‫بسم الله الرحمن الرحيم‬

‫قال تعالى‬
‫ن ال ْ َ‬
‫) َ‬
‫و َ‬
‫فب َ ّ‬
‫ل‪،‬‬
‫شْر ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫عَباِد ‪ ،‬ال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫م ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه(‬
‫عو َ‬
‫نأ ْ‬
‫في َت ّب ِ ُ‬
‫ح َ‬
‫سن َ ُ‬
‫) الزمر (‬
‫كتاب‬
‫نهاية إسرائيل والوليات المتحدة‬
‫المريكية‬
‫من ومتى وكيف‬
‫دراسة تحليلية في القران والسنة‬

‫والتوراة والنجيل‬
‫حقوق النشر متاحة للجميع‬
‫خالد عبد الواحد‬
‫‪1‬‬

‫الجزء الول‬
‫الفصل الول ‪:‬‬
‫البداية‬
‫الفصل الثاني ‪:‬‬
‫زوال إسرائيل قبل ظهور المهدي‬
‫الفصل الثالث ‪:‬‬
‫مختصر لمجمل أقوال المفسرين‬
‫الفصل الرابع ‪:‬‬
‫صلناه تفصيل‬
‫وكل شيء ف ّ‬
‫الفصل الخامس ‪:‬‬
‫تاريخ وجغرافيا بني إسرائيل في القران‬
‫الفصل السادس ‪:‬‬
‫تاريخ اليهود في التوراة والتلمود‬
‫الفصل السابع ‪:‬‬
‫فلسطين عبر التاريخ‬

‫‪2‬‬

‫البداية‬
‫قبععل عععدة سععنوات ‪ ،‬كنععت قععد قععرأت كتععاب ) أحجععار علععى رقعععة‬
‫الشطرنج ( للدميرال الكندي ) وليام كار ( ‪ ،‬حيث يؤكععد المؤلععف‬
‫في هذا الكتاب بالشععواهد والدلععة ‪ ،‬سععيطرة اليهععود علععى واقعنععا‬
‫المعاصر ‪ .‬بعد قراءتي لهععذا الكتععاب ‪ ،‬وبععالنظر لمععا يجععري علععى‬
‫أرض الواقععع ‪ ،‬تملكتنععي حالععة مععن اليععأس والقنععوط ‪ .‬فأحلمنععا‬
‫ططععه‬
‫وأمانينا ‪ ،‬إذا ما سار الناس من حولنععا ‪ ،‬علععى هععدي مععا ُيخ ّ‬
‫وينفذه اليهود – وهم سائرون وما زالوا – أصبحت هباًء منثععورا‬
‫‪ ،‬وستسعير المعور إلعى السعوأ يومعا بععد يعوم ‪ ،‬حعتى يعرث الع‬
‫الرض ومن عليها ‪.‬‬
‫لم أكن أعلم آنذاك ‪ ،‬أن بعد كل هذا الكفر والظلم والفسععاد ‪ ،‬الععذي‬
‫استفحل في الرض ‪ ،‬وأخذ ينتشر في أرض السععلم والعروبععة ‪،‬‬
‫انتشار النار في الهشيم ‪ ،‬بعد أن ُمحيت آثار العيب والحرام ‪ ،‬من‬
‫مفردات قاموس أهلها ‪ ،‬ستظهر في آخر الزمان ‪ ،‬خلفععة راشععدة‬
‫على منهاج النبوة ‪ُ ،‬تعيد هذه المة للحيععاة مععن جديععد ‪ ،‬فأحععاديث‬
‫ي الساعة ‪ ،‬لععم تكععن معروفععة للعامععة قبععل‬
‫الفتن وما يكون بين يد ّ‬
‫سنوات قليلعة ‪ ،‬ولعم تلععق أي اهتمععام كععون السعاعة بعيعدة عنعا –‬
‫حسععبما نحععب أن تكععون – كععل البعععد ‪ .‬ومععؤخرا بععدأ كععثير مععن‬
‫الدارسين والباحثين ‪ ،‬يخوضون غمار ما جاء فيها من أحاديث ‪،‬‬
‫منّبهين لظهععور الكععثير معن أشعراطها الصععغرى ‪ ،‬ومحعّذرين معن‬
‫قرب أشراطها الكبرى ‪.‬‬
‫معرفععتي بوجععود تلععك الخلفععة ‪ ،‬الععتي سععتقطع الطريععق ‪ ،‬علععى‬
‫أصحاب المععؤامرة اليهوديععة العالميععة ‪ ،‬وتلغععي أحلمهععم بسععيادة‬
‫العالم ‪ ،‬من القدس ‪ ،‬كانت لي بمثابة الضوء في آخر النفق ‪ ،‬تلك‬
‫‪3‬‬

‫المعرفععة الجديععدة أعععادت لععي المععل ‪ ،‬بعععدما تملكنععي الكععثير مععن‬
‫اليأس والقنوط ‪ ،‬من أحوال أمععتي العجيبععة ‪ .‬اعععترتني حالععة مععن‬
‫الفضععول ‪ ،‬أردت معرفععة المزيععد ‪ ،‬حيععث سععاعدني حععبي القععديم‬
‫ي ‪ ،‬مععن كتععب علععى‬
‫للمطالعة ‪ ،‬فعّدت لمطالعة كل ما يقععع بيععن يععد ّ‬
‫مختلف مواضيعها ‪ ،‬من عقيدة وفقه وسيرة وتاريخ ‪ ،‬فضل عععن‬
‫القرآن العظيم وتفسيره ‪ ،‬فتبين لي أن العلععم والمعرفععة ‪ ،‬يهتكععان‬
‫الكثير من أستار الجهععل بععأمور الحيععاة الخععرى ‪ ،‬ويععزداد المععرء‬
‫بهما إيمانا ويقينا وصلة بربه ‪ ،‬وثباتا علععى دينععه ‪ ،‬فععازددت حبععا‬
‫للمعرفة والمتابعة ‪.‬‬
‫شملت مطالعاتي في تلك الثناء ‪ ،‬بعض الكتب التي تناولت سيرة‬
‫المهدي ‪ ،‬وأكثر ما حعاز علعى اهتمعامي معن هعذه الحعاديث ‪ ،‬معا‬
‫يتعلععق بالمهععدي وظهععوره ‪ ،‬والمعععارك الععتي سيخوضععها ‪ .‬وبعععد‬
‫تحليلي لتلك الحاديث ‪ ،‬ومحاولة الربط فيما بينها ‪ ،‬تبين لي بععأن‬
‫دولة إسرائيل الحالية ‪ ،‬لن تكون موجودة عند ظهور أمره ‪ ،‬وأن‬
‫المهدي سيدخل القدس ‪ ،‬وبلد الشام ككل بل حرب ‪ ،‬فتبععادر إلععى‬
‫ذهني بعض التساؤلت ‪ ،‬التي كان ل بد لي مععن الجابععة عليهععا ‪،‬‬
‫بدافع الفضول فععي البدايععة ‪ ،‬وأهمهععا كيععف اختفععت إسععرائيل قبععل‬
‫ظهور المهدي ؟ ومن الذي كان سببا في اختفائها ؟‬
‫كنت سابقا أعتقد – كمععا كععان ومععا زال – يعتقعد عامعة المسعلمين‬
‫اليعععوم ‪ ،‬أن الطريعععق إلعععى تحريعععر القعععدس ‪ ،‬سعععتكون بالوحعععدة‬
‫العربية ‪ ،‬وهذا بل شك ضرب من الخيال ‪ .‬أو بالعودة إلى السلم‬
‫وقيام الخلفة السلمية ‪ ،‬وهذا أيضا أمر بعيععد المنععال ‪ ،‬والواقععع‬
‫ل ينبئ بذلك ‪ ،‬واليهعود الن يسعيطرون علعى مجريعات المعور ‪،‬‬
‫أكثر مما نسيطر على زوجاتنا وأولدنا ‪ ،‬فهم يراقبون وُيحاربون‬
‫‪ ،‬أي جسععم مسععلم أو عربععي ‪ ،‬تحععول مععن حالععة السععكون إلععى‬
‫‪4‬‬

‫الحركععععة ‪ ،‬وكععععل المحععععاولت السععععلمية والقوميععععة العربيععععة‬
‫النهضوية ‪ُ ،‬وئدت واشُتريت وبيعت في سوق النخاسة ‪ ،‬فل أمععل‬
‫في المنظور القريب ‪ ،‬حسب ما نراه على أرض الواقع ‪.‬‬
‫وأما إسرائيل فعلى ما يبدو ‪ ،‬أنها ستبقى جاثمة فععوق صععدورنا ‪،‬‬
‫تمتص دماءنا ‪ ،‬وتعّد علينا أنفاسنا ونبضات قلوبنا ‪ ،‬لتثبت للعالم‬
‫أننا ما زلنا أحياء ؟! والعالم يععأتي وينظععر ويه عّز رأسععه موافقععا ‪،‬‬
‫ويمضي مطمئنا ‪ ،‬نعم إنهم ما زالوا أحياء ‪ .‬وكأن العالم ‪ ،‬ينتظععر‬
‫منععا أن نمععوت أو نفنععى ‪ ،‬فيسععتيقظ يومععا مععا ‪ ،‬فل فلسععطين ول‬
‫فلسطينيون ‪ ،‬ليرتاح معن تلععك المهمععة الثقيلععة والمضععنية ‪ ،‬الععتي‬
‫ُرميت على كاهله – وكأنه بل خطيئة اقترفتها يداه – كععي يرتععاح‬
‫من مراقبة طويلة ‪ ،‬لعملية احتضار شعب ُأدخل إلى قسععم العنايععة‬
‫الحثيثة ‪ ،‬منذ أكثر من ‪ 50‬عاما ‪ ،‬وما زال حيا ‪.‬‬
‫وبالنظر إلى الواقع – قبل ثلث سنوات – ولغايععة هععذه اللحظععة ‪،‬‬
‫فإنك تراه يقععول بععأن إسععرائيل سععتبقى ‪ .‬ولكععن الحععاديث النبويععة‬
‫الشريفة ‪ ،‬ترفض ما يقععوله الواقععع وتؤكععد زوالهععا ‪ ،‬قبععل ظهععور‬
‫المهععدي والخلفععة السععلمية ‪ ،‬ولكععن كيععف ؟ ومععن ؟ ومععتى ؟ ‪،‬‬
‫وللجابة على هذه السئلة كان ل بععد مععن البحععث ‪ .‬ومععن هنععاك ‪،‬‬
‫وقبل ثلث سنوات تقريبا ‪ ،‬كانت البداية ‪.‬‬
‫ما يملكه عاّمة المسلمين فععي بلدنععا مععن معتقععدات ‪ ،‬فيمععا يتعّلععق‬
‫بتحرير فلسطين ‪ ،‬يتمحور حول ثلثة عبارات تقريبا ‪ ،‬هي ‪ :‬أول‬
‫؛ عبارة " شععرقي النهععر وهععم غربيعه " المشععهورة لععدينا ‪ ،‬بيععن‬
‫فلسععطينيي الشععتات ‪ ،‬وثانيععا ؛ عبععارة " عبععادا لنععا " ‪ ،‬وثالثععا ؛‬
‫عبععارة " وليععدخلوا المسععجد " ‪ .‬والتفسععيرات المعاصععرة لهععذه‬
‫العبارات في مجملها ‪ ،‬حصرت التحرير بقيام الخلفة السلمية ‪،‬‬
‫‪5‬‬

‫حتى أصبحت من المور العقائدية ‪ ،‬ويؤمن بصععحتها الكععثير مععن‬
‫الناس ‪ ،‬إن لم يكن الغلبية العظمى ‪.‬‬
‫أما حديث ل تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود ‪ ،‬ويا مسلم يعا عبعد‬
‫ال ‪ ،‬الذي غالبا ما نتدواله ‪ ،‬فهو يتحدث عن مسلمين حقيقيين ‪،‬‬
‫لن يتوفروا في ظل هذه الجواء على المدى القريععب ‪ ،‬أو يتحعّدث‬
‫عن خلفععة إسععلمية ‪ ،‬وممععا أعلمععه أن الخلفععة السععلمية ‪ ،‬لععن‬
‫تكععون إل بظهععور المهععدي ‪ ،‬وخلف ذلععك لععم أجععد فععي السععنة‬
‫النبوية ‪ ،‬من الحاديث مععا يشععير إلععى هععذه الفععترة ‪ ،‬فهععي مغيبععة‬
‫تقريبا ‪ ،‬إل من حديث هنا ‪ ،‬أو هناك ‪.‬‬
‫في النصف الثاني مععن عععام ‪1998‬م ‪ ،‬ومععن خلل البحععث الولععي‬
‫في العديد من المصادر ‪ ،‬أمسكت ببعععض الخيععوط ‪ ،‬الععتي قععادتني‬
‫بدورها إلى اليات ‪ ،‬التي تحكععي قصععة العلععو والفسععاد اليهععودي‬
‫فععي سععورة السععراء ‪ ،‬فطفقععت أسععبر معععاني ألفاظهععا وعباراتهععا‬
‫وتركيباتهععا اللغويععة ‪ ،‬فتحصععّلت علععى فهععم جديععد ليععات هععذه‬
‫السورة ‪ ،‬يختلف تماما عن معظم ما تم طرحه سابقا ‪ ،‬ومن خلل‬
‫هذا الفهم اسععتطعت الجابععة علععى معظععم تسععاؤلتي ‪ ،‬وتسععاؤلت‬
‫أخرى كانت ترد في ذهني ‪ ،‬بين حين وآخر ‪ ،‬أثنععاء كتععابتي لهععذا‬
‫البحث ‪.‬‬
‫عادة ما كنععت أطععرح مععا توصععلت إليععه ‪ ،‬شععفاها أمععام الخريععن ‪،‬‬
‫وغالبا ما كانت أفكاري ‪ُ ،‬تجابه بالمعارضة أحيانا بعلم ‪ ،‬وأحيانععا‬
‫من غير علم ‪ ،‬وغالبا ما كان النقععاش يأخععذ وقتععا طععويل ‪ ،‬وكععان‬
‫هناك الكثير ممن يرغبون بالمعرفة ‪ ،‬كل حسب دوافعععه وأسععبابه‬
‫الخاصعععة ‪ ،‬وكعععانت الغلبيعععة تفاجعععأ بمعععا أطرحعععه معععن أفكعععار ‪،‬‬
‫فالقناعات الراسععخة لععدى الغلبيععة ‪ ،‬ممععا سععمعوه مععن النععاس أو‬
‫‪6‬‬

‫وجدوه في الكتععب ‪ ،‬والواقععع الععذي يرونععه بععأم أعينهععم ‪ ،‬يخععالف‬
‫بصريح العبارة ما أذهب إليه ‪.‬‬
‫والمشكلة أن المر جّد خطير ‪ ،‬فالواقع الجديد والمفععاجئ ‪ ،‬الععذي‬
‫سيفرض نفسه بعد عدة شهور ‪ ،‬عندما يأتي أمر ال ‪ ،‬ول ينطععق‬
‫الحجر والشجر بشيء ! كما كانوا يعتقدون ‪ ،‬سععيوقع النععاس فععي‬
‫الحيععرة والرتبععاك ‪ .‬وتتلطععم الفكععار والتسععاؤلت فععي الذهععان‬
‫تلطععم المععوج فععي يععوم عاصععف ؛ مععا الععذي جععرى ؟ ومععا الععذي‬
‫يجري ؟ وما الذي سيجري ؟‬
‫صععلت‬
‫لععذلك وجععدت نفسععي ملزمععا بععإطلع النععاس ‪ ،‬علععى مععا تح ّ‬
‫عليه ‪ ،‬وعلى نطاق أوسع من دائرة الزملء والقارب ‪ .‬وبععالرغم‬
‫مععن محدوديععة قععدراتي وتواضعععها ‪ ،‬إل أنععي حععاولت جاهععدا ‪ ،‬أن‬
‫أصهر كل ما توصلت إليه ‪ ،‬مما عّلمني ربي ‪ ،‬في بوتقة واحععدة ‪.‬‬
‫تمّثلت في هذا الكتاب ‪ ،‬الععذي بيععن أيععديكم ‪ ،‬فععي أول محاولععة لععي‬
‫للكتابة ‪ ،‬كمسععاهمة متواضعععة ‪ ،‬فععي الععدعوة إلععى الع ‪ ،‬ونصععرة‬
‫لكتابه الكريم ‪ ،‬قبل أن يوضع علععى المحععك ‪ ،‬عنععدما يتحّقععق أحععد‬
‫أعظععم النبععاء المسععتقبلية ‪ ،‬بشععكل مخععالف ‪ ،‬لمععا اعتععادوا أن‬
‫يسععمعوه ويقععرءوه ‪ ،‬مععن آراء وتفسععيرات ‪ ،‬كععثرت فععي الونععة‬
‫ي بنعي‬
‫الخيرة ‪ ،‬تتناول ما ُتخبر عنه سورة السراء ‪ ،‬من إفسعاد ّ‬
‫إسرائيل ‪.‬‬
‫كما وحاولت جاهدا أن أقدم هذا الكتاب ‪ ،‬في أسرع وقت ممكععن ‪،‬‬
‫بعد أن تأخرت سنتين وأكثر ‪ ،‬شغلتني فيها مشععاكل الحيععاة الععدنيا‬
‫ومصائبها ‪ ،‬عن إخراج هذا الكتاب إلععى حّيععز الوجععود ‪ ،‬ومععن ثععم‬
‫لسعى ليصاله ‪ ،‬إلى أكبر عدد من أمة السلم ‪ ،‬لعله يجععد فيهععم‬
‫‪7‬‬

‫من يلق السمع وهو شهيد ‪ ،‬فإن أصععبت فمععن الع ‪ ،‬وإن أخطععأت‬
‫فمن نفسي ‪ ،‬ول حول ول قوة إل بال ‪.‬‬
‫هذا الكتاب سيكون بإذن ال ‪ ،‬متععوافرا باسععتمرار ‪ ،‬ضععمن موقععع‬
‫خاص به ‪ ،‬على شبكة النترنت ‪ ،‬وإن تعّذر الدخول إليه ‪ ،‬لسععبب‬
‫أو لخععر ‪ ،‬فبالمكععان الوصععول إليععه ‪ ،‬عععن طريععق محععرك بحععث‬
‫جوجل ) ‪ ( www.google.com‬بكتابة عنععوان الكتععاب كععامل ‪،‬‬
‫أو أحد العبارات الموجودة علععى صععفحة الغلف ‪ ،‬حيععث تسععتطيع‬
‫من خلل هذا الموقع ‪:‬‬
‫‪ .1‬الحصول على أحدث نسخة من الكتاب ‪.‬‬
‫‪ .2‬إبداء أي ملحظة أو استفسار ‪.‬‬
‫‪ .3‬متابعة أطروحات جديدة ‪ ،‬قد تصدر للمؤلف مستقبل ‪.‬‬
‫‪2001 / 7 / 20‬م _ ‪1422 / 4 / 29‬هع‬
‫المؤلف‬

‫‪8‬‬

‫تعقيب‬
‫من خلل ردود الفعال الولية لبعض الخوة ‪ ،‬سواء مععن قععرأ أو‬
‫من لم يقرأ الكتاب ‪ ،‬وجدنا أن الكثير من النععاس ‪ ،‬تخلععط مععا بيععن‬
‫أمرين ؛ المر الول ‪ :‬هعو كشعف الغيعب العذي ل يعلمعه إل الع ‪،‬‬
‫وهو ما ل نععدعيه فععي كتابنععا هععذا ‪ ،‬ونعععوذ بععال معن أن نععدعيه ؛‬
‫والمر الثاني ‪ :‬هو قراءة وبيان وتفصيل ‪ ،‬ما هو مكشوف أصل‬
‫في القرآن والسنة ‪ ،‬من علم الغيب ‪ ،‬مما أوحى سععبحانه وتعععالى‬
‫لرسوله عليه الصلة والسلم ‪.‬‬
‫ب َل َيْعَلُمَها ِإلّ ُهَو ‪... ،‬‬
‫ح اْلَغْي ِ‬
‫عْنَدُه َمَفاِت ُ‬
‫يقول سبحانه وتعالى ) َو ِ‬
‫ت َواْلَْر ِ‬
‫ض‬
‫سعَمَوا ِ‬
‫ن ِفععي ال ّ‬
‫) ‪ 59‬النعام ( ‪ ،‬ويقول ) ُقْل َل َيْعَلعُم مَع ْ‬
‫ن )‪ 65‬النمععل ( ‪ ،‬وقععد جععاء‬
‫ن ُيْبَعُثو َ‬
‫ن َأّيا َ‬
‫شُعُرو َ‬
‫ل َوَما َي ْ‬
‫ب ِإّل ا ُّ‬
‫اْلَغْي َ‬
‫أسععلوب النفععي ومععن ثععم الثبععات فععي هععذين الموضعععين ليفيععد‬
‫الحصر ‪ ،‬أي حصر علم الغيب بال دون غيره ممن في السموات‬
‫والرض ‪ ،‬وهذا ما يعلمه عامة الناس ويرددونه عن ظهر قلب ‪،‬‬
‫وهذا مما ل خلف فيه ‪ ،‬ولكن السععؤال الععذي يطععرح نفسععه ‪ ،‬هععل‬
‫هذا الحصر مطلق ؟‬
‫فإن كانت الجابة بنعم ‪ ،‬فما القول فععي السععتثناء الععذي جععاء فععي‬
‫جَتِبععي‬
‫ل َي ْ‬
‫ن ا َّ‬
‫ب ‪َ ،‬وَلِك ّ‬
‫عَلى اْلَغْي ِ‬
‫طِلَعُكْم َ‬
‫ل ِلُي ْ‬
‫ن ا ُّ‬
‫قوله تعالى ) َوَما َكا َ‬
‫عععاِلُم‬
‫شععاُء ) ‪ 179‬آل عمععران ( ‪ ،‬وفععي قععوله ) َ‬
‫ن َي َ‬
‫س عِلِه َم ع ْ‬
‫ن ُر ُ‬
‫ِم ع ْ‬
‫ضععى ِمععنْ‬
‫ن اْرَت َ‬
‫حععًدا )‪ِ (26‬إّل َمعع ِ‬
‫غْيِبععِه َأ َ‬
‫عَلععى َ‬
‫ظِهععُر َ‬
‫ل ُي ْ‬
‫ب َف َ‬
‫اْلَغْيعع ِ‬
‫سوٍل ‪ 27) … ،‬الجن ( ‪ ،‬حيث استثنى سبحانه وتعععالى الرسععل‬
‫َر ُ‬
‫ب‬
‫ن َأْنَبععاِء اْلَغْيع ِ‬
‫ك ِمع ْ‬
‫عليهم السلم من تلك القاعدة ‪ ،‬إذ يقععول ) ِتْلع َ‬
‫صِبْر‬
‫ن َقْبِل َهَذا ‪َ ،‬فا ْ‬
‫ك ِم ْ‬
‫ت َوَل َقْوُم َ‬
‫ت َتْعَلُمَها َأْن َ‬
‫ك ‪َ ،‬ما ُكْن َ‬
‫حيَها ِإَلْي َ‬
‫ُنو ِ‬
‫حْيَنععا ِإَلْيعكَ‬
‫ك َأْو َ‬
‫ن )‪ 49‬هععود ( ‪ ،‬ويقععول ) َوَكعَذِل َ‬
‫ن اْلَعاِقَبعَة ِلْلُمّتِقيع َ‬
‫ِإ ّ‬
‫‪9‬‬

‫ن‬
‫ن ‪َ ،‬وَلِكع ْ‬
‫ب َوَل اِْليَمععا ُ‬
‫ت َتعْدِري َمععا اْلِكَتععا ُ‬
‫ن َأْمِرَنا ‪َ ،‬ما ُكْنع َ‬
‫حا ِم ْ‬
‫ُرو ً‬
‫ك َلَتْهعِدي ِإَلععى‬
‫عَباِدَنععا ‪َ ،‬وِإّنع َ‬
‫ن ِ‬
‫شععاُء ِمع ْ‬
‫ن َن َ‬
‫جَعْلَناُه ُنوًرا َنْهِدي ِبِه َمع ْ‬
‫َ‬
‫س عَتِقيٍم )‪ 52‬الشععورى ( ‪ .‬ليتععبين لنععا ‪ ،‬أن ال ع سععبحانه‬
‫ط ُم ْ‬
‫ص عَرا ٍ‬
‫ِ‬
‫وتعالى أطلع على غيبه من شععاء مععن رسععله ‪ ،‬وبععذلك لععم يحجععب‬
‫علم الغيب بالكلية عن البشر ‪ ،‬والتيعان بالحصعر ثعم السعتثناء ‪،‬‬
‫يفيد بأن مرد العلم بالغيب أول وأخيرا هو علم الغيععوب ‪ ،‬وكععذب‬
‫وخاب من استقى علمه بالغيب من غيره ‪.‬‬
‫أما ما ُكشف للرسل فهو بعض من علععم الع ‪ ،‬بمععا كععان ومععا هععو‬
‫كائن وما سيكون ‪ ،‬مما اقتضت الحكمة اللهية كشفه للناس عععن‬
‫طريععق الععوحي ‪ ،‬وكععثير مععن هععذا الغيععب ‪ ،‬مخطععوط فيمععا ورثتععه‬
‫البشرية من كتب النبياء ‪ ،‬وفضل عما جاء في القرآن من أنبععاء‬
‫الغيب ‪ ،‬فقد أخبر عليه الصلة والسلم بععالكثير مععن أنبععاء الغيععب‬
‫ماضيا وحاضرا ومستقبل ‪ ،‬وأفاضت الحععاديث النبويععة فععي ذكععر‬
‫ما سيقع في مستقبل المة من فتوحععات وفتععن وابتلءات ومحععن‬
‫وأشراط وأمارات للساعة ‪.‬‬
‫وأما قوله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم ) ُقْل َل َأُقوُل َلُكْم عِْنِدي‬
‫ك ‪ِ ،‬إنْ َأّتِبُع ِإّل‬
‫ب ‪َ ،‬وَل َأُقولُ َلُكْم ِإّني َمَل ٌ‬
‫عَلُم اْلَغْي َ‬
‫ل ‪َ ،‬وَل َأ ْ‬
‫ن ا ِّ‬
‫خَزاِئ ُ‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫ل َتتََفّك عُرو َ‬
‫صععيُر َأَف َ‬
‫عَمععى َواْلَب ِ‬
‫سَتِوي اَْل ْ‬
‫ي ‪ُ ،‬قْل َهْل َي ْ‬
‫حى ِإَل ّ‬
‫َما ُيو َ‬
‫ضّرا ‪ِ ،‬إّل َما‬
‫سي َنْفًعا َوَل َ‬
‫ك ِلَنْف ِ‬
‫‪ 50‬النعام ( ‪ ،‬وقوله ‪ُ ) :‬قْل َل َأْمِل ُ‬
‫خْيعِر ‪َ ،‬وَمععا‬
‫ن اْل َ‬
‫ت ِمع َ‬
‫سعَتْكَثْر ُ‬
‫ب ‪َ ،‬ل ْ‬
‫عَلعُم اْلَغْيع َ‬
‫ت َأ ْ‬
‫ل ‪َ ،‬وَلْو ُكْنع ُ‬
‫شاَء ا ُّ‬
‫َ‬
‫شععيٌر ِلَقععْوٍم ُيْؤِمُنععونَ )‪188‬‬
‫ن َأَنععا ِإّل َنععِذيٌر َوَب ِ‬
‫سععوُء ‪ِ ،‬إ ْ‬
‫ي ال ّ‬
‫سععِن َ‬
‫َم ّ‬
‫العراف ( ‪ ،‬ل ينفي علمه عليه الصلة والسلم لبعععض الغيععب ‪،‬‬
‫وما قيععل لععه ذلععك إل ليجيععب مععن يسععأله عمععا لععم يعلععم مععن أنبععاء‬
‫الغيب ‪ ،‬أو ما ل حكمة في الخبار عنه مما علم ‪.‬‬
‫‪10‬‬

‫تميزت النصعوص النبويعة العتي تتحعدث ععن أحعداث المسعتقبل ‪،‬‬
‫سواء في القرآن والسععنة أو فععي التععوراة والنجيععل ‪ ،‬بالتلميععح ل‬
‫بالتصريح ‪ ،‬فهي غالبا ما تصععف الشععخوص والزمععان والمععاكن‬
‫والظروف والنتائج ‪ ،‬باستخدام عدة أساليب لغويععة ‪ ،‬كالسععتعارة‬
‫والتشبيه واللتفات والعععتراض ومععا إلععى ذلععك ‪ ،‬ممععا هععو غيععر‬
‫مألوف لناس هذا الزمان ‪ ،‬وخير مثال علععى ذلععك هععو ذكععر اسععم‬
‫رسععولنا الكريععم عليععه الصععلة والسععلم فععي التععوراة والنجيععل ‪،‬‬
‫) أحمد ( بالمعنى ل باللفظ ‪ ،‬وأحمععد لغععة هععي اسععم التفضععيل مععن‬
‫) حمد ( ‪ ،‬ومعناهععا أحمععد النععاس أو أكععثر النععاس حمععدا ‪ ،‬مععع أن‬
‫اسمه ‪ -‬محمد ‪ -‬في الواقع جاء بنفس المعنى مع اختلف اللفظ ‪.‬‬
‫والحكمة التي قد ل يدركها الكثير من النععاس ‪ ،‬معن عععدم وضععوح‬
‫النصوص النبوية ‪ ،‬هو بقاء نسععبة ضععئيلة مععن الشععك ‪ ،‬لحرمععان‬
‫الناس ذوي العلقة من الدافع لتعطيل مجريعات المعور ‪ ،‬إذ ل بعد‬
‫للسباب والمسببات أن تأخذ مجراها ‪ ،‬من حيث الزمان والمكععان‬
‫والشخوص ‪ ،‬حتى تتحقق النبوءات كما تم الخبار عنها ‪.‬‬
‫ولنا في قصة فرعون مع موسى عليه السلم خير مثال علععى مععا‬
‫قد يفعله المجرمون لتعطيل أمر ال ‪ ،‬عندما أمر بذبح مواليد بني‬
‫إسرائيل كافة ‪ ،‬لمجرد رؤيا منععام علععم مععن تأويلهععا ‪ ،‬بععأن واحععدا‬
‫منهم سيكون سببا في تقويض أركان ملكه ‪ ،‬ورغم ما اتخذه مععن‬
‫إجراءات وتدبيرات احترازية لحرمان هذا الطفل مععن الحيععاة ‪ ،‬إل‬
‫أن مكر ال كان أعظم وأكبر ‪ ،‬وبالرغم من قععدرته سععبحانه علععى‬
‫منععع فرعععون مععن إيععذائه دون تععدخل بشععري ‪ ،‬إل أنععه أوحععى لم‬
‫موسى بأن تتخذ من السباب ‪ ،‬ما هو كفيل بتحقيق المراد اللهي‬
‫‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫هذا ما كان من أحد المجرمين والعتاة لمجععرد رؤيععا منععام ‪ ،‬فمععاذا‬
‫لو أتاه نص صريح بععأن الععذي سععيقوض أركععان ملكععه ‪ ،‬هععو ذلععك‬
‫الطفل الذي سيأتي به اليم إلى قصره ‪ ،‬فهل كان فرعون سععيتخذه‬
‫ربيبا ‪ ،‬أم ماذا سيفعل به ؟‬
‫وللناس من أمععر النبععوءات الععواردة فععي القععرآن والسععنة مواقععف‬
‫شتى ‪ ،‬فمنهم من ل يرغب بالفهم ‪ ،‬ومنهم من ليس لععديه القععدرة‬
‫علععى الفهععم ‪ ،‬ومنهععم مععن يعتقععد بععأن ل جععدوى مععن البحععث فععي‬
‫أمرها ‪ ،‬ومنهم من يحاكمها بناء علعى أهعواءه وأحلمعه ‪ ،‬فيأخعذ‬
‫ما اتفق وينكر ما اختلف ‪ .‬ولذلك تجد بعض الناس ‪ ،‬عند الحديث‬
‫عن المستقبل ‪ ،‬يقول مستنكرا ل يعلم الغيب إل ال ‪.‬‬
‫ونحن كمسلمين مطلوب منععا أن نععؤمن بععالغيب المخععبر عنععه فععي‬
‫ب ِفيعهِ‬
‫ب َل َرْيع َ‬
‫ك اْلِكَتععا ُ‬
‫القرآن والسنة ‪ ،‬لقوله تعالى ) الععم )‪َ (1‬ذِلع َ‬
‫لَة َومِمّععا‬
‫صع َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ب َوُيِقيُمععو َ‬
‫ن ِباْلَغْي ِ‬
‫ن ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن )‪ (2‬اّلِذي َ‬
‫ُهًدى ِلْلُمّتِقي َ‬
‫ن )‪ 3‬البقععرة ( ‪ ،‬وأعظععم الغيععب هععو وجععود الع ‪،‬‬
‫َرَزْقَناُهْم ُيْنِفُقععو َ‬
‫ونحن وآباؤنا لم نعلم بوجود ال ولم نعرفععه حععق المعرفععة ‪ ،‬ولععم‬
‫نعلم باليوم الخععر ومععا سععيجري فيععه مععن بعععث وحسععاب وثععواب‬
‫وعقاب ‪ ،‬إل من خلل القرآن الموحى به من عنععد ال ع جععل وعل‬
‫إلى محمد عليه الصععلة والسععلم ‪ ،‬ومععا دمنععا آمنععا بععال وبععاليوم‬
‫الخر من خلل كتعابه ‪ ،‬فمععا لنعا ل نعؤمن بمعا سعواها معن أخبعار‬
‫الغيب مما حواه هذا القرآن العظيم بين جنباته ‪.‬‬
‫عَلْيُكعْم‬
‫سوًل ِمْنُكعْم َيْتُلععو َ‬
‫سْلَنا ِفيُكْم َر ُ‬
‫يقول سبحانه وتعالى ) َكَما َأْر َ‬
‫حْكَمعَة ‪َ ،‬وُيَعّلُمُكعْم َمعا َلعْم‬
‫ب َواْل ِ‬
‫َءاَياِتَنا ‪َ ،‬وُيَزّكيُكعْم ‪َ ،‬وُيَعّلُمُكعُم اْلِكَتعا َ‬
‫ن )‪ 151‬البقرة ( ‪ ،‬لم ُيبعععث عليععه الصععلة والسععلم‬
‫َتُكوُنوا َتْعَلُمو َ‬
‫فقط ليتلو علينا القرآن ‪ ،‬بل ُبعععث أيضععا لُيزكينععا وليعلمنععا الكتععاب‬
‫‪12‬‬

‫والحكمة ‪ ،‬وليعلمنا ما لم نكن نعلععم مععن قبععل ‪ ،‬لنخلععص مععن هععذه‬
‫الية وغيرها مععن اليععات الععتي جععاءت بنفععس النععص ‪ ،‬أن هنععاك‬
‫شيء اسمه الحكمة ‪ ،‬يراد لنا أن نتعلمه من القرآن والسنة ‪ ،‬لكل‬
‫مععا ورد فيهععا مععن تشععريعات وحععدود وأوامععر ونععواهي وأخبععار‬
‫الماضي والمستقبل ‪ ،‬قررها سبحانه في أواخر اليات وفي نهاية‬
‫القصص ‪ ،‬كل حسب موضوعه ‪.‬‬
‫ومن مجمل اليات التي ورد فيهععا نبععوءات مسععتقبلية ‪ ،‬تععبين لنععا‬
‫حكمعا إلهيعة معن الخبعار‬
‫وحسب ما تقرره تلعك اليععات أن هنعاك ِ‬
‫حكم اللهية عموما في أمرين ‪:‬‬
‫حصرت هذه ال ِ‬
‫عنها ‪ ،‬وقد ُ‬
‫أول ‪ :‬أن معرفعة الخععبر قبعل تحققعه معن القععرآن أو السعنة ‪ ،‬هعي‬
‫بمثابة زف البشرى للذين آمنوا ‪ ،‬ونذير للذين كفروا ‪ ،‬من الععذين‬
‫يعايشععون ظععروف الحععدث المخععبر عنععه ‪ .‬وهععذا ممععا يمل نفععوس‬
‫المؤمنين بالمععل ‪ ،‬ويعطيهععم الععدافع للعمععل ‪ ،‬دون كلععل أو ملععل ‪،‬‬
‫ويلهمهععم الصععبر علععى مععا أصععابهم مععن السععقام والعلععل ‪ ،‬ويمل‬
‫نفععوس الكفعرة والمنكريععن الخععوف والعترقب والحعذر ‪ ،‬ويزيعدهم‬
‫تحديا وطغيانا وكفرا ‪ ،‬لدرجة أن يتحّدوا ال لينزل بهم ما يعععدهم‬
‫من العععذاب ‪ ،‬كمععا هععي عععادة الجبععابرة والظلمععة والمفسععدين فععي‬
‫الرض ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أن معاينة الحدث عند تحققه على أرض الواقع تمامععا كمععا‬
‫ورد في القرآن أو السنة ‪ ،‬سيكون بالضرورة سبب لزيادة إيمععان‬
‫المؤمنين بربهععم وكتبععه ‪ ،‬وزيععادة فععي اجتهععادهم بعبععادته ‪ ،‬وأمععا‬
‫للذين كفروا فهو زيادة في قهرهم وإذللهم ‪ ،‬رغم كععل مععا أخععذوه‬
‫من إجراءات احترازية درءا ومنعا لمر ال ‪.‬‬
‫‪13‬‬

‫أما مععن يعّدعي بععأن ل حكمععة ول فععائدة مععن الخبععار عنهععا ‪ ،‬وأن‬
‫معرفتهعععا علعععى حقيقتهعععا يبععععث فعععي النفعععس اليعععأس والقنعععوط‬
‫والتواكل ‪ ،‬فأولئك يقولون على ال ما ل يعلمون ‪ ،‬لمخالفتهم لما‬
‫اقتضته الحكمة اللهية من الخبار عنهععا ‪ ،‬وي عّدعون بععأنهم أكععثر‬
‫حكمة وعلما من أحكم الحاكمين وأعلم العالمين ‪.‬‬
‫وخلصة القول ‪ :‬أننا لم نكشف شيئا من الغيب ‪ ،‬وما قمنا بععه لععم‬
‫يتعدى حدود القراءة والتفكر والتدبر ‪ ،‬فيما أنزل رب العزة علععى‬
‫رسله وأنبيائه من أخبار الغيب ‪ ،‬وبذلنا ما وفقنا ال ع إلععى بععذله ‪،‬‬
‫من جهد في فهمهععا واسععتيعابها وتفصععيلها وتبسععيطها وتقععديمها‬
‫للناس بلغة يفهمونا ‪ ،‬وما لنا في ذلععك مععن فضععل ‪ ،‬إن الفضععل إل‬
‫ل‪.‬‬
‫وفي نهاية المر ‪ ،‬وبعد مخاض عسير ‪ ،‬كان هذا الكتععاب ‪ ،‬الععذي‬
‫نعرضه مجانععا ‪ ،‬ونحععاول جهععدنا إيصععاله للنععاس فععي شععتى بقععاع‬
‫الرض ‪ ،‬ونشكر كل من ساهم في نشره ‪ ،‬وغايتنعا سعواء أصعبنا‬
‫أو أخطانا ‪ ،‬هي نفع الناس فععي دينهععم ودنيععاهم ‪ ،‬وإنمععا العمععال‬
‫بالنّيات ولكل امرئ ما نوى ‪.‬‬
‫وبضاعتنا في هذا الكتاب مستقاة ‪ ،‬من كتاب ال وسنة رسععوله ‪،‬‬
‫والناس أحرار في شرائها أو العراض ‪ ،‬فصانعها بشري متهم ‪،‬‬
‫حيث ل وحي يوحى ‪ ،‬بعد وفاة المصطفى عليه الصلة والسلم ‪،‬‬
‫ول نفرضها على أحد ‪ ،‬ولكن ل عليك إن اطلعت عليها ‪ ،‬فهي إن‬
‫لم تنفعك ‪ ،‬فلن تضرك في شيء ‪ ،‬مع يقيننا الشخصععي ‪ ،‬بأنهععا ل‬
‫تخلو من الفائدة ‪ ،‬بل فيها الكععثير ‪ ،‬كمععا أجمععع معظععم مععن حظععي‬
‫بقراءة هععذا الكتععاب ‪ ،‬وتععذكر أنععك حععر فيمععا اعتقععدت بشععأن هععذه‬
‫البضاعة ‪.‬‬
‫‪14‬‬

‫أمععا بالنسععبة لمسععألة تحديععد موعععد مععن خلل العععد ‪ ،‬فهععو نتيجععة‬
‫لعملية ععّد فععي كلم الع ومععن كتععاب الع ‪ ،‬ومععا هععو بقععراءة فععي‬
‫فنجان ‪ ،‬أو نظر في النجععوم ‪ ،‬ومععا طرحنععا الفصعل الخعاص بهعذه‬
‫المسألة ‪ ،‬والتي قد تصيب وقد تخطععئ ‪ ،‬إل بعععد أن تولععدت لععدينا‬
‫قناعة ‪ ،‬بصرف النظر عن المواعيد المطروحة في ذلك الفصععل ‪،‬‬
‫تقععول بععأن نهايععة كعل معن إسعرائيل وأمريكعا ‪ ،‬قريبعة جعدا جععدا ‪،‬‬
‫ومجريات المور سعععتأخذ منحععى مغععايرا لمععا عليععه الحععال الن ‪،‬‬
‫وسيكون التغير سريعا ومفاجئا ومضععطردا ‪ ،‬بحيععث تأخععذ النععاس‬
‫حالة مستمرة من الخوف والترقب ربما تدوم لعدة سنين ‪.‬‬
‫أما ما نود قوله لقّراء هذا الكتاب ‪ ،‬هو أن يأخذوا بأحسن مععا فععي‬
‫هذا الكتاب ‪ ،‬وأن يتركوا ما هو دونععه ‪ ،‬تماشععيا مععع مععا أخععبر بععه‬
‫أتباع رسله الكرام ‪ ،‬في حععق مععا أنزلععه عليهععم مععن الهععدي ‪ ،‬قععال‬
‫سعَنُه ‪،‬‬
‫ح َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ن اْلَقعْوَل ‪َ ،‬فَيّتِبُعععو َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫عَباِد ‪ ،‬اّلِذي َ‬
‫شْر ِ‬
‫تعالى ) َفَب ّ‬
‫ب )‪ 18‬الزمر ( ‪.‬‬
‫ك ُهْم ُأْوُلوا اَْلْلَبا ِ‬
‫ل ‪ ،‬وُأْوَلِئ َ‬
‫ن َهَداُهُم ا ُ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫ُأْوَلِئ َ‬
‫هذا ما قاله رب العزة في حق كتبه ‪ ،‬ومععا أنععزل فيهععا مععن الهععدي‬
‫على رسله ‪ ،‬فما بالك بقولنا في حق كتاب ‪ ،‬أنجزه عبد من عبععاد‬
‫ال ‪ ،‬ل ولن يصل إلى حد الكمال ‪ ،‬مهما بععذل مععن جهععد ‪ ،‬والعقععل‬
‫البشري له حدود وطاقات ‪ ،‬مهما بلغ من إبداع ‪ ،‬فإن أصععاب فععي‬
‫شيء أخطأ في أشياء ‪ ،‬وكل إنسان في نهاية المطععاف لديععة قععدر‬
‫من الحكمة ‪ ،‬ليميز الغث من السمين فيما قرأ أو سمع ‪.‬‬
‫ونسأل ال أن يهدينا وإياكم سواء السبيل‬
‫ُأضيف هذا التعقيب بتاريخ‬
‫‪2002 / 3 / 15‬م – ‪1423 / 1 / 1‬هع‬
‫‪15‬‬

‫المؤلف‬

‫‪16‬‬

‫زوال إسرائيل قبل ظهور المهدي‬
‫استفاضت كثير معن المؤلفعات لكبعار العلمعاء والئمعة ‪ ،‬فعي ذكعر‬
‫المهدي وسععيرته ‪ ،‬وأكععدت علععى حتميععة خروجععه آخععر الزمععان ‪،‬‬
‫ومن هؤلء على سبيل المثال ل الحصر ‪ ،‬ابععن حجععر والشععوكاني‬
‫والسيوطي والصابوني وغيرهم ‪ ،‬وهنععاك مععن أفععرد لععه بابععا ‪ ،‬أو‬
‫كععان لععه مقععال فععي كتععاب ‪ ،‬كالععذهبي وابععن تيميععه وابععن القيععم‬
‫والقرطععبي والععبرزنجي وغيرهععم ‪ .‬وهنععاك الكععثير مععن الكتععب‬
‫المتخصصة الحديثععة ‪ ،‬جمعععت أقععوال أولئك العلمععاء والئمععة فععي‬
‫المهدي وأحععداث آخععر الزمععان ‪ ،‬فمععن رغععب بالسععتزادة فليرجععع‬
‫إليها ‪ ،‬فهي متععوافرة بكععثرة فعي المكتبععات هععذه اليععام ‪ ،‬واللمععام‬
‫المسبق بالحاديث الواردة في المهدي ‪ ،‬سيساعد كثيرا فععي فهععم‬
‫ما استخلصته من أفكار في هذا الفصل ‪.‬‬
‫وأما من ينكععر أحععاديث المهععدي ‪ ،‬فل التفععات لقععوله ‪ ،‬فالحععاديث‬
‫الصريحة وغير الصريحة ‪ ،‬التي أتت على ذكععر أخبععار المهععدي ‪،‬‬
‫بلغت حد التععواتر المعنععوي ‪ ،‬وقععد ورد فيهععا مععا ُيقععارب الربعيععن‬
‫حديثا ‪ .‬وما سنتناوله منها ‪ ،‬هو ما يخععص موضععوع هععذا الكتععاب‬
‫فقط ‪ .‬وأود أن أشير إلى أن ذكععر المهععدي قععد جععاء فععي التععوراة ‪،‬‬
‫حيث أن الترجمة العربية للنص التوراتي ‪ُ ،‬تس عّميه ) بالق عّدوس (‬
‫في موضع ) وبالغصن ( في موضع آخععر ‪ ،‬وهععذا النععص موجععود‬
‫مع التعليق ‪ ،‬في فصل النبوءات التوراتية ‪ .‬وقععد تنبععأ بظهععوره )‬
‫سر النبوءات التوراتية ‪ ،‬وأشععار إليعه بألفععاظ‬
‫نوستراداموس ( مف ّ‬
‫صريحة ‪ ،‬سنوردها في فصل لحق ‪.‬‬
‫وللحقيقععة ‪ ،‬ومععن خلل اطلعععي علععى الكععثير ‪ ،‬مععن دراسععات‬
‫وأبحاث الغربيين ‪ ،‬التي تتناول النبوءات التوراتيععة والنجيليععة ‪،‬‬
‫‪17‬‬

‫الخاصة بأحداث النهاية ‪ ،‬تبّين لي بأن اليهود والنصععارى ‪ ،‬أكععثر‬
‫إيمانا ويقينا ‪ ،‬مععن عامععة المسععلمين ‪ ،‬بحتميععة ظهععور المهععدي ‪،‬‬
‫وانتصاره فععي كافععة حروبععه ‪ ،‬واتخععاذه للقععدس عاصععمة لملكععه ‪،‬‬
‫وامتداده لمساحات شاسعة مععن الراضععي ‪ .‬ولنهععم يعلمععون بععأن‬
‫النهاية قد اقتربت ‪ ،‬ويعتقدون بععأنه سععيقود تحالفععا عسععكريا ضععد‬
‫الغرب ‪ ،‬ينجم عنه دمار الحضارة الغربية برمتها ‪ ،‬فهم يتوقعون‬
‫ظهوره في أي لحظة ‪ ،‬ويخشون أن يظهععر وأن تقععوى شععوكته ‪،‬‬
‫وهم في غفلة من أمرهم ‪ ،‬فلععذلك تجععدهم ُيحععاولون تجنيععد العععالم‬
‫بأسره ‪ ،‬ضععد مععا ُيسعّمونه بالرهععاب السعلمي ‪ ،‬خوفععا مععن ذلععك‬
‫المصير المشؤوم الذي ينتظرهم ‪ ،‬عند ظهور أمره ‪.‬‬
‫غربة السلم ‪:‬‬
‫ك‬
‫شُ‬
‫سّلَم ‪ُ ) :‬يو ِ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ُّ‬
‫ل َ‬
‫سوُل ا ِّ‬
‫ن ‪َ ،‬قاَل ‪َ :‬قاَل َر ُ‬
‫ن َثْوَبا َ‬
‫عْ‬
‫َ‬
‫صعَعِتَها ‪َ ،‬فَقعاَل‬
‫عى اَْلَكَلعُة ِإَلعى َق ْ‬
‫عَلْيُكعْم ‪َ ،‬كَمعا َتعَدا َ‬
‫عى َ‬
‫ن َتَدا َ‬
‫اُْلَمُم َأ ْ‬
‫ن َيْوَمِئٍذ ‪َ ،‬قاَل ‪َ :‬بْل َأْنُتْم َيعْوَمِئٍذ َكِثيعٌر ‪َ ،‬وَلِكّنُكعْم‬
‫حُ‬
‫ن ِقّلٍة َن ْ‬
‫َقاِئٌل ‪َ :‬وِم ْ‬
‫ععُدّوُكمْ اْلمََهاَبعَة‬
‫صعُدوِر َ‬
‫ن ُ‬
‫لع ِمع ْ‬
‫ن ا ُّ‬
‫عع ّ‬
‫سعْيِل ‪َ ،‬وَلَيْنَز َ‬
‫غَثاءٌ َكُغَثعاِء ال ّ‬
‫ُ‬
‫لعع‬
‫سوَل ا ِّ‬
‫ن ‪َ ،‬فَقاَل َقاِئٌل ‪َ :‬يا َر ُ‬
‫ل ِفي ُقُلوِبُكْم اْلَوْه َ‬
‫ن ا ُّ‬
‫ِمْنُكْم ‪َ ،‬وَلَيْقِذَف ّ‬
‫ت ( رواه أبععو داود‬
‫ب ال عّدْنَيا َوَكَراِهَي عُة اْلَم عْو ِ‬
‫ح ّ‬
‫ن ؟ َقاَل ‪ُ :‬‬
‫َوَما اْلَوْه ُ‬
‫ححه اللباني ‪.‬‬
‫وأخرجه أحمد ‪ ،‬وص ّ‬
‫لَم‬
‫سع َ‬
‫سّلَم َقععاَل ‪ِ ) :‬إنّ اِْل ْ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ُّ‬
‫ي َ‬
‫ن الّنِب ّ‬
‫عْ‬
‫عَمَر َ‬
‫ن ُ‬
‫ن اْب ِ‬
‫عْ‬
‫َ‬
‫جَدْينِ‬
‫سع ِ‬
‫ن اْلَم ْ‬
‫غِريًبا َكَما َبعَدَأ ‪َ ،‬وُهعَو َيعْأِرُز َبْيع َ‬
‫سَيُعوُد َ‬
‫غِريًبا ‪َ ،‬و َ‬
‫َبَدَأ َ‬
‫حِرَهععا ( رواه مسععلم ‪ ،‬وأخرجععه الترمععذي‬
‫جْ‬
‫حّيعُة ِفععي ُ‬
‫َكَمععا َتعْأِرُز اْل َ‬
‫وابن ماجه وأحمد والدارمي ‪ ،‬وصححه اللباني ‪.‬‬
‫قبععل ظهععور المهععدي ستشععهد المععة السععلمية ‪ ،‬عصععرا حالععك‬
‫السواد ‪ ،‬من كععثرة الظلععم والجععور والفسععاد ‪ ،‬يتميععز بوجععود قلععة‬
‫‪18‬‬

‫مؤمنة صابرة متمسكة بدينها ‪ ،‬ل حول لها ول قوة ‪ ،‬تنتظر حتى‬
‫يأتي ال بأمر من عنده ‪ ،‬وكثرة طاغية فاسدة ومفسععدة متمسععكة‬
‫بدنياها ‪ ،‬هم غثاء كغثاء السيل ‪.‬‬
‫جيش يغزو الكعبة بداية ظهور أمر المهدي‬
‫‪:‬‬
‫ص عّلى الُّ ع‬
‫سوُل الِّ ع َ‬
‫ت ‪َ :‬قاَل َر ُ‬
‫عْنَها ‪َ ) ،‬قاَل ْ‬
‫ل َ‬
‫ي ا ُّ‬
‫ضَ‬
‫شُة َر ِ‬
‫عاِئ َ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫َ‬
‫ض‪،‬‬
‫ن اْلَْر ِ‬
‫ش اْلَكْعَبَة ‪َ ،‬فِإَذا َكاُنوا ِبَبْيَداَء ِم ع ْ‬
‫جْي ٌ‬
‫سّلَم ‪َ :‬يْغُزو َ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫َ‬
‫س عفُ‬
‫خ َ‬
‫ف ُي ْ‬
‫سععوَل الِّع َكْي ع َ‬
‫ت ‪َ :‬يععا َر ُ‬
‫خِرِه عْم ‪ُ : ،‬قْلع ُ‬
‫ف ِبَأّوِلِهْم َوآ ِ‬
‫س ُ‬
‫خ َ‬
‫ُي ْ‬
‫س ِمْنُهعمْ ‪َ ،‬قععاَل ‪:‬‬
‫ن َلْيع َ‬
‫سعَواُقُهْم ‪َ ،‬وَمع ْ‬
‫خِرِهعْم ‪َ ،‬وِفيِهعْم َأ ْ‬
‫ِبعَأّوِلِهْم َوآ ِ‬
‫عَلعععى ِنّيعععاِتِهْم ( رواه‬
‫ن َ‬
‫خِرِهعععْم ‪ُ ،‬ثعععّم ُيْبَعُثعععو َ‬
‫ف ِبعععَأّوِلِهْم َوآ ِ‬
‫سععع ُ‬
‫خ َ‬
‫ُي ْ‬
‫البخاري ‪ ،‬وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد‬
‫وصححه اللباني ‪.‬‬
‫لُع‬
‫صعّلى ا ّ‬
‫سععوُل الِّع َ‬
‫ث َر ُ‬
‫عَب َ‬
‫ت‪َ :‬‬
‫عْنَها ‪َ ،‬قاَل ْ‬
‫ل َ‬
‫يا ُ‬
‫ضَ‬
‫شَة َر ِ‬
‫عاِئ َ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫َ‬
‫شعْيًئا ِفععي‬
‫ت َ‬
‫صعَنْع َ‬
‫سععوَل الِّع َ‬
‫سّلَم ِفي َمَناِمِه ‪َ ) ،‬فُقْلَنا ‪َ :‬يا َر ُ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫َ‬
‫ن ُأّمِتعي َيُؤّمعونَ‬
‫سعا ِمع ْ‬
‫ن َنا ً‬
‫ب ِإ ّ‬
‫جع ُ‬
‫ن َتْفَعُلُه ‪َ ،‬فَقعاَل ‪ :‬اْلَع َ‬
‫ك َلْم َتُك ْ‬
‫َمَناِم َ‬
‫حّتععى ِإَذا َكععاُنوا ِباْلَبْي عَداِء‬
‫ت‪َ ،‬‬
‫جَأ ِباْلَبْي ِ‬
‫ش َقْد َل َ‬
‫ن ُقَرْي ٍ‬
‫جٍل ِم ْ‬
‫اْلَبْيتِ ‪ِ ،‬بَر ُ‬
‫س‪،‬‬
‫جَمعُع الّنععا َ‬
‫ق َق عْد َي ْ‬
‫طِري ع َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫سوَل ا ِّ‬
‫ف ِبِهْم ‪َ ،‬فُقْلَنا ‪َ :‬يا َر ُ‬
‫س َ‬
‫خ ِ‬
‫ُ‬
‫سعِبيِل ‪َ ،‬يْهِلُكععو َ‬
‫ن‬
‫ن ال ّ‬
‫جُبععوُر َواْبع ُ‬
‫صعُر َواْلَم ْ‬
‫سَتْب ِ‬
‫َقععاَل ‪َ :‬نَععْم ِفيِهعْم اْلُم ْ‬
‫لعع عََلععى‬
‫شععّتى ‪َ ،‬يْبَعُثُهععْم ا ُّ‬
‫صععاِدَر َ‬
‫ن َم َ‬
‫صععُدُرو َ‬
‫حععًدا ‪َ ،‬وَي ْ‬
‫َمْهَلًكععا َوا ِ‬
‫ِنّياِتِهْم ( ‪ ،‬رواه مسلم ‪ ،‬وأخرجععه البخععاري والترمععذي والنسععائي‬
‫وابن ماجه وأحمد ‪ ،‬وصححه اللباني ‪.‬‬
‫سعّلَم ‪:‬‬
‫عَلْيعِه َو َ‬
‫صعّلى الُّع َ‬
‫لع َ‬
‫سععوُل ا ِّ‬
‫ت ‪َ :‬قععاَل َر ُ‬
‫سعَلَمَة َقععاَل ْ‬
‫ن ُأّم َ‬
‫عع ْ‬
‫َ‬
‫ج عٍل‬
‫ت ِلَر ُ‬
‫ن اْلَبْي ع َ‬
‫شععاِم ‪َ ،‬يُؤّمععو َ‬
‫ن ِقَب عِل ال ّ‬
‫ن ِم ْ‬
‫جيُئو َ‬
‫ن ُأّمِتي َي ِ‬
‫ش ِم ْ‬
‫جْي ٌ‬
‫) َ‬
‫سعفَ‬
‫خ ِ‬
‫حَلْيَفعةِ ُ‬
‫ن ِذي اْل ُ‬
‫حّتى ِإَذا َكاُنوا ِباْلَبْيعَداِء ِمع ْ‬
‫ل ِمْنُهْم ‪َ ،‬‬
‫َيْمَنُعُه ا ُّ‬
‫‪19‬‬

‫سعفُ ِبِهعمْ‬
‫خ َ‬
‫ف ُي ْ‬
‫سوَل الِّ َكْيع َ‬
‫ت ‪َ :‬يا َر ُ‬
‫شّتى ‪َ ،‬فُقل ُ‬
‫صاِدُرُهْم َ‬
‫ِبِهْم ‪َ ،‬وَم َ‬
‫ن مِْنُه عْم َم عنْ‬
‫جِب عَر ِإ ّ‬
‫ن ُ‬
‫ن ِمْنُهْم َم ْ‬
‫شّتى ‪َ ،‬فَقاَل ‪ِ :‬إ ّ‬
‫صاِدُرُهْم َ‬
‫جِميًعا َوَم َ‬
‫َ‬
‫لًثا ( رواه أحمععد بهععذا النععص ‪ ،‬ورواتععه ثقععات ‪ ،‬إل واحععدا‬
‫جِبَر َث َ‬
‫ُ‬
‫وثقه البعض وضعفه آخرون ‪.‬‬
‫بداية ظهور المهدي ستكون في مكععة بععإذن الع ‪ ،‬وفععور معرفتععه‬
‫تسارع قلة مععن تلععك القلععة ‪ ،‬لمبععايعته علععى المععارة ‪ ،‬فيلجععأ إلععى‬
‫الحرم تهّربا ويعتصم به ‪ .‬ويظهر أمره شيئا فشيئا ‪ ،‬فُيبعععث إليععه‬
‫بجيش يغزو الكعبة ‪ ،‬فيخسف به فععي الصععحراء مععا بيععن المدينععة‬
‫ومكة ‪.‬‬
‫هذه الحاديث الثلثة متوافقة من حيث النص والمضمون ‪ ،‬غيععر‬
‫ضععح مخععرج ذلععك الجيععش ‪.‬‬
‫أن الحديث الثالث ‪ ،‬أضاف عبععارة تو ّ‬
‫ومع أن أحد الرواة ضعفه ‪ ،‬إل أن تلك الضافة ) من قبل الشام (‬
‫تتفق والتفسير المنطقي ‪ ،‬للحداث الموصوفة في جملععة أحععاديث‬
‫هذا الفصل ‪.‬‬
‫لنخلص إلى ما يلي ‪:‬‬
‫أن جيشا سيغزو مكة ‪.‬‬
‫‪.1‬‬
‫وهذا الجيش معن أمعة محمعد عليعه الصعلة والسعلم ‪،‬‬
‫‪.2‬‬
‫ويعجب رسول الع ويحععق لععه العجععب ‪ ،‬فمععا آل إليععه أمععر أمععة‬
‫السلم هذه اليام ‪ ،‬يثير مععا هععو أكععثر مععن العجععب والشععفقة ‪،‬‬
‫حتى في نفوس أعدائنا ‪.‬‬
‫ومقصد هذا الجيش رجل من قريش يلجأ إلععى الحععرم ‪،‬‬
‫‪.3‬‬
‫وغايته وأد بؤرة الخلفة السلمية في مهععدها ‪ ،‬خوفععا معن أن‬
‫تزلزل أركان عبدة الحياة الدنيا ‪.‬‬
‫‪20‬‬

‫ُيخسف بهذا الجيععش فععي الصععحراء قبععل وصععوله إلععى‬

‫‪.4‬‬
‫مكة ‪.‬‬
‫ومخرج هذا الجيش من قبل الشام ؟!‬
‫‪.5‬‬

‫عمران بيت المقدس يعقبه خراب المدينننة‬
‫المنورة ‪:‬‬
‫عْمعَرانُ‬
‫سعّلَم ‪ُ ) :‬‬
‫عَلْيعِه َو َ‬
‫لع َ‬
‫صّلى ا ُّ‬
‫ل َ‬
‫سوُل ا ِّ‬
‫ن ُمَعاٍذ َقاَل ‪َ :‬قاَل َر ُ‬
‫عْ‬
‫َ‬
‫حَمعِة ‪،‬‬
‫خعُروجُ اْلَمْل َ‬
‫ب ُ‬
‫ب َيْثعِر َ‬
‫خعَرا ُ‬
‫ب ‪َ ،‬و َ‬
‫ب َيْثعِر َ‬
‫خعَرا ُ‬
‫س َ‬
‫ت الَمْقعِد ِ‬
‫َبْيع ِ‬
‫خ عُرو ُ‬
‫ج‬
‫طيِنّيةِ ُ‬
‫طْن ِ‬
‫سع َ‬
‫ح اْلُق ْ‬
‫طيِنّيِة ‪ ،‬وََفْت ُ‬
‫طْن ِ‬
‫سَ‬
‫ح اْلُق ْ‬
‫حَمِة َفْت ُ‬
‫ج اْلَمْل َ‬
‫خُرو ُ‬
‫َو ُ‬
‫ح عّدَثُه َأْو َمْنِكِب عِه ‪ُ ،‬ث عّم َقععاَل‬
‫خِذ اّلِذي َ‬
‫عَلى َف ِ‬
‫ب ِبَيِدِه َ‬
‫ضَر َ‬
‫جاِل ‪ُ ،‬ثّم َ‬
‫الّد ّ‬
‫ععٌد َيْعِنععي ُمَععاًذا ( ‪.‬‬
‫ك َقا ِ‬
‫ك َهاُهَنععا ‪َ ،‬أْو َكَمعا َأّنع َ‬
‫ق َكَمعا َأّنع َ‬
‫حّ‬
‫ن هََذا َل َ‬
‫ِإ ّ‬
‫رواه أبو داود ‪ ،‬وأخرجه أحمد ‪ ،‬وصححه اللباني ‪.‬‬
‫تعمععر بيععت المقععدس فععي آخععر الزمععان ‪ ،‬برجوعهععا إلععى الحكععم‬
‫العربي ‪ ،‬واتخاذها عاصععمة للحكععم ‪ ،‬فيرسععل حاكمهععا جيععش إلععى‬
‫الكعبة ‪ ،‬عند ظهور أمر المهععدي ‪ ،‬فيخععرب المدينععة المنعّورة فععي‬
‫طريقه إلى مكة ‪ ،‬ومن ثم ُيخسف بجيشه ‪ ،‬قبل أن يصلها بالقرب‬
‫من ذي الحليفة ‪ ،‬وهي ميقات إحععرام أهععل المدينععة ‪ ،‬بينهععا وبيععن‬
‫المدينة ستة أميال أو سعبعة ‪ ،‬وبينهعا وبيعن مكععة مسععيرة عشعرة‬
‫أيام ‪.‬‬
‫المهدي ل يغزو العراق وبلد الشام ‪:‬‬
‫س عّلَم ‪:‬‬
‫عَلْي عهِ َو َ‬
‫صّلى الُّ َ‬
‫ل َ‬
‫سوِل ا ِّ‬
‫عْتَبَة ‪ ،‬قال ‪َ :‬قاَل َر ُ‬
‫ن ُ‬
‫ن َناِفِع ْب ِ‬
‫عْ‬
‫َ‬
‫لع ‪ُ ،‬ثعّم‬
‫حَها ا ُّ‬
‫س َفَيْفَت ُ‬
‫ل ‪ُ ،‬ثّم َفاِر َ‬
‫حَها ا ُّ‬
‫ب َفَيْفَت ُ‬
‫جِزيَرَة اْلَعَر ِ‬
‫ن َ‬
‫) َتْغُزو َ‬
‫حُه الُّ ‪َ ،‬قععاَل ‪:‬‬
‫جاَل َفَيْفَت ُ‬
‫ن الّد ّ‬
‫ل ‪ُ ،‬ثّم َتْغُزو َ‬
‫حَها ا ُّ‬
‫ن الّروَم َفَيْفَت ُ‬
‫َتْغُزو َ‬
‫‪21‬‬

‫ح الّروُم ( رواه‬
‫حّتى ُتْفَت َ‬
‫ج َ‬
‫خُر ُ‬
‫جاَل َي ْ‬
‫جاِبُر َل َنَرى الّد ّ‬
‫َفَقاَل َناِفٌع ‪َ :‬يا َ‬
‫مسلم وابن ماجه وأحمد ‪ ،‬وصححه اللباني ‪.‬‬
‫وتجمع جزيرة العرب لقتال المهدي وصحبه ‪ ،‬فيغزونها فيفتحهععا‬
‫ال فتدين لهم ‪ ،‬ومن ثم يخرجون إلى إيععران فيفتحهععا الع فتعدين‬
‫لهععم ‪ ،‬ومععن ثععم يغععزون الععروم فيفتحهععا ال ع ‪ ،‬ومععن ثععم يخععرج‬
‫الدجال ‪ ،‬فيغزونه بمعية عيسى عليه السلم ‪ ،‬فيفتحه ال ‪.‬‬
‫ولععو تععدبرت هععذا الحععديث ‪ ،‬سععتجد أن البلععدان الععتي سععيغزوها‬
‫المهععدي ‪ ،‬عنععدما يمسععك بزمععام المععور ‪ ،‬هععي بععالترتيب ؛ أول ‪:‬‬
‫س أي إيران ‪ ،‬ثالثععا ‪ :‬ال عّروَم أي روسععيا‬
‫ب ثانيا ‪َ :‬فاِر َ‬
‫جِزيَرَة اْلَعَر ِ‬
‫َ‬
‫جاَل ‪ ،‬والملحظ في هععذا الحععديث ‪،‬‬
‫وأوروبا الشرقية ‪ ،‬رابعا ‪ :‬الّد ّ‬
‫عدم ورود ذكر فتح بلد الشام والعراق ‪ ،‬التي ل بد للمهععدي مععن‬
‫المععرور بهععا ‪ ،‬عنععد خروجععه لفتععح فععارس ‪ ،‬ولفتععح الععروم الععذين‬
‫سُيلقونه بالقرب من مدينة دمشق ‪.‬‬
‫فلو كانت دولة إسرائيل قائمة في فلسععطين ‪ ،‬أليععس مععن الحععرى‬
‫بالمهدي ومن معه تحريرها ‪ ،‬فور خروجه من جزيرة العرب ؟!‬
‫يظهر بوضوح في هذا الحديث ‪ ،‬أن كل واحععد مععن هععذه المععور ‪،‬‬
‫أمارة لوقوع ما بعده ‪ ،‬كما هو الحال في الحععديث السععابق ‪ ،‬وكععل‬
‫منهما يتقاطع مع الخر فععي نقطععتين ‪ ،‬همععا ؛ أول ‪ :‬غععزو الععروم‬
‫ويقابلها خروج الملحمة ‪ ،‬وثانيا ‪ :‬غزو الععدجال ويقابلهععا خععروج‬
‫الدجال ‪ ،‬ويضيف الحديث الول ثلثة أحداث ‪ ،‬هععي عمععران بيععت‬
‫المقدس ‪ ،‬وخراب يثرب ‪ ،‬وفتح القسطنطينية ‪.‬‬
‫حتمية نزول الخلفة في بيت المقدس ‪:‬‬
‫س عّلَم َقععاَل ‪َ ) :‬يععا‬
‫عَلْي عِه َو َ‬
‫لع َ‬
‫صّلى ا ُّ‬
‫ل َ‬
‫سوُل ا ِّ‬
‫حَواَلَة عن َر ُ‬
‫ن َ‬
‫عن اْب ُ‬
‫ت‬
‫سَة ‪َ ،‬فَقْد َدَنعع ْ‬
‫ض اْلُمَقّد َ‬
‫ت اَْلْر َ‬
‫لَفَة َقْد َنَزَل ْ‬
‫خَ‬
‫ت اْل ِ‬
‫حَواَلَة ِإَذا َرَأْي َ‬
‫ن َ‬
‫اْب َ‬
‫‪22‬‬

‫ب ِإَلععى‬
‫عُة َي عْوَمِئٍذ َأْق عَر ُ‬
‫سععا َ‬
‫ظععاُم ‪َ ،‬وال ّ‬
‫لَيععا َواُْلُمععوُر اْلِع َ‬
‫ال عّزَلِزُل َواْلَب َ‬
‫ك ( رواه أحمد ‪ ،‬وأخرجه أبو داود‬
‫سَ‬
‫ن َرْأ ِ‬
‫ي َهِذِه ِم ْ‬
‫ن َيَد ّ‬
‫س ‪ِ ،‬م ْ‬
‫الّنا ِ‬
‫والحاكم ‪ ،‬وصححه اللباني ‪.‬‬
‫عنععد خععروج المهععدي إلععى بلد الشععام ‪ ،‬سععيتخذ القععدس عاصععمة‬
‫لخلفته ‪ ،‬تنعم المة السلمية خلل سنوات حكمه ‪ ،‬بإقامة الحق‬
‫والعدل ورفع الظلم والجور عن أمة السلم ‪.‬‬
‫نستخلص من هذا الحديث ما يلي ‪:‬‬
‫‪ .1‬ل بد للخلفة من النزول في بيت المقدس آخر الزمان ‪.‬‬
‫‪ .2‬ونزولها هناك يعني بدء ظهور الفتععن والكععوارث الطبيعيععة ‪،‬‬
‫ومععن ثععم علمععات السععاعة الكععبرى ‪ ،‬بدايععة بظهععور الععدجال ‪،‬‬
‫ونزول عيسى عليه السلم ‪ ،‬في نهاية حكم المهدي ‪.‬‬
‫‪ .3‬وهنعععا ل بعععد لنعععا معععن أن نشعععير ‪ ،‬إلعععى أن عبعععارة ) نعععزول‬
‫الخلفة ( ‪ ،‬ربما تشمل الحكم العربي للقدس ‪ ،‬الععذي تكععثر فيععه‬
‫الفتن والحروب والقتتال ‪ ،‬والموصوف بالظلم والجععور ‪ ،‬قبععل‬
‫ظهور المهدي ‪.‬‬
‫نطق الحجر والشجر ‪:‬‬
‫سّلَم ‪َ ،‬قععاَل ‪ ) :‬لَ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ُّ‬
‫ل َ‬
‫سوَل ا ِّ‬
‫ن َر ُ‬
‫ن َأِبي ُهَرْيَرَة ‪َ ،‬أ ّ‬
‫عْ‬
‫َ‬
‫ن‪،‬‬
‫سعِلُمو َ‬
‫ن اْلَيُهوَد ‪َ ،‬فَيْقُتُلُهْم اْلُم ْ‬
‫سِلُمو َ‬
‫حّتى ُيَقاِتَل اْلُم ْ‬
‫عُة َ‬
‫سا َ‬
‫َتُقوُم ال ّ‬
‫جُر َأْو‬
‫حَ‬
‫جِر ‪َ ،‬فَيُقوُل اْل َ‬
‫شَ‬
‫جِر َوال ّ‬
‫حَ‬
‫ن َوَراِء اْل َ‬
‫ي ِم ْ‬
‫ئ اْلَيُهوِد ّ‬
‫خَتِب َ‬
‫حّتى َي ْ‬
‫َ‬
‫خْلِفععي َفَتَعععاَل َفععاْقُتْلهُ ‪،‬‬
‫ي َ‬
‫ل ‪َ ،‬هَذا َيُهععوِد ّ‬
‫عْبَد ا ِّ‬
‫سِلُم َيا َ‬
‫شجَُر ‪َ :‬يا ُم ْ‬
‫ال ّ‬
‫جِر اْلَيُهععوِد ( ‪ .‬رواه مسععلم وأحمععد بنفععس‬
‫شع َ‬
‫ن َ‬
‫ِإّل اْلَغْرَقعَد َفعِإّنُه ِمع ْ‬
‫النعععص ‪ ،‬وصعععححه اللبعععاني ‪ ،‬وأخرجعععه البخعععاري والترمعععذي‬
‫والنسائي وأبو داود وابن ماجه ‪ ،‬بنصوص أخرى ‪.‬‬
‫‪23‬‬

‫هذا الحديث روي بعدة نصوص ‪ ،‬وهذا النععص أشععهرها وأكثرهععا‬
‫تداول بين العامة ‪ ،‬أما نطععق الحجععر والشععجر ‪ ،‬فهععو أمععر خععارج‬
‫عن المألوف والعادة ‪ ،‬ول ُيعقل أن تحصل تلك المعجزة فععي آخععر‬
‫الزمان ‪ ،‬قبل بدء ظهور أشراط الساعة الكبرى على القل ‪ ،‬حتى‬
‫بظهور المهدي ‪ .‬فنطق الحجر والشجر ‪ ،‬أكثر إعجععازا مععن نطععق‬
‫عيسى عليه السلم في المهد صبيا ‪ .‬فمن المنطقي أل يحدث هععذا‬
‫المععر ‪ ،‬قبععل ظهععور الحععداث غيععر المألوفععة للنععاس ‪ ،‬كأشععراط‬
‫الساعة الكبرى ‪ .‬ومن الرجح أن يتزامن هذا الحدث ‪ ،‬مع وجود‬
‫عيسى عليه السلم ‪ ،‬لكي يسععتقيم المععر ‪ ،‬فععالمعجزات غالبععا مععا‬
‫تأتي على أيدي الرسل ‪ ،‬وهذا ما تؤيده سورة السراء ‪.‬‬
‫ي النهر وهم غربيه ( فل أساس لها من الصحة‬
‫أما عبارة ) شرق ّ‬
‫‪ ،‬إذ لم أجد لها أصععل ‪ ،‬فععي أي معن كتععب الحععديث علعى اختلفهععا‬
‫وكثرتها ‪ ،‬ل في صحيحها ول فععي ضعععيفها ‪ .‬ول تعععدو أكععثر مععن‬
‫كونها ‪ ،‬عبارة أضعيفت إلععى الحعديث معن قبععل العامععة ‪ ،‬بععد قيععام‬
‫ي النهر ‪ .‬وبالرغم من ذلععك ‪ُ ،‬يص عرّ‬
‫دولة إسرائيل المعاصرة غرب ّ‬
‫البعض على أنهععا موجععودة فععي الحععاديث الضعععيفة ‪ .‬أمععا الزمععن‬
‫الفعلي المتوقع لتحقق هذه النبوءة ‪ ،‬هو وقت نزول عيسى عليععه‬
‫السلم ‪ ،‬وهرب الدجال ومن معه من اليهود إلى فلسطين ‪ ،‬حيععث‬
‫ُيقتل على أبواب القدس ‪.‬‬
‫خلصة القول ‪:‬‬
‫وبناءا على ما تقدم ‪ ،‬نقول أن زوال دولة إسععرائيل أمععر حتمععي ‪،‬‬
‫يتبعه زوال حلفائهعا معن الغعرب بالضعرورة ‪ ،‬قبعل ظهعور خلفعة‬
‫المهععدي ‪ ،‬وأن مععن سععيقوم بتحريرهععا هععو جيععش عربععي ‪ ،‬وأن‬
‫صاحب هذا الجيش سيتخذ مدينة القدس عاصمة لملكه ‪ ،‬ومن ثم‬
‫‪24‬‬

‫تععدين لععه بلد الشععام والعععراق ‪ ،‬وأن فععترة حكمععه أو حكععم مععن‬
‫يخلفه ‪ ،‬ستكون حافلة بالظلم والجور ‪ ،‬وعند ظهور أمر المهععدي‬
‫في مكة ‪ ،‬يبعث حاكم مدينة القدس جيشععا إلععى الجزيععرة ‪ ،‬ل قبععل‬
‫للمهدي وجماعته به ‪ ،‬فُيخرب المدينة المنورة ‪ ،‬لدى مروره بها‬
‫متجها إلى مكة ‪ ،‬فيخسف ال بهم الرض ‪.‬‬
‫وآنذاك يظهر أمر المهدي ‪ ،‬فيهب إلععى قتععاله مععن رضععوا بالحيععاة‬
‫الدنيا واطمأنوا بها ‪ ،‬من أمة محمد عليه الصلة والسلم ‪ ،‬خوفا‬
‫من عودة دين أكل الزمان عليه وشرب ‪ ،‬يدعوا إلى إخراجهم من‬
‫غّيهععم وضععللهم ‪ ،‬وحرمععانهم ممععا يتل عّذذون بععه مععن الشععهوات‬
‫والحرمععات ‪ ،‬الععتي اسععتحّلوها واسععتباحوها فععي هععذا العصععر ‪،‬‬
‫فاستعبدتهم فل فكاك لهم منها ‪ ،‬ول يرضون عنها بديل ‪.‬‬
‫فتكون أولى مواجهات المهدي ‪ ،‬مع جيعش آخعر ‪ُ ،‬يجمعع لعه معن‬
‫جزيرة العرب ‪ ،‬فينتصر عليهم حربععا ‪ ،‬وبعععد أن يسععتتب لععه أمععر‬
‫الجزيرة يخرج إلى أهل الشام ‪ .‬فيتسلم مقاليد الحكم فيهععا تسععليما‬
‫خععذ مدينععة‬
‫عععن طيععب خععاطر ‪ ،‬أو استسععلما خوفععا ورهبععة ‪ ،‬ويت ّ‬
‫القدس عاصمة لخلفته ‪ ،‬ومععن ثععم يخععرج إلععى إيععران فيفتحهععا ‪،‬‬
‫ويعود إلى بلد الشام ‪.‬‬
‫ومن ثم تكون الروم ) نصارى الشرق ( قد جمعت جيشا عرمرما‬
‫‪ ،‬قوامه قرابة المليون نفر ‪ ،‬فيخرج لملقاتهها ‪ ،‬فتقععع الملحمععة‬
‫الكبرى الفاصلة بين الحق والباطل ‪ ،‬بالقرب من دمشق ‪ ،‬فيكععون‬
‫النصر في النهايععة ‪ ،‬حليععف المهععدي ومععن معععه مععن المسععلمين ‪.‬‬
‫ومن ثم يخرج إلى القسطنطينية ) استنبول ( ‪ ،‬فيفتحهععا بالتهليععل‬
‫والتكبير من غير قتال ‪ ،‬وقريبا من نهاية حكمععه يخععرج الععدجال ‪،‬‬
‫فيعيث في الرض فتنة وفسععادا ‪ ،‬وُيحصععر المهععدي وصععحبه فععي‬
‫‪25‬‬

‫الشام ‪ ،‬فينزل عيسى عليه السلم ‪ ،‬فيهرب الدجال ومن تبعه من‬
‫اليهود إلععى القععدس ‪ ،‬وهنععاك يلحقععون بععه فيقتلععه عليععه السععلم ‪،‬‬
‫ويتولى المسلمون أمر البقية الباقية من اليهود ‪ ،‬فينطععق الحجععر‬
‫والشجر ‪ ،‬فيبيدوهم عن بكرة أبيهم ‪ ،‬بإذن الع ‪ ،‬ولع المععر مععن‬
‫قبل ومن بعد ‪ ،‬وال أعلم ‪.‬‬
‫هععذا مععا سععيكون مععن أمععر المهععدي ‪ ،‬بععإذن ال ع ‪ ،‬ق عّدمناه بشععكل‬
‫مختصر وموجز ‪ ،‬تناولنععا فيععه بعضععا مععن سععيرة المهععدي ‪ ،‬الععتي‬
‫تعرضت لفتوحاته آخعر الزمعان ‪ ،‬مسعتندين إلعى معا أوردنعاه معن‬
‫أحاديث صحيحة ‪ ،‬آخذين بعين العتبار ‪ ،‬أحاديث صحيحة أخرى‬
‫‪ ،‬لم يتسع المقام ليرادها ‪.‬‬
‫أما موضوع هذا الكتاب ‪ ،‬فهو يبحث إجمال ‪ ،‬في حدثين عظيمين‬
‫مفاجئين ‪ ،‬قبل ظهور المهدي ‪ ،‬وفي وقت قريب جدا جدا ‪ ،‬وهمععا‬
‫؛ أول ‪ :‬نهايععة الدولععة اليهوديععة واختفائهععا إلععى البععد ‪ ،‬ثانيععا ‪:‬‬
‫انهيار الحضارة الغربية العملقة ومظاهرها المختلفععة واختفائهععا‬
‫إلى البد ‪.‬‬
‫ما ستجده في ثنايا هذا الكتاب ‪:‬‬
‫ع الجابة على التساؤلت المطروحة علععى صععفحة الغلف ‪ ،‬فيمععا‬
‫يتعلق بالدولة اليهودية ‪ ،‬ومصيرها ومصير اليهود ‪.‬‬
‫ع الجابة على كثير من التساؤلت التي تدور في أذهععان النععاس ‪،‬‬
‫وتوضععيح كععثير مععن القضععايا الخلفيععة التاريخيععة ‪ ،‬فيمععا يخععص‬
‫تاريخ وجغرافيععا بنععي إسععرائيل ‪ ،‬منععذ نشععأتهم الولععى حععتى قيععام‬
‫الساعة ‪ ،‬وخاصة فيما يتعلق بتواجدهم في فلسطين ‪.‬‬
‫عع اسععتقراء وتحليععل مععا جععرى ويجععري علععى أرض الواقععع ‪ ،‬فععي‬
‫منطقتنا والعالم من حولنا ‪.‬‬
‫‪26‬‬

‫ع فهم حقيقة الصراع الدائر بين الغرب والشرق ‪ ،‬وحقيقة العععداء‬
‫الغربي للمة العربية والسلمية ‪ ،‬والعذي بلعغ أشعّده فعي العقععود‬
‫الخيرة ‪.‬‬
‫عمععة بالشععواهد‬
‫ع ع تفسععيرات منطقيععة للحععداث المسععتقبلية ‪ ،‬مد ّ‬
‫والدلة من القرآن والسنة والتوراة والنجيل والواقع ‪ ،‬ووضعها‬
‫ضمن سياق زمني منطقي ‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫مختصر لمجمل أقوال المفسرين‬
‫قبل أن نبدأ في البحار ‪ ،‬في معاني ومقاصد آيات سورة السراء‬
‫سععرين ‪ ،‬لنسععتعرض‬
‫‪ ،‬سنتجول قليل ‪ ،‬في بعض كتب قععدماء المف ّ‬
‫مجمل تفسيراتهم ‪ ،‬لهذه اليات ‪ ،‬ومجمل ما أوروده من روايععات‬
‫ي الولى والخرة‬
‫وآثار ‪ ،‬عن الفساد والعلو في الرض ‪ ،‬ووعد ّ‬
‫‪ ،‬ومعععن هعععؤلء المفسعععرين ‪ :‬القرطعععبي وابعععن كعععثير والطعععبري‬
‫والبيضععاوي ‪ ،‬والبغععوي والنحععاس والثعععالبي ‪ ،‬وأبععي السعععود‬
‫والشوكاني وابن الجوزي ‪ ،‬والسيوطي والنسفي واللوسي ‪.‬‬
‫تعريف بسورة السراء ‪:‬‬
‫قال اللوسي في تفسيره ‪ " :‬سورة بني إسرائيل ‪ ) ،‬وهو السععم‬
‫التوقيفي لها ( وتسمى السراء وسبحان أيضا ‪ ،‬وهي كما أخععرج‬
‫ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير ‪ ،‬رضي ال تعالى عنهععم‬
‫مكية ‪ ،‬وكونهععا كععذلك بتمامهععا قععول الجمهععور ‪ .‬وقععد أخععرج ابععن‬
‫جرير عن ابن عباس رضي ال تعععالى عنهمععا ‪ ،‬أنععه قععال ‪ )) :‬إن‬
‫التوراة كلها في خمس عشععرة آيععة ‪ ،‬مععن سععورة بنععي إسععرائيل ‪،‬‬
‫وذكععر تعععالى فيهععا عصععيانهم وإفسععادهم ‪ ،‬وتخريععب مسععجدهم‬
‫واستفزازهم النبي ‪ ،‬وإرادتهععم إخراجععه مععن المدينععة ‪ ،‬وسععؤالهم‬
‫إياه عن الروح ‪ ،‬ثم ختمها جل شأنه ‪ ،‬بآيات موسى عليه السععلم‬
‫التسع ‪ ،‬وخطابه مع فرعون ‪ ،‬وأخععبر تعععالى أن فرعععون أراد أن‬
‫يسععتفزهم مععن الرض ‪ ،‬فأهلععك وورث بنععو إسععرائيل مععن بعععده ‪،‬‬
‫وفي ذلك تعريععض بهععم ‪ ،‬أنهععم سععينالهم مععا نععال فرعععون ‪ ،‬حيععث‬
‫أرادوا بالنبي ‪ ،‬ما أراد فرعون بموسى عليه السععلم وأصععحابه ‪،‬‬
‫ولمععا كععانت هععذه السععورة ‪ ،‬مصععدرة بقصععة تخريععب المسععجد‬
‫القصععى ‪ ،‬افتتحععت بععذكر إسععراء المصععطفى تشععريفا لععه – أي‬
‫‪28‬‬

‫المسجد القصى ‪ -‬بحلول ركابه الشريف فيه ‪ ،‬جبرا لما وقع مععن‬
‫تخريبه (( " ‪.‬‬
‫اليات ‪:‬‬
‫ن ِفععي‬
‫ب َلُتْفسِعُد ّ‬
‫سععراِئيلَ ِفععي اْلِكَتععععا ِ‬
‫ضْيَنا ِإَلى َبِنععي إ ْ‬
‫قال تعالى ) َوَق َ‬
‫ععُد ُأوَلُهَمععا‬
‫جععاَء َو ْ‬
‫عُلعّوا َكِبيعًرا )‪َ (4‬فعِإَذا َ‬
‫ن ُ‬
‫ن َوَلَتْعُلع ّ‬
‫ض َمّرَتْي ِ‬
‫اَْلْر ِ‬
‫لَل العّدَياِر َوَكععانَ‬
‫خَ‬
‫سوا ِ‬
‫جا ُ‬
‫شِديٍد َف َ‬
‫س َ‬
‫عَباًدا َلَنا ُأوِلي َبْأ ٍ‬
‫عَلْيُكْم ِ‬
‫َبَعْثَنا َ‬
‫عَلْيِه عْم َوَأْم عَدْدَناكُْم ِب عَأْمَواٍل‬
‫عًدا َمْفُعوًل )‪ُ (5‬ثّم َرَدْدَنععا َلُك عْم اْلَك عّرَة َ‬
‫َو ْ‬
‫سععُكْم َوِإنْ‬
‫سنُتْم َِلنُف ِ‬
‫ح َ‬
‫سنُتْم َأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫جَعْلَناُكْم َأْكَثَر َنِفيًرا )‪ِ (6‬إ ْ‬
‫ن َو َ‬
‫َوَبِني َ‬
‫خُلوا‬
‫جعوَهُكْم َوِلَيعْد ُ‬
‫سعوُءوا ُو ُ‬
‫خعَرِة ِلَي ُ‬
‫لِ‬
‫ععُد ا ْ‬
‫جعاَء َو ْ‬
‫سْأتُْم َفَلَها َفعِإَذا َ‬
‫َأ َ‬
‫سععى‬
‫عَلْوا َتْتِبي عًرا )‪ ( 7‬عَ َ‬
‫خُلوُه َأّوَل َمّرٍة َوِلُيَتّبُروا َما َ‬
‫جَد َكَما َد َ‬
‫سِ‬
‫اْلَم ْ‬
‫صيًرا )‬
‫ح ِ‬
‫ن َ‬
‫جَهّنَم ِلْلَكاِفِري َ‬
‫جَعْلَنا َ‬
‫عْدَنا َو َ‬
‫عْدُتْم ُ‬
‫ن ُ‬
‫حَمُكْم َوِإ ْ‬
‫ن َيْر َ‬
‫َرّبُكْم َأ ْ‬
‫شعُر اْلُمعْؤِمِنينَ اّلعِذينَ‬
‫ي َأْقعَوُم َوُيَب ّ‬
‫ن َيْهِدي ِلّلِتي ِه َ‬
‫ن َهَذا اْلُقْرآ َ‬
‫‪ِ ( 8‬إ ّ‬
‫ن َل ُيْؤِمُنععونَ‬
‫ن اّل عِذي َ‬
‫جًرا َكِبيًرا )‪َ (9‬وَأ ّ‬
‫ن َلُهْم َأ ْ‬
‫ت َأ ّ‬
‫حا ِ‬
‫صاِل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫َيْعَمُلو َ‬
‫عععاَءُه‬
‫ن ِبالشّّر ُد َ‬
‫سا ُ‬
‫ع اِْلن َ‬
‫عَذاًبا َأِليًما )‪ (10‬وََيْد ُ‬
‫عَتْدَنا َلُهْم َ‬
‫لخَِرِة َأ ْ‬
‫ِبا ْ‬
‫سعِنينَ‬
‫ععَدَد ال ّ‬
‫جععوًل )‪َ … (11‬وِلَتْعَلُمععوا َ‬
‫عُ‬
‫ن َ‬
‫سععا ُ‬
‫ن اِْلن َ‬
‫ِبععاْلخَْيِر َوَكععا َ‬
‫ل )‪ 12‬السراء (‬
‫صي ً‬
‫صْلَناُه َتْف ِ‬
‫يٍء َف ّ‬
‫ش ْ‬
‫ب َوُكّل َ‬
‫سا َ‬
‫ح َ‬
‫َواْل ِ‬
‫و َ‬
‫سننراِئي َ‬
‫ب‬
‫ل ِ‬
‫ق َ‬
‫ض ني َْنا إ ِل َننى ب َن ِنني إ ْ‬
‫فنني ال ْك ِت َننا ِ‬
‫َ‬
‫في اْل َ‬
‫ل َت ُ ْ‬
‫وا‬
‫ي‬
‫ت‬
‫ر‬
‫م‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ن ُ‬
‫ن ِ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫سد ُ ّ‬
‫ول َت َ ْ‬
‫ْ‬
‫عل ُ ّ‬
‫َ‬
‫عل ُ ّ‬
‫ن َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ك َِبيًرا )‪(4‬‬
‫ب ‪ :‬وأوحينععا إليهععم فععي‬
‫سععراِئيَل ِفععي اْلِكَتععا ِ‬
‫ضععْيَنا ِإَلععى َبِنععي إ ْ‬
‫َوَق َ‬
‫التوراة ‪ ،‬وحيا مقضيا مبتوتا ‪.‬‬
‫ن ‪ :‬لتفسععدن فععي الرض ‪ ،‬جععواب قسععم‬
‫ض َمّرَتْيع ِ‬
‫ن ِفي اَْلْر ِ‬
‫سُد ّ‬
‫َلُتْف ِ‬
‫محععذوف ‪ ،‬والمععراد بععالرض الجنععس ‪ ،‬أو أرض الشععام وبيععت‬
‫المقدس ‪ ،‬ومرتين إفسادتين ‪.‬‬
‫‪29‬‬

‫عُلّوا َكِبيًرا ‪ :‬ولتسععتكبرن عععن طاعععة الع ‪ ،‬مععن قععوله أن‬
‫ن ُ‬
‫َوَلَتْعُل ّ‬
‫فرعععون عل فععي الرض ‪ ،‬والمععراد بععه البغععي والظلععم والغلبععة ‪،‬‬
‫لتسععتكبرن عععن طاعععة العع تعععالى ‪ ،‬أو لتغلبععن النععاس بععالظلم‬
‫والعدوان ‪ ،‬وتفرطن في ذلك إفراطا مجاوزا للحد ‪ ،‬وأصععل معنععى‬
‫العلععو الرتفععاع ‪ ،‬وهععو ضععد السععفل وتجععّوز بععه عععن التكععبر ‪،‬‬
‫والستيلء على وجه الظلم ‪.‬‬
‫َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫دا ل ََنا‬
‫عث َْنا َ‬
‫و ْ‬
‫م ِ‬
‫عدُ ُأوَل ُ‬
‫عَبا ً‬
‫ما ب َ َ‬
‫ذا َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫جاءَ َ‬
‫ُأوِلي بنأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫يا‬
‫د‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ل‬
‫ل‬
‫خ‬
‫نوا‬
‫ن‬
‫س‬
‫جا‬
‫ف‬
‫د‬
‫دي‬
‫ن‬
‫ش‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫عوًل )‪(5‬‬
‫و ْ‬
‫كا َ‬
‫ف ُ‬
‫ع ً‬
‫دا َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ع عُد ُأوَلُهَمععا ‪ :‬والوعععد بمعنععى الموعععود ‪ ،‬مععراد بععه‬
‫جععاَء َو ْ‬
‫َف عِإَذا َ‬
‫العقععاب ‪ ،‬وفععي الكلم تقععدير ‪ ،‬أي فععإذا حعان وقععت حلععول العقععاب‬
‫الموعود ‪ ،‬وقيل الوعد بمعنى الوعيد ‪ ،‬وفيه تقدير أيضععا ‪ ،‬وقيععل‬
‫بمعنى الوعد الذي يراد بععه الععوقت ‪ ،‬أي فععإذا حععان موعععد عقععاب‬
‫أولى الفسادتين ‪.‬‬
‫عَباًدا َلَنا ‪ :‬البعث بالتخلية وعدم المنع ) البيضععاوي (‬
‫عَلْيُكْم ِ‬
‫َبَعْثَنا َ‬
‫‪ ،‬وقال الزمخشري ‪ " :‬خلينا بينهم وبيععن مععا فعلععوا ولععم نمنعهععم‬
‫وفيه دسيسة اعتزال " ‪ ،‬وقال ابععن عطيععة ‪ " :‬يحتمععل أن يكععون‬
‫ال تعالى ‪ ،‬أرسل إلى ملك أولئك العباد رسول ‪ ،‬يأمره بغزو بنععي‬
‫إسرائيل ‪ ،‬فتكون البعثة بأمر منه تعالى " ‪.‬‬
‫ش عِديٍد ‪ :‬ذوي قععوة وبطععش فععي الحععروب ‪ ،‬والبععأس‬
‫س َ‬
‫ُأوِلععي َب عْأ ٍ‬
‫والبأساء في النكاية ‪ ،‬ومن هنا قيل ‪ ،‬إن وصععف البععأس بالشععديد‬
‫مبالغة ‪.‬‬
‫لَل الّدَياِر ‪ :‬قال الجوهري " الجوس مصععدر ‪ ،‬وقولععك‬
‫خَ‬
‫سوا ِ‬
‫جا ُ‬
‫َف َ‬
‫جاسوا خلل الديار ‪ ،‬أى تخللوها كما يجوس الرجععل للخبععار أى‬
‫‪30‬‬

‫يطلبها " ‪ ،‬أي عاثوا وافسدوا وقتلوا وتخللوا الزقة بلغة جذام ‪،‬‬
‫بمعنععى الغلبععة والععدخول قهععرا ‪ ،‬وقععال الزجععاج ‪ " :‬طععافوا خلل‬
‫الديار ينظرون هل بقي احد لم يقتلوه "‪ ،‬والجوس طلععب الشععيء‬
‫باستقصععاء ‪ ،‬وقععال اللوسععي ‪ " :‬والجمهععور علععى أن فععي هععذه‬
‫البعثة ‪ ،‬خرب هؤلء العبععاد بيععت المقععدس ‪ ،‬ووقععع القتععل الععذريع‬
‫والجلء والسر في بني إسرائيل ‪ ،‬وحرقت التوراة " ‪.‬‬
‫عًدا َمْفُعوًل ‪ :‬قضاء كائنا ل خلف فيه ‪ ،‬وكان وعد عقابهم‬
‫ن َو ْ‬
‫َوَكا َ‬
‫ل بد أن يفعل ‪ ،‬أي ل بد من كونه ‪ ،‬مقضيا أي مفروغ منه ‪.‬‬
‫عل َيهننم وأ َ‬
‫ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫م َردَدَْنننا ل َ ُ‬
‫م‬
‫ك‬
‫نا‬
‫د‬
‫د‬
‫ن‬
‫من‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫كننّرةَ َ ْ ِ ْ َ ْ‬
‫كنن ْ‬
‫ُثنن ّ‬
‫بأ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫فيًرا )‪(6‬‬
‫ك‬
‫نا‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫و‬
‫ن‬
‫ني‬
‫ب‬
‫و‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫م أ َك ْث ََر ن َ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫ِ ْ َ ٍ َ‬
‫عَلْيِهْم ‪ :‬ثم للعطف ‪ ،‬وتفيد التراخي في الزمن‬
‫ُثّم َرَدْدَنا َلُكْم اْلَكّرَة َ‬
‫‪ ،‬يقول اللوسي " جعل َرَدَدنا ‪ ،‬موضع َنُرّد ‪ ،‬فعبر عن المستقبل‬
‫سعَفَل‬
‫بالماضي " ‪ ،‬وُيضيف في تفسير قوله تععالى ) ُثعّم َرَدْدَنععاُه َأ ْ‬
‫ن ( ‪ ،‬أي رددنا النسان أسفل سافلين مععن النععار ‪ ،‬إل الععذين‬
‫ساِفِلي َ‬
‫َ‬
‫آمنععوا وعملععوا الصععالحات ‪ ،‬فلهععم أجععر غيععر ممنععون بعععد البعععث‬
‫والجزاء " ‪ ،‬وهذه الكرة بعد الجلوة الولى ‪ ،‬أي الرجعة والدولة‬
‫والغلبة ‪ ،‬على الذين ُبعثوا عليكم ‪.‬‬
‫ن ‪ :‬أعطاهم ال الموال والولد ‪.‬‬
‫َوَأْمدَْدَناُكْم ِبَأْمَواٍل َوَبِني َ‬
‫جَعْلَنععاُكْم َأْكَثععَر َنِفيععًرا ‪ :‬والنفيععر أي القععوم الععذين يجتمعععون ‪،‬‬
‫َو َ‬
‫ليصيروا إلى أعدائهم فيحاربوهم ‪ ،‬وهم المجتمعون للععذهاب إلععى‬
‫العدو ‪ ،‬أي أكثر رجال من عدوكم ‪ ،‬والنفير معن ينفعر معع الرجعل‬
‫من عشيرته ‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫فس نك ُم وإن أ َس نأ ْ‬
‫إن أ َحسنت ُم أ َ‬
‫حسنت ُم ِ َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ت‬
‫لن‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ ْ َ‬
‫ِ ْ ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ َ ِ‬
‫هننا َ‬
‫َ‬
‫فننإ ِ َ‬
‫ءوا‬
‫و ْ‬
‫سننو ُ‬
‫عنندُ اْل ِ‬
‫خننَر ِ‬
‫ذا َ‬
‫ة ل ِي َ ُ‬
‫فل َ َ‬
‫جنناءَ َ‬
‫ه‬
‫مننا دَ َ‬
‫ول ِي َدْ ُ‬
‫جو َ‬
‫و ُ‬
‫م ْ‬
‫خل ُننو ُ‬
‫جد َ ك َ َ‬
‫خُلوا ال ْ َ‬
‫هك ُ ْ‬
‫سن ِ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫أَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا ت َت ِْبيًرا )‪(7‬‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ما‬
‫روا‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫ة‬
‫ر‬
‫م‬
‫ل‬
‫و‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ ُ ّ ُ‬
‫َ ّ‬
‫ّ‬
‫سْأُتْم َفَلَها ‪ :‬وهذا الخطععاب قيععل‬
‫ن َأ َ‬
‫سُكْم َوِإ ْ‬
‫سنُتْم َِلنُف ِ‬
‫ح َ‬
‫سنُتْم َأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ِإ ْ‬
‫أنه لبني إسرائيل الملبثين ‪ ،‬لما ذكر فى هذه اليات ‪ ،‬وقيل لبني‬
‫إسرائيل الكائنين في زمععن محمععد صععلى الع عليععه وآلععه وسععلم ‪،‬‬
‫ومعناه إعلمهم ما حل بسلفهم فليرتقبوا مثل ذلععك ‪ ،‬وأن إحسععان‬
‫العمال وإساءتها مختص بهم ‪ ،‬والية تضمنت ذلك ‪ ،‬وفيها مععن‬
‫الترغيب بالحسان ‪ ،‬والترهيب من الساءة ‪ ،‬ما ل يخفى فتأمل ‪.‬‬
‫خعَرِة ‪ :‬أى حضععر وقععت مععا وعععدوا مععن عقوبععة‬
‫لِ‬
‫ععُد ا ْ‬
‫جاَء َو ْ‬
‫َفِإَذا َ‬
‫المرة الخرة ‪ ،‬وجواب إذا محذوف تقديره بعثناهم لدللععة جععواب‬
‫إذا الولى عليه ‪ ،‬فالظاهر فععإذا جععاء وإذا جعاء للدللعة ‪ ،‬علعى أن‬
‫مجيععء وعععد عقععاب المععرة الخععرة ‪ ،‬لععم يععتراخ عععن كععثرتهم‬
‫واجتماعهم ‪ ،‬دللة على شدة شكيمتهم في كفععران النعععم ‪ ،‬وأنهععم‬
‫كلما ازدادوا عددا وعدة ‪ ،‬زادوا عدوانا وعععزة ‪ ،‬إلععى أن تكععاملت‬
‫أسباب الثروة والكثرة ‪ ،‬فاجأهم ال عز وجل علععى الغعّرة ‪ ،‬نعععوذ‬
‫بال سبحانه من مباغتة عذابه ‪.‬‬
‫حذف‬
‫جوَهُكْم ‪ :‬اللم لم كي ‪ ،‬وليسوءوا متعلق بفعل ُ‬
‫سوُءوا ُو ُ‬
‫ِلَي ُ‬
‫لدللة مععا سععبق عليععه ‪ ،‬وهععو جععواب إذا ‪ ،‬أي بعثنععاهم ليسععوءوا‬
‫وجوهكم ‪ ،‬أي ليجعل العبععاد المبعوثععون ‪ ،‬آثععار المسععاءة والكآبععة‬
‫بادية في وجوهكم ‪ ،‬إشارة إلى أنه جمع عليهم ألم النفس والبدن‬
‫‪.‬‬
‫‪32‬‬

‫جَد ‪ :‬اللم لم كي ‪ ،‬والضععمير للعبععاد أولععى البععأس‬
‫سِ‬
‫خُلوا اْلَم ْ‬
‫َوِلَيدْ ُ‬
‫الشديد ‪ ،‬والمسجد مسجد بيت المقععدس ‪ ،‬قععال اللوسععي ‪ " :‬فععإن‬
‫المراد به بيت المقععدس ‪ ،‬وداود عليععه السععلم ابتععدأ بنيععانه ‪ ،‬بعععد‬
‫قتععل جععالوت وإيتععائه النبععوة ‪ ،‬ولععم يتمّععه ‪ ،‬وأتّمععه سععليمان عليععه‬
‫السلم ‪ ،‬فلم يكن قبل داود عليه السلم مسععجد حععتى يععدخلوه أول‬
‫مرة ‪ ،‬ودفع بأن حقيقة المسجد الرض ل البناء ‪ ،‬أو يحمل قععوله‬
‫تعالى دخلوه على الستخدام ‪ ،‬والحق أن المسجد كان موجععودا ‪،‬‬
‫قبل داود عليه السلم كما قدمنا " ‪.‬‬
‫خُلوُه َأّوَل َمّرٍة ‪ :‬كما دخلوه أي دخول كائنا ‪ ،‬كععدخولهم إيععاه‬
‫َكَما َد َ‬
‫أول مرة ‪ ،‬قال اللوسي‪ " :‬والمععراد مععن التشععبيه أنهععم يععدخلونه‬
‫بالسيف والقهر والغلبة والذلل ‪ ،‬وفيه أيضا أن هذا يبعععد قععول ‪،‬‬
‫من ذهب إلى أن أولى المرتيععن ‪ ،‬لععم يكععن فيهععا قتععال ول قتععل ول‬
‫نهب " ‪.‬‬
‫عَلْوا َتْتِبيًرا ‪ :‬أي ليدمروا ويخربععوا والتبععار الهلك ‪،‬‬
‫َوِلُيتَّبُروا َما َ‬
‫وليتبروا أي يدّمروا ويهلكوا ما غلبوا عليه من بلدكععم ‪ ،‬أو مععدة‬
‫علوهم ‪ ،‬أي ما علوا عليه من القطار وملكوه مععن البلد ‪ ،‬وقيععل‬
‫ما ظرفية والمعنى مدة علععوهم وغلبتهععم علععى البلد ‪ ،‬تتععبيرا أي‬
‫تععدميرا ‪ُ ،‬ذك عَر المصععدر إزالععة للشععك وتحقيقععا للخععبر ‪ ،‬مععا علععوا‬
‫مفعول لتبروا ‪ ،‬أي لُيهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليععه ‪ ،‬أو‬
‫بمعنى مدة علوهم ‪.‬‬
‫عسننى ربك ُنم أ َ‬
‫ُ‬
‫عندَْنا‬
‫ت‬
‫د‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ن‬
‫إ‬
‫و‬
‫م‬
‫ن‬
‫ك‬
‫م‬
‫ح‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ ّ‬
‫َ َ‬
‫ْ ْ‬
‫َ ْ َ َ‬
‫ْ‬
‫ْ َ ِ‬
‫م ل ِل ْ َ‬
‫صيًرا )‪(8‬‬
‫كا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن َ‬
‫عل َْنا َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫ري َ‬
‫هن ّ َ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫حَمُكعْم ‪ :‬لبقيععة بنععي إسععرائيل عسععى ربكععم ‪ ،‬إن‬
‫ن َيْر َ‬
‫سى َرّبُكعْم َأ ْ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫أطعتم في أنفسععكم واسععتقمتم أن يرحمكععم ‪ ،‬وهععذه العععودة ليسععت‬
‫‪33‬‬

‫برجوع دولة ‪ ،‬وإنما هععي بععأن يرحععم المطيععع منهععم ‪ ،‬وكععان مععن‬
‫الطاعة اتباعهم لعيسى ومحمد عليهما السلم ‪.‬‬
‫صعععل‬
‫) ذلعععك لن المتقعععدمين معععن المفسعععرين اعتعععبروا أن تح ّ‬
‫المرتين ‪ ،‬كان قبل بعثهما عليهما السلم ( ‪.‬‬
‫عْدَنا ‪ :‬وإن عدتم للفساد بعد الذي تقدم ‪ ،‬عععدنا عليكععم‬
‫عْدُتْم ُ‬
‫ن ُ‬
‫َوِإ ْ‬
‫بالعقوبة فعاقبناكم في الدنيا ‪ ،‬بمثل ما عاقبناكم به في المرتين ‪.‬‬
‫صععيًرا ‪ :‬أي محبوسععون فععي جهنععم ل‬
‫ح ِ‬
‫ن َ‬
‫جَهّن عَم ِلْلَكععاِفِري َ‬
‫جَعْلَنععا َ‬
‫َو َ‬
‫يتخلصون منها ‪.‬‬
‫قننرآن يهنندي ل ِل ِّتنني هنني أ َ‬
‫ْ‬
‫هنن َ‬
‫م‬
‫قنن‬
‫ن َ‬
‫ذا ال ْ ُ ْ َ َ ْ ِ‬
‫إِ ّ‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫ِ َ‬
‫منننن ْ‬
‫وي ُب َ ّ‬
‫ن‬
‫ن ال ّنننن ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مل ُننننو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫مِني َ‬
‫ع َ‬
‫شننننُر ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جًرا ك َِبيًرا )‪(9‬‬
‫حا ِ‬
‫تأ ّ‬
‫مأ ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ال ّ‬
‫ي َأْقَوُم ‪ :‬أي إلععى الطريقععة الععتي هععي‬
‫ن َيْهِدي ِلّلِتي ِه َ‬
‫ن َهَذا اْلُقْرآ َ‬
‫ِإ ّ‬
‫أصوب ‪ ،‬وقيل الكلمة التي هي أعدل ‪.‬‬
‫ج عًرا َكِبي عًرا ‪:‬‬
‫ن َلُه عْم َأ ْ‬
‫ت َأ ّ‬
‫حا ِ‬
‫صععاِل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن َيْعَمُلو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫شُر اْلُمْؤِمِني َ‬
‫َوُيَب ّ‬
‫شععر بمععا اشععتمل عليععه مععن الوعععد بععالخير ‪ ،‬آجل وعععاجل‬
‫أي ُيب ّ‬
‫للمععؤمنين الععذين يعملععون الصععالحات ‪ ،‬ويععراد بالتبشععير مطلععق‬
‫الخبععار ‪ ،‬أو يكععون المععراد منععه معنععاه الحقيقععي ‪ ،‬ويكععون الكلم‬
‫مشتمل علععى تبشععير المععؤمنين ببشععارتين ‪ ،‬الولععى مععا لهععم مععن‬
‫الثواب ‪ ،‬والثانية ما لعدائهم من العقاب ‪.‬‬
‫خرة أ َ‬
‫وأ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ن‬
‫هن‬
‫ل‬
‫نا‬
‫د‬
‫ن‬
‫تن‬
‫ع‬
‫ل‬
‫نا‬
‫بن‬
‫ن‬
‫نو‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ما )‪(10‬‬
‫َ‬
‫ذاًبا أِلي ً‬
‫وهععو عععذاب جهنععم ‪ ،‬أي أعععددنا وهيأنععا لهععم ‪ ،‬فيمععا كفععروا بععه‬
‫وأنكروا وجوده من الخرة ‪ ،‬عذابا مؤلما وهو أبلغ مععن الزجععر ‪،‬‬
‫‪34‬‬

‫لما أن إتيان العذاب من حيث ل يحتسب أفظع وأفجع ‪ ،‬ولعل أهععل‬
‫الكتععاب داخلععون فععي هععذا الحكععم ‪ ،‬لنهععم ل يقولععون بععالجزاء‬
‫الجسماني ‪ ،‬ويعتقدون في الخرة أشياء ل أصل لها ‪ ،‬فلم يؤمنوا‬
‫بالخرة وأحكامها المشروحة ‪ ،‬في هذا القععرآن حقيقععة اليمععان ‪،‬‬
‫والعطف على أن لهم أجرا كبيرا ‪ ،‬فيكععون إعععداد العععذاب الليععم ‪،‬‬
‫للععذين ل يؤمنععون بععالخرة مبشععرا بععه ‪ ،‬كثبععوت الجععر الكععبير‬
‫شععر‬
‫للمؤمنين الذين يعملون الصالحات ‪ ،‬ومصيبة العدو سرور ُيب ّ‬
‫به ‪ ،‬فكأنه قيل يبشر المؤمنين بثوابهم وعقاب أعدائهم ‪ ،‬ويجععوز‬
‫أن تكون البشارة مجازا مرسل ‪ ،‬بمعنععى مطلععق الخبععار الشععامل‬
‫للخبار بما فيه سرور للمؤمنين ‪.‬‬
‫ن ِبال ّ‬
‫ن‬
‫عنناءَهُ ب ِننال ْ َ‬
‫ش نّر دُ َ‬
‫وي َدْ ُ‬
‫وك َننا َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫خي ْ ِ‬
‫عا ِْ‬
‫جوًل )‪(11‬‬
‫ن َ‬
‫سا ُ‬
‫ع ُ‬
‫لن َ‬
‫ا ِْ‬
‫شّر ‪ :‬ويدعو النسان علعى معاله وولعده ونفسععه‬
‫ن ِبال ّ‬
‫سا ُ‬
‫ع اِْلن َ‬
‫َوَيْد ُ‬
‫بالشر ‪ ،‬فيقول عند الغضب ‪ :‬اللهم العنه وأهلكه ونحوهما ‪.‬‬
‫خْيِر ‪ :‬أي كععدعائه ربععه بععالخير ‪ ،‬أن يهععب لععه النعمععة‬
‫عععاَءُه ِبععاْل َ‬
‫ُد َ‬
‫والعافية ‪ ،‬ولو استجاب ال دعاءه على نفسه لهلك ‪ ،‬ولكن ال ل‬
‫يستجيب بفضله ‪.‬‬
‫جععوًل ‪ :‬بالعدعاء علعى معا يكععره أن ُيسعتجاب لعه‬
‫عُ‬
‫ن َ‬
‫سعا ُ‬
‫ن اِْلن َ‬
‫َوَكا َ‬
‫فيه ‪ ،‬قاله جماعة من أهل التفسير ‪ ،‬وقال ابن عباس ‪ :‬ضععجرا ل‬
‫صبر له على السراء والضراء ‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫صل َْناهُ ت َ ْ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫وك ُ ّ‬
‫صيًل )‪: (12‬‬
‫ي ٍ‬
‫ف ِ‬
‫ف ّ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫أي كل ما تفتقرون إليه فى أمر دينكم ودنياكم ‪ ،‬فصلناه تفصيل ‪:‬‬
‫بيناه تبينا ل يلتبععس معععه بغيععره ‪ ،‬أي بينععاه بيانععا غيععر ملتبععس ‪،‬‬
‫فأزحنا عللكم وما تركنا لكم حجة علينا ‪.‬‬
‫أقنننوال المفسنننرين فننني المبعنننوثين أول‬
‫وثانيا‬
‫من تفسير القرطبي ‪:‬‬
‫" بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ‪ ،‬هععم أهععل بابععل ‪ ،‬وكععان‬
‫عليهم بختنصر في المرة الولى ‪ ،‬حيععن كععذبوا إرميععاء وجرحععوه‬
‫وحبسوه ‪ ،‬قاله ابن عباس وغيعره ‪ ،‬وقعال قتعادة ‪ :‬أرسعل عليهعم‬
‫جالوت فقتلهم ‪ ،‬فهو وقومه أولععوا بععأس شععديد ‪ ،‬وقععال مجاهععد ‪:‬‬
‫جاءهم جند من فارس ‪ ،‬يتجسسعون أخبعارهم ومعهعم بختنصعر ‪،‬‬
‫فوعى حديثهم من بين أصحابه ‪ ،‬ثم رجعوا إلى فععارس ولععم يكععن‬
‫قتال ‪ ،‬وهذا في المععرة الولععى فكععان منهععم جععوس خلل الععديار ل‬
‫قتل ‪ ،‬ذكره القشيري أبو نصر ‪ ،‬وذكر المهدوي ‪ :‬عن مجاهد أنه‬
‫جاءهم بختنصر ‪ ،‬فهزمه بنو إسرائيل ثم جععاءهم ثانيععة ‪ ،‬فقتلهععم‬
‫ودمرهععم تععدميرا ‪ ،‬ورواه ابععن أبععي نجيععح عععن مجاهععد ذكععره‬
‫النحاس ‪ ،‬وقال محمد بن إسحاق في خبر فيه طول ‪ :‬إن المهزوم‬
‫سنحاريب ملك بابل ‪ ،‬جاء ومعه ستمائة ألف راية تحت كل رايععة‬
‫ألف فارس ‪ ،‬فنزل حول بيت المقدس فهزمه ال تعالى ‪ ،‬فرجعععوا‬
‫إلععى بابععل ‪ ،‬ثععم مععات سععنحاريب بعععد سععبع سععنين ‪ ،‬واسععتخلف‬
‫بختنصر وعظمت الحداث في بني إسرائيل ‪ ،‬واستحلوا المحععارم‬
‫وقتلوا نبيهم شعيا ‪ ،‬فجععاءهم بختنصععر ودخععل هععو وجنععوده بيععت‬
‫المقدس ‪ ،‬وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم ‪ ،‬وقال ابن عباس وابن‬
‫‪36‬‬

‫مسعود ‪ :‬أول الفساد قتل زكريا ‪ ،‬وقال ابن إسحاق ‪ :‬فسادهم فععي‬
‫المرة الولى قتل شعيا نبي ال في الشجرة ‪ ،‬وذكر ابن إسععحاق ‪:‬‬
‫أن بعض العلماء ‪ ،‬أخبره أن زكريا مات موتععا ‪ ،‬ولععم يقتععل وإنمععا‬
‫المقتول شعيا ‪ ،‬وقال سعيد بن جبير ‪ :‬في قوله تعععالى ) ثععم بعثنععا‬
‫عليكععم عبععادا لنععا أولععي بععأس شععديد فجاسععوا خلل الععديار ( هععو‬
‫سنحاريب من أهل نينوى بالموصععل ملععك بابععل ‪ ،‬وهععذا خلف مععا‬
‫قال ابن إسحاق ‪ ،‬فال أعلم وقيععل ‪ :‬إنهععم العمالقععة وكععانوا كفععارا‬
‫قاله الحسن ‪.‬‬
‫من تفسير ابن كثير ‪:‬‬
‫وقعععد اختلعععف المفسعععرون معععن السعععلف والخلعععف ‪ ،‬فعععي هعععؤلء‬
‫المسلطين عليهم من هم ‪ ،‬فعن ابن عبععاس وقتععادة ‪ :‬أنععه جععالوت‬
‫الجزري وجنوده ‪ ،‬سععلط عليهععم أول ثععم أديلععوا عليععه بعععد ذلععك ‪،‬‬
‫وقتل داود جالوت ‪ ،‬ولهذا قال ) ثم رددنا لكم الكرة عليهم ( الية‬
‫‪ ،‬وعن سعيد بن جبير ‪ :‬أنه ملععك الموصععل سععنحاريب وجنععوده ‪،‬‬
‫وعنه أيضا وعن غيره ‪ :‬أنه بختنصر ملك بابل ‪ ،‬وقععد وردت فععي‬
‫هذا آثععار كععثيرة إسععرائيلية ‪ ،‬لععم أر تطويععل الكتععاب بععذكرها ‪ ،‬لن‬
‫منها ما هو موضوع من وضععع بعععض زنععادقتهم ‪ ،‬ومنهععا مععا قععد‬
‫يحتمل أن يكون صععحيحا ‪ ،‬ونحععن فععي غنيععة عنهععا ولع الحمععد ‪،‬‬
‫وفيما قص ال علينا في كتابه غنية ‪ ،‬عما سواه من بقيععة الكتععب‬
‫قبله ‪ ،‬ولم يحوجنا ال ول رسععوله إليهععم ‪ ،‬وقععد أخععبر الع عنهععم‬
‫أنهم لما طغوا وبغوا سلط ال عليهم عدوهم ‪ ،‬فاسععتباح بيضععتهم‬
‫وسلك خلل بيععوتهم ‪ ،‬وأذلهععم وقهرهععم جععزاء وفاقععا ‪ ،‬ومععا ربععك‬
‫بظلم للعبيد ‪ ،‬فإنهم كانوا قد تمردوا ‪ ،‬وقتلععوا خلقععا مععن النبيععاء‬
‫والعلماء ‪ ،‬وقد روى ابن جرير ‪ :‬حدثني يونس بن عبد العلععى ‪،‬‬
‫‪37‬‬

‫حععدثنا ابععن وهععب ‪ ،‬أخععبرني سععليمان بععن بلل ‪ ،‬عععن يحيععى بععن‬
‫سعيد ‪ ،‬قال ‪ :‬سمعت سعيد بن المسععيب ‪ ،‬يقععول ‪ :‬ظهععر بختنصععر‬
‫على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم ‪ ،‬ثم أتى دمشق فوجد بها‬
‫دما يغلي على كبا ‪ ،‬فسعألهم معا هعذا العدم ؟ فقعالوا أدركنعا آباءنعا‬
‫على هذا ‪ ،‬وكلما ظهر عليه الكبا ظهر ‪ ،‬قال ‪ :‬فقتل على ذلك الدم‬
‫سبعين ألفعا معن المسعلمين وغيرهعم ‪ ،‬فسعكن وهعذا صعحيح إلعى‬
‫سعععيد بععن المسععيب ‪ ،‬وهععذا هععو المشععهور وأنععه قتععل أشععرافهم‬
‫وعلماءهم ‪ ،‬حتى أنه لم يبق من يحفظ التوراة ‪ ،‬وأخذ معه منهععم‬
‫خلقععا كععثيرا أسععرى مععن أبنععاء النبيععاء وغيرهععم ‪ ،‬وجععرت أمععور‬
‫وكوائن يطول ذكرها ‪ ،‬ولو وجدنا ما هو صععحيح أو مععا يقععاربه ‪،‬‬
‫لجاز كتابته وروايته وال أعلم ‪.‬‬
‫من تفسير الطبري ‪:‬‬
‫فكان أول الفسادين قتععل زكريععا ‪ ،‬فبعععث الع عليهععم ملععك النبععط ‪،‬‬
‫فخععرج بختنصععر حيععن سععمع ذلععك منهععم ‪ ،‬ثععم إن بنععي إسععرائيل‬
‫تجهزوا فغزوا النبط ‪ ،‬فأصابوا منهم واستنقذوا مععا فععي أيععديهم ‪،‬‬
‫قال ابن زيد ‪ :‬كان إفسادهم الععذي يفسععدون فععي الرض مرتيععن ‪،‬‬
‫قتل زكريا ويحيى بن زكريا ‪ ،‬سلط ال عليهم سابور ذا الكتاف ‪،‬‬
‫ملكا مععن ملععوك النبععط فععي الولععى ‪ ،‬وسععلط عليهععم بختنصععر فععي‬
‫الثانية ‪.‬‬
‫عن حذيفة بن اليمان ‪ ،‬يقول ‪ :‬قال رسول ال ‪ :‬إن بنععي إسععرائيل‬
‫لما اعتدوا وعلوا وقتلوا النبياء ‪ ،‬بعععث ال ع عليهععم ملععك فععارس‬
‫بختنصر ‪ ،‬وكان ال قد مّلكه سععبع مئة سععنة ‪ ،‬فسععار إليهععم حععتى‬
‫دخل بيععت المقععدس ‪ ،‬فحاصععرها وفتحهععا ‪ ،‬وقتععل علععي دم زكريععا‬
‫ي بيععت‬
‫سبعين ألفا ‪ ،‬ثععم سععبى أهلهععا وبنععي النبيععاء ‪ ،‬وسععلب حلع ّ‬
‫‪38‬‬

‫المقععدس ‪ ،‬واسععتخرج منهععا سععبعين ألفععا ومئة ألععف عجلععة مععن‬
‫ي ‪ ،‬حتى أورده بابل ‪ ،‬قال حذيفة ‪ :‬فقلت يععا رسععول ال ع ‪ ،‬لقععد‬
‫حل ّ‬
‫كان بيت المقدس عظيما عند ال ‪ ،‬قععال ‪ :‬أجععل بنععاه سععليمان بععن‬
‫داود ‪ ،‬من ذهب ودر وياقوت وزبرجد ‪ ،‬وكععان بلطععه بلطععة مععن‬
‫ذهب وبلطة من فضة وعمده ذهبا ‪ ،‬أعطاه ال ذلك ‪ ،‬وسخر لععه‬
‫الشياطين ‪ ،‬يأتونه بهذه الشياء في طرفة عين ‪ ،‬فسار بختنصععر‬
‫بهذه الشياء ‪ ،‬حتى نزل بها بابل ‪ ،‬فأقام بنوا إسععرائيل فععي يععديه‬
‫مئة سععنة ‪ ،‬تعععذبهم المجععوس وأبنععاء المجععوس ‪ ،‬فيهععم النبيععاء‬
‫وأبناء النبياء ‪ ،‬ثم إن ال رحمهم ‪ ،‬فأوحى إلععى ملععك مععن ملععوك‬
‫فارس ‪ ،‬يقععال لععه كععورش وكععان مؤمنععا ‪ ،‬أن سععر إلععى بقايععا بنععي‬
‫إسرائيل حتى تستنقذهم ‪ ،‬فسار كورش ببني إسرائيل وحلي بيععت‬
‫المقععدس ‪ ،‬حععتى رده إليععه فأقععام بنععوا إسععرائيل مطيعيععن ل ع مئة‬
‫سعععنة ‪ ،‬ثعععم إنهعععم ععععادوا فعععي المعاصعععي ‪ ،‬فسعععلط الععع عليهعععم‬
‫ابطيععانحوس ‪ ،‬فغععزا بأبنععاء مععن غععزا مععع بختنصععر ‪ ،‬فغععزا بنععي‬
‫إسرائيل حععتى أتععاهم بيععت المقععدس ‪ ،‬فسععبى أهلهععا وأحععرق بيععت‬
‫المقدس ‪ ،‬وقال لهم يا بني إسرائيل ‪ ،‬إن عدتم في المعاصي عدنا‬
‫عليكم بالسباء ‪ ،‬فعادوا في المعاصي ‪ ،‬فسعّير الع عليهععم السععباء‬
‫الثالث ملك رومية ‪ ،‬يقال لعه قعاقس بعن إسعبايوس ‪ ،‬فغزاهعم فعي‬
‫البر والبحر ‪ ،‬فسباهم وسبى حلععي بيععت المقععدس ‪ ،‬وأحععرق بيععت‬
‫المقدس بالنيران ‪ ،‬فقال رسول الع ‪ :‬هععذا مععن صععنعة حلععي بيععت‬
‫المقدس ‪ ،‬ويرده المهدي إلععى بيععت المقععدس ‪ ،‬وهععو ألععف سععفينة‬
‫وسبع مئة سفينة ‪ ،‬يرسى بهععا علععى يافععا ‪ ،‬حععتى تنقععل إلععى بيععت‬
‫المقدس ‪ ،‬وبها يجمع ال الولين والخرين " ‪.‬‬
‫ثم اختلف أهل التأويععل ‪ ،‬فععي الععذين عنععى الع بقععوله أولععي بععأس‬
‫شديد ‪ ،‬فيما كان من فعلهم ‪ ،‬في المرة الولى في بني إسععرائيل ‪،‬‬
‫‪39‬‬

‫حين بعثوا عليهم ‪ ،‬ومن الذين بعععث عليهععم فععي المععرة الخععرة ‪،‬‬
‫وما كان من صععنعهم بهععم ‪ ،‬فقععال بعضععهم ‪ :‬كععان الععذي بعععث الع‬
‫عليهم في المرة الولى جالوت ‪ ،‬وهو من أهععل الجزيععرة ‪ ،‬وفيمععا‬
‫روي عن ابن عبععاس قععوله ‪ :‬بعععث الع عليهععم جععالوت ‪ ،‬فجععاس‬
‫خلل ديععارهم ‪ ،‬وضععرب عليهععم الخععراج والععذل ‪ ،‬فسععألوا الع أن‬
‫يبعث لهم ملكا ‪ ،‬يقاتلون في سبيل ال فبعث ال طالوت ‪ ،‬فقععاتلوا‬
‫جععالوت فنصععر ال ع بنععي إسععرائيل ‪ ،‬وقتععل جععالوت بيععدي داود ‪،‬‬
‫ورجع الع إلعى بنعي إسعرائيل ُملكهععم ‪ ،‬وقعال آخعرون ‪ :‬بععل بعععث‬
‫عليهم في المرة الولععى سععنحاريب ‪ ،‬وفيمععا روي عععن سعععيد بععن‬
‫المسيب يقول ‪ :‬ظهر بختنصر علععى الشععام فخععرب بيععت المقععدس‬
‫وقتلهم ‪ ،‬وقال آخرون ‪ :‬يعني بذلك قوما من أهل فارس ‪ ،‬قالوا ‪:‬‬
‫ولم يكن في المرة الولى قتال ‪ ) ،‬ثم رددنععا لكععم … ( وفععي قععول‬
‫ابن عباس ‪ ،‬الععذي رواه عطيععة عنععه ‪ ،‬هععي إدالععة الع إيععاهم مععن‬
‫عدوهم جالوت حتى قتلوه ‪ ،‬وكان مجيء وعد المرة الخرة عنععد‬
‫قتلهم يحيى ‪ ،‬بعث عليهم بختنصر ‪ ،‬وخّرب بيت المقدس ‪ ،‬وأمععر‬
‫به أن تطرح فيه الجيف ‪ ،‬وأعانه على خرابه الروم ‪ ،‬فلما خربععه‬
‫ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وأشرافهم ‪ ،‬وذهب بععدانيال وعليععا‬
‫وعزاريا وميشائيل ‪ ،‬وهؤلء كلهم من أولد النبياء ‪.‬‬
‫وفيما روي عن سعيد بن جبير ‪ ،‬قال ‪ :‬بعث ال عليهم فععي المععرة‬
‫الولى سنحاريب ‪ ،‬قال ‪ :‬فرّد الع لهععم الكععرة عليهععم كمععا أخععبر ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬ثم عصوا ربهم ‪ ،‬وعادوا لما نهوا عنه ‪ ،‬فبعععث عليهععم فععي‬
‫المرة الخرة بختنصر ‪ ،‬فقتل المقاتلععة وسععبى الذريععة ‪ ،‬وأخععذ مععا‬
‫وجد من الموال ‪ ،‬ودخلوا بيت المقدس ‪ ،‬كما قال ال عز وجعل ‪،‬‬
‫ودخلوه فتّبروه وخّربوه ‪ ،‬فرحمهععم فععرّد إليهععم ملكهععم ‪ ،‬وخّلععص‬
‫من كان في أيديهم من ذرية بنعي إسععرائيل ‪ ،‬وعععن مجاهععد قععال ‪:‬‬
‫‪40‬‬

