‫‪www.muslim-library.

com‬‬

‫مقدمة‬

‫تعد الزراعة من أهم عناصر البيئة؛ حيث إهنا تعد مصدرا هاما‬
‫للغذاء والدواء؛ ولذلك امنت اهلل هبا على اإلنسان يف قوله تعاىل‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫صبًّا * ُُثَّ َش َق ْقنَا‬
‫اء‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ب‬
‫ب‬
‫ص‬
‫ا‬
‫ن‬
‫أ‬
‫*‬
‫ه‬
‫ام‬
‫{فَ ْليَنظُِر ا ِإلنْ َسا ُن إِ َىل طَ َع‬
‫ْ‬
‫َ َْ َ َ َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ضبًا * َوَزيْتُونًا َوََنْالً *‬
‫ق‬
‫و‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ع‬
‫و‬
‫*‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ح‬
‫ا‬
‫يه‬
‫ًّ‬
‫ض َش ًّقا * فَأَنْبَْت نَا ف َ َ َ ًَ َ َ ْ‬
‫األ َْر َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫اعا لَّ ُك ْم َوألَنْ َع ِام ُك ْم} (عبس‪:‬‬
‫ت‬
‫م‬
‫*‬
‫ا‬
‫ب‬
‫أ‬
‫و‬
‫ة‬
‫ه‬
‫اك‬
‫ف‬
‫و‬
‫*‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ل‬
‫غ‬
‫ق‬
‫ْ‬
‫ًّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َو َح َدائ َ ً َ َ َ َ َ ً‬
‫‪.)24-42‬‬
‫ومن املواضع الكثرية األخرى اليت حتدث فيها القرآن عن نعمة الزرع‬
‫السماو ِ‬
‫ض َوأَنْ َزَل لَ ُكم‬
‫َر‬
‫أل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ات‬
‫واإلنبات قوله تعاىل‪{ :‬أ ََّم ْن َخلَ َق َّ َ َ َ ْ َ‬
‫السم ِاء ماء فَأَنْبْت نَا بِِه ح َدائِ‬
‫ات بَ ْه َج ٍة َّما َكا َن لَ ُك ْم أَن تُْنبِتُوا‬
‫ذ‬
‫ق‬
‫َ‬
‫َ َ َ‬
‫ِّم َن َّ َ َ ً َ‬
‫َشجرها أَإِلَه َّمع ِ‬
‫اهلل بَ ْل ُه ْم قَ ْوٌم يَ ْع ِدلُو َن} (النمل‪.)06 :‬‬
‫َََ ٌ َ‬
‫ونظرا لتلك األمهية فقد أوىل اإلسالم البيئة الزراعية رعاية وعناية‬
‫كبرية‪ ،‬ميكن تلخيص أبرز مظاهرها فيما يلي‪:‬‬

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫أوال‪ -‬نسب اهلل تعالى الزرع لنفسه‪:‬‬
‫إن الشيء يستمد شرفه وقيمته من املنسوب إليه؛ ولذلك فقد‬
‫نسب اهلل تعاىل الزرع لنفسه‪ ،‬ال لبين البشر؛ حيث إن دورهم‬
‫يقتصر على احلرث الذي هو شق األرض وهتيئتها للبذر؛ حيث‬
‫الزا ِرعُو َن *‬
‫قال تعاىل‪{ :‬أَفَ َرأَيْتُم َّما َْحتُرثُو َن * أَأَنْتُ ْم تَ ْزَرعُونَهُ أ َْم ََْن ُن َّ‬
‫لَ ْو نَ َشاءُ ََلَ َع ْلنَاهُ ُحطَ ًاما فَظَْلتُ ْم تَ َف َّك ُهو َن} (الواقعة‪.)06-02 :‬‬
‫ويف هذا النسب تأكيد على أمهية الزرع الذي هو عصب احلياة؛‬
‫حىت يدرك اإلنسان قيمته وأمهيته فيرر على رعايته واحلفا‬
‫عليه‪.‬‬
‫وهناك الكثري من اآليات اليت نسب اهلل تعاىل فيها الزرع واإلنبات‬
‫وإحياء األرض لذاته املقدسة‪.‬‬

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫ثانيا‪ -‬جعل اهلل الغرس والثمار جزاء ألهل الجنة‪:‬‬
‫يستمد الزرع أمهيته يف اإلسالم أيضا من كونه جزاء ألهل اإلميان يف‬
‫اَلنة؛ حيث قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪" :‬من قال‪:‬‬
‫(سبران اهلل العظيم وحبمده) غُرست له َنلة يف اَلنة"‪( ،‬رواه‬
‫الرتمذي‪ ،‬وقال حديث حسن)‪ .‬ويف رواية للنسائي‪“ :‬من قال‬
‫سبران اهلل العظيم غُرست له شجرة يف اَلنة"‪.‬‬
‫وقال ‪-‬صلى اهلل عليه وسلم‪“ :-‬من صام يوما تطوعا غُرست له‬
‫شجرة يف اَلنة؛ مثرها أصغر من الرمان‪ ،‬وأضخم من التفاح‪،‬‬
‫وعذوبته كعذوبة الشهد‪ ،‬وحالوته كرالوة العسل‪ ،‬يطعم اهلل‬
‫الصائم منه يوم القيامة" (رواه الطرباين يف معجمه الكبري)‪.‬‬
‫فكون الغراس والشجر والنخل جزاء ألهل اَلنة فيه تأكيد أيضا‬
‫على شرفه وقيمته اليت جيب احملافظة عليها‪.‬‬

www.muslim-library.com

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫ثالثا‪ -‬التشجيع على إحياء األرض الميتة‪:‬‬
‫حر اإلسالم على عدم ترك األرض بورا دون زراعة؛ وتشجيعا‬
‫لذلك حر الرسول ‪-‬صلى اهلل عليه وسلم‪ -‬بصفته حاكما‬
‫للبالد على استزراع األرض؛ فأصدر قرارا يعطي حق التملك ملن‬
‫حييي أرضا ميتة ليست مملوكة ألحد؛ حيث روى ُع ْرَوةُ َع ْن أَبِ ِيه أ َّ‬
‫َن‬
‫ول اللَّ ِه صلَى اهلل علَي ِ‬
‫َّ‬
‫ضا َميتَةً فَ ِه َي‬
‫أ‬
‫ن‬
‫م‬
‫“‬
‫‪:‬‬
‫ال‬
‫ق‬
‫م‬
‫ل‬
‫س‬
‫و‬
‫ه‬
‫َ‬
‫َر ُس َ‬
‫َ‬
‫َحيَا أ َْر ً‬
‫َْ ْ‬
‫َ‬
‫ُ َْ ََ َ‬
‫اِل حق”‪ ،‬قَ َال مالِك‪ :‬والْعِرق الظَّ ِ‬
‫لَه‪ ،‬ولَيس لِعِرٍق ظَ ِ‬
‫ٍ‬
‫اِلُ‪ُ :‬ك ُّل َما‬
‫َ ُْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ َْ َ ْ‬
‫احتُِفر أ َْو أ ُِخ َذ أ َْو غُ ِ‬
‫س بِغَ ِْري َح ٍّق (موطأ مالك‪.)26/6 :‬‬
‫ر‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ويف سياق آخر حض صلى اهلل عليه وسلم على عدم إمساك‬
‫األرض الصاحلة دون زراعة‪ ،‬وأن من عجز عن زراعتها فليمنرها‬
‫أخاه حىت ال تبقى بورا؛ حيث روى َعطَاء َع ْن َجابِ ِر بْ ِن َعْب ِد اللَّ ِه‬
‫قَ َال‪َ " :‬كا َن لِ‬
‫ول اللَّ ِ‬
‫ول أَر ِضني ِ‬
‫اب رس ِ‬
‫ٍ‬
‫َصر ِ‬
‫ِ‬
‫صلى‬
‫ه‬
‫أ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ض‬
‫ف‬
‫ال‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ َ َ ْ ْ َ َُ‬
‫ول اللَّ ِ‬
‫اللَّه علَي ِ‬
‫َّ‬
‫صلَّى اهللُ َعلَْي ِه َو َسلَّ َم‪َ “ :‬م ْن‬
‫ه‬
‫س‬
‫ر‬
‫ال‬
‫ق‬
‫ف‬
‫‪،‬‬
‫م‬
‫ل‬
‫س‬
‫و‬
‫ه‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َُ‬
‫ُ َْ ََ َ‬

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫ض فَ ْلي زرعها أَو لِ‬
‫َخاهُ‪ ،‬فَِإ ْن أ َََب‬
‫أ‬
‫ا‬
‫ه‬
‫ر‬
‫ن‬
‫م‬
‫ي‬
‫ت لَهُ فَ ْ‬
‫َكانَ ْ‬
‫ض ُل أ َْر ٍ َ ْ َ ْ َ ْ َ ْ َ ْ َ َ‬
‫فَ ْليم ِ‬
‫ضهُ" (صريح مسلم)‪.‬‬
‫َر‬
‫أ‬
‫ك‬
‫س‬
‫ْ‬
‫َْ‬
‫ُْ‬

www.muslim-library.com

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫رابعا – التشجيع على الزراعة والغرس وجعل ذلك من باب‬
‫الصدقة‪:‬‬
‫بلغت عناية اإلسالم واهتمامه بالبيئة الزراعية أن حض على الغرس‬
‫والزرع‪ ،‬ورتب أجرا على ما يؤكل من مثار هذا الزرع؛ حيث قال‬
‫صلى اهلل عليه وسلم‪" :‬ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا‪،‬‬
‫فيأكل منه طري أو إنسان أو هبيمة‪ ..‬إال كان له به صدقة"‬
‫(البخاري)؛ بل ويف رواية أخرى جعل ما يُسرق من هذا الزرع من‬
‫باب الصدقة أيضا‪ ،‬وكذلك كل ما ينقص منه بأي طرقة من‬
‫الطرق؛ وذلك يف قوله صلى اهلل عليه وسلم‪“ :‬ما من مسل ٍم يغرس‬
‫غرساً إال كان ما أُكل منه له صدقة‪ ،‬وما ُسرق منه له صدقة‪ ،‬وال‬
‫يرزؤه (ينقصه) أح ٌد إال كان له صدقة" (أخرجه مسلم)‪.‬‬
‫وإدراكا منه صلى اهلل عليه وسلم ملا حيتاجه الزرع من وقت ورعاية‬
‫رمبا تأخذ الكثري من الوقت‪ ..‬أكد صلى اهلل عليه وسلم على ثواب‬
‫ذلك وأجره عند اهلل تعاىل؛ فعن رجل من أصراب النيب صلى اهلل‬

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫عليه وسلم قال‪ :‬مسعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بأذين‬
‫هاتني يقول‪" :‬من نصب شجرة‪ ،‬فصرب على حفظها‪ ،‬والقيام عليها‬
‫حىت تثمر؛ فإن له يف كل شيء يصاب من مثرها صدقة عند اهلل عز‬
‫وجل" (رواه أمحد)‪.‬‬

www.muslim-library.com

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫خامسا‪ -‬الحض على الغرس حتى لو لم يستفد منه الغارس‪:‬‬
‫ويف سياقات أخرى أكد صلى اهلل عليه وسلم على أمهية الغرس‬
‫حىت لو كان الغارس متأكدا من عدم استفادته منه لتأكد إدراك‬
‫األجل له؛ بل وحىت لو تأكد من عدم استفادة أي من املخلوقات‬
‫منه؛ ذلك أن اإلنسان مأمور باملبادرة واألخذ باألسباب وليس عليه‬
‫إدراك النتيجة؛ فعن أنس أن النيب ‪-‬صلى اهلل عليه وسلم‪ -‬قال‪:‬‬
‫"إن قامت الساعة ويف يد أحدكم فسيلة؛ فإن استطاع أال تقوم‬
‫حىت يغرسها فليغرسها" (رواه اإلمام أمحد يف مسنده‪ ،‬والبخاري يف‬
‫"األدب املفرد")‪.‬‬
‫وقد أدرك ذلك املعىن أبو الدرداء رضي اهلل عنه؛ حيث روي أن‬
‫رجال مر به‪ ،‬وهو يغرس جوزة (شجرة جوز) فقال‪ :‬أتغرس هذه‬
‫وأنت شيخ كبري‪ ،‬وهي ال تثمر إال يف كذا وكذا عاما؟! فقال أبو‬
‫علي أن يكون يل أجرها‪ ،‬ويأكل منها غريي"‪.‬‬
‫الدرداء‪" :‬ما َّ‬

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫وروى ابن جرير عن عمارة بن خزمية بن ثابت قال‪ :‬مسعت عمر بن‬
‫اخلطاب يقول أليب‪ :‬ما مينعك أن تغرس أرضك؟ فقال له أيب‪ :‬أنا‬
‫شيخ كبري أموت غدا! فقال عمر‪" :‬أعزم عليك لتغرسنها"؛ فقد‬
‫رأيت عمر بن اخلطاب يغرسها بيده مع أيب"‪.‬‬
‫فعمر القائد السياسي ال يريد أن يرى أرضا غري مستثمرة‪ ،‬وتشجيعا‬
‫على ذلك شارك بنفسه يف غرسها‪.‬‬

www.muslim-library.com

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫سادسا‪ -‬تقرير حق النبات في االنتفاع به‪:‬‬
‫حر اإلسالم على التأكيد على حق النبات يف االنتفاع به‬
‫تفضلَه على‬
‫باعتباره عنصرا بيئيا أساسيا؛ فبعد أن ذكر اهلل تعاىل ُّ‬
‫عباده بأنواع الزرع يف قوله تعاىل‪{ :‬وهو الَّ ِ‬
‫َنشأَ جن ٍ‬
‫َّات‬
‫أ‬
‫ي‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ََُ‬
‫وش ٍ‬
‫ٍ‬
‫الزيْتُو َن‬
‫ر‬
‫الز‬
‫و‬
‫ل‬
‫َّخ‬
‫ن‬
‫ال‬
‫و‬
‫ات‬
‫ر‬
‫ع‬
‫م‬
‫ر‬
‫ي‬
‫غ‬
‫و‬
‫ات‬
‫ع ُمُْتَلِ ًفا أُ ُكلُهُ َو َّ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َّم ْعُر َ‬
‫وش َ ْ َ َ ْ ُ َ َ ْ َ َ ْ َ‬
‫الرَّما َن ُمتَ َش ِاهبًا َو َغْي َر ُمتَ َشابٍِه}‪ ..‬جاء أمره مباشرا يف األكل من‬
‫َو ُّ‬
‫مثره وإخراج حقوق الفقراء واملساكني فيه؛ مؤكدا على املنهج‬
‫اإلسالمي بعدم اإلسراف؛ حيث قال تعاىل‪ُ { :‬كلُوا ِمن َمثَِرِه إِ َذا أَْمثََر‬
‫ب الْمس ِرفِ‬
‫وآتُوا ح َّقه ي وم حص ِاد ِه والَ تُس ِرفُوا إِنَّه الَ ُِ‬
‫ني} (األنعام‪:‬‬
‫حي‬
‫ُّ‬
‫ُْ َ‬
‫ُ‬
‫َ َ ُ َْ َ َ َ َ ْ‬
‫‪ ..)121‬وغريها الكثري من اآليات القرآنية اليت تنظم عملية‬
‫االستفادة من الزرع ومثاره‪ ،‬وتقرر حق النبات يف االنتفاع به وحسن‬
‫استخدامه‪.‬‬
‫ومن املواضع اليت حث فيها الرسول صلى اهلل عليه وسلم على‬
‫تلمس الرزق من الزرع ما رواه الزبري بن العوام رضي اهلل عنه حيث‬

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫قال‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪" :‬ألن يأخذ أحدكم‬
‫حبله‪ ،‬فيأيت حبزمة حطب على ظهره‪ ،‬فيبيعها فيكف اهلل هبا‬
‫وجهه‪ ..‬خري له من أن يسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه" (البخاري‬
‫وأمحد وابن ماجه)‪.‬‬
‫ويؤكد ذلك أيضا ما روي عن عائشة رضي اهلل عنها عن النيب‬
‫صلى اهلل عليه وسلم أنه قال‪" :‬التمسوا الرزق يف خبايا األرض"‬
‫(كنز العمال وشعب اإلميان للبيهقي)؛ حيث قال املناوي يف فيض‬
‫القدير‪" :‬أي التمسوه يف احلرث لنرو زرع وغرس فإن األرض خترج‬
‫ما فيها من النبات الذي به قوام احليوان" (فيض القدير‪:‬‬
‫‪.)094/1‬‬
‫ومنه أيضا قوله ‪-‬صلى اهلل عليه وسلم‪" :-‬كلوا الزيت وادهنوا به؛‬
‫فإنه خيرج من شجرة مباركة" (رواه الرتمذي)‪.‬‬

www.muslim-library.com

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫سابعا‪ -‬النهي عن قطع الشجر‪:‬‬
‫حر اإلسالم على حفظ األشجار وعدم العبث هبا أو قطعها من‬
‫غري وجه حق؛ بل بالغ يف النهي عن ذلك؛ فقد َّ‬
‫عد القرآن ذلك‬
‫من باب الفساد يف األرض الذي ال حيبه اهلل تعاىل؛ حيث قال‬
‫ض لِي ْف ِسد فِيِها وي هلِ‬
‫ث‬
‫ك ْ‬
‫احلَْر َ‬
‫{وإِ َذا تَ َوَّىل َس َعى ِيف األ َْر ِ ُ َ َ َ ُ ْ َ‬
‫تعاىل‪َ :‬‬
‫ب الْ َف َس َاد} (البقرة‪.)466 :‬‬
‫َّس َل َواهللُ الَ ُِحي ُّ‬
‫َوالن ْ‬

‫وأخرب رسول اهلل –صلى اهلل عليه وسلم‪ -‬أن َمن قطع شجرة من‬
‫غري وجه حق فجزاؤه يف اآلخرة تصويب رأسه يف نار جهنم؛ حيث‬
‫روى عبد اهلل بن حبشي قال‪ :‬قال رسول اهلل ‪-‬صلى اهلل عليه‬
‫صوب اهلل رأسه يف النار" (سنن أيب‬
‫وسلم‪" :-‬من قطع سدرة َّ‬
‫داود)‪ ،‬وقال أبو داود يف شرحه "يعين من قطع سدرة يف فالة‬
‫يستظل هبا ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغري حق يكون له فيها‬
‫صوب اهلل رأسه يف النار"‪.‬‬

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫ويف هذا احلديث محاية لألشجار والبيئة النباتية بصورة عامة من‬
‫القطع العبثي‪ ،‬إال إذا كان القطع بغرض االستفادة من احلطب‬
‫واخلشب كما مر يف حديث سابق من الندب إىل ذلك‪.‬‬
‫وتبلغ روعة اإلسالم يف احلفا على البيئة يف تلك الوصية احلضارية‬
‫للصديق أيب بكر ‪-‬رضي اهلل عنه‪َ -‬ليوش الفتح اإلسالمي‬
‫املتوجهة إىل الشام قائال هلم‪" :‬ال تعقروا َنال وال حترقوه‪ ،‬وال تقطعوا‬
‫شجرة مثمرة‪ ،‬وال تذحبوا شاة وال بقرة وال بعريا إال ملأكلة" (تاريخ‬
‫الطربي)‪.‬‬
‫فرغم أن املقام مقام حرب وغزو فإن األخالق والقيم اإلسالمية‬
‫حاضرة حىت يف احلروب‪ ،‬وقد تفرد اإلسالم على غريه هبذه القيم‬
‫واآلداب الراقية يف احلفا على البيئة من التدمري واإلهالك حىت يف‬
‫احلروب‪.‬‬

www.muslim-library.com

‫‪www.muslim-library.com‬‬

‫ثامنا‪ -‬توزيع األدوار في حفظ الزرع‪:‬‬
‫بلغ حر اإلسالم على البيئة الزراعية اخلاصة أن جعل الرسول ‪-‬‬
‫صلى اهلل عليه وسلم‪ -‬حفظ املزارع من املاشية اليت رمبا هتلكها أو‬
‫تدمرها على أصراب املزارع هنارا‪ ،‬وعلى أصراب املاشية ليال؛‬
‫فقد روي عن حرام بن سعد بن حميصة األنصاري‪ ،‬عن أبيه عن‬
‫الرباء بن عازب أنه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدت‬
‫فيه فقضى رسول اهلل ‪-‬صلى اهلل عليه وسلم‪ -‬أن حفظ احلوائط‬
‫بالنهار على أهلها‪ ،‬وأن حفظ املاشية بالليل على أهلها‪ ،‬وأن ما‬
‫أصابت املاشية بالليل فهو على أهلها (مسند أمحد)‪.‬‬
‫قال اخلطايب رمحه اهلل‪" :‬يشبه أن يكون إمنا فرق بني الليل والنهار‬
‫يف هذا؛ ألن يف العرف أن أصراب احلوائط والبساتني حيفظوهنا‬
‫بالنهار‪ ،‬ويوكلون هبا احلفا والنواطري‪ .‬ومن عادة أصراب املواشي‬
‫أن يسرحوها بالنهار ويردوها مع الليل؛ فمن خالف هذه العادة‬
‫كان به خارجا عن رسوم احلفظ إىل حدود التقصري والتضييع"‬
‫(معاِل السنن‪.)949/2 :‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful