‫محمد قطب‬

‫مذاهب فكرية‬
‫معاصرة‬
‫الديمق‬
‫راطية‬
‫الشيوعي‬
‫ة‬
‫العلمانية‬
‫العقلنية‬
‫القومية‬
‫والوطنية‬
‫النسانية‬
‫اللحاد‬

‫موقع الصحوة‬
‫‪http://www.sahwah.net‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫} َ‬
‫قيما ً َ‬
‫سب ُ َ‬
‫ه َ‬
‫ل‬
‫ست َ ِ‬
‫ن َ‬
‫صَرا ِ‬
‫ذا ِ‬
‫وأ ّ‬
‫ول ت َت ّب ِ ُ‬
‫فات ّب ِ ُ‬
‫عوا ال ّ‬
‫م ْ‬
‫طي ُ‬
‫عوهُ َ‬
‫َ‬
‫م ت َت ّ ُ‬
‫فت َ َ‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫م َ‬
‫م بِ ِ‬
‫سِبيل ِ ِ‬
‫قو َ‬
‫ه لَ َ‬
‫ن َ‬
‫ع ْ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫صاك ُ ْ‬
‫ه ذَل ِك ُ ْ‬
‫فّرقَ ب ِك ُ ْ‬
‫و ّ‬
‫م َ‬
‫‪] {(153‬سورة النعام ‪[6/153‬‬
‫صدق الله العظيم‬

‫مقدمة‬
‫تسيطر اليوم أوروبا " ‪ " 1‬بكل قوتها على العالم كله‪.‬‬
‫ومع السيطرة تتسرب مجموعة من الفكار والمذاهب‬
‫والمعتقدات‪ ،‬بل الخرافات كذلك– كخرافة الطبيعة الخالقة‪،‬‬
‫والمادة الزلية البدية المتطورة – فتنصب فى أذهان الشعوب التى‬
‫غلبت عليها أوروبا ‪ ،‬إما عن طريق التسرب التلقائى الذى ينشأ من‬
‫تقليد المغلوب للغالب ليضمن تبعيته له وعدم خروجه على طاعته ‪.‬‬
‫ولم تكن سيطرة أوروبا – بكل قوتها – هى السبب الوحيد فى‬
‫الحقيقة لهذا التسرب التقائى أو ذلك الغزو الفكرى‪ ،‬إنما كان هناك‬
‫سبب ل يقل أهمية عن هذه السيطرة إن لم يكن– فى نظرنا–‬
‫أهم‪ ،‬هو غياب البديل الذى يمكن أن يأخذ مكان هذه الفكار‬
‫والمذاهب والخرافات إذا تبين عدم جدارتها بالتباع‪ ،‬بل الذى يحول‬
‫أصل ً دون التوجه إليها واتباعها فى حالة وجوده‪ ،‬ونعنى به‬
‫السلم ‪ ..‬ذلك أن غيابه يعطى هذه المذاهب والفكار فى نفوس‬
‫الناس حجية المر الواقع وثقل المر الواقع ‪ .‬أى أنها تصبح فى‬
‫حس الناس جديرة بالتباع ل لجدارتها الذاتية‪ ،‬ول لنها فى ذاتها‬
‫صحيحة‪ ،‬ولكن فقط لنها موجودة بالفعل‪ ،‬والبديل غري موجود !‬
‫ولن نتعرض فى هذا الكتاب لسباب غياب هذا البديل‪ ،‬ول للنتائج‬
‫الخطيرة التى نتجت عن غيابه بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للعالم‬
‫كله " ‪ ." 2‬إنما أردنا فى هذا الكتاب أن نتعرض لهذه الفكار‬
‫والمذاهب ذاتها‪ ،‬فنعرضها عرضا ً موضوعيا ً نبين فيه ما تحتوى عليه‬
‫من حقائق وما تحتوى عليه من أباطيل‪ ،‬ونبين فيه– أهم من ذلك –‬
‫الظروف التى أدت إلى نشأتها وتشكلها على هذه الصورة‪ ،‬فإن‬
‫كثيرا ً من الناس الذين يأخذونها على أنها أمر واقع‪ ،‬ل يسألون‬
‫أنفسهم كيف نشأت‪ ،‬وما الظروف التى جعلتها تأخذ هذه الصورة‪،‬‬
‫كأنهم يعتقدون– من ثقلة المر الواقع على حسهم – أنها ذات وجود‬
‫طبيعى‪ ،‬وأن الصورة التى هى عليها هى الصورة الطبيعية لهذا‬
‫المذهب أو ذاك‪ ،‬ول يضعون فى حسابهم أن ظروفا ً محلية بحتة‬
‫فى أوروبا هى التى جعلت الفكر الوروبى يتجه هذه المتجهات‪،‬‬
‫ويسلك هذه المسالك‪ ،‬وأنه لو كانت هناك ظروف مختلفة‪،‬‬
‫لعتنقت أوروبا أفكارا ً ومذاهب من نوع آخر ‪.‬‬
‫بعبارة أخرى إن هذه الفكار والمذاهب هى انعكاس لظروف‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫" " ليس المقصود بأوروبا حدودها الجغرافية ‪ .‬إنما المقصود "الغرب" كله بامتداده المريكى والروسى على‬
‫السواء‪.‬‬
‫" " فى النية إصدار كتاب فى هذا الموضوع بعنوان "واقعنا المعاصر"‪.‬‬

‫محلية بحتة فى أوروبا ‪ ،‬وليست كما هى فى حس الوروبيين ومن‬
‫يدور فى فلكهم من الشعوب المغلوبة " قيما " قائمة بذاتها‪ ،‬ول‬
‫أفكارا ً " إنسانية " تنبع نبعا ً ذاتيا ً من كيان " النسان " بوصفه‬
‫إنسانا ً ‪ .‬ولم يكن من الحتم أن تعتنقها أوروبا ذاتها– لو أتيحت لها‬
‫ظروف أفضل – وليس من الحتم أن يعتنقها أحد فى خارج أوروبا‬
‫ما دامت ظروفه غير ظروف القوم هناك ‪.‬‬
‫وهذا الكتاب لم يكتب للمسلمين وحدهم‪ ،‬وإن كان المسلمون‬
‫يستطيعون أن يفيدوا منه مزيدا ً من المعرفة بدينهم‪ ،‬على قول‬
‫الفاروق عمر رضى الله عنه ‪ " :‬ل يعرف السلم من لم يعرف‬
‫الجاهلية ! " فمعرفة المسلمين بانحرافات الجاهلية المعاصرة‬
‫تزيدهم معرفة بكمال الدين المنزل من عند الله ‪.‬‬
‫ولكنى كتبته لكل من يرغب أن يعممرف شمميئا ً عممن هممذه الممذاهب‬
‫المنتشرة فى الرض اليمموم‪ ،‬وأسممباب نشممأتها وتشممكلها علممى هممذه‬
‫الصورة ‪ .‬ولم أقصد به أن يكون دراسة متخصصممة‪ ،‬ولكنممى حمماولت‬
‫أن أضع فيه القممدر المناسممب مممن المعلومممات‪ ،‬الممذى يلقممى ضمموءا ً‬
‫معقول ً على هذه المذاهب والفكار ‪.‬‬
‫ولم أتحدث عن كل المذاهب المعاصرة‪ ،‬فلم يكن قصدى‬
‫الستقصاء‪ ،‬إنما رضت لبرز هذه المذاهب وأكثرها انتشارا ً فى‬
‫عالمنا المعاصر‪ ،‬فاخترت منها ‪ :‬الديمقراطية والشيوعية والعلمانية‬
‫والعقلنية والقومية والوطنية والنسانية اللحاد ‪.‬‬
‫فإن كنت قد قصرت فيما بذلت من الجهد فهذا هو العجز‬
‫البشرى‪ ،‬وأن كنت قد وفقت فمن الله التوفيق ‪.‬‬
‫محمد قطب‬

‫التمهيد الول‬
‫الدين والكنيسة‬
‫نبذة تاريخية‬
‫أول ً ‪ :‬تحريف الدين ‪:‬‬
‫لم تعرف أوروبا قط دين الله المنزل على حقيقته الربانية ‪.‬‬
‫إنما عرفت صورة محرفة من صنع الكنيسة الوروبية ل صلة لهمما‬
‫بالصممل المنممزل‪ ،‬الممذى أرسممل المسمميح ليبلغممه لبنممى إسممرائيل ‪:‬‬
‫}ورسول ً إَلى بِني إسراِئي َ َ‬
‫م‪] {...‬سورة‬
‫م ِبآي َةٍ ِ‬
‫َ‬
‫ََ ُ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫جئ ْت ُك ُ ْ‬
‫ل أّني قَد ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ِ ْ َ‬
‫ِ‬
‫آل ‪[3/49‬‬
‫وإذا استثنينا أفرادا ً قلئل‪ ،‬متناثرين على طول التاريمخ المسميحى‬
‫من بعثة عيسى عليه السمملم إلممى بعثممة الرسممول صمملى اللممه عليممه‬
‫وسلم فإن الجماهير الوروبية ظلت تستقى دينها ممن رجمال المدين‬
‫من البابوات والكرادلة‪ ،‬ومممن المجممامع المقدسممة وشممراح الناجيممل‬
‫المحرفة‪ ،‬وتعتبرهم مرجعا ً ل يرقى إليه الشك ول يجوز أن يناقش !‬
‫فاتخذوهم– على الحقيقة ل على المجاز – أربابا ً من دون الله ‪:‬‬
‫ذوا أ َحبممارهُم ورهْبممانه َ‬
‫خ ُ‬
‫ن‬
‫}ات ّ َ‬
‫م ِ‬
‫م أْرَباب ما ً ِ‬
‫سممي َ‬
‫ن ُ‬
‫ن الل ّمهِ َوال ْ َ‬
‫ْ َ َ ْ َُ َ َُ ْ‬
‫ح اب ْم َ‬
‫دو ِ‬
‫مم ْ‬
‫ُ‬
‫ممما‬
‫دوا إ َِلهما ً َوا ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫سمب ْ َ‬
‫ممُروا إ ِل ّ ل ِي َعْب ُم ُ‬
‫ه إ ِل ّ هُموَ ُ‬
‫ه عَ ّ‬
‫حان َ ُ‬
‫حممدا ً ل إ ِل َم َ‬
‫م وَ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫َ‬
‫شرِ ُ‬
‫يُ ْ‬
‫ن )‪] {(31‬سورة التوبة ‪[9/31‬‬
‫كو َ‬
‫وفى القرون الثلثة الولى من ميلد المسيح كان الباطرة وثنيين‬
‫ل يؤمنون بدين منزل‪ ،‬فكانوا يضطهدون النصارى من صح اعتقمماده‬
‫منهم ومن انحرف وحرف‪ ،‬يسممومونهم سمموء العممذاب‪ ،‬ويشممردونهم‬
‫فى الرض‪ ،‬حتى اتخذ فريق منهممم الديممرة والملجممئ فممى أطممراف‬
‫الرض فرارا ً من العذاب ‪.‬‬
‫وفى القرن الرابع تغير المر حين اعتنق المممبراطور قسممطنطين‬
‫المسيحية وفرضها على المبراطوريممة ‪ .‬ولكممن الممدين الممذى فرضممه‬
‫قسطنطين هو– باعتراف المؤرخين والمفكرين الغربييممن أنفسممهم–‬
‫شئ آخر غير الدين الذى بشر به المسيح ‪.‬‬
‫يقول درابر المريكى فى كتابه " الدين والعلم "‬
‫" ودخلت الوثنية والشرك فى النصرانية بتممأثير المنممافقين الممذين‬
‫تقلممدوا وظممائف خطيممرة‪ ،‬ومناصممب عاليممة فممى الدولممة الروميممة‬
‫بتظاهرهم بالنصرانية ‪ .‬ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين‪ ،‬ولم يخلصوا‬
‫له يوما ً من اليام ‪ ..‬وكذلك كان قسطنطين ‪ ..‬فقد قضى عمره فى‬
‫الظلم والفجور‪ ،‬ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إل قليل ً فممى آخممر‬
‫عمره )سنة ‪337‬م( ‪.‬‬

‫" إن الجماعة النصرانية‪ ،‬وإن كانت قممد بلغممت مممن القمموة بحيممث‬
‫ولت قسطنطين الملك‪ ،‬ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنيممة‬
‫وتقتلع جرثومتها ‪ .‬وكان نتيجممة كفاحهمما أن اختلطممت مبادئهمما‪ ،‬ونشممأ‬
‫من ذلك دين جديد‪ ،‬تتجلى فيه النصممرانية والوثنيممة سممواء بسممواء ‪..‬‬
‫هنالك يختلف السلم عن النصرانية إذ قضى على منافسه " الوثنية‬
‫" قضاء باتا‪ ،‬ونشر عقائده خالصة بغير غش ‪..‬‬
‫" وإن هذا المممبراطور الممذى كممان عبممدا ً للممدنيا‪ ،‬والممذى لممم تكممن‬
‫عقائده الدنين تسمماوى شمميئًا‪ ،‬رأى لمصمملحته الشخصممية‪ ،‬ولمصمملحة‬
‫الحزبيممن المتنافسممين – النصممرانى والمموثنى – أن يوحممدهما ويؤلممف‬
‫بينهممما‪ ،‬حممتى إن النصممارى الراسممخين أيضما ً لممم ينكممروا عليممه هممذه‬
‫الخطممة ‪ .‬ولعلهممم كممانوا يعتقممدون أن الديانممة الجديممدة سممتزدهر إذا‬
‫طعمممت ولقحممت بالعقممائد الوثنيممة القديمممة ! وسمميخلص الممدين‬
‫النصرانى عاقبة المر من أدناس الوثنية وأرجاسها " ‪"1‬‬
‫ويقول فشر المؤرخ النجليزى ‪:‬‬
‫" إن حكمة الكنيسة المسيحية هدت آباءها الولين إلى قبممول ممما‬
‫لم يستطيعوا له منعا ً من قديم العادات والتقاليممد والمعتقممدات " !!‬
‫" بدليل استقبال الكنيسة لمبممدأ تعممدد اللهممة الراسممخ بيممن شممعوب‬
‫‪2‬‬
‫البحر البيض المتوسط‪ ،‬وتطويع ذلك المبدأ لما تقتضيه عقائدها "‬
‫" !!‬
‫ويقول رينان الفيلسوف الفرنسى ‪:‬‬
‫" إنه ينبغى لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقى كممما كممان يفهمممه‬
‫هو أن نبحث فى تلك التفاسير والشروح الكاذبة التى شمموهت وجممه‬
‫التعليم المسيحى حتى أخفته عممن البصممار تحممت طبقممة كثيفممة مممن‬
‫الظلم ‪ .‬ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذى لم يفهممم تعليممم المسمميح‬
‫بل حمله على محمل آخممر ثممم مزجممه بكممثير مممن تقاليممد الفريسممين‬
‫وتعاليم العهد القديم ‪ .‬وبولس كما ل يخفممى كممان رسممول ً للمممم‪ ،‬أو‬
‫رسممول الجممدال والمنازعممات الدينيممة‪ ،‬وكممان يميممل إلممى المظمماهر‬
‫الخارجية الدينية كالختان وغيره ن فأدخل أميمماله هممذه علممى الممدين‬
‫المسمميحى فأفسممده ‪ .‬ومممن عهممد بممولس ظهممر التلمممود المعممروف‬
‫بتعاليم الكنائس ‪ .‬وأما تعليم المسيح الصلى الحقيقى فخسر صفته‬
‫اللهية الكمالية‪ ،‬بل أصبح احدى حلقات سلسلة المموحى الممتى أولهمما‬
‫منذ ابتداء العممالم وآخرهمما فممى عصممرنا الحممالى‪ ،‬والمستمسممكة بهمما‬
‫جميع الكنائس‪ ،‬وإن أولئك الشراح والمفسرين يدعون المسيح إلهما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫" " نقل ً عن كتاب " ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين " للسيد أبى الحسن الندوى ‪.‬‬
‫" " تاريخ أوروبا فى العصور الوسطى ج ‪ 1‬ص ‪80‬‬

‫دون أن يقيممموا علممى ذلممك الحجممة‪ ،‬ويسممتندون فممى دعممواهم علممى‬
‫أقوال وردت فى خمسة أسفار ‪ :‬موسى والزبممور‪ ،‬وأعمممال الرسممل‬
‫ورسائلهم‪ ،‬وتأليف أباء الكنيسممة‪ ،‬مممع أن تلممك القمموال ل تممدل أقممل‬
‫على أن المسيح هو الله " ‪" 1‬‬
‫ويقول برنتن ‪:‬‬
‫" إن المسمميحية الظممافرة فممى مجمممع نيقيممة – وهممى العقيممدة‬
‫الرسمية فى أعظم إمبراطورية فى العالم – مخالفة كممل المخالفممة‬
‫لمسيحية المسيحيين فى الجليممل " ‪ " 2‬ولممو أن المممرء اعتممبر العهممد‬
‫الجديد التعبير النهائى عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلممك قطع ما ً‬
‫ل بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية الولممى فحسممب‪،‬‬
‫بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتا " ‪" 3‬‬
‫ويقول المؤرخ النجليزى ويلز ‪:‬‬
‫" وظهر لوقت معلم آخر عظيم يعده كثير من الثقات العصممريين‬
‫المؤسس الحقيقى للمسيحية وهو شاول الطرطوسى أو بممولس ‪..‬‬
‫والراجممح أنممه كممان يهممودى المولممد‪ ،‬وإن كممان بعممض الكتمماب اليهممود‬
‫ينكرون ذلك‪ ،‬ول مراء فى أنه تعلم على أساتذة من اليهود بيممد أنممه‬
‫كان متبحرا ً فى لهوتيات السكندرية الهلينية ‪ ..‬وهو متممأثر بطممرائق‬
‫التعبير الفلسفى للمدارس الهلنستية ن وبأساليب الرواقييممن‪ ،‬كممان‬
‫صاحب نظريممة دينيممة ومعلمما ً يعلممم النمماس قبممل أن يسمممع بيسمموع‬
‫الناصرى بزمن طويل ‪ ..‬ومن الراجح جدا ً أنه تممأثر بالمثرائيممة إذ هممو‬
‫يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرانية ‪ .‬ويتضح لكل من‬
‫يقرأ رسائله المتنوعممة جنبما ً إلممى جنممب مممع الناجيممل أن ذهنممه كممان‬
‫مشبعا ً بفكرة ل تظهر قط بممارزة قويممة فيممما نقممل عممن يسمموع مممن‬
‫أقوال وتعليم‪ ،‬أل وهى فكرة الشخص الضحية الذى يقدم فربانا ً لله‬
‫كفارة عن الخطيئة ‪ .‬فما بشر بممه يسمموع كممان ميلدا ً جديممدا ً للممروح‬
‫النسانية ‪ .‬أما ما علمه بولس فهو الديانممة القديمممة ‪ .‬ديانممة الكمماهن‬
‫والمذبح وسفك الدماء لسترضاء الله " ‪" 4‬‬
‫ويقول أيضا ً ‪:‬‬
‫" وفى أثناء ذلك المد غيممر المحممدد كممان يحممدث فيممما يبممدو قممدر‬
‫جسيم من ضرب بعينه من الثيوكرازيا )أى التوحيد والمطابقممة بيممن‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫" " عن محاضرات فى النصرانية " للشيخ محمد أبو زهرة ص ‪ . 215‬وواضح أن رينان قد ركز على نقطة الفساد‬
‫الحقيقية فى تعاليم الكنيسة وهى تأليه المسيح ‪ ،‬ولكنه خلط بها مسألة الختان وغيرها مما سماه " مظاهر خارجية "‬
‫ولم تكن مسألة الختان التى عجزت الكنيسة عن تطبيقها هى التى أفسدت المسيحية – وهى من تعاليم إبراهيم عليه‬
‫السلم التى تلقاها من الوحى – إنما كانت مسألة التثليت وتأليه عيسى عليه السلم ‪.‬‬
‫" " أى المسيحية الولى كما جاء فى كلم الكاتب بعد ذلك ‪.‬‬
‫" " كتاب " أفكار ورجال " تأليف جرين برنتن وترجمة محمود محمود ص ‪ 207‬من الترجمة العربية ‪.‬‬
‫" " معالم تاريخ النسانية ج ‪ 3‬ص ‪705‬‬

‫الىلهة المختلفة( بين النحلة المسيحية والعقيدة المثرائية التى تكمماد‬
‫تضارعها فى سعة انشممترها بيممن سممواد الشممعب‪ ،‬ونحلممة سمميرابيس‬
‫إيزيس حورس …‬
‫" على أن ما أسهمت به نحلة السكندرية فممى الفكممر المسمميحى‬
‫والطقوس المسيحية كان أعظم قدرا ً أو يكمماد ‪ ..‬إذ كممان طبيعيما ً أن‬
‫يجد المسيحيون فى شخصية حممورس )الممذى كممان ابن ما ً لسمميرابيس‬
‫وهو سيرابيس فى نفس الوقت( شممبيها ً مرشممدا ً لهممم فيممما يبممذلون‬
‫من جهود عنيفة لتفهم ما خلفه لهم القديس بولس من خفايمما … "‬
‫"‪"1‬‬
‫وتكفينا هذه الشهادات من مؤرخى الغرب ومفكريه‪ ،‬لندرك مدى‬
‫التحريف والتشويه الذى أدخله بولس والمجامع المقدسة من بعممده‬
‫على العقيدة الصحيحة التى جاء بها رسول اللمه عيسمى ابمن مريممم‬
‫عليه السلم ‪.‬‬
‫عيسى ابمن مريم َ َ‬
‫}وَإ ِذ ْ َقا َ‬
‫خم ُ‬
‫ذوِني‬
‫ت ِللن ّمما‬
‫س ات ّ ِ‬
‫ه َيا ِ َ‬
‫ت قُل ْم َ‬
‫م أأنم َ‬
‫ْ َ َ ْ َ َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫حان َ َ‬
‫ن أ َقُممو َ‬
‫ن الل ّهِ َقا َ‬
‫ممما‬
‫ن ِ‬
‫ن ل ِممي أ ْ‬
‫ممما ي َك ُممو ُ‬
‫سب ْ َ‬
‫ن ُ‬
‫مي إ ِل َهَي ْ‬
‫ل ُ‬
‫ل َ‬
‫ك َ‬
‫وَأ ّ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن ُ‬
‫م‬
‫ما ِفي ن َْف ِ‬
‫حقّ إ ِ ْ‬
‫س ِلي ب ِ َ‬
‫سي َول أعْل َ ُ‬
‫م َ‬
‫ه ت َعْل َ ُ‬
‫مت َ ُ‬
‫ه فََقد ْ عَل ِ ْ‬
‫ت قُل ْت ُ ُ‬
‫كن ُ‬
‫ل َي ْ َ‬
‫ك إن م َ َ‬
‫ممما‬
‫س َ ِّ‬
‫ما ِفي ن َْف ِ‬
‫ت عَل ّ ُ‬
‫م إ ِل ّ َ‬
‫ت ل َهُم ْ‬
‫ممما قُل ْم ُ‬
‫ب )‪َ (116‬‬
‫ك أن ْم َ‬
‫َ‬
‫م ال ْغُي ُممو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَ ُ‬
‫م َ‬
‫ت‬
‫ن اعْب ُ ُ‬
‫مْرت َِني ب ِهِ أ ْ‬
‫مم ُ‬
‫ممما د ُ ْ‬
‫شمِهيدا ً َ‬
‫ت عَل َي ْهِ ْ‬
‫كن ُ‬
‫ه َرّبي وََرب ّك ُ ْ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما ت َوَفّي ْت َِني ُ‬
‫ت عَل َممى ك ُم ّ‬
‫ل َ‬
‫يٍء‬
‫ت الّرِقي َ‬
‫م وَأن ْم َ‬
‫ب عَل َي ْهِ ْ‬
‫ت أن ْ َ‬
‫كن َ‬
‫م فَل َ ّ‬
‫ِفيهِ ْ‬
‫شم ْ‬
‫َ‬
‫شِهيد ٌ )‪] {(117‬سورة المائدة ‪[117-5/116‬‬
‫صدق الله العظيم‬
‫على أن التحريف الذى وقع فى العقيممدة مممن جعممل اللمه الواحممد‬
‫ثلثة أقانيم‪ ،‬وتأليه عيسممى عليممه السمملم وادعمماء بنمموته للممه تعممالى‪،‬‬
‫وتممأليه مريممم وروح القممدس جبريممل عليممه السمملم‪ ،‬واخممتراع قصممة‬
‫الصلب والفداء‪ ،‬وعبادة الصليب وعبادة التماثيل والوثان ‪ ..‬الممخ …‬
‫الخ ‪ ..‬هذا التحريف على بشاعته لم يكن هو التحريف الوحيد الممذى‬
‫أدخلته الكنيسممة والمجممامع المقدسممة علممى ديممن اللممه المنممزل‪ ،‬بممل‬
‫أضافت الكنيسة انحرافا ً آخر ل يقل سوءا ً ول تشويها ً للدين المنممزل‬
‫من عند الله‪ ،‬وذلك بعزل العقيدة عن الشرعة واتخاذ الدين عقيممدة‬
‫فقط‪ ،‬وترك القانون الرومانى يحكم الحياة ‪.‬‬
‫إن الدين المنزل من عند الله كان دائما ً عقيدة وشريعة فى ذات‬
‫الوقت ‪ :‬عقيدة فى الله الواحد الفرد الصمد‪ ،‬الذى ل شريك لممه ول‬
‫ولد‪ ،‬وتنظيمات تنظم حياة الناس فى الرض فى إطممار أوامممر اللممه‬
‫‪1‬‬

‫" " المصدر السابق ج ‪ 3‬ص ‪709 - 708‬‬

‫ونواهيه ‪.‬‬
‫فأما العقيممدة فقممد جمماءت واحممدة ى جميممع الرسممالت السممماوية‬
‫لنها– بطبيعتها – غير قابلة للتغيير ول التبديل ‪ .‬فالله سبحانه واحد ‪.‬‬
‫وكل الرسل المرسلين من عند اله جاءوا بعقيممدة التوحيممد– عقيممدة‬
‫الحق – فقالوا لقوامهم كما يحكى القرآن الكريم عنهم ‪ " :‬اعبممدوا‬
‫الله ما لكم من إله غيره " أما الشممريعة وممما تخممويه مممن تنظيمممات‬
‫فقد تغيرت–بحسب أحوال القوام الذين أرسممل المرسمملون إليهممم‪،‬‬
‫وانحرافاتهم الخاصة التى كانوا واقعين فيها– حتى اكتمل الدين فى‬
‫الوحى المنزل على رسول الله صمملى اللممه عليممه وسمملم يمموم نممزل‬
‫َ‬
‫قوله تعمالى ‪} :‬ال ْيمو َ‬
‫ت عَل َي ْ ُ‬
‫م ِدين َ ُ‬
‫ت لَ ُ‬
‫مِتمي‬
‫َ ْ َ‬
‫م ن ِعْ َ‬
‫كم ْ‬
‫مم ُ‬
‫م ْ‬
‫م وَأت ْ َ‬
‫كم ْ‬
‫كم ْ‬
‫مْلم ُ‬
‫م أك ْ َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫م ِدينممًا{ ]سممورة المممائدة ‪ [5/3‬ولكنهمما – أى‬
‫وََر ِ‬
‫سممل َ‬
‫م ال ِ ْ‬
‫كمم ْ‬
‫ضممي ُ‬
‫الشريعة – كانت دائما ً هناك ! كانت موجودة فى كل رسالة أنزلممت‬
‫على رسول من رسل الله صلوات الله وسلمه عليهم جميعا ً ‪ .‬وقممد‬
‫أشار القرآن إلى بعض تفصيلتها فى مثل قوله تعالى‪:‬‬
‫شعَْيبا ً َقا َ‬
‫م ُ‬
‫ه‬
‫ن أَ َ‬
‫ن إ ِل َم ٍ‬
‫م ِ‬
‫ل َيا قَوْم ِ اعْب ُ ُ‬
‫ما ل َك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫خاهُ ْ‬
‫}وَإ َِلى َ‬
‫م ْ‬
‫مد ْي َ َ‬
‫َ‬
‫مك ْي َمما َ‬
‫ف‬
‫خي ْمرٍ وَإ ِن ّممي أ َ َ‬
‫م بِ َ‬
‫خمما ُ‬
‫ل َوال ْ ِ‬
‫صوا ال ْ ِ‬
‫ميمَزا َ‬
‫ن إ ِن ّممي أَراك ُم ْ‬
‫غَي ُْرهُ َول َتنُق ُ‬
‫َ‬
‫مك ْي َمما َ‬
‫م عَ َ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫ل َوال ْ ِ‬
‫ط )‪ (84‬وَي َمما قَموْم ِ أوْفُمموا ال ْ ِ‬
‫حيم ٍ‬
‫مي مَزا َ‬
‫ذا َ‬
‫ب ي َوْم ٍ ُ‬
‫عَل َي ْك ُ ْ‬
‫خسوا الناس أ َ‬
‫شَياَءهُم ول ت َعْث َوا فِممي ال َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫سم ِ‬
‫مْف ِ‬
‫س ِ‬
‫ط َول ت َب ْ َ ُ‬
‫ِبال ِْق ْ‬
‫ض ُ‬
‫ْ‬
‫ّ َ‬
‫دي َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن ُ‬
‫ظ)‬
‫ة الل ّهِ َ‬
‫)‪ (85‬ب َِقي ّ ُ‬
‫حِفي م ٍ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫م بِ َ‬
‫م إِ ْ‬
‫ممما أن َمما عَل َي ْك ُم ْ‬
‫ن وَ َ‬
‫م ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خي ٌْر ل َك ُ ْ‬
‫مِني َ‬
‫ْ‬
‫ك ممما يعبمد آباؤُنمما " ‪ "1‬أوَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مُر َ‬
‫صلت ُ َ‬
‫‪َ (86‬قاُلوا َيا ُ‬
‫ن ن َت ْمُر َ َ َ ْ ُ ُ َ َ‬
‫كأ ْ‬
‫شعَي ْ ُ‬
‫ك ت َأ ُ‬
‫بأ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ن َْفعَ َ‬
‫ما ن َ َ‬
‫شاُء" ‪] {" 2‬سورة هود ‪[87-11/84‬‬
‫أ ْ‬
‫وال َِنا َ‬
‫ل ِفي أ ْ‬
‫م َ‬
‫ن )‪ (123‬إ ِذ ْ َقا َ‬
‫هود ٌ َأل‬
‫م أَ ُ‬
‫ت َ‬
‫م ُ‬
‫مْر َ‬
‫خوهُ ْ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫عاد ٌ ال ْ ُ‬
‫وقوله ‪} :‬ك َذ ّب َ ْ‬
‫سِلي َ‬
‫َ‬
‫تتُقون )‪ (124‬إني ل َك ُم رسو ٌ َ‬
‫ن)‬
‫ه وَأ ِ‬
‫لأ ِ‬
‫ِّ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ْ َ ُ‬
‫ن )‪َ (125‬فات ُّقوا الل ّم َ‬
‫طيعُممو ِ‬
‫مي ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫ب ال ْعَممال َ ِ‬
‫م عَل َي ْهِ ِ‬
‫ري إ ِل ّ عَل َممى َر ّ‬
‫نأ ْ‬
‫جرٍ إ ِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ما أ ْ‬
‫سأل ُك ُ ْ‬
‫‪ (126‬وَ َ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫جم ِ‬
‫َ‬
‫ن ب ِك ُ ّ‬
‫خم ُ‬
‫م‬
‫ن )‪ (128‬وَت َت ّ ِ‬
‫ل ِريٍع آي َم ً‬
‫ذو َ‬
‫ة ت َعْب َث ُممو َ‬
‫‪ (127‬أت َب ُْنو َ‬
‫صممان ِعَ ل َعَل ّك ُم ْ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫م ب َط َ ْ‬
‫ذا ب َط َ ْ‬
‫ن )‪ (129‬وَإ ِ َ‬
‫ه‬
‫تَ ْ‬
‫م َ‬
‫دو َ‬
‫خل ُم ُ‬
‫ن )‪ (130‬فَممات ُّقوا الل ّم َ‬
‫شمت ُ ْ‬
‫شمت ُ ْ‬
‫جب ّمماِري َ‬
‫َ‬
‫ن )‪] {(131‬سورة الشعراء ‪[131-26/123‬‬
‫وَأ ِ‬
‫طيُعو ِ‬
‫ن )‪ (160‬إ ِذ ْ َقا َ‬
‫م‬
‫م أَ ُ‬
‫م ُلو ٍ‬
‫ت قَوْ ُ‬
‫مْر َ‬
‫خمموهُ ْ‬
‫ل ل َُهمم ْ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫وقوله ‪} :‬ك َذ ّب َ ْ‬
‫سِلي َ‬
‫ط َأل تتُقممون )‪ (161‬إنممي ل َك ُمم رسممو ٌ َ‬
‫ُلو ٌ‬
‫ه‬
‫لأ ِ‬
‫ِّ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ْ َ ُ‬
‫ن )‪ (162‬فَممات ُّقوا الل ّم َ‬
‫ميم ٌ‬
‫وأ َطيعون )‪ (163‬وما أ َسأ َل ُك ُم عَل َيه من أ َجمر إ َ‬
‫ب‬
‫ري إ ِل ّ عَل َممى َر ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ْ ِ ِ ْ ْ ٍ ِ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫َ ِ ُ ِ‬
‫جم ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ممما‬
‫ن ال ْعَممال َ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ال َْعال َ ِ‬
‫ن )‪ (165‬وَت َمذ َُرو َ‬
‫ن المذ ّك َْرا َ‬
‫ن )‪ (164‬أت َأُتو َ‬
‫ن َ‬
‫مي َ‬
‫مم ْ‬
‫مي َ‬
‫خل َق ل َك ُم ربك ُم من أ َزواجك ُم ب ْ َ‬
‫ن )‪] {(166‬سممورة‬
‫م َ‬
‫دو َ‬
‫عمما ُ‬
‫ْ َ ّ ْ ِ ْ ْ َ ِ ْ َ‬
‫م قَوْ ٌ‬
‫ل أن ْت ُ ْ‬
‫َ َ‬
‫الشعراء ‪[166-26/160‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫" " هذه خاصة بالعقيدة ‪.‬‬
‫" " وهذه تتعلق بالشريعة وكلتاهما متصلة بالصلة التى يصليها شعيب لله كما هو واضح من استنكار القوم ‪.‬‬

‫وما كممانت الرسممالة المنزلممة علممى عيسممى ابممن مريممم بممدعا مممن‬
‫الرسالت فى هذا الشأن ‪ .‬بل ينص القرآن الكريم نصا ً صريحا ً على‬
‫أن عيسى ابن مريم جاء مصدقا ً لما بين يممديه مممن التمموراة – وهممى‬
‫حافلة بالتشريعات التفصيلية فى كثير من شممؤون الحيمماة – وليحممل‬
‫لبنى إسرائيل بعض الذى كان قد حرم عليهم من باب العقوبة على‬
‫ما اجترحوا من السيئات ‪:‬‬
‫ح ّ‬
‫م‬
‫ن الت ّوَْراةِ وَل ُ ِ‬
‫ض ال ّم ِ‬
‫ن ي َد َيّ ِ‬
‫ذي ُ‬
‫ص ّ‬
‫ح مّر َ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫دقا ً ل ِ َ‬
‫}وَ ُ‬
‫م ب َعْ م َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫ن )‪] {(50‬سممورة‬
‫ه وَأ ِ‬
‫م ِبآي َةٍ ِ‬
‫م َفات ُّقوا الل ّم َ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫جئ ْت ُك ُ ْ‬
‫م وَ ِ‬
‫عَل َي ْك ُ ْ‬
‫طيعُممو ِ‬
‫م ْ‬
‫آل ‪[3/50‬‬
‫كما ينص على أن الله جعل لكل أمة شممرعة ومنهاجمًا‪ ،‬وأمممر كمل‬
‫قوم أن يحكموا بمقتضى الشرع الذى نزل عليهم وإل فهم كممافرون‬
‫وظالمون وفاسقون‪ ،‬حتى يممأنتى الرسممول الخيممر صمملى اللممه عليممه‬
‫وسلم فيحتكموا جميعا ً إلى شريعته ‪.‬‬
‫}إنا َأنزل ْنا التوراةَ فيها هُدى ونور يحك ُم بها النبيون ال ّذي َ‬
‫موا‬
‫َ َ‬
‫ِّ‬
‫ِّّ َ‬
‫ً‬
‫نأ ْ‬
‫سممل َ ُ‬
‫َُ ٌ َ ْ ُ َِ‬
‫ِ َ‬
‫ِ َ‬
‫ّ َْ‬
‫َ‬
‫حِف ُ‬
‫ب الل ّهِ وَ َ‬
‫كاُنوا‬
‫ن َ‬
‫ظوا ِ‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫ست ُ ْ‬
‫ن َوال ْ‬
‫دوا َوالّرّبان ِّيو َ‬
‫ها ُ‬
‫ما ا ْ‬
‫حَباُر ب ِ َ‬
‫ن ك َِتا ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫منما ً‬
‫شموِْني َول ت َ ْ‬
‫خ َ‬
‫خ َ‬
‫عَل َي ْهِ ُ‬
‫وا الن ّمما‬
‫شم‬
‫س َوا ْ‬
‫داَء َفل ت َ ْ‬
‫شه َ َ‬
‫شمت َُروا ِبآي َمماِتي ث َ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه فَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫ن )‪ (44‬وَك َت َب َْنمما‬
‫كافُِرو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ك هُ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫قَِليل ً وَ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ف بمما َ‬
‫َ‬
‫س ِبالن ّْفس َوال ْعَي ْ َ ْ‬
‫ن‬
‫ف َوال ُذ ُ َ‬
‫لن ِ‬
‫م ِفيَها أ ّ‬
‫ن َوالن م َ ِ‬
‫عَل َي ْهِ ْ‬
‫ن الن ّْف َ‬
‫ن ِبالعَي ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫جُرو َ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ن ِبال ّ‬
‫ن َوال ّ‬
‫صد ّقَ ب ِهِ فَهُوَ ك َّفاَرةٌ ل َ ُ‬
‫ص فَ َ‬
‫ن تَ َ‬
‫صا ٌ‬
‫ح قِ ُ َ‬
‫م ْ‬
‫س ّ‬
‫س ّ‬
‫ِبالذ ُ ِ‬
‫م ال ّ‬
‫ه فَمأوْل َئ ِ َ‬
‫ممما َأنمَز َ‬
‫ن )‪ (45‬وَقَّفي ْن َمما‬
‫ك ُ‬
‫مو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ظمال ِ ُ‬
‫هم ْ‬
‫ل الّلم ُ‬
‫م بِ َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ة‬
‫ن الت ّموَْرا ِ‬
‫ن ي َمد َي ْهِ ِ‬
‫صم ّ‬
‫م ب ِِعي َ‬
‫دقا ً ل ِ َ‬
‫م ُ‬
‫مْري َم َ‬
‫ن َ‬
‫عََلى آَثارِهِ ْ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫ممما ب َي ْم َ‬
‫سى اب ْ ِ‬
‫جي َ‬
‫ة‬
‫ن الت ّموَْرا ِ‬
‫ن ي َمد َي ْهِ ِ‬
‫صم ّ‬
‫ل ِفيهِ هُ ً‬
‫دقا ً ل ِ َ‬
‫دى وَُنوٌر وَ ُ‬
‫لن ِ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫ممما ب َي ْم َ‬
‫َوآت َي َْناهُ ا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مما أنمَز َ‬
‫م أهْ ُ‬
‫ه‬
‫لا‬
‫مت ِّقي‬
‫عظ َ ً‬
‫مو ْ ِ‬
‫ن )‪ (46‬وَل ْي َ ْ‬
‫وَهُ ً‬
‫ل الّلم ُ‬
‫ل بِ َ‬
‫لن ِ‬
‫حك ُ ْ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫دى وَ َ‬
‫جيم ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه فَأوْل َئ ِ َ‬
‫ما أنَز َ‬
‫ن )‪ (47‬وَأنَزل َْنا‬
‫م ال َْفا ِ‬
‫سُقو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ك هُ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ِفيهِ وَ َ‬
‫م ْ‬
‫إ ِل َي ْ َ‬
‫ه‬
‫منما ً عَل َي ْم ِ‬
‫مهَي ْ ِ‬
‫ن ي َد َي ْهِ ِ‬
‫ص ّ‬
‫ب ِبال ْ َ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫ب وَ ُ‬
‫دقا ً ل ِ َ‬
‫حقّ ُ‬
‫ن ال ْك ِت َمما ِ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫جمماَء َ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫ق‬
‫ك ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ممما َ‬
‫َفا ْ‬
‫حم ّ‬
‫م عَ ّ‬
‫واءَهُ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫م ب َي ْن َهُ ْ‬
‫حك ُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ه َول ت َت ّب ِعْ أهْ َ‬
‫شاءَ الل ّمه ل َجعل َك ُم ُ‬
‫ل ِك ُ ّ‬
‫من َْهاجا ً وَل َوْ َ‬
‫حمد َةً‬
‫ة َوا ِ‬
‫مم ً‬
‫شْرعَ ً‬
‫ة وَ ِ‬
‫م ِ‬
‫جعَل َْنا ِ‬
‫ُ َ َ‬
‫ل َ‬
‫مأ ّ‬
‫ْ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫م‬
‫س مت َب ُِقوا ال ْ َ‬
‫خي ْمَرا ِ‬
‫م َفا ْ‬
‫جعُك ُم ْ‬
‫مْر ِ‬
‫ت إ ِل َممى الل ّمهِ َ‬
‫ما آَتاك ُ ْ‬
‫م ِفي َ‬
‫ن ل ِي َب ْل ُوَك ُ ْ‬
‫وَل َك ِ ْ‬
‫َ‬
‫ما ُ‬
‫ممما‬
‫م ِفي مهِ ت َ ْ‬
‫ج ِ‬
‫نا ْ‬
‫ن )‪ (48‬وَأ ْ‬
‫خت َل ُِفممو َ‬
‫َ‬
‫م بِ َ‬
‫م ب َي ْن َهُ م ْ‬
‫حك ُم ْ‬
‫كنت ُم ْ‬
‫م بِ َ‬
‫ميعا ً فَي ُن َب ّئ ُك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ي َْفت ُِنو َ‬
‫ممما أنمَز َ‬
‫َأنَز َ‬
‫ل‬
‫مأ ْ‬
‫م َوا ْ‬
‫ض َ‬
‫حذ َْرهُ ْ‬
‫واَءهُ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ك عَ ْ‬
‫ه َول ت َت ّب ِعْ أهْ َ‬
‫ن ب َعْم ِ‬
‫ك فَإن تول ّوا َفاعْل َم أ َنما يريد الل ّ َ‬
‫م‬
‫ن يُ ِ‬
‫هأ ْ‬
‫ْ ّ َ ُ ِ ُ‬
‫ض ذ ُن ُمموب ِهِ ْ‬
‫صمميب َهُ ْ‬
‫ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ه إ ِل َي ْ َ ِ ْ َ َ ْ‬
‫م ب ِب َعْم ِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫س ل ََفا ِ‬
‫ن ك َِثيرا ً ِ‬
‫جاهِل ِي ّمةِ ي َب ْغُممو َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن )‪ (49‬أفَ ُ‬
‫سُقو َ‬
‫وَإ ِ ّ‬
‫ن وَ َ‬
‫حك ْ َ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ح ْ‬
‫ن )‪] {(50‬سممورة المممائدة ‪-5/44‬‬
‫ن ِ‬
‫كما ً ل َِقوْم ٍ ُيوقِن ُممو َ‬
‫ن الل ّهِ ُ‬
‫أ ْ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫س ُ‬
‫‪[50‬‬

‫ورغم أن وجوب تحاكم النصارى إلى ما جاء فى التوراة والنجيل‬
‫من تشريعات واضح تمام الوضوح فى الكتب المتداولة بيمن أيممديهم‬
‫بالرغم من كل ما حدث فيها من تحريف‪ ،‬فممإن الكنيسممة زعمممت أن‬
‫القانون الرومانى – قانون قيصر – له شرعية تبيح اتباعه وهو يحكم‬
‫بغير ما أنزل اللممه‪ ،‬ونسممبت هممذا الزعممم إلممى السمميد المسمميح‪ ،‬كممما‬
‫نسبت إليه من قبل أنه قال إنه إله وإنه ابن اله ‪ ..‬سواء بسواء !‬
‫جاء فى أناجيلهم هذه القصة ‪:‬‬
‫" ذهب الفريسيون وتشاوروا لكى يصطادوه )أى السيد المسيح(‬
‫بكلمة‪ ،‬فأرسلوا إليه تلميذهم مع الهيرودسيين قممائلين ‪ :‬يمما معلممم ؟‬
‫إنك صادق وتعلم طريق اله بالحق ول تبالى بأحد‪ ،‬لنك ل تنظر إلى‬
‫وجوه الناس فقل لنا ماذا تظن ؟ أيجوز أن تعطى جزيممة لقيصممر أم‬
‫ل ؟ فعلم يسوع خبثهم وقال ‪ :‬لماذا تجربوننى يا مممراءون ؟ أرونممى‬
‫معاملة الجزية ‪ .‬فقدموا له دينممارا ً فقممال لهممم ‪ :‬لمممن هممذه الصممورة‬
‫والكتابة ؟ قالوا له ‪ :‬لقيصممر ؟ فقممال لهممم ‪ :‬أعطمموا إذن ممما لقيصممر‬
‫لقيصر وما لله لله ؟ فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا " ‪"1‬‬
‫وليس لنا من سبيل إلى الجزم فى أمر هذه القصممة‪ ،‬هممل حممدثت‬
‫بهذه الصورة أم يغيرها أم لم تحدث على الطلق ‪ .‬وإن كنمما أقممرب‬
‫إلى الشك فيها منا إلى إثباتها ‪ .‬ولكنا نفترض جدل ً أن القصة حدثت‬
‫على هذا النحو‪ ،‬وأن المسمميح تكلممم بهممذه اللفمماظ‪ ،‬فهممل يمكممن أن‬
‫يكون قصده منها هو إعطاء الشرعية لمر قيصر الذى ل يؤمن بالله‬
‫ورسوله ول يتحاكم إلى شممريعة اللممه‪ ،‬وقسمممة شممؤون الحيمماة بيممن‬
‫قيصر وبين الله سبحانه وتعالى بحيث يكون لقيصر نطمماق يتصممرف‬
‫فيه على هواه ويطاع فيما يأمر به‪ ،‬وتكون بقيممة الشممؤون – الممتى ل‬
‫يهتم بها القيصر – هى النطاق المتروك لله ؟!‬
‫وما الشرك إذن فى أجلى صوره ؟!‬
‫إن هذا المعنى يستحيل أن يخطر فى بال المممؤمن العممادى الممذى‬
‫يؤمن بل إله إل الله ‪ .‬فكيف بنبى مرسل من عند الله ؟!‬
‫إن أقصى ما يمكن أن تممدل عليممه القصممة – علممى فممرض صممحتها‬
‫جدل ً – أن المسيح عليه السلم يقول لهم ‪ :‬إننا لم نؤمر الن بقتممال‬
‫قيصر‪ ،‬فإذا فرض عليكم الجزية – ول قبل لكم اليمموم بممرد سممطوته‬
‫عنكم – فادفعوا له الجزية حمتى يمأتى اليموم المذى يمؤذن لكمم فيمه‬
‫بالقتال لخضاع قيصر لشريعة الله ‪ .‬وهذا كممما قيممل للمممؤمنين فممى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة{ ]سممورة النسمماء‬
‫صلةَ َوآت ُمموا الّزك َمما َ‬
‫م وَأِقي ُ‬
‫مكة ‪} :‬ك ُّفوا أي ْدِي َك ُ ْ‬
‫موا ال ّ‬
‫‪1‬‬

‫" " انجيل متى ‪23 - 14 : 23‬‬

‫ُ‬
‫ن‬
‫ن ل ِل ّم ِ‬
‫‪ [4/77‬حتى جمماءهم الذن بالقتممال فممى قمموله تعممالى ‪} :‬أذِ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ديٌر )‪] {(39‬سممورة‬
‫م ل ََقم ِ‬
‫موا وَإ ِ ّ‬
‫ي َُقات َُلو َ‬
‫صمرِهِ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ظ ُل ِ ُ‬
‫ن ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ه عَل َممى ن َ ْ‬
‫الحمج ‪ [22/39‬ثم جاء المر بالقتال لخضمماع الرض كلهمما لشممريعة‬
‫ة وَي َ ُ‬
‫حّتى ل ت َ ُ‬
‫ه{ ]سممورة‬
‫ن فِت ْن َ ٌ‬
‫ه ل ِل ّم ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫ن ك ُل ّ ُ‬
‫الله ‪} :‬وََقات ُِلوهُ ْ‬
‫دي ُ‬
‫النفال ‪[8/39‬‬
‫ولكن الكنيسة حملت هذه القصة – على فرض صحتها – فوق ممما‬
‫تحتمل‪ ،‬وزعمت أن معناها أن من حق قيصر أن يحكم عالم الرض‬
‫على أن يحكم الله عالم السماء‪ ،‬أو أن البدان لقيصر يفعل بهمما ممما‬
‫يشاء فى الحياة الدنيا‪ ،‬وللممه الرواح فممى الخممرة ! وهكممذا سمممحت‬
‫للعالم المسيحى أن يحكمه القانون الرومممانى فممى كممل شممؤونه ممما‬
‫عدا " الحوال الشخصممية " مممن زواج وطلق ‪ ..‬الممخ ‪ ..‬وأن ينحصممر‬
‫سلطان الله على عباده فممى مشمماعر الخشمموع والتقمموى والشممعائر‬
‫التعبدية ‪ ..‬والحوال الشخصية التى ل يهتم بها قيصممر إذا ممما تركممت‬
‫لشممريعة اللممه ! … وتممم بممذلك فصممل العقيممدة عممن الشممريعة‪ ،‬وتممم‬
‫المسخ الكامل لدين الله !‬
‫هذا الدين – بهذه الصورة – لم يكن صالحا ً للحياة ‪.‬‬
‫فما يلح دين تشوه عقيدته على هذا النحممو‪ ،‬ثممم تفصممل الشممريعة‬
‫فيه عن العقيدة وتحصر فى أضيق نطاق‪.‬‬
‫إن الدين يأتى لصلح الرض وإقامة حياة الناس بالقسط ‪.‬‬
‫شعَْيبا ً َقا َ‬
‫م ُ‬
‫ه‬
‫ن أَ َ‬
‫ن إ ِل َم ٍ‬
‫م ِ‬
‫ل َيا قَوْم ِ اعْب ُ ُ‬
‫مد ْي َ‬
‫ما ل َك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫خاهُ ْ‬
‫}وَإ َِلى َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫م فَأ َوُْفوا ال ْك َي ْم َ‬
‫سمموا‬
‫ن َول ت َب ْ َ‬
‫م ب َي ّن َ ٌ‬
‫ل َوال ْ ِ‬
‫ة ِ‬
‫ميمَزا َ‬
‫غَي ُْرهُ قَد ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫جاَءت ْك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫الناس أ َ‬
‫دوا ِفي ال َ‬
‫خي ٌْر ل َ ُ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ر‬
‫س‬
‫ف‬
‫ْ‬
‫ت‬
‫ول‬
‫م‬
‫ه‬
‫َ‬
‫ء‬
‫يا‬
‫ش‬
‫م َ‬
‫صل ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫كمم ْ‬
‫حَها ذ َل ِك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ض ب َعْد َ إ ِ ْ‬
‫ّ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ن ُ‬
‫ن )‪] {(85‬سورة العراف ‪[7/85‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫إِ ْ‬
‫م ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫مِني َ‬
‫عمموا َرب ّ ُ‬
‫ن )‪َ (55‬ول‬
‫ضممّرعا ً وَ ُ‬
‫}اد ْ ُ‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫خْفَيمم ً‬
‫معَْتمم ِ‬
‫حمم ّ‬
‫م تَ َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ة إ ِّنمم ُ‬
‫كمم ْ‬
‫دي َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫عوهُ َ‬
‫حَها َواد ْ ُ‬
‫م َ‬
‫صل ِ‬
‫ة الّلم ِ‬
‫ت ُْف ِ‬
‫ن َر ْ‬
‫معا ً إ ِ ّ‬
‫س ُ‬
‫ح َ‬
‫وفا ً وَط َ َ‬
‫ض ب َعْد َ إ ِ ْ‬
‫خ ْ‬
‫دوا ِفي الْر ِ‬
‫ن )‪] {(56‬سورة العراف ‪[56-7/55‬‬
‫ح ِ‬
‫ب ِ‬
‫م ْ‬
‫ري ٌ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫سِني َ‬
‫م ْ‬
‫قَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ب َوال ْ ِ‬
‫سل ََنا ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫ن ل ِي َُقممو َ‬
‫سل َْنا ُر ُ‬
‫}ل ََقد ْ أْر َ‬
‫معَهُ ْ‬
‫ت وَأن َْزل َْنا َ‬
‫ط{ ]سورة الحديد ‪[57/25‬‬
‫س ِ‬
‫س ِبال ِْق ْ‬
‫الّنا ُ‬
‫وهذا الصمملح الممذى يقيمممه الممدين فممى الرض ينشممأ مممن انصممياع‬
‫النمماس لحقيقممة ضممخمة هممى حقيقممة التوحيممد‪ ،‬بكممل أبعادهمما وكممل‬
‫مقتضياتها‪ ،‬فتنضبط بها حركة النفس وحركممة الحيمماة البشممرة علممى‬
‫السواء ‪.‬‬
‫التوحيد هو " الميزان " الذى يضبط النفس والحياة ‪.‬‬
‫فالنسان عابد بفطرته ‪..‬‬

‫خذ َ َرب ّ َ‬
‫م وَأ َ ْ‬
‫م عََلممى‬
‫}وَإ ِذ ْ أ َ َ‬
‫م ِ‬
‫ك ِ‬
‫ن ب َِني آد َ َ‬
‫شممهَد َهُ ْ‬
‫م ذ ُّري ّت َهُ ْ‬
‫ن ظ ُُهورِهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َأنُفسه َ‬
‫م َقاُلوا ب ََلى َ‬
‫شهِد َْنا{ ]سورة العراف ‪[7/172‬‬
‫م أل َ ْ‬
‫ت ب َِرب ّك ُ ْ‬
‫س ُ‬
‫ِ ِ ْ‬
‫وقد تهتدى النفس بميثاق الفطرة وقد تضل ‪ .‬ولكنهمما – بممما أودع‬
‫فى فطرتها – تظل دائما ً تبحث عن الله … تبحث عن " المعبممود "‬
‫‪"1‬‬
‫ومن ثم فإن النسان لبد أن يعبد ‪ ..‬يعبد اللممه أو يعبممد شمميئا ً غيممر‬
‫الله ‪.‬‬
‫وليس الفارق بين إنسان وإنسان أن هذا يعبد وهذا ل يعبد ‪ .‬إنممما‬
‫الفارق فى المعبود ‪ :‬أهو الله سبحانه وتعممالى‪ ،‬المسممتحق للعبممادة‪،‬‬
‫أم غيره من اللهة التى ل واقع لها فى الحقيقة ‪.‬‬
‫وتتعممدد المعبممودات مممن دون اللممه وتختلممف بمماختلف الزمممان‬
‫والمكمان‪ ،‬واختلف مبلمغ الجاهليمة مممن " العلمم " الرضممى وتتوحمد‬
‫عبادة الله فل تتغير طبيعتها باختلف الزمان والمكان " ‪. " 2‬‬
‫كان الناس فى جاهلياتهم المختلفة يعبدون " الب " أو يعبدون "‬
‫الطوطم " أو يعبدون " قوى الطبيعممة " المختلفممة مممن رعممد وبممرق‬
‫وريح ومطر‪ ،‬ويعبدون الفلك من شمس وقمر ونجمموم‪ ،‬أو يعبممدون‬
‫الصنام والوثان‪ ،‬أو يعبدون البشر من النبياء والقديسممين والحبممار‬
‫والرهبان‪ ،‬أو يعبدون الطبيعة ‪ ..‬ثم عبد النسان ذاتممه فممى الجاهليممة‬
‫المعاصرة‪ ،‬ثم تعددت المعبودات فصار اسمها المموطن أو الدولممة أو‬
‫القومية أو المممذهب أو الحممزب أو الزعيممم … أو الجنممس أو النتمماج‬
‫المادى أو الدولر " ‪! " 3‬‬
‫كلها معبودات يتخذها النمماس أرباب ما ً مممن دون اللممه‪ ،‬وتتحكممم فممى‬
‫حيمماتهم فيسمميرون علممى مقتضممى ممما تممأمرهم بممه فممى المموهم أو‬
‫الحقيقة ‪.‬‬
‫وفى جميع تلك الحوال يكون الناس عابممدين لربممابهم وخاضممعين‬
‫لما تأمرهم به تلك الرباب ‪.‬‬
‫أما فى حالة الهدى فيعبد النمماس الممه وحممده بل شممريك‪ ،‬ويتبعممون‬
‫أوامره ونواهيه‪ ،‬أى ‪ :‬يحكمون بما أنزل الله ‪.‬‬
‫ويختلف المر اختلفا ً بينا ً ما بين هذه العبمادة وتلمك‪ ،‬أمممر النفمس‬
‫وأمر الحياة سواء ‪.‬‬
‫فأما النفس فما أبعد الفارق بين أن تعبد الوهم وأن تعبد الحقيقة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫" " فى فصل " اللحاد " فيما يلى من الكتاب حديث أكثر تفصيل ً عن هذه النقطة ‪.‬‬
‫" " يقول علم مقارنة الديان أن الدين قد " تطور " على مدى التاريخ ‪ :‬والحقيقة أن عقائد الجاهلية هى التى‬
‫تطورت أما عقيدة التوحيد فلم تتغير من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم والى أن يرث الله الرض وما‬
‫عليها ‪.‬‬
‫" " يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " تعس عبد الدرهم ‪ ،‬تعس عبد الدينار " ‪.‬‬

‫!‬

‫َ‬
‫ت َول الن ّمموُر )‪(20‬‬
‫مى َوال ْب َ ِ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ممما ُ‬
‫صيُر )‪َ (19‬ول الظ ّل ُ َ‬
‫وي العْ َ‬
‫}وَ َ‬
‫ست َ ِ‬
‫َ‬
‫َول الظ ّ ّ‬
‫ت{ ]سممورة‬
‫وي ال َ ْ‬
‫ل َول ال ْ َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫وا ُ‬
‫حَياُء َول ال ْ‬
‫حُروُر )‪ (21‬وَ َ‬
‫م َ‬
‫ست َ ِ‬
‫فاطر ‪[22-35/19‬‬
‫هل يستوى من يخبط فى الظلمات خبط عشواء يبحث عن شممئ‬
‫يظنه ظنا ً ول وجود له فى الحقيقممة‪ ،‬ومممن يمشممى علممى النممور إلممى‬
‫وجهة يعلمها ويتوخاها ويسير قاصدا ً إليها ؟‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سموِي ّا ً عَل َممى‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫جه ِ م ه ِ أه ْ م َ‬
‫مك ِب ّا ً عَل َممى وَ ْ‬
‫شممي َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫دى أ ّ‬
‫شي ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫}أفَ َ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫ست َِقيم ٍ )‪] {(22‬سورة الملك ‪[67/22‬‬
‫صَرا ٍ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ُ‬
‫أيهما أضبط حركة وأيسر مسيرا ً ؟!‬
‫أيهما أروح نفسا ً وأكثر طمأنينة ؟!‬
‫ثم إن النفس البشرية فى رحلتها على الرض لتواجه أسممئلة تممرد‬
‫– ل محالة – على الفطرة وتلطب الجواب ‪.‬‬
‫من خالق هذا الكون ؟‬
‫من أين جئنا ؟‬
‫إلى أين نذهب بعد الموت ؟‬
‫من يدير الكون وينشئ الحداث ؟‬
‫لى شئ نعيش ؟‬
‫أفمن يملك دليل الرحلة يدله إلى معممالم الطريممق أهممدى أم مممن‬
‫يخبط خبط عشواء بل دليل ؟‬
‫أيهما أضبط حركة وأكثر طمأنينة ‪ ..‬مممن لممه غايممة موحممدة يهممدف‬
‫إليها يحممدوه حمماد واحممد إليهمما‪ ،‬أم مممن لممه غايممات متعممددة متضمماربة‬
‫يحدوه إليها حداة مختلفون كل يدعو إلى طريق ؟‬
‫شَر َ‬
‫مت َ َ‬
‫جل ً ِفيهِ ُ‬
‫ل‬
‫سَلما ً ل َِر ُ‬
‫ن وََر ُ‬
‫سو َ‬
‫مث َل ً َر ُ‬
‫ضَر َ‬
‫} َ‬
‫جل ً َ‬
‫شاك ِ ُ‬
‫كاُء ُ‬
‫ه َ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫جم ٍ‬
‫مث َ ً‬
‫هَ ْ‬
‫ل{ ]سورة الزمر ‪[39/29‬‬
‫ل يَ ْ‬
‫ن َ‬
‫ست َوَِيا ِ‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫ح مد ُ ال َْقهّمماُر )‪] {(39‬سممورة‬
‫ن َ‬
‫وا ِ‬
‫مت ََفّرقُممو َ‬
‫}أأْرب َمما ٌ‬
‫خي ْمٌر أ ْ‬
‫م الل ّم ُ‬
‫ب ُ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫يوسف ‪[12/39‬‬
‫ثم ‪ ..‬أيهما أكثر كرامة ؟!‬
‫من يعبد الله الحق‪ ،‬ويتحرر – من ثم – من عبادة الرباب الزائفة‬
‫كلها ‪ .‬ويستعلى عليها‪ ،‬ويحس بوجوده اليجابى تجاهها‪ ،‬سواء كممانت‬
‫بشرا ً طماغين فمى الرض بغيمر الحمق‪ ،‬أو كمانت " قموى " ماديمة أو‬
‫معنوية‪ ،‬أو كممانت " حتميممات " زائفممة كالحتميممة الماديممة أو الحتميممة‬
‫القتصادية أو الحتمية التاريخية‪ ،‬أو كانت أهواء وشهوات ذاتيممة ‪ ..‬أم‬

‫من يعبد هذه الرباب الزائفة المتفرقة ويخضع لسلطانها فتسممتعبده‬
‫بذلك السلطان ؟!‬
‫ثم ‪ ..‬أيهما أكثر كرامة ؟!‬
‫من يعبد الله الذى يكرمه ابتداء ويمنحه الوجود ويمنحممه المكانممة‬
‫العالية ‪.‬‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫م ِفي ال ْب َمّر َوال ْب َ ْ‬
‫م وَ َ‬
‫مَنا ب َِني آد َ َ‬
‫ح مرِ وََرَزقْن َمماهُ ْ‬
‫مل َْناهُ ْ‬
‫ح َ‬
‫}وَل ََقد ْ ك َّر ْ‬
‫مم ْ‬
‫ضمميل ً )‪] {(70‬سممورة‬
‫ن َ‬
‫خل َْقن َمما ت َْف ِ‬
‫م عََلى ك َِثي مرٍ ِ‬
‫الط ّي َّبا ِ‬
‫ت وَفَ ّ‬
‫م ّ‬
‫ضل َْناهُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫السراء ‪[17/70‬‬
‫أم من يعبد اللهة التى تسممتعبد أصممحابها فتممذلها وتسمملبها الرادة‬
‫وتسلبها الوجود ؟‬
‫ذلك أمر " النفس " مع عقيدة التوحيد ‪.‬‬
‫الستبصار والمن والكرامة وتوحد الهدف وتوحد الطريق ‪.‬‬
‫وإن النفممس الممتى تعبممد اللممه الحممق‪ ،‬وتطمئن بممذكره وعبممادته‪،‬‬
‫وتعرف دليل رحلتها على الرض‪ ،‬من أين وإلى أين‪ ،‬لتتوحد طاقتهمما‬
‫وتترتب ذراتهما كمما تمترتب ذرات الحديمد فمى قطعمة المغنماطيس‪،‬‬
‫فتصبح طاقة كونية هائلة بدل ً من أن تصبح بددا ً ضائعا ً فى التيه ‪.‬‬
‫أما الحياة البشرية – حياة المجموع البشرى – فميزانها كذلك هو‬
‫التوحيد ‪.‬‬
‫من الذى يرسم للبشرية منهج الحياة ؟ من الذى يقول همذا حلل‬
‫وهذا حرام ؟ هذا مباح وهذا غير مباح ؟ هذا حسن وهذا قبيح ؟ هذا‬
‫طيب وهذا خبيث ؟!‬
‫إنه – من جهة – حق الله الحقيقى على عباده‪ ،‬وليس حق اللهة‬
‫َ‬
‫ه‬
‫المدعاة‪ ،‬فبما أنه هو الخالق فهو – سبحانه – صاحب المر ‪} :‬أل ل َ ُ‬
‫َ‬
‫مُر{ ]سورة العراف ‪[7/54‬‬
‫ال ْ َ‬
‫خل ْقُ َوال ْ‬
‫ثم أنه – من جهة أخرى – حق العليم الخبير‪ ،‬وليس حممق الجهممال‬
‫َ‬
‫هوا َ‬
‫سممى‬
‫شْيئا ً وَهُوَ َ‬
‫المحدودى الفاق ‪} :‬وَ َ‬
‫ن ت َك َْر ُ‬
‫عسى أ ْ‬
‫م وَعَ َ‬
‫خي ٌْر ل َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شْيئا ً وَهُوَ َ‬
‫حّبوا َ‬
‫ن )‪{(216‬‬
‫ن تُ ِ‬
‫مممو َ‬
‫أ ْ‬
‫م ل ت َعْل َ ُ‬
‫م وَأن ْت ُم ْ‬
‫ه ي َعْل َم ُ‬
‫م َوالل ّم ُ‬
‫شّر ل َك ُم ْ‬
‫]سورة البقرة ‪[2/216‬‬
‫وفى عقيدة التوحيد تكون الحاكمية – أى حممق التحليممل والتحريممم‬
‫والباحة والمنع – لله وحده دون شريك ‪.‬‬
‫وفى الجاهلية تكون الحاكمية للبشر‪ ،‬مممع اللممه‪ ،‬بخلممط شممئ مممن‬
‫التشريع اللهى مع شئ من التشريع البشرى‪ ،‬أو من دون الله‪ ،‬بنبذ‬
‫التشريع الربانى جملة واتخاذ شرائع كلهمما مممن صممنع البشممر‪ ،‬سممواء‬
‫كان البشر فردا ً حاكما ً بأمره‪ ،‬أو فردا ً حاكما ً بمشورة طائفممة غيممره‬

‫من البشر‪ ،‬أو كانوا كل البشر على السواء ‪..‬‬
‫وكل ذلك إشراك مع الله وكفر بالله " ‪:" 1‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫شَر َ‬
‫كاُء َ‬
‫م ُ‬
‫ه{‬
‫شَر ُ‬
‫م ِ‬
‫م ي َمأذ َ ْ‬
‫ن الم ّ‬
‫}أ ْ‬
‫ن ب ِمهِ الل ّم ُ‬
‫ممما ل َم ْ‬
‫ن َ‬
‫عوا ل َهُم ْ‬
‫م ل َهُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫دي ِ‬
‫]سورة الشورى ‪[42/21‬‬
‫ممما أ ُن ْمزِ َ‬
‫دون ِمهِ أ َوْل ِي َمماَء{‬
‫م َول ت َت ّب ِعُمموا ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ُ‬
‫ن َرب ّك ُم ْ‬
‫ل إ ِل َي ْك ُم ْ‬
‫}ات ّب ُِعوا َ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫]سورة العراف ‪[7/3‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ه فَمأوْل َئ ِ َ‬
‫ممما أنمَز َ‬
‫ن )‪{(44‬‬
‫م ال ْك َممافُِرو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ك ه ُم ْ‬
‫ل الّلم ُ‬
‫م بِ َ‬
‫حك ُم ْ‬
‫ن ل َم ْ‬
‫}وَ َ‬
‫مم ْ‬
‫]سورة المائدة ‪[5/44‬‬
‫ويختلف المر اختلفما ً بينما ً ممما بيممن عقيممدة التوحيممد‪ ،‬الممتى تجعممل‬
‫الحاكمية لله‪ ،‬وعقائد الشرك والكفر التى تجعل الحاكمية للبشر مع‬
‫الله أو من دون الله ‪.‬‬
‫يختلف أول ً من ناحية الكرامة البشرية‪ ،‬ويختلممف ثاني ما ً مممن ناحيممة‬
‫الواقمع البشممرى ‪ .‬فأممما مممن ناحيمة الكرامممة البشممرية ففممى عقيمدة‬
‫التوحيد‪ ،‬التى تجعل الحاكمية لله‪ ،‬يكون النمماس عبيممدا ً للممه وحممده –‬
‫وهو الكريم المركم – متحررين من كل عبودية لغير الله‪ ،‬مسممتعلين‬
‫بوجودهم على الطواغيت ‪ .‬وفى عقائد الشرك والكفر‪ ،‬التى تجعممل‬
‫الحاكمية للبشر مع الله أو من دون الله‪ ،‬يكون بعممض البشممر أرباب ما ً‬
‫وهممم المممالكون المسمميطرون المشممرعون‪ ،‬وبعضممهم عبيممدا ً لولئك‬
‫الرباب ‪ .‬وهم الذين يقع عليهم سلطان الطواغيت ‪.‬‬
‫وأما من ناحية الواقع البشرى فالعدل والرشممد هممو طممابع الحيمماة‬
‫فى ظل عقيدة التوحيد التى تجعل الحاكمية لله‪ ،‬والظلممم والتخبممط‬
‫هو طابع الحياة فى ظل عقائد الشرك والكفر التى تجعل الحاكميممة‬
‫للبشر مع الله أو من دون الله ‪.‬‬
‫فأممما الظلممم فينشممأ – دائممما ً – فممى الجاهليممة مممن كممون الممذين‬
‫يشرعون – سواء كممانوا فممردا ً أو طبقممة " ‪ " 2‬يشممرعون لمصمملحتهم‬
‫الخاصة على سحاب مصالح الخرين ‪.‬‬
‫وأما التخبط فينشأ من عجز البشر عن الحاطة بالمر سمن كممل‬
‫جمموانبه السياسممية والجتماعيممة والقتصممادية والخلقيممة والماديممة‬
‫والروحية ‪ ..‬الخ‪ ،‬وعجزهم عن رؤية النتائج المستقبلة المترتبة على‬
‫أعمالهم الحاضرة فمهما قدروا وتخيلمموا فممإن الواقممع العملممى يممأتى‬
‫دائما ً مخالفا ً لما قدروه وتخيلوه فى بعض جوانبه أو فى كل جوانبه‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫" " فى ظل السلم يجتهد البشر " المؤمنون " فيما ل نص فيه ‪ .‬ولكن هذا ليس تشريعا ً من عند أنفسهم ‪ ،‬فهم إنما‬
‫يجتهدون فيما أذن الله لهم أن يجتهدوا يه ‪ ،‬ولول إذن الله لهم ما كان لهم أن يجتهدوا ول يضعوا الحكام ‪ ،‬فهم – بهذا‬
‫الذن – يضعون الحكام ولكنهم ل يشاركون فى الحاكمية التى هى حق التحليل والتحريم والباحة والمنع ‪ ،‬وفضل ً عن‬
‫ذلك فإن الجتهاد محكوم بالصول العامة للشريعة ل يخرج عن إطارها ‪.‬‬
‫" " ل يوجد فى الواقع فرد واحد يحكم بمفرده ‪ ،‬إنما يكون الحاكم دائما ً طبقة يمثلها فرد أو أفراد ‪.‬‬

‫وتنبت دائما ً مشاكل جديدة من الحلول المبتسرة التى يواجهون بها‬
‫مشاكلهم‪ ،‬لم تكن فى حسبان الذين وضعوا هممذه الحلممول ‪ .‬وهكممذا‬
‫تظل الحلقة المفرغة ‪ :‬مشكلت قائمة‪ ،‬وحلول مبتسرة تنبت منهمما‬
‫مشكلت جديدة توضع لها حلممول مبتسممرة جديممدة وهممذا إذا أحسممنا‬
‫الظممن بواضممعى الحلممول وافترضممنا أنهممم مخلصممون فممى وضممع ممما‬
‫يضعون من حلول وأنهم ل يخططممون ليقمماع البشممرية فممى الخبممال‬
‫لغايات شريرة " ‪" 1‬‬
‫بينممما تقمموم شممريعة اللممه علممى العممدل‪ ،‬لن اللممه –س سممبحانه –‬
‫ليست له مصلحة ذاتية يطلبها من وراء تلمك الشمريعة‪ ،‬وهمو الغنمى‬
‫الحميد‪ ،‬مالك الملك كله الذى ل تنفد خزائنه ‪ .‬إنما يريد اللممه الخيممر‬
‫لعباده والبر بهم والزكاة والطهر والنظافة والرتفاع ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن‬
‫وا ِ‬
‫ري مد ُ ال ّم ِ‬
‫تأ ْ‬
‫ن ي َت ّب ِعُممو َ‬
‫ن ي َُتو َ‬
‫ريد ُ أ ْ‬
‫ب عَل َي ْك ُم ْ‬
‫}َوالل ّ ُ‬
‫ش مه َ َ‬
‫ذي َ‬
‫م وَي ُ ِ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ظيما ً )‪] {(27‬سورة النساء ‪[4/27‬‬
‫مي ْل ً عَ ِ‬
‫تَ ِ‬
‫ميُلوا َ‬
‫كما أن شريعة اللممه تتسممم بالرشممد‪ ،‬لن منزلهمما – سممبحانه – هممو‬
‫اللطيف الخبير‪ ،‬الذى يعلم حقيقة النفس البشرية الممتى خلقهمما }َأل‬
‫خِبي مُر )‪] {(14‬سممورة الملممك ‪[67/14‬‬
‫ف ال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫طي ُ‬
‫خل َقَ وَهُوَ الل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ي َعْل َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ويعلم ما يصلحها وما يصلح لها‪ ،‬وهو سبحانه عالم الغيب والشممهادة‬
‫الذى ل ينممد عممن علمممه مثقممال ذرة فممى السممموات ول فممى الرض‪،‬‬
‫والذى يحيط علمه بالماضى والحاضممر والمسممتقبل فممى كممل لحظممة‬
‫من لحظات هذا الوجود كله‪ ،‬فينزل التشريعات التى يعلم – سبحانه‬
‫– أنه يتحقق منها الخير ول يقع منهمما الشممر‪ ،‬والممتى تكممون فممى كممل‬
‫لحظة مناسبة لما نزلت من أجله ‪.‬‬
‫والتوحيد يشمممل ذلممك كلممه ‪ ..‬يشمممل العقيممدة الممتى تسممتقيم بهمما‬
‫النفس‪ ،‬والشريعة التى تستقيم بها الحياة ‪.‬‬
‫إذ التوحيد – الذى يقوم عليه المدين المنمزل ممن عنمد اللمه – همو‬
‫توحيد الله فى ذاته وتوحيده فى صفاته وأفعاله ‪ .‬ومن صفاته الممتى‬
‫ينفرد بها – سبحانه – أنه صاحب الخلق وصاحب الممر كمما ممر بنما‬
‫فى آية العراف ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مُر{ ]سورة العراف ‪[7/54‬‬
‫ه ال ْ َ‬
‫خل ْقُ َوال ْ‬
‫}أل ل َ ُ‬
‫وأن الحكم – أى الحاكمية – له وحده فى كل شئ ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دوا إ ِل ّ إ ِّياهُ ذ َِلم َ‬
‫ن‬
‫ك الم ّ‬
‫مَر أل ّ ت َعْب ُ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫}إ ِ ْ‬
‫ن ال َْقي ّم ُ‬
‫م إ ِل ّ ل ِل ّهِ أ َ‬
‫حك ْ ُ‬
‫م وَل َك ِم ّ‬
‫دي ُ‬
‫أَ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪] {(40‬سورة يوسف ‪[12/40‬‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ر‬
‫ث‬
‫ك‬
‫ّ‬
‫مو َ‬
‫س ل ي َعْل َ ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫أما الشرك – المقابل للتوحيد – فهو يقع إما فى العبادة – بمعنممى‬
‫‪1‬‬

‫" " سيأتى فيما بعد حديث عن دور اليهود فى إفساد أوروبا ‪.‬‬

‫التوجه لغير الله بالشعائر التعبدية مع الله أو مممن دون اللممه – وإممما‬
‫فى التباع – بمعنى التحريم والتحليل والمنع والباحة ممن دون اللمه‬
‫وبغير إذن من الله – أو فيهما جميعا ً كما فى آية النحل ‪:‬‬
‫شَر ُ‬
‫}وََقا َ‬
‫ن َ‬
‫كوا ل َوْ َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫يءٍ‬
‫دون ِمهِ ِ‬
‫ما عَب َد َْنا ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ن ُ‬
‫ه َ‬
‫شاَء الل ّ ُ‬
‫شم ْ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن َ‬
‫يٍء{ ]سممورة النحممل‬
‫دون ِمهِ ِ‬
‫من َمما ِ‬
‫ن ُ‬
‫ن َول آَباؤُن َمما َول َ‬
‫نَ ْ‬
‫حّر ْ‬
‫شم ْ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫حم ُ‬
‫‪[16/35‬‬
‫والتوحيد هو الذى يصلح الرض‪ ،‬والشرك هو الذى يحدث الفسمماد‬
‫الذى ينهى الله عباده عنه ‪:‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫حَها َواد ْعُمموهُ َ‬
‫صممل ِ‬
‫}َول ت ُْف ِ‬
‫مع ما ً إ ِ ّ‬
‫س ُ‬
‫وف ما ً وَط َ َ‬
‫ض ب َعْ مد َ إ ِ ْ‬
‫خ ْ‬
‫دوا ِفي الْر ِ‬
‫ن )‪] {(56‬سورة العراف ‪[7/56‬‬
‫م َ‬
‫ح ِ‬
‫ب ِ‬
‫م ْ‬
‫ري ٌ‬
‫َر ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫سِني َ‬
‫م ْ‬
‫ة الل ّهِ قَ ِ‬
‫إذا علمنا ذلك لكه‪ ،‬وهو من بديهيات الدين المنزل من عنممد اللممه‪،‬‬
‫استطعنا أن ندرك مدى التحريف البشع الذى أحممدثته الكنيسممة فممى‬
‫دين الله المنزل على عيسى ابن مريم‪ ،‬سواء فممى تشممويه العقيممدة‬
‫بقضية التثليت وتأليه عيسى عليممه السمملم‪ ،‬أو بفضممل العقيممدة فممى‬
‫ذلك الدين عن الشريعة‪ ،‬وتقديمه للناس عقيدة منفصمملة خلمموا ً مممن‬
‫التشريع إل القليل‪ ،‬واستطعنا أن ندرك مدى الشرك – فى العقيممدة‬
‫والتباع معا ً – الذى أدخلته الكنيسة على دين التوحيممد الممذى يلتقممى‬
‫فيه الرسل جميعا ً من أولهم إلى خاتمهم عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫َ‬
‫حي َْنما إ ِل َي ْم َ‬
‫} َ‬
‫مما‬
‫دي‬
‫صى ب ِهِ ُنوحما ً َواّلم ِ‬
‫م ِ‬
‫ذي أوْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ك وَ َ‬
‫ن َ‬
‫شَرعَ ل َك ُ ْ‬
‫ما وَ ّ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫عيسممى أ َ َ‬
‫ن َول ت َت ََفّرقُمموا‬
‫صي َْنا ب ِمهِ إ ِب َْرا ِ‬
‫ممموا الم ّ‬
‫ْ‬
‫سممى وَ ِ َ‬
‫مو َ‬
‫ن أِقي ُ‬
‫م وَ ُ‬
‫هيم َ‬
‫وَ ّ‬
‫دي َ‬
‫ه{ ]سورة الشورى ‪[42/13‬‬
‫ِفي ِ‬
‫ذلك الشرك الذى أشار القرآن إلى أحد طرفيه فى هاتين اليتين‬
‫‪:‬‬
‫م{ ]سممورة‬
‫م ِ‬
‫}ل ََقد ْ ك ََفَر ال ّ ِ‬
‫سممي ُ‬
‫ن َقاُلوا إ ِ ّ‬
‫مْري َم َ‬
‫ن َ‬
‫ه ه ُ مو َ ا ل ْ َ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫ح اب ْم ُ‬
‫ذي َ‬
‫المائدة ‪[5/72‬‬
‫ة{ ]سورة المائدة ‪[5/73‬‬
‫ه َثال ِ ُ‬
‫ث َثلث َ ٍ‬
‫}ل ََقد ْ ك ََفَر ال ّ ِ‬
‫ن َقاُلوا إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫وأشار إلى طرفيه معا ً فى هاتين اليتين ‪:‬‬
‫ه‬
‫ن الل ّم ِ‬
‫م ِ‬
‫سممي ُ‬
‫صاَرى ال ْ َ‬
‫ن الل ّهِ وََقال َ ْ‬
‫}وََقال َ ْ‬
‫ت الن ّ َ‬
‫ح اب ْم ُ‬
‫ت ال ْيَ َُهود ُ عَُزي ٌْر اب ْ ُ‬
‫ذ َل ِ َ‬
‫ن قَب ْم ُ‬
‫ن قَوْ َ‬
‫م‬
‫ن ك ََف مُروا ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ضاهُِئو َ‬
‫م يُ َ‬
‫ل قَممات َل َهُ ْ‬
‫واهِهِ ْ‬
‫ك قَوْل ُهُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ب ِأفْ َ‬
‫ذوا أ َحبارهُم ورهْبانه َ‬
‫ه أ َّنى ي ُؤْفَ ُ‬
‫خ ُ‬
‫ه‬
‫ن )‪ (30‬ات ّ َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫م أْرَبابا ً ِ‬
‫ن ُ‬
‫كو َ‬
‫ْ َ َ ْ َُ َ َُ ْ‬
‫الل ّ ُ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫و‬
‫دوا إ َِله ما ً َوا ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫م ِ‬
‫م مُروا إ ِل ّ ل ِي َعْب ُم ُ‬
‫سي َ‬
‫حممدا ً ل إ ِل َم َ‬
‫م وَ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫َوال ْ َ‬
‫ه إ ِل ّ هُ م َ‬
‫ح اب ْ َ‬
‫شرِ ُ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ن )‪] {(31‬سورة التوبة ‪[31-9/30‬‬
‫كو َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ُ‬
‫ه عَ ّ‬
‫حان َ ُ‬
‫وأخيرا ً نستطيع أن ندرك أن ذلك الدين – بصورته المشمموهة تلمك‬
‫– لم يكن صالحا ً للحياة ‪.‬‬

‫ومع ذلك فإن الكنيسة ورجالها لم يكتفمموا بهممذه الخطيئة الكممبرى‬
‫فى حق الدين السماوى‪ ،‬إنما أضافت إليها خطايا أخرى ومنكرات !‬

‫ثانيًا‪ :‬طغيان الكنيسة ورجال الدين ‪:‬‬
‫حممولت الكنيسممة ديممن اللممه المنممزل إلممى روحانيممات صممرفة أو‬
‫روحانيات غالبة بقصره على شعائر التعبد ومشاعر التبتل والخشوع‬
‫والتقوى‪ ،‬وإبعاد الجانب الذى يحكم الحياة العملية – أى الشممريعة –‬
‫إل قليل ً منه‪ ،‬وتممرك هممذا الجممانب لقيصممر‪ ،‬ويتصممرف فيممه بمقتضممى‬
‫القانون الرومانى غير متقيد بما أنزل الله ‪.‬‬
‫وكان المظنون أن تكون مهمتها تعميق الجممانب الروحممى – الممذى‬
‫قصممرت الممدين عليممه – وأن تكممون وسمميلتها إلممى ذلممك هممى التربيممة‬
‫الروحية التى تربط القلوب بالله‪ ،‬لتحبه وتخشاه ‪.‬‬
‫ولكن الكنيسة لمم تكتمف بهمذا الجمانب – المنطقمى ممع تصمورها‬
‫وتصويرها للدين – بل مارست سلطانا ً " دنيويًا" هائل ً يتنافى مع هذا‬
‫التصور‪ ،‬ول يفسره شئ فى حقيقة الواقع إل رغبة الطغيان !‬
‫بل إنها – حتى فى الجانب الروحى البحت – قد مارست طغيانهمما‬
‫الهائل‪ ،‬فأبت أن تتصل قلوب المؤمنين بربهممم مباشممرة بل وسمميط‪،‬‬
‫وأصرت أن تكون هى وحدها – ول سممواها – الواسممطة الممتى تتصممل‬
‫القلوب عن طريقها بالله !‬
‫ويجممدر بنمما أن نفصممل هممذا الطغيممان إلممى أبمموابه المختلفممة الممتى‬
‫مارستها الكنيسة على العقول والرواح والبدان‪ ،‬مستغلة سمملطانها‬
‫على القلوب‪ ،‬الذى يصاحب الجانب الروحى عادة فى حياة الناس ‪.‬‬
‫ونحتاج فى هذا الشأن أن نتحممدث أول ً عممن " رجممال الممدين " ثممم‬
‫نتحدث بعد ذلك عن طغيان رجال الدين‪ ،‬الذى اتخذ مظاهر متعددة‬
‫أهمها ‪:‬‬
‫الطغيان الروحى ‪.‬‬
‫الطغيان العقلى والفكرى ‪.‬‬
‫الطغيان المالى ‪.‬‬
‫الطغيان السياسى ‪.‬‬
‫الطغيان العلمى ‪.‬‬
‫)‪ (1‬رجال الدين ‪:‬‬
‫لكل دين – سماوى أو غير سماوى – رجال يقومون بتلقين الدين‬
‫للناس‪ ،‬وتعليمهم إياه‪ ،‬ويكونممون – فممى نظممر النمماس علممى القممل –‬
‫ألصق بأمور الدين وأعرف بها مممن سممواد النمماس الممذين يكتفممون –‬
‫عادة – بممارسة ما يتلقونه من أولئك المعلميممن دون تعمممق فيممه ‪.‬‬
‫وإذا كان هذا شأن كل دين – سماوى أو غير سممماوى – فممإن الممدين‬
‫المنزل من عند الله يفترق فى هذا الشأن عممن الديممان المصممنوعة‬

‫على يد البشر فى خصلتين اثنتين على أقل تقدير ‪.‬‬
‫الولى ‪ :‬أن يكون الذين يعلمون الدين للناس أقرب فى سلوكهم‬
‫إلى حقيقة هذا الدين ومقتضياته أى أكثر وعيا ً وأكثر إخلصا ً وأقممرب‬
‫إلى الله‪ ،‬كما كان المهمماجرون والنصممار بالنسممبة للجيممل الول مممن‬
‫المسلمين‪ ،‬ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ‪.‬‬
‫والثانية ‪ :‬أن يكونوا متفقهين فى أمر الدين ليجيبمموا النمماس علممى‬
‫أسئلتهم التى تخطر لهم بشأنه‪ ،‬سواء فى الجانب التعبدى المتصممل‬
‫بالعقيدة والشعائر‪ ،‬أو الجانب العملى المتصل بالشريعة ‪.‬‬
‫ن ل َِينِفُروا َ‬
‫ما َ‬
‫ن ك ُم ّ‬
‫م‬
‫كافّ ً‬
‫ل فِْرقَ مةٍ ِ‬
‫ول ن ََفَر ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫كا َ‬
‫من ْهُ م ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫}وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ة فَل َ ْ‬
‫َ‬
‫م إِ َ‬
‫م‬
‫طائ َِف ٌ‬
‫ذا َر َ‬
‫ة ل ِي َت ََفّقُهوا ِفي ال ّ‬
‫م ل َعَل ّهُ م ْ‬
‫جعُمموا إ ِل َي ْهِ م ْ‬
‫مه ُ ْ‬
‫ن وَل ُِينذُِروا قَ موْ َ‬
‫دي ِ‬
‫ن )‪] {(122‬سورة التوبة ‪[9/122‬‬
‫حذ َُرو َ‬
‫يَ ْ‬
‫وأمممر طممبيعى أن يكممون مثممل هممؤلء الرجممال موضممع التقممدير‬
‫والحترام من بقية الناس‪ ،‬ولكنهم – بحكم طبيعة الدين المنزل من‬
‫عند الله – ل يكونون موضع التقممديس ‪ .‬أول ً ‪ :‬لنهممم يعلمممون الممدين‬
‫الحق‪ ،‬والدين الحممق يجعممل التقممديس للممه وحممده وليممس لحممد مممن‬
‫البشر‪ ،‬وثانيا ً ‪ :‬لنهم يعلمون الدين بجانبيه ‪ :‬ما يتعلق منممه بالعقيممدة‬
‫والشعائر وما يتعلممق بتنظيممم أمممور الحيمماة الممدنيا بمقتضممى الشممرع‬
‫الربانى‪ ،‬فيخاطبون فممى النمماس جممانبهم الروحممى وجممانبهم العقلممى‬
‫والعملى التطبيقى‪ ،‬فيظل ارتباط الناس بهم ارتباطا ً واعيما ً ل سمحر‬
‫فيه ول غموض ول أسرار ‪ .‬ومن ثم ل يصبحون – فى حس الناس –‬
‫وسممطاء بينهممم وبيممن اللممه‪ ،‬وإنممما وسممطاء بينهممم وبيممن المعرفممة‬
‫الصحيحة بأمور الدين ‪ .‬وفرق بين الوساطتين كبير !‬
‫ومن ثم فل يوجد فى الممدين المنممزل مممن يطلممق عليهممم " رجممال‬
‫الدين " إنما يوجد رجممال صممالحون مممن جهمة‪ ،‬وعلممماء وفقهمماء فممى‬
‫الدين من جهة أخرى ‪ .‬وليس لهؤلء ول هؤلء على النمماس سمملطان‬
‫إل سلطان المحبة والتقدير‪ ،‬ومكان القدوة الصالحة فى النفوس ‪.‬‬
‫وحقيقة أن موسى عليه السلم – بوحى من ربه – قممد نمماط بكممل‬
‫سبط من أسباط بنى إسرائيل الثنى عشر أعمال معينممة يتوارثونهمما‬
‫بينهم‪ ،‬ومن بينهمما إقامممة الشممعائر والنسممك مممما أوجممد فيهممم كهانممة‬
‫وكهانا ‪ ..‬ولكن هذا كان أمرا تنظيميا فيما بين السممباط لربممط بنممى‬
‫إسرائيل بعضهم ببعض حتى ل يتفرقوا ول يختلفوا فيما بينهممم‪ ،‬ولممم‬
‫تكن كهانة للدين ذاته‪ ،‬أى وساطة بين بنى إسرائيل وبين الله ‪.‬‬
‫أما الديان الموضوعة فلها شأن آخر ‪..‬‬
‫إنها أول أديان موضوعة ل تعرف الله الحق ول تعرف الناس بممه ‪.‬‬

‫ومن ثم فإن مفهومها الدينى ليس هو المفهوم الصحيح‪ ،‬والقداسممة‬
‫فيها ليست وقفا على الله وحده كما ينبغى فى الدين الحق ‪.‬‬
‫وهى ثانيا تتكئ على الجانب الروحى ‪ :‬جممانب العقيممدة والشممعائر‬
‫والنسك‪ ،‬أكثر بكثير مممن الجممانب العقلممى والعملممى التطممبيقى – إن‬
‫اهتمت بهذا المر على الطلق – ومن ثم يصبح ارتباط النمماس بهممم‬
‫ارتباطا روحيا ووجدانيا خاليا تقريبا من المموعى‪ ،‬أو – عنممد البسممطاء‬
‫من الجماهير – خاليا من الوعى على الطلق ‪.‬‬
‫ومن هنا يصبح فى هممذه الديممان كهممان أو رجممال ديممن يمارسممون‬
‫سلطانا روحيا هائل على الجماهير‪ ،‬وتحيط بهم هالممة مممن الغممموض‬
‫والسرار ‪ ..‬ويصبحون هم الوسطاء بين الناس وإلههم الذى يعبدون‬
‫!‬
‫وقد كان هذا هو شأن المسيحية المحرفة التى وضممعتها الكنيسممة‬
‫الوروبية ‪.‬‬
‫إنها دين وضعى وإن تمسح بالمسيح عيسى ابممن مريممم وبممالوحى‬
‫الربانى ‪ .‬وزعم أنه من عند الله ‪.‬‬
‫ومن ثم كانت له كهانة‪ ،‬وكان له رجال دين ‪ ..‬وكان هؤلء الكهان‬
‫– والبابا على رأسهم – وسطاء بين الناس وبين الله !‬
‫لقد حاولت الكنيسممة أن تسممند وجودهمما وسمملطانها إلممى المسمميح‬
‫عليه السلم‪ ،‬إما بتأويل كلمات قالها بالفعل تأويل يناسممب أهممدافها‪،‬‬
‫وإما باختراع كلمات لم يقلها وإلصمماقها بممه‪ ،‬كممما فعلممت فممى قضممية‬
‫البنوة والتألية‪ ،‬وإعطاء قانون قيصر شرعية كشريعة الله ‪.‬‬
‫تزعم الكنيسة أن المسيح قممال لبطممرس كممبير الحممواريين ‪ :‬أنممت‬
‫بطرس‪ ،‬وعلى هذه الصخرة ابنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوى‬
‫عليها ‪ .‬وأعطيك مفاتيح ملكمموت السممموات‪ ،‬فكممل ممما تربطممه علممى‬
‫الرض يكون مربوطا فممى السممماوات‪ ،‬وكممل ممما تحلممه علممى الرض‬
‫يكون محلول فى السموات " ‪ "1‬وأنممه قممال ‪ " :‬أنممى أهممب سمملطانى‬
‫لكنيستى "‬
‫ورتبت الكنيسة على هذا لزعم أن المكان الذى مات فيه بطرس‬
‫– وهو روما – لبد أن يكون مقرا للنفوذ الدينى الذى يبسط ذراعيممه‬
‫على الرض كلها ممثل فى الكنيسة‪ ،‬وإن ما تقوله الكنيسة – ولعلى‬
‫رأسها البابا – واجب الطاعة لنه من أمر الله ‪.‬‬
‫ولكن القضية كلها قائمة على أساسين واهبين هاويين ‪:‬‬
‫قائمة على أساس أن المسيح عليه السلم ذو طبيعممتين إحممداهما‬
‫‪1‬‬

‫" " انجيل متى ‪ ،‬الصحاح السادس عشر " ‪" 20 – 19‬‬

‫لهوتية والخرى ناسوتية‪ ،‬ومن ثم فهو إله وبشر فممى ذات المموقت‪،‬‬
‫وهو علممى هممذه الهيئة وسمميط بيممن البشممر ذوى الطبيعممة الناسمموتية‬
‫الخالصة والله ذى الطبيعة اللهوتية الخالصة !! فهممو ليممس رسممول‬
‫يبلغ وحى الله للناس – كما هو فى الحقيقة – إنما هو حلقة وسيطة‬
‫تمر بها مشاعر الناس وأعمالهم لكى تصل إلى الله‪ ،‬كممما تمممر مممن‬
‫خلله كلمة الله إلى الناس !‬
‫وقائمة – من بعد – على أساس أن الكنيسة هى وريثممة المسمميح‪،‬‬
‫ومن ثم فإن لها ذات الوضممع وذات السمملطان الممذى كممان للمسمميح‪،‬‬
‫فهممى مقدسممة‪ ،‬و" قداسممة " البابمما – ومممن يكممل المممر إليهممم مممن‬
‫الكرادلة وغيرهم – هممم الوسممطاء الممذين تمممر بهممم مشمماعر النمماس‬
‫وأعمالهم لكى تصل إلى الله‪ ،‬كما تمر من خللهممم كلمممة اللممه إلممى‬
‫الناس !!‬
‫وكل المرين ل يقوم على أساس فى دين الله ‪..‬‬
‫فالرسل فى دين الله هم رسل فحسب ‪.‬‬
‫ل ُ‬
‫ن َرب ّممي هَ م ْ‬
‫}قُ م ْ‬
‫ت إ ِل ّ ب َ َ‬
‫سممول ً )‪] {(93‬سممورة‬
‫حا َ‬
‫س مب ْ َ‬
‫شممرا ً َر ُ‬
‫ل ُ‬
‫كن م ُ‬
‫السراء ‪[17/93‬‬
‫سم ُ‬
‫سو ٌ‬
‫ل{ ]سممورة آل‬
‫ل قَ مد ْ َ‬
‫ت ِ‬
‫م َ‬
‫ن قَب ْل ِمهِ الّر ُ‬
‫مد ٌ إ ِل ّ َر ُ‬
‫خل َم ْ‬
‫ح ّ‬
‫ما ُ‬
‫}وَ َ‬
‫مم ْ‬
‫‪[3/144‬‬
‫َ‬
‫ب َول أ َُقو ُ‬
‫ل ل أ َُقو ُ‬
‫}قُ ْ‬
‫م‬
‫دي َ‬
‫م ِ‬
‫عن ِ‬
‫م ال ْغَي ْ َ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫ن الل ّهِ َول أعْل َ ُ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫خَزائ ِ ُ‬
‫كإ َ‬
‫حى إ َِلي{ ]سورة النعام ‪[6/50‬‬
‫ما ُيو َ‬
‫مل َ ٌ ِ ْ‬
‫ن أت ّب ِعُ إ ِل ّ َ‬
‫إ ِّني َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه وَل َوْ ُ‬
‫مل ِ ُ‬
‫}قُ ْ‬
‫ما َ‬
‫م‬
‫ك ل ِن َْف ِ‬
‫سي ن َْفعا ً َول َ‬
‫ت أعَْلمم ُ‬
‫كن ُ‬
‫شاَء الل ّ ُ‬
‫ضّرا ً إ ِل ّ َ‬
‫للأ ْ‬
‫خير وما مسِني السوُء إ َ‬
‫شيٌر‬
‫ذيٌر وَب َ ِ‬
‫ن أَنا إ ِل ّ ن َ ِ‬
‫ت ِ‬
‫ِ ْ‬
‫ال ْغَي ْ َ‬
‫ّ‬
‫ن ال ْ َ ْ ِ َ َ َ ّ‬
‫بل ْ‬
‫ست َك ْث َْر ُ‬
‫م ْ‬
‫ن )‪] {(188‬سورة العراف ‪[7/188‬‬
‫ل َِقوْم ٍ ي ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وعيسى ابن مريم عبد الله ورسوله ‪:‬‬
‫}َيا أ َهْ َ‬
‫ق‬
‫م َول ت َُقوُلوا عَل َممى الل ّمهِ إ ِل ّ ال ْ َ‬
‫حم ّ‬
‫ب ل ت َغُْلوا ِفي ِدين ِك ُ ْ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫سو ُ‬
‫م‬
‫ه أ َل َْقا َ‬
‫ح ِ‬
‫م ِ‬
‫سي ُ‬
‫م َر ُ‬
‫عي َ‬
‫مْري َم َ‬
‫ها إ ِل َممى َ‬
‫مت ُ ُ‬
‫ل الل ّهِ وَك َل ِ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ما ال ْ َ‬
‫إ ِن ّ َ‬
‫سى اب ْ ُ‬
‫ممما‬
‫ة انت َُهوا َ‬
‫سل ِهِ َول ت َُقوُلوا َثلث َ ٌ‬
‫ه َفآ ِ‬
‫ح ِ‬
‫وَُرو ٌ‬
‫مُنوا ِبالل ّهِ وَُر ُ‬
‫م إ ِن ّ َ‬
‫خي ْممرا ً ل َك ُم ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫حد سبحان َ‬
‫ن يَ ُ‬
‫ممما فِممي‬
‫وا ِ‬
‫كو َ‬
‫هأ ْ‬
‫ما ِفي ال ّ‬
‫ت وَ َ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ه وَل َد ٌ ل َ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ه َوا ِ ٌ ُ ْ َ َ ُ‬
‫ه إ ِل َ ٌ‬
‫الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ف ال ْمسي َ‬
‫َ‬
‫ن عَْبدا ً‬
‫ن يَ ُ‬
‫سَتنك ِ َ‬
‫ض وَك ََفى ِبالل ّهِ وَ ِ‬
‫كو َ‬
‫حأ ْ‬
‫َ ِ ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫كيل ً )‪ (171‬ل َ ْ‬
‫الْر ِ‬
‫س مت َك ْب ِْر‬
‫ن ِ‬
‫س مَتنك ِ ْ‬
‫ملئ ِك َم ُ‬
‫مَقّرب ُممو َ‬
‫عب َمماد َت ِهِ وَي َ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ن وَ َ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫ل ِل ّمهِ َول ال ْ َ‬
‫ف عَم ْ‬
‫م م َْ‬
‫ح ُ‬
‫ت‬
‫حا ِ‬
‫مُنوا وَعَ ِ‬
‫ما ال ّ ِ‬
‫ج ِ‬
‫صممال ِ َ‬
‫م إ ِل َي ْهِ َ‬
‫سي َ ْ‬
‫فَ َ‬
‫نآ َ‬
‫ميعا ً )‪ (172‬فَأ ّ‬
‫شُرهُ ْ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫فَيمموّفيه ُ‬
‫سممَتنك َُفوا‬
‫ممما اّلمم ِ‬
‫م ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫م وَي َ‬
‫مأ ُ‬
‫نا ْ‬
‫ضممل ِهِ وَأ ّ‬
‫زيممد ُهُ ْ‬
‫جمموَرهُ ْ‬
‫ُ َ ِ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ممم ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م عَ َ‬
‫ن الل ّهِ وَل ِي ّا ً َول‬
‫م ِ‬
‫ن ُ‬
‫دو َ‬
‫ج ُ‬
‫َوا ْ‬
‫ن ل َهُ ْ‬
‫ذابا ً أِليما ً َول ي َ ِ‬
‫ست َك ْب َُروا فَي ُعَذ ّب ُهُ ْ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫صيرا ً )‪] {(173‬سورة النساء ‪[173-4/171‬‬
‫نَ ِ‬

‫إنما وقع الخلط عندهم من أنهم قالوا ‪ " :‬فى البدء كان الكلمممة ‪.‬‬
‫والكلمممة كممان اللممه " ‪ ..‬فجعلمموا كلمممة اللممه هممى الممه ! وعلممى هممذا‬
‫الساس يمكن أن يكون آدم كذلك هممو اللممه – نسممتغفر اللممه – لنممه‬
‫كلمة الله ‪} :‬قَمما َ‬
‫ن )‪] {(59‬سممورة آل ‪ [3/59‬ولن‬
‫ن فَي َك ُممو ُ‬
‫ل ل َم ُ‬
‫ه ك ُم ْ‬
‫الله نفخ فيه من روحه ‪} :‬فَإ ِ َ‬
‫حي فََقُعوا‬
‫ه وَن ََف ْ‬
‫ن ُرو ِ‬
‫ت ِفيهِ ِ‬
‫ذا َ‬
‫خ ُ‬
‫سوّي ْت ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن )‪] {(72‬سورة ص ‪[38/72‬‬
‫ج ِ‬
‫ه َ‬
‫سا ِ‬
‫لَ ُ‬
‫دي َ‬
‫أما القولة التى نسبوها إلى المسيح وأولوها على هممواهم فهممى ل‬
‫تعنى أن تكممون هنمماك كنيسممة بممالمعنى الممذى صممار إليممه المممر فممى‬
‫الكنيسة الوروبية ول رجال دين لهممم وجممود متميممز وسمملطان علممى‬
‫المؤمنين بذلك الدين ‪ .‬إنما هى على فرض صحتها ل تعنى أكثر من‬
‫قول الله عن المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ‪} :‬وَل ِل ّهِ ال ْعِّزةُ‬
‫ن{ ]سورة المنافقون ‪ [63/8‬فهى عممزة يمنحهمما‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫وَل َِر ُ‬
‫سول ِهِ وَل ِل ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫الله للمؤمنين بدينه‪ ،‬يعتزون بها فى الرض على الكفار والمنافقين‪،‬‬
‫وليست سلطانا ذاتيا يمارسونه علممى المممؤمنين ! ولكممن علممى هممذا‬
‫الفهممم الخمماطئ والتأويممل المعمموج سممارت المممور فممى المسمميحية‬
‫المحرفة فصار لهمما كنيسممة ورجممال ديممن " ‪ "1‬يرأسممهم " قداسممة "‬
‫البابا ويرسمهم ذلك البابا أى يضعهم فى مناصبهم‪ ،‬وصار لهم علممى‬
‫الناس ذلك السلطان المعروف فى التاريخ الوروبى الذى لممم يكممن‬
‫سلطانا عاديا‪ ،‬وإنما وصل إلى حد الطغيان المتعدد اللوان ‪.‬‬
‫)‪ (2‬طغيان رجال الدين ‪:‬‬
‫)أ( الطغيان الروحى ‪:‬‬
‫أشرنا من قبل إلى أن الطغيان الروحمى همو ممن طبيعمة الديمان‬
‫الموضوعة التى تركز على الجانب الروحى ‪ .‬كممذلك كممان المممر مممع‬
‫سحرة فرعون ‪ .‬وهم كهنته فى ذات الوقت ‪ ..‬الذين يممروى القممرآن‬
‫عنهم ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م{ ]سممورة العممراف‬
‫سم َ‬
‫س َوا ْ‬
‫وا َ‬
‫س مت َْرهَُبوهُ ْ‬
‫حُروا أعْي ُم َ‬
‫}أل َْق م ْ‬
‫ن الن ّمما ِ‬
‫‪[7/116‬‬
‫وكمذلك كمان الممر ممع كهنمة المديانات الوضمعية القديممة كلهما ‪.‬‬
‫فالكاهن محوط بالسرار والغموض‪ ،‬على أساس أن له صمملة خفيممة‬
‫بالله المعبود‪ ،‬ومن ثم ففيه عنصر إضافى غير بقية البشر العاديين‬
‫يتيح له لممك السمملطان المرهمموب علممى القلمموب‪ ،‬لنممه يملممك – فممى‬
‫حسهم – أن يستنزل رضا الرب وغضبه على السواء ‪ !..‬وبعد قليممل‬
‫يصبح غضبه – فى حسهم – كأنما هو غضب الرب‪ ،‬وكذلك رضاه !‬
‫‪1‬‬

‫" " مر بنا قول المؤرخ النجليزى ويلز " فما بشر به يسوع كان ميلدا جديدا للروح النسانية ‪ .‬أما ما علمه بولس‬
‫فهو الديانة القديمة ‪ .‬ديانة الكاهن والمذبح "‬

‫وإذا كممان المممر لممم يصممل فممى المسمميحية المحرفممة إلممى صممورة‬
‫السحر المادى لن لها أصمل سمماويا علممى أى حممال‪ ،‬فقمد كمان دور‬
‫رجال الدين فيها قريبا من دور الكهنة فى الديانات الوثنية الخالصممة‬
‫" ‪ " 1‬وكان لهم سلطان روحى طاغ على الناس بوصفهم الوسممطاء‬
‫بينهم وبين الله ‪ .‬فالطفل ل يعد مسيحيا حتى يعمد ‪ .‬والتعميد ل يتم‬
‫إل على يد الكاهن ‪ .‬ومن ثممم تبممدأ حيمماة المسمميحى بتلمك الوسمماطة‬
‫الكهنونية التى تدخله – ابتممداء – فممى الممدين ‪ .‬ثممم يظممل حيمماته كلهمما‬
‫مرتبطا بالكاهن ‪ .‬هو الذى يزوجه‪ ،‬وهو الذى يصلى بممه صمملة الحممد‬
‫فى الكنيسة ن وهو الذى يتقبل اعترافه بخطاياه ويتقبل تمموبته )وإل‬
‫فل توبة ومن ثم ل غفران !( ثم هو الممذى يصمملى عليممه فممى النهايممة‬
‫حين يموت ‪ .‬فهو من مولده إلى مماته مرتبط بالكاهن ذلك الرباط‬
‫الذى يمثل فى حسه الكمموة المفتوحممة علممى عممالم الغيممب‪ ،‬والصمملة‬
‫التى تصل قلبه بالله ! ول يسممتطيع مهممما كممانت حممرارة وجممدانه أن‬
‫يعقد صلة مباشرة بالله بعيدة عن سلطان الكمماهن أو غيممر معرضممة‬
‫لتدخله فى أى وقت من الوقات !‬
‫فإذا كان هذا سلطان الشممماس الصممغير فممى القريممة )البرشممية(‬
‫فما بالك بالسقف وما بالك بالكردينال !؟‬
‫ثم ما بالك برئيس هؤلء جميعا الذى يجلس على عممرش البابويممة‬
‫هناك فى مقر السلطان ؟!‬
‫أو تعجب إذن إذا قيل لك إنه " قداسة " – البابا – وإنه المتحممدث‬
‫باسم الرب الله فى الرض ‪ ..‬وإنه مقدس الذات ومقدس الكلمات‬
‫؟!‬
‫ثم هل تعجب – من جهة أخرى – إذا رأيت رجال الدين قد طغمموا‬
‫فى الرض بغير الحق‪ ،‬وقد أوتوا على القلوب ذلك السلطان ؟!‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن ل َي َط ْغَممى )‪ (6‬أ ْ‬
‫سمما َ‬
‫إن السلطان بطممبيعته يطغممى ‪} :‬ك َل ّ إ ِ ّ‬
‫لن َ‬
‫نا ِ‬
‫ست َغَْنى )‪] {(7‬سورة العلق ‪ [7-96/6‬ول يحد من هذا الطغيان‬
‫َرآهُ ا ْ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫إل تقوى الله وصممدق اليمممان بممه ‪} :‬ال ّم ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫مك ّن ّمماهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ذي َ‬
‫م فِممي الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا الّز َ‬
‫ه‬
‫من ْك َرِ وَل ِّلمم ِ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مُروا ِبال ْ َ‬
‫كاةَ وَأ َ‬
‫أَقا ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫وا عَ ْ‬
‫ف وَن َهَ ْ‬
‫صلةَ َوآت َ ْ‬
‫عاقِب َ ُ ُ‬
‫مورِ )‪] {(41‬سورة الحمج ‪[22/41‬‬
‫َ‬
‫ة ال ُ‬
‫فإذا فرغت القلوب من التقوى ‪ ..‬فما الذى يمنع الطغيان ؟‬
‫ولقد كانت قلوب أكثرهم خاليممة مممن التقمموى كممما يشممهد كتممابهم‬
‫ومؤرخوهم ‪ .‬عباد دنيا ‪ ..‬عباد مممال ونسمماء وشممهوات ‪ ..‬لممذلك كممان‬
‫الدين بالنسبة إليهم حرفة يحترفونها‪ ،‬وسبيل يلجونه ليوصمملهم إلممى‬
‫‪1‬‬

‫" " من هنا قال من قال من كتابهم " وعلمانهم " الجاهليين إن تاريخ البشرية قد مر فى ثلث مراحل ‪ :‬مرحلة‬
‫السحر ومرحلة الدين ومرحلة العلم التى يتخلص الناس فيها من الدين ! وهم يتكلمون عن جاهليتهم هناك ‪.‬‬

‫المناصب ذات المكانة الرفيعة فى المجتمع وذات السلطان ‪.‬‬
‫ولذلك كان طغيانهم من أبشع ألوان الطغيان فى التاريخ ‪ ..‬وكان‬
‫حقا على أوروبا – حين تنورت – أن تخلممع هممذا السمملطان الطمماغى‬
‫وتنسلخ منممه‪ ،‬إحساسمما بالكرامممة وفممرارا مممن الممذل والهمموان ‪..‬وإن‬
‫كانت قد تحركت – فى هذا المر وفى غيره – حركات هوجاء بعيدة‬
‫عن المنطق والرشد‪ ،‬أخرجتها من ضلل إلى ضلل ‪.‬‬
‫يصف تشارلس ديكنز فممى قصممة المممدينتين الممتى يتحممدث فيهمما –‬
‫بطريقة روائية – عن مقدمات الثورة الفرنسية والحوال التى هيأت‬
‫لقيامها‪ ،‬مشهدا من مشاهد ذلك الذلل الروحى الذى كان يمارسممه‬
‫رجال الدين على الناس‪ ،‬أو الذل الروحى الذى كان يمارسه النمماس‬
‫لرجممال الممدين – وكلهممما سممواء فممى دللتممه – فيصممف شممارعا مممن‬
‫شوارع بمماريس وهممى يمومئذ غيرهمما اليمموم ‪ ..‬والمطمر ينهمممر بقموة‪،‬‬
‫والشارع مملوء بالطين والقذار والوحل‪ ،‬ومموكب الكاردينمال علمى‬
‫حصانه يمر فى الطريق‪ ،‬والناس محتشدة على الصفين ترقب ذلك‬
‫المشهد بقلوب خائفة واجفة‪ ،‬وتنتظر اللحظممة الهائلممة الممتى يحمماذى‬
‫الموكب فيها رؤوسهم‪ ،‬فتهوى هذه الرؤوس خشوعا – أو مذلة !! –‬
‫للموكب الموقر‪ ،‬وتظل تهوى حممتى تلتصممق بممالرض ‪ ..‬فممى الوحممل‬
‫والطين والقاذورات !‬
‫بأبى أنت وأمى يا رسول الله !‬
‫" ل تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم " " ‪"1‬‬
‫" إنما أنا ابن إمرأة من مكة كانت تأكل القديد " " ‪"2‬‬
‫ولم يكن ذلك هو الباب الوحيد للطغيممان الروحممى الممذى مارسممته‬
‫الكنيسة ورجال الدين ‪ ..‬فى صلب العقيدة المسمميحية كممانت هنمماك‬
‫أبواب للطغيان ‪..‬‬
‫فهناك " السرار " الممتى ل يعلممم تأويلهمما إل الراسممخون ‪ ..‬ل فممى‬
‫العلم ولكن فى الكهنوت !‬
‫أسرار التثليت ‪ ..‬والعشاء الربانى الذى يتحول فيه جسد المسمميح‬
‫إلى خبز ودماؤه إلى خمر ! وما إلى ذلك من معتقدات وطقوس ‪.‬‬
‫ولئن كانت هذه القضية داخله فممى الطغيممان العقلممى والفكممرى –‬
‫من حيث حظر التفكير فيها ومناقشممتها‪ ،‬ووجمموب التسممليم العمممى‬
‫بها‪ ،‬وسنتكلم عنه بهذه الصفة هناك – فإننا نتحدث هنمما عممن جانبهمما‬
‫الروحى ‪ .‬ذلك أنها عنممدهم مممن صمملب العقيممدة ‪ ..‬والمفممروض فممى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫" " رواه البخارى ‪.‬‬
‫" " رواه ابن ماجه ‪.‬‬

‫العقيدة أن تكون خالصة بين القلب البشرى وبيممن اللممه ل يعترضممها‬
‫فى الطريق معترض‪ ،‬لنها هى الصمملة المباشممرة الممتى تربممط قلممب‬
‫المؤمن بالله ‪ ..‬إنممما ينممزل اللممه كلممماته علممى رسممله لتممبين للنمماس‬
‫حقيقة اللوهية ‪ ..‬ثم ينعقد اليمان فى داخل القلب البشرى فيتجممه‬
‫مباشرة إلى الله ‪.‬‬
‫وبصرف النظر عما فى تلك " العقيدة " من زيف ما أنزل الله به‬
‫مممن سمملطان‪ ،‬فإنهمما – عنممدهم – هممى العقيممدة ! بممل هممى العقيممدة‬
‫الصممحيحة الممتى ل يقبممل مممن أحممد سممواها ! وليممس المفممروض فممى‬
‫العقيدة الصحيحة أن تحتوى على أسرار مغلفة ل يعرف حقيقتها إل‬
‫فئة معينة من الناس محممدودة العممدد محممدودة الممذوات ! إنممما كممان‬
‫يحدث هذا فى الديانات الوثنيممة السممالفة‪ ،‬حيممث الوهممام بممديل مممن‬
‫الحق‪ ،‬وحيث السرار تحيط بالوهام‪ ،‬ليظل النمماس خاضممعين لهمما ل‬
‫يفيقون من سحرها‪ ،‬ول يتمردون على كهنتهمما الممذين فممى أيممديهم –‬
‫وحدهم – وصل القلوب بالسرار‪ ،‬بطريقممة خفيممة ل تممدركها الفهممام‬
‫ول البصار !‬
‫وإذ كانت مسيحية الكنيسة فى حقيقتها دينا من صنع الكنيسة‪ ،‬أو‬
‫من صنع بولس الذى قدمها لوروبا فقممد احتمموت شمميئا مممن طبيعممة‬
‫تلك الدينات الوثنية الممتى وضممعها البشممر مممن قبممل‪ ،‬فتضمممنت تلممك‬
‫السرار التى ل يملك مفتاحها إل أصحاب القداسة العليا ‪ ..‬أو هكممذا‬
‫يقولون للناس ! فما يملك مفتاحها أحد فممى الحقيقممة لنهمما وهممم ل‬
‫وجود له على الطلق !‬
‫ومارست الكنيسة طغيانها الروحى كامل فى هذا الجانب‪ ،‬فقالت‬
‫للناس ‪ :‬لن تؤمنوا بالله حتى تؤمنوا بتلك السرار ‪ ..‬ثممم قمالت لهمم‬
‫إن مفتاح تلك السرار عندنا نحن ولن نعطيه إل لمن نختار !!‬
‫)ب( الطغيان العقلى والفكرى ‪:‬‬
‫إذا عدنا لتلك السرار ذاتها‪ ،‬وموقممف الكنيسممة منهمما‪ ،‬وجممدنا هممذا‬
‫الموقف ينطوى على لون آخر من الطغيان غير الطغيان الروحى ‪..‬‬
‫مارسممته الكنيسممة ل علممى أرواح النمماس هممذه المممرة ولكممن علممى‬
‫عقلوهم وأفكارهم‪ ،‬حين فرضت عليهم هذه السرار فرضا ومنعتهم‬
‫من مناقشتها‪ ،‬واعتبرت المناقش فيها أو الشمماك فممى أمرهمما كممافرا‬
‫مهرطقا وجبت عليه اللعنممة البديممة ‪ ..‬وخممرج مممن رضمموان البابويممة‬
‫فخرج – من ثم – من رضوان اله !‬
‫ولقد كانت تلك السرار كلها منافية للمنطق ومنافية للعقممل ‪ .‬ول‬
‫شك أن واضعيها كانوا يعلمون ذلممك أو يحسممونه علممى أقممل تقممدير‪،‬‬

‫ويحسون أنها لو نوقشت – بالعقل والمنطق – فلن تصمد للنقاش !‬
‫وإذ كانوا يصرون عليها‪ ،‬وعلى أنها هى الحقيقممة – تضممليل بمموعى أو‬
‫ضمملل منهممم بغيممر وعممى – فلممك يكممن أمممامهم إل أن يسممتخدموا‬
‫سلطانهم الطاغى لمنع المناقشة فى هذه المممور لكممى ل تنكشممف‬
‫عن وهم ل وجود له إل فى أذهان واضعيه أو ل وجود لممه حممتى فممى‬
‫أذهان واضعيه !‬
‫ويذكرنى هذا بحق العممتراض " الفيتممو " الممذى تمارسممه الممدول "‬
‫الكبرى " فى الجاهلية المعاصرة ! فما إن تشعر إحدى تلممك الممدول‬
‫أن نقاشا ما سيحرجها أو يكشف زيممف موقفهمما وبعممده عممن الحممق‪،‬‬
‫حمممتى تبمممادر بإسمممكات اللسمممنة باسمممتخدام " الفيتمممو " فيسمممكت‬
‫المناقشون صاغرين !‬
‫ولئن كان هذا طغيانا تمارسه القوى الطغيانية التى تسمى نفسها‬
‫الدول العظمى فى الجاهلية المعاصرة فقممد كممان طغيممان الكنيسممة‬
‫فى جاهلية القرون الوسطى – المظلمة فى أوروبمما " " ‪ – "1‬أنكممى‬
‫وأشد‪ ،‬فقد كممانت تمارسممه فممى أمممر يمممس العقيممدة وهممى ضممرورة‬
‫بشممرية ل غنممى عنهمما للبشممر‪ ،‬الممذين خلقمموا – بفطرتهممم – عابممدين‪،‬‬
‫والذين تظل فطرتهم – بما أودع الله فيها – تبحث عممن اللممه لتتجممه‬
‫إليه بالعبادة وتقدسه فى عله ‪.‬‬
‫وحين كان أى عقل مفكممر يتجممرأ فيسممأل – مجممرد سممؤال – عممن‬
‫ماهيممة هممذه السممرار‪ ،‬ولممو كممان سممؤاله مممن أجممل اليمممان بهمما أو‬
‫الطمئنان الذى يزيد اليمان‪ ،‬كانت الكنيسة تسارع إلى زجممره عممن‬
‫هذا الثم الذى يهم به‪ ،‬والذى يوقعه ل شك فى المهالك ! وتقول له‬
‫إن هذا أمر خارج عن نطاق العقل ‪ .‬إنما يسلم المممؤمن بممه تسممليما‬
‫بغير نقاش !‬
‫وهنا وقفة ربما كانت ضرورية فى هذا الشأن ‪.‬‬
‫فقد يخطر على البال قوله تعالى ‪ " :‬هو الذى أنزل عليك الكتاب‬
‫منه آيات محكمات هن أم الكتاب‪ ،‬وآخر متشابهات ‪ .‬فأما الذين فى‬
‫قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغمماء تممأويله‪ ،‬وممما‬
‫يعلم تأويله إل الله ‪ .‬والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كممل مممن‬
‫عند ربنا‪ ،‬وما يكر إل أولوا اللباب " وقول الرسول صلى اللممه عليممه‬
‫وسلم ‪ " :‬تفكروا فى خلق الله ول تفكروا فى الله " " ‪" 2‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫" " كانت القرون الوسطى مظلمة بالنسبة لوروبا فهم صادقون فى تسميتها كذلك بالنسبة إليهم ولكن كتابا "‬
‫مسلمين ! " يستخدمونها على أنها صفة شاملة للعالم كله فى تلك القرون وقد حوت تلك الفترة أشد القرون نورا ‪..‬‬
‫تلك التى استضاءت بالسلم !‬
‫" " عن ابن عباس رضى الله عنهما رواه ابو نعيم " انظر صحيح الجامع الصغير " ‪ ،‬الشيخ ناصر الدين اللبانى‬
‫‪. 3/49‬‬

‫وقد تعرض هذه القضية من أساسها ‪ :‬هل الدين من شأن العقممل‬
‫أم من شأن الوجدان ؟ وممما دور العقممل فيممه إن كممان لممه دور علممى‬
‫الطلق ؟ وهل عليه – من أجل اليمان – أن يسمملم تسممليما أعمممى‬
‫بكل ما يأتيه عن طريق " الدين " أم له أن يناقش ويطلب الدليل ؟‬
‫ونبدأ أول بالنص القرآنى فنجد فيه إشارة إلى المحكم والمتشابه‬
‫‪ .‬ويجمممع المفسممرون والعلممماء علممى أن أصممول العقيممدة – وكممذلك‬
‫أحكام الشريعة – هى من المحكم الذى ل يدخل التشابه فيممه ‪ .‬وأن‬
‫المور المتشابهة – التى لم تحددها الية‪ ،‬والتى اختلممف المفسممرون‬
‫فممى تحديممدها‪ ،‬والممتى منهمما علممى سممبيل المثممال الصممورة المفصمملة‬
‫لحوال الجنة وأحوال النار‪ ،‬وصفة العرش وما إلى ذلك مممن المممور‬
‫– وهممم ليسمموا فئة محممددة كفئة رجممال الكهنمموت – ل يزعمممون أن‬
‫عندهم تأويلها‪ ،‬ول أن تأويلها سر خاص بهم يحتجزونه عن الناس ثم‬
‫يطالبونهم باليمان به بل دليل ‪ .‬بل تنص اليممة علممى أن اللممه وحممده‬
‫هو الذى يعلم تأويلها – أى حقيقتهمما – لنممه – سممبحانه – هممو العليممم‬
‫الخبير الذى يعلم كل شئ على إطلقه‪ ،‬إنما الراسممخون فممى العلممم‬
‫يسلمون فقط بأن اليات كلها – محكمها ومتشابهها – من عند الله‪،‬‬
‫ويعلمون أن علم هذه المتشابهات هو عند الله وحده فيؤمنممون بهمما‬
‫على إطلقها لنها منزلة من عند الله‪ ،‬ولكنهم ل يزعمممون لنفسممهم‬
‫خصوصممية فممى التأويممل‪ ،‬ول يحتجممزون لنفسممهم شمميئا مممن العلممم‬
‫يحجبونه عن الناس ‪.‬‬
‫وهذا أمر يختلف تمام الختلف عن موقف الكنيسة الوروبية فى‬
‫قضايا العقيدة ‪ .‬فقد جعلت تلممك السممرار مممن أصممول العقيممدة‪ ،‬ثممم‬
‫زعمت أن عندها وحدها مفاتيحها ‪ ..‬ثم قالت للنمماس ‪ :‬لممن نعطيكممم‬
‫المفتاح ! ولكن عليكم أن تؤمنوا بها كما نقدمها لكم دون سؤال ول‬
‫نقاش ! وإل فأنتم زائغو العقيدة مهرطقممون ‪ ..‬وعليكممم اللعنممة إلممى‬
‫يوم الدين!‬
‫إن الكنيسة هنا وضممعت نفسممها فممى موضممع اللممه‪ ،‬بممل افترضممت‬
‫لنفسها على الناس ممما لممم يشممأ اللممه سممبحانه وتعممالى أن يفترضممه‬
‫لنفسه على عباده رحمة بالناس ! فالله – وحده – هو الذى يحق له‬
‫أن يتعبد عباده بأمور ليس من الضرورى أن يدركوا حكمتهمما‪ ،‬ليعلممم‬
‫– سبحانه – من يطيعه بالغيب ‪ .‬ولكنه – من رحمته – قد جعل ذلك‬
‫فى أمور التعبد وليس فممى أمممور العقيممدة الممتى جعلهمما اللممه سممهلة‬
‫وميسممرة ومفتوحممة بل ألغمماز ول غممموض‪ ،‬ليسممتوعبها كممل قلممب‬
‫ويطمئن إليهمما كممل قلممب ‪ .‬أممما الكنيسممة فجعلممت ذلممك فممى أمممور‬

‫العقيدة‪ ،‬وجعل لنفسها حقوقا أكثر مما افترض الله على العباد !‬
‫ثم نعرج على الحديث الشريف فنجممد أن فيممه نصمميحة للبشممر أن‬
‫يتعرفوا علمى اللمه سمبحانه ممن خلل آيماته الدالمة علمى وحمدانيته‪،‬‬
‫والدالة على تفرده فى كل شئ بل شريك ‪ .‬وأل يحاولوا أن يتفكروا‬
‫فى ذات الله لكيل يضلوا ول يهلكوا ‪.‬‬
‫هممل هممو حجممر علممى العقممل البشممرى أن يبحممث وأن ينمماقش وأن‬
‫يعرف ؟‬
‫كل ! فالدعوة إلى التفكر واردة فى أول الحديث ‪ " .‬تفكممروا فممى‬
‫آيات الله " إنما هو بيان لمنهج الصحيح للتفكير‪ ،‬ودعوة إلممى صمميانة‬
‫العقل البشرى أن تتبدد طاقته فيما ل طائل وراءه !‬
‫فماذا يملك العقمل البشمرى أن يحيمط بمه ممن ذات اللمه المتى ل‬
‫يحدها زمان ول مكان ول بدء ول انتهاء ؟‬
‫وإلى أى شئ وصل العقل البشرى فى أمممر الممذات اللهيممة حيممن‬
‫خالف النصيحة ومضى يخبط فى الظلمات ؟ إلممى أى شممئ وصمملت‬
‫الفلسفة فى القديم أو الحديث‪ ،‬وإلى أى شئ وصل علم الكلم بعد‬
‫المعمماظلت الذهنيممة الممتى ل تممؤدى إلممى شممئ إل إجهمماد الممذهن بل‬
‫نتيجة ؟!‬
‫إن العقممل ليعجممز عممن إدراك " الكنممه " حممتى فممى أمممور الكممون‬
‫المادى‪ ،‬فيكتفى بتسجيل الظواهر دون المدخول فمى الكنمه‪ ،‬فكيمف‬
‫بالخالق الذى ل تحده الحدود ؟‬
‫كل ! إنها الصيانة وليست الحجر ‪ ..‬ومن خالف النصيحة فليضرب‬
‫فى التيه !‬
‫أما العقيدة فمن ذا الذى حممرج علممى العقممل أن يممدلى فيهمما بممدلو‬
‫ويكون فيها له نصيب ؟‬
‫فأما السلم فقد دعا العقل دعوة صممريحة إلممى التفكيممر والتممدبر‬
‫ليصل فى أمر العقيدة إلى اليقين ‪ ..‬بل نعى علممى الممذين يرفضممون‬
‫التفكير‪ ،‬اتباعا للهوى‪ ،‬أو اتباعا لما ورثوه من عقائد الباء والجممداد‪،‬‬
‫أو إغلقا للحس والبصيرة‪ ،‬عن التأمل والتفكير ‪:‬‬
‫َ‬
‫م ب ِغَي ْمرِ ِ ْ‬
‫}ب َم ْ‬
‫م{ ]سممورة الممروم‬
‫ل ات ّب َمعَ ال ّم ِ‬
‫واَءهُ ْ‬
‫ن ظ َل َ ُ‬
‫ممموا أهْ م َ‬
‫ذي َ‬
‫عل م ٍ‬
‫‪[30/29‬‬
‫َ‬
‫ه َقاُلوا ب َم ْ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫ذا ِقي َ‬
‫}وَإ ِ َ‬
‫ه‬
‫ممما أل َْفي ْن َمما عَل َي ْم ِ‬
‫ل ن َت ّب ِمعُ َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م ات ّب ُِعوا َ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫آَباَءَنا أ َوَل َوْ َ‬
‫ن َ‬
‫ن )‪] {(170‬سممورة‬
‫دو َ‬
‫شمْيئا ً َول ي َهْت َم ُ‬
‫م ل ي َعِْقُلو َ‬
‫كا َ‬
‫ن آَباؤُهُ ْ‬
‫البقرة ‪[2/170‬‬
‫وجاء فى وصف عباد الرحمن نفممى للصممفة الذميمممة عنهممم وهممى‬

‫إغلق الحس والبصيرة ن التفكير ‪:‬‬
‫ن إِ َ‬
‫مَيان ما ً )‬
‫م يَ ِ‬
‫ذا ذ ُك ُّروا ِبآَيا ِ‬
‫}َوال ّ ِ‬
‫ما ً وَعُ ْ‬
‫صم ّ‬
‫م ل َم ْ‬
‫ت َرب ّهِ م ْ‬
‫خ مّروا عَل َي ْهَمما ُ‬
‫ذي َ‬
‫‪] {(73‬سورة الفرقان ‪[25/73‬‬
‫أى لممم يوصممدوا عقممولهم عممن التفكيممر الممذى يممؤدى إلممى معرفممة‬
‫الحق ‪.‬‬
‫كذلك يوصف المؤمنون بأنهم " أولو اللبمماب " وأنهممم هممم الممذين‬
‫يتفكرون فى خلق السماوات والرض فيهديهم التفكر إلممى اليمممان‬
‫بالله واليوم الخر وخلق السماوات والرض بالحق ل بالباطل ‪:‬‬
‫َ‬
‫ن ِفي َ ْ‬
‫ت‬
‫ض َوا ْ‬
‫ل َوالن ّهَممارِ لي َمما ٍ‬
‫وا ِ‬
‫خِتل ِ‬
‫}إ ِ ّ‬
‫ق ال ّ‬
‫سم َ‬
‫ف الل ّي ْم ِ‬
‫م َ‬
‫خل م ِ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه قَِياممما ً وَقُُعممودا ً وَعَل َممى‬
‫ب )‪ (190‬ال ّم ِ‬
‫ن ي َمذ ْك ُُرو َ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫لول ِممي الل ْب َمما ِ‬
‫ذي َ‬
‫ت وال َ‬
‫ن ِفي َ ْ‬
‫ت هَ م َ‬
‫ذا‬
‫ر‬
‫ممما َ‬
‫م وَي َت ََفك ُّرو َ‬
‫ُ‬
‫ق ال ّ‬
‫خل َْق م َ‬
‫ض َرب ّن َمما َ‬
‫س َ‬
‫جُنوب ِهِ ْ‬
‫ْ‬
‫وا ِ َ‬
‫م َ‬
‫خل ِ‬
‫ِ‬
‫حان َ َ‬
‫ك فَِقَنا عَ َ‬
‫ب الّنارِ )‪] {(191‬سورة آل ‪[191-3/190‬‬
‫ذا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫َباط ِل ً ُ‬
‫كما ينبغى على الذين ل يتدبرون القرآن ول يتفكرون فيما يحممويه‬
‫من اليات ‪:‬‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫دوا ِفيم ِ‬
‫ن ِ‬
‫جم ُ‬
‫عن ْمدِ غَي ْمرِ الل ّمهِ ل َوَ َ‬
‫ن وَل َموْ ك َمما َ‬
‫ن ال ُْقْرآ َ‬
‫}أَفل ي َت َد َب ُّرو َ‬
‫مم ْ‬
‫خِتلفا ً ك َِثيرا ً )‪] {(82‬سورة النساء ‪[4/82‬‬
‫ا ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب أقَْفال َُهمما )‪] {(24‬سممورة‬
‫ن ال ُْقممْرآ َ‬
‫}أَفل ي ََتممد َب ُّرو َ‬
‫نأ ْ‬
‫م عََلممى قُُلممو ٍ‬
‫محمد ‪[47/24‬‬
‫والدلة العقلية والجدل العقلى كثير فى القرآن ‪:‬‬
‫}ل َوْ َ‬
‫سد ََتا{ ]سورة النبياء ‪[21/22‬‬
‫ما آل ِهَ ٌ‬
‫كا َ‬
‫ه ل ََف َ‬
‫ة إ ِل ّ الل ّ ُ‬
‫ن ِفيهِ َ‬
‫ما َ‬
‫ب كُ ّ‬
‫ممما‬
‫ما ات ّ َ‬
‫ه ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن إ ِل َهٍ ِإذا ً ل َذ َهَ َ‬
‫كا َ‬
‫ل إ ِل َهٍ ب ِ َ‬
‫مع َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن وَل َدٍ وَ َ‬
‫خذ َ الل ّ ُ‬
‫} َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ض مه ُ ْ َ‬
‫ن )‪{(91‬‬
‫َ‬
‫ممما ي َ ِ‬
‫صمُفو َ‬
‫حا َ‬
‫سمب ْ َ‬
‫خل َمقَ وَل ََعل ب َعْ ُ‬
‫ض ُ‬
‫ن الل ّمهِ عَ ّ‬
‫م عَلممى ب َعْم ٍ‬
‫]سورة المؤمنون ‪[23/91‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن غَي ْرِ َ‬
‫ن )‪] {(35‬سورة الطممور‬
‫م ال ْ َ‬
‫م ُ‬
‫خل ُِقوا ِ‬
‫خال ُِقو َ‬
‫يٍء أ ْ‬
‫}أ ْ‬
‫م هُ ْ‬
‫ش ْ‬
‫م ْ‬
‫‪[52/35‬‬
‫ويشهد الترايخ أن " العقل " فممى ظممل السمملم قممد قممام بنشمماط‬
‫فكرى ضخم فى كممل اتجمماه‪ ،‬ولكننمما نعممود فنسممأل‪ ،‬لنحممدد بالضممبط‬
‫جريمة الكنيسة الوروبية فى الحجر على الفكممر البشممرى ‪ :‬ممما دور‬
‫الوجدان وما دور العقل فى قضية اليمان ؟ وهل هناك أمور يختص‬
‫بها الوجدان وليس للعقل فيها إل التسليم ؟‬
‫إن الدين – كما نعرف صورته فممى المموحى المنممزل علممى رسممول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم – يخاطب النسمان كلمه‪ :‬وجمدانه وعقلمه‬
‫فى آن ‪ .‬وقد يكون الوجدان أوسع الوعية البشرية الممتى تسممتوعب‬
‫أمر العقيدة وقضية اليمممان ‪ .‬ولممذلك فممإن الخطمماب الوجممدانى هممو‬

‫الغالب فى السور المكية التى يتركز الحديث فيهمما علممى العقيممدة ‪.‬‬
‫والقرآن يستثير الوجدان البشرى بالطرق على جميع نوافممذ القلممب‬
‫والتوقيع على جميع أوتاره‪ ،‬ثم – بعد استثارته – يلقى إليممه الحقيقممة‬
‫المتعلقة بالعقيدة‪ ،‬فينفعممل بهمما القلممب‪ ،‬وتصممل منممه إلممى القممرار ‪..‬‬
‫ويكفينا مثال واحد من سورة النعام ‪:‬‬
‫ج‬
‫م ْ‬
‫وى ي ُ ْ‬
‫مي ّم ِ‬
‫ي ِ‬
‫خ مرِ ُ‬
‫ج ال ْ َ‬
‫خ مرِ ُ‬
‫حم ّ‬
‫ه َفال ِقُ ال ْ َ‬
‫}إ ِ ّ‬
‫ت وَ ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مم ْ‬
‫حم ّ‬
‫ب َوالن ّم َ َ‬
‫ه فَأّنا ت ُؤْفَ ُ‬
‫جع َ م َ‬
‫ل‬
‫ت ِ‬
‫مي ّ ِ‬
‫ح وَ َ‬
‫كو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ي ذ َل ِك ُ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن )‪َ (95‬فال ِقُ ال ِ ْ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫ص مَبا ِ‬
‫س َ‬
‫سَبانا ً ذ َل ِ َ‬
‫الل ّي ْ َ‬
‫كنا ً َوال ّ‬
‫زيزِ ال ْعَِليم ِ )‪(96‬‬
‫ك ت َْق ِ‬
‫مَر ُ‬
‫ح ْ‬
‫ل َ‬
‫س َوال َْق َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ديُر ال ْعَ ِ‬
‫جع َ َ‬
‫ما ِ‬
‫وَهُوَ ال ّ ِ‬
‫ح مرِ قَ مد ْ‬
‫ت ال ْب َّر َوال ْب َ ْ‬
‫م ل ِت َهْت َ ُ‬
‫م الن ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫جو َ‬
‫دوا ب َِها ِفي ظ ُل ُ َ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫شمأ َ‬
‫همو اّلمذي َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫س‬
‫فم‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫مم‬
‫م‬
‫ك‬
‫أن‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫صمل َْنا الَيما ِ‬
‫ممو َ‬
‫ْ‬
‫ت ل َِقموْم ٍ ي َعْل َ ُ‬
‫فَ ّ‬
‫ْ‬
‫ن )‪ (97‬وَ ُ َ‬
‫ٍ‬
‫ست َوْد َعٌ قَد ْ فَ‬
‫و‬
‫َوا ِ‬
‫صل َْنا الَيا ِ‬
‫ت ل َِقوْم ٍ ي َْفَقُهو َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ست ََقّر وَ ُ‬
‫حد َةٍ فَ ُ‬
‫ّ‬
‫ن )‪ (98‬وَهُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت ك ُم ّ‬
‫ذي َأنَز َ‬
‫ل َ‬
‫يءٍ‬
‫جَنا ب ِهِ فَأ ْ‬
‫ماًء فَأ ْ‬
‫ل ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫خَر ْ‬
‫خَر ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫جَنا ب ِهِ ن َب َمما َ‬
‫ماِء َ‬
‫س َ‬
‫شم ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن ط َل ْعِهَمما‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫ضرا ً ن ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫فَأ ْ‬
‫ل ِ‬
‫كبما ً وَ ِ‬
‫مت ََرا ِ‬
‫ج ِ‬
‫خ ِ‬
‫جَنا ِ‬
‫ه َ‬
‫خرِ ُ‬
‫خَر ْ‬
‫حب ّا ً ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫مم ْ‬
‫خم ِ‬
‫مم ْ‬
‫ة وجنممات مم َ‬
‫م ْ‬
‫شمت َِبها ً وَغَي ْمَر‬
‫ممما َ‬
‫ب َوالّزي ْت ُممو َ‬
‫ن َ‬
‫وا ٌ‬
‫ن ُ‬
‫ن َوالّر ّ‬
‫ن أعْن َمما ٍ‬
‫دان ِي َم ٌ َ َ ّ ٍ ِ ْ‬
‫قِن ْ َ‬
‫َ‬
‫مرِهِ إ ِ َ‬
‫مت َ َ‬
‫م لي َمما ٍ‬
‫مَر وَي َن ْعِهِ إ ِ ّ‬
‫ن ِفي ذ َل ِك ُم ْ‬
‫ذا أث ْ َ‬
‫شاب ِهٍ انظ ُُروا إ َِلى ث َ َ‬
‫ُ‬
‫ت ل َِق موْم ٍ‬
‫ن )‪] {(99‬سورة النعام ‪[99-6/95‬‬
‫ي ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ولكن هذا ليس معناه أن الوجدان يستقل بأمر العقيممدة ‪ ..‬وليمس‬
‫معناه أن الدين يفرض على العقل – فممى شممأن العقيممدة – أمممورا ل‬
‫يستسيغها ول يتقبلها‪ ،‬ويطلب منه أن يسلم بهمما تسممليما أعمممى بممل‬
‫دليل ‪.‬‬
‫فأممما ممما يتصممل بالممذات اللهيممة فنعممم ‪ ..‬ل يملممك العقممل أن‬
‫يستوعب ‪ .‬والوجدان أقدر على الستيعاب مممن العقممل المقيممد فممى‬
‫تصوره بحدود الزمان والمكان والبدء والنتهاء ‪.‬‬
‫ولكن الدين لم يطالب النسان – مممن أجممل أن يممؤمن بممالله – أن‬
‫يتفكر فى الذات اللهية الممتى يعجممز عممن الحاطممة بهمما‪ ،‬إنممما طممالبه‬
‫بالتفكر فى آيات الله التى تستجيش النفس بدللتها الواضحة علممى‬
‫تفرد الله سبحانه وتعالى باللوهية والربوبية‪ ،‬فيؤمن النسممان بممالله‬
‫الواحد الذى ل شريك له‪ ،‬ثم تستقيم حياته بمقتضى ذلك اليمان ‪.‬‬
‫ومن ثم يشترك العقل والوجدان معا فى أمر العقيدة‪ ،‬كل يممؤدى‬
‫دوره على طريقته ‪ ..‬وفى النهاية يستقر اليمان فى القلب‪ ،‬ويصبح‬
‫حقيقة واقعة فى كيان النسان‪ ،‬تتبدى فى فكره وشعوره وسمملوكه‬
‫على السواء ‪.‬‬
‫وإذن فادعاء الكنيسة أن العقل ل ينبغى له أن يسأل وأن ينمماقش‬
‫فى أمر العقيدة‪ ،‬وإنما عليه أن يسلم تسممليما أعمممى ويممترك المممر‬

‫للوجدان‪ ،‬وهو ادعاء ليس من طبيعة " الدين " كما أنزله الله ‪ .‬إنما‬
‫كان هذا من مستلزمات الديان الوثنية التى تحوى أوهاممما ل يمكممن‬
‫أن يسيغها العقل لو فكر فيها‪ ،‬فتسكت صمموت العقممل وتمنعممه مممن‬
‫التفكير‪ ،‬بالسحر تارة‪ ،‬وبالتهديد بغضب اللهة المدعاة تارات !‬
‫وإذا كان هذا المر – وهو إسكات صوت العقل ومنعه من التفكير‬
‫– غير مستساغ حتى فى بداوة النسان أو ضللة البشرية‪ ،‬فهو مممن‬
‫باب أولى غيممر مستسمماغ فممى ديممن تزعممم الكنيسممة أنممه هممو الممدين‬
‫المنزل من عند الله‪ ،‬وأنه يمثل مرحلة راشدة فى تاريخ البشرية !‬
‫ولو كممانت هممذه السممرار مممن الممدين حقمما‪ ،‬ولممو كممانت مممن أمممور‬
‫العقيدة التى يلممزم اليمممان بهمما‪ ،‬مما منمع اللمه النماس أن يناقشموها‬
‫بعقولهم ليتبينوا ما فيها من الحق ويؤمنمموا بممه ! فممإن اللممه ل يقممول‬
‫للناس – فى وحيه المنزل – آمنوا بى دون أن تفكممروا وتعقلمموا ‪ .‬ول‬
‫يقول لهم ‪ :‬إنممى سأضممع لكممم اللغمماز الممتى ل تسمميغها عقممولكم ثممم‬
‫أطالبكم أن تخروا عليها صممما وعميانمما ل تتفكممرون ن وإل طردتكممم‬
‫من رحمتى !‬
‫إنما يقول الله للناس من خلل القول الموجه للرسول صلى الله‬
‫َ‬
‫عليه وسلم }قُ ْ‬
‫دى‬
‫وا ِ‬
‫ما أ َ ِ‬
‫مث َْنى وَُفممَرا َ‬
‫حد َةٍ أ ْ‬
‫موا ل ِل ّهِ َ‬
‫ن ت َُقو ُ‬
‫عظ ُك ُ ْ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫م بِ َ‬
‫م ت َت ََفك ُّروا { ]سورة سبأ ‪[34/46‬‬
‫ثُ ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن ال ُْقمْرآ َ‬
‫ويندد بهم حين ل يتفكممرون ول يتممدبرون ‪} :‬أَفل ي َت َمد َب ُّرو َ‬
‫َ‬
‫ب أ َقَْفال َُها )‪] {(24‬سورة محمد ‪[47/24‬‬
‫أ ْ‬
‫م عََلى قُُلو ٍ‬
‫ويناقش شبهاتهم‪ ،‬ويطالبهم بوضعها على محك المنطممق السممليم‬
‫وأن يأتوا عليها بالبرهان ‪ ..‬حتى يتحصل لهم من الوعى ما ينفى كل‬
‫شبهة ويجعل العقيدة مستقرة على يقيممن ل مجممال فيممه للممتردد ول‬
‫َ‬
‫للشك ‪} :‬قُ ْ‬
‫خي ٌْر‬
‫ه َ‬
‫م عََلى ِ‬
‫عَبادِهِ ال ّ ِ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫سل ٌ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ وَ َ‬
‫صط ََفى أالل ّ ُ‬
‫ح ْ‬
‫نا ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شرِ ُ‬
‫ض وََأن مَز َ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫م ِ‬
‫وا ِ‬
‫كو َ‬
‫خل َمقَ ال ّ‬
‫ل ل َك ُم ْ‬
‫سم َ‬
‫ن )‪ (59‬أ ّ‬
‫أ ّ‬
‫ت َوالْر َ‬
‫مم ْ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫َ‬
‫ذات بهجمة ممما ك َممان ل َك ُم َ‬
‫ن ت ُن ْب ِت ُمموا‬
‫مأ ْ‬
‫َ‬
‫حم َ‬
‫ممماًء فَأن ْب َت ْن َمما ب ِمهِ َ‬
‫ال ّ‬
‫ْ‬
‫دائ ِقَ َ َ َ ْ َ ٍ َ‬
‫ماِء َ‬
‫سم َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جع َ م َ َ‬
‫معَ الل ّهِ ب َ ْ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫جَر َ‬
‫ن َ‬
‫م ي َعْ مدُِلو َ‬
‫ش َ‬
‫م ق َ مو ْ ٌ‬
‫ن )‪ (60‬أ ّ‬
‫ل هُ م ْ‬
‫ه َ‬
‫ها أئ ِل َ ٌ‬
‫ل الْر َ‬
‫مم ْ‬
‫َ‬
‫جع َ م َ‬
‫جع َ م َ‬
‫جع َ َ‬
‫ن‬
‫ل ِ‬
‫ل ل َهَمما َرَوا ِ‬
‫ن ال ْب َ ْ‬
‫ي وَ َ‬
‫خلل ََها أن َْهارا ً وَ َ‬
‫قََرارا ً وَ َ‬
‫ل ب َي ْم َ‬
‫سم َ‬
‫حَري ْم ِ‬
‫َ‬
‫حاجزا ً أ َئ ِل َه مع الل ّه ب ْ َ‬
‫مضممط َّر‬
‫جي ُ‬
‫مو َ‬
‫ِ َ‬
‫ٌ َ َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ن يُ ِ‬
‫ن )‪ (61‬أ ّ‬
‫م ل ي َعْل َ ُ‬
‫ل أك ْث َُرهُ ْ‬
‫َ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ُ َ‬
‫إِ َ‬
‫ما‬
‫ذا د َ َ‬
‫ش ُ‬
‫عاهُ وَي َك ْ ِ‬
‫سوَء وَي َ ْ‬
‫ف ال ّ‬
‫معَ الل ّهِ قَِليل ً َ‬
‫ه َ‬
‫ض أئ ِل َ ٌ‬
‫جعَل ُك ُ ْ‬
‫خلَفاءَ الْر ِ‬
‫َ‬
‫سم ُ‬
‫ل‬
‫ن ي ُْر ِ‬
‫ممما ِ‬
‫ن ي َهْ ِ‬
‫ت ال ْب َمّر َوال ْب َ ْ‬
‫ت َذ َك ُّرو َ‬
‫ح مرِ وَ َ‬
‫م فِممي ظ ُل ُ َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫ن )‪ (62‬أ ّ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫شرِ ُ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ح بُ ْ‬
‫ن)‬
‫كو َ‬
‫ن ي َد َيْ َر ْ‬
‫الّرَيا َ‬
‫ه عَ ّ‬
‫معَ الل ّهِ ت ََعاَلى الل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫مت ِهِ أئ ِل َ ٌ‬
‫ح َ‬
‫شرا ً ب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫ن ي َب ْد َأ ُ ال ْ َ‬
‫م ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫سم َ‬
‫ن ي َْرُزقُك ُم ْ‬
‫م ي ُِعيمد ُهُ وَ َ‬
‫خل ْقَ ث ُ ّ‬
‫‪ (63‬أ ّ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫ماِء َوالْر ِ‬
‫َ‬
‫ن ُ‬
‫معَ الل ّهِ قُ م ْ‬
‫ن )‪] {(64‬سممورة‬
‫م إِ ْ‬
‫كنت ُم ْ‬
‫ل هَمماُتوا ب ُْرهَممان َك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫أئ ِل َ ٌ‬
‫م َ‬
‫صممادِِقي َ‬

‫النمل ‪[64-27/59‬‬
‫ويرتب اليمان على مجئ " البينات " وهى الدلة الواضممحة الممتى‬
‫ل إني نهيت أ َ َ‬
‫ن‬
‫ن ت َد ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ن أعْب ُد َ ال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫تبين الحق وتزيل الشك ‪} :‬قُ ْ ِ ّ ُ ِ ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن َرّبي { ]سورة غافر ‪[40/66‬‬
‫ت ِ‬
‫ما َ‬
‫ُ‬
‫جاَءِني ال ْب َي َّنا ُ‬
‫ن الل ّهِ ل َ ّ‬
‫م ْ‬
‫دو ِ‬
‫س مل ً‬
‫ويقيم الحجممة علممى النمماس قبممل أن يطممالبهم باليمممان ‪ُ} :‬ر ُ‬
‫ن ل َل ّ ي َ ُ‬
‫مب َ ّ‬
‫ل{‬
‫جم ٌ‬
‫ح ّ‬
‫س عَل َممى الل ّمهِ ُ‬
‫كو َ‬
‫ة ب َعْمد َ الّر ُ‬
‫ن وَ ُ‬
‫ُ‬
‫سم ِ‬
‫منذِِري َ‬
‫ري َ‬
‫ش ِ‬
‫ن ِللن ّمما ِ‬
‫]سورة النساء ‪[4/165‬‬
‫كل ! ل يطلب الله من عباده التسليم العمى‪ ،‬إنمما يطلمب منهمم‬
‫التسليم البصير ‪} :‬قُ ْ‬
‫صمميَرةٍ أ َن َمما‬
‫سِبيِلي أ َد ْ ُ‬
‫عو إ َِلى الل ّمهِ عَل َممى ب َ ِ‬
‫ل هَذِهِ َ‬
‫ن ات ّب َعَِني{ ]سورة يوسف ‪[12/108‬‬
‫وَ َ‬
‫م ْ‬
‫إنما كممان الربمماب المزيفممون – فممى المجممامع المقدسممة وعلممى "‬
‫عرش " البابوية – هم الذين حرموا على العقل أن يفكممر‪ ،‬وفرضمموا‬
‫عليه أن يسلم تسليما أعمى بأمور ل يستسيغها ول يعقلها‪ ،‬وإل كان‬
‫من الكافرين !‬
‫ولم يكن للناس بد تحت هذا التهديد الطاغى ممن فممى أيممديهم –‬
‫وحدهم – الوساطة بين الله وعباده – كما يزعمممون ! – أن يسمملموا‬
‫تسممليما أعمممى بأسممطورة التثليممت وأسممطورة العشمماء الربممانى‬
‫وأسطورة الب الذى صلب ولممده فممداء لخطيئة آدم ‪ ..‬وغيرهمما مممن‬
‫الساطير المفروضة عليهم‪ ،‬لكى يأمنوا غضب الوسطاء‪ ،‬المؤدى –‬
‫فى وهمهم – إلى غضب الله‪ ،‬وأن يلتزموا بهذا الحجر البشممع علممى‬
‫العقول والفكار عدة قرون ‪.‬‬
‫ولكن ‪..‬هل كان من الممكمن أن يسممتمر ذلمك إلمى البممد دون أن‬
‫تتمرد العقول المكبوتة وتدعو إلى حرية التفكير ؟!‬
‫)جـ( الطغيان المالى ‪:‬‬
‫لم يكن " رجال الدين " من أهل التقوى والزهممد كممما يتوقممع مممن‬
‫القوم الذين حولوا الدين إلى روحانية غالبة ورهبانية وأمروا النمماس‬
‫أن يكتفوا بعيش الكفمماف لكممى يممدخلوا الجنممة ويجلسمموا عممن يميممن‬
‫الرب فى الخرة ! وأبلغتهم أنه "مممن أراد الملكمموت فخممبز الشممعير‬
‫والنوم فى المزابل مع الكلب كثير عليممه " وأن " مممرور جمممل مممن‬
‫ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت اللممه " " ‪ "1‬وأن " ل‬
‫تقتنوا ذهبا ول فضة ول نحاسا فى مناطقكم‪ ،‬ول فرودا لطريممق‪ ،‬ول‬
‫ثوبين " " ‪ " 2‬ول أحذية ول عصا " ‪! " 3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫" " انجيل مرقص ] ‪[ 22 – 10‬‬
‫" " أى أنه يكفى ثوب واحد ‪.‬‬
‫" " إنجيل مرقص ‪11 - 10 :‬‬

‫إنما كانت الكثرة منهم ممن فتنوا بالدنيا ونسوا الخرة ‪.‬‬
‫يقول " كرسون " فى كتاب " المشكلة الخلقية " ‪.‬‬
‫" كانت الفضائل المسيحية كممالفقر والتواضممع والقناعممة والصمموم‬
‫والممورع والرحمممة‪ ،‬كممل ذلممك كممان خيممرا للمممؤمنين وللقسيسممين‬
‫وللقديسين وللخطب والمواعظ ‪ .‬إما أسمماقفة البلط والشخصمميات‬
‫الكهنوتية الكبيرة فقد كان لهم شئ آخر ‪ :‬البذخ والحاديث المتأنقة‬
‫مممع النسمماء والشممهرة فممى المجممالس الخاصممة والعجلت والخممدم‬
‫والرباح الجسيمة والموارد والمناصب " " ‪"1‬‬
‫ويقول " ول ديورانت " ‪:‬‬
‫" أصبحت الكنيسة أكبر ملك الراضى وأكبر السادة القطمماعيين‬
‫فى أوروبا ‪ .‬فقد كان دير " فلممدا " مثل يمتلممك خمسممة عشممر ألممف‬
‫قصر صممغير‪ ،‬وكممان ديممر " سممانت جممول " يملممك ألفيممن مممن رقيممق‬
‫الرض‪ ،‬وكان " ألكوين فيتور" " ‪ " 2‬سممدا لعشممرين ألفمما مممن أرقمماء‬
‫الرض‪ ،‬وكان الملك هو الذى يعين رؤساء الساقفة والديرة وكممانوا‬
‫يقسمممون يميممن الممولء كغيرهممم مممن الملك القطمماعيين‪ ،‬ويلقبممون‬
‫بالدوق والكونت وغيرها من اللقمماب القطاعيممة ‪ ..‬وهكممذا أصممبحت‬
‫الكنيسة جزءا من النظام القطاعى ‪.‬‬
‫" وكممانت أملكهمما الزمنيممة‪ ،‬أى الماديممة‪ ،‬وحقوقهمما والتزاماتهمما‬
‫القطاعية مما يجلل بالعار كممل مسمميحى متمسممك بممدينه‪ ،‬وسممخرية‬
‫تلوكها ألسنة الخارجين على الممدين‪ ،‬ومصممدرا للجممدل والعنممف بيممن‬
‫الباطرة والبابوات " " ‪" 3‬‬
‫وكممانت مصممادر تلممك الملك متعممددة‪ ،‬فمنهمما الوقمماف‪ ،‬ومنهمما‬
‫العشور‪ ،‬ومنها الهبات ومنها الضرائب‪ ،‬ومنها السخرة ‪.‬‬
‫فأما الوقاف فقممد كممانت الكنيسممة تسممتولى علممى أراض زراعيممة‬
‫واسعة وتوقفها علممى نفسممها لتنفممق منهمما علممى الديممرة والكنممائس‬
‫وتجهيز الجيوش للحروب الصليبية أو الحروب التأديبيممة الممتى تقمموم‬
‫بها ضد الملوك والباطرة الخارجين على سلطانها ‪ .‬وفى ذلك يقول‬
‫ويكلف وهو من أوائل الذين ثمماروا علممى الفسمماد الكنسممى وطممالبوا‬
‫بالصلح الشامل ‪ " :‬إن الكنيسة تملك ثلث أراضممى إنجلممترا وتأخممذ‬
‫الضرائب الباهظة من الباقى " " ‪" 4‬‬
‫كما فرضت الكنيسة على اتباعها أن يدفعوا إليهمما عشممر أممموالهم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫"‬
‫"‬
‫"‬
‫"‬

‫"‬
‫"‬
‫"‬
‫"‬

‫المشكلة الخلقية ص ‪167‬‬
‫أحد رجال الدين ‪.‬‬
‫قصة الحضارة ج ‪ 14‬ص ‪425‬‬
‫فشر ‪ :‬تاريخ أوروبا ج ‪ ، 2‬ص ‪362‬‬

‫ضريبة سنوية ل يملكون التملص منها تحت وطأة التهديد بالحرمممان‬
‫وغضب الرب !‬
‫يقول ويلز ‪:‬‬
‫" كانت الكنيسة تجبى الضرائب ‪ .‬ولم يكن لها ممتلكات فسمميحة‬
‫ول دخل عظيم من الرسوم فحسممب‪ ،‬بممل فرضممت ضممريبة العشممور‬
‫على رعاياها‪ ،‬وهى لم تدع إلى هذا المممر بوصممفه عمل مممن أعمممال‬
‫الحسان والبر‪ ،‬بل طالبت به كحق " " ‪! " 1‬‬
‫وفرض البابا يوحنا الثانى والعشرون بالضممافة إلممى ذلممك ضممريبة‬
‫جديدة سميت " ضريبة السنة الولى " وهى دخل السنة الولى لية‬
‫وظيفة من الوظائف الدينية أو القطاعية يدفع إلى الكنيسة بطريق‬
‫الجبار !‬
‫أمما الهبمات فهمى هبمات فممى ظماهر الممر فقممط ! ولكنهمما تؤخممذ‬
‫بالحراج والتوريط‪ ،‬والترغيب والترهيب ! وخاصة الهبات التى تمنممح‬
‫للكنيسة فى الوصايا التى يكتبها الناس قبممل ممموتهم ‪ .‬فقممد فرضممت‬
‫الكنيسة على الناس أل يكتبوا وصاياهم إل على يد القسمميس ! وممما‬
‫دام القسيس حاضرا وقت كتابة الوصية فقد اصممبح الممواجب – مممن‬
‫باب " المجاملممة " علممى القممل _ أن يهممب الوصممى شمميئا مممن ممماله‬
‫للكنيسة حتى ل يكون مجافيا للذوق ! أو حتى يتحاشى ما هو أخطر‬
‫من ذلك ‪ :‬غضب الرباب المؤدى إلى غضب رب الرباب !!‬
‫أما السخرة فقد كانت الكنيسة تفرضها على رعاياها بالعمل يوما‬
‫واحدا فى السبوع بالمجان فى أراضى الكنيسة الواسممعة ‪ .‬فيعمممل‬
‫التعساء ستة أيام فى السبوع ليجدوا خبز الكفمماف لهممم ولسممرهم‪،‬‬
‫ثم يعملون اليوم السابع – يوم الراحة – سخرة فى أراضى الكنيسة‬
‫لكى توفر الخيرة أجور العمال التى كان المفروض أن تدفعها لقمماء‬
‫زراعة إقطاعياتهمما الواسممعة وجنممى حاصمملتها وتممزداد بممذلك اكتنممازا‬
‫وضراوة فى لطب المزيد من المال !‬
‫لقد كممان مممن السممهل علممى الكنيسممة أن تمممارس ذلممك الطغيممان‬
‫المممالى وهممى تملممك ذلممك النفمموذ الطمماغى علممى أرواح النمماس‬
‫وعقولهم ‪ .‬فما هى إل أن تصدر المر فيطيع العبيد صاغرين !‬
‫)د( الطغيان السياسى ‪:‬‬
‫زعمت الكنيسة أن المسيح عليه السلم قد أعطى قيصر وحكمه‬
‫شرعية الوجممود‪ ،‬حيمن وضمعت علمى لسمانه هممذه الكلممات ‪ " :‬إذن‬
‫أعطوا ما لقيصر لقيصر وممما للممه للممه " وفسممرتها – عمليمما – بممترك‬
‫‪1‬‬

‫" " معالم تاريخ النسانية ج ‪ 3‬ص ‪895‬‬

‫القانون الرومانى يحكم العالم المسيحى بدل من شريعة الله ‪.‬‬
‫ورغم أن هذا تفسير خاطئ لدين الممه المنممزل علممى عيسممى ابممن‬
‫رميممم رسممول اللممه‪ ،‬فقممد كممان مقتضمماه – المنطقممى – أن تتفممرغ‬
‫الكنيسة لشؤون الخرة وشؤون الروح‪ ،‬وتممترك قيصممر يحكممم عممالم‬
‫الرض وعالم البدان ‪.‬‬
‫ولكنها لم تكن فى شئ من سمملوكها العملممى منطقيممة مممع الممذى‬
‫تقوله بأفواهها أو تعلنممه مممن مبادئهمما ‪ .‬فقممد ادعممت لنفسممها سمملطة‬
‫دنويممة )أو زمنيممة ‪ Temporal‬كممما يسمممونها فممى التاريممخ الوروبممى(‬
‫نازعت بها الباطرة والملوك وأخضعتهم لسلطانها ‪.‬‬
‫ونحن المسلمين ل ننكر – من حيث المبدأ – أن يكون لمن يقمموم‬
‫على أمر الدين فى الرض سلطان على الباطرة والملوك‪ ،‬وإن كنمما‬
‫ل ت=نعرف – فى السلم – شيئا يمكن أن يسمى " الكنيسة " ول‬
‫شمميئا يمكممن ان يسمممى " رجممال الممدين " إنممما هممم علممماء الممدين‬
‫وفقهاؤه ‪ .‬إنممما نقصممد أننمما ل ننكممر علممى الممذين يقممع علممى عمماتقهم‬
‫مراقبة إقامة الدين فى الرض أن يكون لهممم علممى ذوى السمملطان‬
‫سلطة النصيحة والتوجيه والمر بالمعروف والنهى عن المنكر ‪.‬‬
‫ولكن … لى شئ تكون هذه السلطة وعلى أى شئ تدور ؟!‬
‫إنها – فى دين اله المنزل – تكممون لتنفيممذ شممريعة اللممه ومراقبممة‬
‫المور كلها لكى تكون خاضعة لشريعة الله ‪.‬‬
‫فهل من أجل هذا طالبت الكنيسة بأن تكممون لهمما علممى البمماطرة‬
‫والملوك سلطان ؟! بل ذلك أبعد شئ عن الحقيقة ‪.‬‬
‫إن الكنيسممة – وهممى تطممالب بسمملطانها الطمماغى علممى البمماطرة‬
‫والملوك – أو حين مارست هذا السلطان بالفعل – لم تطالبهم قط‬
‫بالنصياع إلى شريعة اله وتطبيق أحكامهما علممى النماس )فيممما عمدا‬
‫قانون الحوال الشخصية( الذى لم يجممد معارضممة مممن الحكممام مممن‬
‫قبل !( إنما كانت تطلب – وتمارس – سلطانا شخصيا بحتا‪ ،‬وأرضمميا‬
‫بحتا‪ ،‬هو أن يطأطئ الملوك والباطرة لها الرؤوس وأن يعلنوا أنهم‬
‫خاضعون لسلطانها !‬
‫إن الكنيسة – بذلك – قممد أجرمممت فممى حممق ديممن اللممه جريمممتين‬
‫مزدوجتين ‪ :‬الولممى أنهما عزفمت عمن تطمبيق شممريعة اللمه‪ ،‬واجبهمما‬
‫الول‪ ،‬والمبرر الكبر لوجودها إن كان لوجودها مبرر علممى الطلق‪،‬‬
‫بينما كانت تملك سلطة تطممبيق هممذه الشممريعة بممما كممان لهمما علممى‬
‫قلوب الجماهير من سلطان من جهة‪ ،‬وبممما صممار لهمما مممن سمملطان‬
‫على الملوك والباطرة فيما بعد …‬

‫والثانية أنها استخدمت سلطانها الذى حاربت ممن أجمل الحصمول‬
‫عليه وأراقت الدماء فى إخضاع الناس جميعمما‪ ،‬ملمموكهم ورعمماعهم‪،‬‬
‫لهواها هى‪ ،‬وجبروتها هى‪ ،‬فجعلت من رجالها أربابمما مممن دون اللممه‪،‬‬
‫وعبدت الناس لهم من دون الله حتى حق عليهم قمول اللمه فيهمم ‪:‬‬
‫ذوا أ َحبممارهُم ورهْبممانه َ‬
‫خم ُ‬
‫ه{ ]سممورة التوبممة‬
‫}ات ّ َ‬
‫ن الل ّم ِ‬
‫م أْرَبابما ً ِ‬
‫ن ُ‬
‫ْ َ َ ْ َُ َ َُ ْ‬
‫دو ِ‬
‫مم ْ‬
‫‪[9/31‬‬
‫إنها جريمة بشعة – أو جرائم بشعة متراكب بعضها علممى بعممض –‬
‫من أى زاوية نظرت إليها ‪.‬‬
‫فمن ناحية الدين المنممزل شمموهته بفصممل العقيممدة عممن الشممريعة‬
‫وتقديمه للناس عقيدة صرفا بل تشممريع أى مسممخا مشمموها ل يمثممل‬
‫دين الله الحقيقى ‪ ..‬ثم ادعت للناس أن هممذا هممو الممدين ! وزرعممت‬
‫فى عقول الناس تصورا خاطئا بأن الممدين علقممة خاصممة بيممن العبممد‬
‫والرب‪ ،‬محلها القلب نول علقة لممه بواقممع الرض ‪ ..‬فسممهلت علممى‬
‫الشياطين – فيما بعد– اقتلع آثاره من واقممع الحيمماة‪ ،‬لنممه لممم يكممن‬
‫عميق الجذور فى واقع الحياة ! " ‪"1‬‬
‫ومن ناحيمة الواقمع أسمهمت فمى إفسماد الرض بتعطيمل شمريعة‬
‫الله‪ ،‬والسماح للجاهلية الرومانية أن تحكم العالم المسمميحى – فممى‬
‫صورة قوانين وتنظيمات – ومنعت الصلح الذى أراده اللممه للنمماس‬
‫حين نزل عليهم الدين‪ ،‬فنشأت عن ذلك مظالم سياسية واقتصادية‬
‫واجتماعية تمثلت فى نظام القطاع الذى سمماد العممالم اللوروبممى –‬
‫فى ظل الكنيسة – أكثر من عشرة قرون ! وسهل على الشممياطين‬
‫– فيما بعد – اقتلع آثار المدين وتحطيممه باسمم الصملح السياسمى‬
‫والقتصادى والجتماعى !‬
‫فضل عما أثارته من المنازعات مع البمماطرة والملمموك‪ ،‬مممما أدى‬
‫بهم – فيما بعد – إلى النسلخ مممن سمملطان الكنيسممة الممذى يحمممل‬
‫عنوان الدين بالحق أو بالباطل‪ ،‬وتعميق مفهوم الفصممل بيممن الممدين‬
‫والسياسة الذى كان قائما من قبممل بالفعممل بتعطيممل شممريعة اللممه‪،‬‬
‫ليصبح عداء كامل بيمن المدين والسياسمة فمى أى صمورة ممن صمور‬
‫السياسة وأى صورة من صور الدين !‬
‫يروى التاريخ الكثير عن قصة النزاع بين الكنيسة وبيممن البمماطرة‬
‫والملوك ‪.‬‬
‫اصدر البابا " نقول الول " بيانا قال فيه ‪:‬‬
‫" أن ابن اله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيممس‬
‫‪1‬‬

‫" " سنتحدث عن ذلك فى التمهيد الثانى " دور اليهود فى إفساد أوروبا " ‪.‬‬

‫لها ‪ .‬وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس فى تسلسل مسممتمر‬
‫متصل‪ ،‬ولذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الرض يجب أن تكون‬
‫له السيادة العليا والسلطان العظم على جميع المسيحيين‪ ،‬حكاممما‬
‫كانوا أو محكومين " " ‪" 1‬‬
‫وفى القرون الوسطى مارست الكنيسة ذلممك السمملطان بالفعممل‬
‫على الحكام والمحكومين‪ ،‬مع وجود فترات مممن الصممراع المتبممادل‪،‬‬
‫حيث يتمرد بعض الملوك والمراء على سلطة البابا‪ ،‬ويشتد آخممرون‬
‫فممى حربهممم للبممابوات حممتى إنهممم ليعزلممون البابمما أو ينفممونه أو‬
‫يسجنونه ! ولكممن السمملطة الغالبممة كممانت للكنيسممة‪ ،‬تسممتمدها مممن‬
‫سلطانها الروحى الطاغى على قلوب الناس‪ ،‬ومن جيوشها الكثيفممة‬
‫ومن أموالها التى تضارع ما يملكه الملوك وأمراء القطاع !‬
‫يروى " فيشر " قصة الصراع بين البابمما هلدبرانممد وهنممرى الرابممع‬
‫إمبراطور ألمانيا فيقول ‪ .. " :‬ذلك أن خلفا نشب بينهما )بين البابمما‬
‫والمممبراطور( حممول مسممألة " التعيينممات " أو ممما يسمممى " التقليممد‬
‫العلمممانى " فحمماول المممبراطور أن يخلممع البابمما ورد البابمما بخلممع‬
‫المبراطور وحرمه وأحل اتباعه والمراء من ولئهم له وألبهم عليه‪،‬‬
‫فعقد المراء مجمعا قرروا فيه أنه إذا لم يحصممل المممبراطور علممى‬
‫المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا فإنه سيفقد عرشه إلى البممد‪،‬‬
‫فوجد المبراطور نفسه كالجرب بين رعيته‪ ،‬ولممم يكممن فممى وسممعه‬
‫أن ينتظر وصول البابا‪ ،‬فضممرب بكبريممائه عممرض الحممائط واسممتجمع‬
‫شجاعته وسافر مجتممازا جبممال اللممب والشممتاء علممى أشممده‪ ،‬يبتغممى‬
‫المثول بين يدى البابا بمرتفعات كانوسا فممى تسممكانيا‪ ،‬وظممل واقفمما‬
‫فى الثلج فى فناء القلعة ثلثة أيام وهو فمى لبماس الرهبمان متمدثرا‬
‫بالخيش حافى القممدمين عممارى الممرأس يحمممل عكممازه مظهممرا كممل‬
‫علمات النممدم وأمممارات التوبممة حممتى تمكممن مممن الظفممر بممالمغفرة‬
‫والحصول على رضا البابا العظيم " " ‪"2‬‬
‫كما يروى التاريخ قصة مماثلة عن ملك إنجلترا هنرى الثانى الذى‬
‫أصدر دستورا يلغى فيه كثيرا من امتيازات رجال الدين‪ ،‬الذين كانوا‬
‫يملكون الكثير‪ ،‬ول يدفعون شيئا من الضرائب التى يدفعها الشعب‪،‬‬
‫بل يفرضون هم لنفسهم ضرائب خاصة ‪ ..‬فحرمته الكنيسة فأصبح‬
‫غريبا فى وسط شعبه ل يطاع له أمر ‪ ..‬فأعلن ندمه وتمموبته‪ ،‬وسممار‬
‫إلى مقر رئيس الساقفة فممى كنممتر بممرى يسترضمميه‪ ،‬ومشممى علممى‬
‫الرض الصلبة الثلثة الميال الخيرة من رحلته حافى القدمين حتى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫" " قصة الحضارة لول ديورانت ج ‪ 14‬ص ‪352‬‬
‫" " فيشر – تاريخ أوروبا ج ‪ – 1‬ص ‪260‬‬

‫نزف الدم منهما‪ ،‬وطلب من الرهبان – وقد استلقى علممى الرض –‬
‫أن يضربوه بالسياط حتى يرضى عنه الغاضبون !‬
‫ولكن سلطان الكنيسة ظل يتداعى فى نهايممة القممرون الوسممطى‬
‫حتى قام الملوك يعلنون أنهممم هممم الحكممام فممى الرض بمقتضممى "‬
‫الحممق اللهممى المقممدس " وأنممه ليممس للبممابوات عليهممم سمملطان إل‬
‫السلطان الروحى وحده ‪.‬‬
‫فاستبدلت أوروبا فى الحقيقة طغيانا بطغيان مع فارق واحد‪ ،‬أن‬
‫الطغيان الجديد يبعد تدريجيا ويبعد الناس معه عن سلطان الممدين !‬
‫وفضل عن ذلك فقد كان انشقاق الملوك عممن سمملطان البابمما يتخممذ‬
‫شمممكل قوميممما متزايمممدا‪ ،‬تسمممانده العواممممل الخمممرى – السياسمممية‬
‫والقتصادية – التى أحاطت بأوروبا وشجعت على ظهور القوميات‪،‬‬
‫اتلى كان لها دور كبير فى بروز الصراعات الحادة فممى أوروبمما أول‪،‬‬
‫ثم فى العالم لكله فى صورة حروب استعمارية فيما بعد‪ ،‬بالضممافة‬
‫إلى ما أثبتناه من قبل من تعميق الفصل بين السياسة والدين ‪.‬‬
‫)هـ( الطغيان العلمى ‪:‬‬
‫كان المفروض أن يأتى الحديث عن الطغيان العلمى بعد الحديث‬
‫عن الطغيان العقلى والفكرى فممإنه وثيممق الصمملة بممه ‪ .‬ولكنمما أخرنمما‬
‫الحديث عنه باعتبارين ‪.‬‬
‫الول أنه جاء متأخرا فممى الممترتيب الزمنممى إذ حممدث فممى القممرن‬
‫السادس عشر والسابع عشر الميلديين بينما كانت ألمموان الطغيممان‬
‫الروحى والعقلى والمالى والسياسى قائمممة فممى العممالم المسمميحى‬
‫قبل ذلمك بعممدة قممرون‪ ،‬والثممانى أنمه فممى الحقيقممة لممون جديممد مممن‬
‫الطغيممان غيممر الطغيممان العقلممى الممذى كممان سممائدا مممن قبممل بمنممع‬
‫المناقشة والتفكير فى أمممر السممرار المقدسممة المتصمملة بالعقيممدة‪،‬‬
‫فقد كان هذا الطغيان الجديد يفرض على العقول أل تفكر فى أمور‬
‫الكون المادى بما تقتضمميه الملحظممات والمشمماهدات العلميممة‪ ،‬وأن‬
‫تلتزم بالتفسيرات الكنسية لما جاء مممن إشممارات فممى التمموراة عممن‬
‫شممكل الرض وعمممر النسممان‪ ،‬ولممو خممالفت هممذه التفسمميرات كممل‬
‫حقائق العلم النظرية والعملية على السواء !‬
‫بدأت القصة‪ ،‬أو بدأت الزوبعة حين قال العلماء إن الرض كرويمة‬
‫وإنها ليست مركز الكممون ! ويعممرف التاريممخ الوروبممى مممن أبطالهمما‬
‫ثلثة أسماء شهيرة غير السماء الخرى التى لم تلمع على صفحات‬
‫التاريخ‪ ،‬وهؤلء هم كوبرنيكوس وجردانوبرونو وجاليليو‬
‫الول عالم فلكى بولندى عاش ما بين ‪ 1473‬و ‪1543‬م ‪.‬‬

‫والثانى فيلسوف إيطالى عاش ما بين ‪ 1548‬و ‪1600‬م ‪.‬‬
‫والثالث عالم فلكى إيطالى عاش ما بين ‪ 1564‬و ‪1642‬م ‪.‬‬
‫وقد قامت قيامممة الكنيسممة عليهممم وعلممى غيرهممم فممأحرقت مممن‬
‫أحرقت‪ ،‬وعذبت من عذبت‪ ،‬وهددت من هممددت بالتعممذيب والحممرق‬
‫فى النار إن لم يكفوا عن هذه " الهرطقممة " الممتى تقممول إن الرض‬
‫كروية وإنها ليست مركز الكون ! " ‪ "1‬بحجممة أن التمموراة قممالت إن‬
‫الرض مستوية )أى مسممطحة( وإنهمما هممى مركممز الكممون‪ ،‬والنسممان‬
‫مركز الوجود !‬
‫ويقممول التاريممخ الوروبممى إن الكنيسممة قممد فزعممت فزعتهمما تلممك‬
‫حفاظا على كيانها‪ ،‬الذى يقمموم علممى الخرافممة ويسممتند إلممى انتشمار‬
‫الجهل بين الجماهير‪،‬وإنها خشيت على هذا الكيان أن يتصدع وينهار‬
‫إذا انتشممر العلممم‪ ،‬وتممبين النمماس أن ممما تقمموله الكنيسممة ليممس هممو‬
‫الحقيقة المطلقة فى كل شئ ‪.‬‬
‫ول شك أن هذا – فى جملته – صحيح ‪.‬‬
‫ولكن هذه المقالة تغفل شيئين مهمين فممى هممذا الشممأن‪ ،‬أولهممما‬
‫عن غفلة والثانى عن قصد !‬
‫أممما الول فهممو أن آبمماء الكنيسممة ورجالهمما كممانوا مخلصممين فممى‬
‫صيحتهم – فى أول المر على القل – لنهم كانوا يتصممورون أن ممما‬
‫جاء فى التوراة حقيقة‪ ،‬وأن تفسيرهم له هو الصحيح ‪ .‬وسبب ذلممك‬
‫هو الجهالة التى كانت مخيمة على أوروبا كلها‪ ،‬وعلى رجال الممدين‬
‫فيها بصفة خاصة‪ ،‬فقد كانوا من أقل الناس ثقافة ومن أبعدهم عممن‬
‫تعلم العلم الصحيح – إن وجد – اكتفاء بالمجممد الروحممى والسملطان‬
‫الطاغى والموال الطائلة التى يتمتعون بها بوصفهم " رجممال الممدين‬
‫"!‬
‫إنما يجوز بالفعل أن يكونوا قد استمروا فممى حممرب العلممم – عممن‬
‫وعى وعمد – فيما بعد خوفا على سلطانهم أن يتصدع حين يكتشف‬
‫الناس أن شيئا مما يقولونه كاذب ل أساس له‪ ،‬فيكون وجودهم كله‬
‫عرضة لن يوضع موضع التساؤل والمساءلة ‪ ..‬فينهار !‬
‫أما المر الثانى الممذى يغفلممه المؤرخممون الوروبيممون عممن عمممد –‬
‫رغم ظهوره – فهو أن هذا العلم الذى قممامت الكنيسممة بحربممه كممان‬
‫ىتيا من مصادر إسلمية‪ ،‬وكان يحمل معه خطر انتشار السلم فممى‬
‫أوروبا ‪ ،‬ومن ثم انهيار الكنيسة ذاتها حين ينهممار الممدين الممذى تمثلممه‬
‫‪1‬‬

‫" " مات كوبر نيكوس قبل أن يقع فى قبضة محاكم التفتيش أما جوردانوبرونو فقد أحرق حيا وأما جاليليو فقد سجن‬
‫حتى اشرف على الهلك فتراجع – ظاهريا – عن معتقداته وإن ظل مقتنعا بها فى الحقيقة ‪.‬‬

‫وتدعى حمايته !‬
‫يقول " ألفارو ‪ " A;varo‬وهو كمماتب مسمميحى أسممبانى عمماش فممى‬
‫القرن التاسع الميلدى ‪.‬‬
‫" يطممرب إخمموانى المسمميحيون لشممعار العممرب وقصصممهم‪ ،‬فهممم‬
‫يدرسممون كتممب الفقهمماء والفلسممفة المحمممديين ل لتفنيممدها بممل‬
‫للحصول على أسلوب عربى صحيح رشيق ‪ .‬فأين تجد اليوم علمانيا‬
‫يقرأ التعليقات اللتينيمة علمى الكتممب المقدسممة ؟ وأيمن ذلمك المذى‬
‫يممدرس النجيممل وكتممب النبيمماء والرسممل ؟ وا أسممفا ! إن شممباب‬
‫المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب‪ ،‬ليسوا على علم بأى أدب‬
‫ول لغة غير العربيمة‪ ،‬فهمم يقمرأون كتمب العمرب ويدرسمونها بلهفمة‬
‫وشغف‪ ،‬وهم يجمعون منها مكتبات كاملممة تكلفهممم نفقممات باهظممة‪،‬‬
‫وإنهم ليترنمون فى كل مكان بمدح تراث العرب ‪ .‬وإنك لتراهم من‬
‫الناحية الخرى يحتجون فى زراية – إذا ذكممرت الكتممب المسمميحية –‬
‫بأن تلك المؤلفات غير جديرة باحترامهم" " ‪"1‬‬
‫وظمماهر مممن هممذا النممص إلممى أى مممدى كممان تممأثير السمملم علممى‬
‫المسيحيين من أهل الندلس‪ ،‬ونستطيع أن ندرك منممه كممذلك كيممف‬
‫كان تأثير السلم على المبتعثين الوروبيين إلى بلد السلم ‪.‬‬
‫ذلك أنه حين استيقظت أوروبمما وبممدأت تنهممض كممان لبممد لهمما أن‬
‫تتعلممم ‪ .‬ولممم يكممن ثمممت علممم إل ممما كممان عنممد المسمملمين‪ ،‬وفممى‬
‫مدارسهم ‪ ..‬ومن ثم أرسلت أوروبا أبناءهمما ليتعلممموا فممى مممدارس‬
‫المسلمين فى النممدلس والشمممال الفريقممى وصممقلية وغيرهمما مممن‬
‫أماكن العلم ‪ ..‬فتعلموا هناك الطب والهندسة والرياضمميات والفلممك‬
‫والكيميمماء والفيزيمماء علىايممدى السمماتذة المسمملمين فتممأثروا بهممم‪،‬‬
‫وتممأثروا بالسمملم كممذلك‪ ،‬فجممن جنممون الكنيسممة مممن تممأثير السمملم‬
‫الزاحف على أوروبا مع حركة العلم ‪ ..‬ومن ثم قامت تضع السدود‬
‫بيممن السمملم وبيممن أوروبمما ‪ ،‬وكلفممت كتابهمما أن يهمماجموا السمملم‬
‫ويشمموهوا صممورته فممى نفمموس الوروبييممن ‪ ،‬وأن يهمماجموا الرسممول‬
‫صلى اله عليه وسلم وينعتوه بكل نعت قبيح‪ ،‬لمقاومة ذلك " الغممزو‬
‫الفكممرى " المتسممرب مممع المبتعممثين العممائدين مممن بلد السمملم ‪.‬‬
‫وكذلك كانت الحممرب المعلنممة ضممد العلممم " المسممتورد " مممن البلد‬
‫السلمية جزءا ً من هذه الحرب الشاملة ضد السلم‪ ،‬وإن كانت قد‬
‫خصت قضية كروية الرض بأشد الحرب لنهمما وجممدت نصمما مقدسمما‬
‫فى التوراة تستطيع أن تصعد به المعركة إلى حد الحرق والتعذيب!‬
‫‪1‬‬

‫" " عن كتاب " حضارة السلم " لفون جرونيباوم ص ‪ 82 – 81‬من الترجمة العربية ‪.‬‬

‫وأيا كان السبب فقد وقفممت الكنيسممة مممن العلممم والعلممماء ذلممك‬
‫الموقف الشائن الذى ترتبت عليه – كلك خطايا الكنيسممة وأخطائهمما‬
‫– نتائج بعيدة المدى فى الحيمماة الوروبيممة حممتى اللحظممة الراهنممة ‪..‬‬
‫فقد بدأ منذ تلك اللحظة الفصام الحمق بين العلم والدين‪ ،‬الذى ما‬
‫يزال يغشى بدخانه السود حياة أوروبا حتى اليوم ‪.‬‬
‫إن جريمة الكنيسة – فوق تشويه صورة الدين وتنفير الناس منه‪،‬‬
‫الذى تلتقى عنده وتنتهى إليه كل جرائمها – أنها تفصل بين نزعممتين‬
‫فطريتين سويتين متكاملتين – نزعة التعلم ونزعة العبادة – وتنشمئ‬
‫بينهما عداوة ل وجود لها فممى أصممل الفطممرة‪ ،‬وصممداما ل ينبغممى أن‬
‫يوجد فى النفس السوية‪ ،‬فتمزق النفس الواحممدة مزقمما وتممثير فممى‬
‫داخلها القلق والضطراب ‪.‬‬
‫لقد خلق الله النسممان مفطممورا علممى حممب المعرفممة كممما خلقممه‬
‫مفطورا على العبادة ‪:‬‬
‫خذ َ َرب ّ َ‬
‫م وَأ َ ْ‬
‫م عََلممى‬
‫}وَإ ِذ ْ أ َ َ‬
‫م ِ‬
‫ك ِ‬
‫ن ب َِني آد َ َ‬
‫شممهَد َهُ ْ‬
‫م ذ ُّري ّت َهُ ْ‬
‫ن ظ ُُهورِهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َأنُفسه َ‬
‫م َقاُلوا ب ََلى َ‬
‫شهِد َْنا{ ]سورة العراف ‪[7/172‬‬
‫م أل َ ْ‬
‫ت ب َِرب ّك ُ ْ‬
‫س ُ‬
‫ِ ِ ْ‬
‫َ‬
‫ماَء ك ُل َّها{ ]سورة البقرة ‪[2/31‬‬
‫م آد َ َ‬
‫م ال ْ‬
‫س َ‬
‫}وَعَل ّ َ‬
‫}اقْرأ ْ ورب ّ َ َ‬
‫م‬
‫م )‪ (3‬ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫ك الك َْر ُ‬
‫لن َ‬
‫ما ل َم ْ‬
‫ن َ‬
‫م ِبال َْقل َم ِ )‪ (4‬عَل ّ َ‬
‫ذي عَل ّ َ‬
‫َ ََ‬
‫ما ِ‬
‫م )‪] {(5‬سورة العلق ‪[5-96/3‬‬
‫ي َعْل َ ْ‬
‫وفى نفس السوية تتجاوز النزعتان وتتكاملن بل تصادم ول تضمماد‬
‫‪ .‬فالفطرة تتطلع إلى ربها لتعبده‪ ،‬والفطرة تتطلع إلممى الكممون مممن‬
‫حولها تحب أن تتعرف عليه‪ ،‬وأدواتها هى الحس والعقل ‪:‬‬
‫طو ُ‬
‫جع َ م َ‬
‫ن َ‬
‫م‬
‫ه أَ ْ‬
‫م ِ‬
‫شمْيئا ً وَ َ‬
‫مممو َ‬
‫خَر َ‬
‫ل ل َك ُم ْ‬
‫م ل ت َعْل َ ُ‬
‫مَهات ِك ُ ْ‬
‫نأ ّ‬
‫جك ُ ْ‬
‫}َوالل ّ ُ‬
‫ن بُ ُ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ن )‪] {(78‬سممورة النحممل‬
‫ش مك ُُرو َ‬
‫ال ّ‬
‫صمماَر َوالفْئ ِد َةَ ل َعَل ّك ُم ْ‬
‫سم ْ‬
‫معَ َوالب ْ َ‬
‫‪[16/78‬‬
‫وتلتقممى نزعممة اليمممان بممالغيب واليمممان بممما تممدركه الحممواس‪،‬‬
‫وتؤديان مهمتهما معا فممى تشممكيل إنسممانية النسممان علممى الصممورة‬
‫التى أرادها الله له‪ ،‬وكرمه بها وفضله على كثير من الخلق ‪.‬‬
‫وكلن الكنيسة بموقفها الحمق – أيا كانت السممباب الممتى دفعتهمما‬
‫إليه – راحت تفصل بيممن همماتين النزعممتين الفطريممتين المتكمماملتين‪،‬‬
‫وتقول للناس ‪ :‬إن أردتم الممدين فمماتركوا العلممم ‪ ..‬ومممن أراد العلممم‬
‫فقد خرج على الدين ! فتخير الناس بين حاجتين فطريممتين ل تغنممى‬
‫إحداهما غناء الخرى‪ ،‬ول يسد إشباع أيهما جوعة الثانية !‬
‫وهل كانت هناك نتيجممة منتظممرة نمممن هممذا الموقممف إل أن يممترك‬
‫الناس ذلك الدين الذى يحجبهم عن العلم ويحجر عليه‪ ،‬وأن يسيروا‬

‫مع العلم فى تياره الزاخر الذى يأتى كل يوم جديممد‪ ،‬وإن كممانوا مممع‬
‫ذلك ل ينجون من القلق والضطراب ؟!!‬
‫على أن الشر لم يقف عند هذا الحد – وهو بشممع فممى ذاتممه – لممم‬
‫يقف عند هجر الدين من أجل العلم‪ ،‬بل وصممل إلممى كراهيممة الممدين‬
‫والنفور منه‪ ،‬ونفيه نفيا باتمما مممن مجممال البحممث العلمممى علممى وجممه‬
‫الخصوص ‪.‬‬
‫ل تجممد فممى الجاهليممة المعاصممرة حقيقممة علميممة واحممدة تسممند‬
‫بإرجاعها إلى أصل دينى ! بل علمى العكمس ‪ .‬مجمرد ذكمر المدين أو‬
‫الله – سبحانه وتعالى – فى مجال البحث العلمى الكفيل – عنممدهم‬
‫– بالشك فى الحقيقة العلمية‪ ،‬أو باستهجان المنهج على القل‪ ،‬لنه‬
‫منهج غير علمى !! كفيل بإثارة المتعاض فى جميع الحوال !‬
‫ش َ‬
‫وصدق الله العظيم ‪} :‬وَإ ِ َ‬
‫ن‬
‫ب ال ّم ِ‬
‫ت قُُلو ُ‬
‫ه وَ ْ‬
‫مأّز ْ‬
‫حد َهُ ا ْ َ‬
‫ذا ذ ُك َِر الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫دوِنمهِ إ ِ َ‬
‫خَرةِ وَإ ِ َ‬
‫ن)‬
‫ن ِبال ِ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ذا ذ ُك ِمَر ال ّم ِ‬
‫ل ي ُؤْ ِ‬
‫شمُرو َ‬
‫ن ُ‬
‫مُنو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذا هُم ْ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫‪] {(45‬سورة الزمر ‪[39/45‬‬
‫وإقامة التصور – فى أى مجال من مجالت البحث – على أساس‬
‫المفهوم الدينى هو عندهم هدم للمنهج العلمى وتشويه له‪ ،‬وإعطاء‬
‫حصيلة محوطة بالشك ولو كانت كل الدلة تؤيدها ! وخذ مثال لهممذا‬
‫الموقممف المعممادى لممدين ولممو كممانت الحقممائق العلميممة متفقممة معممه‬
‫ومركدة له قول جوليان هكسلى فممى كتمماب " النسممان فممى العممالم‬
‫الحديث " ‪Man in the Modern World‬‬
‫" وهكذا يضع العلم الحديث النسان فى مركز مماثل لما أنعم به‬
‫عليه كسيد المخلوقات كما تقول الديان ‪ ..‬ولممم تكممن وجهممة النظممر‬
‫الدينية صحيحة فى تفاصيلها أو فى كثير مما تضممنته ‪ ..‬ولكمن كمان‬
‫لها أساس جيولوجى متين""‪ !"1‬كذلك نفممى القصممد والغايممة مممن أى‬
‫شئ فى هذا الكون نفيا " علميا " !!‬
‫وراح " العلماء " ! يتممذرعون بشممتى الممذرائع لبعمماد الحممديث عممن‬
‫القصد والغاية من مجال البحث العلمى‪ ،‬كقوهم إن هممذا مممن شممأن‬
‫الفلسفة‪ ،‬أما العلم فمهمتممه تسممجيل " الحقممائق ! " كممما هممى دون‬
‫إعطاء تفسير مسبق لها ‪ .‬أو قمولهم إن هممذا شمأن " الميتافيزيقمما "‬
‫)أى ما وراء الطبيعممة( ولكممن العلممم محصممور فممى ظممواهر الطبيعممة‬
‫يسجلها ويحاول أن يفسرها تفسمميرا " علميمما ! " أى فممى حممدود ممما‬
‫تدركه الحواس ‪..‬‬
‫والحقيقة من وراء ذلممك هممى إبعمماد كممل ظممل للممدين مممن البحممث‬
‫‪1‬‬

‫" " من فصل " تفرد النسان " ص ‪ 36‬من الترجمة العربية لحسن خطاب ‪.‬‬

‫العلمممى انتقاممما مممن موقممف الكنيسممة الممتى حمماربت العلممم باسممم‬
‫الدين !! ذلك أن الحديث عن " الغاية " هو حديث عن الله سممبحانه‬
‫وتعالى وغايته من خلق هذا الكون على الصورة التى خلقممه عليهمما ‪.‬‬
‫ثم إنه يتضمن التزاما معينا تجاه الممه سممبحانه وتعممالى‪ ،‬وهممو الممتزام‬
‫الغاية التى من أجلها خلق الله النسممان فممى هممذا الكممون ‪ ..‬والعلممم‬
‫الذى نشأ فى ظل العداء مع الدين ل يريد أن يلتزم بشئ ألبتة تجاه‬
‫الدين وتجاه اللممه ! لن اللممتزام – عنممدهم – ل يجممرى إل مممن خلل‬
‫الكنيسة‪ ،‬والكنيسة هى الطغيان !‬
‫بل بلغ المر إلى نفى القصد ل إبعاده عن مجممال البحممث العلمممى‬
‫فحسممب ! وخرجممت نظريممات " علميممة !! " تقممول إن الكممون وجممد‬
‫بالصدفة ! وإن الحياة ظهرت على سطح الرض بالصدفة !‬
‫بل حين أسند الخلق إلى " الطبيعة " بدل مممن اللممه نفممى القصممد‬
‫عن الطبيعة وقال قائلهم " دارون " إن الطبيعة تخبط خبط عشواء‬
‫! ‪Nature Works Haphazardly‬‬
‫وهذه " الطبيعة " ذاتها‪ ،‬وتأليهها ونسبة الخلق إليها ‪ ..‬لقممد كممانت‬
‫إحدى الخطايا المترتبة علممى الخطيئة الممتى اقترفتهمما الكنيسممة مممن‬
‫قبل بوقوفها موقف العداء من العلم والعلماء ‪..‬‬
‫إن تأليه الطبيعة – سواء فى مجممال العلممم أو الفممن أو أى مجممال‬
‫آخر – لهو المهرب الوجدانى الذى لجأت إليه أوروبا لتهرب من إله‬
‫الكنيسممة الممذى تسممتعبد النمماس باسمممه فممى كممل مجممالت الحيمماة ‪:‬‬
‫الروحية والفكرية والمالية ولسياسية والعلمية ‪ ..‬الخ‪ ،‬وتخممترع إلهمما‬
‫آخر له معظم صفات الله الخالق البارئ المصور‪ ،‬ولكن ليسممت لممه‬
‫كنيسة وليست له التزامات !‬
‫وإل فما " الطبيعة " فى مجال البحث العلمى على الخصوص ؟‬
‫ومن أين لها صفة الخلممق ؟ والخلممق بهممذه الدقممة المعجممزة الممتى‬
‫يتحدثون عنها سواء فى الفلك أو الكيميمماء أو الفيزيمماء أو الطممب أو‬
‫علم وظائف العضاء أو علم الحياة ؟!‬
‫ثممم إذا كممانت – كممما يقممول دارون – تخلممق دون قصممد معيممن ول‬
‫تدبير‪ ،‬فكيف خلقممت النسممان الممذى يتصممف بالقصممد والتممدبير ؟ أى‬
‫بعبارة أخرى ‪ :‬كيف يخلق الخالق من هو أعلى منه وأكمل وأدق ؟!‬
‫أل إنها أسطورة " علمية ! " ضخمة فى عصر العلم ! ومممع ذلممك‬
‫فهى العملة السارية فى كل كتب العلم الغربممى بل اسممتثناء ! اقممرأ‬
‫فى أى كتاب علمى تجد " الطبيعة " ‪ Nature‬مشارا إليها علممى أنهمما‬
‫الخالق الفعال لما يريد‪ ،‬الذى ل يسأل عما بفعل وهم يسألون !‬

‫إنها المهرب الوجدانى الذى لجممأت إليمه أوروبمما لتهممرب مممن إلمه‬
‫الكنيسة وتجد ما تتعبده فى ذات الوقت‪ ،‬إذ النسممان مفطممور علممى‬
‫العبممادة سممواء فممى ضمملله أو هممداه ‪ ..‬أممما أن يتحممدث عنهمما الممذين‬
‫يسمون أنفسهم " علممماء ! " وبصمميغة الجممد ل الهممزل ‪ ..‬فمهزلممة ل‬
‫يفسرها شئ إل حقيقة واحدة‪ ،‬هممى أن النسممان حيممن ينتكممس فممى‬
‫جاهليته – بعيدا عن الهدى الربانى – يمكن أن يصممدر عنممه أى شممئ‬
‫على الطلق ‪ ..‬مهما كان بعيدا عممن المنطممق وبعيممدا عممن المنطممق‬
‫وبعيدا عن المعقول ‪.‬‬
‫ولكن الجريمة الكبرى فى هذا الشممأن تقممع علممى عمماتق الكنيسممة‬
‫بادئ ذى بدء‪ ،‬التى أقامت ذلك الحاجز من العداء بين الدين والعلم‪،‬‬
‫الذى ظل يتفاقم حتى وصل – على يد الشممياطين – إلممى اسممتخدام‬
‫العلم ذريعة إلى القضاء على الدين ‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬فساد رجال الدين ‪:‬‬
‫المفروض فى " رجال الدين " – إن كان ثمة مبرر لوجممود رجممال‬
‫ديممن علممى الطلق – أن يكونمموا قممدوة صممالحة لمممؤمنين بالممدين‪،‬‬
‫ونموذجا يحتذى فى الفكر والشعور والسلوك ‪.‬‬
‫ولكن رجال الدين الكنسى فى أوروبا البابوية لم يكونوا يؤمنممون‬
‫بشئ من ذلك ول يحتفظون به !‬
‫بل كانت حياة الغالبية منهم حياة ترف وملذات وشهوات !‬
‫يقول الله ليحذر المؤمنين ‪:‬‬
‫َ‬
‫ذي َ‬
‫مْقت ما ً ِ‬
‫عن ْمد َ‬
‫ما ل ت َْفعَل ُممو َ‬
‫م ت َُقوُلو َ‬
‫ن )‪ (2‬ك َب ُمَر َ‬
‫ن َ‬
‫مُنوا ل ِ َ‬
‫نآ َ‬
‫}َيا أي َّها ال ّ ِ َ‬
‫َ‬
‫ن )‪] {(3‬سورة الصف ‪[3-61/2‬‬
‫ما ل ت َْفعَُلو َ‬
‫الل ّهِ أ ْ‬
‫ن ت َُقوُلوا َ‬
‫كبر مقتا لنه صد عن سبيل اللممه ‪ ..‬وأى جريمممة أكممبر مممن الصممد‬
‫عن سبيل الله ؟‬
‫إن الناس قد يتقلبون من الشخص العادى أن يكممذب أو يغممش أو‬
‫يلتوى فى سلوكه ‪ ..‬أو يقع فريسة للشهوات ‪.‬‬
‫أما أن يقع ذلك ممن ينصب نفسه قممدوة للنمماس‪ ،‬أو ممممن يممدعو‬
‫الناس إلى التمسك بالفضمميلة والبعممد عممن الرذيلممة ‪ ..‬فهممذا الممذى ل‬
‫يستسيغه الناس من جهة‪ ،‬والذى يصممدهم عممن القيممم الرفيعممة مممن‬
‫جهة أخرى‪ ،‬لنه ييئسممهم مممن قيممام تلممك القيممم فممى عممالم الواقممع‪،‬‬
‫ويشعرهم أنها مجرد شعارات معلقة فى الفضاء ‪ .‬ويهممون لهممم مممن‬
‫جهة أخرى ارتكاب الرذيلة بكل أنواعها‪ ،‬لنه إذا كان دعمماة الفضمميلة‬
‫يفعلون ذلك‪ ،‬فما بالهم هم‪ ،‬الممذين لممم يزعممموا لنفسممهم ذات يمموم‬
‫أنهم من أصحاب الفضيلة ؟!‬

‫لذلك كبر مقتا عند الله أن يقول المؤمنون بألسنتهم ما يخممالفونه‬
‫فى سلوكهم الواقعى ‪.‬‬
‫وهذا الذى كبر مقتما عنمد اللمه همو السملوك الغمالب علمى رجمال‬
‫الدين الكنسى فممى أوروبمما البابويممة ! مممما أدى – كممما أدت خطايمما‬
‫الكنيسة كلها – إلى نبذ الدين فى النهاية والنسلخ منه ‪.‬‬
‫يقول " ول ديورانت " فى فصل بعنمموان " أخلق رجممال الممدين "‬
‫من كتاب " قصة الحضارة " )ج ‪ 21‬ص ‪: (86 –83‬‬
‫" لقد كان يسع الكنيسة أن تحتفظ بحقوقها القدسممية المسممتمدة‬
‫مممن الكتممب المقدسممة العبريممة والتقاليممد المسمميحية لممو أن رجالهمما‬
‫تمسكوا بأهداب الفضيلة والورع ‪ ..‬ولكن كثرتهم الغالبة ارتضت ممما‬
‫فى أخلق زمانها من شروخير‪ ،‬وكممانوا هممم أنفسممهم مممرآة ينعكممس‬
‫عليها ما فى سيرة غير رجممال الممدين مممن أضممداد ‪ .‬فقممد كممان قممس‬
‫البرشية خادما ساذجا‪ ،‬لممم يممؤت فممى العممادة إل قسممطا ضممئيل مممن‬
‫التعليم‪ ،‬ولكنه غالبا ما يعيش معيشة يقتدى بها )وإن خالفنا فى هذا‬
‫رأى الراهب الصالح أنطونينو( ل يعبأ به رجال الفكر‪ ،‬ولكممن يرحممب‬
‫به الشعب ‪.‬‬
‫وكان بين الساقفة ورؤساء الديرة بعض من يحبون حياة منعمة‪،‬‬
‫ولكن كان منهم كثيرون من الرجال الصالحين‪ ،‬ولعل نصممف مجمممع‬
‫الكرادلة كانوا يسلكون مسمملك أتقيمماء المسمميحيين المتممدنيين الممذى‬
‫يخزى مسلك زملئهم الدنيوى المرح ‪.‬‬
‫" وانتشممرت فممى جميممع أنحمماء إيطاليمما المستشممفيات وملجممئ‬
‫اليتامى‪ ،‬والمدارس وبيوت الصدقات‪ ،‬ومكاتب القرض وغيرهمما مممن‬
‫المؤسسممات الخيريممة يممديرها رجممال الممدين ‪ .‬واشممتهر الرهبممان‬
‫البندكتيون‪ ،‬والفرنسيس المتشددون‪ ،‬والكرثوزيون بمستوى حياتهم‬
‫الخلقى الرفيع إذا قيس إلى أخلق أهل زمنهم ‪ ..‬وواجه المبشممرون‬
‫مئات الخطار وهم يعملون لنشر الدين فى أراضى " الكفار " وبين‬
‫الوثنيين المقيمين فى العممالم المسمميحى ‪ .‬واختفممى المتصمموفة عممن‬
‫أعيممن النمماس وابتعممدوا عممما كممان فممى زمممانهم مممن عنممف‪ ،‬وأخممذوا‬
‫يعملون للتصال القريب بالخالق جل وعل ‪.‬‬
‫" وكان بين هذا التقى والورع كثير من التراخى فممى الخلق بيممن‬
‫رجال الدين نستطيع أن نثبته بما نضربه من مئات المثال ‪ .‬فها هممو‬
‫ذا بترارك نفسه الذى بقى مخلصا لممدين المسمميح إلممى آخممر حيمماته‪،‬‬
‫والذى صور ما فى دير الكرثوزين‪ ،‬الذى كان يعيش فيه أخمموه‪ ،‬مممن‬
‫نظام وتقى فى صورة طيبة مستحبة‪ ،‬ها هو ذا يندد أكممثر مممن مممرة‬

‫بأخلق رجال الدين المقيمين فى افنيون ‪ .‬وإن الحياة الخليعة الممتى‬
‫كان يحياها رجال المدين اليطماليون والمتى نقمرأ عنهما فمى رواايمت‬
‫بوكاتشيو المكتوبة فى القرن الرباع عشممر إلممى روايممات ماستشمميو‬
‫فى القرن الخامس عشر‪ ،‬إلى روايات بنديتلو فى القممرن السممادس‬
‫عشممر‪ ،‬إن هممذه الحيمماة الخليعممة موضمموع يتكممرر وصممفه فممى الدب‬
‫اليطالى‪ ،‬فبوكاتشيو يتحدث عما فى حياة رجال الممدين مممن دعممارة‬
‫وقذارة ومن انغماس فى الملذات طبيعيممة كممانت أو غيممر طبيعيممة ‪.‬‬
‫ووصممف ماستشمميو الرهبممان والخمموان بممأنهم " خممدم الشمميطان "‬
‫منغمسون فى الفسق واللممواط‪ ،‬والشممره‪ ،‬وبيممع الوظممائف الدينيممة‪،‬‬
‫والخروج على الدين‪ ،‬ويقر بأنه وجد رجال الجيش أرقممى خلقمما مممن‬
‫رجال الدين ‪.‬‬
‫" وها هو ذا أريتينو الممذى لممم يتممورع عممن أيممة قممذارة يسممخر مممن‬
‫الطابعين بقوله إن أخطاءهم ل تقل عن خطايا رجال الممدين‪ ،‬ويزيممد‬
‫على ذلك قوله ‪ " :‬والحق إنه لسممهل علممى النسممان أن يعممثر علممى‬
‫رومة مستفيقة عفيفة من أن يعثر على كتمماب صممحيح‪ ،‬ويكمماد بجيممو‬
‫يفرغ كل ما عرفه من ألفاظ السباب فى التشنيع على فساد أخلق‬
‫الرهبممان والقسمميس‪ ،‬ونفمماقهم‪ ،‬وشممرهم‪ ،‬وجهلهممم‪ ،‬وغطرسممتهم‪،‬‬
‫ويقص فولينجو فممى كتمماب أرلنممدينو هممذه القصمة نفسممها‪ ،‬ويبممدو أن‬
‫الراهبات ملئكة الرحمة فى هذه اليام كممان لهممن نصمميب فممى هممذا‬
‫المرح‪ ،‬وأنهن كن مرحات رشيقات فى البندقيممة بنمموع خمماص حيممث‬
‫كممانت أديممرة الرجممال والنسمماء متقاربممة قربمما يسمممح لمممن فيهمما‬
‫بالشتراك من حين إلى حسين فى فراش واحد ‪ .‬وتحتموى سمجلت‬
‫الديممرة علممى عشممرين مجلممدا مممن المحاكمممات بسممبب التصممال‬
‫الجنسممى بيممن الرهبممان والراهبممات ‪ .‬ويتحممدث أريممتينو عممن راهبممات‬
‫البندقيممة حممديثا ل تطمماوع النسممان نفسممه علممى أن ينطممق بممه ‪.‬‬
‫وجوتشياردينى الرجل الرزين المعتدل عادة يخرج عن طوره ويفقد‬
‫اتزانه حين يصممف رومممة فيقممول ‪ " :‬أممما بلط رومممة فممإن المممرء ل‬
‫يسممتطيع أن يصممفه بممما يسممتحق مممن القسمموة‪ ،‬فهممو العممار الممذى ل‬
‫ينمحى أبد الممدهر‪ ،‬وهممى مضممرب المثممل فممى كممل ممما هممو خسمميس‬
‫مخجل فى العالم " ‪.‬‬
‫" ويبدو أن هذه شهادات مبالغ فيها‪ ،‬وقد تكون غير نزيهممة‪ ،‬ولكممن‬
‫استمعوا إلى قول القديسة كترين السينائية ‪:‬‬
‫" إنك أينما وليت وجهك – سواء نحممو القساوسممة أو السمماقفة أو‬
‫غيرهم من رجال الدين أو الطوائف الدينية المختلفة‪ ،‬أو الحبار من‬

‫الطبقات الدنيا أو العليا‪ ،‬سواء كانوا صغارا فى السن أو كبارا – لممم‬
‫تر إل شرا ورذيلة‪ ،‬تزكم أنفك رائحة الخطايا الدمية البشعة ‪ ..‬إنهم‬
‫كلهم ضيقوا العقل‪ ،‬شممرهون‪ ،‬بخلء ‪ ..‬تخلمموا عممن رعايممة الرواح ‪..‬‬
‫اتخذوا بطونهم إلهمما لهممم‪ ،‬يمأكلون ويشممربون فممى الممولئم الصمماخبة‬
‫حيث يتمرغون فى القذار ويقضون حياتهم فى الفسممق والفجممور ‪..‬‬
‫ويطعمون أبناءهم من مال الفقراء ‪ ..‬ويفرون من الخدمات الدينيممة‬
‫فرارهم من السجون ‪.‬‬
‫" وهنا أيضا يجب أن نسقط ما يحتويه هذا الوصف من مبالغة‪ ،‬إذ‬
‫ليس فى وسممع النسممان أن يثممق بممأن المموالى الصممالح يتحممدث عممن‬
‫سلوك الدميين وهو غير غاضب ‪ ..‬ولكن فى وسعنا أن نصدق هممذه‬
‫الخلصة التى يعرضها مؤرخ كاثوليكى صريح ‪.‬‬
‫" وإذا كانت هذه هى حال الطبقات العليا مممن رجممال الممدين فممإن‬
‫المرء ل يعجب إذا كان من دونهم من الطبقات ومن القساوسة قممد‬
‫انتشرت بينهم الرذيلة علممى اختلف أنواعهمما وأخممذ انتشممارها يممزداد‬
‫على مممدى اليممام ‪ .‬إل أن الحيمماء قممد زال مممن العممالم ‪ ..‬ولقممد كممان‬
‫أمثال أولئك القساوسة هم الذين دفعوا إرزمس ولوثر إلى وصفهما‬
‫المبالغ فيه لرجال الدين زارا رومة فى أيممام بوليمموس الثممانى ‪ .‬غيممر‬
‫أن من الخطأ أن يظن المرء أن القساوسممة كممانوا فممى رومممة أكممثر‬
‫فسادا منهم فى غيرها من المممدن ‪ .‬ذلمك أن لممدينا مممن الوثممائق ممما‬
‫يثبت بالدليل القاطع فساد أخلق القسيس فى كل مدينة تقريبا من‬
‫مدن شبه الجزيرة اليطالية‪ ،‬بل إن الحال فى كممثير مممن الممماكن –‬
‫كالبندقية مثل – كانت أسوأ كثيرا منها فى رومة ‪ .‬فل عجب والحالة‬
‫هممذه إذا تضمماءل نفمموذ رجممال الممدين كممما يشممهد بممذلك مممع السممف‬
‫الشديد الكتاب المعاصرون‪ ،‬وإذا كان الممرء ل يكماد يجمد فممى كممثير‬
‫من الماكن أى احترام يظهره الشعب للقسيسين ‪ .‬ذلك أن الفساد‬
‫قد استشرى بينهم إلى حد بدأنا نسمع معه آراء تحبذ زواجهم ‪..‬‬
‫" ولقد كان الكثير من الديرة فى حال يرثممى لهمما ‪ .‬وأغفلممت فممى‬
‫بعضها اليمممان الثلث الساسممية بممالتزام الفقممر‪ ،‬والعفممة‪ ،‬والطاعممة‬
‫إغفال يكاد يكون تاما ‪ ..‬ولم يكن النظام فى كثي من أديرة النسمماء‬
‫أقل من هذا فسادا "!‬
‫ويقول أيضا فى مكان آخر ‪:‬‬
‫" … وظل كرسى البابوية عدة سنين بعد ذلك ل ينممال إل بالرشمما‬
‫أو القتل أو رغبات النسمماء ذوات المقممام السممامى والخلممق الممدنئ ‪.‬‬
‫وبقيت أسرة بثوفيلكت أحد كبار الموظفين فممى قصممر البابمما ترفممع‬

‫البابوات إلى كراسيهم وتنزلهممم عنهمما كممما يحلممو لهمما ‪ .‬واسممتطاعت‬
‫ابنته مريوزا أن تنجح فى اختيار عشيقها سرجيوس الثالث لكرسممى‬
‫البابوية )‪ (911 – 904‬كما أفلحت زوجته ثيودورا فى تنصيب البابا‬
‫يوحنا العاشر )‪ (928 – 914‬وقد اتهم يوحنا هذا بأنه عشيق ثيودورا‬
‫ولكن هذا التهام ل يقوم على دليل قاطع ‪.‬‬
‫" ‪ ..‬وظلت مريوزا تستمتع بعممدد مممن العشمماق واحممدا بعممد واحممد‬
‫حتى تزوجت جيممدودوق تسممكانيا وأخممذا يمأتمران لخلممع يوحنمما ‪ ..‬ثمم‬
‫رفعت مييوزا فى عام ‪ 931‬يوحنا الحادى عشر )‪ (935 – 931‬إلى‬
‫كرسى البابوية واكن الشائع على اللسنة أن يوحنا هذا ابن لها غيممر‬
‫شرعى من سرجيوس الثالث )ص ‪ – 378‬ج ‪. (14‬‬
‫" ‪ ..‬وعرف اتو الول إمبراطور ألمانيا عن قرب ممما وصمملت إليممه‬
‫البابوية من انحطاط بعد ان توجه يوحنا الثانى عشر إمبراطورا فممى‬
‫عام ‪ ،962‬فلما عاد إلى روما فى عام ‪ 963‬بتأييد رجال الدين فيما‬
‫وراء رجال اللب دعا يوحنا إلى المحاكمممة أمممام مجلممس كنسممى ‪..‬‬
‫واتهم الكرادلة يوحنا بأنه حصل على رشمما نظيممر تنصمميب السمماقفة‬
‫وأنه عين غلما فى العاشرة من عمره أسقفا‪ ،‬وأنه زنى بخليلة أبيه‬
‫وضاجع أرملته وأبنة أخيها وأنه حول قصر البابا إلى ماخور للممدعارة‬
‫)ص ‪ 379‬ج ‪. (14‬‬
‫رابعا ‪ :‬الرهبانية وفضائح الديرة ‪:‬‬
‫ممما‬
‫ة اب ْت َد َ ُ‬
‫ما ك َت َب َْنا َ‬
‫عو َ‬
‫}وََرهَْبان ِي ّ ً‬
‫م إ ِل ّ اب ْت ِغَمماَء رِ ْ‬
‫ن الل ّمهِ فَ َ‬
‫ها عَل َي ْهِ م ْ‬
‫ها َ‬
‫وا ِ‬
‫ضم َ‬
‫عايت ِهمما َفآتينمما ال ّمذين آمنمموا منهم َ‬
‫م‬
‫َرعَوْ َ‬
‫م وَك َِثي مٌر ِ‬
‫ِ َ َ ُ‬
‫ََْ‬
‫مأ ْ‬
‫ها َ‬
‫من ْهُم ْ‬
‫جَرهُم ْ‬
‫ِ ُْ ْ‬
‫حقّ رِ َ َ َ‬
‫ن )‪] {(27‬سورة الحديد ‪[57/27‬‬
‫َفا ِ‬
‫سُقو َ‬
‫يروى عممن السمميد المسمميح أنممه قممال ‪ " :‬مممن أراد ملكمموت الممرب‬
‫فليترك ماله وأهله وليتبعنى " وأنه قال ‪ " :‬من أراد الملكوت فخممبز‬
‫الشعير والنوم فى المزابل مع الكلب كثير عليه " ‪.‬‬
‫وسواء صحت هذه النصوص أم كانت ألفاظها قممد حرفممت أو زيممه‬
‫عليها ‪ ،‬فل شك أن المسيح دعمما إلممى الزهممادة والرتفمماع عممن متمماع‬
‫الرض كما دعا كل نبى قبله ‪ ،‬وكما قال صلى الله عليه وسلم مممن‬
‫بعده ‪ " :‬ما مل آدمى وعاء شرا من بطنه ‪ ،‬بحسممب ابممن آدم أكلت‬
‫يقمن صلبه " " ‪"1‬‬
‫ولكن دعوة رسول اللممه صمملى اللممه عليممه وسمملم لممم تنشممأ عنهمما‬
‫رهبانية ‪ ،‬بل لم يتقبل رسول الله صلى الله عليممه وسمملم الرهبانيممة‬
‫حين جنح إليها بعض المسلمين كما يتضح من الواقعة التية ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫" " رواه أحمد والترمذى ‪.‬‬

‫" ذهب ثلثة رهط إلى بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليممه‬
‫وسلم فسألوا عن عبادته صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فلما أخبروا كأنهم‬
‫تقالوها ! فقال أحدهم أما أنا فأصوم الدهر ول أفطر ‪ ،‬وقال الثممانى‬
‫وأما أنا فممأقوم الليمل ول أنممام ‪ ،‬وقمال الثمالث ‪ ،‬وأمما أنما فل أتمزوج‬
‫النساء ‪ .‬فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بهم فقال‬
‫‪ :‬أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله أنى لعبدكم وأخشمماكم للممه‬
‫ولكنى أصوم وأفطر ‪ ،‬وأقوم وأنام وأتزوج النساء ‪ .‬فمن رغب عممن‬
‫سنتى فليس منى " " ‪" 2‬‬
‫ولكن شيئا ما – فممى دعمموة السمميد المسمميح – قممد شممجعت علممى‬
‫ابتممداع الرهبانيممة فيممما يبممدو ‪ .‬فقممد بعممث السمميد المسمميح إلممى بنممى‬
‫إسرائيل وقد غلبت عليهم مادية كافرة ‪ ،‬يعبممدون اذلهممب ويعيشممون‬
‫للحيمماة الممدنيا ‪ ،‬ول ظممل فممى حيمماتهم لليمممان بمماليوم الخممرة ‪ ،‬ول‬
‫حساب له فى قلوبهم ‪ .‬جفت أرواحهم فلم تعممد فيهمما نممداوة الحممب‬
‫ول إشراقة النور التى تصاحب اليمان بالله ‪.‬‬
‫من أجل ذلك الروحانيممة هممى السمممة الغالبممة علممى دعمموة السمميد‬
‫المسمميح ‪ ،‬وكممان الكثممار مممن الحممديث عممن الزهممد والرتفمماع علممى‬
‫شهوات الرض ن لعل الدعوة على هذا النحو تلين القلوب القاسية‬
‫التى قال الله عنها ‪:‬‬
‫ي َ‬
‫ن ب َعْدِ ذ َل ِ َ‬
‫جمماَرةِ أ َوْ أ َ َ‬
‫س موَةً‬
‫كال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ح َ‬
‫ش مد ّ قَ ْ‬
‫م قَ َ‬
‫ت قُُلوب ُك ُ ْ‬
‫س ْ‬
‫}ث ُ ّ‬
‫ك فَهِ م َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ما ي َ ّ‬
‫ج‬
‫ش مّققُ فَي َ ْ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫جُر ِ‬
‫ن ِ‬
‫خ مُر ُ‬
‫ه الن َْهاُر وَإ ِ ّ‬
‫ما ي َت ََف ّ‬
‫ح َ‬
‫وَإ ِ ّ‬
‫من َْها ل َ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫جاَرةِ ل َ َ‬
‫م ْ‬
‫ما ي َهْب ِ ُ‬
‫خ ْ‬
‫ممما‬
‫ن َ‬
‫ط ِ‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫ماُء وَإ ِ ّ‬
‫ل عَ ّ‬
‫ممما الل ّم ُ‬
‫شي َةِ الل ّمهِ وَ َ‬
‫من َْها ل َ َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ب َِغافِ م ٍ‬
‫م ْ‬
‫ن )‪] {(74‬سورة البقرة ‪[2/74‬‬
‫مُلو َ‬
‫ت َعْ َ‬
‫وهل أدل على هذه القسوة من أن تبيح لهم وحشيتهم أن يقتلمموا‬
‫" المميين " فى عيد الفصح ليعجنوا بدمائهم فطيرة " مقدسة " ثم‬
‫يأكلوها ابتهاجا بالعيد ؟!‬
‫وفجر بنو إسرائيل فلممم يسممتجيبوا لهممذه الممدعوة المترفعممة الممتى‬
‫دعاهم إليها السيد المسيح ‪ ،‬بل سعوا إلى إثارة الحاكم الرومممانى "‬
‫بيلطس " ليحكم عليه بالقتل صلبا ‪ ..‬لول أن الله نجاه منهم ورفعه‬
‫إليه فلم يقتلوه ولم يصلبوه ‪ .‬وقال الله عنهم ‪:‬‬
‫سممى‬
‫ل َوآت َي َْنا ِ‬
‫ب وَقَّفي َْنا ِ‬
‫سى ال ْك َِتا َ‬
‫عي َ‬
‫ن ب َعْدِهِ ِبالّر ُ‬
‫مو َ‬
‫}وَل ََقد ْ آت َي َْنا ُ‬
‫س ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫سممو ٌ‬
‫ممما ل‬
‫م ال ْب َي َّنا ِ‬
‫ما َ‬
‫م َر ُ‬
‫ل بِ َ‬
‫جاَءك ُ ْ‬
‫س أفَك ُل ّ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫اب ْ َ‬
‫ح الُقد ُ ِ‬
‫ت وَأي ّد َْناهُ ب ُِرو ِ‬
‫َ‬
‫ن )‪{(87‬‬
‫ريق ما ً ت َْقت ُل ُممو َ‬
‫ما ْ‬
‫وى أنُف ُ‬
‫ريق ما ً ك َمذ ّب ْت ُ ْ‬
‫س مت َك ْب َْرت ُ ْ‬
‫س مك ُ ْ‬
‫ت َهْ م َ‬
‫م وَفَ ِ‬
‫م فََف ِ‬
‫]سورة البقرة ‪[2/87‬‬
‫‪2‬‬

‫" " رواه الشيخان والنسائى ‪.‬‬

‫وكلن الدعوة المترفعة التى أعرض عنها قساة القلوب تسربت –‬
‫بقممدر مممن اللممه – إلممى قلمموب أخممرى اعتنقتهمما وآمنممت بهمما وتلقممت‬
‫روحانيتها الندية بالترحيب ‪:‬‬
‫ة{ ]سممورة الحديممد‬
‫مم ً‬
‫ن ات ّب َعُمموهُ َرأ ْفَم ً‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫ة وََر ْ‬
‫}وَ َ‬
‫ح َ‬
‫جعَل َْنا ِفي قُُلو ِ‬
‫ذي َ‬
‫‪[57/27‬‬
‫وهؤلء هم الذين ابتدعوا الرهبانية ‪..‬‬
‫ه{‬
‫ة اب َْتممد َ ُ‬
‫ما ك َت َب َْنا َ‬
‫عو َ‬
‫}وََرهَْبان ِّيمم ً‬
‫ن الّلمم ِ‬
‫م إ ِل ّ اب ْت َِغمماَء رِ ْ‬
‫همما عَل َي ِْهمم ْ‬
‫ها َ‬
‫وا ِ‬
‫ضمم َ‬
‫]سورة الحديد ‪[57/27‬‬
‫وسواء كان الستثناء فى الية منقطعا بمعنى ‪ :‬ورهبانية ابتدعوها‬
‫ما كتبناها عليهم ولكن كتبنا عليهم أن يبتغمموا رضمموان اللممه )فممابتغوا‬
‫ذلمك عمن طريمق الرهبانيمة المتى ابتمدعوها( أو متصمل بمعنمى ‪ :‬مما‬
‫كتبناها عليهم إل أنهم ابتغوا بهمما رضمموان اللممه ‪ ..‬فممإن اليممة تسممجل‬
‫عليهم أنهم هم الذين ابتدعوها وليممس اللممه هممو الممذى كتبهمما عليهممم‬
‫بادئ ذى بدء ‪ ،‬أى عيسى عليه السلم لم يأمرهم بها ولم يقل لهممم‬
‫إن الله يريدها منهم ‪ .‬ولكنهممم هممم تطوعمموا بهمما – متممأثرين بتعمماليم‬
‫المسيح أو مؤولين لها على هذا النحو – فقبل الله منهم ما تطوعوا‬
‫به ما داموا قد ابتغوا به رضوان اله ‪.‬‬
‫ولكن أيا كان الدافع لهممم علممى ابتممداع الرهبانيممة ‪ :‬التممأثر بتعمماليم‬
‫السيد المسيح أو تأويلها على نحو معيممن كممما أول الصمموفية اليممات‬
‫والحماديث المواردة فمى ذم المدنيا فجعلوهما ذمما مطلقما وفمى كمل‬
‫الحالت ‪ ،‬بينما هى واردة فى ذم الدنيا حين تصد عن اليمممان بممالله‬
‫أو تصد عن الجهاد فى سبيل الله ‪..‬‬
‫نقول ايا كان الدافع ‪ ،‬فإن الرهبانية مضادة لدفعة الحياة السمموية‬
‫التى خلقها الله لتعمل ل لتكتب وتحجز عن الحركة والنشاط ‪ .‬فقممد‬
‫جعل الله النسان خليفة فى الرض وكلفه عمارتها ‪:‬‬
‫شأ َ‬
‫من ال َ‬
‫ُ‬
‫}هُوَ َأن َ‬
‫م ِفيَها{ ]سورة هود ‪[11/61‬‬
‫ر‬
‫م‬
‫ك‬
‫ِ‬
‫ض َوا ْ‬
‫مَرك ُ ْ‬
‫ست َعْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ ِ‬
‫ومن أجل القيام بأمر الخلفممة أى الهيمنممة والشممراف والتمكممن ‪،‬‬
‫ومن أجل القيام بعمارة الرض ‪ ،‬أودع اللممه الفطممرة مجموعممة مممن‬
‫الدوافع المحركة إلى العمل والنشاط ‪..‬‬
‫ب ال ّ‬
‫ر‬
‫ن َوال َْقَنمما ِ‬
‫ت ِ‬
‫وا ِ‬
‫حمم ّ‬
‫س ُ‬
‫ن الن ّ َ‬
‫سمماِء َوال ْب َِنيمم َ‬
‫ممم ْ‬
‫شممهَ َ‬
‫}ُزّيمم َ‬
‫طي ِ‬
‫ن ِللّنمما ِ‬
‫َ‬
‫ث‬
‫ضةِ َوال ْ َ‬
‫ح مْر ِ‬
‫مَقن ْط ََرةِ ِ‬
‫مةِ َوالن ْعَممام ِ َوال ْ َ‬
‫ب َوال ِْف ّ‬
‫م َ‬
‫س مو ّ َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن الذ ّهَ ِ‬
‫خي ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ذ َل ِ َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا‪] {...‬سورة آل ‪[3/14‬‬
‫مَتاعُ ال ْ َ‬
‫ك َ‬
‫وصحيح أن الله سبحانه وتعالى ل يحممب لعبمماده أن ينطلقمموا إلممى‬
‫آخر المدى مع هذه الشهوات لنها عندئذ ل تكون معينا على الخلفة‬

‫الراشدة ول على عمممارة الرض علممى النحممو اللئق بالنسممان ‪ ،‬بممل‬
‫تكون شاغل عن الرتفاع وداعيا إلى الهبوط إلى مستوى الحيمموان ‪،‬‬
‫وعندئذ يكون النسان أضل من الحيوان ‪:‬‬
‫ل هُ َ‬
‫ك َ‬
‫ل أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫}أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ض ّ‬
‫كال َن َْعام ِ ب َ ْ‬
‫ن )‪] {(179‬سورة‬
‫م ال َْغافُِلو َ‬
‫مأ َ‬
‫ك هُ ْ‬
‫ْ‬
‫العراف ‪[7/179‬‬
‫وصحيح أن الله أحب لعباده أن يتخففوا من متاع الرض ليفرغمموا‬
‫إلى القيم العليمما الجممديرة بالنسممان ‪ ،‬ووعممدهم علممى ذلممك الجنممة ‪،‬‬
‫وجعل ذلك هو البتلء الذى يخوضه النسان فى الرض ‪:‬‬
‫}‪....‬ذ َل ِ َ‬
‫ب )‪ (14‬قُم ْ‬
‫ل‬
‫ه ِ‬
‫عن ْمد َهُ ُ‬
‫مَتاعُ ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا َوالل ّم ُ‬
‫ك َ‬
‫مممآ ِ‬
‫سم ُ‬
‫َ‬
‫حت َِهما‬
‫م بِ َ‬
‫وا ِ‬
‫ري ِ‬
‫م ل ِل ّ ِ‬
‫خي ْرٍ ِ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫جّنا ٌ‬
‫عن ْد َ َرب ّهِ ْ‬
‫ن ذ َل ِك ُ ْ‬
‫أؤُن َب ّئ ُك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ات َّق ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ن ِفيَها َ‬
‫ال َن َْهاُر َ‬
‫ن الل ّم ِ‬
‫ن ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫وا ٌ‬
‫مط َهّمَرةٌ وَرِ ْ‬
‫ن ِفيَها وَأْزَوا ٌ‬
‫ج ُ‬
‫مم ْ‬
‫ضم َ‬
‫دي َ‬
‫دي َ‬
‫مّنا َفاغِْفْر ل ََنا ذ ُُنوب ََنمما‬
‫صيٌر ِبال ْعَِبادِ )‪ (15‬ال ّ ِ‬
‫ه بَ ِ‬
‫ن ي َُقوُلو َ‬
‫ن َرب َّنا إ ِن َّنا آ َ‬
‫َوالل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫وَقَِنا عَ َ‬
‫ن‬
‫ذا َ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ن َوال ّ‬
‫ب الن ّممارِ )‪ (16‬ال ّ‬
‫من ِْفِقيم َ‬
‫ن َوال َْقممان ِِتي َ‬
‫صممادِِقي َ‬
‫ري َ‬
‫صمماب ِ ِ‬
‫َ‬
‫حارِ )‪] {(17‬سورة آل ‪[17-3/14‬‬
‫س َ‬
‫ن ِبال ْ‬
‫م ْ‬
‫َوال ْ ُ‬
‫ري َ‬
‫ست َغِْف ِ‬
‫ة ل َهمما ل ِنبل ُموهُم أ َيه م َ‬
‫جعَل َْنا ما عََلى ال َ‬
‫مل ً )‬
‫ر‬
‫مأ ْ‬
‫}إ ِّنا َ‬
‫ح َ‬
‫ن عَ َ‬
‫َْ َ ْ ُّ ْ‬
‫َ‬
‫ض ِزين َم ً َ‬
‫سم ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫‪] {(7‬سورة الكهف ‪[18/7‬‬
‫كل ذلك صحيح ‪ .‬ولكن اله لم يحرم متاع الرض ‪:‬‬
‫ة الل ّه ال ِّتي أ َ‬
‫ّ‬
‫}قُ ْ‬
‫ق‬
‫ز‬
‫ر‬
‫م‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ت‬
‫ما‬
‫م‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ط‬
‫وال‬
‫ه‬
‫د‬
‫با‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ج‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫م ِزين َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫حّر َ‬
‫ل َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫قُ ْ‬
‫ة{ ]سممورة‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا َ‬
‫ص ً‬
‫مم ِ‬
‫ي ل ِل ّ ِ‬
‫مُنوا ِفي ال ْ َ‬
‫ة ي َموْ َ‬
‫م ال ِْقَيا َ‬
‫نآ َ‬
‫خال ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫ل هِ َ‬
‫العراف ‪[7/32‬‬
‫إنما وضع حدودا لذلك المتاع يباح فى داخلها ويكممون محرممما فممى‬
‫خارجها ‪:‬‬
‫}ت ِل ْ َ‬
‫ها{ ]سورة البقرة ‪[2/229‬‬
‫دو َ‬
‫دود ُ الل ّهِ َفل ت َعْت َ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ك ُ‬
‫}ت ِل ْ َ‬
‫ها{ ]سورة البقرة ‪[2/187‬‬
‫دود ُ الل ّهِ َفل ت َْقَرُبو َ‬
‫ح ُ‬
‫ك ُ‬
‫وتلك الحدود هى التى يعلم سبحانه أنها تعيمن علمى أممر الخلفمة‬
‫وعمممارة الرض علممى المسممتوى اللئق بالنسممان ‪ ،‬دون أن ينشممغل‬
‫النسان بها عن قيمه وأهدافه العليا كما بينها الله له على يد رسممله‬
‫وأنبيائه ‪ ،‬وفى الوقت ذاته تعطممى قسممطا معقممول مممن المتمماع لكيل‬
‫ينشغل النسان عن الحركة والعمل بلذع الحرمان ‪.‬‬
‫وهناك أفراد – أفذاذ – يسممتطيعون أن يتخففمموا مممن متمماع الرض‬
‫إلى أقصممى حممد دون أن يشممغلهم الشممعور بالحرمممان عممن الحركممة‬
‫والنشاط والعمل بإيجابية كاملة ‪ ،‬أولئك هممم الزهمماد علممى بصمميرة ‪.‬‬
‫وقد كان محمد صلى الله عليه وسمملم إمممام الزاهممدين ‪ ،‬وهممو أكممبر‬
‫طاقة إيجابية حركية عرفتها البشرية ‪..‬‬

‫ولكن الرهبانية ليست كذلك ‪.‬ز إنهمما اعممتزال ‪ ..‬إنهمما تممرك للحيمماة‬
‫الواقعية بكل ما فيها ولياذ بالديرة المنقطعة عن تيار الحياة ‪ .‬ولقممد‬
‫يتربى الراهب على تعود الحرمان حتى ل يعود يحس بلذع الحرمان‬
‫‪ ..‬نعم ‪ ..‬ولكنه فى المموقت ذاتممه يفقممد إيجممابيته الفاعلممة فممى واقممع‬
‫الرض ويتخلى عممن دوره فممى عمارتهمما ‪ ،‬ويلغممى طاقممات كيممانه فل‬
‫يتزوج ول يعمر وجه الرض بالنسل ول ينتج ‪ ..‬إل مشاعر ذاتيممة فممى‬
‫طى الكتمان ‪.‬‬
‫لذلك نقول إن الرهبانية مضادة لدفعة الحياة السوية كممما خلقهمما‬
‫الله ‪.‬‬
‫وإذا كان اللممه قممد قبلهمما منهممم – لفممترة معينممة – هممى المحممدودة‬
‫بمجئ الرسول صلى الله عليه وسلم مصدقا لممما بيممن مممن الكتمماب‬
‫ومهيمنا عليه ‪ ،‬وناسخا ما شاء الله أن ينسخ من الشرائع – المحلية‬
‫ السابقة ‪ ،‬لينشر فى الناس كلمة الله الخيرة وشريعته الباقية ‪..‬‬‫إذا كان الله قد قبلهمما منهممم تلممك الفممترة المحممدودة فممإنهم وهممم‬
‫مبتممدعوها والمتطوعممون بهمما مممن عنممد أنفسممهم لممم يرعوهمما حممق‬
‫رعايتها !‬
‫ممما‬
‫ة اب ْت َد َ ُ‬
‫ما ك َت َب َْنا َ‬
‫عو َ‬
‫}وََرهَْبان ِي ّ ً‬
‫م إ ِل ّ اب ْت ِغَمماَء رِ ْ‬
‫ن الل ّمهِ فَ َ‬
‫ها عَل َي ْهِ م ْ‬
‫ها َ‬
‫وا ِ‬
‫ضم َ‬
‫عاي َت َِها{ ]سورة الحديد ‪[57/27‬‬
‫حقّ رِ َ‬
‫َرعَوْ َ‬
‫ها َ‬
‫ولقد كان المتوقع أل يرعوها حممق رعايتهمما ‪ ..‬أى ل يصممبروا علممى‬
‫تكاليفها ‪ .‬فهى سباحة دائمة ضد التيار ‪ ..‬تيار الحياة ‪ ..‬وجهد مجهممد‬
‫ل يصبر عليه كثيرون ‪..‬‬
‫أما أن تنقلب – وهى المنوطة بالتقوى والزهد والتعفف والرتفاع‬
‫عن الشهوات – إلى مباءة للقذارة الحسية والمعنويمة يتعفممف عنهما‬
‫الرجل العادى أو الفتاة العادية ‪ ..‬فهذا الذى ل يمكن أن يتوقع علممى‬
‫الطلق !‬
‫فممإذا كممانوا ل يصممبرون علممى تكاليفهمما فممما الممذى يجممبرهم علممى‬
‫المضى فيها وهى تطوع غير مفروض ؟!‬
‫أما أن يستمروا فيها عنوانا ولفتة ‪ ،‬ومظهرا خادعا مممن الخممارج ‪،‬‬
‫ثم يحولوها إلى حانممات للخمممر ومممواخير لفسمماد ‪ ،‬ومبمماءة للشممذوذ‬
‫الجنسى بين الرجال والرجال والنساء والنسمماء ‪ ،‬بالضممافة إلممى ممما‬
‫يحدث من العلقات السممرية بيممن أديممرة الرجممال وأديممرة النسمماء ‪..‬‬
‫فهذا أمر يشده الحس ويبعث على التقزز والنفور‪.‬‬
‫يقول أصدق القائلين جل وعل ‪:‬‬
‫ممما‬
‫ة اب ْت َد َ ُ‬
‫ما ك َت َب َْنا َ‬
‫عو َ‬
‫}وََرهَْبان ِي ّ ً‬
‫م إ ِل ّ اب ْت ِغَمماَء رِ ْ‬
‫ن الل ّمهِ فَ َ‬
‫ها عَل َي ْهِ م ْ‬
‫ها َ‬
‫وا ِ‬
‫ضم َ‬

‫عايت ِهمما َفآتينمما ال ّمذين آمنمموا منهم َ‬
‫م‬
‫َرعَوْ َ‬
‫م وَك َِثي مٌر ِ‬
‫ِ َ َ ُ‬
‫ََْ‬
‫مأ ْ‬
‫ها َ‬
‫من ْهُم ْ‬
‫جَرهُم ْ‬
‫ِ ُْ ْ‬
‫حقّ رِ َ َ َ‬
‫ن )‪] {(27‬سورة الحديد ‪[57/27‬‬
‫َفا ِ‬
‫سُقو َ‬
‫فاسقون ‪ ..‬بكل معانى الفسق التى تخطر والممتى ل تخطممر علممى‬
‫البال !‬
‫خامسا ‪ :‬مهزلة صكوك الغفران ‪:‬‬
‫لم يكف الكنيسة ورجال دينهمما هممذا الفسمماد كلممه ‪ ،‬فأضممافوا إليممه‬
‫مهزلة من أكبر مهازل التاريخ ‪ .‬تلك هى مهزلة صكوك الغفران ‪.‬‬
‫فقد أصدر مجمممع لتيممران سممنة ‪ 1215‬القممرار التممالى لتقريممر أن‬
‫الكنيسة تملك حق الغفران للمذنبين ‪:‬‬
‫" إن يسوع المسمميح ‪ ،‬لممما كممان قممد قلممد الكنيسممة سمملطان منممح‬
‫الغفرانات ‪ ،‬وقد استعملت الكنيسة هذا السمملطان الممذى نممالته مممن‬
‫العل منذ اليام الولى ‪ ،‬فقد أعلم المجمع المقدس وأمر بأن تحفظ‬
‫للكنيسة هذه العملية الخلصية للشعب المسيحى والمثبتة بسلطان‬
‫المجامع ‪ ،‬ثم ضرب بسيف الحرمان من يزعمون أن الغفرانات غير‬
‫مفيدة أو ينكرون على الكنية سلطان منحها ‪ .‬غير أنه قد رغب فممى‬
‫أن يسمممتعمل همممذا السممملطان باعتمممدال واحمممتراز حسمممب العمممادة‬
‫المحفوظة قديما والمثبتة فى الكنيسة لئل يمس التهممذيب الكنسممى‬
‫تراخ بفرط التساهل " " ‪"1‬‬
‫ولكن الكنيسة لم ترع ذلك التحفممظ المموارد فممى القممرار ‪ ،‬وهممو "‬
‫استخدام هذا السلطان باعتممدال واحممتراز " فقممد كممانت راغبممة فممى‬
‫زيادة سلطانها – وزيادة أموالها كذلك ! – فعمدت إلى منح المغفرة‬
‫بصكوك تباع بالمال فى السواق !‬
‫يقول الصك ‪:‬‬
‫" ربنا يسوع يرحمك يا … " ‪ "2‬ويشملك باستحقاقات آلمه الكلية‬
‫القدسية وأنا بالسمملطان الرسممولى المعطممى لممى أحلممك مممن جميممع‬
‫القصاصات والحكام والطائلت الكنيسممة الممتى اسممتوجبتها ‪ ،‬وأيضمما‬
‫من جميممع الفممراط والخطايمما والممذنوب الممتى ارتكبتهمما مهممما كممانت‬
‫عظيمة وفظيعة ‪ ،‬ومن كل علة وإن كانت محفوظممة لبينمما القممدس‬
‫البابا والكرسى الرسولى ‪ ،‬وأمحو جميع أقذار الذنب وكممل علمممات‬
‫الملمة التى ربما جلبتهمما علممى نفسممك فممى هممذه الفرصممة ‪ ،‬وأرفممع‬
‫القصاصات التى كنت تلتزم بمكابممدتها فممى المطهممر ‪ ،‬وأردك حممديثا‬
‫إلى الشركة فى أسرار الكنيسة ‪ ،‬وأقرنك فممى شممركة القديسممين ‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫" " محاضرات فى النصرانية ص ‪. 194‬‬
‫" " يترك فراغ يكتب فيه اسم " المغفور له " كما تمل الستمارات فى المصالح والدواوين !‬

‫أردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانا لك عند معموديتك ‪ ،‬حممتى‬
‫إنه فى ساعة الموت يغلق أمامك الباب الممذى يممدخل منممه الخطمماة‬
‫إلى محل العذاب والعقاب ‪ ،‬ويفتح الباب الذى يممؤدى إلممى فممردوس‬
‫الفممرح ‪ .‬وإن لممم تمممت سممنين مسممتطيلة فهممذه النعمممة تبقممى غيممر‬
‫متغيرة حتى تأتى ساعتك الخيرة باسم الب والبن والروح القدس‬
‫" " ‪"1‬‬
‫وإنها – والحق يقال – لمهزلة فريدة فى التاريخ !‬
‫فقد عرفت الدينات الوثنية – من قبل ومن بعممد – عمليممة إرضمماء‬
‫الكاهن ابتغاء رضوان الله المعبود باعتبار أن الكاهن هممو الوسمميط‬
‫بين العبد والرب ‪ ،‬وأن رضاه يؤدى – فى وهمهم – إلى رضا اللممه ‪،‬‬
‫وغضبه يؤدى إلى غضب الله ‪ .‬والنممذور للوثممان أمممر معممروف فممى‬
‫التاريخ ‪.‬زو كان العرب فى الجاهلية يؤدون الشعائر والنسك للوثان‬
‫– ومن بينها تقديم النذور – ليقربوهم إلى الله زلفى ‪.‬‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫ه‬
‫ن ات ّ َ‬
‫م إ ِل ّ ل ِي َُقّرُبون َمما إ ِل َممى الل ّم ِ‬
‫ذوا ِ‬
‫}َوال ّ ِ‬
‫ن ُ‬
‫ما ن َعْب ُمد ُهُ ْ‬
‫دون ِهِ أوْل َِياَء َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ُزل َْفى{ ]سورة الزمر ‪[39/3‬‬
‫ويجئ الدين المنزل ليصحح العقيممدة ويصممحح السمملوك ‪ ،‬فيجعممل‬
‫الشعائر والنسك له وحده ‪ ،‬وبين العبد وربه مباشرة بل وسيط ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه{ ]سممورة‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ن َذ ْرٍ فَإ ِ ّ‬
‫م ُ‬
‫ه ي َعْل َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن ن ََفَقةٍ أوْ ن َذ َْرت ُ ْ‬
‫ما أنَفْقت ُ ْ‬
‫}وَ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫البقرة ‪[2/270‬‬
‫ويكممون للرسممل – فممى حيمماتهم – خصيصممة يختصممون بهمما فممى أن‬
‫دعمماءهم يسممتجاب عنممد اللممه حيممن يممدعون بالصمملح أو البركممة أو‬
‫المغفرة لمن يستحق ذلك عند الله ‪:‬‬
‫خل َ ُ‬
‫سممى‬
‫صاِلحا ً َوآ َ‬
‫م َ‬
‫}َوآ َ‬
‫خُرو َ‬
‫س مّيئا ً عَ َ‬
‫خَر َ‬
‫طوا عَ َ‬
‫ن اعْت ََرُفوا ب ِذ ُُنوب ِهِ ْ‬
‫مل ً َ‬
‫َ‬
‫الل ّ َ‬
‫م‬
‫م )‪ُ (102‬‬
‫ه غَُفمموٌر َر ِ‬
‫خ مذ ْ ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ن ي َُتو َ‬
‫هأ ْ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫حي م ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ب عَل َي ْهِ ْ‬
‫ُ‬
‫مم َ‬
‫مم ْ‬
‫هّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَت َُز ّ‬
‫صلت َ َ‬
‫ص ّ‬
‫صد َقَ ً‬
‫م إِ ّ‬
‫ك َ‬
‫م َوالل ُ‬
‫ن له ُ ْ‬
‫ل عَلي ْهِ ْ‬
‫كيهِ ْ‬
‫ة ت ُطهُّرهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫م ب َِها وَ َ‬
‫َ‬
‫سك َ ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه هُ موَ ي َْقب َم ُ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫ل الت ّوْب َم َ‬
‫عب َممادِ ِ‬
‫س ِ‬
‫موا أ ّ‬
‫َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ي َعْل َ ُ‬
‫م )‪ (103‬أل َ ْ‬
‫ميعٌ عَِلي ٌ‬
‫ة ع َم ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م )‪] {(104‬سورة التوبممة‬
‫وَي َأ ُ‬
‫ب الّر ِ‬
‫صد ََقا ِ‬
‫وا ُ‬
‫ت وَأ ّ‬
‫حي ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫خذ ُ ال ّ‬
‫ه هُوَ الت ّ ّ‬
‫‪[104-9/102‬‬
‫أما لمن ل يستحق فالدعاء – حتى من الرسل – غير مستجاب ‪:‬‬
‫}استغْفر ل َه َ‬
‫ن‬
‫م إِ ْ‬
‫م َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫م أو ْ ل ت َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ست َغِْفْر ل َهُ ْ‬
‫ست َغِْفْر ل َهُ ْ‬
‫ْ َ ِ ْ ُ ْ‬
‫مّرةً فَل َ ْ‬
‫سب ِْعي َ‬
‫َ‬
‫م ذ َل ِ َ‬
‫م‬
‫ه ل ي َهْ م ِ‬
‫دي ال َْق موْ َ‬
‫م ك ََفُروا ِبالل ّهِ وََر ُ‬
‫سول ِهِ َوالل ّم ُ‬
‫ك ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ه ل َهُ ْ‬
‫ي َغِْفَر الل ّ ُ‬
‫ن )‪] {(80‬سورة التوبة ‪[9/80‬‬
‫ال َْفا ِ‬
‫سِقي َ‬
‫فإذا كان هذا شأن الرسل – بل شأن سيد الرسل صلى الله عليه‬
‫‪1‬‬

‫" " كتاب المسيحية تأليف أحمد شلبى – ص ‪. 214‬‬

‫وسلم – فما بالك بالبابا الذى ل حظوة له عنمد ربمه ول إذن لمه ممن‬
‫الله بقبول الغفران ؟!‬
‫بل ما بالك حين يكون المر ل عن نية حقيقية فممى التوبممة يعلمهمما‬
‫البابا – تقممدس سممره ! – بممل عممن مبلمغ ممن الممال ؟ بمل مما بالمك‬
‫والمال – فى أكثر الحيان – ليس مدفوعا لله علممى سممبيل الصممدقة‬
‫للفقراء والمساكين ‪ ،‬مما يقبله اللمه ممن الممؤمنين ويحممط بمه ممن‬
‫خطاياهم ‪ ،‬وإنما هو لشراء الصك كما تشممترى أى سمملعة معروضممة‬
‫فى السواق ‪ ،‬والمال يذهب إلى خممزائن البممابوات والكرادلممة حممتى‬
‫يكتنزوا بالذهب والفضة التى يكنزونها ‪ ،‬ول يذهب إله مستحقيه من‬
‫الفقراء والمساكين ؟!‬
‫ول نشك فممى أن المهزلممة فممى بممادئ المممر كممانت جممادة ! أى أن‬
‫الذى يشترى الصك كممان راغبمما فممى التوبممة ‪ ،‬ظانمما أن هممذا السممبيل‬
‫يؤدى بالفعممل إلممى التوبممة والمغفممرة ورضمموان اللممه ‪ ،‬وكممان المممال‬
‫المدفوع يأخذ فى حس صاحبه مكان الصدقة المرفوعة إلممى اللممه ‪.‬‬
‫كما أن الكنيسة استخدمت صكوك الغفران فى مبدأ المر لتشممجيع‬
‫المقاتلين على خوض المعممارك الصممليبية ضممد المسمملمين ‪ ،‬فكممانت‬
‫تمنح الصك لمن ينخرط فى سلك الجيوش الصليبية فتحمله الرغبة‬
‫فى الفردوس الموعود أن يلقى بنفسه فى آتون الحرب التى يرجع‬
‫منها أو ل يرجع ‪ ..‬وغالبا ل يرجع !‬
‫ولكن الحد فى هذا المر الهازل ل يمكن أن يستمر !‬
‫ولئن استمر البسطاء مخدوعين فى قدسمماء البابمما وقممدرته علممى‬
‫محو الذنوب ممن صمحيفة أعممال بممما لمه عنممد اللمه ممن الوسماطة‬
‫والحظوة و" القداسة " ‪ ..‬فقد انكشف المممر عنممد العقلء ول شممك‬
‫عن أن قداسة البابا قد اصبح تاجرا كبيرا ‪ ،‬وأنه علممى نسممق معظممم‬
‫التجار الكبار مدلس غشاش !! يبيع بضاعة ل يملكها ويقبض الثمممن‬
‫لنفسه ليثرى الثراء الفاحش ‪ ،‬ثممم ينفممق هممذا الكسممب الحممرام فممى‬
‫المتاع الدنس ويغرق به فى الشهوات !‬
‫ومع أنها مهزلممة مضممحكة – ومكشمموفة – فقممد ظلممت قائمممة فممى‬
‫المجتمع الوروبى – مجتمع الظلمات – فترة غير قصيرة من الوقت‬
‫‪ ،‬واتسع نطاقها وكثرت أرباحهمما حممتى فاضممت عممن مطممامع قداسممة‬
‫البابا ‪ ،‬فتنازل عممن شممئ مممن الفممائض لكبممار أعمموانه ‪ ،‬فصممرح لهممم‬
‫بإصدار صكوك لحسابهم ‪ ،‬استرضاء لهم ‪ ،‬واستعانة منه بهم فممى "‬
‫جلئل العمال " !‬
‫ولكنها كانت لبد مؤدية إلى نتائجها الطبيعيممة ‪ ،‬وهممى النفممور مممن‬

‫الدين فى النهاية والنفور من رجال الدين ‪.‬‬
‫فحين يرى الناس الحصيلة المتحصمملة مممن الصممكوك تممذهب إلممى‬
‫الترف الماجن والمتاع الفاجر الذى يغرق فيه معظم البابوات وكبار‬
‫رجال الدين ‪ ،‬وحين يرون نفرا من أصحاب الصكوك – وقممد ضمممنوا‬
‫مغفرة ما تقدم من ذنبهم وممما تممأخر – غممارقين فممى الفسمماد اتكممال‬
‫على أن ذنوبهم تمحى أول بأول بسحر الصك الذى ابتاعوه ‪ ،‬وحيممن‬
‫يممرون السمملطان الطمماغى الممذى تحصممل عليممه الكنيسممة بأموالهمما‬
‫المكدسممة الممتى أصممبحت بهمما أغنممى مممن الملمموك وأمممراء القطمماع‬
‫ينصرف إلى مزيد من الطغيان ومزيد من الظلم ومزيد من التحكم‬
‫فى رقاب العباد وعقولهم وأفكارهم ‪..‬‬
‫حين يرون ذلك كله فل شك أنهم ينفرون فى النهايممة وينسمملخون‬
‫من الدين الذى ينتج كل تلك الفاعيل !‬
‫يقول ويلز فى كتاب " معالم تاريخ النسانية "‬
‫" ولقد قضت )أى الكنيسة( على هيبتها بعدم مراعاتهمما لتعاليمهمما‬
‫ذاتها الداعية إلى الصمملح والممبر ‪ .‬وقممد سممبق أن تكلمنمما عممن نظممام‬
‫التحلة " ‪ ، "1‬وكان خاتمة حماقاتها فى القرن السادس عشممر بيممع "‬
‫صكوك الغفران " التى بها يمكن افتداء الروح مممن عممذاب المطهممر‬
‫بدفعة مالية ‪ .‬على أن الروح التى دفعتها )أى دفعت الكنيسممة( آخممر‬
‫المر إلممى هممذه الفعلممة المتبجحممة الممتى كممانت نكبممة عليهمما ‪ ،‬كممانت‬
‫واضحة ملحوظة من قبل فى القرنين الثانى عشر والثالث عشممر "‬
‫"‪"2‬‬
‫سادسا ‪ :‬محاكم التفتيش ‪:‬‬
‫يقول " ول ديورانت " بعد أن يعممدد مبمماذل البممابوات وانحرافممات‬
‫رجال الدين فى النص الذى أشرنا إليه آنفمما ‪ " :‬وإذا ممما عفونمما عممن‬
‫بعض هذا الشذوذ الجنسى والنهممماك فممى ملذ المأكممل والمشممرب‬
‫فإننمما ل نسممتطيع أن نعفممو عممن أعمممال محمماكم التفممتيش " " ‪.. " 3‬‬
‫ولهذه الشهادة دللتها فى استفظاع تلك العمال التى كممانت تقمموم‬
‫بها محاكم التفتيش ‪ ،‬ذلك أن العمال التى سمممح " ول ديممورانت "‬
‫لنفسه أن يعفو عنها هى فى الحقيقة أعمممال ل تغتفممر مممن الرجممال‬
‫الذين – فى زعمهم – وهبوا أنفسهم لنشر العقيدة التى يؤمنون بها‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫" " نظام التحلة نظام كان البابا بمقتضاه يعفى نفسه من التزام الوامر والنواهى التى تفرضها الكنيسة ذاتها على‬
‫رعاياها ! وقد اشار إليه ويلز فى فصل سابق فقال " ص ‪ : " 896‬وثمة دعوى أخرى ادعتها الكنيسة كانت هى أيضا‬
‫أكثر سرفا وبعدا عن الحكمة هى قولها بأن لها " حق التحلة " ‪ .‬ومعنى ذلك أن البابا كان يستطيع فى كثير من‬
‫الحيان أن يهمل قوانين الكنيسة فى حالت خاصة ‪" ..‬‬
‫" " ج ‪ ، 3‬ص ‪. 906 – 905‬‬
‫" " قصة الحضارة ج ‪" 86 " 21‬‬

‫وتثبيت أركانها فى الرض ‪ ..‬فكيف بالعمال التى لم يجد فى نفسه‬
‫القدرة على العفو عنها ‪ ،‬وهو بهذه الدرجة من التسمماهل فيممما وقممع‬
‫من رجال الدين من انحرافات ؟!‬
‫الحقيقة أنها كانت أبشع من أن يعفو عنها أحد فى قلبممه ذرة مممن‬
‫مشاعر النسانية ‪.‬‬
‫يقول ويلز ‪:‬‬
‫" شهد القرن الثالث عشر تطور منظمة جديدة فى الكنيسة همى‬
‫محكمة التفممتيش البابويممة ‪ .‬ذلممك أنممه جممرت عممادة البابمما قبممل ذلممك‬
‫الزمان بأن يقوم فى بعممض الحيممان بتحقيقممات أو اسممتعلمات عممن‬
‫اللحاد فى هذا القليم أو ذاك ‪ ،‬ولكن " إنوسنت الثالث " وجمد الن‬
‫فى عقد الرهبان الدومينيسكيين الجديد أداة قوية للقمع ‪ ،‬ومممن ثممم‬
‫نظمت محمماكم التفممتيش كممأداة تحقيممق مسممتديمة تحممت إدارتهممم ‪.‬‬
‫وبهذه الداة نصبت الكنيسة نفسها لمهاجمة الضمير النسانى بالنار‬
‫والعذاب ‪ ،‬وعملت على إضممعافه مممع أنممه منمماط أملهمما الوحيممد فممى‬
‫السيادة على العالم ‪ ..‬وقبل القرن الثممالث عشممر لممم تنممزل عقوبممة‬
‫العممدام إل نممادرا بالملحممدة والكفممار ‪ .‬فأممما الن فممإن كبممار رجممال‬
‫الكنيسة كممانوا يقفممون فممى مئة سمماحة مممن سمماحات السممواق فممى‬
‫أوروبا ليراقبوا أجسام أعدائها – وهم فى غالبية المر قوم فقراء ل‬
‫وزن لهم – تحترق بالنار وتخمممد أنفاسممهم بحالممة محزنممة ‪ ،‬وتحممترق‬
‫وتخمد معهم فى نفس الحين الرسالة العظمى لرجال الكنيسة إلى‬
‫البشرية فتصبح رمادا تذروه الرياح " " ‪. " 1‬‬
‫وينبغى أن نلحظ هنا أن الكمماتب الممذى يتفطممر قلبممه أسممى علممى‬
‫ضحايا محاكم التفتيش مممن المسمميحيين ل يممذكر كلمممة واحممدة عممن‬
‫الفظائع البشعة التى ارتكبتها محاكم التفممتيش فممى النممدلس وهممى‬
‫تطارد المسلمين لتطرد السلم نهائيا ً من أسبانيا ‪ ..‬وقد كانت تلممك‬
‫الفظائع أفظع ما عرفه التاريخ كله مممن ألمموان الوحشممية البربريممة ‪،‬‬
‫التى تعممد أعمممال محمماكم التفممتيش فممى أوروبمما المسمميحية – علممى‬
‫شممناعتها – هيئة لينممة بالنسممبة إليهمما ‪ ،‬وبالنسممبة لدوات التعممذيب‬
‫الخاصة التى استخدمت فيها ‪ ،‬فى الوقت الذى كانت أوروبمما تعلممم‬
‫أنها مدينة للندلس السلمية بكل مما كمان فممى حوزتهمما يممومئذ مممن‬
‫علم يعتد به ‪ ،‬بل مدينة بنهضتها كلها إلى القيم والمبادئ الحضممارية‬
‫التى تعلمتها من هناك ‪.‬‬
‫ونعود بعد هذه الملحظة إلممى ويلممز ‪ ،‬ليشممرح لنمما العوامممل الممتى‬
‫‪1‬‬

‫" " معالم تاريخ النسانية ج ‪ – 3‬ص ‪. 909 – 908‬‬

‫حدت بالكنيسة إلى اتخاذ العنف ضد أعدائها ‪:‬‬
‫" فأصبح قساوستها وأساقفتها على التدريج رجممال مكيفيممن وفممق‬
‫مذاهب اعتقاديات حتمية وإجراءات مقررة وثابتة ‪ ..‬ولم تعد لم بعد‬
‫رغبة فى رؤية مملكة الرب موطدة فى قلوب النمماس ‪ .‬فقممد نسمموا‬
‫ذلك المر ‪ ،‬وأصممبحوا يرغبممون فممى رؤيممة قمموة الكنيسممة الممتى هممى‬
‫قوتهم هم ‪ ،‬متسلطة على شئون البشممر ‪ ..‬ونظممرا لن كممثيرا منهممم‬
‫كانوا على الرجح يسرون الريبة فى سلمة بنيممان مبممادئهم الضممخم‬
‫المحكم وصحته المطلقة لم يسمممحوا بأيممة مناقشممة فيممه ‪ .‬كممانوا ل‬
‫يحتلمون أسئلة ول يتسامحون فى مخالفة ‪ ،‬ل لنهم علممى ثقممة مممن‬
‫عقيدتهم ‪ ،‬بل لنهم كانوا غير واثقين فيها ‪..‬‬
‫" وقد تجلى فى الكنيسمة عنمدما وافمى القمرن الثمالث عشمر مما‬
‫يساورها من قلممق قاتممل حممول الشممكوك الشممديدة الممتى تنخممر بنمماء‬
‫مدعياتها بأكمله ‪ ،‬وقد تجعله أثرا بعد عين ‪ .‬فلمم تكمن تستشمعر أى‬
‫اطمئنان نفسى ‪ .‬وكانت تتصيد الهراطقة فى كل مكان ‪ ،‬كما تبحث‬
‫العجائز الخائفات – فيما يقال – عن اللصمموص تحممت السممرة وفممى‬
‫الدواليب قبل الهجوع فى فراشهن " " ‪. "1‬‬
‫بهذا الهزال المتفشى فى كيانها ‪ ،‬والقلق المستسر فى أعماقهمما‬
‫من بممدء يقظممة العقممل بعممد طممول سممبات ‪ ،‬راحممت تكيممل الضممربات‬
‫المجنونة لكل من يسألها ويناقشها ‪ ،‬أو من يخيل إليها أنه سيسممألها‬
‫ويناقشها ‪ ،‬لتحاول أن تدفع عن نفسها المصممير السممود الممذى كممان‬
‫ينتظرها على بعد خطوات من الزمن غير بعيممد ‪ ..‬وينبغممى أن نقممرر‬
‫هنا ما كان للسلم من أثر عميق فى تلك اليقظة التى فزعت منهمما‬
‫الكنيسة ‪ ،‬فما كان أى عقل يقترب مممن الثقافممة السمملمية والحيمماة‬
‫الفكرية السلمية ليرضممى أن يظممل عبممدا لممذلك الطغيممان الفكممرى‬
‫والروحممى الممذى تمارسممه الكنيسممة أو يتقبممل ترهاتهمما بل مناقشممة ‪.‬‬
‫وسممواء اعممترف المؤرخممون الوربيممون بهممذا الثممر أم لممم يعممترفوا‬
‫)والمنصفون – وهم قلة – يعممترفون( فلنعممد إلممى ويلممز مممرة أخممرى‬
‫يفسر لنا تلك الحالة النفسية الممتى سمماورت الكنيسممة ضممد أى لممون‬
‫من المعرفة يأتى من مصدر غير مصادرها ‪.‬‬
‫" كان هذا التعصب اأسود القاسى روحا خبيثا ل يجمموز أن يخممالط‬
‫مشروع حكم اله فممى الرض ‪ .‬وإنمه لممروح يتعممارض تماممما مممع روح‬
‫يسوع الناصرى ‪ ،‬فما سمعنا قط أنه لطم الوجوه أو خلممع المعاصممم‬
‫لتلميذه المخالفين له أو غير المستجيبين لدعوته ‪ ،‬ولكممن البممابوات‬
‫‪1‬‬

‫" " المصدر السابق – " ص ‪. " 903 – 902‬‬

‫كانوا طوال قرون سلطانهم فى حنق مقيم ضممد مممن تحممدثه نفسممه‬
‫بأهون تأمل فى كفاية الكنيسة الذهنية ‪.‬‬
‫" ولم يقتصر تعصب الكنيسة علممى الممور الدينيممة وحمدها ‪ .‬فمإن‬
‫الشمميوخ الحفصمماء المممولعين بالبهممة السممريعى الهيمماج الحقممودين ‪،‬‬
‫الذين من الجلى أنهم كانوا الغلبية المتسلطة فى مجالس الكنيسة‬
‫‪ ،‬كانوا يضيقون ذرعا بأية معرفة عدا معرفتهم ‪ ،‬ول يثقون بأى فكر‬
‫لم يصححوه ويراقبمموه ‪ ،‬فنصممبوا أنفسممهم للحممد مممن العلممم ‪ ،‬الممذى‬
‫كممانت غيرتهممم منممه باديممة للعيممان ‪ ،‬وكممان أى نشمماط عقلممى عممدا‬
‫نشاطهم يعد فى نظرهم نشاطا وقحا " " ‪.. "1‬‬
‫وأيا كانت السباب فقد كانت المحاكم التفتيش وممما صممحبها مممن‬
‫الفظائع عميقة الثر فى الحس الوروبممى ‪ ،‬وسمميئة النتممائج بالنسممبة‬
‫للحضارة الجاهلية التى انبثقت فى أوروبا منذ عهممد النهضممة ‪ ..‬لقممد‬
‫أصبح عداء " الدين " المتمثل هنمماك فممى الكنيسممة ورجالهمما أمممرا "‬
‫لزما " لكل صاحب فكر حممر أو ضمممير حممى ‪ ..‬لن هممذا العممداء هممو‬
‫أبسط تعبير عن الثورة ضد الممذل والمهانممة الممتى تفرضممها الكنيسممة‬
‫على الكرامة النسانية ‪ ،‬كما تفرضها علممى العقممل الممذى خلقممه الممه‬
‫ليفكر ل ليمتهن بالحبس فى داخل سدود وقيممود ممما أنممزل اللممه بهمما‬
‫من سلطان ‪ ،‬إنما هى من صنع بشممر يبممدو للعقممول المفكممرة مممدى‬
‫تفاهة تفكيرهم وعجزهم ‪ ،‬وغطرستهم الطاغيممة فممى ذات المموقت ‪.‬‬
‫ولئن كان كل ما ارتكبته الكنيسة من الخطايا كان جريمة فممى حممق‬
‫الممدين ‪ ،‬فممإن هممذه الخطيئة البشممعة كممانت ول شممك مممن كبريممات‬
‫الجرائم التى سجلها التاريخ ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬مساندة الكنيسة للظلم السياسى والقتصـادى‬
‫والجتماعى المتمثل فى القطاع ‪:‬‬
‫أصبحت الكنيسممة – بفضممل الهبممات والتمماوات والعشممور والهممدايا‬
‫والغصب والنهب والتدليس وغير ذلك من الوسممائل – أصممبحت مممن‬
‫ذوات القطاع ‪ .‬بل كانت أملكهمما فممى بعممض الوقممات تفمموق أملك‬
‫الباطرة وأمراء القطاع ‪.‬‬
‫ومن ثم فقد تحممدد موقفهمما مممن القضممايا السياسممية والقتصممادية‬
‫والجتماعية ‪ ،‬فوقفت فى صف الظلم تسانده وتذود عنممه وتحممارب‬
‫حركات الصلح ! وكانت فى ذلك منطقية مع وضعها باعتبارها مممن‬
‫كبار الملك !‬
‫فهل كان يمكن – عقل – أن تحارب القطاع وهى جزء منممه ‪ ،‬بممل‬
‫‪1‬‬

‫" " المصدر السابق ص ‪. 905‬‬

‫من أكبر ممثليه ؟!‬
‫ولقد بدأت أوروبمما تتملمممل مممن رقممدتها – بعممد احتكاكهمما بالعممالم‬
‫السلمى – وتطلب الصلح ‪.‬‬
‫وقممد كممان احتكاكهمما بالعممالم السمملمى عممن طريقيممن عظيميممم‬
‫وشممديدى التممأثير ‪ .‬أحممدهما الحتكمماك السمملمى بطلممب العلممم فممى‬
‫مدارس المسلمين فى الندلس والشمال الفريقى وصقلية وغيرها‬
‫من الممماكن القريبممة مممن أوروبمما ‪ ،‬والخممر الحتكمماك الحربممى فممى‬
‫الحروب الصليبية فى المشرق السلمى ‪.‬‬
‫وفى كل الحتكاكين تفتحت عيون أوروبا على عالم مختلممف كممل‬
‫الختلف عن عالمها ‪ ،‬ل من ناحية العلم والحضارة فقط ‪ ،‬بممل مممن‬
‫حيث القيم والمبادئ وأفاق الحياة وأفاق التفكير ‪.‬‬
‫فأما العلم فمعروف أن أوروبا بدأت نهضتها بالتتلمذ على علمموم‬
‫المسلمين ‪ ..‬ودعك من المكابرة الوروبية المغرورة التى تقممول إن‬
‫المسلمين لم يكن لهم فضل فى ذلك إل الحتفمماظ لعلمموم الغريممق‬
‫فى الفترة التى غفلت فيها أوروبمما عنهمما فممى عصممورها المظلمممة ‪،‬‬
‫فلمما اسمتيقظت أوروبما – كأنمما اسمتيقظت ممن ذات نفسمها !! –‬
‫استردت بضاعتها القديمة وانطلقت – منها – تبنى حضارتها !‬
‫دعك من هذه المكابرة لن الواقع ل يسممندها ‪ .‬وتكفممى شممهادة "‬
‫روجر بيكون " التى قال فيها من أراد أن يتعلم ‪ ،‬فليتعلممم العربيممة "‬
‫"‪!"1‬‬
‫ولممو كممان كممل فضممل المسمملمين أنهممم احتفظمموا بعلمموم الغريممق‬
‫وثقافتهم ما احتاجت أوروبا أن تتعلم العربية ‪ ،‬فقد كممان يكفيهمما أن‬
‫ترجع إلى أصولها الغريقية باللغة الغريقية ‪ ،‬وهممى لغممة لممم ينقطممع‬
‫العلم بها حتى فى العصور المظلمممة ‪ ،‬فقممد كممانت إحممدى اللغممات "‬
‫المقدسة " لغات الكتاب المقدس ‪.‬‬
‫وقممد يكممون هممذا الوصممف صممادقا علممى ممما يسمممى " الفلسممفة‬
‫السلمية " فقد كانت إغريقية حقا وإن لبست ملبس المسمملمين !‬
‫فقممد كممان منهممج التفكيممر فيهمما إغريقيمما وإن تنمماولت موضمموعات‬
‫إسلمية ‪ .‬وهذه – فى رأيى – هى أضممعف نقمماط الثقافممة السمملمية‬
‫على الطلق ‪.‬‬
‫أما أن توصف الحركممة العلميممة والفكريممة والسمملمية كلهمما بأنهمما‬
‫إغريقية ‪ ،‬لمجرد أنها اسممتمدت مممن الثقافممة الغريقيممة عنممد البممدء ‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫" " انظر كتاب " تجديد الفكر الدينى فى السلم " تأليف محمد اقبال ترجمة عباس محمود – ص ‪ 148‬من الترجمة‬
‫العربية ‪.‬‬

‫فمغالطة متبجحة ل يسندها الواقع ‪ ،‬كما لو قلنمما إن العلممم الحاضممر‬
‫إسلمى كله ول فضل لوروبا فيه ‪ ،‬لمجرد أنه اسممتمد أصمموله كلهمما‬
‫من المسلمين ! وهذه مغالطة ل يقولها أحد منا – ولو قالهمما لكممانت‬
‫مضحكة غير مقبولة – لن اللممه أمرنمما – إذا قلنمما – أن نعممدل ‪ ..‬ولممو‬
‫كان ذا قربى ‪:‬‬
‫م َفاعْدُِلوا وَل َوْ َ‬
‫ن َ‬
‫}وَإ ِ َ‬
‫ذا قُْرَبى{ ]سورة النعام ‪[6/152‬‬
‫كا َ‬
‫ذا قُل ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ب‬
‫ن قَ موْم ٍ عَل َممى أ َل ّ ت َْعممدُِلوا ا ْ‬
‫عممدُِلوا هُ موَ أقْ مَر ُ‬
‫ش مَنآ ُ‬
‫}َول ي َ ْ‬
‫من ّك ُم ْ‬
‫جرِ َ‬
‫وى{ ]سورة المائدة ‪[5/8‬‬
‫ِللت ّْق َ‬
‫إن أهم ما أخذته أوروبا عن المسمملمين كممما يعممترف المنصممفون‬
‫منهم – وما أقلهم ! – لم يكممن العلمموم فممى ذاتهمما ‪ ،‬وإن كمانت هممذه‬
‫تستحق أن يشار إليهما ويشماد بهما ‪ ،‬خاصمة فمى الكيميماء والفيزيماء‬
‫والطب والفلك والرياضيات ‪ ،‬إنما كان المنهج الترجيبى فى البحممث‬
‫العلمى ‪ ،‬وهذا هو الذى يرد إليه – بحق – كل التقممدم الممذى أحرزتممه‬
‫أوروبا فى ميدان العلوم فيما بعد ‪ ،‬لنه شئ جديد لم تكممن تحسممنه‬
‫من قبل ‪ ،‬ولن التقدم العلمى كان مستحيل بدونه ‪ ..‬ويبقى لوروبمما‬
‫فضممها – بعممد ذلممك – فممى المثممابرة والصممبر والمتابعممة ‪ ،‬بينممما ركممن‬
‫المسلمون إلى سبات عميق ‪.‬‬
‫وأما الحضارة بصورها المادية وقيمها ومبادئهمما فهممذا الممذى أيقممظ‬
‫أوروبا من سباتها ودفعها إلى طلب الصلح للواقع الفاسممد السممن‬
‫المنتن الذى كانت تعيش فيه ‪.‬‬
‫ويكفى أن نقول بالنسممبة للصممور الماديممة للحضممارة إن أوروبمما –‬
‫لوقت احتكاكها مع المسلمين – لم تكن تعممرف الحمامممات الخاصممة‬
‫داخل البيوت ! إنما كانت منذ العهد الرومممانى تسممتخدم الحمامممات‬
‫العامة سواء فى تنظيف ملبسها أو تنظيف أجسادها ‪ ..‬إلى حممد أن‬
‫محاكم التفتيش التى أنشئت لمطاردة السلم فى الندلس بممأفظع‬
‫وحشية عرفها التاريخ ‪ ،‬كانت تترعف على بيمموت المسمملمين الممذين‬
‫تنصروا ظاهرا للفرار من التعذيب بإحدى وسيلتين ‪ :‬الهينمة الخافتة‬
‫فى جنح الليل التى كانت تدلهم على قراءة القرآن ‪ ،‬أو العثور على‬
‫حمام خاص فى البيت ‪ ،‬وكممانت هممذه علمممة مميممزة قاطعممة ‪ ،‬مممما‬
‫يرتكب هذه الجريمة – جريمة وجممود حمممام خمماص فممى الممبيت – إل‬
‫المسلمون !!‬
‫أما من ناحية القيم والمبادئ فهذا – فى الواقممع – أهممم ممما أيقممظ‬
‫أوروبا من سباتها ‪.‬‬
‫كانت أوروبا تعيش فى ظلمات القطاع ‪ ..‬وما أدراك ما ظلمات‬

‫القطاع !‬
‫أمير القطاعية هو الحاكم المطلق فممى إقطمماعيته ‪ ..‬ل قممانون إل‬
‫قممانونه ‪ ..‬هممو السمملطة التشممريعية والسمملطة القضممائية والسمملطة‬
‫التنفيذية كلها فى آن ‪ .‬هو الملممك لكممل شممئ والبمماقون عبيممد ‪ ..‬إممما‬
‫عبيد السيد وإما عبيد الرض يورثون ويباعون ويشترون ‪ ،‬وينتقلممون‬
‫– مع الرض – مممن سمميد إلمى سمميد ‪ ،‬ل يملكمون حممق النتقمال ممن‬
‫إقطاعية إلى إقطاعية ولو كان يفصل بينهما سور واحد ! عليهم كل‬
‫ثقيل من التبعات وليس لهم شئ يذكر من الحقوق !‬
‫فأممما الحقمموق السياسممية فل نصمميب لهممم منهمما علممى الطلق ول‬
‫يفكر أحد ول يتصور أحد ‪ ،‬أن يكون لهم مشاركة فى السياسمة ممن‬
‫قريب ول من بعيد ‪ ..‬وكيف يشاركون ؟ وأين هم حممتى يشمماركوا ؟!‬
‫إنهم قابعون هناك – فى القطاعية – فى بيمموتهم الريفيممة القممذرة ‪،‬‬
‫علممى اسممتعداد أبممدا لخدمممة سمميدهم أميممر القطاعيممة ‪ ،‬والشممرف‬
‫لحدهم أن يندبه المير لخدمة خاصة غير بقية الصفار الدمية التى‬
‫تمتلئ بها القطاعية ‪ ،‬فذلك تمييز وتكريم أى تكريم !‬
‫وكممان القطمماعى بممدوره يقمموم " برعايممة " هممذه القطممع الدميممة‬
‫المتناثرة فى أرضه !‬
‫فهو يشهد أفراح زفافهم ويستخدم – فى كثير من الحيان – حممق‬
‫الليلممة الولممى ‪ ،‬أى حممق الخلمموة بممالعروس ليلممة عرسممها ‪ ،‬قبممل أن‬
‫يتسلمها زوجها ! وبذلك يعيش هو عرس دائم متجدد ويتسلم العبيد‬
‫فضلته !‬
‫وهو يطحن لهم غللهم فى مطحنه وهو المطحن الوحيد المصرح‬
‫به فى القرية ‪ ،‬لقاء أجر يحدده هو على مزاجه ‪ ،‬وكذلك يعصر لهممم‬
‫كرومهم فى معصرته ‪ ،‬ليشربوا ‪ ..‬وينسوا !‬
‫كما أنه يدافع عنهم ضد أى هجوم من أميممر آخممر – وممما أكممثر ممما‬
‫يحدث الهجوم – وذلك بتجنيدهم ودفعهم إلى القتال ‪ ..‬ليموتوا !‬
‫كما يفممرض عليهممم مممن الضممرائب ممما يرتمماح إليممه ضممميره ‪ ،‬وممما‬
‫يستريح ضممميره حممتى تمتلممئ خزائنممه ‪ ،‬ممما تمتلممئ حممتى تفممرغ مممن‬
‫جديد !‬
‫وهكذا تتنوع ألوان " الرعاية " التى يقممدمها لهممم ‪ ..‬لممه منهمما كممل‬
‫حلوة ولهم العذاب ‪..‬‬
‫وحيممن كممانوا فممى هممذه الظلمممات ‪ ،‬احتكمموا بالمسمملمين ‪ ،‬سممواء‬
‫الحتكاك الحربى أو السلمى الذى استمر عدة قرون ‪.‬‬
‫وجدوا عند المسملمين " دولمة " منظممة ‪ ،‬يحكمهما حمماكم يعمماونه‬

‫معاونوه ويخضممع النمماس لحكممه سواسممية علمى درجمة واحممدة ممن‬
‫الخضوع ‪ .‬وكان هذا شيئا جديدا عليهم ‪ ،‬فقد كانت لممديهم " دولممة "‬
‫نعم ولكنهم ل يتصلون بها – وأنى لهم ؟ ‪ -‬ول تتصل هى بهم إل مممن‬
‫خلل أمممراء القطمماع ‪ ،‬وأمممراء القطمماع هممم حكممامهم الحقيقيممون‬
‫المباشرون ‪ ،‬وليس لرئيس الدولة سلطان عليهم فيما يفعلون فممى‬
‫إقطاعياتهم ‪ ،‬إنما سلطانه عليهم محصمور فممى الممال الممذى يطلبمه‬
‫منهم – فيأخذونه هم من دماء فلحيهم ‪ ،‬وتبقى خزائنهم الخاصممة ل‬
‫تمس – وفى المجنممدين الممذين يطلبهممم منهممم إذا قممامت الحممرب –‬
‫وكثيرا ما تقوم – فيقدم القطاعى ما استطاع من دماء فلحيه لكى‬
‫يرضى الملك أو المبراطور عنه ‪ ،‬ويدع يده مطلقة بعد ذلممك يفعممل‬
‫بعبيده وأقنانه " ‪ "1‬ما يشاء ‪.‬‬
‫ووجدوا قضاء منظما ‪ ..‬أى قضاة يحكمون بين الناس فيما شممجر‬
‫بينهم ‪ ،‬يعامل الناس أمامهم على السوية ‪ ،‬ويملك النسان إذا شمماء‬
‫أن يختصممم إلممى ذلممك القضمماء مممع واليممه أو رئيسممه أو مممن يكممون‬
‫خصمائه فيحكم القاضى بما يرضى ضميره هو ل بهوى السلطان ‪.‬‬
‫ووجدوا شريعة حاكمة ‪ ..‬شريعة ليسممت هممى همموى القطمماعى ‪..‬‬
‫إنما هى شممرائع ثابتممة يضممبطها الكتمماب الممذى أنزلممت بممه ويضممبطها‬
‫اجتهاد فقهاء المة – وهم ليسوا طرفا فى خصومة مع أحممد بعينممه ‪،‬‬
‫وليسوا حكاما يجورون بالسلطان – وإنممما هممم مجتهممدون يفسممرون‬
‫النممص القرآنممى ويسممتنبطون الحكممام منممه ‪ ،‬أو يقيسممون عليممه ‪ ،‬أو‬
‫يبحثون عن المصلحة " العامة " ل الخاصممة فيممما يجتهممدون بممه مممن‬
‫الحكام ‪.‬‬
‫باختصار وجدوا السلم ‪..‬‬
‫وقممد كممان شممئ وجمموده جديممدا بممالمرة عليهممم ‪ ،‬فقممد كممان الممذى‬
‫يعرفونه مممن قبممل هممو ذلممك الطمماغوت الممذى يحكمهممم فيكممون هممو‬
‫الخصممم والحكممم وهممو المشممرع والقاضممى والمنفممذ ‪ ..‬وهممو الممذى‬
‫يتصرف فيهم بل مراجع ‪ ..‬ل يسأل عما يفعل وهم يسألون !‬
‫كان ذلممك هممو الممذى اسممتجاش أوروبمما لتتمممرد علممى هممذا الظلم‬
‫الشامل أو الفساد الشامل الذى تعيش فيه ‪ ..‬وتطلب الصلح ‪.‬‬
‫وكممان القطمماع – بكممل ممما يشممتمل عليممه مممن ظلممم سياسممى‬
‫واقتصادى واجتماعى – همو الهممدف الول لمحماولت الصملح ‪ .‬وإن‬
‫كان طلب الصلح الذى نشأ من الحتكمماك بالمسمملمين شممامل فممى‬
‫الحقيقة كل ميادين الحياة ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫" " القن هو عبد الرض ‪ ،‬تحرر من عبودية السيد ولكنه ما زال عبد للرض ل يملك مغادرتها ‪.‬‬

‫عندئذ بممدأت أصمموات المصمملحين تتتممابع ‪ ،‬ثممم بممدأت أنممات خافتممة‬
‫تسمع من أفواه " الكادحين " ‪.‬‬
‫فكيف كان موقف الكنيسة الغارقة فى القطاع وفى الطغيان ؟!‬
‫لقممد وقفممت تتهممدد الثممائرين علممى الظلممم ‪ ،‬المتمرديممن علممى‬
‫الطواغيت ‪ ،‬بأنهم مارقون من الدين ‪ ،‬وأنهم ملعونون عند الله !‬
‫ووقفت تحاول تخدير الثائرين على الظلممم ‪ ،‬بممأن الرضمما بممالظلم‬
‫فى الحيمماة الممدنيا هممو مفتمماح الرضمموان فممى الخممرة ‪ ..‬فأممما العبيممد‬
‫الثائرون والقنان فقالت لهم إن السد المسيح يقممول ‪ " :‬مممن خممدم‬
‫سيدين فى الدنيا خير ممن خدم سيدا واحممدا" ‪ ..‬وأممما المظلومممون‬
‫عامة فقالت لهم إن من احتمل عذاب الدنيا فسيعوضه الله بالجنممة‬
‫فى الخرة ‪.‬‬
‫ومن هنا قال ماركس قولته الشهيرة ‪ :‬الممدين أفيممون الشممعوب !‬
‫وهى قولة صادقة كل الصدق على دين الكنيسة المحممرف ‪ ،‬ولكنهمما‬
‫كاذبة كل الكذب حين تطلق على الدين المنزل من عند الله ‪.‬‬
‫لقد كانت خطيئة الكنيسة هنا خطيئة مثلثة ‪.‬‬
‫فهى أول لم تسع قط منذ تسمملمها السمملطة إلممى تحكيممم شممريعة‬
‫الله المنزلة عليهم فى التوراة والنجيل ‪:‬‬
‫ن‬
‫ن ي َمد َي ْهِ ِ‬
‫ص ّ‬
‫م ب ِِعي َ‬
‫دقا ً ل ِ َ‬
‫م ُ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫}وَقَّفي َْنا عََلى آَثارِهِ ْ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫ما ب َي ْم َ‬
‫سى اب ْ ِ‬
‫جي َ‬
‫ن‬
‫ن ي َمد َي ْهِ ِ‬
‫صم ّ‬
‫ل ِفيهِ هُ ً‬
‫دقا ً ل ِ َ‬
‫دى وَن ُمموٌر وَ ُ‬
‫لن ِ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫ممما ب َي ْم َ‬
‫الت ّوَْراةِ َوآت َي َْناهُ ا ِ‬
‫َ‬
‫ح ُ‬
‫هم ُ‬
‫ممما‬
‫مت ِّقيم‬
‫مأ ْ‬
‫عظ َم ً‬
‫مو ْ ِ‬
‫ن )‪ (46‬وَل ْي َ ْ‬
‫الت ّوَْراةِ وَهُم ً‬
‫ل بِ َ‬
‫لن ِ‬
‫كم ْ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫دى وَ َ‬
‫جيم ِ‬
‫َ‬
‫لا ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ه فَأوْل َئ ِ َ‬
‫ما أنَز َ‬
‫َأنَز َ‬
‫ن)‬
‫م ال َْفا ِ‬
‫س مُقو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ك هُ م ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ه ِفيهِ وَ َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫‪] {(47‬سورة المائدة ‪[47-5/46‬‬
‫والسلطان الممذى نممازعت فيممه الملمموك والبمماطرة وغلبتهممم عليممه‬
‫فترة من الوقت كان – كما أشرنا من قبل – فرصممة مهيممأة لفممرض‬
‫شريعة الله على أولئك الملوك والباطرة ‪ ،‬وإزالة الظلم السياسممى‬
‫والقتصادى والجتماعى المتمثل فى القانون الرومممانى مممن جهممة ‪،‬‬
‫والقطمماع مممن جهممة أخممرى ‪ ..‬كممما فعممل السمملم فممى الرض الممتى‬
‫حررهمما مممن السمميطرة الرومانيممة – والسمميطرة الفارسممية كممذلك –‬
‫فألغى فيها حكم الجاهلية إلغمماء كممامل ‪ ،‬وحكممم فيهمما شممريعة اللممه ‪،‬‬
‫فعاشت فى ظلل العدل الربانى عدة قرون ‪ ،‬سواء دخل أهلها فى‬
‫السلم أو بقوا على دينهم الذى كانوا عليه قبل الفتح السلمى ‪.‬‬
‫ولكن البابوات الذين نازعوا الباطرة سلطانهم – وغلبمموهم عليممه‬
‫– لم يفكروا أبدا فى تحكيم شريعة التوراة والنجيل الواجبة التنفيممذ‬
‫– فى إبانها – حتى ينزل الله شريعته الخيممرة فتصممبح هممى الواجبممة‬

‫التنفيذ ‪ ..‬إنما استخدموا سلطانهم السياسى )أو الدنيوى( كلممه فممى‬
‫إخضاع الباطرة لنفوذهم الشخصى وأهوائهم الشخصممية ‪ ،‬وأذلمموهم‬
‫بها أيما إذلل !‬
‫والخطيئة الثانية هى صد أوروبا عن السلم حين بدأت تتفتح لممه‬
‫عن طريق التممأثير المصمماحب للمبتعممثين الوروبييممن العممائدين مممن‬
‫أرض السلم ‪ ،‬وموقفهمما المتعصممب الحمممق ضممد الممدين السممماوى‬
‫المنممزل للبشممر كافممة ‪ ،‬وتكليممف كتابهمما بتشممويه صممورة هممذا الممدين‬
‫وتشويه صورة رسوله صلى الله عليه وسمملم بتصممويره بممأنه سمماحر‬
‫وأنه كذاب ‪ ،‬وأنه همجى وشهوانى وسفاك دماء ‪ ..‬الخ ممما ل تمزال‬
‫أوروبا تلوكه بغير وعى إلى هذه اللحظة !‬
‫والخطيئة الثالثة أنها لم تكتف بذلك كله بل وقفت موقفا صممريحا‬
‫إلى جانب الطواغيت – وهى ممثلة الدين السممماوى ‪ ،‬ديممن الرحمممة‬
‫والرأفة – وهددت الثائرين على الظلم بالعنة البدية وغضب الرب ‪،‬‬
‫واتهمتهم بالمروق من الدين !‬
‫الخلصة ‪:‬‬
‫حين يستعرض النسان هذا التاريممخ الحافممل بالمخممازى والخطايمما‬
‫والخطاء ‪ ..‬من طغيان روحى وفكممرى ومممالى وسياسممى وعلمممى ‪،‬‬
‫وفساد خلقى ‪ ،‬وانحراف فكممرى وسمملوكى ‪ ،‬ومسمماندة للظلممم فممى‬
‫جميع ألوانه ‪ ،‬وتخذيل للمصمملحين وتخممدير للمظلممومين ‪ ،‬وصممد عممن‬
‫سبيل الله ‪ ،‬وتشويه لصورة الدين ‪ ..‬هممل نعجممب مممن النهايممة الممتى‬
‫وصلت المور إليها من انسلخ الناس فممى أوروبمما مممن ذلممك الممدين‬
‫ونفورهم منه ‪ ،‬وثورتهم على رجاله ‪ ،‬وإبعادهم له عن كممل مجممالت‬
‫الحياة؟‬
‫إن الفطرة البشرية لتثور على الظلم وتمجممه ولممو احتملتممه عممدة‬
‫قرون !‬
‫وهذا البطء فى قيام رد الفعل هو الذى يغرى الطغاة بالسممتمرار‬
‫فى طغيانهم ‪ ،‬ظانين أن المور ستظل فى أيديهم أبدا ‪ ،‬وأنهمما غيممر‬
‫قابلة للتغيير ‪.‬‬
‫ولكن عبرة التاريخ قائمة لمن يريد أن يعتبر ‪ ..‬وما يعتممبر إل أولممو‬
‫اللباب ‪ ..‬أما الطغاة مطموسو البصيرة فأنى لهم أن يعتبروا ؟!‬
‫ت وال َ‬
‫}قُ ْ‬
‫ما َ‬
‫ت َوالن ّمذ ُُر‬
‫ر‬
‫ذا ِفي ال ّ‬
‫ما ت ُغِْني الي َمما ُ‬
‫ض وَ َ‬
‫س َ‬
‫ل ان ْظ ُُروا َ‬
‫ْ‬
‫وا ِ َ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫ن )‪] {(101‬سورة يونس ‪[10/101‬‬
‫ن قَوْم ٍ ل ي ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ف‬
‫م ك َي ْم َ‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫ممموا أنُف َ‬
‫م َ‬
‫}وَ َ‬
‫ن ل َك ُم ْ‬
‫س مه ُ ْ‬
‫ن ظ َل َ ُ‬
‫م ِفي َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫م وَت َب َي ّم َ‬
‫ذي َ‬
‫ساك ِ َِ‬
‫مَثا َ‬
‫م وَ ِ‬
‫عن ْمد َ الل ّمهِ‬
‫م وَ َ‬
‫مك َْرهُ م ْ‬
‫مك َُروا َ‬
‫ل )‪ (45‬وَقَد ْ َ‬
‫م ال ْ‬
‫ضَرب َْنا ل َك ُ ْ‬
‫فَعَل َْنا ب ِهِ ْ‬

‫ن َ‬
‫جَبا ُ‬
‫م ل ِت َُزو َ‬
‫ل )‪] {(46‬سممورة إبراهيممم‬
‫ل ِ‬
‫كا َ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫ه ال ْ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫مك ُْرهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫مك ُْرهُ ْ‬
‫َ‬
‫‪[46-14/45‬‬
‫وهذا البطء فى قيممام رد الفعممل هممو الممذى أغممرى كممذلك بعممض "‬
‫العلماء " أن يقولوا إنه ل توجد فطرة للنسان! وإن النسممان ليممس‬
‫له قالب محدد ‪ .‬وإنمما همو يصمب فمى أى قمالب يمراد لمه فيتشمكل‬
‫بشكله ‪ ،‬ويظل قابعا فيه حتى يصب فى قالب جديد " ‪."1‬‬
‫ولله فى خلقه شئون ‪ .‬وتركيبمه للنفمس النسمانية علمى الصمورة‬
‫التى ركبها عليها فيه حكمة ول شك ‪ ..‬ولكنا نتحدث هنا عممن الواقممع‬
‫التاريخى ودللته ‪.‬‬
‫إن النفوس تخضع لجبروت الطغيان خوفا وطمعا فى أول المر ‪،‬‬
‫لن الطغاة يحمممون جممبروتهم بشممتى وسممائل الحمايممة مممن ترغيممب‬
‫وترهيب ‪ ..‬ثم تتبلد النفوس من جهة ‪ ،‬ويأخذ الطغيان صممورة المممر‬
‫الواقع من جهة ‪ ،‬فيستقر فممى الرض فممترة تطممول أو تقصممر ‪ ،‬هممى‬
‫التى يتخيل الطغاة فيها أنهم باقون أبدا ‪ ،‬مسيطرون أبدا ‪ ،‬ل يمكن‬
‫زحزحتهم ول تبديل الحوال التى مكنت لهم فى الرض ‪.‬‬
‫ثم تبدأ نفوس تتململ ‪ .‬هى أكثر وعيمما وأكممثر حساسممية أو أصممل‬
‫بعودا أو أكثر مخاطرة ‪ ..‬أو ما يكون من السباب ‪.‬‬
‫وهنا يلجأ الطغاة إلى جبروتهم مرة أخرى ‪ ،‬ويستخدمون وسممائل‬
‫الرهاب لوقف هذه الظمماهرة " المنكممرة " عممن النتشممار ‪ ،‬وتممأديب‬
‫الخارجين لكى يكونوا عبرة للخرين ‪.‬‬
‫ثم يكون هذا ذاته هو بدء النهاية ! يشتد الجبروت وتتولد مقاومممة‬
‫متزايممدة لممه فممى داخممل النفمموس بمقممدار ممما يشممتد ويمعممن فممى‬
‫الطغيان ‪.‬‬
‫وفى لحظة معينة يحدث النفجار ‪ ..‬ويكون كالطوفان !‬
‫}أ َول َم يروا أ َنا نمأ ِْتي ال َرض ننُقصمها مم َ‬
‫مل‬
‫َ ْ ََ ْ ّ َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫حك ُم ُ‬
‫ن أط َْرافِهَمما َوالّلم ُ‬
‫ْ َ َْ ُ َ ِ ْ‬
‫ب )‪] {(41‬سورة الرعد ‪[13/41‬‬
‫ريعُ ال ْ ِ‬
‫حك ْ ِ‬
‫ب لِ ُ‬
‫معَّق َ‬
‫ح َ‬
‫مهِ وَهُوَ َ‬
‫ُ‬
‫سا ِ‬
‫س ِ‬
‫ولقد بدأت نذر الثورة على الكنيسة ورجال الدين ‪ ،‬وعلممى الممدين‬
‫المزيممف الممذى تقممدمه الكنيسممة ‪ ،‬بممدأت منممذ عصممر النهضممة ‪ .‬وبممدأ‬
‫الكتاب يتمردون على سلطان الكنيسممة الطمماغى ويهمماجمون رجممال‬
‫الدين ‪ ،‬بل يهاجمون كذلك خرافات ذلك الدين الكنسى ومعمياته ‪.‬‬
‫ولكنها كانت أصواتا متنمماثرة ‪ ،‬فظممن القمموم أنهممم قممادرون عليهمما‬
‫وعلى إسكاتها ‪.‬‬
‫ولكن سنة من سنن الله كانت ترجى ‪ ،‬وما يستطيع أحد أن يقف‬
‫‪1‬‬

‫" " سنناقش هذا الزعم فيما بعد ‪ ،‬عند الحديث عن التفسير المادى للتاريخ ‪.‬‬

‫سنة اله عن الجريان ‪.‬‬
‫كانت هممذه الصمموات تهممز النممائمين ليصممحوا ‪ ..‬تزيممل عنهممم تبلممد‬
‫نفوسهم ‪ ..‬وتزيل ثقلة " المر الواقع " من حسممهم ‪ ،‬وتشممعرهم أن‬
‫التغيير ممكن ‪ ،‬وأن هذا المر الواقع ليست له صفة الخلود ‪ ،‬ول هو‬
‫كذلك فى منعة من النقد والتجريح ‪.‬‬
‫وبممذلك الكنيسممة جهممدها فممى محاولممة إسممكات هممذه الصمموات ‪،‬‬
‫مستخدمة فى ذلك نفوذها على قلوب الناس وعقولهم وأرواحهممم ‪،‬‬
‫وسلطانها " التقليدى " الممذى كممانت تممأمر بمه فتطمماع ‪ ،‬وينظممر إلممى‬
‫كلمتها على أنها موضع التقديس ‪ ..‬لنها مرتبطة فى حس الجماهير‬
‫بالدين ‪ ..‬وما أعظم سلطان الدين على النفمموس ‪ .‬كممما اسممتخدمت‬
‫محاكم التفتيش حين اشتد فزعها وخممافت علممى ممما فممى يممدها مممن‬
‫السلطان ‪.‬‬
‫ولكن رويدا رويدا زادت الصمموات عممددا ‪ ،‬وزادت جممرأة ‪ ،‬وزادت‬
‫استخفافا بالجبروت ‪.‬‬
‫علممماء ‪ ..‬ومفكممرون ‪ ..‬وفلسممفة ‪ ..‬ومصمملحون ‪ ..‬وحاقممدون !‬
‫حاقدون على سلطان الكنيسة الطاغى وممما تتمتممع بممه مممن المزايمما‬
‫بغير استحقاق ‪..‬‬
‫وكممانت العمليممة بطيئة ‪ ..‬بطيئة ‪ ..‬بطيئة ‪!! ..‬فقممد كممان حجممم‬
‫الطغيان هائل مخيفا ‪ ،‬وكان له فى الرض تمكممن طويممل يبلممغ عممدة‬
‫قرون ‪.‬‬
‫ولكن فى النهاية حدث النفجار !‬
‫وكان بشعا فى شدة انفجاره ‪ ،‬بشعا فى سرعة اكتساحه ‪ ،‬بشممعا‬
‫فى قسوة الحمم الذى تفجر من بركانه ‪.‬‬
‫كانت الثورة الفرنسية بكل ما تضمنت من ألوان العنف والبطش‬
‫والقتل وإسالة الدماء ‪..‬‬
‫واكتسحت الثورة الفرنسية فى طريقها ممما كممان قممد تراكممم مممن‬
‫المظالم خلل ألف وأربعمائة عممام ! وأزالممت الطبقممتين الحمماكمتين‬
‫الطمماغيتين المتحممالفتين ! رجممال القطمماع )الشممراف !( ورجممال‬
‫الدين !‬
‫ومع ذلك فإن المور – فى تلك الثممورة – لممم تسممر فممى سمممارها‬
‫الطبيعى ‪ ..‬فعلى الرغم مممن كممل الظلممم المممتراكم أكممثر مممن ألممف‬
‫عام ‪ ،‬من القطاعيين ورجال الدين سواء ‪ ،‬وعلممى الرغممم مممن كممل‬
‫الحقد المشحون فى الصدور تجاه هاتين الطبقممتين ‪ ،‬وعلممى الرغممم‬
‫من وحشية الجماهير حين تتولى هى القيادة ‪.‬‬

‫على الرغم من ذلك كلمه فقمد كمان يمكمن أن تسمير الثمورة فمى‬
‫تمردها وقضائها علممى الظممالمين مسممارا آخممر ‪ ..‬لممول أن يممدا خبيثممة‬
‫تدخلت لتتجه بالثورة فى مسار معين ‪ ،‬يخدم أغراضها هى قبل كممل‬
‫شئ آخر ‪ ..‬سواء خدم أو لم يخدم أهداف الخرين !‬
‫تلك هى يد اليهود ‪...‬‬

‫التمهيد الثانى‬
‫دور اليهود فى إفساد أوروبا‬
‫اليهود ل ينشئون الحداث كما يزعمون لنفسهم وكما يتمموهم‬
‫الذين تبهرهم سيطرة اليهود فى الوقت الحاضر ‪.‬‬
‫ولكن ل شك أنهم يجيدون انتهمماز الفممرص واسممتغللها لتنفيممذ‬
‫مخططهم الشرير ‪.‬‬
‫ولحكمة ما أخرج الله هممذه المممة ونمماط بهمما دورا تممؤديه فممى‬
‫التاريخ ‪.‬‬
‫ومشممكلة هممذه المممة كامنممة فممى جبلتهمما المنحرفممة الممتى ل‬
‫تسممتجيب لممدواعى الخيممر ول تسممتقيم علممى الهممدى ول تشممرق‬
‫روحها ببارقة من نور ‪..‬‬
‫جحدوا فضل اللممه عليهممم ‪ ،‬وجحممدوا أنبيمماءهم ‪ ،‬وجحممدوا كممل‬
‫فضل قدمه إليهممم أحممد مممن البشممر ‪ ..‬وقممابلوا كممل ذلممك بإنكممار‬
‫الجميل أو الطمع والجشع والحسد وقساوة القلب ‪.‬‬
‫كرهتهم كل المم لخصمالهم تلمك ‪ ،‬فمانطووا علمى أنفسمهم ‪،‬‬
‫يمل نفوسهم الحقد الدفين على المم كلها ‪ ،‬يريدون أن يقضمموا‬
‫علممى كممل شممعوب الرض ليبقمموا هممم وحممدهم ‪ ،‬أو يريممدون أن‬
‫يستعبدوا المم كلها ويسخروها لمصالحهم ‪.‬‬
‫وعقدتهم الكبرى اعتقادهم أنهم شعب الله المختار ‪ .‬ومن ثم‬
‫فينبغى أن يكون بقية البشر خدما وعبيدا لهم ‪ ،‬ويكونوا وحممدهم‬
‫هم المسيطرين ‪.‬‬
‫ولقد اختارهم الله حقا ذات يوم وكانوا شعب الله المختار ‪.‬‬
‫سمَراِئي َ‬
‫ن ال ْعَم َ‬
‫ن‬
‫ن )‪ِ (30‬‬
‫ل ِ‬
‫}وَل ََقمد ْ ن َ ّ‬
‫جي ْن َمما ب َن ِممي إ ِ ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ذا ِ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫مِهيم ِ‬
‫ه َ‬
‫م عََلممى‬
‫ن )‪ (31‬وَل ََقد ْ ا ْ‬
‫ن َ‬
‫عاِليا ً ِ‬
‫كا َ‬
‫فِْرعَوْ َ‬
‫م ْ‬
‫خت َْرَناهُ ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن إ ِن ّ ُ‬
‫سرِِفي َ‬
‫م ْ‬
‫ن)‬
‫ِ‬
‫ن الَيا ِ‬
‫م ِ‬
‫عل ْم ٍ عََلى ال َْعال َ ِ‬
‫ما ِفيهِ َبلٌء ُ‬
‫ت َ‬
‫ن )‪َ (32‬وآت َي َْناهُ ْ‬
‫مِبي م ٌ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫‪] {(33‬سورة الدخان ‪[33-44/30‬‬
‫ولكنهم عند البتلء سقطوا ‪ ،‬وجحدوا تلك النعمة الهائلة فلممم‬
‫يرعوها حق رعايتها ‪ ،‬بل يرعوها بشئ على الطلق ! }ي َمما ب َن ِممي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫م عَل َممى‬
‫م وَأّني فَ ّ‬
‫إِ ْ‬
‫ضممل ْت ُك ُ ْ‬
‫ت عَل َي ْك ُ ْ‬
‫م ُ‬
‫مِتي ال ِّتي أن ْعَ ْ‬
‫ل اذ ْك ُُروا ن ِعْ َ‬
‫ن )‪] {(47‬سورة البقرة ‪[2/47‬‬
‫ال َْعال َ ِ‬
‫مي َ‬
‫فهل ذكروا ؟!‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ريقا ً‬
‫سو ٌ‬
‫ما َ‬
‫ما ْ‬
‫وى أنُف ُ‬
‫م َر ُ‬
‫ست َك ْب َْرت ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ل بِ َ‬
‫جاَءك ُ ْ‬
‫}أفَك ُل ّ َ‬
‫ما ل ت َهْ َ‬
‫م فََف ِ‬
‫ن )‪] {(87‬سورة البقرة ‪[2/87‬‬
‫ريقا ً ت َْقت ُُلو َ‬
‫ك َذ ّب ْت ُ ْ‬
‫م وَفَ ِ‬
‫}وال ّذين آمنوا بالل ّه ورسل ِه ول َم يَفرُقوا بي َ‬
‫م أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ك‬
‫حممدٍ ِ‬
‫نأ َ‬
‫من ُْهمم ْ‬
‫َْ َ‬
‫َ ِ َ َ ُ ِ ِ َُ ُ ِ َ ْ ُ ّ‬

‫ف يؤِْتيه ُ‬
‫م وَ َ‬
‫س مأ َل ُ َ‬
‫ك‬
‫ه غَُفممورا ً َر ِ‬
‫كا َ‬
‫مأ ُ‬
‫حيم ما ً )‪ (152‬ي َ ْ‬
‫َ‬
‫ن الل ّم ُ‬
‫جوَرهُ ْ‬
‫سو ْ َ ُ ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن ت ُن َّز َ‬
‫أ َهْ ُ‬
‫سى‬
‫م‬
‫ل الك َِتا‬
‫م ك َِتابا ِ‬
‫بأ ْ‬
‫مو َ‬
‫ماِء فََقد ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫سألوا ُ‬
‫س َ‬
‫ل عَلي ْهِ ْ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫م‬
‫جهَْرةً فَأ َ‬
‫عَق ُ‬
‫صمما ِ‬
‫ة ب ِظ ُل ْ ِ‬
‫أك ْب ََر ِ‬
‫ه َ‬
‫مه ِ م ْ‬
‫خذ َت ْهُ ْ‬
‫ك فََقاُلوا أرَِنا الل ّ َ‬
‫م ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ن ذ َل ِم َ‬
‫ج َ‬
‫خ ُ‬
‫ك‬
‫م ات ّ َ‬
‫ل ِ‬
‫ما َ‬
‫ذوا ال ْعِ ْ‬
‫م ال ْب َي ّن َمما ُ‬
‫جمماَءت ْهُ ْ‬
‫ن ب َعْدِ َ‬
‫ثُ ّ‬
‫ت فَعََفوْن َمما عَم ْ‬
‫م ْ‬
‫م ال ّ‬
‫سممل ْ َ‬
‫طمموَر‬
‫سممى ُ‬
‫مو َ‬
‫مِبينمما ً )‪ (153‬وََرفَعَْنمما َفمموْقَهُ ْ‬
‫طانا ً ُ‬
‫َوآت َي َْنمما ُ‬
‫دوا فِممي‬
‫م اد ْ ُ‬
‫بِ ِ‬
‫م ل ت َْعمم ُ‬
‫س ّ‬
‫خُلوا ال َْبا َ‬
‫ب ُ‬
‫جدا ً وَقُل َْنا ل َهُ م ْ‬
‫م وَقُل َْنا ل َهُ ْ‬
‫ميَثاقِهِ ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ت وَأ َ‬
‫م ِ‬
‫ما ن َْق ِ‬
‫م ِ‬
‫خذ َْنا ِ‬
‫سب ْ ِ‬
‫ال ّ‬
‫ميث َمماقَهُ ْ‬
‫ض مه ِ ْ‬
‫ميَثاقا ً غَِليظا ً )‪ (154‬فَب ِ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ف‬
‫م قُُلوب َُنا غُل ْ ٌ‬
‫م ِبآَيا ِ‬
‫م ال َن ْب َِياَء ب ِغَي ْرِ َ‬
‫حقّ وَقَوْل ِهِ ْ‬
‫ت الل ّهِ وَقَت ْل ِهِ ْ‬
‫وَك ُْفرِهِ ْ‬
‫بَ ْ‬
‫م‬
‫م َفل ي ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ن إ ِل ّ قَِليل ً )‪ (155‬وَب ِك ُْفرِهِ ْ‬
‫ه عَل َي َْها ب ِك ُْفرِهِ ْ‬
‫ل ط َب َعَ الل ّ ُ‬
‫م إ ِّنمما قَت َل َْنمما‬
‫م ب ُهَْتانمما ً عَ ِ‬
‫ظيممما ً )‪ (156‬وََقمموْل ِهِ ْ‬
‫مْرَيمم َ‬
‫م عََلممى َ‬
‫وََقمموْل ِهِ ْ‬
‫سممو َ‬
‫ح ِ‬
‫م ِ‬
‫سي َ‬
‫م َر ُ‬
‫عي َ‬
‫ص مل َُبوهُ‬
‫ممما قَت َل ُمموهُ وَ َ‬
‫ل الل ّمهِ وَ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ممما َ‬
‫سى اب ْ َ‬
‫ش ّ‬
‫خت َل َُفوا ِفيهِ ل َِفي َ‬
‫ن ُ‬
‫ه‬
‫نا ْ‬
‫م ِبم ِ‬
‫ك ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫م وَإ ِ ّ‬
‫ما ل َهُم ْ‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ل َهُ ْ‬
‫شب ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫وَل َك ِ ْ‬
‫ما قَت َل ُمموهُ ي َِقين ما ً )‪ (157‬ب َم ْ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫ه الل ّم ُ‬
‫ل َرفَعَ م ُ‬
‫ن وَ َ‬
‫عل ْم ٍ إ ِل ّ ات َّباعَ الظ ّ ّ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫إ ِل َي ْهِ وَ َ‬
‫ب إ ِل ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫كيمما ً )‪ (158‬وَإ ِ ْ‬
‫زيممزا ً َ‬
‫كا َ‬
‫ن الّلم ُ‬
‫ل ال ْك َِتما ِ‬
‫هم ِ‬
‫مم ْ‬
‫ه عَ ِ‬
‫ن ب ِهِ قَب ْ َ‬
‫م َ‬
‫شمِهيدا ً )‪(159‬‬
‫ل َي ُؤْ ِ‬
‫ممةِ ي َك ُممو ُ‬
‫موْت ِهِ وَي َوْ َ‬
‫ن عَل َي ْهِم ْ‬
‫م ال ِْقَيا َ‬
‫ل َ‬
‫من َ ّ‬
‫م‬
‫ت أُ ِ‬
‫ن َ‬
‫م ط َي َّبمما ٍ‬
‫ن اّلمم ِ‬
‫فَب ِظ ُْلممم ٍ ِ‬
‫دوا َ‬
‫همما ُ‬
‫ت ل َُهمم ْ‬
‫حّلمم ْ‬
‫مَنمما عَل َي ِْهمم ْ‬
‫حّر ْ‬
‫ذي َ‬
‫ممم ْ‬
‫م الّرب َمما وَقَمد ْ ن ُهُمموا‬
‫ل الل ّهِ ك َِثيممرا ً )‪ (160‬وَأ َ ْ‬
‫ن َ‬
‫خمذِهِ ْ‬
‫صد ّهِ ْ‬
‫وَب ِ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫م عَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذابا ً‬
‫ل وَأعْت َد َْنا ل ِل ْ َ‬
‫وا َ‬
‫م عَم َ‬
‫ن ِ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ه وَأك ْل ِهِ ْ‬
‫عَن ْ ُ‬
‫ري َ‬
‫س ِبال َْباط ِ ِ‬
‫م َ‬
‫كافِ ِ‬
‫ل الّنا ِ‬
‫أ َِليما ً )‪] {(161‬سورة النساء ‪[161-4/152‬‬
‫تلك صفحتهم السوداء التى أدت إلى نزع العهممد منهممم ورفممع‬
‫الختيار عنهم ومنحه لمة سواهم‪.‬‬
‫ولقد كان هذا المر واضحا ومقمررا فمى أمنيمة إبراهيمم عليمه‬
‫السلم ورد الله عز وجل عليه ‪:‬‬
‫َ‬
‫عل ُم َ‬
‫ن قَمما َ‬
‫ك‬
‫جا ِ‬
‫ممما ٍ‬
‫}وَإ ِذ ْ اب ْت ََلى إ ِب َْرا ِ‬
‫ل إ ِن ّممي َ‬
‫ت فَمأت َ ّ‬
‫ه ب ِك َل ِ َ‬
‫م َرب ّم ُ‬
‫هيم َ‬
‫مه ُ ّ‬
‫ل ل ي َن َمما ُ‬
‫ن ذ ُّري ّت ِممي قَمما َ‬
‫ماما ً َقا َ‬
‫ن)‬
‫دي الظ ّممال ِ ِ‬
‫ل عَهْم ِ‬
‫ل وَ ِ‬
‫س إِ َ‬
‫مي َ‬
‫مم ْ‬
‫ِللّنا ِ‬
‫‪] {(124‬سورة البقرة ‪[2/124‬‬
‫فقد ابتلى الله إبراهيممم جملممة ابتلءات كممان أشممقها وأصممعبها‬
‫أمره له أن يذبح ولده الحبيب إسماعيل ‪ ،‬واستجاب هممو وولممده‬
‫للبتلء العظيم ‪:‬‬
‫}وََقا َ‬
‫ل إ ِّني َ‬
‫ن‬
‫ب ل ِممي ِ‬
‫سمي َهْ ِ‬
‫ب هَ م ْ‬
‫ن )‪َ (99‬ر ّ‬
‫ذاهِ ٌ‬
‫ب إ َِلى َرّبي َ‬
‫مم ْ‬
‫دي ِ‬
‫ن )‪ (100‬فَب َ ّ‬
‫ه‬
‫صممال ِ ِ‬
‫شمْرَناهُ ب ُِغلم ٍ َ‬
‫مع َ م ُ‬
‫ممما ب َل َمغَ َ‬
‫حِليمم ٍ )‪ (101‬فَل َ ّ‬
‫ال ّ‬
‫حي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حم َ‬
‫ي َقا َ‬
‫ممما َ‬
‫ذا‬
‫مَنام ِ أّني أذ ْب َ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ك َفمانظ ُْر َ‬
‫ي إ ِّني أَرى ِفي ال ْ َ‬
‫ل َيا ب ُن َ ّ‬
‫سع ْ َ‬
‫َ‬
‫ت افَْعم ْ‬
‫ت ََرى َقما َ‬
‫ن َ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫ل َيما أَبم ِ‬
‫جد ُِني إ ِ ْ‬
‫مُر َ‬
‫شماَء الّلم ُ‬
‫سمت َ ِ‬
‫مما ُتمؤْ َ‬
‫ل َ‬
‫مم ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َيمما‬
‫ن )‪ (103‬وََناد َي َْناهُ أ ْ‬
‫ه ل ِل ْ َ‬
‫ما أ ْ‬
‫ما وَت َل ّ ُ‬
‫سل َ َ‬
‫ن )‪ (102‬فَل َ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ري َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫جِبي ِ‬

‫ت الّرؤَْيا إ ِّنا ك َمذ َل ِ َ‬
‫ن)‬
‫ح ِ‬
‫إ ِب َْرا ِ‬
‫م ْ‬
‫ك نَ ْ‬
‫زي ال ْ ُ‬
‫صد ّقْ َ‬
‫هي ُ‬
‫م )‪ (104‬قَد ْ َ‬
‫س مِني َ‬
‫جم ِ‬
‫ن هَ َ‬
‫ظيمم ٍ )‬
‫ح عَ ِ‬
‫‪ (105‬إ ِ ّ‬
‫ذا ل َهُموَ ال َْبلُء ال ْ ُ‬
‫مِبيم ُ‬
‫ن )‪ (106‬وَفَمد َي َْناهُ ب ِذِب ْم ٍ‬
‫م)‬
‫‪ (107‬وَت ََرك َْنا عَل َي ْهِ فِممي ال ِ‬
‫م عَل َممى إ ِب َْرا ِ‬
‫سممل ٌ‬
‫ن )‪َ (108‬‬
‫هي م َ‬
‫ري م َ‬
‫خ ِ‬
‫‪ (109‬ك َذ َل ِ َ‬
‫ن)‬
‫ن ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫ك نَ ْ‬
‫عَبادَِنا ال ْ ُ‬
‫ن )‪ (110‬إ ِن ّ ُ‬
‫زي ال ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬
‫سِني َ‬
‫ج ِ‬
‫‪] {(111‬سورة الصافات ‪[111-37/99‬‬
‫فلما أتم إبراهيم البتلء وجازه بنجمماح كممبير كافممأه اللممه علممى‬
‫ذلك بجعله إماما للناس ‪ .‬وهنا تحركت فى إبراهيم عليه السلم‬
‫رغبته البشرية فى أن يكون هممذا الفضممل مسممتمرا فممى عقبممه ‪،‬‬
‫وأن يكون العهممد باقيمما فممى ذريتممه ل ينقطممع ‪ ،‬فهممل جممامله الممه‬
‫سبحانه وتعممالى وهممو يصممطفيه ويقربممه ويجعلممه خليل لممه ‪ ،‬بممأن‬
‫أجابه إلى طلبه على إطلقه ؟! كل ! بل جاء الرد حاسما قاطعا‬
‫‪ :‬قال ‪ " :‬ل ينال عهدى الظالمين ! " ‪ ،‬وكان المعنى به هم بنممو‬
‫إسرائيل بالذات ‪.‬‬
‫م‬
‫فلما اختار الله بنى إسرائيل فقد اختارهم للبتلء ‪َ} :‬وآت َي َْناهُ ْ‬
‫ن )‪] {(33‬سممورة الممدخان ‪[44/33‬‬
‫ن الي َمما ِ‬
‫ِ‬
‫ممما ِفيمهِ َبلٌء ُ‬
‫ت َ‬
‫مِبيم ٌ‬
‫م ْ‬
‫فكانت نتيجة البتلء هى هذا التاريخ السود الممذى اقممترفوه فممى‬
‫الرض ‪ ،‬والظلم الذى أنذرهم الله أن يرفع عنهممم العهممد بسممببه‬
‫ول يبقيه فى أيديهم ‪ ..‬ونزع العهد منهممم بالفعممل تحقيقمما لسممنة‬
‫الله الجارية التى ل تتغير ول تتبدل ول تحابى أحدا مممن البشممر ‪.‬‬
‫نزع العهد عن " شمعب اللمه المختمار " فلمم يعمد مختمارا بعمد ‪،‬‬
‫م‬
‫ومنح الله فضله ونعمته لمة أخرى هى التى قال لها ‪} :‬ال َْيمموْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫مِتي وََر ِ‬
‫سممل َ‬
‫م ال ِ ْ‬
‫ت ل َك ُم ْ‬
‫ضي ُ‬
‫م ن ِعْ َ‬
‫ت عَل َي ْك ُ ْ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫م وَأت ْ َ‬
‫م ِدين َك ُ ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫مل ْ ُ‬
‫أك ْ َ‬
‫ِدينًا{ ]سورة المائدة ‪ [5/3‬وقال عنها ‪:‬‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫مة ٍ أ ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ف وَت َن ْهَ موْ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫خرِ َ‬
‫ن ب ِممال ْ َ‬
‫س ت َمأ ُ‬
‫جم ْ‬
‫خي َْر أ ّ‬
‫}ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ت ِللن ّمما ِ‬
‫ه{ ]سورة آل ‪[3/110‬‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫منك َرِ وَت ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫عَ ْ‬
‫واشتد الحسد والحقد منذ ذلك الحين ‪.‬‬
‫}ود ك َِثير م َ‬
‫م ك ُّفممارا ً‬
‫م ِ‬
‫ب ل َوْ ي َُر ّ‬
‫َ ّ‬
‫مان ِك ُ ْ‬
‫ن ب َعْدِ ِإي َ‬
‫دون َك ُ ْ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫م ْ‬
‫ن أه ْ ِ‬
‫ٌ ِ ْ‬
‫َ‬
‫ق{ ]سممورة‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫عن ْدِ أنُف ِ‬
‫سدا ً ِ‬
‫م ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫حم ّ‬
‫ن ل َهُم ْ‬
‫ن ب َعْمدِ َ‬
‫سه ِ ْ‬
‫ممما ت َب َي ّم َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫البقرة ‪[2/109‬‬
‫ولقد جهدوا جهدهم كله لمحاولة القضاء على المة السلمية‬
‫فى مهدها ‪ ،‬حتى يئسوا فانكمشوا إلى حين‪.‬‬
‫خ َ‬
‫خ َ‬
‫شوِْني{‬
‫م َوا ْ‬
‫م َفل ت َ ْ‬
‫ن ك ََفُروا ِ‬
‫س ال ّ ِ‬
‫}ال ْي َوْ َ‬
‫شوْهُ ْ‬
‫ن ِدين ِك ُ ْ‬
‫م ي َئ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫]سورة المائدة ‪[5/3‬‬
‫ولكن حقدهم ظل معهم ‪ ،‬بل ظل يتزايد على طممول الزمممان‬

‫وزاد تصميمهم الخبيث على نشر الشر فى الرض وسممحق كممل‬
‫أمة عداهم ‪ ..‬حتى واتتهم الفرصة السانحة فى العهد الخير ‪..‬‬
‫وهنا يخطممر سممؤال ‪ :‬أليممس اللممه سممبحانه وتعممالى قممد تكفممل‬
‫بقهرهم وتسليط العذاب عليهم إلى قيام الساعة جزاء كفرهممم‬
‫وتبجحهم ؟‬
‫}وإذ ْ تأ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫م‬
‫م‬
‫ة‬
‫م‬
‫م‬
‫يا‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫لى‬
‫إ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ث‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن يَ ُ‬
‫مه ُ ْ‬
‫سممو ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِ ِ‬
‫ْ ِ‬
‫سوَء ال ْعَ َ‬
‫ب{ ]سورة العراف ‪[7/167‬‬
‫ُ‬
‫ذا ِ‬
‫بلى ! ولكن هناك حالت اسممتثنائية فممى تمماريخهم يشممير إليهمما‬
‫كتاب الله ‪:‬‬
‫َ‬
‫ل‬
‫م الذ ّل ّ ُ‬
‫ل ِ‬
‫ما ث ُ ِ‬
‫ن الّلمهِ وَ َ‬
‫قُفموا إ ِل ّ ب ِ َ‬
‫} ُ‬
‫ن َ‬
‫ت عَل َي ْهِ ْ‬
‫ضرِب َ ْ‬
‫حب ْم ٍ‬
‫مم ْ‬
‫حْبم ٍ‬
‫ة أي ْ َ‬
‫س{ ]سورة آل ‪[3/112‬‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫بحبل من الله وحبل من الناس ترتفع عنهممم الذلممة – مؤقتمما –‬
‫ويمكنون فى الرض ‪ ،‬لحكمة وغاية يريممدها اللممه ‪ ..‬ثممم يعممودون‬
‫إلى الوعد المستمر ‪:‬‬
‫َ‬
‫ممما ث ُِقُفمموا{ ]سممورة آل عمممران‬
‫م الذ ّل ّم ُ‬
‫} ُ‬
‫ن َ‬
‫ت عَل َي ْهِ م ْ‬
‫ض مرِب َ ْ‬
‫ة أي ْم َ‬
‫‪[3/112‬‬
‫سمموَء ال ْعَ م َ‬
‫ب{‬
‫م ُ‬
‫ن يَ ُ‬
‫مه ُ ْ‬
‫سو ُ‬
‫مة ِ َ‬
‫م إ َِلى ي َوْم ِ ال ِْقَيا َ‬
‫ن عَل َي ْهِ ْ‬
‫ذا ِ‬
‫م ْ‬
‫}ل َي َب ْعَث َ ّ‬
‫سورة العراف ‪[7/167‬‬
‫والن هم فى هذه الفترة الستثنائية التى أشمارت إليهما اليمة‬
‫الكريمة من سورة آل عمران ‪.‬‬
‫ولئن كان مخططهم هو استبعاد البشرية كلها وسحقها تحممت‬
‫أقدامهم ‪ ،‬ولئن كان السلم عدوهم الول الذى يحقممدون عليممه‬
‫الحقد الشد ‪ ،‬فما كانوا – حين بدأوا ينشطون نشاطهم الضارى‬
‫فممى التاريممخ الحممديث – ممما كممانوا يجممدون الفرصممة السممانحة‬
‫للنقضاض على السلم ‪ ،‬فبدأوا بأوربا ‪ ،‬إذ وجدوها أيسممر منممال‬
‫لممما كممان فممى حيمماتهم مممن الثغممرات الممتى أحممدثتها الكنيسممة‬
‫بحماقاتها وخطاياها ‪ ،‬فيسرت لليهود أن يخرجوا مممن أجحممارهم‬
‫ويعيثوا فسادا فى الرض‪.‬‬
‫والن فلننظر كيف تحرك اليهود لتنفيممذ مخططهممم الشممرير ‪،‬‬
‫انتهازا للفرصة السانحة واسمتغلل للحمداث الجاريمة ‪ ،‬ل إنشماء‬
‫للحداث كما يدعون عن أنفسهم ‪ ،‬وكما يرسمهم من يهول من‬
‫مقممدرتهم الشممريرة مممن أمثممال " وليممم كممار " مؤلممف الكتمماب‬
‫الشهير ر" أحجار على رقعة الشطرنج " الذى ينسممب فيممه كممل‬

‫أحداث التاريخ لفعل اليهود !‬
‫يقممول التلمممود " ‪ "1‬لليهممود ‪ :‬المميممون )أى كممل المممم غيممر‬
‫اليهود( هم الحمير )دواب الحمل( الممذين خلقهممم اللممه ليركبهممم‬
‫شعب الله المختار ‪ ،‬وكلما نفق منهم حمار ركبنا حمارا آخر ! ‪..‬‬
‫وبصرف النظر عن وقاحة التعبير وغلظته فهو واضممح الدللممة‬
‫على هذا الكبر الذى وصفه الله فيهم ‪ " :‬أفكلما جاءكم رسممول‬
‫بما ل تهوى أنفسكم استكبرتم ‪ " ..‬فممإنهم إذا كممانوا يسممتكبرون‬
‫على الرسل فكيف يكون استكبارهم وغطرستهم وصلفهم على‬
‫البشر من غير النبياء ؟!‬
‫ثم يصف لهم التلمممود كيممف ينبغممى لشممعب اللممه المختممار أن‬
‫يعامل الممين ! " اقتل الصالح من غير السممرائيليين ‪ .‬ومحممرم‬
‫على اليهودى أن ينجى أحدا من باقى المم من هلك أو يخرجه‬
‫من حفرة يقع فيها لنه بذلك يكون حفظ حياة أحد المموثنيين " "‬
‫‪."2‬‬
‫" إذا سرقأولد نوح – أى مممن غيممر اليهممود – شمميئا ولممو كممانت‬
‫قيمته طفيفة جدا يستحقون الموت ‪ ،‬لنهم خالفوا الوصايا التى‬
‫أعطاها الله لهم ‪ ،‬أما اليهود فمصرح لهم أن يضربوا المممى " "‬
‫‪."3‬‬
‫" إن تجممارة البغمماء بممالجنبى والجنبيممة ليسممت إثممما ‪ ،‬لن‬
‫الشريعة براء منهما" " ‪. " 4‬‬
‫وهذه التعاليم أكثر قداسة عندهم مممن التعمماليم الممواردة فممى‬
‫كتاب الله المنزل ‪ ،‬التى تدعو إلى البر والخير الذى لم يطيقمموه‬
‫أبدا ولم يطبقوه فممى حيمماتهم أبممدا ‪ ،‬إل قليممل منهممم ‪ ،‬وهممذا هممو‬
‫الذى أشار إليه القرآن الكريم ‪:‬‬
‫ْ‬
‫ه ب ِِقن َ‬
‫طارٍ ي ُؤَد ّهِ إ ِل َي ْ َ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل ال ْك َِتا‬
‫ن أ َهْ‬
‫ك وَ ِ‬
‫}وَ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن ت َأ َ‬
‫ب َ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ت عَل َي ْمهِ َقاِئمما ً ذ َل ِم َ‬
‫ديَنارٍ ل ي ُؤَد ّهِ إ ِل َي ْ َ‬
‫م‬
‫ه بِ ِ‬
‫إِ ْ‬
‫ك ب ِمأن ّهُ ْ‬
‫م َ‬
‫ما د ُ ْ‬
‫ك إ ِل ّ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن ت َأ َ‬
‫ُ‬
‫سِبي ٌ‬
‫ب‬
‫ن عَل َممى الل ّمهِ ال ْك َمذِ َ‬
‫ل وَي َُقول ُممو َ‬
‫ن َ‬
‫س عَل َي َْنا ِفي ال ّ‬
‫َقاُلوا ل َي ْ َ‬
‫مّيي َ‬
‫ن )‪] {(75‬سورة آل ‪[3/75‬‬
‫مو َ‬
‫م ي َعْل َ ُ‬
‫وَهُ ْ‬
‫فهم يدعون على الله أنه أذن لهم أن يعمماملوا المييممن )وهممم‬
‫المميون فى التعبير الخر( على هذا النحو ‪ ،‬وهم يعلمون أنهممم‬
‫يكذبون على الله ‪ .‬ثممم يطيعممون الكممذب الممذى يعلمممون كممذبه ‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫" " التلمود هو كتاب اليهود " المقدس " غير المنزل ‪ ،‬إنما هو من تأليف حكمائهم وله عندهم قداسة أكثر من‬
‫الكتاب المنزل ‪!! .‬‬
‫" " الكنز المرصود ص ‪ . 85 – 84‬د ‪ .‬روهلنج واخر ‪ ،‬ترجمة يوسف حنا نصر الله ‪ ،‬بيروت ‪.‬‬
‫" " الكنز المرصضود ‪ ،‬ص ‪. 73 – 72‬‬
‫" " همجية التعاليم الصهيونية ‪ ،‬بولس حنا سعد ‪ ،‬دار الكتاب العربى ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ص ‪. 173‬‬

‫ويعرضون عن الصدق الذى يعلمون أنه الحق !‬
‫وإذ كممان مخططهممم هممو اسممتبعاد البشممرية و" اسممتحمارها "‬
‫وتسخيرها لمصالحهم ‪ ،‬فقد علموا أن أنجح الوسائل لممذلك هممى‬
‫نزع عقائد الممين وإفساد أخلقهم ‪.‬‬
‫يقول القرآن عنهم ‪:‬‬
‫مث َ ُ‬
‫ممماِر‬
‫ل ال ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ل ال ّم ِ‬
‫م يَ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ح َ‬
‫مُلوهَمما ك َ َ‬
‫م ل َم ْ‬
‫مل ُمموا الت ّموَْراةَ ث ُم ّ‬
‫ح ّ‬
‫} َ‬
‫مث َم ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫مث َ ُ‬
‫م ُ‬
‫هل‬
‫ن ك َذ ُّبوا ِبآي َمما ِ‬
‫ل ال َْقوْم ِ ال ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫يَ ْ‬
‫لأ ْ‬
‫ت الل ّمهِ َوالل ّم ُ‬
‫س َ‬
‫سَفارا ً ب ِئ ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫م ال ّ‬
‫ن )‪] {(5‬سورة الجمعة ‪[62/5‬‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ي َهْ ِ‬
‫دي ال َْقوْ َ‬
‫مي َ‬
‫ورغم أن هذا القول نازل فيهممم ‪ ،‬فقممد وعمموه وطبقمموه علممى‬
‫غيرهم !‬
‫إن العبرة فى الية الكريمة أن المة التى أنزل الله كتابا مممن‬
‫عنده لتحكمممه فممى شممئون حياتهمما وتجممرى حياتهمما بمقتضمماه ثممم‬
‫أعرضت عنه ونبذته ‪ ،‬تفقد آدميتها وتتحول إلى دواب كالحمير ‪.‬‬
‫ك َ‬
‫وهو نفس المعنى الذى تحمله اليممة ‪} :‬أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫كال َن ْعَممام ِ ب َم ْ‬
‫م‬
‫ل هُ م ْ‬
‫َ‬
‫ل أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ض ّ‬
‫ن )‪] {(179‬سورة العراف ‪. [7/179‬‬
‫م ال َْغافُِلو َ‬
‫أ َ‬
‫ك هُ ْ‬
‫وإذ وعى اليهود هذه الحكمة من قديم – وان كممانوا يسممتثنون‬
‫منها أنفسهم باعتبارهم شعب الله المختار ! – فهم يسعون أبدا‬
‫إلى نشر الفساد فى الرض ‪ ،‬الفساد العقيدى والفساد الخلقى‬
‫‪ ..‬وكل أنواع الفساد ‪:‬‬
‫ن ِفي ال َ‬
‫ن )‪{(64‬‬
‫ر‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫س ِ‬
‫مْف ِ‬
‫ح ّ‬
‫سعَوْ َ‬
‫ض فَ َ‬
‫}وَي َ ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫سادا ً َوالل ّ ُ‬
‫دي َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫]سورة المائدة ‪[5/64‬‬
‫تقول البروتوكولت ‪:‬‬
‫" يجب علينا أن ننزع فكرة الله ذاتها من عقول غير اليهممود ‪،‬‬
‫وأن نضع مكانها عمليات حسابية وضرورات مادية " " ‪. " 1‬‬
‫" ومن المسيحيين أناس قد أضلتهم الخمممر وانقلممب شممبابهم‬
‫مجانين بالكلسيكيات والمجون المبكر الذى أغراهم بممه وكلؤنمما‬
‫ومعلمونا وخدمنا ‪ ،‬ونساؤنا فممى أممماكن لهمموهم والراغبممات مممن‬
‫زملئهن فى الفساد والترف " " ‪." 2‬‬
‫وهذا هو المخطط الشرير ‪..‬‬
‫ولقممد ظممل اليهممود قرونمما طويلممة يسممعون إلممى تحقيممق هممذا‬
‫المخطط ويحلمون باليوم الممذى يجممردون فيممه المممم كلهمما مممن‬
‫دينهما ‪ ،‬ليبقممى شمعب اللمه المختممار وحممده هممو صماحب الكتمماب‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫" " البروتوكول الرابع ‪.‬‬
‫" " البروتوكول الول ‪.‬‬

‫وصاحب الدين ‪ ..‬وعندئذ يتحقق الوعد المزعوم ويحكمممون كممل‬
‫البشرية !‬
‫ولكن هذا السعى ظممل خائبمما عممدة قممرون سممواء فممى العممالم‬
‫السلمى أو العالم المسيحى – رغممم كممل محمماولتهم الشممريرة‬
‫فى القضاء عليهما – حتى سنحت الفرصة الكبرى أمامهم حيممن‬
‫أخذت أوروبا تنسلخ من دينها وتسعى إلى " التحرر " مممن ذلممك‬
‫الدين ‪..‬‬
‫هناك واتت الفرصة المرتقبة منذ قرون ‪ .‬ل لن اليهود دبممروا‬
‫الحممداث – كممما يزعمممون فممى الممبروتوكولت – ول لن تراكممم‬
‫التخطيط عبر القرون قد أتى ثماره آخر المر كممما يممرى أمثممال‬
‫وليم كممار فممى كتمماب الحجممار ‪ ..‬ولكممن لن أوروبمما هممى الممتى "‬
‫استحمرت " نفسها لشعب الله المختار حيمن فممرت ممن المدين‬
‫َ‬
‫سمموََرةٍ )‪] {(51‬سممورة‬
‫ت ِ‬
‫م ُ‬
‫ن قَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ست َن ِْفَرةٌ )‪ (50‬فَّر ْ‬
‫مٌر ُ‬
‫ح ُ‬
‫}ك َأن ّهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫المدثر ‪[51-74/50‬‬
‫لممو ظلممت أوروبمما ذات ديممن وعقيممدة ممما اسممتطاع اليهممود أن‬
‫يصنعوا ما صنعوا ول أن يفسدوا ما أفسدوا ‪.‬‬
‫صحيح أن العقيممدة الممتى قممدمتها الكنيسممة‪ -‬أو قممدمها بممولس‬
‫اليهودى الصل – إلى أوروبا كانت فاسدة منذ أول لحظة ‪ ،‬وأن‬
‫الدين الذى نشرته الكنيسة لم يكن هو دين الله المنزل ‪ ..‬وأنممه‬
‫منذ اللحظة الولى كان يحمل الثغرات التى يمكن أن ينفذ منها‬
‫أولياء الشيطان ‪ .‬ولكممن شممدة تمسممك أوروبمما بعقيممدتها – رغممم‬
‫فسادها – قمد جممد محماولت اليهمود لتنفيمذ الخطمط الشمريرة‬
‫فممترة طويلممة ‪ ،‬رغممم أنهممم لممم يكفمموا عممن المحاولممة خلل تلممك‬
‫القرون كما يقول – بحق – وليم كمار فمى كتماب " أحجمار علمى‬
‫رقعة الشطرنج " ‪.‬‬
‫لقد كانت العقيدة فاسدة نعم ولكنها كانت تدعو النمماس إلممى‬
‫الفضمميلة وتحممذرهم مممن حبممائل الشمميطان وتحممذرهم مممن فتنممة‬
‫الجنممس خاصممة ‪ ،‬وتصممل بهممم إلممى درجممة الممتزمت والرهبانيممة ‪،‬‬
‫والجنس من أشد أدوات اليهود فعالية فى إفساد المميين !‬
‫كانت السممرة متماسممكة ‪ ،‬والشممباب – فممى الغممالب – يممتزوج‬
‫مبكرا ‪ ،‬والختلط محدود ‪ ،‬ودواعى الجريمة محدودة ‪ ،‬والحيمماة‬
‫بسيطة أقرب إلى الشظف وعيممش الكفمماف ‪ ..‬وفممى مثممل هممذا‬
‫الجو ماذا يملك اليهود مهما كانت براعتهم فى الشر ؟!‬
‫لقد كان أقصى ما يفعلون هو جمممع المممال ‪ ،‬وإقراضممه بالربمما‬

‫الفاحش للمحتاجين ‪ ،‬وإيقاع أمراء القطاع فى الدين ليسممتولوا‬
‫فى النهاية على ثرواتهم ‪.‬‬
‫ولكن تأثيرهم فى مجموع الناس كمان معمدوما أو ضمئيل إلمى‬
‫أقصى حد ‪ ،‬خاصة واليهود فى أوروبا فى ذلك الحين محتقممرون‬
‫مهينون فوق البغضماء الموجهمة إليهمم والضمطهاد الحمائق بهمم‬
‫على أساس أنهم قتلة المسيح كما يعتقد المسيحيون !‬
‫ولكن الحماقات المتوالية للكنيسة والخطايا التى ارتكبتها فى‬
‫حق الدين وحق الناس هممى الممتى صممدعت الكيممان الممدينى فممى‬
‫النهاية وأوجدت الثغرات الواسعة التى نفذ منها الشريرون ‪.‬‬
‫منممذ بممدء " النهضممة " وجممدت الثغممرات الممتى تمناهمما اليهممود‬
‫وجلسوا فى انتظارها عدة قرون ‪ .‬فقد قامت تلك النهضممة منممذ‬
‫مبدئها على أسس إغريقية رومانية غير مسيحية ‪ ،‬بممل إنهمما فممى‬
‫الواقع قامت على أسس مضممادة للمسمميحية معاديممة لهمما ‪ ،‬وإن‬
‫كانت لم تستطع أن تخوض المعركة الحاسمة مع المسمميحية إل‬
‫بعد ذلك بأجيال ‪ ،‬ظلت الكنيسة خللهمما ذات نفمموذ واسممع علممى‬
‫الجماهير على أقل تقدير ‪.‬‬
‫ويوما بعد يوم كانت تقترب اللحظة التى يمكن أن ينهار فيهمما‬
‫سلطان الكنيسة ويصبح دينها الذى فرضممته علممى النمماس عممديم‬
‫السلطان أو ضعيف التأثير ‪.‬‬
‫وفى الثورة الفرنسية وقمع ذلمك النفجممار الحمماد ‪ ،‬الممذى دوى‬
‫فى أرجاء أوروبا كلها فأودى بالقطاع وزلزل كيان الدين ‪.‬‬
‫ومع ذلك فقد كان من الممكممن أن تسممير الثممورة فممى سمممار‬
‫آخر لو لم يتدخل ذلك العنصر الشرير فى توجيه الحداث وجهة‬
‫معينة تخدم أهدافه الخاصة بصرف النظر عن أهداف الثائرين !‬
‫كممانت أهممداف الثممائرين هممى القضمماء علممى ذينممك الحليفيممن‬
‫الطمماغيين المسممتبدين ‪ :‬رجممال القطمماع )الشممراف !( ورجممال‬
‫الدين ‪ .‬وكان القطاع شرا خالصا فكان ينبغى أن يزول ‪ ،‬وكممان‬
‫الدين الذى تقدمه الكنيسة وتطغى به على الناس يحمموى بعممض‬
‫الحقائق وكثيرا من الباطيل ‪ ،‬فكان يمكن أن تصممحح أبمماطيله ‪،‬‬
‫ويستبدل به الدين الحق ‪ ،‬الخالى أساسا من الباطيل ‪.‬‬
‫ولكن اليهود حين دخلوا فى المر لم يدعوا الفرصممة لتصممحيح‬
‫الدين ‪ ..‬وإنما اهتبلوها فرصة سانحة لتحطيم الدين ! وهممذا هممو‬
‫الدور الحقيقى الذى لعبوه فى الثورة الفرنسممية ‪ ،‬ل لنهممم هممم‬
‫الذين أنشأوها كما يزعمون فممى الممبروتوكولت ‪ ،‬ويتممابعهم فممى‬

‫زعمهم وليم كار فى كتاب الحجار ‪..‬‬
‫حقيقة إن المحافل الماسونية المنتشرة فى فرنسا فى ذلممك‬
‫الوقت هى المتى قمامت بالتحضمير للثمورة ‪ ،‬وهمى المتى رفعمت‬
‫شعاراتها الخاصة – الحرية والخاء والمساواة – شعارات للثورة‬
‫الفرنسية ‪ ،‬على غير وعى " المميممن " الممذين قمماموا بهمما ! وإن‬
‫بعض الخطباء من اليهود اشتركوا فى إلهاب حماسممة الجممماهير‬
‫وتفجير الغضب المكبوت ‪ ..‬ولكن هل كان فممى طمموق اليهممود –‬
‫مهما فعلوا ‪ ،‬ومهما تكن براعتهم الشريرة – أن يشعلوا الثممورة‬
‫لو لم تكن خاماتها موجودة فى النفوس ومستعدة للشتعال ؟!‬
‫أما دخول اليهود فى الثورة فقد كان لتحقيق هممدفين كممبيرين‬
‫من أهدافهم الخاصة ‪ ،‬أحدهما كانت الثورة تتجه إليه مممن تلقمماء‬
‫ذاتها ‪ ،‬والثانى كانت وجهة الثورة فيه تيسممر لهممم الوصممول إلممى‬
‫هدفهم الخاص حين يستغلون الحداث على طريقتهم الشممريرة‬
‫فى استغلل الحداث ‪.‬‬
‫فأما الهدف الول فقد كان تحطيم القطاع وهذا كممان يوافممق‬
‫هدفا مرحليا خاصا لليهود ‪.‬‬
‫وأما الهدف الثانى فقممد كممان تحطيممم نفمموذ الكنيسممة ورجممال‬
‫الممدين ‪ ،‬وهممذا الممذى حمموله اليهممود – لحسممابهم الخمماص – إلممى‬
‫تحطيم لذات الدين ‪.‬‬
‫كان لليهود أكثر من مصلحة فى تحطيم القطمماع ‪ ،‬فل عجممب‬
‫أن يدخلوا فى الثورة التى رأوهمما متجهممة – مممن تلقمماء نفسممها –‬
‫إلى تحطيمه ‪.‬‬
‫كانت الثورة الصناعية تدق البممواب ‪ ..‬وكممان اليهممود يقممدرون‬
‫لنفسهم فيها أرباحا طائلة عممن طريمق القمراض بالربمما ‪ .‬فمنمذ‬
‫مولدها واحتياجها إلى المال لتمويل الصناعة الناشئة ‪ ،‬سممقطت‬
‫فريسة فى يد اليهود ‪ ..‬وما تزال حتى هذه اللحظة فى أيديهم ‪.‬‬
‫كان المال الوفير الذى يصلح لتمويل الثورة الصناعية فى يممد‬
‫طائفتين اثنتين فى ذلك الحين ‪ :‬طائفة أمراء القطمماع وطائفممة‬
‫المرابين من اليهود ‪ .‬فأما أمممراء القطمماع فقممد رفضمموا تمويممل‬
‫الصناعة الناشئة وأبوا أن ينقلوا أممموالهم مممن دورتهمما الزراعيممة‬
‫المألوفة لديهم ‪ ،‬والمضمونة الربح لهم ‪ ،‬إلممى عمليممة جديممدة ل‬
‫يعرفونها ‪ ،‬ول يطمئنون إليهمما لعممدم تمرسممهم بهمما ‪ ،‬خاصممة وأن‬
‫كثيرا من العمليات الصناعية كان يفلس فى مبدأ المممر بسممبب‬
‫نقص الخبرة أو عدم توفر السممواق أو عممدم وجممود المواصمملت‬

‫الميسرة ؛ أو عدم إقبال الناس على الشممياء المصممنوعة باللممة‬
‫وتفضيل المصنوعات اليدوية عليها بحكم اللفة الطويلة ‪ ،‬وعلى‬
‫أسمماس أن اسممتخدام المصممنوعات الليممة سمميمحق البركممة مممن‬
‫حياتهم لن فيه إصبعا من أصابع الشيطان !‬
‫عندئذ تقدم اليهود لتمويل تلك الصممناعات مرحممبين ‪ ،‬لنهممم –‬
‫علممى طريقتهممم – ل يخسممرون شمميئا سممواء ربحممت الصممناعة أو‬
‫خسممرت أو أفلسممت إفلسمما كممامل ‪ ،‬ذلممك أنهممم ل يشممتركون‬
‫اشممتراكا مباشممرا بممرؤوس أممموالهم ‪ ،‬وإنممما يقرضممون أصممحاب‬
‫الصناعات بالربا الفمماحش مقابممل ضمممانات تضمممن لهممم رجمموع‬
‫أموالهم إليهم مع الفوائد المضاعفة دون أن يتعرضمموا للخسممائر‬
‫التى كانت تتعرض لها الصممناعة الناشممئة فممى ذلممك المموقت فممى‬
‫كثير من الحيان ‪.‬‬
‫وفكرة المصممرف )البنممك( فكممرة يهوديممة بحتممة ‪ ،‬تقمموم علممى‬
‫تشجيع الناس على إيداع أموالهم – أو ارتهانهمما – لممديهم مقابممل‬
‫إعطممائهم صممكوكا بهمما ‪ ،‬بينممما يشممغلون هممم هممذه الممموال فممى‬
‫عمليات إقراض ربوية يربحممون عممن طريقهمما الكممثير ‪ ،‬فيعطممون‬
‫المودعين جزءا من هذه الرباح ويستأثرون هممم بمعظمهمما دون‬
‫مخاطرة ول جهد يذكر !‬
‫وهكممذا أصممبحت لليهممود مصمملحة أكيممدة فممى قيممام الثممورة‬
‫الصناعية لما تدره عليهم مممن أربمماح لمم يكونمموا ليحصمملوا علممى‬
‫مثلها من قبل من أمراء القطاع ‪ ،‬بالضافة إلممى الجلمموس فممى‬
‫مقعد السيطرة بدل من الذل المهين الذى كانوا يعاملون به فى‬
‫عهمد القطماع حمتى وهمم يقوممون بممإقراض الممال للطمالبين !‬
‫واقرأ إن شئت وصفا قصصيا لهذه الوضاع فى قصة " الزنبقممة‬
‫القرمزية " تأليف البارونة أورتسى حيث يطلب أمير القطاعيممة‬
‫قرضا مممن المرابممى اليهممودى ‪ ،‬فممإذا جمماء هممذا يسمملمه القممرض‬
‫المطلوب وهو ينحنى أمامه فى ذلة )ول ضير عندهم فى التذلل‬
‫ممما دام وراءه ربممح !( إذا القطمماعى ينهممره لنممه يمممد يممده إليممه‬
‫بالمال ‪ ،‬ويقول له ‪ :‬ل تدنس يدى بلمسها بيدك ! ضع المال هنا‬
‫)مشيرا إلى مكان معين( وسأتسلمه أنا مممن ذلممك المكممان بعممد‬
‫انصرافك أيها العين !!‬
‫ولكن العقبة أمام الصممناعة الناشممئة لممم تكممن عقبممة التمويممل‬
‫فحسب ‪ ،‬وهى بالنسبة لهم لم تكن عقبة بل كانت مصممدر ربممح‬
‫وفير ‪ ،‬إنما كممانت العقبمة الكممبرى هممى تمموفير العمممال اللزميممن‬

‫للصناعة ‪ ..‬فقد كممان العمممال فممى الريممف يحتجزهممم القطمماع ‪،‬‬
‫وسمماء كممانوا عبيممدا للسمميد أو عبيممدا للرض ‪ ،‬أو مممن العمممال‬
‫الزراعيين الحرار وهم قلة قليلممة إلممى جمموار العبيممد والقنممان ‪،‬‬
‫وكلهممم ل يملكممون النتقممال إلممى حيممث تقمموم الصممناعات –‬
‫بالضممرورة – فممى المدينممة ‪ ،‬حيممث توجممد السممواق المعقولممة‬
‫لتصريف المنتجات الصناعية ‪ .‬ومممن ثممم كممان لبممد مممن تحطيممم‬
‫القطاع لتحرير العبيد – عبيممد السمميد وعبيممد الرض – وتقريممر "‬
‫حق النتقال " لكل من يريد ‪ ،‬وهو حق لم يكن قائممما فممى ظممل‬
‫القطاع ‪.‬‬
‫وهمذا الهمدف – وهمو تحريمر العبيمد لتموفير العممال اللزميمن‬
‫للصناعة فى المدن – لم يكن فى سحاب الثائرين ول شك يمموم‬
‫قاموا بثورتهم العنيفة ضد مظممالم القطمماع ‪ ،‬ولكنممه كممان هممدفا‬
‫واعيا للرأسمالية القائمة فى أحضممان اليهممود منممذ أول لحظممة ‪،‬‬
‫أى أنه كان هدفا واعيا فى تخطيط اليهود ‪ ،‬ومن أجلممه شمماركوا‬
‫فى الثورة الفرنسية وقممامت مؤسسمماتهم الماسممونية لهمما بممدور‬
‫التحضير ‪ ،‬أو التفجير ! " ‪. "1‬‬
‫أما الدين فلم تكن قصته كذلك ‪.‬‬
‫كان الثوار ينقمون على رجال الدين طغيانهم الممذى أذلمموا بممه‬
‫الناس عبر القرون ‪ ،‬كما كانوا ينقمون عليهم مساندتهم لمممراء‬
‫القطاع ضممد دعمموات التحممرر مممن الظلممم ‪ ،‬وكممانوا يريممدون أن‬
‫يتحرروا من ذلك الطغيان ومن تلك المساندة الظالمة للطغاة ‪،‬‬
‫ولكنهم لو تركوا لنفسهم دون تممدخل الشممرار ‪ ،‬فلربممما اكتفمموا‬
‫بقتل من قتلوا من رجال الدين دون التوجه لقتممل الممدين ذاتممه ‪،‬‬
‫أو لربما طالبوا بالصلح المدينى الممذى يمدع النمماس أحمرارا فممى‬
‫عبادتهم ‪ ،‬ويزيل عممن البابمما ورجممال الممدين قداسممتهم ‪ ،‬ويصممحح‬
‫العقيدة من انحرافها ‪ ،‬وينفى الباطيل والمعميات عنها ‪.‬‬
‫ولكن التممدبير اليهممودى كمان يسممعى إلمى تحطيمم الممدين فمى‬
‫أوروبا جملة لتحقيق مرحلة من مراحل المخطط الشرير الممذى‬
‫يهدف إلى تجريد " الممين " جميعما ممن عقمائدهم وأخلقهمم ‪،‬‬
‫لجل " استحمارهم " والسمميطرة عليهممم ‪ ،‬وتشممخيرهم لشممعب‬
‫الله المختار ‪ ،‬بالضافة إلى النتقام الشخصى مممن الممدين الممذى‬
‫اضطهدهم واستذلهم على اعتبار أنهم قتلوا " الممرب " المعبممود‬
‫‪1‬‬

‫" " أشرنا من قبل أكثر من مرة إلى أن مشاركة اليهود فى الثورة أو تحريكها للتفجر ليس معناه أنهم هم الذين‬
‫أنشأوها إنشاء كما يزعمون ‪ ،‬لنهم ما كانوا ليستطيعوا إيجادها من العدم ‪ ،‬ول كانوا يستطيعون إشعالها لو لم تكن‬
‫هى من ذاتها قابلة للشتعال ‪.‬‬

‫فى ذلك الدين وصلبوه !‬
‫لذلك سعوا بجمعياتهم الماسونية المنبثة فممى أنحمماء فرنسمما ‪،‬‬
‫وبخطبائهم وكتابهم إلى توجيه غضممب الجممماهير المجنونممة نحممو‬
‫الدين ذاته ل نحو رجاله فحسب ‪ ..‬وكان أن أعلنت فى " فرنسا‬
‫الثممورة " أول حكومممة ل دينيممة فممى العممالم المسمميحى ل تجعممل‬
‫الدين أساسا لى شئ فى حياة الناس ‪.‬‬
‫وكانت خطوة جريئة وبجارة بل شك ‪ ،‬جلممس اليهممود يفركممون‬
‫أيديهم سرورا بها فى غفلمة مممن المميممن ‪ ،‬الملتهيمن – حسممبما‬
‫تقرر البروتوكولت – بشعارات " الحريممة والخمماء والمسمماواة "‬
‫والغارقين فى شرب الكأس حتى الثمالة ‪ ،‬المنتشممين بممما صممار‬
‫فى أيديهم – فجأة – من سلطان يقتلون به الملموك والشمراف‬
‫ورجال الدين ‪ ،‬وكل من حامت حوله شممبهة مممن قريممب أو مممن‬
‫بعيد ‪ ،‬أو أشارت إليه الجممماهير المجنونممة بإصممبعها ‪ :‬خممائن ! أو‬
‫جاسوس !‬
‫وهكذا خرج " المميون " الثائرون بشئ من النفممع المشمموب‬
‫بكثير من الشر ‪ ،‬بينما خرج اليهود بتحقيق أهدافهم كاملة سواء‬
‫فى تحطيممم القطمماع لترسمميخ قممدم الرأسمممالية المولممودة فممى‬
‫أيديهم ‪ ،‬أو تحطيم الدين تمهيدا " لستحمار " أوروبا وتسخيرها‬
‫لمصلحة اليهود ‪.‬‬
‫كممانت الثممورة الفرنسممية حممدثا ضممخما فممى حيمماة أوروبمما دون‬
‫شك ‪ ،‬ل للسباب التى يدرسونها للولد فممى المممدارس ‪ ،‬ولكممن‬
‫لسباب أخرى أخطر وأهممم ‪ ..‬فقممد أطلقممت يممد اليهممود لتحقيممق‬
‫مخططاتهم الشريرة بصورة لم تكن متاحة لهممم منممق بممل فممى‬
‫عهد القطاع ‪ ..‬فقد ولد من جممراء الثممورة الفرنسممية ‪ ،‬والثممورة‬
‫الصناعية التى كانت الولى تحضيرا وتمهيدا لها ‪ ،‬مجتمممع جديممد‬
‫كل الجدة عن المجتمع القطمماعى ‪ ،‬اسممتطاع اليهممود أن يعيثمموا‬
‫فيه فسادا بكل قوتهم ‪ ،‬لنه ولد فى أيديهم من اللحظة الولممى‬
‫فاستطاعوا أن يشكلوه على النحو الذى يريدون ‪ ،‬إذ كانوا هم –‬
‫عممن طريممق البنمموك والقممراض بالربمما – ممممولى الرأسمممالية‬
‫وسادتها المسيطرين عليها ‪ ،‬والمسيطرين – من خللها – علممى‬
‫صناعة المجتمع الجديد بكل ما فيه من عقائد وتصورات وأفكمار‬
‫وسلوك ‪ ..‬وإذ كان " الممين " فى أوروبمما قممد بممدأوا ينسمملخون‬
‫من دينهم ويسلمون قيادهم للشيطان !‬
‫وسنتحدث فيما بعد عن " الحتميممات " الممتى زعمهمما التفسممير‬

‫المادى للتاريخ لتفسير النتقال من طور فى حياة البشرية إلممى‬
‫طور ‪ ،‬وخاصة النتقال من الطور الزراعى إلى الطور الصناعى‬
‫‪ ،‬وسنرى عند الحديث عنها أنهمما حتميممات زائفممة ‪ ،‬وأنهمما ليسممت‬
‫هى – أو ليسممت هممى وحممدها – الممتى تحممرك حيمماة البشممر علممى‬
‫الرض م وتنقل خطاها من طور إلى طممور ‪ ،‬وأنممه لممم يكممن مممن‬
‫الحتممم علممى الطلق أن تكممون صممورة المجتمممع الرأسمممالى‬
‫الصناعى هى الصورة الممتى وجممد عليهمما بالفعممل لممول التخطيممط‬
‫الشرير الذى شكلها على هذه الصورة ! " ‪. "1‬‬
‫اسممتطاع اليهممود – بعبقريتهممم الشممريرة – أن يتسمملموا قيمماد‬
‫المجتمع الوروبى الخذ فى النسلخ من دينه بتممأثير انحرافممات‬
‫الكنيسة الوروبية وجرائمها وخطاياهمما ‪ ،‬فينشممئوا علممى أنقمماض‬
‫المجتمع القطاعى المنهار مجتمعا جديممدا بل ديممن ول أخلق ول‬
‫تقاليد ‪ ..‬وقد سلطوا علممى هممذا المجتمممع كممل قممواهم الشممريرة‬
‫لينشئوه على هذه الصورة ‪ ،‬فوضعوه بين ذراعى كماشة هائلممة‬
‫تعصره عصرا وتفتممت كيممانه وتحيلممه كيانمما ممسمموخا مشمموها بل‬
‫قوام !‬
‫إحدى ذراعى الكماشممة كممانت نظريممات " علميممة ! " زائفممة ‪،‬‬
‫تحممارب الممدين والخلق والتقاليممد مممن كممل زاويممة مسممتطاعة ‪،‬‬
‫تحتوى – ل شك – على شممئ مممن الحممق ‪ ،‬ولكنهمما تلبممس الحممق‬
‫بالباطل على ديدن يهود من أول التاريخ ‪:‬‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫مممو َ‬
‫ممموا ال ْ َ‬
‫سوا ال ْ َ‬
‫}َول ت َل ْب ِ ُ‬
‫م ت َعْل َ ُ‬
‫حمقّ وَأن ْت ُم ْ‬
‫ل وَت َك ْت ُ ُ‬
‫حمقّ ِبال َْباط ِم ِ‬
‫‪] {(42‬سورة البقرة ‪[2/42‬‬
‫}َيا أ َهْ َ‬
‫ق‬
‫ن ال ْ َ‬
‫مممو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫سممو َ‬
‫م ت َل ْب ِ ُ‬
‫حم ّ‬
‫ل وَت َك ْت ُ ُ‬
‫ب لِ َ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫حمقّ ِبال َْباط ِم ِ‬
‫َ‬
‫ن )‪] {(71‬سورة آل ‪[3/71‬‬
‫مو َ‬
‫م ت َعْل َ ُ‬
‫وَأن ْت ُ ْ‬
‫وكان أبرز " البطال " فى هذه المعركة ثلثة من " أسمماطين‬
‫" اليهود هم ماركس وفرويد ودركايم ‪..‬‬
‫وأما الذراع الخرى للكماشة فكممانت واقعمما فعليمما يقمموم مممن‬
‫أول لحظممة علممى عممداء مممع الممدين والخلق والتقاليممد ‪ ،‬ويظممل‬
‫ينزلق خطوة خطمموة ‪ ،‬كممل خطمموة تممؤدى إلممى ممما بعممدها كأنممما‬
‫بصورة تلقائيممة )ومممن طبيعممة المنزلممق أن يهمموى بصمماحبه إلممى‬
‫‪1‬‬

‫" " الحتمية الوحيدة فى هذا الوجود كله هى حتمية السنن الربانية ‪ .‬وما حدث بالفعل فى هذا الكون فقد كان محتم‬
‫الوقوع فى قدر اله ‪ .‬ولكن قدر الله يجرى فى الرض من خلل أعمال البشر إن خيرا فخير وإن شرا فشر ‪ " :‬ظهر‬
‫الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون " ] سورة الروم ‪[ 41 :‬‬
‫ولكن قدر الله ل يفرض الفساد على الناس ‪ ،‬إنما يرتب على الفساد نتائجه وعلى الصلح نتائجه ‪ " :‬ولو أن أهل‬
‫الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ‪ ،‬ولدخلناهم جنات النعيم ‪ .‬ولو أنهم أقاموا التوراة والنجيل وما أنزل إليهم‬
‫من ربهم لكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم " ] سورة المائدة ‪ [ 66 – 65 :‬ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا‬
‫عليهم بركات من السماء والرض ‪ .‬ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون " ] سورة العراف ‪. [ 96 :‬‬

‫الهاوية ما دام قد سار فيممه( وتممؤدى فممى النهايممة إلممى النسمملخ‬
‫الكامل من كل مقومات الدين ‪ .‬وكان اللعب الكممبر فممى هممذه‬
‫العملية الضخمة هو المرأة " المتحررة " اقتصمماديا ‪ ،‬والمتحللممة‬
‫فى ذات الوقت من سلطان الدين والخلق والتقاليد ‪..‬‬
‫وفيممما يلممى نتحممدث عممن كممل مممن الممذراعين الشممريرتين ‪،‬‬
‫وآثارهما فى إفساد المجتمع الوروبى ‪.‬‬

‫النظريات العلمية‬
‫دارون ونظرية التطور‬
‫ليس دارون يهوديا ‪ ،‬فقد ولد لبوين مسيحيين ‪ ،‬ولكن اليهممود‬
‫استغلوا نظريتممه علممى نطماق واسمع وعملمموا علممى نشمرها فممى‬
‫الرض لما رأوه ممن إمكمان السمتفادة بهمما فممى تحطيمم عقمائد‬
‫الممين كما تقول البروتوكولت ‪ :‬لقد رتبنا نجاح نيتشه ودارون‬
‫وإن تأثير أفكارهما على عقائد الممين واضح لمنا بكل تأكيد ‪.‬‬
‫فل عجب إذن أن تجممد نظريتممه تممدرس فممى معظممم مممدارس‬
‫الرض ل على أنها فرض علمى )كما هى فى حقيقتها( ول حممتى‬
‫على أساس أنها " نظريممة " علميممة )أى لممم تثبممت ثبوتمما قاطعمما‬
‫يرشحها لن تكون حقيقة علمية( بل على أنها حقائق نهائية فى‬
‫علم الحياة !‬
‫ولد دارون فى بريطانيا عام ‪ ، 1809‬وفى سنة ‪ 1859‬أصممدر‬
‫كتابه فى " أصل النواع " ‪.‬‬
‫وقممد كممان متخصصمما فممى علممم الحيمماة ‪ ،‬وأدت بممه ملحظمماته‬
‫العلميممة إلممى أن يكتشممف أنممه يمكممن عممن طريممق " النتخمماب‬
‫الطبيعى " تأكيد صفات معينة أو إضعافها فى النسل الناتج مممن‬
‫زوجين منتخبين بصفات معينممة ‪ ،‬وأنممه يحممدث مثممل ذلممك فممى "‬
‫الطبيعة " عن طريق النتخاب الطممبيعى أى الممتزاوج الحممر بيممن‬
‫الكائنات الحية ‪ ..‬وأن التغيير الناشئ من هذا النتخاب يمكن أن‬
‫يصل إلى حد استحداث صفات جديدة لم تكممن فممى أى البمموين‬
‫كطول المنقار فى بعض الطيور ‪ ،‬أو اللوان الزاهية فى بعضممها‬
‫الخممر ‪ ،‬أو غيممر ذلممك مممن الصممفات ‪ .‬فممافترض أن مثممل هممذه‬
‫التغيممرات قممد حممدثت فممى " الطبيعممة " مممن قبممل خلل ملييممن‬
‫السنين مممن عمممر الحيمماة علممى سممطح الرض ‪ ،‬مممما أدى علممى‬
‫الممدوام إلممى ظهممور " أنممواع " جديممدة وأدى كممذلك – بممتراكم‬
‫التغيرات – إلى ظهور " أجناس " جديدة لم يكن لها وجممود مممن‬
‫قبل ‪ ..‬ثم تصور أنه من خلل هذه العملية التى سماها عمليممة "‬
‫التطور " سارت الحياة فى سلسلة طويلة من الرقى التدريجى‬
‫بدأت بالكائن الوحيد الخلية وانتهت بالنسان على النحممو التممالى‬
‫)باختصار كثير من التفصيلت( ‪:‬‬
‫كائن وحيد الخلية )كالمبيا( – فطريات متعددة الخليا – نبات‬
‫– نبممات يشممبه الحيمموان )كالهيممدرا( – حيمموان يشممبه النبممات‬
‫)كالمرجممان( – حيوانممات ل فقاريممة – حيوانممات فقاريممة دنيمما‬

‫)كالسماك والطيور( – حيونات فقارية أرقى )كالثدييات الممدنيا(‬
‫– الثممدييات العليمما – القممردة الممدنيا – القممردة العليمما )الغمموريل‬
‫والورانممج أوتانممج " إنسممان الغمماب " والشمممبانزى والجممبيون( –‬
‫الحلقة المفقممودة )القممرد الشممبيه بالنسممان أو النسممان الشممبيه‬
‫بالقردة العليا( – النسان ‪.‬‬
‫وقال دارون – فيممما قممال وهممو يشممرح نظريتممه ‪ :‬إن الطبيعممة‬
‫تخلممق كممل شممئ ول حممد لقممدرتها علممى الخلممق ‪Nature creates‬‬
‫‪.everything and there is no limit to its creativity‬‬
‫وقال كذلك ‪ " :‬إن الطبيعة تخبط خبط عشواء "‬
‫‪Nature Works Haphazadly‬‬
‫وبصرف النظر عممن صممحة المعلومممات الممواردة فممى نظريتممه‬
‫وصحة تفسيراته لهمما أو عممدم صممحتها " ‪ ، "1‬فقممد أنشممأت رجممة‬
‫كبيرة فى المجتمع الغربى‪ ،‬اهتزت لهمما الكنيسممة مممن جهممة " ‪"2‬‬
‫والدوائر العلمية من جهة أخرى والجماهير من جهة ثالثة ‪.‬‬
‫فأما الكنيسة فقد كفرت دارون ابتداء وقالت عنه إنه زنممديق‬
‫مهرطق مارق من الدين ‪ ،‬لنه ينفى الخلممق المباشممر مممن اللممه‬
‫للنسان على صورته ‪0‬تفسممر الكنيسممة كلمممة " علممى صممورته "‬
‫الواردة فى التوراة على أن اله قد خلممق النسممان علممى صممورة‬
‫نفسه – تعالى – أى على صورة الله( بل ينفى يد اله من عملية‬
‫الخلق كله ‪ ،‬كما ينفى الغاية والقصد ‪ ،‬لنه يقممرر أن الحيمماة قممد‬
‫وجدت على الرض بالصدفة فى ظروف معينة )لم تتكممرر مممرة‬
‫أخرى( ! وأن تفسير الحيمماة وتطورهمما بإرجاعهمما للرادة اللهيممة‬
‫يكون بمثابة إدخال عنصر خممارق للطبيعممة فممى وضممع ميكممانيكى‬
‫بحت !‬
‫‪This would be to introduce a supernatural element in a‬‬
‫‪completely mechanical position.‬‬
‫وقممد جاوبهمما دارون مممن نمماحيته باتهامهمما بالجهممل والتخريممف‬
‫ومحاربة العلم بحقائقه ونظرياته ‪.‬‬
‫وأما العلماء فقد انقسموا إلى ثلث فرق ‪ .‬فرقة تؤيممد دارون‬
‫‪ " " 1‬ل ندخل فى نقاش مع نظرية دارون فهذا مجاله الكتب العلمية المتخصصة فى علم الحياة وتفسير الظواهر‬
‫المتصلة بالكائنات الحية ‪ ،‬ولكنا نذكر فقط أن هناك علماء آخرين لهم قدم راسخة فى مجال البحث العلمى يعارضون‬
‫دارون معارضة تامة فى تفسيره لظاهرة نشوء الحياة وتطورها ‪.‬‬
‫كما أن علم " الجينات " )المورثات( يميل إلى اعتبار الصفات الخاصة بكل جنس ثابتة وغير قابلة للنقص أو الزيادة مما‬
‫يعارض فكرة نشوء الجناس الجديدة من النواع المتطورة بتغير صفاتها الوراثية تغيرا جذريا ينقلها إلى جنس جديد‬
‫)كنشأة الفقاريات من الل فقاريات أو نشأة القرود من الثدييات العليا أو نشأة النسان من القردة العليا( كما أن "‬
‫الداروينية الحديثة ‪ Neo Darwinism‬ذاتها تقرر تفرد النسان عن بقية الحيوانات تفردا جوهريا ‪.‬‬
‫‪ " " 2‬إذا كانت الثورة الفرنسية قد قضت على نفوذ رجال الدين فى فرنسا فليس معنى هذا أن الكنيسة قد فقدت‬
‫وجودها تماما فى ذلك الحين وخاصة خارج فرنسا ‪.‬‬

‫وتتحمس له ‪ ،‬وفرقة تعارضه وتندد به ‪ ،‬وفرقة تحمماول التوفيممق‬
‫بين ما تقوله النظرية وما يقوله الدين !‬
‫وأما الجماهير فقد وقفت فى مبدأ المممر موقفمما حاسممما مممع‬
‫الكنيسة ضد دارون ! فقد عز عليها أن يسملبها دارون إنسممانيتها‬
‫ويردها إلى أصل حيوانى ‪ ،‬وينفى التكريم الربانى الذى كرم بممه‬
‫الله النسان حيممن خلقممه علممى صممورته ‪ ،‬وزينممه بالعقممل وميممزه‬
‫بالقدرة على النطق ‪ ..‬ولكنها رويدا رويدا بمدأت تغيممر موقفهما ‪،‬‬
‫وتعتنممق أفكممار دارون ‪ ،‬وتتغاضممى عممن مسممبة الحيوانيممة الممتى‬
‫ألحقها بها فى نظريته ‪ ،‬بل بدأت تهاجم الكنيسممة لموقفهمما مممن‬
‫دارون ‪ ،‬وترى فى نظريته معول هداما يهدم ما بقى لهمما عليهممم‬
‫من سلطان !‬
‫هل تم هذا التحول فى موقف الجماهير تلقائيا أم كممان وراءه‬
‫ذلك العنصر الشرير ؟!‬
‫وهل كان يمكممن – لممول ذلممك التممدخل الشممرير – أن يتغاضممى‬
‫الناس عن إنسانيتهم المسلوبة وعن كرامتهم الملغاة ‪ ،‬ويعتنقوا‬
‫نظريممة تقممرر صممراحة أن النسممان إن هممو إل امتممداد لسلسمملة‬
‫التطور الحيوانى ‪ ،‬ل قصد مممن خلقممه ول غايممة ‪ ،‬وممما يزيممد عممن‬
‫القردة إل ما أضافه التطور خلل مئات اللوف من السنين مممن‬
‫تغير عشوائى غير مقصود ؟!‬
‫حقيقة إن " العلماء" هم الذين بدأوا باعتنمماق نظريممة دارون ‪،‬‬
‫ثم تبعتهم الجماهير ‪ .‬ولكن هؤلء وهؤلء ما كممانوا ليفعلمموا ذلممك‬
‫لول عنصران قائمان فى الموقف ‪ ،‬عنصممران غيممر " علمييممن "‪،‬‬
‫أحدهما موقف الكنيسة الطغيانى من المممور كلهمما ومممن العلممم‬
‫والعلماء خاصة ‪ ،‬والخر هو الدعاية الضخمة التى قام بها اليهود‬
‫للنظرية وليحاءاتها المصادمة للعقيدة بصفة خاصة ‪.‬‬
‫ومرة أخرى ل نتعرض هنا للنظرية بالنقممد ‪ .‬وإن كنمما سنشممير‬
‫فيما بعد إلى آراء الدارونية الحديثة نفسها فى هذا المممر ‪ ،‬بعممد‬
‫ما تقدم العلم كثيرا عما كممان عليممه أيممام دارون ‪ ،‬وكشممف عممن‬
‫أشياء لم تكن مكشوفة لممه فممى ذلممك الحيممن ‪ ،‬إنممما نتكلممم عممن‬
‫إيحاءاتها المصادمة للعقيدة ‪..‬‬
‫إن النظرية – بصرف النظر عن صممحتها أو عممدم صممحتها مممن‬
‫الوجهة العلمية البحتة – لم يكن من الحتممم أن تصمماغ بالطريقممة‬
‫التى تصادم العقيدة لممول ذلممك الصممراع القممديم الممذى قممام بيممن‬
‫الكنيسة والعلماء ‪ ،‬واستمر إلى وقت دارون وما بعممده ‪ ،‬وجعممل‬

‫" العلماء " يتعمدون تجريممح الممدين ورجمماله انتقاممما مممما فعلتممه‬
‫الكنيسة من قبل ‪ ،‬كممما جعممل أوروبمما تهممرب مممن إلممه الكنيسممة‬
‫وتضع " الطبيعة " إلها بدل منه !‬
‫لو قال دارون إن الله حين خلق الحيمماة علممى الرض هيممأ لهمما‬
‫ظروفمما معينممة تسمماعد علممى وجممود الخليممة الحيممة ونموهمما‬
‫واستمرارها ‪ ،‬ثم نوع الله الخلئق علممى نسممق معيممن بممدءا مممن‬
‫الكممائن الوحيممد الخليممة إلممى أكممثر الخلئق رقيمما وتعقيممدا وهممو‬
‫النسان ‪ ،‬وإن قمة العجاز فى الخلممق – والخلممق كلممه معجممز –‬
‫هو خلق النسان على هذه الصورة وإمداده بالمزايا التى تؤهله‬
‫للقيام بدوره على الرض " ‪. "1‬‬
‫لو قال هذا ‪ ،‬ثم أورد كممل ممما أورده مممن التفصمميلت العلميممة‬
‫التى أتى بها فى نظريته – بصرف النظر عن صممحتها أو خطئهمما‬
‫من الناحية العلمية – فماذا كان يمكن أن يحدث ؟!‬
‫كانت النظرية تظل موضع أخذ ورد بين العلماء للستيثاق من‬
‫صحة تلك التفصيلت ‪ ،‬كما حدث مع أى فرض علمى أو نظريممة‬
‫علمية ‪ ،‬حتى تمحص وتثبت حقيقتها ‪ ،‬ولكن دون رجة ول ضممجة‬
‫ول هزات ‪..‬‬
‫ولكنه – لمر ما – لم يقل ذلك ولم يرد أن يقوله !‬
‫إنما قال بدل منه إن " الطبيعة " هى التى خلقت ‪ .‬وقال إنهمما‬
‫تخبط خبممط عشممواء ‪ .‬واقممل إنممه يرفممض تفسممير نشمموء الحيمماة‬
‫وتطورها بإرجاع ذلك إلى الرادة اللهية لن ذلممك خلممط علمممى‬
‫غير جائز ‪ ،‬وإنه بمثابة إدخال عنصممر خممارق للطبيعممة فممى وضممع‬
‫ميكانيكى بحت !! ثم تحايل على الحرج الذى يواجهه وكل منكر‬
‫للرادة اللهية فى قضية الخلق كله ‪ ،‬وخلق الحياة أول مرة من‬
‫َ‬
‫ر‬
‫م ُ‬
‫خل ُِقموا ِ‬
‫الموات ‪ ،‬والذى يوجه إليمه همذا التحمدى ‪} :‬أ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ن غَْيم ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن )‪] {(35‬سممورة الطممور ‪ [52/35‬تحايممل‬
‫م ال ْ َ‬
‫خممال ُِقو َ‬
‫يٍء أ ْ‬
‫م هُ ْ‬
‫ش ْ‬
‫على ذلك تحممايل سممخيفا – مممن وجهممة النظممر العلميممة البحتممة –‬
‫فقال إن الحياة نشأت صدفة على الرض !!‬
‫ومن ثم وجدت فيه اليهودية المتربصة فرصة سانحة لتقويض‬
‫عقممائد " المميممن " وإزالممة ممما بقممى مممن أثممر للممدين فممى حيمماة‬
‫الناس !‬
‫وينبغى – لكى ندرك دور اليهود فى إفساد أوروبا دون تهويممل‬
‫فى تقدير مقدرتهم الشريرة كما فعل وليم كممار – أن نقممول إن‬
‫‪1‬‬

‫" " هذا الذى أثبتته الداروينية الحديثة فيما بعد ‪ ،‬وإن كانت ما تزال فى خصامها التقليدى مع الدين !‬

‫عالمنا سابقا هو " لمارك " ‪ La Marke‬كان قد قال شيئا قريبمما‬
‫مما قاله دارون ‪ ،‬ولكن اليهود لممم يسممتطيعوا اسممتغلل نظريتممه‬
‫لتقويض عقائد المميين كما فعلوا بنظريممة دارون ‪ ،‬لن الحممدث‬
‫العظيم الذى رج المجتمع الوروبى كله – وهو الثورة الفرنسممية‬
‫– لم يكن قد وقع بعد ‪ ،‬وكان المجتمع – على كل ما كان يحمل‬
‫من الفساد والظلم – ما يممزال متماسممكا بالصممورة الممتى ل تممدع‬
‫لليهمود فرصمة المدخول ‪ ،‬فعجمزوا يمومئذ عمن المدخول ! ولكمن‬
‫الرجة التى أحدثتها الثورة الفرنسممية – الممتى اشممتركوا هممم فممى‬
‫توجيهها وجهة معينة – هى التى قربت الهدف وأحدثت الثغممرات‬
‫التى يمكن أن ينفذوا منها ‪ .‬فلما قممام دارون تلقفمموه وأمسممكوا‬
‫به معول هائل لتحطيم كل القيم فى حياة البشرية ‪.‬‬
‫أيا كان القول فى نظريممة دارون مممن الوجهممة العلميممة ‪ ،‬فقممد‬
‫كانت نظريمة محصمورة فمى " علمم الحيماة " تحماول أن تفسمر‬
‫نشأة الحياة وتطورها ‪ ،‬فلم تكن نظرية فلسفية ‪ ،‬ول سياسية ‪،‬‬
‫ول اقتصادية ‪ ،‬ول اجتماعية ‪ ،‬ول نفسية ‪ ..‬ولكنها انقلبت – فممى‬
‫فترة وجيزة من الزمن – فأصبحت كل هؤلء !‬
‫وحقيقة أن من أراد أن يستخرج منها إيحاءات فلسفية أو غير‬
‫فلسفية فإنه يستطيع ‪..‬‬
‫فالنظريممة الممتى تقممرر حيوانيممة النسممان وممماديته )بمعنممى أن‬
‫الظروف المادية المحيطة به هممى الممتى أثممرت فممى " تطمموره "‬
‫وإعطائه صورته( والتى تنفى القصد والغاية من خلفممه ‪ ،‬وتنفممى‬
‫التكريم الربانى له بإفراده بين الكائنات الخرى بالعقل والقدرة‬
‫على الختيار والقدرة على التمييز فضل عممن المزايمما الخممرى "‬
‫النسانية " ‪..‬‬
‫إن نظرية كهذه يمكمن أن تعطمى إيحماءات خطيمرة فمى كمل‬
‫اتجاه ‪..‬‬
‫فحيممن يكممون النسممان حيوانمما أو امتممدادا لسلسمملة التطممور‬
‫الحيوانى فأين مكان العقيدة فى تركيبه ‪ ،‬وأين مكممان الخلق ‪،‬‬
‫وأين مكان التقاليد الفكرية والروحية والخلقيمة والجتماعيمة ‪..‬‬
‫الخ ؟!‬
‫وحين يكون حيوانا ‪ ،‬أو امتممدادا لسلسمملة التطممور الحيمموانى ‪،‬‬
‫فما مقياس الخطممأ والصممواب فممى أعممماله ؟ وكيممف يقممال عممن‬
‫عمل من أعماله إنه حسن أو قبيح ‪ ،‬جائز أو غير جائز ‪ ..‬بعبممارة‬
‫أخرى كيف يمكن إعطاء قيمة أخلية لعماله ؟‬

‫وحين يكون حيوانا أو امتدادا لسلسلة التطور الحيوانى ‪ ،‬فممما‬
‫معنى " الضوابط " المفروضة على سلوكه ؟ وما معنممى وجممود‬
‫الضوابط على الطلق " ‪ "1‬؟‬
‫كل تلك إيحاءات يمكن أن تستخرج من النظرية لمن أراد أن‬
‫يصطاد فى الماء العكر ! ولكننا إذا نظرنا إلى الواقممع وجممدنا أن‬
‫أحدا لم يصنع ذلك سوى اليهممود !! هممم الممذين اسممتخرجوا هممذه‬
‫اليحاءات كلها التى لم يقلها دارون ‪ ،‬وربما لم يفكر فيها أبممدا ‪،‬‬
‫ولكنهم أسرعوا إلى اقتناصها ‪ ،‬وأنشأوا منها نظريات " علمية "‬
‫اقتصادية ونفسية واجتماعية ‪ ..‬الخ موجهة كلها لمحاربممة الممدين‬
‫والخلق والتقاليد ‪..‬‬
‫وكانت فكرة " التطور " ذاتهما ممن أشمد مما لعمب بمه اليهمود‬
‫لزلزلة عقائد " المميين " وتقويضها ‪ ..‬فقد ضخموا تلك الفكرة‬
‫أى تضخيم وصنعوا منها قذائف يطلقونها على كل معنى " ثابت‬
‫" فى حياة البشرية من دين أو قيم أو أخلق ‪.‬‬
‫والحممق – رمممة أخممرى – أنهممم ال ينشممئون الحممداث ولكنهممم‬
‫يتحينون الفرص ويستغلون الحداث ‪.‬‬
‫لقد كان الخلل الفكرى فممى حيمماة أوروبمما فممى ظممل سمميطرة‬
‫الكنيسة الفكرية هو الذى رشح للهزة التى أصممابت هممذا الفكممر‬
‫يوم أطلقت عليه فكرة التطور ‪ ،‬فقد كان كممل شممئ فممى حممس‬
‫أوروبما المسميحية الكنسمية ثابتما منمذ الزل وسميظل ثابتما إلمى‬
‫البد ‪ ..‬ليست فكرة اللوهية فقط هى التى ينطبق عليها تصممور‬
‫الثبممات ‪ ،‬ول القيممم الدينيممة والخلقيممة وحممدها ‪ .‬ولكممن الجبممال‬
‫والشجر والحيمموان والطيممر ‪ .‬والوضمماع السياسممية والجتماعيممة‬
‫والقتصادية ‪ ..‬وكل شئ فى الحياة ‪.‬‬
‫البابا هو البابا ذو القداسة ‪ ،‬يذهب واحد ويجممئ واحممد ‪ ،‬وكلممن‬
‫البابوية ذاتها وقداستها أمر ثابت ل يتغير ‪..‬‬
‫الملوك والباطرة هم الملوك والباطرة ‪ ..‬يممذهب منهممم مممن‬
‫يذهب ويجئ من يجئ ‪ ..‬ولكن الملكية ذاتها أمر ثابت ل يتغير ‪..‬‬
‫القطمماع هممو القطمماع ‪ ..‬يممذهب أميممر ويجممئ أميممر ‪ ..‬بنفممس‬
‫الصورة ‪ ،‬ونفس المعاملة ‪ ،‬نفس السيادة مممن جهممة والعبوديممة‬
‫من الجهة الخرى ‪ ..‬وكلها أمور ثابتة ل تتغير ‪.‬‬
‫من ثم غلب على الفكر الوروبى المسمميحى الكنسممى تصممور‬
‫‪1‬‬

‫" " قالت الداروينية الحديثة – فيما بعد – إن الضوابط موجودة فى الكيان " البيولوجى " للنسان ‪ ،‬فى تركيب مخه‬
‫وجهازه العصبى ‪ ،‬وإنه متفرد بهذا عن الحيوان ! ومع ذلك يرفضون الدين !‬

‫الثبات فى كل شئ ‪.‬‬
‫فلممما وقعممت الثممورة الفرنسممية وأزالممت القطمماع والملكيممة‬
‫وزلزلت نفوذ الكنيسة كان ذلك حدثا حادا فى تاريخ أوروبمما أثممر‬
‫ماثيرا عميقا فى كل اتجاه ‪ ،‬ولكنه كممان قمينمما – بعممد فممترة مممن‬
‫الزمن – أن يفقد حدته ‪ ،‬ويستقر على صممورة فيهمما لممون مممن "‬
‫الثبات " ‪.‬‬
‫ولكن دارون جمماء فممأطلق قممذيفته علممى أمممر لممم تهممزه حممتى‬
‫الثورة الفرنسية ذاتهمما ‪ ،‬الممتى زلزلممت كممثيرا مممن الوضمماع فممى‬
‫أوروبا ‪ ،‬فقال إن الخلق ذاته غير ثابت ‪ ،‬وإن النسممان لممم يكممن‬
‫إنسانا حين وجد أول مرة بل كان شبيها بالحيوان !‬
‫وبين الشد والجذب التى تعرضت له النظريممة أمسممك اليهممود‬
‫بالخيط فجذبوه بعيدا بعيدا فى كل اتجاه لكى ل يعود !‬
‫وبسرعة – شممريرة – وجهمموا القذيفممة إلممى فكممرة " الثبممات "‬
‫ذاتها وقالوا – من طريممق اسممتخدام فكممرة " التطممور " – إنممه ل‬
‫شئ ثابت على الطلق ‪ .‬وإن طلب الثبات فى أى شئ ‪ :‬الدين‬
‫أو الخلق أو التقاليد ‪ ..‬الخ ‪ ،‬هو فى ذاته فكرة خمماطئة ! فكممرة‬
‫غير علمية ! فكرة مخالفة لطبيعة الشممياء ‪ .‬ثممم ظلمموا يممرددون‬
‫همذه القاويمل وينشمرونها ويؤكممدون عليهما ‪ ،‬حممتى صممارت هممى‬
‫الصبغة المسيطرة على الفكر " الممى " ل يقبلون فيهمما جممدل‬
‫ول مناقشممة ‪ ..‬ومممن نمماقش فهممو " الرجعممى " " المممتزمت " "‬
‫الجامد " " المتأخر " الذى يريد أن يرجع عقممارب السمماعة إلممى‬
‫الوراء ‪ ..‬وعقارب الساعة ل ترجع أبدا إلى الوراء !! وستسحقه‬
‫عجلة " التطور " التى ل تبقى ول تذر !!‬
‫من بين السماء " اللمعة ! " الممتى شممكلت الفكممر الوروبممى‬
‫الحديث ثلثة أسماء على القل ممن " كبمار " اليهمود ‪ :‬مماركس‬
‫وفرويد ودركايم ‪ Marx, Frued, Durkheim ،‬كل منهم قام بدوره‬
‫فى زلزلة الفكر الممى وإعادة تشكيله على النحو المطلوب ‪..‬‬
‫وكل منهممم قممام بممدوره فممى تحطيممم العممداء اللممداء للمخطممط‬
‫اليهودى ‪ :‬الدين والخلق والتقاليد ‪ ..‬وكل منهممم بنممى أفكمماره "‬
‫العلميممة ! " علممى أسمماس النظريممة الداروينيممة مممن هنمما أو مممن‬
‫هناك ‪..‬‬
‫فأما ماركس فقد أنشأ نظرية اقتصادية أو قل فلسممفة ماديممة‬
‫كاملممة ‪ ،‬بناهمما علممى فكممرة التطممور مممن جهممة وفكممرة حيوانيممة‬
‫النسان وماديته من جهة أخرى ‪ .‬وأما فرويد فقممد أنشممأ نظريممة‬

‫نفسية لتفسير تركب النفس النسانية ونشمماطاتها ‪ ،‬بناهمما علممى‬
‫فكرة حيوانية النسان ‪ .‬وأما دركايم فقد أنشأ نظرية اجتماعيممة‬
‫لتفسير الظواهر الجتماعية بناها علممى حيوانيممة النسممان وغلبممة‬
‫نزعة القطيع الحيوانية عليه من جهة ‪ ،‬وعلى انعدام الثبات فممى‬
‫القيم الجتماعية من جهة أخرى ‪.‬‬
‫كلهم – كما تممرى – " خممدم " الفكممر الممداروينى وأوصممله إلممى‬
‫إبعاد لم تخطر على بال دارون على الطلق ‪.‬‬
‫ونعرض هنا عرضا سممريعا لفكممار كممل مممن ممماركس وفرويممد‬
‫ودركايم دون مناقشة تممذكر ‪ ،‬لنممبين فقممط طبيعممة الممذراع الممتى‬
‫حملت اسم العلم والنرظيات العلمية من تلك الكماشة الرهيبة‬
‫التى أحاطت بالمميين فى أوروبا – وبالعالم كله مممن بعممد عممن‬
‫طريق السيطرة الوروبية – فذللت المميين لركوب شعب الله‬
‫المختار !‬
‫فأما ماركس فسنعود بإذن الله إلى مناقشة تفصيلية لفكاره‬
‫ونحن نتحدث عن الشيوعية والمادية الجدلية والتفسممير المممادى‬
‫للتاريخ ‪ .‬وأما فرويد ودركايم فيكفينا أن نعممرض أفكارهممما بغيممر‬
‫تفصيل ‪ ،‬بالقدر الذى يبين أثرهمما فممى تشممكيل الفكممر الوروبممى‬
‫تجاه الدين والخلق والتقاليد ‪ .‬وقد ناقشت فرويد – من قبل –‬
‫فى أكثر من كتاب وبخاصة فممى كتمماب " النسممان بيممن الماديممة‬
‫والسلم " وناقشت دركايم فممى كتمماب " التطممور والثبممات فممى‬
‫حياة البشرية " ‪.‬‬
‫ماركس‬
‫ماركس أبممو الشمميوعية والماديممة الجدليممة والتفسممير المممادى‬
‫للتاريخ وهو صاحب القولة الشهيرة " الدين أفيممون الشممعوب "‬
‫وهو يهودى ألمانى ولد عام ‪ 1812‬ومات عام ‪. 1883‬‬
‫أخذ ماركس جوهر النظريممة الداروينيممة وأنشممأ علممى أساسممه‬
‫نظرية اقتصادية وتفسميرا لحيمماة البشممرية يحصمر النسمان فممى‬
‫عالم المادة والتطور المادى ويجعل قوانين المادة منطبقة على‬
‫عالم البشر !! كما يجعل أمور الحياة كلها ‪ ،‬من عقائد ومشاعر‬
‫وافكار وأنماط سمملوكية ومنظمممات ومؤسسممات … الممخ ‪ ..‬تبعمما‬
‫للطور القتصادى وللوضاع الماديمة المتى يعيمش فيهمما النسمان‬
‫ومجممرد انعكمماس لهمما ‪ ،‬ل تسممبقها ‪ ،‬ول تخممرج عنهمما ‪ ،‬ول دور‬
‫للنسان فيهمما إل أن يممدور مممع الطممور القتصممادى ومقتضممياته ‪..‬‬
‫لنها " حتميات " ‪.‬‬

‫وقسممم الحيمماة البشممرية بمقتضممى هممذا التصممور إلممى خمممس‬
‫مراحممل حتميممة ‪ :‬هممى الشمميوعية الولممى والممرق والقطمماع‬
‫والرأسمالية والشيوعية الثانية والخيممرة ‪ .‬وجعممل النتقممال مممن‬
‫كل طور من هممذه الطمموار إلممى الطممور اللحممق لممه حتميمما مممن‬
‫جهة ‪ ،‬ومردودا إلى أسباب مادية واقتصادية من جهة أخرى ‪.‬‬
‫فالشيوعية الولى هممى الصممل الممذى عاشممت عليممه البشممرية‬
‫الولى فممى بممداوتها ‪ ،‬وجوهرهما المميمز هممو عمدم وجمود ملكيمة‬
‫فردية لشئ على الطلق ‪ ،‬قال ‪ :‬ول النسمماء أيضمما ‪ ،‬فقممد كممان‬
‫الجنس يمارس على المشاع ‪ ،‬كممل النسمماء لكممل الرجممال علممى‬
‫السواء ! والرض ملك للقبيلة بأكملها ‪ ،‬والطعام يتناوله الجميممع‬
‫معا والسمملح مملمموك لقبيلممة سممواء سمملح الصمميد أو الحممرب ‪..‬‬
‫والحياة ملئكية شعارها التعاون والحب والتناسق والنسجام !‬
‫ثم اكتشف النسان الزراعة فأدى هممذا المممر المممادى البحممت‬
‫إلى النتقال إلى طور اقتصادى جديد تبدل فيممه كممل شممئ تبممدل‬
‫كامل فراحت القبائل القوية تقاتل القبممائل الضممعيفة وتسممترقها‬
‫وتشغلها فى فلحة الرض فنشأ الرق ونشأت الملكيممة الفرديممة‬
‫وانتهت الفترة الملئكية التى عاشتها البشرية فى فترتها الولى‬
‫‪.‬‬
‫ثم اخترع النسممان المحممراث ‪ .‬ومممرة أخممرى أدى هممذا المممر‬
‫المادى البحت إلممى النتقممال إلممى طممور اقتصممادى جديممد‪ .‬فقممد‬
‫اكتشف النسان أنه يستطيع أن يممزرع – بهممذه اللممة الجديممدة –‬
‫مساحة أوسع بكثير مممما كممان يمكممن زرعممه بمماللت السممابقة ‪،‬‬
‫فنشأ القطاع ‪ ..‬ونشأت معه أفكار وعقممائد ونظممم ومؤسسممات‬
‫جديدة مختلفة تماما عن السابقة ‪.‬‬
‫ثم اخترع النسان اللة فنشممأت الرأسمممالية – بسممبب مممادى‬
‫بحممت – وانتقلممت صممورة الملكيممة الفرديممة مممن ملكيممة زراعيممة‬
‫إقطاعية إلى ملكية صناعية رأسمالية ‪ ،‬ونشممأت أوضمماع فكريممة‬
‫واجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة بالمرة ‪ ،‬فتغيرت الطبقة‬
‫ذات السيادة فلم تعد هى طبقة الشراف )أمراء القطاع( إنممما‬
‫أصبحت طبقة الرأسماليين أصممحاب المصممانع وأصممحاب رؤوس‬
‫الموال ‪ ،‬ولم يعد الشعب فى مجموعه فلحين إنما صممار عمممال‬
‫صناعيين ‪ ،‬وتغيرت مفاهيم هؤلء وهؤلء ‪ ،‬وتغيرت نظرتهم إلى‬
‫كل القيم التى كانت سائدة فمن قبل فى المجتمع الزراعى ‪.‬‬
‫ثم نشأ الصراع بين العمال وأصحاب رؤوس الموال فنشممأت‬

‫الشمميوعية ل لسممباب ماديممة فممى هممذه المممرة إنممما لسممباب‬
‫اقتصادية – وهى صنو السباب المادية فى نقل الناس من طور‬
‫إلى طور – ولكن فى هذه المرة ل يحممدث تطممور ينقممل النمماس‬
‫إلممى طممور جديممد بعممد الشمميوعية ‪ ،‬إذ الشمميوعية هممى المسممتقر‬
‫الخير للبشرية كما كانت بدايتها هممى الشمميوعية ‪ .‬وتحممدث فممى‬
‫داخل تغيرات ولكنها ل تغيممر المبممدأ الرئيسممى لهمما ‪ ،‬وهممو إلغمماء‬
‫الملكيممة الفرديممة وإقامممة الملكيممة الجماعيممة بممدل منهمما ‪ ..‬وفممى‬
‫النهاية – نهاية كل تطمور وتغيممر – تلغممى الدولمة لنتفمماء الحاجمة‬
‫إليها ‪ ،‬ويزيد النتاج بالدرجة التى تسمح بتطبيق مبدأ " مممن كممل‬
‫حسب طاقته ‪ ،‬ولكل حسب حاجته " ويزول الصراع نهائيمما مممن‬
‫حياة البشر ‪ ،‬ويعيشون فى حالة من الملئكية كممالتى بممدأوا بهمما‬
‫حياتهم أول مرة ‪.‬‬
‫ويركممز ممماركس فممى كلمممه عممن مراحممل التطممور الحتميممة‬
‫وأسبابها المادية والقتصادية على النتقال من مرحلممة القطمماع‬
‫إلى مرحة الرأسمالية لن هذا هو الطور الممذى كممان قائممما فممى‬
‫وقته ‪ ،‬ولنه هو الذى وقع فيه التغيير الضخم الذى أحدثه اليهود‬
‫فى المجتمع الوروبى ‪ ،‬فيقول إن سمممات المجتمممع القطمماعى‬
‫الزراعممى ‪ :‬التممدين ‪ ،‬وترابممط السممرة ‪ ،‬وسمميطرة الرجممل علممى‬
‫السرة بكل أعضائها ‪ ،‬أى على الزوجة والولد ‪ ،‬ويرد هممذا كلممه‬
‫إلى أسباب ماديممة واقتصممادية ‪ ،‬فل يقممول إنممه يرجممع إلممى قيممم‬
‫معنويممة ‪ ،‬ول يقممول إن هممذا – فممى ذاتممه – أمممر طيممب وفاضممل‬
‫ومسمممتحب أو واجمممب ‪ ،‬إنمممما همممو انعكممماس لوضممماع ماديمممة‬
‫واقتصممادية ‪ .‬فممالفلح – وهممو المنتممج الرئيسممى فممى المجتمممع‬
‫الرزاعى – يضع البذرة فى الرض ‪ ،‬ثممم ل يسممتطيع أن يسمميطر‬
‫عليها ول أن يستعجلها عن موعممدها ‪ ،‬ول أن يقيهمما مممن الفممات‬
‫والتأثيرات الجوية المختلفة ‪ ،‬ومن ثم " يفترض ! " وجممود قمموة‬
‫غيبية ‪ ،‬يكل إليها هذا المر كله ‪ ،‬الممذى يعجممز عممن التحكممم فيممه‬
‫والسيطرة عليه ‪ ،‬ويروح يترضى هذه القوة الغيبيممة بالعبممادات ‪،‬‬
‫والنسك والقرابين ‪ ،‬لكى ترضى عنه وتبارك زرعه ‪ ،‬ولكى يتقى‬
‫غضبها عليه وانتقامها منه ‪ ..‬ومن ثم يكون التدين قويا ‪ ،‬ويكمون‬
‫سمة بارزة فى للمجتمع الزراعى ‪.‬‬
‫ثم إن الرجل فى المجتمع الزراعى هو المتكسب ‪ ،‬وهو الذى‬
‫ينفق على الزوجممة والولد ‪ ،‬ومممن ثممم يسمميطر عليهممم ويبسممط‬
‫سلطانه ‪ .‬ويكون سلطانه أشد ما يكون على الزوجة ‪ ،‬فيفممرض‬

‫عليهمما أن تكممون لممه وحممده ‪ ،‬ومممن ثممم تصممبح قضممية العفممة‬
‫والمحافظة على العرض ذات قيمة كبيرة فى المجتمع الزراعى‬
‫‪ ،‬ويفرض على المرأة أن تحمافظ علمى عرضمها )إرضماء لنانيمة‬
‫الرجممل المتكسممب المنفممق( ويضممفى علممى ذلممك ثمموب الممدين‬
‫والخلق ‪ ،‬فتصبح قضية العفة قضمية دينيمة وأخلقيمة فمى حيمن‬
‫أنها مجرد انعكاس لوضع اقتصادى معين يكون الرجممل فيممه هممو‬
‫المتكسب دون المرأة ‪.‬‬
‫فإذا تحول الناس إلى المجتمع الصناعى المتطور تغيممر المممر‬
‫بالكلية ‪ .‬فالعامل هنا غير محتمماج " لفممتراض ! " القمموة الغيبيممة‬
‫التى كان يلجأ إليها العامل الزراعى ! لنه يتولى عمليممة النتمماج‬
‫بنفسه ‪ .‬فهو الذى يعالممج المممادة الخامممة ويشممكلها كممما يريممد ‪..‬‬
‫ومن ثم يقل التدين إلى أقصى حد فى المجتمع الصناعى ‪.‬‬
‫ومن جممانب آخممر فممإن المممرأة تسممتقل اقتصمماديا لنهمما تعمممل‬
‫وتتكسب ول تعود عالممة علممى الرجممل كممما كممانت فممى المجتمممع‬
‫الزراعى " المتأخر " ‪ .‬ومن ثم يفقد الرجل سمميطرته عليهمما ول‬
‫يعود فى إمكانه أن يفرض عليها أن تكون له وحممده ‪ ،‬كممما كممان‬
‫يفممرض عليهمما فممى المجتمممع الزراعممى ‪ ..‬فتتحممرر مممن القيممود ‪،‬‬
‫وتفقد قضية العفة أهميتهمما فممى المجتمممع الصممناعى المتطممور ‪،‬‬
‫لنممه أصممبح مممن حممق المممرأة أن تهممب نفسممها لمممن تشمماء دون‬
‫سيطرة الرجل عليها ‪..‬‬
‫وكما أن الوضع " المحافظ " فى المجتمع الزراعى لممم يكممن‬
‫فضيلة ول شيئا مرغوبا فى ذاتممه ‪ ،‬إنممما مجممرد انعكمماس للطممور‬
‫القتصادى ‪ ،‬فكذلك ل يعد " النحلل " فممى المجتمممع الصممناعى‬
‫رذيلة ‪ ،‬إنما هذه وتلك هى السمات المصاحبة لهذا الطور وذاك‬
‫‪ ،‬ل توصف فى أى الحالين بأنها فضيلة أو رذيلة ‪ .‬إنما كل شممئ‬
‫فممى إبممانه هممو الصممواب لنممه هممو النعكمماس الطممبيعى لطممور‬
‫القتصادى الذى يقرر – وحده – كل العقائد والقيممم والمبممادئ ‪،‬‬
‫فإذا تغير الطور لم يعد صمموابا ممما كممان صمموابا مممن قبممل ‪ ،‬إنممما‬
‫يكون استمراره ظاهرة مرضية ينبغى أن تقاوم وأن تزال ‪.‬‬
‫فالتدين أمر طبيعى فى المجتمع الزراعممى ‪ ،‬ل يعيبممه أحممد ول‬
‫يستغربه أحمد ‪ .‬ولكنمه لمممة مرضمية فممى المجتممع الصمناعى ل‬
‫ينبغى أن توجد ‪ ،‬وإن وجممدت فلبممد أن تحممارب ‪ ،‬لنهمما اسممتبقاء‬
‫لنعكاسات طور لم يعد قائما ‪ ،‬ومن ثم فلبد من إزالتها ز‬
‫والحفاظ على العممرض أمممر طممبيعى فممى المجتمممع الزراعممى‬

‫كذلك تفرضه الطبيعة القتصادية للطور الزراعممى ‪ ،‬ومممن ثممم ل‬
‫يستغربه أحد ول يعترض عليه أحد ‪ ،‬فممإذا انتقلنمما إلممى المجتمممع‬
‫الصناعى فقدت القضية أهميتهمما نتيجممة تحممرر المممرأة اقتصمماديا‬
‫وإنفاقها على نفسها ‪ .‬ومن ثم يصممبح مممن يحممافظ علممى أهميممة‬
‫العفممة أو يطممالب بالمحافظممة عليهمما " رجعيمما " لنممه يريممد أن "‬
‫يرجع " إلى القيم التى كانت مصاحبة لطممور اقتصممادى سممابق ‪،‬‬
‫انتهى عهده ‪ ،‬وصممرنا إلممى ممما هممو " أرقممى " منممه حسممب سممنة‬
‫التطور الدائم إلى أعلى ! وهذا سممخف ل ينبغممى أن يتصممف بممه‬
‫إنسان " متطور " فضل عن أنه مستحيل ‪ ..‬لن عقارب الساعة‬
‫ل يمكن أن ترجع إلى الوراء ولن عجلممة التطمور ستسممحق كممل‬
‫من يقف أمامها وتخمد صوته إلى البد !‬
‫وكذلك المر بالسنبة لترابط السرة ‪..‬‬
‫فمن طبيعة المجتمع الزراعممى أن تتكمماثر السممرة وهممى فممى‬
‫البيت الواحد أو فى بيوت متلصقة متقاربة ‪ ،‬ل لن ذلك فضمميلة‬
‫فى ذاته أو شئ مستحسن ‪ ،‬لكن لن ذلممك مممن طبيعممة الطممور‬
‫القتصادى ومستلزماته ‪ ،‬لن رجال السرة كلهمما يتعمماونون فممى‬
‫الزراعة ‪ ،‬وكلما كثر أفراد لأسرة زاد إنتاجها الزراعى ‪ ،‬فحقممق‬
‫ذلك مصلحة اقتصادية لسرة ‪ .‬أما فى المجتمع الصممناعى فكممل‬
‫عامل شخصيته مستقلة ل ارتباط بينه وبيممن غيممره مممن الناحيممة‬
‫القتصادية ‪ ،‬ومن ثم تستقل كل أسرة صممغيرة – أى الب والم‬
‫والولد – ببيت مستقل ‪ ،‬وكلما كبر أحممد الولد وتممزوج اسممتقل‬
‫بأسممرته الصممغيرة فممى بيممت خمماص ‪ .‬وتفقممد السممرة الكممبيرة‬
‫ترابطها ول يعد ذلك عيبا ول رذيلة ‪ ،‬لنه هو النعكاس الطممبيعى‬
‫للطور القتصادى القممائم ‪ .‬بممل إن الرة الصممغيرة ذاتهمما تتفكممك‬
‫روابطها بسب العمل ‪ ،‬عمل الرجل والمممرأة كليهممما ‪ ،‬كممل فممى‬
‫مكان ‪ ،‬وعدم ارتبمماط الزوجممة بممالبيت وتربيممة النشممء ‪ ،‬ول يعممد‬
‫ذلك عيبا كممذلك ول رذيلممة ‪ ،‬لنممه ل توجممد قيممم ثابتممة فممى حيمماة‬
‫البشرية ‪ .‬ال توجد فضيلة ثابتة ول رذيلة ثابتة إنما الفضمميلة ممما‬
‫يوافق الطور القتصادى القممائم والرذيلممة ممما ل يمموافقه ‪ .‬فكممما‬
‫كانت العفة هى الفضيلة فى المجتمع الزراعى يصبح التحلل هو‬
‫الفضيلة فى الطور الصناعى أو هو المر الطبيعى علىأقل تقدير‬
‫‪ .‬وكما كانت سيطرة الب هى الفضيلة فممى المجتمممع الزراعممى‬
‫يصبح فقدان سيطرة الب هو فضيلة المجتمع الصممناعى أو هممو‬
‫سمته الطبيعيممة ‪ .‬وكممذلك كممانت السممرة المترابطممة قيمممة مممن‬

‫القيم الجتماعية المستحسنة فممى المجتمممع الزراعممى ‪ ،‬وتصممبح‬
‫السرة المفككممة – حممتى علممى النطمماق الصممغير – هممى القيمممة‬
‫الجتماعية المستحسنة فى المجتمممع الصممناعى أو هممى السمممة‬
‫الطبيعية على أقل تقدير !‬
‫فإذا جاءت الشيوعية – وهمى المرحلممة الحتميمة الخيمرة فمى‬
‫حياة البشرية – فلسنا فى حاجة إلى تعممديل جممذرى فممى القيممم‬
‫والعقممائد والفكممار ‪ ..‬لنمه هكممذا طيممب !! تتغيممر فقممط الصممورة‬
‫القتصادية فتلغى الملكية الفردية إلغاء كامل وتصبح الدولة هى‬
‫المالك الوحيد ‪ ..‬ولكممن القيممم المباركممة الممتى أنشممأها المجتمممع‬
‫الصناعى تظل قائمة ويزداد فيها فقط حتى تصل إلممى نهايتهمما ‪.‬‬
‫فالدين يلغى إلغاء كامل ‪ ،‬ويقضى على البقيممة الضممعيفة الباقيممة‬
‫منه فى المجتمع الرأسمالى ‪ ،‬لن مهمته التى يقوم بها هنمماك –‬
‫وهى تخدير الكادحين ليرضوا بالظلم الواقع عليهم – تنتهى فممى‬
‫المجتمع الشيوعى الملئكى الخالى من الظلم ‪ ،‬فل يعود للدين‬
‫حاجة البتة ‪ .‬وتفكك السرة تفكيكا كامل ‪ ،‬لنها بقية – سخيفة –‬
‫مممن بقايمما العهممود الرجعيممة الممتى كممانت تمممارس فيهمما الملكيممة‬
‫الفردية فتممتربى الثممرة فممى نفمموس البمموين رغبممة فممى تمموريث‬
‫أبنائهم ‪ ..‬فالن وقد ألغيت الملكية الفردية فالسمرة نشماز فمى‬
‫المجتمع الجديد " المتطور " ‪ ،‬والولد ملك الدولممة ‪ ،‬هممى الممتى‬
‫تملكهممم – ملكيممة جماعيممة ! – وهممى الممتى تنشممئهم التنشممئة‬
‫الصحيحة ‪ ،‬وليممس لبممويهم إل ولدتهمم لحسماب الدولمة ‪ ..‬وأممما‬
‫العلقات الجنسية فهى حممرة حريممة كاملممة ‪ ،‬لننمما عممدنا – عممودا‬
‫على بدء – إلى الشيوعية ‪ ،‬إلى تناول حاجات الحياة كلهمما علممى‬
‫المشاع ‪ ..‬وهنا تصل البشرية إلى قمة التطور الذى ليس بعممده‬
‫شئ !‬
‫الهدف واضح ول شك ‪..‬‬
‫فالنظريممة " العلميممة " تممدور كلهمما حممول هممذه القيممم ‪ :‬الممدين‬
‫والخلق والتقاليممد ‪ ..‬لتسممخيفها وتسممخيف المتمسممكين بهمما ‪،‬‬
‫ووسمهم بالرجعية والجمود والتأخر ‪ ،‬والوقوف فى وجممه عجلممة‬
‫التطور التى ستسحقهم ‪..‬‬
‫إنهمما تركممز كممما قلنمما علممى عمليممة النتقممال مممن المرحلممة‬
‫القطاعية إلى المرحلة الرأسمالية – التى صمماغها اليهممود ‪ ،‬كممما‬
‫سممنرى ‪ ،‬حسممب مخططمماتهم الشممريرة بل ديممن ول أخلق ول‬
‫تقاليممد مسممتمدة مممن القيممم الدينيممة – فتقممول أول إنممه تطممور "‬

‫حتمى " وما دام حتميا فمنذا الذى يستطيع أن يقف فى طريقه‬
‫رضى أم أبى ؟! وتحسر على اليام الخالية والقيممم الدارسممة أم‬
‫تسخط عليها ؟! ثم تقول ثانيا إنه تقدم إلى المام ‪ ..‬تقدم إلممى‬
‫أعلى ‪ ..‬حسب سنة التطور التى تدفع بالكائن الحى دائممما إلممى‬
‫الرقى ! فمن كانت فى نفسه حسرة على ما فات ‪ ،‬أو ضمميق "‬
‫بممالتطور " فليعممدل مممن ذات نفسممه وليتمممش مممع التطممور ‪،‬‬
‫ولينطلق مع التيار ‪ ،‬فذلك أروح للنفس والعصاب !‬
‫إنها تتناول بالذات عمليات التحطيم التى قام بهما اليهمود فمى‬
‫المجتمع الجديد الذى ولد بيممن أيممديهم فشممكلوه علممى هممواهم ‪،‬‬
‫فتبارك هذه العمليات بالذات ‪..‬‬
‫قام اليهود بتحطيسم الدين ‪ ،‬فيجئ فيلسمموفهم – ممماركس –‬
‫فيقول – بصورة " علمية " – إن الدين قد باد تلقائيما ممن جمراء‬
‫التطور الحتمى الناشئ من النتقال من طممور اقتصممادى متممأخر‬
‫إلممى طممور متقممدم ! وإن الممدين خرافممة ل تليممق بالنسممان "‬
‫الصناعى " المتطور ! وإنه قد أخلى مكانه لما هو خير منه وهممو‬
‫"العلم " ! وإن التمسك به – أو الرجوع إليه – أو الدعوة إليممه –‬
‫نشمماز غيممر متجممانس مممع " طبيعممة " المرحلممة التطوريممة الممتى‬
‫قطعها النسان إلممى المممام ‪ ..‬وذلممك فضممل عممن تشممويه صممورة‬
‫الدين بأنه مخدر يستخدمه القطمماعيون والرأسممماليون لتخممدير‬
‫الجممماهير الكادحممة عنمما لمطالبممة بحقوقهمما والقيممام بممالثورة‬
‫المقدسة ‪ ،‬مستغل فى ذلك واقع الممدين الكنسممى ومعمممما إيمماه‬
‫على كل " الدين " ‪.‬‬
‫وقام اليهود بتحطيم الخلق – أخلق الجنس بصممفة خاصممة –‬
‫وأشاعوا الفوضى الجنسممية والنحلل ‪ ،‬وحمماربوا قيممد " العفممة "‬
‫الممذى يحممول بينهممم وبيممن تنفيممذ مخططمماتهم الواسممعة لتحويممل‬
‫الدمييممن إلممى دواب تممدور فممى طمماحونتهم ‪ ،‬فيجممئ فيلسمموفهم‬
‫فيقول إن قضة العفة إنما أخذت أهميتها من أنانية الرجممل فممى‬
‫المجتمع الزراعى " المتأخر " باعتباره هو المتكسب والمنفمق ‪،‬‬
‫ثممم وضممع عليهمما وسممم الممدين والخلق ليعطيهمما أهميممة زائدة ‪،‬‬
‫خدمة لنانيته ‪ ،‬وإنها فقدت أهميتها – الزائفة بالطبع ! – بصورة‬
‫تلقائية نتيجة التطور الحتمى ‪ ،‬وحلت محلها " فضيلة " من نمموع‬
‫آخر فى المجتمع المتطور ‪ ،‬هى فضيلة " تحرر " المرأة ‪.‬‬
‫وقام اليهود بتحطيم السممرة ‪ ،‬لن السممرة أحممد القيممود الممتى‬
‫تمنع التحلل الخلقى أو تبطممئ عجلتممه ‪ ،‬وتبطممئ بالتممالى عمليممة‬

‫اسممتحمار الممييممن وتسممخيرهم لشممعب اللممه المختممار ‪ ،‬فيجممئ‬
‫فيلسوفهم فيقول إن ترابط السرة كان مجرد انعكمماس لوضممع‬
‫اقتصادى متأخر هو الوضممع الزراعممى القطمماعى ‪ ،‬وإنهمما فقممدت‬
‫ترابطها – تلقائيا – من التطور الحتمى الدافع إلى المام ‪ ،‬ومن‬
‫ثم ل تستحق البكاء عليها ول التحسر ‪ ،‬إنممما الولممى السممير مممع‬
‫عجلة التطور والرضا بالطور الموجود ‪.‬‬
‫وهكذا تتلخص المهممة " العلميممة " للفيلسمموف الكممبير فممى "‬
‫تغطية " الدور الخطير الممذى تقمموم بممه العصممابة المفسممدة فممى‬
‫الرض ‪ ،‬فمى ثموب " علممى " تتلهمى بمه عقمول الحميمر المذين‬
‫خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار !‬
‫فرويد‬
‫ل يقل فرويد " عبقرية " عممن ممماركس ول خطممورة فممى أداء‬
‫الدور المطلوب ‪.‬‬
‫ولئن كان دوره الن قد انتهى " ‪ "1‬لنه تم ! بينما لم ينته بعممد‬
‫دور ماركس لنه لم يتم بعد ! فليس معنى ذلك أنه لممم يعممد لممه‬
‫أثر فى المجتمع المعاصممر بممل العكممس هممو الصممحيح ‪ .‬فقممد تممم‬
‫دوره لنه أعطى تأثيره الكامممل فممى المجتمممع ‪ ،‬بحيممث لممم يعممد‬
‫ذلك المجتمع فى حاجة إلى المزيد ! ولن الجرعة التى تشممربها‬
‫ذلك المجتمع من " علمممه ! " – أو مممن سمممومه – تكفيممه عممدة‬
‫قرون !!‬
‫هو يهودى نمساوى ‪ ،‬كان يعمل طبيبا ثم تخصص فى معالجة‬
‫المراض العصبية والنفسية ‪ ،‬وأنشأ عيادة خاصة للشراف على‬
‫علج مرضمماه ودراسممة أحمموالهم عممن كثممب ‪ ،‬ثممم اسممتنبط مممن‬
‫دراسمماته تصممورا خاصمما للنفممس البشممرية وتركيبهمما وتفسمميرا‬
‫لنشاطاتها المختلفة ‪ ،‬تفرد به بين كل " المفكريممن " إلممى ذلممك‬
‫الحين وربما إلممى المموقت الحاضممر بصممرف النظممر عممن تلميممذه‬
‫الناقلين عنه ‪.‬‬
‫ولد عام ‪ 1856‬وعممر طمويل حمتى ممات فمى عمام ‪، 1938‬‬
‫وألف نحو ثلثين كتابمما فممى الدراسممات النفسممية مممن أشممهرها ‪:‬‬
‫الممذات والممذات السممفلى ‪ The Ego and The Id‬والطممواطم‬
‫والمحرمات ‪ Totem and Taboo‬وتفسممير الحلم ‪Interpretation‬‬
‫‪ of Dreams‬وثلث مقمممالت فمممى النظريمممة الجنسمممية ‪Three‬‬
‫‪1‬‬

‫" " انتهى فى أوروبا وأمريكا ‪ ،‬ولكنه – عندنا – لم ينته بعد ! فما تزال معاهد التربية عندنا تقدمه على أنه إمام من‬
‫أئمة الباحثين فى النفس النسانية ! وعندما يسافر مبعوثونا إلى أوروبا وأمريكا يعودون حاملين أفكاره لينشروها هنا‬
‫مع أن القوم قد تجاوزوها هناك !‬

‫‪ Contributions to the Sexual Theory‬والمممراض النفسممية‬
‫المنتشرة فى الحياة اليومية ‪Psycho Pathology of Every Day‬‬
‫‪ Life‬وكلها تدور – من زوايا مختلفة – حول موضوع واحد مكممرر‬
‫فيها جميعا هو التفسير الجنسى للسلوك البشرى ‪.‬‬
‫خلصة هذا التفسير أن الطاقة الجنسية هى الطاقة العظمى‬
‫فى الكائن البشممرى ‪ ،‬وهممى المسمميطرة علممى طاقمماته جميعمما ‪،‬‬
‫والموجهة لها ‪ ،‬والمسخرة لها كلها لحسابها الخاص !‬
‫يولممد الطفممل بطاقممة جنسممية ‪ ،‬وتسمميطر عليممه – منممذ لحظممة‬
‫مولده – تلك الطاقة الجنسية التى ولد بهمما ‪ ،‬فيرضممع ثممدى أمممه‬
‫بلذة جنسية ‪ ،‬ويتبول ويتبرز بلذة جنسية ‪ ،‬ويمممص إبهممامه بلممذة‬
‫جنسية ‪ ،‬ويحرك أعضاءه بلذة جنسية ‪..‬‬
‫ثم ينمو الصبى فيحس تلقاء أمه بشهوة جنسممية )كممما تحممس‬
‫الصبية بالشهوة الجنسية تلقاء والدها( ولكنه يجد أباه حائل بينه‬
‫وبيممن السممتيلء علممى الم الممتى يشممعر نحوهمما بتلممك الشممهوة‬
‫الجنسية ‪ ،‬فيكره أباه الممذى يحبممه فممى ذات المموقت ‪ ،‬ويصممطرع‬
‫الحممب والكممره اللممذان يحممس بهممما فممى آن واحممد تجمماه الب ‪،‬‬
‫فيكبت الكره فى اللشعور ‪ ،‬المذى تمدفن فيممه – ظاهريمما – كممل‬
‫الرغبات المكبوتة والمخاوف المكبوتة ولكنها تبقممى حيممة فاعلممة‬
‫مؤثرة موجهة لسلوك النسان دون وعى ‪ ،‬ويظهر الحب وحممده‬
‫على السطح لن ذلك هو الذى يعجممب المجتمممع ! )أى نفاقمما !(‬
‫ولكن القضية ل تنتهى عند هذا الحد ول على هذه الصورة ‪ .‬فإن‬
‫الصبى يأخذ فى حس نفسه ماكن والممده ‪ ،‬تعويضمما عممن عجممزه‬
‫عن الستيلء على الم بسبب قيممام والممده حمماجزا بينممه وبينهمما ‪،‬‬
‫فيمروح ينهممى نفسمه ويأمرهمما كممما ينهماه أبمموه ويممأمره ‪ ،‬فينشممأ‬
‫الضممير ‪ ،‬وتنشمأ – فمى نفمس الطفمل – القيمم الخلقيمة المتى‬
‫يتعاطاهمما المجتمممع ويرضممى عنهمما ‪ ،‬كممما ينشممأ الممدين مممن ذات‬
‫العقدة التى سماها عقدة أوديممب )ويقابلهمما عقممدة إليكممترا عنممد‬
‫البنت( وهى العقدة الناشئة من الكبت الجنسى لشهوة الصممبى‬
‫الجنسية نحو أمه )وشهوة البنت الجنسية نحو أبيها( ‪.‬‬
‫وهكممذا تنشممأ القيممم العليمما كلهمما ‪ :‬الممدين والخلق ‪ ،‬والتقاليممد‬
‫المستمدة مممن الممدين ‪ ،‬مممن تلممك العقممدة الناشممئة مممن الكبممت‬
‫الجنسى ‪.‬‬
‫وتتركب النفس النسانية من طبقات ثلث ‪:‬‬
‫الطبقممة الشممهوانية – الممتى تسممطر عليهمما الشممهوة الجنسممية‬

‫وتوجهها – وتسمى – عنده – الذات السفلى ‪ The Id‬وهى طبقة‬
‫ل شعورية ‪ ،‬والذات ‪ The ego‬وهى الطبقة الوسطى التى يتمثل‬
‫فيهمما المموعى وتصممدر عنهمما كممل التصممرفات الواعيممة للنسممان ‪،‬‬
‫والذات العليا ‪ Super Ego‬التى تتمثل فيها الضوابط " ‪ "1‬الناشئة‬
‫من الدين والخلق والتقاليد المتداولممة فممى المجتمممع ‪ ،‬وهممى ل‬
‫شعورية أيضا ‪ ،‬وتنشأ من الكبممت الواقممع علممى الممذات السممفلى‬
‫الشهوانية ‪.‬‬
‫ومهمممة الممذات هممى التحايممل الممدائم علممى الممذات السممفلى‬
‫لقناعها بأوامر الذات العليا ‪ ،‬وإن كانت هى شخصيا ل تؤمن بها‬
‫! يقول فرويد ‪ " :‬إن مهمة الذات بين الضغط الواقع عليها مممن‬
‫الذات العليا والذات السفلى معا تصبح كمهمة السياسممى الممذى‬
‫يعرف الحقائق ولكنه يداور ويناور إرضاء للجماهير !! "‬
‫ويتحممدث فرويممد – كممثيرا – عممن القيممم العليمما ‪ ..‬عممن الممدين‬
‫والخلق والتقاليد ‪ .‬يقممول فممى كتمماب " الطممواطم والمحرمممات‬
‫‪ " Totem and taboo‬إنه حدثت فى البشرية الولى حادثة هائلة‬
‫ما تزال تؤثر فى حياة البشرية إلى هذه اللحظة ‪.‬‬
‫ذلممك أن " الولد " شممعروا بالرغبممة الجنسممية تجمماه أمهممم ‪،‬‬
‫فوجدوا أبمماهم حممائل بينهممم وبيممن السممتيلء علممى الم فقتلمموه !‬
‫وكانت تلك أول جريمة ترتكب فى البشرية الولى )وليست هى‬
‫قتل أحد الخوين لخيه كما جاء فى الرسالت السماوية( " ‪. "2‬‬
‫ثم أحسوا بالندم فلى قتممل أبيهممم فقدسمموا ذكممراه ‪ ،‬فنشممأت‬
‫أول عبادة عرفتها البشرية وهى عبادة الب )وليس عبممادة اللممه‬
‫كما جاء فى الرسالت السماوية( " ‪. " 3‬‬
‫ثم وجدوا أنهم لو تقاتلوا بينهمم للسمتيلء علمى الم فسميقتل‬
‫بعضهم بعضمما فمماتفقوا علممى أل يقممر بهمما أحممد منهممم فنشممأ أول‬
‫تحريم فى العلقات الجنسية وهو تحريممم الم )وليممس لن اللممه‬
‫هو الذى حرمها كما جاء فى الرسالت السماوية( " ‪." 4‬‬
‫يقول ‪ :‬وكل الديانات التالية والحضارات قد نشأت مممن ذلممك‬
‫الحممدث الخطيممر الممذى لممم يممدع لبشممرية منممذ وقمموعه فرصممة‬
‫للراحة !!‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫" " هذه تسميتنا نحن ‪ ،‬أما هو فيسميها الكوابت !‬
‫" " " واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الخر ‪ ،‬قال ‪ :‬لقتلنك له ]سورة‬
‫المائدة ‪[27 :‬‬
‫" " " … وعصى آدم ربه فغوى ‪ ،‬ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى " ]سورة طه ‪ " [122 :‬قال ‪ :‬ربنا ظلمنا أنفسنا وإن‬
‫لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " ]سورة العراف ‪ " [23 :‬فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ‪ ،‬إنه هو‬
‫التواب الرحيم ]سورة البقرة ‪[37 :‬‬
‫" " " حرمت عليكم أمهاتكم ‪] " ..‬سورة النساء ‪[23 :‬‬

‫فإذا سألته عن سنده فى هذه القصة التى يبنى عليها تفسيرا‬
‫كامل للحياة البشرية بأديانها وحضارتها من أول التاريخ إلى آخر‬
‫التاريخ ‪ ..‬فإنه يجيب ‪ ..‬ول تحسبه عاجزا عن الجابة !‬
‫يقول ‪ :‬إن دارون يقول ‪ :‬إنممه فممى عممالم البقممر تتجممه الممثيران‬
‫الشابة إلى الم لمواقعتها ‪ ،‬فتدور بينهممم معركممة رهيبممة ‪ ،‬يفمموز‬
‫فيها أقوى الثيران وأصلبهم عممودا ‪ ،‬فسمميتولى وحممده علممى الم‬
‫ويندحر الباقون !‬
‫وبتعديل بسيط – أو بتحريف بسيط ! تنقل القصة مممن عممالم‬
‫البقمر إلمى عمالم البشممر ‪ ،‬ويقموم عليهما تفسممير شمامل للحيماة‬
‫البشرية !‬
‫ويقول عن الخلق فى كتاب " الممذات والممذات السممفلى ‪The‬‬
‫‪ Rgo and the Id‬إنها كوابت تكبت المنطلممق الطممبيعى للطاقممة‬
‫الجنسية ‪ ،‬ويقول إنها تتسم بطممابع القسمموة حممتى فممى صممورتها‬
‫العادية !‬
‫ويقول عن التسامى ‪ Sublimation‬فممى كتمماب " ثلث مقممالت‬
‫فممى النظريممة الجنسممية ‪Three Contributions to the Sexual‬‬
‫‪ Theory‬إنه نوع من أنواع الشذوذ !‬
‫" فأما ثالث أنواع الشذوذ فإنه يحدث نتيجة عملية التسامى ‪،‬‬
‫حيث تصرف الطاقة الشهوية الصادرة من منابع جنسممية فرديممة‬
‫فى مجالت أخرى وينتفع بها فى تلك الحالت ‪ ،‬وبذلك يكتسممب‬
‫النسان قوة نفسية كممبيرة مممن اسممتعداد نفسممى هممو فممى ذاتممه‬
‫خطير ! "‬
‫ويقول عن العلقات البشرية فى كتاب الطواطم والمحرمات‬
‫‪ Totem and Taboo‬إن الزدواج العممماطفى ‪ Ambivilence‬أى‬
‫الشعور بالحب والكره فممى آن واحممد تجمماه الشممخص الواحممد ‪..‬‬
‫وكبت الكره فى اللشعور وإظهار الحب علممى السممطح لرضمماء‬
‫المجتمع ‪ ،‬هو الطابع العممام للعواطممف البشممرية ‪ ،‬فالولممد يحممب‬
‫أباه ويكرهه ‪ ،‬ويحب أمه ويكرهها ‪ ،‬والخ يحممب أخمماه ويكرهممه ‪،‬‬
‫والزوجة تحب زوجها وتكرهه ‪ ..‬والصممياح الممذى يصمميحه النمماس‬
‫على ميتهممم همو لخفمماء الفرحممة الداخليممة المتى ملت نفوسمهم‬
‫لموت !!‬
‫ويشرح هذه الظاهرة العجيبة ‪ Ambivilence‬فيقممول إنهمما تتممم‬
‫بطريقة ل شعورية وإنه ل تدخل فيها الحالت الممتى يتمموجه فيهمما‬
‫النسممان بممالحب لشممخص معيممن ثممم يكرهممه لسممباب واعيممة‬

‫معلومممة ! إنممما هممو كممره ل شممعورى تلقممائى ‪ ،‬ينشممأ فممى ذات‬
‫اللحظة التى ينشأ فيها الحب ‪ ،‬ثم يكبممت فممى اللشممعور ويظممل‬
‫يعمل من داخل اللشعور !‬
‫ويقول فى كتاب الطواطم والمحرمات ‪ Totem & Taboo‬إن‬
‫الكبت هو طمابع الحيمماة البشممرية بسمبب وجممود الممدين والخلق‬
‫والمجتمع وسلطة الب ‪ ..‬وما إلى ذلممك مممن القمموى القمماهرة ‪..‬‬
‫وكلها تتجه إلممى كبممت الطاقممة الجنسممية فتنشممأ العقممد النفسممية‬
‫والضطرابات العصبية التى ل تترك صاحبها فى راحة ‪..‬‬
‫ويقول فى معظم كتبه ‪ :‬إن كل الطفال " الذكور " يصممابون‬
‫بعقدة أوديب فى أول طفولتهم ‪.‬‬
‫ويقول فممى كتمماب " ثلث مقممالت ‪: " Three Contributions‬‬
‫نحن جميعا مصابون بالهستريا إلى حد ما ‪:‬‬
‫تلك خلصممة آرائه وأفكمماره عممن النفممس البشممرية والعلقممات‬
‫النسانية ‪ ..‬ولن تتعرض لها هنا بالمناقشة ‪."1 " ..‬‬
‫إنما نحن هنا نستعرض مكانهمما مممن المخطممط الشممرير ‪ ،‬كممما‬
‫استعرضنا مكان ماركس من قبل ‪.‬‬
‫يريد اليهود أن يشكلوا المجتمع الجديد الذى وقع فى قبضتهم‬
‫من أول لحظة على أساس أن يكون مجتمعا بل ديممن ول أخلق‬
‫ول تقاليد مستمدة من القيم الدينية ‪ ..‬فيجئ عالمهم النفسممانى‬
‫الكبير ليمسخ الدين والخلق والتقاليد بطريقة " علمية " !‬
‫فالمدين نمابع مممن الجنممس ‪ ..‬ممن عقممدة أوديممب ‪ ..‬ممن كبمت‬
‫الشهوة الجنسية التى يحسها الطفل الذكر نحو أمه !‬
‫ويجممب – لكممى نفهممم اللعبممة كاملممة – أن نتممذكر كيممف كممان‬
‫إحساس أوروبا بالجنس لنعلم رد الفعممل الوروبممى حيممن يقممول‬
‫لهم فرويد إن الدين نابع من الجنس !‬
‫كان الجنس فى حس أوروبا أمرا مستقذرا إلى أقصممى حممد ‪،‬‬
‫بسممبب تزمممت الكنيسممة فممى تفسممير تعمماليم السمميد المسمميح ‪،‬‬
‫وبسبب الممدعوة إلممى الرهبانيممة ‪ .‬وكممانت أعلممى درجممات التقممى‬
‫والورع تتمثل – ابتداء – فى البتعاد عممن الجنممس ‪ ،‬المبمماح منممه‬
‫وغير المباح ‪ ،‬وذلك أبرز ممما فممى الرهبانيممة ‪ .‬ويصممل المممر فممى‬
‫حسهم إلى اعتبار المرأة فى ذاتها دنسا ل يجوز أن يمس ‪ ،‬إلى‬
‫حد أن واحدا مكن كتابهم ينصح الناس فيقول ‪ :‬إذا لقيت امممرأة‬
‫فى الطريق فل تسلم عليها ولو كانت أمك !‬
‫‪1‬‬

‫" " سبق لى مناقشتها فى كتاب " النسان بين المادية والسلم " فى فصلى " فرويد " و" القيم العليا " ‪.‬‬

‫وفى هذا الجو يجئ " العالم النفسممانى الكممبير ! " فيقممول إن‬
‫الدين نابع من الجنس ! فأى هوة مسممتقذرة يهبممط فيهمما الممدين‬
‫من عليائه ؟!‬
‫وهممب أن النمماس جميعمما لممم يصممدقوا فرويممد فممى ادعمماءاته "‬
‫العلمية ! " )وإن كانت دعاية اليهود له وترويحهممم المممدبر لرائه‬
‫" ‪ " 1‬قممد جعممل بعممض النمماس يصممدقون ‪ ،‬بممل يتحمسممون فممى‬
‫التصديق !( فإن شيئا ما يحدث فى النفس من قراءة فرويد هو‬
‫– على القل – إزالة القداسة عن الدين !‬
‫إنما تأتى قداسة الدين فى النفوس من أنممه شممئ منممزل مممن‬
‫عند الله ‪ ،‬وأنه هو الصلة بين القلممب البشممرى واللممه المعبممود ‪،‬‬
‫تلك الصلة العلوية التى ترفع النفس إلى الفاق العليا ‪ ،‬وتطلممق‬
‫الرواح ترفرف فى عالم النور ‪.‬‬
‫فإذا جاء " عالم " يقممول ‪ ،‬ويظممل يلممح فممى العقممول ‪ ،‬وتظممل‬
‫الدعاية تلح على قوله ‪ :‬إن الدين أمممر أرضممى بحممت ‪ ،‬ومصممنوع‬
‫فممى داخممل النفممس ل علقممة لممه بممالله ول برفرفممة الرواح فممى‬
‫الفاق العليا ‪ ..‬وأكممثر مممن ذلممك أنممه " معجممون " بممماء الجنممس‬
‫المستقذر يومئذ فى حس الناس ‪ ..‬فهل تتوقع أن تبقممى للممدين‬
‫قداسة فى النفوس ؟!‬
‫يقول " يونج ‪ " Jung‬أحد تلميذى فرويد المقربين )والخر هممو‬
‫أدلر ‪ (Adler‬فى كتاب سماه " ذكرياتى عممن فرويممد ‪Memorials‬‬
‫‪ " of Frued‬صدر فى الستينات ‪ " :‬لقد قال لى فرويد إننا ينبغى‬
‫أن نحطم كل العقائد الدينية ‪" We must abolish all dogmas :‬‬
‫وقال لى ‪ :‬ينبغى أن نجعل من الجنممس عقيممدة ‪We must take‬‬
‫‪" sex a dogma‬‬
‫ول تحتاج هذه الشهادة إلى تعليق ! فالدين ذو القداسة يلقى‬
‫به فى دنس الجنس ‪ ،‬والجنس المستقذر يرفع إلى مقام الدين‬
‫!!‬
‫ويريممد اليهممود أن يحطممموا الخلق وينشممئوا مجتمعمما منحل‬
‫يسهل فيه تسخير " الحمير " لشعب الله المختار ‪.‬‬
‫فأى معول أشد تحطيما للخلق من دعوة " العالم النفسانى‬
‫الكممبير " للولد والبنممات أن ينطلقمموا لتلبيممة نممداء الجنممس أنممى‬
‫شاءوا بل حواجز ول قيود ؟! ومن ادعائه أن الدين الذى يأمرهم‬
‫بوضممع الضمموابط لطاقممة الجنممس هممو أمممر سممخيف ل يسممتحق‬
‫‪1‬‬

‫" " انظر البروتوكول الثانى من بروتوكولت حكماء صهيون ‪.‬‬

‫الحترام ؟! ومن وصفه للخلق بأنها تتسم بطابع القسوة حممتى‬
‫فى صورتها العادية ؟! ومممن دعممواه بممأن أى قيممد علممى الطلق‬
‫يوضع فى طريق الطاقة الجنسية يممورث الكبممت ويكممون العقممد‬
‫النفسممية والضممطرابات العصممبية؟! وأن التسممامى نمموع مممن‬
‫الشذوذ ؟!‬
‫لقد آتت هذه الممدعوة ثمارهمما بالفعممل ‪ ،‬وكممانت أكممبر مشممجع‬
‫للولد والبنات أن ينطلقوا مع دافع الجنس بل حواجز خوفا مممن‬
‫الكبت والعقد النفسية ! وأن ينظروا إلى الدين – الذى يحجزهم‬
‫– على أنه قيد مناف للعلم ‪ ،‬ول يستحق الصغاء إليه ‪ ،‬كما قممام‬
‫علم التحليل النفسى الذى أنشمأه فرويمد لهمدافه الخاصمة " ‪"1‬‬
‫بعملية التبرير الضخمة للفساد الخلقى الذى حدث بالفعل !‬
‫يقول الكاتب النجليزى " ألدوس هكسلى ‪" Aldous Huxley‬‬
‫فى كتابه " ‪ " Texts and Pretexts‬إن المحلل النفسى يقف – ل‬
‫محالة – إلى جانب المجرم الخلقى ‪:‬‬
‫‪The Psycho-analyst is inevitably on the side of the‬‬
‫‪immoralist‬‬
‫وليست هناك حتمية فممى الحقيقممة ‪ ،‬ولكممن هممذا هممو التحليممل‬
‫النفسى على طريقة العالم اليهودى الكبير !‬
‫ويريد اليهود أن ينشئوا نجتمعا متفككا ل روابط فيه ‪ ،‬ذلك أن‬
‫الروابط – من أى نوع – تبطئ التحلل ‪ ،‬وتبطئ تحويل المميين‬
‫إلممى دواب الحمممل الممتى يركبهمما بنممو إسممرائيل ويسممخرونها‬
‫لمصالحهم ‪ ..‬فيجئ العالم النفسممانى الكممبير فيقممول بطريقممة "‬
‫علمية " إنه ل توجد فى حقيقة المر روابط بين البشر ! ل بيممن‬
‫الولد وأمه ‪ ،‬ول بين الولممد وأبيممه ‪ ،‬ول بيممن الممزوج وزوجتممه ‪ ،‬ول‬
‫بين الخ وأخيه فضممل عممن أن تكممون هنمماك روابممط بيممن الغربمماء‬
‫الذين ل تصل بينهم صلة القربى ! إنممما كمل إنسممان فممى الرض‬
‫يكره النسان الخر فى قرارة نفسه ويتمنى له الزوال !‬
‫باختصار لقد كممانت مهمممة " العممالم النفسممانى " هممى تغطيممة‬
‫الفسمماد الضممخم الممذى تممدبره العصممابة الشممريرة فممى الرض ‪،‬‬
‫بإعطائه " التبرير العلمى " ! الذى يجعله أمرا طبيعيا ل يستنكر‬
‫! ويصبح المنكر عليممه هممى الرجعممى المتممأخر الممذى يصممدر عممن‬
‫الجهممل بحقممائق العلممم ‪ ،‬والتمسممك بالخرافممات السممخيفة ‪ ،‬أو‬
‫المثاليممات الممتى ل تقممل عنهمما سممخفا ول مكممان لهمما فممى واقممع‬
‫‪1‬‬

‫" " من عجيب " المصادفات !! " أن معظم القائمين بالتحليل النفسى فى " العيادات النفسية " هم من اليهود !‬

‫الحياة !‬
‫دور كايم‬
‫إميممل دور كممايم " دورك هممايم أو دورك جمماييم ! " يهممودى‬
‫فرنسى ولد عام ‪ 1858‬ومات عمام ‪ 1917‬وتخصمص فممى علمم‬
‫الجتماع وله فيه كتب من أشهرها " مقدمة فى علم الجتماع "‬
‫‪.‬‬
‫وقممد ل تكممون لممه شممهرة عنممد الجممماهير كممماركس وفرويممد ‪،‬‬
‫ولكن له شهرته الواسعة بين " علماء الجتماع " ويتتلمذ عليه –‬
‫أو علممى فكممره – كممل مممن يقمموم بتممدريس علممم الجتممماع فممى‬
‫الجامعات والمدارس فممى عممالم الممييممن إل مممن رحممم ربممك !‬
‫وعلى أى حال فقد أدى " مهمته " فمى الميمدان المذى تخصمص‬
‫فيه ‪ ،‬ووجه حملته – مع زملئه الخرين من كبممار " المفكريممن "‬
‫اليهود – إلى تحطيم الدين والخلق والتقاليد ‪.‬‬
‫أخذ دور كايم عن دارون التفسير الحيوانى للنسان ‪ ،‬ومممدده‬
‫ليغطممى ميممدان العلقممات الجتماعيممة ‪ .‬ولقممد أسمملفنا أن دارون‬
‫نفسه لم يكن عالم اجتماع ول اقتصاد ول علم نفس ‪ ،‬إنما كممان‬
‫متخصصا فى علم الحياة ‪ ،‬أى فى مظاهر الحياة فممى " أجسممام‬
‫" الكائنات الحية ‪ ،‬وحين وصل – فى سلسلة التطممور الحيمموانى‬
‫– إلى النسان ‪ ،‬وألحقمه بعممالم الحيمموان ‪ ،‬كمان يممدرس مظمماهر‬
‫الحيمماة فممى " جسممم " النسممان ووظممائف أعضممائه ‪ ،‬دون أن‬
‫يتعرض للجوانب الخرى التى ليست من اختصاصه ‪.‬‬
‫ولكنا قلنا إن نظريته – بالصورة التى قدمها بها ‪ ،‬ل بما تحويه‬
‫من معلومات علمية بصرف النظر عن صممحتها أو عممدم صممحتها‬
‫من الوجهة العلمية – كانت تحوى إيحمماءات معينممة لمممن أراد أن‬
‫يستخلصها ويستخدمها ‪ ،‬مبنية كلها على فكرة حيوانية النسممان‬
‫وماديته ‪ .‬وإن أحدا لم يستخلصممها ويسممتخدمها فممى الحقيقممة إل‬
‫اليهود ‪.‬‬
‫ودور كايم واحد ممن فعلمموا ذلممك فممى ميممدان تخصصممه وهممو‬
‫علم الجتماع ‪.‬‬
‫وخلصة آرائه أن الكائن البشرى محكمموم " بنزعممة القطيممع "‬
‫التى تحكم عالم الحيوان وتسيره دون وعى منه ول إرادة ‪.‬‬
‫ولئن كان فرويد قد قالها دون مداراة ‪ ،‬حين زعم أن البشرية‬
‫الولى قتلت أباها لتستولى علممى الم ‪ ،‬مسممتندا إلممى أن دارون‬
‫قد قال مثل ذلك عن عالم البقممر ‪ ،‬فممإن دور كممايم لممم يشممأ أن‬

‫يستخدم المصطلح الحيوانى مباشرة ‪ ،‬فلم يسمها – فممى عممالم‬
‫النسان – " نزعة القطيع " وإنما سممماها " العقممل الجمعممى " ‪،‬‬
‫ونسب إليها فى عالم النسان كل ما ينسب فى عممالم الحيمموان‬
‫إلى نزعة القطيع ‪.‬‬
‫وبعض كلمه عن العقل الجمعممى معقممول ‪ ،‬وتكلممم عنممه كممثير‬
‫غيره من العلماء والمفكرين وسممموه " المشمماركة الوجدانيممة "‬
‫وهى حقيقة واقعة فى عالم البشر ‪ .‬ولكنه لم يممرد أن يسممتخدم‬
‫هذا المصطلح لنته ل يخممدمه فيممما كممان يهممدف إليممه ‪ ،‬ذلممك أن‬
‫للمشاركة الوجدانية حممدودا معروفممة تقممف عنممدها ‪ ،‬وصممورة أو‬
‫صممورا معينممة تمممارس فممى نطاقهمما ‪ ،‬ل تلغممى شخصممية الفممرد‬
‫اليجابية ول إرادته ‪ ،‬لنها تصدر عن " الذات " ول تلغيهمما ‪ ،‬وقممد‬
‫تكون فى كثير من الحيان فير إراديممة ولكنهمما ل تلغممى الرادة ‪.‬‬
‫إنما هى تأثر معين من شئ خارجى ‪ ،‬يستتبع مشمماعر معينممة أو‬
‫أعمال معينة يقوم بها النسان لمشاركة الخرين فيما يممراه مممن‬
‫أحوالهم ‪ ،‬ولكنه يظل شاعرا أنه " هو " الممذى يقمموم بهمما ‪ ،‬وأنممه‬
‫يقوم بها لنه يريد – لو إرادة مؤقتة – أن يشارك الخريممن فيممما‬
‫هم فيه ‪.‬‬
‫أما الصورة الممتى يريممد دور كممايم أن يرسمممها للبشممرية فهممى‬
‫صورة مختلفة ‪ ،‬يريد أن يلغى فيها شخصممية الفممرد إلغمماء كممامل‬
‫ويلغى إرادته ‪ ،‬ليجعله يتقبل ما يلقيممه إليممه " العقممل الجمعممى "‬
‫من أوامر وتوجيهات بل وعى منه ول إرادة !‬
‫يستمد دور كايم أمثلته وقواعده مما قام به " الغوغمماء " فممى‬
‫الثورة الفرنسية من قتل وتحطيممم وتخريممب وقممع مممن أنمماس "‬
‫عاديين " لم يحدث منهم القتل والتخريب من قبل ‪ ،‬ولممو طلممب‬
‫منهم أفرادا لمتنعوا عنه ‪ ،‬ولكنهم قاموا به فى سرور بممالغ بممل‬
‫فى نشوة وحشية وهم فى وسط " المجموع " ‪.‬‬
‫وبصرف النظر عن يد اليهود الخفية فى توجيه الثورة وجهات‬
‫معينة ‪ ،‬فإن هذه – فممى ذاتهمما – حقيقممة ‪ :‬أن " الغوغمماء " تقمموم‬
‫بمثل هذه العمال حين توجه إليهمما ‪ ،‬بينممما معظممم الفممراد مممن‬
‫هممذه الغوغمماء لممو لطممب منهممم أن يقوممموا بهمما أفممرادا لمتنعمموا‬
‫واستنكروا ‪.‬‬
‫وكثير من المفكريممن لفتتهممم هممذه الظمماهرة ‪ ،‬وردوهمما إلممى "‬
‫المشاركة الوجدانية " أو إلممى نزعممة " مكبوتممة " إلممى التخريممب‬
‫والتحطيممم ينفلممت قيادهمما حيممن يمموجه الغوغمماء إلممى ذلممك ‪،‬‬

‫فينطلقون – وقد انحلت العقدة – يفعلون ما يخطر علممى بممالهم‬
‫من وحى اللحظة ‪ ،‬متشجعين علممى الشممر بكممونهم كممثرة غالبممة‬
‫والواقف فى طريقهم قلممة مغلوبممة ‪ ..‬بممل ردهمما بعضممهم إلممى "‬
‫نزعة القطيع " مباشرة ‪ ،‬على أساس أن هذا القطيممع البشممرى‬
‫فى حالته الجنونية التى يكممون عليهمما ‪ ،‬بل عقممل ول وعممى ‪ ،‬هممو‬
‫أشبه بالحيوان ‪ ،‬تحركه بالفعل نوازع الحيوان ‪ ،‬ما دام قد غمماب‬
‫عنه العقل الذى " يعقل " تصرفاته )أى يقيدها( ‪.‬‬
‫وأيا كان الرأى فقد نظر المفكرون إلى هممذه المظمماهر علممى‬
‫أنها حالة خاصة تصيب الجماهير حين تجتمع فى حالة غضممب أو‬
‫استثارة ‪ .‬ولكن دور كايم جعلها قاعممدة الحيمماة البشممرية كلهمما ‪،‬‬
‫والساس الذى تنبنى عليه كل تصرفاتها ‪ ،‬مستندا إلى الحممالتين‬
‫الممتين يكممون المموعى والرادة فيهممما مفقممودين تماممما أو شممبه‬
‫مفقودين ‪ ،‬وهممما حالممة الطفممل وحالممة الغوغمماء ‪ .‬فأممما الغوغمماء‬
‫فأمرها معروف ‪ ،‬وأما الطفل فإنه يولد ول حممول لممه ول قمموة ‪،‬‬
‫فيتلقى الوامر والتوجيهمات ممن أبمويه وممن المجتممع المحيمط‬
‫به ‪ ،‬فيتشكل منذ صغره بالطابع الذى عليه المجتمع ‪ ،‬فتصاغ له‬
‫أفكاره ومعتقداته وأنماط سمملوكه دون أن تكممون لممه إرادة فممى‬
‫ذلك ول رغبة ذاتية ‪ ،‬ول مشاركة إيجابية فى صياغة تلك الفكار‬
‫والمعتقدات وأنماط السلوك ‪ ..‬وهكذا تخرج البشممرية جيل وراء‬
‫جيل ‪.‬‬
‫ولكنه يلحظ – بل يؤكد لغاية معينممة فممى نفسممه – أن الفكممار‬
‫والمعتقدات وأنماط السلوك تتغير من يجممل إلممى جيممل ‪ ..‬وهنمما‬
‫يقتنص الخيط الذى يريده فيقول إن هذا يحدث من تاثير العقل‬
‫الجمعى ‪ ،‬الذى يتغير على الدوام ول يثبت على حال !‬
‫ويعرف العقل الجمعى بأنه شممئ كممائن خممارج عقممول الفممراد‬
‫ليس هو مجموع عقولهم ‪ ،‬ول يشترط أن يكممون موافقمما لعقممل‬
‫أحد منهم ول لمزاجه الخاص )عقل من هممو إذن ؟!( وأنممه يممؤثر‬
‫فى عقول جميممع الفممراد مممن خممارج كيممانهم ول يملكممون إل أن‬
‫يطيعوه ولو على غير إرادة منهم !‬
‫ثم يقول إنمه دائم التغيمر ‪ ..‬يحمل اليمموم مما حرممه الممس ‪..‬‬
‫ويحرم غدا ما أحله اليوم ‪ ..‬بل ضابط ول منطق معقول !‬
‫ويقول – وهو بيت القصيد – إنه ل يمكن من ثممم تصممور ثبممات‬
‫شئ من القيم على الطلق ‪ :‬ل الدين ول الخلق ول التقاليممد !‬
‫وإن النظر إلى هذه المور على أنها أمور قائمة بذاتها هو تفكير‬

‫غير معقول !‬
‫يقول ‪ :‬كان المظنون أن الدين والزواج والسممرة هممى أشممياء‬
‫من الفطرة ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعممات ليسممت‬
‫فطرية فى النسان !‬
‫أرأيت إلى العالم الكبير ! إنها ليست فطرية فى النسان !‬
‫وبكلمات قليلممة معممدودة يلغممى العممالم الكممبير كممل مقدسممات‬
‫البشرية !‬
‫أما الفرد الممتاز ‪ ،‬نبيا كان أو مصمملحا أو قممائدا ‪ ،‬الممذى يقممف‬
‫فى وجه المجموع ويغير اتجاهه ‪ ..‬فهذا ملغممى إلغمماء كممامل مممن‬
‫سحاب دور كايم – مهما قمالت وقمائع التاريمخ ! – لنمه ل يخمدم‬
‫أهدافه ! لنه – من ناحية – يلغى أسطورة " العقممل الجمعممى "‬
‫الذى يحكم الناس من خارج كيانهم دون أن يملك أحد الوقمموف‬
‫فى طريقه ‪ ،‬ولنه – من ناحية أخرى – يشير إلى " قيم ثابتممة "‬
‫فى حياة البشرية منها الممدين والخلق والممزواج والسممرة ‪ ،‬لن‬
‫كل النبياء والمصلحين دعوا إليها وكانوا دعائم فى تثبيتهمما خلل‬
‫القممرون الطويلممة الممتى عاشممتها البشممرية قبممل أن يممأتى القممرن‬
‫اليهممودى ‪ ،‬الممذى يعيممث فيممه اليهممود مفسممدين فممى الرض ‪،‬‬
‫ويحطمون كل القيم الثابتة فى حياة البشرية !‬
‫والنسان كذلك فى عرف دور كايم شئ ل كيان له ول فطرة‬
‫ول سمات محددة !‬
‫لن " الكيان " أو " الفطرة " يشيران إلممى شممئ " ثممابت " ل‬
‫يمكن تغييره أو " ل يجوز " تغييره ‪ ..‬وهذا أمر ل يخممدم أهممدافه‬
‫ول أهداف قومه الذين يريدون مسخ الفطر البشممرية لمممر فممى‬
‫نفوسهم ‪.‬‬
‫إنما النسان وعاء يتشكل بالشكل الذى يممراد لممه ؛ والمريممد ‪،‬‬
‫الفعال لما يريد عند دور كايم ‪ ،‬هو العقل الجمعممى الممذى يتغيممر‬
‫على الدوام ‪ ،‬ول يثبت على صورة ول يثبت على حال !‬
‫ولسممنا هنمما ننمماقش دور كممايم فقممد ناقشممناه فممى غيممر هممذا‬
‫الكتاب ‪ ،‬إنما نحن هنا نفسره ‪.‬‬
‫لقد أراد اليهود – ونفذوا بالفعل – إنشاء مجتمع تنعممدم فيممه "‬
‫القيم الثابتة " ‪ .‬مجتمع بل دين ول أخلق ول زواج ول أسرة ول‬
‫تقاليد ‪.‬‬
‫وهنا يأتى " عالم الجتماع الكبير " للتغطية الكاملة علممى دور‬
‫اليهود فى تحطيم هذه القيم ‪.‬‬

‫فأول ‪ :‬ليس الذى يقوم بتحطيم القيممم وإفسمماد المجتمممع فئة‬
‫محممددة مممن البشممر يمكممن الشممارة إليهممم بأعيممانهم ‪ ،‬ويمكممن‬
‫محاسبتهم على ما اقترفت أيديهم ‪ ،‬إنما هممو العقممل الجمعممى !‬
‫وأنى لك أن تمسممك بالعقممل الجمعممى وتحاسممبه ‪ ،‬وهممو الممذى ل‬
‫يمكن المساك به لنه ليس له مكان محدد ول كيان محدد ‪ ،‬ثممم‬
‫إنه ل يسأل عما يفعل لنه هو القاهر فوق العباد !!‬
‫وثانيا ‪ :‬فإن الذى يقوم به العقل الجمعى )الذى صنعه اليهممود‬
‫بأنفسهم !( ليس " تحطيما " للقيم ‪ ،‬وإنما هو مجممرد " تغييممر "‬
‫على سنة العقل الجمعى فى التغير الدائم وعممدم الثبمموت علممى‬
‫حال ! و" القيم الثابتة " إن هى إل أسطورة توهمها الناس فممى‬
‫جهالتهم قبل أن يجئ العالم الكبير لتنممويرهم ‪ ..‬وقممد قممال لهممم‬
‫العالم الكبير إنها ليست فطرية فى النسان!‬
‫وثالثا ‪ :‬إنه ل قبل للناس بوقف التغيير ! لنه يحدث من خارج‬
‫كيانهم ! )وقد كان من خممارج كيممانهم بالفعممل ! ولكممن ل لنممه "‬
‫عقل جمعى " ولكن لنهم تركوا الدين فركبهم الشيطان ‪:‬‬
‫سل ْ َ‬
‫ن)‬
‫ن عََلى ال ّ ِ‬
‫م ي َت َوَك ُّلو َ‬
‫طا ٌ‬
‫ه ُ‬
‫مُنوا وَعََلى َرب ّهِ ْ‬
‫نآ َ‬
‫س لَ ُ‬
‫}إ ِن ّ ُ‬
‫ه ل َي ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫سل ْ َ‬
‫شممرِ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن)‬
‫ه َوال ّ ِ‬
‫ه عََلى ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫ما ُ‬
‫م ب ِهِ ُ‬
‫ن هُ ْ‬
‫ن ي َت َوَل ّوْن َ ُ‬
‫طان ُ ُ‬
‫‪ (99‬إ ِن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫‪] {(100‬سورة النحل ‪[100 - 16/99‬‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ه وََقا َ‬
‫ن إ ِل ّ َ‬
‫ن‬
‫ن ي َد ْ ُ‬
‫ل لت ّ ِ‬
‫خذ َ ّ‬
‫عو َ‬
‫}وَإ ِ ْ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ريدا ً )‪ (117‬ل َعَن َ ُ‬
‫طانا ً َ‬
‫م ِ‬
‫عَبمممادِ َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫مْفُروضممما ً )‪َ (118‬ول ِ‬
‫ك نَ ِ‬
‫ِ‬
‫من ّي َن ُّهممم ْ‬
‫م َول َ‬
‫ضمممل ّن ّهُ ْ‬
‫صممميبا ً َ‬
‫مممم ْ‬
‫م{ ]سورة النساء ‪[119-4/117‬‬
‫مَرن ّهُ ْ‬
‫َول ُ‬
‫وهكممذا قممام العممالم الكممبير بالتغطيممة علممى دور اليهممود فممى‬
‫الفساد فى الرض فى صورة " علم " يدرس فى كل جامعممات‬
‫الرض ‪ ،‬ويتربى عليه " علماء " من المميين يتعصبون له كأنما‬
‫هم واضعوه ‪ ،‬أو كأنما هو الحق الذى ل يممأتيه الباطممل مممن بيممن‬
‫يديه ول من خلفه !‬
‫‪ -2‬واقع المجتمع الصناعى‬
‫لئن كان " علماء " اليهود قد أدوا دورهم " العلمى " فممى تمموهين‬
‫عرى الدين والخلق والتقاليد ‪ ،‬والقول بكل طريقة ومن كل زاويممة‬
‫بأنها سخف ل ينبغى للنسان المتحضممر أن يتمسممك بممه ‪ ،‬وأوهممام ل‬
‫ينبغممى الحتفمماظ بهمما فممى عصممر العلممم ‪ ،‬وقيممود تعمموق النطلق ‪،‬‬
‫وصناعة بشرية بحتة من حق البشرية أن تراعا وتعدلها أو تلغيهمما أو‬
‫تعمل بعكسها " ‪.. "1‬‬
‫‪1‬‬

‫" " من السماء الهامة فى هذا الشأن " فريزر ‪ " Frazer‬واضع البذرة ألولى لعلم مقارنة الديان وصاحب الكتاب‬
‫الشهير " الغصن الذهبى ‪ " The Golden Bough‬الذى قال فيه صراحة إن الدين بضاعة أرضية بحتة من صنع البشر ‪،‬‬

‫لئن كان " العلماء " قممد قمماموا بهممذا الممدور فقممد كممانت عصممابات‬
‫أخرى تقوم فى ذات الوقت بعملية ل تقل خطورة – بممل قممد تكممون‬
‫أشد خطورة – هى إقامممة مجتمممع فممى عممالم الواقممع ‪ ،‬منسمملخ مممن‬
‫المدين والخلق والتقاليمد ‪ ،‬قمائم علممى غيممر أسماس منهما ‪ ..‬وهكمذا‬
‫تجتمع النظريات والواقع علممى هممدف واحممد محممدد ‪ ،‬يسمماند بعضممها‬
‫بعضما ويسماعد بعضمها بعضما ‪ ،‬فالنظريمات تمهمد للواقمع وتسمنده ‪،‬‬
‫والواقع يشهد للنظريات ويؤكدها ! وبين ذراعى الكماشممة الشممريرة‬
‫يقممع "الممييممن " فممى أوروبمما أول ‪ ،‬وفممى الرض كلهمما بعممد ذلممك ‪،‬‬
‫تعصرهم عصرا وتمسخهم مسخا !‬
‫قلنا من قبل إن المجتمع الصناعى قد وقع فى قبضة اليهممود منممذ‬
‫اللحظة ألولى بسبب قيام اليهود المرابين بتمويل الصناعة الناشممئة‬
‫عن طريق القراض بالربا ‪ ،‬فأصبح فى مكنتهم السيطرة علمى هممذا‬
‫المجتمع وتشكيله على الصممورة الممتى يرغبونهمما لن فممى يممدهم أداة‬
‫السيطرة الكبرى على ذلك المجتمع وهى رأس المال ‪.‬‬
‫ونريد هنا أن نفصل هذا القول شيئا من التفصمميل مسممتندين إلممى‬
‫وقائع التاريخ ‪.‬‬
‫كانت الثورة الفرنسممية – الممتى كسممب فيهمما المميممون شمميئا مممن‬
‫الكب مشوبا بكثير من الخسران ‪ ،‬وكسب فيها اليهود كسممبا خالصمما‬
‫لمخططهممم الشممرير – أول معممول فممى تحطيممم القطمماع والتمهيممد‬
‫للثورة الصناعية ‪ ..‬ومن فرنسا انتشرت " مبادئ " الثورة الفرنسية‬
‫وشعاراتها التى وضعها لها الماسممونيون اليهممود ‪ " :‬الحريممة والخمماء‬
‫والمساواة " ‪ ،‬فعمت أوروبا كلهما وحطممت أسمس القطماع فيهما ‪،‬‬
‫وحررت " العبيد " ليكونوا غذاء للثورة الصناعية ‪ ..‬ووقودا لها كذلك‬
‫!‬
‫وفرح العبيد المحررون فرحممة عظيمممة ولش ك بتلممك الحريممة ‪..‬‬
‫فالحريممة دائممما محببممة إلممى النفمموس ‪ ،‬والقيممد بغيممض ولممو تبلممدت‬
‫النفوس عليه عدة قرون !‬
‫وانطلقمموا إلممى المممدن فممى هيئة عمممال فممى المصممانع ‪ ..‬وكممانت‬
‫المدينة فى ذاتها سحرا هائل فى أنفسهم ‪ ،‬فهكذا ينظر أهل الريممف‬
‫وإن العقيدة قد تطورت على مر الزمان ‪ ،‬ما بين عبادة الب ‪ ،‬إلى عبادة الطوطم إلى عبادة قوى الطبيعة ‪ ،‬إلى‬
‫عبادة الفلك ‪ ،‬إلى عبادة الصنام ‪ ..‬إلى عقيدة التوحيد ‪ ..‬وأعطى اليحاء بأن عقيدة التوحيد – بوصفها صناعة بشرية‬
‫– هى مجرد مرحلة على الطريق ‪ ..‬وأن العلم – فى العالم المتحضر – يحل فى النهاية محل الدين ‪ .‬وكانت أبحاثه‬
‫منصبة على القبائل المنعزلة المتأخرة فى أفريقيا وآسيا وأستراليا ليستخدمها وسيلة للقول بأن الديان " السماوية "‬
‫المتأخرة إن هى إل امتداد للديانات الوحشية التى عرفتها القبائل الولى فى بداوتها وخاصة فيما يتعلق بالمحرمات و"‬
‫بأسطورة ! " الطوفان ‪ ،‬التى قال إنها وجدت عند أكثر القبائل انعزال وأشدها بعدا عن التصال بالعالم " المتحضر ! "‬
‫ومع ذلك قلب دللتها قلبا كامل ‪ ،‬فبدل من أن يقول إن ذلك دليل أكيد على صدقها التاريخى ‪ ،‬قال إنها أسطورة‬
‫أخذتها الديان المتأخرة من الديان السابقة !! والغالب أنه – كدارون – لم يكن يهوديا ‪ ،‬ولكن اليهود استغلوا " علمه‬
‫" استغلل واسعا كما صنعوا مع دارون ‪ ..‬وسيأتى الحديث عنه عند مناقشة التفسير المادى للتاريخ ‪.‬‬

‫دائما إلى المدينة ولو كانوا فيها غرباء ‪ ..‬أما هؤلء فقد كانت الغربة‬
‫بالنسبة إليهم عارضا زائل ‪ ،‬فسرعان ما أصبحوا سكانا فيها أصلء ‪.‬‬
‫ولقد كانت حرية التنقل فى ذاتهمما كسممبا ضممخما طربممت لممه نفمموس‬
‫العمممال بعممد إذ كممانوا مقيممدين بممالرض مشممدودين إليهمما ل يملكممون‬
‫مغادرتها ولو إلى الرض الملصقة لقطاعيتهم ‪.‬‬
‫ثم لقد أصبحوا أراء " أحرارا " بعد أن كانوا مممن العبيممد ‪ ..‬صمماروا‬
‫يعملون ويقبضون فى نهاية السبوع أجرا نقديا يمسكون فى أيديهم‬
‫وينفقونه كيف شاءوا ليس لحد عليهم سلطان ‪.‬‬
‫وكان لكل هذا نشوة تطرب لها النفوس ‪..‬‬
‫ولكن هذه النشوة لم تدم طممويل علممى أى حممال ‪ ..‬فقممد انكشممف‬
‫الواقع الجديد عن صعوبات لم تكممن مقممدرة حممق قممدرها فممى بممادئ‬
‫المر ‪ ..‬فساعات العمل طويلة ومضممنية والجممر مممع ذلممك قليممل إذا‬
‫قيس بمطالب المدينة وارتفاع أسعار الحاجيات فيها ‪ .‬ففممى الريممف‬
‫لم يكن يدفع النمماس أجممرا للمسممكن سممواء كممانوا أجممراء أحممرارا أو‬
‫أقنانا يعملون فممى الرض ‪ ،‬فمسمماكن القريممة تممورث جيل بعممد جيممل‬
‫يتربى فيها كل جيل جديممد ل يممدفع فيهمما أجممرا حممتى ولممو لممم يشممعر‬
‫بملكية حقيقية لها لنها ملممك للسمميد الممذى يملممك الرض بممما عليهمما‬
‫ومن عليها ملكية حقيقية أو معنوية ‪ ..‬وفى الريف ل يتكلممف النمماس‬
‫لطعامهم وشرابهم كثيرا من المال ‪ ،‬فمن منتجات اللبان ومنتجات‬
‫الدواجن يأخذون اللبن والزبد والبيض واللحم )فممى المواسممم علممى‬
‫القل( ومما يزرعون يأخذون خبزهم وبقولهم وخضرهم فل يكادون‬
‫يحسون أنهم دفعوا فيها شيئا يذكر ‪ ،‬وإن كانوا فى الحقيقة يدفعون‬
‫جهدهم كله فى عمل مضن طوال العممام ‪ ،‬ويممدفعون مممن كرامتهممم‬
‫وإنسانيتهم ‪.‬‬
‫والن تغير الحال ‪ ..‬كثيرا ‪..‬‬
‫لم تعد وطأة " السيد " ذات وقع حسممى مباشممر كممما كممانت فممى‬
‫ظل القطاع ‪ ،‬وإن كانت الوطأة المعنوية قائمممة ول شممك ‪ ..‬قائمممة‬
‫فى حاجة العمال إلى العمل مممن أجممل الحيمماة ‪ ،‬وغطرسممة صمماحب‬
‫المصنع وتكبره وتجبره وتقتيره فى الجور ‪..‬‬
‫ثمم إن العممل ذاتمه لمه وطمأة ‪ ..‬وهمى وطمأة حسمية إلمى جمانب‬
‫السطوة المعنوية لصاحب العمممل ‪ .‬فهممو عمممل متواصممل فممى إدارة‬
‫اللت – وكانت فى مبدأ المر تحتاج إلى جهد بدنى كبير فى إدارتها‬
‫– وليس من نوع العمل الريفممى الممذى كممان مضممنيا – نعممم – ولكنممه‬
‫مرن فى أدائه إلى حد ما ‪ .‬فأنت فى الحقل حممر – نسممبيا – فممى أن‬

‫تبدأ عملك بعد الفجر مباشرة أو بعد ذلممك بسمماعة ! ورح – نسممبيا –‬
‫فى أن تشغل المحراث ثلث ساعات متوالية أو تشغله سمماعة بعممد‬
‫ساعة بعد ساعة ! وحر – نسبيا – فى أن تجمع المحصممول اليمموم أو‬
‫تجمعممه غممدا ‪ ..‬وحقيقممة إن " السمميد" دائممما هنمماك ‪ ..‬ووكيلممه الممذى‬
‫يشرف على عمل الفلحين قاعد بالمرصاد يؤز الفلحين للعمممل أزا‬
‫ول يتركهم فى راحة ‪ ..‬ولكنه ل يستطيع أن يقف طيلة النهممار علممى‬
‫رؤوسهم ! ومن ثم يتنفسون بين الحين والحين ‪ ،‬فى حديث خاطف‬
‫أو قصة مروية ‪.‬‬
‫أما السيد الجديد فل يتيح شيئا من ذلك ‪.‬‬
‫صحيح أنه ليس له سوط يمسك به هو أو عامله )وكيله ‪(Steward‬‬
‫ليهوى به على ظهور العمال إن توازنوا عن العمل ‪ ،‬ولكن فممى يممده‬
‫سوطا معنويا ل يقممل إيممذاء وهممو الخصممم مممن الجممر أو الطممرد مممن‬
‫العمل !‬
‫ثم إن الجر – حتى إن سملم مممن هماتين الفممتين جميعما – ضمئيل‬
‫بالنسبة لمطالب الحياة ‪.‬‬
‫صحيح أنه – من حيث الكم – أضعاف ممما كممان يحصممل عليممه مممن‬
‫الريف ‪ ،‬ولكنه إذا وزع على المسكن والملبس والمطعم المشممرب‬
‫لم يكد يفى بكل ذلك ولو على مستوى الكفاف ‪.‬‬
‫ثم إن هناك أمرا هاما جدا فى هذه الحياة الجديدة كان له خطره‬
‫البعيد فى تشكيل صورة المجتمع الصناعى الناشئ وإعطائه الطابع‬
‫الذى يوافممق همموى الشممياطين ‪ ..‬فممإن الجممر الضممئيل الممذى يتنمماوله‬
‫العامل ول يكاد يفى بحاجته لم يكن يسمح بحال بإنشاء أسممرة فممى‬
‫المدينة ذات التكاليف ‪ .‬ومن ثم جمماء العمممال عزابمما إلممى المدينممة –‬
‫وهم فى سن الشباب والفتوة – أو إن كانوا متزوجين تركوا أسرهم‬
‫فى الريف وعاشوا فى المدينة كالعزاب ‪..‬‬
‫وأضيفت إلى متاعب الحياة فممى المدينممة جوعممة الجنممس ‪ ،‬وهممى‬
‫جوعة ليست باليسيرة بالنسبة للشباب فى مثل هممذه السممن ‪ ،‬وممما‬
‫كان يفد للعمل إلى المدينة إل القوياء ذوو الجساد ‪.‬‬
‫هل كان ذلك كله من تدبير اليهود أم هم استغلوه ؟!‬
‫يستويان ‪..‬‬
‫والغلب أنه لممم يكممن مممن تخطيممط اليهممود ‪ ،‬إنممما هممو مممن جشممع‬
‫أصممحاب الممموال وأصممحاب الصممناعات يهممودا وغيممر يهممود ‪ ..‬ولكممن‬
‫المؤكد أن " الحل " الذى قدم لهذه الزمة كان هممو الحممل اليهممودى‬
‫الخالص الذى يعمل فيهاليهود من قديم ‪..‬‬

‫كان الحل هو البغاء !‬
‫لم يكن هو بغاء " السادة " الذى تعرفه " المدينة " مممن قممديم ‪..‬‬
‫فالمدينة الوروبية كانت دائما تعممرف ذلممك اللممون مممن البغمماء الممذى‬
‫ينفق فيه السادة أموالهم الحممرام – المغتصممبة مممن دممماء الفلحيممن‬
‫والعبيد – فى طلب اللذة المحرمة ‪ ،‬وكان اليهود ذوى صلة تاريخيممة‬
‫بذلك البغاء يوقعون فى حبائله السادة من " النبلء " ! ويسلبون به‬
‫ما يقدرون على سلبه من أموالهم ‪ ،‬حممتى يلجئوهممم إلممى السممتدانة‬
‫منهم بالربا ذى الضعاف المضاعفة ‪ ،‬ويفلس منهم فى النهايممة مممن‬
‫يفلس وتئول أمواله إليهم !‬
‫ولكن هذا البغاء الجديد كان بغمماء " شممعبيا " خالصمما لقمماء دراهممم‬
‫معدودات !‬
‫وفرك اليهود أيديهم سرورا فقممد أمسمكوا بمأول الخيممط ! الخيممط‬
‫الذى يجر " المميين " إلى حيث يريد لهم الشيطان ‪.‬‬
‫وجاءت الخطوة التالية ‪..‬‬
‫فقد بدأ العمال يضربون عن العمل جماعات ‪ ..‬يطلبممون تخفيممض‬
‫ساعات العمل وزيادة الجور ‪..‬‬
‫وفى دستور الرأسمالية – غير المكتوب – أنهمما ينبغممى أن تحتفممظ‬
‫دائما بجيش من العاطلين تستخدمهم حين يضرب العمال العاملون‬
‫حتى ل يتوقف العمل من جهة ‪ ،‬وحتى يضربوا حركات الضراب من‬
‫جهة أخرى ‪ ،‬فيضطر العمال إلى الرجوع إلى أعمالهم صاغرين !‬
‫ولمممر ممما اسممتخدمت الرأسمممالية المممرأة العاملممة لتضممرب بهمما‬
‫حركات العاملين من الذكور ‪ ..‬وأعطتها نصمف الجمر ‪ ،‬وهمى تعممل‬
‫ذات القدر من العمل وذات العدد من الساعات !!‬
‫هل كان هذا من تدبير اليهود أم هم استغلوه ؟!‬
‫الغلممب أنممه لممم يكممن مممن تممدبيرهم ‪ ،‬وإن كممان أشممبه بتفكيرهممم‬
‫الشمميطانى ‪ ..‬ولكممن المؤكممد أنهممم اسممتغلوه إلممى أقصممى طاقممة‬
‫الستغلل ‪ ،‬وجعلوه أداة لتنفيذ كل مخططهم الشرير ‪..‬‬
‫لم يقدم على العمل فى بممادئ المممر إل أفقممر الفقيممرات ‪ ..‬فقممد‬
‫كان عمل المرأة فى المصممنع عممارا هممائل جممدا فممى حممس المجتمممع‬
‫الخارج لتوه من القطاع ‪ ،‬لممم ينسمملخ بعممد انسمملخا كممامل مممن كممل‬
‫قيمه ومثله وأخلقياته وتقاليده ‪.‬‬
‫كانت المرأة فى الريممف تعمممل – بالطبيعممة – فممى بيتهمما ‪ ،‬فممتربى‬
‫الممدواجن وتسممتخرج مممن اللبممن منتجمماته ‪ ،‬وتنسممخ علممى المنسممج‬
‫اليدوى ‪ ..‬وما إلى ذلك من العمال كما كممانت تسمماعد زواجهمما فممى‬

‫أعمال الحقل فى حدود معينة ‪.‬‬
‫وكان الريف متعارفا على هذا المر من قديم ‪،‬وكان يحوط عمممل‬
‫المرأة بسياج معين من الخلق ‪ ،‬والتقاليد المسممتمدة مممن الممدين ‪،‬‬
‫فل يحدث الختلط بالغرباء فى غير ضممرورة ‪ ،‬ول تحممدث الفاحشممة‬
‫إل شذوذا مستنكرا أشد الستنكار فى ذلك المجتمع المحممافظ إلممى‬
‫درجة التزمت ‪ .‬والزواج المبكممر يغنممى الشممباب مممن الجنسممين عممن‬
‫الصلت المحرمة ‪ ،‬ويقيم السرة على أساس من القيممم المتوارثممة‬
‫النابعة كلها من الدين ‪.‬‬
‫ولكن المرأة التى تركها عائلها وذهب " متحممررا " إلممى المدينممة ‪،‬‬
‫ولم يعد لها عائل غيره ‪ ،‬كانت مضطرة إلى العمل وغل ماتت جوعا‬
‫على الحقيقة ل على المجاز ! فما كانت الجاهلية الوروبيممة الممتى ل‬
‫تطبق شريعة الله تعرف ممما تصممون بممه المممرأة مممن الجمموع والثممار‬
‫المترتبة على الجوع !‬
‫إن شريعة اللمه قمد صمانت المممرأة فمى جميممع أحوالهما أممما وبنتمما‬
‫وزوجة وأختا ‪ ،‬فرتبت لها عائل يعولها فى جميع حالتهمما سممواء كممان‬
‫ولممدا أو والممدا أو زوجمما أو أخمما أو قريبمما مممن القربمماء يكلممف تكليفمما‬
‫بإعالتها وصيانتها ‪ ،‬ويكون مسئول عن ذلك أمام الممه وأمممام شممريعة‬
‫الله ‪ ،‬بحيث يؤخذ من ماله قسرا إن كان ذا مال وحجبه عن النفاق‬
‫! فإن لم يكن لها أحد يعولها بالمرة – وهو أمممر نممادر فممى مجريممات‬
‫الحياة العادية – فبيت المال فممى السمملم يكفممل مممن ل عممائل لممه ‪،‬‬
‫رجل أو طفل أو اممممرأة ‪ ..‬وهكمممذا ل توجمممد اممممرأة فمممى المجتممممع‬
‫السلمى الذى تحكمه شريعة الله تضممطر إلممى العمممل لكممى تعممول‬
‫نفسها ‪ ،‬فضل عن أن تعول سواها كما حدث فى المجتمع الصناعى‬
‫" المتطور " !‬
‫أما فى تلك الجاهلية فقممد وجممد فممى الريممف نسمماء كممثيرات بغيممر‬
‫عائل ‪ ،‬لن عائلهن تركهن وذهب إلى المدينة ثم عجممز عممن النفمماق‬
‫عليهن ‪ ..‬أو شغله البغاء عن بناء أسرة وتحمل تكاليفها ‪..‬‬
‫وشيئا فشيئا اضطر هؤلء النساء إلى الهجرة إلى المدينة للعمممل‬
‫هنمماك ‪ ،‬حيممث التقطهممن أصممحاب المصممانع يضممربون بهممن حركممات‬
‫العمال المطالبة بتخفيض ساعات العمل وزيادة الجور ‪ ..‬وعاملتهن‬
‫الجاهلية بتلك الفظاظة الفذة ‪ ،‬فأعطتهن نصمف الجمر علمى نفمس‬
‫العمل ونفس الساعات !‬
‫ولكن المر لم يقف مع الجاهلية عند هذا احد ‪ ..‬فممالمرأة دائممما "‬
‫صيد " والمرأة المحتاجة صيد ميسر !‬

‫وساومها " الرجل " الذى تعمل عنده ‪ ..‬إما أن تفرط فى عرضها‬
‫وإما أن تعود إلى الجوع الذى فرت منه !‬
‫ولم تكن الجوعة فى الحقيقة هممى جوعممة المعممدة فحسممب ‪ ،‬وان‬
‫كانت هذه كافية للسقوط ! إنما كان إلممى جانبهمما الحاجممة الفطريممة‬
‫الطبيعية إلى الجنس ‪ ،‬والحاجة إلى اللباس والزينة ‪ ،‬وهى بالنسممبة‬
‫للمرأة ليست كلهمما كماليممات ! وسممقط مممن " الرعيممل " الول مممن‬
‫العاملت من سقط ‪ ..‬وفتحن الطريممق ! ووجممد اليهممود صمميدا سممهل‬
‫يشغلونه فى صناعتهم العتيقة " العريقة " ! صناعة البغاء ‪.‬‬
‫وكتبت الصحافة الوروبية كثيرا وكثيرا جدا عن البغمماء باعتبمماره "‬
‫ضرورة اجتماعية " ! وإنه ينبغى أن يكون رسممميا وأن يكممون تحممت‬
‫إشراف الدولة !!‬
‫وإذا علمنا – كما سنذكر فيما بعد – أن الصحافة الوروبية كانت –‬
‫وما تزال – تحت سيطرة اليهود ‪ ،‬علمنا لحسمماب مممن كممانت تكتممب‬
‫هذه الصحافة عن البغاء و" تزكيه " !‬
‫ولو أن هؤلء " المميين " فى أوروبا كانت لديهم ذرة من تفكيممر‬
‫لعجبمموا علممى القممل – ول نقممول اسممتنكروا ورفضمموا – أن تكممون "‬
‫الدولة " هى حارسة البغاء وحاميته وراعية شئونه !‬
‫أى سخرية سخرها اليهود من المميين ‪ ،‬وهم يلعبممون بهممم علممى‬
‫هذا النحو الشائن ؟! ويسممقونهم السممم فيشممربونه بل رويممة ‪ ..‬سممم‬
‫يمسخ الرواح ويذهب بالعقول ‪..‬‬
‫وأيا كممانت التعلت الممتى قممدمت لتممبرير البغمماء ‪ ،‬وتممبرير إشممراف‬
‫الدولممة عليممه ورعممايته ‪ ،‬فهممى سممخرية المسمماخر فممى الجاهليممة‬
‫المعاصرة ‪،‬وقمة من قمممم التمكممن اليهممودى مممن " الحميممر الممذين‬
‫خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار " !‬
‫ورويدا رويدا أصبح البغاء الرسمى وغير الرسمممى حقيقممة واقعممة‬
‫فى المجتمع له صفة " الشرعية " الكاملة ‪ ،‬ونتحدث عن " تنظيمممه‬
‫" القوانين ‪ ..‬وأصبح الذى يستنكر هذه الوضمماع رجعيمما متزمتمما ‪ ،‬أو‬
‫جاهل مخرفا ‪ ،‬أو منافقا تافهمما ‪ ،‬أو " مثاليمما " يعيممش فممى الوهممام !‬
‫واصبحت هذه هى " الواقعيمة " الجديمدة المتى يمدافع عنهمما الكتمماب‬
‫والخطبممماء والصمممحفيون والقصصممميون والروائيمممون ‪ ..‬والمحللمممون‬
‫النفسانيون !!‬
‫غيممر أن المسممألة لممم تقممف عنممد هممذا الحممد ‪ ،‬وإنممما " تطممورت "‬
‫كمثيرا ‪ ..‬فقمد كممثر العماملت فمى المصمانع ‪ ،‬اللممواتى يقممن بنفمس‬
‫العمل ويتناولن نصف الجممر ‪ ،‬بسممب اسممتمرار هجممرة العمممال إلممى‬

‫المدينة وترك أسرهم بل عائل ‪ ..‬فأصبحت لهممن " قضممية " ! قضممية‬
‫المسمماواة فممى الجممر ‪ ..‬وهممى قضممية عادلممة دون شممك ‪ ،‬أيمما كممانت‬
‫الظروف التى أدت إليها والملبسات التى أحاطت بها والنتائج الممتى‬
‫ترتبت عليها ‪ ..‬فحين يعمل الرجل والمرأة نفس العمممل ‪ ،‬ويقومممان‬
‫بنفس الجهد ‪ ،‬فأى مبرر فممى الرض يممبرر أن يأخممذ أحممدهما نصممف‬
‫الخر " ‪! "1‬‬
‫ولكن الجاهلية الوروبية التى لممم تحكممم قممط بممما أنممزل اللممه قممد‬
‫ارتضت هذا المر ‪ ،‬ورأت فيه شيئا طبيعيا ل يبعث على الستنكار !‬
‫ولكن النساء اللواتى وقع عليهن الغبن رأيممن – أو رؤى لهممن – أن‬
‫يطالبن بحقوقهن المسلوبة ‪ ..‬نقول ‪ :‬رؤى لهن ‪ ،‬لن التاريخ يشممهد‬
‫أنه كان هناك دائما محرك يحرك المور !‬
‫وسواء كان اليهود هم الذين حركمموا " القضممية " أم قمموم طيبممون‬
‫أخذتهم الشفقة بالمظلومات فطمالبوا لهممن بحقمموقهن ‪ ،‬فلشمك أن‬
‫اليهود استغلوا الظروف لصممالح مخططمماتهم ‪ ،‬وشممدوا الخيممط إلممى‬
‫أقصى ما يمكن أن ينشد !‬
‫وسارت القضممية فممى خطمموات متتابعممة ‪ ،‬كممل خطمموة تممؤدى إلممى‬
‫تاليتها بصورة تبدو طبيعية ومنطقية وتلقائية ‪ .‬وما كانت فى الواقممع‬
‫تلقائية ‪ .‬إنما كان ينفممخ فيهمما الشممياطين بصممورة تظهرهمما فممى هممذا‬
‫الوضع ‪.‬‬
‫طممالبت المممرأة بالمسمماواة مممع الرجممل فممى الجممر فرفضممت‬
‫الرأسمالية الناشئة وأصرت على الرفض ‪ ،‬كأنها تحافظ علممى وضممع‬
‫طبيعى ل يجوز تغييره ول الخروج عليه ! ورفض " الرجل " كذلك !‬
‫كأن طلبها عممدوان علممى حقمموقه الشخصممية أو عممدوان علممى كيممانه‬
‫الذاتى !‬
‫ولم تعد القضية مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجل فى الجممر ‪،‬‬
‫بل أصبحت – فى ذات الوقت – قضية ضد " الرجل " الممذى يرفممض‬
‫إعطاءها مالها من حقوق فى عنجهية وغطرسة ‪ .‬وظممل هممذا المممر‬
‫يتسع كلما سارت القضممية فممى مسممارها خطمموة ‪ ،‬حممتى أصممبح فممى‬
‫النهاية كأنه هو القضية ! وانقلب المر بيممن شممقى النفممس الواحممدة‬
‫ة‬
‫اللذين خلقهما الله ليكونا سكنا ومودة ‪َ } :‬‬
‫س َوا ِ‬
‫ح مد َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫خل ََقك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن َن َْف م ٍ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫وَ َ‬
‫جَها{ ]سورة النساء ‪} [4/1‬وَ ِ‬
‫خل َقَ ِ‬
‫ن آي َممات ِهِ أ ْ‬
‫من َْها َزوْ َ‬
‫خل َمقَ ل َك ُم ْ‬
‫م ْ‬
‫‪1‬‬

‫" " ترث المرأة المسلمة نصف ميراث الرجل بمقتضى قوله تعالى ‪ " :‬يوصيكم الله فى أولدكم للذكر مثل حظ‬
‫النثيين " ]سورة النساء ‪ [11 :‬ولكن هذا يجرى فى المال الموروث فقط ‪ .‬وحكمته أن الرجل يكلف من ميراثه‬
‫تكاليف ل تكلفها المرأة من ميراثها ‪ .‬أما المال المكتسب فالصل الطبيعى فيه هو المساواة ‪ .‬وعلى ذلك تجرى‬
‫أحكام السلم فى التجارة والزراعة والبيع والشراء والرهن والجارة وسائر المعاملت المالية التى ل يختلف فيها‬
‫مقدار الكسب باختلف الجنس ‪.‬‬

‫ممن َأنُفسمك ُ َ‬
‫جعَم َ‬
‫ة{‬
‫مم ً‬
‫ِ‬
‫مموَد ّةً وََر ْ‬
‫سمك ُُنوا إ ِل َي ْهَمما وَ َ‬
‫م أْزَواجما ً ل ِت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫ل ب َي ْن َك ُم ْ‬
‫ْ‬
‫ِ ْ‬
‫]سممورة الممروم ‪ [30/21‬فأصممبحت العلقممة هممى العممداء والصممراع‬
‫والمنافسة ‪..‬‬
‫وفرك الشياطين أيممديهم سممرورا بممذلك " التطممور " ‪ ..‬فممأى شممئ‬
‫افعل فى فك روابممط السممرة وتقطيممع أوصممالها مممن إثممارة الصممراع‬
‫والشقاق بين ركنيها الساسيين ؟!‬
‫وما نريد أن نتعجل الحداث !‬
‫رفض أصحاب المصانع قضية المساواة فى الجر ورفضها الرجل‬
‫كذلك ‪ ،‬فطالبت المرأة – أو طولب لها فى الحقيقة – بأن يكون لها‬
‫حممق النتخمماب حممتى يكممون لهمما – كممما قيممل – تممأثير فممى اختيممار‬
‫المرشحين للمجالس النيابية فيدافعوا عن حقوقهمما المسمملوبة حيممن‬
‫يصمملون إلممى البرلمممان ‪ ،‬وكممان الرجممل قممد نممال هممذا الحممق )حممق‬
‫النتخاب( قبل ذلك مع نمو الديمقراطيممة ونمممو الحقمموق السياسممية‬
‫للشعب " ‪. " 1‬‬
‫ورفض الرجل إعطاءها هذا الحق ‪ ،‬ولممم يعممترف أصممل بممأن ذلممك‬
‫حق من حقوقها أو أمر جائز بالنسبة إليها ‪.‬‬
‫وتكفل رجال بالممدفاع عممن " قضممية المممرأة " ‪ :‬محممامون وكتمماب‬
‫وخطباء وصحفيون ‪ ..‬بينما ظل أغلبية الرجال يرفضون فى إصرار ‪.‬‬
‫ولكن رويدا ‪ ..‬رويدا ‪ ..‬أخذت المعارضة تلين – أو فى الحقيقة تليممن‬
‫! – بالدق المسممتمر عليهمما بكممل وسممائل العلم المتاحممة فممى ذلممك‬
‫الحين ‪ ،‬وفى مقدمتها الصمحافة ‪ ،‬ومممن بينهمما الخطابمة والمحاضممرة‬
‫والتأليف ‪.‬‬
‫وظاهرة لين المعارضة بعد اشتدادها فى أول المممر تكممررت فممى‬
‫كل مرحلة من مراحل " القضممية " بصممورة واحممدة تقريبمما ‪ ..‬يبممدأ "‬
‫المدافعون " بإثارة القضية فتنهال المعارضة من كل جانب ‪ ،‬وتحتممد‬
‫غضبات " الرجال " إلى حد يخيل للممرائى أن المممر قممد انتهممى إلممى‬
‫البد ‪ ،‬وأن القضية فاشلة ل محالة ! ورويدا ‪ ..‬رويدا تأخذ الصمموات‬
‫المعارضة تخفت ‪ ،‬والصوات المدافعممة تعنممف وتشممتد ‪ ،‬حممتى يممأتى‬
‫يوم ل يجرؤ فيه أحد على المعارضة لنه يصبح ضممد التيممار ‪ ،‬ويصممبح‬
‫كلم مستهجنا ويقابممل بالسممتنكار ‪ ،‬لنممه رجعممى متخلممف ‪ ،‬يريممد أن‬
‫يرجع عقارب الساعة إلممى المموراء ‪ ،‬ويريممد أن يقممف عجلممة التطممور‬
‫الساحقة التى تسحق كل من يقف فى سبيلها !!‬
‫كيف يتم المر على هذه الصورة ؟!‬
‫‪1‬‬

‫" " سنتكلم عن الديمقراطية فيما بعد ‪.‬‬

‫همممل همممى صمممورة طبيعيمممة وتلقائيمممة ؟ أم تمممدخل فيهممما أصمممابع‬
‫الشياطين ؟!‬
‫أممما أنهمما طبيعيممة – مممن جممانب – فنعممم ! فممما كممان المعارضممون‬
‫يعارضون عن إيمان حقيقى بقيم معينة ‪ ،‬إنممما هممى عنجهيممة الرجممل‬
‫من جهة ‪ ،‬وكون ذلك من " التقاليد " الموروثممة مممن جهممة أخممرى ‪..‬‬
‫والتقاليد إذا فقدت الروح وفقدت المبدأ وفقدت اليمممان ‪ ،‬لممم تعممد‬
‫قادرة على الصمود فى المعركممة ‪ ،‬خاصممة إذا كممانت معمماول الهممدم‬
‫حادة ‪ ،‬وكان المهاجمون أذكياء بل شريرين ‪.‬‬
‫ولكنها من جانب آخر لم تكن طبيعية ‪.‬‬
‫فلو تركت المور دون تدخل ودون توجيه ‪ ،‬فلربما كممانت التقاليممد‬
‫الموروثة تتغلب ‪ ،‬أو ربما كانت عنجهيممة الرجممل التقليديممة تتغلممب ‪..‬‬
‫ولكممن الممذين بيممدهم التمموجيه الشمميطانى كممانوا – فممى كممل مممرة –‬
‫يحولممون دون أن تنتهممى المممور إلممى هممذه النتيجممة الممتى ل تخممدم‬
‫أهدافهم ‪ ،‬وتعطل مجئ اليوم الذى يركب فيه شممعب اللممه المختممار‬
‫على ظهور المميين ويلهبها بالسياط !‬
‫ول نتحدث هنا عن العدالة فى أى الجانبين كانت ‪ ،‬فى الجاهلية ل‬
‫توجد عدالة ‪ ..‬والمتصارعون كلهم كانوا يعيشون فى جاهلية ترفض‬
‫أن تحكم شريعة الله ‪ .‬وقد تكممون بعممض المممور أو بعممض الوجهممات‬
‫فى هذه الجاهلية أعدل من بعضها الخر ‪ ،‬ولكنها فممى النهايممة تبتعممد‬
‫عن حقيقة العدل ‪ ،‬لنها تصلح داء بداء آخر ‪ ،‬وتعالج مرضمما فتحممدث‬
‫عدة أمراض ! فلئن كان المدافعون عممن " حقمموق المممرأة " يبممدون‬
‫أكثر عدل من الذين يحتقرونها ويهينونها ويسمتكثرون عليهما أى حمق‬
‫من الحقوق ‪ ،‬فإن الصورة التى نالت بهمما حقوقهمما قممد أحممدثت مممن‬
‫الفساد والظلم ما لم يكن يخطر على بال !‬
‫ومرة أخرى ل نحب أن نتعجل الحداث !‬
‫طالبت المرأة بحق النتخاب الذى كان الرجل قممد حصممل عليممه ‪،‬‬
‫ومن ثم أصبح لقضية بعد جديد – بعد سياسى – بعد أن كانت مجرد‬
‫قضية مساواة فى الجر ‪ ،‬ورفض طلبها بشدة فممى أول المممر ‪ ،‬ثممم‬
‫عادت المعارضة فلنت ‪ ،‬وحصمملت المممرأة فممى معظممم دول أوروبمما‬
‫على حق النتخاب ‪..‬‬
‫ولكنها وجدت أن الصوات الضئيلة التى تدلى بها فممى النتخابممات‬
‫ليس لهمما وزن حقيقممى فممى المعركممة النتخابيممة ‪ ،‬وحممتى إن تممأثرت‬
‫تأثيرا جزئيا طفيفا فممى إنجمماح مرشممح معيممن ‪ ،‬ممممن يتعهممدون – أو‬
‫يكونممون معروفيممن – بممالتحمس لقضممية المممرأة والممدفاع عنهمما فممى‬

‫المجالس النيابية ‪ ،‬فسرعان ما ينسى المرشممح وعمموده حيممن يصممل‬
‫إلى البرلمان ‪ ،‬أو تضيع صيحته فى زحمة العمال وزحمممة الخطممب‬
‫والكلمات !‬
‫عندئذ رؤى لها أن تطالب بحق الترشيح ودخول البرلمان ‪ ..‬لكممى‬
‫تسمع صوتها بنفسممها للممذين يصممنعون القمموانين )كممأنهم لممم يكونمموا‬
‫سامعين من قبل( وتشارك بنفسها فى إعداد التشريع ‪ ،‬فتضمنه ممما‬
‫يحافظ للمرأة حقوقها ‪.‬‬
‫وقامت قيامة المعارضة كما يحدث فى كل مرة ‪ ،‬واشتدت حممتى‬
‫ليظن الرائى أن المر لم يتم أبممدا ‪ ..‬ثممم ظلممت أصمموات المعارضممة‬
‫تخفت تدريجيا وتلين ‪ ..‬حتى نالت المممرأة حممق الترشمميح ‪ ..‬ودخلممت‬
‫البرلمان !‬
‫ويجدر بنا أن نلحظ ظاهرة " فنية " فى إدارة المعركة ‪.‬‬
‫لقد كانت الصحافة دائممما مممن أوسممع المجممالت الممتى تممدور فيهمما‬
‫المعركة إن لم تكن أوسعها جميعا ‪ ..‬والصحافة فى أوروبمما كممانت –‬
‫وما تزال – فى أيدى اليهود ‪ ،‬الذين يوجهون المعركة كلها لحسابهم‬
‫الخاص ‪ .‬ومع رغبتهم الشديدة فىأن تصل المور إلى إخفات صمموت‬
‫المعارضة نهائيا ‪ ،‬وعدم السماح لها بالظهور ‪،‬فقد كممانوا – فممى كممل‬
‫مرة – يدعون الصحف تفسح صدرها للممرأى المعمارض مهممما كمانت‬
‫شدة لهجته وقساوة عباراته !‬
‫وهذا " فن " بارع ول شك !‬
‫فمن ناحية لم تكن الصحافة هى المجال الوحيد لبداء الرأى ‪ ،‬بل‬
‫كان إلى جانبه الخطابة والمحاضممرة والتممأليف ‪) .‬ولممم تكممن وسممائل‬
‫العلم الخرى قد اخترعت بعد ‪ ،‬من إذاعممة وسممينما وتليفزيممون …‬
‫الخ( فلو أن الصحافة أغلقت أبوابها دون الرأى المعارض – وهو فى‬
‫حدته – لنكشف للناس تحيزهمما ‪ ،‬وانكشممف اللعبممون مممن ورائهمما ‪،‬‬
‫وفشلت اللعبة من أولها ! بل ينبغى أن تبقممى الصممحافة " حممرة !"‬
‫فى ظاهرها حتى يطمئن الناس إليها وتصبح أداة جبممارة لتشممكيل "‬
‫الرأى " العام على النحو المطلوب ‪.‬‬
‫ومممن ناحيممة أخممرى فممإن المعارضممة والشممد والجممذب بيممن الممرأى‬
‫المعارض والممرأى المؤيممد ‪ ،‬مطلوبممان – لممذاتهما – مممن أجممل إنجمماح‬
‫المعركة والوصول بها – فى النهاية – إلى الهدف المطلوب !‬
‫هب أن الرأى المطلوب إرساء قواعده – وهو إعطاء المرأة حممق‬
‫النتخاب مثل – قد ألقى فى الصحف أو فى أى مجال مممن مجممالت‬
‫العلم فلم يأبه بمعارضته أحد ولم يتقدم لمناقشته وتفنيده أحممد ‪..‬‬

‫أتممراه ينجممح أو يصممل إلممى هممدفه ؟ كل ! إنممما يممموت لتمموه ويغطيممه‬
‫النسيان ! ويكون فى حس الناس أن مجنونا أخرق تقدم برأى شمماذ‬
‫فلم يأبه به أحد !‬
‫أممما حيممن تممدور المعركممة ‪ ،‬بالمعارضممة ‪ ،‬وإن اشممتدت فممى بممادئ‬
‫المممر ‪ ،‬فهممذا هممو الضمممان أن ينشممغل النمماس بالقضممية ويولوهمما‬
‫اهتمامهم ‪ ،‬وهذه هى الخطوة الولى فى طريق النجاح ! ويكفممى –‬
‫فى مبدأ المر – أن تممدور المعركممة حممول الممرأى ! فمعنممى ذلممك أن‬
‫الموضوع قابل للمناقشة وأن هناك وجهات نظر مختلفة فيه – ولممو‬
‫كممان بعضممها ضممعيفا غايممة الضممعف وأن الوضمماع القائمممة )المممراد‬
‫إزالتها( ليست حقيقة نهائية مقررة ل تقبل النقاش !‬
‫وما دام قممد تقممرر المبممدأ ‪ ،‬وهممو أن المممر قابممل للنقمماش وليممس‬
‫حقيقة نهائية فمن باب " الحرية ! " ينبغممى أن يسمممح لكممل النمماس‬
‫بإبداء آرائهم سواء كانوا مؤيدين أو معارضين ‪ ،‬ليتاح " للرأى العممام‬
‫" أن يحكم على المر !‬
‫عندئذ تأتى الخطوة " الفنيممة " التاليممة ‪ ،‬وهممى اللحمماح المسممتمر‬
‫علممى وجهممة النظممر المطلوبممة ‪ ،‬والتقليممل التممدريجى مممن الممرأى‬
‫المعارض ‪ ،‬مهما كان قويا فممى حقيقتممه فممى الواقممع الخممارجى )أى‬
‫خارج دائرة الصحافة( ‪ ،‬حتى يخيل للقارئ أن الممراى المعممارض قممد‬
‫خفت بالفعل ‪ ،‬وأن الرأى " المطلوب " أصبح هممو الممرأى الغممالب ‪..‬‬
‫وعندئذ تخفت المعارضة بالفعل بتأثير هذا اليحمماء ‪ ،‬ويتغلممب الممرأى‬
‫المطلوب ‪ ،‬ويقال إن " الرأى العممام ! " قممد اقتنممع بالقضممية وأصممبح‬
‫من المتحمسين لها ! وترفع المرأة الزائفة أمام الناس فيظممن كممل‬
‫واحد أن الخرين كلهم قد اقتنعمموا ولممم يبممق مممترددا أو معارضمما إل‬
‫هو ! فيقتنع هو الخر باليحاء !‬
‫وتبقى – دائما بطبيعة الحال – قلة صلبة فممى معارضممتها تممأبى أن‬
‫تذوب سواء كانت معارضتها ناشئة عن إيمان حقيقى بمبدأ معين أو‬
‫حقيقة معينة ‪ ،‬أو لى سبب آخر ‪ ..‬وهذه يجرى التخلص منها بصورة‬
‫من الصممور ‪ ،‬إممما بمحاولممة الشممراء ‪ ،‬وإممما بتشممويه السمممعة ‪ ،‬وإممما‬
‫بالتصفية البدنية إذا لم تفلح جميع الوسائل فى ثنيها عن موقفها !‬
‫وهكذا ارتفعت صيحات المعارضة فممى كممل مممرة طممولب للمممرأة‬
‫فيها بحقوق جديدة ‪ ،‬ثم لنت المعارضة أو لينت ‪ ،‬وخفتت الصمموات‬
‫بعد حين ‪ ،‬وبقى الرأى " المطلوب " وحده مرتفع الراية فى الفاق‬
‫‪ ،‬وقيل إنه " التطور الحتمى " الذى لبد أن يأخذ مجراه ‪،‬وإن عجلة‬
‫التطور ستسحق كل من يقف لها فى الطريق !‬

‫دخلت المرأة البرلمان لعبة مسلية أكممثر مممما هممى واقممع جممدى !‬
‫ولم يتغير كممثيرا حممال المممرأة بهممذه اللعبممة مممن ناحيممة " الحقمموق "‬
‫المطلوبة ‪ ،‬وكلنها – من وجوه أخرى – تغيرت كثيرا ول شك !‬
‫كممانت " القضممية " فممى أثنمماء ذلممك قممد سممارت مسممارات شممتى ‪،‬‬
‫وطرقت أبوابا جديدة ‪..‬‬
‫طالبت المرأة – أو طولب لها – بحق التعليم ‪..‬‬
‫وقد كان تعليم المرأة فى المجتمممع الجمماهلى الوروبممى يتممم فممى‬
‫أضيق الحدود ‪ ..‬فأما أصحاب القصممور فيعلمممون بنمماتهم فممى داخممل‬
‫قصورهم فيممأتى المربممون والمربيممات والمعلمممون والمعلمممات إلممى‬
‫داخل القصر فيعلمون البنات تعليما " أرستقراطيا " يصممنع منهممن "‬
‫سيدات قصور " !‬
‫وأممما " الشممعب ط فل يكمماد يعممرف هممذه القضممية ‪ ،‬قضممية تعليممم‬
‫البنممات ‪ ..‬فإنممما يتعلمممن – داخممل الممبيوت – إدارة الممبيوت وفنممون‬
‫الطهى وتربية النشء ‪ ،‬وتربية الدواجن والماشية والغممزل والنسمميج‬
‫اليدوى وما إلى ذلك من فنون المعاش ‪.‬‬
‫وقليلت من يتعلمن فى المدارس ‪ ،‬أكثرهن يتوقفن عنممد مرحلممة‬
‫ابتدائية وأقل القليل من يتعلمن فن التدريس أو فن التمريض ‪..‬‬
‫أما التعليم بمعناه العام فلم يكن يخطر على بال أحد من الرجال‬
‫– ول النساء – يومئذ أنه فى يوم من اليام يكون !‬
‫وما حاجة المرأة إلى التعليم ؟ وما حاجتها إلى العلم ؟ إنممما هممى‬
‫لتتزوج وتحمل وتلد وترضع ‪ ،‬وتكون ربة بيت" ‪. "1‬‬
‫ولكن " القضية " المشممتعلة مممدت لسممانا مممن اللهيممب نحممو هممذا‬
‫الميدان فاشتعل بنيران المعركة ‪ ،‬واتسممعت القضممية – الممتى كممانت‬
‫فى أساها قضية المساواة مع الرجل فى الجر – فشملت فممى كممل‬
‫يوم أبعادا جديدة لم تكن لها من قبل ‪ ،‬وترتب علممى هممذه التوسممعة‬
‫الجديدة آثار خطيرة لم تكن فى بال أحد من قبل على الطلق ‪.‬‬
‫هل كان فى بال المخططين أنفسهم كل هذه البعاد وممما يممترتب‬
‫عليها من آثار ؟!‬
‫ربما لم يكن ذلك كذلك !‬
‫ولكن كل خطوة كانت تقربهممم إلممى أفممق جديممد يكتشممفون أنهممم‬
‫يستطيعون منه إحكام الرمممى ‪ ،‬أممما الهممدف فواضممح لهممم مممن أول‬
‫لحظة ‪ ،‬وهو تحطيم الدين والخلق والتقاليممد ‪،‬وأممما الوسممائل فهممى‬
‫‪1‬‬

‫" " يلحظ أن المجتمع السلمى انحدر إلى هذه النظرية فى القرون الخيرة حين بعد عن حقيقة السلم ‪ ،‬فأوجد‬
‫أمام الشياطين ذات الثغرة التى نفذوا منه لفساد المرأة فى أوروبا ‪.‬‬

‫كل الوسائل المتاحممة فممى كممل لحظممة ‪ ،‬حممتى تتمماح وسممائل جديممدة‬
‫فتستخدم على التو !‬
‫ولقد أتاح لهم استخدام قضية التعليم وسائل هائلممة جممدا لتحقيممق‬
‫الهدف المطلوب ‪ ،‬ربما لم تكممن كلهمما فممى حسممبانهم يمموم بممدءوا "‬
‫اللعبة " ‪ ،‬ولكن كل خطوة كممانت تكشممف لهممم المكانيممات المتاحممة‬
‫للخطوة التالية فيسارعون إلى التحضير لهمما حممتى إذا جمماءت كممانوا‬
‫هم حاضرين !‬
‫كانت قضية التعليم من أشد القضايا إثارة للمعارضة فى المجتمع‬
‫الوروبى الجاهلى ‪ ..‬وكانت عنجهية الرجل فيها على أشدها ‪ ..‬فقممد‬
‫كان التعليم خلل قرون طويلة حقمما للرجممل وحممده ‪ ،‬ل تنممازعه فيممه‬
‫المرأة ول ينبغى لها أن تنازعه فيه ‪.‬‬
‫وصيغت خلل القرون " نظريمات " حممول عقممل المممرأة وقابليتهمما‬
‫للتعلم ‪ ،‬خلصتها أن المرأة ل يمكن أن تتعلم ! هكذا خلقها الممه ! ل‬
‫تصلح أساسا للتعليم ! ل تفهممم ! إل تلممك الشممياء الصممغيرة التافهممة‬
‫التى تناسب عقليتها وطبيعتها من رعاية النشممء )لن عقلهمما صممغير‬
‫كعقل الطفال فهى أقممرب إلممى مسممتواهم ‪ ،‬ومممن ثمم فهممى أصملح‬
‫لتربيتهم فى سنواتهم الولى حممتى " يعقلمموا " فيتممولهم الرجممال !(‬
‫وإدارة شئون المنزل والغزل اليدوى والنسيج اليدوى وما أشبه ذلك‬
‫من الفنون ‪..‬‬
‫أما العلم ‪ ..‬فل ! تلك مزية الرجل التى حباه الله بها فمماختص بهمما‬
‫خلل القرون ‪..‬‬
‫أو تجئ المرأة اليوم فتنازعه هذا الختصاص ؟! وأنى لها وهى لم‬
‫تهيأ أصل لتلقى التعليم ؟‬
‫وماذا تفعممل بممالتعليم بعممد أن تممتزوج وتصممبح ربممة بيممت ؟ فعنممدئذ‬
‫تستوى المتعلمة والجاهلة ‪ ،‬إذ أن هممذا أمممر تقمموم بممه الجاهلممة خيممر‬
‫قيام ول يلزمها من أجله العلم ‪ ،‬ولن تقوم به المتعلمة خيممرا منهمما ‪،‬‬
‫بل قد تتفوق الجاهلة عليها لنها نالت من الدربة والخبرة فيممه ممما ل‬
‫يتاح للمتعلمممة الممتى تقضممى شممطر وقتهمما بعيممدا عممن الممبيت ‪ ،‬وهممو‬
‫الميدان الصلى للتدريب ‪.‬‬
‫ولقد كان فى هذا الكلم كثير من الباطيل ول شك ‪ ،‬وكان متأثرا‬
‫تأثرا شديدا بالنظرة الكنسية المتزمتة إلمى الجنمس ‪ ،‬وإلمى الممرأة‬
‫التى يتمثل فيها الجنممس بالنسممبة إلممى الرجممل ‪ ،‬تلممك النظممرة الممتى‬
‫وصلت إلى حممد أن ‪ :‬فلسممفة " فممى القممرن السممابع عشممر كممانت "‬
‫تتفلسف " فى هذا الشأن فتتساءل ‪ :‬هل للمرأة روح أم ليممس لهمما‬

‫روح ؟ وإذا كان لها روح فهممل هممى روح إنسممانية أم روح حيوانيممة ؟‬
‫وإذا كانت روحا إنسممانية فهممل هممى مممن جنممس روح الرجممل أم مممن‬
‫درجة أدنى ؟!‬
‫ولكن وجها واحدا للحق كان قائما فمى همذا الكلم كلمه المحتموى‬
‫على كل تلك الباطيل ‪ ،‬هو أن التعليم – على النحو الذى كمان يمراد‬
‫ويخطط له – كان يشغل المرأة عن وظيفتها الساسية ويحولها إلى‬
‫وجهات أخرى تتلقفها فيها الشياطين !‬
‫هل اليهود ينشئون الحممداث علممى هممواهم بتممدبيرهم الممماكر كممما‬
‫يقول وليم كار ؟!‬
‫كل ! إنما هم يستغلون الحداث ‪ ،‬ويتربصون لينفذوا من أى ثغرة‬
‫تعرض لهم فى حياة " المميين " ولكنهم ل ينشممئون الحممداث مممن‬
‫عند أنفسهم مهما خططوا ومعهما دبروا مئات من السنين أو ألوفمما‬
‫من السنين !‬
‫فلول أن الجاهلية الوروبية شمغلت المممرأة بنصممف أجممر الرجممل ‪،‬‬
‫فمممن أيممن كممان لليهممود أن ينشممئوا للمممرأة قضممية ؟ ولممول أن تلممك‬
‫الجاهلية حرمتها من التعليم تحقيرا وامتهانا لها فمن أين كان لليهود‬
‫أن يوسعوا القضية حتى تشمل تعليم المرأة ‪ ،‬ثم يحدثوا عن طريق‬
‫تعليمها كل ما أحدثوا من الفساد ؟!‬
‫كل ! إن " المميين " هممم الممذين يممتيحون الفرصممة – بأعمممالهم –‬
‫ليستحمرهم شعب الله المختار ويركمب ظهممورهم ‪ ،‬ولممول أعمممالهم‬
‫الخاطئة تلك ما استطاع شعب الله المختار أن يركممب ‪ ،‬مهممما كممان‬
‫فى قلبه من الغل ‪ ،‬ومهما كان فى عقله من التدبير ‪.‬‬
‫‪m m m‬‬
‫ونمضى مع قصة تعليم المرأة فنجممد المعارضممة الثممائرة فممى أول‬
‫المر ‪ ،‬ثم نجد هذه المعارضة تخفت رويدا رويممدا ويمضممى ممما كممان‬
‫يبدو مستحيل فى مبدأ الطريق !‬
‫عند بدء المعركة طالب المطالبون بإنشمماء تعليممم ل ببعممد المممرأة‬
‫إبعادا كامل عن وظيفتها ‪ ،‬وإن كمان يبعممدها – دون شمك – إلمى حممد‬
‫غير قليل ! فقممد أنشممئ لهمما تعليممم " نسمموى " يحمموى العلمموم الممتى‬
‫تعطى للولد ‪ ،‬مضافا إليها دروس فى تدبير المنزل ورعاية النشممء‬
‫وبعض الفنون النسوية كشغل البممرة والتفصمميل والخياطممة ‪ ..‬الممخ ‪،‬‬
‫وكان هذا مجرد خطمموة خطمموة فممى الطريممق ‪ ،‬حممتى يحيممن المموقت‬
‫الذى تلغى فيه المواد النسوية إلغاء كامل ويتم " ترجيل " المرأة ‪.‬‬

‫كذلك طالب المطالبون بتوفير الصيانة الخلقية التامة للفتاة التى‬
‫تذهب إلى المدرسة ‪ ،‬فتذهب فى سيارة مقفلة مغطمماة بالسممتائر ‪،‬‬
‫أو يممذهب معهمما ذووهمما ويعممودون بهمما بحيممث ل تتعممرض للفتنممة فممى‬
‫الطريق !‬
‫والحكمة فى هذا وذاك واضحة !‬
‫فلو أن المخططين كشفوا عن وجمموههم دفعممة واحممدة ‪ ،‬ودفعمموا‬
‫الفتاة الذاهبممة إلممى المدرسممة للتممبرج مممن أول لحظممة ‪ ،‬أو دفعوهمما‬
‫للنسلخ الكامل م‪ ،‬أنوثتها فأى أب كان يبعث بابنته إلى المدرسة ‪،‬‬
‫والتيار المعارض جارف والحملة ضد تعليم المرأة قائمة علممى قممدم‬
‫وساق ؟!‬
‫لبد من طمأنة أولياء المممور طمأنممة كاملممة فممى مبممدأ الطريممق ‪،‬‬
‫حتى يرسلوا ببناتهم إلى المدرسة ‪ ،‬وعندئذ – بعد أن يذهبن بالفعممل‬
‫– يكون لنا معهن دور أى دور !‬
‫ورويدا رويدا ‪ ..‬على مدى طويل بطئ " ‪ "1‬ظلت المواد النسوية‬
‫تتضاءل بحجممة عممدم الثقممال علممى الفتمماة ‪ ..‬أو بأيممة حجممة أخممرى !‬
‫وتقترب المناهج بين البنات والبنين حتى صارت متطابقة تماما فممى‬
‫آخر المر ‪ ..‬مناهج رجالية كاملة !!‬
‫ورويدا رويدا كممذلك وبنفممس البطممء بممدأت المدرسممة تتحلممل مممن‬
‫القيود الصارمة التى فرضت عليها – بعناية – فى مبدأ المممر ! فلممم‬
‫تعممد السممارة مغطمماة بالسممتائر ‪ ،‬ولممم يعممد ذووهمما يوصمملونها إلممى‬
‫المدرسة أو يعودون بها إلى البت !‬
‫وجاء الوقت الذى تقدمت فيه الفتيات إلى الشهادة الثانوية علممى‬
‫مناهممج البنيممن كاملممة بل زيممادة ول نقصممان ‪ ،‬وحممدثت " المعجممزة "‬
‫فنجحممت الفتيممات فممى المتحممان الموضمموع أل للبنيممن ‪ ،‬بممل تفمموقن‬
‫عليهم فى غير قليل من الحالت !‬
‫وحدثت ضجة هائلة – فى الصحافة بصفة خاصممة – لممم تهممدأ مممن‬
‫قريب !‬
‫ها هى ذى الفتمماة الممتى قلتممم عنهمما إنهمما ل تفهممم ول تسممتطيع أن‬
‫تتعلم ‪ ..‬ها هى ذى التى قلتم عنها إنها أقل ذكمماء مممن الفممتى وأقممل‬
‫قدرة على الستيعاب ‪ ..‬ها هى ذى التى قلتم عنهمما إنهمما ل تصمملح –‬
‫إن صلحت على الطلق – إل للمناهج النسوية الخالصممة ‪ ..‬همما هممى‬
‫ذى تدخل ذات المتحان مع الفتى فتجاريه بل تتفوق عليه !‬
‫‪1‬‬

‫" " هناك مثل إنجليزى يقول ‪ :‬بطئ ولكنه أكيد المفعول ‪ ، Slow but Sure‬وعلى ذات الحكمة يسير اليهود فى تنفيذ‬
‫مخططاتهم حتى ل يتنبه المميون من غفلتهم ‪.‬‬

‫أرأيتم أيها الرجعيون ؟ ! أرأيتم ايها الظالمون ؟! أرأيتم يا جنممس‬
‫الرجال ؟! أيها المغرورون ! أيها المتعصبون!!‬
‫ولئن كان نجاح الفتاة قد قوبل بالستغراب الكامل فممى الغممرب ‪،‬‬
‫فما ينبغى أن يستغرب فى الحقيقة ‪ ،‬فقدرة الفتمماة علممى التحصمميل‬
‫العلمى ل تفترق عن قدرة الفتى حين تتخصص لها وتوليها جهدها ‪..‬‬
‫أما تفوق الفتاة أحيانا فقد كان مرجعه إلى روح التحدى مممن جهممة ‪،‬‬
‫وانقطاع الفتاة للستذكار فى المنزل بينما الولد مشممغولون – فممى‬
‫الشارع – بألوان من النشاط ل تمارسها الفتيات فى ذلك الحين !‬
‫وليسممت القضممية – كممما أثارتهمما الجاهليممة مممن جانبيهمما ‪ ،‬جممانب‬
‫المعارضة وجانب التأييممد – هممى القممدرة علممى التحصمميل علممى ذات‬
‫المستوى عند كل من الجنسين ‪ ،‬إنما القضية هى العداد المناسممب‬
‫لوظيفة كل من الجنسين واسممتعداده النفسممى بصممرف النظممر عممن‬
‫قدرته العقلية ‪.‬‬
‫يقول الدكتور ألكسيس كاريل فى كتاب " النسان ذلك المجهول‬
‫‪) L’Homme cet unconnu‬ص ‪ 109 – 108‬من الطبعة الثالثة من‬
‫الترجمة العربية لشفيق أسعد( ‪.‬‬
‫" إن الختلفات الموجودة بين الرجل والمرأة ل تأتى من الشكل‬
‫الخاص للعضمماء التناسمملية ‪ ،‬ومممن وجممود الرحممم والحمممل ‪ ،‬أو مممن‬
‫طريقة التعليم ‪ ،‬إذ ا‪،‬ها ذات طبيعة أكثر أهمية من ذلك ‪ .‬إنهمما تنشممأ‬
‫من تكوين النسجة ذاتها ومن تلقيح الجيم كله بمواد كيمائية محددة‬
‫يفرزهمما المممبيض ‪ ..‬ولقممد أدى الجهممل بهممذه الحقممائق الجوهريممة‬
‫بالمدافعين عن النوثة إلى العتقاد بممأنه يجممب أن يتلقممى الجنسممان‬
‫تعليما واحدا ‪ ،‬وأن يمنحا قوى واحدة ومسئوليات متشابهة ‪..‬‬
‫والحقيقة أن المرأة تختلف اختلفا كبيرا عن الرجل ‪ ..‬فكل خليممة‬
‫مممن خليمما جسمممها نتحمممل طممابع جنسممها ‪ ..‬والمممر نفسممه صممحيح‬
‫بالنسممبة لعضممائها ‪ ..‬وفمموق كممل شممئ بالنسممبة لجهازهمما العصممبى ‪.‬‬
‫فالقوانين الفسيولوجية غير قابلة لين مثل قوانين العالم الكوكممبى ‪.‬‬
‫فليس فى المكان إحلل الرغبات النسانية محلها ‪ .‬ومن ثم فنحممن‬
‫مضطرون إلى قبولها كما هى ‪ .‬فعلى النساء أن ينمين أهليتهن تبعا‬
‫لطبيعتهن ول يحاون تقليد الذكور ‪ ،‬فإن دورهن فى تقممدم الحضممارة‬
‫أسمى من دور الرجممال ‪ ،‬فيجممب عليهممن أل يتخليممن عممن وظممائفهن‬
‫المحددة ؟ ‪.‬‬
‫ولكن الجاهلية – مممن جانبيهمما كممما قلنمما – ركممزت علممى المقممدرة‬
‫العقلية أكثر مممن أى شمئ آخممر ‪ ،‬فخسممر المعارضممون حيممن نجحممت‬

‫الفتاة بل تفوقت أحيانا على الولد ‪ ،‬وهلممل المممدافعون وأمنونما فممى‬
‫إثارة الضجة حول قدرة الفتاة الممتى ل تقممف عنممد حممد ‪ ،‬ومسمماواتها‬
‫التامة للرجل فى كل شئ !‬
‫حقيقممة إن قضممية الوظيفممة والسممتعداد النفسممى قممد أثيممرت مممن‬
‫جانب المعارضين ‪ ،‬ولكنها أثيرت بروح التحقير والمتهممان ‪ ،‬ل علممى‬
‫أساس توزيع الوظائف والتكاليف على شممقى النفممس الواحممدة مممع‬
‫المساواة فى النسانية كما قال رب العالمين ورسوله الكريم صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫جهَمما { ]سممورة النسمماء‬
‫حد َةٍ وَ َ‬
‫} َ‬
‫س َوا ِ‬
‫خل َقَ ِ‬
‫م ِ‬
‫من ْهَمما َزوْ َ‬
‫خل ََقك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ن َْف ٍ‬
‫‪[4/1‬‬
‫عامل منك ُمم ممن ذ َك َمر أوَ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م أّني ل أ ِ‬
‫جا َ‬
‫ست َ َ‬
‫}َفا ْ‬
‫ضيعُ عَ َ‬
‫م َرب ّهُ ْ‬
‫ب ل َهُ ْ‬
‫ٍ ْ‬
‫ل َ ِ ٍ ِ ْ ْ ِ ْ‬
‫أُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ض{ ]سورة آل ‪[3/195‬‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ك‬
‫ض‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ثى‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ة‬
‫حَياةً طي ّب َ ً‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫صاِلحا ً ِ‬
‫ن عَ ِ‬
‫ه َ‬
‫ن فلن ُ ْ‬
‫حي ِي َن ّ ُ‬
‫ن ذ َكرٍ أوْ أنَثى وَهُوَ ُ‬
‫} َ‬
‫ل َ‬
‫م ٌ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن )‪] {(97‬سممورة النحممل‬
‫مل ُممو َ‬
‫م ب ِأ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫وَل َن َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ما ك َمماُنوا ي َعْ َ‬
‫ن َ‬
‫جَرهُ ْ‬
‫جزِي َن ّهُ ْ‬
‫س ِ‬
‫‪[16/97‬‬
‫" إنما النساء شقائق الرجال " " ‪. " 1‬‬
‫لذلك كانت موضع الرفض الكامل من الفريق الذى تصدى للدفاع‬
‫عن المرأة ‪ ،‬وكانت موضعا لتنديممدهم بعنجهيممة الرجممل المتغطممرس‬
‫على غير أساس !‬
‫وما نقول إن إثارتها على النحو الصحيح كممما شممرعها اللممه كممانت‬
‫سممتجدى شمميئا فممى الدوامممة الممتى أثيممرت حممول "قضممية المممرأة "‬
‫ووجهت توجيها معينا منذ البدء يخدم أغراض الشياطين ‪ ،‬إنما نقول‬
‫إنه لو كانت الحياة فى المجتمع قممد سممارت منممذ البممدء علممى هممدى‬
‫المنهج الربانى لما وجد الشياطين قضية يثيرونها ويلعبون بهمما علممى‬
‫النحو الخطير الذى فعلوه ‪.‬‬
‫وحين نجحت الفتاة فى الدراسة وسمماوت الولممد أو تفمموقت عليممه‬
‫أحيانا فهل كان هناك شك فى الخطوة التالية ؟!‬
‫طالبت – أو طولب لها – بدخول الجامعة !‬
‫ويبدو المر طبيعيا جدا ومنطقيا جدا ‪ ..‬بينما تبدو المعارضة قائمة‬
‫على خير أساس !‬
‫وعلى أى حال فقد قامت المعركة المعتادة كما قممامت مممن قبممل‬
‫مع كل خطوة سابقة وكما قامت من بعد فى كل خطوة لحقة ‪.‬‬
‫قال المعارضون ‪ :‬إن نجاحها فممى المرحلممة الثانويممة ل يعتممبر دليل‬
‫‪1‬‬

‫" " سورة النحل ]‪[97‬‬

‫على مقدرتها علممى الدراسممة الجامعيممة ‪ ،‬فالجامعممة شممئ آخممر غيممر‬
‫الدراسة الثانوية !‬
‫وقالوا ‪ :‬إن التعليم الجامعى ل يناسب طبيعتها )وهى هنا الطبيعة‬
‫الرقيقة اللطيفة( فهةو تعليم جاف ل يناسب إل الذكور !‬
‫وقالوا ‪ :‬إن مكان الفتاة الطبيعى هو الممبيت ‪ ،‬لتكممون زوجممة وأممما‬
‫وراعية أطفال ‪ ،‬وليس هو الجامعة البعيدة كممل البعممد عممن طبيعتهمما‬
‫والمعطلة لها عن وظيفتها طوال مدة الدراسة ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنها تفعل بالدراسممة الجامعيممة ؟ وممما حاجتهمما إليهمما حيممن‬
‫تصبح ربة بيت وزوجة وأم أطفال ؟!‬
‫وقالوا ‪ :‬إنها تممتزوج – عممادة – فممى السادسممة عشممرة أو السممابعة‬
‫عشرة ‪ ..‬فمتى تذهب إلى الجامعة ؟!‬
‫وقالوا ‪ :‬إن ذلك يخالف التقاليد ‪..‬‬
‫وصمد " المدافعون عن حقوق المرأة " ‪ ..‬لهذه الهجمممات كلهمما ‪،‬‬
‫وكأنهم – الن – قممد اصممبحوا يعرفممون النتيجممة ! إنهمما مسممألة وقممت‬
‫فحسب !‬
‫أما المخططون فما كانوا ليكشفوا أوراقهم كاملة من أول لحظة‬
‫فذلك ينافى " فن " اللعب ‪ ،‬كما أنه قمين بإفساد اللعبة بكاملها !‬
‫أيقولون للناس الن ماذا يريممدون أن يفعلمموا بقضممية المممرأة فممى‬
‫المستقبل فيحجم الباء عن إرسال فتياتهم إلى الجامعة ‪ ،‬بل تحجم‬
‫الفتيات أنفسهن بالبقية الباقية فيهن من الدين والخلق والتقاليد ‪..‬‬
‫والحياء ! الحياء النثوى الفطرى الذى خلقممه اللممه ‪ ،‬والممذى يخطممط‬
‫لفساده شعب الله المختار !‬
‫كل ! إنممما يممترك ذلممك للتخطيممط البطممئ ‪ ..‬بطممئ ولكنممه أكيممد‬
‫المفعول !‬
‫قال المدافعون ‪ :‬إن الفتاة ستثبت جدارتها فى التعليممم الجممامعى‬
‫كممما أثبتممت جممدارتها مممن قبممل فممى التعليممم الثممانوى ‪ .‬وكنتممم أيهمما‬
‫الرجعيون المتزمتون تشككون فى قدرتها على تلقممى علمموم الولد‬
‫فى المرحلة الثانوية ونجاحها فيها فهزمكم الواقع وأسممقط حجتكممم‬
‫وألجم أفواهكم ! وسمميتبين لكممم غممدا أنكممم كنتممم واهميممن بالنسممبة‬
‫للتعليممم الجممامعى كممما كنتممم واهميممن مممن قبممل بالنسممبة للتعليممم‬
‫الثانوى ‪ ..‬فقط اتركوا لها الفرصة لتثبت مقممدرتها ! كيممف تحكمممون‬
‫على شئ لم تجربوه بعد ؟!‬
‫وقممالوا ‪ :‬إن الرجممل يخشممى المنافسممة ! يخشممى علممى مكممانته "‬
‫التقليدية " أن تنافسيه فيها المرأة فيفقد هذه المكانة ! إنهمما عقممدة‬

‫النقص ! لو كان الرجل واثقا من نفسه ممما خشممى المنافسممة ! إنممه‬
‫يلجأ إلى " التقاليد " ليحمى امتيازاته ! تلك التقاليد البالية المتعفنمة‬
‫التى ينبغى أن تزول ! التقاليد التى تحتقر المرأة وتمتهنهمما وتجعلهمما‬
‫مستعبدة للرجل ! ل عبودية بعد اليوم !‬
‫وقالوا ‪ :‬إن الدراسة الجامعية ل تمنع المرأة عن وظيفتهمما ‪ ..‬فممما‬
‫الذى يمنعها أن تتزوج ؟ فقممط تؤجممل الممزواج بضممع سممنوات ! ومممن‬
‫أرادت أن تتزوج وتترك الدراسة الجامعية فمن يمنعها !‬
‫وقالوا ‪ :‬إن الدراسة الجامعية – علممى العكممس – توسممع مممداركها‬
‫وتوسع آفاقها فتعينها على أداء وظيفتها ! أتريدون أن تكون أمهممات‬
‫أطفممالكم جمماهلت ؟ أو ليممس الخممبير لكممم أن تكممون الم متعلمممة‬
‫فتحسن تربية أولدها ؟!‬
‫وقالوا ‪ :‬إن الفتاة يمكممن أن تختممار مممن الدراسممات الجامعيممة ممما‬
‫يناسب طبيعتها " الرقيقة اللطيفة " فتدرس الدب فى كلية الداب‬
‫‪ ..‬أليست الفتاة رقيقة المشمماعر رقيقممة المممزاج ؟ أو ليممس الشممعر‬
‫والدب يرقممق المشمماعر ويوسممع الخيممال ؟! فممأى ممما نممع لممديكم ؟!‬
‫وتدرس الطب لتطبب النساء ‪ ..‬أى مانع لديكم ؟! وتتخرج مدرسممة‬
‫لتعليم البنات ‪ ..‬أى مانع لديكم ؟!‬
‫ولكن بقيت – مع كل ذلك – عقبة غيير ذلول ‪..‬‬
‫التعليم الجامعى معناه الختلط ‪ ..‬اختلط الفتيممات بالشممبان فممى‬
‫الجامعة ‪ ..‬ودون ذلك يحول الدين والخلق والتقاليد ‪) ..‬ولممم يفكممر‬
‫أحد – ممن طرفمى الجاهليمة ‪ :‬المؤيمدين والمعارضمين – فمى عممل‬
‫جامعات نسوية خاصة بالفتيات !( ‪.‬‬
‫وكانت تلك العقبة هى البندقة الصممعبة الكسممر كممما يقولممون فممى‬
‫أمثالهم ‪ ..‬فقد تشبث المعارضون بالتعلق بالدين والخلق والتقاليممد‬
‫فى وجه قضية الختلط ‪ ،‬واحتمال الممدافعون لمتزيين الختلط فمى‬
‫بادئ المر ‪ ،‬ثم لجأوا فى النهاية إلى الكممف عممن وجمموههم جهممرة ‪،‬‬
‫ومهاجمة الدين والخلق والتقاليد مهاجمة صريحة حين أصممبح ذلممك‬
‫– بالدق المستمر – أمرا فى حيز المكان ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬ل تخافوا ! لن يحدث شئ على الطلق !‬
‫إنها ل تختلط به فى رقص ول لهو ! إنها تختلط به اختلطا " بممرئا‬
‫" فى جو علمى خالص ‪ ،‬تنحت إشراف السممتاذ وسمممعه وبصممره ‪..‬‬
‫الستاذ هو الوالد والمربى والموجه لكل السباب والفتماة فممى قاعمة‬
‫الدرس ‪ ،‬وتحت إشرافه التربوى التمموجيههى يجلممس الفممتى والفتمماة‬
‫سمماعة مممن المموقت يتلقممون العلممم ويتناقشممون فممى قضممايا علميممة‬

‫وإنسانية واجتماعية وفكرية ‪ ..‬فأى جممو أطهممر نممم هممذا الجممو ‪,‬اقممدر‬
‫على رفع المشاعر وتهذيب الخلق ؟! من ذا الذى يخطر له – فممى‬
‫هذا الجو ‪-‬أن يسئ الدب أو يسئ إلممى الخلق أو تخطممر فممى بمماله‬
‫خاطرة من خواطر الفساد ؟!‬
‫بل إن الختلط ذاته أداة للتهذيب !‬
‫أل ترون إلى الشبان فممى مجتمعمماتهم كيممف تجممرى بينهممم ألفمماظ‬
‫الخشنة واللفاظ الخارجة ‪ ..‬أيجرؤ أحدهم – فى حضممرة الفتيممات –‬
‫أن يلفظ بلفظ خارج ؟‬
‫بل إن الختلط أداة لنفى خواطر الجنس !‬
‫أل ترون أن صورة المرأة فى حس الرجممل – لنهمما بعيممدة عنممه –‬
‫هى صورة الجنس ؟ وأن صممورة الرجممل فممى حممس المممرأة – لنهمما‬
‫بعيدة عنممه – هممى صممورة الجنممس ظ ‪ ..‬فممإذا التقيمما فممى هممذا الجممو‬
‫الطممماهر المممبرئ ‪ ..‬جمممو العلمممم والقضمممايا الفكريمممة والنسمممانية‬
‫والجتماعية ‪ ،‬كف الرجل عن النظر إلى المرأة على أنهمما " أنممثى "‬
‫وفكر فيها على أنها " امرأة " ‪ ..‬أنها إنسانة ‪ ..‬أنها شريكة فى أمور‬
‫الحياة ‪ ..‬وكفت المرأة كذلك عن التفكير فى الرجممل علممى أسمماس‬
‫الجنمممس والعلقمممات الجنسمممية ‪ ،‬ورأت فيمممه الزميمممل والشمممريك‬
‫والنسان ‪..‬‬
‫أى تهذيب للجنس أشد من ذلك التهذيب ؟!‬
‫وابتلع " المميون " الكأس المسمومة ‪ ..‬وشربوها حتى الثمالة !‬
‫ول شك أن المميين ما كانوا ليدركوا أبعمماد اللعبممة بكاملهمما ‪ ..‬وإل‬
‫فإن البقية الباقية من الدين والخلق التقاليد كانت قمينة أن تردهم‬
‫عن الخوض فى المسممتنقع السممن لممو رأوه علممى حقيقتممه منممذ أول‬
‫خطوة ‪ ،‬مع كل المعركممة القائمممة ضممد الكنيسممة ‪ ،‬ومممع كممل المموهن‬
‫الممذى أصمماب الممدين فممى نفوسممهم ‪ ،‬فممإن الفكممرة ذاتهمما لتنفممر مممن‬
‫المستنقع السن حين تكون فيها بقيممة مممن باقيمما السمملمة أيمما كممان‬
‫مقدارها ‪ ..‬ولكنها ل تعممود تنفممر منممه ‪ ،‬بممل تسممتعذب البقمماء فيممه إذا‬
‫غرقت فيه بالفعل وفقدت كل سمملمتها ولممم يبممق لهمما منهمما شممئ ‪،‬‬
‫وتصبح كدودة الرض التى تعيش فممى الطيممن العفممن ‪ ،‬إذا أمسممكت‬
‫بها لتخرجها أفلتت منك وزادت لصوقا الطين !‬
‫وكلك سار الشياطين بممالمميين ‪ ،‬يجرونهممم خطمموة خطمموة حممتى‬
‫أغرقوهم فى المستنقع السن وجلعوهم يستعذبون البقاء فيه !‬
‫احتدمت المعركة كثيرا بالنسبة لممدخول الفتيممات فممى الجامعممة ‪..‬‬
‫ولكن النهاية كانت كما كان متوقعا منس ير الحداث ‪.‬‬

‫دخلت فتيات قليلت فى مبدأ المر إلى الجامعات معظمهن فممى‬
‫كليات الداب ‪ ..‬وكن بل شك هن أجرأ الفتيات فى ذلك الحين ‪.‬‬
‫وسارت المور سيرا " طبيعيا " فترة من الوقت ‪ ،‬فممما كممان مممن‬
‫الممكن تحطيم التقاليد دفعة واحدة ‪ ،‬وما كان المخططون أنفسهم‬
‫يرغبون فى العجلة – مع لهفتهم الكيدة فى الوصول إلى النتيجممة –‬
‫فقد كانوا يعلمون أن العجلة تفسد اللعبة بأكملها ‪ ،‬وتثير التمموجس ‪،‬‬
‫وتصممدق ظنممون المتشممككين ‪ ،‬وتؤيممد دعمماوى " المتزمممتين " الممذين‬
‫قالوا من أول لحظة إن دخول الفتاة الجامعة نذير شر عظيمم يحمل‬
‫بالمجتمع ‪.‬‬
‫وكل للفتيات حجرة خاصة من أجل راحتهن وزينتهممن وخلمموتهن ‪..‬‬
‫وكن يهرعن إليها فيما بين المحاضممرات لكممى ل ينفممردون بممالطلب‬
‫فى غيبة الستاذ ‪ ،‬الذى يتم فى حضوره " الختلط البرئ " ‪.‬‬
‫ولكن المور لم تظل على هممذه الصممورة ‪ ،‬وليممس مممن شممأنها أن‬
‫تظل ‪ ..‬وكان المخططون يعلمون أنها لن تظل !‬
‫رويدا رويدا بدأت " أجرأ " الفتيات تتلكممأ فل تممذهب إلممى حجرتهمما‬
‫فيما بين المحاضرات ‪ ..‬وبدأ أجرأ الفتيممان يلقممى إليهمما بتحيممة ‪ ..‬ثممم‬
‫حديث ‪ ..‬وجاءت ثانية وثالثة ‪ ..‬وصار من المعتمماد أن يبقمى الفتيممات‬
‫فى الحجرة ل يغادرنها بين الدرس والدرس ‪ ..‬وصار من المعتاد أن‬
‫تجرى التحية ويجرى الحديث ‪..‬‬
‫وكان حديثا " بريئا " دون شممك ! فمنممذا الممذى يملممك أن يتحممدث‬
‫فى ذلك الحين حديثا غير برئ ؟ وأى فتاة مهما يكن من " جرأتها "‬
‫تستطيع – فى ذلك الوقت – أن تتلقى حديثا غير برئ وتتقبلممه أمممام‬
‫الخرين ؟!‬
‫بقية من الحياء ‪ ،‬إن لم يكن هناك دين ول أخلق ول تقاليد !‬
‫وهذه البقية مممن الحيمماء هممى الممتى عمممل الشممياطين علممى قتلهمما‬
‫والقضاء عليها ‪ ،‬فما تصلح الخطة كلها إن بقى عند الفتاة شئ مممن‬
‫هذا الحياء الفطرى الذى خلقممه اللممه فممى الفطممرة السممليمة سممياجا‬
‫يحمى الفتاة من السقوط والتبذل ‪ ،‬وميز به أنثى النسان عن إناث‬
‫الحيوان " ‪ ، "1‬كما جعل لعفة علمة حسية فممى جسممدها ميزهمما بهمما‬
‫عممن إنمماث الحيمموان ‪ ،‬فجعممل أخلق الجنممس جممزءا ل مممن التكمموين‬
‫النفسى وحده ‪ ،‬ولكن من التكوين البيولوجى والفسيولوجى كممذلك‬
‫‪1‬‬

‫" " أشرت فى الجزء الثانى من منهج التربية السلمية إلى قصة كانت مشهورة فى النصف الول من هذا القرن ‪،‬‬
‫حيث عثر على فتاة كانت تعيش منذ طفولتها حتى السابعة عشرة من عمرها مع الغزلن ‪ ،‬عارية تماما بغير حياء ‪،‬‬
‫فاستأنسها العلماء ‪ ،‬وظلوا يستردونها إلى النسانية خطوة خطوة ‪ ،‬فلما بلغت مدى معنيا من الحس البشرى أحست‬
‫– تلقائيا – بحياء النثى الفطرى ‪ ،‬وتغير سلوكها عما كانت عليه من قبل وهى تعيش فى عالم الحيوان ‪.‬‬

‫لنثى النسان ‪.‬‬
‫ولكن الجاهلية المعاصممرة الممتى يقودهمما اليهممود ويقممودون النمماس‬
‫إليها تأبى هذا التميز الفطرى عن الحيوان ‪ ،‬وساء فى قضممية العفممة‬
‫أو فى قضية الحياء ‪ ..‬لن شعب الله المختار ل يريد أن يبقممى علمى‬
‫شئ من آدمية الدميين ‪ ،‬لنهم حينئذ سيرفضون أن يركبهم الشعب‬
‫المختار ويسخرهم لمصالحه ‪ ..‬سيرفضون أن يكونمموا الحميممر الممتى‬
‫تركبها الشياطين ‪.‬‬
‫لذلك جردوا حملتهم على الفتاة لتتلخص مما بقممى مممن حيائهمما ‪،‬‬
‫وتصبح قليلة الحياء !‬
‫قالوا عن الفتاة التى ممما تممزال تحفممظ فممى سمملوكها إنهمما حبيسممة‬
‫التقاليد ! حبيسة القيود الطويلة التى غللتها خلل القرون ! إنهمما ممما‬
‫تزال غيممر واثقممة فممى نفسممها ‪ ،‬مممن تممأثير السملطان الطويممل الممذى‬
‫مارسه الرجل عليها واذل به كرامتهمما ! إنهمما خائفممة ‪ ..‬لنهمما متممأثرة‬
‫بتقاليد المجتمع الزراعى المتأخر ! إنها ل تريد أن تعيممش عصممرها ‪،‬‬
‫الذى حررهمما مممن القيممود وجعلهمما مسمماوية للرجممل ‪ ..‬إنهمما ‪ ..‬إنهمما ‪..‬‬
‫أنها ‪! ..‬‬
‫وفى الوقت ذاته جردوا حملت التشجيع لكل فتاة خلعت حياءهمما‬
‫وأصبحت قليلة الحياء ‪ ..‬فالمجلت تنشر الصور ‪ ،‬وتشمميد " بممالتحرر‬
‫" وتكتب التعليقات التى تجعل كل فتاة تتمنى أن لو استطاعت من‬
‫لحظتها أن تتجرد من حيائها كله لتصممبح شممهيرة ومعروفممة وموضممع‬
‫حديث بين الناس ‪ ..‬والشممهرة شممهوة ل ينجممو مممن جممذبها أحممد مممن‬
‫البشر – رجال أو نساء – إل من رحمم ربمك ‪ ،‬وبصمفة خاصمة شمهوة‬
‫نشر الصورة بوسيلة من وسممائل العلم ‪ ..‬فكيممف إذا كممانت الفتمماة‬
‫جميلة ؟ والشياطين يبدأون دائما بالجميلت !‬
‫ومع ذلك فقد استغرق الشياطين قرابة نصف قرن حتى أذابوا أو‬
‫أزالوا البقية الباقية من الحياء ‪ ،‬كما أزالوا البقية الباقية مممن الممدين‬
‫والخلق والتقاليد ‪.‬‬
‫امتد الختلط البرئ كما كان متوقعا من حجرة الدرس إلمى فنماء‬
‫الجامعة ‪ ..‬على استحياء أول المر ‪ ..‬ل تنفرد فيه فتمماة وحممدها مممع‬
‫فتى بمفممرده ‪ ،‬حممتى ل تضمميع سمممعتها بيممن الفتيممات أنفسممهن قبممل‬
‫الشبان ‪ ..‬ثممم تقممدمت " أجممرأ " الفتيممات ‪ ،‬أى أقلهممن حيمماء فقبلممت‬
‫دعوة أجرأ الشبان إلى الوقمموف أو المسممير معهمما لحظممة منفرديممن‬
‫فى الفنمماء ولكممن فممى غيممر عزلممة عممن الجممموع ‪ ،‬وفممى أدب ظمماهر‬
‫للجميع ‪.‬‬

‫وما هى إل أن يتعود الطلب المنظر – والنفس تتبلد على المنظر‬
‫المكرور حتى تفقد حساسيتها له ‪ ،‬ما لم تكن تصدر عن عقيدة حية‬
‫وإيمان حى بقيم ومثل مضادة – ما هممى إل أن يتعممود الطلب حممتى‬
‫يتكرر المنظر بين أزواج متعددين من أجرأ الفتيات وأجرأ الفتيممان ‪،‬‬
‫حتى يصبح المر عاديا وميسرا ل يحتاج إلى " جرأة " فيقتحمه كممل‬
‫فتى وتقتحمه كل فتاة !‬
‫وحين يصبح الجميع كذلك أو الغلبية فلبد – فى طبائع الشممياء –‬
‫أن يخطو المر خطوة جديدة إلى " المام" !‬
‫إنمه – لهممذا – جعممل اللمه معيممار الخيريممة فممى أيممة أمممة هممو المممر‬
‫بالمعروف والنهى عن المنكر ‪ ،‬ومثار اللعنة على أية أمة أل يتنمماهى‬
‫فيها عن المنكر ول يؤمر بالمعروف ‪.‬‬
‫ْ‬
‫خير أ ُمة أ ُ‬
‫ن‬
‫ما‬
‫م‬
‫ن‬
‫لل‬
‫ت‬
‫ج‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫م َ َْ ّ ٍ‬
‫ف وَت َن ْهَموْ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫َ‬
‫ن ب ِممال ْ َ‬
‫س ت َمأ ُ‬
‫ْ‬
‫}ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ن عَم ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ه{ ]سورة آل ‪[3/110‬‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫منك َرِ وَت ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫سَراِئي َ‬
‫سممى‬
‫داُوود َ وَ ِ‬
‫ن ك ََفُروا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ن َ‬
‫عي َ‬
‫ل عَل َممى ل ِ َ‬
‫ن ب َِني إ ِ ْ‬
‫سمما ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫}ل ُعِ َ‬
‫وا وَ َ‬
‫م ذ َل ِ َ‬
‫ن‬
‫ن )‪ (78‬ك َمماُنوا ل ي َت َن َمماهَوْ َ‬
‫دو َ‬
‫كاُنوا ي َعْت َ ُ‬
‫ك بِ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ما عَ َ‬
‫ن ع َم ْ‬
‫ص ْ‬
‫اب ْ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن )‪] {(79‬سممورة المممائدة ‪-5/78‬‬
‫كاُنوا ي َْفعَل ُممو َ‬
‫س َ‬
‫ُ‬
‫منك َرٍ فَعَُلوهُ ل َب ِئ ْ َ‬
‫‪[79‬‬
‫لن المنكر إذا نهى عنه تو حممدوثه يتوقممف فل يمتممد ول يتوسممع ‪..‬‬
‫أممما إذا سممكت عنممه فممإنه يممزداد ‪ ،‬ويظممل فممى ازديمماد حممتى يصممبح‬
‫المعروف منكرا والمنكممر معروفمما ‪ ،‬وعنممدئذ تفسممد الحيمماة ‪ ،‬وتحممل‬
‫اللعنة التى كتبها الله ‪..‬‬
‫ولقد أصبح من المور المعتادة أن ينتحممى فممتى وفتمماة جانبمما مممن‬
‫الفناء ليتناجيا ل ليتحدثا حديثا عاما بصوت مسموع ! وتبدأ – بطبيعة‬
‫الحال – قلوب تكون أميل إلى قلوب ‪ ..‬ويكون حممديث النجمموى هممو‬
‫حديث هذه العواطف التى تتجاوب بها القلوب !‬
‫والعواطف – حتى الن – " بريئة " !‬
‫ل لنها فى طبيعتها بريئة ‪ ..‬ولكممن لنهمما – حممتى الن – محصممورة‬
‫فى داخل الجامعة ل تستطيع أن تخرج إلى الطريق ‪ ..‬لن المجتمممع‬
‫لم يتعود بعد أن يرى الختلط فى قارعة الطريق ‪..‬‬
‫لقد كانت هناك طبقة فاسدة – دائما – فى المجتمع هى طبقممة "‬
‫الرستقراطيين " أصحاب القصممور ‪ ،‬وهممذه يعممرف عنهمما الختلط "‬
‫غير البرئ " وتنشر فضائحها على المجتمع وتتناقلها أفواه النمماس ‪..‬‬
‫وال تبالى ! لنها – دائممما – بتممأثير الممترف الفمماجر الممذى تغممرق فيممه‬
‫ضممعيفة الحسمماس بممالقيم فممى المبممادئ ‪ ،‬والقيممم الخلقيممة بصممفة‬

‫خاصة ‪ ..‬وانظر إلى امرأة العزيز فى مجتمع مقرف فممى التاريممخ ‪..‬‬
‫انظر إليها كيف تصارح نساء طبقتها بالفاحشة ول تبالى أن يتحممدث‬
‫المجتمع عن " فضيحتها " ‪..‬إنما تغضب غضبا " طبقيا " فقممط ‪ ،‬لن‬
‫ألسنة النسوة تستنكر منها أن تتجه بنزوتها إلممى عبممد مملمموك لهمما ‪،‬‬
‫وإن كن ل يستنكرن النزوة فى ذاتها ‪ ،‬ول يعترض عليها لو كانت مع‬
‫رجل أو شاب من " طبقتها " "‪! "1‬‬
‫ل ن ِسوةٌ في ال ْمدينة ا َ‬
‫زيزِ ت َُراوِد ُ فََتا َ‬
‫ن ن َْف ِ‬
‫}وََقا َ ْ َ ِ‬
‫سهِ َقممد ْ‬
‫َ ِ َ ِ ْ‬
‫ها عَ ْ‬
‫مَرأةُ ال ْعَ ِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫حب ّا ً إ ِّنا ل َن ََرا َ‬
‫سم ِ‬
‫ها ِفي َ‬
‫شغََفَها ُ‬
‫ممما َ‬
‫ت بِ َ‬
‫مع َ ْ‬
‫ن )‪ (30‬فَل َ ّ‬
‫ل ُ‬
‫مك ْرِهِم ّ‬
‫ضل ٍ‬
‫مِبي ًم ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كينا ً‬
‫سم ّ‬
‫ت ُ‬
‫كم ّ‬
‫ل َوا ِ‬
‫ن ِ‬
‫حمد َةٍ ِ‬
‫أْر َ‬
‫مت ّك َمأ َوآَتم ْ‬
‫ن ُ‬
‫ن وَأعْت َمد َ ْ‬
‫سل َ ْ‬
‫من ْهُم ّ‬
‫ت ل َُهم ّ‬
‫ت إ ِل َي ْهِ ّ‬
‫خرج عَل َيهن فَل َما رأ َينه أ َك ْبرنه وقَط ّع َ‬
‫ش‬
‫ن َ‬
‫تا ْ ُ ْ‬
‫وََقال َ ْ‬
‫حمما َ‬
‫ن وَقُل ْم َ‬
‫ن أي ْمدِي َهُ ّ‬
‫ْ َ‬
‫ّ َ َْ ُ َْ َ ُ َ‬
‫ِْ ّ‬
‫مل َم ٌ‬
‫ن ه َم َ‬
‫ذا ب َ َ‬
‫ما هَ َ‬
‫ذي‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫شممرا ً إ ِ ْ‬
‫م )‪ (31‬قَممال َ ْ‬
‫ريم ٌ‬
‫ذا إ ِل ّ َ‬
‫ل ِل ّهِ َ‬
‫ت فَمذ َل ِك ُ ّ‬
‫ك كَ ِ‬
‫م ي َْفعَم ْ‬
‫ممما‬
‫ن ن َْف ِ‬
‫سمهِ َفا ْ‬
‫ل َ‬
‫ن ل َم ْ‬
‫صم َ‬
‫مت ُن ِّني ِفيهِ وَل ََقد ْ َراَودت ّم ُ‬
‫لُ ْ‬
‫ست َعْ َ‬
‫م وَل َئ ِ ْ‬
‫ه عَم ْ‬
‫ن وَل َي َ ُ‬
‫ن )‪] {(32‬سممورة يوسممف‬
‫ن ِ‬
‫كممو َ‬
‫سمم َ‬
‫مممُرهُ ل َي ُ ْ‬
‫آ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ري َ‬
‫ممم َ‬
‫جن َ ّ‬
‫صمماِغ ِ‬
‫‪[32-12/30‬‬
‫ولقد كانت هذ الطبقة فى أوروبا تحت تسمملط اليهممود مممن قممديم‬
‫كما مر بنا مممن قبممل ‪ ،‬ييسممرون لهمما البغمماء المممترف فممى المدينممة ‪،‬‬
‫ويوقعونهمما فممى الممدين والربمما ذى الضممعاف المضمماعفة ‪ ،‬ويسمملبون‬
‫ثرواتهم عن هذا الطريق‪.‬‬
‫ثم سنحت لهم الفرصة لفساد طبقة أخرى من طبقات المجتمممع‬
‫حين تحرر عبيد القطاع وجاءوا إلى المدينة شممبابا فارهمما بل أسممر ‪،‬‬
‫فيسممرت لهممم البغمماء الشممعبى ووضممعت " الدولممة " حارسممة أمينممة‬
‫عليه ! وزادت الفرصة سنوحا لفساد هذه الطبقة – طبقة العمال –‬
‫حين بدأت المرأة التى هجرها عائلهمما فممى الريممف تفممد للعمممل فممى‬
‫المصانع وتفرط فممى عرضممها لقمماء لقممة الخممبز ‪ ،‬فممار الفسمماد فممى‬
‫داخل الطبقة قريب المنال ‪.‬‬
‫ولكن هذا وذاك لم يكن كافيا ‪ ،‬ولم يكممن ليحقممق مطممامع اليهممود‬
‫فى المجتمع الجديد " المجتمع الصناعى المتطور "‪.‬‬
‫إن " الرستقراطية " – سواء الرستقراطية القطاعية البممائدة أو‬
‫الرسممتقراطية الرأسمممالية الناشممئة – ل تسممتطيع – بفسممادها – أن‬
‫تفسد المجتمع كله ‪ ،‬لنها – دائما – معزولة فممى قصممورها وحفلتهمما‬
‫الماجنممة الخاصممة ‪ ،‬تحتمممى فممى داخممل تلممك القصممور مممن العيممون‬
‫المتطلعة ‪ ،‬وتمنع عدواها فى الوقت ذاته عن الناس ‪ ،‬لن جرثومتها‬
‫" طبقيممة ط ل تعمممل إل داخممل القصممور ‪ ،‬ول تعممدى إل أصممحاب‬
‫‪1‬‬

‫" " انظر تفسير اليات فى " ظلل القرآن " ‪.‬‬

‫القصور !‬
‫أما إفساد طبقة العمال – وإن كانوا عددا غير قليل ويتزايممد علممى‬
‫الدوام – فلم يكن يممومئذ ليفسممد المجتمممع الجديممد ‪ ،‬لنهممم – بعممد –‬
‫طبقة محتقرة مزدراة ‪ ،‬تنظر إليها كلتا الطبقتين العلويتين ‪ :‬الطبقة‬
‫الوسطى والطبقة الرستقراطية نظرة ازدراء وتعال فل تنتقل منها‬
‫العدوى إلى غيرها مهما بلغت هى فى ذاتها من التبذل والفساد ‪..‬‬
‫ولقد كان المطلوب بالذات هو إفسمماد الطبقممة الجديممدة الناشممئة‬
‫فى المجتمع الرأسمالى ‪ ،‬التى تسير المور – ظاهريا – على القممل‬
‫– فى ذلك المجتمع الجديد ‪ ،‬وهى الطبقة المتوسطة ‪.‬‬
‫لقد كانت الديمقراطية الناشئة فى المجتمع الرأسمممالى الناشممئ‬
‫تنمو تدريجيا ‪ ،‬وكانت فممى أثنمماء نموهمما تممبرز بصممورة متزايممدة هممذه‬
‫الطبقة الجديدة ‪ :‬الطبقة المتوسطة ‪،‬التى لم يكممن لهمما وجممود فممى‬
‫المجتمع القطاعى ‪ ،‬أو كان وجودها ضعيفا ل يؤبه به ‪.‬‬
‫وفى ظل الديمقراطية كانت هذه الطبقممة الجديممدة تناضممل لكممى‬
‫تصبح هى الطبقة الحاكمة ‪ ،‬وتنزع السلطان من الذين اسممتقلوا بممه‬
‫من قبل وطغوا به على " الشعب " وهم الغنياء أصحاب الممموال "‬
‫‪. "1‬‬
‫كانت المجالس النيابية تتجه رويممدا رويممدا أن تكممون غالبيتهمما مممن‬
‫هممذه الطبقممة ‪ ،‬وكممان منهمما معظممم ممموظفى الدولممة فممى صممورتها‬
‫الجديممدة ‪ ،‬مممن الموظممف الناشممئ إلممى وكلء المموزارات والمموزراء ‪،‬‬
‫وكان منها بصفة عامة الطبقة المثقفة الممتى تمموجه أفكممار المجتمممع‬
‫وتحممدد لممه اهتماممماته واتجاهمماته الفكريممة والسياسممية والخلقيممة‬
‫والفنية ‪ ..‬الممخ " ‪ ، " 2‬وكممان منهمما بصممفة خاصممة مدرسممو المممدارس‬
‫وأساتذة الجامعات ‪ ،‬أى جهاز التربية والتشكيل للمجتمع الجديد ‪..‬‬
‫باختصار كانت هى الداة الجديدة للحكممم فممى ظممل الديمقراطيممة‬
‫الرأسمالية ‪ ،‬أيا كان المستفيد الحقيقى من هذه الداة ‪.‬‬
‫لذلك كان لبد فى تخطيط المخططين مممن إفسمماد هممذه الطبقممة‬
‫بالذات ن فإن فسمماد الطبقممة الرسممتقراطية وطبقممة العمممال – مممع‬
‫فائدته التى ل شممك فيهمما بالنسممبة لليهممود – لممم يكممن ليممؤدى الممدور‬
‫المطلوب فى إفساد المجتمع الجديد الذى يراد إفساده بممأكمله ‪ ،‬إل‬
‫أن تفسد الطبقة المتوسطة التى تقوم بالدور الكممبر والخطممر فممى‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫" " سنرى من بحثنا للديمقراطية فيما بعد أن الطبقة المتوسطة نالت حقوقا كثيرة لم يكن لها وجود من قبل ‪،‬‬
‫ولكن السلطان الحقيقى ظل فى يد الرأسمالية الحاكمة من وراء الستار ‪.‬‬
‫" " ل ينفى هذا سيطرة اليهود على تشكيل الفكار فى المجتمع من وراء الستار ‪ ،‬ذلك أن اليهود استخدموا هذه‬
‫الطبقة المثقفة فى توجه الشعب إلى الوجهة التى يريدونها هم ‪ ،‬بعد أن سمعوا أفكارها على يد علمائهم الكبار فى‬
‫جميع التجاهات ‪.‬‬

‫رسم الصورة الظاهرة لهذا المجتمع ‪ ،‬والتى فى يدها – فممى ظمماهر‬
‫المر على القل – مقاليد السلطان ‪.‬‬
‫والجامعة هى المكممان الرئيسممى لتخريممج الكممثير مممن أفممراد هممذه‬
‫الطبقة ‪ ،‬أو البارزين منهم على أقل تقدير ‪ .‬لذلك كانا لممتركيز علممى‬
‫أن يبدأ الفساد من هناك ‪ ..‬ومن هناك ينتشر فى جميع الرجاء ‪.‬‬
‫‪m m m‬‬
‫كان الختلط " البرئ " ما يممزال يجممرى داخممل أسمموار الجامعممة ‪،‬‬
‫ولكنه كان يحمل فى أطوائه الجرثومة التى تقضى فى النهاية على‬
‫براءته ‪ ،‬فقد بدأت " العلقات الخاصة " تنمو بين أزواج من الفتيان‬
‫والفتيات كما لبمد أن يكمون ‪..‬وبمدأت همذه العلقمة الخاصمة تضميق‬
‫بالنحصار داخل السوار ‪ ،‬التى تفرض البراءة المصطنعة على وضع‬
‫هو بطبيعته غير برئ ‪.‬‬
‫وكان لبد أن " يتفجر " الوضع ويخرج إلى الطريق ‪..‬‬
‫وأخذ المجتمع يتعود أن يرى أزواجا من البنيممن والبنممات يخرجممون‬
‫من بناء الجامعة مصطحبين ‪ ،‬فى أدب ظاهر أول المر ‪ ،‬ثممم يخممف‬
‫الدب ويقل الحياء بالتدريج ‪ ..‬وأيا كان رأى ذلك المجتمع فممى هممذه‬
‫البدعممة الجديممة فممإنه سممرعان ممما تبلممد حسممه عليهمما فلممم تعممد تممثير‬
‫انتباهه ‪ ،‬إل أن يممرى حركممة مسممتهجنة )أى كممانت فممى ذلممك المموقت‬
‫مستهجنة( كضحكة أو لفتة أو نظرة أو لمسممة مممما كممان – يممومئذ –‬
‫أمرا غيممر لئق فممى الطريممق ! ولكنممه عمماد فتبلممد حسممه حممتى علممى‬
‫الحركات التى كان يستهجنها منق بل ‪ ،‬وعزاها – ببساطة – إلى أن‬
‫هذا الجيل الجديد جيل فاسد ل يرجى منه خير ‪ ،‬وألقى القضية مممن‬
‫حسه ‪ ،‬وتركها لتصبح أمرا واقعا فى المجتمع " الجديد " !‬
‫وملت " الصدقات " المجتمع ‪ ..‬الصداقات بين الفتيان والفتيممات‬
‫صداقات بريئة – هل فى ذلك شك ؟!‬
‫زميل وزميلة ‪ ..‬أحس كل منهما بالميل إلى الخر والراحة إليه ‪..‬‬
‫ويلكم أيها المتزمتون ! أليس لكم هم إل العتراض علممى المممور‬
‫التى ل تستوجب العممتراض ؟! أل تريممدون أن يبنممى الممبيت السممعيد‬
‫على المودة والحب ؟ هذا فتى وفتاة سيجمع بينهما الزواج السممعيد‬
‫عممما قريممب ! أليممس مممن الفضممل أن يتعارفمما لتممدوم المممودة ؟ أم‬
‫تريدون أن يؤتى له بفتاة لم يرها قط إل ليلة الزفاف ‪ ،‬رأتها أمه أو‬
‫أخته ‪ ،‬فأعجبتها ‪ ،‬أما هو فل يعرف شمميئا عممن شممكلها ول طبعهمما ول‬
‫ثقافتها ول نظرتها للمور ؟!‬

‫وهى ؟ أليس مممن حقهمما أن تعممرف شممريك حياتهمما وتشممارك فممى‬
‫اختياره ؟ أليس من الظلممم أن تبمماع بيعمما إلممى رجممل ل تعرفممه قبممل‬
‫اللحظة ‪ ،‬لنه أعجب أباها أة أخاها ‪ ،‬أو كان صاحب مال وجاه ‪ ،‬وقد‬
‫يكون فظا قاسيا ل قلب له ؟ أليس من الفضل أن تتعرف إليه عن‬
‫طريممق الصممداقة ‪..‬الصممداقة الممبريئة ‪ ..‬الممتى تكشممف عممن الطبممائع‬
‫وتؤلف الطباع ؟!‬
‫‪m m m‬‬
‫ثم بدأت " البراءة " تذهب رويدا رويدا عن الختلط ‪.‬‬
‫بدأت تقع حوادث مشينة ‪ ..‬أى كان ينظممر إليهمما فممى ذلممك الحيممن‬
‫على أنها مشينة !‬
‫وانبرى المدافعون يدافعون عن الختلط ‪ .‬إنه ليممس هممو السممبب‬
‫فيما حدث ! إنما هى التجربة الجديدة لبد أن يكون لها ضحايا ! إنها‬
‫تجربة " التحرر " ‪..‬تحرر الفتى والفتماة كليهمما مممن القيممود العتيقممة‬
‫والتقاليد البالية ‪ ..‬والفتاة بصفة أخص ‪ ،‬فقممد كممانت هممى الممتى يقممع‬
‫عليها عبء هذه التقاليد الباليممة ‪ ..‬فممإذا وقعممت هنمما أو هنمماك حادثممة‬
‫مشينة فذلك رد الفعل للكبت الطويل الذى كان الشباب يعيش فيه‬
‫‪ ،‬وللقيود الظالمة التى كانت تعيش فيهما الفتماة بصمفة خاصمة ‪ ،‬فل‬
‫ترفعوا عقيرتكم أيها المممتزمتون تسممتغلون هممذه الحمموادث الفرديممة‬
‫وتضخمونها فوق حقيقتها ! إنها نممزوات طممارئة ‪ ،‬وسممرعان ممما تهممدأ‬
‫المممور وتسممتقيم حيممن يصممبح الختلط شمميئا عاديمما فممى المجتمممع ‪،‬‬
‫وتزول آثار الكبت الماضية ‪ ،‬وآثار التقاليد البالية التى سجنت الفتاة‬
‫طويل داخل الجدران ‪ ،‬وجعلت التجربة الجديممدة – تجربممة التحممرر –‬
‫تبهرها فتزل من أجل ذلك بعممض القممدام ! لبممد أن نرعممى التجربممة‬
‫الجديدة ‪ ،‬ونوجهها بالحسممنى إلممى الطريممق القممويم ‪ ،‬بممدل مممن هممذا‬
‫الصياح الفارغ الذى يتصايح به المتزمتون !‬
‫ويمضى الزمن فى طريقه فتتكمماثر الحمموادث المشممينة ‪ ،‬ويخفممت‬
‫صوت المدافعين عن الختلط البرئ ‪ ،‬فقد فقد براءته ولم يعد مممن‬
‫المقبول ادعاؤها ول من الممكن تصديقها !‬
‫ولكن ‪ ..‬فلتذهب تلك الممبراءة إلممى غيممر رجعممة ! هممل كنمما نريممدها‬
‫حقيقة أو ندافع عنها مخلصين ! إنما كانت هى الطعم المزيف الذى‬
‫وضعناه ليأتى الصيد ‪ ..‬وقد جاء ‪ ..‬فما حاجتنا بعد للتزييف " ‪ "1‬؟!‬
‫‪1‬‬

‫" " رغم أن أسطوانة " الختلط البرئ " قد بليت تماما فى أوروبا وألقيت جانبا ‪ ،‬فقد استخدمت هى فى الشرق‬
‫السلمى فيما بعد !‬

‫ولكن " تطورات" كممثيرة كمانت تحممدث فممى تلمك الثنماء ‪ ..‬كمانت‬
‫ألسنة اللهب تمد مدا لتحرق أشياء جديدة فى مجالت جديدة ‪..‬‬
‫طالبت المرأة – أو طولب لها – بحق العمل بعد حق التعليم ‪.‬‬
‫وله كان فى ذلك شك لمن يرقب سير المور ؟‬
‫هذه هى الفتاة قد تعلمت على خط الرجل تماما من اللممف إلممى‬
‫الياء ‪ ..‬من التعليم البتدائى حتى الجامعة ‪ ..‬و" أثبتت جدارتها " فى‬
‫كل مرحلة من هذه المراحل ‪ ،‬بل تفوقت على الرجل فى كثير من‬
‫الحيان ‪ ..‬فلماذا ل تعمل كما يعمل ؟! ما الذى يمنع ؟!‬
‫الدين ؟ الخلق ؟ التقاليد ؟!‬
‫لقد رفع " الرج " هذه الشعارات كلها فممى وجممه المممرأة ليصممدها‬
‫عن السير فى هذا الطريق ‪..‬‬
‫وقال المدافعون كممما قممالوا كممل مممرة ‪ :‬إن الرجممل يخشممى علممى‬
‫مكانته التقليدية وتميزه التقليدى ‪ ،‬ويخشى منافسة المرأة لممه فممى‬
‫ميممدانه الوحيممد المتبقممى لممه بعممد أن تخلممى عممن تفممرده فممى جميممع‬
‫الميادين بفعل الكفاح " المر " الذى خاضته المرأة لنيل حقوقهمما ‪..‬‬
‫وسمميتخلى عممن هممذا الميممدان كممذلك رضممى أم أبممى ‪ ..‬لن خطممى "‬
‫التطور الحتمى " ستجبره فى النهاية على التسليم ‪.‬‬
‫ولكن الرجل لم يتنممازل عممن تفممرده فممى هممذا المجممال بسممهولة ‪،‬‬
‫وظل يرفع تلك الشعارات يحاول بها أن يصد المرأة عن اللحاق بممه‬
‫فى هذا الميدان ‪..‬‬
‫هل كان يؤمن حقيقة بالدين والخلق والتقاليد ؟‬
‫كل ! إنما هو مجرد سلح يستخدمه فى المعركممة حيممن يظممن أنممه‬
‫سلح مفيد !‬
‫ولكن الشياطين دخلوا مممرة أخممرى يسممتغلون الفرصممة السممانحة‬
‫أقصى ما يستطيعون من استغلل ‪.‬‬
‫دخلوا ليثيروا فى قلب المرأة حقممدا جارفمما علممى الممدين والخلق‬
‫والتقاليد ‪ ..‬على أساسا أن كل ممما تطممالب بممه المممرأة هممو حقوقهمما‬
‫المشروعة ‪ ،‬وأن الذى يقف فى سبيل نيلها لهذه الحقوق هو هممؤلء‬
‫العداء الثلثة ‪ :‬الدين والخلق والتقاليد ‪ ..‬فلتذهب جميعها إذن إلى‬
‫غير رجعة ‪ ،‬لتنال المرأة حقوقها وتستريح‪.‬‬
‫واكن هذا لمر يراد ‪..‬‬
‫كان يراد إحراج صدرها ضد الدين والخلق والتقاليد لتنسلخ هممى‬
‫منها أول ‪ ،‬ثم ل تربى أبناءها عليها فيما بعد ‪ ،‬لن ذلك هممو الضمممان‬
‫الوحيد لفساد المجتمع فسادا ل رجعة فيه !‬

‫لقد جممرب المخططممون مممن قبممل محاولممة إفسمماد المجتمممع عممن‬
‫طريق إفساد الرجل وحده فلم تنجح التجربة بالصمورة المطلوبمة ‪..‬‬
‫إن الشاب مهما فسد فى فترة شبابه فإنه يعممود إلممى ممما لقنتممه لممه‬
‫أمه فى طفولته من مبادئ الدين والخلق والتقاليد ‪ ،‬حممتى إذا أخممذ‬
‫يؤسس أسرة أسسها على تلك القيم الممتى تلقاهمما مممن قبممل ‪ ،‬ولممم‬
‫تفلح الفترة التى انفلت فيها فممى شممبابه فممى تحممويله إلممى المسممار‬
‫الجديد ‪..‬‬
‫وعندئذ أدركوا أنه لبد من إفساد الم ذاتها لكى ل تلقممن أطفالهمما‬
‫تلك " المبادئ " التى تعرقل خطوات الشياطين ‪ ..‬وساروا بها تلممك‬
‫المسيرة الطويلة فممى طريممق الفسمماد ‪ ،‬ولكممن الحممواجز – أو بقايمما‬
‫الحواجز – ما تزال تمنعها أو تبطئ خطواتها على الطريق ‪ ..‬فلتكممن‬
‫المعركة إذن حامية بين المرأة وبين الدين والخلق والتقاليد ‪ ،‬لكى‬
‫تحطمها بنفسها ‪ ،‬ولكى تكون فى مناعة كاملة منها حين تصممبح أممما‬
‫ذات أطفال ‪ ..‬فل تبذر فى نفوسهم تلك البذور السامة التى يكرهها‬
‫شعب الله المختار ن أشد ما يكره من شئ على الطلق !‬
‫لقد كانت مسألة إقحام المرأة فممى ميممدان العمممل جممزءا رئيسمميا‬
‫من الخطة الشريرة ‪.‬‬
‫فإخراجها من البيت لتتعلممم ‪ ،‬وإشمماعة الختلط والصممداقات بيممن‬
‫فتيان الجامعمة وفتياتهمما ‪ ،‬وتعويممد المجتمممع علممى قممدر مممن الفسمماد‬
‫الخلقى ‪ ،‬وتحطيم التقاليد الممتى كممانت تمنممع ذلممك كلممه ‪ ..‬كممل ذلممك‬
‫مفيد ول شك ‪ ،‬ولكنه ليس كفاية !‬
‫ما زالت المرأة – بقدر ما – خاضعة للرجل فى السرة والمجتمع‬
‫‪ ،‬وما زال هذا القدر من الخضوع – على ضآلته بالنسبة لما كان من‬
‫قبل – عائقا يعوق المممرأة عممن مزيممد مممن الفسمماد ن لن الرجممل –‬
‫بأنانيته كما يقولون ‪ ،‬أو بشئ من التعقل والتفكير وعدم النممدفاع –‬
‫يعارض فممى توسمميع مجممالت المممرأة ‪ ،‬ويريممد أن يربطهمما بوظيفتهمما‬
‫وببيتها وأولدها ‪ ،‬ولك كله يعوق خطوات الشياطين ‪.‬‬
‫لذلك كان لبد من إخراج المرأة نهائيا من سيطرة الرجممل ‪ ،‬ليتممم‬
‫للمخططين كل ما يريدون ‪.‬‬
‫وهل من وسيلة لكسر هذه السيطرة أفعل من أن تعمممل المممرأة‬
‫و" تستقل " اقتصاديا عن الرجل ؟‬
‫لقد عملت المرأة من قبل فى المصانع ‪ ،‬ولكممن الطبقممة العاملممة‬
‫كما قلنا لم يكن لها وزن فى توجيه المجتمع ‪ ..‬والفساد الخلقى فى‬
‫هذه الطبقة – رغم فائدته الجزئية للمخططين – ل يكفى وحممده ول‬

‫يؤتى الثمرة المطلوبة ‪ ،‬إنما لبممد كممما أسمملفنا مممن إفسمماد الطبقممة‬
‫الوسطى ‪ ،‬أداة التوجيه الجديدة فى المجتمع الجديد ‪.‬‬
‫ولم يقل المخططون للممييممن بطبيعممة الحممال إنهممم يريممدون أن‬
‫يثيروا الخبال فى صفوفهم – بتشغيل المرأة المتعلمة وإبعادها عممن‬
‫بيتها وعن وظيفتها – وممما كممان مممن الممكممن أن يكشممفوا لهممم عممن‬
‫لبتهم ليوقظوهم من غفلتهم ‪ ،‬إنما قالوا لهم إنه " التطممور " ! وإنممه‬
‫تطور " حتمى " ! وإنه لبد أن يأخذ سبيله رضمميه النمماس أم أبمموه !‬
‫أما المرأة فقد قالوا لها إن هذا حقها " الطممبيعى " وإنهمما ينبغممى أن‬
‫تتشبث به ول تتنازل عنه ول تتخاذل فى الكفاح من أجله ‪.‬‬
‫وأغريت المرأة بكل وسائل الغراء لكى تهجر بيتها وتخرج إلممى "‬
‫المجتمع " !‬
‫قيل لها إن حبسها على وظيفة الزوجية والمومة ورعاية النشممء‬
‫هو امتهان لها وإهدار لكرامتها وتعطيل لطاقتهما ‪ ،‬وهمو فمى الموقت‬
‫نفسه تعطيل للمجتمع عن التقدم ‪ ،‬فما يستطيع المجتمع أن يتقممدم‬
‫ونصفه حبيس وراء الجدران !‬
‫وقيل لها إن الرجل هو الذى حبسها على هذه الوظائف أنانية منه‬
‫‪ ،‬لتقوم على خدمته ‪ ،‬ولينفرد هو بأمور "المجتمع " ! وإنها منذ هذه‬
‫اللحظة ينبغى أن تثور على هذا الوضع المهين ‪ ،‬وتقف الرجممل عنممد‬
‫حده ‪ ،‬وتفرض عليه احترامها ‪ ،‬وتفرض عليممه المشمماركة فممى أمممور‬
‫المجتمع ‪.‬ز وإن الوسيلة لهذا كله هو أن تعمممل ‪ ،‬فإنهمما حيممن تعمممل‬
‫تصبح مثلمه تمامما فمى كمل شمئ ‪ ،‬فيتنمازل عمن أنمانيته وغطرسمته‬
‫ويحترمها !‬
‫ولما قيل إن الدين – ل الرجمل – همو المذى خصمص للممرأة همذه‬
‫الوظائف ثارت ثائرتها على الممدين ‪ ،‬وتمنممت فممى قممرارة نفسممها أن‬
‫يزول سلطانه على النفوس ‪ ،‬لتتحر هى وتأخذ مكانتهمما الممتى تصممبو‬
‫إليها ‪..‬و بذلك جندها الشممياطين لمحاربممة الممدين ‪ ،‬تحمماربه لحسممابها‬
‫الخاص ‪ ،‬فتحاربه بحماسة ‪ ،‬وتحاربه بإخلص ! يتحقق للشياطين ما‬
‫يريدون من إبعاد " الم " عن الدين ‪ ،‬لضمان تنشئة الجيال المقبلة‬
‫بعيدا عن حماه ‪..‬‬
‫وفعلت اللعبة الخبيثة فعلها ‪ ،‬وسرت كالسم فى دماء المميين ‪.‬‬
‫اسممتقلت المممرأة اقتصمماديا وتمممردت علممى قوامممة الرجممل ‪ ،‬كممما‬
‫تمردت على الدين والخلق والتقاليد ‪ ..‬وانفلتت – كممما أريممد لهمما –‬
‫بل ضوابط ول قيود ‪.‬‬
‫وسارع الشياطين إلى انتهاز الفرصة المتاحة من كل جوانبها ‪.‬‬

‫فالن فلتنشط بيوت الزياء وبيوت الزينة ‪ ،‬بعد أن انحلت العقممدة‬
‫الكبرى التى كانت تبطئ خطى الفساد "‪"1‬‬
‫ولقد كانت الملبس من قبل طويلة وساترة إلى حممد ممما – برغممم‬
‫ما فيها من زينة – ل تبرز " مفاتن " المرأة بشكل مفضوح ‪ .‬فممالن‬
‫وقد سنحت الفرصة فلتنشط بيوت الزياء فى إخممراج " المممودات "‬
‫اتممى تكشممف رويممدا رويممدا عممن هممذه " المفمماتن " ‪ ،‬ولتنشممط معهمما‬
‫الصحافة لنشر المر على أوسع نطاق ‪.‬‬
‫فلتكن هناك مجلت خاصممة بممالمرأة ‪ ،‬وركممن خمماص بممالمرأة فممى‬
‫الصحف والمجلت غير المتخصصة ‪،‬وليكن حممديثها عممن " المممودة "‬
‫مغريا إلى الحد الذى ل تفلح الضوابط فى مقاومممة إغممرائه ‪ ،‬خاصممة‬
‫وقد انحلت عقدة الحياء ‪.‬‬
‫ول شك أن الحاديث الولى كانت مهذبة جدا ومتحفظة جدا حتى‬
‫ل تممثير ثممائرة المتزمممتين مممن الرجممال ‪ ..‬ممماذا لممو قلنمما مثل ‪ :‬كيممف‬
‫تحافظين على محبة زوجك ؟ كيف تبدين أنيقة فممى نظممر زوجممك ؟‬
‫وأرفقنا بالرسمموم الممتى تبعممث علممى الفتنممة مجموعممة مممن النصممائح‬
‫للمرأة المتزوجة لكى تحافظ على أناقتهمما ورشمماقتها حممتى تحتفممظ‬
‫بحب زوجها ول تجعله يشرد عنهمما ؟ وهممل يكممره الرجممل أن تتجمممل‬
‫زوجته من أجله ؟!‬
‫ثم ‪ ..‬فلنحذ لفمظ المزوج ‪ ..‬فهمو لفمظ ثقيمل اسمتخدمناه لتغطيمة‬
‫فقط فى مبدإ المر ‪ ..‬وما نريد أن يكممون ل نصمميب أصممل فممى هممذا‬
‫المجال ‪ ..‬ثم إنه لم يعد اليوم هو المسيطر ‪ ..‬لقد اسممتقلت المممرأة‬
‫اقتصاديا ‪ ..‬وتستطيع – من سكبها الخاص – أن تنفق ما تنفق علممى‬
‫اللباس والزينة ‪ ،‬ول أحد يحرج عليها ‪ ،‬ول أحد يتحكم – بماله – فممى‬
‫تصرفاتها !‬
‫فلنقممل فقممط ‪ :‬كيممف تحممافظين علممى أناقتممك ‪ ..‬كيممف تبممدين‬
‫جميلة ‪..‬ز ولينظر إليها من ينظر ! زوجها أو غير زوجها ! إنها سائرة‬
‫بأناقتهمما ورشمماقتها فممى الطريممق ‪ ،‬ومممن شمماء فلينظممر ومممن شمماء‬
‫فليعرض ‪ ..‬إننا نحث فقط على الناقة والجمال !‬
‫ثم فلنكن أكثر صراحة ‪..‬‬
‫فلنقممل ‪ :‬كيمف تجمذبين نظمر " الرجمل " ى رجمل ! نعمم ! وممماذا‬
‫فيها ؟‬
‫أل ينبغى أن " ينجممذب " نظممر الرجممل ليختممار مممن بيممن العممابرات‬
‫‪1‬‬

‫" " بيوت الزياء الكبرى كلها يهودية وكذلك بيوت الزينة ‪ ،‬واليهود يكسبون منها كسبا مضاعفا ‪ ،‬يكسبون أرباحا‬
‫خيالية ل تدرها الصناعات الخرى ويكسبون سريان الفساد كالسم فى مجتمع المميين ‪.‬‬

‫الرشيقات المتأنقات واحدة ربما تكون شريكة حياته ؟!‬
‫ثم ‪ ..‬فلنكن أكثر صراحة ‪ ..‬فنحن الن فممى وضممع يمكننمما مممن أن‬
‫نقول كل ما نريد ‪ ..‬وبغير ستار ‪..‬‬
‫فلنقممل ‪ :‬صممراحة – همماذ فسممتان يكشممف جمممال السمماق ‪ ..‬وهممذا‬
‫فستان يكف مفمماتن الصممدر " ‪ "1‬وليمممت بغيظممه كمممدا مممن أراد أن‬
‫يموت من الرجعيين المتزمممتين الممذين يريممدون أن يرجعمموا عقممارب‬
‫الساعة إلى الوراء !‬
‫وخرجت المرأة فتنة هائجة فى الطريق ! كأن مهمتها الولى هى‬
‫أن تبرز مفاتنها لكل عين منهومة فى الطريق!‬
‫واتسع نطاق " الصداقات " فى المجتمع ‪ ،‬فلم يعد مقصورا على‬
‫طلب الجامعة وطالباتها كما كان فى أول المر ‪ ،‬فإنما كممانت هممذه‬
‫مجممرد خطمموة علممى الطريممق ‪ ..‬أممما اليمموم وقممد اسممتقلت المممرأة‬
‫اقتصاديا فأى حاجز بقى ؟!‬
‫قيل فى البدء إن الصداقة هى مقدمة الممزواج ‪ ..‬وإنهمما ينبغممى أن‬
‫تباح – بصرف النظممر عممن براءتهمما أو عممدم براءتهمما – لضمممان قيممام‬
‫الزوجية على أسس ركينة فل تتزعزع فيما بعد !‬
‫ثم انجلت الحقيقة عممن أنممه ل زواج ! فل الممزواج فممى نيممة الفممتى‬
‫العابث ول فى نية الفتاة !‬
‫الصممداقة مممن أجممل الصممداقة ل مممن أجممل الممزواج ‪ ..‬مممن أجممل‬
‫المتعة ‪ ..‬من أجل قضاء " وقت يطب " فى هذه الحياة !‬
‫إن المخططين ل يريدون أن يكون الزواج هو الذى يحكممم علقممة‬
‫الرجل والمرأة ‪ ،‬أو – على القل – ل يريدون أن يكممون الممزواج هممو‬
‫الصورة الوحيدة لهذه العلقة إن لم يسممتطيعوا – الن – ان يقضمموا‬
‫قضاء مبرما على الزواج ‪.‬‬
‫ألم تسمع إلى قول دوركايم ‪ :‬كممان المظنممون أن الممدين والممزواج‬
‫والسرة هى أشياء من الفطرة ‪ ..‬ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه‬
‫النزعات ليست فطرية فى النسممان ! لقممد كممان " العممالم الكممبير "‬
‫يقوم بدوره – على طريقته – فى تحطيممم الممزواج والسممرة ‪ ،‬والن‬
‫تقوم العصابة الخرى – على طريقتها – بذات الدور‪.‬‬
‫ينبغى أن تحل " الصداقة " محل الزواج ‪ ،‬وليتم فيها كممل ممما يتممم‬
‫فى الزواج ولكن دون رباط مقدس ول أسرة ول أولد !‬
‫تحتجون أيها المتزمتون ؟!‬
‫أما قرأتم فرويد ؟ أما قرأتم ما قاله عن الكبت ؟‬
‫‪1‬‬

‫" " هذه العبارات وأمثالها عبارات واقعية ترد فى المجلت التى تتحدث عن " المودة " وعن أزياء النساء ‪.‬‬

‫أتريممدون أن تتلفمموا أعصمماب الشممباب وتصمميبوه بالعقممد النفسممية‬
‫والضطرابات العصبية ؟‬
‫أو ‪ ..‬قولوا لنا ماذا يفعل الشباب بطاقته الجنسية الفوارة ؟‬
‫يتزوج ؟ قولوا لنا كيف يتزوج ؟ تعالوا معنا ننمماقش الواقممع ؟ كممم‬
‫سنة يقضى الشاب فى التعليم حمتى يتخمرج ممن الجامعمة ؟ وحيمن‬
‫يتخرج كم يكون راتبه ؟‬
‫أيكفى هممذا الراتممب الهزيممل لتكمموين أسممرة والنفمماق عليهمما ؟ إن‬
‫أمامه على القل عشر سنوات حتى يصبح راتبه كافيا – مممع ارتفمماع‬
‫تكاليف المعيشة – للزواج وتكوين السرة ‪ ..‬فممماذا يفعممل فممى تلممك‬
‫الثنماء ؟ تريمدون أن تحرقموا أعصمابه أيهما الرجعيمون باسمم المدين‬
‫والخلق والتقاليد ؟!‬
‫‪m m m‬‬
‫يقول " ول ديورانت " الفيلسموف المريكمى فمى كتمابه " مباهمج‬
‫الفلسفة " " ص ‪ 127 – 126‬من الترجمة العربية " ‪.‬‬
‫" فحياة المدينة تفضى إلى كل مثبممط عممن الممزواج ‪ ،‬فممى المموقت‬
‫الذى تقدم فيه إلى الناس كل باعث عل الصلة الجنسية وكل سبيل‬
‫يسهل أداءها ‪ .‬ولكن النمو الجنسى يتم مبكرا عما كممان مممن قبممل ‪،‬‬
‫كما يتممأخر النمممو القتصممادى ‪ .‬فممإذا كممان قمممع الرغبممة شمميئا عمليمما‬
‫ومعقول فى ظل النظام القتصممادى الزراعممى فممإنه الن يبممدو أمممرا‬
‫عسيرا وغير طبيعى فى حضارة صناعية أجلت الزواج حتى بالنسممبة‬
‫للرجال حتى لقد يصممل إلممى سممن الثلثيممن ‪،‬و ل مفممر مممن أن يأخممذ‬
‫الجسم فى الثورة ‪ ،‬وأن تضعف القوة على ضبط النفس عممما كممان‬
‫فممى الزمممن القممديم ‪ ،‬وتصممبح العفممة الممتى كممانت فضمميلة موضممعا‬
‫للسخرية ‪ ،‬ويختفى الحياء الذى كمان يضممفى علممى الجممال جمممال ‪،‬‬
‫ويفمماخر الرجممال بتعممداد خطايمماهم ‪ ،‬وتطممالب النسمماء بحقهمما فممى‬
‫مغامرات غير محدودة علممى قممدم المسمماواة مممع الرجممال ‪ ،‬ويصممبح‬
‫التصال قبممل الممزواج أمممرا مألوفمما ‪ ،‬وتختفممى البغايمما مممن الشمموارع‬
‫بمنفسة الهاويات ل برقابة البوليس ‪ .‬لقد تمزقممت أوصممال القممانون‬
‫الخلقى الزراعى ‪ ،‬ولم يعد العالم المدنى يحكم به " ‪. "1‬‬
‫ول يناقش " ول ديورانت " تلك السممباب الممتى قممال إنهمما تعطممل‬
‫‪1‬‬

‫" " يلجأ " ول ديورانت " إلى التفسير المادى لتاريخ يفسر به اختفاء العفة من المجتمع الصناعى وانتشار الفاحشة‬
‫فيه حتى تصبح هى الصل المعترف به وتصبح العفة مثار السخرية ‪ .‬وليس هذا هو التفسير الحقيقى لذلك التحلل‬
‫الخلقى الذى حدث فى المجتمع الصناعى ‪ ،‬إنما هو راجع – كما رأينا فى هذا الفصل – إلى ذلك المخطط الشرير‬
‫الذى يهدف إلى إفساد البشرية‪.‬‬

‫الشباب عن الزواج الباكر ‪ ،‬إنما يأخذها أمرا واقعمما وقضممية مسمملمة‬
‫وينظر إلى آثارها كذلك على أنها أمممر واقممع ل حيلممة فيممه أكممثر مممن‬
‫كلمة أسى عابرة يقولها ويدعها تمضى تصيب من تصيب !‬
‫ولكن ! أهى حقا كذلك ؟ أهى أمر ل مفر منه ؟‬
‫من الذى وضع العوائق فى طريق الزواج ‪ ،‬ثم وضع الصممداقة )أو‬
‫البغاء !( بديل من الزواج ‪ ،‬ثم زعم أنه تطور حتمى جمماء بممه الطممور‬
‫القتصادى الجديد ؟!‬
‫إنهم – كلهم – يهود !‬
‫ثممم سمممموا أفكممار الممييممن ‪ ،‬فأصممبحوا يممرددون وراءهممم ممما‬
‫يقولون !‬
‫لو بقيت السممرة الكممبيرة علممى ترابطهمما وظممل الب ينفممق علممى‬
‫أولده حتى يتكسبوا )وهم ينفقون عليه فى كبرته إذا احتاج( وظلت‬
‫أسعار الحاجيات فى النطاق المعقول ‪ ،‬وجعلممت رواتممب الخريجيممن‬
‫بحيث تكفى لتكوين أسممرة أو أعطممى الراغبممون فممى الممزواج منحممة‬
‫تمكنهم من إنشاء السرة فأى حتمية كانت تقممف فممى طريممق ذلممك‬
‫كله وتمنع تنفيذه ؟‬
‫كل ! إن القضممية كلهمما أن الشممياطين ل يريممدون ! ل يريممدون أن‬
‫يظل للمميين دين ول أخلق ول أسممرة ول زواج ‪ ،‬لن هممذه كلهمما "‬
‫عوائق " تمنع دوران العجلة الشريرة التى تنشر الفساد !‬
‫لذلك أنشأوا الواقع على هذه الصورة وزعموا أنه التطور الحتمى‬
‫‪ .‬وأن عجلته ستسحق كل من يقف فى الطريق !‬
‫ودارت العجلة دورتها فأحدثت كثيرا من الشر ‪.‬‬
‫ولندع ول ديورانت نفسه يصف جانبا من هذا الشممر ‪ ،‬كممما وجممده‬
‫فى بلده فى أوائل القرن ‪ ،‬وكما تخيممل نتممائجه المقبلممة ‪ .‬وإن كممان‬
‫الواقع الذى حدث بالفعل أفظع بكثير مما تخيله فى ذلك الحين ‪:‬‬
‫" ولسنا ندرى مقدار الشر الجتماعى الذى يمكن أن نجعل تأخير‬
‫الزواج مسؤول عنه ‪ .‬ول فى أن بعض هذا الشر يرجع إلممى ممما فينمما‬
‫من رغبة فى التعدد لم تهذب ‪ ،‬لن الطبيعة لم تهيئنا للقتصار علممى‬
‫زوجممة واحممدة ‪ .‬ويرجممع بعضممها الخممر إلممى ولء المممتزوجين الممذين‬
‫يؤثرون شراء متعة جنسية جديدة علممى الملل الممذى يحسممونه فممى‬
‫حصار قلعة مستسلمة ‪ .‬وكلممن معظممم هممذا الشممر يرجممع فممى أكممبر‬
‫الظن فى عصرنا الحاضر إلى التأجيل غير الطبيعى لحياة الزوجية ‪.‬‬
‫وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو فى الغالب ثمرة التعود قبلممه ‪.‬‬
‫وقممد نحمماول فهممم العلممل الحيويممة والجتماعيممة فممى هممذه الصممناعة‬

‫المزدهرة ‪ ،‬وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر ل مفممر منممه فممى عممالم‬
‫خلقه النسان ‪ .‬وهذا هو الرأى الشائع لمعظم المفكرين فى الوقت‬
‫الحاضر ‪ .‬غير أنه مممن المخجممل أن نرضممى فممى سممرور عممن صممورة‬
‫نصممف مليممون فتمماة أمريكيممة يقممدمن أنفسممهن ضممحايا علممى مذبممح‬
‫الباحية وهى تعرض علينا فى المسممارح وكتممب الدب المكشمموف ‪،‬‬
‫تلك التى تحاول كسب المال باستثارة الرغبة الجنسية فى الرجممال‬
‫والنساء المحرومين – وهم فى حقى الفوضى الصناعية – من حمى‬
‫الزواج ورعايته لصحة ‪.‬‬
‫" ول يقل الجانب الخر مممن الصممورة كآبممة ‪ .‬لن كممل رجممل حيممن‬
‫يؤجل الزواج يصممحب فتيممات الشمموارع ممممن يتسممكعن فممى ابتممذال‬
‫ظاهر ‪ .‬ويجد الرجل لرضاء غرائزه الخاصممة فممى هممذه الفممترة مممن‬
‫التأجيل نظاممما دوليمما مجهممزا بأحممدث التحسممينات ومنظممما بأسمممى‬
‫ضممروب الدارة العلميممة ‪ ..‬ويبممدو أن العممالم قممد ابتممدع كممل طريقممه‬
‫يمكن تصورها لثارة الرغبات وإشباعها " ‪..‬‬
‫" وأكبر الظن أن هذا التجدد فى القبال على اللممذة ‪ ،‬قممد تعمماون‬
‫أكثر مما نظن مممع هجمموم دارون علممى المعتقممدات الدينيممة ‪ .‬وحيممن‬
‫اكتشف الشبان والفتيات – وقممد أكسمبهم المممال جمرأة – أن الممدين‬
‫يشهر بملذهم التمسوا فى العلم ألف سبب وسبب للتشهير بالدين‬
‫‪ .‬وأدى التزمت فى حجب الحياة الجنسية والزهد فيها إلى رد فعممل‬
‫فى الدب وعلم النفممس صممور الجنممس مرادفمما للحيمماة ‪ .‬وقممد كممان‬
‫علماء اللهوت قديما يتجادلون فى مسألة لمممس يممد الفتمماة أيكممون‬
‫ذنبا ؟ أما الن فلنا أن ندهش ونقول ‪ :‬أليممس مممن الجممرام أن نممرى‬
‫تلك اليد ول نقبلها ؟ لقد فقد النمماس اليمممان وأخممذوا يتجهممون نحممو‬
‫الفرار من الحذر القديم إلى التجربة الطائشة " ‪..‬‬
‫" وكانت الحرب العظمى الولى آخر عامل فى هذا التغيير ‪ .‬ذلك‬
‫أن تلك الحرب قوضت تقاليد التعاون والسلم المتكمونين فمى ظمل‬
‫الصناعة والتجارة ‪ ،‬وعممودت الجنممود الوحشممية والباحيممة ‪ ،‬حممتى إذا‬
‫وضعت الحرب أوزارهمما عمماد آلف منهممم إلممى بلدهممم فكممانوا بممؤرة‬
‫للفساد الخلقى ‪ .‬وأدت تلك الحرب إلى رخص قيمممة الحيمماة بكممثرة‬
‫ما أطاحت مممن رؤوس ‪ ،‬ومهممدت إلممى ظهممور العصممابات والجممرائم‬
‫القائمممة علممى الضممطرابات النفسممية ‪ ،‬وحطمممت اليمممان بالعنايممة‬
‫اللهية ‪ ،‬وانتزعت من الضمممير سممند العقيممدة الدينيممة ‪ .‬وبعممد انتهمماء‬
‫معركة الخير والشر بما فيها من مثالية ووحدة ‪ ،‬ظهر جيمل مخمدوع‬
‫وألقى بنفسه فمى أحضمان السمتهتار والفرديمة والنحلل الخلقمى ‪.‬‬

‫وأصمبحت الحكومممات فممى واد والشمعب فممى واد آخممر ‪ ،‬واسمتأنفت‬
‫الطبقات الصراع فيما بينها ‪ .‬واسممتهدفت الصممناعات الربممح بصممرف‬
‫النظر عن الصالح العام ‪ ،‬وتجنب الرجال الزواج خشية مسممؤوليته ‪،‬‬
‫وانتهى المر بالنساء إلى عبودية خاملة أو إلممى طفيليممات فاسممدة ‪.‬‬
‫ورأى الشباب نفسه وقد منح حريات جديدة تحميه الختراعات مممن‬
‫نتائج المغامرات النسائية فى الماضى " ‪ "1‬وتحوطه من كممل جممانب‬
‫مليين المؤثرات الجنسية فى الفن والحياة " ‪..‬‬
‫" لما كان اليوم هو عصر اللة ‪ ،‬فلبد أن يتغير كل شئ ‪ .‬فقد قل‬
‫أمن الفرد فى الوقت الذى نما فيممه المممن الجتممماعى ‪ .‬وإذا كممانت‬
‫الحياة الجسمانية أعظم أمنا مما كممانت فالحيمماة القتصممادية مثقلممة‬
‫بممألف مشممكلة معقممدة مممما جعممل الخطممر جاثممما كممل لحظممة ‪ .‬أممما‬
‫الشباب الذى أصبح أكثر إقداما واشمد غمرورا ممن قبممل فهمو عمماجز‬
‫ماديا وجاهل اقتصاديا إلى حد لم يسبق له مثيل ‪ .‬ويقبممل الحممب فل‬
‫يجرؤ الشاب على الزواج وجيبه صفر من المال ‪ .‬ثم يطممرق الحممب‬
‫مرة أخرى باب القلب أكثر ضعفا )وقد مرت السممنوات( ومممع ذلممك‬
‫لم تمتلئ الجيوب بما يكفى للممزواج ‪ .‬ثممم يقبممل الحممب مممرة أخممرى‬
‫أضعف حيوية وقوة عما كان من قبممل )وقممد مممرت سممنوات( فيجممد‬
‫الجيوب عامرة فيحتفل الزواج بموت الحب "‬
‫" حتى إذا سئمت فتاة المدينة النتظار اندفعت بممما م يسممبق لممه‬
‫مثيل فى تيار المغامرات الواهية ‪ .‬فهممى واقعممة تحممت تممأثير إغممراء‬
‫مخيممف مممن الغممزل والتسمملية وهممدايا مممن الجمموارب وحفلت مممن‬
‫الشمبانيا فى نظير الستمتاع بالمباهج الجنسية ‪ .‬وقممد ترجممع حريممة‬
‫سلوكها فى بعض الحيان إلى انعكاس حريتها القتصادية ‪ .‬فلم تعممد‬
‫تعتمد على الرجل فى معاشها ‪ ،‬وقممد ل يقبممل الرجممل علممى الممزواج‬
‫من امرأة برعت مثله فى فنون الحب ‪ ،‬فقدرتها على سممكب دخممل‬
‫حسن هو الممذى جعممل الممزوج المنتظممر مممترددا ‪ ،‬إذ كيممف يمكممن أن‬
‫يكفى أجره المتواضع للنفاق عليهممما معمما فممى مسممتواهما الحاضممر‬
‫من المعيشة ؟‬
‫" وأخيرا تجد الرفيق الذى يطلمب يمدها للمزواج ‪ ،‬ويعقمد عليهما ل‬
‫فى كنيسة ‪ ،‬لنهما من أحرار الفكر الذين ألحممدوا عممن الممدين ‪ ،‬ولممم‬
‫يعد للقانون الخلقى الذى ظل جاثما على إيمانهما المهجور أثر فممى‬
‫قلبيهما ‪ ،‬إنهما يتزوجان فى قبو المكتممب البلممدى )الممذى يفمموح منممه‬
‫‪1‬‬

‫" " يشير إلى وسائل منع الحمل والوقاية من المراض السرية وهما المران اللذان وفرتهما الحضارة ! وإن كانت‬
‫التقارير الخيرة تشير إلى أن هذه المراض لم يمكن القضاء عليها رغم كل المحاولت المبذولة بل إنها آخذة فى‬
‫النتشار السريع !‬

‫عبير السياسة( ويستمعان إلممى تعاويممذ العمممدة ‪ .‬إنهممما ل يرتبطممان‬
‫بكلمة الشرق ‪ ،‬بل بعقد من المصلحة ن لهما الحرية فممى أى وقممت‬
‫فممى التحلممل منممه ‪ .‬فل مراسمميم مهيبممة ‪ ،‬ول خطبممة عظيمممة ‪ ،‬ول‬
‫موسمميقى رائعممة ‪ ،‬ول عمممق ول نشمموة فممى النفعممال تحيممل ألفمماظ‬
‫وعودهم إلى ذكريات ل تمحى من صفحة الذهن ‪ .‬ثم يقبل أحممدهما‬
‫صاحبه ضاحكا ‪ ،‬ويتوجهان إلى البيت فى صخب ‪.‬‬
‫" إنه ليس بيتما ! فليممس ثممة كموخ ينتظمر المترحيب بهمما أنشممئ‬
‫وسط الحشائش النضرة والشجار الظليلة ‪ ،‬ول حديقممة تنبممت لهممما‬
‫الزهور والخضراوات التى يشعران بأنها أبهى وأحلى لنهمما مممن زرع‬
‫أيديهما ‪ .‬بل يجب أن يخفيا أنفسهما خجل كأنهما فى زنزانممة سممجن‬
‫فى حجرات ضيقة ل يمكن أن تسممتبقيهما فيهمما طويممل ‪ ،‬ول يعنيممان‬
‫بتحسينها وتزيينها بما يعبر عن شخصيتهما ‪ .‬ليس هذا المسكن شيئا‬
‫روحيا كالبيت الذى يتخذ مظهرا ويكسب روحمما قبممل ذلممك بعشممرين‬
‫عاما )لكتاب مكتوب سنة ‪ (1929‬بممل مجممرد شممئ مممادى فيممه مممن‬
‫الجفمماف والممبرودة ممما تجممده فممى مارسممتان ‪ .‬فهممو يقمموم وسممط‬
‫الضوضاء والحجارة والحديد حيثل ا ينفذ إليممه ربيممع ‪ ،‬ول ينبممت لهممما‬
‫الصيف الممزرع النضممر بممل سمميل مممن المطممر ‪ ..‬ول يريممان مممع ورود‬
‫الخريف قوس قزح فى السماء أو أى ألوان على أوراق الشجر بممل‬
‫المتاعب والذكريات الحزينة ‪.‬‬
‫" وتصاب المرأة بخيبة أمل ‪ ،‬فهممى ل تجممد فممى هممذا الممبيت شمميئا‬
‫يجعل جدرانه تحتمممل فممى الليممل والنهممار ‪ ،‬ول تلبممث غل قليل حممتى‬
‫تهجره فى كل مناسبة ول تعود إليه إل قبل مطلع الفجممر ‪ ..‬ويخيممب‬
‫أمل الرجل ‪ ،‬فهو ل يستطيع أن يتجول فى أنحاء هممذا الممبيت يعممزى‬
‫شعوره ببنممائه وغلحممه ممما تصمماب بممه أصممابعه مممن دق المطممارق ‪..‬‬
‫ويكتشف بعد قليل أن هذه الحجرات تشبه تمممام الشممبه تلممك الممتى‬
‫كان يعيش فيها وهو أعزب ‪،‬وأن علقاته مع زوجته تشبه شبها عاديا‬
‫تلك العلقات غير البريئة الممتى كممان يعقممدها مممع المسممتهترات مممن‬
‫النساء ‪ .‬فل جديد فى هممذا الممبيت ‪ ،‬ولممي فيممه ممما ينمممو ‪ ،‬ول يمممزق‬
‫سكون الليل صوت الرضيع ول يمل مممرح الطفممال لنهممار بهجممة ول‬
‫أذرع بضممة تسممتقبل الممزوج عنممد عممودته مممن العمممل وتخفممف عنممه‬
‫وطأته ‪ .‬إذ أيممن يمكممن أن يلعممب الطفممل ؟ وكيممف يمكممن للزوجيممن‬
‫تخصيص حجرة أخرى للطفال وتوفير العناية بهم وتعليمهممم سممنين‬
‫طويلة فى المدينة ؟ والفطنة فيما يظنممان أفضممل جمموانب الحممب ‪..‬‬
‫فيعنزمان منع السنل ‪ ..‬إلى أن يقع بينهما الطلق !‬

‫" ولما كان زواجهما ليس زواجا بالمعنى الصحيح لنه صلة جنسة‬
‫ل ربمماط أبمموة فممإنه يفسممد لفقممدانه السمماس الممذى يقمموم عليممه ‪،‬‬
‫ومقومات الحياة ‪ .‬يممموت هممذا الممزواج لنفصمماله عممن الحيمماة وعممن‬
‫النوع ‪ .‬وينكمش الزوجممان فممى نفسمميهما وحيممدين كأنهممما قطعتممان‬
‫منفصلتان ‪ ،‬وتنتهى الغيرية الموجودة فى الحمب إلمى فرديمة يبعثهما‬
‫ضغط حياة المساخر ‪ ،‬وتعود إلى الرجل رغبته الطبيعية فى التنويع‬
‫‪ ،‬حين تؤدى ألفة إلى الستخفاف ‪ ،‬فليس عنمد الممرأة جديممد تبممذله‬
‫أكثر مما بذلته ‪..‬‬
‫" ولندع غيرنا من الذين يعرفون يخبرونا عن نتائج تجرابنمما ‪ .‬أكممبر‬
‫الظن أنها لم تكون شيئا نرغب فيه أو نريده ‪ ..‬فنحممن غممارقون فممى‬
‫تيار من الغيير ‪ ،‬سيحملنا لريب إلى نهائيات محتومة ل يحلة لنا فى‬
‫اختيارهمما ‪ .‬وأى شممئ قممد يحممدث مممع هممذا ‪ ،‬الفيضممان الجممارف مممن‬
‫العادات والتقاليد والنظم ‪ .‬فالن وقد أخذ البيت فمى ممدننا الكمبرى‬
‫فىالختفاء فقد فقد الزواج القاصر على واحدة جاذببيته الهامممة ‪ .‬ول‬
‫ريب أن زواج المتعة سيظفر بتأييد أكثر فأكثر حيث ل يكون النسممل‬
‫مقصودا ‪ ،‬وسيزداد الزواج الحر ‪ ،‬مباحا كان أم غير مبمماح ‪ .‬ومممع أن‬
‫حريتهما إلى جانب الرجل أميل فسمموف تعتممبر المممرأة هممذا الممزواج‬
‫أقل شرا من عزلة عقيمة تقضيها فى أيام ل يغازلها أحد ‪ .‬سممنهار "‬
‫المستوى المزدوج " وستحث المممرأة الرجممل بعممد تقليممده فممى كممل‬
‫شئ على التجربمة قبمل المزواج ‪ .‬سمينمو الطلق ‪ ،‬وتزدحمم الممدن‬
‫بضحايا الزيجات المحطمة ثم يصاغ نظام الزواج بأسممره فممى صممور‬
‫جديدة أكممثر سممماحة ‪ ،‬وعنممدما يتممم تصممنيع المممرأة ‪ ،‬ويصممبح ضممبط‬
‫الحمل سرا شائعا فى كل طبقممة يضممحى الحممل أمممرا عارضما فممى‬
‫حياة المرأة ‪ ،‬أو تحممل نظممم الدولمة الخاصمة بتربيممة الطفممال محمل‬
‫عناية البيت ‪.‬ز وهذا كل شئ ! " " ‪. "1‬‬
‫إن إخراج المرأة من البيت ودفعها إلى العمل فممى الخممارج – أيمما‬
‫كانت الدوافع الت أدت إليه وايا كانت النوايا الكامنممة وراءئ ذلممك –‬
‫قد أحدث دمارا عنيفا فى المجتمع ‪ ،‬ل يمكن الحاطة بكممل أبعمماده ‪،‬‬
‫لنه ما زال يلد شرورا جديدة حتى هذه اللحظة ‪.‬‬
‫إن تخصيص المرأة للبيت لوظيفة المومة ورعاية النشء لم يكن‬
‫ظلما للمرأة ‪ ،‬ول تحقيرا لها ‪ ،‬ولكن الجاهلية هى التى جعلته كذلك‬
‫حين عيرت المرأة بأنها تحمل وتلد ول تصنع غير ذلك !‬
‫والجاهلية – دائما – تظلم المرأة وتقسو عليهمما وتهينهمما وتعيرهمما ‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫" " مقتطفات من كتاب مباهج الفلسفة " من ص ‪236 - 126‬‬

‫ول ينقممذها مممن ذلممك شممئ إل شممرع اللممه ومنهجممه المنممزل لصمملح‬
‫البشرية وغقامة العدل فى الرض ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ب َوال ْ ِ‬
‫سل ََنا ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫ن ل ِي َُقممو َ‬
‫سل َْنا ُر ُ‬
‫}ل ََقد ْ أْر َ‬
‫معَهُ ْ‬
‫ت وَأن َْزل َْنا َ‬
‫ط{ ]سورة الحديد ‪[57/25‬‬
‫س ِ‬
‫س ِبال ِْق ْ‬
‫الّنا ُ‬
‫كل جاهلية من جاهليات التاريخ عيرت المرأة بوظيفتها ‪ ،‬وجعلتها‬
‫تشه=عر أنها دون الرجممل مممن أجممل هممذه الوظيفممة ‪ ..‬بينممما يقممول‬
‫الوحى المنزل من عند اله ‪:‬‬
‫ُ‬
‫ه وَ ْ ً َ‬
‫ه فِممي‬
‫وال ِد َي ْهِ َ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫صممال ُ ُ‬
‫م ُ‬
‫هأ ّ‬
‫مل َت ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ن وَفِ َ‬
‫}وَوَ ّ‬
‫ن بِ َ‬
‫صي َْنا ا ِ‬
‫هنا عَلى وَهْ ٍ‬
‫عامي َ‬
‫وال ِد َي ْ َ‬
‫نا ْ‬
‫صمميُر )‪] {(14‬سممورة لقمممان‬
‫م ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫ك إ ِل َم ّ‬
‫شك ُْر ِلي وَل ِ َ‬
‫َ َ ْ ِ‬
‫‪[31/14‬‬
‫فالوصية هى بالوالدين كليهما ‪ ،‬لكن التكريم الكبر هممو للم الممت‬
‫حملته وهنا على هن ‪.‬‬
‫ويسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬من أولى الناس‬
‫بحسن صحابتى قال ‪ :‬أمك ‪ .‬قال ‪ :‬ثم من ؟ قمال ‪ :‬أممك ‪ .‬قمال ثمم‬
‫من ؟ قال أمك ‪ :‬قال ثممم مممن ؟ قممال ‪ :‬ثممم ابمموك ! " ‪ " 1‬والحممديث‬
‫واضح الدللة على تكريم الم ووظيفة اأمومة ‪.‬‬
‫أما وهى زوجة فهذا هو المنهج الربانى ‪:‬‬
‫َ‬
‫ش مْيئا ً‬
‫هوا َ‬
‫}وَ َ‬
‫ن ت َك َْر ُ‬
‫عا ِ‬
‫سى أ ْ‬
‫ف فَإ ِ ْ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن فَعَ َ‬
‫ن ك َرِهْت ُ ُ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫موهُ ّ‬
‫شُروهُ ّ‬
‫جع َ َ‬
‫خْيرا ً ك َِثيرا ً )‪] {(19‬سورة النساء ‪[4/19‬‬
‫ه ِفيهِ َ‬
‫وَي َ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ويقول رسول الله صلى الله عيه وسمملم ‪ :‬خيركممم خيركممم لهلممه‬
‫وأنا خيركم لهلى " ‪. " 2‬‬
‫فالمنهج الربانى الممذى خصممص المممرأة لوظيفتهمما لممم يعيرهمما بهمما‬
‫ويجعلها مهينة منأجلها ن بل كرمها من أجل تلك الوظيفممة وأكرمهمما‬
‫وهى تقوم بها ‪ ،‬وقال لها إن قيامها بهذه الوظيفممة هممو سممبيلها إلممى‬
‫رضوان الله والجنة ‪ ،‬كما أن القتال فى سبيل الله هو طريق الرجل‬
‫إلى رضوان الله والجنة ‪ ،‬فجعل هذه مكافئة لتلممك ‪ ،‬لن اللممه يعلممم‬
‫سبحانه أن هممذا هممو الميممزان الصممحيح الممذى يقيممم الحيمماة البشممرية‬
‫بالقسط ‪ ،‬ويعلم خطورة الممدور الممذى تقمموم بممه المممرأة فممى رعايممة‬
‫البيت وتنشئة النشء ويعلممم كممذلك مممدى الفسمماد الممذى يمكممن أن‬
‫ينشأ حين تهجر المممرأة وظيفتهمما مممن أجممل أى شممئ آخممر فممى هممذا‬
‫الوجود ‪ ،‬فضل عن أن يكممون هممذا الشممئ هممو مجممرد اللهممو والعبممث‬
‫والفساد الخلقى !‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫" " متفق عليه ‪.‬‬
‫" " رواه الترمذى ‪.‬‬

‫ولكن الجاهلية التى يسيطر عليهمما اليهممود ويوجهونهمما قممد ضممربت‬
‫بالمنهج الربانى عممرض الحممائط ‪ ..‬واتبعممت وحممى الشممياطين ‪ ،‬فممأى‬
‫أصابها حين فعلت ذلك وأى خبال ؟!‬
‫فأما لفساد الخلقى فحدث عنه ول حرج !‬
‫لقد ظل الرجممل – " يكافممح " ضممد " حقمموق المممرأة " ردحمما مممن‬
‫الزمن غير قليل ويعارض – بالذات – مزاحمتها له فى ميدان العمل‬
‫‪ .‬ولكنممه أخيممرا لن فممى معارضممته ‪ ،‬بممل كممف عنهمما نهائيمما وتحمممس‬
‫لمشاركة المرأة له فى جميع العمممال ! فهممل تغيممر الرجممل حقيقممة‬
‫فى تلك الجاهلية فأصبح – فجأة – مؤثرا عممادل بعممد أن كممان ظالممما‬
‫مستأثرا لنفسه بالمكانة السامية والمنزل الرفيعة ؟! أو أن المممرأة‬
‫أجبرته بالفعل على احترامها كما زعمت الجاهلية وهى تزين للمرأة‬
‫أن تقحم نفسها فى كل ميدان كان الرجل يستأثر به من قبل حممتى‬
‫ميدان الفساد الخلقى ؟!‬
‫كل ! إنما حسب الحسبة فوجدها رابحة !‬
‫وأربح ما فيها سهولة الحصول على المرأة فى المكتب والمصممنع‬
‫والنادى والشارع والمرقص والملعب ‪ ..‬فى كل مكان !‬
‫لم يعد يتعب فى الحصول على لممذائذ الجنممس ! فهممى متاحممة لممه‬
‫أبدا فى كل لحظممة ! بإشممارة ومممن غيممر إشممارة ! فممالمرأة العاريممة‬
‫المتبرجممة المممبرزة " لمفاتنهمما " أمممامه حيممث ذهممب ‪ ،‬يلقاهمما حيممث‬
‫توجه ‪ ..‬ل واحدة ول عشر ول مئات ! كلهن ! من فيهممن بغيممر تممبرج‬
‫ول زينة ول تفتن فى " جذب " الرجل إليها ؟!‬
‫فإذا حركته الفتنة لطلب الجنس فما أيسر !‬
‫فإن كان دنئ الحس حيوانا فالبغاء الرسمى وغير الرسمى ميسر‬
‫‪ ،‬والمحترفات كثير ! وإن كان " مهذبا ! " " متحضرا ! " " مترفعا !‬
‫" فهنمماك " الصممداقة" وهممى متاحممة أبممدا بحكممم الزمالممة والختلط‬
‫المستمر ‪ ،‬وفى الصداقة يقضى حاجة الجنس كلها ‪ ،‬ومعها " تقدير‬
‫" المجتمممع لتهممذبه وتحضممره وترفعممه ‪ ،‬وقضممائه حاجممة الجنممس مممع‬
‫الهاويات ل مع المحترفات !‬
‫أما هى فقد رضيت بتلقى " عواطف " الرجل ومغازلته وإطرائه‬
‫" لجمالها " و" فتنتها " و" رشاقتها " و" جاذبيتها " ‪ ..‬ورضيت كذلك‬
‫بتلقى نزوات جسده لنهخا هى أيضا تطلب الجنس !‬
‫أما قرأت فرويد ؟!‬
‫ألم يقل لك فرويد فممى التفسممير الجنسممى للسمملوك البشممرى إن‬
‫النسان كله طاقة جنس مترحكة تسعى لثبات الممذات عممن طريممق‬

‫ممارسممة الجنممس ؟ وإن التحقيممق الكممبر للممذات هوالممذى يتممم عممن‬
‫طريق الجنس ؟!‬
‫ألم يقل إن أى حاجز يوضمع أممام طاقمة الجنمس فمعنماه الكبمت‬
‫والعقد النفسية والضطرابات العصبية ؟‬
‫وهى أيضا ل تريد لنفسها الكبت ول العقممد ول الضممطراب ! إنهمما‬
‫تبحث عن " الصحة النفسية " وهذا "حقها " الطممبيعى ! ‪ ..‬والصممحة‬
‫لنفسية ل تتحقق – كما ف=قال فرويد – إذا كان هناك حاجز يقمف‬
‫فى طريق الشباع الجنسى !‬
‫فلممما قيممل لهمما كممما قيممل فممى كممل مممرة ‪ ،‬الممدين ‪ ..‬وألخلق ‪..‬‬
‫والتقاليد ‪..‬لعنمت كمل أولئك وطممالبت " بحقهمما " ! حقهما فمى إبممداء‬
‫عواطفها ! حقها فى أن تهب نفسها لمن تشاء ‪ ..‬فهذا هو التحممرر !‬
‫هذا هو التحرر !‬
‫ألم يقل ماركس إن المرأة فممى المجتمممع الصممناعى تتحممرر لنهمما‬
‫تستقل اقتصاديا عن الرجل فتتحرر من سلطانه فتفقد قضية العفة‬
‫أهميتها ؟!‬
‫ما قيمة العفة ؟ من ذا الذى حرص اليوم عليها ؟!‬
‫إن الرجل ذاته قد تبلد حسه ‪ ،‬وفقد عرضه ‪ ،‬ولم يعد يهتممم ! بممل‬
‫إنه فى سبيل لذاته الحيوانية الهابطة قد رحممب كممثيرا بهممذا التطممور‬
‫الذى يسر له تحقيق رغباته دون تحمل أى مسئولية على الطلق ‪..‬‬
‫ل مسئولية مخالفة قواعد الخلق ومجافمماة التقاليممد ‪ ..‬فقممد ذهبممت‬
‫الخلق والتقاليممد ‪ ،‬ول مسممئولية تحمممل أعبمماء أسممرة فممى مقابممل‬
‫الشباع الجنسى ‪ ،‬فالشباع قد اصمبح بهمذا " التطممور " متاحما بغيممر‬
‫مقابل ‪ .‬ول المسئولية " الجنائية " " فالصداقة " تمنع الجزاء !‬
‫وأما هى فما الذى يمنعها ؟ الحياء ؟ وماذا كان يفعممل الشممياطين‬
‫طوال كل هذه السنوات إل قتل هذا " العدو " الفطرى وإنشاء فتاة‬
‫" جديدة " " متطورة " قليلة الحياء ؟!‬
‫من أجل ذلك " طفح " الجنممس ‪ ..‬فممى الشممارع والغابممة والنممادى‬
‫والملعب والمرقص ‪ ،‬والقصة والمسرح )والسينما فيمما بعمد( وفممى‬
‫المجلممة والصممحيفة اليوميممة فضممل عممن المجلممة المخصصممة للصممور‬
‫العارية والثارة الجنسية ‪ ،‬ووصل إلى درجة التهتك والحيوانية الممتى‬
‫يتعفف عنها بعض أنواع الحيوان !‬
‫وبمناسبة ذكر السينما فهى فى أصمملها مؤسسممة يهوديممة خالصممة‬
‫فكرة ومال وتخطيطا وتوجيها ‪ ..‬هدفها العمل السممريع علممى إفسمماد‬
‫المميين بما للصورة المتحركة من سحر وقدرة علممى التممأثير ‪ .‬وإذا‬

‫كان المميون اليوم " يتنافسون " فى مجال السممينما ‪ ،‬ويتسممابقون‬
‫فمى تحويلهما إلمى مماخور كمبير ‪ ،‬فعمن رضما كامممل ممن الشممياطين‬
‫وتشجيع ! فما أشد ابتهمماجهم بهممذا التنممافس والتسممابق ‪ ،‬وممما أشممد‬
‫فرحتهم وهم يرون اللعبة المسومة سارية لمفعول ‪ ،‬ول ينجممو منهمما‬
‫فتى ول فتاة ول شمميخ ول شمميخة ول طفممل ول طفلممة إل مممن رحممم‬
‫ربك !‬
‫أما التليفزيون – آخر المستحدثات – فل يحتاج إلى حديث !‬
‫فالخلصة أن وسائل العلم كلها قد استخدمت على نطاق واسع‬
‫لشمماعة الفسمماد الخلقممى والتفاهممة والتميممع والنحلل فممى كممل بلد‬
‫الرض ‪ ..‬والشياطين يتفرجون !‬
‫وأما تفكك السرة فحدث عنه كذلك ول حرج !‬
‫لقد كان البيت سكينة وسممكنا بالزوجممة الممتى تعمممره والم والممتى‬
‫ترعى أطفاله ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جع َ َ‬
‫ل‬
‫ن َ‬
‫ن أنُف ِ‬
‫م ِ‬
‫}وَ ِ‬
‫سك ُُنوا إ ِل َي َْها وَ َ‬
‫ن آَيات ِهِ أ ْ‬
‫م أْزَواجا ً ل ِت َ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫خل َقَ ل َك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن فِممي ذ َل ِم َ‬
‫ن )‪{(21‬‬
‫مم ً‬
‫ك لي َمما ٍ‬
‫ت ل َِق موْم ٍ ي َت ََفك ّمُرو َ‬
‫ة إِ ّ‬
‫م موَد ّةً وََر ْ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫ب َي ْن َك ُم ْ‬
‫]سورة الروم ‪[30/21‬‬
‫وقد جعلها الله آية يتفكر فيها الناس ويتدبرون حكمتها ‪..‬‬
‫إنه هكذا فى الفطرة التى فطرها اللممه يخممرج الرجممل يكممدح فممى‬
‫خارج البيت ‪ ،‬ثم يعممود فيجممد السممكن والسممكينة والراحممة الجسممدية‬
‫والعصبية والنفسية التى تمحو عنه آثار الكدح ‪ ،‬وتعممده فممى الصممباح‬
‫لكدح جديد ‪..‬‬
‫ويجئ الطفممال فيجممدون أممما ترعمماهم بحنانهمما الفطممرى وجهممدها‬
‫الدؤوب الذى يتسع لمطممالبهم المتغيممرة المتجممددة الممتى ل تكممف ‪..‬‬
‫ويتعلمممون فممى حضممنها معنممى الحممب ‪ ،‬تتغممذى بممه أرواحهممم الغضممة‬
‫فيوازن فممى نفوسممهم – فيممما بعممد – مشمماعر الصممراع الممتى يثيرهمما‬
‫الكدح لشباع النوازع والرغبات ‪..‬و يجدون أبمما يحيممط هممذه السممرة‬
‫كلهمما برعممايته وحيممه وتمموجيهه وقيممادته ‪ ،‬فيتعلمممون تحممت قيممادته‬
‫النضباط والستقامة على المنهج ‪ ،‬كممما يتعلممون ممن البموين معما‬
‫معنى التعاون والتراحم والمودة ‪ ،‬وكل المعانى " النسممانية " الممتى‬
‫تصنع ذلك " النسان " ‪.‬‬
‫ولكن الفطرة – بصورتها تلك – هى العممدو الكممبر للممذين يسممعون‬
‫فسادا فى الرض ‪:‬‬
‫ن ِفمي ال َ‬
‫ن )‪{(64‬‬
‫ر‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫سم ِ‬
‫مْف ِ‬
‫حم ّ‬
‫سمعَوْ َ‬
‫ض فَ َ‬
‫}وَي َ ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫سمادا ً َوالّلم ُ‬
‫دي َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫]سورة المائدة ‪[5/64‬‬

‫إنها هى التى تسد فممى وجمموههم الثغممرات بممما تحكممم مممن إقامممة‬
‫السممدود والحممواجز أمممام الشمميطان ‪ ،‬بقممدر ممما تركممز فممى نفمموس‬
‫الطفال من الدين والخلق والتقاليد المستمدة من مبادئ الدين ‪..‬‬
‫أفل يكون تحطيم السرة إذن فرحا عظيما للشياطين ؟‬
‫وكان إخراج المرأة للعمل هو المعول الكبر لتحطيم السرة وإن‬
‫لم يكن هو المعول الوحيد ‪.‬‬
‫فبادئ ذى بدء فقد البيت سكنه وسممكينته وأصممبح كممما قممال " ول‬
‫ديورانت " بحق أشبه بالفندق الذى يأوى إليممه المكممدودون ليقضمموا‬
‫فيه فترة الليل ثم ينطلقون منه فى الصباح كل إلى طريق ‪.‬‬
‫وفقممد الطفممال الم ‪ ..‬الم المتخصصممة لرعممايتهم الممتى يجممدون‬
‫عندها الحنان الفطرى والرعاية اللزمممة ‪ ،‬فحيممن تعممود الم العاملممة‬
‫مكدودة كما يعود الرجل ‪ ،‬فإنها ل تجد فى نفسها ول أعصابها فضلة‬
‫تمنحها للبيت ‪ ،‬ل لزوج ول للطفال ‪.‬‬
‫وعبثا تحاول الجاهلية – أو يحمماول الشممياطين –أن يقولمموا إن الم‬
‫الصناعية فى المحضن تغنى عن الم الحقيقة فى الممبيت ‪ ،‬فممالواقع‬
‫هو الذى يكذب الدعاوى الكاذبة كلها ويفندها " ‪. " 1‬‬
‫ولم يكن غياب الم عممن الممبيت هممو العامممل الوحيممد فممى تحطيممم‬
‫السرة وتشريد الطفال ‪ ..‬فهناك عنصممر آخممر ل يقممل خطممورة هممو‬
‫غياب " سيطرة الب " ‪.‬‬
‫َ‬
‫ذي أعْ َ‬
‫طى ُ‬
‫كمم ّ‬
‫ل‬
‫إن وجود " القوامة " فى البيت أمر قرره الله }ال ّ ِ‬
‫َ‬
‫دى )‪] {(50‬سورة طمه ‪ [20/50‬والممذى أودع فممى‬
‫يٍء َ‬
‫م هَ َ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫خل َْق ُ‬
‫ش ْ‬
‫الفطرة البشرية سماتها ونوازعها وهو العليم الخبير ‪ ،‬الذى يعم ممما‬
‫يصلح لهذه الفطرة وما يصلحها ‪.‬‬
‫ومن توفيقمماته – سممبحانه – أن أوجممد فممى نفممس الرجممل السمموى‬
‫القدرة على القوامة والرغبممة إليهمما ‪ ،‬كممما أوجممد فممى نفممس المممرأة‬
‫السوية الرغبة فى قوامة الرجل والطمئنان إليها ‪:‬‬
‫ما ت ََرى ِفي َ ْ‬
‫ت{ ]سورة الملك ‪[67/3‬‬
‫ن ت ََفاوُ ٍ‬
‫ن ِ‬
‫ق الّر ْ‬
‫ح َ‬
‫} َ‬
‫م ْ‬
‫م ِ‬
‫خل ِ‬
‫ولكن الشياطين أرادوا أن يلغوا هذا كله ‪ ،‬لن وجمموده علممى هممذه‬
‫الصورة " مفسد " لمخططاتهم ‪ ،‬وعائق ضخم فممى سممبيل الفسمماد‬
‫الممذى يسممعون إليممه ‪ .‬لممذلك قممال " علممماؤهم " إنممه ليسممت هنمماك‬
‫فطرة ! وإن قوامممة الرجممل ليسممت أصممل مممن الصممول الثابتممة فممى‬
‫الحياة البشرية ‪ .‬إنما هممى انعكمماس لوضممع اقتصممادى معيممن ‪ ،‬يتغيممر‬
‫ويتبدل حين يتغير الطور القتصادى ويدخل الناس فى طور جديد ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫" " اقرأ بشأن أطفال المحاضن كتاب " أنا فرويد " " أطفال بل أسر " ‪.‬‬

‫وجاءت بقية العصابة – بكل وسائل العلم التى تملكها – فنفخت‬
‫‪ ،‬وبدعوى المسمماواة‬
‫فى المرأة روح التمرد على القوامة‬
‫الكاملة فممى لممك شممئ ‪ ..‬فهممى تقبممل الرجممل " زميل " و" صممديقا "‬
‫تمنحه جسدها ويعطيها الشباع الجنسى ‪ .‬ولكنهمما ل تقبلممه قيممما ف‬
‫البيت ول فى المجتمع ول فى شأن من شؤون الحياة !‬
‫ومن ثم لم يعد الرجل فى السممرة ذلممك السمملطان ‪ ،‬إنممما أصممبح‬
‫السلطان إما للمرأة التى تريممد أن تثبممت شخصمميتها ‪ ،‬وإممما منازعممة‬
‫دائمة بين الرجل والمرأة فممى الممبيت ‪ ،‬كممل يريممد أن يثبممت أنممه هممو‬
‫صمماحب السمملطان ! وكل الحممالين مفسممد لممترابط السممرة ومفسممد‬
‫للطفال ‪.‬‬
‫وأخيممرا جممدا اعممترفت المممؤتمرات الممتى تنعقممد لدراسممة مشممكلة‬
‫الطفال الجانحين ويشممترك فيهمما علممماء مممن كممل نمموع ‪ ،‬فممى علممم‬
‫النفس وعلم الجتماع وعلم لجريمة والقانون ‪ ..‬الخ ‪ ،‬اعممترفوا بممأن‬
‫غياب سلطة الب فى البيت والمجتمع سبب من السباب الرئيسية‬
‫فى تشرد لطفال من ناحية ‪ ،‬وزيممادة نسممبة الشممذوذ الجنسممى مممن‬
‫ناحية أخرى !!‬
‫ومع ذلك فليس عمل المممرأة ول الشممقاق الممدائم فممى الممبيت ول‬
‫غياب سلطة الب هى السباب الوحيدة لتحطيم السرة !‬
‫فهى – قبل ذلك – محاربة الميل الفطرى إلى تكوين السرة مممن‬
‫منبعه !‬
‫ألممم يقممل عممالهم دوركممايم ‪ :‬كممان المظنممون أن الممدين والممزواج‬
‫والسرة هى أشياء من الفطرة ولكن التاريخ يوقفنمما علممى أن هممذه‬
‫النزعات ليست فطرية فى النسان ؟!‬
‫ثم جاءت بقية العصابة فوضممعت كممما قممال " ول ديممورانت " كممل‬
‫المعوقات فى طريق الزواج وكل المرغبات ف الباحية الجنسية ‪.‬‬
‫ولقد كانت " الصداقة " بيممن الرجممل والمممرأة هممى الداة الكممبرى‬
‫فممى يممد العصممابة لتحويممل الفطممرة عممن مسممارها ‪ ..‬فففممى تلممك "‬
‫الصداقة " يجد الرجل المنحرف الفطممرة والمممرأة المنحرفممة مكممل‬
‫مطالبها !‬
‫يجد الرجل – المنحرف – متعة الجنممس بل تكمماليف ‪ .‬ل التكمماليف‬
‫النفسية ول العصبية ول المادية ‪ ..‬فهو يقضى رغبته بل معقبات ‪ ..‬ل‬
‫زوجة يتحمل تبعتها ونفقاتها ‪ ،‬ول بيت مؤثث بممما يناسممب السممرة ‪،‬‬
‫ول أطفال يحتاجون إلى الرعاية وتتزايد مطالبهم على الممدوام ‪ ،‬ول‬
‫التزام كذلك أن " يخلص " لرباط الزوجية ل يتعداه !‬

‫وتجد المرأة – المنحرفة – كممذلك متعممة الجنممس بل تكمماليف ‪ ،‬ول‬
‫حمل يرهقها ويفسد " رشاقتها " ول رضاعة ول رعاية أطفممال ‪ ،‬ول‬
‫مسئولية إدارة بيت متعدد التبعات ‪ ،‬وتجد بالضافة إلى ذلك " زميل‬
‫" ل يطالبها بشئ ‪ ..‬فل هو يطلممب القوامممة عليهمما ‪ ،‬ول هممى مكلفممة‬
‫تجاهه بالخضوع لتلك القوامة التى أصبحت تبغضها نفسها ول تحممب‬
‫أن تدخل فيهمما ‪ ..‬ول هممى كممذلك مكلفممة بممأن تكممون لممه وحممده كممما‬
‫تقتضى شرعة الزواج ! " ‪. "1‬‬
‫فإذا كانت المور كذلك فلماذا السرة " ووجع الدماغ " ؟!‬
‫فأما إن حدث الزواج بعد ذلك كله ‪ ..‬فهناك البيت المفكك وهناك‬
‫نسبة الطلق المتزايدة " ‪ "2‬وهناك تشرد الطفال !‬
‫وأما عممن القلممق النفسممى والعصممبى فتلممك تقمماريرهم تغنممى عممن‬
‫الحديث ‪ ..‬يصيب الجنممون مممن أفممراد الشممعب المريكممى أكممثر مممن‬
‫المصابين بأى مرض آخر من المراض الفتاكة ‪ ..‬والعيادات النفسية‬
‫منتشرة فى غرب أوروبا وأمريكا بدرجة ملحوظة ‪ ،‬ومن " الروتيممن‬
‫" المعتاد فى الحياة الغربية أن يذهب النسان إلى العيادة النفسممية‬
‫مرة على القل كل شهر إن لم يكن مرة كل أسبوع لمعالجة القلق‬
‫النفسى والضطرابات العصبية ! " ‪. " 3‬‬
‫وحوادث النتحار كثيرة كثرة تلفت النظر ‪.‬‬
‫والدمان على الخمر والمخدرات فممى زيممادة مسممتمرة رغممم كممل‬
‫المحاولت التى تبذل للحد من الدمان ‪ .‬والدللة واضحة ول شممك ‪،‬‬
‫فلو أن الحياة سعيدة ومستقرة ما كممان هنمماك دافممع للهممروب منهمما‬
‫بالخمر والمخدر ‪ .‬إنما يلجأ إلى هذه " المغيبات " من يريممد أن يفممر‬
‫من واقع مر ل يستطيع مواجهته ول يستطيع تغييممره ‪ ،‬فيهممرب منممه‬
‫فى خيالت مفتعلة تنسيه مرارته لحظات ‪ ..‬ثم يعود أسوأ مما كممان‬
‫فيهرب من جديد !‬
‫والجريمة – بجميع أنواعها – فى تزايد مستمر ‪ .‬ووجممود الجريمممة‬
‫ذاته له دلله ‪ ،‬فإذا زادت حتى أصممبحت أصممل مممن أصممول المجتمممع‬
‫بحيث ل يأمن الناس على أنفسممهم أن تقممع عليهممم فممى ايممة لحظممة‬
‫جريمة خطف أو سرقة أو قتل أو اغتصمماب ‪ ،‬ويحتمماجون دائممما إلممى‬
‫إجراءات غير عادية لوقايتهم من الجريمممة ‪ ..‬فإنهمما تعنممى عنممدئذ أن‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫" " الواقع أن الخلص للزوجية لم يعد له وجود من الطرفين ! ولم يعد الزوج ول الزوجة يجدان حرجا فممى " التغييممر‬
‫" بين الحين والحين ‪ ،‬ويتم ذلك يمقتضى " دستور " غير مكتوب عنوانه " متممع نفسممك ط أو " متعممى نفسممك " ‪Enjoy‬‬
‫‪. " Yourself‬‬
‫" " بلغت نسبة الطلق فى بعض الوليات المريكية ‪ %40‬من عممدد المممتزوجين وهممذا غيممر حممالت الهممرب مممن بيممت‬
‫الزوجية وحالت الخيانة مع استمرار الزواج الصورى !‬
‫" " أشرنا من قبل إلى أن القائمين على العيادات النفسية معظمهم مممن اليهممود ‪ ،‬وهمم يعممالجون المممراض النفسممية‬
‫بمزيد من الخلل فى النفوس ومزيد من الباحية الجنسية !‬

‫الروابط " النسانية " منحلة فى هذا المجتمع ‪ ،‬وأنه مجتمممع مفكممك‬
‫فى حقيقته ‪ ،‬مهما وضع مممن الروابممط السممطحية المصممطنعة علممى‬
‫واجهته الخارجية !‬
‫وجرائم الحداث أمر أسمموأ دللممة واشممد خطممورة ‪ ..‬وقممد صممارت‬
‫مشكلة الحداث الجانحين مشغلة دائمة للمجتمع الغربى ‪ .‬تجمع لها‬
‫المؤتمرات كل عام ‪ ..‬ثم تتزايد كل عام ‪.‬‬
‫إنهم الطفال المشردون الذين تركتهم أمهاتهم مممن أجممل العمممل‬
‫فى المكاتب والمصانع والمتاجر ‪ ،‬وللهو والعبث فى الليل ‪ ،‬والممذين‬
‫فقدوا توجيه الب الحازم لن الب ذاته قد فقد كيممانه فممى معركتممه‬
‫مع " المرأة المتحررة " ‪ ،‬والذين علمتهم السينما والتليفزيون كيف‬
‫يصبحون مجرمين !‬
‫وهذا كله غيممر ألمموان الميوعممة والتفاهممة الممتى يعيشممها الشممباب ‪،‬‬
‫الممذى كممل همممه أن يكسممب النقممود فممى النهممار لينفقهمما فممى اللهممو‬
‫والمجون فى الليل ‪ ،‬وغير ألوان " الجنون " العامممة الممتى اسممتولت‬
‫على حياة المميين ‪ :‬جنون السممينما ‪ ،‬وجنممون التليفزيممون ‪ ،‬وجنممون‬
‫الكرة ‪ ،‬وجنون الجنس ‪ ،‬وجنون " المودة " وجنون العرى ‪ ،‬وجنممون‬
‫السرعة ‪ ،‬وجنون التقاليع …‪ .‬الخ ‪.‬‬
‫‪m m m‬‬
‫كيف استطاع اليهود أن يحدثوا هذا الشر كله فى الرض ؟!‬
‫إنهم – فى الواقع – لم يكتفوا بإفساد أوروبا وإنما هم فقط بممدأوا‬
‫جولتهم من هناك ‪ ..‬ولكن هدفهم لممم يكممن مقصممورا علممى أوروبمما ‪،‬‬
‫ونشاطهم الشرير لم يقتصر على الغرب ن إنما هم نشروا الفسمماد‬
‫فى الرض كلها عن طريق أوروبا – بعد إفسادها !‬
‫ففممى خلل القممرون الثلثممة الخيممرة كممانت القمموة السياسممية‬
‫والعسكرية والعلمية والماديممة لوروبمما فممى تزايممد مسممتمر ‪ ،‬وكممانت‬
‫أوروبا تغلب بقوتهمما علممى العممالم كلممه ن والعممالم السمملمى بصممفة‬
‫خاصة ‪ ،‬ومممن خلل غلبممة أوروبمما علممى الرض كلهمما ‪ ،‬وعلممى العممالم‬
‫السلمى ‪ ،‬نشر اليهود سمومهم فشملت " المميين " جميعمما _ إل‬
‫من رحم ربك – وأدخلتهم فى المخطط الشرير الذى يحدد التلمممود‬
‫هدفه ووسائله ‪:‬‬
‫" المميون هم الحميممر الممذين خلقهممم اللممه ليركبهممم شممعب اللممه‬
‫المختار "‬
‫فكيف استطاع اليهود أن يحدثوا هذا الشر كله فى الرض ؟!‬

‫هل هم أولئك " الجبابرة " الذين يصورهم وليم كممار فممى كتمماب "‬
‫الحجار " ؟!‬
‫هل هم أولئك العباقرة – كما يصورون أنفسممهم – الممذين ل يقممف‬
‫أمام عبقريتهم شئ ول يحول دونهم حاجز؟!‬
‫هل هممم أولئك المخططممون العتمماة الممذين يخططممون للممف عممام‬
‫ولمائة عام ولكل يوم من اليممام ‪ ،‬كممما يتصممورهم المهزومممون مممن‬
‫الممييممن الممذين يقممرأون أمثممال " الممبروتوكولت " و" أحجممار علممى‬
‫رقعة الشطرنج " وغيرها من الكتممب لممتى كممان يخفيهمما اليهممود عممن‬
‫العيون فيما مضى – قبل أن تنضممج اللعبممة وتسممتوتى –وصمماروا هممم‬
‫اليمموم الممذن ينشممرونها علممى نطمماق واسممع ليرعبمموا بهمما الممييممن‬
‫ويوهموهم أنهم يقولون للشممئ كممن فيكممون ‪ ..‬يقرأونهمما وهممم بغيممر‬
‫رصيد من عقيدة تحميهم أو قوة تدفع عنهممم ‪ ،‬فيقولممون لنفسممهم ‪:‬‬
‫وماذا نصنع نحن أمام هذا المكر الماكر والتدبير الخبيث ؟!‬
‫كل ! ليس اليهود شيئا من ذلك كله ! ل هممم أولئك الجبممابرة ‪ ،‬ول‬
‫هم أولئك العباقرة ‪ ،‬ول هم أولئك المخططون العتاة !‬
‫ولقد خططوا ودبروا وحاولوا خلل ألف عام أو أكممثر فلممم يصمملوا‬
‫إلىش ئ مما يريردون ‪ ..‬إنما الذى جعلهم يقدرون فىالقرون الثلثممة‬
‫الخيرة هو المميون أنفسهم ‪ ،‬بما أتاحوا من ثغرات ينفذون منهمما ‪،‬‬
‫وما أتاحوا لهم من فرص للفساد ‪.‬‬
‫اليهود ل ينشئون الحداث ولكنهم يجيدون استغلل الحداث ‪.‬‬
‫وأحوال المميين فى القرون الثلثة أو الربعة الخيممرة هممى الممتى‬
‫مكنت لليهود كل هذا التمكين ‪..‬‬
‫يقول الله تعالى عن اليهود فى كتابه الكريم ‪:‬‬
‫}ضربت عَل َيهم الذ ّل ّ ُ َ‬
‫ن‬
‫ل ِ‬
‫ل ِ‬
‫ما ث ُ ِ‬
‫ن الل ّمهِ وَ َ‬
‫قُفوا إ ِل ّ ب ِ َ‬
‫ن َ‬
‫ِْ ْ‬
‫ُ َِ ْ‬
‫مم ْ‬
‫حب ْم ٍ‬
‫مم ْ‬
‫حب ْ ٍ‬
‫ة أي ْ َ‬
‫س{ ]سورة آل ‪[3/112‬‬
‫الّنا ِ‬
‫فالقاعدة الدائمة بالنسبة لهم هى الذلة المضروبة عليهم ‪:‬‬
‫}وإذ ْ تأ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫سمموءَ‬
‫م‬
‫ة‬
‫م‬
‫يا‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫لى‬
‫إ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ث‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ن يَ ُ‬
‫مه ُ ْ‬
‫سو ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِ ِ‬
‫ْ ِ‬
‫ال ْعَ َ‬
‫ب{ ]سورة العراف ‪[7/167‬‬
‫ذا ِ‬
‫والستثناء هو التمكين ‪.‬‬
‫وهم اليوم فى قمة الستثناء ‪ ..‬بحبل من الله وحبل من الناس ‪.‬‬
‫فأما الحبل من الله فهو مشيئته سبحانه ‪ ،‬التى يجممرى بمقتضمماها‬
‫كل ما يجرى من أمور هذا الكون ‪ ..‬فلو شاء الله لليهود أن يتمكنوا‬
‫اليوم مممن رقمماب الممييممن ممما تمكنمموا ‪ ،‬ولكنممه شمماء ذلممك سممبحانه‬
‫لحكمة ربما استطعنا فهمها إذا تدبرنا كتممابه المنممزل ‪ ،‬الممذى يحمموى‬

‫تفسير مجريات المور كلها فى الحيمماة البشممرية ماضمميها وحاضممرها‬
‫ومستقبلها ‪.‬‬
‫وأما الحبل من الناس فهذا الذى ينبغممى أن تتممدبره جيممدا لنعممرف‬
‫الحجم الحقيقى للقوة الموهومة " لشعب الله المختار "‪.‬‬
‫قلنا فممى التمهيممد الول إن الكنيسممة الوروبيممة أفسممدت فحمموى "‬
‫الدين " بالنسبة لوروبمما ‪ ،‬فشمموهت العقيممدة أول ‪ ،‬وفصممل العقيممدة‬
‫عن الشريعة ثانيمما ‪ ،‬وقممدمت الممدين عقيممدة خلمموا مممن الشممريعة إل‬
‫القليل ‪ ،‬فضل عما اقترفت الكنيسة من الخطايا الممتى تنفممر النمماس‬
‫من الدين ‪.‬‬
‫وينبغمى أن نمدرك جيمدا أن همذه همى نقطمة البمدء ‪،‬النمى أتماحت‬
‫لليهود أن يفعلوا كل ما فعلوه ‪ ،‬وإن كمان ذلمك قممد اسممتغرق عممدوة‬
‫قرون !‬
‫فيجممب أن نلحممظ أول أن اليهممود لممم يبممدأوا بالعمممل فممى العممالم‬
‫السلمى إنما فى العالم المسيحى ‪ .‬وهذا المممر لممه دللتممه الممتى ل‬
‫يجوز إغفالها ‪ ،‬فقد حاربوا افسلم حربا شعواء فممى زمممن الرسممول‬
‫صلى الله عليه وسلم وحاولوا – بكل " عبقريتهم " الشممريرة وبكممل‬
‫" جبروتهم " وبكل " تخطيطهم " وتدبيرهم وبكل مكرهممم ودهممائهم‬
‫– أن يقضوا على هذه العقيدة وعلى الدولة التى انبثقت عنهمما فلممم‬
‫يستطيعوا ‪ ،‬ورد الله كيدهم فى نحورهم ‪،‬وقال جل شممأنه فممى هممذا‬
‫الصدد ‪:‬‬
‫م َ‬
‫مّنا وَإ ِ َ‬
‫}وَإ ِ َ‬
‫ظ‬
‫ذا َ‬
‫ن الغَْيمم ِ‬
‫ل ِ‬
‫م ال ََنا ِ‬
‫وا عَ ّ‬
‫ضوا عَل َي ْك ُ ْ‬
‫م َقاُلوا آ َ‬
‫ذا ل َُقوك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫خل َ ْ‬
‫قُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫م‬
‫ذا ِ‬
‫دورِ )‪ (119‬إ ِ ْ‬
‫ص ُ‬
‫م إِ ّ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫موُتوا ب ِغَي ْظ ِك ُ ْ‬
‫ل ُ‬
‫ت ال ّ‬
‫صمب ُِروا وَت َت ُّقمموا ل‬
‫سي ّئ َ ٌ‬
‫سن َ ٌ‬
‫ن تُ ِ‬
‫حمموا ب ِهَمما وَإ ِ ْ‬
‫ة ي َْفَر ُ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ة تَ ُ‬
‫ح َ‬
‫صب ْك ُ ْ‬
‫سؤْهُ ْ‬
‫ن تَ ْ‬
‫حي ٌ‬
‫م َ‬
‫ط )‪] {(120‬سممورة آل‬
‫م ِ‬
‫مُلو َ‬
‫شْيئا ً إ ِ ّ‬
‫يَ ُ‬
‫ن ُ‬
‫ما ي َعْ َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ك َي ْد ُهُ ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫‪[120-3/119‬‬
‫وقال فى شأنهم وشا‪ ،‬غيرهم جميعا ‪:‬‬
‫َ‬
‫}ال ْيو َ‬
‫ت عَل َي ْ ُ‬
‫م‬
‫مِتمي وََر ِ‬
‫َ ْ َ‬
‫ت ل َك ُم ْ‬
‫ضمي ُ‬
‫م ن ِعْ َ‬
‫كم ْ‬
‫مم ُ‬
‫م ْ‬
‫م وَأت ْ َ‬
‫م ِدين َك ُ ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫مل ْ ُ‬
‫م أك ْ َ‬
‫م ِدينًا{ ]سورة المائدة ‪[5/3‬‬
‫سل َ‬
‫ال ِ ْ‬
‫وظممل كيممدهم ضممد السمملم خلل قممرون طويلممة محصممورا فممى‬
‫استحداث فرق باطنية تتظاهر بالسلم وهى بعيدة كل البعممد عنممه ‪،‬‬
‫ولكن هذه الفرق لم تخدع المسلمين ‪ ،‬ولم تستطع الحيمماة بينهممم ‪،‬‬
‫وظلت منبمموذة مبعممدة ل تممؤثر فممى جسممم المممة المسمملمة ول فممى‬
‫عقائدها ول فى خط سيرها ‪ ،‬وظلت الشريعة السلمية مطبقة فى‬
‫الرض السلمية ما يزيد على اثنى عشر قرنا من الزمان !‬

‫أما فى أوروبا المسيحية فقد كممان الوضممع مخلخل مليئا بممالثغرات‬
‫التى يستطيع اليهود أن ينفذوا منها ويفسمدوا ممن خللهما ‪ .‬والثغمرة‬
‫الكبرى كما أسلفنا كانت تحريف الدين وتشويهه على يد الكنية ‪.‬‬
‫إنه حين يكون للمة دين حقيقى ‪ ،‬معمول بممه فممى واقممع الرض ‪،‬‬
‫فإن اليهود – بكل قدرتهم علممى البشممر – ل يسممتطيعون أن يصممنعوا‬
‫شيئا ضد هذه المة مهما حاولوا ‪ ،‬وإن قمماموا بممأنواع مممن " الذى "‬
‫بين الحين والحين ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫صممُرو َ‬
‫م إ ِل ّ أًذى وَإ ِ ْ‬
‫ن يَ ُ‬
‫م الد َْباَر ث ُ ّ‬
‫م ي ُوَّلوك ُ ْ‬
‫ن ي َُقات ُِلوك ُ ْ‬
‫ضّروك ُ ْ‬
‫م ل ي ُن ْ َ‬
‫}ل َ ْ‬
‫)‪] {(111‬سورة آل ‪[3/111‬‬
‫أى لن يضروكم فى عقيدتكم ‪ ،‬ولن يممؤثروا فممى دينكممم ‪ ،‬ول فممى‬
‫قيام حياتكم على مقتضى هذا الدين ‪ .‬إنما يؤذونكم فقممط بممأى نمموع‬
‫من اليذاء ‪ ،‬وفرق بين أن يؤذوا أشخاصكم وبيممن أن يضممروا دينكممم‬
‫أى مقومات حياتكم ‪ .‬فإن القتال نمموع مممن اليممذاء ‪ .‬والسممباب نمموع‬
‫من اليذاء ‪ .‬وتأليب العداء نوع من اليذاء ‪ .‬والعممدوان علممى بعممض‬
‫الفراد نوع من اليذاء ‪ .‬ولكن تبقى المة سليمة ما بقى لها دينهمما ‪،‬‬
‫أى المنهج الذى تقوم حياتها عليه وتستقيم ‪.‬‬
‫أما فى أوروبا حيث لم يكن هنالممك ديممن حقيقممى ‪ ،‬فقممد اسممتطاع‬
‫اليهود أن يضممروا – ل باليممذاء فقممط – ولكممن بتغييممر قواعممد الحيمماة‬
‫كلها ‪ ،‬بل بمسخ الفطرة البشرية ذاتها ‪ ،‬وتحويل النمماس إلممى دواب‬
‫يركبهم الشعب الشرير ‪.‬‬
‫ومع ذلك فإن اليهود لم يتقدموا للعمل الجاد فى إفساد أوروبا إل‬
‫حين بدأت أوروبا تتخلى عن كل القيم المستمدة من الدين ‪.‬‬
‫لقد كان الدين مشوها نعم ‪ ،‬وليس هو الدين المنزل من عند الله‬
‫‪ .‬ولكنه كان يحمل شيئا من آثار الدين السماوى ‪.‬‬
‫ممما‬
‫صمماَرى أ َ َ‬
‫حظ ّما ً ِ‬
‫خمذ َْنا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫}وَ ِ‬
‫سمموا َ‬
‫م فَن َ ُ‬
‫م ّ‬
‫ميث َمماقَهُ ْ‬
‫ن َقاُلوا إ ِن ّمما ن َ َ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ه{ ]سورة المائدة ‪[5/14‬‬
‫ذ ُك ُّروا ب ِ ِ‬
‫نسوا حظا ولكنهم لم ينسوه كله ‪ .‬وهذا الجممزء البمماقى الممذى لممم‬
‫يكونوا قد نسوه هو الذى حال بين اليهود وبين أن يعيثوا فسادا فممى‬
‫أوروبا بضعة قرون ‪.‬‬
‫وكانت هناك الخلق ‪ ،‬كانت هناك السرة المتينممة الربمماط ‪ ،‬كممان‬
‫هناك النفممور مممن الفاحشممة والحيمماء النثمموى الفطممرى اللئق بممأنثى‬
‫النسان والممذى يميزهمما عممن إنمماث الحيمموان ‪ .‬وكممان هنمماك الحفمماظ‬
‫الشديد على العفة وصيانة العرض ‪ ،‬وكان هنمماك تحريممم الربمما فيممما‬
‫بين المسيحيين بعضهم وبعممض ‪ ،‬إل مممن وقممع فممى قبضممة المرابيممن‬

‫اليهود ‪ ،‬وكان هنمماك الزهممد فممى متمماع الحيمماة والممدنيا والتطلممع إلممى‬
‫الخرة ‪ ..‬وكان ‪ ..‬وكان ‪..‬‬
‫ذلك كله حظ من دين الله المنزل لم يكن قد نسى فى " القرون‬
‫الوسطى المظلمة " فممى أوروبمما ‪ .‬ورغممم أنممه ل ينفممع عنممد اللممه ول‬
‫يشفع لهم يوم القيامة لن الله ل يرضى بتجمزئة دينمه أجمزاء يمؤمن‬
‫الناس ببعضها ويكفرون ببعضها الخر على هواهم ‪.‬‬
‫َ‬
‫ن ي َْفعَم ُ‬
‫ل‬
‫ن ب ِب َعْم‬
‫}أفَت ُؤْ ِ‬
‫ممما َ‬
‫ب وَت َك ُْفُرو َ‬
‫ن ب ِب َعْ‬
‫مُنو َ‬
‫جمَزاُء َ‬
‫ض فَ َ‬
‫ض ال ْك َِتا ِ‬
‫مم ْ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ذ َل ِ َ‬
‫ن إ َِلمى أ َ َ‬
‫م إ ِل ّ ِ‬
‫ك ِ‬
‫شمد ّ‬
‫دو َ‬
‫مةِ ي ُمَر ّ‬
‫خْزيٌ ِفي ال ْ َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا وَي َوْ َ‬
‫م ال ِْقَيا َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ال ْعَ َ‬
‫ب{ ]سورة البقرة ‪[2/85‬‬
‫ذا ِ‬
‫رغم ذلك فإنه – بالنسبة لليهود – كان حمماجزا منعهممم مممن القيممام‬
‫بنشاطهم المفسد على نطاق واسع عدة قرون ‪.‬‬
‫فلممما أمعنممت الكنيسممة فممى الفسمماد والفسمماد ‪ ..‬لممما طغممت كممل‬
‫طغيانها الذى تحدثنا عنه ‪ ،‬وحاربت العلم ‪ ،‬وحاربت حركات الصلح‬
‫‪ ،‬ووقفت مع الطغاة ضد المظلومين ‪ ..‬وحين فسممدت أخلق الممدين‬
‫فصاروا – بوضعهم ذلك – يصدون عن سبيل الله ‪.‬‬
‫}إن ك َِثيرا ً من ال َحبار والرهْبممان ل َي مأ ْك ُُلو َ‬
‫وا َ‬
‫ل‬
‫َ‬
‫ْ َ ِ َ ّ َ ِ َ‬
‫ِ ّ‬
‫نأ ْ‬
‫س ِبال َْباط ِم ِ‬
‫مم َ‬
‫ِ ْ‬
‫ل الن ّمما ِ‬
‫ه{ ]سورة التوبة ‪[9/34‬‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ص ّ‬
‫ن َ‬
‫وَي َ ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن عَ ْ‬
‫حين حدث ذلك كله أخممذ النمماس فممى أوروبمما ينفممرون مممن الممدين‬
‫وينسلخون منه ‪ ،‬ل يفرقون بين ما قدمته لهم الكنيسة من الباطيل‬
‫وما أنزله الله من الحق ‪ ..‬ول يسعون فى الوقت ذاتممه إلممى اعتنمماق‬
‫الدين الصحيح ‪ ..‬عندئذ وجدت الفرصة التى يترقبهمما اليهممود ليعيثمموا‬
‫فسادا فمى الرض ‪،‬وبمدأوا ينشمطون نشمماطهم الشمرير المذى ظممل‬
‫يتصاعد من القرن الثامن عشر – على القل – إلى القرن العشرين‬
‫‪.‬‬
‫مخطط اليهود – كما جاء فى التلمود – أن يسممتحمروا المممييممن‬
‫ليركبمموهم ويسممخروهم لمصممالحهم ‪ ،‬فهممل اسممتطاعوا – قممط – أن‬
‫يستحمروا وهم آدميون ‪ ،‬أى لهم دين يلوذون به من كيممد الشمميطان‬
‫أو حتى آثار من الدين ؟‬
‫كل ! إنما الذى حدث بالضبط أن المميين فى أوروبا – بابتعممادهم‬
‫عن الدين وانسخلهم منه – هم الذين استحمروا أنفسممهم للشممعب‬
‫الشيطانى ودعوه أن يركب فوق ظهورهم ليوجههم كيف يشاء !‬
‫ولنتتبع أحوال أوروبا خطوة خطوة لنرى من أين نفذ اليهود ‪.‬‬
‫لو بقيت أوروبا على ببقايا دينها ‪ ،‬ول نقول اعتنقت الدين الصحيح‬
‫الذى حاربته تلك الحرب المتعصبة الحمقمماء ‪ ،‬فمممن أيممن كممان ينفممذ‬

‫اليهود ؟‬
‫لممو بقيممت السممرة مترابطممة متماسممكة تقمموم علممى عفممة المممرأة‬
‫وقوامة الرجل على اللبيت فمن أين كان ينفذ اليهود ؟‬
‫لو بقى عامة الناس غيممر مفتممونين بالحيمماة نمماظرين إلممى الخممرة‬
‫فمن أين كان ينفذ اليهود ؟‬
‫لو قام العلم على غير عداء وصمراع ممع المدين ‪ ،‬فممن أيمن كمان‬
‫ينفذ اليهود ؟‬
‫لو بقى الناس يحرمون التعامل بالربا ويرفضون أن تقوم حيمماتهم‬
‫عليه ‪ ،‬فمن أين كان ينفذ اليهود ؟‬
‫ثم ‪..‬‬
‫حين قامت الصناعة بعد اختراع اللة ‪..‬‬
‫لو كانت هناك دولة تحكم بما أنزل الله وتطبق منهجه فى الحياة‬
‫‪ ،‬وترفض أكل مال الجير وتحممرص علممى تمموفيته حقممه ‪ ،‬وحقممه هممو‬
‫الذى يكفيه للحياة الكريمة هو وأسرته ‪ ..‬فمن أين كان ينفذ اليهممود‬
‫بنشر البغاء " الشعبى " والدفاع عنه ‪ ،‬وتولية الدولممة حارسممة عليممه‬
‫وراعية له ! وقد فعلوا ذلك كله استغلل لوجود الشباب الفمماره مممن‬
‫العمال بل أسر فى المدينة ؟!‬
‫لو كانت هناك دولة تحكم بما أنزل الله ‪ ،‬وتقيم لكممل امممرأة كفيل‬
‫يكفلها من ذوى قرباها ‪ ،‬أو من بيت المال حين تفقممد كممل الكفلء ‪،‬‬
‫فمن أين كان ينفذ اليهود الذى نفذوا من خلل اضطرار المرأة إلممى‬
‫الهجرة من الريف والعمل فى المدينممة ‪ ،‬واضممطرارها إلممى التخلممى‬
‫عن عرضها فى كثير من الحيان ؟‬
‫وحتى حين اضطرت المرأة للعمل ‪..‬‬
‫لو كانت هناك دولة تحكم بمما أنمزل اللمه ولمم تبمح تلمك التفرقمة‬
‫الظالمة فى الجر بين الرجل والمممرأة الممتى تقمموم بنفممس العمممل ‪،‬‬
‫فمن أين كان ينفذ اليهود الذين لعبوا لعبتهم الكبرى بقضممية المممرأة‬
‫ودمروا بها المجتمع البشرى كله ؟‬
‫لو كانت المرأة غير مضمطهدة ول محتقمرة ول مهينمة ول منبموذة‬
‫فمن أين كان ينفذ اليهود الذين استغلوا هذا الواقممع السممئ لينفخمموا‬
‫فى قضية المرأة ويمدوها إلمى البعماد المتى وصملت إليهما فمى كمل‬
‫اتجاه ؟ ‪..‬‬
‫و كانت المرأة تنال حقها مممن التعليممم ‪ ،‬علممى الصممول الصممحيحة‬
‫التى ل تفسد أنوثممة المممرأة ‪ ،‬ول تبعممدها عممن وظيفتهمما ‪ ،‬ومممع ذلممك‬
‫تعلمها وتثقفها وتجعل منها إنسانة فاضلة متنممورة ‪ ،‬فمممن أيممن كممان‬

‫ينفذ اليهود الذين لعبوا بقضممية تعليممم المممرأة وأفسممدوا بهمما المممرأة‬
‫والرجل كليهما إلى أبعد حدود الفساد من أول الختلط إلى إباحيممة‬
‫الجنس إلى تحطيم السرة وتشريد الطفال ‪..‬؟‬
‫َ‬
‫م ب ََر َ‬
‫ن أ َهْ َ‬
‫ماِء‬
‫ت ِ‬
‫كا ٍ‬
‫وا ل ََفت َ ْ‬
‫}وَل َوْ أ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫س َ‬
‫حَنا عَل َي ْهِ ْ‬
‫ل ال ُْقَرى آ َ‬
‫م ْ‬
‫مُنوا َوات َّق ْ‬
‫م من الس مماِء وال َ‬
‫حن َمما عَل َ‬
‫َوال َْرض ل َ‬
‫م ب ََرك َ‬
‫ن ك َمذ ُّبوا‬
‫ر‬
‫ت‬
‫ما‬
‫م‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ت‬
‫ف‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ض وَل َك ِم ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪] {(96‬سورة العراف ‪[7/96‬‬
‫بو‬
‫س‬
‫ك‬
‫ي‬
‫نوا‬
‫كا‬
‫ما‬
‫ب‬
‫م‬
‫ه‬
‫فَأ َ‬
‫ُ َ ِ ُ َ‬
‫خذ َْنا ُ ْ ِ َ‬
‫َ‬
‫همم َ‬
‫م‬
‫ن أَ ْ‬
‫}وََلمموْ أ ّ‬
‫م َ‬
‫سممي َّئات ِهِ ْ‬
‫وا ل َك َّفْرَنمما عَن ُْهمم ْ‬
‫بآ َ‬
‫ل ال ْك َِتمما ِ‬
‫مُنمموا َوات َّقمم ْ‬
‫خل ْناهُم جنات النِعيم )‪ (65‬ول َو أ َنه َ‬
‫َ‬
‫جي َ‬
‫ممما‬
‫ل وَ َ‬
‫لن ِ‬
‫م أَقا ُ‬
‫َ ْ ُّ ْ‬
‫موا الت ّوْ ََراةَ َوا ِ‬
‫ُوَلد ْ َ َ ْ َ ّ ِ ّ َ ِ‬
‫أنزِ َ‬
‫م{ ]سممورة‬
‫ح ِ‬
‫م وَ ِ‬
‫م لك َُلوا ِ‬
‫م ِ‬
‫ت أْر ُ‬
‫ن تَ ْ‬
‫جل ِهِ ْ‬
‫ن فَوْقِهِ ْ‬
‫ن َرب ّهِ ْ‬
‫ل إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫المائدة ‪[66-5/65‬‬
‫نعم ‪ ..‬لو أنهممم آمنمموا واتقمموا ممما اسممتطاع اليهممود أن يلعبمموا بهممم‬
‫ويستحمروهم لخدمة مصالحهم ‪..‬‬
‫‪m m m‬‬
‫" الناس " هم الذين أمممدوا اليهممود بالحبممل الممذى مكممن لهممم فممى‬
‫الرض فى الوقت الحاضر ‪..‬‬
‫السينما مؤسسة يهودية أقامها اليهود للفساد فى الرض ‪ ،‬فكممل‬
‫فتى أو فتاة أصممابه جنممون السممينما فهممو " حبممل مممن النمماس " يمممد‬
‫اليهود ‪ .‬يمدهم بالمممال الممذى يربحممونه مممن هممذه التجممارة النافقممة ‪،‬‬
‫ويمدهم بالفساد فى ذات نفسه فيتحقق لهم مخططهم الشرير ‪.‬‬
‫بيوت الزينمة والزيماء يهوديمة ‪ ..‬فكمل فتماة أصمابها جنمون الزينمة‬
‫وجنون " المودة " هممى " حبممل مممن النمماس " تمممد اليهممود ‪ ،‬تمممدهم‬
‫بالمال من ناحية – وصناعة أدوات الزينة من أربح الصممناعات علممى‬
‫الطلق – وتمممدهم بالفسمماد فممى ذات نفسممها وفممى الشممباب الممذى‬
‫تتولى فتنته بتبرجها فيحققان لهم مخططهم الشرير ‪.‬‬
‫جنون الجنس جنون أطلقه اليهود علممى البشممرية ‪ ،‬فكممل فممتى أو‬
‫فتاة أصابه جنون الجنس فهو " حبل من الناس " يمممدهم باسممتعباد‬
‫نفسممه للشممهوات الممتى تهبممط بممه عممن آدميتممه فيصممبح فممى متنمماول‬
‫مخططهم الشرير ‪.‬‬
‫جنون الكرة من أنواع الجنون التى أطلقها اليهود على البشممرية ‪.‬‬
‫فكل فتى أو " فتاة !" أصابه جنون الكرة فهو " حبل مممن النمماس "‬
‫يمد اليهود ‪ ،‬يمدهم بتفاهة اهتماماته وانصممرافه عممن معممالى المممور‬
‫إلى سفسافها " ‪ "1‬وانصرافه عن الهتمامات الجادة والنظممر فيممما‬
‫‪1‬‬

‫" " قال صلى الله عليه وسلم " إن الله يحب معالى المور ويكره سفسافها " رواه الطبرانى ‪.‬‬

‫يحيممط بممه مممن أحمموال ‪ ،‬فييسممر لليهممود أن يعبثمموا عبثهممم العممالمى‬
‫والولد )والبنات !( مشغولون بالفريق الذى أخفممق والفريممق الممذى‬
‫فاز !‬
‫الربا من أفتك أدوات اليهود وأفعلها فى التخريب ‪ .‬فكممل صمماحب‬
‫مال أودعه عند اليهود فى مصارفهم ومؤسساتهم فهممو " حبممل مممن‬
‫النمماس " يمممد اليهممود ‪ ،‬يمممدهم بأربمماح طائلممة يقمموون بهمما أنفسممهم‬
‫ويتحكمون بها فى اقتصاد العالم كله ‪ ،‬وبالخبال الذى يصمميب حيمماته‬
‫من الربا ‪:‬‬
‫ْ‬
‫خب ّ ُ‬
‫ه‬
‫ذي ي َت َ َ‬
‫م اّلمم ِ‬
‫}اّلمم ِ‬
‫مممو َ‬
‫ن َيممأك ُُلو َ‬
‫ممما ي َُقممو ُ‬
‫طمم ُ‬
‫ن إ ِل ّ ك َ َ‬
‫ن الّرَبمما ل ي َُقو ُ‬
‫ذي َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫س{ ]سورة البقرة ‪[2/275‬‬
‫ن ِ‬
‫طا ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م ّ‬
‫م ْ‬
‫وهذا كله بصرف النظر عن المدد الذى يأتيهم مممن دول كأمريكمما‬
‫أو روسمميا ‪ ،‬فممإن اليممة ل تشممير إلممى دول بعينهمما ول إلممى " بعممض "‬
‫الناس " إنما تشير إلى " الناس " والحاصممل اليمموم أن المممدد يممأتى‬
‫من " جميع الناس " ‪ ..‬إل من رحم ربك !‬
‫" المميون " هم الذين استحمروا أنفسهم " لشعب الله المختممار‬
‫" وذلممك بتخليهممم عممن الوقايممة الطبيعيممة لتممى تحميهممم مممن كيممد‬
‫الشيطان ‪.‬‬
‫سل ْ َ‬
‫ن )‪(99‬‬
‫ن عََلى ال ّ ِ‬
‫م ي َت َوَك ُّلو َ‬
‫طا ٌ‬
‫ه ُ‬
‫مُنوا وَعََلى َرب ّهِ ْ‬
‫نآ َ‬
‫س لَ ُ‬
‫}إ ِن ّ ُ‬
‫ه ل َي ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫سل ْ َ‬
‫ش مرِ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن )‪{(100‬‬
‫ه َوال ّ ِ‬
‫ه عََلى ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫ما ُ‬
‫م ب ِمهِ ُ‬
‫ن هُ م ْ‬
‫ن ي َت َوَل ّوْن َ ُ‬
‫طان ُ ُ‬
‫إ ِن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫]سورة النحل ‪[16/100‬‬
‫والكنيسة – بالنسبة لوروبا – هى المجرم الكبر الذى أتاح لليهود‬
‫أن يتلفوا أوروبا ويشيعوا فيها من ألوان الفساد ‪ :‬الفكرى والروحى‬
‫والخلقى والجتممماعى والقتصممادى والسياسممى ممما لممم يجتمممع بهممذا‬
‫الحجم وهذه الصورة فى التاريخ ‪ :‬مسخ كامممل للفطممرة البشممرية ‪،‬‬
‫ونكسة لم تنتكسها البشرية فى تاريخها كله ‪ ،‬رغممم كممل المكانيممات‬
‫المادية والعلمية المتاحة للبشممر ‪ ،‬والممتى كمانت حريممة فممى ترتفممع "‬
‫بالنسممان " إلممى الفمماق العليمما بعممد أن يفممرغ مممن قضمماء ضممروراته‬
‫الجسدية ‪ ،‬فإذا هى تغرقه فممى عممالم الضممرورة وتحبممس روحممه بممل‬
‫تطمسممها ‪ ،‬وتهبممط بالنسممان إلممى درك مممن الحيوانيممة يتعفممف عنممه‬
‫الحيوان ‪..‬‬
‫‪m m m‬‬
‫ولكن هناك مسئولية أكبر فى الحقيقة تقع على المة المسلمة ‪.‬‬
‫هذه المممة الممتى أخرجهمما اللممه " للنمماس " لتكممون خيممر أمممة فممى‬

‫التاريخ ‪.‬‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫مة ٍ أ ْ‬
‫م َ‬
‫ف وَت َن ْهَموْ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫خرِ َ‬
‫ن ب ِممال ْ َ‬
‫س ت َمأ ُ‬
‫ج ْ‬
‫خي َْر أ ّ‬
‫}ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ن عَم ْ‬
‫ت ِللن ّمما ِ‬
‫ه{ ]سورة آل ‪[3/110‬‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫منك َرِ وَت ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫وكلفها أن تكون شاهدة ورائدة لكل البشرية ‪:‬‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫َ‬
‫سطا ً ل ِت َ ُ‬
‫كوُنوا ُ‬
‫ن‬
‫م ً‬
‫س وَي َك ُممو َ‬
‫شه َ َ‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫}وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫داَء عَلممى الن ّمما ِ‬
‫سو ُ‬
‫م َ‬
‫شِهيدًا{ ]سورة البقرة ‪[2/143‬‬
‫الّر ُ‬
‫ل عَل َي ْك ُ ْ‬
‫هذه المة أين ذهبت وأين مضى بها التيار ؟!‬
‫فى غير هذا الكتاب " ‪ " 1‬نتحدث عن خط النحراف الذى انحرف‬
‫بهذه المة عن خطها السوى وأنساها رسممالتها ‪ .‬ولكنمما نقممول هنمما –‬
‫بصدد تحديد مسئولية " المميين " عما أصابهم من الخبال على يممد‬
‫اليهود – إن المة السلمية لم تكلف – كممالمم المؤمنممة السممابقة –‬
‫أن تؤمن فى حدود نفسممها وتسممتقيم لممذات نفسممها فحسممب ‪ ،‬إنممما‬
‫كلفت – فوق الله – أن تهدى البشرية كلها إلى النور الربممانى ‪ ،‬وأن‬
‫تسعى – بجهدها وجهادها – إلى إقامة ديممن اللممه فممى الرض كلهمما ‪،‬‬
‫دون إكراه للناس على اعتناق عقيدة السلم ‪ ،‬إنممما تحكممم شممريعة‬
‫الله فى كل الرض ‪ ،‬ويخضع الناس جميعا للعممدل الربممانى المتمثممل‬
‫فى شريعته ‪:‬‬
‫ن الّر ْ‬
‫ي{ ]سممورة البقممرة‬
‫ش مد ُ ِ‬
‫}ل إ ِك َْراهَ ِفي ال ّ‬
‫ن الغَ م ّ‬
‫مم ْ‬
‫ن قَد ْ ت َب َي ّ َ‬
‫دي ِ‬
‫‪[2/256‬‬
‫ه{ ]سممورة‬
‫ن فِت ْن َم ٌ‬
‫ه ل ِّلم ِ‬
‫ن الم ّ‬
‫ة وَي َك ُممو َ‬
‫حّتى ل ت َك ُممو َ‬
‫م َ‬
‫ن ك ُّلم ُ‬
‫}وََقات ُِلوهُ ْ‬
‫دي ُ‬
‫النفال ‪[8/39‬‬
‫وقد ظلت هذه المة قائمة برسالتها لنفسها وللبشرية عدة قرون‬
‫‪ ،‬كانت فيها ممكنة فى الرض ‪ ،‬وكانت هى ممموئل الهدايممة والنممور ‪،‬‬
‫ولم يكن يبرم أمر فممى الرض إل بإذنهمما أو برضمماها ‪ ..‬وإل فممالحرب‬
‫قائمة لتأديب المعتدين ‪ ..‬ويومئذ لم يكن لليهود فى الرض سلطان‬
‫‪.‬‬
‫ولكمن المممة المتى أختارهما اللمه لتكممون شماهدة ورائدة للبشممرية‬
‫ظلت تتراجع حتى أهملت رسالتها العالمية ‪ ،‬بل شغلت عن رسالتها‬
‫لذات نفسها ‪ ،‬وعندئذ بمرزت أوروبما إلمى الوجمود قموة ممكنمة فمى‬
‫الرض ‪ ،‬فملت الفممراغ الممذى خلقتممه المممة السمملمية بتخليهمما عممن‬
‫رسالتها ‪ ،‬حسب السنن الربانية التى يدبر الله بها أمور البشممر فممى‬
‫الرض ‪.‬‬
‫وحين برزت أوروبا فقد برزت بكل جاهليتها ‪،‬وبكل الفسمماد الممذى‬
‫‪1‬‬

‫" " انظر كتاب " واقعنا المعاصر " ‪.‬‬

‫كانت تحمله فى أطوائها نتيجة إفساد الكنيسة لممدين اللممه المنممزل ‪،‬‬
‫فأتاحت للشعب الشرير المممتربص للفسمماد أن يركممب ‪ ،‬وأن يلهممب‬
‫ظهورها بالسوط ليقودها فى طريق الشيطان ‪.‬‬
‫وزاد المر سوءا حين زاد تفريط هذه المة فى دينها حتى لم تعد‬
‫تؤدى شيئا يممذكر مممن رسممالتها لممذات نفسممها ‪ ،‬فضممل عممن رسممالتها‬
‫العالمية بطبيعة الحال ‪ ،‬وحينئذ أتيحت الفرصة لوروبمما الصممليبية أن‬
‫تقهر العالم السلمى ‪ ،‬وأن تدخل أرض السلم لتدك حصممونه مممن‬
‫الداخل ‪ ،‬وأتيممح لليهممود – مممن خلل الحملممة الصممليبية الغازيممة – أن‬
‫ينشروا سمومهم فى العالم السلمى ذاته ‪ ،‬بنفممس الوسممائل الممتى‬
‫نشروا بها سمومهم فى أوروبا ‪ .‬سواء كان ذلك بأيديهم مباشممرة أو‬
‫بأيدى الصليبيين الذين يقومون بذات الدور ضممد السمملم لحسممابهم‬
‫الخاص !‬
‫ومن ثم دخل " المميون " المسلمون فى ذات الدوامة ‪ ،‬وصاروا‬
‫هم أنفسهم – إل من رحم بك – يمدون الحبل لليهممود ! وتممم لليهممود‬
‫ذلك السلطان الذى أشارت إليه الية الكريمة على سبيل السممتثناء‬
‫ن‬
‫ل ِ‬
‫ل ِ‬
‫ن الّلمهِ وَ َ‬
‫من الذة الدائمة المفروضة عليهمم }إ ِل ّ ب ِ َ‬
‫مم ْ‬
‫حْبم ٍ‬
‫مم ْ‬
‫حْبم ٍ‬
‫س{ ]سورة آل ‪[3/112‬‬
‫الّنا ِ‬
‫المة المسلمة إذن هى المسئول الكبر عما أصاب البشرية كلهمما‬
‫من الخبال على يد اليهود ‪ .‬فقد أنزل الله إليها النممور ‪ ،‬وأنممزل إليهمما‬
‫الرسالة الخاتمة وشرفها بخاتم النبيين صلى الله عليممه وسمملم ‪ ،‬ول‬
‫لتتلهى بذلك كله ‪ ،‬وإنما لتكون – بكل ثقلها ‪ ،‬وبكل فاعليتها – جهممدا‬
‫دائما وحركة دائمة لنشر النور والهداية فى الرض ‪.‬‬
‫فإذا تخلت قمن يحمل الرسالة ؟!‬
‫وإذا تخلممت فممأى شممئ فممى الرض يحممول دون الشممعب الشممرير‬
‫المتربص للفساد ؟!‬
‫‪m m m‬‬
‫وإذا كان تخلى المة المسلمة عن رسالتها هو الذى أتاح الفرصممة‬
‫لليهود ليحدثوا فى الرض كل هذا الشر عن طريممق المممة الجاهليممة‬
‫التى تولت السلطان حين تخلى المسلمون ‪ ..‬فإن عودة المسلمين‬
‫إلى السلم همى المتى تنهمى دور اليهمود فمى الرض وتعيمدهم إلمى‬
‫حجمهم الطبيعى ‪:‬‬
‫}ضربت عل َيهم الذ ّل ّة وال ْمسك َنة وباُءوا بغضب من الل ّه ذ َل َ َ‬
‫م‬
‫ِ ِ‬
‫ُ َ َ ْ َ ُ ََ‬
‫ك ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ُ َِ ْ َ ِْ ْ‬
‫َِ َ ٍ ِ ْ‬
‫َ‬
‫حقّ ذ َل ِ َ‬
‫وا‬
‫ن ِبآَيا ِ‬
‫ن ب ِغَي ْرِ ال ْ َ‬
‫ت الل ّهِ وَي َْقت ُُلو َ‬
‫كاُنوا ي َك ُْفُرو َ‬
‫ك بِ َ‬
‫ممما عَ َ‬
‫صم ْ‬
‫ن الن ّب ِّيي َ‬

‫وَ َ‬
‫ن )‪] {(61‬سورة البقرة ‪[2/61‬‬
‫دو َ‬
‫كاُنوا ي َعْت َ ُ‬
‫َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫سمموءَ‬
‫}وَإ ِذ ْ ت َأذ ّ َ‬
‫م ُ‬
‫ن يَ ُ‬
‫مه ُ ْ‬
‫سو ُ‬
‫مة ِ َ‬
‫م إ َِلى ي َوْم ِ ال ِْقَيا َ‬
‫ن عَل َي ْهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ك ل َي َب ْعَث َ ّ‬
‫ال ْعَ َ‬
‫ب{ ]سورة العراف ‪[7/167‬‬
‫ذا ِ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫ل إ ِل َي ْ َ‬
‫ما ُأنزِ َ‬
‫ك ط ُغَْيانا ً وَك ُْفرا ً وَأ َل َْقي َْنمما‬
‫ك ِ‬
‫ن ك َِثيرا ً ِ‬
‫زيد َ ّ‬
‫}وَل َي َ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫دوا ن َممارا ً ل ِل ْ َ‬
‫ممما أوْقَم ُ‬
‫داوَةَ َوال ْب َغْ َ‬
‫م ال ْعَ َ‬
‫ممةِ ك ُل ّ َ‬
‫ضاَء إ َِلى ي َوْم ِ ال ِْقَيا َ‬
‫ب َي ْن َهُ ْ‬
‫حمْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫أ َط َْفأ َ‬
‫سمم ِ‬
‫مْف ِ‬
‫حمم ّ‬
‫سعَوْ َ‬
‫ض فَ َ‬
‫ه وَي َ ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫سادا ً َوالل ّ ُ‬
‫ها الل ّ ُ‬
‫دي َ‬
‫ن ِفي الْر ِ‬
‫‪] {(64‬سورة المائدة ‪[5/64‬‬
‫ولقد نتساءل عن حكمة الله سبحانه وتعممالى فممى تمكيممن اليهممود‬
‫من " المميين " فى هممذه الفممترة السممتثنائية الممتى تعيشممها البريممة‬
‫سأ َ ُ‬
‫ما‬
‫اليوم ‪ .‬فنقول بادئ ذى بدء إن الله سبحانه وتعالى ‪} :‬ل ي ُ ْ‬
‫ل عَ ّ‬
‫َ‬
‫ه ُ‬
‫ما ي َُقو ُ‬
‫ي َْفعَ ُ‬
‫ل{ ]سورة النبياء ‪} [21/23‬وَإ ِ َ‬
‫ن‬
‫ذا قَ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫مرا ً فَإ ِن ّ َ‬
‫ضى أ ْ‬
‫كمم ْ‬
‫فَي َ ُ‬
‫ن )‪] {(117‬سورة البقرة ‪ [2/117‬فل نسأله تعممالى لممماذا لممم‬
‫كو ُ‬
‫يجعل الذلة على هذا الشعب دائمة ل استثناء فيها ‪ ،‬وهم يستحقون‬
‫– بصحيفتهم السوداء – أن تكتب عليهم الذلة إلى يوم القيامة ‪.‬‬
‫ولكنا نلمح جانبا من حكمة اله فى قوله تعالى مخاطبا الكفار ‪:‬‬
‫ذابا ً ممن فَموقك ُ َ‬
‫َ‬
‫}قُ ْ‬
‫ن‬
‫ن ي َب ْعَم َ‬
‫م أو ْ ِ‬
‫ل هُوَ ال َْقادُِر عََلى أ ْ‬
‫ْ ِ ْ‬
‫ث عَل َي ْك ُم ْ‬
‫مم ْ‬
‫م عَم َ ْ ِ ْ‬
‫تحت أ َرجل ِك ُ َ‬
‫ض{ ]سممورة‬
‫شَيعا ً وَي ُ ِ‬
‫م ِ‬
‫ذيقَ ب َعْ َ‬
‫َ ْ ِ ْ ُ‬
‫م أوْ ي َل ْب ِ َ‬
‫ضك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫م ب َمأ َ‬
‫س ب َعْم ٍ‬
‫النعام ‪[6/65‬‬
‫والبشرية اليوم قد كفرت كما لم تكفر فى تاريخها كله ‪ ،‬فأنكرت‬
‫وجود الله جهرة ‪ ،‬ومنعت منهجه أن يحكم حياة الناس فى ألممرض ‪،‬‬
‫فاختار الله شر خلقه – اليهود – ليذيق البشممرية كلهمما باسممهم جممزاء‬
‫وفاقا على هذا الكفر الذى ليس له مثيل فى نمموعه ول حجمممه فممى‬
‫التاريخ ‪..‬‬
‫ولنذكر أن دارون ليس يهوديا ‪ ..‬وهو الذى قممال ‪ :‬الطبيعممة تخلممق‬
‫كل شئ ول حد لقدرتها على الخلق ‪ ..‬الطبيعة تخبط خبط عشواء ‪.‬‬
‫إن تفسير النشمموء والرتقمماء بممأنه صممادر عممن الرادة اللهيممة يكممون‬
‫بمثابة إدخممال عنصممر خممارق لطبيعممة فممى وضممع ميكممانيكى بحممت !!‬
‫فوضع بذلك أسسا " علمية " للفساد الذى يمل الرض اليوم !‬
‫والله يقول ‪:‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫س ل ِي ُم ِ‬
‫ت أي ْم ِ‬
‫ساد ُ ِفي ال ْب َّر َوال ْب َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫}ظ َهََر ال َْف َ‬
‫ذيَقهُ ْ‬
‫س مب َ ْ‬
‫حرِ ب ِ َ‬
‫دي الن ّمما ِ‬
‫ن )‪] {(41‬سورة الروم ‪[30/41‬‬
‫ذي عَ ِ‬
‫ض ال ّ ِ‬
‫جُعو َ‬
‫م ي َْر ِ‬
‫مُلوا ل َعَل ّهُ ْ‬
‫ب َعْ َ‬
‫ومن هنا نري أن تسممليط اليهممود علممي " الممييممن " اليمموم ليممس‬
‫خارجا عن سنن الله ووعده ووعيده كما جاءت في كتممابه الكريممم ‪.‬‬
‫كممما نسممتطيع أن نحكممم – مممن كتمماب اللممه – أنهمما فممترة اسممتثنائية‬

‫يعودون بعدها فيممدخلون فممي الجحممار‪..‬حيممن يعممود المسمملمون إلممي‬
‫السلم ‪.‬‬
‫‪m m m‬‬
‫ويسأل بعض الناس ‪ :‬أليس اليهود هم أنفسهم فاسدين ومنحلممي‬
‫الخلق ؟ وكل الشرور التي إذا عوها فممي البشممرية ليحكممموهم بهمما‬
‫هي ذائعة فيهم ؟!‬
‫نقول ‪ :‬بلي !! إنهم كذلك !‬
‫ولن يهربوا هم من سنة الله التي تكتب الدمار علي النمماس حيممن‬
‫يلجون في الغواية ويصرون علي الفساد ‪.‬‬
‫نعم ولكن لهممم دورا – قممدرة اللممه – فممي إذاقممة البشممرية الخبممال‬
‫جزاء كفرها وتبجحها بممالكفر ‪،‬دورا يممؤدونه قبممل أن يصمميبهم الممدماء‬
‫بحكم السنن الربانية ‪ ،‬وقبل أن يرجعوا إلممي الذلممة والمسممكنة كممما‬
‫توعدهم الله إلي يوم القيامة ‪.‬‬
‫إنهممم فاسممدون نعممم ‪ ،‬ولكنهممم – بحكممم ظروفهممم التاريخيممة –‬
‫يخططون بمموعي حيممن يجممدون الفرصممة السممانحة التخريممب ‪ ،‬بينممما‬
‫المميون يفسدون فقط ‪ ..‬يفسدون بل تخطيط!‬
‫الفتاة اليهودية ل عرض لها ‪ ،‬ولكنها إذ تبيع جسدها تمتص أممموال‬
‫الممين وتسرق اسرارهم لتعطيها " لشعب الله المختار " ليستفيد‬
‫بها في تخطيطه الخبيث أما الموية فحيممن تفسممد لهممدف معيممن ‪..‬‬
‫تفسد من أجل الفساد فحسب‪.‬‬
‫وحين يوضع المر علي هذه الصورة تكون الغلبممة لشممك للفريممق‬
‫الكثر وعيمما ‪ ،‬والممذي تربممط بينممه – رغممم فسمماده – عوامممل تاريخيممة‬
‫تمنعه من الذوبان السريع ‪.‬‬
‫أما النتيجة الخيرة فقد بينها كتاب الله ‪.‬‬
‫تنتهمممي الفمممترة السمممتثنائية – لنهممما اسمممتثنائية – ويعمممدو القمممدر‬
‫المضروب يحكم اليهود ‪:‬‬
‫َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫سمموءَ‬
‫}وَإ ِذ ْ ت َأذ ّ َ‬
‫م ُ‬
‫ن يَ ُ‬
‫مه ُ ْ‬
‫سو ُ‬
‫مة ِ َ‬
‫م إ َِلى ي َوْم ِ ال ِْقَيا َ‬
‫ن عَل َي ْهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ك ل َي َب ْعَث َ ّ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫ال ْعَ َ‬
‫م )‪] {(167‬سممورة‬
‫ه ل َغَُفمموٌر َر ِ‬
‫ب إِ ّ‬
‫ك لَ َ‬
‫حي م ٌ‬
‫ب وَإ ِن ّ ُ‬
‫ريعُ ال ْعَِقا ِ‬
‫ذا ِ‬
‫س ِ‬
‫العراف ‪[7/167‬‬

‫الديمقـراطيــة‬
‫الديمقراطيممة ‪ Democracy‬كلمممة مشممتقة مممن لفظممتين يونممانيتين‬
‫‪ ) Demos‬الشعب و ‪ ) Kratos‬سلطة ( ومعناها الحكم الممذي تكممون‬
‫فيممه السمملطة للشممعب ‪ .‬وتطلممق علممي نظممام الحكممم الممذي يكممون‬
‫الشعب فيه رقيبا علي أعمال الحكومة بواسطة المجالس النيابية ‪،‬‬
‫ويكون لنواب المة سلطة إصدار القوانين ‪.‬‬
‫وأول مممن مممارس الديمقراطيممة هممم الغريممق فممي مممدينتي أثينمما‬
‫وإسبرطه ‪ ،‬حيث كانت تقوم في كل من المدينتين حكومة ) يطلممق‬
‫عليها إصطلحا اسم " حكومة المدينة " أي الحكومة التي تقوم في‬
‫مدينة واحدة مفردة ( وكان كل أفراد الشعب من الرجمال فمي كمل‬
‫من المدينتين يشاركون في حكممم المدينممة ‪ ،‬فيجتمعممون فممي هيئة "‬
‫جمعيممة عموميممة " فيتشمماورون فممي كممل أمممور الحكممم ‪ ،‬فينتخبممون‬
‫الحمماكم ويصممدرون القمموانين ويشممرفون علممي تنفيممذها ويضممعون‬
‫العقوبات علي المخالفين فكان " حكمم الشممعب ط مطبقمما بصممورة‬
‫مباشرة فممي كممل مممن المممدينتين ‪ ،‬وكممانت التسمممية منطبقممة علممي‬
‫الواقع انطبقا كامل ‪.‬‬
‫ولكن هذه الصورة من صور الديمقراطية انتهت بانتهاء " حكومممة‬
‫المدينة " في كممل مممن أثينمما وإسممبرطة ‪ ،‬وإن ظلممت محفوظممة فممي‬
‫ذاكرة أوروبا ككممثير مممن الفكممار والقيممم والمبممادئ الغريقيممة الممتي‬
‫بقيت كامنة في الفقرة التي غلبت المسيحية فيها علي أوروبا ‪ ،‬ثممم‬
‫عادت إلممي الظهممور بعممد قيممام " النهضممة " علممي الممتراث الغريقممي‬
‫الممتزج بالتراث الروماني ‪ ،‬الذي يطلقون عليممه فممي إصممطلحاتهم‬
‫‪ Greco-Roman‬أي إغريقي روماني ‪.‬‬
‫ولقد ظل القطمماع يحكممم أوروبمما أكممثر مممن ألممف عممام فممي ظممل‬
‫المبراطورية الرومانية والقممانون الروممماني ‪ .‬ولممم تغيممر المسمميحية‬
‫شيئا من سماته في هذه الناحية ‪ ،‬لن الكنيسممة لممم تحمماول تطممبيق‬
‫شريعة اللممه ‪ ،‬وتركممت الوضمماع السياسممية القتصممادية والجتماعيممة‬
‫تجري علي ما كممانت عليممه فممي ظممل المبراطوريممة الرومانيممة دون‬
‫تعديل يذكر ‪ ،‬وحين نازعت المملوك والباطرة سمملطانهم لممم يكممن‬
‫ذلك ‪-‬كما أسلفنا – من أجل الزامهم بتحكيم شريعة الله ‪ ،‬كما فعل‬
‫المسلمون في الرض التي حرروها من قبضممة الرومممان فممي مصممر‬
‫والشام والشمممال الفريقممي ‪ ..‬إلممخ ‪ .‬إنممما كممان مممن أجممل الزامهممم‬
‫بالخضوع لهواها هي وسلطانها الشخصي ‪.‬‬
‫وفي ظل القطاع لمم يكمن " للشمعب " وجمود إل بوصمفه قطعما‬

‫آدمية لصقة بالطين ‪ ،‬ل كرامة لها ول حقوق‪..‬‬
‫كان هنماك ملموم مسممتبدون بمالحكم يحكممون بمقتضمي " الحمق‬
‫اللهي المقدس " باعتبارهم " ظل الله في الرض" فكلمهم أمممر ‪،‬‬
‫وأمرهم مقدس ‪ ،‬وما عن لهم من أهواء فهي أوامر واجبة التنفيذ ‪.‬‬
‫ويعمماونهم فممي تثممبيت سمملطانهم وتوكيممده فممي الرض أمممراء‬
‫القطاعيات الواقعة فممي ملكهممم ‪ ،‬مقابممل إطلق يممد هممؤلء المممراء‬
‫) الذين يسمون ‪ :‬النبلء أو الشراف ( في إقطاعيمماتهم ‪ ،‬يتصمرفون‬
‫فيهمما كيممف شمماءوا دون مراجعممة ول رقابممة تضممبط تصممرفاتهم ‪ ،‬لن‬
‫الذين يعيشون علي أرض القطاعية هم إممما عبيممد وإممما فممي حكممم‬
‫العبيممد ‪ ،‬وسمملطان " الشممريف" عليهممم سمملطان مطلممق بحكممم "‬
‫القمانون " فهمو بالنسممبة لهمم يمثممل السملطة التشممريعية والسملطة‬
‫القضائية والسلطة التنفيذية جميعمما فممي آن واحممد ‪ ،‬وليممس للمالممك‬
‫علي القطاعي إل ما يفرضه عليه من الممموال ) بمقممدار ممما يشممبع‬
‫نهمة ومطالبه ( وتلك يستخرجها أمير القطمماع مممن فلحيممة بممالقوة‬
‫الجبرية ‪ ،‬وإل " النفار " الذين يطلب المالك تجنيدهم فممي جيوشممه‬
‫ليموتوا من أجل تحقيممق أهمموائه ومطممامعه ‪ ..‬أي أن سمملطة الملممك‬
‫فممي النهايممة واقعممة علممي أولئك العبيممد مممن خلل سمملطة أمممراء‬
‫القطاع ‪ ،‬كما تقممع عليهممم السمملطة المباشممرة مممن أمممراء القطمماع‬
‫لحسابهم الخاص ‪ ..‬وفي جميممع الحممالت يكممون ألئك العبيممد – وهممم‬
‫في النهاية طبقة "الشعب " – بغير سمملطان وبغيممر حقمموق ‪ ،‬واقعممة‬
‫عليهم كل الواجبات ‪.‬‬
‫وإلي جانب الملوك والنبلء كانت سلطة الكنيسة ورجال الممدين ‪،‬‬
‫وكانت منصبة في النهاية كذلك علي الشعب ‪ ،‬فإلي جانب الخضوع‬
‫المممذل لرجممال الممدين – وهممو حممق " مقممدس " لهممم – كممانت هنمماك‬
‫التمماوات والعشممور ‪ ،‬والسممخرة المجانيممة فممي الرض الكنسممية ‪،‬‬
‫والتجنيد في جيوش الكنيسة التي كممانت توجههمما لتممأديب الخممارجين‬
‫علي سلطانها من الباطرة والملوك ‪.‬‬
‫وهذه المظالم المتراكمة هي التي تفرجت في الثورة الفرنسية ‪،‬‬
‫بعد أن هيممأ لهمما فممي نفمموس الوروبييممن الحتكمماك بالمسمملمين فممي‬
‫الحممروب الصممليبية ‪ ،‬وفممي اللقمماء السمملمي بيممن المسمملمين وبيممن‬
‫المبتعثين من بلد أوروبا لتلقي العلم في بلد السلم ‪.‬‬
‫ولكن أوروبا حين تفجرت ثورتها لم تكن في وضع يسمممح لهمما أن‬
‫تسممتبدل بالجاهليممة الممتي ثممارت عليهمما ديممن اللممه الحممق ‪ ،‬وشممريعته‬
‫العادلة التي كممانت تحكممم الرض مممن حولهمما مممن الشممرق والغممرب‬

‫والجنوب ‪ ،‬لن الحروب الصليبية وحملت التنفيممر الممديني والثقممافي‬
‫التي قامت بها الكنيسة ضد السلم وفقت حاجزا بينها وبيممن اتخمماذ‬
‫السلم عقيدة وشريعة ‪ ،‬فارتممدت إلممي تراثهمما الغريقممي الروممماني‬
‫تبحث فيه عن حلول مشكلتها ‪ ،‬بدل من أن تلجأ إلي السلم "‪."1‬‬
‫ووقممع اختيممار أوربمما علممي " الديمقراطيممة " بممديل مممن القطمماع ‪،‬‬
‫وكانت هناك عوامل كثيرة ترشح لهذا الختيار ‪.‬‬
‫فطبقممة "الشممعب " هممي الطبقممة المكبوتممة المسممحوقة ‪ ،‬وهممي‬
‫الطبقة الثائرة التي تسعي إلي المشاركة في السلطان ‪ ..‬والطبقممة‬
‫الرأسمالية هي الطبقة الجديدة التي صار المال في يممدها بممدل مممن‬
‫طبقة القطاعيين بسبب انتقال النتاج – تدريجيا ‪-‬من إنتمماج زراعممي‬
‫إلي إنتاج صناعي بعد اختراع الله ‪ ..‬وهذه الطبقة الجديدة تريممد أن‬
‫تنتزع من الطبقة المالكة السابقة الممتي كممان فممي يممدها السمملطان‪.‬‬
‫لذلك كانت الديمقراطية هي اللعبة المناسبة التي توفممق بيممن رغبممة‬
‫الطبقمممتين السممماعيتين إلمممي السممملطة ‪ ،‬إحمممداهما وهمممي الطبقمممة‬
‫الرأسمالية تستولي علي السلطان الحقيقي ‪ ،‬والثانيممة وهممي طبقممة‬
‫الشعب تشممارك – بقممدر – فممي ذلممك السمملطان ‪ 1‬وذلممك فضممل عممن‬
‫عنصرين أخرين أحدهما إيحاء الفكر الغريقي القديم وتممأثيره علممي‬
‫المفكريين الغربيين منذ عصر النهضممة ‪ ،‬وهممو فكممر يحمممل صممورة "‬
‫تذكاريممة" للديمقراطيممة مممن أيممام أثينمما وإسممبرطة ‪ ،‬والثمماني هممو‬
‫الشعارات التي وضعتها الماسونية اليهودية للثورة الفرنسية وهممي ‪:‬‬
‫الحرية والخمماء والمسمماواة ‪ ،‬والديمقراطيممة هممي المنطممق النسممب‬
‫لهذا الشعارات ‪ ،‬ومن ورائها يحقق اليهود ما يحلو لهم من أهداف ‪.‬‬
‫لممذلك كلممه كممانت الديمقراطيممة هممي الطممار المناسممب للعناصممر‬
‫المتفاعلة في أوربا في ذلك الحين ‪ ..‬فممي ظممل الحمموال السياسممية‬
‫والقتصممادية والجتماعيممة والفكريممة القائمممة فممي تلممك الفممترة مممن‬
‫الزمان ‪.‬‬
‫ولم يكن المر سهل مع ذلممك ول ميسممرا للراغممبين ‪ ..‬فقممد احتمماج‬
‫إلي صراع طويل مريم حتي استوي علي صورته الحالية ‪ .‬وكممانت "‬
‫المكاسب الديمقراطية " تممأتي متقطعممة وجزئيممة ‪ ،‬ول تممأتي إل بعممد‬
‫معارضة طويلة مممن الممذين فممي أيممديهم السملطان ول يرغبمون فمي‬
‫التنازل عنه ‪ ،‬وبعد قيام " الشعب " بالضراب والعصمميان والتمممرد ‪،‬‬
‫وتعرض دعاة الحرية إلي السجن والعتقال والتشريد ‪ ،‬بتهمة إثممارة‬
‫‪1‬‬

‫للشيوعين دعيو تقول إن طبقممة الشممعب ظلممت مسممحوقة ومسممتعبدة فممي ظممل النظممام الرأسمممالي – رغممم الحريممة‬
‫الصورية – وإن الكاسب الحقيقي والوحد فيظممل هممذا النظممام هممو الرأسممماليون وممما نحممب هنمما أن نتعجمل الحممديث ‪،‬‬
‫فسيأتي مناقشة ذلك كله فيما بعد ‪.‬‬

‫الشغب والتحريض علي الخلل بالنظام‪.‬‬
‫وبعممد نضممال وكفمماح اسممتمر قرابممة قممرن مممن الزمممان اسممتقرت‬
‫الديمقراطية في صورتها الحالية الممتي تراهمما فممي دول غممرب أوربمما‬
‫وأمريكمما ‪ ،‬علممي اختلف بينهمما فممي الجزئيممات ل يممؤثر فممي صممورتها‬
‫العامة ومبادئها الرئيسية ‪.‬‬
‫‪m m m‬‬
‫كانت نقطة النطلق ‪ ،‬أو نقطتا النطلق في الحقيقة هما ‪ :‬أول ‪:‬‬
‫وجوب إشراف الشعب علممي أعمممال الحكومممة ‪ ،‬أي إلغمماء " الحممق‬
‫اللهي المقدس " وإخضاع الحكومة لرقابة الشعب علي تصرفاتها ‪،‬‬
‫وفصممل السمملطات ‪ ،‬وجعممل الحكومممة سمملطة تنفيذيممة فحسممب ‪ ،‬ل‬
‫سلطة تشريعية ‪ ..‬وثانيا ‪ :‬إعطاء الشعب حقوقه " النسانية " الممتي‬
‫حرم منها أكثر من ألف عام في ظل نظام القطاع ‪.‬‬
‫وفي كل الميدانين أحرزت الديمقراطية تقدما ضخما بالنسبة لممما‬
‫كان في عهد القطاع ‪ ،‬وعهد الحكم بمقتضي الحق اللهي المقدس‬
‫‪.‬‬
‫فقممد أصممبحت رقابممة المجممالس النيابممة كاملممة علممي تصممرفات‬
‫الحكومة الرئيسية ‪ ،‬وبصفة خاصة " الميزانيممة " الممتي تمثممل ممموارد‬
‫الدولة ومصارفها ‪ ،‬والتي كانت مممن اكممبر أبممواب المظممالم الواقعممة‬
‫علي " الشعب " حيث كان الحاكم يفممرض مممن الضممرائب ممما يحلممو‬
‫له ‪ ،‬بمقدار ما يروي نهمه إلي المال الذي كان معظمه ينفممق علممي‬
‫بذخ الملوك والحكام ‪ ،‬وأقله يصرف علي الصالح العام ‪.‬‬
‫لم يعممد مممن حممق الحكومممة أن تفممرض ضممريبة – أي ضممريبة – إل‬
‫بموافقة المجالس النيابة ‪ ،‬ولمم يعمد ممن حقهما أن تصمرف حصميلة‬
‫مواردها إل في البواب التي توافق المجالس النيابيممة عليهمما ‪ ،‬ومممن‬
‫ثم أمسكت تلك المجالس بالزمام بعد أن كانت الحكومات مطلقممة‬
‫اليد في التصرف ‪ ..‬وكممثيرا ممما كنممت تسمممع – وممما تممزال – كلمممة "‬
‫دافعي الضممرائب " تممتردد فممي أروقممة " البرلمانممات " علممي ألسممنة‬
‫النممواب ‪ ،‬يستصممرخون الرحمممة علممي الفقممراء دافعممي الضممرائب‬
‫ويطلبون التخفيف عنهممم ‪ ،‬أو يطممالبون أن تنفممق الممموال لمصمملحة‬
‫دافعي الضرائب ‪ ،‬لنهم هم الذي ينبغي أن يسممتفيدوا قبممل أي أحممد‬
‫آخر بحصيلة الضرائب التي يدفعونها ‪.‬‬
‫ومممن ثممم ظلممت الضممرائب – خلل نمممو الديمقراطيممة – تخفممف‬
‫تدريجيا عن الفقراء وتزداد علي الغنياء ‪ ،‬بعد أن كممان الحممادث هممو‬

‫العكس تماما ‪ ،‬حيث كان الغنياء يسممتمتعون بممالثروات الطائلممة ول‬
‫يدفعون عنها ضممرائب علممي الطلق ‪ ،‬أو يممدفعون ضممرائب تافهممة ل‬
‫تكاد تذكر ‪ ،‬ول تؤثر أي تأثير علي ثرواتهم الضخمة ‪ ،‬بينممما الفقممراء‬
‫هم الذين يتحملون عبء الضرائب الكممبر! كممما وجممه الصممرف مممن‬
‫موارد الدولة – وأهمها الضرائب بطبيعة الحال – علي المشممروعات‬
‫العامة التي تصممل فائدتهمما لكممبر عممدد مممن النمماس الممذين يوصممفون‬
‫بصفة خاصة بأنهم دافعمموا الضممرائب ‪ ،‬فممزاد النفمماق تممدريجيا علممي‬
‫التعليم ‪ ،‬وعلي الصحة العامة ‪ ،‬وعلممي المرافممق العامممة مممن طممرق‬
‫وجسور وخدمات ‪ ،‬وقل النفاق في ذات المموقت علممي مشممروعات‬
‫الترف التي ل تفيد إل القلممة المترفممة مممن الشممعب ‪ ،‬بعممد أن كممانت‬
‫مثل هذه المشروعات هي الشغل الول للحكومات السالفة وتنفممق‬
‫فيها الموال الطائلة ‪.‬‬
‫ولم تمر قضمية الضمرائب سمهلة حمتي فيمما يسممي " المجمالس‬
‫النيابية " فقد كانت تلك المجالس في أول عهدها تمثل الغنياء أكثر‬
‫مما تمثل الفقراء ‪ ،‬أو تمثلهم دون الفقراء في كممثير مممن الحمموال ‪،‬‬
‫إذ كممانت شممروط الترشمميح إلممي المجممالس النيابيممة ذاتهمما موضمموعة‬
‫بحيث ل يمر منها إل أصحاب الثروات ويعجممز عنهمما الفقممراء ‪ ،‬لكممي‬
‫يمنعوا منعا من الدخول إلممي البرلمانممات وإزعمماج أصممحاب الممموال‬
‫بصيحاتهم الكريهة إليهم !ولم ينل الفقراء حق الترشيح إل بعد جهاد‬
‫طويممل ومريممر ‪ ،‬فاسممتطاعوا – بعممد دخممولهم – أن يعممدلوا نظممم‬
‫الضرائب في بلدهممم ‪ ،‬ويحققمموا قسممطا مممن العدالممة فممي المغممانم‬
‫والمغارم سواء‪.‬‬
‫ولم تكن المجالس النيابية هي وحممدها الممتي تممدور فيهمما المعركممة‬
‫حول الضرائب ‪ ،‬فقممد كممانت الصممحافة والخطابممة والكتممب المؤلفممة‬
‫تشارك جميعا في الناقش والحمموار والهجمموم والممدفاع ‪ .‬وكممان مممن‬
‫أهم ما قيل في هذا الصممدد إن توحيممد نسممبة الضممريبة علممي الشممئ‬
‫الواحد بين الفقممراء والغنيمماء هممو ظلممم بيممن علممي الفقممراء ‪ ،‬لنهممم‬
‫يدفعون الضريبة من قوتهم الضروري الذي ل تقوم حياتهم بغيممره ‪،‬‬
‫بينما الغنياء يدفعون مممن فممائض أممموالهم ‪ ،‬أو مممن فممائض الفممائض‬
‫المتراكم عاما بعد عام ! لذلك استحدث في الخير نظام الضممرائب‬
‫التصاعدية التي تزيممد فيهما نسممبة الضمريبة زيمادة مطممردة كلمما زاد‬
‫الدخل ‪ ..‬فاللف الولي غير اللف الثانية ‪ ،‬والثانية غيممر العاشممرة ‪..‬‬
‫فإذا كانت الولي يخصم منها عشرة ضرائب ) علي سبيل المثممال (‬
‫فالعاشرة قد يخصم نصفها أو ثلثة اخماسها ‪ ..‬وهكذا ‪.‬‬

‫اممما الضممرائب غيممر المباشممرة ‪ ،‬أي الضممرائب المفروضممة علممي‬
‫الشياء المشتراه أو المستخدمة ل علممي الممدخل ‪ ،‬فقممد كممانت وممما‬
‫تزال موضع النقاش في البلد الديمقراطية ‪ ،‬لنممه ل يمكممن التمييممز‬
‫فيهمما بيممن الغنيمماء والفقممراء ! ل يمكممن مثل أن يقممال ‪ :‬إذا اشممتري‬
‫الغني رغيف الخبز فعليه أن يممدفع لمه ثمنمما أكممبر مممما يممدفع الفقيممر‬
‫فيه ! إنما يقال في الحوار أنه ينبغي إلغاء الضرائب أو تخفيفها عممن‬
‫" الضروريات " ورفعها علي " الكماليات" ثم يظل النزاع قائما في‬
‫تعريف ما هو ضروري وما هو كمممالي مممن الشممياء ‪ .‬ولكممن التجمماه‬
‫علي كل حال يظل مائل إلي التخفيف عممن الفقممراء والزيممادة علممي‬
‫الغنياء ‪.‬‬
‫وبالنسممبة للنفمماق كممذلك لممم تكممن المعركممة يسمميرة حممتي فممي‬
‫المجالس النيابية ذاتها ‪ ..‬فحين كانت تلك المجالس ممثلممة للغنيمماء‬
‫دون الفقراء لم تكن قضايا مثل التعليممم اللزامممي ومجانيممة التعليممم‬
‫تمر بسهولة ! بل كان " نواب الشعب " ) هكذا كان اسمممهما علممي‬
‫الدوام من البدء إلي الختام ( كانوا يعارضون في نشر التعليم حممتي‬
‫يشمل الفقراء من أبناء الشعب ! وكانت تدور مناقشات حممادة فممي‬
‫البرلمانات ‪ ،‬يقال فيها إنه ل يجوز تعليم كل الناس ‪ ،‬وإل فمممن أيممن‬
‫نممأتي بعمممال يعملممون فممي المصممانع ؟! فممإن أبممن العامممل إذا تعلممم‬
‫سيسممتنكف أن يعمممل بيممديه كممما كممان يعمممل أبمموه ! وسمميطالب‬
‫بوظيفه ‪ ،‬وأّني لنتا أن ندبر وظيفة لكل متعلم ! ثم من اين نحصل‬
‫علي الخدم ! فسوف يستكبر المتعلمون وسيرفضمون الخدممة فمي‬
‫البيوت ‪،‬فتفسد حياتنا وتتعطل مصالحنا !‬
‫وكممذلك قضممايا الصممحة والمرافممق العامممة ! كممان " النممواب"‬
‫المحترمون يعارضممون فممي تعميمهمما حممتي يسممتفيد منهمما الفقممراء ‪..‬‬
‫ويقولون إن هذه ليست مسممئولية الحكومممة ! إنممما كممل واحممد يممدبر‬
‫لنفسه ‪ ،‬وكل واحد حر فيما يصنع لنفسه!‪.‬‬
‫وهكذا ‪ ..‬وهكذا في كل القضايا " العامة " التي يعممود النفممع فيهمما‬
‫علي الشعب " دافع الضرائب " !‪.‬‬
‫وإنما تغير الحال بعد جهاد طويل ‪ ،‬حين ألغيممت أو خففممت القيممود‬
‫المفروضة علي دخول المجالس النيابية فصار هناك من يممدافع عممن‬
‫مصالح الفقراء ويطالب لهم بممالتعليم اللزامممي المجمماني ‪ ،‬وبتمموفير‬
‫العلج والرعاية الصحية ‪ ،‬وتيسير الخدمات العامة ‪ ،‬وأصممبحت هممذه‬
‫نقطة بارزة من نقاط الديمقراطية ‪.‬‬
‫‪m m m‬‬

‫كذلك شممملت الرقابممة البرلمانيممة أعمممال الحكومممة الخممري غيممر‬
‫الميزانية بمواردها ومصارفها – وإن ظلت هذه أهممم نقاطهمما – فقممد‬
‫كفت المجالس النيابة يد الحكومة تممدريجيا عممن " الفممراد" أفممراد "‬
‫الشعب " ‪ ،‬فزادت بذلك من " حرية " أولئك الفراد ‪.‬‬
‫لقد كان الغنيمماء – بحكممم أممموالهم ومكممانتهم فممي الدولممة – فممي‬
‫حصانة من سلطان القانون وإن كانت الدساتير ل تقول ذلك بصممفة‬
‫رسمممية ‪ .‬وقممد كممان القممانون الروممماني – الشممهير بعممدالته !‪ -‬ينممص‬
‫صراحة علي التفرقممة القانونيممة بيممن السمميد والعبممد ‪ ،‬فيحيممط الول‬
‫بضمانات وحقمموق كممثيرة ‪ ،‬ويخفممف عنممه العقوبممة إذا أجممرم ‪ ،‬بينممما‬
‫يحيط الخير بكثير من القيممود ‪ ،‬ويشممدد عليممه العقوبممات علممي أقممل‬
‫هفوة تصدر عنه ‪.‬‬
‫وألغممت الممديمقراطيات هممذه التفرقممة فممي نصوصممها المكتوبممة ‪،‬‬
‫ولكنهمما ظلممت قائمممة فممي عممالم الواقممع فممترة غيممر قصمميرة ‪ ،‬حممتي‬
‫تراجعت عنها الحكومات خطوة خطوة بجهاد طويل وكفاح قامت به‬
‫الشعوب ‪ ،‬فأخذت الضمانات والحقوق تتسممع لتشمممل فئات جديممدة‬
‫من " الشعب " حتي صارت تشمله كله في نهاية المطاف‪.‬‬
‫ويمن تلخيص هذه الحقوق والضمانات فيما يلي ‪:‬‬
‫حق النتقال‪:‬‬
‫لم يكن حق التنقل من مكان إلي مكان مكفول في ظل القطمماع‬
‫‪ ،‬فقد كان معظم الناس عبيدا أو في حكم العبيممد ‪ ،‬وكممان هممذا مممن‬
‫المظممالم الممتي قممامت الثممورة الفرنسممية لتحطيمهمما ‪ ،‬وإن تكممن‬
‫الرأسمالية الناشئة كانت ذات مصلحة خاصة – في نفممس المموقت –‬
‫في تحطيم هممذا القيممد‪ ،‬لتحصممل علممي العمممال اللزميممن للصممناعة ‪،‬‬
‫والممذين كممانت قيممود القطمماع تحجزهممم فممي الريممف وتمنعهممم مممن‬
‫الوصول إلي المدينة ‪.‬‬
‫ولكن المر لم يتم في يوم وليلة ‪ ،‬فقد ظل "الفقراء " خاضممعين‬
‫لكثير من القيود في تنقلتهم ‪ ،‬تطاردهم الشرطة وتتهمهم بالتشممرد‬
‫وتطممالبهم بإثبممات أنهممم ليسمموا مجرميممن ! وبإيجمماد مممبرر مقبممول‬
‫لوجودهم حيث هم موجودين ! بينما الغنياء يذهبون حيممث يشمماءون‬
‫لمجرد أنهم أغنياء ‪ ،‬ومن ثم فهم غير مشبوهين ! ‪.‬‬
‫ورويدا رويدا أخممذت تلممك القيممود المفروضممة علممي حريممة التنقممل‬
‫تذوب ‪ ،‬وأصبح كل إنسان – مهما يكن عمله أو مكانه فممي المجتمممع‬
‫– حرا في أن يتنقل داخل الدولممة الواحممدة ممما دام " مواطنمما " فممي‬

‫تلممك الدولممة ‪ .‬وكممانت كلمممة المممواطن ذاتهمما مممن المعمماني الممتي‬
‫اسممتحدثتها الديمقراطيممة ‪ ،‬فأصممبح المواطنممون جميعمما متسمماوين –‬
‫نظريا – في جميع الحقوق والواجبات بحكم انهممم جميعمما مواطنممون‬
‫في وطن واحد ‪ ،‬وأصبحوا بالفعل متساوين في كثير من الحقمموق ‪.‬‬
‫أما المساواة التامة فلنا مراجعة بشأنها فيما بعد ‪.‬‬
‫ونلحظ من لفظة "المواطن " في اللغات الوروبيممة “ ‪" Citizen‬‬
‫أنها نبعت من المدينة “ ‪ " City‬فمن هنمماك بممدأت حركممة المطالبممة‬
‫بالمساواة ‪ ،‬ومن هناك طالب المطالبون بأن يتساوى كممل السممكان‬
‫– أي سممكان المدينممة – فممي الحقمموق والواجبممات ‪ ،‬وبعممد أن نممالت‬
‫المدينة حقوقها عمم ذلك علممي جميممع السممكان فممي المموطن كلممه ‪،‬‬
‫ولكن اللفظة الوروبية لم تتغير ‪ ،‬وظل اشتقاقها من المدينممة باقيمما‬
‫حيمت بعمد أن اتسمع ممدلولها فشمملت كمل السمكان ‪ .‬أمما اللفظمة‬
‫العربية فقد ترجمت متأخرة ‪ ،‬حين بدأت الفكار الديمقراطية تصبح‬
‫موضممع حممديث فممي البلد السمملمية الناطقممة بالعربيممة ‪ ،‬فأخممذت‬
‫المممدلول الخيممر للكلمممة ‪ ،‬المتصممل " بممالوطن " كلممه ل بالمدينممة‬
‫فحسب ‪.‬‬
‫حق العمل‪:‬‬
‫فرق بين أن يعمل بعممض النمماس فممي العمممال الممتي يسممتطيعون‬
‫الحصول عليهمما وبيممن أن يكممون حممق العمممل مقممررا بمعنممي أن كممل‬
‫طالب عمل ينبغي أن ييسر له الحصممول علممي العمممل الممذي يصمملح‬
‫له ‪.‬‬
‫ولم يكن هذا الحق مقررا مممن قبممل ‪ ،‬واحتمماج تقريممره إلممي جهمماد‬
‫طويل لكي يتقرر نظريا في مبدأ المممر ثممم عمليمما بعممد ذلممك ‪ ..‬وإن‬
‫كان من الواجهممة العمليممة لممم يتقممرر كممامل إلممي هممذه اللحظممة فممي‬
‫الديمقراطيات الرأسمالية لسباب سنشرحها بعد قليل ‪.‬‬
‫في ظل القطاع الذي عاشت فيه أوروبا أكثر من ألممف عممام لممم‬
‫يكن " حق العمل " شيئا معروفا ول كان هناك مجال للحديث فيه ‪،‬‬
‫فقممد كممانت الزراعممة هممي العمممل الرئيسممي للمجتمممع القطمماعي ‪،‬‬
‫وسكان القرية أو القطاعية يعملون بحكممم المممر الواقممع فممي أرض‬
‫القطاعيممة الممتي يعيشممون فيهمما ‪ ،‬قلمموا أو كممثروا ‪ ،‬وقلممت الرض أو‬
‫كثرت ‪ ،‬فالرض ومن عليها ملك للقطاعي ‪ ،‬يعملون فممي حقمموله ‪،‬‬
‫ويوزع بعض الرض عليهم مقابل جعل معين ليزرعوها لنفسممهم إن‬
‫أمكنهم أن يوفوا بالجعل المتفممق عليممه ‪ ،‬والممذي يحممدده القطمماعي‬
‫حسب هواه دون ضابط معين ‪ ،‬فكل من كبر من الولد الذكور من‬

‫سكان القرية فهو يعمممل تلقائيمما فممي الرض ‪ ،‬يعمماون أبمماه وأسممرته‬
‫ويسكن في بيت السرة ‪ ،‬ويأكل من طعامها قل أو كثر ‪ ،‬ويلبس ما‬
‫تتيح له الظممروف أن يلبممس مممن المنسمموجات اليدويممة الممتي تنتجهمما‬
‫القرية ‪ ،‬والحياة قليلة التكاليف وإن كان الكل يعيشون عيشة الفقر‬
‫المدقع ول يجدون غير الكفاف ‪.‬‬
‫أما في المدينة فقد كان يسكن فريق ممن مموظفي الدولمة وهمم‬
‫قليلون ‪ ،‬وفريق من أصحاب الصناعات اليدويممة – وهممي الصممناعات‬
‫الوحيدة يومئذ – وفريق من التجار ‪ ،‬وفريق من أصممحاب الحمموانيت‬
‫التي تبيع الحاجيات للناس ‪ ،‬وأصحاب المقمماهي والنممزول ) الفنممادق‬
‫الصممغيرة ( وفريممق مممن المرابيممن اليهممود ‪ ،‬وفريممق مممن أصممحاب‬
‫الثروات من القطاعيين الذين يتنقلون دائما ممما بيممن المدينممة وبيممن‬
‫بيوتهم – أو قلعهم – فممي داخممل إقطاعيمماتهم ‪ ،‬وفريممق مممن البغايمما‬
‫اللواتي يعشن علي بيع أجسادهن لمن أرد من كمل همؤلء ‪ ،‬وبصمفة‬
‫خاصة أصحاب الثروات ‪.‬‬
‫خلصة القول أن كل واحممد مممن سممكان المدينممة لممه عملممه الممذي‬
‫يعيش منه ‪ ،‬أوله ثروته التي تكفل لممه الحيمماة هنمماك بل عمممل ‪ ..‬ول‬
‫يتكلم أحد عن حق العمل في الريف ول فممي المدينممة ‪ ،‬لن الحاجممة‬
‫إليه لم تكن قد برزت بعد في ذلك المجتمع في ذلك الحين ‪.‬‬
‫ولكن الثورة الصناعية قلبممت هممذه الوضمماع كلهمما وغيرهمما ‪ ،‬حيممن‬
‫توافد إلي المدينة اعداد هائلة من العبيد المحررين من القطاع بعد‬
‫تحطيمممه يبحثممون عممن العمممل فممي المدينممة ‪ ،‬ولممم تكممن الصممناعات‬
‫الناشئة تستوعب ذلك العدد كله وقممتئذ ‪ ،‬ول كممانت هممذه الصممناعات‬
‫مستقرة ومتمكنممة ‪ ،‬فقممد كممان كممثير منهمما يفلممس لسممباب مختلفممة‬
‫وتقوم مقامها مشروعات جديدة وهكذا ‪.‬‬
‫ومن طبيعة العامل الذي نزح مممن الريممف إلممي المدينممة أل يحممب‬
‫الرجوع إلي الريف ولو بقي عاطل في المدينة ! فإنه بعد أن يعيش‬
‫في المدينة الفسيحة المتعددة جوانب النشاط ‪ ،‬ويتعود في حممدوده‬
‫الضيقة علي ألوان من المدينة ‪ ،‬ول وجود لها في الريف ‪ ،‬ويحس "‬
‫بالحرية " حريته في أن يتصرف في أممموره الشخصممية كيممف يشمماء‬
‫دون تممدخل أو تحريممج مممن مجتمممع المدينممة ‪ ،‬بينممما مجتمممع الريممف‬
‫محكوم أبدأ بتقاليده ‪ ،‬وبالتعاوف الشخصي بيممن كممل أفممراده ‪ ،‬مممما‬
‫يضيق مجمال تلمك الحريممة ‪ ..‬بعمد ذلمك كلمه ل يحممب أن يرجممع إلممي‬
‫الريف الذي " تحرر " منه ‪ ،‬ويفضل أن يبقي متسممكعا فممي المدينممة‬
‫ولو ضاقت به سبل العيش ‪.‬‬

‫ولكن القضية لم تكن قضية هذا الفرد أو ذاك ‪ ،‬إنما صارت قضية‬
‫ألوف من هؤلء العمال وألوف تجتذبهم المدينة والبحث عن فممرص‬
‫العمل فيها ‪ ،‬ثم ل تتسع لهم ‪ ،‬وهي في الوقت ذاته تكبل أقممدامه "‬
‫بسحرها " الخاص فل يفارقونها!‬
‫وأصبحت القضية في حاجة إلي حل ‪ ..‬إلي تقرير " حق العمممل "‬
‫لللوف العاطلين في المدينة ‪ ،‬وإيجاد أعمال تستوعبهم ‪ .‬ولم يكممن‬
‫ذلك يسيرا فممي مبممدأ المممر ‪ ..‬ول تممزال كممل الحلممول الممتي تقممدمها‬
‫الرأسمالية غير حاسمة تماما في هذه النقط ‪ ،‬وإن كممان قممد حممدث‬
‫تقدم ضخم في هذا التجاه من خلل المعارك التي قامت من أجممل‬
‫الحل ‪ ،‬وتعرض فيها ألوف من العمممال للسممجن والتشممريد والممموت‬
‫جوعا علي الرصفة بل مأوي ‪ ،‬والموت بالسل وغيممره مممن أمممراض‬
‫سوء التغذية وسمموء التهويممة التممدفئة فممي صممقيع أوروبمما البممارد فممي‬
‫الشتاء‪.‬‬
‫لم يكن الحل سهل لكثر من سبب في آن واحد ‪.‬‬
‫ففكرة المسئولية غير قائمة أصل في ذهن أحد الناس ! فالدولممة‬
‫لم تمارس هذه المسممئولية مممن قبممل أبممدأ ‪ ،‬ول تحممس أنهمما ملزمممة‬
‫بممارستها !‪.‬‬
‫لقد كممانت الدولممة دائممما هممي دولممة الغنيمماء ! تحممس بالمسممئولية‬
‫الكاملة عن راحممة الغنيمماء ورفمماهيتهم وصممياغة المممور كلهمما بحيممث‬
‫تستجيب لمطالبهم وتحقق لهم رغائبهم ‪ .‬أما ذلك الهمل من القطع‬
‫الدميممة الملقمماة هنمما وهنمماك فهممؤلء يتحملممون مسممئولية انفسممهم !‬
‫عليهممم هممم أن يبحثمموا عممن حكمممة وجممودهم وأن يممدبروا أمممورهم‬
‫بأنفسهم ! فإن ماتوا جوعا فهذا قدرهم ! مع التظاهر بالعطف علي‬
‫هؤلء " المساكين" الممذين قممدر اللممه لهممم الفقممر والجمموع والمممرض‬
‫والهلك ‪ ،‬أو مممع الشممماته فيهممم لنهممم ل يسممتحقون الوجممود أصممل‬
‫ويستحقون كل ما يحدث لهم !‬
‫وكانت المعركة مع " ضمير " دولة الغنياء طويلممة ومريممرة حممتي‬
‫تزحزحممت عممن موقفهمما العنيممد تممدريجيا ‪ ،‬ورضمميت بممأن تتحمممل‬
‫المسئولية عن هممؤلء الفقممراء ‪ ،‬وإن كممانت المسممئولية الكاملممة لممم‬
‫تتخذ بعد في أية دولة من الدول الديمقراطية الرأسمالية ‪.‬‬
‫أما أصحاب المصانع فقد كانوا أبعد عن تحمل المسئولية وأقسي‬
‫في معاملة أولئك الفقراء ‪.‬‬
‫إن فكرة المسئولية بعيدة عن ضمائرهم بعدا كمامل ‪ ،‬وقمد قماموا‬
‫منذ أول لحظة علي غير أساس إنساني ‪ ..‬إنما قماموا علمي أسماس‬

‫تحقيق أكبر قدر من الربح ‪ ،‬بأية وسيلة تحقق ذلممك الربممح ‪ ،‬وكممانت‬
‫الوسيلة القريبة إلممي أيممديهم هممي تطويممل سمماعات العمممل وخفممض‬
‫‪1‬‬
‫الجور إلي أقصي حد مستطاع‬
‫وبصرف النظر عممن تممأثر الرأسمممالية كلهمما بممأخلق اليهممود الممذين‬
‫أشرفوا عليها من بدايتها – واليهممود هممم عبممده العجممل الممذهبي مممن‬
‫قديم – فإن الرأسمالية في حد ذاتها نظممام جمماهلي ‪ ..‬ومممن طبيعممة‬
‫الجاهليمممة أن تظلمممم المستضمممعفين ‪ ،‬وأن يطغمممي فيهممما أصمممحاب‬
‫السلطان علممي مممن ل سمملطان لهممم ‪ ،‬إل أن يحجزهممم عممن الظلممم‬
‫حاجز قهري ل يملكون قهرة بجبروتهم ‪.‬‬
‫ولقد اسممتخدم العمممال سمملح الضممراب ضممد جشممع الرأسممماليين‬
‫فكانوا يضربون عن العمل ويطالبون بخفض سمماعات العمممل ورفممع‬
‫الجممور ‪ 2‬وهنمما تلجممأ الرأسمممالية إلممي " جيممش العمماطلين" تشممغهم‬
‫بدريهمات قليممة مسممتغلة جمموعهم وحمماجتهم القاسممية إلممي المممال ‪،‬‬
‫لتضممغط بهممم علممي العمممال المضممربين حممتي يعممودوا إلممي أعمممالهم‬
‫صاغرين ) ومن هنا كان تشغيل المرأة بنصف أجر ‪ ،‬الذي بدأت منه‬
‫" قضية المرأة " بادئ ذي بدء ثم استفحلت فصارت قضية مساواة‬
‫كاملة في كل شئ (‬
‫لذلك كان الجو من أول لحظة بين الرأسماليين والعمال هممو جممو‬
‫العداء والصراع ل جو المودة والتراحم ‪ ،‬فلم يكن مممن المتصممور أن‬
‫يتحممرك ضممميرا الرأسممماليين بالشممعور بالمسممئولية تجمماه أولئك "‬
‫العداء" الذين يريدون أن ينقصمموا مممن أربمماحهم بالمطالبممة بخفممض‬
‫ساعات العمل ورفع الجور تارة ‪ ،‬والضممراب عممن العمممل وتعطيلممه‬
‫تارة أخري !‬
‫ولم يشعروا بهذه المسئولية عن طيب خاطر أبممدأ فممي يمموم مممن‬
‫اليام ! إنما كانوا يتراجعوا عن مواقعهم خطموة خطموة تحمت تممأثير‬
‫التهديد المسممتمر ‪ ..‬وكممل ممما قممامت بممه الرأسمممالية مممن ضمممانات‬
‫للعاطلين إنما كان تحت تهديدين عظيميممن ‪ :‬تهديممد الضممراب الممذي‬
‫يصيبهم بقدر من الخسائر اكبر مما يتنازلون عنه من فائض أرباحهم‬
‫للعمال ‪ ،‬وتهديد الشيوعية !‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫تقول الشيوعية إن هذا من طبيعة الراسمالية ذاتها ‪ ،‬ول علقة له بالخلق لن الرأسمالي بطبعه محب للربممح ‪ ،‬سمماع‬
‫إليه كما تسعي القطعة إلي أكل الفأر !! ونقول نحن إنه ليس من طبيعة الرأسمالية في ذاتها ‪ ،‬إنما هو مممن طبيعممة "‬
‫النسان" حين يطغي ‪ ،‬أي حين ل يلتزم بشرع الله ومنهجه ‪ ،‬وقد كان القطاع علي نفس الوجهه من قبل مممع اختلف‬
‫الصورة الظاهرية ‪ ،‬فكان القطاعي يسعي إلمي الربمح علمي حسماب إنسمانية العبيمد وكرامتهمم وجهمدهم وإن تظماهر‬
‫بمالعطف " البموي " علمي " رعايماه " ! يقمول رب العمالمين ‪ " :‬كل ! إن النسمان ليطغمي أن رآه اسمتغني" ) سمورة‬
‫العلق ‪ (7-6 :‬ويقول ‪ ":‬إن النسان لربه لكنود ‪ ،‬وإنه علي ذلك لشهيد ‪ .‬وإنه لحب الخير لشديد " ) سممورة العاديممات ‪:‬‬
‫‪ (8-6‬إما المؤمنون فلهم صفات أخري سواء كانوا يعيشون في مجتمع رعوي أو زراعي أو صناعي أو خلف ذلك !‬
‫مازالوا يطالبون إلي هذه اللحظة !!‬

‫وشيئا فشيئا أخذت هذه الجاهلية تعدل مواقفها من " حق العمل‬
‫" سواء علي مساوي الدولة أو مسممتوي الرأسمممالية الحممرة ‪ ،‬حممتي‬
‫قبلت أخيرا مبدا المسئولية وإن لم تقم به كامل إلي هذه اللحظة ‪.‬‬
‫وثمممة صممعوبة أخممري تفممق أمممام حممق العمممل الشممامل فممي‬
‫الرأسمالية ‪ ،‬هو أن العمال بالطريقة التي تقوم بهمما الرأسمممالية ل‬
‫تتسع لكل اليدي الراغبة في العمممل أو القممادرة عليممه ‪ ،‬خاصممة وأن‬
‫التقدم " التكنولوجي " يزيد باستمرار من قممدرة اللممه علممي النتمماج‬
‫ويخفض من عدد اليدي اللزمة لدارتهمما ‪ ،‬فتحممدث زيممادة مسممتمرة‬
‫في اليدي العاملة الفائضممة عممن الحجممم الممذي يحتمماج العمممل إيممه ‪،‬‬
‫وتتعقد المشكلة باسمرار ‪.1‬‬
‫التوفيممق بيممن الطبقممتين المتصممارعتين فممي المجتمممع الرأسمممالي‬
‫وهما طبقة العمممال ) أي الشممعب !( وطبقممة الرأسممماليين ‪ ،‬قممامت‬
‫بجهد متواصل حتي قممررت حممق العمممل مممن حيممث المبممدأ وجعلممت‬
‫الدولة ترضي بتحمل مسئوليتها في هذا الشأن ‪.‬‬
‫وحيممن نقممول " الديمقراطيممة " فنحممن نقصممد فممي الواقممع كفمماح‬
‫الطبقممة المظلومممة تمنممح الحقمموق للراغممبين ! وإل فممإن النظممام‬
‫البرلماني في ذاته وهو أداة الحكم في الممديمقراطيات – لممم يتسممع‬
‫لحقوق الفقراء إل تحت القهر والضغط ‪ ..‬فإذا كممانت هممذه الحقمموق‬
‫قممد أصممبحت اليمموم سمممة مممن سمممات الديمقراطيممة فليممس لن‬
‫الديمقراطيممة ولممدت علممي هممذه الصممورة ‪ ،‬أو انهمما يمكممن أن توجممد‬
‫تلقائيا في أي بلد علي هذه الصورة ! ولكن لن صراعا حادا نشب ‪،‬‬
‫هو الذي أعطي الوضاع صورتها الراهنة ‪ ،‬ولو لم يقم ذلك الصممراع‬
‫لبقيت الديمقراطية كما كانت حكما صرفا للغنياء دون الفقراء !‪.‬‬
‫حق التعليم‪:‬‬
‫لم يصبح التعليم حقا" للشعب " في أوروبا إل بعد كفاح مرير ‪.‬‬
‫ففي ظل القطاع لم يكن للتعليم كله شأن يذكر‪ .‬ولكممن السممادة‬
‫علي أي حال كانوا يتعلمون في القصور ما يليق بهم من العلم فممي‬
‫ذلك الحين ‪ .‬يتعلمون اللتينية والغريقية والشممعر والدب ونصوصمما‬
‫من الكتاب المقدس وشيئا من الحساب وما شابه ذلممك ‪ .‬أممما أبنمماء‬
‫الشممعب فمإن تعلمموا شميئا ممن الكتماب المقممدس علمي دي راعمي‬
‫البرشية فذلك حسبهم وزيادة ! فما الذي يصنعون بالعلم وهم فممي‬
‫داخل سياج القرية أو القطاعية قد ل يفارقهمما الواحممد منهممم طيلممة‬
‫حياته إنما يتلقي الصبي منهم " ثقممافته " مممن أحمماديث الكبممار الممتي‬
‫‪1‬‬

‫من الحلو التي قامت بها بعض الدول المتقدمة صناعيا منح يومين عطلة بأجر بمدل مممن يموم واحمد فمي السمبوع مممع‬
‫التخفيض المتزايد في ساعات العمل‬

‫يرددون فيهمما خممبراتهم التافهممة عممن الرض والمحاصمميل والضممرائب‬
‫والواجبات المفروضة عليهم وزواج فلن ممن أهممل القريمة او مموت‬
‫فلن ‪ ..‬وأقاصيص الثراء في قصر " النبيل" صاحب القطاعيممة وممما‬
‫يقيم في قصره من مأدب وولئم ‪ ،‬وممما يقممع منممه ومممن وكيلممه مممن‬
‫مظالم علي العباد !‬
‫لذلك كانت المية هي الغالبة علي" الشممعب " وكممان المتعلمممون‬
‫قلة نادرة في كل أبواب التعليم ‪ ،‬معظمهم بطبيعة الحال مممن أهممل‬
‫المدن ‪ ،‬حيث توجد المدارس ‪ ،‬وحيث أهل المدينة يحتملون نفقممات‬
‫التعليم‪.‬‬
‫ثم جاءت الثورة الفرنسية ثممم الثممورة الصممناعية فرجتمما المجتمممع‬
‫رجا وبدلتا كثيرا من أوضاعه ‪ ،‬ومن بين ما تبدل مممن هممذه الوضمماع‬
‫تدفق النازحين إلي المدينة من الريف وإقامتهم الدائمة هناك ‪.‬‬
‫وبدأ الطلب علي التعليم يتزايد لنه كان ظاهرا أن للتعليم مهمممة‬
‫يؤديهمما فممي المجتمممع الجديممد ‪ ،‬وأنممه يممؤدي إلممي تحسممين مسممتوي‬
‫المعيشة بالنسبة للمتعلمين ‪ ،‬حيث يستطيعون أن يعملمموا فممي غيممر‬
‫العمال اليدوية التي تركت للجهلة مممن العمممال الممذين ل يحتمماجون‬
‫في عملهم إلي ثقافة ول تعليم ‪.‬‬
‫وبدأت صيحات المصحلين تطالب بتعميم التعليم وتوسمميع دائرتممه‬
‫حممتي يشممم لعممددا أكممبر مممن التلميممذ والطلب وثممارت ثممائرة "‬
‫المحمافظين " فمي المجتممع وفمي المجمالس النيابيمة ذاتهما ‪ ،‬لمماذا‬
‫نتوسع في التعليم حتي يشمل أبناء الشعب ؟ إن التعليم حق لعليممه‬
‫القمموم لمكممانتهم فممي المجتمممع ‪ ،‬فهممم الممذين يقممودون ويوجهممون‬
‫ويتحملون المسئولية عن الشعب كله ‪ ..‬ثم إنهم هم القادرين علممي‬
‫دفع نفقات التعليم ‪ ،‬فل يكلفون الدولة في تعليمهم إل القليل ‪.‬‬
‫أما الفقراء فلماذا يتعلمون ؟ ما حاجتهم إلممي العلممم ؟ ومممن أيممن‬
‫لهممم النفقممات الممتي يتطلبهمما التعليممم ؟ وممما نتيجممة تعليمهممم وممما‬
‫انعكاسها علي المجتمع ؟ إنهم إن تعلموا فسسمميتنكفون أن يعلممموا‬
‫بأيممديهم المجتمممع فممي حاجممة إلممي مممن يعمممل بيممديه ‪ ،‬فكيممف نلممبي‬
‫حاجات المجتمع أن علمنا أبناء الفقراء ؟!‬
‫ثم إن العلممم يحتمماج إلممي أخلق ! وأبنمماء الفقممراء ل أخلق لهممم !‬
‫وسيهبط المستوي الخلقي في المدارس بسبب دخول أبناء الفقراء‬
‫‪ ،‬فل يصبح لئقا بأبناء العلية الذين يتعلمون وحدهم تقريبا فممي ذلممك‬
‫الحين – فكيف يتلقي أبناء العليممة حظهممم الضممروري مممن العلممم إذا‬
‫فتحت المدارس " للغوغاء ط ؟‬

‫وحتي المستوي العقلي ل يمكن أن يكون واحدا بين ابناء الغنياء‬
‫وأبنمماء الفقممراء ‪ ،‬وسمميهبط المسممتوي التعليممم بسممبب دخممول أبنمماء‬
‫الفقراء الذين يتسمون بالغباء والتخلف العقلممي لنهممم مممن الطبقممة‬
‫الدنيا ! ولو كانوا أذكياء ما بقوا في تلممك الطبقممة ‪ ..‬وإنممما هممم بقمموا‬
‫هناك لعجزهم العقلي والنفسي الذي ل يمكن شفاؤه !‬
‫وشيئا فشيئا تراجعت " الرسممتقراطية " عممن أفكارهمما ومواقفهمما‬
‫ووافقت علي توسيع دائرة التعليم حتي يتسع لعممدد أكممبر مممن أبنمماء‬
‫الشعب ‪ ،‬وإن كانت عقبة التمويل ظلممت توضممع امممام كممل مطممالب‬
‫بتوسمميع التعليممم ‪ ،‬لكممي يكممف عممن المطالبممة الممتي تقلممب بممال‬
‫الستقراطية وتهددها بأن تنزع منها تفردها وتميزها ‪.‬‬
‫وجاء اليوم الذي طالب فيه الطالبون بجعل التعليم إجباريمما علممي‬
‫نفقة الدولة واحتدمت معركة حامية حول هذا الشممأن لممم تهممدأ مممن‬
‫قريب ‪.‬‬
‫اعترض بعضهم بأن الميزانية ل يمكن أن تكفي ولممو حممولت كلهمما‬
‫للتعليم !‬
‫واعممترض بعضممهم بممأنه ل توجممد المبمماني الكافيممة ول المدرسممون‬
‫اللزمون !‬
‫واعممترض أخممرون بممأن مسممتوي التعليممم سمميهبط ل محممال لن‬
‫الفصول ستكتظ بالتلميذ فل يمكن توجيه العناية اللزمة إليهم ‪.‬‬
‫واعترضت الستقراطية بأنها لن تجد الخدم بعد اليمموم ولممن تجممد‬
‫العمال الذين يعلمون بأيديهم ‪ ،‬وسيعود هذا بالوبممال علممي المجتمممع‬
‫كله !‬
‫ولكن دفعة الجماهير والمدافعين عن حقمموقهم كممانت مممن القمموة‬
‫بحث تغلبت علي جميع العتراضات ‪ ،‬وتقرر حق التعليم بعد صممراع‬
‫مرير ‪ ،‬وبعد جهد جهيد بذل في التغلب علي العقبات الحقيقية كقلة‬
‫موارد الميزانية وقلة المباني وقلة المدرسين ‪.‬‬
‫واختلفت البلد في تحديد مرحلة اللزام التي تتحمل الدولممة كممل‬
‫نفقاتها ‪ ،‬هل تكون بسنوات محددة من العمل ‪ ،‬والتلميذ يحصل ممما‬
‫يحصل في تلك الفممترة بحسممب قممدرته علممي التحصمميل ؟ ام تكممون‬
‫بمستوي تعليمي معين أيا كانت السنوات التي يقضمميها التلميممذ فهمما‬
‫حممتي يكملهمما ؟ وهممل تكممون هممي المرحلممة البتدائيممة وحممدها ؟ أم‬
‫العدادية أم الثانوية ‪ ).‬ولم تدخل المرحلة الجامعية في هذا النطاق‬
‫( كما اختفلت فيما يفعل بالطالب الذي يتكرر رسوبه همل يفصمل ؟‬
‫وإذا فصل أين يذهب ؟ أم يحول إلي تعليم آخر يتناسب مع مقدرته‬

‫العقلية ‪ ..‬إلخ … إلممخ ولكممن مبممدأ التعليممم العممام الممذي تنفممق عليممه‬
‫الدولة تقرر علي أي حال ‪.‬‬
‫وحيممن كممانت هممذه المعركممة علممي أشممدها كممانت معركممة المممرأة‬
‫تلحقها !‬
‫فحيممن تقممرر مبممدأ التعليممم العممام كممان الحممديث فيممه عممن الولد‬
‫فقط ‪ ..‬أما البنات فيتعلمن – نعم – إن شئن لكن عن نفقة أبائهن ‪،‬‬
‫ول تتحمل الدولة نفقات تعليمهن كلهن !‬
‫ولكن المطالبين بحقوق المممرأة كممانوا ل يتوانممون عممن الملحظممة‬
‫‪،‬وعن طلب المساواة مع الرجل في كل شئ !‬
‫ومن ثم فقد شمل التعليم العام النبمات فمي آخمر الممر ‪ ،‬ووضمع‬
‫لهن ذات المناهج المعدة للبنين وكان بعد ذلك ممما كممان مممن دخممول‬
‫الجامعة والختلط والمطالبة بحق العمل كالرجال سواء !‬
‫وأيا يكن المر فقد اتسمت الديمقراطيممة بتلممك السمممة ‪ ،‬وأصممبح‬
‫التعليم العام المجاني معلما من معالم الديمقراطية ‪ ،‬ولكممن ينبغممي‬
‫أن نذكر في كل مرة أن صممراع الجممماهير وضممغطهم المسممتمر هممو‬
‫الذي وسم الديمقراطية بتلك السمة في النهاية ‪ ،‬ولممم تكممن كممذلك‬
‫من مبدئها ‪ ،‬ول كان فمي نيمة القمائمين عليهما أن تصمبح كمذلك فمي‬
‫نهاية الطريق !‬
‫الحقوق السياسية‪:‬‬
‫حق النتخاب – حق الترشيح‪ -‬حرية الكلم – حرية الجتماع – حق‬
‫الحتجاج‬
‫مع نمو الديمقراطية نمممت الحقمموق السياسممية للشممعب ‪ .‬بممل إن‬
‫الحقوق السياسية هي في الواقع أبممرز السمممات الديمقراطيممة فممي‬
‫صورتها النهائية التي استقرت عليها ‪.‬‬
‫وخلصة الحقوق السياسية أن يكون للشعب حق الشراف علممي‬
‫الحكومة وتوجيهها وحق نقممدها والعممتراض علممي أعمالهمما ‪ ..‬ويتخممذ‬
‫ذلك صورتين متكاملين إحمداهما همي التمثيمل النيمابي ويحموي حمق‬
‫النتخاب وحق الترشمميح لممدخول البرلمممان ‪ ،‬والثانيممة حممق الجتممماع‬
‫وإبممداء الممرأي خممار البرلمممان ‪ ،‬ويشمممل الصممحافة والجتماعممات‬
‫السياسية والمظاهرات السلمية التي تقام للمطالبة بممأمر معيممن أو‬
‫الحتجاج علي أمر معين ‪ ..‬وكل هذه المور لممم يكممن للشممعب منهمما‬
‫نصممميب علمممي الطلق قبمممل الديمقراطيمممة ‪ ،‬وحمممتي حيمممن بمممدأت‬
‫الديمقراطية تتخذ شكل التمثيل النيابي فممإن " الشممعب " لممم يكممن‬
‫ممثل هناك ‪ ،‬ول كان مسموحا له أن يلج هذا الميدان رغم ممما كممان‬

‫مكتوبمما فممي ديباجممات الدسمماتير مممن عبممارات " الحريممة والخمماء‬
‫والمساواة !" إنما نال الشعب كل ذلك العممرق والممدماء والممدموع !‬
‫بالسجن والتشريد والضطهاد وجميع ألوان المحاربة والمعارضممة ‪..‬‬
‫فلما ثبممت المطممالبون وألحمموا فممي الطلممب وصمممدوا أمممام الضممغط‬
‫أخذوا يحصلون رويدا رويدا علي كل هممذه الحقمموق ‪ ،‬حممتي أصممبحت‬
‫اليوم أمرا مقررا في الديمقراطية ‪ ،‬بل أصبحت هي السمة البارزة‬
‫لهذا اللون من الحكم‪.‬‬
‫وفي ابتداء الديمقراطية كانت العملية كلها تكاد تكون وفقا علممي‬
‫الغنياء ! فقد كان ينممص نصمما صممريحا علممي أن المرشممح ينبغممي أن‬
‫يكون مالكا لنصاب مالي معيممن ‪ ،‬وأن يثبممت ذلممك بإثباتممات رسمممية‬
‫حتي يباح له أن يدخل المعركة النتخابية ‪.‬‬
‫وفضل عن ذلك فإن نفقات الدعاية النتخابية كانت – ومممازالت –‬
‫في طوق الغنياء وحدهم دون الفقراء ‪ ،‬كممما أن النمماخبين أنفسممهم‬
‫كانوا خاضممعين لقيممود تجعممل عممددهم ضممئيل وفرصممة التممأثير عليهممم‬
‫بشتي الوسممائل ) حممتي شممراء الصمموات بالممال !( فرصممة كممبيرة ‪،‬‬
‫لذلك كان " نواب الم " أبعد ما يكونون عن تمثيل المة في حقيقة‬
‫‪1‬‬
‫المر !‬
‫ورويدا رويدا – تحت تأثير الحتجاج المستمر من " الشعب " بكل‬
‫وسممائل الحتجمماج – خففممت القيممود علممي النمماخبين والمرشممحين‬
‫كليهما ‪ ،‬فظل النصاب المالي يخفف عمن المرشمحين وألغمي إلغماء‬
‫كامل عن الناخبين مع تخفيض السن التي يجوز فيها الترشيح والتي‬
‫يجوز فيها النتخمماب حممتي صممارت الن إحممدي وعشممرين سممنة لهممذا‬
‫وذاك في معظم بلد الرض ‪.‬‬
‫وقد استغرق هذا زمنا طويل حتي تقمرر ‪ ،‬كمما احتماج إلمي نضمال‬
‫مسممتمر ‪ ،‬مممع التعممرض الممدائم للمتمماعب حممتي أصممبح اليمموم مممن‬
‫البديهيات المقررة الممتي ل تحتمماج إلممي ذكممر ‪ ،‬فأصممبح مممن حممق أي‬
‫إنسممان بلممغ إحممدي وعشممرين سممنة أن يكممون لممه صمموت انتخممابي‬
‫بشرطين أثنين ‪ ،‬الول أن يكون مقيممدا فممي الممدائرة الممتي يريممد أن‬
‫يدلي فيها بصوته والثاني أل يكون قد صممدر ضممده حكممم فممي قضممية‬
‫مخلة بالشرف والشرف في عرفهم ل يتعارض مع الباحية الجنسية‬
‫بطبيعة الحال ول مممع العربممدة والمجممون ! إنممما يتعممارض فقممط مممع‬
‫الغتصاب ومع السممكر الممذي تصممحبه جريمممة ! كممما تعتممبر السممرقة‬
‫‪1‬‬

‫ستناقش مدي التمثيل الحقيقي فيما يلي من هذا الفصل‬

‫والغش والحتيال ‪ ..‬إلخ جرائم مخلفة بالشرف ( كما أصبح من حق‬
‫أي إنسان بلغ هذه السن ويجيد القراءة والكتابممة ولممم يصممدر ضممده‬
‫حكممم فممي قضممية مخلممة بالشممرف أن يرشممح نفسممه للبرلمممان ) ول‬
‫ننسي أن المرأة ظلت تلحق الرجل في همذه الحقموق حمتي نالتهما‬
‫في كثير من الديمقراطيات في الفترة الخيرة (‬
‫وفي داخل البرلمان توضع كممل الضمممانات الممتي تتيممح للعضممو أن‬
‫يعبر عن رأيه ‪ ،‬وأن ينتقد الحكومممة سممواء اعضمماؤها أو رئيسممها بممما‬
‫شاء من وسائل النقد وعباراته إل أن يكمون سممبب شخصميا صمريحا‬
‫… ويحاط العضو " بالحصانة البرلمانية " التي تكفل عدم محاسممبته‬
‫علي أي عبارة يتفوه بها داخل البرلمان ) ما تكن سببا شخصيا كممما‬
‫قلنا ( وإن كان يحق للحكومة أن تطلب من البرلمان رفع الحصممانة‬
‫البرلمانية عن أحد العضاء إذا رأت أنه تجاوز الحريممة المباحممة لممه ‪،‬‬
‫وعندئذ يقدم للمحاكمة إذا وافق البرلمان علي الحصانة عنه ) وقممد‬
‫يكتفي بتأديبه بمنعه من حضور عدد مممن الجلسممات أو يطممرد نهائيمما‬
‫من البرلمان وتخلو دائرة للنتخاب فيها من جديد(‬
‫وبهذه الضمانات يملك العضو – نظريا علي القل – حرية واسممعة‬
‫وإمكانية ضخمة لتوجيه الحكومة إلممي الطريممق الممذي يممري أنممه هممو‬
‫الصواب ‪ ،‬ويملك البرلمان في مجموعة ‪ -‬نظريا كذلك علي القل –‬
‫سلطة توجيه الحكومة وتقييد تصرفاتها وجعل الشعب حارسا علممي‬
‫هذه التصرفات ‪.‬‬
‫أما في خارج البرلمان فالحقوق السياسية تتضمن حريممة التعممبير‬
‫عن الرأي – بكل وسائل التعبير – وحرية النقد وحرية الحتجاج ‪.‬‬
‫فأما التعبير عن الرأي سواء بالتأييممد أو المعارضممة فيأخممذ صممورة‬
‫النتماء الحزبي ‪ ،‬أي حرية أي إنسان في النتماء إلي أي حزب مممن‬
‫الحزاب القائمة – مادامت ليست محظورة بأمر القانون – والكتابة‬
‫في الصحف ) ووسائل العلم الخري في البلد التي تكون الذاعممة‬
‫والتلفزيممون فيهمما مملمموكين لشممركات وهيئات وليسمما مملمموكين‬
‫للحكومممة ‪ ،‬كممإنجلترا وفرنسمما وأمريكمما ( والخطابممة فممي المنتممديات‬
‫العامة والخاصة ‪ ،‬والشتراك في مظاهرة سلمية بعد الحصول علي‬
‫إذن من السلطات بقيام المظاهرة ) وكممثيرا ممما تقمموم المظمماهرات‬
‫بغير إذن ! وعندئذ تتصرف السلطة بما تراه مناسبا ‪ :‬إما أن تعترف‬
‫بالمر الواقع إذا رأت أنه ل ضرر من المظاهرة وإما أن تصطدم بها‬
‫وتفرقها وتقبض علي بعض زعمائها وتقدمهم للمحاكمة !(‬
‫وأممما الحتجمماج فيأخممذ صممورة الضممراب عممن العمممل وتشممكيل‬

‫المظاهرات ‪ ،‬وهو نوع من التعبير عن الرأي علي أي حال وإن كان‬
‫أكثر خشونة من سابقة ‪ ،‬لنه يتجاوز النقد إلي الحتجاج ‪.‬‬
‫ويشمل هذا وذاك حرية الجتماع ‪ ،‬أي حق الناس في أن يجتمعوا‬
‫في أي مكان ليتدارسمموا أمممرا معينمما أو ليبممدوا رأيهممم فممي موضمموع‬
‫معين أو لينتقدوا تصممرفا معينمما مممن تصممرفات الحكومممة أو ليحتجمموا‬
‫علي شئ من ذلك كله ‪.‬‬
‫وتكون الجتماعات عادة في مقار الحزاب ‪ ،‬وهذا ل تحتماج عمادة‬
‫إلي طلب تصريح من السلطة مادام الحمزب مصمرحا بمه أصمل ‪ ،‬إل‬
‫أن يكون دعوة عامة إلي مؤتمر أو اجتماعمما مكثفما فممي مكممان غيمر‬
‫مقر الحزب ‪ ،‬أو أوسع من المقر بحيث يشمممله ويشمممل امتممداد لممه‬
‫في الطريق العام ‪.‬‬
‫أو تكون في الجامعات أو في قاعات المحاضرات العامة ‪ ،‬أو في‬
‫الطريق العام ‪ ،‬وهذه تحتاج إلي تصريح مسبق من السلطات ‪.‬‬
‫وكل هذه الحريات ‪ ،‬التي أصبحت اليمموم مممن البممديهات المقممررة‬
‫فممي الديمقراطيممة لممم تكممن كممذلك يمموم بممدأت الديمقراطيممة فممي‬
‫الظهممور ‪ ،‬بممل كممانت القيممود شممديدة جممدا والحريممات ضممئيلة ‪ ،‬فل‬
‫الصحافة كانت تملك الحرية الواسعة في النقد ‪ ،‬ولحريممة الجتممماع‬
‫كانت قائمة ‪ ،‬ول حرية الحتجاج ‪ ،‬إنما فرض " الشممعب " كممل ذلممك‬
‫فرضمما علممي الحكومممات بالضممغط المسممتمر واللحمماح الممدائب ‪،‬‬
‫والتعرض للسجن والعقال والترشيد ويحفل التاريخ " الممديمقراطي‬
‫" ! بألوان من الضطهاد ذاقها المدافعون عممن هممذه الحقمموق حممتي‬
‫أصبحت أمرا مقمررا و " تقاليمد " مرعيمة فمي المديمقراطيات ‪ .‬وإل‬
‫فقد كان كل نقد حاد في الصحف يعتبر خروجا علي القانون تصممادر‬
‫الصمممحيفة ممممن أجلمممه ويمنمممع صمممدورها ويحبمممس محمممرر المقمممال‬
‫والمسئولون عن الصحيفة بسممببه ‪ ،‬وكممان كممل اجتممماع يعتممبر شممغبا‬
‫ويفرق بالقوة ‪ ،‬وكانت المظاهرات تعتبر عمل غير مشممروع يعمماقب‬
‫عليه بالسجن أوالعتقال أي مدة من الزمن دون محاكمة !‬
‫واحتاج المممر إلممي ضممغط البرلمانممات وضممغط الخطبمماء والكتمماب‬
‫لتعديل القوانين التي تبيح ذلك كله ‪ ،‬وتقييد يد الحكومة في التنكيل‬
‫باعدائها السياسيين أو بالشعب عامممة ‪،‬حممتي " تعممودت" الحكومممات‬
‫ان تستمع للنقد وهي ساكتة ن وأن تترك لمطاردتهم أو كفهممم عممن‬
‫الحتجاج والعتراض ‪.‬‬
‫وإذا قلنمما أن مممائة سممنة علممي القممل مممن النضممال المسممتمر قممد‬
‫استغرقت حتي وصلت بالمر إلي صورته الحاليممة ل نكممون مبممالغين‬

‫في ذلك ‪ ،‬فإننا ما نزال نري ذيول للمعركة حتي وقتنا الحاضر رغممم‬
‫كل ما قررته الديمقراطيات من الحريممات ‪ ،‬كمان آخرهما مظماهرات‬
‫العنف في فرنسا منذ سنوات ‪ ،‬وما تقوم به الحزاب الشيوعية من‬
‫المعارضة العنيفة في كل بلد ديمقراطي سمح للحممزاب الشمميوعية‬
‫فيه بالنشاط !‬
‫وبصرف النظممر عممن اتجمماه الحريممة فممي البلد الديمقراطيممة ‪ 1‬فل‬
‫شك أن الحرية السياسية من أبرز ما تشممتمل عليممه الممديمقراطيات‬
‫ومن أهم ما تشتمل عليه ‪.‬‬
‫‪m m m‬‬
‫أما الضمانات الممتي كسممبها الشممعب فممي ظممل الديقراطيممة فهممي‬
‫ضمانات التهام ‪ ،‬وضمانات التحقيق ‪،‬وضمانات الحكممم ‪ ،‬وضمممانات‬
‫التنفيذ ‪ .‬ولنقل كلمة سريعة عن كل منها لنصممف بعممد ذلممك موقممف‬
‫‪.‬الديمقراطية منها‬
‫أممما ضمممانة التهممام فمقتضمماها أل يؤخممذ النمماس بالظنممة وأنهممم ل‬
‫يحبسون ول يعتقلممون إل بمقتضممي تهمممة حقيقيممة تسممتوجب ذلممك ‪.‬‬
‫وليس معناها بطبيعممة الحممال أن كممل مممن اعتقممل أو حبممس لبممد أن‬
‫يكون مجرما بالفعل ‪ ،‬فقد يظهر التحقيق براءته فيفرج عنممه ‪ ،‬إنممما‬
‫معناها فقط أنه لبمد أن تكمون هنمماك قرينممه أو شمبهة حقيقمة علمي‬
‫القل في أنه ارتكممب محرممما بنممص القممانون ‪ ،‬وليممس لمجممرد أنممه "‬
‫ضايق" الحكومة بعمل من العمال فتنتقم منه بالحبس أو العتقال‬
‫!‬
‫وأما ضمانة التحقيق فمقتضاها أل تستخدم مع المتهم أية وسمميلة‬
‫من وسائل الضغط لحمله علي العتراف بما ل يريد أن يعممترف بممه‬
‫سواء كان الضغط بالتهديد أو بالغراء ) كأن يقممال لممه إذا اعممترفت‬
‫فسنخفف عنك العقوبة أو سنطلب سراحك ‪ ،‬ويكون هذا لليقاع بممه‬
‫‪ ،‬أو لستخلص معلومات معينة منه (‬
‫وأما ضمانة الحكممم فهممي أن يحكممم علممي المتهممم بالعقوبممة الممتي‬
‫يقررهمما القممانون بل زيممادة ‪ ،‬ويكممون للمحكمموم عليممه حممق اسممتئناف‬
‫الحكم ونقضه إذا رأي أنه مجحف به ‪.‬‬
‫وأما ضمانة التنفيذ فهي أن تنفذ العقوبة التي قررتها المحكمة بل‬
‫زيادة ‪ ،‬ويكون للمحكوم عليه حق الحتجاج علي أي زيادة يري أنهمما‬
‫وقعت عليه بغير وجه حق ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫سنتكلم عن " اتجاه الحرية " حين نناقش الوجه الخر للديمقراطية فيما يلي من هذا الفصل‬

‫وككممل شممئ فممي الديمقراطيممة لممم يحصممل الشممعب علممي هممذه‬
‫الضمممانات فممي يسممر ‪ ،‬ول كمانت مممن مقممررات الديمقراطيممة حيممن‬
‫قامت في البدء ‪.‬‬
‫فقممد كممانت الديمقراطيممة قائمممة – فممي أول عهممدها – والشممعب‬
‫مطارد مضطهد بل ضمانات تحميه !‬
‫كان من حق الشرطة أن تقبض علي أي إنسان وتودعه السجن ‪،‬‬
‫وكممان ذلممك فممي الغممالب لحممدي " جريمممتين " الفقممر أو معارضممة‬
‫الحكمة! فأما الفقر فقد كان يبيح للشرطة القبض علممي أي إنسممان‬
‫بتهمة " التشرد !" وعليه هو أن يثبت ما يخالف ذلك ! وليممس علممي‬
‫الشرطة أن تثبت " الجريمة " ! فالشممبهة كافيممة والقممانون – الممذي‬
‫وضعه الغنياء –يوافق علي ذلك ! ويجعل الناس متهمين حتي تثبت‬
‫براءتهم ‪ ،‬وذلك حتي يكون " الفقراء " تحت تهديد دائم يمنعهم من‬
‫الخروج عن الدب اللئق في حق الغنياء !‬
‫وأما معارضة الحكومة فيالها من جريمة تبيممح السممجن والعتقممال‬
‫والتشريد ! وما أيسر التهمة ! التحريض علي قلب نظام الحكم ‪ ،‬أو‬
‫التحريض علي كراهية النظام‪ ،‬او العيب في أي ذات مممن الممذوات "‬
‫المقدسة " التي ل يجوز العيب فيها !‬
‫وجاهد الشعب ‪ ،‬وجاهد أحار الفكر جهادا طويل مضممنيا مممن أجممل‬
‫تغيير هذه الوضاع كلها ‪ ،‬حتي تقرر في الدساتير أول ثم في الواقع‬
‫العملي بعد ذلك أن " المتهم برئ حتي تثبت إدانتممه " وليممس مممدينا‬
‫حتي تثبت براءته كما كان الحممال مممن قبممل … وسممعي المجاهممدون‬
‫إلي إبطال حق الحكومة في القبض والعتقممال دون سممبب ظمماهر ‪،‬‬
‫وأصبح من المقممرر الن أنممه فممي خلل مممدة محممددة مممن العتقممال‬
‫تتراوح بين يمموم واحممد وأربعممة أيممام فممي بعممض البلد لبممد أن يقممدم‬
‫المتهم للتحقيممق بتهمممة واضممحة محممددة ‪ .‬وحينئذ تحمموطه ضمممانات‬
‫التحقيق وهي تشتمل علي حقه فممي أن يطلممب حضممور محممام عنممه‬
‫أثناء التحقيق لضمان عدم الضغط عليه بالتهديد أو الغممراء ‪ .‬وحقممه‬
‫في أل يريد علممي سممؤال المحقممق دون أن يتعممرض مممن أجممل ذلممك‬
‫للتعذيب ‪ ،‬وحق المحامي في أن ينبممه المتهممم فممي أثنمماء اسممتجوابه‬
‫إلي عدم الممرد علممي سممؤال معيممن باعتبممار أن المحممامي أدري منممه‬
‫المزالق القانونية المتي يمكمن أن يسمتدرجه المحقمق إليهما دون أن‬
‫يلتفت إلي خطورتها عليممه ‪ ..‬وباختصممار أن تكممون الدلممة الماديممة أو‬
‫القرائن هي عماد التحقيق ‪ ،‬وليس سحب العترافممات مممن المتهممم‬
‫عن أي طريق !‬

‫وتعتبر هذه الضمانات اليوم من مقاييس التحضر النساني ‪ ،‬وهي‬
‫جديرة بأن تكون كممذلك ‪ ،‬فممإن معاملممة المتهممم تكتشممف عممن مممدي‬
‫احترام إنسانية النسان ‪ ،‬وليس مقياس النسانية هو معاملة السيد‬
‫للسيد أو الند للند فهنا تتحكم عوامل أخممري غيممر احممترام النسممانية‬
‫في ذاتها ‪ ،‬إنما معاملة " الضعيف " أيا كان سممبب ضممعفه ‪ ،‬وسممواء‬
‫كممان ضممعفه عارضمما – كممالمتهم – أو دائممما كممالفقير والمسممكين‬
‫واليتيم ‪..‬إلخ ‪ ،‬هي المتي تكشمف ‪ ،‬لن القمموة هنمما تغممري بالسمتبداد‬
‫بالضعف ‪ ..‬فإذا امتنع القوي – أيمما كممان سممبب قمموته ‪ ،‬سممواء كممانت‬
‫قوته عارضممه – مممن جمماه المنصممب – او دائمممة – بسممبب آخممر – إذا‬
‫امتنع عن إيذاء الضعيف واضطهاده وإذللة ‪ ،‬فلن يمنعه إل الشممعور‬
‫" النساني " وإل احترام إنسانية النسان ‪ ..‬فممإذا كممان الممذي يمنعممه‬
‫فقط هو القانون ‪ ،‬فالقانون إذن يحمل فمي طيماته احمترام إنسمانية‬
‫النسممان ‪ ،‬حممتي لممو كممان الممذين ينفممذونه يفتقممرون إلممي الشممعور‬
‫بالنسانية ‪ ..‬ومعاملة المتهم بالذات قد تكون اكثر دللة من غيرها ‪،‬‬
‫لن الضعف البرئ الذي لذنب له قد يجد من براءته سممندا للعطممف‬
‫عليه عند ذوي القلوب الرحيمة‪ ،‬أما المتهم فشبهة الدانة تحمموطه ‪،‬‬
‫وشبهه استحقاقه للعقوبة قائممة ‪ ،‬فممإذا وجممدت النفممس الشممريرة ‪،‬‬
‫المتجبرة بالقوة وبالسلطان ‪ ،‬وإذا وجد الحقممد الشخصممي بالضممافة‬
‫إلي ذلك ‪ ،‬كان النممزلق إلممي اليممذاء والتعممذيب هممو الكممثر توقعمما ‪،‬‬
‫وكذلك كان الحال في التاريخ كله في عود السبتداد ! المتهم يؤخذ‬
‫بالشبهة ثم ينكل به تنكيل دون مبرر حقيقممي إل شممهوة السممتبداد !‬
‫والشبه هي مجرد خمموف " السممادة" عممي سمميادتهم ‪ ،‬ورغبتهممم فممي‬
‫إحاطة انفسهم بسياج يحفظ لهم هذه السيادة ! ويستوي في ذلممك‬
‫أن يكونوا حكاما ) فتكون القضية سياسية ( أو اغنياء فقط ) فتكون‬
‫القضية جنائية عادية(‬
‫فوضع القيد الذي يقيد السادة فيمتنعون أو يمنعممون عممن تعممذيب‬
‫المتهم والتنكيل به ‪ ،‬هو تقرير لجانب من جوانب إنسانية النسممان ‪،‬‬
‫يحسب ل شك فممي الميممزان ‪ ،‬لكممن الممذي ينبغممي أن نممدركه هممو أن‬
‫السادة لم يضعوا هذا القيد من تلقماء أنفسمهم ‪ ،‬إنمما أكرهموا علمي‬
‫قبوله إكراها بالضغط المسممتمر عليهممم ‪ ،‬واللحمماح فممي المطالبممة ‪،‬‬
‫واللحاح في كشف خبيئة نفوسهم الخبيثة ‪ ،‬بصورة تهدد سمملطانهم‬
‫علي الناس ! فإن السلطان – حتي سلطان الجبممابرة –يقمموم دائممما‬
‫علي قدر من الحترام ‪ ،‬فإذا ذهب الحتراف من النفمموس صمعب أو‬
‫استحال استمرار السادة في سيادتهم وطغيانهم مهما كان لهم من‬

‫جبروت ‪.‬‬
‫والذي فجرته الثورة – التي انطلق فيهمما رد الفعممل عممن المظممالم‬
‫التي استمرت أكثر من ألف عام – كان هو إزالة القداسة عممن ذوي‬
‫القداسة ‪ ،‬سواء مممن رجممال القطمماع أو مممن رجممال الممدين ‪ ،‬فلممماء‬
‫جاءت الطبقة " المقدسة" الجديممدة وهممي الطبقممة الرأسمممالية لممم‬
‫تجد الطريق ممهدا علي نفس الصورة التي كان عليها القطاع مممن‬
‫قبل ‪ ،‬بل وجدت الثوار – سواء بأفكارهم أو بأعمالهم – يقفممون لهمما‬
‫بالمرصاد ‪ ،‬ويثيرون السخرية من أعمالهمما فممي النفمموس ‪ ،‬فتنممازلت‬
‫شيئا فشيئا عن كثر من مظاهر قداستها ) وإن كانت ممما تممزال بعممد‬
‫‪1‬‬
‫تملك الكثير!(‬
‫أما ضمانات المحاكمة –بعممد ضمممانات التهممام والتحقيممق – فهممي‬
‫حق المتهم في إقامممة محممام يقمموم بالممدفاع عنممه أمممام المحكمممة ‪،‬‬
‫يختاره بنفسه إذا اكن يملك دفع " اتعابه " ) أي الجر الذي يتقاضاه‬
‫مقابل الدفاع عن المتهم ( أو تنتدبه له المحكم مجانا إذا كان فقيرا‬
‫ل يملك دفع التعاب ‪ .‬وحقه في المتناع عممن الممرد علممي أي سممؤال‬
‫توجهه المحكمة إليه ‪ ،‬وحق المحامي في منعه من الجابة علممي أي‬
‫سؤال يري من معرفتممه بالقممانون أن الجابممة عليممه تضممر بممالمتهم ‪،‬‬
‫وحقه فممي اسممتدعاء الشممهود الممذين يممري أن شممهادتهم تنفعممه فممي‬
‫قضيته ‪ ،‬وحق المحامي في طلب التأجيل للسممتعداد و المزيممد مممن‬
‫الدراسة او لتقديم أدلة جديد ‪ .‬ثم حق المتهم في استثناء الحكم إذا‬
‫رأي أنه جار عليه أو أوقع عليه جزاء ل يستحقه ) ويقابله حق النيابة‬
‫في استئناف الحكم إذا رأت أنه أقل مما يستحقه المتهم (‬
‫وأممما ضمممانات التنفيممذ فهممي أول تنفيممذ العقوبممة الممتي قررتهمما‬
‫المحكمممة دون زيمادة عليهمما ‪ ،‬وثانيمما حسممن معاملممة المجممرم داخممل‬
‫السجن في فترة العقوبة ‪ ،‬فل توقع عليه عقوبة بدنيممة ول إهانممة إل‬
‫نتيجة إخلله بنظام السجن ‪ ،‬الذي تتضمنه لئحة معينة تحممدد علقممة‬
‫السجن بسجانيه ‪ ،‬وتوفر له الرعاية الطبية إذا مرض ‪ ،‬ويكممون مممن‬
‫حقه الشكوي من إدارة السجن إلي النيابة العامة ‪ ،‬ومقابلة محامية‬
‫في السجن إذا عن له ممما يسممتدعي ذلممك ‪ ،‬وزيممادة أهلممه لممه زيممادة‬
‫دورية ‪ ..‬وتطور المر الن في بعض السجون إلي السماح للسممجين‬
‫بزيارة أهله في منزله في فترات محددة ‪ ،‬حيث يقضي ساعات بين‬
‫زوجته وأطفاله – تحت الحراسة – ثم يعود إلي السجن !‬
‫تلممك خلصممة الحقمموق والضمممانات الممتي منحتهمما الديمقراطيممة‬
‫‪1‬‬

‫سنتكلم عن ذلك في مناقشة الديمقراطية‬

‫للشمممعب ‪ ،‬أو بمممالخري استخلصمممها الشمممعب لنفسمممه فمممي ظمممل‬
‫الديمقراطية ‪ ،‬والتي أصبحت اليوم هي مضمون الديمقراطيممة فممي‬
‫‪1‬‬
‫نظر الغرب‬
‫وإذا نظرنا إلي حال " الشممعب " فممي ظممل القطمماع فل شممك أن‬
‫الديمقراطية – بالصورة التي صارت إليها – كانت نقله كبيرة رفعت‬
‫الشعب من حضيض " اللشيئية " و " اللإنسانية " إلي أن يصبح له‬
‫اعتبار ‪ ،‬ويعامل – في جانب من جوانب الحياة – معاملة النسان ‪.‬‬
‫وأي مقارنة بين الحالين ستثبت علي الفور هذه النقلة ‪ ،‬وستثبت‬
‫أن النسان الوربي ‪ ،‬الخارج من ظلمات القطاع ‪ ،‬قد استمتع في‬
‫ظل الديمقراطية بجوانب مضيئة ما كانت لتخطر علي باله من قبل‬
‫‪ ،‬وما كان يتصور وجودها إل في أحلم الفلسفة الحالمين !‬
‫‪m m m‬‬
‫ولكممن هممذه الصممفحة المضمميئة ليسممت هممي الصممفحة الوحيممدة‬
‫الديمقراطية " الليبرالية " كما تسمي ديمقراطية الغرب ‪ ،‬أي الممتي‬
‫تقوم علمي حريمة الفمرد فمي أن يعممل مما يشماء ‪ ،‬تحقيقما للشمعار‬
‫الشهير الذي أطلقته الرأسمالية في نشأتها " دعه يعمممل ممما يشمماء‬
‫‪ ، Laissez Faire‬دعممه يمممر مممن حيممث يشمماء ‪ laissez Passer‬والممتي‬
‫صورتها العامة هي الحرية السياسية وتعد الحزاب ‪ 2‬إنما لها صفحة‬
‫أخري قائمة شديدة القتال ‪ ،‬بمقدار ما تتلل هذه الصفحة بالنور‪.‬‬
‫والتطممبيق الممواقعي للديمقراطيممة الليبراليممة هممو الممذي يكشممف‬
‫سواتها ويحدد وزنها الحقيقي في ميزان الحق ‪.‬‬
‫حين نزلت الية الكريم " وقالت اليهود ليست النصاري علي شئ‬
‫وقالت النصاري ليست اليهممود علممي شممئ " قممال صمملي اللممه عليممه‬
‫وسلم ‪ :‬ما صدقتا إل في هذه ! أي صدقت كممل واحممدة فيممما تقممول‬
‫عن الخري ‪ ،‬وإن كذبت فيما تدعيه لنفسها من فضائل وحسنات ‪.‬‬
‫ويصممدق هممذا الم فيممما بيممن الديمقراطيممة والشمميوعية ‪ ،‬فممإن كل‬
‫منهما تصدق فيما تقوله عن الخري وإن كذبت فيما تدعيه لنفسممها‬
‫من حسنات‬
‫والشيوعية تقول في هذا الصدد أن " الذي يملك هو الذي يحكممم‬
‫" وإن " الطبقممة" الممتي تملممك وتحكممم تضممع التشممريعات لحسممابها‬
‫الخمماص علممي حسمماب الطبقممات الخممري ‪ ،‬وإنممه فممي الديمقراطيممة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫سنتكلم عن مضمون الديمقراطية في نظر الشيوعيين حين نستعرض الشيوعية‬
‫حين يطلق الشيوعيين علي الديمقراطيممة الغربيممة وصممف " الليبراليممة فهممم يقصممدون بممه الممذم ل المممدح ويعنممون بممه‬
‫الديمقراطية التي يتمتع فيها الرأسماليون بحرية استغلل الطبقة الكادحة وسنناقش هذه النقطة بعد قليل‬

‫الليبرالية يكون المال في يد الطبقممة الرأسممالية فهممي الممتي تملمك‬
‫ومن ثم فهي التي تحكم ‪،‬وهممي الممتي تضممع التشممريعات فهممي الممتي‬
‫تملك ومن ثم فهي التي تحكم ‪ ،‬وهي الممتي تضممع التشممريعات أنممتي‬
‫تحمي مصالحها ضد مصالح الطبقة الكادحة ‪.‬‬
‫وهذه القولة صادقة إلي حد كبير وتوشممك أن تكممون صممادقة كممل‬
‫الصدق لول أن الطبقة الكادحة لم تستسلم تماممما كممما كممانت قبممل‬
‫ثورتها علي القطاع ‪ ،‬بممل قمماومت وقممامومت ‪ ..‬وحصمميلة مقاومتهمما‬
‫هي التي أحدثت الفرق بين وضعها في ظمل القطماع ووصمفها فمي‬
‫ظل الرأسمالية ‪.‬‬
‫ولكن تعال ننظممر – رغممم ذلممك – إلممي حقيقممة الواقممع ‪ ،‬ونسممأل –‬
‫بموضوعية كاملة – لصالح من تجري الحياة فممي ظممل الديمقراطيممة‬
‫الليبرالية ‪ ،‬ومن هو المستفيد الكبر ‪ ،‬ول نقول كما تقول الشيوعية‬
‫إنه المستفيد الوحيد ‪.‬‬
‫لشك أن المور تجري – في عمومها – لمصلحة الرأسماليين !‬
‫ورغممم كممل التنممازلت الممتي أكرهممت الرأسمممالية علممي تقممديمها‬
‫للشممعب فممما زال الغنممم الكممبر فممي أيممديهم ‪ ،‬والفتممات فممي يممد‬
‫الجماهير ‪.‬‬
‫ل نقول – كما تقول الشيوعية – إن المنتج الحقيقممي هممو العامممل‬
‫وإنممه هممو الممذي يسممتحق وحممدة حصمميلة النتمماج ‪ ،‬فتلممك مغالطممة‬
‫سنناقشها حيمن ننمماقش الشمميوعية فمي الفصممل القممادم ‪ ،‬ول نقمول‬
‫كذلك – كما تقول الشيوعية – إن أصحاب رؤوس الموال هممم قمموم‬
‫ل عمل لهم إل التطفل علي دماء الكادحين ‪ ،‬بينما هو ل يسممتحقون‬
‫منها شيئا عي الطلق لنهم ل يعملون بأيديهم ‪.‬‬
‫ل نقول هذا ول ذاك‪ ..‬ومع ذلك فلننظر إلي الفارق الضخم الممذي‬
‫يفممرق بيممن دخممول الرأسممماليين ودخممول العمممال ‪ ..‬هممل هممو فممارق‬
‫طبيعي ؟ هل هو فممارق عممادل ؟ هممل هممو فممارق ل يممؤثر فممي القيممم‬
‫والمبادئ المتعلقة بإنسانية النسان ؟!‬
‫كيممف جمماء هممذا الفممارق بممادئ ذي بممدء ؟ هممل هممو حقيقممة نتيجممة‬
‫العبقرية الفذة التي خص الله بها الرأسماليين وحرم منها بقية عباد‬
‫الله ؟! أم هي مغتصبة اغتصابا بوسائل غير مشروعة ؟!‬
‫هل كانت الرأسمالية عادة منذ البدء في تحديد أجور العمال ؟ أم‬
‫كان تحديدها قائما علي أسوأ نوع من أنواع استغلل ؟ وحممتي حيممن‬
‫خفضت ساعات العمل ورفعت الجور بعد الصراع المرير الذي قام‬
‫به العمال ‪ ،‬فهل حدثت العدالة النسانية الواجبة ؟‬

‫أن تضخم رؤوس الموال ينشأ ابتداء من امتصمماص دممماء العمممل‬
‫وعدم توفيتهم أجورهم ‪..‬وقد يكممون تحديممد الجممر مسممألة اجتهاديممة‬
‫تختلف من وقت إلي وقت ومن حال إلممي حممال ‪ .‬ولكممن لممه حممدودا‬
‫عامممة ل ينبغممي أن يخممرج عنهمما ‪ ،‬وهممي تمموفير " الحيمماة الكريمممة "‬
‫للنسان الذي يبذل جهده ليعيش ‪.‬‬
‫ويجي تضخم رؤوس الموال كذلك من إقامممة الحيمماة كلهمما علممي‬
‫الساس الربوي الذي يمقته الله ‪.‬‬
‫ْ‬
‫خب ّ ُ‬
‫ه‬
‫ذي‬
‫ذي ي َت َ َ‬
‫م اّلمم ِ‬
‫}اّلمم ِ‬
‫مممو َ‬
‫ن َيممأك ُُلو َ‬
‫ممما ي َُقممو ُ‬
‫طمم ُ‬
‫ن إ ِل ّ ك َ َ‬
‫ن الّرَبمما ل ي َُقو ُ‬
‫َ‬
‫طان من ال ْمس ذ َل َ َ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫مث ْ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ه‬
‫َ ّ ِ‬
‫ما ال ْب َي ْعُ ِ‬
‫ل الّرَبا وَأ َ‬
‫ل الل ّم ُ‬
‫م َقاُلوا إ ِن ّ َ‬
‫ك ب ِأن ّهُ ْ‬
‫شي ْ َ ُ ِ ْ‬
‫ف‬
‫م‬
‫سمل َ َ‬
‫عظ َ ٌ‬
‫مو ْ ِ‬
‫ة ِ‬
‫ن َ‬
‫ال ْب َي ْعَ وَ َ‬
‫حّر َ‬
‫مما َ‬
‫ه َ‬
‫ن َرب ّهِ َفمانت ََهى فََلم ُ‬
‫جاَءهُ َ‬
‫م الّرَبا فَ َ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫عاد فَأ ُول َئ ِ َ َ‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫م ِفيهَمما َ‬
‫دو َ‬
‫خال ِم ُ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫ن َ َ‬
‫ب الن ّممارِ هُ م ْ‬
‫مُرهُ إ َِلى الل ّهِ وَ َ‬
‫وَأ ْ‬
‫كأ ْ‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ب كُ ّ‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫صد ََقا ِ‬
‫ح ّ‬
‫م َ‬
‫ت َوالل ّ ُ‬
‫حقُ الل ّ ُ‬
‫‪ (275‬ي َ ْ‬
‫ه الّرَبا وَي ُْرِبي ال ّ‬
‫ل ك َّفارٍ أِثيم ٍ‬
‫)‪] {(276‬سورة البقرة ‪[276-2/275‬‬
‫والذي قال عنه الدكتور " شاخت " اللماني في تقممرر اعممده فممي‬
‫الربعينات مممن هممذا القممرن إن نممتيجته الحتميممة هممي تممزادي رؤوس‬
‫الموال في يد فئة يتناقص عددها علممي الممدوام وزيممادة الفقممر فممي‬
‫عدد متزايد من الناس !‬
‫ويجئ تضخم رؤوس الموال أيضمما مممن إنشمماء صممناعات تافهممة ل‬
‫يحتاج إليها النسان الجاد الذي يعيش لهداف جادة ‪ ،‬بل هي تفسممد‬
‫الخلق وتميع الطبمماع وتشمغل النماس بالتفاهممات بممدل مممن شممغلهم‬
‫بآفاق الحياة العيا ‪ ..‬وكل ذلك لنهمما أكممثر ربحمما ‪ ..‬ولن دوره المممال‬
‫فيها أسرع بكثير من دورته في الصناعات الحقيقة التي تؤدي هممدفا‬
‫جادا في حياة النسممان ‪ ..‬كصممناعة السممينما وصممناعة أدوات الزينممة‬
‫والتفنن في " المودات ط سواء مودات الملبس أو مممودات الثمماث‬
‫في البيوت أو مودات السيارات في الطريق ‪.‬‬
‫تلممك أدوات التضممخم الرأسمممالي أو هممذه أبرزهمما ‪ ..‬فأيهمما أدوات‬
‫طبيعممة ؟ وأيهمما أدوات عادلممة ؟ وأيهمما أدوات ل تممؤثر فممي إنسممانية‬
‫النسان ؟‬
‫ول يقممولن أحممد ‪ :‬هممذه هممي الرأسمممالية ‪ ،‬ولكننمما نتكلممم عممن‬
‫الديمقراطية ! فالواقع أنه ل يمكن فصل هذه عن تلك!‬
‫أن هذه الديمقراطية – بمجالسها النيابية ‪ ،‬بمثلي الشممعب فيهمما –‬
‫‪ 0‬هي التي تصدر القوانين التي تبيح للرأسمممالية أن تتصممرف علممي‬
‫هذا النحو دون أن تتدخل فيها ‪ ،‬بل – في الحقيقممة – دون أن تجممرؤ‬
‫علي التدخل فيها !‬

‫ومممن ناحيممة أخممري فممإن الرأسمممالية هممي المموجه القتصممادية‬
‫للديمقراطية الليبرالية ‪ ،‬كما أن الديمقراطية الليبراليممة هممي المموجه‬
‫السياسي للرأسمالية !‬
‫ولسنا نقول – كما تقممول الشمميوعية – إن الوضممع القتصممادية هممو‬
‫الذي يشكل الفكار والعقممائد والنظممم والمؤسسممات الممتي تتمشممي‬
‫معه وتخدم أهدافه ‪.‬‬
‫وإنما نقول – ونممراه ادنممي إلممي الصممواب‪ -‬إن الوضممع القتصممادية‬
‫والوضع السياسي – ) والوضع الجتماعي كذلك كممما سمميجئ( كلهمما‬
‫أوجه متناسقة مع النظام أو الفكرة التي تقوم عليها ‪ ،‬ولكها منبثقممة‬
‫من أصل واحد مشترك هو " النسان " مستقيما أو منحرفا ‪ ،‬وعلي‬
‫أي نحو هو منحرف ‪ ،‬فأما إن كان مستقيما ) أي علي النهج الرباني‬
‫( فهو يصوغ حياته ‪ :‬القتصممادية والسياسممية والجتماعيممة والفكريممة‬
‫والروحية ‪..‬إلخ علي مقتضي المنهج الربمماني ‪ ،‬وهممو منهممج متناسممق‬
‫في جميع وجوهه ومتكامل بعضها مع بضممع ‪ ،‬وأممما أن كممان منحرفمما‬
‫فبحسممب نمموع انحرافممه تكممون أوضمماعه القتصممادية والسياسممية‬
‫والجتماعيممة والفكريممة والروحيممة ‪..‬إلممخ وتكممون متناسممقة مممع لممون‬
‫النحراف الذي يقع فيه ذلك " النسان " فليس القتصمماد هممو الممذي‬
‫يصوغ السياسية ول السياسية هي التي تصوغ القتصمماد ‪ ،‬إنممما هممما‬
‫معا – ومعهما بقيممة وجمموه الحيمماة – يصمموغها النسممان متممأثرا بنمموع‬
‫انحرافه ‪.‬‬
‫والنحممممراف الممممذي يتخممممذ الرأسمممممالية وجهممممة القتصممممادي ‪،‬‬
‫والديمقراطية الليبرالية وجهة السياسي ‪ ،‬والتفكك الجتماعي ) كما‬
‫سيجئ( وجهة الجتماعي ‪ ،‬هو أول انحراف عن شريعة الله ومنهجه‬
‫المنممزل لصمملح الحيمماة وإقامتهمما بالقسممط ‪ ،‬وهممو مممن جهممة أخممري‬
‫انحراف الفردية الجامحة التي تريد أن تفعل ما تشاء ‪Laissez Faire‬‬
‫‪ ) . Laissez Passer‬دعه يفعل ما يشاء ‪ ،‬دعه يمر من حيث يشاء !(‬
‫هذه الفردية الجامحة تأخذ في القتصاد صورة الرأسمممالية ‪ ،‬وتأخممذ‬
‫في الجتممماع صممورة المجتمممع المفكممك الروابممط المنحممل الخلق ‪،‬‬
‫وهي انحرافات متناسقة بعضها مع بعض‪ ،‬متكاملة بعضها مع بعض ‪،‬‬
‫ول يمكن فصل بعضها عن بعض!‬
‫فالذين يقولممون نأخممذ الديمقراطيممة صممورة سياسممية وليممس مممن‬
‫الضممروري أن نأخممذ معهمما الرأسمممالية الجامحممة هممم واهمممون فممي‬
‫محاولة فصل وجه من هذا النظام عن وجه آخر ‪ ..‬أو هممم يتحممدثون‬
‫عن شئ آخر غير الديمقراطية الليبرالية ل نعلم صممورته علممي وجممه‬

‫التحديد !‬
‫ومهممما يكممن مممن أمممر فممإن الديمقراطيممة الليبراليممة – الموجممودة‬
‫بالفعممل ‪ ،‬ل المتخيلممة فممي الذهممان – هممي هممذه الممتي تحتمممي بهمما‬
‫الرأسمالية وتلعب لعبتها من خللها وسنتكلم في الصفحات القادمة‬
‫عن أبعاد اللعبة كلها التي تتم من وراء الصورة السياسممية المتمثلممة‬
‫فممي الديمقراطيممة الليبراليممة ‪ ،‬ولكننمما نقممرر هنمما حقيقممتين تبممدوان‬
‫متناقضتين في الظاهرة ولكنهممما فممي الحقيقممة غيممر متناقضممتين إذا‬
‫أنعمنا النظر فيهما ‪:‬‬
‫الولي ‪ :‬أنه من خلل النظام الديمقراطي نال " الشعب " ماناله‬
‫من حقوق وضمانات ‪.‬‬
‫والثانية ‪ :‬أن الرأسمالية هي صاحبة الهيمنة وصاحبة التشريع ممن‬
‫وراء اللعبة الديمقراطية بأكملها ‪.‬‬
‫ولزالة التناقض الظاهري بين الحقيقتين نقممول أول ‪ :‬أن الشممعب‬
‫نال ما ناله من الحقوق من خلل صراعه وكفاحه ودأبة فممي إحممراج‬
‫الرأسمالية واقتناص الحقوق والضمانات منهمما ‪ ،‬فهممو ينتزعهمما منهمما‬
‫انتزاعا وهي تتنازل عنها كارهة ومكرهة ‪ ،‬وإن يقظة الشممعب بممدأت‬
‫منممذ ثممار علممي القطمماع وليممس منممذ اتخممذا الديمقراطيممة ! بممل‬
‫الديمقراطية هي ثمرة ثورته فهي نتيجة لسبب ‪.‬‬
‫ونقول ثانيا ‪ :‬إنه علممي الرغممم مممن ذلممك فقممد تركممت الرأسمممالية‬
‫الثمموب – ثمموب الديمقراطيممة‪ -‬يلبسممه الشممعب ‪ ،‬ونفممذت هممي إلممي‬
‫مصالحها من خلله فنالت كل ما تريد من تشمريعا تحمممي مصممالحها‬
‫وتتيح لها أن تقوم بكل مظالما ! فإذا كانت قد اضطرت للتنازل عن‬
‫بعض المصالح تحت ضغط الشعب ‪ ،‬فهي من جهة قد تنممازلت عممن‬
‫فتمات ل يممؤثر تممأثيرا حقيقيما فممي مصممالحها ‪ ،‬فمما تنممازلت عنمه همو‬
‫قطممرات مممن فممائض ارباحهمما ‪ ،‬وممما تممزال أرباحهمما تتزايممد بصممورة‬
‫جنونية ! وهي من جهة أخري قد تنازلت عن هممذا الفتممات لنهمما لممم‬
‫تأمن علي نفسها إذا ظلت في موقف التصلب أن تفقد ثروتها كلهمما‬
‫وكيانها كله ! ففي نظرها هي أنهمما ألقممت للكلب الجائعممة بلقيمممات‬
‫تلهيها بها خوفا من أن تأكلها الكلب ! فخوفا من الشيوعية تنممازلت‬
‫الرأسمالية الغربية عما تنازلت عنه ‪ ،‬وخوفا من أن تدمر الضرابات‬
‫كل الرباح !‬
‫فل تناقض إذن بين الحقيقتين ‪ ،‬والرأسمالية هممي صمماحبة النظممام‬
‫كله وهممي المسممتفيد الول منممه ‪ ،‬ول عليهمما أن يتزيمما الشممعب بممزي‬

‫الحرية ‪ ..‬أو الحرية والخاء والمسمماواة ‪ 1‬ولننظممر فممي هممذه الحريممة‬
‫علي حقيقتها ‪..‬‬
‫لشك أن الفرد في الديمقراطية الليبرالية حممر حريمة كاملمة كمما‬
‫يبدو ) في الظاهر ( في أن يتخذ قراراه دون ضغط مممن أحممد ‪ ،‬وأن‬
‫يعبر عن رأيممه بحريممة ‪ ،‬وان يممدعو لرأيممه بكممل وسممائل الدعايممة وأن‬
‫يختار المرشح الذي يمثله في البرلمان والذي يشرف علممي أعمممال‬
‫الحكومة ويهيمن علي تصرفاتها ‪.‬‬
‫ولكن دعنا نتأمل الحقيقة الكامنة وراء هذا الظاهر ‪ ..‬فمممن الممذي‬
‫يصوغ لهذا الفرد أفكاره أو – من زاوية أخري – من الممذي يشممكل "‬
‫الرأي العام " الذي يوجه هذا الفرد لتخاذ قراره !‬
‫أنهمما وسممائل العلم ! الصممحافة والذاعممة والسممينما والتليفزيممون‬
‫والخطبة والمحاضرة والكتاب ‪.‬‬
‫ودعك – موقتا – مممن أن وسممائل العلم تشممرف عليهمما اليهوديممة‬
‫العالمية وتوجهها الوجهة التي تخدم مصالحها ‪ ،‬فلنا عممود إلممي هممذه‬
‫النقطة في مكان آخر من هذا الفصل ‪.‬‬
‫أنما نقول – مؤقتا – إن الذي يملك وسائل العلم هو الرأسمالية‬
‫) بصرف النظر عن ملتها !(‬
‫أن الصحافة – وقد كانت وما تزال مممن أشممد وسممائل التممأثير – ل‬
‫تستطيع أن تعيش بل معونة خارجية ‪ ،‬فهي تتكلف بالفعممل أضممعاف‬
‫الثمن الذي تباع به للجمهور ‪ ،‬والثمن الذي تباع به للجمهور ل يصل‬
‫كله إلي أصحاب الصحيفة فهناك في الوسط وسمميطان أثنممان علممي‬
‫أقل تقممدير هممما الممموزع العممام الممذي يتكفممل بأخممذ مجممموع النسممخ‬
‫المطبوعة وبيعه للبائع الصغير ) أي الذي يبيع مجموعة صغيرة مممن‬
‫النسخ ( ثم هذا الموزع الصغير المذي يمبيع للجمهمور ‪ .‬فمإذا تصمورنا‬
‫جدل أن ثمن النسخة للجمهور هو مائة وحممدة فممإن خمسممين وحممدة‬
‫علي القل إن لم يكن أكثر يتقاسمها هذان الوسيطان ‪،‬والباقي هممو‬
‫الذي يرد إلممي الصممحيفة مممع " المرجمموع" أي النسممخ الممتي لمم يتممم‬
‫توزيعها ول عائد لها علي الطلق ‪ ..,‬فكيف تغطي الصحافة تكاليفها‬
‫ثممم تربممح فمموق ذلممك أرباحمما طائلممة ؟ إنهمما تعتمممد – أساسمما – علممي‬
‫العلنات ثم علي العانات من أي طريق تجئ ‪.‬‬
‫والعلنممات – بطبيعممة الحممال – فممي يممد الشممركات والمؤسسممات‬
‫الصناعية أي في يد الرأسمالية ومن ثم فإن يكفي لقتل أي صحيفة‬
‫‪1‬‬

‫يقول البروتوكول الول أن هتافنا بكلمات " الحرية والمساواة والخاء " مع جهود دعاتنا المسخرين أجتممذب فممي كممل‬
‫انحاء العالم جيوشا جرارة من البشر حملت اعلمنا بكل فخر وحماسة فيحين أن هذه الكلمات الساحرة كانت سوسا‬
‫ينخر في كيان سعادة الميين ‪،‬ومعول هدم للمن والسلم والوحدة لديهم ) تعريب أحمد عبد الغفور عطار (‬

‫" حرة" أي طويلة اللسان تتجرأ علي المصالح الحقيقية للرأسمالية‬
‫‪ ،‬أن تمنع عنها العلنات فتسقط في هاوية الفلس ! ول ضير فممي‬
‫الوقت ذاته علي الرأسمالية مممن مناوشممات سممطحية فممي الصممحف‬
‫تنتقد كما تشاء دون أن تصيب الجذور ! بل هو أمر في صالح اللعبة‬
‫في نهاية المطاف !‬
‫فإذا كان الصحافة – التي تؤثر التأثير الكبر علي " الرأي العممام "‬
‫واقعة في قبضة الرأسمالية إلي هذا الحد ‪ ،‬فلنا أن نتوقع أن تكممون‬
‫الفكار التي تصوغها وننشممرها هممي ممما تريممده الرأسمممالية ‪ ،‬أو فممي‬
‫القليل هي ما ل يتعارض مع المصالح الحقيقممة للرأسمممالية ‪ .‬ومثممل‬
‫الصحافة بقية وسائل العلم فهي واقعة بصورة أو بأخري في ذات‬
‫القبضة الشريرة التي توجه الفكار وتشكل المواقف للناس !‬
‫ولنأخذ ثلثة نماذج مختلفة من طريقممة تشممكيل " الممرأي العممام "‬
‫في مسالة سياسية ومسممألة اجتماعيممة ‪ ،‬ومسممألة اقتصممادية تخممدم‬
‫كلها مصالح الرأسمالية ويبدو فيها " الرأي العام " كأنما تشكل مممن‬
‫تلقاء نفسه واتجه إلي الوجه التي اتجه إليها !‬
‫لنفرض أن المطلوب هو إشعال حرب في مكان ما علممي سممطح‬
‫الرض ‪،‬وهو أمر يهم الرأسمالية من جميع الوجوه المتخيلة ! وأولها‬
‫بيع السلح الذي يدر علي صانعية أرباحا خيالية ) ونصممرف النظممر –‬
‫مؤقتمما – عممن أن تجممار السمملح فممي العممالم مممن قممديم الزمممان هممم‬
‫اليهممود ( ‪ !1‬فكيممف يهيممأ " الممرأي العممام " لتقبممل الحممرب أول ‪ ،‬ثممم‬
‫التحمس لها ثانيا ‪ ،‬ثم المطالبة بها أخيرا !‬
‫تبدأ الصحف – وكذلك وسائل العلم – فممي نشممر أخبممار قصمميرة‬
‫مثيرة تثير عنمد الغمافلين – والمرأي العمام دائمما غافمل – نوعما ممن‬
‫التطلممع والنتبمماه ‪ .‬ثممم يممزاد فممي طممول الخممبر ويممؤتي بمزيممد مممن‬
‫التفاصيل ‪ ..‬ثم يصبح الموضوع هو الحممديث اليممومي فممي الصممحافة‬
‫والذاعة والتليفزيون ‪ ..‬يزاد في نغمة الثارة حتي تشممحن النفمموس‬
‫بالوقود … ثم تأخذ الصحافة في الستطلع " الرأي العام " ) كأنما‬
‫لم تكن هي الممتي وجهتممه ( فممإن الممرأي العممام متحمممس ! إذن لبممد‬
‫مطالبة الحكومة بالتحرك ! وإذن تبممدأ الحكومممة فممي العممداد ‪ ..‬ثممم‬
‫تنطلق شرارة الحرب ‪ ،‬ويباع السلح ‪ ،‬وتتحقق الهممداف المطلوبممة‬
‫من وراء " المشروع" !‪.‬‬
‫ففي الحرب العالمية الثانية التي امتدت فشممملت معظممم أرجمماء‬
‫الرض ‪ ،‬وقتل فيها أربعون مليونا من الشممباب فممي ميممادين القتممال‬
‫‪1‬‬

‫من أجل ذلك هم دعاة الحروب دائما ‪ ،‬يقول سبحانه وتعالي " كلما أوقدوا نار للحرب أطفأهمما اللممه ) سممورة المممائدة‬
‫‪(64‬‬

‫غير الذين قتلوا من الرجممال والنسمماء والطفممال بعيممدا عممن ميممادين‬
‫الحممرب بالقنابممل المممدمرة ‪ ،‬وغيممر الممذين قتلمموا بتممأثير القنبلممتين‬
‫الذريتين اللممتين ألقيتمما فممي نجممازاكي وهيروشمميما ‪ ..‬بممدأت صممحافة‬
‫الحلفاء ) أي الديمقراطيات في غرب أوربا وفي امريكا ( تتكلم عن‬
‫هتلر واستعداداته الحربية والزمات التي يثيرها ) وخاصة أزمة ممممر‬
‫دانزج التي اعتممبرت الشممرارة الولممي للحممرب ( وبممدأت تكتممب عممن‬
‫النازيممة وعممن النظممم الدكتاتوريممة وعممداوتها للحريممة والديمقراطيممة‬
‫وحقوق النسان ‪ ..‬وأن علي الممديمقراطيات الممتي تشممكل " العممالم‬
‫الحممر " أن تممؤدب هممذا الطاغيممة الممذي ينممذر بشممر مسممتطير لجميممع‬
‫البشرية !‬
‫وما نريد أن نتحدث هنا عن " الحق ط في أي جانب كان ‪ ..‬فقممد‬
‫كممان كممل ممماتقوله صممحافة "العممالم الحممر " عممن هتلممر والنازيممة‬
‫الدكتاتورية حقا ‪ ،‬وكان هتلر بالفعل طاغيرة جبارا يريد إذلل العالم‬
‫وإخضاعه لسلطانه ‪ ،‬ويصدر عن جنون عنصري مرتكز علي أفضلية‬
‫الجنس الري وجدارته بممأن يحكممم العممالم كلممه ! ولكممن ممما فضممل "‬
‫الحفاء" عليه ؟ اليسوا هم ممثله طواغيت – كانوا – يحكمون العالم‬
‫كله يممومئذ ويممذلونه باسممم حضممارة " الرجممل البيممض "وجممدارته أن‬
‫يحكممم كممل شممعوب الرض ؟ وممماذا يملممك الرجممل البيممض مممن‬
‫المقومات الحقيقية التي تؤهله لممذلك السمملطان وتعلممه وقفمما عليممه‬
‫وحده ل يشاركه أحد فيه ؟‬
‫فقد كان إذن ما تقوله صحافة الحلفاء ) وإذاعتهم ( حقا بالنسممبة‬
‫للنازية وهتلر ‪ ،‬أما ما كمانوا يممدعونه لنفسممهم مممن أنهممم هممم حممماة‬
‫الحرية وحماة حقوق النسان ‪ ،‬فقد تممبين كممذبه كلممه عقممب الحممرب‬
‫مباشمرة حيمن خمرج الحلفماء منتصمرين ممن الحمرب فضمربوا بكمل‬
‫وعودهم للشعوب عرض الحائط ‪ ،‬بممل قممالوا لهممم فممي تبجممح ‪ :‬لقممد‬
‫حمينمماكم مممن النازيممة فممادفعوا ثمممن الحمايممة ‪ ..‬وثمنهمما أن يكونمموا‬
‫خاضعين لهم يدورون في فلكهم ويخدمون مصالحهم ‪.‬‬
‫علي أية حال فنحن نتتبع معالجة الصحافة والذاعة للمر ‪.‬‬
‫لقد كان المطلوب تهيئة " الرأي العام " للحممرب ‪ ،‬ولمممر آخممر ل‬
‫يقل خطرا ‪ ..‬وهو إنشاء دولة إسرائيل ‪.‬‬
‫فلتكتممب الحصممافة إذن – وجميممع وسممائل العلم المتاحممة – عممن‬
‫طغيان هتلر ‪ ،‬وعن حشيته في إبادة اليهود وتعذيبهم ‪ ..‬حتي يشحن‬
‫" الرأي العام " ويصبح مستعدا للحرب بعد أن كان ناقرا منها أشممد‬
‫النفور ‪ ..‬وحتي يعطف علي قضية اليهود بعد إذ كان كارها لهم أشد‬

‫الكره !‬
‫وشيئا فشيئا يصبح حديث الحرب أمرا عاديا ‪ ،‬بل يتحمس النمماس‬
‫للحرب ويضغطون علي حكوماتهم ان تدخل الحرب تاديبمما للطاغيممة‬
‫الممذي يسممتحق التممأديب ‪ ،‬والممذي تممرك وشممأنه خممرب الرض ودمممر‬
‫مقومات الحضارة !‬
‫وشمميئا فشمميئا يتعمماطف النمماس مممع اليهممود الممذي يعممذبهم النممازي‬
‫ويحرقهم أحياء في الفران ‪ !1‬ويصبح " الرأي العام العالمي " مهيممأ‬
‫للدعوة التي تجئ بعد ذلك بضرورة إنشاء وطن قممومي لليهممود فممي‬
‫فلسطين ‪!2‬‬
‫ثم يشتدد الحممماس حممتي تممدخل كممل دول الغممرب فممي الحممرب ‪،‬‬
‫ويشتد التعمماطف مممع اليهممود حممتي يصممبح العممرب فممي نظممر العممالم‬
‫مجرميممن إذا أبمموا أن يتنممازلوا عممن أرضممهم وديممارهم لشممعب اللممه‬
‫المختار !‬
‫‪m m m‬‬
‫ولنفرض أن المطلوب هو تفكممك روابممط السممرة ونشممر الفسمماد‬
‫الخلقي وتحريض المرأة ضد قوامه الرجل عليها ‪.‬‬
‫تبدأ الصحافة بمهاجة الزواج المبكر وذكر مضارة !‬
‫إن كل من الزوجين يكون قليل الخبرة بالجنس الخر نتيجممة عممدم‬
‫الختلط ‪ ،‬ثم قليل الخبرة بالحياة لصغر السن وقلممة التجربممة ‪ ،‬ثممم‬
‫قليل الخممبرة بتربيممة الولد ‪ ..‬الممذين يجيئون فممي أول عهممد الممزواج‬
‫فتسوء تربيتهم ! لذلك يلزم تأخير سممن الممزواج مممع إباحممة الختلط‬
‫حتي يتحقق التعارف بين الجنسين واكتساب الخبرة اللزمة للزواج‬
‫‪ ،‬ويتأخر مجئ الولد حتي تزداد الخبرة فتحسن تربيتهم !‬
‫ثم يظممل الحممديث عممن ضممرورة الختلط يلممح علممي النمماس حممتي‬
‫يتكون " رأي عام " موافق علي الختلط بعد إذا كان معارضمما لممه ‪،‬‬
‫ثم يظل الحممديث يلممح علممي النمماس حممتي يتحمسمموا لممه ‪ ،‬ثممم يظممل‬
‫الحديث يلح علي الناس حتي يبلغ لحممماس للختلط أن يتهممموا كممل‬
‫معارض له بالرجعية والتخلف والجمود والتأخر ويهممددوه بممأن عجلمة‬
‫التطور ستسحقه وتقضي عليه !‬
‫ثممم يقممال للمممرأة إن الممزواج البمماكر والنجمماب الكممثير يفسممد‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫أتضح فيما بعد أن حوادث التعذيب كانت قليلة جدا ‪ ،‬وأن الصحافة الغربية هولت فهيا تهممويل ضممخما مقصممودا لخدمممة‬
‫أهداف معينة بل تقول كاتبة ألمانية من أصل يهودي إن اليهود هم الممذين دفعمموا هتلممر دفعمما إلممي إيقمماع هممذا التعممذيب‬
‫عليهم ليستغلوه في الدعاية لقضيتهم وهي الستيلء علي فلسطين بحجة انهم شعب مشترد مضطهدا ولبد من وطن‬
‫يقول وليم كار في كتاب الحجار إن اليهود اججوا الحرب كلها من أجل إنشاء وطن لهم وكلمه في هذه النقطة فيممه‬
‫حق كثيرا‬

‫رشاقتها ! ويقتل حيويتها ! ويمنعها مممن مشمماركة الرجممل فممي إدارة‬
‫شئون المجتمع ! وتظل الصممحافة ) ووسمائل العلم الخمري ( تلممح‬
‫علي هذا المر حتي تخرج المرأة مممن فطرتهمما وتنظممر إلممي الممزواج‬
‫علي أنه قيد يعوقها ! وإلي النجمماب علممي انممه عممدو يفسممد جمالهمما‬
‫ورشاقتها ‪،‬وإلي البيت والنشغال بمه علمي أنمه إهمدار لطاقتهما بمل‬
‫إهدار لكرامتها ! وبعممد أن كممانت – كممما هممو مركمموز فممي فطرتهمما –‬
‫تفرح بصيحة الطفل لنها تحقق لرسمالتها وإثبممات لنوثتهمما المتمثلممة‬
‫في السممتعداد للحمممل والنجمماب ‪ ،‬صممارت تمقممت صمميحة الطفممل ‪،‬‬
‫وتكره البيت ‪ ،‬وحممتي إن تزوجممت تسممتخدم موانممع الحمممل لتحممافظ‬
‫علي رشاقتها ‪.‬‬
‫ثم يظل تأثير الصحافة ووسائل العلم عليهمما حممتي تممري أن مممن‬
‫حقها أن " تسممتمتع " بالحيمماة اسممتمتاعا حممرا دون أن يفممرض علممي‬
‫استمتاعها قيد خلقي أو اجتممماعي أو مممن أي نمموع ‪ ،‬فمممن حقهمما أن‬
‫تمارسع الجنس في حدود الصممداقة مممع الرجممل دون أن ينشممأ عممن‬
‫ذلك بالضرورة زواج أو أسرة ‪ ..‬ومن حقهمما أن تممؤخر الممزواج حممتي‬
‫تشبع من الستمتاع الحر ‪ ..‬ومن حقها أن تؤخر النجاب حتي تشممبع‬
‫مممن العمممل خممارج الممبيت ‪ ،‬ومممن الرشمماقة فممي الحفلت وحلبممات‬
‫الرقص ‪.‬‬
‫ويصممبح ذلممك كلممه مممن مقممررات " الممرأي العممام" النسممائي علممي‬
‫القل ‪ ،‬بل النسممائي والرجممالي كممذلك ‪ ) ..‬أي مممن مقممررات العقممل‬
‫الجمعممي ( ! ويصممبح المعممارض لممذلك هممو المجنممون البلممه ‪ ،‬وهممو‬
‫المتحجر علي أوضاع عفي الزمن عليها ول يمكن أن تعود !‬
‫‪m m m‬‬
‫ولنفرض أن المطلوب هممو ترويممج عمليممة ربويممة كعمليممة التممأمين‬
‫علممي الحيمماة ‪ .‬تظممل الصممحافة – ووسممائل العلم الخممري – نقممص‬
‫القصص عن أحوال السر التي تصيبها كوارث ‪ ،‬حتي توقظ مشماعر‬
‫الناس لهذه الحالة المنتشرة في المجتمع ) ول يذكر بطبيعة الحممال‬
‫أن تفكك السرة وتفكممك روابممط المجتمممع فممي المجتمممع الصممناعي‬
‫الرأسمالي كانت هي السممبب فممي وجممود هممذه الحالممة وانتشممارها ‪،‬‬
‫لكي ل يتنبه الناس إلي المكر الماكر المحيط بهذا الشأن مممن أولممه‬
‫إلمي آخممره ولكمي ل يتنبهموا أن الحمل الحقيقممي هممو إيجمماد التكافمل‬
‫الجتماعي سواء داخل السرة أو داخل المجتمع أو بتكليممف الدولممة‬

‫أن تقوم بكفالة من لكافل له (‪ 1‬ثم تروج الصحافة مممن جممانب آخممر‬
‫لشركات التأمين و " الخممدمات الجليلممة " والممتي تقمموم بهمما ‪ ،‬وعممن‬
‫حالمة السممر الممتي أخممذ عائلهما بنظممام التممأمين ‪ ،‬فصممارت مسممتقرة‬
‫لتهزها العاصير !‬
‫ويظل إلحاح الصحافة ووسائل العلم الخري حممتي يصممبح المممر‬
‫حقيقممة منتهيممة ل جممدال فيهمما ‪ ،‬أن التممأمين لممدي شممركات التممأمين‬
‫واجب علي كل إنسان بعيد النظر ‪ ،‬وأنه ضممرورة ل غنممي عنهمما فممي‬
‫العالم الحديث ! ول يتحدث أحد عممن الربمماح الخياليممة الممتي تربحهمما‬
‫شركات التأمين الربويممة مممن النمماس ! ول يتحممدثون عممن القسمماط‬
‫الربوية التي يدفعها المؤمنون ‪ ..‬ويصبح ذلممك كلممه أمممرا واقعمما فممي‬
‫المجتمع ‪ ،‬بل يصبح أمرا " واقعا فممي المجتمممع ‪ ،‬بممل يصممبح أمممرا "‬
‫روتينيا " يأتيه كل إنسان دون أن يفكر علي الطلق أنه كان يمكممن‬
‫أن يكون هناك بديل ‪ ،‬أو أنه يجممب أن يكممون هنمماك بممديل ‪ ..‬ويكممون‬
‫هذا هو " الرأي العام " في هذه القضية أو هو العقل الجمعي الممذي‬
‫‪2‬‬
‫يضع للناس مقررات الحياة‬
‫إذا كانت هذه هي طريقة تشممكيل " الممرأي العممام " الممذي تعتمممد‬
‫عليممه الديمقراطيممة – فممي ظاهرهمما علممي القممل – فكيممف تكممون‬
‫الديمقراطية هي حكم الشعب علي الحقية ؟‬
‫إن الرجل العادي – الذي يسمونه " رجل الشارع " كأنه ل بين له‬
‫ول انتممماءله ! – مشممغول بممأحواله المعيشممية الخاصممة عممن النظممر‬
‫الحقيقي في المور العامة وتكوين رأي مستقل فيها ‪ .‬وذلك لسبين‬
‫‪ ،‬أحدهما عام ل يختص ببيئة معينة ول زمن معيممن ‪ ،‬هممو أن الغلبيممة‬
‫الكبري من الناس ل تحب أن تشغل نفسها بالمور العامة ول تصبر‬
‫علي التعمق فيها ‪ ،‬وليس عنممدها الدوات المعيشممة علممي ذلممك مممن‬
‫نفقة وتدبر وبعد نظر وإحاطة بالسباب والنتممائج ‪ ،‬فتحممب أن تممترك‬
‫هذه المور لفئة معينة من الناس ‪ ،‬تثق فيها وتكل إليها هذه المهمة‬
‫الخطيممرة ‪ .‬والسممبب الثمماني خمماص بهممذه الديمقراطيممة الليبراليممة‬
‫بالذات ‪ ،‬أو هو في الحقيقة خاص بالجاهليات جميعا ولكنه في هممذه‬
‫الجاهلية التي يشرف اليهود علي توجيهها أشد ‪ ،‬وهو التلهية الدائمة‬
‫لرجل الشارع هذا عن أي يلتفت إلي المور العامممة بنظممر مسممتقل‬
‫وفكر متفحص ‪ ،‬عن طريق شممغله بممأمور معاشممه مممن جهممة وأمممور‬
‫لهوه و " اسممتمتاعه " مممن جهممة أخممري نقممول إن هممذا موجممود فممي‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫هذا هو النظام الكفيل بالمحافظة علي ترابط السرة وترابط المجتمع ‪ ،‬والذي يقيم " بيممت مممال " للمسمملمين يكفممل‬
‫من كان منهم في حاجة إلي كفل‬
‫إلي حد انه في العالم السلمي ذاته يحارب من يقول إن التأمين – بصورته الربوية الحاليممة – حممرام فممي ديممن اللمه ‪،‬‬
‫ويتهم بالجهل أو الجمود‬

‫الجاهليات جميعا ‪ ،‬حتي يتفممرع أصممحاب السمملطان لسمملطانهم دون‬
‫تممدخل مممن يقظممه الجممماهير ‪ ،‬الممتي قممد تممتيقظ فتطممالب بحقوقهمما‬
‫المسلوبة ‪ ،‬التي يعيش – من سمملبها – أصممحاب السمملطان ! ولكنممه‬
‫في هذه الجاهلية أشد لن اليهودية – او أن شئت قل الرأسمممالية –‬
‫تشغل الناس شغل داما بأمور المعاش لكي تربح هي ربحا الفاحش‬
‫‪ ،‬فاليوم الثلجة وغدا السيارة وبعممد غممد تغييممر السمميارة لن الجديممد‬
‫أكثر أناقة أو فيها زر إضافي ليس في السابقة ! كما تشغلهم باللهو‬
‫الدائم فاليوم السينما وغدا المسرح وبعد غممد حلبممة الرقممص وبعممده‬
‫النزهة الخلوية ‪ ..‬والليلة موعد مع الصديقة وبعدها صديقة أخري أو‬
‫حفل جنسي صاخب ‪ ..‬وهكذا ‪ ،‬لتربح الرأسمالية – أو قممل اليهوديممة‬
‫– أرباحا مركبة ‪ :‬ربح المال ‪ ،‬وربح إفساد الممييممن ‪ ،‬وربممح تلهيتهممم‬
‫عما يدور حولهم من أمور ‪ ،‬ليخطممط المخططممون وهمم فممي مممأمن‬
‫كامل من يقظة الجماهير !‬
‫إذا كان الحممال كممذلك علممي الحقيقممة فممأين هممو " الممرأي العممام "‬
‫الحقيقمممي المممذي يممموجه السياسمممة فمممي الديمقراطيمممة الليبراليمممة‬
‫الرأسمالية ؟! إنه في الحقيقة أصحاب رؤوس الموال ‪ ..‬هم الممذين‬
‫يرسمون السياسية ‪ ،‬وهم الذين يشكلون " الرأي العام عن طريممق‬
‫الصممحافة ووسممائل العلم الخممري ‪ ،‬فيصمموغونه علممي النحممو الممذي‬
‫يريدون ‪ ..‬النحو الممذي يحقممق مصممالحهم فممي النهايممة ‪ ،‬ول بممأس أن‬
‫يترك شيئا من الفتات " للشعب" حممتي ل يتحممول إلممي كلب جائعممة‬
‫تهدد المكتنزين !‬
‫حقيقة ان هناك نوابا وتمثيل نيابيا وهناك برلمان يقممول فهممي مممن‬
‫أراد كل ما يريد أن يقول‬
‫ولكن من هم النواب في حقيقة الواقع ؟‬
‫هل يتاح لي إنسممان أن يصممل إلممي البرلمممان ويمموجه المممور مممن‬
‫هناك ‪ ،‬كما هي الصورة النظرية للديمقراطية ؟‬
‫أن المعركة النتخابيممة فممي حاجممة إلممي تكمماليف ل يقممدر عليهمما إل‬
‫الغنياء من الناس ‪ ،‬ومتي كممان هممو مممن طبقممة الغنيمماء فممما الممذي‬
‫يجعلممه يفكممر فممي " طبقممة " المسمماكين ؟ إنهممم ليسمموا فممي نظممره‬
‫مساكين ! إنهم من جهة اولئك " العداء " الحاسدون لما في يممده‬
‫من النعمة ‪ ،‬الطامعون ‪ ،‬الذين يريدون أن ينهبوه وينتقصوا أرباحه !‬
‫وهم من جهة أخممري أولئك " الطفيليممون" الممذين ل يحسممنون شمميئا‬
‫ويطمعون في كل شئ " الغبياء " الذين وقف بهم غباؤهم عممن أن‬
‫يصعدوا إلي القيم التي وصلواهم إليها ‪.‬‬

‫وحقيقة إن هناك من الفقممراء ومتوسممطي الحممال مممن يرشممحون‬
‫أنفسهم وينجحون في النتخابات ‪ ..‬ولكن كيف يصلون إلي هنمماك ؟‬
‫إنه لبد من أحزاب تحملهم وتحمل عنهم عبممء المعركممة النتخابيممة‬
‫وهو عبء باهظ ‪.‬‬
‫فإذا دخل النسان الحزب فقد تغيرت أحواله كلها وأصممبح إنسممانا‬
‫أخر ‪ .‬أصبح " محترفا " في عالم السياسية ‪ ،‬وهو وحزبممه فممي أحممد‬
‫حالتين ل ثالث لهما ‪ ،‬وفي أحد مموقفين ‪ :‬إمما أن يكمون حزبمه فمي‬
‫الحكم فهو ملتزم بتأييد الحكومة في كل ما تصنع ‪ ،‬سواء كممان فممي‬
‫دخيله نفسه مقتنعا بما تفعل أو غيممر مقتنممع ‪ .‬وإممما أن يكممون حزبممه‬
‫في المعارضة – أي خارج الحكم – فهممو ملممتزم بمعارضممة الحكومممة‬
‫القائمة في كل ما تصنع ) إل أن تكون " مصلحة عامة " أي يستفيد‬
‫منها الرأسممماليون جميعمما !( سممواء كممان فممي دخيلممه نفسممه مقتنعمما‬
‫بالمعارضة أو غير مقتنع !‬
‫وهكذا تسمع صيحات ‪ :‬العدل ‪ .‬والقيم ‪ .‬والمبادئ ‪ .‬والنسانية …‬
‫إلخ من الحزب المعارض طالما هو في المعارضة ‪ ،‬فإذا وصممل إلممي‬
‫الحكم سلك ذات السلوك المذي كمان ينتقممده وينمدد بمه ممن قبممل !‬
‫وصار الدور علي الحزب المعارض – الذي كان في الحكم من قبممل‬
‫– لينتقممد مممن الحكومممة القائمممة ذات العمممال الممتي كممان يسمموغها‬
‫لنفسه وهو في الحكم ‪ ،‬ويتصايح بدعاوي النسانية والعدالة والقيممم‬
‫والمبادئ !‬
‫ومن المثلة الواقعية – المضحكة – أن حزب العمال في بريطانيا‬
‫ظل وهو في المعارضة ينادي بضرورة زيممادة أجممور العمممال ‪ ،‬فلممما‬
‫وصممل إلممي الحكممم رفممض أن ينفممذ ممما كممان يممدعو إليممه وهممو فممي‬
‫المعارضة – أو عجز عن تنفيذه ! – وسلك ذات السلوك الممذي كممان‬
‫يعيبه من قبل علي حزب المحافظين ‪ ،‬وهو تجميد الجور خوفا مممن‬
‫التضخم !‬
‫وصحيح أن هناك " أحرارا" يصلون إلي البرلمان ‪ ،‬ويقولون قمموله‬
‫الحق ‪ ،‬وينتقدون بجرأة ‪ ،‬ويطالبون بحقوق أصحاب الحقوق ‪ ،‬ولكن‬
‫كم عدد هؤلء ؟ وما وزنهم في المجالس النيابية ؟‬
‫إن القرارات تؤخذ بالصوات ‪ .‬ول ضير في المبدأ فممي ذاتممه فهممو‬
‫مبدأ عادل ‪ .‬ولكنه صالح حين يكون أصحاب الصوات من العدول ل‬
‫حين يكونون من أصحاب الهواء ‪ ،‬فأما حيممن يكونممون مممن أصممحاب‬
‫الهواء ‪ ،‬الملتزمين بالمعارضة أو الملممتزمين بالتأييممد بحكممم موقممف‬
‫الحزب الذي يتبعونه ‪ ،‬فعندئذ تضيع أصوات القلمة مممن الحممرار فمي‬

‫وسط أصوات الكثرة من المزيفين ! وتنفذ مصالح الرأسمالية كلهمما‬
‫من خلل اللعبة الهائلة ‪ ،‬لعبة الحرية والديمقراطية والتمثيل النيابي‬
‫والبرلمان ! إل الفتات الذي يتساقط في الطريق ‪ ،‬أو يسممقط عمممد‬
‫اللتلهية ‪ ،‬أو يسقط تحت الضغط الشديد !‬
‫أما " الحرية " الحقيقية التي تتيحها الديمقراطية وكأنممما أنشممئت‬
‫من أجلها ‪ ،‬فهي " الحرية الشخصية "‪ :‬حرية اللحاد وحرية الفسمماد‬
‫الخلقممي ! هنمما يلتقممي الجميممع ‪ :‬المعارضممون والمؤيممدون والشممعب‬
‫والرأسماليون ‪ ،‬والحكام والمحكومون !‬
‫إن الديمقراطية الليبراليممة تقيممد الحريممة حيممق ينبغممي أن توسممع ‪،‬‬
‫وتوسعها حيث ينبغي أن تضيق !‬
‫فحين تمس مصالح الرأسمالية فل حريممة علممي الطلق ! ويممذكر‬
‫الناس جميعا قصة مقتل كنيدي رئيس جمهورية الوليات المتحممدة ‪،‬‬
‫حين قتمل فممي عمام ‪ 1963‬م لنمه وقممف فممي طريممق مصملحة مممن‬
‫مصالح الرأسمالية ‪ ،‬ثم لعب بقضيته لعبا بحيث ل تنكشف الحقيقممة‬
‫ول يوقع علي المجرمين الجزاء !‬
‫فقممد كممانت سياسممة الرأسمممالية يممؤمئذ – أو قممل سياسممة اليهممود‬
‫المشرفين علي توجيه الجاهلية المعاصرة – هي وضع العالم علي "‬
‫حافة الحرب" من أجل تنشيط صناعة السلح وبيعممه ‪ ،‬وهممي – كممما‬
‫قلنا – من أربح الصناعات بالنسممبة إليهممم ‪ .‬ولكممن كنيممدي كممانت لممه‬
‫نظرة أخري مختلفة ‪ ،‬ينطلق فيهمما مممن مصمملحة الوليممات المتحممدة‬
‫التي هو رئيسها المنتخب لتحقيق مصالحها ‪ ..‬فقد كممان رأي كنيممدي‬
‫أن المصمملحة القوميممة للوليممات المتحممدة تقتصممي تهممدئه الحمموال‬
‫العالمية ‪ ،‬لكي يوجه النفاق إلي رفاهية الشعب المريكي بدل مممن‬
‫توجيه إلي صناعة الحرب التي ل عائد منهمما علممي الشممعب ‪ ..‬لممذلك‬
‫سعي إلممي مصممالحة التحمماد السمموفيتي والتفمماق معممه علممي تهممدئه‬
‫الحوال العالمية ‪ ،‬وخطا بالفعل خطوة نحممو إشمماعة السمملم ‪ ،‬فمممد‬
‫يده إلي خروشوف الزعيم الروسي القائم بالحكم يومئذ لفتممح بمماب‬
‫المحادثات التي تممؤدي إلممي توطيممد السمملم ‪ ،‬وخطمما خرشمموف مممن‬
‫جانبه خطوة فقبل أن يدخل في محادثات السلم ‪.‬‬
‫ورغم أن هذا كان تصرفا حكيما من وجهة النظر المريكية البحتة‬
‫‪ ،‬فضل عما فيه من إراحة أعصاب العممالم مممن الخمموف الممدائم مممن‬
‫نشوب الحرب ‪ ،‬فإن الرأسمالية المريكية ذاتها ) أو قل اليهوديممة (‬
‫لم توافق عليه لنممه ضممد مصممالحها الذاتيممة ‪ .‬لممذلك أنشممأت إضممرابا‬
‫طويل في مصانع الصلب علي سبيل النذار )مممع أن هممذا الضممراب‬

‫يضر المصمالح المؤقتمة للرأسممالية ولكنمه يمؤدي إلمي كسمب أكمبر‬
‫بالضغط علي كنيممدي ليممترك سياسممة التهممدئة الممتي كممان يقمموم بهمما‬
‫بالتفاق مع خروشوف ( فلما لم يأبه كنيممدي بالنممذار ‪ ،‬ومضممي فممي‬
‫سياسيته ‪ ،‬هددوه مرة ثانية بإضراب أخر في مصانع الصلب استمر‬
‫مدة أطول من الولي ! ولما لمم يرضمخ بعمد همذا النمذار الشمديد ‪،‬‬
‫وأصر علي السياسة التي رآها أكثر تحقيقا لصالح الشعب المريكي‬
‫– فضل عن إراحة العالم من الخوف – قرروا أنه لبممد مممن التخلممص‬
‫منه بإجراء أشد ‪ ،‬فقتلوه ! قتلوه وهممو لمس فمردا عاديمما مممن أفمراد‬
‫الشممعب ‪ ،‬بممل هممو رئيممس الجمهوريممة المنتخممب برضمما الشممعب ‪،‬‬
‫والمسممئول عممن مصممالح الشممعب المريكممي كلممه! قتلمموه ثممم لعبمموا‬
‫بالتحقيق ‪ ،‬فلم يجد رئيس الجمهوريممة المقتممول ضمممانات التحقيممق‬
‫التي تحفظ حقه – وإن كان قتيل – في أن يؤخممذ لممه القصمماص مممن‬
‫قاتله ! ولم تجد الديمقراطية كلها نفعا في إقامة العدل فممي قضممية‬
‫من القضايا الخطيرة في التاريخ الحديث‪ ..‬ومضت القصة كلها كأنها‬
‫حادث عادي ل يثير النتباه ول يستحق الهتمام ! وطوي التحقيممق ‪..‬‬
‫ولمما تصممل العدالممة إلممي غايتهمما حممتي اليمموم وقممد مضممي أكممثر مممن‬
‫عشرين عاما علي الحادث العجيب !‬
‫وتلك هي الديمقراطية حين تمس المصالح المباشرة للرأسمالية‬
‫‪.‬‬
‫وما كانت مصالح مشروعة حتي نقول إن الذي وقف في سممبيلها‬
‫كان يستحق النتقام منه بأية صورة من الصور ‪ ،‬إنما كمانت مصممالح‬
‫جشعة مجرمة ‪ ،‬تريد أن تضع العالم كلممه علممي حافممة الحممرب لكممي‬
‫تربح هي من وراء ذلك الربح الحرام ‪ ..‬وفي سبيل ذلممك تلغممي كممل‬
‫ضمممانات الديمقراطيممة وكممل " الحريممة " الزائفممة الممتي يتغنممي بهمما‬
‫الديمقراطيون !‬
‫أما حين يكون المر مختصمما بالفسمماد فهنمما الحريممة بل ضممابط ول‬
‫حساب !‬
‫حرية النسان في أن يلحد مكفولة بالقانون !‬
‫فرغم أن الدولر المريكي مكتوب عليه " ثقتنا في اللممه ‪In God‬‬
‫‪ "! we Trust‬إل أن القممانون ينممص علممي حريممة العقيممدة والحريممة‬
‫معناها أن من شاء أن يلحد ويعلن إلحاده علممي النمماس ويممدعو إلممي‬
‫اللحاد ويسخر من القيم الدينيممة كلهمما ومممن عقيممدة اللوهيممة ذاتهمما‬
‫فمن حقه أن يفعل ‪ ,.‬أل تخرج عليه ول تثريب !!‬
‫وحرية النسان في أن يفسد حرية مكفولة بالقانون !‬

‫فالسلوك الجنسي مسالة خاصممة إلممي أبعممد حممدود الخصوصممية ل‬
‫يتدخل القانون بشممأنها أي تممدخل إل فممي حالممة واحممدة هممي جريمممة‬
‫الغتصمماب لنهمما تقممع بممالكراه ل بالتفمماق ‪ .‬أممما أي علقممة – علممي‬
‫الطلق – تقع بالتفاق فل دخل للقممانون بهمما ول دخممل للمجتمممع ول‬
‫دخل لحد من الناس ‪ ..‬فسواء كانت هذه العلقة سمموية أو شمماذة ‪،‬‬
‫وسواء كانت معه فتاة لم تتزوج أو مع إمرأة متزوجممة ‪ ،‬فهممذا شممأن‬
‫الطراف أصحاب العلقة وليس شأن أجد آخر ‪..‬‬
‫والغابات والحدائق العامة مسرح لكممل ألمموان السمملوك الجنسممي‬
‫فضل عن النوادي والبيوت ‪ ..‬كلها ممماخور كممبير يعممج بالفسمماد الممذي‬
‫يحميه القانون ‪ ..‬قانون الديمقراطية !‬
‫ومن سنوات عقد في الكنيسة الهولندية عقممد " شممرعي !" بيممن‬
‫فممتي وفممتي عممي يممد القسمميس ! ومممن سممنوات اجتمممع البرلمممان‬
‫النجليزي " الموقر !" لينظر في أمر العلقممات الجنسممية الشمماذة ‪،‬‬
‫ثم قرر أنها علقات حرة ل ينبغي التدخل فممي شممأنها ‪،‬مم كممما أعلممن‬
‫أسقف كانتربري وهو رئيممس السمماقفة فممي بريطانيمما أنهمما علقممات‬
‫مشروعة !!‬
‫ومممن سممنوات كممذلك عممرض علممي المسممرح المريكممي – وفممي‬
‫التلفزيون‪ -‬مسرحية تشكل العملية الجنسممية بكاملهمما جممزءا منهمما ‪،‬‬
‫ورأي المشمماهدون – أو هممم ذهبمموا ليممروا – رجل وإمممرأة يقومممان‬
‫بالعلميممة الجنسممية أمممام أعينهممم ‪ ،‬ونقلممت الصممورة – حيممة – علممي‬
‫شاشة التلفزيون ‪.‬‬
‫ومن سنوات كذلك قام فمي التلفزيمون البريطماني حموار جنسمي‬
‫اشترك فيه عشرات من الفتيات الصغار ‪ ،‬وكان موضوع الحوار هممو‬
‫سؤالهن عن الوضع الذي يفضمملنه فممي العمليممة الجنسممية ‪ ،‬وأجممابت‬
‫الفتيات بصراحة وقحه يقشعر منهمما أبممدان الممذين فممي نفوسممهم أي‬
‫قدر من الحياء الفطري ‪ ..‬أما "المرأة " فهي تتحدث دون حياء !‬
‫ول يقممولن أحممد إن هممذه هممي المخططممات اليهوديممة ونحممن إنممما‬
‫نتحدث عن الديمقراطية !‬
‫إنه ل انفصال بين هممذه وتلممك الديمقراطيممة بتمثيلهمما البرلممماني ‪،‬‬
‫بوسائل إعلمها ‪ ،‬بقواعد " الحرية " الممتي تقمموم عليهمما ‪ ،‬هممي الممتي‬
‫تبيح ذلك كله ‪ ،‬وتجعله ضمن دائرة الحرية الشخصية ‪ ،‬وتحميه بكممل‬
‫وسائل الحماية ‪ ،‬وتعطيه الشرعية الكاملة ‪.‬‬
‫فمن أراد نظاما ليس فيه هذا كلممه فهممو علممي وجممه اليقيممن يريممد‬
‫شيئا غير الديمقراطية الليبرالية كما هي مطبقة في عممالم الواقممع ‪،‬‬

‫يريد شيئا ل واقع له بعد ‪ ،‬ول نعلم علي وجه اليقين كيف يكون !‬
‫إن الحرية التي تمنحها الديمقراطية الليبرالية هي حرية الحيمموان‬
‫‪1‬‬
‫ل حرية النسان‬
‫ولقد أراد " الثوار " الذين ثاروا في وجممه الطغيممان القطمماعي أن‬
‫حرروا " النسان" من العبودية التي كممانت تسممتذله وتهبممط بممه عممن‬
‫الوضع الذي يليق بالنسان ‪.‬‬
‫ولكن اليهودية العالمية الممتي سمميطرت علممي المجتمممع الصممناعي‬
‫منذ مولده أراد شيئا غير ذلك " فالنسان" بالذات هو عممدوها الممذي‬
‫ترهبه ‪ ،‬وعددوها الذي تريد أن تقضي عليه ‪ .‬وسممنحت لهمما الفرصممة‬
‫فحقق حلمها القديم في استحمار المميين وتسخيرهم لشعب اللممه‬
‫لمختممار ‪ ..‬فمسممخت آدميممة أولئك الدمييممن وحممولتهم إلممي أولئك‬
‫الحمير ‪..‬‬
‫فما النسان بغير عقيدة ؟‬
‫وما النسان بغير اخلق ؟‬
‫م‬
‫فأما بغير عقيممدة فقممد قممال عنهممم الخممالق تبممارك اسمممه ‪} :‬ل َهُم ْ‬
‫قُُلوب ل يْفَقهون بها ل َهم قُُلوب ل يْفَقهون بها ول َه َ‬
‫ن‬
‫ن ل ي ُب ْ ِ‬
‫صُرو َ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫َ ُ َ َِ َ ُ ْ‬
‫َ ُ َ َِ ُ ْ‬
‫م أعْي ُ ٌ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ك َ‬
‫ل أوْل َئ ِ َ‬
‫ن ب َِها أوْل َئ ِ َ‬
‫ض ّ‬
‫كالن َْعام ِ ب َ ْ‬
‫مآ َ‬
‫م‬
‫ك ُ‬
‫مأ َ‬
‫مُعو َ‬
‫ذا ٌ‬
‫ن ل يَ ْ‬
‫همم ْ‬
‫ل هُ ْ‬
‫س َ‬
‫ب َِها وَل َهُ ْ‬
‫ن )‪] {(179‬سورة العراف ‪[7/179‬‬
‫ال َْغافُِلو َ‬
‫وأما بغير أخلق ول قيم خلقية ‪ ،‬فالحيوان وحده هو الممذي يعيممش‬
‫بغير قيم خلقية لنه ليس له إلطريممق واحممد ل اختيممار لممه فيممه ‪ ،‬فل‬
‫يوصف عمله بأنه أخلقي أو غير أخلقممي ‪ ،‬إنممما يوصممف بممأنه عمممل‬
‫غريزي ‪ ،‬فإذا أكلت القطة الفأر أو أتي الكلب أنثاه في الطريممق فل‬
‫أحد يقول إن هذه أعمال غير اخلقية ! أما النسان الذي كرمه ربممه‬
‫بالنسممانية ‪ ،‬وجعممل لممه طريقيممن أثنيممن ل طريقمما واحممدا ‪ ،‬وأعطمماه‬
‫س‬
‫القدرة علي التمييز بين الطريقين واختيممار واحم‬
‫مد منهممما ‪} :‬وَن َْف م ٍ‬
‫وما سواها )‪ (7‬فَأ َ‬
‫ها )‪ (8‬قَد أ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن َز ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫كاهَمما )‪(9‬‬
‫م‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ف‬
‫وا‬
‫ق‬
‫ْ‬
‫ت‬
‫و‬
‫ها‬
‫ر‬
‫جو‬
‫ف‬
‫ها‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ َ ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ها )‪] { {(10‬سممورة الشمممس ‪ [10-91/7‬فممإنه‬
‫وَقَد ْ َ‬
‫سمما َ‬
‫خا َ‬
‫ن دَ ّ‬
‫ب َ‬
‫مم ْ‬
‫حين يرفمض القيممم الخلقيمة ‪ ،‬ويقمول عممن إقامممة الرأسممالية علممي‬
‫أساس الربح بصرف النظممر عممن كممون هممذا الربممح حلل أو حراممما ‪،‬‬
‫جائزا أوغيممر حممائز ‪ ،‬يقممول إن هممذه مسممألة اقتصممادية ل علقممة لهمما‬
‫بالخلق ! ويقممول عممن تحويممل المجتمممع كلممه إلممي ممماخور كممبير إن‬
‫الجنس مسألة " بيولوجية " ل علقة لها بالخلق ! حين يفعمل ذلمك‬
‫فإنه يفقد آدمية في الحقيقية ويصممبح مممن الممدواب ‪ ..‬بالضممبط كممما‬
‫‪1‬‬

‫سنتكلم في الفصل التالي عن الشيوعية وسنري أنها منحت الناس هذه الحرية بالذات في حين حرمت كل الحريات‬

‫يريد له شعب الله المختار !‬
‫ولقد كانت الديمقراطية وشعارات الحرية هي اللعبة الكبري التي‬
‫نفذت اليهودية العالمية عن طريقها مخططها كله ‪ 1‬واستحمرت بهمما‬
‫الميين في الغرب لحساب الشعب الشيطان‬
‫ول ينفي ذلك كله ما كسبته الشعوب في ظمل الديمقراطيمة ممن‬
‫حقوق وضمانات تحدثنا عنها من قبل ‪ ،‬وقلنا إنها – في هذا الجممانب‬
‫– تكريم للنسان وتحقيق لصفة النسانية فيه ‪.‬‬
‫فقد قلنا إن الشعوب قد نالت ذلك بنضمالها ل يالديمقراطيمة فمي‬
‫ذاتها ‪ ،‬بل كانت الديمقراطية ذاتها في جانبها السياسي ثمممرة ذلممك‬
‫النضال ‪ ،‬لكن الذي نقوله هنا عن الشياطين – مع سماحهم راضممين‬
‫أو مكرهين بهذه الحقمموق وتلممك الضمممانات – قممد أفسممدوا إنسممانية‬
‫النسممان مممن جممانب آخممر أو مممن جمموانب أخممري بحيممث أصممبحت‬
‫الخسارة في النهاية أفظع بكثير من كل كسب كسبته الشعوب ‪.‬‬
‫ولسنا نقول إن النسان كان أحسن حال فممي ظممل القطمماع قبممل‬
‫أن يحصل علي هذه الحقوق والضمممانات فممي ظممل الديمقراطيممة ‪..‬‬
‫فالجاهلية كلها انحراف وكلها خبال سواء في ذلك الطممور أو ذاك ‪..‬‬
‫ولكنا نقول إن الخير الجمزئي المذي أتمت بمه الجاهليممة الجديمدة قممد‬
‫أفسدت مقابلة كثيرا من الخير الكامن في النسممان ‪ ،‬بحيممث يضمميع‬
‫ذلك الخير الجزئي في محيط الفساد الواسع الذي ليس له قرار !‬
‫ولسنا نقول كذلك إن هذه الحقوق والضمانات ينبغي أو يجمموز أن‬
‫تلغي فممي مقابممل اسممترداد النسممان ممما فقممد مممن إنسممانيته بفسمماد‬
‫العقيدة وفساد الخلق ! كل ! فإنه إن فقممدت هممذه الحقمموق وهممذه‬
‫الضمانات فما يمكن أن يحافظ علي إنسانيته ولممو كممان علممي شممئ‬
‫من عقيدة ولو كان علي شئ من اخلق !‬
‫كل ! إن إنسانية النسان مفقودة في حالين ‪ ،‬وما يكون النسممان‬
‫في الجاهلية إنسانا بحال من الحوال !‬
‫ولكنا هنا علي رأي حال نقوم الديمقراطية الليبراليممة الرأسمممالية‬
‫كما هي مطبقة في عالم الواقع ‪ ،‬فنقول ما لها وما عليها ‪ ..‬فنقممول‬
‫إنها ليست صفحة بيضاء خالصة كما يظن الذين ينظممرون مممن بعيممد‬
‫ول ينعمون النظر ول يرون ما وراء الستار ‪.‬‬
‫ثم نقول إن الصفحة السوداء فيها قائمة السواد أكمثر بكممثير مممما‬
‫يظن الذين يأخذون المور من سطوحها ‪ ،‬فيحسبون الفسمماد جزئيمما‬
‫قابل للصلح ‪ ،‬وقابل للتعديل بوضع بعض الضوابط هنا وبعض القيم‬
‫‪1‬‬

‫ل يمنع هذا – كما سنري في الفصل القادم – أن اليهود استخدموا الشيوعية كذلك فيما بعد !‬

‫هناك ‪.‬‬
‫إنها من جهة مسرحية ضخمة تمثلها الرأسمالية وتضع لها أدوارها‬
‫وتوهم المشاهدين أن الممثلين يتحركون علممي المسممرح مممن ذوات‬
‫أنفسهم وبمقضتي إرادة ذاتيه لهم ‪ ،‬بينما هممم – كممأي ممثليممن فممي‬
‫مسرحية – يتحركممون بمقتضممي الممدور المعطممي لهممم وفممي حممدوده‬
‫المرسومة ن ل يملكون أن يتجمماوزوا المسممرح أو يتجمماوزوا دورهممم‬
‫في المسرحية المعروضممة عليممه ‪ ..‬وإل طممردوا بتهمممة الفسمماد ! أو‬
‫عوقبوا عقابمما صممارما ليكونمموا عممبرة للخريممن ‪ .‬كممما يطممارد دعامممة‬
‫الحرية الحقيقيون بتهمة الشغب والخممروج علممي القممانون وتعريممض‬
‫المن القومي للخطر ! وكما قتل كنيدي حين تجرأ جممرأة ل تليممق "‬
‫بموظف " مسئول في حضن الرأسمالية !‬
‫وهي من جهة أخري أداة ضخمة لتلف إنسانية النسممان بإعطمماء‬
‫الفساد الديني والفساد الخلقي شممريعة كاملممة ‪ ،‬وجعممل ذلممك جممزءا‬
‫أصيل من مفهوم الديمقراطية ومفهوم الحرية ‪.‬‬
‫فتحت هذا الشعار – شعار الحريممة – ظممل " النسممان " الوروبممي‬
‫يجد التشجيع المستمر علي التحلممل مممن دينممه وعقيممدته بوصممف أن‬
‫هذه أمور خاصة يتصرف فيها النسان علي مزاجممه الخمماص ‪ ،‬فمممن‬
‫شاء أن يبقي علي عقيدة ودين فليبممق ‪ ،‬علممي مسممئوليته الخاصممة ‪،‬‬
‫وليتلق السخرية الدائمة من المجتمع ومن الكتاب والمفكرين وأهل‬
‫" الفن" من قصاصين ومسرحين وإذاعيين وتلفزيونيين ورسممامي "‬
‫الكاريكاتير"فضل عن المخذلت الدائمة من حوله ‪ ،‬التي تتفنن فممي‬
‫صرفه عن الدين والعقيدة ‪ .‬ومن شاء أن يلحد فليلحد ‪ ..‬ولممن يفممق‬
‫في سبيله أحد ولن يحرج عليه أحد ‪ ،‬فتلك حريته الشخصممية ‪ .‬ولممن‬
‫يجد السخرية حممتي مممن رجممال الممدين ! إنممما يجممد منهممم محاولممة "‬
‫لطيفة ط للتفاهم معه ومحاولة " فاتره" لرده إلممي اليمممان ‪ 1‬بينممما‬
‫يجد التشجيع من جهات كثيرة في الرض !‬
‫وتحت هذا الشعار كذلك ظل يجد التشجيع المستمر علي التحلل‬
‫من أخلقه وتقاليده ‪ ،‬بوصفها كذلك أمورا شخصية ‪ ..‬فمن شمماء أن‬
‫تكون له أخلق – في مسائل الجنس بصفة خاصة – فهو حر – علي‬
‫مسئوليته الخاصة – وليتلق النقممد اللذع مممن المجتمممع كلممه ‪ ،‬الممذي‬
‫يعتبره حال شاذة تحتاج إلي علج ‪!2‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫لسنا هنا نعيب علي " رجال الدين" بقدر ما نعيب علي النظام الذي وضعهم في موضع الضعف والسممتجداء ! والممذي‬
‫شجع اللحاد وأعطاه من الشرعية ما يجعل المطالبين بالدين يشعرون أن دعوتهم هي التي ليس لها صفة الشرعية ‪،‬‬
‫فيتحدثون إلي الناس علي استحياء ! ولسنا نري مع ذلك أن الحل همو أن يعمود " لرجمال المدين " سملطانهم الكنسمي‬
‫المقيت ‪ ،‬لكن الحل أن يؤمن الناس بدين الله ويحكم الحكام بشريعة الله فيكون كل شئ في وضعه الصحيح !‬
‫الفتاة التي تبلغ الرابعة عشر في أمريكا وليمس لهما صممديق تعتمبر حالمة مرضممية يجتممع مجلممس العائلممة للنظمر فيهما‬

‫ومن شمماء أن يتحلممل فنعممم الممرأي لممه ونعممم المسمملك ! وسمميجد‬
‫التشممجيع الحافممل مممن المجتمممع والكتمماب والمفكريممن وأهممل الفممن‬
‫وأصحاب السممينما وأصممحاب المسممرح وأصممحاب الذاعممة وأصممحاب‬
‫وأهل الفن وأصحاب النوادي وأصحاب المواخير ‪ ..‬هذا بينممما توضممع‬
‫الضوابط – الصارمة أحيانا – علي سلوك النسان في كممل اتجمماه إل‬
‫هذين التجاهين بالذات !‬
‫ومن جهة ثالثة فهي لعبة اليهودية الكبري لتنفيذ مخططاتها كلهمما‬
‫مع إيهام الناس أنهم يتصرفون من تلقاء أنفسهم وحسممب رغبمماتهم‬
‫الخاصة !‬
‫فأما المصالح الرأسمالية اليهودية فتسخر لها الحزاب السياسممية‬
‫والبرلمانات و " نواب المة " ووسممائل العلم الممتي تشممكل الممرأي‬
‫العام ‪ ،‬وتقوم بعملية التزييف الكبري لفكار الناس واهتماماتهم بما‬
‫يحقق تلك المصالح في نهاية المطاف ‪ ،‬ويحقممق إنسممياب الممذهب –‬
‫معبود اليهود القديم – إلي جيوبهم وقلوبهم ‪ ،‬ويتفننون به في زيادة‬
‫سيطرتهم علي المميين ‪.‬‬
‫وأما " المصممالح " اليهوديممة الخممري المتمثلممة فممي إفسمماد عقممائد‬
‫الناس وأخلقهم ليسهل اسممتحمارهم وتسممخيرهم لمصممالح الشممعب‬
‫الشرير فهمي تتمم كاملمة ممن وراء شمعار " الحريمة " المذي تحمدثنا‬
‫عنه ‪ ،‬ومن خلل شعور الناس أن " هذه " هي الديمقراطية " !‬
‫وهكذا يضمميع الخيممر الضممئيل الممذي كسممبته "الشممعوب" بممالحقوق‬
‫والضمانات في وسط هذا الشر الهممائل الممذي يحققممه الشممرار مممن‬
‫وراء هذا النظام المخلخل الملئ بالعيوب ‪ ،‬والملئ بالثقوب !‬
‫‪m m m‬‬
‫فإذا عرضنا المر علي السلم فهناك قضيتان رئيسيان من وجهة‬
‫النظر السلمية هما محور الرتكاز في الموضمموع كلممه ‪ ،‬وهممما أداة‬
‫التقويم بالنسبة للديمقراطية أو أي مذهب آخر من المممذاهب الممتي‬
‫نناقشها في هذا الكتاب ‪ .‬هاتان القضيتان هما ‪:‬‬
‫أول ‪ :‬من المعبود ؟‬
‫ثانيا ‪.……… :‬‬
‫وقد وهنت الجاهلية المعاصرة التي يوجهها اليهود كلتمما القضمميتين‬
‫– والولي بصفة خاصممة – لغايممة فممي نفوسممهم ‪ ،‬زعمممت – بالنسممبة‬
‫للقضية الولي بصفة خاصة – أنها ليست محور الحياة النسممانية ول‬
‫ويستدعي لها الطبيب النفس للعلج !!!‬

‫مقياسها ‪ ،‬بل العكس – في زعمها – هو الصحيح ! فالنسممان أرقممي‬
‫كلما بعد عن الدين ‪ ،‬وأكثر تأخرا ورجعية كلممما اقممترب منممه ‪ ،‬علممي‬
‫أساس أن حياة الناس قد مرت ثلث مراحممل هممي السممحر والتممدين‬
‫والعلممم ‪ ،‬وأن الممدين – الممذي يمثممل المرحلممة الوسمميطة مممن حيمماة‬
‫البشرية – قد أخلي – أو ينبغي أن يخلممي – مكانممة للعلممم مممن أجممل‬
‫تقدم النسان ورقية وتحضره !‬
‫وأما القضية الثانية فقد زعمت الجاهلية المعاصرة أنممه ليممس لهمما‬
‫مقياس ثابت ! وأن النسمان ليممس لمه كيمان ثمابت أو صممورة مثلممي‬
‫يقوم بمقتضاها ‪ ،‬إنما كل عصممر لممه مقياسممه ‪ ،‬ومقياسممه هممو المممر‬
‫الواقع في ذلك العصر ! والنسان دائم التشكيل علي الصورة الممتي‬
‫يقتضيها – أو يرتضيها – العصر بل زيادة ! ومن ثم فإنسانية النسان‬
‫أمر ل يمكن أن يوضع له ميزان ثابت !‬
‫ولكن السلم يقوم المور بميممزان اللممه سممبحانه وتعممالي ‪ ،‬الممذي‬
‫أنزله ليقوم الناس بالقسط ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ب َوال ْ ِ‬
‫سل ََنا ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫ن ل ِي َُقممو َ‬
‫سل َْنا ُر ُ‬
‫}ل ََقد ْ أْر َ‬
‫معَهُ ْ‬
‫ت وَأن َْزل َْنا َ‬
‫ط{ ]سورة الحديد ‪[57/25‬‬
‫س ِ‬
‫س ِبال ِْق ْ‬
‫الّنا ُ‬
‫وميزان الله – وهو الحق – يقول إن قضممية " مممن المعبممود؟ هممي‬
‫أهم قضية بالنسبة للحياة البشرية كلهمما فممي تايخهمما كلممه ‪ ،‬وإن كممل‬
‫شئ في الحياة الدنيا – فضل عن الخرة – يتوقف علي جواب هممذه‬
‫القضية ‪ ،‬وهي كون المعبود هو اللممه ام شمميئا آخممر مممع اللممه أو مممن‬
‫دون الله ‪..‬‬
‫والجاهلية المعاصرة تغفل الحياة الخري عن عمد ‪ ،‬وتبرز الحيمماة‬
‫الدنيا وحممدها وتجعلهمما مجممال الهتمممام وموضممع التقممويم ‪ 1‬لنهمما لممو‬
‫وضعت اليوم الخر في الميزان فقد حسمممت القضممية وانتهممت مممن‬
‫أول لحظة ‪ ..‬فلن يقممول أحممد إن الممدار الخممرة سممتكون للملحممدين‬
‫الذي ينكممرون وجممود اللممه ‪ ،‬أو ينكممرون شممريعته ‪ ،‬أو يكرهممون هممذه‬
‫الشريعة ويرفضون تحكيمها في أمور حياتهم !‬
‫لذلك فإن الجاهلية المعاصرة ل تتكلم أبدا عممن اليمموم الخممر وممما‬
‫فيه من بعث ونشور وحشر وسحاب وثممواب وعقمماب ! وإن تحممدثت‬
‫عنه فعلي أنممه وهممم ل حقيقممة لممه ‪ ،‬أو قضممية "غيبيممة " ل ينبغممي أن‬
‫يشممغل بهمما نفسممه النسممان المتحضممر ‪ ،‬أو النسممان الممواقعي ‪ ،‬أو‬
‫النسان الذي يحترم عقله ‪ ،‬أوالنسان الممذي يحممترم العلممم ويعيممش‬
‫بروح علمية !!‬
‫‪1‬‬

‫بعض الكتاب يستعمل كلمة " التقييم " بدل من التقويم ليميز بين التقويم بمعني تقدير القيمة والتقويم بمعني إصلح‬
‫المعوج والصواب أن الفعل وأوي في كل المعنيين‬

‫فإذا أصبحت الحياة الدنيا هي مبلغ الناس من العلم ‪ ،‬وهممي الممتي‬
‫يتجه إليها الهتمام كلممه ‪ ،‬ضمممن المخططممون الشممريرون أن تسممير‬
‫المور كما يشتهون‪ ،‬وأن تسير السائمة من الممييممن فممي الطريممق‬
‫الذي رسمه شعب الشيطان المختار‪.‬‬
‫َ‬
‫حَياةَ الممد ّن َْيا )‪(29‬‬
‫م ي ُرِد ْ إ ِل ّ ال ْ َ‬
‫ن ذِك ْرَِنا وَل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫}فَأعْرِ ْ‬
‫ن ت َوَّلى عَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ض عَ ْ‬
‫َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫ذ َل ِ َ‬
‫ضم ّ‬
‫و‬
‫م ِ‬
‫ن َ‬
‫ن ال ْعِل ْم ِ إ ِ ّ‬
‫ن َ‬
‫م بِ َ‬
‫ك هُوَ أعْل َ ُ‬
‫مب ْل َغُهُ ْ‬
‫ك َ‬
‫سمِبيل ِهِ وَهُم َ‬
‫ل عَم ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫وا ِ‬
‫ن اهْت َم َ‬
‫ممما فِممي ال ّ‬
‫ت وَ َ‬
‫سم َ‬
‫دى )‪ (30‬وَل ِل ّمهِ َ‬
‫م بِ َ‬
‫أعْل َم ُ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫ممما فِممي الْر ِ‬
‫ل ِيجزي ال ّذين أ َساُءوا بما عَمُلوا ويج مزي ال ّمذي َ‬
‫س مَنى )‬
‫ِ‬
‫س مُنوا ِبال ْ ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ح َ‬
‫َ ْ ِ َ ِ َ َ‬
‫ِ َ‬
‫ِ َ‬
‫ََ ْ ِ َ‬
‫‪] {(31‬سورة النجم ‪[31-53/29‬‬
‫ن َ‬
‫م‬
‫ب ِ‬
‫ضم ٌ‬
‫م غَ َ‬
‫صم ْ‬
‫شمَر َ‬
‫ن الل ّمهِ وَل َهُم ْ‬
‫درا ً فَعَل َي ْهِم ْ‬
‫ن َ‬
‫ح ب ِممال ْك ُْف َرِ َ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫}وَل َك ِ ْ‬
‫م )‪ (106‬ذ َل ِ َ‬
‫عَ َ‬
‫ة‬
‫حَياةَ ال مد ّن َْيا عَل َممى ال ِ‬
‫خ مَر ِ‬
‫ب عَ ِ‬
‫حّبوا ال ْ َ‬
‫ست َ َ‬
‫ذا ٌ‬
‫ما ْ‬
‫ك ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ظي ٌ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن )‪ (107‬أوْل َئ ِ َ‬
‫ه عََلى‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫ه ل ي َهْ ِ‬
‫وَأ ّ‬
‫دي ال َْقوْ َ‬
‫ن ط َب َعَ الل ّ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ُِ‬
‫َ‬
‫م وَأوْل َئ ِ َ‬
‫ن )‪] {(108‬سممورة‬
‫م ال ْغَممافُِلو َ‬
‫م وَ َ‬
‫ك هُ م ْ‬
‫صارِهِ ْ‬
‫معِهِ ْ‬
‫س ْ‬
‫قُُلوب ِهِ ْ‬
‫م وَأب ْ َ‬
‫النحل ‪[108-16/106‬‬
‫} ل َهم قُُلوب ل يْفَقهون بها ل َهم قُُلوب ل يْفَقهون بها ول َه َ‬
‫نل‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫َ ُ َ َِ َ ُ ْ‬
‫َ ُ َ َِ ُ ْ‬
‫ُ ْ‬
‫م أعْي ُ ٌ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ب َِها أوْلئ ِ َ‬
‫ضم ّ‬
‫ك كالن َْعام ِ ب َم ْ‬
‫مآ َ‬
‫ل‬
‫ي ُب ْ ِ‬
‫مأ َ‬
‫مُعو َ‬
‫ذا ٌ‬
‫صُرو َ‬
‫ن ل يَ ْ‬
‫ل هُ م ْ‬
‫س َ‬
‫ن ب َِها وَلهُ ْ‬
‫أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ن )‪] {(179‬سورة العراف ‪[7/179‬‬
‫م ال َْغافُِلو َ‬
‫ك هُ ْ‬
‫وإذا كان الهدف الخير للشممعب الشممرير هممو اسممتحمار الممييممن‬
‫وتسخيرهم لمصالحهم وللعبودية لهم ‪ ،‬فقد وجب أن يبعدوهم بعممدا‬
‫كامل عن ذكر الخممرة ليكونمموا كالنعممام ‪ ،‬ويجعلمموا الممدنيا هممي مبلممغ‬
‫علمهممم وغايممة همهممم ‪ 1‬ليسممهل تسممخيرهم مممن جممانب العبوديممة‬
‫للشهوات ‪ ،‬وهي مصير كل إنسان يعيش بعيدا عممن الخممرة وقيمهمما‬
‫المؤدية إليها ‪:‬‬
‫ب ال ّ‬
‫ر‬
‫ن َوال َْقَنمما ِ‬
‫ت ِ‬
‫وا ِ‬
‫حمم ّ‬
‫س ُ‬
‫ن الن ّ َ‬
‫سمماِء َوال ْب َِنيمم َ‬
‫ممم ْ‬
‫شممهَ َ‬
‫}ُزّيمم َ‬
‫طي ِ‬
‫ن ِللّنمما ِ‬
‫َ‬
‫ث‬
‫ضةِ َوال ْ َ‬
‫ح مْر ِ‬
‫مَقن ْط ََرةِ ِ‬
‫مةِ َوالن ْعَممام ِ َوال ْ َ‬
‫ب َوال ِْف ّ‬
‫م َ‬
‫س مو ّ َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن الذ ّهَ ِ‬
‫خي ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫عنده حسمن ال ْمممآب )‪ (14‬قُم ْ َ‬
‫ذ َل ِ َ‬
‫م‬
‫مَتاعُ ال ْ َ‬
‫ل أؤُن َب ّئ ُك ُم ْ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا َوالل ّ ُ‬
‫ك َ‬
‫َ ِ‬
‫ه ِ ْ َ ُ ُ ْ ُ‬
‫حت ِهَمما ال َن ْهَمماُر‬
‫بِ َ‬
‫وا ِ‬
‫ري ِ‬
‫م ل ِل ّ ِ‬
‫خي ْرٍ ِ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫جّنا ٌ‬
‫عن ْد َ َرب ّهِ ْ‬
‫ن ذ َل ِك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ات َّق ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ن ِفيَها َ‬
‫َ‬
‫ن ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫وا ٌ‬
‫مط َهّ مَرةٌ وَرِ ْ‬
‫ن ِفيَها وَأْزَوا ٌ‬
‫ن الل ّمهِ َوالل ّم ُ‬
‫ج ُ‬
‫مم ْ‬
‫ضم َ‬
‫دي َ‬
‫دي َ‬
‫مّنا َفاغِْفْر ل ََنا ذ ُُنوب ََنمما وَقَِنمما‬
‫صيٌر ِبال ْعَِبادِ )‪ (15‬ال ّ ِ‬
‫بَ ِ‬
‫ن ي َُقوُلو َ‬
‫ن َرب َّنا إ ِن َّنا آ َ‬
‫ذي َ‬
‫عمم َ‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ذا َ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ن َوال ّ‬
‫ب الّنممارِ )‪ (16‬ال ّ‬
‫من ِْفِقيمم َ‬
‫ن َوال َْقممان ِِتي َ‬
‫صممادِِقي َ‬
‫ري َ‬
‫صمماب ِ ِ‬
‫َ‬
‫حارِ )‪] {(17‬سورة آل ‪[17-3/14‬‬
‫س َ‬
‫ن ِبال ْ‬
‫م ْ‬
‫َوال ْ ُ‬
‫ري َ‬
‫ست َغِْف ِ‬
‫وإذا كانت الجاهلية المعاصرة قد اغفلت ذكممر اليمموم الخممر لغايممة‬
‫في نفسممها وأبممرزت الحيمماة الممدنيا وحممدها وجعلتهمما غايممة كممل شممئ‬
‫‪1‬‬

‫من دعاء الرسول صلي الله عليه وسلم ‪ ":‬اللهم ل تجعل الدنيا مبلغ علمنا ول غاية همنا " رواه الترمذي ‪.‬‬

‫ومقياس كل شئ ‪ ،‬فنحن ل نجاري تلك الجاهلية فيما اتجهت إليممه ‪،‬‬
‫ول نقرها علي تعبيد الناس للحياة الممدنيا ‪ ،‬ولكنمما نقممول إن قضممية "‬
‫من المعبود" ؟ ليست متعلقة بالخرة وحدها وإنما هممي مممن صممميم‬
‫قضايا الحياة الدنيا ‪ ،‬وأن الجواب علي هذه القضية ل يتوقممف عليممه‬
‫مصير النسان في الخرة وحدها ‪ ،‬بل يتوقف عليه أمر وجمموده هنمما‬
‫فممي الحيمماة الممدنيا ‪ ،‬وبدرجممة أكممبر بكممثير وأخطممر بكممثير مممما يظممن‬
‫المستعبدون للمخطط الشرير من المميين المسخرين كالحمير !‬
‫إنممه بصممرف النظممر – مؤقتمما – عممن القيممم المتعلقممة بالممدين ‪،‬‬
‫المستمدة من كون المعبود الواجب العبادة هو الله سبحانه وتعمالي‬
‫وحده ل شريك ) ولنا عود إليها بعد قليل ( فممإن الجممواب علممي هممذا‬
‫السؤال الخطير ‪ " :‬من المعبود ؟ " يممترتب عليمه فممي المموقت ذاتممه‬
‫إجابة علي سؤال مهم فممي حيمماة البشممر علممي الرض وهممو ‪ " :‬مممن‬
‫المشرع ؟"‬
‫يقول التفسير المادي للتاريخ ‪ ،‬وهو هنا علي حق فيما يقول ‪ :‬إن‬
‫الممذي يملممك هممو الممذي يحكممم ‪ ،‬وإن الطبقممة الممتي تحكممم تضممع‬
‫التشممريعات الممتي تحفممظ مصممالحها ‪ ،‬ويكممون ذلممك علممي حسمماب‬
‫الطبقات الخري ‪.‬‬
‫لذلك فإن قضية "من المشرع؟ " قضممية مهمممة بالنسممبة للنمماس‬
‫علي الرض ‪.‬‬
‫وليست قضية جانبية أو ثانويممة يمكممن التغمماطي عنهمما لقمماء بعممض‬
‫المتاع الرض الزائد عن الحد ‪ ،‬كمتاع الجنس المجنون ‪ ،‬أو " متاع"‬
‫التبذل في الرض بل اخلق ‪ ،‬الذي قال الله عنه ‪:‬‬
‫ْ‬
‫ن ك َما ت َأ ْك ُم ُ َ‬
‫وى‬
‫}َوال ّ ِ‬
‫مت ُّعو َ‬
‫ل الن ْعَمما ُ‬
‫م َوالن ّمماُر َ‬
‫ن وَي َأك ُُلو َ َ‬
‫ن ك ََفُروا ي َت َ َ‬
‫مث ْم ً‬
‫ذي َ‬
‫م )‪] {(12‬سورة محمد ‪[47/12‬‬
‫ل َهُ ْ‬
‫فهو متاع الحيوان ل متاع النسان‬
‫وقضية " من المشممرع" ؟ هممي الممتي قممامت مممن أجلهمما الثممورات‬
‫التاريخية كلها حممتي هممذه اللحظممة بسممبب المظممالم الممتي تقممع مممن‬
‫المشرعين الذين يشرعون لصالحهم وصممالح الطبقممة الممتي ينتمممون‬
‫إليها ‪ ،‬فيثور المظلومون ليرفعوا هذا الظلم أو ليحاولوا رفعممة علممي‬
‫أقل تقدير ‪.‬‬
‫فإذا كانت القضية علي هذا القدر من الهمية ‪ ،‬وكان لها كل هممذا‬
‫الثر في حياة الناس علي الرض – بصرف النظر عن مصيرهم بعد‬
‫ذلك – فلننظر من المشرع الحقيقي في الديمقراطيممة الليبراليممة أو‬
‫في الحقيقة في أي جاهلية ل تحكم بما أنزل الله ‪.‬‬

‫إنهم بادئ ذي بدء بشر ‪ ،‬ثم هم بعد ذلك طبقة معينة لهمما مصممالح‬
‫معينة ل تتحقق بصورتها التي يريدونها إل علي حساب الخرين ‪.‬‬
‫كان الحاكم في القطاع هو أمير القطاعية الذي يملممك ويحكممم ‪،‬‬
‫ول معقب من البشر لحكمممة ‪ ،‬لنممه هممو السمملطة الوحيممدة ول أحممد‬
‫غيره يملك شيئا من السلطان ‪.‬‬
‫والحاكم في الديمقرطيممة الليبراليممة هممو الرأسمممالية الممتي تملممك‬
‫وتحكم ول معقب من البشر لحكمها ‪ ،‬وإن كان التشمريع – نظريما –‬
‫من حق الشعب ‪ ،‬والتعقيب نظريا في يد الشعب !‬
‫الرأسمالية – يهودية أو غير يهودية – هممي الممتي تممدير المسممرحية‬
‫كلها ‪ ،‬وهي التي تضع التشريعات للمحافظممة عممل مصممالحها ‪ ،‬علممي‬
‫حسمماب مصممالح " الشممعب" الممذي يقممع عليممه الظلممم السياسممي‬
‫والقتصادي والجتماعي في كل جاهلية من جاهليات التاريخ ‪.‬‬
‫ول ينبغي أن تخدعنا الصيحات والشعارات عن حقيقة الواقع ‪ ،‬ول‬
‫ينبغممي كممذلك أن يخممدعنا وجممود بعممض الصمموات " الحممرة " فممي‬
‫المجالس النيابية أو في الصحافة ووسائل العلم ‪ ،‬فهذا ذاتممه جممزء‬
‫من " فن " المسرحية كما أشرنا مممن قبممل ‪ ،‬لن الرأسمممالية الممتي‬
‫بيدها السلطان – يهوديممة أوغيممر يهوديممة – تعلممم أن هممذه الصمموات‬
‫المتناثرة لن تغير شيئا من الواقع ‪،‬م ولمن تحمدث تعمديل حقيقما فمي‬
‫أدوار المسرحية المرسومة ‪،‬وهي فممي المموقت ذاتممه دعايممة ضممخمة‬
‫للديمقراطية التي من خللها تتحقق كل مصالح الرأسمالية ! فكلما‬
‫ارتفعت هممذه الصمموات " الحممرة " اطمممأنت الجممماهير إلممي اللعبممة‬
‫الدائرة واستنامت لها ‪ ،‬وتركت أصحاب السلطان ينفذون من خلل‬
‫اللعبة إلي كل ما يريدون !‬
‫أما الحقوق والضمانات التي نالها الشعب فقد كممانت – كممما قلنمما‬
‫أكثر من مرة – ثمرة نضال الجماهير ولم تكن ثمرة الديمقراطيممة !‬
‫وإذا كانت الرأسمالية قد تنازلت – مكرهة – عن بعض الفتات خوفا‬
‫من ضياع الصل كله ‪ ،‬فلم يكن ذلك بفضل النظام البرلماني ذاته ‪،‬‬
‫بقدر ما كان ذلك راجعا إلي نظام الرأسمالية " الحممرة " واعتمادهمما‬
‫علي العامل الذي يتمتع بقسط محممدود مممن الحريممة ‪ ،‬لكممي تتمكممن‬
‫هممي مممن تحقيممق الربمماح الفاحشممة الممتي تحققهمما‪ ..‬ول تسممتطيع‬
‫الرأسمالية الحرة أن تزيد سلطانها أكثر مما واقع في أيممديها ‪ ..‬وإل‬
‫لفعلت ! لن الدكتاتورية الممتي تلممزم العمممال بالعمممل تحممت ضممغط‬
‫الحديممد والنممار ل يمكممن أن تتممم بصممورة جماعيممة ) أي باجتممماع‬
‫الرأسماليين كلهم بعضهم مع بعض ( لنها تحتاج بطبيعتها إلي تركيز‬

‫السلطة في يد فئة محدودة جممدا مممن النمماس ‪ ،‬وعنممدئذ ل يسممتطيع‬
‫الرأسممماليون ذاتهممم أن يوجممدوا ول أن يكممون لهممم سمملطان ‪ ،‬لن‬
‫السمملطة الممتي تسممتطيع أن تسممخر العمممال للعمممل تحممت القهممر ‪،‬‬
‫ستلتهم الرأسماليين أنفسممهم كممما حممدث فممي الدولممة الشمميوعية ‪..‬‬
‫ومن هنا تجد الرأسمالية نفسها مكرهة – للمحافظممة علممي وجودهمما‬
‫ذاته – أن تسمح بهممذا الفتممات المتنمماثرة للشممعب ‪ ،‬ويتممم ذلممك عممن‬
‫طريممق هممذا اللعممب الطريفممه ‪ .‬لعبممة الديمقراطيممة ‪ ،‬تحقممق بهمما‬
‫الرأسمالية أكبر قدر متمماح مممن الربممح ‪ ،‬وتممترك للشممعب كممثيرا مممن‬
‫المظالم وشيئا من الفتات !‬
‫الظلم هو طابع الجاهلية التي يشرع فيها البشر للبشممر بممدل مممن‬
‫أن يتحاكم البشر كلهم إلي شريعة الله !‬
‫إن المجتمع الجاهلي لبد أن ينقسم بطبيعته إلممي فئتيممن اثنممتين ‪:‬‬
‫سادة وعبيد سادة في يدهم السلطان وفممي يممدهم التشممريع وعبيممد‬
‫يقع عليهم السلطان ويقع عليهم التشريع ‪.‬‬
‫وأيا تكن طرافة اللعبمة الديمقراطيمة فهمي ل تسمتطيع أن تخفمي‬
‫هذه الحقيقة وهي أن الرأسماليين هم السممادة ‪ ،‬هممم المشممرعون ‪،‬‬
‫وأن الشعب هو العبيد الذين يقع عليهم عبء التشريع ‪.‬‬
‫حقيقة إن " العبيممد " فممي ظممل الديمقراطيممة الليبراليممة هممم فممي‬
‫أفضل وضع وجد بممه العبيممد فممي أيممة جاهليممة مممن جاهليممات التاريممخ‬
‫) بسممب طبيعممة الرأسمممالية الحممرة – كممما أسمملفنا – وعجزهمما عممن‬
‫تحقيق الربح إل عن طريق العامل الذي يتمتممع بقسممط محممدود مممن‬
‫الحرية ( إل أن هذا ل يغير حقيقة وضعهم ‪ ،‬وهو إنهممم عبيممد ‪ ..‬عبيممد‬
‫مهما امتلكوا – في المسرحية الطريفة – من " مظاهر " الحرية !‬
‫إن الحرية الحقيقة ل يمكن أن تتحقق في أية جاهلية تحكم بغيممر‬
‫ما أنزل الله ‪ 1‬لن الحكم بغير ما أنزل الله هو الممذي يقسممم النمماس‬
‫إلي " أربمماب " و " عبيممد " ! أربمماب يشممرعون وعبيممد ينفممذون ‪ .‬ول‬
‫يملك العبيد حرية حقيقية إزاء الرباب !‬
‫إن رد" الحاكميممة " للممه ‪ ،‬أي التحمماكم إلممي شممريعة اللممه وعممدم‬
‫التحاكم إلي أي شريعة أخري غير شريعة الله ‪ ،‬فضل عن كونه مممن‬
‫َ‬
‫ه‬
‫حق الله علي عباده لنه من الخصائص الخالصة لللوهيممة ‪} :‬أل َلمم ُ‬
‫َ‬
‫مُر{ ]سورة العراف ‪ [7/54‬فإنه في المموقت نفسممه هممو‬
‫ال ْ َ‬
‫خل ْقُ َوال ْ‬
‫الضمان الحقيقي لحرية البشر فممي الرض ‪ ،‬وعمدم تحويمل بعضممهم‬
‫‪1‬‬

‫الجاهلية – كما جاء استعمال اللفظ في القرآن الكريم نشأ أصل من عبادة غير الله ومن الحكم بغير ممما انممزل ويجممئ‬
‫حكم الجاهلية مقابل لحكم الله في مثل قوله تعالي ‪ ) :‬أفحكم الجاهلية يبغون ؟ ومممن أحسممن ممن اللممه حكممما القموم‬
‫يوقنون ؟! " سورة المائدة ‪50‬‬

‫إلي أرباب وأكثريتهم إلي عبيد لولئك الرباب ‪.‬‬
‫إن إخلص العبودية لله وحده‪ -‬سواء في إفراده بشعائر التعبممد أو‬
‫إفراده الحاكمية – هو الذي يغلي وجود الرباب ‪ ،‬ويحرر الناس فممي‬
‫الرض من عبودتهم ‪.‬‬
‫ما دام الله وحده هو المعبود – سواء بتقديم الشعائر له وحده أو‬
‫بتنفيذ شريعته دون كل الشممرائع – فمممن أيممن يوجممد الربمماب الممذين‬
‫يتعبدون العبيد ؟!‬
‫ل يتحرر الناس الحرية الحقيقية في الرض حين يكون الله وحده‬
‫هو الرب والناس كلهم – حكاما ومحكومين – عبيدا للممه وحممده دون‬
‫شريك ‪.‬‬
‫عندئذ فقط يولد النمماس أحممرارا ويظلممون أحممرارا إلممي أن تنتهممي‬
‫أجالهم ‪.‬‬
‫وعندئذ فقط يشعر الناس بالسممتعلء – اسممتعلء اليمممان – علممي‬
‫كل قوة في الرض بشرية كانت هذه القوة أو ماديممة أو اقتصممادية ‪،‬‬
‫لنهم يستمدون وجودهم وقوته من الله ‪ ،‬والله أكبر ‪ ..‬أكبر من كل‬
‫قوة في الوجود ‪.‬‬
‫عندئذ يحدث ما حدث في صدر السمملم ‪ ،‬والعبوديممة خالصممة للممه‬
‫وحده في كل مجال من مجالت الوجود ‪.‬‬
‫يقممف عمممر بممن الخطمماب رضممي اللممه عنممه فيقممول ‪ :‬أيهمما النمماس‬
‫اسمعوا وأطيعوا ‪ ،‬فيقف له سمملمان الفارسممي يقممول‪ :‬ل سمممع لممك‬
‫علينا اليوم ول طاعة حتي تممبين لنمما مممن أيممن لممك هممذا الممبرد الممذي‬
‫أئتزرت به !‬
‫ويتحاكم علي بن أبي طالب كرم الله وجممه إلممي القاضممي شممريح‬
‫مع اليهودي الذي سرق درعه فيسأله القاضي‪ :‬يا أميممر المممؤمنين !‬
‫هل من بينه ؟! فيقول علي كرم اللممه وجممه ‪ :‬صممدق شممريح ! مممالي‬
‫بينه ! فيحكم القاضي بالدرع لليهودي تنفيذ لشريعة الله !‬
‫ويستمتع بهذا العدل – الذي يولد الشعور بالحريممة – حممتي الممذين‬
‫لم يؤمنوا بهذا الممدين ولكنهممم اسممتظلوا بظلممه واسممتظلوا بعممدالته ‪،‬‬
‫فيرحل القبطي من مصر إلي المدينة ليشكو إلي عمرو بن العمماص‬
‫حين غلبه الشاب القبطي في السباق ‪ ..‬وهو الممذي كممان إلممي عهممد‬
‫جد قريب تلهب ظهره سياط الرومان فل يحممس بآدميممة المسمملوبة‬
‫ول يتحممرك للشممكوي ‪ ..‬ولمممن يشممكو حممتي إذا أراد ولكممن العممدل‬
‫الرباني المتمثل في شريعة الله هو الذي جعل ضممربة العصمما توجممع‬
‫الكرامة ‪ ،‬وتحرك الرجل ألوف الميال طلبا لنصفه ورفعا للظلممم ‪..‬‬

‫ويجاب الرجل إلي حقه تحقيقا لشريعة الله ‪..‬‬
‫كل ! ل تتحقق الحرية الحقيقية ول المساواة الحقيقيممة ول الخمماء‬
‫الحقيقي إل حين يكون الله وحده هو المشرع‪ ،‬ول يكون للبشر حق‬
‫التشممريع مممن عنممد أنفسممهم ‪ 1‬وكممل ممما ترفعممه الديمقراطيممة مممن‬
‫شممعارات " الحريممة والخمماء والمسمماواة " إن هممو إل شممعارات !‬
‫شعارات غير قابلة للتحقيق في عممالم الواقممع ممما دام بعممض البشممر‬
‫يشرعون وبعضهم الخر – وهم أكثرية الناس – يخضعون للتشريع ‪،‬‬
‫وما دامت القلية التي تشرع إنممما تشممرع لمصممالحها الخاصممة علممي‬
‫حساب الخرين ‪.‬‬
‫وهب كممل النمماس شممرعوا كممما تزعممم الديمقراطيممة فممي أقوالهمما‬
‫النظرية ‪ ،‬وهب كل الناس استطاعوا أن يوفقمموا – فممي التشممريعات‬
‫التي يضعونها بأنفسهم – بين مصالح الحاكمين والمحكممومين فممزال‬
‫الظلم ‪ ،‬وزالت عبودية بعمض البشمر لبعمض ‪ ،‬وهمو فمرض جمدلي ل‬
‫يمكن أن يتحقق ‪ ،‬ولم يتحقق في أي جاهلية مممن جاهليممات التاريممخ‬
‫التي تحكم بغير ما أنزل الله ‪ ،‬فهل تستقيم الحياة في الرض علممي‬
‫صورة صحيحة حين يكون البشر هم المشرعين ؟!‬
‫أليس البشر – كلهم في هذه المرة – هم الممذين شممرعوا فوضممي‬
‫الجنس ؟!‬
‫ودعممك الن مممن أن اليهوديممة الشممريرة هممي الممتي أوحممت لولئك‬
‫البشر فشرعوا ‪:‬‬
‫}وَك َذ َل ِ َ‬
‫جعَل ْن َمما ل ِك ُم ّ‬
‫ي عَمد ُوّا ً َ‬
‫حي‬
‫ن ي ُممو ِ‬
‫ش مَيا ِ‬
‫ك َ‬
‫س َوال ْ ِ‬
‫جم ّ‬
‫طي َ‬
‫ل ن َب ِم ّ‬
‫نا ِ‬
‫لن م ِ‬
‫ضه ُ ْ َ‬
‫ل غُُرورًا{ ]سورة النعام ‪[6/112‬‬
‫ض ُز ْ‬
‫خُر َ‬
‫ب َعْ ُ‬
‫ف ال َْقوْ ِ‬
‫م إ ِلى ب َعْ ٍ‬
‫دعك من هذه القضية لن خضوع الديمقراطية لليهودية الشممريرة‬
‫ليس عذرا لها فيما تفعل ‪ ،‬بل هو عيب رئيسي من عيوب وكلن خذ‬
‫الصورة الظاهرة وهي أن هذه الفوضممي تمممر بالموافقممة الجماعيممة‬
‫من الناس ‪ ،‬سواء في المجممالس النيابيممة أو فممي وسممائل العلم أو‬
‫في واقع الحياة ‪ ..‬فهل تستقيم الحياة بتلك الفوضي الجنسية الممتي‬
‫شرعها البشر ؟!‬
‫أليممس البشممر – كلهممم فممي الديمقراطيممة – هممم الممذين شممرعوا‬
‫الربا ؟!‬
‫ودعك مرة أخري من أو اليهودية الشريرة هي التي دفعت الناس‬
‫دفعا إلي تشريع الربمما ‪ ..‬فخضمموع النمماس فممي هممذا المممر لليهوديممة‬
‫‪1‬‬

‫أشرنا من قبل إلي أن اجتهاد المجتهدين في استنباط الحكام فيما ل نص فيمه يتمم بمإذن ممن اللمه ‪ ،‬وهمذا همو المذي‬
‫يعطيه شرعيته ‪ ،‬فل يعتبر تشريعا يشرعه الناس من عند انفسممهم كممما تفعممل الجاهليممات ‪ ،‬فضممل عممن كممونه محكوممما‬
‫بالصول العامة للشريعة ل يخرج عن إطارها فل يحل حراما حرمه الله ول يحرم حلل أحله الله‬

‫العالمية ليس عذرا لهم ‪ ،‬بل هو وزر يحملونه أما الله يوم القيامة ‪،‬‬
‫وهو – أو مثلة – الذي قال الله فيه عنهم ‪:‬‬
‫ذوا أ َحبارهُم ورهْبانه َ‬
‫خ ُ‬
‫ه{ ]سممورة التوبممة‬
‫}ات ّ َ‬
‫ن الل ّم ِ‬
‫م أْرَبابما ً ِ‬
‫ن ُ‬
‫ْ َ َ ْ َُ َ َُ ْ‬
‫دو ِ‬
‫مم ْ‬
‫‪[9/31‬‬
‫أي اطاعوهم في التحليل والتحريم بغير ممما أنممزل اللممه كممما قممال‬
‫‪1‬‬
‫العلماء والمفسرون في تفسير هذه الية‬
‫دعممك مممن هممذا وخممذ واقممع الحيمماة فممي الديمقراطيممة الليبراليممة‬
‫الرأسمالية ‪ ،‬تجد أن الربا يمممر بموافقممة إجماعيممة بغيممر اعممتراض ‪..‬‬
‫فهل استقامت الحياة بالربا الذي أحله البشر ؟!‬
‫أليس البشر – كلهم في الديمقراطية – هم الذين وافقوا علممي "‬
‫تحرير "‬
‫ودعك مرة ثالثة من أن اليهودية الشريرة هي التي وسممعت تلممك‬
‫القضية ولعبت بهمما لفسمماد المجتمممع البشممري كلممه ‪ ،‬فممإن اليهوديممة‬
‫الشريرة ما استطاعت أن تفعممل ذلممك إل فممي مجتمممع متفسممخ أدار‬
‫ظهره للهدي الرباني فركبتممه الشممياطين ‪ ..‬وخممذ الصممورة الظمماهرة‬
‫وهممي أن " المممرأة المتحممررة" ‪ ..‬المتحممررة مممن الممدين والخلق‬
‫والتقاليد ‪ ،‬بل من الحياء الفطري ذته ‪ ،‬تمممر بموافقممة البشممر كلهممم‬
‫ورضاهم وطلبهم للمزيد من " التحرر " ! ‪ ..‬فهل اسممتقامت الحيمماة‬
‫حين تحررت المرأة علي هذه الصورة التي شرعها البشر ؟!‬
‫وخممذ مئات مممن التشممريعات الممتي شممرعها البشممر – كلهممم فممي‬
‫الجاهلية المعاصرة – وأنظممر أثارهمما فممي حيمماتهم ‪ ،‬الحنممون والقلممق‬
‫والمراض النفسية والعصبية والنتحممار وإدمممان الخمممر والمخممدرات‬
‫والجريمة وتشرد الطفال وجنوحهم ‪ .‬إلي جممانب الفرديممة الجامحممة‬
‫وتفكك السرة وتفكك المجتمع وقتممل المشمماعر النسممانية وتحويممل‬
‫النسممان إلممي حيمموان آلممي ‪ ،‬تممدير اللممة نصممف حيمماته وتممدير بقيتهمما‬
‫الشهوات !‬
‫ذلك كله حين يشرع البشر لنفسهم ‪ ،‬ولو شرعوا كلهم مجتمعين‬
‫متناسممقين بل تظممالم ول صممراع ! ذلممك أن البشممر‪ -‬بطممبيعتهم –‬
‫يتصفون بالقصور و الجهل ‪ ،‬والعجز عن الحاطة ‪ ،‬والعجز عن رؤية‬
‫النتائج الكاملة المترتبممة فممي المسممتقبل علممي أعممماهم الحاضممرة ‪..‬‬
‫فحين يتجمماوزون الجتهمماد فيممما أذن اللممه بالجتهمماد فيممه ‪ ،2‬ويحلممون‬
‫ويحرمون بغير ما أنزل الله ‪ ،‬تقع تلممك الفوضممي الضمماربة أطنابهمما ‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫انظر ابن كثير والطبري والقرطبي وابن تميمة وغيرهم‬
‫إذن الله بالجتهاد للمؤمنين فقط لنهم أهل لذلك بإيمانهم وتوقيرهم لله وتحكميهم لشريعته ‪ ،‬أمما غيمر الممؤمنين فل‬
‫إذن لهم لنهم ل يعترفون أصل بشريعة الله‬

‫ويقع ذلك الشقاء المرير الذي يمل وحه الرض ‪.‬‬
‫وهكذا يتبين لنا أن قضية " من المعبممود ؟ " ليسممت قضممية غيبيممة‬
‫خاصة بالخرة كما يصورها الجاهليون المحدثون ‪ ،‬ولكنها – بالضافة‬
‫إلي كونها متعلقة بالخرة قضية من صميم هذه الحياة الممدنيا ‪ ،‬لنممه‬
‫يترتب عليها تقرير " "من المشممرع "؟ أي مممن واضممع منهممج الحيمماة‬
‫للناس … وأنه حين ل يكون الله هو المعبود وحده بل شريك ‪ ،‬تخيل‬
‫الحياة الدنيا بجملتها ويقع الناس في الخبال ‪.‬‬
‫فإذا قومنا الديمقراطية بهذا الميزان فيكف تكون النتيجة ؟!‬
‫الله هو المعبود في الديمقراطية الليبرالية وحده دون شممريط ؟!‬
‫أم هناك عشرات من اللهة الزائفة تعبد مع الله أو من دون اللممه ؟‬
‫وكلهما سواء ‪ .‬فإن عبدت مع الممه فهممو الشممرك ‪ ،‬وإن عبممدت مممن‬
‫دون الله فهو الكفر ‪ ..‬والشك والكفر كلهما كفر !‬
‫حقا إن هناك ألوفا من الكنائس تفتح أبوابها يوم الحممد لتسممتقبل‬
‫المصلين ودع الن جانبا ما في العقيدة الكنسية من التحريف ‪ ،‬ودع‬
‫جانبا كممذلك مئات الملييمن الممذين ل يمذهبون إلممي الصملة أصممل ول‬
‫يعترفون بوجوبها عليهم ‪ ..‬وأنظر إلي هذا المصلي الذي جاء يحضممر‬
‫الصلة بدافع من " التدين" ما رأيممه فممي الربمما ؟ ممماذا لممو قممام أحممد‬
‫يخبره أن الربا حرام ‪ ،‬ويدعوه إلي أستنقاذ أمواله من الربمما وعممدم‬
‫التعامل به في الخذ والعطاء ؟! كم تكون سخريته ؟ وكيممف يكممون‬
‫جوابه ؟ إن الجواب الوحيد الذي يرد به الغربي علممي هممذه الممدعوي‬
‫هو أن الربا مسألة اقتصادية بحتة والدين ل علقة له بالقتصاد !‬
‫وما رأيه في علقات الجنس ؟ ماذا لو قال له أحد الناس إن هذه‬
‫العلقات كلها حممرام إل الممزواج الشممرعي ‪ ،‬و دعمماه ليعممدل سمملوكه‬
‫ويعدل عن " الصدقات " التي يمارسها ‪ ..‬فممماذا يكممون جمموابه ‪ ..‬أو‬
‫جوابها لو كانت فتمماة ؟! إن الفتمماة المريكيممة تقممول بملممء فيهمما إن‬
‫الجنممس مسممألة " بيولوجيممة " ل علقممة لهمما بالممدين ول علقممة لهمما‬
‫بالخلق !‬
‫الله هو المعبممود فممي الديمقراطيممة الليبراليممة ؟ أم عشممرات مممن‬
‫اللهة المزيفة تحكم حياة الناس وتتحكم فيها ؟‬
‫الدولر إله ‪ 1‬والنتاج إله ‪ .‬والصالح القومي إله‪ .‬ولمجتمع إلممه و"‬
‫الرأي العام " إله ‪ .‬والعقل إله ‪ .‬والعلم إلمه ‪ .‬والنسمان إلمه‪ .‬واللمه‬
‫‪2‬‬
‫إله ‪ .‬و" المودة " إله والشهوات إله ‪ ..‬والهوى إله‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫يقول صلي الله عليه وسلم " تعس عبد الدرهم ‪ ،‬تعس عبد الدينار " والناس اليوم في كثير مممن أقطممار الرض عبيممد‬
‫للدولر‬
‫يقول تعالي‪} :‬أ َفَرأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه{ ]سورة الجاثية ‪.[45/23‬‬
‫وا‬
‫ه‬
‫ه‬
‫ه‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ذ‬
‫خ‬
‫ت‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ت‬
‫ي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ِ َ ُ َ ُ‬
‫َ َ َ ْ‬

‫كلها تعبد مع الله او من دون اللمه ‪ .‬وكلهمما تعطمي إجابممة حاسممة‬
‫بالنسبة للقضية الكبري في حياة النسان ‪ ،‬قضية المعبود ‪ :‬هل هممو‬
‫الله ام شئ أخر غير الله ‪..‬‬
‫كلها تقول إن المعبود في الديمقراطية الليبرالية ليس هو الله ‪.‬‬
‫‪m m m‬‬
‫أما القضية الثانية فهي قضية إنسانية النسان ‪..‬‬
‫وكما ألغت الجاهلية المعاصرة اليوم الخر من حس النمماس لكيل‬
‫تفقد شرعية وجودها من أول حظة ‪ ،‬وألغممت اليمممان بممالله لكممي ل‬
‫يعوق " مصالحها" ومخططاتها ‪ ..‬فكذلك ألغممت كممل معيممار حقيقممي‬
‫لنسانية النسان ‪ ،‬لذات الدوافع وذات السباب !‬
‫لو أقرت الجاهلية المعاصرة أن النسان يختلف عن الحيوان منممذ‬
‫البدء في أن له عقيدة واعية في الله ‪ ،‬وقدرة علممي اليمممان بممما ل‬
‫تدركه الحواس ) أي اليمان بممالغيب ( وأن أعممماله – كلهمما – تحمممل‬
‫قيمة خلقية ناشئة من أن لممه طريقيممن لطريقمما واحممدا كممالحيوان ‪،‬‬
‫وقدرة علي التمييز بين الطريقين وقدرة علممي الختيممار ‪ ،‬ومممن ثممم‬
‫يوصف عمله بأنه خيرا أو شريا ‪ ،‬بينما ل يوصف بذلك عمل الحيوان‬
‫‪..‬‬
‫ولو أقرت بذلك فكيف تبر كل ممارستها التي تقيمها علي أساس‬
‫حيوانية النسان ؟‬
‫ولو أقرت بذلك فيكيف تفعل بمخططاتها ومصالحها ؟!‬
‫كيممف يتحقممق للرأسمممالية ربحهمما الحممرام ‪ ،‬القممائم أساسمما علممي‬
‫الفصل الكامممل بيممن العمليممات القتصممادية وبيممن الممدين والخلق ؟‬
‫وكيف يتحقق لليهودية مخططها في استحمار المميين وتسممخيرهم‬
‫لشعب الله المختار ؟‬
‫كيف يتحقق للرأسمالية ربحها من الربا ‪ ،‬ومن الصناعات التافهممة‬
‫التي تميع الطابع وتفسد الخلق ‪ ،‬ومممن الحممروب الممتي تثيرهمما مممن‬
‫أجل إيجاد أسواق لتصريف فائض النتاج ؟‬
‫وكيممف يتحقممق لليهوديممة مخططهمما فممي إفسمماد الرجممل والمممرأة‬
‫وشغلهما بمقاذر الجنس عن تنشممئة أطفممال صمالحين يقومممون فممي‬
‫شبابهم بإرساء قواعد الحق والعدل وإرساء قواعد الخلق ؟ وكيف‬
‫تقوم بتفكيك روابط السرة والمجتمع ‪ ،‬وشغل البشرية كلها بجنون‬
‫الجنس وجنون السينما وجنون التليفزيون وجنممون الكممره وجنممون "‬
‫المودة " وجنون" التقاليع "‪..‬؟‬

‫كلإنها ل يمكن أن تقر بذلك ‪ ،‬ل لنه ليس حقيقة في ذاته ‪ ،‬ولكن‬
‫لن القرار به يفقدها شرعية وجودها علي التو ‪ ،‬ويضر أيممما إضممرار‬
‫بمخططاتها ومصالحها ‪.‬‬
‫وإذن فلتقل أي شئ تميع به القضية وتبعد حقيقتها عن الذهان ‪.‬‬
‫فلتقل إن الحضارة المادية هي مقياس إنسانية النسان !‬
‫فلتقل إن مقدار استهلك النسان للكهربماء همو مقيماس إنسمانية‬
‫‪1‬‬
‫النسان‬
‫فلتقمل إن " حريمة " النسمان فمي أن يفعمل كمل مما بمدا لمه همو‬
‫مقياس إنسانية النسان !‬
‫أو فلتقل إنه ل يوجد مقياس ثابت لقياس إنسانية النسان !‬
‫المهم أن تكتم الحقيقة عن الناس حتي ل يستيقظوا لحقيقتهممم ‪:‬‬
‫أنهم فقدوا نسانيتهم بالفعل ‪ ،‬وأصبحوا أولئك الحمير الذين يريممدهم‬
‫– ليركبهم – شعب الله المختار !‬
‫ولكن السلم – دين الله الحممق – يقممرر الحقيقممة ويبرزهمما ويؤكممد‬
‫عليها ‪ :‬أن النسممان خلممق إنسممانا مممن اول لحظممة ‪ ،‬وكلممف تكمماليف‬
‫النسان ‪ ،‬فحمل المانة التي اشفقت من حملها السممموات والرض‬
‫والجبال ‪ ،‬وأنه يحافظ علممي إنسممانيته طالممما ظممل حممامل للمانممة ‪،‬‬
‫ويفقدها حين يتخلى عن حملها ‪.‬‬
‫َ‬
‫ل َرب ّ َ‬
‫عم ٌ‬
‫}وَإ ِذ ْ َقا َ‬
‫ة{ ]سممورة‬
‫ض َ‬
‫خِليَف م ً‬
‫جا ِ‬
‫ملئ ِك َةِ إ ِن ّممي َ‬
‫ك ل ِل ْ َ‬
‫ل فِممي الْر ِ‬
‫البقرة ‪[2/30‬‬
‫ل َرب ّ َ‬
‫}إ ِذ ْ َقا َ‬
‫ن )‪ (71‬فَإ ِ َ‬
‫خال ِقٌ ب َ َ‬
‫ه‬
‫ملئ ِك َةِ إ ِّني َ‬
‫ن ِ‬
‫شرا ً ِ‬
‫ذا َ‬
‫سوّي ْت ُ ُ‬
‫ك ل ِل ْ َ‬
‫م ْ‬
‫طي ٍ‬
‫ن )‪] {(72‬سممورة ص‬
‫وَن ََف ْ‬
‫ن ُرو ِ‬
‫ج ِ‬
‫ت ِفي مهِ ِ‬
‫ه َ‬
‫سمما ِ‬
‫حممي فََقعُمموا ل َم ُ‬
‫خم ُ‬
‫دي َ‬
‫مم ْ‬
‫‪[72-38/71‬‬
‫}هو َأن َ َ‬
‫م ِفيَها{ ]سورة هود ‪[11/61‬‬
‫ن ال َْر‬
‫م ِ‬
‫ض َوا ْ‬
‫مَرك ُ ْ‬
‫ست َعْ َ‬
‫شأك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ُ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫مان َم َ‬
‫وا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫}إ ِّنا عََر ْ‬
‫ة عَل َممى ال ّ‬
‫ض َوال ْ ِ‬
‫سم َ‬
‫ضمَنا ال َ‬
‫ل فَمأب َي ْ َ‬
‫جب َمما ِ‬
‫م َ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫مل ْن ََها وَأ َ ْ‬
‫ن{ ]سورة الحزاب ‪[33/72‬‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫سا ُ‬
‫من َْها وَ َ‬
‫يَ ْ‬
‫مل ََها ال ِن ْ َ‬
‫ح َ‬
‫شَفْق َ‬
‫ن )‪] {(56‬سممورة الممذاريات‬
‫ما َ‬
‫س إ ِل ّ ل ِي َعْب ُم ُ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫خل َْق ُ‬
‫}وَ َ‬
‫لنم َ‬
‫دو ِ‬
‫ج ّ‬
‫ن َوا ِ‬
‫‪[51/56‬‬
‫خذ َ َرب ّ َ‬
‫م وَأ َ ْ‬
‫م عََلممى‬
‫}وَإ ِذ ْ أ َ َ‬
‫م ِ‬
‫ك ِ‬
‫ن ب َِني آد َ َ‬
‫شممهَد َهُ ْ‬
‫م ذ ُّري ّت َهُ ْ‬
‫ن ظ ُُهورِهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َأنُفسه َ‬
‫م َقاُلوا ب ََلى َ‬
‫شهِد َْنا{ ]سورة العراف ‪[7/172‬‬
‫م أل َ ْ‬
‫ت ب َِرب ّك ُ ْ‬
‫س ُ‬
‫ِ ِ ْ‬
‫ْ‬
‫}قُل َْنا اهْب ِ ُ‬
‫ي‬
‫م ِ‬
‫ج ِ‬
‫طوا ِ‬
‫ن ت َب ِمعَ هُ م َ‬
‫مّني هُ ً‬
‫من َْها َ‬
‫دى فَ َ‬
‫ما ي َأت ِي َن ّك ُ ْ‬
‫ميعا ً فَإ ِ ّ‬
‫دا َ‬
‫مم ْ‬
‫ن ك ََف مُروا وَك َمذ ُّبوا ِبآَيات ِن َمما‬
‫َفل َ‬
‫خو ْ ٌ‬
‫ن )‪َ (38‬وال ّ ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫م َول هُ ْ‬
‫ف عَل َي ْهِ ْ‬
‫ذي َ‬
‫أ ُول َئ ِ َ َ‬
‫ن )‪] {(39‬سممورة البقممرة ‪-2/38‬‬
‫م ِفيَها َ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫ب الّنارِ هُ ْ‬
‫كأ ْ‬
‫ْ‬
‫‪1‬‬

‫" في كتاب " في النفس والمجتمع ‪ ،‬فصل بعنوان " حضارة الكيلو واط "!‬

‫‪[39‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫وا َ‬
‫جوَر َ‬
‫وا َ‬
‫ها )‪ (8‬قَد ْ أفْل َ َ‬
‫مَها فُ ُ‬
‫ما َ‬
‫ح َ‬
‫ها )‪ (7‬فَأل ْهَ َ‬
‫س وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ها وَت َْق َ‬
‫س ّ‬
‫}وَن َْف ٍ‬
‫َز ّ‬
‫ها )‪] { {(10‬سممورة الشمممس ‪-91/7‬‬
‫ها )‪ (9‬وَقَد ْ َ‬
‫سمما َ‬
‫كا َ‬
‫خا َ‬
‫ن دَ ّ‬
‫ب َ‬
‫م ْ‬
‫‪[10‬‬
‫ش مرِ ُ‬
‫كوا ب ِمهِ َ‬
‫ه َول ت ُ ْ‬
‫ذي‬
‫سممانا ً وَب ِم ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫}َواعْب ُم ُ‬
‫ح َ‬
‫دوا الل ّم َ‬
‫ش مْيئا ً وَِبال ْ َ‬
‫وال ِمد َي ْ ِ‬
‫جمماِر‬
‫كي‬
‫كي‬
‫سا ِ‬
‫سا ِ‬
‫جارِ ِذي ال ُْقْرب َممى َوال ْ َ‬
‫ن َوال ْ َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ن َوال ْ َ‬
‫مى َوال ْ َ‬
‫ال ُْقْرَبى َوال ْي ََتا َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫هل‬
‫صا ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ب ِبال ْ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مان ُك ُ ْ‬
‫ت أي ْ َ‬
‫مل َك َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ل وَ َ‬
‫جن ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ب َوال ّ‬
‫جن ُ ِ‬
‫سِبي ِ‬
‫ب َواب ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫خورا ً )‪] {(36‬سورة النساء ‪[4/36‬‬
‫خَتال ً فَ ُ‬
‫م ْ‬
‫يُ ِ‬
‫كا َ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫ب َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ن َوال ّ‬
‫}ال ّ‬
‫ري َ‬
‫من ِْفِقيممم َ‬
‫ن َوال َْقمممان ِِتي َ‬
‫صمممادِِقي َ‬
‫ري َ‬
‫سمممت َغِْف ِ‬
‫صممماب ِ ِ‬
‫َ‬
‫حارِ )‪] {(17‬سورة آل ‪[3/17‬‬
‫س َ‬
‫ِبال ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪(2‬‬
‫م َ‬
‫خا ِ‬
‫ن )‪ (1‬ال ّم ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ش مُعو َ‬
‫من ُممو َ‬
‫}قَد ْ أفْل َ َ‬
‫صمملت ِهِ ْ‬
‫ن هُ م ْ‬
‫ح ال ْ ُ‬
‫م فِممي َ‬
‫ذي َ‬
‫ن )‪(4‬‬
‫م ِللّزك َمماةِ فَمما ِ‬
‫ن )‪َ (3‬وال ّ ِ‬
‫َوال ّ ِ‬
‫عُلو َ‬
‫ضو َ‬
‫معْرِ ُ‬
‫ن هُ ْ‬
‫ن الل ّغْوِ ُ‬
‫ن هُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م عَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫حافِ ُ‬
‫ت‬
‫ذي‬
‫َوال ّ ِ‬
‫ظو َ‬
‫م َ‬
‫مل َك َم ْ‬
‫ممما َ‬
‫م أو ْ َ‬
‫جه ِ م ْ‬
‫ن )‪ (5‬إ ِل ّ عَل َممى أْزَوا ِ‬
‫جه ِ ْ‬
‫م ل ُِفُرو ِ‬
‫ن هُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ك فَمأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ن اب ْت َغَممى وََراَء ذ َل ِم َ‬
‫م‬
‫مُلو ِ‬
‫ك هُ م ْ‬
‫ن )‪ (6‬فَ َ‬
‫م غَي ُْر َ‬
‫م فَإ ِن ّهُ ْ‬
‫مان ُهُ ْ‬
‫أي ْ َ‬
‫مم ْ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن )‪َ (8‬وال ّم ِ‬
‫ن )‪َ (7‬وال ّ ِ‬
‫م َراعُممو َ‬
‫دو َ‬
‫ال َْعا ُ‬
‫ن هُ م ْ‬
‫م وَعَهْدِهِ ْ‬
‫ماَنات ِهِ ْ‬
‫مل َ‬
‫ن هُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫حافِ ُ‬
‫ن )‪ (9‬أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ن‬
‫ن )‪ (10‬ال ّ ِ‬
‫ن ي َرُِثو َ‬
‫وارُِثو َ‬
‫ظو َ‬
‫م يُ َ‬
‫ك هُ ْ‬
‫وات ِهِ ْ‬
‫عََلى َ‬
‫ذي َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫صل َ َ‬
‫ن )‪] {(11‬سورة المؤمنون ‪[11-23/1‬‬
‫م ِفيَها َ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫س هُ ْ‬
‫ال ِْفْرد َوْ َ‬
‫ش وَإ ِ َ‬
‫م‬
‫وا ِ‬
‫ممما غَ ِ‬
‫}َوال ّم ِ‬
‫جت َن ِب ُممو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ض مُبوا هُ م ْ‬
‫ذا َ‬
‫ح َ‬
‫ن ك َب َممائ َِر ال ِث ْمم ِ َوال َْف م َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن )‪َ (37‬وال ّم ِ‬
‫س مت َ َ‬
‫ي َغِْف مُرو َ‬
‫نا ْ‬
‫مُرهُ م ْ‬
‫صمملةَ وَأ ْ‬
‫م وَأقَمما ُ‬
‫جاُبوا ل َِرب ّهِ م ْ‬
‫موا ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫شورى بينهم ومما رزقْناهُم ينفُقون )‪ (38‬وال ّذين إ َ َ‬
‫ي‬
‫ََُْ ْ َ ِ ّ َ َ َ ْ ُْ ِ‬
‫َ‬
‫صاب َهُ ْ‬
‫ذا أ َ‬
‫م ال ْب َْغمم ُ‬
‫ُ َ‬
‫َ ِ َ ِ‬
‫ن )‪] {(39‬سورة الشورى ‪[39-42/37‬‬
‫م ي َن ْت َ ِ‬
‫صُرو َ‬
‫هُ ْ‬
‫ن‬
‫ميَثمماقَ )‪َ (20‬واّلمم ِ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫}اّلمم ِ‬
‫ضممو َ‬
‫ن ب ِعَْهممدِ الّلممهِ َول َينُق ُ‬
‫ن ُيوُفممو َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صم َ‬
‫خ َ‬
‫سمموَء‬
‫م وَي َ َ‬
‫ل وَي َ ْ‬
‫يَ ِ‬
‫خمماُفو َ‬
‫ش مو ْ َ‬
‫ه ب ِمهِ أ ْ‬
‫صُلو َ‬
‫ن ُ‬
‫ن َرب ّهُ م ْ‬
‫مَر الل ّم ُ‬
‫ما أ َ‬
‫ن َ‬
‫ن ُيو َ‬
‫ب )‪] {(21‬سورة الرعد ‪[21-13/20‬‬
‫ال ْ ِ‬
‫ح َ‬
‫سا ِ‬
‫}قُم ْ‬
‫ن)‬
‫ب ال ْعَممال َ ِ‬
‫سم ِ‬
‫ممماِتي ل ِل ّمهِ َر ّ‬
‫م ْ‬
‫ل إِ ّ‬
‫صمملِتي وَن ُ ُ‬
‫م َ‬
‫حي َمماي وَ َ‬
‫كي وَ َ‬
‫ن َ‬
‫مي َ‬
‫ري َ‬
‫‪ (162‬ل َ‬
‫ه{ ]سورة النعام ‪[163-6/162‬‬
‫ك لَ ُ‬
‫ش ِ‬
‫هذا هو النسان ‪ .‬وهذا مقياس إنسانيته ‪.‬‬
‫إنه ليس حيوانا ‪ .‬إنما هو إنسان من أول لحظة ‪ .‬ومهمته محممددة‬
‫من أول لحظة ‪ .‬إنه الخليفة في الرض ‪ ،‬المسيطر فيها ‪ ،‬المهميممن‬
‫عليها ‪ ،‬القائم بعمارتها ‪ ،‬ولكن يمقتضممي المنهممج الربمماني المسممتمد‬
‫من الهممدي الممذي يتنممزل مممن عنممد اللممه لتنظيممم حيمماة البشممر علممي‬
‫الرض ‪ ،‬وضبطها بالضوابط الصحيحة لتقسيم وتلك هي " المانممة "‬
‫التي حملها النسان وأشفقت من حملها بقيممة الخلئق الممتي تخضممع‬
‫لمر الله بالقهر ول تقمموم بعمممل إرادي ‪ ،‬أممما النسممان الممذي وهممب‬

‫الرادة والدراك والقدرة علممي العمممل والنشمماء والتعميممر والقممدرة‬
‫علي الختيار ‪ ،‬فهمهمته – أو المانة الملقاة علي عاتقه – هي عبادة‬
‫الله طوعا – وتعميممر الرض بمقتضممي منهممج اللممه ‪ ،‬وهممو " إنسممان"‬
‫طالما هو قائم بهذه المانة ‪ ،‬أي عابد لله وحده بل شريك ‪ ،‬ومعمممر‬
‫للرض بمقتضي المنهج الرباني المتمثل في الحكم بما أنممزل اللممه ‪،‬‬
‫واللتزام بما جاء من عند اللممه ‪ ،‬ومواصممفاته – أو ضمموابط إنسممانيته‬
‫ومعاييرها – هي هذه الصفات الواردة في اليممات مممن خشمموع فممي‬
‫الصلة وإعراض عن اللغو ‪ ،‬وأداء للزكاة ‪ ،‬وضبط لشهوة الجنممس ‪،‬‬
‫ورعاية للمانة والعهد ‪ ،‬وصممبر وصممدق وقنمموت وإنفمماق واسممتغفار ‪،‬‬
‫ومغفرة عند الغضب ‪ ،‬وقتال ضد البغي ‪ ..‬إلخ ‪ ..‬إلخ‬
‫هذا مقياس ثابت لنسانية النسان ل يطرأ عليه التغيير ‪.‬‬
‫وحقيقة أن هناك متغيممرات كممثيرة فممي حيمماة البشممرية تنشممأ مممن‬
‫التفاعل الدائم بيممن العقممل البشممري والكممون المممادي ‪ ،‬واسممتخلص‬
‫طاقات الكون وتسخيرها لمصمملحة النسممان ‪،‬لكممن هممذه المتغيممرات‬
‫كلها ل تغير القيم الثابتة التي تحكممم حيمماة النسممان ‪ ،‬بممل ينبغممي أن‬
‫يحكم الثابت المتغيمر لكمي تسمتقيم الحيماة علمي الرض ول تنفلمت‬
‫المور من عقالها فيصيب البشرية الخبل والضطراب ‪.‬‬
‫فهذه الطاقات أول مسخرة من عند الله للنسان‬
‫ت وممما فِممي ال َ‬
‫ه{‬
‫ر‬
‫سم ّ‬
‫ميعما ً ِ‬
‫ج ِ‬
‫ض َ‬
‫ممما فِممي ال ّ‬
‫}وَ َ‬
‫من ْم ُ‬
‫وا ِ َ َ‬
‫سم َ‬
‫م َ‬
‫خَر ل َك ُم ْ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫]سورة الجاثية ‪[45/13‬‬
‫والجهد الذي يقمموم بممه النسممان لتحقيممق هممذا التسممخير والدوات‬
‫التي يستخدمها هي من عند الله كذلك‪:‬‬
‫طو ُ‬
‫جع َ م َ‬
‫ن َ‬
‫م‬
‫ه أَ ْ‬
‫م ِ‬
‫شمْيئا ً وَ َ‬
‫مممو َ‬
‫خَر َ‬
‫ل ل َك ُم ْ‬
‫م ل ت َعْل َ ُ‬
‫مَهات ِك ُ ْ‬
‫نأ ّ‬
‫جك ُ ْ‬
‫}َوالل ّ ُ‬
‫ن بُ ُ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ن )‪] {(78‬سممورة النحممل‬
‫ش مك ُُرو َ‬
‫ال ّ‬
‫صمماَر َوالفْئ ِد َةَ ل َعَل ّك ُم ْ‬
‫سم ْ‬
‫معَ َوالب ْ َ‬
‫‪[16/78‬‬
‫والشكر يقتضممي اسممتخدام هممذه الطاقممات كلهمما بمقتضممي أوامممر‬
‫المنعم الوهاب ‪.‬‬
‫هذا من جهة ‪ ،‬ومن جهة أخري فإن استخدام هذه الطاقات يغيممر‬
‫" الصممورة " الممتي يحيمما بهمما النسممان علممي الرض ولكنممه ل يغيممر "‬
‫الجوهر" النساني من حيث تكوينه الصيل ول من حيث مهمته فممي‬
‫الرض ‪ ،‬ومن ثم ل تتحكم الصمورة المتغيمرة فمي الجموهر الثمابت ‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫إنما يتحكم الجوهر الثابت في الصورة المتغيرة علي الدوام‬
‫يقول " رينيه دوبو" في كتاب " إنسانية النسان "‬
‫‪1‬‬

‫أنظر – إن شئت – تفصيل لهذه القضية في كتاب " التطور والثبات في حياة البشرية "‬

‫عاش رجل " كروماجنون ‪ "Cro-magnon‬في أكثر إنحاء أوربا قبل‬
‫حوالي ثلثين ألف سمنة ‪ ،‬قبممل قيمام الزراعممة وحيمماة القريممة بفممترة‬
‫طويلة ‪ ،‬ومع أنه كان صيادا بصورة رئيسممية ‪ ،‬فقممد كممان – علممي ممما‬
‫يظهر – مشابها لنا جسممما وعقل ‪ .‬فممأدواته وأسمملحته تناسممب حجممم‬
‫أيدينا الن ‪ .‬وفنممه فممي كهمموفه يممثير مشمماعرنا ‪ ،‬والعنايممة الممتي كمان‬
‫يوليها لدفن موتاه تكشف أنه شاركنا بشكل ما في الهتمممام بنهايممة‬
‫النسان وأخرته ‪ ،‬وكل أثر مدون مممن أثممار إنسممان ممما قبممل التاريممخ‬
‫يوفر شواهد أخممري للفكممر القائلممة إن الخممواص الساسممية للجنممس‬
‫‪1‬‬
‫البشري لم تتغير منذ العصر الحجري‬
‫وهكذا ل يتغير جمموهر النسممان بتغيممر الصممورة الممتي تكممون عليهمما‬
‫حياته ‪ ،‬ومن ثم ل تتغير كذلك ضوابطه ومعاييره ‪.‬‬
‫وحقيقة إن التقدم العلمية والمادي والتكنولوجي هممو ذاتممه معيممار‬
‫من معمايير " النسمان" ‪ ..‬فقمد أنشمأ اللمه النسمان ليعممر الرض ‪،‬‬
‫وسخر له ما في السموات وممما فممي الرض ليقمموم بعلميممة التعيمممر‬
‫فإن تواني في ذلك أو تقاعس فهو مقصممر فممي جممانب مممن جمموانب‬
‫إنسانية ‪ ،‬ولكن هذا المعيار ليس هو المعيار الوحد ‪ ،‬ول هو المعيممار‬
‫الول ‪ ،‬إنما يأتي في مكانة الطبيعي بعد تقرير المبادئ والقيم التي‬
‫تتوقف عليها إنسانية النسان ‪ ،‬والفارق بينه وبين المعممايير الخممري‬
‫– معممايير القيممم والمبممادئ – أن القيممم والمبممادئ يمكممن أن تشممكل‬
‫إنسممانا ولممو كممان ناقصمما فممي جممانب التقممديم العلمممي والمممادي‬
‫والتكنولوجي ‪ ،‬فهو " إنسان " ولكممن ينقصممه جممانب مممن الجمموانب‬
‫ينبغممي عليممه اسممتكماله ليسممتكمل إنسممانيته ‪ ،‬أممما التقممدم العلمممي‬
‫والمادي والتكنولوجي – بغير قيم ومبادئ – فل يشكل إنسممانا علممي‬
‫الطلق !‬
‫ومصداق ذلك هو " إنسان " القرن العشممرين ! الممذي هممو أقممرب‬
‫‪2‬‬
‫شئ إلي إنسان الغاب "‬
‫إنممه فممي قمممة التقممدم العلمممي والمممادي والتكنولمموجي ‪ ..‬ولكنممه‬
‫بمقياس النسانية هابط إلي الحضيض !‬
‫‪m m m‬‬
‫إذا قومنا الديمقراطية الليبراليممة بالمعيممارين يقمموم بهممما السمملم‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫ص ‪ 71‬من الترجمة العربية ‪ ،‬تعريب الدكتور نبيل صبحي الطويل ‪ ،‬الطبعة الولي عام ‪1399‬هم م مؤسسة الرسمالة ‪،‬‬
‫بيروت و " رينيه دوبو " استاذ بجامعة روكفلر بنيويورك متخصص في علم الحياة ‪ ،‬حصل علي جائزة نوبل في العلمموم‬
‫عام ‪ 1976‬والذي يعطي شهاته قيمتها أنه يدلي من زاوية علمية بحتة ل فلسفية ول أدبية ول دينية !‬
‫إنسان الغاب اسم اصطلحي لنوع مممن القممردة يعممرف علميمما باسممم " الورانممج اوتممان " وسمممي إنسممان الغمماب لنممه‬
‫يستطيع أن يقف مددا طويلة منتصب القامة كالنسان ولكنه قرد وليس بإنسان‬

‫حيمماة البشممر علممي الرض ‪ ،‬وهممما قضممية العبممادة وقضممية إنسممانية‬
‫النسان ‪ ،‬فماذا تكون يا تري حصيلتها في الميزان ؟!‬
‫فأما العبمماد فقممد تممبين لنمما أنممه ليممس اللممه هممو المعبممود فممي تلممك‬
‫الديمقراطية إنما هو الشيطان ‪ ،‬وحيثممما ل يكممون اللممه هممو المعبممود‬
‫فالمعبود هو الشيطان وإن تعددت السبل وتعددت المسميات‬
‫}أ َل َم أ َعْهد إل َيك ُم يا بِني آد َ‬
‫شي ْ َ‬
‫دوا ال ّ‬
‫م عَمد ُّو‬
‫طا َ‬
‫ن ل ت َعْب ُ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫َ ْ ِ ْ ْ َ َ‬
‫َ َ‬
‫ه ل َك ُم ْ‬
‫ن إ ِن ّم ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫صَرا ٌ‬
‫دوِني هَ َ‬
‫م )‪] {(61‬سورة يممممس‬
‫ذا ِ‬
‫ن اعْب ُ ُ‬
‫ن )‪ (60‬وَأ ْ‬
‫م ْ‬
‫ست َِقي ٌ‬
‫ط ُ‬
‫ُ‬
‫مِبي ٌ‬
‫‪[61-36/60‬‬
‫َ‬
‫سب ُ َ‬
‫ن هَ َ‬
‫م‬
‫صَرا ِ‬
‫ذا ِ‬
‫}وَأ ّ‬
‫ست َِقيما ً َفات ّب ُِعوهُ َول ت َت ّب ُِعوا ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ل فَت ََفّرقَ ب ِك ُ ْ‬
‫طي ُ‬
‫ه{ ]سورة النعام ‪[6/153‬‬
‫سِبيل ِ ِ‬
‫ن َ‬
‫عَ ْ‬
‫ن‬
‫مُنوا ي ُ ْ‬
‫ت إ ِل َممى الن ّممورِ َوال ّم ِ‬
‫ممما ِ‬
‫م ِ‬
‫ي ال ّ ِ‬
‫خرِ ُ‬
‫ن الظ ّل ُ َ‬
‫جه ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫}الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه وَل ِ ّ‬
‫َ‬
‫م الط ّمما ُ‬
‫ت{‬
‫ت يُ ْ‬
‫ممما ِ‬
‫م ِ‬
‫خرِ ُ‬
‫ن الن ّممورِ إ ِل َممى الظ ّل ُ َ‬
‫جممون َهُ ْ‬
‫غو ُ‬
‫ك ََفمُروا أوْل ِي َمماؤُهُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫]سورة البقرة ‪[2/257‬‬
‫والطاغوت هو كل شئ أو شخص أو نظام يعبد الناس لغير الله ‪،‬‬
‫أو يتعبده الناس من دون الله ‪ ،‬وعبادته فرع عن عباده الشيطان ‪.‬‬
‫وأما إنسانية النسان فأين هي علممي وجممه التحديممد فممي الدوامممة‬
‫الوحشية التي يعيش فيها النسان الجاهلي المعاصر ؟‬
‫هممي فممي مبممادة الجنممس المتدنيممة إلممي أدنممي مممن بعممض أنممواع‬
‫الحيوان ؟‬
‫أهي في إدمان الخمر والمخدرات ؟‬
‫أهي في الجريمة التي تتزايد نسبتها علي الدوام ؟‬
‫أهي في تفاهة الهتمامممات والبحممث الممدائم عممن المتمماع الحسممي‬
‫الغلي؟‬
‫أهي في العبودية لللة التي أصبحت هي الممتي تتحكممم فممي حيمماة‬
‫النسان؟‬
‫أهي في شريعة الغاب ‪ :‬القوة هي الحق ‪ ،‬والقوي يأكل الضعيف‬
‫؟‬
‫أهممي فممي المواثيممق الممتي تممبرم لتنقممض والعهممود القائمممة علممي‬
‫الخداع ؟‬
‫أهي في هذا المسخ المشوة الذي فقد إشممراقه الممروح وعاطفممة‬
‫النسان ؟‬
‫حقا ‪ ..‬هناك الضمانات والحقوق التي ترتبط اليوم بالديمقراطيممة‬
‫وتشكل جانبا بارزا من جوانبها ‪ ..‬ول شممك – كممما قلنمما – أنهمما تمثممل‬
‫نقله كبيرة انتقلها " النسان" في مسميرته التاريخيمة علمي الرض ‪،‬‬

‫ولكن الشر الذي يحيط بهذا الخير الجممزئي ‪ ،‬هممو فممي الديمقراطيممة‬
‫الليبرالية من الضخامة بحيث يذهب في النهاية بكثير مممن نفممع هممذا‬
‫الخير ‪ ،‬لنه يدمر " النسان " كله في نهاية المطمماف ‪ ،‬فل يجممدي –‬
‫حين يسقط النسان كله إلي الحضيض – أننا كنا قد رفعنا جانبا مممن‬
‫حياته إلي المستوي اللئق بالنسان !‬
‫وليس معني ذلك أننا ننقص من قيمممة تلممك الضمممانات والحقمموق‬
‫بحال من الحوال ‪ ،‬إنما الذي نعنيه أنها تكون في وضعها الطبيعي ‪،‬‬
‫وتتحول إلي خير شامل ‪ ،‬حين يكون النسان بكاملة علي مسممتوى‬
‫النسممان ‪ ..‬وهممو ممما عجممزت تلممك الديمقراطيممة عجممزا فاضممحا مممن‬
‫تحقيقه ‪ ،‬أو قل إن شئت إنه لم يرد لها أن تحققممه منممذ البممدء ‪ ،‬لن‬
‫تحقيقممه ل يمكممن الجاهليممة الرأسمممالية مممن الوجممود فضممل عممن‬
‫التضخم ‪ ،‬ول يمكن شممعب اللممه المختممار مممن ركمموب المميممن كممما‬
‫يشتهون !‬
‫هناك وضع واحد تتحقق فيه كل الضمانات والحقوق الممتي جمماءت‬
‫بها الديمقراطية علي المستوي الرفع ‪ ،‬مع المحافظة الكاملة علي‬
‫إنسانية النسان ‪.‬‬
‫ذلك حين يكون النسان عابدا لله ‪ ،‬مطبقا لشريعة الله ‪ ،‬أي حين‬
‫يحقق النسان السلم ! عندئذ تتحقممق الكرامممة الحقيقيممة للنسممان‬
‫وتتحقق له كل الحقوق والضمانات التي وهبها الله للنسان لتتحقق‬
‫له كرامته في واقع الرض ‪.‬‬
‫يقول الله سبحانه وتعالي ‪:‬‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫م ِفي ال ْب َمّر َوال ْب َ ْ‬
‫م وَ َ‬
‫مَنا ب َِني آد َ َ‬
‫ح مرِ وََرَزقْن َمماهُ ْ‬
‫مل َْناهُ ْ‬
‫ح َ‬
‫}وَل ََقد ْ ك َّر ْ‬
‫مم ْ‬
‫ضمميل ً )‪] {(70‬سممورة‬
‫ن َ‬
‫خل َْقن َمما ت َْف ِ‬
‫م عََلى ك َِثي مرٍ ِ‬
‫الط ّي َّبا ِ‬
‫ت وَفَ ّ‬
‫م ّ‬
‫ضل َْناهُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫السراء ‪[17/70‬‬
‫ويقول الرسول ‪ " : e‬أيها الناس إن دماءكم وأموالكم واعراضكم‬
‫عليكم حرام ‪…1‬‬
‫فيقرر الله أصممل الكرامممة لبنممي آدام ‪ ،‬ويقممرر الرسممول ‪ e‬حرمممة‬
‫الدماء والموال والعراض تحقيقا لتلك الكرامة فمي عمالم الواقمع ‪،‬‬
‫في التعامل الذي يجري بين الناس ‪ ،‬ثم تتممولي التوجيهممات الربانيممة‬
‫وتوجيهات ‪ e‬لتحديد مجالت تكل الكرامة علي أوسع نطاق عرفتممه‬
‫البشرية في تاريخها ‪.‬‬
‫يامر الله أل تنتهك حرية المسكن ‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سمموا‬
‫مُنوا ل ت َمد ْ ُ‬
‫}َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ست َأن ِ ُ‬
‫حّتمى ت َ ْ‬
‫خُلوا ب ُُيوتما ً غَي ْمَر ب ُي ُمموت ِك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫‪1‬‬

‫وراه الشيخان‬

‫َ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ن )‪ (27‬فَ مإ ِ ْ‬
‫م ت َمذ َك ُّرو َ‬
‫وَت ُ َ‬
‫ن ل َم ْ‬
‫م ل َعَل ّك ُم ْ‬
‫خي ٌْر ل َك ُم ْ‬
‫موا عََلى أهْل َِها ذ َل ِك ُ ْ‬
‫سل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ن ِقيم َ‬
‫جُعموا‬
‫حدا ً َفل ت َد ْ ُ‬
‫خُلو َ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫حّتى ي ُؤْذ َ َ‬
‫ها َ‬
‫دوا ِفيَها أ َ‬
‫ج ُ‬
‫م اْر ِ‬
‫كم ْ‬
‫كم ْ‬
‫تَ ِ‬
‫َ‬
‫م )‪] {(28‬سممورة‬
‫مل ُممو َ‬
‫ن عَِليم ٌ‬
‫ممما ت َعْ َ‬
‫ه بِ َ‬
‫م َوالل ّم ُ‬
‫جُعوا هُموَ أْزك َممى ل َك ُم ْ‬
‫فَمماْر ِ‬
‫النممور ‪[28-24/27‬‬
‫والتجسس كذلك حرام ‪.‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫جت َن ِب ُمموا ك َِثيممرا ً ِ‬
‫يقول تعالي ‪َ} :‬يا أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫من ُمموا ا ْ‬
‫نآ َ‬
‫ن الظ ّم ّ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫سوا‪] {...‬سورة الحجرات ‪[49/12‬‬
‫م َول ت َ َ‬
‫س ُ‬
‫ج ّ‬
‫ن إ ِث ْ ٌ‬
‫ب َعْ َ‬
‫ض الظ ّ ّ‬
‫ويقول الرسول ‪ " : e‬من استمع إلي حديث قوم وهم له كارهون‬
‫صب في أذنيه النك يوم القيامة "‬
‫وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال سمعت عمر بن الخطمماب‬
‫رضي الله عنه يقول إن ناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول‬
‫الله ‪ ، e‬وإن الوحي قد انقطممع ‪ ،‬وإنممما نأخممذكم بممما ظهممر لنمما مممن‬
‫أعمالكم ‪،‬فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس لنمما مممن سممريرته‬
‫شئ ‪ ،‬الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءا لممم نممأمنه ولممم‬
‫‪1‬‬
‫نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة "‬
‫ول يجوز استراق السمع علي الشممخص أو مسممكنه أو أحمماديثه او‬
‫كشف سر من أسراره أو الطلع علي رسائله بغير إذنه ‪.‬‬
‫يقول ‪ " : e‬ولممو أن رجل أطلممع عليممك بغيممر إذن فحممذفته بحصمماة‬
‫‪2‬‬
‫ففقأت عينه ما كان عليك من جناح‬
‫ويقول ‪ " : e‬يا معشر من أسلم بلسممانه ولممم يفمض اليمممان إلممي‬
‫قلبه ‪ :‬ل تؤذوا المسلمين ول تتبعوا عوراتهم ‪ ،‬فإنه مممن تتبممع عممورة‬
‫‪3‬‬
‫أخيه المسلم تتبع الله عورته فيفضحه ولو في داخل بيته‬
‫ولذلك ذكر بعض الفقهاء ‪ ،‬أنه ل يجوز التجسس علممي إنسممان ول‬
‫متابعته للكشف عن أسراره ول دخممول مسممكنة لتفتيشممه إل بتمموفر‬