‫بعث ال ملك فارس ببابل جيشا ‪ ،‬وأمععر عليهععم بختنصععر ‪ ،‬فععأتوا‬
‫بني إسرائيل فدمروهم فكانت هذه الخرة ووعدها ‪ .‬وعععن قتععادة‬
‫قوله ‪ :‬فبعث ال عليهم في الخرة ‪ ،‬بختنصر المجوسي البابلي ‪،‬‬
‫أبغض خلق ال إليه ‪ ،‬فسبا وقتل وخّرب بيت المقدس ‪ ،‬وسععامهم‬
‫سوء العذاب ‪ ،‬وفيما روي عن ابن عبععاس قععال ‪ :‬فلمععا أفسععدوا ‪،‬‬
‫بعث ال عليهم في المرة الخرة ‪ ،‬بختنصر فخرب المساجد " ‪.‬‬
‫من تفسير البغوي ‪:‬‬
‫قال قتععادة ‪ :‬إفسععادهم فععي المععرة الولععى ‪ ،‬مععا خععالفوا مععن أحكععام‬
‫التوراة وركبوا المحارم ‪ ،‬وقال ابن إسحاق ‪ :‬إفسادهم فععي المععرة‬
‫الولى قتععل إشعععياء فععي الشععجرة وارتكععابهم المعاصععي ‪ ) ،‬بعثنععا‬
‫عليكم عبادا لنا ( ‪ ،‬قال قتادة ‪ :‬يعني جععالوت الجععزري وجنععوده ‪،‬‬
‫وهو الذي قتله داود ‪ ،‬وقال سعيد بن جبير ‪ :‬يعني سنحاريب مععن‬
‫أهل نينععوى ‪ ،‬وقععال ابععن إسعحاق ‪ :‬بختنصععر البععابلي وأصععحابه ‪،‬‬
‫وهو الظهر ‪ ) ،‬فإذا جاء وعد الخرة ( وذلك قصدهم قتل عيسى‬
‫عليععه السععلم ‪ ،‬حيععن رفععع ‪ ،‬وقتلهععم يحيععى بععن زكريععا عليهمععا‬
‫السلم ‪ ،‬فسلط عليهم الفرس والروم خردوش وطيطوس ‪ ،‬حععتى‬
‫قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم ‪.‬‬
‫من تفسير الشوكاني ‪:‬‬
‫والمرة الولى ‪ ،‬قتل شعياء ‪ ،‬أو حبس أرمياء ‪ ،‬أو مخالفة أحكععام‬
‫التوراة ‪ ،‬والثانية قتل يحيى بن زكريا ‪ ،‬والعزم على قتل عيسى ‪،‬‬
‫) عبادا لنا ( قيل هو بختنصر وجنوده ‪ ،‬وقيل جالوت ‪ ،‬وقيل جند‬
‫من فارس ‪ ،‬وقيععل جنععد مععن بابععل ‪ ،‬والمععرة الخععرة ‪ ،‬هععى قتلهععم‬
‫يحيى ابن زكريا ‪ ) ،‬وإن عدتم ( قال أهل السير ‪ ،‬ثم إنهععم عععادوا‬
‫إلى ما ل ينبغي ‪ ،‬وهو تكذيب محمد صلى ال عليه وآلعه وسعلم ‪،‬‬
‫‪41‬‬

‫وكتمان ما ورد مععن بعثععه فععى التععوراة والنجيععل ‪ ،‬فعععاد الع إلععى‬
‫عقوبتهم على أيدي العرب ‪ ،‬فجععرى علععى بنععي قريظععة والنضععير‬
‫وبنععي قينقععاع وخيععبر ‪ ،‬مععا جععرى مععن القتععل والسععبي ‪ ،‬والجلء‬
‫وضرب الجزية ‪ ،‬على من بقي منهم ‪ ،‬وضرب الذلة والمسكنة ‪.‬‬
‫من تفسير اللوسي ‪:‬‬
‫واختلف في تعييعن هعؤلء العبعاد فعي إفسعادهم الول ‪ ،‬فععن ابعن‬
‫عباس وقتادة ‪ ،‬هم جععالوت الجععزري وجنععوده ‪ ،‬وقععال ابععن جععبير‬
‫وابن إسحاق هم سنحاريب ملك بابل وجنوده ‪ ،‬وقيل هم العمالقععة‬
‫‪ ،‬وفععي العلم للسععهيلي ‪ ،‬هععم بختنصععر عامععل لهراسععف ‪ ،‬أحععد‬
‫ملوك الفرس الكيانية ‪ ،‬على بابل والروم وجنوده ‪ ،‬بعثعوا عليهعم‬
‫حين كذبوا أرميا وجرحوه وحبسوه ‪ ،‬قيل وهو الحق ‪.‬‬
‫واختلف في تعيين هؤلء العبععاد المبعععوثين ‪ ،‬بعععد أن ذكععروا قتععل‬
‫يحيى عليه السلم فععي إفسععادهم الخيععر ‪ ،‬فقععال غيععر واحععد إنهععم‬
‫بختنصر وجنوده ‪ ،‬وتعقبه السهيلي وقال بأنه ل يصح ‪ ،‬لن قتععل‬
‫يحيى بعد رفع عيسى عليهما السلم ‪ ،‬وبختنصر كان قبل عيسععى‬
‫عليععه السععلم بزمععن طويععل ‪ ،‬وقيععل السععكندر وجنععوده ‪ ،‬وتعقبععه‬
‫أيضا وقال ‪ :‬بأن بين السكندر وعيسععى عليععه السععلم نحععوا مععن‬
‫ثلثمائة سنة ‪ ،‬ثم قال لكنه إذا قيل إن إفسادهم في المرة الخيععرة‬
‫بقتل شعيا ‪ ،‬جاز أن يكون المبعوث عليهم بختنصععر ومععن معععه ‪،‬‬
‫لنه كان حينئذ حيا ‪ ،‬والذي ذهب إليه اليهععود ‪ ،‬أن المبعععوث أول‬
‫بختنصر ‪ ،‬وكان في زمن آرميا عليه السلم ‪ ،‬وقد أنذرهم مجيئه‬
‫صريحا ‪ ،‬بعد أن نهاهم عن الفساد وعبادة الصنام ‪ ،‬كما نطق به‬
‫كتابه ‪ ،‬فحبسوه في بئر وجرحوه ‪ ،‬وكان تخريبه لبيت المقدس ‪،‬‬
‫في السنة التاسعة عشر من حكمه ‪ ،‬وبين ذلك وهبععوط آدم ثلثععة‬
‫‪42‬‬

‫آلف وثلثمائة وثماني وثلثين سنة ‪ ،‬وبقي خرابا سبعين سععنة ‪،‬‬
‫جععه وزيععره طيطععوس إلععى‬
‫ثععم إن أسععبيانوس قيصععر الععروم ‪ ،‬و ّ‬
‫خرابه ‪ ،‬فخربه سنة ثلثععة آلف وثمانمععائة وثمانيععة وعشععرين ‪،‬‬
‫فيكون بيععن البعععثين عنععدهم أربعمععائة وتسعععون سععنة ‪ ،‬وتفصععيل‬
‫الكلم في ذلك في كتبهم ‪ ،‬وال تعالى أعلم بحقيقة الحال ‪.‬‬
‫وقال اللوسي ‪ " :‬ونعم ما قيععل إن معرفععة القععوام المبعععوثين ‪،‬‬
‫بأعيانهم وتاريخ البعث ونحوه ‪ ،‬مما ل يتعلق بععه كععبير غععرض ‪،‬‬
‫إذ المقصود أنه لما كثرت معاصيهم ‪ ،‬سلط ال تعالى عليهععم مععن‬
‫ينتقععم منهععم مععرة بعععد أخععرى ‪ ،‬وظععاهر اليععات يقتضععي اتحععاد‬
‫المبعوثين أول وثانيا "‬
‫ونقول ‪ :‬نتفق مع اللوسي في بعض ما ذهب إليه ‪ ،‬ونختلف معه‬
‫في التقليل من شأن المبعوثين ‪ ،‬التي ما أخبر بهععا سععبحانه ‪ ،‬فععي‬
‫كتابه العزيز إّل لكبير غرض ‪ ،‬وهو إثبات أن هذا القران من لدن‬
‫لم الغيوب ‪ ،‬لمن هم في شك يلعبون من المسععلمين وغيرهععم ‪،‬‬
‫عّ‬
‫فهذه النبوءة تحكععي واقعععا نعاصععره الن ‪ ،‬بكععل تفاصععيله ) َوُكعّل‬
‫ل ( ومعرفة وتحديد المرتين ‪ ،‬أمر فععي غايععة‬
‫صي ً‬
‫صْلَناُه َتْف ِ‬
‫شيٍْء َف ّ‬
‫َ‬
‫الهمية ‪ .‬مع أن عبارته الخيرة – رحمه ال ‪ -‬في النص السابق‬
‫سععر‬
‫‪ ،‬التي أكد فيها " اتحاد المبعوثين أول وثانيا " ‪ ،‬وهععو المف ّ‬
‫الوحيد من القدماء ‪ ،‬الذي أشار صراحة إلى هذا المر ‪ ،‬أعطتني‬
‫دفعة كبيرة للمضي قدما في هععذا البحععث ‪ ،‬حيععث كنععت قععد تتبعععت‬
‫الضمائر الواردة في اليعات ‪ ،‬وتأكعدت معن هعذا المعر فعي بدايعة‬
‫البحث ‪ ،‬فقععد أّيععدت هععذه العبععارة ‪ ،‬جانبععا مععن الفكععار الععتي كنععت‬
‫أحملها ‪ ،‬فيمععا يتعلععق بهععذه النبععوءة ‪ ،‬بعععدما تععبّين لععي مععن خلل‬
‫ن فنععاء دولععة‬
‫الحاديث النبوية ‪ ،‬التي ذكرتها في بداية البحععث ‪ ،‬أ ّ‬
‫إسععرائيل ‪ ،‬سععيكون قبععل قيععام الخلفععة السععلمية ‪ ،‬الععتي مععا زال‬
‫‪43‬‬

‫عامععة المسععلمين ‪ ،‬ينتظععرون ويععأملون قيامهععا ‪ ،‬للقضععاء عليهععم‬
‫وإنهاء وجودهم ‪ .‬وبما أن المبعوثين عليهم أول وثانيا متحدين ‪،‬‬
‫فذلك يعني أن معرفتنا لمن ُبعث عليهم أول ‪ ،‬ستقودنا بالضرورة‬
‫لمعرفة من سيبعث عليهم ثانيا ‪ ،‬وثالثعا للكشعف ععن الكععثير ممععا‬
‫أحععاط هععذه النبععوءة مععن غمععوض ‪ ،‬كععان سععببا فععي كععثير مععن‬
‫التفسيرات المغلوطة ‪ ،‬التي أوقعت ُأناس هذا العصر ‪ ،‬في الحيرة‬
‫والرتباك ‪.‬‬
‫كان هذا عرضا لمجمل ما قاله المفسععرين ‪ ،‬أجّلهععم الع ورحمهععم‬
‫جميعا ‪ ،‬مع الخذ بعين العتبار أن أحدا منهععم ‪ ،‬لععم يعاصععر قيععام‬
‫دولة اليهود للمرة الثانية ‪ ،‬وكان أكععثرهم حداثععة ‪ ،‬هععو اللوسععي‬
‫الذي توفي سنة ‪ 1227‬هجععري ‪ ،‬والملحععظ مععن أقععوالهم ‪ ،‬أنهععم‬
‫أجمعوا على أن تحّقق المرتين ‪ ،‬كان قبل السلم ‪ ،‬ونسبة إحدى‬
‫المرتين ‪ ،‬إلى البعابليين وبقيعادة بختنصععر ) نبوخعذ نصعر ( علععى‬
‫الغلععب ‪ ،‬وهععو الحععدث المشععهور تاريخيععا بمععا ُيس عّمى ) السععبي‬
‫البابلي ( ‪.‬‬
‫ومعظم ما تقّدم من روايات هي أخبار موقوفة ‪ ،‬على أصععحابها ‪،‬‬
‫وأصععلها أهععل التععوراة ‪ ،‬حيععث أنهععا المصععدر الوحيععد لمثععل هععذه‬
‫الروايععات ‪ ، ،‬والععتي امتلت التفاسععير منهععا ‪ ،‬وهععي ليسععت ممععا‬
‫ُيرجعع إليعه معن الحكعام ‪ ،‬العتي يجعب بهعا العمعل ‪ ،‬فُتتحعرى فعي‬
‫صحتها أو كذبها ‪ ،‬لذلك تساهل كثير معن المفسعرون فععي نقلهعا ‪،‬‬
‫وهي في بعض منها أقرب إلى الخرافة ‪.‬‬
‫سععرين ‪ ،‬فقععد أعععاد أغلبهععم نسععخ أقععوال‬
‫أّما المعاصععرين مععن المف ّ‬
‫القدماء بشكل مختصر ‪ ،‬وأضافوها إلى كتبهم ‪ ،‬ولم يععأتوا بجديععد‬
‫إل واحدا ‪ ،‬هو الشيخ سعيد حوى رحمه ال ‪ ،‬حيث أعلمنععي أحععد‬
‫‪44‬‬

‫الزملء بذلك ‪ ،‬عندما عرضععت عليععه بعععض نتععائج هععذا البحععث ‪،‬‬
‫فقال لي بععأن إحععدى النتععائج الععتي خرجععت بهععا ‪ ،‬كععان الشععيخ قععد‬
‫طلعععت علععى تفسععيره لهععذه اليععات‬
‫أوردهععا فععي تفسععيره ‪ ،‬وقععد ا ّ‬
‫مؤخرا ‪ ،‬فوجدت بأن الشيخ ‪ ،‬ق عّدمها كاحتمععال موسععوم بالشععك ‪،‬‬
‫ولكنا نطرحها علععى وجععه اليقيععن ‪ ،‬الععذي ل ُيخععالطه شععك ‪ ،‬بععإذن‬
‫ال ‪.‬‬
‫أما أناس هذه اليام ‪ ،‬ممن علم أو لم يعلم ‪ ،‬فقد جاءوا بتفسيرات‬
‫وأقوال شتى في هذه اليات ‪ ،‬منهععا مععا وافععق تفسععيرات القععدماء‬
‫وأقععوالهم مععن جععانب ‪ ،‬وخالفهععا فععي جععوانب آخععرى ‪ ،‬ومنهععا مععا‬
‫خالفها جملة وتفصيل ‪.‬‬
‫بعض مننن أسننباب الضننطراب والرتبنناك ‪،‬‬
‫في تفسير آيات سورة السراء ؟‬
‫هجر القرآن‬
‫القرآن في العادة ‪ ،‬ل ُيقرأ من قبل عاّمة المسلمين ‪ ،‬هذه اليععام ‪،‬‬
‫إل ما رحم ربي ‪ ،‬وإن ُقرء ‪ ،‬فهي قراءة بل تفّكر أو تدّبر ‪ ،‬حععتى‬
‫أصبحنا إذا سمعناه ‪ ،‬يصدر من أحد البيوت ‪ ،‬فععي ح عيّ أو شععارع‬
‫قريب ‪ ،‬تساءلنا فيما إذا كان أحدهم قد مات ‪ ،‬قععال تعععالى ) َوَي عْوَم‬
‫ل)‬
‫س عِبي ً‬
‫سععوِل َ‬
‫ت َمَع الّر ُ‬
‫خْذ ُ‬
‫عَلى َيَدْيِه َيُقوُل َياَلْيَتِني اّت َ‬
‫ظاِلُم َ‬
‫ض ال ّ‬
‫َيَع ّ‬
‫ن الّذْكرِ‬
‫عْ‬
‫ضّلِني َ‬
‫ل )‪َ (28‬لَقْد َأ َ‬
‫خِلي ً‬
‫لًنا َ‬
‫خْذ ُف َ‬
‫‪َ (27‬يَوْيَلِتي َلْيَتِني َلْم َأّت ِ‬
‫سععوُل‬
‫خُذوًل )‪َ (29‬وَقاَل الّر ُ‬
‫ن َ‬
‫سا ِ‬
‫لن َ‬
‫ن ِل ِْ‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫ن ال ّ‬
‫جاَءِني َوَكا َ‬
‫َبْعَد ِإْذ َ‬
‫جععوًرا )‪ 30‬الفرقععان ( ‪.‬‬
‫ن َمْه ُ‬
‫خ عُذوا َه عَذا اْلُق عْرآ َ‬
‫ن َق عْوِمي اّت َ‬
‫َي عَربّ ِإ ّ‬
‫وهجر القعرآن نبعوءة ‪ ،‬وقععد تحققعت فعي زماننعا هعذا ‪ ،‬وأّنعى لنعا‬
‫هذا ‪ ،‬فالتفكر والتدبر في أمور الحياة الدنيا ‪ ،‬أشغلنا وأغنانا عععن‬
‫الخرة ‪ ،‬التي ما خل من القرآن موضع ‪ ،‬إل وذّكرنا بهععا ‪ ،‬وهععذا‬
‫‪45‬‬

‫أخشى ما نخشاه ‪ ،‬لننا ل نريد أن نتذّكر ‪ ،‬لكيل نتأّلم من المصير‬
‫المرعب ‪ ،‬الذي نسجناه بأيدينا ‪ ،‬والذي إن تععذّكرناه ‪ ،‬لععم يغمععض‬
‫لنا جفن ‪ ،‬ولم ترقأ لنا عين ‪.‬‬
‫تجمينند القننرآن وتعطيلننه وفصننله عننن‬
‫الواقع ‪ ،‬ماضيا وحاضرا ومستقبل‬
‫يذهب كثير من الناس ‪ ،‬من علماء وعاّمة ‪ ،‬إلععى أن فهععم القععرآن‬
‫واكتشاف مكنونععاته ‪ ،‬مقصععور علععى فئة معينععة مععن النععاس دون‬
‫غيرهم ‪ ،‬أو في زمان أو مكان دون آخععر ‪ .‬بععالرغم مععن أن هنععاك‬
‫الكثير من التفسيرات الخاطئة ‪ ،‬والروايات المضّللة أحيانععا ‪ ،‬فععي‬
‫حح لغايععة الن ‪ .‬ونحععن‬
‫كتععب التفسععير القديمععة ‪ ،‬والععتي لععم تص ع ّ‬
‫باعتمادنا بشكل كّلي على تفسيرات القدماء ‪ ،‬حرمنععا أنفسععنا مععن‬
‫فهم كثير من اليات ‪ ،‬ذات الصععلة بواقعنععا المعاصععر ‪ ،‬والععتي مععا‬
‫كان لحد من المفسرين قديما ‪ ،‬القدرة على تفسيرها ‪ ،‬فععي زمععن‬
‫يسبق زماننا هذا ‪ ،‬ول نقصد هنا التعريض بأي حال من الحععوال‬
‫‪ ،‬بأي من المفسرين أجّلهم ال ‪ ،‬فكل له عععذره وأسععبابه ‪ ،‬ولكععن‬
‫نريد أن نؤكد من خلل هذا الكتاب أن القععرآن مععا زال حّيععا ‪ ،‬ومععا‬
‫زالت لديه القدرة ‪ ،‬على التيان بجديععد حععتى قيععام السععاعة ‪ ،‬ولععم‬
‫يكن فهم القرآن يوما ‪ ،‬ولن يكون محصععورا ‪ ،‬بزمععان أو مكععان ‪،‬‬
‫أو أشخاص دون غيرهم ‪.‬‬
‫الغموض والبهام فنني نصننوص النبننوءات‬
‫المستقبلية‬
‫عععادة ل ُتسععتخدم النصععوص الصععريحة ‪ ،‬فععي الكتععب السععماوية ‪،‬‬
‫وفي السنة النبوية ‪ ،‬كأسلوب للخبار عععن مضععامين النبععوءات ‪،‬‬
‫فعادة معا ُيسعتعمل الوصعف والتشعبيه والتمثيعل ‪ .‬وهعذا هعو حعال‬
‫‪46‬‬

‫مجمل النبوءات المستقبلية ‪ ،‬تبقى بعض نصوصها عصععية علععى‬
‫سععر‬
‫الفهم ‪ ،‬حتى تتمكن من تجسيد نفسها على أرض الواقع ‪ ،‬لتف ّ‬
‫نفسها بنفسها ‪ .‬فلكتمال معالمها ‪ ،‬أسباب ومسببات ‪ ،‬ل بععد لهععا‬
‫من أخذ مجراها الطبيعي ‪ .‬وعادة ما تكون في جانب منها مبهمععة‬
‫‪ ،‬خاصة للطععرف صععاحب الععدور الكععبر ‪ ،‬بترجمععة أحععداثها علععى‬
‫أرض الواقع ‪.‬‬
‫وفي المقابل تبقى بعض نصوصها سععهلة للهضععم والفهععم ‪ ،‬لمععن‬
‫جاءت في كتبهم ‪ ،‬إذا عاصععروها ‪ ،‬ولكععن بالَقعْدِر الععذي ل يسععمح‬
‫لهععم ‪ ،‬بالتععدخل فععي مجرياتهععا ‪ ،‬أو تعطيععل السععباب والمسععببات‬
‫المؤدية لتحّققها ‪ .‬ولتبقععى قععدرتهم علععى التععدخل مقّيععدة ‪ ،‬بمععا لععم‬
‫يعرفوه يقينا ‪ ،‬مما ُأبهم عليهم من نصوص النبوءة ‪ .‬ومثال ذلععك‬
‫ما جاء في كتب اليهععود والنصععارى ‪ ،‬مععن نصععوص تبشّععر بنبععوة‬
‫سيدنا محمد عليه الصلة والسلم ‪ .‬وبالرغم من كثرة النصععوص‬
‫التي أخبرت عنه ‪ ،‬لم يستطع اليهود الستدلل عليععه يقينععا ‪ ،‬قبععل‬
‫ظهور أمره ‪ ،‬وإل لقتلوه ‪ .‬وصععاحب النبععوة لععم يكععن يعلععم ‪ ،‬بععأنه‬
‫المقصود بنبععوءات أهععل الكتععاب ‪ ،‬قبععل أن يتنعّزل عليععه الععوحي ‪،‬‬
‫وحتى اسمه ) محمد ( عليه الصلة والسلم ‪ ،‬جاء مغايرا لسمه‬
‫) أحمد ( الموجود في كتبهم ‪ ،‬حيث جاء بالمعنى وليععس بععاللفظ ‪.‬‬
‫سععر جميععع‬
‫وبعععدما ُبعععث ‪ ،‬ومععع مععرور الزمععن ‪ ،‬بععدأ الواقععع ُيف ّ‬
‫النصوص التي كانت بحوزتهم شيئا فشيئا ‪ .‬أما قريش فمععا كععانت‬
‫ُتصّدق من نبوءات أهل الكتاب شيئا ‪.‬‬
‫وحتى لو ُكشفت مضامين النبوءات ‪ ،‬عنععد اكتمععال معععالم القععدر ‪،‬‬
‫وقبل تحقععق الفصععل الخيععر منهععا ‪ ،‬كععان مععن الصعععب علععى ذوي‬
‫العلقة ‪ ،‬إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ‪ ،‬من أجل التأثير على‬
‫مجريات أحداثها ‪ ،‬أو منع تحّققها ‪ ،‬وخاصععة أن معظععم النبععوءات‬
‫‪47‬‬

‫إذا ُفسّرت ‪ ،‬وكان واقع الحال ل يتطابق مع التفسير ‪ ،‬وهععذا أمععر‬
‫طععبيعي جععدا ‪ ،‬فعععادة مععا ُيجععابه التفسععير بالنكععار والتكععذيب ‪ ،‬أو‬
‫التشكيك حتى ممن يعنيهم المر ‪ ،‬أو الظععن أن بالمكععان منعهععا ‪،‬‬
‫كما هو الحال عند بني إسرائيل ‪ ،‬الذين يعلمون هذه النبوءة علععم‬
‫اليقين ‪ ،‬وُيحععاولون جهععدهم منععع تحّققهععا ‪ ،‬كمععا حععاولوا جهععدهم‬
‫البحث ‪ ،‬ععن نبينععا عليععه الصععلة والسععلم ‪ ،‬لمنعع بعثععه وظهععور‬
‫أمره ‪ .‬وكما سيكون الحال مع كثير من الناس ‪ ،‬الععذين سععيقرأون‬
‫هذا الكتاب ‪ ،‬الذي نكشف فيه ملبسات تحّقق وعد الخععرة ‪ ،‬كمععا‬
‫لم تكن من قبل ‪ ،‬بعد أن تشابكت خيوطها ‪ ،‬واتصلت بإحكععام منععذ‬
‫سنين عدة ‪ ،‬ولكن الناس كانوا عنها غافلين ‪.‬‬
‫فهم اللفاظ ومدلولتها‬
‫في كثير من الحيان نفهم ألفاظ القرآن ‪ ،‬بالمعنى الذي نسععتخدمه‬
‫به في حياتنا المعاصرة ‪ ،‬وربما يكون هذا السععتخدام مختلععف أو‬
‫مخععالف تمامععا ‪ ،‬لسععتخدام العععرب القععدماء ‪ -‬الععذين نععزل القععرآن‬
‫بلغتهم ‪ -‬لنفس اللفظ ‪ ،‬مما يتسّبب فعي سعوء التفسعير أو الفهعم ‪.‬‬
‫صعَل ( ‪ ،‬فنحععن نسععتخدم هععذا‬
‫فعلى سبيل المثال ‪ ،‬لنأخععذ كلمععة ) َف َ‬
‫اللفظ تقريبععا بمعنععى واحععد ؛ َقطعَع التيععار ‪َ ،‬فعّرق مععا بيععن شععيئين‬
‫بشيء ثالث ‪ ،‬طرده من الوظيفة ‪ .‬أما العععرب القععدماء فقععد كععانوا‬
‫يستخدمونها بمعان شتى ‪ ،‬تفهم عادة من السعياق ‪ ،‬منهععا ؛ َقطعَع‬
‫ج ‪ ،‬ومععن هععذه المعععاني تسععتطيع تفسععير قععوله تعععالى‬
‫خَر َ‬
‫قو َ‬
‫وَفّر َ‬
‫جُنوِد )‪ 249‬البقععرة ( ‪ ،‬علععى أن طععالوت‬
‫ت ِبععاْل ُ‬
‫طععاُلو ُ‬
‫ص عَل َ‬
‫) َفَلّما َف َ‬
‫خرج بالجنود ‪.‬‬
‫وفي كثير من الحيان ‪ ،‬يحمل اللفظ الواحد في القععرآن ‪ ،‬مفهومععا‬
‫عامععا عريضععا ‪ ،‬وينععدرج تحتععه عععدة مفععاهيم خاصععة ‪ُ ،‬يعّرفهععا‬
‫‪48‬‬

‫صلها القرآن في مواضع عديدة ‪ .‬ومن هذه اللفاظ على سبيل‬
‫وُيف ّ‬
‫المثال ؛ الفساد والعلععو والفاحشععة والظلععم ‪ ،‬وهععذه كلهععا مفععاهيم‬
‫عامععة ‪ ،‬يختلععف تحديععد مواصععفاتها ومقاييسععها ‪ ،‬بععاختلف فهععم‬
‫الشععخص علععى سععبيل المثععال لماهّيععة اللفععظ ‪ .‬وإذا تركنععا الجابععة‬
‫للناس ‪ ،‬كٌل حسب رأيه ‪ ،‬ستجد أن هناك تعاريف عديدة ومتباينة‬
‫‪ ،‬أما القرآن فله تعريفه الخاص ‪.‬‬
‫فلنأخذ لفظ الظلم ‪ ،‬يقول سبحانه وتعالى ) َوَما ُكّنا ُمْهِلِكي اْلُقععَرى‬
‫ن )‪ 59‬القصص ( ‪ ،‬فما هي ماهيععة هعذا الظلعم ‪،‬‬
‫ظاِلُمو َ‬
‫ِإّل وََأْهُلَها َ‬
‫الذي يتحتم عليه إهلك القرى ؟ وكيف تسععتطيع القععرى أن تسععلم‬
‫من الهلك ‪ ،‬بما أن الظلم هو المقياس لذلك ‪ ،‬كما أخبر رب العزة‬
‫؟ ولفهم دللة هذا اللفظ ‪ ،‬يتحتم عليك أن ُتلّم بكل ُمتعّلقاته ‪ ،‬فععي‬
‫جميع اليات القرآنية ‪ ،‬التي ورد فيها ذكره ‪ ،‬لتخرج فععي النهايععة‬
‫بما ُيشبه المقياس ‪ ،‬الذي من خلله تستطيع تعريف هذا المفهوم‬
‫‪ ،‬بالمقياس اللهي له ‪ ،‬وليس بالمقاييس الشخصية للناس ‪.‬‬
‫اليجاز الشديد‬
‫مثعععل قعععوله تععععالى ) فجاسعععوا خلل العععديار ( ‪ ،‬حيعععث وصعععف‬
‫سبحانه ‪،‬كل ما فعله أولئك العباد ‪ ،‬في المرة الولى بثلث كلمات‬
‫فقط ‪ ،‬أو بالحرى كلمة واحععدة هععي ) فجاسععوا ( ‪ ،‬وبععالرغم مععن‬
‫ذلك ‪ ،‬فإن هذه الكلمة ‪ ،‬وعند الطلع معانيها في المعجم ‪ ،‬ستجد‬
‫أنها تصعّور مشععهدا سععينمائيا كععامل ‪ ،‬وبععدون الطلع علععى تلععك‬
‫المعاني ‪ ،‬لن تمتلك القدرة على تخّيل ذلك المشهد ‪.‬‬
‫الحذف وتقدير المحذوف‬
‫حذف كلمة أو عبارة من السياق ‪ ،‬لسبق الدللة عليها فيما تقدم‬
‫من نصوص ‪ ،‬مثل حذف جواب شرط إذا الخاص بوعد الخععرة ‪،‬‬
‫‪49‬‬

‫وتقععديره ) بعثنععاهم عليكععم ( فععي اليععة )‪ ، (7‬لدللععة قععوله تعععالى‬
‫) فإذا جاء وعد أولهما بعثنا عليكم ( في الية ) ‪. (5‬‬
‫اللتفات‬
‫الحععديث عععن الغععائب ‪ ،‬ومععن ثععم النتقععال لتععوجيه الخطععاب إلععى‬
‫الحاضر ‪ ،‬والعكس بععالعكس ‪ ،‬بيععن حيععن وآخععر ‪ ،‬مثععل ) وقضععينا‬
‫إلى – الحديث هنا عن الغائب ) السابقين من بني إسرائيل ( …‬
‫ن في – الخطاب هنعا إلععى الحاضععر ) المعاصعرين معن بنعي‬
‫لتفسد ّ‬
‫إسععرائيل ( ‪ . ( ..‬عععادة مععا يسععتخدم هععذا السععلوب ‪ ،‬فععي إخبععار‬
‫المستمع الحاضر عن حدث وقع في الماضي ‪ .‬والهدف من إنزال‬
‫هذه النبوءة في كتاب موسى ‪ ،‬وإعادة نسععخها فععي القععرآن ‪ ،‬هععو‬
‫كشف للغيب الذي ل يعلمه إل من أخبر عنه ‪ ،‬فيما أنزله من كتب‬
‫على ُرسله ‪ ،‬لعل الناس المعاصرين بربهم يؤمنون ‪ ،‬عنععد تحقععق‬
‫هذه النبوءة بكل تفاصععيلها ‪ ،‬كمععا جععاءت فععي الكتععب السععماوية ‪.‬‬
‫لذلك جاء الخبار في القععرآن للنععاس كافععة ‪ ،‬وجععاء الخطععاب لععبي‬
‫صة ‪ ،‬لن المر يعنيهم أكثر من غيرهم ‪ ،‬فلعّلهععم إلععى‬
‫إسرائيل خا ّ‬
‫ربهم يرجعون ‪.‬‬
‫لقد أخبر سبحانه فععي اليععة )‪ (2‬أنععه آتععى موسععى الكتععاب ‪ ،‬وفععي‬
‫الية )‪ (4‬أخبر بأنه أنزل في ذلك الكتاب نص هذه النبوءة ‪ ،‬التي‬
‫سيشرع فيما يلي بالخبار عنها بكل تفاصععيلها ‪ ،‬كمععا جععاءت فععي‬
‫كتاب موسى ‪ ،‬حيث جععاء النععص آنععذاك مخاطبععا لبنععي إسععرائيل ‪.‬‬
‫وإتيان النص بأسلوب المخاطبة لبني إسرائيل في القععرآن ‪ ،‬يفيععد‬
‫أن هناك جزء من هذه النبوءة سيتحقق مستقبل بعععد نععزول هععذه‬
‫اليات ‪ ،‬وأعيد النص لتذكير بني إسرائيل وتنبيههم وتحععذيرهم ‪،‬‬
‫‪50‬‬

‫من مغبة الفساد في الرض في المرة لثانية ‪ ،‬ممععا يععترتب عليععه‬
‫نفاذ الوعد الثاني ‪ ،‬كما نفذ الوعد الول ‪.‬‬
‫طب فعععي هعععذه اليعععات ‪ ،‬هعععم بنعععوا إسعععرائيل‬
‫ومعععع أن المخعععا َ‬
‫) المعاصععرين ( ‪ ،‬ولكععن يجععب أل ننسععى ‪ ،‬أن هنععاك مععن يقععرأ‬
‫ويسمع خطابه تعالى – لبني إسرائيل – من خلل القععرآن ‪ ،‬ممععن‬
‫هم من غير بني إسرائيل ‪ ،‬ول يعلمون من أمر هذه النبوءة شيئا‬
‫‪ ،‬فيما إذا كانت قد أنزلت عليهم في كتابهم أم ل ‪ ،‬فابتدأ عز وجل‬
‫القصععة بالخبععار عععن وجودهععا فععي كتععابهم ‪ ،‬لمععن ل يعلععم مععن‬
‫الجمهور بذلك ‪ ،‬من مستمع وقارئ لهذه القصة ‪ .‬لُيعيد الجمهور‬
‫إلى الجواء التي ُأنزلت فيهععا هععذه النبععوءة ‪ ،‬ليسعُهل فهمهععا مععن‬
‫قبلهععم ‪ .‬وليصععبحوا مسععاوين لبنععي إسععرائيل فععي معايشععة تلععك‬
‫الجواء ‪ ،‬التي يعرفونها كما يعرفون أبنائهم ‪ ،‬من خلل ما لديهم‬
‫مععن كتععب ‪ .‬لععذلك تجععده سععبحانه أحيانععا يتععوجه بالخطععاب إلععى‬
‫الجمهور ‪ ،‬تاركا ) خطاب بني إسرائيل ( ‪ ،‬ليضيف إليهم خبرا أو‬
‫تعقيبا ‪ ،‬على جزء معين من هذه النبوءة ‪ ،‬أو إيضاحا أو تفصععيل‬
‫‪،‬لم يرد في النص الصلي للنبوءة ‪ ،‬التي سبق أن ُأنزلت عليهم ‪،‬‬
‫أو تحقق بعد نزولها ‪ ،‬لزم إخبار الجمهور عنه في هععذه اليععات ‪.‬‬
‫فالحكمة من الخبار بهععذه النبععوءة والكشععف عنهععا للبشععر ‪ ،‬هععي‬
‫صل اليمان بالقرآن ومععن أنزلععه ومععن ُأرسععل بععه ‪ ،‬كمععا عّقععب‬
‫تح ّ‬
‫سبحانه بقوله في نهاية السورة ) ُقْل َءاِمُنععوا ِبعِه َأْو َل ُتْؤِمُنععوا )‬
‫‪ 107‬السراء ( ‪ .‬وسنبين إن شاء ال ع كععل موضععع ‪ ،‬حصععل فيععه‬
‫التفات ‪ ،‬لتصبح نصوص النبوءة أكععثر وضععوحا وأسععهل للفهععم ‪.‬‬
‫وعدم معرفة ماهية اللتفات ومواضعه ‪ -‬أحد أوجععه البلغععة فععي‬
‫لغة العععرب – سععيجعل معن الصعععوبة بمععا كععان ‪ ،‬أن يفهععم النععاس‬
‫‪51‬‬

‫النصوص القرآنيععة بشععكل صععحيح ‪ ،‬وربمععا يقلععب المعنععى بشععكل‬
‫مخالف تماما ‪.‬‬
‫الضمائر‬
‫متابعععة الضععمائر فععي هععذه اليععات ‪ ،‬بأنواعهععا الثلثععة ‪ ،‬المتكّلععم‬
‫طب والغائب ‪ ،‬وتحديد على من يعود كل منها ‪ .‬وهنا ل بععد‬
‫والمخا َ‬
‫ن كل الضمائر الواردة فعي اليعات ) ‪-4‬‬
‫أن نوضح ونؤكد ‪ ،‬على أ ّ‬
‫‪ ، ( 8‬ما عدا ضمائر المتكّلم التي تعود عليه سبحانه ‪ ،‬تعود على‬
‫أولئك العباد أولي البأس الشديد أنفسهم في مواضع ‪ ،‬وعلى بني‬
‫إسععرائيل فععي مواضععع أخععرى ‪ ،‬وهععي محصععورة فيهععم علععى‬
‫الطلق ‪ ،‬إذ لم يضف النص طرفا ثالثا ‪.‬‬
‫العتراض‬
‫وهععو إضععافة جملععة إلععى السععياق ‪ ،‬كتعقيععب علععى خععبر قععد سععبق‬
‫ذكره ‪ ،‬زيادة في اليضاح والبانة ‪ ،‬وهو أحد أوجه البلغة أيضا‬
‫‪ .‬وعدم وجود هذا التعقيب ‪ ،‬ربما ُيثير التساؤل في ذهن المستمع‬
‫‪ ،‬فُيضيف الراوي مععن تلقععاء نفسععه خععبرا جديععدا ‪ ،‬ليععدفع الحيععرة‬
‫عنععه ‪ ،‬ومنعععا لتععوارد الجتهععادات والتفسععيرات الخععاطئة فععي‬
‫مخيلته ‪ ،‬ولُيغني المستمع الحاجة إلععى السععؤال ‪ .‬فعععادة مععا تععأتي‬
‫الجملة المعترضة كإضافة ‪ ،‬لزالة الغموض واللبععس ‪ ،‬الععذي قععد‬
‫ينجم عن سوء تقدير المستمع ‪ ،‬ولزوم هذا التعقيب يعود لتقععدير‬
‫الراوي ‪.‬‬
‫وقد وقع العتراض في نصوص النبوءة في موضعين ‪ ،‬في قوله‬
‫تعععالى " وكععان وعععدا مفعععول " ‪ ،‬للتعقيععب علععى الوعععد الول ‪،‬‬
‫لبيععان أن هععذا كععان قععد ُأنجععز أم لععم ُينجععز ‪ .‬وفععي قععوله تعععالى "‬
‫وليتّبروا معا علعوا تتعبيرا " للتعقيعب علعى العلعو الكعبير الخعاص‬
‫‪52‬‬

‫ببني إسرائيل ‪ ،‬لبيان وتأكيد أن هذا العلو ستتم إزالته مستقبل ل‬
‫محالة ‪.‬‬
‫الهوى والعاطفة‬
‫نحن كمسلمين مرتبطون عاطفيا بالمسجد القصععى ‪ ،‬ومرتبطععون‬
‫عاطفيععا بععالبطولت السععلمية وأبطالهععا ‪ ،‬ومرتبطععون عاطفيععا‬
‫بالخلفععة السععلمية وخلفائهععا ‪ ،‬لنهععا تععوّفر لنععا شعععورا بععالعزة‬
‫والكرامة طالما افتقدناه ‪ ،‬ونحن بأمس الحاجة إليععه هععذه اليععام ‪.‬‬
‫وفي المقابل نحن أبعد ما نكون عن السلم ‪ ،‬في حياتنا العملية ‪،‬‬
‫ولععو نظرنععا فععي أعمععاق أعماقنععا ‪ ،‬لوجععدنا أننععا نرفععض السععلم‬
‫كأسععلوب للحيععاة ‪ ،‬لن السععلم بكععل بسععاطة يرفععض كععل مظععاهر‬
‫سك بها الن معظععم المسععلمين ‪ ،‬ويسععون‬
‫الحياة الدنيا ‪ ،‬التي يتم ّ‬
‫لبقائهععا ويحرصععون علععى إدامتهععا والسععتزادة منهععا مععا أمكنهععم‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫نص هذه النبععوءة موجععود فععي كتععب اليهععود ‪ ،‬فمععا الععذي قععام بععه‬
‫زعماؤهم العلمانيون والمتدينون ‪ ،‬عنععدما أرادوا أن يقيمععوا لهععم‬
‫دولة ؟ أخذوا من النبوءة الجزء الخاص بالعودة من الشتات ورد‬
‫سروها على أن ال أراد لهم ذلك ‪ ،‬بغععض النظععر عععن‬
‫السبي ‪ ،‬وف ّ‬
‫فسادهم وإفسادهم ‪ ،‬وأخفوا النصععوص الععتي ُتح عّذر مععن العقوبععة‬
‫التي تنتظرهم ‪ ،‬لُيضفوا على عودتهم إلععى فلسععطين ‪ ،‬بعععدا دينيععا‬
‫توراتيععا ‪ ،‬وبالتععالي اسععتطاعوا كسععب التأييععد والععدعم المععادي‬
‫والمعنعععوي ‪ ،‬سياسعععيا واقتصعععاديا وعسعععكريا ‪ ،‬معععن اليهعععود‬
‫والنصارى على حد سواء ‪.‬‬
‫نحععن أيضععا نملععك نععص النبععوءة نفسععها ‪ ،‬وملزمععون بتحريععر‬
‫القصى ‪ ،‬ولننا نشعععر بععالعجز وقصععر ذات اليععد ‪ ،‬قمنععا بإضععفاء‬
‫‪53‬‬

‫البعد الديني على عملية التحرير ‪ ،‬بحصرها بخلفة إسلمية غير‬
‫منظورة علععى المععدى القريععب ‪ ،‬واسععتبعدنا احتماليععة أن يتععم هععذا‬
‫المر ‪ ،‬خارج هذا الطار العععاطفي ‪ .‬وبعععد أن تقوقعنععا داخععل هععذا‬
‫جه ‪.‬‬
‫سر المعطيات حسب ما يتوافق مع هععذا التعو ّ‬
‫الطار ‪ ،‬بدأنا ُنف ّ‬
‫حتى بلغ بنا المر ‪ ،‬إلى أن ُنحّمل النصوص القرآنية ما ل تحتمله‬
‫‪ ،‬لتوافق رغباتنا وأهوائنا وتطّلعاتنا كمنتسبين للسععلم ‪ .‬فأخععذنا‬
‫عبارة ) عبادا لنا ( ‪ ،‬وعبارة ) وليدخلوا المسجد ( وعبارة ) كما‬
‫دخلوه أول مرة ( ‪ ،‬وسلخناها عن جلدها ‪ ،‬وقمنععا بالسععهاب فععي‬
‫تفسير وتفصيل هذه العبارات ‪ ،‬وأهملنا بعض العبارات الخرى ‪،‬‬
‫سرنا بعضها الخر بشععكل ُينععاقض فحواهععا ‪ ،‬فعزلنععا العبععارات‬
‫وف ّ‬
‫عن آياتها ‪ ،‬وعزلنا اليات عن بعضها ‪ ،‬وعزلنا مجموعة اليات‬
‫عن السورة ‪ ،‬وعزلنا السورة عن القععرآن ‪ ،‬وعزلنععا القععرآن ععن‬
‫كععل شععيء ‪ .‬فخرجنععا باسععتنتاجات وتحليلت وأصععدرنا أحكععام ‪،‬‬
‫حرمت الكععثير مععن النععاس مععن المعرفععة الحقيقععة ‪ ،‬الععتي تكتنفهععا‬
‫نصوص هذه النبعوءة ‪ ،‬الععتي تعم تفسععيرها ‪ ،‬بتغليعب معن الهععوى‬
‫والعاطفععة ‪ ،‬علععى النصععوص القرآنيععة والسععنة ‪ ،‬وعلععى العقععل‬
‫والمنطق والواقع والتاريخ والجغرافيا ‪.‬‬
‫وبذلك أزاحت بعض التفسيرات ‪ ،‬التي حصرت تحريععر القصععى ‪،‬‬
‫بالخلفة السلمية عن غير قصد ‪ ،‬عععن كاهععل هععذا الجيععل عبععء‬
‫فكرة التحرير ‪ ،‬وأبعدت عن أذهان الناس شبح حرب قادمة ‪ ،‬مما‬
‫ساهم بشكل غير مباشر ‪ ،‬في تخدير أمة السلم لسنين طويلععة ‪،‬‬
‫لينُعم الناس بحياة آمنة مطمئنة ‪ ،‬ولكن للسف بعيدا عن الععدين ‪.‬‬
‫فالخلفععة السععلمية علععى المععدى القريععب صعععبة التحقععق ‪ ،‬لن‬
‫مقومات قيامها ضمن الظروف الراهنة معدومة ‪ .‬والمععة بحاجععة‬
‫لمن ُينّبهها ل لمن ُيخّدرها … وقبععل طععرح هععذه الفكععرة الخطععرة‬
‫‪54‬‬

‫عن تحرير المسجد القصى … ونسععبها إلععى كتععاب ال ع … وأن‬
‫ال أراد ذلك … كان على رّواد هذه الفكععرة … أن يتجعّردوا مععن‬
‫عواطفهم وأهوائهم كليا عند تفسير آيات الع … فعالقرآن يطلععب‬
‫العقل سبيل للفهم ل العاطفة والهوى … لدرجة أنه جعل ) القلب‬
‫( موطنععا للعقععل بععدل مععن العاطفععة … وأن ُيفّكععروا ملّيععا قبععل أن‬
‫ُيقّدموها للناس … فنحن بحاجة لبناء مساجد في نفععوس النععاس‬
‫… فإن استطعنا القيام بذلك … فلن نحّرر المسجد القصععى فقععط‬
‫… بل سنحّرر العالم بأسره … وإن لم نستطع فععالحرى بنععا …‬
‫أن نعتزل ونفّر إلى رؤوس الجبال … بععأطلل المسععاجد المتبقيععة‬
‫في نفوسنا … حتى يأتي ال بأمره … !!!‬
‫طععر والبعيععد جععدا ‪ ،‬عمععا جععاء فععي النصععوص‬
‫هععذا الطععرح الخ ِ‬
‫القرآنيععة ‪ ،‬سععيؤدي بالنععاس ل محالععة ‪ ،‬إلععى الوقععوع فععي الحيععرة‬
‫والرتباك ‪ ،‬ونشوء كثير من علمات الستفهام ‪ ،‬حععول مععن ق عّدم‬
‫هععذه التفسععيرات ‪ ،‬وحععول مصععداقية كتععاب الع نفسععه ‪ ،‬مععن قبععل‬
‫ضعاف اليمععان والعقععل والقلععب ‪ ،‬عنععدما تتحّقععق النبععوءة بشععكل‬
‫مغاير لتلك التفسيرات ‪.‬‬
‫ربما ُيصّر الكععثير مععن الواقعيععون ‪ ،‬علععى أن الواقععع ُينععاقض ممععا‬
‫يطرحه هذا الكتاب ‪ .‬غيععر أن هععذا الواقععع سععيتغير بالتدريععج ‪ ،‬أو‬
‫بين عشية وضحاها ليتوافق مع أمر ال ‪ .‬وإن لم يتوافق ‪ ،‬فععأمر‬
‫ال فوق الواقع ‪ ،‬وكثيرا ما يأتي بغتة ‪ .‬وبالرغم من ذلك ‪ ،‬أعتقد‬
‫بأن كثير مععن المتغيععرات ‪ ،‬علععى المسععتوى القليمععي والعععالمي ‪،‬‬
‫سععتلوح فععي الفععق ‪ ،‬قبععل مجيععء أمععر الع ‪ ،‬وسععيلحظها كععل ذي‬
‫بصيرة ‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫صلناه تفصيل‬
‫وكل شيء ف ّ‬
‫س عَراِئيَل َأْكَث عَر اّل عِذي‬
‫ص عَلى َبِني ِإ ْ‬
‫ن َيُق ّ‬
‫ن َهَذا اْلُقْرآ َ‬
‫قال تعالى ) ِإ ّ‬
‫ن )‪ 76‬النمل ( ‪ ،‬هذه اليععة الكريمععة تؤكععد أن هععذا‬
‫خَتِلُفو َ‬
‫ُهْم ِفيِه َي ْ‬
‫ص علععى بنععي‬
‫القرآن ‪ ،‬فضل عن مخاطبته لكافة البشر ‪ ،‬جاء ليق ّ‬
‫ضح لهععم بشععكل خععاص ‪ ،‬كععثيرا ممععا‬
‫إسرائيل ‪ ،‬أي لُيخاطبهم ويو ّ‬
‫اختلفععوا فيععه ‪ ،‬مععن أمععور الععدين والععدنيا والخععرة ‪ .‬فهععو يحكععي‬
‫تاريخهم ‪ ،‬ويعرض مواقفهم من أنبيععائهم ‪ ،‬ومشععاهد مععن كفرهععم‬
‫وعصععيانهم وعععدوانهم ‪ ،‬والعععذابات الععتي أنزلهععا العع بهععم ‪، ،‬‬
‫ويكشف طبائعهم ‪ ،‬ويفضح سرائرهم ‪ ،‬وُيفّند أقوالهم ‪ ،‬وُيحّذرهم‬
‫وُيحّذر منهم ‪ ،‬وُيبّين لهم حقيقة ما جاء به رسلهم وأنبيائهم مععن‬
‫وحي ‪ ،‬بعد أن طمسته وشّوهت معالمه أقلم أحبارهم ‪.‬‬
‫يٍء‬
‫شع ْ‬
‫ويقول سبحانه في الية )‪ (12‬من سورة السراء ‪َ ) ،‬وُكّل َ‬
‫ي مما سبق هذا القول من آيات ‪،‬‬
‫ل ( ‪ ،‬أي أن كّل ش ّ‬
‫صي ً‬
‫صْلَناُه َتْف ِ‬
‫َف ّ‬
‫قّد بّينه سبحانه ‪ ،‬بيانا واضحا ل ُلبس فيه ‪ .‬وهذا القععول البليععغ ‪،‬‬
‫عندما تقرأه مرارا وتكرارا ‪ ،‬تجد أن له وقعا خاصععا فععي نفسععك ‪،‬‬
‫واليات العتي تسععبق هعذا القععول ‪ ،‬تخبرنععا عععن أمعر يتعلععق ببنعي‬
‫إسرائيل ‪ ،‬من حيث إفسادهم وعلععوهم وعقععابهم ‪ .‬وقععد جععاء هععذا‬
‫القول ) بالفعل ومفعوله المطلق للمبالغة في التأكيد ( مرة واحدة‬
‫في القرآن ‪ ،‬في هذا الموضع بالذات ‪ ،‬تعقيبا علععى مععا مجمععل مععا‬
‫ت عاّمععا كمععا فععي قععوله تعععالى ) ِكَتععا ٌ‬
‫ب‬
‫جاء قبله من آيات ‪ ،‬ولم يأ ِ‬
‫ن )‪ 3‬فصععلت ( ‪ ،‬أو فععي‬
‫عَرِبّيععا ِلَق عْوٍم َيْعَلمُععو َ‬
‫ت َءاَياُتُه ُقْرَءاًنا َ‬
‫صَل ْ‬
‫ُف ّ‬
‫حَمعةً‬
‫عْلعٍم ُهعًدى َوَر ْ‬
‫عَلى ِ‬
‫صْلَناُه َ‬
‫ب َف ّ‬
‫جْئَناُهْم ِبِكَتا ٍ‬
‫قوله تعالى ) َوَلَقْد ِ‬
‫ن )‪ 52‬العراف ( ‪.‬‬
‫ِلَقْوٍم ُيْؤِمُنو َ‬
‫‪56‬‬

‫وإن دّل هذا على شيء ‪ ،‬فإنما يّدل على أن ما تتح عّدث عنععه هععذه‬
‫صععله سععبحانه تفصععيل ‪،‬‬
‫اليات ‪ ،‬أمر غاية في الهمية ‪ ،‬ولذلك ف ّ‬
‫ك أو تقّول ‪ ،‬وأن هذا التفصيل جاء لِعظم‬
‫وأبانه بيانا ل يختمره ش ّ‬
‫هذا المر ‪ ،‬وأن معرفته بكل دقائقه وتفاصيله ‪ ،‬ل بد إل أن يكون‬
‫فيه الكثير ‪ ،‬من النفع والفائدة ‪ ،‬لمن ُيخاطبهم القرآن ‪ ،‬ومععا كعان‬
‫بيانه وتفصيله عبثا ‪ .‬ومععا كععان هععذا الفصععل ‪ ،‬إل للتعريععف بهععذه‬
‫الدقائق والتفاصيل ‪ ،‬وما جاء هذا الكتاب إل لتعميم الفععائدة علععى‬
‫الناس ‪ ،‬وال من وراء القصد ‪.‬‬
‫لو أمعنت النظر في مجمل سورة السراء ‪ ،‬لوجدت أنهععا تنععاوبت‬
‫ما بين أسلوبي الخبار والمخاطبة ‪ ،‬ولو أمعنت النظر في مقدمة‬
‫طبة للمسلمين ‪ ،‬بصفة‬
‫السورة ‪ ،‬ستجد أنها جاءت إخبارية وُمخا ِ‬
‫صة ‪.‬‬
‫طبة لبني إسرائيل ‪ ،‬بصفة خا ّ‬
‫عاّمة ‪ ،‬وإخبارية وُمخا ِ‬
‫والسؤال الول ‪ :‬لمععاذا ُأعيععد نععص النبععوءة بأسععلوب المخاطبععة ‪،‬‬
‫لبني إسرائيل في عصر أمة السلم ؟‬
‫مقدمععة السععورة ) اليععات ‪ ( 3-1‬جععاءت كتمهيععد ‪ ،‬فهععي تععذكر‬
‫المسجد القصى ‪ ،‬وتبين قدسّيته عند ال وبالتالي عند المسلمين‬
‫‪ ،‬وتذُكر كتاب موسى عليه السلم ‪ ،‬وتّذكر بني إسرائيل بما جععاء‬
‫فيه ‪ ،‬وبالذات عدم الشرك بال ‪ ،‬واّتخاذ وكلء من دونه ‪ ،‬ويم عنّ‬
‫ل عليهم ويذكرهم بنجاة أسلفهم من الطوفان ‪ ،‬وبنفس الععوقت‬
‫ا ّ‬
‫يحّذرهم من الهلك ‪ ،‬من خلل ذكر نوح عليه السععلم ‪ ،‬وأّنععه مععا‬
‫كان لنوح ومن معه النجاة ‪ ،‬لول إقععراره بالعبوديععة ل ع ) عبععدًا (‬
‫أوًل ‪ ،‬وقيامه بالعبادة ل ) وشكورًا ثانيًا ( ‪.‬‬
‫السععؤال الثععاني ‪ :‬لمععاذا التمهيععد ‪ ،‬وبهععذا الشععكل المرعععب لبنععي‬
‫إسرائيل ؟‬
‫‪57‬‬

‫هناك قول بأن كلتععا المرتيععن وقعتععا قبععل السععلم ‪ ،‬فلععو كععان هععذا‬
‫المر صععحيحا ‪ ،‬لتععوجب أن يكععون نععص النبععوءة كععامل بأسععلوب‬
‫الخبععار ‪ ،‬ولمععا كععان هنععاك داعععي لوجععوده أصععل ‪ ،‬فقععد أخبرنععا‬
‫سبحانه فععي مواضععع أخععرى فععي القععرآن ‪ ،‬بععأنه غضععب عليهععم ‪،‬‬
‫ولعنهم وضععرب عليهععم الذلععة والمسععكنة ‪ ،‬وتوعععدهم بععأن يبعععث‬
‫طعهم فععي‬
‫عليهم ‪ ،‬من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة ‪ ،‬وق ّ‬
‫الرض أمما ‪.‬‬
‫السؤال الثالث ‪ :‬ما هو المر الذي خرج عن كل مععا تق عّدم ‪ ،‬فععأراد‬
‫سبحانه لفت أنظارنا إليه ‪ ،‬مبينا أهميته ‪ ،‬ومنبها إليها ؟‬
‫بما أن المرتيععن متشععابهتين تمامععا ‪ ،‬فلععو فرضععنا جععدل أن القععول‬
‫السابق صحيح ‪ ،‬لكان من الحرى ‪ ،‬أن يأتي النععص فععي الحععديث‬
‫عن المرتيععن مجمل ‪ ،‬علععى سععبيل المثععال ‪ ،‬علععى النحععو التععالي ‪،‬‬
‫) … لتفسدن … مرتين ولتعلن علوا كععبيرا … فععإذا جععاء وعععد‬
‫كل منهما ‪ ،‬بعثنا عليكم عبادا لنا أولععي بععأس شععديد … فأسععاءوا‬
‫وجوهكم ودخلوا المسجد … وكان كّل مععن الوعععدين مفعععول …‬
‫وتّبروا ما علوا تتبيرا ( ‪.‬‬
‫صععلت اليععات ‪ ،‬كعّل مععرة علععى‬
‫صععلت وَف ّ‬
‫السععؤال الرابععع ‪ :‬لمععاذا َف َ‬
‫حدة ؟‬
‫الية الرابعة ‪ ،‬أجملت ثلثة شروط مععن شععروط المرتيععن ‪ ،‬وهععي‬
‫الرض ) المقّدسة ( والعلعو والفسعاد ‪ ،‬واليعة الخامسعة أفعردت‬
‫وأوجزت الحععديث عععن الوعععد ) العقععاب ( الول ‪ ،‬فععذكرت البعععث‬
‫والجوس وصفة العباد ‪ ،‬وجاءت الفعال كلهععا بصععيغة الماضععي ‪.‬‬
‫صلت مظاهر العلو الثاني ‪ ،‬مععن لحظععة النشععوء‬
‫والية السادسة ف ّ‬
‫حععتى اكتمععال مقومععاته ‪ ،‬مععن حيععث القععدرة العسععكرية والبشععرية‬
‫‪58‬‬

‫والقتصادية ‪ ،‬وجاءت الفعال كلها بصيغة الماضي ‪ ،‬مععع حملهععا‬
‫لصفة الستقبال ‪.‬‬
‫السؤال الخامس ‪ :‬لماذا جاءت أفعال وعد الولى بصيغة الماضي‬
‫‪ ،‬ولماذا جاءت أفعال وعد الخرة بصيغة الستقبال ؟‬
‫السععؤال السععادس ‪ :‬لمععاذا جععاء التخييععر مععا بيععن الحسععان أو‬
‫الساءة ‪ ،‬بعد اكتمععال مظععاهر العلععو الثععاني ‪ ،‬وقبععل الحععديث عععن‬
‫ت عند الحديث عن وعد الولى ؟‬
‫عقاب وعد الخرة ‪ ،‬ولم يأ ِ‬
‫السؤال السابع ‪ :‬لماذا ُأخرجت كيفية مجيئهم ‪ ،‬عند مجيععء وعععد‬
‫الخرة من نص النبوءة ‪ ،‬ولماذا ُأفردت في نهاية السورة ؟‬
‫صععتهم مععع‬
‫السععؤال الثععامن ‪ :‬لمععاذا ُأعيععد ذكععر بنععي إسععرائيل وق ّ‬
‫فرعون في نهاية السورة ‪ ،‬اليات ) ‪ ( 104 – 101‬؟‬
‫) سنننبحان ال ّنننذي أ َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ن‬
‫نن‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ه‬
‫د‬
‫نن‬
‫ن‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ب‬
‫رى‬
‫نن‬
‫ن‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ ْ َ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ْ َ‬
‫د اْل َ ْ‬
‫صننى‬
‫ج ِ‬
‫ج ِ‬
‫د ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫حنَرام ِ إ ِل َننى ال ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ق َ‬
‫سن ِ‬
‫س ِ‬
‫و‬
‫ن آَيات َِنا إ ِّنه ُ‬
‫ه ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ذي َباَرك َْنا َ‬
‫م ْ‬
‫ري َ ُ‬
‫ول َ ُ‬
‫هن َ‬
‫ح ْ‬
‫ه ل ِن ُ ِ‬
‫صيُر )‪(1‬‬
‫ع ال ْب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫مي ُ‬
‫ال ّ‬
‫ُتشععير هععذه اليععة ‪ ،‬بععذكر المسععجد الحععرام ‪ ،‬إلععى نقطععة البدايععة ‪،‬‬
‫لنتشار رسالة السلم ‪ ،‬التي أنعم الع وأكععرم بهععا نععبيه ‪ ،‬محمععد‬
‫عليه الصلة والسلم ‪ .‬وبذكر المسجد القصى ‪ُ ،‬تشير من طععرف‬
‫خفي ‪ ،‬إلى ما ورد فععي الحععديث الصععحيح ‪ ،‬إلععى أن مسععك الختععام‬
‫لهذه الرسالة ‪ ،‬آخر الزمان ‪ ،‬سععيكون بنععزول الخلفععة الراشععدة ‪،‬‬
‫وأميرها المهدي في بيت المقدس ‪ ،‬بإذن ال ‪ .‬وهععذا ممععا يععوحي‬
‫بأن قيام دولة إسرائيل ‪ ،‬هو أحد أشراط الساعة ‪ ،‬وأن نهايتهععا ‪،‬‬
‫علمة لقرب ظهور المهدي ونعزول الخلفعة فيهععا ‪ ،‬والع أعلععم ‪.‬‬
‫وأهم ما جاءت به الية هو تعريععف المسععجد ‪ ،‬بوصععفه بالقصععى‬
‫‪59‬‬

‫أي البعد ‪ ،‬وبالعذي باركنعا حعوله ‪ ،‬وهعو المسعجد العذي سعيكون‬
‫موضوع ما يلي هذه الية من آيات ‪.‬‬
‫دى ل ِب َِننني‬
‫عل َْناهُ ُ‬
‫ه ً‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫سى ال ْك َِتا َ‬
‫مو َ‬
‫وآتي َْنا ُ‬
‫ب َ‬
‫) َ‬
‫ل أَ‬
‫ّ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ُ‬
‫كيًل )‪(2‬‬
‫ني‬
‫دو‬
‫ن‬
‫م‬
‫ذوا‬
‫خ‬
‫ت‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫إِ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫في هذه الية ‪ ،‬يحّذر ال بني إسرائيل ‪ ،‬مععن الّتكععال علععى غيععره‬
‫ن اْلُمعععْؤمِِنينَ ‪..‬‬
‫ن ُدو ِ‬
‫ن َأْوِلَيعععاَء ِمععع ْ‬
‫ن اْلَكعععاِفِري َ‬
‫خعععْذ اْلُمْؤِمُنعععو َ‬
‫) َل َيّت ِ‬
‫سُه )‪ 28‬آل عمععران ( ويختععم سععبحانه السععورة ‪،‬‬
‫ل َنْف َ‬
‫َوُيحَّذُرُكْم ا ُّ‬
‫ن العّذّل ‪ ( ..‬أي لععم يتخععذ لععه حليفععا‬
‫ي ِمع ْ‬
‫ن َلُه َوِلع ّ‬
‫بقوله ) ‪َ ..‬وَلْم َيُك ْ‬
‫لضعف أو لذّلععة ‪ ،‬وهععذا تعريععض بععالعلو الحععالي لبنعي إسعرائيل ‪،‬‬
‫حيث كانوا أذّلء مضطهدين ‪ ،‬وبموالة الغرب أصبحوا سادة ‪.‬‬
‫ويذّكرهم فيهععا بمععا أنزلععه عليهععم معن الهععدى ‪ ،‬ليكععون لهععم نععورا‬
‫يهتدون به ‪ ،‬ومن ضمنه هذه النبوءة ‪ ،‬التي أعادها إلى أذهععانهم‬
‫مخاطبا إيععاهم بمضععمونها ‪ ،‬وكمععا وردت فععي الكتععاب الععذي ُأنععزل‬
‫على موسى عليه السلم ‪ ،‬ويحّذرهم من اّتخاذ أولياء من دونعه ‪،‬‬
‫ن على حّد سواء ‪.‬‬
‫من النس والج ّ‬
‫فاختععاروا الععولء لغيععر ال ع ‪ ،‬وتمسععكنوا ‪ ،‬وحّققععوا مععآربهم منععذ‬
‫ططعوا لعه بمكرهعم ودهعائهم ‪،‬‬
‫البدايععة بالفسععاد والفسعاد ‪ ،‬بمععا خ ّ‬
‫ونف عّذه غيرهععم ‪ ،‬مععن فتععن وحععروب سععبقت وهّيععأت الظععروف ‪،‬‬
‫وتسعّببت فععي قيععام دولتهععم فععي فلسععطين ‪ .‬ولمععا تمكنععوا اسععتعلوا‬
‫واسعتكبروا فيهعا ‪ ،‬اسعتمروا بالفسعاد والفسعاد ‪ ،‬وسعاموا أهلهعا‬
‫سوء العذاب ‪ ،‬فاستحّقوا غضب ال واستوجبوا العقاب ‪ ،‬فتوافق‬
‫أمرهم مع ذهب إليه النص القرآني ‪ ،‬ب عِذكر إفسععادهم فععي الرض‬
‫بمجملها أول ‪ ،‬ومن ثم جاء ِذكر علوهم الكبير الذي نشععهده هععذه‬
‫‪60‬‬

‫عُل عّوا‬
‫ن ُ‬
‫ن َوَلَتْعُل ّ‬
‫ض َمّرَتْي ِ‬
‫ن ِفي اَْلْر ِ‬
‫سُد ّ‬
‫اليام ‪ ،‬في قوله تعالى ) َلُتْف ِ‬
‫َكِبيًرا ( ‪.‬‬
‫دا‬
‫ن َ‬
‫) ذُّري ّ َ‬
‫ه ك َننا َ‬
‫عب ْن ً‬
‫من َ‬
‫ن َ‬
‫من ْ‬
‫ح إ ِن ّن ُ‬
‫مل ْن َننا َ‬
‫ح َ‬
‫ة َ‬
‫ع ن ُننو ٍ‬
‫ش ُ‬
‫َ‬
‫كوًرا )‪(3‬‬
‫يقول ابن كععثير ‪ " :‬تقععديره يععا ذرّيععة مععن حملنععا مععع نععوح ‪ ،‬فيععه‬
‫جه لبنععي إسععرائيل ‪،‬‬
‫تهييج وتنبيه على المنة " وهععذا النععداء مععو ّ‬
‫وبالضافة لما قاله ابن كثير ‪ ،‬نلمس تهديدا وتحععذيرا خفيععا لبنععي‬
‫إسععرائيل ‪ ،‬مععن وراء ذكععر نععوح عليععه السععلم ‪ ،‬فعععادة مععا كععان‬
‫ن عليهم بتذكيرهم بنعمة النجاة مععن فرعععون‬
‫سبحانه وتعالى ‪ ،‬يم ّ‬
‫ععْونَ‬
‫غَرْقَنعا آَل ِفْر َ‬
‫جْيَنعاُكْم َوَأ ْ‬
‫حعَر َفَأْن َ‬
‫وقععومه ‪َ ) ،‬وِإْذ َفَرْقَنعا ِبكعْم اْلَب ْ‬
‫ن )‪ 50‬البقرة ( إل فععي هععذا الموضععع ‪ ،‬وهععي المععرة‬
‫ظُرو َ‬
‫َوَأْنتُْم َتن ُ‬
‫ن عليهم فيها ‪ ،‬بأنهم سللة من حمععل‬
‫الوحيدة في القرآن التي يم ّ‬
‫مع نوح عليه السلم ‪ ،‬أي من الذين أنجععاهم ال ع مععن الطوفععان ‪،‬‬
‫حثا لهم على اليمان به ‪ ،‬والعبادة والشكر له كما كان يفعل نععوح‬
‫ن ِفعل هؤلء هو الذي أنجاهم مععن الهلك‬
‫والذين حملهم معه ‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ ،‬فإن لم يفعلوا كما فعلوا ‪ ،‬حّل بهم ما حّل بقوم نوح ‪ .‬وِذْكُر نوح‬
‫في هذا الموضع وتكرار ذكره ‪ ،‬في اليععة )‪ 17‬السععراء ( ) َوَك عمْ‬
‫خِبي عًرا‬
‫عَبععاِدِه َ‬
‫ب ِ‬
‫ك ِب عُذُنو ِ‬
‫ح َوَكَفى ِبَرّب َ‬
‫ن َبْعِد ُنو ٍ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ن اْلُقُرو ِ‬
‫َأْهَلْكَنا ِم ْ‬
‫صيًرا ( دفعني إلى إلقاء نظرة على سورة نوح ‪.‬‬
‫َب ِ‬
‫ععَذا ٌ‬
‫ب‬
‫ن َيعْأِتَيُهْم َ‬
‫ن َقْبعِل َأ ْ‬
‫ك ِمع ْ‬
‫ن َأنِذْر َقْوَمع َ‬
‫ومنها قوله تعالى ) ‪َ ...‬أ ْ‬
‫خُر ‪َ ... (4) ...‬فَلعْم َيِزْدُهعْم‬
‫جععاَء َل ُيعؤَ ّ‬
‫لع ِإَذا َ‬
‫جَل ا ِّ‬
‫ن َأ َ‬
‫َأِليٌم )‪ِ ... (1‬إ ّ‬
‫ش عْوا‬
‫سَتْغ َ‬
‫صععاِبَعُهْم ِفععي آَذاِنِه عْم َوا ْ‬
‫جَعُلوا َأ َ‬
‫عاِئي ِإّل ِفَراًرا )‪َ … (6‬‬
‫ُد َ‬
‫سعِتْكَباًرا )‪َ … (7‬وُيْمعِدْدُكْم ِبعَأمَْواٍل‬
‫سعَتْكَبُروا ا ْ‬
‫صعّروا َوا ْ‬
‫ِثَيععابَُهْم َوَأ َ‬
‫ن‬
‫جو َ‬
‫جَعْل َلُكْم َأْنَهاًرا )‪َ (12‬ما َلُكْم َل َتْر ُ‬
‫ت َوَي ْ‬
‫جّنا ٍ‬
‫جَعْل َلُكْم َ‬
‫ن َوَي ْ‬
‫َوَبِني َ‬
‫‪61‬‬

‫ن َلعمْ‬
‫صعْوِني َواّتَبُعععوا َمع ْ‬
‫ع َ‬
‫ب ِإّنُهعْم َ‬
‫ح َر ّ‬
‫ل َوَقاًرا )‪َ … (13‬قاَل ُنععو ٌ‬
‫ِّ‬
‫سععاًرا )‪َ (21‬وَمَكعُروا َمْكعًرا ُكّبععاًرا )‪.. (22‬‬
‫خ َ‬
‫َيِزْدهُ َماُلُه َوَوَلعُدُه ِإّل َ‬
‫ض ِمعع ْ‬
‫ن‬
‫عَلععى اَْلْر ِ‬
‫ب َل َتععَذْر َ‬
‫ضععّلوا َكِثيععًرا ‪َ … (24) ...‬ر ّ‬
‫َوَقععْد َأ َ‬
‫ن ِإّل َتَباًرا )‪ 28‬نوح (‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ن َدّياًرا )‪َ ... (26‬وَل َتِزْد ال ّ‬
‫اْلَكاِفِري َ‬
‫اقععرأ هععذه اليععات وتفّكععر وتععدّبر ) ‪ ..‬أول إنععذار ‪ ..‬ول تععأخير ‪..‬‬
‫فرار ‪ ..‬إصرار واستكبار ‪ ..‬إمداد بأموال وأولد ‪ ..‬وجنات وأنهار‬
‫‪ ..‬استهزاء وسخرية ‪ ..‬عصيان ‪ ..‬عبععادة القععوة والمععال ‪ ..‬المكععر‬
‫الكبير ‪ ..‬الضلل ‪ ..‬الكفر ‪ ..‬وأخيرا تبار ‪( ..‬‬
‫وهذا هو حععال بنععي إسععرائيل ‪ ..‬وهععذا هععو الفسععاد فععي الرض ‪..‬‬
‫ورّد ال عليه أوله إنععذار ‪ ..‬فععإن كععان هنععاك اسععتكبار وإصععرار ‪..‬‬
‫س عِه ‪،‬‬
‫ن اْهَتَدى َفِإّنَما َيْهَتِدي ِلَنْف ِ‬
‫كان هناك تبار ‪ .‬يقول سبحانه ) َم ْ‬
‫خ عَرى ‪َ ،‬ومَععا‬
‫عَلْيَهععا ‪َ ،‬وَل َت عِزُر َواِزَرٌة ِوْزَر ُأ ْ‬
‫ضّل َ‬
‫ضّل َفِإّنَما َي ِ‬
‫ن َ‬
‫َوَم ْ‬
‫سوًل )‪ 15‬السراء ( ‪.‬‬
‫ث َر ُ‬
‫حّتى َنْبَع َ‬
‫ن َ‬
‫ُكّنا ُمَعّذِبي َ‬
‫والرسول قد ُبعث ‪ ،‬منذ ألف وأربعمائة وإحععدى وثلثععون عامععا ‪،‬‬
‫وقد أتاهم بالنذار في كتاب ربه ‪ ) ،‬وصحيفة النععذار ( الموجهععة‬
‫لتلك الفاعي في الجحر البيض ‪ ،‬وتلك الطفّيليععات فععي منتجعععات‬
‫المال العالمية ‪ ،‬التي تمتص بنهععم دمععاء الكععرة الرضععية ‪ ،‬وتلععك‬
‫الفئران المستأسدة في قدس القداس ‪ ،‬هي ) سورة بني إسرائيل‬
‫( ومن أول حرف فيها وحتى آخر حرف ‪ ،‬حيععث قععال فيهععا ) َوِإَذا‬
‫ك َقْرَي عًة َأَمْرَنععا ُمْتَرِفيَهععا ‪ ( ..‬وقععد سععاد دولععة الكفععر‬
‫ن ُنْهِل ع َ‬
‫َأَرْدنَععا َأ ْ‬
‫ويسودها ‪ ،‬قطاع الطرق واللصوص والقتلة ‪ ،‬وأسععافل مجرميهععا‬
‫سُقوا ِفيَها ‪ ( ..‬فاغتالوا أصالتها ‪ ،‬وقدسّية أرضها ‪ ،‬ووقار‬
‫) ‪َ ..‬فَف َ‬
‫شعععيخوختها ‪ ،‬وسعععكينة عّبادهعععا ‪ ،‬وحيعععاء حرائرهعععا ‪ ،‬وأحلم‬
‫عَلْيَهععا اْلَقعْوُل ‪، ( ..‬‬
‫ق َ‬
‫حع ّ‬
‫طفولتها ‪ ،‬وحتى طهارة مسععاجدها ) ‪َ ..‬ف َ‬
‫‪62‬‬

‫جعوَهُكْم … ( ‪،‬‬
‫سعوُءوا ُو ُ‬
‫وهذا هععو ) قععول ( رب العععزة ‪ … ) ،‬لَِي ُ‬
‫وهذا هو ) فعله ( ) ‪َ ..‬فَدّمْرَناَها َتْدِميًرا )‪ 16‬السراء ( وهععذا هععو‬
‫صععيًرا )‪17‬‬
‫خِبيعًرا َب ِ‬
‫عَبععاِدِه َ‬
‫ب ِ‬
‫ك ِبعُذُنو ِ‬
‫) تعقيبععه ( ) … َوَكَفععى ِبَرّبع َ‬
‫خعْذ‬
‫لع اّلعِذي َلعْم َيّت ِ‬
‫حْمعُد ِّ‬
‫السراء ( وهذه هي ) خاتمته ( ) َوُقعْل اْل َ‬
‫ي ِم عنْ ال عّذّل ‪،‬‬
‫ن َلُه َوِل ّ‬
‫ك ‪َ ،‬وَلْم َيُك ْ‬
‫ك ِفي اْلُمْل ِ‬
‫شِري ٌ‬
‫ن َلُه َ‬
‫َوَلًدا ‪َ ،‬وَلْم َيُك ْ‬
‫َوَكّبْرُه َتْكِبيًرا ) ‪ 111‬السراء ( ‪.‬‬
‫اقتصععرت مقدمععة السععورة علععى ثلث آيععات فقععط ‪ ،‬حملععت مععن‬
‫المعاني ما يشععحذ الفكععر والوجععدان ‪ ،‬ويعمععل علععى تهييععج العقععل‬
‫وتنبيهه من غفلته ‪ ،‬لستقبال واستيعاب ما سيأتي مععن عععرض ‪،‬‬
‫لنبععوءة سععتغير مجععرى التاريععخ فععي يععوم أو بضعععة أيععام ‪ .‬وهععذه‬
‫سهم في صميم‬
‫النبوءة تعني كل من سمع برسالت السماء ‪ ،‬وتم ّ‬
‫معتقداتهم ‪ ،‬وأكثرهم تأّثرا هم أصععحاب الععديانات الثلث ‪ ،‬والععذي‬
‫ص عععودة اليهععود إلععى‬
‫يمتلك كل منهم مخزونا عقائديا ‪ ،‬فيما يخ ع ّ‬
‫الرض المقدسععة ‪ ،‬يلتقععي مععع أحععدها ويتعععارض مععع الخععر فععي‬
‫التفاصيل والحداث ‪.‬‬
‫سراِئي َ‬
‫ب‪،‬‬
‫ل ِ‬
‫وق َ‬
‫ضي َْنا إ َِلى ب َِني إ ْ‬
‫فنني ال ْك َِتنننا ِ‬
‫) َ‬
‫في اْل َ‬
‫ل َت ُ ْ‬
‫وا‬
‫ي‬
‫ت‬
‫ر‬
‫م‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ن ُ‬
‫ن ِ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫سد ُ ّ‬
‫ول َت َ ْ‬
‫ْ‬
‫عل ُ ّ‬
‫َ‬
‫عل ُ ّ‬
‫ن َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ك َِبيًرا )‪(4‬‬
‫سراِئي َ‬
‫ب‪:‬‬
‫ل ِ‬
‫وق َ‬
‫ضي َْنا إ َِلى ب َِني إ ْ‬
‫في ال ْك َِتنا ِ‬
‫َ‬
‫ورد جععذر الفعععل قضععى فععي القععرآن )‪ (63‬مععرة ‪ ،‬ومشععتقات هععذا‬
‫الفعل حملت عدة معاني ‪ ،‬وعادة ما يأتي هذا الفعععل ‪ ،‬ليفيععد تمععام‬
‫العمل الوارد نصا في السياق ‪ ،‬أو المفهوم ضمنا ‪ ،‬كما فععي قععوله‬
‫س عَكُكْم )‪ 200‬البقععرة ( ‪ ،‬بمعنععى أنجزتععم‬
‫ض عْيُتْم َمَنا ِ‬
‫تعععالى ) َف عِإَذا َق َ‬
‫مناسككم وانتهيتم منها ‪ ،‬وقععوله تعععالى فععي شععأن لععوط وقععومه )‬
‫‪63‬‬

‫ن )‪66‬‬
‫حي َ‬
‫صعبِ ِ‬
‫ع ُم ْ‬
‫طععو ٌ‬
‫ن َداِبعَر َهعُؤَلِء َمْق ُ‬
‫ك اَْلْمَر ‪َ ،‬أ ّ‬
‫َوَقضَْيَنا ِإَلْيِه َذِل َ‬
‫الحجر ( ‪ ،‬أي أخبرنععاه بععالمر ‪ ،‬علععى وجععه النتهععاء منععه ‪ ،‬إذ ل‬
‫جْل ِباْلُقْرَءانِ ‪ ،‬مِ ْ‬
‫ن‬
‫رجعة عنه ‪ ،‬فل نقاش ول جدال فيه ‪َ ) ،‬وَل َتْع َ‬
‫حُيعُه )‪ 114‬طععه ( ‪ ،‬أي مععن قبععل أن ُتخععبر‬
‫ك َو ْ‬
‫ضععى ِإَلْيع َ‬
‫ن ُيْق َ‬
‫َقْبعِل َأ ْ‬
‫بوحيه ‪ ،‬على وجه التمام ‪.‬‬
‫ب ( أي أّنععا كّنععا‬
‫سراِئيَل ِفي اْلِكَتععا ِ‬
‫ضْيَنا ِإَلى َبِني إ ْ‬
‫وقوله تعالى ) َوق َ‬
‫قد أخبرنا بني إسرائيل فععي كتععابهم ‪ -‬أي أن مضععمون هععذا الخععبر‬
‫موجود في كتابهم نصا حتى هععذه اللحظععة ‪ -‬بمععا سععيأتي تفصععيله‬
‫فيما يلي ‪ ،‬من شأن إفسادهم وعلوهم في الرض ‪ ،‬وهذا الخطاب‬
‫جه فععي الحقيقععة لمععن هععم مععن غيععر بنععي‬
‫‪ ،‬في هذه العبععارة ‪ ،‬مععو ّ‬
‫إسععرائيل ‪ ،‬ممععن ليععس لععديهم ‪ ،‬علععم أو اطلع علععى هععذا المععر ‪،‬‬
‫ليطلعهم ال على هذا المر ‪ ،‬وما كان ال ع لُيخععبر عنععه إل لعظيععم‬
‫شأن ‪ ،‬وذلععك مععن سععابق علععم علم الغيععوب ‪ ،‬بمععا سععيكون منهععم‬
‫مستقبل ‪ ،‬وليس ما قضاه عليهم بمعنى المر أو الحكععم ‪ ،‬فحاشععا‬
‫ل أن يأمر بالفساد في الرض أو أن يقضي به ‪.‬‬
‫والكتاب المقصود هنا هو كتاب موسى عليه السلم ‪ ،‬المنصوص‬
‫عليععه فععي اليععة الثانيععة أعله ‪ ،‬وليععس التععوراة ‪ ،‬فكتععاب موسععى‬
‫شععيء والتععوراة شععيء آخععر ‪ .‬والععذي قععادني إلععى معرفععة تلععك‬
‫الحقيقة ‪ ،‬هو تساؤلي ‪ ،‬أول ‪ :‬عن سععبب عععدم ذكععر التععوراة بععدل‬
‫من الكتععاب ‪ ،‬وثانيععا ‪ :‬رغبععتي بععالطلع علععى نععص النبععوءة فععي‬
‫التوراة نفسها ‪ ،‬فيما لو وجد ‪ .‬وبعععد أن اسععتخرجت كافععة اليععات‬
‫القرآنية ‪ ،‬التي ُذكر فيهععا موسععى ‪ ،‬والععتي ُذكععرت فيهععا التععوراة ‪،‬‬
‫تبين لي أن ذكر التوراة ‪ ،‬لم يرتبط بععذكر موسععى علععى الطلق ‪،‬‬
‫وعدم الربط بينهمععا ل بععد لععه مععن سععبب ‪ ،‬وبيععان ذلععك ‪ ،‬والنععص‬
‫‪64‬‬

‫التوراتي للنبوءة في الترجمات العربية للتوراة اللتينية ‪ ،‬سيأتي‬
‫في فصل قادم ‪ ،‬إن شاء ال ‪.‬‬
‫فنني اْل َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ل َت ُ ْ‬
‫وا‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ت‬
‫ل‬
‫و‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ت‬
‫ر‬
‫م‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫ن ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫سد ُ ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ِ َ‬
‫ْ ِ َ ّ‬
‫ك َِبيًرا ‪:‬‬
‫هنا حصل التفات من الحديث عن الغائب ‪ ،‬وهم بني إسرائيل ككل‬
‫ب ( ‪ ،‬ومن‬
‫سراِئيَل ِفي اْلِكَتععا ِ‬
‫ضْيَنا ِإَلى َبِني إ ْ‬
‫‪ ،‬في قوله تعالى ) َوَق َ‬
‫طب ‪ ،‬وهععم‬
‫ثم عاد سبحانه ‪ ،‬لتوجيه الحديث إلععى الحاضععر الُمخععا َ‬
‫بنععي إسععرائيل ) المعاصععرين ( لرسععالة السععلم ‪ ،‬وذلععك بسععرد‬
‫النبعوءة ‪ ،‬بنفعس السعلوب والعبعارات ‪ ،‬العتي أنزلعت عليهعم فعي‬
‫كتععابهم ‪ ،‬قبععل ‪ 3‬آلف ‪ ،‬زمععن موسععى عليععه السععلم ‪ .‬فجععاءت‬
‫نصوصععها مخاطبععة لبنععي إسععرائيل ‪ ،‬ولكععن بألفععاظ عربيععة جزلععة‬
‫موجزة ‪ ،‬كمععا وأضععيف إليهععا تعقيبععات ‪ ،‬لتععبين وتؤكععد بعععض مععا‬
‫تحّقق منها ‪ ،‬قبل إنزالها في سععورة السععراء مععرة أخععرى ‪ ،‬علععى‬
‫ن ‪...‬‬
‫سعُد ّ‬
‫محمد عليه الصلة والسععلم ‪ .‬فبععدأت بقععوله تعععالى ) َلُتْف ِ‬
‫ن ‪. ( ...‬‬
‫َوَلَتْعُل ّ‬
‫ن سععبحانه ‪ ،‬مععا بيععن الفسععاد والعلععو فععي‬
‫فععي هععذا الموضععع َق عَر َ‬
‫عُل عّوا‬
‫ن َوَلَتْعُل عنّ ُ‬
‫ض َمّرَتْي ع ِ‬
‫ن ِفععي اَْلْر ِ‬
‫س عُد ّ‬
‫المرتين ‪ ،‬في قععوله ) َلُتْف ِ‬
‫َكِبيًرا )‪ 4‬السراء ( ولم يوضح التفاصيل ‪ ،‬ولتكون لدينا القدرة ‪،‬‬
‫على معرفة شكل هذا الفساد وهذا العلو ‪ ،‬دعنا نمعن النظععر فععي‬
‫اليععات التاليععة ‪ ،‬حيععث اقععترن فيهععا المريععن مععععا ‪ ،‬فععي مواضععع‬
‫ن عَلَ ِفعي‬
‫ععْو َ‬
‫ن ِفْر َ‬
‫أخعرى معن القعران الكريععم ‪ ،‬كقععوله تعععالى ) ِإ ّ‬
‫ن )‪ 4‬القصعععص ( ‪ ،‬وقعععوله‬
‫سعععِدي َ‬
‫ن اْلُمْف ِ‬
‫ن ِمععع ْ‬
‫ض … ِإّنعععُه َكعععا َ‬
‫اَْلْر ِ‬
‫ن‬
‫ف َكععا َ‬
‫ظْر َكْيع َ‬
‫عُلعّوا َفععان ُ‬
‫ظْلًما َو ُ‬
‫سُهْم ُ‬
‫سَتْيَقَنْتَها َأْنُف ُ‬
‫حُدوا ِبَها َوا ْ‬
‫جَ‬
‫) َو َ‬
‫ن )‪ 14‬النمل ( ‪ ،‬حيععث جععاءت هععذه اليععة ‪ ،‬تعقيبععا‬
‫سِدي َ‬
‫عاِقبَُة اْلُمْف ِ‬
‫َ‬
‫‪65‬‬

‫على فرعون وقععومه لمععا علععو وأفسععدوا ‪ ،‬وجحععدوا بآيععات الع ‪،‬‬
‫فكان جزاءهم الهلك غرقا ‪.‬‬
‫ن عُُلعّوا ِفععي‬
‫ن َل ُيِريعُدو َ‬
‫جَعُلَهععا ِللّعِذي َ‬
‫خعَرُة َن ْ‬
‫لِ‬
‫ك العّداُر ا ْ‬
‫وقععوله ) ِتْلع َ‬
‫ن )‪ 83‬القصععص ( توضععح هععذه‬
‫ساًدا َواْلَعاِقَبُة ِلْلُمّتِقي َ‬
‫ض َوَل َف َ‬
‫اَْلْر ِ‬
‫ن جزاء من لم ُيرد العلععو والفسععاد ‪ ،‬سععواء كععان قععادرا‬
‫الية ‪ ،‬بأ ّ‬
‫على ذلك أم لم يكن ‪ ،‬هو أن يكون لهم حسن ثواب الدنيا والخرة‬
‫‪ ،‬والعاقبة للمتقين بإذن ال ‪ ،‬وذلك تعقيبا علععى قععارون وصععنيعه‬
‫وما حعّل بععه وبكنععوزه ‪ ،‬حيععث قععال تعععالى فيمععا آتععاه ‪ ،‬مععن المععال‬
‫صعَبِة ُأوِلععي‬
‫حُه َلَتُنععوُء ِباْلُع ْ‬
‫ن َمَفععاِت َ‬
‫ن اْلُكُنوِز َما ِإ ّ‬
‫والقوة ) َوآَتْيَناُه ِم ْ‬
‫اْلُقوِّة )‪ ، (76‬فجحد نعم ال ونسبها إلى نفسه ) َقععاَل ِإّنَمععا ُأوِتيُتعُه‬
‫ن الُقعُرونِ‬
‫ن َقْبِلعِه ِمع ْ‬
‫ك ِمع ْ‬
‫ل َقعْد َأْهَلع َ‬
‫ن ا َّ‬
‫عنِدي َأَوَلْم َيْعَلْم َأ ّ‬
‫عْلٍم ِ‬
‫عَلى ِ‬
‫َ‬
‫خ عَر َ‬
‫ج‬
‫جْمًعا )‪ ، (78‬فعل واسععتكبر ) َف َ‬
‫شّد ِمْنُه ُقّوًة َوَأْكَثُر َ‬
‫ن ُهَو َأ َ‬
‫َم ْ‬
‫سعْفَنا ِبعهِ َوِبعَداِرِه‬
‫خ َ‬
‫عَلععى َقعْوِمِه ِفععي ِزيَنِتعِه )‪ ، (79‬فععأهلكه الع )َف َ‬
‫َ‬
‫ض )‪ 81‬القصص ( ‪ ،‬ليجعله عبرة لغيره ‪.‬‬
‫اَْلْر َ‬
‫والملفت للنظر ‪ ،‬أن اقتران العلو بالفساد ‪ ،‬جععاء فععي أربععع آيععات‬
‫فقط من مجمل القرآن ‪ ،‬وكلهععا ذات علقععة ببنععي إسععرائيل ‪ ،‬وقععد‬
‫تقدم ذكرها أعله ‪.‬‬
‫والقرآن كما نعلم ُأنزل للناس كافة ‪ ،‬منذ اليوم الول لبعثة نبينا ‪،‬‬
‫عليه أفضل الصلة وأتم التسليم ‪ ،‬وحتى يععرث ال ع الرض ومععن‬
‫عليها ‪ ،‬ومن ضمن هعؤلء بنعي إسعرائيل ‪ ،‬العذين عاصعروا هعذه‬
‫الرسالة وهذا القععرآن ‪ ،‬وقععد ذّكرهععم الع ومععا زال ُيعّذكرهم ‪ ،‬فععي‬
‫معجزته الخالعدة بمعا حصل لفرعون وقارون ‪ ،‬وهععم أشعّد النععاس‬
‫قربا لهم ‪ ،‬لما علوا وأفسدوا في الرض ‪ ،‬وأّنهم إن أصّروا علععى‬
‫ن ِإّل‬
‫ظ عُرو َ‬
‫الفساد في الرض ‪ ،‬مضت فيهم سنة الولين ) َفَهْل َيْن ُ‬
‫‪66‬‬

‫حِويلً )‬
‫لت ْ‬
‫سّنِة ا ِّ‬
‫جَد ِل ُ‬
‫ن َت ِ‬
‫ل َوَل ْ‬
‫ل َتْبِدي ً‬
‫سّنِة ا ِّ‬
‫جَد ِل ُ‬
‫ن َت ِ‬
‫ن َفَل ْ‬
‫سّنَة اَْلّوِلي َ‬
‫ُ‬
‫س عْلَنا َقْبَل عكَ‬
‫ن َقْد َأْر َ‬
‫سّنَة َم ْ‬
‫‪ 43‬فاطر ( ‪ ،‬وقال في سورة السراء ) ُ‬
‫ل )‪ (77‬لينالهم ما نال سععابقيهم ‪،‬‬
‫حِوي ً‬
‫سّنِتَنا َت ْ‬
‫جُد ِل ُ‬
‫سِلَنا َوَل َت ِ‬
‫ن ُر ُ‬
‫ِم ْ‬
‫ن ل منععاص لهععم للنجععاة مععن‬
‫من العذاب فععي الععدنيا والخععرة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫سخطه وغضبة ‪ ،‬إّل بالعودة إليه والنابة له ‪ ،‬ولكن هيهات لمععن‬
‫جععاَرِة َأْو‬
‫حَ‬
‫ك َفِهيَ َكاْل ِ‬
‫ن َبْعِد َذِل َ‬
‫ت ُقُلوُبُكْم ِم ْ‬
‫س ْ‬
‫قيل في أسلفهم ) ُثّم َق َ‬
‫ن )‪ 74‬البقرة ( ‪.‬‬
‫عّما َتْعَمُلو َ‬
‫ل ِبَغاِفٍل َ‬
‫سَوًة … َوَما ا ُّ‬
‫شدّ َق ْ‬
‫َأ َ‬
‫علوّ بني إسرائيل في المرة الولى ‪ ،‬لم تتضح تفاصيله في سورة‬
‫السراء ‪ ،‬لكنها جلّية واضحة فععي مواضععع أخععرى مععن القععران ‪،‬‬
‫وسيأتي الحديث عنها في حينه ‪ ،‬أما ما نحععن بصععدده الن ‪ ،‬هععو‬
‫توضيح مفهوم العلّو ‪ ،‬ولدينا مثالين هما فرعون وقومه وقارون‬
‫ن العلّو المقصود هنا ‪ ،‬هو عل عّوهم كأّمععة وليععس‬
‫وكنوزه ‪ ،‬وبما أ ّ‬
‫كععأفراد ‪ ،‬فالخيععار يقععع علععى علعّو فرعععون وقععومه ‪ ،‬وهععذه آيععات‬
‫تعرضععت لبعععض مععن مظععاهر هععذا العلععو ومقومععاته ‪ ،‬قععال تعععالى‬
‫صعَر َوَهعِذِه‬
‫ك ِم ْ‬
‫س ِلي ُمْلع ُ‬
‫ن ِفي َقْوِمِه َقاَل َيا َقْوِم َأَلْي َ‬
‫عْو ُ‬
‫) َوَناَدى ِفْر َ‬
‫ن )‪ 51‬الزخعرف ( وعلعى‬
‫صعُرو َ‬
‫ل ُتْب ِ‬
‫حِتعي َأَف َ‬
‫ن َت ْ‬
‫جعِري ِمع ْ‬
‫اَْلْنهَععاُر َت ْ‬
‫ن ِفععي‬
‫ظععاِهِري َ‬
‫ك اْلَيعْوَم َ‬
‫لسان مؤمن آل فرعون ) َيععا َقعْوِم َلُكعْم اْلُمْلع ُ‬
‫عْونَ‬
‫ت ِفْر َ‬
‫ك آَتْي َ‬
‫سى َرّبَنا ِإّن َ‬
‫ض )‪ 29‬غافر ( ‪ ،‬وقال ) َوَقاَل ُمو َ‬
‫اَْلْر ِ‬
‫حَيععاِة الععّدْنَيا )‪ 88‬يععونس ( ‪ ،‬وقععال‬
‫لُه ِزيَنععًة َوَأْمععَواًل ِفععي اْل َ‬
‫َوَم َ‬
‫ت‬
‫جّنععا ٍ‬
‫ن َ‬
‫جنٌد ُمْغَرُقونَ )‪َ(24‬كْم َتَرُكوا ِم ْ‬
‫حَر َرْهًوا ِإّنُهْم ُ‬
‫ك اْلَب ْ‬
‫) َواْتُر ْ‬
‫ع َوَمَقععاٍم َكِري عٍم )‪َ (26‬وَنْعَم عٍة َكععاُنوا ِفيَهععا‬
‫ن )‪َ (25‬وُزُرو ٍ‬
‫عُيععو ٍ‬
‫َو ُ‬
‫ن )‪ 27‬الدخان ( وبالقليل من التدبر في اليات السابقة ‪.‬‬
‫َفاِكِهي َ‬
‫ن مقومععات علععو فرعععون ومله ‪ ،‬وهععم عليععة القععوم ‪،‬‬
‫نجععد أ ّ‬
‫ويمثلهم فععي زماننععا ‪ ،‬رجععال الحكععم والقضععاء والدولععة ‪ ،‬ورجععال‬
‫السياسة والمال والقتصاد ‪ ،‬والوجهاء ورؤوس النععاس ‪ ،‬تتمثععل‬
‫‪67‬‬

‫فيما يلععي ‪ :‬ملععك مصععر والسععيادة علععى أهلهععا ‪ ،‬والقععوة والمنعععة‬
‫والظهعععور فعععي الرض ‪ ،‬وامتلك الزينعععة والمعععوال ‪ ،‬والجنعععات‬
‫والعيون ‪ ،‬والنهار الجاريععة ‪ ،‬والععزرع والمقععام الكريععم ‪ ،‬والنعععم‬
‫المختلفة ‪.‬‬
‫ع مفهوم العلو ‪ :‬هو مظهر من مظاهر الحياة ‪ ،‬بمعنععى السععتعلء‬
‫والرتفاع والتكّبر والتجّبععر ‪ ،‬مععن خلل امتلك مقومععات ماديععة ‪،‬‬
‫كععالرض والمععال والقععوة ‪ ،‬ممععا ُيمّكععن الظلمععة والمفسععدون مععن‬
‫سيادة الناس وسياستهم ‪ ،‬والتحكم في تصريف شععؤونهم ‪ ،‬علععى‬
‫وجه من الظلم والبغي ‪.‬‬
‫أما مفهوم الفساد ؛ فهو يتمّثل في بعععض مععا قيععل مععن آيععات فععي‬
‫ض َوِإّن عهُ‬
‫ن َلَعععاٍل ِفععي اَْلْر ِ‬
‫عوْ َ‬
‫ن ِفْر َ‬
‫فرعون وملئه ‪ ،‬قال تعالى ) َوِإ ّ‬
‫ل ِفي اْلَْر ِ‬
‫ض‬
‫عَ‬
‫ن َ‬
‫عْو َ‬
‫ن ِفْر َ‬
‫ن )‪ 83‬يونس ( ‪ ،‬وقال ) ِإ ّ‬
‫سِرِفي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫َلِم ْ‬
‫حِ‬
‫ي‬
‫س عَت ْ‬
‫ح َأْبَنععاَءُهْم َوَي ْ‬
‫طاِئَفًة ِمْنهُْم ُيَذّب ُ‬
‫ف َ‬
‫ضِع ُ‬
‫سَت ْ‬
‫شَيًعا َي ْ‬
‫جَعَل َأْهَلَها ِ‬
‫َو َ‬
‫ن )‪ 4‬القصععص ( ‪ ،‬وقععال ) ِإَلععى‬
‫س عِدي َ‬
‫ن اْلُمْف ِ‬
‫ن ِم ع ْ‬
‫سععاَءُهْم ِإّن عُه َكععا َ‬
‫ِن َ‬
‫ن )‪ 46‬المؤمنععون ( ‪،‬‬
‫عععاِلي َ‬
‫سَتْكَبُروا َوَكاُنوا َقْوًما َ‬
‫ن َوَمَلِئِه َفا ْ‬
‫عْو َ‬
‫ِفْر َ‬
‫ن )‪12‬‬
‫سععِقي َ‬
‫ن َوَقععْوِمِه ِإّنُهععْم َكععاُنوا َقْوًمععا َفا ِ‬
‫عععْو َ‬
‫وقععال ) ِإَلععى ِفْر َ‬
‫عصَععى )‪(21‬‬
‫ب َو َ‬
‫لَيَة اْلُكْبعَرى )‪َ (20‬فَكعّذ َ‬
‫النمل ( ‪ ،‬وقال ) َفَأَراُه ا ْ‬
‫شَر َفَناَدى )‪َ (23‬فَقعاَل َأَنعا َرّبُكعْم اَْلعَْلعى )‬
‫ح َ‬
‫سَعى )‪َ (22‬ف َ‬
‫ُثّم َأْدَبَر َي ْ‬
‫ت َلُكععمْ‬
‫ل َما عَِلمْ ُ‬
‫ن َيا َأّيَها اْلَم َُ‬
‫عْو ُ‬
‫‪ 24‬النازعات ( ‪ ،‬وقال ) َوَقاَل ِفْر َ‬
‫عوُه ِإّنُهعْم‬
‫طععا ُ‬
‫ف َقعْوَمُه َفَأ َ‬
‫خ ّ‬
‫سعَت َ‬
‫غْيِري )‪ 38‬القصععص ( ) َفا ْ‬
‫ن ِإَلٍه َ‬
‫ِم ْ‬
‫ن َق عْوَمُه َومَععا‬
‫ععْو ُ‬
‫ضعّل ِفْر َ‬
‫ن )‪ 54‬الزخرف ( ) َوَأ َ‬
‫سِقي َ‬
‫َكاُنوا َقْوًما َفا ِ‬
‫َهَدى )‪ 79‬طه ( ‪.‬‬
‫ومظاهر إفساده تتمثل فيما يلي ‪ :‬جْعُل أهل مصععر فرقععا وطععوائف‬
‫متنابععذة ‪ ،‬واستضعععاف طائفععة منهععم ) بنععي إسععرائيل ( ‪ ،‬بذبععح‬
‫‪68‬‬

‫أبنائهم واستحياء نسائهم ‪ ،‬والسراف في كل أمره ‪ ،‬والسععتكبار‬
‫والفسق ‪ ،‬وتكذيب الرسل ‪ ،‬ومعصية ال وجحود آياته ‪ ،‬واّدعععاء‬
‫الربوبية واللوهية ‪ ،‬واستخفاف الناس وإضللهم ‪.‬‬
‫ع ع مفهععوم الفسععاد ‪ :‬استضعععاف النععاس وتفريقهععم وتصععنيفهم ‪،‬‬
‫وإثععارة الفتععن فيمععا بينهععم ‪ ،‬والقتععل وسععفك الععدماء ‪ ،‬وتكععذيب‬
‫الرسل ‪ ،‬وتكذيب آيععات الع وجحودهععا ‪ ،‬ومعصععية الع ورسععله ‪،‬‬
‫واستخفاف عقول الناس وتضععليلهم وإضععللهم ‪ ،‬وإنكععار ربوبيععة‬
‫ال ‪ ،‬وإنكار أحقيته في العبادة دون غيره ‪.‬‬
‫وخلصععة القععول ‪ :‬هععذا هععو مفهععوم العلععو ‪ ،‬وهععذا هععو مفهععوم‬
‫الفسععاد ‪ ،‬الععذي تتحععدث عنهمععا سععورة السععراء ‪ ،‬لععذلك عنععد أي‬
‫ي من المرتين ‪ ،‬يجب أن تكون الحالة موضععوع‬
‫محاولة لتعيين أ ّ‬
‫ن علععو‬
‫البحث ‪ ،‬مطابقة تماما لما كان عليه فرعععون وَمَلئه ‪ ،‬وكععأ ّ‬
‫وإفساد بنععي إسععرائيل ‪ ،‬صععورة فععي مععرآة لعلععو وإفسععاد فرعععون‬
‫وَمَلِئه ‪ ،‬ومععا علينععا إّل أن نبحععث ‪ ،‬فععي ماضععي بنععي إسععرائيل‬
‫ي حالة ترافق فيها مثععل هععذا العلععو ومثععل هععذا‬
‫وحاضرهم ‪ ،‬عن أ ّ‬
‫الفساد ‪ ،‬كما هعو الحعال بالنسعبة لفرععون وقعومه ‪ .‬ولعن نعذهب‬
‫بعيدا ‪ ،‬فإحداهما موصوفة في القران الكريععم وبالتفصععيل أيضععا ‪.‬‬
‫والخرى نشاهدها بأم أعيننا علعى أرض الواقعع ‪ ،‬منعذ أكعثر معن‬
‫خمسين عاما ‪.‬‬
‫في اْل َ‬
‫ض‪:‬‬
‫ر‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫قععرن سععبحانه وتعععالى ‪ ،‬بيععن الفسععاد والعلععّو لكلتععا المرتيععن‬
‫بالرض ‪ ،‬ولفظ الرض هنا اسععم جنععس ‪ ،‬وجععاءت كععذلك لتشععمل‬
‫س عُدنّ‬
‫الجزء والكل والخاص والعام ‪ ،‬حيث قال في الية )‪َ ) (4‬لُتْف ِ‬
‫عُلّوا َكِبيًرا ( ولععم يح عّدد مكانععا بعينععه ‪،‬‬
‫ن ُ‬
‫ن َوَلَتْعُل ّ‬
‫ض َمّرَتْي ِ‬
‫ِفي اَْلْر ِ‬
‫‪69‬‬

‫وعاد سبحانه وحّدد موقععع العقععاب فععي المرتيععن ‪ ،‬حيععن قععال فععي‬
‫خُلععوُه‬
‫جَد ‪َ ،‬كمَععا َد َ‬
‫سع ِ‬
‫خُلوا اْلَم ْ‬
‫جوَهُكْم ‪َ ،‬وِلَيْد ُ‬
‫سوُءوا ُو ُ‬
‫الية )‪ِ ) (7‬لَي ُ‬
‫َأّوَل َمّرٍة ( حيث ربط ما بين العقاب والمسجد ‪ ،‬لنفهم من ذلك أن‬
‫العقاب الموعود به بنو إسرائيل والمقصود هنا ‪ ،‬سينفذ فيهم في‬
‫المرتيععن ‪ ،‬خلل تواجععدهم فععي فلسععطين ) الرض المقدسععة ( ‪،‬‬
‫وُذكر المسجد للشارة إلى المكان ‪ .‬وهذا المسجد تم تعريفه ‪ ،‬في‬
‫جِد اَْلْقصَععى اّلعِذي‬
‫سع ِ‬
‫بداية سورة السراء ‪ ،‬في قععوله تعععالى ) اْلَم ْ‬
‫حعْوَلُه )‪ (1‬وقععوله الععذي باركنععا حععوله ‪ ،‬أي مععا يليععه مععن‬
‫َباَرْكَنععا َ‬
‫الرض ‪ ،‬ولم يقل باركنا فيه ‪ ،‬أي لم ُتحصر البركععة فععي المسععجد‬
‫فقط ‪ ،‬بل شملت ما حوله من الرض ‪.‬‬
‫حصر في المرتيععن ‪ ،‬وأن ذكععر الفسععاد‬
‫والملحظ أن ذكر الفساد ُ‬
‫سبق ذكر العلعّو ‪ ،‬وأن العلععو لععم ُيحصععر فععي المرتيععن ‪ ،‬بععل ُأفععرد‬
‫ووصف بالكبير ‪ .‬وبما أن التركيز هنا على المععرة الثانيععة ‪ ،‬فععذلك‬
‫يوحي بأن الفساد في المرتين متطابق ‪ ،‬وبأن تحصيلهم للعلععو ‪،‬‬
‫على القل في المرة الثانية ‪ ،‬سععيتأتى عععن طريععق الفسععاد ‪ ،‬وأن‬
‫العلو الثاني أكبر من الول ‪ ،‬لذلك تأخر ذكر العلو وصععفته ‪ ،‬عععن‬
‫كلمة مرتين للختلف ‪ .‬ذلك لن إفساد بني إسرائيل الُمتأّتي عععن‬
‫العل عّو ‪ ،‬اقتصععر علععى حععدود دولتهععم ‪ ،‬فععي فلسععطين فععي المععرة‬
‫الولى ‪ ،‬وهذا ما ُيثبته القرآن والتوراة ‪ .‬وأّما إفسععادهم وعل عّوهم‬
‫الخير في فلسطين ‪ ،‬والععذي نعيشععه الن ‪ ،‬سععبقه ورافقععه إفسععاد‬
‫وعلو ‪ ،‬شمل مشارق الرض ومغاربها ‪ .‬وال أعلم ‪.‬‬
‫ن العقاب سععيحل بهععم فععي الرض المقدسععة ‪ ،‬يععترتب علععى‬
‫وبما أ ّ‬
‫ذلك ‪ ،‬حتمية سبق وقوع الفساد والعلعّو فيهععا ‪ ،‬حععتى ولععو سععبق‬
‫منهم ‪ ،‬الفساد والعلو في الرض على عمومهععا ‪ ،‬أو تزامععن مععع‬
‫إفسععادهم وعلععوهم ‪ ،‬فععي الرض المقدسععة ‪ ،‬لععذلك جععاء الحععديث‬
‫‪70‬‬

‫مجمل في الية )‪ ، (4‬وهي الية الولى مععن قصععة الفسععادتين ‪،‬‬
‫فُذكر الفساد والعلو ‪ ،‬لشتراط وقوعهما في المرتين ‪ ،‬ولم يععأتي‬
‫ي من المرتين فيها ‪.‬‬
‫بأي تفاصيل ل ّ‬
‫وخلصة القول ‪ :‬أن الرض التي سيتم فيها ‪ ،‬علو بنععي إسععرائيل‬
‫وإفسععادهم ‪ ،‬هععي الرض علععى عمومهععا فععي المععرة الثانيععة ‪،‬‬
‫وفلسطين بشكل خاص في المرتين ‪ .‬وأن عقععابهم فععي المرتيععن ‪،‬‬
‫سيكون في الرض المقدسععة خاصععة ‪ ،‬وزوال علععوهم فععي المععرة‬
‫الثانية ‪ ،‬من الرض على عمومها ‪ ،‬وال أعلم ‪.‬‬
‫ن‪:‬‬
‫َ‬
‫مّرت َي ْ ِ‬
‫المرة ‪ ،‬هي الفعلة الواحدة ‪ ،‬معن شعيء ُيمكعن تكعراره ‪ ،‬والجمعع‬
‫ِمرار ‪ ،‬واعتدنا أن نجمعها على مّرات ‪ .‬وقد أوضح سععبحانه بمععا‬
‫ح أن‬
‫ل يدع مجال للشك ‪ ،‬أنهما مّرتععان بصععريح اللفععظ ‪ .‬ول يص ع ّ‬
‫ُنضيف ثالثة ‪ ،‬ومن أفتى بثالثة ‪ ،‬فقد أفتى بغير علم ‪.‬‬
‫وعنععدما تقععول ‪ :‬مععرة ‪ ،‬ومرتععان ‪ ،‬وثلث مععرات ‪ ،‬فععأنت فععي‬
‫الواقع ‪َ ،‬تعّد فعلة واحدة تتكّرر ‪ ،‬ولها صفة الستمرار ‪ ،‬كععالعمرة‬
‫والحج مثل ‪ ،‬لتقول اعتمرت مععرة ‪ ،‬ومرتععان ‪ ،‬وثلث ‪ ،‬والعمععرة‬
‫لها شروط ومناسك خاصة بها ‪ ،‬تمّيزها عن غيرها كالحج مثل ‪،‬‬
‫ح أن َتعّد أفعال مختلفة على أنها مّرات ‪ ،‬كأن تقول مثل ‪،‬‬
‫ول يص ّ‬
‫ج مععرة ‪ ،‬اعتمععرت مرتيععن أو حججععت‬
‫عنععدما تعتمععر مععرة ‪ ،‬وتح ع ّ‬
‫ح أن ُتسعععّمي فعلعععة غيعععر مكتملعععة الشعععروط‬
‫مرتيعععن ‪ .‬ول يصععع ّ‬
‫والمواصفات ‪ ،‬على أنها مرة ‪ ،‬كعمرة بل طواف أو سعي ‪.‬‬
‫ن المرتين تكععرار لفعلععة واحععدة ‪ ،‬تمتلععك نفعس‬
‫وخلصة القول ‪ :‬أ ّ‬
‫الشروط والمواصفات ‪ ،‬وبما أن إفساد بني إسرائيل في الرض ‪،‬‬
‫بدأ منذ نشأتهم ‪ ،‬قبل حوالي )‪ (3‬آلف سنة ‪ ،‬واستمر لغاية هععذه‬
‫‪71‬‬

‫اللحظة ‪ ،‬كان مععن الضععروري لنععا ‪ ،‬أن نسععتنبط مععن هععذه اليععات‬
‫شععروطا ومواصععفات ‪ ،‬تجعععل مععن السععهولة بمععا كععان ‪ ،‬تحديععد‬
‫المرتيععن وبدقععة متناهيععة ‪ ،‬وتحديععد موقعهمععا مععن حيععث الزمععان‬
‫والمكان ‪ ،‬وأول شرط من الشروط هو الفساد المقععترن بععالعلو ‪،‬‬
‫والشرط الثاني أن يكون في الرض المقّدسة دون غيرها ‪.‬‬
‫عد ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫) َ‬
‫ْ‬
‫فإ ِ َ‬
‫دا‬
‫ن‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫نا‬
‫ث‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ل‬
‫أو‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫عب َننا ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و ْ ُ‬
‫ذا َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫جاءَ َ‬
‫ل ََنننا ُأوِلنني بننأ ْ‬
‫د َ‬
‫خَل َ‬
‫س َ‬
‫ل‬
‫سننوا ِ‬
‫دي ٍ‬
‫شنن ِ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫جا ُ‬
‫ٍ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫عوًل )‪(5‬‬
‫و ْ‬
‫كا َ‬
‫ف ُ‬
‫ع ً‬
‫دا َ‬
‫ن َ‬
‫ر َ‬
‫الدَّيا ِ‬
‫َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ما ‪:‬‬
‫و ْ‬
‫عدُ ُأوَل ُ‬
‫ذا َ‬
‫ه َ‬
‫جاءَ َ‬
‫جاء أي مجيععء الععوقت المعيععن أو الموعععد المحعّدد ‪ ،‬والوعععد أي‬
‫الموعودين به من العقاب والهلك ‪ ،‬والمعنى إجمععال هععو مجيععء‬
‫زمن الستحقاق ‪ ،‬لنفاذ الوعد بالعقاب والهلك ‪ ،‬ومجيء الوعععد‬
‫ضععح هععذا‬
‫متعّلق بتحقق الشروط الثلثة في الية السععابقة ‪ ،‬ويتو ّ‬
‫ععععًدا )‪59‬‬
‫جَعْلَنعععا ِلَمْهِلِكِهعععْم َمْو ِ‬
‫المعنعععى ‪ ،‬فعععي قعععوله تععععالى ) َو َ‬
‫الكهف ( ‪ ،‬أي ربععط الهلك بموعععد معيععن ‪ ،‬ل يتععأخر ول يتقعّدم ‪،‬‬
‫خُرونَ‬
‫سَتْأ ِ‬
‫جُلُهْم َل َي ْ‬
‫جاَء َأ َ‬
‫جٌل َفِإَذا َ‬
‫كما في قوله تعالى ) َوِلُكّل ُأّمٍة َأ َ‬
‫ن)‪ 34‬العععراف ( ‪ .‬وسععرعة مجيععء موعععد‬
‫س عَتْقِدُمو َ‬
‫عًة َوَل َي ْ‬
‫سععا َ‬
‫َ‬
‫الهلك وإبطاءه ‪ ،‬تعتمد على درجة الظلم ‪ ،‬وتجععد ذلععك فععي قععوله‬
‫ظَلُمععوا … ) ‪ 59‬الكهععف ( ‪،‬‬
‫ك اْلُق عَرى َأْهَلْكَنععاُهْم َلّمععا َ‬
‫تعالى ) َوِتْل ع َ‬
‫ن )‪59‬‬
‫ظععاِلُمو َ‬
‫وقععوله ) … َوَمععا ُكّنععا ُمْهِلِكععي اْلُق عَرى ِإّل َوَأْهُلَهععا َ‬
‫القصص ( ‪ ،‬والظلم المقصود هنا هو الظلععم الممععي ‪ ،‬مععع تععوافر‬
‫الصرار ‪ .‬إذ كلمععا زادت درجععة الظلععم ‪ ،‬وزادت وتيععرة اقععترافه ‪،‬‬
‫كلما أسرع إلى المم قدرها المحتععوم ‪ ،‬لتمضععي فيهععا سععنن الع ‪،‬‬
‫التي ل تتحول ول تتبدل ‪.‬‬
‫‪72‬‬

‫م‪:‬‬
‫عث َْنا َ‬
‫بَ َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫سععوًل مِْنُهععْم )‪2‬‬
‫ن َر ُ‬
‫ث ِفععي اُْلّمّييعع َ‬
‫قععال تعععالى ) ُهععَو اّلععِذي َبَععع َ‬
‫ن )‪56‬‬
‫شععُكُرو َ‬
‫ن َبْعِد مَْوِتُكْم َلَعّلُكْم َت ْ‬
‫الجمعة ( ‪ ،‬وقال ) ُثّم َبَعْثَناُكْم ِم ْ‬
‫ض )‪31‬‬
‫ث ِفععي اَْلْر ِ‬
‫حعع ُ‬
‫غَراًبععا َيْب َ‬
‫لعع ُ‬
‫ث ا ُّ‬
‫البقععرة ( ‪ ،‬وقععال ) َفَبَععع َ‬
‫عَبععاًدا َلَنععا )‪5‬‬
‫عَلْيُكعْم ِ‬
‫ععُد ُأوَلُهَمععا َبَعْثَنععا َ‬
‫جععاَء َو ْ‬
‫المائدة ( ‪َ ) ،‬فعِإَذا َ‬
‫السععراء ( ‪ ،‬ومععن خلل التععدبر فععي اليععات السععابقة ‪ ،‬نجععد أن‬
‫المبعوث من قبله سعبحانه ‪ ،‬ليعس لعه القعدرة علعى بععث نفسعه ‪،‬‬
‫وذلك على حالين ‪:‬‬
‫الولععى ‪ :‬هععي وجععود الرادة اللهيععة وانعععدام الرادة البشععرية ‪،‬‬
‫فالرسل عليهم السلم بتلقي الرسالة عن طريق الوحي ‪ ،‬ينتقلون‬
‫من حال الغفلة والسكون إلععى حععال الهدايععة والععدعوة ‪ ،‬والمععوتى‬
‫ينتقلون بنفخ الروح فيهم من حال الموت إلى حال الحيععاة ‪ .‬وفععي‬
‫هععذه الحالععة يكععون التععدخل اللهععي ظععاهرا ‪ ،‬بإحععداث البعععث عععن‬
‫طريق إرسال الروح والوحي ‪ ،‬سواء كانت وسععيلة البعععث ماديععة‬
‫أو معنوية ‪.‬‬
‫والثانية ‪ :‬هي وجععود كلتععا الرادتيععن ‪ ،‬مععع تعليععق الرادة الثانيععة‬
‫بالولى ‪ ،‬فالحياء يملكون الرادة فععي بعععث أنفسععهم ‪ ،‬لتصععريف‬
‫أمعععورهم الدنيويعععة ‪ ،‬ولكّنهعععا إرادة معلقعععة بالمشعععيئة أو الرادة‬
‫اللهية ‪ ،‬فما شاء ال كان ‪ ،‬وما لععم يشععأ لععم يكععن ‪ ،‬فععإن تععوافقت‬
‫الرادة البشرية للقيام بعأمر معا ‪ ،‬معع الرادة اللهيعة ‪ ،‬وقعع ذلعك‬
‫شععاُءونَ ‪ِ ،‬إّل َأنْ‬
‫المر وإن لم تتوافق لم يقع ‪ ،‬قال تعععالى ) َوَمععا َت َ‬
‫حِكيًمععا )‪ 30‬النسععان ( ‪ .‬وفععي هععذه‬
‫عِليًما َ‬
‫ن َ‬
‫ل َكا َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل ‪ِ ،‬إ ّ‬
‫شاَء ا ُّ‬
‫َي َ‬
‫الحالة يكون التدخل اللهي غير ظاهر ‪ ،‬حيث أنه يتم عععن طريععق‬
‫‪73‬‬

‫التمكيعععن ‪ ،‬بإزالعععة المعوقعععات والمثّبطعععات وإيجعععاد التسعععهيلت‬
‫والمحّفزات ‪ ،‬سواء كانت الوسائل مادية أو معنوية ‪.‬‬
‫وفي كلتا الحالين يكون البعث من عند ال ‪ ،‬ولذلك نسب سععبحانه‬
‫بعععث أولئك العبععاد إلععى نفسععه ‪ ،‬لن ال ع س عُيمّكن لهععم السععباب‬
‫والسبل عند خروجهم ‪ ،‬لتحقيق وعععده فععي بنععي إسععرائيل ‪ .‬وأمععا‬
‫هؤلء العباد فسيخرجون من تلقععاء أنفسععهم ‪ ،‬ورغبععة منهععم فععي‬
‫ذلك ‪ ،‬بدفع من أسبابهم الخاصة ‪.‬‬
‫ععّدًة ‪،‬‬
‫عّدوا َلعُه ُ‬
‫ج َل َ‬
‫خُرو َ‬
‫ونجد ذلك في قوله تعالى ) َوَلْو َأَراُدوا ال ُ‬
‫ن )‪46‬‬
‫ع عِدي َ‬
‫طُهْم ‪َ ،‬وِقيَل اْقُع عُدوا َم عَع اْلَقا ِ‬
‫ل اْنِبَعاَثُهْم َفَثّب َ‬
‫ن َكِرَه ا ُّ‬
‫َوَلِك ْ‬
‫التوبة (‬
‫أي لو أرادوا الخروج ‪ ،‬لعّدوا عدة الخروج ‪ ،‬ولكنهععم لععم ُيع عّدوا‬
‫العّدة ‪ ،‬لن رغبة الخروج لديهم معدومة أصل ‪ .‬وبما أن إرادتهم‬
‫معدومة ‪ ،‬كععره الع انبعععاثهم ‪ ،‬فثّبطهععم كععي ل يخرجععوا مكرهيععن‬
‫حياءً أو ريععاًء ‪ ،‬خشععية تععأثيرهم السععلبي علععى الخععارجين ‪ .‬وفععي‬
‫ن من ُوجد لديه الرادة والرغبععة فععي الخععروج ‪ ،‬كععان‬
‫المقابل ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الولععى بإزالععة الُمثّبطععات ‪ ،‬وإحععاطته بععالُمحّفزات لتمكينععه مععن‬
‫النبعاث والخروج ‪.‬‬
‫ع مفهوم البعث ‪ :‬هو انتقال ‪ ،‬أو انقلب ‪ ،‬أو تحول ‪ ،‬أو تغيععر مععن‬
‫حالة إلى أخرى ‪ ،‬نتيجة ُمسّبب خارجي ‪ ،‬مادي أو معنوي ‪.‬‬
‫ن عملية البعث هنا ‪ ،‬معّلقة بالمشيئة اللهية ‪،‬‬
‫وخلصة القول ‪ :‬أ ّ‬
‫وموعد البعث منوط بهذه المشععيئة ‪ ،‬وأن هععؤلء المبعععوثين ولععو‬
‫تولدت فيهم الرادة ‪ ،‬ومهما حاولوا النقضاض ‪ ،‬مرارا وتكععرارا‬
‫على بني إسرائيل ‪ ،‬للقضاء عليهععم وإفنععائهم ‪ ،‬فلععن يتمكنععوا مععن‬
‫ذلك ‪ ،‬حتى مجيء ذلك الموعد ‪.‬‬
‫‪74‬‬

‫دا ل ََنا ‪:‬‬
‫ِ‬
‫عَبا ً‬
‫معظم الناس هذه اليععام ‪ ،‬يعتقععدون اعتقععادا جازمععا ل شععك فيععه ‪،‬‬
‫بععأن هععؤلء العبععاد الُمشععار إليهععم ‪ ،‬فععي هععذه العبععارة ‪ ،‬هععم عبععاد‬
‫مؤمنين ‪ ،‬بل من أولياء ال المخلصين ‪ .‬ولبيان خطأ هذا المعتقععد‬
‫‪ ،‬سنناقش هذا المر من عدة وجوه ‪ ،‬وبما أن هذه العبارة ‪ ،‬أحععد‬
‫أهععم مرتكععزات الفهععم الخععاطئ ‪ ،‬للنبععوءة الععتي جععاءت بهععا آيععات‬
‫سورة السراء ‪ ،‬سنتاولها بالشرح والتفصيل ‪ ،‬بما يتناسععب مععع‬
‫حجم المساحة ‪ ،‬التي احتلتها في أذهان الناس ‪:‬‬
‫أول ‪ :‬رأي المفسرين القدماء‬
‫هذه العبارة ‪،‬لم يكن فهععم معناهععا ومغزاهععا ‪ ،‬مشععكلة للمفسععرين‬
‫القدماء ‪ ،‬وهععم الكععثر قربععا وفهمععا ‪ ،‬للفععاظ العربيععة وتركيباتهععا‬
‫اللغوية ‪ ،‬ولو طالعت تفسيراتهم للعبععارة ‪ ،‬وآرائهععم فععي أصععحاب‬
‫البعث الول والثاني ‪ ،‬التي أجملناها في الفصل السابق ‪ ،‬لوجدت‬
‫ن أّنهم ‪ ،‬جزموا‬
‫أّنهم بل استثناء ‪،‬لم يعيروها أدنى انتباه ‪ ،‬وبما أ ّ‬
‫ن تحقق الوعدين ‪ ،‬قععد تعّم قبععل السععلم ‪ ،‬فهععم علععى القععل ‪،‬لععم‬
‫بأ ّ‬
‫يثبتوا لهم صفة اليمان ‪ ،‬حيث أن بني إسرائيل آنذاك ‪ ،‬كانوا من‬
‫أهل الكتاب ‪ ،‬وكل من حولهم كانوا من عبععدة الوثععان ‪ .‬بععل علععى‬
‫العكس من ذلك ‪ ،‬نجد أنهم بل استثناء ‪ ،‬كانوا قد أثبتوا لهم صفة‬
‫الكفر ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬كلمة عباد نكننرة ‪ ،‬وإضننافتها للجننار‬
‫والمجرور ‪ ،‬لننم تعّرفهننا ‪ ،‬وبالتننالي لننم‬
‫توضح ماهية المعتقد‬
‫وردت هذه عبارة ) عبادا لنا ( في القرآن مرة واحدة فقط ‪ ،‬ولو‬
‫أمعّنا النظر في تركيبتها ‪ ،‬لوجدنا أّنه سبحانه نّكر هؤلء العباد ‪،‬‬
‫‪75‬‬

‫ولم ينسبهم إلى نفسه حتى بضمير متصععل ‪ ،‬كععأن يقععول عبادنععا ‪،‬‬
‫ن تنكيرهععم ‪ ،‬كععان‬
‫وأضافها إلى الجاّر والمجرور ) لنا ( ‪ ،‬لنفهم أ ّ‬
‫غاية بحّد ذاته ‪ ،‬والضافة للجععاّر والمجععرور ‪ ،‬جععاءت هنععا لتفيععد‬
‫ملكية الع لهعم فقعط ‪ ،‬وليعس لهعا علقعة ببيعان ماهيعة المعتقعد ‪.‬‬
‫وذلك ليعلم بني إسرائيل ‪ ،‬أن هذا البعث من عنععد ال ع ‪ ،‬وبتمكيععن‬
‫منه سبحانه ‪ ،‬فكل ما يجري على الرض بخيره وشّره ‪ ،‬ل يكون‬
‫إل بمشيئة ال جل وعل وتقدير منه ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الفرق بين العبودية والعبادة‬
‫لنعلم أن أصل العبودية الخضوع والذل ‪ ،‬كرها أكثر منها طواعية‬
‫‪ ،‬وأصل العبادة الطاعة والولء ‪ ،‬طواعية ورغبة ل كراهية فيها‬
‫‪.‬‬
‫وتجب العبودية ل علععى الخلئق ‪ ،‬بععدافع الربوبيععة أي الُملكيععة ‪،‬‬
‫بأحقية الخلق واليجاد ‪ ،‬واقرأ سورة الملك إن شئت فهبي تفصل‬
‫ب‬
‫ل َأْبِغي َرّبععا َوُهعَو َر ّ‬
‫المر ‪ ،‬ونجدها في قوله تعالى ) ُقْل َأغَْيَر ا ِّ‬
‫لع‬
‫يٍء )‪ 164‬النعععام ( أي صععاحب كععل شععيء ‪ ،‬وقععوله ) َو ِّ‬
‫ش ْ‬
‫ُكّل َ‬
‫ض َوَمععا َبْيَنُهَمععا )‪ 17‬المععائدة ( أي مالععك‬
‫ت َواَْلْر ِ‬
‫سععَمَوا ِ‬
‫ك ال ّ‬
‫ُمْلعع ُ‬
‫شيٍْء )‪ 102‬النعام ( مما‬
‫ق ُكلّ َ‬
‫خاِل ُ‬
‫للسموات والرض ‪ ،‬وقوله ) َ‬
‫يعقل ول يعقل ‪ ،‬والخلق هو الموجب لحقوق الربوبية والملكيعة ‪،‬‬
‫ض ِإّل آِتععي‬
‫ت َواَْلْر ِ‬
‫سعَمَوا ِ‬
‫ن ِفعي ال ّ‬
‫ن ُكّل َمع ْ‬
‫ولذلك قال جل شأنه ) ِإ ْ‬
‫عْبًدا )‪ 93‬مريم ( من الملئكة حععتى الععذّرة معن الععتراب ‪،‬‬
‫ن َ‬
‫حَم ِ‬
‫الّر ْ‬
‫رغما عن أنوفهم ل خيار لهم ‪ ،‬بأحقية ما سبق من خلقه إياهم ‪.‬‬
‫ق بععدافع الشععراء أو مععا‬
‫وينععدرج تحععت العبوديععة ‪ ،‬عبوديععة الععر ّ‬
‫شابه ‪ ،‬التي توجب الملكيععة وحععق التصععرف بكععل شععؤون العبععد ‪،‬‬
‫ومن هنا جاءت تسمية الرقيق بالعبد ‪ ،‬كما في قوله تعالى ) َوَقاَل‬
‫‪76‬‬

‫سَأْلهُ مَععا‬
‫ك َفا ْ‬
‫جْع ِإَلى َرّب َ‬
‫سوُل َقالَ اْر ِ‬
‫جاَءُه الّر ُ‬
‫ك اْئُتوِني ِبِه َفَلّما َ‬
‫اْلَمِل ُ‬
‫ن عَِلي عٌم )‪50‬‬
‫ن َرّبععي ِبَكْي عِدِه ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ن َأْي عِدَيُه ّ‬
‫طْع ع َ‬
‫لِتععي َق ّ‬
‫س عَوِة ال ّ‬
‫َبععالُ الّن ْ‬
‫ب الرسععول أي صععاحبه‬
‫يوسف ( والملك هو ملك مصععر ‪ ،‬وهععو ر ّ‬
‫وسّيده ‪ ،‬والرسععول هععو نفععس الفععتى الععذي ‪ ،‬قععال ‪ِ ) :‬إنّععي َأَراِنععي‬
‫خْمًرا ( ‪ ،‬وربوبية الَمِلك لهععذا الفععتى جععاءت بععدافع ملكيععة‬
‫صُر َ‬
‫ع ِ‬
‫َأ ْ‬
‫الملك للفتى ‪.‬‬
‫أما العبادة ‪ ،‬فهي تقديم فروض الطاعة والتقديس والولء ‪ ،‬لله‬
‫أو للهععة ‪ ،‬ول جبريععة فيهععا فالخيععار للمخلععوق ‪ ،‬فهععو يعبععد مععا‬
‫يشاء ‪ ،‬واللهة التي اتخذها الناس للعبادة كثيرة ومتنوعة ‪ ،‬قععال‬
‫سععيحَ‬
‫ل ع َواْلمَ ِ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫حَباَرُهْم َوُرْهَباَنُهْم َأْرَباًبا ِم ع ْ‬
‫خُذوا َأ ْ‬
‫تعالى ) اّت َ‬
‫حعًدا ‪َ ،‬ل ِإَلعَه ِإّل ُهعَو ‪،‬‬
‫ن َمْرَيَم َوَمععا ُأِمعُروا ِإّل ‪ِ ،‬لَيْعُبعُدوا ِإَلًهععا َوا ِ‬
‫اْب َ‬
‫ن )‪ 31‬التوبة ( ‪ ،‬أما الغايععة مععن خلععق الجعنّ‬
‫شِرُكو َ‬
‫عّما ُي ْ‬
‫حاَنُه َ‬
‫سْب َ‬
‫ُ‬
‫س‬
‫ن َواِْلنعع َ‬
‫جّ‬
‫ت اْل ِ‬
‫خَلْق ُ‬
‫والنس فهي عبادة ال ‪ ،‬لقوله تعالى ) َوَما َ‬
‫ن )‪ 56‬الذاريات ( ‪.‬‬
‫ِإّل ِلَيْعُبُدو ِ‬
‫وكلّ النععاس يمارسععون طقوسععا العبععادة ‪ ،‬سععواء كععانوا مععن أهععل‬
‫الكتب السماوية أو وثنيون أو ملحدون ‪ ،‬أما المؤمنون بال فهععم‬
‫من ُنسبت عبعادتهم لع ‪ ،‬وليعس معن ُنسععبوا بعذواتهم فقعط ‪ ،‬قععال‬
‫ن)‬
‫عاِبعُدو َ‬
‫ن َلُه َ‬
‫حُ‬
‫صْبَغًة َوَن ْ‬
‫ل ِ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ِم َ‬
‫سُ‬
‫ح َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ل َوَم ْ‬
‫صْبَغَة ا ِّ‬
‫تعالى ) ِ‬
‫‪ 138‬البقرة ( ‪.‬‬
‫ونجععد أنععه سععبحانه ‪ ،‬يععدعو إلععى القععرار بالربوبيععة ووحدانيععة‬
‫اللوهية ‪ ،‬بأحقية الخلق لكل شيء أول ‪ ،‬ومن ثم يأمر بالخضوع‬
‫له ‪ ،‬وإفراده سبحانه بالعبادة والتكال عليه ‪ ،‬في قوله ) َذِلُكْم ا ُّ‬
‫ل‬
‫عَلععى ُك عّل‬
‫عُبُدوُه ‪َ ،‬وُهَو َ‬
‫يٍء ‪َ ،‬فا ْ‬
‫ش ْ‬
‫ق ُكّل َ‬
‫خاِل ُ‬
‫َرّبُكْم ‪َ ،‬ل ِإَلَه ِإّل ُهَو ‪َ ،‬‬
‫‪77‬‬

‫يٍء َوِكيعععٌل )‪ 102‬النععععام ( ‪ .‬فل تسعععتقيم العبعععادة إل بعععإقرار‬
‫شععع ْ‬
‫َ‬
‫الربوبية ل أول ‪ ،‬ول يستقيم الحال بععإقرار الربوبيععة ل ع وحععدها‬
‫دون القيام بمقتضيات العبادة ‪ .‬وهذا ما كان عليه كفععار قريععش ‪،‬‬
‫حيث أنهم أقّروا بربوبية ال لهم ‪ ،‬ولكنهم أشركوا بالعبادة ‪ ،‬قععال‬
‫ن الُّع َفعَأّنى ُيْؤَفُكععونَ )‪87‬‬
‫خَلَقُهعْم َلَيُقععولُ ّ‬
‫ن َ‬
‫سَأْلَتُهْم َم ْ‬
‫ن َ‬
‫تعالى ) َوَلِئ ْ‬
‫الزخرف ( ‪ ،‬بينما عبادتهم للصنام قالوا فيها ) … َما نَْعُبُدُهْم ِإلّ‬
‫ل ُزْلَفى … )‪ 3‬الزمر ( ‪.‬‬
‫ِلُيَقّرُبوَنا ِإَلى ا ِّ‬
‫ن َفَقاَل َلَهععا َوِللَْْر ِ‬
‫ض‬
‫خا ٌ‬
‫سَماِء َوِهيَ ُد َ‬
‫سَتَوى ِإَلى ال ّ‬
‫قال تعالى ) ُثّم ا ْ‬
‫صلت ( ‪ ،‬طوعععا مععن‬
‫ن )‪ُ 11‬ف ّ‬
‫طاِئِعي َ‬
‫عا َأْو َكْرًها َقاَلَتا َأَتْيَنا َ‬
‫طْو ً‬
‫ِاْئِتَيا َ‬
‫قبيل العبععادة ‪ ،‬ولععو لععم تأتيععا طوعععا ‪ ،‬لكععان ذلععك كرهععا مععن قبيععل‬
‫سعْبُع َواْلَْر ُ‬
‫ض‬
‫ت ال ّ‬
‫سعَمَوا ُ‬
‫ح َلعُه ال ّ‬
‫سّب ُ‬
‫العبودية ‪ ،‬حيث قال تعالى ) ُت َ‬
‫ن َل َتْفَقُهععونَ‬
‫حْمعِدِه ‪َ ،‬وَلِكع ْ‬
‫ح ِب َ‬
‫سعّب ُ‬
‫يٍء ِإّل ُي َ‬
‫ش ْ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ن ‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫ن ِفيِه ّ‬
‫َوَم ْ‬
‫غُفوًرا )‪ 44‬السراء ( ‪.‬‬
‫حِليًما َ‬
‫ن َ‬
‫حُهْم ‪ِ ،‬إّنُه َكا َ‬
‫سِبي َ‬
‫َت ْ‬
‫ومن ذلك ُيسّمى من يرزح تحت العبودية كرهععا عبععدا ‪ ،‬فل خيععار‬
‫في أل يكون ‪ ،‬فهو مرغععم ‪ ،‬وُيسععمى مععن يقععوم بواجبععات العبععادة‬
‫طواعية عابدا ‪ ،‬فالخيار فععي أن يكععون أو ل يكععون ‪ ،‬عععائد إليععه ‪،‬‬
‫وأشّد الكفر ‪ ،‬هو ما ُأنكر فيه العبودية والعبادة ل معععا ‪ ،‬وشععتان‬
‫عَبَد ( ‪.‬‬
‫ما بين المسّميين ‪ ،‬مع أن أصليهما واحد ‪ ،‬وهو كلمة ) َ‬
‫رابعا ‪ :‬الفراد والجمع‬
‫عْبد ( ‪ ،‬والعبععد لغععة‬
‫عباد وعبيد كلمتان مترادفتان ‪ ،‬ومفردهما ) َ‬
‫ي ) عباد ( و ) عبيد ( هي صيغة الجمععع مععن‬
‫نقيض اُلحّر ‪ ،‬فكلمت ّ‬
‫كلمععة ) عبععد ( ‪ ،‬وذلععك بدللععة النععص القرآنععي فععي قععوله تعععالى‬
‫عّلْمَنععاُه ِمعنْ‬
‫عْنعِدَنا َو َ‬
‫ن ِ‬
‫حَمعًة ِمع ْ‬
‫عَباِدَنا َءاَتْيَنععاُه َر ْ‬
‫ن ِ‬
‫عْبًدا ِم ْ‬
‫جَدا َ‬
‫) َفوَ َ‬
‫عْلًما )‪ 65‬الكهف ( ‪ ،‬ولو قععال ) عابععدا مععن عبععادا ( لختلععف‬
‫َلُدّنا ِ‬
‫‪78‬‬

‫ح ِإّنُه َكانَ عَْبًدا‬
‫حَمْلَنا َمَع ُنو ٍ‬
‫ن َ‬
‫المر ‪ ،‬وتدبّر قوله تعالى ) ُذّرّيَة َم ْ‬
‫ش عُكوًرا )‪ 3‬السععراء ( ‪ ،‬نجععد أنععه سععبحانه ُيخععبر أن نععوح عليععه‬
‫َ‬
‫السلم ‪ ،‬كان عبدا أول من العبودية ‪ ،‬وعابدا بالشكر ل ثانيا من‬
‫العبادة ‪.‬‬
‫أما كلمة ) عابد ( ‪ ،‬وهو القائم بالعبادة ‪ ،‬فصيغة الجمع منها هي‬
‫عاِبعٌد َمععا عََبعْدُتْم )‬
‫) عابدون ( ‪ ،‬وذلك بدللة قوله تعالى ) َوَل َأَنا َ‬
‫عُبُد )‪ 5‬الكافرون (‬
‫ن َما َأ ْ‬
‫عاِبُدو َ‬
‫‪َ (4‬وَل َأْنُتْم َ‬
‫خامسا ‪ :‬تننرادف كلمننتي عبنناد وعبينند فنني‬
‫المعنى والستخدام ‪.‬‬
‫وقد أطلق سبحانه لفظ عباد على العبيد بمعنى رقيق ‪ ،‬ونجد ذلععك‬
‫عَبععاِدُكمْ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِم ع ْ‬
‫حي َ‬
‫صععاِل ِ‬
‫حوا اَْلَياَمى ِمْنُك عْم َوال ّ‬
‫في قوله تعالى ) َوَأنِك ُ‬
‫َوِإَماِئُكْم )‪ 32‬النور ( ‪ ،‬نجد أن الضمير المتصل ) كم ( في كلمة )‬
‫عبععادكم ( يعععود علععى المععؤمنين المخععاطبين بععالنص ‪ ،‬وممععا ل‬
‫ُيعقل ‪ ،‬أو من المستحيل أن نقول بأن كلمععة ) عبععاد ( جععاءت لغععة‬
‫من العبادة ‪ ،‬فهي ل تحمل هذا المعنى على الطلق ‪ ،‬ولو بدللععة‬
‫هذه الية فقط ‪.‬‬
‫لع ُيِريعُد‬
‫وأما الترادف في الستخدام ‪ ،‬فقد جاء في قععوله ) َوَمععا ا ُّ‬
‫لٍم ِلْلَعِبي عِد )‪46‬‬
‫ظّ‬
‫ك ِب َ‬
‫ظْلًمععا ِلْلِعَبععاِد )‪ 31‬غععافر ( وقععوله ) َوَمععا َرّب ع َ‬
‫ُ‬
‫حَك عَم‬
‫ل َق عْد َ‬
‫ن ا َّ‬
‫سَتْكَبُروا ِإّنا ُكّل ِفيَها ِإ ّ‬
‫نا ْ‬
‫فصلت ( وقوله ) َقاَل اّلِذي َ‬
‫ن اْلِعَباِد )‪ 48‬غافر ( ‪ ،‬نجد أن المعنى المستفاد من عباد وعبيد‬
‫َبْي َ‬
‫‪ ،‬هو جملة خلق ال ‪ ،‬مؤمنهم وكافرهم على السواء ‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫سادسا ‪ :‬كلمة عبنناد نكننرة ‪ ،‬ول ُيعّرفهننا إل‬
‫ما يأتي بعدها من سياق ‪.‬‬
‫تشمل العبودية ‪ ،‬كل من في السماوات والرض ‪ ،‬وما بينهما من‬
‫الخلئق ‪ ،‬وتشععمل العبععادة ‪ ،‬كععل مععن يملععك العقععل والرادة مععن‬
‫خلقه ‪ ،‬ومنهم على سبيل المثال الملئكة والنععس والجععن ‪ ،‬وهععم‬
‫المطالبون والمكلفععون ‪ ،‬بععإفراده جععل وعل باللوهيععة والعبععادة ‪،‬‬
‫والمحاسبون عليها ‪ ،‬فإن جاءت كلمتي عباد أو عبيد ‪ ،‬معّرفة أو‬
‫غير معّرفة بأل التعريف ‪ ،‬أو بالضافة ‪ ،‬فهي تفيد جملة الخلق ‪،‬‬
‫ن اْلِعَبععاِد )‪ 48‬غععافر ( ‪ .‬ول تفيععد‬
‫حَكَم َبْي ع َ‬
‫ل َقْد َ‬
‫ن ا َّ‬
‫كقوله تعالى ) ِإ ّ‬
‫أي معنى آخر على الطلق ‪ ،‬إّل إذا ُأضيف إليها ما يفيد ذلك ‪:‬‬
‫ن )‪ 81‬الصععافات ( لُيععبرز‬
‫عَباِدَنععا اْلُمعْؤِمِني َ‬
‫ن ِ‬
‫كقوله تعالى ) ِإّنعُه ِمع ْ‬
‫ث‬
‫فيهم سبحانه صفة اليمان ‪ ،‬فهعم عبعاده المعؤمنين ‪ ،‬وفيهعا حع ّ‬
‫على اليمان به ‪ .‬أو دل السياق على غير ذلك ‪ ،‬من نفي أو إثبات‬
‫شى‬
‫خ َ‬
‫لصفة دون غيرها ‪ ،‬لتناسب الموقف ‪ ،‬كقوله تعالى ) ِإّنَما َي ْ‬
‫عَبععاِدِه اْلُعَلَمععاُء )‪ 28‬فععاطر ( لُيععبرز فيهععم صععفة العلععم ‪،‬‬
‫ن ِ‬
‫ل ع ِم ع ْ‬
‫ا َّ‬
‫وحصر خشية ال بمن يتصف بالعلم ‪ ،‬فهم عباده العلماء ‪ ،‬وفيها‬
‫عَباِدي َه عُؤلَِء َأْم ُه عْم‬
‫ضَلْلُتْم ِ‬
‫ث على طلب العلم ‪ ،‬وقوله ) َأَأْنُتْم َأ ْ‬
‫ح ّ‬
‫س عِبيَل )‪ 17‬الفرقععان ( دل السععياق علععى ضععللهم ‪ ،‬فهععم‬
‫ض عّلوا ال ّ‬
‫َ‬
‫عبععاده الضععالين ‪ ،‬وفيهععا تحععذير مععن الضععلل ‪ ،‬وقععوله ) ُق عْل َيععا‬
‫سِهْم )‪ 53‬الزمر ( دل السععياق علععى‬
‫عَلى َأْنُف ِ‬
‫سَرُفوا َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫عَباِدي اّلِذي َ‬
‫ِ‬
‫إسرافهم ‪ ،‬فهم عبعاده المسعرفين ‪ ،‬وفيهعا تنفيعر معن السعراف ‪،‬‬
‫وكّلهم نسبهم ال إلى نفسه ‪ ،‬بإضافة ضععمير متصععل يعععود عليععه‬
‫سبحانه ‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫سابعا ‪ :‬التركيب اللغوي للعبارة ‪ ،‬جيء بننه‬
‫لتخصيص جزء مننن كننل بصننفة معينننة ‪،‬‬
‫وهي المراد إبرازها أصل ‪.‬‬
‫ولتوضيح ذلك ‪ ،‬لحععظ الفععرق بيععن أن تقععول ) هععذا بيتنععا ( وذاك‬
‫ن هععذا الععبيت‬
‫ت لنا ( ‪ ،‬يفهم المستمع مععن العبععارة الولععى ؛ أ ّ‬
‫) بي ٌ‬
‫ُملك لكم وخاصُتكم وأّنكم ُمقيمون فيه ‪ ،‬وأّما الثانية ؛ فيفهم منها‬
‫ن ذلععك الععبيت ‪ُ ،‬ملععك لكععم ‪ ،‬وأّنكععم غيععر مقيميععن فيععه ‪،‬‬
‫المستمع أ ّ‬
‫جرا ‪ .‬ومععن هنععا نجععد أن عبععارة ) بيععت‬
‫وربما يكون فارغا أو مععؤ ّ‬
‫ن بيتكم هذا ‪ ،‬هو واحد من جملة بيععوت تملكونهععا ‪،‬‬
‫لنا ( ‪ ،‬تعني أ ّ‬
‫ول تعني شيئا أخر على الطلق ‪ ،‬وأّنععك زدتععه تنكيععرا بمثععل هععذا‬
‫اللفظ ‪ .‬وأنك لو قلت ) ذاك بيت لنا ذو غرف كثيرة ( ‪ ،‬نفهععم أنععك‬
‫أبرزت فيه صععفة معينععة ‪ ،‬اختععص بهععا دون غيععره ‪ ،‬مععن الععبيوت‬
‫التي تملكونها ‪ ،‬وهي احتوائه علععى غعرف كعثيرة ‪ ،‬ومّيزتعه ععن‬
‫باقي بيوتكم ‪ ،‬التي في معظمها ذات غععرف قليلععة ‪ .‬وكععذلك المععر‬
‫بالنسبة لعبارة ) عبععادا لنععا ( ‪ ،‬الععتي جععاءت منّكععرة أيضععا لبععراز‬
‫صفتهم ‪ ) ،‬أولي بأس شديد ( ‪ ،‬التي يتميزون بها عععن غيرهععم ‪،‬‬
‫من جملة عباد ال مؤمنهم وكافرهم ‪ ،‬ولم يأتي السياق بتصععريح‬
‫أو تلميح عن ماهية معتقدهم ‪.‬‬
‫ولتوضيح ذلك أكثر فأكثر ‪ ،‬نطرح هذا المثال ‪ ،‬فيععه أربعععة أقععوال‬
‫لرجل ‪ُ ،‬يجيب رجل آخرا ‪ ،‬يريد عمال لمزرعته ‪:‬‬
‫‪ -1‬سأرسل لك ) أولدي ( غدا ‪ ،‬للعمل في مزرعتك ‪.‬‬
‫‪ -2‬سأرسل لك ) أولدا لي ( غدا ‪ ،‬للعمل في مزرعتك ‪.‬‬
‫‪ -3‬سأرسل لك ) أولدي ‪ ،‬أولي المهارة والخبرة فععي الفلحععة (‬
‫غدا ‪ ،‬للعمل في مزرعتك ‪.‬‬
‫‪81‬‬

‫‪ -4‬سأرسل لك ) أولدا لي ‪ ،‬أولي مهارة وخععبرة فععي الفلحععة (‬
‫غدا ‪ ،‬للعمل في مزرعتك ‪.‬‬
‫فما المعنى الذي أفادته كل عبارة أعله ؟‬
‫‪ -1‬أنه سيرسل جميع أولده ‪ ،‬مع عععدم توضععيحه لصععفتهم‬
‫أو ماهيتهم ‪.‬‬
‫‪ -2‬أنععه سيرسععل بعضععا مععن أولده ‪ ،‬مععع عععدم توضععيحه‬
‫لصفتهم أو ماهيتهم أيضا ‪.‬‬
‫‪ -3‬أنععه سيرسععل جميععع أولده ‪ ،‬وأن جميععع أولده لععديهم‬
‫مهارة وخبرة في الفلحة ‪.‬‬
‫‪ -4‬أنععه سيرسععل بعضععا مععن أولده ‪ ،‬وأن هععذا البعععض مععن‬
‫أولده فقط ‪ ،‬هو الذي يملك المهارة والخبرة في الفلحة ‪ ،‬أمععا‬
‫البقية فل ‪.‬‬
‫وأخيرا تدبّر هذه اليات ‪:‬‬
‫ضععا )‪ 118‬النسععاء ( ) أي‬
‫صععيًبا َمْفُرو ً‬
‫ك َن ِ‬
‫عَباِد َ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫خَذ ّ‬
‫) َوَقاَل َلّت ِ‬
‫أن من جملة العباد المنسوبين إلى ال هناك نصيب لبليس (‬
‫ن)‬
‫ن اْلَغععاِوي َ‬
‫ك ِمع َ‬
‫ن اّتَبَعع َ‬
‫ن ِإّل َمع ِ‬
‫طا ٌ‬
‫سْل َ‬
‫عَلْيِهْم ُ‬
‫ك َ‬
‫س َل َ‬
‫عَباِدي َلْي َ‬
‫ن ِ‬
‫) ِإ ّ‬
‫‪ 42‬الحجر ( ) أي أن سلطان إبليععس محصععور فقععط علععى أتبععاعه‬
‫من الغاوين ‪ ،‬الذين هم من جملة العباد المنسوبين إلى ال (‬
‫عوُهْم‬
‫عَبعععاٌد َأْمَثعععاُلُكْم َفعععاْد ُ‬
‫لععع ِ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫ن ِمععع ْ‬
‫عو َ‬
‫ن َتعععْد ُ‬
‫ن اّلعععِذي َ‬
‫) ِإ ّ‬
‫ن )‪ 194‬العراف ( ) أي أنتم وهم‬
‫صاِدِقي َ‬
‫ن ُكْنُتْم َ‬
‫جيُبوا َلُكْم ِإ ْ‬
‫سَت ِ‬
‫َفْلَي ْ‬
‫‪ ،‬أي العابد والمعبود ‪ ،‬سواء في كونكم عباد (‬
‫ن َءاَمُنععوا )‪ 31‬إبراهيععم ( ) أي أن الخطععاب‬
‫ي اّلععِذي َ‬
‫) ُقععْل ِلِعَبععاِد َ‬
‫لعبادي الذين آمنوا ‪ ،‬دون عبادي الذين كفروا (‬
‫‪82‬‬

‫ن َتِقّيا )‪ 63‬مريم ( ) أي‬
‫ن َكا َ‬
‫عَباِدَنا َم ْ‬
‫ن ِ‬
‫ث ِم ْ‬
‫جّنُة اّلِتي ُنوِر ُ‬
‫ك اْل َ‬
‫) ِتْل َ‬
‫وأن النار لمن لم يكن تقيا من عبادنا (‬
‫حمَْنا‬
‫غِفْر َلَنا َواْر َ‬
‫ن َرّبَنا َءاَمّنا َفا ْ‬
‫عَباِدي َيُقوُلو َ‬
‫ن ِ‬
‫ق ِم ْ‬
‫ن َفِري ٌ‬
‫) ِإّنُه َكا َ‬
‫ن )‪ 109‬المؤمنععون ( ) أي وكععان هنععاك فريععق‬
‫حِمي َ‬
‫خْيُر الّرا ِ‬
‫ت َ‬
‫َوَأْن َ‬
‫من عبادي ‪ ،‬يقولون غير ذلك (‬
‫ت ِفععي‬
‫خَل ْ‬
‫سّنَة الِّ اّلِتي َقْد َ‬
‫سَنا ُ‬
‫ك َيْنَفُعُهْم ِإيَماُنُهْم َلّما َرَأْوا َبْأ َ‬
‫) َفَلْم َي ُ‬
‫ن )‪ 85‬غععافر ( ) أي فععي مجمععل‬
‫ك اْلَكععاِفُرو َ‬
‫سععَر ُهَناِلعع َ‬
‫خ ِ‬
‫عَبععاِدِه َو َ‬
‫ِ‬
‫عباده ‪ ،‬والخاسرون منهم ‪ ،‬هم الكافرون دون المؤمنين (‬
‫س عَتِقيٍم‬
‫ط ُم ْ‬
‫ص عَرا ٍ‬
‫ك لََتْهِدي ِإَلى ِ‬
‫عَباِدَنا َوِإّن َ‬
‫ن ِ‬
‫شاُء ِم ْ‬
‫ن َن َ‬
‫) َنْهِدي ِبِه َم ْ‬
‫)‪ 52‬الشورى ( ) أي وهناك من لم نهدي من عبادنا (‬
‫ن عَْبعًدا )‪93‬‬
‫حَمع ِ‬
‫ض ِإّل َءاِتععي الّر ْ‬
‫ت َواَْلْر ِ‬
‫سَمَوا ِ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫ن ُكّل َم ْ‬
‫) ِإ ْ‬
‫مريم ( ) مؤمنهم وكافرهم بل استثناء (‬
‫وفععي الحععديث الصععحيح الطويععل ‪ ،‬الععذي رواه مسععلم وأخرجععه‬
‫الترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمععد ‪ ،‬جععاء مععا نصععه " … ِإْذ‬
‫حعٍد‬
‫عَبععاًدا ِلععي ‪َ ،‬ل َيعَدانِ َِل َ‬
‫ت ِ‬
‫ج ُ‬
‫خَر ْ‬
‫سى ‪ِ ،‬إّني َقْد َأ ْ‬
‫عي َ‬
‫ل ِإَلى ِ‬
‫حى ا ُّ‬
‫َأْو َ‬
‫لع‬
‫ث ا ُّ‬
‫طوِر ) جبال القععدس ( ‪َ ،‬وَيْبَعع ُ‬
‫عَباِدي ِإَلى ال ّ‬
‫حّرْز ِ‬
‫ِبِقَتاِلِهْم ‪َ ،‬ف َ‬
‫ن … " يععرد نفععس‬
‫سعُلو َ‬
‫ب َيْن ِ‬
‫حعَد ٍ‬
‫ن ُكعّل َ‬
‫ج ‪َ ،‬وُهْم ِمع ْ‬
‫جو َ‬
‫ج َوَمْأ ُ‬
‫جو َ‬
‫َيْأ ُ‬
‫الععتركيب اللغععوي لعبععارة ) عبععادا لنععا ( ‪ ،‬وهععو ) عبععادا لععي (‬
‫والمقصودين به هم قبيلععتي يععأجوج ومععأجوج ‪ ،‬الععذين قععال فيهععم‬
‫ن ِفعي‬
‫جوجَ ‪ُ ،‬مْفسُِدو َ‬
‫جوجَ َوَمْأ ُ‬
‫ن َيْأ ُ‬
‫ن ‪ِ ،‬إ ّ‬
‫سبحانه ) َقاُلوا َياَذا اْلَقْرَنْي ِ‬
‫سّدا )‬
‫جَعَل َبْيَنَنا َوَبْينَُهْم َ‬
‫عَلى َأنْ َت ْ‬
‫جا ‪َ ،‬‬
‫خْر ً‬
‫ك َ‬
‫جَعُل َل َ‬
‫ض ‪َ ،‬فَهْل َن ْ‬
‫اَْلْر ِ‬
‫‪ 94‬الكهف ( ‪.‬‬
‫وخلصععة القععول ‪ :‬أن كلمععة ) عبععادا ( ‪ ،‬جععاءت نكععرة ‪ ،‬و كلمععة‬
‫) لنا ( لم تعّرفها ‪ ،‬وإنمععا جعاءت هنععا لتأكيععد الملكيععة فقعط ‪ ،‬وكعل‬
‫‪83‬‬

‫الخلق ملععك لع ‪ ،‬ليؤكععد سععبحانه لبنععي إسععرائيل ‪ ،‬أن هععذا البعععث‬
‫سععيكون مععن عنععده ‪ ،‬وبمععا أن هععؤلء العبععاد ملكععه ‪ ،‬فهععم رهععن‬
‫إشارته وطوع بنانه ‪ ،‬ويملك حق التصرف بشؤونهم ‪ ،‬فإن شععاء‬
‫بعث وإن شاء أمسك ‪ .‬وأكثر المعاني دقة لهععذه العبععارة ) عبععادا‬
‫لنا ( ‪ ،‬هو أنهم ) طائفة من خلقنععا ( ل أكععثر مععن ذلععك ول أقععل ‪،‬‬
‫وأهععم مععا يمّيععز هععؤلء الخلععق عععن غيرهععم ‪ ،‬أنهععم ) أولععي بععأس‬
‫شديد ( فقط ل غير ‪.‬‬
‫وأن ورود لفظ ) عباد ( في القرآن ‪ ،‬لم يقتصععر علععى أوليععاء الع‬
‫وأحباؤه ‪ ،‬وإنما جاء هذا اللفظ فعي الخطعاب القرآنععي ‪ ،‬مّنعا علعى‬
‫العباد بنعمة خلقه إياهم ‪ ،‬ورفقه ولطفه بهم ‪ ،‬مطيعهم وعاصيهم‬
‫‪ ،‬والكلمات ) عبادي ‪ ،‬عبادنا ‪ ،‬وعباده ( عادة مععا تععأتي كتهيئة ‪،‬‬
‫لما سيأتي بعدها ‪ ،‬من صفة مميزة ‪ ،‬أو سياق يععدل علععى صععفة ‪،‬‬
‫وهي المراد إبرازها أصل ‪ ،‬فإن كانت صععفة محمععودة ‪ ،‬كاليمععان‬
‫والعلم فقد ُأبرزت تحببا بها ‪ ،‬وإن كانت صفة مذمومة ‪ ،‬كالضلل‬
‫والسراف ‪ ،‬فقد ُأبرزت تنفيرا منها ‪.‬‬
‫وأما صفة البأس الشديد ‪ ،‬فقد ُأبععرزت تهديععدا وتحععذيرا وتخويفععا‬
‫لبني إسععرائيل ‪ ،‬مععن سععوء عععاقبتهم ‪ ،‬بوقععوعهم بيععن أيععدي مثععل‬
‫أولئك الخلق ‪ ،‬الذين لن يرقبوا فيهم إّل ول ذمة ‪ ،‬لعلهععم ينتهععون‬
‫ويرجعون ويرتدعون ‪ ،‬عّما هم عليه من فساد وإفساد واستعلء‬
‫في الرض ‪.‬‬
‫ُأوِلي بأ ْ‬
‫س َ‬
‫د‪:‬‬
‫دي ٍ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫وصف ال هععؤلء العبععاد ‪ ،‬بععأولي البععأس الشععديد ‪ ،‬والبععأس كمععا‬
‫قععدمه معظععم المفسععرون ‪ ،‬هععو القععوة والبطععش فععي الحععروب ‪،‬‬
‫حِديَد ِفيِه‬
‫والشّدة جاءت زيادة في المبالغة ‪ ،‬قال تعالى ) َوَأْنَزْلَنا اْل َ‬
‫‪84‬‬

‫س )‪ 25‬الحديد ( ‪ ،‬فانظر وتفكر في معععدن‬
‫شِديٌد َوَمَناِفُع ِللّنا ِ‬
‫س َ‬
‫َبْأ ٌ‬
‫الحديد ‪ ،‬فهو يحمل في جوهره صفتان ‪ ،‬قلما تجععدهما فععي معععدن‬
‫أخر ‪ .‬وهما ؛ أوّل ‪ :‬أّنه يحافظ علععى طععبيعته ‪ ،‬مهمععا عظععم عليععه‬
‫الطرق واشتّد ‪ ،‬ول يحععترق أي يتحععول إلععى مععادة أخععرى ‪ ،‬مهمععا‬
‫ازدادت شدة النيران عليععه ‪ ،‬وإن انصععهر عععاد إلععى سععابق عهععده‬
‫عند البرودة ‪ ،‬وهعذه الصعفة إن وجعدت فععي البشعر ‪ ،‬فهعي الجلععد‬
‫والصبر عند وقوع البلء ‪ .‬وثانيععا ‪ :‬أّنععه عنععد تشععكيله وشععحذه ‪،‬‬
‫فهو قوي قاتل وقاطع ‪ ،‬لذلك قيل " ل يفل الحديععد إّل الحديععد " ‪،‬‬
‫وهذه الصععفة إن وجععدت فععي البشععر ‪ ،‬فهععي القععوة والبطععش عنععد‬
‫مواجهة العداء ‪.‬‬
‫ل )‪ 84‬النساء ( نجععد‬
‫شّد َتنِكي ً‬
‫سا َوَأ َ‬
‫شّد َبْأ ً‬
‫ل َأ َ‬
‫وفي قوله تعالى ) َوا ُّ‬
‫ن البأس الشديد‬
‫أّنه سبحانه قد وصف نفسه بذات الصفة ‪ ،‬وبما أ ّ‬
‫تعني القوة والبطش ‪ ،‬فأين تستعمل هذه القوة وهذا البطععش مععن‬
‫قبله سبحانه ؟ وفي أي المواقع والمواقف يصف رب العزة نفسه‬
‫بهاتين الصععفتين ؛ القععوة والبطععش ؟ دعنععا نتتبععع هععذه الصععفات‬
‫ش عِديٌد )‪12‬‬
‫ك َل َ‬
‫ش َرّب َ‬
‫ط َ‬
‫ن َب ْ‬
‫والعلقة ما بينها ‪ ،‬في اليات التالية ) ِإ ّ‬
‫شععَة اْلُكْبععَرى ِإّنععا ُمنَتِقُمععونَ )‪16‬‬
‫ط َ‬
‫ش اْلَب ْ‬
‫طعع ُ‬
‫الععبروج ( ) َيععْوَم َنْب ِ‬
‫ن الشدة ارتبطت بالبطش ‪ ،‬والبطش بالنتقام ‪.‬‬
‫الدخان ( نجد أ ّ‬
‫ي عَِزي عٌز )‬
‫ل َلَقِو ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫ب )‪ 52‬النفال ( ) ِإ ّ‬
‫شِديُد اْلِعَقا ِ‬
‫ي َ‬
‫ل َقِو ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫) ِإ ّ‬
‫عِزيعٍز ُمْقَتعِدٍر )‪ 42‬القمععر ( ) َوَكعَذِل َ‬
‫ك‬
‫خعَذ َ‬
‫خْذَناُهْم َأ ْ‬
‫‪ 40‬الحج ( ) َفَأ َ‬
‫شعِديٌد )‪102‬‬
‫خعَذُه َأِليعٌم َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ظاِلَمعٌة ِإ ّ‬
‫ي َ‬
‫خَذ اْلُقعَرى َوِهع َ‬
‫ك ِإَذا َأ َ‬
‫خُذ َرّب َ‬
‫َأ ْ‬
‫عِزيٌز ُذو اْنِتَقععاٍم )‪ 4‬آل عمععران ( ‪،‬‬
‫ل َ‬
‫شِديٌد َوا ُّ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫هود ( ) َلُهْم َ‬
‫ن الشدة ارتبطت بالقوة ‪ ،‬والقوة بالعزة ‪ ،‬والعزة بالخععذ ‪،‬‬
‫ونجد أ ّ‬
‫والخذ بالشدة ‪ ،‬والشدة بالعزة ‪ ،‬والعزة بالنتقام ‪.‬‬
‫‪85‬‬

‫ومما تقدم نجععد أن الموقععف ‪ ،‬الععذي يسععتدعيه جععل وعل لظهععار‬
‫بأسه الشديد ‪ ،‬هو موقف النتقام ‪ ،‬وأن النتقام ل يتأتى إل ممععن‬
‫هو قوي وعزيز ‪.‬‬
‫ن هؤلء العباد ‪ ،‬المبعوثين مععن قبلععه سععبحانه‬
‫وخلصة القول ‪ :‬أ ّ‬
‫على بني إسرائيل ‪ ،‬اختارهم ال لتنفيذ مهمة ‪ ،‬وهي إنزال أبشععع‬
‫انتقام إلهي ممكن في بني إسرائيل ‪ ،‬لذلك تطلب المر أن يكونععوا‬
‫أولي بأس شديد ‪ ،‬ويتمتعععون بععالقوة والعععزة ‪ ،‬ذوي صععبر وجلععد‬
‫عند وقوع البلء ‪ ،‬وقوة وبطش عنععد اللقععاء ‪ ،‬بغععض النظععر عععن‬
‫إيمانهم أو كفرهععم ‪ ،‬زيععادة فععي التنكيععل وإمعانععا فععي الذلل لبنععي‬
‫إسرائيل ‪ ،‬وما عدا ذلك من صفات العبععاد ‪ ،‬ل تصععلح لتنفيععذ هععذه‬
‫المهمعععة ‪ .‬والفتوحعععات العععتي اتخعععذت الطعععابع السعععلمي قعععديما‬
‫وحديثا ‪ ،‬لم تحمل الطابع النتقامي بإهلك الحرث والنسل ‪ ،‬الذي‬
‫سيكون عليه المر الذي تصفة اليات ‪.‬‬
‫َ‬
‫خَل َ‬
‫ر‪:‬‬
‫سوا ِ‬
‫ف َ‬
‫جا ُ‬
‫ل الدَّيا ِ‬
‫لم ترد كلمة ) جاسوا ( ‪ ،‬أو أي من مشتقات مصدرها ) جععوس (‬
‫في مجمل القرآن ‪ ،‬إّل مرة واحدة فقععط فععي هعذا الموضععع ‪ ،‬لععذلك‬
‫لجأت إلى معجم لسان العرب ‪ ،‬وهذا ممععا قيععل فيهععا ‪ " :‬الجععوس‬
‫هععو مصععدر جععاس جوسععا ‪ ،‬وجوسععان تععردد ‪ ،‬فجاسععوا خلل‬
‫الديار ‪ :‬ترددوا بينها للغارة والجوسان ؛ أي قتلوكم بين بيوتكم ؛‬
‫بمعنى يذهبون ويجيئون ؛ فطافوا خلل الديار ينظععرون هععل بقععي‬
‫أحد لم يقتلوه ؛ تخللوها فطلبوا ما فيها ‪ ،‬والجوسععان ‪ :‬الطوفععان‬
‫بالليل ‪ ،‬ورجل جّواس أي يجوس كل شيء يدوسه ‪ ،‬والجععوس ‪:‬‬
‫طلب الشععيء باستقصععاء ‪ ،‬وكععل موضععع خععالطته ووطئتععه ‪ ،‬فقععد‬
‫جسته " ‪.‬‬
‫‪86‬‬

‫ولععو جمعنععا كععل مععا قيععل فيهععا مععن معععاني ‪ ،‬وأعععدنا تشععكيل هععذه‬
‫المعاني وصياغتها ‪ ،‬لخرجنا بالمشهد التالي ‪:‬‬
‫) أغاروا عليكم – ليل على الرجععح – ودخلععوا ديععاركم ‪ ،‬ووطئوا‬
‫أرضععكم ليقتلععوكم وينّكلععوا بكععم ‪ ،‬وتععرّددوا فيهععا ذهابععا وإيابععا ‪،‬‬
‫وطافوا خللها شرقا وغربا ‪ ،‬وتخّللوا أزقتكم واقتحموا بيععوتكم ‪،‬‬
‫بحثا وتقصّيا ‪ ،‬لعّلهم يجدوا منهم ‪ ،‬من بقي حيا ليقتلوه ( ‪.‬‬
‫ن الع جّلععت قععدرته ‪ ،‬أوجععز فععي وصععف فعععل هععؤلء‬
‫نلحظ هنععا أ ّ‬
‫العباد أّيما إيجاز ‪ ،‬ليصف كل ما فعلوه في كلمة واحدة فقط ‪ ،‬هي‬
‫كلمة ) جاسوا ( لتصف مشهدا كامل ‪ ،‬ولم تكععن الضععافة ) خلل‬
‫الععديار ( إّل لتوضععيح مععا كععان قععد جيععس ‪ .‬وهععذا ُيشععبه مشععهد‬
‫جععج‬
‫الغععارات الوحشععية ‪ ،‬الععتي كععان يقععوم بهععا ‪ ،‬المريكععي المد ّ‬
‫بالسععلح النععاري ‪ ،‬علععى قععرى الهنععود الحمععر شععبه الُععّزل ‪ ،‬ومععا‬
‫ُيخلفه وراءه مععن دمععار ومآسععي ‪ ،‬مشععهد طالمععا حفلععت بععه أفلم‬
‫الغرب المريكي ‪.‬‬
‫والعبارة جاءت لتصف ما قام به عباد البعععث الول عنععد بعثهععم ‪،‬‬
‫قال تعالى ) فجاسوا ( بصيغة الماضي ‪ ،‬أي أن الجوس ‪ ،‬قد وقع‬
‫في الماضي ‪ ،‬ولم يقل ) ليجوسوا ( بصيغة السععتقبال ‪ ،‬كمععا هععو‬
‫الحال في أفعال البعث الثاني ‪ ،‬التي ستقع في المستقبل ‪.‬‬
‫وخلصة القول ‪ :‬أن هذا الجععوس قععد وقععع فععي الماضععي ‪ ،‬وكععان‬
‫حُرمععاتهم‬
‫غايععة فععي البشععاعة ‪ ،‬واسععتباح فيععه هععؤلء العبععاد ُ‬
‫جميعها ‪ ،‬من أرض ومععال وعععرض ‪ ،‬فوقععع فيهععم القتععل والنهععب‬
‫والسبي ‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫و َ‬
‫م ْ‬
‫عوًل ‪:‬‬
‫و ْ‬
‫كا َ‬
‫ف ُ‬
‫ع ً‬
‫دا َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫هذا الخبر جاء كتعقيب على الوعد الول ‪ ،‬ليؤكععد سععبحانه تحقععق‬
‫المرة الولى ‪ ،‬بعلوها وإفسادها وبعثها ‪ ،‬قبل نزول هذه اليععات ‪.‬‬
‫حيث جاءت صيغة اسم المفعول ) َمْفُعول ( مععن الفعععل ) َفَع عَل ( ‪،‬‬
‫للدللة علععى تمععام الفعععل ‪ ،‬بمعنععى وكععان وعععدا ) قععد ُفِععْل ( فيمععا‬
‫مضععى مععن الزمععان ‪ .‬ولععم تععأتي بععأي حععال مععن الحععوال بمعنععى‬
‫) مقضيا ( ‪ ،‬كما قّدمه معظم المفسرين القدماء ‪ ،‬ومنهم القرطبي‬
‫أجّله ال ‪ ،‬حيث قال فيها " وكان وعدا مفعول ‪ ،‬أي قضععاء كائنععا‬
‫ل خلف فيه " ‪ ،‬على اعتبار أن نفاذ الوعدين كان قبل السلم ‪.‬‬
‫وقععد جععاءت هععذه العبععارة ‪ ،‬كجملععة معترضععة ‪ ،‬بحيععث لععو قمععت‬
‫بإسقاطها من السياق ‪ ،‬ومن ثم قرأت اليتين ) ‪4‬و ‪ ، ( 5‬كما يلي‬
‫‪ … ) :‬بعثنا عليكم عبععادا لنععا أولععي بععأس شععديد ‪ ،‬فجاسععوا خلل‬
‫الديار ‪ .‬ثم رددنا لكم الكععرة عليهععم ‪ ،‬وأمععددناكم … ( لوجععدت أن‬
‫السياق لم يتأثر بحععذفها ‪ ،‬فخععبر نفععاذ الوعععد الول ‪ ،‬انتهععى عنععد‬
‫ذكر الجوس ‪ ،‬أي أن الجوس قد وقع بعد البعث ‪ .‬وجععاء التعقيععب‬
‫على الوعد ‪ ،‬بالجملععة المعترضععة ) وكععان وعععدا مفعععول ( لبيععان‬
‫وتأكيععد ‪ ،‬أن الوعععد بععالبعث الععذي تق عّدم ِذكععره ‪ ،‬قععد تحّقععق فعل ‪،‬‬
‫وكانت نتيجته هي الجععوس ‪ ،‬ومعن ثععم يبععدأ النععص بالخبععار عععن‬
‫الوعد الثاني ‪.‬‬
‫حعِر ‪ِ ،‬إْذ‬
‫ضعَرَة اْلَب ْ‬
‫حا ِ‬
‫ت َ‬
‫ن اْلَقْرَيعِة اّلِتععي َكععاَن ْ‬
‫عْ‬
‫سَأْلُهْم َ‬
‫قال تعالى ) َوا ْ‬
‫عا ‪َ ،‬وَي عْوَم لَ‬
‫ش عّر ً‬
‫سْبِتِهْم ُ‬
‫حيَتاُنُهْم َيوَْم َ‬
‫ت ِإْذ َتْأِتيِهْم ِ‬
‫سْب ِ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫َيْعُدو َ‬
‫ن )‪… (163‬‬
‫سعُقو َ‬
‫ك َنْبُلوُهْم ِبَمععا َكععاُنوا َيْف ُ‬
‫ن َل َتْأِتيِهْم ‪َ ،‬كَذِل َ‬
‫سبُِتو َ‬
‫َي ْ‬
‫ن )‪166‬‬
‫سِئي َ‬
‫خا ِ‬
‫عْنُه ‪ُ ،‬قْلَنا َلُهْم ُكوُنوا ِقَرَدًة َ‬
‫ن َما ُنُهوا َ‬
‫عْ‬
‫عَتْوا َ‬
‫َفَلّما َ‬
‫العراف ( وهذه الحادثة كما نعلم ‪ ،‬وقعت في بنععي إسععرائيل قبععل‬
‫‪88‬‬

‫ب‬
‫ن ُأوُتوا اْلِكَتا َ‬
‫مئات السنين ‪ ،‬والن انظر قوله تعالى ) َيَأّيَها اّلِذي َ‬
‫جوًهععا‬
‫س ُو ُ‬
‫طِمع َ‬
‫ن َن ْ‬
‫ن َقْبعِل َأ ْ‬
‫صعّدًقا ِلَمععا َمَعُكعْم ِمع ْ‬
‫َءاِمُنوا ِبَما َنّزْلَنععا ُم َ‬
‫ت ‪َ ،‬وَكععانَ‬
‫س عْب ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫حا َ‬
‫صع َ‬
‫عَلى َأْدَباِرَها َأْو َنْلَعَنُهْم َكَما َلَعّنععا َأ ْ‬
‫َفَنُرّدَها َ‬
‫ك ِبععهِ ‪48) ..‬‬
‫شععَر َ‬
‫ن ُي ْ‬
‫لعع َل َيْغِفععُر َأ ْ‬
‫ن ا َّ‬
‫لعع َمْفُعععوًل )‪ِ (47‬إ ّ‬
‫َأْمععُر ا ِّ‬
‫النساء (‬
‫جاءت الجملة المعترضة ) وكان أمر ال مفعول ( زيادة لليضاح‬
‫‪ ،‬ولتؤكععد بمععا ل يععدع مجععال للشععك أو الظععن ‪ ،‬لبنععي إسععرائيل‬
‫المعاصرين لرسالة السلم ‪ ،‬والمتشّككين منهععم والععذين خععانتهم‬
‫ذاكرتهم ‪ ،‬وغير المصّدقين بصحة هذا المر ‪ ،‬الذي كععان ال ع قععد‬
‫أجراه في أسلفهم ‪ ،‬أن هذا المععر وهععو المسععخ ‪ ،‬قععد مضععى فععي‬
‫أسلفهم حقيقععة ‪ ،‬فجععاء تعقيبععه تعععالى علععى مععا تقععدم ‪ ،‬مععن لعععن‬
‫ومسخ لسلفهم ‪ ،‬بقوله ) وكان أمر ال مفعول ( لزالة الشععك ‪،‬‬
‫ن ال قادر علععى تكععرار ذلععك المععر ‪ ،‬إن لععم يؤمنععوا بمععا‬
‫ولتأكيد أ ّ‬
‫ُأنزل من القرآن على وجه التهديد والتحذير ‪.‬‬
‫وخلصة القول ‪ :‬أن الوعد الول بالبعث ‪ ،‬كان قد مضى وانقضى‬
‫ن تعقيبه عز وجل بقوله ) وكان وعععدا‬
‫قبل نزول هذه اليات ‪ ،‬وأ ّ‬
‫مفعععول ( ‪ ،‬جععاء لتععذكير اليهععود الحععاليين وتحععذيرهم ‪ ،‬وإنبععاء‬
‫المسلمين غير العالمين ‪ ،‬بوقوع ذلك في بني إسرائيل ‪ ،‬بععأنه قععد‬
‫وقع فعل ‪ ،‬وبشرى لهم بأن الوعد الثععاني ‪ ،‬سععيتحقق كمععا تحّقعق‬
‫الوعد الول ‪ ،‬وأن ال ل يخلف الميعععاد ‪ ،‬ومععا عليهععم إل الصععبر‬
‫والستمرار في كفاحهم ضد اليهود ‪ ،‬وحسن الظن بععال وبوعععده‬
‫صععيُبُهْم ِبمَععا‬
‫ن َكَف عُروا ُت ِ‬
‫– وعد الخرة – قال تعالى ) َوَل َيَزاُل اّلِذي َ‬
‫ل ع ِإنّ‬
‫عُد ا ِّ‬
‫ي َو ْ‬
‫حّتى َيْأِت َ‬
‫ن َداِرِهْم ‪َ ،‬‬
‫حّل َقِريًبا ِم ْ‬
‫عٌة ‪َ ،‬أْو َت ُ‬
‫صَنُعوا َقاِر َ‬
‫َ‬
‫ف اْلِميَعاَد )‪ 31‬الرعد ( ‪.‬‬
‫خِل ُ‬
‫ل َل ُي ْ‬
‫ا َّ‬
‫‪89‬‬

‫عل َيه نم وأ َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ك‬
‫نا‬
‫د‬
‫د‬
‫ن‬
‫م‬
‫َ‬
‫م ال ْك َنّرةَ َ ْ ِ ْ َ ْ َ ْ‬
‫ْ‬
‫م َردَدَْنا ل َك ُن ْ‬
‫) ثُ ّ‬
‫بأ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫فيًرا )‪(6‬‬
‫ك‬
‫نا‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫و‬
‫ن‬
‫ني‬
‫ب‬
‫و‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫م أ َك ْث ََر ن َ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ َ َ َ‬
‫ِ ْ َ ٍ َ َ‬
‫ْ‬
‫م ال ْك َّرةَ َ َ‬
‫م‪:‬‬
‫ه ْ‬
‫م َردَدَْنا ل َك ُ ْ‬
‫ثُ ّ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ن ( أي ثم رددنا النسان أسععفل‬
‫ساِفِلي َ‬
‫سَفَل َ‬
‫قال تعالى ) ُثّم َرَدْدَناُه َأ ْ‬
‫سافلين مععن النععار ‪ ،‬وهععذا ل يتحصععل إل بعععد البعععث والحسععاب ‪،‬‬
‫بدللة الستثناء في تكملة السععياق ‪ ،‬فععي قععوله تعععالى ) ِإّل اّلعِذي َ‬
‫ن‬
‫ن )‪ 6‬الععتين ( ‪،‬‬
‫غْيعُر َمْمُنععو ٍ‬
‫جعٌر َ‬
‫ت َفَلُهعْم َأ ْ‬
‫حا ِ‬
‫صععاِل َ‬
‫عِمُلععوا ال ّ‬
‫آَمُنععوا َو َ‬
‫وبالتالي تكون ) ثم رددناه ( بالماضي ‪ ،‬جاءت بمعنى أيضععا ) ثععم‬
‫نرّده ( بالمستقبل ‪.‬‬
‫وجععاءت كلمععة ) رددنععا ( بمعنععى أعععدنا مععن إعععادة ‪ ) ،‬والَك عّرة (‬
‫مصععدرها َكععَرَر وفعلهععا َكععّر ‪ ،‬والَكععّر والفععّر تقنيععة عسععكرية ‪،‬‬
‫ويقولون " الحرب كّر وفعّر " وهععي تعنععي الفعععل المضععاد للفعععل‬
‫السععابق ‪ ،‬فالغلبععة كععانت للعبععاد والهزيمععة لبنععي إسععرائيل ‪ ،‬ورّد‬
‫الكرة لهم هو العكععس تمامععا ‪ ،‬كالصععورة فععي المععرآة ‪ ،‬أي الغلبععة‬
‫والتفععوق العسععكري لبنععي لسععرائيل ‪ .‬وليععس المقصععود بععالكّرة‬
‫العودة إلى فلسطين ‪ ،‬وانتصععار اليهععود فععي حروبهععم ضععد الععدول‬
‫العربيععة ‪ ،‬لقععوله ‪ ) ،‬الك عّرة عليهععم ( أي الغلبععة العسععكرية علععى‬
‫العباد أنفسهم دون غيرهم ‪ .‬فالضمير المتصل ) هم ( في )عليهم‬
‫( ‪ ،‬يعععود علععى العبععاد المبعععوثين عليهععم ‪ ،‬الععذين سععبق ذكرهععم ‪،‬‬
‫وجميع الضمائر المتصلة ) كم ( في هذه الية ‪ ،‬تعععود علععى بنععي‬
‫إسرائيل ‪.‬‬
‫ن ِلععي َك عّرًة‬
‫قال تعالى ‪ ،‬على لسان الكافر حين يرى العذاب ) َل عْو َأ ّ‬
‫ن )‪ 58‬الزمعر ( ‪ ،‬فالفععل العذي سعبق ‪ ،‬هعو‬
‫سعِني َ‬
‫ح ِ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن ِمع ْ‬
‫َفعَأُكو َ‬
‫‪90‬‬

‫مجيئه من الدنيا إلعى الخعرة ‪ ،‬فتمنعى الكعرة ‪ ،‬وهعي الععودة معن‬
‫الخرة إلى الحياة الدنيا ‪ ،‬ليكون من المحسنين ‪.‬‬
‫وخلصععة القععول ‪ :‬أن المقصععود هععو أن ُيوقععع اليهععود بععأولئك‬
‫العباد ‪ ،‬ما كان أولئك العباد قد ‪ ،‬أوقعوه فععي أسععلفهم مععن قبععل ‪،‬‬
‫مععن اسععتباحة للرض والمععال والعععرض ‪ ،‬بعععد اسععتكمال مظععاهر‬
‫العلو الثاني ‪ ،‬بالستقواء على أولئك العباد والعتداء عليهم ‪.‬‬
‫وأ َمددَناك ُم ب نأ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫م أ َك ْث َنَر‬
‫ك‬
‫نا‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫و‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ني‬
‫ب‬
‫و‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ْ َ ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫ْ ِ ْ َ ٍ َ‬
‫َنفيًرا ‪:‬‬
‫وأمددنا في ) لسان العرب ( " مصدرها مدد ؛ ومّده غيره وأمعّده‬
‫؛ وأمددناهم بغيرنا ؛ والمدد هم العساكر الععتي تلحععق بالمغععازي ‪،‬‬
‫والمداد أن يرسل الرجل للرجل مددا ‪ ،‬تقول أمددنا فلنا بجيش ‪،‬‬
‫ف )‪ 125‬آل عمععران ( "‬
‫س عِة آَل ٍ‬
‫خْم َ‬
‫قععال تعععالى ) ُيْم عِدْدُكْم َرّبُك عْم ِب َ‬
‫وفي المجمععل تعنععي الزيععادة والكععثرة ‪ ،‬فععي المسععاعدة العسععكرية‬
‫المقدمة من قبل الغيععر ‪ ،‬مععن مععال وأفععراد وعتععاد أثنععاء الحععرب ‪.‬‬
‫عندما يكون الجيش أقرب للهزيمة منه إلى النصر ‪.‬‬
‫والنفير هم القوم ينفرون معك ويتنافرون في القتال ‪ ،‬ومنه قععوله‬
‫س عِبيِل‬
‫سُكْم ِفي َ‬
‫جاِهُدوا ِبَأْمَواِلُكْم َوَأنُف ِ‬
‫خَفاًفا َوِثَقاًل َو َ‬
‫تعالى ) انِفُروا ِ‬
‫ن )‪ 41‬التوبة ( ‪.‬‬
‫ن ُكنُتْم َتْعَلُمو َ‬
‫خْيٌر َلُكْم ِإ ْ‬
‫ل َذِلُكْم َ‬
‫ا ِّ‬
‫جاء في ) كتاب النبوءة والسياسة ( ‪ ،‬للكاتبة المريكية ) غريس‬
‫هالسعل ( ‪ " :‬لقعد أغرقنعا إسعرائيل بالسعلحة ‪ :‬جعلنعا معن دولعة‬
‫الثلثععة ملييععن يهععودي ‪ ،‬مععاردا عسععكريا أكععبر مععن أي دولععة‬
‫منفردة ‪ ،‬مثل ألمانيا أو إنكلترا أو فرنسا ‪ ،‬وأقععوى مععن ‪ 21‬دولععة‬
‫عربية مجتمعة ‪ ،‬عدد سكانها ‪ 150‬مليون نسمة "‬
‫‪91‬‬

‫" أن إسععرائيل ‪ ..‬هععي المسععتفيد الول بل منععازع مععن برنامععج‬
‫مسععاعداتنا ‪ ..‬تحصععل علععى ثلععث مجمععل المسععاعدات المريكيععة‬
‫الخارجية "‬
‫وتقول الكاتبة تعقيبا على انتصار إسرائيل في حرب ‪" ، 1967‬‬
‫ط أحععد أي فضععل للوليععات المتحععدة ‪ ،‬لنهععا زودت إسععرائيل‬
‫لم يع ِ‬
‫بالسلحة والتكنولوجيا والدولرات ‪ ،‬وحتى بالعناصععر العسععكرية‬
‫المريكيععة الععتي سععاعدت السععرائيليين ‪ ،‬فععي تلععك الحععرب ‪ .‬لقععد‬
‫ربحت إسرائيل لن الوليات المتحدة كانت تؤيدها بل حدود "‬
‫وتقول أيضا " أن نسبة العسكريين إلى المععدنيين فععي إسععرائيل ‪،‬‬
‫هي ) ‪ 1‬عسكري من كل ‪ 22‬مدني ( وهي أعلى نسبة فععي العععالم‬
‫"‬
‫وتقول أيضا على لسان الستاذ فععي الجامعععة العبريععة ) إسععرائيل‬
‫شاهاك ( " إن دافع الضرائب المريكي أرسل إلى إسرائيل ‪ ،‬فععي‬
‫عام ‪ 1985‬خمسة مليارات دولر " واستمرت أمريكا بدفع هععذه‬
‫القيمة سنويا لغاية الن ‪ ،‬فضل عن المساعدات المادية والعينيععة‬
‫الخرى " ‪ ،‬انتهى ‪.‬‬
‫وفي قوله تعالى ) ثم رددنا لكم الكرة عليهم ‪ ،‬وأمععددناكم بععأموال‬
‫وبنيععن ‪ ،‬وجعلنععاكم أكععثر نفيععرا ( ثلثععة أفعععال ‪ ،‬جععاءت جميعهععا‬
‫بصععيغة الماضععي ‪ ،‬وهععي ) رددنععا لكععم ‪ ،‬أمععددناكم ‪ ،‬جعلنععاكم (‬
‫حّملععت جميعهععا أيضععا صععفة السععتقبال ‪ ،‬بمعنععى ) ونععرّد لكععم ‪،‬‬
‫وُ‬
‫ونمّدكم ‪ ،‬ونجعلكم ( ولكن باختلف الزمان ‪ ،‬فهذه الفعال جععاءت‬
‫لتأخذ صععفة السععتقبال ‪ ،‬قبععل قيععام دولععة إسععرائيل ‪ ،‬فتفيععد معنععى‬
‫) ونععرّد لكععم ‪ ،‬ونم عّدكم ‪ ،‬ونجعلكععم ( ‪ ،‬ولتأخععذ بعععد قيععام دولععة‬
‫إسرائيل صفة الماضي ‪ ) ،‬رددنا لكم ‪ ،‬وأمددناكم ‪ ،‬وجعلناكم ( ‪.‬‬
‫‪92‬‬

‫كان المفسرين القدماء أكثر قربا منا ‪ ،‬وأكثر فهما لمفردات اللغة‬
‫العربيععة ‪ ،‬ومععع ذلععك لععم يعطععوا هععذه اليععات حقهععا مععن التفسععير‬
‫والتفصيل ‪ ،‬مما ساهم في إخفاء هذا المر العظيم حتى هذه اليام‬
‫سععرت‬
‫‪ ،‬ومرّد ذلك أنهم لم يعاصروا الدولة الحالية لليهود ‪ .‬ولو ُف ّ‬
‫هععذه اليععات تفسععيرا دقيقععا كمععا الن ‪ ،‬لكشععفت هععذه النبععوءة‬
‫للمسلمين ‪ ،‬الكثير من الوقععائع ‪ ،‬ولكععان ضعّر هععذا الكشععف عنهععا‬
‫للمسلمين أكثر من نفعه ‪ ،‬ولكن لم يشأ ال ذلك رحمة بالمسلمين‬
‫ن‬
‫‪ ،‬حتى ل يتملكهم اليأس والقنوط والتسليم بالمر الواقع ‪ ،‬بما أ ّ‬
‫ق‪.‬‬
‫ق وقوله ح ّ‬
‫ال قد أخبر بذلك ‪ ،‬وهو الح ّ‬
‫ولععو حصععل أن علععم المسععلمون بتفاصععيل هععذه النبععوءة مسععبقا ‪،‬‬
‫فربما ترك معظم الفلسطينيون بلدهم ‪ ،‬مععع إطلق أول رصاصععة‬
‫حعَم ربععي ‪،‬‬
‫من قبل برابرة هذا العصر ‪ ،‬إل مععن أوتععي الحكمععة وَر ِ‬
‫حِرَم المسلمون شرف الشععهادة ‪ ،‬ونيععل الذى فععي سععبيل الع ‪،‬‬
‫وَل ُ‬
‫ح مِْثُلعُه ‪،‬‬
‫س اْلَقعْوَم َقعْر ٌ‬
‫ح ‪َ ،‬فَقعْد َمع ّ‬
‫سعُكْم َقعْر ٌ‬
‫س ْ‬
‫ن َيْم َ‬
‫لقوله تعالى ) ِإ ْ‬
‫خ عَذ‬
‫ن آَمُنععوا ‪َ ،‬وَيّت ِ‬
‫س ‪َ ،‬وِلَيْعَلَم الُّ اّلِذي َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ك اَْلّياُم ُنَداِوُلَها َبْي َ‬
‫َوِتْل َ‬
‫ن )‪140‬آل عمران ( ولقوله )‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ب ال ّ‬
‫ح ّ‬
‫ل َل ُي ِ‬
‫شَهَداَء ‪َ ،‬وا ُّ‬
‫ِمْنُكْم ُ‬
‫عنْ‬
‫خّلُفوا َ‬
‫ن َيَت َ‬
‫ب ‪َ ،‬أ ْ‬
‫عَرا ِ‬
‫ن اَْل ْ‬
‫حْوَلُهْم ِم َ‬
‫ن َ‬
‫ن َِلْهِل اْلَمِديَنِة ‪َ ،‬وَم ْ‬
‫َما َكا َ‬
‫ك ِبعَأّنُهْم ‪َ ،‬ل‬
‫سعِه ‪َ ،‬ذِلع َ‬
‫ن َنْف ِ‬
‫عع ْ‬
‫سعِهْم َ‬
‫غُبععوا ِبَأنُف ِ‬
‫لع ‪َ ،‬وَل َيْر َ‬
‫سععوِل ا ِّ‬
‫َر ُ‬
‫لع ‪َ ،‬وَل‬
‫سعِبيِل ا ِّ‬
‫صعٌة ِفععي َ‬
‫خَم َ‬
‫ب ‪َ ،‬وَل َم ْ‬
‫صع ٌ‬
‫ظَمعٌأ ‪َ ،‬وَل َن َ‬
‫صععيُبُهْم ‪َ ،‬‬
‫ُي ِ‬
‫ل ‪ِ ،‬إّل ُكِت ع َ‬
‫ب‬
‫ع عُدّو َنْي ً‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ع ْ‬
‫ظ اْلُكّفاَر ‪َ ،‬وَل َيَنععاُلو َ‬
‫طًئا َيِغي ُ‬
‫ن َمْو ِ‬
‫طُئو َ‬
‫َي َ‬
‫ن)‬
‫سععِني َ‬
‫ح ِ‬
‫جععَر اْلُم ْ‬
‫ضععيُع َأ ْ‬
‫لعع َل ُي ِ‬
‫ن ا َّ‬
‫ح ‪ِ ،‬إ ّ‬
‫صععاِل ٌ‬
‫عَمععٌل َ‬
‫َلُهععْم ِبععِه ‪َ ،‬‬
‫‪120‬التوبة ( ‪ .‬ولكن عععدم معرفععة الفلسععطينيون ‪ ،‬آنععذاك بحتميععة‬
‫قيام الدولة اليهودية ‪ ،‬أبقى المل بإمكانية منع إقامتها ‪ ،‬حّيا فععي‬
‫نفوس أهلها ‪ ،‬فبقي الكثير منهم فيها ‪ ،‬واستمر بععاب الجهععاد فععي‬
‫سبيل ال ‪ ،‬مشرعا على مصراعيه ‪ ،‬وبقي سجل شرف الشععهادة‬
‫‪93‬‬

‫في سبيل ال ‪ ،‬مفتوحا إلى يوم القيامععة ‪ ،‬لمععن يرغععب منهععم فععي‬
‫تدوين اسمه ‪ ،‬ولتكون منهم بإذن الع تلععك الطائفععة ‪ ،‬الععتي أخععبر‬
‫عنها رسول الحق عليه الصلة والسلم ‪.‬‬
‫أما بالنسبة لليهود ‪ ،‬فهل ُكشفت لهم هععذه النبععوءة ؟ أقععول ‪ :‬نعععم‬
‫سععراِئيَل ِفععي‬
‫ضععْيَنا ِإَلععى َبِنععي إ ْ‬
‫بل شععك ‪ ،‬ألععم يقععل سععبحانه ) َوَق َ‬
‫ب ( وكشفت لهم أيضا نبوءات أخرى ‪ ،‬ويعرفون تفاصععيلها‬
‫اْلِكَتعا ِ‬
‫ب َتَماًمععا‬
‫سععى اْلِكَتععا َ‬
‫كما يعرفون أبناءهم ‪ ،‬قال تعالى ) ُثّم آَتْيَنععا ُمو َ‬
‫حَم عةً ‪َ ،‬لَعّلُه عْم‬
‫يٍء َوُه عًدى َوَر ْ‬
‫شع ْ‬
‫ل ِلُك عّل َ‬
‫صي ً‬
‫ن ‪َ ،‬وَتْف ِ‬
‫سَ‬
‫ح َ‬
‫عَلى اّلِذي َأ ْ‬
‫َ‬
‫ح مِ عنْ‬
‫ن )‪ 154‬النعام ( ) وََكَتْبَنا َل عُه ِفععي اَْلْل عَوا ِ‬
‫ِبِلَقاءِ َرّبِهْم ُيْؤِمُنو َ‬
‫خْذَها ِبُقّوٍة َوْأمُْر َقْوَمكَ‬
‫يٍء ‪َ ،‬ف ُ‬
‫ش ْ‬
‫ل ِلُكّل َ‬
‫صي ً‬
‫ظًة ‪َ ،‬وَتْف ِ‬
‫عَ‬
‫يٍء َمْو ِ‬
‫ش ْ‬
‫ُكّل َ‬
‫ن )‪ 145‬العععراف ( وقععد‬
‫س عِقي َ‬
‫س عُأِريُكْم َداَر اْلَفا ِ‬
‫سِنَها ‪َ ،‬‬
‫ح َ‬
‫خُذوا ِبَأ ْ‬
‫َيْأ ُ‬
‫كشععفها الع لهععم ليعلععم مععا سععيكون منهععم ‪ ،‬فعلععم العقلء يزيععدهم‬
‫تواضعا وخضوعا وامتثععال ‪ ،‬وعلععم الععذين ل يعقلععون ) اليهععود (‬
‫زادهم جهل واستكبارا وطغيانععا وعصععيانا وعععدوانا ‪ ،‬وسنوضععح‬
‫لحقا ما كان منهم ‪ ،‬بناءا على معرفتهم لما جععاء فععي كتبهععم مععن‬
‫نبوءات ‪ ،‬بإذن ال ‪.‬‬
‫أما لماذا ُكشفت الن ‪ ،‬نقععول ‪ :‬أن ل جععدوى مععن إخفاءهععا الن ‪،‬‬
‫سععر الواقععع‬
‫فقد اكتملت معالم القععدر مععن ظععروف وملبسععات ‪ ،‬وف ّ‬
‫جزءا كبيرا من نصوصها ‪ ،‬وكععل شععيء أصععبح واضععحا للعيععان ‪،‬‬
‫عْدًل )‪ 115‬النعام ( وعلم سععبحانه معا‬
‫صْدًقا َو َ‬
‫ك ِ‬
‫ت َكِلَمُة َرّب َ‬
‫) َوَتّم ْ‬
‫أراد أن يعلم ؛ مما كان من المسلمين ‪ ،‬واتخذ وسععيتخذ منهععم مععا‬
‫أراد أن يتخذ ‪ ،‬وما كان من اليهعود وسعيأخذ منهعم ‪ ،‬معا شعاء أن‬
‫جَهّن عَم ِلْلَكععاِفِري َ‬
‫ن‬
‫جَعْلَنععا َ‬
‫يأخذ حطبا لنار جهنم ‪ ،‬وبئس المصير ) َو َ‬
‫صيًرا )‪ 8‬السراء ( ‪ .‬والكشععف عععن أسععئلة المتحععان والبلء ‪،‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫لععن ُيغّيععر شععيئا ‪ ،‬فقععوائم النتععائج والشععهادات ‪ُ ،‬تعلععن مععن علععى‬
‫‪94‬‬

‫شاشات التلفاز ‪ ،‬فقد نجح الكععثير مععن طلب الخععرة فععي امتحععان‬
‫ربهم ‪ ،‬على ) درجة شهيد بامتياز مععع مرتبععة الشععرف ( ‪ ،‬ولكععن‬
‫أكثر الناس ل يعلمون ‪.‬‬
‫ونحن الن بانتظععار أن ُيصععدر رب العععزة ‪ ،‬نتععائج أولئك الوغععاد‬
‫السفلة ‪ ،‬بعد أن يمهرها بتوقيعه المبارك ‪ ،‬وكأّني أتخّيل الملئكة‬
‫ُيعّدونها ‪ ،‬في عجلة معن أمعر ربهعم ‪ ،‬لتكعون جعاهزة عنعد موععد‬
‫صععاَرُهْم ‪َ ،‬كَمععا َلعْم‬
‫ب َأْفِئَدَتُهعْم َوَأْب َ‬
‫التسليم ‪ ،‬فتدّبر في قععوله ) َوُنَقّلع ُ‬
‫ن )‪… 110‬‬
‫طْغَيععاِنِهْم َيْعَمُهععو َ‬
‫ُيْؤِمُنوا ِبِه َأّوَل َمّرٍة ‪َ ،‬وَن عَذُرُهْم ِفععي ُ‬
‫ضععْوُه ‪،‬‬
‫خَرِة ‪َ ،‬وِلَيْر َ‬
‫لِ‬
‫ن ِبععا ْ‬
‫ن َل ُيْؤِمُنععو َ‬
‫صععَغى ِإَلْيععِه َأْفِئَدُة اّلععِذي َ‬
‫َوِلَت ْ‬
‫صعْدًقا‬
‫ت َكِلَم عُة َربّ عكَ ِ‬
‫ن ‪َ … 113) ،‬وَتّمع ْ‬
‫َوِلَيقَْتِرُفوا َما ُهْم ُمْقَتِرُفععو َ‬
‫س عِميُع اْلَعِلي عُم )‪ 115‬النعععام ( ‪،‬‬
‫عْدًل ‪َ ،‬ل ُمَب عّدَل ِلَكِلَمععاِتِه َوُه عَو ال ّ‬
‫َو َ‬
‫وموعععدهم قريععب ‪ ،‬وعنععد مجيئه سععيكون البععاب مشععرعا لولئك‬
‫العباد بأمر ربهم ‪ ،‬لينقضوا عليهم ويزلزلوا أركععانهم ‪ ،‬ويكسععروا‬
‫ط فععي‬
‫شععوكتهم ويقتلعوهععا مععن جععذورها ‪ ،‬والبعبععع المريكععي يغع ّ‬
‫سبات عميق ‪ ،‬ولن يمنعهم من أمر ال أحد كان ‪.‬‬
‫ق ‪ ،‬فالذي أخبر عن ذلك‬
‫ن عودة اليهود إلى فلسطين ح ّ‬
‫ونقول ‪ :‬أ ّ‬
‫ن ال ع عليهععم‬
‫ق ‪ ،‬بعععد أن م ع ّ‬
‫ن إخراج أهلها منها ح ّ‬
‫ق ‪ ،‬وأ ّ‬
‫هو الح ّ‬
‫بالستضعاف بالرض ‪ ،‬كما استضعف الذين من قبلهم ‪ ،‬فُأورثوا‬
‫ق ‪َ ) ،‬كَمععا‬
‫الرض مععن بعععد ‪ ،‬فقععد َأخععرج رسععوله مععن قبععل بععالح ّ‬
‫ن)‬
‫ن َلَكععاِرُهو َ‬
‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن َفِريًقا ِم ْ‬
‫ق َوِإ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ك ِباْل َ‬
‫ن َبْيِت َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫ك َرّب َ‬
‫جَ‬
‫خَر َ‬
‫َأ ْ‬
‫‪ 5‬النفععال ( وفععي إحععدى سععننه الكونيععة لمععن ُيخععرج النععاس مععن‬
‫جّنُكعْم ِمعنْ‬
‫خِر َ‬
‫سعِلِهْم َلُن ْ‬
‫ن َكَفعُروا ِلُر ُ‬
‫ق ) َوَقععاَل اّلعِذي َ‬
‫ديارهم قععال الحع ّ‬
‫ظععاِلِمينَ )‬
‫ن ال ّ‬
‫حى ِإَلْيهِْم َرّبُهْم َلُنْهِلَك ّ‬
‫ن ِفي ِمّلِتَنا َفَأْو َ‬
‫َأْرضَِنا َأْو َلَتُعوُد ّ‬
‫‪ 13‬إبراهيم ( ‪.‬‬
‫‪95‬‬

‫وهذه رسالة رب العزة ‪ ،‬إلى أمة محمد عليععه الصععلة والسععلم ‪،‬‬
‫سعْلِم ‪َ ،‬وَأْنُتعمْ‬
‫عوا ِإَلععى ال ّ‬
‫ل َتِهُنوا ‪َ ،‬وَتْد ُ‬
‫ومن سورة ) محمد ( ‪َ ) :‬ف َ‬
‫ن َتَتَوّل عْوا‬
‫عَماَلُكْم )‪َ … (35‬وِإ ْ‬
‫ن َيِتَرُكْم َأ ْ‬
‫ل َمَعُكْم ‪َ ،‬وَل ْ‬
‫ن ‪َ ،‬وا ُّ‬
‫عَلْو َ‬
‫اَْل ْ‬
‫غْيَرُكعْم ُثعّم َل َيُكوُنععوا َأْمَثععاَلُكْم )‪ ، (38‬وإن لععم نكععن‬
‫ستَْبِدْل َقْوًمععا َ‬
‫َي ْ‬
‫نستحق النتساب لّمة ) محمد ( عليه أفضل الصععلة والتسععليم ‪،‬‬
‫قول وعمل ‪ ،‬فسّنة الستبدال واقعة بنا ل محالة ‪ ،‬ومن المؤسف‬
‫أنها على وشك ‪.‬‬
‫وخلصععة القععول ‪ :‬أنععه وبعععد نفععاذ الوعععد الول فيكععم ‪ ،‬مععن قبععل‬
‫هؤلء العباد ‪ ،‬وقتِلهم وقهِرهععم لكععم ‪ ،‬وزوال دولتكععم ‪ ،‬وتشععتتكم‬
‫فععي الرض بمععدة مععن الزمععن ‪ ،‬طععالت أو قصععرت ‪ -‬تفيععدها ث عّم ‪-‬‬
‫سنأذن لكم بالعودة إلى الرض المقدسة ‪ ،‬وتهزموهم كما هزمععوا‬
‫أسلفكم ‪ ،‬وتعود لكم السطوة عليهععم ‪ ،‬وتلحقععوا بهععم مععا ألحقععوه‬
‫بأسلفكم ‪ ،‬وُنمّدكم بععالفراد المععدربين علععى القتععال والمسععاعدات‬
‫المالية والعسكرية ‪ ،‬ونجعلكم أكثر عددا وعتادا ‪ .‬وهذا مععن قبيععل‬
‫س ( بععإجراء القضععاء والقععدر ‪،‬‬
‫ن الّنععا ِ‬
‫ك اَْلّيععاُم ُن عَداِوُلَها بْي ع َ‬
‫) َوتِْل ع َ‬
‫وليس من قبيل المكافأة ‪ ،‬لبنععي إسععرائيل علععى إحسععانهم ونيلهععم‬
‫رضاه سبحانه ‪ ،‬كما يّدعون في تععوراتهم ‪ ،‬وكمععا ذهععب إلععى ذلععك‬
‫سرين ‪.‬‬
‫بعض المف ّ‬

‫‪96‬‬

‫فسك ُم وإن أ َسأ ْ‬
‫) إن أ َحسنت ُم أ َ‬
‫حسنت ُم ِ َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ت‬
‫لن‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ َ‬
‫ِ ْ ْ َ‬
‫َ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ َ ِ‬
‫هننا َ‬
‫َ‬
‫فننإ ِ َ‬
‫ءوا‬
‫و ْ‬
‫سننو ُ‬
‫عنندُ اْل ِ‬
‫خننَر ِ‬
‫ذا َ‬
‫ة ل ِي َ ُ‬
‫فل َ َ‬
‫جنناءَ َ‬
‫ه‬
‫مننا دَ َ‬
‫ول ِي َدْ ُ‬
‫جو َ‬
‫و ُ‬
‫م ْ‬
‫خل ُننو ُ‬
‫جد َ ك َ َ‬
‫خُلوا ال ْ َ‬
‫هك ُ ْ‬
‫سن ِ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫أَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا ت َت ِْبيًرا )‪( 7‬‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ما‬
‫روا‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫ة‬
‫ر‬
‫م‬
‫ل‬
‫و‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ ُ ّ ُ‬
‫َ ّ‬
‫ّ‬
‫فس نك ُم وإن أ َس نأ ْ‬
‫إن أ َحسنت ُم أ َ‬
‫حسنت ُم ِ َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ت‬
‫لن‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ ْ َ‬
‫ِ ْ ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ َ ِ‬
‫َ‬
‫ها ‪:‬‬
‫فل َ َ‬
‫وهذا على سبيل التخيير ‪ ،‬ولنفي الجبريععة علععى مععن يملععك العقععل‬
‫والرادة ‪ ،‬ولععدفع الظلععم عععن نفسععه جعّل وعل ‪ ،‬حيععث قععال ) َمعنْ‬
‫لٍم ِلْلَعِبيِد )‪46‬‬
‫ظّ‬
‫ك ِب َ‬
‫ساَء َفَعَلْيَها َوَما َرّب َ‬
‫ن َأ َ‬
‫سِه َوَم ْ‬
‫حا َفِلَنْف ِ‬
‫صاِل ً‬
‫عِمَل َ‬
‫َ‬
‫فصلت ( ‪ ،‬وجععاءت فععي ظاهرهععا ‪ ،‬تحمععل الكععثير مععن الععترغيب ‪،‬‬
‫والكثير من الترهيب ‪ ،‬وفي باطنها التهديد والتحذير ممععا يليهععا ‪،‬‬
‫لكيل يكون لهم على ال حجة ‪ ،‬بأنه لععم يحعّذرهم وينععذرهم ‪ ،‬قبععل‬
‫إنزال عقاب وعد الخرة فيهم ‪ .‬أما دفع تهمة الفساد عن النفععس‬
‫‪ ،‬فليست بالماني ومعسول الكلم ‪ ،‬ولكن بالنظر إلى مععا اقععترفته‬
‫س ِبَأَماِنّيُكْم َوَل َأَماِنيّ َأْهِل اْلِكَتا ِ‬
‫ب‬
‫اليادي ‪ ،‬حيث قال سبحانه ) َلْي َ‬
‫صيًرا )‬
‫ن الِّ َوِلّيا َولَ َن ِ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫جْد َلُه ِم ْ‬
‫جَز ِبِه َوَل َي ِ‬
‫سوًءا ُي ْ‬
‫ن َيْعَمْل ُ‬
‫َم ْ‬
‫‪ 123‬النساء ( ‪.‬‬
‫والتغيير من الفساد إلى الصلح ‪ ،‬ومن الساءة إلى الحسععان ‪،‬‬
‫ل يأتي عبثا بل يحتاج إلععى الكععثير مععن الجهععد والعمععل ‪ ،‬فالبدايععة‬
‫تكون بتحصيل العلم والمعرفة بال ‪ ،‬بالتفّكر والتدّبر فععي ملكععوت‬
‫السععماوات والرض ‪ ،‬ومععن ثععم اليمععان بوجععوده وقععدرته علععى‬
‫الخلق واليجاد ‪ ،‬ومععن ثععم رّد الجميععل لصععاحب الفضععل والمّنععة ‪،‬‬
‫بعععإقرار ربعععوبيته وملكيتعععه لنعععا ‪ ،‬ومعععن ثعععم الطاععععة والتسعععليم‬
‫والنصياع ‪ ،‬ومن ثم تحصيل المعرفععة بمععراده مععن الخلععق ‪ ،‬كمععا‬
‫‪97‬‬

‫س ِإّل ِلَيْعُبععُدونِ )‪56‬‬
‫ن َواِْلنعع َ‬
‫جع ّ‬
‫ت اْل ِ‬
‫خَلْقعع ُ‬
‫جععاء فععي كتععابه ) َوَمععا َ‬
‫الذاريات ( ‪ ،‬وبالتالي البحث الحثيث لمعرفععة مععا ُينععال بععه الرضععا‬
‫وُيدفع به الغضب ‪ ،‬ومن ثم العمل بما تعلم ‪ ،‬فإن لم يكن حبععا فععي‬
‫ملك الملوك ‪ ،‬ليكن ولًء لسععبق الفضععل ‪ ،‬وإن لععم يكععن طمعععا فعي‬
‫الجنة فخوفا من النار ‪.‬‬
‫فععانظر بربععك إلععى ربععك مععا أعععدله ‪ ،‬أنعععم عليععك وأوجععدك أول ‪،‬‬
‫حمُْد‬
‫وسيدخلك الجنة إلى البد ثانيا ‪ ،‬لتكون ممن قالوا ) َوَقاُلوا اْل َ‬
‫شاُء‬
‫ث َن َ‬
‫حْي ُ‬
‫جّنِة َ‬
‫ن اْل َ‬
‫ض َنَتَبّوُأ ِم َ‬
‫عَدُه َوَأْوَرَثَنا اَْلْر َ‬
‫صَدَقَنا َو ْ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ِّ‬
‫ن )‪ 74‬الزمر ( ‪ ،‬ل من الععذين قععالوا ) يََوْيَلَنععا َق عْد‬
‫جُر اْلَعاِمِلي َ‬
‫َفِنْعَم َأ ْ‬
‫ن )‪ 97‬النبياء ( ‪.‬‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ن َهَذا َبْل ُكّنا َ‬
‫غْفَلٍة ِم ْ‬
‫ُكّنا ِفي َ‬
‫س عِهْم َوِإَذا‬
‫حّتى ُيَغّيُروا َمععا ِبَأنُف ِ‬
‫ل َل ُيَغّيُر َما ِبَقْوٍم َ‬
‫ن ا َّ‬
‫قال تعالى ) ِإ ّ‬
‫ن ُدوِنعِه ِمعنْ َواٍل )‪11‬‬
‫ل َمَرّد َلُه َوَما َلُهعْم ِمع ْ‬
‫سوًءا َف َ‬
‫ل ِبَقْوٍم ُ‬
‫َأَرادَ ا ُّ‬
‫الرعد ( ‪ ،‬فالتغيير يبدأ من العبد وينتهي عنده ‪ ،‬قععال تعععالى ) َوِإْذ‬
‫لع‬
‫سععوُل ا ِّ‬
‫ن َأّنععي َر ُ‬
‫سى ِلَقْوِمِه َيَقْوِم ِلَم ُتْؤُذوَنِني َوَقْد َتْعَلُمو َ‬
‫َقاَل ُمو َ‬
‫ن)‬
‫سِقي َ‬
‫ل ُقُلوَبُهْم َوالُّ َل َيْهِدي اْلَقْوَم اْلَفا ِ‬
‫غ ا ُّ‬
‫غوا َأَزا َ‬
‫ِإَلْيُكْم َفَلّما َزا ُ‬
‫‪ 5‬الصععف ( ‪ ،‬حيععث سععبق الزيععغ منهععم فععأزاغ الع قلععوبهم ‪ ،‬أفل‬
‫يستحق المر شيئا مععن العنععاء … ؟! فلنسععارع بتغييععر أنفسععنا ‪،‬‬
‫قبل أن تتغير جلودنا مرارا وتكرارا ‪ ،‬في نار جهنم ‪.‬‬
‫َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ة‪:‬‬
‫و ْ‬
‫عدُ اْل ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ذا َ‬
‫جاءَ َ‬
‫فيما روي عنه عليه الصلة والسلم ‪ ،‬مما قال في دعاءه " أنععت‬
‫الول فليععس قبلععك شععيء ‪ ،‬وأنععت الخعر فليععس بعععدك شعيء " ‪،‬‬
‫خرة نقيض المتقدم والمتقدمععة ‪ ،‬ومععن معجععم مختععار‬
‫خر وال ِ‬
‫وال ِ‬
‫خر بكسر الخاء بعد الول وهععو صععفة ‪ ،‬تقععول جععاء‬
‫الصحاح ‪ :‬ال ِ‬
‫خرة والجمع أواخر ‪.‬‬
‫خرا أي أخيرا ‪ ،‬وتقديره فاعل ‪ ،‬والنثى آ ِ‬
‫آِ‬
‫‪98‬‬

‫وخلصة القول ‪ :‬أنها المرة الثانية فععي الععترتيب ‪ ،‬والخيععرة فععي‬
‫عععدد المععرات ‪ ،‬ول ثالثععة بعععدها ‪ ،‬وإنمععا هنععاك أخععرى ‪ ،‬ولكنهععا‬
‫ح أن نسعميها معرة ثالثعة ‪،‬‬
‫تختلف في أنها ليسعت معرة ‪ ،‬ول يصع ّ‬
‫فهي ل تمتلك شروط المرتين السابقتين ‪.‬‬
‫بعثناهم عليكم ‪:‬‬
‫هذه العبارة ‪ ،‬غير موجودة أصل فععي نععص اليععة ‪ ،‬وهععي جععواب‬
‫حذفت ‪ ،‬لدللة جواب شععرط‬
‫شرط إذا الخاص بوعد الخرة ‪ ،‬وقد ُ‬
‫إذا الخععاص بوعععد أولهمععا ‪ .‬ولتوضععيح عمععل ) إذا ( ومععا يعنيععه‬
‫شرطها وجوابها ‪ ،‬نقول نستعمل ) إذا ( عععادة ‪ ،‬إذا أردنععا تعليععق‬
‫فعععل معيععن ) ويسععمى جععواب شععرط إذا ( ‪ ،‬بفعععل آخععر ) ويسععمى‬
‫شرط إذا ( ‪ ،‬كأن تقول لزوجتك على سبيل المثال ‪ " :‬إذا حصلت‬
‫على ترقية في نهاية الشهر ‪ ،‬اشتريت لك ذلك الخععاتم " ‪ ،‬فالععذي‬
‫ذهبت إليه في الواقع ‪ ،‬هو أنك عّلقت عملية شراء الخاتم ‪ ،‬الععذي‬
‫رغبت فيه زوجتك ‪ ،‬بعملية حصولك علععى الترقيععة الموعععود بهععا‬
‫آخععر الشععهر ‪ ،‬فععإن لععم تكععن هنععاك ترقيععة ‪ ،‬فلععن تحصععل زوجتععك‬
‫المسكينة على الخاتم ‪ .‬فشرط ) إذا ( هو ) الحصول على الترقية‬
‫( ‪ ،‬وجواب الشرط هو ) شراء الخاتم ( ‪ .‬وبعبارة أخرى نقول أن‬
‫حصول زوجتك على الخاتم متعّلق بالحصول على الترقية ‪.‬‬
‫وبإعادة عبارة ) بعثناهم عليكم ( المحذوفة ‪ ،‬يصععبح النععص كمععا‬
‫سععوُءوا‬
‫خععَرِة – بعثنععاهم عليكععم – ِلَي ُ‬
‫لِ‬
‫عععُد ا ْ‬
‫جععاَء َو ْ‬
‫يلععي ) َفععِإَذا َ‬
‫جَد ( ‪ .‬وعبععارة ) وليسععوءوا وجععوهكم (‬
‫سع ِ‬
‫خُلوا اْلَم ْ‬
‫جوَهُكْم َوِلَيْد ُ‬
‫ُو ُ‬
‫ليست جوابا للشرط ‪ ،‬لرتباطهعا بلم كعي ‪ ،‬حيعث جعاءت العبعارة‬
‫لتعليل البعث وتوضيح الغايععة منععه ‪ .‬وضععمير الغععائب ) هععم ( فعي‬
‫‪99‬‬

‫) بعثناهم ( يعود على العباد أنفسهم ‪ ،‬وضععمير المخععاطب ) كععم (‬
‫في ) عليكم ( ‪ ،‬يعود على بني إسرائيل ‪.‬‬
‫وخلصة القول ‪ :‬أن هذه المرة هععي الخيععرة مععن المرتيععن ‪ ،‬وأن‬
‫تحّقق البعث متعّلق بمجيء الموعد المحّدد ‪ ،‬وبما أن الضمير في‬
‫كلمععة ) بعثنععاهم ( يعععود علععى نفععس العبععاد ‪ ،‬فععإن عبععاد البعععث‬
‫الثاني ‪ ،‬هم نفس عباد البعث الول ‪.‬‬
‫م‪:‬‬
‫جو َ‬
‫سو ُ‬
‫و ُ‬
‫ل ِي َ ُ‬
‫هك ُ ْ‬
‫ءوا ُ‬
‫إسععاءة الععوجه ‪ ،‬أن ُيفِع عَل ِبالنسععان مععا َيْك عَره ‪ ،‬وأسععاءه نقيععض‬
‫سّره ‪ .‬وفي الواقع أن ِفعل الساءة ‪ ،‬لن يقع على الوجععوه بشععكل‬
‫َ‬
‫مباشر ‪ ،‬وإنما على المظاهر والمقومععات الماديععة ‪ ،‬الععتي مّكنتهععم‬
‫مععن العلععو والسععتكبار والسععتعلء علععى النععاس ‪ ،‬لُيحرمععوا هععذه‬
‫الميزة بتبادل الدوار مع أولئك العبععاد ‪ .‬ويكسععبوا ميععزة جديععدة ‪،‬‬
‫هعععي الستضععععاف والعععذل والنخفعععاض ‪ ،‬بتبعععادل الدوار معععع‬
‫الفلسطينيين ‪ ،‬ومن ثم ليقع فيهم ‪ ،‬ما أنزلوه بالفلسطينيين طيلععة‬
‫مدة علوهم ‪ ،‬من قتل وأسر وتعذيب وسلب للراضي والممتلكات‬
‫شععفِ‬
‫‪ ،‬وإتلف وهدم ‪ ،‬على قاعدة الجزاء من جنس العمل ‪َ ) ،‬وَي ْ‬
‫ن )‪ 14‬التوبعععة ( ‪ .‬وضعععمير الغعععائب ) واو‬
‫صعععُدوَر َقعععْوٍم ُمعععْؤِمِني َ‬
‫ُ‬
‫الجماعة ( في ) ليسوءوا ( ‪ ،‬يعععود علععى نفععس العبععاد ‪ ،‬وضععمير‬
‫المخاطب )كم ( في ) وجوهكم ( ‪ ،‬يعود على بني إسرائيل ‪.‬‬
‫والذي سيظهر على الوجه ‪ ،‬هو تعابير الستياء ‪ ،‬التي تنتععج فععي‬
‫الغععالب ‪ ،‬عععن مشععاعر تجيععش بهععا النفععس البشععرية ‪ ،‬كععاللم‬
‫والحسعععرة والغيعععظ والخعععزي والعععذل ‪ ،‬عنعععدما تتععععرض للذى‬
‫النفسي ‪ ،‬الذي غالبا ما يكون ناتج ‪ ،‬عن فقدان مادي لما هو جيد‬
‫‪ ،‬أو كسب ما هو سيئ ‪ ،‬أو كلهما ‪ ،‬وتعتمد درجة الستياء على‬
‫‪100‬‬

‫درجععة الفقععد أو الكسععب ‪ ،‬والععذي سععيفقده اليهععود ‪ ،‬هععو السععيادة‬
‫والغنى والقوة ‪.‬‬
‫ونجععد وصععف لتعععابير وجععه ‪ ،‬يشعععر صععاحبه بسععوء ألععّم بععه ‪،‬‬
‫لحرمععانه مععن الععذكر ‪ ،‬بععولدة النععثى ‪ ،‬الععتي سععتجلب لععه العععار‬
‫جُه عُه‬
‫ظ عّل َو ْ‬
‫ح عُدُهْم ِبععاُْلْنَثى َ‬
‫شَر َأ َ‬
‫مستقبل ‪ ،‬في قوله تعالى ) َوِإَذا ُب ّ‬
‫ش عَر ِب عهِ‬
‫سوِء َمععا ُب ّ‬
‫ن ُ‬
‫ن اْلَقْوِم ِم ْ‬
‫ظيٌم )‪َ (58‬يَتَواَرى ِم َ‬
‫سَوّدا َوُهَو َك ِ‬
‫ُم ْ‬
‫… )‪ 59‬النحل ( ‪ ،‬ونجد وصف آخر لتعابير وجوه الذين اقععترفوا‬
‫السيئات ‪ ،‬عندما اسععتيقنوا أن ل مفععر ول عاصععم مععن أمععر الع ‪،‬‬
‫وأنهم سينالون جزاء سيئاتهم ‪ ،‬فتملّكتهم مشاعر اليأس والقنوط‬
‫س عّيَئةٍ‬
‫جَزاُء َ‬
‫ت َ‬
‫سّيَئا ِ‬
‫سُبوا ال ّ‬
‫ن َك َ‬
‫من النجاة ‪ ،‬في قوله تعالى ) َواّلِذي َ‬
‫ت‬
‫شعَي ْ‬
‫غ ِ‬
‫صعٍم َكَأّنَمععا ُأ ْ‬
‫عا ِ‬
‫ن َ‬
‫لع ِمع ْ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ِبِمْثِلَها َوَتْرَهُقُهْم ِذّلٌة َمععا َلُهعْم ِمع َ‬
‫ب الّنععاِر ُهعْم ِفيَهععا‬
‫حا ُ‬
‫صع َ‬
‫ك َأ ْ‬
‫ظِلًمععا ُأوَلِئ َ‬
‫ن الّلْيعِل ُم ْ‬
‫طًعععا ِمع َ‬
‫جععوُهُهْم ِق َ‬
‫ُو ُ‬
‫ن )‪ 27‬يونس (‬
‫خاِلُدو َ‬
‫َ‬
‫تععوحي عبععارة ) ليسععوءوا وجععوهكم ( ‪ ،‬أن مععا سععينزل بهععم مععن‬
‫عقععاب ‪ ،‬علععى أيععدي هععؤلء العبععاد ‪ ،‬شععديد الوقععع ‪ ،‬وبععالغ الثععر‬
‫والتأثير في نفوسهم ‪ ،‬مما سيعكس بالضرورة آثار المساءة على‬
‫وجوههم ‪ .‬لدرجة أنه سبحانه ‪ ،‬أورد نفس التعععبير ‪ ،‬فععي وصععفه‬
‫لحال الكفار عند رؤيتهععم لعععذاب جهنععم ‪ ،‬فععي قععوله تعععالى ) َفَلّمععا‬
‫ن َكَفعُروا َوِقيعَل َهعَذا اّلعِذي ُكْنُتعْم ِبعِه‬
‫جععوُه اّلعِذي َ‬
‫ت ُو ُ‬
‫سععيَئ ْ‬
‫َرَأْوهُ ُزْلَفًة ِ‬
‫ن )‪ 27‬الملك ( ‪ .‬فالعقاب الذي سيحّل باليهود قريبععا ‪ ،‬ليععس‬
‫عو َ‬
‫َتّد ُ‬
‫لعه نظيعر ‪ ،‬ول ُيمكعن أن يتعأتى هعذا العقعاب ‪ ،‬إل معن قبعل أنعاس‬
‫يملؤهم الحقد والكراهية ‪ ،‬ولديهم رغبة شديدة وملحة للنتقععام ‪،‬‬
‫من بني إسرائيل لسبب أو لخر ‪.‬‬

‫‪101‬‬

‫ن َقَتعلَ‬
‫سعَراِئيَل َأّنعهُ َمع ْ‬
‫عَلعى َبِنعي ِإ ْ‬
‫ك َكَتْبَنععا َ‬
‫جِل َذِلع َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫قال تعالى ) ِم ْ‬
‫جِميًعععا‬
‫س َ‬
‫ض َفَكَأّنَمععا َقَتعَل الّنععا َ‬
‫سععاٍد ِفععي اَْلْر ِ‬
‫س َأْو َف َ‬
‫سا ِبَغْيِر َنْفع ٍ‬
‫َنْف ً‬
‫س عُلَنا‬
‫جععاَءْتُهْم ُر ُ‬
‫جِميًعععا َوَلَق عْد َ‬
‫س َ‬
‫حَيععا الّنععا َ‬
‫حَياَهععا َفَكَأّنَمععا َأ ْ‬
‫ن َأ ْ‬
‫َوَم ع ْ‬
‫ن )‪(32‬‬
‫سعِرُفو َ‬
‫ض َلُم ْ‬
‫ك ِفععي اَْلْر ِ‬
‫ن َكِثيًرا ِمْنُهْم َبْععَد َذِلع َ‬
‫ت ُثّم ِإ ّ‬
‫ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫ض‬
‫ن ِفععي اْلَْر ِ‬
‫سعَعْو َ‬
‫سععوَلُه ‪َ ،‬وَي ْ‬
‫لع َوَر ُ‬
‫ن ا َّ‬
‫حععاِرُبو َ‬
‫ن ُي َ‬
‫جَزاُء اّلِذي َ‬
‫ِإّنَما َ‬
‫جُلُهعْم ِمع ْ‬
‫ن‬
‫طعَع َأْيعِديِهْم َوَأْر ُ‬
‫صعّلُبوا ‪َ ،‬أْو ُتقَ ّ‬
‫ن ُيَقّتُلعوا ‪َ ،‬أْو ُي َ‬
‫ساًدا ‪َ ،‬أ ْ‬
‫َف َ‬
‫ي ِفععي ال عّدنَيا َوَلُه عْم ِفععي‬
‫خْز ٌ‬
‫ك َلُهْم ِ‬
‫ض َذِل َ‬
‫ن اَْلْر ِ‬
‫لفٍ ‪َ ،‬أْو ُينَفْوا ِم ْ‬
‫خَ‬
‫ِ‬
‫ظيٌم )‪ 33‬المائدة (‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫خَرِة َ‬
‫لِ‬
‫اْ‬
‫تبين الية الولى ‪ ،‬عظم مكانة النفس البشرية عند ال ‪ ،‬إذ ليس‬
‫لحد كان ‪ ،‬إزهاق أرواح الناس سوى خالقها ‪ ،‬فهو الععذي يحيععي‬
‫ويميععت ‪ ،‬ومععن أزهععق روحععا بغيععر نفععس أي قصاصععا ‪ ،‬أو لمنععع‬
‫الفساد في الرض ‪ ،‬كإقامة الحدود الموجبععة للقتععل ‪ ،‬فكأنمععا قتععل‬
‫الناس جميعا ‪ ،‬ومن قام بهذا المععر ‪ ،‬خععارج نطععاق مععا تقعّدم مععن‬
‫موجبات القتل ‪ ،‬فقد أعلن حربه على ال ‪ .‬وأن مععن أعلععن حربععه‬
‫حصعر جعزاءه معن قبعل رب الععزة ‪،‬‬
‫على ال ‪ ،‬في الية الثانية ‪ُ ،‬‬
‫بأربعة خيارات ‪ ،‬تنّفذ فيه في الحياة الععدنيا ‪ ،‬مععن قبععل مععن أوكلععه‬
‫ال بذلك ‪ ،‬حسععبما يرتععأيه منفععذ الحكععم ‪ ،‬إذ ل جنععاح عليععه فيمععا‬
‫ُأنزل به من عقوبة ‪.‬‬
‫والملحظ أن هذا البيان جاء عاّما ‪ ،‬ولكنععه ارتبععط ببنععي إسععرائيل‬
‫بشععكل خععاص ‪ ،‬ممععا يععوحي أن عقععابهم فععي المرتيععن ‪ ،‬شععمل‬
‫وسيشمل على ما يبدو هذه الخيارات مجتمعععه ‪ ،‬بالقتععل والصععلب‬
‫والتنكيل والسبي ‪ ،‬وبما أن النتيجععة النهائيععة لهععذا العقععاب ‪ ،‬هععي‬
‫زوال علوهم في فلسطين ‪ ،‬فهذا يعني رحيل من بقي حّيا فععرارا ‪،‬‬
‫عن فلسعطين نهائيعا ‪ ،‬يجعّر أذيعال الخيبعة والهزيمعة ‪ .‬وسعتفيض‬
‫قلوب كل اليهود في كافة أرجاء العععالم ‪ ،‬بمشععاعر الععذل والخععزي‬
‫‪102‬‬

‫والعار والهوان ‪ ، ،‬ممععا يععدعو القاصععي والععداني ‪ ،‬للشععماتة بهععم‬
‫وبمن يشّد على أيعديهم ‪ .‬وهععذا معا تؤكععده اليععات الكريمعة ‪ ،‬بعأن‬
‫جزاءهم سيكون من جنس عملهم ‪.‬‬
‫جد َ ‪:‬‬
‫ول ِي َدْ ُ‬
‫م ْ‬
‫خُلوا ال ْ َ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫يعتقد الكثير من المسلمين هذه اليام ‪ ،‬أن ذكععر المسععجد فععي هععذا‬
‫الموضع ‪ ،‬يترتب عليه أن مععن سععيدخله ‪ ،‬وأن تحريععره مقصععورا‬
‫على حملة لواء السعلم ‪ ،‬أو بتععبير أدق أوليعاء الع وخاصعته ‪،‬‬
‫يوحدهم ويقودهم خليفة يفوقهم ولًء ل ولععدينه ‪ ،‬وفععي الذهععان‬
‫صورة ابن الخطاب ‪ ،‬رضعي الع وأرضعاه عنعه ‪ ،‬وصعلح العدين‬
‫رحمه ال ‪ ،‬ومن منا ل يتمنى ذلك ‪.‬‬
‫ولكن يحضععرني هنععا قععول الشععاعر ‪ " :‬مععا كععل مععا يتمنععى المععرء‬
‫يدركه تجري الرياح بما ل تشتهي السفن " ‪ ،‬فلو عدنا بالععذاكرة‬
‫ي عمر وصلح الدين ‪ ،‬ستجد أنهما ل يتفّقععان مععع مععا‬
‫‪ ،‬إلى دخول ّ‬
‫جاء فععي سععورة السععراء ‪ ،‬لسععببين ‪ ،‬الول ؛ كععان الععدخول علععى‬
‫النصارى في المرتين ‪ ،‬والثاني ؛ أن الجوس للديار لم يقع فيهما‬
‫‪ ،‬وكذلك الساءة لوجوه اليهععود ‪ .‬بالضععافة إلععى أن الععدخول فععي‬
‫المرتين ‪ ،‬كان فتحا وليس عقابا لحد ‪.‬‬
‫ن المسععألة ‪ ،‬هععي لفععظ المسععجد الععذي أورده تعععالى ‪،‬‬
‫ويبععدو وكععأ ّ‬
‫للتعريف والتأكيد ‪ ،‬على أن الرض التي ُذكععرت فععي اليععة )‪(4‬ع ‪،‬‬
‫هي الرض التي تحوي المسجد أي مدينة القدس ‪.‬‬
‫والسؤال هنا هل المساجد خاصة بالمسلمين فقط ؟ بكل تأكيد نعععم‬
‫‪ ،‬ولكن لفظ المسجد ل ! نحن نعلم أن حادثععة السععراء كععانت فععي‬
‫مكة ‪ ،‬وأن سورة السراء ُأنزلعت فيهعا أيضعا ‪ ،‬وأن الع سعبحانه‬
‫وتعالى لّما سّماه بالمسجد القصى ‪،‬لعم يكعن للمسعلمين فيععه ناقعة‬
‫‪103‬‬

‫ول بعير ‪ ،‬ولم يكعن قائمعا أصعل ‪ .‬وعبعادة السعجود لع كعانت قعد‬
‫سبقت ‪ ،‬منذ آدم عليه السلم ‪ ،‬إلى يومنا هذا ‪ ،‬فاقرأ قوله تعععالى‬
‫ن ُذّرّيعِة آَدَم َومِّمعنْ‬
‫ن ِمع ْ‬
‫ن الّنِبّييع َ‬
‫عَلْيِهعْم ِمع ْ‬
‫لع َ‬
‫ن َأْنَعَم ا ُّ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫) ُأْوَلِئ َ‬
‫جَتَبْيَنا‬
‫ن َهَدْيَنا َوا ْ‬
‫سَراِئيَل َوِمّم ْ‬
‫ن ُذّرّيِة ِإْبَراِهيَم َوِإ ْ‬
‫ح َوِم ْ‬
‫حَمْلنا َمَع ُنو ٍ‬
‫َ‬
‫جًدا َوُبِكّيععا )‪ 58‬مريععم (‬
‫سع ّ‬
‫خعّروا ُ‬
‫ن َ‬
‫حَمععا ِ‬
‫ت الّر ْ‬
‫عَلْيِهعْم آَيععا ُ‬
‫ِإَذا تُْتَلى َ‬
‫ت‬
‫ب ُأّمٌة َقاِئَمٌة َيْتُلونَ آَيا ِ‬
‫ن َأْهِل اْلِكَتا ِ‬
‫سَواًء ِم ْ‬
‫سوا َ‬
‫وقوله تعالى ) َلْي ُ‬
‫ن )‪ 113‬آل عمععران ( وكععل مكععان‬
‫جُدو َ‬
‫سع ُ‬
‫ل ع آَنععاَء الّلْي عِل َوُه عْم َي ْ‬
‫ا ِّ‬
‫اتخععذوه للسععجود ‪ ،‬س عّماه ال ع فععي القععرآن مسععجدا ‪ ،‬والمقصععود‬
‫المكان وليس البناء ‪.‬‬
‫عَل عُم ِبِه عْم َقععاَل‬
‫عَلْيِهْم ُبْنَياًنا َرّبُه عْم َأ ْ‬
‫انظر قوله تعالى ) َفَقاُلوا اْبُنوا َ‬
‫جًدا )‪ 21‬الكهععف ( ‪.‬‬
‫سع ِ‬
‫عَلْيِه عْم َم ْ‬
‫ن َ‬
‫خ عَذ ّ‬
‫عَلى َأْمِرِهْم َلَنّت ِ‬
‫غَلُبوا َ‬
‫ن َ‬
‫اّلِذي َ‬
‫ومع أن أصحاب الكهف ‪ ،‬كانوا من أتباع عيسععى عليععه السععلم ‪،‬‬
‫فإن الذين غلبععوا علععى أمرهععم فععي الواقععع ‪ ،‬أقععاموا عليهععم مكانععا‬
‫للعبادة ‪ .‬وجاءت تسمية القرآن له بالمسجد ‪ ،‬على اعتبارهم له ‪،‬‬
‫والقصععد مععن بنععائه ‪ ،‬أمععا أنععه مسععجد خععاص بالمسععلمين فل ‪،‬‬
‫والصععلة بالنسععبة للمسععلمين فععي هععذا المسععجد ‪ ،‬منه عيٌ عنهععا ‪،‬‬
‫خععذوه مكانععا‬
‫سععماه القععرآن مسععجدا ‪ ،‬لنهععم ات ّ‬
‫وبععالرغم مععن ذلععك ّ‬
‫للعبععادة ‪ ،‬الععتي أحععد أركانهععا السععجود ‪ .‬وضععمير الغععائب ) واو‬
‫الجماعة ( في ) وليدخلوا ( ‪ ،‬يعود على المبعوثين ‪.‬‬
‫وخلصة القول ‪ :‬أن هؤلء المبعععوثين لععم يتععبين ‪ ،‬بنععص صععريح‬
‫ول بتلميح بأنهم معن خاصعة عبععاد الع ‪ .‬وأن الع نّكرهعم وقصعد‬
‫تنكيرهم ‪ ،‬لمر اقتضته الحكمة اللهية ‪ ،‬التي وضحنا جانبا منهععا‬
‫فيمععا سععبق ‪ .‬وأن معتقععدهم غيععر واضععح مععن حيععث اليمععان أو‬
‫الكفر ‪ ،‬وما زالت كل الحتمالت قائمة ‪ ،‬فربما يكونوا مؤمنين أو‬
‫مسلمين أو وثنيين أو ملحدين ‪ .‬ومن قال بعكس ذلععك فقععد جععانبه‬
‫‪104‬‬

‫الصععواب ‪ ،‬بل أدنععى شععك ‪ .‬والمععر الكععثر وضععوحا ‪ ،‬هععو اتحععاد‬
‫المبععععوثين أول وثانيعععا ‪ ،‬أي خروجهعععم معععن نفعععس الرض فعععي‬
‫المرتين ‪ ،‬مهما طععال الزمععن أو قصععر وتعععاقبت عليهععا الجيععال ‪،‬‬
‫بمعنى أن أصحاب البعث الثاني ‪ ،‬هم ورثععة الرض مععن أصععحاب‬
‫البعث الول ‪ .‬وأنهم أولي قوة وبطش في الحروب ‪ .‬وأن عبارة )‬
‫وليدخلوا المسجد ( جاءت لتؤكد دخولهم ‪ ،‬لقلب الرض المقدسة‬
‫‪ ،‬وسيطرتهم عليها بالكامل ‪.‬‬
‫خُلوه أ َ‬
‫و َ‬
‫ة‪:‬‬
‫ما دَ َ‬
‫مّر ٍ‬
‫ل َ‬
‫كَ َ‬
‫ُ ّ‬
‫خُلوُه َأّوَل َمعّرٍة ( ‪ ،‬هععو تشععبيه للععدخول الثععاني‬
‫قوله تعالى ) َكَما َد َ‬
‫بالول ‪ ،‬وفي العادة عندما يروي شخص لخر ‪ ،‬قصة وقععع فيهععا‬
‫ث يحتاج إلى وصف ‪ ،‬سواء كععان هععذا الحععدث ‪ ،‬قععد وقععع‬
‫ِذكُر حد ٍ‬
‫ولععم يشععهده المسععتمع ‪ ،‬أو سععيقع فععي المسععتقبل ‪ ،‬فبععدل مععن أن‬
‫يستغرق الراوي ‪ ،‬في وصف هذا الحععدث وسععرد حيثيععاته ‪ ،‬علععى‬
‫حساب مجمل أحداث القصععة ‪ ،‬يعمععد الععراوي إلععى تشععبيه الحععدث‬
‫المععراد وصععفه ‪ ،‬بحععدث آخععر مععألوف ومعععروف مععن الماضععي أو‬
‫الحاضعععر ‪ ،‬لتقريعععب صعععفة الحعععدث موضعععوع الخطعععاب لعععذهن‬
‫المستمع ‪ ،‬ومن ثم يكمل سرد بقية الحداث ‪.‬‬
‫ن ِإّل ‪َ ،‬كَما ‪َ ،‬يُقوُم اّلععِذي‬
‫ن الّرَبا َل َيُقوُمو َ‬
‫ن َيْأُكُلو َ‬
‫قال تعالى ) اّلِذي َ‬
‫س )‪ 275‬البقععرة ( حيععث شععبه سععبحانه‬
‫ن اْلَم ع ّ‬
‫ن ِم ْ‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫طُه ال ّ‬
‫خّب ُ‬
‫َيَت َ‬
‫قيام آكل الربا يوم القيامعة ‪ ،‬مجهعول الصعفة بالنسععبة لنععا ‪ ،‬وهعو‬
‫حدث سيقع مستقبل ‪ ،‬بقيام الممسوس أي المجنون ‪ ،‬وهو حععدث‬
‫ومشهد قد رأيناه ونراه في الماضي والحاضر ‪ ،‬مرارا وتكععرارا ‪،‬‬
‫ومعععروف ومععألوف لععذهن المسععتمع ‪ ،‬ونسععتطيع اسععترجاع ذلععك‬
‫المشهد من الذاكرة ‪ ،‬لنرى مشععهدا مؤلمععا ومخزيععا ‪ ،‬لكععل الربععا‬
‫‪105‬‬

‫عند بعثه ‪ ،‬يتميز به عن غيره ‪ ،‬فيقوم مفزوعا متحفزا مشوشا ‪،‬‬
‫ل يهدأ له بال ‪ ،‬ول تستكين له حال ‪.‬‬
‫ولتوضيح المر أكععثر ‪ ،‬فلععو أن زوج مععدح زوجتععه ‪ -‬علععى سععبيل‬
‫المثال ‪ُ -‬مبديا إعجابه بجمالها قائل ‪ ) :‬وجهك كالمريععخ ( ‪ ،‬فهععل‬
‫ستكون الزوجة قادرة ‪ ،‬على معرفة مدى حبه لها ‪ ،‬في حال ‪ ،‬لععم‬
‫تكن عالمة بماهية المريخ وصععفته ‪ ،‬معن حيععث الجمععال والقبععح ‪.‬‬
‫وهععل أبععان هععذا التشععبيه ‪ ،‬بغيععر المععألوف والمعععروف للزوجععة ‪،‬‬
‫وظيفته في تعبير الزوج عن مدى حبه لها ‪ ،‬أم أنععه زادهععا حيععرة‬
‫واضطرابا وشّكا ‪ .‬لذلك ُيشّبهون جمال النساء ‪ ،‬إذا أريد المععدح ‪،‬‬
‫بععالقول ‪ ) :‬وجهععك كالبععدر ليلععة تمععامه ( وهععي صععورة معروفععة‬
‫ومألوفة لكل البشععر ‪ ،‬تسععتطيع النسععاء اسععترجاعها مععن الععذاكرة‬
‫وتخّيلها واستيعابها ‪ ،‬ومعرفة مدى حب زوجها لها ‪.‬‬
‫واستخدام التشبيه في الية )‪ (7‬أفاد أمرين ‪:‬‬
‫ن دخول المسجد أي بيت المقععدس حاصععل فععي المرتيععن ‪،‬‬
‫أول ؛ أ ّ‬
‫ي مععن المرتيععن ‪ ،‬كععانت أو‬
‫وهذا يدحض قول من ذهب ‪ ،‬إلى أن أ ّ‬
‫ستكون في غير بيت المقدس ‪.‬‬
‫وثانيا ؛ تشابه صفة الدخول في المرتين الولى والخرة بالدخول‬
‫عنععوة ‪ .‬لقععوله تعععالى فععي وصععف الععدخول الول ) فجاسععوا خلل‬
‫الديار ( وهذا يدحض قول من ذهب ‪ ،‬إلى أن المرة الولععى كععانت‬
‫للمسلمين ‪ ،‬كون دخولهم إليها ‪،‬لم يحمل صفة الجوس ‪.‬‬
‫ولكي يستقيم فهم هععذه العبععارة ‪ ،‬نععود أن ُنشععير إلععى أن الخطععاب‬
‫طب‬
‫لبني إسرائيل ‪ ،‬لم ينقطع ‪ ،‬بل ما زال مّوجهععا إليهععم ‪ ،‬فالُمخععا َ‬
‫في قوله تعالى ) كما دخلوه أول مععرة ( هععم بنععو إسععرائيل‪ .‬واقععرأ‬
‫خَرِة – بعثناهم عليكم –‬
‫لِ‬
‫عُد ا ْ‬
‫جاَء َو ْ‬
‫هذه الصياغة للنص ‪َ ) ،‬فِإَذا َ‬
‫‪106‬‬

‫خُلوُه –‬
‫جَد ‪َ ،‬كَما َد َ‬
‫سِ‬
‫خُلوا – عليكم – اْلَم ْ‬
‫جوَهُكْم ‪َ ،‬وِلَيْد ُ‬
‫سوُءوا ُو ُ‬
‫ِلَي ُ‬
‫عليكععم – َأّوَل َم عّرٍة ‪ /‬انقطععاع الخطععاب والعععودة إلععى الجمهععور ‪/‬‬
‫عَلْوا َتْتِبيًرا ( ‪.‬‬
‫َوِلُيتَّبُروا َما َ‬
‫وهذا يعني أن المعرفة ‪ ،‬بصععفة الععدخول الول ‪ ،‬محصععورة ببنععي‬
‫إسرائيل فقط ‪ ،‬وهععذا يقودنععا إلععى أن معرفععة اليهععود المعاصععرين‬
‫صععلت لهععم ممععا‬
‫المخاطبين ‪ ،‬لصفة هععذا الععدخول بالضععرورة ‪ ،‬تح ّ‬
‫لديهم من كتب تحكي تععاريخهم ‪ ،‬ومجمععل تععاريخهم القععديم موثععق‬
‫في التوراة ‪ ،‬ويعلم سبحانه أن آباءهم القدماء ‪ ،‬قععد وّثقععوا صععفة‬
‫الدخول في كتبهم ‪ ،‬فلذلك شبه الدخول الثاني لهععم بمععا يعرفععون ‪.‬‬
‫وإن أردت معرفععة صععفته كمسععلم ‪ ،‬ل بععد لععك مععن الرجععوع إلععى‬
‫كتبهم ‪ ،‬وهذا الفهم يقودنا إلى مراجعة تاريخهم كععامل ‪ ،‬لنتع عّرف‬
‫على صفة الدخول الول ‪ ،‬كما وردت في اليععة ) ‪ ، ( 5‬وهععذا مععا‬
‫سنفعله في الفصول القادمة ‪.‬‬
‫والحقيقة أن هذا الحدث المفجع والرهيب الذي نزل بهم ‪ ،‬كان له‬
‫بالغ الثر في نفوسهم ‪ ،‬حيث شّكل لهم الكثير مععن العقععد ‪ ،‬فضععل‬
‫عما كان لديهم في السععابق ‪ .‬جعلععت منهععم شعععبا مجرمععا حاقععدا ‪،‬‬
‫على البشرية جمعاء ‪ ،‬وعلى أولئك العباد ‪ ،‬الذين ساموهم سععوء‬
‫العذاب في المرة الولععى ‪ .‬ومععا جععاء التشععبيه هنععا ‪ ،‬إل لتععذكيرهم‬
‫بحدث يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ‪ ،‬ومععن لععم يعرفععه منهععم ‪ ،‬أو‬
‫خانته ذاكرته ‪ ،‬يستطيع الرجوع إلى توراتهم ‪ ،‬قال تعالى ) اّلِذي َ‬
‫ن‬
‫ن َفِريًقععا مِْنُهعمْ‬
‫ن َأْبَنععاَءُهْم َوِإ ّ‬
‫ب َيْعِرُفععوَنُه َكَمععا َيْعِرُفععو َ‬
‫آَتْيَناُهْم اْلِكَتععا َ‬
‫ن )‪ 146‬البقرة ( ‪ ،‬وجاء هععذا التشععبيه‬
‫ق َوُهْم َيْعَلُمو َ‬
‫ح ّ‬
‫ن اْل َ‬
‫َلَيْكتُُمو َ‬
‫والتععذكير ‪ ،‬لنععذارهم وتحععذيرهم مععن مغبععة العععودة إلععى العلععو‬
‫والفساد ‪ ،‬وما ينتظرهم من خععزي عععذاب الععدنيا ‪ ،‬وهععول عععذاب‬
‫الخرة ‪.‬‬
‫‪107‬‬

‫ن البعاحثين فعي هعذا الموضعوع حعديثا معن‬
‫والعجيب في المر ‪ ،‬أ ّ‬
‫المسععلمين ‪ ،‬كععانوا قععد أهملععوا أكععبر وأعظععم موسععوعة تاريخيععة‬
‫سماوية ‪ ،‬موجودة بيععن أيععدينا ‪ ،‬أقصععد القععرآن الكريععم الععذي ) لَ‬
‫حِميعٍد )‬
‫حِكيعمٍ َ‬
‫ن َ‬
‫خْلِفِه َتنِزيعٌل ِمع ْ‬
‫ن َ‬
‫ن َيَدْيِه َوَل ِم ْ‬
‫ن بْي ِ‬
‫طُل ِم ْ‬
‫َيْأِتيِه اْلَبا ِ‬
‫‪ 42‬فصلت ( ‪ ،‬ولم يرجع إليها أحد ‪ ،‬مع أنه كععاد أل يععترك سععورة‬
‫من سورِه ‪ ،‬إل وأّرخ فيها لبني إسرائيل ‪ ،‬فعلوهم الول ونشععأته‬
‫وإفسادهم في الرض المقدسة ‪ ،‬ظاهر ماثعل للعيعان بمعا ل يعترك‬
‫مجععال ‪ ،‬للتق عّول أو الجتهععاد ‪ .‬وأمععا فيمععا يخععص عقععاب الوعععد‬
‫الول ‪ ،‬فقد وردت إشارات كافية في هذه اليات ‪ ،‬وفععي مواضععع‬
‫أخرى في القرآن ‪ ،‬تدّل على تحّققه قبل السلم ‪.‬‬
‫وا ت َت ِْبيًرا ‪:‬‬
‫ما َ‬
‫ول ِي ُت َب ُّروا َ‬
‫عل َ ْ‬
‫َ‬
‫في الُمعجم ‪ " :‬قال ابن جني ‪ :‬ل يقال لععه ِتْبععر ‪ ،‬حععتى يكععون فععي‬
‫جاج ‪ :‬والتبار الهلك ‪ ،‬وتّبره‬
‫تراب معدنه ‪ ،‬أو مكسورا ‪ ،‬قال الز ّ‬
‫سره وأذهبه ‪ ،‬وفي التنزيل‬
‫سره وأهلكه ‪ ،‬وتّبره أي ك ّ‬
‫تتبيرا أي ك ّ‬
‫ن ِإّل َتَبععاًرا )‪ 28‬نععوح ( قععال الزجععاج ‪:‬‬
‫ظععاِلِمي َ‬
‫العزيععز ) َوَل َتعِزْد ال ّ‬
‫سعٍر ِتععبرا ‪ ،‬وفععي قععوله عععز‬
‫معناه إل هلكا ‪ ،‬ولذلك سععمي كععل ُمك ّ‬
‫ن َذِلعكَ َكِثيعًرا )‬
‫س َوُقُروًنععا َبْيع َ‬
‫ب العّر ّ‬
‫حا َ‬
‫صع َ‬
‫عاًدا َوَثُموَد َوَأ ْ‬
‫وجل ) َو َ‬
‫ل َتّبْرَنععا َتْتِبي عًرا )‪ 39‬الفرقععان (‬
‫ض عَرْبَنا َل عُه اَْلْمَثععاَل َوُك ّ‬
‫ل َ‬
‫‪َ (38‬وُك ّ‬
‫سرته وفّتته فقد تّبرته " ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬التتبير التدمير ‪ ،‬وكل شيء ك ّ‬
‫والمعنى العام للعبارة ‪ ،‬هو ) ولُيدّمروا مععا علععوا تععدميرا ( ‪ .‬وقععد‬
‫جاءت صيغة المفعول المطلععق ) تتعبيرا ( ‪ ،‬زيععادة فععي المبالغععة ‪،‬‬
‫وتأكيدا للفعل ) وليتبروا ( ‪ .‬وسواء كانت ) ما ( ظرفية ‪ ،‬أو اسم‬
‫موصول ‪ ،‬بمعنى ) الذي ( ‪ ،‬لتشمل المكان والزمان والكم ‪.‬‬
‫‪108‬‬

‫وكما أشرنا في تفسير العبارة السععابقة ‪ ،‬فقععد حصععل انقطععاع فععي‬
‫الخطاب الموجه لبني إسرائيل ‪ ،‬ليصبح الحديث موجها للجمهور‬
‫‪ ،‬مضيفا تعقيبا حعول مصععير علعو بنعي إسعرائيل ‪ ،‬بدللععة ضعمير‬
‫الغعععائب المتصعععل ‪ ،‬واو الجماععععة فعععي كلمعععتي ) وليتعععبروا ( و‬
‫) علوا ( العائد على بني إسرائيل أنفسععهم ‪ .‬والعبععارة ) وليتّبععروا‬
‫مععا علععوا تتععبيرا ( جععاءت للتعقيععب علععى مععا فعلععه بنععي إسععرائيل‬
‫أنفسهم ‪ ،‬بمقومات هذا العلو ‪ ،‬مما كان سببا في زواله ‪ .‬لُيصععبح‬
‫المراد هو أن علو بني إسرائيل ‪ ،‬حمل فععي أحشععائه بععذرة دمععاره‬
‫منذ نشأته ‪ ،‬بعدم الولء لع ‪ ،‬وعععدم اكععتراثهم ‪ِ ،‬بحّثععه لهععم علععى‬
‫الحسان وتحذيره لهم من الساءة ‪ .‬بل اعتمدوا على غيععر ال ع ‪،‬‬
‫في تحصيل هذا العلو ‪ ،‬وإدامتععه وحمععايته مععن الععزوال ‪ ،‬بالفسععاد‬
‫والفساد والثم والعدوان ‪.‬‬
‫ليتععبّين لنععا أن الحععديث عععن الوعععد الثععاني ‪ ،‬انتهععى بقععوله ) كمععا‬
‫دخلوه أول مرة ( ‪ .‬وأن عبارة ) وليتّبروا ما علوا تتبيرا ( جاءت‬
‫تعقيبا على قوله تعالى في بدايععة القصععة ) ولتعلععن علععوا كععبيرا (‬
‫فععي اليععة )‪ ، (4‬ليؤكععد بمععا ل يععدع مجععال للشععك ‪ ،‬أن هععذا العلععو‬
‫صل عليه بني إسرائيل‬
‫الموصوف بالكبير في الرض ‪ ،‬والذي تح ّ‬
‫ببعدهم عن ال ‪ ،‬سيصبح هباًء منثورا بما كسبته أيديهم ‪.‬‬
‫ومن تعريفنعا السعابق لمفهعوم العلعو ‪ ،‬نجعد أن العلعو مظهعر معن‬
‫صععل بععامتلك المععال الععوفير ‪،‬‬
‫مظاهر الحياة ‪ ،‬كما الغنى الذي يتح ّ‬
‫صل بععامتلك المععال القليععل ‪ ،‬ويتععم تحصععيله‬
‫وكما الفقر الذي يتح ّ‬
‫من خلل امتلك مقومات مادية ‪ ،‬تتمّثل في السيادة علععى الرض‬
‫وأهلهععا ‪ ،‬وسياسععتهم والتحّكععم فععي مختلععف شععؤونهم ‪ ،‬والقععدرة‬
‫بامتلك القوة ‪ ،‬والغنى بامتلك المال والموارد المادية الخععرى ‪.‬‬
‫والحقيقة أن اليهععود فععي هععذا العصععر ‪ ،‬لععم يقتصععر علععوهم علععى‬
‫‪109‬‬

‫فلسطين فحسب ‪ ،‬بل شمل أمريكا وبريطانيععا والكععثير مععن الععدول‬
‫الغربية ‪َ .‬فُهما شععكل مععن أشععكال الفسععاد اليهععودي فععي الرض ‪،‬‬
‫وأداة للعدوان على الشعوب ‪ ،‬بأيدي اليهودية العالمية ‪.‬‬
‫وبما أن العلو مظهر ‪ ،‬والمظععاهر ل ُتععدّمر تععدميرا ‪ ،‬وإنمععا تععزول‬
‫زوال بفقععدان أسععبابها ومقوماتهععا ‪ ،‬كمععا ُأزيععل علععو فرعععون ‪،‬‬
‫بتدمير ما امتلك من مقومات علوه ‪ ،‬في قوله تعالى ) َوَدمّْرَنا َمععا‬
‫ن )‪137‬‬
‫شعععو َ‬
‫ن َوَقعععْوُمُه َوَمعععا َكعععاُنوا َيْعِر ُ‬
‫ععععْو ُ‬
‫صعععَنُع ِفْر َ‬
‫ن َي ْ‬
‫َكعععا َ‬
‫العععراف ( ‪ .‬ونلحععظ أن ال ع تبععارك وتعععالى لععم يععأت بالمصععدر‬
‫) علععوهم ( ‪ ،‬ليقععول ) وليتععبروا علععوهم تتععبيرا ( ‪ ،‬وإنمععا قععال‬
‫) وليتبروا ما ( ‪ .‬لن المقصود تدميره هنا ‪ ،‬ليس العلو بحّد ذاتععه‬
‫‪ ،‬وإنمععا تععدمير ) مععا ( عل عليععه أو بععه أو فيععه ‪ ،‬بنععوا إسععرائيل‬
‫بامتلكه والسيطرة عليه ‪ ،‬مما مّكنهم مععن الفسععاد فععي الرض ‪،‬‬
‫أي تععدمير كععل مععا يقععع تحععت كلمععة ) مععا ( ‪ ،‬ممععا يمتلكععونه مععن‬
‫مقومععات لعلععوهم ‪ .‬لتشععمل المكععان والزمععان والكععم لهععذا العلععو ‪،‬‬
‫الموصوفة بالتفصيل في اليتين ) ‪4‬و ‪ ، (6‬والععتي تتلخععص فيمععا‬
‫يلي ‪:‬‬
‫• تدمير القوة العسكرية المتطورة ‪ ،‬والععتي مكنتهععم مععن العلععو‬
‫واستمراريته ‪ ،‬ورد الكرة على أعدائهم ‪.‬‬
‫• ذهاب الموال والبنين والمععداد ‪ ،‬الععذي كععان يتععوفر لهععم فععي‬
‫حروبهم السابقة ‪.‬‬
‫• استلب وتدمير المكنععة ‪ ،‬الععتي يتمتعععون فيهععا بععالعلو ‪ ،‬فععي‬
‫شتى بقاع الرض ‪.‬‬
‫لذلك جاء التعقيب ‪ ،‬بعد نهايععة ذكععر عقععاب وعععد الخععرة بإسععاءة‬
‫الوجه ‪ ،‬وبدخول المسجد ‪ .‬وجاء هععذا التعقيععب ُمتععأخرا عنهمععا ‪،‬‬
‫‪110‬‬

‫لن زوال العلو بشكل نهععائي ‪ ،‬سععيكون كعاقبععة أو نتيجععة ‪ ،‬لنفععاذ‬
‫وعععد الخععرة فيهععم ‪ ،‬ويبععدوا لععي أن زوال العلععو اليهععودي فععي‬
‫العالم ‪ ،‬سيأتي على مراحل ‪ ،‬ليبدأ فععي فلسععطين ‪ ،‬ومععن ثععم يمتععد‬
‫لمريكا وبريطانيا وفرنسا والغرب إجمال ‪ ،‬بإذن ال ‪.‬‬
‫وربما يذهب البعض إلى أن هذه العبارة ‪ ،‬جاءت للتعقيب على ما‬
‫فعله هؤلء العباد ‪ ،‬بعلو بنععي إسععرائيل فععي وعععد الخععرة ‪ ،‬علععى‬
‫اعتبار أن الضمير واو الجماعة في ) وليتّبروا ( عائد على العباد‬
‫‪ .‬ولكن هذا غير صععحيح ‪ ،‬لن ذلععك يعنععي اسععتمرارية الخطععاب ‪،‬‬
‫فلو أن الخطاب لبني إسرائيل استمر ‪ ،‬لجاءت العبارة على النحو‬
‫التالي ) وليتّبروا ع ما علوتم ع تتبيرا ( ‪ ،‬هذا من جانب ‪.‬‬
‫ومن جانب آخر ‪ ،‬لم ُيذكر في التعقيب شيء يخص وعد الخرة ‪،‬‬
‫بذكر كلمة وعد مثل ‪ ،‬كما جاء في التعقيب على الوعععد الولععى ‪،‬‬
‫بقوله ) وكان وعدا مفعول ( ‪ ،‬وإنما جاء التعقيب الخيععر ‪ ،‬علععى‬
‫بني إسرائيل ‪ ،‬المذكورين بالسم في الية الرابعة ‪ ،‬لعود ضععمير‬
‫الغائب واو الجماعة عليهم ‪ ،‬في كلمة ) وليتبروا ( ‪ ،‬وكذلك على‬
‫علععوهم الكععبير ‪ ،‬الموصععوف فععي اليععة الرابعععة أيضععا ‪ ،‬لتصععال‬
‫ضمير الغائب العائد عليهم ) واو ( ‪ ،‬في كلمة ) علوا ( ‪.‬‬
‫ولععو فرضععنا جععدل اسععتمرارية الخطععاب ‪ ،‬فهععل ُيعقععل أن ُيععدّمر‬
‫صلوا عليه من مقومات العلو الصهيوني ‪ ،‬بعد‬
‫المسلمون ‪ ،‬ما تح ّ‬
‫أن يكونععوا قععد أوقعععوا فيهععم ‪ ،‬القتععل والتنكيععل والسععبي والنفععي ‪،‬‬
‫وتّمت لهم السيطرة الكاملة على الرض بدخول القععدس ؟! طبعععا‬
‫ل ‪ .‬بععل علععى العكععس تمامععا ‪ ،‬سععيكونون بععأمس الحاجععة ‪ ،‬لمععا‬
‫صلوا عليه سالما من مال وعتععاد ‪ ،‬لسععتخدامه فععي المواجهععة‬
‫تح ّ‬
‫الحقيقة المقبلة مع الغرب ‪.‬‬
‫‪111‬‬

‫وخلصة القول ‪ :‬أن كل ما عل بنو إسرائيل عليه أو به أو فيععه ‪،‬‬
‫سيصله الدمار ل محالععة ‪ ،‬لعمععوم لفععظ العلععو ‪ ،‬حععتى علععوهم فععي‬
‫الغرب ‪ ،‬إذ أن الذي أبقى علوهم قائما ومسععتمرا فععي فلسععطين ‪،‬‬
‫هو علوهم في الغععرب ‪ .‬ولععذلك يصععبح دمععار الععدول الغربيععة أمععر‬
‫محتما ‪ ،‬ليزول علو بني إسرائيل فيها أيضا بشكل نهائي ‪ ،‬وبذلك‬
‫تنتفي تماما قدرتهم على العلو مرة أخرى ‪ ،‬إذ أن هذا العلو ‪ ،‬هو‬
‫علوهم الخيععر فععي الرض وأن أفعععالهم سععتكون سععببا فععي زوال‬
‫علوهم هذا ‪ ،‬وستجد مزيد من تفصيل هععذه العبععارة ‪ ،‬فععي الجععزء‬
‫الثالث من الكتاب ‪.‬‬
‫خاتمة السورة ‪:‬‬
‫والن لننتقل إلى خاتمة سورة السراء ‪ ،‬حيث ُذكر وعععد الخععرة‬
‫مرة أخرى ‪ .‬أما سبب مجيء هذه اليععات فععي آخععر السععورة فهععو‬
‫لسععببين ‪ :‬أول ؛ إظهععار العجععاز العععددي فععي القععرآن ‪ ،‬الععذي‬
‫سنظهره بإذن ال لحقا ‪ ،‬ثانيا ؛ للتعقيب على الوعععد الثععاني فععي‬
‫بني إسرائيل بعد نفاذه ‪ ،‬وما سيكون ممععن علمععوا بتفاصععيل هععذا‬
‫الوعد قبل نفاذه ‪ ،‬وما سيكون منهم بعد نفاذه ‪ ،‬تماما كما جاء به‬
‫القرآن ‪.‬‬
‫جععاَء َوعْعُد‬
‫ض َفعِإَذا َ‬
‫سعُكُنوا اَْلْر َ‬
‫سعَراِئيَل ا ْ‬
‫ن َبْععِدِه ِلَبِنععي ِإ ْ‬
‫) َوُقْلَنا ِمع ْ‬
‫ق َنعَزَل َوَمعا‬
‫ح ّ‬
‫ق َأنَزْلَنعاُه َوِبععاْل َ‬
‫ح ّ‬
‫جْئَنا ِبكْم َلِفيًفا )‪َ (104‬وِبعاْل َ‬
‫لخَِرِة ِ‬
‫اْ‬
‫عَلععى‬
‫ش عًرا َوَن عِذيًرا )‪َ (105‬وُقْرآًنععا َفَرْقَنععاُه ِلَتْق عَرَأُه َ‬
‫ك ِإّل ُمَب ّ‬
‫س عْلَنا َ‬
‫َأْر َ‬
‫ل )‪ُ (106‬قْل آِمُنوا ِبِه َأْو َل ُتْؤِمُنععوا‬
‫ث َوَنّزْلَناُه َتنِزي ً‬
‫عَلى ُمْك ٍ‬
‫الّناسِ َ‬
‫ن ِللَْْذَقععانِ‬
‫خعّرو َ‬
‫عَلْيِهعْم َي ِ‬
‫ن َقبِلعِه ِإَذا ُيْتَلععى َ‬
‫ن ُأوُتععوا اْلِعْلعَم ِمع ْ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ِإ ّ‬
‫عُد َرّبَنععا َلَمْفُعععوًل )‬
‫ن َو ْ‬
‫ن َكا َ‬
‫ن َرّبَنا ِإ ْ‬
‫حا َ‬
‫سْب َ‬
‫ن ُ‬
‫سجًّدا )‪َ (107‬وَيُقوُلو َ‬
‫ُ‬
‫عا )‪(109‬‬
‫شو ً‬
‫خُ‬
‫ن َوَيِزيُدُهْم ُ‬
‫ن َيْبُكو َ‬
‫لْذَقا ِ‬
‫ن ِل َْ‬
‫خّرو َ‬
‫‪َ (108‬وَي ِ‬
‫‪112‬‬

‫مختصننر مننا قيننل فنني هننذه اليننات ‪ ،‬فنني‬
‫تفسير اللوسي ‪:‬‬
‫" ) جئنا بكم لفيفا ( ؛ أي مختلطين ‪ ،‬وفسره ابن عباس ) جميعا‬
‫( ‪ ،‬وبكم ؛ جاءت لتغليععب المخععاطبين علععى الغععائبين ‪ ) ،‬وبععالحق‬
‫أنزلناه وبالحق نزل ( ؛ عود إلى شرح حال القرآن الكريم ‪ ،‬فهععو‬
‫مرتبععط بقععوله تعععالى ‪ ) ،‬لئن اجتمعععت النععس والجععن ( ‪ ،‬وهكععذا‬
‫طريقة العرب في كلمها تأخذ في شيء ‪ ،‬وتستطرد منه إلى آخر‬
‫‪ ،‬ثم إلى آخر ثم إلى آخر ‪ ،‬ثم تعود إلى ما ذكرته أول ‪ ،‬والحععديث‬
‫شجون ‪ ،‬فضمير الغائب للقرآن ‪ ،‬وقد حملععه بعضععهم علععى هعذا ‪،‬‬
‫أو للوعععد المععذكور آنفععا ‪ ،‬أي وعععد الخععرة الععذي ُذكععر فععي اليععة‬
‫السابقة ‪.‬‬
‫والمراد بععالحق الول ؛ علععى مععا قيععل الحكمععة اللهيععة المقتضععية‬
‫لنزاله ‪ ،‬وبالثاني ما اشتمل عليه من العقائد والحكام ونحوها ‪،‬‬
‫أي ما أنزلناه إل ملتبسا بععالحق المقتضععى لنزالععه ‪ ،‬ومععا نععزل إل‬
‫ملتبسا بالحق الععذي اشععتمل عليععه ‪ ،‬وقيععل الحععق فععي الموضعععين‬
‫المععر المحفععوظ الثععابت ‪ ) ،‬ومععا أرسععلناك إل مبشععرا ( ؛ للمطيععع‬
‫بالثواب ) ونذيرا ( ؛ وللعاصي من العقاب ‪ ،‬فل عليك إل التبشير‬
‫والنذار ل هداية الكفرة المقترحين ‪.‬‬
‫) وقرءانا فرقناه ( ؛ أي أنزلناه منجمععا مفّرقععا ) علععى مكععث ( ؛‬
‫ن ‪ ،‬فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم ‪ ) ،‬ونزلنععاه‬
‫أي تؤدة وتأ ّ‬
‫تنععزيل ( ؛ علععى حسععب الحععوادث والمصععالح ‪ ،‬قععل للععذين كفععروا‬
‫) آمنوا به ( أي بالقرآن ‪ ) ،‬أو ل تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من‬
‫قبله ( ؛ أي العلماء الذين قرءوا الكتب السععالفة ‪ ،‬مععن قبععل َتن عّزل‬
‫القرآن وعرفوا حقيقة الععوحي ‪ ،‬وأمععارات النبععوة ‪ ،‬وتمكنععوا مععن‬
‫‪113‬‬

‫ق والُمبطل ‪ ،‬أو رأوا نعتك ونعت مععا‬
‫تمييز الحق والباطل ‪ ،‬واُلمح ّ‬
‫أنزل إليك ‪.‬‬
‫) إذا يتلى ( أي القرآن ‪ ) ،‬عليهععم يخععرون للذقععان ( ؛ يسععقطون‬
‫بسععرعة علععى وجععوههم ) سععجدا ( تعظيمععا لمععر الع تعععالى ‪ ،‬أو‬
‫شكرا لنجاز ما وعد به في تلك الكتب من بعثتك ‪ ،‬وقععال صععاحب‬
‫الفرائد ‪ ،‬المراد المبالغة في التحامل على الجبهة والنععف ‪ ،‬حععتى‬
‫كععأنهم يلصععقون الذقععان بععالرض ‪ ،‬وهععو وجععه حسععن جععدا ‪ ،‬أي‬
‫يقعون على الرض عند التحقيق ‪ ،‬والمراد تصوير تلك الحالة ‪.‬‬
‫) ويقولون ( ؛ أي في سجودهم أو مطلقا ‪ ) :‬سبحان ربنا ( عععن‬
‫خلف وعده ‪ ،‬أو عما يفعل الكفرة مععن التكععذيب ‪ ) ،‬إن كععان وعععد‬
‫ربنععا لمفعععول ( ‪ ) ،‬ويخععرون للذقععان يبكععون ( ؛ ك عّرَر الخععرور‬
‫للذقععان لختلف السععبب ‪ ،‬فععإن الول لتعظيععم أمععر الع تعععالى أو‬
‫الشكر لنجاز الوعد ‪ ،‬والثاني لما أّثر فيهم من مععواعظ القععرآن ‪،‬‬
‫أي ساجدين باكين من خشية ال تعالى ‪ ،‬ولما كان البكاء ناشئا ‪،‬‬
‫من الخشية الناشععئة مععن التفّكععر ‪ ،‬الععذي يتجعّدد ‪ ،‬جيععء بالجملععة‬
‫الفعليعععة ) يبكعععون ( المفيعععدة للتجعععدد ‪ ) ،‬ويزيعععدهم ( ؛ القعععرآن‬
‫بسععماعهم لععه ‪ ) ،‬خشععوعا ( لمععا يزيععدهم علمععا ويقينععا بععأمر الع‬
‫تعععالى ‪ ،‬علععى مععا حصععل عنععدهم مععن الدلععة " ‪ .‬مععن تفسععير‬
‫اللوسي ‪.‬‬
‫في ً‬
‫فا ‪:‬‬
‫م لَ ِ‬
‫جئ َْنا ِبك ْ‬
‫ِ‬
‫هذا ما قيل في ) لسان العرب ( فععي كلمععة لفيععف ) ُمجَتِمععع ملتععف‬
‫من كل مكان ( ‪ ،‬و اللفيععف ؛ ) القععوم يجتمعععون مععن قبععائل شععتى‬
‫ليس أصععلهم واحععدا ( ‪ ،‬واللفيععف ؛ ) مععا اجتمععع مععن النععاس مععن‬
‫جْمع العظيععم مععن أخلط شععتى فيهععم‬
‫قبائل شتى ( ‪ ،‬واللفيف ؛ ) ال َ‬
‫‪114‬‬

‫الشععريف والععدنيء والمطيععع والعاصععي والقععوي والضعععيف ( ‪.‬‬
‫جْمععع ل جميععع ‪،‬‬
‫والملحععظ أن معععاني الكلمععة جععاءت بمعنععى َ‬
‫والحقيقة أن الذي تم علععى أرض الواقععع ‪ ،‬هععو المجيععء والجمععع‬
‫من أماكن شتى ‪ .‬وأن مجيئهم جميعا لن يتحقق ‪ ،‬لنهم يتمّتعععون‬
‫بصععفات طفيليععة ‪ ،‬ل تمّكنهععم مععن تععرك الععدول الغربيععة الغنيععة ‪،‬‬
‫والعودة إلى فلسطين ‪.‬‬
‫أما اليعات )‪ ، (109-104‬وكمعا عقعب سعبحانه بععد ِذكعره لوععد‬
‫الخرة في بداية السورة ‪ .‬جاءت بعد ِذكره تعالى لوعععد الخعرة ‪،‬‬
‫فععي نهايععة السععورة ‪ ،‬تعقيبععا علععى إنزالععه هععذا الوعععد بنصععه فععي‬
‫القران ‪ ،‬كما ُأنزل في كتاب موسى عليه السععلم معن قبععل ‪ ،‬حيععث‬
‫ك ِإلّ‬
‫س عْلَنا َ‬
‫ق َن عَزَل َوَمععا َأْر َ‬
‫ح ّ‬
‫ق َأنَزْلَنععاُه َوِبععاْل َ‬
‫ح ّ‬
‫قععال سععبحانه ) َوِبععاْل َ‬
‫ث‬
‫س عََلى ُمْك ٍ‬
‫عَلى الّنا ِ‬
‫شًرا َوَنِذيًرا )‪َ (105‬وُقْرآًنا َفَرْقَناُه ِلَتقَْرَأُه َ‬
‫ُمَب ّ‬
‫ل )‪ (106‬أي وبالحق الذي أوجبته الحكمة اللهيععة ‪،‬‬
‫َوَنّزْلَناُه َتنِزي ً‬
‫أنزلنا خبر هذا الوعد في القران ‪ ،‬الذي نّزله على عبععده تنععزيل ‪،‬‬
‫ق والصععدق والخععبر‬
‫وفّرقه لُيقرأ على الناس علععى مكععث ‪ ،‬وبععالح ّ‬
‫اليقين جاء هذا القران ‪ ،‬بهذا الوعد ‪ -‬مما سيكون من شععأن بنععي‬
‫إسرائيل – بكل تفاصيله وملبساته ‪ ،‬بما ل يععدع مجععال للشععك أو‬
‫التقّول ‪.‬‬
‫والحكمة اللهية التي اقتضت إنزاله ‪ ،‬كما جاء من نص اليععات ‪،‬‬
‫هي ‪:‬‬
‫ف البشرى للمععؤمنين الصععابرين المرابطيععن المتمسععكين‬
‫أول ‪ :‬ز ّ‬
‫حا ِ‬
‫ت‬
‫صاِل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن َيْعَمُلو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫شُر اْلُمْؤِمِني َ‬
‫بدينهم المخلصين له ) َوُيب ّ‬
‫جًرا َكِبيًرا )‪ 9‬السراء ( ‪ ،‬بأن ال لن يخلف وعععده الععذي‬
‫ن َلُهْم َأ ْ‬
‫َأ ّ‬
‫وعد ‪ ،‬وأن ما وعدهم ال ‪ ،‬ل محالة واقع ولو بعد حين ‪ ،‬ليحثهم‬
‫‪115‬‬

‫على التمسك بدينهم والتحلي بالصبر ‪ ،‬وعدم الستعجال لمر ال‬
‫والركععون لليععأس ‪ ،‬فكلمععا ادلهمععت الخطععوب بععالمؤمنين وضععاقت‬
‫السععبل – كمععا هععذه اليععام – كععان الفععرج ‪ ،‬قععاب قوسععين أو أدنععى‬
‫جععاَءُهمْ‬
‫ظّنععوا َأّنُه عْم َق عْد ُك عِذُبوا ‪َ ،‬‬
‫س عُل ‪َ ،‬و َ‬
‫س الّر ُ‬
‫س عَتْيَئ َ‬
‫حّتععى ِإَذا ا ْ‬
‫) َ‬
‫جِرِمي عنَ )‬
‫ن اْلَق عْوِم اْلُم ْ‬
‫عْ‬
‫سَنا َ‬
‫شاُء ‪َ ،‬وَل ُيَرّد َبْأ ُ‬
‫ن َن َ‬
‫ي َم ْ‬
‫جَ‬
‫صُرَنا ‪َ ،‬فُن ّ‬
‫َن ْ‬
‫‪ 110‬يوسف ( ‪.‬‬
‫وثانيععا ‪ :‬إنععذار لبنععي إسععرائيل ) الععذين ل يؤمنععون بععالخرة ( ‪،‬‬
‫والمكذبين والمتشّككين ممن غرتهععم الحيعاة ‪ ،‬وآمنععوا بمعا يقعوله‬
‫الواقع ‪ ،‬مع عدم قراءتهم لععه بشععكل صععحيح ‪ ،‬أكععثر مععن إيمععانهم‬
‫بال ‪ ،‬وما جاء في كتابه الععذي أنععزل ‪ ،‬مععن غضععب ال ع عليهععم ‪،‬‬
‫ن‬
‫ن َل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫وتحذيرا لهم من عقابه في الدنيا والخرة ) َوَأ ّ‬
‫عَذاًبا َأِليًما )‪ 10‬السراء ( ‪.‬‬
‫عَتْدَنا َلُهْم َ‬
‫لخَِرِة َأ ْ‬
‫ِبا ْ‬
‫صععل اليمععان لمععن لععم يععؤمن بعععد ‪ ،‬وتجععّدد إيمععان‬
‫وثالثععا ‪ :‬تح ّ‬
‫المؤمنين ‪ ،‬وزيادًة في اطمئنان قلوبهم ‪ ،‬عنععد نفععاذ هععذا الوعععد ‪،‬‬
‫كما جاءت صفته في القععرآن ‪ .‬حيععث قععال سععبحانه للنععاس كافععة ‪،‬‬
‫على وجه التبكيت والتهديد شععديد اللهجععة ‪ُ ) ،‬قعْل آِمُنععوا ِبعِه َأْو َل‬
‫ن هععذا الوعععد ل‬
‫ُتْؤِمُنوا … ( من أمر هذا الوعد وهذا القععرآن ‪ ،‬أ ّ‬
‫محالععة واقععع ‪ ،‬وإيمععانكم بععه وبععالقرآن وعععدمه سععواء ‪ .‬وأن مععن‬
‫كانوا قد علموه ‪ ،‬وسبق لهم اليمان به وتصديقهم له قبل تحققععه‬
‫ن َقبِلِه … ( ‪ ،‬ليمانهم بمععن أنزلععه‬
‫ن ُأوُتوا اْلِعْلَم ِم ْ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫‪ِ … ) ،‬إ ّ‬
‫صدق ما جاء في كتابه ‪ ،‬سيكون هذا حالهم ‪ ،‬عند تحققععه وبعععد‬
‫و ِ‬
‫جًدا )‪َ (107‬وَيُقوُلععونَ‬
‫سع ّ‬
‫لْذَقععانِ ُ‬
‫ن ِل َْ‬
‫خّرو َ‬
‫عَلْيِهْم َي ِ‬
‫تحققه ) ِإَذا ُيْتَلى َ‬
‫عُد َرّبَنا َلَمْفُعوًل )‪ ، (108‬أي أنهععم إذا ُتل ع َ‬
‫ي‬
‫ن َو ْ‬
‫ن َكا َ‬
‫ن َرّبَنا ِإ ْ‬
‫حا َ‬
‫سْب َ‬
‫ُ‬
‫عليهم ِذكر هذا الوعد ‪ ،‬عند وبعد تحققه ‪ ،‬خّروا للذقان سععجدا ‪،‬‬
‫قائلين ‪ ) :‬سبحان ربنا إن كععان وعععد ربنععا لمفعععول ( ‪ ،‬وسععيكون‬
‫‪116‬‬

‫هذا حععالهم مععرة تلععو مععرة ‪ ،‬كلمععا ُتليععت عليهععم آيععات هععذا الوعععد‬
‫عا )‪ (109‬ومععا أن‬
‫شععو ً‬
‫خُ‬
‫ن َوَيِزيععُدُهْم ُ‬
‫ن َيْبُكععو َ‬
‫لْذَقععا ِ‬
‫ن ِل َْ‬
‫خععّرو َ‬
‫) َوَي ِ‬
‫يقومعععوا ‪ ،‬حعععتى ل تكعععاد تحملهعععم أرجلهعععم ‪ ،‬وتغلعععب عليهعععم‬
‫مشاعرهم ‪ ،‬من شّدة التصديق وش عّدة اليمععان ‪ ،‬فيعععودوا ليقعععوا‬
‫ساجدين خاشعين ‪ ،‬لمن ل ُيخلف وعده ‪.‬‬
‫عسى ربك ُم أ َ‬
‫ُ‬
‫عنندَْنا‬
‫ت‬
‫د‬
‫ع‬
‫ن‬
‫إ‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫م‬
‫ح‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫) َ َ‬
‫ْ‬
‫َ ّ ْ‬
‫ْ َ ْ َ ِ‬
‫م ل ِل ْ َ‬
‫صيًرا )‪( 8‬‬
‫كا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن َ‬
‫عل َْنا َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫ري َ‬
‫هن ّ َ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫عسى ربك ُم أ َ‬
‫ُ‬
‫م ‪:‬‬
‫ك‬
‫م‬
‫ح‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ْ َ ْ‬
‫َ ّ ْ‬
‫بعد نفاذ الوعد الثاني ‪ ،‬يععوجه سععبحانه الخطععاب ‪ ،‬للبقيععة الباقيععة‬
‫من بني إسرائيل ‪ ،‬الذين نجوا من هذا العذاب ‪ ،‬ولم يطلهم عقاب‬
‫وعد الخرة ‪ ،‬لعّلهم يعتبرون مما حصل ‪ ،‬بعععد أن رأوا مععا رأوا ‪،‬‬
‫ما حّل في بني قومهم ‪ ،‬لما علععوا وأفسععدوا فععي الرض ‪ .‬فلعلهععم‬
‫يعععودون إلععى العع ‪ ،‬ويصععلحون أمععورهم ‪ ،‬فيتععوب العع عليهععم‬
‫حَها ‪،‬‬
‫لِ‬
‫ض َبْع عَد ِإصْ ع َ‬
‫س عُدوا ِفععي اَْلْر ِ‬
‫ويرحمهم ‪ .‬قال تعالى ) َوَل ُتْف ِ‬
‫ن )‪56‬‬
‫س عِني َ‬
‫ح ِ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ب ِمع ْ‬
‫ل ع َقِري ع ٌ‬
‫حَمَة ا ِّ‬
‫ن َر ْ‬
‫طَمًعا ‪ِ ،‬إ ّ‬
‫خْوًفا َو َ‬
‫عوُه َ‬
‫َواْد ُ‬
‫العراف ( ‪ ،‬وعودتهم إلى الع تعنععي إعتنععاقهم للسععلم ‪ ،‬لقععوله‬
‫حْكمَةٍ ُث عّم‬
‫ب َو ِ‬
‫ن ِكَتا ٍ‬
‫ن َلَما آَتْيُتُكْم ِم ْ‬
‫ق الّنِبّيي َ‬
‫ل ِميَثا َ‬
‫خَذ ا ُّ‬
‫تعالى ) َوِإْذ َأ َ‬
‫صُرّنُه َقاَل َأَأْقَرْرُتعْم‬
‫ق ِلَما َمَعُكْم َلُتْؤِمُننّ ِبِه َوَلَتْن ُ‬
‫صّد ٌ‬
‫سوٌل ُم َ‬
‫جاءَُكْم َر ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫شَهُدوا َوَأَنا َمَعُكْم ِم ْ‬
‫صِري َقاُلوا َأْقَرْرَنا َقاَل َفا ْ‬
‫عَلى َذِلُكْم ِإ ْ‬
‫َوَأخَْذُتْم َ‬
‫ن يُْقَبعَل مِْنعهُ‬
‫لِم ِديًنا َفَلع ْ‬
‫سَ‬
‫غْيَر اِْل ْ‬
‫ن َيْبَتِغ َ‬
‫ن )‪َ ) … (81‬وَم ْ‬
‫شاِهِدي َ‬
‫ال ّ‬
‫ن َبْعِد‬
‫ن َتاُبوا ِم ْ‬
‫ن )‪ِ ) … (85‬إّل اّلِذي َ‬
‫سِري َ‬
‫خا ِ‬
‫ن اْل َ‬
‫خَرِة ِم ْ‬
‫لِ‬
‫َوُهَو ِفي ا ْ‬
‫حيٌم )‪ 89‬آل عمران ( ‪ .‬وهذا ما لم‬
‫غُفوٌر َر ِ‬
‫ل َ‬
‫ن ا َّ‬
‫حوا َفِإ ّ‬
‫صَل ُ‬
‫ك َوَأ ْ‬
‫َذِل َ‬
‫يفعلوه سابقا ‪ ،‬ولن يفعلوه مستقبل ‪ ،‬فهم أعلنوا حربهم على ال‬
‫‪117‬‬

‫‪ ،‬قبععل أن يعلنوهععا علععى أي شععئ آخععر ‪ ،‬وهيهععات أن يتوبععوا ‪،‬‬
‫سَوًة … )‪ 74‬البقرة ( …‬
‫شّد َق ْ‬
‫فقلوبهم كالحجارة ) … َأْو َأ َ‬
‫عدَْنا ‪:‬‬
‫م ُ‬
‫ن ُ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫عدْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫لذلك سيستمرون بالفساد ‪ ،‬وسععيعودون إليععه مععرة تلععو أخععرى ‪،‬‬
‫وهذا محمول على الشرط ‪ ،‬فإن عادوا للفساد بعد تحقععق الوعععد‬
‫الثاني ‪ ،‬عاد ال عليهم بالعقاب ‪ ،‬وستكون هذه العععودة باتبععاعهم‬
‫للدجال ‪ ،‬أكبر المفسدين في الرض ‪ ،‬وهي العودة النهائية لهم ‪،‬‬
‫ول تتفق مععن حيععث المواصععفات والشععروط مععع كونهععا مععرة مععن‬
‫المرتين ‪ ،‬وستكون نهايتهم على مشارف بيت المقدس بباب ) ُلّد‬
‫ي عيسى عليه السلم ومن معه من المسععلمين ‪ ،‬عنععد‬
‫( ‪ ،‬على يد ّ‬
‫هععروب الععدجال إليهععا ‪ ،‬كمععا روي فععي نفععس الحععديث الصععحيح‬
‫الطويل ‪ ،‬الذي أوردنا بعضا منععه فععي شععرحنا لعبععارة عبععادا لنععا ‪،‬‬
‫لع‬
‫ث ا ُّ‬
‫ك ) أي الععدجال ( ِإْذ َبَعع َ‬
‫جاء ما نصه " … َفَبْيَنَمععا ُهعَو َكعَذِل َ‬
‫ب ُلعّد َفَيْقُتُلعُه … " ‪.‬‬
‫حّتى ُيْدِرَكُه ِبَبا ِ‬
‫طُلُبُه َ‬
‫ن َمْرَيَم … َفَي ْ‬
‫ح اْب َ‬
‫سي َ‬
‫اْلَم ِ‬
‫ن‬
‫جَهّن عَم ِلْلَكععاِفِري َ‬
‫جَعْلَنععا َ‬
‫ليعقّععب سععبحانه علععى ذلععك بقععوله ) … َو َ‬
‫صيًرا )‪ (8‬ول أسف ول رحمة …‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫س(‪:‬‬
‫ل ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ل ِ‬
‫و َ‬
‫) إ ِّل ب ِ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫حب ْ ٍ‬
‫ه… َ‬
‫حب ْ ٍ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫سعَكَنةُ‬
‫عَلْيِهْم الّذّلُة َواْلَم ْ‬
‫ت َ‬
‫ضِرَب ْ‬
‫قال تعالى في سورة البقرة ) … َو ُ‬
‫لع ‪،‬‬
‫ت ا ِّ‬
‫ن ِبآَيععا ِ‬
‫ك ِبَأّنُهْم َكععاُنوا َيْكُفعُرو َ‬
‫ل ‪َ ،‬ذِل َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ب ِم ْ‬
‫ض ٍ‬
‫‪َ ،‬وَباُءوا ِبَغ َ‬
‫ن)‬
‫صعْوا َوَكععاُنوا يَْعَتعُدو َ‬
‫ع َ‬
‫ك ِبَمععا َ‬
‫ق ‪َ ،‬ذِلع َ‬
‫ح ّ‬
‫ن ِبَغْيِر اْل َ‬
‫ن الّنِبّيي َ‬
‫َوَيْقُتُلو َ‬
‫‪ ، (61‬هذه الية توضح حكما إلهيا ُملزما ‪ ،‬كان فيمععا سععبق ‪ ،‬قععد‬
‫صدر بحق بني لسرائيل ‪ ،‬عند كفرهم وقتلهم النبيععاء ‪ ،‬ونلحععظ‬
‫عطفععت علععى الذلععة مباشععرة ‪ ،‬وأنهمععا تلزمععا فععي‬
‫أن المسععكنة ُ‬
‫‪118‬‬

‫عَليِْه عْم الّذّل عةُ‬
‫ت َ‬
‫ض عِرَب ْ‬
‫الوقوع تحت الضرب ‪ ،‬في قععوله تعععالى ) َو ُ‬
‫سَكَنُة ( ‪.‬‬
‫َواْلَم ْ‬
‫وفي سورة آل عمععران ‪ُ ،‬أعيععد نفععس النععص السععابق ‪ ،‬فععي قععوله‬
‫حْبٍل‬
‫ل َو َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫حْبٍل ِم ْ‬
‫ن َما ُثِقُفوا ‪ِ ،‬إّل ِب َ‬
‫عَلْيِهْم الّذّلُة َأْي َ‬
‫ت َ‬
‫ضِرَب ْ‬
‫تعالى ) ُ‬
‫س عَكَنُة ‪،‬‬
‫عَلْيِه عْم اْلَم ْ‬
‫ت َ‬
‫ضِرَب ْ‬
‫ل ‪َ ،‬و ُ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ب ِم ْ‬
‫ض ٍ‬
‫س ‪َ ،‬وَباُءوا ِبَغ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ِم ْ‬
‫ق‪،‬‬
‫حع ّ‬
‫ن اَْلنِبَياَء ِبَغْيِر َ‬
‫ل ‪َ ،‬وَيْقُتُلو َ‬
‫ت ا ِّ‬
‫ن ِبآَيا ِ‬
‫ك ِبَأّنُهْم َكاُنوا َيْكُفُرو َ‬
‫َذِل َ‬
‫ن )‪ ، (112‬ولكععن بفصععل الذّلععة عععن‬
‫صْوا َوَكاُنوا َيْعَتُدو َ‬
‫ع َ‬
‫ك ِبَما َ‬
‫َذِل َ‬
‫المسكنة ‪ ،‬مع ضرب كل منهما على حععدة أول ‪ ،‬ومععن ثععم إضععافة‬
‫س ( ‪ ،‬مععن‬
‫ن الّنععا ِ‬
‫حْب عٍل ِمع ْ‬
‫ل ع ‪َ ،‬و َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫حْبٍل ِمع ْ‬
‫الستثناء التالي ) ِإّل ِب َ‬
‫ضرب الذّلة دون المسكنة ثانيا ‪ .‬ومن هنعا نسعتطيع القعول ‪ ،‬بعأن‬
‫الذّلة سُترفع عنهم في حالتين ‪ :‬الحالععة الولععى بحبععل مععن الع ‪،‬‬
‫والحالة الثانية بحبل من النععاس ‪ ،‬وأن المسععكنة سععتبقى ملزمععة‬
‫لهم ‪ ،‬في حال رفعت الذّلة عنهم أم لم ُترفع ‪.‬‬
‫جاء في معجم لسان العرب ‪ ،‬العّذل نقيععض الععّزة ‪ ،‬وقععوله تعععالى‬
‫ل ( ‪ ،‬بمعنععى سععويت عناقيععدها وُدّليععت أي‬
‫طوُفَهععا َتعْذِلي ًَ‬
‫ت ُق ُ‬
‫) وُذّلَلع ْ‬
‫ضع له ‪ ،‬وأن المعنى الُمستفاد من الععّذل‬
‫خ َ‬
‫خّفضت ‪ ،‬وتذّلَل له أي َ‬
‫ُ‬
‫هو الصغار والخضوع والنخفععاض ‪ ،‬والنقيععض لهععذة الصععفات ‪،‬‬
‫هو الستكبار والسطوة والرتفاع ‪.‬‬
‫عَلْيِه عْم الّذّل عُة ‪ :‬أي ُألزمععوا الّذلععة والصععغار ‪ ،‬فل منعععة‬
‫ت َ‬
‫ض عِرَب ْ‬
‫َو ُ‬
‫لهععم ‪ ،‬بمعنععى ل قععوة لهععم لمنععع الغيععر ‪ ،‬مععن اسععتباحة دمععائهم‬
‫وأموالهم وأهليهم ‪ .‬وثبتت فيهم هذه الصفة ‪ ،‬ولزمتهم على م عرّ‬
‫العصور ‪ ،‬ول خلص لهم منهععا ‪ ،‬والسععبب فععي ضععربها عليهععم ‪،‬‬
‫هععو اسععتحقاقهم لغضععب العع عليهععم ‪ ،‬لكفرهععم بآيععاته وقتلهععم‬
‫‪119‬‬

‫النبياء ‪ ،‬بالضافة لما كان مععن عصععيانهم لوامععره ‪ ،‬واعتععدائهم‬
‫على حدوده ‪.‬‬
‫أَ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫جدوا ‪.‬‬
‫و‬
‫أينما‬
‫‪:‬‬
‫فوا‬
‫ق‬
‫ث‬
‫ما‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫ُ ِ‬
‫هنا ل بد لنا من وقفة مع هذه العبععارة ‪ ،‬حيععث يقععول سععبحانه ‪) ،‬‬
‫حْب عٍل مِ ع ْ‬
‫ن‬
‫ل ع َو َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫حْبٍل ِم ْ‬
‫ن َما ُثِقُفوا ‪ِ ،‬إّل ِب َ‬
‫عَلْيِهْم الّذّلُة ‪َ ،‬أْي َ‬
‫ت َ‬
‫ضِرَب ْ‬
‫ُ‬
‫س ( ‪ ،‬فالذلة ملزمة لهععم ‪ ،‬أينمععا أقععاموا أو ارتحلععوا ‪ ،‬وهععذه‬
‫الّنا ِ‬
‫الذلععة سعُترفع عنهععم مرتيععن ‪ ،‬لُتسععتبدل بععالعلو ‪ ،‬أينمععا أقععاموا أو‬
‫ارتحلععوا ‪ ،‬علععى امتععداد سععطح كععوكب الرض ‪ ،‬فععالعلو اليهععودي‬
‫لمرتين ‪ ،‬حدث ععارض فعي تعاريخهم ومصعيره إلعى العزوال ‪ ،‬أو‬
‫حالة استثنائية ‪ ،‬سيعيشها عامة الشعععب اليهععودي لمرتيععن أينمععا‬
‫ُوجدوا ‪ ،‬وستزول هذه الحالة عن عامة الشعب اليهععودي كععذلك ‪،‬‬
‫عندما يأذن رب العزة بزوال علوهم ‪ ،‬في المرة الثانيعة ‪ ،‬وليععود‬
‫كل يهود العالم أفرادا وجماعععات ‪ ،‬فععي شععتى بقععاع الرض ‪ ،‬إلععى‬
‫حالة الذلة ‪ ،‬التي هي في الصل ‪ ،‬الحالة التي يستحقون بمنظور‬
‫رب العزة ‪.‬‬
‫والسؤال الن ‪ ،‬لماذا كان هذا الفصل ‪ ،‬وهذا الستثناء ؟‬
‫س ‪ :‬السعتثناء هنعا يفيعد رفعع‬
‫ن الّنعا ِ‬
‫حْبعٍل ِمع ْ‬
‫لع ‪َ ،‬و َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫حْبٍل ِم ْ‬
‫ِإّل ِب َ‬
‫حالععة الّذلععة ‪ ،‬لتصععبح حععالهم مععن ) الععذل والصععغار والخضععوع‬
‫والنخفعععاض ( ‪ ،‬إلعععى العكعععس تمامعععا ‪ ،‬أي ) الععععز والسعععتكبار‬
‫والسععطوة والرتفععاع ( ‪ ،‬وهععذا ممععا يفيععد معنععى العلععو ‪ ،‬وهععذا‬
‫السععتثناء يوضععح أن العلععو سععيكون علععى حععالين ‪ ،‬وأن العلععو‬
‫الول ‪ ،‬كان بحبل ال ‪ ،‬أي باتكالهم على ال ‪ ،‬في نشأته وتمكينه‬
‫مععن خلل الععوحي والنبععوة ‪ ،‬وأن العلععو الثععاني ‪ ،‬سععيكون بحبععل‬
‫‪120‬‬

‫الناس ‪ ،‬أي باتكالهم على الناس ‪ ،‬في نشععأته وتمكينععه مععن خلل‬
‫المساعدات المالية والعسكرية ‪.‬‬
‫ن في جمال ودقة التعبير القرآني ‪ ،‬واستخدام كلمة ) حبععل (‬
‫وتمع ّ‬
‫في هذا المقام ‪ ،‬فالحبل ُيرفع به دلععو المععاء ‪ ،‬معن قعععر الععبئر إلععى‬
‫قمته ‪ ،‬فهو وسيلة لنتشال الشععيء ‪ ،‬مععن أدنععى حععالته وإيصععاله‬
‫إلى أعلها ‪ ،‬ومن قوله عليه الصلة والسلم ‪ ،‬لصاحب الناقععة "‬
‫اعقل وتوكل " ‪ ،‬نجععد أنععه وسععيلة ربععط لحكععام الشععيء وإبقععاءه‬
‫على حاله ‪.‬‬
‫وهذا ما تحقق في الواقع ‪ ،‬فقد استطاع اليهود بعععد أن كععانوا فععي‬
‫القاع ‪ ،‬من تسلق الحبل المريكي البريطاني ‪ ،‬ليصعدوا إلععى قمععة‬
‫ي التمثال‬
‫تمثال الحرية ‪ ،‬ومن ثم تناولوا الحبل ‪ ،‬وربطوه في قرن ّ‬
‫‪ ،‬وأخذوا طرفععه الخععر ‪ ،‬ولّفععوه سععياجا منعيععا حععول دولتهععم فععي‬
‫فلسطين ‪ .‬حتى أصبح عاّمة المريكيين عبيدا لليهععود ‪ ،‬يق عّدمون‬
‫لهععم القرابيععن الععتي نعلمهععا ‪ ،‬خشععية أن يسععحب اليهععود ‪ ،‬طععرف‬
‫الحبل الذي يمسكونه بإحكام ‪ ،‬فيهوي رأس التمثععال فععي البحععر ‪.‬‬
‫وطععرف الحبععل الخععر ليععس ببعيععد عععن أولئك العبععاد ‪ ،‬فمععا زال‬
‫ينتظرهم ليسحبوه ‪ ،‬ليغرق التمثال وأهله ‪.‬‬
‫ن الع قععد حعّذرهم مععن اتخععاذ وكلء غيععره ‪ ،‬فععي افتتاحيععة‬
‫نعلععم أ ّ‬
‫ل )‪ . (2‬فععي العلععو الول‬
‫ن ُدوِنععي وَِكي ً‬
‫خُذوا ِم ْ‬
‫السورة قائل ) َأّل َتّت ِ‬
‫لهم ‪ ،‬كانوا قد طلبوا العون معن الع ‪ ،‬لقامعة الدولعة فعي الرض‬
‫المقدسة ‪ ،‬وكان اتكععالهم علععى الع لدامععة وجودهععا ‪ِ ) ،‬إْذ َقععاُلوا‬
‫س عِبيلِ )‪ 246‬البقععرة ( ‪ ،‬فآتععاهم‬
‫ث َلَنا َمِلًكا ُنَقاِتْل ِفععي َ‬
‫ي َلُهْم اْبَع ْ‬
‫ِلَنِب ّ‬
‫حْكعَم َوالّنُبعّوَة‬
‫ب َواْل ُ‬
‫سعَراِئيَل اْلِكَتعا َ‬
‫ال ما طلبوا ) َوَلَقعْد آَتْيَنعا َبِنعي ِإ ْ‬
‫ن )‪ 16‬الجاثيععة (‬
‫عَلععى اْلَعععاَلِمي َ‬
‫ض عْلَناُهْم َ‬
‫ت َوَف ّ‬
‫طّيَبا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫َوَرَزْقَناُهْم ِم ْ‬
‫‪121‬‬

‫فجمع لهم الملععك والنبععوة ‪ ،‬فععي داود وسععليمان عليهمععا السععلم ‪.‬‬
‫وأما في العلو الثاني ‪ ،‬كانوا قد طلبوا العون من ) بلفور ( لقامة‬
‫الدولة ‪ ،‬والتكال على بريطانيا ليجادهععا ‪ ،‬وعلععى أمريكععا لدامععة‬
‫عَلْيِهعْم‬
‫وجودهععا ‪ ،‬فكععان لهععم مععا أرادوا ‪ُ ) ،‬ثعّم َرَدْدَنععا َلُكعْم اْلَكعّرَة َ‬
‫جَعْلَناُكْم َأْكَثَر َنِفيًرا )‪ 6‬السراء ( ‪.‬‬
‫ن َو َ‬
‫َوَأْمَدْدَناُكْم ِبَأْمَواٍل َوَبِني َ‬
‫ولو لم يأتي هععذا السععتثناء فععي سععورة آل عمععران ‪ ،‬وبقععي علععى‬
‫حاله كما هو في سورة البقرة ‪ ،‬لتناقض ذلك مع قوله تعععالى فععي‬
‫عُلعّوًا‬
‫ن ‪ ،‬وَلَتْعُلعنّ ُ‬
‫ن ِفععي اَْلْرضِ ‪َ ،‬مّرَتْيع ِ‬
‫سُد ّ‬
‫سورة السراء ‪َ ) ،‬لُتْف ِ‬
‫َكِبيَرًا ( ‪ ،‬سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ‪.‬‬
‫سَكَنُة ‪ :‬أي الحاجة للغير والتسععول بل خجععل ‪،‬‬
‫عَلْيِهْم اْلَم ْ‬
‫ت َ‬
‫ضِرَب ْ‬
‫َو ُ‬
‫فل كرامة ول عزة ول إبععاء لهععم ‪ ،‬فل يوجععد يهععودي ‪ -‬وإن كععان‬
‫غنيا ‪ -‬خاليا من زي الفقر والخضوع والمهانععة ‪ ) ،‬وهكععذا تكععون‬
‫الطفيليات ( ‪ ،‬بارعون في التسععلق علععى ظهععور غيرهععم بمكرهععم‬
‫ودهائهم ‪ ،‬لقضاء حاجاتهم الدنيوية الدنيئة ‪.‬‬
‫مجيء اليهود من الشتات ‪:‬‬
‫ن البعض ‪ ،‬بناءا على عبارة جئنا بكم لفيفا ‪ ،‬أن وعععد الخععرة‬
‫يظ ّ‬
‫ما زال بعيدا عن التحقق ‪ ،‬كون تجّمع بني إسرائيل فععي فلسععطين‬
‫لم يكتمل بعد ‪ ،‬فالكثير منهم – تقريبا النصف – ما زال في الدول‬
‫ن فععي غيععر محّلععه ‪ ،‬وينعّم عععن عععدم معرفععة‬
‫الغربيععة ‪ ،‬وهععذا الظع ّ‬
‫بحقيقة الشخصية اليهودية ‪ .‬فاليهود المنتشععرون كععالجراد ‪ ،‬فععي‬
‫شرق العالم وغربععه ‪ ،‬لععن يهععاجروا إلععى فلسععطين ‪ ،‬إل فععي حالععة‬
‫واحدة إذا ُأجبروا على ذلك ُمكرهين ‪ ،‬أو ُدّمر العالم بأسره ‪ ،‬ولععم‬
‫يبق إل فلسطين ليهاجروا إليهععا ‪ ،‬وهععذا غيععر وارد فععي المنظععور‬
‫‪122‬‬

‫القريب ‪ ،‬ودمار إسرائيل القادم ‪ ،‬سيكون سابقا ‪ ،‬بل سببا لنهيار‬
‫العالم الغربي ودماره ‪.‬‬
‫فاليهود كائنات طفيلية ‪ ،‬ل تستطيع العيش بمعععزل عععن الخريععن‬
‫من غير اليهود ‪ ،‬وحتى الدولة اليهودية تتصععف بنفععس الصععفة ‪،‬‬
‫فهي ل تستطيع البقاء والمحافظة على وجودها وكيانهععا ‪ ،‬بععدون‬
‫المسعععاعدة الخارجيعععة معععن العععدول الغربيعععة ‪ ،‬والتسعععّول العععدائم‬
‫والمسععتمر ‪ .‬وهععذه هععي المسععكنة الععتي ضععربها العع عليهععم ‪،‬‬
‫ولزمتهم على مّر تععاريخهم الطويععل ‪ ،‬فععي غنععاهم وفقرهععم وفععي‬
‫ذّلهععم وعلععوهم ‪ .‬ول أدّل علععى ذلععك التسععويق المععذّل والمخععزي‬
‫والمستمر ‪ ،‬للمحرقة النازية المبالغ فيها ‪ ،‬والععتي جعلععوا منهععا ‪،‬‬
‫ومععن تهمععة معععاداة السععامية ‪ ،‬مسععمار جحععا فععي حلععق الشعععوب‬
‫الغربية ‪ ،‬لبتزازها ونهب خيراتهععا وخاصععة ألمانيععا ‪ ،‬فهععم عالععة‬
‫على كل من آواهم ‪ ،‬وهذا ما يشهد بععه تععاريخهم ‪ ،‬وكععان سععببا –‬
‫بالضافة إلى غععدرهم ومكرهععم ومععؤامراتهم ‪ -‬فععي اضععطهادهم ‪،‬‬
‫من قتل ونهب ونفي وتهجير ‪.‬‬
‫واليهود هم أول من ابتكر الربا ويعيشون بععه وعليععه ‪ ،‬والن هععم‬
‫يملكون معظم بيوت المال العالمية إن لم تكن كلها ‪ ،‬حتى البنععوك‬
‫المركزية المريكية والبريطانية ‪ ،‬وحق إصدار النقد فيهععا ‪ ،‬فهععل‬
‫مععن المعقععول أن يععتركوا العجععل الععذهبي ‪ ،‬ويغععادروا جنّععة إلههععم‬
‫بمحععض إرادتهععم ؟! طبعععا ل ‪ ،‬فهععذا ضععرب مععن الخيععال ‪ .‬لععذلك‬
‫ن تجّمعهععم فععي فلسععطين بكّلهععم‬
‫أستطيع الجععزم – لمععا تقععدم – بععأ ّ‬
‫وكليلهم لن يكون ‪ ،‬وللعلم فإن معظم المهععاجرين اليهععود ‪ ،‬كععانوا‬
‫مععن بلععدان أوروبععا الشععرقية المعروفععة بفقرهععا ‪ ،‬وأمععا الغربيععون‬
‫فأعدادهم قليلة جدا ‪.‬‬
‫‪123‬‬

‫فضل عن ذلك ‪،‬لم يأتي في مجمل معاني لفيفا ما ُيفيد ‪ ،‬تجّمع كل‬
‫اليهععود فععي فلسععطين ‪ ،‬كشععرط لتحّقععق وعععد الخععرة ‪ ،‬والمعنععى‬
‫المسععتفاد منهععا هععو الختلط فععي الصععول ‪ ،‬والجمععع مععن أمععاكن‬
‫صل ‪ ،‬فالععدول الععتي هععاجروا منهععا ‪ ،‬شععملت‬
‫مختلفة ‪ ،‬وهذا قد تح ّ‬
‫معظم أرجاء المعمععورة ‪ ،‬وهععي غنّيععة عععن التعريععف ‪ ،‬وهععذا هععو‬
‫المراد ‪.‬‬
‫أما فيما يخص السنن اللهية في القرى الظالمة ‪ ،‬فقد وردت فععي‬
‫ضععحها ‪ ،‬فل أسععرع مععن‬
‫هععذا البحععث الكععثير مععن اليععات الععتي تو ّ‬
‫النتقام اللهي ليحل بها ‪ .‬وظلععم اليهععود وعلععوهم واسععتكبارهم ‪،‬‬
‫وعنجهّيتهم وعنصرّيتهم ‪ ،‬ومحععاربتهم ل ع ورسععوله وأوليععاؤه ‪،‬‬
‫وقتل البرياء العّزل ‪ ،‬وهدم البيوت ‪ ،‬واستلب الراضي واقتلع‬
‫أشجارها واستيطانها ‪ ،‬ومنعهم مساجد الع أن ُيععذكر فيهععا اسعمه‬
‫وتدنيسها ‪ ،‬فاق كل تصّور ‪ ،‬وأوجب عقابه سبحانه لهم منذ زمن‬
‫ظععم شععأنه ‪ ،‬ضععرب‬
‫عُ‬
‫بعيد ‪ .‬ولول أن الحكيم العليم جّلععت قععدرته و َ‬
‫لهععم موعععد لععن ُيخلفععوه ‪ ،‬وأن أرضععه المقدسععة تزخععر بأوليععائه‬
‫الصالحين ‪ ،‬لنزل الن عليهم رجزا من السماء ‪ ،‬كما أنزله علععى‬
‫أسععلفهم ‪ ،‬لمجععرد تبععديلهم للقععول والهيئة عنععد دخععول القريععة ‪،‬‬
‫ن عقابهم سيكون مختلفا‬
‫لعنهم ال بكفرهم قليل ما يؤمنون ‪ .‬ولك ّ‬
‫‪ ،‬رحمععة مععن ربععك بعبععاده الصععالحين هنععاك ‪ ،‬لكيل يسععوءهم‬
‫العععذاب ‪ ،‬فضععل عّمععا أسععاء لهععم أولئك الوغععاد ‪ .‬فليرتقبععوا إّنععا‬
‫خُر‬
‫جاَء َل ُيَؤ ّ‬
‫جَل الِّ ِإَذا َ‬
‫ت ( ‪ ،‬و ) ِإنّ َأ َ‬
‫ل ٍ‬
‫ل َ‬
‫جَل ا ِّ‬
‫ن َأ َ‬
‫مرتقبون ) َفِإ ّ‬
‫ن )‪ 4‬نوح ( ‪.‬‬
‫َلْو ُكنُتْم َتْعَلُمو َ‬
‫تعنععي عمليععة ربععط نفععاذ وعععد الخععرة ‪ ،‬بتجّمععع كععل اليهععود فععي‬
‫فلسطين ‪ ،‬أن وعد الخرة ‪ ،‬لن يتحقق حتى قيام السععاعة ‪ ،‬وهععذا‬
‫مخالف لما نراه على أرض الواقع ‪ ،‬حيث وصععل الظلععم اليهععودي‬
‫‪124‬‬

‫أقصى مداه ‪ ،‬ومخالف أيضا لمععا تحكيععه النصععوص ‪ ،‬إذ أن هنععاك‬
‫عودة أخرى للفساد ‪ ،‬وهناك عقععاب آخععر ‪ ،‬سععينطق فيععه الحجععر‬
‫والشجر ‪ ،‬قبل قيام الساعة ‪ ،‬التي أصبحت أشراطها الكبرى على‬
‫البواب ‪ ،‬والناس في غفلة من أمرهم ‪.‬‬
‫ما ُتخننبر عنننه اليننات فنني السننورة ‪ ،‬ليننس‬
‫وعننندا بنصنننر للمنننؤمنين ‪ ،‬وإنمنننا وعننند‬
‫استثنائي بعقاب بني إسرائيل ‪:‬‬
‫عَلْيِهعْم ِإَلععى َيعْوِم اْلِقَيامَعِة َمعنْ‬
‫ن َ‬
‫ك َلَيْبَعَثع ّ‬
‫ن َرّبع َ‬
‫قال تعالى ) َوِإْذ َتعَأّذ َ‬
‫ب )‪ 167‬الععععراف ( تقعععّرر هعععذه اليعععة‬
‫سعععوَء اْلَععععَذا ِ‬
‫سعععوُمُهْم ُ‬
‫َي ُ‬
‫الكريمة ‪ ،‬بأن ال سيبعث على بني إسرائيل ‪ ،‬من يسومهم سععوء‬
‫العذاب إلى قيععام السععاعة ‪ .‬إذًا هنععاك اسععتمرارية للبعععث ‪ ،‬وهنععاك‬
‫استمرارية للعذاب ‪ .‬وقد وقع العذاب فيهععم ‪ ،‬علععى أيععدي وثنيععون‬
‫ونصارى ومسلمون ‪ ،‬على مّر تععاريخهم الطويععل ‪ .‬ممععا يؤكععد أن‬
‫العععذاب الخععاص بوعععدي المرتيععن ‪ ،‬هععو حالععة اسععتثنائية خاصععة‬
‫مختلفععة ‪ ،‬عّمععا تق عّرره اليععة أعله ‪ ،‬وأن الععذين س عُيوقعونه بهععم‬
‫أناس استثنائيون أيضا ‪ ،‬وهذا السععتثناء جععاء لمععا يملكععونه مععن‬
‫صععفات ‪ ،‬علععى رأسععها صععفة البععأس الشععديد ‪ ،‬لن إفسععاد بنععي‬
‫إسرائيل المقترن بالعلو في كلتععا المرتيععن ‪ ،‬أعظععم مععن أي إفسععاد‬
‫سابق أو لحق ‪ ،‬مما يتطّلب بعث أناس هم أهععل ‪ ،‬لمععا يريععده الع‬
‫لبني إسرائيل ‪ ،‬من العذاب الشديد ‪.‬‬
‫ُأنزلت نصوص هذه النبوءة علععى موسععى عليععه السععلم ‪ ،‬قبععل ‪3‬‬
‫آلف سنة تقريبا من الن ‪ ،‬وقبل ‪1600‬سنة من مجيععء السععلم‬
‫تقريبا ‪ ،‬وُكشععفت نصوصععها لبنععي إسععرائيل ‪ ،‬بعععد نكوصععهم عععن‬
‫الدخول إلى فلسطين ‪ ،‬وقبل سععنوات التحريععم والععتيه ‪ .‬وهععي فععي‬
‫‪125‬‬

‫الواقععع ‪ ،‬تحكععي حععالتين اسععتثنائيتين مععن تاريععخ بنععي إسععرائيل ‪،‬‬
‫ي فععي فلسععطين ‪ ،‬يشععترط فيهمععا‬
‫يتحصّععل لهععم فيهمععا علععو أمم ع ّ‬
‫سبحانه ‪ ،‬الحسان وتجّنب الساءة ‪ ،‬فإن أحسنوا أحسن إليهععم ‪،‬‬
‫وإن أساءوا أزال علوهم ‪ ،‬وعّذبهم في الدنيا والخرة ‪ .‬ووعععدهم‬
‫بإطالة أمد هذا العلو إليهم ‪ ،‬طالما هم محسنون ‪ ،‬والساءة إليهم‬
‫بعقابهم وبإزالة هذا العلععو ‪ ،‬طالمععا هععم ُيسععيئون وُيصعّرون علععى‬
‫الساءة ‪.‬‬
‫ولعلمععه المسععبق بإفسععادهم بعععد التمكععن مععن العلععو فيهععا فععي‬
‫المرتين ‪ ،‬أخبرهم سععبحانه بمععا سععيكون منهععم مسععتقبل ‪ ،‬مؤكععدا‬
‫سععم ‪ ،‬تستشعععر مععن خللععه التحعّدي اللهععي لهععم ‪ ،‬كععونهم‬
‫ذلععك ِبَق َ‬
‫دائبون على تحّديه ‪ ،‬بمحاربة رسله وأولياءه وشععرائعه ‪ .‬وأنهععم‬
‫كلّما علوا في الرض ‪ ،‬سيفسععدون فيهععا ‪ ،‬بععالرغم مععن تحععذيرهم‬
‫هذا ‪ ،‬معلنيععن حربهععم عليععه سععبحانه ‪ .‬فينععالون غضععبه وسععخطه‬
‫صععل ذلععك منهععم ‪،‬‬
‫عليهععم ‪ ،‬ممععا يسععتوجب العقععاب ‪ .‬وعنععدما يتح ّ‬
‫وعدهم ربهم بأن يبعث عليهم في كل مرة ‪ ،‬عبادا لعه أولعي بعأس‬
‫شديد ‪ ،‬ليعيدونهم إلى موقعهم الحقيقي من العراب بين المم ‪.‬‬
‫لنؤكد هنا على أن ما ُتخبر عنه سورة السراء حصرا ‪ ،‬هو وععد‬
‫بعقاب وعذاب لليهود لفسادهم واسععتعلئهم فععي الرض ‪ ،‬بغععض‬
‫النظر عن أي اعتبارات أخرى ‪ ،‬وفي التعقيب علععى هععذا الخععبر ‪،‬‬
‫ف البشععرى‬
‫كععانت إحععدى الحكععم اللهيععة للخبععار عنععه ‪ ،‬هععي ز ّ‬
‫للمؤمنين ‪ .‬أما نصر المؤمنين ‪ ،‬من أهل فلسطين ‪ ،‬الذين نصروا‬
‫ال بصبرهم ورباطهم وثباتهم ‪ ،‬فالخبار عنه والوعد بععه ‪ ،‬جععاء‬
‫في مواضع أخرى من القرآن ‪ ،‬فل نخلط بين المرين ‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫من هننم هننؤلء العبنناد ‪ ،‬ولمنناذا هننم ‪ ،‬ومننا‬
‫الذي يجري في الحقيقة ؟‬
‫يؤكععد النععص القرآنععي ‪ ،‬فععي اليععات مععن ) ‪ ( 7-5‬مععن سععورة‬
‫السععراء ‪ ،‬أن العقععاب اللهععي لبنععي إسععرائيل ‪ ،‬سععيحّل بهععم علععى‬
‫خرهم ال جّلت قدرته ‪ ،‬من أجععل‬
‫أيدي بشر ‪ .‬طائفة من خلقه ‪ ،‬س ّ‬
‫القيام بهذه المهمة العظيمة ‪ ،‬واختارهم لهععذه المهمععة لتصععافهم‬
‫بالبأس الشديد ‪ .‬وطبيعة هذه المهمة هي النتقام ‪ ،‬وهذا النتقععام‬
‫إلهععي الطععابع ‪ ،‬وصععفته شععديد الوقععع والتععأثير ‪ .‬وبالتععالي مععن‬
‫الضرورة بما كان ‪ ،‬أن يمتلك أولئك العباد ‪ ،‬مخزونا هععائل وكمّععا‬
‫جه لبنععي إسععرائيل لسععبب أو‬
‫ضخما ‪ ،‬من الحقععد والكراهيععة المععو ّ‬
‫لخر ‪ ،‬مما أوجد لديهم رغبة شديدة وملحة فععي النتقععام منهععم ‪،‬‬
‫حععتى يتوافععق ذلععك مععع مقتضععى الرادة اللهيععة فععي النتقععام ‪،‬‬
‫وليتجلى ذلك العذاب في أبشع صوره ‪ ،‬كمععا لععو أنععه ُأنععزل عليهععم‬
‫من السماء ‪ .‬وتوحي اليات بععأن هنععاك علقععة عدائيععة ‪ ،‬مععا بيععن‬
‫اليهود وأولئك العباد ‪ ،‬نشأت منذ نهاية علععوهم الول ‪ ،‬وتج عّددت‬
‫مع بداية علوهم الثاني ‪ ،‬واستمرت وتزايدت مع مععرور الزمععن ‪،‬‬
‫وأن سبق العداء والعتداء اليهودي على أولئك العبععاد ‪ ،‬سععيكون‬
‫السبب في خروج أولئك العباد عليهععم ‪ .‬ولتوضععيح مععا خفععي بيععن‬
‫السطور ‪ ،‬في هععذا النعص القرآنعي الكريعم ‪ ،‬سععنقوم بطععرح مثعال‬
‫قريب إلى أذهاننا ‪.‬‬
‫لنأخذ مثل ‪ ،‬الرادة أو الرغبة في الكل ‪ ،‬وهي عادة ل تأتي عبثا‬
‫صععل لسععببين ‪ :‬الشعععور بععالجوع ‪ ،‬أو لوجععود‬
‫‪ ،‬وفععي الغععالب تتح ّ‬
‫شعِره يأكععل فععي العععادة ‪،‬‬
‫صفة الشراهة في النسان ‪ .‬والنسععان ال َ‬
‫دون الحاجة للشعور بالجوع ‪ ،‬ذلك لنها طبع ملزم لععه ‪ ،‬فتخّيععل‬
‫أن إنسانا كهذا ‪ ،‬كان جائعا فضل عن شراهته ‪ ،‬وعند نزوله مععن‬
‫‪127‬‬

‫إلى الشارع ‪ ،‬مّر بمطعععم ‪ ،‬فشععاهد مععن خلل الواجهععة الزجاجيععة‬
‫دجاجععة مشععوية ‪ ،‬فاسععتثارته بمنظرهععا وأسععالت لعععابه ‪ ،‬بالتأكيععد‬
‫ستتوّلد لديه رغبة شديدة ‪ ،‬في التهام تلك الدجاجة الشععهية علععى‬
‫الفععور ‪ ،‬للشعععور باللععذة والمتععة ‪ ،‬أثنععاء التهامهعا ‪ .‬وعنععدما هعّم‬
‫بالدخول ‪ ،‬تبّين له أن المطعم مغلق للستراحة ‪ ،‬وحسععب اللفتععة‬
‫الموجودة على الباب ‪ ،‬تعبين لعه أن المطعععم لعن ُيفتععح قبععل عشعر‬
‫دقائق ‪ .‬والذي حصل مع صاحبنا ‪ ،‬أنععه لععم يععترك المععر ويمضععي‬
‫في حال سبيله ‪ ،‬بل أخذ المر على أنه موضوع شخصي ‪ ،‬كععونه‬
‫ذو طبععع شععره ‪ ،‬وكععأن الدجاجععة اعتععدت عليععه بتعّرضععها لععه فععي‬
‫الطريق ‪ ،‬وطعنته في مقتل ‪ ،‬فاتخععذ قععرارا بالنتقععام منهععا ‪ ،‬لكععي‬
‫ُيزيح عععن كععاهله ‪ ،‬ذلععك الوضععع وذلععك الشعععور المععزري ‪ ،‬الععذي‬
‫فرضععته عليععه تلععك الدجاجععة ‪ ،‬بمععا سععّببته لععه مععن اسععتثارة‬
‫واسععتفزاز ‪ .‬ولكععن هععل يسععتطيع تنفيععذ رغبتععه فععي النتقععام مععن‬
‫الدجاجة ؟ كل ! … إذن ل مناص له إّل النتظار ‪ ،‬لحيععن مجيععء‬
‫الموعد المنتظر ‪ ،‬فقعّرر النتظععار ريثمععا يفتععح المطعععم … والن‬
‫تخيل سلوك ذلك النسان ‪ ،‬لحظة فتح الباب وحععتى لحظععة وقععوع‬
‫الدجاجة بين يديه … ! وتخيععل مععا الععذي سععيفعله بتلععك الدجاجععة‬
‫حتى ينتهي من أمرهععا … ! وتخيععل مععا بقععي مععن حطامهععا … !‬
‫وتخيل منظر الطاولة لحظععة النتهععاء منهععا … ! وتخيععل منظععره‬
‫لحظة تركه لساحة المعركة … وهو يشعر بنشوة النتصععار …‬
‫الذي حققه وباقتدار … على تلك الدجاجة المزعجة … !‬
‫أخبر سبحانه بأن عقابه لبني إسرائيل ‪ ،‬سيكون من فعل البشر ‪،‬‬
‫والسععلوك البشععري فععي بعععض مععن جععوانبه ‪ ،‬هععو مجموعععة مععن‬
‫الحوادث المتكررة ‪ .‬وما نحن بصدده في هذا المقام ‪ ،‬هو القانون‬
‫الفيزيائي ) لكل فعل رد فعل معاكس لععه بالتجععاه ( ‪ ،‬ولكععن ليععس‬
‫‪128‬‬

‫مساو له بالمقدار ‪ ،‬فرد الفعل في السلوك البشععري ‪ ،‬تتععدخل فيععه‬
‫عوامل كثيرة ‪ ،‬تغير معن مقعدار رد الفععل ‪ .‬ومعن قراءتنعا للنعص‬
‫القرآني وفهمنا له ‪ ،‬نجد أن هذا العقاب اللهي ‪ ،‬سععينفذ فععي بنععي‬
‫إسرائيل على أيدي بشر ‪ ،‬وسيكون غاية ‪ ،‬فععي البطععش والتنكيععل‬
‫والذلل ‪.‬‬
‫وهععذا السععلوك البشععري ‪ ،‬ل يقععوم بععه إل مععن كععان يعتمععل فععي‬
‫صععدورهم ‪ ،‬رغبععة شععديدة فععي النتقععام ‪ .‬ورغبععة النتقععام لععدى‬
‫البشععر ‪ ،‬ل تنشععأ عبثععا ‪ ،‬فغالبععا مععا تكععون رّد فعععل لفعععل سععابق ‪.‬‬
‫بمعنى أن الرغبة في النتقام لدى شخص ما ‪ ،‬تنتج عععادة لسععبق‬
‫العتععداء مععن قبععل شععخص آخععر ‪ ،‬فغالبععا مععا يتسععبب الشععخص‬
‫المعتِدي ‪ ،‬فععي إيقععاع الذى ‪ ،‬بالشععخص المعتعَدى عليععه ‪ ،‬سععواء‬
‫كان هذا العدوان جسديا أو نفسيا ‪ ،‬مما ُيشععكل خطععرا وتهديععدا ‪،‬‬
‫علععى كيععان المعت عَدى عليععه برّمتععه ‪ ،‬مععن حيععث المععن والسععلمة‬
‫النفسية والجسدية ‪ ،‬فُيشعّكل هععذا العععدوان اسععتفزازا واسععتثارة ‪،‬‬
‫تجعل المعتدى عليه ‪ ،‬يعيش حالة من التوتر والقلععق ‪ ،‬تععؤدي بععه‬
‫أخيرا إلى القيام برد العدوان ‪ ،‬بعععدوان أشععد قسععوة وأكععثر إيلمععا‬
‫وتنكيل ‪ ،‬حتى يتخّلص المعتَدى عليه من تلك الحالععة ‪ ،‬بالضععافة‬
‫إلى رد اعتباره أمام نفسه وأمام الخريععن ‪ ،‬ولععدرء خطععر تكععرار‬
‫العدوان من قبل المعتِدي نفسه أو من قبل غيره ‪.‬‬
‫وفي كثير من الحيان ‪ ،‬يتكرر نفس السععلوك البشععري ‪ ،‬لشععخص‬
‫ما عند تعرضه لنفس المثير ‪ ،‬فععي أوقععات مختلفععة ‪ .‬وفععي أحيععان‬
‫كععثيرة يتشععابه سععلوك شععخص مععا ‪ ،‬لدرجععة التطععابق مععع سععلوك‬
‫شخص آخر ‪ ،‬تعرض لنفس الموقععف ‪ ،‬وإن اختلععف ‪ ،‬فععالختلف‬
‫إما أن يكون ‪:‬‬
‫‪129‬‬

‫أول ؛ في درجة الشدة ‪ ،‬للفعل نفسه من ) شتم ‪ ،‬أو ضرب ‪ ،‬أو‬
‫إيذاء بليغ أو قتل ( ‪.‬‬
‫ثانيا ؛ في درجة الشدة لرد الفعل من ) اكتئاب ‪ ،‬أو امتعععاض ‪ ،‬أو‬
‫شتم أو ضرب أو إيذاء بليغ أو قتل ( ‪.‬‬
‫ثالثا ؛ في طبيعة الشخص المعتععدى عليععه ) فععإن كععان ذليل ربمععا‬
‫يكتئب ‪ ،‬وإن كان جبانا ربمععا يمتعععض ‪ ،‬وإن كععان قويععا فيععه ليععن‬
‫ربما يشتم أو يضرب ‪ ،‬وإن كان عزيزا وقويا ربما يؤذي أو يقتل‬
‫وينكل ( ‪.‬‬
‫وبمععا أن السععلوك البشععري حععدث متكععرر ‪ ،‬فهععو قابععل للدراسععة‬
‫والمقارنة ‪ .‬وسورة السراء أعطت صورة من صور هذا السلوك‬
‫‪ ،‬لولئك العباد في التعامل مع بنععي إسععرائيل ‪ .‬وتصععوير السععلوك‬
‫البشععري ‪ ،‬يظهععر فععي مواضععع كععثيرة ‪ ،‬أثنععاء السععرد القرآنععي‬
‫للقصة ‪ ،‬الذي يعتمد التصوير بإيجععاز شععديد ‪ ،‬ليلقععي علععى كاهععل‬
‫القععارئ ‪ ،‬تخيععل بقيععة تفاصععيل القصععة ‪ ،‬الععتي اختفععت بسععبب‬
‫اليجاز ‪ ،‬وما كان المثال السابق إل ليضاح الجانب الخفي ‪ ،‬مما‬
‫تحكيه النصوص من أحداث غير ظععاهرة ‪ ،‬تغيعب فعي العععادة ععن‬
‫ذهن القارئ ‪ ،‬أثناء التلوة العادية لليات ‪.‬‬
‫ما تحصل لدينا من ملمح لسلوك هؤلء العباد ‪ ،‬ومن أحداث من‬
‫خلل اليات ‪ ،‬هو ما يلي ‪:‬‬
‫‪ .1‬صفة البأس الشديد ‪ :‬اتصاف هؤلء العبععاد بععالقوة والبطععش‬
‫في الحروب ‪.‬‬
‫‪ :‬قيام بنععو إسععرائيل بالعتععداء علععى هععؤلء‬
‫‪ .2‬رّد الكّرة‬
‫صلهم على العلو الكبير ‪.‬‬
‫العباد ‪ ،‬بعد تح ّ‬
‫‪130‬‬

‫ظعععم الظلعععم والفسعععاد فعععي‬
‫‪ :‬متعّلعععق بِع َ‬
‫‪ .3‬مجيعععء الوععععد‬
‫الرض ‪ ،‬فكلما ازدادت وتيرته كلما اقترب ‪.‬‬
‫‪ :‬الخععروج للغععزو والغععارة ‪ ،‬يقععترب كلمععا‬
‫‪ .4‬البعععث‬
‫ازدادت وتيعععرة السعععتفزاز والتهديعععد ‪ ،‬وتناقصعععت الُمعيقعععات‬
‫والموانع ‪.‬‬
‫‪ .5‬دخول المسجد ‪ :‬سلب مقومات العلو اليهودي في فلسطين‬
‫‪.‬‬
‫ظم النتقام وبشاعته ‪ ،‬باليععذاء والقتععل‬
‫عَ‬
‫‪ِ :‬‬
‫‪ .6‬إساءة الوجه‬
‫والتنكيل والتهجير والسبي ‪.‬‬
‫تتبع وقارن ما بين معطيات السلوكين ‪:‬‬
‫)‪ (1‬صفة الشراهة ‪ ( (2‬سععبق رؤيععة الدجاجععة تسععبب فععي‬
‫الستفزاز والثععارة ‪ ( (3‬توّلععد الرادة والرغبععة فععي الكععل‬
‫‪ ( (4‬انتظار مجيء الموعد ) الذي حدده مدير المطعم ( ←‬
‫‪ ((5‬مجيععء الموعععد ‪ ( (6‬النبعععاث ‪ :‬فتععح البععاب وتمكيععن‬
‫الوصول ) موظفو المطعععم ( ‪ (← (7‬دخععول المطعععم ‪( (8‬‬
‫التلذذ والستمتاع بالتهام الدجاجة ( ‪.‬‬
‫)‪ (1‬صفة البأس الشديد ‪ ( (2‬سبق اليذاء والعتداء تسبب‬
‫فععي السععتفزاز والثععارة ‪ ( (3‬توّلععد الرادة والرغبععة فععي‬
‫النتقام ‪ ( (4‬انتظار مجيء الموععد ) العذي حعّدده سعبحانه (‬
‫‪ (← (5‬مجيععء الوعععد ‪ ( (6‬النبعععاث ‪ :‬إزالععة المعوقععات‬
‫وتمكين الوصول ) العلي القدير ( ‪ (← (7‬دخول المسجد ‪‬‬
‫‪ ((8‬النتقام بالتلذذ والستمتاع بالتنكيل ببني إسرائيل ( ‪.‬‬
‫الملمح الخفية التي ظهرت من خلل المقارنة هي ‪:‬‬
‫‪131‬‬

‫‪ .1‬ضرورة اعتداء بني إسرائيل على أولئك العبععاد ‪ ،‬بإضععرارهم‬
‫وإيذائهم بشكل بالغ الثر ‪.‬‬
‫‪ .2‬توّلععد حالععة مععن التععوتر والقلععق والقهععر ‪ ،‬لععدى أولئك العبععاد‬
‫ُيخّلفها ذلك العدوان ‪.‬‬
‫‪ .3‬تولد الرادة والرغبة فعي النتقعام ‪ ،‬لعدى أولئك العبعاد ‪ ،‬بعرّد‬
‫الصاع صاعين ‪ ،‬لدفع الذى والضرر ‪ ،‬ورّد العتبار ‪.‬‬
‫‪ .4‬العمل والستعداد والنتظار ‪ ،‬ريثما تأتي اللحظععة المناسععبة ‪،‬‬
‫التي ُتمّكنهم من النقضاض ‪.‬‬
‫والن لنطرح السئلة التالية ‪:‬‬
‫‪ .1‬من الشعب الذي يمتلك صفة الصبر والجلد عنععد وقععوع‬
‫البلء ‪ ،‬والقوة والبطش عند مواجهة العداء ؟‬
‫‪ .2‬مععن الشعععب الععذي ُهععزم مععن قبععل اليهععود عنععد نشععوء‬
‫دولتهم ‪ ،‬والوحيد الذي استمر اليهود ‪ ،‬في إيذاءه والعتداء‬
‫عليه ‪ ،‬بشكل مباشر وغير مباشععر ‪ ،‬ومععا زالععوا حععتى يومنععا‬
‫هذا ‪ ،‬وسيستمرون في إيععذاءه حععتى ُيجععبروه علععى الخععروج‬
‫عليهم ؟‬
‫‪ .3‬من الشعب الذي ُيظهر رغبة شديدة وملحة في النتقام‬
‫منهم ‪ ،‬والقضاء عليهم وإنهاء وجودهم ‪ ،‬وما بقي عليععه إل‬
‫أن ُيهيئ ال له ‪ ،‬أسباب الخروج والنبعاث ؟‬
‫‪ .4‬من الشعب الذي ُبعث عليهم فعي المعرة الولعى ‪ ،‬ودّمعر‬
‫مملكتهم في فلسطين بالذات ؟ وأين تقع الرض الععتي خععرج‬
‫منها الن ؟‬
‫‪132‬‬

‫‪ .5‬مععن الشعععب العزيععز والقععوي ‪ ،‬الععذي ل يقبععل الخضععوع‬
‫والذل والهوان ‪ ،‬ولديه القوة والقدرة ‪ ،‬ليفاجئهم ويكيل لهععم‬
‫الصععاع صععاعين ‪ ،‬وينععزل بهععم أبشععع انتقععام إلهععي ‪ ،‬وبتجعّل‬
‫واقتدار ؟‬
‫شروط ومواصفات المرة ‪:‬‬
‫والن لنحعععاول اسعععتنباط الشعععروط والمواصعععفات ‪ ،‬العععتي يجعععب‬
‫توافرها في المرة الواحدة ‪ ،‬ليصبح لدينا مقياس ينأى بنععا ‪ ،‬عععن‬
‫التخبععط والعشععوائية والجتهععاد الخععاطئ ‪ ،‬نسععتطيع مععن خللععه ‪،‬‬
‫تقييم كل حالة من الحالت المعروضة بين أيععدينا ‪ ،‬لجعل التحقععق‬
‫وبدقة متناهية ‪ ،‬من كونها إحدى المرتين أم ل ‪-:‬‬
‫أوجه التشابه بين المرتين ‪:‬‬
‫‪ .1‬المكان ‪ :‬الرض المقدسة ‪ -‬فلسطين ‪.‬‬
‫‪ .2‬صفة الفساد ‪ :‬أممي جماعي ‪ -‬القتل وسفك الدماء ‪ ،‬إخععراج‬
‫الناس من ديارهم ‪ ،‬محاربة ال وما جاء به رسله ‪.‬‬
‫‪ .3‬العلو ‪ :‬الستعلء ‪ -‬امتلك الرض والمال والقوة ‪.‬‬
‫‪ .4‬صفة المبعععوثين ‪ :‬أقويععاء وأعععزاء ‪ -‬يفضععلون المععوت علععى‬
‫الععذل والمهانععة ‪ ،‬ول يقبلععون بأقععل مععن رّد الصععاع صععاعين ‪،‬‬
‫ومخرجهم من نفس الرض ‪ ،‬في المرتين ‪.‬‬
‫‪ .5‬صفة العقاب ‪ :‬انتقام إلهي ‪ -‬الععدخول بالغلبععة قسععرا وقهععرا ‪،‬‬
‫وهدم مقومات الدولة ‪ ،‬وإفنععاء شعععبها ‪ ،‬والشععتات لمععن ينجععو‬
‫منهم ‪.‬‬
‫علمات فارقة تميز كل مرة عن الخرى ‪:‬‬
‫‪133‬‬

‫‪ .1‬النشأة والسععتمرارية ‪ :‬تواكليععة ‪ -‬إحععداهما بالتواكععل‬
‫على ال ‪ ،‬والخرى بالتواكل على الناس ‪.‬‬
‫‪ .2‬المجيعععء ‪ :‬مختلعععف ‪ -‬دخعععول فلسعععطين كأمعععة فعععي‬
‫الولى ‪ ،‬دخولها كجماعات متفرقة من الشتات في الثانيععة‬
‫‪.‬‬
‫‪ .3‬الوعد ‪ :‬الول ‪ -‬تحقق قبععل نععزول سععورة السععراء ‪،‬‬
‫والثاني ‪ -‬سيتحقق في مستقبل المة السلمية ‪.‬‬
‫هننل مننن المكننن أن يبعننث اللننه الكفننرة‬
‫وُيسّلطهم على من شاء من عباده ؟‬
‫هذا السؤال كان قد أورده الزمخشري في الكشاف ‪ ،‬حيععث قععال ‪:‬‬
‫" ) عبادا لنا ( ‪ ،‬وُقععرئ عبيععدا لنععا ‪ ،‬وأكععثر مععا ُيقعال عبعاد الع ‪،‬‬
‫وعبيد الناس ‪ ،‬سنحاريب وجنععوده وقيععل بختنصععر … فععإن قلععت‬
‫كيف جاز أن يبعث الع الكفععرة وُيسعّلطهم عليهععم ؟ قلععت ‪ :‬معنععاه‬
‫خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم ‪ ،‬علععى أن ال ع أسععند بعععث‬
‫ك ُن عَوّلي َبْع ع َ‬
‫ض‬
‫الكفععرة إلععى نفسععه ‪ ،‬فهععو كقععوله تعععالى ) َوَك عَذِل َ‬
‫ن )‪ 129‬النعام ( " انتهى ‪.‬‬
‫سُبو َ‬
‫ضا ‪ِ ،‬بَما َكاُنوا َيْك ِ‬
‫ن َبْع ً‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ال ّ‬
‫أما المام أحمد فقد قال ردا على نفععس السععؤال ‪ " :‬هععذا السععؤال‬
‫ي ‪ُ ،‬يوجب على ال تعععالى بزعمععه ‪ ،‬رعايععة‬
‫إنما يتوجه على قدر ّ‬
‫سعئل هعذا السعؤال‬
‫سعنيّ إذا ُ‬
‫معا يتعوهمه بعقلعه مصعلحة ‪ ،‬وأمعا ال ُ‬
‫ن )‪ 23‬النبياء‬
‫سَأُلو َ‬
‫عّما َيْفَعُل َوُهْم ُي ْ‬
‫سَأُل َ‬
‫أجاب عنه بقوله ‪َ ) :‬ل ُي ْ‬
‫( " انتهى ‪.‬‬
‫ول ننسى أن الكلم في المسألة أعله ‪ ،‬محمول علععى أن البعععثين‬
‫صل قبل نزول اليات ‪ ،‬حيث أجمعت كل الروايات على كفر‬
‫قد تح ّ‬
‫المبعوثين ‪ ،‬فجاء الكلم رّدا ‪ ،‬على من قد ينكعر علعى الع ‪ ،‬بععث‬
‫‪134‬‬

‫الكفرة على فسقة أهععل الكتععاب ‪ ،‬ويحصععر ذلععك بععالمؤمنين وهمععا‬
‫وظنععا واتباعععا للهععوى ‪ُ ،‬مقععّدرا بععأن فععي ذلععك كععل المصععلحة‬
‫ب العزة برأيه ‪.‬‬
‫والمنفعة ‪ُ ،‬ملزما ر ّ‬
‫وبالضافة لما تقّدم ‪ ،‬نسوق بعععض الدلععة مععن القععرآن والسععنة ‪،‬‬
‫على تسليط ال الناس بعضععهم علععى البعععض ‪ ،‬دون بيععان ماهيععة‬
‫المعتقد من حيث اليمان أو الكفر ‪ ،‬وحتى نصرة الدين بالفجار ‪:‬‬
‫ت اْلَْر ُ‬
‫ض‬
‫س عَد ِ‬
‫ض َلَف َ‬
‫ضهُْم ِبَبْع ع ٍ‬
‫س َبْع َ‬
‫ل الّنا َ‬
‫قال تعالى ) َوَلْوَل َدْفُع ا ِّ‬
‫ن )‪ 251‬البقرة (‬
‫عَلى اْلَعاَلِمي َ‬
‫ضٍل َ‬
‫ل ُذو َف ْ‬
‫ن ا َّ‬
‫َوَلِك ّ‬
‫صعَوامُِع‬
‫ت َ‬
‫ض َلُهّدَم ْ‬
‫ضُهْم ِبَبْع ٍ‬
‫س َبْع َ‬
‫ل الّنا َ‬
‫وقال أيضا ) َوَلْوَل َدْفُع ا ِّ‬
‫لع‬
‫ن ا ُّ‬
‫ص عَر ّ‬
‫سُم الِّ َكِثي عًرا َوَلَيْن ُ‬
‫جُد ُيْذَكُر ِفيَها ا ْ‬
‫سا ِ‬
‫ت َوَم َ‬
‫صَلَوا ٌ‬
‫َوِبَيٌع َو َ‬
‫عِزيٌز )‪ 40‬الحج (‬
‫ي َ‬
‫ل َلَقِو ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫صُرُه ِإ ّ‬
‫ن َيْن ُ‬
‫َم ْ‬
‫سععوِل‬
‫عْنُه ‪ ،‬عن َر ُ‬
‫ي الُّ َ‬
‫ضَ‬
‫ومما روى البخاري عن َأِبي ُهَرْيَرَة َر ِ‬
‫سعّلَم ‪ ،‬أنععه َقععاَل فععي معععرض حععديثه ‪… ) :‬‬
‫عَلْيعِه َو َ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ُّ‬
‫ل َ‬
‫ا ِّ‬
‫جِر ( ‪ ،‬وأخرجه مسلم وأحمد‬
‫جِل اْلَفا ِ‬
‫ن ِبالّر ُ‬
‫ل َلُيَؤّيُد َهَذا الّدي َ‬
‫ن ا َّ‬
‫َوِإ ّ‬
‫والدارمي ‪.‬‬
‫فإذا كان الحكيععم العليععم ينصععر دينععه بالفجععار ‪ ،‬أفل ُيع عّذب الكفععار‬
‫بالكفار ؟!!‬
‫أولم ُيسّلط ال التتار على فسقة المسلمين قديما ‪ ،‬وُيسّلط التراك‬
‫والنصععارى واليهععود علععى فسععقة المسععلمين حععديثا ‪ ،‬أم أن هععذا‬
‫التسليط كان من عند غير ال ؟!!‬
‫والسؤال هل هناك منفعععة أو مصععلحة ‪ُ ،‬ترتجععى مععن بعععث الريععح‬
‫والحجارة ‪ ،‬أو بعععث الطيععر والضععفادع ‪ ،‬علععى القععوام السععابقة ‪،‬‬
‫طالما أن الغاية هي عقاب الظلمة والمفسدين ؟!!‬
‫‪135‬‬

‫الخلصة ‪:‬‬
‫‪ .1‬أن إفساد بنو إسرائيل وعلوهم سيكون كأّمععة ‪ ،‬وبقيععام دولععة‬
‫لهم في فلسطين لمرتين فقط ‪ ،‬ل ثالث لهما ‪.‬‬
‫‪ .2‬أن البعث من عند الع ‪ ،‬وأنععه عقععاب وعععذاب لبنععي إسععرائيل‬
‫لفسادهم في الرض ‪ ،‬في الدرجة الولى ‪ ،‬بععالرغم مععن كععونه‬
‫نصرا للمستضعفين ‪ ،‬من أهل فلسطين ‪ ،‬الذين انتصروا لربهم‬
‫ودينهم ‪.‬‬
‫‪ .3‬أن هذا البعث متعّلق بموعد ‪ ،‬والمؤشر على قرب أجله ‪ ،‬هو‬
‫ازدياد وتيرة الظلم والفساد اليهودي ‪.‬‬
‫‪ .4‬أن غايععة هععذا البعععث ‪ ،‬هععي النتقععام مععن بنععي إسععرائيل فععي‬
‫الدرجة الولى ‪ ،‬وليس مكافأة لصلح المبعوثين ‪.‬‬
‫‪ .5‬أن الوعععد الول كععان قععد ُأنجععز فيمععا مضععى ‪ ،‬وقبععل مجيععء‬
‫السلم ‪ ،‬بل قبل عيسى عليه السلم ‪.‬‬
‫‪ .6‬أن تحقق الوعد الثاني ‪ ،‬اشُترط فيه قبل تحقّقه ‪:‬‬
‫أول ‪ :‬مجيئهم من الشتات ؛‬
‫ثانيا ‪ :‬هزيمة اليهود للمبعوثين وإلحاق الذى بهم ؛‬
‫ثالثا ‪ :‬اعتماد اليهود على المساعدات المادية والبشرية ؛‬
‫رابعا ‪ :‬تفّوق اليهود عسكريا على أعدائهم ‪.‬‬
‫‪ .7‬أن للبعث الثاني سبب ‪ ،‬وهو سععبق العتععداء اليهععودي علععى‬
‫المبعععوثين ‪ ،‬وأن خععروج المبعععوثين عليهععم ‪ ،‬سععيكون لرفععع‬
‫الضرر والنتقام لنفسهم ‪.‬‬
‫‪ .8‬أن المبعوثين عليهم في المرة الثانية ‪ ،‬هععم نفععس المبعععوثين‬
‫عليهم في المرة الولى ‪.‬‬
‫‪136‬‬

‫‪ .9‬أن هذا البعععث سععيكون ُمفععاجئا لهععم ‪ ،‬وهععم فععي قمععة علععوهم‬
‫وتجبرهم ‪ ،‬وسيأتيهم من حيث ل يحتسبوا ‪ ،‬وسيتم قتل اليهود‬
‫والتنكيل بهم ‪ ،‬ومن ثم دخول فلسطين والسيطرة عليهععا ‪ ،‬مععع‬
‫انعدام قدرة اليهود على صّد المبعوثين ‪.‬‬
‫‪ .10‬أن الدخول الول يعرفه اليهود ‪ ،‬كمعرفتهم لولدهم ‪ ،‬وليس‬
‫للمسلمين معرفة بصفته ‪ ،‬كونهم لم ُيعاصرونه ‪ ،‬إل مععن خلل‬
‫كتب اليهود ‪.‬‬
‫‪ .11‬أن تدمير مقومععات علععوهم فععي مشععارق الرض ومغاربهععا ‪،‬‬
‫أمر حتمي ‪ ،‬ولو بعد حين ‪.‬‬
‫‪ .12‬أن ماهية المعتقد للمبعوثين ُمبهمة ‪ ،‬فمن الجععائز أن يكونععوا‬
‫كفرة أو مسلمين أو مؤمنين أو من أولياء ال المخلصين ‪ ،‬في‬
‫كل المرتين ‪ ،‬أو في مرة دون الخععرى ‪ ،‬وأن أهعّم مععا ُيمّيزهععم‬
‫في كل المرتين ‪ ،‬هو اّتصافهم بالبأس الشديد ‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫تاريخ وجغرافيا بني إسرائيل في القران‬
‫بعد مراجعععتي لمعظععم اليععات القرآنيععة ‪ ،‬الععتي تحكععي سععيرة بنععي‬
‫إسرائيل ‪ ،‬تبّين لععي الكععثير مععن الوقععائع المبهمععة فععي تععاريخهم ‪،‬‬
‫والمفاهيم المغلوطة ‪ ،‬التي كنت أحملها ويحملها عامة المسلمين‬
‫‪ ،‬والععتي سععيرد تفصععيلها فععي هععذا الفصععل إن شععاء ال ع ‪ .‬كنععت‬
‫سأقتصر بحثي في تاريخ بني إسرائيل ‪ ،‬لثبات تحقق وعد المرة‬
‫الولععى مععن علععو وإفسععاد وعقععاب ‪ ،‬ولكععن تععبين لععي مععن خلل‬
‫الحاديث العامة ‪ ،‬وعند طرحي لموضوع هذا البحععث ‪ ،‬أن كععثيرا‬
‫مععن النععاس ‪ ،‬يجهلععون تاريععخ بنععي إسععرائيل ‪ ،‬وخاصععة ماهّيععة‬
‫الحععداث الععتي حصععلت معهععم ‪ ،‬وموقعهععا مععن حيععث الزمععان‬
‫والمكععان ‪ ،‬والععتي ُذكععرت متفرقععة فععي القععرآن ‪ ،‬وبل ترتيععب فععي‬
‫أغلب الحيان ‪ ،‬ويجهلون أيضا حتى ترتيب أنبيعاء بنععي إسعرائيل‬
‫وتعاقبهم ‪ ،‬لذلك اضطررت لتعقب تاريخهم منذ البدايعة ‪ ،‬لمعا فيعه‬
‫من فائدة ‪.‬‬
‫إبراهيم عليه السلم‬
‫حسععبما ورد عععن أهععل الكتععاب ‪ ،‬أن إبراهيععم عليععه السععلم ‪ ،‬كععان‬
‫ب َق عْوِمِه ِإّل‬
‫جَوا َ‬
‫ن َ‬
‫مقيما في بلدة أور في جنوب العراق ‪َ ) ،‬فَما َكا َ‬
‫ت‬
‫ن ِفععي َذِل عكَ لََيععا ٍ‬
‫ل ِمنْ الّناِر ِإ ّ‬
‫جاُه ا ُّ‬
‫حّرُقوُه َفَأن َ‬
‫ن َقاُلوا اْقُتُلوُه َأْو َ‬
‫َأ ْ‬
‫جرٌ‬
‫ط َوَقاَل ِإّني ُمَهععا ِ‬
‫ن َلُه ُلو ٌ‬
‫ن )‪ 24‬العنكبوت ( ‪َ ) ،‬فآَم َ‬
‫ِلَقْوٍم ُيْؤِمُنو َ‬
‫جْيَنععاُه‬
‫حِكيعُم )‪ 26‬العنكبععوت ( ‪َ ) ،‬وَن ّ‬
‫ِإَلععى َرّبععي ِإّنعُه ُهعَو اْلَعِزيعُز اْل َ‬
‫ن )‪ 71‬النبياء ( ومععن‬
‫ض اّلِتي َباَرْكَنا ِفيَها ِلْلَعاَلِمي َ‬
‫طا ِإَلى اَْلْر ِ‬
‫َوُلو ً‬
‫ثم انتقل إبراهيم ولوط عليهما السلم ‪ ،‬وهو الوحيد الذي آمن له‬
‫من قومه ‪ ،‬إلى فلسطين ‪.‬‬
‫‪138‬‬

‫وسكن لوط عليه السلم قرية ) سدوم وعمععورة ( حسععب تسععمية‬
‫التوراة ‪ ،‬في موضع البحر الميت حاليا ‪ ،‬واسععتمر إبراهيععم عليععه‬
‫السلم على الرجح ‪ ،‬إلى المدينععة المسعّماة باسععمه لغايععة الن –‬
‫وهععي الخليععل جنععوبي القععدس ‪ -‬وسععكن فيهععا ‪ ،‬وظععاهر النععص‬
‫القرآني ‪ ،‬يفيد بأنهما لم يكونا متزوجين ‪ ،‬ولععو كانععا مععتزوجين ‪،‬‬
‫لُذِكَر أهلهما عند النجاة ‪ ،‬كما اقترن ِذْكر الهل مع النبيععاء ‪ ،‬فععي‬
‫كل من حالت النجاة والهجرة ‪ ،‬التي وردت في القران ‪ ،‬كما فععي‬
‫جْيَنععاُه َوَأْهَلعهُ ِمعنْ‬
‫جْبَنا َلعُه َفَن ّ‬
‫سعَت َ‬
‫ن َقْبعُل َفا ْ‬
‫حا ِإْذ َناَدى ِم ْ‬
‫الية ) َوُنو ً‬
‫طععا …‬
‫ن ِفيَهععا ُلو ً‬
‫ظيعِم )‪ 76‬النبيععاء ( ‪ ،‬واليععة ) َقععاَل ِإ ّ‬
‫ب اْلَع ِ‬
‫اْلَكْر ِ‬
‫ن )‪ 32‬العنكبععوت ( ‪،‬‬
‫ن اْلَغععاِبِري َ‬
‫ت ِمع ْ‬
‫جَيّنُه َوَأْهَلُه ِإّل اْمَرَأَتعُه َكععاَن ْ‬
‫َلُنَن ّ‬
‫سعاَر ِبعَأْهِلِه )‪ 29‬القصعص (‬
‫جعَل َو َ‬
‫سعى اَْل َ‬
‫ضعى ُمو َ‬
‫والية ) َفَلّما َق َ‬
‫ليفيد ذلك أنهما هاجرا منفردين وفي مقتبل العمععر ‪ ،‬وأن الععزواج‬
‫حصل بعد القامة ‪ ،‬وعلى الرجح ‪ ،‬من نفس القوام التي دخلععوا‬
‫عليها وعايشوهاكأفراد ‪ ،‬وال أعلم ‪.‬‬
‫عَلععى‬
‫ب لععي َ‬
‫حْمعُد لِّع اّلعِذي َوَهع َ‬
‫قال تعالى على لسان إبراهيم ) اْل َ‬
‫عاِء )‪39‬‬
‫سعععِميُع العععّد َ‬
‫ن َرّبعععي َل َ‬
‫ق ‪ِ ،‬إ ّ‬
‫حا َ‬
‫سععع َ‬
‫عيَل َوِإ ْ‬
‫سعععَما ِ‬
‫اْلِكَبعععِر ‪ِ ،‬إ ْ‬
‫إبراهيم ( ‪ ،‬ومرت سععنون طويلععة ‪ ،‬وبعععد أن تقعدم إبراهيععم عليععه‬
‫السلم في العمر ‪ ،‬وهبه ال جّل وعل إسماعيل أول من هععاجر ‪،‬‬
‫ق بإسععحاق فععي شععيخوخته ‪،‬‬
‫فأسكنه وأمه في مكة ‪ ،‬ومن ثععم ُرِز َ‬
‫من سارة التي أصبحت عجعوزا ‪ ،‬ومعن ثعم ُوِلعَد يعقعوب لسعحاق‬
‫ش عْرَناَها‬
‫ت َفَب ّ‬
‫حَك ْ‬
‫ضع ِ‬
‫عليهما السلم ‪ ،‬قال تعالى ) َواْمَرَأُت عُه َقاِئَم عٌة َف َ‬
‫ت َيَوْيَلَتععا َأَأِلعُد َوَأَنععا‬
‫ب )‪َ (71‬قععاَل ْ‬
‫ق َيْعُقععو َ‬
‫حا َ‬
‫سَ‬
‫ن َوَراِء ِإ ْ‬
‫ق َوِم ْ‬
‫حا َ‬
‫سَ‬
‫ِبِإ ْ‬
‫ب )‪ 72‬هود ( ‪.‬‬
‫جي ٌ‬
‫عِ‬
‫يٌء َ‬
‫ش ْ‬
‫ن َهَذا َل َ‬
‫خا ِإ ّ‬
‫شْي ً‬
‫جوٌز َوَهَذا َبْعِلي َ‬
‫عُ‬
‫َ‬

‫‪139‬‬

‫مسنننألة بنننناء النننبيت الحنننرام والمسنننجد‬
‫القصى ‪:‬‬
‫س َلّلعِذي ِبَبّكعَة ُمَباَرًكععا َوُهعًدى‬
‫ضَع ِللّنععا ِ‬
‫ت ُو ِ‬
‫ن َأّوَل َبْي ٍ‬
‫قال تعالى ) ِإ ّ‬
‫ن )‪ 96‬آل عمران ( ‪.‬‬
‫ِلْلَعاَلِمي َ‬
‫عن أ َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ق‬
‫)‬
‫‪:‬‬
‫ل‬
‫قا‬
‫‪،‬‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ي‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ذ‬
‫بي‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫و َ ْ ِ‬
‫ّ َ‬
‫َ‬
‫ل الل ّه أ َي مسننجد وضننع أ َ‬
‫و َ‬
‫سو َ‬
‫ل؟‬
‫ِ‬
‫‪َ :‬يا َر ُ‬
‫ّ َ ْ ِ ٍ ُ ِ َ ّ‬
‫قل ْت ‪ :‬ث ُنم أ َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫ي؟‬
‫جدُ ال ْ َ‬
‫حَرا ُ‬
‫م‪ُ ُ ،‬‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ل ‪ :‬ال ْ َ‬
‫س ِ‬
‫ل ‪ :‬ث ُم ال ْمسجدُ اْل َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫كنن‬
‫‪:‬‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ق‬
‫‪،‬‬
‫صى‬
‫ق‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ ْ ِ‬
‫ل ‪ :‬أَ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ما ؟ َ‬
‫ُ‬
‫قننا َ‬
‫قا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ث‬
‫‪،‬‬
‫ن‬
‫عو‬
‫ب‬
‫ر‬
‫َ‬
‫كا َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن ب َي ْن َ ُ‬
‫ّ‬
‫ه َ‬
‫ْ‬
‫حيث ُما أ َ‬
‫ل ‪ ،‬واْل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ص‬
‫ف‬
‫ة‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ص‬
‫ال‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ت‬
‫ك‬
‫ر‬
‫د‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ ْ َ‬
‫ْ ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َلنن َ‬
‫جدٌ ( رواه البخنناري ‪ ،‬وأخرجننه‬
‫م ْ‬
‫ك َ‬
‫سنن ِ‬
‫مسلم والنسننائي وابننن ماجننة وأحمنند ‪.‬‬
‫جاء في شرح السننندي ‪ ،‬لنفننس المتننن‬
‫ع‬
‫و ِ‬
‫ض َ‬
‫عند ابن ماجة ‪ ،‬ما نصه ‪ " :‬قوله ) ُ‬
‫أول ( بالبنننناء علنننى الضنننمة ‪ ) ،‬قنننال‬
‫أربعون عاما ( قالوا ‪ :‬ليس المننراد بننناء‬
‫إبراهينننم للمسنننجد الحنننرام ‪ ،‬وبنننناء‬
‫سليمان للمسجد القصى ‪ ،‬فإن بينهمننا‬
‫مدة طويلة بل ريب ‪ ،‬بل المننراد بناؤهننا‬
‫قبل هذين البناءين ‪ ،‬والله أعلم " ‪.‬‬
‫ومن معاني ) الوضع ( ‪ ،‬في لسان العرب " والمواضع معروفة‬
‫‪ ،‬وواحدها موضع ‪ ،‬والموضع هو اسم المكان ‪ ،‬وفععي الحععديث ‪:‬‬
‫ض عُع الجزيععة " ‪ ،‬فتوضععع الجزيععة‬
‫" ينععزل عيسععى بععن مريععم فَي َ‬
‫ض عُع العلععم " أي يهععدمه ويلصععقه‬
‫وتسقط ‪ ،‬وفي الحديث ‪ " :‬و َي َ‬
‫‪140‬‬

‫ضعَعًا أي اختلقععه وأوجععده ‪ ،‬ووضععع‬
‫ضعَع الشععيء َو ْ‬
‫بالرض ‪ ،‬وَو َ‬
‫الشيء في المكان ‪ ،‬أثبته فيه " ‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫ع ( بننأي حننال مننن الحننوال‬
‫و ِ‬
‫ولم تأ ِ‬
‫ضن َ‬
‫ت) ُ‬
‫ي ( ‪ ،‬وذلك يفيد بأن الوضننع‬
‫بمعنى ) ب ُن ِ َ‬
‫كان للقواعد فقننط ‪ .‬وقنند ُروي أن آدم‬
‫عليه السلم ‪ ،‬هو أول من بنى الكعبننة ‪،‬‬
‫واتخننذت مكان نا ً لعبننادة اللننه ‪ ،‬ومننن ثننم‬
‫تحول الموضع لعبادة الصنام ‪ ،‬وأزيلننت‬
‫معالم ذلك البناء ‪ ،‬بفعل الطوفان زمن‬
‫ننننوح علينننه السنننلم ‪ ،‬واختفنننت هنننذه‬
‫القواعد نتيجة تراكم التربة ‪ ،‬علننى م نّر‬
‫ع ( فنني كل‬
‫و ِ‬
‫ضنن َ‬
‫السنننين ‪ .‬وإعننراب ) ُ‬
‫ض مبننني‬
‫الموضننعين ‪ ،‬هننو فعننل مننا ٍ‬
‫للمجهننول ‪ ،‬أي أن فاعننل الوضننع غيننر‬
‫معلوم في النص ‪ ،‬وجاءت بمعنى تعيين‬
‫وتحدينند مكننان الننبيت ‪ ،‬وهننناك روايننات‬
‫بأن الملئكة كشفت لدم عن موضننعه ‪،‬‬
‫سنناحي‬
‫عندما بناه لول مننرة ‪ .‬وبلغننة م ّ‬
‫الراضننننني ‪ ،‬نسنننننتطيع القنننننول أن‬
‫وضع ( ‪ ،‬جاءت بمعنى تحديد وإسقاط‬
‫) ُ‬
‫إحداثيات الموقع على الرض ‪ ،‬وتثننبيت‬
‫حدوده ‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫ول يختلف اثنان ‪ ،‬علننى أن مننن أعنناد بننناء‬
‫البيت الحرام ‪ ،‬هما إبراهيم وإسننماعيل‬
‫عليهمننا السننلم ‪ ،‬بدللننة قننوله تعننالى‬
‫َ‬
‫) وإذْ بوأ ْ‬
‫ن َل‬
‫م‬
‫ن‬
‫هي‬
‫را‬
‫ب‬
‫ل‬
‫نا‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن ال ْب َي ْن ِ‬
‫ِ‬
‫تأ ْ‬
‫مك َننا َ‬
‫َ َ‬
‫ِْ َ‬
‫َ ِ َ ّ‬
‫ر ْ‬
‫ك ِبي َ‬
‫تُ ْ‬
‫ن‬
‫هْر ب َي ْت ِنني ِللطّننائ ِ ِ‬
‫وط َ ّ‬
‫في َ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫ش ِ‬
‫وال ْ َ‬
‫جوِد )‪ 26‬الحج ( ‪،‬‬
‫قائ ِ ِ‬
‫س ُ‬
‫ع ال ّ‬
‫مي َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫والّرك ّ ِ‬
‫وأنننا أي كشننفنا وأظهرنننا لننه موضننعه‬
‫ب ّ‬
‫ومكّناه منه وأذنا له في بنائه ‪ ،‬ومن ثم‬
‫كان البناء برفعننه فننوق القواعنند ‪ ،‬فنني‬
‫م ال ْ َ‬
‫وإ ِذْ ي َْر َ‬
‫ن‬
‫وا ِ‬
‫ع ند َ ِ‬
‫ع إ ِب َْرا ِ‬
‫ف ُ‬
‫من ْ‬
‫هي ن ُ‬
‫ق َ‬
‫قوله ) َ‬
‫عي ُ‬
‫ل )‪ 127‬البقنننرة ( ‪،‬‬
‫ما ِ‬
‫ال ْب َْيننن ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫سننن َ‬
‫ت َ‬
‫والغاية من بناءه هو جعله مكانا للعبادة‬
‫‪ ،‬بما تشمله من طننواف وقيننام وركننوع‬
‫وسنننجود ‪ ،‬لمنننن يسنننتجيبوا لرسنننالة‬
‫السننلم ‪ ،‬كمننا ورد فنني اليننة أعله ‪،‬‬
‫النننتي كنننان يحملهنننا إسنننماعيل علينننه‬
‫السننلم ‪ ،‬المقيننم فنني ذلننك المكننان‬
‫عي َ‬
‫ن‬
‫ما ِ‬
‫واذْك ُْر ِ‬
‫ه ك َننا َ‬
‫ب إِ ْ‬
‫ل إ ِن ّن ُ‬
‫سن َ‬
‫في ال ْك َِتا ِ‬
‫) َ‬
‫و َ‬
‫سننوًل ن َب ِّيننا )‪54‬‬
‫و ْ‬
‫عنن ِ‬
‫كننا َ‬
‫ن َر ُ‬
‫َ‬
‫د َ‬
‫صنناِدقَ ال ْ َ‬
‫مريم ( ‪.‬‬
‫يعقوب ويوسف عليهما السلم‬
‫جَتَبْيَنععا‬
‫ن َهعَدْيَنا َوا ْ‬
‫سعَراِئيَل َوِمّمع ْ‬
‫ن ُذّرّيِة ِإْبَراِهيَم َوِإ ْ‬
‫قال تعالى ) َوِم ْ‬
‫جًدا َوُبِكّيعا )‪ 58‬مريعم ( ‪،‬‬
‫سع ّ‬
‫خعّروا ُ‬
‫ن َ‬
‫حَمعا ِ‬
‫ت الّر ْ‬
‫عَلْيِهْم آَيا ُ‬
‫ِإَذا ُتْتَلى َ‬
‫ويعقوب عليه السلم هو إسعرائيل ‪ ،‬والمقصعود ببنعي إسعرائيل ‪،‬‬
‫‪143‬‬

‫هم نسل يعقوب عليه السععلم ‪ ،‬وحسععب مععا ترويععه التععوراة ‪ ،‬أنععه‬
‫ترك مقام أبيه إسحاق في فلسطين ‪ ،‬وهاجر إلى خاله في العععراق‬
‫‪ ،‬ورعى عنده الغنم عدة سنين ‪ ،‬وتزوج اثنتين من بناته ‪ ،‬وعععاد‬
‫إلى فلسطين مععرة أخععرى ‪ ،‬وقععد ُرزق عليععه السععلم بععاثني عشععر‬
‫ابنا ‪ ،‬وأبرزهم يوسععف عليععه السععلم ‪ ،‬فععي قععوله تعععالى ) ِإْذ َقععاَل‬
‫س‬
‫شععْم َ‬
‫شععَر َكْوَكًبععا ‪َ ،‬وال ّ‬
‫ع َ‬
‫حععَد َ‬
‫ت َأ َ‬
‫ت ِإّنععي َرَأْيعع ُ‬
‫ف َِلِبيععِه َيععَأَب ِ‬
‫سعع ُ‬
‫ُيو ُ‬
‫ن )‪ 4‬يوسف ( ‪ ،‬وقوله ) َوَرَفَع َأَب عَوْيهِ‬
‫جِدي َ‬
‫سا ِ‬
‫َواْلقََمَر ‪َ ،‬رَأْيُتُهْم ِلي َ‬
‫جًدا )‪ 100‬يوسععف ( ‪ .‬أي أجلععس أبععوه‬
‫سع ّ‬
‫خّروا َلُه ُ‬
‫ش َو َ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫َ‬
‫وأمه إلى جواره ‪ ،‬احتراما وتقديرا وتععوقيرا ‪ ،‬ومععن ثععم سععجد لععه‬
‫أخوته الحععد عشععر ‪ ،‬دون أبععويه ‪ ،‬ففععي اليععة )‪ (4‬كععانت الرؤيععا‬
‫الولى ‪ ،‬للحععد عشععر كوكبععا والشععمس والقمععر ‪ ،‬ومععن ثععم كععانت‬
‫الرؤيععا الثانيععة ‪ ،‬لسععجود الحععد عشععر كوكبععا ‪ ،‬دون الشععمس‬
‫والقمر ‪ ،‬وهذا ما تؤكده الية ) ‪ ، ( 100‬حيث ُرفععع البععوين إلععى‬
‫العرش ‪ ،‬ومن ثم وقع السجود من الخوة ‪.‬‬
‫أما مكان سععكنى يعقععوب عليععه السععلم ‪ ،‬ومععن قععوله تعععالى علععى‬
‫ن اْلَب عْدِو )‪ 100‬يوسععف ( ‪ ،‬يتععبين لنععا‬
‫جاَء ِبُكْم ِم ْ‬
‫لسان يوسف ) َو َ‬
‫أنهم كانوا قد سععكنوا الصععحراء ‪ ،‬وعاشععوا حيععاة البععداوة ‪ ،‬ومععن‬
‫المعروف أن مهنة البدو ‪ ،‬هي تربية المواشي ‪ ،‬وتبادل منتجاتها‬
‫مععع أهععل الحضععر ‪ ،‬ومععن قععوله علععى لسععان أخععوة يوسععف أيضععا‬
‫س عَأْل اْلَقْرَي عَة اّلِتععي ُكّنععا ِفيَهععا َواْلِعي عَر اّلِتععي َأْقَبْلَنععا ِفيَهععا َوِإّنععا‬
‫) َوا ْ‬
‫ن )‪ 82‬يوسف ( والقرية ‪ ،‬هي مكان تواجد يوسف عليععه‬
‫صاِدُقو َ‬
‫َل َ‬
‫السلم في مصر ‪ ،‬حيععث تركععوا الخ الشععقيق ليوسععف ‪ ،‬وقععولهم‬
‫هذا وترّددهم لكثر من مرة على مصر ‪ ،‬يدل على قربهععم منهععا ‪،‬‬
‫وقولهم ) َواْلِعيَر اّلِتعي َأْقَبْلَنعا ِفيَهعا ( يعدل أنهعم ذهبعوا إلعى مصعر‬
‫ورجعوا في قافلععة ‪ ،‬وأفرادهععا يقطنععون معهععم أو بععالقرب منهععم ‪.‬‬
‫‪144‬‬

‫والرجح أن تكون هذه الصحراء ‪ ،‬التي كانوا يقيمون فيها قريبة‬
‫إلى مصر ‪ ،‬وربما تكون صحراء النقب ‪ ،‬جنوب فلسععطين ‪ ،‬وفععي‬
‫منطقععة بئر السععبع بالععذات ‪ ،‬حيععث سععكنى بععدو فلسععطين ‪ ،‬وهععو‬
‫الرجح وال أعلم ‪.‬‬
‫النتقال إلى مصر ‪:‬‬
‫وبعععد أن تبعّوأ يوسععف عليععه السععلم فععي مصععر منصععبا ‪ ،‬يععوازي‬
‫منصععب وزيععر الخزينععة ‪ ،‬أو الماليععة فععي عصععرنا الحععالي ‪ ،‬لععدى‬
‫فرعون مصر ‪ ،‬انتقل يعقوب وبنوه ‪ ،‬للحاق بععه فععي مصععر ‪ ،‬قععال‬
‫خُلععوا‬
‫ف آَوى ِإَلْيعِه َأَبعَوْيِه َوَقععاَل اْد ُ‬
‫سع َ‬
‫عَلععى ُيو ُ‬
‫خُلععوا َ‬
‫تعالى ) َفَلّمععا َد َ‬
‫ب َقعْد آَتْيَتِنععي مِعنْ‬
‫ن )‪َ (100) … (99‬ر ّ‬
‫لع آِمِنيع َ‬
‫شاَء ا ُّ‬
‫ن َ‬
‫ِمصَْر ِإ ْ‬
‫ث … )‪ 101‬يوسعععف ( ‪،‬‬
‫حعععاِدي ِ‬
‫ن َتْأِويعععِل اَْل َ‬
‫عّلْمَتنعععي ِمععع ْ‬
‫ك َو َ‬
‫اْلُمْلععع ِ‬
‫ودخلوها معّززين مكّرمين آمنين ‪ ،‬وقعوله ) آمنيعن ( يعوحي بعأن‬
‫ليس كل من دخل مصر آنذاك ‪ ،‬ليقيم فيه من الغرباء والععدخلء ‪،‬‬
‫سيكون آمنا على نفسه ‪ ،‬من الضطهاد والستعباد ‪.‬‬
‫بعض مظاهر الحكم المصري ‪:‬‬
‫قصة يوسف عليه السلم أشهر مععن أن تععّرف ‪ ،‬لععذلك سععنوردها‬
‫باختصار ‪ ،‬ونرّكز على بعض ما خفعي منهععا ‪ .‬حيعث كععانت مصععر‬
‫آنذاك إحدى ُكبريات الممالك القديمة ‪ ،‬بدللة قعوله تععالى ) َوَقععاَل‬
‫سععي … )‪ 54‬يوسععف ( ‪ ،‬وعلععى‬
‫صعُه ِلَنْف ِ‬
‫خِل ْ‬
‫سَت ْ‬
‫ك اْئُتععوِني ِبعِه َأ ْ‬
‫اْلَمِل ُ‬
‫ن ِفععي‬
‫ظععاِهِري َ‬
‫ك اْلَيعْوَم َ‬
‫لسان مؤمن آل فرعون ) َيععا َقعْوِم َلُكعْم اْلُمْلع ُ‬
‫ض )‪ 29‬غافر ( ‪ ،‬ونظام الحكععم فيهععا ملكععي وراثععي ‪ ،‬وكلمععة‬
‫اَْلْر ِ‬
‫فرعون ربما تكون اسععم أو لقععب للملععك ‪ ،‬ويقععال أن الفراعنععة لععم‬
‫يكونوا ملوك مصر ‪ ،‬في زمن يوسف عليه السلم ‪ ،‬فسععواء كععان‬
‫هذا أو ذاك ‪ ،‬فنحن نصف الوضاع في مصر بشكل عام ‪.‬‬
‫‪145‬‬

‫حيث يبدو أن المجتمع المصري ‪ ،‬كان يتأّلف من أربع طبقات ‪-:‬‬
‫الطبقة الولى ‪ :‬العائلة الملكية ‪ ،‬التي هي في مصاف اللهععة مععن‬
‫حيث الحقوق والمتيازات ‪.‬‬
‫الطبقة الثانية ‪ :‬الشراف من المصريين ‪ ،‬الموكل إليهععم العمععال‬
‫التنفيذية ‪ ،‬ويتمتعون بامتيازات استثنائية ‪ ،‬من وزراء وما شابه‬
‫‪ ،‬وهععم عليععة القععوم وسععماهم سععبحانه مل فرعععون ‪ ،‬فععي قععوله‬
‫لُه ِزيَنعًة َوَأمْعَواًل ِفععي‬
‫ن َوَم َ‬
‫ععْو َ‬
‫ت ِفْر َ‬
‫ك آَتْيع َ‬
‫سى َرّبَنععا ِإّنع َ‬
‫) َوَقاَل ُمو َ‬
‫حَياِة الّدْنَيا )‪ 88‬يونس ( ‪ .‬ومنهم العزيز صععاحب يوسععف عليععه‬
‫اْل َ‬
‫السععلم ‪ ،‬وهامععان الععذي كععان يشععغل مععا يشععبه ‪ ،‬منصععب رئيععس‬
‫ن اْبنِ‬
‫ن َيا َهاَما ُ‬
‫عْو ُ‬
‫الوزراء في عصرنا هذا ‪ ،‬قال تعالى ) َوَقاَل ِفْر َ‬
‫ب )‪ 36‬غافر ( ‪.‬‬
‫سَبا َ‬
‫حا َلَعّلي َأْبُلُغ اَْل ْ‬
‫ِلي صَْر ً‬
‫وانضوى يوسف عليه السلم ضمن هععذه الطبقععة ‪ ،‬مععع أنععه كععان‬
‫س الحاجة لعلمععه وحكمتععه ‪ ،‬لدارة‬
‫من الغرباء ‪ ،‬كونهم كانوا بأم ّ‬
‫شؤون البلد القتصادية ‪ ،‬في سنين الجفاف ‪ ، ،‬ل لشععيء آخععر ‪.‬‬
‫بعد أن أصبح عليه السععلم مععن المقربيععن للملععك ‪َ ) ،‬وَقععاَل اْلمَِلعكُ‬
‫ك اْلَيعْوَم َلعَدْيَنا مَِكيعنٌ‬
‫سي َفَلّما َكّلَمُه َقاَل ِإّن َ‬
‫صُه ِلَنْف ِ‬
‫خِل ْ‬
‫سَت ْ‬
‫اْئُتوِني ِبِه َأ ْ‬
‫ن )‪ 54‬يوسف ( حيث كان عبععدا مملوكععا لعذلك العزيععز ‪ ،‬العذي‬
‫َأِمي ٌ‬
‫قال عنه يوسف عليه السععلم ‪ ،‬عنععدما ُروِوَد عععن نفسععه للوقععوع‬
‫س عنَ‬
‫ح َ‬
‫في الزنا ‪ ،‬بزوجة من أكرمه وأحسن مقامه ‪ِ ) :‬إّن عُه َرّبععي َأ ْ‬
‫ن )‪ 23‬يوسععف ( أي لععن أظلععم نفسععي‬
‫ظععاِلُمو َ‬
‫ح ال ّ‬
‫ي ِإّنُه َل ُيْفِل ُ‬
‫َمْثَوا َ‬
‫بمعصية ال ‪ ،‬ولن أظلم زوجك بنكران معروفه معي ‪ ،‬إذ قال لهععا‬
‫صَر ِلْمَرَأِتِه َأْكِرِمي‬
‫ن ِم ْ‬
‫شَتَراُه ِم ْ‬
‫زوجها عند شراءه ) َوَقاَل اّلِذي ا ْ‬
‫ب‬
‫خعَذُه َوَلعًدا )‪ 21‬يوسععف ( ‪ ،‬ولفععظ ر ّ‬
‫ن َينَفَعَنا َأْو َنّت ِ‬
‫سى َأ ْ‬
‫ع َ‬
‫َمْثَواُه َ‬
‫في الية السابقة جاء بمعنى صاحب أو مالك ‪ ،‬ولفععظ العزيعز هعو‬
‫‪146‬‬

‫خععوطب‬
‫لقب ُيطلق على الشراف ‪ ،‬ذوي المناصب الرفيعة ‪ ،‬وقد ُ‬
‫به يوسف عليه السلم ‪ ،‬من ِقَبل أخوته فععي اليععة )‪ . (88‬ويبععدو‬
‫أن المجتمع المصري كان منغلقا على نفسه ‪ ،‬ول يخالط الغربععاء‬
‫مععن منظععور الفوقيععة والسععتعلء ‪ ،‬ويخععاف الغربععاء ويخشععاهم‬
‫وبالتالي كان ينبذهم ‪.‬‬
‫والطبقة الثالثة ‪ :‬عامة المصريين وهم يعملون بالوظائف العامععة‬
‫والخاصة ‪ ،‬وامتيازاتهم عادية ‪ ،‬وشملت هذه الطبقععة نسععبيا بنععي‬
‫إسرائيل ‪ ،‬في زمن يوسف عليه السلم ‪.‬‬
‫والطبقة الرابعة ‪ :‬العبيد عن طريق الشراء وما شابه ‪ ،‬وأغلبهععم‬
‫من غير المصريين ‪ ،‬بل حقوق وبل امتيازات ‪ ،‬بل علععى العكععس‬
‫ليس لهم إل المهانععة والزدراء ‪ ،‬ويعملععون بقععوتهم اليععومي فععي‬
‫ي السععجن ‪،‬‬
‫الزراعععة والبنععاء والخدمععة ‪ ،‬ومععن ضععمنها صععاحب ّ‬
‫وشملت بنععي إسععرائيل ‪ ،‬بعععد يوسععف عليععه السععلم ‪ ،‬حععتى زمععن‬
‫موسععى عليععه السععلم ‪ .‬والمخطععئ مععن هععؤلء العبيععد فععي حععق‬
‫المصريين ‪ ،‬كان مصععيره السععجن أو العععذاب الشععديد أو القتععل ‪،‬‬
‫وبدون محاكمة على الرجح ‪ ،‬وخاصة إذا كان خصععمه مصععريا ‪،‬‬
‫حتى ولو ُأتهم زورا وبهتانا ‪.‬‬
‫وأمععا الموقععع الجغرافععي لعاصععمة الملععك ‪ ،‬وبدللععة هععذه اليععات‬
‫صعَر َوَهعِذِه‬
‫ك ِم ْ‬
‫س ِلي ُمْلع ُ‬
‫ن ِفي َقْوِمِه َقاَل َيا َقْوِم َأَلْي َ‬
‫عْو ُ‬
‫) َوَناَدى ِفْر َ‬
‫ن )‪ 51‬الزخرف ( ‪َ ) ،‬واْتُر ْ‬
‫ك‬
‫صُرو َ‬
‫ل ُتْب ِ‬
‫حِتي َأَف َ‬
‫ن َت ْ‬
‫جِري ِم ْ‬
‫اَْلْنَهاُر َت ْ‬
‫ت َوعُُيونٍ )‬
‫جّنا ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن )‪َ(24‬كْم َتَرُكوا ِم ْ‬
‫جنٌد ُمْغَرُقو َ‬
‫حَر َرْهًوا ِإّنُهْم ُ‬
‫اْلَب ْ‬
‫ن )‪27‬‬
‫ع َوَمَقاٍم َكِريٍم )‪َ (26‬وَنْعَمةٍ َكععاُنوا ِفيَهععا َفععاِكِهي َ‬
‫‪َ (25‬وُزُرو ٍ‬
‫الدخان ( ‪ ،‬فهو يقع على مجرى نهر النيل ‪ ،‬في أخصب الراضي‬
‫‪147‬‬

‫المصرية ‪ ،‬أما سعكنى فرععون وآلعه ) أي ععائلته ( كعانت خعارج‬
‫المدينة ‪ ،‬بمعزل عن الشعب ‪ ،‬وقصره مقام على ضفاف النيل ‪.‬‬
‫هل كان يوسف داعية إلى ال فععي مصععر ؟ نقععول نعععم ‪ ،‬وقععد بععدأ‬
‫حَب ِ‬
‫ي‬
‫صععا ِ‬
‫ي السععجن ) َي َ‬
‫الععدعوة فععي السععجن ‪ ،‬عنععدما قععال لصععاحب ّ‬
‫ح عُد اْلَقّهععاُر )‪َ (39‬مععا‬
‫ل ع اْلَوا ِ‬
‫خْي عٌر َأْم ا ُّ‬
‫ن َ‬
‫ب ُمَتَفّرُقععو َ‬
‫ن َأَأْرَبععا ٌ‬
‫جِ‬
‫سع ْ‬
‫ال ّ‬
‫سّمْيُتُموَها َأْنُتْم َوآَباُؤُكْم ‪َ ،‬ما َأنَزَل ا ُّ‬
‫ل‬
‫ن ُدوِنِه ِإّل َأسَماًء َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫َتْعُبُدو َ‬
‫لع َأَمعَر َأّل َتْعُبعُدوا ِإّل ِإّيععاُه ‪َ ،‬ذِلعكَ‬
‫حْكعُم ِإّل ِّ‬
‫ن اْل ُ‬
‫ن ‪ِ ،‬إ ْ‬
‫طا ٍ‬
‫سعْل َ‬
‫ن ُ‬
‫ِبَها ِم ْ‬
‫ن )‪ 40‬يوسععف ( ‪،‬‬
‫س َل َيْعَلُمععو َ‬
‫ن َأْكَثععَر الّنععا ِ‬
‫ن اْلَقّيععُم ‪َ ،‬وَلِكعع ّ‬
‫الععّدي ُ‬
‫واستمرت دعوته حتى مماته ‪ ،‬قال تعععالى علععى لسععان مععؤمن آل‬
‫شّ‬
‫ك‬
‫ت ‪َ ،‬فَما ِزْلتُْم ِفي َ‬
‫ن َقْبُل ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫ف ِم ْ‬
‫س ُ‬
‫جاَءُكْم ُيو ُ‬
‫فرعون ) َوَلَقْد َ‬
‫سععوًل ‪،‬‬
‫ن َبْعِدِه َر ُ‬
‫ث الُّ ِم ْ‬
‫ن َيْبَع َ‬
‫ك ُقْلُتْم َل ْ‬
‫حّتى ِإَذا َهَل َ‬
‫جاَءُكْم ِبِه ‪َ ،‬‬
‫ِمّما َ‬
‫ب )‪ 34‬غععافر ( وهععو يعنععي‬
‫ف ُمْرَتععا ٌ‬
‫سعِر ٌ‬
‫ن ُهعَو ُم ْ‬
‫ل َم ْ‬
‫ضّل ا ُّ‬
‫ك ُي ِ‬
‫َكَذِل َ‬
‫أهل مصر ‪ ،‬وكان يوسععف عليععه السععلم ‪ ،‬يععدعوا إلععى الع تعععالى‬
‫بالقسط ‪ ،‬فما أطععاعوه تلععك الطاعععة ‪ ،‬إل بمجععرد الععوزارة والجععاه‬
‫الدنيوي ‪ ،‬ولهذا قال مؤمن آل فرعون ‪ ) :‬فما زلتم في شععك ممععا‬
‫جاءكم به ‪ ،‬حتى إذا هلك ‪ ،‬قلتم لن يبعث ال من بعده رسععول ( ‪،‬‬
‫وطععال المععد بقععوم فرعععون وببنععي إسععرائيل ‪ ،‬فض عّلوا إل قليل ‪،‬‬
‫وكععان منهععم مععؤمن آل فرعععون الععذي كععان يكتععم إيمععانه ‪ ،‬وعلععى‬
‫لسانه جاءت هذه الية ‪ ،‬ومنهم أيضا أهل موسى عليه السلم ‪.‬‬
‫أحوال بني إسرائيل فنني مصننر بعنند وفنناة‬
‫يوسننف عليننه السننلم وحننتى خروجهننم‬
‫منها ‪:‬‬
‫بعد زوال سندهم لدى فرعون ‪ ،‬أصبح حالهم حال العبيد ‪ .‬وربمععا‬
‫يكون ذلك في زمن فرعون نفسه ‪ ،‬أو من َمَلععك بعععده ‪ ،‬بعععد وفععاة‬
‫‪148‬‬

‫يوسف عليه السلم ‪ ،‬لزوال المصلحة والنفع الذي تأّتى من علععم‬
‫يوسف ‪ ،‬وحكمته فععي الدارة والقتصععاد ‪ .‬واسععتمر حععالهم كععذلك‬
‫حتى خروجهم مع موسععى عليععه السععلم ‪ ،‬وحسععب مععا يُععروى أن‬
‫المدة ‪ ،‬ما بين دخولهم إلى مصر ‪ ،‬وخروجهم منها هي أربعمائة‬
‫سنة ‪ ،‬وال أعلم ‪ ،‬وحالهم في تلك الفترة الزمنية ‪ ،‬يصفه القرآن‬
‫شععَيًعا‬
‫جَعععَل َأْهَلَهععا ِ‬
‫ض َو َ‬
‫ل ِفععي اْلَْر ِ‬
‫عَ‬
‫ن َ‬
‫عععْو َ‬
‫ن ِفْر َ‬
‫بمععا يلععي ‪ِ ) :‬إ ّ‬
‫سععاَءُهْم ِإّنعهُ َكععا َ‬
‫ن‬
‫حيِ ِن َ‬
‫سعَت ْ‬
‫ح َأْبَناَءُهْم َوَي ْ‬
‫طاِئَفًة ِمْنُهْم ُيَذّب ُ‬
‫ف َ‬
‫ضِع ُ‬
‫ستَ ْ‬
‫َي ْ‬
‫ن آِل ِفْرعَ عْو َ‬
‫ن‬
‫جْيَنععاُكْم ِم ع ْ‬
‫ن )‪ 4‬القصععص ( ‪َ ) ،‬وِإْذ َن ّ‬
‫س عِدي َ‬
‫ن اْلُمْف ِ‬
‫ِم ع ْ‬
‫سععاَءُكْم‬
‫حُيونَ ِن َ‬
‫سعَت ْ‬
‫ن َأْبَنععاَءُكْم َوَي ْ‬
‫حو َ‬
‫ب ُيعَذّب ُ‬
‫سععوَء اْلَععَذا ِ‬
‫سععوُموَنُكْم ُ‬
‫َي ُ‬
‫جْيَنععا َبِنععي‬
‫ظيٌم )‪ 49‬البقرة ( ‪َ ) ،‬وَلَقعْد َن ّ‬
‫عِ‬
‫ن َرّبُكْم َ‬
‫لٌء ِم ْ‬
‫َوِفي َذِلُكْم َب َ‬
‫ن )‪ 30‬الععدخان ( ‪ ،‬وازداد العععذاب‬
‫ب اْلُمِهيعع ِ‬
‫ن اْلَعععَذا ِ‬
‫سععَراِئيَل ِمعع ْ‬
‫ِإ ْ‬
‫والضطهاد لهم ‪ ،‬ببعث موسى عليه السلم إلى فرعون وقومه ‪.‬‬
‫موسى عليه السلم‬
‫والحكمة اللهية التي أرادها ال من بعث موسععى عليععه السععلم ‪،‬‬
‫هي ما ابتدر به رب العععزة سععورة القصععص ‪ ،‬بقععوله ) َوُنِري عُد َأ ْ‬
‫ن‬
‫جَعَلُهععْم َأِئّمععًة ‪،‬‬
‫ض ‪َ ،‬وَن ْ‬
‫ضععِعُفوا ِفععي اَْلْر ِ‬
‫سُت ْ‬
‫نا ْ‬
‫ن عَلععى اّلععِذي َ‬
‫َنُمعع ّ‬
‫ععْونَ‬
‫ض ‪َ ،‬وُنعِري ِفْر َ‬
‫ن َلُهعْم ِفعي اَْلْر ِ‬
‫ن )‪َ (5‬وُنَمّك َ‬
‫جَعَلُهْم اْلَواِرِثي َ‬
‫َوَن ْ‬
‫ن )‪ 6‬القصععص (‬
‫ح عَذُرو َ‬
‫جُنوَدُهَمععا ِمْنُه عْم ‪َ ،‬مععا َكععاُنوا َي ْ‬
‫ن َو ُ‬
‫َوَهاَمععا َ‬
‫والقصععة بتمامهععا ‪ ،‬مفصععلة فععي سععورة القصععص وسععورة طععه ‪،‬‬
‫وقصة موسى معروفة ومألوفة لدينا ‪ ،‬حيععث ُولععد عليععه السععلم ‪،‬‬
‫وألقته أمه فععي النيععل ‪ ،‬خوفععا مععن ذبحععه ‪ ،‬فععالتقطه آل فرعععون ‪،‬‬
‫واعتنوا بععه ‪ .‬حععتى إذا بلععغ أشعّده ‪ ،‬قتععل مصععريا ‪ ،‬فععأتمر بععه مل‬
‫فرعون ‪ ،‬فغادر مصر متجها إلى مععدين ‪ ،‬ولععم يكععن قععد لقععي بلء‬
‫قبل ذلك ‪ ،‬فقد كان ربيبا منعّمععا فععي آل فرعععون ‪ ،‬ولععم يكععن عليععه‬
‫‪149‬‬

‫ي إليه بعد ‪ ،‬وإنما كان مسععلما ‪ ،‬علععى ديععن آبععائه‬
‫السلم ‪ ،‬قد ُأوح َ‬
‫إبراهيم إسحاق ويعقوب عليهم السلم ‪.‬‬
‫مدَْين ‪:‬‬
‫الموقع الجغرافي ل َ‬
‫قيعل فيهعا فعي المععاجم ‪ :‬أنهعا تقعع " قعرب بحعر القلعزم ) البحعر‬
‫الحمر ( محاذية لتبوك ‪ ،‬وتقع بين وادي القععرى والشععام ‪ ،‬وقيععل‬
‫اتجاه تبوك بين المدينة والشام ‪ ،‬وقيل هي كفر سندة مععن أعمععال‬
‫طبريععة ‪ ،‬وقيععل بلععد بالشععام معلععوم تلقععاء غععزة ‪ ،‬وفععي ) البدايععة‬
‫والنهاية ( ‪ " :‬كان أهل مدين قوما عربا ‪ ،‬ومدين هي قريععة مععن‬
‫أرض معان ‪ ،‬من أطراف الشام ‪ ،‬مما يلي ناحية الحجععاز ‪ ،‬قريبععا‬
‫من بحيرة قوم لوط ‪ ،‬وكانوا بعد قوم لوط بمدة قريبة " ‪.‬‬
‫والقول الخير هو أفضل ما قيععل فيهععا ‪ ،‬وهععو الرجععح فهععي تقععع‬
‫ي نهععر الردن ‪ ،‬فععي السععفح المطععل علععى فلسععطين ‪ ،‬قبالععة‬
‫شععرق ّ‬
‫أريحا ‪ ،‬حيث المكان المسمى بععوادي شعععيب حاليععا ‪ ،‬والععذي يقععع‬
‫فيه مقام النبي شعيب عليععه السععلم ‪ ،‬فععي جبععال محافظععة البلقععاء‬
‫الردنية ‪ ،‬وهي أرض خصععبة تصععلح لزراعععة القثائّيععات ‪ ،‬وفيهععا‬
‫الشجار المثمععرة ‪ ،‬وعيععون المععاء ‪ ،‬ويؤيععد مععا ذهبنععا إليععه قععوله‬
‫ط مِْنُكعمْ‬
‫تعالى ‪ ،‬على لسان شعععيب مخاطبععا قععومه ) َوَمععا َقعْوُم ُلععو ٍ‬
‫ِبَبِعيٍد )‪ 89‬هود ( ‪ ،‬والمقصود هنا البعد المكاني ‪ ،‬حيععث المسععافة‬
‫بين قرية شعيب والبحر الميت ) بحيرة لوط ( ‪ ،‬ل تتجععاوز )‪(20‬‬
‫كم ‪ ،‬أما البعد الزماني بين لوط وشعيب ‪ ،‬فُيقعّدر بمئات السععنين ‪،‬‬
‫حيععث أن لععوط عاصععر إبراهيععم ‪ ،‬وشعععيب عاصععر موسععى عليهععم‬
‫السلم ‪.‬‬
‫وكمععا ورد فععي الروايععات ‪ ،‬كععان أهععل مععدين ‪ ،‬يقطعععون السععبيل‬
‫ويخيفععون المععارة ‪ ،‬وهععم أصععحاب اليكععة أي الشععجار الملتفععة‬
‫‪150‬‬

‫والمتشابكة ‪ -‬وهي صفة موجودة أيضا في تلك المنطقة ‪ -‬وكانوا‬
‫من أسوء الناس معاملة ‪ ،‬يبخسون المكيععال والميععزان ويطففععون‬
‫فيهمععا ‪ ،‬يأخععذون بععالزائد ويععدفعون بالنععاقص ‪ ،‬فععآمن بشعععيب‬
‫ظّلعِة ِإّنعهُ‬
‫ب َيعْوِم ال ّ‬
‫ععَذا ُ‬
‫خ عَذُهْم َ‬
‫بعضهم وكفر أكثرهم ‪َ ) ،‬فَك عّذُبوُه َفَأ َ‬
‫جَفععةُ‬
‫خععَذْتُهْم الّر ْ‬
‫ظيععٍم )‪ 189‬الشعععراء ( ) َفَأ َ‬
‫عِ‬
‫ب َيععْوٍم َ‬
‫عععَذا َ‬
‫ن َ‬
‫َكععا َ‬
‫ن )‪ 91‬العراف ( ‪ ،‬ولم تععدمر ديععارهم‬
‫جاِثِمي َ‬
‫حوا ِفي َداِرِهْم َ‬
‫َفَأصَْب ُ‬
‫بل بقيت على حالها ‪ ،‬ويقال أن ذلععك كععان فععي يععوم شععديد الحععر ‪،‬‬
‫فبعث ال ظلل من الغمام ‪ ،‬في بقعععة قريبععة مععن مكععان سععكناهم ‪،‬‬
‫فذهبوا ليستظلوا بها ‪ ،‬فنزل بهم العذاب ‪ ،‬وبقععي فععي القريععة مععن‬
‫آمن لشعيب عليه السلم من قومه وهم قلة ‪.‬‬
‫مقام موسى في مدين ‪:‬‬
‫ن … ( ‪ ،‬خرج موسى من مصر وحيععدا ‪،‬‬
‫جَه ِتْلَقاَء َمْدَي َ‬
‫) َوَلّما َتَو ّ‬
‫سِبيِل )‪ 22‬القصص ( ‪ ،‬ولععم‬
‫سَواَء ال ّ‬
‫ن َيْهِدَيِني َ‬
‫سى َرّبي َأ ْ‬
‫ع َ‬
‫) َقاَل َ‬
‫يكن يملك من أمره ‪ ،‬إل حسن ظّنه بربععه ععز وجععل ‪ ،‬حععتى صععار‬
‫إلى مدين ‪ .‬فلبث موسى عليه السلم ) ‪ ( 10-8‬سنين في أهلها ‪،‬‬
‫لقوله تعالى على لسان شعععيب عليععه السععلم ) َقععاَل ِإّنععي ُأِريعُد َأ ْ‬
‫ن‬
‫ج َفعِإ ْ‬
‫ن‬
‫جع ٍ‬
‫حَ‬
‫جَرِني َثَمععاِنيَ ِ‬
‫ن َتعْأ ُ‬
‫عَلععى َأ ْ‬
‫ن َ‬
‫ي َهععاَتْي ِ‬
‫حعَدى اْبَنَتع ّ‬
‫ك ِإ ْ‬
‫ُأْنِكحَع َ‬
‫ك … )‪ 27‬القصص ( وتزوج فيها ورعى‬
‫عْنِد َ‬
‫ن ِ‬
‫شًرا َفِم ْ‬
‫ع ْ‬
‫ت َ‬
‫َأْتَمْم َ‬
‫الغنم ‪ ،‬وتعرف إلععى أهلهععا وعرفععوه ‪ ،‬وعععرف سععهولها وجبالهععا‬
‫ن…(‪.‬‬
‫ن ِفي َأْهِل َمْدَي َ‬
‫سِني َ‬
‫ت ِ‬
‫ووديانها ‪َ ) ،‬فَلِبْث َ‬
‫العودة إلى مصر ‪:‬‬
‫ج عَل‬
‫سععى اَْل َ‬
‫ضععى ُمو َ‬
‫وبعد أن قضى المدة المطلوبة منه ‪َ ) ،‬فَلّمععا َق َ‬
‫ساَر ِبَأْهِلِه )‪ 29‬القصص ( غادرها مع أهلععه ومععا تحصّععل عليععه‬
‫َو َ‬
‫من أغنام ‪ ،‬تسّيره أقدار ربه ‪ .‬وكععان خععط مسععيره ‪ ،‬والع أعلععم ‪،‬‬
‫‪151‬‬

‫باتجاه الجنوب ‪ ،‬شرقي البحر الميت باتجاه مصعر ‪ ،‬حيعث انحعدر‬
‫بأهله إلى وادي عربععة ‪ ،‬جنععوب البحععر الميععت ‪ ،‬فضعّل الطريععق ‪،‬‬
‫ت عََلععى‬
‫جْئ َ‬
‫وهناك أتاه هاتف السماء ‪ ،‬لععذلك قععال تعععالى ) … ُثعّم ِ‬
‫سى )‪ 40‬طه ( ‪ ،‬إلى موضع الوحي ‪ ،‬في الوقت المقّدر ‪.‬‬
‫َقَدٍر َيُمو َ‬
‫فأوكله ال بحمل الرسالة إلى فرعون ‪ ،‬وأمره بالتوجه إلى مصر‬
‫‪ ،‬ومن هناك سار – بخط شبه مسععتقيم ‪ -‬مجتععازا صععحراء النقععب‬
‫جنوب فلسطين ‪ ،‬وصحراء سيناء باتجاه بوابة مصر البريععة مععن‬
‫الشرق ‪ ،‬ومن ثم سار جنوبا باتجاه القاهرة ‪ ،‬حيث إقامة فرعون‬
‫وقومه ‪.‬‬
‫تحدينند الموقننع الجغرافنني ‪ ،‬للمكننان الننذي‬
‫أوحي فيه ‪ ،‬إلى موسى عليه السلم ‪:‬‬
‫نزل الوحي إلى موسى مرتين ؛ الوحي الول ‪ :‬هو الذي ُكلف بععه‬
‫موسى بحمل الرسالة ‪ ،‬وما بعث به إلى فرعون وبني إسععرائيل ‪،‬‬
‫أثنععاء عععودته إلععى مصععر ‪ ،‬بعععد خروجععه مععن مععدين ‪ ،‬والععوحي‬
‫الثععاني ‪ :‬هععو الشععريعة الجديععدة الععتي ُكتبععت فععي اللععواح لبنععي‬
‫إسععرائيل ‪ ،‬بعععد خروجهععم مععن مصععر ‪ ،‬فععي الطريععق إلععى الرض‬
‫المقدسة ‪ ،‬ويعتقد الكثيرون أن الوحي نععزل علععى موسععى ‪ ،‬علععى‬
‫جبععل سععيناء الواقععع فععي صععحراء سععيناء المصععرية ‪ ،‬وهععذا غيععر‬
‫صحيح ‪ ،‬حيث لم يوجد أي نص في القرآن يفيد ذلك ‪ .‬والواقع أن‬
‫هذه تسمية الصحراء المصرية بصحراء سيناء ‪ ،‬استندت إلى معا‬
‫جاء فععي التععوراة ‪ ،‬مععع أن التععوراة لععم ُتحعّدد موقععع الصععحراء أو‬
‫الجبل ‪.‬‬
‫وتذكر التوراة في سععفر الخععروج ‪ ،‬أن بنععي إسععرائيل مععروا علععى‬
‫التوالي ‪ ،‬بثلثة صحارى ‪ ،‬هي الواردة في النص التالي بالترتيب‬
‫‪152‬‬

‫‪ :22 :15 " :‬ثم ارتحععل موسععى بإسععرائيل مععن البحععر الحمععر ‪،‬‬
‫جهوا نحو صحراء شور ‪ :27 ،‬ثم بلغوا إيليم … ‪ :1 :16‬ثّم‬
‫وتو ّ‬
‫انتقلوا من إيليم حععتى أقبلععوا علععى صععحراء سععين ‪ ،‬الواقعععة بيععن‬
‫إيليم وسيناء " ‪.‬‬
‫وجاء في نص آخر ‪ :1 :17 " :‬وتنقل بنوا إسرائيل على مراحل‬
‫‪ ،‬من صحراء سين … إلى أن خّيموا في رفيديم …‪ :2 :19‬فقد‬
‫ارتحل السرائيليون من رفيديم إلى أن جاءوا إلى بريععة سععيناء ‪،‬‬
‫فنزلوا مقابل الجبل فصعد موسى للمثول أمام ال ع ‪ ،‬فنععاداه الععرب‬
‫من الجبل … ‪ : 20‬ونزل الرب على قمة جبل سيناء … "‬
‫وهذه النصوص ُتشير إلى أن جبل سيناء ‪ ،‬هو اسععم الجبععل الععذي‬
‫ُأوحي بجانبه إلى موسى ‪ ،‬وأن برية سيناء هي تسعمية ‪ ،‬للمكعان‬
‫الواقععع مقابععل جبععل سععيناء ‪ .‬وأن بريععة سععيناء هععي البعععد عععن‬
‫مصععر ‪ ،‬كونهععا كععانت آخععر الصععحارى الععتي م عّروا بهععا ‪ ،‬أثنععاء‬
‫مسععيرهم ‪ ،‬باتجععاه بوابععة الرض المقّدسععة شععرقي نهععر الردن ‪،‬‬
‫والترجمات العربية للتوراة ‪ ،‬ل ُتمّيز بين القفر ‪ ،‬أي الخلء غيععر‬
‫المأهول بالسّكان ‪ ،‬وبين الصحارى الرملية القاحلة ‪.‬‬
‫ن طععوال‬
‫وجاء في التوراة " ‪ :35 :16‬واقتات السرائيليون بالم ّ‬
‫أربعيععن سععنة ‪ ،‬حععتى جععاءوا إلععى تخععوم أرض كنعععان العععامرة‬
‫بالسععكان " ‪ .‬وهععذا النععص الكععاذب والمضععّلل ‪ ،‬يقععول أن المععنّ‬
‫والسلوى كانت تنّزل عليهم طيلة أربعين سنة ‪ ،‬قبل وصولهم إلى‬
‫مشارف فلسطين ‪ ،‬أي قبععل أن ُيطلععب منهععم الععدخول إلععى الرض‬
‫المقدسة ‪ ،‬وقبل أن يحكم عليهم بسنوات التحريم والتيه الربعين‬
‫ن والسلوى كانت تنعّزل عليهععم خلل مسععيرهم‬
‫‪ .‬والصحيح أن الم ّ‬
‫في الصحراء ‪ ،‬وهي مععدة قصععيرة ‪ ،‬أمععا سععنوات التحريععم والععتيه‬
‫‪153‬‬

‫الربعيععن – سععنوات الغضععب اللهععي ‪ -‬فلععم يكععن يتن عّزل عليهععم‬
‫شيء ‪.‬‬
‫وتسععمية الصععحراء المصععرية بسععيناء ‪ ،‬وذكععر التععوراة أن بنععي‬
‫إسرائيل عاشوا فيها أربعين سنة يأكلون المن والسلوى ‪ .‬ضّللت‬
‫حتى اليهود أنفسهم ‪ ،‬الذين بحثوا ونقبععوا فيهععا طععويل ‪ ،‬عععن أي‬
‫أثععر لمقععامهم فيهععا ‪ ،‬ولكععن دون جععدوى ‪ ،‬ممععا اضععطر بعععض‬
‫البععاحثين اليهععود مععؤخرا ‪ ،‬إلععى تكععذيب معظععم روايععات التععوراة ‪،‬‬
‫ونشر الكثير من آرائهم ونتائج أبحاثهم في الصحف ‪.‬‬
‫أما كلمة الطععور فقععد وردت فععي القععرآن )‪ (10‬مععرات ‪ (8) ،‬منهععا‬
‫بلفظ ) الطععور ( معّرفععة بععأل التعريععف ‪ ،‬بمعنععى الجبععل ‪ ،‬وواحععدة‬
‫ت‬
‫سعيَْناَء َتْنُبع ُ‬
‫طععوِر َ‬
‫ن ُ‬
‫ج ِمع ْ‬
‫خعُر ُ‬
‫جَرًة َت ْ‬
‫شع َ‬
‫بلفععظ ) طععور سععيناء ( ) َو َ‬
‫ن )‪ 20‬المؤمنععون ( ‪ ،‬وواحععدة بلفععظ ) طععور‬
‫لِكِلي َ‬
‫صْبٍغ ِل ْ‬
‫ن َو ِ‬
‫ِبالّدهْ ِ‬
‫طععورِ‬
‫ن )‪َ (1‬و ُ‬
‫ن َوالّزْيُتععو ِ‬
‫سينين ( بنفس المعنى السابق ‪َ ) ،‬والّتي ِ‬
‫ن )‪ 2‬الععتين ( ‪ .‬وسععيناء وسععنين لغععة ‪ ،‬إذا لععم تمنععع مععن‬
‫سععيِني َ‬
‫ِ‬
‫الصععرف ‪ ،‬أي لحقهععا التنععوين ج عّرا ونصععبًا ‪ ،‬فإنهععا تعنععي كععثرة‬
‫الشجر ‪ ،‬وإذا ُمنعت من الصرف ‪ ،‬كما هو الحال هنا فهععي اسععم ‪،‬‬
‫والكلمات ) طور وسيناء وسينين ( ألفععاظ أعجميععة ‪ ،‬وممععا تقععدم‬
‫نسععتطيع القععول بععأن ) طععور سععيناء ( اسععم لجبععل معععروف لبنععي‬
‫إسرائيل ‪ ،‬بمعنى ) جبل الغابة ( ‪ ،‬وهو في الحقيقة ‪ ،‬اسععم الجبععل‬
‫ي بجانبه إلى موسى ‪ ،‬حسب تسمية التععوراة لععه ‪ ،‬وقععد‬
‫الذي أوح َ‬
‫عّرف هذا الجبل من خلل القرآن ‪ ،‬بأنه ُينبععت الععتين والزيتععون ‪.‬‬
‫ُ‬
‫والمقصود بكلمة ) الطور ( المعّرفة بألف ولم ‪ ،‬أينما جاءت فععي‬
‫القرآن ‪ ،‬هو طور سيناء أو سععينين ‪ ،‬والطععور هععو سلسععلة جبععال‬
‫فلسطين ‪ ،‬التي تربض على تللها مدينة القدس ‪ ،‬والتي هي فععي‬
‫‪154‬‬

‫الصل جبل واحد ‪ ،‬يمتد من مدينة نابلس شمال إلى مدينة الخليل‬
‫جنوبا ‪.‬‬
‫س ِمع ْ‬
‫ن‬
‫سععاَر ِبعَأْهِلِه ‪ ،‬آَنع َ‬
‫جعلَ َو َ‬
‫سععى اَْل َ‬
‫ضععى مو َ‬
‫قال تعالى ) َفَلّمععا َق َ‬
‫ت َنععاًرا ‪َ ،‬لَعّلععي‬
‫سع ُ‬
‫طوِر َناًرا ‪َ ،‬قععاَل َِلْهِلعِه اْمُكُثععوا ‪ِ ،‬إّنععي آَن ْ‬
‫ب ال ّ‬
‫جاِن ِ‬
‫َ‬
‫ن )‪29‬‬
‫طُلو َ‬
‫صع َ‬
‫ن الّنععاِر ‪َ ،‬لَعّلُك عْم َت ْ‬
‫ج عْذَوٍة ِم ع ْ‬
‫خَب عٍر ‪َ ،‬أْو َ‬
‫آِتيُك عْم ِمْنَهععا ِب َ‬
‫القصص ( قلنا أن موسى عليه السلم ‪ ،‬كان قد ضعّل طريقعه بعععد‬
‫خروجه من مععدين باتجععاه مصععر ‪ ، ،‬لقععوله عليععه السععلم ) َلَعّلععي‬
‫خَبٍر ( فوجععد نفسععه فععي أحععد الوديععة ‪ .‬ودخععوله إلععى‬
‫آِتيُكْم ِمْنَها ِب َ‬
‫الوادي كان عن طريق انحداره ‪ ،‬بواد فرعي جنوب البحر الميععت‬
‫‪ ،‬وكان ذلك ليل ‪ ،‬وفي طقس بارد جععدا ‪ .‬وأثنععاء التخييععم هنععاك ‪،‬‬
‫كان يلتفت يمنة ويسرة ‪ ،‬بحثا عن الدفء والهداية ‪ ،‬فععآنس نععارا‬
‫معن جععانب الجبعل ‪ ،‬فعاتجه إليهععا بععد أن اسعتأذن أهلععه ‪ ،‬ليععأتيهم‬
‫بجذوة منها لجل الدفء ‪ ،‬أو يجد من يرشده إلى طريقه ‪ ،‬ولكنه‬
‫لم يجد نارا ‪ ،‬ولم يجد في المكان أحد ‪.‬‬
‫نور ل نار ‪:‬‬
‫) َفَلّما َأَتاَها … ( ‪ ،‬أي النار ‪ ،‬وقف تحتها ) ِفي اْلُبْقَع عِة اْلُمَباَرَك عةِ‬
‫جَرِة )‪ 30‬القصص ( وفي الواقع لم تكن نععارا ‪ ،‬بععل كععانت‬
‫شَ‬
‫ن ال ّ‬
‫ِم ْ‬
‫نععور فعي شععجرة ‪ ،‬وهععي الشععجرة الموصععوفة فععي قععوله سععبحانه‬
‫غْرِبّيعٍة ‪َ ،‬يَكععاُد َزْيُتَهعا‬
‫شعْرِقّيةٍ َوَل َ‬
‫جَرٍة ‪ُ ،‬مَباَرَكٍة ‪َ ،‬زْيُتوِنٍة ‪َ ،‬ل َ‬
‫شَ‬
‫) َ‬
‫سعُه َنعاٌر )‪ 35‬النعور ( ‪ ،‬وهعي ) شعجرة ( ‪،‬‬
‫س ْ‬
‫ضيُء ‪َ ،‬وَلْو َلعْم َتْم َ‬
‫ُي ِ‬
‫) وزيتونة ( ‪ ) ،‬ومباركة ( ‪ ،‬أي تقع في بقعة من الرض ‪ ،‬ينبت‬
‫فيها شجر الزيتععون ‪ ،‬وهععي أرض مباركععة ‪ ،‬وقععوله ) ل شععرقية‬
‫ول غربية ( ‪ ،‬أي ل فععي الجععانب الشععرقي مععن وادي عربععة ‪ ،‬ول‬
‫في الجانب الغربي منه ‪ ،‬فهي في منتصف الوادي تقريبا ‪ ،‬وقوله‬
‫‪155‬‬

‫) يكاد زيتها يضععيء ولععو لععم تمسسععه نععار ( ‪ ،‬أي لهععا وهععج مععن‬
‫نور ‪ ،‬وليس ذلك من اشتعال نار فيهععا ‪ ،‬فهععي مضععيئة مععن تلقععاء‬
‫نفسها ‪ ،‬وقععوله ) يكععاد زيتهعا يضعيء ( ‪ ،‬أي أن الضععاءة ناتجعة‬
‫عن زيت الشجرة ‪ ،‬فل يكون ذلك إل وهي مثمرة ‪ ،‬فالزيت يوجععد‬
‫في الثمر ‪ ،‬وتشكل الزيت في الثمر ‪ ،‬ل يكون إل فعي بدايعة فصعل‬
‫الشتاء ‪ ،‬ويؤيد ذلك طلب موسى عليه السلم للدفء ‪ ،‬ليتأكعد لنعا‬
‫أن دخوله إلى بطععن وادي عربععة ‪ ،‬كععان فععي فصععل الشععتاء ‪ ،‬وأن‬
‫ي من تحتهعا فعي الععوادي المقعدس ‪ ،‬هعي نفععس‬
‫الشجرة التي نود َ‬
‫الشجرة الموصوفة فععي سععورة النععور ‪ ،‬ول أدري لمععاذا يتملكنععي‬
‫شعور قوي ‪ ،‬بأن هذه الشجرة قائمة في ذلك المكان إلععى اليععوم ‪،‬‬
‫في منطقة موحشة ومقفرة وغير مأهولة ‪ ،‬تضيء كلما أثمرت ‪،‬‬
‫في فصل الشتاء ‪.‬‬
‫) َفَلّما َأَتاَها ( وقف حائرا أمامها ‪ ،‬يتفّكر في أمرها ‪ ،‬حيث أنه لععم‬
‫يجد ما جععاء يسعععى إليععه ‪ ،‬فل نععار ول نععاس ُيشعععلونها ‪ ،‬وأثنععاء‬
‫سععى )‪ 11‬طععه ( ) ِمعنْ‬
‫شروده ‪ ،‬وفي سكون الليععل ‪ُ ) ،‬نععوِدي َيُمو َ‬
‫ن )‪ 30‬القصععص ( ‪ ،‬أي مععن الجععانب اليمععن‬
‫ئ اْلَواِدي اَْلْيَمع ِ‬
‫شاطِ ِ‬
‫َ‬
‫ن )‪ 52‬مريعم ( ‪ ،‬أي معن‬
‫طعوِر اَْلْيَمع ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫جعان ِ‬
‫ن َ‬
‫من العوادي ‪ِ ) ،‬مع ْ‬
‫ي )‪44‬‬
‫ب اْلَغْرِبع ّ‬
‫جععاِن ِ‬
‫الجانب اليمععن للجبععل ‪ ،‬وليععس اليسععر ‪ِ ) ،‬ب َ‬
‫ي ‪ ،‬وهذا تحديد جغرافععي بععالغ الدقععة‬
‫القصص ( ‪ ،‬أي الجبل الغرب ّ‬
‫لمكان الوحي ‪.‬‬
‫أتاه النداء باسمه ممن يعرفععه ‪ ،‬وذلععك ممععا آنععس موسععى ‪ ،‬ليبعّدد‬
‫سكون ذلك الليل المععوحش ‪ ،‬ويقطععع عليععه شععروده وتععأمله ‪ ،‬ول‬
‫أخاله إل قد أجفل عليه السلم ‪ ،‬ولما التفت إلععى مصععدر النععداء ‪،‬‬
‫ك ( مطمئنا إياه ومعّرفا بنفسه‬
‫خاطبه رب العزة قائل ) ِإّني َأنا َرّب َ‬
‫طعًوى )‪12‬طععه ( فععأمره‬
‫س ُ‬
‫ك ِبععاْلَواِدي اْلُمَقعّد ِ‬
‫ك ِإّنع َ‬
‫خَلْع َنْعَلْيع َ‬
‫‪َ ) ،‬فععا ْ‬
‫‪156‬‬

‫بخلععع نعليععه – إذ هععو فععي حضععرة ملععك الملععوك – ليتجععه حععافي‬
‫القدمين ‪ ،‬سائرا في الجانب المقدس من الوادي ‪ ،‬صوب الجبل ‪،‬‬
‫جّيععا)‪ 52‬مريععم ( أي كععان الكلم مناجععاة ‪،‬‬
‫قععال تعععالى ) َوَقّرْبَنععاُه َن ِ‬
‫والمناجاة عادة تستدعي القرب ‪.‬‬
‫نحن نعلععم أن الرض المباركععة والمقّدسععة هععي أرض فلسععطين ‪،‬‬
‫وبما أن الوادي الذي نزل فيه موسى واد مقّدس ‪ ،‬فل بعد لعه معن‬
‫يكون واقعععا فععي الرض المقّدسععة ‪ ،‬وبمععا أن الشععجرة نبتععت فععي‬
‫بقعة مباركة ‪ ،‬فل بد لها من أن تكون قائمة في الرض المباركععة‬
‫‪ ،‬وبما أن شجرة سورة النععور زيتونععة مباركععة ومضععيئة ‪ ،‬فلبععد‬
‫لها من أن تكون هي الشجرة ‪ ،‬التي رآها موسى فظن نورها نارا‬
‫‪ ،‬في بطن وادي عربة ‪ ،‬وال أعلم ‪.‬‬
‫وعندما اقترب موسى ‪ ،‬بما فيه الكفاية لبدء المناجاة ‪ ،‬ناجاه ربه‬
‫ل ع ‪َ ،‬ل‬
‫حى )‪ِ (13‬إّنِنععي َأَنععا ا ُّ‬
‫سَتِمْع ِلَما ُيععو َ‬
‫ك ‪َ ،‬فا ْ‬
‫خَتْرُت َ‬
‫قائل ) َوَأنا ا ْ‬
‫لَة ِلععِذْكِري )‪ 14‬طععه ( فععأمره‬
‫صعع َ‬
‫عُبععْدِني ‪َ ،‬وَأِق عْم ال ّ‬
‫ِإَل عَه ِإّل َأَنععا َفا ْ‬
‫ي‬
‫بتوحيده ‪ ،‬وإفراده بالعبادة ‪ ،‬وإقامة الصلة ‪ ،‬ومن ثم منحه آيت ّ‬
‫العصععا واليععد وكّلفععه بحمععل الرسععالة ‪ ،‬والععذهاب لععدعوة فرعععون‬
‫طَغى )‪24‬‬
‫ن ِإّنُه َ‬
‫عْو َ‬
‫ب ِإَلى ِفْر َ‬
‫ودعوة بني إسرائيل إلى ال ‪ ) ،‬اْذَه ْ‬
‫طه( ‪ .‬وفي الصباح عاين موسى عليعه السععلم المكععان ‪ ،‬وحفظععه‬
‫عن ظهر قلب ‪ ،‬فهو المكان الذي تغّيععر فيععه مجععرى حيععاته عليععه‬
‫السلم ‪ ،‬ولم كععان يعلععم عليععه السععلم ‪ ،‬مععا يععدّبره رب العععزة مععن‬
‫أقدار ‪ ،‬ستأتي به إلى هذا المكان فععي قععادم اليععام ‪ ،‬عنععد خروجععه‬
‫بقومه من مصر ‪ ،‬متجها إلى بوابة الرض المقدسة ‪ ،‬حيث كععان‬
‫في أرض مدين ‪.‬‬

‫‪157‬‬

‫موسى في مصر ‪:‬‬
‫كنت أعتقد وربما يشاركني كثيرون أيضععا ‪ ،‬أن ُمقععام موسععى فععي‬
‫مصر ‪ ،‬ل يتجاوز عدة أيام أو عدة أشهر على أبعد تقدير ‪ ،‬ولكععن‬
‫تبين لععي أنععي كنععت مخطئا ‪ ،‬فالحععداث والوقععائع الععتي مععرت مععع‬
‫موسى عليه السلم كثيرة ‪ ،‬وتحتاج إلى سنوات عديععدة ‪ ،‬وأظنععه‬
‫مكث هناك ما ل يقل عن ‪ 30‬عاما ‪ ،‬يدعوا فرعون وقععومه وبنععي‬
‫ن َتَبعّوَأا ِلَقْوِمُكَمعا‬
‫خيعِه َأ ْ‬
‫سعى َوَأ ِ‬
‫حْيَنا ِإَلععى ُمو َ‬
‫إسرائيل أيضا ‪َ ) ،‬وَأْو َ‬
‫شْر اْلُمْؤمِِني َ‬
‫ن‬
‫لَة َوَب ّ‬
‫صَ‬
‫جَعُلوا ُبُيوَتُكْم ِقْبَلًة َوَأِقيُموا ال ّ‬
‫ِبِمصَْر ُبُيوًتا َوا ْ‬
‫)‪ 87‬يونس ( فلععو تفكععرت فععي اليععة الكريمععة ‪ ،‬لتععبينت أن طلبععه‬
‫سععبحانه ببنععاء الععبيوت ‪ ،‬وجعلهععا باتجععاه بيععت المقععدس ‪ ،‬وَأمْعِره‬
‫إياهم بإقامععة الصععلة فيهععا ‪ ،‬مععا كععان إل لطععول ُمقععام ‪ ،‬ولععو كععان‬
‫ُمقامهم قصيرا أو عارضا ‪ ،‬لما أمرهم بذلك ‪ .‬والجدل بين موسى‬
‫عليععه السععلم وفرعععون ‪ ،‬أخععذ زمنععا طععويل ‪ ،‬بععدءا باللقععاء الول‬
‫الذي عرض فيه موسى رسالته ‪ ،‬وما أّيدها به من آيات – العصا‬
‫واليد – ولقاء يوم الزينة حيععث التقععى موسععى بالسععحرة ‪ ،‬وبنععاء‬
‫ن ِإَلعهٍ غَْيعِري‬
‫ت َلُكعْم ِمع ْ‬
‫ل َما عَِلْم ُ‬
‫ن َياَأّيَها اْلَم َُ‬
‫عْو ُ‬
‫الصرح ) َوَقاَل ِفْر َ‬
‫طِلعُع ِإَلععى‬
‫حا َلَعّلععي َأ ّ‬
‫صعْر ً‬
‫جَعل ِلععي َ‬
‫ن َفا ْ‬
‫طي ِ‬
‫عَلى ال ّ‬
‫ن َ‬
‫َفَأْوِقْد ِلي َياَهاَما ُ‬
‫ن )‪ 38‬القصص ( ‪.‬‬
‫ن اْلَكاِذِبي َ‬
‫ظّنُه ِم ْ‬
‫سى َوِإّني َل ُ‬
‫ِإَلِه ُمو َ‬
‫بناء الهرامات ‪:‬‬
‫الصععرح هععو البنععاء الضععخم والمرتفععع ‪ ،‬وأعتقععد أن الهرامععات‬
‫الثلثة ‪ ،‬هي ما ُأمر هامان ببنائها ‪ ،‬من قبل فرعون ‪ ،‬لينظر إلععى‬
‫إله موسى ‪ .‬وفيما بعد اّتخذت تلك الصروح ‪ ،‬مقابر ومدافن ‪.‬‬
‫حصععت مععادة بنععاء الهرامععات ‪ ،‬لتععبين أنهععا مععن الطيععن‬
‫إذ لععو ُف ِ‬
‫طي عنِ ( ‪،‬‬
‫عَلععى ال ّ‬
‫ن َ‬
‫المشوي ‪ ،‬لدللة قوله تعالى ) َفَأْوِقْد ِلي َيَهاَمععا ُ‬
‫‪158‬‬

‫إذ يخععبر سععبحانه – ومععا إعلمععه لنععا بععذلك عبثععا ‪ -‬بععأنهم كععانوا‬
‫يستخدمون الطين في البناء ‪ ،‬وليس الحجععارة كمععا يعتقععد علمععاء‬
‫الثعععار ‪ ،‬العععذين حعععاولوا جاهعععدين لتفسعععير الليعععة المعقعععدة‬
‫والمستحيلة ‪ ،‬في رفع تلك الصخور ذات القطع الكبير ‪ ،‬إلى قمععة‬
‫الهرم حيث لم يكن لديهم رافعععات عملقععة ‪ .‬وهععذا الخععبر يكشععف‬
‫حقيقة ‪ ،‬ربما لم تخطر ببال علماء الثار من قبل ‪ ،‬ويجعل كيفيععة‬
‫البنععاء غايععة السععهولة ‪ ،‬حيععث كععان عبيععد فرعععون ومنهععم بنععي‬
‫إسرائيل ‪ ،‬ينقلون الطين – وليس الصخور والحجارة ‪ -‬ويضعععوه‬
‫فععي قععوالب مثبتععة علععى الهععرم نفسععه ‪ ،‬وكععل لبنععة فععي موقعهععا ‪،‬‬
‫وينتظرون الَلِبن حتى يتماسك ‪ ،‬لينزعوا القوالب ‪ ،‬وكلما أنجععزوا‬
‫مرحلة ‪ ،‬قاموا بتثبيت القوالب مرة أخرى ‪ ،‬على ما ت عّم إنجععازه ‪،‬‬
‫وبدءوا بنقل الطين ليفرغوه فيها ‪ ،‬وهكذا دواليععك ‪ ،‬حععتى يكتمععل‬
‫بناء الهرم ‪ .‬ومن الداخل ستجد أن قلب الهرم مفرغ ‪ ،‬وستجد أن‬
‫هنععاك سععراديب طويلععة غيععر نافععذة ‪ ،‬تتععوّزع بكافععة التجاهععات ‪،‬‬
‫والغاية منها توزيع الحرارة ‪ ،‬عنععد إشعععال النععار فعي قلععب الهععرم‬
‫ي الطين الجاف ‪ ،‬وهي عملية تحتاج إلى وقت طويععل نظريععا ‪،‬‬
‫لش ّ‬
‫ولكن مع كععثرة العبيععد فععالمر مختلعف ‪ ،‬والليعة بسعيطة وليسعت‬
‫معقّدة ‪ ،‬ول توحي بععأن الفراعنععة كععانوا جبععابرة وأشععداء ‪ ،‬فبنععاة‬
‫الهرام هم العبيععد وليععس الفراعنععة أنفسععهم ‪ ،‬وربمععا يكععون شع ّ‬
‫ي‬
‫الطين قد تععم علععى مراحععل ‪ ،‬وليععس دفعععة واحععدة ‪ .‬وهععذه الفكععرة‬
‫صين لنفيها أو إثباتها ‪ ،‬وبذلك تكون الهرامات ‪،‬‬
‫مطروحة للمخت ّ‬
‫رمزا من رموز الكفر والعصيان والتمرد والتحدي الفرعععوني لع‬
‫ورسوله ‪ ،‬ويكون أبو الهول هو إله المصريين القدماء ‪ ،‬قبععل أن‬
‫ُيعلن فرعون ربوبيته ‪ ،‬تحديا لموسى عليه السلم وربه ‪.‬‬
‫‪159‬‬

‫وبالضافة إلى تلك الحداث ‪ ،‬التي وقعت أثناء تواجد موسى فععي‬
‫مصر ‪ ،‬ما وقع في قوم فرعون من البلء الذي أنزله ال ‪ ،‬وكلما‬
‫طوَفععانَ‬
‫عَلْيِهعُم ال ّ‬
‫سعْلَنا َ‬
‫كشف عنهم بلء أرسل عليهم آخععر ‪َ ) ،‬فَأْر َ‬
‫س عَتْكَبُروا‬
‫ت َفا ْ‬
‫ل ٍ‬
‫صع َ‬
‫ت ُمَف ّ‬
‫ع َوال عّدَم َءاَيععا ٍ‬
‫ض عَفاِد َ‬
‫َواْلجَ عَراَد َواْلُقّم عَل َوال ّ‬
‫ن )‪ 133‬العععراف ( ‪ .‬وسعتجد مععا معّر بقعوم‬
‫جِرِميع َ‬
‫َوَكاُنوا َقْوًمعا ُم ْ‬
‫سععردت‬
‫فرعون من وقائع ‪ ،‬أثناء تواجععد موسععى فععي مصععر ‪ ،‬قععد ُ‬
‫بإيجاز في اليات )‪ (136 – 103‬من سورة العراف ‪ ،‬واليات‬
‫)‪ (90 – 85‬مععن سععورة النمععل ‪ ،‬ومواضععع أخععرى متفرقععة فععي‬
‫القرآن الكريم ‪.‬‬
‫ع عْونَ َومَلَُه‬
‫ت ِفْر َ‬
‫ك آَتْي ع َ‬
‫سى َرّبَنا ِإّن ع َ‬
‫وفي نهاية المطاف ) َوَقاَل ُمو َ‬
‫طِمسْ‬
‫ك َرّبَنا ا ْ‬
‫سِبيِل َ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫ضّلوا َ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َرّبَنا ِلُي ِ‬
‫ِزيَنًة َوَأْمَواًل ِفي اْل َ‬
‫حّتععى َيعَرْوا اْلَععَذا َ‬
‫ب‬
‫ل ُيْؤِمُنععوا َ‬
‫عَلى ُقُلععوِبِهْم َف َ‬
‫شُدْد َ‬
‫عَلى َأْمَواِلِهْم َوا ْ‬
‫َ‬
‫اَْلِليَم )‪ 88‬يونس ( أي الغرق ‪ ،‬فاستجيبت دعوة موسععى ‪ ،‬وهععذا‬
‫ت‬
‫ق َقععاَل آمَْنع ُ‬
‫حّتى ِإَذا َأْدَرَكعُه اْلَغعَر ُ‬
‫بالضبط ما حصل مع فرعون ) َ‬
‫ن )‪90‬‬
‫س عِلِمي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫سَراِئيَل َوَأَنا ِم ع ْ‬
‫ت ِبِه َبُنو ِإ ْ‬
‫َأّنُه َل ِإَلَه ِإّل اّلِذي آَمَن ْ‬
‫يعونس ( ولعو تمعنعت فعي قعوله ‪ ،‬لتعبينت أنعه لعم يعؤمن ‪ ،‬لقعوله‬
‫) الذي آمنت به بنو إسرائيل ( ‪ ،‬وأغلبيععة بنععي إسععرائيل لععم تكععن‬
‫تؤمن بال ‪ ،‬ولم يقل ال أو إله موسى تكبرا وعلوا ‪.‬‬
‫فمععن أصعّر علععى المعصععية وانتهععاك حععدود الع بكافععة أشععكالها ‪،‬‬
‫والكفر بكافة أشكاله ‪ ،‬وعن علم بهععا وبعقوبتهععا ‪ ،‬ومّنععى النفععس‬
‫بقول ) ل إله إل ال ( عند المععوت معلنععا التوبععة ‪ ،‬أّنععه لععن يوفععق‬
‫بقولها آنذاك ‪ ،‬لن قولها ُيوجب الجنة ‪ ،‬وهي لععم تكتععب لهععؤلء ‪.‬‬
‫ووجوب الجنة يحتععاج لععدفع الثمععن ‪ ،‬وتععوفير الثمععن اللزم لهععا ‪،‬‬
‫يحتاج إلى جعّد واجتهععاد وصععبر ل محععدود ‪ ،‬وأن مععن كععانت تلععك‬
‫الكلمة آخر عهده بالدنيا ‪ُ ،‬كتبت لععه الجنعة ‪ ،‬ومععا أصععب تعذّكرها‬
‫‪160‬‬

‫وقولها ‪ ،‬أما هؤلء فإن تذّكروها ‪ ،‬تلعثموا بها فلم تععؤد معناهععا ‪،‬‬
‫شعًة ‪َ ،‬أْو‬
‫ح َ‬
‫ن ِإَذا َفَعُلععوا َفا ِ‬
‫فل توبة مع إصرار ‪ ،‬قال تعععالى ) َواّلعِذي َ‬
‫سعَتْغفَُروا ِلعُذُنوِبِهْم ‪َ ،‬وَمعنْ َيْغِفعرُ‬
‫لع ‪َ ،‬فا ْ‬
‫سعُهْم ‪َ ،‬ذَكعُروا ا َّ‬
‫ظَلُموا َأْنُف َ‬
‫َ‬
‫عَلى َما َفَعُلوا ‪َ ،‬وُه عْم َيْعَلُمععونَ )‪135‬‬
‫صّروا َ‬
‫ل ‪َ ،‬وَلْم ُي ِ‬
‫ب ِإّل ا ُّ‬
‫الّذُنو َ‬
‫ن َيْعَمُلععو َ‬
‫ن‬
‫ت الّتْوَبععُة ‪ِ ،‬لّلععِذي َ‬
‫سعع ْ‬
‫آل عمععران ( ‪ ،‬وقععال أيضععا ) َوَلْي َ‬
‫ت الْنَ ‪َ ،‬وَل‬
‫ت ‪َ ،‬قاَل ِإّني ُتْب ُ‬
‫حَدُهْم اْلَمْو ُ‬
‫ضَر َأ َ‬
‫ح َ‬
‫حّتى ِإَذا َ‬
‫ت‪َ ،‬‬
‫سّيَئا ِ‬
‫ال ّ‬
‫ععَذاًبا َأِليمًععا )‪18‬‬
‫عَتعْدَنا َلُهعْم َ‬
‫ك َأ ْ‬
‫ن َوُهعْم ُكّفععاٌر ‪ُ ،‬أْوَلِئ َ‬
‫ن َيُموُتععو َ‬
‫اّلعِذي َ‬
‫النساء ( ‪.‬‬
‫ومعظم مسلمي هذا العصر ‪ ،‬إل ما رحم ربععي ‪ ،‬وهععم قلععة ُيععّدون‬
‫علعععى أصعععابع اليعععد الواحعععدة ‪ ،‬فعععي بععععض البلعععدان المسعععماة‬
‫بالسععلمية ‪ ،‬سععلكوا هععذا المنهععج الععذي ح عّذر منععه رب العععزة ‪،‬‬
‫) جماعة كل شيء بحسابه ( ‪ ،‬والغلبية هم غثاء كغثاء السيل ‪،‬‬
‫فل فائدة فيهم أو ُترتجى منهم ‪ ،‬فإن لم يكفععر أحععدهم بععال أشععرك‬
‫في عبادته ‪ ،‬ومن لم يستجب ويطععع ‪ ،‬تععولى وعصععى ‪ .‬والوثععان‬
‫كثيرة هذه اليام ‪ ،‬واّتخذت أشكاًل عديدة ‪ .‬صحيح أنها ليست من‬
‫الحجر أو التمر ‪ ،‬ولكنها أدهى وأمّر ‪ ،‬فنحععن حاشععى لع أن نعبععد‬
‫الحجارة ‪ ،‬وكل ما نقّدسه فقط ‪ ،‬كرسي ورصيد في البنك وعمارة‬
‫‪ ،‬وتلفزيون وستاليت وخلوي ‪ ،‬وشقراء أو سمراء في سععّيارة ‪.‬‬
‫وناهيععك عععن المعاصععي مععن أكععل ربععا ‪ ،‬وسععرقة وخيانععة وتععبرج‬
‫وزنا ‪ ،‬وقطع رحم ‪ ،‬وأكل لحم ‪ ،‬وشرب خمر ودم ‪ ،‬وشععتم وسععب‬
‫وذم ‪.‬‬
‫خروج موسى ببني إسرائيل من مصر ‪:‬‬
‫ض عِر ْ‬
‫ب‬
‫سعِر بِعَبععاِدي ‪َ ،‬فا ْ‬
‫سععى َأنْ َأ ْ‬
‫حْيَنا ِإَلععى ُمو َ‬
‫قال تعالى ) َوَلَقْد َأْو َ‬
‫شى )‪ 77‬طه ( ‪،‬‬
‫خ َ‬
‫ف َدَرًكا َوَل َت ْ‬
‫خا ُ‬
‫سا ‪َ ،‬ل َت َ‬
‫حِر َيَب ً‬
‫طِريًقا ِفي اْلَب ْ‬
‫َلُهْم َ‬
‫‪161‬‬

‫نتبين من ذلك أن خروج موسى بقععومه إلععى البحععر ‪ ،‬كععان بععوحي‬
‫مععن ربععه ‪ ،‬وإن لععم يخععب ظنععي فقععد اتجععه صععوب البحععر الحمععر‬
‫مباشععرة ‪ ،‬أقصععى الشععمال مععن خليععج السععويس ‪ ،‬وبعععد أن خععرج‬
‫بقععومه مععن البحععر ‪ ،‬اتجععه شععرقا وشععمال بخععط شععبه مسععتقيم ‪،‬‬
‫متجاوزا صحراء سيناء وصحراء النقب ‪ ،‬حيث المدخل الجنععوبي‬
‫لععوادي عربععة ‪ ،‬وسععار شععمال فععي بطععن الععوادي ‪ ،‬حععتى الجبععل‬
‫المعهود جنوب البحر الميت ‪ ،‬ليستقبل الوحي بناءا على الموعععد‬
‫المسبق ‪ ،‬الذي ضرب بينه وبين ربععه ‪ ،‬بعععد النجععاة مععن فرعععون‬
‫ع عُدّوُكمْ‬
‫جْيَنععاُكْم ِم عنْ َ‬
‫س عَراِئيلَ َق عْد َأن َ‬
‫وقععومه ‪ ،‬قععال تعععالى ) َيَبِنععي ِإ ْ‬
‫ن )‪ 80‬طه ( ‪ ،‬وهذه الية تدل علععى‬
‫طوِر اَْلْيَم َ‬
‫ب ال ّ‬
‫جاِن َ‬
‫عْدَناُكْم َ‬
‫َوَوا َ‬
‫عدم مكوثهم لفترة طويلة ‪ ،‬في أي من صحراء سيناء أو النقب ‪،‬‬
‫وأن وجهتهم كانت حيث المكان الموعود ‪ ،‬وكان موسى يستعجل‬
‫المسععير وهععم يبطئون ‪ ،‬وبعععد تلقيععه الععوحي ‪ ،‬ومععا كععان منهععم‬
‫معاصي في بطن الوادي ‪ ،‬صعد بقومه إلى المرتفعات الشععرقية ‪،‬‬
‫ودخل الردن عن طريق الوادي الذي نزل به في المرة السابقة ‪،‬‬
‫ملتفععا حععول مملكععة الدومييععن ومملكععة المععوآبيين شععرقي البحععر‬
‫الميت ‪ ،‬ليصل إلى مكان إقامته السابق ‪ ،‬حيث كععان سععفيرا لبنععي‬
‫إسرائيل – ولم يكن يعلم بذلك آنذاك ‪ -‬في مدين قرية شعيب عليه‬
‫السلم ‪ ،‬لُيَمّهد لهم طيب القامة فيها مستقبل ‪.‬‬
‫ترتيب الحداث التي مننرت بموسننى وبننني‬
‫إسرائيل خلل تلك الرحلة الطويلة‬
‫الصاعقة والبعث بعد الموت ‪:‬‬
‫رحلته مع بني إسرائيل ‪ ،‬في طريق العععودة إلععى مععدين ‪ ،‬اختلفععت‬
‫كثيرا عن سابقتها ‪ ،‬فقد كانت ترافقه في هذه الرحلة أّمة بأسرها‬
‫‪162‬‬

‫‪ ،‬بمععا لهععا ومععا عليهععا ‪ ،‬وأكثرهععا مععن غيععر المععؤمنين ‪ ،‬وغيععر‬
‫المطيعين ل تعالى وله عليععه السععلم ‪ ،‬فكععان المسععير فيهععا بطيئا‬
‫ن َق عْوِمهِ‬
‫سى ِإّل ُذّرّيٌة مِ ع ْ‬
‫ن ِلُمو َ‬
‫وشاقا وطويل ‪ ،‬قال تعالى ) َفَما آَم َ‬
‫ن َيْفِتَنُهعْم )‪ 83‬يععونس ( ‪ ،‬وقععال‬
‫ن َوَمَلِئِهعْم َأ ْ‬
‫عْو َ‬
‫ن ِفْر َ‬
‫ف ِم ْ‬
‫خْو ٍ‬
‫عَلى َ‬
‫َ‬
‫جْه عَرًة ‪،‬‬
‫حّتى َنَرى الَّ ع َ‬
‫ن َلكَ ‪َ ،‬‬
‫ن ُنْؤِم َ‬
‫سى ‪َ ،‬ل ْ‬
‫أيضا ) َوِإْذ ُقْلُتْم َياُمو َ‬
‫ن )‪ُ (55‬ث عّم َبَعْثَنععاُكْم ِم عنْ َبْع عِد‬
‫ظ عُرو َ‬
‫عَقُة ‪َ ،‬وَأْنُت عْم َتن ُ‬
‫صععا ِ‬
‫خ عَذْتُكْم ال ّ‬
‫َفَأ َ‬
‫ن )‪ 56‬البقععرة ( ‪ ،‬وكععان قععولهم هععذا فععور‬
‫ش عُكُرو َ‬
‫َم عْوِتُكْم َلَعّلُك عْم َت ْ‬
‫نجاتهم وخروجهم من البحر ‪ ،‬بعدما رأوا كل ما أجراه ال ‪ ،‬على‬
‫يععد موسععى مععن معجععزات ‪ ،‬تليععن لهععا قلععوب الجبععال وعقولهععا ‪،‬‬
‫فأماتهم ال ثم أحياهم ‪ ،‬ولو نظرت إلى قولهم في الية السابقة ‪،‬‬
‫واسععتخدام أداة الجععزم والتأبيععد ) لععن ( ‪ ،‬تجععد أن لععديهم إصععرار‬
‫سهم ‪ ،‬رغععم‬
‫ي ومحجوب عن حوا ّ‬
‫عجيب على الكفر ‪ ،‬بما هو غيب ّ‬
‫مشاهدتهم لليات والثار الدالة على وجوده ‪ ،‬وأنهععم ل يؤمنععون‬
‫إل بما تدركه الحواس من أشياء مادية ‪ ،‬وهذا ما جعلهععم يقعععون‬
‫فععي فتنععة العجععل الععذهبي بعععد هععذه الحادثععة ‪ ،‬وفععي فتنععة الععدجال‬
‫مستقبل ‪ ،‬بما لديه من فتن مادية ظععاهرة للعيععان ‪َ ) ،‬فَقععاُلوا َأِرَنععا‬
‫جَل ِمنْ َبْعِد‬
‫خُذوا اْلِع ْ‬
‫ظْلِمِهْم ‪ُ ،‬ثّم ‪ ،‬اّت َ‬
‫عَقُة ِب ُ‬
‫صا ِ‬
‫خَذْتُهْم ال ّ‬
‫جْهَرًة َفَأ َ‬
‫ل َ‬
‫ا َّ‬
‫طاًنا ُمِبيًنا )‬
‫سْل َ‬
‫سى ُ‬
‫ك َوآَتْيَنا ُمو َ‬
‫ن َذِل َ‬
‫عْ‬
‫ت ‪َ ،‬فَعَفْوَنا َ‬
‫جاَءْتُهْم اْلَبّيَنا ُ‬
‫َما َ‬
‫‪ 153‬النساء ( ‪ ،‬وقد وقع هذا منهم ‪ ،‬قبل اتخاذهم للعجل ‪.‬‬
‫ن والسنننلوى‬
‫تفجينننر المننناء وننننزول المننن ّ‬
‫والتظليل بالسحاب أثناء المسير ‪:‬‬
‫وبناًء على ما سععبق ‪ ،‬كععان خععط مسععير الرحلععة فععي معظمععه فععي‬
‫صحاري قاحلة ‪ ،‬وكععل مععا كععان بحععوزتهم مععن طعععام ومععاء أثنععاء‬
‫الخععروج ‪ ،‬كععانوا قععد اسععتنفدوه فععي أيععامهم الولععى ‪ ،‬قععال تعععالى‬
‫‪163‬‬

‫سععى ِإذْ‬
‫حْيَنععا ِإَلععى ُمو َ‬
‫طا ُأَمًمععا ‪َ ،‬وَأْو َ‬
‫سعَبا ً‬
‫شَرَة َأ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ي َ‬
‫طْعَناُهْم اْثَنَت ْ‬
‫) َوَق ّ‬
‫ت مِْنعهُ اْثَنَتععا‬
‫سع ْ‬
‫ج َ‬
‫جعَر ‪َ ،‬فاْنَب َ‬
‫حَ‬
‫ك اْل َ‬
‫صععا َ‬
‫ضِرب ِبَع َ‬
‫نا ْ‬
‫سَقاُه َقْوُمُه َأ ْ‬
‫سَت ْ‬
‫ا ْ‬
‫عَلْيِه عمْ اْلَغمَععاَم ‪،‬‬
‫ظّلْلَنا َ‬
‫شَرَبُهْم ‪َ ،‬و َ‬
‫س َم ْ‬
‫عِلَم ُكّل ُأَنا ٍ‬
‫عْيًنا ‪َ ،‬قْد َ‬
‫شَرَة َ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫ت َمععا َرَزْقَنععاُكْم ‪َ ،‬وَمععا‬
‫طّيَبا ِ‬
‫ن َ‬
‫سْلَوى ُكُلوا ِم ْ‬
‫ن َوال ّ‬
‫عَلْيِهْم اْلَم ّ‬
‫َوَأنَزْلَنا َ‬
‫ن )‪160‬العراف ( ‪ ،‬ومن هععذه‬
‫ظِلُمو َ‬
‫سُهْم َي ْ‬
‫ن َكاُنوا َأنُف َ‬
‫ظَلُموَنا َوَلِك ْ‬
‫َ‬
‫سععموا إلععى )‪ (12‬جماعععة ‪ ،‬لتيسععير‬
‫اليععة الكريمععة ‪ ،‬نجععد أنهععم ُق ّ‬
‫ن عليهم ربهم ‪ ،‬سععبحانه عمععا يصععفون ‪ ،‬بععأن‬
‫عملّيه القيادة ‪ ،‬وم ّ‬
‫وّفر لهم كل أسباب الراحة ‪ ،‬من ماء وغذاء ‪ ،‬وحععتى أنععه وقععاهم‬
‫من حر الشمس ‪ ،‬بأن جعل السحاب يظللهم ‪ ،‬أينمععا حلععوا وأينمععا‬
‫ارتحلععوا ‪ ،‬أثنععاء مسععيرهم باتجععاه الرض الُمقّدسععة ‪ ،‬وفععي تلععك‬
‫الثناء مّروا على عبععدة الصععنام ‪ ،‬فطلبععوا مععن موسععى أن يجعععل‬
‫حَر ‪َ ،‬ف عَأَتْوا‬
‫سَراِئيَل اْلَب ْ‬
‫جاَوْزَنا ِبَبِني ِإ ْ‬
‫لهم ألهة كما لهؤلء ألهة ) َو َ‬
‫جَععْل َلَنععا ِإَلًهععا‬
‫سى ا ْ‬
‫صَناٍم َلُهْم ‪َ ،‬قاُلوا َياُمو َ‬
‫عَلى َأ ْ‬
‫ن َ‬
‫عَلى َقْوٍم َيْعُكُفو َ‬
‫َ‬
‫ن )‪ 138‬العراف ( ‪.‬‬
‫جَهُلو َ‬
‫َكَما َلُهْم َءاِلَهٌة ‪َ ،‬قاَل ِإّنُكْم َقْوٌم َت ْ‬
‫ول يغب عن بالنا ‪ ،‬أن رحلة كهذه ‪ ،‬كانت تستوجب ما بيععن فععترة‬
‫وأخرى ‪ ،‬التخييم والقامة لبعض الوقت ‪ ،‬ومن ثم متابعة المسير‬
‫‪ ،‬وهكععذا دواليععك ‪ ،‬ولععم تتعععدى مععدد القامععة فععي أي مععن مراحععل‬
‫المسير ‪ ،‬سوى أيام أو أسابيع معدودة ‪ ،‬فهم لم يركنوا إلى مكععان‬
‫معين ‪ ،‬إذ كان هناك مواعدة للقاء في جانب الطععور اليمععن ‪ ،‬فعي‬
‫وادي عربععة ‪ ،‬وكععانت هععذه المواعععدة جماعيععة لموسععى ولبنععي‬
‫ن موسى عليه السلم ‪ ،‬وبعد أن قطع شوطا كععبيرا‬
‫إسرائيل ‪ ،‬ولك ّ‬
‫في وادي عربععة ‪ ،‬اسععتعجل اللقععاء ‪ ،‬وعنععدما اقععترب مععن المكععان‬
‫المحععدد ‪ ،‬اسععتخلف أخيععه هععارون فععي قععومه ‪ ،‬وتركهععم ومضععى‬
‫مسرعا رغبًة منه في إرضاء ربه ‪ ،‬واعتذارا عععن التععأخير الععذي‬
‫تسّبب به قومه ‪ ،‬من جّراء مماطلتهم وتّذمرهم ‪.‬‬
‫‪164‬‬

‫اللقاء الول لموسى بربه بعد الخروج مننن‬
‫مصننر ‪ ،‬واتخنناذ العجننل فنني بطننن وادي‬
‫عربة ‪:‬‬
‫سععى )‪َ (83‬قععاَل ُه عْم ُأوَلِء‬
‫ك َيُمو َ‬
‫ن َقْوِم ع َ‬
‫عْ‬
‫ك َ‬
‫جَل َ‬
‫عَ‬
‫قال تعالى ) َوَما َأ ْ‬
‫ضععى )‪ (84‬وهنععاك كععان موسععى‬
‫ب ِلَتْر َ‬
‫ك َر ّ‬
‫ت ِإَلْيع َ‬
‫جْل ُ‬
‫عِ‬
‫عَلى َأَثِري َو َ‬
‫َ‬
‫عليه السلم ‪ ،‬مشتاقا ومندفعا فطلب رؤية ربه ‪ ،‬وكأنه نسععي مععا‬
‫جععاَء‬
‫كان من قومه ‪ ،‬فطلب من ربه مععا طلبععه قععومه منععه ) َوَلّمععا َ‬
‫ك ‪َ ،‬قععاَل َلعنْ‬
‫ظعْر ِإَلْيع َ‬
‫ب َأِرِنععي َأن ُ‬
‫سى ِلِميَقاِتَنا َوَكّلَمُه َرّبُه ‪َ ،‬قاَل َر ّ‬
‫ُمو َ‬
‫سْوفَ َتَراِني ‪،‬‬
‫سَتَقّر َمَكاَنُه َف َ‬
‫نا ْ‬
‫جَبِل ‪َ ،‬فِإ ْ‬
‫ظْر ِإَلى اْل َ‬
‫ن ان ُ‬
‫َتَراِني ‪َ ،‬وَلِك ْ‬
‫صعِعًقا ‪َ ،‬فَلّمععا َأَفععا َ‬
‫ق‬
‫سى َ‬
‫خّر ُمو َ‬
‫جَعَلُه َدّكا ‪َ ،‬و َ‬
‫جَبِل َ‬
‫جّلى َرّبُه ِلْل َ‬
‫َفَلّما َت َ‬
‫ن )‪ 143‬العععراف (‬
‫ك َوَأَنععا َأّوُل اْلُم عْؤِمِني َ‬
‫ت ِإَلْي ع َ‬
‫ك ُتْب ع ُ‬
‫حاَن َ‬
‫س عْب َ‬
‫َقععاَل ُ‬
‫صعق قومه من قبل ‪ ،‬وبعععدما أفععاق ‪ُ ،‬أعطيععت‬
‫صعق موسى كما ُ‬
‫ف ُ‬
‫لععه اللععواح ‪ ،‬الععتي تحمععل فععي ثناياهععا الشععريعة الجديععدة لبنععي‬
‫صععيلً‬
‫ظًة َوَتْف ِ‬
‫عَ‬
‫يٍء َمْو ِ‬
‫ش ْ‬
‫ن ُكّل َ‬
‫ح ِم ْ‬
‫إسرائيل ‪َ ) ،‬وَكَتْبَنا َلُه ِفي اَْلْلَوا ِ‬
‫س عُأِريُكْم َدارَ‬
‫س عِنَها َ‬
‫ح َ‬
‫خ عُذوا ِبَأ ْ‬
‫ك َيْأ ُ‬
‫خْذَها ِبُقّوٍة َوْأُمْر َقْوَم َ‬
‫يٍء َف ُ‬
‫ش ْ‬
‫ِلُكّل َ‬
‫ن )‪ 145‬العراف ( ‪.‬‬
‫سِقي َ‬
‫اْلَفا ِ‬
‫ومن ثم ‪ ،‬أخبره ربه بأن قومه ُفتنوا من بعععده ‪ ،‬بعبععادتهم للعجععل‬
‫ك‬
‫ن َبْعِد َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫الذهبي الذي ابتدعه السامري ‪َ ) ،‬قاَل َفِإّنا َقْد َفَتّنا َقْوَم َ‬
‫ي )‪ 85‬طه ( ‪ ،‬وكانت عقوبة الشععرك بععال غايععة‬
‫ساِمِر ّ‬
‫ضّلُهْم ال ّ‬
‫َوَأ َ‬
‫سعُكمْ‬
‫ظَلْمُتعْم َأنُف َ‬
‫سى ِلَقْوِمِه ‪َ ،‬يَقْوِم ِإّنُكعْم َ‬
‫في القسوة ‪َ ) ،‬وِإْذ َقاَل ُمو َ‬
‫خْي عرٌ‬
‫س عُكْم ‪َ ،‬ذِلُك عْم َ‬
‫جَل ‪َ ،‬فُتوُبوا ِإَلى َباِرِئُكْم َفععاْقُتُلوا َأنُف َ‬
‫خاِذُكْم اْلِع ْ‬
‫ِباّت َ‬
‫حيُم )‪ 54‬البقرة‬
‫ب الّر ِ‬
‫عَلْيُكْم ‪ِ ،‬إّنُه ُهوَ الّتّوا ُ‬
‫ب َ‬
‫عْنَد َباِرِئُكْم ‪َ ،‬فَتا َ‬
‫َلُكْم ِ‬
‫( ‪ ،‬وتوحي هذه الية بأن المر كان ُملزمععا ‪ ،‬وقبععول التوبععة كععان‬
‫مشروطا بقتل النفس ‪ ،‬فمن رغب في التوبععة آنععذاك ممععن عبععدوا‬
‫العجل ‪ ،‬قتل نفسه حقيقة وُقبلت توبته ‪ ،‬ومن لم يقتل نفسه ‪ ،‬قال‬
‫‪165‬‬

‫ب مِعنْ‬
‫غضَع ٌ‬
‫سعَيَناُلُهْم َ‬
‫جعَل َ‬
‫خعُذوا اْلِع ْ‬
‫ن اّت َ‬
‫ن اّلعِذي َ‬
‫فيهععم سععبحانه ‪ِ ) ،‬إ ّ‬
‫ن )‪152‬‬
‫جععِزي اْلُمْفَتِريعع َ‬
‫ك َن ْ‬
‫حَيععاِة الععّدْنَيا َوَكععَذِل َ‬
‫َرّبِهععْم َوِذّلععٌة ِفععي اْل َ‬
‫العراف ( ‪.‬‬
‫وبالنظر في قوله تعالى ‪ ،‬علععى لسععان موسععى مخاطبععا السععامريّ‬
‫سَفّنهُ ِفععي‬
‫حّرَقّنُه ُثّم َلَنْن ِ‬
‫عاِكًفا َلُن َ‬
‫عَلْيِه َ‬
‫ت َ‬
‫ظْل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫ظْر ِإَلى ِإَلِه َ‬
‫) َواْن ُ‬
‫حّرق وُرمي في‬
‫سًفا )‪ 97‬طه ( ‪ ،‬نجد أن العجل الذهبي ‪ ،‬قد ُ‬
‫اْلَيّم َن ْ‬
‫البحر ‪ ،‬وأقرب بحععر لمقععام بنععي إسععرائيل فععي وادي عربععة ‪ ،‬هععو‬
‫البحر الميت ‪.‬‬
‫اللقاء الثاني والرجفة ونتق الجبل ‪:‬‬
‫وبنععاًء علععى مععا كععان منهععم ‪ ،‬اختععار موسععى )‪ (70‬رجل مععن‬
‫سععى‬
‫خَتاَر ُمو َ‬
‫أفضلهم ‪ ،‬للعتذار عما فعله السفهاء من قومه ) َوا ْ‬
‫ب َلعْو‬
‫جَفعُة ‪َ ،‬قععاَل َر ّ‬
‫خعَذْتُهْم الّر ْ‬
‫ل ِلِميَقاِتَنا ‪َ ،‬فَلّمععا َأ َ‬
‫جً‬
‫ن َر ُ‬
‫سْبِعي َ‬
‫َقْوَمُه َ‬
‫سعَفَهاُء ِمّنععا ‪ِ ،‬إنْ‬
‫ي ‪َ ،‬أُتْهِلُكَنا ِبَما َفَعَل ال ّ‬
‫ن َقْبُل َوِإّيا َ‬
‫ت َأْهَلْكَتُهْم ِم ْ‬
‫شْئ َ‬
‫ِ‬
‫ت َوِلّيَنععا‬
‫شععاُء ‪َ ،‬أنْع َ‬
‫ن َت َ‬
‫شاُء َوَتْهعِدي َمع ْ‬
‫ن َت َ‬
‫ضّل ِبَها َم ْ‬
‫ك ُت ِ‬
‫ي ِإّل ِفْتَنُت َ‬
‫ِه َ‬
‫ن )‪ 155‬العراف ( فشهدوا‬
‫خْيُر اْلَغاِفِري َ‬
‫ت َ‬
‫حْمَنا َوَأْن َ‬
‫غفِْر َلَنا َواْر َ‬
‫َفا ْ‬
‫الوحي بمعية موسى عليه السلم دون سماعه ‪ ،‬وشعروا بوجععود‬
‫خععالقهم وقععدرته ‪ ،‬ومقععدار حنقععه وغضععبه عليهععم ‪ ،‬بععأن زلععزل‬
‫الرض من تحت أرجلهم ‪.‬‬
‫ي عشننر‬
‫أخذ الميثاق ‪ ،‬وإلزام النقبنناء الثنن ّ‬
‫بالسهر على تطبيقه ‪ ،‬والحكم بمننا جنناء‬
‫فيه ‪:‬‬
‫عرض عليهم الميثاق ليلتزموا به ‪ ،‬ويلزموا أتباعهم على‬
‫وهناك ُ‬
‫القيام به ‪ ،‬ويتحملععوا مسععؤولية نقضععه ‪ ،‬فععترّددوا وأَبعْوا ‪ ،‬فرفععع‬
‫سبحانه فوقهم الجبل ‪ ،‬وأجبرهم على أخذه بالقوة ‪ ،‬ولععو أص عّروا‬
‫‪166‬‬

‫على الرفض لطبقععه عليهععم ‪ ،‬فقبلععوه علععى مضععض ‪ ،‬وكععان الع‬
‫أعلم بما يعتمل فعي صععدورهم ‪ ،‬ولكنععه غفععور رحيععم ‪ ،‬حيععث قععال‬
‫خُذوا َمععا آَتْيَنععاُكمْ‬
‫طوَر ُ‬
‫خْذَنا ميَثاَقُكْم َوَرَفْعَنا َفْوَقُكْم ال ّ‬
‫فيهم ‪َ ) ،‬وِإْذ َأ َ‬
‫شعِرُبوا ِفعي ُقُلعوِبِهمْ‬
‫صعْيَنا ‪َ ،‬وُأ ْ‬
‫ع َ‬
‫سعِمْعَنا َو َ‬
‫سعَمُعوا ‪َ ،‬قعاُلوا َ‬
‫ِبُقعّوٍة َوا ْ‬
‫ن ُكنُتعْم ُمعْؤمِِنينَ )‬
‫سَما َيْأُمُرُكْم ِبعِه ِإيَمععاُنُكْم ِإ ْ‬
‫اْلِعجَْل ِبُكْفِرِهْم ‪ُ ،‬قْل ِبْئ َ‬
‫‪ 93‬البقععرة ( ‪ .‬فععاختير مععن السععبعين رجل )‪ (12‬نقيبععا ‪ ،‬بعععدد‬
‫السباط ) أي قبائل بني إسععرائيل ( وهععم الععذين ُتسععميهم التععوراة‬
‫بالقضاة ‪ .‬وهذا نص الميثاق الذي ُألزموا بالعمععل علععى تطععبيقه ‪،‬‬
‫خعَذ الُّع‬
‫بالضافة إلى الوصايا الواردة في سورة النعععام ) َوَلَقعْد َأ َ‬
‫لُع‬
‫شعَر َنِقيًبععا ‪َ ،‬وَقععاَل ا ّ‬
‫ع َ‬
‫ي َ‬
‫سَراِئيَل ‪َ ،‬وَبَعْثَنا ِمْنُهعْم اْثَنع ْ‬
‫ق َبِني ِإ ْ‬
‫ِميَثا َ‬
‫س عِلي‬
‫لَة ‪َ ،‬وآَتْيُت عْم الّزَكععاَة َوآَمْنُت عْم ِبُر ُ‬
‫صع َ‬
‫ن َأَقْمُت عْم ال ّ‬
‫ِإّنععي َمَعُك عْم ‪َ ،‬لِئ ْ‬
‫سعّيَئاِتُكْم‬
‫عْنُكْم َ‬
‫ن َ‬
‫سًنا ‪َُ ،‬لَكّفَر ّ‬
‫ح َ‬
‫ضا َ‬
‫ل َقْر ً‬
‫ضُتْم ا َّ‬
‫عّزْرُتُموُهْم ‪َ ،‬وَأْقَر ْ‬
‫َو َ‬
‫ن َكَفعَر َبْععَد َذِلعكَ‬
‫حِتَها اْلَْنَهاُر ‪َ ،‬فَمع ْ‬
‫ن َت ْ‬
‫جِري ِم ْ‬
‫ت َت ْ‬
‫جّنا ٍ‬
‫خَلّنُكْم َ‬
‫‪َ ،‬وَُلْد ِ‬
‫سِبيِل )‪ 12‬المائدة ( ‪.‬‬
‫سَواَء ال ّ‬
‫ضّل َ‬
‫ِمْنُكْم ‪َ ،‬فَقْد َ‬
‫رفض المن والسننلوى وطلننب القثائيننات ‪،‬‬
‫والحكننم عليهننم بننالنزول فنني مننوطن‬
‫زراعتها ‪:‬‬
‫كععانت مععدة المكععث بععادئ المععر فععي الصععحراء بسععيطة ‪ ،‬وذلععك‬
‫ن والسععلوى ‪،‬‬
‫لتذّمرهم وعدم صبرهم على طعععام واحععد ‪ ،‬أي الم ع ّ‬
‫فحكم عليهم سبحانه بإكمال المسير ‪ ،‬المقّدر مسبقا ‪ ،‬بقوله علععى‬
‫ح عٍد َفععاْدعُ‬
‫طَعاٍم َوا ِ‬
‫عَلى َ‬
‫صِبَر َ‬
‫ن َن ْ‬
‫سى َل ْ‬
‫لسان موسى ) َوِإْذ ُقْلُتْم َيُمو َ‬
‫ن َبْقِلَهععا َوِقّثاِئَهععا َوُفومَِهععا‬
‫ض ِمع ْ‬
‫ت اَْلْر ُ‬
‫ج َلَنا ِمّمععا ُتْنِبع ُ‬
‫خِر ْ‬
‫ك ُي ْ‬
‫َلَنا َرّب َ‬
‫خْي عرٌ‬
‫ن اّلِذي ُهَو َأْدَنععى ِباّل عِذي ُه عَو َ‬
‫سَتْبِدُلو َ‬
‫صِلَها َقاَل َأَت ْ‬
‫سَها َوَب َ‬
‫عدَ ِ‬
‫َو َ‬
‫سَأْلُتْم )‪ 61‬البقرة ( ‪ ،‬وحيث أنععه قععال‬
‫ن َلُكْم َما َ‬
‫صًرا ‪َ ،‬فِإ ّ‬
‫طوا ِم ْ‬
‫اْهِب ُ‬
‫‪167‬‬

‫صعَر ( بععدون تنععوين ‪ ،‬فهععي غيععر‬
‫صرًا ( منونًة ‪ ،‬ولم يقععل ) ِم ْ‬
‫) ِم ْ‬
‫مصر التي خرجوا منها ‪ ،‬وإنما جاءت هنععا بمعنععى ) بلععدًا ( نكععرة‬
‫ن لكعم معا سعألتم ( تعنعي أن هعذا البلعد‬
‫وغير معّرفة ‪ ،‬وقوله ) فعإ ّ‬
‫يتمّيز ‪ ،‬بأن فيه مععا سععأله بنععي إسععرائيل مععن نععبيهم ‪ ،‬مععن عععدس‬
‫وبصل وغيره ‪ ،‬ولو تساءلنا عن موقععع هععذا البلععد ‪ ،‬القريععب مععن‬
‫الرض المقدسة ‪ ،‬الذي يتميز بخصوبة أراضيه ‪ ،‬ووفععرة ميععاهه‬
‫من ينابيع وآبار ‪ ،‬ويصععلح لزراعععة القّثائيععات ‪ ،‬بالتأكيععد سععتكون‬
‫الجابععة الرض الواقعععة ‪ ،‬شععرق نهععر الردن ‪ ،‬وفععي السععفوح‬
‫الغربية للجبال المطلة على فلسطين ‪ ،‬وبالتحديد قرية مدين الععتي‬
‫يعرفهععا موسععى ‪ ،‬ويعععرف مّيزاتهععا وخصائصععها ‪ ،‬وال ع أعلععم ‪،‬‬
‫والتي كان أهلها قد هلكوا بعذاب يوم الظّلة ‪ ،‬قبععل أو بعععد خععروج‬
‫موسى منها ‪ ،‬ليرثها بنوا إسرائيل مع القلععة المؤمنععة ‪ ،‬مععن قععوم‬
‫شعيب التي نجت من العذاب ‪.‬‬
‫مقام فيها ‪:‬‬
‫دخول مدين وال ُ‬
‫شعْئُتمْ‬
‫ث ِ‬
‫حيْ ع ُ‬
‫خُلوا َهعِذِه اْلَقْرَيعَة َفُكُلععوا ِمْنَهععا َ‬
‫قال تعالى ) َوِإْذ ُقْلَنا اْد ُ‬
‫طاَيععاُكْم‬
‫خَ‬
‫ط عٌة َنْغِف عْر َلُك عْم َ‬
‫حّ‬
‫جًدا َوُقوُلععوا ِ‬
‫سع ّ‬
‫ب ُ‬
‫خُلععوا اْلَبععا َ‬
‫غ عًدا َواْد ُ‬
‫َر َ‬
‫ن )‪ 58‬البقرة ( ‪ ،‬وقال في آية أخرى ) َوِإْذ ِقيععَل‬
‫سِني َ‬
‫ح ِ‬
‫سَنِزيُد اْلُم ْ‬
‫َو َ‬
‫طعةٌ‬
‫حّ‬
‫شعْئُتْم َوُقوُلععوا ِ‬
‫ث ِ‬
‫حْيع ُ‬
‫سعُكُنوا َهعِذِه اْلَقْرَيعَة َوُكُلععوا ِمْنَهععا َ‬
‫َلُهْم ا ْ‬
‫سِنينَ )‪(161‬‬
‫ح ِ‬
‫سَنِزيُد اْلُم ْ‬
‫طيَئاِتُكْم َ‬
‫خِ‬
‫جًدا َنْغِفْر َلُكْم َ‬
‫سّ‬
‫ب ُ‬
‫َواْدخُُلوا اْلَبا َ‬
‫عَلْيِهعمْ‬
‫سعْلَنا َ‬
‫غْيَر اّلعِذي ِقيعَل َلُهعْم َفَأْر َ‬
‫ظَلُموا ِمْنُهْم َقْوًل َ‬
‫ن َ‬
‫َفَبّدلَ اّلِذي َ‬
‫ن )‪ 162‬العراف ( ‪ ،‬ولم يكععن‬
‫ظِلُمو َ‬
‫سَماِء ِبَما َكاُنوا َي ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫جًزا ِم ْ‬
‫ِر ْ‬
‫المقصود بهذه القرية ‪ ،‬الرض المقدسة ‪ ،‬كونهم دخلوها حربا ‪،‬‬
‫بعد موسى عليه السلم بأربعين عاما على القععل ‪ ،‬وهععذه القريععة‬
‫سكنت حقيقة ‪ ،‬بدخولها بل قتععال بمعيععة موسععى عليععه السععلم ‪،‬‬
‫ُ‬
‫‪168‬‬

‫وقد بّدل الععذين ظلمععوا منهععم –أي الُعصععاة – القععول والهيئة عنععد‬
‫الدخول ‪ ،‬فأرسل عليهم سبحانه رجزا من السماء ‪.‬‬
‫شعْئُتْم ( و قععوله لهععم فععي‬
‫ث ِ‬
‫حْيع ُ‬
‫وقوله قبل الدخول ) َوُكُلععوا ِمْنهععا َ‬
‫غًدا ( يععوحي بأنهععا سععكنى‬
‫شْئُتْم َر َ‬
‫ث ِ‬
‫حْي ُ‬
‫النص الخر ) َفُكُلوا ِمْنَها َ‬
‫مؤقتة ‪ ،‬ولم يكن لديهم علم ‪ ،‬بأنه سيكون هناك ما بعدها ‪ ،‬وهو‬
‫الستعداد والتهيئة لدخول الرض المقدسة ‪ ،‬فأفشلوا أنفسهم في‬
‫الععدخول الول لتلععك القريععة ‪ ،‬فاسععتحقوا غضععب العع عليهععم ‪،‬‬
‫وأفشلوا أنفسهم عندما ُأمروا بالدخول الثاني بل حرب ‪ ،‬فأفشلهم‬
‫ال وأذهب ريحهم ‪ .‬وقعد قيلعت هعذه العبعارة ‪ ،‬لدم عليعه السعلم‬
‫شْئُتَما )‪ 35‬البقرة ( ‪ ،‬قبل دخوله‬
‫ث ِ‬
‫حْي ُ‬
‫غًدا َ‬
‫ل ِمْنَها َر َ‬
‫وزوجه ) َوُك َ‬
‫الجنة ‪ ،‬ولم يكن لديهما علم بأن القامة فيها مؤقتععة ‪ ،‬وأن هنععاك‬
‫مععا بعععدها ‪ ،‬وسععيحاطون بععه علمععا عنععد وقععوعه ‪ ،‬وفععي موعععده‬
‫المقدر المضمر في علععم الع ‪ ،‬ولكعن بعععد فعوات الوان ‪ .‬وإن لععم‬
‫تكن مدين ‪ ،‬هي القرية التي دخلها بنوا إسععرائيل وأقععاموا فيهععا ‪،‬‬
‫فهي قرية تقع في نفس المنطقة ‪ ،‬وال أعلم ‪.‬‬
‫الخسف بقارون ‪ ،‬ورحلة موسى والفننتى ‪،‬‬
‫وذبح البقرة ‪:‬‬
‫أقام بنو إسرائيل في مدين بمعية موسى ‪ -‬على معا يبععدو ‪ -‬سععنين‬
‫عديدة ‪ ،‬واطمأنوا بهععا وإليهععا ‪ ،‬وطععاب لهععم المقععام فيهععا ‪ ،‬حيععث‬
‫الزراعة وتربية المواشععي والتجععارة ‪ ،‬وهععذا هععو ديععدنهم ‪ ،‬ومععن‬
‫سى ِلقْوِمِه‬
‫الحداث التي وقعت فيها ‪ ،‬قصة البقرة ‪َ ) ،‬وِإْذ َقاَل ُمو َ‬
‫خُذَنا ُهُزًوا َقاَل َأعُععوُذ ِبععا ِّ‬
‫ل‬
‫حوا َبَقَرًة َقاُلوا َأَتّت ِ‬
‫ن َتْذَب ُ‬
‫ل َيْأُمُرُكْم َأ ْ‬
‫ن ا َّ‬
‫ِإ ّ‬
‫ن )‪ 67‬البقرة ( ‪ ،‬وقصة سععفر موسععى حيععث‬
‫جاِهِلي َ‬
‫ن اْل َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ن أَُكو َ‬
‫َأ ْ‬
‫سى ِلَفَتاُه َل َأْبَرحُ‬
‫مجمع البحرين ‪ ،‬لللتقاء بالعالم ‪َ ) ،‬وِإْذ َقاَل ُمو َ‬
‫‪169‬‬

‫حقًبععا )‪ 60‬الكهععف ( وقصععة‬
‫ي ُ‬
‫ضع َ‬
‫ن َأْو َأْم ِ‬
‫حَرْيع ِ‬
‫جَمَع اْلَب ْ‬
‫حّتى َأْبُلَغ َم ْ‬
‫َ‬
‫علْيِه عْم‬
‫سى َفَبَغععى َ‬
‫ن ِمنْ َقْوِم ُمو َ‬
‫ن َكا َ‬
‫ن َقاُرو َ‬
‫قارون المعروفة ‪ِ ) ،‬إ ّ‬
‫صعَبِة ُأوِلععي اْلُقعّوِة ِإْذ‬
‫حُه َلَتُنععوُء ِباْلُع ْ‬
‫ن َمَفععاِت َ‬
‫ن اْلُكُنوِز َما ِإ ّ‬
‫َوآَتيَْناُه ِم ْ‬
‫ن )‪ 76‬القصص ( ‪.‬‬
‫حي َ‬
‫ب اْلَفِر ِ‬
‫ح ّ‬
‫ل َل ُي ِ‬
‫ن ا َّ‬
‫ح ِإ ّ‬
‫َقاَل َلُه َقْوُمُه َل َتْفَر ْ‬
‫دسننة وتحريمهننا‬
‫المننر بنندخول الرض المق ّ‬
‫عليهم وتيههم شرقي النهر ‪:‬‬
‫وبعد مدة من مكثهععم فععي مععدين ‪ ،‬أمرهععم موسععى بععدخول الرض‬
‫المقدسععة ) فلسععطين ( ‪ ،‬ولععم تكععن هنععاك حاجععة للقتععال آنععذاك ‪،‬‬
‫فرفضوا وعصوا ‪ ،‬لقلة وانعدام إيمانهم ‪ ،‬وأخلععدوا إلععى الرض ‪،‬‬
‫وتذّرعوا بحجج واهية ليبّرروا اتكاليتهم وعجزهم ‪ ،‬فدعا موسى‬
‫حّرَمعةٌ‬
‫ربه ليحكم بينه وبينهم ‪ ،‬فاستجاب له ربه ‪َ ) ،‬قععاَل َفِإّنَهععا ُم َ‬
‫عَلععى اْلَق عْوِم‬
‫س َ‬
‫ض َفل َت عْأ َ‬
‫ن ِفععي اَْلْر ِ‬
‫س عَنًة َيِتيُهععو َ‬
‫ن َ‬
‫عَلْيهِ عْم َأْرَبِعي ع َ‬
‫َ‬
‫ن )‪ 26‬المائدة ( ‪ ،‬فكان تحريم الدخول لمدة أربعيععن سععنة‬
‫سِقي َ‬
‫اْلَفا ِ‬
‫ومن ثم التيه في الرض ‪.‬‬
‫والتيه لغة الحيرة والضلل ‪ ،‬ورجل تائه وتّياه ‪ ،‬إذا كان جسورا‬
‫يركب رأسععه فععي المععور ‪ ،‬وفععي الحععديث ‪ :‬إنععك امععرؤ تععائه ‪ ،‬أي‬
‫متكععبر أو ضععال متحّيععر ‪ .‬والمععراد مععن ذلععك أنهععم ُتركععوا علععى‬
‫حرمععوا مععن قيععادة النبيععاء ‪ ،‬بععأن الع تخلععى عنهععم‬
‫رؤوسععهم ‪ ،‬و ُ‬
‫وحرمهععم مععن رعععايته لهععم ‪ ،‬ورفععع عنهععم الععوحي وتركهععم بل‬
‫هداية ‪ ،‬بعد موت موسى عليه السلم ‪ ،‬على مدى ‪ 40‬سنة ‪ ،‬ولم‬
‫ُيقصد بالتيه الضياع والتشّرد المكاني ‪ ،‬في صحراء سيناء ‪ ،‬كمععا‬
‫كنا نعتقد سابقا ‪ .‬والصحيح أنهم حععافظوا علععى تواجععدهم ‪ ،‬كأمععة‬
‫مكونة مععن ‪ 12‬جماعععة شععرقي نهععر الردن ‪ ،‬وُأوكلععت قيععادة كععل‬
‫جماعة إلى أحععد النقبععاء الثنععي عشععر ‪ ،‬كععل حسععب السععبط الععذي‬
‫‪170‬‬

‫ينتمي إليه ‪ ،‬بعد انقطاع قيادة الوحي ‪ ،‬وهذا مما ينفي نبععوة فععتى‬
‫موسى المسمى بيوشع بن نون ‪ .‬وهنا تتضح الحكمععة مععن جععراء‬
‫إلقاء مسؤولية حفظ الميثاق وإقامته ‪ ،‬على النقباء الثنععي عشععر‬
‫بعد وفاة موسى وانقطاع الوحي والعناية اللهية ‪ .‬وهذا ما حاول‬
‫مؤّلفععو التععوراة إخفععاءه بتبععديل مواضععع الكلععم ‪ ،‬فجعلععوا المععن‬
‫والسلوى ‪ ،‬تتنّزل عليهم لمدة أربعين سنة في الصععحراء ‪ ،‬وهععي‬
‫عععدد سععنين التحريععم والععتيه ‪ ،‬الععتي كععانوا يععأكلون فيهععا البصععل‬
‫والعدس ‪.‬‬
‫ويّدعي كتبة التوراة أن بني إسرائيل ‪ ،‬أثناء قدومهم إلععى الرض‬
‫المقدسة ‪ ،‬بمعية موسى عليه السلم ‪ ،‬قد قععاتلوا أقوامععا كععثيرة ‪،‬‬
‫شرق نهر الردن وانتصروا عليها ‪ ،‬ويّدعون أيضا أنهم هاجموا‬
‫الكنعانيين بعد موسى ‪ ،‬وهدموا أسوار مدينة أريحا بمعية يوشععع‬
‫بن نععون ‪ ،‬وأنهععم أقععاموا زمععن القضععاة غععرب النهععر ‪ .‬وهععذا كلععه‬
‫محض افتراء وتلفيق ‪ ،‬فكيف يقاتل من طلب منه مجععرد الععدخول‬
‫ولععم يععدخل ‪ ،‬ولفععظ الععدخول فععي القععرآن يععوحي بانتفععاء القتععال ‪.‬‬
‫والحوار الذي دار بين موسى وقومه لدخولها ‪ ،‬تجد نصععه كععامل‬
‫في اليات )‪ (27 – 20‬المائدة ‪.‬‬
‫زمن الخبننار بنننص نبننوءة الفسنناد والعلننو‬
‫في الرض ‪:‬‬
‫وبعد مدة يسيره من الزمن من ذلك الحكم ‪ ،‬كشععف موسععى عليععه‬
‫السلم النقاب عن النبععوءة موضععوع هععذا الكتععاب ‪ ،‬وأخععبر عنهععا‬
‫قبععل أن ينتقععل إلععى جععوار ربععه ‪ .‬وتركهععم فععي غيهععم وطغيععانهم‬
‫يعمهون ‪ ،‬كمعا حكعم عليهعم ربهعم ‪ ،‬وُأوكعل المعر معن بععده إلعى‬
‫النقبععاء الثنععي عشععر أصععحاب الميثععاق ‪ ،‬ليحفظععوا التععوراة ‪،‬‬
‫‪171‬‬

‫وليحكموا بيععن النععاس بمععا جععاء فيهععا ‪ ،‬ومععن ذلععك اليععوم انتقلععت‬
‫مسؤولية حفظ التوراة والشريعة إلى أناس عاديين ‪ ،‬فبدأ ظهععور‬
‫حُكعُم‬
‫الحبار ‪ ،‬قال تعالى ) ِإّنا َأْنَزْلَنا الّتْوَراَة ِفيَهععا ُهعًدى َوُنععوٌر ‪َ ،‬ي ْ‬
‫حَبععارُ‬
‫ن َواْلَ ْ‬
‫ن َهععاُدوا ‪َ ،‬والّرّبععاِنّيو َ‬
‫سَلُموا ‪ِ ،‬لّلعِذي َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ِبَها الّنِبّيو َ‬
‫شععَهَداَء )‪44‬‬
‫عَلْيععِه ُ‬
‫لعع ‪َ ،‬وَكععاُنوا َ‬
‫ب ا ِّ‬
‫ن ِكَتععا ِ‬
‫ظوا ِمعع ْ‬
‫حِف ُ‬
‫سععُت ْ‬
‫ِبَمععا ا ْ‬
‫المائدة ( ‪.‬‬
‫دسننة بعنند‬
‫ملك لنندخول الرض المق ّ‬
‫طلب ال ُ‬
‫نهاية سنوات التيه ‪:‬‬
‫سعِبيِل الِّع َقععاَل َهعْل‬
‫ث َلَنععا َمِلًكععا ُنَقاِتعْل ِفععي َ‬
‫ي َلُهُم اْبَع ْ‬
‫) ِإْذ َقاُلوا ِلَنِب ّ‬
‫عَلْيُكُم اْلِقَتاُل َأّل ُتَقاِتُلوا َقاُلوا َوَما َلَنا َأّل نَُقاِتَل ِفععي‬
‫ب َ‬
‫ن ُكِت َ‬
‫سْيُتْم ِإ ْ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫عَلْيِه عُم اْلِقَتععاُل‬
‫ب َ‬
‫ن ِدَياِرَنا َوَأْبَناِئَنا َفَلّما ُكِت ع َ‬
‫جَنا ِم ْ‬
‫خِر ْ‬
‫ل َوَقْد ُأ ْ‬
‫سِبيِل ا ِّ‬
‫َ‬
‫ن )‪(246‬‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫عِليٌم ِبال ّ‬
‫ل َ‬
‫ل ِمْنُهْم َوا ُّ‬
‫َتَوّلْوا ِإّل َقِلي ً‬
‫وبعد انقضاء سنون التيه الربعون ‪ ،‬التي عاشوا خللهععا شععرقي‬
‫نهععر الردن ‪ُ .‬بعععث فيهععم نبيععا ‪ ،‬يعّدعون أن اسععمه ) صععمويل ( ‪.‬‬
‫وربما لتعرضععهم لضععيق العيععش والضععطهاد والغععزو ‪ ،‬مععن قبععل‬
‫الممالك المجاورة شرقي النهر ‪ ،‬طلبوا من هذا النععبي ‪ ،‬أن يبعععث‬
‫سَراِئيَل مِ عنْ َبْع عِد‬
‫ن َبِني ِإ ْ‬
‫ل ِم ْ‬
‫لهم ملكا ‪ ،‬قال تعالى ) َأَلْم َتَر ِإَلى اْلَم َِ‬
‫لع )‬
‫سعِبيِل ا ِّ‬
‫ث َلَنععا َمِلًكععا ُنَقاِتعْل ِفععي َ‬
‫ي َلُهْم اْبَع ْ‬
‫سى ‪ِ ،‬إْذ َقاُلوا ِلَنِب ّ‬
‫ُمو َ‬
‫‪ 246‬البقرة ( بغية دخول الرض المقدسة الععتي كتععب ال ع لهععم ‪،‬‬
‫فُبعث لهم طالوت ملكا ‪ ،‬وأنزل ال لهم التابوت تحمله الملئكععة ‪،‬‬
‫آيععة لملكععه ‪ ،‬كععونهم ل يؤمنععون إل بمععا هععو محسععوس ‪ ،‬فأععّدهم‬
‫ظم صفوفهم ‪ ،‬واجتاز بهم نهر الردن ‪ ،‬فشربوا منه إل قليل ‪.‬‬
‫ون ّ‬
‫وكانت المواجهة مع الكنعانين – على الرجح فععي سععهول أريحععا‬
‫ت ( وقتععل داود ‪ -‬الععذي‬
‫جععاُلو َ‬
‫ل َوَقَتَل َداُووُد َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫– ) َفَهَزُموُهْم ِبِإْذ ِ‬
‫‪172‬‬

‫كان من جنود طالوت ‪ -‬جالوت قائد الكنعانيين ‪ ،‬ودخلوا القدس ‪.‬‬
‫ومن ثم انتقل الُملك لداود عليه السلم ‪ ،‬بغض النظر عن الكيفيععة‬
‫شاُء )‪ 251‬البقرة ( ‪،‬‬
‫عّلَمُه ِمّما َي َ‬
‫حْكَمَة ‪َ ،‬و َ‬
‫ل اْلُمْلكَ َواْل ِ‬
‫‪َ ) ،‬وآَتاُه ا ُّ‬
‫ونععص هععذه الحععداث كععامل ‪ ،‬تجععده فععي اليععات )‪(251 – 246‬‬
‫البقرة ‪ ،‬وكانت هذه أول معركة يقاتل فيها بنععو إسععرائيل ‪ ،‬وكععان‬
‫جيشهم يتألف من القلة المؤمنععة ‪ ،‬الععتي لععم تكععن قععد شععربت مععن‬
‫النهر ) نهر الردن ( ‪ ،‬وكان هذا هو الدخول الول لبني إسرائيل‬
‫إلى الرض المقدسة ‪.‬‬
‫داود عليه السلم يؤسس أول دولة لليهود‬
‫في القدس ‪:‬‬
‫حْك عَم َوالّنُب عّوَة‬
‫ب َواْل ُ‬
‫س عَراِئيلَ اْلِكَتععا َ‬
‫قععال تعععالى ) َوَلَق عْد آَتيَنععا َبِنععي ِإ ْ‬
‫ن )‪ 16‬الجاثيععة ( ‪،‬‬
‫عَلى اْلَعععاَلِمي َ‬
‫ضْلَناُهْم َ‬
‫ت َوَف ّ‬
‫طّيَبا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫َوَرَزْقَناُهْم ِم ْ‬
‫هععذه اليععة تشععير إلععى أن هنععاك خمسععة أمععور اجتمعععت لبنععي‬
‫إسرائيل ‪ ،‬وهي الكتاب أي الشريعة التي تركها لهم موسى عليععه‬
‫السععلم ‪ ،‬والحكععم أي الملععك ‪ ،‬والنبععوة أي الععوحي ‪ ،‬والسعععة فععي‬
‫الرزق ‪ ،‬والتفضيل باختيارهم لحمل الرسععالة السععماوية فععي ذلععك‬
‫الزمان ‪ ،‬وقد اجتمعععت هععذه المععور الخمسععة فععي زمععن مملكتهععم‬
‫الولى فعي الرض المقدسعة ‪ ،‬حيعث كعان داود عليعه السعلم أول‬
‫ملوكها ‪.‬‬
‫ملك داود عليه السلم ‪:‬‬
‫معظم اليععات الععتي أخععبرت عععن داود وملكععه ‪ ،‬كععانت ترّكععز علععى‬
‫شخص داود ‪ ،‬حيث اّتصف عليه السلم بالورع والتقععوى وكععثرة‬
‫العبادة ‪ ،‬والعلم والقوة مع شيء من اللين في المعاملة ‪ ،‬وتوحي‬
‫شععَدْدَنا‬
‫بأن شغله الشاغل ‪ ،‬كان توطيد أركان دولته الحديثة ‪َ ) ،‬و َ‬
‫‪173‬‬

‫ب )‪ 20‬ص ( ‪ ،‬وإعععداد مععا‬
‫طععا ِ‬
‫خَ‬
‫ص عَل اْل ِ‬
‫حْكَم عَة َوَف ْ‬
‫ُمْلَك عُه َوآَتْيَنععاُه اْل ِ‬
‫اسععتطاع مععن قععوة للععدفاع عععن دولتععه الصععغيرة ‪ ،‬الععتي كععانت‬
‫محصورة فععي بيععت المقععدس ومععا حولهععا ‪ ،‬مععن هجمععات القععوام‬
‫المجععاورة لهععا مععن الكنعععانيين ‪ ،‬ولععم يكععن يسعععى لتوسععيع رقعععة‬
‫الدولة ‪ ،‬كون المة السرائيلية آنذاك كانت قليلة ‪ -‬وهي لععم تكععثر‬
‫إل في العصر الحديث ‪ ،‬وبالتحديد بعععد الحععرب العالميععة الثانيععة ‪،‬‬
‫حيث ُرفع عنهم القتل ‪ -‬ولم تكن تسععتدعي امتلك مسععاحة كععبيرة‬
‫من أرض فلسطين ‪.‬‬
‫صننفة الجبننن الملزمننة لليهننود ومعالجتهننا‬
‫بابتكار داود للدروع الحربية ‪:‬‬
‫س عُكْم َفَه عْل‬
‫ن َبْأ ِ‬
‫صَنُكْم ِم ع ْ‬
‫ح ِ‬
‫س َلُكْم ِلُت ْ‬
‫صْنَعَة َلُبو ٍ‬
‫عّلْمَناُه َ‬
‫قال تعالى ) َو َ‬
‫ن )‪ 80‬النبياء ( ‪ ،‬والضمير ) كم ( في كلمتي ) لكم (‬
‫شاِكُرو َ‬
‫َأْنُتْم َ‬
‫و ) بأسكم ( ‪ ،‬يعود على المخاطبين بالقرآن ‪ ،‬وهذا خبر يفيععد أن‬
‫داود عليه السلم ‪ ،‬هو أول من ابتكر الدروع الحربية الحديدية ‪،‬‬
‫وأول من استعملها هم بنو إسرائيل ‪ ،‬وهذا يكشف طبيعععة الجبععن‬
‫فيهم ‪ ،‬والحرص على الحيععاة ‪ ،‬والخععوف مععن المععوت ‪ ،‬وكرههععم‬
‫شَرُكوا‬
‫ن اّلِذينَ َأ ْ‬
‫حَياٍة َوِم ْ‬
‫عَلى َ‬
‫س َ‬
‫ص الّنا ِ‬
‫حَر َ‬
‫جَدّنُهْم َأ ْ‬
‫للقتال ‪َ ) ،‬وَلَت ِ‬
‫)‪ 96‬البقرة ( وصناعة داود لها يدل على معرفته بطبيعتهم تلك ‪،‬‬
‫خَلَها َأَبعًدا َمععا َدامُععوا ِفيَهععا‬
‫ن َنعْد ُ‬
‫فقد قالوا لموسى مععن قبععل ) ِإّنععا َلع ْ‬
‫ن )‪ 24‬المععائدة ( ‪،‬‬
‫ع عُدو َ‬
‫ل ِإّنععا َهاُهَنععا َقا ِ‬
‫ك َفَقععاِت َ‬
‫ت َوَرّب ع َ‬
‫ب َأْن ع َ‬
‫َفععاذَْه ْ‬
‫صععلة فععي نفوسععهم ‪،‬‬
‫فععالجبن والتواكععل علععى الغيععر ‪ ،‬طبيعععة متأ ّ‬
‫وانظر إلى قولهم ) وربك ( وليس ) وربنا ( ‪ ،‬فهو رب موسععى ‪،‬‬
‫وليس بربهم ‪ ،‬فما كانوا مؤمنين ‪ ،‬لذلك قععال فيهععم موسععى عليععه‬
‫ن )‪ 25‬المائدة ( ‪ ،‬وكععان‬
‫سِقي َ‬
‫ن اْلَقْوِم اْلَفا ِ‬
‫ق َبْيَنَنا َوَبْي َ‬
‫السلم ) َفاْفُر ْ‬
‫‪174‬‬

‫أغلبهم فاسقين وعصاة ومعتدين ‪ ،‬حتى فععي زمععن طععالوت وداود‬
‫ن اّلِذينَ َكَفعُروا‬
‫وسليمان وعلى مر العصور ‪ ،‬حيث قال تعالى ) ُلِع َ‬
‫ن َمْرَيعَم َذِلعكَ ِبَمععا‬
‫سععى اْبع ِ‬
‫عي َ‬
‫ن َداُووَد َو ِ‬
‫سععا ِ‬
‫عَلى ِل َ‬
‫سَراِئيَل َ‬
‫ن َبِني ِإ ْ‬
‫ِم ْ‬
‫ن )‪ 78‬المععائدة ( ‪ ،‬فكمععا تععأّذى موسععى عليععه‬
‫عصَْوا َوَكاُنوا َيْعَتُدو َ‬
‫َ‬
‫سى ِلَقْوِمِه َياَقْوِم ِلَم ُتعْؤُذوَنِني َوَقعْد َتْعَلمُععونَ‬
‫السلم ‪َ ) ،‬وِإْذ َقاَل ُمو َ‬
‫ل ع ُقُلععوَبُهْم َوالُّ ع َل َيْه عِدي‬
‫غ ا ُّ‬
‫غوا َأَزا َ‬
‫ل ِإَلْيُكْم َفَلّما َزا ُ‬
‫سوُل ا ِّ‬
‫َأّني َر ُ‬
‫ن )‪ 5‬الصف ( تأّذى منهععم داود عليععه السععلم وهععو‬
‫سِقي َ‬
‫اْلَقوَْم اْلَفا ِ‬
‫أول ملوكهم ‪ ،‬وتأّذى منهم عيسى عليه السلم وهو آخر أنبيائهم‬
‫‪ ،‬ومن وقع بينهما من النبياء ‪.‬‬
‫شرب أغلبهم من النهر ‪ ،‬عند عبعورهم معع طعالوت إلعى‬
‫ولم يكن ُ‬
‫فلسطين عطشا ‪ ،‬وإنما ليستثنيهم طالوت من الخروج في الجيش‬
‫للقتال ‪ ،‬وما زالوا يفتعلون الحجج للتهععرب مععن القتععال حععتى فععي‬
‫دولتهم الحاليعة ‪ ،‬فهعم يعدفعون بأبنعائهم إلعى المعدارس الدينيعة ‪،‬‬
‫لتجنيبهعععم الخدمعععة العسعععكرية ‪ .‬فعععابتكر عليعععه السعععلم العععدروع‬
‫الحديدية ليلبسوها في حروبهم ‪ ،‬مععع الشعععوب المجععاورة ‪ ،‬الععتي‬
‫على ما يبععدو كععانت تغزوهععم باسععتمرار ‪ ،‬لعلهععا تععدخل شععيئا مععن‬
‫الطمئنان إلى تلك القلوب الوجلة ‪ ،‬وتدفعهم إلى الذود عن حمععى‬
‫مملكتهم ‪ .‬ولو نظرت إلى واقعهععم المعاصععر ‪ ،‬لوجععدتهم يلبسععون‬
‫الععدروع الواقيععة مععن الرصععاص ‪ ،‬حععتى فععي مواجهععة الحجععارة ‪،‬‬
‫صنون وراء السععيارات المصععفحة ‪ ،‬أو يقععاتلون مععن‬
‫وتجدهم يتح ّ‬
‫وراء جدر من السمنت المسلح ‪ ،‬وهعذا معا يفضعحهم بعه القععرآن‬
‫صعَنةٍ َأْو‬
‫ح ّ‬
‫جِميًعا ِإّل ِفي ُقعًرى ُم َ‬
‫في مواضع كثيرة ‪َ ) ،‬ل ُيَقاِتُلوَنُكْم َ‬
‫شعّتى‬
‫جِميًعععا َوُقُلععوُبُهْم َ‬
‫سُبُهْم َ‬
‫ح َ‬
‫شِديٌد َت ْ‬
‫سُهْم َبْيَنُهْم َ‬
‫جُدٍر َبْأ ُ‬
‫ن َوَراِء ُ‬
‫ِم ْ‬
‫ن )‪ 14‬الحشر ( ‪.‬‬
‫ك ِبَأّنُهْم َقْوٌم َل َيْعِقُلو َ‬
‫َذِل َ‬
‫‪175‬‬

‫سليمان عليه السلم يو ّ‬
‫طد أركان الدولة ‪:‬‬
‫نظام الحكم ملكي وراثي ‪:‬‬
‫سعَلْيَمانُ َداُووَد )‬
‫ث ُ‬
‫ن )‪ 30‬ص ( ‪َ ) ،‬وَوِر َ‬
‫سعَلْيَما َ‬
‫) َوَوَهْبَنا ِلَداُووَد ُ‬
‫‪ 16‬النمل ( ‪ ،‬نتبين من اليععتين السععابقتين ‪ ،‬أن نظععام الحكععم فععي‬
‫مملكة بني إسرائيل الولععى ‪ ،‬كععان ملكيععا وراثيععا ‪ ،‬فععي نسععل داود‬
‫عليه السلم ‪ .‬وفي سنين حكم سليمان عليعه السعلم ‪ ،‬سعععى إلععى‬
‫توسععيع رقعععة مملكتععه نسععبيا ‪ ،‬لتغطععي مسععاحة أكععبر مععن مدينععة‬
‫القدس ‪ ،‬لتشمل ما حولها من المدن والقععرى ‪ ،‬مععن النهععر شععرقا‬
‫إلى البحر غربا ‪ ،‬ولكنها علعى كععل الحعوال ‪ ،‬لععم تشعمل فلسععطين‬
‫كاملة ‪ ،‬فأهل فلسطين الصليين لم يخرجوا منهععا ‪ ،‬ولععم ّيبععادوا ‪،‬‬
‫ولكنهم تقهقروا إلى ما بعععد حععدود مملكععة سععليمان ‪ ،‬حيععث كععانت‬
‫الممالك في تلك العصور ‪ ،‬تقتصر على مدينة – بحجععم قريععة فععي‬
‫العصر الحعالي – ومععا حولهعا معن سععهول ومراععي ‪ ،‬ول أظنهععم‬
‫استكانوا ‪ ،‬وسلّموا لبني إسرائيل بالمر الواقع ‪ ،‬وإنما كان هناك‬
‫‪ ،‬حروب ومناوشات ‪ ،‬وال أعلم ‪.‬‬
‫حقيقة ملك سليمان ‪:‬‬
‫ب ِلي ُمْلًكا َل‬
‫غِفْر ِلي َوَه ْ‬
‫با ْ‬
‫أما قول سليمان عليه السلم ) َقاَل َر ّ‬
‫ب )‪ 35‬ص ( فكعان ملكعا‬
‫ت اْلَوّهعا ُ‬
‫ك َأْنع َ‬
‫ن َبْععِدي ِإّنع َ‬
‫حعٍد ِمع ْ‬
‫َيْنَبِغعي َِل َ‬
‫شخصيا خاصا به ‪ ،‬ولم يكن لبني إسرائيل فيه ‪ ،‬ناقععة ول بعيععر ‪،‬‬
‫ولم يقصد به امتلك مسعاحات شاسععة معن الراضعي ‪ ،‬ومظعاهر‬
‫ملكه اقتصرت على ما وهبه سبحانه إياه ‪ ،‬من الممتلكات والقععوة‬
‫والحكم ‪ ،‬والتي تمّيز بها عن كافة ملوك الرض ممن أتوا بعده ‪،‬‬
‫ن ‪ ،‬واسعتعمالهم فعي‬
‫ومنها ؛ جريان الريعح بعأمره ‪ ،‬وحكمعه للجع ّ‬
‫البناء والغوص والقتال والصناعة ‪ ،‬والقدرة على إذابععة النحععاس‬
‫‪176‬‬

‫وتشكيله ‪ ،‬وكثرة جنوده من الجن والنس والطير ‪ ،‬وكععان عليععه‬
‫شعّدة ‪،‬‬
‫السلم قويا ورعا تقيععا عالمععا حكيمععا ‪ ،‬وفيععه شععيء مععن ال ِ‬
‫وكان بنوا إسرائيل يرهبونه ويخافونه ‪ ،‬ولذلك نععال قسععطا كععبيرا‬
‫من اتهماتهم المشينة ‪ ،‬بعكس أبيععه داود الععذي كععان لينععا معهععم ‪،‬‬
‫ن‬
‫سَلْيَما َ‬
‫ك ُ‬
‫عَلى ُمْل ِ‬
‫ن َ‬
‫طي ُ‬
‫شَيا ِ‬
‫فقال فيهم سبحانه ) َواّتَبُعوا َما َتْتُلوا ال ّ‬
‫… )‪102‬البقرة ( ‪ ،‬وعلى ما يبدو أن الشياطين بعد وفععاته عليععه‬
‫ط عليهععم ‪ ،‬وإنمععا كععان تابعععا‬
‫السلم ‪ ،‬اّدعععت أن سععليمان لععم يسععل ّ‬
‫لهععم ‪ ،‬يعبععدهم ويسععتعين بهععم لقضععاء مصععالحه ‪ .‬فأشععركوا بععال‬
‫لع‬
‫جَعُلععوا ِّ‬
‫وعبععدوا الشععياطين وأبععاحوا السععحر والشعععوذة ‪َ ) ،‬و َ‬
‫حاَنهُ‬
‫سعْب َ‬
‫عْلعٍم ُ‬
‫ت ِبَغْيعِر ِ‬
‫ن َوَبَنعا ٍ‬
‫خَرُقوا َلُه َبِني َ‬
‫خَلَقُهْم َو َ‬
‫ن َو َ‬
‫جّ‬
‫شَرَكاَء اْل ِ‬
‫ُ‬
‫ن )‪ 100‬النعام ( ‪.‬‬
‫صُفو َ‬
‫عّما َي ِ‬
‫َوَتَعاَلى َ‬
‫أكثر ما حّيرنععي فععي أمععر ملععك سععليمان ‪ ،‬هععو الغايععة معن تسععخير‬
‫الريح ‪ ،‬فالروايات في كتععب التفسععير غيععر منطقيععة ‪ ،‬حيععث تقععول‬
‫أنهععا كععانت تحمععل سععليمان ومله وجنععوده ‪ ،‬علععى بسععاط خشععبي‬
‫عظيم ‪ ،‬وتنقلهم من بلد إلى آخععر للقتععال والععترفيه وغيععره ‪ ،‬ولععم‬
‫يرد في تواريخ المم التي عاصرت ملك سععليمان ‪ ،‬أنهععم شعاهدوا‬
‫يومععا بسععاطا خشععبيا طععائرا ‪ ،‬وسععورة النمععل تؤكععد أن سععليمان‬
‫وجنوده ‪ ،‬كانوا يسيرون على القدام أثناء تنقلهم ‪.‬‬
‫ن وتععدّبر فععي اليععات ‪ ،‬الععتي تتحععدث عععن‬
‫وبعد طول تفكيععر وتمعع ّ‬
‫الريح وعن ملكه عليه السلم ‪ ،‬تبين لي أنه كععان يركععب البحععر ‪،‬‬
‫منطلقا من الرض المقدسععة ‪ ،‬فتجععري الريععح بمركبععه إلععى حيععث‬
‫أراد برفععق وليععن فععي الععذهاب ‪ ،‬لتسععهل عليععه عمليععة البحععث‬
‫ج عِري ِب عَأمِْرِه‬
‫ح َت ْ‬
‫خْرَنا َل عُه الّري ع َ‬
‫سّ‬
‫والتقصي ‪ ،‬بدللة قوله تعالى ) َف َ‬
‫ص )‪ 37‬ص (‬
‫غّوا ٍ‬
‫ن ُكّل َبّناٍء َو َ‬
‫طي َ‬
‫شَيا ِ‬
‫ب )‪َ (36‬وال ّ‬
‫صا َ‬
‫ث َأ َ‬
‫حْي ُ‬
‫خاًء َ‬
‫ُر َ‬
‫‪ ،‬وبعد انتهاء المهمة ‪ ،‬يستعجل العودة إلى وطنه ‪ ،‬فيععأمر الريععح‬
‫‪177‬‬

‫لتجري بقوة وسرعة إلى الرض المباركة ‪ ،‬بدللة قوله تعالى )‬
‫ض اّلِتععي َباَرْكَنعا‬
‫جعِري ِبعَأْمِرِه ِإَلعى اَْلْر ِ‬
‫صعَفًة َت ْ‬
‫عا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن الّري َ‬
‫سَلْيَما َ‬
‫َوِل ُ‬
‫ل ُدونَ‬
‫ن عَمَ ً‬
‫ن َل عُه َوَيْعَمُلععو َ‬
‫صو َ‬
‫ن َيُغو ُ‬
‫ن َم ْ‬
‫طي ِ‬
‫شَيا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ِفيَها )‪َ (81‬وِم َ‬
‫ن )‪ 82‬النبيععاء ( ‪ ،‬وأمععا الغايععة مععن القيععام‬
‫ظي َ‬
‫حععاِف ِ‬
‫ك َوُكّنا َلُهعْم َ‬
‫َذِل َ‬
‫بالرحلت البحرية ‪ ،‬فهي السياحة واستخراج كنوز البحر وجلبها‬
‫لمملكته ‪ ،‬ويؤيد ما ذهبت إليه ‪ ،‬ذكر الغوص ‪ ،‬الععذي كععانت تقععوم‬
‫بععه الشععياطين ‪ ،‬مباشععرة بعععد ذكععر الريععح فععي اليععات السععابقة ‪،‬‬
‫والغوص عادة ل يكون إل فععي الميععاه العميقععة ‪ ،‬وكععانت مععدة كععل‬
‫رحلة من رحلته شهرين ‪ ،‬شهر في الذهاب وشهر في العععودة ‪،‬‬
‫شعْهرٌ‬
‫حَها َ‬
‫شْهٌر َوَرَوا ُ‬
‫غُدّوَها َ‬
‫ح ُ‬
‫ن الّري َ‬
‫سَلْيَما َ‬
‫بدللة قوله تعالى ) َوِل ُ‬
‫)‪12‬سبأ ( ‪ ،‬وال أعلم ‪.‬‬
‫سنننليمان هنننو أول منننن بننننى المسنننجد‬
‫القصى ‪:‬‬
‫س عّلَم ‪:‬‬
‫عَلْي عِه َو َ‬
‫ص عّلى الُّ ع َ‬
‫لع َ‬
‫سععوِل ا ِّ‬
‫ن َر ُ‬
‫عْ‬
‫عْمٍرو َ‬
‫ن َ‬
‫ل ْب ِ‬
‫عْبِد ا ِّ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫َ‬
‫س عّلَم ‪َ ،‬لّمععا بََنععى َبْي ع َ‬
‫ت‬
‫عَلْي عِه َو َ‬
‫لع َ‬
‫ص عّلى ا ُّ‬
‫ن َداُوَد َ‬
‫ن ْب ع َ‬
‫س عَلْيَما َ‬
‫ن ُ‬
‫) َأ ّ‬
‫جعّل‬
‫ععّز َو َ‬
‫لع َ‬
‫سعَأَل ا َّ‬
‫لًل َثلََثعًة ‪َ ،‬‬
‫خَ‬
‫جعّل ِ‬
‫ععّز َو َ‬
‫لع َ‬
‫سَأَل ا َّ‬
‫س‪َ ،‬‬
‫اْلَمقِْد ِ‬
‫جعّل ُمْلًكععا َل َيْنَبِغععي‬
‫ععّز َو َ‬
‫ل َ‬
‫سَأَل ا َّ‬
‫حْكَمُه َفُأوِتَيُه ‪َ ،‬و َ‬
‫ف ُ‬
‫صاِد ُ‬
‫حْكًما ُي َ‬
‫ُ‬
‫غ ِمعنْ ِبَنععاِء‬
‫ن َفعَر َ‬
‫حيع َ‬
‫جعّل ِ‬
‫ععّز َو َ‬
‫ل َ‬
‫سَأَل ا َّ‬
‫ن َبْعِدِه َفُأوِتَيُه ‪َ ،‬و َ‬
‫حٍد ِم ْ‬
‫َِل َ‬
‫جعهُ‬
‫خِر َ‬
‫ن ُي ْ‬
‫لُة ِفيعِه ‪َ ،‬أ ْ‬
‫صع َ‬
‫حعٌد َل َيْنَهعُزُه ِإّل ال ّ‬
‫ن َل َيْأِتَيُه َأ َ‬
‫جِد ‪َ ،‬أ ْ‬
‫سِ‬
‫اْلَم ْ‬
‫طيَئِتِه َكَيْوِم َوَلَدْتُه ُأّمُه ( رواه النسععائي وأحمععد وابععن مععاجه‬
‫خِ‬
‫ن َ‬
‫ِم ْ‬
‫وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم ‪ ،‬وصححه اللباني ‪.‬‬
‫هذا الحديث يؤكد ‪:‬‬
‫‪ .1‬أن مملكة داود وسليمان ‪ ،‬أي مملكة بنععي إسععرائيل الولععى ‪،‬‬
‫كانت في فلسطين ‪.‬‬
‫‪178‬‬

‫‪ .2‬أن سليمان عليه السلم ‪ ،‬بنى مدينة بيت المقدس ‪.‬‬
‫‪ .3‬أن سليمان عليه السلم ‪ ،‬هو أول من بنى المسجد القصى ‪.‬‬
‫وأما التسمية بالمسجد فهي التسمية السلمية له ‪ ،‬وجععاءت بعععد‬
‫حادثة السراء ‪ ،‬وأما في عهد سليمان عليه السلم ‪ ،‬فقد جععاءت‬
‫ص عْرحَ ( ‪ ،‬وأمععا‬
‫خِلععي ال ّ‬
‫تسميته في القرآن بالصرح ‪ِ ) ،‬قيَل َلَها اْد ُ‬
‫الترجمة العربيععة للتععوراة فععأعطته اسععم الهيكععل ‪ ،‬والمعنععى لكلتععا‬
‫التسععميتين واحععد ‪ ،‬وهععو البنععاء الضععخم المرتفععع ‪ .‬وعلععى كععل‬
‫الحوال فإن المسجد القصى القائم حاليا ‪ ،‬يجثم في نفس المكععان‬
‫الععذي أقيععم فيععه صععرح سععليمان ‪ ،‬والغريععب أن الكععثير مععن أئمععة‬
‫المسلمين وعامتهم ‪ ،‬ينكرون هذه الحقيقععة ‪ ،‬ربمععا ظنععا منهععم أن‬
‫اعترافهم بها ‪ ،‬يعطععي الصعهاينة حقععا فعي هععدم المسعجد ‪ ،‬وبنعاء‬
‫هيكلهم مكانه ‪ ،‬وُيسقط أحقّية المسلمين فيه ‪ ،‬وُيضعععف مععوقفهم‬
‫في الدفاع عنه ‪ ،‬حتى وصععل المععر ببعضععهم إلععى مخالفععة النععص‬
‫القرآنععي ‪ ،‬وإنكععار حععتى تواجععدهم فععي الرض المقدسععة جملععة‬
‫وتفصيل ‪.‬‬
‫قبلة اليهود هي الصخرة المشّرفة ‪:‬‬
‫صه " قال المام احمد ‪،‬‬
‫جاء في البداية والنهاية لبن كثير ‪ ،‬ما ن ّ‬
‫حدثنا اسود بن عامر ‪ ،‬ثنا حماد بن سلمة ‪ ،‬عن أبي سنان ‪ ،‬عععن‬
‫عبيد بن آدم ‪ ،‬وأبي مريم وأبي شعععيب ‪ :‬أن عمععر بععن الخطععاب ‪،‬‬
‫كان بالجابية فععذكر فتععح بيععت المقععدس ‪ ،‬قععال ‪ :‬قععال ابععن سععلمة ‪،‬‬
‫فحدثني أبو سنان ‪ ،‬عن عبيد بن آدم سمعت عمععر يقععول لكعععب ‪:‬‬
‫" أين ترى أن أصلي " ‪ ،‬قعال ‪ " :‬إن أخعذت عنعي صععليت خلعف‬
‫الصععخرة ‪ ،‬وكععانت القععدس كلهععا بيععن يععديك " ‪ ،‬فقععال عمععر ‪" :‬‬
‫ضاهيت اليهودية ‪ .‬ل ‪ ،‬ولكن أصلي حيث صلى رسول الع صععلى‬
‫‪179‬‬

‫ال عليه وسلم " ‪ ،‬فتقدم إلى القبلة فصلى ‪ ،‬ثم جاء فبسط ردائه‬
‫‪ ،‬وكنس الكناسة في ردائه ‪ ،‬وكنس النععاس ‪ .‬وهععذا إسععناد جيععد ‪،‬‬
‫اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي ‪ ،‬في كتابه المستخرج " ‪.‬‬
‫وجاء في تاريخ الطبري في رواية أخرى ‪ ،‬أن عمععر أجععاب كعععب‬
‫بقوله ‪ " :‬فإنا لم نؤمر بالصخرة ولكّنا ُأمرنا بالكعبة " ‪.‬‬
‫ونقول أن مفاد الرواية أن كعب ‪ ،‬لمععا أشععار علععى عمععر بالصععلة‬
‫خلف الصخرة ‪ ،‬أراد منععه أن يجمععع القبلععتين فععي صععلته ‪ ،‬فععأبى‬
‫عمر وصعلى ‪ ،‬جععاعل وجعه تلقععاء الكعبعة ‪ ،‬والصعخرة معن وراء‬
‫ظهره ‪.‬‬
‫الصلة في الشريعة الموسوية ‪:‬‬
‫لنوضععح المععر ‪ ،‬نحتععاج إلععى معرفععة طبيعععة العبععادة فععي شععريعة‬
‫موسى عليه السلم ‪ ،‬فالصلة لديهم كانت تؤّدى بشكل فردي في‬
‫الععبيت أو فيمععا ُيسععّمى بععالمحراب ‪ ،‬فععي المعبععد المقععدس ) أي‬
‫صَر‬
‫ن َتَبّوآ ِلَقْوِمُكَما ِبمِ ْ‬
‫خيِه ‪َ ،‬أ ْ‬
‫سى َوَأ ِ‬
‫حْيَنا ِإَلى ُمو َ‬
‫الهيكل ( ‪َ ) ،‬وَأْو َ‬
‫شعِر اْلمُعْؤِمِنينَ‬
‫لَة ‪َ ،‬وَب ّ‬
‫صَ‬
‫جَعُلوا ُبُيوَتُكْم ِقْبَلًة ‪َ ،‬وَأِقيُموا ال ّ‬
‫ُبُيوًتا ‪َ ،‬وا ْ‬
‫)‪ 87‬يونس ( ‪ ،‬والمحععراب عبععارة عععن غرفععة صععغيرة منعزلععة ‪،‬‬
‫صصععة للصععلة والععدعاء والععذكر ‪ ،‬والغلععب أنهععا كععانت تقععام‬
‫مخ ّ‬
‫مرتفعة عن الرض ‪ ،‬وهي أشبه ما يكون بالعلّية أو السّدة ‪ ،‬وقد‬
‫ارتبط ذكر المحراب في القرآن ‪ ،‬بأنبياء بني إسرائيل الوائل فععي‬
‫س عّوُروا‬
‫ص عِم ِإْذ َت َ‬
‫خ ْ‬
‫ك َنَب عُأ اْل َ‬
‫فلسععطين داود وسععليمان ‪َ ) ،‬وَه عْل َأَتععا َ‬
‫ب )‪ 21‬ص ( ‪ ،‬وبععآخر أنبيععائهم زكريععا ويحيععى ) َفَنععاَدْتهُ‬
‫ح عَرا َ‬
‫اْلِم ْ‬
‫ب )‪ 39‬آل عمران ( ‪.‬‬
‫حَرا ِ‬
‫صّلي ِفي اْلِم ْ‬
‫لِئَكُة َوُهَو َقاِئٌم ُي َ‬
‫اْلَم َ‬

‫‪180‬‬

‫الصننرح أو الهيكننل ‪ ،‬كيفيننة بننناءه وصننفته‬
‫وموقعه ‪:‬‬
‫أما الصرح فعلى ما يبدو أنه كان أعجوبة من أعععاجيب الزمععان ‪،‬‬
‫وأن من قام ببنائه وصناعة محتوياته هم الجن والشياطين ‪ ،‬وأن‬
‫مادة البنعاء كععانت معن النحعاس والزجععاج ومععواد أخعرى معا عععدا‬
‫الحجععارة ‪ ،‬وأنععه اشععتمل علععى المحععاريب والتماثيععل والوانععي‬
‫النحاسععية الصععغيرة ‪ ،‬والحععواض أو الععبرك المائيععة الضععخمة‬
‫المصنوعة من النحاس ‪ ،‬والجواهر والكنوز مععن لؤلععؤ ومرجععان‬
‫وغيرها ‪ ،‬مما كانت تستخرجه الشياطين من أعماق البحار ‪ .‬قععال‬
‫حعٍد ِمعنْ َبْععِدي‬
‫ب ِلي ُمْلًكا َل َيْنَبِغي َِل َ‬
‫غِفْر ِلي َوَه ْ‬
‫با ْ‬
‫تعالى ) َقاَل َر ّ‬
‫حْي ُ‬
‫ث‬
‫خاًء َ‬
‫جِري ِبَأْمِرِه ُر َ‬
‫ح َت ْ‬
‫خْرَنا َلُه الّري َ‬
‫سّ‬
‫ب )‪َ (35‬ف َ‬
‫ت اْلَوّها ُ‬
‫ك َأْن َ‬
‫ِإّن َ‬
‫ص )‪ 37‬ص ( وقال أيضععا‬
‫غّوا ٍ‬
‫ن ُكّل َبّناٍء َو َ‬
‫طي َ‬
‫شَيا ِ‬
‫ب )‪َ (36‬وال ّ‬
‫صا َ‬
‫َأ َ‬
‫ن َيَدْيِه ِبِإْذنِ َرّبِه‬
‫ن َيْعَمُل َبْي َ‬
‫ن َم ْ‬
‫جّ‬
‫ن اْل ِ‬
‫طِر ‪َ ،‬وِم ْ‬
‫ن اْلِق ْ‬
‫عْي َ‬
‫سْلَنا َلُه َ‬
‫) َوأَ َ‬
‫سعِعيِر )‪َ (12‬يْعمَُلععونَ‬
‫ب ال ّ‬
‫عَذا ِ‬
‫ن َ‬
‫ن َأْمِرَنا ُنِذْقُه ِم ْ‬
‫عْ‬
‫غ ِمْنُهْم َ‬
‫ن َيِز ْ‬
‫َوَم ْ‬
‫ب ‪َ ،‬وُق عُدورٍ‬
‫جَوا ِ‬
‫ن َكععاْل َ‬
‫جَفععا ٍ‬
‫ب ‪َ ،‬وَتَماِثي عَل ‪َ ،‬و ِ‬
‫حاِري َ‬
‫ن َم َ‬
‫شاُء ِم ْ‬
‫َلُه َما َي َ‬
‫شععُكوُر )‪13‬‬
‫عَباِدي ال ّ‬
‫ن ِ‬
‫شْكًرا َوَقِليٌل ِم ْ‬
‫عَمُلوا آَل َداُووَد ُ‬
‫ت‪،‬ا ْ‬
‫سَيا ٍ‬
‫َرا ِ‬
‫سبأ ( ‪.‬‬
‫وأستطيع وصف هععذا الصععرح بععأنه بنععاء ضععخم ومرتفععع ‪ ،‬كععانت‬
‫الصخرة تقع في مركزه ‪ ،‬تحيط بها ساحة واسعة ‪ ،‬أرضيتها مععن‬
‫الزجاج المصقول ‪ُ ،‬يرى من خللها ماء يجععري أسععفل منهععا ‪ ،‬أو‬
‫ماء راكد في أحواض مائية ‪ ،‬وضع فيها ما استجلبه سليمان من‬
‫المناظر والمشاهد البحريععة ‪ ،‬ممععا اسععتخرجته لععه الشععياطين مععن‬
‫أعمععاق البحععر ‪ ،‬وعلععى أطععراف تلععك السععاحة أقيمععت المحععاريب‬
‫العديدة للعبادة من كل جانب ‪ .‬وال أعلم ‪.‬‬
‫‪181‬‬

‫وقد سمعت من زميل لي زار المسجد وتجّول فيه ‪ ،‬أن هناك آبارا‬
‫وأحواضا مائية ‪ ،‬تحت ساحة المسجد القصى مباشرة ‪ ،‬فإذا كان‬
‫ذلك صحيحا ‪ ،‬ومع علمنععا بععأن المسععجد القصععى ُبنععي فععي نفععس‬
‫موقع المسجد السابق ‪ ،‬وأن الصخرة هي القبلة الفعلية لليهععود ‪،‬‬
‫فهذا المر ُيؤكد ‪ ،‬أن الصرح الذي كان قد ُبني في عهد سععليمان‬
‫عليععه السععلم ‪ ،‬هععو المسععجد الععذي دخلععه أولئك المبعععوثين أول‬
‫مرة ‪ ،‬وخّربوه ونهبوا محتوياته ‪ ،‬فلم يبق له أثععر ُيععذكر ‪ ،‬وعععدم‬
‫وجعود آثعار لعه ‪ُ ،‬يؤكعد أن هعذا الصعرح ‪ ،‬لعم يتعم بنعاءه بعالطرق‬
‫المألوفة ‪ ،‬سواء بهندسة البناء أو بالمواد المسععتخدمة ‪ ،‬فُبنععاته‬
‫هم الجن والشياطين ‪ ،‬وبالتأكيد طريقتهم في البنععاء تختلععف عععن‬
‫طريقة البشر ‪ ،‬وطبيعة المواد المستخدمة تختلف عما يسععتخدمه‬
‫البشر ‪ ،‬وربما يكون هذا الصرح الخرافععي ‪ ،‬هععو مععا دفععع نبوخععذ‬
‫نصر صاحب حدائق بابل المعّلقة ‪ ،‬للغارة على بني إسرائيل في‬
‫المرة الولى ‪ ،‬لنهب محتوياته ‪.‬‬
‫حكمة سليمان عليه السلم وخرافات ألننف‬
‫ليلة وليلة ‪:‬‬
‫الروايات الموجودة في كتب التفسير ‪ ،‬عن قصععة سععليمان وحبععه‬
‫لملكة سبأ ‪ ،‬ورغبتععه فععي الععزواج منهععا ‪ ،‬وإدخالهععا إلععى الصععرح‬
‫لرؤية ساقيها ‪ ،‬فيما إذا كان عليهما شعر ‪ ،‬أو أن قدميها كحوافر‬
‫الحمار ‪ ،‬لن أبوها أو أمها من الجن … إلى آخره ‪ .‬مما ليس له‬
‫أصل حتى في التوراة ‪ ،‬جرّدت سليمان عليه السلم من حكمتععه ‪،‬‬
‫في الدعوة إلى ال ‪ ،‬وجعلععت منععه رجل مزواجععا شععهوانيا ‪ ،‬كمععا‬
‫أراد له أعداء ال وأعداء أنبياؤه أن يكون ‪.‬‬
‫‪182‬‬

‫حكمة الهدهد ‪:‬‬
‫ولكي نفهم مععا جععرى مععن حععوار وأحععداث ‪ ،‬بيععن سععليمان وملكععة‬
‫جععْدُتَها َوَقْوَمَهععا‬
‫سععبأ ‪ ،‬دعنععا نتمعععن قليل فععي قععول الهدهععد ) َو َ‬
‫ن َأعْمَععاَلُهْم ‪،‬‬
‫طا ُ‬
‫ش عْي َ‬
‫ن َلُهْم ال ّ‬
‫ل ‪َ ،‬وَزّي َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫س ِم ْ‬
‫شْم ِ‬
‫ن ِلل ّ‬
‫جُدو َ‬
‫سُ‬
‫َي ْ‬
‫ن )‪ 24‬النمل ( ‪ ،‬يقول الهدهععد‬
‫سِبيِل ‪َ ،‬فُهْم َل َيْهَتُدو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عْ‬
‫صّدُهْم َ‬
‫َف َ‬
‫أنه وجدها هي وقومها ‪ ،‬يعبدون الشععمس مععن دون الع ‪ ،‬ويعّلععل‬
‫ذلك بقوله أن الشيطان زّيععن لهععم أعمععالهم ‪ ،‬بمعنععى أن الشععيطان‬
‫فتنهععم وأوهمهععم ‪ ،‬وزّيععن لهععم الباطععل علععى أنععه الحععق ‪ ،‬وعمّععى‬
‫طععل عقععولهم عععن تمييععز الحقيقععة مععن‬
‫سععمعهم وأبصععارهم ‪ ،‬فع ّ‬
‫الوهم ‪ ،‬فحرمهم القدرة على الحكم على معتقداهم ‪ ،‬أهي خطععا أم‬
‫صواب ‪ ،‬فعبععدوا الشععمس علععى أنهععا ربهععم ‪ ،‬وبععذلك صعّدهم عععن‬
‫السبيل ‪ ،‬أي منعهم من الوصول إلى الحقيقة ‪ ،‬وهععي أن ال ع هععو‬
‫ربهم ‪ ،‬فما دامت أبصارهم قد عميت ‪ ،‬ويعتقدون بصوابية عبادة‬
‫الشمس ‪ ،‬فمن أين لهم الهداية ‪ ،‬وهم على حالهم تلك ‪ .‬والرسالة‬
‫جهها الهدهد لسليمان ‪ ،‬مععن خلل هععذا القععول ‪ ،‬هععي أنهععم‬
‫التي و ّ‬
‫بحاجععة لمععن يهععديهم ‪ ،‬وُيزيععل الغشععاوة عععن أبصععارهم ‪ .‬فتكّفععل‬
‫سليمان عليه السععلم بهععدايتهم ‪ ،‬وبإزالععة هععذه الغشععاوة ‪ ،‬لعلهععم‬
‫ُيبصرون ومن ثم يهتدون ‪ ،‬بما أوتي مععن علععم وحكمععة ‪ ،‬بعععد أن‬
‫ص حععالتهم المرضععية ‪ ،‬وأعطععى سععليمان‬
‫خ َ‬
‫ح الهدهععد ‪ ،‬وش ع ّ‬
‫ش عّر َ‬
‫مفاتيح الحل ‪ ،‬والن دعنا نتعلم منه عليععه السععلم ‪ ،‬هععذا الععدرس‬
‫العملي في الدعوة إلى ال ‪.‬‬
‫الدعوة إلى الله ‪:‬‬
‫كان أول خطاب وجهععه سععليمان لملكععة سععبأ وقومهععا ‪ ،‬هععو قععوله‬
‫ن )‪ ، (31‬خطابا حازما واثقا قويععا‬
‫سِلِمي َ‬
‫ي َوْأُتوِني ُم ْ‬
‫عَل ّ‬
‫) َأّل َتْعُلوا َ‬
‫‪183‬‬

‫ومزلزل ‪ ،‬وكانت هذه هي الضربة الولى ‪ ،‬فععي جععدار معتقععداتهم‬
‫الوثنية المتأصلة في نفوسهم ‪ ،‬فقععد كععانت هععي وقومهععا يعبععدون‬
‫الشمس ‪ ،‬ولم يكن لديهم علم بوجود إله آخر ‪ ،‬أولى بالعبادة مععن‬
‫غيره ‪ ،‬ولكن هععل أطععاعت ؟ بععالطبع ل ‪ ،‬فتغييععر معتقععدات البشععر‬
‫عملية صعبة جدا ‪ ،‬وتحتاج إلى أكثر من ذلك ‪ ،‬وتحتاج إلععى علععم‬
‫وحكمععة وصععبر – وانظععر فععي سععيرة نععبي الهععدى عليععه الصععلة‬
‫والسلم مع كفار قريععش لتحععويلهم مععن عبععادة إلععى الصععنام إلععى‬
‫عبادة ال ‪ -‬ولكن هل تأثرت بذلك العرض القوي ؟ بالطبع نعععم ‪،‬‬
‫فردت بالهدية – وكان بإمكانها عدم الرد – وذلك لتتأكد من جدّية‬
‫سععليمان عليععه السععلم ‪ ،‬ولَتع عِرف مععع مععن تتعامععل ‪ ،‬فهععي ذكيععة‬
‫وحكيمة أيضععا ‪ ،‬وتعععي موقعهععا وعظععم المسععؤولية الملقععاة علععى‬
‫عاتقها ‪ ،‬بعكس ملها ذوي القوة والبععأس الشععديد ‪ ،‬ودللععة ذلععك‬
‫ععّزَة َأْهِلَهعا‬
‫جَعُلعوا َأ ِ‬
‫سعُدوَها َو َ‬
‫خُلوا َقْرَيعًة َأْف َ‬
‫ك ِإَذا َد َ‬
‫ن اْلُمُلو َ‬
‫ت ِإ ّ‬
‫) َقاَل ْ‬
‫ظَرٌة ِب عمَ‬
‫س عَلةٌ ِإَلْيِه عْم ِبَهِدّي عٍة َفَنععا ِ‬
‫ن )‪َ (34‬وِإّني ُمْر ِ‬
‫ك َيْفَعُلو َ‬
‫َأِذّلًة َوَكَذِل َ‬
‫ن )‪ (35‬فأعاد الهدية ‪ ،‬ووجه لهععا تهديععدا صععارما‬
‫سُلو َ‬
‫َيْرجُِع اْلُمْر َ‬
‫جُنععوٍد َل ِقَبعَل َلُهعْم ِبَهععا‬
‫جْع ِإَلْيِهْم َفَلَنعْأِتَيّنُهْم ِب ُ‬
‫وحازما وأخيرا ‪ ) ،‬اْر ِ‬
‫ن )‪ ، (37‬فاستوعبت الرسالة‬
‫غُرو َ‬
‫صا ِ‬
‫جّنُهْم ِمْنَها َأِذّلًة َوُهْم َ‬
‫خِر َ‬
‫َوَلُن ْ‬
‫‪ ،‬وهي أن ما لدى سليمان ‪ ،‬خير مما لععديها ‪ ،‬وأن هععذا التهديععد ‪،‬‬
‫ل يصدر إل عّمن يعلم حجم قوتها ‪ ،‬ولديه من القععوة أضعععاف مععا‬
‫تملك ‪ ،‬وأن ما يريده لجلها شيئا آخر ‪.‬‬
‫التيان بالعرش وتنكيره ‪:‬‬
‫لذلك حملت قومها وأتته على جناح من السععرعة ‪ ،‬وفععي طريقهععا‬
‫إليه ‪ ،‬كان عليه السلم ُيعّد لها الضععربة الثانيععة ‪ ،‬فطلععب عرشععها‬
‫ظعْر َأَتْهَتعِدي َأْم َتُكعونُ ِمع ْ‬
‫ن‬
‫وأمعر بتنكيعره ‪ ،‬وعّلعة ذلعك كعانت ) َنن ُ‬
‫‪184‬‬

‫ن )‪ ، (41‬لختبار مععدى اسععتعدادها للهدايععة للععدين‬
‫ن َل َيْهَتُدو َ‬
‫اّلِذي َ‬
‫الجديد ‪ ،‬وليس المقصععود هععو اهتععدائها إلععى العععرش ‪ .‬كععان هّمععه‬
‫عليه السلم هدايتها وقومها ‪ ،‬وليس الزواج منها ‪ ،‬كما ص عّورته‬
‫بعض الروايات في كتب التفسير ‪.‬‬
‫وكان جلب العرش بحعّد ذاتععه ‪ ،‬كفيل بتحطيععم ذلععك الجععدار الععذي‬
‫طععم بععداخلها فعل عنععدما رأتععه وعرفتععه ‪،‬‬
‫تمترست خلفه ‪ .‬وقد تح ّ‬
‫سئلت عنععه ‪ ،‬لععم ُتثِبععت‬
‫لكنها أضمرت ذلك وتمالكت نفسها ‪ .‬ولما ُ‬
‫ف ‪ ،‬وكان بمقدورها أن تعععترف بععأّنه عرشععها ‪ ،‬وأن ُتسععلم‬
‫ولم َتن ِ‬
‫جلععت ذلععك ‪ .‬والسععبب هععو ذلععك الجععدار نفسععه‬
‫على الفور ولكنها أ ّ‬
‫ل ( ‪ ،‬أي الغشاوة الععتي أعمععت‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫ت َتْعُبُد ِم ْ‬
‫صّدَها َما َكاَن ْ‬
‫) َو َ‬
‫بصرها وبصععيرتها ‪ ،‬وخوفهععا مععن قومهععا أيضععا ‪ ،‬فقععالت ) َكعَأّنُه‬
‫ي علعى متاععك ‪ ،‬الكعثير معن التععديلت ‪،‬‬
‫ُهَو ( ‪ ،‬وحعتى لعو ُأجعر َ‬
‫فستبقى أشياء كثيرة تدلك عليه ‪ ،‬فكععانت إجابتهععا حكيمععة وغايععة‬
‫فععي التعقععل ‪ ،‬فلععم تثبععت وتسععلم أسععلحتها الواهيععة مععن الوهلععة‬
‫الولى ‪ ،‬محافظة منها علعى كبريائهعا كملكعة ‪ ،‬ولعم تنعف ‪ ،‬لنهعا‬
‫تعلم وقومها ويعلم سليمان وقومه علم اليقين ‪ ،‬أنععه هععو بعينععه ‪،‬‬
‫فتعععدل علعععى كبريعععاء أجعععوف وععععن بلهعععة وغبعععاء ‪ ،‬فإجابتهعععا‬
‫ك كانت هي السلم ‪.‬‬
‫الموسومة بالش ّ‬
‫كانت تعلم بحكمتها أن هناك شععيئا آخععر ينتظرهععا ‪ ،‬سععيأتي أوانععه‬
‫بعععد حيععن ‪ ،‬فكشععفت بهععذه الجابععة لسععليمان عععن اسععتعدادها‬
‫للهداية ‪ ،‬فيما لو عرض عليها برهانععا دامغععا وقاطعععا ‪ .‬ولكععن مععا‬
‫الععذي فعلععه سععليمان حقيقععة فععي هععذا الموقععف ؟ كععان إحضععار‬
‫عرشها ‪ ،‬لظهار مدى عظعم ملكعه الموهعوب لعه معن قبعل ربعه ‪،‬‬
‫وكان تنكير العرش ليقاظ حاسة البصععر فيهععا ودقععة الملحظععة ‪،‬‬
‫‪185‬‬

‫وتحفيزا لعقلها وقلبها ‪ ،‬ولما اهتععدت إلععى إنععه عرشععها ‪ ،‬أخععذتها‬
‫العزة بالثم شيئا قليل ‪ ،‬فكابرت حتى حين ‪.‬‬
‫دخول الصرح ‪:‬‬
‫فكانت الضربة الثالثععة والخيععرة ‪ ،‬أي القاضععية الععتي سعّوت ذلععك‬
‫ح(‪،‬‬
‫صْر َ‬
‫خِلي ال ّ‬
‫الجدار بالرض ‪ ،‬ولم تترك له أثرا ‪ِ ) ،‬قيَل َلَها اْد ُ‬
‫فمعا العذي كعان فعي الصعرح ؟ كعانت أرضعية الصعرح معن زجعاج‬
‫مصععقول ‪ ،‬ومععن تحععت الزجععاج مععاء ‪ ،‬وعنععدما شععاهدت المععاء ‪،‬‬
‫رفعت ثوبها خوفا من البلل ‪ ،‬وهّمت بالمشععي فيععه ‪َ ) ،‬فَلّمععا َرَأْت عهُ‬
‫ساَقْيَها ( فتبسم سليمان وكععأنه خاطبهععا‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫ت َ‬
‫شَف ْ‬
‫جًة َوَك َ‬
‫سَبْتُه ُل ّ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ضاحكا ‪ :‬لقد كنت واهمععة ‪ ،‬فلععن يصععل المععاء إلععى ثوبععك فععأنزليه‬
‫ن َقعَواِريَر ( فععأنزلته ودخلععت ‪،‬‬
‫ح ُمَمعّرٌد ِمع ْ‬
‫صعْر ٌ‬
‫وتقدمي ‪ ،‬فهععذا ) َ‬
‫ولما لمست قدميها الزجاج تععبين لهععا بطلن معا اعتقععدت ‪ .‬وهنععا‬
‫مربط الفرس ‪ ،‬فما كان منها إل أن خجلت ‪ ،‬مععن وهمهععا وانعععدام‬
‫بصيرتها ‪ ،‬وذهاب عقلها وحكمتها وضللها في تلك اللحظععة ‪ ،‬إذ‬
‫لم تستطع تمييععز الزجععاج مععن المععاء ‪ ،‬فاسععتوعبت علععى الفععور ‪،‬‬
‫مضمون الرسالة التي وجهها لها سليمان ‪.‬‬
‫العبرة ‪:‬‬
‫ق ‪ ،‬بينمعا يكعون فعي الحقيقعة‬
‫ن النسان بجهله أنه على ح ّ‬
‫فقد يظ ّ‬
‫على باطل ‪ ،‬وهععذا هععو حالهععا وقومهععا بعبععادة الشععمس مععن دون‬
‫سكت بالباطل عن جهل‬
‫ال ‪ ،‬وأنه دعاها إلى الحق عن علم ‪ ،‬فتم ّ‬
‫ق مععع‬
‫‪ ،‬فتععبينت بالتجربععة والبرهععان بطلن معتقععدها ‪ ،‬وأن الح ع ّ‬
‫سليمان ‪ ،‬فاستجابت على الفععور لععدعوة سععليمان الولععى ‪ ،‬قائلععة‬
‫سعععي ( باتبعععاع الباطعععل ععععن غيعععر علعععم ‪،‬‬
‫ت َنْف ِ‬
‫ظَلْمععع ُ‬
‫ب ِإّنعععي َ‬
‫) َر ّ‬
‫ب اْلَعععاَلِمينَ )‪ 44‬النمععل ( ‪ ،‬فمععا كععان‬
‫لع َر ّ‬
‫ن ِّ‬
‫سَلْيَما َ‬
‫ت َمَع ُ‬
‫سَلْم ُ‬
‫) َوَأ ْ‬
‫‪186‬‬

‫من قومها إل أن تبعوها ‪ ،‬وعادت إلععى مملكتهععا لهدايععة قومهععا ‪،‬‬
‫جح أن سليمان لععم يتزوجهععا ‪ ،‬والع أعلععم ‪ ،‬ودانععت بعععد ذلععك‬
‫وُأر ّ‬
‫مملكتهععا لسععليمان دينيععا ‪ ،‬وليععس عسععكريا ‪ ،‬وبقيععت العلقععات‬
‫والمصالح التجارية وغيرها قائمة بين الدولتين ‪ ،‬مرورا بجزيرة‬
‫العرب ‪ ،‬لفترة طويلة ‪ ،‬حسبما تثبته سععورة سععبأ )‪(20 – 15‬ع ‪،‬‬
‫وفيما بعد كفر قوم سبأ إل قليل منهم ‪ ،‬ومع تقادم الزمن انقطعععت‬
‫تلك العلقة ‪.‬‬
‫بنو إسرائيل في عصر سليمان ‪:‬‬
‫أما بني إسرائيل في عصر سليمان ‪ ،‬فلم يختلفوا كثيرا عما كانوا‬
‫عليه ‪ ،‬في عصر موسى وداود ‪ ،‬حيث كانوا على الدوام فاسععدين‬
‫كأفراد ‪ ،‬إل من رحم ال ‪ ،‬وما اختلف عليهم في عصر سليمان ‪،‬‬
‫أن سليمان ساسهم بالقوة والسلطان ‪ ،‬وكان يأخذهم إلى القتال ‪،‬‬
‫جُنععوُدُه‬
‫سععَلْيَمانَ ُ‬
‫شَر ِل ُ‬
‫ح ِ‬
‫وهم بطبيعتهم له كارهون ‪ ،‬قال تعالى ) َو ُ‬
‫ن )‪ 17‬النمل ( ‪ ،‬وحشر أي‬
‫عو َ‬
‫طْيِر َفُهْم ُيوَز ُ‬
‫س َوال ّ‬
‫ن َواِْلْن ِ‬
‫جّ‬
‫ن اْل ِ‬
‫ِم ْ‬
‫جمع ‪ ،‬ويوزعون أي يساقون بانضباط ‪ ،‬ول يتقععدم آخرهععم علععى‬
‫ُ‬
‫أولهم ‪.‬‬
‫هل تح ّ‬
‫قق العلو الول لبني إسننرائيل فنني‬
‫فلسطين ؟‬
‫وأما سبق دخولهم للرض المقدسة ‪ ،‬فقد قال فيه سبحانه ‪ ،‬على‬
‫سعةَ اّلِتععي‬
‫ض اْلُمَقّد َ‬
‫خُلوا اَْلْر َ‬
‫لسان موسى عليه السلم ‪َ ) ،‬يَقْوِم اْد ُ‬
‫ل َلُكْم )‪ 21‬المائدة ( أي ُكتب لبني إسرائيل دخولها ‪ ،‬وقععال‬
‫َكَتبَ ا ُّ‬
‫ق اْلَْر ِ‬
‫ض‬
‫شععاِر َ‬
‫ن َم َ‬
‫ضَعُفو َ‬
‫سَت ْ‬
‫ن َكاُنوا ُي ْ‬
‫سبحانه ) َوَأْوَرْثَنا اْلَقْوَم اّلِذي َ‬
‫َوَمَغاِرَبَهعععا اّلِتعععي َباَرْكَنعععا ِفيَهعععا )‪ 137‬الععععراف ( أي ملكوهعععا‬
‫وسكنوها ‪ ،‬وذلك بعد انقضاء سنوات التحريععم والععتيه الربعيععن ‪.‬‬
‫‪187‬‬

‫والرض المبارك فيهععا هععي فلسععطين ‪ ،‬ومشععارقها ومغاربهععا أي‬
‫كلها ‪ ،‬من النهر إلى البحععر ‪ ،‬وهععذه هععي حععدود الرض المقّدسععة‬
‫والمباركععة ‪ ،‬وحععدود مملكععة اليهععود القديمععة ‪ .‬لنخلععص إلععى أن‬
‫الرض المقّدسة والمباركة هي فلسطين فقط ‪ ،‬وليس بلد الشععام‬
‫عامة ‪ .‬إذ أن موسى عليععه السعلم ‪ ،‬كععان يتواجععد وقععومه شعرقي‬
‫نهر الردن ‪ ،‬ولو كان شرق النهر أرضا مقّدسة ‪ ،‬لما قال ادخلوا‬
‫الرض المقدسة وهععو بععداخلها أصععل ‪ .‬وشععرق النهععر لععم يععوّرث‬
‫لبني إسرائيل ‪ ،‬وإنما أقععاموا فيععه فععترة الغضععب اللهععي عليهععم ‪،‬‬
‫ومن ثم تركوها وارتحلوا إلى فلسطين ‪.‬‬
‫وصلنا إلى مرحلة تحقق العلععو ‪ ،‬بععوحي مععن الع وقيععادة أنبيععاؤه‬
‫وملوكه ‪ ،‬وكان هذا هو العلو الول لبني إسرائيل ‪ ،‬وأما الفسععاد‬
‫فلم يكن قد وقع منهم بعد ‪ ،‬كون الملك اقترن بععالنبوة ‪ ،‬ومععا كععان‬
‫للنبياء عليهم السععلم أن يفسععدوا فععي الرض ‪ ،‬ونجععد أن النععبي‬
‫التالي لسليمان في الذكر ‪ ،‬من أنبياء بني إسععرائيل فععي القععرآن ‪،‬‬
‫هو زكريا ومن بعده يحيى ‪ ،‬وكان آخرهععم عيسععى عليهععم السععلم‬
‫جميعا ‪ .‬وقد بعث الثلثة بالتتابع وعاصر بعضععهم بعضععا ‪ ،‬وكععان‬
‫ذلك بعد فترة طويلة مععن وفععاة سععليمان ‪ ،‬وبعععد عيسععى لععم ُيبعععث‬
‫فيهععم أنبيععاء ‪ ،‬ويق عّدر المؤرخععون بععأن المععدة مععا بيععن سععليمان‬
‫وعيسى ‪ ،‬بأكثر من ‪ 900‬سنة ‪.‬‬
‫وما كان بعث عيسى عليه السلم بالنجيعل ‪ ،‬إل لتجديععد الشععريعة‬
‫الععتي جععاء بهععا موسععى ‪ ،‬بعععد أن أضععاع بنععو إسععرائيل التععوراة‬
‫ت َقععاَل‬
‫سععى ِباْلَبّيَنععا ِ‬
‫عي َ‬
‫جاَء ِ‬
‫واختلفوا في أمرها ‪ .‬قال تعالى ) َوَلّما َ‬
‫ن ِفيِه َفاّتُقوا الَّ ع‬
‫خَتِلُفو َ‬
‫ض اّلِذي َت ْ‬
‫ن َلُكْم َبْع َ‬
‫حْكَمِة َوُِلَبّي َ‬
‫جْئُتُكْم ِباْل ِ‬
‫َقْد ِ‬
‫ن )‪ 63‬الزخرف ( ‪ .‬وُيثبت التاريخ أن بعععث عيسععى عليععه‬
‫طيُعو ِ‬
‫َوَأ ِ‬
‫السلم ‪ ،‬كان في زمن الحكععم الرومععاني للمنطقععة ‪ ،‬ممععا يعنععي أن‬
‫‪188‬‬

‫صل عليععه بنععو إسععرائيل قععد زال وانععدثر ‪ .‬ممععا‬
‫هذا العلو الذي تح ّ‬
‫يععترتب عليععه أن الفسععاد قععد وقععع ‪ ،‬وأن البعععث قععد تحقععق ‪ ،‬فععي‬
‫الفترة الممتدة ما بين سليمان وعيسى عليهما السلم ‪ ،‬في زمععن‬
‫أقرب إلى حكم سليمان منه إلى بعث عيسى ‪.‬‬
‫المملكة اليهودية بعد سليمان ‪:‬‬
‫وليس من المعقول أن نجزم بأن مملكة سليمان انهععارت بمععوته ‪.‬‬
‫وبما أن نظام الحكم ‪ ،‬كان ملكيا وراثيا كما أق عّره القععرآن ‪ ،‬فل بععد‬
‫أن يكععون الملععك ‪ ،‬قععد انتقععل إلععى أحععد أبنععاء سععليمان ‪ ،‬الععذين لععم‬
‫يكونوا أنبياء في واقع الحال ‪ ،‬فالنبوة آنذاك خرجت مععن الملععك ‪،‬‬
‫وأصبحت في عامة الشعب ‪ ،‬وهنا تحّرر العصععاة والمعتععدين مععن‬
‫اليهعود ‪ ،‬معن عبعدة المعال والسعلطة تجعارا ومرابيعن ‪ ،‬معن حكعم‬
‫وملععك النبيععاء ‪ ،‬حيععث كععان الععوحي يقععف سععّدا منيعععا ‪ ،‬أمععام‬
‫طموحاتهم وأحلمهم ‪ ،‬في نهب ثروات البلد والعباد ‪ ،‬فهم أبناء‬
‫ت َلَنععا‬
‫حَيععاَة العّدْنَيا َيَلْيع َ‬
‫ن اْل َ‬
‫ن ُيِريُدو َ‬
‫الذين قال فيهم تعالى ) َقاَل اّلِذي َ‬
‫ظيٍم )‪ 79‬القصص ( ‪.‬‬
‫عِ‬
‫ظ َ‬
‫حّ‬
‫ن ِإّنُه َلُذو َ‬
‫ي َقاُرو ُ‬
‫ِمْثَل َما ُأوِت َ‬
‫وعلى مر السنين تغّيرت الحوال ‪ ،‬وتغلغل المرابين والتجععار فععي‬
‫أوساط الحكم ‪ ،‬وتبادلوا المصالح والمنافع ‪ ،‬وأصبحوا مععن عليعة‬
‫القوم ‪ ،‬ليفرضوا علععى الملععوك ‪ ،‬مععا شععاءوا مععن سياسععات تخععدم‬
‫مصالحهم ‪ .‬ولو راجعععت التععوراة المععؤرخ الوحيععد لتلععك الفععترة ‪،‬‬
‫لوجدت أن عدد الملععوك الععذين تعععاقبوا علععى الحكععم ‪ ،‬علععى مععدى‬
‫‪ 300‬سنة تقريبا ‪ ،‬هو ‪ 22‬ملكا ‪ ،‬وهو عدد كععبير نسععبيا ‪ ،‬بمعععدل‬
‫‪ 14‬سععنة حكععم لكععل ملععك ‪ .‬وذلععك لكععثرة الغتيععالت ‪ ،‬الععتي كععان‬
‫يععدّبرها ويوقعهععا فيهععم عليععة القععوم ‪ ،‬ومععن والهععم مععن الكهنععة‬
‫والحبععار ‪ ،‬سععواء مععن صععلح أو فسععد ‪ ،‬مععن هععؤلء الملععوك ‪.‬‬
‫‪189‬‬

‫والملحععظ أيضععا أن معظععم ملععوكهم ‪ ،‬كععانوا صععغارا فععي السععن ‪،‬‬
‫وربما كان ذلك هو الغاية مععن قتععل آبععائهم ‪ ،‬فوجععود ملععك صععغير‬
‫السن ‪ ،‬يسهل عليهم السيطرة على شععؤون الحكععم ‪ ،‬ليكونععوا هععم‬
‫خبرائه ومستشاريه ‪ ،‬وهذه هي سياسععتهم فععي العصععر الحععالي ‪،‬‬
‫في شتى بقاع الرض ‪ .‬وعلى الجانب الخر كان هناك النبيععاء ‪،‬‬
‫الذين لم ينقطع بعثهم في بنععي إسععرائيل ‪ ،‬ليعيععدوا أولئك العصععاة‬
‫إلععى حظيععرة اليمععان ‪ ،‬بععدعوتهم إلععى العععودة إلععى شععرع ال ع ‪،‬‬
‫وتععذكيرهم وتحععذيرهم بمععا قضععاه العع عليهععم إن أفسععدوا فععي‬
‫الرض ‪.‬‬
‫تخبرنا كثير من اليات القرآنية عن إفسععاد بنععي إسععرائيل ‪ ،‬حيععث‬
‫الشرك بععال ‪ ،‬وتكععذيب فريععق مععن النبيععاء ‪ ،‬وقتععل فريععق آخععر ‪،‬‬
‫وقتععل أوليععاء ال ع مععن النععاس ‪ ،‬وسععفك دمععاء فريقععا مععن قععومهم‬
‫وإخراجهم من ديارهم ‪ ،‬وتحريعف الكهنعة والحبعار ‪ ،‬لكتعاب الع‬
‫ليوافق أهواء علية القوم ‪ ،‬والعتداء على حدود ال ‪ ،‬وعصععيان‬
‫أوامععره ‪ ،‬وأكلهععم الربععا وأمععوال النععاس بالباطععل … إلععى آخععره ‪.‬‬
‫ومجمل هذه اليات تخاطب بني إسرائيل كأمة ‪ .‬فأين ومععتى وقععع‬
‫منهم هذا الفساد الممي … ؟!‬
‫وهل تح ّ‬
‫قق الفساد الول ؟‬
‫س عَتْكَبْرُتمْ‬
‫س عُكْم ا ْ‬
‫سوٌل ِبَما َل َتْهَوى َأنُف ُ‬
‫جاَءُكْم َر ُ‬
‫قال تعالى ) َأَفُكّلَما َ‬
‫ن )‪ 87‬البقرة ( ‪ ،‬والخطاب هنععا مععوجه‬
‫َفَفِريًقا َكّذْبُتْم َوَفِريًقا َتْقُتُلو َ‬
‫لمن يملك سلطة القتل ‪ ،‬وهم سععادة الحكععم وعليععة القععوم ‪ ،‬فتععارة‬
‫كانوا يكّذبون النبياء وأولياء ال ‪ ،‬الذين ُبعثوا من قبله سععبحانه‬
‫للصعععلح ‪ ،‬وتعععارة يقتلعععونهم ‪ ،‬بعععدفع معععن الكهنعععة والحبعععار‬
‫والتجار ‪ ، ،‬لتعععارض ذلععك مععع رغبععاتهم وأهععوائهم ‪ِ ) ،‬إنّ اّلعِذينَ‬
‫‪190‬‬

‫ن‬
‫ق َوَيْقُتُلععونَ اّلعِذي َ‬
‫حع ّ‬
‫ن ِبَغْيعِر َ‬
‫ن الّنِبّييع َ‬
‫لع َوَيْقُتُلععو َ‬
‫ت ا ِّ‬
‫ن ِبآَيععا ِ‬
‫َيْكُفعُرو َ‬
‫ب َأِليعععٍم )‪ 21‬آل‬
‫شعععْرُهْم ِبَععععَذا ٍ‬
‫س َفَب ّ‬
‫ن الّنعععا ِ‬
‫ط ِمععع ْ‬
‫سععع ِ‬
‫ن ِباْلِق ْ‬
‫َيعععْأُمُرو َ‬
‫عمران ( ‪ ،‬فل أشّد وأعظم إفسادا في الرض عند ال ‪ ،‬مععن قتععل‬
‫الناس وسفك دمائهم بغير حق ‪ ،‬فما بالك إذا كان القتل في أنبياء‬
‫ال ع وأوليععاءه الصععالحين ‪ ،‬فهععذا قّمععة فععي الجععرام والسععراف‬
‫ن أن هنععاك إفسععاد فععي‬
‫والعصععيان والتمععرد والعععدوان ‪ ،‬ول أظعع ّ‬
‫الرض ‪ُ ،‬يقععارن بهععذا الفسععاد ‪ ،‬فلععم يسععبق لقععوم مععن القععوام‬
‫السابقين واللحقيععن ‪ ،‬أن قتلععوا أنبيععاءهم سععوى بنععي إسععرائيل ‪،‬‬
‫وما إفسادهم الحالي في دولتهم الحالية ‪ ،‬إل صورة طبععق الصععل‬
‫عن الفساد الول في دولتهم الولى ‪ ،‬ولو ُبعث فيهععم أنبيععاء فععي‬
‫هذا العصر لقتلوهم بل شك ‪ ،‬فقد قتلوا رئيس وزرائهم ) رابين (‬
‫‪ ،‬بععدفع وتحريععض مععن الحاخامععات ‪ ،‬كععونه لبععس ثععوب الصععلح‬
‫فقط ‪ ،‬بإظهاره شيئا من اللين مع الفلسطينين ‪ ،‬ل لنه ُمصلح ‪.‬‬
‫جععونَ‬
‫خِر ُ‬
‫ن ِدَمععاَءُكْم َوَل ُت ْ‬
‫سعِفُكو َ‬
‫خْذَنا ِميَثععاَقُكْم َل َت ْ‬
‫قال تعالى ) َوِإْذ َأ َ‬
‫ن )‪ُ (84‬ثّم َأْنتُْم َه عُؤَلء‬
‫شَهُدو َ‬
‫ن ِدَياِرُكْم ُثّم َأْقَرْرُتْم َوَأْنُتْم َت ْ‬
‫سُكْم ِم ْ‬
‫َأنُف َ‬
‫عَلْيِهْم‬
‫ظَهُرونَ َ‬
‫ن ِدَياِرِهْم َت َ‬
‫ن َفِريًقا ِمْنُكْم مِ ْ‬
‫جو َ‬
‫خِر ُ‬
‫سُكْم َوُت ْ‬
‫ن َأنُف َ‬
‫َتْقُتُلو َ‬
‫عَلْيُكعْم‬
‫حعّرٌم َ‬
‫سععاَرى ُتَفععاُدوُهْم َوُهعَو ُم َ‬
‫ن َيْأُتوُكْم ُأ َ‬
‫ن َوِإ ْ‬
‫ِباِْلثِْم َواْلُعْدَوا ِ‬
‫ض )‪ 85‬البقععرة (‬
‫ن ِبَبْع ٍ‬
‫ب َوَتْكُفُرو َ‬
‫ض اْلِكَتا ِ‬
‫ن ِبَبْع ِ‬
‫جُهْم َأَفُتْؤِمُنو َ‬
‫خَرا ُ‬
‫ِإ ْ‬
‫‪ .‬توحي هاتين اليتين ‪ ،‬أن سادة الحكم كانوا يستضععفون طائفعة‬
‫مععن قععومهم ‪ ،‬ظلمععا وعلععوا بغيععر وجععه حععق – وهععذا نفععس فعععل‬
‫فرعون ‪ -‬فأوقعوا فيهم القتل ‪ ،‬والنهب والسلب ‪ ،‬وأخرجوهم من‬
‫ديععارهم واسععتولوا عليهععا ‪ .‬فاضععطروا إلععى اللجععوء إلععى أرض‬
‫أعععدائهم ‪ ،‬وعلععى مععا يبععدو أنهععم كععانوا ُيجععبرون علععى خععوض‬
‫المعارك ‪ ،‬إلى جانب أعععداء مملكععة بنععي إسععرائيل ‪ ،‬وعنععد وقععوع‬
‫المعركععة ‪ ،‬كععان هععؤلء المستضعععفين ُيحجمععون عععن قتععال بنععي‬
‫‪191‬‬

‫جلععدتهم ‪ ،‬ويقومععون بتسععليم أنفسععهم ‪ ،‬ظّنععا منهععم بععأن أبنععاء‬
‫جلدتهم ‪ ،‬سيتركونهم ليعودوا إلى أهليهععم بعععد انتهععاء المعركععة ‪،‬‬
‫فمععا كععان مععن أولئك الظلمععة ‪ ،‬إل أن عععاملوهم كأسععرى العععدو ‪،‬‬
‫فحبسوهم وطالبوا ذويهم بالفدية ‪.‬‬
‫وأما مظاهر الفساد الخرى فمنها ‪:‬‬
‫‪ .1‬الشرك بال ‪:‬‬
‫جْب ِ‬
‫ت‬
‫ن ِبععاْل ِ‬
‫ب ُيْؤِمُنععو َ‬
‫ن اْلِكَتععا ِ‬
‫صععيًبا ِمع َ‬
‫ن ُأوُتععوا َن ِ‬
‫) َأَلعْم َتعَر ِإَلععى اّلعِذي َ‬
‫ت )‪ 51‬النساء (‬
‫غو ِ‬
‫طا ُ‬
‫َوال ّ‬
‫ب‬
‫ضع َ‬
‫ل َوغَ ِ‬
‫ن َلَعَنُه ا ُّ‬
‫ل َم ْ‬
‫عْنَد ا ِّ‬
‫ك َمُثوَبًة ِ‬
‫ن َذِل َ‬
‫شّر ِم ْ‬
‫) ُقْل َهْل ُأَنّبُئُكْم ِب َ‬
‫ش عرّ‬
‫ت ُأوَلِئكَ َ‬
‫غو َ‬
‫طععا ُ‬
‫عَب عَد ال ّ‬
‫خَنععاِزيَر َو َ‬
‫جَعَل ِمْنُهُم اْلِق عَرَدَة َواْل َ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫َ‬
‫سِبيِل )‪ 60‬المائدة (‬
‫سَواِء ال ّ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫ضّل َ‬
‫َمَكاًنا َوَأ َ‬
‫ح اْب عنَ‬
‫سععي َ‬
‫ن الِّ ع َواْلَم ِ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫حَباَرُهْم َوُرْهَبععاَنُهْم َأْرَباًبععا ِمع ْ‬
‫خُذوا َأ ْ‬
‫) اّت َ‬
‫حاَنهُ عَّمععا‬
‫س عْب َ‬
‫حًدا َل ِإَلَه ِإّل ُهَو ُ‬
‫َمْريََم َوَما ُأِمُروا ِإّل ِلَيْعُبُدوا ِإَلًها َوا ِ‬
‫ن )‪ 31‬التوبة (‬
‫شِرُكو َ‬
‫ُي ْ‬
‫‪ .2‬نقض الميثاق وكتمان كلم ال وإخفائه وتحريفه ‪:‬‬
‫حّرُفععونَ‬
‫سعَيًة ُي َ‬
‫جَعْلَنععا ُقُلععوَبُهْم َقا ِ‬
‫ض عِهْم ِميَثععاَقُهْم َلَعّنععاُهْم َو َ‬
‫) َفِبَما َنْق ِ‬
‫طِلُع عََلععى‬
‫ظا ِمّما ُذّكُروا ِبِه َوَل َتَزاُل َت ّ‬
‫حّ‬
‫سوا َ‬
‫ضِعِه َوَن ُ‬
‫ن َمَوا ِ‬
‫عْ‬
‫اْلَكِلَم َ‬
‫ب‬
‫حع ّ‬
‫ل ع ُي ِ‬
‫ن ا َّ‬
‫ح ِإ ّ‬
‫ص عَف ْ‬
‫عْنُه عْم َوا ْ‬
‫ف َ‬
‫ع ُ‬
‫ل ِمْنُه عْم َفععا ْ‬
‫خاِئَن عٍة ِمْنُه عْم ِإّل َقِلي ً‬
‫َ‬
‫ن )‪ 13‬المائدة (‬
‫سِني َ‬
‫ح ِ‬
‫اْلُم ْ‬
‫س َوَل‬
‫ب َلُتَبّيُنّنععُه ِللّنععا ِ‬
‫ن ُأوُتععوا اْلِكَتععا َ‬
‫ق اّلععِذي َ‬
‫لعع ِميَثععا َ‬
‫خععَذ ا ُّ‬
‫) َوإِْذ َأ َ‬
‫س مَععا‬
‫ل َفِبْئ َ‬
‫شعَتَرْوا ِبعِه َثَمًنععا َقِلي ً‬
‫ظُهوِرِهْم َوا ْ‬
‫َتْكُتُموَنُه َفَنَبُذوُه َوَراَء ُ‬
‫ن )‪ 187‬آل عمران (‬
‫شَتُرو َ‬
‫َي ْ‬
‫‪ .3‬عبادة الجن والشياطين وتعلم السحر وممارسته ‪:‬‬
‫‪192‬‬

‫ت ِبَغْي عِر‬
‫ن َوَبَنععا ٍ‬
‫خَرُقوا َلُه َبِني ع َ‬
‫خَلَقُهْم َو َ‬
‫ن َو َ‬
‫جّ‬
‫شَرَكاَء اْل ِ‬
‫ل ُ‬
‫) َوجََعُلوا ِّ‬
‫ن )‪ 100‬النعام (‬
‫صُفو َ‬
‫عّما َي ِ‬
‫حاَنُه َوَتَعاَلى َ‬
‫سْب َ‬
‫عْلٍم ُ‬
‫ِ‬
‫سعَلْيَمانُ‬
‫ن َوَمععا َكَفعَر ُ‬
‫سعَلْيَما َ‬
‫ك ُ‬
‫عَلى ُمْل ِ‬
‫ن َ‬
‫طي ُ‬
‫شَيا ِ‬
‫) َواّتَبُعوا َما َتْتُلو ال ّ‬
‫حَر )‪ 102‬البقرة (‬
‫سْ‬
‫س ال ّ‬
‫ن الّنا َ‬
‫ن َكَفُروا ُيَعّلُمو َ‬
‫طي َ‬
‫شَيا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫َوَلِك ّ‬
‫‪ .4‬الربا والسرقة والحتيال ‪:‬‬
‫ط عِل‬
‫س ِباْلَبا ِ‬
‫عْن عُه َوَأْكِلِه عْم َأْم عَواَل الّنععا ِ‬
‫خ عِذِهُم الّرَبععا َوَق عْد ُنُهععوا َ‬
‫) َوَأ ْ‬
‫عَذاًبا َأِليًما )‪ 161‬النساء (‬
‫ن ِمْنُهْم َ‬
‫عَتْدَنا ِلْلَكاِفِري َ‬
‫َوَأ ْ‬
‫ت‬
‫ح َ‬
‫سع ْ‬
‫ن َوَأْكِلِهُم ال ّ‬
‫ن ِفي اِْلْثِم َواْلُعْدَوا ِ‬
‫عو َ‬
‫ساِر ُ‬
‫) َوتََرى َكِثيًرا ِمْنُهْم ُي َ‬
‫ن )‪ 62‬المائدة (‬
‫َلِبْئسَ َما َكاُنوا َيْعَمُلو َ‬
‫‪ .5‬ترك المر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪:‬‬
‫ن )‪79‬‬
‫س َمععا َكععاُنوا َيْفَعُلععو َ‬
‫ن ُمْنَكٍر َفَعُلععوُه َلِبْئ َ‬
‫عْ‬
‫ن َ‬
‫) َكاُنوا َل َيَتَناَهْو َ‬
‫المائدة (‬
‫‪ .6‬نقض العهود والمواثيق ‪:‬‬
‫ن)‬
‫ق ِمْنُهعْم َبعْل َأْكَثُرُهعْم َل يُْؤِمُنععو َ‬
‫عْهًدا َنَبَذُه َفِري ٌ‬
‫عاَهُدوا َ‬
‫) َأَوُكّلَما َ‬
‫‪(100‬‬
‫وهكععذا نسععتطيع القععول ‪ ،‬بععأن العلععو الول والفسععاد الول لبنععي‬
‫إسرائيل ‪ ،‬قد تحّققا فععي الرض المقّدسععة ‪ .‬وكععانت بدايععة علععوهم‬
‫بملك داود ‪ ،‬ووصل إلى أقصى مععداه ‪ ،‬فععي عصععر سععليمان عليععه‬
‫السلم ‪ .‬وأما الفساد فكانت بدايته بعد وفاة سليمان عليه السععلم‬
‫خر هذا الملك وهذه المملكععة فععي الهععواء‬
‫… والسؤال الن هل تب ّ‬
‫… ؟! وهل مّر ذلك الفساد دون عقاب … ؟!‬

‫‪193‬‬

‫وهل تحقق البعث الول ؟‬
‫ن َقَتعَل‬
‫سعَراِئيَل ‪َ ،‬أّنعهُ َمع ْ‬
‫عَلى َبِنععي ِإ ْ‬
‫ك َكَتْبَنا َ‬
‫جِل َذِل َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫قال تعالى ) ِم ْ‬
‫س‬
‫ض (( ‪َ ،‬فَكَأّنَمععا َقَت عَل الّنععا َ‬
‫ساٍد ِفي اَْلْر ِ‬
‫س )) َأْو َف َ‬
‫سا ِبَغْيِر َنْف ٍ‬
‫َنْف ً‬
‫جععاَءْتُهْم‬
‫جِميًعععا ‪َ ،‬وَلَقعْد َ‬
‫س َ‬
‫حَيععا الّنععا َ‬
‫حَياَهععا َفَكَأّنَمععا َأ ْ‬
‫ن َأ ْ‬
‫جِميًعععا َوَمع ْ‬
‫َ‬
‫سِرُفو َ‬
‫ن‬
‫ض َلُم ْ‬
‫ك ِفي اَْلْر ِ‬
‫ن َكِثيًرا ِمْنُهْم َبْعَد َذِل َ‬
‫ت ‪ُ ،‬ثّم ِإ ّ‬
‫سُلَنا ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫ُر ُ‬
‫ن ِفععي‬
‫س عَعْو َ‬
‫سوَلُه ‪َ )) ،‬وَي ْ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫ن ا َّ‬
‫حاِرُبو َ‬
‫ن ُي َ‬
‫جَزاُء اّلِذي َ‬
‫)‪ِ (32‬إّنَما َ‬
‫طعععَع َأْيعععِديِهمْ‬
‫صعععّلُبوا َأْو ُتَق ّ‬
‫ن ُيَقّتُلعععوا َأْو ُي َ‬
‫سعععاًدا (( ‪َ ،‬أ ْ‬
‫ض َف َ‬
‫اَْلْر ِ‬
‫ي ِفععي‬
‫خعْز ٌ‬
‫ك َلُهعْم ِ‬
‫ض َذِلع َ‬
‫ن اَْلْر ِ‬
‫ف ‪َ ،‬أْو ُينَفعْوا ِمع ْ‬
‫ل ٍ‬
‫خَ‬
‫ن ِ‬
‫جُلُهْم ِمع ْ‬
‫َوَأْر ُ‬
‫ظيٌم )‪ 33‬المائدة (‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫خَرِة َ‬
‫لِ‬
‫الّدنَيا ‪َ ،‬وَلُهْم ِفي ا ْ‬
‫لع َمْغُلوَل عةٌ …‬
‫ت الَْيُهععوُد َي عُد ا ِّ‬
‫وقال أيضا في نفس السورة ) َوَقاَل ِ‬
‫ن )‪64‬‬
‫سِدي َ‬
‫ب اْلُمْف ِ‬
‫ح ّ‬
‫ساًدا (( ‪َ ،‬والُّ َل ُي ِ‬
‫ض َف َ‬
‫ن ِفي اَْلْر ِ‬
‫سَعْو َ‬
‫)) َوَي ْ‬
‫المائدة (‬
‫وانظر ما كتبه ال عليهم ‪ ،‬في الية الولععى ‪ ،‬ومععا عقععب بععه فععي‬
‫الية الثانية ‪ ،‬حيث أعطى أربع خيارات ‪ ،‬لمجازاة مععن يحععاربون‬
‫ال ورسوله ‪ ،‬ويسعون في الرض فسادا ‪ .‬والذين لهم دأب على‬
‫محاربعة الع ورسععوله بععأقوالهم وأفعععالهم ‪ ،‬والععذين يسعععون فععي‬
‫الرض فسععادا ‪ ،‬هععم اليهععود ل غيرهععم ‪ ،‬وهععذا مععا ُتق عّرره اليععة‬
‫الثالثة ‪ .‬وهذا هو الحكم الُمسبق الععذي أصععدره أحكععم الحععاكمين ‪،‬‬
‫وأوكععل أصعحاب البعععث الول ‪ ،‬لتنفيععذ خيععاراته الربعععة مجتمعععة‬
‫فيهم ‪ ،‬بإذن ال ‪.‬‬
‫ب ِمعع ْ‬
‫ن‬
‫ن َأْهععِل اْلِكَتععا ِ‬
‫ظععاَهُروُهْم ِمعع ْ‬
‫ن َ‬
‫وقععال تعععالى ) َوَأْنععَزَل اّلععِذي َ‬
‫ن‬
‫سعُرو َ‬
‫ن َوَتْأ ِ‬
‫ب َفِريًقععا َتْقُتُلععو َ‬
‫عع َ‬
‫ف ِفععي ُقُلععوِبِهُم الّر ْ‬
‫صععيِهْم َوَقعَذ َ‬
‫صَيا ِ‬
‫َ‬
‫حكم بععه علععى يهععود بنععي قريظعة‬
‫َفِريًقا )‪ 26‬الحزاب ( ‪ ،‬وهذا ما ُ‬
‫بعد هزيمة الحزاب ‪ ،‬بقتل الرجال وسبي النساء والطفال ‪.‬‬
‫‪194‬‬

‫صل ‪ ،‬ومن ثم زال ‪ ،‬فل بععد‬
‫وبما أن الفساد المقترن بالعلو قد تح ّ‬
‫أن يكععون أولئك العبععاد قععد ُبعثععوا عليهععم ‪ ،‬فجاسععوا خلل ديععارهم‬
‫وخربوها ‪ ،‬وأوقعوا في حكامهم ورؤسععائهم وكهنتهععم وأحبععارهم‬
‫القتل والتنكيل ‪ ،‬وهععدموا المسععجد ) الهيكععل ( ونهبععوا محتويععاته‬
‫من كنععوز وأمععوال ‪ ،‬وسععبوا نسععائهم وأطفععالهم ‪ ،‬وأصععبحت بيععت‬
‫المقععدس أطلل تعععوي فيهععا الثعععالب ‪ ،‬فحععل بهععم الخععزي والععذّل‬
‫والعار ‪ ،‬بعععد أن رفعععه الع عنهععم بمّنععه وكرمععه ‪ ،‬فخععانوا ميثععاق‬
‫ربهم ونقضوا عهده ‪ ،‬استكبارا وعلععوا فععي الرض بغيععر الحععق ‪.‬‬
‫حيث كان ذلك حكععم الع الععذي أنجععزه فععي أسععلفهم ‪ ،‬علععى أيععدي‬
‫أولئك العباد ‪ ،‬فيمععا ُيسععمى بالسععبي البععابلي الموصععوف بععالتوراة‬
‫بإسهاب ‪ ،‬والذي يؤكد نفاذ هذا الحكم فيهم ‪ ،‬كمععا جععاء فععي اليععة‬
‫الكريمة أعله ‪ .‬لذلك عّقب سبحانه بعد ذكر الوعد الول ‪ ،‬بقععوله‬
‫عًدا َمْفُعوًل )‪ 5‬السراء ( ‪.‬‬
‫ن َو ْ‬
‫) َوَكا َ‬
‫بعض الحكام التي صدرت في حقهم فيما‬
‫سبق نزول القرآن ‪:‬‬
‫عَلْيِهعْم ِإَلععى َيعْوِم اْلِقَيامَعةِ مَع ْ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫ك َلَيْبَعَثع ّ‬
‫ن َرّبع َ‬
‫قال تعالى ) َوِإْذ َتَأّذ َ‬
‫حيععٌم )‬
‫ب َوِإّنُه َلَغُفوٌر َر ِ‬
‫سِريُع اْلِعَقا ِ‬
‫ك َل َ‬
‫ن َرّب َ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫سوَء اْلَعَذا ِ‬
‫سوُمُهْم ُ‬
‫َي ُ‬
‫ن َومِْنُه عْم ُدو َ‬
‫ن‬
‫حو َ‬
‫صععاِل ُ‬
‫ض ُأَمًما ِمْنُه عْم ال ّ‬
‫طْعَناُهْم ِفي اَْلْر ِ‬
‫‪َ (167‬وَق ّ‬
‫خَل عفَ‬
‫ن )‪َ (168‬ف َ‬
‫جُعو َ‬
‫ت َلَعّلهُْم َيْر ِ‬
‫سّيَئا ِ‬
‫ت َوال ّ‬
‫سَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ك َوَبَلْوَناُهْم ِباْل َ‬
‫َذِل َ‬
‫ض َهععَذا اْلَْدَنععى‬
‫عععَر َ‬
‫ن َ‬
‫خععُذو َ‬
‫ب َيْأ ُ‬
‫ف َوِرُثععوا اْلِكَتععا َ‬
‫خْلعع ٌ‬
‫ن َبْعععِدِهْم َ‬
‫ِم ع ْ‬
‫خعْذ‬
‫خعُذوُه َأَلعْم ُيْؤ َ‬
‫ععَرضٌ ِمْثُلعُه َيْأ ُ‬
‫ن َيعْأِتِهْم َ‬
‫سعُيْغَفُر َلَنعا َوِإ ْ‬
‫ن َ‬
‫َوَيُقوُلو َ‬
‫سععوا َمعا‬
‫ق َوَدَر ُ‬
‫حع ّ‬
‫لع ِإّل اْل َ‬
‫عَلى ا ِّ‬
‫ن َل َيُقوُلوا َ‬
‫ب َأ ْ‬
‫ق اْلِكَتا ِ‬
‫عَلْيهِْم ِميَثا ُ‬
‫َ‬
‫ل َتْعِقُلعععونَ )‪169‬‬
‫ن َأَف َ‬
‫ن َيّتُقعععو َ‬
‫خْيعععٌر ِلّلعععِذي َ‬
‫خعععَرُة َ‬
‫لِ‬
‫ِفيعععِه َوالعععّداُر ا ْ‬
‫العراف ( ‪.‬‬
‫‪195‬‬

‫ت َأْيِديِهْم َوُلِعُنوا ِبَمععا‬
‫غّل ْ‬
‫ل َمْغُلوَلٌة ُ‬
‫ت اْلَيُهوُد َيُد ا ِّ‬
‫وقال أيضا ) َوَقاَل ْ‬
‫ن َكِثيًرا مِْنُهْم مَععا‬
‫شاُء َوَلَيِزيَد ّ‬
‫ف َي َ‬
‫ق َكْي َ‬
‫ن ُينِف ُ‬
‫طَتا ِ‬
‫سو َ‬
‫َقاُلوا َبْل َيَداُه َمب ُ‬
‫ضععاَء‬
‫طْغَياًنا َوُكْفًرا َوَأْلَقْيَنا َبْيَنُهْم اْلَع عَداَوَة َواْلَبْغ َ‬
‫ك ُ‬
‫ن َرّب َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫ُأنِزَل ِإَلْي َ‬
‫ن ِفععي‬
‫سعَعْو َ‬
‫طَفَأَها الُّ َوَي ْ‬
‫ب َأ ْ‬
‫حْر ِ‬
‫ِإَلى َيْوِم اْلِقَياَمِة ُكّلَما َأْوَقُدوا َناًرا ِلْل َ‬
‫ن )‪ 64‬المائدة ( ‪.‬‬
‫سِدي َ‬
‫ب اْلُمْف ِ‬
‫ح ّ‬
‫ل َل ُي ِ‬
‫ساًدا َوا ُّ‬
‫ض َف َ‬
‫اَْلْر ِ‬
‫وهذه الحكام هي ‪:‬‬
‫‪ .1‬استضعافهم واضطهادهم وتعذيبهم من قبل الخريععن ‪ ،‬أينمععا‬
‫حلوا وأينما ارتحلوا إلى يوم القيامعة ‪ .‬وهعذا حكعم ععاّم ‪ ،‬وأمعا‬
‫عقابهم عند مجيء الوععدين ‪ ،‬فهععو حكععم خعاص مسعتثنى معن‬
‫هذا الحكم ‪.‬‬
‫‪ .2‬نفيهم من فلسطين وشتاتهم فععي كافععة أرجععاء الرض ‪ .‬ممععا‬
‫يؤكععد زوال مملكتهععم الولععى ‪ ،‬ويهيععئ لقيععام الدولععة الثانيععة‬
‫مستقبل ‪.‬‬
‫‪ .3‬إلقاء العداوة والبغضاء فيما بينهم إلى يوم القيامة ‪ .‬وإطفاء‬
‫الحععروب الععتي ُيشعععلوها ‪ ،‬وإفشععال مخططععاتهم السععاعية إلععى‬
‫الفساد ‪.‬‬
‫دسة ؟‬
‫وهل دخلوا الرض المق ّ‬
‫لو عدنا إلى زمن موسى عليه السلم ‪ ،‬بعد أن وصل وقومه إلععى‬
‫خُلععوا‬
‫مشععارف الرض والمقدسععة ‪ ،‬حيععث قععال لقععومه ) َيَق عْوِم اْد ُ‬
‫عَلععى َأْدَبععاِرُكْم‬
‫ل ع َلُك عْم َوَل َتْرَت عّدوا َ‬
‫ب ا ُّ‬
‫س عَة اّلِتععي َكَت ع َ‬
‫ض اْلُمَقّد َ‬
‫اَْلْر َ‬
‫ن )‪ 21‬المائدة ( ‪ ،‬والرض المقدسة هي فلسطين‬
‫سِري َ‬
‫خا ِ‬
‫َفَتْنقَِلُبوا َ‬
‫‪ ،‬ولم تقّدس في القععرآن أرض غيرهععا ‪ .‬وقععد وردت هععذه العبععارة‬
‫فععي القععرآن مععرة واحععدة فقععط ‪ ،‬وكععان بنععو إسععرائيل آنععذاك أمععة‬
‫حرموا من دخولها أربعيعن‬
‫واحدة ‪ ،‬فامتنعوا عن الدخول إليها ‪ ،‬ف ُ‬
‫‪196‬‬

‫سنة ‪ ،‬ولم يكن التيه بضياعهم وتشرذمهم فععي الرض ‪ ،‬كمععا قععد‬
‫يتوهم البعض ‪ ،‬وإنما بحرمانهم من الهداية والقيادة برفع النبععوة‬
‫والوحي ‪ ،‬وهذا يؤكد أن موسى عليه السععلم ‪ ،‬انتقععل إلععى جععوار‬
‫ربه قبل أو بداية سنوات التحريم ‪ ،‬ولذلك تجّلت الحكمة اللهية ‪،‬‬
‫باختيار النقباء الثني عشر وأخععذ الميثععاق منهععم مسععبقا ‪ ،‬لعلمععه‬
‫المسععبق بمععا سععيكون منهععم ‪ .‬وُتععرك أمععر بنععي إسععرائيل لولئك‬
‫النقباء ‪ ،‬كٌل حسب السبط الععذي ينتمععي إليععه ‪ ،‬لقيععادتهم والفصععل‬
‫بينهم في الحوال المدنية والشرعية ‪.‬‬
‫وفي نهاية الربعين سنة ‪ ،‬وصل ال ع مععا كععان قععد قطعععه ‪ ،‬فبعععث‬
‫سععى ِإْذ‬
‫ن َبْع عِد ُمو َ‬
‫سَراِئيَل ِم ْ‬
‫ن َبِني ِإ ْ‬
‫ل ِم ْ‬
‫فيهم نبيا ‪َ ) ،‬أَلْم َتَر ِإَلى اْلَم َِ‬
‫سِبيِل الِّ )‪ 246‬البقععرة ( ‪،‬‬
‫ث َلَنا َمِلًكا ُنَقاِتْل ِفي َ‬
‫ي َلُهُم اْبَع ْ‬
‫َقاُلوا ِلَنِب ّ‬
‫وكلمععة ) المل ( تعنععي عليععة القععوم ‪ ،‬وطلععب القتععال كععان لععدخول‬
‫الرض المقدسة ‪ ،‬التي كان قععد ُكتععب لهععم دخولهععا ‪ ،‬علععى لسععان‬
‫موسى في الية السععابقة ‪ ،‬وعنععدما أذن الع لهععم بععدخولها ‪ ،‬بعععد‬
‫قتال جالوت وجنوده والنتصار عليهم ‪ ،‬بقتععل داود عليععه السععلم‬
‫لجالوت ‪ ،‬دخلوها مجتمعين كأمة أيضا ‪ ،‬فأقام لهم داود وسليمان‬
‫عليهما ‪ ،‬دولتهم الولى وعلوهم الول ‪.‬‬
‫مذكور فنني‬
‫حصر الفترة الزمنية للفساد ال ُ‬
‫القرآن ‪:‬‬
‫سععى‬
‫والن لننتقععل إلععى الكريمععة الععتي تقععول ) َوَلَقععْد َءاَتْيَنععا ُمو َ‬
‫سى اْبنَ مَْرَيَم‬
‫عي َ‬
‫سِل (( ‪َ ،‬وَءاَتْيَنا ِ‬
‫ن َبْعِدِه ِبالّر ُ‬
‫ب ‪َ )) ،‬وَقّفْيَنا ِم ْ‬
‫اْلِكَتا َ‬
‫سععوٌل ‪ِ ،‬بمَععا َل‬
‫جععاَءُكْم َر ُ‬
‫س ‪َ .‬أَفُكّلَمععا َ‬
‫ح اْلُقُد ِ‬
‫ت ‪َ ،‬وَأّيْدَناُه ِبُرو ِ‬
‫اْلَبّيَنا ِ‬
‫ن )‪87‬‬
‫سعَتْكَبْرُتْم ‪َ ،‬فَفِريًقععا َكعّذْبُتْم َوَفِريًقععا َتْقُتُلععو َ‬
‫سعُكُم ‪ ،‬ا ْ‬
‫َتْهعَوى َأْنُف ُ‬
‫البقععرة ( ‪ ،‬قلنععا أن قمععة الفسععاد هععي قتععل النفععس بغيععر حععق ‪،‬‬
‫‪197‬‬

‫وأعظمها قتل الرسل والنبياء ‪ ،‬ولحظ قوله سبحانه ) تقتلععون (‬
‫حيث تفيد صيغة المضارع ‪ ،‬الستمرارية والكثرة في القتل ‪ ،‬وقد‬
‫ُذكر قتلهم للرسل والنبياء ) ‪ ( 7‬مرات ‪ ،‬في مواضع متفرقة من‬
‫حصر وقوع هذا القتععل منهععم فععي هععذه اليععة ‪ ،‬بيععن‬
‫القرآن ‪ ،‬وقد ُ‬
‫موسى وعيسى عليهمععا السععلم ‪ ،‬وإذا علمنععا أن بنععي إسععرائيل ‪،‬‬
‫كانوا بحاجة إلى النبياء ) حبل ال ع ( لععدخول الرض المقدسععة ‪،‬‬
‫لقامة دولتهم فيها ‪ ،‬ولم يكن فيهم أنبياء فععي سععنوات التحريععم ‪،‬‬
‫غير ذلك النبي الذي ُبعععث عنععد انقضععائها ‪ ،‬والععذي توجهععوا إليععه‬
‫لطلب المساعدة والنصرة من ال ‪ ،‬لتبين لنا أن قتل النبياء ‪ ،‬قععد‬
‫صععل منهععم ‪ ،‬قبععل بعععث عيسععى عليععه السععلم ‪ ،‬وهععو آخععر‬
‫تح ّ‬
‫أنبيائهم ‪ ،‬وبعد وفاة سليمان عليه السلم ‪ ،‬آخر النبياء الملوك ‪،‬‬
‫حيث لم تعد بهم حاجة للنبياء ‪ ،‬ليعذّكروهم بشععرع الع واللعتزام‬
‫بععه ‪ ،‬بعععد أن أمسععى لهععم الملععك والعلععو فععي الرض ‪ ،‬فععأهواء‬
‫ورغبات وأطماع ‪ ،‬الذين ) أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهععم ( ‪،‬‬
‫والذين ) قست قلوبهم فهي كالحجععارة أو شععد قسععوة ( ‪ ،‬ل تتفععق‬
‫وشرع ال ‪.‬‬
‫نهاية المملكة وخروجهم من فلسطين ‪:‬‬
‫ض ُأَمًمععا ( ‪ ،‬أي‬
‫طْعَنععاُهْم ِفععي اَْلْر ِ‬
‫ولو نظرنا في قوله تعععالى ) َوَق ّ‬
‫فرّقناهم ‪ ،‬نجد أنععه سععبحانه أثبععت خروجهععم ونفيهععم مععن الرض‬
‫المقدسة ‪ ،‬وشتاتهم في الرض علعى عمومهعا ‪ ،‬علعى القعل قبعل‬
‫بعث محمعد عليعه الصعلة والسعلم بعالقرآن ‪ ،‬فهعل ُيعقعل أن أمعة‬
‫بأسرها ‪ ،‬تقوم بالتخلي عن ُملكها وترك أرضها من تلقاء نفسععها‬
‫ورغبععة عنهععا ؟!!! أم أن هنععاك أمععر عظيععم نععزل بهععا ‪ ،‬فععتركت‬
‫أرضها قسرا وقهرا ‪ ،‬بعد أن ُأزيل ملكهععا وأفععل نجمهععا ؟!!! وقععد‬
‫‪198‬‬

‫ورد ذكر هذا الحدث في القععرآن بصععيغة الماضععي ‪ ،‬بقععوله تعععالى‬
‫عًدا َمْفُعوًل )‪ 5‬السراء ( ‪ .‬وبمععا‬
‫ن َو ْ‬
‫لَل الّدَياِر – َوَكا َ‬
‫خَ‬
‫سوا ِ‬
‫جا ُ‬
‫) َف َ‬
‫أن تلك العبارة أثبتت شتاتهم بعد أن كانوا أمة واحععدة ‪ ،‬والعبععارة‬
‫جْئَنا ِبُكْم َلِفيًفا )‪104‬السععراء ( ‪ ،‬تشععترط‬
‫خَرِة ِ‬
‫لِ‬
‫عُد ا ْ‬
‫جاَء َو ْ‬
‫) َفِإَذا َ‬
‫مجيئهم من الشتات والتجّمععع فععي فلسععطين ‪ ،‬ولععم يععرد نععص فععي‬
‫القرآن ‪ُ ،‬يثبت مجيئهم وتجّمعهم من الشتات قبل السلم ‪ ،‬لقامة‬
‫علوهم الثاني ‪ .‬نستطيع الجزم بأن وعععد الولععى ‪ ،‬بقيععام المملكععة‬
‫الولععى وزوالهععا ‪ ،‬قععد تحقععق ‪ ،‬وأن المععرة الثانيععة قععد تحّققععت‬
‫بمجيئهم وتجّمعهم من الشتات ‪ ،‬لقامة دولتهم الحالية ‪.‬‬
‫إثبات تواجد اليهود في بابل ‪:‬‬
‫ق ِلَما مََعُه عْم ‪،‬‬
‫صّد ٌ‬
‫ل ‪ُ ،‬م َ‬
‫عْنِد ا ِّ‬
‫ن ِ‬
‫سوٌل ِم ْ‬
‫جاَءُهْم َر ُ‬
‫قال تعالى ) َوَلّما َ‬
‫ظُهععوِرِهْم ‪،‬‬
‫ل َوَراَء ُ‬
‫ب ا ِّ‬
‫ب ‪ِ ،‬كَتا َ‬
‫ن ُأوُتوا اْلِكَتا َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ق ِم َ‬
‫)‪ (1‬نََبَذ َفِري ٌ‬
‫ك‬
‫ن عََلعى ُمْلع ِ‬
‫طي ُ‬
‫شعَيا ِ‬
‫ن )‪َ(2) (101‬واّتَبُعوا َما َتْتُلعو ال ّ‬
‫َكَأّنهُْم َل َيْعَلُمو َ‬
‫ن َكَفُروا ( ع )‪ُ(3‬يَعّلمُععونَ‬
‫طي َ‬
‫شَيا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن َوَلِك ّ‬
‫سَلْيَما ُ‬
‫ن ع ) َوَما َكَفَر ُ‬
‫سَلْيَما َ‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫ت َوَماُرو َ‬
‫عَلى اْلَمَلَكْينِ ) ِبَباِبَل ( َهاُرو َ‬
‫حَر ‪َ ،‬وَما ُأْنِزَل َ‬
‫سْ‬
‫س ال ّ‬
‫الّنا َ‬
‫ن ِفْتَن عٌة ‪َ ،‬فلَ َتْكُف عْر ‪،‬‬
‫حع ُ‬
‫حّتى َيُقوَل ِإّنَما َن ْ‬
‫حٍد ‪َ ،‬‬
‫ن َأ َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ع ) وََما ُيَعّلَما ِ‬
‫جعِه ‪َ ،‬ومَععا ُهعْم‬
‫ن اْلَمعْرِء َوَزْو ِ‬
‫ن ِبعِه َبْيع َ‬
‫ن ِمْنُهَما ‪َ ،‬ما ُيَفّرُقو َ‬
‫َفَيَتَعّلُمو َ‬
‫ضّرُهْم ‪َ ،‬وَل‬
‫ن َما َي ُ‬
‫ل ( ع )‪َ(4‬وَيَتَعّلُمو َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫حٍد ِإّل ِبِإْذ ِ‬
‫ن َأ َ‬
‫ن ِبِه ِم ْ‬
‫ضاّري َ‬
‫ِب َ‬
‫ق‪،‬‬
‫ل ٍ‬
‫خَ‬
‫ن َ‬
‫خ عَرِة ِم ع ْ‬
‫لِ‬
‫شَتَراُه ‪َ ،‬ما َلُه ِفي ا ْ‬
‫نا ْ‬
‫عِلُموا َلَم ِ‬
‫َيْنَفُعُهْم ‪َ ،‬وَلَقْد َ‬
‫ن )‪ 102‬البقرة (‬
‫سُهْم ‪َ ،‬لْو َكاُنوا َيْعَلُمو َ‬
‫شَرْوا ِبِه َأْنُف َ‬
‫س َما َ‬
‫َوَلِبْئ َ‬
‫موضوع الحديث ما قبل هاتين اليتين ‪ ،‬وما بعدهما ‪ ،‬هم اليهععود‬
‫إجمععال ‪ .‬بينمععا تتعععرض اليتععان أعله ‪ ،‬لموقععف فئة مععن اليهععود‬
‫المعاصرين لرسالة السلم ‪ ،‬من بعث نبينا محمد عليععه الصععلة‬
‫والسلم ‪ ،‬حيث قام هؤلء وما زالوا يقومون بثلثة أفعال ‪:‬‬
‫‪199‬‬

‫‪ .1‬عنععد مجيععء رسععول العع عليععه الصععلة والسععلم ‪ ،‬بصععفة‬
‫مطابقة لما كان بين يديهم من التوراة ‪ ،‬ومجيئه بما يتفععق مععع‬
‫ما جاء بععه أنبيععاؤهم ‪ ،‬أزاحععوا التععوراة مععن عقععولهم وقلععوبهم‬
‫وأنكروا مععا فيهععا ‪ ،‬وكتمععوا مععا أخععبرت عنععه وجععاءت بععه عععن‬
‫الناس ‪ ،‬وأظهععروا عععدم معرفتهععم وعلمهععم بععأمر هععذا النععبي ‪،‬‬
‫وعوضا عن اتباعهم لهذا النععبي عليععه الصععلة والسععلم ‪ ،‬كمععا‬
‫تأمرهم التوراة ‪:‬‬
‫‪ .2‬قاموا باتباع ما تتلوا الشياطين على ملك سععليمان ‪ ،‬وحقيقععة‬
‫مععا اتبعععوه ُيععبّينه سععبحانه ‪ ،‬بالجملععة المعترضععة ) َومَععا َكَف عَر‬
‫ن َكَفعُروا ( أي الكفرّيععات الععتي مععا زالععت‬
‫طي َ‬
‫شَيا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن َوَلِك ّ‬
‫سَلْيَما ُ‬
‫ُ‬
‫تتلوها الشياطين على ملك سليمان ‪ ،‬ومجيععء الفعععل ) تتلععوا (‬
‫بصيغة المضارع ‪ُ ،‬يفيععد بععأنهم علععى اّتصععال دائم بالشععياطين ‪،‬‬
‫وأن الشياطين ما زالععت تتحعّدث إليهعم ‪ ،‬بكفرّيعات تنسعبها إلععى‬
‫سليمان عليه السلم ‪ُ ،‬يععبرأه سععبحانه منهععا بقععوله ) ومععا كفععر‬
‫سليمان ولكن الشياطين كفروا ( ‪ ،‬وعوضععا عععن تعليععم النععاس‬
‫تعاليم التوراة ‪:‬‬
‫‪ .3‬كانوا وما زالوا ‪ُ ،‬يعلمون الناس السععحر ‪ ،‬ويعّلمععونهم أيضععا‬
‫نوعا آخرا من السحر ‪ ،‬كععانوا قععد تعّلمععوه أثنععاء تواجععدهم فععي‬
‫بابل ‪ ،‬هو ما ُأنزل على الملكين هععاروت ومععاروت ‪ ،‬اللععذان لععم‬
‫ل‬
‫ن ِفْتَنعٌة ‪َ ،‬ف َ‬
‫حع ُ‬
‫ُيعّلما أحدا مععن النععاس ‪ ،‬إل وقععال لععه ‪ِ ) ،‬إّنَمععا َن ْ‬
‫َتْكُفْر ( وحقيقة ما كان يتعّلمععه النععاس مععن الملكيععن فععي بابععل ‪،‬‬
‫ن ِمْنُهَمععا ‪ ،‬مَععا‬
‫ُيععبّينه سععبحانه بالجملععة المعترضععة ) َفَيَتَعّلُمععو َ‬
‫ح عٍد‬
‫ن َأ َ‬
‫ن ِب عِه مِ ع ْ‬
‫ضععاّري َ‬
‫جِه ‪َ ،‬وَما ُهْم ِب َ‬
‫ن اْلَمْرِء َوَزْو ِ‬
‫ن ِبِه َبْي َ‬
‫ُيَفّرُقو َ‬
‫ل(‪.‬‬
‫ن ا ِّ‬
‫ِإّل ِبِإْذ ِ‬
‫‪200‬‬

‫‪ .4‬وُيعّقب سبحانه على ما قامت به تلك الفئة بقوله ) َوَيَتَعّلُمونَ‬
‫ضّرُهْم ‪َ ،‬وَل َيْنَفُعُهْم … إلى آخر الية ( ‪ .‬وهذا ما يقومون‬
‫َما َي ُ‬
‫به لغاية الن ‪ ،‬فععي محععافلهم الماسععونية ومدارسععهم الدينيععة ‪،‬‬
‫حيث ُيمارسون وُيعّلمون منتسبيهم وتلميذهم ‪ ،‬طقوس عبادة‬
‫الشياطين ‪ ،‬وفنون السحر والشعوذة ‪.‬‬
‫عقوبتهم في الجزيننرة العربيننة كننانت جلءً‬
‫وليس عذابا ‪:‬‬
‫وأما عند مجيء السلم ‪ ،‬كان جزء منهععم متواجععد فععي الجزيععرة‬
‫العربية ‪ ،‬وأخرجوا منها زمن عمر رضي ال ع عنععه ‪ ،‬قععال تعععالى‬
‫ن ِدَيععاِرِهْم َِلّوِل‬
‫ب ِم ع ْ‬
‫ن َأْه علِ اْلِكَتععا ِ‬
‫ن َكَفُروا ِم ْ‬
‫ج الِذي َ‬
‫خَر َ‬
‫) ُهَو اّلِذي َأ ْ‬
‫شِر )‪ 2‬الحشر ( ‪ ،‬والحشر معناه الجمع ‪ ،‬والجمع يختلف عن‬
‫ح ْ‬
‫اْل َ‬
‫الجميع ‪ ،‬وقوله ) لول الحشر ( أي بداية الجمع ‪ ،‬والجمع يكععون‬
‫عادة بعد التشّرد والشععتات ‪ ،‬والمقصععود هنععا الجمععع فععي الععدنيا ‪،‬‬
‫وليععس الحشععر بعععد المععوت والبعععث ‪ ،‬حيععث كععانت وجهتهععم عنععد‬
‫الخروج إلى بلد الشام ‪ ،‬وأما الجلء الذي حكم ال ع بععه عليهععم ‪،‬‬
‫في زمن الرسول عليععه السععلم وصععحبه الكععرام ‪ ،‬لععم يكععن عععذابا‬
‫كالموصوف فععي سععورة السععراء ‪ ،‬ل فععي الوعععد الول ‪ ،‬ول فععي‬
‫الوعد الثاني ‪ ،‬فكيفية العقاب في المرتين متطابقة ‪ ،‬كما أوضحنا‬
‫ب‬
‫ن َكَتع َ‬
‫سابقا ‪ ،‬وهذا ما يقرره سبحانه في الية التاليععة ) َوَلعْولَ َأ ْ‬
‫ب الّنعارِ‬
‫عَذا ُ‬
‫خَرِة َ‬
‫لِ‬
‫لَء ‪َ ،‬لَعّذَبُهْم ِفي الّدْنَيا َولَُهْم ِفي ا ْ‬
‫جَ‬
‫عَلْيِهُم اْل َ‬
‫ل َ‬
‫ا ُّ‬
‫)‪ 3‬الحشر ( ‪ ،‬وقوله تعالى ) لعّذبهم ( ‪ ،‬يفيد بأن الجلء لم ُيعتبر‬
‫عذابا بمعنى الكلمععة ‪ ،‬أمععا قتععل وسععبي يهععود بنععي قريظععة ‪ ،‬فهععو‬
‫اسععتثناء حصععل لخطععورة مععا قععاموا بععه مععن خيانععة ‪ ،‬فععي أحععرج‬
‫لحظة ‪ ،‬في تاريخ المة السلمية ‪.‬‬
‫‪201‬‬

‫وإن لم يكن ما تقّدم مقنعا بما فيه الكفاية ‪ ،‬فانظر إلى قوله تعالى‬
‫عَل عْوا َتْتِبي عًرا‬
‫خُلوُه َأّوَل َمّرٍة َوِلُيَتّبُروا َما َ‬
‫جَد َكَما َد َ‬
‫سِ‬
‫خُلوا اْلَم ْ‬
‫) َوِلَيْد ُ‬
‫)‪ 7‬السراء ( ‪ ،‬فأي مسععجد الععذي دخلععه المسععلمون علععى اليهععود‬
‫آنذاك ‪ ،‬وما هو المسععجد المقصععود أصععل فععي هععذه اليععة ؟! ومععا‬
‫صفة العلو الذي كان لهم آنذاك ؟! ‪ ،‬وأما فسادهم وإفسععادهم فععي‬
‫الجزيرة وغيرها من المععاكن ‪ ،‬فهععو مشععمول فععي اليععة الكريمعة‬
‫سععاًدا‬
‫ض َف َ‬
‫ن ِفي اَْلْر ِ‬
‫سَعْو َ‬
‫ل وََي ْ‬
‫طَفَأَها ا ُّ‬
‫ب َأ ْ‬
‫حْر ِ‬
‫) ُكّلَما َأْوَقُدوا َناًرا ِلْل َ‬
‫ن )‪ 64‬المععائدة ( ‪ ،‬ولحععظ قععوله تعععالى‬
‫سععِدي َ‬
‫ب اْلُمْف ِ‬
‫حعع ّ‬
‫لعع َل ُي ِ‬
‫َوا ُّ‬
‫) ويسعون ( ‪ ،‬حيث تفيد الستمرارية والمثععابرة ‪ ،‬علععى الفسععاد‬
‫في الرض على عمومها ‪ ،‬وهذا هو ديدنهم علععى مععر العصععور ‪،‬‬
‫لذلك كانوا عرضة للقتل والتنكيل ‪ ،‬أو النهب والسلب ‪ ،‬أو الطععرد‬
‫والنفي ‪ ،‬أينما حلوا وأينمععا ارتحلععوا ‪ ،‬فطععافوا معظععم أرجععاء مععن‬
‫المعمورة وتواجدوا في كل قاراتهععا ‪ ،‬منععذ ‪ 3‬آلف سععنة واسععتمر‬
‫حالهم هذا على مر العصور ‪ ،‬وهذا ما لم يقععع فععي أي شعععب مععن‬
‫شعععوب الرض ‪ ،‬وكععان السعتثناء الوحيععد ‪ ،‬هعو حصعولهم علعى‬
‫الدولة في القدس مرتين فقط ‪ .‬وبعد شتاتهم فععي المععرة الولععى ‪،‬‬
‫لم يكن لهم علو ‪ ،‬ولم يكن لهم جمع من الشتات ‪ ،‬الععذي هععو أحععد‬
‫شروط ومواصفات تحقق الوعد الثاني ‪ ،‬إل ما ُنشاهده الن على‬
‫أرض الواقع ‪ ،‬مععن علععوا ظععاهر مقععترن بالفسععاد والفسععاد ‪ ،‬فععي‬
‫الرض الُمقّدسة فلسطين ‪.‬‬

‫‪202‬‬

‫تاريخ اليهود في التوراة والتلمود‬
‫ماهية التوراة ‪:‬‬
‫التععوراة فععي ) لسععان العععرب ( ‪ :‬نجععد أن هععذه الكلمععة ذات أصععل‬
‫ي ‪ ،‬والوراء هو ولد الولد ‪ ،‬والواري هععو‬
‫عربي " ومصدرها َوِر َ‬
‫ي المخ َيِري إذا اكتنز ‪ ،‬وناقة وارية‬
‫السمين من كل شيء ‪ ،‬وَوِر َ‬
‫ت النعععار توريعععةً ‪ ،‬إذا اسعععتخرجتها ‪ ،‬قعععال‬
‫أي سعععمينة ‪ ،‬ووَرْيععع ُ‬
‫واستوريت فلنا رأيا ‪ ،‬أي سألته أن يستخرج لي رأيععا ‪ ،‬ووريععت‬
‫الشيء وواريته أخفيته ‪ ،‬واستوريت فلنا رأيا أي طلبت إليععه أن‬
‫ينظر في أمري ‪ ،‬فيستخرج رأيا أمضي عليععه ‪ ،‬ووريععت الخععبر ‪،‬‬
‫ُأوِريه توريعًة ‪ ،‬إذا سععترته وأظهععرت غيععره ‪ ،‬وكععأنه مععأخوذ مععن‬
‫وراء النسان ‪ ،‬لنه إذا قال َوَرْيته ‪ ،‬فكأنه يجعلععه وراءه حيععث ل‬
‫سْتر " ‪.‬‬
‫يظهر ‪ ،‬والتورية هي ال َ‬
‫ولو تدبّرنا كل المعاني السابقة ‪ ،‬لوجدنا أن هذ التسمية ) التوارة‬
‫‪ ،‬التوريععة حسععب الرسععم القرآنععي لهععا ( ‪ ،‬جععاءت لتصععف بدقععة‬
‫وبشمولية ‪ ،‬حال الكتاب الموجود بيععن أيععدي اليهععود ‪ ،‬منععذ وفععاة‬
‫زكريا عليه السلم ‪ ،‬ولغاية الن ‪ ،‬ولتصف الكيفيععة الععتي يتعامععل‬
‫بها اليهود مع هذا الكتاب ‪ ،‬فكتابهم فععي الواقععع مكتنععز وسعمين ‪،‬‬
‫فهو يحوي بين دفتيه ) ‪ ( 39‬سفرا ‪ ،‬وإحدى نسععخه المترجمععة ‪،‬‬
‫فيها ما يزيد عن ‪ 1128‬صفحة ‪ ،‬بمعدل ‪ 380‬كلمة لكل صععفحة ‪،‬‬
‫ب )‪ (6‬مععرات‬
‫أي مععا يفععوق القععرآن مععن حيععث عععدد الكلمععات ‪ِ ،‬‬
‫جمع فيه ما ُأنععزل علععى أنبيععاء بنععي إسععرائيل المتعععاقبين‬
‫تقريبا ‪ُ ،‬‬
‫تباعا ‪ ،‬من شرائع وأخبععار ونبععوءات غيبيععة ‪ ،‬وتاريععخ وأسععاطير‬
‫وخرافات ‪ ،‬وعلى فترات متباعععدة ومتتاليععة ‪ ،‬ولمععدة ل تقععل عععن‬
‫ألف وخمسمائة سنة ‪.‬‬
‫‪203‬‬

‫التوراة لم تنّزل على موسننى وكتننابه جننزء‬
‫منها ‪:‬‬
‫ن ِفععي‬
‫جو َ‬
‫حععا ّ‬
‫ب ِلعَم ُت َ‬
‫وحسب النص القرآني ‪ ،‬في الية ) َيَأْهَل اْلِكَتا ِ‬
‫ن )‪65‬‬
‫ل َتْعِقُلو َ‬
‫ن َبْعِدِه َأَف َ‬
‫جيُل ِإّل ِم ْ‬
‫ت الّتْوَراُة َواِْلن ِ‬
‫ِإْبَراِهيَم َوَما ُأْنِزَل ْ‬
‫سععى ابْ عنِ مَْرَي عَم‬
‫عَلععى آَثععاِرِهْم ِبِعي َ‬
‫آل عمععران ( ‪ ،‬واليععة ) َوَقّفْيَنععا َ‬
‫ن الّتعْوَراِة )‪ 46‬المععائدة ( ‪ ،‬نجععد أن نععزول‬
‫ن َيَدْيِه ِمع ْ‬
‫ُمصَّدًقا ِلَما َبْي َ‬
‫حصر في الفععترة الزمنيععة الواقعععة بيععن ‪ ،‬وفععاة إبراهيععم‬
‫التوراة ‪ُ ،‬‬
‫ونب عّوة عيسععى عليهمععا السععلم ‪ ،‬ومععن قععوله تعععالى ) ِإّنععا َأنَزْلَنععا‬
‫سعَلُموا ِلّلعِذي َ‬
‫ن‬
‫ن َأ ْ‬
‫ن اّلعِذي َ‬
‫حُكعُم ِبَهععا الّنِبّيععو َ‬
‫الّتْوَراَة ِفيَها ُهًدى َوُنوٌر َي ْ‬
‫ب الِّ ع َوَكععاُنوا‬
‫ن ِكَتععا ِ‬
‫ظوا ِم ع ْ‬
‫حِف ُ‬
‫سُت ْ‬
‫حَباُر ِبَما ا ْ‬
‫ن َواَْل ْ‬
‫َهاُدوا َوالّرّباِنّيو َ‬
‫ش عَهَداَء )‪ 44‬المععائدة ( ‪ ،‬نجععد أنهععا أنزلععت كمرجععع لبنععي‬
‫عَلْي عِه ُ‬
‫َ‬
‫إسععرائيل ) بنععي يعقععوب عليععه السععلم ( ‪ ،‬لسععتنباط واسععتخراج‬
‫جاَءُكْم‬
‫ب َقْد َ‬
‫الحكام الشرعية منها ‪ ،‬وفي قوله تعالى ) َيَأْهَل اْلِكَتا ِ‬
‫ب )‪15‬المععائدة (‬
‫ن اْلِكَتا ِ‬
‫خُفونَ ِم ْ‬
‫ن َلُكْم َكِثيًرا ِمّما ُكْنُتْم ُت ْ‬
‫سوُلَنا ُيَبّي ُ‬
‫َر ُ‬
‫س َوَل‬
‫ب َلُتَبّيُنّنُه ِللّنععا ِ‬
‫ن ُأوُتوا اْلِكَتا َ‬
‫ق اّلِذي َ‬
‫ل ِميَثا َ‬
‫خَذ ا ُّ‬
‫وقوله ) َوِإْذ َأ َ‬
‫س مَععا‬
‫ل َفِبْئ َ‬
‫شعَتَرْوا ِبعِه َثَمًنععا َقِلي ً‬
‫ظُهوِرِهْم َوا ْ‬
‫َتْكُتُموَنُه َفَنَبُذوُه َوَراَء ُ‬
‫ن )‪ 187‬آل عمران ( نجد وصفا لحععال اليهععود معهععا ومععا‬
‫شَتُرو َ‬
‫َي ْ‬
‫كان منهم ‪ ،‬في إخفائهععا وكتمانهععا وتحريفهععا ‪ ،‬وإظهععار غيععر مععا‬
‫جاء فيها ‪ ،‬وكل ما قيل فيها من معاني في المعجععم ‪ ،‬ينسععجم مععع‬
‫واقع التوراة الحالي ‪ ،‬وليس على كتاب موسى فقط ‪ ،‬والذي هععو‬
‫في الصل جزء منها ‪ ،‬وما كان الفصل بينها وبيععن موسععى عليععه‬
‫السلم في القران ‪ ،‬إل ليؤكد هذه الحقيقة ‪.‬‬
‫س عَراِئيَل ‪ِ -‬إّل‬
‫ل ِلَبِنععي ِإ ْ‬
‫حّ‬
‫ن ِ‬
‫طَعاِم َكا َ‬
‫ولو تمعّنا في هذه الية ) ُكّل ال ّ‬
‫ن ُتَنّزَل الّتْوَراُة ‪ُ -‬قْل َفعْأُتوا‬
‫ن َقْبِل َأ ْ‬
‫سِه ‪ِ -‬م ْ‬
‫عَلى َنْف ِ‬
‫سَراِئيُل َ‬
‫َما حَّرَم ِإ ْ‬
‫ن )‪ 93‬آل عمران ( ‪ ،‬وانظر قوله‬
‫صاِدِقي َ‬
‫ن ُكْنُتْم َ‬
‫ِبالّتوَْراِة َفاْتُلوَها ِإ ْ‬
‫‪204‬‬

‫تعععالى ) ُتَنعّزَل ( ‪ ،‬ولععم يقععل ) ُتْنعَزَل ( ‪ ،‬والتنزيععل غيععر النععزال ‪،‬‬
‫فالول على مراحل ‪ ،‬والثاني لمرة واحدة ‪ ،‬ومععن ثععم انتقلنععا إلععى‬
‫حعّرَم َرّبُكعْم‬
‫سورة النعععام ‪ ،‬وتععدبرنا اليععات ) ُقعْل َتَعععاَلْوا َأْتعُل َمععا َ‬
‫سى‬
‫عَلْيُكْم … )‪ُ = (153) … (152) … (151‬ثّم = آَتيَْنا ُمو َ‬
‫َ‬
‫حمًَة‬
‫يٍء َوُهًدى َوَر ْ‬
‫ش ْ‬
‫صيلً ِلُكّل َ‬
‫ن َوَتْف ِ‬
‫سَ‬
‫ح َ‬
‫عَلى اّلِذي َأ ْ‬
‫ب َتَماًما َ‬
‫اْلِكَتا َ‬
‫ن )‪ 154‬النعام ( لوجدنا أن هععذه اليععات‬
‫َلَعّلهُْم ِبِلَقاِء َرّبِهْم ُيْؤِمُنو َ‬
‫حعّرم عليهعم فعي التععوراة ‪ ،‬وأن مجيعء أداة‬
‫توضح ‪ ،‬ما كععان قععد ُ‬
‫العطف ) ُثّم ( ‪ ،‬بعد ذكر ما جاء في التوراة مباشرة ‪ ،‬والتي تفيععد‬
‫لغعًة ‪ ،‬الععترتيب والععتراخي فععي الزمععن ‪ ،‬ومجيععء العبععارة ) آَتْيَنععا‬
‫ب ( بعدها ‪ ،‬يؤكععد بمععا ل يععدع مجععال للشععك أمريععن ؛‬
‫سى اْلِكَتا َ‬
‫ُمو َ‬
‫الول ‪ :‬أن التوراة شيء يختلف عن كتاب موسى عليه السععلم ‪،‬‬
‫والثاني ‪ :‬أنها سبقت كتاب موسى عليه السلم في النزول ‪.‬‬
‫م بيننن دفننتيه جميننع مننا‬
‫التننوراة كتنناب يضن ّ‬
‫ُأنزل على أنبياء بني إسرائيل ‪:‬‬
‫والرجح أنها ُأنزلت مفّرقة بدءًا من يعقوب أو إسحاق ‪ ،‬وانتهاًء‬
‫بزكريا عليهعم السعلم ‪ ،‬وأنهعا مجمعل معا ُأنعزل علعى أنبيعاء بنعي‬
‫إسرائيل من كتب ‪ ،‬ومن ضمنها ما ُأنزل على يعقععوب ويوسععف ‪،‬‬
‫وموسى وداود وسليمان وزكريا ‪ ،‬وبقية أنبيائهم ‪ ،‬ممن لم تععذكر‬
‫أسمائهم ‪ ،‬في القرآن عليهم السععلم أجمعيععن ‪ ،‬قععال تعععالى ) َوَمععا‬
‫ط َومَععا‬
‫ب َواَْلسْعَبا ِ‬
‫ق َوَيْعُقععو َ‬
‫حا َ‬
‫سع َ‬
‫عيَل َوِإ ْ‬
‫سعَما ِ‬
‫ُأنِزَل ِإَلععى ِإْبَراِهيعَم َوِإ ْ‬
‫ق َبْيع َ‬
‫ن‬
‫ن َرّبِهعْم َل ُنَفعّر ُ‬
‫ن ِمع ْ‬
‫ي الّنِبّيععو َ‬
‫سى َوَما ُأوِت َ‬
‫عي َ‬
‫سى َو ِ‬
‫ي ُمو َ‬
‫ُأوِت َ‬
‫ن )‪ 136‬البقععرة ( ولحععظ أن ترتيععب‬
‫سعِلُمو َ‬
‫ن َلعُه ُم ْ‬
‫حع ُ‬
‫حٍد ِمْنُهْم َوَن ْ‬
‫َأ َ‬
‫أسماء النبياء ‪ ،‬في هذه الية جاء متعاقبا حسب الترتيب الزمني‬
‫ن النععزال ‪ ،‬شععمل كععل مععن إبراهيععم وإسععماعيل‬
‫‪ ،‬ولحععظ أيضععا أ ّ‬
‫‪205‬‬

‫وإسحاق ويعقوب والسباط وتوقف ‪ .‬وأفرد موسى وعيسععى مععع‬
‫صهما باليتاء ‪ ،‬وأفرد النبيين من غير ذرية‬
‫أنهم من السباط وخ ّ‬
‫إبراهيععم باليتععاء أيضععا ‪ ،‬والظععاهر أن هنععاك فععرق بيععن النععزال‬
‫واليتاء ‪ ،‬وأما ماهية السباط فسنبينها في فصل آخر ‪.‬‬
‫ولو اطلعت على مجمل النصوص القرآنية ‪ ،‬لوجدت أن مععا ُنسععب‬
‫إلى موسى عليه السلم باليتاء ‪ ،‬هععو الكتععاب والفرقععان والهععدى‬
‫صععا‬
‫وضياء وذكر واللواح والصععحف ‪ ،‬وأن التععوراة لععم تنسععب ن ّ‬
‫إلى موسى عليه السلم ‪ ،‬في أي موضععع مععن المواضععع ال )‪(18‬‬
‫فععي القععرآن ‪ ،‬وهععي ) ‪ 6‬مععرات فععي آل عمععران ‪ ،‬و ‪ 7‬مععرات فععي‬
‫المائدة ‪ ،‬ومععرة واحععدة فععي كعٍل مععن ‪ ،‬العععراف والتوبععة والفتععح‬
‫والصف والجمعة ( ‪ ،‬وخلصة القول ‪ ،‬أن ذكر التوراة في القران‬
‫‪ُ ،‬يقصد به مجموع ما ُأنزل على أنبياء بني إسرائيل ‪ ،‬أي الكتاب‬
‫الذي كان بأيدي اليهود زمن نزول القرآن ‪ ،‬وحتى عصرنا هععذا ‪،‬‬
‫وأن ذكر الكتاب ‪ ،‬يقصد به ما ُأنزل علععى موسععى لوحععده ‪ ،‬والع‬
‫أعلععم ‪ .‬وأمععا مععا ُينسععب إلععى موسععى عليععه السععلم فععي التععوراة‬
‫الحالية ‪ ،‬فهي السععفار الخمسععة الولععى مععن مجمععوع أسععفارها ‪،‬‬
‫وهي أسفار التكوين والخروج واللويين والعدد والتثنية ‪ ،‬وعلى‬
‫الرجح أن بعض هعذه السعفار ‪ ،‬كسعفر التكعوين ‪ ،‬كعان موجعودا‬
‫قبل موسى عليه السلم ‪ ،‬ومععن المحتمععل أن يكععون هععذا السععفر ‪،‬‬
‫هو مجموع صحف إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلم ‪.‬‬
‫حقيقة التوراة على لسان المقدسي ‪:‬‬
‫جاء في كتاب ) البدء والتاريخ ( للمقدسيّ ‪ ،‬مععا نصععه ‪ " :‬وذلععك‬
‫أن ) بختنصععر ( ‪ ،‬لمععا خععرب بيععت المقععدس وأحععرق التوريععة ‪،‬‬
‫وساق بني إسرائيل إلى أرض بابل ‪ ،‬ذهبت التوراة مععن أيععديهم ‪،‬‬
‫‪206‬‬

‫حتى جّددها لهم عزير فيما يحكون ‪ ،‬والمحفوظ عن أهل المعرفة‬
‫بالتواريخ والقصص ‪ ،‬أن عزيرا ) عزرا الكععاتب ( أملععى التععوراة‬
‫في آخر عمره ‪ ،‬ولم يلبث بعدها أن مات ‪ ،‬ودفعها إلى تلميععذ مععن‬
‫تلمذته ‪ ،‬وأمره بأن يقرأهعا علعى النععاس بعععد وفعاته ‪ ،‬فعععن ذلععك‬
‫التلميذ أخذوها ودونوها ‪ ،‬وزعموا أن التلميذ ‪ ،‬هو الذي أفسععدها‬
‫وزاد فيها وحرفها ‪ ،‬فمن ثم وقع التحريف والفساد فععي الكتععاب ‪،‬‬
‫وُبّدلت ألفاظ التوراة ‪ ،‬لنها من تأليف إنسععان بعععد موسععى ‪ ،‬لنععه‬
‫يخبر فيها ‪ ،‬عما كان من أمر موسى عليععه السععلم ‪ ،‬وكيععف كععان‬
‫موته ووصيته إلى يوشع بن نون ‪ ،‬وحزن بني إسرائيل وبكاؤهم‬
‫عليه ‪ ،‬وغير ذلك مما ل يشكل على عاقل ‪ ،‬أنه ليس من كلم ال‬
‫عز وجععل ‪ ،‬ول مععن كلم موسععى ‪ ،‬وفععي أيععدي السععامرة تععوراة ‪،‬‬
‫مخالفععة للتععوراة الععتي فععي أيععدي سععائر اليهععود ‪ ،‬فععي التواريععخ‬
‫والعيععاد وذكععر النبيععاء ‪ ،‬وعنععد النصععارى تععوراة منسععوبة إلععى‬
‫اليونانيعععة ‪ ،‬فيهعععا زيعععادة فعععي تواريعععخ السعععنين علعععى التوريعععة‬
‫العبرانية ‪ ،‬بألف وأربع مائة سععنة ونيععف ‪ ،‬وهععذا كلععه يععدل علععى‬
‫تحريفهم وتبديلهم ‪ ،‬إذ ليس يجوز وجععود التضععاد فيهععا مععن عنععد‬
‫ال " ‪.‬‬
‫أما ما دفعني للبحث في أمر التوراة في البداية ‪ ،‬هععو رغبععتي فععي‬
‫اسععتخراج نععص النبععوءة منهععا ‪ ،‬ومقععارنته مععع نععص سععورة‬
‫السراء ‪ ،‬واستقراء تاريخهم حسععب مععا يروونععه هععم بأنفسععهم ‪،‬‬
‫فيما إذا كان هناك ما يفيد تحقق الوعععد الول ‪ ،‬مععن خلل البحععث‬
‫في التوراة الحاليععة ‪ ،‬والموجععودة تحععت اسععم العهععد القععديم ‪ ،‬فععي‬
‫ي نسععختين‬
‫الكتاب المقدس الخاص بالنصارى ‪ ،‬حيث تععوفرت لععد ّ‬
‫عنه ‪ ،‬باسم )كتاب الحياة ‪ /‬ترجمة تفسيرية ‪ /‬ط ‪ / 1988 2‬جععي‬
‫سي سنتر القاهرة ( ‪ ،‬وتقع في )‪ (1128‬صفحة ‪ ،‬والخرى باسم‬
‫‪207‬‬

‫) الكتععاب المقععدس ‪ /‬دار الكتععاب المقععدس فععي الشععرق الوسععط (‬
‫وتقع فععي ) ‪ ( 1358‬صععفحة ‪ ،‬مترجمععة عععن التععوراة اليونانيععة ‪،‬‬
‫وبما أن عدد الصفحات كبير جدا ‪ ،‬ومن المؤكععد أن هععذا النععص ‪،‬‬
‫قد اعتراه الكثير من التحريف والتزوير من إضافة ونقص ‪ ،‬فهو‬
‫يحتاج إلى قراءة مركععزة ومتأنيععة ‪ ،‬مععن اللععف إلععى اليععاء ‪ ،‬ممععا‬
‫يتطلععب الكععثير مععن الععوقت والجهععد ‪ ،‬فضععل عمععا ُتصععاب بععه مععن‬
‫دوار ‪ ،‬كلما حاولت أن تستجمع ما ورد فيها ‪ ،‬مععن أفكععار مشععتتة‬
‫ومضّللة ‪ ،‬ولما فيها من إسهاب وإطالة وتكرار ‪ ،‬لذلك كان ل بععد‬
‫لي ‪ ،‬من تحديد على من ُأنزلت هععذه النبععوة ‪ ،‬ومععا هععو المقصععود‬
‫بقوله سبحانه ) فععي الكتععاب ( علععى وجععه الدقععة ‪ ،‬وفععي أي فععترة‬
‫زمنية ُأنزلت ‪ ،‬لتكون عملية البحث فيها أقل جهدا ‪ ،‬وعنععد بحععثي‬
‫عنها فيما ُنسب إلى موسى عليه السلم من أسفار ‪ ،‬وجدتها فععي‬
‫سععفر التثنيععة ‪ ،‬وقععد اعتراهععا الكععثير مععن التشععويه مععن حععذف‬
‫وإضافة ‪ ،‬وفيما يلي بعض من بقايا نصوصها التي توزعت على‬
‫مدى ) ‪ 18‬صفحة ( ‪:‬‬
‫سنننفر التثنينننة آخنننر السنننفار المنسنننوبة‬
‫لموسننى ‪ ،‬ويضننم فنني ثناينناه نصننوص‬
‫النبوءة ‪:‬‬
‫ملحظععة ‪ :‬النععص مععأخوذ مععن نسععخة ) كتععاب الحيععاة ( حيععث أن‬
‫التركيب اللغوي فيها ‪ ،‬أكثر قوة وتعبيرا ‪ ،‬إل في مواضع نادرة ‪،‬‬
‫نلجأ فيها للخذ من النسخة الخرى ) الكتاب المقدس ( وهععو مععا‬
‫يرد بين ] … [ ‪ ،‬وما يرد بين ) … ( فهو تعقيب من المؤلف ‪.‬‬

‫‪208‬‬

‫دى ل ِب َِني‬
‫عل َْناهُ ُ‬
‫و َ‬
‫ه ً‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫سى ال ْك َِتا َ‬
‫مو َ‬
‫ءات َي َْنا ُ‬
‫ب َ‬
‫) َ‬
‫ل أَ‬
‫ّ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ُ‬
‫كيًل )‪2‬‬
‫ني‬
‫ن‬
‫ن‬
‫دو‬
‫ن‬
‫ن‬
‫م‬
‫ذوا‬
‫ن‬
‫خ‬
‫ت‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫ِ‬
‫ْ ُ‬
‫إِ ْ‬
‫َ‬
‫السراء (‬
‫" إصحاح ‪ :26‬آية ‪ :16‬لقد أمركععم الععرب إلهكععم هععذا اليععوم ‪ ،‬أن‬
‫تعملوا بهذه الفرائض والحكام ‪ ،‬فععأطيعوا واعملععوا بهععا مععن كععل‬
‫قلععوبكم ومععن كععل نفوسععكم ‪ … :17 ،‬وأن عليكععم طاعععة جميععع‬
‫وصاياه ‪ :19،‬فيجعلكم أسمى من كل المم ] مستعليا علععى جميععع‬
‫القبائل [ التي خلقها فععي الثنععاء والشععرف والمجععد ‪ ) ،‬العلععو ( ‪،‬‬
‫…"‪.‬‬
‫إخبار موسى عليه السلم بنننص النبننوءة ‪،‬‬
‫كننننان قبننننل دخننننولهم إلننننى الرض‬
‫المقدسة ‪:‬‬
‫‪ " :1-9 :27‬وأوصى موسى وشيوخ إسرائيل الشعععب قععائلين ‪:‬‬
‫أطيعوا جميع الوصايا التي أنا أمركم بها اليوم ‪ .‬فعندما تجتععازون‬
‫نهر الردن ‪ ،‬إلى الرض التي يهبها الععرب إلهكععم لكععم ‪ ،‬تنصععبوا‬
‫لنفسكم حجارة كععبيرة ‪ … ،‬وتكتبععون عليهععا جميععع كلمععات هععذه‬
‫الشريعة ‪ … ،‬ثم قععال موسععى والكهنععة واللويععون لجميعع شعععب‬
‫إسرائيل " ‪:‬‬
‫سفر الخروج ‪ :2 : 20 " :‬أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك مععن‬
‫أرض مصر ديار عبوديتك ‪ :3 ،‬ل يكن لك آلهععة أخععرى سععواي ‪،‬‬
‫‪ :4‬ل تنحععت لععك تمثععال ول صععورة ‪ :5 ، … ،‬ل تسععجد لهععن ول‬
‫تعبدهن ‪ :7 ، … ،‬ل تنطق باسم الععرب بععاطل ‪ :12 ، … ،‬أكععرم‬
‫أباك وأمك ‪ :13 ، … ،‬ل تقتععل ‪ :14 ،‬ل تععزن ‪ :15 ،‬ل تسععرق ‪،‬‬
‫‪209‬‬

‫‪ :16‬ل تشعععهد علعععى قريبعععك شعععهادة زور ‪ :17 ،‬ل تشعععته بيعععت‬
‫جارك ‪ ، … ،‬ول شيئا مما له " ‪.‬‬
‫وهذا مععا ُيسعّمونه بالوصععايا العشععر ‪ ،‬واخععترت النععص مععن سععفر‬
‫الخروج ‪ ،‬كونه أكثر وضوحا ومطابقة للقععرآن ‪ ،‬حيععث ورد نععص‬
‫الميثاق والوصايا في ) البقرة ‪ ) ، ( 84 – 83‬والنعام ‪– 151‬‬
‫‪ ) ، ( 153‬والسراء ‪. ( 39 – 22‬‬
‫و َ‬
‫سننراِئي َ‬
‫ب‬
‫ل ِ‬
‫ق َ‬
‫ضي َْنا إ َِلى ب َن ِنني إ ْ‬
‫فنني ال ْك ِت َننا ِ‬
‫) َ‬
‫في اْل َ‬
‫ل َت ُ ْ‬
‫وا‬
‫ي‬
‫ت‬
‫ر‬
‫م‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ن ُ‬
‫ن ِ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫سد ُ ّ‬
‫ول َت َ ْ‬
‫ْ‬
‫عل ُ ّ‬
‫َ‬
‫عل ُ ّ‬
‫ن َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ك َِبيًرا )‪ 4‬السراء (‬
‫" ‪ :16-21 :31‬و قععال الععرب لموسععى ‪ :‬مععا إن تمععوت وتلحععق‬
‫بآبائك ) مستقبل ( … حالما أدخلهم إلى الرض التي تفيض لبنا‬
‫وعسععل ‪ ، … ،‬فيععأكلون ويشععبعون ويسععمنون ‪ ،‬فععإنهم يسعععون‬
‫وراء آلهة أخرى ‪ ،‬ويعبدونها ويزدرون بي ‪ ،‬وينكثون عهععدي ‪.‬‬
‫فيحتدم غضبي عليهم في ذلععك اليععوم ‪ ،‬وأنبععذهم وأحجععب وجهععي‬
‫عنهم ‪ ،‬فيكونوا فريسة ‪ :، … ،‬فمتى حّلععت بهععم شععرور كععثيرة ‪،‬‬
‫ومصائب جّمة ‪ ،‬يشهد هذا النشيد عليهم ‪ ،‬لنه سيظل يترّدد على‬
‫أفواه ذرّيتهم ‪ ،‬إذ أنني عالم بخواطرهم التي تدور بخلععدهم الن ‪،‬‬
‫قبل أن ُأدخلهم إلى الرض كما ] أقسمت [ " ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ِل َن ْ ُ‬
‫م )‪ 7‬السراء‬
‫ف ِ‬
‫) إِ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫سن ْت ُ ْ‬
‫سن ْت ُ ْ‬
‫(‬
‫" ‪ :1-13 :28‬وإن أطعتم صوت الرب طاعة تامة ‪،‬حرصا منكم‬
‫على تنفيذ جميع وصاياه فإن الرب إلهكم يجعلكم أسمى من جميع‬
‫أمم الرض ‪ .‬وإذا سمعتم لصوت الععرب إلهكععم ‪ ،‬فععإن جميععع هععذه‬
‫البركات تنسععكب عليكععم وتلزمكععم ‪ ، … ،‬كمععا تتبععارك ُذّرّيتكععم ‪،‬‬
‫‪210‬‬

‫لت أرضكم ‪ ،‬ونتاج بهائمكم ‪ ،‬ويهععزم الععرب أمععامكم أعععدائكم‬
‫وغ ّ‬
‫القععائمين عليكععم ‪ ،‬فيقبلععون عليكععم فععي طريععق واحععدة ‪ ،‬ولكّنهععم‬
‫طرق ‪ ،‬فيفتح الرب كنوز سمائه الصالحة‬
‫ُيوّلون الدبار في سبع ُ‬
‫‪ ،‬فيمطععر علععى أرضععكم فععي مواسععمها ‪ ،‬وُيبععارك كععل مععا تنتجععه‬
‫أيععديكم ‪ ، … ،‬فععإّنه يجعلكععم رؤوسععا ل أذنابععا ‪ ،‬متسععامين دائمععا‬
‫) علو ( ‪ ،‬ول ُيدرككم انحطاط أبدا ) ذّلة ( … " ‪.‬‬
‫) وإن أ َ ْ‬
‫م َ‬
‫ها )‪ 7‬السراء (‬
‫َ ِ ْ‬
‫فل َ َ‬
‫َ‬
‫سأت ُ ْ‬
‫" ‪ 15 :28‬ولكن إن عصيتم صوت الرب إلهكم ‪ ،‬ولععم تحرصععوا‬
‫على العمل بجميع وصاياه وفرائضه ‪ ،‬التي أنا آمركم اليوم بهععا ‪،‬‬
‫فإن جميع هذه اللعنات تحععل بكععم وتلزمكععم ‪ ، … ،‬وتحعّل اللعنععة‬
‫ب عليكععم‬
‫ب الععر ّ‬
‫لت أرضكم ‪ ،‬ونتاج بهائمكم ‪ ،‬ويص ّ‬
‫بأبنائكم ‪ ،‬وغ ّ‬
‫اللعنععة والفوضععى والفشععل ‪ ،‬حععتى تهلكععوا وتفنععوا سععريعا لسععوء‬
‫أفعععالكم ‪ ،‬إذ تركتمععوني ‪ ،‬ويتفشععى بينكععم الوبععاء حععتى ُيبيععدكم ‪،‬‬
‫وتصععبح السععماء مععن فععوقكم كالنحععاس ‪ ،‬والرض مععن تحتكععم‬
‫ب أمام أعدائكم ‪ ،‬فتقبلون عليهم في‬
‫كالحديد ‪ :25 ،‬ويهزمكم الر ّ‬
‫طريق واحدة ‪ ،‬وتولون الدبار أمامهم متفرقين في سبع طععرق ‪،‬‬
‫وتصععبحون عععبرة لجميععع ممالععك الرض ‪ :26 ،‬وتكععون جثتكععم‬
‫طعاما ‪ ،‬لجميع طيور السماء ووحوش الرض ‪ ،‬ول يطردها أحد‬
‫] وليس معن يزعجهعا [ ‪ :28 ،‬ويبتليكععم العرب بعالجنون والعمعى‬
‫سسععون طرقكععم فععي‬
‫وارتباك الفكر ] وحيععرة القلععب [ ‪ :29 ،‬فتتح ّ‬
‫سعععس العمعععى فعععي الظلم ‪ ،‬وتبعععوء طرقكعععم‬
‫الظهعععر ‪ ،‬كمعععا يتح ّ‬
‫بالخفاق ‪ ،‬ول تكونون إل مظلومين مغصععوبين كععل اليععام ‪:32 ،‬‬
‫يساق أولدكم وبناتكم إلى أمة أخرى … وما فععي أيععديكم حيلععة ‪،‬‬
‫… ‪ :36 ،‬ينفيكم الرب أنتم وَمِلككم إلى أمة أخرى ‪ ،‬ل تعرفونهععا‬
‫‪211‬‬

‫أنتععم ول آبعاؤكم ‪ :37 ، … ،‬وتصعبحون مثععار دهشعة وسعخرية‬
‫وعبرة في نظر جميع الشعععوب ‪ ] :43 ، … ،‬الغريععب الععذي فععي‬
‫وسطك ‪ ،‬يستعلي عليك متصاعدا ‪ ،‬وأنت تنحط متنازل [ ) عععودة‬
‫الععذل وزوال العلععو ( ‪ ، … :44 ،‬وهععم يكونععون رؤوسععًا وأنتععم‬
‫تكونون ذنبا " ‪.‬‬
‫النصوص الخاصة بالمرة الولى ‪:‬‬
‫عد ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫) َ‬
‫ْ‬
‫فإ ِ َ‬
‫دا‬
‫ن‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫نا‬
‫ث‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ل‬
‫أو‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫عب َننا ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و ْ ُ‬
‫ذا َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫جاءَ َ‬
‫ل ََنننا ُأوِلنني بننأ ْ‬
‫د َ‬
‫خَل َ‬
‫س َ‬
‫ل‬
‫سننوا ِ‬
‫دي ٍ‬
‫شنن ِ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫جا ُ‬
‫ٍ‬
‫ر … )‪ 5‬السراء (‬
‫الدَّيا ِ‬
‫" ‪ 49 :28‬ويجلب الرب عليكم أمة من بعيد ‪ ،‬من أقصى الرض‬
‫ض عليكم كالنسر ‪ :50 ،‬أّمة ] جافية الوجه [ يثير منظرها‬
‫‪ ،‬فتنق ّ‬
‫الرعب ‪ ،‬ل تهاب الشيخ ول ترأف بالطفل ‪ :51 ،‬فتسععتولي علععى‬
‫ق لععك‬
‫نتاج بهائمكم ‪ ،‬وتلتهععم غلت أرضععكم حععتى تفنععوا ‪ ،‬ول ُتبع ِ‬
‫قمحا ول خمرا ول زيتا ‪ … ،‬حتى تفنيععك ‪ :52 ،‬وتحاصععركم فععي‬
‫جميع مععدنكم ‪ ،‬حععتى تتهعدم أسععواركم الشعامخة الحصعينة ‪ ،‬العتي‬
‫وثقتم بمناعتها ‪ :58 ، … ،‬فإن لم تحرصوا على العمععل بجميععع‬
‫كلمات هذا الشععريعة المكتوبععة فععي هععذا الكتععاب ‪ :59 ، … ،‬فععإن‬
‫الععرب يجعععل الضععربات النازلععة بكععم وبععذّريتكم ‪ ،‬ضععربات مخيفععة‬
‫سّر الرب بكععم ‪ ،‬فأحسععن‬
‫وكوارث رهيبة دائمة ‪ :63 ، … ،‬وكما ُ‬
‫إليكععم وكّثركععم ‪ ،‬فععإنه سُيس عّر بععأن يفنيكععم ويهلككععم فتنقرضععون‬
‫] فتستأصلون [ من الرض ‪ ،‬التي أنتععم ماضععون إلععى امتلكهععا ‪،‬‬
‫‪ :64‬ويشّتتكم ] ويبععددكم [ الععرب بيععن جميععع المععم ‪،‬مععن أقصععى‬
‫الرض الععى أقصععاها ‪ :65 ، … ،‬ول تجععدون بيععن تلععك المععم‬
‫اطمئنانا ‪ ،‬ول مقّرا لقدم ‪ ،‬بل يعطيكععم الععرب قلبععا هلعععا ‪ ،‬وعيونععا‬
‫‪212‬‬

‫أوهنها الترقب ‪ ،‬ونفوسا يائسة ) الذلة والمسععكنة بيععن المععم ( ‪،‬‬
‫‪ :66‬و تعيشون حياة مفعمة بالتوتر ‪ ،‬مليئة بالرعب ليل و نهارا‬
‫‪.‬‬
‫النبننوءة جنناءت ب ِ َ‬
‫سننم ولمرتيننن ) تكننرار‬
‫ق َ‬
‫للنص السابق مع السهاب ( ‪:‬‬
‫‪ 1 :29‬وهذه هي نصوص العهد ‪ ،‬الذي أمععر الععرب موسععى ‪ ،‬أن‬
‫يقطعه مع بني إسرائيل في سهول موآب ‪ ،‬فضل عن العهد الععذي‬
‫قطعه معهم في حوريب ‪ :2 ،‬ودعا موسى جميع إسرائيل ‪، … ،‬‬
‫‪ 4 :29‬و لكن الرب لم يعطكم حتى الن ‪ ،‬قلوبا لتعوا ] لتفهموا [‬
‫وعيونا لتبصععروا و أذانععا لتسععمعوا ‪ :9 ، … ،‬فععأطيعوا نصععوص‬
‫هذا العهد واعملععوا بهععا ‪ ] ،‬لكععي تفلحععوا فععي كععل مععا تفعلععون [ ‪،‬‬
‫… ‪ :14 ،‬ولست أقطععع هععذا العهععد وهععذا القسععم معكععم وحععدكم ‪،‬‬
‫‪ :15‬بل … ُأبرمه أيضا مع الجيال القادمة ) حيععث سععيقع منهععم‬
‫الفسععاد مّرتيععن مسععتقبل ( ‪ :18 ، … ،‬فاحرصععوا أن ل يكععون‬
‫صل فيه الشّر ‪ ،‬فيحمل ثمرا علقما ساّما ‪ :19 ،‬فععإن‬
‫بينكم ‪ ،‬من تأ ّ‬
‫سععمَع كلم هععذا الَقسععم يسععتمطر بركععة علععى نفسععه ) أي يزّكععي‬
‫نفسه ( قائل ‪ :‬سأكون آمنا ‪ ،‬حتى ولو أصععررت علععى السععتمرار‬
‫في سلوك طريقي ) الصععرار علععى المعصععية ( ‪ ،‬إن هععذا ُيفضععي‬
‫إلى فناء الخضر واليععابس ‪ ،‬علععى حععد سععواء ‪ :20 ،‬إن الععرب ل‬
‫يشاء الرفق بمثل هذا النسان ‪ ،‬بل يحتدم غضبه وغيرته عليه ‪،‬‬
‫فتنزل به كل اللعنات المدّونة في هذا الكتاب ‪ ،‬ويمحععو اسععمه مععن‬
‫تحععت السععماء ‪ :22 ،‬فيشععاهد أبنععاؤكم مععن الجيععال القادمععة ‪،‬‬
‫والغرباء الوافععدون مععن أرض بعيععدة ‪ ،‬بليععا تلععك الرض ‪، … ،‬‬
‫‪ :23‬إذ تصبح جميع الرض كبريتا محترقة ل زرع فيهععا ‪، … ،‬‬
‫‪213‬‬

‫كانقلب سدوم ) قوم لوط ( ‪ ،‬التي قلبها الرب مععن جععراء غضععبه‬
‫ب وسععخ ٍ‬
‫ط‬
‫وسععخطه ‪ :28 ، … ،‬واجتّثهععم مععن أرضععهم ‪ ،‬بغض ع ٍ‬
‫ظ عظيم ‪ ،‬وطّوح بهم إلى أرض أخرى ) السبي والشتات ( ‪،‬‬
‫وغي ٍ‬
‫…"‪.‬‬
‫النصوص الخاصة بالمرة الثانية ‪:‬‬
‫في ً‬
‫) َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫فننا )‬
‫و ْ‬
‫م لَ ِ‬
‫عندُ اْل ِ‬
‫خنَر ِ‬
‫ذا َ‬
‫جئ ْن َننا ب ِك ُن ْ‬
‫ة ِ‬
‫جاءَ َ‬
‫‪ 104‬السراء (‬
‫‪ 1 :30‬وعندما تحّل بكم هذه البركععات واللعنععات ) تحقععق الوعععد‬
‫الول مععن علععو وإفسععاد وعقععاب ( كلهععا الععتي وضعععتها ُنصععب‬
‫أعينكم ‪ ،‬ورّددتموها في قلععوبكم بيععن المععم ‪ ،‬حيععث شعّتتكم الععرب‬
‫إلهكم ‪ :2 ،‬ورجعتم إلى الرب إلهكم أنتم وبنععوكم ‪ :3 ، … ،‬فععإن‬
‫الرب إلهكم يرّد سبيكم ويرحمكععم ‪ ،‬ويلّععم شععتاتكم مععن بيععن جميععع‬
‫الشعوب ‪ ،‬التي نفاكم الرب إلهكم إليها ‪… ،‬‬
‫عل َيه نم َ‬
‫م‬
‫م ندَدَْناك ُ ْ‬
‫وأ ْ‬
‫م َردَدَْنا ل َك ُن ُ‬
‫) ثُ ّ‬
‫م ال ْك َنّرةَ َ ْ ِ ْ َ‬
‫بأ َ‬
‫في نًرا )‪6‬‬
‫ن‬
‫ني‬
‫ب‬
‫و‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫م أ َك ْث َنَر ن َ ِ‬
‫ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عل ْن َنناك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ ٍ َ‬
‫السراء (‬
‫‪ :5 :30‬ويعيدكم إلى الرض الععتي امتلكهععا آبععاؤكم فتمتلكونهععا ‪،‬‬
‫ويحسن إليكم ويكّثركم أكثر من آبععائكم ‪ :7 :30 ،‬و ُيحعّول الععرب‬
‫إلهكم كل هذه اللعنععات ) العقععاب الععذي سععيكون قععد نععزل بهععم فععي‬
‫المرة الولى ( علععى أعععدائكم ‪ ،‬وعلععى مبغضععيكم الععذين طردوكععم‬
‫) الذين أنزلوا بهم العقاب اللهي فععي المععرة الولععى ( ‪ 8 :30،‬و‬
‫أما أنتم فتطيعون صوت الرب مععن جديععد ) فععي المععرة الثانيععة ( ‪،‬‬
‫وتعملون بجميع وصاياه التي أنا أوصيكم بها اليوم ‪ :9 ،‬فيفيععض‬
‫‪214‬‬

‫الرب عليكم خيرا ‪ ،‬في كل عمععل مععا تنتجععه أيععدكم ‪ ،‬ويكّثععر ثمععرة‬
‫أحشائكم ‪ ،‬ونتاج بهائمكم ‪ ،‬أرضكم ‪ ) … ،‬وكل ما تقدم مشععروط‬
‫بالحسان (‬
‫فسك ُم وإن أ َسأ ْ‬
‫) إن أ َحسن ْت ُم أ َ‬
‫حسن ْت ُم ِل َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ ْ ْ َ‬
‫َ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ َ ِ‬
‫َ‬
‫ها ) ‪ 7‬السراء ( ) تكرار (‬
‫فل َ َ‬
‫‪ :10 :30‬هذا إن سمعتم لصوت الرب إلهكم ‪ ،‬وحفظتععم وصععاياه‬
‫وفرائضه المدّونة في كتععاب الشععريعة هععذا ‪ ) ،‬أي تعععاليم شععريعة‬
‫طهععا أحبععارهم‬
‫موسى في التوراة ‪ ،‬وليس تعععاليم التلمععود الععتي خ ّ‬
‫وكهنتهم ( ‪ ،‬وإن رجعتم إلى الرب إلهكعم ‪ ،‬معن كععل قلععوبكم ومعن‬
‫كل نفوسكم ‪ :11 ،‬إن ما أوصيكم به اليععوم مععن وصععايا ‪ ،‬ليسععت‬
‫متعّذرة عليكم ول بعيدة المنععال ‪ :15 ، … ،‬انظععروا ‪ :‬هععا أنععا قععد‬
‫وضعت أمامكم اليوم ‪ ،‬الحياة والخير والموت والشععر ‪… :16 ،‬‬
‫أوصيتكم اليوم أن ُتحّبوا الرب إلهكععم ‪ ،‬وأن تسععلكوا فععي طرقععه ‪،‬‬
‫وتطيعععوا وصععاياه وفرائضععه وأحكععامه ‪ ،‬لكععي تحيععوا وتنمععو ‪،‬‬
‫فيبارككم الرب ‪ ،‬في الرض التي أنتم ماضععون إليهععا لمتلكهععا ‪،‬‬
‫‪ :17‬ولكن إن تحّولت قلوبكم ولععم تطيعععوا ‪ ،‬بععل غععويتم وسععجدتم‬
‫للهة أخرى وعبدتموها ‪ :18 ،‬فإني أنذركم ] ُأنّبئكم [ اليوم أنكععم‬
‫ل محالة هالكون ‪ ،‬ول تطول اليععام علععى الرض ) أي مقععامكم (‬
‫التي أنت عابر ) نهر ( الردن لتدخلها وتمتلكها …‬
‫‪ :19‬ها أنععا ُأشععهد عليكععم اليععوم السعماء والرض ‪ ،‬قععد وضعععت‬
‫أمامكم الحياة والموت ) أي وضععحت لكععم طريععق النجععاة وطريععق‬
‫الهلك ‪ ،‬واسعتبدالها بكلمععتي الحيعاة والمعوت معن خلل النقععل أو‬
‫التحريف ‪ ،‬ترّتب عليه إنكار الحيععاة الخععرة ‪ ،‬واليععوم الخععر مععن‬
‫بعث وحساب ‪ ،‬فالجزاء عندهم دنيوي فقط ‪ ،‬فععالثواب هععو إطالععة‬
‫‪215‬‬

‫الحياة ‪ ،‬والعقاب هو قصرها ( ‪ ،‬البركة واللعنة ) أي الجعزاء فعي‬
‫الدنيا ( ‪ ،‬فاختاروا الحيععاة ) أي الشععريعة ( لتحيععوا ) لتنجععوا مععن‬
‫عذاب الدنيا والخرة ( أنتم ونسلكم ‪ :20 ،‬إذ تحّبون الرب إلهكععم‬
‫سكون به لنه هو حياتكم ) أي نجععاتكم (‬
‫و تطيعون صوته ‪ ،‬وتتم ّ‬
‫والععذي ُيطيععل أيععامكم لتسععتوطنوا ] لكععي تسععكنوا [ الرض الععتي‬
‫حلف الرب لبائك ‪ ،‬إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيها لكم ‪.‬‬
‫الدخول أول مرة كان بحبل من الله ‪:‬‬
‫‪ :1 :31‬ومضى موسى يقول لبني إسرائيل ‪ … :2 :‬وقد قال لي‬
‫الرب ‪ :‬لععن تعععبر هععذا الردن ‪ :3 ،‬ولكععن الععرب إلهكععم هععو عععابر‬
‫أمامكم ‪ ،‬وهععو يبيععد تلععك المععم مععن قعّدامكم فععترثونهم ‪:6 ، … ،‬‬
‫جعوا ‪ ،‬ل تخشععونهم ول تجزعععوا منهععم ‪ ،‬لن‬
‫] تشععّددوا [ وتشعع ّ‬
‫الرب إلهكم سائر معكم ‪ ،‬ل يهملكم ول يترككم ‪.‬‬
‫حتميننة إفسننادهم وعقننابهم فنني المننرة‬
‫الثانية ‪:‬‬
‫ي جميعععع شعععيوخ أسعععباطكم و عرفعععاءكم‬
‫‪ 28 :31‬اجمععععوا إلععع ّ‬
‫) النقباء ( ‪ ،‬لتلو على مسامعهم هذه الكلمععات ‪ ،‬وأشععهد عليهععم‬
‫السماء والرض ‪ :29 ،‬لنني واثق أنكععم بعععد مععوتي ‪ ،‬تفسععدون‬
‫وتضلون عن الطريق الععذي أوصععيتكم بهععا ‪ ،‬فيصععيبكم الشعّر فععي‬
‫آخر اليام ) المرة الثانية تكععون آخععر الزمععان ( ‪ ،‬لنكععم تقععترفون‬
‫الشر أمام الرب ‪ ،‬حتى تثيروا غيظه بما تجنيه أيععديكم ‪ :30 ،‬فتل‬
‫موسى في مسامع كل جماعة إسرائيل ] بكلمععات [ هععذا النشععيد ‪،‬‬
‫…‬

‫‪216‬‬

‫) أَ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫كيًل )‪ 2‬السراء (‬
‫ني‬
‫دو‬
‫ن‬
‫م‬
‫ذوا‬
‫خ‬
‫ت‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫ِ‬
‫ْ ُ‬
‫َ‬
‫جدوا عظمة إلهنا ‪ :4 ،‬هو الصخر )‬
‫‪ :3 :32‬باسم الرب أدعو فم ّ‬
‫الوكيل ( ] الكامل صنيعه [ ‪ ،‬سبله جميعها عدل ‪ ،‬هو إله أمانة ل‬
‫يرتكععب جععورا ‪ ،‬صععديق وعععادل هععو ‪ :5 ،‬لقععد اقععترفوا الفسععاد‬
‫أمامه ‪ ،‬ولم يعودوا له أبناء ‪ ،‬بل لطخة عععار ‪ ،‬إنهععم جيععل أعععوج‬
‫ي‪،‬‬
‫وملتو ‪ :6 ،‬أبهذا تكافئون الععرب ‪ ،‬أيهععا الشعععب الحمععق الغععب ّ‬
‫أليععس هععو أبععاكم وخععالقكم ‪ ،‬الععذي عملكععم وخلقكععم ‪ :7 ،‬اذكععروا‬
‫اليام الغععابرة ‪ ،‬وتععأملوا فععي سععنوات الجيععال الماضععية ‪ ،‬اسععألوا‬
‫جعَدهم فععي أرض‬
‫آبائكم فينبئوكم ‪ ،‬وشععيوخكم فيخععبروكم ‪َ :10 ،‬و َ‬
‫ش ‪ ،‬فأحاط بهم ورعاهم وصانهم ‪… :12 ،‬‬
‫قفٍر وفي خلء موح ٍ‬
‫وحععده قععاد شعععبه ‪ ،‬وليععس معععه إلععه غريععب ) أي آخععر ( ‪:13 ،‬‬
‫أصعدهم على هضاب الرض ‪ ،‬فأكلوا ثمععار الصععحراء ‪ ،‬وغعّذاهم‬
‫بعسل من حجر ‪ ،‬وزيتا من حجر الصّوان ‪ ،‬و … و …‬
‫الدخول الثاني كان بحبل من الناس ‪ ،‬إذ ل‬
‫حاجة بهم إلى الله ‪:‬‬
‫‪ :15‬فسععمن بنععو إسععرائيل ورفسععوا ‪ ،‬سععمنوا وغلظععوا واكتسععوا‬
‫شحما ) كنايععة عععن الععترف ( ‪ ،‬فرفضععوا اللععه صععانعهم وتنّكععروا‬
‫لصعععخرة خلصعععهم ‪ :16 ،‬أثعععاروا غيرتعععه بعععآلهتهم الغريبعععة ‪،‬‬
‫وأغاظوه بأصنامهم الرجسة ‪ :17 ،‬للهة غريبة لم يعرفوهععا بععل‬
‫ظهرت حديثا ) المال والقوة والناس ( ‪ ،‬آلهة لععم يرهبهععا آبععاؤهم‬
‫من قبل ‪ :18 ،‬لقد نبذتم الصخر الععذي أنجبكععم ونسععيتم الع الععذي‬
‫أنشأكم ) وهذا حالهم وحال دولتهم الحالية ( ‪.‬‬

‫‪217‬‬

‫مننا‬
‫ول ِي َدْ ُ‬
‫جو َ‬
‫سو ُ‬
‫و ُ‬
‫م ْ‬
‫) ل ِي َ ُ‬
‫جد َ ك َ َ‬
‫خُلوا ال ْ َ‬
‫هك ُ ْ‬
‫س ِ‬
‫م َ‬
‫ءوا ُ‬
‫خُلوه أ َ‬
‫َ‬
‫ة … )‪ 7‬السراء (‬
‫ل‬
‫و‬
‫دَ َ‬
‫مّر ٍ‬
‫َ‬
‫ُ ّ‬
‫‪ :19‬فرأى الرب ذلك ورذلهم ‪ ،‬إذ أثار أبناؤه وبناته غيظه ‪:20 ،‬‬
‫وقال ‪ :‬سأحجب وجهي عنهم فأرى ماذا سيكون مصيرهم ؟ إنهععم‬
‫جيل متقلب وأولُد خونة ‪ ، … :21 ،‬لذلك سأثير غيرتهم بشعععب‬
‫متوحش ) أولي بأس شععديد ( ‪ ،‬وأغيظهععم بأمععة حمقععاء ] أمععة ل‬
‫تفهمون لغتها [ ‪ :22‬فهعا قعد أضعرم غضعبي نعارا ‪ُ ،‬تحعرق حعتى‬
‫لتهعععا ‪ ،‬وتحعععرق أسعععس‬
‫الهاويعععة السعععفلى ‪ ،‬وتأكعععل الرض وغ ّ‬
‫الجبال ‪ :23 ،‬أجمع عليهم شععرورا ‪ ،‬وُأنفععذ سععهامي فيهععم ‪:24 ،‬‬
‫أجعل أنياب الوحوش ‪ ،‬مع حّمععة زواحععف الرض تنشععب فيهععم ‪،‬‬
‫‪ :25‬يثكلهم سيف العدو فععي الطريععق ‪ ،‬ويسععتولي عليهععم الرععب‬
‫داخل الخدور ‪ ،‬فيهلك الفتى مععع الفتععاة ‪ ،‬والرضععيع مععع الشععيخ ‪،‬‬
‫‪ :26‬قلت ‪ :‬أشّتتهم فععي زوايععا الرض ‪ ،‬وأمحععو مععن بيععن النععاس‬
‫ذكرهم ) أي في المرة الولى ( ‪ :27 ،‬لول خوفي من تبجح العدو‬
‫ظمت ) أعداء بنععي إسععرائيل ( ‪،‬‬
‫عُ‬
‫‪ ،‬إذ يظنون قائلين ‪ :‬إن يدنا قد َ‬
‫وليس ما جرى من ِفعل الرب ‪.‬‬
‫) َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ة )‪ 7‬السراء (‬
‫و ْ‬
‫عدُ اْل ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ذا َ‬
‫جاءَ َ‬
‫‪ 28 :32‬إن بني إسرائيل أمة غبية ول بصيرة فيهععم )ل يعقلععون‬
‫ول يفقهععون ( ‪ :29 ،‬لععو عقلععوا لفطنععوا لمععآلهم وتععأملوا فععي‬
‫مصععيرهم ‪ :32 ،‬إذ أن كرمتهععم مععن كرمععة سععدوم ‪ ،‬ومععن حقععول‬
‫عمعععورة ‪ ) ،‬تشعععيه إفسعععادهم وإصعععرارهم ‪ ،‬بإفسعععاد قعععوم لعععوط‬
‫وإصرارهم ( وعنبهم ينضععح سعّما ‪ ،‬وعناقيععدهم تفيعض معرارة ‪،‬‬
‫‪ :33‬خمرهم حّمة الفاعي ‪ ،‬وسُم الثعابين المميت ‪ 34 :32‬أليس‬
‫ذلك مدخرا عندي ‪ ،‬مختوما عليه فععي خزائنععي ‪ :35 ،‬لععي النقمععة‬
‫‪218‬‬

‫وأنععا ُأجععازي ‪ ،‬فععي الععوقت المعيععن ) مجيععء الوعععد ( ‪ ،‬تععزلّ‬
‫أقدامهم ‪ ،‬فيوم هلكهم بات وشيكا ‪ ،‬ومصععيرهم المحتععوم ُيسععرع‬
‫إليهم ‪ ) ،‬كلما أمعنوا في الفساد كلما اقترب موعد هلكهم ( ‪.‬‬
‫عسى ربك ُم أ َ‬
‫ُ‬
‫م … ) ‪ 8‬السراء (‬
‫ك‬
‫م‬
‫ح‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫) َ َ‬
‫ْ َ ْ‬
‫َ ّ ْ‬
‫" ‪ :36‬لن الرب يدين شعبه ) بني إسععرائيل ( ويععرأف بعبيععده ‪،‬‬
‫عندما يرى أن قّوتهم قد اضمحلت ) زالععت ‪ ،‬بعععد المععرة الثانيععة (‬
‫…"‪.‬‬
‫ه َ‬
‫) ُ‬
‫فَل‬
‫ن َز َ‬
‫ل ادْ ُ‬
‫دون ِن ِ‬
‫م ِ‬
‫عننوا ال ّن ِ‬
‫ن ُ‬
‫من ْ‬
‫ذي َ‬
‫مت ُ ن ْ‬
‫ع ْ‬
‫قن ِ‬
‫عن ْ ُ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ن كَ ْ‬
‫ويًل )‬
‫ضّر َ‬
‫ش َ‬
‫ف ال ّ‬
‫كو َ‬
‫وَل ت َ ْ‬
‫كنن ْ‬
‫يَ ْ‬
‫م َ‬
‫حنن ِ‬
‫‪ 56‬السراء (‬
‫" ‪ 37 :32‬عندئذ يسأل الرب ‪ :‬أين آلهتهم ؟ أين الصخرة الععتي‬
‫ب لمساعدتكم ‪ ،‬وتبسط عليكععم حمايتهععا ‪،‬‬
‫التجأوا إليها ؟ ‪ :38‬لته ّ‬
‫‪ :39‬انظععروا الن ‪ :‬إنععي أنععا هععو وليععس إلععه معععي ‪ ،‬أنععا أميععت‬
‫وأحيععي ‪ ،‬أسععحق وأشععفي ‪ ،‬ول منقععذ مععن يععدي ‪ :41 ، … ،‬إذا‬
‫ت به يدي للقضاء ‪ ،‬فإني أنتقعم معن‬
‫سننت سيفي البارق ‪ ،‬وأمسك ْ‬
‫ي ‪ُ :42 ،‬أسععكر سععهامي بالععدم ويلتهععم‬
‫أعععدائي وأجععازي مبغض ع ّ‬
‫سععيفي لحمععا ‪ ،‬بععدم القتلععى والسععبايا ‪ ،‬ومععن رؤوس قععواد العععدو‬
‫) قادة إسرائيل ( ‪. " … ،‬‬
‫موسننى عليننه السننلم ُيخننبر بنننص النبننوءة‬
‫قبل موته ‪:‬‬
‫" ‪ 45 :32‬وعندما انتهى موسى ‪ ،‬من تلوة جميع كلمععات هععذا‬
‫النشيد علععى السععرائيليين ‪ :46 ،‬قععال لهععم ‪ :‬تععأّملوا بقلععوبكم فععي‬
‫جميع الكلمات ‪ ،‬التي أنا أشهد عليكم بها اليوم ‪ ،‬لكي توصوا بهععا‬
‫‪219‬‬

‫أولدكم ‪ ،‬ليحرصوا على العمل بكلمات هععذه التععوراة كلهععا ‪:47 ،‬‬
‫لنها ليست كلمات ل جدوى لكم منها ‪ ،‬إنها حياتكم وبها تعيشون‬
‫طويل ‪ ،‬في الرض التي أنتم عابرون نهر الردن إليهععا لترثوهععا‬
‫… ‪ :5 :34‬فمات موسى عبد الرب ‪ ،‬في أرض موآب ]حسععب [‬
‫قول الرب " ‪.‬‬
‫نلحعظ هنعا أن النبععوءة ‪ ،‬اعتراهععا بعععض التشععويه معن حعذف أو‬
‫إضععافة أو تبععديل ‪ ،‬ولكنهععا حععافظت علععى خطوطهععا العريضععة ‪،‬‬
‫ونلحظ أيضا أنها فصلت المرتين كل منهما على حدة ‪.‬‬
‫حيثيننات نفنناذ الوعنند الول فنني السننفار‬
‫الخرى‬
‫التوراة كمرجع تاريخي غير موثوق به ‪:‬‬
‫جح كثير من الناقدين والباحثين الغربيون ‪ ،‬من العذين وضععوا‬
‫ير ّ‬
‫التوراة تحت المجهر ‪ ،‬كونها العهد القديم من كتععابهم المقععدس ‪،‬‬
‫أنهععا كتبععت بأيععدي بشععر ‪ ،‬وذلععك لمععا تحفععل بععه مععن خرافععات‬
‫وأساطير ‪ ،‬ولتناقضها مع العهد الجديععد ) النجيععل ( ‪ ،‬وتناقضععها‬
‫مع المنطق والواقع ‪ ،‬وتناقضها أيضعا ‪ ،‬معع المصعادر التاريخيعة‬
‫الخععرى فععي مواضععع عديععدة ‪ ،‬وُيجمععع الكععثير منهععم أن كتابتهععا‬
‫وجمعها ‪ ،‬قد تم بعد السبي البابلي ‪ ،‬وجاء القرآن ليكشف الكععثير‬
‫طلعععي عليهععا ‪ ،‬تععبين لععي‬
‫من أكاذيبها وافتراءاتها ‪ ،‬ومن خلل ا ّ‬
‫أن من قام بإعادة كتابة التوراة ‪ ،‬هم أشخاص مشبعون بمشععاعر‬
‫الحقد والقهر والنقمة والرغبة في النتقام ‪ ،‬وكل هذه المشاعر ‪،‬‬
‫موجهة بالترتيب نحو ‪:‬‬
‫رب الععععزة جعععّل وعل ‪ ) ،‬يقولعععون أن يعقعععوب عليعععه‬
‫‪.1‬‬
‫ض‬
‫السععلم صععرع ال ع فععي البريععة ‪ ،‬واسععتطاع ال ع النجععاة بع ع ّ‬
‫‪220‬‬

‫يعقوب في فخذه ‪ ،‬فسبب له عرق النسععاء ‪ ،‬ومععن أجععل ذلععك ل‬
‫يأكل اليهود عرق النساء الذي في الفخذ ‪ ،‬سععفر التكععوين ‪:32‬‬
‫‪ ، 32-24‬ويقولون عنه سبحانه أنه كععثير البكععاء وكععثير النععدم‬
‫على ما أنزله بشعبه المقدس ‪ ،‬ولذلك كانوا وما زالوا يعتقدون‬
‫‪ ،‬أن ال سيصلح خطأه معهععم ‪ ،‬بإعععادتهم إلععى وطنهععم ‪ ،‬الععذي‬
‫طععردوا منععه بل ذنععب أو خطيئة ‪ ،‬فالخطععأ منسععوب إلععى العع‬
‫ُ‬
‫ورسعععله وملئكتعععه والشععععوب المجعععاورة ‪ ،‬أمعععا شععععب الععع‬
‫المقّدس ‪ ،‬فليس له خطيئة فهععو حمععل وديععع ‪ ،‬وهععذا نععوع مععن‬
‫السقاط النفسي ‪ ،‬لعظم الخطيئة ‪ ،‬وفداحععة العقععاب الععذي وقععع‬
‫منهم وبهم ( ‪.‬‬
‫الرسل والنبياء ‪ ) ،‬يقولععون أن موسععى وهععارون خانععا‬
‫‪.2‬‬
‫الرب وسط الشعب التثنية ؛ ‪ ، 51-50 :32‬وهارون هو الععذي‬
‫صععنع العجععل الععذهبي ‪ ،‬الخععروج ‪ ، 6-1 :32‬وداود ارتكععب‬
‫خطيئة الزنا مععع زوجععة الجنععدي ؛ صععموئيل الثععاني ‪-1 :11 ،‬‬
‫‪ ، 27‬وسليمان عبد آلهة أخرى ‪ ،‬وفعل الشّر في عيني الرب ‪،‬‬
‫كما فعل أبوه ؛ ملوك أول ‪. ( 8-1 :11‬‬
‫الكنعانيون القدماء وورثتهم الجدد ) الفلسطينيون ( ‪) ،‬‬
‫‪.3‬‬
‫سفر التكوين ‪ :27-20 :9‬واشتغل نوح بالفلحة وغرس كرما‬
‫‪ ،‬وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخععل خيمتععه ‪ ،‬فشععاهد حععام‬
‫ي أبيه ‪ ،‬فخرج وأخبر أخويه اللذين كانا فععي‬
‫عر ّ‬
‫أبو الكنعانيين ُ‬
‫الخارج ‪ ،‬فأخععذ سععام ويععافث ‪ ،‬رداًء ووضعععاه علععى أكتافهمععا ‪،‬‬
‫ومشيا القهقرى إلى داخل الخيمة ‪ ،‬وسععترا عععورة أبيهمععا مععن‬
‫غير أن يستديرا بوجهيهما نحوه فُيبصرا عورته ‪ .‬وعندم أفاق‬
‫نوح مععن سععكره ‪ ،‬وعلععم مععا فعلععه ابنععه الصععغير ‪ ،‬قععال ‪ :‬ليكععن‬
‫كنعان ملعونا ‪ ،‬وليكن عبد العبيد لخوته ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬تبععارك ال ع‬
‫‪221‬‬

‫إله سام ‪ ،‬وليكن كنعان عبدا لععه ‪ ،‬ليوسععع ال ع ليععافث ‪ ،‬وليكععن‬
‫كنعان عبدا له ( ‪.‬‬
‫الكلدانيون في بابععل ‪ ،‬وورثتهععم الجععدد ) العراقيععون ( ‪،‬‬
‫‪.4‬‬
‫) وأحقادهم على بابل وأهلها ‪ُ ،‬أفرد الحديث عنهععا فععي موضععع‬
‫آخر ( ‪.‬‬
‫‪ .5‬جميععع شعععوب الرض مععا عععدا اليهععودي الصععرف ‪.‬‬
‫) والمثلة على ذلععك موجععودة فععي أسععفار موسععى ‪ ،‬ونصععوص‬
‫التلمود ( ‪.‬‬
‫سبط بنيامين الخ الشقيق ليوسف عليه السلم ‪.‬‬
‫‪.6‬‬
‫وكععل مشععاعر الحقععد والرغبععة فععي النتقععام ممععن ُذكععروا أعله ‪،‬‬
‫أفرغهعععا الكتبعععة ) الكهنعععة والحكمعععاء ( فعععي كتعععابهم المقعععدس‬
‫) التععوراة ( ‪ ،‬فأعععادوا جمعهععا ونسععخها ‪ ،‬تحععت وطععأة انفعععالت‬
‫نفسية رهيبعة ‪ ،‬وفبركعة جميعع أسعفارها ‪ ،‬بمعا يتناسعب معع تلعك‬
‫المشععاعر ‪ ،‬بعععد السععبي البععابلي ‪ ،‬أكععبر فاجعععة ُأصععيب بهععا بنععو‬
‫إسرائيل والكثر إيلما على مّر التاريخ ‪.‬‬
‫وتبين لي أن هناك تطويل وتكرار غيععر مععبرر ‪ ،‬لنفععس الحععدث أو‬
‫الموضوع ‪ ،‬وأحيانا يكون هذا التكرار ‪ ،‬لنفس السفر كامل تحععت‬
‫مسميين ‪ ،‬مثل أسفار أخبار اليعام وأخبعار الملعوك ‪ ،‬معع اختلف‬
‫بسيط ‪ ،‬وأحيانا لنفس الفقرة في نفس السفر ‪ ،‬وهذا التكرار يععدل‬
‫جمعععت ‪ ،‬علععى القععل مععن مصععدرين‬
‫علععى أن نصععوص التععوراة ُ‬
‫جمعت فععي كتععاب واحععد ‪،‬‬
‫مختلفين ‪ ،‬وُأخذت النصوص منهما ‪ ،‬و ُ‬
‫دون تفضيل نص على آخر ‪ ،‬فالحدث الواحد أحيانا يتكّرر مرتيععن‬
‫وثلثة ‪ ،‬دون وجود فارق جوهري في المضمون ‪.‬‬
‫‪222‬‬

‫وبعد أن قمت بمطالعععة التععوراة بشععكل ُمتكعّرر ‪ ،‬تأكععدت مععن هععذه‬
‫الحقيقة ‪ ،‬التي لم يكن قد تنّبه لها الباحثون والناقدون مععن قبععل ‪،‬‬
‫وهي أن التععوراة قععد جمعععت فعل ‪ ،‬مععن نسعختين ُمختلفيععن ‪ ،‬وأن‬
‫حّرفت أكععثر مععن الخععرى ‪ ،‬وأن لغععة كععل منهمععا‬
‫إحدى النسختين ُ‬
‫تختلععف عععن الخععرى ‪ ،‬فغالبععا مععا يكععون هنععاك ُمس عّمين لنفععس‬
‫الشخص أو المكان ‪ ،‬حتى يخال للقارئ أنها أسماء لشععخوص أو‬
‫أمععاكن مختلفععة ‪ ،‬وكمثععال علععى ذلععك إبععرام وإبراهيععم ‪ ،‬وسععاراي‬
‫وسععارة ‪ ،‬وصععحراء سععين وصععحراء سععيناء ‪ ،‬ومملكععة يهععوذا‬
‫ومملكععة إسععرائيل ‪ ،‬والسععبي البععابلي والسععبي الشععوري ‪ .‬وهععذا‬
‫الرتباك الذي وقع فيه مؤلفو التوراة المتأخرون ‪ ،‬أثناء محاولععة‬
‫التوفيق بجمع ما جععاء فععي النسععختين ‪ ،‬تسععبب فععي هععذا العععرض‬
‫التأريخي المشعّوه للوقععائع ‪ ،‬ممععا أفقععد التععوراة مصععداقيتها حععتى‬
‫للكثير من الباحثين اليهود أنفسهم ‪ ،‬ولكل مععن بحععث مععن علمععاء‬
‫التنقيب والثار ‪ .‬ولكنها بقيت المرجععع التععاريخي الوحيععد لتاريععخ‬
‫بني إسرائيل ‪.‬‬
‫وفععي كععثير مععن الحيععان ‪ ،‬تشعععر بسععخافة كتابهععا ‪ ،‬مععن سععخافة‬
‫أفكارهععا وأخبارهععا ‪ ،‬وسععخافة تبريرهععا وتعليلهععا ‪ ،‬كقصععة عععرق‬
‫النسععاء وصععراع يعقععوب مععع ال ع ‪ ،‬وفبركععة قصععة نععوح وأولده‬
‫أعله ‪ ،‬ناهيععك عععن ألفاظهععا البععذيئة ‪ ،‬الععتي أحيانععا تععترفع عععن‬
‫كتابتهععا حععتى الروايععات الهابطععة ‪ ،‬ورائحععة اللحععوم والععدماء ‪،‬‬
‫والخمور والمشاوي والهش والنش … إلععى آخعره ‪ ،‬ومعا يربعط‬
‫التوراة بالوحي ‪ ،‬هو ما يظهر في ثناياها مععن خطععوط عريضععة ‪،‬‬
‫هي البقية الباقية التي سلمت مععن أيععديهم ‪ ،‬رغمععا عععن أنععوفهم ‪،‬‬
‫وهذا ل يعني أل نقرأ هذا الكتاب ‪ ،‬بل على العكس تماما ‪ ،‬تعّوجب‬
‫على المسلمين قراءتعه ‪ ،‬وقععراءة التلمععود أيضععا منععذ أمععد بعيععد ‪،‬‬
‫‪223‬‬

‫وقراءة ما ُكتب فيهما من مؤلفععات ناقععدة ‪ ،‬لمعرفععة العقليععة الععتي‬
‫يفكر بها هؤلء ‪ ،‬ولمعرفة ما يطمحون إليععه ‪ ،‬والحقيقععة أنععي مععا‬
‫كنت لقرأها ‪ ،‬وأقرأ ما ُكتب فيها من مؤلفععات عديععدة ‪ ،‬لععول هععذا‬
‫البحث ‪.‬‬
‫مملكة شمالية ومملكة جنوبية ‪:‬‬
‫تقععول السععفار التاريخيععة فععي التععوراة ‪ ،‬بععأن مملكععة سععليمان ‪،‬‬
‫انقسمت بعد مععوته إلععى مملكععتين ‪ ،‬جنوبيععة فععي القععدس واسععمها‬
‫يهععوذا ) القععدس ( وهععي الصععل ‪ ،‬وشععمالية واسععمها إسععرائيل‬
‫) نابلس ( وهي المنشقة ‪.‬‬
‫وصف فساد المملكة الشمالية ‪:‬‬
‫يععذكر كتبععة التععوراة ‪ ،‬أن المملكععة الشععمالية فسععدت وأفسععدت ‪،‬‬
‫صن يربعام ) ملك الشمالية (‬
‫) ملوك أول ‪ " ( 33-25: 12:‬وح ّ‬
‫مدينة شكيم ) نابلس ( ‪ ،‬في جبل أفرايم وأقام فيهععا ‪ ، … ،‬وبعععد‬
‫ي ذهععب ‪ ،‬وقععال للشعععب ‪ :‬إن الععذهاب‬
‫المشاورة سبك الملك عجل ع ّ‬
‫ضكم لمشقة عظيمة ‪ ،‬فها هي آلهتك يا‬
‫إلى أورشليم للعبادة ‪ ،‬يعر ّ‬
‫إسرائيل ‪ ،‬التي أخرجتك من ديار مصر " ‪.‬‬
‫وأما إفسادهم حسب ما يروونه هعم ععن أنفسعهم ‪ ،‬فقعد جعاء فعي‬
‫سفر الملوك الثاني ما نصععه ‪ :9 :17 " ،‬وارتكععب بنععو إسععرائيل‬
‫ق الععرب إلههععم ‪ :11 … ،‬واقععترفوا‬
‫في الخفاء المعاصي ‪ ،‬في ح ّ‬
‫الموبقات لغاظة الرب ‪ ،‬عابععدين الصععنام الععتي حعّذرهم ونهععاهم‬
‫ب عنهععا ‪ :13 … ،‬قععائل ‪ :‬ارجعععوا عععن طرقكععم الثيمععة ‪،‬‬
‫الععر ّ‬
‫وأطيعععوا وصععاياي وفرائضععي بمقتضععى ‪ ،‬الععتي أوصععيت آبععائكم‬
‫بتطبيقها ‪ … ،‬على لسعان عبيعدي النبيعاء ‪ :14 ،‬لكنهعم أصعّموا‬
‫آذانهم ‪ ،‬وأغلظوا قلوبهم كآبائهم ‪ :16 … ،‬ونبذوا جميع وصايا‬
‫‪224‬‬

‫الرب ‪ ، … :17 ،‬وتعاطوا العرافة والفأل ) السحر والكهانععة ( ‪،‬‬
‫… ‪ :22‬ولععم يعععدل السععرائيليون عععن ارتكععاب جميععع خطايععا‬
‫يربعام ‪ ،‬بل أمعنوا في اقترافهععا ‪ :23 ،‬فنفععى الععرب إسععرائيل مععن‬
‫حضعععرته ‪،‬كمعععا نطعععق علعععى لسعععان جميعععع النبيعععاء ‪ ،‬فسعععبي‬
‫السرائيليون إلى أشور ‪ ،‬إلى هذا اليوم " ) أي اليوم الذي كتبوا‬
‫فيه هذا النص بعد السبي بمدة طويلة ( ‪.‬‬
‫وصف فساد المملكة الجنوبية ‪:‬‬
‫وأما ما ُينسب من إفساد إلى ملوك المملكة الجنوبيععة ‪ ،‬فقععد جععاء‬
‫في نفس السفر ما نصععه ‪ :2 :21 " ،‬وارتكععب الشعّر فععي عينعيّ‬
‫ب ‪ ،‬مقترفا رجاسات المم الذين طردهعم العرب معن أمعام بنعي‬
‫الر ّ‬
‫إسعععرائيل ‪ ، … :3 ،‬وأقعععام مذابعععح البععععل ‪ ،‬ونصعععب تماثيعععل‬
‫عشتاروت ) مدينة بابلية ( ‪ ،‬وسععجد لكععواكب السععماء وعبععدها ‪،‬‬
‫ن والعّرافين ‪ ،‬وأوغل في ارتكاب الشّر‬
‫‪ :6‬ولجأ إلى أصحاب الجا ّ‬
‫سععى‬
‫‪ :10 … ،‬ثم قال الرب علععى لسععان عبيععده النبيععاء ‪ :‬لن من ّ‬
‫ملك يهوذا اقترف جميع هذه الموبقات ‪ ،‬وأضّل يهوذا … ‪:12 ،‬‬
‫… ‪ ،‬هععا أنععا أجلععب شععرا علععى أورشععليم ويهععوذا ‪:13 ،‬ع …ع ‪،‬‬
‫وأمسح أورشليم كما ّيمسح الطبق من بقايعا الطععام ‪ :14 ،‬وأنبعذ‬
‫شعبي وأسلمهم إلى أيدي أعععدائهم ‪ ،‬فيصععبحون غنيمععة وأسععرى‬
‫سععى‬
‫لهم ‪ :15 ،‬لنهم ارتكبوا الشّر فععي عينععي ‪ :16 … ،‬وزاد من ّ‬
‫فسععفك دم أبريععاء كععثيرين ‪ ،‬حععتى مل أورشععليم مععن أقصععاها إلععى‬
‫أقصاها ‪ ،‬فضل عن خطيئته التي استغوى بها يهوذا ‪. " … ،‬‬
‫وتخبر التوراة أن الحروب اسععتمرت بيععن المملكععتين ‪ ،‬واسععتعانة‬
‫المغلععوب بععالقوام المجععاورة علععى الخععر ‪ ،‬إلععى أن جععاء الغععزو‬
‫الشوري ‪ ،‬وسبى المملكة الشمالية ‪ 721‬ق‪.‬م ‪.‬‬
‫‪225‬‬

‫ي الععرب‬
‫وتتععابَع الملععوك الجنوبيععون فععي ارتكععاب الش عّر فععي عين ع ّ‬
‫) حسب قولهم ( ‪ ،‬وفي عهد الملك يهوياقيم ‪ ،‬هاجم نبوخذ نصععر‬
‫) بختنصر ( مملكة يهوذا وخضعععت لععه ثلث سععنوات ‪ ،‬ثععم تمععرّد‬
‫عليه ) يهوياقيم ( ‪ :2 :24 " ،‬فأرسل الرب غزاة مععن كلععدانيين‬
‫وأرامييعععن ومععععوآبيين وعّمععععونيين ) سععععكان العععععراق والردن‬
‫القععدماء ( ‪ ،‬للغععارة علععى مملكععة يهععوذا وإبادتهععا ‪ ،‬بمععوجب مععا‬
‫قضى به الععرب ‪ ،‬علععى لسععان عبيععده النبيععاء ‪ :4 ،‬وانتقامععا للععدم‬
‫سعععى ( ‪ ،‬إذ أنعععه مل أورشعععليم بعععدم‬
‫العععبريء العععذي سعععفكه ) من ّ‬
‫البرياء ‪. " … ،‬‬
‫وفي عهد الملك ) يهوياكين ( " ‪ … :10 :24‬زحف قادة نبوخذ‬
‫نصععر ملععك بابععل علععى أورشععليم ‪ ،‬وحاصععروا المدينععة ‪ ،‬ثععم جععاء‬
‫نبوخذ نصر بنفسه وتسّلم زمام القيادة ‪ ،‬فاستسععلم ) يهويععاكين (‬
‫… واستولى على جميع ما فععي خععزائن الهيكععل والقصععر ‪، … ،‬‬
‫تماما كما قضى الرب ‪ :14 ،‬وسبى نبوخذ نصععر أهععل أورشععليم ‪،‬‬
‫" ) وكما يقولون أنه وّلى ابن عم الملك خلفا له ‪ ،‬وسّماه صععدقّيا‬
‫‪ ،‬وبعد سععنوات ارتكععب صععدقّيا الشععر فععي عينععي الععرب كالعععادة ‪،‬‬
‫وتمّرد على ملك بابل ‪ ،‬وآنذاك ( ‪ :1 :25 " ،‬زحف نبوخذ نصر‬
‫ملععك بابععل ‪ ،‬بكامععل جيشععه علععى أورشععليم وحاصععرها ‪:3 ، … ،‬‬
‫تفاقمت المجاعة في المدينة ‪ ،‬حتى لم يجد أهلها خععبزا يععأكلونه ‪،‬‬
‫‪ :6‬فأسروا الملك ) الذي كان ينوي الهععرب ( واقتععادوه إلععى ملععك‬
‫بابل ‪ ، … ،‬ثّم قتلوا أبناء صدقّيا على مرأى منه ‪ ،‬وقلعوا عينيععه‬
‫‪ ،‬وسععاقوه إلععى بابععل ‪ :9 ، … ،‬وأحععرق الهيكععل وقصععر الملععك‬
‫وسععائر بيععوت أورشععليم ‪ ،‬وسععبى نبععوزرادان ) قععائد الحععرس‬
‫الملكي ( بقية الشعب … ‪ ، 121 ،‬ولكنه ترك فيها فقراء الرض‬
‫المساكين ‪ :13 .‬وحطم الكلدانيون أعمدة النحاس وبركة النحاس‬
‫‪226‬‬

‫… إلى آخره ‪ ) ،‬كل محتويات الهيكل ونقلوها إلى بابععل ( ‪:18 ،‬‬
‫وسبى رئيععس الحععرس الملكععي ) سععرايا رئيععس الكهنععة وأعععوانه‬
‫وقادة الجيش وندماء الملك ‪ ،‬وفي المجمل هم علية القوم وزمرة‬
‫الفساد والفساد في الرض ( فقتلهم ملك بابعل فعي المعسعكر فعي‬
‫سبي شعععب يهععوذا مععن‬
‫أرض حماة ) المدينة السورية ( ‪ ،‬وهكذا ُ‬
‫أرضه " ‪.‬‬
‫فما أطول بععاله هععذا النبوخععذ نصععر ‪ ،‬حععتى يزحععف عليهععم مععرارا‬
‫وتكرارا ‪ .‬والحقيقة أنه زحف عليهم مرة واحدة ‪ ،‬وبشكل مفاجئ‬
‫فأباد مملكتهم ‪ ،‬ومععا هععذا التطويععل والتطويععل والتكععرار ‪ ،‬إل مععن‬
‫صعععنع أيعععدي الكتبعععة ‪ ،‬ومعععا ) يهويعععاقيم ( و) يهويعععاكين ( ‪ ،‬إل‬
‫تسميتين لنفس الملك الذي حصل في عصره السبي البابلي ‪.‬‬
‫مملكة واحدة وبعث واحد ‪:‬‬
‫ما تقدم من نصوص ‪ ،‬كان من السفار ‪ ،‬التي ُيس عّمونها السععفار‬
‫خت لعصر الملوك ‪ ،‬ابتداًء مععن طععالوت وداود‬
‫التاريخية ‪ ،‬التي أر ّ‬
‫وسععليمان ‪ ،‬وانتهععاًء بيهويععاكين الععذي وقععع السععبي البععابلي فععي‬
‫عصره ‪ .‬والحقيقة أنه لععم يكععن هنععاك مملكععتين ‪ ،‬ولععم يكععن هنععاك‬
‫سبيين ‪ ،‬وإنما مملكعة واحعدة وسعبي واحعد ‪ .‬ولكعن نتيجعة كتابعة‬
‫التوراة بتلععك الطريقععة المزدوجععة ‪ ،‬أصععبحت المملكععة مملكععتين ‪،‬‬
‫وأصععبح الزحععف البععابلي زحفيععن ‪ ،‬ولحععل الشععكال قولبععوه فععي‬
‫زمانين مختلفين ‪.‬‬
‫أما إّدعاء انقسام المملكة ‪ ،‬فالقرآن أثبت بطلنه فععي موضعععين ‪،‬‬
‫أول ؛ ُذكر العلو مرتين كأمة في زمانين مختلفيععن ‪ ،‬ثانيععا ؛ اليععة‬
‫التي تتحدث عععن سععفكهم دمععائهم وإخراجهععم أنفسععهم ‪ ،‬تؤكععد أن‬
‫ذلك لم يكن انشقاق في الحقيقة ‪ ،‬بل كان ذلك قتل وإخراج وسلب‬
‫‪227‬‬

‫‪ ،‬لطائفة مستضعفة من قومهم ‪ ،‬وفي الحقيقة ‪ ،‬وقع هذا الفعععل ‪،‬‬
‫في سبط الخ الشقيق ليوسف عليه السلم ‪ ،‬الذي ُتسميه التوراة‬
‫) ببنيامين ( ‪ ،‬وما كان بإمكان هؤلء ‪ ،‬إقامععة دولععة فععي أراضععي‬
‫الكنعانيين المجاورة ‪ ،‬التي لجأوا إليها ‪ ،‬وما كععانت حروبهععم مععع‬
‫المملكععة الم ‪ ،‬إل ضععمن جيععوش الكنعععانيين وهععو الرجععح ‪ ،‬أو‬
‫كثّوار لسترداد أسلبهم وديارهم ‪.‬‬
‫وربمععا أن بعضععهم اسععتنجد بالبععابليين ‪ ،‬كنععوع مععن النتقععام ‪،‬‬
‫) بأسهم بينهم شديد ‪ ،‬تحسبهم جميعا وقلوبهم شّتى ( فاستجابوا‬
‫لهم ‪ ،‬وربما كان ذلك طمعا في كنوز هيكل سليمان ‪ ،‬وال أعلععم ‪.‬‬
‫حيععث لععم يععأتي أي ذكععر فععي التاريععخ للسععبي الشععوري ‪ ،‬لعشععرة‬
‫أسباط ) قبائل ( من المملكة الشععمالية ‪ ،‬حسععب مععا يعّدعي مؤلفععو‬
‫التععوراة ‪ ،‬حععتى أن بعععض البععاحثون الععذين صععّدقوا التععوراة ‪،‬‬
‫سبيت إلععى مدينععة‬
‫يتساءلون عن كيفية اختفاء تلك القبائل ‪ ،‬التي ُ‬
‫جععح أن اخععتراع قصععة المملكععة الثانيععة‬
‫أشور برمتها ‪ ،‬ومن المر ّ‬
‫وسبيها ‪ ،‬هو أحد مظاهر السقاط النفسي ‪ ،‬لمععن عوقبععوا ‪ ،‬علععى‬
‫الذين لم ُيعاقبوا ‪ ،‬من الذين ُأخرجوا مععن ديععارهم رغععم أنععوفهم ‪،‬‬
‫تجنبععا وتخفيفععا للشعععور بععاللم ‪ ،‬كلمععا طععرأ علععى مخيلتهععم تلععك‬
‫الذكرى الليمة ‪ ،‬ويحصل هذا عععادة علععى المسععتوى الشخصععي ‪،‬‬
‫فععور تعععرض الشععخص لحادثععة مؤلمععة ‪ ،‬فيعععزو الخطععاء الععتي‬
‫تسببت في الحادثة إلى الخرين ‪.‬‬
‫تحذيرات النبياء من الفساد‬
‫جاء التحذير من الستهانة بنص النبععوءة ‪ ،‬ومغبععة الفسععاد عنععد‬
‫العلو ‪ ،‬والتخويف من العقاب ‪ ،‬التي كانت بدايتها نصا فععي كتععاب‬
‫موسى عليه السلم ‪ ،‬وعلى لسان كل النبياء المتعاقبين ‪ ،‬داعين‬
‫‪228‬‬

‫إلى اللتزام بشععريعة موسععى ‪ ،‬ومحعّذرين مععن تركهععا ومخالفتهععا‬
‫علععى مععدى عمععر مملكتهععم ‪ ،‬بععدءا مععن سععليمان عليععه السععلم ‪،‬‬
‫وانتهاًء بإشعياء وإرمياء عليهما السلم ‪ ،‬إن كانوا أنبياء ‪.‬‬
‫وهذا هو التحذير الذي جاء على لسان سليمان ‪ ،‬بعد انتهاءه مععن‬
‫بناء الهيكل ‪ ،‬اليام الثاني ‪ :19 :7 " :‬ولكن إن انحرفتم ونبعذتم‬
‫فرائضعععي العععتي شعععرعتها لكعععم ‪ ،‬وضعععللتم وراء آلهعععة أخعععرى‬
‫وعبدتموها وسجدتم لها ‪ :20 ،‬فإني أستأصلكم من أرضععي الععتي‬
‫وهبتها لكم ‪ ،‬وأنبذ هذا الهيكل الذي قّدسته لسمي ) جعلته قائمععا‬
‫لذكري ( ‪ ،‬وأجعله مثل ومثععار ُهععزٍء لجميععع المععم ‪ :21 ،‬ويغععدو‬
‫هذا الهيكل الذي كان شامخا ‪ ،‬عبرة ُيثير عجب كل من يمّر بععه "‬
‫‪.‬‬
‫وبالضافة إلى ما تقدم ‪ ،‬هذا عرض لجزء يسير ‪ ،‬من النصععوص‬
‫الكثيرة والمطّولة والمكّررة ‪ ،‬لما جاء في أسفار بعض أنبيائهم )‬
‫الكبار ( ‪ ،‬اخترناها لتكتمل معالم الصورة من الجانب الخر ‪.‬‬
‫تحذيرات إشعياء ‪:‬‬
‫إشعياء هو أول النبياء الكبار وهم أربعععة ‪ ،‬وُيقععال أنععه ُبعععث فععي‬
‫فترة ‪ ،‬بلغ فيه إفساد بنععي إسععرائيل الععذروة ‪ ،‬قبععل وقععوع السععبي‬
‫البابلي ‪ ،‬حيث أن سفره ‪ ،‬جاء حافل بالتقريع والتوبيخ والتحذير‬
‫والنذار ‪ ،‬والتذكير بنص النبوءة الذي جاء به موسععى ‪ ،‬ويععروى‬
‫أنععه مععن النبيععاء الععذين ُقتلععوا ) التعريععف بأصععحاب السعفار معن‬
‫النبياء ‪ ،‬مستقاة من مقدمة المترجم لكل سفر ( ‪:‬‬
‫‪ :4 :1‬ويل للمة الخاطئة ‪ ،‬الشعب المثقل بالثم ‪ ،‬ذرية مرتكبي‬
‫الشّر ‪ ،‬أبناء الفسععاد ‪ :10 .‬اسععمعوا كلمععة الععرب يععا حكععام سععدوم‬
‫) قرية لععوط ( ‪ :15 … ،‬عنععدما تبسععطون نحععوي أيععديكم أحجععب‬
‫‪229‬‬

‫وجهععي عنكععم ‪ ،‬وإن أكععثرتم الصععلة ل أسععتجيب ‪ ،‬لن أيععديكم‬
‫مملوءة دما ‪ :16 ،‬اغتسلوا ‪ ،‬تطّهروا ‪ ،‬أزيلوا شعّر أعمععالكم مععن‬
‫أمام عيني ‪ ،‬كفوا عععن اقععتراف الثععم ‪ :17 ،‬وتعّلمععوا الحسععان ‪،‬‬
‫ق ‪ ،‬انصععفوا المظلعوم ‪ ،‬اقضعوا لليعتيم ‪ ،‬ودافعععوا ععن‬
‫اْنشدوا الح ّ‬
‫الرملة ‪ :19 … ،‬إن شئتم وأطعتم ‪ ،‬تتمتعون بخيععرات الرض ‪،‬‬
‫ب قععد تكّلععم "‬
‫ن فععم الععر ّ‬
‫وإن أبيتم وتمّردتععم فالسععيف يلتهمكععم ‪ ،‬ل ّ‬
‫) ويسععتطرد واصععفا حععال المدينععة آنععذاك ( ‪ … :21 " ،‬كععانت‬
‫تفيض حّقا ‪ ،‬ويععأوي إليهععا العععدل ‪ ،‬فأصععبحت وكععرا للمجرميععن ‪،‬‬
‫ضتك مزّيفة ‪ ،‬وخمرك مغشوشة بماء ‪ :23 ،‬أصبح‬
‫‪ :22‬صارت ف ّ‬
‫رؤساءك عصاة ‪ ،‬وشركاء لصوص ‪ُ ،‬يولعون بالرشوة ويسعون‬
‫وراء الهبععات ‪ ،‬ل يععدافعون عععن اليععتيم ‪ ،‬ول ُترفععع إليهععم دعععوى‬
‫الرملة " ‪.‬‬
‫" ‪ :8 :3‬قد َكَبت ) وقعت ( أورشليم ‪ ،‬انهارت يهوذا ) المملكة (‬
‫‪ ،‬لنهمععا أسععاءتا بععالقول والفعععل إلععى الععرب ‪ ،‬وتمّردتععا علععى‬
‫سعععلطانه ‪ :9 ،‬ملمعععح وجععوههم تشععهد عليهععم ‪ ،‬إذ يجععاهرون‬
‫بخطيئتهم كسدوم ول يسترونها ‪ ،‬فويل للذين جلبوا على أنفسهم‬
‫شععروا الصعّديقين بععالخير ‪ ،‬لنهععم سععيتمتعون‬
‫شّرا ‪ :10 ،‬ولكععن ب ّ‬
‫بثواب أعمالهم ‪ :11 ،‬أّما الشّرير فويل له وبئس المصععير ‪:12 ،‬‬
‫… إن قادتكم ُيضّلونكم ويقتادونكم في مسالك منحرفة … " ‪.‬‬
‫سِكر … ‪ :12 ،‬يتلّهون‬
‫" ‪ :11 :4‬ويل لمن … يسعون وراء الُم ْ‬
‫في مآدبهم بالعود والرباب والدف والناي والخمر ‪ ،‬غير مكترثين‬
‫ب ‪ :13 … ،‬لععذلك ُيسععبى شعععبي لنهععم ل يعرفععون ‪،‬‬
‫بأعمال الععر ّ‬
‫عظماؤهم جوعا ‪ ،‬وتهلك العامة عطشا ‪ :15 … ،‬وُيذّل‬
‫ويموت ُ‬
‫ط كععل متشععامخ فيهععا ‪ ) ،‬الععذل بعععد‬
‫النسان وُيخفض النععاس وُيحع ّ‬
‫العلو ( … ‪ :18‬ويل لمن يجّرون الثععم بحبععال الباطععل ‪:19 … ،‬‬
‫‪230‬‬

‫جل بعقابه حتى نراه ) انظععر اليععات ‪92،99‬‬
‫ويقولون لُيسرع وُيع ّ‬
‫السراء و ‪ 58،59‬الكهف ( ‪ ،‬لُينفذ مقّدس إسرائيل مععآربه فينععا ‪،‬‬
‫فنععدرك حقيقععة مععا يفعلععه بنععا ‪ :21 ،‬ويععل للحكمععاء فععي أعيععن‬
‫أنفسهم ‪ ،‬والذكياء في نظر ذواتهم ‪ :25 … ،‬لذلك احتدم غضب‬
‫الرب ضّد شعبه ‪ ،‬فمّد يده عليهم وضععربهم ‪ ،‬فارتعشععت الجبععال ‪،‬‬
‫وأصبحت جثث موتاهم كالقاذورات في الشععوارع ‪ ،‬ومععع ذلععك لععم‬
‫يرتدّ غضبه ‪ ،‬ولم تبرح يده ممدودة بالعقاب ‪ :26 ،‬فيرفععع رايععة‬
‫لمم بعيدة ‪ ،‬ويصفر لمن في أطراف الرض ‪ ،‬فيقبلون ُمسععرعين‬
‫‪ :27 ،‬دون أن يكّلوا أو يتعثروا أو يعععتريهم ُنعععاس أو نععوم ‪… ،‬‬
‫‪ :28‬سهامهم مسنونة ‪ ،‬وقسّيهم مشدودة ‪ ،‬حععوافر خيلهععم كأنهععا‬
‫صّوان ‪ ،‬عجلت مركباتهم مندفعة كالعصار ‪ :29 ،‬زئيرهم كأنه‬
‫زئير أسد ‪ ،‬يزمجر وينقض على فريسععته ‪ ،‬ويحملهععا وليععس مععن‬
‫منقذ ‪ُ :30 ،‬يزمجرون … كهدير البحر ‪ ،‬وإن جععاس أحععدهم فععي‬
‫البلد متفرسا ‪ ،‬ل يرى سوى الظلمة والضيق ‪ ،‬حتى الضععوء قععد‬
‫احتجب وراء سحبه ‪. " ..‬‬
‫جلون‬
‫‪ :1 :10‬ويل للذين يسّنون شرائع ظلم ‪ ،‬وللكتبة الذين يس ع ّ‬
‫أحكام جور ‪ :2 ،‬ليصّدوا البائسين عن العدل ‪ ،‬ويسععلبوا مسععاكين‬
‫شعبي حّقهم ‪ ،‬لتكون الرامل مغنما لهععم ‪ ،‬وينهبععوا اليتععامى ‪:3 ،‬‬
‫فماذا تصنعون في يوم العقاب ‪ ،‬عنععدما تقبععل الكارثععة مععن بعيععد !‬
‫إلى من تلجئون طلبا للعون ؟ وأيععن تودعععون ثروتكععم ؟ لععم يبقععى‬
‫شيء سوى أن تجثوا بين السرى ‪ ،‬وتسعقطوا بيعن القتلعى ‪… ،‬‬
‫‪ :21‬وترجع بقية ذرية يعقوب إلى الرب القدير ‪ ،‬مع أن شعبك يا‬
‫إسرائيل ‪ ،‬فإن بقية فقط ترجع ‪ ،‬لن ال قضى بفنائهم ‪ ،‬وقضاؤه‬
‫عادل " ‪.‬‬
‫‪231‬‬

‫" ‪ :8 :46‬اذكععروا هععذا واتعظععوا ‪ ،‬انقشععوه فععي آذانكععم أيهععا‬
‫العصاة ‪ ،‬تذّكروا المور الغابرة القديمة ‪ ،‬لني أنا ال وليععس إلععه‬
‫آخر ‪ :10 ،‬وقد أنبأت بالنهاية منذ البداية ‪ ،‬وأخبرت منذ القععدم ‪،‬‬
‫بأمور لم تكععن قععد حععدثت بعععد ‪ ،‬قععائل ‪ :‬مقاصععدي ل بععد أن تتععم ‪،‬‬
‫ومشععيئتي ل بععد أن تتحقععق ‪ :11 ،‬أدعععوا مععن المشععرق الطععائر‬
‫الجععارح ‪ ،‬ومععن الرض البعيععدة برجععل مشععورتي ‪ ،‬قععد نطقععت‬
‫ي يععا غلظ‬
‫بقضععائي ‪ ،‬ول بععد أن ُأجريععه ‪ :12 … ،‬أصععغوا إلعع ّ‬
‫القلععوب ‪ ،‬أيهععا البعيععدون عععن الععبّر ‪ :13 ،‬لقععد جعلععت أوان بعّري‬
‫قريبا ‪ ،‬لم يعد بعيدا ‪ ،‬وخلصي ل ُيبطئ …‬
‫‪ :15-17 :30‬لنععه هكععذا قععال الععرب ‪ ،‬قععّدوس إسععرائيل ‪ :‬إنّ‬
‫ي ‪ ،‬وقعّوتكم فععي الطمأنينععة‬
‫خلصكم مرهون بالتوبة والركععون إلع ّ‬
‫والثقة بي ‪ ،‬لكنكم أبيتم ذلك ‪ ،‬وقلتم ‪ :‬ل بل نهععرب علععى الخيععل ‪،‬‬
‫أنتم حّقا تهربون ‪ ،‬لهععذا فععإن مطععارديكم ُيسععرعون فععي تعّقبكععم ‪،‬‬
‫يهرب منكم ألف من زجرة واحد ‪ ،‬وتتش عّتتون جميعععا مععن زجععرة‬
‫خمسة ‪ ،‬حتى ُتتركوا كسارية على رأس جبل …‬
‫نلحظ أن إشعياء يدعوا إلى التوبة والصلح ‪ ،‬ويصف ما وصل‬
‫ببنععي إسععرائيل مععن إفسععاد ‪ ،‬ويععّذكرهم ويحععّذرهم ‪ ،‬ويعيععد إلععى‬
‫أذهانهم ‪ ،‬مضمون تلك النبوءة ‪ ،‬التي جاءت في أسفار موسععى ‪،‬‬
‫ونصععوص إشعععياء لععم تحمععل فععي طياتهععا تصععريح عععن ماهيععة‬
‫المبعععوثين ‪ ،‬سععوى أن الفقععرة الخيععرة ‪ ،‬ذكععرت جهععة مخععرج‬
‫البعث ‪ ،‬وربما يكون ذلك إضافة من مؤلفي التوراة ‪.‬‬
‫تحذيرات ارميا ‪:‬‬
‫ارميا هو ثاني النبياء الكبار ‪ ،‬وُيقال أن هذا النععبي ‪ ،‬عععاش فععي‬
‫الفترة ما قبل وما بعععد ‪ ،‬الععتي وقععع فيهععا السععبي البععابلي ‪ ،‬وكععان‬
‫‪232‬‬

‫فحععوى رسععالته ‪ :‬دعععوة قععومه إلععى التوبععة والعععودة إلععى ال ع ‪،‬‬
‫ق قعدره ‪ ،‬فل ملجعأ منعه إل‬
‫والتخلي عن الوهام ‪ ،‬وتقدير الع حع ّ‬
‫إليه ‪ ،‬ول يرّد غضبه قوة أو مال أو جاه ‪ .‬وقد ُوصف هععذا النععبي‬
‫) بالنبي البّكاء ( ‪ ،‬من كثرة بكاءه على قومه ‪ ،‬بعد وقوع الكارثة‬
‫التي طالما حّذرهم منها ‪ ،‬فلم يستجيبوا له ‪.‬‬
‫" ‪ :2 :7‬اسععمعوا كلم الععرب … ‪ :3‬قّومععوا طرقكععم وأعمععالكم‬
‫فُأسععكنكم فععي هععذا الموضععع ‪ :4 ،‬ل تتكّلععوا علععى أقععوال الكععذب‬
‫) النفاق ( ‪ :5 ،‬لكن إن قّومتم حّقععا طرقكععم وأعمععالكم ‪ ،‬وأجريتععم‬
‫قضاًء عادل فيما بينكم ‪ :6 ،‬إن لم تجوروا علععى الغريععب واليععتيم‬
‫والرملة ‪ ،‬ولم تسفكوا دما بريئا … وإن لم تضّلوا وراء الوثان‬
‫‪ :7 ،‬عندئذ ُأسكنكم في هذا الموضع … إلى البد ‪ :8‬هععا أنتععم قععد‬
‫اتكلتم على أقوال الكذب ) نافقتم ( ‪ ،‬ولكن مععن غيععر جععدوى ‪:9 ،‬‬
‫خععرون للبعععل‬
‫أتسععرقون وتقتلععون وتزنععون ‪ ،‬وتحلفععون زورا وتب ّ‬
‫) الصععنم ( ‪ :10 ،‬ثععم تمثلععون فععي حضععرتي …هععل أصععبح هععذا‬
‫الهيكل ) الععذي ُأقيععم لععذكري ( مغععارة لصععوص ؟! … ‪ :20‬لععذلك‬
‫ُيعلن الرب ‪ :‬ها غضبي وسخطي ينصّبان على هذا الموضع …‬
‫" ‪ :7 :8‬إن اللقلق فعي السععماء يعععرف ميععاد هجرتععه ‪ ،‬وكععذلك‬
‫… ‪ ،‬أّما شعبي فل يعرف قضععاء الععرب ! ‪ :8‬كيععف ت عّدعون أنكععم‬
‫حكماء ‪ ،‬ولديكم شريعة الرب ‪ ،‬بينما حولها قلععم الكتبععة المخععادع‬
‫إلععى ُأكذوبععة ؟! سععيلحق الخععزي بالحكمععاء ‪ ،‬ويعععتريهم الفععزع‬
‫والذهول ‪ ،‬لنهم رفضوا كلمة الرب ‪ ،‬إذ أي حكمة فيهععم ؟! لععذلك‬
‫ُأعطي نسععائهم لخريععن ‪ ،‬وحقععولهم للععوارثين القععاهرين ‪ ،‬لنهععم‬
‫جميعهم من صغيرهم إلى كبيرهم مولعععون بالربععح ‪ ،‬حععتى النععبي‬
‫والكاهن يرتكبان الزور في أعمالهمععا ‪ ،‬ويعععالجون جععراح شعععبي‬
‫باستخفاف ‪ ،‬قائلين ‪ :‬سلٌم ‪ ،‬سلٌم ‪ ،‬في حين ل يوجد سلم ‪ ،‬هل‬
‫‪233‬‬

‫ط ‪ ،‬ولم يعرفوا‬
‫ل ! لم يخزوا ق ّ‬
‫خجلوا عندما ارتكبوا الرجس ؟! ك ّ‬
‫الخجل ‪ ،‬لذلك سيسقطون بين الساقطين ‪ ،‬وحين ُأعععاقبهم ُيط عّوح‬
‫بهم ‪ ،‬يقول الرب " ‪.‬‬
‫" ‪ :22 :10‬اسمعوا ‪ ،‬ها أخبار تتواتر عن جيش عظيم ‪ ،‬مقبععل‬
‫من الشمال ‪ ،‬ليحّول مدن يهوذا ‪ ،‬إلى خرائب ومأوى لبنععات آوى‬
‫"‪.‬‬
‫ب زاحف من الشمال ‪ ،‬وأّمة عظيمة‬
‫" ‪ :22 :6‬انظروا ‪ ،‬ها شع ٌ‬
‫ت بععالقوس والرمععح ‪ ،‬وهععي‬
‫ب مععن أقاصععي الرض ‪ ،‬تس عّلح ْ‬
‫ته ع ّ‬
‫قاسية ل ترحم ‪ ،‬جلبتها كهدير البحر ‪ ،‬وهي مقبلة على صععهوات‬
‫الخيععل ‪ ،‬قععد اصععطّفت كإنسععان واحععد ‪ ،‬لمحاربتععك يععا أورشععليم ‪،‬‬
‫ب الععوهن فععي أيععدينا ‪ ،‬وتّولنععا كععرب‬
‫سمعنا أخبارهم المرعبة فععد ّ‬
‫وألم ‪ ،‬كألم امرأة تعععاني المخععاض ‪ ،‬ل تخرجععوا إلععى الحقععل ‪ ،‬ول‬
‫تمشوا في الطريق ‪ ،‬فللعدّو سيف ‪ ،‬والهول ُمحّدق من كل جهة ‪،‬‬
‫فيا أورشليم ارتدي المسوح ‪ ،‬وتمّرغي في الرماد ‪ ،‬ونوحي كمن‬
‫ينوح على وحيده ‪ ،‬وانتحبي نحيبا مرا ‪ ،‬لن الُمدّمر ينقض علينا‬
‫فجأة ‪ ،‬إني أقمتك ُممَتحنا للمعدن ) إقامة مملكتهم كان لمتحععانهم‬
‫( ‪ ،‬وجعلت شعععبي مععادًة خععام ‪ ،‬لكععي تعععرف طرقهععم وتفحصععها ‪،‬‬
‫فكّلهم عصاة متمّردون ساعون في النميمة ‪ ،‬هم نحاس وحديععد ‪،‬‬
‫كلهم فاسدون " ‪.‬‬
‫" ‪ :3 :23‬وأجمععع شععتات غنمععي مععن جميععع الراضععي ‪ ،‬الععتي‬
‫أجليتها إليهععا ‪ ،‬وأرّدهععا إلععى مراعيهععا ‪ ،‬فتنمععوا وتتكععاثر ‪ ،‬وُأقيععم‬
‫عليها رعاة يتعّهدونها ‪ ،‬فل يعتريها خععوف مععن بعععد ‪ ،‬ول ترتعععد‬
‫ول تضل ‪ ،‬ها أيام مقبلة ُأقيم فيهععا لععداود ذرّيععة ِبعّر ‪ ،‬ملكععا يسععود‬
‫‪234‬‬

‫بحكمة ‪ ،‬ويجري في الرض عدل وحّقعا ‪ ،‬فعي عهععده يتعّم خلص‬
‫شعب يهوذا ‪ ،‬ويسكن شعب إسرائيل آمنا " ‪.‬‬
‫" ‪ :3 :30‬ها أيام مقبلة أرّد فيها سبي شعبي … ‪ ،‬وأعيدهم إلى‬
‫الرض التي أعطيتها لبععائهم فيرثونهععا ‪ ) ،‬ثععم يقععول ( ‪ :‬سععمعنا‬
‫صراخ رعب ‪ ،‬عم الفزع وانقرض السلم ‪ ، … ،‬ما أرهععب ذلععك‬
‫اليوم ‪ ،‬إذ ل مثيل له ‪ ،‬هو زمن ضيق على ذرية يعقوب ‪ ،‬ولكنها‬
‫طععم أنيععار‬
‫سععتنجوا ‪ ،‬فععي ذلععك اليععوم ‪ ،‬يقععول الععرب القععدير ‪ُ :‬أح ّ‬
‫طهم ) أي أرفع قيععود العبوديععة والععذل عنهععم (‬
‫أعناقهم وأقطع ُرب َ‬
‫فل يستعبدهم غريب فيما بعد ‪ ،‬بل يعبععدون الععرب إلههععم ‪ ،‬وداود‬
‫ملكهععم الععذي ُأقيمععه عليهععم ) شععرك بععال ( ‪ … ،‬فيرجععع نسععل‬
‫ن ويستريح ‪ ،‬من غيععر أن ُيضععايقه أحععد ‪، … ،‬‬
‫إسرائيل ‪ ،‬ويطمئ ّ‬
‫ك بينهععا ‪ ،‬أّم أنععت فل ُأفنيععك ُأوّدبععك‬
‫فُأبيعُد جميععع المععم الععتي شعّتت َ‬
‫جه‬
‫بعععالحق ‪ ،‬ول ُأبعععّرئك تعععبرئة كاملعععة ‪ ) ، … ،‬الخطعععاب معععو ّ‬
‫لورشليم ( إن جرحك ل شفاء له ‪ ،‬وضربتك ل علج لهععا ‪ ،‬إذ ل‬
‫يوجد من يدافع عن دعواك ‪ ، … ،‬قد نسيك محّبععوك ‪ ،‬وأهملععوك‬
‫ب مبغ ع ٍ‬
‫ض‬
‫ك عقععا َ‬
‫ب عدّو ‪ ،‬وعاقبت ِ‬
‫إهمال ‪ ،‬لني ضربتك كما َيضر ُ‬
‫قاسٍ ‪ ،‬لن إثمععك عظيعٌم وخطايععاك متكععاثرة ‪ ، … ،‬لهععذا أوقعتععك‬
‫بالمحن ‪ ،‬ولكن سيأتي يوم ُيفترس فيه جميع ُمفترسيك ‪ ،‬ويذهب‬
‫جميع مضايقيك إلى السبي ‪ ،‬ويصبح ناهبيك منهوبين ‪ ،‬لني أرّد‬
‫لك عافيتك وُأبرئ جراحك " ‪.‬‬
‫النصوص الخيرة أعله ‪ ،‬من النصوص المضّللة ‪ ،‬التي شععّكلت‬
‫قناعات ومعتقدات ‪ ،‬عاّمة اليهععود حكمععاًء ومغفليععن ‪ ،‬وملخصععها‬
‫أنهم في المرة الثانية ‪ ،‬سيقيمون لهععم دولععة فععي أرض الميعععاد ‪،‬‬
‫وُيبعث لهم ملكا من نسل داود عليه السععلم ‪ ،‬يحكععم الرض كلهععا‬
‫بعععالحق والععععدل ‪ ،‬وليعععس فلسعععطين فقعععط ‪ ،‬ففلسعععطين ل تتسعععع‬
‫‪235‬‬

‫لحلمهم وأوهامهم وهلوسععهم وأمععانّيهم ‪ ،‬وينعععم اليهععود تحععت‬
‫حكمه ‪ ،‬بالسلم والمن إلى البد ) فل بعثا ول نشورا ( ‪ ،‬ويكون‬
‫فيها اليهود أسيادا ‪ ،‬وباقي خلق ال عبيدا تحت أقدامهم ‪.‬‬
‫لقد أضاع كتبة التععوراة الحقيقععة ‪ ،‬وظلمععوا أجيععالهم القادمععة مععن‬
‫حيث ل يعلمون ‪ ،‬فكذبوا الكذبة وصّدقها أبنائهم ‪ ،‬وأصععبحت مععن‬
‫صعععميم معتقعععداتهم ‪ ،‬فالمعاصعععرين معععن اليهعععود والنصعععارى ‪،‬‬
‫يتعاملون مع كل نصوص التوراة ‪ ،‬بغثهععا وسععمينها ‪ ،‬علععى أنهععا‬
‫من عند ال ‪ ،‬ول مجال لتكذيبها ‪.‬‬
‫يقولون أن النص التالي ‪ ،‬هو رسعالة معن إرميعاء إلعى المسعبيين‬
‫فععي بابععل ‪ُ ،‬يخععبرهم فيهععا أن مقععامهم هنععاك سععيكون طععويل ‪،‬‬
‫وينصععحهم فيهععا بععأن ُيقيمععوا فيهععا ويبنععوا بيوتععا ‪ ،‬ويععتزوجوا‬
‫ويتكاثروا ‪ ،‬وهذا جزء من نصها ‪:‬‬
‫" ‪ :10 :29‬ولكن بعد انقضععاء سععبعين سععنة عليكععم فععي بابععل ‪،‬‬
‫ألتفععت إليكععم وأفععي لكععم بوعععودي الصععالحة ‪ ،‬برّدكععم إلععى هععذا‬
‫الموضع ‪ ،‬لني عرفت ما رسمته لكم ‪ ،‬إنها خطط سععلم ل ش عّر ‪،‬‬
‫لمنحكم مستقبل ورجاء ‪ ، … ،‬وحيععن تجععدونني ‪ ،‬أرّد سععبيكم ‪،‬‬
‫وأجمعكم من بين جميع المم ‪ ،‬ومن جميععع المععاكن الععتي شعّتتكم‬
‫إليها ‪. " … ،‬‬
‫في الحقيقة أن كتبة التوراة ‪ ،‬كانوا يعتقدون أن عودتهم الجزئية‬
‫‪ ،‬من بابل إلى أورشليم ‪ ،‬بعد )‪ (70‬سععنة مععن السععبي ‪ ،‬فععي عهععد‬
‫كورش الفارسي كما ُيروون ‪ ،‬هي العودة الثانيععة الععتي سععيتحقق‬
‫فيها ‪ ،‬النصف الثاني من نبوءة موسى وإشعععياء وارميععا ‪ ،‬ومنععذ‬
‫ذلك اليوم وهم ينتظععرون ‪ ،‬أن ُيبعععث فيهععم ) الملععك اللععه ( لُيقيععم‬
‫لهععم دولععة فععي القععدس ‪ ،‬فلععم يكععن لهععم ذلععك ‪ ،‬ويععروى أن الععذين‬
‫‪236‬‬

‫رجعوا من بابل ‪ ،‬أعادوا بناء الهيكععل ‪ ،‬مععع معارضععة المقيميععن ‪.‬‬
‫ي ) ‪37‬ق‪.‬م – ‪70‬م ( أي مععائة سععنة‬
‫وطال انتظارهم ‪ ،‬وبين عععام ّ‬
‫تقريبا ‪ ،‬حصلوا على حكععم ذاتععي محععدود ) المملكععة الهيروديععة ‪،‬‬
‫وكان الملك من أصل يهودي آرامععي ( ‪ ،‬تحععت التععاج الرومععاني ‪،‬‬
‫وفي زمععانهم تواجععد زكريععا ويحيععى ‪ ،‬وُبعععث إليهععم عيسععى عليععه‬
‫السلم ‪ ،‬فتععآمروا عليععه ودفعععوه إلععى الرومععان ‪ ،‬لقتلععه وصععلبه ‪،‬‬
‫حيث كانت سلطة القتل في أيدي الرومان الوثنيون ‪.‬‬
‫وبعد زوال مملكتهم على يد ) نبوخذ نصر ( البابلي عام ‪586‬م ‪،‬‬
‫وحععتى تشععّتتهم النهععائي علععى يععد ) هادريععان ( الرومععاني عععام‬
‫‪135‬م ‪ُ ،‬أخرج أغلبية اليهود منها ‪ ،‬ولم تقم لليهود فععي فلسععطين‬
‫قائمة ‪ ،‬وأقصى مععا اسععتطاعوا الحصععول عليععه ‪ ،‬هععو ذلععك الحكععم‬
‫الذاتي ‪ ،‬في بداية الحكم الروماني لبلد الشام ‪ ،‬حيععث قضععى هععذا‬
‫المبراطور ‪ ،‬على أي أمل لهم ‪ ،‬في إعادة إقامة دولتهم الثانية ‪،‬‬
‫فكان إنتشارهم في كافة أرجاء العالم ‪.‬‬
‫) ولنكمل النصوص من سفر ارميا ( ‪ :8 :31 " ،‬هععا آتععي بهععم‬
‫من بلد الشمال ‪ ،‬وأجمعهم مععن أقصععي أطععراف الرض ‪ ،‬وفيهععم‬
‫العمى والعرج ‪ ،‬الحبلى والماخض ‪ ،‬فيرجععع حشععد عظيععم إلععى‬
‫هنا "‬
‫" ‪ :27 :31‬ها أيام مقبلة ‪ ،‬يقول الرب ‪ُ ،‬أكّثر فيها ذرية إسرائيل‬
‫ويهوذا ‪ ،‬وُأضاعف نتاج بهععائمهم أضعععافا ‪ ،‬وكمععا ترّبصععت بهععم‬
‫لستأصل ‪ ،‬وأهدم وأنُقض وُأهلعك وُأسععيء ‪ ،‬كعذلك أسععهر عليكعم‬
‫لبنيكم وأغرسكم " ‪.‬‬

‫‪237‬‬

‫" ‪ :33 :31‬سأجعل شريعتي فععي دواخلهععم ‪ ، … ،‬وأكععون لهععم‬
‫إلها ويكونون لي شعبا ‪ ،‬لنععي سأصععفح عععن إثمهععم ‪ ،‬ولععن أذكععر‬
‫خطاياهم من بعد " ‪.‬‬
‫) وهذا محض افععتراء وتحريععف ‪ ،‬وتتبععع هععذه الكذوبععة عبععارات‬
‫مبهمة ‪ ،‬ومن ثم ُتفاجأ بهذه العبارة التي تقول ( ‪ " :‬عنععدئذ َأنبععذ‬
‫ذرية إسرائبل من أجل كل مععا ارتكبععوه " ‪ ) ،‬لتفهععم أن العبععارات‬
‫المبهمة ‪ ،‬كانت بدل من عبارات حذفوها ‪ ،‬وهي عبععارات مفادهععا‬
‫اشتراط الحسان للثواب والفساد للعقاب ( ‪.‬‬
‫"‪ :38 :31‬ها أيام مقبلة ‪ُ ،‬يعاد فيها بنععاء هععذه المدينععة للععرب ‪،‬‬
‫… ‪ ،‬ولن تستأصل أو ُتهدم إلى البد " ‪.‬‬
‫بالنظر في قولهم هذا ‪ ،‬وخاصة العبارة الخيرة ‪ ،‬نجد أن مععؤلفي‬
‫التوراة ‪ ،‬قضوا على أي أمل لليهود ‪ ،‬فععي الصععلح الصععلح فععي‬
‫ي في اسععتمرار وجععودهم ‪،‬‬
‫دولتهم الحالية ‪ ،‬حيث أنه شرط أساس ّ‬
‫فمؤّدى هذه العبارة ‪ ،‬أنهم سيقيمون فيها إلى البد ‪ ،‬بغض النظر‬
‫عن إصلحهم أو إفسادهم فيها ‪ ،‬لتصبح نهاية دولتهم حتمية فععي‬
‫الموعد المحّدد ‪ ،‬وقد لحظت من خلل تتبعي ‪ ،‬لما جاء في المرة‬
‫الثانية ‪ ،‬أنهم بعد كل عقععاب مأسععاوي يحععل بهععم ‪ ،‬يبععدءون بععذكر‬
‫العودة والجمع من الشتات ‪ ،‬والبركة والكععثرة ‪ ،‬ويفيضععون فيهععا‬
‫وصفا وشرحا ‪ ،‬والنتيجة تكون على الدوام هععي ‪ ،‬انتصععار ربهععم‬
‫على أعدائهم ومحقهم عن بكرة أبيهم ‪ ،‬وجعععل أرضععهم صععحراء‬
‫قاحلة ‪ ،‬أمععا هععم فيعشععون جنععة ونعيمععا ‪ ،‬ويكععون لهععم الملععك فععي‬
‫ي عنهم ربهم ورضوا عنه ‪.‬‬
‫الرض إلى البد ‪ ،‬بعد أن رض َ‬
‫) وانظر إلى هذه النبوءة في المرة الثانية علععى لسععان الععرب ( "‬
‫‪ :10 :42‬إن أقمتم في هذه الرض ‪ ،‬فععإني أبنيكععم ول أهععدمكم ‪،‬‬
‫‪238‬‬

‫وأغرسكم ول أستأصلكم ‪ ،‬لني أسععفت علععى الش عّر الععذي ألحقتععه‬
‫بكععم ) ربهععم يأسععف ( ‪ ،‬ل تخشععوا ملععك بابععل ‪ ،‬الععذي أنتععم منععه‬
‫خائفون ‪ ،‬فإني معكم لخلصكم وأنجيكم من يده ) بل قيد أو شرط‬
‫( ‪ ،‬وُأنعععم عليكععم ‪ ،‬فيرحمكععم ويرّدكععم إلععى أرضععكم " ‪ ) ،‬فربهععم‬
‫ضهم على عدم الخشية من ملك بابل ( ‪.‬‬
‫يأسف ‪ ،‬ويح ّ‬
‫السبي البابلي ‪:‬‬
‫هذا الحدث المشهور تاريخيا والمعروف ) بالسبي البابلي ( ‪ ،‬هو‬
‫أول وأقسى وأفظع حدث ‪ ،‬وقععع فععي تاريععخ اليهععود كأمععة ‪ ،‬أثنععاء‬
‫تواجدهم في فلسطين ‪ ،‬من حيث الذى الجسدي والنفسي ‪ ،‬وكان‬
‫له أبلغ الثر ‪ ،‬فععي وجععدان وفكععر الشعععب اليهععودي ‪ ،‬وليععس أدل‬
‫على ذلك ‪ ،‬من أن عدد الصفحات ‪ ،‬التي تتطّرق إلى ذكر متعّلقات‬
‫صله مععن جميععع جععوانبه ‪ ،‬هععو )‪(400 – 350‬‬
‫هذا الحدث ‪ ،‬وتف ّ‬
‫صععفحة ‪ ،‬أي مععا ُيعععادل ثلععث التععوراة ‪ .‬وقععد جععاء فععي كتععاب‬
‫) الختراق الصهيوني للمسيحية ( للقس إكرام لمعي ‪ ،‬ونقل عن‬
‫كتاب ) تاريخ اليهععود ( للكععاتب ) بععول جونسععون ( مععا نصععه ‪" :‬‬
‫وفي بابل لم يعامل اليهود معاملة سيئة ‪ ،‬فقد وجععدت مخطوطععات‬
‫بجوار عشتاروت – أقدم مععدن بابععل – وجععد فيهععا قائمععة بأسععماء‬
‫المسبيين ‪ ،‬ونشاطهم في بابل ‪ ،‬وكان بها اسم ) يهوياكين ( ملك‬
‫يهوذا ‪ ،‬وبعض السماء الخرى ‪ ،‬وموضح بها أن اليهود عملوا‬
‫بالتجععارة ‪ ،‬واكتسععبوا أمععوال كععثيرة ‪ ،‬وكععانت لهععم أوضععاعهم‬
‫المتميزة إلى حّد مععا " ‪ .‬وأمععا أشععور فيشععير نفععس الكععاتب ‪ ،‬إلععى‬
‫عدم وجود أي دليل من ذكر أو أثر ‪ ،‬يؤكد رواية سبيهم إليها ‪.‬‬

‫‪239‬‬

‫رواية التلمود عن تدمير الهيكل ‪:‬‬
‫نص منقول عن كتاب ) التلمود تاريخه وتعاليمه ( لظفر السععلم‬
‫خان ‪:‬‬
‫" عندما بلغت ذنوب إسرائيل مبلغهععا ‪ ،‬وفععاقت حععدود مععا ُيطيقععه‬
‫اللععه العظيععم ‪ ،‬وعنععدما رفضععوا أن ُينصععتوا لكلمععات وتحععذيرات‬
‫ارميا ‪ ،‬ترك النبي أورشليم وسافر إلى بلد بنيامين ‪ ،‬وطالما كان‬
‫النبي ل يزال في المدينة المقّدسة ‪ ،‬كان يدعو لها بالرحمة فنجت‬
‫‪ ،‬ولكنه عندما هجرها إلى بلد بنيععامين ‪ ،‬دّمععر نبوخععذ نصععر بلد‬
‫طم الهيكععل المق عّدس ‪ ،‬ونهععب مجععوهراته ‪ ،‬وتركععه‬
‫إسرائيل ‪ ،‬وح ّ‬
‫فريسة للنيران الملتهبة ‪ ،‬وكععان نبععورذدان الععذي آثععر البقععاء فععي‬
‫ريبله ) منطقة سورية بالقرب من حماة ( ‪ ،‬قد أرسل نبوخذ نصر‬
‫لتدمير أورشليم " ‪.‬‬
‫" وقبل أن يبععدأ نبوخععذ نصععر حملتععه العسععكرية ‪ ،‬سعععى لمعرفععة‬
‫نتععائج الحملععة ‪ ،‬بواسععطة الشععارات نظععرا لععذهوله ‪ ،‬فرمععى مععن‬
‫قوسه نحععو المغععرب ‪ ،‬فسععارت باتجععاه أورشععليم ‪ ،‬ثععم رمععى مععرة‬
‫أخرى نحو الشرق ‪ ،‬لكن السهم اتجهت نحو أورشليم ‪ ،‬ثععم رمععى‬
‫مرة أخرى ‪ ،‬ليتأكد من محل وقوع المدينة الُمذنبععة ‪ ،‬الععتي وجععب‬
‫تطهيرهععا مععن الرض ‪ ،‬وللمععرة الثالثععة اتجهععت سععهمه نحععو‬
‫جه مععع‬
‫أورشليم ‪ ،‬وبعد أن استولى نبوخذ نصر على المدينة ‪ ،‬تو ّ‬
‫ُأمرائه وضباط جيشه ‪ ،‬إلى داخل الهيكل ‪ ،‬وصاح ساخرا مخاطبا‬
‫إله إسرائيل ‪ :‬وهل أنت الله العظيم الذي يرتعد أمامه العالم ؟ ها‬
‫نحن في مدينتك ومعبدك ! " ‪.‬‬
‫" ووجد نبوخذ علمة لرأس سهم ‪ ،‬علععى أحععد جععدران الهيكععل ‪،‬‬
‫كععأن أحععدا ُقتععل أو ُأصععيب بهععا ‪ ،‬فسععأل ‪ :‬مععن ُقتععل هنععا ؟ فأجععاب‬
‫‪240‬‬

‫الشعب ‪ ) :‬زكريا بن يهوياداه ( كبير الكهنة ‪ ،‬لقد كان ُيحّذرنا في‬
‫كععل سععاعة مععن حسععاب اعتععداءاتنا ‪ ،‬وقععد سععئمنا مععن كلمععاته ‪،‬‬
‫فانتهينا منه ‪ .‬فذبح جنود نبوخذ نصععر سععكان أورشععليم ‪ ،‬كهنتهععا‬
‫وشعبها ‪ ،‬كهولهععا وشععبابها ونسععائها وأطفالهععا ‪ ،‬وعنععدما شععاهد‬
‫كبير الكهنة هذا المنظر ‪ ،‬ألقى بنفسه بالنار ‪ ،‬التي أشعلها نبوخذ‬
‫نصععر فععي الهيكععل ‪ ،‬وتبعععه بقيععة الكهنععة مععع عععودهم وآلتهععم‬
‫الموسععيقية الخععرى ‪ ،‬ثععم ضععرب جنععود نبوخععذ نصععر السلسععل‬
‫الحديدية ‪ ،‬في أيدي باقي السرائيليين " ‪.‬‬
‫" ورجع ارميا النبي إلى أورشليم ‪ ،‬وصععحب إخععوانه البؤسعاء ‪،‬‬
‫الذين خرجوا عرايعا ‪ ،‬وعنعد وصعولهم إلعى مدينعة ‪ُ ،‬تسعمى بيعت‬
‫كورو ‪ ،‬هّيأ لهم ملبس جيدة ‪ ،‬وتكّلم مع نبوخذ نصر والكلدانيين‬
‫‪ ،‬قائل لهم ‪ :‬ل تظععن ‪ ،‬أنععك بقوتععك وحععدها ‪ ،‬اسععتطعت أن تتغّلععب‬
‫على شعب الرب الُمختار ‪ ،‬إنها ذنععوبهم الفععاجرة ‪ ،‬الععتي سععاقتهم‬
‫إلى هذا العذاب " ‪.‬‬
‫نجد أن رواية التلمود أكععثر وضععوحا مععن روايععة التععوراة ‪ ،‬حيععث‬
‫أنها لم تذكر مملكتين ‪ ،‬وتؤكد أن اسم المملكة الجنوبيععة ‪ ،‬المقععام‬
‫فيها الهيكل هو إسرائيل ‪ ،‬وليععس يهععوذا كمععا ُذكععر فععي التععوراة ‪.‬‬
‫وأن من أسقطوا عليهععم اسععم إسععرائيل والمملكععة الشععمالية ‪ ،‬هععم‬
‫الععذين ُأخرجععوا مععن ديععارهم ‪ ،‬ولععم يقععع فيهععم السععبي الشععوري‬
‫المزعوم ‪ ،‬وبقوا على حالهم خارج حععدود المملكععة ‪ ،‬حيععث يععذكر‬
‫النص التلمودي أن ارميا النبي لجأ إليهم " تععرك النععبي أورشععليم‬
‫وسافر إلى بلد بنيامين " ‪ .‬وبنيععامين حسععب التععوراة ‪ ،‬هععو الخ‬
‫الشقيق ليوسف عليه السلم ‪ ،‬وهذا يوحي أن الحقععد القععديم بيععن‬
‫الخوة الباء ‪ ،‬توارثه البناء على مّر العصععور ‪ ،‬وبععأن السععباط‬
‫الخععرى القويععة ‪ ،‬أخرجععت سععبط بنيععامين المستضعععف ‪ ،‬عنععدما‬
‫‪241‬‬

‫سيطرت على مقاليد الحكم ‪ ،‬بعد سليمان عليه السععلم ‪ .‬وبالتععالي‬
‫ُيثبععت هععذا النععص وقععوع السععبي البععابلي ‪ ،‬وينفععي وقععوع السععبي‬
‫المسمى بالشوري ‪ .‬وأن أشور وبابل آنععذاك ‪ ،‬تسععميتان لمملكععة‬
‫واحدة ‪ ،‬عند كتبة التوراة ‪ ،‬وأن أحععد مصععادر التععوراة ذكععر علععى‬
‫أنه بابلي ‪ ،‬والخر ذكره على أنه آشوري ‪ ،‬وأمععا نبوخععذ نصععر ‪،‬‬
‫فتجععده أحيانععا ملكععا ‪ ،‬وأحيانععا وزيععرا أو قععائدا للجيععش ‪ ،‬أو قععائدا‬
‫للحرس ‪.‬‬
‫مقتطفننننات مننننن رثنننناء ارميننننا لشننننعبه‬
‫ولورشيلم بعد السبي البابلي ‪:‬‬
‫) من كتاب مراثي ارميا في نهاية سفره ( ‪ :1 " :‬كيف أصععبحت‬
‫المدينععة الهلععة بالسععكان مهجععورة وحيععدة ؟! هععذه الععتي كععانت‬
‫عظيمة بين المم ‪ ،‬صارت كأرملععة ! صععارت السععيدة بيععن المععدن‬
‫تحت الجزية ! تبكععي فععي الليععل بمععرارة ‪ ،‬وتنهمععر دموعهععا علععى‬
‫لنهعا ‪،‬‬
‫خعّديها ‪ ،‬ل ُمععّزي لهعا بيعن ُمحبيهعا ‪ ،‬غعدر بهعا جميعع خ ّ‬
‫سععبيت يهععوذا إلععى المنفععى ‪ ، … ،‬فأقععامت‬
‫وأصبحوا أعداًء لها ‪ُ ،‬‬
‫شععقية بيععن المععم ‪ ، … ،‬تهعّدمت جميععع أبوابهععا ‪ ، … ،‬ارتكبععت‬
‫أورشليم خطيئة نكراء فأصبحت نجسععة ‪ ، … ،‬لععم تععذكر آخرتهععا‬
‫ب جميعع جبعابرتي فعي‬
‫لهذا كان سعقوطها رهيبعا ‪ ، … ،‬بعّدد العر ّ‬
‫شعّباني ‪ ،‬داس‬
‫ي حشعدا معن أعععدائي ليسعحقوا ُ‬
‫وسطي ‪ ،‬وأّلب عل ّ‬
‫ب العذراء بنت صهيون ‪ ،‬كما ُيداس العنب في المعصرة ‪… ،‬‬
‫الر ّ‬
‫ب عادل حقا ‪ ،‬وقد تمّردت على أمععره ‪ ،‬فاسععتمعوا يععا جميععع‬
‫‪ ،‬الر ّ‬
‫ي وش عّباني إلععى‬
‫الشعععوب ‪ ،‬واشععهدوا وجعععي ‪ ،‬قععد ذهععب عععذارا َ‬
‫ي كهنععتي وشععيوخي فععي المدينععة ‪ ، … ،‬هععا‬
‫السععبي ‪َ ، … ،‬فِنعع َ‬
‫السيف يثكل في الخارج ‪ ،‬ويسود الموت في البيت … " ‪.‬‬
‫‪242‬‬

‫ب بل رحمععة ‪ ،‬جميعع مسععاكن يعقععوب ‪، … ،‬‬
‫" ‪ :2‬قععد هععدم الععر ّ‬
‫وألحق العار بالمملكة وحّكامها ‪ ،‬إذ سّواها بععالرض ‪ ، … ،‬وّتععر‬
‫قوسه كعدّو ‪ ،‬نصب يمينه كُمْبِغض ‪ ،‬ذبععح بقسععوة كعّل عزيععز فععي‬
‫عيوننععا ‪ ، … ،‬وهععدم جميععع قصععورها ودّمععر حصععونها ‪، … ،‬‬
‫جلععس شععيوخ ابنععة صععهيون علععى الرض صععامتين ‪ ،‬عّفععروا‬
‫رؤوسهم بالرماد ‪ ،‬وارتدوا المسوح ‪ ،‬وطأطأت عذارى أورشععليم‬
‫رؤوسهن إلى الرض ‪ ،‬كّلت عيناي من البكاء ‪ ، … ،‬نّفععذ الععرب‬
‫قضاءه ‪ ،‬وحقق وعيده الذي حكم به منععذ الحقععب السععالفة ‪ ،‬هععدم‬
‫ظععم قععوة عععدوك ‪، … ،‬‬
‫ولععم يععرأف ‪ ،‬فأشععمت بععك الخصععوم ‪ ،‬وع ّ‬
‫ب وتأّمل ‪ ، … ،‬قد انطرح الصبيان والشيوخ في غبععار‬
‫انظر يا ر ّ‬
‫شّباني بالسععيف ‪ ،‬قععد قتلتهععم فععي يععوم‬
‫يو ُ‬
‫الطرقات ‪ ،‬سقط عذارا َ‬
‫غضبك ‪ ،‬ونحرتهم من غير رحمة … "‬
‫" ‪ :3‬أنا هو الرجل الذي شهد البلية ‪ ،‬التي أنزلها قضيب سخطه‬
‫‪ ، … ،‬ولكن هذا ما ُأنعاجي بعه نفسعي ‪ ،‬لعذلك يغمرنعي الرجعاء ‪،‬‬
‫ن ‪ ،‬لن مراحمعه ل تععزول ‪، … ،‬‬
‫من إحسانات الرب ‪ ،‬أننا لعم نفع َ‬
‫فلماذا يشتكي النسان حين ُيعاقب علععى خطايععاه ؟ … ‪ ،‬لنفحععص‬
‫طرقنا ونختبرها ‪ ،‬ونرجع إلى العرب ‪ ،‬لنرفععع أيعدينا وقلوبنععا إلععى‬
‫ال في السماوات ‪" … ،‬‬
‫" ‪ ، … :4‬لن عقاب إثم ابنة شعبي ‪ ،‬أعظععم مععن عقععاب خطيئة‬
‫سععدوم ‪ ،‬الععتي انقلبععت فععي لحظععة ‪ ،‬مععن غيععر أن تمت عّد إليهععا يععد‬
‫إنسععان ‪ ،‬كععان ُنبلؤهععا ‪ ،‬أنقععى مععن الثلععج ‪ ،‬وأنصععع مععن اللبععن ‪،‬‬
‫أجسادهم أكثر حمرة من المرجان ‪ ،‬وقاماتهم كاليععاقوت الزرق ‪،‬‬
‫فأصععبحت صععورتهم أكععثر سععوادا مععن الفحععم ‪ ،‬فلععم ُيعرفععوا فععي‬
‫ب حم عّو غضععبه ‪،‬‬
‫ب كامل سخطه ‪ ،‬وص ّ‬
‫الشوارع ‪ ، … ،‬نفث الر ّ‬
‫وأضرم نعارا فعي صعهيون ‪ ،‬فعالتهمت ُأسسعها ‪ ، … ،‬عقابعا لهعا‬
‫‪243‬‬

‫على خطايا أنبيائها ‪ ،‬وآثععام كهنتهععا ‪ ،‬الععذين سععفكوا فععي وسععطها‬
‫دمععاء الص عّديقين ‪ ، … ،‬آذنععت نهايتنععا ‪ ،‬وتّمععت أيامنععا ‪ ،‬وأِزفععت‬
‫خاتمتنا ‪ ،‬كان ُمطاردونا أسرع من نسور السماء ‪ ،‬تعّقبونععا علععى‬
‫الجبال ‪ ،‬وترّبصوا بنا في الصحراء ‪" … ،‬‬
‫ب مععا أصععابنا ‪ ،‬انظععر وعععاين عارنععا ‪ ،‬قععد تحعّول‬
‫" ‪ :5‬اذكر يا ر ّ‬
‫ميراثنا إلى الغرباء ‪ ،‬وبيوتنا إلى الجانب ‪ ،‬أصععبحنا أيتامععا ل أب‬
‫لنا ‪ ،‬وأمهاتنا كالرامل ‪ ، … ،‬داس ُمضطهدونا أعناقنا ‪ُ ،‬أعيينععا‬
‫ولم نجد راحة ‪ ،‬خضعنا باسطين أيدينا إلى أشور ومصر ‪ ،‬لنشبع‬
‫خبزا ‪ ، … ،‬تسّلط علينا عبيد ‪ ،‬وليععس مععن ُينقععذنا مععن أيععديهم ‪،‬‬
‫… ‪ ،‬اغتصبوا النساء في صهيون ‪ ،‬والعذارى في ُمععدن يهععوذا ‪،‬‬
‫عّلق النبلء من أيديهم ‪ ،‬ولععم يععوّقروا الشععيوخ ) كبععار القععوم ( ‪.‬‬
‫ُ‬
‫شّبان للطحععن ‪ ،‬وهعوى الصععبيان تحعت الحطععب ‪ ،‬هجعر‬
‫خروا ال ُ‬
‫سّ‬
‫ف الش عّبان عععن‬
‫الشععيوخ ) كبععار السععن ( بّوابععات المدينععة ‪ ،‬وك ع ّ‬
‫غنائهم ‪ ،‬انقطع فرح قلوبنا ‪ ،‬وتحّول رقصععنا إلععى نععوح ‪ ،‬تهععاوت‬
‫شي على قلوبنا‬
‫غ ِ‬
‫أكاليل رؤوسنا ‪ ،‬فويل لنا لننا قد أخطأنا ‪ ،‬لهذا ُ‬
‫‪ ،‬وأظلمت عيوننا ‪ ،‬لن جبععل صععهيون أصععبح أطلل ‪ ،‬ترتععع فيععه‬
‫الثعالب " ‪.‬‬

‫‪244‬‬

‫فلسطين عبر التاريخ‬
‫منذ نشأة مملكة اليهود الولى ‪ ،‬وحتى‬
‫نشأة دولتهم الثانية‬
‫تاريخ ما قبل الميلد ‪:‬‬
‫طالوت ) شاول ( ملكًا على اليهود ‪ 1020 .‬ق‪.‬م‬
‫عصر الملك سليمان وبناء الهيكل فعي القعدس ‪928 – 965 .‬‬
‫ق‪.‬م‬
‫تقسععيم دولععة إسععرائيل الععى مملكععة إسععرائيل ) شععمالية ( ويهععودا‬
‫) جنوبية ( ‪ 928 .‬ق‪.‬م‬
‫فلسطين تحت الحكم الشوري ‪ 732 .‬ق‪.‬م‬
‫فتععح الشععوريون لمملكععة إسععرائيل ‪ ،‬ونهايععة مملكععة إسععرائيل‬
‫) الشمالية ( ‪ 721 .‬ق‪.‬م‬
‫انتصار البابليين بقيادة " نبوخذ نصر" على مملكة يهععودا ) فععي‬
‫القدس ( ‪ ،‬وتدمير الهيكل ‪ ،‬وترحيععل سععكانها إلععى بابععل ‪586 .‬‬
‫ق‪.‬م‬
‫السكندر يهزم الفرس ‪ ،‬وتصبح فلسطين تحت الحكععم اليونععاني ‪.‬‬
‫‪ 333‬ق‪.‬م‬
‫موت السكندر يؤدي لتغيير الحكععم الععى البطالسععة ) فععي مصععر (‬
‫والسالوقيين ) في سوريا ( ‪ 323 .‬ق‪.‬م‬
‫بداية حكم البطالسة ‪ 301 .‬ق‪.‬م‬
‫تمعّرد المكععابيين ) اليهععود ( ضععد الحكععم السععالوقي ‪ ،‬للعمععل علععى‬
‫إنشاء دولة يهودية مستقلة ‪ 165 .‬ق‪.‬م‬
‫‪245‬‬

‫فلسطين ضمن المبراطورية الرومانيععة ) بعععد اسععتيلء الرومععان‬
‫عليها ( ‪ 63 .‬ق‪.‬م‬
‫استيلء الفرس على فلسطين ‪ 40 .‬ق‪.‬م‬
‫عودة الحكم الروماني الوثني للمنطقة ‪ 38 .‬ق‪.‬م‬
‫القضاء علععى المكعابيين وابتععداء حكععم الهرادسععة فعي فلسععطين ‪.‬‬
‫‪ 37‬ق‪.‬م‬
‫تاريخ ما بعد الميلد ‪:‬‬
‫تدمير الهيكل الثاني علععى يععد المععبراطور الرومععاني ) تيطععس أو‬
‫تايتوس ( ‪70 .‬م‬
‫إخمععاد ثععورة ) باركوبععا ( اليهععودي ضععد الرومععان ‪ ،‬وإبعععاد بقيععة‬
‫اليهود عن القدس ‪ ،‬على يععد المععبراطور ) هادريععان ( ‪-132 .‬‬
‫‪135‬م‬
‫فلسطين تحت الحكم البيزنطي ) نسبة إلى بيزنطععة ( ‪– 313 .‬‬
‫‪638‬م‬
‫سععس المععبراطور قسععطنطين ‪ ،‬الععذي جعععل‬
‫) فععي عععام ‪330‬م أ ّ‬
‫المسيحية الدين الرسمي للمبراطورية ‪ ،‬عاصمة جديدة للنصععف‬
‫عرفععت بالقسععطنطينية ‪ .‬وفععي عععام ‪395‬م‬
‫الشععرقي فععي بيزنطععة ُ‬
‫انقسعععمت المبراطوريعععة الرومانيعععة ‪ ،‬إلعععى قسعععمين ‪ :‬شعععرقية‬
‫عاصمتها بيزنطة ) القسطنطينية ( وغربيععة وعاصععمتها رومععا ‪،‬‬
‫ومع اتخاذ المسيحية كديانععة رسععمية للمبراطوريععة الرومانيععة ‪،‬‬
‫بدأ عصر الضطهاد المسععيحي لليهععود ‪ ،‬واسععتمّر حععتى منتصععف‬
‫القرن الماضي (‬
‫‪246‬‬

‫العرب المسلمون يفتحون فلسطين ‪ ،‬في عهععد الخليفععة عمععر بععن‬
‫الخطاب ‪638 .‬م‬
‫فلسعععطين تحعععت الحكعععم السعععلمي ) المويعععون ‪ ،‬العباسعععيون ‪،‬‬
‫الفاطميون ‪ ،‬السلجقة ( ‪1099 - 638 .‬م‬
‫الصععليبيون يقيمععون المملكععة اللتينيععة فععي القععدس ‪- 1099 .‬‬
‫‪1187‬م‬
‫صععلح الععدين اليععوبي يهععزم الصععليبيين فععي معركععة حطيععن ‪.‬‬
‫‪1187‬م‬
‫فلسطين تحت حكم المماليك بعد هزيمة المغععول فععى موقعععة عيععن‬
‫جالوت ‪1220 .‬م‬
‫فلسطين جزء من المبراطوريععة العثمانيععة وعاصععمتها اسععتنبول‬
‫) القسطنطينية ( ‪1917 - 1516 .‬م‬
‫تاريخ فلسطين الحديث ‪:‬‬
‫إنشععاء أول مسععتوطنة زراعيععة صععهيونية ) بتععاح تكفععا ( فععي‬
‫فلسطين ‪1878 .‬م‬
‫البارون ) ادموند دورتشععلد ( ‪ ،‬يبععدأ دعمععه المععالي للمسععتوطنات‬
‫اليهودية ‪1882 .‬م‬
‫أول موجععة مععن ‪ 25‬ألععف مهععاجر صععهيوني تععدخل فلسععطين ‪،‬‬
‫وغالبيتهم من أوروبا الشرقية ‪1903 – 1882 .‬م‬
‫ينعقد المؤتمر الصهيوني الول " في بال بسويسرا " ويصدر "‬
‫برنامج بال " الذي يدعو إلى إقامععة وطععن للشعععب اليهععودي فععي‬
‫فلسعععطين ‪ ،‬ويقعععرر إنشعععاء ) المنظمعععة الصعععهيونية العالميعععة‬
‫‪ ، ( WZO‬للعمل من أجل هذا الهدف ‪1897 .‬م‬
‫‪247‬‬

‫إنشاء أول كيبوتز على قاعدة العمل اليهودي ‪ ،‬إنشعاء قاععدة تععل‬
‫أبيب شمالي يافا ‪1909 .‬م‬
‫بداية الحرب العالمية الولى ‪1914 .‬م‬
‫المراسععلت بيععن الشععريف حسععين )شععريف مكععة وقععائد الثععورة‬
‫العربيعععة ضعععد العثمعععانيون ( ‪ ،‬وبيعععن سعععير هنعععري مكمعععاهون‬
‫) المنععدوب السععامي فععي مصععر ( ‪ ،‬تنتهععي إلععى اتفععاق اسععتقلل‬
‫ووحدة البلد العربية ‪ ،‬تحت الحكم العربععي بعععد انتهععاء الحععرب ‪.‬‬
‫‪3/1/1916‬م‬
‫اتفاقية ) سايكس بيكو ( السععرية ‪ ،‬لتقسععيم البلد العربيععة ‪ ،‬الععتي‬
‫كععععانت تحععععت الحكععععم العثمععععاني بيععععن بريطانيععععا وفرنسععععا ‪.‬‬
‫‪16/5/1916‬م‬
‫) وقد كشف البلشفة ) الععروس ( النقععاب عنهععا فععي تشععرين أول‬
‫‪1917‬م (‬
‫الشريف حسعين يعلعن اسعتقلل الععرب ‪ ،‬ععن الحكعم العثمعاني ‪،‬‬
‫وبداية الثورة العربية ‪1916 .‬م‬
‫وزير الخارجية البريطاني ) بلفور ( ‪ ،‬يتعهد بالدعم البريطععاني ‪،‬‬
‫لوطن قومي لليهود في فلسطين ‪2/11/1917 .‬م‬
‫قوات الحلفاء بقيادة الجنرال اللنععبي البريطععاني تحتععل فلسععطين ‪.‬‬
‫‪9/1917/‬م‬‫نهاية الحرب العالمية الولى ‪30/10/1918 .‬م‬
‫المجلععس العلععى لمععؤتمر السععلم سععان ريمععو يعطععي بريطانيععا‬
‫النتداب على فلسطين ‪25/4/1920 .‬م‬
‫‪248‬‬

‫المنععدوب السععامي سععير هربععرت صععموئيل السياسععي اليهععودي‬
‫النجليزي يدشن " الدارة المدنية البريطانية " ‪1/7/1920 .‬م‬
‫عصبة المم تقّر النتداب على فلسطين ‪24/7/1921 .‬م‬
‫بداينننننة الحنننننرب العالمينننننة الثانينننننة ‪.‬‬
‫‪1/9/1938‬م‬
‫اللجنععة المريكيععة – النجليزيععة لتقصععي الحقععائق ‪ ،‬تصععل إلععى‬
‫فلسطين ‪6/3/1946 .‬م‬
‫تقرير اللجنة المريكية النجليزيععة يقععدر حجععم القععوات المسععلحة‬
‫اليهوديععة ) ‪ ( 69 - 61‬ألععف فععرد ‪ ،‬ويوصععي بقبععول ‪100.000‬‬
‫يهودي في فلسطين ‪ ،‬وفلسعطين تضعرب احتجاجعا ‪ ) .‬هنعا تعدخل‬
‫العناية المريكية ( ‪5/1946/- .‬م‬
‫لجنعة المعم المتحعدة الخاصعة تقعترح خطعة للتقسعيم ‪ ،‬والجامععة‬
‫العربية ترفضها ‪ 8/9/1947 .‬م‬
‫بريطانيا تعلن أنها ستغادر فلسطين خلل ستة شععهور إذا لععم يتععم‬
‫التوصل الى تسوية ‪29/10/1947 .‬م‬
‫الجمعية العامة للمم المتحععدة ‪ ،‬توصععي بتقسععيم فلسععطين بنسععبة‬
‫‪ %56.5‬لدولععة يهوديععة ‪ ،‬ونسععبة ‪ %43‬للدولععة الفلسععطينية ‪،‬‬
‫ومنطقة دولية حول القدس ‪29/11/1947 .‬م‬
‫الجامعععة العربيععة تنظععم جيععش النقععاذ العربععي ) قععوة متطععوعين‬
‫بقيععادة فععوزي القععاوقجي ‪ ،‬لمسععاعدة الفلسععطينيين فععي مقاومععة‬
‫التقسيم ( ‪12/1947/- .‬م‬
‫بريطانيعععا توصعععي المعععم المتحعععدة ‪ ،‬بإنشعععاء دولعععتين يهوديعععة‬
‫وفلسطينية ‪ ،‬بعد أسبوعين من انتهاء النتداب ‪8/12/1947 .‬م‬
‫‪249‬‬

‫جيععش النقععاذ العربععي يشععن هجمععات ناجحععة علععى المسععتعمرات‬
‫السرائيلية شمالي بيسان ‪16/2/1948 .‬م‬
‫القاوقجي يدخل فلسطين ويقود وحععدات جيععش النقععاذ فععي مثلععث‬
‫جنين – نابلس‪ -‬طولكرم ‪7/3/1948-5 .‬م‬
‫الرئيس المريكععي ) ترومععان ( يععدعو الععى هدنععة فوريععة للقتععال ‪.‬‬
‫‪25/3/1948‬م‬
‫عصابة شتيرن ترتكب مذبحة في دير ياسين بالقرب مععن القععدس‬
‫تسفر عن مقتل اكثر من ‪ 250‬شخصًا ‪9/4/1948 .‬م‬
‫قرار لمجلس المن يدعو إلى هدنة ‪17/4/1948 .‬م‬
‫نهاية النتداب البريطنناني ‪ ،‬وإعلن الدولننة‬
‫السننننننرائيلية مننننننن تننننننل أبيننننننب ‪.‬‬
‫‪15/5/1948‬م‬
‫القوات اللبنانية تعبر الحدود وتستعيد مؤقتا قرى المالكية وقدس‬
‫من الهاجاناة ‪17/5/1948 -15 .‬م‬
‫القععوات الردنيععة تعععبر نهععر الردن ‪ ،‬وتتحععرك صععوب القععدس ‪،‬‬
‫وتسيطر على الشيخ جراح والحي اليهودي ‪ ،‬في المدينة القديمة‬
‫‪28/5/1948 -15 .‬م‬
‫الوحدات العراقية تعبر نهر الردن ‪ ،‬وتتحرك نحو مثلث نابلس ‪،‬‬
‫جنين ‪ ،‬طولكرم ‪4/6/1948 – 15/5 .‬م‬
‫القوات المصرية تعبر الحدود ‪ ،‬وتتحرك عبر الساحل إلى اسععدود‬
‫‪7/6/19489 – 15/5 .‬م‬
‫تقدم الطوابير السورية عبر الشمال ‪10/6/1948 -16/5 .‬م‬
‫‪250‬‬

‫مجلس المن الععدولي يعيععن الكععونت ) فولععك برنععادوت ( كوسععيط‬
‫دولي في فلسطين ‪20/5/1948 .‬م‬
‫قعععرار مجلعععس المعععن العععدولي ‪ ،‬بوقعععف إطلق النعععار ‪/22/5 .‬‬
‫‪1948‬م‬
‫الهدنة الولى ‪8/7/1948 -11/6 .‬م‬
‫الهدنة الثانية ‪15/10/1948 -18/7 .‬م‬
‫تقرير الوسيط الععدولي ) برنععادوت ( يقعترح تقسعيم فلسعطين الععى‬
‫دولتين ؛ عربية وإسععرائيلية ‪ ،‬مععع بقععاء القععدس منطقععة دوليععة ‪،‬‬
‫وُترفض من العرب وإسرائيل ‪16/9/1948 .‬م‬
‫اغتيععال الوسععيط الععدولي ) برنععادوت ( فععي القععدس ‪ ،‬بواسععطة‬
‫عصابة شتيرن ‪ ،‬ويخلفه نائبه المريكي ) رالف باتش ( ‪.‬‬
‫عام ‪1949‬م ‪:‬‬
‫توقيع اتفاقيات الهدنة من قبععل الععدول العربيععة الععتي شععاركت فععي‬
‫حرب ‪ 48‬باستثناء العراق ‪:‬‬
‫‪ 24/2‬الهدنة المصرية – السرائيلية ‪.‬‬
‫‪ 23/3‬الهدنة اللبنانية – السرائيلية ‪.‬‬
‫‪ 3/4‬الهدنة الردنية ‪ -‬السرائيلية ‪.‬‬
‫‪ 20/5‬الهدنة السورية – السرائيلية ‪.‬‬

‫‪251‬‬

‫المراحل الزمنية في تاريننخ اليهننود حسننب‬
‫ما جاءت في سورة السراء‬
‫توضح اليات من ) ‪ ( 8 – 4‬من سورة السراء ‪ ،‬خمس مراحل‬
‫زمنية ‪ ،‬من تاريخ بني إسرائيل ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫ب‬
‫سعراِئيَل ِفعي اْلِكَتعععا ِ‬
‫ضْيَنا ِإَلعى َبِنعي إ ْ‬
‫♦ المرحلة الولى ‪َ ) :‬وَق َ‬
‫عُلّوا َكِبيًرا )‪(4‬‬
‫ن ُ‬
‫ن َوَلَتْعُل ّ‬
‫ض َمّرَتْي ِ‬
‫ن ِفي اَْلْر ِ‬
‫سُد ّ‬
‫َلُتْف ِ‬
‫) زمن موسى عليه السععلم ‪ ،‬حيعث أوحعى إليععه ربعه ععز وجعل ‪،‬‬
‫فيمعا أنعزل إليعه معن الكتعاب نعص هعذه النبعوءة ‪ ،‬والرجعح أنهعا‬
‫أنزلت في بداية فترة التيه قبل أربعين عاما ‪ ،‬مععن دخععولهم الول‬
‫للرض المقدسة ( ‪.‬‬
‫ععععععُد ُأوَلُهَمعععععا‬
‫جعععععاَء َو ْ‬
‫♦ المرحلعععععة الثانيعععععة ‪َ ) :‬فعععععِإَذا َ‬
‫عًدا َمْفُعوًل )‪(5‬‬
‫ن َو ْ‬
‫………………… …… …… َوَكا َ‬
‫) منعذ نهايعة فعترة العتيه … بععدء حعرب الملععك طعالوت ‪ ،‬لععدخول‬
‫الرض المقدسة …ُملك ونبّوة داود وسليمان عليهما السلم …‬
‫ُملك ُمتوارث بدون نبّوة ‪ :‬فساد وإفساد … حععتى السععبي البععابلي‬
‫سنة ‪ 586‬قبل الميلد ( ‪.‬‬
‫♦ المرحلة الثالثة ‪ُ … ) :‬ثّم … )‪(6‬‬
‫) منععذ السععبي البععابلي … بعععث عيسععى عليععه السععلم … نععزول‬
‫سورة السراء بنص هعذه النبعوءة سعنة ‪621‬م … إلععى معا قبععل‬
‫حرب ‪1948‬م ( ‪.‬‬
‫عَلْيِهعْم … … … …‬
‫♦ المرحلة الرابعة ‪َ ) :‬رَدْدَنا َلُكعْم اْلَكعّرَة َ‬
‫عَلْوا َتْتِبيًرا )‪(7‬‬
‫… َوِلُيَتّبُروا َما َ‬
‫‪252‬‬

‫) منذ قيام دولة إسرائيل ) ‪15/5/1948‬م ( … وانتصار الجيععش‬
‫إسرائيلي فععي حروبععه … ووصععول الدولععة إلععى قمععة مجععدها …‬
‫حتى نهايتها ( ‪.‬‬
‫ن عُْدُتْم عُْدَنا‬
‫حَمُكْم َوِإ ْ‬
‫ن َيْر َ‬
‫سى َرّبُكْم َأ ْ‬
‫ع َ‬
‫♦ المرحلة الخامسة ‪َ ) :‬‬
‫… ) ‪(8‬‬
‫) منذ نهايععة إسععرائيل … قيععام الدولععة العربيععة المتحععدة فععي بلد‬
‫الشععام والععراق … الحعرب العالميععة النوويععة الثالثععة … ظهععور‬
‫المهععدي … معععارك المهععدي … قيععام المبراطوريععة السععلمية‬
‫وعاصعمتها القعدس … خعروج العدجال … نعزول عيسعى عليعه‬
‫السلم … هروب الدجال وأتباعه إلععى فلسععطين … قتععل الععدجال‬
‫… نطق الحجر والشجر … حتى الذبععح النهععائي لبنععي إسععرائيل‬
‫على أرض فلسطين ( ‪.‬‬

‫] نهاية الجزء الول [‬

‫‪253‬‬

‫الجزء الثاني‬
‫الفصل الول ‪:‬‬
‫المؤامرة اليهودية على العالم‬
‫الفصل الثاني ‪:‬‬
‫النبنننننوءات التوراتينننننة بينننننن الماضننننني‬
‫والمستقبل‬
‫الفصل الثالث ‪:‬‬
‫النبنننننوءات النجيلينننننة بينننننن الماضننننني‬
‫والمستقبل‬
‫الفصل الرابع ‪:‬‬
‫الغربينننون وهنننوس النبنننوءات التوراتينننة‬
‫والنجيلية‬
‫الفصل الخامس ‪:‬‬
‫السياسنننة المريكينننة ونبنننوءات التنننوراة‬
‫والنجيل‬
‫الفصل السادس ‪:‬‬
‫دسنننة تنننأمر اليهنننود بتننندمير‬
‫الكتنننب المق ّ‬
‫أصحاب البعث‬
‫‪254‬‬

‫المؤامرة اليهودية على العالم‬
‫" ويععل للُمتععآمرين بالسععوء ‪ ،‬الععذين يحيكععون الش عّر ‪ ،‬وهععم فععي‬
‫ططوا له ) في‬
‫مضاجعهم ‪ ،‬الذين ُينّفذون عند طلوع الفجر ‪ ،‬ما خ ّ‬
‫الليعععل ( ‪ ،‬لن ذلعععك فعععي ُمتنعععاول أيعععديهم ‪ ،‬يشعععتهون حقعععول‬
‫فيغتصبونها ‪ ،‬وبيوتا فيستولون عليها ‪ ،‬يجورون علععى الرجععل ‪،‬‬
‫وعلى بيته ‪ ،‬وعلى النسان وميراثه " ) التععوراة ‪ :‬سععفر ميخععا ‪،‬‬
‫‪. ( 2-1 :2‬‬
‫" قد باد الصععالح مععن الرض ‪ ،‬واختفععى الُمسععتقيم مععن النععاس ‪،‬‬
‫جميعهم يكمنون لسفك الدماء ‪ ،‬وكل واحععد منهععم يقتنععص أخععاه ‪.‬‬
‫جّد أيديهم في ارتكاب الش عّر ‪ ،‬ويسعععى الرئيععس والقاضععي وراء‬
‫َت ِ‬
‫الرشوة ‪ ،‬ويملي العظيم عليهم أهععواء نفسععه ‪ ،‬فيتععآمرون جميعععا‬
‫ق ‪ .‬أفضلهم مثل العوسج ‪ ،‬وأكثرهم استقامة مثل سععياج‬
‫على الح ّ‬
‫الشوك " ) التوراة ‪ :‬سفر ميخا ‪. ( 3-2 :7 ،‬‬
‫هذه النصوص التي تكشف حقيقة اليهود والعقلية التي يفّكرون ‪،‬‬
‫طهععا قلععم كععاتب عربععي أو غربععي حاقععد ‪ ،‬علععى اليهععود‬
‫لععم تخ ّ‬
‫واليهودية ‪ ،‬من المعادين للسععامية اليهوديععة ‪ ،‬وإنمععا جععاءت فععي‬
‫التوراة ‪ ،‬كتاب اليهود والنصارى المقّدس ‪ .‬وبالرغم من ذلععك مععا‬
‫زال الكثير ‪ ،‬من مفكري وكتاب العرب فععي هععذا العصععر الغععبر ‪،‬‬
‫ينكر أن هناك مؤامرة ُتحاك ضد كل ما هو مسععلم ‪ ،‬وضععد كععل مععا‬
‫هو عربي ‪ ،‬بل ضد كل ما هعو غيعر يهعودي ‪ ،‬ويتهمعون كعل معن‬
‫يقول بذلك ‪ ،‬بأنه من مؤيدي نظرية المؤامرة ‪ ،‬التي ل أصععل لهععا‬
‫من الصحة ‪ .‬أما ما نقوله نحععن فععي هععؤلء أحععد أمريععن ‪ ،‬إمععا أن‬
‫يكونععوا شععركاء فععي المععؤامرة ‪ ،‬ويعملععون مععا بوسعععهم لتجهيععل‬
‫الناس بعلعم ‪ ،‬حععتى ل يتنّبهععوا لسعلحتها ورموزهععا فُيقاوموهعا ‪،‬‬
‫‪255‬‬

‫ب ‪ ،‬غيععر الععذي‬
‫وإما أن يكونوا ُأناس ‪ ،‬يعيشون على سععطح كععوك ٍ‬
‫نعيش فيه ‪ُ ،‬يدلون بدلوهم لُيضّلوا الناس بغير علم ‪.‬‬
‫الديانة اليهودية ‪:‬‬
‫لنعلم أن تسععمية القععرآن لبنععي إسععرائيل بععاليهود ‪ُ ،‬أطلقععت عليهععم‬
‫ك )‪ 156‬العععراف ( ‪ ،‬وذلععك بعععد اتخععاذهم‬
‫لقولهم ) ِإّنععا ُهعْدَنا ِإَلْيع َ‬
‫العجل ‪ ،‬بمعنى أنهم أعلنوا التوبة عن فعلهم والرجوع إلى العع ‪،‬‬
‫وفي الحقيقة كان ذلععك قعولهم بألسعنتهم ‪ ،‬وأمععا قلععوبهم فُأشععربت‬
‫ص عْيَنا‬
‫سِمْعَنا َوعَ َ‬
‫شغفت بعبادة العجل ‪ ،‬حيث قال سبحانه ) َقاُلوا َ‬
‫وُ‬
‫سَما َي عْأُمُرُكْم ِب عِه ِإيَمععاُنُكْم‬
‫جَل ِبُكْفِرِهْم ُقْل ِبْئ َ‬
‫شِرُبوا ِفي ُقُلوِبِهُم اْلِع ْ‬
‫َوُأ ْ‬
‫ن )‪ 93‬البقععرة ( ‪ ،‬وكععان هععذا حععالهم بمعيععة نععبيهم‬
‫ن ُكْنُتْم ُمْؤِمِني َ‬
‫ِإ ْ‬
‫موسى عليه السعلم ‪ .‬ولعم يختلعف حعالهم معع نبينعا محمعد عليعه‬
‫ن َهععاُدوا‬
‫ن اّلعِذي َ‬
‫الصععلة والسععلم ‪ ،‬حيععث قععال فيهععم سععبحانه ) ِمع َ‬
‫س عمَْع‬
‫صْيَنا ‪َ ،‬وا ْ‬
‫ع َ‬
‫سِمْعَنا َو َ‬
‫ن َ‬
‫ضِعِه ‪َ ،‬وَيُقوُلو َ‬
‫ن َمَوا ِ‬
‫عْ‬
‫ن اْلَكِلَم َ‬
‫حّرُفو َ‬
‫ُي َ‬
‫ن ‪َ ،‬وَل عْو َأّنُه عمْ‬
‫طْعًنععا ِفععي ال عّدي ِ‬
‫سَنِتِهْم َو َ‬
‫عَنا َلّيا ِبَأْل ِ‬
‫سَمٍع ‪َ ،‬وَرا ِ‬
‫غْيَر ُم ْ‬
‫َ‬
‫خْيًرا َلُهْم َوَأْقَوَم َوَلِكنْ‬
‫ن َ‬
‫ظْرَنا ‪َ ،‬لَكا َ‬
‫سَمْع َواْن ُ‬
‫طْعَنا َوا ْ‬
‫سِمْعَنا َوَأ َ‬
‫َقاُلوا َ‬
‫ل )‪ 46‬النساء ( ‪.‬‬
‫ن ِإّل َقِلي ً‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ل ِبُكْفِرِهْم َف َ‬
‫َلَعَنُهُم ا ُّ‬
‫وأما الديانة اليهودية ‪ :‬فهي معتقد ‪ ،‬اختلط فيه شيء ‪ ،‬من بقايععا‬
‫مشعععّوهة لكتعععب أنبيعععائهم ‪ ،‬معععع آراء وتفسعععيرات أحبعععارهم ‪،‬‬
‫ومعتقدات وأساطير وخرافات القوام ‪ ،‬التي عاشوا فيمععا بينهععا ‪،‬‬
‫على مّر العصور ‪ ،‬ومصدر هذه العقيدة في الصل هععو التععوراة ‪،‬‬
‫والتي سبق أن قلنا أنها ُكتبت بشكلها النهائي ‪ ،‬فععي القععرن الول‬
‫الميلدي ‪ ،‬قبععل خروجهععم النهععائي مععن فلسععطين ‪ ،‬وتشعّتتهم فععي‬
‫كافة أرجاء الرض ‪.‬‬
‫‪256‬‬

‫وفيما بعد السبي البابلي ‪ ،‬قام كهنتهععم وأحبععارهم ) حكمععائهم ( ‪،‬‬
‫بتععأليف ُكتععب جمعععوا فيهععا ‪ ،‬معتقععداتهم وآرائهععم وشععروحهم‬
‫ت بععه موسععى‬
‫للتوراة ‪ ،‬وقالوا أنها القانون الشفوي ‪ ،‬الذي لم يععأ ِ‬
‫عليععه السععلم مكتوبععا ‪ ،‬والععذي تنععاقلوه شععفاها عععبر الجيععال ‪،‬‬
‫سعّمي بععالتلمود ‪ ،‬والععذي يعتععبرونه‬
‫جمعت هععذه المؤلفععات فيمععا ُ‬
‫وُ‬
‫جمععع‬
‫أكثر ُقدسية من التوراة نفسها ‪ ،‬ولديهما تلمععودان أحععدهما ُ‬
‫جمععع‬
‫ي تلمود أورشليم ‪ ،‬والخععر ُ‬
‫سم َ‬
‫في فلسطين عام ‪ 400‬م ‪ ،‬و ُ‬
‫ي تلمود بابل ‪ ،‬وهو الشهر ويقع في‬
‫سم َ‬
‫في بابل عام ‪ 500‬م ‪ ،‬و ُ‬
‫‪ُ 36‬مجّلدا ‪ .‬وقد كان التلمود ُيعامععل بسععرية ‪ ،‬فيمععا بيععن اليهععود ‪،‬‬
‫وقد تم طبعه في أوروبا ‪ ،‬في القععرون الوسععطى ‪ ،‬وكّلمععا ُأكتشععف‬
‫أمره في الدول الوربيععة ‪ ،‬كععان ُيصععادر وُيجمعع وُيحععرق ‪ ،‬وكععان‬
‫اكتشافه سببا ‪ ،‬في كثير من حععالت الضععطهاد والتعععذيب والقتععل‬
‫والنفي لليهود ‪ .‬ومن هذا نخلص إلى أن الديانععة اليهوديععة ‪ ،‬هععي‬
‫ما جاء من معتقدات في التلمود أول وثانيا وثالثا … ‪ ،‬والتععوراة‬
‫على ما بقي فيها من وحي أخيرا ‪.‬‬
‫ماهية التلمود ومعتقدات اليهود ‪:‬‬
‫قال د‪ ) .‬جوزيف باركلي ( أحد الباحثين في التلمععود ‪ " :‬وبعععض‬
‫أقوال التلمععود مغععاٍل ) ُمبععالغ فيععه ( ‪ ،‬وبعضععها كريععه ‪ ،‬وبعضععها‬
‫الخر كفر ‪ .‬ولكنهععا تشعّكل فععي صععورتها المخلوطععة ‪ ،‬أثععرًا غيععر‬
‫عادي ‪ ،‬للجهد النساني ‪ ،‬وللعقل النساني ‪ ،‬وللحماقة النسععانية‬
‫"‪.‬‬
‫وممععا جععاء فععي التلمععود مععن تعععاليم ‪ ،‬نعععرض بعععض المقتطفععات‬
‫ي ) تعععاليم التلمععود ( لظفععر السععلم خععان ‪،‬‬
‫التاليععة ‪ ،‬مععن كتععاب ّ‬
‫و) بروتوكولت حكماء صهيون ( لعجاج نويهض ‪:‬‬
‫‪257‬‬

‫يقععول عجععاج نععويهض ‪ " :‬هععذه الكلمععات للعلمععة ) بععولس حنععا‬
‫مسعد ( ‪ ،‬صاحب كتععاب ) همجيععة التعععاليم الصععهيونية ( ‪ ،‬وممععا‬
‫شععر بععه العععالم ‪،‬‬
‫قاله المؤلف في مقدمته ‪ " :‬للمسيحي إنجيلععه يب ّ‬
‫وللمسلم قرآنه ينشره بين جميع الشعععوب ‪ ،‬أمععا السععرائيلي فلععه‬
‫كتابععان ؛ كتععاب معععروف وهععو التععوراة ‪ ،‬ل يعمععل بععه ‪ ،‬والخععر‬
‫ضله علععى الول ويدرسععه‬
‫مجهول ل يعرفه العالم ) التلمود ( ‪ ،‬يف ّ‬
‫خفية ‪ ،‬وهو أساس كل مصيبة ‪ .‬والنصارى يؤمنون بأن ال هععو‬
‫أبو الجميععع ‪ ،‬والمسععلمين يعععترفون بععأن الع رب العععالمين ‪ .‬أمععا‬
‫الصععهيونيون يريععدون أن يكععون اللععه ‪ ،‬لهععم وحععدهم ‪ ،‬زد علععى‬
‫ص على أن جميع خيرات الرض ‪ ،‬ملك لبني‬
‫ذلك ‪ ،‬أن التلمود ين ّ‬
‫إسععرائيل ‪ ،‬وأن النصععارى والمسععلمين وعبععدة الوثععان ‪ ،‬خلقععوا‬
‫عبيدا لهم ‪ .‬هم منحدرون من ال ‪ ،‬كمععا ينحععدر البععن مععن أبيععه ‪،‬‬
‫وشعوب الرض مشّتقة من الرواح النجسة ‪ ،‬ولم ُيعطوا صععورة‬
‫النسانية ‪ ،‬إل إكراما لبني إسرائيل " ‪.‬‬
‫نظرة التلمود لكافة البشر ‪:‬‬
‫المخلوقات نوعان ؛ علوي وسفلي ‪ .‬العالم يسععكنه سععبعون شعععبا‬
‫بسبعين لغة ‪ .‬إسرائيل صععفوة المخلوقععات ‪ ،‬واختععاره ال ع ‪ ،‬لكععي‬
‫تكون له السيادة العليا ‪ ،‬على بني البشر جميعا ‪ ،‬سععيادة النسععان‬
‫جن ‪ " .‬إن نفععوس اليهععود منّعععم عليهععا ‪ ،‬بععأن‬
‫على الحيوان الُمععد ّ‬
‫تكون جزءا من ال ‪ ،‬فهي تنبثق من جوهر ال ‪ ،‬كما ينبثق الولد‬
‫من جوهر أبيه " ‪ ،‬و" هذا السبب يجعععل نفععس اليهععودي ‪ ،‬أكععثر‬
‫قبععول عنععد العع ‪ ،‬وأعظععم شععأنا عنععد العع ‪ ،‬مععن نفععوس سععائر‬
‫ق نفوسععهم مععن الشععيطان ‪ ،‬وهععي‬
‫الشعععوب ‪ ،‬لن هععؤلء ُتشععت ّ‬
‫مشابهة لنفوس الحيوانات والجماد " ‪.‬‬
‫‪258‬‬

‫ولهذا يقول التلمود ‪ " :‬أن زرع ) نطفة ( الرجععل غيععر اليهععودي‬
‫هي زرع حيواني " ‪ .‬و" زرع الغراب كععزرع الحصععان " ‪ .‬و"‬
‫إن غير اليهود كلب عنععد اليهععود " ‪ .‬و" إن غيععر اليهععودي ‪ ،‬ل‬
‫يختلف بشيء عن الخنزير البري " ‪ .‬و" إن بيععوت غيععر اليهععود‬
‫زرائب للحيوانات " ‪ ،‬و" قد ُكتب على شعوب الرض ‪ :‬لحومكم‬
‫من لحوم الحمير ‪ ،‬وزرعكم من زرع الحيوانععات " ‪ .‬و" كمععا أن‬
‫ربة البيت تعيش من خيرات زوجها ‪ ،‬هكذا أبناء إسرائيل ‪ ،‬يجععب‬
‫أن يعيشوا من خيرات المم ‪ ،‬دون أن يتحّملوا عناء العمل " ‪.‬‬
‫نظرة التلمود إلى العرب ) القدماء ( ‪:‬‬
‫أمععة ُمحتقععرة ‪ ،‬مععن العععار الععزواج بعربيععة ‪ ،‬يعبععدون الصععنام ‪،‬‬
‫مرتكبو تسعة أعشار الجرائم في العالم ‪ ،‬صفتهم الغععدر وكراهيععة‬
‫اليهود ‪ ،‬كانوا قادة تخريب الهيكل مع نبوخذ نصر ‪.‬‬
‫التعامل مع الملل الخرى ‪:‬‬
‫" إن عبعععدة الوثعععان ‪ ،‬العععذين ل يعتنقعععون العععدين اليهعععودي ‪،‬‬
‫والمسيحيين والمسلمين ‪ ،‬هم في نظر اليهود أعداء ال ع وأعععداء‬
‫اليهود " ‪ .‬و" يسعمح التلمعود لصعدقاء الع وأقعاربه ‪ ،‬فعي أن‬
‫ن"‬
‫ُيضّلوا الشرار " ‪ .‬و" ممنوع السلم علععى الكفععار " ‪ ،‬ولك ع ّ‬
‫ش الغريب وتععدينه بالربععا‬
‫الرياء مسموح به " ‪ .‬و" ُيمكنك أن تغ ّ‬
‫الفاحش " ‪ .‬و" يجب انتزاع قلب النصراني من جسعده ‪ ،‬وإهلك‬
‫عليععة القععوم منهععم " ‪ .‬و" إذا رّد أحععد اليهععود إلععى الغريععب مععا‬
‫أضاعه ‪ ،‬فالرب ل يغفر له أبدا " ‪ .‬و" ُأقتل عبدة الوثععان ‪ ،‬ولععو‬
‫كان أكثر الناس كمال " ‪ .‬و" إذا وقع وثنععي فععي حفععرة فاسععددها‬
‫عليه بحجر " ‪ .‬و" من يسفك دم الكفععار ) غيععر اليهععود ( بيععده ‪،‬‬
‫‪259‬‬

‫يقّدم قربانا ُمرضيا ل " ‪ .‬وإجمال يقول التلمود ‪ :‬أن مععن ينتهععك‬
‫الوصايا العشر مع غير اليهود فهو جائز بل واجب ‪.‬‬
‫التجديف على الله ‪:‬‬
‫" اليهود يضعون التلمععود فععوق التععوراة ‪ ،‬والحاخععام فععوق الع ‪،‬‬
‫وال يقرأ وهععو واقععف علععى قععدميه ‪ ،‬ومععا يقععوله الحاخععام يفعلععه‬
‫ال ع ‪ ،‬إن تعععاليم اللهععوتيين فععي التلمععود ‪ ،‬لهععي أطيععب مععن كلم‬
‫الشععريعة ) كلم الع ( ‪ ،‬والخطايععا الُمقترفععة ضععد التلمععود ‪ ،‬لهععي‬
‫أعظم من المقترفة ضد التوراة " ‪ .‬و" إن الرباني مناحيم ُيطلعنا‬
‫بالتفاق مع كثير من العلماء ‪ ،‬علععى أن الع يأخععذ رأي الربععانيين‬
‫علععى الرض ‪ ،‬فععي المشععاكل الععتي تنشععأ فععي السععماء " ‪ .‬و" إن‬
‫كلمات الربانيين أشعّد عذوبععة مععن كلمععات النبيععاء … وذلععك لن‬
‫كلماتهم هي كلمات ال " ‪.‬‬
‫و" إن ال قد تاب عن تركه بني إسرائيل ‪ ،‬يرتطمون في الشععقاء‬
‫‪ ،‬كمن يتوب عن إثم شخصي ‪ . " … ،‬و" أن ال ع عنععدما ُيقسععم‬
‫في كعل معرة ‪ ،‬بعدون ُمعبّرر معقعول ‪ ،‬فمعن اللزم أن يحعّل قسعمه‬
‫بقسععم آخععر نظيععره ‪ . " … ،‬و" أن ال ع قععد أقسععم بغيععر عععدل ‪،‬‬
‫وارتكب خطيئة الكذب ‪ ،‬لكععي يلقععي السععلم والععوئام ‪ ،‬بيععن سععارة‬
‫ب إلععى الع مععن الملئكععة ‪ ،‬فالععذي‬
‫وإبراهيم " ‪ .‬و" أن اليهود أح ّ‬
‫يصفع اليهودي ‪ ،‬كمن يصفع العناية اللهية سواء بسواء ‪ ،‬وهذا‬
‫ُيفسر لنا ‪ ،‬استحقاق الوثني وغيععر اليهععودي المععوت ‪ ،‬إذا ضععرب‬
‫يهوديا " ‪ .‬و" وإذا أراد الرجل أن يقترف ذنبا ‪ ،‬فعليه أن يععذهب‬
‫إلى مكان ‪ ،‬هو مجهول فيه ‪ ،‬لئل ُيهين ال علنية " ‪.‬‬

‫‪260‬‬

‫الملئكة ‪:‬‬
‫" إن عمل الملئكة الرئيسي ‪ ،‬سكب النععوم علععى عيععون البشععر ‪،‬‬
‫وحراستهم في الليل ‪ ،‬أما في النهار فإنهم ُيص عّلون عععن البشععر ‪،‬‬
‫ولذلك ‪ ،‬يجب أن نلتجئ إليهم " ‪.‬‬
‫النبياء ‪:‬‬
‫" أن إبراهيم أكل ‪ 74‬رجل ‪ ،‬وشرب دمائهم دفعة واحدة ‪ ،‬ولذلك‬
‫كان له قوة ‪ 74‬رجل " ‪ .‬وصفوا عيسععى عليععه السععلم بععالحمق‬
‫والمجذوم و" غشععاش بنععي إسععرائيل " ‪ ،‬واتهمععوا أمععه بالزنععا ‪،‬‬
‫وتلميذه بالملحدين ‪ ،‬والنجيل بالكتاب المملوء بالثم ‪.‬‬
‫التنجيم ‪:‬‬
‫يعتقععد التلمععود اعتقععادا جازمععا ‪ ،‬بععأن التنجيععم علععم يتحكععم بحيععاة‬
‫الناس ‪ ،‬ومن أقوالهم ‪ " :‬إن تععأثير النجععوم تجعععل الرجععل ذكيععا ‪،‬‬
‫وبنو إسرائيل تحت تأثير النجوم " ‪ " ،‬إن كسععوف الشععمس آيععة‬
‫سوء للشعوب ‪ ،‬وخسوف القمععر آيععة سععوء لبنععي إسععرائيل ‪ ،‬لن‬
‫إسرائيل تعتمد في بقائها على القمر " ‪.‬‬
‫السحر ‪:‬‬
‫والتلمععود مليععء بطقععوس السععحر والشعععوذة والعرافععة ‪ ،‬وطععرق‬
‫ن ‪ ،‬وفيه أن الرواح الشريرة والشياطين والجنيعات‬
‫التصال بالج ّ‬
‫‪ ،‬من ذريععة آدم ‪ .‬وأنهععم يطيععرون فععي كععل اتجععاه ‪ ،‬وهععم يعرفععون‬
‫أحععوال المسععتقبل ‪ ،‬باسععتراق السععمع ‪ ،‬وهععم يععأكلون ويشععربون‬
‫ويتكاثرون مثل النسان ‪ ،‬ويجوز للناس استشارة الشيطان ‪ ،‬في‬
‫آخر أيام السبوع ‪.‬‬
‫‪261‬‬

‫الروح والبعث والجزاء ‪:‬‬
‫لهم فيها أقوال شتى ‪ " ،‬تنتقل نفس اليهودي بعد موته إلى جسد‬
‫آخر ‪ ،‬وعندما يلفظ المتقدم في السن أنفاسه ‪ ،‬تسععرع نفسععه إلععى‬
‫جنين في بطن أمه " ‪ .‬ومنها ؛ أن اليهودي الععذين يقتععل يهوديععا‬
‫" تدخل روحه في الحيوانات والنباتات ‪ ،‬ثم تذهب إلععى الجحيععم ‪،‬‬
‫ي عشر شهرا ‪ ،‬ثم تعود ثانية لتععدخل‬
‫وتعّذب عذابا أليما ‪ ،‬مدة اثن ّ‬
‫في الجمادات ‪ ،‬ثم في الحيوانات ‪ ،‬ثم في الععوثنيين ‪ ،‬حععتى ترجععع‬
‫إلى جسد يهععودي بعععد تطهيرهععا " ‪ .‬ويقولععون أن الجنععة ‪ ،‬ليععس‬
‫فيهعععا أكعععل أو شعععرب ‪ ،‬أو زواج أو تناسعععل … ‪ ،‬وإنمعععا يجلعععس‬
‫الصالح فيها بوقار وسععكينة ‪ ،‬ويقولععون أن نععار جهنععم ل سععلطان‬
‫لها ‪ ،‬علععى ُمععذنبي بنععي إسععرائيل ‪ ،‬ول سععلطان لهععا علععى تلمععذة‬
‫الحكماء ‪.‬‬
‫ويقولون أنه ل حساب بعد انفصال الروح عن الجسد ‪ .‬ويقولععون‬
‫" المشعععروبات السعععماوية هعععي الخمعععور الفعععاخرة ‪ ،‬المعّتقعععة‬
‫المحفوظة من يععوم الخليقععة السععادس ‪ ،‬وهععذه الجّنععة اللذيععذة ‪ ،‬ل‬
‫جون في نار جهنععم‬
‫يدخلها إل اليهود الصالحون ‪ ،‬أما الباقون فُيز ّ‬
‫" ‪ .‬و" … ‪ ،‬ويععععأتي المسععععلمون بعععععد النصععععارى ‪ ،‬لنهععععم ل‬
‫يغسععلون ‪ ،‬سععوى أيععديهم وأرجلهععم وأفخععاذهم وعععوراتهم ‪ ،‬كععل‬
‫هؤلء ‪ُ ،‬يحشرون حشرا في جهنم ‪ ،‬ول يغادرونها أبدا " ‪.‬‬
‫التطلع الدائم للملك ‪:‬‬
‫" إن المسيح ) الذي ينتظرون ظهوره ( ُيعيد قضععيب الُملععك إلععى‬
‫إسرائيل ‪ ،‬فتخدمه الشعوب وتخضع لعه الممالعك " ‪ " ،‬ول يعأتي‬
‫ما لم ينقرض ُملك الشعوب غير اليهودية " ‪ " ،‬ذلك أن إسرائيل‬
‫إذا كان صالحا ‪ ،‬يجب عليه أن يعمل بغير هوادة ‪ ،‬في العمل على‬
‫‪262‬‬

‫أن ينبععذ المتس عّلطين ) الحكععام ( علععى الشعععوب نبععذ النععواة ‪ ،‬لن‬
‫السلطة على الشعوب غير اليهودية ‪ ،‬هي من نصيب اليهود فقط‬
‫‪ ،‬وفي كل مكان يدخله اليهود ‪ ،‬يجب أن يكونوا هم المتسععّلطين ‪،‬‬
‫وطالما هم بعيدون ‪ ،‬عن تحقيق هذه الفكرة ‪ ،‬فيعتععبرون أنفسععهم‬
‫منفيين وغرباء " ‪.‬‬
‫صععل لععدينا لمععا جععاء فععي‬
‫) وهذا المقتطفات جزء يسععير ‪ ،‬ممععا تح ّ‬
‫التلمود ‪ ،‬من أفكار وأقوال لحاخامات اليهود ( ‪.‬‬
‫ضععِعِه‬
‫ن مََوا ِ‬
‫ععع ْ‬
‫ن اْلَكِلععَم َ‬
‫حّرُفععو َ‬
‫ن َهععاُدوا ُي َ‬
‫ن اّلععِذي َ‬
‫قععال تعععالى ) ِمعع َ‬
‫سَنِتِهمْ‬
‫عَنا َلّيا ِبَأْل ِ‬
‫سَمٍع َوَرا ِ‬
‫غْيَر ُم ْ‬
‫سَمْع َ‬
‫صْيَنا َوا ْ‬
‫ع َ‬
‫سِمْعَنا َو َ‬
‫ن َ‬
‫َوَيُقوُلو َ‬
‫ظْرَنععا‬
‫سعَمْع َواْن ُ‬
‫طْعَنععا َوا ْ‬
‫سعِمْعَنا َوَأ َ‬
‫ن َوَلْو َأّنُهْم َقععاُلوا َ‬
‫طْعًنا ِفي الّدي ِ‬
‫َو َ‬
‫ن ِإّل‬
‫ل ُيْؤِمُنععو َ‬
‫لع ِبُكْفِرِهعْم َف َ‬
‫ن َلَعَنُهعُم ا ُّ‬
‫خْيًرا َلُهعْم َوَأْقعَوَم َوَلِكع ْ‬
‫ن َ‬
‫َلَكا َ‬
‫ب َءاِمُنوا ِبَما َنّزْلَنا ُمصَ عّدًقا ِلمَععا‬
‫ن ُأوُتوا اْلِكَتا َ‬
‫ل )‪ (46‬يَأّيَها اّلِذي َ‬
‫َقِلي ً‬
‫عَلععى َأْدَباِرَهععا َأْو َنْلَعَنُهعمْ‬
‫جوًها َفَنُرّدَهععا َ‬
‫س ُو ُ‬
‫طِم َ‬
‫ن َن ْ‬
‫ن َقْبِل َأ ْ‬
‫َمَعُكْم ِم ْ‬
‫لع َل‬
‫لع َمْفُععوًل )‪ِ (47‬إنّ ا َّ‬
‫ن َأْمعُر ا ِّ‬
‫ت َوَكعا َ‬
‫سعْب ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫حا َ‬
‫صع َ‬
‫َكَما َلَعّنا َأ ْ‬
‫ك ِبععا ِّ‬
‫ل‬
‫ن ُيشِْر ْ‬
‫شاُء َوَم ْ‬
‫ن َي َ‬
‫ك ِلَم ْ‬
‫ن َذِل َ‬
‫ك ِبِه َوَيْغِفُر َما ُدو َ‬
‫شَر َ‬
‫ن ُي ْ‬
‫َيْغِفُر َأ ْ‬
‫س عُهْم َب عِل‬
‫ن َأْنُف َ‬
‫ن ُيَزّكو َ‬
‫ظيًما )‪َ (48‬أَلْم َتَر ِإَلى اّلِذي َ‬
‫عِ‬
‫َفَقِد اْفَتَرى ِإْثًما َ‬
‫ظ عْر َكْي عفَ َيْفَت عُرو َ‬
‫ن‬
‫ل )‪ (49‬اْن ُ‬
‫ن َفِتي ً‬
‫ظَلُمععو َ‬
‫شاُء َوَل ُي ْ‬
‫ن َي َ‬
‫ل ُيَزّكي َم ْ‬
‫ا ُّ‬
‫ب َوَكَفى ِبِه ِإْثًما ُمِبيًنا )‪َ (50‬أَلْم َتَر ِإَلععى اّلعِذينَ ُأوُتععوا‬
‫ل اْلَكِذ َ‬
‫عَلى ا ِّ‬
‫َ‬
‫ن ِلّلعِذينَ‬
‫ت َوَيُقوُلععو َ‬
‫غو ِ‬
‫طععا ُ‬
‫ت َوال ّ‬
‫جْب ِ‬
‫ن ِبععاْل ِ‬
‫ب ُيْؤِمُنععو َ‬
‫ن اْلِكَتععا ِ‬
‫صيًبا ِم َ‬
‫َن ِ‬
‫ل )‪ُ (51‬أوَلِئكَ اّلعِذينَ‬
‫سعِبي ً‬
‫ن َءاَمُنعوا َ‬
‫ن اّلعِذي َ‬
‫َكَفُروا َهُؤَلِء َأْهعَدى ِمع َ‬
‫صيًرا )‪ 52‬النساء ( ‪.‬‬
‫جَد َلُه َن ِ‬
‫ن َت ِ‬
‫ل َفَل ْ‬
‫ن ا ُّ‬
‫ن َيْلَع ِ‬
‫ل َوَم ْ‬
‫َلَعَنُهُم ا ُّ‬
‫المؤامرة اليهودية ‪:‬‬
‫هي شجرة شيطانية ‪ ،‬ل تراها فوق أنفك ‪ ،‬ول ترى رسمها فععوق‬
‫السعععطور ‪ ،‬بعععذورها التعععوراة ‪ ،‬وجعععذورها التلمعععود ‪ ،‬وجعععذعها‬
‫‪263‬‬

‫بروتوكولت الحكماء ‪ ،‬وفروعهععا الهيئات والمنظمععات الدوليععة ‪،‬‬
‫وأوراقها كععل وسععائل العلم المرئيععة والمسععموعة والمكتوبععة ‪،‬‬
‫وثمارها اللحاد والنحلل ‪ُ .‬أنتجت بععذورها فععي ألمانيععا ‪ ،‬ونقلععت‬
‫سقيت بماء الذهب ‪ ،‬وأضيف إليهععا سععماد‬
‫وُزرعت في بريطانيا و ُ‬
‫غرست فععي أمريكععا ‪ ،‬ذات‬
‫الشهوة ‪ ،‬ولما استقام عودها ‪ُ ،‬نقلت و ُ‬
‫الراضي الخصبة ‪ ،‬لمثل هذا النوع من الشجار ‪ ،‬فاشععتّد عودهععا‬
‫وارتفع ‪ ،‬حتى بلععغ عنععان السععماء ‪ ،‬وامتععدت جععذورها إلععى شععتى‬
‫بقاع الرض ‪ ،‬وبدأنا نقطف شععيئا مععن بععواكير ثمارهععا ‪ ،‬وعنععدما‬
‫ينضععب مععاء الععذهب مععن الرض ‪ ،‬سععتعلن حربهععا المععدّمرة علععى‬
‫الععععالم ‪ ،‬لنقطعععف الفعععوج الثعععاني معععن ثمعععار الفقعععر والمجاععععة‬
‫والمرض ‪ ،‬ول علج ‪ .‬آنذاك يأتي يوم الحصاد ‪ ،‬قيام مملكة داود‬
‫صععب العجععل‬
‫الدكتاتورية العالمية البدية ‪ ،‬في قدس القداس ‪ ،‬لُين ّ‬
‫الذهبي ‪ ،‬إله أوحدا لكل البشر ‪ ،‬على أطلل المسجد القصى ‪.‬‬
‫المؤامرة الولى في تاريخ بني إسرائيل‬
‫قدْ َ‬
‫قال تعالى ) ل َ َ‬
‫ه‬
‫وإ ِ ْ‬
‫سنن َ‬
‫ن ِ‬
‫وت ِ ِ‬
‫كا َ‬
‫في ُيو ُ‬
‫خنن َ‬
‫ف َ‬
‫ن )‪(7‬‬
‫َ‬
‫ءاَيا ٌ‬
‫ت ِلل ّ‬
‫سائ ِِلي َ‬
‫سورة يوسف وبالرغم من تسميتها باسمه عليه السلم ‪ ،‬تحكععي‬
‫في الواقع ‪ ،‬قصة ُأخوة يوسف ‪ ،‬وتروي تفاصععيل أول مععؤامرة ‪،‬‬
‫حاكها ونفععذها بنععوا إسععرائيل ) يعقععوب ( بععدم بععارد ‪ ،‬ضععد أبيهععم‬
‫وأخيهم يوسف عليهما السلم ‪ ،‬أحّبهم إلى قلب أبيه ‪ ،‬وبوحشععية‬
‫منقطعععة النظيععر ‪ ،‬وقععوله تعععالى ) فععي يوسععف وأخععوته آيععات‬
‫للسائلين ( ‪ ،‬يؤكععد أن موضععوع السععورة ‪ ،‬هععو مععا قععام بععه أخععوة‬
‫يوسععف مععن أفعععال ‪ ،‬تععدّل علععى عععدم إيمععانهم بععال ومععا جععاء بععه‬
‫أنبياءه ‪ ،‬من علم وموعظة وحكمة ‪ ،‬من آبائهم إبراهيم وإسحاق‬
‫‪264‬‬

‫ويعقوب ‪ ،‬وأنهم لما كادوا ليوسف مععا كععادوه ‪ ،‬كععانوا قععد أغفلععوا‬
‫كليا ‪ ،‬وجود ال سبحانه وتعععالى ‪ ،‬وأنكععروا قععدرته علععى التععدخل‬
‫ططون له رأسا على عقب ‪،‬‬
‫بمجريات المور ‪ ،‬وقلب نتائج ما ُيخ ّ‬
‫وأنكروا أيضا نبوة أبيهم يعقوب عليه السلم ‪.‬‬
‫أخوة يوسف ليسوا أنبياء ‪:‬‬
‫ي َل‬
‫جاء في تفسير القرطععبي رحمعه الع لليععة التاليععة ) َقععاَل َيُبَنع ّ‬
‫سانِ‬
‫طانَ ِللِْْن َ‬
‫شْي َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ك َكْيًدا ِإ ّ‬
‫ك َفَيِكيُدوا َل َ‬
‫خَوِت َ‬
‫عَلى ِإ ْ‬
‫ك َ‬
‫ص ُرْؤَيا َ‬
‫َتْقصُ ْ‬
‫ن )‪ (5‬مععا نصععه ‪ " :‬ودل أيضععا علععى أن يعقععوب عليععه‬
‫ععُدوّ ُمِبيع ٌ‬
‫َ‬
‫السلم ‪ ،‬كان أحس من بنيععه حسععد يوسععف وبغضععه ‪ ،‬فنهععاه عععن‬
‫قصص الرؤيا عليهم ‪ ،‬خععوف أن تغعّل بععذلك صععدورهم ‪ ،‬فيعملععوا‬
‫الحيلة في هلكه ‪ ،‬ومن هععذا ‪ ،‬ومععن فعلهععم بيوسععف ‪ ،‬يععدل علععى‬
‫أنهم كانوا غير أنبياء ‪ ،‬في ذلك الععوقت ) ولععم يكونععوا أنبيععاء فععي‬
‫غير ذلك الوقت أيضا ( ‪ ،‬ووقع في كتاب الطبري لبن زيد ‪ ،‬أنهم‬
‫كععانوا أنبيععاء ‪ ،‬وهععذا يععرّده القطععع بعصععمة النبيععاء عععن الحسععد‬
‫الدنيوي ‪ ،‬وعن عقوق الباء ‪ ،‬وتعريض مؤمن للهلك ‪ ،‬والتآمر‬
‫فععي قتلععه ‪ ،‬ول التفععات لقععول مععن قععال إنهععم كععانوا أنبيععاء ‪ ،‬ول‬
‫يستحيل في العقل زلة نبي ‪ ،‬إل أن هعذه الزلععة قعد جمعععت أنواععا‬
‫من الكبائر ‪ ،‬وقد أجمع المسععلمون علععى عصعمتهم منهععا ‪ ،‬وإنمععا‬
‫اختلفوا في الصغائر " ‪.‬‬
‫لفظ سبط ُيطلق على الحفاد وليس على‬
‫البناء ‪:‬‬
‫وفععي لسععان العععرب " وقيععل السععبط واحععد السععباط ‪ ،‬وهععو ولععد‬
‫الولععد ‪ ،‬وقععال ابععن سععيده ‪ :‬السععبط ولععد البععن والبنععة ‪ ،‬وفععي‬
‫الحديث ‪ ،‬الحسن والحسين ‪ ،‬سععبطا رسععول الع صععلى الع عليععه‬
‫‪265‬‬

‫وسلم ‪ ،‬ورضي عنهما ‪ ،‬ومعنعاه طائفتعان وقطعتعان منعه ‪ ،‬ومنعه‬
‫حديث الضعباب ‪ ،‬إن الع غضعب علعى سعبط معن بنعي إسعرائيل ‪،‬‬
‫فمسخهم دواب ‪ ،‬والسبط من اليهود كالقبيلععة مععن العععرب ‪ ،‬وهععم‬
‫س عّمي سععبطا ‪ ،‬ليفععرق بيععن ولععد‬
‫الععذين يرجعععون إلععى أب واحععد ُ‬
‫إسععماعيل وولععد إسععحاق ‪ ،‬وجمعععه أسععباط ‪ .‬قععالوا والصععحيح أن‬
‫السباط ‪ ،‬في ولد إسحاق بععن إبراهيععم ‪ ،‬بمنزلععة القبععائل فععي ولععد‬
‫إسماعيل عليهم السلم ‪ ،‬وإنما سمي هععؤلء بالسععباط ‪ ،‬وهععؤلء‬
‫بالقبععائل ‪ ،‬ليفصععل بيععن ولععد إسععماعيل ‪ ،‬وولععد إسععحاق عليهمععا‬
‫السلم ‪ .‬وجاء أيضا أن السععبط لغععة ‪ ،‬هععو نبععات ذو سععاق طويلععة‬
‫مفردة عليها أوراق دقيقة ‪ ،‬تعلفه البل " ‪.‬‬
‫وبالتالي نستطيع القول ‪ ،‬بععأن لفععظ السععباط ‪ُ ،‬أطلععق علععى أحفععاد‬
‫يعقععوب عليهععم السععلم ‪ ،‬وليععس علععى أبنععائه الثنععي عشععر ‪ ،‬بععل‬
‫يتعدى ذلك إلى كل نسل بنععي إسععرائيل ‪ ،‬حععتى يومنععا هععذا ‪ ،‬وأّمععا‬
‫ب‬
‫ق َوَيْعُقععو َ‬
‫حا َ‬
‫سَ‬
‫عيَل َوِإ ْ‬
‫سَما ِ‬
‫قوله تعالى ) َوَما ُأنِزَل ِإَلى ِإْبَراِهيَم َوِإ ْ‬
‫ط )‪ 136‬البقععرة ( ‪ ،‬المقصععود هنععا النبيععاء مععن الحفععاد‬
‫سعَبا ِ‬
‫َواَْل ْ‬
‫علععى معّر العصععور ‪ ،‬ومنهععم يوسععف وموسععى وداود وسععليمان ‪،‬‬
‫وزكريا ويحيى وعيسى ‪ ،‬ومن ُكّذب وُقتل من أنبياء بني إسرائيل‬
‫‪ ،‬وهم كثير ‪ ،‬ممن لم ُتذكر أسمائهم ‪ .‬والوحيد مععن أبنععاء يعقععوب‬
‫ص القعرآن علعى نبعّوته هعو يوسعف عليعه‬
‫الثني عشر ‪ ،‬العذي نع ّ‬
‫ب ُكلّ‬
‫ق َوَيعُْقععو َ‬
‫حا َ‬
‫سع َ‬
‫السععلم ‪ ،‬بدللععة قععوله تعععالى ) َوَوَهْبَنععا َلعُه ِإ ْ‬
‫ب‬
‫سعَلْيَمانَ َوَأّيععو َ‬
‫ن ُذّرّيِتعِه َداُوَد َو ُ‬
‫ن َقْبعُل َوِمع ْ‬
‫حا َهعَدْيَنا ِمع ْ‬
‫َهَدْيَنا َوُنو ً‬
‫ن )‪84‬‬
‫سعععِني َ‬
‫ح ِ‬
‫جعععِزي اْلُم ْ‬
‫ن َوَكعععَذِلكَ َن ْ‬
‫سعععى َوَهعععاُرو َ‬
‫ف َوُمو َ‬
‫سععع َ‬
‫َوُيو ُ‬
‫ت َفَمعا ِزْلُتعمْ‬
‫ن َقْبعُل ِباْلَبّيَنعا ِ‬
‫ف ِم ْ‬
‫س ُ‬
‫جاَءُكْم ُيو ُ‬
‫النعام ( وقوله ) َوَلَقْد َ‬
‫لع ِمعنْ َبْععِدِه‬
‫ث ا ُّ‬
‫ن َيْبَعع َ‬
‫ك ُقْلُتْم َلع ْ‬
‫حّتى ِإَذا َهَل َ‬
‫جاَءُكْم ِبِه َ‬
‫ك ِمّما َ‬
‫شّ‬
‫ِفي َ‬
‫‪266‬‬

‫سوًل )‪ 34‬غافر ( ‪ ،‬بالضافة إلى ما جاء مععن آيععات فععي سععورة‬
‫َر ُ‬
‫يوسف ‪.‬‬
‫طا ُأمَمًععا )‬
‫س عَبا ً‬
‫ش عَرَة َأ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ي َ‬
‫طْعَنععاُهُم اْثَنَت ع ْ‬
‫وانظر في قوله تعالى ) َوَق ّ‬
‫‪ 160‬العراف ( ‪ ،‬وقععوله تعععالى ) أسععباطا أممععا ( أي تععم فرزهععم‬
‫حسععب انتسععاب كععل فععرد منهععم ‪ ،‬إلععى أحععد أبنععاء يعقععوب عليععه‬
‫السلم ‪ ،‬فنتج بالتالي اثنتي عشرة أمععة ‪ ،‬وكععل أمععة ُأطلععق عليهععا‬
‫سمي كل سبط باسم أحد أبناء يعقععوب ‪ ،‬وعلععى ذلععك‬
‫لفظ سبط ‪ ،‬و ُ‬
‫ُيطلق لفظ سبط على مجموعة من الفراد ‪ ،‬يجمعهم انتسابهم إلى‬
‫أب واحد ‪ ،‬فيقال سبط يوسف أي قبيلة يوسف ‪.‬‬
‫فصول المؤامرة الولى ‪:‬‬
‫َ‬
‫) إ ِذْ َ‬
‫ب إ َِلننى أ َِبيَنننا‬
‫وأ َ ُ‬
‫س ُ‬
‫حنن ّ‬
‫خوهُ أ َ‬
‫قاُلوا ل َُيو ُ‬
‫ف َ‬
‫ة إن أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ض‬
‫ني‬
‫ن‬
‫ف‬
‫ل‬
‫نا‬
‫ن‬
‫ن‬
‫با‬
‫ن ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫صب َ ٌ ِ ّ‬
‫َ‬
‫ون َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ع ْ‬
‫ٍ‬
‫مّنا ‪َ ،‬‬
‫ن )‪(8‬‬
‫ُ‬
‫مِبي ٍ‬
‫‪ .1‬قععام أبنععاء يعقععوب بعقععد اجتمععاع سععري ‪ ،‬بعيععدا عععن‬
‫المعنيين بالمر ) يعقوب ويوسف وأخيه (‬
‫‪ .2‬كانت المشكلة مدار البحث حب أبيهععم ليوسععف وأخيععه ‪،‬‬
‫والدافع هو الحسد وحب التمّلك ‪.‬‬
‫ي الع‬
‫ن أبيهععم يعقععوب نععب ّ‬
‫‪ .3‬كان هناك إقععرار بالجمععاع ‪ ،‬أ ّ‬
‫ضاّل ‪ ،‬وضلله واضح ل ُلبس فيه ‪.‬‬
‫صلة من الكثرة ) فهم عشرة‬
‫‪ .4‬كانوا يؤمنون بالقوة المتح ّ‬
‫أشّقاء كبار مقابل اثنان صغار ( ‪.‬‬
‫‪ .5‬جمعتهم وحدة الغاية والمصلحة ‪.‬‬
‫‪267‬‬

‫خن ُ‬
‫ل‬
‫ضننا ‪ ،‬ي َ ْ‬
‫حننوهُ أ َْر ً‬
‫اطَْر ُ‬
‫وت َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ما‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫كوُنوا ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫م ْ‬
‫و ً‬
‫ق ْ‬
‫َ‬

‫ف ‪ ،‬أَ‬
‫)ا ْ‬
‫و‬
‫س َ‬
‫قت ُُلوا ُيو ُ‬
‫ِ‬
‫ل َك ُم وجه أ َ‬
‫ُ‬
‫م‪،‬‬
‫ك‬
‫بي‬
‫ْ‬
‫ْ َ ْ ُ ِ‬
‫ن )‪(9‬‬
‫صال ِ ِ‬
‫حي َ‬
‫َ‬
‫‪ .1‬الطرح الول كان القتل أي حتمية الهلك ‪.‬‬
‫‪ .2‬الطرح الثاني كان النفي إلععى أرض بعيععدة مععع احتماليععة‬
‫الهلك ‪.‬‬
‫ب أبيهم ‪.‬‬
‫‪ .3‬كانت الغاية الستفراد بح ّ‬
‫‪ .4‬القععرار بعععدم مشععروعية عملهععم وفسععاده ‪ ،‬وذلععك قبععل‬
‫شروعهم بالتنفيذ ‪.‬‬
‫‪ .5‬تبييت نية بالتوبعة والصعلح ‪ ،‬قبعل ارتكعاب الجريمعة ‪،‬‬
‫ب ول عبد ‪.‬‬
‫وهذا منطق أعوج ل يقبله ر ّ‬
‫‪ .6‬إغفالهم للعناية اللهية الُمّدخرة في علم الغيععب ‪ ،‬والععتي‬
‫تتدخل في الوقت المناسب لتسيير المور ‪.‬‬
‫م ‪َ ،‬ل ت َ ْ‬
‫ل َ‬
‫) َ‬
‫قننائ ِ ٌ‬
‫قننا َ‬
‫ف‪،‬‬
‫سنن َ‬
‫ل ِ‬
‫قت ُُلننوا ُيو ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫هنن ْ‬
‫وأ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ض‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ه‬
‫ط‬
‫ق‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ي‬
‫‪،‬‬
‫ب‬
‫ج‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫ب‬
‫يا‬
‫غ‬
‫في‬
‫ه‬
‫قو‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ َ ْ‬
‫َ‬
‫ُ ّ‬
‫َ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن )‪(10‬‬
‫فا ِ‬
‫سّياَر ِ‬
‫ة ‪ ،‬إِ ْ‬
‫ال ّ‬
‫عِلي َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫‪ .1‬كععان أصععلحهم فاسععدا ‪ ،‬حيععث وافقهععم علععى فعععل المنكععر مععع‬
‫تخفيف الضرر ‪.‬‬
‫‪ .2‬كان هناك إصرار لدى الغلبية ‪.‬‬
‫‪ .3‬كان القرار النهائي أخف الضرر ‪ :‬إلقاء يوسععف فععي بئر مععع‬
‫توافر احتمالية الهلك ‪ ،‬فيما لو لم يلتقطه أحد ‪.‬‬

‫‪268‬‬

‫‪ .4‬عععدم الكععتراث بنبععوة أبيهععم ‪ ،‬ومععا كععان يتنععّزل عليععه مععن‬
‫الوحي ‪.‬‬
‫‪ .5‬غفلة وعمى بصر وبصيرة واتباع للهععوى ‪ ،‬فليععس فيهععم ذو‬
‫رأي سديد ‪ ،‬ول حتى شيطان أخرس ‪.‬‬
‫‪ .6‬جهل بعواقب المور ‪ ،‬كالثر النفسي والمعنوي البالغ ‪ ،‬على‬
‫من يطمحون بالستفراد بحبه ‪ ،‬وبالتالي عدم تحقق مرادهم ‪.‬‬
‫‪ .7‬تبييت النية للقيام بالفعل عندما تحين الفرصة ‪.‬‬
‫ك َل ت َأ ْ‬
‫قاُلوا يأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫) َ‬
‫ف‪،‬‬
‫يو‬
‫لننى‬
‫ع‬
‫نا‬
‫م‬
‫ل‬
‫ما‬
‫نا‬
‫با‬
‫َ‬
‫سنن َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وإّنا ل َه ل ََناصحون )‪ (11‬أ َ‬
‫ْ‬
‫عَنا َ‬
‫دا‬
‫ه‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫ِ‬
‫ِ ُ َ‬
‫غنن ً‬
‫م َ‬
‫ُ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ ِ‬
‫ف ُ‬
‫ن )‪(12‬‬
‫حننا ِ‬
‫ظو َ‬
‫ه لَ َ‬
‫عن ْ‬
‫وي َل ْ َ‬
‫ي َْرت َ ْ‬
‫وإ ِن ّننا ل َن ُ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قننا َ‬
‫ه‪،‬‬
‫ن َتننذْ َ‬
‫هُبوا ِبنن ِ‬
‫حُزن ُِننني أ ْ‬
‫ل إ ِّننني ل َي َ ْ‬
‫ف أ َن يننأ ْك ُل َه الننذّئ ْب ‪ ،‬وأ َ‬
‫وأ َ‬
‫ه‬
‫ن‬
‫نن‬
‫ع‬
‫م‬
‫ن‬
‫تن‬
‫ن‬
‫نا‬
‫خن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن )‪َ (13‬‬
‫ب‬
‫غننا ِ‬
‫فُلو َ‬
‫ه الننذّئ ْ ُ‬
‫قنناُلوا ل َئ ِ ْ‬
‫ن أك ََلنن ُ‬
‫ة ‪ ،‬إ ِن ّننا إ ِ ً‬
‫ن )‪(14‬‬
‫ذا ل َ َ‬
‫ن ُ‬
‫ص نب َ ٌ‬
‫خا ِ‬
‫س نُرو َ‬
‫ون َ ْ‬
‫حن ُ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في‬
‫عُلوهُ ِ‬
‫ما ذَ َ‬
‫هُبوا ب ِ ِ‬
‫عوا أ ْ‬
‫ج َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ُ‬
‫وأ ْ‬
‫ج َ‬
‫فل َ ّ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫غيابننة ال ْجننب ‪ ،‬وأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫هنن‬
‫ن‬
‫ئ‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ين‬
‫ل‬
‫إ‬
‫نننا‬
‫ي‬
‫ح‬
‫و‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ َ َ ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ ّ‬
‫ُ ْ‬
‫َ ْ‬
‫ِ‬
‫بأ َ‬
‫م َل ي َ ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪(15‬‬
‫ه‬
‫و‬
‫ذا‬
‫ه‬
‫م‬
‫ه‬
‫ر‬
‫م‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫عُرو َ‬
‫ش ُ‬
‫َ ْ‬
‫ِ ْ ِ ْ‬
‫‪ .1‬لععم يكععن يعقععوب فععي العععادة يععأمنهم علععى يوسععف وأخععوه ‪،‬‬
‫لمعرفته بعدم صلحهم ‪.‬‬
‫‪ .2‬لم ينتظروا الفرصة للتنفيذ ‪ ،‬بل سعوا إلى خلقها وإيجادهععا ‪،‬‬
‫باستخدام الحيلة والمكر والدهاء ‪.‬‬
‫‪ .3‬تجاهلوا تأكيد أبيهم لهم ‪ ،‬بأن غيبة يوسف عن وجهه ‪ ،‬ولو‬
‫لفترة بسيطة تسععبب لععه الحععزن ‪ .‬فكيععف إذا كععان ذلععك أبععديا ؟!‬
‫‪269‬‬

‫وكانت تلك محاولة منه عليه السلم ‪ ،‬لحياء ضمائرهم لعّلهععم‬
‫يرجعون ‪ ،‬ولكنهم لم يشعروا بذلك فكان كما أخبره سبحانه ‪.‬‬
‫ططهععم قبععل التنفيععذ ‪،‬‬
‫‪ .4‬كان أبوهم عليه السععلم علععى علععم بمخ ّ‬
‫ططععوه مسععبقا بشععأن الععذئب ‪ ،‬لكععن‬
‫وقد أخبرهم بما كانوا قععد خ ّ‬
‫ذلك لم ُيثنهم عن عزمهم ‪.‬‬
‫‪ .5‬قرار التنفيذ اُتخذ بالجماع ‪.‬‬
‫‪ .6‬تم إخفاء النوايا الجرامية اتجععاه يوسععف ‪ ،‬تحععت غطععاء مععن‬
‫الحرص على ترفيهه ‪ ،‬لقناع أبيهم بالستجابة لمطلبهم ‪.‬‬
‫ءوا أ َ‬
‫ن )‪َ (16‬‬
‫ع َ‬
‫قنناُلوا‬
‫ه‬
‫نا‬
‫ن‬
‫ب‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫جا ُ‬
‫شنناءً ي َب ْك ُننو َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ْ‬
‫) َ‬
‫يأ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ف‬
‫يو‬
‫نا‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ك‬
‫ر‬
‫ت‬
‫و‬
‫‪،‬‬
‫ق‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ن‬
‫س‬
‫ن‬
‫نا‬
‫ب‬
‫ه‬
‫ذ‬
‫نا‬
‫إ‬
‫نا‬
‫با‬
‫سن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ ِ ُ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫فنأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عن َننا ‪َ ،‬‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ت‬
‫و‬
‫‪،‬‬
‫ب‬
‫ئ‬
‫ذ‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ك‬
‫مَتا ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫مننا أن ْن َ‬
‫َ َ‬
‫ُ‬
‫عن ْندَ َ‬
‫منن ْ‬
‫ن )‪(17‬‬
‫صنناِد ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫قي َ‬
‫بِ ُ‬
‫و ك ُّنننا َ‬
‫وَلنن ْ‬
‫ن ل ََنننا ‪َ ،‬‬
‫م ٍ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫عَلى َ‬
‫ل بَ ْ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫ءوا َ‬
‫جا ُ‬
‫ه ب ِدَم ٍ ك َ ِ‬
‫ص ِ‬
‫مي ِ‬
‫ق ِ‬
‫و َ‬
‫ذ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مًرا ‪َ ،‬‬
‫م أن ْ ُ‬
‫مي ٌ‬
‫ل‬
‫ج ِ‬
‫صب ٌْر َ‬
‫ول َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫َ‬
‫مأ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫س ّ‬
‫ص ُ‬
‫ن )‪(18‬‬
‫ن َ‬
‫ما ت َ ِ‬
‫فو َ‬
‫عا ُ‬
‫ست َ َ‬
‫م ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫والل ّ ُ‬
‫‪َ ،‬‬
‫‪ .1‬الستخفاف بأبيهم واستضعافه لكبر سّنه ‪.‬‬
‫‪ .2‬التضليل واختلق وفبركة الشواهد والدلة ‪ ،‬لتععبرئة أنفسععهم‬
‫وإدانة الذئب ‪.‬‬
‫ي ال مع علمهم بذلك ‪.‬‬
‫‪ .3‬الجرأة في الكذب على نب ّ‬
‫‪ .4‬يقين يعقوب عليه السلم من كذبهم وتجّنيهم على الذئب ‪.‬‬
‫‪ .5‬ومما أحزنه عليه السلم ‪ ،‬هو ما كان عليععه أبنععاءه مععن قلععة‬
‫إيمانهم ‪ ،‬وعقوقهم له ‪ ،‬وظلم لخيهم ‪ ،‬وفسادهم وإفسععادهم ‪،‬‬
‫وصفات وطبائع غاية في السوء ‪ ،‬ل تليععق بالنبيععاء أو بأبنععاء‬
‫‪270‬‬

‫أنبياء يتنّزل الوحي بين ظهرانيهم ‪ ،‬وفي المقابل لم يملك عليه‬
‫السلم إل الصبر والرجاء ‪ ،‬وطلب العون من ال لمجابهتم ‪.‬‬
‫ه‬
‫مننا دَ َ‬
‫خُلننوا َ‬
‫ف‪َ ،‬‬
‫سنن َ‬
‫وى إ ِل َْينن ِ‬
‫عَلننى ُيو ُ‬
‫ول َ ّ‬
‫ءا َ‬
‫) َ‬
‫ل إن ّنني أ َن َننا أ َ‬
‫أَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س‬
‫ئ‬
‫ت‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ف‬
‫‪،‬‬
‫ك‬
‫نو‬
‫ن‬
‫خ‬
‫قا‬
‫‪،‬‬
‫ه‬
‫خا‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ن )‪َ ) … (69‬‬
‫ن‬
‫قنناُلوا إ ِ ْ‬
‫مل ُننو َ‬
‫مننا ك َنناُنوا ي َ ْ‬
‫ع َ‬
‫بِ َ‬
‫فقند سنرقَ أ َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫رق ْ ‪َ ،‬‬
‫قب ْن ُ‬
‫ٌ‬
‫ل‪،‬‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ِ‬
‫يَ ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ َ َ‬
‫سن ِ‬
‫فأ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ها‬
‫ل‬
‫و‬
‫‪،‬‬
‫ه‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫في‬
‫ف‬
‫س‬
‫يو‬
‫ها‬
‫ر‬
‫س‬
‫د َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ي ُْبنن ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ ْ‬
‫َ َ ّ‬
‫كاًنا ‪ ،‬والل ّه أ َ‬
‫ل ‪ :‬أَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫م‬
‫ر‬
‫ش‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫لَ ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ َ‬
‫ْ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ص ُ‬
‫ن )‪(77‬‬
‫ما ت َ ِ‬
‫فو َ‬
‫بِ َ‬
‫بعد أن مّرت سععنين علععى تلععك الحادثععة ‪ ،‬وأصععبح يوسععف وزيععرا‬
‫لمالية فرعون ‪ ،‬وقِدَم أخوته إليه في مصر ‪ ،‬احتال عليهم ليععأمن‬
‫منهم على أخيععه ‪ ،‬ويرفععع عنععه مععا كععان قععد وقععع عليععه مععن ظلععم‬
‫وكيد ‪.‬‬
‫‪ .1‬كان يوسف عليه السلم على علم ‪ ،‬بما كانوا يكيدون لخيه‬
‫‪ ،‬عن طريق الوحي أو القياس ‪.‬‬
‫‪ .2‬عدم توبتهم عما فعلوه سابقا ‪ ،‬وبقائهم على نفس الحال ‪.‬‬
‫‪ .3‬خيانة يوسف بالغيب ‪ ،‬بعد كل هععذه السععنين ‪ ،‬واتهععامه زورا‬
‫وبهتانا بالسرقة ‪ ،‬فيوسف من عباد ال المخلصين ‪ ،‬ومعا كعان‬
‫له أن يسرق ‪.‬‬
‫‪ .4‬تأكيد يوسف على فسادهم وإفسادهم ‪ ،‬بما حعّدث بععه نفسععه ‪،‬‬
‫حيث لم يجهر نبي ال بقوله ) أو بحكمه عليهععم ( أنهععم أسععوء‬
‫شعّر َمَكاًنععا ( فمععا فعلععوه معععه ل‬
‫حال ممن يسرق ‪َ ) ،‬قععاَل َأْنُتعْم َ‬
‫ُيقارن بخطيئة السرقة ‪ ،‬التي اتهموه بها ‪ ،‬والععتي أقعّروا بأنهععا‬
‫‪271‬‬

‫جْئَنععا‬
‫عِلْمُت عْم َمععا ِ‬
‫أحد أشكال الفساد في الرض ) َقاُلوا َتالِّ َلَقْد َ‬
‫ن )‪ 73‬يوسف ( ‪.‬‬
‫ساِرِقي َ‬
‫ض َوَما ُكّنا َ‬
‫سَد ِفي اَْلْر ِ‬
‫ِلُنْف ِ‬
‫ل يأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ف‬
‫يو‬
‫نى‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ع‬
‫فى‬
‫س‬
‫َ‬
‫وّلى َ‬
‫سن َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫قا َ َ َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫وت َ َ‬
‫) َ‬
‫ن َ‬
‫م)‬
‫ت َ‬
‫واب ْي َ ّ‬
‫و كَ ِ‬
‫عي َْناهُ ِ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ض ْ‬
‫ف ُ‬
‫م َ‬
‫ظينن ٌ‬
‫ه َ‬
‫حْز ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه تَ ْ‬
‫‪َ (84‬‬
‫حت ّننى‬
‫سن َ‬
‫قاُلوا َتالل ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫فت َأ ت َذْك ُُر ُيو ُ‬
‫ضا أ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫تَ ُ‬
‫ن )‪(85‬‬
‫كي‬
‫ل‬
‫ها‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫كو‬
‫ت‬
‫و‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫حَر ً‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫كو َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ل إن ّما أ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫ني‬
‫ن‬
‫ث‬
‫ب‬
‫كو‬
‫ش‬
‫حْزن ِنني إ ِل َننى الل ّ ن ِ‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫قا َ ِ َ‬
‫َ‬
‫وأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ب‬
‫ي‬
‫(‬
‫‪86‬‬
‫)‬
‫ن‬
‫مو‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫هُبوا َ‬
‫وَل‬
‫وأ ِ‬
‫س َ‬
‫اذْ َ‬
‫خين ِ‬
‫سوا ِ‬
‫فت َ َ‬
‫ن ُيو ُ‬
‫س ُ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ف َ‬
‫ن‬
‫س ِ‬
‫ح الل ّن ِ‬
‫سوا ِ‬
‫ت َي ْئ َ ُ‬
‫من ْ‬
‫من ْ‬
‫ه إ ِن ّن ُ‬
‫ه َل ي َي ْئ َ ُ‬
‫ن َر ْ‬
‫و ِ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه إ ِّل ال ْ َ‬
‫ن )‪(87‬‬
‫كا ِ‬
‫ح الل ّ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫َر ْ‬
‫و ِ‬
‫‪ .1‬عدم اكتراثهم بسوء حععال يعقععوب عليععه السععلم ‪ ،‬ومععدى مععا‬
‫نزل به من أذى نفسي وجسدي ‪.‬‬
‫‪ .2‬قسوة قلوبهم باستنكارهم حزن أبيهم على يوسف ‪.‬‬
‫‪ .3‬يعقععوب يقطععع الرجععاء مععن أبنععائه ‪ ،‬ويشععكو قسععوة أبنععائه ‪،‬‬
‫وضعفه وقلة حيلته في مواجهة أفعالهم إلى ال ‪.‬‬
‫‪ .4‬لم يعترفوا لبيهععم بحقيقععة فعلتهععم مععع يوسععف ‪ ،‬مععع علمهععم‬
‫ومعرفتهععم ومعايشععتهم لحععال أبيهععم ‪ ،‬ومععا وصععلت إليععه مععن‬
‫سوء ‪.‬‬
‫‪ .5‬كان يعقوب على يقين من نجاة يوسف ‪ ،‬وكذب أبنائه عليه ‪.‬‬
‫هنا تتضح مفارقة عجيبة ‪ ،‬توضععح الكععثير مععن معععالم الشخصععية‬
‫اليهودية السرائيلية القديمة الحديثة ‪ ،‬فهم يعلمون علم اليقيععن ‪،‬‬
‫أن يوسف ذهب إلى غير رجعة ‪ ،‬وأنععه ُقتععل علععى الرجععح ‪ ،‬ولععم‬
‫‪272‬‬

‫يعترفوا لبيهم بحقيقععة مععا فعلععوا ‪ ،‬وظّلععوا مصعّرين علععى حكايععة‬
‫الذئب ‪ ،‬فل ضمير يععؤنبهم ‪ ،‬ول قلععب يشعععر مععع أبيهععم ‪ .‬وأبيهععم‬
‫يعلم علم اليقين من ربه ‪ ،‬أن يوسف على قيد الحياة ‪ ،‬وأنععه نععبي‬
‫وسععيكون لععه شععأن كععبير مسععتقبل ‪ ،‬إذ كععان عالمععا بتأويععل رؤيععا‬
‫يوسف السابقة ‪ ،‬وأن أخوته سيسجدون له لعلععو منزلتععه ‪ ،‬وهععذا‬
‫ما كان ُيصّبره عليه السلم حيععن قععال ) فصععبر جميععل ( ‪ ،‬أمععا مععا‬
‫كان يؤلمه عليه السععلم ‪ ،‬هععو إصععرار أبنععائه علععى مععا هععم عليععه‬
‫واستمرارهم ‪ ،‬وعدم التوبة والرجوع إلى ال ‪.‬‬
‫ءاث ََر َ‬
‫ه لَ َ‬
‫) َ‬
‫ن ك ُّنننا‬
‫ه َ‬
‫قد ْ َ‬
‫قاُلوا َتالل ّ ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫ن )‪َ (91‬‬
‫ل َل ت َث ْ‬
‫قننا َ‬
‫م‬
‫لَ َ‬
‫ب َ‬
‫رينن َ‬
‫خنناطِِئي َ‬
‫كنن ُ‬
‫ِ‬
‫هننن َ‬
‫م‬
‫م يَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫و أْر َ‬
‫و َ‬
‫حننن ُ‬
‫ه ل َك ُننن ْ‬
‫فنننُر الل ّننن ُ‬
‫و ُ َ‬
‫م َ‬
‫ال ْي َننن ْ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫قننا َ‬
‫هنن َ‬
‫ذا‬
‫ت َ‬
‫الّرا ِ‬
‫ل َيننأب َ ِ‬
‫ح ِ‬
‫مينن َ‬
‫ن )‪َ ) … (92‬‬
‫ت َأ ْ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫ل ُر ْ‬
‫قب ْ ن ُ‬
‫وي ُ‬
‫هننا َرب ّنني‬
‫ي ِ‬
‫ج َ‬
‫ق ند ْ َ‬
‫عل َ َ‬
‫م ْ‬
‫ؤَيا َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫ن‬
‫ن ب ِنني إ ِذْ أ ْ‬
‫جن ِنني ِ‬
‫خَر َ‬
‫ق ند ْ أ ْ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫من َ‬
‫سن َ‬
‫قننا َ‬
‫السجن وجاءَ بك ُم من ال ْبدو منن بعن َ‬
‫ن‬
‫َ ْ ِ ِ ْ َ ْ ِ‬
‫دأ ْ‬
‫ّ ْ ِ َ َ‬
‫ِ ْ ِ َ‬
‫ش ني ْ َ‬
‫ن َنَز َ‬
‫غ ال ّ‬
‫ن‬
‫ن إِ ْ‬
‫وِتي إ ِ ّ‬
‫طا ُ‬
‫وب َي ْن َ‬
‫خن َ‬
‫ن ب َي ْن ِنني َ‬
‫مننا ي َ َ‬
‫م‬
‫ه ُ‬
‫طي ن ٌ‬
‫َرّبي ل َ ِ‬
‫و ال ْ َ‬
‫عِلي ن ُ‬
‫شنناءُ إ ِن ّن ُ‬
‫ف لِ َ‬
‫هن َ‬
‫ك من أ َ‬
‫ْ‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ي‬
‫غ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ء‬
‫ِ‬
‫با‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ال ْ َ‬
‫م )‪ ) … (100‬ذَل ِ َ ِ ْ‬
‫كي ُ‬
‫ْ ِ‬
‫ك وما ك ُن ْنت ل َنديهم إذْ أ َ‬
‫عننوا‬
‫م‬
‫ج‬
‫ُنو ِ‬
‫حي ِ‬
‫ْ َ ُ‬
‫َ‬
‫َ ْ ِ ْ‬
‫ه إ ِل َي ْ َ َ َ‬
‫ِ‬
‫أَ‬
‫ُ‬
‫منا أ َك َْثنُر‬
‫و‬
‫(‬
‫‪102‬‬
‫)‬
‫ن‬
‫رو‬
‫ن‬
‫ك‬
‫م‬
‫ي‬
‫م‬
‫هن‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ر‬
‫م‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ْ َ ْ ُ‬
‫ْ َ ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ن )‪(103‬‬
‫ؤ ِ‬
‫و َ‬
‫ص َ‬
‫مِني َ‬
‫ت بِ ُ‬
‫حَر ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫س َ‬
‫الّنا ِ‬
‫‪ .1‬هنا يتضح خلق النبياء وأدبهم ‪ ،‬في يوسععف عليععه السععلم ‪،‬‬
‫حيعععث قابعععَل السعععيئة بالحسعععنة ‪ ،‬ونسعععب خطيئة أخعععوته إلعععى‬
‫الشيطان ‪.‬‬
‫‪273‬‬

‫‪ .2‬معطيات المعادلة كانت ‪ :‬جمع واجتمععاع فععي الخفععاء ‪ +‬قععرار‬
‫بالجماع ‪ +‬تنفيذ بمكر ودهاء = مؤامرة ‪.‬‬
‫‪ .3‬أخوة يوسف لم يكونوا أنبياء بأي حال من الحوال ‪.‬‬
‫انظععر إلععى اليععتين )‪ (103-102‬الععتي جععاءت تعقيبععا علععى قصععة‬
‫يوسف عليه السلم وأخععوته ‪ ،‬لتقععول أن هععذا هععو حععال نععبي الع‬
‫يوسف مع أخوته ‪ ،‬وحال نبي ال يعقععوب مععع أبنععائه ‪ ،‬الععذين لععم‬
‫يكونوا على القل مؤمنين بنبوة أبيهم ‪ ،‬إن لم يكونوا أصععل غيععر‬
‫مؤمنين بال ‪ ،‬فما بالك في عدم إيمان قومععك بنبوتععك ودعوتععك ‪،‬‬
‫وهم ليسوا بأبنائك ‪ ،‬فل تكن شديد الحرص ‪ ،‬على من ل أمل فععي‬
‫ع الناس ‪ ،‬وفّوض أمر هععدايتهم‬
‫هدايته بعدما أضّله ال ‪ ،‬ولكن ُأد ُ‬
‫ل ‪ ،‬كما فّوض يعقوب ويوسف عليهما السلم ‪ ،‬أمرهما إلى العع‬
‫فيما كان من شأن أبنائه ‪ .‬أما من يستنكر فكرة أنهم غير أنبياء ‪،‬‬
‫وال أعلم بحالهم ‪ ،‬فليرجع إلى القععرآن وليقععرأ قصععة نععوح عليععه‬
‫السلم مع ابنه ‪ ،‬وقصة إبراهيم عليععه السععلم مععع أبيععه ‪ ،‬وقصععة‬
‫أبععو لهععب عععم رسععول ال ع عليععه الصععلة والسععلم ‪ ،‬ولحععظ أنععه‬
‫سبحانه نسبهم بععالخوة إلععى يوسععف عليععه السععلم ‪ ،‬فععي قععوله ‪:‬‬
‫) لقد كان في يوسف وأخوته آيات للسائلين ( ‪ ،‬ولم ينسععبهم إلععى‬
‫يعقوب عليه السلم ‪ ،‬مع أنهم أبنائه ‪.‬‬
‫ما تقّدم من أمر أخوة يوسف عليه السلم ‪ ،‬ليععس بحاجععة لزيععادة‬
‫أو توضيح أو تعليق ‪ ،‬فهذا ما جاء به القرآن الكريم ‪ ،‬وكععان هععذا‬
‫جها ضد أخيهم‬
‫أول فسادهم وإفسادهم في الرض ‪ ،‬الذي كان مو ّ‬
‫وأبيهم ‪ .‬ومنذ ذلك اليععوم ‪ ،‬احععترف بنععو إسععرائيل فنععون التععآمر ‪،‬‬
‫ومارسوه أول فيما بينهععم ‪ ،‬منععذ نشععأتهم وحععتى نهايععة مملكتهععم‬
‫الولى في فلسطين ‪ .‬وبعععد السععبي البععابلي ‪ ،‬وشععتاتهم فععي شععتى‬
‫‪274‬‬

‫بقاع الرض ‪ ،‬أصبح بعضا من تآمرهم ‪ُ ،‬يحاك ضد الشعوب التي‬
‫يقيمون فيما بينها ‪ .‬وكان تطّلعهم دائما وأبععدا إلععى الملععك والقععوة‬
‫والغنععى والفضععلية ‪ ،‬وكععانت غععايتهم علععى الععدوام ‪ ،‬جمععع المععال‬
‫بطرق غير مشروعة ‪ ،‬من ربعا ونصعب واحتيعال ‪ ،‬والتقعرب معن‬
‫أصععحاب السععلطة والنفععوذ بععالغواء والغععراء ‪ ،‬للتلعععب بهععم‬
‫وتحريكهععم مععن وراء السععتار ‪ ،‬ليقععاع الفتععن والحععروب بيععن‬
‫الشعععوب ‪ ،‬لضععمان السععيطرة لتلبيععة مصععالحهم واحتياجععاتهم ‪،‬‬
‫ططون في السععر والعلععن ‪ ،‬ويعملععون‬
‫ولذلك تجدهم يجتمعون وُيخ ّ‬
‫باستمرار بل كلل أو ملل ‪ ،‬وتاريخهم قديما وحديثا غني بالمثلععة‬
‫والشواهد ‪.‬‬
‫ملك المادي‬
‫اليهود وال ُ‬
‫ملك يوسف عليه السلم ‪:‬‬
‫كععانت نشععأة بنععي إسععرائيل كقبيلععة بدويععة ‪ ،‬تعيععش ضععمن قبععائل‬
‫البدو ‪ ،‬في صحراء النقب ‪ ،‬وكان أول عهد لهم بالُملك ‪ ،‬في زمن‬
‫يوسف عليه السلم ‪ ،‬تحت التاج الفرعوني في مصر ‪ ،‬حيث وّفر‬
‫لهم اُلملك آنذاك حياة هانئة رغيععدة ‪ ،‬وأزال عنهععم بععؤس وشععقاء‬
‫حياة البدواة ‪ ،‬ولما زال ملك يوسف عليه السلم بوفععاته ‪ ،‬انقلععب‬
‫حالهم رأسا على عقب ‪ ،‬فقاسوا شتى أنواع العععذاب والمهانععة ‪،‬‬
‫خت لععديهم قناعععة بععأن الملععك والغنععى يعنععي‬
‫ومنذ ذلك اليوم ترسع ّ‬
‫السعادة ‪ ،‬وزوالهما يعني الشقاء ‪.‬‬
‫رفض نبوة موسى عليه السلم ‪:‬‬
‫وعندما بعث سبحانه لهم موسى عليه السلم ‪ ،‬لم يستجيبوا لععه ‪،‬‬
‫فهم ل ينتظرون من يدعوهم إلى ال ‪ ،‬ول يؤمنون بما هو غيععبي‬
‫‪275‬‬

‫وغير محسوس ‪ ،‬دين فيه إله غير مرئي ‪ ،‬يمنح جنة غير مرئية‬
‫‪ ،‬والحصول عليها مشروط بالصلح والصلح ‪ ،‬بعد عمر طويل‬
‫‪ ،‬وبعد موت وبعث وحساب ‪ ،‬وإنما يؤمنون بمن يمنحهععم ‪ ،‬ملكععا‬
‫مجانيا دنيويا ماديا ‪ ،‬عاجل ل آجل ‪ ،‬يكون في متنععاول اليععد ‪ ،‬بل‬
‫جهد أو عناء منهم لتحصيله ‪ ،‬ول مانع لديهم بعد ذلك ‪ ،‬أن يكون‬
‫لهم إله ‪ ،‬بشرط أن يكون محسوسا ‪ ،‬ويوافق أهععوائهم ‪ ،‬كالعجععل‬
‫الععذهبي الععذي صععنعه لهععم السععامري ‪ ،‬فسععارعوا لعبععادته ‪ ،‬لععذلك‬
‫عانى منهم عليه السلم ما عاناه ‪ ،‬في رحلته معهععم مععن مصععر ‪،‬‬
‫إلى الرض المقّدسة ‪.‬‬
‫ملك بدعوى الرغبة في القتال ‪:‬‬
‫طلب ال ُ‬
‫وبعععد مععوته عليععه السععلم ‪ ،‬وبعععد انقضععاء سععنوات التحريععم‬
‫الربعين ‪ ،‬لم يطلبوا مععن نععبيهم قيععادتهم للقتععال ‪ ،‬لععدخول الرض‬
‫المقدسة ‪ ،‬وإنما طلبوا منه أن يبعث ال لهععم َمِلكععا ‪ ،‬وذلععك طمعععا‬
‫في الُمْلك ‪ ،‬وليس للقتال في سبيل ال كما زعمععوا ‪ ،‬إذ أنهععم بعععد‬
‫أن ُكتب عليهم القتال ‪ ،‬تولوا إل قليععل منهععم ‪ ،‬وبععالرغم مععن ذلععك‬
‫ن العع عليهععم بالملععك ‪ ،‬فكععانت مملكتهععم الولععى فععي الرض‬
‫معع ّ‬
‫المقدسة ‪ ،‬بقيادة داود وسععليمان ‪ ،‬الععذين لععم يكععن لبنععي إسععرائيل‬
‫معهمععا حعول ول قعوة ‪ ،‬إذ لعم يسعتطع معترفوهم وفسععقتهم ‪ ،‬معن‬
‫الوصول والتغلغل والتععدخل فععي شععؤون الحكععم ‪ ،‬لجتمععاع الملععك‬
‫والنبوة فيهما عليهما السلم ‪ ،‬بل لعنهم داود آنععذاك ‪ ،‬كمععا لعنهععم‬
‫عيسى عليه السلم من بعد ‪.‬‬
‫ملكا ً ل نبوة فيه ‪:‬‬
‫ُ‬
‫وبعد أن توّفى ال سليمان ‪ ،‬وخرجت النبوة من الملك ‪ ،‬كان لهععم‬
‫ما أرادوا – امتحانا لهم وابتلء منععه ععّز وج عّل – فأفسععدوا فيهععا‬
‫‪276‬‬

‫أّيمعععا إفسعععاد ‪ ،‬فوقعععع منهعععم القتعععل فعععي النبيعععاء والصعععالحين‬
‫والمستضعفين ‪ ،‬وإخراج بني جلدتهم من أرضهم ‪ ،‬وسلب ونهب‬
‫ممتلكععاتهم ‪ ،‬وعصععيان أوامععر ال ع ‪ ،‬والعتععداء علععى حععدوده ‪،‬‬
‫بمخالفتهم الوصايا العشر برمتها ‪ ،‬بما فيها الشععرك بععال باتخععاذ‬
‫الصععنام والشععياطين والملئكععة ‪ ،‬أوليععاء مععن دونععه ‪ ،‬فععأزال الع‬
‫عنهم الُملك عقابا لهم ‪ ،‬على يد نبوخذ نصععر البععابلي وجيوشععه ‪،‬‬
‫وكان فيهم السبي والخععراج مععن الرض المقّدسععة ‪ ،‬لقسععم كععبير‬
‫منهعم ‪ ،‬ومعع علمهعم بفسعادهم وعقعاب الع لهعم ببععث البعابليين‬
‫عليهم ‪ ،‬إل أنهم عععاتبون وغاضععبون علععى الع ‪ ،‬لنععه أخطععأ فععي‬
‫حقهم ‪ -‬حسب اعتقادهم – بإنزال عقاب أولى الفسععادتين فيهععم ‪،‬‬
‫ويعتبرون وعده لهم برجوعهم من الشتات للفساد الثععاني ‪ ،‬هععو‬
‫تصحيح للخطأ الول ‪ .‬بالضافة إلععى ذلععك تجععدهم ‪ ،‬يصعّبون جععام‬
‫غضبهم على بابل والبابليين ‪ ،‬وكأن بعث البابليين على شعب ال‬
‫المختار ‪ ،‬كان من تلقاء أنفسهم ‪ ،‬ودون وجه حق ‪ ،‬ولم يكن هذا‬
‫البعث من قبله سبحانه ‪ .‬فقد جاء في سفر إشعياء " ‪ :3 :52‬قد‬
‫جانا من غير فضة ُتفعَدْون ) أي ُيعععادون إلععى‬
‫جانا ‪ ،‬وم ّ‬
‫تّم بيعكم م ّ‬
‫فلسطين ( ‪ ،‬قد نزل شعبي أول إلى مصر ليتغّرب هناك ‪ ،‬ثععم جععار‬
‫عليه الشوريون بل سبب " ‪.‬‬
‫عيسى عليه السلم لم يوافق أهواءهم ‪:‬‬
‫ومععع بقععاء بعضععهم فععي الرض المقدسععة ‪ ،‬مععن الععذين كععانوا قععد‬
‫أخرجوا من المملكة من المستضعفين ‪ ،‬وعودة بعععض المسععبيين‬
‫من بابل ‪ ،‬بعد مدة من الزمن ‪ ،‬حيث لم يكن لهم فيها مععن أمرهععم‬
‫شيئا ‪ ،‬كععانت أعينهععم تتطلععع إلععى الُملععك معن جديععد ‪ ،‬حيععث كععانوا‬
‫يظّنععون أن علععوهم الثععاني ‪ ،‬سععيكون بعععد عععودتهم مععن بابععل‬
‫‪277‬‬

‫مباشععرة ‪ ،‬إذ كععانت لععديهم عععدة نبععوءات ‪ ،‬الولععى بعيسععى عليععه‬
‫السععلم الععذي سعُيبعث مععن جبععال سععاعير ) القععدس ( ‪ ،‬فععانتظروه‬
‫ليقيععم لهععم ملكهععم الثععاني ‪ ،‬وفععي فععترة انتظععارهم ‪ ،‬تنععاوب علععى‬
‫حكمهععم عععدة شعععوب ‪ ،‬إلععى أن ُبعععث عيسععى فععي زمععن الحكععم‬
‫الروماني لفلسطين ‪ ،‬فدعاهم للعععودة إلععى الع والمحبععة والسععلم‬
‫والتواضع ‪ ،‬وعندما تيقنوا أنه ليس من طلب الملك على اليهعود‬
‫‪ ،‬بالرغم من توافق صععفته مععع مععا جععاءت بععه التععوراة ‪ ،‬حععاربوه‬
‫ضععوا الرومععان الوثنيععون‬
‫وعادوه وكادوا له ‪ ،‬وتآمروا عليه وحر ّ‬
‫على قتله وصلبه ‪.‬‬
‫وملك البّر لم يوافق أهواءهم ‪:‬‬
‫وقبل بعث عيسى وبعده ‪ ،‬تعّرضععوا للكععثير مععن الععذل والهععوان ‪،‬‬
‫من الشعوب التي حكمتهععم ‪ ،‬فععي كععل مععرة قععاموا فيهععا ‪ ،‬بععالتمرد‬
‫والعصععيان للسععتقلل وإقامععة الملععك ‪ ،‬وكععان آخرهععا علععى يععد‬
‫) هدريان ( الروماني ‪ ،‬الذي أخرجهم منها بشكل نهععائي ‪ ،‬ففعّرق‬
‫ال شملهم في شتى بقععاع الرض ‪ ،‬فععاتجه قسععم كععبير منهععم إلععى‬
‫الجزيرة العربية ‪ ،‬وسكنوا بالقرب مععن المدينععة المنععورة ‪ ،‬مكععان‬
‫هجرة الرسول عليععه الصععلة والسععلم ‪ ،‬صععاحب النبععوءة الثانيععة‬
‫لععديهم ‪ ،‬ملععك الععبّر ‪ ،‬الععذي س عُيبعث مععن جبععال فععاران ) مكععة ( ‪،‬‬
‫ويكون له ولخلفائه ملكا ‪ ،‬يشمل مشارق الرض ومغاربها ‪.‬‬
‫وكان اليهود يترّقبون أخباره ‪ ،‬ويحسبون لزمان مولده ومبعثه ‪،‬‬
‫مع كرههم وعدائهم المسبق له ‪ ،‬كونه من ولد إسععماعيل وليععس‬
‫منهم ‪ ،‬وعنععدما ُبعععث عليععه السععلم ‪ ،‬عععاينوا صععفته ‪ ،‬وامتحنععوه‬
‫بأسئلتهم بما علموا وما لم يعلمععوا ‪ ،‬ولمععا تععبّينوا صععدق نبععوته ‪،‬‬
‫حاولوا استمالته لجانبهم بالغواء والغععراء ‪ ،‬مسععتغلين رغبتععه‬
‫‪278‬‬

‫عليه السلم في اتبععاعهم لععه ‪ ،‬كععونهم أهععل كتععاب ‪ ،‬وهععم القععرب‬
‫لتصديقه ومؤازرته ومناصرته ‪ ،‬وكان مرادهععم منععه ‪ ،‬هععو اتبععاع‬
‫ملتهم لتحقيق رغبععاتهم وأهععوائهم ‪ ،‬لخراجععه مععن الجزيععرة إلععى‬
‫فلسطين ‪ ،‬لقامة ملكه عليهم هناك ‪ ،‬ففضحهم رب العزة ‪ ،‬وحّذر‬
‫رسوله الكريم من الوقوع فععي حبععائلهم وشععراكهم ‪ ،‬ولّمععا تيّقنععوا‬
‫من عدم رضوخه لهم ‪ ،‬أنكروا نبوته وناصروا المشركين عليه ‪،‬‬
‫وكادوا لععه بكععل مععا ُأتععوا مععن مكععر ودهععاء وحيلععة ‪ ،‬فععآذوه وآذوا‬
‫خروا في ذلك جهدا ‪ ،‬وحاولوا فتنته وقتلععه عععدة‬
‫أصحابه ‪ ،‬ولم يد ّ‬
‫مّرات ‪ ،‬إلى أن تّم جلئهم وإخراجهم من جزيرة العرب ‪.‬‬
‫ملننك القنناروني ‪ ،‬وانتظننار‬
‫البحننث عننن ال ُ‬
‫ملك الله ‪ ،‬على النمط الفرعوني آخر‬
‫ال َ‬
‫الزمان ‪:‬‬
‫ومععع ظهععور السععلم ‪ ،‬ومعرفتهععم بمععا سععيكون مععن أمععره ‪ ،‬مععن‬
‫سرعة انتشاره ‪ ،‬واتساع دولته لتشمل مناطق شاسعة من العععالم‬
‫‪ ،‬ومن ضمنها سيطرته على الرض المقّدسة ‪ ،‬تلشععت أحلمهععم‬
‫فععي عععودتهم إليهععا ‪ ،‬لقامععة ملكهععم الممععي الثععاني فيهععا علععى‬
‫المستوى الفرعوني ‪ ،‬فتخّلوا عن ذلك الطموح مؤقتا ‪ ،‬وشععرعوا‬
‫في تحقيق الملك الفردي على المستوى القععاروني ‪ ،‬بجمععع المععال‬
‫بالطرق المشروعة وغير المشروعة ‪ ،‬من ربعا واحتيعال وسعرقة‬
‫والتهريب وتجارة الرقيق والدعارة ‪ ،‬والتمتع بزينة الحياة الععدنيا‬
‫مععن ج عّراء هععذا الكسععب ‪ ،‬واسععتمروا علععى تلععك الحععال ‪ ،‬إلععى أن‬
‫تمكّنوا من إقامعة دولتهعم الحاليعة فعي فلسعطين ‪ ،‬منتظريعن حكعم‬
‫العالم أجمع ‪ ،‬من خلل النبوءة الخيرة ‪ ،‬بالذي يأتي من ربععوات‬
‫القدس ) مسيحهم المنتظر ( ‪.‬‬
‫‪279‬‬

‫وبعد ذلك اتجه أغلبهم إلى الشععمال ‪ ،‬وتفرقععوا فععي البلد العربيععة‬
‫الخرى ‪ ،‬فتواجدوا في العععراق وبلد الشععام ومصععر والنععدلس ‪،‬‬
‫وبالرغم من تعامل السلم السمح مع أهل الكتاب ‪ ،‬إل أنهم كانوا‬
‫مقّيدين ‪ ،‬بما وضعه السلم من قيود ‪ ،‬على أهوائهم ومطععامعهم‬
‫الماديععة ‪ ،‬ووجععود القعرآن ععدوهم اللعدود وثيقعة أبديععة ‪ ،‬تكشععف‬
‫طبائعهم وحقيقة نواياهم وتحذر منهم ‪ .‬ولكي يستطيع أحدهم من‬
‫العيش في ظل الحكم السععلمي ‪ ،‬كععان يعمععد إلععى إظهععار إسععلمه‬
‫وإخفاء يهوديته ‪ ،‬أو أن ُيرغم نفسععه كارهععا علععى التخلععي ‪ ،‬عععن‬
‫طبععائعه وأهععوائه فععي الفسععاد والفسععاد ‪ ،‬وهععذا ممععا ل يوافععق‬
‫طبعهم ‪ ،‬ول مععا يععأمرهم بععه تلمععودهم ‪ ،‬ولععذلك آثععر الكععثير منهععم‬
‫الهجرة ‪ ،‬من كل البلد ‪ ،‬التي كانت تخضع للحكم السلمي تباعا‬
‫‪ ،‬علععى م عّر العصععور ‪ ،‬ومععن ثععم اسععتقر بهععم المقععام فععي القععارة‬
‫الوروبيععة ‪ ،‬حيععث وجععدوا فيهععا متنفسععا فععي البدايععة ‪ ،‬لجهععل‬
‫الوربيين بطبيعتهم البشعة ‪.‬‬
‫الضطهاد الوروبي لليهود ‪ ،‬وفشلهم في‬
‫ملك القاروني ‪:‬‬
‫تحصيل ال ُ‬
‫وعندما تبين للوربيين مع مرور الوقت ‪ ،‬أن الكثير من المشاكل‬
‫والمصعععائب والكعععوارث الجتماعيعععة والقتصعععادية ‪ ،‬معععن فقعععر‬
‫ومجاعات وانهيارات اقتصادية ‪ ،‬وانتشار للفساد والرذيلة ‪ ،‬كان‬
‫سببه اليهود ‪ ،‬وضعوا الكععثير مععن الحلععول لمواجهععة مشععكلتهم ‪،‬‬
‫مثل سن القوانين التي تقيد حركتهم وتعاملتهم ‪ ،‬فلم تكن تجععدي‬
‫نفعا ‪ ،‬مع ما يملكععون مععن مكععر ودهععاء ‪ .‬وتععم عزلهععم فععي أحيععاء‬
‫سكنية خاصة بهم ‪ ،‬فلم يجدي ذلععك نفعععا ‪ ،‬فكععان ل بععد مععن الحععل‬
‫الخير ‪ ،‬وهو طردهم ونفيهم ‪ ،‬من معظم بلدان أوروبا الغربيععة ‪،‬‬
‫‪280‬‬

‫وكان رجالت الكنيسة آنذاك ‪ ،‬يعملععون كمستشععارين للملععوك فععي‬
‫العصور الوسطى ‪ ،‬وكانوا يؤيدون تلك الجراءات ضععد اليهععود ‪،‬‬
‫لتحريم المسععيحية للزنععا والربععا ‪ ،‬بالضععافة إلععى مععا اكتشععف مععن‬
‫تجديف على المسيح والدته ‪ ،‬وكره وبغض وعداء للمسععيحيين ‪،‬‬
‫في تلمودهم السري ‪ ،‬الذي جلب لهم المذابح الجماعية في بعض‬
‫البلدان الوربية ‪ ،‬كإسبانيا والبرتغال ‪ ،‬وفععي النهايععة تععم طردهععم‬
‫بالتععععاقب وعلعععى فعععترات متباععععدة ‪ ،‬معععن فرنسعععا وسكسعععونيا‬
‫وهنغاريععا ‪ ،‬وبلجيكععا وسععلوفاكيا والنمسععا ‪ ،‬وهولنععدا وإسععبانيا‬
‫وليتوانيا ‪ ،‬والبرتغال وإيطاليععا وألمانيععا ‪ ،‬بععدءا مععن عععام ‪1253‬م‬
‫وحععتى عععام ‪1551‬م ‪ ،‬فاضععطر اليهععود للهجععرة ‪ ،‬إلععى روسععيا‬
‫وأوروبا الشرقية والمبراطورية العثمانية ‪.‬‬
‫إذن ل بدّ من التآمر ‪:‬‬
‫آنععذاك أصععبح لليهععود كشعععب مشععتت هّمععا مشععتركا ‪ ،‬مععن ج عّراء‬
‫الضععطهاد والتعععذيب والطععرد ‪ ،‬مععن قبععل الوروبييععن ‪ .‬وأبععواب‬
‫الجّنة الوربية قد أغلقت من دونهم ‪ ،‬حيث بععدأ هنععاك بعععد رحيععل‬
‫أغلب اليهود ‪ ،‬ما ُيسمى بالنهضة الوروبية ‪ ،‬فحيل بينهععم وبيععن‬
‫تحقيق أحلمهم ‪ ،‬سواء على مستوى الملك الممي ‪ ،‬أو مستوى‬
‫الملك الفردي ‪ ،‬وهذا ما ل يسععتطيعون احتمععاله أو تقّبلععه ‪ ،‬وهععذه‬
‫الجععواء تععذّكرنا بععأجواء المععؤامرة الولععى فععي تععاريخهم ‪ ،‬حيععث‬
‫واجه أخوة يوسف هّما مشتركا ‪ ،‬تمّثععل فعي شعععورهم بالدونيععة ‪،‬‬
‫بالمقارنة مع يوسف وأخيععه ‪ ،‬وكععان دافعهععم الحسععد ‪ ،‬فععاجتمعوا‬
‫سرا وتآمروا ‪ ،‬وأجمعوا فنّفذوا ‪.‬‬
‫ويحضرني في هعذا المقععام قععول لبععن القيععم ‪ ،‬إذ يقععول فععي كتععاب‬
‫الفوائد أن أصول المعاصي ‪ ،‬ثلثة ‪ :‬الكععبر والحععرص والحسععد ‪،‬‬
‫‪281‬‬

‫فالكبر جعل إبليس يفسق عن أمر ربه ‪ ،‬والحرص أخرج آدم مععن‬
‫ي آدم يقتل أخععاه ‪ ،‬وبعععد التععدبر فععي‬
‫الجنة ‪ ،‬والحسد جعل أحد ابن ّ‬
‫هذا القول ‪ ،‬سععتجد أن الطريععق إلععى الوقععوع فععي المعصععية ‪ ،‬هععو‬
‫الوقوع فريسععة للمقارنععة والمفاضععلة ‪ ،‬مععن خلل العتمععاد علععى‬
‫الحواس فقط ‪ ،‬وبتغييب العقل والفععؤاد ‪ ،‬وبالتععالي فقععدان القععدرة‬
‫على الستبصار ‪ ،‬والحكم علععى المععور ‪ ،‬وقععد نهععى سععبحانه فععي‬
‫مواضع كثيرة مععن القععرآن ‪ ،‬عععن المقارنععة والمفاضععلة ‪ ،‬وحسععم‬
‫المر بأن الفضععل مععن لععدنه ‪ ،‬يععؤتيه معن يشععاء مععن عبععاده ‪ ،‬أمععا‬
‫اليهود وبعد إطلعي على ما جاء في توراتهم وتلمودهم ‪ ،‬فععإنهم‬
‫جمعوا فيها أصول المعاصي كلها ‪ ،‬فععالكبر جعلهععم أفضععل النععاس‬
‫ضععلون الععدنيا علععى الخععرة ‪،‬‬
‫على الطلق ‪ ،‬والحرص جعلهععم يف ّ‬
‫والحسعععد جعلهعععم يسعععتبيحون ممتلكعععات الخريعععن ويسعععتحّلونها‬
‫لنفسهم ‪.‬‬
‫) لننوثر ( بإصننلحاته الكنسننية فنني القننرن‬
‫السننادس عشننر ‪ُ ،‬يم ّ‬
‫كننن اليهننود مننن‬
‫احتلل أوروبا اقتصاديا ‪:‬‬
‫وعندما تم تدمير السلطة الكنسية ‪ ،‬التي قام بها الصلحيون في‬
‫ضّمت التوراة إلى النجيل في‬
‫أوروبا ) بفعل اليهود أنفسهم ( ‪ ،‬و ُ‬
‫كتب النصارى المقدسة ‪ ،‬وجععد اليهععود بعععض القبععول فععي الععدول‬
‫الوروبية ‪ ،‬فعادوا إليها شيئا فشيئا ‪ ،‬ونتيجة للضطهاد والطععرد‬
‫الجماعي ‪ ،‬الذي تعرض له اليهود فععي هععذه الععدول فيمععا مضععى ‪،‬‬
‫وهم شعب ال المختار ‪ ،‬أجمع قارونععات المععال اليهععود ‪ ،‬وبععدءوا‬
‫يعقدون اجتماعععاتهم السععرية ‪ ،‬فععي نهايععات القععرن الثععامن عشععر‬
‫) قبععل أكععثر مععن مععائتي سععنة ( ‪ ،‬للنتقععام وتجنععب ذلععك المصععير‬
‫‪282‬‬

‫المرعععب مععرة أخععرى ‪ .‬وبوجععود المععال اليهععودي ‪ ،‬تشععكل لععديهم‬
‫مخططا شيطانيا ‪ ،‬للسعيطرة علعى الععالم كلعه وحكمعه ‪ ،‬فوضععوا‬
‫مخططععا مبععدئيا ‪ ،‬كععان موجهععا فععي الدرجععة الولععى ‪ ،‬ضععد ملععوك‬
‫أوروبا ورجالت الدين المسيحي ‪.‬‬
‫أكبر وأخطر مؤامرة في تاريخ اليهود‬
‫المخطط في أطواره الولى ‪:‬‬
‫ويتلخص مخططهم المبدئي ‪ ،‬مما ُكشف من محاضر اجتماعاتهم‬
‫‪ ،‬في كتاب ) أحجار على رقعة الشطرنج ( لمؤلفه ) وليععام كععار (‬
‫ضابط الستخبارات في البحرية الكندية ‪ ،‬بما يلي ‪:‬‬
‫الهدف العام ‪ :‬تععأليه المععادة ونشععر المععذاهب اللحاديععة ‪،‬‬
‫لتمهيد سيطرة اليهود على العالم ‪ ،‬ومن ثم تتويج أنفسهم ملوكععا‬
‫وأسععيادا علععى الشعععوب ‪ ) .‬ونتيجععة لععذلك بععرز الكععثيرين مععن‬
‫الُمفّكرين اليهود كفرويد وماركس وغيرهععم ‪ ،‬ومععن غيععر اليهععود‬
‫مععن المععأجورين كععداروين وغيععره ‪ ،‬حيععث بععدأت الطروحععات‬
‫والنظريععات اللحاديععة المنكععرة لوجععود الع ععّز وجعّل ‪ ،‬فظهععرت‬
‫الشيوعية ) ل إله ( والرأسمالية ) المال هو اللععه ( لععذلك وضععع‬
‫الصيارفة اليهود عبارة ) ‪ ( In God we Trust‬على الدولر‬
‫المريكي ‪ ،‬وليععس علععى الصععفحة الولععى مععن كتععابهم المقعّدس ‪،‬‬
‫وظهععرت الشععتراكية الععتي جمعععت مععا بيععن المبععدأين مععن حيععث‬
‫الكفر ( ‪.‬‬
‫فلسفة المخطط ‪ :‬يتم تقسيم الشعوب ‪ ،‬إلععى معسععكرات‬
‫متنابععذة ‪ ،‬تتصععارع إلععى البععد ‪ ،‬دونمععا توقععف ‪ ،‬حععول عععدد مععن‬
‫المشععاكل ‪ ،‬اقتصععادية وسياسععية واجتماعيععة وعرقيععة وغيرهععا ‪،‬‬
‫ومن ثم يتم تسليح هذه المعسكرات ‪ ،‬ثم يجععري تععدبير حععادث مععا‬
‫‪283‬‬

‫) فتنععة ( ‪ ،‬تتسععبب فععي إشعععال الحععروب بيععن هععذه المعسععكرات ‪،‬‬
‫طععم بعضععها بعضععا ‪ ،‬وبالتععالي تتسععاقط الحكومععات‬
‫لُتْنِهععك وتح ّ‬
‫الوطنية والمؤسسات الدينية تباعا ‪.‬‬
‫برنامج العمل ‪:‬‬
‫‪ .1‬السععيطرة علععى رجععالت الحكععم ‪ ،‬علععى مختلععف المسععتويات‬
‫والمسؤوليات ‪ ،‬بالغواء المالي ) الرشوة ( والغراء الجنسي‬
‫‪ ،‬وعند وقوعهم ‪ ،‬يتم استغللهم لغايات تنفيذ المخطط ‪ ،‬وعنععد‬
‫تفكير أي منهم بالنسحاب ‪ ،‬يتم تهديده بالنطفاء السياسععي أو‬
‫الخراب المالي ‪ ،‬أو تعريضه لفضيحة عامة كبرى تقضي علععى‬
‫مسععتقبله ‪ ،‬أو تعريضععه لليععذاء الجسععدي أو بععالتخلص منععه‬
‫بالقتل ‪.‬‬
‫‪ .2‬دفععع معتنقععي المععذهب اللحععادي المععادي ‪ ،‬للعمععل كأسععاتذة‬
‫والجامعات والمعاهد العلمية وكمفكرين ‪ ،‬لترويج فكرة الممية‬
‫العالميعععة بيعععن الطلب المتفعععوقين ‪ ،‬لقامعععة حكومعععة عالميعععة‬
‫واحععدة ‪ ،‬وإقنععاعهم أن الشععخاص ذوي المععواهب والملكععات‬
‫العقلية الخاصة ‪ ،‬لهم الحق في السيطرة على من هم أقل منهم‬
‫كفعععاءًة وذكعععاًء ) وذلعععك كغطعععاء لجرهعععم لعتنعععاق المعععذهب‬
‫اللحادي ( ‪.‬‬
‫‪ .3‬يتم استخدام الساسععة والطلب ) مععن غيععر اليهععود ( ‪ ،‬الععذين‬
‫اعتنقوا هذا المذهب ‪ ،‬كعملء خلف الستار ‪ ،‬بعد إحللهم لععدى‬
‫جميع الحكومات ‪ ،‬بصفة خبراء أو اختصاصععيين ‪ ،‬لععدفع كبععار‬
‫رجععال الدولععة ‪ ،‬إلععى نهععج سياسععات ‪ ،‬مععن شععأنها فععي المععدى‬
‫البعيععد ‪ ،‬خدمععة المخططععات السععرية لليهععود ‪ ،‬والتوصععل إلععى‬
‫‪284‬‬

‫التدمير النهائي ‪ ،‬لجميععع الديععان والحكومععات ‪ ،‬الععتي يعملععون‬
‫لجلها ‪.‬‬
‫‪ .4‬السععيطرة علععى الصععحافة وكععل وسععائل العلم ‪ ،‬لترويععج‬
‫الخبار والمعلومات التي تخدم مصععالح اليهععود ‪ ،‬وتسععاهم فععي‬
‫تحقيق هدفها النهائي ‪.‬‬
‫أما القائمون على المععؤامرة ‪ ،‬فهععم مجموعععة كععبيرة منظمععة مععن‬
‫جنود إبليس ‪ ،‬تضعم حفنععة معن كبعار أثريعاء اليهععود فعي العععالم ‪،‬‬
‫بالضافة إلى حفنة مععن كبععار حاخامععات الشععرق والغععرب ‪ ،‬ومععن‬
‫السععماء الععتي أطلقهععا عليهععم البععاحثون فععي مؤلفععاتهم ‪ ،‬جماعععة‬
‫النورانيععون ‪ ،‬وحكومععة العععالم الخفيععة ‪ ،‬واليهععود العععالمّيون ‪،‬‬
‫يعملععون فععي الخفععاء ‪ .‬هععدفهم حكععم العععالم اقتصععاديا ‪ ،‬ومععن ثععم‬
‫سياسيا ‪ ،‬عن طريق تدمير الخلق والديان ‪ ،‬وإشعععال الحععروب‬
‫القليمية والعالمية ‪ ،‬وهععم وراء كععل جريمععة ‪ ،‬ويسععيطرون علععى‬
‫كثير من المنظمات السرية والعلنية ‪ ،‬اليهودية وغير اليهوديععة ‪،‬‬
‫تحت مسميات عديدة ‪ ،‬ولهم عملء ذوي مراكز رفيعة ومرموقععة‬
‫‪ ،‬في معظم الحكومععات الوطنيععة لععدول العععالم ‪ ،‬مععن الععذين بععاعوا‬
‫شعوبهم وأوطانهم بععأبخس الثمععان ‪ ،‬وتمّيععزوا بععولئهم المطلععق‬
‫للمؤامرة وأصحابها ‪ ،‬وفيما يلي سنعرض أهدافهم وسياساتهم ‪.‬‬
‫بروتوكولت حكماء صهيون‬
‫يقععول ) ويليععام كععار ( أن هععذه الععبروتوكولت ‪ ،‬عرضععها ) مععاير‬
‫روتشيلد ( أحد كبار أثريعاء اليهععود ‪ ،‬أمعام اثنععي عشععر معن كبعار‬
‫أثرياء اليهود الغربيون ‪ ،‬في فرانكفورت بألمانيا عععام ‪1773‬م ‪،‬‬
‫أما كشفها فقد تم بالصدفة عام ‪1784‬م في ألمانيا نفسها ‪ ،‬حيععث‬
‫أرسععلت نسععخ منهععا إلععى كبععار رجععال الدولععة والكنيسععة ‪ ،‬وتععم‬
‫‪285‬‬

‫محاربتهعا ‪ ،‬ومحاربعة كعل رموزهعا الظعاهرة فعي ألمانيعا آنعذاك ‪.‬‬
‫ولذلك انتقلت إلى السرية التامة ‪ ،‬وسارع معظم يهود العععالم إلععى‬
‫التنصل منها ‪ ،‬واستطاعوا بما لديهم من نفوذ ‪ ،‬من إرغام الناس‬
‫والحكومات على تجاهلها ‪ ،‬ومنذ ذلععك اليععوم الععذي ُكشععفت فيععه ‪،‬‬
‫وحتى منتصف القععرن الماضععي ‪ ،‬والكّتععاب والبععاحثون الغربيععون‬
‫يتناولونها بالبحث والتقصي ‪ ،‬ويؤكدون مطابقععة مععا جععاء فيهععا ‪،‬‬
‫مع ما جرى ويجععري علععى أرض الواقععع ‪ ،‬ويحعّذرون حكومععاتهم‬
‫من الخطر اليهودي المحّدق بأممهم ‪ ،‬ولكن ل حياة لمن تنععادي ‪،‬‬
‫في حكومات تغلغل فيها اليهود ‪ ،‬كما تتغلغل بكتيريا التسوس فعي‬
‫السنان ‪ ،‬ومعظم الكتب الععتي ح عّذرت ‪ -‬ومععا زالععت ‪ -‬مععن الخطععر‬
‫اليهودي ‪ ،‬كان مصيرها الختفععاء معن السععواق ‪ ،‬أو اللقععاء فعي‬
‫زوايا النسيان والهمال ‪.‬‬
‫أما من ُيفّكر اليوم بمناهضة اليهود ومعععاداتهم فععي الغععرب ‪ ،‬فقععد‬
‫ثكلته أمه ‪ ،‬فخذ ) هايدر ( مثل ‪ ،‬زعيم أحد الحزاب النمساوية ‪،‬‬
‫الذي أطلععق يومععا عبععارات مناهضععة لليهععود ‪ ،‬عنععدما فععاز حزبععه‬
‫ديموقراطيا ‪ ،‬بأغلبية في مقاعد البرلمان ‪ ،‬فقامت الدنيا ولم تقعد‬
‫جة إعلمية كبرى ‪ ،‬في إسرائيل ‪ ،‬أمريكا ‪ ،‬بريطانيا ‪ ،‬فرنسا‬
‫‪،‬ضّ‬
‫‪ ،‬المععم المتحععدة ‪ ،‬حععتى ُأرغععم التحععاد الوروبععي علععى مقاطعععة‬
‫النمسععا ‪ ،‬لمنععع ) هايععدر ( مععن الحصععول علععى أي منصععب فععي‬
‫الحكومة النمساوية ‪.‬‬
‫الصننننيغة النهائيننننة لمبننننادئ المخطننننط‬
‫الشيطاني ‪:‬‬
‫ع الذي تربع اليهود من خلله ‪ ،‬أسيادا علععى العععالم فععي الخفععاء ‪،‬‬
‫منذ خمسين عاما مضت ‪ ،‬وما زالوا ‪:‬‬
‫‪286‬‬

‫ق هو القععوة ‪ ) .‬بمعنععى أن‬
‫‪ .1‬أن قوانين الطبيعة تقضي بأن الح ّ‬
‫الذي يملك القوة ‪ ،‬هععو الععذي ُيحعّدد مفععاهيم الحععق ‪ ،‬ويفرضععها‬
‫على الخرين ‪ ،‬والقوة تعني امتلك المال ( ‪.‬‬
‫‪ .2‬أن الحريععة السياسععية ليسععت إل فكععرة مجععردة ‪ ،‬ولععن تكععون‬
‫حقيقة واقعة ‪ ) .‬بمعنععى أنععك تسععتطيع الدعععاء ظاهريععا ‪ ،‬بأنععك‬
‫ديموقراطي وتسمح بحرية الععرأي ‪ ،‬ولكنععك فععي المقابععل تقمععع‬
‫الرأي الخر سرا ( ‪.‬‬
‫‪ .3‬سلطة الذهب ) المال ( فوق كل السلطات حتى سلطة الععدين ‪.‬‬
‫) محاربة الدين وإسقاط أنظمة الحكم غير الموالية ‪ ،‬مععن خلل‬
‫تمويععل الحركععات الثوريععة ذات الفكععار التحرريععة ‪ ،‬وتمويععل‬
‫المنتصر منها بالقروض ( ‪.‬‬
‫‪ .4‬الغاية تبّرر الوسيلة ‪ ) .‬فالسياسععي المععاهر ‪ :‬هععو الععذي يلجععأ‬
‫إلى الكذب والخععداع والتلفيععق ‪ ،‬فععي سععبيل الوصععول إلععى سععدة‬
‫الحكم ( ‪.‬‬
‫‪ .5‬مععن العععدل أن تكععون السععيادة للقععوى ‪ ) .‬وبالتععالي تحطيععم‬
‫المؤسسععات والعقععائد القائمععة ‪ ،‬عنععدما يععترك المستسععلمون‬
‫حقوقهم ومسؤولياتهم ‪ ،‬للركض وراء فكرة التحّرر الحمقعاء (‬
‫‪.‬‬
‫‪ .6‬ضرورة المحافظة على السرية ‪ ) .‬يجععب أن تبقععى سععلطتنا ‪،‬‬
‫الناجمة عن سيطرتنا على المال ‪ ،‬مخفّية عن أعيععن الجميععع ‪،‬‬
‫لغاية الوصول إلى درجة من القوة ‪ ،‬ل تستطيع أي قععوة منعنععا‬
‫من التقدم ( ‪.‬‬
‫‪ .7‬ضرورة العمل على إيجاد حكام طغاة فاسدين ‪ ) .‬لن الحريععة‬
‫المطلقة تتحول إلععى فوضععى ‪ ،‬وتحتععاج إلععى قمععع ‪ ،‬وذلععك لكععي‬
‫‪287‬‬

‫يتسعععنى لولئك الحكعععام سعععرقة شععععوبهم ‪ ،‬وتكبيعععل بلعععدانهم‬
‫بالديون ‪ ،‬ولتصبح الشعوب برسم البيع ( ‪.‬‬
‫‪ .8‬إفساد الجيال الناشئة لدى المم المختلفععة ‪ ) .‬ترويععج ونشععر‬
‫جميع أشععكال النحلل الخلقععي ‪ ،‬لفسععاد الشععبيبة ‪ ،‬وتسععخير‬
‫النساء للعمل في دور الدعارة ‪ ،‬وبالتالي تنتشععر الرذيلععة حععتى‬
‫بين سيدات المجتمععع الراقععي ‪ ،‬اقتععداًء بفتيععات الهععوى وتقليععدا‬
‫لهن ( ‪.‬‬
‫‪ .9‬الغزو السلمي التسللي هو الطريق السععلم ‪ ،‬لكسععب المعععارك‬
‫مععع المععم الخععرى ‪ ) .‬الغععزو القتصععادي لغتصععاب ممتلكععات‬
‫وأموال الخرين ‪ ،‬لتجنب وقوع الخسائر البشرية في الحععروب‬
‫العسكرية المكشوفة ( ‪.‬‬
‫‪ .10‬إحلل نظعععام مبنعععي علعععى أرسعععتقراطية المعععال ‪ ،‬بعععدل معععن‬
‫أرستقراطية النسععب ‪ ) ،‬لععذلك يجععب إطلق شعععارات ‪ :‬الحريععة‬
‫والمسعععاواة والخعععاء ‪ ،‬بيعععن الشععععوب بغيعععة تحطيعععم النظعععام‬
‫السابق ‪ ،‬وكان هذا موجها إلى السععر الوروبيععة ذات الجععذور‬
‫العريقة ‪ ،‬ومن ضمنها السر الملكيععة والمبراطوريععة ‪ ،‬ليلقععى‬
‫لصوص هذه المؤامرة بعدها ‪ ،‬شيئا من التقدير والحترام ( ‪.‬‬
‫‪ .11‬إثارة الحروب ‪ ،‬وخلق الثغرات في كل معاهدات السلم التي‬
‫تعقد بعععدها ‪ ،‬لجعلهععا مععدخل لشعععال حععروب جديععدة ‪ ) .‬وذلععك‬
‫لحاجة المتحعاربين إلعى القعروض ‪ ،‬وحاجعة كعل معن المنتصعر‬
‫والمغلوب لها بعد الحرب ‪ ،‬لعادة العمار والبنععاء ‪ ،‬وبالتععالي‬
‫وقوعهم تحت وطأة الديون ‪ ،‬ومسععك الحكومععات الوطنيععة مععن‬
‫خّناقهععا ‪ ،‬وتسععيير أمورهععا حسععب مععا يقتضععيه المخطععط مععن‬
‫سياسات هدامة ( ‪.‬‬
‫‪288‬‬

‫‪ .12‬خلق قادة للشعوب ‪ ،‬من ضعاف الشخصععية الععذين يتميععزون‬
‫بالخضوع والخنوع ‪ ) ،‬وذلك بإبرازهم وتلميع صععورهم ‪ ،‬مععن‬
‫خلل الترويج العلمي لهم ‪ ،‬لترشيحهم للمناصب العامععة فععي‬
‫الحكومات الوطنية ‪ ،‬ومن ثم التلعب بهععم ‪ ،‬مععن وراء السععتار‬
‫صصين ‪ ،‬لتنفيذ سياساتنا ( ‪.‬‬
‫بواسطة عملء متخ ّ‬
‫‪ .13‬امتلك وسائل العلم والسيطرة عليها ‪ ) .‬لترويج الكععاذيب‬
‫والشاعات والفضائح الملّفقة ‪ ،‬التي تخدم المؤامرة ( ‪.‬‬
‫‪ .14‬قلب أنظمة الحكم الوطنية المستقلة بقراراتها ‪ ،‬والتي تعمععل‬
‫من أجععل شعععوبها ‪ ،‬ول تسععتجيب لمتطلبععات المععؤامرة ‪ ) .‬مععن‬
‫خلل إثارة الفتععن ‪ ،‬وخلععق ثععورات داخليععة فيهععا ‪ ،‬لتععؤدي إلععى‬
‫حالة من الفوضععى ‪ ،‬وبالتععالي سعقوط هععذه النظمععة الحاكمععة ‪،‬‬
‫وإلقععاء اللععوم عليهععا ‪ ،‬وتنصععيب العملء قععادة فععي نهايععة كععل‬
‫ثععورة ‪ ،‬وإعععدام مععن ُيلصععق بهععم تهمععة الخيانععة مععن النظععام‬
‫السابق ( ‪.‬‬
‫‪ .15‬اسعععتخدام الزمعععات القتصعععادية للسعععيطرة علعععى توجهعععات‬
‫الشعععوب ‪ ) .‬التسععبب فععي خلععق حععالت مععن البطالععة والفقععر‬
‫والجوع ‪ ،‬لتوجيه الشعوب إلى تقديس المال وعبادة أصحابه ‪،‬‬
‫لتصبح لهم الحقيعة والولويعة فعي السعيادة ‪ ،‬واتخعاذهم قعدوة‬
‫والسير علععى هععديهم ‪ ،‬وبالتععالي سععقوط أحقيععة الععدين وأنظمععة‬
‫الحكم الوطنية ‪ ،‬والتمرد على كل ما هو مقّدس ‪ ،‬من أجل لقمة‬
‫العيش ( ‪.‬‬
‫‪ .16‬نشععر العقععائد اللحاديععة الماديععة ‪ ) .‬مععن خلل تنظيععم محافععل‬
‫الشععرق الكععبرى ‪ ،‬تحععت سععتار العمععال الخيريععة والنسععانية ‪،‬‬
‫كالماسععونية ونععوادي الروتععاري والليععونز ‪ ،‬الععتي تحععارب فععي‬
‫‪289‬‬

‫الحقيقة كععل مععا تمثلععه الديععان السععماوية ‪ ،‬وتسععاهم أيضععا فععي‬
‫تحقيق أهداف المخطععط الخععرى ‪ ،‬داخععل البلععدان الععتي تتواجععد‬
‫فيها ( ‪.‬‬
‫‪ .17‬خداع الجماهير المستمر ‪ ،‬باسععتعمال الشععارات والخطابعات‬
‫الرّنانععة ‪ ،‬والوعععود بالحريععة والتحععرر ‪ ) .‬الععتي تلهععب حمععاس‬
‫ومشاعر الجماهير لدرجة يمكن معها ‪ ،‬أن تتصرف بما يخالف‬
‫حععتى الوامععر اللهيععة ‪ ،‬وقععوانين الطبيعععة ‪ ،‬وبالتععالي بعععد‬
‫الحصول على السيطرة المطلقة على الشعوب ‪ ،‬سععنمحو حععتى‬
‫اسم " ال " من معجم الحياة ( ‪.‬‬
‫‪ .18‬ضرورة إظهار القوة لرهاب الجمععاهير ‪ ) .‬وذلععك مععن خلل‬
‫افتعععال حركععات تمععرد وهميععة ‪ ،‬علععى أنظمععة الحكععم ‪ ،‬وقمععع‬
‫عناصرها بالقوة على علم أو مرأى من الجمععاهير ‪ ،‬بالعتقععال‬
‫والسععجن والتعععذيب والقتععل إذا لععزم المععر ‪ ،‬لنشععر الععذعر فععي‬
‫قلوب الجماهير ‪ ،‬وتجّنب أي عصيان مسلح قد ُيفّكععرون فيععه ‪،‬‬
‫عند مخالفة الحكام لمصالح أممهم ( ‪.‬‬
‫‪ .19‬استعمال الدبلوماسعية السعرّية معن خلل العملء ‪ ) .‬للتعدخل‬
‫في أي اتفاقات أو مفاوضات ‪ ،‬وخاصة بعد الحعروب ‪ ،‬لتحعوير‬
‫بنودها بما يتفق مع مخططات المؤامرة ( ‪.‬‬
‫‪ .20‬الهدف النهععائي لهععذا البرنامععج هععو الحكومععة العالميععة الععتي‬
‫تسيطر على العععالم بأسععره ‪ ) .‬لععذلك سععيكون معن الضععروري ‪،‬‬
‫إنشععاء احتكععارات عالميععة ضععخمة ‪ ،‬مععن ج عّراء اتحععاد ثععروات‬
‫اليهود جميعها ‪ ،‬بحيث ل يمكن لي ثروة مععن ثععروات الغربععاء‬
‫ظمت ‪ ،‬من الصمود أمامها ‪ ،‬مما يؤدي إلى انهيار هذه‬
‫مهما ع ُ‬
‫‪290‬‬

‫جه اليهعععود الععععالميون ‪،‬‬
‫العععثروات والحكومعععات ‪ ،‬عنعععدما يعععو ّ‬
‫ضربتهم الكبرى في يوم ما ( ‪.‬‬
‫‪ .21‬السععتيلء والسععيطرة علععى الممتلكععات العقاريععة والتجاريععة‬
‫والصناعية للغرباء ‪ ) .‬وذلك من خلل ؛ أول ‪ :‬فرض ضععرائب‬
‫مرتفعععة ‪ ،‬ومنافسععة غيععر عادلععة للتجععار الععوطنيين ‪ ،‬وبالتععالي‬
‫تحطيععم الععثروات والمععدخرات الوطنيععة ‪ ،‬وحصععول النهيععارات‬
‫القتصادية بالمم ‪ .‬ثانيا ‪ :‬السيطرة على المواد الخام ‪ ،‬وإثععارة‬
‫العمال ‪ ،‬للمطالبععة بسععاعات عمععل أقععل وأجععور أعلععى ‪ ،‬وهكععذا‬
‫تضععطر الشععركات الوطنيععة لرفععع السعععار ‪ ،‬فيععؤدي ذلععك إلععى‬
‫انهيارهععا وإفلسععها ‪ ،‬ويجععب أل يتمكععن العمععال بععأي حععال مععن‬
‫الحوال ‪ ،‬من الستفادة من زيادة الجور ( ‪.‬‬
‫‪ .22‬إطالة أمد الحروب لستنزاف طاقات المععم المتنازعععة ماديععا‬
‫ومعنويا وبشريا ‪ ) .‬لكي ل يبقى في النهاية سععوى مجموعععات‬
‫مععن العمععال ‪ ،‬تسععيطر عليهععا وتسوسععها حفنععة مععن أصععحاب‬
‫المليين العملء ‪ ،‬مع عدد قليععل مععن أفععراد الشععرطة والمععن ‪،‬‬
‫لحمايععة السععتثمارات اليهوديععة المختلفععة ‪ ،‬بمعنععى آخععر إلغععاء‬
‫الجيوش النظامية الضخمة حربا أو سلما ‪ ،‬في كافة البلدان ( ‪.‬‬
‫‪ .23‬الحكومة العالمية المسععتقبلية ‪ ،‬تعتمععد الدكتاتوريععة المطلقععة‬
‫كنظععام للحكععم ‪ ) .‬فععرض النظععام العععالمي الجديععد ‪ ،‬يقععوم فيععه‬
‫الدكتاتور بتعييععن أفععراد الحكومععة العالميععة ‪ ،‬مععن بيععن العلمععاء‬
‫والقتصاديين وأصحاب المليين ( ‪.‬‬
‫‪ .24‬تسلل العملء إلى كافة المستويات الجتماعيععة والحكوميععة ‪.‬‬
‫) من أجل تضليل الشباب وإفساد عقولهم بالنظريات الخاطئة ‪،‬‬
‫حتى تسهل عملية السيطرة عليهم مستقبل ( ‪.‬‬
‫‪291‬‬

‫‪ .25‬تععرك القععوانين الداخليععة والدوليععة الععتي سععنتها الحكومععات‬
‫والدول كما هي ‪ ،‬وإساءة استعمالها وتطبيقهععا ‪ ) .‬عععن طريععق‬
‫تفسير القوانين ‪ ،‬بشكل مناقض لروحها ‪ ،‬يسععتعمل أول قناعععا‬
‫لتغطيتها ‪ ،‬ومن ثم يتم طمسها بعد ذلك نهائيا ( ‪.‬‬
‫ثم يختم المتحّدث عرضه بالقول ‪ " :‬لعلكم تعتقدون أن الغرباء )‬
‫غير اليهود ( ‪ ،‬لععن يسععكتوا بعععد هععذا ‪ ،‬وأنهععم سععيهّبون للقضععاء‬
‫علينا ‪ ،‬كل هذا اعتقاد خاطئ ‪ .‬سععيكون لنععا فععي الغععرب ‪ ،‬منظمععة‬
‫على درجععة مععن القععوة والرهععاب ‪ ،‬تجعععل أكععثر القلععوب شععجاعة‬
‫ترتجف أمامها ‪ ،‬تلك هي منظمة الشبكات الخفية تحععت الرض ‪،‬‬
‫وسنعمل على تأسيس منظمات من هذا النعوع ‪ ،‬فعي كععل عاصعمة‬
‫ومدينة ‪ ،‬نتوّقع صدور الخطر منها " ‪ ،‬انتهى ‪.‬‬
‫* بتصّرف من كتاب ) أحجار على رقعة الشطرنج ( ‪.‬‬
‫ن هذا المخطط ‪ُ ،‬وضع قبل أكثر من ‪ 200‬سنة‬
‫نود أن ُنشير إلى أ ّ‬
‫تقريبا ‪ ،‬وأن العمععل علععى تنفيععذه بقععي جاريععا علععى قععدم وسععاق ‪،‬‬
‫وكان دائم التجّدد والتطّور من حيث القائمين عليععه ‪ ،‬ومععن حيععث‬
‫برامجه وأدواته ‪ ،‬ليتوافق مع التطورات المتسارعة التي ظهرت‬
‫فععي القرنيععن الماضععيين ‪ ،‬مععن ُمخترعععات واكتشععافات كوسععائل‬
‫سععخّرت كلهععا‬
‫التصال ووسائل الحروب على مختلععف أنواعهععا ‪ُ ،‬‬
‫طته أيدي أبالسععة اليهععود‬
‫طط الشيطاني ‪ ،‬الذي خ ّ‬
‫لخدمة هذا الُمخ ّ‬
‫على مّر العصور ‪ ،‬وما كان لبشر مععن غيععر اليهععود ‪ ،‬أن يجمعععوا‬
‫كععل هععذا الش عّر فععي جعبتهععم ‪ ،‬ويصععهروه بهععذا الشععكل المُععذهل‬
‫المتعّمععق ‪ ،‬فععي معرفتععه بععدواخل النفععس البشععرية وأهوائهععا ‪،‬‬
‫ومكامن ضعععفها وقوتهععا ‪ ،‬اتقانععا ربمععا يعجععز إبليععس نفسععه عععن‬
‫التيان بمثله ‪ ،‬حتى استطاعوا من خلله ‪ ،‬التحكم بالبشر ‪ ،‬بععدءا‬
‫‪292‬‬

‫من الرئيس المريكي بعظمته ‪ ،‬وحتى إنسععان الغيععاهب الفريقيععة‬
‫بفقره وقلة حيلته ‪ ،‬الذي ل يدري ما الععذي ُيحععاربه أول ‪ ،‬الجععوع‬
‫أم اليععدز ‪ .‬وهععا هععم الن بععدءوا ُيزيلععون أقنعتهععم شععيئا فشععيئا ‪،‬‬
‫فتصريحاتهم من مواقع السياسععة المريكيععة ومععواقفهم ‪ ،‬تكشععف‬
‫ق النسانية ‪.‬‬
‫عن مدى قباحة وجوههم وأفعالهم في ح ّ‬
‫إسننقاط جميننع أنظمننة الحكننم الوراثيننة‬
‫العريقة في أوروبننا مننن خلل الثننورات‬
‫التحررية ‪:‬‬
‫وقععد اسععتطاع اليهععود ‪ ،‬مععن خلل مععواظبتهم علععى تنفيععذ هععذه‬
‫البروتوكولت ‪ ،‬مععن إسععقاط نظععام الحكععم الملكععي فععي بريطانيععا ‪،‬‬
‫لفععترة ليسععت بالقصععيرة ‪ ،‬ومععن ثععم عععاد النظععام الملكععي ‪ ،‬بشععكل‬
‫صوري ل يتمتع بأي سلطة ‪ ،‬كمععا هععو الحععال الن ‪ ،‬كمععا وقععاموا‬
‫بإسقاط النظام الملكي في فرنسا ‪ ،‬ومن ثم تم تحويلها إلى النظععام‬
‫الجمهوري ‪ .‬وبعد إثعارتهم للحعرب العالميعة الولعى ‪ ،‬اسععتطاعوا‬
‫إسقاط الحكم القيصري في روسيا ‪ ،‬الذي عاملهم كما عوملوا في‬
‫أوروبععا ‪ ،‬ولكععن بععدون طععرد ‪ ،‬وإدخععال الحكععم الشععيوعي إليهععا ‪،‬‬
‫واستطاعوا إسقاط الحكم القيصري في ألمانيععا أيضععا ‪ ،‬وأسععقطوا‬
‫المبراطوريععة العثمانيععة ‪ ،‬وكععان آخععر حصععادها ‪ ،‬هععو وضععع‬
‫فلسطين تحت النتداب البريطاني ‪.‬‬
‫المخطط في مراحله النهائية ‪ ،‬تحت حماية‬
‫أمريكا ‪:‬‬
‫ولو أنععك نظععرت إلععى الععبروتوكول رقععم )‪ ، (23‬سععتجد أن النظععام‬
‫الععذي كععان ُينععادي بععه الرئيععس المريكععي ) بععوش ( فععي بدايععة‬
‫التسعينيات ‪ ،‬بعد انهيار التحاد السوفييتي ‪ ،‬موجود تحععت نفععس‬
‫‪293‬‬

‫السععم ) النظععام العععالمي الجديععد ( وهععذه العبععارة نفسععها مكتوبععة‬
‫أيضععا ‪ ،‬علععى الععدولر باللغععة اللتينيععة ‪ ،‬وهععذا مؤشععر علععى أن‬
‫طط أصبح في مراحله الخيرة ‪ ،‬حيث أن هذا البرتوكول هععو‬
‫المخ ّ‬
‫الثععالث قبععل الخيععر ‪ ،‬ومععا بقععي عليهععم للوصععول إلععى هععدفهم‬
‫النهعععائي ‪ ،‬سعععوى تنفيعععذ العععبرتوكولين )‪ (24‬و )‪ ، (25‬وهمعععا‬
‫المتعلقّيعععن بالعولمعععة بجانبيهعععا الثقعععافي والقتصعععادي ‪ ،‬والعععتي‬
‫سنوضحها لحقا ‪.‬‬
‫الرؤساء المريكيننون الوائل ُيحن ّ‬
‫ذرون مننن‬
‫الخطر اليهودي‬
‫ترجمة النص الكامل للجزء الخاص باليهود مععن خطععاب بنيععامين‬
‫فرانكلين أمام الكونغرس ‪:‬‬
‫" أيهععا السععادة ‪ :‬هنالععك خطععر كععبير يتهععدد الوليععات المتحععدة‬
‫المريكية … وهذا الخطر هو اليهود … ففي أي أرض يحّل بها‬
‫اليهود … يعملون على تدني المستوى الخلقي والتجاري فيهععا‬
‫… وعلى مدى تاريخهم الطويل …ظّلوا متقوقعين على أنفسععهم‬
‫في معععزل عععن المععم الععتي يعيشععون فيهععا … ولععم ينععدمجوا فععي‬
‫حضاراتها … بل كانوا يعملون دوما على إثارة الزمععات الماليععة‬
‫وخنق اقتصادياتها … كما حصل في البرتغال وإسبانيا ‪.‬‬
‫لكثر معن ‪ 1700‬سععنة … وهععم يبكععون علععى قععدرهم ومصععيرهم‬
‫المحزن … أعني طردهععم ونفيهععم مععن وطنهععم الم ) فلسععطين (‬
‫… ولو أن الععالم المتحضعر ) الغعرب ( أععاد لهعم فلسعطين الن‬
‫… فإنهم على الفععور سععيختلقون الكععثير مععن السععباب والعععذار‬
‫والحجج الواهية … ليبرروا عدم رغبتهععم فععي العععودة إليهععا …‬
‫لماذا ؟ … لنهععم كائنععات طفيليععة … والطفيليععات ل تسععتطيع أن‬
‫‪294‬‬

‫تتطفل علععى طفيليععات أخععرى … فهععم ل يسععتطيعون العيععش مععع‬
‫بعضعععهم البععععض … ممعععا يسعععتدعي ضعععرورة تواجعععدهم بيعععن‬
‫المسيحيين … أو بين أناس من غير جنسهم ‪.‬‬
‫وإن لم ُيطردوا من الوليات المتحدة بموجب الدسععتور … فععإنهم‬
‫وخلل مائة عام على القل من الن … سيتوافدون إلى هذا البلد‬
‫بأعداد كبيرة … وبتلك العداد سوف يحكمونا ويدّمرونا … من‬
‫خلل تغيير أنظمة الحكم لععدينا … والععتي بععذلنا نحععن المريكييععن‬
‫من أجل توطيدها على مر السنين … الغالي والنفيس من دمائنععا‬
‫وأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا … وإن لععم يتععم طردهععم … وبعععد‬
‫مائتي سنة من الن …فععإن أحفادنععا سععيعملون فععي الحقععول ليععل‬
‫نهار … من أجل إشباع بطونهم وجيوبهم … بينما يجلسون هم‬
‫في قصورهم يفركون أيديهم فرحا واغتباطا … بما حصدوه مععن‬
‫غلل وأرباح ‪.‬‬
‫وها أنا أحذركم أيهععا السععادة … إن لععم تطععردوا اليهععود مععن هععذا‬
‫البلد إلى البد … فإن أولدكم وأحفععادكم سععيلعنونكم فععي قبععوركم‬
‫… ومع أنهم يعيشون بيننا منذ أجيععال … فععإن ُمُثلهععم العليععا مععا‬
‫زالت تختلف كليا ‪ ،‬عما يتحلى به الشعب المريكععي مععن ُمُثععل …‬
‫فالفهعد الرقعط ل يمكنعه تغييعر لعون جلعده ) عبعارة مقتبسعة معن‬
‫التوراة ( … سوف ُيعّرضون مؤسسععاتنا ومقوماتنععا الجتماعيععة‬
‫للخطر … لذلك يجب طردهم بنص من الدستور " ‪.‬‬
‫وكان فرانكلين من الرؤساء الوائل في أمريكا ‪ ،‬والذي استشعععر‬
‫الخطععر اليهععودي قبععل تغلغلععه فععي أمريكععا ‪ ،‬مععن خلل دراسععته‬
‫لتوراتهم ولتاريخهم في أوروبا ‪ ،‬وما أحدثوه من خراب فيها ‪.‬‬
‫‪295‬‬

‫وهذا قسم من خطنناب الرئيننس المريكنني‬
‫) لنكننولن ( للمننة ‪ ،‬فنني نهايننة منندته‬
‫الرئاسية الولى ‪:‬‬
‫" إنني أرى في الفععق ُنععذر أزمععة تقععترب شععيئا فشععيئا … وهععي‬
‫أزمة تثيرني وتجعلني أرتجف على سلمة بلدي … فقد أصبحت‬
‫السععيادة للهيئات والشععركات الكععبرى … وسععيترتب علععى ذلععك‬
‫وصععول الفسععاد إلععى أعلععى المناصععب … إذ أن أصععحاب رؤوس‬
‫المععوال ‪ ،‬سععيعملون علععى إبقععاء سععيطرتهم علععى الدولععة …‬
‫مستخدمين في ذلك مشاعر الشعب وتحّزباته … وستصبح ثروة‬
‫البلد بأكملها ‪ ،‬تحت سععيطرة فئة قليلععة … المععر الععذي سععيؤدي‬
‫إلى تحطم الجمهورية " ‪.‬‬
‫وكان هذا الخطاب قبل أكثر من ‪ 130‬سنة ‪ ،‬بعد أن تغلغل اليهععود‬
‫في أمريكعا ‪ ،‬وقعد اغتيعل هعذا الرئيعس فعي بدايعة فعترة الرئاسعية‬
‫الثانية ‪ ،‬نتيجة خطاباته لن كل أصحاب رؤوس المععال المريكععي‬
‫أصبحوا من اليهود ‪ .‬كما اغتيل الرئيس ) جون كنععدي ( ‪ ،‬عنععدما‬
‫أعلن عن برامجه الصلحية ‪ ،‬وبناء أمريكا من الععداخل ‪ ،‬ونهععج‬
‫التعايش السلمي مع الخارج ‪ ،‬كروسيا والبلععدان الخععرى ‪ ،‬وهععذا‬
‫ممععا يتعععارض كليععا ‪ ،‬مععع بروتوكععولت أربععاب المععال اليهععود‬
‫وحكمائهم ‪ .‬وتخيل لو أن أرباب المال اليهود يسحبون أرصععدتهم‬
‫مععن أمريكععا ‪ ،‬بالتأكيععد سععينهار القتصععاد المريكععي برّمتععه علععى‬
‫الفور ‪ ،‬وربما تصبح أمريكا من أفقر بلدان العالم ‪.‬‬
‫بعد اغتيال ) كندي ( استوعب رؤساء أمريكا الععدرس ‪ ،‬وحفظععوه‬
‫عن ظهر قلب ‪ ،‬فلم يجرؤ أحدهم على نهج أي سياسة ‪ ،‬تتعارض‬
‫مع طموحات اليهود ‪ ،‬وتطلعاتهم على كافة الصعععدة ‪ ،‬بععل كععانوا‬
‫‪296‬‬

‫فععور انتخععابهم ‪ ،‬يسععارعون لتقععديم فععروض الطاعععة والععولء‬
‫لسيادهم اليهود ‪ .‬وخدماتهم لليهود خلل الربعين سنة الماضية‬
‫ظاهرة للعيععان ‪ ،‬وأصععبحت مهمععة الرئيععس المريكععي ‪ ،‬ل تتعععدى‬
‫مهمة ) كلب الصيد المدّرب جيدا ( ‪ ،‬لصطياد الشعوب وثرواتهععا‬
‫وجلبها ‪ ،‬لليهود في الداخل والخارج ‪ ،‬وفي نهاية ولية كل كلععب‬
‫جيد منهم ‪ُ ،‬يعّلق في رقبته وساما رفيعععا مععن المديععح اليهععودي ‪،‬‬
‫فيهّز ذنبه فرحا ويمضي خارجا من البيت البيض ‪ ،‬بعد حصععوله‬
‫على شرف عضوية ) نادي كلب الصيد ( اليهودي ‪ ،‬وكلنا يععذكر‬
‫قصععة ) كلينتععون ( عنععدما نسععي نفسععه ‪ ،‬وحععاول الضععغط علععى‬
‫جروا في بيتععه البيععض القنبلععة ) لوينسععكي ( ‪ ،‬الععتي‬
‫نتنياهو ‪ ،‬فف ّ‬
‫كععانت ُمع عّدة منععذ لحظععة انتخععابه ‪ ،‬فأعععادته إلععى صععوابه ‪ ،‬وإلععى‬
‫مععوقعه الحقيقععي ككلععب صععيد ل أكععثر ‪ ،‬فأصععبح فععي نهايععة مععدة‬
‫رئاسته صهيونيا ‪ ،‬أكععثر معن الصععهاينة أنفسععهم ‪ ،‬يمسععح بفععروه‬
‫البيض الناعم نعال أحذيتهم ‪ ،‬عسى أن يقتات هو وزوجته علععى‬
‫فتععات مععوائدهم ‪ ،‬فععي قاعععات مجلععس الشععيوخ المريكععي ‪ ،‬بعععد‬
‫خروجهم من البيت البيض ‪.‬‬
‫الحننرب العالميننة الثانيننة درس مننن دروس‬
‫التآمر اليهودي العالمي‬
‫الظععروف الععتي سععبقت الحععرب ‪ ،‬مععن كتععاب ) أحجععار علععى رقعععة‬
‫الشطرنج ( بتصّرف ‪:‬‬
‫ع ع معاهععدة فرسععاي المجحفععة بحععق ألمانيععا ‪ :‬الععتي كععان لليهععود‬
‫وعملئهم اليد الطولى في صياغتها ‪ ،‬من وراء السععتار ‪ ،‬لتكععون‬
‫بؤرة لتوريط ألمانيا في حرب أخرى ‪ ،‬إذا تطلب المععر مسععتقبل ‪.‬‬
‫حيععث أن بنععود هععذه المعاهععدة ‪ ،‬اقتطعععت جععزءا مععن الراضععي‬
‫‪297‬‬

‫اللمانيععة ‪ ،‬وضععمتها إلععى بولنععدا ‪ ،‬وأرغمععت ألمانيععا علععى دفععع‬
‫التعويضععات ‪ ،‬للخسععائر الناجمععة عععن الحععرب العالميععة الولععى ‪،‬‬
‫وأبقت ألمانيا تحت طائلة الديون إلى ما ل نهاية ‪.‬‬
‫ع وجود الحركة النازية في ألمانيا ‪ :‬والسبب في بلورة أفكارهععا ‪،‬‬
‫هو معرفة اللمان بفصول المؤامرة اليهودية ‪ ،‬حيععث أن الصععيغة‬
‫النهائية لبرتوكولت حكماء المؤامرة ‪ ،‬التي تدعو لتفععوق العععرق‬
‫اليهودي ‪ ،‬والتي ُكشفت أصل فيما سبق في ألمانيا نفسععها ‪ ،‬ممععا‬
‫دفع اللماني ) كارل ريتر ( إلععى طععرح أفكععار ‪ ،‬تععدعو إلععى تفععوق‬
‫العععرق الجرمععاني ‪ ،‬ردا علععى مععا طرحتععه برتوكععولت حكمععاء‬
‫اليهود ‪ .‬ومن أقوال مؤسس الفكععر النععازي ) كععارل ريععتر ( الععذي‬
‫نشعععر أفكعععاره ععععام ‪1849‬م ‪ " :‬لكعععي يععععود السعععلم والحريعععة‬
‫القتصادية إلى العالم ‪ ،‬يجب أول القضاء على الممولين اليهود ‪،‬‬
‫جهععون‬
‫وعلى جميع أعضاء الحركة الثوريععة العالميععة ‪ ،‬الععذين ُيو ّ‬
‫الشيوعية ويسععيطرون عليهععا " ‪ .‬ومضععمون المعتقععدات النازيععة‬
‫يقضي بتفوق العععرق الجرمععاني ‪ ،‬والععذي يتععوجب عليععه إخضععاع‬
‫العالم بععالقوة العسععكرية ‪ ،‬ويجععب أن تكععون الطاعععة فيععه لرئيععس‬
‫الدولة الجرمانية ‪ ،‬طاعة عمياء وبدون نقععاش ‪ .‬وعلععى مععا يبععدو‬
‫أن رجالت الحرب اللمعان ‪ ،‬بععد الحعرب العالميععة الولععى ‪ ،‬ومععا‬
‫لحق بألمانيا مععن إجحععاف ‪ ،‬مععن خلل المععؤامرات اليهوديععة قبععل‬
‫وبعد الحرب ‪ ،‬اقتنعوا بالمذهب النععازي واعتنقععوا مبععادئه ‪ ،‬الععتي‬
‫تتقاطع مع المخطط اليهودي ‪ ،‬للسععيطرة علععى العععالم اقتصععاديا ‪،‬‬
‫ومععن ثععم السععيطرة علععى الحكععم سععلميا ‪ ،‬فوضعععوا مخططهععم‬
‫العسععكري لكتسععاح أوروبععا وأمريكععا ‪ ،‬للقضععاء علععى الممععولين‬
‫اليهود ‪ ،‬واليهود بشععكل عععام فععي أمععاكن تواجععدهم ‪ ،‬والسععتيلء‬
‫على ثرواتهم الطائلة ‪.‬‬
‫‪298‬‬

‫ع مرتكزات السياسة اللمانية ‪ :‬كععانت تقععوم علععى وجععوب تحريععر‬
‫ألمانيا ‪ ،‬من التفاقيات القتصععادية المفروضععة عليهععا ‪ ،‬مععن قبععل‬
‫الممولين والمرا