‫روايـة‬

‫العمة أخت الرجال‬

‫أحد أبو خنيجر‬

‫كتاب‬
‫العمة‬

‫يكربا يوم الوقفة‪ ،‬يفتح عليها أبواب التذكر والني‪ ،‬والوحدة الطويلة‪ ،‬رغم ذلك‪ ،‬تاول أن‬
‫تطرد التكدر من وجهها‪ ،‬تاف أن تلحظ دواجنها توترها وقلقها فتحرص علي أن تعل يدها ثابتة‬
‫‪.‬وهي تقدم البوب والطعام لا‬
‫يوقظها أذان الفجر وصوت الراديو الفتوح علي إذاعة القرآن الكري‪ ،‬تشعل نار الوقد‪ ،‬تستند‬
‫علي عكازها وتطو إل حوش الدار لتأتي بالاء‪ ،‬تضعه فوق النار‪ ،‬تذهب وتعود بإناء آخر‪،‬‬
‫تأخذ جزءا من الاء الذي صار دافئا‪ ،‬تروح ناحية الزريبة وتفتح الباب لدواجنها الت تندفع‬
‫متصاية حولا‪،‬ترمي الصباح‪ :‬صباح الي‪.‬‬

‫تدخل الزريبة تقضي حاجتها وتعود‪ ،‬لتفرد الصلية‪،‬‬

‫علي طرفها تلس وتشرع بالوضوء‪ ،‬متمهلة تبدأ‪ ،‬وبس صوف متبتل تقطر الاء فوق أعضائها‪،‬‬
‫وفمها يتمتم بالدعية‪ ،‬تبدأ بالراحلي‪ ،‬جدتا‪ ،‬والديها‪ ،‬زوجها‪ ،‬ث إخوتا الرجال‪ ،‬ث تثن‬
‫بأولدها‪ ،‬وتثلث أخيا بنفسها‪ ،‬تسأل العلي القدير‪ ،‬أن يهبها حسن الاتة‪ ،‬وعدم الاجة وأل‬
‫‪.‬تصبح عطل‬
‫علي عكازها تستند كي تقف لداء الصلة‪ ،‬ما أن تفرغ يكون الاء الذي فوق النار قد غلى‪،‬‬
‫وفراخها وحامها يفرد أجنحته يتاقص حولا يستحثها كي تسرع ف تهيز وجبته الصباحية‬
‫الساخنة‪ ،‬تلط الردة ببواقي العيش الناشف و الغلة‪:‬القمح أو الذرة البيضاء‪ .‬وبواقي طبيخ‬
‫المس‪ ،‬تضع كل ذلك ف إناء فخاري كبي‪ ،‬وتصب عليه الاء وتأخذ ف تقليبه وهي تش دواجنها كي‬
‫تنتظر قليل‪ ،‬وهي تتقافز حولا‪ ،‬تقوم الشاحنات الصغية بي الفراخ والمام‪ ،‬تنهيه هي‬
‫بقيامها وحلها الناء الفخاري‪ ،‬وتسي باتاه الوش‪ ،‬تسبقها الدواجن إليه‪ ،‬حيث تط الناء علي‬
‫الرض وتنثر بعضا من الغلة حوله‪ ،‬ث تنقل رجلها بعيدا عن الصراع الصباحي الدائر حول‬
‫الناء‪ ،‬تشي باتاه باب البيت‪ ،‬تفتحه وتطو إل الشارع‬

‫الناعس تت سطوة الفجر الفاتنة‪،‬‬

‫ّها تلمح العائدين من صلة الفجر‪،‬‬
‫تأخذ نفسا عميقا وهي تقلب عينها الكليلة ف الشارع عل‬
‫لكن أذنا تلتقط من الراديو صوت التلبية‪ ،‬ترتعش يدها القابضة علي العكاز‪ ،‬تعود إل داخل‬
‫البيت‪ ،‬وذلك النقباض يعاودها‪ ،‬وفمها يردد التلبية بصوت خفيض‪ ،‬لكنه كاف كي يعل العارك‬
‫الدائرة حول الناء الفخاري تتوقف‪ ،‬حالا تنتبه إل سكون دواجنها‪ ،‬تصمت وتتحرك بتثاقل‬
‫‪.‬باتاه سجادة الصلة وتقعد عليها‬

‫)) لبيك اللهم لبيك ((‬
‫تردد بتبتل هادئ من فوق مصليتها مع الدير التدفق للتلبية من مليي الفواه الواقفة فوق‬
‫ُ‪ ،‬ضعيفا وعجوزا‪ ،‬يهتف بلء الروح‬
‫عرفات‪ ،‬كم تتمن أن تكون بي هذه الليي‪ ،‬جسدا صغيا‬
‫ُ‬
‫التواقة‪ (( :‬لبيك‬

‫اللهم لبيك)) ‪ .‬لكن ما العمل والعمر يضي دون مقدرة ‪ ،‬ودون أمل واضح‬

‫ف تقيق هذا اللم ف يوم من اليام‪ ،‬حي عرض أولدها أن تبيع قطعة الرض الت تتلكها ‪ ،‬و‬
‫يكملوا هم الباقي‪ ،‬كي تسافر وتقضي الفريضة‪ ،‬أجابت بسم‪ :‬ل ‪ ..‬وهم الذين يعرفون تصلب‬

‫أمهم ل يعاودوا العرض‪ ،‬تقول ف نفسها‪ :‬وماذا تفعل حتة الرض الصغية‪ ،‬والت أعيش منها الن‪،‬‬
‫يد أبي وإخوتي الرجال وزوجي وهم وعرقهم ‪ ،‬كيف أبيعه ؟ إن جزءا من هناك‪ ،‬يظل شاهدا علي‬
‫!مروري بذه الدنيا ‪ ،‬أألغي مكاني فوق هذه الدنيا ؟‬
‫)) لبيك اللهم لبيك‬

‫((‬

‫ذكر المام الذي لظ تايل جسد العمة مع ارتفاع صوتا النغم تقدم حت وقف عند أقدامها‪ ،‬وهدل‬
‫بصوت خفيض جعل باقي المام يتك ما يلتقطه من حبوب ويهدل ردا عليه‪،‬‬

‫متقدما نوه‪ ،‬علي‬

‫حواف الصلية يقف المام‪ ،‬وهو يهدل موافقا بي صوته وصوت العمة الت تردد التلبية بوجد صوف‬
‫بالغ الصفاء‪ ،‬يتمايل جسدها وعيناها مغمضتان ‪ ،‬كأنا تلق ف ساء المى‪ ،‬يرفرف حولا المام‬
‫ويهدل‪،‬تسمع صوته‬

‫واضحا‪ ،‬بأذنيها‪ ،‬متجاوبا مع هدير الجيج‪ ،‬صوتا ضائع وسط هذه الصوات‬

‫الت تتصاعد ف السماء‪ ،‬ترقها النشوة‪ ،‬تزغرد بصدرها‪ ،‬تعل الدمع يطرف من عينيها‪ ،‬ساخنا‪،‬‬
‫يكوي أخاديد الوجه التبتل‪ ،‬تنبسط التجاعيد وتنفرد سامة للدمع بالتحدر إل ذقنها الذي‬
‫يرتف بشدة وبفة بالغة ما يعل التلبية تتحشرج ف صدرها بفعل البكاء‪ ،‬تنفتح عيناها‪ ،‬لتي‬
‫من خلل غبش دموعها‪ ،‬حامها واقفا حول حواف الصلية يهدل كأنه ف جوقة بصوت ناعم ورقيق‪،‬‬
‫الدجاج من خلفه‬

‫برك حول قدميها متكوما فوق بعضه‪ ،‬دون ضغينة ول مشاحنات‪ ،‬وهي الت‬

‫ً‪ ،‬ومدت أصابعها الرتفة لتجفف الدمع التدفق‬
‫أربكها الشهد‪ ،‬حاولت التيقن‪ ،‬فأسكتت صوتا أول‬
‫من عينيها‪ ،‬عندئذ غادر المام والدجاج مرابضه من حولا وجري عائدا إل وجبته الصباحية وقد‬
‫‪ .‬عادت إليه حيويته وخناقاته الصغية‬

‫تشرق الشمس معلنة عن صباح خريفي شديد الوضوح‪ ،‬السماء صافية و إن كانت سحب رمادية خفيفة‬
‫متناثرة هنا‪،‬‬

‫وهناك‪،‬‬

‫ل تنظر إليها السيدة وهي تظلل عينيها اللتي ما يزال أثر الدمع‬

‫بما ‪،‬تقول‪ :‬شس الوقفة‪ ،‬شس عرفات‪ ،‬تشرق بدون حرارة‪ ،‬صفراء‪ ،‬ضوء دون حرارة‪ ،‬ليحم ال‬
‫‪ .‬ضيوفه‪ ،‬ويعينهم علي أداء مناسكه‬
‫ترفع يديها بالدعاء‪ ،‬وهي تواجه الشمس‪ :‬يا رب ‪ .‬تتمتم قليل‪ ،‬ث تفض يديها‪،،‬تستند علي‬
‫عكازها وتروح ناحية الباب‪ ،‬تفتحه وتعود‪،‬هكذا عادتا كل صباح‪ ،‬عند شروق الشمس تفتح الباب‬
‫وتتكه مفتوحا حت انتصاف النهار‪،‬تلس ف ظله ترقب الشارع ‪،‬تتبادل حديثا خفيفا مع‬
‫العابرين‪ ،‬تستعلم فيه عن أحوالم ويطمئنون علي أحوالا‪ ،‬بعضهم قد يدخل ليشرب من زيرها‬
‫‪ .‬النصوب بوار الباب‪ ،‬بعض النساء‬

‫يلسن معها قليل يثرثرن لوقت قليل ث يذهب‬

‫وهي قاعدة بعد أن فتحت الباب‪ ،‬تذكرت أن الولد عيد – جارها‪ -‬ل ير عليها حت الن‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫‪ .‬بعد أن أطعم البهيمة‪ ،‬سأذهب للسؤال عنه‬
‫تناولت حزمة البسيم من فوق السرير الريد الوضوع بوش البيت‪ ،‬الذي تنام فوقه بعد صلة‬
‫العشاء ف الليال الصائفة قبل أن تنتقل قبل الفجر إل سريرها‪ ،‬أخذت حزمة البسيم تت‬

‫إبطها‪ ،‬وبالعكاز دفعت باب الزريبة‪ ،‬اندفعت نوها النعجة الوحيدة والعجوز أيضا الت‬
‫تربيها هي ووليدها الروف‪ ،‬دخلت وردت الباب وراءها‪،‬ألقت البسيم إليها وجلست ترقبها‬
‫‪.‬بدوء‬
‫منذ زمن بعيد‪ ،‬ل تدرى الن طوله‪ ،‬والنعجة عندها‪ ،‬هي وحدها فقط‪ ،‬ف كل عام تلد خروفا‪،‬‬
‫تذبه العمة يوم عيد الضحى‪ ،‬هذا العام ل تبل نعجتها‪ ،‬وهذا أقلقها كثيا‪ ،‬هل أصبحت عجوزا‬
‫هي الخرى؟ تساءلت‪ ،‬أيكون رحها قد أفرغ كل خرافه؟ كل عام والنعجة تأتي بوليد واحد فقط‪،‬‬
‫غالبا ما يكون ذكرا‪ ،‬خروفا‪ ،‬وف معظم الحيان تضعه ف اليام الول من شهر ذي الجة‪ ،‬ويظل‬
‫الوليد معها يكب حت يستوي خروفا عفيا‪،‬‬

‫يلقح أمه‪ ،‬ويكون جاهزا للذبح يوم العيد‪ ،‬مرة‬

‫واحدة تأخر وضعها إل ثاني أيام العيد‪ ،‬ف يوم العيد حي أخذ الروف منها للذبح‪ ،‬ظلت‬
‫النعجة تصرخ طوال اليوم وصامت عن الكل والشرب‪ ،‬والسيدة‬

‫الت خبت الل والزن‪،‬قالت يومها‪:‬‬

‫لو أن حياتنا تر دون أل أو حزن‪ .‬يومها ابتهلت للرحن أن يرحم نعجتها ول يعل ولدتا تتأخر‬
‫‪ .‬إل بعد يوم العيد‬
‫الن ها هو آخر خروف تضعه نعجتها العجوز‪،‬كيف ستتحمل فراقه ف الغد‪ ،‬تساءلت السيدة‪،‬ث‬
‫أضافت‪ :‬و العيد القادم‪ ،‬من أين آتي له بروف‪ ،‬وتلك عادة ل يكن أن أقطعها‪،‬هل أبيع نعجت‬
‫الت تربت معي وغذتن بلبنها‪ ،‬نعجت‪ .‬وقبل أن تستسل دهها خاطر‪ :‬وهل سأكون موجودة ف العيد‬
‫القادم ؟‬
‫بدوء قامت وخرجت من الزريبة‪،‬‬

‫ما أن خطت خارجها حت هاجها ضجيج قدي‪ ،‬كأنا انبعث‬

‫فجأة‪ ،‬سعت الصوات تتدد بتداخل بأرجاء البيت الوسيع الذي ل تستعمل‪ -‬الن‪ -‬إل جزءا قليل‬
‫منه‪ ،‬أصوات‪ :‬والدها‪ ،‬وجدتا فاطمة‪ ،‬الت سيت‬

‫باسها‪ ،‬والدتا‪ ،‬إخوتا الرجال‪ ،‬صهيل اليل ف‬

‫مرابطها‪ ،‬عراك أمها مع الدجاج والبط والمام‪ ،‬صوت القهوة فوق راكية النار أمام جدتا‪ ،‬هس‬
‫الدة لوالدها‪ ،‬صوتا وهي صغية تري متقافزة بي أرجل الميع ضحكاتا ورغباتا الابة‪ ،‬صوتا‬
‫‪.‬الصغي يقول‪ :‬أريد الهرة‬
‫مندهشة توقفت‪ ،‬تتلفت حولا‪ ،‬تاول تبي الركن الذي تنبعث منه الصوات‪ ،‬تدور حول نفسها‪،‬‬
‫والصوات تدور حولا‪ :‬بعد غد سأجري با‪ ،‬انتظر قليل‪ ،‬نيق حار‪ ،‬ماء يدلق علي الرض‪ ،‬أذهب إل‬
‫عمك‪ ،‬دعك من هذه اللعونة‪ ،‬نقار بي ذكور البط‪ ،‬صوت ريح خفيفة تر‪ ،‬أهل يا مصطفي‪ ،‬القهوة‬
‫تغلي فوق النار‪ ،‬من يقدر علي منازلت‪ ،‬خذ القمح واذهب إل الطاحون‪ ،‬صوت ارتشاف القهوة‪،‬‬
‫قل لا أن تلم نفسها‪ ،‬رفرفة أجنحة المام‪ ،‬مواء قطة‪ ،‬ملبس تلع‪ ،‬ال يدبر الحوال‪ ،‬خذ الهرة‬
‫كي تميها‪ ،‬نباح كلب‪ ،‬ملعون أبوك‪ ،‬أنت السبب‪ ،‬الريح ترك جريد النخلة‪ ،‬كيفما أصبحت يا‬
‫جدة‪ ،‬أخاف علي هذه البنية‪ ،‬هدوم ترتدي‪ ،‬جذع النخلة يتمايل‪ ،‬بي يا مصطفي‪ ،‬كيف أبوك‪ ،‬هي‬
‫‪.‬أخت الرجال‪ ،‬أريد ركوبا الن‬
‫كم كان العمر وقتها ؟ تساءلت السيدة وهي تدور حول نفسها‪ ،‬ل تستطع أن تمن الكان الذي ‪-‬‬
‫تنفجر الصوات منه؛ ل تكن لديها إجابة حاسة‪ ،‬أو حت دقيقة حول مسألة العمر هذه‪ ،‬ربا كانت‬
‫ف بداية طريقها لتصبح فتاة‪ ،‬تذكر أن خراط البنات كان يغامر كي يزورها ليل‪ ،‬ليجعل جسدها‬

‫يستدير‪ ،‬كما تقول جدتا حي تأخذها ف حضنها‪ :‬بالليل عندما تنامي‪ ،‬يأتي خراط البنات‪،‬‬
‫متلصصا‪ ،‬يرقب إخوتك الرجال‪ ،‬ولا تأخذهم الغفلة‪ ،‬يدخل إليك‪ ،‬تكوني نائمة‪ ،‬يعمل يديه ف‬
‫‪ .‬جسدك‪ ،‬كي يأخذ استدارته ومنحنياته‪ ،‬ويهبك جسدا متلفا عن كل النساء‬
‫تبتسم الن لصوت جدتا الت كانت تنام بوارها؛ مد الصوات بدأ يفت ‪،‬حركت رأسها كي تلحق به‪،‬‬
‫دلتها أذنا علي مكمنه الذي يتصاعد منه‪ ،‬من عند النخلة حيث كانت تلس جدتا‪ ،‬وبوارها‬
‫والدها‪ ،‬ويدها تقلب جر الراكية‪ ،‬تسوي القهوة الصباحية‪ ،‬الت يتناولا الميع‪ ،‬وبعد أن‬
‫‪ .‬يفرغوا‪ ،‬كل يتجه إل عمله الذي يكلف به أثناء تناول القهوة‬
‫تقدمت نو النخلة‪ ،‬البعيدة‪ ،‬والقائمة ف سرة البيت‪ ،‬البيت الكبي‪ ،‬الذي صار خاليا إل‬
‫‪.‬منها‬

‫حي وصلت إل النخلة‪ ،‬كان التعب قد هدها تاما‪ ،‬فالسافة بعيدة‪ ،‬وهي ل تطها منذ وقت طويل‪،‬‬
‫جلست ف الظل مستندة علي جذع النخلة‪ ،‬بالكاد بصرها الضعيف يستطيع تيز باب البيت الفتوح‪،‬‬
‫هي الن وسط البيت‪ ،‬الذي ل تسكن إل ف الزء المامي منه‪ ،‬بسبة بسيطة ترى أن استخدامها‬
‫للبيت يتناسب عكسيا مع معدل عمرها‪ ،‬ف البداية‪،‬حي كانت صغية‪ ،‬البيت كله تدوسه بقدمها‪:‬‬
‫من حجرتا مع جدتا‪ ،‬إل حجرة والدها ووالدتا إل حجرات إخوتا الرجال‪ ،‬إل زرائب البهائم‬
‫والدواجن وأبراج المام وإسطبل اليل و النخلة وحجرات الزين‪ ،‬ومندرة الضيوف‪ ،‬كل ذلك‬
‫‪.‬مباحا لا ف أي لظة تشاء‬
‫حي كبت‪ ،‬بدأت ف الستئذان‪ ،‬ف البداية حجرة والديها ث إخوتا‪ ،‬كان كلما يتقدم الزمن ويشتد‬
‫عودها‪ ،‬تقل الماكن الباحة لتواجدها ف أي وقت كما كانت تفعل حي كانت صغية‪ ،‬ث تزوج إخوتا‬
‫الرجال‪ ،‬وتزوجت هي‪ ،‬وصار البيت أضيق كثيا‪ ،‬وجاء أولدها‪ ،‬ورحل الميع وتركوها وحيدة داخل‬
‫هذا البيت الذي تلس الن ف سرته‪ ،‬تت النخلة‪ ،‬ول تتذكر مت كانت آخر مرة جلست فيها بوار‬
‫‪.‬النخل‬
‫تقول وهي تتنهد‪ :‬لكل ابن آدم بر يعبه‪ ،‬وطريق يطوه‪ .‬لكن ما تعجب له‪ ،‬وهو ما يدث لا كثيا‬
‫ف الونة الخية‪ ،‬هو هبوب الصوات حولا دون سابق تهيد‪ ،‬كأنا ذاكرتا تعاندها‪ ،‬حي تاول‬
‫تذكر أشياء بعينها ل تساعدها الذاكرة‪ ،‬بل تتنكر لا‪ ،‬وتتكها ف عماء الية والتخبط وتدفع‬
‫بذكريات أخري‪ ،‬ل تريدها‪ ،‬لتجد روحها مشوشة‪ ،‬مضطربة ‪ ،‬فما يدث يناقض طريقتها ف الياة ‪،‬‬
‫طوال عمرها وهي تاول جاهدة أن تلك خياراتا‪ ،‬تلك طرقها الت تطوها‪ ،‬كما كانت تقبض علي‬
‫أعنة الهرة حي تري ف السباق‪ ،‬تقول‪ :‬اللجام ف يدي‪ ،‬و بدكة من الركاب بقدمي‬

‫ف بطن‬

‫الهرة‪ ،‬أصل إل ناية السباق ف الوقت الذي أريد‪ ،‬لكن الن‪ ،‬وذاكرتا تلعبها وتتكها عرضة‬
‫‪.‬للحية‪ ،‬وتذكرها ف نفس الوقت بالضعف وقلة اليلة تاه الزمن‬
‫تقول‪ :‬ما يقهرني هو الزمن‪ ..‬الزمن‪ ..‬لكن ل أريد الل‪ ،‬يكفين ما جربته منه‪ ،‬فقط يا ربي‬

‫‪.‬لو تضي الياة بل حزن‪ ،‬بل أل‪ ،‬بل ذاكرة حرون‪ ،‬وزمن قاس ل يرحم‪ ،‬يسم البدن بعلماته‬
‫مدت يدها تتحسس جذع النخلة‪ ،‬النخلة عمة البشر‪ ،‬كما كانت تقول جدتا‪ ،‬تاول أن تقارن‬
‫الشونة الت تسها الن بكفها والشونة القدية‪ ،‬حي كان كفها صغيا وهي تصعد متسلقة الذع‪،‬‬
‫وإخوتا الرجال‪،‬البعض يشجعها‪ ،‬والخر ينهرها‪ ،‬وأمها تنظر لا وهي تطو ف وسع البيت‪ ،‬تأمرها‬
‫بالنزول‪ ،‬لكن الدة تقول‪ :‬اتركيها‪ .‬تز الم رأسها وتضي ف طريقها‪ ،‬سألت جدتا‪ :‬من زرع‬
‫ً مبوكا‪ .‬ما الذي يدث لذاكرتا تاول لو تسك بفوارق الزمن‬
‫النخلة؟ قالت ‪:‬جدي‪ ،‬كان رجل‬
‫والحساس‪ ،‬لكن بذاكرتا تطفو أشياء بعيدة‪ ،‬تظن أنا قد نسيتها‪ ،‬أو توارت ف ظل مشاغل الياة‬
‫‪.‬التلحقة‪ ،‬لكن كيف الطمئنان لذاكرة بثل هذا النون والعبث‬
‫منذ فتة حي بدأت تنتبه للعيب ذاكرتا‪ ،‬أولت اهتمامها إل مثانتها ‪ ،‬فحرصا منها علي طهرها‬
‫التام وقت الصلة‪ ،‬ما أن تقف فوق سجادة الصلة بعد أن تفرغ من وضوئها حت تسرع بلع‬
‫سروالا‪ ،‬فمادامت ذاكرتا تلعبها‪ ،‬فما يدريها أن مثانتها ل تغافلها‪ ،‬وتنزل ولو نقاطا‬
‫قليلة من البول ل تد لا أثرا بسروالا‪ ،‬مع تكرار اللع‪ ،‬صارت عادة‪ ،‬هكذا ضحكت ف سرها من‬
‫ّ أن أجد حيلة لضحك من الزمن والذاكرة‬
‫‪.‬الزمن‪ ،‬تقول‪ :‬علي‬
‫ً تراءى لا داخل‬
‫ً‬
‫رفعت يديها بالدعاء‪ :‬يا رب هبن القوة والقدرة ‪ ...‬وقبل أن تكمل لت زوال‬
‫‪.‬من الباب ‪،‬ووصل إل سعها صوت نسوي ينادي عليها ‪ :‬يا عمـــــة‬

‫‪ .‬يا حاجة فاطمة ‪-‬‬
‫إنا عزيزة زوجة عيد‪ ،‬جارتا‪،‬هي الت دائما تناديها هكذا‪ ،‬تبدأ عند الباب يا عمة ث ما أن‬
‫تتخطى عتبة الدار حت ترفع صوتا للمرة الثانية‪ :‬يا حاجة فاطمة‪.‬‬

‫وقدمها تبحث عن موضع‬

‫السيدة‪ ،‬والت غالبا ف الفتة الخية تكون متفية ف أحد أركان الدار الوسيع‪ ،‬قالت لا مرة‬
‫بعد أن تعبت من البحث عنها‪ :‬ل أدرى يا ابنت ما الذي يدفعن إل التجول داخل حجرات البيت‬
‫‪.‬الهجورة‪ ،‬لكنه هاجس يطن برأسي فجأة‬

‫لجد نفسي ف واحد من أركان البيت‪ ،‬عما أبث‪ ،‬ل أعرف‬
‫‪ .‬أهل يا عزيزة‪-‬‬

‫جلست عزيزة بوارها ف ظل النخلة الفروش فوق الشائش القصية النابتة بكثافة وتوحش كأنا‬
‫تريد السيطرة علي أرضية البيت‪ ،‬فالشائش بعد أن فردت سلطانا علي الرض ف مناطق كثية منها‬
‫خاصة التابية بدأت التوسع ف ملكتها‪ ،‬ومدت ظل سلطانا إل الوائط‪ ،‬وبدأت ف التسلق والنبات‬
‫‪ .‬من خلل الشقوق الكثية الناتة من تصدع الوائط‬
‫‪ .‬كل سنة و أنت طيبة يا عمة‪-‬‬
‫‪.‬وأنت بي‪-‬‬
‫‪.‬ردت العمة وهي تداري ارتاف يدها‪ ،‬وقالت قبل أن تلحظ عزيزة‪ :‬تقرصن يدي من أول النهار‬

‫وعزيزة الت لظت الرتاف‪ ،‬ل يفوتا التلميح‪ ،‬وعلقت بشرود وهي تتابع زوجا من السحال يسي‬
‫‪.‬متخفيا بي الشائش‪ :‬خي‪ ،‬إن شاء ال خي‬
‫وأرادت أن تكمل‪،‬غي أنا توقفت لا رأت فأرا صغيا يطل برأسه من أحد الحور‪ ،‬فغيت الوضوع‬
‫‪.‬قائلة‪ :‬أعطن الدقيق يا عمة‬
‫ً يسيطر علي حواسها‪ :‬لاذا الصرار علي تذكيي بأننا ف‬
‫تنهدت العمة وهي تطحن ف جوفها سؤال‬
‫‪ .‬يوم الوقفة ؟ وعزيزة الت رأت تلكؤ العمة قالت مشجعة‪ :‬عادة‪ ،‬وربنا ما يقطعها‬

‫منذ سنوات وعزيزة تأتي ف وقفة العيدين‪ :‬الفطر والضحى‪ ،‬ويوم ستة وعشرين رجب‪ ،‬وعاشورا‪،‬‬
‫تأخذ الدقيق تبزه للعمة؛ كعكا وقرصا تقوم العمة بتوزيعها على الطفال حي يضرون إليها‪،‬‬
‫خاصة ف جلسات ما بعد صلة العشاء‪ ،‬حيث تقص بعض الكايات القدية لم‪ ،‬والطفال يعرفون‬
‫فيأتون ليأخذوا الكعك ويستمعون إل الكايات الت ربا يكونوا قد سعوها قبل ذلك أو ف مرات‬
‫سابقة‪ ،‬لكنهم ف كل مرة يدون فيها لذة جديدة‪ ،‬تعادل لذة الكعك الذي ترص العمة على عجنه‬
‫‪ .‬بالسكر لا كانت قادرة و عفية‪ ،‬وأوصت به عزيزة حي كفت يدها عن العجن والبيز‬
‫تقول العمة‪ :‬الطفال هم أحق بذا الكعك ‪ ،‬لن أرواحهم طاهرة‪ .‬كأرواح موتاها الذين توزع‬
‫الكعك صدقة علي أرواحهم‪ ،‬موتاها كما تذكر دائما‪ :‬جدتا‪ ،‬والدها‪ ،‬والدتا‪ ،‬إخوتا الثلثة‪،‬‬
‫‪.‬الرجال‪ ،‬زوجها‪ ،‬ابنها البكري‪ ،‬والصغي علي‪ ،‬ث أرواح السلمي‬
‫أبدا ل تذهب إل القابر‪ ،‬ل تقم بزيارة واحدة لا‪ ،‬كانت تودع النعش عند الباب الكبي‬
‫‪ .‬للبيت‪ ،‬تقول‪ :‬مع السلمة‪ .‬وتعود‬
‫عزيزة الت حيها عدم خروج العمة إل القابر مع النساء‪ ،‬ظلت فتة متهيبة أن تسألا‪ ،‬إل أن‬
‫تاسرت مرة وسألت‪ ،‬أجابتها العمة بدوء بالغ‪ :‬أرواح الوتى‪ ،‬يا ابنت‪ ،‬ل تعيش ف القابر‪،‬‬
‫‪ .‬إنا تأتي إل بيتها الذي اعتادته‪ ،‬أما السد‪ ،‬التاب‪ ،‬فيبقى هناك للتاب‬
‫قامت العمة‪ ،‬وأخرجت الدقيق والسكر وأعطته لعزيزة‪ ،‬وسارت معها حت الباب الارجي‪،‬‬
‫ً‪ ،‬ث تعاود متابعتها‬
‫ودواجنها حولا‪ ،‬تت أقدام الرآتي‪،‬العمة تشها بعكازها‪ ،‬فتبتعد قليل‬
‫للمرأتي‪ ،‬عند الباب وقبل أن تغادر عزيزة‪ ،‬سألتها العمة‪ :‬في الولد عيد ؟‬
‫… قالت عزيزة وهي تعدل من حل الدقيق فوق ذراعيها‪ :‬منذ أن خرج إل صلة الفجر ل يعد و‬
‫قاطعتها العمة كي تنهي وقفتها أمام الباب‪ :‬الغايب حجته معاه‪ .‬وقفلت راجعة وهي تش‬
‫‪.‬دواجنها أمامها‬

‫عيد هذا الذي تسميه ولدا‪ ،‬تطى الربعي من عمره‪ ،‬ف عمر ابنها البكري الراحل‪ ،‬تمعهما‬
‫قرابة بعيدة‪ ،‬نشأ ف دارها‪ ،‬بي أولدها الذين فرقتهم الدنيا وأخذتم إل أطرافها التباعدة‪،‬‬
‫وهي الن ل تمل ضغينة لي منهم ‪ ،‬فقط ف بعض الحيان يقهرها الجر والتك‪ ،‬تنزوي ف ركن من‬
‫البيت‪ ،‬بعيدا عن‬

‫أعي دواجنها ونعجتها‪ ،‬وتأخذ ف النهنهة بصوت‬

‫مكتوم‪ ،‬لكنها أبدا ل تسمح للنسوة اللتي يأتي للثرثرة معها بذم أطفالا ووصفهم بالعقوق‬
‫وعدم العطف على والدتم‪ ،‬كانت ترس هواجس الكلم بلوقهن بزم حي تقول‪ :‬نن عبنا بورنا‪،‬‬
‫‪.‬وعليهم أن يسبحوا ف بور حياتم‬
‫منزل عيد ماور لنزلا كما هو الن‪ ،‬يأتي لا عقب صلة الفجر يطمئن عليها ويتناول معها قهوة‬
‫ً فوق‬
‫الصباح الت ورثت صناعتها من جدتا‪ ،‬تبه عما تتاج‪ ،‬يأتيها مرة ثانية قبل الغروب حامل‬
‫ذراعه بعضا من البسيم أو أعواد الذرة‪ ،‬أو الشائش لنعجتها وخروفها‪ ،‬الرة الثالثة بعد‬
‫صلة العشاء وتكون هناك زوجته عزيزة وأطفاله وبعضا من نساء الية وأطفالن حيث تارس‬
‫‪.‬السيدة طقوس حكيها التعدد ف الونة الخية‬
‫بدأ عيد ينتبه إل أن حكاياتا تتلط ببعضها أو تغي منها‪ ،‬ف البداية تدخل كي يعدل من‬
‫الكايات ويعيد السيدة إل درب الكاية الصحيح‪ ،‬يقول‪:‬‬

‫يا عمة‪ ،‬ما كشف قاسم للربعي حرامي‬
‫‪.‬هو عطاسه‪ ،‬وليس لنه أخرج ريا‬

‫ضحكت حت بان الناب التبقي ف فمها‪ :‬وأنت يا ولد ما أدراك‪ ،‬أنت صغي حت تعرف أن‬
‫‪.‬الائف ل يعطس‪ ،‬بل يرج ريا عفنة‪ ،‬نتنة‪ ،‬كرائحة كلمك الذي ل تدرك معناه ول تسن مارجه‬
‫ينطلق الاضرون ف ضحك قاس يرجه؛ فيلم لسانه الاهز بالرد‪ ،‬لنه يعرف سلطة لسانا خاصة ساعة‬
‫الكي‪ ،‬وقدرتا العالية على السخرية‪ ،‬حت من أبطال الكايات ذاتم‪ ،‬حت عندما تلط وتكي عن‬
‫وقائع من حياتا‪ ،‬ل تسلم شخصيتها من النتقاد اللذع‪ ،‬لظتها يطلب من عزيزة زوجته أن تعد‬
‫الجر والوزة كي يدخن‪ ،‬قبل أن تلحق به العمة ف الجر الثاني‪ ،‬لنا ساعتها تعرف أنا آذته‪،‬‬
‫فتلملم أذيال حكايتها سريعا‪ ،‬وتذهب للجلوس بواره‪ ،‬تأخذ منه مبسم الوزة وهي تقول‪ :‬زعلت‬
‫‪.‬يا ولد‬
‫ل يرد‪ ،‬وعزيزة تقوم تأخذ أطفالا وتتبعها باقي النساء وأطفالن‪ ،‬ليخلوا الكان والو لما‪،‬‬
‫يشربان الجر الثالث‪ ،‬دون كلمة واحدة‪ ،‬فقط يتبادلن البسم بود ومعرفة قدية‪ ،‬وعندما‬
‫‪ .‬ينتهي‪ ،‬تقول له‪ :‬تصبح على خي‪ ،‬ل تتأخر على عزيزة‪ ،‬هيا قم‬
‫من يومها ول يعد يتدخل ف حكاياتا‪ ،‬لكنه ف كل مرة يتنامي داخله الحساس بأن الكايات تلعب‬
‫معها‪ ،‬وتتقافز إل ذهنها كيف تشاء‪ ،‬وأن قدرة العمة على إيقاف هذه اللعاب وردعها باتت‬
‫ً‪ ،‬بل إن شكه ازداد ف أن تكون العمة عارفة با يدث لكايتها‬
‫‪.‬ضعيفة‬
‫جالسة الن فوق سريرها بصالة البيت‪ ،‬ترقب الضحى الذي بدأ ف العلن عن نفسه من خلل هبة‬
‫نسيم دافئة‪ ،‬دواجنها تناومت تت السرير بوار قدميها التدليتي‪ ،‬والراديو ما يزال يصدح‬
‫بالتلبية الهية النطلقة من قلوب الجيج فوق عرفات‪ ،‬قالت‪ :‬أيام العيد‪ ،‬هي موسم حصادك يا‬

‫‪.‬عيد‬

‫إذا كان عيد يفلح القراريط العدودة الت ورثها بالضافة إل قراريط العمة‪ ،‬فهو فنان‪،‬‬
‫‪ ...‬خطاط‪ ،‬رسام‪ ،‬نقاش‪ ،‬ورث هذه الهنة عن أبيه الذي ورثها أيضا عن أبيه الذي‬
‫يذهب الناس إل الج أو العمرة أو يتزوجون‪ ،‬أو يبنون دورا جديدة‪ ،‬فيذهبون إل عيد‬
‫الذي يضر الي البيض ويلطه بزهرة زرقاء‪ ،‬يعلها خفيفة‪ ،‬ويدهن الوائط البلطة بالطي‪ ،‬يعل‬
‫صبيانه يقومون بذا العمل‪ ،‬أما هو فدوره قادم بعد أن يف الي‪ ،‬يكون قد أعد صفائح اللوان‪،‬‬
‫والقلم الت يضرها من جريد النخل‪ ،‬يأخذ الريدة ويقسمها إل قطع متساوية‪ ،‬ث يقشر هذه‬
‫القطع ليظهر قلب الريدة البيض‪ ،‬بطواة حادة يبي القلب‪ ،‬أحيانا يعله كفرشاة‪ ،‬ث يضعها لدة‬
‫ً بقدمة البيت‪،‬‬
‫ليلة كاملة ف ماء ملح‪ ،‬ف الصباح التال تكون جاهزة للستعمال‪ ،‬يبدأ أول‬
‫تديدا فوق الباب‪ ،‬يكتب على الائط الذي صار لونه أبيض بزرقة خفيفة‪ ،‬بسم ال الرحن‬
‫الرحيم‪ ،‬يكتبها بط يصه هو‪ ،‬ل ياريه فيه أحد‪ ،‬ول تذكره الطوط العربية وأنواعها الختلفة‪،‬‬
‫كان يعطي الحرف فخامة وهيبة‪ ،‬تعلك تس برعشة إجلل وأنت تنظر إليها‪ ،‬حي سأله أحد طلب‬
‫الفنون من أين تأتي بذه الطوط ؟ كان ييب ببساطة واعتياد‪ :‬وال يا ابن ل أعرف‪ ،‬هكذا أراه‬
‫‪.‬مرسوما داخلي‪ ،‬فأمد يدي لنفذه‬
‫بعد أن يفرغ من الواجهة الت يكون قد كتب عليها أيضا اسم صاحب الدار والناسبة الت‬
‫تطلى فيها‪ ،‬وكتب على الوانب بعضا من اليات القرآنية والحاديث النبوية الدالة على‬
‫الناسبة‪ ،‬وأيضا يا داخل هذا الدار‪ ،‬صلي على النب الختار‪ ،‬وغيها من العبارات الت غالبا‬
‫ما ينوع ف الطوط الت يستخدمها مع كل عبارة‪ ،‬ما أن يفرغ تاما من الكتابة حت ينزل من فوق‬
‫السقالة‪ ،‬يسند ظهره إل الدار القابل يتسي الشاي مع حجر الوزة وهو يتأمل خطوطه؛ ويقيس‬
‫ويدد بعينيه الماكن الت سوف يقوم بتنفيذ رسومه فيها‪ ،‬مرة ثانية يعود إل صفائح ألوانه‪،‬‬
‫وينقل السقالة إل الماكن الت حددها‪ ،‬ث يبدأ بالرسم‪ ،‬حسب طبيعة الناسبة أيضا لكن هناك‬
‫‪.‬رسوم دائما يكررها‪ ،‬كاليل التسابقة‪ ،‬ألعاب التحطيب‪ ،‬بعض النخيل والراكب والورود‬
‫ف الونة الخية‪ ،‬ظهر بعض النافسي الذين يقومون بأعمال الدهان والي والكتابة والرسم‬
‫بطوط وألوان رديئة‪ ،‬لكنهم أكثر جرأة منه ف تلوينهم داخل النازل‪ ،‬خاصة حجر النوم إذا‬
‫‪.‬كانت تعد لستقبال عروسي؛ ث الهم من ذلك رخص أسعارهم بالقارنة معه‬
‫لذا صار عمله موقوفا على الرسم والكتابة فوق حوائط الذاهبي إل الج والعمرة‪ ،‬حيث ل‬
‫يقدر أن يقارن به أحد‪ ،‬لدرجة أن بعض الجيج و العتمرين‪ ،‬يعتبون أن حجهم أو عمرتم ناقص‬
‫‪.‬إذا ل يقم عيد برسم وتزيي حوائطهم الارجية‬

‫حكاية*‬
‫الكاية القدية تقول أن جد عيد الكبي والذي كان اسه عيد أيضا لا كان صغيا‪ ،‬أرسله‬
‫والده ليساعد الشيخ حسن التبي ويتعلم منه النقش على الحجار‪ ،‬حيث يقوم الشيخ بكتابة‬
‫شواهد الوتى‪ ،‬ووضعها فوق قبورهم‪ ،‬وكان الشيخ فظا غليظا؛ ف يوم لح عيد منتحيا بوار‬
‫السبيل الذي يلصق القابر وبيده الزميل‪ ،‬وبي قدميه حجر‪ ،‬يرب النقش عليه‪ ،‬فما كان من‬
‫الشيخ إل أن خطف الزميل من يد الصب وكسر الجر وانال على الصب ضربا ولعنا‪ ،‬حت سالت دماء‬
‫الصب الذي ل يتمل‪ ،‬ففر هاربا من قبضة الشيخ‪ ،‬قاطعا القابر إل الهة الخرى حيث النهر‬
‫ً عن الذنب الذي ارتكبه ف حق الشيخ حت يفعل به هكذا‬
‫‪.‬ووقف هناك يبكي برقة متسائل‬
‫ف غمرة بكائه ل يشعر إل ويد تط على كتفه‪ ،‬كانت يد سيدنا الضر‪ ،‬والت مسحت دمع‬
‫الولد‪ ،‬وقال له‪ :‬ل تزن‪ .‬وغرف من ماء النهر وسقى الصب‪ ،‬ث قال له‪ :‬إذا كان الشيخ يكتب‬
‫للموات‪ ،‬سأجعلك تكتب وترسم للحياء‪ .‬الصب الذي ل يفهم بانت على ملمه الدهشة والستغراب‬
‫‪.‬والوف‪ ،‬لنه يهل شخصية الرجل الذي يدثه‬
‫أخذ سيدنا الضر كف الصب بي يديه‪ ،‬ث قبض على إصبعه الشاهد الين‪ ،‬وجلس وأجلس الصب‬
‫بوار الاء‪ ،‬وخط خطوطا ورسوما وأحرفا فوق الاء‪ ،‬رآها الصب تتجسد أمام عينيه‪ ،‬كأنا تكتب‬
‫فوق لوح‪ ،‬ث نفخ سيدنا الضر ف وجه الصب وصدره وقال له اذهب‪ .‬لكن عيد قبل أن يذهب سأل‬
‫سيدنا الضر أن يعلها وراثة ف نسله‪ ،‬فضحك سيدنا الضر وقال‪ :‬أنت طماع يا عيد‪ ،‬لكنها‬
‫‪.‬ستكون وراثة ف البكار الذكور من صلبك‬

‫أفاقت السيدة من توياتا على صوت خبطات على الباب‪ ،‬وقفت لتى من الطارق الذي يتقدم‬
‫‪.‬نوها عب باحة الدار‬
‫‪ .‬كل سنة وأنت طيبة يا عمة والعام القادم على جبل عرفات‬

‫‪-‬‬

‫يا ولدي‬

‫‪-‬‬

‫‪ .‬جعا إن شاء ال‬
‫إنه الاج أحد مؤذن الامع الذي ل تراه إل من العيد للعيد‪،‬‬

‫يأتي لينظف الساحة‬

‫‪.‬الت خارج منزلا‪ ،‬حيث تقام صلة العيد‬
‫سلم وجلس بوارها على السرير مستعلما عن صحتها وأحوالا وهي تيب بلفظة واحدة‪:‬‬
‫المد ل‪ .‬قام وراح للزير وشرب وهي قامت لتعد له الشاي لكنه رفض قائل‪ :‬سأشربه بعد العصر‬
‫‪.‬لا آتي لتنظيف الساحة من الجارة وكنسها‬
‫اته ناحية الباب ليخرج‪ ،‬وهي تددت فوق سريرها‪ ،‬وقالت‪ :‬نسيت أن أسأله عن الولد‬
‫‪.‬عيد‬

‫فصل ف‬

‫ذكر البناء*‬

‫كانت التجارة زاهية‪ ،‬واليام تقبل ضاحكة ف وجه الد الشكاك‪ ،‬الوسوس بقدرة العي‬
‫على فلق الجر‪ ،‬ف تلك اليام البعيدة كان الد خارجا من زواج توج بمسة بطون‪ ،‬كلها ذكور‪،‬‬
‫وزوجته حامل ف البطن السادس‪ ،‬وعياله يرون معه ف تارته‪ ،‬وهو ف حاجة للمزيد من الرجال‪،‬‬
‫‪.‬لنه – حسب رأيه – أن تارته تتاج إل رجال أشداء‪ ،‬ملصي‪ ،‬أمناء‬
‫هاجت قافلته العائدة من السودان‪ ،‬جاعة من اللصوص و استطاعت أن تنهب الكثي من البل‬
‫والعبيد‪ ،‬و رغم حرص الرحال على دفع مكوس الطريق إل العربان ونقط الماية النتشرة على‬
‫‪.‬درب الربعي الصحراوي‪ ،‬وإرسال العيون ف الطريق للستطلع‪،‬‬

‫إل أن اللصوص هاجوا القافلة‬

‫كان دائم التعديل ف خطط سي القافلة‪ ،‬فأتاه يقي داخلي بأن أحد رجاله أو مموعة منهم‬
‫تونه‪ ،‬ل يستطع أن يذر من هم ؟ ‪ ،‬كان هه الساسي‪ ،‬ف تلك اللحظة‪ ،‬بطبيعة الال‪ ،‬إنقاذ أكب‬
‫‪ .‬قدر من القافلة‬
‫كانت خبته بطرق الصحراء وطبائع الرجال عالية‪ ،‬فأدرك منذ البداية أن ولء الرجال صعب‬
‫الصول عليه‪ ،‬مهما كانت الغريات‪ ،‬فالال‪ ،‬مثل‪ ،‬دائما ما يوجد من يدفع أكثر‪ ،‬واللصوص‬
‫‪.‬جاهزون دائما لشراء الذمم‬
‫كان طموحه تكوين مموعة قوية مأمونة يربطها الدم قبل أن تدعمها الصال التجارية‪ ،‬غي‬
‫الرجال وبدلم أكثر من مرة‪ ،‬لكن خوفه وشكه الدائم ل يتبدل‪ ،‬كان يتمن أن يزرع طريق‬
‫ً‪ ،‬فقد أوعز إل إخوته‪،‬‬
‫القافلة كله برجال ينتمون إليه‪ ،‬إل صلبه‪ ،‬إل دمه‪ ،‬ولا كان هذا مال‬
‫شركائه بالتجارة‪ ،‬بفكرته الت مؤداها الكثار من إناب الطفال‪ ،‬الذكور‪ ،‬كان ل يعي الناث‬
‫التفاتا‪ ،‬كان يقول‪ :‬هن خلقن للبيوت‪ ،‬وجرنا إل لظة راحة ناعسة‪ .‬لذلك عندما وضعت زوجته‬
‫‪.‬البطن السادسة‪ ،‬وكانت أنثى‪ ،‬قرر بسرعة وحسم‪ :‬بالزواج مرة أخرى‬
‫ليانه بقدرة العي الاسدة والكارهة‪ ،‬قرر أن يبن بيته بعيدا عن القرية‪ ،‬عند أطرافها‪،‬‬
‫عند مدخلها من ناحية الصحراء‪ ،‬حيث يكنه الولوج والروج إل الصحراء بعيدا عن أعي القرية‬
‫الت ل تفعل شيئا‪ ،‬حسب نظرته‪ ،‬سوى عد الداخل والارج من العبيد والبل والتعليق الساخر‬
‫‪.‬والوشاية به أحيانا كثية‬
‫ً وعاد معه عصبة من البناءين‪ ،‬أراهم الساحة الراد البناء عليها‪ ،‬قسمها لم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ذهب شال‬
‫هنا الواجهة‪ ،‬أريدها عالية وقوية‪ ،‬عصية على الختاق‪ ،‬تشبه بناء العابد‪ ،‬على الجناب غرف‬
‫كثية‪ ،‬بعضها متداخل‪ ،‬من يدخلها‬

‫ل يستطيع الروج منها بسهولة إل بصحبة العارف بطريق‬

‫الروج من متاهتها؛ الوائط عالية‪ ،‬متينة وقوية‪ ،‬تقوم ف أساساتا على الجر البيض والسود‬
‫الذي جاء من البل القائم خلف البيت‪ ،‬بعد نوض الوائط‪ ،‬أكمل البناء بالطوب اللب‪ ،‬كي ينح‬

‫البيت رطوبة دائمة ف أشهر الصيف‪ ،‬ودفئا خلل أيام البد‪ ،‬جاء بذوع النخل الفرودة والصلبة‬
‫وأشجار السنط والكافور والثل كي يعرش عليها سقيفة البيت من جريد النخل‪ ،‬بعدها جاء‬
‫‪.‬بالطي الخمر جيدا وبلط الوائط والسقف بطبقة سيكة منه‬
‫فوق سطح البيت جعل نقط حراسة مفية ل يكن للناظر من خارج البيت أن يراها‪ ،‬ف خلفية‬
‫النزل بن الزرائب وقسمها إل ثلثة أنواع‪ :‬واحدة للذكور‪ ،‬والثانية للماء‪ ،‬والثالثة للبل‪.‬‬
‫وزودها ف الركان بالسلسل الديدية‪ ،‬حيث يتم ربط العبيد بالسلسل‪ ،‬خوفا من هربم‪ ،‬وكذلك‬
‫‪.‬لنع تدافع البهائم‬
‫ً حت اكتمل‪ ،‬البعض قال‪ :‬خس سنوات‪ .‬والبعض الخر قال‪ :‬سبع‬
‫يقال أن البناء استمر وقتا طويل‬
‫سنوات‪ .‬لكن الميع يتفق على أنه حي انتقل إل هذه الدار‪ ،‬كانت النخلة الت زرعها قبل أن‬
‫يشرع ف البناء بقليل وجعلها مركز البيت‪ ،‬كانت قد أتت أكلها‪ ،‬وأسقطت بلحا‪ ،‬ل تر القرية‬
‫‪.‬مثله‪ ،‬إذ يقال أن نواتا‪ ،‬كما روج هو‪ ،‬قد أخذها من جنوب السودان عند منابع النيل تديدا‬
‫ً‪ ،‬الداخل منه ل يدخل إل البيت‪ ،‬بل إل قاعة معدة‬
‫ً مستقل‬
‫بوار باب البيت الارجي فتح مدخل‬
‫للضيوف‪ ،‬صالة واسعة‪ ،‬ملحق با حجرتان وعلى طرفها الخر يقوم كنيف‪ ،‬وحجرة صغية‪ ،‬تستخدم ف‬
‫إعداد القهوة للضيوف بينهما باب صغي يأخذ إل داخل البيت‪ ،‬حيث يأتي الطعام والشراب من‬
‫الداخل؛ ف أزمنة تالية‪ ،‬أغلق الدخل الستقل‪ ،‬ووسع الباب الصغي‪ ،‬وصار الكان دار إقامة‬
‫للجدة فاطمة الول‪ ،‬ومنه ورثته فاطمة الثانية حيث تزوجت فيه وأنبت أطفالا الذين غادروها‬
‫تباعا‪ ،‬وخل البيت إل منها‪ ،‬ومن دواجنها ونعجتها والروف الذين يتلن الن حجرتى الضيوف‪،‬‬
‫وهي تستخدم حجرة القهوة السابقة لنومها‪ ،‬وذلك لقربا من الكنيف‪ ،‬وتبقى الصالة جيدة‬
‫‪.‬السقف والوائط والتهوية ‪ ،‬تقضي فيها أغلب ناراتا‬
‫ف الوقت الذي ت النتهاء فيه من واجهة النزل‪ ،‬كانت حكاية عيد وتعلمه الرسم والنقش على‬
‫الوائط من سيدنا الضر بادية ف النتشار‪ ،‬لكنها ل تتب‪ ،‬اختبارا جديا‪ ،‬إذ ل يقم عيد بنقش‬
‫أي من الوائط حت الن‪ ،‬ف نفس الوقت أطلق الشيخ حسن التبي سخريته القاسية من عيد‪ ،‬الذي‬
‫يطلق عليه حتة العيل‪ ،‬لكونه صغيا‪ ،‬قال‪ :‬ل يبق أمام سيدنا الضر إل العيال‪ ،‬وال زمن أغب‬
‫‪ .‬الذي يتطاول فيه حتة عيل على سيدنا الضر وعلي‬
‫ّ‬
‫وصلت الكاية إل آذان الد الكب‪ ،‬أتى بعيد ‪ ،‬وقال له‪ :‬هذه هي الواجهة أريد أن أرى ما‬
‫تعلمته يدك من اليد الباركة‪ ،‬تركه واقفا أمام الوائط يتأملها برهبة وخوف من الفشل الذي‬
‫قد يصيبه‪ ،‬فيدمر حياته كلها‪ .‬ليت أمي ل تب أحدا‪ ،‬هذا ما ردده داخله‪ ،‬فبعد الذي حدث‬
‫بينه وبي الرجل الطيب عند ضفة النهر جرى عائدا‪ ،‬مرتعدا إل أمه الت دثرته‪ ،‬ومن خلل‬
‫ارتافه علمت با جري له‪ ،‬قالت له‪ :‬أنه سيدنا الضر‪ .‬وبدأت الكاية تأخذ طريقها إل اللسن‬
‫‪.‬والنتشار‬
‫أفاق عيد علي الد الكب واقفا بواره وهو يشي إل براميل الي واللوان‪ :‬هيا يا بطل‪ ،‬أرنا‬
‫‪ .‬قدرة اللوان علي التألق فوق هذه الوائط‬
‫‪ .‬سأل عيد‪ :‬كل الوائط ‪ ..‬أجابه الد الكب‪ :‬كل الوائط‪ ،‬حت اللفيات وداخل الغرف‬

‫يقول بعض الناس‪ ،‬أن العمل استمر سنوات وف هذه الثناء‪ ،‬ولبعد البيت عن القرية‪ ،‬ولحتياج‬
‫عيد إل الوقت‪ ،‬بن عشة صغية جوار البيت الكبي‪ ،‬ولا احتاج إل الزواج بن البيت الذي يسكن‬
‫‪.‬فيه الن عيد‬
‫تي عيد‪ ،‬من أين أبدأ ؟ وقف طويل‪ ،‬كان عمال الطلء‪ ،‬يرشون الي علي الوائط‪ ،‬وهو يأكله‬
‫التوتر‪ ،‬ل يعرف من أين يبدأ‪ ،‬ول كيف‪ ،‬يقف ف اللء القابل لواجهة النزل عاقدا يديه خلف‬
‫ظهره‪ ،‬يروح ويأتي دون الوصول إل قرار؛ فأمه بقصها ما جرى فوق النهر ل تعل له فرصة‬
‫للتعلم علي يد أحد‪ ،‬عليه أن يبدأ بنفسه‪ ،‬مازفا‪ ،‬ليكتسب أسه ثقل الكاية الت وراءه‪ ،‬حاول‬
‫‪ .‬كثيا ف الليال الول أن يرن يده ويدربا فوق ألواح الردواز إل إنا كانت تفشل فشل ذريعا‬
‫كان يقف أمام الائط ملجما‪ ،‬مرتبكا‪ ،‬فحياته كلها واقعة رهن الختبار؛ لا طال تردده‬
‫ووقوفه أمام الائط‪ ،‬ناداه الد الكب وأجلسه بواره تت النخلة ف سرة البيت‪ .‬قال‪ :‬الوف‬
‫ضروري لناح أي عمل‪ ،‬ولكن التدد قاتل‪ .‬سكت الد‪ ،‬وعيد ل يد بداخله ردا يقوله‪ ،‬فأكمل الد‪:‬‬
‫‪ .‬ابدأ غدا وسأتقبل النتائج‬
‫كانت الليلة قمرية حي حل عيد دلء اللوان‪ ،‬وفرشاته الت صنعها من قلب جريدة أخذها من نلة‬
‫البيت‪ ،‬أعتلي السقالة الواجهة للباب‪ ،‬قال‪ :‬بالليل أفضل من عيون التنطعي الت ترصدني‬
‫‪ .‬طوال النهار‪ .‬وبدأ بالكتابة‪ :‬بسم ال الرحن الرحيم‪ .‬ورسم حولا أهلة ونوم‬
‫ل يندهش حي وجد يده تري بالكتابة واللوان فوق صفحة الائط‪ ،‬كان يقول‪ :‬عند الصباح لا يري‬
‫‪ .‬الد والناس ما فعلت يدي سأكون قد اجتزت الختبار‬
‫ظل معلقا فوق السقالة حت الفجر‪ ،‬موعد قيام البناءين لستئناف أعمالم‪ ،‬نزل من السقالة‪،‬‬
‫وراح إل بيتهم ونام‪ ،‬ول يعد إل بعد العصر؛ كانت الائط قد تشربت اللوان‪ ،‬والشمس جففتها‪،‬‬
‫والناس واقفون للفرجة علي ما أبدعت يده‪ ،‬بينهم الشيخ التبي‪ ،‬الذي ل يعلق‪ ،‬وتسلل مبتعدا‬
‫‪ .‬باتاه القابر‬
‫كان ما خطته يده بعد الكتابة‪ ،‬اسم الد الكب علي الواجهة‪ ،‬تيط به أساء الربعة القطاب‪،‬‬
‫وف أحد الوانب رسم نلة أصلها ثابت‪ ،‬ورأسها تقارب السماء‪ ،‬وحولا طيور‪ ،‬وف ركن آخر خطط‬
‫‪ .‬رسم لمل يقوده رجل تتابعه مموعة هائلة من البل‬
‫وجد الدهشة والعجاب تطل من أعي الناس‪ ،‬تدل عليها كلماتم وههماتم‪ ،‬ووصل إل سعه صوت الد‬
‫وهو يضع يده فوق كتفه‪ :‬أبدا ل أراهن علي الواد الاسر‪.‬‬

‫وعيد الذي حركه الكلم‪ ،‬قال‪:‬‬

‫ولكن كيف تعرف ؟ ابتسم الد الكب ابتسامة صافية‪ ،‬ورفع يده مسد با ليته الت يالطها بياض‬
‫‪ .‬واضح‪ ،‬وهو ينظر له نظرة عميقة الغور‪ ،‬دون أن يعلق‪ ،‬وسارا باتاه البيت‬

‫استفاقت من غفوة الضحى علي نقرات خفيفة فوق الباب يتابعها زياط العيال وربابة ير وترها‬
‫‪ .‬بعلمة رائعة‪ ،‬قادرة علي النطق دون غناء‪،‬‬

‫قالت‪ :‬عوض ال‬

‫اعتدلت فوق السرير‪ ،‬التقطت العكاز وهشت بغضب خفيف دواجنها التكأكئة حول السرير‪ ،‬وخطت‬
‫باتاه الباب‪ ،‬كان عوض ال‪ ،‬الغن الشعب الوال قد نزل من فوق حارته وراح يقيد أرجلها‪ ،‬وقف‬
‫معتدل هاشا لوجوه الطفال الذين يتابعونه منذ لظة دخوله إل البلد‪ ،‬من شارع إل شارع‪ ،‬ومن‬
‫حارة إل زقاق‪ ،‬دائما خلفه‪ ،‬يتسمعون لكلماته وأنغام ربابته‪ ،‬قد يفوزون ف بعض الوقات‬
‫بقدر من اللوى أو البلح الت يقدمها أصحاب البيوت إل عوض ال الذي يقف يغن متدحا أهل‬
‫الدار‪ ،‬ذاكرا مآثرهم القدية الت تناقلت إليه من أفواه أسلفه الغني الذين جابوا الدروب‬
‫‪ .‬قبله‬
‫كانت له مطات أساسية يتوقف فيها ليأكل لقمة‪ ،‬أو يطعم الدابة الت تشاركه جولته ف القرى‬
‫والنجوع أو ليشرب شايا أو حجرا من العسل‪ ،‬حت هذه الطات ورث التوقف فيها من أسلفه‪ ،‬كان‬
‫أهل الطات تلك يرحبون به ويقدمون الطلوب منهم‪ ،‬دون سؤال منه ودون لاجة منهم‪ ،‬وكأنم‬
‫جيعا ينفذون بنود عهد غي مكتوب ولكنه مفوظ ف الصدور‪ ،‬يتناقله الصغي من الكبي وهذا‬
‫‪ .‬بدوره يورثه لطفاله وأهل بيته‬
‫أحد هذه الطات الرئيسية‪ ،‬هو بيت السيدة‪،‬‬

‫يتوقف عوض ال ليشرب شايا وأحيانا يضاف إليه‬

‫حجر من العسل‪ ،‬علي أن يعود بعد صلة العشاء‪ ،‬ليتعشى ‪ ،‬يتسلطن‪ ،‬حت يبدأ توافد الرجال‬
‫والشباب من أهل القرية‪ ،‬يلتفون حوله‪ ،‬وهو العارف بم‪ ،‬ير قوس ربابته فوق الوتر بادئا‬
‫بالصلة علي النب‪ ،‬معرجا بديح خاص لهل البيت ذاكرا أسائهم‪ ،‬ث يتوقف‪ ،‬ويهرش قليل ف رأسه‬
‫كأنا يبحث عن النغمة الديدة الصحيحة لذه الليلة‪ ،‬حي ينزل يده من رأسه‪ ،‬تكون عمامته قد‬
‫تدلت‪ ،‬أصابعه فوق سبيب الربابة ليلتقط النغمة الساسية الت يريدها‪ ،‬سرعان ما يدها‪،‬‬
‫ويأخذه الوجد إل حضرته‪ ،‬كما درويش ف قلب أوراده‪ ،‬عيونه مغلقة‪ ،‬جسده وحواسه‪ ،‬وربابته‬
‫وصوته‪ ،‬تصي كلها كيانا واحدا‪ ،‬وحده الغناء يتصاعد منه‪ ،‬يتفجر من طاقة‪ ،‬تشع النور ول‬
‫‪.‬يكن الوصول إل منابعه‬
‫الرجال حوله يهللون‪ ،‬يستزيدونه‪ ،‬يطلبون أغان ومواقف يسمونا‪ ،‬وهو يلب‪ ،‬يعرج من حكاية إل‬
‫أخري‪ ،‬من أغنية إل موقف‪ ،‬إل حكمة‪ ،‬إل تطريب يأخذ باللباب‪ ،‬يتوقف قليل ليلتقط أنفاسه‪،‬‬
‫يفتح عينيه الغمضتي كأنا يعود من أماكن بعيدة‪ ،‬أماكن الكايات والغنيات‪ ،‬يببش برموشه حت‬
‫‪.‬يستطيع أن يرى خلل أضواء الكلوب الذي يني الساحة الداخلية للبيت‪ ،‬والعلق بذع النخلة‬
‫خلف الرجال‪ ،‬ف البعيد قليل‪ ،‬يري أطياف النساء بلبسهن السوداء‪ ،‬ملتفات بينهن السيدة‬
‫صاحبة البيت‪ ،‬يغمض عينيه قبل أن يلحظه الرجال‪ ،‬الذين يقبلون علي تيته بالسجائر‬
‫والنقود‪ ،‬ول مانع من قطع الكيف‪ :‬الشيش أو الفيون‪ .‬أثناء توقفه القصي‪ ،‬وهو يتلقى كل هذا‬
‫ببسمة رضا غامرة تتاح روحه‪ ،‬وتبه القوة كي يستكمل ليلته الت ل ينهيها إل أذان الفجر‬
‫‪ .‬النبعث من الامع القريب‬
‫الن وهو يضع رأس حارته العجوز ف قلب الخلة اللى بالغلة وقطع البز الناشف‪ ،‬يتحسر علي‬
‫‪ .‬ذهاب هذا الزمن‬
‫‪.‬أهل يا عوض ال‪-‬‬

‫أنتبه علي وقوف السيدة علي عتبة الباب ويدها تستند علي الائط‪ ،‬وكأنا قلبه حدثه بشيء‬
‫غامض حي رأي وجه السيدة وسع نبة صوتا‪ ،‬أجاب بتدد ويده الت فرغت من إحكام ربط الخلة علي‬
‫رأس الدابة ظلت مفرودة ف الواء‪ ،‬تاول القبض علي شئ ل تعرف كنهه‪ :‬أهل بالعمة أخت‬
‫‪.‬الرجال‪ ،‬كل عام وأنت بي‬
‫وهي الت رأت نظرته‪ ،‬وتعلق عينيه بوجهها‪ ،‬استدارت عائدة إل البيت قائلة‪ :‬سأعد لك الفطار‬
‫‪ .‬والشاي‬
‫‪ .‬رد قبل أن تبتعد‪ :‬المد ل‪ ،‬فطرت‬
‫لوحت بيدها وتتمت بكلمات‪ ،‬ل يتبينها‪ ،‬وإن فهم وقعها‪ ،‬استدار ليواجه الطفال الذين أصابم‬
‫الصمت منذ لظة ظهور العمة فوق عتبة الباب‪ ،‬ل يستطع أن يبتسم لم‪ ،‬أخذ ربابته ف حضنه‪،‬‬
‫وجلس مقرفصا ف ظل الائط‪ ،‬ودون كلمة أيضا أشعل سيجارة وراح يتص دخانا ويطلقه ف زفرات‬
‫قوية‪ ،‬كان توتره واضحا؛ عينه الت حاول الطفال استطلعها‪ ،‬كانت تنظر لداخل البيت‪ ،‬حيث‬
‫النخلة الت يرجح الواء جريدها‪ ،‬استنكر الطفال فعله‪ ،‬فجروا إل الساحة أمام البيت‪،‬‬
‫‪.‬ونظموا أنفسهم ف واحدة من ألعابم الكثية‬

‫الضغينة‪ ،‬و ليس الكره‪ ،‬ما تتلكه ضد عوض ال‪ ،‬تفكر الن ف ضغينتها نوه‪ ،‬وهي تشعل الوقد‬
‫لتعد له ولا القهوة الت اعتاد أن يتسيها كلما جاء به الطريق إل بيتها‪ ،‬كانت تقول وما‬
‫تزال تؤمن بأن لكل ابن آدم دفة ف رأسه يديرها بكيفه‪ ،‬وقدرته‪ ،‬وفهمه لصاله واحتياجاته‪،‬‬
‫لكنها ف نفس الوقت تؤكد علي أننا ف لظات كثية نكون غافلي عن أشياء بداخلنا أو حولنا‪،‬‬
‫ويأتي آخرون ليكشفوا عنها أو يساعدونا علي رؤيتها‪ ،‬يتم هذا‪ ،‬ف أحيان كثية‪ ،‬دون قصد‬
‫‪ .‬منهم‬
‫ف هذه النقطة تديدا يقبع عوض ال‪ ،‬الذي تتهمه ف سريرتا بأنه السبب وراء فقدانا لبنها‬
‫‪ .‬البكري‪ :‬سعيد‪ .‬والذي تعلق بسخرية مريرة عليه‪ :‬بأنه ل يأخذ من الدنيا غي اسه‬
‫كان طفلها البكري الصغي‪ ،‬ولوعا بالشاعر‪ ،‬ما أن يعلم بقدومه إل القرية‪ ،‬حت يظل ف أثره‬
‫طوال النهار‪ ،‬ل يعود إل البيت إل عندما يأتي الشاعر بعد صلة العشاء‪ ،‬ويظل مرابضا بواره‬
‫إل أن يصمت عند أذان الفجر‪ ،‬حي يستيقظ ف الصباح يسأل عن الشاعر‪ ،‬وحي يعلم برحيله‪،‬‬
‫يأخذه الزن إل المود‪ ،‬فيظل مرابضا بالبيت لعدة أيام‪ ،‬بعدها ينطلق ف الشوارع مقلدا‬
‫‪ .‬للشاعر مرددا أغانيه‪ ،‬حاولت وأبوه ردعه كثيا‪ ،‬لكن جوحه أبدا ل يرتدع‬
‫حي كب أخذه التعليم قليل‪ ،‬لكنه مارس اختفاءاته التعددة‪ ،‬يعود بعدها‪ ،‬منهكا‪ ،‬مهدودا‪،‬‬
‫لتأخذه الروب والسياسية و التغرب ف بلد ال الواسعة‪،‬‬
‫مرة كانت تعتقد بأنا آخر مرة‬

‫دائما يارس هوايته ف التخفي؛ ف كل‬

‫تراه‪ ،‬لكنه يعاود الظهور مرة أخري‪ ،‬ف البداية حي كان‬

‫صغيا كان وجود إخوته الصغار يلهيها قليل‪ ،‬ويضعف قلقها نوه بالقدر الذي تنغمس فيه‬

‫بالهتمام بشئون أطفالا حت كبوا‪ ،‬وفارقوها‪ ،‬واحدا إثر واحد‪ ،‬ف كل مرة يظهر ليؤكد لا‬
‫‪:‬مقولته الدائمة والثابتة‬
‫‪ .‬إرثنا يا أمي‪ ،‬التشتت ‪ ،‬إرثنا الخلقي يا أمي‪-‬‬
‫ل تفهم كثيا‬

‫كلماته‪ ،‬ف مرات كثية حاول أن يوضح لا‪ ،‬يشرح غموض ما يقول‪ ،‬ليأخذها إل‬

‫التباسات أشد‪ ،‬فتلجأ إل علجاتا الشعبية الت توارثتها وخباتا الستمدة من جدتا‪ ،‬لكنها‬
‫تبوء كلها بالفشل‪ ،‬كان يوافقها ف أحيان كثية ويضع إل علجها‪ ،‬كي ل يرحها‪ ،‬وكان يقابلها‬
‫بالرفض ف الوقات الخرى‪ ،‬كانت تب النساء حي يلتففن حولا‪ :‬ليس الطأ ف العلج أو طريقتها ف‬
‫‪.‬التطبيب‬

‫لكن لعدم قناعته‬

‫أبدا ل تكره عوض ال‪ ،‬ول تقفل باب البيت ف وجهه‪ ،‬فهي تنفذ بنود التفاق غي العلن الذي‬
‫حرص أهل البيت عليه منذ إقامة هذا البناء‪ ،‬لكن خشيتها من قدرته علي الفهم وأفكاره‬
‫ونظرته للحياة الت يبثها ف غنائه ‪ ،‬خاصة ف مواويله وتعلق ابنها با‪ ،‬لدرجة جعلته يفظ‬
‫أغلبها‪ ،‬ويرددها كثيا‪ ،‬مستشهدا با ف مواقف كثية من حياته‪ ،‬أو تسمعها منه حي يستلقي فوق‬
‫سريره بالليل ‪ ،‬فيصيبه أرق‪ ،‬ينغمها مرددا بصوت خفيض‪ ،‬ف اللحظة تس بالل الذي يعتصره‪،‬‬
‫تنزل من سريرها‪ ،‬وتذهب إليه‪ ،‬لكن ههمته تصمت‪ ،‬ويتصنع النوم‪ ،‬كل هذا هو ما حرك ضغينتها‬
‫‪ .‬نو عوض ال‬

‫ف تلك الليال البعيدة‪ ،‬الثقيلة الوطء علي قلبها وروحها‬

‫تنبهت العمة علي رائحة القهوة الت نضجت فوق موقدها‪ ،‬فأنزلتها‪ ،‬وصبتها ف كوبي‪ ،‬ث أطفأت‬
‫الوقد‪ ،‬ورفعت كوبي القهوة إل سريرها‪ ،‬ث وقفت متحاملة علي عكازها‪ ،‬تناولت القهوة ومشت‬
‫‪ .‬با تاه الباب‪ ،‬حيث يلس عوض ال مقرفصا ف انتظارها‪ ،‬وهي تردد ف سرها‪ :‬ال يرحك يا سعيد‬

‫حي جلست بواره ف ظل الائط‪ ،‬كان الطفال قد غيوا لعبهم للمرة الثالثة‪ ،‬قال عوض ال بعد أن‬
‫‪ .‬تناول القهوة منها‪ :‬دائما عامر‪ .‬أجابت بتحفز واضح‪ ،‬وسخرية مريرة‪ :‬إذا جاء من يعمره‬
‫التقط خيط الرارة من صوتا‪ ،‬وتوجس قلقا ما جعله يقبض على بقية الكلم العتاد الذي يتدد ف‬
‫مثل هذه الحوال‪،‬‬
‫واضحا‬

‫فأراد أن يعب هذه النطقة بسلم‪ ،‬كي ل يونه التعبي‪ ،‬لظتها سيكون العداء‬

‫وظاهرا‪ ،‬إن هو أخطأ‪ ،‬ولن يستطيع لظتها أن يابها‪ ،‬فقوة السيدة من الشهرة الت‬

‫تعله يفكر جيدا قبل أن يقف أمامها متحديا‪ ،‬وأيضا هو ل يريد إناء تواجده بالقرية بصورة‬
‫‪ .‬تقلل من قدره واحتامه لذاته‬
‫حقيقة هو يدرك طبيعة شعورها نوه‪ ،‬أبدا ل ترحب برارة عالية به‪ ،‬وأيضا ل ترد الباب ف‬
‫وجهه‪ ،‬حاول كثيا أن يفهم‪ ،‬أن يصل إل منطقة تريه ف التعامل معها وف نفس الوقت تريها‪ ،‬ف‬
‫أحيان كثية يطئ‪ ،‬ييل يينا‪ ،‬أو يسارا‬

‫قليل‪ ،‬ليجد أسوار العداء ترده‪ ،‬تردعه‪ ،‬حي اشتكي‬

‫لسعيد ـ ابنها الراحل ـ قال له‪ :‬ل تتم ‪ .‬لكن الم ل يفارقه‪ ،‬ظل هاجسا يسيطر عليه‪ ،‬فما‬

‫أن يوجه حارته باتاه البلدة‪ ،‬حت يد القلق ينطلق من داخله‪ ،‬كان يقول ف دخيلته‪ :‬كأنا‬
‫‪ .‬القلق هو الذي يقودني‬
‫أراحه كثيا تفسي عيد ـ الرسام ـ حي حكي له‪ :‬أل يكن سعيد وهو بعد طفل‪ ،‬يدور خلفك‪ ،‬أينما‬
‫ذهبت‪ ،‬هو خلفك دائما‪ ،‬خوفها الدائم من تول ابنها البكري إل مغن شعب جوال‪ ،‬كان ينغص‬
‫‪.‬عليها أمانا‬
‫لكنه ل يصبح…‪.‬‬

‫يرد متجا‪ ،‬فيقاطعه عيد‪ :‬قلب الم‪ ،‬أين تضعه‪ ،‬ث أنه لا كب‪ ،‬أخذه السفر ‪-‬‬

‫والتحال‪ ،‬مثلك أيضا‪ ،‬أل تاهر دائما بب السفر والغامرة‪ ،‬وتغن لما‪ ،‬ألست تقول‪ :‬حياتنا‬
‫‪ .‬ضيقة‪ ،‬والتنقل يوسعها‬
‫ظل صامتي‪ ،‬يرتشفان القهوة علي مهل‪ ،‬وإن كانت مساحة من القلق مفروشة بينهما‪ ،‬قال ماول‬
‫… قطع الساحة‪ :‬يا عمة‬
‫‪.‬ل ترد عليه‪ ،‬ول تلتفت ناحيته‪ ،‬تنحنح ليتأكد من وضوح صوته ث قال‪ :‬هل ذنب أني أغن‬
‫‪.‬فهمت بسرعة تلميحه‪ ،‬فأجابت‪ :‬ل يا ولدي‪ ،‬ليس الغناء ذنبا‪ ،‬ولكن ما يفعله الغناء‬
‫انفرجت أساريره قليل‪ ،‬فردد داخله‪ :‬بداية طيبة علي القل‪ .‬وقال ماول اللحاق با قبل أن‬
‫‪.‬ترب اللحظة‪ :‬الغناء‪ ،‬يا عمة‪،‬هو هس الرواح‬
‫أراد بملته أن يرها بعيدا عن مازها الاص‪ ،‬وهي ل تشأ أن تادله‪ ،‬تدرك بداخلها‪ ،‬توجسه‬
‫الدائم وشكوته منها‪ ،‬لكنها أيضا تعلم تعلقه بالبيت وأهله‪ ،‬خاصة إخوتا الرجال و ابنها‬
‫البكري الذين دائما يكرمون وفادته‪ ،‬قالت‪ :‬منذ زمن بعيد وأنت تغن‬

‫يا عوض ال‪ .‬رد دون أن‬

‫يكون متيقظا‪ :‬نعم زمن طويل‪ ،‬لكنه قاس‪ ،‬خاصة حي حرمت من الليال الدافئة هنا بالبيت‪.‬‬
‫‪ .‬وأشار إل النخلة‬
‫‪ .‬قالت بسرعة‪ :‬منذ خل من الرجال‬
‫لتوه انتبه إل الشرك الذي وضع قدمه فيه‪ ،‬بلفظة واحدة‪ ،‬تستطيع الن أن تطبق عليه‪ ،‬لذا‬
‫‪.‬‬

‫آثر الصمت‪ ،‬وأرسل عينيه ليتابع جرى الطفال بالساحة ولعبهم الذي بدلوه أكثر من مرة‬

‫لاذا كبحت الهرة أثناء تسابقك مع مصطفي ؟‪-‬‬
‫كانت شس الضحى قد ارتفعت‪ ،‬وسخنت‪ ،‬وانسر ظل الائط حولما‪ ،‬وبدأت الرارة تلسع البدان‪ ،‬كان‬
‫‪ .‬واضحا أن ظهية شديدة الرارة تهد لقدومها‬
‫السؤال كان مباغتا لا‪ ،‬فهي أبدا ل تتوقع أن تسمعه من أحد‪ ،‬خاصة عوض ال‪ ،‬أخفت رجفة يدها‬
‫بأن أنزلت كوب القهوة‪ ،‬ورمقت عوض ال بطرف عينها‪،‬‬

‫ياه‪ ،‬لول مرة ترى جيدا هيكله الضئيل‬

‫والعجوز‪ ،‬بدا لعينها وهو قابع بوارها متضنا ربابته ومدخنا سيجارته مستكينا تاما‪ ،‬وكأنا‬
‫‪ .‬السؤال الذي ألقاه منذ لظة ل يقصده‪ ،‬أو حت يهتم بأن تيب عليه‬
‫تساءلت ف داخلها‪ ،‬أين كان وقتها ؟ هل حضر السباق؟ أم سع عنه؟‬

‫‪ .‬رأيتك تذبي اللجام ‪-‬‬
‫ما يزال يصر علي قسوته‪ ،‬هكذا تكمت داخلها‪ ،‬أرادت أن تطلق لسانا‪ ،‬لكن الصوات هاجتها من‬
‫جديد‪ ،‬تلفتت ف ماولة جادة لكتمها‪ ،‬ورن الصوت بأذنيها‪ :‬أريد الهرة الن! تتمت بكلمات غي‬
‫‪ .‬واضحة الخارج‪ ،‬كأنا ترد علي الصوات الت تعصف با بشدة‬
‫رأي تقلقلها بواره وحركة أعضائها الضطربة وقبضتها علي العكاز تأخذ ف التصلب‪ ،‬وأحس علي‬
‫نو غامض أنا ربا تفكر بأن تضربه‪ ،‬تسأل هل هذا بسبب كرهها القدي له أم بسبب السؤال الذي‬
‫!ألقاه منذ قليل؟‬
‫تنحنح معتذرا‪ ،‬قال‪ :‬ل أقصد أي جرح ؟‬
‫كانت الصوات تزداد ضراوتا‪ ،‬كأنا الريح الت تلعب النخلة هي الت تركها‪،‬‬

‫تيجها‪،‬‬

‫قالت‬

‫علي نو غامض‪ :‬أهي ـ تقصد الصوات ـ الت دفعت الميع للرحيل؟ ل يفهم‪ ،‬بالتأكيد ل يفهم‪،‬‬
‫لكن كلمة الرحيل كانت كفيلة بعله ينهض‪ ،‬شاكرا إياها علي القهوة‪ ،‬ليخرج من عتبة الباب‬
‫‪ .‬ومنها إل حارته الت ترش عليقها ف هدوء‬
‫ل تنتبه إل خروجه‪ ،‬كان هها منصبا علي التحكم بارتافاتا وأعصابا قدر المكان ف مواجهة‬
‫‪ .‬هذه الصوات‪ ،‬الت كسرت كل القواعد الت كانت السيدة تاول تثبيتها‬
‫انتبه العيال إل خروج عوض ال من جوار السيدة‪ ،‬توقفوا عن لعبهم و زياطهم‪ ،‬راقبوه وهو‬
‫يعدل من وضع عمامته فوق رأسه‪ ،‬و يعيد لفها بإحكام شديد‪ ،‬مصه للسيجارة بقوة‪ ،‬ث رميها‬
‫ودهسها علي الرض بعنف‪ ،‬مشيته النفعلة‪ ،‬سحبه لمارته خلفه دون أن يعزف علي ربابته‪ ،‬وهذا‬
‫‪ .‬ما أثار استغراب العيال‬

‫فتبعوه ـ لول مرة ـ صامتي‬

‫قالت‪ :‬يا عوض ال ‪ .‬ولا ل يأتا رد‪ ،‬وصوت لعب العيال قد اختفي‪ ،‬والصوات من حولا تراجعت‪،‬‬
‫‪ .‬انتبهت إل أنا تلس وحيدة ف شس الظهية‪ ،‬والعرق يكسو بدنا‪ ،‬فتبسمت وهي تقول‪ :‬ال ييبك‬
‫قامت واقفة وتركت حت خرجت من الباب‪ ،‬ل أثر لشىء‪ ،‬كل شيء صامت‪ ،‬ساكن‪ ،‬شكت با جري‪ ،‬لكن‬
‫نظرة من عينيها إل كوبي القهوة‪ ،‬جعلها تتيقن من مرور وقت طويل عليها وهي جالسة ف الشمس‬
‫دون أن تشعر بسخونتها الت تسها الن فوق وجهها ‪ ،‬قالت‪ :‬شس هذه اليام تلسع ‪ .‬ث نادت بعزم‬
‫‪ .‬صوتا علي عزيزة‬
‫وقفت لدقائق‪ ،‬دون أن يأتيها جواب‪ ،‬رأت الدخان يتصاعد فوق بيت عيد‪ ،‬قالت‪ :‬قدام الفرن‬
‫قاعدة‪ ،‬لكن الولد عيد‪ ،‬قلب يأكلن عليه‪ .‬رجعت عائدة إل البيت‪ ،‬كانت دواجنها هاجعة ف‬
‫‪.‬الظل‪ ،‬ترقد ف انتظارها‬

‫مقتطف من سية السيدة*‬
‫حي جاءت للدنيا كان قد سبقها ستة من الذكور‪ ،‬إخوتا الرجال‪ ،‬الذين سوف تتبي بي سواعدهم‬

‫وسطوتم‪ ،‬متاحة لا كل الفرص والتع والموح للعائلة الرومة من وجود إناث با‪ ،‬فبخلف الدة‬
‫والم ‪ ،‬ل يكن هناك إناث أخر ‪ ،‬الكل يلهو با ‪ ،‬يعتبها ‪ ،‬كما قال الب ذات مرة ‪ :‬تيمة الظ‬
‫‪.‬الت جاءت متأخرة‬
‫ف ذلك الوقت‪ ،‬كانت العائلة تعيش طورها الثالث‪ ،‬والذي سيشهد النيار العظيم والتامي‬
‫لعائلة عبد ال الرحال‪ ،‬الؤسس الول‪ ،‬الذي كان موسوسا‪ ،‬مضروبا بب البناء‪ ،‬استطاع أن يضع‬
‫خططا واضحة ومددة للصعود ف سلم التجارة والسلطة‪ ،‬فبدأ بعدد من التزاوجات الواسعة لناب‬
‫الرجال الذين يستطيع العتماد عليهم‪ ،‬و بناء هذا البيت‪ ،‬القلعة إن أردنا الدقة‪ ،‬ف نفس‬
‫‪ .‬الوقت تدعيم صلته بأرباب السلطة والسلطان‬
‫ف ذلك الوقت كانت تارة العبيد‪ ،‬رائجة‪ ،‬وتدر أرباحا طائلة‪ ،‬فاستطاع خلل أيامه الخية أن‬
‫يري ناح إمباطوريته وقوتا الت تتعاظم يوما بعد يوم‪ ،‬ومن الؤكد أنا تعرضت لعدد من‬
‫الضربات الؤلة‪ ،‬لكنه استطاع ف كل مرة أن يرد بعنف وحكمة‪ ،‬جعلته مرهوب الانب‪ ،‬لكن ظلت‬
‫الشكلة الساسية والت باتت تؤرقه كثيا‪ ،‬وكان يري أنا أحد العوامل الساسية الت ستعمل علي‬
‫‪ .‬تقويض إمباطوريته هو قلة الناث داخل عائلته‬
‫فبينما ل يول اهتمام يذكر لذلك ف زياته التعددة إل أنه بدأ يس بالطر حي رأي ذريته من‬
‫أولده ل تنجب إناثا ‪ ،‬فما يؤكد نظريته ويكملها لضمان الولء الكامل للعائلة‪ ،‬أي أن تكون‬
‫العائلة مغلقة علي ذاتا‪ ،‬تتزاوج من بناتا‪ ،‬ليس من إناث من خارج صلبه‪ ،‬لن ذلك ف ظنه‬
‫‪ .‬سيكون سببا لتدخل العائلت الخرى وتسربا إل عائلته والعمل علي هدمها من الداخل‬
‫ظلت مشكلة نقاء عائلته تؤرقه‪ ،‬ول يد لا حل‪ ،‬إل أن رحل ملفا وراءه مموعة من الذكور وكثي‬
‫‪ .‬من الوصايا الت ت التنكر لا وغدرها بعد زمن قليل‬
‫خلل العوام التالية لوفاته‪ ،‬بدأ تري تارة العبيد‪ ،‬وملحقة التجار‪ ،‬وإغلق النقط والزرائب‬
‫ومركز تميع العبيد‪ ،‬كل هذا أدى بالتحول الثاني داخل عائلة الرحال حيث ت التحول إل تارة‬
‫البوب والبهارات واللود والمال‪ ،‬والقادمة أيضا عب نفس الطريق‪ ،‬من السودان‪ ،‬عب درب‬
‫الربعي‪ ،‬إل مسالك الصحراء‬

‫العقدة ث إل بيت الرحال‪ ،‬قلعة الرحال‪ ،‬لكن قبل ذلك علينا أن‬

‫نوضح أن نصف العائلة كان قد ت تشريده وتشتيته ف البلد‪ ،‬فالبعض بقي ف السودان‪ ،‬فرارا من‬
‫‪ .‬مطاردات الكومة والبعض الخر هاجر إل الشمال‪ ،‬وف الالي انقطعت بعد فتة أواصر التصال‬
‫جاء الطور الثالث‪ ،‬والنقطاع التام لذه التجارة‪ ،‬عندما أعلن الهدي عن ثورته‪ ،‬وقيام دولة‬
‫الدراويش‪ ،‬وأعلنت الروب بي البلدين‪ ،‬وقطعت الطرق‪ ،‬ونبت القوافل‪ ،‬لصال الدراويش مرة‪،‬‬
‫‪.‬ولصال جيش كتشنر الذاهب إل السودان كي يعيده إل سيطرة التاجي‪ :‬البيطاني والصري‬
‫إذن ولدت فاطمة الثانية ف ظل تتع العائلة بسمعتها فقط‪ ،‬بأنا واحدة من أكب‬
‫العائلت‪ ،‬وإن كان الطور الثاني والثالث ل تتواجد فيه الناث بالصورة الرضية‪ ،‬ما جعل أحد‬
‫أجدادها يعلق ساخرا‪ ،‬بأن العائلة كلها‪ :‬لقيطة‪ .‬فكل واحد من أبنائها ينتمي إل أم متلفة‪،‬‬
‫ما ساعد علي ازدياد معدل التفرق والتشرد خلل هذين الطورين‪ ،‬لذا عندما جاءت فاطمة إل‬
‫الدنيا‪ ،‬ل يكن موجود من العائلة التامية الساء بالقرية سوى‪ :‬أبوها وعمها الذي جرته‬

‫‪.‬إحدى الناث إل خارج حظية النزل الذي بناه الد الول‬
‫كانت العائلة تعيش علي مدها القدي ‪ ،‬وترص علي إبرازه ‪ ،‬وتارس ف نفس الوقت تارة مدودة‪،‬‬
‫تؤمن لا قدرا من الكرامة وسط العائلت التنافسة‪ ،‬ولا كانت اليل هي إحدى وسائل النافسة‪،‬‬
‫ومعقود بنواصيها الي‪ ،‬كان من الطبيعي أن تتلك العائلة عددا منها‪ ،‬تري با ف السباقات‬
‫الت تقام ف الواسم‬

‫مثل‪ :‬عاشوراء‪ ،‬والعيدين‪ ،‬والنصف من شعبان‪ ،‬والسابع والعشرين من‬
‫‪ .‬رجب‪ ،‬والولد النبوي‬

‫كانت أسهم العائلة تتعرض للصعود والبوط مع فوز وخسارة خيلها أثناء هذه النافسات‪ ،‬لذا‬
‫حرصت العائلة علي أن يتفوق أبناؤها ف ركوب اليل‪ ،‬ولا رأت فاطمة الثانية اليل ف بيتها‪،‬‬
‫رغبت ف ركوبا والري با‪ ،‬وبإيعاز من فاطمة الول‪ ،‬جدتا‪ ،‬بدأ إخوتا الرجال‪ ،‬ف تعليمها‬
‫كيفية ركوب الهرة‪ ،‬ظنا منهم‪ ،‬إن هي إل واحدة من رغائب آخر العنقود‪ ،‬النثى الوحيدة‪،‬‬
‫‪.‬داخل حقل الذكور الذي يعج بم‬
‫بعد زمن قليل‪ ،‬أصبحت فاطمة الثانية‪ ،‬فارسة ‪ ،‬تستطيع كسب أي سباق تدخله‪ ،‬بدأت أول مع‬
‫إخوتا الرجال‪ ،‬الذين كانوا يسمحون لا ف سياق التدريب بأن تتقدم عليهم‪ ،‬حت يشتد عودها‬
‫‪ .‬وتكتسب فرحة الفوز والنصر الت تدفعها للجادة ف كل مرة‬
‫كانت فاطمة الول ـ جدتا ـ هي من اختارت لا الهرة الت تركبها‪ ،‬ول يركبها أحد غيها‪ ،‬ف‬
‫‪ .‬نفس الوقت كانت تتقدم ف سن الصبا‪ ،‬لتصبح مهرة‪ ،‬تركب مهرة‬
‫ف الوقت الذي كان اللعب والرح هو ما يرها ناحية السباق‪ ،‬كان لدي إخوتا الرجال‪ ،‬هدف آخر‬
‫لدفعها إل حلبة السباق‪ ،‬فمن وجهة نظرهم ـ الذكورية ـ إذا كان بعض العار يلحق بالعائلة‪،‬‬
‫أي عائلة‪ ،‬عند خسارة خيلها ف السباق‪ ،‬فما بالك لو كان الفارس امرأة‪ ،‬أنثي‪ ،‬يكون العار‬
‫ّلة برأيهم‬
‫‪.‬أشد و أفظع‪ ،‬ف ذات الوقت ينون أكاليل الغار‪ ،‬نتيجة لفوز أختهم الصغية‪ ،‬العي‬
‫بسهم الدقيق‪ ،‬كانوا قد التقطوا منذ بداية تدريبها قدرتا علي التحكم بالهرة تتها‪ ،‬تعرف‬
‫تاما مت ترخي اللجام‪ ،‬ومت تذبه‪ ،‬ومت تدك الركاب‪ ،‬أو حت المس ف أذن الهرة‪ ،‬كي تقطع ساحة‬
‫‪ .‬السباق تت صيحات العجاب والتهليل‬
‫توجب علي العائلت ـ الذكورية الخرى ـ أن تد حل للهزائم الت تلحقها علي يدي ذات الفرج‪،‬‬
‫علي حد تعبيهم‪ ،‬كانت الناقشات تدور هامسة‪ ،‬وسرا ول يكن التصريح با‪ ،‬كلها انتهت تقريبا‬
‫إل نفس الطريق ‪ ،‬إسكات هذا الفرج التوثب فوق السرج‪ ،‬كان التهديد أحد الوسائل‪ ،‬لكنه‬
‫‪.‬ينسحب ويتاجع حي يواجه بقوة الرجال الستة إخوتا‬
‫ف واحدة من خطب المعة‪ ،‬لح الشيخ إل اقتاب يوم القيامة‪ ،‬فواحدة من علماتا قد ظهرت‪،‬‬
‫وباتت واضحة يراها كل ذي عيني‪ ،‬ويعيها كل لبيب‪ ،‬هكذا قال‪ ،‬فذوات الفروج قد اعتلي‬
‫السروج‪ ،‬خلل جلساته التالية‪ ،‬ناقشه البعض‪ ،‬وحاول رد ادعاءاته ‪ ،‬لكنه‪ ،‬أي المام‪ ،‬كان قد‬
‫قرر الهاد ف هذا الوضوع‪ ،‬ولن يتكه‪ ،‬و حي لح له البعض بالثأر بينه وبي فاطمة الثانية‪،‬‬
‫حيث أنا قد دمرت ابن أخيه الراكب للمهر الذي يتلكه المام‪ ،‬غضب واستشاط‪ ،‬وأزبد وأرعد‪،‬‬
‫هكذا قالوا‪ ،‬أنه لن يتك المر أو يهلك دونه‪ ،‬غي أن زيارة ليلية من الرجال‪ ،‬إخوة فاطمة‪،‬‬

‫جعلته يلم نفسه وكلمه‪ ،‬ويول خطبة المعة التالية إل مديح ف النساء اللواتي لديهن القدرة‬
‫علي ركوب اليول‪ ،‬ذاكرا أمثلة عديدة للصحابيات الليلت اللواتي شاركن الرسول (ص) ف‬
‫‪ .‬غزواته من فوق صهوات الياد‬
‫الطريق الخي والذي بقي أمام العائلت‪ ،‬هو ما أوصي به الكماء والعجائز منذ بداية الزمة‪:‬‬
‫سد الفرج‪ .‬هكذا أشاروا‪ ،‬فعندما تكون ف عصمة واحد من الرجال‪ ،‬خي وأهون من أن تبقي ف‬
‫‪.‬حاية إخوتا‬
‫بدأت عروض الزواج تنهال‪ ،‬وف كل مرة كان الرد‪ ،‬لطيفا‪ ،‬ذكيا‪ ،‬ياول تلشي العداوة قدر‬
‫المكان‪ ،‬إل أن ضاق الخوة‪ ،‬كل يوم خاطب وراغب بالزواج‪ ،‬وهم يرفضون‪ ،‬يعرفون اليلة البيثة‬
‫‪ .‬الت ينطوي عليها طلب الزواج‪ ،‬وهم يريدون مد انتصاراتم‪ ،‬عب أختهم‪ ،‬إل أطول زمن مكن‬
‫ف واحدة من نوبات الغضب‪ ،‬أطلق أحد الخوة قسما‪ ،‬كان يراه كفيل بردع كل الراغبي ف الزواج‬
‫‪ .‬من أخته‪ :‬أن أخته لن تتزوج إل من يفوز عليها ف السباق‬

‫ّظ حواسها‪ ،‬فتحت عينيها‪ ،‬علي‬
‫أذان الظهر النبعث من الراديو الوضوع بوارها فوق السرير‪ ،‬يق‬
‫الصوت الضارع البتهل‪ ،‬النطلق ف رحاب الرم الشريف‪ ،‬كأنا الصوت يأخذ أشواق مليي الجيج‬
‫ويصعد با معراجا مباركا‪ ،‬تمله حائم الما‪ ،‬تدور به‪ ،‬تطوف ترجعه نغما ساويا عذبا‪ ،‬يعل‬
‫الروح ترفرف تواقة للهيام ف اللكوت الفتوح علي الفق الواسع حولا‪ ،‬كانت السيدة تس‬
‫بنفسها خفيفة علي وشك أن ترتفع ف الفضاء‪ ،‬غمرها هذا الحساس‪ ،‬فمدت يدها تلقائيا وقبضت‬
‫علي حافة السرير‪ ،‬تبسمت لوفها الغريزي‪ ،‬قالت‪ :‬ما الذي أخشاه بعد هذا العمر؟ رويدا‬
‫‪ .‬تتابع ههمة الواقفي فوق عرفات‪ ،‬تردد خلف الصوت الداعي إل الصلة‬
‫نبة الشوع التصاعدة جعلت الدموع تطفر من عينيها الغمضتي وراحت تردد بمس خفيف وراء‬
‫الصوات وهي تستشعر حالة من الصفاء‪ ،‬والنقاء‪ ،‬تغمرها‪ ،‬لتى نفسها هناك‪ ،‬وسط الليي‪،‬‬
‫بلباسها البيض‪ ،‬الذي يشبه الليب‪ ،‬تقف فوق عرفات‪ ،‬ترفع يدها مبتهلة وسط السكينة الت‬
‫تغشاها‪ ،‬تتفرس وجوه الواقفي حولا‪ ،‬كانوا‪ :‬جدتا فاطمة الول‪ ،‬والدها‪ ،‬والدتا‪ ،‬مصطفي‪ ،‬وجه‬
‫ابنها البكري سعيد كان وجهه حزينا‪ ،‬مكدرا‪ ،‬تقدمت نوه‪ ،‬غي أن يدا تقبض علي كتفها‪ ،‬وتزها‬
‫‪ .‬برفق‪ ،‬وصوت يقول‪ :‬يا عمة‬

‫فصل ف ذكر الراديو*‬
‫ل يكن يؤنسها خلل سنواتا العديدة الخية غي الصوت النبعث من الراديو‪ ،‬ل تكن تغلقه أبدا‪،‬‬

‫‪ .‬اللهم إل إذا ذهبت خارج البيت‪ ،‬وهذا نادرا ما يدث‬
‫جاء الراديو إل البيت ف أوائل الربعينات قبل أن يضرب القدر ضربته داخل العائلة ويعمل‬
‫علي تفريقها‪ ،‬ف ذلك الوقت كان الراديو يعد كأعجوبة من أعاجيب الدهر‪ ،‬خاصة بعد ترك‬
‫الديد‪ :‬القطار‪ ،‬وسباحته‪ :‬السفن‪ ،‬وطيانه‪ :‬الطائرات‪ .‬فليس من الستبعد بنطقه‪ ،‬وجعله قادرا‬
‫‪ .‬علي التحدث بكل لسان‬
‫أتي بالراديو والدها‪ ،‬والذي أظهر ف أواخر أيامه حسا عاليا بالتصوف‪ ،‬جعله يرص علي حضور‬
‫الوالد الت تقام للقطاب والئمة أينما كانت‪ ،‬كان يتتبعها‪ ،‬ف واحدة من الرات وهو عائد من‬
‫‪ .‬مولد سيدنا السي‪ ،‬جاء بالصندوق العجيب معه‬
‫كان الراديو كبي الجم‪ ،‬أبيض بفاتيح عاجية كثية وأسلك ترج من أحشائه تتصل ببطارية‪ ،‬كانت‬
‫مهمةالعمةـ وقتهاـ تغيي ماء البطارية يوميا‪ ،‬حي انطلق الصوت منه لول مرة‪ ،‬فزعت جدتا‬
‫وأمها‪ ،‬وحرصتا علي عدم القتاب من صندوق الن كما أعلنت الدة‪ ،‬وإن كان إخوتا الرجال‬
‫‪ .‬تعاملوا معه كشيء طبيعي داخل البيت‪ ،‬وقصوا حكاياتم عن رؤيتهم للراديو لول مرة‬
‫حي علمت القرية بوضوع الراديو‪ ،‬جاءت أول علي استحياء لستطلع المر‪ ،‬ث توافدت أما‪ :‬رجال‬
‫‪ .‬ونساء‪ ،‬ليجلسوا للستماع إليه‬
‫الرجال كانوا يأتون ف الساء‪ ،‬عقب صلة العشاء يسهرون‪ ،‬يستمعون للقرآن الكري والغاني‬
‫والتمثيليات والتعليق عليها‪ ،‬أما النساء فكن يأتي مع الضحى‪ ،‬بعد أن يفرغن من أعمال‬
‫النزل الصباحية‪ ،‬كان ما يشدهن‪ :‬ربات البيوت والغاني والتمثيليات‪ ،‬خاصة مسلسل الساعة‬
‫‪ .‬الامسة والربع عصرا والت تعاد إذاعتها ف اليوم التال قبل الظهر‬
‫حي جاء عوض ال اللب وكان شابا ف ذلك الوقت إل القرية‪ ،‬كما اعتاد‪ ،‬ودار دورته خلل‬
‫النهار‪ ،‬فلما جن عليه الليل ذهب إل دار الرحال‪ ،‬وتعشي مع الرجال وبعد العشاء بدأ توافد‬
‫رجال وشباب القرية الذين رحبوا به بفتور واضح‪ ،‬ولداثة سنه ل يد تفسيا لذا الفتور‪ ،‬فحرص‬
‫علي أن يبدأ مبكرا‪ ،‬غي أن اللسن أوقفت نغماته الت كان يهد با لدخوله ف جو السلطنة‬
‫ليعيدهم إل حظيته‪ ،‬فقد هداه تفكيه إل أن مغن آخر ربا يكون قد جاء إل القرية ف هذه‬
‫اليام السابقة‪ ،‬وأظهر من الباعة الت تستوجب منه ـ الن ـ أن يبذل كل ما ف وسعه للتغلب‬
‫‪ .‬علي هذا الغري الذي ل يعرفه‬
‫ف لظات كان غريه أمامه‪ ،‬الراديو‪ ،‬ظل الناس وعوض ال صامتي إل أن انتهي بث الذاعة‪ ،‬بعدها‬
‫‪ .‬طلب الناس من عوض ال أن يبدأ‬
‫كان إحساسه بالهانة كبيا‪ ،‬فسلطانه ولقمة عيشه مهددة بالزوال بسبب هذا الصندوق‪ ،‬لكنه‬
‫بدأ علي أية حال‪ ،‬بعد أن استعلم عن هذا الشيء‪ ،‬وكم فرد يتلكه داخل القرية والقرى‬
‫الاورة‪ ،‬من لظتها وزيارات عوض ال اللب الليلية بدأت ف التباعد‪ ،‬فحرصا منه علي لقمة‬
‫عيشه وكسب رزقه‪ ،‬كان عليه أن يد أماكن أخري ـ داخل القرية ـ يارس فيها غناءه‪ ،‬بعيدا عن‬
‫‪ .‬الراديو‬
‫كان تباعد الزيارات لعوض ال أحد السباب الت دفعت السيدة نو الراديو وارتباطها به‪ ،‬ل‬

‫تكن تنظر له كبديل لغناء وحكايات عوض ال الت يؤديها‪ ،‬لكن كمعي لا ف إبعاده عن البيت‪،‬‬
‫وهو ما كانت ترغب فيه لكن ل يكن التصريح به لحد‪ ،‬ل لخوتا الرجال‪ ،‬ول لزوجها مصطفي‪ ،‬فهي‬
‫‪ .‬تعرف تاما القواعد الت تتم عليها استقباله داخل البيت ف الوقت الذي يظهر فيه‬
‫ل تظهر رغبتها بإبعاد عوض ال عن البيت إل حي أدركت تعلق طفلها البكري " سعيد " به‪،‬‬
‫وحرصه علي السهر بواره طوال الليل مهما حاولت أن ترغبه ف النوم‪ ،‬وهو الطفل كان سريع‬
‫الفظ للشعار والكايات الت يقصها الشاعر‪ ،‬أيضا إجهاضها ف وقت مبكر ـ بعيدا عن أعي‬
‫الرجال ـ حصول سعيد علي ربابة صغية‪ ،‬خشيتها من أن يصي شاعرا جوال‪ ،‬جالبا لهل البيت‪،‬‬
‫‪ .‬إخوتا الرجال وزوجها الفضيحة و الرسة الت ل يكن ردها ول تكذيبها‬
‫كانت قد لحظت اتفاقا شبه سري بي " سعيد " وعوض ال حي قام الول بسرقة بعضا من الغلة‬
‫والبلح والبيض من داخل البيت وأعطاها للثاني الذي عليه أن يضر له ف الرة القبلة‬
‫الربابة الصغية‪ ،‬ظل القلق يفتسها بعد أن عرفت بالشياء الت اختفت من كرار البيت‪،‬‬
‫واستطاعت أن تغطيها حت ل تشعر جدتا وأمها بأن يدا امتدت واختلستها‪ ،‬فهي تعتب ما حدث‬
‫أمرا‬

‫داخليا يصها هي‪ ،‬أول مواجهة حقيقية من الياة الت بدأت تلعبها‪ ،‬وأيضا لكون سعيد‬

‫طفلها الول والوحيد حت هذا الوقت‪ ،‬أوائل الربعينات ‪ ،‬كانت قد أنبت طفل آخر‪ ،‬لكن اللريا‬
‫الت هاجت قري النوب كلها استطاعت أن تضيفه إل حساب الوتى‪ ،‬إذن بقي سعيد‪ ،‬ابن الرابعة‬
‫وقتها‪ ،‬وبقيت هي بواجسها ومراقبتها الدائمة له طوال السبوع الذي غابه عوض ال اللب‬
‫‪ .‬ليعود ومعه الربابة الصغية‬
‫رأت سعيد وعيد يتسحبان نو الزرائب اللفية ويد سعيد تقبض علي شيء ـ الربابة ـ داخل‬
‫ملبسه‪ ،‬انتظرت حت دخل واطمأنا وأخرجا الربابة وجرا القوس‪ ،‬فصدرت النغام‪ ،‬الصوت‪ ،‬العلمة‬
‫الت كانت تنتظرها لتدخل خلفهما‪ ،‬انتفضا واقفي حي فتحت الباب‪ ،‬تقدمت نوها‪ ،‬دون كلمة مد‬
‫سعيد يده بالربابة نوها‪ ،‬فأخذتا وخرجت‪ ،‬وذهبت إل نار الفرن الت كانت قد أعدتا مسبقا‬
‫‪ .‬وألقت بالربابة فيها‬
‫ظل الراديو العتيق كبي الجم‪ ،‬قائما‪ ،‬يؤدي عمله إل أن أدركته الشيخوخة مع ظهور‬
‫البطاريات الافة‪ ،‬والت عملت ف نفس الوقت علي انتشار الراديو داخل البيوت‪ ،‬حيث الجم قد‬
‫صغر ورخص السعر‪ ،‬جاء بالراديو الديد مصطفي زوجها‪ ،‬ف هذا الوقت كان والدها وجدتا وأمها‬
‫‪ .‬قد غادروا الدنيا‪ ،‬وإخوتا الرجال أخذتم الدنيا ف دروبا الواسعة بعيدا عن البيت‬
‫كان يرح ف خلء البيت الواسع أطفالا الربعة والبنتي الذين أنبتهم طوال مدة الراديو‬
‫العتيق‪ ،‬كان زوجها مصطفي هو الذي بدأ إدارة مؤشر الراديو إل مطة القرآن الكري عقب‬
‫عودته من صلة العشاء وتدده فوق سريره لينام جاعل الراديو أسفل السرير‪ ،‬يظل الراديو‬
‫دائرا طوال الليل‪ ،‬ف هذا الوقت كان ل يكنها تويل الؤشر‪ ،‬وخاصة بعد انتهاء البث عند‬
‫منتصف الليل‪ ،‬فما أن تتد يدها إل الراديو‪ ،‬حت يستيقظ مصطفي ويقول‪ :‬دعيه كي يوقظن عند‬
‫‪ .‬الفجر ‪ .‬حيث يعود البث لذاعة صلة الفجر من السجد السين‬
‫لا رحل مصطفي‪ ،‬وكانت قد غيت أنواعا كثية من الراديوهات‪ ،‬من متلف الاركات والحجام‪،‬‬

‫واعتادت علي أن تنام علي صوت القرآن الكري‪ ،‬والبيت صار شبه خال إل منها‪ ،‬ما إن ينتهي‬
‫البث حت تصحو وتدير الؤشر بي الطات العديدة إل أن تقبض علي حلقة درامية هنا‪ ،‬أو أغنية‬
‫‪ .‬تب ساعها فتفع يدها عن مؤشر الراديو الذي صار ياورها فوق السرير‬
‫كان لكتشاف البطاريات الافة وانتشار الراديو سببا أكب ف قلة تواجد عوض ال‪ ،‬ليس ف بيت‬
‫العمة فقط‪ ،‬ولكن داخل القرية كلها‪ ،‬كان الزمن يتقدم‪ ،‬والضغائن يتم التعايش معها دون‬
‫تقليب ومراجعة‪ ،‬فالزمن الذي ياول فرض سطوته و إملء شروطه ل يكن يسمح بثل هذه الراجعات‪،‬‬
‫‪ .‬بل كان يدفع كل ذات إل التقوقع داخل نفسها‪ ،‬مستغل الوف الذي يراكمه داخل النفوس‬
‫الراديو الخي الذي معها الن‪ ،‬جاء من الراضي الجازية‪ ،‬كان قد أتي به أخوها عثمان‪،‬‬

‫ٍ‬

‫‪ .‬لا ذهب لداء الفريضة‪،‬العمة هي الت كانت أوصته بذلك‪ ،‬قالت له‪ :‬متعدد الوجات أريده‬
‫ل يكن ف ذلك الوقت قد بقي معها أحد داخل البيت الكبي‪ ،‬سعيد قد رحل ‪ .‬وباقي أولدها قد‬
‫ذهبوا ف دروب حياتم‪ ،‬وكانت الكهرباء قد دخلت إل القرية‪ ،‬وتسارعت الشياء‪ ،‬ظهور‬
‫التلفزيون‪ ،‬والذي ذهبت لشاهدته عند الولد عيد لا أتي به‪ ،‬مرة واحدة‪ ،‬ل تكررها‪ ،‬ولا كان‬
‫‪ .‬عيد يلح عليها ‪ ،‬كانت تشي إل الراديو‪ :‬يكفين ابن زمن هذا‬
‫كانت قد لظت مع ظهور التلفزيون‪ ،‬بدء تناقص النساء اللواتي كن يضرن إليها للثرثرة‪ ،‬بعد‬
‫العشاء‪ ،‬هن وأطفالن الذين يلعبون بالساحة أمام بيتها أو يلتفون حولا للستماع للحكايات‬
‫الت تقصها‪ ،‬هذا التناقص التسارع أدي ف اليام القبلة ـمع ظهور الطباق اللقطةـ إل‬
‫‪ .‬الختفاء التام‬
‫كانت ف تلك الونة الخية قد أظهرت تعاطفا جديدا تاه عوض ال اللب الذي باتت زياراته‬
‫للقرية مقتصرة علي أيام العياد والواسم فقط وخلل النهار‪ ،‬كان يأتي إليها ليشرب معها‬
‫‪ .‬القهوة ف هدوء قلما كان ينعم به ف أوقات سابقة‬
‫كانت قد ثبتت مؤشر الراديو علي مطة القرآن والت أصبحت تبث طوال اليوم ‪ ،‬ل تكن تدير‬
‫الؤشر إل ف أوقات مددة نو مطات بعينها‪ ،‬لكن ف مثل هذا اليوم‪ ،‬وقفة عرفات‪ ،‬ل يكنها أن‬
‫‪ .‬تدير الؤشر ولو للحظة واحدة‬

‫قالت بغضب‪ :‬أين كنت ؟‬
‫قال وهو يلس بوارها علي حافة السرير‪ :‬كانت ف يدي شغلنة من المس‪ ،‬قررت النتهاء منها بعد‬
‫‪ .‬الفجر‬
‫تنبهت إل رائحة الي والطلء الت تفوح من ملبسه‪ ،‬لكنها أصرت‪ :‬كان يكنك السؤال ؟‬
‫بات واضحا العداء الذي يبطنه العتاب ف نبة صوتا‪ ،‬فأراد أن يبعدها عن الضغينة‪ ،‬متنبها ف‬
‫ذات الوقت لنفسها الضيقة وروحها العذبة‪ ،‬قال‪ :‬صلة الظهر والعصر‪ .‬وأشار إل الراديو‪ ،‬ث‬
‫‪ .‬أكمل حي وجدها تزفر بقوة‪ :‬ف العام القادم أن شاء ال نكون هناك‬

‫‪ .‬أجابت‪ ،‬وقد لنت نفسها قليل‪ :‬من يدري‬
‫قال بتبسط‪ :‬كل سنة وأنت طيبة‪ .‬وقبل أن يكمل‪ ،‬قاطعته ناهضة من مكانا‪ ،‬تناولت عكازها‪،‬‬
‫‪ .‬وخطت نو الكنيف‬
‫‪ .‬يعرف غضبها‪ ،‬وقسوتا علي نفسها قبل أن تقسو علي غيها‪ ،‬قال‪ :‬سنرش الواجهة بالي‬
‫‪ .‬توقفت‪ ،‬لكنها ل تعلق‪ ،‬ث أكملت خطوها‬
‫‪ .‬قام عيد وسار خارجا من باب البيت‬

‫ملت إناء وضوئها وراحت إل النخلة‪ ،‬حيث اعتادت أن تتوضأ تت النخلة ثلث مرات ف اليوم‪:‬‬
‫عند صلة الظهر‪ ،‬وعند صلة العصر‪ ،‬وعند صلة الغرب‪ ،‬تلس ف ظل النخلة‪ ،‬كما اعتادت عائلتها‬
‫‪ .‬من قبلها أن تفعل‪ ،‬بعد أن ترج من الكنيف‪ ،‬تمل الاء وتشرع ف الوضوء‬
‫بعينيها الكليلتي بالكاد ترى عب الباب‪ ،‬عيد وصبيانه وهم يقومون برش واجهة البيت بالي‪،‬‬
‫‪ .‬قالت‪ :‬سأذهب لغلق الباب‬
‫كان البيت قد أعيد طلؤه بالي وتزيينه بالرسوم عدة مرات‪ ،‬الرة الخية‪ ،‬كانت حي وافق‬
‫ابنها البكري سعيد علي الزواج ‪ ،‬وبدأ العداد له‪ ،‬ولكن قبل أن يبدأ عيد بالرسم‪ ،‬كان‬
‫سعيد قد رحل‪ ،‬ملفا حسرة ما تزال تعيشها السيدة حت الن‪ ،‬وطلء تقشر بفعل الزمن والشمس‬
‫‪ .‬والرياح وأيدي العيال الذين يأتون للعب ف الساحة أمام البيت‬
‫فرغت من وضوئها‪ ،‬تساندت علي عكازها والنخلة حت استوت واقفة‪ ،‬جالت بعينيها‪ ،‬و استدارت‬
‫‪ .‬نو خلفية البيت‪ ،‬ومن هناك جاءتا هذه الرة الصوات‬

‫الني متلط بصوت السلسل‪ ،‬برائحة الدم والعرق البشري‪ ،‬كانت الصوات تلتف حولا كدوامة ريح‬
‫هائلة؛ أقسى ما يتعبها ويرض روحها‪ ،‬الل‪ ،‬وصوته‪ ،‬صوت الل الذي ينبعث الن من الزرائب‪،‬‬
‫جعلها تتهاوى‪ ،‬وبالكاد تستند علي جذع النخلة قبل أن تسقط‪ ،‬حاولت بيديها سد أذنيها‪ ،‬غي‬
‫‪ .‬أن الصوت كان ينفذ إليها من مسام جلدها‪ ،‬ويبدو كأنه ينبعث من داخلها‪ ،‬هتفت‪ :‬يا رب‬
‫الني يتحول إل وحش‪ ،‬يصرخ مطالبا برحته‪ ،‬بريته‪ ،‬ف إبعاد القيود عن لمه‪ ،‬القيود الت تفجر‬
‫الدم من العاصم والقدام والصدور والرقبة‪ ،‬العرق الذي يعبق الو برائحة الكراهية‬
‫‪ .‬والقسوة‪ ،‬مطالبا بانتقام عادل‬
‫تتذكر الن ابنها سعيد حي حل معول وجري به وهو يهذي بكلم غي متابط إل الزرائب‪ ،‬ياول‬
‫هدمها‪ ،‬سدد أول ضربة والثانية‪ ،‬ف الثالثة تاوى وهو يبكي‪ ،‬كانت قد جاءت وضمته إل صدرها‪،‬‬
‫تاول أن تأخذه بعيدا‪ ،‬رفض‪ ،‬وأزاحها‪ ،‬ودفع باب الزريبة ودخل‪ ،‬الن تعرف‪ ،‬أن الني كان‬

‫‪ .‬يهاجه‪ ،‬يضربه ف صميم مشاعره‪ ،‬حي دخلت وراءه‪ ،‬قال‪ :‬هذا إرثنا يا أمي‪ ،‬هنا يكمن إرثنا‬
‫كانت قوية بشكل جعلها تتمالك نفسها وتقول‪ :‬لكننا ل نفعل شيئا ؟‬
‫‪ .‬هو إرثنا علي كل حال يا أمي‪ ،‬العبيد‪-‬‬
‫كان يهذي‪ ،‬وكانت أول مرة تدخل إل واحدة من الزرائب اللفية‪ ،‬قال‪ :‬لن أقدر علي هدمها‪،‬‬
‫‪ .‬ستبقي شاهدة علينا‬
‫مدت يدها تاول إخراجه من الزريبة‪ ،‬لكنه مال نو الرض والتقط شيئا ل تره قبل‪ ،‬حي تبينته‪،‬‬
‫اكتشفت أنا سلسل حديدية غليظة قد ضربا الصدأ‪ ،‬قال لا‪ :‬أخرجي يا أمي‪ ،‬وأغلقي الباب من‬
‫‪.‬الارج‬
‫نظرت إليه مبهوتة‪ ،‬حاولت القتاب منه‪ ،‬لكنه أخذها من يدها وأخرجها خارج الزريبة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫‪ .‬أغلقي الباب‪ ،‬وعودي غدا ف مثل هذه الساعة‬
‫كانت من القوة بيث أغلقت الباب بالرتاج الثقيل‪ ،‬كان الوقف اختبارا حقيقيا وجادا‬
‫‪ .‬لقولتها بأن لكل ابن آدم دفة ف رأسه تكم أفعاله‬
‫حي عادت ف اليوم التال‪ ،‬ف وقت الظهية ـ كما الن ـ وفتحت الباب رأت ما أذهلها وأوشك أن‬
‫يسقطها مغشيا عليها لول تاسكها ف اللحظة الخية‪ ،‬كان ابنها عاريا إل من سروال يجب‬
‫عورته‪ ،‬تكبل السلسل والقيود رجليه ويديه ورأسه وصدره والدم متخثر ف أكثر من موضع منه‪،‬‬
‫‪ .‬والزريبة تفوح برائحة عفن ل تدرك كنهها حت الن‬
‫أسندت ظهرها علي جذع النخلة وأنفاسها متسارعة‪ ،‬تاول أن تل صدرها بالواء الذي تس بقوة‬
‫‪ .‬تذبه بعيدا عنها‪ ،‬كان واضحا أنا علي وشك الدخول ف غيبوبة‬
‫نظرت نو الباب‪ ،‬هل كان شيء يتحرك جاريا نوها ؟‬
‫‪ .‬كان عيد الذي نقل له أحد صبيانه أنه رأى السيدة تسقط بوار النخلة‬

‫ماذا كنت أقول لا ؟‪-‬‬
‫تسأل عيد وهو خارج من عند السيدة‪ ،‬يعرف روحها الساسة ونفسها الت أصبحت ضيقة‪ ،‬ل تكاد‬
‫‪.‬تتحمل أي معارضة‪ ،‬وهي لو علمت با قمت به منذ الصباح‪ ،‬ربا لقاطعتن‪ ،‬أو لراحت فيها‬
‫‪ .‬خرج من الباب‪ ،‬وأمر صبيانه بالبدء ف طلء الواجهة‪ ،‬قال‪ :‬أريد النتهاء سريعا‬
‫تركهم وذهب إل بيته‪ ،‬وعاد بعد لظة‪ ،‬يمل أكواب الشاي الت أعدتا‬

‫"عزيزة " زوجته ‪ ،‬نادى‬

‫علي واحد من العمال‪ ،‬وأمره بتوزيع الشاي علي باقي العمال‪ ،‬وجلس مواجها للحائط‪ ،‬يرتشف‬
‫الشاي بقلق وتوتر ظاهرين‪ ،‬كان الطلء القدي قد تقشر ف أكثر من موضع بالائط‪ ،‬وغطاه‬
‫‪ .‬الغبار‪ ،‬بالكاد تلمح الرسوم والطوط القدية‬
‫تذكر أخر مرة طليت فيها الدران‪ ،‬كانت قبل أسبوع من زفاف سعيد من ابنة خاله الذي ل يتم‪،‬‬
‫تنهد وهو يأخذ نفسا عميقا من السيجارة الت أشعلها‪ ،‬فتساءل‪ :‬كم سنة مرت ؟‬

‫كان واحد من العمال يكنس الغبار من الائط‪ ،‬فبدأت بعض الكلمات والرسوم ف الظهور الواضح‪،‬‬
‫تبسم عيد‪ ،‬وقال‪ :‬يا صاحب كأنه بالمس‪ ،‬ث خفض عينيه إل الرض قبل أن يلحقها الغبار‬
‫التطاير‪ ،‬وهتف بصوت ل يريد لحد أن يسمعه ول حت نفسه‪ :‬هل للزمن قيمة ؟‬
‫يعرف أنما‪ ،‬سعيد وهو‪ ،‬ولدا بنفس الليلة‪ ،‬ل تؤكد واحدة من المي‪ ،‬أمه والعمة‪ ،‬أي منهما‬
‫ولدت قبل الخرى‪ ،‬وكما كان مقررا سابقا ف تاريخ عائلته‪ ،‬كان البن الول‪ ،‬الذكر‪ ،‬فلذا صار‬
‫عيد مباشرة‪ ،‬مثله ف هذا مثل أبيه‪ ،‬وجده‪ ،‬وجد جده …… إل أن يصل إل عيد الكبي الذي لقيه‬
‫‪ .‬سيدنا الضر ‪ .‬تربيا سويا‪ ،‬لكن أيام الصبا ولت‪ ،‬وبدأت الدروب تتقاطع‬
‫تنبه إل الرسم القدي الذي ظهر علي الائط‪ ،‬كانت امرأة تلس فوق مصلة‪ ،‬مزخرفة اللوان‪ ،‬وإن‬
‫كانت باهتة الن‪ ،‬تلف طرحة خضراء تلم وجهها ورأسها‪ ،‬و تتدل مسدلة فوق جسدها التبع فوق‬
‫الصلية‪ ،‬بسمة هادئة مطمئنة تشع من ملمها الراضية‪ ،‬وعينها تنظر بعيدا‬

‫كأنا تتطلع إل‬

‫شيء غامض‪ ،‬لكن روحها تبدو عارفة به‪ ،‬ما يعلها راضية بذا القدر‪ ،‬الن يدرك عيد أن هذه‬
‫الرسة‪ ،‬ل تكن من خياله‪ ،‬لكنه شاهد هذه النظرة الطافحة بالبشر والرضي فوق وجه العمة‬
‫حينما عادوا من منزل عثمان أخيها‪ ،‬بعد أن خطبت ابنته زينب لبنها سعيد‪ ،‬حي رجع ثلثتهم‬
‫إل النزل‪ ،‬خلعت السيدة ثوبا السود القطيفة‪ ،‬وأخذت الاء وشرعت ف الوضوء‪ ،‬سعيد الذي كان‬
‫‪ .‬واجا وقتها علق قائل‪ :‬ستصلي صلة الشكر‬
‫تبسما معا وجلسا علي السرير الوضوع بوش البيت‪ ،‬راحا يثرثران بذكرياتما القدية‪ ،‬بصوت‬
‫تضربه الرارة ويتخلله الصمت والتنهد‪ ،‬قال سعيد‪ :‬سأشرب شايا‪ ،‬نض عيد وقال‪ :‬أجلس‪ ،‬اليوم‬
‫‪ .‬أنت المي‪ ،‬العريس‪ ،‬سأعد الشاي‬
‫حي دخل إل الصالة كانت العمة جالسة فوق الصلية تواجه الضوء‪ ،‬قابلته بذه البسمة والنظرة‬
‫الذاهلة الت تستحوذ علي عينيها‪ ،‬تسمر مكانه وظل واقفا‪ ،‬ل يدري ماذا يفعل‪ ،‬إل أن سع‬
‫‪ .‬العمة تقول‪ :‬سأعمل القهوة‬
‫يعرف الن الضافات الت أضافها حي بدأ يرسم الرأة فوق الصلية‪ ،‬الطرحة الضراء‪ ،‬السبحة الت‬
‫ف يدها‪ ،‬الزخارف الت تزين سجادة الصلة‪ ،‬لكن ما ل يفهمه حت الن‪ ،‬كيف أنه ف بعض الالت‪،‬‬
‫وهذه واحدة منها‪ ،‬أنه عندما يشرع ف الرسم ل يبذل أي جهد ف تذكر اللمح‪ ،‬أو يدقق كثيا ف‬
‫خطوطه الت يطها فوق الائط‪ ،‬يعرف فقط اختيار اللون الناسب‪ ،‬ويتك يده لتجري بالطوط الت‬
‫تلك عليه خياله وتصوره‪ ،‬ف لظات كثية‪ ،‬كان يقول‪ ،‬حي يسأله أحد عن سر الدقة والوضوح‪ ،‬الت‬
‫تعل رسومه كأنا مصورة بالكاميا‪ ،‬كان يقول بغموض‪ :‬الطوط كلها هنا‪ ،‬ويشي إل صدره‪ ،‬وهنا‬
‫‪ .‬ويشي إل الريدة‪ ،‬ريشته‪ ،‬الرسوم ترج عندما أغمس الريشة ف اللون وأضعها علي الائط‬
‫‪ .‬عاد من تديقه ف الرسة لا قبضت‬

‫" عزيزة " علي ذراعه حي رأت أنه ل يرد علي ندائها‬

‫أفاق وتبعها مبتعدا عن العمال‪ ،‬كانت لتوها قد فرغت من البز وجاءت لتأخذ أكواب الشاي‬
‫‪،‬الفارغة‬
‫‪ .‬قالت‪ :‬منذ الفجر وأنت غائب‬
‫‪ .‬كنت أقضي بعض الصال‪-‬‬
‫‪ .‬مصال ‪ .‬تعجبت‪ ،‬ث أضافت‪ :‬يوم الوقفة‪-‬‬
‫‪.‬يعرف إلاحها‪ ،‬واحتياجه للختلء بنفسه‪ :‬ذهبت للتصال بأولد العمة‬
‫ضربت يدها علي صدرها‪ ،‬وازداد جحوظ عينيها‪ ،‬لكنه أكمل دون أن يهتم‪ :‬نعم‪ ،‬واتصلت ببعض‬
‫‪ .‬منهم‬
‫‪ ..‬جننت‪ ..‬وال‪-‬‬
‫‪ .‬قاطعها قبل أن تكمل‪ :‬وطي حسك‪ ،‬وإياك أن يعرف أحد‬
‫‪ .‬والعمة‪-‬‬
‫‪ .‬خصوصا العمة‪-‬‬
‫‪ .‬سيأتون‪-‬‬
‫نظر بعيدا عن عينيها‪ ،‬وحت ينهي الوار‪ :‬ل أدري‪ .‬ث أمرها بالنصراف ‪ .‬وجلس مهدودا ف ظل‬
‫الائط الارب الذي تأكله شس الظهية وبينما يرج سيجارته‪ ،‬سع صوت أحد العمال فوق رأسه‬
‫‪ .‬يقول‪ :‬العمة وقعت عند النخلة‬
‫‪ .‬رمي سيجارته من فمه‪ ،‬وهرول متخطيا الباب‬

‫وضعها فوق سريرها‪ ،‬وقلبه يتخلع بي ضلوعه‪ ،‬اللع يسيطر عليه‪ ،‬خوفه من أن يصيبها مكروه‪،‬‬
‫تقافز دواجنها فوق السرير كأنا تريد الطمئنان على العمة زاد من توتره‪ ،‬أحس كأنه مشلول‪،‬‬
‫ل يدري ماذا يفعل‪ ،‬يفرك بقوة ناعمة كفيها بي راحتيه‪ ،‬يود لو يبعث إليها بالرارة‪ ،‬كي‬
‫تستيقظ‪ ،‬أن تفتح عينيها‪ ،‬فمها‪ ،‬ترك لسانا ولو بشتمه‪ ،‬منذ لظات حي التقطها من جوار‬
‫النخلة‪ ،‬هاله المل الفيف والش الذي يمله بي ذراعيه‪ ،‬يعتقد بأن وزن النسان يتضاعف حي‬
‫‪ .‬مرضه أو موته‪ ،‬لكنها بي يديه كما لو كانت واحد من أطفاله الصغار‬
‫ينظر بقلق لوجهها الستكي والذي تضاعفت حدة التجاعيد فيه‪ ،‬كأنا هي طرق للزمن الذي عب‬
‫منها‪ ،‬كان من قبل يتساءل‪ :‬عن قيمة الزمن ؟ الن هو يس بقسوته البالغة‪ ،‬كان ينظر إل‬
‫الزمن ليس كغري ل يكن منازلته ولكن إل قدرته الائلة علي قلب الوضاع وإصابة الروح‬
‫‪ .‬بالعطب‪ ،‬السد القادر والعفي أصبح الن ف هشاشة ل توصف‬
‫حينما ذهب وهاتف بعض أبنائها ف الصباح كان يدفعه إحساسه بقسوة تركهم وهجرهم لا‪ ،‬لكن‬
‫الن يدرك أن السألة أعمق وأعقد من تصوره البسيط‪ ،‬وتذكر علي نو مبهم ماولته الدائمة لعل‬

‫ألوانه غي قابلة للنحاء والتحول‪ ،‬تلك الاولت الت تفشل ويبدأ من جديد ‪ ،‬حي وقف ذات مرة‬
‫أمام واجهة أحد العابد الفرعونية‪ ،‬وجد بعض اللوان الزاهية‪ ،‬أدرك لظتها أنه يوجد طريق‬
‫‪ .‬ما لقهر سطوة الزمن‪ ،‬لكن النسان آه ‪ ..‬آه‬
‫تأوه وهو يهش دواجن العمة التحلقة حولا‪ ،‬البعض منها نط فوق حجرها وقدميها‪ ،‬رغم الدوء‬
‫الشفيف الذي يكسو وجه العمة ‪ ،‬وتنفسها البطيء إل أن التشنج والنفاس التسارعة تنطلق من‬
‫‪ " .‬عيد " الذي ل يعرف على أي كيفية يتصرف‬
‫كان على وشك النيار حي دخلت عزيزة وهي تتف مطوفة‪ :‬مالا ؟ و كمن شعر بن ينقذه ابتعد‬
‫مفسحا الطريق لا‪ ،‬حي رأت وجه العمة‪ ،‬ذهبت ناحية الزير وملت الكوب وعادت‪ ،‬بيدها اغتفت‬
‫‪ .‬الاء ونثرته علي وجه العمة الت شهقت‪ ،‬ث فتحت عينيها‪ ،‬وتبسمت للوجهي الدقي با‬

‫زينب تفتح جروحا قدية*‬
‫استيقظت من نومها علي صوت زعيق عال‪ ،‬رهفت سعها حت تبينت النبات‪ ،‬كانت زينب ابنة أخيها‬
‫‪ .‬وعيد‬
‫زينب‪ :‬من سح لك ؟‬
‫‪ .‬عيد‪ :‬لست ف حاجة للذن‬
‫‪ .‬زينب‪ :‬ليس من حقك‬
‫‪ .‬عيد‪ :‬عيب يا زينب‬
‫‪ .‬زينب‪ :‬يا عمة‪ .‬بصوت عال نسبيا‪ :‬أين عمت ؟ دون أن يكون السؤال موجها لحد‬
‫تبسمت العمة وقامت من فوق سريرها‪ ،‬لول مرة تس بدواجنها راقدة بوارها توطها مشكلة سياجا‬
‫حولا‪ ،‬كأنا تميها أو ترقبها ف رقدتا‪ ،‬هشت الفراخ والمام الذي تطاير مستبشرا بقيام‬
‫‪ .‬سيدته‬
‫نزلت من سريرها مستندة علي عكازها وخطت خارجة كي تنع التلسن الدائر بي زينب وعيد‪،‬‬
‫‪ .‬لكنها توقفت حي دخلت زينب مندفعة وهي تقول‪ :‬أنه يرش البيت بالي‬
‫‪ .‬ردت العمة مبتسمة‪ :‬كل سنة وأنت طيبة يا ابنة أخي‬
‫الجل هو ما أحست به زينب‪ ،‬فقالت مفضة من حدتا‪ :‬آسفة يا عمت‪ ،‬وتوقفت لتأخذ نفسها قبل أن‬
‫‪ .‬تضيف‪ :‬أنه يتصرف كمالك للبيت‬
‫‪ .‬ما أزال حية يا بنية‪-‬‬
‫للمرة الثانية يجلها رد العمة‪ ،‬صمتت هذه الرة‪ ،‬ث تقدمت واحتضنت العمة وهي تقول‪ :‬كل سنة‬
‫‪ .‬وأنت بي‬

‫‪ .‬تلقتها السيدة ف حضنها بود وتفهم كبي‪ ،‬و ربتت علي ظهرها كأنا تدهدها‬

‫اعتادت زينب أن تأتي إل عمتها ف الواسم الختلفة‪ ،‬ميئها دائما يسبق العصر‪ ،‬تتسامر معها‬
‫قليل‪ ،‬ث تؤدي بعضا من أعمال البيت‪ ،‬وخاصة الطبخ‪ ،‬تساعد عمتها ف طبخ الواسم‪ ،‬تقوم زينب‬
‫بالذبح لنا تعرف عمتها ترتاع كثيا‪ ،‬وتشى أن تد يدها بالسكي تاه واحدة من دواجنها دون‬
‫‪ .‬أن يالها أي شعور بالجل ليس من نفسها‪ ،‬لكن من دواجنها علي أقل تقدير‬
‫منتها الساسية كانت قد بدأت ف الظهور بعد أن فرغ البيت حولا‪ ،‬ف البداية كانت الدة‪،‬‬
‫فاطمة الول‪ ،‬ث الم‪ ،‬ث بناتا كن يذبن‪ ،‬عندما رحل الميع تباعا‪ ،‬إما بالوت أو بالنتقال إل‬
‫مكان آخر حيث تبدأ الياة الديدة الستقلة‪ ،‬كانت ف ذلك الوقت لوحدها‪ ،‬ظلت شهرا كامل دون‬
‫القدرة علي النظر بصراحة إل دواجنها‪ ،‬حت عاد سعيد من واحدة من اختفاءاته التعددة‪،‬‬
‫أرادت أن تتفي به‪ ،‬تعد له عشاءا جيدا‪ ،‬فاخرا‪ ،‬دخلت إل الظية واختارت أسن ما لديها من‬
‫الدواجن‪ ،‬وحي خرجت به‪ ،‬ظلت يدها القابضة علي السكي غي قادرة علي التحرك‪ ،‬فغلبها البكاء‬
‫من القهر‪ ،‬قهر ضعفها‪ ،‬ورهافة حسها‪ ،‬قالت معللة ذات مرة‪ :‬هل يقدر الواحد علي ذبح‬
‫‪ .‬أبنائه‪ ،‬وحي تري الستغراب ف العيون والوجوه التسائلة تضيف‪ :‬حت النب إبراهيم ل يقدر‬
‫زينب الت تعرف عن عمتها ذلك‪ ،‬تأتي إليها حت من قبل خطبتها لسعيد‪ ،‬ل تنظر زينب إل هذا‬
‫علي أنه نوع من العطف علي عمتها‪ ،‬ولكنه واجب عليها تؤديه‪ ،‬وبكثي من الب‪ ،‬خاصة أنا‬
‫متعلقة بعمتها منذ أن كانت صغية‪ ،‬ل تعرف الن ما الذي دفعها لذا التعلق‪ ،‬أهو حنان العمة‬
‫الشديد‪ ،‬أم قوة شخصيتها الت تأسرها حي كان يكي عنها أبوها‪ :‬عثمان‪ ،‬وما تلمسه هي من هذه‬
‫القوة‪ ،‬فرفضها مثل أن تتك البيت بعد رحيل الميع من حولا‪ ،‬أو حت السماح لحد من إخوتا أو‬
‫أولدهم بالعودة إل البيت‪ ،‬الميع يعرف أنا صاحبة البيت‪ ،‬هكذا أوصت الدة‪ ،‬فاطمة الول‪ ،‬ول‬
‫يعتض أحد‪ ،‬وهي تصرفت من هذا النطق كان والدها عثمان‪ ،‬كثيا ما يصفها‪ ،‬زينب‪ ،‬بأنا تشبه‬
‫‪ .‬عمتها‪ ،‬لذا لا جاءت العمة خاطبة لا‪ ،‬ل يكن ف الدنيا أسعد منها‬
‫كانت قد سعت عمتها تردد أكثر من مرة‪ :‬لكل ابن آدم حكاية تيزه‪ ،‬خاصة به‪ ،‬الشخص عدي‬
‫‪ .‬الكاية‪ ،‬كأنه ل ير بذه الدنيا‪ ..‬وجودنا ف الدنيا كي نصنع حكاياتنا‬
‫ف تلك اللحظة‪ ،‬لظة الطبة‪ ،‬اعتقدت زينب أن حكايتها الرئيسية قد بدأ أول فصولا‪ ،‬فالقامة‬
‫‪ .‬داخل البيت الكبي إحدى أمنياتا‪ ،‬لكن القدر ل يهلها حت تتم حكايتها‬
‫تنظر العمة ـ الن ـ إل ابنة أخيها‪ ،‬وزوجة ابنها ـ هكذا تعدها حت الن ـ وهي تعمل بمة‬
‫عالية ف تنظيف البيت‪ ،‬كي يكون جاهزا لستقبال نار الغد‪ ،‬نار العيد‪ ،‬حيث سيكون من بعد‬
‫صلة الفجر حت صلة العيد خلية نل‪ٍ ،‬بي داخل وخارج‪ ،‬وجالس وواقف‪ ،‬ومسلم ومودع‪ ،‬قالت لا‪:‬‬
‫‪ .‬أدخلي الاصل وأخرجي الباريق‬
‫‪.‬وهت لتقوم‪ ،‬لكن زينب أشارت بيدها‪ :‬بال عليك يا عمة ‪ ،‬استيي أنا أعرف كل شيء‬
‫تبتسم العمة وهي تقول ف سرها‪ :‬سيدة البيت‪ ،‬كان يب أن تكون‪ ،‬حي خطبتها‪ ،‬كنت أدرك أنا‬

‫الوحيدة من بنات إخوتي‪ ،‬الرجال‪ ،‬الت تصلح أن تكون سيدة هذا البيت خلفي ‪ ..‬آه ‪ ..‬يا‬
‫‪ .‬لفرحت القصية لا وافق سعيد بعد طول عناد علي الزواج من ابنة خاله‬
‫تتذكر الن كم عاندها‪ ،‬وكم راوغها‪ ،‬وكم تدللت عليه وقست كي يطاوعها ويقبل بالزواج‪ ،‬تزوج‬
‫كل إخوته وأخواته‪ ،‬وظل هو بل زواج‪ ،‬بل غية من إخوته أو من الشباب الذين ف سنه‪ ،‬خاصة‬
‫الولد عيد‪ ،‬صاحبه‪ ،‬كان أولدها يتزوجون ث يرحلون‪ ،‬وهو يقول لا‪ :‬انظري يا سيدة النزل‪،‬‬
‫‪ .‬اللعنة تل بأي أسرة تبدأ ف التكوين‪ ،‬لاذا تريدني أن أرحل بعيدا عن هنا ول أعود‬
‫قالت له‪ :‬أنا كبت‪ ،‬وأريد صوتا يؤنسن‪ ،‬يفف عن وحدتي‪ ،‬يرين ف أيامي القليلة الباقية‪ ،‬ف‬
‫أخر مرة عاد فيها ‪ ،‬قال لا‪ :‬سأبقي معك‪ ،‬لن أرحل ثانية ‪ .‬فقد عرفت علجي‪ ،‬وكان علجه أن‬
‫‪ .‬يقيد نفسه ف السلسل الغليظة بزرائب البيت اللفية‬
‫كان عليها أن تطو خطوة أبعد‪ ،‬لا رأت استقراره بالنزل‪ ،‬وتكرر عملية التقييد‪ ،‬جاءت‬
‫بالبنات إل البيت‪ ،‬بجة أن يساعدنا ف أعمال البيت الرهقة والت ل ييدها هو‪ ،‬كانت زينب‬
‫بينهن تتحرك كأنا ملكة تنظر إل ابن عمتها علي أنه كائن مسحور‪ ،‬يب أن يكون بعيدا عن أعي‬
‫‪ .‬البنات‪ ،‬صويباتا‪،‬هكذا رأت العمة‪ ،‬وكانت تسر لذلك‬
‫جاءت ضربتها التالية مباشرة‪ ،‬وأكثر إصابة لدفها‪ ،‬قالت له مرة ورأسه ف حجرها‪ :‬أريد عيال‬
‫‪ .‬يقولون ل يا جدة‬
‫أرتف رأسه بي يدها‪ ،‬هكذا أحست‪ ،‬فأكملت‪ :‬سئمت يا عمة ‪ .‬سكن رأسه‪ ،‬ول يعلق‪ ،‬بيد أنه ل‬
‫ينم ليلته‪ ،‬عند الفجر أخبها بوافقته علي العروس الت تتارها‪ ،‬وكانت قد اختارت زينب منذ‬
‫وقت بعيد‪ ،‬زينب الت تغسل الن الباريق وتعبئها بالاء‪ ،‬كي يتوضأ منها الرجال ف الصباح‪،‬‬
‫‪ .‬قبل صلة العيد‬

‫دخلت زينب وأغلقت الباب خلفها‪ ،‬ف كل مرة تيء إل هنا‪ ،‬تد نفسها تفعل ذات الفعلة‪ ،‬تبدأ‬
‫عملها ف التنظيف والتتيب والطبخ بسرعة ودقة ف نفس الوقت‪ ،‬لتجد نفسها آخر المر داخل هذه‬
‫الغرفة الت كانت ستزف فيها‪ ،‬غرفة سعيد‪ ،‬والت ظلت علي حالا‪ ،‬خالية من أي شئ سوي حاجيات‬
‫سعيد الت كومتها العمة عقب رحيله‪ :‬ملبسه‪ ،‬صناديق الكتب‪ ،‬صندوق للسطوانات وآخر للبيك أب‬
‫‪ .‬والت ل يستطيع أحد أن يلمسها؛ الطلء الذي غطي ثلث حوائط الغرفة‪ ،‬ما تزال بعض الرائحة‬
‫القدية قائمة داخل الغرفة الت ل يقم أحد بتهويتها منذ رحيل سعيد قبل زفافه بأيام‪،‬‬
‫رؤيتها لعيد الذي صارت تقته منذ تلك اللحظة البعيدة حركت هواجسها القدية‪ ،‬فوجدت نفسها‬
‫‪ .‬ف قلب تلسن حاد معه‬
‫تنهدت تود لو تزيح الثقل الاث علي صدرها‪ ،‬ل تدر مت دخلت أول مرة هنا بعد رحيل سعيد‪،‬‬
‫لكنها تذكر الرة الخية قبل الزفاف الذي لن يتم أبدا‪ ،‬كانت الجرة جيدة الفرش والتنظيم‬
‫حي قادها سعيد إليها‪ ،‬قال لا‪ :‬سأسر لك بأسراري‪ ،‬كانت تعتقد أنه يود الختلء با كما كانت‬

‫تكي صويباتا‪ ،‬ترددت ف البداية‪ ،‬لكن قبضة يده الاسة علي معصمها جعلتها تطيعه وتدخل‪،‬‬
‫دائما كانت تنظر إليه علي أنه رجل متلف‪ ،‬ول‬

‫تعرف علي وجه اليقي ما الذي دفعها لذا‬
‫‪ .‬العتقاد‬

‫حي دخلت قال لا‪ :‬أجلسي ‪ .‬قعدت علي حافة السرير‪ ،‬قلبها يدق‪ ،‬عينها تتابع يديه‪ ،‬ليس خوفا‬
‫منه أن تعصف هاتان اليدان با‪ ،‬ولكن لعدم استقرارها ودوامهما علي الركة‪ ،‬بالضافة إل أنا‬
‫كانت تريد أن تضع عينيها علي شيء‪ ،‬بعيدا عن عينيه الت وصفتهما لصويباتا‪ :‬بأنما بل‬
‫‪ .‬قرار‪ ،‬وأنا غارقة فيهما‬
‫‪ .‬قال‪ :‬ما سوف أقوله‪ ،‬سيظل سرا‪ ،‬ل أحد يعرف به‪ ،‬حت أمي‪ ،‬عمتك‬
‫‪ .‬أرادت أن تسأله‪ :‬لاذا ؟ لكنها طأطأت رأسها موافقة‬
‫قال‪ :‬يا ابنة خال‪ ،‬تنبهت أنه ل ينطق اسها‪ ،‬كانت تود لو سعته يتلفظ به‪ ،‬لكنها واصلت‬
‫الستماع‪ :‬هذه العائلة ملعونة‪ ،‬ل تتك لنا سوي إرثها الثقيل‪ .‬حاولت أن تستفهم عن العائلة‬
‫الت يقصدها‪ ،‬لكنها لظت أنه ٍيوليها ظهره‪ ،‬وينتفض وهو يتحدث‪ :‬من الطأ أن نأتي بأطفال‬
‫‪ .‬سيحل عليهم نفس اللعنة الت نرزح تتها‪ ،‬اللعنة‪ ،‬قدرنا‪ ،‬الشتات‬
‫توقف قليل‪ ،‬كي يلتقط أنفاسه التسارعة‪ ،‬وهي حقيقة ل تعرف عما يتحدث‬
‫ـ حي بدأ أجدادنا بالتجارة ف العبيد‪ ،‬أخذوا الناس من بلدهم البعيدة‪ ،‬وشتتوهم ف البلد‪،‬‬
‫‪ .‬بعيدا عن أهلهم وعشائرهم‪ ،‬وأراضيهم وحكاياتم‪ ،‬وأحبتهم‪ ،‬هذا ما علينا أن نؤديه الن‬
‫ّ باله يستيح ويبعد عنه الل الذي تس بأنه‬
‫وقفت‪ ،‬تقدمت منه‪ ،‬تود لو أخذته ف حضنها‪ ،‬عل‬
‫يعتصره‪ ،‬استدار حي اقتبت‪ ،‬قال‪ :‬ماذا‪ ،‬أل تصدقي ؟ هزت رأسها‪ ،‬تطاها مبتعدا‪ :‬انظري يا‬
‫ابنة الال‪ ،‬أين أعمامك المسة‪ ،‬كل واحد ف ركن بعيد عن الخر‪ ،‬أولدهم أين ؟ أخواتي‪،‬‬
‫إخوتك‪ ،‬كل واحد بفرده ‪ ،‬بعيدا عن الخرين‪ ،‬بعيدا عن مهبط قدميه‪،‬عن أهله‪ ،‬حت خال‪ ،‬أبوك‪،‬‬
‫‪ .‬يقيم ف الطرف الخر من القرية‪ ،‬قرية كاملة‪ ،‬بكل طولا وعرضها تفصل بينه وبي أخته‪ ،‬عمتك‬
‫أرادت أن تقول له‪ :‬كل هذا ل يهمن‪ ،‬ما يهمن هو أنت‪ .‬وهو كمن قرأ أفكارها سعته ييب‪:‬‬
‫أريدك أل تقلقي من صمت الطويل وشرودي وتغيب‪ ،‬ولكن تعلمي من عمتك‪ ،‬الصب حت تقدري علي‬
‫‪ .‬مواجهة هذه القائق حينما تلحقك‬
‫ث فتح الباب وخرج‪ ،‬بقيت زينب ذاهلة لفتة‪ ،‬ث خرجت ويقينها يزداد بأنه متلف‪ ،‬لديه قدرة‬
‫علي إياد كلمات غريبة وترديدها هذا ما أكدته ذات مرة‪ ،‬لكن الشيء الساسي والكثر وضوحا‬
‫‪ .‬هو ازدياد تعلقها به‬
‫مسحت زينب الدموع التسللة من عينيها بطرحتها‪ ،‬وفتحت باب الغرفة‪ ،‬وخرجت لتجد عمتها‬
‫‪ .‬أمامها‪ ،‬فألقت بنفسها ف حضنها‪ ،‬قالت العمة بدوء‪ :‬ما تزالي سيدة هذا البيت‬

‫كانت الشمس تيل ناحية الغيب حي هت زينب بالغادرة‪ ،‬ف نفس الوقت كان عيد داخل يضم تت‬
‫إبطه حزمة من البسيم‪ ،‬أوقفها كلم عيد الوجه للعمة‪ :‬أيرضيك الذي فعلته زينب يا عمة ؟‬
‫نظرت زينب إليه بغضب‪ ،‬لكنها ل ترد‪ ،‬مالت علي عمتها‪ ،‬احتضنتها وقبلتها‪ ،‬ث هست ف أذنا‪:‬‬
‫‪.‬أنه فأل سيئ‬
‫‪ .‬ضحكت العمة‪ ،‬وأطلقت زينب من بي ذراعيها وهي تقول‪:‬‬

‫بلغي السلم إل أبيك‬

‫‪ .‬غادرت زينب دون أن تلتفت قال عيد متشكيا‪ :‬ل تنصفين يا عمة‬
‫‪ .‬قالت ضاحكة‪ :‬ل عليك‬

‫ألقي عيد البسيم للبهيمتي ـ النعجة والروف ـ بعد أن فتح لما باب الزريبة‪ ،‬جرت بعض‬
‫الدواجن ناحية الضرة وبدأت ف التقاط بعض العواد‪ ،‬ورجع هو وجلس بوار السيدة‪ ،‬لحظ الثنان‬
‫تباطؤ النعجة والروف‪ ،‬لكن قبل أن يتحرك واحد منهما ليي ما الذي ينعهما‪ ،‬أطل برأسيهما‬
‫وخرجا علي استحياء شديد‪ ،‬تلفتت النعجة حت رأت سيدتا جالسة فوق الصطبة‪ ،‬عدت نوها و دفست‬
‫‪.‬رأسها ف حجر السيدة الت بوغتت هي وعيد بتصرف النعجة‬
‫مسحت بيدها على رأس النعجة وحاولت أن تدفعها بعيدا عنها‪ ،‬غي أن النعجة ظلت متشبثة‬
‫بوضعها‪ ،‬كانت النعجة تدفع أنفها تتشمم السيدة؛ بينما وقف الروف حائرا بي البسيم اللقى‬
‫على الرض وأفعال أمه فثغا بصوت رفيع‪ ،‬الصوت وحده الذي نبه عيد إل الزن الذي يسيطر‬
‫‪.‬عليه‪ ،‬فعاودته هواجس الظهية لا وجد السيدة مغشيا عليها بوار النخلة‬
‫‪.‬قال‪ :‬مالا ؟ يقصد النعجة‪ ،‬ويرص على جعل صوته مايدا قدر استطاعته‬
‫قالت السيدة‪ ،‬وقد قامت تسحب النعجة من أذنيها ناحية البسيم‪ :‬إنا أم ‪ .‬استفهم عيد بزة‬
‫من رأسه‪ ،‬قالت‪ :‬تعرف أن العيد غدا‪ ،‬وستفقد وليدها ‪ .‬استنكر عيد ولكنه ل يقو على‬
‫الادلة‪ ،‬فأكملت السيدة‪ :‬ل تأتي بوليد آخر‪ ،‬ف كل عام تسلمن خروفا عفيا‪ ،‬حال عليه الول‪،‬‬
‫‪.‬يصلح للضحية‪ ،‬لكن هذا العام ل تمل‬
‫ههم عيد بكلمات مبهمة وبصوت خفيض‪ ،‬خوفا من أن يدركه سع السيدة‪ ،‬لكن يبدو أن أذن السيدة‬
‫التقطت المهمة‪ ،‬فقالت وهي تاول أن تضع رأس النعجة وسط أعواد البسيم لتتشممها‪ :‬قد صارت‬
‫‪.‬عجوزا‪ ،‬وفرغ رحها‬
‫نفضت النعجة رأسها من يد العمة وأعواد البسيم الت توطها‪ ،‬وجرت نو الروف الواقف مستكينا‬
‫على غي عادته‪ ،‬ففي مثل هذه اللحظات حي يفتح له باب الزريبة كان يري متقافزا ببي دواجن‬
‫السيدة‪ ،‬يسابق أمه النعجة ف حوش البيت الكبي‪ ،‬حول النخلة‪ ،‬يلتقط بعضا من الشائش ث يغي‬
‫عليها – أمه – ناطحا‪ ،‬واثبا فوقها‪ ،‬وهي تدفعه بود يثيه كي يعاود ماولته أما الن كما‬
‫‪.‬أشارت السيدة من قبل‪ :‬ف الواء ما يبها بشحذ السكي الغادرة‬

‫ل يطق عيد اللوس‪ ،‬كان النقباض داخله يتزايد‪ ،‬فسار خارجا‪ ،‬والسيدة تناولت عكازها وخطت‬
‫خلفه‪ ،‬بينما قرفصت النعجة ووليدها بوار البسيم الذي تعبث به الدواجن‪ ،‬دون أن يقرباه أو‬
‫‪.‬يتحركا ليمنعا الدواجن من بعثرته فوق التاب‬

‫ظل الغروب كسا الساحة المامية للبيت‪ ،‬وتراقصت أشعة الشمس هناك ف البعيد تودع النهار‬
‫الخذ ف النصرام‪ ،‬ألقت العمة نظرة طويلة لوائط البيت الطلية بالي حي زكمتها الرائحة‬
‫الريفة للجي‪ ،‬توقفت عينها عند الرسة الباهتة لا وهي جالسة فوق سجادة الصلة‪ ،‬أشارت‬
‫إليها‪ ،‬قال عيد‪ :‬منعت العمال من موها‪ .‬رمت العكاز وجلست على الرض بساعدة يديها‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫‪.‬باب النجار ملع‬
‫ضحك عيد‪ ،‬وفهم تلميحها للعمال الذين يقومون بطلء واجهة بيته‪ ،‬قال‪ :‬منذ زمن وأنا أفكر‬
‫ف هذا‪ ،‬واليام تسرقن‪ ،‬اليوم عند الفجر قررت‪ ،‬ذهبت وأتيت بالي ونبهت على العمال؛ بالطبع‬
‫ل يشر إل باقي الشاوير الت قطعها ف الصباح‪ ،‬خوفه من أن تقاطعه‪ ،‬أو ترم دخلته عليها‬
‫البيت‪ ،‬كان قد قطع على نفسه عهدا براعاتا‪ ،‬وهو ملزم بالوفاء به‪ ،‬إكراما لصديقه وللعشرة‬
‫والود الذي يكنه لا‪ ،‬يدرك قوة تملها‪ ،‬وهذا ما يعجبه فيها‪ ،‬وإن كان يظن أن قسوتا هذه‪،‬‬
‫تطال روحها هي‪ ،‬تعمل على إضعافها‪ ،‬تدميها‪ ،‬دون أن تدرك ذلك‪ ،‬يرجع هذا إل تربيتها بي‬
‫ستة من الرجال – إخوتا – جعلها تتشبه بم وبقوتم‪ ،‬ف أحوال أخرى‪ ،‬يعتقد أن مثل هذه‬
‫النشأة ترج فتاة مدللة‪ ،‬ل تقدر على مواجهة أتفه المور‪ ،‬يتساءل‪ :‬من أين تأتيها هذه‬
‫القوة ؟‬
‫حي جاء يسأل عن سعيد‪ ،‬كان الوقت بعد العشاء‪ ،‬ل يكن قد صادفه طوال النهار‪ ،‬كانت‬
‫وحدها ‪ ،‬جالسة عند النخلة تتسي قهوتا بدوء وتتمتع‪ ،‬قالت له‪ :‬ف الزرائب‪ .‬ولا ل يفهم ‪،‬‬
‫حكت له ما حدث ف الظهية بياد من يقص حكاية بعيدة عنه‪ ،‬انزعج هو وركبه الكرب‪ ،‬قام واقفا‬
‫نظر تاه الزرائب القابعة ف ظلمها‪ ،‬أراد التحرك نوها‪ ،‬غي أنا ردته بعنف وحزم‪ :‬دعه‪ .‬كان‬
‫صوتا آمرا بيث يعل من يسمعه‪ ،‬يظن أن الذي بالزرائب‪ ،‬ليس سعيدا ‪ ،‬ابنها ‪ ،‬طفلها البكري‪،‬‬
‫إنا واحد من العبيد البقي والواجب تأديبه وتذيبه‪ ،‬ل يقدر على تمل الوضع‪ ،‬فجرى خارجا‪،‬‬
‫وحي عاد ف الصباح‪ ،‬وجدها مكانا‪ ،‬كأنا ترس الكان لئل يتسلل أحد إل زرائبها الليفة ‪ ،‬وهو‬
‫الذي ل يستطع النوم مكروبا ما يل بصديقه‪ ،‬استشاط غاضبا‪ ،‬قال‪ :‬ألست أمه؟ وهي بدوئها‬
‫القوي‪ ،‬والبغيض‪ ،‬أشارت إل الباب‪ ،‬وقالت له‪ :‬أخرج وأغلق الباب‪ .‬أين تكمن هذه القسوة ؟‬
‫تساءل هل نولد با‪ ،‬أم إن الياة تعلمنا إياها ؟ ل يستطيع التحديد‪ ،‬غي أن عشرته الطويلة‬
‫لا‪ ،‬جعلته يتعلم أل يعارضها بعنف‪ ،‬ياول ترضيتها بقدر المكان‪ ،‬لكنه يري تصاريفه بعيدا‬
‫عن يدها وعينيها خاصة تلك المور التعلقة با‪ ،‬كذهابه اليوم – بعد الفجر – للتحدث مع بعض‬

‫‪ .‬أبنائها وبناتا‬

‫‪ .‬السلم عليكم ‪‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍-‬‬
‫كان الاج أحد ومعه مموعة من العيال يتقافزون حوله‪ ،‬قال‪ :‬هيا لننظفها‪ ،‬وانطلق العيال‬
‫يسبقهم زياطهم وزعيقهم العال‪ .‬سلم على عيد العائد من تأملته مصدوما بعض الشيء‪ ،‬وراح‬
‫‪.‬وجلس جوار العمة‬
‫‪ .‬كيفك يا عمة ‪-‬‬
‫المد ل ‪ .‬قالت‪ :‬وانتظرت إل أن يستقر ف جلسته‪ ،‬قبل أن تقول‪ :‬أريدك ف موضوع‪ .‬قال‬

‫‪-‬‬

‫‪ .‬مبتسما‪ :‬خي أن شاء الله ‪ .‬وقال عيد‪ :‬أنا ذاهب لتابع العمال‬

‫تتد الساحة بطول البيت‪ ،‬مساحة شاسعة‪ ،‬تثل السهل البسط تت البل‪ ،‬حي جاء الد وبن البيت‬
‫وجعل ظهره مميا بالبل‪ ،‬ترك مساحة كبية أمامه كي يقيم فيها احتفالته الاصة‪ ،‬وأيضا كي‬
‫يربط ضيوفه وزواره التجار ورجال الشرطة والسلطة وبعض كبارات البلد ركائبهم من‪ :‬خيول‬
‫وإبل وبغال وحي‪ ،‬حيث مد حبل طويل‪ ،‬ثبته بالرض‪ ،‬ومنه مد حبال صغية متباعدة كي تقيد‬
‫‪.‬البهائم با‬
‫هذه الساحة الت أهلت ف أزمنة تالية‪ ،‬حيث كانت مفروشة بالرمل الشن وترش بالاء قبل بدء‬
‫الحتفالت‪ ،‬تولت إل مكان تؤدى فيه صلة العيدين‪ ،‬جعلها مكانا مثاليا لداء الصلة ف اللء‬
‫‪ .‬وأيضا لتساعها الذي يساعد على ضم العداد الغفية للمقبلي على الصلة‬
‫على مسافة كافية بن بالطوب اللب منب مكون من ثلث درجات كي يقف المام عليه ليلقي خطبة‬
‫العيد بعد أداء الصلة‪ ،‬وهذا ما حدا بأهل البيت‪ ،‬بعد تول ساحتهم إل ساحة لصلة العيد إل‬
‫ملء مموعة من الباريق بالاء‪ ،‬ليستطيع التأخرون الوضوء قبل الدخول ف الصلة‪ ،‬حيث يتجمع‬
‫الناس بالسجد الامع‪ ،‬و يبدأون ف التكبي والتهليل‪ ،‬حت قرب وقت صلة العيد‪ ،‬فيخرجون‬
‫قاصدين الساحة‪ ،‬وتكبيهم وتليلهم يتعال بازدياد النضمي‬

‫إليهم ‪ ،‬أما الذين يأتون مهرولي‬

‫‪ ،‬يدخلون البيت ‪ ،‬ويردون السلم بلهوجة وهم يتطفون واحدا من الباريق الكثية العدة‪،‬‬
‫‪ .‬والسيدة بثيابا النظيفة والعطرة‪ ،‬تبتسم‪ ،‬وترد تياتم ببشاشة عالية‬
‫ً لا‪،‬‬
‫باستثناء يومي العيد‪ ،‬تظل الساحة خالية‪ ،‬اللهم إل إذا عد لعب مموعة من العيال شغل‬
‫غالبا ما يأتي العيال ف الوقات الت تسبق الغروب‪ ،‬وأحيانا بعد صلة العشاء حي تكون‬
‫الليال قمرية‪ ،‬كانت العمة ترج‪ ،‬تلس على عتبتها‪ ،‬ترقب ألعابم وأحوالم التبدلة والت ل‬

‫‪ .‬تقر على قرار‪ ،‬وغالبا ما تعلق بكلمة واحدة‪ :‬زمن‬

‫الطفال يلتقطون الجارة والزلط من أرض الساحة ويلقونا خارجا‪ ،‬والسيدة بوار الاج أحد‪،‬‬
‫جالسي مستندين إل الائط‪ ،‬قالت‪ :‬أتس اليوانات بدنو الجل؟ تلقائيا رد الاج أحد دون أن‬
‫يمل عينه بعيدا عن العيال‪ :‬أجل من؟‬
‫‪ .‬أجلها ‪-‬‬
‫ً‪ ،‬ث أجاب‪ :‬ف أحيان كثية يستطيع بعضها أن يرى اللئكة ‪ ..‬لكن‬
‫‪ .‬تهل قليل‬
‫قالت بنفاذ صب‪ :‬أسألك عن الوت‪ ،‬ل عن اللئكة؟‬
‫‪ .‬تعجب من أسئلتها‪ ،‬وإصرارها‪ :‬ل أحد‬
‫صمت‪ ،‬وصمتت‪ ،‬ولا أحس بصمتها يطول‪ ،‬قام وأخذ الطفال كي ينظفوا الساحة جيدا‪ ،‬يرج من جيبه‬
‫‪ .‬قطعا من اللوى يعطيها لم‪ ،‬والعيال تلل ويزداد حاسهم للعمل‬
‫ظلت ف مكانا ترقبهم حت غربت الشمس وانطلق ف الو صوت آذان الغرب‪ ،‬جاء الاج أحد ووقف‬
‫‪ .‬جوارها؛ قال‪ :‬الجاج ف طريقهم للمزدلفة‬
‫‪ .‬أجابت بابتهال حقيقي‪ :‬ربنا يوعدنا‬
‫أخذ العيال ف النصراف جريا نو بيوتم‪ ،‬وهو ظل واقفا يريد قول شيء يفف الدة الت تركها‬
‫كلمه‪ ،‬غي أنا ل تكن تنظر نوه‪ ،‬فانسحب دون أن تشعر به‪ ،‬كان نظرها مثبتا على الساحة الت‬
‫نظفت تاما‪ ،‬ل تدري لاذا أحست وعلى نو غامض بأن الساحة أصبحت جاهزة تاما لبدء سباقات‬
‫‪.‬اليل‪ ،‬وهاجها الصوت القدي الصب‪ :‬اسرج الهرة الن‬

‫فصل ف ذكر السباق*‬
‫حي تعد الرات الت فرحت فيها‪ ،‬وصارت روحها مبتهجة‪ ،‬تتقافز حولا‪ ،‬تدها قليلة‪ ،‬للحظات‬
‫تفكر بذاكرتا الشوشة‪ ،‬وتتهمها بأنا السبب‪ ،‬تلعبها لتخفي عنها سعادتا الت عاشتها طوال‬
‫عمرها الديد‪ ،‬تتشبث بالفكرة للحظات‪ ،‬لكنها سرعان ما تؤوب وقد مسها طيف حزن شفيف‪ ،‬تقول‪:‬‬
‫‪ .‬الزن هو الدائم والسعادة نقط صغية‪ ،‬مضيئة‪ ،‬كفيلة بد أرواحنا بالقوة كي نواصل الياة‬
‫الن تقدر أن تعدد مسراتا بدوء وروية‪ ،‬بعيدا عن النفعالت الوقتية‪ ،‬ودائما ما ترها‬
‫ذاكرتا إل لظة ركوبا الهرة وسط عزوتا‪ ،‬إخوتا الرجال‪ ،‬تفزها للنتصار القادم‪ ،‬انطلق‬
‫الهرة ف الرماح‪ ،‬وصولا لط النهاية‪ ،‬تليل التفرجي‪ ،‬ليها للجام الهرة كي تستدير لتتلقي‬

‫‪ .‬التاف‪ ،‬وسط عرقهما – الهرة وهي – الذي يضوي تت سطوة الشمس النوبية التوهجة‬
‫كانت صبية قد استوت حي تسابقت لخر مرة‪ ،‬خراط البنات قد أنى لساته أو يكاد خلل زياراته‬
‫السائية لا‪ ،‬وبان تعلق العيون با‪ ،‬وهي تنبهت إل هسيس جسدها‪ ،‬ونضجه كامرأة تطو خطواتا‬
‫‪.‬الول ف درب النوثة‬
‫كانت سعادتا قد بدأت خوفا وتوترا وترقبا حادا لا بدأت تلحظ التغيات البسيطة التلحقة‬
‫الت تطول جسدها‪ ،‬كانت الدة قد خبتا عن خراط البنات ولساته السحرية‪ ،‬لكن لا استيقظت على‬
‫بقع الدم ف سروالا – لول مرة – جرت إل أمها الت ضمتها بنانا الصامت و مسدت ظهرها‪،‬‬
‫وخبتا كيف تتعامل معه‪ ،‬حت الن ل تدرك لاذا‬

‫ف هذه اللحظة لأت إل أمها‪ ،‬بينما تنام مع‬

‫جدتا ف نفس الغرفة‪ ،‬بل وف أحيان كثية بي أحضانا‪ ،‬والكثر من هذا تستشيها ف كل أمر مهما‬
‫صغر أو كب‪ ،‬كانت دائما ترى أمها صامتة‪ ،‬تؤدي أعمال بيتها بصمت كبي‪ ،‬ترقب فقط بعينها كل‬
‫شيء‪ ،‬ول تعلق‪ ،‬نادرا ما كانت تراها تثور‪ ،‬فقط تلب‪ ،‬تظل طوال اليوم ف حركة دءوبة دون‬
‫إظهار للتعب أو حت التشكي‪ ،‬ف البيت سبعة رجال وثلث سيدات تعرف جيدا أن عبء الدمة يقع‬
‫على كاهلها‪ ،‬ل أحد سواها‪ ،‬حت ابنتها الصغية – فاطمة – ل تكن لتعتمد عليها‪ ،‬كانت تسوقها‬
‫بلطف بعيدا عن أعمالا‪ ،‬لكن لا جاءت فاطمة وأخبتا ببقع الدم‪ ،‬أخذت يدها ووضعتها ف أعمال‬
‫البيت‪ ،‬كانت تدربا‪ ،‬إخوتا الرجال ل يعلقوا‪ ،‬وكذلك الدة وإن علقت على شيء آخر هو كثرة‬
‫إختفاءات البنت – فاطمة – واختلئها بنفسها وشرود ذهنها‪ ،‬حاولت أن توضح لدتا لكن لسانا‬
‫ل يطاوعها‪ ،‬والدة الت يبدو أنا أدركت ما يعتمل داخل الفتاة‪ ،‬ضمتها بنو بالغ وبتفهم كبي‬
‫ول تطالبها بتفسي لتأخرها الدائم داخل الكنيف أو إحكام إغلق باب الغرفة عليها إن كانت‬
‫‪ .‬لوحدها‬
‫كانت فاطمة قد لظت خلل السباقات الخية تناقص الراغبي ف التسابق معها‪ ،‬كانت تعلم بالشرط‬
‫الذي وضعه أخوها‪ ،‬بأن من يرغب ف الزواج منها عليه أن يتقدم عليها ف السباق‪ ،‬ف البداية‬
‫ل تعر المر أي اهتمام‪ ،‬كان ما يهمها فقط هو أن تركب الهرة وتري‪ ،‬وتسابق‪ ،‬تفوز‪ ،‬تتلقى‬
‫هتافات النصر‪ ،‬لكن لا بدأ جسدها ف الستدارة وجذب العيون‪ ،‬تناقص عدد الذين يتسابقون‬
‫ضدها ف الضمار‪ ،‬كانت تعرف أن الاسر ل يق له أن يطلب يدها أو حت ينازلا مرة أخرى‪ ،‬كانت‬
‫إذن فرصها آخذة ف التناقص‪ ،‬نعم فرصها هي؛ فرصها ف التسابق وفرصها ف الزواج‪ ،‬فهي بأي‬
‫حال من الحوال لن تقدر على كسر كلم الرجال إخوتا‪ ،‬لن تقدر على الزواج بدون خسارة ف‬
‫السباق‪ ،‬السباق الذي ما إن تدخله حت تنسى كونا امرأة‪ ،‬فقط‪ ،‬تعرف كيف توجه الهرة‪ ،‬مت‬
‫تدكها بالركاب ومت تسوطها ومت ترخي اللجام‪ ،‬ث تدكها الدكة الخية لتحصد النتصار التوقع‪،‬‬
‫حت الهرة – ذاتا – باتت عارفة بطباع سيدتا وكيفية قيادتا‪ ،‬جسدها الشدود التوتر‪ ،‬ينتظر‬
‫‪ .‬فقط الشارة‪ ،‬اللمسة الخية لجتياز السباق‬
‫حي حاولت أن تلمح لدتا بوقفها‪ ،‬قالت الدة‪ :‬الفارس يعرف مت ينزل عن حصانه ول تزد‪ ،‬أرادت‬
‫أن تقول لا‪ :‬إن تركي للمهرة يعن أني قد أتزوج من رجل ل يسابقن‪ ،‬فيسقط كلم إخوتي ف‬
‫الرض‪ ،‬ويصي حكاية تضاف إل حكاياتنا الزينة ‪ .‬لكن الدة ل تسمع لا؛ قالت لا أمها‪ :‬الرجال‬

‫ل يبون النساء التفوقات عليهم‪ .‬كانت قد حكت نتفا من هواجسها لمها وهي تساعدها ف أعمال‬
‫البيز استعدادا ليام عيد الضحى القبلة‪ ،‬ث صمتت كعادتا‪ ،‬حاولت هي أن تستفهم منها‪ ،‬لكن‬
‫‪ .‬الم أكملت‪ :‬على الرأة أن تعرف جيدا مت ترخي اللجام ومت تشده‬
‫كانت اليام الثلثة التالية للعيد هي أيام سباق الرماح‪ ،‬حيث تبدأ اليول بفرسانا بالتجمع‬
‫عصر يوم العيد بالقرية‪ ،‬وتأخذ ف التقاطر إل‬

‫ساحة السباق الاورة لضرحة بعض الولياء‬

‫الليي‪ ،‬تأتي اليول من القرية والقرى الاورة ومن بعض البلد البعيدة‪ ،‬فالسباق له أهيته ف‬
‫تديد أسعار اليول التسابقة ورفع اسم العائلت الالكة لا بي القرى‪ ،‬وأيضا مناسبة جيدة‬
‫لستعادة – ولو جزء قليل – من الماد القدية‪ ،‬والت تتلئ با السي الشعبية والتاريية الت‬
‫يقصها الشعراء والكاءون على جانب مضمار السباق‪ ،‬ما بي ربابة أو دف أو جلسة سر فوق واحد‬
‫‪ .‬من الكثبان الرملية‬
‫تبدأ السباقات ف الضحى وتنتهي عند الظهية لتعاود نشاطها بعد العصر حت غروب الشمس ليكون‬
‫الساء خاليا للعزائم واستعراض الكرم والكايات‪ ،‬ثلثة أيام تعل القرية ف حركة دائمة كأنا‬
‫‪ .‬تكفر عن سكونا الدائم الذي يعقب هذه الواسم‬
‫منذ فجر ثاني أيام العيد‪ ،‬أسرجت مهرتا وارتدت ملبسها الت حرصت عند حياكتها أن تظهرها‬
‫كأنثى‪ ،‬كانت منذ فتة قد أبدت اهتماما كبيا بلبسها‪ ،‬حي دخلت إل أرض السباق بي إخوتا‬
‫الرجال أدركت علي نو غامض أنه ربا يكون آخر سباق تركب فيه‪ ،‬ربا لنظرة الشباب والرجال‬
‫نوها‪ ،‬أحست أنا نظرة ليست كسابقتها‪ ،‬النظر إل فارس‪ ،‬أو إل طفلة مدللة بي إخوتا‪ ،‬لكن‬
‫نظرة رجل إل امرأة‪ ،‬امرأة يشتهيها ويرهبها ف نفس الوقت‪ ،‬يرغبها وياف منها‪ ،‬ربا توترها‬
‫الزائد هو ما جعلها ترتف فوق سرجها‪ ،‬أو لعل هواجسها الت أوحت إليها بذا حي ترأ بعض‬
‫الشباب بتديد كلمات وقحة بعيدا عن مسامع آذان إخوتا الذين انمكوا ف طقوس السباق‪ ،‬البعض‬
‫منهم فوق خيله والخر يقوم ببعض العمال التجارية‪ ،‬والبعض الخر يارس دور الزعامة‪ ،‬أما‬
‫أخوها عثمان – والد زينب – فهو هناك ف دائرة التحطيب‪ ،‬يصول ويول ول يقدر أحد على‬
‫‪ .‬ماراته‬
‫يومان مرا وانقضى ضحى اليوم الثالث‪ ،‬وها هي العصرية الخية ول يتقدم واحد من الفوارس‬
‫ويطلبها لتسابقه؛ ف اليوم الول كانت مبتهجة لذلك‪ ،‬خاصة بعد فوزها السهل لذلك التعاجب‬
‫بنفسه‪ ،‬حت أنا ل تعده من الفرسان‪ ،‬كان ينظر لا كعروس يكن اصطيادها‪ ،‬و ليس كفارسة تستحق‬
‫النزال‪ ،‬لذا أسقطته من حساباتا؛‬

‫تقول ف نفسها‪ :‬يافون‪ ،‬يعرفون خطورتي ‪ .‬لكن مع انتهاء‬

‫ً‪ ،‬ولتعلن أيضا عن تواجدها‪،‬‬
‫اليوم الثاني دب القلق والوف ف روحها‪ ،‬ولتهدأ روحها قليل‬
‫أرخت اللجام للمهرة فجرت قاطعة أرض السباق وحدها ‪ ،‬كأنا تستعرض‪ ،‬تقول‪ :‬أيها البناء !!‬
‫كانت تتوقع حي عودتا إل نقطة البداية أن يسارع واحد منهم ويتحداها‪ ،‬مستغل الناك الذي‬
‫قد أصاب الهرة نتيجة للركض والستعراض‪ ،‬كانت تعرف هذا‪ ،‬و تازف به‪ ،‬روحها حنقة‪ ،‬تس با‬
‫ضيقة‪ ،‬كأنا طوقها وخصرها يريدان أن ينشقا لينفجر السد الضغوط داخلهما‪ ،‬ليتنفس‪ ،‬لكن‬
‫لصدمتها ل يتقدم أحد‪ ،‬حت الكلمات الذرة الت كانت تنطلق خلسة من بعض الفواه‪ ،‬تلت عن‬

‫‪ .‬حذرها وزادت جرأتا ووقاحتها‬
‫كان الضغط الذي تتعرض له أكب من قدرتا على التحمل‪ ،‬كانت تقول‪ :‬كنت ماصرة بالكراهية‪،‬‬
‫كنت أتنفسها‪ ،‬أتقلب بي نارها‪ ،‬كان علي الصمود‪ ،‬لكن إل مت ؟! رأت بعض اليول تأخذ طريقها‬
‫للنصراف‪ ،‬ف هذه اللحظة قررت التسحب والروج‪ ،‬كان القهر أشد منها‪ ،‬تبحث عن بقعة بعيدة‪،‬‬
‫تكون فيها وحيدة‪ ،‬تريد البكاء‪ ،‬تعرف أن البكاء قدرة العاجز‪ ،‬ل تكن تدرك جيدا – ف هذا‬
‫الوقت – سبب الكراهية الت تواجهها‪ ،‬تتساءل‪ :‬هل لا يد ف ذلك؟ كانت عينها غائمة متلئة‬
‫بالدموع‪ ،‬لكن وضوح صورة أمها ف ذهنها‪ ،‬جعل الدموع تتاجع‪ ،‬تدرك – الن – أن قوتا‪ ،‬قدرتا‬
‫‪ .‬على التحمل تعود إل أمها‪ ،‬وإل صمتها الكظيم‬
‫حي لوت عنان مهرتا للنصراف‪ ،‬أتاها صوت‪ :‬إل أين يا ابنة العم؟ التفتت‪ ،‬كان مصطفي ابن‬
‫‪.‬عمها ‪ ،‬فوق حصانه يقطع عليها الطريق‪ ،‬قالت دون أن تنظر ف وجهه‪ :‬راجعة إل البيت‬
‫تتكي السباق دون نزال؟‬

‫‪-‬‬

‫تنبهت جيدا لوقع كلماته‪ ،‬أهو شامت أيضا‪ ،‬هكذا ذهب فكرها‪ ،‬شحنة الغضب الت بداخلها راكمت‬
‫كلمات قاسية داخلها‪ ،‬تدافعت إل حلقها لكنها ل ترج‪ ،‬أحست بشرجة تسك با‪ ،‬وأتاها صوته مرة‬
‫‪ .‬أخرى‪ :‬إل أرض السباق‪ ،‬سأنازلك أنا‬
‫ماذا؟‬

‫‪-‬‬

‫ردت مندهشة ومستنكرة‪ ،‬نعم هو ابن عمها ‪ ،‬مدله با تعرف‪ ،‬وتعرف أنه فارس‪ ،‬لكنه أبدا ل‬
‫يطر ببالا أن تسابقه‪ ،‬حت أيام تدريبها بي إخوتا وهي صغية‪ ،‬ل يسابقها أبدا‪ ،‬ما الذي‬
‫‪ .‬دفعه الن؟ الشفقة !! ربا رأى الدموع التحجرة ف عينيها وهي لهية‬
‫مصطفي‪ ،‬كانت تعده واحدا من إخوتا‪ ،‬ل تفكر فيه كرجل غريب عنها إل حي بدأ اهتمامها‬
‫يتزايد بسدها‪ ،‬ف أوقات كثية كانت تس بعينيه وحركته تتجول قريبا منها‪ ،‬تتفقد دائما‬
‫أماكن تواجدها‪ ،‬كان ذلك يثيها‪ ،‬يعلها تتعمد الختفاء ف حال تواجده داخل البيت‪ ،‬لكن ها‬
‫هو الن يرى انكسارها الذليل فيسارع بد يده‪ ،‬تلؤه الشفقة‪ ،‬أرادت أن تقول‪ :‬ل‪ .‬غي أنه –‬
‫‪ .‬مصطفي – ساق الهرة إل أرض السباق‬
‫الشمس مالت نو الغيب‪ ،‬وساحة السباق وقفت على قدم لا رأتما يستعدان لبدء التسابق‪ ،‬كانت‬
‫تقول‪ :‬يريد أن يطيب خاطري ‪ .‬لكن هاجسا آخر هاجها‪ ،‬أيقدر على التفوق عليها؟ تعرف قدرته‪،‬‬
‫‪ .‬رأت كثيا كيف يسوق حصانه ليكسب السباق الذي ينزله‬
‫على الانبي تراص خلق كثي‪ ،‬وامتدت الساحة الرملية واسعة وفسيحة ومهيأة لتى السباق الخي‬
‫لفاطمة؛ كان عقلها يعمل بسرعة وعينها تتلس النظر إل وجهه الذي يبدو ثابتا‪ ،‬ل تظهر عليه‬
‫‪ .‬أية انفعالت بينما وجيب‬

‫قلبها يتصاعد كما لو كانت تدخل السباق لول مرة‬
‫‪ .‬ستتسابق على الشرط‪ .‬قال ‪-‬‬
‫‪ .‬أي شرط ‪ .‬تساءلت ‪-‬‬
‫‪ .‬شرط عثمان ‪-‬‬

‫شرط الزواج‪ ،‬تذكرت‪ ،‬هكذا المر‪ ،‬ردها ذلك إل قلب السباق وأبعد عنها تيلها لروح‬

‫‪ .‬الشفقة الت تسيطر على مصطفي وفعله‪ ،‬تبسمت‪ ،‬وغمرها هناء داخلي عميق‬
‫‪ .‬أعطيت إشارة البدء‬
‫انطلقت اليل تسابق قدرا قد خط من قبل‪ ،‬وانطلق التهليل‪ ،‬ل تكن تسمعه‪ ،‬حواسها كلها مركزة‬
‫بالسباق‪ ،‬حي دكت مهرتا عند البداية أدركت عنف السباق‪ ،‬فمصطفي ليس بالفارس السهل‪ ،‬كان‬
‫ياورها ويبط خططها ف التضييق عليه‪ ،‬كانت تراه مبتسما وهو يقوم بذلك‪ ،‬فأغاظها‪ ،‬فدكت‬
‫‪.‬بركابا جانب الهرة الت انطلقت كسهم ملفة مصطفي وراءها بقدار ذراع‬
‫كانت ناية السباق تقتب‪ ،‬والسافة بينهما كما هي‪ ،‬ورن بعقلها صوت مصطفي‪ :‬أسابقك على‬
‫الشرط ‪ .‬التفتت نوه‪ ،‬وجدته مبتسما كأنا واثق من الفوز‪ ،‬تعرف أن المتار القليلة الباقية‬
‫هي الت تدد الفائز‪ ،‬هنا تظهر قدرة الفارس وبراعته ف خداع الصم والتحكم باليوان الذي‬
‫يعتليه‪ ،‬رأته يتقدم حت ياذيها‪ ،‬ولفحتها رائحة عرقه‪ ،‬فتذكرت الشرط القدي ورأت يدها تشد‬
‫اللجام‪ ،‬تكبح الهرة‪ ،‬ت هذا ف لظة دون إدراك كامل منها‪ ،‬غي أنا كافية لعل مصطفي يتقدم‬
‫ً صغيا يلوح بيده غاضبا‪ ،‬فقد رأى ما‬
‫عليها بذراع يكسب با السباق‪ ،‬وبطرف عينها ترى طفل‬
‫ً‪ ،‬مدوعا‪ ،‬اكتشف‬
‫فعلت‪ ،‬شاهدته يمل حجرا من الرض‪ ،‬حجرا صغيا ويقذفه نوها‪ ،‬كان يبدو مذول‬
‫‪ .‬الغش الذي تعرض له‬
‫الن لا تستعيد الحداث‪ ،‬تدقق ف ملمح الطفل‪ ،‬فتبهتها العرفة‪ ،‬أنه عوض ال‪ ،‬عوض ال اللب‬
‫ً‪ ،‬ل نقدر أبدا‬
‫ً وقتها‪ ،‬تقول‪ :‬حت الن ل يقدر على مسامت‪ ،‬ورثنا كرها متبادل‬
‫الذي كان طفل‬
‫على التسامح‪ ،‬و التسامح ل ييء إل بعد النسيان‪ ،‬هو ل ينس خديعت له‪ ،‬خديعت الت قادتا‬
‫‪ .‬الرأة بداخلي‪ ،‬وأنا ل أنس أبدا أنه من غرر بصغيي وطفلي الول‪ :‬سعيد‪ ،‬ياه‪ ،‬زمن‬

‫الراديو يواصل بثه على الواء ينقل حركة الجيج وصلتم للمغرب والعشاء ف الزدلفة‪ ،‬وهي‬
‫فوق مصليتها تتابع بأذنيها ودموع تتقرق بعينها توشك على النزلق‪ ،‬وتلعن ف سرها الحداث‬
‫والظروف الت حالت دون ذهابا لداء الج‪ ،‬كم مرة‪ ،‬ل تود التذكر‪ ،‬لكن الشوق يعتصر فؤادها‬
‫ويعل روحها ضيقة‪.‬‬

‫كانت عقب عودتا من الارج قد أدخلت نعجتها والروف إل الزريبة‬

‫ً‪ ،‬كذلك وضعت العشاء لدواجنها ولنفسها‪ ،‬ث هشتها برفق إل مواضعها‪،‬‬
‫بعد أن تسحت با طويل‬
‫دواجنها ل تانع‪ ،‬فمع طول العشرة أدركت – غريزيا – طباع وتقلبات سيدتا‪ ،‬فعرفت الوقات‬
‫الت تعاندها فيها أو تعابثها أو تطيعها‪ ،‬من أول النهار‪ ،‬وحركة السيدة توحي لا بضيق‬
‫‪ .‬النفس وضيق الروح‪ ،‬فآثرت السكينة وذهبت إل مواضعها دون رفرفة أو مشاكسة‬
‫سخنت ماء واستحمت به‪ ،‬قالت‪ :‬لا كنت صغية‪ ،‬كنت أصحو قبل الفجر‪ ،‬استحم وأرتدي ملبسي‬
‫… الديدة للعيد‪ ،‬الن‪ ،‬ربا لن‬
‫جاءها " عيد "‪ ،‬شرب معها القهوة ‪ ،‬ث هشته برفق ليعود إل " عزيزة " – زوجته – فهذه ليلة‬
‫عيد‪ ،‬وليس عليها أن تفسدها عليها بطول حديثها مع " عيد "‪ ،‬قالت وهي توصله عند الباب ‪:‬‬

‫غدا لن أذبح الروف‪.‬‬

‫توقف مستفهما أضافت‪ :‬روحي لن تقدر على تمل ألها ‪ .‬فهم أنا تقصد‬

‫النعجة‪ ،‬ل يشأ أن يقاطعها‪ ،‬فانصرف‪ ،‬وهي أغلقت الباب خلفه وعادت لتجلس فوق مصليتها‬
‫بيدها مسبحة‪ ،‬كان قد أهداها لا سعيد لا قرر البقاء والزواج‪ ،‬كانت تقول عنها‪ :‬أشم فيها‬
‫‪ .‬رائحته‬
‫قامت وخرجت إل الوش الذي ينيه القمر‪ ،‬نظرت نو النخلة‪ ،‬وباقي البيت‪ ،‬خاصة الزرائب‬
‫اللفية الواقعة تت الظلل‪ ،‬رأت كأنا طيفا يتحرك هناك‪ ،‬غي أن كلل بصرها منعها من التيقن‪،‬‬
‫‪ .‬هشت الاطر من بالا‪ ،‬وعادت إل سريرها وتددت عليه‪ ،‬قالت‪ :‬بسم ال الرحن الرحيم ‪ .‬ونامت‬

‫فصل ف ذكر الرجال*‬
‫كانت العمة قد أضمرت ف قلبها‪ ،‬لا كانت ف حلها الول‪ ،‬أن تطلق أساء إخوتا الرجال علي من‬
‫سوف تنجبهم من الذكور‪ ،‬وبالتتيب الذي جاءوا به إل الدنيا‪ ،‬فهي طوال عمرها تعيش قوية‪،‬‬
‫قادرة‪ ،‬تت ظل سطوتم وقدرتم‪ ،‬كما أن واحدا منهم‪ ،‬إخوتا‪ ،‬ل ينهرها‪ ،‬أو حت قال لا أف ف‬
‫‪.‬يوم من اليام‬
‫أطلقت اسم‪ :‬سعيد علي ابنها البكري‪ ،‬وعلي مولودها الثاني‪ :‬علي‪ .‬لكنها عدلت بصراحة‬
‫عن عزمها حي لظت ترابط مصائر أولدها‪ ،‬بصائر أخوالم‪ ،‬إخوتا‪ ،‬فسعيد الذي أظهر ميل واضحا‬
‫تاه التشرد والنفلت من قبضتها‪ ،‬كذلك كان خاله الول‪ ،‬والذي غادر العائلة إل السودان دون‬
‫‪ .‬عودة مرة أخري‬
‫حي انطلقت الرب العالية الول من عقالا‪ ،‬ولأ النليز والسلطة الصرية إل القبض علي‬
‫شباب السر غي القادرة وترحيلهم للحرب وخدمة النليز وإرسالم إل أتون الرب الشتعل؛‬
‫وبوشاية مكمة من العائلت الخرى‪ ،‬جاء رجال السلطة للقبض علي سعيد الكبي‪ ،‬ولا كان‬
‫للعائلة قدر ما يزال من القوة واليبة استطاعت به أن تتفادى هذه الكارثة‪ ،‬ف القابل كان‬
‫علي سعيد أن يغادر القطر الصري كله‪ ،‬ول يكن هناك سوي العمام الذين بقوا بالسودان‪،‬‬
‫أثناء الطور الثاني من العائلة‪ ،‬فسافر إليهم‪ ،‬وكما انقطعت أخبار العمام منذ مدة طويلة‪،‬‬
‫انقطعت أخباره أيضا‪ ،‬لذا لا وضعت السيدة طفلها الول بعد أكثر من مرور خسة عشر عاما علي‬
‫هذه الواقعة‪ ،‬أطلقوا عليه‪ :‬سعيد كي تؤكد لنفسها أول‪ ،‬ث لوالديها وإخوتا وزوجها‪ ،‬بأنم‪،‬‬
‫‪ .‬ل ينسوه‬
‫جاء الولود الثاني للسيدة ذكرا‪ ،‬فأطلقت عليه دون تفكي‪ :‬علي‪ .‬الوقت أوائل‬
‫‪ .‬الربعينات‪ ،‬وشبح اللريا ييم فوق أجواء الصعيد‪ ،‬منذر بكوارث ل يكن تفاديها‬
‫بعد شهور قليلة من ولدتا رحل معا‪ ،‬علي الكبي وعلي الصغي‪ ،‬ف نفس الوقت نذر الرب العالية‬
‫الثانية كانت متعالية‪ ،‬واليد الطويلة والقوية للسلطة استطاعت هذه الرة أن تتد وتقبض‬
‫‪" .‬علي أخيها الثالث" موسى‬

‫ضربتان موجعتان تلقتهما العائلة‪ ،‬بقدر كبي من التجلد والصب‪ ،‬وعزة نفس عالية ف مواجهة‬
‫الشماتة الطاغية للعائلت الخرى داخل القرية‪ ،‬كل ذلك جعل السيدة تعمل بالا وفكرها طوال‬
‫أيام وليال الزن التعاقبة ف مصائر أولدها‪ ،‬حيث أدركت بس غريزي بت التشابه الذي يربط‬
‫مصائر أولدها وإخوتا‪ ،‬بروية و طولة بال قررت التحايل علي هذا الوضع‪ ،‬قالت‪ :‬ماذا ف يدي‬
‫غي اليلة؟‬
‫راجعت خلل لياليها الطويلة الؤرقة الساء الت تطلقها العائلة علي أبنائها‪ ،‬بدأت تسأل عن‬
‫أساء الكبار من العائلة بداية من عبد ال الرحال‪ ،‬الد الول‪ ،‬وحت الن‪ ،‬ل تستغرب كثيا‪ ،‬حي‬
‫وجدت أن أساء بعينها تتدد كثيا داخل العائلة‪ ،‬أساء الذكور والناث وإن كن قليلت‪ ،‬وتبسمت‬
‫‪ .‬لا تذكرت إنا تمل اسم جدتا‪ ،‬فاطمة‬
‫كانت حيلتها ببساطة تتجلى ف اختيار أساء بعيدة عما اعتادت العائلة أن تطلق من أساء علي‬
‫أبنائها ‪ .‬فاختارت للولدين اللذين أنبتهما بعد ذلك‪ :‬نصار‪ ،‬وزين العابدين‪ ،‬والبنتي‪:‬‬
‫‪ .‬حياة ومنتهى‬
‫طوال الوقت كان يداخلها شك بأن حيلتها العاجزة لن تفلح ف مواجهة حبائل القدر النسوجة‬
‫بإحكام شديد‪ ،‬لكنها تتاجع قائلة‪ :‬وهل أقف مكتوفة اليدي ؟ كان زوجها مصطفي قد أبدي‬
‫تعجبا واضحا لا لظ إصرارها علي الساء الديدة الت تتارها لطفالا‪ ،‬كانت قد اتفقت معه ف‬
‫البداية علي ما اعتزمته حيال أساء إخوتا الرجال‪ ،‬حي راجعها‪ ،‬صمتت أصرت علي الساء‬
‫الديدة‪ ،‬دون أن تفسر له‪ ،‬ل يتوقف كثيا أمام المر الذي أرجعه للضربات الوجعة الت تتعرض‬
‫‪ .‬لا العائلة ف الونة الخية‬
‫تثل تارة البوب‪ ،‬خاصة الزراعية الورد الرئيسي لقتصاد العائلة‪ ،‬فبعد أن فقدت تارة المال‬
‫والعطور والبهارات خطوطها وطرقها الرئيسية بي مصر والسودان خلل سنوات الرب العالية‬
‫الثانية‪ ،‬وتبعثر بعض من أفراد العائلة تبعا لذلك ف البلد‪ ،‬كان علي العائلة أن تواجه‬
‫مأزقها و ضائقتها الالية الت ضربتها من جراء سنوات الكساد العام‪ ،‬لذا خفضت تارتا‬
‫وتعاملت ف تارة البوب الزراعية‪ ،‬تشتيها بكميات كبية‪ ،‬تأتي من البندر‪ ،‬مملة داخل‬
‫الصنادل الشراعية‪ ،‬ليتم تزينها داخل البيت‪ ،‬لبيعها طوال العام لزارعي القرية والقرى‬
‫‪ .‬الاورة‬
‫رغم التحول والقتاب من الزراعة‪ ،‬ل يفكر رجال العائلة مطلقا بشراء أراض زراعية وتلكها‪،‬‬
‫كانوا ينظرون للمر علي إنه يرهم ناحية العبيد الذين كانوا يبيعونم خلل السنوات‬
‫البعيدة‪ ،‬كانت التجارة‪ ،‬من وجهة نظرهم‪ ،‬تؤمن لم تيزا ووضعا اجتماعيا عاليا ل يكن‬
‫إنكاره‪ ،‬وهم بذا العتقاد ل يكنهم أن يعطوا للزمن الفرصة للنيل منهم‪ ،‬فمنذ بدأ يدير لم‬
‫‪ .‬ظهره وهم ياولون التمسك بالشياء الت تافظ علي وضعهم ومكانتهم‬
‫جاءت الكارثة هذه الرة‪ ،‬حي ضربت عاصفة ترابية قلوع الصندل المل بالغلل‪ ،‬ما أدي إل غرقه‬
‫ف عرض النيل ‪ ،‬ف هذا الوقت كان سعيد الكبي‪ ،‬قد رحل إل السودان‪ ،‬وتوف علي‪ ،‬أما موسى‬
‫تواترت عنه أخبار بأنه فر هاربا من الهادية‪ ،‬واتذ طريقه نو الشام وإن كانت بعض الخبار‬

‫‪ .‬أكدت موته ف الرب‪ ،‬والبعض الخر منها قال أنه فر باتاه الغرب‬
‫عقب واقعة الصندل واختفاء الب لفتة‪ ،‬عاد بعدها متصوفا‪ ،‬زاهدا ‪ ،‬غي راغب بالبقاء داخل‬
‫البيت‪ ،‬إن هي إل أيام يقضيها معهم ث ينصرف إل أحد الوالد القريبة أو البعيدة‪ ،‬لقد صار‬
‫‪ .‬درويشا‪ ،‬يفكر بالوت كثيا‪ ،‬أكثر من اهتمامه بالياة‬
‫كان علي الشبان الثلثة التبقي داخل حظية البيت‪ :‬خليل وعثمان وإبراهيم‪ ،‬أن يتدبروا‬
‫أمورهم ويواجهوا الياة بصدورهم وأذرعهم‪ ،‬كان عليهم القتال داخل هذه الظروف مع مصطفي‪،‬‬
‫ابن عمهم وزوج أختهم ‪ ،‬لكن الياة لعبت لعبتها أيضا ‪ ،‬ورمت عصا التشتت بينهم ‪ ،‬فما هي‬
‫‪ .‬إل أعوام قليلة حت تفرقوا ‪ ،‬واحدا إثر واحد‬
‫ول يكن حظ أبناء السيدة أفضل من حظوظ أخوالم وأجدادهم ‪ ،‬رغم كل الحتياطات الت حاولت‬
‫السيدة جاهدة أن تأخذها ‪ ،‬وتبن حولا أسوارا متينة إل إن السهم النطلق كان ير ‪ ،‬ليؤدي‬
‫‪ .‬واجبه ‪ ،‬ويتكها وحدها ‪ ،‬واحدة وحيدة‬

‫ثبت عيد الكشاف باتاه الائط فأنار الظلل الت كونا القمر ‪ ،‬تساءل ‪ :‬من أين أبدأ ؟ بيده‬
‫قلب الريدة الضراء الشطوفة ‪ ،‬وبوار الائط ركن علب اللوان ‪ ،‬متحيا أمام الائط العريض ‪،‬‬
‫ً ‪ ،‬عينه التقطت‬
‫قال ‪ :‬ف ليلة بعيدة كهذه وقف جدي يعاني نفس الية ‪ .‬حيته ل تدم طويل‬
‫الرسة القدية لسيدة فوق سجادة الصلة ‪ ،‬قال ‪ :‬سأخالف جدي ‪ ،‬لن أبدأ بالكتابة ‪ ،‬راح‬
‫ً ث يعود لتثبيتها ‪،‬‬
‫للرسة وجرت يده فوق الطوط الباهتة ‪ ،‬كان يعي التلوين ‪ ،‬يددها أول‬
‫بدأ بالسجادة والزخرفة الت تتويها ‪ ،‬والكتابة الت توط الركان ‪ ،‬ث جسد السيدة ‪ ،‬بدأ‬
‫بالزء التبع فوق السجادة والسبحة‪ ،‬كانت يده تسرع كلما تقدم ف العمل والوقت ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫سبحان ال ‪ ،‬حي كنت ألون حوائط بيت ‪،‬كانت يدي غي طبيعية كما هي الن‪ ،‬وصل لوجه السيدة ‪،‬‬
‫‪ .‬والفرشاة – الريدة – تري باللوان ‪ ،‬لدرجة أنه كان يس بعدم قدرته على التحكم فيها‬
‫الوجه القدي الني رأى كأن فرشاته أضافت له بعض الطوط و التجاعيد ‪ ،‬فبدا حزينا بشكل ما‪.‬‬
‫ارتف حي داهه هذا الاطر ‪ ،‬تراجع مبتعدا عن الرسة ليتأكد من وساوسه ‪ ،‬كانت اللمح تاول‬
‫كبت حزن طويل ودفي ‪ ،‬هرع ثانية ليعيد بعض البهجة للوجه ‪ ،‬حاول مو بعض الطوط ووضع‬
‫أخرى ‪ ،‬غي أن ما كان يرغب ف موه وتعديله ‪ ،‬صار أكثر ثباتا ووضوحا ‪ ،‬قال ‪ :‬لاذا ؟‬
‫ً سيجارته وملتقطا بعضا من النسيم الريفي الذي يغمر الساحة ‪،‬‬
‫تراجع وجلس على الرض مشعل‬
‫التقطت أذناه صوت الراديو الذي يبث قراءة للقرآن الكري ‪ ،‬كان الشيخ " رفعت " الذي يعشق‬
‫تلوته ‪ ،‬حاول تبي اليات ‪ ،‬إل أن اضطرابه وبعد الصوت القادم من الداخل ‪ ،‬بالتحديد من‬
‫‪ .‬فوق سرير السيدة ‪ ،‬ل يكنه من تديدها‬
‫أين يكمن الطأ ؟ تساءل مدثا نفسه ‪ :‬ف حالت مشابة تغلبن هواجسي ‪ ،‬لكن الن ‪ ،‬فقط أعيد‬
‫رسم الصورة القدية ‪ .‬مد يده مشيا إليها ‪ ،‬لكن ما الذي حدث ‪ ،‬أهي الصورة الت تتحكم ف‬

‫إظهار ذاتا كيف تشاء ‪ ،‬أم هي معايشت لا ولزنا الذي بات مسيطرا عليها ؟ رغم قوتا الت‬
‫‪ !! .‬تاول أن تدعيها لتداري با ضعفها وحاجتها للحماية والتعاطف‬
‫تنبه على لسع السيجارة بي أصابعه ‪ ،‬فداسها ف التاب ‪ ،‬وقام واقفا ‪ ،‬وقال ‪ :‬على أية حال‬
‫‪ .‬يب أن أكمل‬

‫هدأة الليل والنسيم الريفي أدخل العمة ف النوم مباشرة ‪ ،‬كل شيء ساكن حولا ‪ ،‬حت دواجنها‬
‫هجعت دونا صوت ‪ ،‬ما يتدد ف الكان نسمات الواء الرطبة الت تعلو وتبط بقراءة الشيخ رفعت‬
‫كأنا تنقيها من أثقال حاولت التعلق با ‪ ،‬ببساطة واضحة كانت روح السيدة تصفو‪ ،‬و ترتفع‬
‫‪ .‬ملقة‬

‫ً إسقاط مسألة الصورة بعيدا عن‬
‫نقل " عيد " السقالة إل الناحية الخرى من الائط ‪ ،‬ماول‬
‫تفكيه ‪ ،‬لكن ما تزال الية القدية للجد الكب‬

‫تسيطر عليه؛ بعد أن نقل السقالة ‪ ،‬تساءل ‪:‬‬

‫ماذا أرسم ؟ رص علب اللوان أمامه ‪ ،‬وفرشاته بيده ‪ ،‬غي أنه ل يعرف ف أي لون يغمسها ‪،‬‬
‫وأي خط سيخطه ‪ ،‬قال جده ذات مرة معلقا علي أدائه فوق حوائط البيت للمرة الول ‪ :‬أن أرى‬
‫‪ .‬الطوط ترتسم قائمة أمامي‬
‫ً ‪ ،‬ومنتظرا ظهور الطوط‬
‫‪ .‬راح ينظر للحائط متأمل‬

‫‪ .‬يا أمي ‪ ..‬يا أمي ‪-‬‬
‫صوت سعيد ‪ ،‬قالت ث انتظرت حت تردد النداء مرة أخرى ‪ ،‬تأكدت أنه صوته ‪ ،‬فتحت‬
‫عينيها ‪ ،‬رأت الوجه البتسم والذي يفي قلقا كبيا خلف البتسامة الت ياول إظهارها ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫تأخرت يا أمي ‪ ..‬الكل ف انتظارك ‪ .‬تنبهت لا حولا ‪ ،‬وجدت البيت غارقا ف أضواء ملونة ‪،‬‬
‫وغناء شجي ينبعث آتيا من عند النخلة‪ ،‬نضت ‪ ،‬ووجدت واحدة من بناتا تلبسها ثوبا السود‬
‫القطيفة الغال ‪ ،‬ارتدته فوق جلبابا الرير الخضر ‪ ،‬والذي أتى به سعيد لا كان ينوي‬
‫الزواج ‪ ،‬قامت وخرجت إل حوش البيت ‪ ،‬كانوا كلهم بانتظارها‪ :‬جدتا‪ ،‬والدها ‪ ،‬والدتا ‪،‬‬
‫إخوتا الرجال ‪ ،‬مصطفي زوجها وابن عمها ‪ ،‬أولدها ‪ ،‬وسعيد يقودها من يدها ‪ ،‬جيعهم واقفون‬
‫ً ‪ :‬رايه في يا حاجة يا أم توب قطيفة‪ .‬رأت لسانا ييب‬
‫بوار النخلة ‪ ،‬وجاءها الغناء متسائل‬
‫‪ .‬مغنيا ‪ :‬راية أزور النب والكعبة الشريفة‬

‫ً ‪ ،‬سرعان ما رأى خطوط النخلة تتحدد أمامه ‪ ،‬مد يده إل أحد اللوان وأخذ‬
‫ل يدم تأمله طويل‬
‫يرسم ‪ ،‬نلة أصلها ثابت ‪ ،‬ورأسها يتطاول إل العال ‪ ،‬تتها وحولا خلق كثي ‪ ،‬تغلب عليهم‬
‫‪ .‬البهجة والسرور ‪ ،‬وكأنا صوت غناء يتحدر إل سعه ‪ ،‬ويده تعمل بسرعة ل يعهدها‬

‫من الباب خرجت وسط الغناء الدائر ‪ ،‬الدواب واقفة ف النتظار ‪ ،‬تقدمت باتاه مهرتا الت‬
‫يسكها رجل عجوز ‪ ،‬حي اقتبت ‪ ،‬أخذ يدها من يد سعيد الذي كان ينظر للشيخ بنظرة مليئة‬
‫بالغضب والنق وإن كانت الشفقة تتخللها أحيانا ‪ ،‬حاولت أن تستعلم عن الشيخ ‪ ،‬لكنه تقدم‬
‫‪ .‬وعدل السرج وساعدها على الركوب ‪ ،‬ث ضرب كفل الهرة الت انطلقت وسط الزغاريد التصاعدة‬

‫رسم مهرة تركبها السيدة تم بالركة ملفة وراءها بقليل شيخا كبيا يلله حزن غامض ‪ ،‬حاول‬
‫التوقف ‪ ،‬ليتمعن ف هذا الزن النبيل الذي يسيطر على رسومه منذ أول الليل ‪ ،‬رغم البهاء‬
‫الذي يستشعره داخله والذي ييط برسومه من الارج ولكنه ل يتقها ‪ ،‬ل يقدر على التوقف ‪،‬‬
‫وجد يده ترسم بعد مساحة قليلة ‪ ،‬السيدة فوق بعي يعب الصحراء ‪ ،‬ث السيدة ف باخرة تتاز‬
‫‪ .‬البحر ‪ ،‬ث السيدة فوق بعي للمرة الثانية تعب واديا ‪ ،‬تبدو ف نايته مئذنة عالية‬

‫كل أحبتها من حولا ‪ ،‬وهي بينهم بعد أن خلعت الثوب السود الثقيل وارتدت الثوب البيض‬
‫الذي أعدته منذ زمن طويل لرحلتا إل الج ‪ ،‬كانت سعيدة وجزلة لكن على نو مبهم كان الكدر‬
‫يهاجها ويضع أمام وجهها وجه الشيخ العجوز ‪ ،‬كانت تس بأل غامض يعتصر الشيخ ويعل نظرات‬
‫الشفقة من عي ولدها تطل ؛ تنظر إل أحبتها ‪ ،‬سعداء ‪ ،‬وجوههم تعب عن نشوة فارقتهم منذ‬
‫زمن طويل ‪ ،‬حت سعيد الكفهر دائما ‪ ،‬بدا منبسطا لكأن حلمه القدي بأن يتجمعوا من شتاتم‬
‫‪ .‬قد تقق‬

‫خط خطوطا لرم واسع تتوسطه الكعبة الشرفة بكسوتا السوداء البهية ‪ ،‬وحزام أبيض يتوسطها‬

‫تغمره الكتابة " ول على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيل " وطيور تلق ف فضاء الرم ‪،‬‬
‫طيور كثية ومتداخلة ‪ ،‬ل يستغرب حي وجد يده ترسم بينها دواجن السيدة ‪ ،‬ترفرف فوق الرؤوس‬
‫الكثية التداخلة ‪ ،‬إل أن السيدة‬

‫تبدو واضحة ‪ ،‬تطوف وسط هذه الموع الغفية ‪ ،‬من بي هذه‬

‫الموع بدا وجه العجوز واضحا وهو يرقب السيدة الت أخذت تدقق ف الوجه الوادع ‪ ،‬ورويدا‬
‫أخذت ف التعرف عليه ‪ ،‬لا رأته يتبدل ويأخذ وجوه ‪ :‬والدها ‪ ،‬إخوتا ‪ ،‬زوجها ‪ ،‬ابنها سعيد‬
‫… ‪ ،‬إنه‬

‫ال أكب ‪ ..‬ال أكب … صوت آذان الفجر يتصاعد شجيا نديا إل السماء ‪ ،‬قالت السيدة فوق‬
‫سريرها ‪ :‬إنه جدي ‪ ،‬عبد ال الرحال ‪ ،‬نعم إنه هو‪ ،‬لكن هل كنت أحلم ‪ ،‬أم تراني كنت أتيل‬
‫ما ترسه خطوط الولد عيد فوق حوائط البيت الذي بناه الد الكب ‪ ،‬حاولت القيام ‪ ،‬وجدت‬
‫‪ .‬نفسها مهدة ‪ ،‬متعبة‬

‫ال أكب ‪ ..‬ال أكب ‪ ..‬صوت آذان الفجر يتصاعد شجيا نديا إل السماء ‪ ،‬تنبه عيد إل المى‬
‫الت تتاح بدنه ‪ ،‬قال ‪ :‬أنا متعب ‪ ،‬وف حاجة إل الراحة ‪ ،‬تطلع إل الرسوم الت يظهرها ضوء‬
‫الكشاف ‪ ،‬قال ‪ :‬هل رست كل هذه الرسوم هذه الليلة ‪ ،‬يبدو أني أحلم ‪ ،‬أو أني أرى حلم‬
‫‪ .‬السيدة النائمة بالداخل‪ .‬سار متجها ناحية بيته وهو يدث نفسه بالنوم لعدة أيام‬

‫تاملت السيدة حت قامت‪ ،‬تسندت علي عكازها وخرجت إل الوش‪ ،‬رأت كأنا البيت مضاء‪ ،‬وأصوات‬
‫الغناء والبتهال والني تتدد واضحة بي جنباته‪ ،‬بصت حولا‪ ،‬رأت النخلة قائمة ف سرة البيت‬
‫يتاقص حولا أطياف بدت واضحة تردد الصوات الت أخذت ف التمايز والوضوح والرتفاع وهي‬
‫‪ .‬تتقدم نوها‬

‫كتاب الرجال‬

‫‪!!!.‬مفيش راجل هنا؟ ‪-‬‬
‫التحدي الوقح هو الذي يتحدث‪ ،‬ذلك ما أدركته عقولنا بوضوح و ثبات كامل‪ ،‬ل يكن هناك شك ف‬
‫أن موقفنا صار حرجا‪ ،‬و كرامتنا عرضة للتمرغ ف الوحل‪ ،‬و ذلك بسبب غي معلوم‪ ،‬فالشاب الذي‬
‫ظهر فجأة و كأنه نبت من خلف التلل ف غفلة من الميع‪ ،‬على القل ل نعرف دافعه لثل هذا‬
‫‪.‬الفعل‬
‫الشاب الذي بدا حييا ف كلمه و هو يزحف مقتبا من حواف الدائرة‪ ،‬ل يلفت انتباهنا‪،‬‬
‫قلنا‪ :‬غريب‪ ،‬كأي غريب ينزل بساحتنا أيام العياد‪ ،‬وجهه يمل ست الغرباء‪ ،‬نظراته غي‬
‫الستقرة‪ ،‬لجته التددة الت تتحسس وقع الكلمات قبل النطق با‪ ،‬كل هذا جعلنا نطمئن لكونه‬
‫غريبا و عابرا‪ ،‬و هكذا الال دوما‪ ،‬كل غريب عابر‪ ،‬ل يستقر إل لوقت‪ ،‬يأكل فيه من زادنا‪،‬‬
‫و يشرب من مائنا‪ ،‬ث يضى لال سبيله‪ ،‬و لسانه يروج لكرمنا الفائق‪ ،‬و حسن استقبالنا‬
‫‪.‬للغرباء‬
‫ف ناحية الشباب وقف يتابع اللعبة بانتباه شديد‪ ،‬و ما الضي ف ذلك كلنا يفعل‪ ،‬و إل‬
‫ما معن وجودنا هنا و الن‪ :‬لعبة التحطيب‪ .‬العصا و الرجل‪ ،‬الرجولة و ليونة الركة‪ ،‬حسن‬
‫الكر و تدبي الفرار‪ .‬يسك الرجل بالنبوت و يرفعه عاليا‪ ،‬شاما‪ ،‬و ينفضه نفضا‪ ،‬ليسمح لكمه‬

‫العريض بالنزلق على زند ذراعه‪ ،‬كي تبي قوة العضلة و حجمها‪ ،‬البعض يعل عضلت ذراعه ترقص‪،‬‬
‫و هو يقوم بز العصا‪ ،‬يتبها‪ ،‬يربا من طرف‪ ،‬ث يطوحها ف الواء و يلتقطها من طرفها الخر‪،‬‬
‫يريد لقبضته عليها أن تكون قوية مكمة‪ ،‬كي ل تذله عند الاجة؛ يدور حول اللقة‪ ،‬حجل برجل‬
‫و نصف‪ ،‬يقفز هنا‪ ،‬و ينط هناك‪ ،‬يستدير بسرعة و خفة‪ ،‬يستعرض مهارة السد و قدر مطاوعته‬
‫لصاحبه؛ ث ينطقها قوية و مطوطة من زمام شفتيه‪":‬ســو‪...‬ســو"‪ .‬إذانا ببدء اللعبة‪ ،‬كلنا‬
‫خب تلك الركات و جربا‪ ،‬لكن مواجهة الصم تص كل فرد بعرفته‪ ،‬كل واحد و له طريقته‪ ،‬و هذا‬
‫ما يفرق بي فارس و آخر‪ ،‬كل يشق دروب الياة حسب فهمه؛ كانت العمة تقول‪ :‬كل ابن آدم و له‬
‫دفة ف رأسه‪ ،‬يديرها بكيفه‪ .‬الهم هو الفوز‪ ،‬و انتزاع الهات من جهور اللقة التحفز لختطاف‬
‫عصا الهزوم؛ ف كثي من الحيان يتنازل اللعبان عن عصييهما لزوج آخر من اللعبي‪ ،‬فالغرض‬
‫‪.‬مشاركة أكب قدر‪،‬و إطلق التعة داخل كل النفوس‬
‫حي تقدم الغريب و أخذ العصا من أحد اللعبي‪ ،‬رمقناه ف خفة و تعجل‪ ،‬بدا لنا بسده‬
‫الطويل و رأسه العارية‪ ،‬هزيل نوعا ما‪ ،‬و إن كان واضحا أنه يعتن بلبسه‪ ،‬فجلبابه البيض‪،‬‬
‫وارد الليج‪ ،‬مكوي بطريقة لفتة‪ ،‬الساور مكمة الغلق بأزرار تبدو كالذهبة‪ ،‬و طرف قلم يتدل‬
‫من جيبه العلوي‪ ،‬قلنا‪ :‬غريب و هزيل‪ ،‬و رباية مدارس‪ ،‬سيأخذ دوره و يضى؛ ث ما لعيال‬
‫الدارس و لعبة العصا‪ ،‬أل يكفيهم أنم ل ييدون شيئا سوى التسكع و مناطحة الكبار و تسفيه‬
‫كلمهم‪ ،‬على العموم هو غريب و لن يصمد‪ ،‬فلعبنا الذي يلقيه جيد‪ ،‬لن يتمل الغريب منازلته‪،‬‬
‫تبادلنا الثرثرة العتادة‪ ،‬و أشعلنا السجائر‪ ،‬و تلفتنا حولنا‪ ،‬فالدور ل يستحق الفرجة‪،‬‬
‫هو تسديد خانة ف باب الضيافة‪ ،‬واجب فرضته علينا اللقة بوجودها هنا ف سفح الول الفقي‪،‬‬
‫‪.‬علينا تمل الغرباء حت يرحلوا‪ ،‬دون اعتض‪ ،‬أو تبم‬
‫ســو‪...‬ســو" صرخ با لعبنا‪ ،‬و ل يردها الغريب‪ ،‬أو خرجت منه خائفة و ضعيفة‪ ،‬فلم"‬
‫تصل مسامعنا‪ ،‬رفع لعبنا عصاه‪ ،‬و حجل دائرا حول اللقة‪ ،‬أما الغريب ل يرفع العصا بل جرها‬
‫خلفه على الرض‪ ،‬كأنا يط حدود دائرة اللعب‪ ،‬ل يجل برجل و نصف‪ ،‬ول يهرول حول اللقة‪ ،‬بل‬
‫سار متمهل‪ ،‬وجهه جامد ل ينم عن شيء‪ ،‬خطوتان و تلقت العصي ف دوى نعرفه‪ ،‬نظرنا إل عصا‬
‫الغريب‪ ،‬ل ترتف‪ ،‬كانت ثابتة‪ ،‬و فتح بابه‪ ،‬قلنا‪ :‬أهبل و عبيط‪ .‬فقد بان جانبه الين‬
‫مكشوفا لصمه‪ ،‬الذي اغتنم الفرصة‪ ،‬و سدد ضربة مكمة‪ ،‬لكن الغريب – و يا للعجب‪ -‬زاغ منها‬
‫بسده‪ ،‬بطريقة جعلتنا نشهق‪ ،‬و ف نفس اللحظة كانت عصاه قد أطارت عمامة لعبنا‪ ،‬فانطلقت‬
‫‪.‬الضحكات و القهقهات‬
‫كان علينا أن ننتبه‪ ،‬فالفعلة الت فعلها الغريب‪ ،‬ل تكن تعن أنه قد فاز و كفى‪ ،‬بل‬
‫تعن إهانة الطرف الثاني‪ ،‬فقد كان بقدوره أن يكتفي بلمس العمامة بطرف عصاه حت يعتب‬
‫فائزا‪ ،‬لكن أن يلعها من فوق رأس صاحبها‪ ،‬و رميها على الرض‪ ،‬متمرغة ف التاب الناعم الذي‬
‫تدوسه القدام؛ التقطت حواسنا الهانة‪ ،‬لكن قلنا‪ :‬ربا ولد أرعن‪ ،‬ل يعرف القواعد‪ ،‬و ل‬
‫يراعي الدود‪ ،‬فهكذا طبيعة عيال هذه اليام‪ ،‬و كأن زمننا قد مضى و أنقضت قواعده و حدوده‪،‬‬
‫و عليهم أن يؤسسوا قواعدهم على أنقاض قواعدنا؛ و هنا لح رأي جدير بالعتبار و هو أن‬

‫الغريب متمكن من اللعبة‪ ،‬فالركة الت قام با‪ ،‬رغم الرعونة‪ ،‬ل يأتيها إل متمرس‪ ،‬فاهم و‬
‫‪.‬مرب‪ ،‬وعلينا الحتاز‬
‫نزل لعبان إل أرض اللقة‪ ،‬و بسمة هادئة و واثقة كست وجه الغريب‪ ،‬بدت لنا كريهة‪ ،‬و‬
‫متشفية‪ ،‬خاصة و قد كان اللعب‪-‬الهزوم‪ -‬ياول جع عمامته من على الرض‪ ،‬بعد أن قذف عصاه إل‬
‫أحد الداخلي‪ ،‬اللعب الخر اته نو الغريب و هو يد يده كي يأخذ منه العصا‪ ،‬لكن الغريب رفع‬
‫يده مبتعدا‪ ،‬با يعن أنه سيستمر ف اللعب؛ صمتت اللقة‪ ،‬فهذا التصرف يرج اللعبة من كونا‬
‫نوعا من التسلية البهيجة ليام العيد‪ ،‬و يدخلها ف إطارات أخري‪ ،‬كنا قد تنبناها منذ زمن‬
‫‪.‬بعيد‬
‫عصرية عيد الضحى‪ ،‬و الشمس ترى لستقرها ف الغروب‪ ،‬لتكتسي الساحة النبسطة أمام‬
‫مقام الول الفقي بالظل‪ ،‬كان بعض الطفال يلعبون بالكرة‪ ،‬بعيدا عن حلقة التحطيب‪ ،‬و إن‬
‫كان حاسهم و زياطهم يصم الذان‪ ،‬و خلف التلل و الكثبان الرملية اختفت بعض تمعات الشباب‪،‬‬
‫يلعبون القمار‪ :‬النرد‪ ،‬و الثلث ورقات‪ ،‬و سيف الكوتشينة‪ .‬بينما هنا الصمت ييم على‬
‫اللقة‪ ،‬عقب إشارة الشاب الغريب‪ ،‬كسر اللعب الديد هالة الصمت ب‪":‬ســو‪...‬ســو"‪ .‬و هذه‬
‫الرة أيضا ل نسمع رد الغريب‪ ،‬كان واضحا أنه ل ينطقها‪ ،‬فقط ير عصاه خلفه و عينه جالسة‬
‫على الصم‪ ،‬ترقب حركاته دون أن تطرف‪ ،‬غي منشغلة بالضجيج الذي دب حول اللقة‪ ،‬فقط تركز‬
‫‪.‬على حركات الصم‪ ،‬بالتحديد يده القابضة على النبوت‬
‫هجم اللعبان‪ ،‬و تبادل الضربات‪ ،‬كان لعبنا قديرا‪ ،‬لديه من الهارات ما تعله قادرا‬
‫على إناء البارزة لصاله ف أقرب وقت‪ ،‬كان يتحرك يينا و شال بسرعة و خفة كي يرهق الغريب‬
‫و يفقده التكيز‪ ،‬و عندها يكون سهل الجهاز عليه‪ ،‬تبسمنا و قلنا‪ :‬جاءك الوت‪ .‬كان الغريب‬
‫يرد هجمات لعبنا ببساطة و حزم‪ ،‬كان موقفه الدفاع الدائم‪ ،‬و هذا ما يرمى إليه لعبنا‪:‬‬
‫إناك الصم تاما‪ .‬و تقدم لناء الباراة الت طالت‪ ،‬كانت حركته قائمة على أن يس الغريب عند‬
‫خصره‪ ،‬قام بالتمويه بسده ناحية اليمي‪ ،‬تاركا جانبه اليسر مكشوفا‪ ،‬كي يطمع الغريب فيه‪،‬‬
‫‪.‬ث‪ ،...‬و طارت العصا من يد لعبنا‪ ،‬و هو ياول كتم آهة أفلتت منه‬
‫بت الميع‪ ،‬و كأنا باضت الطيور فوق رؤوسنا‪ ،‬فما حدث ل يكن تصديقه‪ ،‬كانت ضربة‬
‫الغريب‪ ،‬ضربة عادية لرد الجوم الكاسح الذي يناور به لعبنا‪ ،‬نعم قد تكون ضربة خائف أيقن‬
‫بالزية القادمة بعد ضربة‪ ،‬لكن العصا طارت من لعبنا‪ ،‬و أصبح هدفا مثاليا لعصا الغريب‪،‬‬
‫لكن الغريب اكتفى بإنزال عصاه إل الرض و جرها خلفه و هو يبتعد من أمام لعبنا القابض‬
‫على يده‪ ،‬و ينظر لا بذهول؛ فيما بعد سيخب بأن عصا الغريب طالت أصابع يده القابضة على‬
‫العصا‪ ،‬و سيحتج بأن هذا الفعل مرم‪ ،‬فرد عليه أحد الالسي القرفصاء‪ :‬على الفارس أن يمى‬
‫كل جزء من جسده‪ .‬هذه الثرثرة ل تكن لتعنينا‪ ،‬قدر الهانة الت يتعمد هذا الشاب الغريب أن‬
‫يوجهها لنا‪ ،‬فقد كان لزاما عليه أن يس الصم بعصاه‪ ،‬ث يبتعد‪ ،‬لكن هكذا يستدير و ير‬
‫‪.‬العصا خلفه‪ ،‬و كأنه ل يكن يلعب أحدا؛ أي إهانة أكب‬
‫أصبح الوقف مأزوما‪ ،‬فبعد خسارة لعبي‪ ،‬أحدهم على القل جيد و يكن العتماد عليه ف‬

‫الواقف الرجة‪ ،‬ليس هزيتهما‪ ،‬و لكن بطريقة مهينة‪ ،‬كل هذا ألب حاس الالسي حول اللقة لوضع‬
‫ناية حاسة لذلك الغريب الذي ل نعرف من أين طلع لنا؟ و ل إل أين يريد جر اللقة‪ ،‬هذه الت‬
‫حافظنا على بقائها بيضاء و نظيفة طوال سنوات عديدة‪ ،‬ذلك ما تعاهدنا عليه عندما أعدنا‬
‫افتتاحها‪ ،‬قلنا لن نسمح للمشاعر المجية من القتاب‪ ،‬لننا لو غضضنا الطرف عنها فستجرنا‬
‫إل بركة الدم الت ردمناها و كفينا ماجورا فوقها‪ ،‬لكن مرجل الهانة الذي أوقده الغريب‬
‫أخذ ف إنضاج روح الكراهية و التحدي و تثبيتها داخل النفوس‪ ،‬الن زئي الرجال يطالب برد‬
‫‪.‬الكرامة الت يرغها الغريب على أرض الساحة‬
‫على مر السنوات تتجمع البلدان الاورة لنا‪ ،‬ف صبيحة اليوم التال للعيد‪ ،‬يتبكون‬
‫بالول الفقي‪ ،‬و تتحول ساحته إل سوق كبي‪ ،‬تد الباعة من كل صنف و لون‪ ،‬حت تار البهائم و‬
‫الغلل‪ ،‬و مشايخ الطرق‪ ،‬و اللصوص‪ ،‬و العيال و القمار‪ ،‬و رجال و نساء بلبس سوداء‪ ،‬و بنات‬
‫بلبس ملونة‪ ،‬هو موسم للتزاور‪ ،‬حت الوتى ساكن القابر‪ ،‬هذا موسهم‪ ،‬موسم للتعارف و الطبة‬
‫خارج البلدة‪ ،‬و ساحة خاصة لرماح اليل‪ ،‬تتسابق اليل فيه مرتي‪ ،‬واحدة عند الضحى‪ ،‬و‬
‫الثانية عند العصر‪ ،‬و هنا تت أقدام الول الفقي تنتصب حلقة التحطيب‪ ،‬و الت على جانبها‬
‫يقف عوض ال اللب بربابته‪ ،‬و معه اثنان من عائلته‪ ،‬واحد بالزمار‪ ،‬و الخر يوقع على نقارة‬
‫كبية‪ ،‬على هدى من النغام يتم اللعب الذي يقصده فوارس اللعبة من كل البلدان؛ أند كل هذا‬
‫‪.‬من أجل غريب أرعن جاء ليحرجنا بقلب ساحتنا‬
‫الفضيحة جاهزة الن للنطلق‪ ،‬فعند الغد لن نقدر على رفع رؤوسنا ف وجوه ضيوفنا‪،‬‬
‫سيقولون حي يرونه‪ :‬نعم هو غريب‪ ،‬ل نعرفه‪ ،‬لكنه حتة عيل‪ .‬و يبدون اندهاشهم‪ ،‬ث يتساءلون‬
‫ببث‪ :‬من نازله؟ و لظتها يأخذون ف التهوين من قدرات لعبينا‪ ،‬و استهتارنا بالغريب‪،‬‬
‫‪.‬العيل‪ ،‬الذي مرغ كرامتنا التحطيبية ف رمل الساحة أمام الول الفقي الشاهد علينا‬
‫لعبان آخران انزما‪ ،‬و الغريب ير عصاه خلفه و بسمته الباردة تكسو ملمه‪ ،‬و شس‬
‫‪.‬النهار تول هاربة‪ ،‬و ل يكن هناك من مفر من البحث عن ‪ :‬عثمان العجبان‬

‫كنا لة ف ديوان الاج‪ :‬عثمان الرحال‪ ،‬العجبان‪ ،‬البعض يشرب الشاي‪ ،‬و البعض قد فرغ‪ ،‬و‬
‫دخان السجائر متصاعد ف براح الديوان‪ ،‬بينما العم عثمان يسحب أنفاس الشيشة و بصره يتنقل‬
‫بيننا‪ ،‬نن أبناء عائلة الرحال‪ ،‬الذين جاءوا من الناف البعيدة و القريبة‪ ،‬من‪:‬‬
‫السكندرية‪ ،‬و أسوان‪ ،‬و قوص‪ ،‬و القاهرة‪ ،‬و البحر الحر‪ ،‬و الدلتا‪.‬كان تمعا نادر الدوث‪،‬‬
‫فقد كنا قد تعاهدنا و نن ف حصية العمة‪ ،‬أن نعل هذا اللقاء سنويا على القل‪ ،‬يوم عيد‬
‫الضحى‪ ،‬فرد من كل بيت‪ ،‬أو من يقدر على الضور؛ و بعد البيت الكبي‪ ،‬بيت الد الول‪ ،‬بيت‬
‫العمة‪ ،‬كما نطلق عليه الن‪ ،‬ل يبق بالبلدة سوى العم عثمان‪ ،‬و ابنته‪ :‬زينب‪ .‬امرأة سعيد‪،‬‬
‫‪.‬كما نعدها‪ ،‬و هي كانت تصر على ذلك‬

‫يا عم‪ .‬قال ممد السكندران‪ ،‬سنذهب لزيارة قب العمة‪ .‬تبسم العم‪ ،‬الكبي الوحيد الباقي ‪-‬‬
‫من إخوته‪ ،‬و أخرج من منخاريه دخانا خفيفا قبل أن يقول‪ :‬بارك ال فيكم‪ .‬ث و ضع البسم‬
‫بواره على الدكة‪ ،‬و قال‪ :‬ال يرحها‪ ..‬ل تط بقدمها ناحية القابر أبدا‪ ..‬ل تسر ف جنازة‪..‬‬
‫أو تذهب لزيارة واحد من أمواتا‪ ..‬ل تسبون ذلك قساوة قلب‪ ..‬كانت تقول‪ :‬التاب إل التاب‬
‫‪.‬يذهب‪ ..‬أما الرواح فهي باقية هنا‪ ،‬حول‪ ..‬أناجيها و تكلمن‪ ..‬ال يرحها‬
‫ساد صمت جليل‪ ،‬ل يقطعه سوى هرولة خطوات لغلم‪ ،‬جاء مندفعا من باب الديوان‪ ،‬دون أن‬
‫يدقه‪ ،‬و الباب على أية حال مفتوح‪ ،‬فاليوم عيد‪ ،‬و البواب كلها مشرعة‪،‬فوجئ الغلم بالشد‬
‫الصامت‪ ،‬فأدركه الصمت فسكن‪ ،‬و إن ظلت عينه معلقة بالعم عثمان‪ ،‬الذي أشار إليه‪ :‬أن‬
‫اقتب‪ .‬و لا دنا‪ ،‬سأله عما يريد؟ و الغلم كي يستيح ألقى الكلم بلهوجة شديدة‪ ،‬دفعة‬
‫واحدة‪ ،‬فلم يفهم واحد منا ماذا يقصد! فما كان من العم عثمان أن قال له‪ :‬اذهب‪ ..‬سأتي‬
‫خلفك‪ .‬و لا رأى الية تاصره من عيوننا‪ ،‬قال‪ :‬اذهبوا لشواركم‪ .‬قال واحد منا‪ :‬ألن تأتى‬
‫معنا؟ تشاغل العم عثمان بالبحث عن عصاه‪ ،‬مع أنا مركونة بواره على طرف الدكة‪ ،‬قال‪ :‬لدي‬
‫مشوار‪ ..‬سنتقابل بعد الغرب‪ ،‬ف البيت الكبي‪ .‬و لا وجد وجوهنا مستفهمة‪ ،‬أكمل و هو يطو‬
‫خارجا‪ :‬زينب هناك منذ الصباح‪ ،‬تضر للوليمة‪ .‬و خطا بطوله الفارع و هو يعدل من وضع الشال‬
‫العريض فوق كتفه‪ ،‬و النبوت الغليظ ف يده‪ ،‬كأنا يمل عود كبيت‪ ،‬توقف‪ ،‬قال‪ :‬سأدعو بعض‬
‫العارف‪ .‬ث أشار ل‪ :‬إذا قابلت عيد الرسام ف طريقكم‪ ،‬قل له أل يتأخر‪ ..‬على العموم هو‬
‫عنده خب‪ .‬ث واصل سيه التمهل و الذي يليق بعجوز ف سنه‪ ،‬تبعناه ببطء‪ ،‬و لا وصل للباب‪،‬‬
‫قال‪ :‬يا بن‪ ..‬ل ترجوا سويا‪ ..‬و سيوا بشوارع متلفة‪ .‬و تبسم ضاحكا و هو يكمل‪ :‬ل تقلقوا‪..‬‬
‫‪.‬كل الدروب تقود إل هناك‪ ..‬إل القابر‪ .‬و خرج من الباب‬

‫الوقف زاد سوءا‪ ،‬لعبونا يتساقطون تباعا‪ ،‬و الغريب بنفس وقاحته يرجر العصا خلفه‪،‬‬
‫و بسمة آخذة ف النمو تغمر ملمه؛ بعض اللعبي تشكى من طريقة لعب الغريب‪ ،‬و كيف أنه حريص‬
‫على إصابة أصابعهم‪ ،‬أو أقدامهم بعصاه‪ ،‬بطرق غي مسموح با ف اللعب‪ ،‬البعض صرخ على حواف‬
‫‪.‬اللقة‪ :‬إنه يغش‪ .‬فأسكته من ياوره‪ :‬مادام يغش‪ ..‬غشوا‪ ..‬الهم أن يرج مهزوما‬
‫كان الوار غاضبا‪ ،‬لكنه ل يغي من الحداث الؤسفة الت ترى أمام عيوننا‪ ،‬فزهوتنا‬
‫التحطيبية على الك الن‪ ،‬ما الذي أخر عثمان؟ الولد قال‪ :‬قادم خلفي‪ .‬يبدو أن الرجل صار‬
‫عجوزا‪ ،‬إن ل يفلح هو الخر‪ ،‬ضاعت هيبتنا تاما‪ ،‬لكن الدهن ف العتقاقى‪ ،‬و إل صار علينا أن‬
‫نغلق حلقتنا بالضبة و الفتاح و إل البد‪ ،‬و ساعتها هل سنقدر على ملقاة الناس بالشوارع و‬
‫السواق و الالس‪ ،‬بل الدهي كيف سنستطيع النظر ف وجوه أطفالنا‪ ،‬و عيون نسائنا دون أن‬
‫‪.‬نشعر بالزي‪ ،‬يا عثمان‬

‫تزحزحت اللقة كي يتقدم‪ ،‬و يرى حالنا الذي ل يسر صديق و ل حبيب‪ ،‬و الشمس كمن هي‬
‫متواطئة مع الغريب تسارع بالغروب و التخفي وراء البل الغربي‪ ،‬مبيتة على هزيتنا‬
‫الفادحة‪ ،‬ف هذه اللحظة كان الغريب ف طريقه للجهاز على لعبنا بضربة حاسة‪ ،‬تصاعدت معها‬
‫آهات الغضب العاجز؛ بسرعة قام أحد اللعبي بطف عصا الهزوم‪ ،‬كان هذا اللعب قد هزم من‬
‫قبل‪ ،‬جر الغريب عصاه إل قلب اللقة‪ ،‬و حي لح اللعب رفع يده عاليا مشيا برفض اللعب مع‬
‫لعب سبق و هزمه؛ زمرت الرجال و أمرت اللعب بالروج‪ ،‬و الغريب استدار مواجها عثمان‬
‫الواقف مستندا على عصاه‪ ،‬و قد عقد كفيه على رأس النبوت‪ ،‬توقف الغريب لرآه‪ ،‬ث رفع عصاه‪،‬‬
‫‪.‬لول مرة يرفع العصا‪ ،‬ببطء حت أصبحت ذراعه ف مستوى صدره‪ ،‬و أشار بعصاه مباشرة إل عثمان‬
‫وقف الميع و سكن‪ ،‬و العصا مشرعة بوجه عثمان‪ ،‬الذي تبسم برفق دون أن يفك يده من‬
‫رأس النبوت‪ ،‬بطرف عينه يرمق الميع‪ ،‬و ظلل آذان الغرب ساحة الول الفقي‪ ،‬تقدم عثمان من‬
‫‪.‬الغريب كاسرا حاجز الصمت و هو يقول‪ :‬أهل بود العم‬
‫الغريب تراجع خطوة‪ ،‬و أن ظلت عصاه مشرعة ف وجه عثمان‪ ،‬قلنا‪ :‬و أيضا قليل أدب‪ .‬بل‬
‫زاد بلة الطي‪ ،‬قال موجها كلمه لعثمان‪ :‬ارفع عصاك‪ .‬ضحك العجبان عثمان‪ :‬الغرب‪ ..‬غدا‪ ..‬أل‬
‫‪.‬تسمع‪ ..‬الصباح رباح‪ ..‬الن أنت ضيفي‪ ..‬هيا بنا نلحق الغرب‪ .‬و استدار خارجا من اللقة‬
‫ببطء نزلت عصا الغريب‪ ،‬و تركت قدماه خلف الاج عثمان‪ ،‬اللقة أفسحت لما‪ ،‬و إن ل‬
‫تفقه ما جرى؛ قلنا لعل عثمان يعرفه‪ ،‬أو لعله الغريب هو الذي يعرف الاج و يريد اللعب‬
‫معه؛ لكن البعض زاد‪ :‬أهو ثأر قدي‪ .‬لكن ما ذنب حلقتنا حت تتعرض للهانة‪ ،‬و هل انتهي‬
‫‪.‬الوقف بذه الطريقة؟ أم أن الال غدا‪ ،‬سيكون فضيحة و جرسة أمام البشر أجعي‬

‫حي دخلنا القابر‪ ،‬كما أخبنا العم عثمان‪ ،‬كان الكثي من النسوة اللبسات السود‬
‫متناثرات حول بعض القبور‪ ،‬و كانت مقبة العائلة‪ ،‬وحيدة بل زائر‪ ،‬لكننا لنا أثر ماء‬
‫مرشوش فوق الرضية‪ ،‬و جريد أخضر فوق قب العمة؛ سألن ممد السكندراني عن هدف العم من‬
‫تفريقنا بالشوارع الختلفة‪ .‬قلت دون أن أهتم‪ :‬لغرض ف نفسه‪ .‬بل السد يا ابن العم‪.‬علق‬
‫ماهد البشاري‪ :‬نن أشبه بأولد يعقوب‪.‬أفلتت الضحكات رغم جلل الوقف‪ ،‬كان الظل الائل من‬
‫البل قد كسي القابر‪ ،‬و يتابع رمه باتاه الشرق‪ ،‬حيث النخيل الذي تداعب جريده صفرة الشمس‬
‫و نسمات لطفن من اختناق الو؛ وقفنا لقراءة الفاتة و ترديد بعض الدعية على روح العمة‪ ،‬و‬
‫أرواح من سبقوها‪ ،‬كنا خليطا عجيبا من اللبس و اللوان‪ :‬جينز و قمصان بيضاء و ملونة و‬
‫جلليب طرق تفصيلها متباينة‪ ،‬بي الواسعة بأكمام عريضة‪ ،‬و الضيقة بأكمام تنتهي بأساور‬
‫مغلقة‪ ،‬ألوان البشرة و الوجوه تتدرج ما بي السمرة الداكنة إل البياض الشرب بالمرة‪،‬‬
‫‪.‬أغلب الوجوه تنز بالعرق بعد شواء الظهية التقد‬
‫السلم عليكم‪ .‬قالا عابر ف الطريق الاور للمقابر‪ ،‬رددنا عليه ونن نتطلع ناحيته‪ ،‬ل‬

‫يتعرف عليه واحد منا‪ ،‬كان يسي بسرعة كأنا ليلحق بأمر هام‪ ،‬قال ممد السكندراني معلقا‪:‬‬
‫كيف يتملون كل هذه اللبس الثقيلة فوق أبدانم و رؤوسهم‪ .‬رد البشاري ابن البال‪ :‬كل بلد و‬
‫سلوها يا ابن اليونانية! كشر ممد و ترك نو البشاري‪ ،‬و نذر ملسنة على وشك البوب كهربت‬
‫الو؛ مالا اليونانية؟ على القل أحسن من الجر ال‪ ،..‬تدخل القوصي‪ :‬هل هذا وقته؟ و تبسم‬
‫البعض‪ ،‬و البعض الخر جلس على شواهد القبور القريبة و هو يشعل السجائر؛ و مرت سيدة‬
‫فصمتنا‪ ،‬وقفت و هي تقول‪ :‬ال يرحها‪ .‬و أشارت إل قب العمة‪ .‬تعيشوا و تفتكروا‪ ..‬إنا أنتو‬
‫عيال مي؟ و كنت القرب منها‪ ،‬أخذت أوضح لا‪ :‬هذا أبن فلن و هذا‪ ...‬لكنها قاطعتن‪ :‬أنت ود‬
‫فلنة‪ .‬صمت و أنا أهز رأسي أي نعم‪ .‬فأكملت‪ :‬كيف حال أمك؟ من زمان رجلها ما خطت البلد‪.‬‬
‫قلت‪ :‬بي‪ .‬و أردت أن أشرح لا أن تعب الفاصل الذي حل بأمي‪ ،‬جعل حركتها قليلة‪ ،‬لكنها‬
‫غادرتن قبل أن أكمل‪ ،‬سارت قليل ث استدارت‪ :‬أبقي سلم عليها‪.‬‬

‫قلت‪ :‬يوصل‪ .‬بعد لظة تذكرت‬

‫‪.‬أني ل أعرفها‪ ،‬لكنها كانت ابتعدت‬
‫هذا قب الاجة فاطمة الرحال‪ .‬توفيت‪ "...‬مكتوبة بط جيل على شاهد القب الغروز وسط "‬
‫بناء من اللب‪ ،‬و الذي طلى بالي البيض‪ ،‬يبدو الطلء حديثا‪ ،‬كأنا ت بالمس‪ ،‬بينما بدا الط‬
‫التماوج بارزا‪ ،‬يشبه غصن جيز بنتوءاته الببة‪ ،‬ل أشك بأنا كتابة "عيد"‪ ،‬رحت أتأمل‬
‫الزخارف و اللوان و ميل الط و دورانه‪ ،‬لدرجة جعلتن أتيله كقبة تاثل بناء القب ذاته؛‬
‫كان اللوح من الص البيض‪ ،‬طليت خلفيته بالسماوي‪ ،‬أما الط بدا عصيا على التصنيف‪ ،‬لكنه‬
‫ينبئ عن مهارة العارف لصنعته‪ ،‬التقن لفنونا‪ ،‬دقة الرفة تعله ل يفتعل أو ينفعل‪ ،‬فقط يتك‬
‫ما بداخله يتحرك‪ ،‬و ينتظر النتائج؛ ذات مرة قال ل عيد‪ :‬مرات كثية أجد الط عصيا‪ ،‬و يدي‬
‫ل تطاوعن‪ ،‬مع أنن سأكتب الكلمات الت أعتدت كتابتها من قبل مئات الرات‪ ،‬و سأكتبها ف‬
‫قابل اليام‪ ،‬كما ترى أنا ل أختع الكلم‪ ،‬بل أختع الطوط و اللوان‪ .‬سألته و قد هزني‬
‫الماس‪ :‬طيب ما العمل و الال هكذا؟ قال‪ :‬أحيانا كثيا أفكر بعلقت بن أكتب له‪ ،‬اليت يعن‪،‬‬
‫تصور ماذا أجد‪ ،‬لن تصدق‪ ،‬علقة عادية‪ ،‬باردة‪ ،‬غي ودودة‪ ،‬لظتها على أن أوظف خبتي فقط‪،‬‬
‫دون أي ادعاء أو حاس‪.‬‬

‫صمت و قد حطت عليه مسحة من الكآبة‪ ،‬فصمت احتاما لزنه‪ ،‬فأكمل‪:‬‬

‫الزن أن هذه الكتابة ترج باهتة باردة‪ ،‬حي أراها بعد ذلك أدير وجهي بسرعة للناحية‬
‫الخرى‪ .‬قلت ماول التخفيف من حدة الزن‪ :‬يعن من يريد أن يعرف علقتك بأهل البلد‪ ،‬عليه‬
‫‪.‬تتبع رسومك و كتاباتك فوق الوائط و شواهد القبور‬
‫هيه‪ ..‬أين رحت؟ لكزني ممد السكندراني‪ ،‬انتبهت و أنا أشي لشاهد القب‪ ،‬تلفت حول فرأت ‪-‬‬
‫الموعة قد غادرت‪ ،‬و ل يبق سوانا‪ .‬قال ممد‪ :‬على حد علمي‪ ،‬أن عمتك ل تج‪ .‬تبسمت و أنا‬
‫‪.‬أترك خارجا بي صفوف القابر‪ ،‬ماذرا أن تطأ قدمي قبا‪ ،‬دون قصد من‬
‫لا خرجنا وقف ممد و أشعل سيجارة و أعطاني واحدة‪ :‬هل يكن العيشة هنا؟ كانت ضربة ل‬
‫‪.‬أتوقعها‪ ،‬لكن قبل أن أنطق‪ ،‬وصل لسمعنا آذان الغرب‪ ،‬فسرنا صامتي باتاه البيت الكبي‬

‫صوت الشيخ "حسي" يأتي رائقا و هادئا‪ ،‬متسلل من كوة الائط‪ ،‬و كمن لدغت هبت زينب‬
‫من مقعدها أمام النار‪ ،‬غطت اللة بعنف‪ ،‬فأحدث الصوت دويا‪ ،‬جعل عزيزة ترع نو الطبخ‪،‬عند‬
‫‪.‬الباب اصطدمتا‪ ،‬عزيزة تستفهم‪ ،‬و زينب تصرخ‪ :‬سرقنا الوقت‬
‫انتهينا من كل شيء‪ .‬ردت عزيزة‪ ،‬وضحكت قبل أن تكمل‪ :‬الالق الناطق عمتك‪ .‬أنت‬
‫رايقة‪ .‬قالت زينب و هي تطو ف الوش الوسيع‪ ،‬اتهت للديوان‪ ،‬و من الباب ألقت نظرة على‬
‫الدكك بفرشها و مساندها‪ ،‬الصر اللونة على الرض مفروشة‪ ،‬و عند الركن يقبع طست الغسيل‬
‫بواره إبريق الاء الليء‪ ،‬و على مسمار ف الائط علقت عدد من الفوط النظيفة‪ ..‬مرة أخرى‬
‫عادت للحوش‪ ،‬كان عيد قد دخل من الباب الكبي‪ ،‬و ناحيته تتجه عزيزة‪ ،‬قال‪ :‬مساء الي‬
‫عليكم‪ .‬و ناول عزيزة أعواد الذرة الت يملها؛ بفاء قالت زينب‪ :‬ل يأت أحد بعد‪ .‬تاوز عيد‬
‫الهانة قائل‪ :‬سألق الغرب‪ .‬تنهدت عزيزة وراحت بملها ناحية الزريبة‪ ،‬حيث النعجة و الروف‬
‫‪.‬و ما بقى من دواجن العمة‪ ،‬ف نفس الوقت كانت زينب ترج الفوانيس و الكلوب‬
‫حي عادت عزيزة‪ ،‬كانت "حي على الفلح" ترفرف فوقهما‪ ،‬و زينب منهمكة ف إشعال أحد‬
‫الفوانيس‪ ،‬قالت عزيزة‪ :‬البهائم صائمة‪ ..‬ل تس أكل الصباح‪ .‬و جلست بوار زينب‪ ،‬و راحت‬
‫تشعل واحدا‪ :‬الظاهر إنا عارفة‪ ..‬فاتت سنة‪ .‬بل كلم فارغ‪ .‬قالت زينب و هي تنهض واقفة‪،‬‬
‫فعاجلتها عزيزة‪ :‬لاذا تكرهينه؟ السؤال ثبت زينب للحظة‪ ،‬لكنها أخذت الفانوس و سارت به‬
‫للديوان‪ ،‬و هناك علقته ف واحد من العاليق الدلة من السقف؛ كانت تتحرك بمة امرأة تقتب‬
‫من الثلثي‪ ،‬و إن كان الكدر يظهرها أكب من ذلك‪ ،‬عزيزة الت من دورها‪ ،‬و عندها بيت و زوج‬
‫‪.‬و عيال تبدو أصب منها‬
‫بوسط الوش وقفت عاقدة ذراعيها حول خصرها‪ ،‬تتلفت حولا‪ ،‬تستجع إن كان قد فاتا شيء‪،‬‬
‫و من الطبخ رجعت عزيزة بعد أن علقت فانوسا هناك‪ "،‬الصلة و السلم عليك" صوت الشيخ‬
‫يبتهل‪ ،‬و نعجة العمة اندفعت خارجة من الزريبة‪ ،‬ترمح باتاه النخلة القائمة بسرة البيت‪،‬‬
‫خلفها الروف‪ ،‬و صار ف البيت هرج و زياط من الصوات الت غطت على ابتهالت الشيخ‪ ،‬دون تفكي‬
‫جرت عزيزة و تبعتها زينب؛ أنا متأكدة إن الباب كان مقفول‪ .‬قالت عزيزة‪ ،‬كان النظام و‬
‫النظافة الت حرصت عليهما زينب منذ الصباح عرضة للتلف و الفساد‪ ،‬و هو ما جعلها تبطم‬
‫‪.‬بالكلم الغامض‪ ،‬حول أرواح و أصوات عليها أن تنصرف الن‬
‫بهد و طول مناهدة استطاعتا صد حلة الروب الكبي لسكان الزريبة‪ ،‬و إحكام غلق‬
‫الباب‪ ،‬ليعود الدوء و الصمت لوش البيت‪ ،‬نظرت زينب لا تعبت فيه من أول النهار‪ ،‬الكنس‬
‫أول ث عندما انكسرت حدة الرارة رشت الاء كي يسكن الغبار‪ ،‬قالت عزيزة‪ :‬غيي هدومك قبل‬
‫قدوم الناس‪ .‬و بتحامق أهوج ردت زينب‪ :‬و ماله هذا الثوب!! تبسمت عزيزة‪ :‬يا أخت‪ ..‬كفاية‬
‫رائحته‪ ..‬من الطبخ و التاب طوال النهار‪ .‬و بنفس درجة الغضب‪ :‬مبولة‪ ..‬تريدينن أتزين‪.‬‬
‫ضربتها عزيزة على كتفها بفة‪ :‬من جاء بسية الزينة‪ ..‬قلنا الدوم‪ ..‬هؤلء أولد أعمامك‪.‬‬
‫‪.‬تبسمت زينب‪ :‬يا سلم على ماحكة النسوان‬

‫‪.‬طاخ‪ ..‬طاخ" خبط على الباب "‬
‫‪.‬جرت عزيزة نو الطبخ‪ ،‬أما زينب فقد جرت نو غرفة العمة‬

‫على جدار الدرسة القدية ارتكنا‪ ،‬كانت لظة غروب جديرة بالتأمل‪ ،‬فرغم التجمع‬
‫العائلي‪ ،‬كانت تسيطر علينا مشاعر الغربة‪ ،‬كنا كتجمع لغراب التقوا فجأة‪ ،‬ث انتبهوا‬
‫لقرابة تربطهم‪ ،‬لكن الوة ظلت شاسعة؛ ببساطة كنا ل نعرف بعضنا البعض‪ ،‬نطئ ف الساء و‬
‫الوصاف‪ ،‬رغم ما كان يعتينا من خجل‪ ،‬و تبسم ناول به دفع الهل؛ بدت الوة عصية على‬
‫التخطي‪ ،‬تاريخ طويل من البعد و الغربة‪ ،‬و الياة الختلفة‪ ،‬ف أماكن متفرقة‪ ،‬ل يكن التنكر‬
‫لكل هذا الياث‪ ،‬أو ادعاء أن الزمن هو الذي سيتكفل بل هذه الزمة‪ ،‬بل على العكس من ذلك‪،‬‬
‫كنت أعتقد‪ ،‬و ما أزال‪ ،‬أن الزمن تديدا هو السبب الرئيسي فيها‪ ،‬فمع تدده تمد الروابط و‬
‫تتفكك‪ ،‬و يبهت التاريخ الشتك رويدا حت يأخذ طريقه للنسيان‪ ،‬و يكون من العبث ماولة‬
‫الوقوف بوجه الزمن؛ قال ممد السكندراني‪ :‬أنت واهم‪ ..‬بل يكن للمة هذه العائلة‪ .‬و استدار‬
‫قبل أن يكمل‪ :‬هذا كان حلم سعيد‪ .‬قلت دون أن أنظر إليه‪ :‬يبدو أن هذه العائلة ل يكن أن‬
‫‪.‬تيا دون ماني‬
‫كنت على حدود تركيا حي أتاني الاجس‪ .‬قال ممد و قد اكتسي وجهه بدية بالغة‪ ،‬جعلت‬
‫وجهه الوردي يتلون بدكنة زادها الغروب قسوة‪ ،‬و ل أدري لاذا أردت الضحك‪ ،‬فأدرت وجهي‬
‫سريعا صوب النخيل خشية الفتضاح‪ ،‬فأكمل ممد‪ :‬بالليل و كان الثلج ينهمر فوق رؤوسنا و نن‬
‫نبحث عن مبأ وسط الغابات‪ ،‬بكى واحد من الرفاق‪ ،‬قال‪ :‬ملعون أبوها الدنيا‪ ..‬تغربنا ف‬
‫بلدنا‪..‬‬

‫تكتب علينا الشتات ف بلد العال‪ .‬و تايل لعين أني رأيت سعيد مصلوبا على هامات‬
‫‪.‬الشجار‪ ،‬فيما كانت الشمس تشرق كنت قررت العودة إل مصر‬

‫استدرت أواجهه‪ :‬ماذا تقصد؟ عن أي هاجس تتكلم؟ لكنه نفض نفسه من يدي الت حاولت‬
‫القبض على ذراعه‪ ،‬ترك مبتعدا‪ ،‬فيما أحاول اللحاق به رحت استعيد حلم سعيد‪ ،‬ابن العمة‪،‬‬
‫بلم العائلة كما كانت أيام جده الرحال الكبي‪ ،‬قلت ماول إعطاء نفسي مدة كافية‪ :‬سعيد مات‬
‫‪.‬يائسا‪ ..‬فالتفسي الذي وضعه لالة الشتات‪ ،‬كان يعمل ضده‬
‫توقف ممد‪ :‬ربا كان سعيد رومانسيا‪ ،‬يؤمن بالقدر الكاف لتحطيمه‪ ،‬لكن هناك أسباب‬
‫أخرى هي الت جرت الراب‪ ،‬بعيدا عن السبب الخلقي الذي تبناه ابن عمتك ف أواخر حياته‬
‫القصية‪ .‬قلت بفراغ الصب‪ :‬و أنت الن مهيأ للم العائلة!! قال‪ :‬من حقك أن تسخر يا مثقف‪..‬‬
‫‪.‬على العموم‪ ..‬و تركن و سار‬

‫توقف الاج عثمان قدام باب الامع‪ ،‬بقدمه يبحث عن مداسه ف الرض دون النظر‪ ،‬خلفه‬
‫بطوة وقف الغريب مسكا بعصاه‪ ،‬كان الصلون يرجون تباعا‪ ،‬يسلمون‪ :‬كل سنة و أنت طيب‪ ،‬و‬
‫العام القادم بالجاز‪ .‬و يأتي الرد‪ :‬جعا إن شاء ال‪ .‬يتهامس البعض مشيا للغريب‪ ،‬من رأوا‬
‫الكاية عصرا راحوا يسردونا بتأفف واضح؛ قال الاج عثمان بصوته القوي الشن‪ :‬عندنا كرامة‬
‫بالبيت الكبي‪ ..‬تفضلوا‪ .‬دائما عامر يا حج‪ .‬انطلقت من الفواه‪ ،‬و تقدم البعض للعتذار‬
‫لسبب ينعه‪ ،‬و ترك البعض خلف الاج عثمان الذي كان يبحث بعينيه وسط المع عن "عيد"‪ ،‬له‬
‫‪.‬يكلم واحدا على انفراد‬
‫أمسك الغريب بكم الاج فأوقفه‪ ،‬قال‪ :‬لدي أصحاب ف البلدة الاورة‪ ..‬و هم ف انتظاري‪.‬‬
‫قاطعه الاج‪ :‬يا ابن أخي‪ ..‬ل يأب الكرامة إل لئيم‪ .‬و أفلت كمه و سار نو عيد‪ ،‬الذي له‬
‫‪.‬قادما فهز رأسه و سار بي الرجال‬
‫ما الذي دفعن لقول له يا ابن أخي؟ تساءل الاج عثمان ف سره‪ :‬هو ياثلهم‪ ،‬لكنها‪،‬‬
‫أعرف‪ ،‬هواجسي الت تنذر بشؤم قادم‪ .‬توقف مباغتا نفسه بتساؤل‪ :‬أأحاول استمالته؟ تلفت‬
‫‪.‬متطلعا للغريب الذي أصبح ضيفه الن‪ ،‬رآه يسي بوار عيد‪ ،‬فتحرك للمام نافضا عنه الوسواس‬
‫ف الشارع الواسع الؤدى للبيت الكبي‪ ،‬كانت سحابة من غبار أثر تدافع القدام‪ ،‬و لعب‬
‫العيال بالشارع‪ ،‬تلق فوق الوكب‪ ،‬رفع الاج عثمان وجهه متتبعا الغبار‪ ،‬لكن عينه فجأة‬
‫‪.‬أغمضت غصبا‪ ،‬رد وجهه نو الرض و هو يتمم‪ :‬حت الرجفة ل تريد أن تفارق‬

‫كنت أحاول مع الكتابة‪ ،‬دون الوصول لنتائج مرضية‪ ،‬فقط بعض التخطيطات لفكار تلوح‬
‫فجأة‪ ،‬أكتب بماس شديد بعض الصفحات‪ ،‬ث تدرييا يهمد كل شيء‪ ،‬ف منتصف الطريق أفقد الرغبة؛‬
‫كثيا ما كان يتهمن ممد بالوف‪ ،‬قال‪ :‬الكتابة تتاج إل شجاعة كما الياة تاما‪ ..‬و يبدو أنك‬
‫‪.‬أوقفت حياتك للفرجة دون الوض ف معتكها‬
‫كنا قد فارقنا الاجر‪ ،‬آخذين الطريق التعرج الصاعد نو البلدة‪ ،‬الن أنتبه للحظة‬
‫ممد الذكية‪ :‬ف هذه البلدة ل توجد طرق مستوية‪ ..‬كلها أما صاعدة‪ ..‬أو هابطة‪ ..‬أو متعرجة‪.‬‬
‫و كان يضحك و هو يقلد طرق الشي‪ :‬أن تسي عليك أن تعمل جاهدا لفظ توازنك و استقامة ظهرك‪.‬‬
‫كان الطريق فعليا يلتف حول إبط تل يصعده متعرجا حت يستوي على الضبة القام فوق رحابا‬
‫البلدة و خلفها يقع البل الكبي‪ ،‬و الذي يبدو كحاجز يوط البلد و يدفعها باتاه النهر‪ ،‬غي‬
‫سامح لا بالتنفس‪ ،‬أو التوسع؛ تشرف الضبة على الرض الزروعة‪ ،‬و هناك ف البعيد يرمح النهر‬
‫‪.‬شال‪ ،‬ف مرة حاولت أن أكتب قصة عن النهر‪ ،‬لو أنه يتحرك باتاه النوب‬
‫كان ممد يسبقن بطوات‪ ،‬و أنا حائر ف كلمه‪ ،‬أتهل لعطي لنفسي الوقت‪ ،‬قلت‪ :‬توهات لال‬
‫‪.‬آخر‪ ،‬بلفظ أدق‪ :‬منون‬

‫مددت خطوتي للق به‪ ،‬قلت‪ :‬أنت تسك ببال واهية‪ .‬توقف فكدت اصطدم به‪ ،‬مسح العرق من‬
‫على وجهه‪ ،‬و بدا أنه يفكر فيما سيقوله‪ ،‬تطيته سائرا أمامه‪ ،‬فأطلق ضحكة و هو يقول‪:‬‬
‫‪.‬ينقصك اليال يا ابن العم‪ .‬ل أشأ أن أجادل‪ ،‬هززت كتفي و سرت حت استوي الطريق‬
‫كان الباح شاسعا أمام البيت الكبي‪ ،‬هذا البيت الذي بن خارج البلدة‪ ،‬و يشبه قلعة‪،‬‬
‫كانت سحابة من الغبار ترسم خطوطا غليظة و متعرجة‪ ،‬متقاطعة فوق الساحة؛ من الهة الخرى‬
‫‪.‬كان يتقدم جع من الرجال صوب البيت‪ ،‬فيما كان واحد يدق على الباب‬

‫هبت نسمة طرية مملة بروائح القول البعيدة‪ ،‬تلقفها المع الواقف قدام الباب‪ ،‬و‬
‫بتحيب بالغ راح البعض يثن عليها‪ ،‬و لعنا ف نفس الوقت حرارة الظهية الت كادت تشوي‬
‫‪.‬البلدة داخلها‬
‫كان الباب الكبي قد فتح على أخره‪ ،‬و الاج عثمان يدعو الناس للدخول‪ ،‬و يدفع بعضهم‬
‫بزقة لطيفة من يده‪ ،‬البعض يردد عبارات الاملة‪ ،‬و البعض يكتفي بابتسامة و يدخل؛ أبناء‬
‫العائلة كانوا أول من دخل ث تبعهم الباقي‪ ،‬تراجع الغريب‪ ،‬لكن دفعة من عيد و تفضل‪،‬‬
‫‪.‬جعلته يتلجلج‪ ،‬و بنظرة من الاج عثمان دخل‪ ،‬و تبعه عيد‬
‫وقف الاج عثمان وحيدا مواجها قمر العيد القارب للكتمال‪ ،‬يتذكر أن عاما قد مر على‬
‫أخر مرة خطت فيها قدمه صوب البيت الكبي‪ :‬ياه‪ ..‬سنة‪ .‬هل للقسوة مكان؟ أم الفوة القدية‬
‫ما تزال قائمة‪ ،‬سنة مرت منذ توفيت فاطمة‪ ،‬الخت‪ ،‬و كأنن أقف لظة الطرد‪ ،‬كما أنا الن‪،‬‬
‫الفارق هو الزمن‪ ،‬لظتها ل أكن حزينا‪ ،‬كنت فقط أقف على بداية طريقي‪ ،‬سأضحك الن على نفسي‬
‫لو تصورت بأني كنت أطرد من النة‪ ،‬كنت أشعر بالباغتة‪ ،‬الخذ على خوانة‪ ،‬ل يكن أحد يقدر‬
‫‪.‬على فعل شيء‪ ،‬أي شيء‪ ،‬يي قد أقسم و يب الوفاء به‬
‫يا عم لاذا تقف بالارج؟ كان البشاري و قد وقف بفتحة الباب‪ ،‬تبسم العم لرآه‪ ،‬قال ‪-‬‬
‫انتظر ضيفا تأخر‪ .‬خرج البشاري و وقف بوار عمه‪ ،‬و راح ينظر للرسوم و الكتابة على الائط‪،‬‬
‫‪.‬و الت علها غبار ناعم فأطفأ بجة ألوانا‪ ،‬و إن كان ضوء القمر أبان بعض الرسوم‬
‫‪.‬ل تعد تزورنا يا عم ‪-‬‬
‫‪.‬للسن أحكامه يا ابن أخي ‪-‬‬
‫‪.‬منذ وفاة عمك‪ ..‬ل تل بالضارب ‪-‬‬
‫استدار الاج عثمان مواجها البشاري‪ ،‬و دق بنبوته على الرض‪ ،‬قال‪ :‬النبوت دا من خور السلم‬
‫‪...‬و‪ .‬وقبل أن يكمل قطع كلمه صوت خطوات قادمة مسرعة‪ ،‬تبسم الاج و قال‪ :‬ها ضيفنا قد جاء‬

‫انفلتت زينب داخلة من الباب و ردته بسرعة‪ ،‬و حل ظلم و بعد الصوت‪ ،‬تركت نو العلق‬
‫الذي رمت عليه بعض أثوابا فوق أثواب العمة‪ ،‬و الت رفضت اقتاح والدها بتوزيعها على‬
‫الفقراء‪ ،‬بدأت تلع الثوب الذي تعبت به طوال نار العيد‪ ،‬و اشتكت عزيزة من رائحته‪ ،‬زفرت‬
‫‪.‬و هي تلقي الثوب على طرف السرير‪ ،‬و مدت يدها نو العلق‪ ،‬لكنها تراجعت‬
‫غرفة العمة و الواقعة خلف الديوان ل تكن توي سوى السرير العال القدي ذي العمدة‪،‬‬
‫من بقايا جهازها وهي عروس؛ و صندوقي أحدها للعمة‪ ،‬و الخر يص الدة‪ ،‬فاطمة الول‪ ،‬صندوقان‬
‫من خشب أسود و ثقيل‪ ،‬عليه كتابة و نقوش؛ رغم مرور سنة ل تاول زينب فتح أحد الصندوقي‪،‬‬
‫رغم احتفاظها بالفتاحي‪ .‬و حبل شد عند ركن الغرفة‪ ،‬وراء الفسحة الت تركها السرير‪ ،‬علقت‬
‫‪.‬عليه أثواب العمة‪ ،‬و الغطاء الزائد من بطاطي و مفارش‬
‫ف الصباح حي جاءت زينب كانت تمل لفة فيها بعض ملبسها‪ ،‬ذلك أنا قدرت أن تبقي أيام‬
‫العيد‪ -‬الربعة‪ -‬ببيت العمة‪،‬عندما دخلت توجهت أول نو غرفة سعيد‪ ،‬الت كانت ستزف با‪،‬‬
‫لكنها توقفت ف منتصف السافة‪ ،‬و هي تستشعر انقباضا يعصر قلبها‪ ،‬فارتدت ذاهبة لغرفة‬
‫العمة‪ ،‬فتحت الباب فهاجتها رائحة الرطوبة الت تعبق بالكان‪ ،‬الرائحة متلطة باللب و‬
‫‪.‬الصندل و التاب‪ ،‬تركت الباب مفتوحا كي يدخل الواء و النور إل قلب الغرفة الظلمة‬
‫ف لظات كانت قد بصرت بحتويات الغرفة‪ :‬طست مركون إل الائط‪ ،‬و برش على الرض ملطخ‬
‫بآثار الناء‪ ،‬فهاجت مشاعرها‪ ،‬و ننهت بالبكاء‪ ..‬استندت على السرير‪ ،‬و تذكرت أنه مر عام‬
‫على رحيل العمة‪ ..‬عام قد مر دون أن يدخل أحد هذه الغرفة الت غسلت فيها العمة و قامت هي‬
‫و عزيزة بتخضيبها بالناء‪ ،‬كانت طوال أيام العزاء حريصة على جعل الباب مفتوحا لكن دون‬
‫أن تسمح لي شخص بدخول الجرة‪ ،‬ف الليل كانت تدخل وحدها و تعلق فانوسا كي يني الغرفة ث‬
‫تفرش حصيا قدام الباب و ترقد فوقه؛ عقب النتهاء من العزاء سكت الباب‪ ،‬قفلته و وضعت‬
‫الفتاح بيبها‪ ،‬كانت كلما جاءت‪ ،‬فيما بعد‪ ،‬تشى أن تدخل الغرفة أو تقتب منها‪ ،‬كانت تظن‬
‫أنا ستجد العمة جالسة فوق سريرها‪ ،‬لذلك انتابتها رهبة و رعدة و هي تفتح الباب‪ ،‬لكن‬
‫‪.‬الرائحة العلقة ف جو الغرفة منذ أغلقتها‪ ،‬هي الت هاجتها‬
‫نظرت حولا‪ ،‬كان الغبار قد غطى الوائط‪ ،‬و تراب ناعم نزل على السرير و ملبس العمة‬
‫العلقة‪ ،‬و دارى النقوش الت على الصندوقي‪ ،‬هبت واقفة كملدوغة‪ ،‬نفضت الدموع‪ ،‬و بدأت حلة‬
‫نظافة واسعة‪ ،‬بادئة بغرفة العمة‪ ،‬أخرجت أول البش بعد أن طوته بذر‪ ،‬ث الطست‪ ،‬و راحت‬
‫‪.‬تكنس بذر شديد‪ ،‬خوفا من دبيب الرض الذي يعشق الماكن الرطبة الظلمة‪ ،‬و الالية من البشر‬
‫ف هذه الغرفة الن ترهف زينب سعها للصوات النبعثة من قلب الديوان‪ ،‬الصوات ضعيفة‬
‫بالكاد تسمع‪ ،‬سك الوائط كان يعوقها‪ ،‬حاولت زينب تبي صوت والدها‪ ،‬تعرفه من بي اللوف‪،‬‬
‫هكذا تدعي‪ ،‬لكنها الن ل تقدر‪ ،‬فقط أصوات أبناء أعمامها‪ ،‬تعلو أحيانا‪ ،‬و أحيانا تفت‪،‬‬
‫‪.‬أصوات متداخلة متلطة‪ ،‬هي ل تعرف معظمهم‪ ،‬لكن على أية حال هم أبناء عمومتها‬
‫رفعت" قب" قميصها التحت تشمه‪ ،‬مرة‪ ،‬ث مرة أخرى‪ ،‬ث قررت خلعه‪ ،‬كانت قد اعتادت‬
‫الظلمة‪ ،‬رمت القميص فوق اللباب على طرف السرير‪ ،‬و استدارت نو العلق‪ ،‬و رنت خلفها ف جو‬

‫الغرفة ضحكة اهتزت لا أركان السرير‪ ،‬ل ينس الفزع زينب أنا عارية تاما إل من سروال‪،‬‬
‫رفعت يديها تلقائيا كي تدارى عرى صدرها‪ ،‬و هي تندفع للختباء بي اللبس العلقة على البل‪،‬‬
‫‪.‬و الضحكة زاد صفاؤها و وضوحها‬

‫‪.‬عجزت يا عوض ال ‪-‬‬
‫ضحك الاج عثمان و هو يقبض على يد عوض ال النحيفة‪ ،‬و عوض ال ما يزال ينهج‪ ،‬و بيده الخرى‬
‫يلم العمامة الت تدلت فوق رأسه‪ ،‬قال بودة صافية‪ :‬ملعون أبو الموم‪ .‬ث أخذ يعيد لف‬
‫العمامة و يبكها و قال يداعب الاج‪ :‬أنا كنت عيل لا كانت الصواب توقف على رجل لا تشها‪.‬‬
‫ضربت الكلمة الاج عثمان‪ ،‬فأفلت يد عوض ال و قال بدة غي مبرة‪ :‬أنا أصب منك‪ .‬ضحك عوض ال‪،‬‬
‫‪.‬و أشار للواقف‪ ،‬قال الاج عثمان‪ :‬ود البال‪ ..‬البشاري‪.‬مد ماهد يده و سلم‬
‫للحظات ساد الصمت‪ ،‬الاج يقلقل رجليه‪ ،‬و ينظر للساحة الت ت هجرها‪ ،‬حت العيد ل يعد‬
‫أحد يصليه هنا‪ ،‬فبعد أن استطاع الول الفقي أن يقيم ساحته ف الطرف الثاني من البلدة‪ ،‬حت‬
‫جر الناس عقب وفاة العمة إل هناك؛ بدت الساحة موحشة و خالية من أي حس يربطها بالياة‪،‬‬
‫الرض الرملية مليئة بالحجار الصغية و الزلط‪ ،‬حت النب تدمت حجارته‪ ،‬كانت قد بنيت عدة‬
‫مصاطب حجرية فوق بعضها مشكلة النب؛ يتجمع الناس بالامع عقب صلة الفجر و يأخذون ف‬
‫التكبي و التهليل حت شروق الشمس‪ ،‬فيخرجون‪ ،‬يقودهم المام‪ ،‬قاصدين الساحة الت جهزت منذ‬
‫عصر المس‪ ،‬و التكبي و التهليل يتصاعد مع انضمام الرجال و الشباب و الطفال عب الشوارع‬
‫الت يقطعها الوكب باتاه الساحة‪ ،‬ساحة الرحال‪ ،‬حشد هائل يلس ف براح الساحة حت موعد‬
‫‪.‬الصلة‪ ،‬بعدها يقوم المام و يصعد الدرجات الثلث‪ -‬النب‪ -‬و يبدأ خطبة العيد‬
‫‪.‬يكن سنة أو أكثر ‪-‬‬
‫أفاق الاج عثمان على صوت عوض ال‪ ،‬فاستدار ناحيتهم‪ ،‬و قال للبشاري‪ :‬خذ عمك عوض ال و‬
‫أدخل‪ .‬نظر ماهد إل عمه مستغربا أحواله لكنه ل يكن يلك سوى أن يطيع‪ ،‬و الاج عثمان كي‬
‫ينهي لاجة الوقف عاد يستقبل الساحة‪ ،‬و عوض ال تقدم داخل البيت و تبعه البشاري على مضض‪،‬‬
‫و الساحة قابلت الاج عثمان بنظرها القبض‪ ،‬كانت تصرخ بوجهه تشكو قسوة الجر‪ ،‬ل يتحمل و‬
‫هزته رعدة أدارته باتاه الائط‪ ،‬طالعته رسوم عيد الت غطاها الغبار‪ ،‬قال ‪ :‬نسيناها ‪ ..‬ل‬
‫‪.‬نعد نتذكر شيء‪ ..‬آه الزمن‪ .‬و كأنا لدغته الكلمة فأجفل متاجعا‬
‫‪.‬يا عم ‪-‬‬
‫‪.‬جاء صوت من الداخل‪ ،‬تقدم الاج عثمان و هو يهمهم‪ :‬ل المر‬

‫ظنت أنا عزيزة‪ ،‬لكنها ل تسمع الباب يفتح‪ ،‬أو يغلق‪ ،‬كانت تمن و هي متبئة بي اللبس‬
‫ّفها الباغتة تاول العثور‬
‫الدلة من العلق‪ ،‬كان السرير يجب ساقيها العاريتي‪ ،‬و بيد ترج‬
‫على ثوب تسدله على بدنا‪ ،‬و الضحكة استقرت و أخذت راحتها‪ ،‬و أعقبتها بكحة صغية‪ ،‬قالت‬
‫‪.‬زينب‪ :‬عمت‬
‫أخرجت رأسها من بي اللبس‪ ،‬كانت العمة برمها الضئيل‪ -‬كما ف أيامها الخية‪ -‬جالسة‬
‫فوق السرير‪ ،‬تواجه زينب و تبتسم ف وجهها‪ ،‬هت زينب بالري نوها‪ ،‬لكن عريها ردها‪ ،‬و جاء‬
‫‪.‬صوت العمة ضاحكا‪ :‬لسه زى ما أنت‬
‫يدها تقلب بي اللبس‪ ،‬تريد الوصول لواحد من أثوابا الت رمتها فوق العلق ف الصباح‪،‬‬
‫و عينها على العمة‪ ،‬حاولت أن تتكلم‪ ،‬لكن صوتا حبس بلقها‪ ،‬كانت تاول التيقن من كونا‬
‫مستيقظة‪ ،‬بيدها الالية قرصت صدرها‪ ،‬تأوهت‪ ،‬و العمة أوقفت ضحكتها و أعقبتها بسعلة قبل‬
‫أن تقول‪ :‬اليام بتوح يا بت‪ .‬كان الصوت يل براح الغرفة شبه الظلمة‪ ،‬قبضت يد زينب على‬
‫ثوب‪ ،‬تعرفت على أنه يصها من ملمسه بي أصابعها‪ ،‬قالت ف نفسها‪ :‬أنا صاحية‪ .‬جذبت الثوب‬
‫نوها‪ ،‬لكنه ل يطاوعها‪ ،‬بدا أنه قد علق‪ ،‬بضيق صدرها شدته مرة ثانية‪ ،‬لكن بقوة أكب‪ ،‬و‬
‫أيضا ل يطاوعها‪ ،‬ترك السد الرابض فوق السرير‪ ،‬فارتج السرير‪ ،‬ل إراديا مدت زينب يدها و‬
‫قبضت على العامود النحاسي القريب منها‪ ،‬لكنها أفلتته بسرعة لا سرى بذراعها تيار بارد‬
‫جعل جسدها يرتف‪ ،‬لكن عينها ظلت تتابع العمة التبعة فوق سرير زواجها‪ ،‬قالت العمة‪ :‬جدتك‬
‫‪.‬فاطمة قالت ل‪ ..‬على الرأة‪.‬و تنهدت قبل أن تكمل‪ :‬الفارسة أن تعرف مت ترخي لامها‬
‫النق وصل مداه بزينب من الثوب العالق‪ ،‬فاستدارت تلصه‪ ،‬نظرت للثوب الذي تقبض‬
‫عليه‪ ،‬اكتشفت أنه للعمة‪ ،‬تركته و التقطت بسهولة واحد من أثوابا‪ ،‬و بسرعة و ارتباك راحت‬
‫‪.‬تدس رأسها ف طوقه‪ ،‬و هي تستدير مواجهة العمة‪ ،‬الت ل تكن موجودة‬
‫جدت زينب للحظات‪ ،‬ث دارت برأسها ف أناء الغرفة تبحث عنها‪ ،‬و الثوب معلق برقبتها‪،‬‬
‫‪.‬و جاء صوت قوى من الارج‪ ،‬ذكرها بعريها‪ :‬يا عم‬

‫توزع الرجال فوق الدكك و الصر الفروشة‪ ،‬و فانوس معلق يلقي بضوئه الواهن‪ ،‬و عيد ف أحد‬
‫الوانب يشعل الكلوب‪ ،‬كان قد صب بعضا من السبتو ف الوض القريب من الرتينة‪ ،‬القنديل الذي‬
‫‪.‬سيشتعل‪ ،‬و راح يكبس الواء داخل خزان الكلوب العمر بالكيوسي‬
‫جلس الغريب‪ -‬حي دخل‪ -‬ف أقرب مكان خال‪ ،‬فوق واحدة من الدكك الرصوصة بعناية فائقة‪،‬‬
‫عصاه بي ساقيه‪ ،‬و عينه تقلب ف الكان‪ ،‬بينما أبناء العمومة بعضهم جالس و البعض يتحرك بي‬
‫‪.‬المع مرحبا‬
‫طفلن يران بي الناس‪ ،‬واحد يسك بالبريق و يصب الاء على اليدي‪ ،‬و الخر يتلقى الاء‬
‫التساقط من غسل اليدي ف الطست الذي يسك به بيديه‪ ،‬و على كتفه فوطة ينحن قليل لتجذبا‬

‫‪.‬اليد الت غسلت توا لتنشفها‪ ،‬ث تعيدها مرة أخرى إل الكتف الائلة‬
‫ممد السكندراني يراقب عيد بمية‪ ،‬بينما دخل عوض ال اللب و رد السلم بصوت جهور و‬
‫هو يرفع يديه و يطبطب على صدره‪ ،‬ليد التحيات الت انالت عليه‪ ،‬ماهد البشاري جاء و وقف‬
‫بوار ممد الذي أقتب من عيد النهمك بعمله‪ ،‬كان ف هذه اللحظة قد أشعل عود ثقاب و أسقطه ف‬
‫السبتو‪ ،‬فهبت دفقة من نار‪ ،‬أمسكت بالرتينة‪ ،‬تكفل الواء الندفع من ضغط الوض بتصفيتها‪ ،‬و‬
‫تقويتها‪ ،‬حت صارت تشبه النيون‪ .‬قال ممد‪ :‬مش الكهرباء أحسن‪ .‬ضحك عيد و هو يمل الكلوب‪:‬‬
‫غلبت ماولة مع عمتك‪ ..‬إن ندخل الكهربا البيت‪ ..‬و هي على طول الط تقول‪ :‬يقولوا عليها‬
‫توت الناس‪ ..‬و بعدين لا أموت أبقوا دخلوها‪ .‬و تعب معاها الاج عثمان‪ ،‬و هي زى ما هي‪..‬‬
‫‪.‬كان الرحوم سعيد ناوى على فرحه ‪ ..‬لكن القدر‬
‫و تدج صوت عيد بتذكر صاحبه‪ ،‬و ممد الذي لظ تغي الصوت أراد تغي الوضوع‪ ،‬فأشار للطفلي و‬
‫هو يقول‪ :‬ولدك‪ .‬حل عيد الكلوب و سار به إل قلب الديوان‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ..‬عيد و سعيد‪ .‬توقف‬
‫ممد مشدوها‪ ،‬لكن عيد أكمل و هو يتحرك و يعتلي دكة و يقف فوقها‪ :‬الكب عيد حسب النذر‬
‫القدي‪ ..‬الصغي سعيد‪ .‬ث نظر لمد قبل أن يكمل ضاحكا‪ :‬حسب النذر الديد‪ .‬و مد يده قبض با‬
‫‪.‬على السيخ الديدي الدل من السقف‪ ،‬و بيده الثانية رفع الكلوب و علقه‬
‫غمر الضوء الباهر أرجاء الديوان‪ ،‬نزل عيد من الدكة و هو يرد على صيحات الستحسان و ال‬
‫ينور‪ ،‬و دارت عينه تبحث عن الاج عثمان‪ ،‬استند على كتف ممد و هو ييل عليه قائل‪ :‬النسيان‬
‫نعمة‪ .‬استفهم ممد بزة من رأسه‪ ،‬قال عيد‪ :‬عمك‪ .‬و سار نو مدخل الديوان‪ ،‬تبعه ممد‪ ،‬فرأى‬
‫‪.‬عمه واقفا أمام الباب‪ ،‬فنادي بقوة‪ :‬يا عم‬

‫‪.‬اطلع برة يا كلب ‪-‬‬
‫هدر الصوت الغاضب لوالده‪ ،‬كان يقف على عتبة الباب‪ ،‬و اللحظة نفس اللحظة‪ ،‬الغارب‪،‬‬
‫بيده بندقية‪ ،‬الت ما ظهرت إل نادرا‪ ،‬و ما استعملت أبدا؛ توقف متسمرا من قسوة اللحظة‪،‬‬
‫كان بعض من إخوته واقفي ياولون تدئة الوالد‪ ،‬دون القتاب منه‪ ،‬تلفت عثمان حوله‪ ،‬كانت‬
‫!بيده عصاه‪ ،‬ل يكن يدري ماذا يفعل‪ ،‬أو على أي نو يتصرف؟‬
‫‪...‬آخر الزمن ‪-‬‬
‫كلمات الوالد رصاص يصيب بدنه‪ ،‬ل يشهد والده ف حالة الغضب هذه من قبل‪ ،‬الن بندقية‬
‫ف اليد‪ ،‬و مرجل الغضب يهيئ اليد للضغط على الزناد‪ ،‬ل يكن أمامه سوى التاجع‪ ،‬جاء واحد‬
‫من إخوته‪ ،‬و جره من كمه؛ كانت نساء البيت‪ :‬جدته فاطمة‪ ،‬وأمه‪،‬و أخته فاطمة‪ ،‬يقفن ف‬
‫اللف‪ ،‬بدا النكسار واضحا على الم‪ ،‬بينما الفاطمتان تتابعان الشهد بياد جرح مشاعره‪ ،‬ل‬
‫يكن يقدر واحد من الوجودين على قول كلمة‪ ،‬أو رد المر إل التعقل‪ ،‬ثورة الوالد تتفاقم‪ ،‬و‬
‫‪.‬العجبان عثمان بدأ ف التاجع مذول‬

‫‪..‬يي تلتة‪ ..‬البيت ما تدخله ‪-‬‬
‫قدم خارج البيت‪ ،‬و قدم على العتبة‪ ،‬و نظرة أخية احتوت الشهد بغضبه الفائر و‬
‫الشعور بالغدر‪ ،‬وننهة الم باللف‪ ،‬نرتا الدة بعنف‪ ،‬و رياح الغروب تضرب ثوب الوخ بي‬
‫ساقيه‪ ،‬كان الب يتقدم‪ ،‬و ضاع صوت الخوة‪ ،‬و الب يشي إل الخ الذي ير عثمان من كمه‪ :‬أن‬
‫أدخل‪ .‬فتكه و دخل؛ وحيدا تراجع خطوته الخية‪ ،‬و ضربته الريح البلية بعنف الصيف الادر‪،‬‬
‫فاصطفق جلباب العيد‪ ،‬الوخ‪ ،‬مدثا طرقعة عالية‪ ،‬تاوبت معها ردة الباب‪ ،‬الذي أغلقه الوالد‬
‫‪.‬ف وجهه‪ ،‬بقوة و حسم‪ :‬غور‪ ..‬ف ستي داهية‬
‫تطلع مذهول إل جدران البيت العالية‪ ،‬و الباب الثقيل الغلق‪ ،‬و كلم غاضب ل يصل‬
‫مسامعه بوضوح؛ كان وحيدا ف مغرب العيد‪ ،‬غي مستوعب لا جرى‪ ،‬ظل لفتة واقفا هكذا‪ ،‬ظن أنه‬
‫ربا كان يلم‪ ،‬لكن هذا ليس حلما بل كابوسا مرعبا‪ ،‬كان عليه أن يتحرك‪ ،‬و لا كان ل يعرف‬
‫‪.‬إل أين‪ ،‬ترك الريح تدفعه‬

‫تقدم ممد السكندراني تاه العم الغارق ف ذكرياته‪ ،‬بدا كأنه مدقوق ف الرض‪ ،‬غي قادر‬
‫‪.‬على التحرك دون مساعدة‪ ،‬برفق أمسك بكمه‪ ،‬قال‪ :‬الناس ف انتظارك‬
‫آه‪ .‬قال العم‪ ،‬و كأنه يفيق من غيبوبة غامضة‪ ،‬طويلة و قاسية‪ ،‬تبسم لبن أخيه كي يتغلب ‪-‬‬
‫على الرج‪ ،‬أراد أن يقول شيئا‪ ،‬لكن يد ممد سحبته للداخل‪ ،‬بطرف عينه نظر‪ ،‬كان ممد يتحي‬
‫الفرصة للختلء بعمه‪ ،‬مال و هو يقول‪ :‬يا عم ‪ ..‬أريدك‪ ..‬أن‪ ..‬و وجد الكلم يهرب‪ ،‬و العم‬
‫انتظر‪ ،‬لكنه لظ أنه يسي تت دفع يد ابن أخيه‪ ،‬رأى العم نفسه عيل يساق إل مكان ل يرغب‬
‫بالتواجد فيه‪ ،‬هز ذراعه نافضا القبضة الت تسيطر على كمه‪ ،‬قال‪ :‬خي‪ .‬و أراد التوقف‪،‬‬
‫‪.‬لكنهما كانا على باب الديوان‪ ،‬فلمح الناس ف غمرة الضوء يقفون لستقباله‪ ،‬فدخل‬
‫تراجع ممد مستديرا تاه حوش البيت‪ ،‬رأى النخلة قائمة‪ ،‬تقدم نوها‪ ،‬كانت ماطة بظلم خفيف و‬
‫ّ أن أفاته‪ .‬و أتاه صوت‪:‬‬
‫نسمة منفلتة من قبضة الصيف اللتهب تداعب جريدها‪،‬قال‪ :‬كان على‬
‫البيت لزم يبقى مفتوح‪ .‬تلفت مستطلعا‪ ،‬لكن ل أحد‪ ،‬استدار‪ ،‬رآهم يملون الصواني ذاهبي‬
‫للديوان‪ ،‬ف اللف هناك تقبع الزرائب القدية‪ ،‬مغلفة بظلم قات ومقيم‪ ،‬مرقت برأسه حكاية‬
‫سعيد و جاء الصوت‪ :‬الشتات‪ .‬و للمرة الثانية يتلفت حوله‪ ،‬لكنه ل يستطع تبي نبة الصوت‬
‫جيدا‪ ،‬كان جذع النخلة بواره يئن‪ ،‬و الشائش الت حوله هائشة تنذر من ياول القتاب‪ ،‬استدار‬
‫‪.‬عائدا‪ ،‬ف منتصف الطريق لح زينب خارجة من بيت الطبخ‪ ،‬فحرك قدميه نوها‬

‫كل هذا التأخي‪ .‬قالت عزيزة‪ ،‬و هي منحنية تغرف الطبيخ من اللل الكبية‪ ،‬و تضعه داخل ‪-‬‬
‫أطباق صغية‪ ،‬مرصوصة فوق صوان بوارها‪ .‬ل تسمع من زينب رد‪ ،‬رفعت وجهها نوها‪ ،‬قالت‪ :‬بسم‬
‫‪.‬ال‪ ..‬ما شاء ال‪ .‬و ضحكت‪ ،‬أرادت أن تكمل غي أن قدوم واحد من عيالا جعلها تصمت‬
‫الولد حل الصينية و قال آمرا و هو يرج‪ :‬خلصوا‪ .‬و كأنا حى أنشبت بزينب‪ ،‬راحت تضع‬
‫الرغفة فوق الصواني‪ ،‬و ف نفس الوقت تتناول الطباق من عزيزة و ترصها بعناية فائقة‪ ،‬و‬
‫‪.‬بعينها تتأكد من وجود ملعق كافية فوق كل صينية‪ ،‬و تستعجل عزيزة كي تف يدها‬
‫جاء عيد و الولدان‪ ،‬و اثنان من أبناء العم‪ ،‬و أخذوا‬

‫يملون الصواني‪ ،‬واحد من‬

‫العيال حل وعاء الاء الكبي و الذي به قطع من الثلج طافية؛ تناولت عزيزة اللة الكبية‬
‫وراحت تفرغ ما با من لم داخل طبق كبي و واسع‪ ،‬ث غطته بطبق من الوص اللون‪ ،‬عمل يد زينب‬
‫الت تناولت الطبق منها‪ ،‬و خرجت من غرفة الطبخ‪ ،‬نظرت‪ ،‬الكل دخل الديوان‪ ،‬قالت‪ :‬نسوا‪.‬‬
‫لكنها لت ظل يتحرك ف الظلم قادما من عند النخلة‪ ،‬كان ممد السكندراني‪ ،‬وقفت حت وصل‬
‫عندها‪ ،‬ناولته الطبق‪ ،‬و لت ف وجهه استفهاما‪ ،‬قالت‪ :‬أعطيه لبي‪ .‬و ردت راجعة للمطبخ و هي‬
‫‪.‬تبتسم‬

‫بعد صلة العشاء جاء ناس‪ ،‬و رحل ناس‪ ،‬و جاء الشاي‪ ،‬و دار مبسم الشيشة‪ ،‬و شكلت‬
‫أعقاب السجائر حضورا ل يكن تاهله فوق أرضية الديوان الفروشة بالرمل‪ ،‬و من الداخل كان‬
‫يأتي صوت غسل الواني و شطفها‪ ،‬و أصوات الوار تعلو حينا و تفت أحيانا‪ ،‬لكن اللحظ أن‬
‫‪.‬الضحكات كانت عالية‪ ،‬ث كان أن انصرف الناس‪ ،‬و صفت القعدة‬
‫الاج عثمان و أبناء عائلة الرحال‪ ،‬و عيد و عوض ال اللب‪ ،‬و الغريب الذي أصر الاج‬
‫على بقائه؛ ف الداخل ظلت زينب و عزيزة تتسامران و تلبيان ف نفس الوقت الطلبات الوافدة‬
‫من الديوان‪ ،‬بينما غلب النوم الولدين‪ :‬عيد و سعيد‪ .‬فرقدا فوق سرير العمة الركون بوار‬
‫‪.‬الطبخ؛ و بدأ الليل يأخذ منحى آخر‬

‫‪.‬أتزوج زينب ‪-‬‬
‫كانت مفاجأة ل‪ ،‬ل أعرف قبل بأن النون قد يكون ساكن بيننا‪ ،‬و أنه بلغ هذا الد‪ ،‬و غي‬
‫قابل للتاجع‪ ،‬كانت كلماته تمل تأكيدا ل يكن مداراته؛ و الفاجأة تشكلت من كوننا قد‬
‫تعاملنا مع زينب‪ ،‬على أنا زوجة سعيد‪ ،‬ابن عمتنا‪ ،‬و بالتال ل يكن القتاب منها‪ ،‬أو لسها‪،‬‬
‫و كأنا ما يزال سعيد حيا قائما‪ ،‬يتحرك بيننا‪ ،‬و من التم ل يوز النظر إل زوجته على أنا‬
‫امرأة أخرى‪ ،‬يكن اشتهاؤها‪ ،‬أو حت التفكي با كزوجة متملة‪ ،‬و هي كانت قد أكدت على هذا‬

‫حينما رفضت كل الذين تقدموا للزواج منها عقب وفاة سعيد‪ ،‬قالت بعناد يليق با‪ ،‬و يليق‬
‫بالعائلة ذات الدماغ الناشف‪ :‬أنا أخذت نصيب‪ .‬هكذا كنا حي نر با ل ندقق بلمها‪ ،‬أو‬
‫التطلع للحتها‪ ،‬و تقاطيع وجهها‪ ،‬أو تكوين جسدها‪ ،‬كنا نسلم فقط‪ ،‬ند أيدينا للحظة كي تس‬
‫أناملها ث نسبها‪ ،‬و كأننا سلمنا على واحدة من أخواتنا‪ ،‬نتبادل كلمات قليلة حول أخبار‬
‫‪.‬العائلة و الصحة و الحوال‪ ،‬حديث عام و عابر‪ ،‬دون رفع العي لتأمل من ندثه‬
‫‪.‬شوف‪ ..‬زينب بداية اللم ‪-‬‬
‫كنا منفردين فوق دكة‪ ،‬ممد السكندراني و أنا‪ ،‬و الديوان أصبح مموعة من التجمعات‬
‫النفصلة‪ :‬البشاري حوله ثلثة من أبناء عمومته يكي لم عن الصحراء و أحوالا الغريبة‪ ،‬و‬
‫عوض ال اللب بوار الغريب‪ ،‬و البعض تدد فوق الدكك‪ ،‬و عيد يدخل حجرة الديوان الداخلية‪-‬‬
‫الاصل‪ -‬للديوان و يعود و هو يمل الفارش و الغطية الفيفة‪ ،‬ث يقوم بتوزيعها‪ ،‬و العم‬
‫عثمان فوق دكته‪ ،‬متصدرا و منفردا‪ ،‬يدخن الشيشة و يراقب الميع بعي هادئة‪،‬‬

‫دون التدخل‬
‫‪.‬بأي حوار‬

‫!أي حلم تقصد؟ ‪-‬‬
‫كنت أراوغ فقط كسبا للوقت‪ ،‬كي أعيد ترتيب الحداث‪ ،‬وقفت دونا قصد‪ ،‬حركت يدي ف الواء لكن‬
‫‪.‬ممد جذبن‪ ،‬فجلست‬
‫‪.‬اهدأ يا عم‪ ..‬العائلة ‪-‬‬
‫قال و هو يشي إل المع التناثر حولنا‪ ،‬ث أكمل‪ :‬ليس هناك أمل ف عودة هؤلء‪ ،‬كل قد أصبح له‬
‫حياته ف مكان آخر‪ ،‬حياة و تاريخ و مصال‪ ،‬ل يكن التخلي عنها بسهولة‪ ..‬و هنا كانت أزمة‬
‫سعيد‪ ،‬و النقطة الت قتلته‪ ،‬كان يدرك ذلك‪ ،‬لكنه ل يكن قادرا على العبور‪ ،‬أزمته الشخصية‬
‫‪.‬تكمن ف وعيه‬
‫‪.‬قلت مقاطعا‪ :‬تقصد أنه رأى الشتات كقدر ل يكن تفاديه‬
‫قال و قد بدأ صوته ف العلو‪ :‬ل ‪ ..‬بل كعقاب أخلقي‪ ،‬علينا جيعا دفع الثمن و كامل‪ ،‬دون‬
‫تذمر ‪..‬أخذنا الناس‪ ،‬هكذا بدأ المر‪ ،‬العبيد من بلدهم‪ ،‬و شتتناهم هنا‪ ،‬ف بلد غريبة‪ ،‬بي‬
‫ناس أغراب‪ ،‬ليس هذا فقط‪ ،‬لكن الانب الكثر إظلما و تعذيبا ف الكاية أننا بعناهم كعبيد‪،‬‬
‫‪.‬كانوا أحرارا ف بلدهم‪ ،‬و نن صيناهم عبيدا‬
‫جاء عيد و رمي ملءتي بوارنا‪ ،‬قال و هو يبتسم‪ :‬ليل الصيف سراق‪ .‬صمتنا و هو لح انماكنا ف‬
‫الديث‪ ،‬فابتسم معتذرا و راح يواصل جولته بي الدكك‪ .‬ألتفت إل ممد و قلت بنوع من العتاض‪:‬‬
‫ف البداية حي بدأ الرجل الرحال الكبي تارته‪ ،‬و الت ل يكن العبيد جزءا منها‪ ،‬ل يكن هناك‬
‫حس من التجري أو التحري لذه التجارة‪ ،‬بل على العكس كان هناك غطاء دين كامل مشمول بدعم‬
‫سلطوي يؤمن هذه التجارة‪ ،‬و يكفل لا ازدهارها‪ ،‬هل يكن للحفاد تمل أوزارا ل يقتفوها‪..‬‬
‫‪.‬لنكن أكثر صراحة‪ :‬ل تكن أوزارا عند الرعيل الول‬
‫‪...‬يعن ‪-‬‬
‫ما الذي يدفع الناس إل هجرة أماكنهم‪ ،‬الت ولدوا و تربوا با‪ ...‬حي انارت تارة الرحال‪- ،‬‬

‫ل يكن يوجد هنا ما يكن التعويل عليه‪ ،‬ل يبق سوى مواجهة الزمن و الفقار عب التمسك‬
‫بالتاريخ القدي‪ ،‬و هذا ل يشبع البطون الائعة‪ ،‬و ل يست عرى الجساد‪ ..‬و ل يكن هناك بديل‬
‫سوى الروج‪ ..‬و البحث عن أماكن جديدة‪ ،‬بتاريخ جديد‪ ..‬خاصة و هذه البلد تعاني من الهال‬
‫‪..‬الطويل و التوارث من قبل سلطات الشمال‬
‫‪.‬رجعنا لكلم النوبي ‪-‬‬
‫نعم‪ ..‬يا اسكندراني‪ ..‬حت الن ما يزال الناس يتكون بلدهم و قراهم‪ ،‬بثا عن أرزاق و ‪-‬‬
‫أقدار متلفة‪ ،‬مدفوعي تت ضغط إلاح احتياجاتم الولية‪ ..‬سلحهم الوحيد جهلهم العظيم و قوة‬
‫سواعدهم‪ ..‬خبني ماذا فعلت الكومات التعاقبة‪ ..‬ل يكن النوب ف حساباتا أبدا‪ ،‬يبدو ف‬
‫نظرها كتلة يكن إهالا و تاهلها‪ ..‬فقط النتباه لنهب خياته و تشريد ناسه عب طول البلد و‬
‫‪.‬عرضها‬
‫‪.‬بال عليك‪ ..‬خلينا ف موضوعنا ‪-‬‬
‫‪.‬و هل بعدنا عنه‪ ..‬أنت مثل ما الذي دفعك للخروج من البلد كلها ‪-‬‬
‫‪.‬لكن عدت ‪-‬‬
‫‪.‬من طريق الرؤية ‪-‬‬
‫‪.‬نعم ‪ ..‬و الن العودة الكبى ‪-‬‬
‫‪.‬ضحكت قبل أن أرد‪ :‬بالزواج من زينب‬
‫قال و هو يعتدل فوق الدكة‪ ،‬و متخذا وضعا شديد الدية‪ :‬أخطاء الاضي ل يكن إصلحها‪ ..‬بل‬
‫‪.‬يكن تفاديها‬
‫‪.‬قول حكيم ‪-‬‬
‫‪.‬أحس بعلو نبة السخرية و الزأ ف قول‪ ،‬فوقف و هو يقول‪ :‬سأفاتح عمي‪ ..‬و سار نوه‬

‫‪.‬الوقت تأخر ‪-‬‬
‫قالت عزيزة و هي تقوم نافضة ثوبا‪ ،‬كانت نسمة طرية قادمة من النهر البعيد قد‬
‫نبهتها لولدها الراقدين فوق السرير‪ ،‬بصت لزينب الالسة ساهة منذ وقت‪ ،‬حاولت أن تعرف ما‬
‫با‪ ،‬لكن زينب ل توضح‪ ،‬و تعللت بالتعب طوال النهار‪ ،‬و هدة اليل و الطلبات الت ل تنتهي‬
‫لهل الديوان؛ تعرف عزيزة أن ذلك ليس سببا يدعوها للشرود‪ ،‬لكنها قبلت بتفسي زينب‪ ،‬فهي‬
‫كتومة كعمتها تاما‪ ،‬ل تكشف إل ما ترغب الفصاح عنه‪ ،‬لكنها عزيزة و بسها النسوي خنت سببا‬
‫ّ هذا التأويل عزيزة‪ ،‬فحال‬
‫آخر‪ ،‬ربا يكون لوجود أولد عمومتها دخل ف حالة الشرود هذه‪ ،‬سر‬
‫صاحبتها‪ ،‬و صديقة طفولتها يهمها؛ الصحيح أن سعيد قد مات‪ ،‬لكن زينب ما تزال ف عز شبابا‪،‬‬
‫‪.‬صبية‪ ،‬و كانت قد لحظت حرصها التزايد بعد عودتا ‪ ،‬بأن يظل الثوب نظيفا ل يطوله أي وسخ‬
‫راحت للسرير‪ ،‬و أخذت توقظ الولدين اللذين تكورا‪ ،‬انتبهت زينب فقامت واقفة‪ ،‬قالت‪:‬‬

‫سيبيهم نايي‪ .‬كانت فقط ترك لسانا بالكلم كي تشعر بأنا متيقظة‪ ،‬تركت خطوتي‪ ،‬كان الولدان‬
‫ياهدان للعودة للنوم الت تاول الم جذبما بعيدا عنه‪ ،‬تزهم برقة لكن بسم أيضا‪ ،‬قام‬
‫الولدان و ها يدعكان عيونما‪ ،‬و برطمة غامضة ترج من الفواه‪ ،‬تبتسم لا عزيزة و هي تنزلما‬
‫من فوق السرير‪ ،‬تايل الولدان‪ ،‬و أصبحا على وشك النكفاء‪ ،‬لكن الم كانت قد دخلت بينهما‪،‬‬
‫‪.‬و سندتما إليها و سارت‬
‫خلفها مشت زينب‪ ،‬أرادت أن تشكر عزيزة على تعبها معها طوال النهار‪ ،‬تاركة بيتها ف‬
‫نار العيد‪ ،‬لكنها سارت صامتة و هي تنظر للم الت تتضن ولديها‪ ،‬و هاجتها رغبة غامضة ف أن‬
‫تكون ملها‪ ،‬و تدفقت لديها أحاسيس ظلت حريصة دائما على وأدها قبل أن تصرح با لنفسها‪،‬‬
‫لكنها الن ل تدرك ما الذي أصابا‪ ،‬لتفلت مشاعرها من قبضتها‪ ،‬و ل تكتفي بل تاجها‪ ،‬حاولت‬
‫‪.‬التوقف‪ ،‬لكنها اندفعت تتابع عزيزة غي قادرة على كبح خطوتا‬
‫عند الباب وقفت عزيزة‪ ،‬و قالت و هي تعدل الولدين‪ :‬ربنا يصبحك طيبة‪ .‬و ف بالا كان‬
‫ً أشهد به بدني قبل قدوم عيد‪ ،‬فالليلة ليلة مباركة‪ ،‬ليلة‬
‫ّ أن اسخن ماء‬
‫هناك حديث آخر‪ :‬على‬
‫عيد‪ ،‬و ل يكن تفويت بجتها‪ .‬خافت أن تنظر لزينب‪ ،‬فتطالع ف عينها رغبتها ظاهرة‪ ،‬و ترح‬
‫مشاعرها‪ ،‬فآثرت التقدم‪ ،‬و رفعت قدمها كي تتخطى العتبة‪ ،‬لكن واحدا من الولدين تعثر‪ ،‬و‬
‫قبل أن يسقط ساحبا معه الم و الخ‪ ،‬لقت به زينب و أقامته‪ ،‬فالتفتت عزيزة و هي تاول أن‬
‫‪.‬تداري خجلها‪ ،‬لكن العيون تلقت و كشفت عن السرائر‬
‫وقفت زينب على العتبة تتابع عزيزة حت وصلت بيتها‪ ،‬فارتدت عائدة‪ ،‬و رغبة جامة‬
‫‪.‬تسيطر على كيانا كله‬

‫سار ممد قاصدا الدكة الالس عليها العم‪ ،‬تدفعه هة عالية لناء الوضوع‪ ،‬الن و هنا أمام‬
‫الميع‪ ،‬و قبل أن يصل اعتض طريقه عوض ال اللب‪ ،‬و بواره الغريب‪ ،‬توقف ممد‪ ،‬قال عوض ال‪:‬‬
‫يريد المام‪ .‬و أشار للغريب؛ ل يدر ممد على أي نو يتصرف‪ ،‬راحت عينه للرسوم على الائط‬
‫الذي يواجهه‪ ،‬دكة عريضة يلس أحدهم فوقها با يدل على قوته‪ ،‬كان يسند ذراعه على عمود‬
‫الدكة و نظره سارح ف البعيد‪ ،‬و اليد الخرى تقبض على مبسم الشيشة و تقربه من الفم‬
‫الزموم‪ ،‬و ف اللف مموعة من البل ترعي‪ ،‬أغلبها بارك يت‪ ،‬و واحد مسرج يقف بشموخ و ينظر‬
‫‪.‬للجالس فوق الدكة‬
‫تي ممد‪ ،‬فنظر لعمه‪ ،‬فأشار العم إل المام القريب من باب البيت‪ ،‬تلفت ممد حوله‪ ،‬عل‬
‫ّ‬
‫واحدا غيه يقوم بذا الن‪ ،‬و يذهب بذا الغريب الذي ظهر لم ف البخت‪ ،‬لكن ل يتحرك أحد‪ ،‬قال‬
‫ممد ف نفسه‪ :‬كأنن أنقصه‪ .‬و ل يكن أمامه سوى المتثال لمر العم‪ ،‬و حاجة الضيف‪ ،‬فقاده‬
‫‪.‬خارجا من الديوان‬

‫قال عوض ال و هو يلس بوار الاج عثمان‪ :‬الولد جبلوي‪ .‬شد الاج عثمان نفسا طويل من‬
‫الشيشة‪ ،‬و راح يرج الدخان على مهل و هو يقول‪ :‬من ناس مي؟ و ناول البسم لعوض ال‪ ،‬الذي‬
‫‪.‬ألتقمه مباشرة‪ ،‬كي يعطى نفسه الوقت ليجيب دون أن يهتز صوته‬
‫ركب عيد دكة و مد يده كي تطول الكلوب‪ ،‬فاهتزت الرسوم على الوائط‪ ،‬و تركت‬
‫متداخلة‪ ،‬وقف البعض يساعده‪ ،‬و الاج عثمان الذي يعرف ألعيب عوض ال‪ ،‬ل يتعجله‪ ،‬بل تابع‬
‫السفينة الملة بالبضائع و البشر و هي تتداخل ف الرماح الذي فرت منه خيل السباق‪ ،‬و مد‬
‫يده لبسم الشيشة‪ ،‬فقدمه عوض ال دون اعتاض‪ ،‬عارفا بأن مراوغته باتت مكشوفة‪ ،‬و ل ينبغي‬
‫الستمرار فيها‪ ،‬قال‪ :‬من بيت البحيي‪.‬و بطرف عينه تابع البسم الذي توقفت يد الاج عثمان‬
‫عن الصعود به إل الفم‪ ،‬للحظة‪ ،‬ث واصلت صعودها‪ ،‬و كأن المر عاديا‪ ،‬و عوض ال الذي أصبح‬
‫‪.‬الوضوع ثقيل عليه‪ ،‬أراد النتهاء منه‪ ،‬قال بسرعة‪ :‬ابن مسعود البحيي‬
‫اليال‪ .‬قال الاج عثمان دون أن يتحكم ف رده‪ ،‬فهز عوض ال رأسه مؤكدا؛ كان عيد قد‬
‫قبض على يد الكلوب و خلصه من العلق برفق‪ ،‬سنده بعض الواقفي حوله كي ل يقع‪ ،‬و هو يتبسم‬
‫لم‪ ،‬مدركا قلة خباتم‪ ،‬و قلقهم بدا له مبرا بسبب نزعتهم لفعل أي شيء‪ ،‬بدل من القعدة‬
‫الطويلة‪ ،‬نزل عيد و سار تاه أحد الركان‪ ،‬و وضع الكلوب على الرض‪ ،‬ث مال نوه و فتح مبس‬
‫‪.‬الواء‪ ،‬فأصدر وشيشا عاليا‪ ،‬و أخد ضوء الرتينة ف النطفاء‬
‫قام عوض ال عائدا لدكته الت كان يلس عليها‪ ،‬تاركا الاج عثمان ليغرق ف ذكرياته‬
‫‪.‬القدية‬

‫بدا وجهها متقنا‪ ،‬تنقل قدمها بصعوبة‪ ،‬كأنا شيئا بداخلها يبها على التوقف‪ ،‬ليزرع‬
‫بداخلها السؤال الذي دائما ترغمه على التاجع و البتعاد عن وعيها‪ ،‬لكن الن‪ ،‬و بعد أن‬
‫رأت عزيزة بي أولدها‪ ،‬و رغبة صادقة‪ ،‬و جارحة‪ ،‬تتدفق من وجهها‪ ،‬و حديث العمة‪ ،‬و رائحة‬
‫‪.‬الذكورة السيطرة على جو البيت‪ ،‬كل ذلك وضع وحدتا و عنادها ف الواجهة‬
‫على الفارسة أن تعرف مت ترخي لام مهرتا‪ .‬هذا ما قالته الدة‪ ،‬أو الم‪ ،‬و طبقته العمة‪ ،‬حي‬
‫حكت لا عن حياتا‪ ،‬كانت لظة صفاء نادرة‪ ،‬و سعادة تط على البيت الكبي‪ ،‬كان ذلك عقب‬
‫خطبتها لسعيد؛ آه ‪ ..‬ما أبعد اليام‪ .‬تأوهت و هي تتلفت حولا‪ ،‬و بقدمها تدق على الرض‬
‫كمهرة تستعد لدخول السباق‪ ،‬كانت تريد من جسدها أن ينتفض و يسقط كل السئلة‪ ،‬كي تعود إل‬
‫‪.‬طمأنينتها الت أصبحت مهددة‬
‫خطت خطوتي‪ ،‬فوجدت نفسها ف وجه ابن عمها‪ ،‬السكندراني‪ ،‬و معه شخص غريب‪ ،‬ل تستطع التعرف‬

‫عليه‪ ،‬ارتبكت قليل‪ ،‬لكنها تراجعت خطوة مفسحة لما الطريق‪ ،‬فواصل التقدم‪ ،‬و هي نكست‬
‫‪.‬وجهها و سارت ناحية السرير‬

‫أشار ممد إل المام العلق بسقفه فانوس صغي‪ ،‬تقدم الغريب و دخل‪ ،‬و بقي ممد ف النتظار‪،‬‬
‫أخرج سيجارة‪ ،‬و عينه تتابع زينب الت تتحرك بعصبية ظاهرة‪ ،‬حت وصلت للسرير‪ ،‬قرب الطبخ‪ ،‬ل‬
‫يستطع فهم عصبيتها الن؛ ف بداية الليل حي أخذ منها طبق اللحم كان مشوشا‪ ،‬و هي ابتسمت ف‬
‫عينيه‪ ،‬هكذا رآها‪ ،‬و هذا سره‪ ،‬لكن الن ما الذي بدلا‪ ،‬أهو وجود الغريب‪ ،‬و تصاعد العداء‬
‫داخله‪ ،‬نظر للحمام‪ ،‬قال لنفسه‪ :‬هل أذهب و أفاتها؟ و هم بالتحرك‪ ،‬لكن انتظاره للغريب‬
‫‪.‬كبله‪ ،‬فلعنه منتبها لشاعره العدوانية‪ ،‬و الت تزايدت الن‬
‫حي بوغتا بزينب أمامهما‪ ،‬تلقائيا نظر للغريب‪ ،‬وجده ينظر لا بوقاحة‪ ،‬فأحس به كعدو‬
‫يقف بواره و عليه أن يواجهه‪ ،‬لكن‪ ..‬تبسم لاله‪ :‬يبدو أنن وقعت ف الب‪ ..‬و بدأت أغار‪.‬‬
‫التفت إل زينب الالسة فوق السرير‪ ،‬فبدت بسبب الظلم الفيف‪ ،‬كتلة تغطيها الظلل‪ ،‬تفى‬
‫معالها‪ ،‬لكنه يشعر على نو خاص بأنا تنظر إليه و تبتسم؛ هي أوهام العشاق‪ .‬قال و هو يهز‬
‫‪.‬رأسه‪ ،‬و يأخذ نفسا عميقا من سيجارته‬
‫تنحنح الغريب و خرج‪ ،‬ههم بكلمات شاكرة‪ ،‬و عينه تستطلع الكان حوله‪ ،‬و توقفت عندما‬
‫لت الكتلة الظللة فوق السرير‪ ،‬لكن ممد العبأ بس الضغينة ل يفته ذلك‪ ،‬فقال آمرا‪ :‬تفضل‪.‬‬
‫‪.‬و قاده راجعا للديوان‬

‫من الغريب؟ تساءلت زينب و هي ف جلستها تراقب ابن العم الواقف هناك‪ ،‬بالقرب من المام‪،‬‬
‫كان تساؤلا ينم عن اشئزاز بالغ‪ ،‬أحست به حي بوغتت بروجهما أمامها و هي عائدة‪ ،‬للحظة‬
‫وقعت عينها على وجهه‪ ،‬بالتحديد‪ :‬عينه‪ .‬رأت فيها نظرة وقحة‪ ،‬هازئة‪ ،‬كأنا تعلم ما يعتمل‬
‫داخلها من رغائب‪ ،‬و ف نفس الوقت تاول كبتها‪ ،‬كانت نظرته تقول‪ :‬أعرف‪ .‬أو هكذا توهت‪ ،‬و‬
‫على نو غامض شعرت بأنا تتخلى عن ملبسها‪ ،‬تتعرى‪ ،‬أرادت أن تصرخ‪ :‬أنه يعريها‪ .‬و لكن بالس‬
‫النثوي الكيم تراجعت مفسحة الطريق‪ ،‬و هي ترد باحتقار و تعال ف نظرتا الخية‪ ،‬لكنها و‬
‫للعجب و جدت نفس البسمة الازئة ترقص فوق ملمه الغامضة‪ ،‬فهربت بعفوية نو ملمح ابن العم‪،‬‬
‫كأنا تستنجد به‪ ،‬كانت نظرته الانية و التائهة الت رأتا ف أول الساء‪ ،‬قد زالت‪ ،‬و حلت‬
‫مكانا نظرة عداء صريح موجهة للغريب الذي يرافقه‪ ،‬هل ارتعش جسدها‪ ،‬ل تنكر بأن سعادة‬
‫غمرتا‪ ،‬ذكران يرغبان با‪ ،‬هذا ما أكدته حواسها‪ ،‬لكن عقلها التيقظ ردها لالا‪ ،‬فخطت‬

‫‪.‬متعجلة نو السرير‬
‫الن تري ابن عمها ف حيته و قلقه البادي من ارتاف السيجارة بي أصابعه‪ ،‬فتبسمت‬
‫لاله‪ ،‬و رأت كأنه يرد على ابتسامتها‪ ،‬ببسمة هادئة‪ ،‬و واثقة؛ كأنا تد جسورا من الثقة و‬
‫‪.‬التواطؤ و العرفة التبادلة بينهما‬
‫خرج الغريب و أراد التلكؤ‪ ،‬لكن ابن العم قاده بزم تاه الديوان‪ ،‬و هي من قعدتا‬
‫قامت مستشعرة طراوة الليل الت بدأت تغمر البيت‪ ،‬و نسمة عابرة داعبت جريد النخلة‪ ،‬فأحدث‬
‫الهتزاز صوتا‪ ،‬جعلها تلتفت للنخلة‪ ،‬سرة البيت‪ ،‬و سرة العائلة‪ ،‬كما تسميها العمة‪ ،‬و رأت‬
‫‪.‬جريد النخلة يتمايل نوها‪ ،‬يناديها‪ ،‬فراحت نوه‬

‫ل يكن أمامه سوي تنفيذ قسمه‪ ،‬و كان الرجل ‪-‬الذي ل يعرفه‪ -‬فوق حصانه‪ ،‬ذاهل من خسارته غي‬
‫التوقعة له‪ ،‬كان عثمان يتقدم نوه بروية‪ ،‬بي الناس التدافعي‪ ،‬كانوا يصيحون و يهللون‬
‫لفوز فاطمة‪ ،‬و ضحكات السخرية تتدد قوية و فاضحة‪ ،‬ترس الغلوب‪ ،‬نزل الرجل عن حصانه‪ ،‬و‬
‫عندما استدار كان ف مواجهته‪ ،‬ثبتته الفاجأة للحظة كانت كافية ليفع فيها عثمان يده‪ ،‬و‬
‫‪.‬يصفعه بقوة على وجهه‬
‫كان قد شاهد خلل الواسم السابقة كثرة الطلبات للتباري مع أخته‪ ،‬و تدي العائلة و كسر‬
‫شوكتها‪ ،‬و كانت فاطمة توف با هو مطلوب منها دون تذمر‪ ،‬بل بتعة فائقة‪ ،‬كانت تفوز على كل‬
‫من يسابقها‪ ،‬و كان ذلك جيدا‪ ،‬و أسهم العائلة‪ ،‬و الرجال‪ ،‬إخوتا‪ ،‬ف ارتفاع‪ ،‬و جاء شرط‬
‫الزواج كرادع أخي ‪-‬يكن للعائلت الخرى التنافسة معهم‪ -‬الستناد عليه‪ ،‬فاجتمع الخوة‪ ،‬و‬
‫صدر قرارهم‪ ،‬ل زواج إل من الفارس الذي يستطيع التغلب عليها داخل ساحة الرماح‪ ،‬و هكذا‬
‫طمع الميع‪ ،‬و أرهقت الخت‪ ،‬و كان ل بد من حل‪ ،‬يوقف الطلبات الت جاوزت الد‪ ،‬فما كان من‬
‫عثمان‪ ،‬العجبان‪ ،‬أو الفتوة كما يلقبه حواريوه‪ ،‬إل أن جهر بينهم‪ :‬إن كنا نقدم الزواج‬
‫كمكافأة‪ ..‬فعلينا أن نعاقب أيضا‪ ..‬و إل ظل الال سداح مداح‪ .‬و طاف يوم العيد بي الموع و‬
‫هو يعلن قسمه‪ :‬بأن من سيتغلب على فاطمة ف سباق اليل‪ ..‬ستكون من نصيبه‪ ..‬أما الاسر‬
‫فسيقوم بصفعه هو‪ .‬حاول بعض الخوة رده عما انتواه‪ ،‬لكن القسم صار مشهرا‪ ،‬و ل يكن التاجع‬
‫‪.‬فيه‬
‫جرت هذه الوقائع ف غيبة الب‪ ،‬و الذي قد بدأ ف إظهار تودده للولياء و الدراويش‪ ،‬كان‬
‫بعيدا ف أحد الوالد‪ ،‬و كان على الخوة ‪ -‬فاطمة ل تعلم بالشرط الديد‪ -‬التصرف‪ ،‬و منع‬
‫عثمان من تنفيذ وعيده‪ ،‬فخسارة ف السباق ل تعد إهانة شخصية‪ ،‬و تطول كل العائلة‪ ،‬أما صفع‬
‫الوجوه‪ ،‬فسوف ير من البليا‪ ،‬ما ل يكن توقعه‪ ،‬و يفتح أبوابا من الحتقار و العزلة‪ ،‬هم‬
‫‪.‬أبعد ما يكونوا راغبي ف ذلك‬

‫كان مسعود البحيي أول من وقف بوجه فاطمة حي افتتح السباق‪ ،‬رآها عروسا‪ ،‬صبية جيلة‪،‬‬
‫تستحق الازفة‪ ،‬الازفة بالتسابق‪ ،‬و ليس بشرط عثمان‪ ،‬فهو –كما يظن‪ -‬واحد من ألعيب‬
‫الرجال‪ ،‬كان يرى فيه نوعا من التهديد‪ ،‬لكن ليس من السهولة تنفيذه‪ ،‬لذا عزم على خوض‬
‫السباق‪ ،‬منيا نفسه بالفوز و خطف عروس جيلة‪ ،‬و نسب بعائلة عريقة‪ ،‬لكنه وقع ف خطأ بسيط‪،‬‬
‫وقع فيه أغلب من نافسها‪ ،‬أل أنه استهان بقدرتا و مهارتا‪،‬و انشغل با تثله‪ ،‬ليس بكونا‬
‫فارسة‪ ،‬إنا صيد سهل على وشك النقضاض عليه‪ ،‬و هكذا ل يفق من خسارته للسباق و ضياع فرصته‬
‫للبد‪ ،‬إل عندما وجد عثمان أمامه‪ ،‬كان غي مصدق‪ ،‬و الصان بواره يمحم‪ ،‬و يدق بسنابكه‬
‫الرض‪ ،‬جد للحظة‪ ،‬لكن عثمان ل يهله‪ ،‬و قد جاء ليحصل الدين‪ ،‬رفع اليد و صفعه‪ ،‬كانت‬
‫‪.‬الصفعة من القوة بيث ألصقت وجهه برقبة الهر الغارقة ف عرق السباق الاسر‬
‫حي بدأ السباق تلفت الخوة بثا عن عثمان‪ ،‬ل يكن بينهم‪ ،‬أو حت ف الوار القريب منهم‪ ،‬كذلك‬
‫رفاقه كانوا قد اختفوا بدورهم‪ ،‬تفرق الخوة بثا عنه‪ ،‬البعض منهم جرى حيث توقع وجوده‬
‫العتاد ف حلقة التحطيب‪ ،‬و بالطبع ل يكن هناك؛ و البعض راح يفتش بي جهور السباق‪ ،‬و أيضا‬
‫ل يكن موجودا؛ أما الكثر فطنة فقد جرى نو البقعة الت ينتهي عنها السباق‪ ،‬و حي وصل‪،‬‬
‫كانت يد عثمان مشرعة ف الواء‪ ،‬صرخ‪ :‬عثمان‪ .‬و حل صمت‪ ،‬و هبطت اليد بعزمها تصفع الوجه‬
‫الغلوب الذاهل‪ ،‬دوت الصفعة وسط الصمت الذي ياصر البقعة اليطة بم‪ ،‬بينما هناك‪ ،‬ف قلب‬
‫‪.‬أرض السباق‪ ،‬كانت فاطمة تتفل بانتصارها السهل‬

‫كنت غارقا ف تساؤلتي حي جاء عيد و جلس بواري‪ ،‬قال‪ :‬رحت لد في؟ تنبهت من شرودي‪ ،‬و ماولت‬
‫الدائمة ف متابعة كل ما يرى حول‪ ،‬قلت‪ :‬ف رسومك و خطوطك‪ .‬و أشرت للحوائط‪ ،‬ضحك عيد‪ ،‬و‬
‫كان ضوء الفانوس الفيض‪ ،‬قد دفع الرسوم للتعملق‪ ،‬و مغطيا إياها بطبقة من الغموض الذي‬
‫أكسبها إجلل فائقا‪ ،‬ظننت ف لظة أنا على وشك التحرك‪ ،‬و البوط من الوائط‪ ،‬كي تشاركنا‬
‫قعدتنا فوق الدكك‪ ،‬بقلب هدا الديوان العتيق‪ ،‬و الذي دافعت العمة عنه‪ ،‬ضد الكهرباء و ضد‬
‫احتياجها لستخدامه ف سنواتا الخية لقربه من الباب‪ ،‬كنت أرى أننا جزء من الصور الت تلف‬
‫حوائط الديوان‪ ،‬أو هي جزء منا‪ ،‬رأيت كأنا تنظر إلينا‪ ،‬تتأملنا ف حال الركة‪ ،‬أو حال‬
‫السكون‪ ،‬أو كأننا نن ذاتنا صور و رسوم و خطوط على حائط‪ ،‬هي الصل القيم و نن الثر‬
‫العابر‪ ،‬و الذي حل ضيفا لدة ليلة سينصرف بعدها‪ ،‬كما هي حال الغريب‪ ،‬نضي‪ ،‬كل لال سبيله‪،‬‬
‫متفرقي بي دروب الياة التشعبة‪ ،‬و تعود الرسوم إل سابق حالا من الدوء و الوحدة و القامة‬
‫‪.‬الادئة‬
‫قال عيد‪ :‬حظ هذه الرسوم أفضل من تلك الت بالارج‪ ،‬حيث تتعرض‪-‬تلك‪ -‬للشمس فتبهت ألوانا‪ ،‬و‬
‫‪.‬يكسوها الغبار‪ ،‬و يقصر أعمارها‪ .‬فقلت مقاطعا‪ :‬يعن أنا رسوم قدية‬
‫أنا وجدتا كما هي الن‪ ،‬و حي سألت والدي‪ ،‬قال أنا موجودة من قبله‪ ،‬لكن أذكر و أنا صب ‪-‬‬

‫‪.‬ساعدت والدي ف إعادة تلوينها‪ ،‬بنفس اللوان الول‬
‫‪.‬كنت أتصور أنك رستها ‪-‬‬
‫‪.‬و أنا أتيل نفسي ذلك ‪-‬‬
‫ضحكت‪ ،‬و أنا أحاول تقدير الزمن‪ ،‬و شط تفكيي‪ ،‬دون أن أملك يقينا قاطعا‪ ،‬ربا تكون من‬
‫الرسوم الول‪ ،‬أيام الرحال الكبي‪ ،‬و عيد الول‪ ،‬و كأنا عيد يقرأ أفكاري‪ ،‬قال‪ :‬يبدو أن‬
‫‪.‬الد الول هو من رسها‪ ،‬ث قام بعض الحفاد بإعادة التلوين‪ ،‬كما فعلت أنا‬
‫دخل الغريب من باب الديوان‪ ،‬تبعه ممد و هو ينفخ سيجارته‪ ،‬و رغم الضوء الكابي بدا‬
‫ل عصبيا‪ ،‬جال بعينيه على الدكك‪ ،‬و الغريب راح و جلس بوار عوض ال‪ ،‬ف موضعه السابق‪ ،‬و‬
‫ممد ذهب نو العم التكئ على عصاه‪ ،‬و للمرة الثانية داهن إحساس بأن ما أراه الن سبق و‬
‫شاهدته بي الرسوم‪ ،‬رفعت عين للحائط الواجه ل‪ ،‬كان شاب حائر يتحرك بي قافلة‪ ،‬يريد‬
‫الوصول لسيدها الذي على جله ف القدمة‪ ،‬و كان تدافع‪ ،‬و عيد وقف و هو يقول‪ :‬الليل سرى‪.‬‬
‫وقفت و هست بصوت منخفض نوعا‪ :‬ليال العيد‪ ..‬كل سنة و أنت طيب‪ .‬ضحك عيد و اكتست ملمه بجل‬
‫رقيق‪ ،‬قال‪ :‬عقبا لك‪ ..‬و عقب له‪ .‬و أشار إل ممد الذي كان ف هذه اللحظة يلس بوار عمه و‬
‫قد وضع يده على كتفه‪ ،‬صعقتن الفاجأة‪ ،‬قلت ف نفسي‪ :‬يعلم ما يول ف خاطره‪ ،‬أم تري ممدا قد‬
‫أخبه‪ ،‬خاصة و أن ممدا كان يتودد إليه منذ قدومه‪ .‬ربت عيد على ذراعي و هو يقول‪ :‬ل تشغل‬
‫بالك‪ ..‬تصبح على خي‪ .‬و مضى خارجا‪ ،‬و أنا جلست مبهورا‪ ،‬و عين جرت للرسوم‪ ،‬و كان شاب قد‬
‫‪.‬توقف بوار فتاة‪ ،‬ل تكن موجودة قبل‪ ،‬و كانت يده مدودة لراكب المل‪ :‬سيد القافلة‬

‫حلت زينب الفانوس و راحت للنخلة الت تناديها‪ ،‬فكرت بأمر النخلة الي‪ ،‬يقال أن الد هو‬
‫الذي زرعها حي بدأ ف بناء البيت‪ ،‬لكن الدهش‪ ،‬أنا ظلت تتطاول رغم مرور كل هذا الزمن‪ ،‬ل‬
‫تنجب تتها أو حولا أي فسيلة‪ ،‬و ل ينبت من نواها‪ -‬الذي زرع بأماكن بعيدة و متلفة‪ -‬أي‬
‫واحدة‪ ،‬كان النوى يبقى بالرض إل أن يفسد أو تأكله التبة؛ ل تكن النخلة تسمح لشيء‬
‫بالنبات حولا إل الشائش‪ ،‬النجيل‪ ،‬تتكه يفرش الرض بغطاء لي حولا‪ ،‬كي تسقط بلحها فوقه حي‬
‫يأتي أوان نضجه‪ ،‬منذ وقت بعيد‪ ،‬حي كان الرجال يعمرون البيت‪ ،‬كان الهتمام با قائما‪،‬‬
‫فيقلم و يقطع جريدها الزائد‪ ،‬و يوضع اللقاح‪ ،‬و تقطع سباطات البلح‪ ،‬لكن بعد الرحيل‬
‫التتابع‪ ،‬ل يكن لحد أن يركب النخلة‪ ،‬و هو ما كانت ترمه العمة على أي غريب‪ ،‬حت عيد‪،‬‬
‫رفضت فكرة طلوعه النخلة ليلقحها‪ ،‬أو ين بلحها‪ ،‬فهي كانت تعتب أمر النخلة شأنا عائليا و‬
‫غي مسموح للغراب بالوض فيه؛ و مع ذلك استمرت النخلة بالطرح‪ ،‬وإلقاء البلح الناضج إل‬
‫الرض النجيلية‪ ،‬كانت العمة تسمح ف بعض الوقات للنعجة و الروف بالرعي تت النخلة‪ ،‬كي‬
‫تقصر أعواد الشائش الت طالت‪ ،‬لتصبح حصية طرية‪ ،‬متساوية‪ ،‬ل تبئ البلح تتها حي تأتي‬
‫العمة للمه؛ قالت لزينب‪ :‬حي يستوي البلح‪ ،‬تصمت الريح تاما‪ ،‬ث تأتي هبة هواء غاضبة‪،‬‬

‫تنفض النخلة نفضا‪ ،‬و كأنا جاءت من أجلها خصيصا‪ ،‬ل أسع من أحد حول هذه الريح‪ ،‬يدث هذا و‬
‫دوما بالليل‪ ،‬بعد غياب القمر‪ ،‬و أنا بعد أن أصلي الفجر‪ ،‬آخذ قفة‪ ،‬يكون النور قد مل‬
‫البيت‪،‬أذهب إليها و آخذ ف لقط البلح الذي افتش النجيل‪ ،‬و عند شروق الشمس أكون قد‬
‫‪.‬انتهيت‬
‫لت زينب شيئا يتحرك حول النخلة‪ ،‬تقدمت بذر و هي تفكر أن تنادي على أبيها‪ ،‬أو واحد من‬
‫أبناء عمومتها‪ ،‬لكنها رأت النعجة و الروف يرعيان النجيل‪ ،‬توقفت‪ ،‬هي متأكدة من أنا‬
‫أغلقت باب الزريبة جيدا حي انفلتت النعجة و ابنها عند الغرب‪ ،‬و استطاعت هي و عزيزة‬
‫ردهم‪ ..‬اقتبت‪ ،‬وضعت الفانوس علي الرض‪ ،‬و نظرت لعلي النخلة‪ ،‬كان كل شيء صامتا‪ ،‬و تذكرت‬
‫‪.‬أن البلح قد طاب‪ ،‬و بدأ جعه من النخيل منذ فتة‬
‫كانت النعجة و الروف يرعيان بوع و هة عالية‪ ،‬و زينب تعجبت من أفعال حيوانات العمة‪ ،‬ف‬
‫البداية‪ ،‬حي توفيت العمة‪ ،‬كانت الدواجن راقدات حولا‪ ،‬كأنا يتضنها‪ ،‬و بصعوبة استطاعت و‬
‫عزيزة إبعادها و حبسها بالزريبة‪ ،‬أما قطة العمة فقد نطت للسطح‪ ،‬و رفضت النزول‪ ،‬رغم‬
‫النداء الطويل و اللح من زينب‪ ،‬كانت زينب تشعر بأن هذه الرواح أصبحت معلقة برقبتها‪ ،‬و‬
‫جزء من إرثها العقد‪ ،‬كانت ف كل صباح‪ ،‬و قبل غروب الشمس‪ ،‬و لدة أسبوع كامل و هي تدخل‬
‫الزريبة حاملة الطعام و الاء للدواجن الرافضة للقتاب منه‪ ،‬حت بدأ الوت يطل على الزريبة‬
‫فارضا رحته النهائية؛ و عزيزة الت تتابع بصمت‪ ،‬صرخت‪ :‬حرام‪ ..‬على القل نذبهم‪ .‬لكن وريثة‬
‫العناد السري رفضت بجة أن العمة ل تكن تقو على ذلك‪ ،‬ث قالت بزم‪ :‬ل يكن خيانتها‪ .‬عند‬
‫ناية السبوع كانت القطة قد اختفت‪ ،‬و الدواجن نفقن بالكامل‪ ،‬و بقيت النعجة و الروف‬
‫‪.‬بنظرة عيونم الكسية‬
‫انتهت النعجة و الروف من لقط الشائش و تسوية أعوادها حول النخلة‪ ،‬نظرا لزينب الت حاولت‬
‫القتاب‪ ،‬لكنهما تركا عائدين للزريبة‪ ،‬تناولت زينب الفانوس و تبعتهما‪ ،‬كي تسد باب‬
‫‪.‬الزريبة الفتوح‬

‫كان الاج عثمان مستندا على النبوت‪ ،‬مائل عليه‪ ،‬و مفضا وجهه كأنا ياول تاشي الفتضاح‪،‬‬
‫بينما رغبة تتملكه ف أن يسك بسيل الذكريات النسابة منه‪ ،‬يريد أن يوقفها و يتمعن فيها‬
‫الن و بعد كل هذه السنوات؛ كان اليوم الثالث للعيد‪ ،‬حي عاد الب من غيابه‪ ،‬و ل يعرف أحد‬
‫‪.‬كيف علم با جري‪ ،‬و ل بأي طريقة نقل إليه الب‬
‫ف عصر ذلك اليوم كان كعادته وسط حلقة التحطيب حي أتاه الب‪ :‬مصطفى تقدم لينازل فاطمة‪،‬‬
‫ابن العم يتسابق مع أخته‪ .‬توقف متحيا‪ ،‬و اهتزت يده القابضة على النبوت‪ ،‬و هاجه السؤال‪:‬‬
‫هل ستمتد يده على ابن عمه‪ ،‬إن فازت فاطمة؟ وجد نفسه ينسحب من اللقة‪ ،‬البعض ظن أنه ذاهب‬
‫للبرار بقسمه‪ ،‬و هو كان يبغى الختفاء‪ ،‬و أن يدث المر بعيدا عنه‪ ،‬كأنه ل يعلم به‪ ،‬لكن‬
‫الن‪ ،‬العيون الت تاصره تبه بأنا تعلم‪ ،‬و أنه يعرف‪ ،‬و إن كان قد مد يده سابقا و صفع قبل‬

‫‪.‬أن يتدخل أحد لنعه‪ ،‬فعليه أن يكمل‬
‫أوقفته الية على حواف اللقة‪ ،‬ل يدري على أي نو يتصرف‪ ،‬ما الذي دفع مصطفي لذا الفعل؟‬
‫كان يكفيه و هو ابن العم‪ ،‬أن يتقدم خاطبا‪ ،‬و لن يرؤ أحد على رفضه‪ ،‬لكن القسم الول بأن‬
‫تتزوج فاطمة بن يتفوق عليها بالسباق‪ ،‬هل كان للخوة التغاضي عن الشرط؟ و الن‪ ،‬أهو مطالب‬
‫بالنث ف يينه أمام ابن عمه‪ ،‬ف دخيلته يتمن أن تنهزم فاطمة‪ ،‬و تنقذه من الشرك الذي يلتف‬
‫حوله‪ ،‬و ذلك الرجل‪ ،‬ماذا كان اسه‪ ،‬و هل هذا مهم الن؟ ماذا سيكون موقفه و موقف عائلته‪،‬‬
‫‪.‬إن تاذل عن تنفيذ يينه‪ ،‬لو خسر ابن العم‬
‫كان يتقلب ف نار القلق و التقب‪ ،‬يود لو يكون هناك بقلب السباق ليمنع هذا السباق‪ ،‬أو‬
‫يري النهاية بدل من النتظار القاسي هنا‪ ،‬ناية السباق الت ربا تكون نايته‪ ،‬أو عليه أن‬
‫يسارع بالبتعاد‪ ،‬و جاءه الب طائرا‪ :‬فاز مصطفى‪ .‬غمرته فرحة‪ ،‬فرفع النبوت و دخل اللقة‬
‫راقصا على أنغام الربابة و الزمار و النقارة‪ ،‬كان والد عوض ال هو القائد بالربابة‪،‬‬
‫الذي أدرك الال‪ ،‬فأبدع ألانا من أجل فرحة العجبان‪ ،‬الذي يرقص بعصاه كما ل يرقص من قبل‪،‬‬
‫و أخرج نقودا و أعطاها نقوطا لولد عوض ال‪ ،‬و سي الرقصة باسيهما‪ :‬مصطفي و فاطمة‪ .‬و رأي‬
‫أن ذلك ناية حكيمة؛ و ظل باللقة يلعب كل من باللقة و يازحهم‪ ،‬و عندما عاد للبيت ل يكن‬
‫يعلم بعودة الوالد‪ ،‬كان أذان الغرب يلعلع ف ساء العيد و السرور الطاغي يتقدمه ليدخل‬
‫البيت‪ ،‬فوجد البندقية ف انتظاره و معها قرار بالطرد‪ ،‬ف البداية ل يفهم فتاجع منسحبا‪ ،‬ث‬
‫‪.‬قرر مغادرة البلدة‪ ،‬و كان بداية للعقد الذي انفرط‬
‫أفاق من تويه علي يد تز كتفه برفق و صوت يمل نبة سخرية يقول‪ :‬كثر شرودك يا عم‪ .‬تراجع‬
‫بظهره لسند الدكة‪ ،‬و هو ياول تالك ذكرياته‪ ،‬الت تنفرط رغما عنه‪ ،‬قال‪ :‬أبدا‪ .‬كان ابن‬
‫‪.‬أخيه ممد‪ ،‬فالتفت ناحيته و هو يقول بصوت أكثر عمقا و استقرارا‪ :‬خي‬

‫و هي عائدة لت عيد يغادر البيت‪ ،‬ل تتوقف‪ ،‬بل تقدمت نو حجرة العمة‪ ،‬و الرغبة ضربت‬
‫جوانبها‪ ،‬أرادت الختباء‪ ،‬و أن تنسى عداءها تاه عيد‪ ،‬قالت لا العمة‪ :‬ما ذنبه؟ و كانت قد‬
‫تعلقت بجة أنه فأل سيئ‪ .‬ل تبحها تلك الفكرة‪ ،‬رغم صداقة عزيزة‪ ،‬و ماولتا الدائمة لتبي‬
‫أسباب الكراهية‪ ،‬و ما كانت بقادرة على التوضيح‪ ،‬كانت فقط تريد أن تصب غضبها على أحد‪،‬‬
‫أي شخص‪ ،‬و كان هو أمامها‪ ،‬صديق سعيد‪ ،‬و مبيض حجرة زفافها الذي ل يتم‪ ،‬الن تتساءل‪ :‬و هل‬
‫‪.‬هذا كافيا؟‬
‫دخلت من الباب و علقت الفانوس‪ ،‬و هت بلع اللباب‪ ،‬و تذكرت ما جري عند الغرب‪ ،‬فتكت‬
‫ّ و أصدرت مفاصله لنا‪ ،‬جعلها تسكن‪ ،‬كان اللحن‬
‫اللباب‪ ،‬و ركبت السرير ذا العمدة‪ ،‬الذي أن‬
‫راقصا‪ ،‬داعرا‪ ،‬كأنا يتذكر اهتزازات تعطلت داخله‪ ،‬تبسمت و هي تضع رأسها برفق على‬
‫الوسادة‪ ،‬و شت رائحة التاب الناعم التاكم فوق السرير‪ ،‬فهبت رافعة رأسها‪ ،‬و السرير تاوب‬

‫مع الركة مصدرا ألانه‪ ،‬و خيل لزينب أنا عالية‪ ،‬و ربا سعها من بالديوان‪ ،‬و رأت نظرة‬
‫الغريب‪ ،‬فأحست بالفضيحة تدق با‪ ،‬فنزلت بسرعة‪ ،‬و سعت ضحكة تتدد حولا‪ ،‬لكنها ل تتم‪،‬‬
‫تناولت حصيا مركونا بوار الائط‪ ،‬و على الرض فرشته‪ ،‬و سحبت الوسادة و ألقتها على طرف‬
‫الصي‪ ،‬و هي تتلفت حولا‪ ،‬و ترهف سعها للصوات القادمة من الديوان‪ ،‬فجاوبا صمت عميق‪ ،‬فردت‬
‫‪.‬جسدها الفارع على الصي و هي تقول‪ :‬بسم ال‬

‫‪.‬هذا البيت يب أن يظل مفتوحا ‪-‬‬
‫قال ممد و هو ياول رفع صوته‪ ،‬كي يدارى الضطراب الذي يعتمل داخله‪ ،‬و العم الذي سع هذه‬
‫القوال كثيا‪ ،‬كلما جاء واحد من إخوته‪ ،‬أو من أبنائهم‪ ،‬أو القارب‪ ،‬يقولون نفس الشيء‪،‬‬
‫اللم الذي يسيطر على الميع‪ ،‬الوف على ذكرياتم القدية من الندثار‪ ،‬أماكن لوهم‪ ،‬و نضج‬
‫مراهقتهم‪ ،‬يدفعهم الني‪ ،‬و نية تبزغ حي تواجدهم‪ ،‬سرعان ما تتوارى عندما ينصرفون‪ ،‬يضعون‬
‫خططا لن ينفذوها أبدا‪ ،‬فقط اللم يظل باقيا‪ :‬أن يبقى البيت مفتوحا‪ .‬لكن كيف؟ ل أحد ييب‪،‬‬
‫أو يأخذ خطوة صادقة‪ ،‬و عثمان الذي مل من كثرة التمنيات هذه‪ ،‬كان يضع العقدة ف النشار‪،‬‬
‫يقول ببساطة و وضوح‪ :‬تعال اقعد فيه‪ ..‬و افتحه‪ .‬بالنسبة له كان المر منتهيا‪ ،‬حي عاد من‬
‫تغربه كان قراره واضحا ف عقله‪ ،‬بن بيته ف الطرف الثاني من البلدة‪ ،‬ل يكن يرد على‬
‫الهانة القدية‪ ،‬الطرد‪ ،‬لكنه كان يس بأن روحه ل تتمل هذا البيت‪ ،‬كان يقول لنفسه‪ :‬غي‬
‫مسموح ل بالتواجد هنا‪ .‬و عناده كان صافيا‪ ،‬دون ضغينة أو كره؛ حي جاء أول مرة‪ ،‬عقب وفاة‬
‫الم‪ ،‬كان الب قد مات منذ فتة بعيده‪ ،‬لكنه أصر على عدم اليء‪ ،‬رغم علمه‪ ،‬قال وقتها‪:‬‬
‫القسوة أهم مياث‪ .‬ل يكن قادرا على الغفران‪ ،‬لكن يوم الم جاء يره الني‪ ،‬و يقينه بأن أمه‬
‫خارج حسابات الطرد‪ ،‬لذا ل يضر زفاف فاطمة‪ ،‬و ل عزاء فاطمة الول‪ ،‬الدة‪ ،‬دخل البيت و‬
‫شعور بالنقباض يضه‪ ،‬ل يقدر على البقاء أكثر من دقائق‪ ،‬قدم فيها عزاءه للخت‪ ،‬و رحل بصمت‬
‫إل الساحة أمام البيت‪ ،‬ل يذهب للديوان ليقعد مع الرجال و إخوته‪ ،‬قال أريد دكة هنا‪ ،‬و‬
‫الخوة و رجال العائلة العارفون بالوضوع ل يادلوه‪ ،‬و بدل الدكة الواحدة أخرجوا ثلثة‪،‬‬
‫‪.‬كلن يتلقى العزاء و يبيت الليل بالارج‬
‫‪...‬طيب‪ ..‬تعال‪ ..‬و افتحه ‪-‬‬
‫‪.‬رد الاج عثمان‪ ،‬مستشعرا قلق ابن أخيه‪ ،‬و الذي كانت أطرافه ترتف‬
‫‪...‬لوحدى‪ ..‬لن ينفع ‪-‬‬
‫قال ممد و هو يقلب الكلم و يفتح أبوابا‪ ،‬يسهل لنفسه الدخول منها‪ ،‬لكن العم أراد أن‬
‫‪.‬ينهي وجع الدماغ من هذا الوضوع التكرر‪ ،‬فقال بزم‪ :‬و الطلوب‬
‫شعر ممد بأن العم يضيق الناق‪ ،‬فقال‪ :‬أريد الزواج بزينب‪ .‬و تنهد كأنا أزاح عبئا جاثا‬
‫‪.‬على صدره‪ ،‬و بقي ف انتظار الرد‬

‫بوغت العم بالطلب‪ ،‬فرغم أن هذا الدث يريه و يسعده‪ ،‬و يضع حدا لقلقه على ابنته‪،‬‬
‫لكنه و منذ فتة طويلة‪ ،‬كان الوضوع قد أغلق‪ ،‬حينما أصرت زينب على رفض كل من يتقدم لا‪،‬‬
‫كانت تقول‪ :‬حظي و جربته‪ .‬و كان يعرف عناد رأسها؛ لكن الديد‪ ،‬أن الاطب الن هو ابن العم‪،‬‬
‫و ليس بغريب‪ ،‬كما ردت عليه ذات مرة بأنا لن تكون زوجة لرجل ل تري به دماء الرحال‪ .‬كان‬
‫على العم أن يتوى تسبا لرد زينب‪ ،‬كان يشق عليه أن يراها وحيدة ف الياة‪ ،‬و هو طال العمر‬
‫‪.‬أو قصر‪ ،‬سيفارقها‪ ،‬و الب ل يل مل الزوج أبدا‬
‫‪..‬ل مانع عندي‪ ..‬إنا ‪-‬‬
‫‪!.‬ماذا؟ ‪-‬‬
‫قال ممد متعجل‪ ،‬فإنا الت توقف عندها العم تفتح أبوابا عريضة للرفض‪ ،‬و ساعتها‬
‫يسقط اللم الذي رآه و هو مشرد بالبلد‪ ،‬أراد أن يكلم عمه عن اللم‪ ،‬و إعادة ل الشمل‪ ،‬و‬
‫‪.‬تكوين العائلة بشكل جديد‬
‫‪.‬القول لبنة عمك‪ ..‬هل نبها يا ابن الدينة ‪-‬‬
‫‪.‬ارتاحت نفسه قليل‪ ،‬و تغافل عن حس السخرية‪ ،‬قال‪ :‬خبها الن يا عم‬
‫‪.‬ل تطر الدنيا‪ ..‬الصباح رباح ‪-‬‬
‫وقف العم‪ ،‬و قال‪ :‬تصبحون على خي‪ ..‬وقف عوض ال و الغريب‪ ،‬و ممد و بعض الذين بقوا‬
‫متيقظي‪ ،‬خطا نو الارج‪ ،‬تبعه عوض ال و الغريب‪ ،‬لكن العم أشار للغريب كي يلس‪ ،‬فجلس‪ ،‬و‬
‫خرج العم يصحبه عوض ال‪ ،‬و تبعه ممد و البشاري‪ ،‬حت باب البيت الارجي‪ ،‬ث ردا الباب‬
‫‪.‬الكبي‪ ،‬و عادا للديوان‬

‫جاء ممد و جلس بواري‪ ،‬و بوادر البشر تل من وجهه‪ ،‬قال‪ :‬طلبت يدها‪ .‬قلت‪ :‬أعلم‪.‬‬
‫‪.‬فهزني مستفهما‪ ،‬صمت‪ ،‬ل أجد ما أقوله له‪ ،‬قام من جواري و راح للدكة الاورة و تدد فوقها‬
‫كان الميع قد رقدوا‪ ،‬فقام ماهد البشاري‪ ،‬و راح نو الفانوس و خفض شعلته‪ ،‬أردت أن‬
‫يظل النور قليل و أنا أشعل سيجارة‪ ،‬و رحت أفكر ف الحداث الت جرت‪ ،‬فجافاني النوم‪ ،‬قلت‬
‫ّ أن أنام الن‪ ،‬أرجأت التفكي‪ ،‬و بدأت ألعب الرقام ف ذهن‪ ،‬كي يأتي‬
‫غدا يوم طويل و على‬
‫النوم سريعا‪ ،‬و حي بدأت أخوض ف مياهه برفق‪ ،‬خيل ل كأنا هبة هواء تنفض النخلة‪ ،‬و أن‬
‫بلحها يتساقط على الرض النجيلية‪ ،‬قررت أن أقوم لتأكد لكن النوم كان قد جرني لياهه‬
‫‪.‬العميقة‬

‫الولد لئيم‪ ..‬غويط‪ .‬قال عوض ال و هو يسي بوار الاج عثمان‪ ،‬الذي يتحرك و عقله يرى‬

‫بعيدا‪ ،‬يطارد خيالت دون القبض عليها جيدا‪ ،‬فسرعان ما تنفلت منه و تول هاربة‪ ،‬قال دون‬
‫انتباه‪ :‬الديون ل تسقط أبدا‪ .‬و عوض ال الذي يعرف الكاية القدية للصفعة‪ ،‬فهم التلميح‪ ،‬و‬
‫‪.‬عرف أن الاج ليس معه‪ ،‬بل ف واد بعيد‪ ،‬فآثر الصمت‬
‫كان عليهم عبور شوارع البلدة التعرجة إل الهة الخرى‪ ،‬كانت بعض العمدة تبدد‬
‫الظلمة و تعل الرؤية معقولة بالنسبة لعجوزين يسيان دون حوار يقصر الطريق؛ عوض ال سرح ف‬
‫عاله‪ ،‬الذي طرده خارج حضرة الضور و الوجود و أصبح على الامش‪ ،‬هامش الياة؛ ف ليلة كهذه‪،‬‬
‫يكون سيد الليل‪ ،‬يقص حكايات البطال‪ ،‬و تواريخ أيامهم‪ ،‬كل هذا انقضى و ل يتبق له سوى‬
‫حلقات التحطيب الت تقام ف بعض الواسم‪ ،‬على هامشها يقف هو و اثنان من أبنائه‪ ،‬يعزفون‬
‫فقط‪ ،‬دون غناء‪ ،‬فالذي يغن الرجال و عصيهم داخل اللقة‪ ،‬يعزف من الذاكرة بدون حس أو‬
‫مشاركة فعالة‪ ،‬أحيانا يتدخل لتصيح نغمة‪ ،‬أو يضبط إيقاعا؛ ف الاضي كان صوته يلعلع‪ ،‬أما‬
‫الن ل صوت ول غيه‪ ،‬حت الربابة تظل بالشهور ف جرابا السود دون أن تس‪ ،‬الراب معلق ف مدخل‬
‫البيت‪ ،‬يشعر أنا أصبحت حرزا‪ ،‬أو حجابا‪ ،‬ل يكن القتاب منه‪ ،‬فقط يكن النظر إليه بتحسر و‬
‫تن‪ ،‬و كلها موحش و شاق؛ ضحك عوض ال ف سره قائل‪ :‬ل يعد زمننا هذا يريد البطولة‪ ،‬أو يرغب‬
‫ف ساع حكايات البطال‪ ،‬و داهه سؤال‪ :‬هل يوجد أبطال الن؟! و لكي يهرب من مواجهة السؤال‪،‬‬
‫‪.‬نظر للسائر بواره‬
‫الاج عثمان ترمح به اليام‪ ،‬ترجره من طوق الذكريات‪ ،‬و ما كان قادرا علي ردعها‪ ،‬و‬
‫الصمت سلحه الوحيد‪ ،‬هو و قبضته العفية على نبوته الذي ما خذله يوما‪ ،‬يتوكأ عليه كي‬
‫يتماسك؛ ف واحد من الشوارع التفرعة انرف عوض ال متخذا الشارع نو بيته‪ ،‬رفع يده‬
‫بالتحية‪ ،‬لكن السائر أكمل مسيه دون أن ينتبه‪ ،‬كان وحيدا ف الظلم‪ ،‬يدب على الرض بنبوته‬
‫‪.‬الغليظ‬

‫ف الصباح كانت حلقتنا قد تمعت‪ ،‬استعدادا و ترقبا‪ ،‬ل ندري من الذي سرب الخبار‪ ،‬و‬
‫ل على أي كيفية فشا خب الغريب‪ ،‬فساحة الول الفقي ل يبق با موضع لقدم‪ ،‬كل هذا الشد من‬
‫بلدتنا و البلد الاورة‪ ،‬حت البنادر البعيدة أقبل منها ناس‪ :‬أفنديات و تار و حكومة‪.‬‬
‫الكل ترك ما يشغله و جاء للساحة‪ ،‬حت الذين يأتون لزيارة موتاهم أجلوا الزيارة إل بعد‬
‫‪.‬انتهاء الواقعة‬
‫كانت الشمس قد خرجت ساخنة منذرة بيوم ملتهب‪ ،‬فتهلل باعة السوبيا و الشروبات‬
‫الغازية و البية‪ ،‬و أصحاب الغرز بكافة أنواعها‪ ،‬و ما كنا قادرين على ردع أحد‪ ،‬أو حت‬
‫الغامرة بطرده‪ ،‬كان الوضع يفوق حدود التوقع و التصور‪ ،‬لو قلنا كأنه يوم الوقفة‪ ،‬وقفة‬
‫عرفات‪ ،‬سيكون الوضع أهون‪ ،‬فهذا اليوم طويل و ل نعرف على أي نو سينتهي‪ ،‬و الدل دائر؛‬
‫لكن من الذي قام بنشر حكاية الغريب‪ ،‬و هزيته النكرة للعبينا‪ ،‬كانت الشماتة ف العيون ل‬

‫يكن إنكارها‪ ،‬نعرف الن على القل أن بي الغريب و عثمان ثأر قدي‪ ،‬صفعة ما يزال يرن وقعها‬
‫رغم مرور كل هذا الزمن‪ ،‬عثمان ل يبح لحد‪ ،‬و الغريب ل ينطق‪ ،‬فقط رفع عصاه و أشار‬
‫لعثمان‪ ،‬لكن الصفعة تصرخ الن مطالبة بردها‪ ،‬لكن ليس لنا ذنب فيما حصل سابقا‪ ،‬حت تنال‬
‫حلقتنا هذه الهانة غي الستحقة‪ ،‬كان يكفي الولد‪ ،‬الغريب‪ ،‬أن يطلب منازلة عثمان‪ ،‬و يرد‬
‫له الصفعة‪،‬إن استطاع الفوز عليه‪ ،‬و يا دار ل يدخلك الشر‪ ،‬لكن صفعة قدية ف برجاس اليل‪،‬‬
‫‪.‬تقابلها الن واحدة ف برجاس العصا‪ ،‬و دون أن نكون طرفا فيها‪ ،‬فهذا غي عادل‬
‫غبار ملتهب يلف الكان بفعل حركة القدام البطيئة على الرض التابية‪ ،‬يدوم الغبار‬
‫فوق الرؤوس الشتعلة بالنتظار‪ ،‬الكل يتدافع كي يكون قريبا من حلقة التحطيب‪ ،‬و الت حددنا‬
‫و منذ الصباح الباكر حوافها‪ ،‬و أقمنا بعض الشباب القوي حراسا عليها‪ ،‬حت ل تضيق اللقة و‬
‫ل تصلح للتباري؛ جاء عوض ال اللب و ف يده جرابه السود ‪ ،‬خلفه كان الولدان‪ :‬واحد‬
‫بالنقارة و الثاني يسك بالزمار‪ .‬و ما كنا لنغفل عن هذا‪ ،‬فمهما كانت مشاغلنا و الخطار‬
‫الت تدق بنا‪ ،‬ل يكننا التغاضي عن أي شيء بسيط من مستلزمات اللقة‪ ،‬و إل صارت جرسة‪ ،‬و‬
‫علمة شؤم‪ ،‬قد تسرع بغلق حلقتنا‪ ،‬الت ناول‪ -‬رغم هذه الزة الطارئة‪ -‬أن نعيد لا بائها و‬
‫‪.‬رونقها العروفة به بي حلقات الدنيا من حولنا‬
‫ّد من الرهان‪ .‬قلنا‬
‫بينما نن ف انتظار قدوم عثمان و الغريب‪ ،‬شاع خب‪ :‬الغريب صع‬
‫الولد ل يريد لا أن ترسو على بر‪ ،‬ما الذي يبتغيه من وراء ذلك‪ ،‬أل يكفي ما جرى بالمس‪ ،‬و‬
‫سألنا‪ :‬ماذا يريد هذه الرة؟ قال الب أن يكون الرهان مطابقا لا جرى ف الزمن البعيد‪،‬‬
‫فضربنا كفا بكف‪ ،‬فما يدث ل يكن تصديقه و ل تمل وقاحته‪ ،‬و هل بناتنا موضع رهان! قال‬
‫الب‪ :‬انتظروا‪ ،‬عثمان من وضع الشروط سابقا‪ ،‬و جعل أخته فاطمة موضع رهان‪ ،‬الن الغريب‬
‫يطالب بتكافؤ الالة‪ ،‬و بدل من فاطمة‪ ،‬تكون زينب؛ فإما أن يقبل بزواجه من زينب‪ ،‬أو‬
‫يتلقى الصفعة أمام الميع‪ .‬ل نر جوابا‪ ،‬و ل نكن لنجادل ف أمر ل يصنا‪ ،‬الهم أن تظل‬
‫حلقتنا بعيدة عن تصفية السابات‪ ..‬و هكذا بقينا ف انتظار قدومهما‪ ،‬و الول الفقي ف قبته‬
‫‪.‬من فوق البل شاهد علينا‬

‫كتاب العصا‬

‫مدفوعا بميته و نبض الرجولة دخل العركة‪ ،‬كان يكن أن يغض عينه‪ ،‬و يتابع شرب الشاي‬
‫الذي أحضرته نعيمة‪ ،‬و يظل يتملى جسدها الريان كلما أقبلت أو راحت‪ ،‬تلب طلبات الزبائن‬
‫القليلي‪ ،‬لكنه عند لظة ل يعد قادرا على كبح حيته‪ ،‬رفع نبوته و هدر بصوته القوى‪ ،‬و هو‬
‫‪.‬يطوح عمامته على الدكة الالس عليها‪ ،‬مقتحما الناقة الضيقة‬
‫الوقت ضحى‪ ،‬و الشمس تضرب الجواء النوبية بقوة‪ ،‬و عمال اليناء يأتون الغرزة‪،‬‬
‫البعض يتناول إفطاره و كوب الشاي اسود و ثقيل‪ ،‬و البعض يدخن حجارة الوزة كأنا ياول‬
‫القبض على أنفاس الدنيا‪ ،‬أصوات خافتة تتدد هنا؛ بينما الركة مستعرة ف الارج‪ ،‬حيث وقف‬
‫أحد الصنادل و مدت السقالت‪ ،‬فوقها رمح العمال بأحالم و كأنم يرقصون‪ ،‬ل يعرف و هو‬
‫الرائي من مكمنه هنا بقلب الغرزة الطلة على اليناء‪ ،‬يرقصون بفعل الثقل الذي فوق‬
‫أبدانم‪ ،‬أم بفعل الري وراء لقمة العيش القاسية و الصعبة‪ ،‬كأنا ياولون تلية مرارة أيام‬
‫الصيف الطويلة الفقية من أعمال بديلة‪ ،‬غبار يتصاعد هناك من بي أقدامهم و يدوم فوق‬
‫‪.‬الرؤوس‪ ،‬و هنا غبار رمادي بفعل الدخان و رائحة نعيمة الت تيم بقلب الغرزة‬
‫يأتي الرجال للغرزة مدفوعي باجة السد للحظة راحة‪ ،‬و اختلس النظرات من جسد نعيمة‪،‬‬
‫من تت لتحت‪ ،‬فهم يعرفون أنا ملك يي العلم حربي‪ ،‬فتوة اليناء‪ ،‬و ليس لديهم الطاقة‬

‫لواجهته‪ ،‬أو حت مواجهة نعيمة ذاتا‪ ،‬فهي قاسية شرسة‪ ،‬كلمة واحدة‪ ،‬و الثانية‪ ،‬تكون شخرتا‬
‫قد رنت بقلب اليناء‪ ،‬و الذي ل يتفرج‪ ،‬بالتأكيد هو بعيد‪ ،‬إذا فليسمع‪ :‬إيه‪ ..‬يا روح‬
‫أمك‪ ..‬ث ينفرط عقد اللسان بالكلمات الت ل يقوى الرجال على تملها‪ ،‬و هم من الؤكد ل‬
‫يسمعوا با ف قراهم البعيدة‪ ،‬حيث نساؤهم ل يعرفن هذه الكلمات‪ ،‬هكذا يتخيلون‪ ،‬فقط يستكن‬
‫لظل الرجل الذي هو أفضل من ظل الائط‪ ،‬العن به الب؛ كلهم ف أحلمه يشتهيها‪ ،‬يأتي منيا‬
‫نفسه بلحظات بالتفرج على السد البهي‪ ،‬دون تنغيص من أحد‪ ،‬لذا يلزمون الصمت‪ ،‬كأنا يدخل ف‬
‫صحبتهم‪ ،‬يبقون و عيونم على السد داخل الفستان البوك‪ ،‬و كأنا فصل عليه‪ ،‬و حيك بدقة و‬
‫نعومة مرهفة‪ ،‬ساما لكل النناءات و الستدارات بأخذ حقها من البوز و التحدي الوقح‪ ،‬هذا‬
‫غي ما تتفنن نعيمة ف وضعه‪ ،‬من كحل و حناء و خرة و دلكة تلو السد و تعله مشدودا مرنا‪ ،‬و‬
‫روائح الصندل و اللب الت تتبل البدن و تعطره‪ ،‬فيخرج عند الصباح بسماره اللطيف مشعا‬
‫ريانا‪ ،‬يهب اليوم بسمته الطازجة‪ ،‬و لتذكر العمال بقسوة أيامهم‪ ،‬و ضياعها هدرا‪ ،‬دون أمل‬
‫ف شيء مدد‪ ،‬فقط رغبة و تعطش من الفضل كتمانما‪ ،‬بدل من التعرض للسانا الذي يأتي بالبعيد‬
‫الغائب‪ ،‬و ما هي إل لظة و تكون يده العريضة قد أطبقت على من رماه سوء طالعه الصباحي‬
‫عرضة لسدها و لسانا؛ يتول العلم حربي توضيب الزبون‪ ،‬قليل الدب و التبية‪ ،‬و تقف هي‬
‫ّص أوراكها‪ ،‬و وجهها الكتنز يضحك بشراسة متشفية‬
‫‪.‬عاقدة يديها على خصرها‪ ،‬و ترق‬
‫حي تراجع مصدوما‪ ،‬مطرودا‪ ،‬ل تكن لديه وجهة مددة يقصدها‪ ،‬لكنه ترك خارجا من حرم‬
‫البلدة‪ ،‬دون أسى أو إحساس بذنب‪ ،‬خارج حدود البلدة لق به ابن عمه‪ ،‬و زوج أخته بعد أيام‬
‫قليلة‪ ،‬مصطفي‪ ،‬حاول إثنائه عن فكرة الرحيل‪ ،‬متعلل بأن الغادر ل يعود أبدا‪ ،‬لكن عثمان‬
‫قابله ببسمة حاول قدر إمكانه أن تبدو واثقة‪ ،‬و متشبثا بائط الصرار و العناد‪ ،‬و لا يئس‬
‫مصطفي دس ف جيب ابن عمه نقودا‪ ،‬و ارتد عائدا‪ ،‬و هو أكمل طريقه‪ ،‬حيث جرته الدروب تاه‬
‫البندر‪ ،‬فكر بواحد من العارف‪ ،‬التجار الذين يتعاملون معهم‪ ،‬و هم بالذهاب إليه‪ ،‬و بطول‬
‫الطريق‪ ،‬و عب التوي و التأمل قرر بأنه ل فائدة من البال القدية‪ ،‬الت يريد قطعها تاما‪،‬‬
‫عليه أن يبدأ حياته الن و بشكل منفرد و بعيدا عن غطاء العائلة‪ ،‬كان الطريق أمامه طويل‬
‫‪.‬و كافيا كي يتدبر أموره بدوء‬
‫و كأي غريب و تائه جذبته الطراف البعيدة للمدينة‪ ،‬و كان اليناء و زعيق العمال و‬
‫حركة فائرة تري بالكان‪ ،‬فكر بأنه مكان مناسب لشرب الشاي و عدل دماغه الت صدعتها الشمس‬
‫و طول الشي‪ ،‬و بوار مدخل اليناء وجد غرزة صغية‪ ،‬دكك رصت قرب الدخل مفروشة بصر اللفاء‪،‬‬
‫و بقع ظلل ينشرها اليش‪ ،‬و غرفة ضيقة جعلت نصبة تقع ف الواجهة؛ ف البداية ل يلمح الفتاة‬
‫الت توزع الطلبات‪ ،‬كان عقله مشغول بمومه‪ ،‬و تدبي أحواله‪ ،‬لكن عندما اقتبت منه‪ ،‬ضربته‬
‫رائحتها‪ ،‬و جاءه صوتا الذي به بة خشنة زادت من حسنه‪ ،‬قالت‪ :‬أيوه‪ ...‬يا عين‪ .‬رفع العي‪،‬‬
‫ّت أحشاءه‪ ،‬و أراد الوقوف‪ ،‬فلم يقو‪ ،‬كانت‬
‫ليى السد التحفز و الستت بكسله الناعس‪ ،‬فأن‬
‫صدمة حواسه أقسى من أن تتكه يتنهد‪ ،‬أو يرك أي عضو فيه‪ ،‬و الصبية ل تهله‪ ،‬بل تركت‬
‫لتلتقط الكواب الفارغة الت تركها الزبائن‪ ،‬و تلع جسدها و أرتج‪ ،‬و هو شعر بالطر ياصره‬

‫فشدد من قبضته على نبوته‪ ،‬قال‪ :‬شاي‪ .‬و خرج الصوت ههمة أقرب للهمس منه للكلم الي‪ ،‬و رنت‬
‫ضحكة خليعة‪ ،‬ترجر أذيال تعلق رقاب اللق با‪ ،‬و شعر بأن الواء حوله كأنا نقص‪ ،‬و ضيق يطبق‬
‫على صدره‪ ،‬فزعق بالكلمة‪ ،‬كمن يرمي حجرا‪ :‬شاااي‪ .‬و كانت تلف عائدة إل النصبة‪ ،‬فالتفتت‬
‫إليه و قالت بغنج وضح‪:‬يا باي‪ ..‬و عرف أن قدره أصبح مربوطا هنا‪ ،‬و بصعوبة شرب الشاي‪ ،‬ل‬
‫يشعر له برارة أو حلوة‪ ،‬فقط سخونة تنزل لتهرى أحشاءه التقدة‪ .‬و بشية من الفتضاح قام‪،‬‬
‫‪.‬لينهك قدميه ف البحث عن غرفة تلم بدنه‪ ،‬شريطة أن تكون قريبة من اليناء‬
‫ف كل صباح ‪ ،‬عند الضحى يأتي للغرزة‪ ،‬يقول الكلمة الت درب نفسه عليها طوال‬
‫الطريق‪ :‬شاي‪ ..‬شاي‪ .‬ينطقها بشكل مايد‪ ،‬لكن بدقة و وضوح ل يفصح عن أي رغائب تعتمل‬
‫ببدنه‪ ،‬يبقى لدة ساعة‪ ،‬ث يضي لاله‪ ،‬ماول السيطرة على النفلت التسارع داخله؛ يدور طويل‬
‫بشوارع الدينة ليعود للغرزة ف ساعة العصاري‪ ،‬ف يوم جاء أحد العمال و جلس بواره‪ ،‬و سأله‬
‫إن كان يريد العمل معهم‪ ،‬انتفض قائل و كأنا يفيق غصبا من حلم بديع‪ :‬شيال‪ ..‬حال‪ .‬و‬
‫الرجل كي يعتذر عما قال ترك له الدكة و قام‪ ،‬أراد أن ينادي عليه و يبه‪ :‬من يرضي أن يصي‬
‫خادما عند أحد يظل طوال عمره خادما‪ ،‬و هو‪ ..‬هو‪ ..‬و كان الرجل قد ابتعد؛ و كانت نتف من‬
‫حكايات اليناء قد تناهت إل سعه‪ ،‬و ملكته رغبة ف رؤية العلم حربي‪ ،‬و ل يكن يدرى أن أول‬
‫‪.‬مرة هي آخر مرة سوف يراه فيها‪ ،‬و هي ساعة الناقة‬
‫كان ف مكانه مواجها للنصبة‪ ،‬متصدا حركات نعيمة‪ ،‬حواسه تناديها‪ ،‬حواسه الت تعذبه‬
‫طوال الليال ف غرفته الضيقة الظلمة‪ ،‬لظات كثية تضربه السرة لتبدل أحواله و الضيق الذي‬
‫يعانيه‪ ،‬تزين له نفسه العودة و اللص من هذا البؤس‪ ،‬لكن ما أن يغمض العي و يرى لم نعيمة‬
‫يايله‪ ،‬و يتجرج مناديا‪ ،‬و بتها الثية تطن بأذنيه‪ ،‬و دمه يقرصه و يتوجع لمه‪ ،‬ليتاجع عن‬
‫قرار العودة‪ ،‬و يظل ساهرا‪ ،‬فل ينام إل مع مقدم النور‪ ،‬و ما هي إل لظات حت يهب ليلحق‬
‫‪.‬بكانه الواجه للنصبة قبل أن يتله أحدهم‪ ،‬و ما أكثرهم‬
‫ف هذا اليوم جاء حربي‪ ،‬و خلفه ثلثة من أتباعه يملون النبابيت الغليظة‪ ،‬يهزونا‬
‫بتبجح واضح‪ ،‬بدا حربي لعينيه قصيا نوعا‪ ،‬أو أن بدانته الظاهرة قللت من طوله‪ ،‬كان مدكوك‬
‫السد كزكيبة مكمة الغلق‪ ،‬و أن كانت حركته مرنة‪ ،‬ملبسه نظيفة‪ ،‬تتدل لسته على كتفه‪ ،‬كأنا‬
‫إعلن واضح عن فتوته‪ ،‬و قوة جانبه؛ عند الدخل توقفوا‪ ،‬و صمت الميع‪ ،‬و بعض الالسي وقف‪ ،‬و‬
‫البعض أخذ ف النصراف السريع‪ ،‬و كان عامل ضئيل السم يعطي ظهره لدخل الغرزة‪ ،‬قد فك‬
‫منديله الصفر الكبي‪ ،‬و راح يتناول إفطاره‪ ،‬تقدم واحد من رجال حربي‪ ،‬و مسك الرجل من‬
‫قفاه‪ ،‬و قبل أن يلتفت الرجل أو ينتبه‪ ،‬وجد نفسه مطوحا‪ ،‬طائرا ف الواء‪ ،‬و يده تقبض على‬
‫طرف النديل الذي تناثرت لقيماته‪ ،‬و انطلقت الضحكات‪ ،‬و الرجل تكوم عند أقدام عثمان‪ ،‬و‬
‫رفع وجها عفره التاب‪ ،‬و كدمة ف جبينه كبسها التاب‪ ،‬و الدموع على وشك الطول‪ ،‬و نظرة‬
‫ذليلة مهانة وجهها لعثمان قبل أن يتمالك نفسه و يقف و يندفع تاه الرجل الذي رماه‪ ،‬و هو‬
‫يسبه بصوت خنقه البكاء‪ ،‬و الرجل الذي كان يقهقه تلقاه بصفعة قاسية‪ ،‬أردته على الرض‬
‫ثانية‪ ،‬وسط الضحكات الشرسة المجية لربي و رفاقه‪ ،‬و نعيمة لعلع صوتا مرحبا بالعلم‪ ،‬و‬

‫أنتفض جسد الرجل الكوم على الرض‪ ،‬لكنه ل يقم‪ ،‬و عثمان ل تدعه حيته‪ ،‬فهبط إل الرجل و‬
‫أقامه واقفا‪ ،‬و قال و هو يرى وجه الرجل الذي ياول سته بي ذراعيه‪ :‬عيب‪ .‬و تقدم نو الرجل‬
‫و يده الت حسها الغضب قبضت علي النبوت بقوة‪ ،‬و الرجل ضحك هازئا‪ ،‬و هو يقول‪ :‬إيه مش‬
‫عاجبك يا روح أمك‪ ..‬و ل يهله عثمان‪ ،‬و رفع النبوت مزما به الرجل من وسطه‪ ،‬ل يقل الرجل‬
‫‪.‬سوى‪ :‬آه‪ .‬و سقط‬
‫كان ذلك إعلنا كافيا لبدء التقاتل‪ ،‬ابتعد الوجودون إل الواف البعيدة للغرزة‪ ،‬و‬
‫العلم حربي رمي لسته لنعيمة الت تلقفتها‪ ،‬و ذهول جعل جسدها يسكن عن اهتزازه‪ ،‬و لتختفي‬
‫البسمة الت كانت تغمر الوجه الليء؛ تقدم الرفيقان ليحاصرا عثمان‪ ،‬و النبابيت تتطوح‬
‫منذرة بالزرة القبلة‪ ،‬و عثمان‪ ،‬العجبان‪ ،‬خلع عمامته و رماها على الدكة‪ ،‬و صرخ بصوته‬
‫الادر‪ ،‬و قال كأنه يضحك‪ :‬يا مراحب‪ .‬و تلقت النبابيت ف دوي عال جع الذين ف الوار القريب‬
‫‪.‬حت سدوا باب الغرزة‬
‫كان عثمان يدرك أن عليه أن يتخلص سريعا من الرجلي‪ ،‬حت ل تنهك قواه قبل أن يواجه‬
‫معلمهم الذي يقف متحفزا‪ ،‬تلقي ضربة قوية‪ ،‬حاقدة‪ ،‬و رد بأسرع منها‪ ،‬و زاغ من نبوت موجه‬
‫مباشرة إل رأسه‪ ،‬ف نفس الوقت كانت عصاه قد ضربت الخر ف ركبته‪ ،‬فانن متألا‪ ،‬ليعطيه‬
‫الباح كي ينفرد بالول‪ ،‬الذي كان يهاجم بضراوة‪ ،‬و عثمان الذي ثبت مركزه‪ ،‬أخذ يتاقص‪،‬‬
‫يستدير و يعتدل‪ ،‬يراوغ و يسدد ضربة صائبة عندما انكشف صدر الصم حي رفع يديه عاليا‪ ،‬هي‬
‫لظة كان النبوت قد فعل فعلته‪ ،‬و أردى الرجل على قفاه‪ ،‬غي قادر على القيام‪ ،‬بقي الخر‬
‫التأل من ركبته‪ ،‬كانت حيته آخذة ف الرتفاع‪ ،‬فراغ من ضربة مهاجه‪ ،‬و استدار بسرعة و فبان‬
‫أمامه ظهر الرجل مكشوفا تاما‪ ،‬فعاجله بالنبوت أسفل ردفيه‪ ،‬صرخ الرجل متكوما على الرض‪،‬‬
‫و بذره اليقظ استدار عثمان قبل أن يغدر به حربي و يأخذه على خوانة‪ ،‬مهاجا إياه من‬
‫‪.‬اللف‬
‫ارتسمت بسمة مهتزة على شوارب حربي و هو يقول‪ :‬اطلع بره ‪ ..‬يا‪ ..‬و كان يقصد خارج‬
‫الغرزة الت سد بابا التزاحون‪ ،‬خطا عثمان‪ ،‬لكنه ل يعط ظهره لربي‪ ،‬و الرجل ضئيل السم حل‬
‫عمامة عثمان‪ ،‬و كان قد قفز فوق الرجل الذي صفعه‪ ،‬حي سقط‪ ،‬و انال عليه صفعا و ركل و‬
‫سبا‪ .‬كان الكان بالارج متسعا‪ ،‬و مناسبا لنازلة نبتت فجأة و دون قصد‪ ،‬ألتف الناس‬
‫للفرجة‪ ،‬و نعيمة بذهولا تقف مسكة بلسة حربي‪ ،‬و بوارها يقف حامل عمامة عثمان‪ ،‬وجهه ينطق‬
‫بالبشر و البور‪ ،‬و لسانه يلهج بشتيمة مقذعة لربي و رجاله‪ ،‬لكزته نعيمة بكوعها‪ ،‬فتنبه‬
‫‪.‬للجسد الذي ياوره‪ ،‬فاقتب ملتصقا به و لسانه كف عن إخراج حمه‬
‫دارت العركة‪ ،‬عصا هنا‪ ،‬و باب مسدود‪ ،‬و ســـو ‪ ..‬عالية و مطوطة قالا عثمان‪ ،‬و حجل‬
‫كأنه يرقص‪ ،‬أو لعله رقص كأنا يجل برجل و نصف‪ ،‬و النبوت تراقص بي يديه متنقل بي الضرب و‬
‫التلقي‪ ،‬و حربي ل يكن سهل‪ ،‬بل كان معلما كما يليق بفتوة‪ ،‬كان يعرف كيف يراوغ‪ ،‬و مت‬
‫يسدد‪ ،‬و عثمان الذي رأى نعيمة بي التفرجي‪ ،‬زاد اشتعاله‪ ،‬و توهج جسده للقتال‪ ،‬و كثف من‬
‫ضرباته‪ ،‬كانت قوية و شديدة الحكام‪ ،‬و من الصعوبة تفاديها‪ ،‬لكن السد القصي التي كان‬

‫يعرف مت يبتعد و مت يقتب‪ ،‬كان غرض عثمان هو إناك حربي قبل الجهاز عليه‪ ،‬كان طوله و طول‬
‫ذراعيه يعطيه أفضلية ف أن يهاجم‪ ،‬و يبقى جسده بعيدا عن نبوت حربي‪ ،‬و حربي العارف بفنون‬
‫القتال ما كان ليغامر بالقتاب‪ ،‬و كان على عثمان أن يلهيه كي يطمع و ينسي الذر الواجب‬
‫فيقتب‪ ،‬فرقص مبتعدا‪ ،‬و موسعا من دائرة القتال‪ ،‬كان يصرخ‪ :‬ســو‪ ..‬ســو‪ ..‬فيأتي الناس‬
‫على الصوت و اللمة التكاثفة‪ ،‬كان يره إليه‪ ،‬و حربي ياول ماراة الغريب الذي ظهر فجأة‬
‫مهددا مكانه و سطوته‪ ،‬و لحظ أن الغريب يتاقص‪ ،‬ل يقاتل قتال الرجال‪ ،‬يريد أن ينهكه‬
‫برقصه التباعد‪ ،‬فقرر النتهاء من هذه الهزلة‪ ،‬و يضع حدا لذا التبجح‪ ،‬و الذي ل يفلح أهله‬
‫ف تربيته‪ ،‬فصرخ و هو يتقدم مهاجا و مضيقا السافة الت سبق و وسعها عثمان‪ ،‬الذي استدار‬
‫ليلقيه‪ ،‬فواجهته الشمس ف عينه‪ ،‬و مرت عصا حربي قريبة من رأسه‪ ،‬قال ف نفسه‪ :‬يريدني ف عي‬
‫‪.‬الشمس‪ ،‬حت ل أرى عصاه جيدا‪ ،‬فتحرك بسرعة قبل أن يعاود حربي هجومه‬
‫سخونة الرض و ليبها التقد ل تقف حائل‪ ،‬بل على العكس حفزت من الجساد الواقفة و‬
‫أججت الثارات السابقة و الرغبة ف التشفي‪ ،‬بينما السدان التقاتلن كساها العرق ولنت‬
‫الفاصل؛ نط عثمان عاليا و نزل جالسا على ركبته‪ ،‬و مد النبوت بطول ذراعه‪ ،‬بقوة و سرعة ل‬
‫تلحظ‪ ،‬كان النبوت‬

‫يتحرك على ارتفاع قبضة من الرض‪ ،‬فأصاب القصود تاما‪ ،‬ذلك قبل أن‬

‫ينتبه حربي للحركة الباغتة و يقفز من على الرض جاعل النبوت يفوت من تت قدميه‪ ،‬لكن‬
‫النبوت كان قد بلغ مقصده عند مفصل القدم‪ ،‬بالتحديد العظمة البارزة‪ ،‬كانت الضربة قوية و‬
‫ل يكن تملها‪ ،‬و صرخ حربي‪ ،‬و حاول أن يعرف قدمه الصابة‪ ،‬فاختل توازنه و هو يتاجع تت ضغط‬
‫الل‪ ،‬فسقط على الرض‪ ،‬و كان عثمان قد استوى واقفا و هو يضرب نبوت حربي‪ ،‬فطار بعيدا‪،‬‬
‫عاريا من دون حاية وتزايد الل يدفعه للصراخ حاول حربي القيام‪ ،‬لكن نبوت عثمان أنغرز‬
‫بصدره فرده راقدا على الرض و وقف عثمان فوقه‪ ،‬و هاصت الدنيا‪ ،‬و علت الصوات‪ :‬تسلم‬
‫يينه‪ ..‬عاش الرجال‪ ..‬و دقت مزيكا‪ :‬نقارة كبية يصحبها مزمار و ربابة‪ .‬و رقص الناس حول‬
‫‪.‬عثمان و بعضهم حثا التاب علي حربي‬
‫خطفت نعيمة عمامة عثمان من الواقف بوارها‪ ،‬و الذي كانت يده الخرى بدأت تتحسس‬
‫جسدها‪ ،‬خطت نو قلب اللقة‪ ،‬و ف مواجهة عثمان وقفت‪ ،‬نظرت مباشرة إل عينيه‪ ،‬ث رمت لسة‬
‫حربي فوق وجهه العفر بالتاب‪ ،‬و وضعت قدمها فوق رقبته‪ ،‬تراجع عثمان قليل‪ ،‬مذهول من‬
‫فعلها‪ ،‬رأى عمامته ف يدها‪ ،‬فمد يده كي يأخذها‪ ،‬لكن نعيمة رفعت يديها عاليا حت بان‬
‫إبطها النتوف ف وجه الرجال‪ ،‬كان يضوي تت الشمس الارقة‪ ،‬و رنت أساور الفضة و هي تنزلق‬
‫على الذارع الرخص‪ ،‬و هبطت اليد بالعمامة إل الصر و حزمته‪ ،‬و القدم الت على رقبة حربي‬
‫‪.‬تدقدقت كما اليل‪ ،‬و رن اللخال متجاوبا مع الزيكا‪ ،‬و بدأ الرقص‬
‫من أين جاءت الزيكا؟ و من أخبهم بالتقاتل؟ سؤال لن يعرف إجابته أبدا‪ ،‬لكن ما‬
‫يعرفه أن نعيمة ترقص أمامه الن‪ ،‬ترقص له و لفوزه‪ ،‬تيل بسدها كمهرة عفية‪ ،‬ترقص أردافها‬
‫و تز الصدر العامر‪ ،‬كل بدنا يرقص‪ ،‬حت عينها‪ ،‬تتاقص ببسمة شقية‪ ،‬تقتب منه و تبتعد‪ ،‬تد‬
‫‪.‬إليه يدها كي يرقص معها‪ ،‬و صيحات الستحسان تدفعه لقبول الرقص‬

‫رفع النبوت الغروز ف صدر حربي‪ ،‬المدد بزيه العظيم‪ ،‬طوح النبوت ف الواء‪ ،‬فاتسعت‬
‫الدائرة‪ ،‬بدأ يرقص‪ ،‬كان يبتعد‪ ،‬يشى القتاب منها‪ ،‬لكن جسده كان يسوقه نوها‪ ،‬و هي ارتت‬
‫بظهرها على صدره‪ ،‬و هفهف شعرها فوق وجهه‪ ،‬فوجت ف جسده النيان‪ ،‬فابتعد و هو يسندها‬
‫بذراعه‪ ،‬كان يرغب بالرب‪ ،‬و رأى الرجل الضئيل يضحك‪ ،‬و خايله وجه ينظر له بلوم و عتاب‬
‫قاس‪ ،‬حاول التوقف عن الرقص‪ ،‬و التأكد من صاحب الوجه‪ ،‬لكن الوجه أختفي بي الموع الاشدة‪،‬‬
‫فدار مقتبا من نعيمة‪ ،‬و الزيكا ف تصاعد و يشتد الرقص و تن غرائزه‪ ،‬رفعت نعيمة يديها‬
‫‪.‬فصمتت الزيكا كما بدأت فجأة‬
‫فكت نعيمة العمامة من حول خصرها‪ ،‬و رمتها فوق كتف عثمان‪ ،‬و راحت للمعلم حربي‬
‫الكوم على الرض و عند رأسه وقفت‪ ،‬كان ينظر لا بابتهال و رجاء عميق‪ ،‬لكنها ل تنظر نوه‪،‬‬
‫ضربت على بطنها‪ ،‬ث أنزلت سروالا‪ ،‬و عثمان واقف بيته‪ ،‬يتعجب من الفعال الت ل يفهمها‪ ،‬و‬
‫ل يدري مغزاها؛ جعلت نعيمة رأس حربي بي قدميها‪ ،‬و اننت قليل بذعها‪ ،‬و بيدها باعدت ثوبا‬
‫الضيق و البوك على جسدها‪ ،‬ث تبولت على رأس حربي‪ ،‬الذي وضع يديه فوق وجهه كي يميه‪ ،‬أراد‬
‫‪.‬عثمان أن يوقفها‪ ،‬لكن الذرع القريبة منه أوقفته‬
‫ارتدت نعيمة سروالا و جاءت إليه‪ ،‬مدت يدها للعمامة التهدلة على كتفه‪ ،‬شدتا حول‬
‫رقبته و جرته نوها‪ ،‬و قالت بصوت واضح سعه اليطون بم‪ :‬ياريت نبوتك يكون قوي ‪ ..‬زى قلبك‪.‬‬
‫و هو ل يفهم‪ ،‬لكن الذين حوله و قد فهموا التلميح‪ ،‬انطلقت ضحكاتم مذيلة بالتعليقات‪:‬‬
‫‪.‬عقبا لنا‪ ..‬يا رب‬
‫جرته نعيمة خلفها تاه بيتها القريب‪ ،‬كان الوقت ظهرا‪ ،‬و حي خرج كان الساء‪ ،‬و ظلمة‬
‫قد كست الدنيا‪ ،‬و ما أن تقدم خطوة ف الشارع حت اصطدم بفوهة بندقية موجهة لصدره‪ ،‬و صوت‬
‫‪.‬مزون يقول‪ :‬طلوقة‪ ..‬يا ابن الكلب‬

‫تكشفت الصحراء عن البهاء البدي‪ ،‬الذي تتفظ به‪ ،‬كواحد من كنوزها العديدة‪ ،‬ل يكن من صوت‬
‫سوى وقع أخفاف الملي فوق الصخور و الرمال‪ ،‬و هواء جاف منعش يسرى ف الوادي‪ ،‬و ساء متخمة‬
‫بالنجوم القريبة و الت علي وشك الطول‪ ،‬جل العم يسي متقدما و خلفه المل الذي يعتليه‬
‫عثمان‪ ،‬الغارق ف دنياه و أحواله‪ ،‬يبتسم لفارقة البندقية ف حياته‪ ،‬ف البداية يرفعها‬
‫والده ف وجهه كي يطرده من البيت‪ ،‬و الن يأتي العم ببندقيته و يدكها بصدره ليطرده من‬
‫أحضان نعيمة و دنياه الت أوشك على اقتحامها؛ حي خرج ف الشارع كان جسده ما يزال مدرا‪ ،‬و‬
‫آثار أظافرها و أسنانا حية و قوية ما تزال تنبض‪ ،‬حت يوم ماته سيظل يتذكر أنا الرة‬
‫الوحيدة الت أخذ فيها جسده حقه من التعة و الرتواء‪ ،‬ف أي لظة سيفع فيها القميص و يرى‬
‫علمتها الت حفرتا‪ ،‬و الت لن تنمحي‪ ،‬سيفكر بالطريقة و الكيفية الت جرت‪ ،‬و كيف استسلم‬
‫ليوية فتنتها الطاغية‪ ،‬و باء السد البشري حي يفصح عن مكنوناته و يفتح مغاليق أسراره‪،‬‬

‫‪.‬دون خشية أو خجل اعتباطي ينقص من قدر التعة و يبخس قيمتها‬
‫كان العم‪ ،‬عبد ال البشاري‪ ،‬قد نزل البلدة لضور زفاف مصطفى و فاطمة‪ ،‬و عرف‬
‫بالكاية‪ ،‬و هاج ف وجه ابن عمه‪ ،‬و عنفه بكلم قاس‪ ،‬و قال مصطفى أن عثمان ذهب للبندر‪ ،‬و ف‬
‫أيام الفرح جاء ناس من الدينة‪ ،‬قالوا أنم رأوه ير بالشارع‪ ،‬دون أن يتوقف عندهم‪ ،‬أو‬
‫يرمى السلم عليهم‪ ،‬و حي نادوه ل يرد‪ ،‬و كان عامل باليناء أشار للغرزة‪ ،‬و بعد الفرح قاد‬
‫العم جلي تاه البندر‪ ،‬و عقلهما خارجا‪ ،‬و راح للغرزة‪ ،‬و كانت الناقة‪ ،‬و شاهد ابن أخيه‬
‫يرقص بعصاه‪ ،‬و فتاة خليعة ترقص بي ذراعيه‪ ،‬و رجل مدد على الرض‪ ،‬و الناس تتفرج‪ ،‬بقي‬
‫بينهم‪ ،‬حت قادت الفتاة عثمان إل بيتها‪ ،‬فرجع للجملي‪ ،‬و من بي الرحال أخرج السلح‪ ،‬ورجع‬
‫ليعسكر أمام البيت‪ ،‬و كان الليل قد حط‪ ،‬و ل يشأ أن يقطع لظة التعة ف حياة الولد‪ ،‬فكر‬
‫‪.‬أنا مكافأة و تربة واجبة‪ ،‬و عندما خرج عثمان قاده تاه البال البعيدة‬
‫‪.‬تظن نفسك رجل ‪-‬‬
‫قال العم كاسرا حدة الصمت الذي ييم‪ ،‬ل يشأ عثمان أن يادل‪ ،‬لكنه تعجب من عدم اعتافهم به‬
‫كرجل و مع ذلك يرفعون السلح بوجهه‪ ،‬و هل كان يلك أن يعارض ف الالتي المر الصادر‪،‬‬
‫ببندقية أو بدون؛ أرخي اللجام من يده‪ ،‬فاندفع جله مقتبا‪ ،‬حت وازى جل العم‪ ،‬كان العم ف‬
‫سن والده‪ ،‬لكن بنية عوده كانت أنف و أشد متانة‪ ،‬و كانت الصحراء قد تكفلت ببشرته‪ ،‬فصارت‬
‫‪.‬داكنة‪ ،‬و كأنا هذا واحد من شروطها كي تقبله داخلها‬
‫‪.‬ل تفز‪ ..‬لنك كنت الفضل‪ ..‬بل كونك الكثر هجية ‪-‬‬
‫قال العم لعثمان الذي أصبح ياذيه‪ ،‬و عثمان الذي يقدر عمه أراد العتاض بلطف‪ ،‬ليدفع عنه‬
‫‪..‬التام الذي يصمه ف قلب مشاعره‪ ،‬قال‪ :‬الناقة كانت بسبب‬
‫بسبب نبوتك‪ .‬قال العم مقاطعا و هو يس بطرف عصاه عضو عثمان‪ ،‬و ترددت ضحكته الصافية‪ ،‬و ‪-‬‬
‫تاوبت معها البال القريبة العالية‪ ،‬و قهقه الصدى‪ ،‬وعثمان الذي بوغت بركة العم‪ ،‬ل ينع‬
‫نفسه‪ ،‬رغم الجل‪ ،‬من البتسام و هو يطأطئ رأسه‪ ،‬فأكمل العم بصوت هادئ متزن‪ :‬كان بإمكان‬
‫‪.‬الرجل أن يسحقك لو تلى عن تعلقه بالشرموطة الت جرتك خلفها كبهيمة‬
‫كانت العائلة ف طورها الثاني‪ ،‬قد أبقت بعض أبنائها بالصحراء‪ ،‬كنقط اتصال بي الضر‬
‫و البدو لتأمي طريق القافلة القادمة من النوب‪ ،‬كانت حاية و مراقبة‪ ،‬كانت مهمة تلك‬
‫النقط التعامل مع أهل الصحراء‪ :‬البشارية و العبابدة‪ .‬عب التعامل معهم و التزاوج منهم‪،‬‬
‫و كسبهم كأدلة لدروب الصحراء التشعبة و معرفة الطرق اللفية و البعيدة عن العي و مطامع‬
‫قطاع الطرق و لصوص الصحراء؛ و لا انارت التجارة و خطت الدود بي الدول‪ ،‬كان أبناء‬
‫العائلة قد تولوا لصحراويي‪ ،‬قلبا و قالبا‪ ،‬ل يستطيعون النفصال عنها‪ ،‬و عن حياتم الت‬
‫نبتت هنا‪ ،‬و إن ظل البعض منهم على اتصال بالبيت الكبي‪ ،‬بيت الرحال‪ ،‬و كان منهم والد‬
‫‪.‬عبد ال البشاري‪ ،‬العم‪ ،‬الذي يضرب الن بالصحراء نو مضاربه بعد أن أخذ عثمان معه‬
‫كان عثمان‪ ،‬و هو طفل‪ ،‬يرى الهتمام الفائق الذي يل بالبيت عن قدوم العم البعيد من‬
‫قلب الصحراء‪ ،‬كان يأتي و يبقى لدة ليلة‪ ،‬يأخذها ساهرا هو و والده‪ ،‬و والد مصطفي و بعض‬

‫القارب الذين عرفوا بقدمه‪ ،‬يكون و يستجعون تاريخ العائلة بكثي من السى و الني؛ و كان‬
‫عثمان يرابط بالديوان‪ ،‬يستمع لكايات العم‪ ،‬و شوق بداخله يتعاظم لرؤية الصحراء و الذهاب‬
‫مع العم‪ ،‬و ف مرة تاسر أمام الميع و أخبه برغبته‪ ،‬و ضحك الاضرون‪ ،‬و العم طيب خاطره‪،‬‬
‫لكنه ف الصباح وجد نفسه راقدا فوق دكة بقلب الديوان و كان العم قد غادر‪ ،‬بكى عثمان‬
‫الطفل‪ ،‬من القهر‪ ،‬قهر الديعة و التك‪ ،‬ف الرة التالية‪ ،‬تاشى العم تاما‪ ،‬حت عندما طلبه‬
‫العم ل يذهب‪ ،‬لكنه راح و نام بوار جل العم الربوط بالارج‪ ،‬بالتحديد فوق رحله‪ ،‬فلبد‬
‫للعم أن يوقظه كي يأخذ رحله‪ ،‬و حي صحا و جد نفسه بوسط الصحراء فوق المل خلف العم؛ و‬
‫بعدها عرف الطريق‪ ،‬و كلما ضاقت به أحواله‪ ،‬أو ضربه الني‪ ،‬ذهب هناك‪ ،‬خاصة و أن أبناء‬
‫‪.‬العم ياثلونه ف السن‬
‫كان الليل قد سرى‪ ،‬و أمامهم يوم طويل حت الوصول‪ ،‬أناخ العم جله و فعل عثمان‪،‬‬
‫أخرج العم عدة القهوة‪ ،‬و لقط عثمان أعودا من الطب‪ ،‬و أشعل النار‪ ،‬صب لعمه قهوته الرة‬
‫الت يفضلها‪ ،‬و يأخذ عدتا معه أينما ذهب‪ ،‬أراد عثمان الديث فيما جرى‪ ،‬كي يرر عمه من سوء‬
‫الفهم‪ ،‬و كي يتفهم موقفه و منطق فعله‪ ،‬لكن العم كان قد انصرف للسماء‪ ،‬يتأمل نومها‪ ،‬و‬
‫حي فرغ من شرب القهوة‪ ،‬تدد جاعل من ذراعه وسادة‪ ،‬فقام عثمان و ل عدة القهوة‪ ،‬و أهال‬
‫على المرات التقدة بعضا من الرمل‪ ،‬و اتكأ علي صخرة‪ ،‬و راح يستحلب الوقائع الت جرت‪،‬‬
‫كانت نعيمة حاضرة‪ ،‬صوتا يهمس داخله‪ ،‬لكن صوت العم قاطعه‪ :‬كبت يا عثمان‪ .‬انتبه و نظر نو‬
‫عمه‪ ،‬فوجده يقوم من مرقده‪ ،‬و هو يقول‪ :‬هيا بنا‪ .‬كان عثمان قد اعتاد أفعال العم‪ ،‬لكن‬
‫َم‬
‫َل‬
‫‪.‬الن إل أين؟ أراد أن يسأل‪ ،‬فقال العم و هو يركب المل‪ :‬خور الس‬

‫من أراد أن يرب رجولته‪ ،‬فلينزل وادي السلم‪ ،‬حكايات كثية عن العفاريت و الن و‬
‫الوحوش الت تتخذ من الور مكان إقامة‪ ،‬و رغم الرجفة الت انتابت عثمان لا سع صوت عمه‬
‫ينطق بالسم‪ ،‬ل يعتض فهو يعرف عمه‪ :‬تاجر البل‪ .‬فرغم وداعته الظاهرة لكن قسوته تفوق‬
‫الدود‪ ،‬و ها بقلب الصحراء‪ ،‬يكن أن يرديه قتيل بطلقة واحدة‪ ،‬و يتكه جيفة‪ ،‬و يضي دون أن‬
‫يرف له جفن‪ ،‬أو يشعر بذنب‪ ،‬هل القسوة بنت الصحراء و الصخور و الو اللتهب؟ أهذا واحد من‬
‫قوانينها‪ ،‬و قواني الياة با‪ ،‬ل مكان للخوف ف قلوب الرجال أو عقولم‪ ،‬هم رجال ‪ ،‬يب أن‬
‫يكونوا‪ ،‬ليستحقوا الياة بدارة هنا‪ ،‬و هو أل ياجج برجولته‪ ،‬أم أن تلك متلفة‪ ،‬و جال‬
‫باطره أنه ل يكن يصدق بوجود هذا الور‪ ،‬كان يعتبه مكان للحكايات مثل أماكن ألف ليلة‬
‫التعددة و الكثي منها ليس له وجود‪ ،‬مكان يكن أن تدث به بعض الوارق الت ل تنتمي لعالنا‬
‫الزائل و الزائف هذا‪ ،‬كان أبناء البشاري‪ ،‬عمه‪ ،‬قد قصوا و فصلوا القول ف حكايات كثية عن‬
‫الور‪ ،‬الذي يقود العم باتاهه الن‪ ،‬هل عقل العم قد اختل ليذهب لكان ليس له وجود إل ف‬

‫خيال الشعراء و رواة الحاديث‪ ،‬قالت الكايات عن كثيين ذهبوا للبحث عنه و ل يرجعوا أبدا‪،‬‬
‫‪.‬و آخرين ظلوا يبحثون عنه دون جدوى‪ ،‬و حي عادوا كانت حياتم قد ذهبت‬
‫التحدي يقوم على الذهاب للخور و العودة بعود من شجر السلم التكاثر به‪ ،‬ليس معه‬
‫سلح سوى بلطة كي يقص با الفرع‪ ،‬و يدفع با عن نفسه إن لزم المر‪ ،‬و المر لن يلو‪ ،‬أو يضرب‬
‫با رأسه‪ ،‬كما روت الكايات‪ ،‬إن أراد أن يوقف الرعب الذي حاصر قلبه؛ سارا طول النهار‬
‫الذي أهل عليهم‪ ،‬و كانا قد أخذا دربا متلفا‪ ،‬ل يقود نو الضارب‪ ،‬كان عثمان يتساءل طوال‬
‫الطريق مت يتوقف هذا النون‪ ،‬و يرجع عمه إل الدرب الصحيح‪ ،‬لكن العم ل يكن ليتوقف حت مع‬
‫اشتداد الرارة‪ ،‬و طلب الجساد للقمة‪ ،‬أو لراحة الملي؛ كان العم يتحرك متقدما‪ ،‬و دون‬
‫حوار يفف من هواجس عثمان‪ ،‬الذي كان يتك جسده للهتزاز تبعا لركة المل‪ ،‬و هو يطالع البال‬
‫‪.‬التجهمة القاسية الت تيط بم‪ ،‬ماول تمي قصد العم‪ ،‬و هدفه من جره لذا الوادي‬
‫أقبل الليل و ها يسيان بنفس الوتية‪ ،‬و أن كانت البال أخذت تضيق الدرب أمامهما‪ ،‬و‬
‫يزداد ارتفاعها‪ ،‬حت أنما ل يتمكنا من السي متحاذيي‪ ،‬و عثمان الذي أسلم أمره ل يعد يهمه‬
‫َحر‪ ،‬نزل العم و هو‬
‫كيف ستجري المور؛ عند منتصف الليل توقف العم‪ ،‬و خيل لعثمان أنه الس‬
‫يمل بلطة‪ ،‬و عثمان الذي ترجل و هو يتلفت حوله‪ ،‬أعطاه العم البلطة‪ ،‬قال‪ :‬نبوتك هناك‪..‬‬
‫بقلب الوادي‪ ..‬يناديك‪ ..‬و أشار إل النفرج الضيق بي البلي‪ ،‬تقدم معه خطوتي‪ ،‬ث توقف و هو‬
‫‪.‬يقول‪ :‬يب أن تعود قبل شروق الشمس‪ .‬و دفعه للمام‬
‫انفتح النفرج على واد واسع تيطه البال من كل جانب‪ ،‬و قمر لطيف كسا الوادي بنوره‪،‬‬
‫و بدت الشجار كأنا أشباح واقفة ف انتظاره‪ ،‬و ريح هادئة تداعب الورق الدبب‪ ،‬فتحدث أزيزا‬
‫كأنه نذير‪ ،‬و عثمان تلفت خلفه فكر ف التاجع و مواجهة العم‪ ،‬فإذا كان الور موجودا‪ ،‬فأن‬
‫ّ أن أقطع أول فرع تطوله يدي‪ .‬كان‬
‫الكايات صحيحة‪ ،‬و يبقى اختبار الرجولة جديا‪ ،‬قال‪ :‬على‬
‫‪.‬ين نفسه بالعودة بيث ل يسمح لقدميه بالتورط بأرض الوادي‬
‫تقدم بذر‪ ،‬و سع كأنا صوت يناديه باسه‪ ،‬تلفت و هو يقول‪ :‬بدأت ألعيب الور‪ .‬رفع‬
‫البلطة تسبا لي أذي قد يهاجه‪ ،‬بدا الصوت ضعيفا‪ ،‬كأنا يعاني‪ ،‬و أن بدا ساحرا‪ ،‬توقف‬
‫عثمان‪ ،‬و جاءه الصوت متوجعا‪ ،‬كأنا يرجوه ليتقدم‪ ،‬صوت يئن من ثقل الشهوة الضاغطة‪ ،‬هتف‬
‫عثمان‪ :‬نعيمة‪ .‬و حرك قدميه تاه البقعة الت ظن أن الصوت ينبعث منها‪ ،‬و تذكر لم نعيمة و‬
‫ساره الرائق‪ ،‬و هبت الرارة ببدنه‪ ،‬و ضج دمه بالنداء القاسي‪ ،‬خبطته فروع الشجار‪ ،‬مد يده‬
‫وقبض على الفرع القريب‪ ،‬و رفع البلطة عازما على قطعه‪ ،‬ليأخذه دليل رجولته و نزوله‬
‫للوادي‪ ،‬لكن الذراع القابض على البلطة ل يتحرك‪ ،‬كأنا شل‪ ،‬أفلت عثمان الفرع و قد أصابه‬
‫اللع من توقف ذراعه‪ ،‬لكن ذراعه ترك‪ ،‬قبض على فرع آخر‪ ،‬و حدث مثلما حدث ‪ ،‬و الصوت تردد‬
‫‪.‬ضاحكا‪ ،‬متلطا بصرخة لوحش‪ ،‬ترك عثمان الفرع و قد أيقن بصعوبة مهمته‬
‫سع حفيف ثوب يتحرك بي الشجر‪ ،‬تقدم موسعا من خطواته بي الفرع التشابكة‪ ،‬كأنا يوض‬
‫ف بر‪ ،‬و الريح تتلعب حوله‪ ،‬فتحول الظلل لخلوقات شائهة توشك على الفتك به‪ ،‬كان وجيب‬
‫قلبه يتصاعد‪ ،‬و أصوات الوحش تقتب‪ ،‬خن ربا تكون لسبع‪ ،‬تلفت بسرعة فشاهد الثوب البيض ير‬

‫بواره‪ ،‬أضواء القمر‪ ،‬رغم الظلل جعلته يرى الكان الذي اختفى به الثوب‪ ،‬و جاء المس‬
‫منغما‪ :‬عثماااان‪..‬عو‪..‬ث‪ ..‬فاندفع غي عابئ بصوت اليوان النذر باقتابه‪ ،‬و ل خبط الفرع‬
‫بوجهه‪ ،‬و ل الدماء الت تنفجر بسبب الروح الت أحدثتها الوراق الدببة و الشواك‪ ،‬كان‬
‫النور الذي خطف بصره يره باتاه الثوب و الصوت‪ ،‬و من بي الشجار رأى نعيمة‪ ،‬و سعها تضحك‪،‬‬
‫كانت ترقص رقصتها العارية الت رقصتها بجرتا‪ ،‬تتمايل بي الشجار‪ ،‬تتخفى بي الفرع مستغلة‬
‫الظلل‪ ،‬كانت تتفي من بقعة لتظهر ف بقعة أخرى‪ ،‬و هو التحي ارتت قبضته على البلطة‪ ،‬و‬
‫انتصب عضوه‪ ،‬و تقدم و جسده يرقص‪ ،‬كانت نعيمة تد يدها تناديه‪ ،‬تسحبه إليها‪ ،‬كان حاسه‬
‫للتمرغ بسدها اللي قد بلغ مداه‪ ،‬رفع البلطة يرقص با‪ ،‬كان يقتب عازما على المساك بالسد‬
‫الشهي‪ ،‬و جال باطره أيلعن العم أم يشكره‪ ،‬و بدأت الريح بعزف الوسيقى‪ ،‬و تايلت الشجار‪،‬‬
‫و رقصت الظلل‪ ،‬و سع كأنا البال تزلزلت‪ ،‬و لطف ساحر غمر الكان‪ ،‬مد يده القريبة إليها‪،‬‬
‫يرجوها ليقصا معا‪ ،‬يعريها و تعريه‪ ،‬تقبض على نبوته بالقوة ذاتا‪ ،‬و بالنان الصفى ذاته‪،‬‬
‫‪.‬حت يفيض حليب البة بينهما و يغمر الناء‪ ،‬فل يبقى بذا الكون سواها‬
‫اقتب و مد اليد للقبض عليها‪ ،‬لكنها زاغت منه و دخلت ف غصن‪ ،‬و يده بقوتا قبضت على‬
‫الغصن‪ ،‬فمال الغصن نوه‪ ،‬و نفخ ف وجهه‪ ،‬تراجع مذهول‪ ،‬فقد صار الغصن حية هائلة‪ ،‬انتبه‬
‫للبلطة ف يده‪ ،‬و بعزم الوف الذي يهاجه‪ ،‬ضرب الغصن الزاحف‪ ،‬طقطق الغصن و سكنت حركته‪ ،‬و‬
‫ضربة ثانية خلصت الفرع من أصل الشجرة‪ ،‬و اندفعت دماء‪ ،‬قال‪ :‬علمت‪ .‬و جر الغصن‪ ،‬و الدماء‬
‫أخذت ف الفيضان و عادت الصوات و الظلل لسابق عهدها‪ ،‬هرول و هو يمن الطريق كي يرج من‬
‫قلب الغابة‪ ،‬رأى الدماء تتحرك خلفه‪ ،‬عالية كانت و كافية لغراقه‪ ،‬و بدأ النور ف الظهور‪،‬‬
‫و قرب شروق الشمس‪ ،‬و الت معها سيتحول كل ما ف الور إل صخور‪ ،‬هذا ما قالته الكايات‬
‫القدية؛ كان يري يد تسك بالبلطة‪ ،‬و الخرى تر الغصن‪ ،‬و طوفان الدم و الصوات و نور الشمس‬
‫الوشك‪ ،‬طالت السافة‪ ،‬و زاد التهديد‪ ،‬ل يكن يدري على أي نو يفكر‪ ،‬كانت أمامه شجرة كبية‬
‫و عالية‪ ،‬و ل يكن أمامه مهرب من الدم سوى اعتلء الشجرة‪ ،‬و لا صعد و الدم خلفه‪ ،‬رأى‬
‫‪.‬البال‪ ،‬و قفز من الشجرة‪ ،‬فقد بان طريق الروج‪ ،‬فقط عليه بالسراع‬
‫كان العم جالسا فوق إحدى الصخور القريبة‪ ،‬و ظهره لدخل الور‪،‬و يتسى قهوته‬
‫الصباحية‪ ،‬قال‪ :‬يا عم‪ ..‬و ل يكمل‪ ،‬سقط و الدماء تطفر من بدنه‪ ،‬و يده تقبض على الغصن‪،‬‬
‫الذي سيصبح النبوت الذي سيلزمه طوال حياته؛ قام العم و هو يبتسم‪ ،‬ل جسد أبن أخيه‬
‫الرتعش بفعل المى الت ضربته‪ ،‬و ضعه فوق المل و ساق تاه الضارب البعيدة‪ ،‬و كانت الشمس‬
‫‪.‬لتوها تشرق‬

‫حي أفاق‪ ،‬بعد ثلثة أيام‪ ،‬سحبه العم خارج اليام‪ ،‬غي سامح لبنائه بالقتاب منه‪ ،‬مستثنيا‬

‫من هذا الظر‪ ،‬فاطمة‪ ،‬ابنته‪ ،‬كان عثمان ف نوبات يقظته القليلة يدها بواره‪ ،‬كانت ترضه‪،‬‬
‫تضع بعض الضمادات الغمورة ف الاء البد‪ ،‬أو بعض السوائل الدافئة‪ ،‬كانت تقوم بتغيها‬
‫بانتظام‪ ،‬و أيضا تسنده كي تسقيه منقوع بعض العشاب الصحراوية‪ ،‬و العم يراقب كصقر من‬
‫‪.‬مكمنه القريب‪ ،‬عند باب اليمة‬
‫َلم‪ ،‬و قد‬
‫خارج الباب جعله يطو فوق رمس رملي‪ ،‬و أمره أن ينبشه و يرج ما به‪ ،‬كانت عصا الس‬
‫شذبا العم‪ ،‬قص الطراف الزائدة‪ ،‬و دسها تت الرمل واضعا فوقها الجارة الثقيلة‪ ،‬حت ل يعوج‬
‫النبوت‪ ،‬أخرجه عثمان‪ ،‬و هزه بيده‪ ،‬كان خفيفا و مرنا‪ ،‬و قويا‪ ،‬و تبسمت روحه‪ ،‬و هزه‬
‫‪.‬الشبه الذي يمعه و نبوت العم‪ ،‬أراد أن يسأله‪ ،‬لكن العم كان قد سار‬
‫ف الساحة الواسعة خط العم بنبوته دائرة‪ ،‬كان عثمان بداخلها‪ ،‬تقدم العم داخل الدائرة و‬
‫هو يقول‪ :‬كل ما ينتمي لارج اللقة ل يهمنا‪ ،‬ما يهمنا الن‪ ،‬هو أنت و أنا‪ ،‬و العصي‬
‫‪.‬بأيدينا‬
‫ل يفهم عثمان قصد العم الذي ل يوضح‪ ،‬بل رفع نبوته عاليا‪ ،‬و قال آمرا‪ :‬ارفع عصاك‪ .‬و‬
‫عثمان الذي يدرك مقدرة عمه على اللعب بالعصا‪ ،‬و مهارته الت ل يكن ماراتا‪ ،‬ل يأخذ الكلم‬
‫جديا‪ ،‬فرفع نبوته بتهاون‪ ،‬قال العم الذي كان يجل عند حواف الدائرة‪ :‬من يسيطر على هذه‬
‫الدائرة هو الفائز‪ .‬و بركة طائر خفيف هاجم‪ ،‬و بضربة أطار نبوت عثمان‪ ،‬و الثانية كانت ف‬
‫‪.‬جنبه‪ ،‬ضربة حقيقية‪ ،‬موجعة‪ ،‬تأوه عثمان‪ ،‬و العم ضحك‪ ،‬قال‪ :‬دافع عن نفسك‬
‫التقط عثمان العصا‪ ،‬بات واضحا أن العم مصر على القتال‪ ،‬تلقى الضربة و لكن ليس بالقوة‬
‫الكافية‪ ،‬فتخدل ذراعه‪ ،‬و حركة العم السريعة عاجلته بالثانية و الثالثة مست رأسه‪ ،‬قال‬
‫العم ساخرا‪ :‬أنت في‪ .‬تراجع عثمان‪ ،‬و العم حذره مشيا لدود الدائرة‪ ،‬فوقف عثمان‪ ،‬و العم‬
‫هاجم وهو يقول‪ :‬ما رأيك بفاطمة؟ و عثمان تساءل ف نفسه عن تكرار هذا السم داخل العائلة‪،‬‬
‫أهي قلة أساء أم هناك سر؛ و عندما سينجب ابنته الوحيدة سيحتار‪ ،‬و لن يد اسم بديل‪ ،‬فيتك‬
‫الهمة لزوجته‪ ،‬باعتبار أن هذا المر يص النساء‪ ،‬أما الذكور سيقوم هو باختيار أساءهم ‪،‬‬
‫ستقول الم‪ :‬زينب‪ .‬و هو لن يعتض؛ لكن الن ماذا يقصد العم؟ ف ذات الوقت عليه أن يصد‬
‫‪.‬هجمات العم التوالية‪ ،‬وجد نفسه موزعا‪ ،‬و عصا العم تضربه بل رحة ف ساقه‬
‫وقف العم بقلب الدائرة و استند مائل على نبوته‪ ،‬قال‪ :‬العصا مثل السيف‪ ..‬قد تقتل صاحبها‬
‫الغشيم‪ ..‬هي زيادة لطول الذراع‪ ،‬لكن لبد من السيطرة عليها‪ ..‬يب أن تضع لنا‪ .‬و أشار إل‬
‫رأسه‪ ،‬و عثمان الذي يعرج ل ياجج ف ألغاز العم‪ ،‬و كانت الشمس قد اشتدت‪ ،‬فأراد الكتفاء‪،‬‬
‫فأكمل العم‪ :‬سأتلقى‪ ..‬هيا هاجم‪ .‬و امتثل عثمان‪ ،‬طوح العصا و ضرب‪ ،‬فتلقتها عصا العم‬
‫بضربة جعلتها تفلت من يد عثمان‪ ،‬الذي أصبح مكشوفا للعم‪ ،‬قال العم بغضب‪ :‬أنا لست عمك‬
‫الن‪ ..‬كن رجل‪ .‬أثارت الكلمات المية داخل عثمان‪ ،‬هز العصا بيده متبا متانة ذراعه و‬
‫مرونة النبوت و هاجم بضراوة‪ ،‬و العم يدافع دون أن يتخلى عن موضع قدميه‪ ،‬فقط يسد البواب‬
‫الت ياول عثمان فتحها لينفذ منها لسد العم؛ كان ارتطام العصي يصم الذان‪ ،‬و الرمل بدأت‬
‫حباته ف التقاد‪ ،‬و عثمان ياول استحضار مهارة جسده‪ ،‬قال ف نفسه‪ :‬على القل أنا الشاب‪.‬‬

‫تراجع قليل متلعبا بالعصا‪ ،‬فقط يريد مسه‪ ،‬و خبة العم و حنكته العميقة كانت تنظر لركات‬
‫جسد عثمان بعي التقدير لكن دون تورط‪ ،‬فقال العم‪ :‬ل تب على السؤال؟ ل يعرف عثمان أي‬
‫سؤال يعنيه العم‪ ،‬و بدا له أن العم يريد أن يشتت تركيزه‪ ،‬لتطيش ضرباته‪ ،‬فرد كي يتخلص‬
‫من الوقف‪ :‬سأبقى هنا‪ .‬كان يتاقص و هو يقتب من العم‪ ،‬و سدد ضربة مباغتة‪ ،‬قال‪ :‬سأتزوج من‬
‫فاطمة‪ .‬ضحك العم و هو يتقى الضربة‪ ،‬قال العم‪ :‬عليك إذن تطي هذا النبوت‪ .‬و هز العم‬
‫النبوت ف عي الشمس قبل أن يكمل‪ :‬هذا النبوت قادم من خور السلم‪ .‬و هزت الفاجأة عثمان و‬
‫هو يرى عمه يرقص بالنبوت كطي ف لظة سعادة نادرة‪ ،‬قال عثمان ف نفسه‪ :‬ما ل أخرج من رهان‬
‫حت أدخل ف غيه‪ .‬قال العم كأنه يكمل حديث ابن أخيه‪ :‬حياتنا كلها رهان‪ ،‬علينا أن نوضها‬
‫‪.‬كرجال بلء قلوبنا القوية‬
‫‪.‬تلقت العصي معلنة عن قوة الرجال و جدارة القلوب لوجهة الياة رغم رهاناتا القاتلة‬

‫حي أخذت الشاي ف الصباح من زينب‪ ،‬أردت أن أسألا عن بلح النخلة‪ ،‬كنت أود تذوقه‪ ،‬و‬
‫استحلب طعمه‪ ،‬ربا كان من الناسب أن‪ ،..‬لكن تأملت زينب‪ ،‬ابنة تاجر المال الولودة بقلب‬
‫الصحراء‪ ،‬أردت أن أخبها عن الرهان الديد و خطبة ممد و حلمه‪ ،‬لكن نفضت رأسي و أنا أقول‪:‬‬
‫هل هذا مهم الن؟ أخذت الشاي و رجعت للديوان‪ ،‬كان بعض أولد العمومة قد رحلوا مبكرين‪ ،‬و‬
‫كذلك الغريب‪ ،‬الذي ل يقم واحد منا‪ :‬ممد و ماهد و أنا‪ .‬الباقي باستبقائه حت يتناول‬
‫إفطاره معنا‪ ،‬كان حس العداء و اللمبالة متبادل؛ وضعت صينية الشاي على الدكة‪ ،‬و رحت‬
‫أنظر للرسوم على الائط‪ ،‬فبانت حلقة تطيب حولا جع غفي‪ ،‬و التباريان بقلب اللقة‪ ،‬ارتفعت‬
‫‪.‬العصي و نزلت متضاربة‪ ،‬و أتانا صوت الدوى‪ ،‬و كانت الدنيا قد تغيت‬

‫أسوان‬
‫أول مارس ‪2003‬‬
‫ناية مارس ‪2006‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful