ ،‬ثم عبدو ها وا ستغاثوا ب ها واعتقدوا أن ل ها ن صيبا في اللوه ية والربوب ية الميمنت ين على ما فوق العالم ال طبيعي‪،‬‬
‫وزعموا أنها تملك لهم المغفرة والعانة والحفظ‪ .‬وثانيا أنهم‪:‬‬
‫(اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ال) (التوبة – ‪)31‬‬
‫أي أن الذين لم تكن وظيفتهم في الدين سوى أن يعلموا الناس أحكام الشريعة اللهية‪ ،‬ويزكوهم حسب مرضاة ال‪ ،‬تدرج بهم هؤلء‬
‫حتى أنزلوهم بحيث يحلون لهم ما يشاؤون ويحرمون عليهم ما يشاؤون‪ ،‬ويأمرونهم وينهونهم حسب ما تشاء أهواؤهم بدون سند‬
‫من كتاب ال‪ ،‬ويسنون لهم من السنن ما تشتهي أنفسهم‪ .‬كذلك وقع هؤلء في نفس النوعين من الضلل الساسي الخطير اللذين قد‬
‫وقع فيهما قبلهم أمم نوح وإبراهيم وعاد وثمود وأهل مدين وغيرهم من المم‪ ،‬فأشركوا بال الملئكة وعبادة المقربين – كما أشرك‬
‫أولئك – فـي الربوبيـة المهيمنـة على مـا فوق العالم الطـبيعي‪ ،‬وجعلوا الربوبيـة بمعانيهـا السـياسية والمدنيـة – كمـا جعـل أولئك –‬
‫للن سان بد ًل من ال رب ال سماوات‪ .‬وراحوا ي ستمدون مبادئ المدن ية والجتماع والخلق وال سياسة وأحكام ها جميعا من ب ني آدم‪،‬‬
‫مستغنيين في ذلك عن السلطان المنزل من عند ال تعالى‪ .‬وأفضى بهم الغي إلى أن قال فيهم القرآن‪:‬‬
‫(ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) (النساء‪)51 :‬‬
‫ب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت‪ .‬أولئك شرّ مكانا‬
‫(قل هل أنبئكم بش ٍر من ذلك مثوبة عند ال من لعن ُه ال وغض َ‬
‫وأضل عن سواء السبيل) (المائدة‪)60 :‬‬
‫(الجب تُ) كل مة جام عة شاملة لجم يع أنواع الوهام والخرافات من ال سحر والتمائم والشعوذة والتكهّن وا ستكشاف الغ يب والتشاؤم‬
‫والتفاؤل والتأثيرات الخارجـة عـن القوانيـن الطبيعيـة‪ .‬والمراد مـن (الطاغوت) كـل فرد أو طائفـة أو إدارة تبغـي وتتمرد على ال‪،‬‬

‫‪-32-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وتجاوز حدود العبودية وتدعي لنفسها اللوهية والربوبية‪ .‬فلما وقعت اليهود والنصارى في ما تقدم ذكره من النوعين من الضلل‪،‬‬
‫كا نت نتيجة أولها أن أخذت جميع أنواع الوهام مأخذها من قلوبهم وعقولهم‪ ،‬وأما الثاني فاستدرجهم من عبادة العلماء والمشايخ‬
‫والصوفية والزهاد إلى عبادة الجبابرة وطاعة الظالمين الذين كانوا قد بغوا على ال علنية!‬

‫المشركون العرب‬
‫هذا ولنبحث الن في المشركين العرب الذين بعث فيهم خاتم النبيين صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والذين كانوا أول من خاطبهم القرآن‪ ،‬من‬
‫أي نوع كان ضلل هم في باب اللوه ية والربوب ية‪ ،‬هل كانوا يجهلون ال رب العالم ين‪ ،‬أو كانوا ينكرون وجوده‪ ،‬فب عث إلي هم ال نبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ليبث في قلوبهم اليمان بوجود الذات اللهية! وهل كانوا ل يعتقدون ال عز وجل إلها للعالمين وربا‪ ،‬فأنزل ال‬
‫القرآن ليقنع هم بألوهي ته وربوبي ته؟ و هل كانوا يأبون عبادة ال والخضوع له؟ أو كانوا ل يعتقدو نه سميع الدعاء وقا ضي الحا جة؟‬
‫وهل كانوا يزعمون أن اللت والعزّى ومناة وهبل واللهة الخرى هي في الحقيقة فاطرة هذا الكون ومالكته والرازقة فيه والقائمة‬
‫على تدبيره وإدارته؟ أو كانوا يؤمنون بأن آلهتهم تلك مرجع القانون ومصدر الهداية والرشاد في شؤون المدنية والخلق؟‬
‫كل واحد من هذه السئلة إذا راجعنا فيه القرآن فإنه يجيب عليه بالنفي؛ ويبين لنا أن المشركين العرب لم يكونوا قائلين بوجود ال‬
‫تعالى فح سب‪ ،‬بل كانوا يعتقدو نه مع ذلك خالق هذا العالم كله – ح تى آلهت هم – ومال كه ور به العلى‪ ،‬وكانوا يذعنون له باللوه ية‬
‫والربوبيـة‪ .‬وكان ال هـو الجناب العلى الرفـع الذي كانوا يدعونـه ويبتهلون إليـه فـي مآل المـر عندمـا يمسـهم الضـر أو تصـيبهم‬
‫المصائب‪ ،‬ثم كانوا ل يمتنعون عن عبادته والخضوع له‪ ،‬ولم تكن عقيدتهم في آلهتهم وأصنامهم أنها قد خلقتهم وخلقت هذا الكون‪،‬‬
‫وترزقهم جميعا‪ ،‬ول أنها تهديهم وترشدهم في شؤون حياتهم الخلقية والمدنية‪ ،‬فاليات التية تشهد بما تقول‪:‬‬
‫(قلن لمـن الرض ومـن فيهـا إن كنتـم تعلمون‪ .‬سيقولون ل‪ ،‬قـل أفل تذكرون‪ .‬قـل مـن رب السـماوات السـبع ورب العرش العظيـم‪.‬‬
‫سـيقولن ال‪ ،‬قـل أفل تتقون‪ .‬قـل مـن بيده ملكوت كـل شيءٍ وهـو يجيـر ول يجار عليـه إن كنتـم تعلمون‪ .‬سـيقولون ل‪ ،‬قـل فأنـى‬
‫تسحرون‪ ،‬بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) (المؤمنون‪)90-84 :‬‬
‫ف وجاءهم الموج من‬
‫(هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاص ٌ‬
‫كل مكا نٍ وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا ال مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين‪ .‬فلما أنجاهم إذا هم يبغون في‬
‫الرض بغير الحق) (يونس‪)23-22 :‬‬
‫(وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إل إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان النسان كفورا) (السراء‪)67 :‬‬

‫‪-33-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ويروي القرآن عقائدهم في آلهتهم بعبارتهم أنفسهم فيما يأتي‪:‬‬
‫(والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إل ليقربونا إلى ال زلفى) (الزمر‪)3 :‬‬
‫(ويقولون هؤلء شفعاؤنا عند ال) (يونس‪)18 :‬‬
‫ثم إنهم لم يكونوا يزعمون للهتهم شيئا من مثل أنها تهديهم في شؤون حياتهم‪ ،‬فال تعالى يأمر رسوله صلى ال لعيه وسلم في‬
‫سورة يونس (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق) الية‪ 35 :‬فيرميهم سؤاله هذا بالسكات‪ ،‬ول يجيب أحد منهم عليه بنعم! عن‬
‫اللت والعزى ومناة واللهة الخرى تهدينا سواء السبيل في العقيدة والعمل‪ ،‬وتعلمنا مبادئ العدالة والمن والسلم في حياتنا الدنيا‪،‬‬
‫وإننا نستمد من منبع علمها معرفة حقائق الكون الساسية‪ ،‬فعند ذلك يقول ال عز وجل لنبيه صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫(قل ال يهدي للحق‪ .‬أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن ل يهدي إل أن يُهدى فمالكم كيف تحكمون) (يونس‪)35 :‬‬
‫ويبقى بعد هذه النصوص القرآنية أن نطلب جواب هذا السؤال‪ :‬ماذا كان ضللهم الحقيقي في باب الربوبية الذي بعث ال نبيه صلى‬
‫ال عل يه و سلم نرده إلى ال صواب‪ ،‬وأنزل كتا به المج يد ليخرج هم من ظلما ته إلى نور الهدا ية؟ وإذا تأمل نا القرآن للتحق يق في هذه‬
‫المسألة‪ ،‬نقف في عقائدهم وأعمالهم كذلك على النوعين من الضلل اللذين مازال يلزمان المم الضالة منذ القدم‪.‬‬
‫فكانوا بجانـب يشركون بال آلهـة وأربابا مـن دونـه فـي اللوهيـة والربوبيـة فيمـا فوق الطبيعـة‪ ،‬ويعتقدون بأن الملئكـة والنفوس‬
‫الن سانية المقد سة وال سيارات ال سماوية – كل أولئك دخيلة بو جه من الوجوه في صلحيات الحكم القائم فوق نظام العلل وال سباب‪.‬‬
‫ولذلك لم يكونوا يرجعون إلى ال تعالى وحده فـي الدعاء والسـتعانة وأداء شعائر العبوديـة‪ ،‬بـل كانوا يرجعون كذلك فـي تلك المور‬
‫كلها إلى آلهتهم الم صنوعة الملف قة‪ .‬وكانوا بجا نب آخر يكادون ل يتصورون في باب الربوب ية المدن ية وال سياسية أن ال تعالى هو‬
‫الرب بهذه المعا ني أيضا‪ .‬فكانوا قد اتخذوا أئمت هم الديني ين ورؤ ساءهم و كبراء عشائر هم أربابا بتلك المعا ني‪ ،‬ومن هم كانوا يتلقون‬
‫القوانين لحياتهم‪.‬‬
‫أما النوع الول من ضللهم فيشهد به القرآن فيما يلي من اليات‪:‬‬
‫(و من الناس من يع بد ال على حر فٍ فان أ صابه خيرٌ اطمأن به وإن أ صابته فتن ٌة انقلب على وج هه خ سر الدن يا والخرة‪ ،‬ذلك هو‬
‫الخسران المبين‪ .‬يدعو من دون ال ما ل يضره وما ل ينفعه‪ ،‬ذلك هو الضلل البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى‬
‫ولبئس العشير) (الحج‪)13-11 :‬‬
‫(ويعبدون من دون ال مال يضرهم ول ينفعهم ويقولون هؤلء شفعاؤ نا عند ال‪ ،‬قل أتنبئون ال بما ل يعلم في السماوات ول في‪،‬‬
‫سبحانه وتعالى عما يشركون) (يونس‪)18 :‬‬

‫‪-34-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الرض في يومين وتجعلون له أندادا) (حم السجدة‪)9 :‬‬
‫(قل أتعبدون من دون ال مال يملك لكم ضرّا ول نفعا وال هو السميع العليم) (المائدة‪)76 :‬‬
‫(وإذا م سّ النسان ض ٌر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوّله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل ل أندادا ليضل عنه سبيله)‬
‫(الزمر‪)8 :‬‬
‫(وما بكم من نعمة فمن ال ثم إذا م سّكم الض ّر فإليه تجأرون‪ .‬ثم إذا كشف الضرّ عنكم إذا فري قٌ منكم بربهم يشركون‪ .‬ليكفروا بما‬
‫ن عما كنتم تفترون) (النحل‪)56– 53 :‬‬
‫آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون‪ .‬ويجعلون لما ل يعلمون نصيبا مما رزقناهم‪ ،‬تال لتسئل ّ‬
‫وأما الخر فشهادة القرآن ما يأتي‪:‬‬
‫(وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم) (النعام‪)137 :‬‬
‫ومن الظاهر أنه ل يس المراد بـ (شركاء) في هذه الية‪ :‬اللهة والصنام‪ ،‬بل المراد بهم أولئك القادة والزعماء الذين زينوا للعرب‬
‫ق تل أولد هم وجعلوه في أعين هم مكر مة‪ .‬فأدخلوا تلك البد عة الشنعاء على د ين إبراه يم وإ سماعيل عليه ما ال سلم‪ .‬وظا هر كذلك أن‬
‫أولئك الزعماء لم يكن القوم قد اتخذوهم شركاء من حيث كانوا يعتقدون أن لهم السلطان فوق نظام السباب في هذا العالم‪ ،‬أو كانوا‬
‫يعبدونهم ويدعونهم‪ ،‬بل كانوا قد جعلوهم شركاء مع ال في اللوهية والربوبية من حيث كانوا يسلمون بحقهم في أن يشرعوا لهم‬
‫ما يشاؤون من النظم والقوانين لشؤونهم المدنية والجتماعية‪ ،‬وأمورهم الخلقية والدينية‪.‬‬
‫(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ال) (الشورى‪)21 :‬‬
‫وسيأتي تفصيل معاني كلمة (الدين) في موضعه من هذه الرسالة‪ ،‬وهناك سنتبين سعة معاني هذه الية وشمولها‪ .‬على أنه يتضح في‬
‫هذا المقام أن ما كان يتوله أولئك الزعماء والرؤساء من وضع الحدود والقواعد التي هي بمثابة الدين بغير إذن من ال تعالى‪ ،‬وأن‬
‫اعتقاد العرب بكونها مما يجب اتباعه والع مل به‪ ،‬كان هو عينه شركة مع ال من أولئك في ألوهي ته وربوبي ته‪ ،‬وإيمانا من هؤلء‬
‫بشركتهم تلك!‬

‫دعوة القرآن ‪:‬‬
‫أن هذا الب حث الذي قد خض نا غماره في ال صفحات ال سابقة ب صدد ت صورات ال مم الضالة وعقائد ها‪ ،‬ليك شف القناع عن حقي قة أن‬
‫جم يع ال مم ال تي قد و صمها القرآن بالظلم والضلل وف ساد العقيدة من لدن أعرق الع صور في القدم إلى ز من نزول القرآن‪ ،‬لم ت كن‬

‫‪-35-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫منها جاحدة بوجود ال تعالى ول كانت تنكر كون ال ربا وإلها بالطلق‪ .‬بل كان ضللها الصلي المشترك بين جميعها أنها كانت قد‬
‫قسمت المعاني الخمسة لكلمة (الرب) التي قد حددناها في بداية هذا الباب – مستشهدين باللغة والقرآن – قسمين متباينين‪:‬‬
‫فأما المعاني التي تدل على أن (الرب) هو الكفيل بتربية الخلق وتعهده وقضاء حاجته وحفظه ورعايته بالطرق الخارجة عن النظام‬
‫الطـبيعي‪ ،‬فكانـت لهـا عندهـم دللة أخرى مختلفـة‪ ،‬وهـم وإن كانوا ل يعتقدون إل ال تعالى ربهـم العلى بموجبهـا‪ ،‬إل أنهـم كانوا‬
‫يشركون به في الربوبية الملئكة والجن والقوى الغيبية والنجوم والسيارات والنبياء والولياء والئمة الروحانيين‪.‬‬
‫وأ ما المع نى الذي يدل على أن (الرب) هو مالك ال مر والن هي و صاحب ال سلطة العل يا‪ ،‬وم صدر الهدا ية والرشاد‪ ،‬ومر جع القانون‬
‫والتشر يع‪ ،‬وحا كم الدولة والممل كة وق طب الجتماع والمدن ية‪ ،‬فكا نت له عند هم دللة أخرى متباي نة‪ :‬وبمو جب هذا المفهوم كانوا إ ما‬
‫يعتقدون أن النفوس النسانية وحدهم ربا من دون ال‪ ،‬وإما يستسلمون لربوبية تلك النفوس في شؤون الخلق والمدنية والسياسة‬
‫مـع كونهـم يؤمنون إيمانا نظريا بأن ال هـو الرب‪ ،‬هذا هـو الضلل الذي مازالت تبعـث لحسـمه الرسـل عليهـم اللم مـن لدن فجـر‬
‫التاريخ‪ ،‬ولجل ذلك بعث ال أخيرا محمدا صلى ال عليه وسلم‪ .‬وكانت دعوتهم جميعا أن الرب بجميع معاني الكلمة واحد ليس غير‪،‬‬
‫وهو ال تقدست أسماؤه‪ .‬والربوبية ما كانت لتقبل التجزئة ولم يكن جزء من أجزائها ليرجع إلى أحد من دون ال بوجه من الوجوه‪،‬‬
‫وأن نظام هذا الكون مرتبـط بأصـله ومركزه وثيـق الرتباط‪ ،‬قـد خلفـه ال الواحـد الحـد‪ ،‬ويحكمـه الفرد الصـمد‪ ،‬ويملك كـل السـلطة‬
‫وال صلحيات ف يه الله الفذّ المو حد! فل يد ل حد غ ير ال في خلق هذا النظام ول شر يك مع ال في إدار ته وتدبيره ول ق سيم له في‬
‫ملكو ته‪ .‬وب ما أن ال تعالى هو مالك ال سلطة المركز ية‪ ،‬فإ نه هو وحده رب كم في دائرة ما فوق الطبي عة‪ ،‬ورب كم في شؤون المدن ية‬
‫وال سياسة والخلق‪ ،‬ومعبود كم ووج هة ركوع كم و سجودكم‪ ،‬ومر جع دعائ كم وعماد توكل كم‪ ،‬والمتك فل بقضاء حاجات كم‪ ،‬وكذلك هو‬
‫الملك‪ ،‬ومالك الملك‪ ،‬وهو الشارع والمقنن‪ ،‬وهو المر والناهي‪ .‬وكل هاتين الدللتين للربوبية اللتين قد فصلتم إحداهما عن الخرى‬
‫لجاهليتكم‪ ،‬هي في حقيقة المر قوام اللوهية وعمادها وخاصة إلهية الله‪ .‬لذلك ل يمكن فصل إحداهما عن الخرى‪ ،‬كما ل يجوز أن‬
‫يشرك مع ال أحد من خلقه باعتبار أيهما‪ .‬وأما السلوب الذي يدعو به القرآن دعوته هذه فها هو ذا بعبارته‪:‬‬
‫(إن رب كم ال الذي خلق ال سماوات والرض في ستة أيام ثم ا ستوى على العرش يغ شي الل يل والنهار يطل به حثيثا والش مس والق مر‬
‫والنجوم مسخرات بأمره‪ ،‬أل له الخلق والمر‪ ،‬تبارك ال رب العالمين)‬

‫(العراف‪)54 :‬‬

‫(قل من يرزقكم من السماء والرض‪ ،‬أمّن يملك السمع والبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر المر‬
‫فسيقولون ال‪ ،‬فقل أفل تتقون‪ .‬فذلكم ال ربكم الحق‪ ،‬فما بعد الحق إل الضلل فأنى تصرفون)‬

‫‪-36-‬‬

‫(يونس‪)32-31 :‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(خلق ال سماوات والرض بال حق يكور الل يل على النهار ويكور النهار على الل يل و سخر الش مس والق مر كل يجري ل جل م سمى) ‪..‬‬
‫(ذلكم ال ربكم له الملك ل إله إل هو فأنى تصرفون) (الزمر‪)5،6 :‬‬
‫(ال الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا)‬
‫(ذل كم ال رب كم خالق كل ش يء ل إله إل هو فأ نى تؤفكون) … (ال الذي ج عل ل كم الرض قرارا وال سماء بناءً و صوركم فأح سن‬
‫صوركم ورزقكم من الطيبات‪ ،‬ذلكم ال ربكم فتبارك ال رب العالمين‪ .‬هو الحي ل إله إل هو فادعوه مخلصين له الدين) (غافر‪،61 :‬‬
‫‪)65 ،64 ،62‬‬
‫(وال خلق كم من تراب) … (يولج الل يل في النهار ويولج النهار في الل يل و سخر الش مس والق مر كلٌ يجري ل جل م سمى‪ ،‬ذل كم ال‬
‫رب كم له الملك والذ ين تدعون من دو نه ما يملكون من قطم ير‪ .‬إن تدعو هم ل ي سمعوا دعاء كم ولو سمعوا ما ا ستجابوا ل كم ويوم‬
‫القيامة يكفرون بشرككم) (فاطر‪ 11 :‬و ‪)14-13‬‬
‫(وله من في السماوات والرض كل له قانتون) ‪..‬‬
‫ل من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصّل‬
‫(ضرب لكم مث ً‬
‫اليات لقومٍ يعقلون‪ .‬بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم)‪..‬‬
‫ن أك ثر الناس ل يعلمون) (الروم‪:‬‬
‫(فأ قم وجهك للد ين حنيفا فطرة ال ال تي ف طر الناس عليها‪ ،‬ل تبد يل لخلق ال ذلك الدين الق يم ولك ّ‬
‫‪ 26‬و ‪)29،30 – 28‬‬
‫(وما قدروا ال حق قدره والرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينه سبحانه وتعالى عما يُشركون) (الزمر‪)67 :‬‬
‫(فلله الحمد رب السماوات ورب الرض رب العالمين‪ .‬وله الكبرياءُ في السماوات والرض وهو العزيز الحكيم) (الجاثية‪)37-36 :‬‬
‫(رب السماوات والرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) (مريم‪)65 :‬‬
‫(ول غيب السماوات والرض وإليه يرجع المر كله فاعبده وتوكل عليه) (هود‪)123 :‬‬
‫(رب المشرق والمغرب ل إله إل هو فاتخذه وكيل) (المزمل‪)9 :‬‬
‫(إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون) (النبياء‪)93-92 :‬‬
‫(اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ول تتبعوا من دونه أولياء) (العراف‪)3 :‬‬
‫( قل يا أ هل الكتاب تعالوا إلى كل مة سواءٍ بين نا وبين كم أل نع بد إل ال ول نشرك به شيئا ول يت خذ بعض نا بعضا أربابا من دون ال)‬
‫(آل عمران‪)64 :‬‬

‫‪-37-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(قل أعوذ برب الناس‪ .‬ملك الناس‪ .‬إله الناس) (الناس‪)3-1 :‬‬
‫ل صالحا ول يشرك بعبادة ربه أحدا) (الكهف‪)110:‬‬
‫(فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عم ً‬
‫فبقراءة هذه اليات بالترتيـب الذي سـردناها بـه‪ ،‬يتـبين للقارئ أن القرآن يجعـل (الربوبيـة) مترادفـة مـع الحاكميـة والملكيـة (‬
‫‪ )Sovereignty‬ويصف لنا (الرب) بأنه الحاكم المطلق لهذا الكون ومالكه وآمره الوحيد ل شريك له‪.‬‬
‫وبهذا العتبار هو ربنا ورب العالم بأجمعه ومريبنا وقاضي حاجاتنا‪.‬‬
‫وبهذا العتبار هو كفيلنا وحافظنا ووكلينا‪.‬‬
‫وطاعته بهذا العتبار هي الساس الفطري الصحيح الذي يقوم عليه بنيان حياتنا الجتماعية على الوجه الصحيح المرضي‪ ،‬والصلة‬
‫بشخصيته المركزية تسلك شتى الفراد والجماعات في نظام المة‪.‬‬
‫وبهذا العتبار هو حري بأن نعبده نحن وجميع خلئفه‪ ،‬ونطيعه ونقنت له‪.‬‬
‫وبهذا العتبار هو مالكنا ومالك كل شيء وسيدنا وحاكمنا‪.‬‬
‫لقـد كان العرب والشعوب الجاهليـة فـي كـل زمان اخطأوا – ول يزالون يخطئون إلى هذا اليوم – بأنهـم وزعوا هذا المفهوم الجامـع‬
‫الشا مل للربوب ية على خم سة أنواع من الربوب ية‪ ،‬ثم ذ هب ب هم ال ظن والو هم أن تلك النواع المختل فة للربوب ية قد تر جع إلى ذوات‬
‫مختل فة ونفوس ش تى‪ ،‬بل ذهبوا إلى أن ها راج عة إلي ها بالف عل‪ .‬فجاء القرآن فأث بت با ستدلله القوي المق نع أ نه ل مجال أبدا في هذا‬
‫النظام المركزي لن يكون أمر من أمور الربوبية راجعا – في قليل أو كثير‪ -‬إلى غير من بيده السلطة العليا‪ ،‬وأن مركزية هذا النظام‬
‫نفسها هي الدليل البيّن على أن جميع أنواع الربوبية مختصة بال الواحد الحد الذي أعطى هذا النظام خلقه‪.‬‬
‫ولذلك فإن من يظن جزءا من أجزاء الربوبية راجعا إلى أحد من دون ال‪ ،‬أو يرجعه إليه‪ ،‬بأي وجه من الوجوه‪ ،‬وهو يعيش في هذا‬
‫النظام‪ ،‬فإنه يحارب الحقيقة ويصدف عن المواقع ويبغي على الحق‪ ،‬وباقي بيديه إلى التهلكة والخسران بما يتعب نفسه في مقاومة‬
‫الحق الواقع‪.‬‬

‫‪-38-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫‪ -3‬العبـــــادة‬
‫التحقيق اللغوي‬
‫العبودة والعبودية؛ معناها اللغوي‪ :‬الخضوع والتذلل‪ ،‬أي استسلم المرء وانقياده لحد غيره انقيادا ل مقاومة معه ول عدول عنه ول‬
‫عصيان له‪ ،‬حتى يستخدمه هو حسب ما يرضى وكيف ما يشاء‪.‬‬
‫وعلى ذلك تقول العرب‪( :‬بع ير معبّ د) للبع ير ال سلس المنقاد‪ ،‬و (طر يق معبّد) للطر يق المم هد الو طء‪ .‬و من هذا ال صل اللغوي نشأت‬
‫في مادة هذه الكل مة معا ني العبود ية والطا عة والتأله والخد مة والق يد والم نع‪ .‬ف قد جاء في ل سان العرب ت حت مادة ( ع ب د) ما‬
‫نلخصه فيما يلي‪:‬‬
‫(‪( )1‬الع بد) المملوك خلف ال حر‪( :‬تع بد الر جل)‪ :‬اتخذه عبدا أي مملوكا أو عامله معاملة الع بد‪ ،‬وكذلك (ع بد الر جل واعبده واعتبده)‬
‫وقـد جاء فـي الحديـث الشريـف‪ :‬ثلثـة أنـا خصـمهم‪ :‬رجـل اعتبـد محررا – وفـي روايـة أعبدُ محررا – أي اتخـذ رجلً حرا عبدا له‬
‫ومملوكا‪ :‬وفي القرآن أن موسى عليه السلم قال لفرعون‪ :‬وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) اتخذتهم عبيدا لك‪.‬‬
‫(‪( )2‬العبادة) الطاعة مع الخضوع‪ :‬ويقال (عبد الطاغوت) أي أطاعه؛ (إياك نعبد) أي نطيع الطاعة التي يخضع معها؛ و (اعبدوا‬
‫رب كم) أي أطيعوا رب كم؛ و (قومه ما ل نا عبادون) أي دائنون و كل من دان لملك ف هو عا بد له؛ وقال ا بن النباري‪( :‬فلن عا بد) و هو‬
‫الخاضع لربه المستسلم المنقاد لمره‪.‬‬
‫(‪( )3‬عبده عبادة ومعبدا ومعبدة) تأله له‪( .‬التعبّد)‪ :‬التنسك‪ .‬هو (المعبّد) المكرم المعظم‪ :‬كأنه يعبد‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫أرى المال عند الباخلين معبدا‬
‫(‪( )4‬وعبد به)‪ :‬لزمه فلم يفارقه‪.‬‬
‫(‪( )5‬ما عبدك عني) أي ما حبسك‪.‬‬
‫ويتضـح مـن هذا الشرح اللغوي لمادة (ع ب د) أن مفهومهـا السـاسي أن يذعـن المرء لعلء أحـد وغلبتـه‪ ،‬ثـم ينزل له عـن حريتـه‬
‫واستقلله ويترك إزاءه كل المقاومة والعصيان وينقاد له انقيادا‪ .‬وهذه هي حقيقة العبدية والعبودية‪ ،‬ومن ذلك أن أول ما يتمثل في‬
‫ذهن العر بي لمجرد سماعه كل مة (الع بد) و (العبادة) هو تصور العبدية والعبودية‪ .‬وبما أن وظيفة الع بد الحقيق ية هي إطاعة سيده‬
‫وامتثال أوامره‪ ،‬فحتما يتبعه تصور الطاعة‪ .‬ثم إذا كان العبد لم يقف به المر على أن يكون قد أسلم نفسه لسيده طاعة وتذللً‪ ،‬بل‬
‫كان مع ذلك يعت قد بعلئه ويعترف بعلو شأ نه وكان قل به مفعما بعوا طف الش كر والمتنان على نع مه وأياد يه‪ ،‬فإ نه يبالغ في تمجيده‬
‫وتعظيمه ويتفنن في إبداء الشكر على الئه و في أداء شعائر العبدية له‪ ،‬وكل ذلك ا سمه التأله والتنسك‪ .‬وهذا التصور ل ينضم إلى‬

‫‪-39-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫معا ني العبد ية إل إذا كان الع بد ل يخ ضع ل سيده رأ سه فحسب‪ ،‬بل يخ ضع م عه قل به أيضا‪ .‬وأ ما المفهومان الباقيان فإنه ما ت صوران‬
‫فرعيان ل أصليان للعبدية‪.‬‬

‫استعمال كلمة العبادة في القرآن‬
‫وإذا رجع نا إلى القرآن ب عد هذا التحق يق اللغوي رأي نا أن كل مة (العبادة) قد وردت ف يه غالبا في المعا ني الثل ثة الولى‪ .‬ف في ب عض‬
‫المواضـع قـد أريـد بهـا المعنيان الول والثانـي معا‪ ،‬وفـي الخرى المعنـى الثانـي وحده‪ ،‬وفيـا لثالثـة المعنـى الثالث فحسـب‪ ،‬كمـا قـد‬
‫استعملت في مواضع أخرى بمعانيها الثلثة في آن واحد‪ .‬أما أمثلة ورودها بالمعنيين الول والثاني في القرآن فهي‪:‬‬
‫(ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين‪ .‬إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين‪ .‬فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا‬
‫وقومهما لنا عابدون)‪(.‬المؤمنون‪)47-45 :‬‬
‫(وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل)‪(.‬الشعراء‪)22 :‬‬
‫والمراد بالعبادة في كل تا اليت ين هو العبود ية والطا عة‪ .‬فقال فرعون‪ :‬أن قوم مو سى وهارون عابدون ل نا‪ ،‬أي عب يد ل نا وخاضعون‬
‫لمرنا‪ ،‬وقال موسى‪ :‬إنك عبّدت بني إسرائيل‪ ،‬اتخذتهم عبيدا وتستخدمهم حسب ما تشاء وترضى‪.‬‬

‫العبادة بمعنى العبوية والطاعة‬
‫(يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا ل إن كنتم إياه تعبدون)‪(.‬البقرة‪)172 :‬‬
‫إن المناسـبة التـي أنزلت بهـا هذه اليـة هـي أن العرب قبـل السـلم كانوا يتقيدون بأنواع مـن القيود فـي المآكـل والمشارب‪ ،‬امتثالً‬
‫لوامر أئمتهم الدينيين واتباعا لوهام آبائهم الولين‪ ،‬فلما أسلموا قال ال تعالى‪:‬‬
‫إن كن تم تعبدون ني فعلي كم أن تحطموا جم يع تلك القيود وتأكلوا ما أحلل ته ل كم هنيئا مريئا‪ ،‬ومعناه أن كم إن لم تكونوا عبادا لحبار كم‬
‫وأئمت كم‪ ،‬بل ل تعالى وحده‪ ،‬وإن كن تم قد هجر تم طاعت هم إلى طاع ته‪ ،‬ف قد و جب علي كم أن تتبعوا ما وض عه ل كم من الحدود‪ ،‬ل ما‬
‫وضعوه في الحلل والحرام‪ .‬ومن ذلك جاءت كلمة (العبادة) في هذا الموضع أيضا بمعاني العبودية والطاعة‪.‬‬
‫(قل هل أُنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبة عند ال من لعنه ال وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت)‪(.‬المائدة‪)60 :‬‬
‫(ولقد بعثنا في كل أم ٍة رسولً أن اعبدوا ال واجتنبوا الطاغوت) (النحل‪)36 :‬‬
‫(والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى ال لهم البشرى) (الزمر‪)17 :‬‬

‫‪-40-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫المراد بعبادة الطاغوت في كل من هذه اليات الثلث هو العبود ية للطاغوت وإطاع ته‪ .‬ومع نى الطاغوت في إ صطلح القرآن – ك ما‬
‫سبقت الشارة إل يه – كل دولة أو سلطة و كل إما مة أو قيادة تب غي على ال وتتمرد‪ ،‬ثم تن فذ حكم ها في أر ضه وتح مل عباده على‬
‫طاعتها بالكراه أو بالغراء أو بالتعليم الفاسد‪ .‬فاستسلم المرء لمثل تلك السلطة وتلك المامة والزعامة وتعبّده لها ثم طاعته إياها‬
‫– كل ذلك منه عبادة – ول شك – للطاغوت!‬

‫العبادة بمعنى الطاعة‬
‫وخذ بعد ذلك اليات التي قد وردت فيها كلمة (العبادة) بمعناها الثاني فحسب؛ قال ال تعالى‪:‬‬
‫(ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن ل تعبدوا الشيطان إنه لكم عد ٌو مبين)‪( .‬يس‪)60 :‬‬
‫الظاهر أنه ل يتأله أحد للشيطان في هذه الدنيا‪ ،‬بل كل يلعنه ويطرده من نفسه‪ ،‬لذلك فإن الجريمة التي يصم بها ال تعالى بنى آدم‬
‫يوم القيامة ليست تألههم للشيطان في الحياة الدنيا‪ ،‬بل إطاعتهم لمره وابتاعهم لحكمه وتسرعهم إلى السبل التي أراهم إياها‪.‬‬
‫(احشروا الذيـن ظلموا وأزواجهـم ومـا كانوا يعبدون‪ .‬مـن دون ال فاهدوهـم إلى صـراط الجحيـم) … (وأقبـل بعضهـم على بعـض‬
‫يت ساءلون‪ .‬قالوا إن كم كن تم تأتون نا عن اليم ين‪ .‬قالوا بل لم تكونوا مؤمن ين‪ .‬و ما كان ل نا علي كم من سلطان بل كن تم قوما طاغ ين)‬
‫(الصافات‪)30– 27 ، 23 – 22 :‬‬
‫ويت ضح بإنعام الن ظر في هذه المحاورة ال تي حكا ها القرآن ب ين العابد ين وب ين ما كانوا يعبدون‪ ،‬أن ل يس المراد بالمعبود ين في هذا‬
‫المقام اللهـة والصـنام التـي كان يتأله لهـا القوم‪ ،‬بـل المراد أولئك الئمـة والهداة الذيـن أضلوا الخلق متظاهريـن بالنصـح‪ ،‬وتمثلوا‬
‫للناس في لبوس القدي سيين المطهر ين‪ ،‬فخدعو هم ب سبحاتهم وجبات هم وجعلوا تبعا ل هم‪ ،‬والذ ين أشاعوا في هم ال شر والف ساد با سم‬
‫النصح والصلح‪ .‬فالتقليد العمى لولئك الخداعين والتباع لحكامهم هو الذي قد عبر ال عنه بكلمة العبادة في هذه الية‪.‬‬
‫(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ال والمسيح بن مريم وما أمروا إل ليعبدوا إلها واحدا) (التوبة‪)31 :‬‬
‫والمراد باتخاذ العلماء والحبار أربابا من دون ال ثم عبادت هم في هذه ال ية هو اليمان بكونهـم مالكـي المـر والنهـي‪ ،‬والطاعـة‬
‫لحكامهم بدون سند من عند ال أو الرسول‪ ،‬وقد صرح بهذا المعنى رسول ال صلى ال عليه وسلم نفسه في الحاديث الصحيحة‪،‬‬
‫فلما قيل له‪ :‬إننا لم نعبد علماءنا وأحبارنا‪ ،‬قال‪ :‬ألم تحلوا ما أحلوه وتحرموا ما حرّموه؟‬

‫‪-41-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫العبادة بمعنى التأله‬
‫ولننظر بعد ذلك في اليات التي قد وردت فيها كلمة (العبادة) بمعناها الثالث‪ .‬وليكن منك على ذكر في هذا المقام أن العبادة بمعنى‬
‫التأله تشتمل على أمرين اثنين حسبما يدل عليه القرآن‪:‬‬
‫أوله ما‪ :‬أن يؤدي المرء ل حد من الشعائر كال سجود والركوع والقيام والطواف وتقب يل عت بة الباب والنذر والن سك‪ ،‬ما يؤد يه عادة‬
‫بقصد التأله والتنسك‪ ،‬ول عبرة بأن يكون المرء يعتقده إلها أعلى مستقلً بذاته‪ ،‬أو يأتي بكل ذلك إياه وسيلة للشفاعة والزلفى إليه‬
‫أو مؤمنا بكونه شريكا للله العلى وتابعا له في تدبير أمر هذا العالم‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن يظن المرء أحدا مسيطرا على نظام السباب في هذا العالم ثم يدعوه في حاجته ويستغيث به في ضره وآفته‪ ،‬ويعوذ به‬
‫عند نزول الهوال ونقص النفس والموال‪.‬‬
‫فهذان لوجهان من كلهما داخل في معاني التأله‪ ،‬والشاهد بذلك ما يأتي من آيات القرآن‪:‬‬
‫(قل إني نُهيتُ أنْ أع ُبدَ الذين تدعون من دون ال لما جاءني البينات من ربي) (غافر‪)66 :‬‬
‫(وأعتزلكم وما تدعون من دون ال وأدعو ربي) ‪..‬‬
‫(فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون ال وهبنا له إسحاق) (مريم‪)49 ،48 :‬‬
‫(ومن أضل ممن يدعو من دون ال من ل يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون‪ .‬وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء‬
‫وكانوا بعبادتهم كافرين)‪(.‬الحقاف‪)6-5 :‬‬
‫ففي كل من هذه اليات الثلث قد صرح القرآن نفسه بأن المراد بالعبادة فيها هو الدعاء والستغاثة‪.‬‬
‫(بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون) (سبأ‪)41 :‬‬
‫والمراد بعبادة الجن واليمان بهم في هذه الية‪ ،‬تفصله الية التية من سورة الجن‪:‬‬
‫(وأنه كان رجالٌ من النس يعوذون برجالٍ من الجن) (الجن‪)6 :‬‬
‫فيتبين منه أن المراد بعبادة الجن هو العياذ بهم واللجوء إليهم في الهوال ونقص الموال والنفس‪ ،‬كما أن المراد باليمان بهم هو‬
‫العتقاد بقدرتهم على العاذة والمحافظة‪.‬‬
‫(ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون ال فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلء أم هم ضلوا السبيل‪ .‬قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن‬
‫نتخذ من دونك من أولياء)‪( .‬الفرقان‪)18-17 :‬‬

‫‪-42-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ويتجلى من بيان هذه الية أن المقصود بالمعبود ين فيها هم الولياء وال نبياء والصلحاء والمراد بعبادتهم هو العتقاد بكونهم أجل‬
‫وأرفع من خصائص العبدية والظن بكونهم متصفين بصفات اللوهية وقادرين على العانة الغيبية وكشف الضر‪ ،‬والغاثة‪ ،‬ثم القيام‬
‫بين يديهم بشعائر التكريم والتعظيم فما يكاد يكون تألها وقنوتا!‪.‬‬
‫(ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملئكة أهؤلء إياكم كانوا يعبدون‪ .‬قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم) (سبأ‪)41-40 :‬‬
‫والمقصـود بعبادة الملئكـة فـي هذه اليـة هـو التأله والخضوع لهياكلهـم وتماثيلهـم الخياليـة‪ ،‬كمـا كان يفعله أهـل الجاهليـة‪ ،‬وكان‬
‫غرضهم من وراء ذلك أن يرضوهم‪ ،‬فيستعطفوهم ويستعينوا بهم في شؤون حياتهم الدنيا‪.‬‬
‫(ويعبدون من دون ال ما ل يضرهم ول ينفعهم ويقولون هؤلء شفعاؤنا عند ال) (يونس‪)18 :‬‬
‫(والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إل ليقربونا إلى ال زلفى) (الزمر‪)3 :‬‬
‫والمراد بالعبادة في هذه الية أيضا هو التأله‪ ،‬وقد فصل فيها أيضا الغرض الذي كانوا لجله يعبدونهم‪.‬‬

‫العبادة بمعنى العبدية والطاعة والتأله ‪:‬‬
‫ويت ضح كل الوضوح من جم يع ما تقدم من المثلة أن كل مة (العبادة) في القرآن قد ا ستعملت في ب عض الموا ضع بمعن يي العبود ية‬
‫والطا عة و في الخرى بمع نى الطا عة فح سب‪ ،‬و في الثال ثة بمع نى التأله وحده والن ق بل أن ن سوق لك المثلة ال تي قد جاءت في ها‬
‫كلمة (العبادة) شاملة لجميع المعاني الثلثة‪ ،‬ل بد أن تكون على ذكر من بعض المور الولية‪.‬‬
‫إن المثلة التي قد سردناها آنفا‪ ،‬تتضمن جميعا ذكر عبادة غير ال‪ ،‬أما اليات التي قد وردت فيها كلمة (العبادة) بمعنيي العبودية‬
‫والطاعـة‪ ،‬فإن المراد بالمعبود فيهـا إمـا الشيطان‪ ،‬وإمـا الناس المتمردون الذيـن جعلوا أنفسـهم طواغيـت‪ ،‬فحملوا عباد ال على‬
‫عبادت هم وإطاعت هم بدلً من عبادة ال وإطاع ته‪ ،‬أو هم الئ مة والزعماء الذي قادوا الناس إلى ما اخترعوه من سبل الحياة وطرق‬
‫المعاش جاعل ين كتاب ال وراء ظهر هم‪ .‬وأ ما اليات ال تي قد وردت في ها (العبادة) بمع نى التأله‪ ،‬فإن المعبود في ها عبارة إ ما عن‬
‫الولياء والنبياء والصلحاء الذين اتخذهم الناس آلهة لهم على رغم أنف هدايتهم وتعليمهم‪ ،‬وإما عن الملئكة والجن الذين اتخذوهم‬
‫ل سوء فهم هم شركاء في الربوب ية المهيم نة على قانون الطبي عة‪ ،‬أو هو عبارة عن تماث يل القوى الخيال ية وهياكل ها‪ .‬ال تي أ صبحت‬
‫ل ويجعل عبادتهم خطأ عظيما‬
‫وجهة عبادتهم وقبلة صلواتهم بمجرد إغراء الشيطان والقرآن الكريم يعد جميع أولئك المعبودين باط ً‬
‫سواءا تعبدهم الناس أو أطاعوهم أم تألهوا لهم‪ ،‬ويقول إن جميع من طفقتم تعبدونهم عباد ال وعبيده‪ ،‬فل يستحقون أن يعبدوا ول‬

‫‪-43-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫أن تم مكت سبون من عبادت هم غ ير الخي بة والمذلة والخزي‪ ،‬وأن مالك هم في الحقي قة ومالك جم يع ما في ال سماوات والرض هو ال‬
‫الواحد‪ ،‬وبيده كل المر وجميع السلطات والصلحيات ولجل ذلك ل يجدر بالعبادة إل هو وحده‪.‬‬
‫(إن الذ ين تدعون من دون ال عبادٌ أمثالكـم فاد عو فلي ستجيبوا لكـم إن ك تم صادقين) … (والذ ين تدعون من دو نه ل ي ستطيعون‬
‫نصركم ول أنفسهم ينصرون) (العراف‪)197 ،194 :‬‬
‫(وقالوا اتّخـذ الرحمـن ولدا سـبحانه بـل عبادٌ مكرمون‪ .‬ل يسـبقونه بالقول وهـم بأمره يعملون يعلم مـا بيـن أيديهـم ومـا خلفهـم ول‬
‫يشفعون إل لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون)‪(.‬النبياء‪)28-26 :‬‬
‫(وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) (الزخرف‪)19 :‬‬
‫(وجعلوا بينه وبين الجنّة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون) (الصافات‪)158 :‬‬
‫(لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ل ول الملئكة المقربون‪ ،‬ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا) (النساء‪:‬‬
‫‪)172‬‬
‫(الشمس والقمر بحسبان‪ .‬والنجم والشجر يسجدان) (الرحمن‪)6-5 :‬‬
‫(تسبح له السماوات السبع والرض ومن فيهنّ‪ ،‬وإن من شيء إل يسبح بحمده ولكن ل تفقهون تسبيحهم) (السراء‪)44 :‬‬
‫(وله من في السماوات والرض كل له قانتون) (الروم‪)26 :‬‬
‫(ما من دابة إل هو آخ ٌذ بناصيتها) (هود‪)56 :‬‬
‫(إن كلّ من في السماوات والرض إل آتي الرحمن عبدا‪ .‬لقد أحصاهم وعدهم عدا‪ .‬وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) (مريم‪)95-93 :‬‬
‫(قل اللهم ما لك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاءُ وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء‬
‫قدير) (آل عمران‪)26 :‬‬
‫كذلك بعد أن يقيم القرآن البرهان على كون جميع من عبدهم الناس بوجه من الوجوه عبيدا ل وعاجزين أمامه‪ ،‬يدعو جميع النس‬
‫والجن إلى أن يعبدوا ال تعالى وحده بكل معنى من معاني (العبادة) المختلفة‪ ،‬فل تكن العبدية إل له‪ ،‬ول يطع إل هو‪ ،‬ول يتأله المرء‬
‫إل له‪ ،‬ول تكن حبة خردل من أي تلك النواع للعبادة لوجه غير ال!‬
‫(ولقد بعثنا في كل أم ٍة رسولً أن اعبدوا ال واجتنبوا الطاغوت) (النحل‪)36 :‬‬
‫(والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى ال لهم البشرى) (الزمر‪)17 :‬‬
‫(ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن ل تعبدوا الشيطان إنه لكم عد ٌو مبين‪ .‬وأن اعبدوني هذا صراطٌ مستقيم)‪.‬‬

‫‪-44-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ال)‬
‫(وما أمروا إل ليعبدوا إلها واحدا) (التوبة‪)31 :‬‬
‫(يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا ل إن كنتم إياه تعبدون) (البقرة‪)172 :‬‬
‫قد أمر ال تعالى في هذه اليات أن تختص له العبادة التي هي عبارة عن العبدية والعبودية والطاعة والذعان‪ ،‬وقرينة ذلك واضحة‬
‫فـي اليات‪ ،‬فإن ال تعالى يأمـر فيهـا أن اجتنبوا إطاعـة الطاغوت والشيطان والحبار والرهبان والباء والجداد واتركوا عبديتهـم‬
‫جميعا‪ ،‬وادخلوا في طاعة ال الواحد الحد وعبديته‪.‬‬
‫(قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون ال لما جاءني البيّنات من ربي وأُمرت أن أسلم لرب العالمين) (غافر‪)66 :‬‬
‫(وقال ربكم ادعوني أستجب لكم‪ .‬إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (غافر‪)60 :‬‬
‫(ذلكم ال ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير‪ .‬إن تدعوهم ل يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم‬
‫ويوم القيامة يكفرون بشرككم) (فاطر‪)14-13 :‬‬
‫(قل أتعبدون من دون ال ما ل يملك لكم ضرا ول نفعا وال هو السميع العليم) (المائدة‪)76 :‬‬
‫وقد أمر ال تعالى في هذه اليات أن تختص له العبادة بمعنى التأله‪ .‬وقرينة ذلك أيضا واضحة في الية‪ ،‬وهو أن كلمة (العبادة) قد‬
‫ا ستعملت في ها بمع نى الدعاء‪ .‬و قد جاء في ما سبق و ما ل حق من اليات ذ كر الل هة الذ ين كانوا يشركون هم بال تعالى في الربوب ية‬
‫المهيمنة على ما فوق الطبيعة‪.‬‬
‫فالن ل يس من ال صعب في ش يء على ذي عين ين أن يتف طن إلى أ نه حيث ما ذكرت في القرآن عبادة ال تعالى ولم ت كن في اليات‬
‫ال سابقة أو اللحقة مناسبة تحصر كل مة العبادة في مع نى بعينه من المعاني المختلفة للكلمة‪ ،‬فإن المراد بها في جميع هذه المك نة‬
‫معانيها الثلثة‪ :‬العبودية والطاعة والتأله‪ .‬فانظر في اليات التالية مثلً‪:‬‬
‫(إني أنا ال ل إله إل أنا فاعبدوني) (طه‪)14 :‬‬
‫(ذلكم ال ربكم ل إله إل هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل) (النعام‪)102 :‬‬
‫(قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فل أعبد الذين تعبدون من دون ال ولكن أعبد ال الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من‬
‫المؤمنين) (يونس‪)104 :‬‬
‫( ما تعبدون من دو نه إل أ سماء سميتموها أن تم وآباؤ كم ما أنزل ال ب ها من سلطان‪ .‬إن الح كم إل ل أ مر أن ل تعبدوا إل إياه ذلك‬
‫الدين القيم) (يوسف‪)40 :‬‬

‫‪-45-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(ول غيب السماوات والرض وإليه يرجع المر كله فاعبده وتوكل عليه) (هود‪)123 :‬‬
‫(له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا‪ .‬رب السماوات والرض و ما بينهما فاعبده وا صطبر لعبادته) (مر يم‪:‬‬
‫‪)65 ،64‬‬
‫ل صالحا ول يشرك بعبادة ربه أحدا)‬
‫(فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عم ً‬

‫(الكهف‪)110 :‬‬

‫فل داعي لن تخص كلمة (العبادة) في هذه اليات وما شاكل ها بمع نى التأله وحده أو بمع نى العبد ية والطاعة فحسب‪ .‬بل الحق أن‬
‫القرآن في م ثل هذه اليات يعرض دعو ته بأكمل ها‪ .‬و من الظا هر أ نه لي ست دعوة القرآن إل أن تكون العبد ية والطا عة والتأله‪ ،‬كل‬
‫أولئك خالصا لوجه ال تعالى‪ :‬و من ثم إن حصر معاني كلمة (العبادة) في معني بعي نه‪ ،‬في الحقيقة‪ ،‬حصر لدعوة القرآن في معان‬
‫ضيقة‪ .‬ومن نتائجه المحتومة أن من آمن بدين ال وهو يتصور دعوة القرآن هذا التصور الضيق المحدود‪ ،‬فإنه لن يتبع تعاليمه إل‬
‫اتباعا ناقصا محدودا‪.‬‬

‫‪-46-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫‪ -4‬الـــــدين‬
‫التحقيق اللغوي‬
‫تستعمل كلمة الدين في كلم العرب بمعان شتى وهي‪:‬‬
‫(‪ )1‬الق هر وال سلطة والح كم وال مر‪ ،‬والكراه على الطا عة‪ ،‬وا ستخدام القوة القاهرة (‪ )Sovereignty‬فو قه‪ ،‬وجعله عبدا‪ ،‬ومطيعا‪،‬‬
‫فيقولون (دان الناس) أي قهرهم على الطاعة‪ ،‬وتقول (دنتهم فدانوا) أي قهرتهم فأطاعوا‪ .‬و (دنت القوم) أي أذللتهم واستعبدتهم‪ ،‬و‬
‫(دان الرجل) إذا عز و (دنت الرجل) حملته على ما يكره‪ .‬و (دُيّن فلن) إذا حمل على مكروه‪ .‬و (دنته) أي سسته وملكته‪ .‬و (ديّنته‬
‫القوم) وليته سياستهم‪ ،‬ويقول الحطيئة يخاطب أمه‪:‬‬
‫تركتهم أدق من الطحين‬

‫لقد دينت أمر بنيك حتى‬

‫وجاء في الحديث النبوي على صاحبه الصلة والسلم‪( :‬الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) أي قهر نفسه وذللها‪ ،‬ومن ذلك‬
‫يقال (ديان) للغالب القاهر على قطر أو أمة أو قبيلة والحاكم عليها‪ ،‬فيقول العشى الحرمازي يخاطب النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫يا سيد الناس وديان العرب‬
‫وبهذا العتبار يقال (مدين) للعبد والمملوك و (المدينة) للمة فـ (ابن المدينة) معناه ابن المة كما يقول الخطل‪:‬‬
‫ربت وربا في حجرها ابن مدينة‬
‫وجاء في التنزيل‪:‬‬
‫(فلول إن كنتم غير مدينين‪ .‬ترجعونها إن كنتم صادقين) (الواقعة‪)87-86 :‬‬
‫(‪ )2‬الطاعة والعبدية والخدمة والتسخر لحد والئتمار بأمر أحد‪ ،‬وقبول الذلة والخضوع تحت غلبته وقهره‪ .‬فيقولون (دنتهم فدانوا)‬
‫أي قهرتهم فأطاعوا‪ ،‬و (دنت الرجل) أي خدمته‪ ،‬وجاء في الحديث‪ ،‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم (أريد من قريش كلمة تدين‬
‫بها العرب) أي نطيعهم ونخضع لهم‪ .‬بهذا المعنى يقال للقوم المطيعين (قوم دين) بهذا المعنى نفسه قد وردت كلمة الدين في حديث‬
‫الخوارج (يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية)‬
‫(‪ )3‬الشرع والقانون والطريقة والمذهب والملة والعادة والتقليد‪ ،‬فيقولون (ما زال ذلك ديني وديدني) أي دأبي وعادتي‪ .‬ويقال (دان)‬
‫إذا اعتاد خيرا أو شرا‪ .‬وفي الحديث (كانت قريش ومن دان بدينهم) أي من كان على طريقتهم وعادتهم‪ ،‬وفيه (أنه عليه السلم كان‬
‫على دين قومه) أي كان يتبع الحدود والقواعد الرائجة في قومه في شؤون النكاح والطلق والميراث وغير ذلك من الشؤون المدنية‬
‫والجتماعية‪.‬‬

‫‪-47-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(‪ )4‬الجزاء والمكافأة والقضاء والحساب‪ .‬فمن أمثال العرب (كما تدين تدان) أي كما تصنع يصنع بك‪ .‬وقد روى القرآن قول الكفار‬
‫(أإنا لمدينون) أي هل نحن مجزيون محاسبون؟ وفي حديث ابن عمر رضي عنهما قال رسول ال صلى ال عليه وسلم (ل تسبوا‬
‫السلطين‪ ،‬فإن كان ل بد فقولوا اللهم دنهم كما يدينون) أي افعل بهم كما يفعلون بنا‪ .‬ومن هنا تأتي كلمة (الديان) بمعنى القاضي‬
‫وحاكم المحكمة وسئل أحد الشيوخ عن علي كرم ال وجهه فقال‪( :‬إنه كان ديان هذه المة بعد نبيها) أي كان أكبر قضاتها بعده‪.‬‬

‫استعمال كلمة (الدين) في القرآن‬
‫فيتبين مما تقدم أن كلمة (الدين) قائم بنيانها على معان أربعة‪ ،‬أو بعبارة أخرى هي تمثل الذهن العربي تصورات أربعة أساسية‪.‬‬
‫أولها‪ :‬القهر والغلبة من ذي سلطة عليا‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬الطاعة والتعبد والعبدية من قبل خاضع لذي السلطة‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬الحدود والقوانين والطريقة التي تتبع‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬المحاسبة والقضاء والجزاء والعقاب‪.‬‬
‫وكا نت العرب ت ستعمل هذه الكل مة ق بل ال سلم بهذا المع نى تارة أخرى ح سب لغات هم المختل فة؛ إل أن هم ل ما لم ت كن ت صوراتهم لتلك‬
‫المور الرب عة واض حة جل ية ول كان ل ها من ال سمو والب عد ن صيب‪ ،‬كان ا ستعمال كل مة (الد ين) مشوبا بشوائب الل بس والغموض‪،‬‬
‫ولذلك لم ي تح ل ها أن تكون م صطلحا من م صطلحات نظام ف كر مت ين‪ ،‬ح تى نزل القرآن فو جد هذه الكل مة ملئ مة لغرا ضه؛ فاقتنا ها‬
‫وا ستعملها لمعان يه الواض حة المتعي نة‪ ،‬وا صطنعها م صطلحا له مخ صوصا‪ .‬فأ نت ترى أن كل مة (الد ين) في القرآن تقوم مقام نظام‬
‫بأكلمه‪ ،‬يتركب من أجزاء أربعة هي‪:‬‬
‫‪-1‬الحاكمية والسلطة العليا‪.‬‬
‫‪-2‬الطاعة والذعان لتلك الحاكمية والسلطة‪.‬‬
‫‪-3‬النظام الفكري والعملي المتكون تحت سلطان تلك الحاكمية‪.‬‬
‫‪-4‬المكافأة التي تكافئها السلطة العليا على اتباع ذلك النظام والخلص له أو على التمرد عليه والعصيان له‪.‬‬
‫ويطلق القرآن كل مة (الد ين) على معني ها الول والثا ني تارة‪ ،‬وعلى المع نى الثالث أخرى وعلى الرا بع ثال ثة‪ ،‬وطورا ي ستعمل كل مة‬
‫(الدين) ويريد بها ذلك النظام الكامل بأجزائه الربعة في آن واحد‪ .‬وليضاح ذلك يجمل بنا النظر فيما يأتي من اليات الكريمة‪:‬‬

‫‪-48-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫الدين بالمعنيين الول والثاني‪:‬‬
‫(ال الذي جعل لكم الرض قرارا والسماء بناءً وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم ال ربكم فتبارك ال رب العالمين‪،‬‬
‫هو الحي ل إله إل هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد ل رب العالمين) (غافر‪)65-64 :‬‬
‫(قل إني أمرت أن أعبد ال مخلصا له الدين‪ .‬وأمرت لن أكون أول المسلمين) ‪( ..‬قل ال أعبد مخلصا له ديني‪ .‬فاعبدوا ما شئتم من‬
‫دونه) …‬
‫(والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى ال لهم البشرى) ‪( ..‬إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد ال مخلصا له الدين‪ .‬أل ل‬
‫الدين الخالص) (الزمر‪ 12-11 :‬و ‪ ،17‬و ‪)3-2‬‬
‫(وله ما في السماوات والرض وله الدين واصبا أفغير ال تتقون) (النحل‪)52 :‬‬
‫(أفغير دين ال يبغون وله أسلم من في السماوات والرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) (آل عمران‪)82 :‬‬
‫(وما أمروا إل ليعبدوا ال مخلصين له الدين حنفاء) (البينة‪)5 :‬‬
‫فـي جميـع هذه اليات قـد وردت كلمـة (الديـن) بمعنـى السـلطة العليـا‪ ،‬ثـم الذعان لتلك السـلطة وقبول إطاعتهـا وعبديتهـا‪ .‬والمراد‬
‫بإخلص الد ين ل أل ي سلم المرء ل حد من دون ال بالحاكم ية والح كم وال مر‪ ،‬ويخلص إطاع ته وعبدي ته ل تعالى إخل صا ل يتع بد‬
‫بعده لغيره ال ول يطيعه إطاعة مستقلة بذاتها‪.‬‬
‫الدين بالمعنى الثالث‬
‫ك من دي ني فل أعبدُ الذين تعبدون من دون ال ولكن أع بد ال الذي يتوفا كم وأمرت أن أكون من‬
‫( قل يا أي ها الناس إن كن تم في ش ٍ‬
‫المؤمنين‪ .‬وأن أقم وجهك للدين حنيفا ول تكونن من المشركين) (يونس‪)105-104 :‬‬
‫(إن الحُكم إل ل أمر أن ل تعبدوا إل إياه ذلك الدين القيم) (يوسف‪)40 :‬‬
‫(وله من في السماوات والرض كلٌ له قانتون) ‪..‬‬
‫ل من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم) … (بل‬
‫(ضرب لكم مث ً‬
‫اتّبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم)… (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ال التي فطر الناس عليها ل تبديل لخلق ال ذلك الدين القيم‬
‫ولكن أكثر الناس ل يعلمون) (الروم‪ 26 :‬و ‪)30 ،29 ،28‬‬
‫(الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ول تأخذكم بهما رأفة في دين ال) (النور‪)2 :‬‬

‫‪-49-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(إ نّ عدة الشهور ع ند ال اث نا ع شر شهرا في كتاب ال يوم خلق ال سماوات والرض‪ ،‬من ها أرب عة حرمٌن ذلك الد ين الق يم) (التو بة‪:‬‬
‫‪)36‬‬
‫(كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) (يوسف‪)76 :‬‬
‫(وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم) (النعام‪)137 :‬‬
‫(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ال) (الشورى‪)21 :‬‬
‫(لكم دينكم ولي دين) (الكافرون‪)6 :‬‬
‫المراد ب ـ (الد ين) في جم يع هذه اليات هو القانون والحدود والشرع والطري قة والنظام الفكري والعملي الذي يتق يد به الن سان فإن‬
‫كانت السلطة التي يستند إليها المرء لتباعه قانونا من القوانين أو نظاما من النظم سلطة ال تعالى‪ ،‬فالمرء ل شك في دين ال عز‬
‫وجل‪ ،‬وأما إن كانت تلك السلطة سلطة ملك من الملوك‪ ،‬فالمرء في دين الملك‪ ،‬وإن كانت سلطة المشايخ والقسوس فهو في دينهم‪.‬‬
‫وكذلك إن كا نت تلك ال سلطة سلطة العائلة أو العشيرة أو جماه ير ال مة‪ ،‬فالمرء ل جرم في د ين هؤلء‪ .‬ومو جز القول أن من يت خذ‬
‫المرء سنده أعلى السناد وحكمه منتهى الحكام ثم يتبع طريقا بعينه بموجب ذلك‪ ،‬فإنه –ل شك‪ -‬بدينه يدين‪.‬‬

‫الدين بالمعنى الرابع‪:‬‬
‫(إنّ ما توعدون لصادق وإن الدين لواقع) (الذاريات‪)6-5 :‬‬
‫(أرايت الذي يكذب بالدين‪ .‬فذلك الذي يدع اليتيم‪ .‬ول يحض على طعام المسكين) (الماعون ‪)3-1‬‬
‫س شيئا والمر يومئذ ل) (النفطار‪)19-17 :‬‬
‫(وما أدراك ما يوم الدين‪ .‬ثم ما أدراك ما يوم الدين‪ .‬يوم ل تملك نفسٌ لنف ٍ‬
‫قد وردت كلمة (الدين) في هذه اليات بمعنى المحاسبة والقضاء والمكافأة‪.‬‬

‫الدين‪ :‬المصطلح الجامع الشامل‬
‫إلى هذا المقام قد استعمل القرآن كلمة (الدين) فيما يقرب من معانيها الرائجة في كلم العرب الول‪ .‬ولكننا نرى بعد ذلك أنه يستعمل‬
‫هذه الكل مة م صطلحا جامعا شاملً ير يد به نظاما للحياة يد عن فيه المرء ل سلطة عل يا لكائن ما‪ ،‬ثم يق بل إطاع ته واتبا عه ويتق يد في‬
‫حيا ته بحدوده وقواعده وقواني نه وير جو في طاع ته العزة والتر قي في الدرجات وح سن الجزاء‪ ،‬ويخ شى في ع صيانه الذلة والخزي‬
‫وسوء العقاب‪ .‬ولعله ل يوجد في لغة من لغات العالم مصطلح يبلغ من الشمول والجامعية أن يحيط بكل هذا المفهوم‪ .‬وقد كادت كلمة‬

‫‪-50-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(‪ )State‬تبلغ قريبا من ذلك المفهوم ولكنها تفتقر إلى مزيد من التساع لجل إحاطتها بحدود معاني كلمة (الدين)‪ .‬وفي اليات التالية‬
‫قد استعمل (الدين) بصفة هذا المصطلح الجامع‪:‬‬

‫(الول والثاني)‬

‫(الرابع)‬

‫(الثالث)‬

‫(قاتلوا الذ ين ل يؤمنون بال ول باليوم ال خر ول يحرّمون ما حرّم ال ور سوله ول يدينون د ين ال حق من الذ ين أوتوا الكتاب ح تى‬
‫يعطوا الجزية عن ي ٍد وهم صاغرون)‬

‫(التوبة‪)29 :‬‬

‫(الد ين ال حق) في هذه ال ية كل مة ا صطلحية قد شرح معاني ها وا ضح ال صطلح نف سه عز و جل‪ ،‬في الج مل الثلث الولى‪ ،‬و قد‬
‫أوضحنا بوضع العلمات على متن الية أنه قد ذكر ال تعالى فيها جميع معاني كلمة (الدين) الربعة‪ ،‬ثم عبر عن مجموعها بكلمة‬
‫(الدين الحق)‪.‬‬
‫(وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدعُ ربّه إني أخاف أن يبدّل دينكم أو يظهر في الرض الفساد) (غافر‪)26 :‬‬
‫وبملحظة جميع ما ورد في القرآن من تفاصيل لقصة موسى عليه السلم وفرعون‪ ،‬ل يبقى من شك أن كلمة (الدين) لم ترد في تلك‬
‫اليات بمعنى النحلة والديانة فحسب‪ ،‬أريد بها الدولة ونظام المدينة أيضا‪ .‬فكان مما يخشاه فرعون ويعلنه‪ :‬أنه إن نجح موسى عليه‬
‫السلم في دعوته‪ ،‬فإن الدولة ستدول وإن نظام الحياة القائم على حاكمية الفراعنة والقوانين والتقاليد الرائجة سيقتلع من أصله‪ .‬ثم‬
‫إما أن يقوم مقامه نظام آخر على أسس مختلفة جدا‪ ،‬وإما أل يقوم بعده أي نظام‪ .‬بل يعم كل المملكة الفوضى والختلل‪.‬‬
‫(إن الدين عند ال السلم) (آل عمران‪)16 :‬‬
‫(ومن يبتغ غير السلم دينا فلن يقبل منه) (آل عمران‪)85 :‬‬
‫(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (التوبة‪)33 :‬‬
‫(وقاتلوهم حتى ل تكون فتنة ويكون الدين كله ل) (النفال‪)39 :‬‬
‫(إذا جاء نصر ال والفتح ورأيتَ الناس يدخلون في دين ال أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) (سورة النصر)‬
‫المراد بـ (الدين) في جميع هذه اليات هو نظام الحياة الكامل الشامل لنواحيها من العتقادية والفكرية والخلقية والعملية‪.‬‬
‫فقد قال ال تعالى في اليتين الولين إن نظام الحياة الصحيح المرضي عند ال هو النظام المبني على إطاعة ال وعبديته‪ .‬وأما ما‬
‫سواه من النظم المبنية على إطاعة السلطة المفروضة من دون ال‪ ،‬فإنه مردود عند‪ ،‬ولم يكن بحكم الطبيعة ليكون مرضيا لديه‪ ،‬ذلك‬

‫‪-51-‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫بأن الذي ليس النسان إل مخلوقه ومملوكه‪ ،‬ول يعيش في ملكوته إل عيشة الرعية‪ ،‬لم يكن ليرضى بأن يكون للنسان الحق في أن‬
‫يحيا حياته على إطاعة غير سلطة ال وعبديتها‪ ،‬أو على اتباع أحد من دون ال‪.‬‬
‫وقال في ال ية الثال ثة أ نه قد أر سل ر سوله صلى ال عل يه و سلم بذلك النظام ال حق ال صحيح للحياة الن سانية ‪-‬أي ال سلم‪ -‬وغا ية‬
‫رسالته أن يظهره على سائر النظم للحياة‪.‬‬
‫وفي الرابعة قد أمر ال المؤمنين بدين السلم أن يقاتلوا من في الرض ول يكفوا عن ذلك حتى تمحي الفتنة‪ ،‬وبعبارة أخرى حتى‬
‫يمحي جميع النظم القائمة على أساس البغي على ال‪ ،‬وحتى يخلص ل تعالى نظام الطاعة والعبدية كله‪.‬‬
‫وفي الية الخيرة الخامسة قد خاطب ال تعالى نبيه صلى ال عليه وسلم حين النقلب السلمي بعد الجهد والكفاح المستمر مدة‬
‫ثلث وعشرين سنة‪ ،‬وقام السلم بالفعل بجميع أجزائه وتفاصيله نظاما للعقيد والفكر والخلق والتعليم والمدنية والجتماع والسياسة‬
‫والقت صاد‪ ،‬وجعلت وفود العرب تتا بع من نوا حي الق طر وند خل في حظيرة هذا النظام‪ ،‬فإذا ذاك – و قد أدى النبي رسالته ال تي بعث‬
‫لجلها – يقول له ال تعالى‪ :‬إياك أن تظن أن هذا العمل الجليل الذي قد تم على يديك من كسبك ومن سعيك‪ ،‬فيدركك العجب به‪ ،‬وإنما‬
‫المنزه عن النقص والعيب والمنفرد بصفة الكمال هو ربك وحده‪ ،‬فسبح بحمده واشكره على توفيقه إياك للقيام بتلك المهمة الخطيرة‬
‫وأسأله‪ :‬ال اغفر لي ما عسى أن يكون قد صدر مني من التق صير والتفريط في واجيي خلل الثلث والعشرين سنة التي قد قمت‬
‫بخدمتك فيها‪:‬‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد ل رب العالمين‬

‫‪-52-‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful