‫أحمد مطر‬

‫مقالت‬
‫)أدبيات أحمد مطير غير الشعرية (‬

‫الدودة والعلف‬‫)بل عنوان(‬‫مرشح رئاسي‬‫لوحة سريالية‬‫مستتب!‬
‫المن ُ‬‫كل الطرق تؤدي إلي قبرص!‬‫صة المظلومة‬
‫الق ّ‬‫هتلر‬‫فروض الواجب‬‫الشيخ العرياني!‬‫العصا واِلهراوة‬‫رقابة ذاتية!‬‫الّتهمة!‬‫لعزاء للسّيئات!‬‫الوليمة‬‫النفط‪ ..‬مقابل البغاء!‬‫مفتي الهلل!‬‫إسلم َأباد!‬‫قلب كبير‬‫دوائر‬‫الزاليا الحمراء )‪(1/3‬‬‫الزاليا الحمراء )‪(2/3‬‬‫الزاليا الحمراء ‪3/3‬‬‫خط بين نقطتين‬‫سوق الخطف‬‫سيرك‬
‫في خدمة ال ّ‬‫أوراق من مف ّ‬‫كرة عاقل!‬
‫شرف سعيد أفندي‬‫ساعة شيطان )مرافعة خصاونّية(‬‫بلد الربعة!‬‫عمي‬
‫ال َ‬‫تخليص البريز‬‫الّرجل الّتصويري!‬‫صدقات‬‫ثلج‬‫المنبوذ‬‫سّلم‬
‫المرأة علي ال ّ‬‫الحكيم الخضر‬‫أصدقاء رائعون‬‫الوهم‬‫الخ الكبر‪ ..‬إلي البد!‬‫جامعة الصفار‬‫من أين يبدأ مسعود؟‬‫‪1‬‬

‫أصل وصورة‬‫منبع الخوف‬‫سير‬
‫عكس ال ّ‬‫قائد الطّيارة الورقّية‬‫مداواة الحنين‬‫صادر‪ ..‬والوارد‬
‫ال ّ‬‫ثقافة الرهاب‬‫دية للضمير المستتر‬
‫ه ّ‬‫بدايات خالدة‬‫النجليز يتمرغون بتراب الميري‬‫أفلم أصيلة‬‫ل تأكل فيل!ً‬‫كانت لدينا مواسم للمشمش‬‫تحيا مصر‬‫ل توجد أدلة!‬‫الشيخ عبد يؤبن!‬‫استطلعات‬‫قربة؟!‬
‫أين هي ال ِ‬‫أرزقنا مقاومة غير شريفة!‬‫الّرجل الموسوعة!‬‫منهج في النتحال!‬‫المسيسّبي!‬‫المحروم!‬‫مخّيلة‬
‫دور ال ُ‬‫ش َ‬
‫نطاق ال ّ‬‫فق‬
‫مشكلة‪ ..‬في جميع أحواله!‬‫الهاربان!‬‫قها‪َ ..‬‬
‫ َ‬‫قها!‬
‫ترام بجنيهين!‬‫مشارط وأقلم‬
‫ َ‬‫صين‪!...‬‬
‫ال‬
‫في‬
‫ولو‬‫ّ‬
‫للكتب أرواح!‬‫رواية تنعي كاتبتها!‬‫يا خالق الجرادة!‬‫العهد الّزاهر!‬‫بالمشمش )‪) (3-1‬رجل المن(‬‫بالمشمش )‪) (2/3‬رجل الّرقابة(‬‫سلطة(‬
‫بالمشمش ‪) 3/3‬رجل ال ّ‬‫مت الموافقة‬
‫ت ّ‬‫كتب مشاكسة!‬‫البطة التي ماتت من الضحك‬‫الموت لنا‬‫لغة الضداد !‬‫البحث عن الذات‬‫فلم واقعي‬‫وجه‬‫يحدث في بلدنا‬‫قضية دعبول‬‫ما بعد الزوال‬‫مكان شاغر على القمة‬‫نوع العقوبة‬‫‪2‬‬

‫ق في الفؤاد ‪ ..‬وكلمة فوق اللسان ‪..‬‬
‫‪-‬مابين خف ٍ‬

‫دودة والعلف‬
‫ال ّ‬
‫الطغيان دودة‪.‬‬
‫أين توجد هذه الدودة؟‬
‫آخر المعلومات تفيد أنها توجد فقط في أعماق كل نفس بشرية‪.‬‬
‫العمر التقريبي لهذه الدودة يحسب بالدقائق‪ ،‬لكنها فور حصولها علي العلف‪ ،‬تتحول‬
‫إلي بقرة أو فيل أو ربما كرة أرضية!‬
‫أين يوجد هذا العلف؟‬
‫المعلومات المتوفرة حتي الن تقول إنه محصور فقط في كل نفس بشرية‪.‬‬
‫ن دودة الطاغية متجانسة مع دودة الخنوع لدي جماهير الشعب‬
‫بعبارة موجزة‪ :‬إ ّ‬
‫العظيم‪.‬‬
‫ل ذنب للطاغية سوي دودته‪ ،‬الذنب كل الذنب في منتجي أعلفها‪ ،‬المتطوعين للخنوع‪،‬‬
‫والمبالغين في الخنوع‪ ،‬والمبالغين في المبالغة‪.‬‬
‫ماذا يمكن للطاغية أن يكون؟ ديناصورًا؟‬
‫حتي الديناصورات انقرضت حين لم تجد العلف‪.‬‬
‫من فرعنك يا فرعون؟‬
‫ً‬
‫من حق فرعون أن يتساءل أيضا‪ :‬ألكم عين لتسألوني مثل هذا السؤال‪ ،‬بعد أن فتقتم‬
‫دودتي من فرط التخمة؟!‬
‫قال الشاعر القديم‪ ..‬ابن القديمة‪:‬‬
‫)ما شئت ل ما شاءت القداُر‬
‫م‪ ،‬فأنت الواحد القهار(!‬
‫فاحك ْ‬
‫أعطه يا غلم ألف درهم‪.‬‬
‫ألف درهم يا غبي؟ كل هذه المعلبات الكافية لطعام مليون دودة‪ ..‬نظير ألف درهم‬
‫فقط؟!‬
‫ّ‬
‫احتاج الشاعر الغبي بضعة قرون حّتي يتعلم بعض قواعد القتصاد‪ ..‬لكّنه لم يستطع‬
‫برغم ذلك أن يبالغ في مطالبه لن الدودة قد تحولت إلي دّبابة وصار غاية ما يعطيه‬
‫)الغلم( هو نعمة البقاء علي قيد الحياة‪.‬‬
‫)لولك يا محقان ما طلع القمر‬
‫لولك يا محقان ما هطل المطر‬
‫لولك يا محقان ما نبت الشجر‬
‫خلقَ البشر(‪.‬‬
‫لولك يا محقان‪ ..‬ما ُ‬
‫دس من خلق والدنا آدم ‪ -‬رحمة الّله عليه ‪ -‬هو إطعام‬
‫المق‬
‫الهدف‬
‫خلصة القول ان‬
‫ّ‬
‫دودة محقان !‬
‫م ل؟ هنيئا وعافية‪.‬‬
‫ول َ‬
‫ن في الشاعر دودة ؟!عندما غضب محقان الموقر‬
‫وأتدهشنا دودة محقان‪ ،‬ول ُيدهشنا أ ّ‬
‫علي بائع العلف‪ ،‬صاح بصوته الجهوري‪ :‬يا غلم‪ ..‬اقطع لسانه‪.‬‬
‫ما الفائدة؟ أبعد َ استهلك العلف؟‬
‫منا )المتنبي( ل يتذ ّ‬
‫كر )كافور( إل ّ وتفيض خياشيمه برائحة المسك‪ .‬دخل مصر‬
‫كان ع ّ‬
‫حاذا ً ول كسيحا ً ول مظلوما‪ً.‬‬
‫فلم يَر فيها ش ّ‬
‫معه حق‪ :‬رائحة المسك ُتسكر‪ .‬هل يستطيع أن يري والمسك واقف في عينيه قال‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫)أبوالمسك لي َ‬
‫فني بذنبك َ‬
‫عفوهُ‬
‫ه(‬
‫ولكنه يفني بعذرك حقد ُ ُ‬
‫وبنظرة سريعة إلي طبيعة هذا العلف‪ ،‬يجوز لنا أن نعتبر دودة كافور أ ُ‬
‫ما للمسك!‬
‫ّ‬
‫هل نمسك الخشب؟ ليس ضروريًا‪ ،‬أصابت العين‪ ،‬وانكشف الحسد‪.‬‬
‫أغلب الظن أن دودة كافور ‪ -‬برغم انتفاخها ما شاء الله‪ -‬لم تشكر النعمة‪.‬‬
‫ُ‬
‫ماء‬
‫يا غلم‪ ...‬أعطه أذنا ص ّ‬
‫أهكذا؟ اسمع إذن‪:‬‬
‫ُ‬
‫)وتعجبني ِرجل َ‬
‫ل إذا كنت حافيا(‪.‬‬
‫ل‪ ،‬إّنني رأيُتك ذا نع ٍ‬
‫ك في الّنع ِ‬
‫منا‪ ،‬هذه المّرة ‪ .‬لن )كافور(يلبس حذاًء‪ ..‬إذ كيف يجوز هذا وِرجل كافور‬
‫تع ّ‬
‫جب ع ّ‬
‫نفسها حذاء؟!‬
‫منا علي قفاه!‬
‫ع‬
‫ركل‬
‫الذي‬
‫الحذاء‬
‫نفس‬
‫أنه‬
‫فنعتقد‬
‫ما نحن‬
‫ّ‬
‫أ ّ‬
‫ما الفائدة؟ أبعد استهلك العلف؟‬
‫مّرة استوقف قاطع طريق رجل ً وامرأته‪.‬‬
‫قال للزوج‪ :‬أذبحكما‪ ،‬أو ترقص لي زوجتك‪.‬‬
‫قال الزوج‪ :‬ارقصي وخّلصينا‪.‬‬
‫رقصت الزوجة ساعة‪ ،‬وعفا عنهما قاطع الطريق‪.‬‬
‫ت؟‬
‫ت ما فعل ِ‬
‫قال الزوج بعد هذا‪ :‬لماذا فعل ِ‬
‫أجابته مندهشة‪ :‬أنت أمرتني بذلك!‬
‫قال لها‪ :‬أردتك أن تخّلصينا‪ ،‬ل أن تنافسي سهير زكي !‬
‫كان هناك رجل اسمه طالب عاش في مطلع هذا القرن في بلد واق الواق ‪ .‬قيل إنه‬
‫فكر بترشيح نفسه لمنصب الحاكم‪ ،‬وانطلق يزور المناطق باذل ً المال لستجماع‬
‫النصار‪ .‬فماذا حصل؟‬
‫كادت دودته الناشئة تموت من ثقل الوجبة‪.‬‬
‫أول طبق مقّبلت قدمته الجماهير العظيمة كان عبارة عن أهزوجة تقول‪:‬‬
‫)ثلث لّله وثلثين لطالب وثلث الّله يطالب بيه طالب(!‬
‫السؤال الذي يطرح نفسه‪ :‬هل كان بمقدور الشيطان الرجيم أن يأتي بمثل هذه‬
‫الهزوجة؟‬
‫ن طالب نال المنصب‪ ،‬فاستولي علي الثلث‬
‫والسؤال الذي يجمع نفسه‪ :‬ماذا لو أ ّ‬
‫الباقي؟ أين يذهب الّله؟!‬
‫والسؤال الذي يضرب نفسه علي عجيزته‪ :‬ما ذنب الدودة؟!‬
‫ن أحد الولة كان لديه جمل يحّبه جدًا‪ ،‬وكان يطلقه في السواق‪ ،‬فيعبث ويدمر‬
‫قيل إ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫كما يحلو له‪ ،‬طردا للكآبة والضجر‪ ،‬حّتي ضاق به الناس ذرعا‪ ،‬وعقدوا العزم علي‬
‫شكايته للوالي‪.‬‬
‫ً‬
‫اجتمع التجار وانتخبوا خمسين رجل من ذوي الرأي والشجاعة‪ ،‬وأرسلوهم إلي قصر‬
‫الوالي لعرض الشكوي‪.‬‬
‫ّ‬
‫بعد دقائق من مسير الوفد تملص ثلثة‪ .‬وفي منتصف الطريق كان الوفد قد أصبح‬
‫ثلثين رج ً‬
‫ل‪ ،‬وعند الوصول كانوا خمسة!‬
‫ّ‬
‫صاح رئيس الوفد‪ :‬يا حضرة الوالي المعظم‪..‬‬
‫أط ّ‬
‫ل الوالي من شرفة القصر‪ :‬نعم‪ ..‬ماذا تريد؟‬
‫التفت الرجل فلم يجد من جماعته سوي اثنين‪.‬‬
‫قال‪ :‬جملكم‪ ،‬يا حضرة الوالي المع ّ‬
‫ظم‪..‬‬
‫مولي؟!‬
‫مولي؟ ماذا جري لج ّ‬
‫تساءل الوالي‪ :‬ج ّ‬
‫التفت الرجل فلم يجد صاحبيه!‬
‫مولي مسكين يا حضرة الوالي‪ .‬ل نراه إل حزينا ً وساهمًا‪ .‬إنها الوحدة‬
‫حينئذ قال‪ :‬ج ّ‬
‫مولي يحتاج إلي ناقة تؤنس وحشته‪ .‬أما آن الوان لن تزوجوه؟‬
‫قاتلها الّله‪ .‬ج ّ‬
‫يا غلم‪ ..‬أعطه خمسين ُقبلة‪.‬‬
‫أما جماهير أمتنا العظيمة‪ ..‬فيا غلم أعطها مليار دودة!‬

‫‪4‬‬

‫)بل عنوان(‬
‫ما ان تح ّ‬
‫مة‬
‫ل العطلة الصيفية‪ ،‬حتي يبدأ دوامنا‪ ،‬أنا وصديقي ناصر‪ ،‬في المكتبة العا ّ‬
‫بمحّلة الجمهورية‪.‬‬
‫لم نكن أنهينا البتدائية‪ ،‬وكان ولعنا هذا بزيارة المكتبة مثار غيظ وسخرية أقراننا‪ ،‬لكّننا‬
‫ألفنا أن نتقّبل سخريتهم باعتبارها ثمنا ً معقول ً لما نستثيره فيهم من غيظ‪.‬‬
‫كّنا نمكث في المكتبة حتي الظهر‪ ،‬لنغادرها علي طريق طويل مترب إلي بيت ناصر‬
‫دي ونعبث أو نغفو قلي ً‬
‫ل‪ ،‬ثم نعود‬
‫في الموف ّ‬
‫قية‪ ،‬أو نواصل حتي بيتنا في الصمعي‪ ،‬فنتغ ّ‬
‫عصرا ً إلي قطع الطريق ثانية إلي المكتبة‪.‬‬
‫وفي واحدة من أوباتنا‪ ،‬حيث كانت شمس الظهيرة تنفخ الّلهب في تراب الطريق‪ ،‬لح‬
‫لنا علي ُبعد عشرات المتار بريق ساطع يخطف البصر‪ ،‬سرعان ما تبّين لنا أّنه انعكاس‬
‫سد التراب‪.‬‬
‫ضوء الشمس علي زجاجة ساعة يد أنيقة تتو ّ‬
‫في تلك اليام‪ ،‬كان العثور علي مثل هذه الّلقية بمثابة العثور علي كنز‪ ،‬فأق ّ‬
‫ل ثمن لتلك‬
‫الساعة كان يعادل ثلثة أضعاف مصروفنا نحن الثنين طيلة عام كامل!‪.‬‬
‫صاح ناصر مبهورًا‪ ،‬وهو يّهم بالهرولة نحوها‪:‬‬
‫ ساعة!‪.‬‬‫قلت له وأنا أجذبه بلطف‪:‬‬
‫ علي مهلك‪ ..‬لقد رأيتها أنا أيضًا‪.‬‬‫ي ووجهه محتقن من فرط التأّثر‪:‬‬
‫التفت إل ّ‬
‫ لم أكن أنوي الستئثار بها‪..‬‬‫صرت خطواتي وأجبرته علي مجاراتي في البطء‪ ،‬وهمست في أذنه‪:‬‬
‫ق ّ‬
‫ ليس عندي شك في سلمة نّيتك‪ ..‬لكنني ل أستطيع الثقة في نّيات الخرين‪ ،‬خاصة‬‫أولئك الغرباء الذين لم نتشرف برؤيتهم من قبل‪.‬‬
‫لهث ناصر متأثرًا‪ ،‬فيما كّنا نقترب حثيثا ً من الساعة‪:‬‬
‫ ما دخل الغرباء في هذا؟‬‫لم ألتفت إليه‪ ،‬لكنني ابتسمت قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫صة أننا خارج موسم المطار‪:‬‬
‫ يا ناصر‪ ..‬لم نألف أن تمطر سماؤنا ساعات أنيقة‪ ،‬خا ّ‬‫ما من يملك ساعة كهذه‪ ،‬في محّلة متربة كهذه‪ ،‬فأنا علي يقين من أّنه سيربطها حول‬
‫أ ّ‬
‫مه‬
‫ض عليها بأسنانه‪ ،‬ويسهر طول الليل علي حراستها‪ ،‬وقد يفقد أ ّ‬
‫عنقه بالسلسل ويع ّ‬
‫ن من المستحيل أن يفقدها‪.‬‬
‫وأباه ببساطة‪ ،‬لك ّ‬
‫‪5‬‬

‫ولكي أخرجه من دائرة اللغاز‪ ،‬همست له‪:‬‬
‫ انظر بعفوية إلي جانبي الطريق‪ ،‬وقل لي‪ ..‬أل تري أحدا ً جالسا ً هناك؟‬‫رفع بصره إلي السماء الحارقة‪ ،‬ثم خفضه وم ّ‬
‫شط جانبي الطريق بل تكّلف‪ ..‬وهمس‪:‬‬
‫ هناك أربعة شّبان علي الجانب اليمن‪ ،‬يجلسون مستندين إلي الحائط‪.‬‬‫قلت له بثقة‪:‬‬
‫ ليس هناك غيرهم علي طول الشارع‪.‬‬‫قال ناصر مؤكدًا‪:‬‬
‫ ل أحد غيرهم‪ .‬كيف عرفت؟!‬‫أجبته مستفهما ً بإنكار‪:‬‬
‫مسون في هذا الوقت درءا ً للبرد القارس؟ إّنهم‬
‫ هل تعتقد أّنهم قد جلسوا يتش ّ‬‫ُ‬
‫ينتظروننا يا صاحبي‪ .‬وأنا سوف لن أخّيب ظّنهم‪.‬‬
‫تساءل ناصر‪:‬‬
‫ ماذا ستفعل؟‬‫قلت له ببرود ل يليق بكرامة الشمس المجتهدة‪:‬‬
‫ ستري‪ ..‬ك ّ‬‫ل ما عليك هو أن تمشي ببطء‪.‬‬
‫أصبحنا علي بعد خطوتين من الساعة‪ .‬قلت لناصر مح ّ‬
‫ذرًا‪:‬‬
‫ إّياك أن تنحني للتقاطها‪.‬‬‫جبًا‪ ،‬لكنني صعقته بما هو أعجب‪ ،‬إذ رفعت رجلي عاليا ً بسرعة خاطفة‪،‬‬
‫حملق بي متع ّ‬
‫ً‬
‫وة‪ ،‬فاستحال زجاجها نثارا‪ ،‬واندفعت النوابض‬
‫ثم هويت بقدمي علي الساعة بكل ق ّ‬
‫والتروس من جوفها نحو ك ّ‬
‫ل الجهات‪.‬‬
‫وبلمح البصر‪ ،‬خّيمت علينا ظلل ال ّ‬
‫شبان الربعة‪.‬‬
‫كانت عيونهم تقدح بال ّ‬
‫شرر‪ ،‬وزأر كبيرهم في وجهي‪:‬‬
‫ ابن الكلب‪ ..‬ماذا فعلت بساعتي؟!‬‫قلت له متحاميا ً ببراءة مصطنعة‪:‬‬
‫ من كان يدريني أنها ساعتك؟ إّنها ملقاة هنا علي التراب‪ ..‬ل بد أنها قد وقعت من‬‫أحد‪.‬‬
‫زمجر وهو يرفعها عاليا ً كمن يرفع جّثة قتيل‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫وم في يده‬
‫ إّنها ساعتي أنا‪ ..‬انظر‪ ..‬إنها مربوطة بخيطي أنا‪ ..‬كان طرف الخيط المتك ّ‬‫مربوطا ً بالساعة فعل‪ ..‬صرخت به أنا هذه المّرة‪:‬‬
‫ إذن فقد ربطتها لتجذبها عندما ننحني للتقاطها؟ أليس كذلك؟ تريد أن تضحك‪ ...‬ها؟‬‫اضحك الن حَتي تشبع‪.‬‬
‫ولّنه فقد شهيته للضحك‪ ،‬فقد بادر هو والثلثة الخرون إلي محاولة استيفاء ثمن‬
‫الساعة من جسدينا الضئيلين‪ ،‬لكّننا بعد استيفاء القسط الّول‪ ،‬استطعنا أن نتمّلص‬
‫ونطلق سيقاننا للّريح‪.‬‬
‫فوا عن مطاردتنا إل ّ بعد اقترابنا من بيوت الموّفقية‪ ،‬وعندئذ أبطأنا من سرعتنا‪،‬‬
‫لم يك ّ‬
‫سس كدماتنا الحارقة‪ ..‬لكننا سرعان ما طفقنا نضحك‪.‬‬
‫نتح‬
‫لهاثنا‪،‬‬
‫أثناء‬
‫في‬
‫ورحنا‪،‬‬
‫ّ‬
‫قلت لناصر‪:‬‬
‫ لقد خسرنا المعركة‪ ..‬لكننا كسبنا الحرب‪.‬‬‫سألني وهو ما يزال يضحك‪:‬‬
‫ كيف عرفت أّنه كمين؟!‬‫دد‪:‬‬
‫قلت بل تر ّ‬
‫ لنني خبير في مثل هذه المعارك‪ ..‬لقد سبق لي منذ شهور أن ربطت ربع دينار‬‫بخيط‪ ،‬ورابطت عند الحائط منتظرا ً الفريسة‪.‬‬
‫لم تكن فريسة واحدة‪ .‬لقد كان هناك ثلثة شّبان يمشون بك ّ‬
‫ل وقار‪ ،‬لكنهم ما ان رأوا‬
‫الورقة النقدية حتي زال وقارهم كّله‪ ،‬وانحنوا في وقت واحد‪ ،‬وسقطوا علي الرض‬
‫معًا‪ ..‬إذ أنني ولّله الحمد كنت سريعا ً جدا ً في جذب الخيط‪.‬‬
‫سألني بذهول‪:‬‬
‫ ونجوت؟!‪.‬‬‫قلت له‪:‬‬
‫ن ربع الدينار نجا‪ .‬لقد طّبقوا علي جسدي ك ّ‬
‫ل فنون الضرب‪ ،‬لكنهم لم‬
‫ ل‪ ..‬طبعًا‪ ،‬لك ّ‬‫ً‬
‫يستطيعوا مطلقا أن يفتحوا قبضتي المصرورة علي الورقة‪.‬‬
‫وأضفت متّنهدًا‪:‬‬
‫ كما تري‪ ،‬فإنني في تلك المّرة أيضا ً خسرت المعركة وكسبت الحرب‪.‬‬‫وج ضحكته‪:‬‬
‫قال ناصر وهو يم ّ‬
‫ن انتصاراتك‬
‫ نصيحة لوجه الّله‪ ..‬حاول أن تخسر بعض الحروب من وقت لخر‪ ،‬وإل ّ فإ ّ‬‫فيها دائما ً سوف لن تبقي في جسدك عظما ً واحدا ً يصلح للستعمال‪.‬‬

‫مر ّ‬
‫شح رئاسي‬
‫‪7‬‬

‫منذ مائة وخمسة وعشرين عاما ً بالضبط‪ ،‬أي في عام ‪ 1879،‬ارتأي الكاتب المريكي‬
‫ح نفسه لمنصب الرئاسة في بلده‪ .‬ولم يكن‪ ،‬بالطبع‪،‬‬
‫الساخر )مارك توين( أن ُيرش ّ‬
‫ن الفساد هو جوهر جميع المرشحين لهذا‬
‫جاد ّا ً في هذا المر‪ ،‬لكّنه أراد الشارة إلي أ ّ‬
‫ن سّر التفاوت بينهم يكمن في كون بعضهم يستخدم مساحيق التجميل‬
‫المنصب‪ ،‬وأ ّ‬
‫بمهارة كافية لطمس ماضيه السود!‬
‫وعليه فإن النقطة الساسية التي ارتكز عليها )توين( في خطاب ترشيحه‪ ،‬هي أنه أكثر‬
‫المرشحين جدارة بالثقة‪ ،‬لنه أّول وآخر مر ّ‬
‫شح يعلن عن مفاسده منذ البداية!‬
‫وفي ما يلي خطاب الترشيح المنشور في كتاب قصصه ومقالته ضمن سلسلة‬
‫الكلسيكيات التي تصدرها دار )بنغوين(‪:‬‬
‫ن ما تحتاجه البلد هو مر ّ‬
‫شح‬
‫لقد عقدت النّية تماما ً علي أن أخوض انتخابات الرّئاسة‪ .‬إ ّ‬
‫م استقصاء تاريخه الماضي‪ ،‬وذلك لكي ل يتاح‬
‫ل يمكن أن تلحق بسمعته لطخة إذا ت ّ‬
‫ده أّية واقعة لم يكن أحد قد سمع بها من قبل‪.‬‬
‫لعداء حزبه أن يستخدموا ض ّ‬
‫إذا كنت تعرف منذ البداية أسوأ الشياء عن المر ّ‬
‫ن أية محاولة لتشويه سمعته‬
‫شح‪ ،‬فإ ّ‬
‫سوف تكون فاشلة‪ .‬إنني‪ ،‬الن‪ ،‬أدخل الساحة بملف مفتوح‪ .‬سأعترف مقدما ً بكل‬
‫الشياء الشريرة التي اقترفتها‪ .‬وعليه فإذا ف ّ‬
‫ت أية لجنة في الكونغرس لها موقف‬
‫كر ْ‬
‫قب في سيرتي بأمل العثور علي صنيع أسود ومميت أخفيته‪،‬‬
‫عدائي مني‪ ،‬أن تن ّ‬
‫فلتفعل‪.‬‬
‫دي المصاب‬
‫ج ّ‬
‫في المقام الّول أعترف بأنني‪ ،‬في شتاء عام ‪1850‬م ألجأت َ‬
‫بالروماتيزم إلي تسّلق شجرة‪ .‬لقد كان عجوزا ً وغير حاذق في صعود الشجار‪ ،‬لكّنني‬
‫بشخصيتي الوحشية الممّيزة جعلته يعدو مسرعًا‪ ،‬بثياب النوم‪ ،‬خارج الباب المامي‪،‬‬
‫متحاميا ً من الخردق الذي كنت أطلقه عليه من بندقيتي‪ ،‬مما ساعده علي أن ينطلق‬
‫دد‬
‫قي ْ َ‬
‫مة شجرة ال َ‬
‫بخ ّ‬
‫قب‪ ،‬حيث أمضي الليلة كّلها هناك‪ ،‬فيما كنت أس ّ‬
‫فة ورشاقة إلي ق ّ‬
‫الطلقات نحو ساقيه‪.‬‬
‫جد ّ آخر‪ ،‬فأنا ل أزال أّتصف‬
‫لقد فعلت ذلك لنه يشخر‪ ،‬وسأعيد الك َّرة لو كان لي َ‬
‫بالوحشية نفسها التي كانت لي في عام ‪.1850‬‬
‫فوا هذه‬
‫اعترف صراحة بأنني هربت من معركة غيتيسبرغ‪ .‬لقد حاول أصدقائي أن يلط ّ‬
‫الحقيقة بتأكيدهم علي أنني فعلت ذلك بهدف محاكاة واشنطن الذي تو ّ‬
‫غل في الغابة‬
‫ن هذه كانت حيلة بائسة منهم‪ ،‬لن‬
‫خلل معركة فالي فورغ‪ ،‬من أجل تأدية صلواته‪ .‬لك ّ‬
‫السبب في انطلقي خارج مدار السرطان هو أنني كنت خائفًا‪ .‬إنني أحب إنقاذ بلدي‪،‬‬
‫ضل أن يتم إنقاذها علي يد شخص آخر‪ .‬ول أزال أفضل هذا الخيار حتي الن‪.‬‬
‫لكنني أف ّ‬
‫إذا كان إحراز المرء لفقاعة السمعة الطيبة ل يتم إل بمواجهة فوهة المدفع‪ ،‬فأنا‬
‫مستعد للذهاب إلي هناك‪ ،‬علي شرط أن تكون فوهة المدفع فارغة‪.‬‬
‫أما إذا كانت محشوة بالذخيرة فإن هدفي الخالد الذي ل يمكن تغييره هو أن أقفز فوق‬
‫د‪ ،‬لكنها ليست‬
‫السياج وأمضي إلي البيت‪ .‬أفكاري المالية واضحة الملمح إلي أبعد ح ّ‬
‫واعدة‪ ،‬ربما‪ ،‬بزيادة شعبيتي بين المدافعين عن التضخم‪.‬‬
‫صر علي التميز الخاص للنقود الورقية أو النقود المعدنية‪ ،‬فالمبدأ الساسي‬
‫أنا ل أ ّ‬
‫العظيم في حياتي هو أن أستولي علي أيّ نوع استطيع أن أصل إليه‪.‬‬
‫الشاعة التي تقول انني دفنت عمتي الميتة تحت عريشة العنب‪ ..‬صحيحة‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫متي كان لب ُد ّ لها أن ُتدفن‪ ،‬وعلي هذا فقد كّرستها‬
‫العريشة كانت تحتاج إلي سماد‪ ،‬وع ّ‬
‫سامي‪ .‬هل في هذا ما يجعلني غير لئق للرئاسة؟ إن دستور بلدنا ل‬
‫لذلك الهدف ال ّ‬
‫يقول ذلك‪ ،‬وليس هناك مواطن‪ ،‬علي الطلق‪ ،‬قد اعُتبر غير مستحق لهذا المنصب‬
‫بسبب كونه غ ّ‬
‫ذي عريشة عنبه بجثث أقربائه المّيتين‪ .‬فلماذا ينبغي انتقائي كأّول ضحية‬
‫ً‬
‫سخيف؟! أعترف أيضا بأنني لست صديقا للفقير‪ .‬فأنا أنظر‬
‫لهذا الحكم المجحف وال ّ‬
‫مضّيعة‪.‬‬
‫إلي الفقير‪ ،‬في حالته الّراهنة‪ ،‬باعتباره كمّية كبيرة من المادة الخام ال ُ‬
‫وبتقطيعه وتعليبه كما ينبغي قد تكون له فائدة في تسمين س ّ‬
‫جزر الكانابال‪،‬‬
‫كان ُ‬
‫وكذلك في تطوير سوق صادراتنا مع تلك المنطقة‪ .‬إنني سوف أتقدم بمشروع قانون‬
‫حول هذا الموضوع في أّول رسالة لي‪ .‬شعار حملتي سيكون‪) :‬احفظوا العامل الفقير‪،‬‬
‫ففوه وحولوه إلي سجق هذه تقريبا ً هي أسوأ الشياء في ملفي‪ ،‬وبها أتقدم لمواجهة‬
‫ج ّ‬
‫بلدي‪.‬‬
‫وإذا كانت بلدي ل تريدني‪ ،‬فإنني سأرجع علي أعقابي‪ .‬لكنني أعتبر نفسي الّرجل‬
‫الجدير بالثقة ‪ -‬الرجل الذي يبدأ من الساس الشامل للفساد‪ ،‬ويعتزم أن يبقي شريرا ً‬
‫حتي النهاية!‬
‫وهكذا‪ ..‬يمكننا أن نري أن )توين( برغم مبالغته في السخرية‪ ،‬قد عرض لنا صورة‬
‫فاضلة عن زمانه‪ .‬إذ لو أنه عاش حتي يومنا هذا‪ ،‬ورأي رؤساء من نوعية كلنتون وبوش‬
‫البن‪ ،‬فأي شيطان كان سينجد خياله في السخرية؟‬
‫جد ّ المريض‪ ..‬أمام إقلق راحة الكرة الرضية كّلها؟‬
‫ماذا سيكون إقلق راحة ال َ‬
‫مة الميتة‪ ..‬أمام دفن شعوب كاملة وهي علي قيد الحياة؟‬
‫وماذا سيكون دفن الع ّ‬
‫وهل كان سيتحدث عن فساده الشخصي لو سمع بقصة مونيكا والرئيس الذي يفعل ما‬
‫يفعل فقط لنه يستطيع أن يفعل؟‬
‫وهل كان سيذكر شيئا عن فساده المالي‪ ،‬حين يري عصابة تخطف الوليات المتحدة‬
‫وتستخدم جيشها لتدمير كل مكان‪ ،‬فقط لكي تمل أرصدتها؟!‬

‫لوحة سريالية‬
‫دثنا الروائي الكولومبي غابرييل ماركيز في مذكراته )عشت لروي( عن أّنه حضر‪،‬‬
‫يح ّ‬
‫في شبابه‪ ،‬عرضا ً غريبا ً بطله جندب كان يقوم بأداء حركات راقصة وفق إشارات من‬
‫‪9‬‬

‫مدّربه‪ ،‬وكان في نهاية العرض ينحني كأيّ نجم استعراض لتحية الجمهور وسط‬
‫عواصف التصفيق‪.‬‬
‫ن فّنانا ً تشكيليا ً كبيرا ً من بين حضور هذا العرض‪ ،‬مد ّ يده والتقط‬
‫وينتهي ماركيز إلي أ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سه في فمه‪ ..‬وأكله!‬
‫مد ّ‬
‫)الجندب( من جناحيه‪ ،‬ث ّ‬
‫ن الحياة المهنية البارعة والنهاية المأساوية لذلك )النجم( تتجاوزان كثيرا ً تخوم‬
‫إ ّ‬
‫ن الراوي‬
‫أ‬
‫من‬
‫الرغم‬
‫علي‬
‫المتحركة‪،‬‬
‫الرسوم‬
‫نطاق‬
‫في‬
‫لتدخل‬
‫السحرية‬
‫الواقعية‬
‫ّ‬
‫جل وقائع حياته التي عاشها فعل ً علي الرض‪ ،‬بعيدا ً عن الفنتازيا الروائية التي اعتاد‬
‫يس ّ‬
‫أن يسطّرها علي الورق‪.‬‬
‫دق أّنه ل يبالغ ل بد ّ لنا أن نتذ ّ‬
‫ن ما يراه الناس‬
‫ن ماركيز قد صّرح مّرة بأ ّ‬
‫كر أ ّ‬
‫ولكي نص ّ‬
‫ً‬
‫غرائبيا ً في كتاباته هو أق ّ‬
‫ل بكثير من غرابة ما يجري واقعيا في أمريكا اللتينية‪.‬‬
‫ن من يعيش وسط أسرة كأسرتها ل يحتاج مطلقا ً‬
‫ومثله كانت إيزابيل ألّليندي تقول إ ّ‬
‫إلي استخدام الخيال لكي يكتب‪.‬‬
‫ن ما نراه‬
‫دقهما دون أن نطالبهما بشهود إثبات‪ ،‬ل ّ‬
‫أعتقد أّنه وجب علينا‪ ،‬الن‪ ،‬أن نص ّ‬
‫ً‬
‫ما‬
‫بأ ّ‬
‫م أعيننا من وقائع تجري أمامنا يوميا في جميع أنحاء العالم‪ ،‬يبدو أكثر غرابة م ّ‬
‫ما بفضل العولمة ‪ -‬يمتاز بكونه خليطا ً عجيبا من الواقعية السحرية‬
‫رب‬
‫‬‫هو‬
‫بل‬
‫يرويانه‪،‬‬
‫ّ‬
‫والسريالية والتجريدية وأفلم الكارتون‪.‬‬
‫خخ ك ّ‬
‫ل شيء‪ ،‬منذ زمن‬
‫ونستند في ذلك‪ ،‬أّول ما نستند‪ ،‬إلي قاعدة )القاعدة( التي تف ّ‬
‫طويل‪ ،‬لقتل الناس بل تمييز‪ :‬من توراعورا إلي الفّلوجة والعوجة إلي نيويورك إلي‬
‫مدريد إلي بالي إلي الرياض إلي الدار البيضاء إلي ما شاء الرعب من بقاع الرض‪..‬‬
‫لكّنها ما أن تصل إلي بوابة فلسطين‪ ..‬حّتي تدوس كوابحها بك ّ‬
‫وة‪ ،‬فتزعق عجلت‬
‫لق ّ‬
‫وث ثوبها الطاهر بدم الصهاينة‬
‫قطارها بشرر التوّقف العنيف‪ ،‬شاكرة رّبها علي عدم تل ّ‬
‫الرجاس!‪.‬‬
‫القاعدة لدي القاعدة هي الجهاد في ك ّ‬
‫ل مكان ما عدا المكان الوحيد الذي يجب أن‬
‫يجاهد فيه النسان من أجل قضّية واضحة وعادلة وصارخة بأن أهلها هم أكثر حاجة من‬
‫غيرهم‪ ..‬لغيرة أهلهم!‬
‫ومن صور هذا الخليط العجيب الذي تندهش منه الدهشة ويضحك منه البكاء‪ ،‬ما نشرته‬
‫دعي‬
‫جريدة )السبيل( الردنية من أن مجموعة إسلمية مجهولة قد أرسلت إليها بيانا ً ت ّ‬
‫مان‪ ،‬مرفقة بيانها ب )فوارغ‬
‫فيه مسؤوليتها عن اغتيال اثنين من الغربيين في ع ّ‬
‫الّرصاصات( المستخدمة في عملية الغتيال كدليل علي براءة المحكومين بالعدام في‬
‫هذه القضّية‪.‬‬
‫قي نسخة من‬
‫وعندما اّتصلت الجريدة بمحامي المحكومين أفادها بأّنه‪ ،‬هو الخر‪ ،‬قد تل ّ‬
‫ذلك البيان‪ ،‬ومعه أيضا ً نسخة من )فوارغ الّرصاصات(!‪.‬‬
‫ومن وراء المحيط‪ ،‬يفاجئنا المدير الجديد لتلفزيون ‪ BBC‬البريطاني )مارك تومسون(‬
‫بأّنه قَب ِ َ‬
‫ل وظيفته منصاعا ً لصوت ضميره‪ ،‬وذلك مثلما فعلت سونيا غاندي في الهند!‪.‬‬
‫ن هذا العلمي ل يعلم سعة التناقض بين صوت ضميره وصوت ضمير‬
‫والمفارقة هي أ ّ‬
‫ل( وظيفة ستظ ّ‬
‫سونيا‪ ،‬فهو )قَب ِ َ‬
‫ل صغيرة مهما كبرت‪ ،‬بينما هي )رفضت( أكبر وظيفة‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫في بلد كبير جدا بمساحته وبعدد سكانه وبقدم ديمقراطيته!‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫ن حكاية سونيا غاندي ل تبتعد هي أيضا ً عن غرائبية الخلطة العجيبة‪ ،‬فعلي‬
‫ومع ذلك‪ ،‬فإ ّ‬
‫ما تبعثه تلك الحكاية من مشاعر التقدير والعجاب‪ ،‬فإّنها تنطوي في الوقت‬
‫الرغم م ّ‬
‫نفسه علي مفارقة كارتونية باعثة علي الضحك‪:‬‬
‫امرأة من أصل إيطالي تفوز برئاسة وزراء أكبر دولة آسيوية‪ ،‬وتتخّلي عن منصبها‬
‫سم تنصيبه أمام رئيس مسلم‪ ،‬في بلد غالبية‬
‫لرجل سيخي يضطره البروتوكول لتلوة قَ َ‬
‫س ّ‬
‫كانه من الهندوس!‪.‬‬
‫صة معاهدة‬
‫دة أعوام‪ ،‬وإل ّ فإ ّ‬
‫حسن حظ )هاّنا( و)باربيرا( أّنهما ماتا قبل ع ّ‬
‫من ُ‬
‫نق ّ‬
‫ماها في فيلم كارتوني‪ ،‬كانت ستبدو لهما‬
‫قد‬
‫التي‬
‫وسبايك(‬
‫وجيري‬
‫)توم‬
‫بين‬
‫الصلح‬
‫ّ‬
‫حفل ً جنائزيا ً أمام كوميديا هذه الحكاية الجارية فعل ً في واقع البشر‪.‬‬
‫ما ً وهو‬
‫ومن ُ‬
‫حسن حظ )سلفادور دالي( أّنه لم يعش حتي وقتنا الراهن‪ ،‬وإل ّ لمات غ ّ‬
‫ن‬
‫أ‬
‫يري‬
‫عندما‬
‫ة‬
‫ص‬
‫خا‬
‫اللوحات‪..‬‬
‫في‬
‫الذائبة(‬
‫)ساعاته‬
‫مع‬
‫ة‬
‫باهت‬
‫تسيح‬
‫سرياليته‬
‫يري‬
‫ّ ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ساعاتنا‪ ،‬نحن العرب‪ ،‬تسيح علي عماها‪ ،‬دون عقارب أو أرقام!‪.‬‬
‫ن واقعيته السحرية لم تعد تثير الستغراب إل ّ‬
‫ومن سوء حظ ماركيز أّنه عاش ليري أ ّ‬
‫لكونها أق ّ‬
‫ل غرابة من غرائبية هذا العالم السعيد!‪.‬‬

‫مستتب!‬
‫المن ُ‬
‫أمل الغد‬
‫الزقاق مكتظ بالمخبرين‪ ..‬والبيت ممتليء بالمخبرين‪ ..‬ف ّ‬
‫كر في كيفية الخروج‪ ..‬قّرر أن‬
‫يصعد إلي السطح‪ ،‬وأن يقفز إلي سطح الجيران‪ ..‬صعد‪ ،‬ف ّ‬
‫طوقه جيرانه المخبرون‪..‬‬
‫رمي بنفسه إلي الزقاق‪ ..‬سقط فوق مجموعة من المخبرين‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫تناقل المخبرون في المدينة خبر الفاجعة التي أودت بحياة خمسة مخبرين كانوا يؤدون‬
‫واجبهم‪ ،‬إضافة إلي المخبر الخائن المنتحر‪.‬‬
‫وة من المخبرين ثلثة مخبرين من أهل المخبر المنتحر‪ ..‬كان تقريره قد أكد ّ‬
‫إقتادت ق ّ‬
‫وة المخبرين القابضة‪ ،‬ينتظرون بأمل فرصة القبض عليهم‬
‫ق‬
‫أفراد‬
‫بقي‬
‫فيما‬
‫خيانتهم‪،‬‬
‫ّ‬
‫بناء علي تقارير المخبرين الخرين‪.‬‬
‫وكما ينتهي أغلب الفلم بميلد طفل كرمز للمل في البقاء والتواصل‪ ..‬يسّرنا‪ ،‬هنا‪ ،‬أن‬
‫نؤكد للجماهير المتطلعة إلي غد مشرق سعيد‪ ،‬أن مخبرة من أهل الزقاق‪ ،‬وهي‬
‫لحسن الح ّ‬
‫ظ حامل في شهرها الخير‪ ،‬شعرت بآلم المخاض‪ ،‬ولم تلبث أن انطلقت‬
‫من بين فخذيها صرخة تقرير مؤنث‪.‬‬
‫ميها وشاية !‪.‬‬
‫صاح المخبر الفرحان بمولودته الولي‪ :‬نس ّ‬
‫فساد‬
‫ت النتفاضة الشعبية بكل أنواع السلحة‪ ..‬وكان من نصيبنا أن سقط في بيتنا‬
‫ُقمع ْ‬
‫صاروخ‪ ..‬وكان من سوء حظنا أّنه لم ينفجر‪.‬‬
‫صبرنا عليه حّتي المساء‪ ..‬ولم ينفجر‪.‬‬
‫جره الله تفجيرًا‪ ..‬لكنه لم ينفجر‪.‬‬
‫صّلينا ودعونا أن يف ّ‬
‫مي بالبكاء‪.‬‬
‫انفجرت أ ّ‬
‫قال أبي بحرقة‪ :‬إذا لم ينفجر هذا الصاروخ الملعون ويقتلنا‪ ،‬فسُيقبض علينا وُنعدم‬
‫بتهمة حيازة ممتلكات عائدة للدولة‪.‬‬
‫ن الصاروخ هو الذي رفض‬
‫قلت لبي مواسيًا‪ :‬سنقول لهم إّننا كّنا مستعدين تمامًا‪ ،‬لك ّ‬
‫أن ينفجر‪.‬‬
‫قال أبي‪ :‬سيتّهموننا بإعاقة عمل صاروخ أثناء تأدية واجبه الرسمي‪.‬‬
‫داهم بيتنا خبراء المتفجرات‪ ،‬وحملوا الصاروخ وهم في غاية الشعور بالخيبة‬
‫والمتعاض‪.‬‬
‫قال لنا الضابط الكبير‪ :‬ل تخرجوا‪ ..‬امكثوا في البيت‪ ..‬سنرسل‪ ،‬في الوقت المناسب‪،‬‬
‫طائرة لقصفكم‪.‬‬
‫صَعداء‪ ،‬بعدما زالت عن صدورنا التهمة‪.‬‬
‫تنف ّ‬
‫سنا ال ّ‬
‫وفيما كّنا ننتظر الطائرة الموعودة‪ ،‬سمعنا في الذاعة خطابا ً تاريخيا ً للرئيس‪ ،‬تكّلم فيه‬
‫بغضب وضراوة عن صفقة الصواريخ الفاسدة!‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫كل الطرق تؤدي إلي قبرص!‬
‫ل يهمني أن تظل قضية قبرص بل حل الي أبد البدين‪ ،‬لكنني‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬مضطر الي‬
‫متابعة تطوراتها بسبب اضطراري الي حلقة شعري كل شهر ذلك لن حلقي قبرصي‬
‫يوناني‪ ،‬وهو ينتظرني بفارغ الصبر ليناقش معي‪ ،‬حال جلوسي علي الكرسي‪ ،‬آخر‬
‫مستجدات تلك القضية‪ ،‬ولبد لي من مجاراته‪ ،‬لكي أستطيع من خلل تعاطفي ان‬
‫ألفت نظره‪ ،‬بين الحين والخر‪ ،‬الي الهتمام بالقضية ذات الولوية التي جئت من‬
‫أجلها‪ :‬حلقة شعري!‬
‫كان ولدي بصحبتي حين توجهت الي الحلق في المرة الخيرة‪ ،‬ووجدتني أشكو اليه‬
‫بّثي كأنني مقبل علي كارثة‪:‬‬
‫ ل أدري ماذا أصنع؟ إن اسابيع مرضي الطويلة شغلتني عن متابعة أهم ما يتعلق‬‫بقضية بلدي‪ ،‬فما بالك بقضية قبرص؟‬
‫‪13‬‬

‫تساءل ولدي بدهشة‪:‬‬
‫ وما شأنك بقبرص؟!‬‫قلت له‪:‬‬
‫إنه شأني يا ولدي‪ ..‬وستري ان صديقي جورج سيبدأ المعزوفة حتي قبل أن أجلس‬
‫علي الكرسي‪ .‬إن شعري مبرمج علي ذلك‪ ،‬إذ ل يمكن لجورج ان يقص لي شعري‬
‫دون ان يقص علي قضيته‪ .‬بادرني ولدي بطوق نجاة‪:‬‬
‫ اسبقه أنت هذه المرة‪ .‬اخترع فاجعة من أي نوع واشغله بها حتي النهاية‪.‬‬‫وجدتها فكرة جيدة‪ ،‬فبدأت أبرم خيوط مأساة قابلة للستطالة‪ ،‬حتي اذا دخلنا الصالون‬
‫ووجدناه خاليا ً من الزبائن‪ ،‬ساورني القلق‪ ،‬فهمست لولدي‪:‬‬
‫ لن يكون متعج ً‬‫ل‪ .‬لديه وقت كاف لخذ حصة وافرة من الكلم‪.‬‬
‫حييت جورج‪ ،‬وانطلقت رأسا ً نحو المغسلة‪ ،‬فتبعني وهو يسألني عن الحوال‪ ،‬وتلك هي‬
‫عادته قبل ان يبدأ العزف‪ ..‬فاغتنمت الفرصة حال ً واطلقت زفرة حارقة‪:‬‬
‫ أوه يا جورج‪ ..‬ل تسأل‪ .‬إنها كارثة‪ .‬كارثة بكل المعاني‪ .‬لم يبق لي من كل اسرتي‬‫سوي أمي‪ ،‬وهي عجوز متهالكة ل أظنها ستعيش بعد هذه الصدمة‪ .‬تباطأ جورج وهو‬
‫يصب الشامبو في كفه استعدادا ً لفرك شعري‪ ،‬وتساءل بهلع واضح‪:‬‬
‫ ماذا حدث؟!‬‫قلت له وأنا اخفي ابتسامتي في قعر المغلسة‪:‬‬
‫ ل أدري من أين أبدأ‪ ..‬لقد وقع انفجار في البصرة فأودي بحياة جميع أهلنا في‬‫العمارة‪.‬‬
‫صفر جورج متأثرا ً وأبدي جميع ألوان الحزن والسي وكفت يداه عن فرك شعري‪،‬‬
‫لكنني في اللحظة نفسها‪ ،‬كنت مشفقا ً علي ولدي الذي أعلم انه كان يحاول جاهدا ً ان‬
‫يكتم ضحكته‪ .‬فالمسافة بين البصرة والعمارة تستغرق ساعتين بالسيارة‪ ،‬اذا انطلقت‬
‫بأقصي سرعتها‪ .‬قلت بحسرة‪:‬‬
‫ شكرا ً لله علي أن أمي لم تكن في العمارة عند وقوع النفجار‪ .‬ل أحد يعلم علي وجه‬‫اليقين من هم الوغاد الذين وراءه‪.‬‬
‫فرك جورج شعري بعصبية‪ ،‬ومضي الي التضامن معي الي أقصي حد‪ ،‬اذ بادر متطوعا ً‬
‫بأريحية الي كشف الغموض عن هذه القضية‪.‬‬
‫ إنهم التراك‪ ..‬صدقني‪ .‬هذا ما يفعلونه دائمًا‪ .‬انهم يغتنمون أية فرصة لكي يقوموا‬‫بالتخريب‪ ،‬ول تنس ان البواب مشرعة امامهم بسبب علقتهم القوية بأمريكا‬
‫واسرائيل‪ .‬سلني عنهم‪.‬‬
‫ثم لف شعري المبلل بالمنشفة وقادني الي الكرسي قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ من باعتقادك وراء النفجارات الخيرة في أثينا؟ انهم هم‪ ..‬لقد ساءهم ان يصوت‬‫القبارصة اليونانيون ضد انضمامهم الي التحاد الوروبي‪ .‬هم يحسبوننا أغبياء لنقول نعم‬
‫‪ ..‬كل‪ ،‬عليهم ان يدفعوا الثمن أول ً برفع أيديهم عنا‪ .‬نحن القبارصة اليونانيين والتراك ل‬
‫شأن لنا بتركيا‪ ..‬ليرفعوا أيديهم عنا‪.‬‬
‫‪14‬‬

‫ومضي يطقطق بالمقص ليصنع توازنا ً بينه وبين طقطقة فكيه‪.‬‬
‫ولمحت في المرآه وجه ولدي‪ ،‬ورأيته يرفع يديه وحاجبيه معًا‪ ،‬اشارة الي ان ل فائدة‬
‫علي الطلق من طوق النجاة‪ ،‬المر الذي حفزني علي مقاومة الغرق بكل ما أوتيت‬
‫من قوة‪ ،‬فخبطت الموج بيد العاريتين‪ ،‬محول ً الموضوع نحو جهة بعيدة جدًا‪:‬‬
‫اسمع يا صديقي جورج‪ ..‬لدينا نكتة تروي عن صاحب الجمل‪ .‬إنه تلميذ مهووس‬
‫بالجمل‪ ،‬فمهما كان موضوع درس النشاء فانه لبد ان يتحول بين يديه الي حديث عن‬
‫الجمل‪ ..‬وقد وجد المدرس ان الحل الوحيد لهذه المعضلة هو ان يوجه التلميذ لكتابة‬
‫موضوع عن الكمبيوتر‪ ،‬فبدأ صاحبنا موضوعه قائ ً‬
‫ل‪ :‬إن الكمبيوتر جهاز الكتروني حديث‬
‫قد انتشر في جميع مدن العالم‪ ،‬لكنه لم يصل الي الصحراء‪ ،‬فأهل الصحراء ل يتمتعون‬
‫بخدمة الكهرباء‪ ،‬وهم يعيشون متنقلين طلبا ً للعشب‪ ،‬ووسيلة نقلهم هو الجمل‪،‬‬
‫والجمل حيوان يستطيع ان يختزن في جوفه الماء والطعام لفترة طويلة‪ ..‬وهكذا‪.‬‬
‫ولم يبق أمام المدرسة‪ ،‬بعد هذا‪ ،‬إل ان تطرد هذا التلميذ‪ ،‬فكتب شكوي الي وزير‬
‫التربية قال فيها‪ :‬إنني علي الرغم من ظلم المدرس لي‪ ،‬فقد تحملت هذا الظلم‬
‫طوي ً‬
‫ل‪ ،‬وصبرت عليه صبر الجمل‪ .‬والجمل كما تعرف سعادتك هو حيوان يعيش في‬
‫الصحراء‪ ،‬ويتصف بالصبر والقدرة علي اختزان الماء في جوفه لفترة طويلة‪.‬‬
‫انفجر جورج ضاحكًا‪ ،‬ونسي كل ما كان من كارثتي التي ُتبكي الحجر‪ ،‬فحمدت الله‬
‫علي نجاتي‪ ،‬وغمزت لبني في المرآة‪ ،‬فوجدته يبتسم فرحا ً لقدرتي علي النتصار‬
‫أخيرًا‪ .‬وطقطق جورج بالمقص فالتهم خصلة من شعري‪ ،‬لكنه لم يلبث أن توقف‪،‬‬
‫وقال وهو ل يزال يضحك‪.‬‬
‫ أتعرف؟ لقد أصبت الهدف تمامًا‪ .‬إن صاحب الجمل هذا مثل تركيا بالضبط‪ .‬كلما‬‫حاولنا ان ننجو بأنفسنا باعتبارنا دولة اسمها قبرص‪ ،‬عضت علينا بأسنانها باعتبار ان‬
‫نصف القبارصة أتراك‪.‬‬
‫ومضي في معزوفته حتي نهايتها المعهودة‪ ،‬وهو ل يكف عن الضحك بين الفينة‬
‫والخري‪ ،‬من صاحب الجمل‪ ،‬دون ان يخطر في باله انه هو نفسه صاحب الجمل‪.‬‬
‫قلت لولدي بعد مغادرتنا الصالون‪:‬‬
‫ لم يعد في القوس منزع‪ ..‬إما ان تحل قضية قبرص‪ ،‬واما ان أبدل هذا الحلق‪.‬‬‫والمشكلة هي انني ل أستطيع تبديله‪ ..‬فهو حلق جيد‪.‬‬
‫قال ولدي‪ ،‬وقد تأكد من ان جورج محصن ضد أية خطة حربية مهما كانت بارعة‪:‬‬
‫‪ -‬ليس أمامك‪ ،‬اذن‪ ،‬إل ان تحل قضية قبرص‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫صة المظلومة‬
‫الق ّ‬
‫العمل الّول لدي أيّ مبدع هو المعّبر المثل عنه‪ ،‬وهو القرب إلي قلبه مهما مسح‬
‫ضا ً أو ِغّرا ً ساذجا ً أو‬
‫تعاقب الّيام الغبار المتراكم علي صورته الطفولية‪ ،‬فبدا ضئيل ً غ ّ‬
‫ضعيف البنية مثّرم السنان‪.‬‬
‫إّنه البن الّول‪ ،‬وحسبه لموقعه هذا أن يستأثر بالقسط الوفر من المحّبة والحنان‪ ،‬ولو‬
‫تكاثر أشقاؤه ال ّ‬
‫لحقون وفاقوه وسامة وعافية‪.‬‬
‫صة المصرية‬
‫والعمل الّول للقاص الّراحل محمود طاهر لشين ‪ -‬أحد أبرز رّواد الق ّ‬
‫والعربية ‪ -‬هو واحد من هؤلء البناء الوائل المحفوفين من آبائهم بالمحبة الفائقة‪ ،‬لكن‬
‫حسن ح ّ‬
‫ن أباه كان رائدا ً في مجاله‪،‬‬
‫ظه هذا قد أورده أسوأ المهالك‪ ،‬ل لشيء إل ّ ل ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫المر الذي اقتضاه جهدا كبيرا في التأسيس والتجريب والعادة والتعديل‪ ،‬لكي يضمن‬
‫لقصصه )أبنائه( بلوغ الغاية المثلي من العافية والوسامة والنضج‪ ،‬والوصول بها إلي‬
‫الكمال الفني المطلوب شكل ً وموضوعًا‪.‬‬
‫صة لشين كانت ل تستقر علي الورق إل ّ بعد مخاضات كثيرة‪ ،‬تبدأ من‬
‫وإذا علمنا أ ّ‬
‫نق ّ‬
‫ً‬
‫م المضي بها تقليبا ً وتعديل ً‬
‫ث‬
‫الدباء‪،‬‬
‫أصدقائه‬
‫من‬
‫للعديد‬
‫روايتها‬
‫ثم‬
‫ا‪،‬‬
‫ذهني‬
‫عليها‬
‫اشتغاله‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫صته‬
‫وتشذيبا حتي مستودعها الخير‪ ،‬فإننا سنعلم مقدار ما كابده من جهد في كتابة ق ّ‬
‫صة حديثة مكتملة الشروط كأختها‬
‫صح( حيث لم يكن أمامه أيّ نموذج عربي لق ّ‬
‫الولي ) َ‬
‫الوروبية التي سبقتها إلي التأسيس والكتمال بعقود طويلة‪.‬‬
‫صة الحديثة‪،‬‬
‫إ ّ‬
‫صح( التي كتبها لشين قبل ثمانين عامًا‪ُ ،‬تعد ّ نموذجا ً رائعا ً للق ّ‬
‫ن قصة ) َ‬
‫حتي بمقاييس أّيامنا‪ ،‬حيث استنفدت الجيال ال ّ‬
‫لحقة ك ّ‬
‫ل جهدها في التجريب‪ ،‬وبلغت‬
‫ور‪.‬‬
‫بالق ّ‬
‫صة أقصي ما تستطيع من آفاق التط ّ‬
‫صة مدّرس حساب رفيع الخلق‪ ،‬يموت شقيقه فيضطر إلي‬
‫صح( ق ّ‬
‫يحكي لشين في ) َ‬
‫القتران بأرملته‪ ،‬ليكفل لها الكرامة والستر‪ ،‬وليكفل لولدها ما يستحق من الرعاية‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫دراسة‪ ،‬لكّنه يبقي‬
‫ويبلغ الولد مبلغ الشباب ويدخل في سلك الموظفين بعد إتمامه ال ّ‬
‫قة‪.‬‬
‫مه دوما ً بالرعاية الح ّ‬
‫مه الذي أحاطه وأ ّ‬
‫مقيما ً مع ع ّ‬
‫من يقوم علي شؤونهما‪ ،‬فيستأذن العم ابن أخيه‪،‬‬
‫وحين تموت الزّوجة‪ ،‬يخلو البيت م ّ‬
‫دد الشاب في الموافقة‪.‬‬
‫قبل أن يتزوج بامرأة ثانية‪ ،‬فل يتر ّ‬
‫ب الفتي‪،‬‬
‫صة‪ ،‬حيث تكون الزوجة الجديدة شابة‪ ،‬فيخفق قلبها بح ّ‬
‫وهنا تبدأ عقدة الق ّ‬
‫وة المشاعر‬
‫ق‬
‫برغم‬
‫هما‬
‫لن‬
‫نفسيهما‪،‬‬
‫جماح‬
‫يكبحان‬
‫نهما‬
‫لك‬
‫بها‪،‬‬
‫بح‬
‫ويخفق قلب الفتي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ما‪ ،‬ويعترفان بنبله وفضله‪ ،‬ويحترمانه إلي أبعد حد‪.‬‬
‫الفطرية‪ ،‬يحّبان الّرجل حب ّا ج ّ‬
‫مه‬
‫ولكي يقمع أية زلة محتملة‪ ،‬يقرر الفتي في النهاية أن يغادر المنزل‪ ،‬وحين يصارح ع ّ‬
‫و‪ ،‬ل يقتنع الخير بتلك السباب‪ ،‬ويحاول‪ ،‬فيما‬
‫برغبته في السفر إلي بلد آخر لتغيير الج ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫هو منهمك بتصحيح الدفاتر‪ ،‬أن يثنيه عن عزمه‪ ،‬طالبا منه أن يترّيث ويفكر في‬
‫الموضوع‪.‬‬
‫سلة إليه‬
‫وينقلب الفتي إلي حجرته‪ ،‬فتهمس له الزوجة من وراء الباب شبه باكية‪ ،‬متو ّ‬
‫أل ّ يسافر‪ ،‬فُيدخلها بسرعة‪ ،‬ليصارحها بأّنه متعّلق بها‪ ،‬وهو يعلم أّنها متعلقة به أيضا‪ً،‬‬
‫مه صاحب الفضل عليه‪ .‬فتعترف‬
‫لكّنه مستعد لمكابدة الهوال‪ ،‬علي أن يسيء إلي ع ّ‬
‫ن‬
‫له بأّنها تحترم زوجها كثيرًا‪ ،‬ول يمكن أن ُتقدم علي اقتراف أيّ فعل ُيسيء إليه‪ ..‬لك ّ‬
‫أمر المحّبة ليس في يدها‪.‬‬
‫وفي تلك اللحظة‪ ،‬يقرع باب الحجرة‪ ،‬ويلوح العم وراء الباب‪.‬‬
‫كان العم قد سمع ك ّ‬
‫ل شيء‪ ،‬لكّنه يحاول جاهدا ً أن ُيعقل عواصف نفسه‪ .‬وبعد إطراقة‬
‫ن الذنب ليس ذنبهما‪ ،‬وعليهما‬
‫صمت طويلة محتدمة بالمشاعر المتضاربة‪ ،‬يقول لهما إ ّ‬
‫أن يأويا إلي فراشيهما‪ ،‬وفي الصباح سيكون لك ّ‬
‫ل حادث حديث‪.‬‬
‫ن صدمته ما‬
‫ويعود إلي تصحيح دفاتر المتحانات‪ ،‬حانقا ً حائرا ً مثقل ً بالفكار السوداء‪ ،‬لك ّ‬
‫مل‬
‫تلبث‪ ،‬علي مّر ال ّ‬
‫ساعات‪ ،‬أن تفتر‪ ،‬وما يلبث الصفاء أن يعاود نفسه‪ ،‬فيقّرر بعد تأ ّ‬
‫ن ما حدث ليس غريبًا‪ ،‬ويقول في سّره‪) :‬الشاّبة للشاب‪ ..‬وهذا هو قانون‬
‫طويل أ ّ‬
‫الفطرة(‪.‬‬
‫صح(‪.‬‬
‫ويتناول أّول دفتر أمامه‪ ،‬فيفتحه‪ ،‬ويكتب تحت الجابة بضربة حا ّ‬
‫دة‪َ ) :‬‬
‫صة كما نشرت في مجلة )الفنون( عام ‪.1924‬‬
‫هكذا تنتهي الق ّ‬
‫صة‪،‬‬
‫ن طاهر لشين المولع بالتغيير والتعديل‪ ،‬قد أعاد التفكير بج ّ‬
‫لكن يبدو أ ّ‬
‫دية في الق ّ‬
‫سف في إجراء مثل تلك النهاية وتمعن في‬
‫ورأي‪ ،‬بعد عام من نشرها‪ ،‬أّنه قد تع ّ‬
‫شخصيات القصة فوجدها جميعا ً شخصّيات بريئة لم تقترف إحداها جرما ً يقتضي أن‬
‫صب نفسه قاضيا ً قاسيا ً مبرم الحكام‪ ،‬ليصدر الحكم سريعا ً وباترا ً لصالح إحداها علي‬
‫ُين ّ‬
‫الخري‪.‬‬
‫ب جميع شخصيات قصصه‪ ،‬حتي الخاطئة والمجرمة منها‪،‬‬
‫قاريء لشين يعرف أّنه يح ّ‬
‫ويعاملها بحيادية نابعة من عطفه علي ضعف النسان‪ .‬فكيف يمكن لكاتب كهذا أن‬
‫يقترف جريرة إبداء حكم قاطع في قضّية جميع أطرافها أبرياء يواجهون قدرا ً ل حيلة‬
‫لهم أمامه؟‬
‫صة في دفع لشين إلي‬
‫يبدو أ ّ‬
‫ن مخاض تأنيب الضمير‪ ،‬قد أفلح بعد عام من نشر الق ّ‬
‫صة نفسها تظهر منشورة مّرة أخري في مجّلة )الفجر( عام ‪،‬‬
‫بالق‬
‫فإذا‬
‫الحكم‪،‬‬
‫نقض‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫صة بل‬
‫‪ 1925‬لكن بزيادة سطرين علي أّولها‪ ،‬وبحذف نهايتها تماما‪ ..‬ليكون عنوانها )ق ّ‬
‫نهاية(!‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫دة موهبة لشين‪ ،‬وعظيم مهارته في التجريب‪،‬‬
‫صة بصورتها الجديدة‪ ،‬تكشف عن ح ّ‬
‫الق ّ‬
‫ص‬
‫وش ّ‬
‫دة براعته في توجيه الصياغة والموضوع وجهة أخري‪ ،‬برغم عدم اختلف الن ّ‬
‫الثاني عن الّول إل ّ بلمسات طفيفة‪.‬‬
‫صة التي لم تنته يكون الّراوي قد اشتري طعاما ً في قرطاس‪ ،‬وبعدما استكمل‬
‫ففي الق ّ‬
‫صة ذاتها‪،‬‬
‫التهامه‪ ،‬فَرد َ القرطاس فإذا هو ورقة من مجلة قديمة طبعت عليها الق ّ‬
‫م لل ّ‬
‫شابين تكون السطور في‬
‫فقرأها كما هي‪ ،‬لكن عندما يصل إلي مشهد مواجهة الع ّ‬
‫الورقة قد انتهت‪ ..‬ورّبما كانت تكملتها موجودة في ورقة أخري من المجلة نفسها‪ ،‬وقد‬
‫ولت بدورها لدي البائع إلي قرطاس آخر بيعَ فيه الطعام إلي زبون آخر‪.‬‬
‫تح ّ‬
‫أيّ براعة!‬
‫دخل في‬
‫لقد تخّلص من النهاية تماما ً بهذه الحيلة الفنية الجميلة‪ ،‬ونأي بنفسه عن الت ّ‬
‫أقدار شخصياته‪.‬‬
‫صين معًا‪..‬‬
‫ن المشكلة أ ّ‬
‫ن هذه البراعة المذهلة ل يظهر سحرها إل ّ بقراءة الن ّ‬
‫لك ّ‬
‫ص الثاني هو وثيقة‬
‫ص الّول ينبغي أن يختفي بعد أن جري تعديله‪ ،‬ول ّ‬
‫ول ّ‬
‫ن الن ّ َ‬
‫ن الن ّ‬
‫التعديل التي ل تملك وحدها الفصاح عن البراعة الفّنية التي أبداها الكاتب عند‬
‫التعديل‪ ،‬فقد كتب علي الّنصين معا ً أن يبقيا إلي اليوم مبعدين عن مجموعات لشين‬
‫مة أرشيف العمال غير المنشورة في كتب‪.‬‬
‫القصصية الثلث‪ ،‬ومركونين في ذ ّ‬
‫ولم يكن ممكنا ً للقاريء أن يقع علي هذا اللون من البراعة الفنية‪ ،‬ويستذوق جماله‬
‫مة الناقد المرموق الدكتور صبري حافظ‪ ،‬الذي بذل جهدا ً ملحوظا ً‬
‫وسحره‪ ،‬لول ه ّ‬
‫ومشكورا ً في جمع أعمال لشين كاملة‪ ،‬ضمن سلسلة )رّواد الفن القصصي( وأضاف‬
‫إلي فضله هذا‪ ،‬فضل تزيينها بثاقب فكره تعريفا ً ونقدًا‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫هتلر‬
‫كان قد مضي عام علي تعيين أخي الكبر مدرسا ً في العاصمة‪ ،‬عندما عقدت النّية علي‬
‫زيارته‪ ،‬مؤمل ً أن أجده متوائما مع وظيفته ومح ّ‬
‫صة أّنه قد وصف لنا في‬
‫ل إقامته‪ ،‬خا ّ‬
‫إحدي رسائله المدينة النموذجية التي يقطنها‪ ،‬فأبلغنا برغم حيادّية الوصف أّنها جّنة‬
‫علي الرض‪.‬‬
‫كان منزل أخي فيّلل واسعة‪ ،‬تفعم رائحة الورد طابقها الّول القائم بين حديقتين‬
‫جميلتين‪ ،‬وتلمس أهداب الشجار سماء طابقها الثاني‪ ،‬حيث تقّر المدينة الصغيرة كّلها‬
‫صباح‬
‫في ك ّ‬
‫ف غابة رائعة تحبس ض ّ‬
‫جة المساء المحيطة بها‪ ،‬وتفتح في إشراقة ال ّ‬
‫مغاليق القلوب‪.‬‬
‫جلسنا في عصر اليوم الّول لوصولي في الحديقة المامية‪ ،‬حول طاولة بيضاء‬
‫حدث ونحن نحتسي القهوة‪.‬‬
‫مغروسة في العشب البليل‪ ،‬ورحنا نت ّ‬
‫ب نفسا ً عميقا ً من الهواء المع ّ‬
‫طر‪:‬‬
‫قلت له وأنا أع ّ‬
‫ إّنها الجّنة‪.‬‬‫ي‪:‬‬
‫ارتسمت علي شفتيه ابتسامة جيوكندية‪ ،‬وعّلق دون أن ينظر إل ّ‬
‫ تستطيع أن تأخذها مّني مقابل قطعة صغيرة من جهنم‪ ،‬شريطة أن تكون خالية من‬‫ضجر‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫وبرغم انني أعرف جيدا ً طبع السخرية في أخي‪ ،‬فقد أدهشني قوله‪ ،‬ولذلك فقد‬
‫جًا‪:‬‬
‫محت ّ‬
‫تساءلت ُ‬
‫ كيف يجد الضجر سبيل ً إلي قلب إنسان يقطن مثل هذه البقعة من الفردوس؟!‬‫د‪:‬‬
‫ي بجسمه كّله‪ ،‬هذه المّرة‪ ،‬وقال بج ّ‬
‫التف َ‬
‫ت إل ّ‬
‫ تعرف أنني حملت معي إلي هنا عددا ً ل بأس به من الكتب‪ .‬لقد احتميت بها من‬‫ن ضآلة راتبي ل تسمح لي‬
‫الضجر خلل شهرين كاملين‪ ،‬ثم أعدت قراءتها مّرتين‪ .‬ول ّ‬
‫‪19‬‬

‫بشراء كتب جديدة‪ ،‬فقد اضطررت في النهاية إلي مواجهة قدري‪ ..‬فبدأت أجالس‬
‫الصدقاء‪.‬‬
‫تساءلت بدهشة‪:‬‬
‫ت أّنك ب َط ٌِر جدًا‪.‬‬
‫ ظننت أّنك ضجٌر لخّلو حياتك من الصدقاء‪ .‬اغفر لي قولي إذا قّرر ُ‬‫الضجر الحقيقي هو أن ُتضطّر إلي إعادة قراءة كتاب سبق أن قرأته مّرتين‪ ،‬برغم‬
‫وجودك في بيئة جميلة ومريحة كهذه‪ ،‬وبرغم وجود الصدقاء من حولك‪.‬‬
‫كان علي ما يبدو منشغل ً عّني بمراقبة رجل قادم من الناصية البعيدة‪.‬‬
‫قال ضاحكًا‪:‬‬
‫حي في‬
‫ هاك‪ ..‬ذلك واحد من أصدقائي‪ .‬إّنه الستاذ توفيق مسؤول المركز الص ّ‬‫فردوسنا المفقود‪.‬‬
‫بدا الّرجل وهو يقترب شخصا ً مهمًا‪ ،‬بقامته المديدة الممتلئة‪ ،‬وشعره السود المفروق‬
‫بعناية وال ّ‬
‫لمع تحت طبقة ثقيلة من الّزيت‪ ،‬وببذلته الكحلية النيقة‪ ،‬ووجهه البيض‬
‫ي المشرب بالحمرة‪ ،‬وبشاربه المعقود علي جانبي فمه علي هيئة حزمتين‬
‫العف ّ‬
‫غليظتين من شعرات الذهب‪ ،‬بطرفين معقوفين إلي العلي كذنب العقرب علي‬
‫الطريقة التركية‪.‬‬
‫قلت لخي‪:‬‬
‫ لو كان صديقك هذا راكبا ً سّيارة تجري أمامها دّراجة نارية لحسبُته رئيس الدولة ذاته‪.‬‬‫وحا ً‬
‫لم يع ّ‬
‫قب أخي بغير ابتسامة باردة‪ ،‬ورفع يده بالتحية للستاذ توفيق‪ ،‬الذي ابتدرنا مل ّ‬
‫ً‬
‫سلم‬
‫بال‬
‫تلويحته‬
‫ليشفع‬
‫ريث‬
‫ت‬
‫الحديقة‬
‫سياج‬
‫حاذي‬
‫ما‬
‫ل‬
‫ثم‬
‫ا‪.‬‬
‫مسرع‬
‫نحونا‬
‫دم‬
‫يتق‬
‫وهو‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ف صوُته الرفيع جدا نصف هيبته الرئاسية‪.‬‬
‫علينا‪ ،‬فخس َ‬
‫ددا ً عندما دعاه أخي للنضمام إلينا واحتساء القهوة معنا‪ ،‬لكّنه سرعان ما دفع‬
‫بدا متر ّ‬
‫دد‬
‫الباب ودخل‪ ،‬فنهضنا لمصافحته‪ ،‬وجذب له أخي كرسيا ً فجلس وهو ل يزال ير ّ‬
‫ي بفضول‪ ،‬ثم سأل‪:‬‬
‫التحّيات‪ ،‬وينظر إل ّ‬
‫من الخ الكريم؟‬
‫ َ‬‫أجاب أخي‪:‬‬
‫ إنه أخي الصغر‪.‬‬‫قال الستاذ توفيق مبتسما ً كمن يحاول إخفاء تواضعه‪:‬‬
‫منت ذلك‪ ..‬إّنه يشبهك تمامًا‪.‬‬
‫ لقد خ ّ‬‫ضيق‪:‬‬
‫ي عن ال ّ‬
‫ي هاّزا ً رأسه كتعبير خف ّ‬
‫رد ّ أخي وهو ينظر إل ّ‬
‫ صدقت‪.‬‬‫في الواقع لم يكن الستاذ صادقا ً البّتة‪ ..‬إذ لم يكن هناك أدني شبه بيني وبين أخي ل‬
‫في الملمح ول في اللون ول في مقاسات الجثث ول حّتي في نبرة الصوت‪ ،‬لذلك فقد‬
‫جة التي تأبي إخجال تواضع‬
‫بدا لي تصديق أخي القاطع علي ذلك نوعا ً من المجاملة الف ّ‬
‫الصديق ذي الفراسة الخائبة‪.‬‬
‫‪20‬‬

‫تساءل الستاذ توفيق‪:‬‬
‫ ما اسم الخ الكريم؟‬‫ن أخي سبقني إلي الجابة بسرعة مذهلة‪:‬‬
‫تح ّ‬
‫فزت للر ّ‬
‫د‪ ،‬لك ّ‬
‫ هتلر‪ ..‬اسمه هتلر‪.‬‬‫دت عّني ضحكة قمعها أخي حال ً بغمزة من طرف عينه‪ ،‬وواصل قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ن ّ‬
‫ن لهذا المر حكاية‪.‬‬
‫ قد يبدو لك غريبا ً أ ّ‬‫ن اسمه هتلر‪ .‬لك ّ‬
‫ي‬
‫العجيب أ ّ‬
‫ن اسمي هذا لم َيبد ُ غريبا ً بالنسبة لضيفنا الفخم‪ ،‬ولم يظهر علي ملمحه أ ّ‬
‫ة لمصافحتي‬
‫دهشة أو الستغراب‪ ،‬بل أّنه تقّبل السم كشيء مألوف‪ ،‬ومد ّ يده ثاني ً‬
‫أثر لل ّ‬
‫قائل ً بتسليم‪:‬‬
‫تشّرفنا ‪.‬‬
‫ف عن تكريمه بتهمة الندهاش‪ ،‬وواصل الحكاية قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ن أخي لم يك ّ‬
‫غير أ ّ‬
‫مال البلدية الكفاء فقد كان كأيّ عسكري‬
‫إ ّ‬‫ن أبي لم يكن ُينجب‪ .‬ولّنه كان من ع ّ‬
‫ّ‬
‫منضبط معجبا بالقادة العسكريين المشهورين في العالم‪ ،‬ولذلك فقد نذر لوجه الله إذا‬
‫ميه هتلر ‪ .‬وقد تقّبل الّله نذر أبي‪.‬‬
‫رزقه بولد أن يس ّ‬
‫ي قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ث ّ‬
‫م أشار إل ّ‬
‫ماه هتلر!‬
‫ما ُرزق بأخي أحمد هذا‪ ..‬س ّ‬
‫ فل ّ‬‫دد كمن يزيح عن صدره جب ً‬
‫ل‪:‬‬
‫هّز الستاذ توفيق رأسه مت ّ‬
‫فهمًا‪ ،‬فنظر أخي نحوي ور ّ‬
‫ أرأيت؟!‬‫دة‪:‬‬
‫ثم أردف وهو يطبطب علي ظهر الستاذ توفيق بمرح ومو ّ‬
‫ ألديك أيّ اعتراض علي ما رويُته لك؟‬‫شهق الستاذ قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ اعتراض؟ أستغفر الله‪ ..‬إّنه نذر ويجب الوفاء به‪.‬‬‫عندئذ قال أخي بانشراح مصطنع‪:‬‬
‫ ونحن أيضا ً ل اعتراض لدينا علي حكمة الّله‪.‬‬‫فهمين ورائعين من أمثالك‪.‬‬
‫وإّنها لحكمة بالغة أن يرزقنا بأصدقاء واعين ومت ّ‬
‫ي مواصل ً كلمه‪:‬‬
‫ث ّ‬
‫م نظر إل ّ‬
‫‪ -‬الستاذ توفيق أوعي وأثقف أصدقائي هنا‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫توّرد وجه الستاذ خج ً‬
‫ل‪ ،‬ورأيته يأخذ يد أخي بكفّيه معا ً وهو ينهض ليغادر قائل ً بامتنان‬
‫حقيقي‪:‬‬
‫ شكرًا‪ ،‬شكرًا‪ ،‬شكرًا‪.‬‬‫وحين غادرنا‪ ،‬نظرت إلي أخي مشفقًا‪ ،‬وقلت بأسي‪:‬‬
‫ معي في الحقيبة خمسة كتب جديدة سأتركها لك‪ .‬لكن ماذا عساك أن تفعل بعدها‬‫للفرار من ضجر هذه الجّنة اللعينة؟!‬
‫قهقه من أعماقه مكّررا ً احتجاجي السالف‪:‬‬
‫ضجر سبيل ً إلي قلب إنسان محاط بمثل هؤلء الصدقاء؟!‬
‫ضجر؟ كيف يجد ال ّ‬
‫‪ -‬ال ّ‬

‫‪22‬‬

‫فروض الواجب‬
‫في وقت متأخر من الليل‪ ،‬دقّ جرس الهاتف في منزل رئيس المخابرات‪ .‬واستيقظت‬
‫خر من الليل‪ ،‬والتي لم‬
‫زوجة رئيس المخابرات التي كانت نائمة في ذلك الوقت المتأ ّ‬
‫خر من الليل‪.‬‬
‫يكن زوجها نائما ً معها في ذلك الوقت المتأ ّ‬
‫ماعة الهاتف‪ ،‬وألقت كومة هائلة من التثاؤب‪:‬‬
‫رفعت س ّ‬
‫ آلو‪...‬‬‫جاءها الصوت علي الطرف الخر‪:‬‬
‫ أيقظيه حا ً‬‫مية‪.‬‬
‫ل‪ ..‬المسألة في غاية اله ّ‬
‫فغرت فمها‪ ،‬وانعقد لسانها لفرط ما استبد بها من ذعر‪.‬‬
‫دد غير قصير‪ ،‬تساءلت بصوت مضطرب‪ ،‬وهي تلقي نظرة جامدة إلي الرجل‬
‫وبعد تر ّ‬
‫النائم بجوارها‪:‬‬
‫من‪ ..‬حضرتك؟‬
‫ َ‬‫ أنا رئيس الجمهورية‪ ..‬أين زوجك؟‬‫دة والترحيب‪:‬‬
‫صَعداء‪ ،‬وألبست صوتها غللة من المو ّ‬
‫عندئذ تنف ّ‬
‫ست ال ُ‬
‫ أهل ً فخامة الرئيس‪ ..‬إنه لم يعد حتي الن‪.‬‬‫ أين يكون في مثل هذا الوقت؟‬‫ل مكان يا فخامة الرئيس‪ ..‬تلك عادته ك ّ‬
‫ في ك ّ‬‫ل ليلة‪ ،‬ل يعود إل ّ في مطلع الصباح‪.‬‬
‫خونة!‪.‬‬
‫ن واجبه يفرض عليه أن ينبش الرض‪ ،‬شبرا ً شبرًا‪ ،‬بحثا ً عن ال َ‬
‫يقول إ ّ‬

‫‪23‬‬

‫الشيخ العرياني!‬
‫في رواية الطريق الوحيد للكاتب التركي الساخر عزيز نيسين ‪ ،‬نواجه نمطا ً عجيبا ً من‬
‫البطال‪ ،‬إذ نعدو وراء مغامراته بشوق ولهفة‪ ،‬عبر ما يزيد علي خمسمائة صفحة‪ ،‬دون‬
‫أن نعرف من هو بالضبط‪ ،‬ودون أن نعرف ما اسمه‪ ..‬ذلك لنه هو نفسه يعترف لنا منذ‬
‫بداية الرواية بأنه يغلط في بعض الحيان بشخصيته الحقيقية وباسمه الحقيقي لكثرة‬
‫ما انتحل من شخصيات و أسماء طول حياته‪ ،‬حتي لم يعد يستطيع تعداد الشخصيات‬
‫المزورة التي تقمصها!‬
‫وكان من الطبيعي أن يمضي هذا النصاب عدة أعوام في السجون‪ ،‬وقد كسب في‬
‫إحدي فترات سجنه مبلغا ً من المال‪ ،‬عن طريق النصب أيضًا‪ ،‬وهو داخل السجن‪ ،‬ففكر‬
‫بأن يسافر إلي بلدة بعيدة ويفتح له دكانا ً فيها‪ ..‬لكنه‪ ،‬كغيره من ركاب الحافلة التي‬
‫استقلها‪ ،‬وقع ضحية عصابة ق ّ‬
‫دته من ماله‪ ،‬فاضطر إلي السير في الجبال‬
‫طاع طرق جر ّ‬
‫تحت المطار الغزيرة‪ ،‬واهتدي إلي كهف في أطراف إحدي القري‪ ،‬فدخله عاريا ً بعد أن‬
‫ترك ثيابه فوق شجيرات في الخارج حتي تجف‪ .‬وبعد فترة‪ ،‬جاء بعض أفراد العصابة‬
‫ي كبير‪ ،‬ومنحوه‬
‫إلي حيث يختبيء‪ ،‬لكنهم بدل ً من أن يقتلوه‪ ،‬حّيوه باحترام يليق بصوف ّ‬
‫شيئا ً من الطعام والغطية‪.‬‬
‫ولم يمض وقت حتي شاع أمره في القرية المجاورة‪ ،‬فأقبل البسطاء إليه طلبا ً‬
‫لكراماته‪ ،‬وصاروا يسمونه الشيخ العرياني ‪.‬‬
‫ومضت اليام وهو مستمتع بعطايا المساكين المؤمنين بكراماته‪ ،‬حتي حلت به ذات يوم‬
‫لحظة عصيبة‪ ،‬حين أبلغه بعض مريديه بأن البيك يطلب الذن بزيارته ليأخذ بركة دعائه‬
‫و البيك هذا هو مالك لعشرات من القري التي يلوذ الّفاق بإحداها‪.‬‬
‫ن البيك أبدي للعرياني عند لقائه به كل معاني الخضوع والولء‪ ،‬ولم يتردد عن تقبيل‬
‫لك ّ‬
‫يده والمساك بلجام حصانه أمام الناس‪ ،‬ثم دعاه لزيارة قصره فلبي الدعوة مضطرا‪ً،‬‬
‫لنه برغم كل ما يبدو عليه من مظاهر الهيبة‪ ،‬كان ينطوي علي أسراره القبيحة التي‬
‫يخاف افتضاحها‪.‬‬
‫وعندما انفرد الشيخ العرياني بمضيفه بعد العشاء‪ ،‬دعاه الخير إلي شرب كأس من‬
‫ه علي وضوء‪ ،‬فصرخ البيك عندئذ‪ :‬أعلينا هذه المظاهر؟‬
‫الخمر‪ ،‬فصعق‪ ،‬واعتذر بأن ّ‬
‫اشرب يا كافر !‬
‫وحين لم يجد المحتال مفرًا‪ ،‬كرع الكأس تحت طائلة الخوف‪ ،‬فامتدحه البيك قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫أحسنت يا كبير الدّيوثين‪ ..‬لو لم تشرب لهويت بقبضتي علي نقرة رأسك‪ ،‬وعندئذ‬
‫سيخرب وضؤوك بجد‪ ،‬لنك ستعملها في ثيابك ‪.‬‬
‫ونفهم من ذلك أن البيك كان علي علم بحقيقة المحتال‪ ،‬لنه‪ ،‬علي حد قوله‪ ،‬ل يطير‬
‫طائر في تلك المنطقة دون علمه‪ ..‬ونعرف بعد ذلك أنه هو الذي أمر أتباعه بأن يجعلوا‬
‫صاب شيخًا‪ ،‬بعدما عرّوه من كل شيء‪ ،‬لن القري بعد زوال شيخها‬
‫من هذه الن ّ‬
‫السابق‪ ،‬كانت بحاجة إلي شيخ آخر تلتمس عنده الحاجات‪ ،‬ويمكنه أن يمل الفراغ الذي‬
‫ل وقت عند ذوي الملك لملئه‪.‬‬
‫‪24‬‬

‫يقول البيك ‪ :‬ليس عند إنسان هذه المنطقة طبيب‪ ،‬ول قابلة‪ ،‬ول دواء‪ ،‬ول عمل‪ ،‬ول‬
‫نقود‪ ..‬وعندما ل يكون عنده شيء يقول لو كان عندي شيخ علي القل ‪.‬‬
‫ونعلم أن سبب زوال الشيخ القديم هو أنه حمي عصابة إجرام وخّبأ أفرادها عنده‪ ،‬بينما‬
‫كان القائمقام التابع للمالك قد قضي علي كل عصابات قطاع الطرق‪ ،‬وأبقي علي‬
‫عصابة واحدة فقط لسد حاجة المنطقة للمجرمين! ‪ ،‬ولذلك فقد وّبخ الشيخ السابق‬
‫قائ ً‬
‫ل‪ :‬كيف تحمي عصابة مجرمين‪ ،‬بينما لدينا عصابتنا؟ ثم طرده من المشيخة بتهمة‬
‫معارضة الجمهورية والثورة !‬
‫دعاء المشيخة والكرامات أمام البسطاء المغفلين‬
‫المستفاد من تلك الحكاية هو أن ا ّ‬
‫أمر جائز بل مطلوب جدًا‪ ،‬لضمان مصلحة المالك‪ ..‬لكن المر ينبغي أل يخرج عن هذا‬
‫الطار‪ ،‬كأن يصدق المحتال أنه شيخ حقيقي‪ ،‬فيصطدم عنوة بالمالك الذي اخترعه‬
‫وثبت إدعاءه‪ ..‬لنه‪ ،‬حينئذ‪ ،‬سيخرج من كراماته الموهومة بركلة حقيقية علي مؤخرته‬
‫بتهمة خيانة الجمهورية والثورة !‬
‫أتأمل مشهد المالك مع الشيخ العرياني‪ ،‬فتحضر في ذهني طائفة من الشيوخ العريانين‬
‫ُ‬
‫مها أيضا ً ‪ ،‬في نسق غير متناسق‬
‫المتناثرين علي طول الخريطة التي تضم القري وأ ّ‬
‫من اللغات والسحنات والزياء‪.‬‬
‫وحسبنا أن نتذ ّ‬
‫كر‪ ،‬علي سبيل المثال‪ ،‬نورييغا بنما‪ ،‬وجرذ تكريت‪ ،‬والبهلوان الخضر‪،‬‬
‫كنماذج للذين يرفعون عصّيهم‪ ،‬بكل بسالة‪ ،‬لقطعان البشر في القري التي هم رعاتها‪..‬‬
‫لكنهم يخفضون مؤخراتهم‪ -‬بكل تهذيب‪ -‬لعصا المالك الذي أكرم عريهم بالمشيخة‪،‬‬
‫ونثرهم كالنجوم في مربع أزرق وضع تحته خطوطا ً حمراء‪ ،‬تذكيرا ً بالمصير الدامي لمن‬
‫يجتاز حدوده‪ ،‬ول يواصل السير علي الصراط المستقيم!‬

‫‪25‬‬

‫العصا واِلهراوة‬
‫حبوب القلب الّله يخّليه‪..‬‬
‫م َ‬
‫ح بيه‪..‬‬
‫م ينفع ل ن ِ ِ‬
‫ص ْ‬
‫ل َتعلو ْ‬
‫ب هذا‪..‬‬
‫در ْ‬
‫أقول له‪ :‬ال ّ‬
‫يقول‪ :‬ل‪ ..‬ذاك‪.‬‬
‫ل ِيند ْ‬
‫ل ول يخليني أدّليه !‬
‫هذا مطلع أغنية عراقية قديمة‪ ،‬وجدته يتدفق في ذهني كالضرورة‪ ،‬ليغيثني من صعوبة‬
‫التعبير عن أحوال وأوحال أنظمتنا العربية التي لم يكفها أن تؤلمنا بأفعالها اللئيمة‬
‫المستديمة‪ ،‬بل تعدت ذلك إلي إيلمنا بأقوالها الطازجة السقيمة‪.‬‬
‫هذه النظمة المنبطحة حتي الرض السابعة‪ ،‬ملكت الجرأة أخيرا ً لتصرح بأنها ترفض‬
‫أي إصلح ُيفرض عليها من الخارج ‪ .‬وأكاد أجزم بأنها لم تنطق بذلك إل بعد أن‬
‫أستأذنت الخارج وهو أمريكا بالتحديد ‪ ..‬بتزيين إذعانها‪ ،‬الذي لبد منه‪ ،‬بزركشة كلمية‬
‫توحي بالتمنع‪ ،‬وهو ما ل تملكه تلك النظمة ولن تملكه أبدًا‪ ،‬لنها تعلم‪ ،‬قبل غيرها‪ ،‬أن‬
‫مبدأ وجودها وفنائها بيد ذلك الخارج‪.‬‬
‫إن شرعية العصا ل يمكن أن تنصاع إل لدستور الهراوة‪ .‬وهذا ما يحدث أمامنا‪ ،‬نحن‬
‫الديكورات المسماة شعوبًا‪ ،‬علي مسرح الستربتيز العربي الرسمي‪.‬‬
‫وبالعودة إلي الغنية يحسن بنا أن ننبه إلي أنها مجرد مقاربة ل أكثر‪ ،‬ومبتغانا منها‬
‫الخاتمة ل غير‪ ،‬فالنظام العربي ليس محبوب القلب ‪ ،‬بل هو في أفضل أحواله محبوب‬
‫الكلب ‪ ،‬وهو كذلك ليس مما يطلب المرء أن يخليه الله ‪ ،‬بل آخر دعوانا هي الله ل‬
‫يخليه ‪.‬‬
‫لكننا بعد هذا نستطيع أن نشمله بمكرمة الشطر الثاني من مطلع الغنية‪ ،‬حيث أمضينا‬
‫ما يزيد علي نصف قرن‪ ،‬ونحن نئن تحت وطأته‪ ،‬داعين إياه إلي الصلح‪ ،‬بإرشاده‬
‫تارة‪ ،‬وبنصحه طورًا‪ ،‬وهو في كل أحواله منشغل عن الصلح الداخلي بالصمود‬
‫والتصدي لمؤامرات الخارج المبريالية التي لولها لما كان له وجود إطلقا ً !‬
‫ت أصواتنا ونحن نقول لهذا النظام الطالح بأن عليه أن يحفظ رأسه قبل لحانا‪،‬‬
‫بُ ّ‬
‫ح ْ‬
‫وتقطعت أوتارنا الصوتية ونحن نقترح عليه أن يشتري المحراث بدل ً من البندقية‪ ..‬غير‬
‫أنه لم يفهم هذه المور البسيطة جدًا‪ ،‬إل بعد أن وقفت هراوة سيده فوق عصاه‬
‫المنصوبة فوقنا‪ ..‬فإذا بالبهلوان الخضر يصرح فورا ً بأنه قرر استبدال البندقية‬
‫بالمحراث‪ ،‬وإذا بالبهلوان القاتي يدخل دورة حلقين‪ ،‬بعدما أدرك حكمة أن يحلق المرء‬
‫شعر رأسه بيده!‬
‫بالله عليكم‪ ،‬أيها الرافضون الصلح المفروض من الخارج‪ ،‬هل أطلعتمونا علي برنامج‬
‫إصلحكم المفترض من الداخل؟!‬
‫خمسون عاما ً ونحن لم نرمن الصلح الداخلي إل ما رآه اللتينيون من إصلحات ذلك‬
‫الجنرال الثوري المجنون‪ ،‬الذي فرض علي الناس أن يرتدوا ألبسة داخلية نظيفة‪،‬‬
‫ولكي يتأكد من انصياعهم للقانون أوجب عليهم أن يرتدوها فوق ملبسهم الخارجية!‬

‫‪26‬‬

‫محنطون أو المنح ّ‬
‫طون بغلط مطبعي صحيح يكتمون أنفاسنا‪،‬‬
‫خمسون عاما ً وأولئك ال ُ‬
‫ويبعثرون أموالنا‪ ،‬ويصحرون أرضنا‪ ،‬ولم يصلحوا شيئا ً سوي قوائم كراسيهم المتهالكة‪..‬‬
‫ومع ذلك‪ ..‬تندلق حكمة القرون علي لسان أحدهم‪ ،‬عند أول تشويحة للهراوة‪ ،‬فيقرر‬
‫أن الديمقراطية ل تتم بكبسة زر !‬
‫كبسة زر؟!‬
‫أينك يا آينشتاين لكي تنورنا عن نوع ومقدار هذه الحركة التي لم تفلح بعد خمسين‬
‫عاما ً في استكمال كبسة الزر ؟!‬
‫يا لفضيحتنا أمام السلحف والديدان والبكتريات!‬
‫أحسب أن غلطا ً مطبعيا ً قد وقع لتلك العبارة‪ ،‬وأغلب ظني أن مولنا كان يريد أن يقول‬
‫إنها كبسة ُرّز ‪.‬‬
‫قر بأن التصريح صحيح وفصيح‪ ..‬فمن يرجع إلي‬
‫وفي هذه الحالة ينبغي أن ن ُ ّ‬
‫ً‬
‫انسيكلوبيديا المطبخ الخليجي سيتحقق تماما من أن متعاطي هذا النوع من الكبسة ل‬
‫يمكن أن يفيق إل علي نفير يوم القيامة!‬

‫رقابة ذاتية!‬
‫رفعت الرقابة عن الصحف‪ ،‬وانشئت منظمة لحقوق النسان‪ ،‬وشرعت السلطة‬
‫بالتحضير للعملية الديمقراطية‪.‬‬
‫***‬
‫‪27‬‬

‫الكاتب‪ :‬أريد كتابة مقال حول الحرية والديمقراطية وحقوق النسان‪.‬‬
‫المحرر‪ :‬ل مانع‪ ..‬لكن عليك أن تكون رقيبا ً ذاتيا ً علي نفسك‪ ..‬استعمل ضميرك رجاء‪.‬‬
‫الكاتب‪ :‬بالطبع‪.‬‬
‫المحرر‪ :‬أي طبع يا أخ وأنت تريد أن تجر قطارا ً طويل ً من الكوارث؟!‬
‫الكاتب‪ :‬كوارث؟!‬
‫المحرر‪ :‬بدل ً من الشرح المفصل‪ ،‬دعني أدرب ضميرك علي العمل‪ ..‬إن الكتابة حول‬
‫حقوق النسان هي تدخل في شؤون الغير‪..‬تقول لي كيف؟ أقول لك إن هناك منظمة‬
‫مختصة بهذا الشأن‪ ،‬والتدخل في شغلها صفاقة‪ ..‬أليس كذلك؟‬
‫الكاتب‪ :‬لندع هذا جانبا ً إذن‪.‬‬
‫المحرر‪ :‬والكتابة عن الديمقراطية ليست سوي دوران في حلقة مفرغة‪ ..‬فإذا كنت ضد‬
‫الديمقراطية فأنت عديم الضمير‪ ،‬وإذا كنت مع الديمقراطية فأنت سخيف‪ ،‬لنك تزمع‬
‫الخوض في مسألة لتزال في طور التحضير‪ .‬قل لي بربك أليس من السخافة أن‬
‫تصف بيتا ً قبل أن ُيبني؟!‬
‫الكاتب‪ :‬سأكتب‪ ،‬إذن‪ ،‬حول الحرية‪.‬‬
‫المحرر‪ :‬لكن الحرية قائمة يا أخ‪ ..‬فها هي الرقابة علي النشر قد رفعت‪ ،‬فماذا تريد‬
‫بعد هذا؟‬
‫الكاتب‪ :‬أريد أن أمدح ذلك‪.‬‬
‫المحرر‪ :‬هذا نفاق وتملق‪ .‬إن حرية التعبير ليست منة من أحد‪ .‬إنها حق أصلي من‬
‫حقوق النسان‪ ،‬ثم ل تنس أن لهذه الحقوق منظمة مختصة‪.‬‬
‫ول‪..‬‬
‫الكاتب‪ :‬أريد‪ ،‬إذن‪ ،‬كتابة مقال َ‬
‫ح ْ‬
‫المحرر‪ :‬حول ماذا؟‬
‫الكاتب‪ :‬حول فقط!‬
‫المحرر‪ :‬رجاء‪ ..‬دعني أواصل تدريب ضميرك علي العمل‪ ..‬كيف يرضي هذا الضمير أن‬
‫يكتب مقال ً حول فراغ؟ هل هذا ما يفترض أن يقدمه الكاتب الشريف للجماهير‪ ،‬في‬
‫زمن الحرية وحقوق النسان والتحضير للديمقراطية؟‬
‫الكاتب‪ :‬إذن‪ ..‬أريد فقط‪ ..‬هذا كل ما بقي لي‪ ..‬مجرد أريد!‬
‫حّر‪.‬‬
‫المحرر‪ :‬ل دخل لحد في إرادتك‪ ..‬أنت ُ‬
‫الكاتب‪ :‬لكنك لم تسألني‪ ..‬ماذا أريد؟!‬
‫المحرر‪ :‬هذا أمر راجع لك‪ ،‬نحن ل نملي عليك ما ُتريد أومال ُتريد‪ ..‬نحن فقط نبين لك‬
‫حقوقك‪ ،‬ونبشرك بالتحضير للديمقراطية‪ ،‬وندربك علي كيفية استعمال ضميرك عندما‬
‫ت!‬
‫تريد التعبير بحرية‪ ،‬خاصة أن الرقابة علي الصحف قد ُرفع ْ‬
‫‪28‬‬

‫الّتهمة!‬
‫العجائب البريطانية ل تنتهي‪.‬‬
‫منذ جئتها‪ ،‬في منتصف الثمانينات‪ ،‬وأنا أشهد في عالم سياستها‪ ،‬ك ّ‬
‫ل يوم‪ ،‬ما يشهده‬
‫الريفي عند دخوله المدينة لّول مّرة‪.‬‬
‫رأيت القيادات الحاكمة تتعّري في ك ّ‬
‫ل موسم‪ ،‬مثل الشجار‪ ،‬لتتحّلي بأوراق ربيعّية‬
‫جديدة‪ .‬وذلك عجب لم يضارعه إل ّ العجب من رؤيتي لقيادات المعارضة وهي تتعّري‬
‫كنقيضتها‪ ،‬مؤمنة مثلها‪ ،‬وياللهول‪ ،‬بضرورة استمرار دورة الفصول‪.‬‬
‫دة الوجيزة بحساب التاريخ‪ ،‬رأيت خمسة قادة لحزب المحافظين يتعاقبون‬
‫في هذه الم ّ‬
‫مثل دوالي الناعور‪ ،‬ورأيت علي الجانب الخر أربعة قادة لحزب العمال يتعاقبون‬
‫بسلسة دوران عقارب الساعة‪.‬‬
‫‪29‬‬

‫وة‪ ،‬وهو حزب الحرار الديمقراطيين‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫ما الحزب الثالث الوسيط الراكض خلفهما بق ّ‬
‫وة وشبابا ً‬
‫ّ‬
‫فلم يتخلف عنهما فبعد اثنين من قادته التاريخيين أخلي المكان لرجل أكثر ق ّ‬
‫وته وتألقه‪ ،‬أن وقف جانبا ً مخليا ً‬
‫هو بادي أشداون ‪ ،‬ولم يلبث الخير وهو في عّز ق ّ‬
‫ً‬
‫صر أبدا‪ ،‬إذ أفلح‬
‫الطريق لقائد جديد أكثر منه شبابا ً وهمة هو تشارلز كيندي الذي لم يق ّ‬
‫دم الذي أحرزه سلفه‪ ،‬وأن يجعل من حزبه رقما ً‬
‫مي التق ّ‬
‫في فترة وجيزة في أن ين ّ‬
‫صعبا ً في النتخابات البريطانية‪.‬‬
‫تلك العاجيب ش ّ‬
‫متخّلفون عّنا‬
‫مل ّ‬
‫خصها أ ّ‬
‫ن البريطانيين ُ‬
‫كلت‪ ،‬بالنسبة لي‪ ،‬أعجوبة كبري ُ‬
‫بسنوات ضوئية‪ ..‬فهم مع إيمانهم بالقيادة التاريخّية يجهلون تماما ً كيفية جعلها قيادة‬
‫دية في ثباتها الزلزل‬
‫صمغ السوبر‪ ،‬متح ّ‬
‫جغرافية أيضًا‪ ،‬بحيث تلتصق في مواقعها بال ّ‬
‫والفات والعلل الماحقة‪.‬‬
‫نك ّ‬
‫ل ذلك لم يعد شيئا ً مذكورا ً أمام العجيبة الجديدة التي دهمتني‪ ،‬مؤخرًا‪ ،‬فأعادتني‬
‫لك ّ‬
‫إلي مرّبع الدهشة الّول‪ ،‬وأنبأتني بأنني سأظل في ما يتعلق بالسياسة البريطانية جاهل ً‬
‫بامتياز مع مرتبة الشرف‪.‬‬
‫ن المرض ‪ -‬وهو أمر غير إرادي وغير مرغوب ول مطلوب ‪ -‬يمكن‬
‫لّول مّرة أكتشف أ ّ‬
‫دي ذلك إلي اعتباره‬
‫أن يكون فضيحة بجلجل بالنسبة للسياسي البريطاني‪ ،‬بل قد يتع ّ‬
‫جنحة مخّلة بالمباديء‪ ،‬أو تهمة موازية لتهمة الخيانة!‪.‬‬
‫مة جميع القادة‬
‫مة تعادل ه ّ‬
‫)تشارلز كيندي( قائد حزب الحرار‪ ،‬شاب معافي‪ ،‬يعمل به ّ‬
‫العرب منذ فجر التاريخ حتي القيامة‪.‬‬
‫لكّنه‪ ،‬للسف الشديد‪ ،‬توّرط قبل أسابيع بارتكاب جريمة لم يغفرها له العلم ول‬
‫أعضاء البرلمان ول رفاقه في الحزب‪.‬‬
‫ماذا فعل؟!‬
‫لقد أصيب الّرجل بوعكة صحّية!‬
‫ن فايروسا ً داهم معدته فأقعده مريضا ً لعدة أيام‪ ،‬لم يستطع خللها حضور‬
‫يقال إ ّ‬
‫مناقشة الميزانية في البرلمان!‪.‬‬
‫صة‪ ،‬ليلقي خطابه‬
‫لكّنه‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬استطاع أن يعاند مرضه‪ ،‬وأن يغادر فراشه إلي المن ّ‬
‫في مؤتمر الحزب‪ ،‬وهو يتصّبب عرقًا‪ ،‬وأنهي خطابه برغم العياء الشديد وانقطاع‬
‫النفاس‪.‬‬
‫وظننت أّنه سيتّلقي المديح لبطولته هذه‪ ،‬أو التعاطف علي القل‪ ،‬لحرصه علي أن‬
‫يكون حاضرا ً وفاعل ً برغم المرض‪.‬‬
‫ن المر كان علي النقيض‪ ،‬من ذلك‪ ..‬لقد قامت قيامة الصحف في اليوم التالي‪،‬‬
‫لك ّ‬
‫وأسرف المعّلقون والمحّللون في تأنيبه علي وقوفه خطيبا ً في مثل ذلك الوضع‬
‫دد عدد من رفاقه في الحزب عن المطالبة باستقالته!‪.‬‬
‫المزري‪ ،‬ولم يتر ّ‬
‫ورأيت الرجل‪ ،‬بعين حانية وقلب متحّرق‪ ،‬وهو يحاول جاهدا ً أن يدفع عن نفسه ذلك‬
‫دج هو أقرب إلي البكاء منه إلي التصّريح‪) :‬أنا لست‬
‫دد بصوت مته ّ‬
‫العار‪ ..‬وسمعته ير ّ‬
‫ً‬
‫مريضًا‪ ..‬لقد أصبت بوعكة فقط‪ ..‬أنا لست مريضا(‪.‬‬
‫المسكين‪ ..‬كأّنه كان يتعاطي المرض إدمانًا‪ ،‬أو كأنه اقترف المرض عامدا ً مع سبق‬
‫صد!‪.‬‬
‫الصرار والتر ّ‬
‫‪30‬‬

‫ملعون أبوالقيادة التي ل تعطي السياسي المصاب بوعكة فرصة شهر واحد علي‬
‫القل‪ ،‬يستطيع خلله تعديل أوضاعه‪ ،‬وإصلح أخلقه‪ ،‬وإبراء ذمته من أي قصد مسبق‬
‫للوقوع تحت وطأة المرض!‪.‬‬
‫لو جري المر لدينا علي المنوال نفسه ‪ -‬وهو لن يجري ولو انتقل القطب الشمالي الي‬
‫ن جغرافيتنا كّلها قد أقفرت تماما ً من جميع‬
‫خط الستواء ‪ -‬لصبحنا ذات يوم فوجدنا أ ّ‬
‫القيادات التاريخية‪ ،‬وهي عندنا كّلها تاريخية والحمدلله‪ ،‬فأغلب قادتنا الشبان ‪ -‬سواء‬
‫في الحكم أو المعارضة ‪ -‬قد مضي علي وقوفهم ممسكين بالتاريخ خشية سقوطه‪،‬‬
‫دة صلحية بعضهم قد انتهت منذ زمن بعيد حتي دخل‬
‫نم ّ‬
‫أكثر من ثلثين عامًا‪ ،‬بل إ ّ‬
‫التقويم الّنوحي )نسبة إلي سّيدنا نوح( بحيث لم تعد حتي الجن قادرة علي أن تستدل‬
‫ن دابة الرض ماتت من التخمة‪ ،‬منذ زمان‪ ،‬وهي تأكل منسأته‬
‫علي غيابه‪ ،‬برغم أ ّ‬
‫وتأكله معها!‪.‬‬
‫ن أّول ما سأفعله هو‬
‫ي بالعافية‪ ،‬فإ ّ‬
‫أنا الن علي فراش المرض‪ ،‬ولو أ ّ‬
‫ن الّله َ‬
‫ن عل ّ‬
‫م ّ‬
‫زيارة )تشارلز كيندي( لتهنئته بالشفاء أوّ ً‬
‫ل‪ ،‬ولغرائه‪ ،‬ثانيا‪ ،‬باستثمار علقاته مع العرب‪،‬‬
‫لطلب الجنسية العربية‪ ،‬ومواصلة جهده السياسي من هناك‪ ،‬حيث المرض عنوان‬
‫الصحة وحيث الموت إكسير الحياة بالنسبة للقيادات التاريخية!‪.‬‬

‫لعزاء للسّيئات!‬
‫كّلنا يعرف رّيا و سكينة الّلتين ملتا قلوب نساء مصر بالّرعب في العقد الثاني من‬
‫القرن الفائت‪ ،‬واّللتين ُأعدمتا عام ‪19، 21‬لقتلهما سبع عشرة امرأة معظمهن من‬
‫ساقطات‪ ،‬بمشاركة أربعة رجال وامرأة أخري‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫فاحتين‬
‫وبرغم مرور مايزيد علي ثمانين عاما ً علي إعدامهما‪ ،‬لتزال ذكري هاتين الس ّ‬
‫تثير الفزع في نفوس الناس جيل ً بعد جيل‪ ،‬وترسم لهما في الذهان صورة بالغة‬
‫البشاعة مؤ ّ‬
‫طرة بالكراهية والمقت‪.‬‬
‫لماذا استأثرت هاتان المرأتان وحدهما بصفة البشاعة التي لتمحوها الّيام؟‬
‫هل لنهما لم تكونا علي حظ من الحصافة‪ ،‬لتقّررا توزيع ثلث ما تسرقانه من ضحاياهما‬
‫علي مجاميع من الصحافيين ‪،‬أو أصحاب غرز التحشيش حيث لم تكن الفضائيات قد‬
‫عت بعد أو رجال الشرطة كممّثلين رمزيين لمسؤولي السلطة؟!‬
‫اخُتر َ‬
‫ولماذا حين ألقي القبض عليهما في ظ ّ‬
‫ل حكومة احتلل إنجليزية ‪،‬لم يشعر العرب‬
‫ن شرفهم قد غطس في الوحل؟!‬
‫ن كرامتهم قد أهينت ‪ ،‬وأ ّ‬
‫القحاح بأ ّ‬
‫‪31‬‬

‫ولماذا لم تفتح العدالة العمصاء عينيها ‪،‬وتنفش شعرها ‪،‬وتسرف في العويل ‪،‬طالبة‬
‫حاد‬
‫ن ات ّ‬
‫معاملتهما بالرأفة‪ ،‬والحكم بالطلق البائن بين رقبتيهما وحبل المشنقة؟! هل ل ّ‬
‫المحامين العرب لم يكن قائما في تلك اليام السوداء الظالمة‪ ..‬أم لّنهما لم تساعدا‬
‫في بناء ولو حجرة بمشتملتها لمحام أردني عريق؟!‬
‫خذ ضحايا رّيا وسكينة السبع عشرة‪ ،‬واضربهن بمائة وخمسين ألفَا‪،‬لكي تري حجم‬
‫دام الرجيم‪.‬‬
‫الفرق الهائل بين رقم جرائمهما ورقم جرائم ص ّ‬
‫وخذ حصاد ما سرقتاه من ضحاياهما ‪،‬واضرب ثمنه بعشرات المليارات ‪،‬لكي تعرف‬
‫صيتهما ولصوصّية حامي البوابة الشرقية!‬
‫الفرق العظيم بين لصو ّ‬
‫وبعد أن ُتنبئك آلتك الحاسبة بفارق الصفار المديد بين جريمة بائتة‪ ،‬وجرائم طازجة لم‬
‫ي الضمير‪ ،‬ستتمني لو كان قلبك بضخامة جبل‬
‫تنشف دماؤها بعد‪ ،‬فإّنك‪ ،‬إذا كنت ح ّ‬
‫متنا‬
‫ص الصدمة‪ ،‬حين تكتشف في غمرة فجيعتك ‪،‬أ ّ‬
‫نأ ّ‬
‫رضوي‪،‬حّتي تستطيع ان تمت ّ‬
‫الواحدة ذات الّرسالة الخالدة تحتاج إلي ألف سنة لكي تبلغ وجه الحضيض‪،‬لّنها واقعة‬
‫تحته بمسافة آلف الميال!‬
‫مة لتشعر بالعار من شعورها بالعار عند إلقاء القبض علي قاتل المليين‬
‫ذلك ل ّ‬
‫نأ ّ‬
‫مة لتستحق حتي شرف النتماء للحضيض!‬
‫أ‬
‫هي‬
‫المليارات‪،‬‬
‫وسارق‬
‫ّ‬
‫وابة‬
‫لم تكن سكينة مهيبة ركن ‪ ،‬ولم تزعم الدفاع عن بوابة بيتها المته ّ‬
‫دم ‪،‬دعك من الب ّ‬
‫وة يوم اعدامها ‪،‬من قائدنا الضرورة يوم‬
‫الشرقية كّلها‪،‬لكّنها كانت أكثر تماسكا ً وق ّ‬
‫القبض عليه‪.‬‬
‫فاحة السبع عشرة تقول أمام المشنقة أنا جدعة‪ ..‬ضحكت علي الحكومة‬
‫كانت س ّ‬
‫وقتلت ‪ 17‬ست‪ ..‬وهاتشنق زي الجدعان !‬
‫دسة ور ّ‬
‫شاشاته‪ ،‬يلعلع‬
‫فيما كان س ّ‬
‫فاح المليين القابع كالجرذ في حفرته بصحبة مس ّ‬
‫قائل‪ :‬ل تطلقوا الّنار‪ ..‬أريد التفاوض !‬
‫وإذا كانت رّيا قد صاحت بالج ّ‬
‫لد وهو يشد ّ وثاقها‪ :‬بالّراحة شوية‪ ..‬أنا برضه ولّية ‪..‬‬
‫ن المئات من حماة‬
‫نس ّ‬
‫صيحة ‪،‬ل ّ‬
‫فإ ّ‬
‫فاح المليين لم ُيتعب نفسه باطلق مثل هذه ال ّ‬
‫ّ‬
‫ي من الصالحين !‬
‫صراخ‪ :‬د َ ُ‬
‫وعوا نيابة عنه لل ّ‬
‫عوه‪..‬إّنه ول ّ‬
‫العدالة حماها الله منهم قد تط ّ‬
‫ن‬
‫ليس قصدي من ذكر هذه المفارقات عند المقارنة ان أرد ّ العتبار للسفاحتين ‪،‬ذلك ل ّ‬
‫سفاحين في الرض منذ قابيل حّتي‬
‫ضخامة جرائم ص ّ‬
‫دام هي بمثابة رد ّ اعتبار لجميع ال ّ‬
‫ّ‬
‫ساقطات‬
‫ال‬
‫باستدراج‬
‫صصتا‬
‫تخ‬
‫لتين‬
‫ال‬
‫وسكينة‬
‫يا‬
‫بر‬
‫العمر‬
‫طال‬
‫لو‬
‫نيت‬
‫اليوم ‪..‬لكنني تم ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وقتلهن ‪،‬لكي تشهدا كيف تغّير الزمان‪ ،‬فأصبح للسقوط اّتحاد يستدرج الضحايا‬
‫لحسابهما مربوطين بحبل القانون!‬

‫‪32‬‬

‫الوليمة‬
‫دل وضع نظارته ذات الزجاجات السميكة‪ ،‬ثم دفع‬
‫دكان‪ ،‬وع ّ‬
‫وقف الّرجل امام ال ّ‬
‫بالصغير جانبا وهو يأمره بلطف وحنان‪:‬‬
‫مص حا ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ اجلس علي ال ّ‬‫دكة‪ .‬سآتيك بالح ّ‬
‫حبًا‪.‬‬
‫ابتسم وهو يسّلم علي البائع الذي بادله البتسام مر ّ‬
‫ قبل ك ّ‬‫دم علي‬
‫مص الممّلح‪ ..‬وليمته يجب أن تتق ّ‬
‫ل شيء‪ ..‬زِ ْ‬
‫ن لي قليل ً من هذا الح ّ‬
‫ّ‬
‫مه‪.‬‬
‫وليمة ضيوفه‪ ،‬وإل فالويل لي ول ّ‬
‫قال هذا وهو يشير إلي الولد الذي اتخذ مكانه بهدوء وأدب علي الد ّ‬
‫كة المجاورة‬
‫للدكان‪.‬‬
‫مص‪:‬‬
‫التفت البائع إلي الولد مبتسمًا‪ ،‬وقال وهو ُيعبيء الكيس بالح ّ‬
‫ ما شاء الله‪ .‬لطيف وهاديء‪ ..‬ليحفظه الله لكما‪.‬‬‫تناول منه الكيس شاكرًا‪ ،‬ومال ناحية الولد‪ ،‬ووضعه في حضنه‪.‬‬
‫ك ُ ْ‬‫عمك مستلزمات الوليمة‪.‬‬
‫ل يا بني‪ ،‬ريثما ُيهّييء لنا ّ‬
‫شرع الولد بالتقاط الحّبات‪ ،‬وراح يقضمها ببطء وتل ّ‬
‫ذذ‪.‬‬
‫ من فضلك‪..‬أأجد عندك نوعية جيدة من الّرز البسمتي؟‬‫ طبعًا‪ ..‬درجة أولي‪ ..‬هناك عبوات مختلفة‪ .‬كم تحتاج؟‬‫‪33‬‬

‫ عشرين كيلوغرامًا‪ .‬ولو سمحت‪ ..‬اعطني مثلها من العدس‪.‬‬‫ حاضر‪.‬‬‫وفيما هو يطرح الكيسين علي العتبة‪ ،‬اشار الّرجل الي الّرف‪:‬‬
‫ هذا شاي ابو القلم‪ ..‬أليس كذلك؟‬‫ نعم‪ .‬أحسن صنف‪.‬‬‫ التقط لي علبتين من فضلك‪ ،‬وزن لي عشرة كيلوغرامات من السكر‪.‬‬‫رفع البائع الملقط‪ ،‬وجذب علبتي الشاي ووضعهما فوق الطاولة‪ ،‬ثم غمس المغرفة‬
‫في زكيبة الس ّ‬
‫فة الميزان‪.‬‬
‫كر‪ ،‬وراح يعّبيء كيسا من الخيش علي ك ّ‬
‫ لطفا‪ ..‬اذا فرغت‪ ،‬ناولني اربعة اكياس شعرية‪ ..‬تبدو لي من نوعية جّيدة‪.‬‬‫سوق‪.‬‬
‫ أحسن نوعية في ال ّ‬‫ ما اصناف الحلوي التي لديك؟‬‫ك ّ‬‫ل ما تشتهيه نفسك‪ .‬عندنا هنا حلوة طحينية‪.‬‬
‫وهنا حلوة رملية‪ .‬وعندما ايضا بقلوة ممتازة‪ .‬انظركم هي شهّية‪ ..‬لقد خرجت من‬
‫الفرن قبل ساعة فقط‪.‬‬
‫ زن لي كيلوين من ك ّ‬‫ل نوع من الحلوي‪ ،‬وثلثة كيلوات من البقلوة‪.‬‬
‫دست عبوات الشاي والشعرية والعدس والس ّ‬
‫كر فوق كيس الّرز الضخم‪.‬‬
‫تك ّ‬
‫صينية‪:‬‬
‫قال البائع مازحا‪ ،‬وهو يقتطع الحلوي من ال ّ‬
‫تبدو وليمتك وكأّنها لجيش من النسور الصائمة!‬‫ ليست وليمتي يا سّيدي‪ :‬انها وليمة المحروس‪ ..‬لقد ختم القرآن امس‪ .‬اقول‪..‬‬‫اعطني قطعتي بقلوة من اجله‪.‬‬
‫فهما بورقة وناولهما للّرجل الذي ناولهما بدوره للصغير‪.‬‬
‫التقط البائع قطعتين‪ ،‬ول ّ‬
‫سن؟ الّلهم احرسه من كل شر ببركة كتابك الكريم‪.‬‬
‫ ختم المصحف في هذه ال ّ‬‫ اشكرك‪.‬‬‫ كيف ستحمل كل هذه المؤونة؟‬‫ معي عربة‪.‬‬‫اشار الرجل الي شاب يقف وراء عربة يد‪ ،‬وطلب منه حمل الكياس الي العربة‪ ..‬ثم‬
‫التفت الي البائع‪.‬‬
‫ ِلنَر الن كم اصبح حسابنا‪.‬‬‫‪34‬‬

‫س الرجل‬
‫راح البائع يس ّ‬
‫جل بعقب قلم رصاص علي دفتر صغير‪ ،‬وهو يهمهم‪ ،‬بينما د ّ‬
‫داخلي‪ ..‬ثم ما لبث ان اخرجها‪ ،‬وشرع يبحث في جيوبه الخري‪،‬‬
‫يده في جيب سترته ال ّ‬
‫ثم فتح عينيه علي اتساعهما دهشة وحرجا‪ ،‬والتفت مستوقفا الشاب‪:‬‬
‫ ياسر‪ ..‬لحظة واحدة‪ .‬اعد الحاجات الي العتبة‪ .‬يبدو انني نسيت المحفظة في البيت‪.‬‬‫قال البائع‪:‬‬
‫ أبيتك بعيد؟‬‫ كل‪ ..‬في الزاوية اليسري من الشارع الثالث مسافة عشر دقائق ل اكثر‪ .‬اعتقد انه‬‫ينبغي ان اذهب لحضار محفظتي‪ .‬لن أتأخر‪.‬‬
‫ أتعرف صاحب العربة؟‬‫ ياسر؟ طبعا اعرفه‪.‬‬‫ ليذهب لحضار النقود‪ .‬ول داعي لنزال الحاجات‪ .‬دعه يذهب بها الي البيت‪ ،‬ما دام‬‫سيحملها في ك ّ‬
‫ل الحوال‪.‬‬
‫ فكرة جّيدة‪ .‬كم حسابك أخي؟‬‫ سبعة واربعون دينارا وثلثمائة‬‫مص الولد وحلوته هدية من المحل‪ .‬يستاهل‪ ..‬خاتم كتاب الله‪ .‬بارك الله فيك‪.‬‬
‫فلس‪ .‬ح ّ‬
‫ أشكرك‪ .‬اسمع ياياسر‪ .‬قل لخالتك ان تعطيك خمسين دينارا‪ .‬تو ّ‬‫كل علي الله‪ .‬ل‬
‫خر‪ .‬في الفترة التي غاب فيها ياسر‪ ،‬استغرق الّرجل بالحديث مع البائع عن وقائع‬
‫تتأ ّ‬
‫الحرب العالمية وسنوات الكساد‪ .‬وحين لم يعد الشاب بعد مرور ساعة‪ ،‬ساور الرجل‬
‫القلق‪..‬‬
‫ن أمرا ً غير عادي قد وقع لياسر‪ .‬اّنه يعرف موقع البيت كما يعرف‬
‫دثني بأ ّ‬
‫ قلبي يح ّ‬‫خر كل هذا الوقت؟ يشاركه البائع قلقه‪،‬‬
‫ظاهر ك ّ‬
‫فه‪ ،‬والمسافة ليست بعيدة‪ ،‬فلماذا تأ ّ‬
‫ما رأي الرجل يتململ في وقفته قلقًا‪ ،‬دعاه لن‬
‫ول‬
‫بالسلمة‪،‬‬
‫العاقبة‬
‫تأتي‬
‫ان‬
‫وتمّني‬
‫ّ‬
‫يذهب لستطلع المر‪.‬‬
‫وذات‪:‬‬
‫قال الرجل بعد ان فرغ من تلوة المع ّ‬
‫ اعتقد اّنه لب ُد ّ من ذلك‪.‬‬‫وتطّلع الي الولد الجالس علي الد ّ‬
‫كة‪:‬‬
‫مك حتي اعود‪ .‬هل فهمت؟‬
‫ ل تتحّرك من مكانك ياولد‪ .‬ابقًَ عند ع ّ‬‫مص‪.‬‬
‫هّز الولد رأسه علمة اليجاب‪ ،‬فيما كان يواصل قضم حّبات الح ّ‬
‫دكان‪ ،‬واستعرض الشارع من‬
‫بعد ساعتين‪ ،‬خرج البائع الي بسطة الرصيف امام ال ّ‬
‫نهايتيه‪ .‬كان يح ّ‬
‫ك رأسه حائرا‪ ،‬وقبل ان يعود بخطي بطيئة الي داخل دكانه‪ ،‬التفت نحو‬
‫الصغير قائل في ما يشبه الّزفرة‪:‬‬
‫خر‪.‬‬
‫ أبوك تأ ّ‬‫‪35‬‬

‫مص يتطاير من فمه‪:‬‬
‫قال الولد ورشاش الح ّ‬
‫ اّنه ليس ابي‪.‬‬‫صعِقَ البائع‪.‬‬
‫ُ‬
‫من يكون اذن؟!‬
‫ ليس اباك؟ َ‬‫ ما ادري‪.‬‬‫من انت ياولد؟!‬
‫ لكّنك جئت معه يدا بيد‪َ ..‬‬‫مد‪ .‬كنت ألعب مع اصحابي في ذاك الشارع‪ ،‬ومّر بنا هذا الّرجل وسألني هل‬
‫ انا مح ّ‬‫ّ‬
‫س بطنك ‪.‬‬
‫تحب الح ّ‬
‫مص المملح؟ قلت له نعم ‪ ،‬قال تعال اترِ ْ‬

‫‪36‬‬

‫النفط‪ ..‬مقابل البغاء!‬
‫كنت أستيقظ يوميا علي أصوات النائحات بمختلف اللغات وهن يندبن أطفال العراق‪..‬‬
‫لكن ما أن سقط نظام صدام الرجيم حتي انقطعت أو كادت تلك الصوات الزاعقة‬
‫التي احتلت من صباحاتي‪ ،‬لعوام طويلة‪ ،‬دور الديك الفصيح والساعة المنبهة!‬
‫ماذا جري؟‬
‫الحتمالن الحاضران لخفوت الرنة هما‪ :‬إما أن يكون الحتلل الميركي قد أوقف‬
‫برحمته المعهودة وفيات الطفال العراقيين‪ ،‬وإما أن يكون هؤلء الطفال قد انقرضوا‬
‫عن بكرة أبيهم‪ ،‬فلم يعد هناك ما يوجب البكاء‪.‬‬
‫وكل الحتمالين باطل‪ ،‬فل أميركا رحيمة‪ ،‬ول الطفال انقرضوا‪ ،‬بدليل أنهم مازالوا‬
‫يتساقطون نتيجة الجوع والمرض وانعدام المياه النظيفة‪ ،‬ونتيجة الجهاد المقدس الذي‬
‫يشملهم ببركاته وهو في طريقه لمقارعة العلوج!‬
‫ثمة احتمال ثالث كان مجرد ظن شبيه بالثم‪ ،‬لول أن صدقت عليه جريدة المدي‬
‫العراقية بنشرها حزمة صغيرة من وثائق الرشوة التي صاحبت برنامج النفط مقابل‬
‫الغذاء ‪.‬‬
‫إن مبيعات مرحلة واحدة فقط من ذلك البرنامج سمحت بمسح ذلك الظن‪ ،‬وجعلته‬
‫حقيقة ساطعة خالية إل من آثام الراشي والمرتشين‪.‬‬
‫ذلك إذن هو سبب خفوت النواح‪ ،‬فالنائحات ل يندبن ميتا ً حبا ً فيه‪ ،‬ولكن طمعا ً في‬
‫الجرة المستفادة من ذويه‪ ،‬ولما كان ذوو الميت‪.‬‬
‫وهم قاتلوه بالمناسبة قد غادروا حفرتهم إلي حبسهم‪ ،‬فقد استحال البكاء احتجاجا ً‬
‫تصرخ به الجيوب ل الفواه‪ ،‬ليس علي تغييب البرياء في المقابر الجماعية‪ ،‬ولكن علي‬
‫تغييب القاتل في الحبس‪ ،‬واحتباس الجرة عن النادبات!‬
‫أحصيت براميل نفط أطفال العراق التي وهبها من ل يملكها لمن ل يستحقونها‪ ،‬فإذا‬
‫بها تبلغ في المرحلة الثالثة فقط من ذلك البرنامج الفكاهي بليونا ً وخمسمائة وثمانية‬
‫وسبعين مليونا ً من البراميل‪ ..‬توزعت علي مائتين وسبعين مرتشيا ً من خمسين دولة‪..‬‬
‫هم بمعظمهم رؤساء أحزاب ونواب ووزراء وشخصيات مؤثرة‪.‬‬
‫ولم أعجب لوجود مرتشين من ‪ 16‬دولة عربية ضمن القائمة‪ ،‬ذلك لنني حفظت‬
‫أسماء وأصوات أغلبهم وهي تلعلع بالصوت العريض دفاعا ً عن شرعية صدام المنتخب‬
‫بنعال أبو تحسين بنسبة مائة بالمائة!‬
‫لكن ما أدهشني هو وجود مرتشين من جميع دول مجلس التعاون الخليجي‪ ،‬ماعدا‬
‫الكويت!‬

‫‪37‬‬

‫ولعل التجربة القاسية التي مرت بها الخيرة هي التي منعت اكتمال نصاب التعاون‬
‫علي البر والتقوي وما يثير الدهشة أكثر أن القائمة تضمنت أسماء أفراد من بعض‬
‫السر الحاكمة في دول الخليج‪ ،‬وهم في كل الحوال ليسوا بحاجة ملحة إلي المال‪،‬‬
‫وليسوا مضطرين إطلقا ً إلي ترجمة عواطفهم الحارة تجاه ذلك النظام عبر معجم‬
‫البرميل المحيط!‬
‫المرتشون العرب حصلوا في المرحلة الثالثة للبرنامج علي أربعمائة وواحد وثمانين‬
‫مليون برميل نفط فقط لغير‪ ..‬أي علي ثلث الرشوة الضخمة التي رصدت لشراء‬
‫المواقف والضمائر وتسويق قباحات نظامه الهدام‪.‬‬
‫وبعد انكشاف المستور‪ ،‬فتحت دول الغرب أبواب التحقيق مع المنتفعين من‬
‫مواطنيها‪ ..‬وليس ببعيد أن النائب العمالي البريطاني جورج غالوي قد طرد من حزبه‬
‫لمجرد ظهور وثيقة‪ ،‬عند نهاية الحرب‪ ،‬تدينه بالستفادة من نظام صدام‪.‬‬
‫أما علي الضفة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة‪ ،‬فلم نسمع‪ ،‬حتي الن‪ ،‬أن تحقيقا ً‬
‫جري بشأن واحد من المناضلين ذوي الحناجر الصقيلة‪ ،‬كما لم نسمع من أحدهم نفيا ً‬
‫قاطعا ً لضلوعه في هذه الصفقات المريبة‪ ..‬بل علي العكس سمعنا من بعضهم ما يؤكد‬
‫تلقيه للرشوة‪ ،‬لكنه يغلفها بمسوغات ل تجوز علي عقل الطفل الرضيع‪ ،‬وهي بمجملها‬
‫مسوغات تعمق التهمة وتحمل لصاحبها الدانة القاطعة‪.‬‬
‫واحد من هؤلء نشر بيانا ً يدعي فيه أنه يتعرض لما دعاه باغتيال الشخصية‪ ،‬ويؤكد‬
‫بالحرف الواحد‪ :‬كنا نتابع مصالح لنا في العراق !‬
‫ول أحد ادعي غير ذلك‪ ،‬فالوثائق تقول إن المرتشين كانوا يتابعون مصالحهم‪ ..‬أما‬
‫الخلط بين المصلحة الشخصية وإدعاء الدفاع عن قضية ما‪ ،‬وقيادة قطعان الغافلين‪-‬‬
‫تحت سقف الرشوة ‪ -‬لتمجيد نظام أباد المليين من مواطنيه‪ ،‬فهو عهر صراح ل‬
‫تطهره سبعة بحار من الديتول‪.‬‬
‫والشخصية التي تشارك‪ ،‬عامدة‪ ،‬في الغتيال المادي لمليين البرياء‪ ،‬ل يجوز لها بأية‬
‫حال أن تشكو من الغتيال المعنوي‪.‬‬
‫وهناك من ادعي أنه كان مجرد وسيط لوسيط آخر بدافع الصداقة ‪ ..‬وأنه لم يجن أية‬
‫أرباح من هذه الصفقة‪.‬‬
‫والسؤال الذي يطرح نفسه‪ :‬لماذا لم يذهب الوسيط الخر بنفسه مادام المر موضع‬
‫اختصاصه؟ ولماذا قبلت وساطتك أنت بالذات؟ ولماذا توسطت‪ ،‬أص ً‬
‫ل‪ ،‬في قضية كهذه‬
‫هي ليست من اختصاصك؟ إن هذا يذكرني بصاحب جريدة كويتي‪ ،‬تفرغ خلل الحرب‬
‫العراقية اليرانية لتوريد البساطير العسكرية للجيش العراقي‪ ..‬مما أكسبه صفة‬
‫الريادة في تطعيم العمل العلمي بالحذية‪ ،‬متجاوزا ً بذلك دخول نعل أبو تحسين‬
‫لدائرة الخبار بإثني عشر عامًا!‬
‫والكثر صفاقة بين الجميع‪ ..‬ذلك المخلوق الذي دافع عن نفسه باتهام نفسه حين قال‪:‬‬
‫إن الحكومة العراقية لم تدفع من جيبها لي شخص‪ ،‬بل كانت تحدد فقط من يشتري‬
‫النفط من الشركات والفراد الذين يأخذون بدورهم هامش ربح بسيطا ً !‬
‫وأمام صلبة وجه كهذه‪ ،‬ل يملك المرء إل أن يقول‪ :‬ل حول ول قوة إل بالله‪.‬‬
‫إن أحدا ً لم يقل بأن الحكومة العراقية البائدة كانت تدفع من جيبها‪ ..‬بل علي العكس‬
‫فإن تلك الحكومة القذرة كانت تدفع من جيب العراقيين المغيبين في الزنازين أو تحت‬
‫الرض أو في المنافي‪ ،‬أو المشردين علي أرصفة أشقائهم الذين يستوفون منهم‬
‫الغرامة بشكل يومي إذا انتهت مدة القامة الممنوحة لهم في جنات النعيم !‬
‫‪38‬‬

‫ويواصل هذا الضعيف مرافعته قائل ً إنه عمل كوسيط لبيع ما بين ثمانية وتسعة مليين‬
‫برميل نفط‪ ..‬بهامش ربح بسيط ل يتجاوز خمسة سنتات للبرميل الواحد ‪.‬‬
‫تأمل كيف أن ذاكرة هذا الشريف ضعيفة إلي الحد الذي ل يؤهلها لتحديد عدد‬
‫البراميل‪ ،‬فهي ما بين ثمانية وتسعة مليين‪ ..‬أي أن أخانا يسهو عن مليون برميل‪،‬‬
‫وكأن الرقم الهائل هذا مجرد إبرة في كومة قش‪ ،‬وليس معادل ً لثلثين مليون دولر‬
‫بالتمام والكمال!‬
‫وتأمل كيف يستهين بعقلك وعقلي‪ ،‬عندما يقلل من شأن عمولته بوصفها هامش ربح ل‬
‫يتعدي السنتات الخمسة‪ ،‬وكأن الزني مرة واحدة يعد كرامة مقابل الزني عشر مرات!‬
‫ومع ذلك‪ ..‬فإن هامش الربح البسيط هذا إذا أسندناه إلي تسعة مليين برميل قيمة‬
‫الواحد منها‪ ،‬حينذاك‪ ،‬ثلثون دولرًا‪ ،‬سيبوح لنا برقم يجعل من تواضع صاحبنا إهانة‬
‫بالغة لكل ذي عقل‪.‬‬
‫السنتات الخمسة تعني دولرا ً ونصف الدولر عن كل برميل‪ ..‬وهي تعني بالتالي ثلثة‬
‫عشر مليون دولر ونصف المليون دولر ‪ 000.500.13‬عن الصفقة كاملة!‬
‫شخصيا ً لن أسأل هذا الطفيلي الهامشي البسيط عما قدمه لطفال العراق من هذا‬
‫الربح‪ ،‬ول عما دفعه من غرامات العراقيين المشردين علي أرصفة بلده‪.‬‬
‫لكنني أسأل قطعان البشر التي ل تزال تهتف للطاغية اللص بتأثير هؤلء اللصوص‪:‬‬
‫أما آن لكم أن تكفوا عن هذه الحماقة‪ ،‬وأن تستديروا إلي تجار الدماء هؤلء لتستردوا‬
‫منهم أدمغتكم؟‬
‫إن كراهية أميركا ل تجيز للعاقل أبدا ً أن يصطف إلي جانب صنيعتها‪ ..‬بل ينبغي أن نكر‬
‫من أميركا‪ ،‬أول ما نكره‪ ،‬جريمة وضعها هؤلء الطغاة علي صدورنا‪ ،‬وتدميرنا بهم‬
‫وتدمير بلدنا مرة أخري بأقوي أسلحتها‪ ،‬بذريعة وجود هؤلء الشياطين الذين لم يكونوا‬
‫لولها‪.‬‬
‫لقد آن لنا أن نصطف مع أنفسنا‪ ،‬وأن نتصالح مع ذواتنا الجريحة‪ ،‬فل نقف مع شيطان‬
‫لمواجهة شيطان آخر‪.‬‬
‫لنفعل ذلك مرة واحدة‪ ،‬لكي نكون شعوبا ً جديرة بالحياة‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫مفتي الهلل!‬
‫في عدد يونيو الماضي من مجّلة )الهلل( قرأت ما أضحكني من العماق‪ ،‬علي رغم‬
‫ل جانب‪ ..‬ولع ّ‬
‫المآسي المحيطة بي من ك ّ‬
‫ل بلوغ هذه المجّلة الوقورة مرحلة الخرف‬
‫في عامها الرابع بعد المائة‪ُ ،‬يعد ّ واحدة من أكبر هذه المآسي‪.‬‬
‫سأترك جانبا ً كل ما يمكن أن يقال عن نزوع المجّلة في أعدادها الخيرة إلي تقليد‬
‫فة والفضيحة‪ ،‬بتبنيها موضوعات مثيرة غير مح ّ‬
‫مج ّ‬
‫كمة‪ ،‬وغير لئقة‬
‫لت وصحف الخ ّ‬
‫ّ‬
‫بمجّلة رصينة ل تتطلب النتشار بالثارة المجانية‪ ،‬مثلما فعلت بنشر أوراق علنية علي‬
‫أنها سرّية تحاول اليحاء بعمالة الكاتب اللبناني الشهير أمين الريحاني للمخابرات‬
‫المريكية‪.‬‬
‫وسأترك جانبا ً مقالت رئيس تحريرها الجديد التي تلوي أعناق المناسبات علي اختلفها‬
‫من أجل نشر صورة للرئيس المؤبد‪ ،‬في افتتاحية ك ّ‬
‫ل عدد تقريبًا‪ ،‬وإقامة موالد‬
‫التصفيق والهتاف والتسبيح بحمده‪.‬‬
‫وسأترك جانبا ً عدم التناغم في الموضوعات المنشورة‪ ،‬وتراوحها بين الجودة العالية‬
‫ن كل‬
‫والرداءة التامة‪ ،‬وكأنها مرصوصة )عليك يا الله(‪ ،‬كما نقول في العامية‪ ،‬أي أ ّ‬
‫ً‬
‫موضوع معّلق بذمة كاتبه‪ ،‬فإذا كان ذلك الكاتب متمكنا ً بدا الموضوع رصينا ً وخاليا من‬
‫دة أمكن القاريء أن يزن الغلط في‬
‫الخطاء اللغوية والملئية‪ ،‬وإذا كان فقير الع ّ‬
‫الموضوع بالكيلوغرامات‪ ،‬وكفي الله هيئة المجلة عناء التحرير!‪.‬‬
‫سأترك ك َ‬
‫ل ذلك جانبًا‪ ،‬وأدخل في صلب النكتة التي أضحكتني جدًا‪ ،‬فهي تعكس بإيجاز‬
‫بليغ ما آل إليه حال هذه المجلة العريقة التي ظَلت علي مدي قرن من الزمان مدرسة‬
‫ثقافية للعديد من الجيال العربية‪.‬‬
‫في باب )أنت والهلل( الذي يحرَره مدير التحرير‪ ،‬قرأت ما يلي‪:‬‬
‫)رسالة للهلل من قم‪ :‬رسالة رقيقة وصلت إلينا من قم بجمهورية إيران السلمية‬
‫ننشرها كما بعث بها مفتي الشيعة هناك‪:‬‬
‫إلي حضرة رئيس التحرير ‪ -‬مجلة الهلل‪:‬‬
‫إذا كان بمقدوركم أن ترسلوا إلينا بعض أعداد مجلة الهلل أكون شاكرا ً لكم‪ ،‬كما‬
‫أتمني أن أشارك ببعض المقالت‪.‬‬
‫سيد عبدالله‬
‫مفتي الشيعة‬
‫الجمهورية السلمية اليرانية‬
‫مدينة قم‬
‫مقابل جامعة الزهراء(‪.‬‬
‫وفي نهاية الرسالة نشر الرد التالي من الهلل‪:‬‬

‫‪40‬‬

‫)نشكر لمفتي الجمهورية السلمية اليرانية مشاعره الطيبة نحو مجلة الهلل وفي‬
‫انتظار مقالتك وإسهاماتك التي سننشرها فورًا‪ .‬كما سيصلك قريبا ً أعداد من إصدارات‬
‫مجلتنا(‪.‬‬
‫ن في نشر تلك الرسالة والرد عليها ما ينم عن الخفة وانعدام المعرفة وعدم‬
‫إ َ‬
‫الكتراث بسؤال العارفين‪.‬‬
‫ن هناك علماء‬
‫فأصل ً ليس هناك منصب رسمي للفتاء لدي الشيعة في أي مكان‪ ،‬بل أ َ‬
‫مون مراجع التقليد ‪ ..‬يسعي إليهم أتباعهم بطلب الفتوي‪ ،‬دون ارتباط‬
‫بالعشرات يس َ‬
‫ن الشيعي البحريني‪ ،‬مث ً‬
‫ل‪ ،‬قد يأخذ الفتوي من عالم لبناني‪ ،‬والشيعي‬
‫بالدولة‪ ،‬أي أ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن مرشد الجمهورية السلمية اليرانية‬
‫اليراني قد يستفتي عالما عراقيا‪ ..‬وعليه فإ َ‬
‫نفسه ل يستطيع الدعاء أنه مفتي الشيعة‪ ،‬فما بالك برجل مجهول اسمه سيد‬
‫عبدالله ‪ ،‬وهو من يمكن أن يكون له ألف سمي في إيران وحدها؟!‪.‬‬
‫ن العنوان الذي سجله سيد عبدالله في ذيل رسالته‪ ،‬يدل بوضوح علي أنه نكرة‪،‬‬
‫ثم أ ّ‬
‫وأنه‪ ،‬شأن أي بائع متجول‪ ،‬ل يملك عنوانا ً محددا ً أو مشهورًا‪ ،‬ولذلك اختار أن يلفت‬
‫انتباه ساعي البريد إلي أنه يسكن مقابل جامعة الزهراء‪ ،‬مثلما يفعل سكان القري‬
‫بالشارة إلي عناوين معروفة يتلقون رسائلهم بدللتها‪ ،‬كمركز البريد أو نقطة الشرطة‬
‫أو المستوصف‪ ..‬أو غيرها‪.‬‬
‫وفي حالة مفتينا العتيد‪ ،‬كان ينبغي لجامعة الزهراء أن تشير في مراسلتها إلي أنها تقع‬
‫مقابل المفتي سيد عبدالله‪ ،‬ل العكس‪ ،‬إذ ل يمكن أن تكون تلك الجامعة أشهر من دار‬
‫الفتاء!‪.‬‬
‫ن ذلك يذ ّ‬
‫كرني بالطرفة التي تروي عن شاب عراقي كردي ع ُّين عند تجنيده في‬
‫إ َ‬
‫وزارة الدفاع ببغداد‪ ،‬فطلب من أهله مراسلته علي العنوان التالي‪ :‬بغداد ‪ -‬وزارة‬
‫الدفاع‪ ،‬مقابل محلت لبن أربيل!‪.‬‬
‫وبالعودة إلي رسالة المفتي التي تصفها مجلة الهلل بأنها رقيقة‪ ،‬سنري أنها ليست‬
‫رقيقة ول غليظة‪ ،‬بل هي مجرد سطرين يطلب فيهما كاتبهما أعداد المجلة ويتمني أن‬
‫ينشر فيها بعض المقالت‪.‬‬
‫غير أن رد ّ المجلة العجيب الغريب هو الطافح بالرقة الفادحة‪ ..‬فهو أول ً لم يحاول جرح‬
‫رداءة السلوب‪ ،‬فآثر أن تكون صياغته ركيكة‪ ،‬وهو ثانيا ً لم يتوقف متسائل ً عن حقيقة‬
‫صفة هذا السيد عبدالله‪ ،‬بل بصم بالعشرة علي قرار تنصيبه مفتيا ً للشيعة‪ ،‬وهو ثالثا ً‬
‫فعل ما ل تفعله أكثر المجلت خفة‪ ،‬إذ أوقف المجلة في محطة القطار انتظارا ً‬
‫لمقالت وإسهامات سيد عبدالله‪ ،‬لكي تنشرها فورًا‪ ..‬هكذا‪ ،‬دون قيد أو شرط‪ ،‬وفق‬
‫ن الرد لم يجرح مشاعر المفتي‪ ،‬ولو‬
‫قاعدة عليك يا الله التي أشرنا إليها آنفًا‪ ..‬ذلك ل ّ‬
‫برّقة‪ ،‬باشتراط أن يكون ما يرسله صالحا ً للنشر!‪.‬‬
‫أتذ ّ‬
‫ن شابا ً شقيا ً من أبناء شط العرب‪ ،‬كان يراسل برنامج ما‬
‫كر من أيام طفولتي‪ ،‬أ ّ‬
‫يطلبه المستمعون في إذاعة إيران العربية‪ ،‬وكان أهل البصرة ينتظرون إذاعة طلباته‬
‫بفارغ الصبر‪ ،‬لكي يضحكوا‪ ،‬ذلك لنه لم يكن يطلب الغنيات بأسماء حقيقية‪ ،‬لكن‬
‫دي ذلك إلي شتم‬
‫بأسماء ماركات السجاير والشوارع والنهار والعاهرات‪ ،‬وقد يتع ّ‬
‫عرض الشاهنشاه!‪.‬‬
‫وكانت أعيننا تفيض بالدمع من فرط الضحك ونحن نسمع المذيع يتم ّ‬
‫طق برصانة قائل‪:‬‬
‫وطلب أغنية زهور حسين من البصرة ك ّ‬
‫ل من لوكس فردوسي وتركية غازي )أسماء‬
‫أربع ماركات للسجاير( ويهديانها إلي حسنة ملص وزهرة الطويلة )عاهرتان شهيرتان(‬
‫وإلي مأخوذ مرته شاهي )شتيمة فاقعة لزوجة الشاه(!‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫وقد مّر وقت طويل قبل أن تكتشف الذاعة وقاحة صاحبنا فتمتنع عن إذاعة طلباته‪.‬‬
‫ن سيد عبدالله قد أفلح بعد عقود متطاولة في أن يأخذ بثأر الذاعة‬
‫يبدو لي الن أ ّ‬
‫اليرانية البائت‪ ،‬وأن يستوفي ثمن ضحكنا القديم بالضحك الطازج علي أهم صرح‬
‫ن أهالي قم سينفجرون بالضحك كلما طالعوا‬
‫ثقافي عربي‪ ..‬إذ ليس لدي شك في أ ّ‬
‫رسالة )مفتيهم( وأنهم سيبتهلون إلي الله أن ينعم علي مجلة الهلل بطول العمر‪ ،‬وأن‬
‫يجعلها دائما ً نافذة لتفريج الهموم!‪.‬‬
‫أحمد مطر‬
‫مفتي عموم المسلمين‬
‫بريطانيا العظمي‬
‫مقابل ملعب ويمبلي‬

‫إسلم َأباد!‬
‫‪42‬‬

‫ن حافلة ُنسفت‬
‫سعيد أ ّ‬
‫في الّليلة الحادية والعشرين قالت شهر زاد‪ :‬بلغني أّيها الملك ال ّ‬
‫ن أسرة‬
‫من كانوا فيها والحمدلّله‪ .‬وأ ّ‬
‫بإذن الّله‪ ،‬في وسط العاصمة‪ ،‬وقد تف ّ‬
‫حم جميع َ‬
‫ن ل حياء في الجهاد كما يقول قائد المجموعة المؤمنة‬
‫بأكملها ذبحت بمّنة الّله‪ ،‬ل ّ‬
‫ن عشرات الطفال قد ُقتلوا وهم في طريقهم إلي المدرسة‪ ،‬برصاص آبائهم‬
‫بالله‪ ..‬وأ ّ‬
‫خخة انفجرت بعون الله‪ ،‬أمام مركز لسعاف عباد الّله‪..‬‬
‫ن سّيارة مف ّ‬
‫في الّله‪ ..‬وأ ّ‬
‫ل‪ ،‬مه ً‬
‫قاطعها شهريار غاضبًا‪ :‬مه ً‬
‫ل‪ ،‬لقد أسرفت في مراقمة الفواجع‪ ..‬ماذا تقصدين‬
‫بك ّ‬
‫ل هذا الهراء؟‬
‫قالت شهرزاد بلمبالة‪ :‬أقصد يا زوجي في الّله‪ ،‬أّنه يكفيك ما رويته لك حّتي الن‪..‬‬
‫ذلك لنني لن أواصل تأليف الكاذيب من أجل تسليتك‪..‬‬
‫من يضمن لي أنني لن ُأقتل برصاص إخواني في الّله‪ ،‬وأنا خارجة‬
‫وعلم أتعب نفسي؟ َ‬
‫من عندك في الليلة الثانية بعد اللف إن شاء الّله؟!‬

‫قلب كبير‬

‫ليس هناك زمان قبيح وزمان جميل‪ ..‬بل هناك إنسان قبيح وإنسان جميل‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫ف يجري بحياد‪ ،‬مثل المرأة‪ ،‬وهو في جريانه ل‬
‫الّزمان ليس صورة ثابتة‪ .‬إنه نهر صا ٍ‬
‫ُيبدي صورته الخاصة‪ ،‬ولكن يعكس صور الّناس الذين يمّرون به‪ ،‬ويبقي علي حياده‪،‬‬
‫صور‪.‬‬
‫علي الّرغم من اسرافهم في تحمليه صفات هذه ال ّ‬
‫صور المنعكسة علي هذه المرآة‪ ،‬تبدو لنا‪ ،‬من بعيد‪ ،‬صورة عام ‪1916،‬‬
‫ومن تلك ال ّ‬
‫حيث تنطبع علي جانب منها مشاهد الهول والدمار وإهراق النسان لدم أخيه النسان‪،‬‬
‫في ذروة الحرب العالمية الولي‪.‬‬
‫صية من الجانب الخر فيها وجه فّنان في‬
‫لكّننا‪ ،‬في الوقت نفسه‪ ،‬نشاهد في زاوية ق ّ‬
‫ميه أصدقاؤه بيب تحّببًا‪ ،‬وتعبيرا ً عن براءة ملمحه الطفولّية‪.‬‬
‫العشرينات من عمره‪ ،‬يس ّ‬
‫صامتة في‬
‫كان بيب في ذلك الوقت يعمل لدي شركة )فيم كوميدي( لنتاج الفلم ال ّ‬
‫فلوريدا‪ ،‬وكانت أدواره ثانوية وبسيطة‪ ،‬لكنه ثابر من أجل ان يفوز بأدوار أكبر وأكثر‬
‫ن في أحد المسارح‪ ،‬لي ً‬
‫ل‪ ،‬لّنه كان يحب الغناء أكثر‬
‫تأثيرًا‪ ،‬دون ان ينقطع عن عمله كمغ ّ‬
‫من أيّ شيء اخر‪.‬‬
‫وقد جمع له علمه المزدوج شعبية كبيرة‪ ،‬كان من نتائجها ان تضاعف راتبه لدي شركة‬
‫دخل الكبير‪ ،‬أول ً‬
‫دد في إنفاق ذلك ال ّ‬
‫التمثيل‪ ،‬فارتفع دخله بصورة كبيرة‪ .‬لكّنه لم يتر ّ‬
‫بأّول‪ ،‬ليس بدافع السراف والتبذير‪ ،‬ولكن بدافع سخائه الذي ل حد ّ له‪ ،‬المر الذي‬
‫جعل حّتي معارفه العابرين يستغّلون طبعه الجميل هذا‪ ،‬فكانوا يقترضون منه المال‪،‬‬
‫دد‪ ،‬لكنهم سرعان ما يتناسون‪ ،‬ببساطة‪،‬‬
‫علي وعد بتسديد القرض في موعد مح ّ‬
‫سداد‪ ،‬فيما كان هو بسبب من رّقة قلبه ورهافة احساسه‪ ،‬ل يجرؤ‪ ،‬إطلقًا‪،‬‬
‫تعهدهم بال ّ‬
‫ديون‪.‬‬
‫علي تذكيرهم بتلك ال ّ‬
‫ديون المّيتة‪ ،‬بصورة‬
‫وعلي هذا المنوال كان ينفق الكثير من النقود علي الكثير من ال ّ‬
‫لم يسبقه اليها احد‪ ،‬ورّبما لم يلحقه بها أحد ايضًا!‬
‫إن سخاء بيب المفرط‪ ،‬كان نابعا ً من تجربته المّرة في صباه‪ ،‬عندما عرف ‪-‬وهو يتيم‬
‫م مكافحة‪ -‬كيف ان كل قرش يكسبه المرء يمكن ان تكون له قيمة كبري‪.‬‬
‫في كنف أ ّ‬
‫وعلي هذا كان يحمل في أعماقه تعاطفا ً فطريا ً مع أيّ انسان يعاني من ضائقة مالّية‪.‬‬
‫كان بيب وغالبية العاملين معه في الشركة يقيمون في فندق )أتلنتك( بمنطقة‬
‫جاكسونفيل‪.‬‬
‫دي‬
‫وفي أحد الفنادق المجاورة‪ ،‬كان هناك شاب موهوب يعمل في غسل الطباق‪ ،‬ويؤ ّ‬
‫طائفة أخري من العمال التافهة من أجل توفير لقمة العيش‪.‬‬
‫وذلك ال ّ‬
‫شاب الواقف علي حافة الفقر‪ ،‬والذي يحدوه المل بدخول علم الستعراضات‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‪ ،‬كان متزوجا حديثا من شابة مغّنية أيضا‪ ،‬وكانا يسافران من مكان الي آخر‪،‬‬
‫كمغ ّ‬
‫دة فقرهما‪ ،‬يضطران كثيرا ً الي‬
‫علي دّراجة نارّية متهالكة‪ ،‬بحثا عن عمل‪ .‬وكانا‪ ،‬لش ّ‬
‫مة‪.‬‬
‫النوم ليل ً علي مقاعد الحدائق العا ّ‬
‫عندما سمع بيب بحكاية هذا الشاب شعر بصدمة عنيفة تهّزه من العماق‪ ،‬إذ لم يصدق‬
‫أبدا ً انه يمكن ليّ إنسان أن ينحدر الي وهدة حياة بائسة كهذه‪.‬‬
‫وعلي الفور‪ ،‬انطلق لدعوة ذلك العامل الشاب وزوجته للقامة في فندق )أتلنتك(‪،‬‬
‫دة ثلثة أشهر‪ ،‬وبسرعة غير عادية استطاع‬
‫وأصّر علي أن يدفع أجرة غرفتهما مقدما ً لم ّ‬
‫ً‬
‫ان يجد للشاب عمل ً جديدا ً لئقًا‪ ،‬ثم وضع في يده خمسين دولرا )هي ثروة في تلك‬
‫شده أل ّ يف ّ‬
‫اليام( لكي يقضي بها حاجاته الراهنة‪ ،‬ورجاه ب ّ‬
‫كر بإعادة المبلغ اليه!‬
‫تمتم الشاب المشدوه بانبهار وخجل‪:‬‬
‫‪44‬‬

‫ده اليك ‪.‬‬
‫ لكن يا سّيدي‪ ..‬إنني يجب أن أر ّ‬‫ما رأي بيب اصرار الشاب علي ذلك‪ ،‬قال له لبطف بالغ‪:‬‬
‫ول ّ‬
‫دد بها ما أعطيك إّياه‪ :‬في يوم ما‪،‬‬
‫ هناك طريقة واحدة في هذا العالم‪ ،‬يمكنك ان تس ّ‬‫دد عن مساعدته‪.‬‬
‫عندما تجد شخصا ً أسوأ حال ً منك‪ ،‬ل تتر ّ‬
‫ن ذلك سيكون‪ ،‬بالنسبة لي‪ ،‬سدادا ً مضاعفا ً لما أعطيتك إّياه !‬
‫إ ّ‬
‫دموع‪ ،‬وطفق يبكي‪ ،‬وعندئذ بادر بيب الي مغادرة‬
‫اغرورقت عينا العامل الشاب بال ّ‬
‫الغرفة بسرعة خاطفة‪.‬‬
‫ن بيب الذي رحل عن الدنيا في عامه الثاني والستين‪ ،‬بعد ان أصبح نجما ً كبيرا ً‬
‫إ ّ‬
‫ً‬
‫وطبقت شهرته الفاق‪ ،‬ظ ّ‬
‫ل حّتي آخر لحظة من حياته محتفظا بطبعه الجميل هذا‪،‬‬
‫وبوجهه الطفولي البريء‪ ،‬وبروحه الطفولية البريئة نفسها‪.‬‬
‫واذا لم يكن في وسعه ان يسخو علي جميع البشر من جيبه‪ ،‬فاّنه استطاع‪ ،‬بالفعل‪ ،‬ان‬
‫يسخو عليهم من فّنة بهبات وافرة جد ّا ً من السعادة والضحك‪ ،‬بقيت تتدّفق‪ ،‬من بعده‬
‫علي الّناس في ك ّ‬
‫صدقة الجارية‪.‬‬
‫ل أنحاء العالم‪ ،‬كال ّ‬
‫لم يكن بيب هذا غير أوليفر هاردي الممّثل الكوميدي البدين ذي الوجه الطفولي‪ ،‬الذي‬
‫أسعد العالم مع زميله ستان لوريل بسلسلة أفلمهما الهزلية التي حملت اسم )لوريل‬
‫وهاردي(!‬

‫دوائر‬
‫نظرت من نافذتي في الطابق الثالث‪ .‬كان الشارع ساكنًا‪ ،‬وبدت المحلت علي جهته‬
‫حركون علي‬
‫المقابلة متراصفة مع سكونه مثل التوابيت‪ .‬وكان الماّرة القليلون يت ّ‬
‫حرك موجات النهر المتكاسلة امام هّبة ريح خفيفة‪.‬‬
‫الرصيف ببطء وضجر‪ ،‬مثلما تت ّ‬
‫رفعت بصري إلي السماء‪ ،‬فبدت لي مكت ّ‬
‫داكنة الكئيبة‪.‬‬
‫ظة بالغيوم ال ّ‬
‫خطرت في ذهني المترع بكآبة ل حد ّ لها‪ ،‬صورة حجر مقذوف كالطلقة‪ ،‬يكشط‪ ،‬في‬
‫م ل يلبث أن يخّلف من بعده‬
‫تسارعه‪ ،‬وجه الماء الساكن‪ ،‬ويستثير الض ّ‬
‫جة من حوله‪ ،‬ث ّ‬
‫دوائر تترادف وتّتسع إلي ما لنهاية‪.‬‬
‫‪45‬‬

‫ن تلك الغيوم إذا ما بصقت حمولتها علي وجه الشارع فلن تبعث فيه‬
‫وفكّرت في أ ّ‬
‫جوة‪ .‬سيسطع البرق للحظة‪ ،‬ربما‪ ،‬وسيزأر الّرعد لثوان‪ ،‬ربما‪ ،‬لكن هذا هو‬
‫الحياة المر ّ‬
‫ك ّ‬
‫ن خرير المطر الموحش سيكتسح أمامه حّتي موجات‬
‫فإ‬
‫المقابل‬
‫وفي‬
‫ل شيء‪.‬‬
‫ّ‬
‫ف عن تثاؤبها‪.‬‬
‫العابرين المتكاسلة‪ ،‬وسيجبر حّتي البواب القليلة المفتوحة علي الك ّ‬
‫***‬
‫)كرااااش(!‬
‫ركّزت جوارحي كّلها في نظرة عاجلة إلي واجهة د ّ‬
‫كان الخّباز‪ .‬ها هو ذا حجر قد اندفع‬
‫بعنفوان ليفتتح سيمفونّية الحياة‪.‬‬
‫بلمح البصر خرج الخّباز حانقًا‪ ،‬وفي يده لوح الرغفة الخشبي‪ ،‬وجري من ورائه جميع‬
‫مال المخبز‪.‬‬
‫ع ّ‬
‫مال الحفاة‪ ،‬وراح‬
‫داست الرجل شظايا الّزجاج التي ملت الّرصيف‪ .‬صرخ واحد من الع ّ‬
‫دم‪.‬‬
‫يتقافز علي رجل واحدة‪ ،‬حامل ً بيديه رجله الخري وهي تقطر بال ّ‬
‫صاح الخّباز وهو يري الواجهه مه ّ‬
‫شمة تمامًا‪:‬‬
‫ أولد الكلب‪.‬‬‫ي مطأطيء نحو الرض يبحث عن درهمه الذي سقط منه‪ .‬تّله‬
‫كان أمام ال َ‬
‫دكان صب ّ‬
‫الخّباز من ياقته‪ ،‬وألهب وجهه بصفعة رّنانة‪ ،‬أردفها بالصّراخ‪:‬‬
‫ ابن الكلب‪ ..‬ماذا تريد ان تكسر أيضًا؟!‬‫ضة المفاجأة‪،‬‬
‫ي بين َيديّ الخّباز‪ .‬وبعد هنيهة من صمته المطبق نتيجة خ ّ‬
‫ارتعش الصب ّ‬
‫أطلق عقيرته بصراخ يمّزق الذان‪.‬‬
‫ددت الهمهمات والصّيحات متسائلة‪ ،‬ثم تتابع‬
‫تفّتحت النوافذ علي جانبي الشارع‪ ،‬وتر ّ‬
‫هطول الّناس من أبواب المباني‪.‬‬
‫ي غارقا ً في دموعه وهو‬
‫أقبلت امرأة مذعورة‪ ،‬واخترقت الّزحام‪ .‬وحين رأت الصب ّ‬
‫ديها وصدرها‪ ،‬وأطلقت صيحة فزع عالية‪:‬‬
‫مشنوق من ياقته بيد الخّباز‪ ،‬لطمت خ ّ‬
‫ ابني!!‬‫م راحت تجلده به بضربات‬
‫ي بعنف‪ ،‬وانتشلت الّلوح بسرعة من يد الخّباز‪ ،‬ث ّ‬
‫جذبت الصب ّ‬
‫متلحقة‪ ،‬وهي تصرخ بل انقطاع‪:‬‬
‫ جبان‪ .‬جبان‪.‬‬‫مال استخلص الّلوح من يدها‪ ،‬فسقطت علي الرض‪ ،‬واندلع غضبها‪،‬‬
‫حاول أحد الع ّ‬
‫ما كان‪.‬‬
‫حينئذ‪ ،‬أعنف م ّ‬
‫جه كالعاصفة نحو ذلك العامل الذي أسقط المرأة‪.‬‬
‫اندفع رجل من وسط الّزحام‪ ،‬وتو ّ‬
‫كان الّرجل‪ ،‬في عجلته للنزول‪ ،‬ل يرتدي غير سروال بيجامته‪ ،‬وكان وجهه ل يزال‬
‫مغ ّ‬
‫طي بالصابون‪.‬‬
‫‪46‬‬

‫صاح الّناس برعب‪:‬‬
‫ العن الشّيطان يا رجل!‬‫عا‪ ،‬وامتدت الذرع للمساك بالّرجل الغاضب الذي كان يصرخ‪ ،‬وفي‬
‫تراجع العامل فز ً‬
‫يده تلتمع شفرة الحلقة‪:‬‬
‫ يا خسيس‪ ..‬تضع حيلك في امرأة؟!‬‫أفلح البعض في جذب الّرجل ال ّ‬
‫ن موجة الّزحام الطاغية‬
‫شهم وتثبيته في مكانه‪ ،‬لك ّ‬
‫وة‪.‬‬
‫دفعت بالعامل نحوه بق ّ‬
‫شهم الذي ما زالت يده قابضة علي ال ّ‬
‫فر وجه ال ّ‬
‫شفرة‬
‫دم كالنافورة‪ ،‬واص ّ‬
‫تدّفق ال ّ‬
‫المغروزة في بطن الخسيس‪.‬‬
‫صرخ العامل المطعون قبل أن يهوي علي الّرصيف‪:‬‬
‫قتلني!‬‫دونه من‬
‫ي يركض‪ .‬وقف بين الجموع حائرًا‪ .‬كان الجميع يش ّ‬
‫أقبل من آخر الّناصية شرط ّ‬
‫ك ّ‬
‫جاهات‪ :‬من‬
‫ل جانب‪ ،‬وكانوا جميعا ً يزعقون في وقت واحد‪ ،‬مشيرين إلي كل الت ّ‬
‫ماله‪ ،‬إلي الم وولدها‪ ،‬إلي صاحب ال ّ‬
‫شفرة‪ ،‬إلي جّثة العامل النازفة فوق‬
‫وع‬
‫باز‬
‫الخ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫صيف‪.‬‬
‫الر ّ‬
‫سيارات في الشارع‪ ،‬وراحت تنفخ أبواقها دون جدوي‪ ،‬حيث لم يكن هناك‬
‫توّقفت ال ّ‬
‫سبيل إلي تفريق الناس‪.‬‬
‫فارات شرطة المرور تزغرد آمرة بالتحّرك‪ ،‬لكن لم يكن‬
‫وبين الفينة والخري‪ ،‬كانت ص ّ‬
‫ّ‬
‫ت‬
‫في وسع السائقين إل ّ مواساتها بنفخ البواق وضخ البنزين ودوس الكوابح بسط ُ‬
‫ساحر في‬
‫ي علي طوار النافذة‪ ،‬مصيخا ً إلي ض ّ‬
‫جة الحياة التي بعثها ذلك الحجر ال ّ‬
‫ذراع ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سكون نهر الشارع‪ ،‬ورحت أرقب بشغف‪ ،‬تلك الدوائر التي خلفها وهي تترادف وتّتسع‪.‬‬
‫فارات الشرطة‪:‬‬
‫قلت وأنا أسمع ص ّ‬
‫تلك هي دائرة المرور‪.‬‬‫ولم يلبث صوت سّيارة السعاف أن أتي يتأّود من بعيد‪ ،‬وارتفع بالتدّريج كصرخة‬
‫المفجوع‪.‬‬
‫حة‪.‬‬
‫ ها هي ذي دائرة الص ّ‬‫ثم ضحكت حّتي دمعت عيناي‪ ،‬حين امتل ال ّ‬
‫صل مصحوب برنين‬
‫شارع بعويل مت ّ‬
‫الجراس‪.‬‬
‫ي منتشيًا‪:‬‬
‫قلت وأنا أغمض عين ّ‬
‫‪ ..‬وهذه دائرة الطفاء‪.‬‬‫ي لري الماّرة يتراجعون صائحين‪ ،‬أمام لهب النار‪ ،‬ورجال الطفاء يقتحمون‬
‫فتحت عين ّ‬
‫ّ‬
‫بخراطيمهم دكان الخباز الذي اندلع فيه الحريق‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫د‪ ،‬وكانت‬
‫ب وتخبو مك ّ‬
‫دخان ورائحة الحتراق‪ .‬وكان الّزحام يشت ّ‬
‫فنة بال ّ‬
‫كانت الّنار تش ّ‬
‫جة ترتفع وترتفع‪.‬‬
‫الض ّ‬
‫سمعت قرعا ً علي بابي‪.‬‬
‫تركت النافذة‪ ،‬وفتحت الباب‪ .‬رأيت أمامي شرطيا ً عابسًا‪ ،‬وإلي جانبه رجل غاضب‪،‬‬
‫ووراءهما حشد من الّناس‪.‬‬
‫ي‪:‬‬
‫قال الّرجل الغاضب وهو يشير إل ّ‬
‫ هذا يا سّيدي‪ ..‬نعم هو نفسه‪.‬‬‫ي هاتين‪ ،‬من نافذتي علي الجانب الخر‪ ،‬وهو يقذف الحجر نحو واجهة‬
‫لقد رأيته بعين ّ‬
‫المخبز‪.‬‬
‫درج أمام الشرطي والجماهير‪:‬‬
‫ُقلت في سّري‪ ،‬وأنا أهبط من علي ال ّ‬
‫ ها نحن قد وصلنا‪ ،‬الن‪ ،‬إلي دائرة القضاء! ورحت أتخّيل ميلد دوائر أخري وأخري‪،‬‬‫ن الدوائر التي يصنعها ارتطام الحجر بالماء الساكن ستظ ّ‬
‫ل‬
‫فأنا أعلم علم اليقين أ ّ‬
‫تترادف وتّتسع بل نهاية‪.‬‬
‫م‪ ..‬لقد بعثنا الحياة في ال ّ‬
‫شارع!‬
‫قلت لنفسي‪ ،‬وأنا أصعد إلي سّيارة الشرطة‪ - :‬ل يه ّ‬

‫الزاليا الحمراء )‪(1/3‬‬
‫دة من الّريف لزيارة أسرة ابنتها في شنغهاي‪ ،‬حاملة معها للسرة‪ ،‬علي‬
‫جاءت الج ّ‬
‫سبيل الهدّية‪ ،‬دجاجة صغيرة‪.‬‬
‫دة فقرها لم تعد‬
‫دة كانت مضطّرة لجلب هذه الهدية الثمينة‪ ،‬فهي لش ّ‬
‫ن الج ّ‬
‫ويبدو أ ّ‬
‫ن قلبها لم‬
‫فإ‬
‫يومين‬
‫عمرها‬
‫كان‬
‫منذ‬
‫رعتها‬
‫قد‬
‫نها‬
‫ول‬
‫للدجاجة‪،‬‬
‫الطعام‬
‫توفير‬
‫تستطيع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يطاوعها علي ذبحها وطبخها‪.‬‬
‫وقد ُ‬
‫ن رّبة السرة رفضت أن تذبحها‪،‬‬
‫دجاجة أن تبقي علي قيد الحياة‪ ،‬ل ّ‬
‫كتب لهذه ال ّ‬
‫دجاجة تزحم البيت برائحة مخّلفاتها‪،‬‬
‫لكي ُتجّنب أطفالها رؤية مشهد القتل‪ ،‬فظّلت ال ّ‬
‫حتي قّررت السرة أن تبيعها لتتخّلص منها‪ ،‬لكّنها تراجعت عن هذا القرار عندما وضعت‬
‫الدجاجة بيضتها الولي‪.‬‬
‫صيني في أّيام‬
‫ذلك ل ّ‬
‫ن قيمة البيضة في السوق كانت أعلي قليل ً من قيمة المواطن ال ّ‬
‫ولت‪ ،‬فيما بعد‪ ،‬إلي أزمة خطيرة‬
‫ن هذه ال ّ‬
‫الزعيم الوحد )ماوتسي تونغ( غير أ ّ‬
‫دجاجة تح ّ‬
‫دواجن‪ ،‬وكان‬
‫ال‬
‫من‬
‫البيوت‬
‫بإخلء‬
‫حزبي‬
‫قرار‬
‫صدر‬
‫كادت تعصف بمستقبل السرة‪ .‬فقد‬
‫ّ‬
‫من الصعب إخفاؤها طوي ً‬
‫ل‪ ،‬لّنها كانت تفضح وجودها بقأقأتها المتواصلة‪ ،‬المر الذي‬
‫دعا اللجنة الحزبية في المنطقة إلي إرسال وفد لمنزل السرة لخذ تعّهد قاطع‬
‫‪48‬‬

‫بالتخّلص منها‪ ،‬وعرضها مذبوحة علي مسؤول الحزب في صباح اليوم التالي‪ ،‬وإل ّ‬
‫اّتهمت السرة كّلها بالعصيان!‪.‬‬
‫وفي الصباح هّيأت البنة الكبري )آنتشي( الماء الساخن والس ّ‬
‫كين‪ ،‬وقبضت علي‬
‫ست بقرب أجلها‪ ،‬قفزت هاربة إلي غصن‬
‫ال ّ‬
‫ن هذه عندما أح ّ‬
‫دجاجة بغية ذبحها‪ ،‬لك ّ‬
‫قلت صاعدة من غصن إلي آخر‪ ،‬حتي بلغت ذروة الشجرة‪،‬‬
‫شجرة في باحة البيت‪ ،‬وتن ّ‬
‫في الوقت الذي كان فيه المسؤول الحزبي يقرع جرس الباب‪.‬‬
‫دجاجة الهاربة وبين المسؤول المنتظر‪ ،‬حاولت جاهدة أن‬
‫وفي حيرة )آنتشي( بين ال ّ‬
‫فق عذرا ً مقبول ً تدفع به عن أسرتها تهمة العصيان‪ .‬لكّنها في تلك اللحظة بال ّ‬
‫ذات‪،‬‬
‫تل ّ‬
‫سمعت صوت ارتطام الدجاجة بالرض‪ ،‬والتفتت فرأتها تنتفض‪ ،‬ثم ما لبثت أن سكنت‬
‫إلي البد‪.‬‬
‫لقد كانت هذه أّول دجاجة في التاريخ ُتقدم علي النتحار احتجاجا ً علي استبداد‬
‫سلطة!‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫دجاجة في ظ ِ ّ‬
‫ل ذلك النظام الشمولي المطلق‪ ،‬فكيف‪ ،‬إذن‪،‬‬
‫وإذا كان هذا هو حال ال ّ‬
‫كان حال النسان؟!‬
‫الكاتبة الصينّية )آنتشي مين( تعرض لنا في كتابها الفريد )الزاليا الحمراء( صورا ً بليغة‬
‫لمأساة النسان في صين )ماو(‪ ،‬هي في الحقيقة نسخ صينية لمآسي الناس في ظ ّ‬
‫ل‬
‫جميع النظمة الشمولية في هذا العالم‪.‬‬
‫دقة في ذكر حقائق حّية عاشتها‬
‫)الزاليا الحمراء( كتاب سيرة شخصّية يتو ّ‬
‫خي ال ّ‬
‫سرد‪ ،‬يكاد‬
‫صدق في ال ّ‬
‫الكاتبة‪ ،‬لكّنه لغرابة وقائع تلك الحياة‪ ،‬ولكثافة الشاعرة وال ّ‬
‫ة وتشويقًا‪.‬‬
‫ينافس أفضل الّروايات المتخّيلة حبك ً‬
‫فتها مغنية الوبرا سابقا ً وزوجة )ماو(‬
‫عنوان الكتاب مستمد ّ من عنوان الوبرا التي أل ّ‬
‫لحقا ً )زيانغ تشنغ( التي كان لها موقع مؤّثر في حياة الكاتبة‪ .‬وهي في اختيارها لهذا‬
‫ل وحيدا ً منفردا ً‬
‫شمولي‪ ،‬يظ ّ‬
‫ل إنسان في ظ ّ‬
‫نك ّ‬
‫ل النظام ال ّ‬
‫العنوان أرادت القول بأ ّ‬
‫مستوحشا ً مثل نبتة )الزاليا( الصحراوية‪ ،‬برغم امتزاجه بمئات المليين من الناس‪.‬‬
‫ن عاطفة الحب في ذلك العهد كانت‬
‫صواب في اختيارها هذا‪ ،‬إذا علمنا أ ّ‬
‫وهي لم ت َعْد ُ ال ّ‬
‫ن‬
‫ُتعد ّ من المحظورات‪ ،‬ومن الّتهم التي قد تودي بصاحبها إلي التهلكة‪ ..‬ولهذا فإ َ‬
‫دمتها التي لم تستغرق سوي سبعة أسطر‪ ،‬قد ر ّ‬
‫كزت علي هذه النقطة بال ّ‬
‫ذات‪،‬‬
‫مق ّ‬
‫باعتبارها السلك الذي ينتظم عقد مئات من الصفحات الحافلة بمختلف الحداث‬
‫المؤلمة‪.‬‬
‫وة جّبارة تجعلك تنسي ك ّ‬
‫ل شيء آخر تقريبًا‪ ،‬حتي التفكير‬
‫تقول )آنتشي مين(‪ :‬الح ّ‬
‫بق ّ‬
‫ّ‬
‫ب‪،‬‬
‫بإعلن الثورة‪ .‬فبدل ً من أن تفكر في الصراع وتدمير الشياء‪ ،‬تجد نفسك‪ ،‬حين تح ّ‬
‫راغبا ً في البحث عن السلم والحتفال بالحياة‪.‬‬
‫ن الناس سيخرجون عن سيطرته الكاملة‪ ،‬إذا أحّبوا‪ ،‬فقد كان قادته‬
‫ن الحزب يعلم أ ّ‬
‫ول ّ‬
‫علي الدوام يخافون من الحب !‪.‬‬
‫ولدت )آنتشي مين( في شنغهاي عام ‪ 1957،‬وفي طفولتها أصبحت عضوا ً مثاليا ً في‬
‫)طلئع الحرس الحمر(‪ ..‬وعندما بلغت السابعة عشرة التحقت بالعمل ال ّ‬
‫شاق في‬
‫المزارع الجماعية‪ .‬ومن هناك التقطها مرافقو زوجة )ماو( لتكون نجمة في أفلم‬
‫الدعاية الشيوعية‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫لكن بعد وفاة )ماو( عام ‪ 1976‬شعرت آنتشي بالخزي والمرارة‪ ،‬فقّررت أن تغادر‬
‫فذ قرارها بمساعدة‬
‫صين إلي الوليات المتحدة‪ .‬وقد أمكنها في عام ‪ 1984‬أن تن ّ‬
‫ال ّ‬
‫بعض الصدقاء‪.‬‬
‫عندما غادرت )آنتشي( الصين‪ ،‬كانت معرفتها بالّلغة النجليزية محدودة‪ ،‬ولذلك فقد‬
‫حاولت أن تكتب سيرتها هذه بلغتها الصلية‪ ،‬لكّنها وجدت المر صعبًا‪ ،‬ورأت أّنها لن‬
‫تجد الطريقة المناسبة للتعبير عن معني الحرّية إل ّ بعاطفة حّرة مستمدة من لغة‬
‫جديدة!‪.‬‬
‫ولهذا فقد صبرت حتي تم ّ‬
‫كنت من الكتابة بالّلغة النجليزية‪ ،‬لتنشر سيرتها في عام ‪،‬‬
‫‪ 1993‬كشهادة مهمة علي عهد جائر‪ ،‬تضاف إلي الشهادات القليلة التي كتبها صينّيون‬
‫من واقع تجربتهم الحّية التي بدت أبعد وأقوي تأثيرا ً من أجمل الّروايات المتخّيلة‪ ،‬لنها‬
‫شهادات ُ‬
‫كتبت بدم أصحابها‪.‬‬
‫م‪ ،‬لّنها‬
‫وإذا لم يكن للستبداد من سّيئة أكثر من جعله المرء يشعر بالنفور من لغته ال ّ‬
‫سوء الذي ل‬
‫عاشت علي لسانه وهو عبد‪ ،‬فّإن ذلك وحده يكفي لصبغ الستبداد بال ّ‬
‫تغسله ك ّ‬
‫ل بحار الرض‪.‬‬

‫الزاليا الحمراء )‪(2/3‬‬

‫ن الطفولة كانت ُتعد ّ ت ََرفًا‪ .‬ولم يكن للّبوة‬
‫لم تكن هناك طفولة في صين )ماو(‪ ،‬ل ّ‬
‫دان من الكماليات!‬
‫ن هاتين الّرابطتين كانتا في ذلك العهد ُتع ّ‬
‫والمومة معني حقيقي‪ ،‬ل َ‬
‫كان الصغار والكبار جميعا ً أبناًء للحزب‪ ،‬وهو وحده الذي يقرر كيف يعيشون وكيف‬
‫يموتون كتروس في آلة مشاريعه الحكيمة والصحيحة دائمًا!‬
‫تقول الكاتبة الصينّية )آنتشي مين( في سيرتها الشخصية )الزاليا الحمراء( التي تروي‬
‫فيها تجربتها خلل سنوات الثورة الثقافية في الصين‪:‬‬
‫ميًا‪ ،‬أن اصطحبهم إلي‬
‫ي‪ ،‬يو ّ‬
‫لي أخ وشقيقتان كنت أس ّ‬
‫ميهم أطفالي‪ ،‬وذلك لّنه كان عل ّ‬
‫الحضانة أو الّروضة‪ ،‬وأعود بهم منهما‪ ،‬فيما كنت أنا نفسي مثلهم طفلة في الّروضة !‬
‫ن تسميتهم وحدها كانت مغامرة جريئة من‬
‫دث عن اسمها وأسماء أخوتها‪ ،‬لتبّين أ ّ‬
‫وتتح ّ‬
‫ً‬
‫والديها‪ ،‬ومؤ ّ‬
‫شرا علي غرابة أطوارهما وسباحتهما ضد ّ الّتيار‪.‬‬
‫‪50‬‬

‫تقول‪ :‬لقد اّتخذ والداي خيارات تسميتنا بشكل غير مألوف‪ ،‬إذ أطلقا علينا نحن البنات‬
‫أسماء أحجار كريمة‪ ،‬فأنا )آنتشي(‪ ،‬وأختي الثانية )المزهرة(‪ ،‬وأختي الصغر )حجر‬
‫دان شا ّ‬
‫ذين‬
‫ما أخي فقد سمّياه )فاتح الفضاء(‪ ..‬وكانا من هذه الناحية ُيع ّ‬
‫المرجان(‪ ،‬أ ّ‬
‫ّ‬
‫موا أبناءهم علي النحو التالي‪ :‬حارس اللون‬
‫بالنسبة للخرين‪ ،‬ل ّ‬
‫ن جيراننا كانوا قد س ّ‬
‫الحمر‪ ،‬الوثبة العظيمة‪ ،‬المسيرة الطويلة‪ ،‬النجم الحمر‪ ،‬التحرير‪ ،‬الثورة‪ ،‬الصين‬
‫الجديدة‪ ،‬طريق روسيا‪ ،‬مقاوم المريكان‪ ،‬الوطني الّرائد‪ ،‬الجندي الشيوعي الف ّ‬
‫ذ‪ ،‬إلخ !‬
‫مياها في البداية )لن ‪ -‬شوان(‬
‫وُتبدي ملحظة لب ُد ّ منها حول اسمها قائلة إن والديها س ّ‬
‫أي )الشمس المشرقة فوق الجبال(‪ ..‬لكّنهما سرعان ما انتبها إلي زّلتهما‪ ،‬وبادرا فورا ً‬
‫إلي إلغاء هذا السم‪ ،‬حين تذ ّ‬
‫كرا أن الزعيم )ماو( كان يعتبر الشمس الوحيدة في هذا‬
‫العالم!‬
‫ما اسم أخيها‬
‫وبعد تفكير طويل أطلقا عليها اسم )آنتشي( ومعناه )حجر السلم(‪ .‬أ ّ‬
‫)فاتح الفضاء( فقد اختاره أبوها لسببين‪ :‬أول ً لنه كان يحب علم الفلك وثانيا لكي يؤكدّ‬
‫تفاعله مع تصريح )ماو( الذي أعلن فيه عن أن الصين ستبني قريبا ً جدا ً مركبتها‬
‫الفضائية الخاصة! وعن فترة أمومتها لخوتها وهي طفلة في الّروضة‪ ،‬تقول إنها برغم‬
‫قائها‪،‬‬
‫خوفها من الزّقة المظلمة ومن عبور الشوارع المزدحمة‪ ،‬عند اصطحابها لش ّ‬
‫فإّنها تعلمت أل ُتظهر خوفها‪ ،‬لنها كان مفروضا ً عليها أن تكون قدوة أعلي للطفال‪،‬‬
‫وأن تعطيهم مثل ً علي ما تعنيه الشجاعة‪.‬‬
‫وبعد أن توصلهم إلي البيت‪ ،‬كانت تذهب إلي المطبخ لعداد العشاء‪ .‬وكانت دائما ً‬
‫تستغرق وقتا ً طويل ً من أجل إشعال الموقد‪ .‬وعن ذلك تقول‪ :‬لم أكن أفهم أن الخشب‬
‫أو الفحم يحتاجان إلي هواء لكي يشتعل‪ .‬وعلي ذلك فإنني كنت أحشو الموقد‬
‫ُ‬
‫دة مقاطع مقتبسة‬
‫دخان منه بل نار‪ ،‬وكنت في الوقت نفسه أغّني ع ّ‬
‫بالحطب‪ ،‬ليندفع ال ّ‬
‫من تعاليم )ماو( !‬
‫خص معاني الحياة كلها‪ .‬إذ ل يمكن للنار أن‬
‫سر التي تل ّ‬
‫نعم‪) ..‬الهواء(‪ ..‬تلك هي كلمة ال ّ‬
‫تشتعل بترديد تعاليم )ماو(‪ ..‬بل بالهواء تشتعل‪ .‬وكذلك ل يمكن للحياة أن تتحقق بغناء‬
‫قق!‬
‫تعاليم الّزعيم الوحد‪ ..‬ولكن بهواء الحرّية تتح ّ‬
‫وعند انتقالها إلي المرحلة البتدائية‪ ،‬وانضمامها إلي )طلئع الحرس الحمر( كانت‬
‫مة إعلء شأن الشيوعية‪.‬‬
‫)آنتشي( غاطسة ليل نهار في مه ّ‬
‫تقول‪ :‬في تلك الّيام كنت أرسم الشعارات الثورّية علي الجدران واللواح‪ ،‬وكنت أقود‬
‫زملئي وزميلتي لجمع قطع النقد الصغيرة التي ل تتعدي قيمتها بضعة بنسات ‪ ،‬وذلك‬
‫لكي نتبّرع بها لعالة الطفال الجائعين في أمريكا !‬
‫وتضيف‪ :‬لقد كّنا فخورين بهذا العمل‪ ،‬وكنا واثقين من أّننا بهذا نضع نقطا ً )حمراء(‬
‫جديدة علي خارطة العالم‪ ،‬وأننا نناضل من أجل السلم النهائي لكوكب الرض !‬
‫دعاية الحزبية اللئيمة بأذهان الطفال‪ ،‬فتغسلها من المنطق الذي‬
‫ذلك ما تصنعه ال ّ‬
‫ً‬
‫ينبغي أن يكون حاضرا في الذهان عند إجراء المقارنة بين الشيء ونقيضه‪ ،‬بين حياة‬
‫دق أولئك عليهم‬
‫صين المرّفهين وحياة أطفال أمريكا الفقراء الذين يتص ّ‬
‫أطفال ال ّ‬
‫بالبنسات من أجل إشباع جوعهم!‬
‫حدثنا عن مظاهر رفاهيتها‪..‬‬
‫دقة وهي ت ّ‬
‫لنستمع إلي هذه المرفّهة المتص ّ‬
‫ف‬
‫تقول )آنتشي(‪ :‬عندما التحقت بمدرسة السعادة البتدائية‪ ،‬كانت رفيقاتي في الص ّ‬
‫يسخرن مّني‪ ،‬لنني كنت دائمًا‪ ،‬أرتدي نفس المعطف المطّرز بالثقوب من ك ّ‬
‫ل جهة‪،‬‬
‫مي !‬
‫وهو أصل ً واحد من الثياب القديمة التي تل ّ‬
‫قيتها من ابنة ع ّ‬

‫‪51‬‬

‫ي‬
‫وتواصل قولها‪ :‬إ ّ‬
‫ن أختي )المزهرة( كانت‪ ،‬في العادة‪ ،‬ترتدي ملبسي التي تضيق عل ّ‬
‫ما أختي )حجر‬
‫و‪ ،‬ولكن بعد أن توضع لها رقع علي الياقات والمرافق‪ .‬أ ّ‬
‫بفعل النم ّ‬
‫المرجان( فقد كانت ترث الملبس نفسها من )المزهرة( بعد أن تضاف إليها رقع‬
‫جديدة أخري‪ ،‬بحيث تبدو تلك الملبس عليها وكأنها ذائبة‪ ،‬برغم حرصها الشديد علي‬
‫ن شقيقنا )فاتح الفضاء( ينتظر دوره في ارتدائها!‬
‫العناية بها‪ ،‬لعلمها بأ ّ‬
‫ن أطفال‬
‫و)فاتح الفضاء( بحكم تأ ّ‬
‫خر دوره‪ ،‬كان دائما ً يرتدي أسمال ً بالية‪ ،‬حّتي أ ّ‬
‫مونه )البرغوث(‪ .‬وقد كان هذا يجعلني أشعر بأنني مذنبة إلي حد ّ بعيد‬
‫الجيران كانوا يس ّ‬
‫!‬
‫فذة حرفيا ً لشتراكية السمال‪ ،‬كان من‬
‫ن هذه السرة المن ّ‬
‫وعلي الرغم من ذلك‪ ،‬فإ ّ‬
‫ي‬
‫أ‬
‫منها‬
‫يغضب‬
‫أن‬
‫بمجرد‬
‫بورجوازية(‪،‬‬
‫)أسرة‬
‫بأنها‬
‫بساطة‪،‬‬
‫بكل‬
‫المحتمل جدا ً أن ت ُّتهم‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫رفيق‪ ..‬وعلي المرء أن يتخّيل ضخامة حجم هذه الحتمالت‪ ،‬إذا تذكر أن الصين كانت‬
‫ج بما يزيد علي مليار رفيق!‬
‫تع ّ‬
‫في عام ‪ 1967‬انتقلت أسرة )آنتشي( من مسكنها بسبب ما كابدته من أذي الجيران‬
‫دوام لكون الطابق الذي تقطنه‬
‫في الطابق السفل‪ ..‬إذ كان هؤلء غاضبين علي ال ّ‬
‫أسرتها يتألف من غرف أكثر‪ ،‬ولهذا كانوا ل يتوّرعون عن دلق دلء )مخّلفاتهم( فوق‬
‫أسّرة النوم في بيت آنتشي‪.‬‬
‫وظ ّ‬
‫ددون بإيذاء الطفال عند‬
‫ل أولئك الجيران ُيصّعدون عدوانهم يوما بعد يوم‪ ،‬ويه ّ‬
‫غياب أمّهم وأبيهم ‪ -‬وهما بالطبع غائبان للعمل طول اليوم ‪ -‬ووصلوا إلي حد ّ تهيئة‬
‫ن ابنتهم الثانية لها تاريخ طويل‬
‫المسرح لرتكاب جرائم معفاة من العقاب‪ ،‬بقولهم إ ّ‬
‫ما ستفعله‪.‬‬
‫في الختلل العقلي‪،‬ولهذا فاّنهم غير مسؤولين ع ّ‬
‫ي من العمل‪ ،‬ذات يوم‪ ،‬وتخ ّ‬
‫طت باب المبني إلي‬
‫تقول )آنتشي(‪ :‬عندما عادت أم ّ‬
‫ً‬
‫صا‪ .‬لقد رأيتهما تتصارعان‬
‫الداخل‪ ،‬قفزت )البنت الثانية( فوقها‪ ،‬مشهرة في وجهها مق ّ‬
‫مي دفعة عنيفة جعلتها تترّنح وتهوي مرتطمة ببلط الرضية‪،‬‬
‫م تل ّ‬
‫قت أ ّ‬
‫في بئر السّلم‪ ،‬ث ّ‬
‫ي‬
‫وعلي وجهها وذراعها طعنات المق ّ‬
‫ص‪ .‬كانت صدمة بالنسبة لي‪ .‬وقفت إلي جانب أم ّ‬
‫ن صوتي كان قد هرب مّني‪.‬‬
‫لك‬
‫أصرخ‪،‬‬
‫أن‬
‫حاولت‬
‫دم يتدّفق من جراحها‪.‬‬
‫التي كان ال ّ‬
‫ّ‬
‫صها‪ ،‬ثم‬
‫أ ّ‬
‫ما )البنت الثانية( فقد نزلت إلي الطابق السفل‪ ،‬وجرحت رسغيها بمق ّ‬
‫جهة نحو حشد الفضوليين‪ ،‬وراحت تصرخ رافعة‬
‫اندفعت إلي الخارج بعجلة وعنف‪ ،‬متو ّ‬
‫ي‪ ..‬إنني عاملة‪ ،‬وقد هوجمت من قبل الطبقة‬
‫رسغيها ال ّ‬
‫داميين عاليًا‪ :‬انظروا إل ّ‬
‫البورجوازية‪ .‬أّيها الّرفاق‪ ،‬إّنها جريمة سياسّية !‬
‫أهذه نكتة؟ ربما‪ ..‬لكنني ل أراها كذلك‪ ،‬لنني كعراقي أعرف كثيرا ً من هذه المواقف‬
‫في عهد صدام الرجيم‪ ،‬حيث كانت تهمة الخيانة تهدي إلي المواطن ليّ سبب‪ ،‬مرفقة‬
‫جب علي أهل المواطن تسديدها بعد قتله!‬
‫بطلقة وفاتورة بثمنها يتو ّ‬
‫مقعد‬
‫ي في دولة المنظمة السرّية أن يتّهم حتي العمي وال ُ‬
‫كان يمكن للرفيق الفاش ّ‬
‫سس لصالح المبريالية!‬
‫بالتج ّ‬
‫والعراقي الذي يعرف هذا لن يستطيع أن يضحك من الواقعة التي ترويها )آنتشي‬
‫مين(‪ ،‬لكّنه يستطيع بك ّ‬
‫ل تأكيد أن يتذكّر‪ ،‬بوحي هذه الواقعة‪ ،‬طائفة كبيرة مثلها أو‬
‫من يساعده بقدر إضافي من‬
‫أسوأ منها‪ ،‬فيحتاج حينئذ إلي البكاء‪ ..‬ويحتاج في ذلك إلي َ‬
‫الدموع!‬

‫‪52‬‬

‫الزاليا الحمراء ‪3/3‬‬
‫دم ُيعد ّ مرضا ً بورجوازيا ً يخاف صاحبه من أن‬
‫في صين )ماو( كان ارتفاع ضغط ال ّ‬
‫دوار‬
‫ُيضبط متلّبسا ً به‪ ،‬ولذلك فإّنه يضطّر إلي مواصلة العمل الشاق في أثناء نوبة ال ّ‬
‫التي تعّلقه بين الحياة والموت‪ ،‬دون أن يجرؤ علي طلب إجازة قصيرة للّراحة‪ ،‬كي ل‬
‫يّتهم بتعطيل مسيرة الثورة البروليتاّرية!‪.‬‬
‫وفي صين )ماو( كان الختصاص العلمي شيئًا‪ ،‬والختصاص الحزبي شيئا ً آخر‪ ،‬وإذا وقع‬
‫ن كلمة الخير هي‬
‫الخلف في مسألة علمية دقيقة بين العاِلم والمسؤول الحزّبي‪ ،‬فإ ّ‬
‫الّراجحة‪ ،‬حَتي ولو كان هذا ل يعرف الّتمييز بين اللف وكوز ال ّ‬
‫ذرة!‪.‬‬
‫صية )الزاليا الحمراء( صورا ً‬
‫ترسم الكاتبة الصينّية )آنتشي مين( في سيرتها الشخ ّ‬
‫عديدة لمثل هذه الحالت في ظ ِ ّ‬
‫ل حكم شمولي خانق كان ُيحَتم علي النسان أن‬
‫دوام‪ ،‬حذر الوقوع في‬
‫وة فاغرة‪ ،‬علي حبال أعصابه المشدودة علي ال ّ‬
‫يمشي فوق ه َ‬
‫زّلة غير مقصودة قد تسلمه إلي العدم!‪.‬‬
‫ة‪ ،‬وقد ُ‬
‫طلب منها‪ ،‬ذات يوم‪ ،‬أن تكتب شعارا ً يقول‬
‫مدّرس ً‬
‫تقول إ ّ‬
‫ن والدتها كانت تعمل ُ‬
‫)عشرة آلف سنة من الحياة التي ل تنتهي للّزعيم ماو(‪ ..‬لكنها تحت وطأة إصابتها‬
‫سماح لها بأخذ إجازة للّراحة‪ ،‬أخطأت في كتابة ال ّ‬
‫شعار‪ ،‬إذ نسيت‬
‫بضغط ال ّ‬
‫دم‪ ،‬وعدم ال ّ‬
‫مت دعوتها‬
‫ بسبب زيغ عينيها ‪ -‬أن تكتب كلمة )ل( المّتصلة بكلمة )تنتهي(‪ ..‬وعندئذ ت ّ‬‫إلي اجتماع حزبي في اليوم التالي‪ ،‬لمحاكمتها عن تهمة كونها تحمل )نّيات شريرة(‬
‫تقضي بمعاملتها كمجرمة!‪.‬‬
‫‪53‬‬

‫مها في الرد ّ علي الّتهمة‬
‫وفي المساء‪ ،‬تدّبرت )آنتشي( كتابة مرافعة لتستخدمها أ ّ‬
‫جهة إليها‪ ،‬مستفيدة من أقوال )ماو( في الكتاب الحمر المختصر الذي تحفظه عن‬
‫المو ّ‬
‫ظهر قلب‪.‬‬
‫ن الزعيم )ماو( قال‪ :‬إننا يجب أن نسمح للّناس بتصحيح‬
‫ما جاء في هذه المرافعة‪ :‬إ ّ‬
‫وم ّ‬
‫ن الخطأ‬
‫أخطائهم‪ ،‬فذلك هو الطريق الوحيد لفهم الشيوعية العظيمة ‪ ..‬وعلي هذا فإ ّ‬
‫الذي ارتكبته إنسانة بريئة ليس جريمة‪ ،‬ولكن منع هذه النسانة من تصحيح الخطأ هو‬
‫ن عدم طاعة تعاليم )ماو( هو الجريمة‪.‬‬
‫الجريمة‪ .‬بعبارة أخري إ ّ‬
‫ن‬
‫سسوا رؤوسهم عند سماع هذه المرافعة‪ ،‬إذ أ ّ‬
‫ويبدو أ ّ‬
‫ن المسؤولين الحزبيين قد تح ّ‬
‫والدة )آنتشي( نجت بأعجوبة من مصير أسود‪ ،‬بعد أن قرأتها‪ ..‬لكّنها‪ ،‬في مناسبة‬
‫أخري‪ ،‬لم تسعد بامتلك مثل هذا الح ّ‬
‫ظ‪.‬‬
‫ففي ذلك الزمن السعيد‪ ،‬لم يكن في طاقة الناس أن يشتروا )ورق التواليت(‪ ،‬ولذلك‬
‫فقد كانوا يستخدمون قصاصات ورق الصحف لهذا الغرض‪ .‬وقد حكم الح َ‬
‫ظ العاثر علي‬
‫دم‪ ،‬أن تستخدم‪،‬‬
‫م المسكينة‪ ،‬وهي تحت وطأة نوبة شديدة من نوبات ضغط ال ّ‬
‫هذه ال َ‬
‫حمام‪ ،‬قصاصة من جريدة كانت عليها صورة )ماو(!‪.‬‬
‫ال‬
‫دخولها‬
‫عند‬
‫ّ‬
‫وة في الرض أن‬
‫في هذه المّرة كانت الجريمة ثابتة الركان‪ ،‬ولم يكن بوسع أّية ق ّ‬
‫م فصل والدة )آنتشي( من مهنة التدريس‪ ،‬وإرسالها للعمل ال ّ‬
‫شاق‬
‫تغفرها‪ ،‬وعلي هذا ت ّ‬
‫في مصنع للحذية!‪.‬‬
‫ما والد )آنتشي( المختص بعلوم التكنولوجيا‪ ،‬فقد طرد من عمله في متحف شنغهاي‬
‫أ ّ‬
‫خططات‬
‫للعلوم الطبيعية‪ ،‬بعد اختلفه في الّرأي مع مسؤوله الحزبي حول أحد الم ّ‬
‫م بموجبها طرده من العمل هي أّنه يستغل )العلوم(‬
‫التكنولوجية‪ .‬وكانت التهمة التي ت ّ‬
‫لمهاجمة )الحزب الشيوعي(!‪.‬‬
‫كان الناس مجّرد تروس في آلة الحزب العظيم‪ ،‬وكان عليهم أن يدوروا وفق اّتجاه‬
‫حركة اللة بل نقاش‪ ،‬سواء أكانوا علماء أم مدّرسين أم طلبة أم أمّيين‪ .‬وسواء أكانوا‬
‫أطفال ً أم طاعنين في الغيبوبة‪.‬‬
‫دي )آنتشي( أن ُيمارسا علوم اللغة والتكنولوجيا في مصانع الحذية‪،‬‬
‫وإذا كان علي وال ِ َ‬
‫فقد كان علي )آنتشي( التي بلغت السابعة عشرة أن تترك المدرسة مرغمة لتلتحق‬
‫صين قد أقفرت من الف ّ‬
‫لحين!‪.‬‬
‫بالمزارع الجماعية‪ ..‬وكأ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن أكثر من مائتي ألف شاب وشابة من ك ّ‬
‫ل مدينة صينّية‪ ،‬كانوا ُيقتلعون من مدارسهم‬
‫إ ّ‬
‫لكي يعملوا في المزارع الجماعية إلي أمد غير معلوم‪ ،‬حيث كانوا يعيشون ويعملون‬
‫ن ما‬
‫في تلك المزارع كالسجناء المحكوم عليهم بالشغال الشاّقة‪ .‬وفي نهاية المر فإ ّ‬
‫ينتجونه من محصول ل يكون كافيا ً حّتي لطعامهم!‪.‬‬
‫دة‪ ..‬إنماء‬
‫تقول )آنتشي(‪ :‬طالما تساءلنا‪ :‬ماذا كّنا نعني ح َ‬
‫قا ً عندما نهتف‪ :‬الكدح بش ّ‬
‫الكثير من المحاصيل‪ ..‬من أجل دعم الثورة العالمية؟! ‪.‬‬
‫وفي المزارع أيضا ً لم يكن عمل المرء شفيعه بل رضا المسؤول الحزبي‪ ،‬ولم يكن‬
‫اختصاص ذلك المسؤول في الفلحة شفيعه بل اختصاصه في حفظ أقوال )ماو(!‪.‬‬
‫دث )آنتشي( عن المسؤولة القاسية في المزرعة التي عملت فيها‪ ،‬فتقول إّنها‬
‫تتح ّ‬
‫دد دائمًا‪ :‬إنني ل أمانع في أن أكون خرقة تستخدم لمسح أكثر زوايا المطبخ‬
‫تر‬
‫كانت‬
‫ّ‬
‫قذراة‪ ..‬من أجل الحزب الشيوعي !‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫وهذه المسؤولة )الخرقة( كانت قد وضعت نظاما ً للعمل أمرت فيه بعدم السماح لحد‬
‫بدخول المرحاض إل ّ مّرتين في اليوم فقط‪ ،‬علي أل ّ يمكث فيه أكثر من خمس دقائق‪.‬‬
‫ن الحمير الكسولة فقط هي التي تحتاج إلي أكثر من هذا‬
‫وع ّ‬
‫قبت علي ذلك قائلة‪ :‬إ ّ‬
‫الوقت لقضاء حاجتها‪ ..‬والحمير الكسولة تستحق أن تضرب بل رحمة !‪.‬‬
‫كر كم هو سهل علي هذه المسؤولة أن تكتب عّني تقريرا ً كاذبا ً‬
‫تقول )آنتشي(‪ :‬كنت أف ّ‬
‫في‪ ،‬حيث ل يؤذن إل ّ لرؤساء الحزب بالوصول‬
‫ُتدخل بواسطته كلمات غامضة إلي مل ّ‬
‫ف فإّنها لن تتغّير أبدا‪ً،‬‬
‫إليها‪ ..‬كلمات يمكن أن تدفنني حّية‪ ..‬كلمات إذا ما دخلت المل ّ‬
‫وستظ ّ‬
‫من أنا وماذا سأكون‪ ،‬وتلك‬
‫ل تتبعني حَتي بعد الموت‪ .‬فالمل َ‬
‫ف هو الذي ُيح ّ‬
‫دد َ‬
‫ً‬
‫الكلمات هي التي ستصنع صورتي الوحيدة التي يعتبرها الحزب جديرة بالّثقة حقا !‪.‬‬
‫ن خبرتها منذ الطفولة قد عّلمتها‬
‫وكان من حق )آنتشي( أن تذعر من هذا الحتمال‪ ،‬ل ّ‬
‫أل ّ تثق حتي بنفسها عندما يتعّلق المر بالولء للحزب‪ .‬فبعد انتقال أسرتها من البيت‬
‫ما إذا‬
‫القديم كانت قد تّعرفت علي طفلة في سّنها‪ ،‬وقد سألتها تلك الطفلة ذات مّرة ع ّ‬
‫كانت ترغب في النضمام إلي الندوة التي تقيمها أسرتها لدراسة أقوال )ماو( ك ّ‬
‫ل ليلة‬
‫ن عليها أن تستأذن والدها أوّ ً‬
‫ل‪.‬‬
‫بعد العشاء‪ ،‬فأجابتها بأ ّ‬
‫تقول )آنتشي(‪ :‬عندما أستأذنت والدي قال‪ :‬ل‪ ..‬إنني ل أريد ممارسة الّثورة حتي في‬
‫ما إذا كان‬
‫المنزل‪ .‬وقد فاجأني هذا الرد ّ وصدمني‪ ،‬فأمضيت الّليلة كّلها أتساءل ع ّ‬
‫ً‬
‫سلطات‬
‫ما إذا كان يتو ّ‬
‫ي أن أكتب تقريرا لل ّ‬
‫والدي معاديا ً في ال ّ‬
‫سر للثورة‪ ،‬وع ّ‬
‫جب عل ّ‬
‫عنه أم ل؟ ‪!.‬‬
‫و)آنتشي( لم تتحّرر من عبودية المزارع الجماعية‪ ،‬إل ّ بعد اختيارها لعبودية التمثيل في‬
‫ن المليين من أبناء جيلها لم ُيقّيض لهم أن يذقوا‬
‫سينما الدعاية الحزبية الممجوجة‪ ،‬لك ّ‬
‫سنة‪ ..‬فها هي أختها )المزهرة( التي كانت في المرحلة‬
‫طعم هذه العبودية المح ّ‬
‫سل إلي مدرسة مهنية‪ ،‬فكان ل ب ُد ّ من إسقاط )إقامتها( في‬
‫المتوسطة قد َتقّرر أن ُتر َ‬
‫شنغهاي هي الخري )وكأّنها ليست جزءا ً من بلدها(!‪.‬‬
‫وماذا عن أختها )حجر المرجان(؟‬
‫م‪ :‬إّنها ُتصَلي‬
‫مها في إحدي زياراتها النادرة للسرة‪ ،‬فقالت ال َ‬
‫هكذا سألت )آنتشي( أ ّ‬
‫من أجل اللتحاق بأحد المصانع‪ ،‬ومن الصعب أن يحصل هذا‪ ،‬لكن إذا ظهر أّنها معاقة‬
‫ن فرصتها للبقاء في شنغهاي ستكون أفضل‪ .‬ولهذا فهي ترفض ال ّ‬
‫ذهاب إلي‬
‫بدني ّا ً فإ ّ‬
‫مر أمعاءها ليكون‬
‫الطبيب علي الّرغم من إصابتها بالديزنتاريا الحا َ‬
‫دة‪ .‬إّنها تحاول أن تد ّ‬
‫دعاء بأنها معاقة‪ ..‬وكثير من الشباب في الجوار يعملون الشيء نفسه‪ .‬إّنهم‬
‫لها حقَ ال ّ‬
‫مرعوبون من فكرة ال َ‬
‫ذهاب إلي المزارع الجماعية ‪.‬‬
‫م لتلوم ابنتها علي ذلك‪ ،‬لَنها كانت مقتنعة فعل ً بأن ل سبيل لنجاة البنة إل ّ‬
‫لم تكن ال ّ‬
‫م المنكودة نفسها عندما عادت من العمل ذات يوم مخطوفة‬
‫ال‬
‫فهذه‬
‫الطريقة‪،‬‬
‫بهذه‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ن الفحوص الطبّية أثبتت أّنها مصابة‬
‫الّلون ومنهارة تماما‪ ،‬عّبرت عن سعادتها البالغة ل َ‬
‫ن هذا المر وحده هو الذي سيمنحها الفرصة للّراحة في البيت قلي ً‬
‫ل‪،‬‬
‫سل‪ ..‬ذلك ل ّ‬
‫بال ّ‬
‫والهتمام بشؤون أبنائها!‪.‬‬
‫ك ّ‬
‫صدام الَرجيم كان يطلب العلم‬
‫ل ما ذكرته )آنتشي مين( في كتابها يؤكد ّ لي أ ّ‬
‫ن نظام ّ‬
‫صين‪ ،‬ولو علمت )آنتشي( بسعة استيعاب ذلك النظام لعلوم صينها العظيمة‪،‬‬
‫ولو في ال ّ‬
‫وق التلميذ علي الستاذ‪،‬‬
‫وقدرته الفائقة علي تطويرها وتسمينها‪ ،‬لدركت معني تف َ‬
‫ن‬
‫سير الشخصّية المطولة‪ .‬فل ّ‬
‫ولتفّهمت بلغة اليجاز التي نأت بالعراقيين عن تأليف ال ّ‬
‫مة‬
‫وصف الكارثة التي حاقت بهم كان أوسع من أفواههم وأطول من ألسنتهم‪ ،‬ول ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن‬
‫التي وجدوا أنفسهم فيها قد عقدت صفقة مطلقة مع صمم وعمي النانية‪ ،‬فإ َ‬
‫العراقيين اختزلوا مرارتهم ويأسهم في سيرة واحدة مؤّلفة من بيتين من الشعر ل‬
‫‪55‬‬

‫ن‬
‫س ُ‬
‫أكثر‪ ..‬أّولهما يقول‪) :‬كفي بك داًء أن تري الموت شافيا ‪ -‬وَ َ‬
‫ح ْ‬
‫ب المنايا أن يك ُ ّ‬
‫أمانيا(‪.‬‬
‫وثانيهما يقول‪) :‬ل تش ُ‬
‫من به اللم(‪.‬‬
‫ك للناس جرحا ً أنت صاحبه ‪ -‬ل يؤلم الجر ُ‬
‫ح إل ّ َ‬
‫ن‬
‫ن مفردة )الناس( في البيت الثاني قد اقتضتها ضرورة الوزن‪ ،‬وإل ّ فإ ّ‬
‫نأ ّ‬
‫وأغلب الظ ّ‬
‫صحيح في الحالة العراقّية يعني )وحوش ما قبل الّتاريخ( تلك التي تختلف‬
‫التعبير ال ّ‬
‫ً‬
‫ساطور!‪.‬‬
‫ال‬
‫أيديولوجيا‬
‫في‬
‫ا‬
‫جوهري‬
‫حد‬
‫تتو‬
‫نها‬
‫لك‬
‫والطين‪،‬‬
‫دين‬
‫ال‬
‫بين‬
‫ما‬
‫الشمولية‬
‫أرديتها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫خط بين نقطتين‬
‫كل النجازات الباهرة في الدنيا كانت وراءها أفكار صغيرة‪ .‬ومن الطبيعي أن يحتاج‬
‫تنفيذها وارساؤها علي أرض الواقع الي الفطنة والموهبة والجهد‪ ،‬لكن كل هذه الشياء‬
‫ل تشفع للمرء في تحقيق أدني النجاح اذا لم يكن مؤمنا حقا بما يفعل‪ ،‬ومتدرعا‬
‫بالصرار وعدم التسليم بالفشل مهما طالت التجربة‪ ،‬ومهما كانت المعوقات‪.‬‬
‫إن هذا هو مؤشر التمايز بين الناس‪ ،‬واذا كان لنا ان نندب سوء أوضاعنا وتخلفنا عن‬
‫الخرين‪ ،‬فينبغي ان ندرك ان ليس مرد ذلك الي كوننا فقراء الي المواهب والطاقات‪،‬‬
‫ولكن لكون الخرين أطول منا نفسا‪ ،‬وأكثر صبرا‪ ،‬وأكبر قدرة علي التحدي والمواصلة‪.‬‬
‫اننا نتناقل جيل بعد جيل‪ ،‬حكاية القائد المغلوب الذي ألهمته النملة باصرارها علي نقل‬
‫كسرة خبز ثقيلة ونجاحها بعد طول الجهد والمحاولة‪ ،‬ان يجمع فلول جيشه المهزوم‬
‫وينتصر في النهاية‪.‬‬
‫لكن الحكاية تبقي معنا مجرد طرفة نزجي بها ليالي السمر‪ ،‬فيما هي عند الخرين‬
‫تجربة حية وحثيثة علي أرض الواقع‪.‬‬
‫كذلك كانت تلك الحكاية بالنسبة للصبي جيمس وات الذي رأي غطاء ابريق الشاي‬
‫يرتفع حاليا بتأثير تصاعد البخار‪ ،‬فكان ان اخترع المحرك البخاري الحديث‪ ،‬وكذلك‬
‫كانت بالنسبة لبائع الصحف الصغير توماس أديسون الذي أضاء لنا ليلنا باختراعه‬
‫المصباح‪ ،‬لكي نقطعه بالسمر وترديد حكاية القائد المغلوب والنملة‪ ،‬مضيفين اليها‬
‫والي اللف غيرها حكايته وحكاية صاحبه وات ايضا‪.‬‬
‫منذ زمن طويل كان هناك شاب صغير من مدينة كنساس مولع بالرسم‪ ،‬لم يترك‬
‫جريدة ال وتقدم اليها محاول بيع رسومه الكاريكاتيرية‪ ،‬لكن المحررين جميعا جابهوه‬
‫‪56‬‬

‫بالبرود‪ ،‬بل وبالرفض القاطع‪ ،‬مصرحين له بغلظة بأنه عديم الموهبة وان عليه ان‬
‫ينسي تماما أمر الشتغال في هذا المجال‪.‬‬
‫لكن ذلك لم يثبط الشاب‪ ،‬بل راح يواصل الرسم والبحث عن اية فرصة متاحة‬
‫لستثمار امكاناته‪.‬‬
‫وفي النهاية عرض عليه أحد القساوسة ان يرسم للكنيسة اعلناتها في المناسبات لقاء‬
‫أجر زهيد‪ .‬لكن الشاب الغر أعرب عن حاجته الي مرسم ‪ ..‬وهو في الواقع كان بحاجة‬
‫اليه ل للرسم فقط بل للنوم ايضا‪ ،‬اذ لم يكن لديه مكان يأوي اليه!‬
‫ويبدو انه كان لدي الكنيسة مرآب مهمل تزحمه الفئران‪ ،‬فأشار القس علي الشاب ان‬
‫يقيم فيه‪ .‬لكن‪ ..‬من يصدق ان واحدا من تلك الفئران سيصبح فيما بعد اشهر فأر في‬
‫التاريخ‪ ،‬وان ذلك الشاب سيصبح واحدا من اشهر الفنانين في العالم؟!‬
‫ذلك الفأر معروف الن لدي المليين باسم ميكي ماوس ‪ ،‬اما الشاب فهو والت‬
‫ديزني ‪.‬‬
‫وتلك حكاية اخري تضاف الي غيرها من المسامرات الليلية‪ ..‬وحظنا منها ان نسمعها‬
‫بانبهار واعجاب‪ ،‬ول شيء غير ذلك‪ ،‬لن نظرتنا اليها ستظل مقتصرة علي نقطتي البدء‬
‫والنهاية وحدهما‪ .‬أما حظ الخرين فهو السير الواقعي علي الخط المتعرج الطويل‬
‫القائم بينهما‪ :‬خط اليمان بالفكرة والثقة بالنفس والتجربة الدائبة والجهد الحثيث‬
‫لتذليل العقبات والصرار علي النجاح وعدم العتراف بالفشل علي الرغم من تكرره‪.‬‬
‫سوق الخطف‬
‫ت‪ ،‬منذ عدة أعوام‪ ،‬حكاية عن لصوص يسطون علي بيت فل يجدون فيه‬
‫كنت قد كتب ُ‬
‫سوي امرأة عجفاء بصحبة نصف دزينة من الطفال الجاذعين الذين يفترشون معها‬
‫العراء‪ ،‬ويتراشقون بالشتائم ال ّ‬
‫ذاوية لشدة ما بهم من وهن!‬
‫ن البيت كان فارغا ً حتي من قدر‪ ،‬فإن المرأة التي تخففت من واجب الهاء‬
‫وحيث ا ّ‬
‫أولدها بطبخ الحصي‪ ،‬كما في الحكاية التراثية‪ ،‬لم تفزع‪ ،‬بل رأت في مقدم هؤلء‬
‫اللصوص بارقة أمل‪ ،‬فانتشلت واحدا ً من الولد وقدمته لهم هدية‪ ،‬لكي ل يخرجوا من‬
‫بيتها فارغي اليدي!‬
‫غير ان اللصوص اعتذروا عن عدم قبول الهدية‪ ،‬وصارحوها بأنهم لم يحترفوا السطو إل‬
‫بسبب كثرة العيال وضيق ذات اليد‪ ،‬وان أخذ ولدها لن يفيدهم في شيء‪ ،‬بل سيحملهم‬
‫هما ً اضافيًا‪ ،‬وذلك لنهم سيضطرون الي اطعامه دون ان ينتظروا من ورائه فدية!‬
‫ولم أتخيل أبدا ً ان مبالغتي الساخرة هذه ستكون عرضة لسخرية ما يجري واقعيا ً في‬
‫عراق اليوم الذي فتحت فيه عصابات العنف العمي الهاّبة من الجهات الربع‪ ،‬سوقا ً‬
‫عمياء للخطف يتداول بضائعها تجار يملكون رأس المال نفسه الذي يملكه اللصوص‬
‫في حكايتي‪ ،‬لكنهم‪ ،‬غالبًا‪ ،‬ل يملكون حنكتهم في عدم قبول البضاعة الفاسدة!روت لي‬
‫صديقة كويتية ان خطيب اختها ‪-‬وهو عراقي يعيش في الكويت مع أهله ذوي الدخل‬
‫المحدود ‪-‬كان قد غادر الي البصرة‪ ،‬بعد زوال نظام جرذ تكريت‪ ،‬لكنه اختطف في‬
‫الطريق من قبل عصابة طالبت أهله بفدية مقابل إطلقه‪.‬‬
‫وعبثا ً حاول أهله اقناع العصابة بأنهم عراقيون علي مد ّ الله‪ ،‬وانهم ل يملكون حتي‬
‫رائحة المبلغ المطلوب‪ ،‬فلما يئسوا اسلموا امرهه وأمرهم الي الله‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫وطال الوقت بالخاطفين وهم ينقصون من مقدار الفدية مرة بعد مرة‪ ،‬دون ان يجدوا‬
‫اذنا ً صاغية‪ ..‬حتي استحال المخطوف الي ورطة بالنسبة لهم‪ ،‬فتفتقت اذهانهم عن‬
‫فكرة بيعه الي عصابة أخري‪ ،‬ولم يكن حظ هذه أفضل من حظ سابقتها‪ ،‬فاضطرت‬
‫في النهاية الي الستحواذ علي ثياب الرهينة واطلقه بملبسه الداخلية!‬
‫وحكي لي صديق عائد من العراق حديثا ً ان ابن جارهم قد تعرض للختطاف‪ ،‬وتلقي‬
‫والده رسالة من الخاطفين تطالبه بفدية من اجل انقاذه‪ ،‬ولن الوالد كان ‪-‬كما يؤكد‬
‫صديقي‪ -‬في حالة مالية مزرية‪ ،‬فقد أرسل من يسأل الخاطفين عما اذا كان يطعمون‬
‫ولده جيدًا‪ ،‬فجاءه الرد باليجاب‪ ،‬وعندئذ أرسل اليهم متوسل ً ان يخطفوه هو ايضا ً مع‬
‫اولده الخرين!‬
‫وانهي الصديق حديثه بأن الولد عاد سالما ً الي البيت في الليلة ذاتها‪.‬‬
‫وحين أعربت عن دهشتي من غباء مثل هؤلء الخاطفين الذين يحاولون سرقة الحذية‬
‫من الحفاة‪ ،‬طمأنني الصديق الي ان السوق ل تخلو من التجار الذكياء العارفين الذين‬
‫يعملون حساباتهم بالقلم والمسطرة‪.‬‬
‫وقال لي‪ ،‬في هذا السياق‪ ،‬إن عصابة خطفت ولدا ً آخر وحاول أبوه تقليد جارهم‪،‬‬
‫فادعي انه ل يملك من حطام الدنيا شيئًا‪ ،‬لكنه فوجيء بالعصابة وهي ترسل اليه كشفا ً‬
‫دقيقا ً بجميع ممتلكاته!‬
‫ولكونه تاجرا ً حاذقًا‪ ،‬فقد جّرب طريقته المعتادة في المساومة‪ ،‬للوصول بمبلغ الفدية‬
‫الي أدني مستوياته‪ ،‬مقفل ً الموضوع بقوله ان الذي خلق ولده هو الكفيل بأخذ روحه أو‬
‫إعادته حيًا‪.‬‬
‫ويبدو انه كان في ضلله القديم‪ ،‬اذ أبلغه الخاطفون بأنهم لن يقتلوا ولده‪ ،‬لكنهم‬
‫سيقطعون ذراعه قبل ان يعيدوه اليه‪ .‬وعندئذ أذعن ودفع المبلغ الثقيل بالدولر‪.‬‬
‫عندما لمح الصديق علئم الشحوب علي وجهي‪ ،‬حاول ان يواسيني بقوله‪ :‬انها مجرد‬
‫حوادث شاذة ليست من صميم طبيعة مجتمعنا‪ ،‬وستزول باذن الله‪ ،‬بعد ان يسترد‬
‫الوطن عافيته‪ ..‬وهي تبقي أكثر رحمة من أعمال خاطفي السلم و خاطفي الوطنية‬
‫والقومية الذين يخطفون أرواح الناس لمجرد إرواء عطشهم للدماء‪ ،‬ثم بعد ذلك فقط‬
‫قد يفكرون في تسليم الجثث المقطعة الوصال الي أهلها لقاء فدية مخفضة ‪-‬لوجه‬
‫الله‪ -‬وبالدولر أيضًا!‬

‫‪58‬‬

‫سيرك‬
‫في خدمة ال ّ‬
‫الّروائي النرويجي كنوت هامسون الحائز علي نوبل ‪ 1920،‬وصاحب رواية )الجوع(‬
‫الشهيرة‪ ،‬كان قد كتب في بواكير تجربته الدبية عددا ً من القصص القصيرة التي ش ّ‬
‫كل‬
‫بعضها نواة ً أو تخطيطا ً أولي ّا ً لهم رواياته الكبيرة اللحقة‪.‬‬
‫وقد كان أغلب تلك القصص مستلهما ً من تجربته في أمريكا التي مارس فيها‪ ،‬لبضعة‬
‫أعوام‪ ،‬مهنا ً مختلفة كقاطع تذاكر في القطارات‪ ،‬أو عامل بسيط في المزارع‬
‫الشاسعة‪.‬‬
‫ومن ضمن هذه القصص هناك واحدة ذات لمسة محلية خالصة‪ ،‬تعكس بشكل خاص‪،‬‬
‫وضعية المثقف النرويجي في نهايات القرن التاسع عشر‪ ،‬وتترك في قارئها أثرا ً واضحا ً‬
‫علي رغم تباعد الزمنة والماكن‪.‬‬
‫قف شاب يعاني من ضائقة مالية‪،‬‬
‫صة المحاضرة هذه يروي هامسون حكاية مث ّ‬
‫في ق ّ‬
‫ول يملك من سبيل للخروج منها إل ّ عن طريق إلقاء المحاضرات خارج العاصمة‪ .‬وعلي‬
‫هذا فإّنه ُيعد ّ محاضرة في الدب الحديث‪ ،‬وبما لديه من نقود قليلة يستقل القطار‬
‫متوجها ً إلي مدينة درامن التي ل يعرف فيها أحدا ً ول يعرفه فيها أحد‪ ،‬من أجل أن‬
‫يجّرب ح ّ‬
‫ظه هناك‪ ،‬مؤمل ً أن تهّز محاضرته الوساط الثقافية‪ ،‬وأن تكون حديث الناس‪.‬‬
‫عند وصوله إلي المدينة‪ ،‬يزور إحدي الصحف المحّلية للتعريف بنفسه وبما أتي من‬
‫أجله‪ ،‬وللسؤال عن أفضل وأوسع القاعات التي يمكن أن تستوعب رّواد محاضرته‪،‬‬
‫ن شابا ً قد جاء في العام الماضي للقاء محاضرة ثقافية‪،‬‬
‫فيبلغه المحّرر المندهش بأ ّ‬
‫لكّنه فوجيء بأن عدد الحاضرين لم يتجاوز أصابع اليدين‪ ،‬فعاد من حيث أتي بعد يومه‬
‫الّول‪.‬‬
‫ن صاحبنا الواثق من نفسه لم ُيبال بذلك‪ ،‬ور ّ‬
‫كز اهتمامه في معرفة المبلغ المطلوب‬
‫لك ّ‬
‫ن أوسع القاعات هي قاعة‬
‫لستئجار أكبر قاعة في المدينة‪ .‬وعندئذ طمأنه المحّرر بأ ّ‬
‫دث العمدة مباشرة في هذا المر‪.‬‬
‫ن بإمكانه أن يح ّ‬
‫البلدية‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪59‬‬

‫دده إذا استطاع‬
‫يوافق العمدة علي تأجير القاعة للمثقف الشاب لقاء مبلغ معقول يس ّ‬
‫قق ربحا ً من المحاضرة‪.‬‬
‫أن يح ّ‬
‫ن صاحبنا لم يكن قادرا ً علي دفع ثمن إعلنات عن المحاضرة‪ ،‬فقد اكتفي بتوزيع‬
‫ول ّ‬
‫خمسمائة بطاقة شخصية كانت في حوزته أص ً‬
‫ل‪ ،‬علي الناس في الفنادق والبارات‬
‫حلت التجارية‪.‬‬
‫والم ّ‬
‫وتوفيرا ً للنفقات اكتفي بالسكن في فندق رخيص جدا ً تتضمن خدماته تقديم وجبة‬
‫جانًا‪.‬‬
‫الفطار م ّ‬
‫مي كان قد بدأ للّتو تقديم عروضه في المدينة‪،‬‬
‫في ذلك الفندق يتعرف بلعب سيرك أ ّ‬
‫ويحاول هذا إغراء المثقف بالعمل معه كمعّلق علي فقرات برنامج السيرك نظرا ً‬
‫وقة وكذلك لكونه غريبا ً عن المدينة‪،‬‬
‫لقدرته‪ ،‬كمثقف‪ ،‬علي الوصف والتعبير بصورة مش ّ‬
‫دمه واحد منهم يعرفونه‪ ،‬مثلما حصل في عرض‬
‫ن الناس لن يثقوا بالوصف الذي يق ّ‬
‫ل ّ‬
‫الليلة الماضية حين اضطر لعب السيرك إلي تكليف شاب من أهل المدينة للقيام‬
‫بذلك العمل‪.‬‬
‫وفي يوم المحاضرة يستعين صاحبنا برجل للقيام بمهمة قطع تذاكر الدخول‪ .‬وقبيل‬
‫دد أصداء خطواته عالية في جنباتها الواسعة‪،‬‬
‫الموعد بقليل يمضي إلي القاعة‪ ،‬فتتر ّ‬
‫ّ‬
‫ففة من ثقل أيّ إنسان!‪.‬‬
‫متح ّ‬
‫لها‬
‫ك‬
‫فيجدها‬
‫الكثيرة‬
‫وُيجيل بصره في صفوف المقاعد‬
‫ُ‬
‫ن الموعد لم يحن بعد‪ ،‬لكن حتي بعد حلول الموعد ومرور‬
‫وُيطمئن المث ّ‬
‫قف نفسه بأ ّ‬
‫وقت طويل عليه لم يحظ برؤية أيّ إنسان‪ .‬وفي اللحظة التي يداخله فيها اليأس‬
‫والغيظ يسمع صوت رجل آتيا ً من عند شباك التذاكر‪ ،‬فيخرج بلهفة الفضول لرؤيته‪،‬‬
‫ن ذلك الّرجل هو محّرر الصحيفة التي زارها‪ ،‬وقد جاء لقطع تذكرة من‬
‫لكّنه ُيفاجأ بأ ّ‬
‫باب التشجيع!‪.‬‬
‫دم الليل دون أن يحضر أحد‪ ،‬يقفل صاحبنا عائدا ً إلي الفندق الرخيص‪ ،‬ماّرا ً‬
‫وحين يتق ّ‬
‫دم فيه البهلوان عروضه‪ ،‬فيصدمه ازدحام الحضور‪،‬‬
‫في طريقه بالمسرح الذي يق ّ‬
‫وتصفعه عواصف هياجهم وتصفيقهم‪.‬‬
‫في تلك الليلة يعاود البهلوان إغراءه‪ ،‬راجيا ً منه أن يشاركه‪ ،‬في الليلة المقبلة‪ ،‬كتابة‬
‫فقرات البرنامج وتقديمها بطريقته‪ ،‬لقاء بعض المال‪.‬‬
‫ن صاحبنا يكتشف أّنه لم يعد يملك حتي ثمن تذكرة العودة بالقطار إلي العاصمة‪،‬‬
‫ول ّ‬
‫فإّنه يوافق علي مضض‪ ،‬ويعكف علي كتابة التعليق بأسلوب بليغ وجميل‪ ،‬ثم يمضي‬
‫في مساء اليوم التالي إلي تقديم العروض علي المسرح‪ ،‬فيندهش لنبهار الحضور‬
‫بالوصف الذي يتلوه عليهم‪ ،‬وينتشي لهياجهم وتصفيقهم بعد انتهائه من وصف ك ّ‬
‫ل‬
‫فقرة!‪.‬‬
‫قف‬
‫وبهذا العمل وحده‪ ،‬ل بمحاضرته الدبية التي استنفد فيها خليا ذهنه‪ ،‬استطاع المث ّ‬
‫أن يحظي بالعجاب والتصفيق‪ ،‬وأن يتدّبر ثمن تذكرة العودة!‪.‬‬
‫صة‪ ،‬وأف ّ‬
‫كر في حال الثقافة العربية وحال مثقفينا‪ ..‬فأتساءل‪ :‬كم‬
‫أتأ ّ‬
‫مل هذه الق ّ‬
‫ً‬
‫من معيشته وأجرة مسكنه وتذكرة مواصلته بالبداع الذي‬
‫محظوظا استطاع أن يؤ ّ‬
‫يحسنه ويؤمن به ويحّبه ويرضاه‪ ،‬دون أن يضطر إلي ملمسة حلبة السيرك؟!‪.‬‬
‫ويْتسع تساؤلي ليكون‪ :‬أهي الثقافة التي تشتغل‪ ،‬عندنا‪ ،‬في السيرك‪ ،‬أم هو السيرك‬
‫الذي يشتغل في الثقافة؟!‬

‫‪60‬‬

‫أوراق من مف ّ‬
‫كرة عاقل!‬
‫مضت سنة كاملة علي هروبي من مستشفي المجانين‪ ..‬أنا الن في منتهي السعادة‪..‬‬
‫مطاِردين‪.‬‬
‫وسأعمل المستحيل لكي ل أقع في أيدي ال ُ‬
‫هؤلء اّلذين وّفروا لي مكانا ً للختباء‪ ،‬كانوا قد فّروا من المستشفي قبلي‪ .‬هذا ما قاله‬
‫ُ‬
‫ت ثانية إلي‬
‫ي وأعد ُ‬
‫)شلغم(‪ .‬لذلك فهم ُيدركون جّيدا ً فظاعة ما سألقاه إذا ُقبض عل ّ‬
‫هناك‪.‬‬
‫إّننا في مركب واحد‪ .‬ك ّ‬
‫ل مّنا حريص علي عدم غرق الخر‪ .‬أنا مطمئن لهذا السبب‪.‬‬
‫الحمدلّله‪.‬‬
‫ن زملئي في المخبأ قد اّتبعوا الخطة ذاتها التي أتّبعتها‬
‫مع مرور الّيام اكتشفت أ ّ‬
‫للهرب‪ .‬قلت في نفسي سبحان الّله‪ ..‬كيف تأّتي لنا جميعا ً أن نف ّ‬
‫كر بالطريقة نفسها؟!‬
‫أتذ ّ‬
‫فقوا مع رجلين تبدو عليهما سيماء الجدّية والحزم‪ .‬جاء الّرجلن وهما‬
‫ن أهلي ات ّ‬
‫كر أ ّ‬
‫ً‬
‫مرضين‪ .‬ألبساني قميصا بالمقلوب وربطا أكمامه من خلفي‪ ،‬ثم‬
‫يرتديان ثياب الم ّ‬
‫بمنتهي السرعة والحذق ألقيا بي داخل سّيارة تشبه سّيارات السعاف‪ ،‬وانطلقنا‪ ..‬ويو‬
‫ويو ويو ويو ‪.‬‬
‫سّري‪ .‬نفس الخطة دائمًا‪ ،‬ويشربها الغبياء‪.‬‬
‫أضحك في ِ‬
‫هنا في المخبأ‪ ،‬الك ّ‬
‫ل يبتسم للكل‪ .‬لماذا ل نبتسم ما دمنا بعيدين عن ذلك المكان‬
‫الّرهيب؟‬
‫أف ّ‬
‫كر أحيانًا‪ :‬ماذا أفادني الهرب؟ ها أنا محبوس في هذا المخبأ منذ عام‪ .‬أهذه حرّية أم‬
‫سجن؟‬
‫لكّنني أعود فأقول لنفسي‪ :‬ألم يكن مستشفي المجانين سجنا ً هو أيضًا؟ هنا علي القل‬
‫أجد أصدقاء طّيبين يشعرون بأهمّيتي‪ ،‬ويضحكون برغم ك ّ‬
‫ل شيء‪ .‬ليس هنالك أجمل‬
‫من وجودك بين أصدقاء عقلء يحترمون عقلك‪.‬‬
‫‪61‬‬

‫ل يوم‪ ،‬مختلف الوسائل لسعادك‪ .‬اليوم‪ ،‬مث ً‬
‫هنا يبتكر الخوة‪ ،‬ك ّ‬
‫ل‪ ،‬كان الّراديو الوحيد‬
‫ّ‬
‫لدينا يلعلع بخطاب الرئيس‪ .‬قام )شلغم( وحمله علي رأسه بكل خشوع‪ ،‬ثم هوي به‬
‫فجأة إلي الرض فتح ّ‬
‫طم وتناثرت شظاياه في ك ّ‬
‫ل ناحية‪.‬‬
‫دق في الحطام مذهول ً وأجهش بالبكاء‪:‬‬
‫ح ّ‬
‫يا جماعة‪ ..‬البقاء في حياتكم‪ .‬الرئيس فطس‪ .‬قوموا ننصب فاتحة ‪.‬‬
‫سر من السلم‬
‫راح )شلغم( يلطم‪ ،‬فيما كان الجميع يقرأون علي روح المرحوم ما تي ّ‬
‫الجمهوري‪.‬‬
‫قه وزيادة‪ .‬شّيعوه يا جماعة‪ .‬ولو‬
‫وبعد أن شبع لطما ً قال‪ :‬هذا يكفي‪ .‬مأجورون‪ .‬أخذ ح ّ‬
‫ش أمامهم‪ .‬أعتقد أنهم ل يعرفون الطريق إلي جهّنم ‪.‬‬
‫سمحت يا عطوان أم ِ‬
‫ظريف )شلغم( رغم عصبّيته الّزائدة‪ .‬لقد شبعنا ضحكا ً علي روح المرحوم‪.‬‬
‫القلق يأكل أعصابي ويصيب ذهني بال ّ‬
‫مي قد ثرثرت هنا أو‬
‫شلل‪ .‬أخشي أن تكون أ ّ‬
‫هناك‪ .‬آخر مّرة‪ ،‬عندما جاءت خفية لرؤيتي‪ ،‬قالت إّنها ل تستطيع الصبر علي هذه‬
‫دولة‪ .‬رّباه‪ ..‬أرجو أل ّ تكون قد فعلت ذلك‪.‬‬
‫الحال‪ ،‬ولعّلها قالت إّنها ستتش ّ‬
‫فع لي لدي ال ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫سيعرفون مكاني ويقبضون عل ّ‬
‫مي اليوم‪ .‬همست في أذني‪ :‬سآخذك إلي البيت غدًا‪ .‬لن يعرف أحد‪ .‬كن‬
‫جاءت أ ّ‬
‫مستعدًا‪ .‬ول تطلع الخرين علي المر‪ .‬ك ّ‬
‫ل شيء سيكون علي ما يرام ‪.‬‬
‫علي ما يرام؟ كيف؟ والناس في الشوارع؟ والجيران؟ والحكومة؟‬
‫قالت لي بحنان‪ :‬ل عليك يا حبيبي‪ .‬لن يعرف أحد ‪.‬‬
‫كان يوما ً عصيبًا‪.‬‬
‫ما كدنا ننطلق من المخبأ‪ ،‬حتي فوجئنا برجل عند الباب يسد ّ طريقنا‪.‬‬
‫ن الرض انشقت وابتلعتني‪.‬‬
‫صاح بصوت رهيب‪ِ :‬قفا‪ .‬أليس هذا شلغم؟ ‪ .‬تمّنيت لو أ ّ‬
‫ت من الّرجل وحّيته بلطف‪.‬‬
‫مي كانت رابطة الجأش‪ .‬اقترب ْ‬
‫نأ ّ‬
‫لك ّ‬
‫سألها‪ :‬أعندك ما يثبت أّنه ليس هاربًا؟ ‪.‬‬
‫كل خطرا ً‬
‫ن شلغم لم يعد يش ّ‬
‫مي‪ .‬قالت له بك ّ‬
‫ل برود‪ :‬نعم يا سّيد‪ ..‬إ ّ‬
‫عجبا ً لعصاب أ ّ‬
‫علي أحد‪ .‬لقد سمحوا له بالمغادرة‪ .‬انظر هذه شهادة اللجنة الطبّية ‪.‬‬
‫مي‪ ،‬وتركنا ننصرف‪.‬‬
‫اعتذر الّرجل من أ ّ‬
‫نفس الشوارع‪ ..‬نفس الجيران‪ ..‬نفس الملصقات‪ ..‬نفس الشعارات‪ ..‬نفس الجماهير‪.‬‬
‫ول أحد من زملء المخبأ‪.‬‬
‫خدعتني أمي‪ .‬كنت أحسبها تحّبني‪ .‬ها أنا‪ ،‬بفضلها‪ ،‬أعود ثانية إلي مستشفي المجانين!‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫شرف سعيد أفندي‬
‫في سيرته السينمائية )استذكارات بين الظلم والضوء( الصادرة حديثا ً عن دار‬
‫الفارابي‪ ،‬يستعرض الفنان العراقي المعروف يوسف العاني التجارب السينمائية في‬
‫العراق منذ أواخر اربعينيات القرن الماضي‪ .‬ومن خلل الحديث عن دوره الشخصي‬
‫د‪ ،‬بالنسبة‬
‫في تلك التجارب‪ ،‬يركز بصفة خاصة علي فيلم )سعيد أفندي( الذي ُيع ّ‬
‫للكثيرين‪ ،‬أيقونة السينما العراقية‪.‬‬
‫وقد استوقفتني‪ ،‬في ذلك الحديث‪ ،‬لمحة إنسانية عابرة‪ ،‬قد ل يلتفت إليها البعض في‬
‫خضم المادة الساسية المكوّنة للسيرة‪ ،‬لكّنها‪ ،‬علي بساطتها وعفويتها‪ ،‬تترك في‬
‫النفس أثرا ً كبيرا ً من حيث كونها تلخيصا ً لجوهر كينونة الفّنان‪ ،‬في صلبته أمام‬
‫اغراءات اللحظة‪ ،‬وقدرته المبدئية علي النتصاف من نفسه حتي للنظام الزائل الذي‬
‫كان يناوئه‪.‬‬
‫لم يكن )سعيد أفندي( أول فيلم عراقي‪ ،‬فقد سبقه بثماني سنوات فيلم )عليا وعصام(‬
‫الذي أدي الدور الول فيه الفنان الراحل إبراهيم جلل‪ ،‬لكنه كان أّول فيلم عراقي‬
‫خالص بطاقمه الفني وقصته وإخراجه وتصويره‪ ،‬وبتبنّيه أسلوب )الواقعية الجديدة(‬
‫الذي برع فيه المخرج اليطالي )دي سيكا( بالخروج من الستوديو إلي الشارع‪،‬‬
‫وإشراك الناس العاديين في تمثيل أحداث الفيلم‪.‬‬
‫در ليوسف العاني أن يتحمل القسط الوفر من مسؤولية هذا الفيلم المأخوذ عن‬
‫وقد قُ ّ‬
‫ً‬
‫صة سينمائيا‪ ،‬وكتابته‬
‫صة )شجار( للكاتب العراقي أدمون صبري‪ ،‬وذلك بإعداده الق ّ‬
‫ق ّ‬
‫السيناريو والحوار‪ ،‬وأدائه الدور الول فيه‪.‬‬
‫عرض )سعيد أفندي( عام ‪1957‬م‪ ،‬أي قبل عام واحد من ثورة ‪ 14‬تموز التي أنهت‬
‫ن الناس الذين تفاعلوا معه وأحّبوه قد‬
‫دة صدقه الفني أ ّ‬
‫العهد الملكي‪ .‬وقد بلغ من ش ّ‬
‫ن الرقابة قد حذفتها!‬
‫تخّيلوا مشاهد لم تكن موجودة فيه‪ ،‬وأوهموا أنفسهم بأ ّ‬
‫دثونك ‪ -‬عندما تذكر فيلم سعيد أفندي ‪-‬‬
‫وحتي هذا اليوم‪ ،‬تجد كثيرا ً من العراقيين يح ّ‬
‫ن )السمكة جايفة من‬
‫عن مشهد ذهب فيه الستاذ سعيد ليشتري سمكة‪ ،‬وقال للبائع إ ّ‬
‫دون ذلك أبلغ تعريض بالحكومة في ذلك الوقت‪.‬‬
‫الرأس(‪ ..‬ويع ّ‬
‫ن مشهدا ً كهذا غير موجود في الفيلم أص ً‬
‫ل‪ ،‬والطرف منه أن‬
‫الطريف في المر أ ّ‬
‫هزم في نقاش مع متفرج عراقي ‪-‬‬
‫قد‬
‫كان‬
‫وبطله‪،‬‬
‫الفيلم‬
‫صانع‬
‫يوسف العاني نفسه‪،‬‬
‫ُ‬
‫قابله في الخارج ‪ -‬حين ألح الخير علي وجود هذا المشهد وأّنه رآه في النسخة الصلية‬
‫‪63‬‬

‫ن الّرقابة‬
‫قبل أن تقتطعه الّرقابة‪ ..‬بل وأضاف مشاهد أخري غير موجودة وزعم أ ّ‬
‫حة ذلك!‬
‫حذفتها‪ .‬وعبثا ً حاول العاني إقناعه بعدم ص ّ‬
‫ن الفيلم قد خاطب ضمير الّناس‬
‫وفي تحليله لهذا المر يقول العاني إّنه أدرك أ ّ‬
‫مشاهده قد غ ّ‬
‫ف بك ّ‬
‫ل‬
‫طت أو عّبرت عن حاجة في النفس‪ ،‬لكّنها لم ت َ ِ‬
‫وإحساسهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن َ‬
‫ن الناس كانوا يريدون المزيد من الكشف عن حالت جديرة بأن يكشف‬
‫الحاجة‪ ،‬أي أ ّ‬
‫عنها‪.‬‬
‫ن‬
‫وهكذا تج ّ‬
‫معت قضايا كثيرة غير موجودة في الفيلم ظّنوا أّنها كانت موجودة لك ّ‬
‫الرقيب حذفها‪.‬‬
‫وبعد عودة يوسف العاني إلي بغداد كان النظام الملكي قد سقط وقام مكانه النظام‬
‫الجمهوري‪ ،‬وذات ليلة من ليالي الترحيب به طرحت عليه فكرة بدت له غريبة أّول‬
‫المر‪ ،‬بل حسبها دعابة ‪ ،‬وذكّرته حال ً بالّرجل العراقي الذي ناقشه حول الفيلم عندما‬
‫كان في الخارج‪.‬‬
‫ن الفكرة كانت تتمثل في أن نضيف مشاهد جديدة تشبع حاجة المتفّرج‪،‬‬
‫يقول العاني‪ :‬إ ّ‬
‫وبعد أن ُأمّثلها تضاف إلي الفيلم الذي عرض علي الناس‪ ..‬ولكن بعد أن نعلن ونقول‬
‫يعرض سعيد أفندي بعد أن أعيدت إليه اللقطات التي حذفها الرقيب ‪.‬‬
‫ويضيف‪ :‬هنا كان لي موقف حاسم وعنيف‪ ..‬أن أرفض باستنكار وصلبة هذه‬
‫الطروحات‪ ،‬وأن أبذل الجهد لكي ألتقي بالستاذ )ممتاز العمري( الذي كان مدير‬
‫الداخلية العامة‪ ،‬الّرجل الفذ ّ الذي أجاز الفيلم بكامل مشاهده ولقطاته وحواره بعد‬
‫قق لي‬
‫صة طويلة ومثيرة‪ ،‬وذلك لكي أشكره وأعّبر له عن احترامي لموقفه‪ .‬وقد تح ّ‬
‫ق ّ‬
‫ذلك بعد أشهر ‪.‬‬
‫هي لمحة بسيطة‪ ،‬لكّنها جميلة جدا ً ومؤثرة جدًا‪ ،‬لّنها تمّثل نجاحا ً للجوهر النساني عند‬
‫وضعه أمام اختبار النصاف‪ ،‬وهو مدّرع بك ّ‬
‫ل إغراءات القوة والقدرة وسنوح الفرصة‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫ساعة شيطان )مرافعة خصاونّية(‬
‫ن المور إذا كّبرتها‬
‫مأ ّ‬
‫سامحه‪ .‬هاه‪ .‬عقلك كبير وقلبك أبيض‪ ،‬والّله يح ّ‬
‫ب المسامح‪ .‬ث ّ‬
‫تكبر وإذا صّغرتها تصغر‪ .‬إي والّله‪ .‬خذ علي نفسك بعض الشيء‪ ..‬ل تكن متصّلبا‪ً.‬‬
‫سامحه‪ ،‬هاه‪.‬‬
‫أعلم أّنه كسر أنفك‪ .‬ما كان ينبغي أن يفعل ذلك‪ .‬هذا عمل شرير‪ ،‬ولك الحقّ في أن‬
‫ن المر قد جري في ساعة شيطان‪،‬‬
‫تغضب‪ .‬لكن لو نظرت من زاوية أخري لوجدت أ ّ‬
‫والشيطان شاطر‪ .‬لعنة الّله علي الشيطان‪ .‬سامحه واكسر ال ّ‬
‫ب‬
‫شر‪ .‬العوض علي ر ّ‬
‫فس من فمك‪ .‬دعني ُأقّبل أنفك المكسور‪.‬‬
‫العالمين‪ .‬نحمده علي سلمة فمك‪ .‬تن ّ‬
‫سامحه‪.‬‬
‫أعرف أّنه سرق مصاغ زوجتك وسرق نقودك وسرق الثاث حّتي‪ .‬ل ش ّ‬
‫ن هذا من‬
‫كأ ّ‬
‫ن رّبك لبالمرصاد‪ .‬كن أحسن منه‪ .‬اكسر عينه‬
‫عمل اللصوص‪ ،‬لكن دعه لرّبك‪ .‬إ ّ‬
‫وسامحه‪ .‬العافي حبيب الّله‪.‬‬
‫أعلم أّنه قتل ابنك‪ .‬أين يذهب من الله؟ الّلهم اجعله في الشهداء والصالحين‪ .‬أعني‬
‫المرحوم ابنك‪ .‬كيف فعل الملعون ذلك؟ ل أعني ابنك‪ .‬علي ك ّ‬
‫ل العوض برأسك‪،‬‬
‫سلم‪ .‬مات جميع أبنائه‪،‬‬
‫سلم‪ .‬قل عليه ال ّ‬
‫والصبر طّيب‪ .‬لست أحسن من أّيوب عليه ال ّ‬
‫فصبر وشكر‪ .‬جعلك الّله قرينه في الصبر والشكر‪ ،‬وزادك عليه في العفو‪ .‬العفو‬
‫قاه‪ ،‬إل ّ ذو ح ّ‬
‫ظ عظيم‪ .‬ولو نظرت إلي القضّية من زاوية أخري فأنت‬
‫جميل‪ ،‬ول يل ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الّرابح‪ .‬ابنك شهيد‪ .‬توكل علي الله وسامحه‪ .‬ستسامحه‪ ،‬أليس كذلك؟‬
‫نعم‪ .‬أدري أّنه قتل ابنك الثاني أيضًا‪ .‬أسأل الّله أن يزيدك صبرا ً وأجرًا‪ ،‬وأن يهبك ثلثة‬
‫أبناء‪ ..‬اثنان منهم علي سبيل التعويض‪ ،‬والثالث اكرامية‪.‬‬
‫مة فرق‪ .‬المصيبة هي المصيبة‪ .‬ضع‬
‫مرد ّ له‪ .‬واحد أو اثنان‪ ،‬لم يعد ث ّ‬
‫لقد وقع القضاء ول َ‬
‫ن الّله يغفر ال ّ‬
‫ذنوب جميعا ً إل ّ أن ُيشرك به‪.‬‬
‫إ‬
‫أملك بالّله‪ ..‬وسامح‪ّ .‬‬
‫من خلقك؟ ل تكفر يا رجل‪ .‬سامح‪.‬‬
‫أأنت أحسن م ّ‬
‫آه‪ ،‬صحيح‪ .‬تذ ّ‬
‫كرت الن أّنه خطف ابنك الثالث‪ .‬إذن اصرف النظر عن الكرامية‪ .‬وإذا‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫خّلفت ثلثة‪ ،‬بإذن الله‪ ،‬فاعتبرهم جميعا علي سبيل التعويض‪ .‬أنت مؤمن ول ينبغي أن‬
‫صالحين؟ فبهداهم اقتده‪ ..‬قال ما أنا‬
‫يكون قلبك أسود‪ .‬أين أنت م ّ‬
‫ما جري للنبياء وال ّ‬
‫صانع بكم؟ قالوا أخ كريم وابن أٍخ كريم‪.‬‬
‫‪65‬‬

‫قال اذهبوا فأنتم ال ّ‬
‫طلقاء‪ .‬أتري؟ أين أنت من عفو رسول الّله؟ سامحه‪ .‬هاه‪.‬‬
‫نعم لم يغب عن ذهني أّنه هتك عرض ابنتك‪ .‬الّلهم اخزه يوم الحساب‪ .‬هذا هو الّزني‬
‫بعينه‪ .‬المر لّله‪ .‬ماذا يمكنك أن تفعل؟ لقد وقع الفأس في الرأس‪ ،‬وك ّ‬
‫ل غضبك لن‬
‫فة المحروسة فل تضّيع العفو من يديك‪.‬‬
‫يرجع ما ضاع‪ .‬دعه لرّبك‪ .‬ضاعت ع ّ‬
‫صلح خير‪.‬‬
‫ماذا تجني من العداوة؟ ما جري قد جري‪ ،‬وال ّ‬
‫وضك قصرا ً في‬
‫إَنها حماقة كبيرة أن يهدم بيتك‪ ..‬هدم الّله َ‬
‫ن رّبك كريم‪ .‬سيع ّ‬
‫حي َْله‪ .‬لك ّ‬
‫ن هذا مكسب‪ .‬سيتيح لك‬
‫الجّنة‪ .‬وربما سيرزقك فتبني بيتا ً غير الذي انهدم‪ .‬يا رجل إ ّ‬
‫ذلك أن تبني البيت وفق ال ّ‬
‫طراز الحديث‪ .‬هّيا اطرد الضغينة من قلبك‪ .‬من أجل صحتك‬
‫قبل ك ّ‬
‫صدمة‪،‬‬
‫سأ ّ‬
‫ن زوجتك المسكينة بحاجة إليك بعدما أقعدها ال ّ‬
‫ل شيء‪ ،‬فل تن َ‬
‫ّ‬
‫سمع والبصر‪ .‬سامحه الله‪ .‬لماذا فعل ك ّ‬
‫ل هذا؟ أل لعنة‬
‫وفقدت علي أثرها النطق وال ّ‬
‫ن ذّريته‪ .‬هذا من ذرّية آدم‬
‫لحتنك‬
‫قال‬
‫كبري‪.‬‬
‫لغواية‬
‫له‬
‫ن‬
‫الّله علي الشيطان الّرجيم‪ .‬إ ّ‬
‫ّ‬
‫محَتنكة‪ .‬ل تكن أنت والشيطان عليه‪ .‬قوّ قلبك والتمس له الصفح‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫قك أن تتأّلم بعد ك ّ‬
‫ل هذه العوام التي حبسك فيها تحت الرض وجّرب‬
‫إي والّله‪ .‬من ح ّ‬
‫ك قلي ً‬
‫فيك ك ّ‬
‫ل‪ .‬فضفض عن نفسك‪ .‬لكن إّياك أن تسرف في‬
‫ل صنوف التعذيب‪ .‬اب ِ‬
‫وث لسانك‪ .‬ل تفجر‪ .‬ليس المؤمن بطّعان ول لّعان ول فاحش ول بذيء‪.‬‬
‫النفعال فتل ّ‬
‫ما‬
‫أ‬
‫مبتلي‪.‬‬
‫فالمؤمن‬
‫إيمانك‪،‬‬
‫علي‬
‫شهادة‬
‫هو‬
‫جري‬
‫ما‬
‫ن‬
‫أ‬
‫م‬
‫ث‬
‫هذا‪،‬‬
‫أنت أكبر من‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫جلهم ليوم تشخص فيه البصار‪ .‬سامحه إذن وكّثر ذنبه عند الله‪.‬‬
‫الظالمون فإّنما يؤ ّ‬
‫قل إّنك سامحته‪ .‬بحقّ معّزتي عندك قل إنك سامحته‪ .‬ما بالك ل ترد؟ قل شيئًا‪ ..‬ما‬
‫هذا؟ إّنا لّله وإّنا إليه راجعون‪ .‬منذ متي فاضت روحك أّيها الطّيب؟‬
‫واأسفاه‪ .‬أهكذا علي غفلة ُتسلم الّروح وترحل؟ لكن مه ً‬
‫ل‪ ..‬إّنك لو نظرت إلي المسألة‬
‫من زاوية أخري لوجدتها في صالحك‪ .‬لقد أراحك الّله جزاء إيمانك‪ ،‬إذ ل راحة لمؤمن‬
‫ن العفو كان آخر عمل لك في هذه الدنيا الحقيرة‬
‫إل ّ بلقاء رّبه‪ .‬لكنني كنت أود ّ لو أ ّ‬
‫الفانية‪ ..‬أرجو أن تكون قد سامحته قبل أن تموت‪ .‬سامحته؟ هاه؟‬

‫‪66‬‬

‫بلد الربعة!‬
‫في بلد بعيد‪ ..‬بعيد جدًا‪ ،‬غير مرسوم في الخرائط‪ ،‬وليس مذكورا ً في أيّ كتاب‪ ،‬ول‬
‫علقة له‪ ،‬من أيّ نوع‪ ،‬بأيّ بلد عربي‪ ..‬التقيت مجموعة من الّرجال في مقهي العاصمة‬
‫الوحيد‪.‬‬
‫ن‬
‫رّبما يسأل سائل عن الهدف أو الدافع لوصولي إلي مثل ذلك البلد البعيد‪ ..‬وأقول إ ّ‬
‫صدفة‪ ،‬حتي أنني ل اعرف كيف وصلت او لماذا‪ ..‬هكذا‪ ،‬وضعت حرف جّر‬
‫المر تم بال ّ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫غير مكّرر )وإل لكان راقصة( وألحقت به الميم والقاف والهاء واللف المقصورة‪ ،‬فت ّ‬
‫صرف هي أنني ف ّ‬
‫كرت في البداية بإسقاط‬
‫لي الجلوس )في مقهي(‪ ..‬والحقيقة ال ّ‬
‫م التحطيم وقتل الناس‪ ،‬ما دمت في‬
‫طائرة كنت علي متنها‪ ،‬لكني قلت لنفسي‪ :‬عل َ‬
‫النهاية سأنجو لكمل الحكاية‪ ،‬وما دام بإمكاني الوصول الي ذلك البلد بكتابة العبارة‬
‫علي الوجه التالي‪) :‬التقيت مجموعة من الّرجال في مقهي العاصمة الوحيد(؟‬
‫أنا حّر في ان اصل الي أيّ بلد وبأّية طريقة‪ ،‬ودون ابداء السباب‪ ،‬وبشكل غامض‬
‫ومبهم ومسدود المسالك علي ك ّ‬
‫ل سؤال‪.‬‬
‫ن أّول ما خطر لي هو استطلع احوال الحّرية هناك‪ ..‬أو ليس هذا هو ما‬
‫وللمناسبة‪ ..‬فإ ّ‬
‫يشغل بال ك ّ‬
‫ل واحد مّنا عندما تقذفه ظروف التأليف أو التلفيق من جّنة بلده الحّرة‬
‫الي مثل ذلك البلد البعيد؟‬
‫سألت واحدا ً من الّرجال‪ ،‬وأنا أرتشف الشاي الذي كان بل طعم‪:‬‬
‫ لماذا شايكم بل طعم؟!‬‫قال بوقار غير مصطنع‪:‬‬
‫ك‪ ..‬شاينا هو شاي الموا َ‬
‫ أنت غريب دون ش ّ‬‫ل من الكافين لّنه‬
‫طنة الصالحة‪ .‬إَنه خا ٍ‬
‫ل من السكّر لكي ل يجعلنا حلوين أكثر مما ينبغي‪.‬‬
‫منّبه‪ ،‬وخا ٍ‬
‫مل‬
‫صدمني جواب الّرجل‪ ،‬وحّرضني علي استطلع حال الّناس‪ .‬فإذا كان الشاي ُيعا َ‬
‫مل المواطن؟!‬
‫بهذه الطريقة‪ ،‬فكيف ُيعا َ‬
‫قال لي الّرجل‪:‬‬
‫ما‬
‫ما عبد مأمور‪ ،‬وإ ّ‬
‫ما مأمور‪ ،‬وإ ّ‬
‫ما عبد‪ ،‬وإ ّ‬
‫ المواطنون عندنا‪ ،‬والحمد لّله‪ ،‬أربعة انواع‪ :‬إ ّ‬‫عبد المأمور‪.‬‬
‫سألته مشفقًا‪:‬‬
‫ وأنت من أيّ نوع؟‬‫ أنا مأمور‪.‬‬‫‪67‬‬

‫ لماذا؟‬‫ لنني عبد‪.‬‬‫سألت رفيقه‪ :‬وأنت؟‬
‫قال‪ :‬أنا مثله‪ ..‬تخّرجنا من مدرسة واحدة‪.‬‬
‫ أعندكم مدارس؟!‬‫سجن مدرسة(‪.‬‬
‫ مدارس كثيرة‪) ..‬ال ّ‬‫م مدرسة(!‬
‫ في بلدنا‪) .‬ال َ‬‫م في المدرسة(‪..‬‬
‫ وعندما أيضا ً ما يشبه ذلك‪) ..‬ال ّ‬‫سجن ليس حكرا ً علي أحد‪ .‬جميع المواطنين يجب ان يكونوا متعلمين‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫سألت الَرجل الثالث‪ :‬وأنت؟ من المدرسة نفسها؟‬
‫قال‪ :‬ل‪ ..‬أنا من مدرسة أخري‪ .‬أنا عبد‪.‬‬
‫ لماذا أنت عبد؟‬‫ لنني مأمور‪.‬‬‫ذهلت لهذا التقسيم الطبقي الملتبس‪ ،‬فسألت الّرجال‪ :‬ما الفارق بين الثنين؟!‬
‫قال لي أحدهم‪ :‬المأمور لّنه عبد هو الّنشط الذي يقوم بالخدمة حتي قبل ان يسمع‬
‫ما العبد لّنه مأمور فهو الذي ينتظر حّتي يسمع الوامر‪ ..‬ل فارق كبيرا ً بين‬
‫الوامر‪ ..‬أ ّ‬
‫الثنين‪ ،‬إّنه كما تري قليل من الكسل‪.‬‬
‫أشرت الي الّنادل بإصبعي فأقبل كالّريح‪ ،‬فخمّنت أّنه من الفئة الّنشطة‪.‬‬
‫قلت له‪ :‬قدح ماء‪ ..‬رجاًء‪.‬‬
‫قال بأدب كثيف‪ :‬الماء موجود في الشاي يا سّيدي‪ ..‬بلدنا في حالة تق ّ‬
‫شف‪ ،‬ولسنا‬
‫مترفين إلي حد ّ وضع ك ّ‬
‫ل منهما في قدح منفصل‪.‬‬
‫بلع ريقه وأردف‪ :‬ثم إنني أرجوك وأقّبل قدميك‪ ..‬ل تقل لي )رجاًء( مّرة ثانية‪ .‬إذا‬
‫رجوتني فسيدخلونني المدرسة مّرة أخري‪ ..‬سيقولون إنني تجاوزت طبقتي‪ ..‬أرجوك يا‬
‫سّيدي‪ ..‬ما أنا إل ّ عبد المأمور‪.‬‬
‫من المأمور؟‬
‫و َ‬‫ سّيدي صاحب المقهي‪.‬‬‫قلت للعجوز الوقور الجالس الي جانبي‪ :‬أأنا في حلم أم في علم؟!‬
‫قال‪ :‬انت في علم يا سّيدي‪.‬‬
‫دنيا كّله‬
‫قلت وانا اشعر بغيظ ال ّ‬
‫‪68‬‬

‫ كيف ترضون بهذا الواقع؟‬‫خلقنا‪.‬‬
‫قال مستغربًا‪ :‬لماذا ل نرضي؟ هكذا ُ‬
‫صرخت فيه‪ :‬ك ّ‬
‫ل‪ ..‬لقد خلقكم الّله أحرارًا‪ .‬أنتم أحرار‪ ..‬عليكم ان تغّيروا هذا الواقع‪.‬‬
‫قال‪ :‬كيف نغّير هذا الواقع؟‬
‫قفوا أنفسكم‪..‬‬
‫قلت‪ :‬اقرؤوا‪ ..‬ث ّ‬
‫اعرفوا حقوقكم‪.‬‬
‫سأل‪ :‬ماذا نقرأ؟‬
‫اقرؤوا الدستور‪.‬‬
‫ ل يوجد دستور‪.‬‬‫ اقرؤوا الكتب‪.‬‬‫ ل توجد كتب‪.‬‬‫ انشروا كتبًا‪.‬‬‫ نشر الكتب ممنوع‪.‬‬‫صحف‪.‬‬
‫ انشروا آراءكم في ال ّ‬‫ الصحيفة الوحيدة لدينا ل تستخدم الحروف‪ ،‬لّنها ل تؤمن بالكتابة‪ ..‬هي عبارة عن‬‫صفحة واحدة تحمل صورة سّيدنا )العبد العظم(‪.‬‬
‫ أعظم؟! كيف يكون أعظم وهو عبد؟‬‫دول العظمي‪.‬‬
‫ن عبودية سيدنا العظم مستوردة من ال ّ‬
‫دية مقامات يا سّيدي‪ ..‬إ ّ‬
‫ العبو ّ‬‫ اذن‪ ..‬اصرخوا‪.‬‬‫شف‪ ،‬وهو يحتاج الي ك ّ‬
‫ن بلدنا في حالة تق ّ‬
‫ل ما يمكن‬
‫ عيب ان تقول هذا يا سّيدي‪ .‬إ ّ‬‫من الهدوء والسكينة‪ ..‬أخذني الغيظ بعيدا‪ ..‬قلت للّرجال‪:‬‬
‫ة عنكم‪.‬‬
‫ سأصرخ نياب ً‬‫قال العجوز الوقور‪ :‬إذا شئت ان تكون مواطنا ً صالحا ً وسالما ً في الوقت نفسه‪ ،‬فإنني‬
‫انصحك يا سّيدي بالتزام الهدوء والسكينة‪ .‬إذا صرخت فستقلق راحة البلد‪ ،‬وعندئذ‬
‫سيحملونك الي )المدرسة(‪.‬‬
‫من قال لك إنني اريد ان اكون مواطنا صالحا ً مثلكم؟‬
‫صرخت باستنكار‪ :‬و َ‬
‫قال‪ :‬يجب ان تكون‪ ..‬القاعدة هنا هي ان تكون مواطنا ً صالحًا‪ ،‬أو مواطنا ً مقتو ً‬
‫ل‪ ..‬هل‬
‫تريد ان ُتقَتل؟!‬
‫‪69‬‬

‫صحت به غاضبا‪ :‬ك ّ‬
‫ل‪ ..‬اريد ان ارحل‪.‬‬
‫رفع عينيه نحو السقف‪ ،‬وراح يرّبت علي الطاولة‪ ،‬مرسل ً صفيرا ً خافتا ً متق ّ‬
‫طعًا‪ ،‬ثم قال‬
‫في‪:‬‬
‫كالمتش ّ‬
‫سفر ممنوع‪.‬‬
‫ لن تستطيع ان ترحل‪ ..‬ال ّ‬‫حّر‬
‫سفر‪ ..‬انا رجل ٌ‬
‫ضحكت ضحكة باردة هازئة‪ :‬هذا ما تظّنه‪ ..‬ل احد يمكنه منعي من ال ّ‬
‫من بلد حّرة‪.‬‬
‫أخرجت قلمي ودفتر ملحظاتي‪ ،‬ففغر الّرجال افواههم‪ ،‬وأبعدوا ايديهم عن الطاولة‬
‫وث بهاتين الّتهمتين‪.‬‬
‫بسرعة خوفا ً من التل ّ‬
‫قلت وصدري ممتليء بالفخر‪ :‬انظروا‪ ..‬ما دام عندي قلم ودفتر‪ ،‬فل احد في الرض‬
‫يمكنه ان يمنعني من أيّ شيء‪ ..‬انظروا‪..‬‬
‫وكتبت بسرعة‪ ..) :‬وبشكل ما‪ ،‬استطعت الفرار من ذلك البلد البعيد المخيف(‪.‬‬
‫ف‪ ..‬كْلما تذكرت تفاصيل لقائي بمجموعة الّرجال في مقهي العاصمة الوحيد في ذلك‬
‫أُ ّ‬
‫ي‪ ،‬ووضعت يدي علي قلبي شاكرا ً السماء‬
‫البلد البعيد‪ ،‬تنف ّ‬
‫ست ال ّ‬
‫صعداء‪ ،‬وأغمضت عين ّ‬
‫َ‬
‫عش في بلد مثل ذلك البلد‪.‬‬
‫علي أنني لم ٌأخَلق أو أ ِ‬
‫عجيب أن يحيا المرء في بلد مواطنوه أربعة‪ :‬عبد‪ ،‬أو مأمور‪ ،‬أو عبد مأمور‪ ،‬أو عبد‬
‫المأمور! أليس ذلك عجيبًا؟!‬

‫عمي‬
‫ال َ‬
‫في منتصف السّتينات من القرن الفائت‪ ،‬عندما كان الكاتب )ألبرتو مانغويل( يافعا ً‬
‫يعمل بعد المدرسة في إحدي مكتبات بوينس آيرس‪ ،‬التقي‪ ،‬لّول مّرة‪ ،‬بالكاتب‬
‫الرجنتيني الشهير )بورخيس( عند زيارته للمكتبة برفقة والدته المسّنة‪ ،‬حيث كان في‬
‫تلك الفترة يقترب من العمي التام‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫ويتذ ّ‬
‫ن بورخيس كان يطلب الكتب‪ ،‬وبنهم القاريء القديم المدمن يقّرب‬
‫كر مانغويل أ ّ‬
‫فس الحروف التي لم يعد‬
‫صفحاتها من عينيه حتي تلصق أنفه‪ ،‬كما لو أّنه يريد أن يتن ّ‬
‫قادرا ً علي رؤيتها!‪.‬‬
‫ما إذا كان يملك وقت فراغ‬
‫ويقول إّنه‪ ،‬في فترة لحقة عندما فقد بصره تمامًا‪ ،‬سأله ع ّ‬
‫ن والدته المسّنة قد بلغت الغاية من‬
‫في المساء يمكنه خلله أن يزوره ليقرأ له‪ ،‬ل ّ‬
‫التعب‪.‬‬
‫صه به‬
‫وقد أبدي مانغويل موافقته‪ ،‬دون أن يدرك في ذلك الوقت‪ ،‬عظم المتياز الذي خ ّ‬
‫ذلك الكاتب الكبير‪.‬‬
‫وأثناء تلك العلقة كان مانغويل‪ ،‬في كثير من الحيان‪ ،‬يرافق بورخيس إلي دور‬
‫السينما‪ ،‬ليروي له أحداث الفلم‪ ،‬وسط تأّفف وغضب المتفّرجين الخرين الذين كان‬
‫صة أن بورخيس‬
‫يزعجهم صوت الّراوي الشاب وهو يقطع عليهم متعة المشاهدة‪ ،‬خا ّ‬
‫لم يكن ليقنع بوصف الحداث والصور‪ ،‬بل كان يطلب من مانغويل أن يضيف إليها من‬
‫عنده ما يعّزز الوصف‪ ،‬كأن يصف مشاعر الشخصيات‪ ،‬وزوايا الصور‪ ،‬من قبيل‪ :‬إّنه‬
‫عدا ً جدا ً من طريقة دخوله الغرفة أو الكاميرا الن ُتظهر بانوراما المدينة‬
‫يبدو متو ّ‬
‫بشكل رائع ومؤّثر ‪.‬‬
‫قته كان بورخيس المولع بالتذ ّ‬
‫كر يصف لمانغويل المدينة كما‬
‫وفي طريق العودة إلي ش ّ‬
‫ّ‬
‫كانت عندما كان يستطيع الرؤية‪ ،‬ويروي حكايات عن قُطاع الطرق الممسكين بقبضان‬
‫ن الموقع الذي يصفه قد ح ّ‬
‫ل‬
‫الحديد في الزوايا الخطرة من الشارع‪ ،‬دون أن يدرك أ ّ‬
‫مكانه‪ ،‬في الوقت الّراهن‪ ،‬البرج الّزجاجي لفندق الشيراتون‪ ،‬والمخزن المصمم بأحدث‬
‫الطرز الهندسية!‪.‬‬
‫سط ميدان )سان تيلمو(‬
‫يقول مانغويل إّنه عندما ذكر لبورخيس أ ّ‬
‫ن هناك بئرًا‪ ،‬الن‪ ،‬تتو ّ‬
‫ً‬
‫دقه‪ ،‬وقال مستنكرا‪ :‬ل‬
‫السياحي‪ ،‬في القسم الستعماري القديم من المدينة‪ ،‬لم يص ّ‬
‫صة داخل البيوت ‪.‬‬
‫يمكن وضع بئر في ميدان عام‪ ..‬البار تحفر في الفنية الخا ّ‬
‫عندئذ تخّيل مانغويل فيلما ً وثائقيا ً )اقترحه كما يقول علي ريك يانغ الذي كان في ذلك‬
‫الحين ينتج أفلما ً في كندا(‪ ..‬ويتمّثل هذا الفيلم في تصوير معالم الحاضر في بوينس‬
‫آيرس مرفقة بصوت بورخيس وهو يصف معالم المدينة نفسها في الماضي‪ ،‬حين كان‬
‫ول في الشوارع قبل عقدين من الّزمن‪.‬‬
‫يتج ّ‬
‫ن أّية محطة تلفزيون كندية لن يمكنها رؤية الميزة التي‬
‫ن مانغويل أبدي أسفه ل ّ‬
‫لك ّ‬
‫تحملها مثل هذه الرحلة‪.‬‬
‫بالنسبة لي شخصيا ً أستطيع أن أتفّهم دهشة مانغويل واستثارته‪ ،‬حين كان يري المدينة‬
‫بعينيه‪ ،‬ويسمع بأذنيه‪ ،‬في الوقت نفسه‪ ،‬وصفا ً آخر لها مغايرا ً تماما ً لما يراه‪.‬‬
‫دة وقسوة‬
‫لكّنني أستطيع أن أتفّهم جد ّا ً مرارة واستنكار )بورخيس( المستثار من ح ّ‬
‫التغّير الذي صنعته الرؤية بمدينته المصونة خلف أسوار عماه‪.‬‬
‫أّول مّرة شاهدت فيها )البصرة( بعد مغادرتها منذ ثلثين عامًا‪ ،‬كانت من خلل لقطات‬
‫ولون فيها بأعقاب الحرب الخيرة‪ .‬وكنت في تلك‬
‫سريعة لمراسلي التلفزيون‪ ،‬وهم يتج ّ‬
‫الثناء أتبع الكاميرا بغيظ ولهفة وأكاد أستوقفها لكي أقبض علي موضع من مدينتي‬
‫في‪ .‬لكن عبثا ً حاولت الوصول‬
‫الجميلة التي أعرف جميع دروبها كما أعرف خطوط ك ّ‬
‫إليها‪ .‬وعدت علي أعقابي مسربل ً بحزن وحيرة التائه الغريب في مدينة ل يعرفها قط!‪.‬‬
‫وتبع ذلك استنجادي بمن هناك‪ ،‬عن طريق الهاتف‪ ،‬لع ّ‬
‫صبا ما‬
‫ل في وصفهم لمرابع ال ّ‬
‫يؤ ّ‬
‫كد هوية مدينتي المرسومة في قلبي بكامل جمالها وأناقتها‪ ،‬وبأدقّ تفاصيلها‬
‫‪71‬‬

‫ن أقرب ما سمعته من وصف‬
‫المغتسلة في ذاكرتي بوضوح أصفي من البلور‪ .‬غير أ ّ‬
‫كان يبدو لي كصفحة من كتاب قديم تراكم فوقها الغبار حتي كاد يطمس السطور‪.‬‬
‫دثونني عن أماكن ل‬
‫وفي الونة الخيرة كنت ألتقي ببعض العائدين من هناك‪ ،‬فكانوا يح ّ‬
‫أعرفها أبدًا‪ ،‬وأسألهم بحرقة عن أماكن تنتصب شابة ملء قلبي‪ ،‬فينكرون وجودها‪..‬‬
‫وفي أفضل الحوال يعتقدون أّنها رّبما شاخت واندثرت‪.‬‬
‫يا إلهي!!‬
‫مة فرق بين المنفي والعمي؟!‪.‬‬
‫أث ّ‬
‫ويا إلهي‪..‬‬
‫أليس في قلب العدالة المعصوبة العينين من حرقة قلبي ما يجعلها تف ّ‬
‫ك العصابة عن‬
‫عينيها‪ ،‬وتهوي بميزانها علي رؤوس عميان القلوب والضمائر من المحامين )الخارجين‬
‫دفاع عن طاغية أعمي أطفأ بظلمه بصر البلد‬
‫وعوا لل ّ‬
‫علي القانون(‪ ..‬أولئك الذين تط ّ‬
‫وأهلها؟‪.‬‬

‫تخليص البريز‬
‫الغضب الساطع‪ :‬في الوقت الذي يبدأ فيه ثمانية آلف معتقل وأسير فلسطيني في‬
‫سلطة الفلسطينية تستنفر جميع‬
‫سجون إسرائيل إضرابا ً مفتوحا ً عن الطعام‪ ..‬ال ّ‬
‫مار حسن( الفلسطيني المشارك في البرنامج الغنائي‬
‫وزاراتها وأجهزتها لدعم )ع ّ‬
‫)سوبر ستار(!‪.‬‬
‫واتنا إلي هنا طمعا ً في النفط‪ ،‬فقد‬
‫تنزيلت‪ :‬السفير البريطاني في العراق‪ :‬لم تأ ِ‬
‫تق ّ‬
‫دام حسين علينا )قبل الحرب( بسعر خمسة دولرات للبرميل‪ ،‬مقابل أن‬
‫عرضه ص ّ‬
‫سلطة!‪.‬‬
‫نتركه في ال ّ‬

‫‪72‬‬

‫دام(‪ ..‬جماعة )فدائّيي الق ّ‬
‫ذافي( تصدر بيانا ً تتوعد ّ‬
‫َبندقة المحراث‪ :‬بعد زوال )فدائّيي ص ّ‬
‫فيه ك ّ‬
‫صدر( الذي اختفي خلل زيارته إلي‬
‫ل من يحاول إثارة موضوع المام )موسي ال ّ‬
‫ليبيا عام ‪.!1978‬‬
‫دام يطلب نقله إلي سجن سويدي!‬
‫سياحة العنكبوت‪ :‬ص ّ‬
‫عجلة الصلح تدور‪ :‬قرار سوري بتغيير لقب العضو الحزبي من )رفيق( إلي )سّيد(!‪.‬‬
‫ذافي لح ّ‬
‫خل الق ّ‬
‫ل مشكلة دارفور!‪.‬‬
‫خذوا الحكمة‪ :‬الّرئيس السوداني يطلب تد ّ‬
‫دفاع عن أبيها‪ ،‬وتقول للصحافية‬
‫دام تطلب محاميا ً أمريكيا ً لل ّ‬
‫مباديء‪ :‬رغد ابنة ص ّ‬
‫المريكية دافني باراك ‪ :‬المحامون يثيرون جنوني بمطالباتهم المالّية!‪.‬‬
‫اجتثاث الفساد‪) :‬قريع( يصدر بيانا ً يعلن فيه منع تناول )الفطائر( في اجتماعات‬
‫الحكومة!‪.‬‬
‫مكافأة دارفورية‪ :‬ترقية الّرئيس عمر البشير من )فريق( إلي )مشير(!‪.‬‬
‫َوصلة حزن‪ :‬الّراقصة )دينا( تعتزل الّرقص )مؤقتا( حزنا ً علي وفاة والدها!‪.‬‬
‫|||‬
‫خلصة‪ :‬كان بطل رواية )الجوع( للكاتب النرويجي كنوت هامسون يصف ظلم غرفة‬
‫بات فيها ذات ليلة بقوله‪ :‬الظلم يتوالد من حولي‪ ..‬الحلكة ال ّ‬
‫لنهائية ل يمكن سبر‬
‫ص بها ول تستطيع لفظها‪.‬‬
‫غورها‪ ،‬حّتي أن أفكاري تغ ّ‬
‫بماذا يمكنني مقارنتها؟‬
‫لقد بذلت محاولت يائسة من أجل العثور علي كلمة سوداء بما يكفي لوصف هذه‬
‫وث فمي !‪.‬‬
‫سواد بحيث أنني إذا نطقتها فإ ّ‬
‫الظلمة‪ ..‬كلمة بالغة ال ّ‬
‫ن من شأنها أن ُتل ّ‬
‫لو كان المؤلف حي ّا ً لنصحته‪ ،‬من أجل إنهاء معاناة بطله‪ ،‬بأن يضع علي لسانه عبارة‬
‫)الوضع العربي(!‪.‬‬

‫الّرجل الّتصويري!‬
‫انتهي المر بأن بصق )نعمان( في وجهي‪.‬‬
‫ُ‬
‫صدفة شاءت لها أن تستقّر بكاملها علي وجه‬
‫صب بقطرة من رذاذ البصقة‪ ،‬ل ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫لم أ َ‬
‫)ج ّ‬
‫جها ً نحوي أنا بال ّ‬
‫ذات‪..‬‬
‫ن صوتها المدّوي كان مو ّ‬
‫لوي( الذي كان يحجز بيني وبينه‪ ،‬لك ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن وقوع الصفعة علي خد ّ )ج ّ‬
‫لوي( ل‬
‫دعيت أّنه صفعني أيضا‪ ،‬ل ّ‬
‫ولن أكون مغاليا إذا ا ّ‬
‫دي أنا بال ّ‬
‫ذات‪.‬‬
‫خ‬
‫نحو‬
‫جهة‬
‫مو‬
‫كانت‬
‫الصفعة‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يغّير شيئا ً من حقيقة أ ّ‬
‫صرخت به من وراء جّثة ج ّ‬
‫لوي‪:‬‬

‫‪73‬‬

‫ اسمع يا نعمان‪ .‬نحن لسنا في غابة‪ .‬إّننا والحمدّلله نعيش في مدينة‪ ،‬والمدينة فيها‬‫شرطة وقوانين‪ ..‬وعليه فإنني سأطلب َرد ّ اعتباري من الحكومة نفسها‪.‬‬
‫ح بيديه‪:‬‬
‫شو ّ َ‬
‫خر‪ ..‬القانون بيننا‪ ،‬وسنري إن كان لدي الحكومة اعتبار‬
‫ددني؟ سأذهب معك بل تأ ّ‬
‫ أته ّ‬‫لمن يضرب أولد الجيران‪.‬‬
‫كّررت ما قلته عشرات المّرات‪ ،‬قبل أن أندفع نحو مركز الشرطة‪:‬‬
‫ لم أضرب أولدك‪ .‬ولم أشتمهم‪ .‬إّنهم ك ّ‬‫ذابون‪ ..‬لم أفعل غير أن طلبت منهم بالشارة‬
‫دمة سّيارتي‪.‬‬
‫أن ينزلوا من علي مق ّ‬
‫أكد ّ ج ّ‬
‫لوي وهو يحاول أن يستوقفني‪ ،‬ويستوقف نعمان الّراكض في أثري‪:‬‬
‫ لم يضربهم‪ ..‬فقط قال لهم )كش كش كش(‪.‬‬‫وحين لم يفلح في إيقافنا‪ ،‬جارانا في الهرولة‪ ،‬وعندئذ توّقفت وطلبت منه العودة‪ ،‬لكّنه‬
‫أصّر علي مرافقتنا إلي الشرطة كشاهد‪.‬‬
‫ما ل تحمد عقباه‪:‬‬
‫قلت له متحاميا ً م ّ‬
‫ ُ‬‫كن في شأنك يا ج ّ‬
‫لوي‪ ..‬إنني أستطيع الدفاع عن نفسي‪.‬‬
‫ديًا‪:‬‬
‫قال نعمان متح ّ‬
‫ دعه يشهد‪ .‬إنه ل ُيخيفني‪.‬‬‫انفجرت حانقًا‪:‬‬
‫ يا أخي ل أريد شهادته‪ .‬ارجع يا ج ّ‬‫لوي‪.‬‬
‫نج ّ‬
‫لوي لم يرجع‪ ،‬بل زاد من سرعته وكأنه ينافسنا في سباق‪ .‬وقال من خلل‬
‫لك ّ‬
‫لهاثه‪:‬‬
‫سلت إليه أن‬
‫ق‪ .‬أمسكت بطرف جلبابه وتو ّ‬
‫ أنا ل أدافع عن أحد‪ .‬أنا أدافع عن الح ّ‬‫ن إمساكي به لم يوقفه‪ ،‬بل جّرني وراءه كعربة قطار‪.‬‬
‫يخرج من القضّية‪ ،‬لك ّ‬
‫قلت للمحقق باختصار‪:‬‬
‫ن أولد جاري هذا ل شغل لهم سوي الّرقص فوق سّيارتي طول‬
‫ المسألة وما فيها أ ّ‬‫ّ‬
‫اليوم‪ .‬إّنهم ل يختارون من جميع السّيارات التي في ساحة العمارة إل سّيارتي أنا‬
‫فوا عن‬
‫سلت إليهم أن يك ّ‬
‫ليقيموا فوقها دبكتهم‪ ..‬وقد تعبت‪ ،‬دون جدوي‪ ،‬من كثرة ما تو ّ‬
‫ن المشكلة لم تنته أبدًا‪ .‬واليوم جاءني جاري‬
‫هذا العبث‪ ،‬ولطالما شكوتهم لوالدهم لك ّ‬
‫دعي أنني ضربت أولده‪ .‬أقسم لك أنني لم أفعل غير أن أشرت لهم بأن ينزلوا‬
‫هذا وا ّ‬
‫من علي سّيارتي‪ ..‬لكّنه أزبد وأرعد وشتم وبصق وصفع‪ ..‬إنني يا سّيدي أطلب أن‬
‫دوا لي اعتباري‪.‬‬
‫تأخذوا بح ّ‬
‫قي منه وأن تر ّ‬
‫قق بصره نحو نعمان وسأل‪:‬‬
‫جه المح ّ‬
‫و ّ‬
‫ ما قولك أنت؟‬‫‪74‬‬

‫دة‬
‫ قولي أّنه ضرب أولدي‪ .‬حلفوا لي أنه ضربهم‪ .‬والدليل أّنهم كانوا يبكون من ش ّ‬‫الوجع‪..‬‬
‫الشارة باليد ل تجعل الطفال يبكون من اللم‪ ..‬أليس كذلك؟‬
‫في هذه اللحظة اندفع ج ّ‬
‫سعا ً بذراعيه الفجوة ما بيني وبين نعمان‪ ،‬حتي التصق‬
‫لوي مو ّ‬
‫قق‪ ،‬تاركا ً إّيانا خلفه‪ ،‬وصاح بصوت مجلجل‪:‬‬
‫بطاولة المح ّ‬
‫ق‪.‬‬
‫ أقول الحقّ ول شيء غير الح ّ‬‫دق فيه مغيظًا‪:‬‬
‫بهت المح ّ‬
‫قق‪ ،‬وح ّ‬
‫من أنت؟!‬
‫ َ‬‫قال ج ّ‬
‫لوي بأدب‪:‬‬
‫ أنا ج ّ‬‫قق‪.‬‬
‫لوي يا حضرة المح ّ‬
‫تساءل المحقق والغيظ ل يزال مرتسما ً علي ملمحه‪:‬‬
‫ ما علقتك بالقضّية؟!‬‫ أنا شاهد‪.‬‬‫قق ببصره نحونا من فوق كتفي ج ّ‬
‫لوي وسألنا‪:‬‬
‫رمي المح ّ‬
‫ أكان هذا حاضرا ً عندما تشاجرتما؟‬‫لم يدع لي ج ّ‬
‫دد كالمدفع الّرشاش‪:‬‬
‫لوي فرصة للّرد‪ ،‬بل انطلق ُيع ّ‬
‫قق‪ ..‬حاضر وناظر وباظر أيضًا‪.‬‬
‫ نعم يا حضرة المح ّ‬‫ل شيء وسمعت ك ّ‬
‫رأيت ك ّ‬
‫ل شيء من التيسي للفيسي للّريسي‪ .‬أقسم بالّله العظيم‬
‫ن الولد قد افتروا علي هذا الّرجل الطّيب‪ .‬رأيتهم بعيني قبل أن يخرج وهم يتقافزون‬
‫أ َ‬
‫فوق السّيارة )زيق فيق بيق(‪ ..‬وك ّ‬
‫ل ما فعله أّنه قال لهم بيده )كيش كيش كيش(‪..‬‬
‫وعندما لم ينزلوا أعطاهم )شاك طراك طراك(‪.‬‬
‫قق حانقًا‪:‬‬
‫استوقفه المح ّ‬
‫ هيه‪ ..‬هيه‪ ..‬ماذا أعطاهم؟!‬‫ صار يخبط علي السّيارة بغضب لكي ينزلوا‪ ..‬ويبدو أّنهم خافوا حينئذ‪ ،‬إذ أّنهم‬‫)تشرمب تشرمب تشرمب( واحدا ً بعد الخر‪.‬‬
‫صرخ المحقق به‪:‬‬
‫ ماذا تقول يا رجل؟!‬‫قال ج ّ‬
‫لوي بك ّ‬
‫ل تهذيب‪:‬‬

‫‪75‬‬

‫ أقول يا سّيدي إّنهم قفزوا إلي الرض‪ ..‬وما هي إل ّ لحظات حّتي جاء الخ نعمان يهّز‬‫م( ومن دون سلم أو كلم )طراااخ( بك ّ‬
‫وة فوق زجاج النافذة‪،‬‬
‫م دُ ْ‬
‫م دُ ْ‬
‫الرض هّزا ً )د ُ ْ‬
‫لق ّ‬
‫جه لهذا الّرجل الطّيب بك ّ‬
‫ل ما في الدنيا من )كذا وكذا ما كذلك(‪.‬‬
‫ثم تو ّ‬
‫دق في عينيه بغضب مسعور‪:‬‬
‫تّله المحقق إليه من جلبابه بعنف حتي حاذي وجهه‪ ،‬وح ّ‬
‫ لقد دّوختني‪ .‬احك ما رأيت بل موسيقي تصويرية‪ ..‬ماذا تعني بهذه الكذاءات؟!‬‫ثاب ج ّ‬
‫لوي إلي الواقع‪ ،‬وقال وهو يبلع ريقه خوفًا‪:‬‬
‫مه سّيدي‪.‬‬
‫ كان يسّبه ويس ّ‬‫بأ ّ‬
‫ كان بإمكانك أن تقول هذا‪ .‬تكّلم باختصار وإل ّ فسأضطر لن ألعن كذا ما كذاك‪..‬‬‫ص ْ‬
‫ل‪ ..‬ماذا جري بعد ذلك؟‪.‬‬
‫وا ِ‬
‫قال ج ّ‬
‫لوي‪ ،‬وقد استعاد جلبابه وهدوءه‪:‬‬
‫م يا سّيدي لم أنتبه إل ّ )تشاك( وطار ال ّ‬
‫وية سامحه‬
‫ث ّ‬‫شرر من عيني‪ .‬كانت صفعته ق ّ‬
‫الّله‪ ..‬ولم يكتف بهذا بل نزل علينا )تفو‪ ..‬تفوو‪ ..‬تفوووه(‪..‬‬
‫قق صارخًا‪:‬‬
‫استوقفه المح ّ‬
‫ كفي‪ ،‬كفي‪ ..‬لم أعد بحاجة إلي المزيد‪.‬‬‫م التفت نحو الشرطي الواقف بالباب وأمره بحزم‪:‬‬
‫ث ّ‬
‫ خذ هذا اليربوع واحبسه في غرفة النظارة‪ ،‬وبعد أن تقفل الباب عليه‪ ،‬اذهب إلي بيت‬‫نعمان وأحضر أولده‪.‬‬
‫قق‪:‬‬
‫ة‪ ،‬وعندما عاد مصطحبا ً الولد‪ ،‬قال للمح ّ‬
‫غاب الشرطي مد ّ ً‬
‫ وجدتهم يرقصون فوق سّيارة‪.‬‬‫هتفت بانشراح‪:‬‬
‫ أرأيت يا سّيدي؟ إّنها سّيارتي بالتأكيد‪.‬‬‫قق لنعمان بلهجة جاّفة ومؤّنبة‪:‬‬
‫قال المح ّ‬
‫ عليك الن أن تعتذر من الخ‪ ،‬وعليك بعد ذلك أن تحسن تربية أولدك‪ .‬وإذا تكّرر عبث‬‫الولد فإنني سأضعك في الحبس لمدة شهر مع الغرامة‪.‬‬
‫ي مصافحًا‪ ،‬وابتسر الكلمات مرغمًا‪:‬‬
‫مد ّ نعمان يده إل ّ‬
‫ سامحني يا أخي‪ ..‬أنا الغلطان‪.‬‬‫قق‪:‬‬
‫قال المح ّ‬
‫سلمة‪.‬‬
‫ تف ّ‬‫ضلوا الن‪ ..‬مع ال ّ‬
‫قلت له‪:‬‬
‫‪76‬‬

‫ وماذا عن ج ّ‬‫لوي؟!‪.‬‬
‫قال مبتسما ً لّول مّرة‪:‬‬
‫دم تعّهدا ً خطي ّا ً بنزع جميع أشرطة الموسيقي‬
‫ سيبقي في الحبس إلي أن يق ّ‬‫التصويرية من دماغه‪ ..‬وسأحبسك أنت أيضا ً إذا جئت به للشهادة مّرة ثانية‪.‬‬
‫ضحك إلي‬
‫ضحكت برغم صعوبة الموقف‪ ،‬وضحك المح ّ‬
‫قق عاليًا‪ ،‬وانتقلت عدوي ال ّ‬
‫في‪:‬‬
‫نعمان الذي همس لي كالمتش ّ‬
‫ص شاهدك‪.‬‬
‫ َ‬‫خل ّ ْ‬
‫جهت بصري نحو ج ّ‬
‫لوي المقرفص في غرفة التوقيف القائمة في الزاوية القصّية من‬
‫و ّ‬
‫ردهة المخفر‪ ،‬وناديته‪:‬‬
‫ سأجلب لك العشاء‪ .‬ل تجزع يا ج ّ‬‫لوي‪ .‬الحبس للّرجال‪.‬‬
‫مل ً بكل بروق ورعود الفلم‪:‬‬
‫وجاء صوته المغضب مح ّ‬
‫ عشنا ورأينا‪ ..‬حكومة شيطي بيطي ميطي‪ ،‬تحبس الشاهد وتطلق المّتهم!! تَرررم‬‫ب ََررم ط َْنطن‪ ..‬أهذا قانون أم كمنجة؟!‪.‬‬

‫صدقات‬
‫ن الكلمة الطّيبة هي بحد ّ ذاتها‬
‫الكلمة الطّيبة‪ ،‬عند الّله‪ ،‬خير من صدقة يتبعها أذي‪ ،‬بل إ ّ‬
‫صدقة‪ .‬لكّنك تصطدم‪ ،‬أحيانًا‪ ،‬بكلمات طّيبة يلتصق الذي الفوري بها كالذيل كانسا ً من‬
‫خلفها آثار خطواتها المؤنسة‪ ،‬بشكل يجعلك تتمّني الذي الجل كّله بديل ً عن هذا البديل‬
‫سد ّ مسد ّ الصدقة المؤذية‪.‬‬
‫الذي َ‬
‫ن ذلك الذي هو في الغالب نتيجة‬
‫ن الكلم ل يكّلف شيئا ً فإّنك تميل إلي العتقاد بأ ّ‬
‫ول ّ‬
‫لخيانة التعبير ليس إل‪ّ.‬‬
‫ن قارئا ً سمع أّني مريض فكتب يقول‪) :‬شفاك الّله وعافاك وأعادك‬
‫من مثل ذلك أ ّ‬
‫ّ‬
‫وضنا عنك(!‪.‬‬
‫ويع‬
‫منك‬
‫يبدلنا‬
‫أن‬
‫نسأله‬
‫نا‬
‫فإن‬
‫ل‬
‫وإ‬
‫قرائك‪..‬‬
‫سالما ً إلي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫دعاء بالخير ودخلت غرفة‬
‫صدقة هنا خرجت من غرفة ال ّ‬
‫وكما هو واضح فإ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫المفاوضات!‪.‬‬
‫ب العالمين‪ ،‬فإذا شفاني فبها‪ ..‬وإل ّ فإّنه يطلب‬
‫إّنها مفاوضة صريحة بين القاريء ور ّ‬
‫تعويضا ً عّني‪.‬‬
‫ن أداة الشرط هنا تعني أّنه احتسبني عند الّله وأغلق تربتي بالفاتحة‬
‫ول يخفي أ ّ‬
‫)آمين(!‪.‬‬
‫ولقد ذ ّ‬
‫كرني ذلك بما رواه الباحث التراثي الكويتي عادل العبدالمغني عن صديق له‬
‫بشأن طرق الّتداوي والعلج في الكويت القديمة‪.‬‬
‫‪77‬‬

‫دة أّيام‪ ،‬دون أن‬
‫يقول ذلك الصديق إّنه أصيب‪ ،‬في ذلك الّزمن‪ ،‬بصداع حاد ّ تواصل لع ّ‬
‫ل المس ّ‬
‫تنفع معه ك ّ‬
‫كنات المعروفة‪ ،‬فنصحه المجّربون بزيارة شيخ يقال له )العَْيدروس(‬
‫ليقرأ علي رأسه ويكتب له تعويذة‪.‬‬
‫جه فورا ً إلي )العَْيدروس( وحمل معه طاسة حلوي كهدية‪.‬‬
‫دة وجعه تو ّ‬
‫ولش ّ‬
‫سأله ال ّ‬
‫صداع إلي البد‪،‬‬
‫شيخ عن اسمه واسم أ ّ‬
‫مه ليكتب له تعويذة تشفيه من ال ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫مه )قماشة(‪.‬‬
‫أ‬
‫واسم‬
‫)عبدالله(‬
‫اسمه‬
‫ن‬
‫بأ‬
‫فأجابه‬
‫ا‪..‬‬
‫أيض‬
‫ظ‬
‫الح‬
‫له‬
‫وتجلب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بعد التعازيم والتمتمات والتهويمات‪ ،‬اختلي الشيخ ساعة‪ ،‬ثم عاد وفي يده تعويذة طلب‬
‫من عبدالّله أن يعّلقها في رقبته‪.‬‬
‫صداع زال في الحال‪ ،‬ولم يعاوده قط‪ ،‬فدفعه الفضول إلي استجلء‬
‫يقول عبدالّله إ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫وقت علي جميع المس ّ‬
‫كنات‪ ،‬ففتحها‪ ،‬وإذا به يقرأ‬
‫سّر هذه التميمة العجيبة التي تف ّ‬
‫التالي‪) :‬ياني عبدالّله بن قماشه‪ ،‬وشايل بإيده طاسه‪ ،‬ويقول يَعوره راسه‪ ..‬إذا طاب‬
‫دي(!‪.‬‬
‫دي‪ ..‬وإذا ما طاب عند ي َ ّ‬
‫وُ ّ‬
‫ي العتراف بأن قارئي ألطف نفسا ً من )العيدروس(‪ ،‬فهذا‬
‫ولكي أكون منصفا ً ينبغي عل ّ‬
‫ً‬
‫الخير دعا بالشفاء لعبدالّله‪ ،‬لكّنه لم يشترط تعويضا في حالة عدم شفائه‪ ،‬بل طلب‬
‫ده‪ ..‬أي أن يقبض روحه!‪.‬‬
‫من الّله أن يلحقه بج ّ‬
‫ومن طريف ما أتذكره في هذا الصدد حكاية صديق عراقي قال إّنه‪ ،‬في وقت من‬
‫جري‬
‫وس‪ ،‬إذ كان يمارس ال َ‬
‫الوقات‪ ،‬كان مهتما ً بص ّ‬
‫حته البدنية والنفسية إلي درجة الهَ َ‬
‫ل يوم‪ ،‬وين ّ‬
‫سباحة ويؤدي التمارين السويدية صباح ك ّ‬
‫ظم وجبات طعامه وفق القواعد‬
‫وال ّ‬
‫ّ‬
‫سلم‬
‫الصحّية التي يجدها في مجلة )طبيبك( وأشباهها‪ ،‬وأّنه في رحلة بحثه عن ال ّ‬
‫الّروحي اكتشف رياضة اليوغا فلم ينقطع عن ممارستها‪ ،‬وفوق هذا فإّنه قرأ كتاب دايل‬
‫كارنيجي )دع القلق وابدأ الحياة( أكثر من مّرة‪ ،‬وحرص علي تطبيق ما قرأه علي ك ّ‬
‫ل‬
‫شأن من شؤونه‪.‬‬
‫حة وعافية وفي غاية البهجة والقبال علي الحياة‪،‬‬
‫يقول صديقي‪ :‬باختصار‪ ..‬كنت بص ّ‬
‫دة‪ ،‬فإذا به ُيحّييني بصوت صاعق ُيفّزز‬
‫عندما التقيت مصادفة بصديق لم أره منذ م ّ‬
‫الموتي‪) :‬هل بالبطل‪ ..‬شلونك وردة؟!(‪.‬‬
‫لكّنه بعد أن حضنني وقّبل وجنتي‪ ،‬بدا كما لو أنه ندم علي تقليدي وسام البطولة‬
‫ومنحي رتبة الوردة‪ ،‬فصار يبعد عينيه عني ويقّربهما مّني كمن يدّقق في لوحة‬
‫م ثكلي‪:‬‬
‫انطباعية‪ ،‬ولو استطاع لقّلبني وجها ً علي قفا مثل أّية بضاعة‪ ،‬ثم صرخ بحرقة أ ّ‬
‫)هاي شبيك مصوفر وزايع عافيتك‪ ..‬جّنك ديج منشول؟(‪.‬‬
‫فرا ً ومعدوم العافية كأّنك ديك‬
‫مص ّ‬
‫والترجمة الحرفية لهذا التشخيص هي‪) :‬مالك ُ‬
‫مزكوم؟(!‪.‬‬
‫قال صديقي ضاحكا ً إّنه منذ ذلك اللقاء وقع مريضا ً ثلثة أشهر‪ ،‬وحتي بعد شفائه لم‬
‫يفلح كارنيجي ول الطبيب القّباني ول تمريناته الرياضية في إعادته إلي سابق لياقته‬
‫وبهجته!‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫ثلج‬
‫جبات‬
‫حاول )كا( باعتباره صحفيًا‪ ،‬أن يستطلع أسباب ظاهرة انتحار بعض الفتيات المح ّ‬
‫في إحدي المدن التركية النائية‪ ،‬فوصفه السلميون بأنه ملحد يريد إرواء غليل‬
‫العلمانيين في أنقرة‪ .‬وفي الوقت ذاته اّتهمه العلمانيون بالتعاطف مع الرهابيين الذين‬
‫ما الكراد الذين لم يترددوا‬
‫لن يتوّرعوا عن قطع رأسه إذا ما استولوا علي السلطة‪ .‬أ ّ‬
‫عن الشكوي إليه من بطالتهم واضطهاد السلطة لهم‪ ،‬فقد كانوا علي ريبة من صلته‬
‫بذوي النزعة القومية العنصرية من العلمانيين والسلميين علي حد ّ سواء‪ .‬وبالنسبة‬
‫لرفاقه القدماء من العسكر الذين كانوا ينتقدون صلته بكل أولئك‪ ،‬كان مفترضا ً به‬
‫وجوبا ً أن يكون مشاركا ً لهم في انقلبهم المحدود للحفاظ علي المباديء التاتوركية‪.‬‬
‫وفي معزل عن ك ّ‬
‫ل هؤلء كانت دائرة المخابرات تعتبره مجّرد آلة تسجيل ينبغي أن‬
‫ُتفّرغ المعلومات منها حول جميع تلك التّيارات‪ ،‬ولو تحت طائلة التعذيب!‪.‬‬
‫ن )كا( لم يكن مؤمنا ً فيما مضي‪ ،‬لكّنه انتهي‪ ،‬فيما بعد‪ ،‬إلي أن يري قدرة الّله‬
‫والواقع أ ّ‬
‫صل في آخر المر إلي أن يكون‬
‫تو‬
‫ثم‬
‫سماء‪،‬‬
‫ال‬
‫من‬
‫النازلة‬
‫الثلج‬
‫بة‬
‫ح‬
‫في‬
‫حتي‬
‫سدة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مج ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مجّرد )مواطن( متطلع إلي سعادة الرتباط بجميع المواطنين علي اختلف توجهاتهم‬
‫برباط المواطنة ومباديء الخاء والحرية والعدل والمساواة‪ .‬لكّنه‪ ،‬في توجهه هذا‪ ،‬لم‬
‫دد فيها )ال ّ‬
‫شموليات( من حوله‪ .‬ذلك أّنه بدل ً من‬
‫يجد له مكانا ً آمنا ً أبدا ً وسط غابة تتع ّ‬
‫دة الجميع له واعترافهم به‪ ،‬وجدهم يرفضون نموذجه الوسطي‬
‫أن يحظي بمو ّ‬
‫والموضوعي‪ ،‬علي الرغم من ألحان الوجد التي تطلقها شعاراتهم عن الحرية‪ ،‬وعلي‬
‫الرغم من إدعائهم الوصل جميعا ً بليلي الخاء والمساواة‪.‬‬
‫ددية في مثل هذا المناخ ليست منافسة بين تيارات اجتماعية مختلفة من أجل‬
‫التع ّ‬
‫الوصول إلي تحقيق الحرية للجميع والمساواة بين الجميع‪ ،‬بل هي سباق بين‬
‫ديناصورات حديثة تحمل بين أنيابها ال ّ‬
‫شعارات وأصابع الديناميت معًا‪ ،‬للوصول الي‬
‫ديمقراطية )القبيلة المنفردة بالسلطة( وتحقيق أقصي درجات العدل في توزيع بركات‬
‫البادة علي ك ّ‬
‫ل التيارات الخري!‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫دمها الّروائي التركي أورهان باموق في روايته الخيرة‬
‫تلك هي خلصة محنة )كا( كما يق ّ‬
‫)ثلج(‪ ..‬ولعّلنا ل نبالغ إذا قلنا إّنها محنة باموق نفسه‪ ،‬ومحنة جميع الخارجين علي‬
‫حظائر فرعون أو هامان أو قارون‪ ..‬في هذا الشرق السعيد‪.‬‬
‫ح علي باموق في معظم أعماله هي محاولة فهم حالة بلده تركيا التي‬
‫المسألة التي ُتل ّ‬
‫شاءت القدار لها‪ ،‬جغرافيا ً وتاريخيًا‪ ،‬أن تكون كتوأمين سياميين أحدهما رجله في آسيا‬
‫صل إلي صيغة حياة ممكنة ل تفّرط في‬
‫والخر رجله في أوروبا‪ .‬ومن ثم محاولة التو ّ‬
‫الموروث الشرقي ول تستغني عن مستجدات الحضارة الغربية التي يري فيها إغناًء‬
‫دم‬
‫للموروث‪ ،‬واستنهاضا ً له للمشاركة‪ ،‬بعد سبات طويل‪ ،‬في صنع الحياة‪ ،‬والتق ّ‬
‫بالحضارة النسانية إلي المام‪.‬‬
‫ح في التقويم النهائي‪ ،‬بالنسبة‬
‫ح بالنسبة لتركيا في هذا الشأن‪ ،‬يص ّ‬
‫ن ما يص ّ‬
‫والواقع أ ّ‬
‫لك ّ‬
‫ل بلد الشرق التي كانت‪ ،‬ذات يوم‪ ،‬واقعة تحت نفوذ تركيا العثمانية‪ ،‬قبل أن تشيخ‬
‫ّ‬
‫ن محاولة باموق‪ ،‬في‬
‫فإ‬
‫ولذلك‬
‫الغربيين‪.‬‬
‫لورثتها‬
‫حمل‬
‫بما‬
‫جمل‬
‫ال‬
‫لم‬
‫تس‬
‫و‬
‫وتمرض‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ص بتركيا وحدها‪ ،‬بل بك ّ‬
‫ل البلد الشرقية‪ ،‬وهذا ما يجعلنا شخوصا ً غير‬
‫تخت‬
‫النهاية‪ ،‬ل‬
‫ّ‬
‫م شركاء أصليين في رحلة بحثه عن الصيغة المنشودة‬
‫ث‬
‫ومن‬
‫رواياته‪،‬‬
‫في‬
‫منظورين‬
‫ّ‬
‫للتعايش والتبادل الحضاري‪ ،‬دون الذوبان في الخر‪ ..‬ودون النقطاع عنه‪.‬‬
‫لقد عالج باموق هذه العلقة المتوّترة في روايته الشهيرة )اسمي أحمر( بقالب فّني‬
‫استدعي فيه تاريخ فنون التشكيل لدي الغربيين والشرقيين‪.‬‬
‫ما في روايته القرب إلي نفسه )الحياة الجديدة( فقد اختار أن يعالج الموضوع نفسه‬
‫أ ّ‬
‫دد‪ ،‬خلل ذلك‪ ،‬عن الحتجاج بوضوح وبصوت‬
‫عن طريق الفنتازيا البوليسية‪ ،‬دون أن يتر ّ‬
‫حاد ّ النبرة ضد ّ المنسلخين من الهوية الشرقية من جهة‪ ،‬وضد ّ المتقوقعين في قمقم‬
‫ن الفريقين ل يختاران طريقين مختلفين للوصول‬
‫وية من جهة أخري‪ ،‬إذ يري أ ّ‬
‫تلك اله ّ‬
‫إلي )الحياة(‪ ..‬بل هما يختاران مكانين مختلفين لملقاة )الموت(‪ ..‬ول فرق حينئذ‪،‬‬
‫بالنسبة له‪ ،‬بين أن ينتحر المرء في بيته أو أن ينتحر في عرض الشارع العام‪.‬‬
‫في أثناء عمله علي رواية )ثلج( صّرح أورهان باموق بإّنها ستجّر عليه المتاعب‪.‬‬
‫ن تصريحه بذلك كان نوعا ً من الّنبوءة‪ ،‬فقد كان واضحا ً له‪ ،‬كما أصبح‬
‫ول أحسب أ ّ‬
‫واضحا لنا بعد قراءة الّرواية‪ ،‬أّنه بالصيغة الفنّية الجديدة التي عالج بها موضوعه الثير‪،‬‬
‫قد دخل إلي أرض الواقع المعيش والحي والمعروف‪ ،‬وهو يعرف أّنها أرض مزروعة‬
‫ن الحيل الفنّية‪ ،‬مهما اتسعت‪ ،‬لن تستطيع مراوغة آفاقها‬
‫حتي هامتها باللغام‪ ،‬وأ ّ‬
‫الضّيقة‪ ،‬حيث ك ّ‬
‫ل جماعة فيها تؤمن من صميم قلبها بديمقراطية )الفرقة الناجية(!‪.‬‬
‫لم ينج )كا( من العذاب‪.‬‬
‫ولم ينج )باموق( من غضب جميع الطراف‪ .‬لكّننا‪ ،‬باللحاح‪ ،‬علي إدانة هذه الحالة‪،‬‬
‫سوف ننجو جميعا ً في النهاية‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫المنبوذ‬
‫في عامه السادس والسبعين‪ ،‬يبدو شيخ كّتاب أمريكا اللتينية )غابرييل غارسيا ماركيز(‬
‫وكأنه قد عاد الي صباه‪ ،‬فمثل أيّ تلميذ كسول ومشاغب يطرد من الصف‪ ،‬يواجه‬
‫ماركيز‪ ،‬الن‪ ،‬قرار منعه من المشاركة في المؤتمر العالمي لّلغة السبانية الذي‬
‫ينظمه‪ ،‬ك ّ‬
‫دول الناطقة بالسبانية‪.‬‬
‫ل أربع سنوات‪ ،‬مجمع ال ّ‬
‫ح هذا الخبر المدهش والمؤسف الذي نشرته )الغارديان( البريطانية قبل أّيام‪،‬‬
‫إذا ص ّ‬
‫ن الناس هناك ليس عندهم )كبير( حين تصل المور إلي حد ّ المساس بهيبة‬
‫فهو يعني أ ّ‬
‫الّلغة‪.‬‬
‫السيدة )ماجدالينافيلسي( وزيرة الثقافة الرجنتينية التي تستضيف المؤتمر الحالي‪،‬‬
‫ن مؤلف )مائة عام من العزلة( قد منع من الحضور بسبب ما أحدثه من ازعاج‬
‫قالت إ ّ‬
‫ن الملء‪ ..‬ذلك‬
‫إ‬
‫قال‬
‫حين‬
‫اعوام‪،‬‬
‫ثمانية‬
‫قبل‬
‫المكسيك‬
‫في‬
‫عقد‬
‫الذي‬
‫المؤتمر‬
‫في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الرهاب النازل علي البشرية من المهد الي اللحد‪ ،‬يجب ان يحال علي التقاعد !‬
‫ن ماركيز‪ ،‬عندما اقترح رمي الملء في مقلب النفايات‪ ،‬لم يكن يتوقع أن يصبح‬
‫ويبدو أ ّ‬
‫منبوذا ً إلي هذا الحد‪ ..‬لكن هذا هو ما حصل‪.‬‬
‫وقد استفز قرار منعه زميله الّروائي البرتغالي الحاصل علي جائزة نوبل )خوزيه‬
‫صة به الي من ّ‬
‫ظمي المؤتمر‪ ،‬إذا‬
‫ساراماغو( الذي صّرح بأّنه سيعيد بطاقة الدعوة الخا ّ‬
‫ح خبر منع ماركيز من الحضور‪.‬‬
‫ص ّ‬
‫ومن جهتها أ ّ‬
‫صر علي منعه من‬
‫كدت وزيرة الثقافة الرجنتينية أ ّ‬
‫ن مجمع اللغة هو الذي أ ّ‬
‫المشاركة‪.‬‬
‫حة هذا المر أو عدمها‪ ،‬يستوقفنا تساؤل آخر‪ ،‬ل يق ّ‬
‫ل‬
‫وفيما يدور التساؤل حاليا ً حول ص ّ‬
‫أهمية‪ ،‬عن الدافع الحقيقي الذي دعا الّروائي الكبير إلي اقتراح إلغاء )الملء( من اللغة‬
‫ن الوقت قد‬
‫السبانية‪ .‬أكان ذلك نابعا ً من حكمة خبير بالّلغة‪ ،‬رأي‪ ،‬بعد طول التجربة‪ ،‬أ ّ‬
‫حان لتخليص اللغة من زوائدها غير الضرورية‪ ،‬وتيسير المور علي الناشئة من الكّتاب؟‬
‫ك ّ‬
‫ل‪ ..‬فالملء ليس زائدة دودية تلحق باللغة‪ .‬إّنه اللغة نفسها‪ ،‬وعلي الكاتب أن يبذل‬
‫الجهد من أجل إتقانه‪ ،‬إذا كان يعد نفسه للكتابة بالقلم‪ ،‬ل للرواية باللسان‪.‬‬
‫‪81‬‬

‫ما سبب دعوة ماركيز الغريبة إذن؟‬
‫السبب‪ ،‬ببساطة شديدة‪ ،‬هو ضعف ماركيز الشخصي في الملء‪ ،‬وتلك مشكلة رافقته‬
‫مثل كعب أخيل طيلة حياته‪.‬‬
‫وقد اعترف ماركيز في سيرته )عشت لروي( بضجره من الملء‪ ،‬لّنه ل يحسنه‪ ،‬وروي‬
‫دراسي‪ ،‬حين كان عليه أن يكتب الخطاب الفتتاحي لحد احتفالت‬
‫حكاية من ماضيه ال ّ‬
‫المعهد الرسمية‪ ،‬فقال إّنه بعد أن قابل المدير لعرض الخطاب عليه‪ ،‬نّبهه الخير‬
‫بفظاظة إلي عدد من الخطاء الملئية التي ارتكبها‪.‬‬
‫ن أكثر ما أّثر بي في تلك المقابلة هو مواجهتي‪ ،‬مّرة أخري‪ ،‬لمأساتي‬
‫يقول ماركيز‪ :‬إ ّ‬
‫ي‬
‫إل‬
‫جه‬
‫يو‬
‫أن‬
‫أساتذتي‬
‫أحد‬
‫حاول‬
‫وقد‬
‫فهمه‪.‬‬
‫أستطع‬
‫لم‬
‫فأنا‬
‫الملء‪.‬‬
‫صية في‬
‫ّ‬
‫الشخ ّ‬
‫ّ‬
‫ن سيمون بوليفار ل يستحق ك ّ‬
‫ل تلك المجاد‪ ،‬بسبب‬
‫الضربة القاضية‪ ،‬عندما قالي لي إ ّ‬
‫أخطائه الملئية‪ .‬بينما حاول آخرون مواساتي بالقول إّنه داء يصيب كثيرين‪ .‬وحّتي‬
‫ممو تجاربي المطبعية‬
‫اليوم‪ ،‬بعد أن صار لي سبعة عشر كتابا ً منشورًا‪ ،‬ما زال مص ّ‬
‫ٌيشّرفونني بكياسة تصويب أخطائي الملئية‪ ،‬علي أّنها مجّرد أخطاء مطبّعية !‬
‫صية‪ ،‬كان من الممكن لماركيز أن يذّللها بالستيعاب‪ ،‬أو‬
‫حسنًا‪ ..‬إّنها مشكلة شخ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ححين لن يتخلوا عن‬
‫ن المص ّ‬
‫صة أ ّ‬
‫بالتعايش معها‪ ،‬ما دامت قد أصبحت علة مزمنة‪ ،‬خا ّ‬
‫كياستهم أمام روائي عظيم مثله‪ .‬لكّنه بدل ً من ذلك‪ ،‬حاول أن يتفادي المشكلة بإلغائها‬
‫مة كاملة‪.‬‬
‫وكأّنها بثرة في يده وحده‪ ،‬وليست ضرورة حيوية للغة أ ّ‬
‫ويبدو أن ماركيز كان يحتمي بشيخوخته وبطول قامته البداعية‪ ،‬عندما واتته الجرأة‬
‫علي المطالبة أخيرا ً بإعدام ذلك )الرهابي( الذي رافقه منذ الطفولة‪ .‬لكن لم يدر‬
‫ل هذا العمر وك ّ‬
‫بخلده أّنه‪ ،‬بعد ك ّ‬
‫من له القدرة علي طرده‪،‬‬
‫ل هذه الشهرة‪ ،‬سيواجه َ‬
‫صف!‬
‫ببساطة‪ ،‬من ال ّ‬
‫لو كنت في مكان ماركيز لهززت يدي في وجوه سدنة اللغة السبانية‪ ،‬ولقلت لهم‬
‫ي أمري‪ .‬ماذا‬
‫بمنتهي الستخفاف‪ :‬ما هذا الهراء؟ لم يبق إل ّ أن تطلبوا مني إحضار ول ّ‬
‫ل غضبكم هذا؟ إّنه إملء ليس إ ّ‬
‫فعلت يا سنيورات حتي أستحق ك ّ‬
‫ل‪ ..‬مجّرد إملء‪.‬‬
‫أأهون عليكم من أجل هذا الشيء التافه؟ ماذا سيقول عنكم إخوانا العرب إذا وصل‬
‫ن صبيانهم هناك قد تجاوزوا من زمان مسألة ضرب‬
‫جركم وقّلة عقلكم؟ إ ّ‬
‫إليهم خبر تح ّ‬
‫الملء علي مؤخرته‪ .‬إّنهم الن ل يتوّرعون عن المطالبة بإعدام النحو والصرف‪ ،‬بل‬
‫ويعمدون بك ّ‬
‫ل سلسة وعذوبة إلي تجريد الكلمات من معانيها‪ ،‬وإنهم ليتساءلون‬
‫مّرة‪ :‬ما حكاية المعاني هذه التي جاءتنا علي آخر الّزمن؟‬
‫بسخرية ُ‬
‫ومع ذلك فإن لغتهم الرؤوم تبدو سعيدة بهم‪ ،‬ول يهمها شيء سوي ألم فراقهم الغالي‬
‫عليهم‪ ،‬ول تزال تناغيهم بك ّ‬
‫ل حنان‪:‬‬
‫ن‬
‫)أنا البحر في أحشائه الد ّّر كا ِ‬
‫م ٌ‬
‫صدفاتي؟(‬
‫واص عن َ‬
‫فهل سألوا الغ ّ‬
‫واص عن صدفاتها وعن‬
‫وهي علي يقين تام من أنهم‪ ،‬عندما يكبرون‪ ،‬سيسألون الغ ّ‬
‫ددة أن تطبخ )الكامخ( بالّربيان‪ ،‬حين‬
‫الّربيان أيضًا‪ ،‬لكي تستطيع مجامعهم اللغوية المج ّ‬
‫تعد ّ لهم الشاطر والمشطور في العوام المقبلة!‬

‫‪82‬‬

‫سّلم‬
‫المرأة علي ال ّ‬
‫سّلم‪ ،‬فاستوقفها قائ ً‬
‫ل‪ :‬أنت طالق إذا‬
‫ُتح ّ‬
‫دثنا طرفة فقهية عن زوج رأي زوجته تصعد ال ّ‬
‫ت ‪ ..‬فما كان منها إل ّ أن قفزت إلي الرض‬
‫وقف‬
‫إذا‬
‫وطالق‬
‫نزلت‪،‬‬
‫إذا‬
‫وطالق‬
‫ت‪،‬‬
‫صعد‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫سّلم!‬
‫من منتصف ال ّ‬
‫ذكّية‪ ..‬أليست كذلك؟ ومن حقّ زوجها الصالح أن يغتبط لذكائها‪ ..‬أليس كذلك؟ ومن‬
‫سامعين الكرام أن نرسل إليهما من مجامع قلوبنا أسمي آيات التهنئة‬
‫واجبنا نحن ال ّ‬
‫والعجاب‪ ..‬أليس كذلك؟‬
‫نعم‪ ..‬هو كذلك‪ ،‬عندما يتعّلق المر بنا كقطعان ماشية‪ ،‬لننا في الواقع نسخ من صورة‬
‫صالحة‪ ،‬ومن شأننا أن نسعد جدا ً بقدرة أمثالنا علي ممارسة أسوأ أشكال‬
‫تلك المرأة ال ّ‬
‫الذ ّ‬
‫ل بأعلي درجات ال ّ‬
‫ذكاء!‬
‫ن المر ليس كذلك إطلقًا‪ ،‬إذا كّنا علي سوية البشر الحرار‪ .‬ذلك لن المكان‬
‫لك ّّ‬
‫والحدث والشخوص ستتيح لنا‪ ،‬حينئذ‪ ،‬رؤية المر بصورة أفضل‪ ،‬وستفتح في جدران‬
‫تلك الطرفة نوافذ خيارات أخري غير ذلك الخيار الذي ل يؤدي إل إلي عيادة الكسور‬
‫في مستشفي العظام‪،‬ول يعود إل إلي حظيرة ذلك الفحل الصالح الذي في يده عقدة‬
‫عقد الدنيا الخري‪.‬‬
‫الطلق‪ ..‬وكل ُ‬
‫ن ذلك ثمن‬
‫ل ريب أن الطرفة ستفقد طرافتها إذا نحن فتحناها علي خيارات أخري‪ ،‬لك ّ‬
‫ويتنا النسانية‪.‬‬
‫بخس مقابل استعادة الدنيا لبهجتها‪ ،‬واستعادتنا نحن لس ّ‬
‫ح ّ‬
‫ل لمشكلتها‪،‬‬
‫ن المرأة ليست ذكّية بما يكفي‪ ،‬ولذلك فإنها وقفت لتفكر في َ‬
‫لنفرض أ ّ‬
‫ولنفرض أن الّزوج رأي أنها استغرقت من الوقت ما جعلها في حالة الوقوف الّناجز‪..‬‬
‫ح ّ‬
‫ل‪ ،‬إذ ليس علي المرأة إل ّ أن تزغرد من‬
‫متها قد وجدت ال َ‬
‫عندئذ ستكون المشكلة بر ّ‬
‫صميم قلبها‪ ،‬لخلصها من مثل هذا الّرجل الحمق‪.‬‬
‫أو‪ ..‬لتبق المرأة ذكّية ‪ -‬كما هي في الطرفة ‪ -‬لكي يمكننا الفتراض أنها بادرت فورا‬
‫إلي النزول ثم حزمت أمتعتها‪ ،‬واستدارت في طريقها إلي الباب‪ ،‬لتشكر الذي في يده‬
‫عقدة الُعقد‪ ،‬ولتذ ّ‬
‫كره بأنه يعرف مكان بيت أهلها‪ ،‬وعليه فإنه لن يجد عناء في ايصال‬
‫ورقة الطلق السعيد إليها‪.‬‬
‫أما إذا كان البيت ملكها‪ ،‬فما عليها إل أن تفتح له الباب‪ ،‬وهو بل ش ّ‬
‫ك سيعرف طريقه‬
‫ش ّ‬
‫جيدا ً إلي الشارع‪ ..‬لكّننا سنظل في َ‬
‫ك بالنسبة لهذا الحتمال‪ ،‬لن من ل يملك البيت‬
‫عقده النفسية‬
‫سيكون أعقل قليل ً من اللعب بعقدة الطلق‪ ،‬وأكثر مهارة في ترويض ُ‬
‫المتراكبة‪.‬‬
‫هناك خيار آخر أمام المرأة‪ ،‬هو أن تصعد إلي الطابق الثاني لنتقاء أحد خيارين‪ :‬فإما‬
‫ما أن تّتصل بمستشفي المجانين‬
‫أن تتصل بالقاضي طالبة منه تأديب ذلك البهلوان‪ ،‬وإ ّ‬
‫‪83‬‬

‫ددة بالضبط مقاس بعلها‪ ،‬لكي ل يكون قميص المستشفي ضّيقا ً بحيث يصعب معه‬
‫مح ّ‬
‫ربط أردانه من ورائه بسهولة‪.‬‬
‫ولن المرأة ذكية كما تقول الطرفة‪ ،‬فإنها ستستبعد خيار التصال بالقاضي‪ ،‬لخشيتها‬
‫من أنه كفحل وكفقيه‪ ،‬سوف لن تسهل عليه التضحية بتلك الطرفة الفقهية الّرائعة من‬
‫أجل سواد عينيها‪.‬‬
‫وعليه فنحن نميل إلي العتقاد بأنها ستدير قرص الهاتف‪ ،‬لتقول للطرف الخر‪:‬‬
‫)‪ ..(52‬ونفهم من هذا أنها قد أضافت ثلث درجات مضاعفة إلي مقاس زوجها‪ ،‬لتضمن‬
‫أن يكون القميص )مرحرحًا( بصورة كافية لتقييده جيدًا‪.‬‬
‫نحن هنا نتحدث عن زوجة شرعية اختارت ذلك البعل بمحض إرادتها وبرضا أهلها‪ ،‬ل‬
‫عن امرأة مخطوفة ومغتصبة‪ ،‬فهذه الخيرة ل ينفعها أن تكون بطلة طرفة‪ ..‬بل هي‬
‫تستأهل أن تكون بطلة مأساة اغريقية‪ ،‬وذلك لن مثلها لن تفوز أبدا ً بعرض الطلق‬
‫ي هذا من مختطفها‪ ،‬وعليه فإن خياراتها المفترضة هي أن تتوسل إليه راجية أن‬
‫السخ ّ‬
‫يعتقها‪ ،‬أو أن تتحّين الفرصة للهرب أو التصال بالشرطة‪ ،‬أو أن تشعل النار في البيت‪،‬‬
‫وتقفز حا ً‬
‫ل‪ ..‬من الناقذة‪.‬‬
‫وحتي بالنسبة لحالة هذه المرأة المنكودة‪ ،‬تبدو حالتنا‪ ،‬نحن السامعين الكرام‪ ،‬أسوأ‪..‬‬
‫فنحن ل نستطيع اقناع خاطفينا بعتقنا‪ ،‬لن أدمغتهم مر ّ‬
‫كبة في أعقاب بنادقهم‪ .‬ول‬
‫مذ َّلة!(‪ .‬ول نستطيع التصال بالشرطة لن‬
‫نستطيع الهرب من البيت لن )الغربة َ‬
‫التصال بالخارج عمالة وخيانة عظمي‪ .‬ول نستطيع‪ ،‬في النهاية‪ ،‬إحراق البيت‪ ،‬لنه‬
‫مر‬
‫ملكنا نحن‪ ،‬وحتي لو فعلنا فإننا سوف لن ننجو من الحتراق لن الخاطف قد س ّ‬
‫جميع النوافذ والبواب‪ ،‬في لحظة استيلئه علي البيت وعلينا‪.‬‬
‫خسائرنا بالجملة علي كل اتجاه‪ ،‬وهذا ما يوضح سبب انحيازنا لمرأة الطرفة الفقهّية‪،‬‬
‫لنها تمنحنا فرصة للدعاء بأننا اخترنا هؤلء الخاطفين )الملهمين( بمحض إرادتنا‪،‬‬
‫وبملء روحنا الّرياضية والفكاهية‪ ..‬فبذلك وحده سيمكننا‪ ،‬بل حرج أو حياء‪ ،‬أن نواصل‬
‫سّلم!‬
‫القفز )بالرّوح وال ّ‬
‫دم( إلي مشاء الّله‪ ..‬من فوق ال ّ‬

‫‪84‬‬

‫الحكيم الخضر‬
‫كانوا ثلثة إخوة يسيحون في أرض الّله طلبا ً للحكمة‪ .‬وقد ألقوا عصا الّترحال‪ ،‬ذات‬
‫ظهيرة‪ ،‬في بلدة هادئة‪ ،‬وجدوا في أحد طرقاتها المقفرة من الماّرة‪ ،‬شيخا ً طاعنا ً في‬
‫ذهول‪ ،‬يجلس مستندا ً إلي حائط بيت‪ ،‬تحت لهب الشمس الحامية‪ ،‬وكأّنه يستظ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ل‬
‫منها بها!‪.‬‬
‫كانت للشيخ لحية خضراء‪ ،‬وعليه ثوب أخضر‪ ،‬وتحت إبطه كتاب أخضر‪.‬‬
‫سلم‪ ،‬بل وضع إصبعه عموديا ً علي شفتيه‪ ،‬طالبا ً‬
‫سّلم الخوة عليه‪ ،‬فلم يرد ّ عليهم ال ّ‬
‫صمت‪ ،‬فألقوا عصا الّترحال أمامه‪ ،‬وتحّلقوا من حوله‬
‫منهم بالشارة أن يلتزموا ال َ‬
‫صامتين‪ ،‬وفي يقينهم أّنهم قد بلغوا الغاية‪.‬‬
‫م انهال عليهم ضربًا‪ ،‬فتباعدوا عنه‬
‫تناول الشيخ )عصا ترحالهم( وهّزها في وجوههم‪ ،‬ث ّ‬
‫قلي ً‬
‫سم‪ ،‬وركز العصا أمامه‪ ،‬وراح ينبش الرض بأناة‪ ،‬ويحثو الّتراب عليهم‪،‬‬
‫ل‪ .‬لكّنه تب ّ‬
‫ملونه صامتين خاشعين‪ .‬وما مضت ساعة حّتي كان الشيخ قد‬
‫وهم في أثناء ذلك يتأ ّ‬
‫صنع حفرة‪ ،‬ما لبث أن زحف نحوها حّتي غ ّ‬
‫طاها بمؤخرته‪ ،‬ونشر حولها ثوبه‪ ،‬وارتعد‬
‫صائحًا‪) :‬الطبيعة الطبيعة‪ ..‬الرض الرض‪ ..‬الفضاء الفضاء(‪ ..‬وسكت فجأة‪ ،‬ثم ابتسم‪،‬‬
‫م عبس‪ ،‬ثم بكي‪ ،‬ثم استغرق في ال ّ‬
‫ذهول!‪.‬‬
‫ث ّ‬
‫م التقطوا عصا‬
‫قام الخوة الثلثة ينفضون التراب عن ثيابهم‪ ،‬وقّبلوا يد الشيخ تباعًا‪ ،‬ث ّ‬
‫ترحالهم وانصرفوا‪.‬‬
‫ن يستظّلون به من القائلة‪ ،‬قال أكبرهم‪:‬‬
‫وفيما كانوا سائرين بحثا ً عن خا ٍ‬
‫ ال ّ‬‫ن من حفر حفرة لخيه وقع فيها!‪.‬‬
‫شيخ أنبأنا بأ ّ‬
‫وقال الخ الوسط‪:‬‬
‫ن الموت مصير ك ّ‬
‫م استقّر فوق‬
‫ بل أنبأنا بأ ّ‬‫ل حي‪ ..‬ألم ترياه قد تب ّ‬
‫م بكي ث ّ‬
‫سم ث ّ‬
‫الحفرة؟!‬
‫قال الخ الصغر‪:‬‬
‫سر الحياة المودع في الرض كما‬
‫ بل هو قد ل ّ‬‫خص لنا ناموس الطبيعة‪ ،‬فقال إ ّ‬
‫ن الماء ّ‬
‫سماء‪ ،‬قد حفر لنا‬
‫ال‬
‫قطر‬
‫انقطاع‬
‫موسم‬
‫في‬
‫ونحن‬
‫ترياه‪،‬‬
‫ألم‬
‫سماء‪،‬‬
‫ال‬
‫هو مودع في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بئرا ً في الرض؟!‪.‬‬
‫ن فدخلوه‪ .‬وبعد أن‬
‫سار الخوة طول الظهر يترّنحون تحت الشمس‪ ،‬حتي لح لهم خا ٌ‬
‫جبهم من‬
‫تع‬
‫وأبدوا‬
‫صوا علي صاحب الخان حكاية الشيخ‪،‬‬
‫ّ‬
‫استراحوا وطعموا وارتووا‪ ،‬ق ّ‬
‫ّ‬
‫م سألوه عن اسم الشيخ‬
‫ترك حكيم مثله يقتعد الطريق في عراء الظهيرة دون ظلة‪ .‬ث ّ‬
‫بغية التّبرك بذكره والدعاء له‪.‬‬
‫‪85‬‬

‫سألهم صاحب الخان‪:‬‬
‫ ماذا رأيتم الشيخ يفعل بعد أن قعد فوق الحفرة؟‬‫قال الخ الكبر‪:‬‬
‫ رأينا الحكمة مثّلثة‪.‬‬‫ثم روي له ما استنتجوا من حكمته‪.‬‬
‫قال صاحب الخان‪:‬‬
‫دد‪ .‬بل تتكّرر‪.‬‬
‫ إّنما حكمته واحدة ل تتجّزأ ول تنقسم ول تتع ّ‬‫ثم ابتسم قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫عميران الخضر( مجنون‬
‫ لقد اعتاد الشيخ أن يحفر حفرة كّلما أراد أن يتّبول‪ .‬إّنه ) ُ‬‫البلدة!‪.‬‬
‫هتف أحد الخوة‪ :‬يا سبحان الّله‪ ..‬ها هي ذي حكمته قد ترّبعت بعد تثليث!‪.‬‬
‫سماء‪ ،‬وإن لم يتدّفق من الرض‪ ..‬فليس أمام المرء إل ّ اللجوء‬
‫فإن لم ينزل الماء من ال ّ‬
‫إلي )النهر الصطناعي(!‪.‬‬
‫عقد العجب لسان صاحب الخان‪ ،‬لكّنه استطاع أن يقول بعد حين‪:‬‬
‫عميران( معكم؟‬
‫ لماذا ل تأخذون ) ُ‬‫مثلكم‪ ،‬والّله‪ ،‬أولي بمثله‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫أصدقاء رائعون‬
‫من وحي صورة فوتغرافية يعود تاريخ التقاطها إلي عام ‪ 1962،‬كتب الّروائي والشاعر‬
‫البريطاني سي‪.‬جي‪ .‬درايفر مقالة تشبه رواية مكّثفة‪ ،‬في العدد الثمانين من مجّلة‬
‫)غرانتا( الدبية الفصلية‪.‬‬
‫ص‬
‫المقالة عنوانها )كّنا أصدقاء رائعين( وهو بالضبط ما تعكسه الصورة التي تتق ّ‬
‫دم الن ّ‬
‫ّ‬
‫الذي خ ّ‬
‫متحلقون‬
‫طه درايفر من وحيها‪ :‬تسعة أصدقاء في العشرينات من أعمارهم‪ُ ،‬‬
‫حول مائدة في مطعم‪ .‬جميعهم تقريبا ً يبتسمون ابتسامات عريضة‪ ،‬وهم يتطّلعون إلي‬
‫وة المطمئنة في ربيع العمر ودعة الحياة‪.‬‬
‫عين الكاميرا‪ ،‬بزهو الفت ّ‬
‫ب تدريجي ّا ً في تلك الصورة الجامدة‪ ،‬تبعا ً لسحر حركة القلم في يد‬
‫ن الّروح تد ّ‬
‫غير أ ّ‬
‫الكاتب‪ ،‬فإذا ما وصل المرء إلي النقطة الخيرة في الصفحة العشرين من المقالة‪،‬‬
‫تجّلي له ما كان مخبوءا ً وراء تلك الوجوه الناعمة المبتهجة‪ ،‬من مصائر عاصفة بالمحن‪.‬‬
‫فإذا بأولئك الفتيان المبتسمين قد تفّرقوا علي دروب نهايات مريرة‪ ،‬تبدأ بالعتقال‬
‫خذها بعضهم أوطانا ً إلي البد‪،‬‬
‫وتمّر بالتعذيب أو القتل‪ ،‬وتنتهي إلي المنافي التي ات ّ‬
‫ومنهم درايفر نفسه‪ ،‬الذي لول حضوره في )الصورة( وتواصله‪ ،‬بطريقة أو بأخري‪ ،‬مع‬
‫دم عنهم شهادة‬
‫سر لهؤلء الشّبان من يق ّ‬
‫من ّ‬
‫ضمتهم‪ ،‬ولول كفاءته الدبية‪ ،‬لما تي ّ‬
‫َ‬
‫منصفة نظير ما بذلوه من أنفسهم من أجل النصاف !‪.‬‬
‫ن الصورة التقطت لمناسبة احتفال أحد الصدقاء‬
‫منذ السطور الولي ينبئنا درايفر بأ َ‬
‫الظاهرين فيها‪ ،‬بعيد ميلده الحادي والعشرين‪ ،‬وذلك في مطعم صيني في كيب تاون‬
‫بجنوب أفريقيا‪ .‬وينّبهنا كذلك‪ ،‬بغيظ واضح‪ ،‬إلي عدم وجود أيّ شخص أسود معهم‪،‬‬
‫ن بعضهم يرتبط بصداقات مع شّبان سود‪ ،‬وذلك لّنه‪ ،‬في ذلك الزمن‪ ،‬لم يكن‬
‫برغم أ ّ‬
‫في كيب تاون كّلها سوي مطعمين فقط يسمحان باستقبال البيض والسود معًا‪ ،‬ولم‬
‫يكن ذلك المطعم الصيني واحدا ً منهما‪.‬‬
‫دة الوعي النساني‬
‫ما يجمع أولئك الصدقاء ‪ -‬وهم جميعا ً من الفريكان البيض ‪ -‬هو ح ّ‬
‫لديهم بمشكلة السود في جنوب أفريقيا‪ ،‬ووقوفهم جميعا ً ضد َ الفصل العنصري‪،‬‬
‫درجهم في ذلك الموقف من التعاطف عن بعد‪ ،‬إلي التضامن الفعلي‪ ،‬إلي الحتجاج‬
‫وت ّ‬
‫اللفظي‪ ،‬إلي النضال الحقيقي الذي أورد بعضهم المهالك‪ ،‬وقضي علي بعضهم‬
‫بالعتقال الطويل والتعذيب‪ ،‬ودفع البعض الخر للهرب إلي الخارج بعد العتقال‪ ،‬ومنهم‬
‫كاتب المقالة الذي استقر نهائيا ً في بريطانيا واّتخذها موطنا ً له‪.‬‬
‫سطور‪..‬‬
‫يختتم درايفر مقالته بكلمات مشحونة بالعاطفة‪ ،‬تمشي كنشيد جنائزي فوق ال ّ‬
‫دمة الصورة وهو يبتسم بعنفوان‪:‬‬
‫هي كلمات رثاء لصديقه الظاهر في مق ّ‬
‫من أراه بك ّ‬
‫ل وضوح هو ريك‬
‫)عندما أنظر إلي تلك الوجوه التسعة النابضة بالحياة‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن َ‬
‫ة‪ ،‬اللحظة التي ُقرع فيها جرس باب بيته‪ ،‬فقام من الريكة‪ ،‬حيث‬
‫تيرنر وأتخّيل‪ ،‬ثاني ً‬
‫جه نحو الباب المامي الذي كان يقف وراءه شخص مبهم يحمل‬
‫كان يجلس‪ ،‬وتو ّ‬
‫دد؟ ليس هناك جواب ممكن‪ ،‬وليس هناك‬
‫بندقية‪ ..‬إنني أتساءل‪ :‬هل أدرك؟ هل تر ّ‬
‫جواب ضروري(‪.‬‬
‫سلطة البيضاء‪ ،‬بسبب نضالهم ضد ّ‬
‫من اغتالتهم ال ّ‬
‫و تيرنر في سياق المقالة هو واحد م ّ‬
‫الفصل العنصري‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫دثتنا بك ّ‬
‫ل هذا‪ ،‬فما أكثر الصور التي لم تجد راويا ً يبعث‬
‫وإذا كانت صورة واحدة قد ح ّ‬
‫جلت‬
‫الحياة فيها‪ ،‬وما أكثر الصور التي لم تلتقطها عدسات الكاميرات‪ ،‬أو أشرطة مس ّ‬
‫الصوت؟‬
‫ضية النسان‪.‬‬
‫ليس في الدنيا ما هو أجمل وأرقي من العدل والنصاف والخلص لق ّ‬
‫كرا ً‬
‫من ينحاز إلي هذه المعاني‪ ،‬حتي لو مات مب ّ‬
‫وليس في ال ّ‬
‫من هو أطول عمرا ً م ّ‬
‫دنيا َ‬
‫من أجلها‪.‬‬
‫لقد أعادتني كلمات درايفر إلي مذ ّ‬
‫دم في أمثال هؤلء‬
‫كرات نيلسون مانديل الذي ق َ‬
‫من غطس طيلة حياته في هوان العبودية تحت‬
‫الشّبان شهادة رائعة‪ ،‬يصعب أن تصدر م ّ‬
‫ّ‬
‫من وهبهم الله جمال العدل والنصاف والخلص‬
‫مقارع عنصرية البيض‪ ..‬لكّنه واحد م ّ‬
‫لقضّية النسان‪.‬‬
‫فعلي رغم ك ّ‬
‫ل ما كابده مانديل من مرارة العذاب في سجنه البغيض طيلة سبعة‬
‫ً‬
‫وعشرين عاما‪ ،‬لم يفته أن يري ‪ -‬ولو لثانية واحدة ‪ -‬براءة النسان الفطرية‪ ،‬حتي في‬
‫دخر رؤيته تلك‪ ،‬علي ضآلتها ‪ -‬لتدعيم ثقته بالجنس‬
‫جانيه‪ ،‬فا ّ‬
‫نظرات أو سلوك بعض س ّ‬
‫جانين‬
‫دخرها كذلك لهؤلء الس ّ‬
‫النساني‪ ،‬ولترميم ذاته في أشد ّ حالت انهيارها‪ ،‬وا ّ‬
‫وغ للصفح ونسيان الماضي من أجل التطّلع للمستقبل‪.‬‬
‫كمس ّ‬
‫دد عن التأكيد علي أّنه مجّرد إنسان‬
‫و مانديل الذي ل يجهل أّنه أصبح أسطورة‪ ،‬ل يتر ّ‬
‫من لقوا حتفهم في‬
‫عاديّ صنعت ظروف الظلم أسطورته‪ ،‬وأّنه مدين بذلك للكثيرين م ّ‬
‫سبيل‪ ،‬ول يتوّرع عن أن يضع في رأس قائمة هؤلء البطال عددا ً كبيرا ً من‬
‫هذه ال َ‬
‫البيض )الفريكان( الذين قاتلوا وسجنوا وتشّردوا وماتوا وهم يواجهون قومهم‪ ،‬من‬
‫سود‪ ،‬وتحرير أرض هؤلء من سطوة إجرام القّلية‬
‫أجل تحرير مواطني جنوب أفريقيا ال ّ‬
‫البيضاء‪.‬‬
‫ن‬
‫وفي ذلك يقول مانديل إّنه كان يقاتل من أجل رفع الظلم عن شعبه الفريقي‪ ،‬لك ّ‬
‫أولئك البيض كانوا يقاتلون شعبهم البيض من أجل رفع الظلم عن شعب مانديل ‪..‬‬
‫وع‪.‬‬
‫وشّتان بين موقف المضطر وموقف المتط ّ‬
‫ن هؤلء البيض‪ ،‬في نظر مانديل‪ ،‬هم الولي بوصف البطولة‪.‬‬
‫وعلي هذا فإ ّ‬

‫‪88‬‬

‫الوهم‬
‫ دكتور‪ ..‬أشعر أّني كلب‪.‬‬‫ إهدأ‪ ،‬إهدأ‪ .‬هذا مجّرد وهم‪ .‬دعنا نناقش المسألة‪.‬‬‫سلم‪.‬‬
‫ ل يحتاج المر إلي أيّ نقاش‪ .‬أنا كلب وال ّ‬‫ علي رسلك‪ .‬لست الوحيد الذي يعاني من مشاكل في هذا البلد‪ .‬ك ّ‬‫ل واحد مّنا عنده‬
‫دث‪ .‬قل لي أوّ ً‬
‫جبال من المشاكل‪ .‬إهدأ قلي ً‬
‫من أنت؟‬
‫ل‪ ،‬ودعنا نتح ّ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ كلب‪.‬‬‫ أعني ما اسمك؟‬‫ اسمي كلب‪.‬‬‫دثني عن عائلتك‪ .‬لنبدأ بالسّيد الوالد‪ .‬ما اسم والدك؟‬
‫ح ّ‬‫ السّيد الوالد كلب‪ .‬ل تدّوخني يا دكتور‪ .‬فأنا كما قلت لك‪ :‬كلب ابن كلب‪.‬‬‫ورت‪ .‬قل لي‪ ..‬ما الذي يجعلك متشائما ً إلي‬
‫ يبدو لي أن أعصابك تالفة أكثر م ّ‬‫ما تص ّ‬
‫د؟!‬
‫هذا الح ّ‬
‫ت متشائمًا‪ ..‬بالعكس‪ ..‬أنا متفائل‪..‬‬
‫ لس ُ‬‫مي نفسك كلبا ً إذن؟‬
‫ لماذا تس ّ‬‫ هل التفاؤل عندكم أن ينكر الواحد اسمه؟‬‫ت كلبًا‪.‬‬
‫ لكّنك لس َ‬‫من قال ذلك؟‬
‫ َ‬‫ أنا أقول ذلك‪ ،‬فهناك فرق بين الحيوان والنسان‪.‬‬‫سنًا؟!‬
‫ َ‬‫ح َ‬
‫ن هناك فرقا ً بين الحيوان والنسان‪.‬‬
‫ قلت لك إ ّ‬‫م ماذا؟‬
‫ سمعتك‪ .‬ث ّ‬‫م ماذا؟ أنت لست حيوانًا‪.‬‬
‫ث ّ‬‫مي الكلب؟!‬
‫ وماذا تس ّ‬‫ الكلب حيوان‪.‬‬‫ إذن أنا حيوان‪ ،‬لنّني كلب‪.‬‬‫‪89‬‬

‫ ل يا عزيزي‪ ..‬أنت إنسان‪.‬‬‫وة؟!‬
‫ بالق ّ‬‫ كل ّ إنك إنسان‪ .‬انظر في المرآة وقل لي ماذا تري؟‬‫ أري كلبًا‪.‬‬‫دق بها جّيدًا‪ .‬أتري؟‬
‫ ل يمكن‪ .‬هذه صورتك‪ .‬ح ّ‬‫أنت كائن بشري‪.‬‬
‫ كائن ماذا؟ الكلب كائن بشري؟!‬‫ الكلب كائن حيواني‪ .‬وأنت لست كلبًا‪.‬‬‫ ليس بإرادتك‪ .‬شعوري يقول لي إّنني كلب‪.‬‬‫ شعور كاذب‪.‬‬‫ هل تملك شعور كلب لكي تعرف صدقه من كذبه؟!‬‫ك ّ‬‫ن شعورك كاذب‪.‬‬
‫ل‪ ..‬أملك شعور إنسان‪ ،‬ولذلك أعرف أ ّ‬
‫ أنت بيزنطي يا دكتور‪ .‬إذا كنت ل تعرف شعور الكلب‪ ،‬فلماذا تّتهم شعوري بالكذب؟‬‫لماذا تهين كلبّيتي؟‬
‫ كفي يا ابن آدم‪ .‬لقد فلقتني‪ .‬إنني أحاول منذ الصباح أن أضبط أعصابي‪ .‬ل تثرني‬‫ي يسترك الله‪.‬‬
‫أرجوك‪ .‬بيني وبين النفجار مجّرد شعرة‪ .‬استر عل ّ‬
‫ ماذا فعلت لك يا دكتور؟‬‫دعي أّنك كلب!‪.‬‬
‫ ماذا فعلت؟ منذ ساعات وأنت ت ّ‬‫ وماذا تريدني أن أفعل؟ أغّير جنسي؟!‬‫ت كلبًا‪ ،‬ولن تكون كلبًا‪ ،‬وهذا آخر كلم‪.‬‬
‫ عدنا من جديد‪ .‬اللعنة عليك وعلي جنسك‪ .‬لس َ‬‫هل فهمت؟‬
‫ ل‪ ..‬لم أفهم‪.‬‬‫ دعني أسألك‪ ،‬إذن‪ ،‬ياحضرة الكلب‪ :‬هل تستطيع أن تنبح متي تشاء؟‬‫ ل‪.‬‬‫ض اللصوص؟‬
‫ هل تستطيع أن تع ّ‬‫ ل‪.‬‬‫ هل تستطيع أن تشتغل في أجهزة المخابرات؟‬‫ ل‪.‬‬‫‪90‬‬

‫ هل تستطيع أن تعبر الحدود دون جواز سفر؟‬‫ ل‪.‬‬‫ هل تستطيع أن تمشي ليل ً دون أن يستوقفك أكثر من حاجز للتفتيش؟‬‫ ل‪.‬‬‫ هل تستطيع أن تنام آمنًا؟‬‫ ل‪.‬‬‫ هل تستطيع أن تأكل وتشرب دون أن تعمل بثلث وظائف وعمل إضافي؟‬‫ مستحيل‪.‬‬‫ هل تستطيع أن تقود قطيع خراف‪ ،‬دون أن تّتهم بتنظيم مظاهرة؟‬‫ علي رسلك يا دكتور‪ ..‬ستحبسني!‬‫ي وعلي نفسك فتقول إّنك كلب؟!‬
‫ إذن‪ ،‬كيف تواصل الكذب عل ّ‬‫ أنا ل أك ّ‬‫مل‪.‬‬
‫ذب‪ ..‬ولكن أتج ّ‬
‫ إذن بدأت تدرك أّنك إنسان؟‬‫‪ -‬كل ّ يا دكتور‪ .‬لقد بدأت أدرك أنني مجّرد مواطن!‬

‫الخ الكبر‪ ..‬إلي البد!‬
‫من المؤ ّ‬
‫ن جورج أورويل عندما اخترع مصطلح )الخ الكبر( للتعبير عن قسوة‬
‫كد أ ّ‬
‫سلطة المستّبدة لدقائق حياة المواطن‪ ،‬لم يكن يقصد من إشارته لهذه‬
‫متابعة ال ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫خاذها برنامجا ل ِلهو والمتعة‪ .‬بل هو‪ ،‬علي العكس من‬
‫الحقيقة أن يغري المجتمعات بات ّ‬
‫ذلك‪ ،‬أراد أن يثير رعب المجتمعات منها‪ ،‬بغية الثورة عليها وإلغائها نهائي ّا ً من برنامج‬
‫الحياة الواقعّية‪.‬‬
‫ن صانعي‬
‫وإذا كان أورويل قد بني بعض أعماله الدبية علي أساس هذه الفكرة‪ ،‬فإ ّ‬
‫فيلم ترومان شو قد ترجموها سينمائيا ً بشجاعة نادرة‪ ،‬فوضعونا مباشرة أمام حالتنا‬
‫‪91‬‬

‫الّرهيبة الّراهنة كأرقام تعيش وتموت تحت وطأة رقابة السلطة الجّبارة المسيطرة‪،‬‬
‫مي )العالم(!‪.‬‬
‫وسط ديكورات مع ّ‬
‫دة بإتقان ضمن نطاق موقع تصوير واسع يس ّ‬
‫صورة‬
‫ن هذه الصورة المتخّيلة التي حاولت أن تعرض للناس مل ّ‬
‫العجيب أ ّ‬
‫خصا ً لل ّ‬
‫الحقيقية البشعة التي يحيون داخل إطارها‪ ،‬قد استحالت إلي ملهاة يعشقها الناس‬
‫ويتابعونها بدأب وشغف‪ ،‬عبر برامج مستنسخة في ك ّ‬
‫ل البلدان‪ ،‬ل تستحي من أن تحمل‬
‫بفخر واعتزاز عنوان )الخ الكبر(‪ ،‬ول تتوّرع عن التفاق بأجمعها علي إصابة النسان‬
‫سويّ بالصدمة والشعور بالغثيان!‪.‬‬
‫ال َ‬
‫ن حياة أورويل امتدت إلي زماننا‪ ،‬لكان من المؤ ّ‬
‫كد أن يتساءل بمرارة‪ :‬ما حاجتكم‬
‫ولو أ ّ‬
‫ّ‬
‫إلي تجزئة البشاعة وعرضها كنماذج مقلدة في أكثر من مكان؟ إنكم تعيشونها في‬
‫الواقع فع ً‬
‫جن ‪.‬‬
‫مد ّ‬
‫ل‪ ،‬وفي مكان واحد هو عالمكم ال ُ‬
‫عندما شاهدت فيلم ترومان شو أدهشتني شجاعة منتجيه‪ ،‬وأسعدني أن أري السينما‬
‫وة‪ ،‬مجال إثارة الوعي بدل ً من تغييبه‪ .‬وزعمت أّنه‬
‫المريكّية وهي تقتحم‪ ،‬بهذه الق ّ‬
‫مة وضرورية‪ ،‬واستطاع‪ ،‬بشكل‬
‫مه‬
‫رسالة‬
‫الناس‬
‫الي‬
‫يكفي هذا الفيلم نجاحا ً أّنه حمل‬
‫ّ‬
‫ي ومقنع‪ ،‬أن يضعهم أمام حقيقة وجودهم المخيفة محلي ّا ً ودولي ّا‪ً.‬‬
‫ذك ّ‬
‫مِلهما بصورة عكسية‪ ،‬ولم أتوّقع أن يبلغ‬
‫لكن لم يخطر في بالي مطلقا ً أن يكون ُ‬
‫شغف القطعان بالّزريبة المتخي َّلة حد ّا ً يدعوها إلي إعادة انتاجها ووضعها ثانية داخل‬
‫دمي الروسّية !‬
‫الّزريبة المخيفة القائمة أصل ً في الواقع‪ ،‬علي نسق ال ّ‬
‫فها هو برنامج )الخ الكبر( بنسخته اللمانّية‪ ،‬يب ّ‬
‫شرنا بأّنه سيقفز‪ ،‬في الربيع المقبل‪،‬‬
‫قفزة عملقة‪ ،‬بافتتاح مدينة صغيرة علي أرض الواقع‪ ،‬تحاكي بالضبط مدينة فيلم‬
‫ترومان شو !‪.‬‬
‫م بناؤها خارج )هامبورغ( ل تختلف عن مدينة ترومان إل ّ من حيث‬
‫هذه المدينة التي ت ّ‬
‫مشاركة س ّ‬
‫كانها في العرض‪ ،‬وهم بكامل وعيهم وإرادتهم!‪.‬‬
‫وتقضي الخ ّ‬
‫دة عقود‪ ،‬في هذه المدينة التي‬
‫طة أن يقيم المشاركون لعوام قد تمّتد لع ّ‬
‫ستحتوي علي غابة وميدان ومتاجر وكنيسة ومدارس وشركات‪ ،‬حيث سيحيا هؤلء‬
‫ويتعّلمون وُيحّبون ويتزّوجون وينجبون‪ ،‬تحت نظر مليين المشاهدين من ك ّ‬
‫ل أنحاء‬
‫ساعة!‪.‬‬
‫العالم‪ ،‬وعلي مدار ال ّ‬
‫يقول منتجو البرنامج إّنه سيّتم انتقاء أفضل مجموعة من الناس‪ ،‬للعيش في هذا‬
‫المكان الذي يعتبر مزيجا ً من فيلم ترومان شو و عالم ديزني ‪ ،‬وسيكون جميع أفراد‬
‫المجموعة التي ستتجاوز المئات‪ ..‬عاطلين عن العمل‪ ،‬حيث سيمكنهم‪ ،‬هناك‪ ،‬أن‬
‫هلهم للنجاح في العمال‬
‫دوا مختلف الختبارات المهنّية التي تؤ ّ‬
‫يتعّلموا الّلغات‪ ،‬وأن ُيؤ ّ‬
‫التي سوف يختارونها‪.‬‬
‫ن هؤلء المنتجين يأملون في إغراء الشركات بفتح فروع لها في المدينة من‬
‫ولهذا فإ ّ‬
‫أجل تشغيل س ّ‬
‫كانها العاطلين‪ ،‬مثلما يأملون في إغراء المدّرسين والطباء بالعيش‬
‫فيها‪.‬‬
‫ما منع أمريكا )وهي الّرائدة في ابتكار مثل هذه المشروعات‬
‫ور ّ‬
‫ب سائل يسأل ع ّ‬
‫مرة( من أن تكون هي البادئة؟‬
‫المد ّ‬
‫ن فكرة إنشاء هذه المدينة اللمانية مأخوذة أصل ً من تجربة‬
‫والجواب علي ذلك هو أ ّ‬
‫ص )جّنة‬
‫الخا‬
‫برنامجها‬
‫المنحي‬
‫هذا‬
‫في‬
‫أنتجت‬
‫التي‬
‫المريكية‪،‬‬
‫قناة فوكس التلفزيونية‬
‫ّ‬
‫عدن إلي البد( واّتخذت لقامة المشاركين فيه واحدة من الجزر الكاريبية‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫دد المد‪ ،‬لكّنه‪ ،‬ولسباب غير‬
‫وكان مقررا ً أن يبقي عرض هذا البرنامج غامضا ً وغير مح ّ‬
‫معلومة‪ ،‬ألغي في أبريل الماضي بعد أن ب ُّثت منه ثلث حلقات فقط‪.‬‬
‫ث‪ ،‬بسرعة عجيبة‪،‬‬
‫ث هذه الحلقات لم يكن عبثًا‪ ،‬فقد كان من شأنها أن تب ّ‬
‫نب ّ‬
‫غير أ ّ‬
‫نعمة دماره الشامل إلي أبعد مدي‪ ،‬لتلتقطها ألمانيا‪ ،‬ولتلتقطها من ألمانيا ‪ -‬كما هو‬
‫متوّقع ‪ -‬جميع دول عالمنا الحّر السعيد!‪.‬‬
‫مي )الخ الكبر إلي البد( لن تكون مطابقة‬
‫يقال إ ّ‬
‫ن فكرة هذا البرنامج الذي سيس ّ‬
‫دة تلفزيونّية تعرض علي الّناس‬
‫حرفيا ً لعالم ترومان الذي كان يجهل منذ ولدته أّنه ما ّ‬
‫دخول إليها‬
‫ن مدينة هذا البرنامج ستمنح المعجبين حقَ ال ّ‬
‫أربعا ً وعشرين ساعة‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫لزيارة س ّ‬
‫ن المنهج الذي سي ُّتبع في هذا المشروع سوف لن يختلف عن منهج‬
‫كانها‪ .‬لك ّ‬
‫برنامج )الخ الكبر( من حيث اهتمامه بمتابعة حالت المصاعب الجنسية‪ ،‬ونوازع‬
‫الفتتان التي تنطوي عليها طبيعة البشر!‪.‬‬
‫صص في سايكولوجيا العلم‪ ،‬عّبر عن قلقه حيال هذا‬
‫عالم النفس جو غرايبل المتخ ّ‬
‫دة‬
‫م‬
‫طول‬
‫كان‬
‫ومهما‬
‫البرنامج‪،‬‬
‫مدينة‬
‫في‬
‫سيمكثون‬
‫الذين‬
‫ن الّناس‬
‫ّ‬
‫المشروع بقوله إ ّ‬
‫إقامتهم‪ ،‬سيجدون صعوبة فيما بعد في التكّيف مع )العالم الواقعي(‪.‬‬
‫مر شخصياتهم‪ ،‬أم أّنه‬
‫ول أعلم بالضبط ما إذا كان السّيد غرايبل يقصد أ ّ‬
‫ن البرنامج سيد ّ‬
‫سيل ّ‬
‫طف حياتهم‪ ،‬نوعا ً ما‪ ،‬فيتيح لهم عند عودتهم إلي الواقع‪ ،‬أن يدركوا‪ ،‬ولو بشكل‬
‫دة وطأة عالمهم الواقعي وبشاعته؟!‪.‬‬
‫متأخر‪ ،‬ش ّ‬
‫سيبسط‬
‫لكنني أعلم جيدا ً أ ّ‬
‫ن هذا البرنامج بعد اجتذابه المشاهدين وتواصل عرضه‪َ ،‬‬
‫جاذبيته علي جميع قنوات العرب الفضائية )السّباقة إلي فعل الخيرات( وستعمل بأمانة‬
‫متناهية للحفاظ علي ك ّ‬
‫دد أيضا ً عن‬
‫ل ما يحتويه من شوائب أخلقية‪ ،‬لكّنها سوف لن تتر َ‬
‫صتها في إنماء بنائه الحضاري‪ ،‬وذلك بأن تضيف إلي البرنامج لمسة‬
‫المساهمة بح ّ‬
‫تجديدية خاصة نابعة من صميم تقاليد العالم التالف‪ .‬وتلك اللمسة ستتمّثل في جعل‬
‫نصف س َ‬
‫كان المدينة المفترضة‪ ..‬من رجال المخابرات‪.‬‬
‫صحيح أّنهم لن يستطيعوا ممارسة أعمال التعذيب المعهودة تحت رقابة مليين‬
‫ن لهم مليين الوسائل الخري غير المنظورة التي يستطيعون بها أن‬
‫الشهود‪ ،‬لك ّ‬
‫ينتزعوا المعلومات!‪.‬‬

‫جامعة الصفار‬
‫في عام ‪ 1974،‬التقي الصحفي سليم زّبال بالسّيد عبد الرحمن عّزام‪ ..‬باشا أّول أمين‬
‫دول العربّية‪ ،‬وكان الّرجل معتكفا ً في منزل ابنه ببيروت‪ ،‬بعد أن بلغ‬
‫عام لجامعة ال ّ‬
‫الثمانين من عمره‪ .‬وقد سأله‪ ،‬في ذلك اللقاء‪ ،‬عن ظروف وكيفية ولدة الجامعة‪،‬‬
‫فأجاب قائ ً‬
‫ل‪ :‬كّنا نبحث عن عروبتنا تحت وطأة الحتلل النجليزي والفرنسي واليطالي‬
‫ل شبر من أرض وطننا العربي الكبير‪ ..‬كان ك ّ‬
‫المسيطر علي ك ّ‬
‫ل مّنا ل يعرف الخر‪،‬‬
‫دثت مّرة مع‬
‫وكنا مختلفين في الّرأي والتفكير وحّتي في معني العروبة‪ ..‬وأذكر أنني تح ّ‬
‫ي قائ ًِ‬
‫ل‪) :‬صفر ‪+‬‬
‫الملك فيصل الّول )ملك العراق حينذاك( عن الوحدة العربّية‪ ،‬فرد ّ عل ّ‬
‫‪93‬‬

‫صفر‪ ..‬كم تساوي يا عّزام؟(‪ ..‬أجبته‪ 1+1+1) :‬تساوي ‪ (3‬فقال‪) :‬عندما تصبح ك ّ‬
‫ل‬
‫دولة عربية واحدا ً صحيحًا‪ ،‬تعال وكّلمني يا عّزام(!‬
‫دي ‪ ،‬وأتساءل‪ :‬ما ال ّ‬
‫ذي تغّير إلي الحسن منذ ذلك الحين؟ ومن‬
‫مل رأي مليكنا المف ّ‬
‫أتأ ّ‬
‫أين لنا‪ ،‬الن‪ ،‬برجل متواضع وحصيف وصريح مثله‪ ،‬ليختزل الحالة بمثل ذلك القول‬
‫المختصر والمغني عن ك ّ‬
‫ن الختلف في الّرأي والتفكير‪ ،‬وحتي في معني‬
‫ل تعليق؟ إ ّ‬
‫العروبة لم يعد أمرا ً ذا أهمية أمام الئتلف في الكوارث الكبري التي بدأت بالنقلبات‬
‫وية والغزوات المتبادلة شأن الجاهلية الولي‪ ،‬ومّرت بالختلف في معني السلم‬
‫الدم ّ‬
‫م تفصيله وبيعه في سوق التجزئة علي مقاس كل ذي ساطور‪ ،‬وانتهت‬
‫نفسه الذي ت ّ‬
‫شعوب‪ ،‬وتوقيت الدساتير علي نسق القنابل الموقوتة‪ ،‬وتأبيد الح ّ‬
‫بإلغاء ال ّ‬
‫كام علي‬
‫نسق الحكام المؤّبدة‪ ،‬وجملكة الجمهورّيات علي صدور الجماهير التي ل رؤوس لها‬
‫ول أقدام‪ ،‬ول نفوس بها ول أحلم‪ ،‬وتوريث المسالخ كاملة لبناء الجّزارين‪ ،‬وإرساء‬
‫النظمة علي )قواعد( أمريكية صلبة في ك ّ‬
‫ل شبر من أرض وطننا العربي الكبير ‪،‬‬
‫والسعي إلي الصلح الذاتي باستبدال المحراث بالبندقية بالنسبة للشؤون الخارجية‪،‬‬
‫واستبدال البندقية بالمحراث بالنسبة للشؤون الداخلية‪ ،‬والتخلي عن أسلوب )العصا‬
‫ضال من أجل‬
‫والجزرة( البغيض‪ ،‬باستبعاد الجزرة نهائيا ً عن الموضوع‪ ،‬ومواصلة الن ّ‬
‫متنا المجيدة!‬
‫تثخين العصا إلي أبعد ح ّ‬
‫د‪ ،‬في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ أ ّ‬
‫مة العزيز المقتدر ‪ -‬قد ذهبا‪،‬‬
‫إ ّ‬
‫ن فيصل الّول وعبد الرحمن عّزام ‪ -‬وكلهما الن في ذ ّ‬
‫لكن الحسبة الرياضية البسيطة بقيت بعدهما كما هي‪ .‬ولو أنهما عادا إلي الحياة الن‪،‬‬
‫دول العربية( لما اختلفت الحسبة إل ّ في‬
‫بعد سّتين عاما ً تقريبا ً علي إنشاء )كلبشة ال ّ‬
‫دد فيصل الول عن أن يقول‪) :‬صفر ‪ 20 +‬صفرا ً تساوي صفرا ً‬
‫تثخين الصفار‪ ،‬ولما تر ّ‬
‫يا عّزام‪ ..‬ليس هناك أي واحد صحيح‪ ،‬سواء أكان المر بيدك‪ ..‬أم بيد عمرو(!‬

‫من أين يبدأ مسعود؟‬
‫قّرر مسعود أن يكتب مذ ّ‬
‫كراته‪.‬‬
‫أخرج القلم‪ ،‬ووضع الوراق علي المنضدة‪ ،‬وأطرق يف ّ‬
‫كر‪:‬‬
‫من أين أبدأ؟‬
‫ ِ‬‫في الساعة الثالثة ودقيقتين وأربع وعشرين ثانية من عصر الجمعة المقبل‪ ،‬يكون‬
‫مسعود قد بلغ الثانية والخمسين من عمره‪.‬‬
‫‪94‬‬

‫ك ّ‬
‫ل امريء عاقل وحصيف ومجّرد من النانية‪ ،‬لب ُد ّ أن يقّرر‪ ،‬مثل مسعود‪ ،‬كتابة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫مذكراته يوما ما‪ .‬واليوم‪ ،‬وهو الحد المصادف يوما ما‪ ،‬قّرر مسعود وهو بكامل شعوره‬
‫بالمسؤولية‪ ،‬أن يتخلي للجيال الطالعة عن ثمار نصف قرن من التجارب والعبر‪.‬‬
‫ من أين أبدأ؟‬‫نعم‪ ..‬من أين يبدأ مسعود؟‬
‫البداية هي أصعب ما يمكن أن يواجهه المرء عندما يريد أن يكتب‪ .‬فدون بداية جّيدة‬
‫نك ّ‬
‫ل شيء سينتهي نهاية سّيئة‪.‬‬
‫عليه أن يتوّقع أ ّ‬
‫سميع عبد القادر محمد آغا الموصلي‪ ،‬شكا من التهاب‬
‫لنفرض‪ ،‬مثل ً أ ّ‬
‫ن السّيد عبد ال ّ‬
‫سميع ل يشكو هذه الّيام من أيّ شيء‪ ،‬ولن‬
‫البواسير‪ ..‬مجّرد فرض‪ ،‬فالسّيد عبد ال ّ‬
‫ن الجار مخبر‬
‫أ‬
‫له‬
‫ين‬
‫تب‬
‫جاره‪،‬‬
‫أخلق‬
‫سوء‬
‫من‬
‫يشكو أبدًا‪ ،‬لّنه في آخر مّرة شكا فيها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫خرته‪ ،‬ومنذ ذلك اليوم شفي تماما من‬
‫سّري‪ ،‬فوصفت له إدارة المن زجاجة في مؤ ّ‬
‫الشكوي ومن احتمالت الصابة بالبواسير!‬
‫سميع شكا من التهاب البواسير‪ ،‬فإّنه في هذه الحالة لب ُد ّ له‬
‫نقول )لنفرض( أ ّ‬
‫ن عبد ال ّ‬
‫من مراجعة الطبيب‪:‬‬
‫م تشكو؟‬
‫ ِ‬‫م ّ‬
‫خرتي‪.‬‬
‫ من آلم في مؤ ّ‬‫ افتح فمك‪.‬‬‫ آآآآ‬‫ قل آه‬‫ آآآه‬‫ اسعل‬‫ كح كح كح‪.‬‬‫ ماذا أكلت أمس؟‬‫ ركلتين إل ّ صفعة‪.‬‬‫ ماذا شربت اليوم؟‬‫ أربعة مقالب‪.‬‬‫ب قبُر(‬
‫ن قفرٍ وليس بقرب قبر حر ٍ‬
‫ حاول أن تقول بسرعة )َقبُر حر ٍ‬‫ب بمكا ٍ‬
‫َ‬
‫ن قبر حرب لم يعد في مكان قفر‪ ..‬فالقفر كّله مزروع بالقبور من شمال‬
‫ صعبة‪ .‬ثم أ ّ‬‫الوطن حّتي جنوبه‪.‬‬
‫‪ُ -‬قل‪ ،‬إذن‪ ،‬بسرعة )حوش خالد خوش حوش(‬

‫‪95‬‬

‫ خالد ليس عنده حوش‪ .‬هدمته البلدية‪ .‬تبّين أّنه يقع في منتصف ال ّ‬‫شارع العام المزمع‬
‫ّ‬
‫ن خالد لم ينتقل إلي حوش جديد‪ .‬كل ما فعله‬
‫افتتاحه في المستقبل‪ ..‬واعلم يا دكتور أ ّ‬
‫ً‬
‫صدفة داخل‬
‫بال‬
‫ا‬
‫موجود‬
‫الهدم‪،‬‬
‫عملية‬
‫أثناء‬
‫هو أنه انتقل إلي رحمة الّله‪ .‬لقد كان‪ ،‬في‬
‫ّ‬
‫الحوش‪.‬‬
‫عندئذ يضع الطبيب ن ّ‬
‫ظارته‪ ..‬ويكتب‪.‬‬
‫ي الوصفة‪ ،‬ويناوله قارورة‬
‫يذهب السّيد عبد ال ّ‬
‫سميع إلي الصيدلية‪ .‬يقرأ الصيدل ّ‬
‫مصحوبة بابتسامة طافحة بالحكمة‪:‬‬
‫ بال ّ‬‫ديكي‪.‬‬
‫سعال ال ّ‬
‫شفاء‪ ..‬هذا آخر مكتشفات الط ّ‬
‫ب الحديث للقضاء علي ال ّ‬
‫سعال‪ ،‬فيما كان يجب أن تصيب‬
‫الواقع أن كتابة الطبيب هي التي أصابت ال ّ‬
‫ديك بال ّ‬
‫بواسير عبد السميع‬
‫ وهي بواسير مفترضة كما قلنا ‪ -‬بالشفاء‪.‬‬‫كتابة الطّباء‪ ،‬عمومًا‪ ،‬كتابة ركيكة‪ ،‬لّنهم ل يحسنون اختيار البداية‪ .‬وفي قضّيتنا هذه‬
‫خرة‬
‫كان علي الطبيب أن يبدأ من النهاية لكي تكون كتابته صحيحة‪ ،‬أي أن يبدأ من مؤ ّ‬
‫سميع مباشرة‪.‬‬
‫عبد ال ّ‬
‫م عن حكمة بالغة‪.‬‬
‫من هنا فإ ّ‬
‫ن تساؤل مسعود ين ّ‬
‫ من أين أبدأ؟‬‫هذه المّرة ينبغي له أن يعتصم بالفطنة والحذر‪.‬‬
‫ بداية جّيدة يا مسعود‪ .‬جّيدة وذكّية ول تخّر الماء‪ .‬ضّيعت نصف قرن في البدايات‬‫الغبّية‪ .‬فرصتك الن أن تختم المر ببداية ممتازة‪.‬‬
‫نعم‪ ..‬ليست مذكرات مسعود كّلها إل ّ ثمرة )من أين أبدأ؟(‪:‬‬
‫ل شيء‪ ،‬فل تحاول أن تعلب بذيلك قل ك ّ‬
‫ نحن نعرف ك ّ‬‫ل ما لديك‪.‬‬
‫ من أين أبدأ؟‬‫جدًا‪ ..‬ارجع بذاكرتك إلي الوراء جد ًّا‪.‬‬
‫ من البداية ّ‬‫يرمي ذيله وراء ظهره‪ ،‬مخافة أن يغريه باللعب‪ ،‬ثم يبدأ‪.‬‬
‫يسّرح دماغه فتتساقط الماكن والحداث والمؤامرات والسماء‪ .‬أسماء‪ ،‬أسماء‪،‬‬
‫أسماء‪ .‬حتي أسماء ال ّ‬
‫ذين سلموا عليه بالغلط‪ ،‬حتي أسماء الساقطين في البكالوريا‪،‬‬
‫ّ‬
‫ن السلطة لم تصدر حتي‬
‫أ‬
‫عن‬
‫النظر‬
‫ض‬
‫بغ‬
‫عنهما‪،‬‬
‫له‬
‫ال‬
‫رضي‬
‫بكر‬
‫حتي أسماء بنت أبي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ضح فيه ما إذا كانت راضية عنهما أم ل!‬
‫تلك اللحظة بيانا ً تو ّ‬
‫يتعب من العتراف فيناولونه وجبة من التعذيب‪ ،‬ويفرجون عنه في الّليلة نفسها‪ ..‬بعد‬
‫أربعة أعوام‪.‬‬
‫ في ك ّ‬‫ل مّرة ل تحسن البداية‪ .‬أنت الن وحدك‪ .‬ليس معك إل ّ ضميرك‪ .‬ل تخذل‬
‫ً‬
‫نفسك‪ ،‬لست مضطرا إلي تسريح دماغك‪ .‬ابدأ كما تشاء‪ ،‬العب بذيلك كما تشاء‪ .‬هو‬
‫ذيلك وأنت حّر فيه يا أخي‪.‬‬
‫‪96‬‬

‫انتصف الّليل ومسعود منهمك في هرش رأسه‪.‬‬
‫ من أين أبدأ؟‬‫تناول القلم‪ ،‬وكتب‪:‬‬
‫ )أنا مسعود بن عبد الواحد‪(....‬‬‫ هيه‪ ..‬هيه‪ ..‬ل تذكر اسم أبيك‪ .‬أأنت مجنون؟‬‫م ما حكاية )أنا مسعود(؟ أأنت مضطر إلي‬
‫من يجبرك علي هذا؟ اشطبه‪ ،‬اشطبه‪ .‬ث ّ‬
‫من يعرف؟ الفطنة يا مسعود شطب مسعود‬
‫هذا يا أبله؟ اختر لنفسك اسما ً حركي ًّا‪َ ..‬‬
‫اسمه وكتب‪:‬‬
‫ )أنا أبو الّريح‪(...‬‬‫ل‪ .‬انتبه جّيدا‪ .‬ما قَ ّ‬
‫ل ود ًَ ّ‬
‫ هيه‪ ..‬أنت يا أبا الّريح‪ ،‬ل تسرف في الكلم‪ .‬اكتب ما ق ّ‬‫ل‬
‫ود َ ّ‬
‫ل‪ .‬ل تطّينها كالعادة‪.‬‬
‫كتب مسعود‪:‬‬
‫ )أنا أبو الّريح‪ ..‬وقد واجهت كثيرا ً من الهوال في حياتي‪،‬وذكرياتي عن هذه الهوال‬‫لتزال مطبوعة بالّنار في روحي وفي جسدي‪ ..‬عزيزي القاريء‪ ..‬أكتفي بهذا القدر من‬
‫مذ ّ‬
‫مت(!‬
‫كراتي المؤلمة هذه‪ ،‬وقد أكملت كتابتها في يوم ما‪ ..‬التوقيع‪ :‬أبو الّريح ‪ -‬ت ّ‬

‫أصل وصورة‬
‫دم نيك نايجل موضوعا ً طريفا ً عن‬
‫علي القناة الّرابعة في التلفزيون البريطاني‪ ،‬ق ّ‬
‫ً‬
‫الناس ذوي السماء المتشابهة‪ ،‬أولئك ال ّ‬
‫ذين يكون الواحد منهم سمي ّا للخر )‬
‫‪.(Namesakes‬‬
‫وقد بدأت فكرة الموضوع لديه عندما قرأ رواية )نجم أمريكي( للكاتبة جاكي كولنز ‪،‬‬
‫وره الّرواية‪،‬‬
‫فوجد أن بطلها يحمل اسمه كامل ً )نيك نايجل(‪ ،‬ول ّ‬
‫ن هذا البطل‪ ،‬كما تص ّ‬
‫صاحب سيرة جنسّية فظيعة‪ ،‬فقد شعر نايجل بما يشبه الغماء بسبب الضطراب‬
‫ي الخيالي‪.‬‬
‫والثارة معًا‪ ،‬وهو يتابع سلوك َ‬
‫سمّيه القصص ّ‬
‫سمي ّا ً‬
‫ما يحدث في الواقع‪ ،‬عندما يجد المرء نفسه َ‬
‫وانطلقا ً من هذه النقطة‪ ،‬تساءل ع ّ‬
‫لشخص مشهور‪ ،‬وعن مدي ما يعكسه تشابه السماء من تشابه في الطباع‪ ،‬وعن الثر‬
‫ي‬
‫صة إذا وجد الواحد منهم أّنه َ‬
‫النفسي الذي يحمله هذا التشابه للمغمورين‪ ،‬خا ّ‬
‫سم ّ‬
‫لشخص ترتكز شهرته علي سوء السمعة؟‪.‬‬
‫وفي بحثه عن إجابات لهذه السئلة‪ ،‬عمد نايجل إلي التّنقيب في )كشوف الناخبين‬
‫البريطانّيين(‪ ،‬فإذا به يقع علي مهرجان من الطرافة‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫ن الجزر البريطانّية تحفل بالعديد من الّناس الذين يحملون )أصلي ًّا( أسماء‬
‫لقد وجد أ ّ‬
‫المشاهير‪.‬‬
‫من يحملون اسم‬
‫في البدء تتّبع السماء المألوفة جدًا‪ ،‬فاكتشف أ ّ‬
‫ن هناك كثيرين م ّ‬
‫توني بلير و جورج بوش و مايكل جاكسون ‪.‬‬
‫لكّنه سرعان ما دخل مغامرة البحث عن أسماء أخري ليس من الوارد التفكير بها‪،‬‬
‫ن هناك ثلثة‬
‫فطبع علي محّرك البحث في جهاز الكمبيوتر اسم دونالد دك ‪ ،‬فظهر أ ّ‬
‫يحملون هذا السم‪.‬‬
‫وعندئذ لم يترك اسما ً مشهورا ً من الماضي أو الحاضر‪ ،‬ومن الواقع أو الخيال‪ ،‬إل ّ‬
‫صل إلي عدد كبير من السماء المتشابهة‪ ،‬وعلي‬
‫وعرضه علي محّركات البحث‪ ،‬فتو ّ‬
‫ذلك قّرر أن يقابل هؤلء الناس الذين يحملون أسماء المشاهير‪ ،‬فبدأ بالكتابة إليهم‪ ،‬أو‬
‫صال بهم‪ ،‬وانتهي إلي الوقوف علي عتباتهم والطرق علي أبوابهم‪ .‬وقد حفل هذا‬
‫الت ّ‬
‫المر بالكثير من المواقف المضحكة والمحرجة‪.‬‬
‫ي شخصية‬
‫أّول شخص حاول نايجل أن يلتقيه هو السّيد فريد فلنتستون ‪ ..‬وهو َ‬
‫سم ّ‬
‫الكارتون المشهورة التي اخترعها الثنائي )هاّنا ‪ -‬باربيرا( والتي تعيش في العصر‬
‫الحجري بمواصفات العيش في المدينة الحديثة‪.‬‬
‫عندما وصل إلي عنوانه في )فولهام بالس رود( أخبره أحد الس ّ‬
‫ن السّيد‬
‫كان أ ّ‬
‫قي‬
‫ن صاحبة المنزل ما زالت تتل ّ‬
‫فلنتستون لم يعد يقيم في هذا العنوان‪ ،‬برغم أ ّ‬
‫الّرسائل الواردة إليه وتعيدها إلي مصدرها‪.‬‬
‫ي الشخصّية الكارتونية في أفلم ديزني‪ ،‬فقد وجده يعيش‬
‫ما دونالد دك أو بطوط َ‬
‫أ ّ‬
‫سم ّ‬
‫في الطراف النائية من مرتفعات سكوتلندا‪ ،‬وهو طبيب عام متقاعد ذو منزلة رفيعة‪،‬‬
‫ويتمّتع بروح دعابة عالية‪ .‬وقد قال إّنه لم يخطر في باله أن يغّير اسمه‪ ،‬لّنه وجده‬
‫م أَنه‪ ،‬في ك ّ‬
‫ل الحوال‪ ،‬هو السبق‪ ،‬إذ ولد قبل عشرة أعوام من‬
‫مدعاة للفكاهة‪ ،‬ث َ‬
‫ميلد شخصّية ديزني الكارتونّية‪.‬‬
‫ن أحد‬
‫ن اسمه لم يسّبب له شخصي ّا ً أّية مشكلة‪ .‬لكّنه أشار إلي أ ّ‬
‫وقال دونالد دك إ ّ‬
‫من وقع‪ ،‬للسف‪ ،‬ضحّية لهذا اللتباس‪ .‬فقد أحاله مّرة إلي أحد مستشفيات‬
‫مرضاه هو َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫أدنبره‪ ،‬وهناك قرّروا عرضه علي محلل نفساني‪ ،‬لّنه ظ ّ‬
‫ن طبيبه‬
‫صرا علي القول بأ ّ‬
‫لم ّ‬
‫هو دونالد دك !‪.‬‬
‫وفي رحلة الستكشاف هذه وجد نايجل زوجين عجوزين يحملن اسم دنيس و‬
‫صل بهما أغلقا الخ ّ‬
‫ط في وجهه‪،‬‬
‫مارغريت ثاتشر‪ .‬وهما لم ير ّ‬
‫دا علي رسالته‪ ،‬وحين ات ّ‬
‫صل به ابنهما المتزّوج ليقول له بجفاء‪) :‬نعم‪ ،‬لقد تلقيا رسالتك‪ ،‬وقد‬
‫ثم سرعان ما ات ّ‬
‫ماعة بعنف‪ ،‬دون أن يترك‬
‫مي ثاني ً‬
‫ة(‪ ،‬وصفق الس ّ‬
‫مّزقتها بنفسي‪ .‬رجاًء ل تزعج أبي وأ ّ‬
‫ما إذا كان اسمه مارك أيضا ً مثل ابن رئيسة الوزراء السابقة!‪.‬‬
‫لنايجل فرصة لسؤاله ع ّ‬
‫وهناك اثنتان أخريان اسمهما مارغريت ثاتشر قالتا له إّنه خلل النتخابات في‬
‫الثمانينات كان بعض الناس يوقظونهما في منتصف اللّيل لكي يوّبخوهما بسبب‬
‫سياسات حزب المحافظين!‪.‬‬
‫وفي مهرجان الطرافة هذا كان مدّرس الجغرافيا ديفيد بيكهام من )سكاربره(‪ ،‬قد‬
‫م طرد اللعب‬
‫تل ّ‬
‫دة أسابيع مكالمات هاتفية تشتمه وته ّ‬
‫قي علي مدي ع ّ‬
‫دده‪ ،‬بعد أن ت ّ‬
‫ديفيد بيكهام من المباراة لسوء تصّرفه في بطولة كأس العالم لكرة القدم عام‬
‫‪.1996‬‬

‫‪98‬‬

‫ي( أن‬
‫س ِ‬
‫إّنها مسألة تبدو كنوع من سحر )الفودو(‪ ،‬حيث يمكن للمشعوذ بإيذاء )ال َ‬
‫م ّ‬
‫مي!‪.‬‬
‫مس ّ‬
‫يؤذي ال ُ‬
‫في القائمة أيضا ً نتعّرف علي نعومي كامبل الخري‪ ،‬وهي مسؤولة تغذية في مدرسة‬
‫دث بمرح عن الفرق‬
‫بإحدي ضواحي لندن‪ ،‬ولها من طيبة النفس ما يكفي لن تتح ّ‬
‫الشاسع بينها وبين عارضة الزياء الشهيرة‪.‬‬
‫فهي قالت بك ّ‬
‫ل بساطة‪) :‬إّنني لست جميلة‪ ،‬ولست طويلة‪ ،‬ولست سمراء‪ ،‬وفوق هذا‬
‫جدًا(‪.‬‬
‫فأنا بدينة َ‬
‫وإلي جانب هذه المفارقات الفكاهية‪ ،‬كانت هناك قصص أخري تحمل غصص أصحابها‪،‬‬
‫ن أسماءهم هي أسماؤهم‪.‬‬
‫إذ يعاني أكثرهم من صعوبة إقناع الخرين بأ ّ‬
‫ي الشاعر والكاتب المعروف‪ ،‬صاحب المقولة‬
‫س ِ‬
‫ومن هؤلء السّيد روديارد كبلنغ َ‬
‫م ّ‬
‫ّ‬
‫شهيرة )الغرب غرب وال ّ‬
‫ال ّ‬
‫شرق شرق ول يلتقيان إل كما يلتقي عظيمان(‪.‬‬
‫ن الشرطي اعتقد أّنه يسخر‬
‫ي المسكين أمضي ليلة كاملة في الحبس‪ ،‬ل ّ‬
‫فهذا ال َ‬
‫سم ّ‬
‫ن اسمه روديارد كبلنغ !‪.‬‬
‫إ‬
‫له‬
‫قال‬
‫عندما‬
‫منه‬
‫ّ‬
‫ما جنكيز خان مراقب المستودعات في برمنغهام‪ ،‬والبالغ من العمر سبعة وعشرين‬
‫أ ّ‬
‫ً‬
‫ن اسمه يمّثل بالنسبة له‬
‫عاما‪ ،‬فقد اعترف بالثر الموجع لسمه عليه‪ ،‬وأشار إلي أ ّ‬
‫)كابوسًا( أو )فايروسًا(‪ ،‬لّنه رجل مسالم وذو روح ساخرة‪ ،‬ويقف فطّريا ً ضد ّ الحروب‪.‬‬
‫دراسة‪ ،‬ف ّ‬
‫ديا ً بتغيير اسمه‪.‬‬
‫كر ج ّ‬
‫وقال إّنه‪ ،‬في سنوات ال ّ‬
‫ن‬
‫س ِ‬
‫سمعة‪ ،‬في البلد نفسه‪ ،‬إذ أ ّ‬
‫مي ّا ً لشخص رديء ال ّ‬
‫ن الكثر بؤسا ً هو من يجد نفسه َ‬
‫لك ّ‬
‫السمعة الّرديئة هذه تلحقه أينما ذهب‪ ،‬وقد تش ّ‬
‫كل له متاعب عبر الحدود الدولّية‪ ،‬أو‬
‫مصاعب في الحصول علي عمل‪.‬‬
‫سمّيات‬
‫من اسمهن ماكسين كار الّلواتي عانين من كونهن َ‬
‫ومن هؤلء دزينة تقريبا ً م ّ‬
‫المعلمة في مدرسة سوهام‪ ،‬وصديقة إّيان هنتلي قاتل الطفلتين جيسيكا شابمان و‬
‫دة في السجن‪ ،‬وغادرته باسم وهمي‪ ،‬بعد أن‬
‫هولي ويلز ‪ ،‬والتي كانت قد أمضت م ّ‬
‫ك ّ‬
‫ذبت في شهادتها أمام المحكمة‪ ،‬من أجل إنقاذ صديقها القاتل‪.‬‬
‫واحدة من هؤلء الفتيات وجدت نفسها مضطّرة للّزواج‪ ،‬فقط‪ ،‬لكي تتخّلص من اسمها‬
‫حين تحمل لقب زوجها!‪.‬‬
‫ظاهرة تشابه السماء هذه‪ ،‬بك ّ‬
‫ل ما تحتويه من فكاهات وأحزان‪ ،‬جعلتني أعود بذاكرتي‬
‫سياق ذاته‪ ،‬ول تزال حتي‬
‫إلي الوراء‪ ،‬حيث كانت لي ذكري من طفولتي تنتظم في ال ّ‬
‫ما مّرت في ذهني‪.‬‬
‫الن تحملني علي الضحك كل ّ‬
‫وز بقيادة الّزعيم الركن عبدالكريم قاسم ‪ ،‬وسرعان‬
‫في عام ‪ 1958‬قامت ثورة ‪ 14‬تم ّ‬
‫ب وإعجاب جميع الفقراء‪.‬‬
‫ما أصبح هذا الّرجل موضع ح ّ‬
‫وفي تلك الّيام‪ ،‬كان بالقرب من بيتنا د ّ‬
‫كان لبيع الثلج يديره رجل اسمه قاسم ‪ ،‬لم تبق‬
‫عّلة معروفة أو مجهولة إل ّ وطرقت باب بيته وحّلت ضيفة دائمة عليه وعلي جميع‬
‫أفراد أسرته‪ .‬وكان هذا الّرجل دائم الشوق لنجاب ولد‪ ،‬بعد سلسلة طويلة من البنات‪.‬‬
‫منا ً باسم قائد الّثورة‬
‫وعندما ح ّ‬
‫مي الولد علي الفور عبدالكريم تي ّ‬
‫قق الّله أمنيته‪ ،‬س ّ‬
‫المحبوب‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫ما جعله مبعثا ً للخوف وللشفقة‬
‫كان ذلك الصغير ‪ -‬وراثيا ً وبيئي ّا ً ‪ -‬أشبه بفأر مدهوس‪ ،‬م ّ‬
‫معًا‪.‬‬
‫وعندما جاء موسم الّتطعيم ضد ّ المراض المتو ّ‬
‫طنة‪ ،‬حمل قاسم ابنه إلي المستوصف‪،‬‬
‫كخرقة بائسة ملفوفة بخرقة أكثر بؤسًا‪.‬‬
‫سأله كاتب المستوصف عن اسم الولد‪ ،‬فأجاب باعتزاز‪:‬‬
‫ عبدالكريم قاسم ‪.‬‬‫دد‪:‬‬
‫ما كشف عن جّثته المفزعة‪ ،‬جفل الكاتب وارتد ّ إلي الوراء قائل ً بل مواربة أو تر ّ‬
‫ول ّ‬
‫ تف‪ ..‬ل بارك الّله ‪.‬‬‫م أردف متسائل ً باستنكار‪:‬‬
‫ث ّ‬
‫ هذا عبدالكريم قاسم؟! الّله ل يسامحك‪ .‬طّيحت ح ّ‬‫ظ الّزعيم !‪.‬‬
‫ي ثلثة أشخاص‪ ،‬منهم مو ّ‬
‫ظف كبير في‬
‫ما بالّنسبة لي‪ ،‬فأنا أعرف حّتي الن أّنني َ‬
‫أ ّ‬
‫سم ّ‬
‫سعودي‪ ،‬وشاعر شعبي قطري‪ ،‬ولعب كرة قدم كويتي‪.‬‬
‫ال‬
‫الطيران‬
‫َ‬
‫ن أحدا ً منهم لم يسّبب لي أّية مشكلة‪ .‬لكنني سأكون أكثر سعادة إذا‬
‫وأنا سعيد ل ّ‬
‫ن اسمي لم ُيلحق بأحدهم أيّ أذي!‪.‬‬
‫علمت أ َ‬

‫منبع الخوف‬
‫في سالف العوام‪ ،‬كان صاحبنا إبراهيم يقطع المسافة الطويلة المظلمة بين محّلتنا‬
‫وعة عالية ومتلحقة‪ .‬حكمته‬
‫والم ّ‬
‫حلة المجاورة‪ ،‬وهو يركض بسرعة‪ ،‬مطلقا ً صرخات متن ّ‬
‫ن هناك حشدا ً‬
‫في ذلك هي أّنه لكي ل يخاف‪ ،‬كان يوهم الخوف بأّنه ليس وحده‪ ،‬بل أ ّ‬
‫من الناس يركض معه ويصرخ‪.‬‬
‫عندما سمع عبدون الزّبال بذلك ضحك كثيرًا‪ ،‬وتساءل بدهشة‪ :‬لماذا يخاف هذا الولد‬
‫حّريا ً به أن يشعر بالخوف أكثر لوجود هذا الحشد من الناس‬
‫ي من وحدته؟ كان َ‬
‫الغب ّ‬
‫الّراكضين معه !‬
‫كانت مارلين ديتريتش ساحرة السينما المريكية في مطلع القرن العشرين‪ ،‬قد بلغت‬
‫ما إذا كانت‬
‫أرذل العمر‪ ،‬حين سألها صحفي من وراء الباب الذي رفضت فتحه‪ ،‬ع ّ‬
‫دد‪ :‬الموت؟ ك ّ‬
‫ل‪ ،‬علي الطلق‪ .‬إن ما أخشاه هو الحياة !‬
‫تخشي الموت‪ ،‬فأجابت بل تر ّ‬
‫ومثلها‪ ،‬في مصر‪ ،‬كانت النجمة فاطمة رشدي بطلة فيلم )العزيمة( قد رفضت في‬
‫أعوامها الخيرة أن تفتح بابها لحد من الناس‪ ،‬حيث وجدت أن الوحدة هي ملذها المن‬
‫من الخرين‪.‬‬
‫جله الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر‬
‫وليس بعيدا ً ذلك المغزي العميق الذي س ّ‬
‫ن‬
‫م عليه‪ ،‬يوم الحساب‪ ،‬بالذهاب إلي الجحيم‪ ،‬فوجد أ ّ‬
‫ب عن المذنب الذي ُ‬
‫حين كت َ‬
‫حك َ‬
‫‪100‬‬

‫الجحيم مكان جميل ومريح وفيه كل ما يحتاجه المرء‪ ،‬لكّنه كان أيضا ً يكتظ بالناس‬
‫ولون حياة بعضهم البعض إلي عذاب حقيقي ل ُيطاق‪ ،‬فاكتشف‪،‬‬
‫المناكفين الذين ُيح ّ‬
‫ن الجحيم هو )الخرون(! عبدون الزّبال‪ ،‬ومارلين ديتريتش‪ ،‬وفاطمة رشدي‪،‬‬
‫عندئذ‪ ،‬أ ّ‬
‫صلوا إلي النتيجة نفسها‪ ،‬بعد أن‬
‫وجان بول سارتر‪ ،‬علي رغم تباعد الزمنة والماكن‪ ،‬تو ّ‬
‫وقفوا أمامها وجها ً لوجه‪ ،‬وأدركوها جّيدًا‪.‬‬
‫لك ّّ‬
‫صل إليها فيما بعد‪ ،‬لم يتسع له الوقت أبدًا‪ ،‬لكي يدركها‪.‬‬
‫ن إبراهيم المسكين حين تو ّ‬
‫د‪ ،‬ذلك النوع المتفرد‬
‫الوحدة لم تقتل إبراهيم‪ ،‬والظلم لم يقتله‪ .‬قتله النسان المستب ّ‬
‫بين جميع الحيوانات‪ ،‬الذي ل يتوّرع عن قتل أبناء النوع الذي ينتمي إليه!‬

‫سير‬
‫عكس ال ّ‬
‫في مدينة بيرن السويسرية‪ ،‬كان رجل في السادسة والثمانين من عمره‪ ،‬يقود سّيارته‬
‫علي الطريق السريع‪.‬‬
‫جاه‬
‫ن ذلك الّرجل كان يسير في الت ّ‬
‫ن الغريب هو أ ّ‬
‫وهذا أمر ليس فيه أّية غرابة‪ ،‬لك ّ‬
‫الخطأ بمواجهة طوفان من السيارات المسرعة!‬
‫ض في الطريق الخطأ؟‬
‫هل أدرك أّنه ما ٍ‬
‫ك ّ‬
‫جاه‪،‬‬
‫من كانوا يسيرون عكس الت ّ‬
‫ل‪ ..‬بل كان مقتنعا ً بأ ّ‬
‫ن جميع ال ّ‬
‫سائقين الخرين هم َ‬
‫ولذلك فإّنه كان يشعل المصابيح العالية في وجوه أولئك الحمقي القادمين نحوه‬
‫لتنبيههم إلي خطأهم!‬
‫ن الشارع كان يبدو له مزدحما ً بعدد هائل من هؤلء المجانين الذين يقودون‬
‫ول ّ‬
‫ن الّرجل الثمانيني الحكيم ما أن رأي دورية‬
‫ال‬
‫غير‬
‫تجاه‬
‫ال‬
‫في‬
‫ياراتهم‬
‫ّ‬
‫صحيح‪ ،‬فإ ّ‬
‫س ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫للشرطة متوقفة علي جانب الطريق حتي توقف‬
‫سائقين الخرين! بلطف شديد‪ ،‬انتزع رجال الدورّية‬
‫وعّبر لهم عن شكواه من مخالفة ال ّ‬
‫م أوصلوه بسّيارتهم إلي بيته‪.‬‬
‫مفاتيح سّيارة العجوز‪ ،‬ث ّ‬
‫تلك كانت هي الطريقة الوحيدة لنقاذ الّرجل من نفسه‪ ،‬وإنقاذ الَناس من رعونته‪.‬‬
‫‪101‬‬

‫ل صغيرا ً‬
‫ن حجم الكارثة التي كان ممكنا ً أن تتسّبب فيها قيادة هذا الّرجل‪ ،‬يظ ّ‬
‫ومع أ ّ‬
‫جد ّا ً بالمقارنة مع قيادة أمثاله لوطان بكامل ما فيها من مليين البشر‪ ،‬فإنّنا إذ نضحك‬
‫ساخرين من رعونة العجوز‪ ،‬نشعر بك ّ‬
‫جين‪ ،‬إذا ما انتزعت‬
‫محت ّ‬
‫ل عار ال ّ‬
‫دنيا‪ ،‬ونصرخ ُ‬
‫دورية ‪ -‬أّية دورّية‪ -‬مفاتيح القيادة من سائق مجنون يقود الوطن بأكمله علي طريق‬
‫قق!‬
‫الهلك المح ّ‬
‫حسن ح ّ‬
‫ظ الّرجل السويسري الّثمانيني أّنه لم يصطحب معه هيئة قضائية تشجب‬
‫من ُ‬
‫تصّرف رجال ال ّ‬
‫شرطة‪.‬‬
‫حسن ح ّ‬
‫منين بالكوبونات‪،‬‬
‫ومن ُ‬
‫مس ّ‬
‫ظ الّناس أّنه لم يسحب وراءه قطيعا ً من الُعربان ال ُ‬
‫ً‬
‫دم( التي فتحوها‬
‫وال‬
‫روح‬
‫)ال‬
‫حنفية‬
‫ية‬
‫الدور‬
‫تغلق‬
‫أن‬
‫مستنكرين‬
‫معه‪،‬‬
‫ا‬
‫تضامن‬
‫ليتظاهروا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫دسة‪.‬‬
‫علي آخرها فداًء لكوارثه المق ّ‬
‫فالواضح من مجري حكاية العجوز السويسري أّنه استسلم في النهاية وأذعن‬
‫ن المر‪ ،‬للسف‪ ،‬ل يجري بمثل هذه السهولة مع سائقي الوطان‬
‫للشرطة‪ ،‬لك ّ‬
‫المجانين‪.‬‬
‫فبالمس‪ ،‬مث ً‬
‫ل‪ ،‬شاهدت‪ ،‬علي شاشة التلفزيون‪ ،‬جّزار شيلي البغيض )أوغستوبينوشيه(‬
‫الذي كاد يبلغ الّتسعين‪ ،‬وهو ُيصّرح قائ ً‬
‫ما فعلته‪ .‬لكن‬
‫ل‪) :‬إّنهم يريدون ِ‬
‫مّني العتذار ع ّ‬
‫ماذا فعلت لكي أعتذر؟!(‬
‫ن الدورية قد سحبت منه المفاتيح ورخصة‬
‫إّنه برغم انتزاعه للف الرواح‪ ،‬وبرغم أ ّ‬
‫دة أعوام‪ ،‬وبرغم كونه يستحق العدام ألف مّرة‪ ،‬لقاء حوادث القتل التي‬
‫القيادة منذ ع ّ‬
‫ن جميع ضحاياه الموات‬
‫جاه الصحيح‪ ،‬وأ ّ‬
‫ارتكبها‪ ..‬ما زال يعتقد أّنه كان يسير في الت ّ‬
‫سائرون في الَتجاه الخطأ!‬
‫والحياء‪ ،‬هم ال ّ‬
‫قائد الطّيارة الورقّية‬
‫علي أحد رفوف قسم الّروايات والقصص بإحدي المكتبات اللندنّية الكبري‪ ،‬لفت‬
‫سط الحجم ُ‬
‫طويَ غلفه من منتصفه بورقة حمراء عريضة كادت تأكل‬
‫انتباهي كتاب متو ّ‬
‫العنوان كّله وصورة الغلف‪.‬‬
‫ضمن سطورا ً بقلم الّروائية الشيلّية )إيزابيل‬
‫ن الورقة تت ّ‬
‫التقطت الكتاب‪ ،‬فوجدت أ ّ‬
‫ألّليندي( تقول فيها‪:‬‬
‫)رائعة‪ ..‬إّنها واحدة من تلك القصص التي ل ُتنسي‪ ،‬والتي تبقي منطبعة في الّنفس‬
‫علي مدي سنوات‪.‬‬
‫ل الموضوعات العظيمة في الدب وفي الحياة قد ش ّ‬
‫ك ّ‬
‫كلت نسيج هذه الّرواية غير‬
‫شرف‪ ،‬ال ّ‬
‫ب‪ ،‬ال ّ‬
‫ذنب‪ ،‬الخوف‪ ،‬الفداء‪...‬‬
‫الح‬
‫العادية‪:‬‬
‫ّ‬
‫نك ّ‬
‫ه‪ ،‬بعد فترة طويلة من قراءتها‪ ،‬كان‬
‫إّنها رواية قوّية جد ًّا‪ ،‬إلي درجة أ ّ‬
‫ل شيء قرأت ُ‬
‫يبدو لي باهت التأثير(!‪.‬‬
‫من هذا الّروائي‬
‫تساءلت مأخوذًا‪ :‬ما هذه الّرواية التي أخذت بمجامع قلب ألّليندي؟ و َ‬
‫الذي استطاع أن يهّز فروع هذه الشجرة الشاهقة الّراسخة؟ وأّية حرارة إبداعية هذه‬
‫التي جعلت ك ّ‬
‫ل ما عداها يبدو باردا ً بالنسبة لهذه المبدعة الكبيرة؟!‪.‬‬
‫الّرواية هي )قائد الطّيارة الورقّية ‪.(The Kite Runner‬‬
‫‪102‬‬

‫ما المؤلف فهو )خالد حسيني(‪.‬‬
‫أ ّ‬
‫من خالد حسيني؟!‬
‫َ‬
‫هو طبيب أفغاني شاب يعيش في أمريكا‪ ،‬والّرواية هي عمله البداعي الّول‪ ،‬وقد رسم‬
‫فيها‪ ،‬بقدرة عالية‪ ،‬صور مأساة الفغان‪ ،‬علي مّر العهود الحديثة‪ ،‬ابتداًء من أواخر العهد‬
‫الملكي‪ ،‬مرورا ً بالحكم ال ّ‬
‫شيوعي والحتلل الّروسي ودويلت بارونات الجهاد‪ ،‬وانتهاء‬
‫بالهجوم المريكي وسقوط إمارة طالبان‪ ..‬وك ّ‬
‫ل ذلك من خلل حكاية صبّيين ينتميان‬
‫إلي قطبين اجتماعيين متنافرين )البشتون والهزارة( ويعيشان علقة ملتبسة تفضي‬
‫إلي أحداث مستقبلّية أكثر التباسًا‪.‬‬
‫ص لدي خالد حسيني‪ ،‬تجعل قارئه‪ ،‬عند نهاية ك ّ‬
‫ل فصل‪ ،‬يقفز‬
‫الطريقة المتمّيزة في ال َ‬
‫ق ّ‬
‫بشوق ولهفة إلي الفصل الذي يليه‪ ،‬لّنه يبرع في إقفال الفصول بجمل مفاجئة‬
‫محكمة‪.‬‬
‫وصادمة ومستثيرة للّرغبة في المتابعة‪ ،‬شأن مؤلفي القصص البوليسّية ال ُ‬
‫ولّنه اختار أن يكون البطل هو الّراوي‪ ،‬فقد استطاع بحذق ومهارة‪ ،‬أن يوهم القاريء‬
‫صية‪ .‬لكّنه أكد ّ في إحدي المقابلت التي‬
‫بأّنه هو البطل‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن الّرواية هي سيرته الشخ ّ‬
‫صة بشخوصها وأحداثها هي من نسج خياله‪ ،‬برغم كونها تستمد‬
‫الق‬
‫ن‬
‫أجريت معه‪ ،‬أ ّ‬
‫ّ‬
‫حبكتها من وقائع معروفة‪.‬‬
‫وقال‪ ،‬في هذا الشأن‪ ،‬إّنه إذا كان قد استطاع‪ ،‬فعل ً أن يوهم القاريء بأن الشخصيات‬
‫ن الحداث كّلها حقيقّية‪ ،‬فهذا يعني أّنه )ك ّ‬
‫ذاب كبير(‪..‬‬
‫حّية وملموسة إلي هذا الحد‪ ،‬وأ ّ‬
‫أي أّنه بعبارة أخري )راوٍ جّيد(‪.‬‬
‫والحقّ أّنه راوٍ جّيد بالفعل‪ ،‬بل هو راوٍ من طراز فريد‪ .‬وحّتي لو لم يكتب بعد هذه‬
‫هله لحجز مكانه ال ّ‬
‫ف أفضل الّروائيين في‬
‫لئق في ص ّ‬
‫الّرواية شيئا آخر‪ ،‬فإّنها وحدها تؤ ّ‬
‫ً‬
‫ن نواحينا ل تفتقر إلي المواهب‬
‫العالم‪ ،‬وهي في الوقت نفسه تكفينا دليل علي أ ّ‬
‫الجبارة لكنها تفتقر إلي البيئة الثقافية المتحّررة من )شمولّيات( أعداء الّله وأعداء‬
‫النسان‪ ،‬سواء أولئك ال ّ‬
‫دعون أّنهم يحكمون بتفويض من الّله‪ ،‬أو أولئك الذين‬
‫ذين ي ّ‬
‫يزعمون أّنهم يحكمون بتفويض من النسان!‪.‬‬
‫المكان في الّرواية عبارة عن مثّلث‪ :‬قاعدته أفغانستان‪ ،‬وضلعاه باكستان وأمريكا‪.‬‬
‫صيات تتواصل في فضائه متنافرة بين هذه المواقع‪ ،‬لكّنها‬
‫وحركة الحداث والشخ ّ‬
‫م عن خبرة‬
‫ين‬
‫الذي‬
‫المر‬
‫الفصول‪،‬‬
‫تباعد‬
‫برغم‬
‫لتلتقي‬
‫الحثيث‪،‬‬
‫وها‬
‫ّ‬
‫تتقارب في نم ّ‬
‫الّراوي وكفاءته الفنّية‪.‬‬
‫ن )حسيني( ال ّ‬
‫ذي كتب الّرواية بالنجليزية كواحد من أهلها‪،‬‬
‫ومن جميل ما نلحظه فيها أ ّ‬
‫من كثيرا ً من سرده وحواراته عبارات هي من‬
‫فض‬
‫مسلم‪،‬‬
‫ويته كأفغاني‬
‫ّ‬
‫لم ين َ‬
‫سه ّ‬
‫صميم بيئته‪ ،‬وهي في معظمها عبارات عربّية خالصة‪ ،‬ترجمها للخرين في سياق عفويّ‬
‫سرد‪ .‬ولعّله وجد في استخدامها )كما هي بلسانه( حاجة لتحقيق‬
‫ل يؤّثر في مجري ال ّ‬
‫ما ل تستطيع التعبير عنه أّية لغة‬
‫التو ّ‬
‫هج والحرارة المعّبرين عن روح وهوّية الّرواية‪ ،‬م ّ‬
‫أخري‪.‬‬
‫قل بين مواقع علي الرض ل‬
‫خلل قراءتي لهذه الّرواية الممتعة جد ًّا‪ ،‬شعرت بأنّني أتن ّ‬
‫علي الورق‪ ،‬وبين بشر حقيقيين ل مجرد أشخاص مرسومين بالكلمات‪.‬‬
‫وفي خضم رحلتي هذه كان المؤلف يقودني‪ ،‬صعودا ً وهبوطًا‪ ،‬عبر مختلف النفعالت‬
‫النسانية‪ ،‬فينجح‪ ،‬بفعل حرارة صدقه الفّني‪ ،‬في استثارة غضبي هنا‪ ،‬أو انتزاع ضحكتي‬
‫هنالك‪ ،‬أو إشعال كراهيتي هناك‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫دد عن العتراف بأّنه في واحدة من ُ‬
‫صته‪ ،‬قد‬
‫ول أتر ّ‬
‫ذرا تلك الحوادث المحورّية في ق ّ‬
‫أسلمني إلي البكاء!‪.‬‬
‫ن بعيدًا‪ .‬ليست الّرواية فيلما ً هنديًا‪ ،‬فلو أّنها كانت كذلك لوّفرت علي‬
‫ن الظ ّ‬
‫كل‪ ..‬ل يذهب ّ‬
‫بطلها الكثير من العناء‪ ،‬ولسعفته بحلول جاهزة للعقد المستحكمة التي واجهها‪ ،‬فتمّني‬
‫ وتمّنينا معه ‪ -‬لو أّنه كان شخصّية في واحد من تلك الفلم الهندية التي طالما‬‫شاهدها‪ ،‬والتي يعرف علي وجه الدّقة بأّية حركة أو سلوك أو قول سيمكن للبطل فيها‬
‫ن ما يجري‬
‫سف ل ّ‬
‫مر في ذهنه مثل هذه الخواطر‪ ،‬يتأ ّ‬
‫أن يخرج من محنته‪ ،‬لكّنه‪ ،‬إذ ت ّ‬
‫ً‬
‫ما يجري في تلك الفلم‪.‬‬
‫في الواقع هو شيء مختلف تماما ع ّ‬
‫ولمناسبة ذكر الفلم‪ ،‬أود ّ أن أجتزيء هنا لمحة من الّرواية‪ ،‬يدخل فيها البطل مح ّ‬
‫ل‬
‫أشرطة فيديو في أمريكا‪ ،‬فيسأله أحد الّزبائن عن رأيه بفيلم )العظماء السبعة( الذي‬
‫مرات عديدة حين كان في‬
‫ينوي استعارته‪ .‬ول ّ‬
‫ن البطل كان قد شاهد هذا الفيلم َ‬
‫أفغانستان‪ ،‬فقد أسهب في إطرائه‪ ،‬إلي حد ّ أّنه روي للّزبون قصته كاملة‪ ،‬مما جعل‬
‫ن البطل أفسد عليه ل ّ‬
‫ذة مشاهدة‬
‫ميز غيظا ً بدل ً من أن يبدي امتنانه‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫الّزبون يت ّ‬
‫الفيلم!‪.‬‬
‫أردت‪ ،‬باجتزائي هذه اللمحة‪ ،‬أن أبّين السبب الذي دعاني للحجام عن تلخيص مسار‬
‫الّرواية أو عرض محاورها‪ ،‬أو نقل بعض تفاصيلها المؤّثرة‪ .‬إّنه الحرص علي عدم إفساد‬
‫ل ّ‬
‫ذة قراءتها بالنسبة للقاريء العربي‪ ..‬وهو حرص يصاحبه المل بترجمتها قريبا ً إلي‬
‫اللغة العربّية‪ ،‬ويسبقه اللم لصدور طبعتين إنجليزيتين وطبعتين أمريكّيتين منها حّتي‬
‫الن‪ ،‬إضافة إلي صدور ترجماتها للسبانية واللمانية والهولندية والسويدّية‬
‫سينما‪ ،‬فيما لم أسمع لها أيّ صدي في‬
‫والدانماركية‪ ..‬واهتمام هوليوود بإعدادها لل ّ‬
‫ساعة!‪.‬‬
‫جنبات عالمنا الثقافي حّتي هذه ال ّ‬
‫ن صممي أنا هو الذي حال دون‬
‫أتمّني أن يكون صوتها وصداه قد انطلقا عندنا‪ ،‬لك ّ‬
‫سماعهما‪.‬‬
‫أتمّني ذلك من ك ّ‬
‫ل قلبي‪.‬‬

‫مداواة الحنين‬
‫دثت عن رواية )قائد الطّيارة الورقّية( للكاتب‬
‫كنت‪ ،‬في السبوع الماضي‪ ،‬قد تح ّ‬
‫صة‪ ،‬المر الذي أوهم كثيرا ً‬
‫ً‬
‫الفغاني خالد حسيني‪ ،‬وذكرت أّنه جعل )البطل( راويا للق ّ‬
‫ن روايته متخّيلة تمامًا‪،‬‬
‫من القّراء بأّنه هو نفسه البطل‪ ،‬فيما أكد ّ في إحدي المقابلت أ ّ‬
‫مة بينه‬
‫ن حبكتها مستم ّ‬
‫علي الّرغم من أ ّ‬
‫دة من الواقع الفغاني‪ ،‬وبرغم نقاط الشبه العا ّ‬
‫قب‬
‫وبين البطل من حيث البيئة وظروف التربية أو ظروف النزوح‪ ..‬وعلي ذلك ع ّ‬
‫ن الشخصّيات حّية والحوادث‬
‫مفاخرا ً بأّنه إذا كان قد استطاع أن يوهم القاريء بأ ّ‬
‫حقيقّية‪ ،‬فمعني ذلك أّنه )ك ّ‬
‫ذاب كبير( أو بعبارة أخري )راوٍ جّيد(‪.‬‬
‫وقد وجدت خالد حسيني يعود قبل أّيام إلي إغناء هذا الموضوع‪ ،‬في مقالة له في‬
‫الملحق الثقافي لجريدة )الغارديان(‪.‬‬
‫‪104‬‬

‫جج الفضول لدي‬
‫ن ذلك الوهم لدي القاريء قد أ ّ‬
‫في هذه المقالة ُينبئنا )حسيني( بأ ّ‬
‫الّراوي‪ ،‬إذ قّرر الخير أن يتبع خطي بطله علي أرض الواقع‪ ،‬في محاولة لستكشاف‬
‫أوجه ال ّ‬
‫صل إلي نتائج مثيرة للدهشة‪.‬‬
‫شبه بينهما‪ ،‬فإذا به يتو ّ‬
‫من ُيخبركم بأّنه ليس النبل ول الشجع بين‬
‫يقول )حسيني(‪) :‬إ ّ‬
‫ن أمير سيكون أّول َ‬
‫الّرجال‪ .‬لكّنه‪ ،‬قبل ثلث سنوات مضت‪ ،‬قد قام بعمل جامع لصفَتي الّنبل وال ّ‬
‫شجاعة‬
‫معًا‪ .‬فهو قد عاد إلي أفغانستان ‪ -‬التي كانت آنذاك تحت حكم طالبان ‪ -‬من أجل تصفية‬
‫حساب قديم‪ .‬عاد بعد عشرين عاما ً من الغياب‪ ،‬للتكفير عن خطيئة كان قد اقترفها‬
‫ي‪ ،‬وذلك بإنقاذ طفل لم يعرفه من قبل‪ ،‬وإنقاذ نفسه من الّلعنة‪.‬‬
‫وهو صب ّ‬
‫وقد كادت رحلته تلك أن تكّلفه حياته‪ ..‬والمسألة هنا هي أنّني أنا ال ّ‬
‫شخص الذي أرسله‬
‫من اخترع )أمير(‪..‬‬
‫ي‪ ،‬لنني‪ ،‬في النهاية‪ ،‬أنا َ‬
‫في هذه المه ّ‬
‫مة‪ ،‬وقد كان المر سهل ً عل ّ‬
‫فهو بطل روايتي )قائد الطّيارة الورقّية(‪.‬‬
‫ويواصل قائ َ‬
‫دة الْرواية‪ ،‬وجدت نفسي‬
‫ل‪) :‬لكّنني‪ ،‬بعد وضع الّلمسات الخيرة علي مسو ّ‬
‫ً‬
‫سم خطي بطلي‪ ،‬فأخذت مكاني في الطائرة عائدا إلي‬
‫في مارس ‪ 2003،‬أتر ّ‬
‫دت سبعة وعشرين عاما ً تقريبًا‪.‬‬
‫امت‬
‫طويلة‬
‫أفغانستان‪ ،‬بعد غيبة‬
‫ّ‬
‫ف السابع‬
‫عندما غادرت بلدي كنت في نحو الحادية عشرة‪ ،‬صبي ّا َ نحيف البنية في الص ّ‬
‫البتدائي‪ ،‬وها أنا أعود إليها وعمري ثمانية وثلثون عامًا‪ ،‬بوصفي رجل ً متّزوجا ً وأبا ً‬
‫لطفلين‪ ،‬حيث أعمل طبيبا ً وكاتبًا‪ ،‬وأقيم في شمال كاليفورنيا(‪.‬‬
‫ددت في ذهن )حسيني( بضعة أسطر من‬
‫ما أن هبطت الطائرة في كابول حّتي تر ّ‬
‫ن أنّني قد نسيت‬
‫الّرواية‪ ،‬فإذا بأفكار )أمير( قد أصبحت‪ ،‬فجأة‪ ،‬أفكاره هو‪) :‬كنت أظ ّ‬
‫ن هذا لم يحدث‪ .‬لع ّ‬
‫ل أفغانستان لم تكن قد نسيتني هي أيضَا(‪.‬‬
‫هذه الرض‪ ..‬لك ّ‬
‫وفي غمرة ذهوله من هذا الحساس الغريب الذي جعله يتماهي مع بطله‪ ،‬يقول‬
‫ما في‬
‫)حسيني(‪) :‬إ ّ‬
‫ن الُعرف القديم في الكتابة يقول إّنك تكتب حول ما جّربته‪ .‬أ ّ‬
‫ً‬
‫سلفًا(!‬
‫كتبته‬
‫ما‬
‫لتجربة‬
‫ا‬
‫ذاهب‬
‫كنت‬
‫حالتي أنا فقد‬
‫َ‬
‫منتصبا ً أمامه في‬
‫وخلل زيارته القصيرة‪ ،‬يكتشف )حسيني( أ ّ‬
‫ما تخّيله كان ُ‬
‫ن كثيرا ً م ّ‬
‫ن معظم الحاسيس التي بّثها في روح البطل قد عادت حّية وتلّبست روحه‪،‬‬
‫الواقع‪ ،‬وأ ّ‬
‫مص انفعالته ويري الشياء بعينيه‪.‬‬
‫ويتق‬
‫)أمير(‬
‫ي‬
‫م‬
‫بقد‬
‫يمشي‬
‫كان‬
‫حتي أّنه‬
‫ّ‬
‫َ ّ‬
‫يقول‪) :‬مثل أمير‪ ،‬كنت ممتلئا ً بإحساس العائد إلي وطنه للقاء صديق قديم‪ .‬لكن مثل‬
‫أمير أيضا ً شعرت قليل ً بأنّني مثل سائح في بلدي‪ ..‬كلنا لم يشارك في الحروب‪ ،‬كلنا‬
‫لم ينزف دمه مع الفغانيين الخرين‪ .‬لقد كتبت عن شعور أمير بال ّ‬
‫ذنب‪ ..‬وها أنا الن‬
‫أجَربه بنفسي(‪.‬‬
‫س في داخله بانكسار حاد‪ ،‬كذلك‬
‫وحين يعثر‪ ،‬بعد جهد‪ ،‬علي بيت أسرته القديم‪ُ ،‬يح ّ‬
‫سه بطله تماما ً عند العودة إلي المنزل القديم‪ .‬هو يعيد علينا ما جّربه‬
‫النكسار الذي أح ّ‬
‫صدمة والحزن‪ ،‬إزاء الماكن التي تعيش رحبة وشامخة في‬
‫الكثيرون مّنا من شعور بال ّ‬
‫ذاكرتنا‪ ،‬ثم نراها‪ ،‬بعد طول غياب‪ ،‬صغيرة ومتضائلة‪.‬‬
‫سيارات ُيغ ّ‬
‫طي أرض مرآب بيتهم القديم بالصورة‬
‫لكّنه ُيقسم أّنه رأي حّتي آثار زيت ال ّ‬
‫نفسها التي رسمها خياله لمرآب بيت أمير‪.‬‬
‫ي‪،‬‬
‫وحين استدار مو ّ‬
‫دعا ً بيته القديم بقلب مفعم بالحزن‪ ،‬أدرك )حسيني( أمرا ً غير عاد ّ‬
‫ّ‬
‫هو أَنه لو لم يكتب )قائد الطيارة الورقّية( لكانت مشاهدته الخيرة لبيت أبويه أشد ّ‬
‫وطأة علي نفسه‪ ،‬وأكثر إيلما ً لمشاعره‪ .‬يقول‪) :‬في النهاية كنت قد مررت بهذه‬
‫‪105‬‬

‫وابة منزل والديه‪ ،‬وجّربت شعوره‬
‫التجربة سلفًا‪ :‬لقد وقفت‪ ،‬من قبل‪ ،‬مع أمير أمام ب ّ‬
‫سقف‬
‫بالفقد‪ ،‬ورأيته وهو يضع يديه فوق القضبان الحديدّية الصدئة‪ ،‬وح ّ‬
‫دقنا معا ً في ال ّ‬
‫المتداعي‪ ،‬وفي درجات السللم المكسورة‪.‬‬
‫صية‬
‫ن كتابتي لهذا المنظر في الّرواية قد خ ّ‬
‫إ ّ‬
‫ففت كثيرا ً من قسوة ألم تجربتي الشخ ّ‬
‫في الواقع(‪.‬‬
‫صل )حسيني( من ك ّ‬
‫ن يعمل‪ ،‬في الخفاء‪ ،‬علي‬
‫ل هذا إلي خلصة مفادها أ َ‬
‫وقد تو ّ‬
‫ن الف ّ‬
‫تلطيف آلم الحياة‪.‬‬

‫صادر‪ ..‬والوارد‬
‫ال ّ‬
‫كنت قد بدأت تناول غدائي للّتو‪ ،‬عندما دخل )هادي( ذو السنوات الخمس البيضاء‪،‬‬
‫صالة مثل بسطار عسكريّ مل ّ‬
‫طخ بالوحل‪.‬‬
‫وانتصب في باب ال ّ‬
‫مي تريدك(‪.‬‬
‫قال‪) :‬أ ّ‬
‫نهضت بسرعة وتبعته مستكمل ً بلع اللقمة في طريقي‪.‬‬
‫ة‪) :‬أكمل طعامك‪ ..‬إّنهم لن يطيروا(‪.‬‬
‫مي حانق ً‬
‫صاحت أ ّ‬
‫قلت لها وأنا أجري‪) :‬سأعود حا ً‬
‫ل‪ ..‬غطّيه واحرسيه من ال ّ‬
‫ذباب(‪.‬‬
‫داخل قائلة مثل‬
‫م جواد( متهّللة عند باب البيت‪ ،‬وجّرتني من يدي إلي ال ّ‬
‫استقبلتني )أ ّ‬
‫ك ّ‬
‫ل مّرة‪:‬‬
‫)تعال‪ ..‬جاءك رزق(‪.‬‬
‫ن المر لن‬
‫ن تصريحها كان يسعدني دائما ً لّنه تأكيد مسبق علي أ ّ‬
‫كنت أعرف هذا‪ ،‬لك ّ‬
‫يكون لوجه الله‪.‬‬
‫طلبت مّني الجلوس علي البساط‪ ،‬فجلست‪ ،‬ومضت هي إلي زاوية الحجرة‪ ،‬وغمست‬
‫يدها في صندوق من الكرتون‪ ،‬ما لبثت أن أخرجت منه مظروفا ً وقلما ً ودفترا ً مدرسي ًّا‪.‬‬
‫‪106‬‬

‫عادت لتجلس قبالتي‪ .‬رمت المظروف والقلم في حجري‪ ،‬وانتزعت ورقة من الدفتر‬
‫ثم سوتها فوقه ووضعته فوق ركبتي‪.‬‬
‫ب(‪.‬‬
‫قالت بعجلة ولهفة‪) :‬اكت ْ‬
‫أمسكت القلم وانتظرت‪.‬‬
‫دها‪ ،‬وتنّهدت قائلة‪) :‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ ..‬صباح الخير‪ .‬إن‬
‫ت قبضتها علي خ ّ‬
‫ص ْ‬
‫ر ّ‬
‫ً‬
‫كان صباحا‪ ..‬ومساء الخير إن كان مساء‪ ..‬حضرة جناب الخ المحترم والدي العزيز أبو‬
‫ت عن الكتابة‪.‬‬
‫زهرة‪ (..‬توّقف ُ‬
‫ب(‪.‬‬
‫نخزتني بسّبابتها محتجة ومستحثة‪) :‬اكت ْ‬
‫قلت لها‪) :‬خالتي أم جواد‪ ..‬كيف يصير جناب الخ والدك؟!(‪.‬‬
‫قالت‪) :‬ما عليك‪ ..‬هكذا كان عمي يكتب له(‪.‬‬
‫قلت لها‪) :‬لكنه أخوه!(‪.‬‬
‫ب(‪.‬‬
‫قالت بحسم‪) :‬وهل أنا من فطر الحائط؟ أنا أيضا ً ابنته‪ ..‬اكت ْ‬
‫خشيت أن أواصل الجدل فيضيع رزقي‪ ،‬فعملت بكل ما أملكه من رداءة في الملء‬
‫علي تصريف طوفان أحزانها ولوعتها وشكواها من نزق جواد وهادي‪ ،‬ومن فراق زوجها‬
‫الجندي الذي ل ُترجي عودته من حرب الشمال‪ ،‬ومن عداوة الجيران‪ ،‬ومن سوء كل‬
‫شيء تقريبًا‪.‬‬
‫دموع‪.‬‬
‫وحين انتهيت‪ ،‬ورفعت رأسي عن الورقة‪ ،‬رأيت عينيها الحمراوين طافحتين بال ّ‬
‫ي قائلة‪) :‬ل أوصيك‪ ..‬من هنا‪،‬‬
‫قامت‪ ،‬مثل كل مرة‪ ،‬وأشعلت سيجارة‪ ،‬ثم قدمتها إل ّ‬
‫ومن هنا‪ ،‬ومن هنا‪ .‬ل تحرق الكلم(‪.‬‬
‫كانت تلك هي طريقتها في التعبير عمليا ً عن حرقة قلبها‪.‬‬
‫شرعت أثقب الورقة من أطرافها بجمرة السيجارة‪ ،‬محاذرا ً من اندلع اللهب فيها‪،‬‬
‫وحين انتهيت‪ ،‬بدأت في طيها‪ ،‬فانتبهت إلي أن ظهرها ممتليء بالكلمات المكررة‪:‬‬
‫)نار‪ ..‬نيران‪ ..‬نور ‪ -‬دار‪ ..‬دور ‪ -‬قدري قاد بقرنا(!‪.‬‬
‫ن الخالة قد انتزعت هذه الورقة من دفتر جواد‪ ،‬وعليها واجب القراءة‪.‬‬
‫ت حال ً أ ّ‬
‫أدرك ُ‬
‫ق من‬
‫تب‬
‫ولم‬
‫دور‪،‬‬
‫ال‬
‫في‬
‫ت‬
‫ب‬
‫وش‬
‫درس‪،‬‬
‫ال‬
‫نار‬
‫أحرقت‬
‫قد‬
‫السيجارة‬
‫نار‬
‫أن‬
‫واكتشفت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ َ‬
‫ُ ِ‬
‫)بقرنا( سوي حروف الباء!‬
‫فكرت في أن أمام جواد ثلث سنوات ليصبح مثلي في الصف الرابع البتدائي‪ ،‬وعندئذ‬
‫سيتولي وظيفتي ويقطع رزقي‪.‬‬
‫ت الورقة في المظروف‪ ،‬ولعقته‬
‫وتحت سطوة هذه الفكرة‪ ،‬شعرت بالغيظ‪ ،‬فدسس ُ‬
‫بلساني وألصقته‪ ،‬دون أن أبدي للخالة أّية ملحظة علي واجب جواد المحترق‪ .‬أعطتني‬
‫عشرين فلسًا‪ ،‬وقالت‪) :‬هذه العشرة للطابع‪ ..‬وهذه العشرة لك(‪.‬‬
‫دي‬
‫لم يمض أكثر من شهر‪ ،‬حتي انتصب )هادي( في باب الصالة‪ ،‬وقال باقتضاب‪) :‬ج ّ‬
‫يريدك(‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫مرة دون خوف من حنق‬
‫كنت قد تعشيت منذ ساعتين‪ ،‬ولذلك فقد انطلقت هذه ال ّ‬
‫أمي‪ ،‬ودون حرج من تكليفها بحراسة طعامي‪.‬‬
‫ابتسم )أبو زهرة( عن ضرس واحد يكاد ينهدم من فرط الوحشة‪.‬‬
‫كان جالسا ً فوق البساط وسط الحوش‪ ،‬متكئا ً علي وسادة غليظة‪ ،‬وكانت )أم جواد(‬
‫جالسة أمامه ُتعد ّ الشاي علي منقلة الفحم‪.‬‬
‫س يده في جيبه وأخرج مظروفا ً مغلقًا‪ ،‬وقال لي بما يشبه الغمغمة‪) :‬تعال يا سبع‪..‬‬
‫د ّ‬
‫اقرأ لي هذا المكتوب(‪.‬‬
‫م جواد( في المظروف بريبة ظاهرة‪ ،‬لكّنها لم تنبس ببنت شفة‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫ت )أ ّ‬
‫دق ْ‬
‫فضضت المظروف‪ ،‬فاستحال ش ّ‬
‫كي علي الفور يقينا ً قاطعًا‪ .‬كانت الثقوب السوداء‬
‫جاثمة فوق النار والدور وبقرنا‪.‬‬
‫ما أن شرعت بالقراءة حتي صرخت )أم جواد( كالملدوغة‪) :‬هذا مكتوبي!( رفع )أبو‬
‫زهرة( يده مسكتا ً إّياها بالشارة‪ ،‬لكي يستطيع مواصلة الستماع‪ ،‬وكان في أثناء ذلك‬
‫يهّز رأسه بتأثر واضح‪.‬‬
‫ديه‪ ،‬ورأيته يميل ناحية ابنته ويحضنها بحنان‬
‫وعندما انتهيت رأيت الدموع تلتمع فوق خ ّ‬
‫ويقّبل رأسها قائ ً‬
‫مد حمدان هو وحده الذي يستطيع قراءة‬
‫من يدريني؟ المض ّ‬
‫ل‪َ ) :‬‬
‫المكاتيب‪ .‬وقد التحق بعمله قبل سّتة أسابيع‪ ،‬ولم يعد إلي القرية منذ ذلك الحين‪ .‬لو‬
‫كنت أعلم أن المكتوب منك لفتحته وشممت رائحتك علي الق ّ‬
‫ل(‪.‬‬
‫حمدت الله لنه لم يفتحه‪ ،‬إذ لو أنه فعل لما َ‬
‫م سوي رائحة احتراق بقرنا!‬
‫ش ّ‬
‫خذ ْ يا سبع( وأعطاني عشرة فلوس‪.‬‬
‫ي وابتسم‪) :‬هاه‪ ..‬نسيتك‪ُ ..‬‬
‫التفت إل ّ‬
‫مددت يدي والتقطت العشرة بفرحة مشوبة بالخجل‪) .‬عشرتان لمكتوب واحد(‪ ..‬هكذا‬
‫قلت في نفسي وأنا أشعر بغبطة عارمة‪.‬‬
‫ت بقلب‬
‫وضعت العشرة في جيبي‪ ،‬ومضيت نحو الباب‪ ،‬لكّنني قبل أن أخرج‪ ،‬التف ّ‬
‫خافق بالطمع‪ ،‬وسمعت صوتي الخفيض يتأّود بوقاحة مثقلة بالحياء‪) :‬هل تريد أن أكتب‬
‫لك جوابا ً علي المكتوب؟(‪.‬‬

‫‪108‬‬

‫ثقافة الرهاب‬
‫ة‪ ،‬رواية‬
‫يحكي الكاتب الوروغواني إدواردو جاليانو في )كتاب المعانقات( أنه قرأ‪ ،‬مر ً‬
‫يلتقي في أحد فصولها جد مسن جدا ً بأصغر أحفاده‪.‬‬
‫الجد الطاعن في السن هذا خرف تماما ً )أفكاره هي لون الماء‪ ..‬كما تصفه الرواية(‪،‬‬
‫وهو يبتسم ابتسامات لهية تشبه ابتسامات حفيدة المولود حديثًا‪.‬‬
‫الجد الكبر سعيد لنه فاقد الذاكرة‪ ،‬وحفيده الصغر سعيد لنه لم يمتلك‪ ،‬بعد‪ ،‬أية‬
‫ذاكرة‪.‬‬
‫ويعلق جاليانو علي ذلك قائ ً‬
‫ل‪ :‬إن هذه‪ ،‬كما أتصور‪ ،‬هي السعادة الكاملة‪ ..‬لكنني ل‬
‫أرغب في أي نصيب منها !‬
‫ل يريد جاليانو نصيبا ً من هذه السعادة‪ ،‬لنها في الواقع سعادة البلهاء‪ ،‬أي أنها‪ ،‬بعبارة‬
‫أخري‪ ،‬سعادة المواطنين الصالحين بالنسبة للنظمة الديكتاتورية ومن الطبيعي بالنسبة‬
‫لرجل مثله‪ ،‬أمضي أعواما ً عديدة من عمره بين المنافي والسجون‪ ،‬بسبب دفاعه عن‬
‫الحرية‪ ،‬أن يرفض هذا الصلح الفاسد ‪ ،‬وأن يستخدم كل مواهبه من أجل تعريته‪ ،‬سواء‬
‫أجاء بوجه أجنبي أم بوجه وطني‪.‬‬
‫هذا النوع من السعادة‪ ،‬عنده‪ ،‬هو معادل الرهاب الذي يتحول علي يد السلطة‬
‫المستبدة الي )ثقافة( قائمة بذاتها‪ ،‬حيث تستخدم كل الوسائل الممكنة من أجل‬
‫تجذيرها في بنية المجتمع‪ ،‬حتي تثمر‪ ،‬مع اليام‪ ،‬يقينا ً عاما ً بأنها جزء ل يتجزأ من كينونة‬
‫هذا المجتمع‪.‬‬
‫ولعل هذا هو ما يفسر لنا اختلط المشاعر الذي يدعو المضطهدين الي الخوف من‬
‫التحرر المفاجيء‪ ،‬أو يحمل الضحايا علي البكاء‪ ،‬لدي زوال جلديهم فجأة!‬
‫إن )ثقافة الرهاب( تتحول‪ ،‬بعد تجذرها‪ ،‬الي حلقة تبادلية فعالة‪ ،‬تنتج الطغيان من‬
‫العلي‪ ،‬وتنتج الطغاة من السفل!‬
‫وفي استعراضه لبعض عناصر هذه الثقافة يقول جاليانو ‪:‬‬
‫إن الستعمار الواضح يشوهك دون أية ذريعة‪ :‬إنه يمنعك من الكلم‪ ،‬يمنعك من الفعل‪،‬‬
‫ويمنعك من الوجود‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫أما الستعمار الخفي‪ ،‬فهو يقنعك‪ ،‬بأية طريقة‪ ،‬بأن العبودية هي قدرك‪ ،‬وأن العجز هو‬
‫طبيعتك‪ :‬إنه يقنعك بأن من غير الممكن أن تنطق‪ ،‬من غير الممكن أن تفعل‪ ،‬ومن غير‬
‫الممكن أن توجد !‬
‫وماذا يكون الستعمار الخفي سوي السلطة الوطنية الجائرة؟!‬
‫إن الكاتب ل يفاضل‪ ،‬هنا‪ ،‬بين جور وجور آخر‪ ،‬لكنه يصفع بشدة وجوه أولئك الذين‬
‫يعتقدون ان الخضوع لسلطة القمع الداخلي هو البديل الوحيد والهون عن الوقوع‬
‫فريسة للغزو الخارجي‪ ،‬في محاولة ليقاظهم علي حقيقة مروعة‪ :‬هي أن الفرق بين‬
‫الستعمار الخارجي والستعمار الداخلي‪ ،‬هو أنهم في الثاني يشاركون‪ ،‬باقتناع تام‪ ،‬في‬
‫حفلة اعدامهم!‬
‫ويسوق مثال ً علي تلقيم الخنوع‪ ،‬وتحويل المواطن الي مجرد رقم‪ ،‬من كتاب مدرستي‬
‫كان يستعمل حتي وقت قريب في مدارس أورغواي‪) :‬في ما يتعلق بالطفل المثالي‪:‬‬
‫فتاة صغيرة تلعب بدميتين وتوبخهما لكي تظل ساكنتين‪.‬‬
‫الطفلة نفسها تبدو مثل دمية‪ :‬جميلة جدًا‪ ،‬وطيبة‪ ،‬ول تزعج أي أحد(‪.‬‬
‫دمي حقيقية‬
‫إن صدي مثل هذا التأليف المدرسي المجرد يتردد في الواقع علي شكل ُ‬
‫حية‪.‬‬
‫وذلك ما نجد مثاله في حكاية فتاة اسمها راميونا كارابالو كان أسيادها قد وهبوها الي‬
‫بعض الناس كهدية‪ ،‬عندما كانت بالكاد تتعلم المشي!‬
‫وفي عام ‪ 1950،‬إذ كانت تلك الفتاة ل تزال طفلة‪ ،‬اشتغلت كعبدة في أحد بيوت‬
‫مونتيفيديو عاصمة الوروغواي‪ ،‬حيث كانت تعمل كل شيء مقابل ل شيء‪.‬‬
‫وذات يوم جاءت جدتها لزيارتها‪ ،‬ولم تكن راميونا تعرفها أو تتذكرها‪ .‬وكان علي الجدة‬
‫القادمة من الريف أن تعود الي قريتها بسرعة‪ ،‬ولهذا فإنها شرعت‪ ،‬حال دخولها البيت‪،‬‬
‫بإنجاز مهمتها‪ ،‬إذ حملت السوط وراحت تجلد حفيدتها جلدا ً مبرحًا‪ ،‬ثم انصرفت‪ ،‬تاركة‬
‫الطفلة تنحب وتنزف‪.‬‬
‫جدة راميونا كانت تصرخ بها وهي تنهال عليها بالسوط‪:‬‬
‫ )إنني ل أضربك بسبب ذنب ارتكبته‪ ..‬إنني أضربك بسبب ما سوف ترتكبينه(!‬‫هل ثمة فرق بين ما فعلته تلك الجدة وبين ما تفعله جميع السلطات في أوطاننا‬
‫السعيدة‪ ،‬أو ما تفعله أمريكا علي مستوي العالم كله؟!‬
‫ان الفّعالية التي تتحرك بها دائرة التبادل بين الطغيان وضحاياه‪ ،‬ل تقتصر علي تلك‬
‫النماذج الناتئة الواضحة‪ ،‬لن ذلك التلقين المقدس يتناسل حتي في الماكن التي يظنها‬
‫المرء خارج هذه الدائرة‪.‬‬
‫يعدد جاليانو في هذا التجاه‪ ،‬طائفة من )المكرمات(‪ :‬البتزاز‪ ،‬الهانة‪ ،‬التهديد‪ ،‬الصفع‪،‬‬
‫الضرب‪ ،‬الجلد‪ ،‬الغرفة المظلمة‪ ،‬الدوش المثلج‪ ،‬التجويع‪ ،‬التخام بالقوة‪ ،‬الحرمان من‬
‫مغادرة البيت‪ ،‬الحرمان من قول ما تعتقد‪ ،‬الحرمان من فعل ما ترغب‪ ،‬الذلل‬
‫العلني ‪ ..‬ثم يقرر بشكل صاعق أن تلك الشياء كلها هي بعض مناهج العقاب التقليدية‬
‫في الحياة السرية!‬

‫‪110‬‬

‫فمن أجل معاقبة التمرد‪ ،‬وتهذيب السلوك الخارج عن اللياقة‪ ،‬يعمد التقليد السري الي‬
‫تخليد )ثقافة الرهاب( التي تهين المرأة‪ ،‬وتعلم الطفل علي الكذب‪ ،‬وتنشر حولها وباء‬
‫الخوف‪.‬‬
‫ولهذا فإن أندريس دومينغيز أحد أصدقاء جاليانو لم يتعد الصواب حين قال له مرة‪ :‬إن‬
‫حقوق النسان يجب أن تبدأ في البيت ‪.‬‬
‫إن هذه البداية الصحيحة هي التي يمكن أن تحقق للنسان حصانة ضد الوبئة المدمرة‬
‫كلها‪ ،‬وفي مقدمتها وسائل العلم التي لم يسبق لعصر أن ابتلي بسيطرتها التامة‬
‫والواسعة مثل عصرنا المنكود‪.‬‬
‫فإذا كان الناس علي دين ملوكهم‪ ،‬فإن ملك هذا الزمان‪ ،‬بل منازع‪ ،‬هو العلم ‪ ،‬وان‬
‫سلطته الجبارة القوي من أية سلطة‪ ،‬هي في أغلبها لسان صدق في فم الكذاب‪ ،‬إذا‬
‫تأكد شرط امتلكه للقوة!‬
‫ولعل الحكاية النموذجية التالية التي يرويها جاليانو كافية تماما ً لظهار صورة الدمار‬
‫الهائل الذي يخلفه هذا الوباء‪:‬‬
‫يقول جاليانو انه اطلع لدي محام ٍ يدعي بيدرو ألغورتا علي ملف ضخم حول جريمة قتل‬
‫امرأتين نفذت بالسكين في نهاية عام ‪ 1982،‬في احدي ضواحي مونتيفيديو ‪.‬‬
‫المتهمة ألما دي أغوستو كانت قد اعترفت بجريمتها المزدوجة‪ ،‬وقد مر علي ايداعها‬
‫حكم عليها بأن تتعفن هناك حتي آخر‬
‫ي أنها قد ُ‬
‫السجن أكثر من عام‪ ،‬وكان من الجل ّ‬
‫لحظة من حياتها‪.‬‬
‫وكما جرت العادة‪ ،‬فإن رجال الشرطة اغتصبوها وعذبوها‪ ،‬وبعد شهر من مواصلة‬
‫ضربها بقسوة‪ ،‬استطاعوا ان ينتزعوا منها‪ :‬عدة اعترافات!‬
‫لم تكن اعترافات ألما متطابقة‪ ،‬وبدت كما لو أنها ارتكبت الجريمة بطرق كثيرة‬
‫مختلفة‪ ،‬فقد كان هناك أشخاص مختلفون يظهرون في كل اعتراف مثل خيالت وهمية‬
‫ل أسماء لها ول عناوين‪.‬‬
‫وذلك لن التعذيب كان من شأنه أن يحول أي شخص الي مؤلف قصصي كثير النتاج‪.‬‬
‫والكثر من ذلك فإن هذا المؤلف يقدم حكاياته برشاقة لعب أولمبي‪ ،‬وبزينة مهرجان‬
‫أمازوني‪ ،‬وببراعة مصارع ثيران محترف!‬
‫لكن الكثر اثارة للدهشة كان غني التفاصيل‪ .‬ففي كل اعتراف كانت ألما تصف بدقة‬
‫بالغة‪ :‬الملبس‪ ،‬اليماءات‪ ،‬الجواء المحيطة‪ ،‬المواقع‪ ،‬والشياء‪.‬‬
‫وموضع العجب في هذا كله هو أن ألما المسكينة كانت عمياء!‬
‫الدهي من ذلك أن جيران المتهمة الذين يعرفونها جيدا ً ويحبونها كثيرًا‪ ،‬كانوا مقتنعين‬
‫تماما ً بأنها هي القاتلة‪.‬‬
‫سألهم المحامي‪:‬‬
‫ لماذا؟!‬‫ لن الصحف قالت ذلك ‪.‬‬‫ لكن الصحف تكذب !‬‫‪111‬‬

‫ ولكن الراديو قال ذلك أيضًا‪ ..‬والتلفزيون !‬‫هل يحق للغالبية العظمي منا أن ترفع اصبع اللوم في وجه أولئك الجيران؟‬
‫كل‪ ..‬لننا في الواقع مثلهم تمامًا‪ ،‬خيوط مرتبة بكل نعومة وتناسق في نسيج )ثقافة‬
‫الرهاب( الشاملة!‬

‫دية للضمير المستتر‬
‫ه ّ‬
‫الّزلزال السيوي قتل ما يقارب مائة وسبعين ألفا ً من الّناس في إثني عشر بلدًا‪.‬‬
‫دام الّرجيم قتل مليوني إنسان في بلد واحد‪.‬‬
‫وص ّ‬
‫الّزلزال السيوي شّرد خمسة مليين إنسان في اثني عشر بلدًا‪.‬‬
‫دام الرجيم شّرد خمسة مليين إنسان من بلد واحد‪.‬‬
‫وص ّ‬
‫الخسائر التي خّلفها دمار الّزلزال السيوي قدرت بما يقرب من مائتي بليون دولر‪.‬‬
‫درت بما يزيد علي‬
‫دام الرجيم حّتي عام ‪ 1991‬فقط‪ ،‬ق ّ‬
‫والخسائر التي خّلفها دمار ص ّ‬
‫أربعة أضعاف خسائر الزلزال السيوي‪.‬‬
‫وة مليون‬
‫وة التدميرية للّزلزال السيوي‪ ،‬حسب تقديرات العلماء‪ ،‬كانت تعادل ق ّ‬
‫الق ّ‬
‫قنبلة ذرية‪.‬‬
‫دام التدميرية كانت تعادل عشرين مليون قنبلة‬
‫ن قوة ص ّ‬
‫وعلي هذا المقياس يتبّين لنا ا ّ‬
‫ذرّية‪.‬‬
‫ن عهده )الميمون( قد‬
‫ما كان هذا هو‪ ،‬بالضبط‪ ،‬عدد سكان العراق‪ ،‬فإّننا نخلص إلي أ ّ‬
‫ول ّ‬
‫ّ‬
‫صص )قنبلة ذرية( كاملة لكل فرد عراقي!‪.‬‬
‫خ ّ‬
‫تلك أرقام بسيطة ل تحتاج إلي تحليل‪ ،‬ول تحتمل الّتحايل‪ ..‬نضعها بك ّ‬
‫ل تقدير أمام‬
‫أنظار جميع الخصاونة الكرام‪ ..‬لنسألهم بعد هذا‪:‬‬
‫دمار ال ّ‬
‫هل ك ّ‬
‫شامل؟‬
‫ذبت أمريكا ح ّ‬
‫قا ً بشأن احتواء العراق علي سلح ال ّ‬
‫سلح الذي اخترعته ونصبته في العراق‬
‫بعبارة أخري‪ :‬أأنتم أدري من أمريكا بنوع ال ّ‬
‫طيلة سّتة وثلثين عامًا؟!‬
‫دفاع عن )محقان( أن تأخذ منه‪ ،‬في زيارتها المقبلة‪ ،‬القنبلة الذرية‬
‫أتمني من هيئة ال ّ‬
‫ة لها‪ ،‬لكي تغسل بها ضميرها‪ ..‬إذا استطاعت أن تعثر علي‬
‫صة بي‪ ..‬هدّية خالص ً‬
‫الخا ّ‬
‫هذا الضمير!‬

‫‪112‬‬

‫بدايات خالدة‬
‫ليس هناك حصر للقصص والروايات الرائعة التي خلفها المبدعون‪ ،‬شرقا وغربا‪ ،‬علي‬
‫مختلف العصور‪ .‬لكن هناك مايشبه الجماع علي روعة وتميز عدد محدود من البدايات‬
‫التي افتتح بها بعض المبدعين اعمالهم القصصية‪.‬‬
‫وليس المقصود هنا قدرة الكاتب علي جذب قارئه وتشويقه منذ الصفحة الولي‬
‫للكتاب‪ ،‬اذ لحصر ايضا‪ ،‬للموهوبين القادرين علي ذلك‪ ،‬خاصة ان البداية الجيدة‬
‫والمحكمة كانت‪ ،‬ولتزال‪ ،‬الهم الكبر لجميع القصصيين‪ ،‬باعتبارها المؤشر الول‬
‫لنشداد القاريء أو تردده او تركه العمل الدبي برمته‪.‬‬
‫لكن المقصود هو تلك البدايات التي لتتعدي فقرة صغيرة‪ ،‬او جملة قصيرة قد لتكون‬
‫غريبة او ذات بلغة عالية‪ ،‬لكنها مع ذلك تملك من السحر وقوة التأثير‪ ،‬ما يجعلها تترك‬
‫بصمتها المميزة في نفس القاريء‪ ،‬سواء بحمولتها الخاصة وحدها‪ ،‬او بأثر النص كله‬
‫بعدما ينتهي القاريء من مطالعته‪ ،‬فاذا ترددت علي مسمعه عبارة الفتتاح تلك‪ ،‬في‬
‫العوام اللحقة‪ ،‬احس بحرارة الميسم التي احسها عند قراءة العمل الدبي من قبل‪،‬‬
‫وعادت الي ذهنه حرارة العمل كله‪.‬‬
‫ولكي نعلم مقدار اثر مثل تلك البدايات التي تحولت الي مايشبه )اليقونات( علينا ان‬
‫نصغي باهتمام لما يقوله واحد من اعظم الروائيين في عصرنا‪ ،‬عن شدة الثر الذي‬
‫طبعه في نفسه المفتتح لقصة فرانز كافكا )المسخ(‪:‬‬
‫)عندما استيقظ غريغور سامسا ذات صباح من احلمه المزعجة‪ ،‬وجد نفسه وقد‬
‫تحول‪ ،‬في فراشه‪ ،‬الي حشرة ضخمة جدا(‪.‬‬
‫يقول غابرييل غارسيا ماركيز انه عندما قرأ هذا في بداياته‪ ،‬ادرك‪ ،‬من خلل دهشته‬
‫وانبهاره‪ ،‬ان كل شيء ممكن في القص‪.‬‬
‫ولعله وجد في ذلك حافزا ليرد علي أن يمضي في سبيله بجرأه غير معهودة‪ ،‬ليطلع‬
‫علينا في النهاية بشيء لعهد لنا به من قبل اسمه )الواقعية السحرية(‪.‬‬
‫ولعل ماركيز يعلم ايضا ان جملته الولي في عمله الكبير )مائة عام من العزلة( قد‬
‫كان لها‪ ،‬علي بساطتها‪ ،‬التأثير ذاته في نفوس قرائه‪ ،‬مما سيجعلها واحدة من البدايات‬
‫الخالدة‪:‬‬
‫بعد أعوام عديدة‪ ،‬فيما كان يواجه كتيبة العدام‪ ،‬تذكر العقيد أورلياندو بوينديا عصر‬
‫ذلك اليوم البعيد الذي اخذه فيه والده لمشاهدة الثلج(‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫لكن هل كان الكاتب النرويجي كنوت هامسون يتخيل ان تعبيره الفتتاحي عن اثر‬
‫مدينة كريستيانا علي نفس بطل روايته )الجوع( سيكون له الوقع ذاته علي نفوس‬
‫قراء الرواية علي مر العوام؟‪ .‬يفتتح هامسون روايته هكذا‪:‬‬
‫)حدث هذا في تلك اليام التي كنت فيها مشردا اتضور جوعا في مدينة كريستيانا‪ ،‬تلك‬
‫المدينة العجيبة التي ليغادرها احد قبل ان تسمه بسماتها وتترك عليه آثارها(‪.‬‬
‫وكذلك ليغادر احد رواية )الجوع( دون ان تسمه بسماتها وتترك عليه آثارها‪ ،‬بحيث‬
‫يكفي ان يسمع الفقرة الفتتاحية‪ ،‬لكي يستعيد الثر الموجع للرواية كلها‪ ،‬مهما تباعدت‬
‫العوام‪ ،‬اذ ان تلك الفقرة هي تلخيص مكثف للمرارة التي احتوتها الرواية‪ ،‬حيث‬
‫انتصب التشرد والجوع بطلين اساسيين فيها‪.‬‬
‫وفي رأس قائمة تلك البدايات التي لتنسي‪ ،‬تأتي بداية رواية )آنا كارنينا( لتولستوي‪:‬‬
‫)كل السر السعيدة متشابهة‪ ،‬أما السر التعيسة فلكل منها تعاستها الخاصة المميزة(‪.‬‬
‫انها واحدة من )اليقونات( التي تكرست علي مر العهود‪ ،‬سواء من قبل القراء‬
‫العاديين او من قبل المبدعين الكبار‪ .‬فعلي الرغم من عظمة جميع اعمال تولستوي‪،‬‬
‫تبقي )آنا كارنينا( في قمة هذه العمال‪ ،‬وفي قمة جميع العمال الدبية الوروبية ايضا‪،‬‬
‫كما رأي ديستويفسكي وتبقي افتتاحيتها في الصف الول من تلك الفتتاحيات ذات‬
‫الثر الدائم‪.‬‬
‫اما الكاتب النجليزي تشارلز ديكنز فيأخذ مكانه في هذا الصف بفعل البداية الرائعة‬
‫لروايته الخالدة )قصة مدينتين(‪:‬‬
‫)كانت افضل الزمنة‪ ،‬وكانت اسوأ الزمنة‪.‬‬
‫كان عصر الحكمة‪ ،‬وكان عصر الحماقة‪ .‬كان عهد اليمان‪ ،‬وكان عهد الشك‪ .‬كان‬
‫موسم النور‪ ،‬وكان موسم الظلم‪ .‬كان ربيع المل‪ ،‬وكان شتاء القنوط‪ .‬كنا نملك كل‬
‫شيء أمامنا‪ ،‬وكنا لنملك شيئا مما امامنا‪.‬‬
‫كنا جميعا ذاهبين مباشرة الي الجنة‪ ،‬وكنا جميعا ذاهبين في التجاه الخر(!‪.‬‬
‫ان قراء ديكنز قد ينسون كثيرا من تفاصيل قصصه المؤثرة‪ ،‬وقد ينسون حتي الموقف‬
‫الموجع للصغير اليتيم الجائع أوليفر في مفتتح رواية )أوليفر تويست( وهو يطالب‬
‫بمزيد من الحساء‪ ..‬لكنهم ليمكن ان ينسوا مطلع )قصة مدينتين( الحافل بكل‬
‫المتناقضات‪ ،‬والعابر من تشخيص حال مدينتين هما لندن وباريس‪ ،‬الي تشخيص موجز‬
‫وحاد ومؤلم لحال الجنس النساني الذي تنفصم مدينته نفسها الي مدينتين وينقسم‬
‫زمنه ذاته الي زمنين!‪.‬‬
‫البدايات القصصية المميزة قد تكرست‪ ،‬غالبا‪ ،‬نتيجة تطاول العهود‪ ،‬وازدحام المارة‬
‫علي دروب العمال الدبية المذكورة علي مختلف الزمان‪ ،‬واذا كنت قد ذكرت تلك‬
‫البدايات فليس لنها البدايات المميزة حصرا‪ ،‬اذ لريب ان هناك كثيرا مثلها‪ ،‬لكنني‬
‫انحزت الي النماذج التي وجدتها اكثر شيوعا‪.‬‬
‫نتيجة متابعتي‪ ،‬وهي متابعة محكومة بسقف قراءاتي الذي اعترف بانه ليس عاليا ً بما‬
‫يكفي للحاطة بكل تلك البدايات‪.‬‬
‫بقي القول ان الحافز الذي حرك في ذهني شرارة هذا الموضوع هو مفتتح رواية‬
‫)انتظار( للكاتب الصيني )ها‪-‬جن(‪ ..‬إذ إنني حال وقوع عيني علي هذا ال ُ‬
‫طعم الذي‬

‫‪114‬‬

‫وضعه لصطياد القاريء‪ ،‬وجدته مؤهل لدخول موسوعة البدايات المميزة من اوسع‬
‫ابوابها‪ ،‬اذا اتسعت شهرة الرواية‪ ،‬وتعددت منافذ ترجمتها الي مختلف اللغات‪.‬‬
‫يقول )ها‪ -‬جن( في السطر الول من روايته‪:‬‬
‫كل صيف‪ ،‬كان لن كونغ يعود إلي قرية البجع من أجل تطليق زوجته شو ‪ -‬يو !‪.‬‬
‫هل يمكن لمثل هذه البداية أن تمر علي القاريء دون ان تنطبع في ذاكرته إلي البد؟‬
‫ل أعتقد‬
‫النجليز يتمرغون بتراب الميري‬
‫قبل أربعين عاما ً بالضبط حصلت إنجلترا‪ ،‬للمرة الولي والخيرة‪ ،‬علي كأس العالم‬
‫لكرة القدم‪ ،‬نتيجة هدف بقي طول تلك العوام مشكوكا ً في صحته‪ ،‬حتي أثبتت‬
‫الجهزة الدقيقة‪ ،‬حديثا ً وبشكل قاطع‪ ،‬انه بالفعل هدف غير صحيح‪.‬‬
‫ومنذ ذلك الوقت ظل منتخب إنجلترا يواصل الشتراك في البطولة العالمية قانعا ً من‬
‫الغنيمة بالياب في كل مرة‪.‬‬
‫وفي البطولة الخيرة‪ ،‬لم يخالف المنتخب تقاليده العريقة في الخروج من التصفيات‬
‫مبكرًا‪.‬‬
‫وعلي الرغم من ان انجلترا هي التي اخترعت كرة القدم الحديثة‪ ،‬ونشرت قواعدها‬
‫في جميع انحاء العالم‪ ،‬فإن منتخباتها علي مّر العوام‪ ،‬لم تكن لتهدد أحدا ً أو لتحظي‬
‫بتنبؤات الفوز بالكأس‪ ،‬كغيرها من منتخبات أوروبا أو أمريكا اللتينية‪.‬‬
‫وقد اعتاد الناس علي عودة منتخب إنجلترا ساحبا ً ذيله بين رجليه‪ ،‬مثلما اعتادوا علي‬
‫تصريحاته النارية التي تضع الحق دائما ً علي الطليان !‬
‫لكنه في الدورة الخيرة وضع الحق‪ ،‬لول مرة‪ ،‬علي مدربه السويدي إريكسون ‪ ،‬وهو‪،‬‬
‫للمناسبة‪ ،‬مستحق تماما ً لكبر كمية من اللوم والتعنيف‪.‬‬
‫ن المضحك المبكي في المر‪ ،‬هو أن النجليز لم يكتفوا بإعفاء الطليان من اللوم‬
‫لك ّ‬
‫فقط‪ ،‬بل بلغت بهم الضعة والصغار وقلة الحيلة‪ ،‬حد التعلق باقدامهم من أجل الفوز‬
‫بشيء من رائحة الكأس‪.‬‬
‫بعبارة أكثر وضوحا ً ان النجليز آمنوا بأن فوز إيطاليا بالكأس هو‪ ،‬بصورة أو بأخري‪ ،‬فوز‬
‫محقق لنجلترا نفسها!‬
‫كيف؟!‬
‫ُيحكي ان هناك لعبا ً ضمن صفوف المنتخب اليطالي اسمه سيمون بيروتا كان قد‬
‫ولد‪ ،‬ذات مصادفة عمياء‪ ،‬في مانشستر!‬
‫نعم‪ ..‬هكذا‪ ،‬ومن يبحث عن صورة كاملة للهوان وقلة الحياء‪ ،‬يجد في هذه الصورة‬
‫غاية الكتمال‪.‬‬
‫والكثر من هذا ان النجليز لم يكتفوا من هذه الصلة الواهية بالحديث عن سيمون‬
‫باعتباره بريطاني الجنسية‪ ،‬بل اقترفوا المستحيل بادعائهم انه إنجليزي !‬

‫‪115‬‬

‫ولن نعرف أبدا ً سر هذه التركيبة النجليزية السحرية التي تجعل المواطنة عرقًا‪ ،‬هذا‬
‫إذا صح في الصل انه مواطن بريطاني!‬
‫فعلي مساحة ثلث صفحات كاملة‪ ،‬نشرت احدي الصحف النجليزية تحقيقا ً عن هذا‬
‫اللعب بالكلم والصور‪ ،‬غايته استدراج تاريخ ميلده لللتصاق بالعرق النجلوسكسوني‪،‬‬
‫أو محاولة ذلك العرق اللحاق بميري سيمون أو التمرغ في ترابه‪ ..‬لكن التحقيق‪ ،‬مع‬
‫دعي‬
‫ذلك‪ ،‬لم يخرج‪ ،‬برغم الجهد‪ ،‬إل بنتيجة واحدة مذلة ومخجلة‪ ،‬وهي أن ليلي التي ي ّ‬
‫النجليز وصل ً بها‪ ،‬ل تعرف من لغة الغرام سوي الهجران!‬
‫اسم الولد أول ً سيمون وليس سايمون ‪ ،‬واسم عائلته بيروتا هو اسم إيطالي صرف‪..‬‬
‫وعليه‪ ،‬فمنذ المطلع ل يجد المرء أية دللة سكسونية في قصيدة هذا اللعب‪.‬‬
‫وثانيا ً ان أبويه اليطاليين كانا قد وصل إلي بريطانيا في منتصف الستينات ثم عادا إلي‬
‫موطنهما الصلي القح في بداية الثمانينات‪ .‬وفي أثناء إقامتهما المؤقتة أنجبا دّرة التاج‬
‫هذا‪ ،‬ثم غادرا وهو لم يبلغ الخامسة من عمره‪ ،‬حيث عاش ثلثة وعشرين عاما ً هناك‪،‬‬
‫في موطنه الصلي‪ .‬وعليه فإنه لم يتوفر له الوقت الكافي حتي ليكون مجرد مواطن‬
‫بريطاني‪.‬‬
‫وثالثة الثافي هي ان الحوار مع اللعب ووالديه قد أعطي الثلثة فرصة لرفع العلم‬
‫اليطالي عاليا ً علي الخلفية النجليزية‪ ،‬ولخرق بالون التحقيق بمسمار غليظ وتفريغه‬
‫من محتواه تمامًا‪.‬‬
‫سيمون قال‪ :‬انني ل أتذكر من إنجلترا سوي ان السماء كانت رمادية وممطرة علي‬
‫الدوام‪ .‬أما في إيطاليا‪ ،‬فإن الطقس مشمس دائما ً لحسن الحظ‪ ،‬فأنا ل استطيع‬
‫العيش دون ذلك‪.‬‬
‫وأضاف‪ :‬أتمني لو كنت استطيع التحدث بالنجليزية لكنني ل أعرف كيف‪ ،‬فصحيح انني‬
‫ولدت في بريطانيا‪ ،‬لكنني غادرتها وأنا في الخامسة فقط‪.‬‬
‫ولقد قيل لي‪ ،‬بناء علي هذا‪ ،‬انني استطيع ان ألعب للمنتخب النجليزي‪ ،‬لكن ليس‬
‫هناك أي شك‪ ،‬بالنسبة لي في انني أحب أن ألعب ليطاليا‪ ،‬وانني لفخور جدا ً لني‬
‫مواطن إيطالي!‬
‫وبعد هذا الهدف الساحق‪ ،‬تطوع أبوه لتسجيل الهدف الثاني في مرمي التحقيق‪ ،‬إذ‬
‫قال فرانسيسكو بيروتا ‪ :‬من الطبيعي ان يشعر ابني قليل ً بأنه بريطاني‪ ،‬لكن ليس إلي‬
‫حد كبير‪.‬‬
‫ثم اختتمت والدته آنا ماريا الشوط الثاني من التحقيق بهدف إيطالي ثالث‪ ،‬عندما‬
‫قالت‪ :‬لقد تلقي سيمون منذ سنوات عرضا من نادي أفرتون النجليزي‪ ،‬لكنه قرر‬
‫البقاء في إيطاليا‪ .‬ان ابني قد ولد في بريطانيا لكنني أعرف انه فخور بانتمائه ليطاليا‪.‬‬
‫وبرغم جميع هذه الركلت الموجهة من الثلثي إلي خاصرة النجليز‪ ،‬ظلت الصحيفة‬
‫تعلن‪ ،‬بين فقرة وأخري‪ ،‬ذلك الدعاء‪ :‬إن إنجلترا ل تزال قادرة علي حمل كأس العالم‬
‫هذه المرة‪ ،‬والشكر كل الشكر في ذلك‪ ..‬لسيمون بيروتا!‬
‫هناك مثل يتحدث عن قرعاء تفاخر بشعر ابنة اختها‪ ،‬وأنا لم أعرف إل الن أن هذه‬
‫القرعاء هي إنجلترا بجلدها وعظمها‪.‬‬
‫إن سيمون وانجلترا يلخصان حال الدنيا في إقبالها وإدبارها‪ ،‬ولو كانا يفهمان العربية‪،‬‬
‫لوجهت إلي سيمون الشطر الول من القول العربي المأثور‪:‬‬

‫‪116‬‬

‫د‪.‬‬
‫م علي الوت ْ‬
‫إذا أقبلت‪ ..‬باض الحما ُ‬
‫ولحتفظت بالشطر الثاني لنجلترا العتيدة‪:‬‬
‫د!!‬
‫ت‪ ..‬بال الحماُر علي الس ْ‬
‫وإن أدبر ْ‬

‫أفلم أصيلة‬
‫معظم الفلم العربية الجيدة ‪ -‬إذا استثنينا منها المأخوذة عن نصوص أصلّية ‪ -‬قد‬
‫عاشت طول عمرها تقتات فضلت مائدة السينما الغربّية‪ ،‬والمريكية منها علي وجه‬
‫الخصوص‪ .‬فقد أتيح لي خلل السنوات العشرين الخيرة أن أشاهد عددا ً كبيرا ً من‬
‫أفلم الفترة الذهبية لهوليوود‪ ،‬وكثيرا ً ما انكسرت متعتي تحت وطأة الغيظ حين‬
‫يذكرني الفيلم الذي أشاهده بأننا سلخناه وقدمناه علي أنه من بنات أفكارنا‪.‬‬
‫إنني لست في معرض الحصاء‪ ،‬ولو تطّلب المر مّني ذلك لمكنني أن أشير إلي أفلم‬
‫عربية كثيرة وشهيرة هي ليست إل ّ تقليدا ً حرفي ّا ً لفلم أمريكية قديمة جدا ً ‪ -‬ربما لم‬
‫تشاهدها الغالبية العظمي من جمهور الترسو ‪ -‬لكنني مع ذلك أجد ما يشفع لها تجاوزا ً‬
‫ن هوليوود ‪ -‬قبل أن يسيطر عليها المحاسبون‪ ،‬وقبل أن‬
‫فتقليد الفن هو فن أيضًا‪ ،‬إذ أ ّ‬
‫دم أفلما ً توازن بدقة بالغة بين‬
‫تستهلكها المؤثرات الخاصة وحيل الكمبيوتر ‪ -‬كانت تق ّ‬
‫ما الن‪ ،‬فمن بين أكثر من أربعمائة فيلم تنتجها‬
‫الكفاءة التقنية والحمولة النسانية‪ ،‬أ ّ‬
‫هوليوود سنويًا‪ ،‬ل تعثر إل ّ علي أفلم تعد ّ علي أصابع اليدين‪ ،‬تحمل ذلك التوازن الدقيق‬
‫بين القدرة التكنولوجية والبعد النساني‪.‬‬
‫ولننا ل نستطيع مجاراة البهار التقني للسينما المريكية‪ ،‬فقد وقف جهدنا علي‬
‫مشارف تقليد التفاهات وحدها‪ ،‬أو اصطناع تفاهاتنا الخاصة التي ل تحتاج إلي جهد‬
‫كبير‪ ،‬لحسن الحظ‪ ،‬فهي تكاد تكون صفة أصلية فينا!‪.‬‬
‫العّلة‪ ،‬كما أري‪ ،‬ل تكمن في العوائق المالية أو الرقابية أو التقنية‪ ،‬بل في الزحف‬
‫المغولي الهوج علي مواقع الفن الخالص والفنانين المخلصين‪ ،‬وانكفاء الطاقات‬
‫الصلّية عن النضال )نعم النضال( لستنقاذ جوهرة الفن من أيدي الغوغاء‪ ،‬واستسلمها‬
‫ن الموت الحقيقي للفنان‬
‫لهذا الدجل الفاقع من أجل إشباع بطونها دون أن تعلم أ ّ‬
‫يكمن في جوعه إلي الفن أكثر من جوعه إلي الطعام‪.‬‬
‫سر لي في الفترة الخيرة أن أشاهد ثلثة أفلم من أقطار يحكمها فقر المكانات‬
‫لقد تي ّ‬
‫التقنية واستبداد الرقابة وندرة السواق‪ ،‬لكنها كانت تخفي وراء الصور كنوزا ً من‬
‫المشاعر النسانية النبيلة‪ ،‬والنقد الجتماعي الذي يذبح بريشة النعامة‪.‬‬
‫الفيلم الول صيني‪ ،‬عنوانه )معًا(‪ ،‬كاتب قصته ومخرجه هو تشين كيج ‪ ،‬وبرغم قّلة‬
‫أشخاصه فقد كان ممتلئا ً بالحركة‪ .‬وهو يحكي‪ ،‬عبر ثلثة رجال وصبي‪ ،‬حكاية عامل‬
‫بسيط يبذل ك ّ‬
‫ل جهده وماله من أجل توفير مدرسين أكفاء لولده الموهوب بعزف‬
‫الكمان‪ .‬ومع الموسيقي التي لها دور بطولة ل مناص منه‪ ،‬هناك امرأة جميلة أيضًا‪،‬‬
‫ص والخراج ‪ -‬ننصرف عن وجهها وملبسها الحديثة‪ ،‬لندخل‪ ،‬بفعل‬
‫لكننا ‪ -‬لبراعة الن ّ‬
‫خاذ‪.‬‬
‫موهبة التمثيل العالية‪ ،‬إلي أعماقها ونشهد جمال الروح ال ّ‬
‫ما الفيلم الثاني فهو إيراني‪ ،‬عنوانه )أين بيت صديقي؟(‪ ،‬كاتب قصته ومخرجه عباس‬
‫أ ّ‬
‫صة تلميذ صغير يحاول أن يرجع دفتر زميله الذي نسيه معه‬
‫كيارستمي ‪ ،‬وهو يحكي ق ّ‬

‫‪117‬‬

‫في زحمة الخروج من الصف‪ ،‬وهو يعلم أن المدّرس سيعاقبه في اليوم التالي إذا لم‬
‫يكن قد كتب واجبه المدرسي‪ ،‬وذلك لنه قد كّرر نسيان دفاتره أكثر من مّرة‪.‬‬
‫ن بيته يقع خلف التلل البعيدة‪،‬‬
‫ن بطل الفيلم ل يعرف عنوانا ً محددا ً لزميله سوي أ ّ‬
‫ول ّ‬
‫فإن استغراقه في البحث عن العنوان طول اليوم‪ ،‬يأخذنا معه في رحلة إنسانية رائعة‪،‬‬
‫عمادها الشخصيات المبثوثة في البيت والطرقات والقري النائية‪ .‬وفي غضون ذلك‬
‫س بأثرها عميقا ً دون أن‬
‫تعمل مباضع النقد الجتماعي البّناء برهافة في الفيلم‪ ،‬فنح ّ‬
‫ن هناك‬
‫أ‬
‫وهي‬
‫بها‪،‬‬
‫ينطق‬
‫نراها تسيل دمًا‪ .‬ونخلص إلي حقيقة قالها الفيلم دون أن‬
‫ّ‬
‫اثنين في المجتمع ل يجدان من يصغي إليهما‪ :‬الطفل والمرأة‪.‬‬
‫أما الفيلم الثالث فهو تركي عنوانه )بعيد(‪ ،‬وكاتب قصته ومخرجه أيضا ً هو نوري‬
‫صة استقاه المخرج من حياته الشخصية وتجاربه وقراءاته‪.‬‬
‫جيلن ‪ ..‬وجوهر الق ّ‬
‫ن هناك شخصيتين رئيسيتين فقط‪ ،‬طول الفيلم‪ ،‬غير أن المشاهد‪ ،‬مع ذلك‪،‬‬
‫والعجيب أ ّ‬
‫صة الفيلم تدور حول رجل يعيش وحيدا ً في شقته باسطنبول‪ ،‬حتي‬
‫وق‬
‫بالملل‪.‬‬
‫ل يشعر‬
‫ّ‬
‫يأتيه يوما ً شاب من أقاربه في الريف باحثا ً عن عمل في العاصمة‪ ،‬فيقيم معه مؤقتا‪ً.‬‬
‫وهنا تبدأ العقدة‪ ،‬إذ يقع الرجل في صراع بين شعوره بانتهاك خصوصيته‪ ،‬وبين واجبه‬
‫في إكرام ضيفه‪ ..‬وعلي مدار الّيام التي يقضيها الشاب معه‪ ،‬قبل أن يغادره فجر أحد‬
‫اليام تحت وطأة سوء طبعه‪ ،‬نعيش دراسة تشريحية حّية علي الصعد النفسية‬
‫والجتماعية والخلقية‪ ،‬فنكاد نلمس عناصرها بأصابعنا‪ ،‬ونكاد نري جوانب كثيرة من‬
‫أنفسنا فيها‪.‬‬
‫الفلم الثلثة السالفة كلها لم تعتمد علي أية مؤثرات خاصة‪ ،‬بل اعتمدت علي عين‬
‫وقلب المخرج‪ ،‬وعدسة آلة التصوير العادية‪ .‬ولم تعّر جسد امرأة لكنها عّرت خفايا‬
‫مة‪ ،‬والكثر من هذا إنها بأجمعها لم تحرق علما ً أمريكيا ً مث ً‬
‫ل‪،‬‬
‫النفس النسانية ببراعة تا ّ‬
‫ّ‬
‫لكنها ‪ -‬وليس عندي أي شك ‪ -‬قد أحرقت قلب السينما المريكية‪ ،‬لمقدرتها علي صنع‬
‫فيلم ل يملك مئات المليين من الدولرات‪ ،‬لكّنه في النهاية ينثر غناه الفّني الفاحش‬
‫علي كل الشاشات ويحصد جوائز المهرجانات السينمائية المحترمة‪ ،‬بقرارات نخبة‬
‫قاد‪ ،‬وهي قرارات برغم كونها متطلبة‪ ،‬ل تمنع من أن يكون الفيلم شعبيا ً ومحققا ً‬
‫الن ّ‬
‫لمتعة الناس‪ ..‬جميع الناس‪.‬‬
‫ن مخرجيها‪ ،‬الذين كتبوا قصصها أيضًا‪ ،‬هم علي‬
‫يبدو لي أن سبب نجاح تلك الفلم هو أ ّ‬
‫اختلف ميولهم واتجاهاتهم‪ ،‬ينتمون إلي أمم تشترك في صفة محّركة كنار المرجل‪،‬‬
‫وهي أنها أمم تقرأ بشراهة‪ ،‬وهذا سبب حيوي لبقاء جمرة البداع مّتقدة‪.‬‬
‫مة )اقرأ( ل تقرأ‪ ،‬وتحلف بالطلق علي أل ّ تقرأ‪ ،‬فإننا سنظل بحاجة دائمة إلي‬
‫ولن أ ّ‬
‫إحراق المزيد من العلم‪ ..‬والفلم!‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫ل تأكل في ً‬
‫ل!‬

‫منذ أكثر من ألف عام كان العرب يروون القصص‪ ،‬لكنهم يسمونها أخبارًا‪ ،‬غير عابئين‬
‫بتطوير تقنياتها الفنية‪ ،‬فهي في تراكيبها تكاد تكون واحدة‪ ،‬لول اختلف الموضوعات‪.‬‬
‫وذلك لنهم لم يطلبوا من ورائها سوي ال ّ‬
‫طرافة والغرابة والفكاهة‪ ،‬باعتبارها وسائل‬
‫الترفيه الوحيدة المتاحة لسواد الناس المضغوطين بين مدينة خانقة يزحمها عسس‬
‫الخليفة وجباته‪ ،‬وصحراء قاحلة تتحكم فيها غزوات القبائل وهجمات الضواري‪.‬‬
‫وكانت تلك الخبار تروي علي أنها أحداث حقيقية وقعت لشخاص حقيقيين‪ ،‬خاصة ان‬
‫المصنفين هم رجال أفاضل ل ترقي إليهم شبهة الختلق والكذب‪ .‬والحق أن كثيرا ً من‬
‫تلك الحكايات يمكن قبوله علي انه حقائق بالفعل‪ ،‬لكن جانبا ً كبيرا ً منها أيضا ً ل يمكن‬
‫لعاقل أن يسلم بصحة وقوعه‪ ،‬وحيث انه ل يمكنه كذلك أن ُيكذب صاحب الخبر‪ ،‬فإنه‬
‫سيحيله إلي الحذق وسعة الخيال‪ ..‬أي انه سيدخله في دائرة الكذب الجميل الذي‬
‫نسميه فنًا‪.‬‬
‫غير أن أكذب تلك الحكايات هي تلك التي وردت في الجزء الثالث من )نشوار‬
‫سن بن علي التنوخي‪ ،‬وهي مروّية عن‬
‫المحاضرة وأخبار المذاكرة( للقاضي المح ّ‬
‫واص الصوفي‪.‬‬
‫الخ‬
‫الطبري عن جعفر الخلدي عن أبي اسحاق‬
‫ّ‬
‫ذلك )الخواص الصوفي( يحكي عن رحلة له في البحر مع جماعة من الصوفية فلما‬
‫أوغلوا في الرحلة تحطمت السفينة‪ ،‬فركب بعض الناجين أخشابها فرمتهم إلي ساحل‬
‫ل يعلمون أين هو ول ما هو‪ ..‬وأقاموا أياما ً ل يجدون ما يأكلونه‪ ،‬حتي أدركهم الهلك‪،‬‬
‫فاجتمعوا لينذروا لله علي انفسهم نذورا إذا أنجاهم وخلصهم من ذلك المكان‪ .‬فنذر‬
‫بعضهم أن يصوم الدهر‪ ،‬وقال بعضهم انه سيصلي كل يوم كذا وكذا ركعة‪ ،‬وقال‬
‫بعضهم سأدع الكذب ما حييت‪ ،‬وهكذا‪ ،‬إلي أن سئل الخواص عما يقول فقال‪ :‬نذرت‬
‫لله أل آكل لحم فيل أبدًا‪.‬‬
‫وعاب عليه الجماعة هزله في مثل هذا الموقف‪ ،‬فقال بصراحة‪ :‬والله ما تعمدت‬
‫الهزل‪ ،‬ولكني منذ بدأتم صرت أعرض علي نفسي شيئا أدعه لله عز وجل‪ ،‬فل‬
‫تطاوعني نفسي إلي غير هذا الذي تلفظت به‪ ،‬وما قلت إل ما اعتقدته‪.‬‬
‫المهم أن الجماعة انتشروا يبحثون عن طعام‪ ،‬فوقعوا ‪ -‬ويا للمصادفة الهندية! ‪ -‬علي‬
‫فرخ فيل‪ ،‬فاحتالوا فيه حتي ذبحوه وشووه‪ ،‬ووقعوا فيه نهشًا‪ ،‬ودعوا الخواص‬
‫لمشاركتهم فأبي‪ ،‬متعلل ً بأنه قد تركه منذ ساعة لله‪ ،‬ولعل الله قد أراد هلكه بهذا وهو‬
‫راض بما قدره البارئ‪.‬‬
‫فلم يكن إل ساعة‪ ،‬وإذا بفيل أقبل من الموضع الذي استخرجوا منه الفرخ‪ ،‬وهو ينعر‬
‫وقد امتلت الرض بنعيره وشدة وطأته‪ .‬وراح ذلك الفيل يتشمم الجماعة واحدا ً واحدا‪ً،‬‬
‫ثم يشيل إحدي قوائمه ويضعها علي الرجل حتي يفسخه فإذا علم انه قد مات تركه‬
‫إلي غيره‪ ،‬وهكذا فعل بالجميع‪ ،‬فلما وصل الدور إلي الخواص تشممه من سائر‬
‫فه بخرطومه ورفعه في الهواء وأقعده علي ظهره‪،‬‬
‫أعضائه‪ ،‬وبعد وقت من التفحص ل ّ‬
‫وجعل يهرول ويسرع إلي أن أضاء الفجر‪ ،‬فوقف وأنزله برفق إلي الرض‪ ،‬ثم تركه‬
‫وانقلب عائدا ً في الطريق التي جاء منها‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫فلما بُعد الفيل‪ ،‬تأمل الخواص موضعه فإذا هو علي القرب من بلد عظيم من بلدان‬
‫الهند‪ .‬فقصده وفاز بالحياة‪ .‬وعندما روي قصته للناس هناك زعموا له أن الفيل قد سار‬
‫به في تلك الليلة الواحدة مسيرة عدة أيام!‬
‫انتهت الحكاية‪ ..‬ولنا الن أن نأتي للنظر في عناصرها العجيبة‪ :‬إن هذا الخواص‬
‫الصوفي هو في نظري أكبر خّباص ‪ ،‬فعلي الرغم من صوفيته فان نفسه لم تطاوعه‬
‫علي نذر العبادة التي هي هواه الطبيعي‪ ،‬ولم يجد في موقفه العصيب من شيء يتركه‬
‫لربه إذا نجا إل التعهد بعدم أكل لحم فيل!‬
‫أما جماعته ‪ -‬الذين تقربوا إلي الله بأفضل ما يتقرب به العبد ‪ -‬فلم يجدوا لطعامهم إل‬
‫ابن الفيل‬
‫وأما الفيل الب ‪ -‬أو الم ‪ -‬فقد كان من حقه ان يثأر من آكلي ضناه ‪ ..‬لكنه بالغ كثيرا‬
‫في إكرام ذلك الخواص الخباص‪ .‬وقد كان يكفيه ان يتركه ليموت في موضعه أو ليجد‬
‫من رحمة البارئ ما ينزل عليه من السماء دجاجة مشوية‪ ..‬نظير نذره السخيف‪.‬‬
‫إن ذلك الفيل المنتقم‪ ،‬تحول في لحظة واحدة من قاتل إلي راهب في إرسالية خيرية‪،‬‬
‫ومن فيل إلي طائرة كونكورد‪ ..‬وهي معجزات ل سبب لها ول ضرورة إل إنقاذ ذلك‬
‫الخواص البهلوان!‬
‫هناك فائدة واحدة يمكن ان نستخلصها من هذه الحكاية المثقلة بالدسم‪ ..‬وهي تختص‬
‫بنوع النذر الذي نذره ذلك الصوفي‪ ..‬إذ حصر كل وعوده لله في امتناعه عن أكل لحم‬
‫الفيل‪.‬‬
‫ليت جميع حكامنا المؤبدين وزعماء أحزابنا التوابيت يقتصرون في شعاراتهم ووعودهم‬
‫لجماهير أمتنا المجيدة علي وعد واحد يتمثل بعدم أكل لحم الفيل‪ .‬ولن الطعمة علي‬
‫اختلفها‪ ،‬متاحة في الواقع دون لحم الفيل فإننا سنحظي‪ ،‬لول مرة في التاريخ‪،‬‬
‫بساسة ل يكذبون في وعودهم‪ ،‬أما إذا أراد الله أل يتوفر طعام سوي لحم الفيل‪ ،‬فإنهم‬
‫سيموتون جوعًا‪ ،‬وعندئذ سنسعد بالتخلص منهم سلميا ً إلي البد!‬

‫‪120‬‬

‫كانت لدينا مواسم للمشمش‬
‫قال لي أحد الصدقاء ضاحكًا‪ ،‬بعد أن قرأ الجزء الخاص برجل السلطة من نص‬
‫بالمشمش الذي نشر هنا في السابيع الماضية‪:‬‬
‫ الن عرفت سبب ما أنت فيه من آلم‪ ..‬إنك تبالغ في أحلمك وآمالك إلي حد السرف‬‫المهلك‪ ،‬كمن يطلب قرص الشمس من أجل أن يقلي فوقه بيضة‪ .‬الدنيا ظلمة دامسة‬
‫وأنت تريد منها أن تمنحك سراجين اثنين‪ ..‬العاقل يا صاحبي يطلب عقب شمعة أو‬
‫حتي عود ثقاب‪.‬‬
‫قاطعته‪:‬‬
‫ علي رسلك‪ ..‬ما ضيرك أو ضير الدنيا من أن أحلم بسيادة المور الصحيحة؟‬‫ضحك مجددًا‪:‬‬
‫ لكنك ل تتذكر أبدا ً أن هناك حدا ً أدني للمور‪ .‬إنك حتي لم تطلب الحد العلي‪ ،‬بل‬‫بالغت فتجاوزته إلي طلب ما فوق العادة بأميال‪ ..‬يا رجل‪ ،‬كيف استطعت أن توقف‬
‫رئيس الجمهورية وهو عجوز وقور في الطابور الطويل أمام مخزن التموين شأنه شأن‬
‫عبادالله الخرين؟ ثم كيف بالغت في تعريضه للسخرية من قبل شاب نزق واقف في‬
‫الطابور هو أيضًا‪ ،‬ويتبين لنا أنه ابن وزير الداخلية‪ ،‬ومع ذلك فهو ل يعرف رئيس‬
‫الجمهورية؟! قلت بجد‪:‬‬
‫ من أين له أن يعرف؟ الشوارع والمكاتب خالية من صور وتماثيل الرئيس‪ ،‬والصحف‬‫ل تضيع صفحاتها الولي في استعراض صورته يوميًا‪ ،‬والتلفزيونات ل تخنق أنفاس‬
‫الفضاء باستقبالته وتوديعاته‪ ..‬إنه مجرد موظف‪ .‬صحيح أن وظيفته كبيرة ومتعبة‪ ،‬لكنها‬
‫تبقي وظيفة كغيرها من الوظائف‪ ،‬فلماذا يتميز عن بقية الموظفين بجعل صورته قرينة‬
‫للشمس والقمر؟‬
‫إذا كان لبد من ظهور الرئيس فإن أعماله هي التي تملك حق الظهور‪ ،‬وإذا كان لبد‬
‫أن يتحدث فإن نتائج أعماله هي التي يجب أن تتحدث‪.‬‬
‫استغرق صديقي في الضحك‪ ،‬ثم أقفل الموضوع قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ اسمع‪ ..‬لقد قلتها أنت‪ ،‬وها أنا أقولها لك‪ :‬بالمشمش!‬‫قلت علي الفور‪:‬‬
‫ عسانا علي خير إذن‪ ،‬فلعلك ل تدري أنه كانت لدينا بالفعل مواسم حقيقية‬‫للمشمش؟ إنني حين أحلم لست أبالغ في طلب المستحيلت‪ ،‬بل أوسع المل في‬
‫اجتلب تلك المواسم‪.‬‬
‫هاك مثل ً هو ليس إل حبة في مسبحة أمثال‪ :‬ذات زمان استعماري بغيض‪ ،‬كان لدينا‬
‫رئيس جعلته منشورات الثوريين أخا ً بالرضاعة للشيطان‪ ،‬لكنه مع ذلك كان ينطوي‬
‫علي كثير من شمائل رئيس الجمهورية الذي ذكرُته في رجل السلطة ‪.‬‬
‫كان ذلك الرجل ضابطا ً كبيرا ً مشاركا ً في الثورة العربية ضد العثمانيين‪ .‬وعند تأسيس‬
‫الدولة الحديثة‪ ،‬شارك في هندسة بنائها بحرفنة بالغة‪ ،‬وأثبت أنه رجل دولة من الطراز‬
‫الول‪.‬‬
‫أما علي الصعيد الجتماعي فقد كان من صفوة أبناء الصول الرفيعة‪ ،‬وموقعه علي‬
‫سلم الطبقات كان يقف به علي رتبة الباشا ‪.‬‬
‫وعلي الرغم من خطورةمنصبه‪ ،‬وكثرة أعدائه من اليساريين والقوميين في الداخل‬
‫والخارج‪ ،‬فقد كان بيت ذلك الرجل ملصقا ً لبيوت الناس العاديين‪ .‬وكان ل يطيب له أن‬
‫يأكل لقمته إل مما تخبزه نساء الجيران‪ ،‬دون أن يقف في بلعومه متذوق فدائي يأكل‬
‫نصف الرغيف قبله‪ ،‬خوفا ً من أن يكون السم معجونا ً به لقتل الباشا‪.‬‬
‫والطرف من هذا هو أن ذلك الرئيس الخطير كان ينزل من بيته في الصباح‪ ،‬مرتديا ً‬
‫الروب فوق بيجامته‪ ،‬حامل ً زنبيل ً مثل كل الناس البسطاء‪ ،‬ليتجول في السوق ويبتاع‬
‫احتياجات بيته اليومية‪ ،‬ول تكاد تميزه أبدا ً عن غيره من المتسوقين‪ ،‬فليس من أمامه‬
‫مدرعة‪ ،‬ول من خلفه قطيع حماية‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫رجل علي سجيته‪ ،‬يتزاحم بالمناكب مع الناس ويفاصل الباعة علي أسعار البضائع بل‬
‫حرج‪ ،‬ثم يعود إلي بيته ويرتدي ملبس الوظيفة‪ ،‬ويذهب إلي عمله‪ ،‬ليدير شؤون بلد‬
‫بكامله ببراعة منقطعة النظير‪.‬‬
‫ً‬
‫حسنًا‪ ..‬لقد أسقطت الثورة المباركة عهد ذلك الرجل‪ ،‬لتفتح الباب واسعا لعهود رهيبة‬
‫من حكم أولد الشوارع والشطار والعيارين‪.‬‬
‫لكنه عندما أحاط به العامة الذين تخصصوا في التمثيل بجثث الموتي بعد استلمها من‬
‫أيدي الجنود ‪ .‬أخرج مسدسه وأطلق النار علي نفسه بكل شجاعة‪ ،‬فمات بكرامة مثلما‬
‫عاش بكرامة‪ ،‬وهو المر الذي لم تسمح أصول صدام الرجيم ول تربيته بأن يفعله‪ ،‬فقد‬
‫ُقبض عليه في بالوعة‪ ،‬ورشاشته معه مذخورة لوقت الشدة !‬
‫سألني صاحبي وهو بين مصدق ومكذب‪:‬‬
‫ عمن تتحدث؟!‬‫أجبته بنبرة هادئة وقاطعة ومفعمة بالوجع‪:‬‬
‫ أتحدث عن صنيعة الستعمار وربيب المبريالية العميل الخائن نوري السعيد رئيس‬‫وزراء العراق المزمن في العهد الملكي‪ ،‬رحمة الله عليه‪ ..‬وعلينا‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫تحيا مصر‬
‫بعد وفاة محمد علي باشا‪ ،‬مؤسس الدولة المصرية الحديثة‪ ،‬توالت علي الحكم من‬
‫بعده سلسلة من ذرّيته‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن النظام كان ملكي ّا وراثيا‪ ،‬فقد تسّني للمصريين ‪-‬وياللعجب‪ -‬أن‬
‫وعلي الرغم من أ ّ‬
‫يشهدوا خلل أعوام حكم السرة فواصل ترفيهية كثيرة تمّثلت في التغييرات السريعة‬
‫أو متوسطة السرعة لوجوه الح ّ‬
‫وة العزل‬
‫وة الموت وحدها‪ ،‬ولكن بق ّ‬
‫كام‪ .‬ولم يكن بق ّ‬
‫ما أتاح للجيال الغاربة المحظوظة أن تتمّتع برؤية ح ّ‬
‫كام سابقين أحياء‪ ،‬وهو ما‬
‫أيضًا‪ ،‬م ّ‬
‫لم تحظ الجيال اللحقة برؤيته حّتي في الحلم‪.‬‬
‫جل الح ّ‬
‫كام الملكّيين والجمهوريين في مصر‪،‬‬
‫لقد دفعني الفضول الي استطلع س ّ‬
‫فهالني الفارق ال ّ‬
‫دة المتوارثة العميلة‬
‫شاسع بين وقائع النظمة الغريبة المستب ّ‬
‫للستعمار‪ ،‬وبين مزاعم النظمة الثورية الوطنية المستقّلة المب ّ‬
‫شرة بالغد الفضل‪ ،‬وهو‬
‫فارق لم يكن علي الطلق في صالح الوطنية والستقلل‪:‬‬
‫مد علي‪ :‬حكم تسعة أشهر فقط‪) ..‬مارس ‪-1848‬نوفمبر ‪.(1848‬‬
‫إبراهيم باشا بن مح ّ‬
‫ً‬
‫عّباس حلمي الّول‪ :‬حكم ست سنوات تقريبا‪) ..‬نوفمبر ‪-1848‬يوليو ‪.(1854‬‬
‫مد سعيد باشا‪ :‬حكم ثماني سنوات وسبعة أشهر‪) ..‬يوليو ‪-1854‬يناير ‪.(1863‬‬
‫مح ّ‬
‫ً‬
‫الخديوي إسماعيل‪ :‬حكم خمسة عشر عاما وستة أشهر‪) ..‬يناير ‪-1863‬يونيو ‪.(1879‬‬
‫مد توفيق‪ :‬حكم أحد عشر عاما ً وستة أشهر )يونيو ‪- 1879‬يناير ‪.(1892‬‬
‫الخديوي مح ّ‬
‫الخديوي عّباس حلمي الثاني‪ :‬حكم إحدي وعشرين سنة وتسعة أشهر‪) ..‬يناير ‪-1892‬‬
‫سبتمبر ‪.(1914‬‬
‫السلطان حسين كامل‪ :‬حكم سنتين وعشرة أشهر‪) ..‬ديسمبر ‪- 1914‬اكتوبر ‪.(1917‬‬
‫الملك فؤاد الّول‪ :‬حكم ثمانية عشر عاما ً وستة أشهر‪) ..‬أكتوبر ‪- 1917‬أبريل ‪.(1936‬‬
‫الملك فاروق‪ :‬حكم ستة عشر عاما ً وثلثة أشهر‪) ..‬أبريل ‪ -1936‬يوليو ‪.(1952‬‬
‫الملك أحمد فؤاد الثاني‪ :‬حكم أحد عشر شهرا ً فقط‪) ..‬يوليو ‪ -1952‬يونيو ‪.(1953‬‬
‫أما الحكام الجمهوريون فقد كان سجلهم كالتالي‪:‬‬
‫محمد نجيب‪ :‬حكم خسة عشر شهرًا‪ ،‬ويمكن اعتبار فترة حكمه القصيرة التي ل تليق‬
‫بعسكري ثوري‪ ،‬مجرد غلطة مطبعية خارجة عن إرادته وداخله في إرادة قيادة الثورة‬
‫التي صححتها بأخذ مكانه في المقعد البدي حتي الموت من أجل غد مشرق وضاء‬
‫)في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ أمتنا المجيدة‪ ..‬التي نسأل الله أن يعافيها من‬
‫أمجادها‪ ،‬وأن يعافي التاريخ من وجودها كزائدة دودية في خاصرته(‪.‬‬
‫جمال عبدالناصر‪ :‬حكم ستة عشر عامًا‪.(1970-1954) ..‬‬
‫أنور السادات‪ :‬حكم أحد عشر عامًا‪.(1981-1970) ..‬‬
‫حسني مبارك‪ :‬حكم‪ ،‬حتي الن‪ ،‬أربعة وعشرين عاما ً )أي أكثر من أي حاكم ملكي أو‬
‫جمهوري سبقه( ول يزال يحكم‪ ،‬وسيظل يحكم إلي ما شاء الباريء‪ ،‬وإني لدعو الله‬
‫مخلصا ً أن يمنحه عمر نوح‪ ،‬وأن يرزقه كثيرا ً من الحفاد الصحاء‪ ،‬لكي يواصلوا‪ ،‬بعده‬
‫وبعد بنيه‪ ،‬حمل شعلة القيادة الحكيمة التي لم ُيخلق مثلها في البلد‪ ،‬حتي يصلوا بها‬
‫إلي أبواب يوم القيامة‪ ،‬تحقيقا ً للفتة المستفّزة التي رفعها صاحب مخزن في القاهرة‪،‬‬
‫والتي تقول‪) :‬نعم لمبارك ولبن ابن مبارك(!‬
‫م ل؟‬
‫ول ِ َ‬
‫من في البلد أحسن من هذا الولد؟!‬
‫َ‬
‫أحزاب المعارضة؟‬
‫أهي أحزاب )الياميش( و)الفرقع لوز( التي طلعت علينا فجأة من باطن الرض مثل‬
‫الفطر‪ ،‬مرتدية الستر الخاكية فوق الجلبيب المخططة كفرق حسب الله‪ ،‬لتشارك في‬
‫زفة الحزب الحاكم؟!‬
‫أم هي تلك الحزاب الرضية التي يمكن عد أفرادها علي طريقة جحا في عد ّ غنمه‪،‬‬
‫والتي ل تتعدي عدتها‪ :‬صحيفة تصدر في المناسبات السعيدة‪ ،‬ومقهي يفتح في‬
‫المناسبات التعيسة؟‬
‫‪123‬‬

‫أم هي تلك الحزاب السماوية التي ل علقة لها بالدنيا‪ ،‬وكل علقتها بالرض مستمدة‬
‫من استنباطها حكمة الحياة من رميم الموتي الغابرين؟‬
‫إن تلك الحزاب كلها‪ ،‬وعلي تنوع جعجعاتها‪ ،‬هي صور مزورة عن صورة السلطة‪:‬‬
‫قادتها مومياءات نسي الثريون اكتشافها‪ ،‬وأهدافها المغّلفة بطبقة رقيقة من السكر‪،‬‬
‫هي في النهاية استبدادية خالصة تحاول نقل الحكم البدي من اليمين إلي اليسار أو‬
‫إلي الوراء أو إلي أسفل سافلين‪.‬‬
‫أما الشعب المهمش برغم كونه جوهر المسألة‪ ،‬فيبدو أنه قد استدار بعيدا ً جدا ً عن‬
‫ضجة هذه الكرنفالت الخاوية‪.‬‬
‫لقد تعود هذا الشعب‪ ،‬دائمًا‪ ،‬علي الخروج من المر إلي المر منه‪ ،‬ولذلك فإنه لم يعد‬
‫فق من جديد بين دواليب المرارات‪.‬‬
‫في طاقته ول في رغبته أن يراوح أو يص ّ‬

‫ل توجد أدلة!‬

‫‪124‬‬

‫قال الطبيب الشرعي‪ :‬لم نتوصل حتي الن إلي دليل واحد علي أن ابنك مات نتيجة‬
‫التعذيب‪ .‬تساءل والد الضحية‪ :‬كيف مات إذن؟‬
‫قال الطبيب‪ :‬هذا ما يحيرني‪ ..‬المشكلة‪ ،‬يا سيد‪ ،‬هي أن من المستحيل علينا أن نعثر‬
‫علي أي دليل بغياب الجثة‪.‬‬
‫تساءل الوالد مذهو ً‬
‫ل‪ :‬لكن الجثة عندكم!‬
‫قال الطبيب بلهجة قاطعة‪ :‬كل يا سيد‪ ..‬ليس لدينا سوي الرأس‪.‬‬
‫صرخ الوالد‪ :‬أليس هذا دليل ً مؤكدا ً علي أنه مات تحت التعذيب؟!‬
‫من يدرينا؟ ربما كانت الجثة سليمة‪ ..‬لو وجدنا جثته لمكننا بفحصها أن‬
‫قال الطبيب‪َ :‬‬
‫نعرف ما إذا كان قد مات تحت التعذيب أم ل‪.‬‬
‫صاح الوالد‪ :‬افحصوا الرأس‪.‬‬
‫قال الطبيب ببرود علمي خالص‪ :‬فحصناه يا سيد‪ ،‬لكننا لم نتوصل إلي أية نتيجة‪ .‬من‬
‫الصعب جدا ً أن يظهر فيه أي دليل‪ ..‬إنه مهشم تمامًا‪.‬‬

‫الشيخ عبد يؤبن!‬
‫مات القصاب عبدالباري بن مزبان صبيحة يوم الجمعة الموافق‪ ...‬الحق أن كل إنسان‬
‫وكل شيء في منطقتنا موافق حتي اليام‪.‬‬
‫مات القصاب عبدالباري بن مزبان عن عمر يناهز الخامسة والربعين‪ ،‬قضاه في البر‬
‫والتقوي‪ ،‬كما يزعم العلن المنشور في الجريدة التي أطلعنا عليها المعلم أيوب‪.‬‬
‫‪125‬‬

‫مات القصاب عبدالباري بن مزبان ول أحد يدري من دفع ثمن إعلن وفاته‪ ،‬ول أحد‬
‫يعلم لماذا أعلنوا عن وفاته‪ .‬إن بقاء المرء حيا ً في بلدنا هو وحده الشيء العجيب‬
‫الموجب لتنبيه الغافلين‪.‬‬
‫مات القصاب عبدالباري بن مزبان وترك موته حسرة عظيمة في قلوب عدد كبير من‬
‫عارفيه ومحبيه‪ ،‬ذلك أن منطقتنا تكاد تكون الولي بين المناطق في قدرتها علي‬
‫استيعاب الكلب السائبة‪.‬‬
‫مات القصاب عبدالباري بن مزبان لكي ل يكون له أي دور فاعل في هذه الحكاية‪ ،‬فها‬
‫هو يظهر فيها ساعة موته‪ ..‬كأي مشروع حكومي‪ ،‬وها نحن نحتفل بسيرته بعد وفاته‪..‬‬
‫كأي رجل عظيم‪ .‬وللمناسبة فإننا ل نجانب الواقع كثيرًا‪ ،‬فإن لم يكن عبدالباري من‬
‫الرجال العظام حقًا‪ ،‬فإن كلب المنطقة تشهد له بأنه كان من رجال العظام بل منازع‪.‬‬
‫مات عبدالباري بن مزبان وإشارة شك كبيرة تدور حول حقيقة انتمائه إلي منطقتنا‪،‬‬
‫فمجرد نظرة عابرة إلي اسمه تؤكد أن جده لم يستشر الشيخ عبد في شأن تسمية‬
‫أبيه‪ ،‬مثلما تؤكد أن ذلك الجد الذي ل نعرف اسمه لم يكن ذا موهبة في اختيار‬
‫السماء‪ ،‬و لول ذلك لتغير شيء ما في التاريخ‪ ..‬شيء ليس مهما ً كثيرًا‪ ،‬لكنه كان كفيل ً‬
‫بأن يساعدنا علي قراءة العبارة‪ ،‬مث ً‬
‫ل‪ ،‬علي النحو التالي‪:‬‬
‫مات القصاب عبدالباري بن لؤي !‬
‫وتبقي المسألة‪ ،‬علي أية حالة‪ ،‬مسألة تجميل ل أكثر‪ ،‬فعبدالباري مات‪ ،‬ومزبان لن‬
‫يستفيد من ذلك التغيير التاريخي قطعًا‪ ،‬لنه مات قبل عبدالباري بزمن بعيد‪ .‬أما الشيخ‬
‫عبد الذي ينبغي أن يموت ذات يوم‪ ،‬فقد عوض وقفته المفترضة عند ميلد مزبان‪،‬‬
‫بوقفته المؤكدة الن لتأبين عبدالباري‪.‬‬
‫أول مظهر للصنعة اقتضي أن يقف الشيخ عبد صامتا ً محتقن الوجه‪ ،‬قبل أن يغافل‬
‫الحاضرين فينسف اسماعهم بصرخة جزع حادة‪:‬‬
‫ ل ااااا ‪.‬‬‫واشرأبت العناق إليه‪ ،‬فواصل صراخه كالمجنون‪:‬‬
‫ عبدالباري مات؟ ل ااااا‪ ،‬عبدالباري ما مات ‪.‬‬‫والتمعت الدموع في حدقتيه الفاغرتين‪:‬‬
‫ هيهات‪ .‬مستحيل‪ .‬ل يمكن‪ .‬ل أصدق‪ .‬من قال إنه مات؟ هاه؟ من قال؟ كل ثم كل‪..‬‬‫عبدالباري ما مات ‪.‬‬
‫لم يكن ما يقوله الشيخ صحيحا ً أبدًا‪ ،‬لكن كان علي الحاضرين أن يهزوا رؤوسهم‬
‫مؤمنين علي قوله‪ ،‬تأميما ً للكذب المقدس المفترض احترامه في مثل هذه المناسبة‬
‫الجليلة‪ .‬غير أن أحدا ً ل يستطيع التحكم في آلية العطار حميد ذي السنان الغاربة‪ ،‬فبعد‬
‫الصمت العميق الذي أعقب الصرخة العميقة‪ ،‬تطوع العطار بتصحيح المعلومة‪ .‬قال‬
‫ببرود تام‪:‬‬
‫ً‬
‫ والله العظيم مات‪ .‬الطبيب الشرعي أكد ذلك‪ .‬وإذا لم يكن قد فطس فعل فلماذا‬‫نحن هنا؟ إذا كنت في شك من المر فاسأل زوجته بدرية ‪.‬‬
‫صرخ الشيخ بأعلي ما يستطيع‪:‬‬
‫ ل اااا‪ ..‬مثل عبدالباري ل يموت ‪.‬‬‫قال العطار محتدًا‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ بل يموت ويشبع موتا‪ .‬يموت ورجله علي رقبته‪ ..‬لماذا ل يموت؟ يموت غصبا عن‬‫الذين خلفوه‪ .‬هل هو أحسن من النبياء؟! ‪.‬‬
‫صرخ الشيخ‪:‬‬
‫ مستحيل‪ .‬ل يمكن ‪.‬‬‫قال العطار بتسليم اليائس‪:‬‬
‫ حسنا ً يا شيخ عبد‪ ،‬كما تحب‪ .‬لكن تو ّ‬‫ل وحدك مهمة إرجاعه الليلة إلي مخدع‬
‫الزوجية‪ .‬إن بدرية لن تغفر له ول لك ‪.‬‬
‫ً‬
‫جذبه الحاج عبدالعزيز‪ ،‬وطلب منه أن يسكت‪ ،‬موضحا له بالشارة أن هذه ليست‬
‫ساعة الحقائق‪.‬‬
‫عندئذ استرسل الشيخ عبد في رثائه‪:‬‬
‫ يقولون إنك مت يا حبيبنا‪ ..‬وهل يموت مثلك؟ أنت الورع التقي الطيب الصادق‬‫الشريف المحسن‪ ،‬كيف تموت؟! ‪.‬‬
‫ردد الحاضرون ببكائية مفرطة‪:‬‬
‫‪126‬‬

‫ إي والله‪ ..‬إي والله ‪.‬‬‫قال الشيخ‪:‬‬
‫ هب أنك كنت تسكر وتعربد‪ ..‬وماذا في ذلك؟ الله غفور رحيم‪ .‬وهل كنت تسكر إل‬‫بسبب العذاب النفسي الذي كنت تعانيه وأنت تري ابتعاد الناس عن دينهم؟ آه وألف‬
‫آه‪ ..‬كم كنت تأسي لذنبك‪ ،‬ول تنجو من سوء الظنون بك حتي وأنت تقوم بالحسان‪.‬‬
‫أتذكر عندما أوقفك الشرطي ماهود قبل سنتين‪ ،‬وأنت خارج من بيت العاهرات؟ ماذا‬
‫كنت تعمل هناك يا عبدالباري؟ آه من وساوس الشيطان ومن لؤم النسان‪ ..‬ماذا كان‬
‫يعتقد الشرطي؟ لكن مصير الحق أن يظهر‪ ،‬وإن الباطل كان زهوقًا‪ .‬لقداقتنع ماهود‬
‫بأنك كنت توزع الصدقات هناك فأطلقك واعتذر منك‪ .‬هل شملته هو أيضا ً بصدقاتك يا‬
‫عبدالباري؟! أل رحمة الله عليك‪ ،‬كم كنت عطوفا ً وكريمًا!‬
‫ماذا أقول فيك؟ ماذا أقول عنك؟ قالوا‪ ،‬وبئس ما قالوا‪ ،‬إنك كنت تذبح‪ ،‬في بعض‬
‫اليام‪ ،‬كلبًا‪ .‬أشهد‪ .‬إي والله أشهد‪ ..‬لكن آه من لؤم البشر‪ ،‬لماذا لم يصدقوك عندما‬
‫أعلنت أنك تذبحها لطعام الكلب المسكينة الضالة التي ليس لها معيل؟ مازال صدي‬
‫حكمتك يرن في أذني‪ ..‬كأني أسمع صوتك الن‪ .‬هل تذكر؟ هل تذكر؟‬
‫اندفع العطار من جديد‪:‬‬
‫ يذكر ماذا؟ قلنا لك إنه ميت يا شيخ ‪.‬‬‫صاح الجميع‪:‬‬
‫ هش ‪.‬‬‫وواصل الشيخ‪:‬‬
‫ هل تذكر يوم قلت‪ :‬الكلب للكلب والخراف للخراف؟ أنت وربك يا عبدالباري‪ .‬إذا‬‫أراد الله أن يرحمك فماذا يطلع في أيدينا؟ ربما كنت من الصادقين‪ .‬نعم يا عزيزنا‪..‬‬
‫الكلب للكلب والخراف للزبائن ‪.‬‬
‫صاح النجار سبتي ‪.‬‬
‫ ل‪ ..‬لقد قال إن الخراف للخراف ‪.‬‬‫قاطعه المعلم أيوب ‪:‬‬
‫ كان ابن نكتة ‪.‬‬‫قلت‪:‬‬
‫ هذا افتراء‪ .‬أبوه مزبان لم يكن نكتة‪ ..‬مزبان القبيح الكئيب كان نكبة ‪.‬‬‫قال المعلم أيوب ‪:‬‬
‫ لم أقصد هذا ‪.‬‬‫قلت‪:‬‬
‫ أدري‪ ..‬لكنني أنكت ‪..‬‬‫َولو َ‬
‫ل الشيخ عبد متوعدًا‪:‬‬
‫ أتنكتون في هذا الموقف العصيب؟ أتنكتون وجثة الميت لم تبرد بعد؟! ‪.‬‬‫قاطعه العطار متهل ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ً‬
‫ نشكر الله علي أنك صدقت أخيرا أنه قد مات‪ .‬لكن من قال إن جثته لم تبرد؟‬‫ي هاتين وهم يضعونه في ثلجة‬
‫صدقني‪ ..‬إنها الن قالب ثلج‪ .‬أنا شاهدتهم بعين ّ‬
‫المستشفي ‪.‬‬
‫هز الشيخ يده واستطرد‪:‬‬
‫ رحمة الله عليك‪ ،‬كم ظلمناك‪ .‬لقد اتهمناك بسرقة لحاف أم جوني ‪ ،‬ولم يخطر في‬‫بال أحد منا أنك كنت تنوي تجديده لدي النداف‪ ..‬آه من لؤم البشر‪ .‬لك الجنة يا عبد‬
‫الباري‪ ،‬ولم جوني العوض في لحافها‪ ،‬ول أقول فيك إل كما قال الشاعر‪:‬‬
‫مكر مفر مقبل مدبر معا ً‬
‫كجلمود صخر حطه السيل من عل ‪.‬‬
‫همس المعلم أيوب في أذني ونحن خارجان من مجلس التأبين‪:‬‬
‫‪ -‬لقد كانت تلك أروع خطبة تأنيب سمعتها في حياتي !‬

‫‪127‬‬

‫استطلعات‬

‫نستورد كل شيء من الغرب‪ ،‬وعلي رغم ارتفاع الكلفة وطول الستعمال‪ ،‬فإننا ل‬
‫نحسن‪ ،‬إطلقًا‪ ،‬تنمية أو تطوير أو إصلح ما نستورده‪ ،‬لكننا نستطيع تخريبه بكل‬
‫جدارة‪ ..‬وهل في الدنياة أمة أقدر منا علي التخريب أو علي الحتفاء بالخراب؟‬
‫من ذلك ظاهرة استطلعات الرأي في وسائل العلم العربية‪.‬‬
‫إن استطلع الرأي و حده يعد أمرا ً غريبا ً في عالم لم يتعود أهله علي أن ُيسألوا عن ر‬
‫أيهم‪ ،‬ولم يملكوا منذ ألف وخمسمائة عام فرصة التفكير وإنتاج الراء‪ ،‬لكن الغرب من‬
‫من يجرون الستطلعات ‪ -‬في هذه الحفلة التنكرية‪ -‬هم في الغلب أغبياء‬
‫هذا هو أن َ‬
‫‪128‬‬

‫بالفطرة الطبيعية‪ ،‬أو متغابون بالفطرة الحكومية‪ .،‬المر الذي ينتج عنه ما يحرق قلب‬
‫الضحك من الحزن‪ ،‬ويجري دموع الحزن من شدة الضحك‪.‬‬
‫المسألة في هذا الشأن‪ -‬و في كل شأن‪ -‬أننا بتقليدنا العمي أو المتعامي‪ ،‬نبدو كطفل‬
‫يلبس حذاء أبيه‪ ،‬فهو في الظاهر يبدو مرتديا ً الحذاء‪ ،‬لكن منظره المثير للضحك يقول‬
‫إن الحذاء هو الذي يرتديه‪ .‬وأيا ً كان اللبس‪ ،‬فإن ك ً‬
‫لمنهما يعطل فاعلية الخر‪.‬‬
‫مرة قرأت استطلعا ً في جريدة سلطوية‪ ،‬لمناسبة البدء بمفاوضات سلم بين السلطة‬
‫والمعارضة المتهمة باستنادها إلي دعم غربي‪ .‬وكان الستطلع علي النحو التالي‪:‬‬
‫بمناسبة بدء الحوار بين الحكومة والجبهة الفلنية العميلة‪ ،‬هل تري أن الجبهة‪ :‬مستندة‬
‫إلي ضغوط غربية مشبوهة‪ ،‬أم مدفوعة بتكتيك خياني؟‬
‫إن الجريدة‪ ،‬بعد أن عبأت القاريء سلفا ً بالعداوة للمعارضة‪ ،‬وأبدت رأيها العدواني قبل‬
‫أن تسأله‪ ،‬وضعته أمام إجابتين هما في الواقع إجابة واحدة‪ ،‬وهي إجابة ستنزل‬
‫بالمعارضة إلي الحضيض‪ ،‬حتي لو كان المشاركون في الستطلع قارئا ً واحدا ً فقط!‬
‫وفي صحيفة أخري كان الستطلع ثقافيا ً أنصح القاريء الحصيف أن يغطي دماغه في‬
‫هذه المناسبة لكي ل يخجل إذا تذكر أننا أمة أميةحتي النخاع‪ ،‬وهو استطلع يسأل‬
‫القراء عن أعظم كاتب عربي‪ ،‬لكنه لم يضع لهم للختيار سوي اسمي كاتبين اثنين‬
‫فقط فلن‪ ..‬أم علن؟ ‪ ..‬وهناك خانة يتيمة مرمية بعيدا ً مثل برميل قمامة‪ ،‬تقول لهم‪:‬‬
‫أم ل أحد منهما؟ ‪.‬‬
‫وقد جاءت النتيجة بالطبع‪ :‬ل أحد منهما‪.‬‬
‫والسؤال المهم هنا‪ :‬من العظم إذن؟!‬
‫إن صيغة الستطلع غبية أو متغابية‪ ،‬وهي ل ُتحمد في الحالتين‪ ،‬ووجودها مثل عدمها‬
‫تمامًا‪ ،‬إذ لم تستفد الصحيفة ولم يستفد القاريء ولم تستفد الثقافة‪ ..‬فعلم كان‬
‫الستطلع؟!‬
‫وحتي لو أن الصحيفة تركت المر مشاعا ً ليختار كل قاريء الكاتب الذي يراه عظيمًا‪،‬‬
‫فإن استطلعا ً كهذا أبعد ما يكون عن الثقافة وأقرب ما يكون إلي لعبة اللوتو‪ .‬إذ ماذا‬
‫تستفيد الثقافة إذا اختار سبعة من اثني عشر قارئًا‪ ،‬كاتبا ً ما واعتبروه العظم؟‬
‫وفي الصحيفة نفسها ظهر استطلع جديد فرضته سطوة الرهاب‪ ،‬وهو برغم ما يوحيه‬
‫موضوعه من رعب‪ ،‬صالح لن ُيؤتي من بلد بعيدة لُيضحك ربات الحداد البواكيا كما‬
‫قال المتنبي‪.‬‬
‫يقول الستطلع‪ :‬هل تعتبر الرهاب عمل ً سيئا ً إذا‪ :‬وقع عليك‪ ..‬أم إذا وقع علي غيرك؟‬
‫إن هذا هو أغبي استطلع رأيته في حياتي‪ ،‬ولو لم أكن موقنا ً بأن الصحيفة ضد‬
‫الرهابيين لقر في يقيني أن الذهنية المنتجة له هي ذهنية إرهابي خالص‪.‬‬
‫مثل هذا المر‪ ،‬وبصيغته النفة‪ ،‬ل ُيسأل عنه عامة الناس‪ ،‬لن الغالبية العظمي منهم‬
‫هي علي فطرتها السوية‪ ،‬وهم بأغلبيتهم يرفضون الرهاب جملة وتفصي ً‬
‫ل‪ ،‬سواء أوقع‬
‫عليهم أم و قع علي غيرهم‪ ،‬وأن اختيارهم لحد الجوابين ل يتيح لهم أبدا ً أن يكونوا‬
‫بشرا ً أسوياء‪ ،‬فهم إما أن يكونوا أدنياء أنانيين‪ ،‬وإما أن يكونوا متوحشين كارهين‬
‫لحياتهم‪.‬‬
‫ولو أن الصحيفة طلبت رأيي‪ ،‬لنصحتها بتوجيه ذلك السؤال إلي مكائن فتاوي الرهاب‬
‫وحدهم‪ ..‬لن واقع الحال قد أرانا من قبيح أفعالهم ما ينم عن بهجتهم للختيار بين‬
‫السيئين‪.‬‬
‫ومن نماذج هؤلء واحد دعاه انفجار بعض أصابع اللعاب النارية في بلده إلي تركيب‬
‫مكبر صوت لحنجرته المكبرة أص ً‬
‫ل‪ ،‬من أجل تصعيد استنكاره للسماء السابعة‪ ،‬لكن‬
‫سقوط عشرات اللف من المدنيين العراقيين البرياء ضحايا للتفجيرات الحقيقية التي‬
‫يقوم بها مجرمون حقيقيون‪ ،‬لم يحرك شعرة واحدة من هدبه!‬
‫وواحد آخر جرف مئات الشبان الغرار في غفلة من ذويهم‪ ،‬لكي يقتلوا البرياء في‬
‫العراق ويقتلوا أنفسهم‪ ،‬لكنه ما أن سمع أن ولده سيذهب في ركابهم‪ -‬وكان الولد‬
‫يمزح‪ -‬حتي رمي دفتر فتاواه‪ ،‬وركض نحو رجال أمن بلده لهثًا‪ ،‬متوسل ً إليهم أن‬
‫يعتقلوا الولد العاق الذي يريد أن يثكله بارتكاب الجهاد في سبيل الله ‪.‬‬
‫مثل هذا الستطلع يجب أن يوجه إلي أمثال هؤلء وحدهم فقط‪ ..‬فالسؤال الوحشي‬
‫المتلفح بثوب الستطلع ل يليق إل بالوحوش المتسترة بثوب الدين‪.‬‬
‫ولعل الستطلع المثل الذي يليق بالقاريء السوي‪ ،‬والذي ينسجم مع نمط‬
‫الستطلعات العربية‪ ،‬هو التالي‪:‬‬
‫‪129‬‬

‫هل تري أن العلم العربي الدميم اللئيم المستعير من الببغاء تقليده للصوات‪ ،‬ومن‬
‫القرد تقليده للحركات‪ :‬كذاب‪ ..‬أم مزيف للحقائق‪ ..‬أم كلهما؟!‬

‫قربة؟!‬
‫أين هي ال ِ‬
‫المؤتمر القطري العاثر للحزب القائد بل توقف نحو الهاوية‪ ،‬أعلن عن توقفه‬
‫الضطراري عند محطة التغيير‪ ،‬بعد رحلة استغرقت أكثر من أربعين عاما ً علي طريق‬
‫الصمود والتصدي ‪.‬‬
‫وفي هذه المناسبة التاريخية‪ ،‬بشرنا بأنه قد أعطي الركاب كامل الحرية في أن‬
‫يتزودوا من المكاسب التي طال انتظارهم للحصول عليها‪ ،‬وعلي رأسها‪ :‬دخول قفص‬
‫الزوجية‪ ،‬ودخول ساحة المدرسة‪ ،‬ودخول صالون الحلقة‪ ..‬دون حاجة إلي الخروج من‬
‫الدنيا إذا لم يستأذنوا المخابرات قبل ذلك!‬
‫كل من تابع الخبار وغص بها يعلم أنني ل أسخر‪ ،‬بل أنقل القرارات الجادة التي تمخط‬
‫عنها المؤتمر‪ ،‬كما هي‪ .‬وهو أمر يعني أن الحزب القائد قد تغير فع ً‬
‫ل‪ ،‬فها هو‪ ،‬لول مرة‬
‫في تاريخه المجيد‪ ،‬يسخر من نفسه علنا ً نيابة عن جميع الساخرين!‬

‫‪130‬‬

‫ومثلما مارس‪ ،‬قبل التغيير‪ ،‬نظرية خميس كمش خشم حبش فأغلق صحيفة‬
‫الدومري ‪ ،‬ها هو الن‪ ،‬وبكل شجاعة‪ ،‬يمارس بالعكس منها نظرية حبش كمش خشم‬
‫خميس فيغلق صحيفة المبكي !‬
‫وربما يتبادر إلي ظن ذوي النيات الحسنة أن الحزب القائد ل يحب أن يبكي الناس في‬
‫محطة التغيير الزاهرة‪ ،‬وأنه قد عزم جديا ً علي السماح للركاب بأن يتزودوا حتي من‬
‫الضحك دون إذن المخابرات‪ ..‬لكن هذا ظن كله إثم‪ ،‬فقد علمنا أن أخاه شهاب الدين‬
‫القائد البدي في الناحية الخري‪ ،‬قد أغلق من قبل صحيفة أضحك للدنيا ‪ ،‬مما يعني أن‬
‫الضحك في جميع أدبيات الصلحات الداخلية الشفافة هو عيب وقلة أدب‪ ..‬لسبب أو‬
‫لغير سبب‪.‬‬
‫وعليه فلماذا ينزعج الحزب ممن يساعده علي إبكاء الناس تطوعا ً لوجه الله و علي‬
‫حسابه الخاص؟‬
‫الجواب علي ذلك‪ ،‬كما أعتقد‪ ،‬متضمن في السؤال نفسه‪ ..‬وهو أن المبكي قاتله الله‪،‬‬
‫قد انتحل‪ ،‬مع سبق الصرار صفة هي من صلب اختصاص الحزب القائد وحده ل شريك‬
‫له!‬
‫كل هذا وصاحبي الطيب يعاتبني قائ ً‬
‫ف عما أنت فيه‪ .‬إنها أمة موات‪،‬و أنت يا‬
‫ل‪ :‬ك ُ ّ‬
‫صاحبي تنفخ في قربة مثقوبة‪.‬‬
‫أية قربة مثقوبة؟!‬
‫لقد ذابت منذ زمان بعيد‪ ..‬وأنا‪ ،‬الن‪ ،‬إنما أنفخ في ثقبها الذي لم يبق منها سواه!‬

‫أرزقنا مقاومة غير شريفة!‬

‫أحمد مطر‪.....‬عندما اسُتخرج صدام من الكنيف الذي كان يختبئ فيه‪ ،‬جري وصف‬
‫حفرته في التقارير العلمية بأنها )حفرة العنكبوت(‪ .‬وعلي الرغم مما يحمله هذا‬
‫الوصف من تحقير للقائد الضرورة‪ ،‬فإن بعض مؤرخي الحروب قد احتجوا علي تحقير‬
‫ن تعبير )حفرة العنكبوت( قد برز خلل حرب‬
‫الحفرة بإقرانها بذلك الجبان‪ ،‬وقالوا إ ّ‬
‫فيتنام‪ ،‬وقد كانت الحفرة عبارة عن كمين ضيق يختبئ فيه مقاتل فيتنامي شجاع‪،‬‬
‫ليباغت الجنود المريكيين فيطلق النار عليهم ثم يلقي مصرعه‪ .‬أي أن الحفرة جزء من‬
‫ميدان معركة يقيم فيها جندي انتحاري لمواجهة جنود معتدين‪ .‬وذلك منتهي الشرف‬
‫للمقاتل وللحفرة‪ ،‬وهو ما لم يكن متحققا ً إطلقا ً في حالة )سيف العرب(!‪.‬‬
‫وفي أعقاب تلك الحتجاجات‪ ،‬تصاعدت أصوات علماء الحشرات دفاعا ً عن كرامة‬
‫العنكبوت‪ ،‬فقالوا إن أهم ما تمتاز به حفرة العنكبوت هو انها بالغة النظافة‪ ،‬وهو ما لم‬
‫يكن متحققا في حفرة صدام‪ ،‬فهي قذرة أص ً‬
‫ل‪ ،‬وهي أكثر قذارة لوجوده فيها!‬

‫‪131‬‬

‫نحن الن في مأزق جديد ‪ -‬وهذه ال نحن عائدة إلي العربان المترعين بالمقاومة‬
‫الشريفة علي طريقة الفاضلتين حسنة ملص وزهرة الطويلة! )مع استبعاد المحامية‬
‫بشري وجوقتها المشغولين بالنضال علي جبهة تنظيف سجل القائد السود‪ ،‬وهي‬
‫مقاومة من نوع يصعب علي الكلمات وصفه!( ‪ -‬فها هي وكالة النباء الفرنسية تطرح‬
‫تقريرا ً من اليابان يبدي فيه الحياء اليابانيون من انتحاريي الحرب العالمية الثانية‬
‫)الكاميكاز( احتجاجهم الشديد وشعورهم بالهانة وغضبهم العارم‪ ،‬لتلويث مبادئهم‬
‫القتالية بتشبيههم بالنتحاريين السفلة الذين يستهدفون المدنيين البرياء في العراق‬
‫خصوصا ً وفي غيره من القطار عمومًا‪ ،‬بدعوي كونهم مقاومة ضد قوات الحتلل!‬
‫الكاميكاز )هيروشي شينجو(‪ ،‬البالغ من العمر ثلثة وثمانين عامًا‪ ،‬والذي انتهت الحرب‬
‫قبل أن ينفذ مهمته النتحارية‪ ،‬يعبر عن غضبه في هذا الصدد قائ ً‬
‫ل‪ :‬انني أشعر بالهانة‬
‫عندما توصف مهماتنا وكأنها شيء يشبه العتداءات النتحارية التي تنفذ باسم السلم‪..‬‬
‫إن ما قمنا به كان في غمار الحرب‪ ،‬وكنا مقاتلين في مواجهة مقاتلين‪ ،‬أما ما يقوم به‬
‫هؤلء المتشددون فهو هجمات عمياء ترمي إلي قتل البرياء! ‪.‬‬
‫أما نظيره )شيغي يوشي( البالغ من العمر واحدا ً وثمانين عاما ً فيقول ل يحق لحد أن‬
‫يقتل البرياء‪ ،‬وخصوصا ً الطفال‪ ..‬والفرق هائل بين ما كنا نفعله وما يفعله الرهابيون‬
‫في هذه اليام‪ ،‬ذلك أن مهماتنا قد انتهت مع انتهاء الحرب‪ ،‬لكن الرهاب ل نهاية له ‪.‬‬
‫مشكلة اليابانيين انهم ل يعرفون لغتنا‪ ،‬ولم يدرسوا في عشرات اللف من المدارس‬
‫)الدينية( في باكستان‪ ،‬ولم يتمولوا من الفكر المظلم كأقرانهم هؤلء مصحوبا ً‬
‫بمليارات الدولرات المنزوعة من جلود الفقراء المضطهدين في )سفينة الصحراء‬
‫البرمائية(‪ .‬ولو كانوا كذلك لستطاعوا ببساطة أن يعرفوا طريقتنا العجيبة في تشطير‬
‫معاني المفردات وتحويلها ‪ -‬بعمامة ولحية ساحر ‪ -‬إلي تشكيلة واسعة من اللوان‬
‫السوداء‪ .‬إذ يصبح الشرف قرينا ًَ للجبن والجريمة‪ ،‬و المن دائرة لفنون التعذيب‪ ،‬و‬
‫التنمية تأميما ً للجوع‪ ،‬و الصلح تأبيدا ً للحاكم‪ ،‬وحيث تصبح الديمقراطية بلفظها الصلي‬
‫‪- Democracy‬حسب تفسير عميد الحكماء ‪ -‬ديمومة الجلوس علي الكراسي‪ ..‬وهلم‬
‫جرا وزحفا ً وانبطاحًا‪.‬‬
‫قرأت قبل عامين خبرا ً عن رجل ياباني يعمل دفانا ً للموتي‪ ،‬كان قد التقط مضربا ً‬
‫للغولف وانهال به ضربا ً علي رأس عمته حتي ماتت‪ ..‬وعند القبض عليه أفاد بأنه قد‬
‫فعل ذلك لنه كان بحاجة إلي عمل!‬
‫دفان‪ ،‬لنه ياباني من سللة )الساموراي( الذين يعتبر الشرف عندهم‬
‫مسكين هذا ال ّ‬
‫كعود الكبريت ل كولعة كارتيير مثلما هو عندنا‪ ،‬وإل لحظي بدعاء مكائن الفتاوي في‬
‫طول و عرض البلد العربية‪ ،‬وبتصفيق فضائيات رّيا وسكينة‪ ،‬وبتطبيل مرتادي أحزاب‬
‫العصر الحجري‪ ،‬لن ما فعله ‪ -‬بقياسات كل هؤلء ‪ -‬ل يمكن أن يوصف إل بكونه‬
‫)مقاومة شريفة(!‬

‫‪132‬‬

‫الّرجل الموسوعة!‬

‫بعد تخّرجه في الجامعة‪ ،‬عمل المريكي )أي‪.‬جي‪.‬جيكوب( محّررا ً في مجّلة فنّية تعني‬
‫بشؤون السينما والتليفزيون والموسيقي‪ .‬وعلي مّر السنوات اكت ّ‬
‫ظ ذهنه بك ّ‬
‫ل شاردة‬
‫ما آل‬
‫وواردة من أخبار الفنانين والفّنانات‪ ،‬إلي حد ّ دعاه إلي التوّقف ومساءلة نفسه ع ّ‬
‫قش‪.‬‬
‫قف وذكي إلي مجّرد كيس ممتليء بال َ‬
‫إليه من طالب مث ّ‬
‫وإذ تنّبه‪ ،‬وهو في منتصف الثلثينات‪ ،‬إلي أّنه بات يعرف عن )هومر سيمبسون( بطل‬
‫ما يعرف عن )هومر( الشاعر الغريقي المعروف‪،‬‬
‫المسلسل الكارتوني الشهير أكثر م ّ‬
‫أدرك أّنه ماض إلي وهدة الجهل المطلق‪.‬‬
‫وعند هذه النقطة قّرر بحسم أن يشرع بعملية تنظيف لدماغه من تفاهات عمله‪ ،‬وأن‬
‫يعيد تأثيثه بأكبر قدر من الحقائق والمعلومات في هذا العالم‪.‬‬
‫ماذا فعل؟‬
‫قّرر أن يقرأ )دائرة المعارف البريطانية( كّلها من اللف إلي الياء!‬
‫وبعناد عجيب أمكنه‪ ،‬فع ً‬
‫دة‪،‬‬
‫ل‪ ،‬أن يختمها في غضون عام واحد‪ ..‬أي أّنه‪ ،‬في هذه الم ّ‬
‫م ثلثة وثلثين ألف صفحة‪ ،‬وخمسة وستين‬
‫قرأ بعناية وتركيز اثنين وثلثين مجّلدًا‪ ،‬تض ّ‬
‫ألف ماّدة‪ ،‬وأربعة وعشرين ألف لوحة‪ ،‬وأربعة وأربعين مليون كلمة!‬
‫‪133‬‬

‫ص الذي يتألف من تسعة‬
‫ول ّ‬
‫ما كانت المم المّتحدة قد عّرفت )الكتاب( بكونه الن َ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن )جيكوب( وفقا لهذا التعريف قد قرأ ‪ 673‬كتابا في‬
‫وأربعين صفحة علي القل‪ ،‬فإ ّ‬
‫ذلك العام‪ ،‬أي بواقع كتابين تقريبا ً في اليوم الواحد!‬
‫عن تجربته المدهشة هذه‪ ،‬أّلف )جيكوب( كتابا ً بعنوان )العارف بك ّ‬
‫ل شيء( ذّيله بعنوان‬
‫فرعي يقول‪) :‬مطلب متواضع لرجل يريد أن يكون أذكي شخص في العالم(‪.‬‬
‫من قدرا ً كبيرا ً من المعلومات‬
‫وكما يوحي عنوان الكتاب الذي صدر هذا العام‪ ،‬فقد تض ّ‬
‫دم لنا مؤلفه كاتبا ً‬
‫ً‬
‫وتق‬
‫ا‪،‬‬
‫مبيع‬
‫المدهشة التي ستجعله‪ ،‬دون شك‪ ،‬واحدا ً من أكثر الكتب‬
‫ّ‬
‫جديدا ً من نمط )بيل برايسون( صاحب الكتب الغرائبية المشهورة مثل )صنع في‬
‫أمريكا( و)تاريخ ك ّ‬
‫صته‬
‫ن روح الفكاهة والسخرية التي عرض بها ق ّ‬
‫ل شيء تقريبًا(‪ ..‬لك ّ‬
‫ً‬
‫وعّلق بها علي المعلومات التي أوردها في الكتاب‪ ،‬تكشف ‪-‬بعيدا عن المعارف‬
‫المكتسبة‪ -‬عن موهبة )جيكوب( الصيلة والعالية في ميدان الكتابة الساخرة‪.‬‬
‫ل شيء ومن ك ّ‬
‫علي مّر صفحات الكتاب يسخر )جيكوب( من ك ّ‬
‫ل شخص‪ ،‬وبخاصة من‬
‫نفسه‪ ،‬حيث ينبئنا بأّنه منذ بدئه بقراءة مادة الحرف الّول من )النسيكلوبيديا(‪ ،‬صار‬
‫يغتنم أّية فرصة للمباهاة بمعلوماته‪ ،‬وإذا لم يجد مثل هذه الفرصة فإّنه يخترعها‪ .‬وهو‬
‫إذ يروي لنا قصص انتصاراته في بعض المناسبات‪ ،‬ل يتوّرع عن ذكر انتكاساته وخيباته‬
‫وهزائمه المذّلة في مناسبات أخري‪.‬‬
‫ن )جيكوب( ليس نسيج وحده في الغرائبية‪ ،‬فهناك أبوه‬
‫وفي هذا السياق نعلم أ ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫المهندس المتقاعد الذي ألف سبعة وعشرين كتابا في مجال اختصاصه‪ ،‬وهي كلها‬
‫دي ربع الصفحة‪ ،‬فيما يلتهم الهامش ثلثة أرباعها‪ ،‬المر الذي‬
‫ن المتن فيها ل يتع ّ‬
‫تمتاز بأ ّ‬
‫يستغرب معه )جيكوب( من عدم دخول كتب أبيه موسوعة )غينيس( للرقام القياسية‪،‬‬
‫باعتبارها الكتب ذات الهوامش الطول في التاريخ! وهناك أيضا ً ابن أخته )دوغلس(‬
‫دي الحادية عشرة من عمره‪ ،‬والذي يحتفظ في جيبه دائما ً بكتّيب لشوارد‬
‫الذي ل يتع ّ‬
‫ححا ً له‬
‫مص‬
‫مناسبة‪،‬‬
‫ية‬
‫أ‬
‫وفي‬
‫شخص‬
‫ي‬
‫أ‬
‫بلعوم‬
‫في‬
‫يقف‬
‫بحيث‬
‫اللغوية‪،‬‬
‫القواعد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫العبارات الخارجة عن القواعد‪ ،‬ولم تنج من تصحيحاته حتي أستاذته في المدرسة!‬
‫وبين هذين القوسين )الب وابن الخت( كثيرا ً ما وقع )جيكوب( في حرج الهزيمة من‬
‫غير احتساب‪ ،‬برغم تدّرعه بك ّ‬
‫دنيا!‬
‫ل معلومات ال ّ‬
‫ففي إحدي الجلسات العائلية التي حضرها هذا )الولد النحو( حاول )جيكوب( أن يقوم‬
‫ن )‪ (gh‬في كلمة )‪ (Light‬في‬
‫بضربة استباقية‪ ،‬تلجم ابن أخته عن أيّ هجوم‪ ،‬فقال إ ّ‬
‫النجليزية القديمة لم تكن صامتة‪ ،‬بل كانت تنطق‪ ،‬وما زال بعض أهالي اسكتلندا‬
‫ينطقونها )‪.(Licht‬‬
‫صة ابن الخت الذي‬
‫غير أ ّ‬
‫ن أحدا ً من الجالسين لم ُيبد دهشة من هذه المعلومة‪ ،‬وخا ّ‬
‫انبري لسؤال خاله‪:‬‬
‫ ما أطول كلمة في الّلغة النجليزية؟‬‫ابتهج )جيكوب( بهذا السؤال‪ ،‬وأجاب بسرعة‪:‬‬
‫ن هناك )‪ (Mile‬أي )ميل( بين الحرفين الول والخير‪.‬‬
‫ إنها )‪ ..(Smiles‬ذلك ل ّ‬‫ن )دوغلس( لم يتراجع أمام هذه الجابة الذ ّ‬
‫كية‪ ،‬بل قال متملم ً‬
‫ل‪:‬‬
‫لك ّ‬
‫‪ -‬ما رأيك بهذه الكلمة؟‬

‫‪134‬‬

‫ن من الصعب جدا ً إن لم يكن من‬
‫جي له كلمة من خمسة وأربعين حرفًا‪ ،‬مع أ ّ‬
‫وته ّ‬
‫المستحيل نطقها‪.‬‬
‫ثم شرحها قائل ً إّنها اسم المرض الذي يسّببه غبار ثاني أكسيد السليكون الناشيء عن‬
‫انفجار البراكين!‬
‫ن المعركة انتهت في بدايتها‪ ،‬وهو يعني أّنه انهزم هزيمة‬
‫وعلي ذلك عّلق )جيكوب( بأ ّ‬
‫ساحقة‪.‬‬
‫وفي أحد العياد‪ ،‬التأم شمل العائلة في بيت أبوي )جيكوب(‪ ،‬وكان من بين الحاضرين‬
‫أخته وزوجها )بيريل( الذي يطابق اسمه اسم أحد الحجار الكريمة‪.‬‬
‫دم )جيكوب( هدية لزوج أخته مرفقة ببطاقة كتب فيها‪) :‬إلي‬
‫وعند تبادل الهدايا‪ ،‬ق ّ‬
‫عزيزي‪.Be3 Al2 (sio3)6) :‬‬
‫وعندما قرأها الّرجل تساءل‪ :‬أهذه البطاقة لي؟! أجاب )جيكوب( مزهوًا‪ :‬نعم‪..‬‬
‫والمكتوب فيها هو الّرمز الكيمياوي لحجر البيريل الكريم!‬
‫م واصل قائ ً‬
‫فيس وجدت في البرازيل‪ ،‬وكان‬
‫ن واحدة من أكبر قطع هذا المعدن الن ّ‬
‫ل‪ :‬إ ّ‬
‫ث ّ‬
‫وزنها مئتي طن‪ ..‬وعلي هذا فإَنك بالمقارنة معها‪ ..‬مجّرد شيء ضئيل جد ًّا! ولم يكد‬
‫)جيكوب( يستكمل ارتشاف حلوة زهوه بمعلوماته‪ ،‬حّتي عاجله أبوه قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ عندي لك معلومة جّيدة‪ ..‬أنت تعرف سرعة الضوء‪ ،‬أليس كذلك؟‬‫أجاب )جيكوب( بل تردد‪:‬‬
‫ نعم‪ ..‬إنها ‪ 186‬ألف ميل في الثانية‪.‬‬‫دة‬
‫ن أباه قاطعه‪ :‬نعم هذا صحيح‪ .‬لكن هل تعرف كم سرعة الضوء بالقامة في م ّ‬
‫لك ّ‬
‫نصف شهر؟‬
‫وقبل أن يخرج )جيكوب( من ذهوله أخبره أبوه بأنه قد حسب هذه السرعة بالقامة في‬
‫دة‪ ،‬وعلي هذا فإّنه يعتبر نفسه الشخص الوحيد في العالم الذي يعرف هذه‬
‫هذه الم ّ‬
‫المعلومة‪.‬‬
‫ددها له قائ ً‬
‫ل‪) :‬إّنها‪!1.98x1014) :‬‬
‫مح ّ‬
‫ث ّ‬
‫سماحة في العياد‬
‫لقد تقّبل )جيكوب( هذه النكبة صاغرًا‪ ،‬متذّرعا ً بما تفرضه روح ال ّ‬
‫دسة!‬
‫المق ّ‬
‫ن الحقائق والمعلومات أضخم من أن تستوعبها أكبر‬
‫ولعّله أراد بذلك أن يقول لنا بأ ّ‬
‫ل بحاجة إلي التعّلم دائما‪ً.‬‬
‫ن المرء مهما تدّرع بالعلم‪ ،‬يظ ّ‬
‫دائرة للمعارف‪ ،‬وأ ّ‬
‫ليست ضخامة المعلومات هي ك ّ‬
‫ي‬
‫ل شيء في الحياة‪ ،‬بل العبرة تكمن في الستفادة بأ ّ‬
‫قدر منها عند وضعه في المكان المناسب‪.‬‬
‫ورّبما أمكننا استخلص هذه الحكمة من المعلومة التالية التي وردت في الكتاب‪:‬‬
‫در وزنه بحوالي‬
‫م بناؤه في موسكو عام ‪ 1733،‬ويق َ‬
‫إ َ‬
‫ن أكبر جرس في العالم قد ت ّ‬
‫مئتي ألف كيلوغرام‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫سر‪ ،‬خلل صنعه‪ ،‬بفعل حرارة‬
‫ن ذلك الجرس لم تصدر عنه حتي رّنة واحدة‪ ..‬فقد تك ّ‬
‫لك ّ‬
‫الّنار!‬
‫ك ّ‬
‫ولت في لحظة إلي ل شيء‪..‬‬
‫ل تلك الجهود والتكاليف والتخطيطات والمال‪ ،‬تح ّ‬
‫وغدت مجّرد كومة من السكراب تنتصب في روسيا كرمز للفشل‪.‬‬
‫ن الّرشاقة وفصاحة‬
‫إ ّ‬
‫ن ذلك الجرس الضخم بقي مجّرد عملق كسيح وأخرس‪ ،‬لك ّ‬
‫)الّرنين( كانتا من نصيب الجراس الصغر‪.‬‬
‫أل تقول لنا هذه الحكاية شيئا ً‬

‫منهج في النتحال!‬

‫في روايته الغريبة والممتعة )أوبابا كواك( يمارس الكاتب الباسكي المشاغب )برناردو‬
‫ت‬
‫مستخدما ً ما يقطفه عضادا ٍ‬
‫أتشاغا( هواية اقتطاف القصص من حقول الخرين‪ُ ،‬‬
‫ن تلك القصص المقتطفة هي نفسها منتحلة في الصل‬
‫لحبكته‪ ،‬معتذرا ً في أثناء ذلك بأ ّ‬
‫ن وجود المنتحلين المبدعين هو سبب‬
‫ن الحكايات تتكاثر بالنتحال‪ ،‬وأ ّ‬
‫أيضًا‪ ،‬حيث يري أ ّ‬
‫غزارة القصص علي مّر الزمان‪ ..‬والعجب من هذا أّنه ل يتوّرع‪ ،‬في هذا السبيل‪ ،‬عن‬
‫سس فيه أحد شخوص الرواية )منهجا ً في النتحال(‪ ..‬فل يعود‬
‫تخصيص فصل كامل يؤ ّ‬
‫النتحال عند ذلك أمرا ً مشروعا ً فقط‪ ،‬بل ينتصب كعلم له قواعده وأصوله!‬
‫ن ما يقصده )أتشاغا( بالنتحال هو ليس المفهوم المستقر في أذهاننا كمعادل للسطو‬
‫إ ّ‬
‫ً‬
‫الفاقع والوقح‪ ،‬بل هو البناء علي الصل وتوجيهه وجهة أخري مختلفة تماما‪ ،‬وهو في‬
‫النهاية أمر ل ينجح فيه إل ّ مبدع حقيقي‪.‬‬
‫صة التي كثر‬
‫ومن أمثلة ما يرد في هذا ال ّ‬
‫صة )الخادم والتاجر الثري(‪ ..‬وهي الق ّ‬
‫سياق ق ّ‬
‫متبّنوها حتي لم يعد أحد يعرف أباها الصلي‪ .‬فاليرانيون يروونها علي أّنها حكمة‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫صة عربية أصلية بالنسبة‬
‫ق‬
‫بالطبع‬
‫وهي‬
‫ا‪،‬‬
‫هندي‬
‫ا‬
‫تراث‬
‫باعتبارها‬
‫يتداولونها‬
‫والهنود‬
‫فارسية‪،‬‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ج الذي ليغّير سوي أسماء الماكن والشخاص‪ ،‬فإ ّ‬
‫لنا نحن العرب‪ .‬وبرغم النتحال الف ّ‬
‫صة بك ّ‬
‫وياتها القومية‪ ،‬تبقي ممتعة ومؤثرة‪ ،‬لرتكازها علي فكرة )استحالة فرار‬
‫الق ّ‬
‫له ّ‬
‫النسان من قدره(‪.‬‬
‫صة‪:‬‬
‫تقول الق ّ‬
‫)كان يا ما كان‪ ،‬في مدينة بغداد‪ ،‬خادم يعمل في خدمة تاجر غني‪ .‬وفي أحد الّيام‬
‫ن ذلك الصباح لم‬
‫تو ّ‬
‫جه الخادم منذ الصباح الباكر إلي ال ّ‬
‫سوق لشراء لوازم البيت‪ .‬ولك ّ‬
‫‪136‬‬

‫ن الموت‬
‫يكن مثل غيره من الصباحات الخري‪ ،‬لّنه رأي في ذلك الصباح الموت‪ ،‬ول ّ‬
‫أومأ إليه‪ ،‬فقد رجع الخادم مذعورا ً إلي بيت التاجر وقال له‪:‬‬
‫ سّيدي‪ ،‬أعطني أسرع حصان في البيت‪ .‬أريد أن أبتعد عن بغداد هذه الّليلة‪ .‬أريد‬‫ال ّ‬
‫ذهاب إلي مدينة أصفهان البعيدة‪.‬‬
‫ ولماذا تريد الهرب؟‬‫عدًا‪.‬‬
‫سوق وأومأ لي متو ّ‬
‫ لّني رأيت الموت في ال ّ‬‫أشفق التاجر عليه وأعطاه الحصان‪ ،‬فانطلق الخادم آمل ً في الوصول إلي أصفهان في‬
‫الليل‪.‬‬
‫وفي المساء خرج التاجر نفسه إلي السوق‪ ،‬ورأي الموت هو أيضًا‪ ،‬فقال له وهو يدنو‬
‫منه‪:‬‬
‫عدًا؟‬
‫ أّيها الموت‪ ..‬لماذا أومأت إلي خادمي متو ّ‬‫فرد ّ عليه الموت‪:‬‬
‫عد‪ ،‬وإنما إيماءة استغراب ودهشة‪،‬‬
‫عدًا؟ ل‪ ،‬لم تكن إيماءة تو ّ‬
‫ أتقول إّني أومأت متو ّ‬‫ً‬
‫ي أن أقبض روح خادمك هذه‬
‫عل‬
‫جب‬
‫يتو‬
‫نه‬
‫ل‬
‫أصفهان‪،‬‬
‫عن‬
‫ا‬
‫بعيد‬
‫فقد فوجئت برؤيته هنا‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الليلة في أصفهان(!‬
‫ن بطل رواية أتشاغا المؤمن بضرورة‬
‫صة بجميع أزيائها وألسنتها‪ ،‬غير أ ّ‬
‫هكذا تنتهي الق ّ‬
‫ً‬
‫صة‪ ،‬فهو يراها قدّرية‬
‫الق‬
‫بقدرية‬
‫الطلق‬
‫علي‬
‫مؤمن‬
‫غير‬
‫يبدو‬
‫ا‪،‬‬
‫مبدع‬
‫المنتحل‬
‫أن يكون‬
‫ّ‬
‫ن مصير المرء‬
‫ل ترحم‪ ،‬بتصويرها الحياة مثل رمية )نرد(‪ ،‬وكأنها تريد أن تقول بأ ّ‬
‫ن إرادته ل تفيد في شيء‪.‬‬
‫محسوم منذ الولدة‪ ،‬وأ ّ‬
‫صة هي النهاية الوحيدة الممكنة‪.‬‬
‫وبناًء علي هذا فإّنه لم يقتنع بأ ّ‬
‫ن نهاية الق ّ‬
‫ماذا فعل ذلك البطل )أو أتشاغا‪ ..‬بالحري(؟‬
‫صة من طرفها ثنية صغيرة‪ ،‬فكان أن انتحلها بجدارة وجعلها‬
‫لم يفعل سوي أن يثني الق ّ‬
‫ً‬
‫خل إرادة‬
‫تتد‬
‫أن‬
‫الممكن‬
‫من‬
‫أصبح‬
‫ا‪،‬‬
‫ماحق‬
‫القدر‬
‫يكون‬
‫صة أخري‪ ،‬إذ بدل ً من أن‬
‫ّ‬
‫ق ّ‬
‫النسان في تغييره‪ .‬وشّتان ما بين نهاية أبوابها مؤدية للستسلم لقبضة الموت‪ ،‬ونهاية‬
‫أبوابها مفتوحة علي أشواق الحياة‪.‬‬
‫ن الخادم يصل إلي أصفهان‪ ،‬وهناك يخّبئه رجل في دكانه قائل ً‬
‫في الثنية الصغيرة نري أ ّ‬
‫له‪:‬‬
‫ ل تيأس‪ ..‬إذا استطعت البقاء حي ّا ً حتي شروق الشمس فسوف تنجو‪ .‬إذا كان الموت‬‫صل إلي تحقيق هدفه‪ ،‬فإّنه لن يستطيع ذلك‬
‫قد ص ّ‬
‫مم علي أخذك هذه الليلة ولم يتو ّ‬
‫مطلقًا‪ .‬هذا هو القانون‪.‬‬
‫م الموت آلف الّروائح‪ ،‬وفي الحال اكتشف مخبأ الخادم‪ ،‬ففتح باب الد ّ‬
‫َ‬
‫وة‪..‬‬
‫ش ّ‬
‫كان بالق ّ‬
‫ن الدهشة ملت عينيه‪ ،‬لّنه رأي أكثر من عشرة خدم يشبهون ذلك الذي يبحث عنه!‬
‫لك‬
‫ّ‬
‫كانت أولي خيوط الشمس قد بدأت تلمع‪ ،‬ولم يبق أمام الموت وقت للستقصاء‪،‬‬
‫فقبض علي واحد من أولئك الخدم وخرج إلي الشارع‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫ن مخبأ‬
‫ن الموت لم يحمل معه عند خروجه سوي )مرآة(‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫صباح نعلم أ ّ‬
‫وفي ال ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن صورته كانت منطبعة عليها كلها‪.‬‬
‫الخادم كان دكانا للمرايا‪ ،‬وأ ّ‬
‫قبض الموت علي المرآة‪ ..‬ونجا الخادم!‬
‫صة جديدة‪.‬‬
‫صة الحبلي المتع ّ‬
‫سرة ق ّ‬
‫ي عفريت قد وَل ّد َ لنا من رحم الق ّ‬
‫ها هو ذا باسك ّ‬
‫وهو ما كان له أن يفعل ذلك لول أنه منتحل حقيقي‪ ..‬منتحل عظيم الموهبة‪.‬‬

‫المسيسّبي!‬
‫دمت إلي المتحان ولم أنجح‪.‬‬
‫تق ّ‬
‫ص ومكواة الفحم لقاء مبلغ‬
‫ص‪ ،‬ث ّ‬
‫م بعت المق ّ‬
‫ويته بالمق ّ‬
‫صبرت حّتي نما شاربي فس ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫زهيد اشتريت به من مح ّ‬
‫ن كمّية النفثالين‬
‫ل الخردة نفسه قميصا رثا تنبيء رائحته عن أ ّ‬
‫فيه أكبر كثيرا ً من كمّية خيوط القطن‪.‬‬
‫كان البرد قارسا ً في الخارج‪ ،‬فحرصت قبل مغادرة المح ّ‬
‫ل علي ارتداء القميص ذي‬
‫م انطلقت إلي الشركة للمّرة الثانية‪.‬‬
‫النفحة الّتاريخية فوق قميصي المّيت‪ .‬ث ّ‬
‫قال لي المو ّ‬
‫ظف البدين‪:‬‬
‫ لقد جئت إلينا قبل هذا‪ ،‬وفشلت في المقابلة‪.‬‬‫دبة‪:‬‬
‫دة مؤ ّ‬
‫قلت له بح ّ‬
‫ أنت مخطيء يا سّيد‪ .‬لم يسبق لي أن وطئت عتبة شركتكم الموقرة أبدًا‪ .‬أل تري‬‫شاربي وقميصي؟‬
‫قال باسمًا‪:‬‬
‫ أراهما بالطبع‪ ..‬وفي المّرة‬‫السابقة أيضا ً رأيت قميصك ولو جئت ألف مّرة لمكنني أن أري قميصك‪ .‬الّناس ل‬
‫يأتون إلينا عراة‪.‬‬
‫م عيني ضياع ك ّ‬
‫ل ما تكّلفته من أجل إتقان التزوير‪.‬‬
‫استبد ّ بي غيظ مسعور‪ ،‬وأنا أشهد بأ ّ‬
‫بادلته ابتسامة باهتة‪ ،‬ونهرته بلهجة مستجدية‪:‬‬
‫‪138‬‬

‫ يا سبحان الّله! إنني لم أشترِ هذا القميص إل ّ اليوم‪.‬‬‫كيف أمكنك أن تري ما في الغيب؟ انظر‪ ،‬انظر‪ ،‬إّنه‪ .‬قاطعني قائل ً ببرود‪:‬‬
‫ لم أكن أقصد هذا‪.‬‬‫هجمت عليه ثانية‪:‬‬
‫ د َقّقْ في وجهي يا سّيد‪ .‬دّقق جّيدًا‪..‬‬‫ل تقل لي إّنك قد رأيت هذا ال ّ‬
‫شارب من قبل أيضًا‪.‬‬
‫مد ّ إصبعه نحو‬
‫ح ّ‬
‫ي الدّوار‪ ،‬و َ‬
‫دق بي‪ ،‬ث ّ‬
‫م ما لبث أن انقلب علي ظهره في الكرس ّ‬
‫شاربي‪ ،‬وهو يقهقه‪:‬‬
‫ن عصارة تمر الهند هذه كافية لتغيير خلقتك؟!‬
‫نأ ّ‬
‫ أتظ ّ‬‫ماعه الهاتف قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫مد ّ يده نحو س ّ‬
‫م اعتدل‪ ،‬وجذب أنفاسه‪ ،‬ورّبت علي كتفي مواسيًا‪ ،‬و َ‬
‫ث ّ‬
‫ انتظر لحظة‪ ..‬ربما كان بمستطاعي أن أجد لك فرصة جديدة‪.‬‬‫دث هامسًا‪ ،‬ثم أقفل الخ ّ‬
‫ي ووجهه طافح بالبشاشة‪:‬‬
‫أدار القرص‪ ،‬وتح ّ‬
‫ط‪ ،‬والتفت إل ّ‬
‫ لقد أعطاك الستاذ فرصة‪ ..‬هل أنت مستعد؟‬‫ابتسمت ممتن ًّا‪:‬‬
‫ ولماذا تظّنني جئت؟‬‫م سألني‪:‬‬
‫ي قبالته‪ ،‬ث ّ‬
‫طلب مّني أن أجلس علي كرس ّ‬
‫ ما طول نهر المسيسّبي؟‬‫جًا‪:‬‬
‫شعرت كأنّني تل ّ‬
‫قيت صفعة عنيفة‪ ،‬فلم أملك إل ّ أن أصرخ به محت ّ‬
‫ ماذا تريدون أن تصنعوا بالمسيسّبي؟! ماذا يفيدكم إذا كان طوله مليون ميل أو أربعة‬‫أشبار؟‬
‫سئلت هذا السؤال عندما كنت حليق الشارب‪ ،‬وقلت ل أعرف‪ ..‬فأيّ ضرر سيحيق‬
‫لقد ُ‬
‫بشركتكم إذا لم أعرف؟ أنتم تبيعون أدوات كهربائية ل أكثر‪ ،‬وأنا أطلب وظيفة فّراش‬
‫ن تقدير طوله‬
‫ل أكثر‪ ..‬وحّتي لو كنتم تريدون مّني تحضير الشاي بماء المسيسّبي فإ ّ‬
‫لن يش ّ‬
‫كل أّية عقبة‪ ..‬يمكنكم أن تسحبوا المياه من أّية نقطة فيه‪..‬‬
‫قاطعني محّتدا ً وهو يكفكف ُرشاش كلماتي بيديه‪:‬‬
‫ رجاًء‪ ،‬رجاًء‪ ،‬رجاًء‪ ..‬إنّني أّتبع قواعد الشركة‪ .‬أجب عن السؤال أو اترك الفرصة‬‫لغيرك‪ .‬هل تعرف ما طول المسيسّبي؟‬
‫قلت مسّلما ً بالفشل‪:‬‬
‫ ل أعرف‪.‬‬‫‪139‬‬

‫قال بلطف‪:‬‬
‫ انتهت المقابلة‪.‬‬‫في اللحظة ذاتها نزل من الطابق العلي شاب أنيق‪ ،‬بدا لي أنّني رأيته من قبل‪ .‬وفيما‬
‫دم نحونا‪ ،‬أعملت ذهني بضراوة‪ ،‬وسرعان ما تذ ّ‬
‫كرته‪ ..‬لقد كان أغبي تلميذ في‬
‫هو يتق ّ‬
‫فنا البتدائي‪.‬‬
‫ص ّ‬
‫وبسرعة ومضت في ذهني واقعة إجابته في امتحان الّتاريخ عن سؤال يتعّلق بجيوش‬
‫دد‬
‫ن الحلفاء الّراشدين أربعة‪ ،‬وع ّ‬
‫الحلفاء‪ ،‬إذ كان الوحيد من بيننا الذي انفرد بالقول إ ّ‬
‫أسماءهم بكل دقة! وجدتني أندفع نحوه مأخوذا ً بمفاجأة لقائه‪ ،‬وابتسمت وأنا أبسط‬
‫ي إليه تهيئة لحتضانه‪.‬‬
‫ذراع ّ‬
‫ عدنان؟!‬‫ب المو ّ‬
‫حية‪ ،‬وقد‬
‫ظف البدين قائمًا‪ ،‬ورفع يده إلي رأسه بالت ّ‬
‫ارتد ّ خطوة كالجافل‪ ،‬فيما ه ّ‬
‫مل ال ّ‬
‫ذعر وجهه‪.‬‬
‫ي نظرة استنكار‪ ،‬وقال باقتضاب‪:‬‬
‫س ّ‬
‫دد عدنان إل ّ‬
‫ نعم؟‬‫ أنا ماجد‪ ..‬أل تذكرني؟‬‫صدقة‪:‬‬
‫اغتصب من نفسه رد ّا ً كال ّ‬
‫ آسف‪ ..‬ل أتذكّر‪.‬‬‫ألحفت وقد شعرت بالمهانة‪:‬‬
‫ مدرسة الشبال‪ ..‬أل تذكر؟!‬‫قطع الموضوع بكلمة باردة كالثلج‪:‬‬
‫ المعذرة‪ .‬ل أعتقد أنني رأيتك من قبل‪.‬‬‫وع المو ّ‬
‫ظف لستنقاذه من براثن إلحاحي‪:‬‬
‫تط ّ‬
‫ف عن مضايقة الستاذ‪ ..‬الستاذ ل يعرفك‪ ،‬وقد أعطاك فرصة ثانية ولم تنجح‪ .‬تو ّ‬
‫كل‬
‫ كُ ّ‬‫علي الّله‪.‬‬
‫الستاذ؟!‬
‫صعقت لما قاله المو ّ‬
‫ظف‪ ،‬وأحسست بالرض تميد من تحتي‪ .‬لكنني اجتهدت ما‬
‫وسعتني ال ّ‬
‫ض عليه انقضاضًا‪ .‬جذبته من جانبي‬
‫طاقة أن أحتفظ بتوازني‪ ،‬ووجدتني أنق ّ‬
‫سترته ورحت أهزه بعنف‪:‬‬
‫ أنا ماجد الشاوي يا أستاذ عدنان‪ ..‬ماجد الذي لم ينجح بالفرصة‪ .‬كيف ل تتذ ّ‬‫كرني؟‬
‫ن آفته اللئيمة قد أكلتك تماما ً فلم تعد تذكر حّتي الحلفاء‬
‫قاتل الّله النسيان‪ .‬يبدو أ ّ‬
‫الّراشدين!‬
‫‪140‬‬

‫ل ناحية‪ ،‬وجّروني بمساعدة المو ّ‬
‫تداعي الموظفون والسعاة‪ ،‬فجأة‪ ،‬من ك ّ‬
‫ظف البدين‬
‫دل‬
‫كالخرقة البالية خارج مبني الشركة‪ .‬وكنت في تلك الثناء أتل ّ‬
‫فت فأري عدنان يع ّ‬
‫سترته‪ ،‬مرسل ً نحوي نظرة تحمل مزيجا ً من الغضب والحتقار والستغراب‪.‬‬
‫ابتعدت عن مبني الشركة بخطي حثيثة‪ ،‬وأنا مفعم بالكرامة‪ .‬كان لي من شفاء الغليل‬
‫ما أنساني الهانة‪ ،‬وكان لي من فوران دمي مدفأة حامية أنستني البرد القارس‪.‬‬
‫بعد ساعة من التس ّ‬
‫كع اللهث في متاهات الدروب الملتوية‪ ،‬خلوت إلي زقاق ضّيق‬
‫غارق في العتمة‪ ،‬فتوّقفت‪ ،‬ومددت يدي في جيب بنطلوني‪ ،‬وأخرجت محفظة عدنان‪.‬‬
‫حص محتوياتها‪:‬‬
‫استندت إلي الجدار‪ ،‬ورحت اتف ّ‬
‫ن بالجّنة‪ ،‬رزمة‬
‫بطاقتان شخصيتان‪ ،‬عدد من بطاقات الئتمان‪ ،‬صور فتيات ل أمل له ّ‬
‫كبيرة من الوراق النقدية‪.‬‬
‫م انطلقت إلي ضوء النهار‪ ،‬ومشيت‬
‫التقطت رزمة النقود بعناية ووضعتها في جيبي‪ ،‬ث ّ‬
‫علي رصيف الشارع العام‪.‬‬
‫هطل المطر بغزارة‪ ،‬لكّنني واصلت المشي تحت وابله ببطء شديد وكأنّني في نزهة‪.‬‬
‫نّبهني أحد مجارير الشارع بخريره الهادر‪ ،‬فتوّقفت‪ ،‬وألقيت المحفظة بك ّ‬
‫ل حمولتها‬
‫ت للمجرور‬
‫الفارغة فيه‪ .‬وفيما هي تصطرع مندفعة في فمه تحت وطأة الّتيار‪ ،‬همس ّ‬
‫بلطف بالغ أن يحملها معه إلي المسيسّبي!‬

‫‪141‬‬

‫المحروم!‬

‫في غضارة الثمانينات من عمره‪ ،‬يرحل )رينيه الثالث( أمير موناكو‪ ،‬وهو جاهل تماما ً‬
‫بك ّ‬
‫مقّبلته‪.‬‬
‫ل ما فاته من أطايب الحكم و ُ‬
‫أكاد أري أرواح ح ّ‬
‫معّنفة‬
‫كامنا الغابرين والقابرين )أعندهم أرواح؟( تتلطم فوق جثمانه ُ‬
‫مشفقة في الوقت نفسه‪.‬‬
‫و ُ‬
‫حل ناظريه‪ ،‬يومًا‪،‬‬
‫بعد ستة وخمسين عاما ً في الحكم‪ ..‬يرحل رينيه المسكين دون أن تك ّ‬
‫عبارة في صحيفة‪ ،‬ودون أن ُتشّنف أذنيه عبارة من بوق تذ ّ‬
‫كره بأّنه )قيادة تاريخية(!‬
‫يرحل )الّرجل المير( دون أن يتذّوق في حياته طعم القضاء علي أّية )مؤامرة دنيئة(‪،‬‬
‫ودون أن يتل ّ‬
‫ذذ في عمره كّله حّتي بوجبة إعدام واحدة لخائن واحد من عملء‬
‫وارع عندنا أن ُينشيء جيشا ً مليوني ّا ً‬
‫الش‬
‫أولد‬
‫من‬
‫واحد‬
‫أتفه‬
‫يستطيع‬
‫فيما‬
‫المبريالية‪..‬‬
‫ّ‬
‫دة!‬
‫دة حكمه‪ ،‬وأن يقتل مليونين في ربع تلك الم ّ‬
‫في نصف م ّ‬
‫دده الموتي‬
‫يرحل رينيه المنكود دون أن يخطر في سمعه أبدا ً النشيد القومي الذي ير ّ‬
‫ن نشيدا ً‬
‫دم نفديك يا رينيه(‪ ..‬رّبما ل ّ‬
‫عندنا للقتلة الحياء‪ ،‬والمقبورين أيضًا‪) :‬بالّروح بال ّ‬
‫ّ‬
‫ن شعب موناكو كله )بروحه ودمه( ل يكاد يمل‬
‫كهذا كان سيبدو نكتة أو فضيحة‪ ،‬ل ّ‬
‫حي بنفسه فداًء لرينيه؟!‬
‫نصف ملعب كرة قدم‪ ،‬فكيف إذا ض ّ‬
‫يرحل رينيه المغبون دون أن يسمح له عدد مواطنيه الذي ل يزيد كثيرا ً عن ثلثين ألفًا‪،‬‬
‫ف هي حبيبة‬
‫ن إمارته التي بحجم الك ِ‬
‫مظ‪ ،‬ولو مّرة‪ ،‬بكونه )حبيب المليين(‪ ،‬مع أ ّ‬
‫بأن يتل ّ‬
‫المليين فعل ً )باليورو والدولر(‪.‬‬
‫وبرغم خّلو إمارته من أّية ثروة طبيعية أو ثورة اصطناعية‪ ،‬فإّنه لم يتنّعم َقط بثمار أية‬
‫)خ ّ‬
‫طة خمسية( أو ببركات أيّ )تق ّ‬
‫ن )ربط الحزمة(‬
‫شف(‪ ،‬ولم يخطر في ذهنه اطلقا ً أ ّ‬
‫و)تأميم المجاعة( هما توأمان سياميان!‪.‬‬
‫إمارة رينيه بشعبها ليست أكبر من شركة بمو ّ‬
‫ظفيها‪ ،‬وهي ل تحتاج لكثر من مجلس‬
‫دنيا‪ ،‬وها هو يغادر‬
‫إدارة لتصريف شؤونها لكّنه‪ ،‬واحسرتاه‪ ،‬أتي إلي الدنيا وعاش في ال ّ‬
‫الدنيا‪ ،‬وتلك المارة ُتدار بواسطة حكومة منتخبة!‬
‫وهنا أيضا ً أكاد ألمح ح ّ‬
‫كامنا الصالحين ُينشبون نواجذهم في جّثته التي لم تبرد‪ ،‬زاعقين‬
‫بك ّ‬
‫منتخبة؟ لماذا يا ناقص العقل‬
‫ي(‪ :‬حكومة ُ‬
‫ل ما في أوتارهم الصوتية من )عنف ثور ّ‬
‫ً‬
‫داخل(؟!‬
‫دين؟ أل تعرف شيئا اسمه )الصلح من ال ّ‬
‫وال ّ‬
‫يرحل رينيه وإمارته التي بحجم الكف بقيت عصّية علي الترويض في محيط القوياء‪،‬‬
‫دون مارشات عسكرية في الذاعة‪ ،‬وظّلت مستقلة دون شعارات ثورية علي الجدران‪،‬‬
‫وحجزت لمؤخرتها مقعدا ً في المم المّتحدةبحجم مقعد الصين بالضبط‪ ،‬وك ّ‬
‫ل ذلك دون‬
‫دم كوبون نفط لهذا أو كوبون دم لذاك‪.‬‬
‫أن يق ّ‬
‫‪142‬‬

‫يرحل رينيه‪ ،‬دون أن يمّتع قلبه أبدا ً بلعبة )تمديد فترة الحكم( لّنها‪ ،‬واأسفاه‪ ،‬ممتدة‬
‫أصل ً بحكم الدستور‪ ،‬ودون أن يترك من بعده )مجلس خّياطين(‬
‫صل منه بذلة علي مقاس ابنه المحروس‪..‬‬
‫منتخبا ً بالتعيين‪ ،‬لكي يقصقص الدستور ويف ّ‬
‫ن الدستور‬
‫ن ميراث البن محفوظ هو أيضا ً بحكم الدستور‪ ،‬بل النكي من ذلك أ ّ‬
‫ذلك ل ّ‬
‫نفسه محفوظ من ك ّ‬
‫ل فنون الّتفصيل والخياطة‪.‬‬
‫م‬
‫وأخيرًا‪ ،‬وليس آخرًا‪ ،‬يرحل رينيه المسكين بحسرته دون أن تسعده القدار بض ّ‬
‫)موناكو( إلي )جامعة الدول المونيكّية(‪ ،‬بشفاعة القيادات التاريخّية التي طالما وضعت‬
‫دماءنا علي موائد القمار في إمارته‪ ..‬فيمضي بغفلة ح ّ‬
‫ظه ويقظة منّيته‪ ،‬حارما ً شعبه‬
‫ضرورة( من فكاهات عميده‬
‫)المجيد( من قمم التخت الشرقي‪ ،‬وحارما ً نفسه )ال ّ‬
‫الخضر!‬
‫أّيها المرحوم رينيه‪ ..‬ل َ َ‬
‫ت محرومًا!‬
‫كم كن َ‬

‫‪143‬‬

‫مخّيلة‬
‫دور ال ُ‬

‫دث الفيلسوف والّروائي اليطالي أمبرتو إيكو صاحب‬
‫في إحدي مقالته النقدية تح ّ‬
‫ص الدبي‪ ،‬فمنح القاريء‬
‫والن‬
‫القاريء‬
‫بين‬
‫المفترضة‬
‫ية‬
‫الصح‬
‫)اسم الوردة( عن العلقة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مله إّياها‪ ..‬وهي مسؤولية تتطلب منه أل ّ‬
‫مكانة ممّيزة علي قدر المسؤولية التي ح ّ‬
‫ً‬
‫ص‪ ،‬وشرط ذلك هو أن‬
‫ن‬
‫ال‬
‫من‬
‫ا‬
‫جزء‬
‫يكون‬
‫يكون مجّرد تابع أو مسافر منقاد‪ ،‬بل أن‬
‫َ ّ‬
‫ً‬
‫مخّيلة وحدها يستطيع القاريء أن يكون جزءا من‬
‫مخّيلة واسعة‪ .‬فبهذه ال ُ‬
‫يكون ذا ُ‬
‫الّنص الذي يقرؤه‪.‬‬
‫ولفرط ثقته بهذا القاريء المفترض‪ ،‬ل يكتفي )إيكو( باعتباره جزءا ً من الّنص‪ ،‬بل إّنه‬
‫يكافئه‪ ،‬نظير سعة خياله ‪ ،‬باعتباره شريكا ً في التأليف أيضًا!‬
‫ويضرب مثل ً علي ذلك بقوله إّننا عند النظر إلي الخريطة يمكننا أن نتخّيل رحلت‬
‫خارقة ومغامرات عظيمة بين بحار وجزر مجهولة‪ ،‬لكن الخريطة في هذه الحالة هي‬
‫مجّرد محّرض أو ملهم‪ ،‬بينما قاريء الخريطة هو الّراوي الحقيقي لتلك المغامرات‪.‬‬
‫ن‬
‫يبدو هذا المثل عويصا ً ومبهما ً مثل متاهة المكتبة في رواية )اسم الوردة(‪ .‬ذلك ل ّ‬
‫ماء وبين العوالم الّلصيقة بالواقع‬
‫الفرق شاسع جدا ً بين خطوط الخريطة الص ّ‬
‫والشخصيات الحّية التي نكاد نسمع أصواتها في العمال القصصّية‪.‬‬
‫قد يمكن القول‪ ،‬مث ً‬
‫ن صور الماكن والشخصّيات التي يرسمها الّراوي‪ ،‬تكتسب لدي‬
‫ل‪ ،‬إ ّ‬
‫القاريء ألوانا ً وأشكا ً‬
‫صة‪ ،‬لكّنه‬
‫لوملمح وطبائع إضافية مستقاة من تجربته الحياتية الخا ّ‬
‫دي حدود هذه المشاركة الرمزية التي تجعله كمن يمل الّرسوم‬
‫ل يمكن أن يتع ّ‬
‫المخطوطة بألوانه الثيرة‪ ،‬وبخلف هذا ليس له إل ّ أن يكون تابعا ً طائعا ً علي قدر‬
‫سطوة سّيد الحبكة‪.‬‬
‫ت عن الكتاب الذي سأختار أن‬
‫مخّيلة يقول )إيكو(‪ :‬كّلما ُ‬
‫سئل ُ‬
‫وفي تركيزه علي أهمية ال ُ‬
‫أحمله معي إذا ما رمتني القدار إلي جزيرة نائية‪ ،‬فإن إجابتي هي‪) ..‬دليل الهاتف( ذلك‬
‫لنني‪ ،‬مع ك ّ‬
‫مها الدليل‪ ،‬سيمكنني اختلق عدد ل نهائي من‬
‫ل هذه الشخصيات التي يض ّ‬
‫القصص‪.‬‬
‫ن هذا الجواب هو آخر ما يتوقع المرء سماعه من كاتب كبير مثل )أمبرتو إيكو(‪ ،‬وهو‬
‫إ ّ‬
‫ً‬
‫جبا‪ :‬هل يحتاج كاتب موهوب واسع الخيال إلي‬
‫لب ُد ّ أن يدفع المرء لن يتساءل متع ّ‬
‫من‬
‫علي‬
‫السهل‬
‫من‬
‫أليس‬
‫أصحابها؟‬
‫قصص‬
‫يل‬
‫يتخ‬
‫أسماء دليل الهاتف لكي يمكنه أن‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫سيبتدع عددا ً غير نهائي من القصص‪ ،‬أن يختلق قبل هذا عددا غير نهائي من السماء؟‬
‫ن الكاتب الموهوب ل يحتاج في جزيرته النائية إل ّ إلي قلم وأوراق‪ ..‬ما دام رأسه‬
‫إ ّ‬
‫معه‪.‬‬

‫ش َ‬
‫نطاق ال ّ‬
‫فق‬
‫‪144‬‬

‫في أوائل سّتينات القرن الماضي‪ ،‬ابتكر المريكي )رود سيرلنغ( سلسلة من القصص‬
‫دمها التلفزيون علي شكل حلقات تمثيلّية‪ ،‬كان )سيرلنغ( يشارك في‬
‫الغرائبّية‪ ،‬ق ّ‬
‫ً‬
‫مشاهد ك ّ‬
‫ل‬
‫من‬
‫واحد‬
‫في‬
‫والسريع‬
‫المفاجيء‬
‫ظهوره‬
‫خلل‬
‫من‬
‫ا‪،‬‬
‫ي‬
‫شخص‬
‫عليها‬
‫التعليق‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫حلقة‪.‬‬
‫وقد استقطبت تلك الحلقات التي تجاوزت المائة والخمسين‪ ،‬جمهورا ً عريضا ً سواء من‬
‫حرفية عالية قصصا ً‬
‫المريكيين أو غيرهم من س ّ‬
‫دم ب ِ‬
‫كان المعمورة‪ ،‬وذلك لّنها كانت تق ّ‬
‫جميلة وقصيرة وفائقة الغرابة‪ ،‬يؤديها عدد كبير من نجوم هوليوود‪.‬‬
‫وقد اشتهرت تلك الحلقات بعنوان )توايليت زون( أو ما يمكن ترجمته إلي )نطاق‬
‫ال ّ‬
‫ن أحداث القصص تقع في ذلك النطاق‬
‫شفق(‪ .‬والدللة المتضمنة في العنوان هي أ ّ‬
‫الغامض المبهم الذي تتداخل فيه الزمنة والمكنة علي نحو غير معقول‪ ،‬وكأّنه نطاق‬
‫سة السادسة بالنسبة‬
‫سادس يضاف إلي أقاليم الرض المعروفة‪ ،‬شأنه شأن الحا ّ‬
‫س النسان الخمس‪.‬‬
‫لحوا ّ‬
‫ن غرائبية )توايليت زون( غير مجانّية‪ ،‬فهي ليست مؤّلفة لبهار المتفرجين فقط‪،‬‬
‫إ ّ‬
‫ولكّنها تترك وراءها سلسلة من التساؤلت حول حقيقة ومقاصد الوجود النساني‪،‬‬
‫وحول موقع النسان في كوكب الرض من هذا الكون الفسيح الغامض‪ ..‬وتترك في‬
‫نهاية ك ّ‬
‫ل منها مغزي حي ّا ً وعميقًا‪ ،‬يتمّثله المرء ببساطة في مجري حياته البسيطة‪ ،‬دون‬
‫ّ‬
‫حاجة منه إلي اللهاث في صحاري الفلسفة الجاّفة‪.‬‬
‫تبدو قصص )توايليت زون( سهلة المأخذ‪ ،‬أليفة وممتعة‪ ،‬لكّنها في ألفتها تقود المتفّرج‬
‫وابة الغرابة والحيرة‪ .‬وهي في ذلك تشبه ‪ -‬علي‬
‫المطمئن خطوة خطوة‪ ،‬حّتي تدخله ب ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وجه ما ‪ -‬لوحات سلفادور دالي‪ ،‬فك َ‬
‫ل جزء من تلك اللوحات يبدو طبيعيا ومألوفا‪ ،‬لكنه‬
‫صاله بالجزاء الخري التي تبدو‪ ،‬هي أيضًا‪ ،‬طبيعية ومعقولة‬
‫ول إلي غرائبي عند ات ّ‬
‫يتح ّ‬
‫ُ‬
‫إذا فصلت عن اللوحة الكلّية!‬
‫وهذه القصص تذ ّ‬
‫جه والبناء ‪ -‬بقصص الفرنسي‬
‫كر أيضًا‪-‬مع اختلفها الواضح في التو ّ‬
‫صته بسهولة ويسر‪ ،‬فيدخله‪ ،‬علي سبيل‬
‫)هنري تروايا( الذي يأخذ القاريء إلي عالم ق ّ‬
‫المثال‪ ،‬إلي مدينة ما‪ ،‬حيث الناس هم الناس الذين يعرفهم‪ ،‬وحيث الشوارع هي نفسها‬
‫التي يألفها‪ ،‬والقضايا الحياتية هي ذاتها التي يعيشها‪ ،‬لكّنه في نهاية المطاف‪ ،‬ودون‬
‫سابق إنذار‪ ،‬يكتشف في السطر الخير‪ ،‬مث ً‬
‫ن أرجل جميع الناس هي حوافر ماعز!‬
‫ل‪ ،‬أ ّ‬
‫ب القراءة‬
‫في واحدة من حلقات )توايليت زون( يضعنا )سيرلنغ( أمام محنة عجوز يح ّ‬
‫نك ّ‬
‫ب‪ .‬ففي البيت تحرص زوجته‬
‫ل من حوله يمنعه من ممارسة هذا الح ّ‬
‫ّ‬
‫جدًا‪ ،‬لك ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫قب عن أيّ كتاب يخفيه لكي تلطخ‬
‫المتسلطة علي إخفاء أيّ كتاب أو صحيفة‪ ،‬وتن ّ‬
‫دده رئيسه بال ّ‬
‫طرد كّلما‬
‫صفحاته بالحبر‪ ..‬وفي عمله كمحاسب في أحد المصارف‪ ،‬يه ّ‬
‫رأي في يده كتابا ً أو مجّلة‪ .‬ولذلك فهو يحاول دائما ً أن يضع كتابا ً صغيرا ً مفتوحا ً فوق‬
‫ركبتيه‪ ،‬ليسترق إليه نظرة‪ ،‬من وراء نظارته السميكة‪ ،‬كّلما خل من خدمة زبون‪ ..‬المر‬
‫الذي يكتشفه رئيسه فينذره‪ ،‬لخر مّرة‪ ،‬بال ّ‬
‫طرد‪.‬‬
‫وفي بلّيته المر ّ‬
‫كبة هذه‪ ،‬يغتنم الّرجل فرصة الغداء‪ ،‬فيحمل جريدته ويختبيء في خزانة‬
‫درعة‪ ،‬مستغنيا ً عن الكل بالقراءة‪ .‬وفي تلك الجريدة يقرأ خبرا ً‬
‫المصرف الكبري الم ّ‬
‫ج لها الخزانة الثقيلة‬
‫عن احتمال هجوم نوّوي‪ ..‬وبعد ذلك بلحظات يشعر بهّزة عنيفة ترت ّ‬
‫المدّرعة‪.‬‬
‫نك ّ‬
‫ل ما حوله خراب في‬
‫وعند انتهاء فرصة الغداء‪ ،‬يخرج صاحبنا من الخزانة‪ ،‬فيري أ ّ‬
‫ّ‬
‫ن‪ ،‬وأّنها‬
‫مبا‬
‫ركام‬
‫لها‬
‫ك‬
‫المدينة‬
‫ن‬
‫خراب‪ .‬ويأخذ طريقه بين النقاض‪ ،‬ليكتشف‪ ،‬مذعورًا‪ ،‬أ ّ‬
‫َ ٍ‬
‫‪145‬‬

‫خالية من البشر‪ ،‬فيسعي كالغريب الّتائه بين حطام المتاجر التي تناثرت فيها كمّيات‬
‫دة‬
‫هائلة من علب الطعام المحفوظ‪ ،‬فيطمئن إلي أّنه سيكون بمنأي عن الجوع م ّ‬
‫ن اطمئنانه هذا ل يعود شيئا ً مذكورا ً إزاء بهجته برؤية أبواب الجنة مفتوحة‬
‫طويلة‪ ،‬لك ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أمامه‪ ..‬ذلك لّنه يجد نفسه وجها لوجه أمام ذخائر المكتبات الملقاة أكداسا من الكتب‬
‫التي طالما تمّني قراءتها!‬
‫فحا ً بعضها ومستعرضا ً عناوينها علي مهل‪ .‬ولم العجلة؟‬
‫يجلس العجوز بين الكتب متص ّ‬
‫جميع الكتب طوع يده‪ ،‬وك ّ‬
‫ل الوقت ملكه‪ ،‬ول أحد هناك ليمنعه من القراءة‪.‬‬
‫يمد ّ الّرجل أصابعه للتقاط ن ّ‬
‫سر!‬
‫ظارته‪ ،‬لكّنها تسقط فوق ركام الكونكريت فتتك ّ‬
‫دق في الفراغ بعينين زائغتين‪ ،‬ول‬
‫دنيا كّله‪ ،‬ويح ّ‬
‫عندئذ يحتقن وجه العجوز ببؤس ال ّ‬
‫ً‬
‫نسمع منه سوي عبارة واحدة‪ ،‬يطلقها بزفرة كأنها آخر أنفاسه‪) :‬هذا ليس عدل(!‬
‫ن أعظم ما فيها هو المغزي الذي‬
‫الق ّ‬
‫صة طريفة وممتعة ومؤلمة في الوقت ذاته‪ ،‬لك ّ‬
‫تنطوي عليه‪ .‬دعك من الثر الموجع الذي تتركه في نفس القاريء المدمن‪ ،‬فليس‬
‫ن المغزي هنا يمكن أن ينطلق علي مختلف الموجات‪:‬‬
‫جميع الناس قّراًء شرهين‪ .‬لك ّ‬
‫سياسيا ً واجتماعيا ً واقتصاديًا‪ ،‬حيث ينشطر إلي عدد غير محدود من التساؤلت‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫ما معني أن يكون النسان حّرا ً إذا كان شاهدا ً علي فناء ك ّ‬
‫ل الّناس؟ وما جدوي امتلك‬
‫المرء للطعام بعد تهّتك معدته وسقوط أسنانه؟ وأَية فائدة ترجي من حصول المريض‬
‫علي دوائه في ساعة موته‪:‬؟!‬
‫صة امرأة دخلت المستشفي لجراء جراحة تجميل‬
‫لنستعرض‪ ،‬علي عجالة‪ ،‬مثل ً آخر‪ :‬ق ّ‬
‫جراح وطاقمه‪ ،‬وهم كّلهم يعملون في مكان شبه معتم‪،‬‬
‫ن الطبيب ال ّ‬
‫لوجهها‪ ،‬ولك ّ‬
‫ً‬
‫ن الطبيب ُيمضي وقتا لتهيئة المرأة لمواجهة هذا‬
‫ن العملّية لم تنجح‪ ،‬ولذلك فإ ّ‬
‫يدركون أ ّ‬
‫المر‪ ،‬ويدّربها علي التعايش مع قبحها‪.‬‬
‫دد مع نفسه بمرارة‬
‫عند نزع الربطة عن وجه المرأة يتأكد ّ للطبيب فشل العملية‪ ،‬فير ّ‬
‫ن وجه المرأة باهر الجمال‪،‬‬
‫أّنه كان يعلم ذلك‪ .‬لكّننا بعد اكتمال نزع الربطة نري أ ّ‬
‫فنعجب من رأي الطبيب‪ ،‬وندهش أكثر من صرخة الفزع التي تطلقها المرأة حين تري‬
‫صورتها في المرآة‪.‬‬
‫بعد هذه اللقطة‪ ..‬نري‪ ،‬لّول مّرة‪ ،‬وجه الطبيب ووجوه طاقمه‪ ،‬ووجوه العاملين‬
‫والمرضي‪ ،‬ووجوه الّناس في الشوارع‪ ،‬فإذا نحن أمام مسوخ يبدو وجه ك ّ‬
‫ل منهم خلطة‬
‫من ملمح القرد والخنزير والنسان!‬
‫ل‪ ..‬ماذا لو وضعنا إنسانا ً‬
‫أهذه غرابة مجاّنية؟ ماذا لو وضعناها في سياق آخر؟ لنقل مث ً‬
‫فلين؟ أو مبصرا ً بين شعب‬
‫مة من المغ ّ‬
‫حّرا ً وسط قطعان من العبيد؟ أو عاقل ً وسط أ ّ‬
‫من العميان؟‬
‫صة يمكن أن ُيحمل علي ألف محمل‪ ،‬وسيبدو ثمينا ً في ك ّ‬
‫ل الحوال‪ .‬وتلك‬
‫إ ّ‬
‫ن مغزي الق ّ‬
‫صف بها أعمال )سيرلنغ(‪ ،‬وذلك هو سّر نجاحه‪ .‬والدليل علي‬
‫تت‬
‫التي‬
‫حر‬
‫الس‬
‫لمسة‬
‫هي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن حلقات كثيرة جدا ً من )توايليت زون( انتجت باللوان‪ ،‬بعد وفاة سيرلنغ‪،‬‬
‫ذلك هو أ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ورت بالبيض والسود‪ ..‬المر‬
‫ص‬
‫التي‬
‫أعماله‬
‫من‬
‫ا‬
‫واحد‬
‫ل‬
‫عم‬
‫تضارع‬
‫ل‬
‫بأجمعها‬
‫لكّنها‬
‫ُ ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫الذي يقنعنا تماما بصواب المثل القائل بإعطاء الخبز لخّبازه‪ ،‬وهذا مغزي كلي آخر‬
‫تقرّره أعمال)سيرلنغ( بالجملة‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫مشكلة‪ ..‬في جميع أحواله!‬
‫ضرورة مخزن أضرار‪ ..‬ويبدو أّننا سنظل نواجه بسببه موجات ل تنتهي من‬
‫هذا القائد ال ّ‬
‫الحراجات‪ ،‬حتي وهو معتقل‪.‬‬
‫دي‬
‫مل كالبقرة بين ي َ َ‬
‫فبعد أن أعرب أحد رجال الفاتيكان عن حزنه وهو يري مهيبنا ُيعا َ‬
‫ما‬
‫فل‬
‫والفاتيكان‪..‬‬
‫هولندا‬
‫البيطري‪ ،‬وضعت يدي علي قلبي‪ ..‬إذ توّقعت نشوب أزمة بين‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫مّر المر بسلم تذكّرت‪ ،‬فورًا‪ ،‬صورة البقرة الضاحكة فأرجعت هدوء الوضاع إلي أ ّ‬
‫َ‬
‫البقار بطبيعتها مسالمة ومتسامحة‪.‬‬
‫لكن سرعان ما اكتشفت أن توّقعاتي انتظرت البلء من الشرق‪ ،‬فإذا به يجيء من‬
‫الغرب!‬
‫حرر الواشنطن بوست يمضي ُقدما ً في استقصاء التعبيرات‬
‫فها هو ليبي كوبلند م َ‬
‫ً‬
‫دث‬
‫المتح‬
‫استخدمها‬
‫التي‬
‫العنكبوت‬
‫حفرة‬
‫بعبارة‬
‫ا‬
‫مدفوع‬
‫العسكرية الملتبسة‪،‬‬
‫ّ‬
‫صدام‪.‬‬
‫العسكري الميركي في وصف الحفرة التي انتشل منها ّ‬
‫صل‬
‫وفي بدء حملته الستقصائية ينّبهنا كوبلند إلي أ ّ‬
‫ن عبارة حفرة العنكبوت لم ُتف ّ‬
‫دام‪ ،‬بل هي قديمة‪ ،‬وتعود إلي فترة الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وقد‬
‫خصيصا ً من أجل ص ّ‬
‫وات مشاة البحرية الميركية أثناء القتال في المحيط الهادي‪.‬‬
‫استخدمتها‪ ،‬لّول مّرة‪ ،‬ق ّ‬
‫دد لهذه العبارة‪ ،‬فيّرر‬
‫وبناء علي ذلك يشرع في مساءلة المؤرخين عن المعني المح ّ‬
‫وليام بريست وهو مؤلف كتاب قاموس العبارات العسكرية ‪ ،‬أّنه كان من عادة الجنود‬
‫حفرا ً صغيرة جدا ً ل تّتسع الواحدة منها إل ّ لرجل واحد‪ ،‬ليختبيء‬
‫اليابانيين أن يحفروا ُ‬
‫فيها المقاتل حتي يظهر جنود العدو‪ ،‬فيخرج لهم بشكل مفاجيء‪ ،‬ويطلق الّنار ليقتل‬
‫ن حفرة العنكبوت اليابانية هي حفرة‬
‫أكبر عدد منهم قبل أن يصرعوه‪ .‬وعلي هذا فإ ّ‬
‫انتحارية‪.‬‬
‫ن عبارة حفرة العنكبوت كانت‬
‫وطبقا ً لمعلومات معهد التاريخ العسكري الميركي‪ ،‬فإ ّ‬
‫تستعمل أيضا ً في فيتنام‪ ،‬لوصف مكامن القّناصة الفيتناميين‪.‬‬
‫مجافيا ً للدّقة‪ ..‬فالخير كان‬
‫وعلي ذلك فإ ّ‬
‫صدام يعتبر ُ‬
‫ن استخدام هذه العبارة في حالة ّ‬
‫يستخدم حفرته للختباء وليس للقنص‪ ،‬كما أّنه استسلم دون مقاومة‪ ..‬ولذلك فل مجال‬
‫لوصفه هنا بكونه عنكبوتا ً في حفرة‪ ،‬ولع ّ‬
‫ل الوصف المثل لحالته هو أّنه دجاجة في‬
‫سّلة !‪.‬‬
‫دوي احتجاج علماء الحشرات!‪.‬‬
‫ول يخفت احتجاج المؤرخين العسكريين حتي ي ُ ّ‬
‫ن حفر العناكب‬
‫تقول ليندا رايور الستاذ المساعد في علم الحشرات بجامعة كورنيل‪ :‬إ ّ‬
‫صدام القذرة‪.‬‬
‫باردة ومدّثرة بالحرير ونظيفة جدًا‪ ،‬علي عكس حفرة ّ‬
‫ست بالنزعاج عند سماعها لعبارة حفرة العنكبوت بعد‬
‫وأعربت رايور عن أنها أح ّ‬
‫صدام‪ ،‬واعتبرت هذا الوصف إساءة للعناكب!‪.‬‬
‫اعتقال ّ‬
‫وإذا كّنا قد عرفنا رأي علماء الحشرات في هذه القضّية‪ ،‬فإننا ننتظر أن نعرف رأي‬
‫دجاجة!‪.‬‬
‫علماء الدواجن بالنسبة لوصف أخينا بال ّ‬
‫متزامنة مع استقصاءات‬
‫وفي الوقت الذي تدور هذه الستقصاءات في أميركا ُ‬
‫العراقيين عن قوائم العدامات لدي مراكز التوثيق‪ ،‬وعن عظام قتلهم في المقابر‬

‫‪147‬‬

‫الجماعية‪ ،‬يدور الحديث أيضا ً عن عزم اّتحاد المحامين العرب إرسال فريق من أعضائه‬
‫صدام الّرجيم خلل محاكمته المرتقبة!‪.‬‬
‫للدفاع عن ّ‬
‫وعا للدفاع عن‬
‫وما دام لدينا مثل هذا الفريق الّركن من حماة العدالة الذين يهّبون تط ّ‬
‫ن علينا أن نتوّقع المزيد من الحفر‪ ،‬والمزيد المزيد من‬
‫أكبر مجرم عرفه زماننا‪ ،‬فإ ّ‬
‫احتجاجات المدافعين عن كرامة الحشرات والزواحف!‪.‬‬

‫الهاربان!‬

‫سفارات‪.‬‬
‫جلسا علي مقعد في الحديقة القريبة من شارع ال ّ‬
‫‪148‬‬

‫مه ّ‬
‫ذبة بيضاء‪ ،‬وكان الثاني مربوع القامة‬
‫كان الّول طويل القامة و ّ‬
‫ضاء الوجه ذا لحية ُ‬
‫سحنة ذا لحية مه ّ‬
‫ذبة غّراء‪.‬‬
‫و ّ‬
‫ضاح ال ّ‬
‫ور ذو لحية كّثة مستطيلة تكاد ترتطم‬
‫علي المقعد القائم قبالتهما كان يجلس رجل مك ّ‬
‫بكرشه‪ ،‬فيما جلبابه يكاد يرتفع حتي ركبتيه‪.‬‬
‫قال الّول لصاحبه‪ :‬ب َ ّ‬
‫شْر؟‬
‫قال الثاني‪ :‬الحمد لّله‪ .‬لقد وافقوا علي لجوئي إنسانيا ً إلي هولندا‪ ..‬وأنت؟‬
‫قال الّول‪ :‬هذا خبر طّيب‪ .‬سنكون قريبين من بعضنا‪ ،‬وسيمكننا أن نتزاور بين وقت‬
‫سويد‪.‬‬
‫وآخر‪ ،‬فقد حصلت أنا علي حق اللجوء إلي ال ّ‬
‫م أردف مازحًا‪ :‬من الن فصاعدا ً سأسميك )أخي في هولندا(!‬
‫ث ّ‬
‫زفر الثاني مبتئسًا‪ :‬أل تري أّننا كان يمكن أن نمكث هنا بسلم لو أننا التزمنا بأدب‬
‫الصحوة ولم نفعل ما فعلنا؟‬
‫مرًا‪ :‬لقد فات أوان الندم‪ .‬ونحمد الّله علي أّننا وجدنا من ُيلجئنا‪ ،‬وإل ّ فل‬
‫قال الّول متذ ّ‬
‫أمل لنا بالّنجاة إذا بقينا هنا‪.‬‬
‫دتك قليل ً يا أبا عبدالّله‪ ..‬هل كان من الضروري أن تقول‬
‫ت ِ‬
‫ح ّ‬
‫قال الثاني‪ :‬آه لو أّنك كبح َ‬
‫ن جلبابه قصير وسّيارته طويلة؟‬
‫ن زهده مضحك ل ّ‬
‫للّرجل إ ّ‬
‫دة‪ :‬اسكت يا أبا حسن‪.‬‬
‫هتف الول بح ّ‬
‫أنت آخر من يعاتبني‪ .‬أنسيت ما فعلته أنت؟‬
‫هل كان ضروريا ً أن )تبتسم( ونحن خارجان من المسجد؟ لقد ع ّ‬
‫ت عبوس القوم‬
‫كر َ‬
‫وكدت توردنا التّهلكة!‬
‫اندفع الّرجل الجالس قبالتهما إلي القول دون استئذان‪ :‬أل تستحيان أن تفعل ذلك‬
‫وأنتما إسلميان؟‬
‫قال الّرجل الطويل‪ :‬نحن لسنا إسلميين‪ ..‬نحن مسلمان‪.‬‬
‫صرخ الغريب مغضبًا‪ :‬أعوذ بالّله‪.‬‬
‫تساءل الّرجل الطويل‪ :‬ما الذي دعاك إلي الستعاذة بالّله؟!‬
‫قال الغريب‪ :‬فعلكما ال ّ‬
‫شنيع‪ .‬إنكما لم تكتفيا‪ ،‬ونحن في زمن الصحوة المباركة‪،‬‬
‫بممارسة البتسام أمام المسجد‪ ،‬أو إهانة سّيارة أخيكم في الّله‪ ،‬بل لبستما لباس‬
‫المشركين‪ ،‬وطلبتما الّلجوء إلي فسطاط الكفر‪ ،‬وفوق هذا كّله يستنكر ك ّ‬
‫ل منكما أن‬
‫يكون إسلميًا‪ ،‬ويكتفي بأن يكون مجّرد مسلم!‬
‫قال الّرجل الطويل‪ :‬لباسنا هو لباس عصرنا‪ ..‬ول علقة لهيئة الثوب بجوهر المعتقد‪ .‬ثم‬
‫دي مظاهرها في فعل الخير وال ّْرحمة‪ .‬إّنه‬
‫ن السلم عقيدة تستقر في القلب‪ ،‬وتتب ّ‬
‫أ ّ‬
‫سب(‪.‬‬
‫ن‬
‫ال‬
‫)ياء‬
‫بوس‬
‫بد‬
‫صدره‬
‫علي‬
‫المرء‬
‫يشبكها‬
‫ي‬
‫حزب‬
‫انتساب‬
‫بطاقة‬
‫ليس‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َولوَ َ‬
‫سلف رضي‬
‫ور بح ّ‬
‫دة‪ :‬أستغفر الّله‪ ...‬هذا انحراف صريح عن سّنة ال ّ‬
‫ل الّرجل المك ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الّله عنهم‪ .‬توبا إلي الله‪ ..‬توبا إلي الله‪.‬‬
‫‪149‬‬

‫سَلف يتحدث هذا القنفذ؟!‬
‫التفت الّرجل الطويل وهمس في أذن صاحبه‪ :‬عن أيّ َ‬
‫من نحن؟‬
‫أأقول له َ‬
‫رد ّ صاحبه هامسًا‪ :‬ك ّ‬
‫وهت بهذا‪ .‬دعنا نغادر‬
‫ل‪ .‬أرجوك‪ .‬رّبما ستحيق بنا الكارثة ح ّ‬
‫قا ً إذا تف ّ‬
‫هذا المكان بأسرع ما نستطيع‪ .‬كفانا ما لقيناه من ع ََنت حّتي هذه اللحظة‪.‬‬
‫ور‪ ،‬قام عمربن الخ ّ‬
‫طاب وعلي بن أبي طالب‪..‬‬
‫ودون أدني التفاته نحو الّرجل المك ّ‬
‫جها بخطي حثيثة نحو باب الحديقة!‬
‫وتو ّ‬

‫قها‪َ ..‬‬
‫َ‬
‫قها!‬

‫داخلي في سوريا‪ ،‬من خلل‬
‫دي أّول وآخر مظهر للصلح ال ّ‬
‫منذ ثلثة أعوام تقريبًا‪ ،‬تب ّ‬
‫دومري( الساخرة المستقلة‪ ،‬بقرار خاص من رئيس‬
‫الترخيص بإصدار جريدة )ال ّ‬
‫الجمهورية المنتخب بالوراثة‪.‬‬
‫و)الدومري( كلمة شاعت في العهد العثماني‪ ،‬وكانت تطلق علي الشخص المكّلف‬
‫بإيقاد مصابيح الشوارع‪ ..‬ولع ّ‬
‫ل رسام الكاريكاتير المعروف )علي فرزات( ورفاقه‬
‫دللة علي إشاعة نور‬
‫لل‬
‫العنوان‬
‫هذا‬
‫اختاروا‬
‫قد‬
‫الجريدة‬
‫المشاركين معه في إصدار‬
‫ّ‬
‫صريح بين الناس‪ ،‬إضافة إلي إعادة الضوء إلي هذا النوع المنقرض من‬
‫الوعي والنقد ال ّ‬
‫ً‬
‫حد الرسمية‪.‬‬
‫المو‬
‫زي‬
‫ال‬
‫مطبوعات‬
‫عن‬
‫ا‬
‫تمام‬
‫تختلف‬
‫المطبوعات التي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪150‬‬

‫سحبت‬
‫م إطفاؤه في بدء شروعه بإشعال المصابيح‪ .‬إذ ُ‬
‫ن هذا )الدومري( نفسه قد ت ّ‬
‫لك ّ‬
‫رخصته في زمن الصلح السعيد‪ ،‬قبل إتمام سنته الثالثة في الوظيفة‪ ،‬علي الّرغم من‬
‫جهة‬
‫دي هذه الوظيفة وهو يمشي علي حبل مشدود‪ .‬وكانت التهمة المو ّ‬
‫أّنه كان يؤ ّ‬
‫للمطبوعة هي أّنها قد خالفت )قانون المطبوعات(‪ ..‬وهي تهمة ل تعني في الّتفسير‬
‫ن المطبوعة قد خالفت قانون الّتعتيم!‬
‫النهائي إل ّ أ ّ‬
‫ن أنظمة الحداثة‬
‫ن مهنته قد وّلت مع أهلها‪ ،‬وأ ّ‬
‫دومري( هي أّنه لم يدرك أ ّ‬
‫غلطة )ال ّ‬
‫عندنا لم تعد تعترف علي الطلق إل ّ بالضاءة الحديثة‪ ،‬وهي إضاءة ل تستطيع صنعها‬
‫أو التفّنن في إشاعتها إل ّ صواريخ الغزو المريكي!‬
‫دومري( ل يزال حي ًّا‪ ،‬وإذا كان يملك‬
‫ن لدينا ما يواسيه‪ ..‬فإذا كان هذا )ال ّ‬
‫ومع ذلك‪ ،‬فإ ّ‬
‫شمعة لكي يوقدها )بدل ً من أن يلعن الظلم المديد(‪ ..‬فإنه سيستطيع أن يقرأ في‬
‫دنيا(‪ ..‬فيضحك من أعماقه‪ ،‬شاكرا ً رّبه‬
‫ضوئها خبر بكاء شقيقته المصرية )اضحك لل ّ‬
‫علي حسن الح ّ‬
‫ظ الذي أمهله حّتي ُيضيء أكثر من مائة مصباح )هي أعداد الدومري‬
‫التي صدرت( قبل أن ُتطفئه ظلمة الصلح الداخلي الباهرة‪ ..‬في حين أن صحيفة‬
‫دنيا( التي صدر عددها الول في مطلع ربيع هذا العام‪ ،‬قد ماتت بالسكتة‬
‫)اضحك لل ّ‬
‫القلمّية في نفس الّربيع والجوّ البديع‪ .‬إذ قرّرت إدارة الّرقابة علي المطبوعات إعدام‬
‫جميع نسخ العدد الثاني وهو في المطبعة‪.‬‬
‫ن الصحيفة نشرت تحقيقا ً حول تشابه السماء بين بعض‬
‫ن سبب )العدام( هو أ ّ‬
‫وقيل إ ّ‬
‫معد ّه ُ إلي‬
‫المواطنين المصريين البسطاء والرئيس المصري ونجله‪ ،‬وهو تحقيق رجع ُ‬
‫ن هناك موظفا ً بسيطا ً وبائع خبز يحملن اسم نجل الرئيس جمال‬
‫)دليل الهاتف( ليجد أ ّ‬
‫مبارك )رضي الّله عنهما(!‬
‫ي المنشأ‪ ،‬بل هو منسوخ حرفي ّا ً‬
‫سياق‪ ،‬ا ّ‬
‫ينبغي القول‪ ،‬في ال ّ‬
‫ن هذا التحقيق ليس أصل ّ‬
‫)كعادتنا في ك ّ‬
‫ل شيء( من تحقيق تلفزيوني مماثل قام به الصحفي البريطاني )نيك‬
‫دة أشهر‪ ،‬وقد سبق لي في حينه أن استعرضت تفاصيله الطريفة في‬
‫نايجل( قبل ع ّ‬
‫ً‬
‫منتها عاصفة )نايجل( الصحفية التي لم توّفر رئيسا أو‬
‫مقالة بعنوان )أصل وصورة( ض ّ‬
‫ن الّناس في بريطانيا ‪-‬بمختلف طبقاتهم‪ -‬قد استقبلوا تلك‬
‫أميرا ً أو خفيرًا‪ ..‬غير أ ّ‬
‫ن البريطانيين ‪-‬وياللغرابة‪ -‬ينظرون إلي‬
‫العاصفة بعاصفة من الضحك‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫الشخاص البارزين‪ ،‬مهما علت مقاماتهم‪ ،‬باعتبارهم بشرا ً يأكلون الطعام ويمشون في‬
‫صالح أو أنظمة‬
‫السواق‪ ،‬ل باعتبارهم آلهة‪ ،‬مثلما تنظر إليهم عندنا أحزاب ال ّ‬
‫سلف ال ّ‬
‫الخلف ال ّ‬
‫طالح!‬
‫أتذ ّ‬
‫كر نكتة جرت علي لسان الفّنان الراحل )يوسف وهبي( في أحد الفلم‪ ،‬عن مسافر‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫نسي اسم المحطة التي يريد الوصول إليها‪ ،‬وبعد أن فرك رأسه مفكرا استطاع أن‬
‫ص ضحكة(‪.‬‬
‫يقول لرفيقه في ال ّ‬
‫ي زي ما بتكون ن ّ‬
‫سفر‪) :‬ه ّ‬
‫فرد ّ عليه رفيقه‪) :‬قصدك تقول مح ّ‬
‫طة‪ ..‬قها(!‬
‫ضحك للدنيا ‪0‬بمقاييس الصلح الداخلي ‪-‬ل يعني سوي عدد واحد‪ ،‬فإنني‬
‫وما دام ال ّ‬
‫سُبه‬
‫ميها )قها(‪ ..‬و َ‬
‫ح ْ‬
‫أقترح علي ناشر الصحيفة السّيد عادل المصري‪ ،‬أن يتواضع فيس ّ‬
‫ضحكة أفضل كثيرا ً من الحسرة الكاملة!‬
‫ن نصف ال ّ‬
‫أ ّ‬

‫‪151‬‬

‫ترام بجنيهين!‬

‫نضحك كثيرا ً من طرفة القروي المصري الذي اشتري الترام‪ ،‬ونعجب كثيرا ً من فرط‬
‫حمقه وغفلته‪ .‬ومشكلة هذا الكروي هي أّنه ُوجد في بيئة ووقت يساعدان بغلظتهما‬
‫علي تجريده من نقوده وعقله‪..‬‬
‫لكن لو أن خلل ً بسيطا ً اعتري حركة الزمان والمكان‪ ،‬فألقي بهذا الكروي في الريف‬
‫البريطاني خلل ثلثينات القرن الماضي‪ ،‬لمكنه‪ ،‬بك ّ‬
‫ل بساطة‪ ،‬أن يشتري ذلك الترام‪،‬‬
‫بل لمكنه‪ ،‬فوق ذلك‪ ،‬ان يشتريه بجنيهين ل أكثر!‬
‫نعم‪ .‬ليس في المر أّية مبالغة‪ ..‬أو هذا في القل ما يؤكده لنا الكاتب البريطاني )وليم‬
‫نيوتن( في روايته الجميلة )ترام بجنيهين(!‬
‫ن هذه هي‬
‫ما نعرفه عن )وليم نيوتين( هو أّنه طبيب متقاعد من )أكسفورد شاير(‪ ،‬وأ ّ‬
‫روايته الولي التي نال بها عند صدورها قبل عامين‪ ،‬جائزة )ساجترياس( التي تمنح‬
‫لّول عمل روائي لمؤلف فوق السّتين‪.‬‬
‫ن )نيوتن(‬
‫ن بطل الّرواية الذي يتوّلي سرد أحداثها ينتهي إلي أن يكون طبيبًا‪ ،‬فإ ّ‬
‫لكن ل ّ‬
‫صل إلي إثارة ش ّ‬
‫ن تلك الحداث ل تعدو كونها ذكرياته‬
‫كنا في أّنه هو البطل‪ ،‬وأ ّ‬
‫يتو ّ‬
‫صبا‪ ..‬فعلي الّرغم من احتواء الّرواية علي وقائع تبدو‬
‫صة عن مرحلتي الطفولة وال ّ‬
‫الخا ّ‬
‫‪152‬‬

‫سرد‪ ،‬تنبيء بأنها في جوهرها‬
‫غير مألوفة‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن الحميمّية والصدق والبساطة في ال ّ‬
‫حكايته الشخصية التي سكنت أعماقه طيلة العمر‪ ،‬وأّنه قّرر‪ ،‬بعد اختمارها‪ ،‬أن يطرحها‬
‫كتعويذة في وجه الشيخوخة‪ ،‬وأن يقيم بواسطتها معادل ً نفسيا ً بين عالم العشرينات‬
‫ل بساطته وبراءته‪ ،‬وبين عالم المتغّيرات الف ّ‬
‫والثلثينات الذي عاشه بك ّ‬
‫ظ الذي يحياه‬
‫اليوم‪.‬‬
‫تتحدث الرواية عن شقيقين من الّريف البريطاني هما )ويلفريد( و)دانكن( ولدا في‬
‫دي‬
‫العشرينات وترعرعا في الثلثينات‪ ،‬في كنف والدين لم تكن صلتهما بهما تتع ّ‬
‫مشاركتهما الطعام في بعض الحيان‪ ،‬في حين كانا يقضيان معظم أوقاتهما‪ ،‬بعد‬
‫ول خلل الحقول لصطياد الطيور والحيوانات البرّية‪ ،‬أو لصطياد‬
‫المدرسة‪ ،‬في التج ّ‬
‫الفراشات من أجل تحنيطها‪.‬‬
‫وفي أثناء ممارستهما لهوايتهما الخيرة‪ ،‬يسوقهما الجري وراء فراشة نادرة إلي اجتياز‬
‫ممتلكات ثريّ ألماني مقيم في الجوار هربا ً من الّنازي‪ ،‬فيقبض عليهما مدّبر المنزل‪،‬‬
‫صين‪.‬‬
‫ويحاولن جاهدين إقناع ذلك الثريّ بأّنهما جامعا فراشات وليسا ل ّ‬
‫وتنتهي المشكلة بعد ان يهدياه الفراشة النادرة‪ ،‬حين يعلمان أّنه جامع فراشات‬
‫صالت دولّية في هذا المجال‪ ..‬فتنشأ بينه وبينهما صداقة متينة تكون‬
‫محترف وأ ّ‬
‫ن له ات ّ‬
‫ملذا ً لهما في سنوات محنتهما التي تبدأ في أّول بلوغهما‪ ،‬إذ يضطرب عالمهما الهاديء‬
‫در‬
‫مهما من حياتهما فجأة والي البد‪ ،‬بعد انفصالها عن أبيهما الذي يك ّ‬
‫المعهود باختفاء أ ّ‬
‫أّيامهما‪ ،‬بعدها‪ ،‬بسلسلة من النساء القاسيات‪ ،‬ثم ينتهي في واحدة من ثورات غضبه‬
‫إلي طردهما نهائيا ً من المنزل‪.‬‬
‫ما زاد في قسوة تشردهما المب ّ‬
‫ن الخ الكبر )دانكن( الذي كان قد أصيب‬
‫كر أ ّ‬
‫وم ّ‬
‫ً‬
‫سحايا ونجا منه بأعجوبة‪ ،‬لم يعد بعد شفائه قادرا علي النطق‪ ،‬المر الذي‬
‫بالتهاب ال ّ‬
‫اض ّ‬
‫طر الخوين إلي اختراع لغة خاصة يتفاهمان بها بواسطة الشارات‪.‬‬
‫منذ بدء الّرواية نعلم أن الخوين كان يحتفظان بقصاصة إعلن اقتطعاها من إحدي‬
‫الصحف‪ ،‬تحتوي علي صورة ترام قديم خارج الخدمة‪ ،‬معروض للبيع‪ ،‬في مح ّ‬
‫طة‬
‫بادنغتون‪ ،‬بجنيهين استرلينيين‪.‬‬
‫دخران من‬
‫وقدكان هذا العلن حلمهما الذي يتعلقان به في ساعات النوم واليقظة‪ ،‬وي ّ‬
‫أجله ك ّ‬
‫مع لهما‪ ،‬بعد طول توفير‪ ،‬جنيهان وبضعة شلنات‪.‬‬
‫ل بنس ينالنه‪ ،‬حّتي تج ّ‬
‫وفي اللحظة التي طردا فيها من المنزل‪ ،‬انطلقا نحو الحلم‪ ،‬قاطعين عشرات الميال‬
‫من مقاطعة ساسكس إلي محطة بادنغتون في لندن‪ ،‬سيرا ً علي القدام‪.‬‬
‫وعند وصولهما وجدا الترام المعروض في العلن‪ ،‬رابضا ً ضمن مجموعة أخري من‬
‫ن المر‬
‫ن من المستحيل نقله من مكانه‪ ،‬ل ّ‬
‫العربات القديمة‪ ،‬لكنهما اكتشفا حال ً أ ّ‬
‫يحتاج إلي س ّ‬
‫كة والي شريط كهربائي‪ ..‬فقنعا بالستعاضة عنه بترام آخر من جيل‬
‫ما تجره الخيول علي عجلت فوق ك ّ‬
‫ل الطرق‪ ،‬وبالشلنات الباقية استطاعا ان‬
‫سابق م ّ‬
‫يشتريا حصانا ً عجوزًا‪ ،‬فربطاه بالعربة وعادا إلي مقاطعتهما عبر خطوط الترام القديمة‬
‫ة ومصدر رزق ومأوي لهما‪.‬‬
‫المهملة‪ ..‬ليت ّ‬
‫خذا من الترام مركب ً‬
‫ذلك ليس ك ّ‬
‫ل الحكاية‪ ،‬بل هو في الحقيقة بداية فصول تتلطم فيها المغامرات العجيبة‬
‫والحوادث المضحكة المبكية في عالم يصفه المؤلف بأّنه )عالم قد صار إلي زوال(‪..‬‬
‫لكنه برغم زواله يبدو حاضرا ً وحي ّا ً وبهي ّا ً بك ّ‬
‫ل تفاصيله التي قد يصعب تصديق بعضها‪،‬‬
‫ّ‬
‫لكّنها تظ ّ‬
‫ص التي تطرز الوقائع بتخييل قادر علي لجم‬
‫صديق بفعل براعة الق ّ‬
‫ل قابلة للت ّ‬
‫أيّ تكذيب‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫وسواء أكانت الّرواية ذكريات حقيقية أم خيال ً محضًا‪ ،‬فإن مؤّلفها الستيني )وليم نيوتن(‬
‫ن التقاعد عن العمل ل يعني التقاعد عن‬
‫مة مفادها أ ّ‬
‫يرسل إلينا من خللها إشارة مه ّ‬
‫ن لدي ك ّ‬
‫ن مراحل‬
‫صة والسعيد هو من يستطيع أن يرويها‪ ،‬وأ ّ‬
‫الحياة‪ ،‬وأ ّ‬
‫ل إنسان ق ّ‬
‫ّ‬
‫العمر علي اختلفها صالحة لتحقيق رغبات الذات العميقة‪ ،‬إذا ترك المرء وراء ظهره‬
‫د‪ ،‬مؤمنا ً من ك ّ‬
‫ك ّ‬
‫ن شراء‬
‫ل قلبه بأ ّ‬
‫ل احتمالت الخفاق‪ ،‬ومضي إلي هدفه بعزيمة وج ّ‬
‫ً‬
‫الترام ليس من الحتم أن يكون نكتة دائما‪ ،‬بل يمكن‪ ،‬مع بذل الجهد‪ ،‬أن يكون رواية‬
‫ممتازة‪.‬‬

‫مشارط وأقلم‬
‫َ‬

‫هناك مشهدان مستقران في نفسي للعلقة بين الطبيب والمريض‪ ،‬رسمهما كاتبان‬
‫خلل سردهما لتجاربهما العملية الولي في العقد الثاني من القرن العشرين‪ ،‬عندما‬
‫وضعتهما الظروف كشاهدين علي تلك العلقة‪.‬‬
‫دين محايدين ل يملكان سوي نظرة‬
‫ن الكاتبين لم يكونا غير شاه َ‬
‫وعلي الّرغم من أ ّ‬
‫ن قلم الكاتب‬
‫أ‬
‫أثبتا‬
‫قد‬
‫للمشهدين‬
‫بتسجيلهما‬
‫نهما‬
‫فإ‬
‫ساس‪،‬‬
‫الح‬
‫القلب‬
‫العين وخفقة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ن لشهادتهما المجّردة حكما أمضي من ك ّ‬
‫ل أحكام‬
‫أقوي أثرا ً من مشرط الطبيب‪ ،‬وأ ّ‬
‫سواء‪.‬‬
‫القضاء‪ ،‬وأبقي من عمر الكاتب والطبيب والمريض علي ال ّ‬
‫قي( رحمه الّله‪ ،‬في كتابه )خّليها علي الّله( تجربة لقائه‪،‬‬
‫يروي الديب العظيم )يحيي ح ّ‬
‫خلل فترة عمله كوكيل إدارة في الرياف‪ ،‬بطبيب مركز كان ك ّ‬
‫مه الثراء العاجل‬
‫له ّ‬
‫بأيّ ثمن‪ ..‬فيقول‪:‬‬
‫)ل تبرح ذهني ذكري جلسة لي مع هذا الطبيب فوق مقعدين علي الجسر عند القرية‪،‬‬
‫فنا ليلة غطيسة غابت نجومها‪ ..‬وجري بيننا ‪-‬دفعا ً للنقباض‪-‬‬
‫سيارة‪ .‬تل ّ‬
‫ننتظر إصلح ال ّ‬
‫سمر لذيذ‪ ،‬تتخّلله الضحكات العالية‪ ،‬ثم إذا بأذني تسمع من تحت الجسر صوتا ً خفيضا ً‬
‫سل ذليل‪:‬‬
‫يهمس بتو ّ‬
‫ يا دكتور‪ ،‬سايق عليك النبي‪ ،‬أنا في عرضك إعمل معروف‪..‬‬‫قطع الدكتور كلمه لي والتفت الي مصدر الصوت ‪-‬وأنا ل أري صاحبه‪ -‬وصرخ‪:‬‬
‫‪154‬‬

‫ هات الّريال وتعال‪..‬‬‫ ما عنديش الليلة دي‪ ،‬ما احكمش علي قرش واحد‪ ،‬من فضلك وإحسانك‪ ..‬أنا تعبان‬‫بالحيل‪ ..‬حاتفرتك‪.‬‬
‫ ذنبك علي جنبك‪.‬‬‫سألت الدكتور عن الذي يطلبه منه الّرجل‪ ،‬والعجيب أّنه أجابني بل خجل وهو يضحك‪..‬‬
‫اّنه ف ّ‬
‫ول‪ ،‬فإذا حدث له هذا‬
‫لح عنده حصوة في المثانة‪ ،‬تتحّرك أحيانا ً فتمنعه من التب ّ‬
‫جري اليه في المركز فسلك له مجري البول بالقسطرة لقاء ريال ك ّ‬
‫ل مرة‪.‬‬
‫ والقسطرة مش معاك دلوقتي؟‬‫ أيوه‪..‬‬‫ وفيها إيه لو ترّيحه‪ ،‬حرام عليك‪.‬‬‫ سيبه ده ابن كلب‪ ،‬الّريال أحسن من عينه‪.‬‬‫سيارة ول يزال الشبح تحت الجسر ينادي‪:‬‬
‫وقمنا الي ال ّ‬
‫ يا دكتور سايق عليك النبي‪ ،‬أنا ح اتفرتك(! وفي الفترة ذاتها علي الجانب الخر من‬‫المحيط‪ ،‬كانت هناك تجربة أخري جمعت الّروائي المريكي الشهير )أرسكين كالدويل(‬
‫صاحب )طريق الّتبغ( بطبيب محّلي من الجنوب‪ ،‬وهو يرويها عرضا ً في كتاب سيرته‬
‫مها خبرة(‪ .‬يقول كالدويل‪:‬‬
‫المهنية ككاتب ) َ‬
‫س ّ‬
‫)في فترة مبكّرة من صيف ‪ 1919‬بدأت أقوم بجولت يومّية خلل الرياف‪ ،‬بصحبة‬
‫طبيب محّلي‪ ،‬كان مرضاه منتشرين في أماكن متباعدة قد تفصل الواحد منهم والخر‬
‫دة أميال‪.‬‬
‫ع ّ‬
‫متي هي أن أقود السّيارة دون مقابل‪ ،‬ودون أن أتقاضي حتي تكاليف‬
‫كانت مه ّ‬
‫الصلحات الصغيرة التي كانت تحتاجها السّيارة‪ .‬كما لم أكن أتوّقع أّية مكافأة من وراء‬
‫ذلك‪ ،‬فقد كان مح ّ‬
‫ل اهتمامي منحصرا ً في رؤية كيف يعيش الّناس في الرياف‪ ،‬وقد‬
‫كنت سعيدا ً بأن ُتتاح لي فرصة كهذه‪.‬‬
‫قل بين بيوت المرضي طول الّليل‪ ،‬وكان ينام نوما ً‬
‫في بعض المّرات كان الطبيب يتن ّ‬
‫عميقا ً خلل انشغالي بتبديل إحدي العجلت المعطوبة‪ ،‬أو في أثناء قيادتي للسّيارة من‬
‫منزل الي آخر‪.‬‬
‫ولم يكن ذلك الطبيب ليمّيز بين أولئك الذين يستطيعون دفع ثمن خدمته أو أولئك‬
‫الذين ل يستطيعون‪ .‬فإضافة إلي عدم تقاضيه أجرا ً عن فحص المرضي المعوزين‪ ،‬كان‬
‫كثيرا ً ما يوّفر لهم الدوية الضرورية كذلك‪ ،‬وغالبا ً ما رأيته يضع دولرا ً أو دولرين علي‬
‫كرسي أو منضدة قبل أن يغادر بيتا ً من بيوت هؤلء(!‪.‬‬
‫وبعيدا ً عن هذين المشهدين المتنافرين لوقوف الكاتب بين الطبيب والمريض‪ ،‬تلوح في‬
‫الذهن ذكري لقاء آخر بين هذه الطراف الثلثة‪ ،‬تم في فترة سابقة قليل ً علي اللقاءين‬
‫سالفين‪ ،‬في صقيع بعيد من أصقاع شرق أوروبا‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ن كل طرف منهم‬
‫ن جميع أطرافه كانوا شخصا ً واحدًا‪ ،‬وأ ّ‬
‫المفارقة في هذا اللقاء هي أ ّ‬
‫ساسية!‬
‫كان شديد الح ّ‬
‫‪155‬‬

‫فالكاتب‪ ،‬في هذا المشهد‪ ،‬إنسان عظيم الموهبة بالغ الّنبل‪ُ ،‬يجري الكلمات علي‬
‫الورق لحنا ً إنسانيا ً خالد الثر في جميع الّناس قّراًء وكّتابًا‪ ..‬والطبيب كذلك إنسان كبير‬
‫القلب فائض الّرقة‪ُ ،‬يطفيء صحته من أجل رعاية مرضاه‪ ،‬وغالبا ً ما يأخذ سمت ذلك‬
‫الطبيب المريكي في تجربة )كالدويل(‪.‬‬
‫ساس جدًا‪ ،‬وعلي معرفة دقيقة بتفاصيل مرضه‪،‬‬
‫ما المريض فهو إنسان رقيق جدا ً وح ّ‬
‫أ ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ولعله لذلك لم يستطع مقاومة المرض‪ ،‬المر الذي جعله يرحل شهيدا‪ ،‬ويجّر معه الي‬
‫بارئه الكاتب الشاهد والطبيب المشهود!‬
‫حد‪ ،‬لم يستطع القلم في هذه الحالة أن يكتب شهادته علي‬
‫ورّبما بسبب من هذا التو ّ‬
‫المشرط والعّلة‪ .‬لكن آثار الفيض النساني لك ّ‬
‫حدة جعلت‬
‫ل هذه الطراف المو ّ‬
‫وعون لكتابة هذه الشهادة في صفحات ل‬
‫الكثيرين‪ ،‬في مشارق الرض ومغاربها‪ ،‬يتط ّ‬
‫ب والتقدير‪.‬‬
‫انقطاع لها ملؤها الح ّ‬
‫إّنه الكاتب الروسي الفذ ّ )أنطون تشيخوف(‪.‬‬

‫صين‪!...‬‬
‫ولو في ال ّ‬

‫سارب في سعادته ال ّ‬
‫لنهائية‪ ..‬فوجئت بحضوره دون‬
‫هناك‪ ،‬بعيدًا‪ ،‬في أقاصي شرقنا ال ّ‬
‫أن أطلبه أو أتمّناه أو أتوقّعه‪.‬‬
‫كنت بعد فراغي من قراءة كتاب )بجعات برّية( للكاتبة الصينية )يونغ تشانغ( الذي‬
‫تناول محنة ثلثة أجيال من أسرتها‪ ،‬وبعده كتب )آنتشي مين( الخمسة التي تناولت‬
‫سماء حتي قيام امبراطورية أولد‬
‫أحوال الصين منذ غروب امبراطورية أبناء ال ّ‬
‫ت‪ ،‬بإصرار‪ ،‬رحلة جديدة إلي ربوع الوجاع المر ّ‬
‫كبة‪ ،‬عبر كتاب )ورقة‬
‫الشوارع‪ ..‬قد بدأ ُ‬
‫في الّريح القارسة( للكاتبة )تنغ‪ -‬هسنغ يي(‪.‬‬
‫ولم يكن يدفعني إلي استطلع ك ُ ّ‬
‫ل هذه العذابات الصينّية إل ّ الطمع في العثور علي‬
‫من رأي مصائب غيره هانت مصيبته‪.‬‬
‫السلوي‪ ،‬تبعا ً للمأثور القائل بأ ّ‬
‫ن َ‬
‫ن مصيبتي لم تهن ‪ -‬ل في عهد سللة الهان ول في عهد رفاق الهوان ‪ -‬فإنني‬
‫ومع أ ّ‬
‫ّ‬
‫كنت أواسي النفس‪ ،‬خلل رحلتي المؤلمة‪ ،‬بأنّني ل أري في ما أري إل مآتم الغرباء‪،‬‬
‫وحسبي من ذلك أن أتشاغل‪ ،‬ولو إلي حين‪ ،‬عن مآتمي الشخصّية التي عشت عمري‬
‫ك ُّله وأنا أراها منصوبة في طول وعرض )بلد الُعرب أوطاني( بفضل عدد من قُ ّ‬
‫طاع‬
‫ججين بالنياشين والوسمة!‬
‫الطرق المّيين المد ّ‬
‫غير أنني لم أنعم حتي بهذه المواساة المصطنعة التي و ّ‬
‫طنت نفسي علي إغماض‬
‫ي وبلعها‪ ..‬إذ أنني وجدته أمامي‪ ،‬بك ّ‬
‫ل حصافته ولطفه وثقافته ولياقته‪ ،‬وقدرته‬
‫عين ّ‬
‫الهائلة علي إشعاري بالخجل من نفسي‪ ،‬وبأثر رجعي‪ ،‬ل لشيء إل ّ لنتسابي إلي الرض‬
‫نفسها التي ابتليت به وبأمثاله‪.‬‬
‫صينيين في عهد‬
‫يَء( ُيذكر‪ ،‬دعني أقل أوّل ً إ ّ‬
‫ول ّ‬
‫يَء بال ّ‬
‫ن )ال ّ‬
‫ن مآسي المواطنين ال ّ‬
‫س ّ‬
‫س ّ‬
‫سَير هؤلء‬
‫ماوتسي تونغ‪ ،‬ل يمكن حصرها في كتاب واحد‪ ،‬فعلي الّرغم من تشابه ِ‬
‫ن باستطاعة المرء أن يعثر في تجربة ك ُ ّ‬
‫ل منهم علي مشاهد جديدة‬
‫المواطنين‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن‬
‫أ‬
‫برغم‬
‫يي(‪،‬‬
‫هسنغ‬
‫)تنغ‪-‬‬
‫كتاب‬
‫في‬
‫وجدته‬
‫ما‬
‫بالضبط‬
‫وذلك‬
‫اللم‪.‬‬
‫مق‬
‫وتع‬
‫سع الجرح‬
‫ّ‬
‫تو ّ‬
‫ّ‬
‫‪156‬‬

‫تخمتي باللم التي صّبتها )يونغ تشانغ( و)آنتشي مين( في نفسي قد جعلتني أعتقد‬
‫أنني قد أحطت بالمأساة الصينية كّلها ولم أعد بحاجة إلي مزيد‪.‬‬
‫لن أستعرض هذا الكتاب‪ ،‬لنني إذا شئت ذلك فسأحتاج إلي تأليف كتاب جديد‪ ،‬لكّنني‬
‫ن ما نلقاه من عنت وعذاب تحت أيدي‬
‫ما العبرة فهي أ ّ‬
‫سأكتفي بعبرة ونموذج‪ ..‬فأ ّ‬
‫ق ّ‬
‫طاع طرق الصلح الداخلي عندنا هو ليس إل ّ ترجمات عربية رديئة‪ ،‬مزيدة أحيانًا‪،‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫حة دائما‪ ،‬للنسخة الصينية المترجمة بدورها عن أسوأ‬
‫ومكّبرة أحيانا أخري‪ ،‬وغير منق ّ‬
‫نسخ الشموليات البغيضة في الشرق أو في الغرب‪.‬‬
‫ما النموذج فهو ظاهرة هيام الطغاة باللوان‪ ،‬علي الّرغم من كونهم أبناء الظلم‬
‫وأ ّ‬
‫وحارسيه!‬
‫مّرة‪ ،‬قام الّلون الحمر بديل ً لبوذا‪ ،‬وانتصب الكتاب الحمر بديل ً‬
‫في تجربة الصين ال ُ‬
‫ّ‬
‫دس الذي انتظم أسماء البشر‪ ،‬والمعاني‪،‬‬
‫المق‬
‫لون‬
‫ال‬
‫هو‬
‫الحمر‬
‫لكونفوشيوس‪.‬‬
‫ّ‬
‫والمباني‪ ،‬وجميع المناسبات‪.‬‬
‫ضي الخارج علي المنطق وال ّ‬
‫ن بعض القادة‬
‫ذوق‪ ،‬نجد أ ّ‬
‫وبأثر من هذا الولع المَر َ‬
‫العقائديين جدا ً في صين ماو‪ ،‬قد اقترحوا بحماسة ثورّية منقطعة النظير‪ ،‬تصحيح عمل‬
‫إشارات المرور‪ ،‬لتستقيم وفق النهج الثوري‪ ،‬وذلك بجعل الّلون الحمر إشارة‬
‫للنطلق‪ ،‬والّلون الخضر اشارة للتوّقف‪ ،‬علي نقيض ما يجري في جميع أنحاء العالم!‬
‫ولعد‪ ،‬الن‪ ،‬إلي ذكر البلء الذي فاجأني بطّلته فيما كنت أحاول التشاغل عنه بمواجهة‬
‫بلء الخرين‪ :‬لقد انتهت )تنغ‪ -‬هسنغ يي( في أواخر تجربتها المريرة‪ ،‬إلي العمل‬
‫مترجمة للوفود الرسمّية الّزائرة للصين‪ .‬وهو عمل كانت تقوم به تحت سطوة رقباء‬
‫عليهم هم أيضا ً رقباء ل يغفلون!‬
‫تروي الكاتبة بعض وقائع مرافقتها لمسؤولين أجانب كبار‪ ،‬وشخصيات ملكّية من‬
‫الشرق والغرب‪ ،‬فتدهشنا بذكر بساطة هؤلء الّناس وعفويتهم وتواضعهم‪ ،‬وتمّيز‬
‫زياراتهم بالّلطف والهدوء‪ ،‬وانصرافهم كمقدمهم مثل نسمات عذبة‪.‬‬
‫ن ملكة إسبانيا شكرت كاتب مخزن لّنه لفت نظرها إلي تنسيل في‬
‫ومن أمثلة ذلك أ ّ‬
‫ن السيدة شولتز ‪ .‬زوجة وزير خارجية أمريكا كانت امرأة لطيفة وودودة‪،‬‬
‫جواربها‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن إيد كوغ عمدة نيويورك‪ ،‬لم يتوّرع عن مغافلة حّراسه‪ ،‬ليجّرب كنس أحد شوارع‬
‫وأ ّ‬
‫شنغهاي بمكنسة من صنع صيني‪ ،‬لتجربتها من أجل عقد صفقة لشراء عدد منها‬
‫لمدينته!‬
‫جه صفعة عنيفة إلي‬
‫ن الكاتبة ‪ -‬سامحها الّله‪ -‬ل تلبث أن تنصرف عن هذا كّله‪ ،‬لتو ّ‬
‫لك ّ‬
‫وجهي‪.‬‬
‫ما القائد الّليبي العقيد الق ّ‬
‫ذافي‪ ،‬فقد كان يمّثل نوعا ً آخر من المشاكل‪ ..‬كنت‬
‫تقول‪) :‬أ ّ‬
‫ً‬
‫أتطّلع إلي رؤية رجل سمعت عنه كثيرا‪ ،‬ووصفته البلدان الغربية بأّنه مجنون‪ ،‬بينما‬
‫قي‬
‫صين صديقا ً عظيما ً )قرين الشيء منجذب إليه(‪ ..‬ففي خريف ‪ 1982‬تل ّ‬
‫اعتبرته ال ّ‬
‫ّ‬
‫ترحيبا ً حاّرا ً عندما زار بكين‪ .‬وقبل عودته إلي ليبيا أقيمت وليمة كبري علي شرفه في‬
‫ن الق ّ‬
‫ذافي‬
‫شنغهاي بدعوة من عمدة المدينة‪ .‬وعندما وصلت إلي قاعة الولئم علمت أ ّ‬
‫رفض الحضور‪ .‬كان غير راض عن المحادثات في ب ّ‬
‫كين‪ .‬وكان رفضه حالة غير مسبوقة‬
‫ٍ‬
‫في خرق البروتوكول‪ ..‬وقد حاول أناس مختلفون ثنيه عن قراره‪ ،‬ففشل الجميع‪،‬‬
‫ذافي زيارته وغادر في اليوم التالي‪ ،‬وفي المطار كان ج ّ‬
‫واختصر الق ّ‬
‫ل ما رأيت منه هو‬
‫فة وهو يركب الطائرة(!‬
‫حركة عباءته السوداء الملت ّ‬
‫ما عن خرقه البروتوكول فذلك أمر ل يدهشني‪ ،‬لنني وجميع العرب الكرام نعلم أّنه‬
‫أ ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫قا في‬
‫ما جري ح ّ‬
‫من أصحاب السوابق واللواحق في خرق كل شيء‪ ..‬لكنني أتساءل ع ّ‬
‫‪157‬‬

‫محادثاته مع المسؤولين الصينيين في بكين‪ ،‬حّتي بلغ به المر هذا الحد ّ من عدم الّرضا‪،‬‬
‫ول أستطيع منع نفسي من التفكير في مسألة اللوان‪ ..‬فهل يكون قد نمي إلي علمه‬
‫داخلي لشارات المرور‪ ،‬فشعر من جّراء ذلك بالهانة‬
‫صينية بالصلح ال ّ‬
‫تفكير القيادة ال ّ‬
‫ّ‬
‫الشاملة التي تنسف كل المكاسب الثورّية التي بذل الغالي والنفيس من أجل أن يحيا‬
‫ساحة إلي الّزحف إلي الكتاب إلي‬
‫الّليبيون في نعمها الخضراء‪ ..‬من الثورة إلي ال ّ‬
‫تفسيرات الكتاب؟!‬
‫نح ّ‬
‫ك ّ‬
‫ظها‬
‫ل شيء في ليبيا كان ول يزال أخضر‪ ..‬إل ّ ليبيا‪ ،‬وسبب ذلك بالتأكيد هو أ ّ‬
‫ً‬
‫العاثر الذي جعلها من مكاسبه‪ ،‬لم يجعله في يوم من الّيام واحدا من مكاسبها!‬

‫للكتب أرواح!‬

‫مد ٌُ‬
‫ن حية حافلة‬
‫في صباي المبكر كان يداخلني دائما ً إحساس غريب ولذيذ بأن الكتب ُ‬
‫بأنواع الماكن وأصناف الناس‪ ،‬وكنت أتخيل أن انطباق أغلفتها ل يوقف علي الطلق‬
‫ما فيها من ضجة الصوات وحركة الناس والمركبات‪ ،‬أوإيناع النبات وذبوله‪ ،‬بل أن‬
‫الغلفة ل تعدو كونها أبوابا ً تخفت بإغلقها الضجة وتختفي من ورائها الصور‪.‬‬
‫كان المر بالنسبة لي سرا ً شخصيًا‪ ،‬إذ كنت من خلل الحروف السوداء الصماء أري‬
‫الصور بكل اللوان‪ ،‬وأسمع الصوات بكل النبرات‪ .‬لكنني‪ ،‬في الوقت نفسه‪ ،‬كنت‬
‫أضمر أن كل قاريء شغف ربما كان ينطوي هو أيضا ً علي سره الشخصي المماثل‪،‬‬
‫لكنه يري ألوانه الخاصة ويسمع أصواته المميزة‪.‬‬
‫وقد صدق اعتقادي هذا بعد أعوام طويلة‪ ،‬عندما قرأت كلمات لحد النقاد‪ ،‬علق فيها‬
‫علي أول فيلم للطفال مأخوذ من قصص المغامرات المصورة التي برع بانجازها‬
‫الرسام البلجيكي العبقري هيرجيه وجعل بطلها صحفيا ً شابا ً اسمه تان تان ‪ ..‬وهي‬
‫القصص التي قرأتها بكاملها في صباي وأوائل شبابي‪ ،‬ومازلت إلي اليوم أعود إليها بين‬
‫الحين والخر بدافع الحنين‪.‬‬
‫أتذكر مما ورد في تعليق ذلك الناقد أن أحد الطفال الذين شاهدوا الفيلم‪ ،‬خرج من‬
‫صالة العرض متعلقا ً بيد أبيه‪ ،‬وقد بدا ساهما ً وحزينا ً وممتلئا ً بالخيبة‪.‬‬
‫خدعنا‪ ..‬إن صوت ذلك الشخص في الفيلم‬
‫وعندما سأله أبوه عن سبب حزنه قال‪ :‬لقد ُ‬
‫ل يشبه صوت تان تان !‬
‫واختتم الناقد تعليقه بالقول‪ :‬إنه إذا لم يكن هيرجيه قدحظي بأي نوع من التقدير علي‬
‫أعماله‪ ،‬فإن كلم هذا الصغير هو جائزته الكبري التي تغنيه عن كل جوائز التقدير‬
‫وكلمات الثناء‪ ..‬لنه بخطوط ريشته وبكلماته المكتوبة قد استطاع أن يسمع ذلك‬
‫الصغير صوت شخصيته القصصية!‬

‫‪158‬‬

‫الواقع أن شخصيات الكتب ليست وحدها التي تبدو حية للقاريء الولوع‪ ،‬بل إن الكتب‬
‫بحد ذاتها تبدو للمتعلقين بها كائنات حية يستمدون منها الحياة‪ ،‬بالقدر الذي يمدونها فيه‬
‫بالحياة‪.‬‬
‫ولعل أصدق تعبير وأدق تصوير لهذه الحالة هو ما نجده في مفتتح رواية ظل الريح‬
‫للكاتب السباني كارلوس رويث ثافون الذي يضع علي لسان الراوي حديثا ً عن كيفية‬
‫عثوره علي نص تلك الرواية‪ ،‬يخبرنا فيه أنه في طفولته عاش مع أبيه بعد وفاة أمه‬
‫في شقة تعلو محل ً لبيع الكتب المستعملة يملكه الب‪ ..‬وعند بلوغه العاشرة أخذه أبوه‬
‫ذات يوم‪ ،‬قبل بزوغ الفجر‪ ،‬لزيارة مكان خاص‪ ،‬من أجل أن يضع خطواته الولي علي‬
‫طريق وراثته في المهنة‪ ،‬قائل ً له‪ :‬إنه يريد أن يريه مقبرة الكتب المنسية‪ ..‬وبعد‬
‫مسيرة طويلة عبر دروب وأزقة ضيقة‪ ،‬يقفان أمام باب خشبي ضخم منحوت‪ ،‬فيقرع‬
‫الب الباب ويفتح له‪ ..‬وما يكادان يعبران ممرا ً فخما ً ومديدا ً حتي يفاجأ الطفل‬
‫بوصولهما إلي باحة واسعة تطرزها الممرات‪ ،‬وتنعقد علي جدرانها العالية رفوف‬
‫طويلة غاصة بالكتب ترتفع حتي تلمس السقوف البعيدة جدًا‪.‬‬
‫عندئذ يبتسم الب قائل ً لولده‪ :‬أهل ً بك يا دانيال في مقبرة الكتب المنسية ‪.‬‬
‫ثم يبدأ في تلقينه ما تعلمه هو نفسه من أبيه‪ ،‬موضحا ً له أن هذا المكان هو موضع‬
‫السرار‪ ،‬وهو علي ذلك موضع مقدس‪ :‬إن كل كتاب تراه هنا له روح‪ ..‬هي روح‬
‫الشخص الذي كتبه‪ ،‬ومعها أرواح أولئك الذين قرؤوه وعاشوا معه وحلموا به‪ ..‬وفي كل‬
‫مرة تتبادل فيها اليدي كتابًا‪ ،‬أو تجري فوق صفحاته نظرات شخص ما‪ ،‬فإن روح‬
‫الكتاب تزداد نموا ً وقوة ‪.‬‬
‫ويضيف إلي ذلك قائ ً‬
‫ل‪ :‬سأخبرك بما أخبرني به أبي‪ :‬عندما تختفي مكتبة عامة‪ ،‬أو ُيغلق‬
‫محل كتب‪ ،‬وعندما يودع كتاب في مخزن ما ليطويه النسيان‪ ،‬فإننا نحن الذين نعرف‬
‫هذا المكان‪ -‬نحن رعاته وحراسه‪ -‬علينا واجب التأكد من أن تلك الكتب سوف تنتهي‬
‫إلي هنا‪.‬‬
‫في هذا المكان كتب لم تعد في ذاكرة أحد‪ ،‬وكتب فقدت مع الزمن‪ ،‬تعيش هنا إلي‬
‫البد في انتظار اليوم الذي تصل فيه إلي أيدي قراء جدد ‪.‬‬
‫وينبهه إلي حقيقة مهمة‪ ،‬تغرب برغم بساطتها عن أذهان جميع الناس‪ :‬إننا في المكتبة‬
‫نبيع الكتب ونشتريها‪ ،‬لكن الحقيقة هي أن الكتب ل مالك لها‪ .‬فكل كتاب هنا كان ذات‬
‫يوم أفضل صديق لشخص ما‪ ،‬لكنها‪ ،‬الن‪ ،‬ليس لها سوانا‪ ..‬أتعرف ما أفضل شيء‬
‫نصنعه بها؟ طبقا ً للتقاليد فإن أي شخص يزور هذا المكان لول مرة‪ ،‬عليه أن يختار‬
‫كتابا ً ثم يتبناه ‪ ،‬وأن يكون واثقا ً من قدرته علي حمايته من الختفاء‪ ،‬فذلك ما سيبقيه‬
‫حيًا‪ .‬إنه تعهد في غاية الهمية ينبغي للمرء أن يلتزم به مدي الحياة‪ ..‬وعليك اليوم أن‬
‫تؤدي هذا الدور ‪.‬‬
‫وعن سعيه لتأدية دوره الذي قد حان‪ ،‬يقول الراوي‪ :‬أخذت أتجول بين تلل الكتب‬
‫المرصوفة بحثا ً عن كتاب أتبناه أو يتبناني‪ ،‬فيما كان الناس خارج جدران هذا المكان‬
‫يسمحون للحياة بأن تتبدد عبر مشاهدة مباريات كرة القدم أو الستماع إلي التمثيليات‬
‫الذاعية‪ ،‬وهم ل يفعلون شيئا ً سوي التحديق إلي مواضع حبل السرة في بطونهم!‬
‫وبعد نصف ساعة من التجوال‪ ،‬ظهر لي العنوان بالحرف المذهبة‪ :‬ظل الريح‪ ..‬بقلم‬
‫جوليان كاركاس ‪ ..‬ولم أكن قد سمعت بهذا العنوان ول بمؤلفه من قبل‪ ،‬لكنني لم‬
‫أهتم‪ ،‬فقد اتخذت قراري وأنزلت الكتاب بكل عناية وحذر‪ ،‬وحالما حررته من سجن‬
‫الرف ومن سحابة الغبار‪ ،‬شعرت بالغبطة لختياري‪ ،‬فوضعته تحت ذراعي وانقلبت‬
‫علي أعقابي خلل ممرات المكتبة والبتسامة تعلو شفتي‪ ..‬لقد كنت واثقا ً من أن ظل‬
‫الريح كان ينتظرني هنا منذ أعوام‪ ،‬ومن المحتمل أنه كان ينتظرني من قبل أن أولد !‬

‫‪159‬‬

‫إن ما مر بنا في مفتتح رواية كارلوس ثافون‪ ،‬ينتهك في أذهاننا غشاوة العادة التي‬
‫فرضت علينا رؤية الكتاب باعتباره مجرد ورق و حبر‪ ،‬وينقل إلينا عدوي اليقين بأن‬
‫الكتاب كائن حي يعيش حرا ً برغم تعدد مالكيه‪ ،‬وأنه معرض للنسيان أو المرض أو‬
‫الموت‪ ،‬وأنه قابل للتبني و الرعاية والحماية‪.‬‬
‫قد يبدو هذا مجرد خيال‪ ،‬أو لعبا ً في ساحة المجازات‪ ،‬لكن تجربة الكاتبة البريطانية‬
‫مارغريت فورستر خلل كتابتها لسيرة دافني دومورييه مؤلفة الرواية الشهيرة ربيكا ‪..‬‬
‫تضعنا أمام حقائق واقعية مذهلة من هذه الناحية‪ ،‬ل نملك معها سوي التسليم بأن‬
‫الكتب‪ ،‬علي نحو ما‪ ،‬هي كائنات حية بالفعل!‬
‫وتلك حكاية أخري تستحق أن ُتروي‪.‬‬

‫رواية تنعي كاتبتها!‬

‫قال بائع الكتب المستعملة لولده الصغير‪ :‬إن كل كتاب تراه هنا له روح‪ ..‬هي روح‬
‫الشخص الذي كتبه وأرواح القراء الذين تداولوه وعاشوا معه وحلموا به ‪.‬‬
‫ذلك ما ورد في مفتتح رواية ظل الريح للسباني كارلوس ثافون‪ ..‬ومثل هذا التعبير عن‬
‫أرواح الكتب كثيرا ً ما يلوح لنا علي صفحات العديد من المؤلفات‪ ،‬وعلي ألسنة العديد‬
‫من المشتغلين بالكتابة أو القراء المدمنين‪ ،‬ول ريب أن كل واحد منا‪ ،‬مهما بلغت درجة‬
‫اقتناعه بصدق التعبير‪ ،‬سيسارع إلي إدخاله في درج المقاربة المجازية‪ ،‬إذ ليس من‬
‫المعقول أن يبلغ القتناع بالمرء حد التصديق‪ ،‬واقعيًا‪ ،‬بأن الكتاب كائن حي بالفعل‬
‫يمكنه مثل ً أن يحمل للخرين رسالة من صاحبه‪ ،‬أو ينعيه لهم وهو علي فراش الموت‬
‫مذكرا ً إياهم بأن الوقت قد حان لتأبينه‪.‬‬
‫لكن ماذا نقول إذا علمنا أن كتاب ربيكا لدافني دومورييه قد فعل ذلك بالضبط؟!‬
‫لنبدأ الحكاية من أولها‪:‬‬
‫تضمن كتاب حيوان للبيع لمارك بوستريدج‪ ،‬حكاية الكاتبة مارغريت فورستر عن‬
‫تجربتها في كتابة سيرة دافني دومورييه وهي روائية بريطانية معروفة لها كثير من‬
‫العمال المميزة التي تحول معظمها إلي أفلم سينمائية‪ ،‬مثل‪ :‬الطيور‪ ،‬نزل جامايكا‪،‬‬
‫بيت علي الشاطيء‪ ،‬ربيكا‪ ..‬وغيرها‪.‬‬
‫لكن ربيكا تظل أشهر رواياتها وأبقاها أثرًا‪ ،‬وقد نال الفيلم الذي اقتبس منها بالعنوان‬
‫نفسه وأخرجه الفريد هيتشكوك جائزة الوسكار كأفضل فيلم لعام ‪.1940‬‬
‫تقول فورستر إنها في يوم الحد ‪ 16‬أبريل ‪ 1989‬كانت تحاول أن تتناول كتابا ً من علي‬
‫رف المكتبة‪ ،‬عندما سقط كتاب آخر علي الرض‪ ،‬وحين التقطت ذلك الكتاب وجدت‬
‫أنه رواية ربيكا ‪ ..‬التي سبق أن قرأتها وهي في نحو الثالثة عشرة من عمرها‪ ،‬ولم‬
‫تعاود قراءتها بعد ذلك‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫وقفت في مكانها‪ ،‬وبدأت تقرأ الرواية من جديد‪ ،‬مستعيدة الثارة التي اعترتها أثناء‬
‫قراءتها أول مرة‪ ..‬ثم وجدت نفسها تتساءل عما إذا كانت دافني دومورييه لتزال علي‬
‫قيد الحياة‪ ،‬وما إذا كان هناك أي كتاب سيرة عنها‪.‬‬
‫ولن لها تجارب في كتابة السير‪ ،‬فقد رغبت فورستر أن تستطلع هذا المر‪ ،‬مؤملة بأن‬
‫تكون أول من يحظي بإذن كتابة سيرتها لكي يكون لها الحق الحصري بالطلع علي‬
‫كل أوراق الكاتبة‪.‬‬
‫وفي الحال كتبت بطاقة إلي ناشرة كتبها تبدي لها فيها رغبتها في كتابة سيرة دافني‪،‬‬
‫وتسألها عما إذا كان ذلك سيروق لدار النشر‪.‬‬
‫في صباح اليوم التالي وضعت البطاقة في البريد‪ ،‬ثم عكفت علي إعادة قراءة أعمال‬
‫دافني ‪ ..‬وفي يوم الثلثاء تلقت ردا ً من الناشرة أبدت فيه ترحيبها بالفكرة‪ ،‬وأنبأتها بأن‬
‫دافني لتزال حية‪ ،‬وأنها تعرف وكيل أعمالها‪ ،‬وستتصل به لترتيب المر‪.‬‬
‫تقول مارغريت فورستر ‪:‬‬
‫الصدفة الغريبة هي أن سقوط رواية ربيكا من رف المكتبة بدا كما لو أنه إشارة إلي‬
‫أن دافني كانت قد بدأت تستعد لموتها!‬
‫ففي يوم الحد ‪ 16‬أبريل نفسه‪ ،‬عندما استيقظت دافني من النوم قالت إنها تريد أن‬
‫تذهب إلي الشاطيء حيث كانت ربيكا بطلة الرواية قد واجهت منيتها‪.‬‬
‫وبالرغم من أن الوقت كان ربيعًا‪ ،‬فإن الطقس كان متوحشا ً في ذلك اليوم كما في‬
‫الرواية ‪ ،‬حيث هبت الرياح هوجاء‪ ،‬وهطل المطر بغزارة وشدة‪.‬‬
‫وقفت دافني هناك لفترة تحدق في البحر كشاخص تراجيدي ضئيل وصامت‪ ،‬ثم عادت‬
‫لزيارة عدد من الصديقات من أجل توديعهن ‪.‬‬
‫وفي اليوم نفسه الذي و صلتها فيه بطاقة الناشرة‪ ،‬تلقت فورستر اتصالين من راديو ‪4‬‬
‫وصحيفة صاندي تايمز يطلبان منها فيهما كتابة نعي لدافني دمورييه التي ماتت للتو!‬
‫تلك ثلث مصادفت غريبة تتصل بنفس الروائية منذ سقطت روايتها من علي الرف‪..‬‬
‫وبفورستر التي فكرت بكتابة سيرتها!‬
‫تقول فورستر‪ :‬لم أكن‪ ،‬بالطبع‪ ،‬أعرف أي شيء عن هذا‪ ،‬عندما طلبت أن أكون الكاتبة‬
‫المخولة لسيرة دافني‪ ،‬لكنني أحببت الحساس بأن القدر قد تدخل‪ ،‬بطريقة ما‪ ،‬في‬
‫هذا المر‪ ..‬فاحتفظت ببطاقة الناشرة بطوابعها المؤرخة بوضوح‪ ،‬وذلك خوفا ً من أن‬
‫يداخلني العتقاد بأنني أنا من اختلقت هذه البداية ‪.‬‬
‫بعد أربعة أعوام‪ ،‬حين نشرت سيرة دافني كان علي مارغريت فورستر أن تهيئ نفسها‬
‫للظهور في المناسبات الخاصة بترويج الكتاب‪ .‬وقد حملها ذلك علي أن تتجول بين‬
‫المحلت لشراء ثياب جديدة لرتدائها في زياراتها لتسع مدن كان مقررا ً أن تتحدث فيها‬
‫عن كتابها‪.‬‬
‫وبعد جولة طويلة علي محلت اللبسة وقع اختيارها علي سترة أعجبتها لكنها لم تكن‬
‫تحمل بطاقة توضح ثمنها‪ ،‬فتوجهت فورستر إلي البائعة وسألتها عن الثمن‪ ،‬فقالت لها‬
‫إنه موجود علي الرقعة الخاصة بالمقاييس وهي داخل جيب السترة‪ ،‬ثم سحبتها من‬
‫الجيب لكي تريها إياها‪.‬‬

‫‪161‬‬

‫رأت فورستر الثمن علي جانب من الرقعة‪ ،‬لكن الغريب أن الجانب الخر من الرقعة‬
‫الخاص باسم مصممة الزياء‪ ،‬كان يحمل اسم‪ ..‬ربيكا !‬
‫تقول فورستر عن هذه المصادفة المذهلة أنها لتزال تود العتقاد بأنها لم تكن مصادفة‬
‫إطلقًا‪ .‬إن هذا يذكرني بفلسفة الروائي المريكي المميز بول أوستر التي تقول بأن‬
‫أحداث الحياة الواقعية هي ليست إل سلسلة من المصادفات‪.‬‬
‫وعلي أساس هذه النظرة‪ ،‬فإن ترادف المصادفات في حكاية فورستر إنما يشكل‬
‫حقائق واقعية خالصة‪ ،‬المر الذي قد يقنعنا بأن للكتب أرواحا ً بالفعل!‬

‫يا خالق الجرادة!‬

‫مي بليد متب ّ‬
‫طل ل يحسن أّية صنعة وليس له‬
‫هناك حكاية شعبية عراقية عن رجل أ ّ‬
‫أدني ح ّ‬
‫ظ من المعرفة‪ .‬وكانت له زوجة اسمها )جرادة( هي علي النقيض منه تمامًا‪،‬‬
‫راجحة العقل سريعة الفهم‪.‬‬
‫سحر وقراءة الطالع‪،‬‬
‫ال‬
‫يمتهن‬
‫بأن‬
‫بعلها‬
‫علي‬
‫)جرادة(‬
‫أشارت‬
‫ولكي تخرجه من بطالته‬
‫ّ‬
‫سوق ويعلن للناس‬
‫فهي مهنة ل تحتاج إلي كفاءة‪ ،‬إذ ليس عليه سوي أن يجلس في ال ّ‬
‫أّنه يطرد الحسد ويشفي المراض ويجلب الح ّ‬
‫ظ بواسطة التمائم‪ .‬وليس مّهما ً إذا كان‬
‫ً‬
‫ً‬
‫س ّ‬
‫ذج‪ ،‬وأّية خربشة علي الورق ستبدو لهم طلسما سري ّا!‪.‬‬
‫ل يعرف الكتابة‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الّناس ُ‬
‫وانصاع البليد لمشورة جرادة فكسب كثيرا ً من المال‪ ،‬وذاعت شهرته في الفاق‪.‬‬
‫مة من الفلم الهندية‪ ،‬فقد تهّيأت للبليد سلسلة من‬
‫ول ّ‬
‫ن الحكايات الشعبية أوسع ذ ّ‬
‫المصادفات التي جعلته يكشف عن خاتم الخليفة الضائع‪ ،‬وعن صندوق مجوهراته‬
‫المسروق‪ ،‬فأمر له بمنزل جميل وراتب ثابت‪ ،‬وقّربه‪ ،‬وصار يباهي به بين المراء‪،‬‬
‫ما مثل بين يديه‬
‫فرغب أحدهم مّرة في أن يشهد بعض خوارقه‪ ،‬فاستدعاه الخليفة‪ ،‬ول ّ‬
‫ة وسأله‪) :‬ماذا في يدي؟(‪.‬‬
‫مد ّ له قبضته مضموم ً‬
‫َ‬
‫عندئذ ارتمي البليد علي الرض منهارا ً جزعا ً يندب سوء ح ّ‬
‫ظه اّلذي أوصله إلي هذا‬
‫المأزق‪ ،‬وصار يبكي قائ ً‬
‫ل‪) :‬لقد وقعنا في الف ّ‬
‫خ أخيرا ً يا جرادة(‪.‬‬
‫ن الخليفة ما أن فتح‬
‫وهنا أيضا ً يطيب للحكاية أن تمسح الرض بجميع أفلم الهند‪ ،‬إذ أ ّ‬
‫قبضته حّتي طارت منها جرادة كان ُيخفيها!‪.‬‬
‫وبعد هذه المحنة‪ ،‬طلب البليد من )جرادة( أن تجد له مخرجا ً من المآزق التية‪،‬‬
‫ي‬
‫فأشارت عليه بأن ي َ ّ‬
‫دعي الجنون‪ ..‬وبهذا ت ّ‬
‫م له أن ينعم بالمنزل والما بعيدا ً عن أ ّ‬
‫خطر‪.‬‬
‫ّ‬
‫ن حظنا‬
‫علي هامش تلك الحكاية‪ ،‬نستعيد حكاية غبّينا العاطل عن أّية قيمة‪ ،‬فيبدو لنا أ ّ‬
‫العاثر قد وهبه حظ ّا ً لم يحلم به غبي الحكاية الشعبية علي الطلق‪.‬‬
‫سرت له جرادة أمريكية بدينة‪ ،‬تضع وترفع وتبلع ول تبشع‪ ،‬وك ّ‬
‫ل الفرق بينها‬
‫غبّينا هذا تي ّ‬
‫ن بليدها الفذ ّ‬
‫أ‬
‫تعلم‬
‫لنها‬
‫الناس‪،‬‬
‫سذاجة‬
‫الي‬
‫تستند‬
‫لم‬
‫نها‬
‫أ‬
‫هو‬
‫الحكاية‬
‫وبين جرادة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ليس سوي نفاية في مقلب زبالة مهد الحضارة النسانية‪ ،‬ولذلك فإنها بدل من أن‬
‫دسًا‪ ،‬فكان كفيل ً بأن ُيحدث أثرا ً أقوي من‬
‫تعطيه قلما ً ليخربش‪ ،‬وضعت في قبضته مس ّ‬
‫جميع طلسم البشر‪ ،‬ومن ك ّ‬
‫ن‪.‬‬
‫ل خوارق الج ّ‬
‫ن‬
‫لك‬
‫واحدة‪.‬‬
‫مفيدة‬
‫جملة‬
‫يقيم‬
‫أن‬
‫الجاهل‬
‫هذا‬
‫يستطع‬
‫في جميع خطبه النحاسّية‪ ،‬لم‬
‫ّ‬
‫عشرات الكتب والطروحات الجامعية تناولت شرح فكره الثاقب وفلسفته العميقة!‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫ولم يخدم هذا البليد الّرعديد يوما ً واحدا ً في الجيش‪ ،‬إذ كان هاربا ً أبدي ّا ً من التجنيد‪،‬‬
‫لكّنه حمل فجأة أرفع رتبة عسكرية في العالم‪ ،‬توجب علي )رومل( و)مونتغمري( لو‬
‫ديا له التحّية!‪.‬‬
‫قاما من قبريهما أن يؤ ّ‬
‫ً‬
‫دين‪ ،‬لم يكن قادرا علي أداء أبسط‬
‫وعندما احتاج‪ ،‬مضطّرًا‪ ،‬إلي ارتداء قناع ال ّ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫مقتضياته‪ ،‬فقد كان يسجد دون ركوع‪ ،‬وير ّ‬
‫دد خاشعا )نريد أن نكون عند حسن ظ ّ‬
‫ن‪ ..‬وهو الول والخر والظاهر والباطن وهو‬
‫نأ ّ‬
‫الّله(‪ ..‬أي أ ّ‬
‫ن الّله يظ ّ‬
‫ن هذا الفدم يظ ّ‬
‫بكل شيء عليم!‪.‬‬
‫ّ‬
‫دين لكي ينجو من مآزق حمقه‪ ،‬فقّرر أن‬
‫بل حّتي عندما تمادي في التدثر بعباءة ال ّ‬
‫يكتب بخ ّ‬
‫طه علي علم البلد عبارة )الّله أكبر(‪ ..‬جعل همزة لفظ الجلة همزة قطع‪.‬‬
‫ومع ذلك فقد جاءته وفود القنافذ السلحيين )بإلحاء ل بالميم رجاًء( لتبايعه خليفة‬
‫مي )عبدالّله المؤمن(‪ ،‬وحمل تسعة وتسعين اسما ً ل تنقص عن أسماء‬
‫للمسلمين‪ ،‬و ُ‬
‫س ّ‬
‫ّ‬
‫فرون عباد الله حتي علي‬
‫الله الحسني‪ .‬ولم يجرؤ أيّ واحد من أولئك القنافذ الذين ُيك ّ‬
‫حح له همزة لفظ‬
‫شرب الماء‪ ،‬أن يشير علي خليفته بالّركوع قبل السجود‪ ،‬أو أن يص ّ‬
‫الجللة علي العلم‪ ،‬فظّلت همزة القطع كما هي يكّررها الخطاطون بكل تقديس حّتي‬
‫دة الخلفة!‪.‬‬
‫بعدما قطع الّله دابره‪ ،‬وأكرمنا بوصول )غير المحافظين الجدد( إلي س ّ‬
‫هل أضمرت )جرادة( المريكية‪ ،‬كعادتها مع سحرتها الفلين‪ ،‬أن تدعه ينجو؟ وهل‬
‫ف ّ‬
‫كرت‪ ،‬من أجل ذلك‪ ،‬في صياغة دعوي جنونه بسلسلة من المضحكات المبكيات؟‬
‫ّ‬
‫كل شيء ممكن‪ ..‬ففي البداية أخرجته من الكنيف بما هو أسوأ من هيئة المجنون‪.‬‬
‫ن النهار يحتاج إلي‬
‫جلت محاكمته ما يزيد علي عامين‪ ،‬بدعوي جمع الدَلة‪ ..‬وكأ ّ‬
‫مأ ّ‬
‫ث ّ‬
‫دليل!‪.‬‬
‫ن‬
‫م عرضته علينا مربوطا ً بالسلسل‪ ،‬وهو يضحك لحارس المحكمة )نعم يضحك( وكأ ّ‬
‫ث ّ‬
‫ً‬
‫أحدا يدغدغه!‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫م لم تلبث أن‬
‫ث‬
‫للخصاونة(‪،‬‬
‫ا‬
‫إكرام‬
‫بما‬
‫)ر‬
‫داخلي‬
‫ال‬
‫لباسه‬
‫من‬
‫إل‬
‫ا‬
‫عاري‬
‫به‬
‫م جاءت إلينا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ث ّ‬
‫ً‬
‫جانيه وهو يعدهم فيه بدعوتهم إلي القصر عندما يعود إلي‬
‫نشرت أخيرا حديثه إلي س ّ‬
‫سلطة!‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫نحن ل نحتاج إلي كل هذا لنعلم أّنه مجنون‪ .‬نحن لم نعش في عذاب مقيم إل لننا كّنا‬
‫ن تحت قحف رأسه كومة تبن‪ ،‬وإل ّ لننا أردنا أن يكون عصف‬
‫نؤمن إيمانا ً قاطعا ً بأ ّ‬
‫جنونه علي أهله وحدهم ل علينا‪.‬‬
‫ي الحكاية قد نجا بجنونه فهنيئا ً له‪ ..‬لّنه‪ ،‬فوق كونه خيالي ًّا‪ ،‬لم يقتل أحدًا‪،‬‬
‫وإذا كان غب ّ‬
‫ّ‬
‫ن مجنوننا هذا قد زرع البلد كلها‬
‫ولم يسرق مال أحد‪ ،‬ولم يهتك عرض أحد‪ ..‬لك ّ‬
‫داعية إلي‬
‫بالمقابر الجماعّية‪ ،‬حتي أصبحت القبور المفردة المعلومة نوعا ً من البدع ال ّ‬
‫جب والستغراب‪.‬‬
‫التع ّ‬
‫ن جميع قوانين السماء والرض‪ ،‬ل تبيح أبدا ً البقاء علي‬
‫وحّتي إذا عددناه كلبا ً شرسًا‪ ،‬فإ ّ‬
‫حياة الكلب المسعور‪.‬‬
‫ن‬
‫في القول العراقي الشائع‪) :‬لك بها إرادة يا خالق الجرادة(‪ ..‬ونحن نحمدالّله علي أ ّ‬
‫)إرادته بها( قد خّلصتنا من صنيعتها الجاهل الّفاق‪ ..‬لكن حاشي لها أن تبقيه علي قيد‬
‫ن من قتل نفسا ً بغير نفس أو فساد في الرض فكأّنما قتل الناس جميعًا‪..‬‬
‫الحياة‪ ،‬ل ّ‬
‫ً‬
‫فكيف بمن قتل الناس جميعا؟!‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫العهد الّزاهر!‬

‫تناقشت مع المدير‪ ،‬هذا الصباح‪ ،‬حول خرائط المبني الجديد‪ ..‬لم يعجبه الشكل‬
‫الهندسي الذي و ضعته للكافتيريا الملحقة بالمبني‪.‬‬
‫سألني بازدراء‪ :‬ما هذا؟!‬
‫قلت له موضحًا‪ :‬قدرت أن تصميم الكافتيريا علي شكل شبه منحرف سيوفر في مادة‬
‫البناء من ناحية‪ ،‬وسيجعلها أكثر حميمية ودفئا ً من ناحية أخري‪ .‬صاح محتجًا‪ :‬اخرس يا‬
‫وغد‪ ..‬ل مكان‪ ،‬في هذا العهد الزاهر‪ ،‬للنحراف أو شبه النحراف‪ ..‬إن هذه المباني ل‬
‫توجد إل في عهد الستعمار‪ .‬اذهب ونظف أفكارك‪ ،‬واحذر أن تلوث الخريطة ثانية بأي‬
‫شكل من أشكال العمالة والرجعية‪ ..‬اخرج‪.‬‬
‫خرجت مكفهرًا‪ ..‬لحظ رئيس القسم علمات الضيق علي وجهي‪.‬‬
‫سألني‪ :‬ماذا حصل؟‬
‫قلت له‪ :‬يبدو أن المدير منحرف المزاج هذا اليوم‪.‬‬
‫صرخ في وجهي‪ :‬اخرس يا وغد‪ ..‬ل تصف المدير بمثل هذا الوصف القبيح‪ ..‬لقد ولي‬
‫النحراف مع عهد الستعمار البغيض‪ .‬مديرنا رجل وطني مخلص وأمين‪ .‬قلت مدافعا ً‬
‫عن نفسي‪ :‬إنني أصف مزاجه فقط‪ ..‬لقد عاملني بمنتهي العنف لتفه سبب‪.‬‬
‫قال رئيس القسم‪ :‬بإمكانك‪ ،‬إذن‪ ،‬أن تقول إنه عنيف‪ ..‬خليق بمدير وطني مثله أن‬
‫يكون عنيفا ً في زمن العنف الثوري‪.‬‬
‫أستأذنت لمراجعة الطبيب‪ ..‬طلبت سيارة أجرة‪ ،‬قلت للسائق‪ ،‬وأنا أشير إلي مدخل‬
‫العمارة التي تقع فيها العيادة‪:‬‬
‫انحرف إلي اليمين رجاء‪.‬‬
‫ً‬
‫أوقف السائق سيارته فجأة‪ ،‬والتفت إلي معنفا‪ :‬أخرس يا وغد‪ ..‬انني سائق وطني‬
‫مخلص من زمن الستقلل‪ .‬إنني قد أستدير ألف مرة‪ ،‬لكنني لن أنحرف ولو ذقت‬
‫الموت‪ .‬لقد ولي زمان النحراف مع أسيادك المستعمرين‪ .‬أنزل هنا‪ .‬لقد لوثت‬
‫سيارتي‪.‬‬
‫ً‬
‫قطعت المسافة المتبقية سيرا علي قدمي‪ ..‬وصلت إلي العيادة وأنا ألهث‪ .‬لبس‬
‫الطبيب ابتسامته‪ ،‬وسألني‪ :‬مم تشكو؟‬
‫قلت‪ :‬أشكو من انحراف في الصحة يا دكتور‪.‬‬
‫نزع الطبيب ابتسامته فورًا‪ ،‬وضرب الطاولة بجمع كفه‪ :‬اخرس يا وغد‪ ..‬الصحة ل‬
‫تنحرف في هذا العهد الزاهر‪ ..‬الصحة قد تمرض‪ ،‬قد تسوء‪ ،‬قد تنعدم‪ ،‬لكن أن تنحرف‬
‫‪164‬‬

‫فل وكل ولن‪ ..‬لقد ولي النحراف مع جلوزة الستعمار‪ .‬اخرج من عندي‪ .‬أنا ل أعالج‬
‫العملء أمثالك‪.‬‬
‫خرجت من العيادة مثق ً‬
‫ل‪ ..‬مشيت كالنائم‪ .‬كانت شاحنة مسرعة قد انحرفت عن الخط‪،‬‬
‫واندفعت قاطعة الرصيف في اتجاهي‪ ..‬قفزت مبتعدا ً عن طريقها بكل ما أستطيع من‬
‫سرعة‪ ،‬ونجوت باعجوبة‪.‬‬
‫خرج بائع الخضار الذي ارتطمت بصناديق دكانه‪.‬‬
‫سألني بهلع‪ :‬ماذا حصل؟‬
‫فكرت هذه المرة قبل أن أجيب‪.‬‬
‫قلت له‪ :‬لقد أستقامت الشاحنة عن الطريق‪ ،‬وكادت تدهسني‪.‬‬
‫قطب البائع حاجبيه‪ :‬استقامت عن الطريق؟ ماذا تعني؟!‬
‫قلت وأنا أنهض مبتعدًا‪ :‬كما قلت لك‪ ..‬ل تجرجرني بالكلم‪ .‬كل شيء مستقيم في هذا‬
‫العهد الزاهر‪ .‬الشاحنات ل تنحرف عن طريقها‪ ..‬افهم هذا جيدًا‪.‬‬
‫صفق البائع بكفيه‪ ،‬ثم رفعهما عاليًا‪:‬‬
‫اللهم اكفنا شر الجنون‪.‬‬
‫لمسني علي الرصيف المقابل طن من الصباغ متنكر بهيئة امرأة‪ ..‬كانت شفتاها‬
‫تؤرجحان العلكة ببطء واتساع‪ .‬غمزتني‪ ،‬وشقت حلقها ضاحكة‪.‬‬
‫تجاهلتها‪ ،‬لكنها لم تتجاهلني‪ ..‬مشت بإزائي وهي تصفر‪ ،‬ثم لم تلبث أن قرصتني‬
‫بلطف‪ ،‬وسألتني بلهجة مذيعة فضائية‪ :‬ما رأي بعض الناس في الحب؟‬
‫رددت بسأم‪ :‬ماذا تريدين مني؟‬
‫قهقهت برقاعة وصفعت كتفي‪ :‬أريدك كلك‪.‬‬
‫ابتسمت بمرارة‪ :‬هذه ارادة مكلفة‪.‬‬
‫قالت‪ :‬أقبل بأي مبلغ تدفعه‪.‬‬
‫شعرت بالحرارة تشوي وجهي‪ :‬ماذا تقولين؟!‬
‫قالت‪ :‬بأي مبلغ‪.‬‬
‫صرخت بوجهها‪ :‬أنت عديمة الدب‪.‬‬
‫ضحكت بل مبالة‪ :‬هذا صحيح‪ ..‬أنا منحرفة‪.‬‬
‫استوقفتها محققًا‪ :‬ماذا؟‬
‫قالت بكل ثقة‪ :‬أنا منحرفة‪.‬‬
‫صرخت بكل قوتي‪ :‬اخرسي يا وغدة‪ ..‬ل تنطقي بمثل هذا الكلم القبيح‪ .‬قولي إنك‬
‫عاهرة‪ ..‬عاهرة وطنية مخلصة من زمن الستقلل‪ ..‬ل توجد عاهرة منحرفة في هذا‬
‫العهد الزاهر‪ .‬النحراف ولي مع الستعمار‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫بالمشمش )‪) (3-1‬رجل المن(‬

‫التفت أحدهما فجأة‪ ،‬وصرخ في وجه الرجل الغامض الذي كان يتبعهما‪:‬‬
‫ مكانك‪ .‬من أنت؟ وما هدفك من السير وراءنا منذ تركنا المقهي؟‬‫قال الرجل بهدوء وثقة‪:‬‬
‫ً‬
‫ أنا رجل أمن يا سيد‪ .‬وهدفي واضح جدا‪ .‬أريد أن أعرف بالضبط ما هي وجهتكما‪،‬‬‫وماذا تنويان أن تفعل‪.‬‬
‫ ما الذي دعاك إلي هذا؟‬‫أنتما دعوتماني‪ .‬صوتكما كان خافتا ً للغاية‪ .‬لم أستطع أن أفهم من كلمكما شيئًا‪ .‬كل‬‫ما سمعته منكما هو ‪ ..‬لبد من فعل شيء ما ‪ .‬حسنًا‪ .‬أنا وراءكما لكي أعرف هذا‬
‫الشيء ألما‪ .‬أعتقد أني معذور يا سيد‪ .‬لو لم أتبعكما علي الفور لضحك مني حتي‬
‫الطفال‪.‬‬
‫ معك حق‪ ..‬في الواقع يا أخ‪ ..‬نحن لدينا مؤامرة‪ .‬نريد أن نسقط نظام الحكم بأية‬‫طريقة‪ .‬أرجوك أل تلحقنا‪ ،‬فالطريق طويل وسوف تتعب‪ .‬مكان اجتماعنا مع قادة‬
‫المجموعة يقع علي أطراف البساتين‪.‬‬
‫تنهد رجل المن‪:‬‬
‫ أخزي الله شيطانك‪ .‬أما كان بإمكانكما أن تتحدثا بصوت أكثر ارتفاعًا؟ لو فعلتما ذلك‬‫لما داخلني سوء الظن‪ ،‬ولما تورمت قدماي من طول المشي وراءكما‪ .‬لقد حسبتكما‬
‫تدبران لعملية سطو أو قتل‪ .‬سامحكما الله‪ .‬الن فقط طمأنتني‪ .‬مع السلمة‪.‬‬
‫ مه ً‬‫ل‪ ..‬أل يهمك أن نتآمر لسقاط النظام؟!‬
‫ كل‪ .‬ل يهمني علي الطلق‪ .‬واجبي هو أن أحفظ أمن الناس ل أمن النظام‪ .‬النظام‬‫كفيل بالحفاظ علي نفسه‪ ،‬ثم أنكم لن تستطيعوا إسقاطه إذا كان مستندا ً إلي تأييد‬
‫الناس وحبهم‪ ،‬لن الناس سيسقطونكم في الحال‪ .‬أما إذا استطعتم أن تسقطوه‬
‫بسهولة‪ ،‬ولم يفكر الناس بإسقاطكم‪ ،‬فذلك يعني أن النظام متهريء وبغيض وجدير‬
‫بالسقوط‪ .‬وفي هذه الحالة‪ ..‬ألف مبروك لكم‪ ،‬وشكر الله سعيكم!‬

‫‪166‬‬

‫بالمشمش )‪(2/3‬‬
‫)رجل الّرقابة(‬

‫قال مدير الّرقابة‪:‬‬
‫سماح بنشر كتابك‪.‬‬
‫ آسف‪ .‬ل يمكننا ال ّ‬‫جبًا‪:‬‬
‫قال الكاتب متع ّ‬
‫ هل وجدتم فيه شيئا ً ل ُيعجبكم؟!‬‫ك ّ‬‫ل‪ ..‬لم نجد فيه شيئًا‪.‬‬
‫ لماذا ل تسمحون بنشره إذن؟!‬‫ لننا لم نجد فيه شيئًا‪ .‬بصراحة يا أخ‪ ،‬كتابك تافه‪ .‬وإذا شئت الدّقة‪ ..‬كتابك نوع من‬‫الّزبالة النظيفة‪.‬‬
‫ زبالة؟! كتابي زبالة؟! أنت تقول ذلك؟!‬‫لقد سكبت فيه عصارة قلبي من أجل إبراز منجزات الثورة العظيمة‪.‬‬
‫ آسف‪ .‬لم نجد فيه عصارة قلب‪ ،‬بل وجدنا فيه ما يشبه عصارة شيء آخر!‬‫منا قبل ك ّ‬
‫ل شيء يا أخ هو منجزات أسلوبك ولغتك وفّنك وصدقك‪ .‬دع‬
‫إ ّ‬
‫ن ما يه ّ‬
‫دث عن منجزاتك أنت‪.‬‬
‫وتح‬
‫نفسها‪،‬‬
‫عن‬
‫دث‬
‫تتح‬
‫الثورة‬
‫منجزات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫دولة‪ ،‬فكيف تمنعون كتابا ً‬
‫ هذا فظيع‪ ..‬لقد سمحتم منذ أّيام بنشر ديوان شعر يس ّ‬‫فه ال ّ‬
‫جد الدولة؟!‬
‫يم ّ‬
‫دولة‪ ،‬ولكن بطريقته‬
‫جد ال ّ‬
‫ أنت مخطيء يا أخ‪ .‬ذلك الديوان‪ ،‬في الواقع‪ ،‬كان يم ّ‬‫نك ّ‬
‫ل سطر فيه يشير إلي موهبة ف ّ‬
‫ذة‪ .‬فأيّ مجد يمكن أن تحصل عليه‬
‫صة‪ .‬إ ّ‬
‫الخا ّ‬
‫ً‬
‫الدولة سيكون أكبر من كون صاحب هذه الموهبة واحدا من مواطنيها؟‬
‫ أيّ زمن هذا؟ وأّية رقابة هذه؟‬‫سأنشر كتابي في الخارج‪.‬‬
‫ انشره‪.‬‬‫ لكنكم ستمنعون دخوله‪.‬‬‫‪167‬‬

‫ك ّ‬‫ل‪ ..‬ليس هذا من عاداتنا‪.‬‬
‫ لماذا‪ ،‬إذن‪ ،‬تمنعون نشره هنا؟!‬‫متنا فقط‪ .‬لكي ل يقا َ‬
‫ل إّننا دولة سّيئة الذوق إلي درجة تجعلها تسمح‬
‫ لكي نبريء ذ ّ‬‫بنشر كتاب متخم بالّنفاق وساقط من الناحية الفنّية!‬

‫سلطة(‬
‫بالمشمش ‪) 3/3‬رجل ال ّ‬

‫‪168‬‬

‫قفز ال ّ‬
‫شاب النيق‪ ،‬فجأة‪ ،‬إلي مقدمة الطابور الطويل أمام مخزن التموين‪.‬‬
‫ارتفعت أصوات الواقفين بالحتجاج‪ ،‬وحاولوا دفعه إلي الوراء دون جدوي‪.‬‬
‫من منتصف الطابور اشرأب عجوز وقور وناداه بلطف‪:‬‬
‫ّ‬
‫دور يا ولدي‪ .‬نحن واقفون هنا منذ ساعتين‪ ،‬وليس من العدل أن تتخطانا إلي‬
‫ بال ّ‬‫وك‪.‬‬
‫لت‬
‫جئت‬
‫وقد‬
‫دمة‬
‫المق ّ‬
‫ّ‬
‫قهقه الشاب ساخرا‪ً:‬‬
‫دي‪.‬‬
‫ العدل في وزارة العدل يا ج ّ‬‫صاح العجوز‪:‬‬
‫ أعلم ذلك‪ ..‬وينبغي أن يكون العدل في الطابور أيضًا‪.‬‬‫عفط الشاب‪ ،‬ولزم مكانه‪.‬‬
‫عندئذ ترك العجوز موضعه‪ ،‬ومشي نحو ال ّ‬
‫شاب بتؤدة‪ ،‬حّتي إذا حاذاه قال بصوت‬
‫خفيض‪:‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ما فعلت‪.‬‬
‫ع‬
‫راضين‬
‫غير‬
‫ا‬
‫جميع‬
‫نحن‬
‫الطابور‪.‬‬
‫آخر‬
‫في‬
‫لك‬
‫مح‬
‫ خذ‬‫ّ‬
‫نفر ال ّ‬
‫شاب وأمسك بياقة العجوز‪:‬‬
‫ّ‬
‫من أنا؟‬
‫تعرف‬
‫هل‬
‫الرض‪.‬‬
‫بك‬
‫فسأمسح‬
‫ل‬
‫وإ‬
‫مكانك‪،‬‬
‫إلي‬
‫عد‬
‫والن‬
‫رسالتك‪.‬‬
‫وصلتنا‬
‫‬‫َ‬
‫ن ما فعلته خطأ‪.‬‬
‫من أنت‪ ،‬لكنني أعرف أ ّ‬
‫ ل أعرف َ‬‫ اقفل فمك‪ ،‬وعد إلي مكانك قبل أن تندم‪.‬‬‫ لن أندم علي قول الحقّ أبدًا‪.‬‬‫من أنا‪.‬‬
‫ أنصحك لوجه الّله أن تغرب عن وجهي‪ ،‬وإل ّ فإَنك ستبول بملبسك إذا عرفت َ‬‫من أنت؟‬
‫ سامحك الّله‪ .‬ليس فعلك وحده القبيح‪ ..‬أقوالك أقبح‪ .‬للمناسبة‪َ ..‬‬‫داخلية؟!‬
‫ أنا ابن وزير ال ّ‬‫داخلية؟!‬
‫ ابن وزير ال ّ‬‫داخلية‪.‬‬
‫ال‬
‫ نعم‪ ..‬وزير ّ‬‫ يا للويل‪ .‬لم يخطر في بالي شيء من هذا علي الطلق‪ ..‬يا للويل‪.‬‬‫ ألم أقل لك إّنك ستندم؟‬‫ً‬
‫ صدقت‪ .‬ليس في الدنيا من هو أكثر ندما مّني‪.‬‬‫استدر يا ولدي وطأطئ؟!‬
‫وة تكفي لرسالك إلي أحضان أبيك الذي لم‬
‫ نعم‪ ..‬تطأطئ‪ ،‬لكي استطيع أن أركلك بق ّ‬‫يعرف كيف يربّيك‪.‬‬
‫ً‬
‫شاب غضبا‪ ،‬وتطاير ال ّ‬
‫احتقن وجه ال ّ‬
‫شرر من عينيه‪:‬‬
‫ت عمرك‪.‬‬
‫يع‬
‫ض‬
‫عمرك‪..‬‬
‫ت‬
‫ّ َ‬
‫ ضّيع َ‬‫ نعم‪ .‬ضّيعته مع أمثالكم‪.‬‬‫ن‬
‫تظ‬
‫من‬
‫الطريقة؟‬
‫بهذه‬
‫مخاطبتي‬
‫علي‬
‫الجرأة‬
‫تواتيك‬
‫كيف‬
‫ أّيها العجوز الخرف‪،‬‬‫َ‬
‫ّ‬
‫نفسك؟!‬
‫ن نفسي‪ .‬إنّني أعرفها حقّ المعرفة‪..‬‬
‫أظ‬
‫ إّنني ل‬‫ّ‬
‫أنا رئيس الجمهورية!‬

‫مت الموافقة‬
‫ت ّ‬
‫قفا‪ .‬من فوق أم من‬
‫قالوا يا عبد المجيد أحضر صورتين للوجه‪ .‬أحضرت‪ .‬وصورتين لل َ‬
‫تحت؟ من فوق يا قليل الدب‪ .‬فعلت يا أخي‪ .‬تنفع‪ .‬أل تنفع؟ منعا ً لللتباس‪ .‬علي القل‬
‫صفعات علي حجم قفاي‪.‬‬
‫إذا أرادوا صفعي‪ ،‬ذات مّرات‪ ،‬فستكون ال ّ‬
‫‪169‬‬

‫ع‬
‫ي‪ .‬حسنًا‪ ،‬ارفعوها‪ .‬قالوا ارف ْ‬
‫ولوني إلي قسم البصمات‪ .‬رفعوا بصمات أصابع يد ّ‬
‫ح ّ‬
‫ُ‬
‫ي‪ ،‬مع أنهما غير مشمولتين‬
‫رجليك‪ .‬قلت لهم هذا ل يحدث في بلد متح ّ‬
‫ضر‪ .‬مغطوا أذن ّ‬
‫برفع البصمات‪ .‬ل بأس‪ .‬تنفع أل تنفع؟ علي القل صرت أسمع وأطيع بشكل أفضل‪.‬‬
‫ي فرفعوا بصماتهما‪ ،‬وعرفت حينئذ ٍ أّنه رفع من أجل الّرفع‪.‬‬
‫رفعت رجل ّ‬
‫حسن السلوك يا عبد المجيد‪ .‬ل بأس‪ .‬وإن كنت سأدفع ربع دينار‬
‫استخرج شهادة ُ‬
‫للمختار من أجل ذلك‪ .‬يا مختار ما رأيك بسلوكي؟ سلوكك جّيد يا عبد المجيد‪ .‬إذن‪،‬‬
‫أشهد أّنه جّيد‪ .‬حاضر‪ ..‬الناس للناس‪ .‬وربع الدينار لك يا مختار‪ .‬ماذا تقول يا وسخ؟ أنا‬
‫آخذ منك ربع دينار؟ ليس أقل من خمسة دنانير‪ .‬كيف تظن يا مختار أنني أملك خمسة‬
‫يء يا عبد المجيد‪ .‬وستري أّنه‬
‫دنانير‪ ،‬مع أنك تشهد بأ ّ‬
‫ن سلوكي جّيد؟ إذن سلوكك س ّ‬
‫سّيئ حتي لو شهدت لك مجانًا‪ .‬الخرون سيطلبون أكثر‪ .‬آخرون؟ هل هناك آخرون؟‬
‫طبعا ً يا عبد المجيد‪ ،‬كأّنك لست من هذا البلد‪ .‬وراءك مركز الشرطة‪ ،‬وبيت الحزب‪،‬‬
‫ودائرة المن‪ ،‬وشعبة العمل الوطني‪ ،‬وقسم الهجرة‪ ،‬والتحاد النسائي‪ .‬سامحك الّله يا‬
‫مختار‪ ..‬أنا لست امرأة‪.‬‬
‫ن المرأة يا مختار‬
‫ما لها المرأة يا ولد؟ المواطنون سواسية مثل أسنان الرئيس‪ .‬لك ّ‬
‫ناقصة عقل ودين‪ .‬وهل عندك أنت عقل ودين؟ إّياك أن تبوح بهذا لحد‪ .‬إياك‪ .‬نصيحة‬
‫لوجه الّله‪ .‬سوف تضيع يا ولد‪.‬‬
‫بماذا سيشهد التحاد النسائي يا مختار؟ من باب الحتياط يا بني‪ .‬سيعرضون صورتك‬
‫علي جميع نساء البلد من يدري‪ ..‬ربما كنت قد تحرشت بواحدة‪ .‬أيّ الصورتين يا‬
‫دت من قُُبل فقد صدقت وأنت من الكاذبين‪.‬‬
‫مختار؟ كلهما يا حمار‪ .‬فإذا كانت ثيابك قُ ّ‬
‫مدبر عنها‪ .‬أأنا مجنون؟ طبعا ً مجنون يا‬
‫وأنت‬
‫وما شأن قفاي؟ ربما تكون قد غازلتها‬
‫ُ‬
‫معطيها ظهرك‪ ..‬ماذا تكون سوي مجنون؟ علي رسلك‬
‫عبد المجيد‪ .‬تغازل امرأة وأنت ُ‬
‫يا مختار‪ .‬أنا لم أفعل شيئا ً كهذا‪ .‬فقط أنبهك يا ُبني‪ .‬ك ّ‬
‫ل نساء البلد يا مختار؟ طبعًا‪.‬‬
‫متي ستنتهي الشهادة إذن؟ تنتهي وقتما تنتهي‪ ،‬لماذا العجلة؟ قوانين الدولة أكبر من‬
‫رأس الذي خلفك‪.‬‬
‫ت سريرنا يا أخي‪ .‬وعندئذ اقتنع المختار بحسن سلوكي‪ .‬قلت لنفسي وأنا أتخيل‬
‫بع ُ‬
‫القائمة‪ :‬ماذا أبيع أكثر؟ لم أحتج إلي بيع أي شيء‪ .‬تبين أن المختار سيء السلوك‪ .‬لم‬
‫ُيطالبني الخرون بشيء‪ .‬ك ّ‬
‫ذاب‪ .‬كادوا يحبسونني حين هممت بفتح الموضوع‪ .‬ل يقبلون‬
‫الرشوة‪ .‬موظفون عقائديون‪ .‬كل ما طلبوه مني هو أن أكون )متعاونًا(‪ ..‬قلت لهم أنا‬
‫مؤمن جدا ً بالتعاون‪) ..‬قوم تعاونوا ماذّلوا(‪ .‬قالوا بارك الّله فيك‪ .‬وانهالت البركة أكثر‬
‫من؟ عن الخونة‬
‫ي أن أكتب تقريرا ً يوميا ً لكل دائرة علي حدة‪ .‬ع ّ‬
‫مما يجب‪ .‬كان عل ّ‬
‫أعداء الجماهير‪ .‬كيف أعرف الخونة يا جماعة؟ الخونة معروفون يا عبد المجيد‪.‬‬
‫المواطن الجيد يعرف الخائن من نظرات عينيه‪ .‬ما علمة ذلك؟ العلمة تدركها‬
‫صافي‪.‬‬
‫بضميرك اليقظ ال ّ‬
‫وكان علي ضميري أن ُيدرك‪ .‬المسألة يا أخي مثل التّنور‪ .‬حطب‪ ،‬حطب‪ ،‬حطب‪ .‬لبد‬
‫أن تلقي حطبا ً ك ُ ّ‬
‫ل يوم‪ .‬ثلثمائة وخمسة وستون خائنا ً في السنة‪ ،‬بخلف السنوات‬
‫الكبيسة‪ .‬للمناسبة دعني أنظر في عينيك‪.‬‬
‫قالوا في مركز الشرطة أأنت مجنون يا عبد المجيد؟ تجاوزت الثلثين ولم تستخرج‬
‫حتي الن شهادة الجنسّية‪.‬‬
‫قلت معي الجنسية‪ .‬قالوا ل تنفع‪ .‬يجب أن تكون لديك شهادة للجنسية والشهادة من‬
‫دم‪.‬‬
‫يشهد لها؟ قالوا ل تتصنع خفة ال ّ‬

‫‪170‬‬

‫أربعة أشهر يا أخي‪ .‬بحثوا في كشوف المواليد من حمورابي وفرعون الكبر مرورا ً‬
‫ن جنسّيتي هي‬
‫من ُقطز هذا؟ أربعة أشهر ومائة دينار حتي شهدوا أ ّ‬
‫بقطز‪ .‬للمناسبة َ‬
‫ن المبرياليين أعداء الجماهير يكتفون ببطاقة الهوية‪.‬‬
‫جنسيتي‪ ،‬مع أ ّ‬
‫أمل هذه الستمارة يا عبد المجيد‪ .‬هذه عشر استمارات كل ّ إنّها واحدة يا عبد المجيد‪.‬‬
‫ت عبد المجيد‪ .‬السم الكامل حتي الجد السابع‬
‫استمارة واحدة من عشر صفحات‪ .‬ومل ُ‬
‫مه وخاله‪ ،‬ول تنس‬
‫والثلثين‪ .‬اسم أبيك وجميع إخوانه‪ .‬إنه وحيد أبويه‪ .‬اذكر أولد ع ّ‬
‫أشقاءك وأولد عمك وخالك‪ .‬وأمي؟ وأمك وجميع أقاربها‪ .‬اذكر انتماءات الجميع‪،‬‬
‫وميولهم‪ ،‬واتجاهاتهم عنوانك الحالي والسابق والذي قبله‪ .‬أين كان يسكن أهلك قبل‬
‫دد نوعية الزفر‪ .‬أين‬
‫أن تولد؟ ولماذا؟ ماذا كان يطبخ جيرانكم في ساعة مولدك؟ ح ّ‬
‫بدأت الدراسة؟ وأين أنهيتها؟ إذا كنت لم تبدأ الدراسة اذكر أين لم تبدأها؟ ماذا كان‬
‫يفعل المدرس إذا انقطع رباط حذائه؟ ولماذا؟ اذكر سبعة أبيات للشنفري‪ .‬لم أعرف‬
‫ن لعائلتي ك ّ‬
‫ل هذا التاريخ العريق إل بعدما انتهيت من ملء الستمارة‪ .‬استحق‬
‫يا أخي أ ّ‬
‫الدكتوراه بامتياز علي الجهد الذي بذلته‪ .‬ومع ذلك كدت ارتكب الخيانة العظمي‪.‬‬
‫نسيت‪ ،‬وجل من ل ينسي‪ .‬سامحوني بعد أن دبغوا جلدي‪ ،‬وأضافوا المعلومة الناقصة‬
‫ت‬
‫عن قطتنا التي أنجبت قبل ثلث سنوات وماتت لها هّرة بعد أيام من الولدة‪ .‬نسي ُ‬
‫اسم الهّرة‪ ،‬لكنهم مازالوا يتذكرونه‪ .‬قلت لهم إنها )قطقوطة(‪ .‬قالوا كل ّ إنها )ق ّ‬
‫طوطة(‪.‬‬
‫قلت لنفسي‪ :‬آه يا ُقطز‪ .‬إذن هم الذين بّلعوك القاف‪ .‬كنت أظنها قاف الّتشبيه‪ .‬ويلك‬
‫ن كل مواطن شريف‬
‫يا )ط ُّز(‪ ..‬إنها قاف هّرتنا المرحومة‪ .‬قالوا لي في بيت الحزب إ ّ‬
‫هو عضو في الحزب وإن لم ينتم‪ .‬طعنوني في شرفي يا أخي جعلوني )عضوًا(!‬
‫لم تشهد لي شعبة العمل الوطني حتي تطوعت في مصنع النسيج‪ ،‬وفي هيئة‬
‫المجاري‪ ،‬وفي مصلحة اللبان لمدة ثلثة أشهر‪.‬‬
‫أصبح عندي طن من الورق‪ .‬حملته في شاحنة إلي المؤسسة العامة للجهزة الدقيقة‪.‬‬
‫قلت لهم‪ :‬ها هي الموافقة‪ .‬قالوا نفدت الكمية‪ .‬انتظر دورك يا عبد المجيد‪ .‬وانتظرت‬
‫يا عبد المجيد‪ .‬تسعة أشهر يا عبد المجيد‪ ،‬وحين جاء دوري يا عبد المجيد‪ ،‬عطوني‬
‫)اللة الطابعة( ولم يعطوني الشريط!‬
‫ن‬
‫كيف أطبع يا جماعة؟ ماذا تريد أن تطبع يا عبد المجيد؟ الحقيقة نسيت‪ .‬يا جماعة لك ّ‬
‫الشريط ينفع‪ .‬أل ينفع؟ علي الق ّ‬
‫ل سأطبع به تقاريري اليومّية عن الخونة‪ .‬عيب يا عبد‬
‫المجيد‪ .‬العتماد علي النفس فضيلة‪ .‬لماذا خلق الّله الصابع يا عبد المجيد؟‬
‫خلقها لرفع البصمات يا جماعة!‬

‫كتب مشاكسة!‬
‫أحمد مطر‪......‬‬
‫ن بعض الكتب تمارس علي مؤلفيها نوعا ً‬
‫من الظواهر الغريبة في عالم التأليف‪ ،‬أ ّ‬
‫عقد‬
‫شراك يصعب التخّلص منها‪ ،‬أو إلي ُ‬
‫غليظا ً من المشاكسة‪ ،‬وتستحيل أحيانا ً إلي ِ‬
‫مستحكمة ترافق الكاتب طول حياته دون أن يفلح في حّلها برغم كثرة المحاولت‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫ن‬
‫وأطرف ما في هذه الظاهرة هو أنها تختص بالكتب الناجحة جدًا‪ .‬والمفارقة هنا هي أ ّ‬
‫ن نجاح الكتاب‬
‫صة الفشل‪ ،‬ذلك ل ّ‬
‫فرحة الكاتب بنجاحه تشبه إلي حد ٍ بعيد شعوره بغ ّ‬
‫يقوم كحائط سميك من الكونكريت يحجب وراءه جميع البداعات التالية للكاتب‪ ،‬أو‬
‫رّبما يتطاول حتي يحجب الكاتب نفسه‪.‬‬
‫وتلك الظاهرة قد تتعّلق بروعة مضمون الكتاب بأكمله‪ ،‬أو بروعة بناء إحدي شخصياته‪.‬‬
‫ن السير آرثر كونان دويل مبتكر شخصّية شرلوك هولمز قد بلغ من‬
‫خذ مثل ً علي ذلك أ ّ‬
‫ً‬
‫النجاح حدا ً جعله أسيرا بالفعل لهذا المفتش الخاص المختلق‪ ،‬ذلك أّنه بعد سلسلة‬
‫طويلة من القصص حاول أن يستريح‪ ،‬فدّبر محاولة لقتل هولمز‪ ،‬لكّنه لم يدرك عقم‬
‫محاولته هذه إل ّ عندما وجد أن جمهور القّراء قد حاصر بيته في مظاهرة احتجاج منددا ً‬
‫ج دويل من غضب الجمهور‬
‫فيها‪ ،‬بجدية بالغة‪ ،‬بدويل المجرم الذي قتل هولمز‪ ،‬ولم ين ُ‬
‫إل حين ابتكر‪ ،‬برغم أنفه‪ ،‬حيلة أدبية‪ ،‬أعاد فيها شخصية هولمز إلي الحياة‪ ،‬وربط رقبته‬
‫في حبلها إلي آخر حياته!‪.‬‬
‫قي ‪،‬‬
‫ومن أمثلة هذا‪ ،‬عندنا‪ ،‬تلك العقدة الحادة التي عاناها الديب العظيم يحيي ح ّ‬
‫صة القصيرة في‬
‫صته )قنديل أم هاشم(‪ ..‬فعلي رغم كونه أحد أبرز رّواد الق ّ‬
‫بسبب ق ّ‬
‫العالم العربي‪ ،‬وله منها رصيد ضخم ومهم‪ ،‬وعلي رغم إبداعه للعديد من القصص‬
‫مة الخري‪ ،‬وعلي رغم إتحافه المكتبة العربية بعشرات الكتب التي‬
‫الطويلة المه ّ‬
‫منت مئات المقالت في شّتي النواحي التاريخية والدبية والفنّية‪ ،‬فإّنه عاش ومات‬
‫تض ّ‬
‫ّ‬
‫صة‪ ،‬ول يشار إليه إل بأّنه )صاحب القنديل(!‪.‬‬
‫وهو مدموغ بهذه الق ّ‬
‫وأحسب أنني قرأت له في أكثر من موضع تعبيره عن الضيق والنفور من هذا الوصف‬
‫الخانق الذي ل يريد أن يتزحزح قليل ً ليفسح المجال لبروز إبداعاته الخري‪ .‬ومن‬
‫طريف ما قرأت‪ ،‬في هذا المجال‪ ،‬كتاب )فرنسا والفرنسيون‪ ..‬علي لسان الرائد‬
‫طومسون( للكاتب الفرنسي بيير دانينوس ‪ ..‬فهذا الكتاب الذي نقله إلي العربية‬
‫كل نجاحها مقلبا ً‬
‫الدكتور ثروت عكاشة‪ ،‬يقف في مثابة واحدة مع تلك الكتب التي ش ّ‬
‫لصحابها!‪.‬‬
‫كان دانينوس قد نشر فصول هذا الكتاب عام ‪ 1954‬كمقالت متتابعة في صحيفة‬
‫م ما لبث أن أصدرها في كتاب في السنة ذاتها‪ ،‬فإذا به ينجح نجاحا ً‬
‫فيجارو الباريسية‪ ،‬ث ّ‬
‫مذه ً‬
‫ل‪ ،‬ويترجم إلي العديد من اللغات‪ ،‬ويباع من طبعته الفرنسية وحدها‪ ،‬في ذلك‬
‫الوقت‪ ،‬أكثر من أربعة مليين نسخة‪.‬‬
‫وأعجب ما في أمر هذا الكتاب هو أّنه ليس عمل ً روائيًا‪ ،‬بل مجرد مقالت تستقصي‬
‫عد ّ ليصبح‬
‫بالنقد الساخر جميع ما وقع للمؤلف عن فرنسا والفرنسيين‪ ،‬لكّنه‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬أ ُ ِ‬
‫ول بعد ذلك إلي فيلم سينمائي!‪.‬‬
‫س ّ‬
‫م ُ‬
‫مسرحية‪ ،‬ث ّ‬
‫جل علي اسطوانات‪ ،‬وتح ّ‬
‫ن دانينوس قد خشي من غضبة الجمهور الفرنسي عليه إذا هو صارحه بآرائه‪ ،‬فإنه‬
‫ول ّ‬
‫ابتكر شخصية ضابط انجليزي متقاعد اسمه )طومسون وليام مارماديوك(‪ ،‬وزّوجه من‬
‫م وضع علي لسانه جميع الراء الساخرة في‬
‫امرأة فرنسية‪ ،‬وجعله يعيش في باريس‪ ،‬ث ّ‬
‫الحياة الجتماعية الفرنسية‪ ،‬واكتفي بأن يكون مساعدا ً للضابط المتقاعد ومترجما ً‬
‫لمذ ّ‬
‫كراته!‪.‬‬
‫ولّنه نجح جدا ً في بناء شخصّية طومسون‪ ،‬ونجح إلي حد بعيد في رصد تفاصيل الحياة‬
‫ن شخصّية ذلك الرائد النجليزي‬
‫الفرنسية وتناولها بالنقد بأسلوب ساخر بالغ الروعة‪ ،‬فإ ّ‬
‫ً‬
‫قد طغت علي شخصيته جدًا‪ ،‬بل استطاعت أن تمحوه تماما‪ ،‬علي الرغم من كونه قد‬
‫حاول‪ ،‬من خلل شخصيته كمساعد ومترجم فرنسي‪ ،‬أن يرصد حياة النجليز وسلوكهم‬
‫بالنقد الساخر في موازاة نقده للفرنسيين‪.‬‬

‫‪172‬‬

‫ن الناس باتوا يذكرونه وينسون المؤلف‪،‬‬
‫وبلغ من طغيان شخصية الرائد طومسون‪ ،‬أ ّ‬
‫ً‬
‫ن سفير بريطانيا في باريس قد كتب إليه بعد صدور الكتاب قائل‪) :‬كم أنا شاكر‬
‫حتي أ ّ‬
‫لو أبلغت تهنئتي للرائد طومسون‪ ،‬وكم كنت سأكون سعيدا ً لو أّني رأيت توقيعه علي‬
‫الهداء(!‪.‬‬
‫بل إن إحدي القارئات الفرنسيات ضاقت ذرعا ً بعبارات النقد الساخرة التي وجهها ذلك‬
‫الضابط النجليزي )الخيالي( إلي الفرنسيين‪ ،‬فعابت علي دانينوس اهتمامه بترجمة‬
‫ذلك الكتاب الذي ل ُيقبل فرنسي علي ترجمته إل ّ إذا كان مرتشيًا!‪.‬‬
‫ومن الطبيعي‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬أن تصبح شخصية طومسون المختلقة مثيرة لغيرة دانينوس‬
‫لّنها استأثرت بالشهرة من دونه‪ ..‬وهذا ما عّبر عنه في كلمته أمام إحدي الجمعيات‬
‫حمقي حين استضفت‬
‫البريطانية التي استضافته في ذلك الوقت‪ ..‬إذ قال‪) :‬ما أشد ّ ُ‬
‫حيني جانبا ً ليأخذ مكانه في الكتاب‪ ،‬وإذا أنا ل مكان لي‬
‫إنجليزيا ً في كتابي‪ ،‬فإذا هو ين ّ‬
‫ت أتساءل عن دعوتكم‪ :‬هل كانت لي أم للرائد طومسون؟(!‪.‬‬
‫فيه‪ ،‬حتي ب ّ‬
‫مبتلي هو أيضا ً‬
‫وكلمة دانينوس هذه تذ ّ‬
‫كرنا بكلمة مماثلة للكاتب الكبير الطّيب صالح‪ ،‬ال ُ‬
‫بنجاح روايته )موسم الهجرة إلي الشمال( التي حجبت بشهرتها رواياته وكتبه الرائعة‬
‫الخري‪.‬‬
‫ففي منتصف الثمانينيات كان الطّيب صالح قد دعي إلي تونس‪ ،‬وكان حينذاك موظفا ً‬
‫ن رجل ً عربيا ً استوقفه ذات يوم ليسأله‪:‬‬
‫في اليونسكو‪ ،‬فروي في كلمته أمام مضيفيه أ ّ‬
‫أأنت أبوصالح الطّيب؟‬
‫وتجاوز الطّيب عن ذلك التصحيف الذي لحق باسمه‪ ،‬وأجاب‪ :‬نعم‪ ..‬أية خدمة؟‬
‫فإذا بذلك الرجل يسرف في إبداء حفاوته بالكاتب قائل ً إّنه من أشد ّ المعجبين به وإّنه‬
‫قرأ له ديوان شعر اسمه )هجرة الشمال إلي الجنوب( وقد ُأعجب به كثيرًا!‪.‬‬
‫ولها إلي‬
‫وبعد هذه اللخبطة التي سببتها شهرة روايته حتي جعلت رجل ً لم يقرأه يح ّ‬
‫ديوان شعر بعنوان مختلف ولمؤلف مختلف‪ ،‬خلص كاتبنا إلي مخاطبة مضيفيه قائ ً‬
‫ل‪ :‬إن‬
‫ن هناك رجل ً آخر يحمل السم‬
‫هناك موظفا ً في اليونسكو اسمه الطّيب صالح‪ ،‬كما إ ّ‬
‫جهوا الدعوة إلي الول‬
‫ذاته يكتب القصص وما إلي ذلك‪ ..‬وإنه يخشي أن يكونوا قد و ّ‬
‫فجاءهم الثاني!‪.‬‬

‫الب ّ‬
‫طة التي ماتت من الضحك‬
‫عثر رجل فقير على )بيضة(‪ ،‬وعلى الرغم من كونه جائعا ً جدًا‪ ،‬فإنه امتنع عن أكلها‪،‬‬
‫واستخدم الذّرة الوحيدة الباقية من عقله لستعادة الحكمة الصينية القائلة بتعلم الصيد‬
‫بدل ً من ابتلع السمكة المهداة من الصياد‪.‬‬
‫قال لنفسه‪ :‬ليس عندي أكثر من وقت الفراغ‪ ،‬ولذلك سأجلس فوق هذه البيضة الى‬
‫أن تفقس‪ ،‬وكل ما سيأتي منها سأتبناه‪.‬‬
‫‪173‬‬

‫وفكر في المر على النحو التالي‪ :‬إذا كان الوليد فرخ دجاج فسأطعمه أفخر انواع‬
‫الديدان ليكبر ويصبح دجاجة سمينة تبيض لي بيضا ً كثيرا ً آكل بعضه وأبيع بعضه الخر‬
‫للملحنين ليسلقوه ويقدموه أغاني شبابية‪.‬‬
‫ً‬
‫وإذا تبّين انه ديك فسأبيعه لحد احزاب المعارضة ليتخذه رمزا له‪ ،‬كأن يضعه فوق‬
‫مزبلة لكي يصيح‪ ،‬فالديك مثل تلك الحزاب تمامًا‪ ،‬يؤمن بأن الشمس ل تشرق إل‬
‫استجابة لصياحه‪.‬‬
‫وإذا تبّين ان الوليد أوّزة‪ ،‬فسأهديها لحد معسكرات الحركات التصحيحية من أجل ان‬
‫ما إذا كانت من تلك الوزات التي تبيض ذهبًا‪،‬‬
‫يتدرب القادة على )مشية الوزة(‪ ..‬أ ّ‬
‫فستصادرها السلطة مني‪ ،‬وستعطيني بدل ً منها وساما ً من النحاس‪ ،‬وهو كل ما‬
‫ينقصني في هذه الحياة‪.‬‬
‫وإذا تبّين أن الوليد أفعى‪ ،‬فستلدغني قبل ان أتبّناها‪ ،‬وعندئذ سأدخل الجنة باعتباري‬
‫من شهداء العمليات الجهادية )المتتّرسة( كأيّ واحد من أطفال العراق السعداء‪.‬‬
‫ما إذا كان الوليد سلحفاة‪ ،‬فسأهديها الى وزارة القتصاد‪ ،‬من أجل دفع عجلة التنمية‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫وبذلك سأكسب الجر والثواب‪ ،‬اضافة الى تنمية ثوبي برقعة جديدة‪.‬‬
‫بعد أسابيع من جلوسه فوق البيضة‪ ،‬فقست عن ب ّ‬
‫طة صغيرة جدًا‪ ،‬وبرغم مرور أشهر‬
‫على خروجها من القشرة‪ ،‬بقيت الب ّ‬
‫طة ضامرة وبائسة مثل كرة مضرب‪ .‬وتبّين للفقير‬
‫أنها معاقة وعاقر وحولء أيضا ً ول تعرف السباحة على الطلق‪ ،‬لكّنها‪ ،‬والحقّ ُيقال‪،‬‬
‫كانت تستطيع أن تقول‪) :‬واك(‪.‬‬
‫رضي الرجل بقسمته صاغرًا‪ ،‬وقال في نفسه‪ :‬إنها ابنتي على كل حال‪ ،‬وإذا أنكرت‬
‫وتها فإنني لن أهنأ بأكلها لنها أق ّ‬
‫ل من لقمة‪ .‬وعليه فإنني سأبقيها معي لكي تؤنسني‪.‬‬
‫بن ّ‬
‫ولم يدر الرجل ذو النية الطيبة بما تخبئه له القدار‪ ،‬فما أن سمعت وسائل العلم بخبر‬
‫الب ّ‬
‫طة المعاقة الحولء‪ ،‬حتى هّبت جميعها في منافسة حامية من أجل توقيع عقود عمل‬
‫معها‪.‬‬
‫وفي النهاية فازت فضائية )آكلك منين يابطة( بتوقيع عقد مع الرجل تدفع له بمقتضاه‬
‫مبلغا ً ضخما ً من المال‪ ،‬مقابل ان تحتكر طّلة البطلة المعجزة على شاشتها )حصريًا(‬
‫كقائدة للتغيير‪ ،‬من خلل تقديمها للبرنامج الجتماعي الهادف )أكاديمية الب ّ‬
‫ط(‪.‬‬
‫لكن المحطة نّبهت الرجل الى أنه ليس بالـ ) واك( وحده يحيا الب ّ‬
‫ن شرط‬
‫ط ‪ ،‬وأ ّ‬
‫المذيعة الناجحة هو أن تضحك عند إطللتها على الجمهور‪ ..‬حّتى لو كانت تذيع خبرا ً عن‬
‫ن القناة تضع مسألة الضحك‪ ،‬في‬
‫مصرع مائة طفل بانفجار سيارة مفخخة‪ .‬وأبلغته بأ ّ‬
‫هذه الحالة‪ ،‬ضمن بند )شر البلّية(‪.‬‬
‫وأمام هذا الشرط اضطّر الرجل إلى تدريب الب ّ‬
‫طة على الضحك‪ ،‬لكي تستكمل‬
‫المؤهلت الضرورية للنجاح الفني‪ ،‬خاصة أنها جاءت إلى الدنيا وك ّ‬
‫ل مؤهلتها الصلية‬
‫معها‪ :‬عارية‪ ..‬وتهّز‪.‬‬
‫ظل يكّرر عليها صبح مساء‪) :‬قاه قاه قاه(‪ ..‬وبعد وقت طويل وجهد جهيد تعلمت كيف‬
‫تضحك‪ .‬لكن لنها معاقة وغبية وحولء‪ ،‬فقد تعّلمت أن تضحك بالمقلوب‪) :‬هاق‪ ..‬هاق(‪.‬‬
‫وقد كان هذا نذير كارثة لم تكن في الحسبان‪ ،‬إذ لم يمض زمن حّتى سمعتها إحدى‬
‫الحركات الجهادية‪ ،‬فاختطفتها على الفور‪ ،‬وحكمت باعدامها لنها سكرانة !‬
‫وفي مفاوضة يائسة حاول الرجل اقناع هيئة عملء المسلحين ‪ -‬التي كانت تتوسط بينه‬
‫ن بطته عندما قالت )هاق هاق( لم تكن سكرانة‪ ،‬لكنها غبية تضحك‬
‫وبين المجاهدين ‪ -‬بأ ّ‬
‫بالمقلوب‪.‬‬
‫ولم تصل المفاوضات الى نهاية طيبة‪ ،‬ذلك لن الضحك في مفهوم المجاهدين لم يكن‬
‫أقل إثما ً من السكر!‬
‫ّ‬
‫وعلى الفور قامت المجموعة الخاطفة بذبح البطة‪ ،‬وأرسلت شريط ذبحها إلى فضائية‬
‫)الذئب الوديع(‪ ..‬لكن الخيرة امتنعت عن عرض الشريط‪ ،‬لنه‪ ،‬حسب تصريح الناطق‬
‫ط ‪ ،‬المر الذي يعتبر خروجا ً‬
‫باسمها‪ ،‬يصدم المشاعر النسانية‪ ،‬ويحّرض على قتل الب ّ‬
‫على القواعد المهنية !‬

‫‪174‬‬

‫الموت لنا‬

‫مة ل تستحق الحياة‪.‬‬
‫نحن أ ّ‬
‫فق‪ ،‬وتذهب‬
‫مة لتهتف وتص ّ‬
‫تأتي النقلبات لها بقادة من رحم المجهول فتخرج ال ّ‬
‫فق للمجهولين الجدد‪ ..‬وهكذا‬
‫مة لتهتف وتص ّ‬
‫النقلبات المضادة بالمجهولين‪ ،‬فتخرج ال ّ‬
‫دبابات‪ ،‬وتم ّ‬
‫مة‬
‫دواليك‪ ،‬حتى تضجر البنادق‪ ،‬وتسأم ال ّ‬
‫ل البلغات الولي‪ ،‬وتبقى ال ّ‬
‫النشطة وحدها صامدة ضد ّ الملل والضجر والسأم‪ .‬ولفرط إخلصها للهتاف العتيد‪ ،‬ل‬
‫تنتبه للموت وهو يلملم وفاتها المعّتقة‪ ،‬فتموت وهي تهتف‪ :‬يعيش‪ ..‬يعيش !‪.‬‬
‫حاذين‪ ،‬ول هي‬
‫مة ل تستحق الحياة‪ .‬الحياة ليست عملة نقدية صغيرة ترمى للش ّ‬
‫نحن أ ّ‬
‫بضاعة رخيصة تباع في سوق السلع المستعملة‪.‬‬
‫الحياة قيمة كبرى ل يستأهل امتلكها إل ّ من يستطيع دفع ثمنها‪.‬‬
‫‪175‬‬

‫من ل يملك الكرامة ل يملك ثمن الحياة ولو امتلك أموال قارون‪.‬‬
‫و َ‬
‫وحّتى لو ابتاع أحد الكرام المحسنين هذه القيمة بغية توزيعها على المعوزين‪ ،‬لوجه‬
‫الّله‪ ،‬فإنها ستركن في حوزة هؤلء حتى تصدأ‪ ،‬إذ ل يعرفون كيفية تشغيلها‪ ،‬ول يعرفون‬
‫ما إذا كانت تصلح للتبريد أم للتدفئة‪.‬‬
‫من ل يتقنون استخدام الحطب للطبخ‪ ،‬من العسير عليهم‬
‫الحياة خسارة في هؤلء‪ ،‬ل ّ‬
‫ن َ‬
‫ّ‬
‫مى )المايكروويف(‪ ،‬وكل ما سيمكنهم فعله عندما يمتلكونه هو‬
‫أن يستخدموا شيئا ً يس ّ‬
‫ن لديهم جهاز تلفزيون بل هوائي!‪.‬‬
‫أنهم سيباهون أمام الجيران بأ ّ‬
‫مة ل تستحق الحياة‪.‬‬
‫نحن أ ّ‬
‫لنها تحلف بالطلق على طغاتها بأل ّ يموتوا وأل ّ يمرضوا وأل ّ ينهزموا‪ ،‬لكي ل تقع‬
‫مة عليها بالحتلل الجنبي‪.‬‬
‫الطا ّ‬
‫مة منزلية ‪ ..‬تفلفل على الحتلل الداخلي‪ ،‬وتنتشي لمن يهتك عرضها إذا كان‬
‫هي أ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫جر احتراما وتوقيرا لمن يسرق لقمتها الوحيدة من بين أسنانها إذا كان من‬
‫منها‪ ،‬وتتف ّ‬
‫ي في مؤخراتها‪ ،‬بشرط‬
‫العص‬
‫ويساقيها‬
‫زبالة‬
‫صندوق‬
‫في‬
‫يحبسها‬
‫لمن‬
‫وتفرفح‬
‫العائلة‪،‬‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫أن يكون واحدا من أبنائها البررة!‪.‬‬
‫فة‪ ،‬والسرقة الوطنية مجّرد اقتباس‪ ،‬والتعذيب‬
‫مة ترى الغتصاب الوطني ع ّ‬
‫هي أ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الوطني شأن داخلي من العيب أن تشكو منه للغرباء‪ .‬كله عسل‪ ..‬إل الحتلل الجنبي‪.‬‬
‫مليون طاغية‪ ..‬ول محّتل غريب واحد!‪.‬‬
‫ً‬
‫ن الطغيان الداخلي كان دائما البوابة العريضة‬
‫وتنسى هذه المة الممحونة المفلفلة أ ّ‬
‫ن معظم‬
‫ال‬
‫هذه‬
‫وتنسى‬
‫التي يدخل منها المحتل الخارجي‪.‬‬
‫مة المهتوكة العرض ذاتيا ً أ ّ‬
‫ّ‬
‫الحتللت الجنبية كانت رحمة من الله على عباده‪ ،‬مقابل نقمة الستقلل الوطني‬
‫المستبد‪.‬‬
‫ن ذلك الحتلل ينشغل عن النفوس بابتلع الخيرات‪ ،‬فيما ينهض هذا الستقلل‬
‫ل ّ‬
‫علىابتلع النفاس والنفوس والخيرات معًا‪.‬‬
‫مد نحره لكي ُيذبح بسيف أخيه‪ ،‬ليس من‬
‫جان أ ّ‬
‫مة الفاجرة بالم ّ‬
‫من ي ّ‬
‫ن َ‬
‫وتنسى هذه ال ّ‬
‫حقه أن يتأّوه من سطوة سيف الغريب‪ ،‬إذ ل فرق بين السيوف في اللغة والعمل‪.‬‬
‫من يستنكر الذبح العدواني ويستمرىء الذبح الخوي هو ليس فيلسوفا ً ول حكيما ً ول‬
‫و َ‬
‫وطنيًا‪ .‬بل هو كائن ساقط تماما ً من سج ّ‬
‫ل الحياء والحياة‪.‬‬
‫مة ل تستحق الحياة‪.‬‬
‫نحن أ ّ‬
‫صدقات على أرصفته‪.‬‬
‫ال‬
‫تشحذ‬
‫قاعدة‬
‫وهي‬
‫العالم‪،‬‬
‫على‬
‫بفضلها‬
‫تباهي‬
‫لّنها‬
‫ّ‬
‫ضلوا ماتوا وماتت مآثرهم‪ ،‬وهي ل تزال منذ ذلك الوقت تأكل وتشرب‬
‫أسلفها الذين تف ّ‬
‫وتلبس وترى وتسمع وتتداوى وتسافر بفضل كرم الجنبي الذي استفاد من فضل‬
‫مل به حياته‪.‬‬
‫وره و َ‬
‫ج ّ‬
‫أسلفها ون ّ‬
‫ماه وط ّ‬
‫مة ل تستحق الحياة‪.‬‬
‫نحن أ ّ‬
‫ن أمتن وأجمل البنية التي نراها في بلدنا‪ ،‬وأفضل مشروعات العمران والزراعة‬
‫ل ّ‬
‫والّري‪ ،‬وأدقّ النظم الدارية التي نطبعها )بالكوبيا( عاما ً بعد عام‪ ،‬بل وحتى نظم‬
‫التسّلح والتدريب التي تعلفها بؤر تفقيس النقلبات التصحيحية والتخطيئية المباركة‬
‫لدينا‪ ..‬بل وحتي أزياء ضّباطنا وجنودنا‪ ،‬هي كّلها من مخّلفات الحتلل الجنبي البغيض‬
‫الذي بذلنا الغالي والنفيس للخلص منه‪ ،‬ثم استبدلناه بمومياءات ل تعرف حتى كتابة‬
‫أسمائها!‪.‬‬
‫مة ل تستحق الحياة‪.‬‬
‫نحن أ ّ‬
‫لنها تغرف من الغرب ك ّ‬
‫ل سّيئاته‪ ،‬ول تغلط مّرة واحدة بأخذ شيء مفيد منه‪ ،‬وما أكثر‬
‫الشياء المفيدة لديه‪.‬‬
‫ما إن تظهر صرعة عري أو شذوذ أو تهتك أو عبادة شيطان في الغرب‪ ،‬حتى تجد‬
‫ما لدى الغرب نفسه‪.‬‬
‫ترجمتها الفورية لدينا‪ ،‬وبأسوأ وأبشع م ّ‬
‫في الوقت الذي ظهر برنامج )بوب آيدل( في بريطانيا‪ ،‬طلع لدينا )سوبرستار(‪ ،‬وزدنا‬
‫عليه القبعة الكاديمية فأصبح لدينا )ستار أكاديمي(‪ ،‬وقّلدنا حتى برنامج العهر الصريح‬
‫صر في أن نكون أكثر تخّلعا ً‬
‫)بليند ديت( أو ما يمكن ترجمته إلي )موعد أعمى(‪ ،‬فلم نق ّ‬
‫من أهله‪.‬‬
‫حسنًا‪ ..‬إّنها عولمة‪ ،‬ول ب ُد ّ لنا أن نلحق بالّركب )ولو بكشف ما فوق الّركب(‪ ..‬لكن ألم‬
‫جة العارمة الذي نظمته محطة ‪ BBC‬تحت‬
‫يسمع أحد عن البرنامج الكبير ذي الض ّ‬
‫عنوان ‪ The Big Read‬أو )القراءة الكبرى(؟‬
‫‪176‬‬

‫لقد كان القوم يتن ّ‬
‫ططون ويتراقصون على جانب‪ ،‬لكنهم في الوقت ذاته كانوا منهمكين‬
‫في شأن أدمغتهم على الجانب الخر‪ ،‬وكانوا يلهثون بنفس الطريقة في سباق ترشيح‬
‫الكتب التي طالعوها وأّثرت فيهم‪.‬‬
‫وق منها‬
‫على مدى ع ّ‬
‫م اختيار آلف العناوين‪ ،‬وت ّ‬
‫دة أسابيع‪ ،‬ت ّ‬
‫م خضوعها للتصفيات ليتف ّ‬
‫مائة عنوان‪ ،‬وليفوز من بينها عنوان واحد بكونه الكتاب الكثر قراءة‪.‬‬
‫حلت أشرطة الكاسيت لدينا‪ ،‬تعرض في‬
‫دة أسابيع‪ ،‬والمكتبات التي بعدد م ّ‬
‫على مدى ع ّ‬
‫واجهاتها الكتب المرشحة‪ ،‬وتجري حسما ً على أثمانها الرخيصة أص ً‬
‫ل‪ ،‬لتكون في متناول‬
‫القراء‪.‬‬
‫دة أسابيع والدنيا قائمة وقاعدة في بريطانيا‪ ،‬وموضوع قيامها وقعودها هو‬
‫على مدى ع ّ‬
‫الكتاب ول شيء غيره!‪.‬‬
‫ألم تسمع عروبتنا بذلك؟‬
‫من به‬
‫ن الضجيج كان أقوى ِ‬
‫بل سمعت‪ .‬ل ّ‬
‫ت كلماته َ‬
‫من صوت المتنبي الذي أسمع ْ‬
‫صمم‪.‬‬
‫مة بدأ الوحي لديها بكلمة )إقرأ( وكأنه يلهب ظهرها بالسوط‬
‫ن المشكلة هي أننا أ ّ‬
‫لك ّ‬
‫ً‬
‫مة )إقرأ( التي ل تقرأ‪ ..‬ل تستحق‬
‫أ‬
‫ن‬
‫إ‬
‫النخاع‪.‬‬
‫حتى‬
‫ية‬
‫أم‬
‫مة‬
‫أ‬
‫تكون‬
‫بأن‬
‫ياها‬
‫إ‬
‫ا‬
‫آمر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الحياة‪.‬‬
‫ة نسبة المّية فيها ‪ 43‬بالمائة‪ ،‬بعد عشرات العوام من النفط والستقلل‬
‫م ً‬
‫إ ّ‬
‫نأ ّ‬
‫مة ل تستحق‬
‫الوطني والقومية العربية والشرعية الثورية والصحوة الظلمية هي أ ّ‬
‫الحياة‪.‬‬
‫مة ل تستحق الحياة‪...‬لّننا أنهينا الخلفة الّراشدة بالغتيال‪ ،‬ووضعنا السلم بعدها‬
‫نحن أ ّ‬
‫في صندوق ربطناه بمليون سلسلة ورميناه في بحر الظلمات‪ ،‬وجعلنا القرآن العظيم‬
‫صة الشهود ليحلفوا في المحاكم على أن‬
‫م ّ‬
‫جرد آيات تتلى في المآتم‪ ،‬ووضعناه على من ّ‬
‫ق‪ ،‬وهو الشيء الذي لم نعرفه قط‪ ،‬منذ قتلنا السلم غيلة واستبدلناه بشيء‬
‫الح‬
‫يقولوا‬
‫ّ‬
‫ل علقة له بالسماء ول بالرض‪ ،‬إكراما ً لعيون السفلة المستبدين المستحوذين علي‬
‫خير الناس ورقاب الناس‪.‬‬
‫واحد من أبطالنا الميامين الذين أعلنوا مسؤوليتهم عن نسف مئات البرياء في قطار‬
‫مدريد‪ ،‬أعلن بعد حمد الّله والثناء عليه‪ ،‬عن وقف العمليات حتى حين في بلد‬
‫الندلس ‪.‬‬
‫بلد الندلس؟!‬
‫أكانت ملك الذين خّلفوكم؟!‬
‫لماذا ل يصّر الصهاينة المجرمون علي تسمية أرض فلسطين بإسرائيل‪ ،‬إذا كّنا ل نزال‪،‬‬
‫دعي ملكية أرض ليست لنا‪ ،‬احتللناها ظلما ً‬
‫حتى بعد خيبتنا التي طولها سبعمائة سنة‪ ،‬ن ّ‬
‫وعدوانا ً باسم السلم البريء الذي اغتلناه‪ ،‬ومضينا نوّقع ببصمة إبهامه ك ّ‬
‫ل فعل قبيح ل‬
‫تصدر فتواه إل ّ من شيطان؟‬
‫علي مدي سبعة قرون‪ ،‬لم نترك في أرض الناس تلك علما ً ول عدالة ول لغة ول دينا‪ً،‬‬
‫بل انهمكنا في امتصاص خيراتها قطرة قطرة‪ ،‬واستعباد أبنائها‪ ،‬واستحياء نسائها‪،‬‬
‫وتبادلهن إماًء بيعا ً وإهداًء للتسرية عن أمير المؤمنين المثقل بالجهاد الليلي الوثير‪،‬‬
‫والمتحّلي من الدين كّله بمجرد ختم على رقعة يلعلع دون حاجة أو مناسبة‪ :‬ل غالب إل ّ‬
‫الّله ‪.‬‬
‫وقد صدق الّله وعده‪ ،‬فكنسنا بك ّ‬
‫ميتنا عن وجه تلك الرض‪ ،‬فثابت‬
‫ل قبائحنا وفجورنا وأ ّ‬
‫إلى نفسها‪ ،‬وكأّننا لم نكن قد أثقلناها بوجودنا لسبعة قرون!‪.‬‬
‫البطل الميمون الذي أجزم أّنه لم يقرأ في حياته أكثر من ثلثة كتب تكفيرية‪ ،‬يرفع يده‬
‫ضل ً عن بلد الندلس!‪.‬‬
‫متف ّ‬
‫ً‬
‫ن بصقتها نفحة حياة ل‬
‫ضلة لو بصقت في وجهه احتقارا‪ ،‬ل ّ‬
‫وهي بلد ستكون متف ّ‬
‫يستحقها مّيت مثله‪ ،‬يمشي ليوّزع الموت بين الحياء‪.‬‬
‫مر لها مؤيدة ً تقارير الصندوق العربي‬
‫تقول تقارير صندوق المم المتحدة للتنمية‪ ،‬وتز ّ‬
‫ن ما ترجمته إسبانيا من الكتب خلل عام واحد يعادل عدد الكتب التي ترجمتها‬
‫للتنمية إ ّ‬
‫ّ‬
‫الدول العربية كلها في ألف عام!‪.‬‬
‫هذا في إسبانيا وحدها‪ ..‬فماذا إذن عن أمريكا وبريطانيا وفرنسا‪ ..‬ودول الغرب الخرى‬
‫فار‪ ،‬ونحرمهم من بركة‬
‫ومع ذلك فإننا نخرج ألسنتنا بكل وقاحة في وجوه هؤلء الك ّ‬
‫‪177‬‬

‫رضانا ونتركهم كاليتامى في فسطاطهم البائس‪ ،‬مستفيدين لوحدنا بنعمة فسطاط‬
‫اليمان!‪.‬‬
‫محسنا ً يكرمها بالدفن‪ ،‬تتباهى على الحياء بعفنها‪،‬‬
‫تجد‬
‫لم‬
‫التي‬
‫دسة‬
‫المك‬
‫الجثث‬
‫نحن‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫وتعتدي على رب السماوات والرض بحيازة رحمته بأيديها‪ ،‬لتوّزعها بمعرفتها وبمزاجها‬
‫على من تشاء وتحرم منها من تشاء‪.‬‬
‫من إذن للموتى بامتلك مقادير الحياة؟!‬
‫َ‬

‫لغة الضداد!‬
‫دين حقا في مسألة الوحدة‪ .‬ك ّ‬
‫ل‪ .‬إّنهم فقط يفعلون ذلك نكاية بي‪.‬‬
‫الوروبّيون ليسوا جا ّ‬
‫دول مثل سوق الخردة‪ ،‬ك ّ‬
‫دم‪ ،‬خلطة متنافرة‬
‫ل دولة لها في رقبة الخرى طوفان من ال ّ‬
‫مت هؤلء الخبثاء حول الطاولة‪،‬‬
‫يتس‬
‫ذلك‪،‬‬
‫ومع‬
‫كالكوتا‪..‬‬
‫من اللسن مثل بهارات‬
‫ّ‬
‫دة واللفة‪ ،‬وينفقون الوقت والمال والجهد‪ ،‬ولهدف لهم من وراء ذلك‬
‫ويتصّنعون المو ّ‬
‫مم من الغيظ‪.‬‬
‫أتس‬
‫إل ّ أن يجعلوني‬
‫ّ‬
‫صحف‪ ،‬ولن‬
‫هراء‪ .‬لن اترك لهم فرصة للفتك بي‪ .‬لن اشاهد التلفزيون‪ ،‬ولن أقرأ ال ّ‬
‫اسمح بدخول )اليورو( الي مطبخنا حّتى لومتنا من الجوع‪ .‬دعهم يكملوا وحدتهم‪ .‬دعهم‬
‫مم‬
‫يخسروا الوقت والمال والجهد‪ ،‬ليكتشفوا في النهاية انني لم أَر ولم اسمع ولم أتس ّ‬
‫من الغيظ‪ ،‬وأن مؤامرتهم لم تنجح‪.‬‬
‫م تعالوا‪ ..‬لماذا اغتاظ؟‬
‫ث ّ‬
‫‪178‬‬

‫ما عندنا؟‬
‫ماذا عندهم احسن م ّ‬
‫ً‬
‫عندهم )بطاطا(؟ عندنا )بتاتا(‪ ،‬واحذية )باتا( ايضا! عندهم شبكات مواصلت متلحمة؟‬
‫عندنا شبكات كلمات متقاطعة‪ :‬ك ّ‬
‫ل ثلث او اربع خانات تقف في بلعومها خانة سوداء‪:‬‬
‫)الموت للخونة(!‬
‫ أفقيا‪ :‬يحاول زيارة بلد شقيق )ملحوظة‪ :‬اسمك على الكومبيوتر‪ .‬هل تود ّ الّرجوع من‬‫سواد؟(‪:‬‬
‫ضل ال ّ‬
‫حيث جئت‪ ،‬ام ُتف ّ‬
‫دخول في هذه الخانة الناصعة ال ّ‬
‫حبس(!‬
‫أربعة حروف‪) :‬ي ُ َ‬
‫ عموديا‪ :‬يطمح إلى المعالي‪ :‬اربعة حروف‪ُ) :‬يشنق(!‬‫ماذا عندهم؟ هاه؟ قوس )الّرخام؟ عندنا قوس قزح‪ ،‬ونجوم الظهر ايضا‪ .‬عندهم‬
‫)انتخابات(؟ عندنا )انتحابات(‪ .‬عندهم بيتزا؟ عندنا خارطة الوطن العربي! هل عندهم‬
‫)لغة ضاد(؟ هيهات‪ .‬نحن فقط عندنا‪ ،‬ومرفق طّيها شاعر أشعث أيضا ً ين ّ‬
‫ط في وجهك‬
‫كّلما فتحت الطلس‪:‬‬
‫دنا‬
‫حد ّ ُيباع ُ‬
‫فل َ‬
‫ُ‬
‫ن ُيفّرقنا‬
‫ول دي ٌ‬
‫ضاد ِ يجمعنا‬
‫ن ال ّ‬
‫ِلسا ُ‬
‫ن‬
‫ن وقحطا ِ‬
‫بعدنا ِ‬
‫دين الذي ل يفّرقنا فمعلوم!‬
‫ما ال ّ‬
‫أ ّ‬
‫ّ‬
‫ضاد( فنحن بفضل الباري ننطق به مثل الكناري‪ :‬في الخليج والعراق ٌندلله‬
‫ما )ال ّ‬
‫وأ ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ما في المغارب المزيانة‬
‫أ‬
‫ء(‪.‬‬
‫ً‬
‫)طا‬
‫فنجعله‬
‫ا‬
‫أيض‬
‫ه‬
‫لل‬
‫ند‬
‫والشام‬
‫مصر‬
‫وفي‬
‫ء(‪.‬‬
‫ً‬
‫)ظا‬
‫فنجعله‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫داد؟(‪.‬‬
‫ف‪)..‬إشنو يعني ال ّ‬
‫ممهًّا‪ .‬المهم أن الضاد يجمعنا بعدنان وقحطان‪ .‬ولننا اسرّيون جدا‪ ،‬فنحن ل‬
‫هذا ليس ُ‬
‫نجتمع في العادة ال في )بيت خالتنا(!‬
‫قل لي‪ ..‬هل عند الوروبيين اسماء اضداد؟‬
‫مة عندها اسماء )زهيرية( أكثر مّنا‪.‬‬
‫مستحيل‪ .‬ليس على وجه الرض أ ّ‬
‫مث ً‬
‫ل‪ :‬مولى‪ :‬سّيد مطاع‪ ،‬وأيضا عبد مملوك‪.‬‬
‫مث ً‬
‫ل‪ :‬سليم‪ :‬صحيح البدن‪ ،‬وايضا ملدوغ‪.‬‬
‫مث ً‬
‫جونه أبيض خالص ‪ ،‬وايضا اسود خالص‪.‬‬
‫ل‪ُ :‬‬
‫مثل‪ :‬مهيب‪ :‬رتبة عليا للعسكري الصيل المخضرم في الجندية‪ ،‬وايضا لبن الشوارع‬
‫جرا‪..‬‬
‫الهارب من التجنيد‪ ..‬و َ‬
‫هلم ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫جّرا حتى لو‬
‫جّرا(‪ .‬المواطن عندهم ل يأتي َ‬
‫م َ‬
‫وعلى فكرة‪ ،‬ليس لدى الوروبيين )هَل ّ‬
‫حته!‬
‫أرادت اجهزة المخابرات ان تطمئن على ص ّ‬
‫ك ّ‬
‫ل هذا‪ ،‬والمرحوم عبدالله القصيمي ظل يردد حتى آخر حياته ان العرب ظاهرة‬
‫صوتية!‬
‫غفرالله لك يا رجل‪ .‬هذا افتراء فمتى كان لنا صوت حتى يكون ظاهرة؟!‬
‫الصوت الوحيد الذي امكن للعرب ان يطلقوه خلل اربعة عشر قرنا ً هو‪) ..‬صوت‬
‫السهارى(!‬

‫البحث عن الذات‬

‫قل بحرية مثلك‪.‬‬
‫ أيها العصفور الجميل‪..‬أريد أن أصدح بالغناء مثلك‪ ،‬وأن أتن ّ‬‫قال العصفور‪:‬‬
‫ً‬
‫لكي تفعل كل هذا‪ ،‬ينبغي أن تكون عصفورا مثلي‪..‬أأنت عصفور ؟‬‫ ل أدري‪..‬ما رأيك أنت ؟‬‫ً‬
‫إني أراك مخلوقا ً مختلفا ‪ .‬حاول أن تغني وأن تتنقل على طريقة جنسك ‪.‬‬‫ وما هو جنسي ؟‬‫ إذا كنت ل تعرف ما جنسك ‪ ،‬فأنت‪ ،‬بل ريب‪ ،‬حمار ‪.‬‬‫‪179‬‬

‫***‬
‫قل دون هوية أو جواز سفر‪،‬‬
‫ أيها الحمار الطيب‪..‬أريد أن انهق بحرية مثلك‪ ،‬وأن أتن ّ‬‫مثلك ‪.‬‬
‫قال الحمار ‪:‬‬
‫ لكي تفعل هذا‪..‬يجب أن تكون حمارا ً مثلي ‪ .‬هل أنت حمار ؟‬‫ ماذا تعتقد ؟‬‫دقني‪..‬هيئتك ل تد ّ‬
‫ل على أنك حمار ‪.‬‬
‫ قل عني حمارا ً يا ولدي‪ ،‬لكن ص ّ‬‫ فماذا أكون ؟‬‫ة مني ! لعلك بغل ‪.‬‬
‫ إذا كنت ل تعرف ماذا تكون‪..‬فأنت أكثر حموري ّ ً‬‫***‬
‫ً‬
‫مل كل هذا القهر‪،‬‬
‫أتح‬
‫أن‬
‫أستطيع‬
‫لكي‬
‫مثلك‪،‬‬
‫ا‬
‫قوي‬
‫أكون‬
‫أن‬
‫الصنديد‪..‬أريد‬
‫البغل‬
‫أيها‬
‫‬‫ّ‬
‫ً‬
‫ما أراه في هذا الوطن ‪.‬‬
‫وأريد أن أكون بليدا مثلك‪ ،‬لكي ل أتألم م ّ‬
‫قال البغل ‪:‬‬
‫ ُ‬‫من يمنعك ؟‬
‫ن‪َ ..‬‬
‫كـ ْ‬
‫ّ‬
‫دة طاعتي ‪.‬‬
‫ تمنعني ذلتي وش ّ‬‫ إذن أنت لست بغل ‪ً.‬‬‫ وماذا أكون ؟‬‫ أعتقد أنك كلب ‪.‬‬‫***‬
‫من ُيغضبني مثلك ‪.‬‬
‫ أيها الكلب الُهمام‪..‬أريد أن اطلق عقيرتي بالنباح مثلك‪ ،‬وأن اعقر َ‬‫ هل أنت كلب ؟‬‫ ل أدري‪..‬طول عمري أسمع المسؤولين ينادونني بهذا السم‪ ،‬لكنني ل أستطيع النباح‬‫أو العقر ‪.‬‬
‫ لماذا ل تستطيع ؟‬‫ ل أملك الشجاعة لذلك‪..‬إنهم هم الذين يبادرون إلى عقري دائما ً ‪.‬‬‫ ما دمت ل تملك الشجاعة فأنت لست كلبا ً ‪.‬‬‫إ َ‬‫ذن فماذا أكون ؟‬
‫ هذا ليس شغلي‪..‬إعرف نفسك بنفسك‪..‬قم وابحث عن ذاتك ‪.‬‬‫ بحثت كثيرا ً دون جدوى ‪.‬‬‫ت تافها ً إلى هذا الحد‪..‬فل ب ُد ّ أنك من جنس َزَبد البحر ‪.‬‬
‫ ما دم َ‬‫***‬
‫فني من هذه الرض أيها البحر العظيم ‪.‬‬
‫ أّيها البحر العظيم‪..‬إنني تافه إلى هذا الحد‪..‬إن ِ‬‫إحملني فوق ظهرك واقذفني بعيدا ً كما تقذف الّزَبد ‪.‬‬
‫قال البحر ‪:‬‬
‫ أأنت َزَبد ؟‬‫ ل أدري‪..‬ماذا تعتقد ؟‬‫ة واحدة‪..‬دعني أبسط موجتي لكي أستطيع أن أراك في مرآتها‪ ..‬هـه‪..‬حسنًا‪،‬‬
‫ لحظ ً‬‫ن قليل ‪ً.‬‬
‫أد ُ‬
‫أوووه‪..‬اللعنة‪..‬أنت مواطن عربي !‬
‫ وما العمل ؟‬‫ تسألني ما العمل ؟! أنت إذن مواطن عربي جدا ً ‪ .‬بصراحة‪..‬لو كنت مكانك لنتحرت ‪.‬‬‫ إبلعني‪ ،‬إذن‪ ،‬أيها البحر العظيم ‪.‬‬‫ آسف‪..‬ل أستطيع هضم مواطن مثلك ‪.‬‬‫ كيف أنتحر إذن ؟‬‫ أسهل طريقة هي أن تضع إصبعك في مجرى الكهرباء ‪.‬‬‫ ليس في بيتي كهرباء ‪.‬‬‫ق بنفسك من فوق بيتك ‪.‬‬
‫ أل ِ‬‫ وهل أموت إذا ألقيت بنفسي من فوق الرصيف ؟!‬‫ مشّرد إلى هذه الدرجة ؟! لماذا ل تشنق نفسك ؟‬‫ ومن يعطيني ثمن الحبل ؟‬‫ ل تملك حتى حبل ً ؟ أخنق نفسك بثيابك ‪.‬‬‫‪180‬‬

‫ أل تراني عاريا ً أيها البحر العظيم ؟!‬‫ إسمع‪..‬لم تبقَ إل ّ طريقة واحدة ‪ .‬إنها طريقة مجانية وسهلة‪ ،‬لكنها ستجعل انتحارك‬‫مدوي ّا ً ‪.‬‬
‫ُ‬
‫ أرجوك أيها البحر العظيم‪..‬قل لي بسرعة‪..‬ماهي هذه الطريقة ؟‬‫حّيـا ً !‬
‫‪ -‬إبقَ َ‬

‫فيلم واقعي‬

‫قّرر كاتب السيناريو أن يصنع فيلما ً واقعيا ً حقا ً ‪ .‬وقرر الناقد السينمائي أن ينقد‬
‫السيناريو نقدا ً واقعيا ً حقا ً ‪.‬‬
‫جلس الكاتب‪ ،‬وجلس الناقد ‪.‬‬
‫الكاتب‪) :‬منظر خارجي ‪ -‬نهار‪ :‬الموظف يحمل أكياس فاكهة‪ ،‬واقف يقرع باب بيته(‬
‫الناقد‪ :‬بداية سيئة‪ .‬في الواقع‪ ،‬ليس هناك موظف يعود إلى بيته نهارًا‪ .‬ل بد له أن يدوخ‬
‫الدوخات السبع بين طوابير الجمعيات ومواقف الباصات‪ ،‬فإذا هبط المساء وعاد إلى‬
‫بيته ‪ -‬إذا عاد في هذا الزمن المكتظ بالمؤامرات والخونة ‪ -‬فليس إل ّ مجنونا ً ذلك الذي‬
‫دق أنه يحمل أكياس فاكهة !‬
‫يص ّ‬
‫الواقع اّنه مفلس على الدوام‪ .‬وإذا تصادف انه أخذ رشوة في ذلك اليوم‪ ،‬فالواقع أن‬
‫الفاكهة غير موجودة في السوق ‪.‬‬
‫الكاتب‪) :‬منظر خارجي ‪ -‬ليل‪ :‬الموظف يقف ليقرع باب بيته( ‪.‬‬
‫‪181‬‬

‫الناقد‪ :‬هذا أحسن‪..‬وإذا أردت رأيي فالفضل أن ُتزّوده ُ بمفتاح‪ .‬ل داعي لقرع الباب في‬
‫هذا الوقت ‪ .‬انت تعرف أن قرع الباب ‪ -‬في هذا الزمن المليء بالمؤامرات والخونة ‪-‬‬
‫يرعب أهل الدار ويجعل قلوبهم في بلعيمهم‪ .‬الموظف نفسه لن يكون واقعيا ً إذا فعل‬
‫ذلك بأهله ك ّ‬
‫سك بمسألة قرع الباب‪ ،‬على شرط أن تبدل‬
‫ل يوم‪ .‬نعم‪..‬يمكنك التم ّ‬
‫الموظف بشرطي أو مخبر ‪.‬‬
‫الكاتب‪) :‬منظر خارجي ‪ -‬ليل‪:‬الموظف يضع المفتاح في قفل باب بيته ويدخل ‪ (..‬لكن‬
‫يا صديقي الناقد‪ ،‬ما ضرورة هذا المنظر؟ إنه يستهلك ثلثين مترا ً من الفيلم الخام بل‬
‫فائدة‪ .‬لماذا ل أضع الموظف في البيت منذ البداية ؟‬
‫الناقد‪ :‬هذا ممكن‪ ،‬لكن الفضل أن ُتبقي على هذا المنظر‪ .‬فالواقع ان جاره يراقب‬
‫أوقات خروجه وعودته‪ ،‬وإذا لم يظهر عائدًا‪ ،‬وفي نفس موعد عودته كل يوم‪ ،‬فإنك‬
‫تفترض أن تقرير الجار سيكون ناقصًا‪ .‬وهذا في الواقع أمر غير واقعي‪ ،‬بل ربما سيدعو‬
‫الجار إلى اختلق معلومات ل أصل لها ‪.‬‬
‫الكاتب‪) :‬منظر داخلي ‪ -‬متوسط‪ :‬الموظف يخطو داخل الممر‪(...‬‬
‫الناقد‪ :‬خطأ‪ ،‬خطأ ‪ ..‬ينبغي أن يدخل مباشرة إلى غرفة النوم ‪.‬‬
‫ن هذا غير واقعي على الطلق !‬
‫الكاتب‪ :‬لك ّ‬
‫الناقد‪ :‬بل واقعي على الطلق‪ .‬أنت غير الواقعي‪ .‬إنك تفترض دخول الموظف إلى‬
‫بيت‪ ،‬وهنا وجه الخطأ‪ .‬الموظف عادة ً يدخل إلى وجر كلب‪ .‬نعم‪ .‬هذا هو الواقع‪ .‬البيت‬
‫ول‪ .‬فهو غرفة‬
‫غرفة واحدة تبدأ من الشارع‪..‬دعك من أدونيس‪ ،‬البيت ثابت لكّنه متح ّ‬
‫النوم وهو المطبخ وهو حجرة الجلوس وهو الحوش ‪.‬‬
‫الكاتب‪) :‬منظر داخلي ‪ -‬قريب‪ :‬الموظف يخطو على أجساد أولده النائمين ‪ -‬تنتقل‬
‫الكاميرا إلى وجه الزوجة وهي تبدو واقفة وسط البيت "كلوزآب" تبدو الزوجة‬
‫مبتسمة‪ ،‬وعلى وجهها امارات الطيبة‪...‬‬
‫ل‪ ..‬أه ً‬
‫الزوجة‪ :‬أه ً‬
‫ل‪ ..‬مساء الورد(‬
‫الناقد‪ :‬إقطع‪ ..‬بدأت بداية حسنة لكنك طّينتها‪ .‬في الواقع ليس هناك زوجات طيبات‪،‬‬
‫صة زوجات الموظفين‪..‬ثم ماهذا الحوار الذي مثل قّلته؟‬
‫والزوجات أصل ً ل يبتسمن‪ ،‬خا ّ‬
‫ً‬
‫من هذه التي تقول لزوجها أهل ً ثم تكرر الهل ثم تشفع كل هذا بمساء الورد ؟!‬
‫َ‬
‫أّية واقعّية في هذا ؟ دعها تنهض من بين أولدها نصف مغمضة‪ ،‬مشعثة الشعر‪ ،‬بالعة‬
‫نصف كلمها ضمن وجبة كاملة من التثاؤب‪ ..‬ثم اتركها تولول كالمعتاد‪..‬‬
‫ت في هذه الساعة‬
‫)الزوجة‪ :‬هذا أنت؟ إييه ماذا عليك؟ الولد ناموا بل عشاء‪ ،‬وأنت آ ٍ‬
‫ويداك فارغتان ‪ .‬مصيبتك بألف ياسنّية‪(..‬‬
‫الكاتب‪ :‬انظر ماذا فعلت‪..‬لو تركتني أزّوده بكيس واحد من الفاكهة على القل‪ ،‬لما‬
‫اضطّر إلى مواجهة أناشيد سنّية ‪.‬‬
‫الناقد‪ :‬زّوده يا أخي‪ .‬لكنك لن تكون واقعيًا‪ .‬ثم أن أناشيد سنّية لن تنقص حرفا ً‬
‫واحدًا‪..‬بل ستزيد‪ .‬إن كيس الفاكهة ليس حذاًء جديدا ً لبنته التي تهّرأ حذاؤها‪ ،‬ول هو‬
‫مصروفات الجامعة لبنه الكبر‪ ،‬ول أجرة الرحلة المدرسية التي عجز ابنه الوسط عن‬
‫دفعها حتى الن ‪.‬‬
‫وقة بوجود مثل هذه المشاكل التي ل ح ّ‬
‫ل لها في‬
‫المش‬
‫الحبكة‬
‫بناء‬
‫الكاتب‪ :‬يصعب‬
‫ّ‬
‫الواقع ‪.‬‬
‫د‪..‬حاول أن تتخّلص من أولده قبل مجيئه ‪.‬‬
‫الناقد‪ :‬اجته ْ‬
‫الكاتب‪ :‬إنهم نائمون أص ً‬
‫ل‪ .‬ماذا أفعل بهم أكثر من ذلك ؟‬
‫الناقد‪ :‬دعهم نائمين‪..‬ولكن في مكان آخر‪ .‬في السجن مث ً‬
‫ل‪ .‬هذا منتهى الواقعّية‪ .‬ل‬
‫ّ‬
‫يمكن أن يكونوا في هذا العمر ولم ينطقوا حتى الن بكلمة معكرة لمن الدولة !‬
‫ة في هذه الحالة ‪.‬‬
‫ن اناشيدها ستكون أشد ّ حماس ً‬
‫الكاتب‪ :‬وماذا أفعل بسنّية؟ إ ّ‬
‫ة باعتقال‬
‫الناقد‪ :‬اقتْلها بالسكتة القلبية‪..‬من الواقعي أن تموت الم الرؤوم مصدوم ً‬
‫ة واحدة ‪.‬‬
‫جميع أبنائها دفع ً‬
‫الكاتب‪ :‬ماذا يبقى من الفيلم إذن ؟!‬
‫الناقد‪ :‬عندك الموظف ‪.‬‬
‫الكاتب‪ :‬ماذا أفعل بالموظف ؟‬
‫ّ‬
‫الناقد‪ :‬ل تفع ْ‬
‫مة‬
‫ذ‬
‫في‬
‫الزوجة‬
‫واحدة‪.‬‬
‫بضربة‬
‫الجميع‬
‫من‬
‫ص‬
‫ل‬
‫تخ‬
‫‪.‬‬
‫يفعل‬
‫ل أنت‪..‬د َع ْ جاره‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ت‬
‫مة الدولة‪ .‬ونصيحتي أن تقف عند هذا الحد‪ .‬فإذا فكر َ‬
‫الله‪ ،‬والموظف وأولده في ذ ّ‬
‫أن تذهب أبعد من هذا فستلحق بهم ‪.‬‬
‫‪182‬‬

‫الكاتب‪ :‬كأّنك تقول لي ضع كلمة )النهاية( في بداية الفيلم ‪ .‬أيّ فيلم هذا؟ ل يا أخي‪،‬‬
‫دعنا نواصل حبكتنا كما كنا‪ ،‬وبعيدا ً عن السياسة ‪.‬‬
‫الناقد‪ :‬كما تشاء ‪ .‬واصل ‪.‬‬
‫الكاتب‪) :‬كلوز ‪ -‬وجه الزوجة وهي غاضبة(‬
‫ت كالبغل في مثل هذه‬
‫)الزوجة‪ :‬هذا أنت؟ إييه ماذا عليك؟ الولد ناموا جائعين‪ ،‬وأنت آ ٍ‬
‫م موسى‪ .‬مصيبتك سوداء يا سنّية(‬
‫الساعة ويداك فارغتان كقلب أ ّ‬
‫)قطع ‪ -‬الكاميرا على وجه الزوج ‪ -‬يبدو هادئًا(‬
‫) الموظف‪ :‬ماذا أفعل يا عزيزتي؟ هذا قدرنا‪ .‬الصبر طّيب‪ .‬نامي يا عزيزتي‪ .‬الصباح‬
‫رباح(‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫الناقد‪ :‬هراء‪..‬هذا ليس موظفا‪ .‬هذا نبي ! بشرفك هل بإمكانك أن تتحلى بمثل هذه‬
‫الرّقة حين تختتم يومك الشاق بوجه سنّية؟ إنقل الكاميرا إلى وجه الموظف ‪ .‬كلوز‬
‫رجاًء ‪ ،‬حتى أريك كيف تكون الواقعّية‪...‬‬
‫عدنا يا سنّية يا بنت ال‪..‬؟ أك ّ‬
‫ل ليلة تفتحين لي‬
‫دم‪ُ :‬‬
‫جر بال ّ‬
‫)الموظف حانقا ً يكاد وجهه يتف ّ‬
‫باب جهنم؟ أل يكفيني يوم كامل من العذاب؟ تعبت يا بنت السعالي‪ .‬تعبت‪ .‬إذهبي إلى‬
‫ت طالق طالق طالق‪ .‬طالق باللف‪ .‬طالق بالمليون ‪..‬هه(‬
‫الجحيم)يصفعها(إذهبي‪ ..‬أن ِ‬
‫مة الحكومات‪ .‬وتصرخ‪ :‬وآآآآي‪..‬‬
‫)الزوجة تتسع عيناها كمصائب الوطن العربي‪ ،‬أو كذ ّ‬
‫وآآآآي(‬
‫)الكاميرا تنتقل إلى الولد‪ .‬يستيقظون مذعورين على صوت امهم الحنون‪ .‬يصرخ‬
‫الولد‪ .‬يزداد صراخ الموظف‪ .‬قرع على الباب ولغط وراءه‪ .‬تنتقل الكاميرا إلى الباب‬
‫لكنها ل تلحق‪ ،‬الباب ينهدم تحت ضغط الجيران‪ ،‬وتمتلئ الغرفة بهم‪ ،‬ويتعّلق بعضهم‬
‫بالمروحة لضيق المكان‪ .‬ضجة الجيران تعلو‪.‬أحد الجيران ‪ -‬ولعّله الذي يكتب التقارير ‪-‬‬
‫يحاول تهدئة الموقف(‬
‫)الجار‪ :‬ماذا حصل؟ ماذا حصل يا أخي؟ ماذا حصل يا أختي ؟‬
‫الموظف‪ :‬لعنة الله عليها ‪.‬‬
‫وذ من الشيطان‪..‬ماالحكاية ؟‬
‫الجار‪ :‬تع ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ملته منه‪ ،‬طلقني ‪.‬‬
‫الزوجة‪ :‬هووووء ‪ .‬طل َ‬
‫قني‪..‬بعد كل المّر الذي تح ّ‬
‫الجار‪ :‬ل‪ .‬انت عاقل يا أخي‪ .‬ليس الطلق أمرا ً بسيطا ً ‪.‬‬
‫الموظف‪ :‬أبسط من مقابلتها ك ّ‬
‫ل يوم‪ .‬لعنة الله عليها ‪.‬‬
‫ت له؟‬
‫الزوجة‪ :‬إسألوه يا ناس‪..‬ماذا فعل ُ‬
‫الموظف‪ :‬انقبري ‪.‬‬
‫الجار‪ :‬لكل مشكلة حل يا جماعة ‪.‬‬
‫الموظف‪ :‬ل حل ‪.‬‬
‫الزوجة‪ :‬يا ناس‪ .‬يابني آدم‪ .‬هل هي جريمة أن اقول له ل تشتم الرئيس ؟!‬
‫دق في وجه الموظف‪..‬إظلم(‬
‫)الجار فاغر الفم والعينين‪..‬يح ّ‬
‫الكاتب‪ :‬وبعد ؟!‬
‫ة لتعيل‬
‫الناقد‪ :‬ليست هناك مشكلة‪ ..‬بعد إعدام الزوج‪ ،‬سيمكن الزوجة أن تعمل خادم ً‬
‫ف يا أخي‪ .‬دع أحدا ً من الولد‬
‫أولدها قبل إلقاء القبض عليهم في المستقبل ‪ .‬تصّر ْ‬
‫يترك الدراسة ليعمل سمكري ًّا‪ .‬أدخله في النقابة وعّلمه كتابة التقارير‪ .‬أو دعه يواصل‬
‫دراسته‪ ،‬لكن اجعل اخته تنخرط في الّتحاد النسائي‪ .‬بحبحها يا أخي‪ .‬كل هذه المور‬
‫واقعية ‪.‬‬
‫الكاتب‪ :‬واقعية ُتوقع المصائب على رأسي‪ ..‬أّية رقابة ستجيز هذا السيناريو ؟!‬
‫ن الرقابة لن توافق ‪.‬‬
‫الناقد‪ :‬إذا أردت الواقع‪..‬أعترف لك بأ ّ‬
‫الكاتب‪ :‬ما العمل إذن ؟‬
‫ّ‬
‫الناقد‪ :‬الواقعّية المأمونة هي أل يعود الموظف‪ ،‬ول توجد سنّية وأولدها‪ ،‬ول يوجد البيت‬
‫‪.‬‬
‫الكاتب‪ :‬هذا أفضل ‪.‬‬
‫يرفع الكاتب يده عن الدفتر‪..‬ويرفع الناقد لسانه عن النقد ‪.‬‬
‫***‬
‫في اليوم التالي‪ ..‬يرفع الكاتب رجليه على الفلقة‪ ،‬ويرفع الناقد رجليه على المروحة ‪.‬‬
‫في هذا الزمن المليء بالمؤامرات والخونة‪ ..‬ك ّ‬
‫مراَقب !‬
‫ل شيء ُ‬
‫‪183‬‬

‫وجه‬

‫في ليلة من الليالي‪...‬‬
‫لحظة واحدة‪..‬كان بمستطاعنا ‪ -‬في الحقيقة ‪ -‬أن نقول )في ليلة من الصباحات(‪،‬‬
‫ن‬
‫فالكلم ملك أيدينا‪ ،‬ول سلطة لحد علينا‪ ،‬إذا أردنا تفجير اللغة قربانا ً للتفاؤل ‪ .‬لك ّ‬
‫المشكلة ‪ -‬في الحقيقة ‪ -‬هي أن الصباحات لدينا ل تختلف عن الليالي ‪.‬‬
‫نعود إلى القول إنه في ليلة من الليالي‪ ،‬خرج ثلثة رجال للبحث عن الحقيقة ‪.‬‬
‫وإنصافا ً للحقيقة‪ ،‬نقول إنهم خرجوا للبحث عن الحقيقة في بلدنا بالذات‪ ،‬لنها البلد‬
‫الوحيدة التي لم تكن تعرف الحقيقة ‪.‬‬
‫ما كان الظلم حالكًا‪ ،‬فقد تاه الرجال الثلثة ‪:‬‬
‫ول ّ‬
‫واحد منهم سقط في بئر‪ ،‬وذلك لنه ‪-‬في الحقيقة‪ -‬لم يكن يحمل فانوسا ً ‪ .‬ويحسن بنا‬
‫النتباه إلى أن الرجل كان يملك فانوسًا‪ ،‬لكنه لم يكن يملك نفطا ً وسبب ذلك هو أزمة‬
‫النفط في بلدنا !‬
‫ما الرجل الثاني فقد زلق في طين أحد البساتين‪ ،‬فوقع على وجهه‪ ،‬وحين تمالك‬
‫أ ّ‬
‫ً‬
‫ورا ً وباردًا‪ ،‬كان‬
‫مك‬
‫ا‬
‫شيئ‬
‫معه‬
‫يقتلع‬
‫أن‬
‫س‬
‫ين‬
‫لم‬
‫جديد‪،‬‬
‫من‬
‫يقف‬
‫أن‬
‫واستطاع‬
‫نفسه‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫يستقر بين بطنه وبين الطين ‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫هو ‪ -‬في الحقيقة ‪ -‬لم يكن يعرف أين وقع‪ ،‬لنه‪ ،‬هو أيضًا‪ ،‬لم يكن يحمل فانوسًا‪ ،‬لغلء‬
‫النفط كما ذكرنا‪ ،‬ولنه‪ ،‬من شدة جوعه لم يكن يحمل رأسًا‪ ،‬وذلك ‪ -‬في الحقيقة ‪-‬‬
‫لغلء الطعام‪ ،‬كما لم نذكر ‪.‬‬
‫ً‬
‫وعندما طلع الصباح‪ ،‬كان الرجل الول قد وصل إلى مبنى البلدية يقطر زفتا‪..‬أما‬
‫الرجل الثاني فقد وصل بعده وهو يحمل بطيخة ‪.‬‬
‫ن الرجل الثالث لم يصل إل ّ بعد ساعات من انعقاد المجلس البلدي ‪.‬‬
‫لك ّ‬
‫لم يكن يقطر زفتا ً ‪ ،‬ولم يكن يحمل بطيخة ‪.‬‬
‫سأله رئيس البلدية ‪ :‬ماذا وجدت ؟‬
‫أطبق عينيه من فرط التعب‪ ،‬وزفر قائل ً ‪) :‬ل شيء ( ‪.‬‬
‫عندئذ أطرق رئيس البلدية قلي ً‬
‫ل‪ ،‬ثم رفع رأسه ببطء‪ ،‬وأعلن بمنتهى الهدوء والحسم ‪:‬‬
‫معنى هذا‪ ،‬أيها الخوة‪ ،‬أن للحقيقة أكثر من وجه ‪ .‬ومنذ ذلك الوقت‪ ،‬نشأت في بلدنا‬
‫ظاهرة التحزب ‪.‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ونت الحكومة ‪.‬‬
‫تك‬
‫للزفت‪..‬ومنهم‬
‫ا‬
‫حزب‬
‫كلوا‬
‫ش‬
‫الول‬
‫بحقيقة‬
‫المؤمنون‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫والمؤمنون بحقيقة الثاني شكلوا حزبا للبطيخ‪..‬ومنهم تكونت المعارضة ‪.‬‬
‫ما المؤمنون بحقيقة الثالث فقد ش ّ‬
‫كلوا حزبا ً محايدًا‪ ،‬جيبه يستعطي الزفت‪ ،‬وقلبه‬
‫أ ّ‬
‫يتعاطى البطيخ‪ ،‬ورأسه يعطي ) اللشيء ( ‪.‬‬
‫ومن هؤلء تكونت ) الحداثة ( !‬

‫يحدث في بلدنا‬

‫* ضبـط إيـقاع ‪:‬‬
‫ّ‬
‫مي تعزف‬
‫ت أنا العزف على العود ‪ .‬كانت أ ّ‬
‫ت أختي العزف على الكمان‪ ،‬وتعلم ُ‬
‫تعّلم ْ‬
‫على الّرق بمهارة‪ ،‬وكان أبي طبال ً مرموقا ً ‪.‬‬
‫ً‬
‫سلت إلينا المعارضة أن ننضم إلى صفوفها‪ ،‬حيث أن مواهبنا ضرورية جدا لمواكبة‬
‫تو ّ‬
‫الّرقص على الحبال ‪.‬‬
‫وفي الوقت نفسه توسلت إلينا الحكومة أن ننضم إلى صفوفها‪ ،‬حيث أن مواهبنا‬
‫ضرورية جدا ً لمواكبة القانون ‪.‬‬
‫ول نزال في حيرة شديدة‪..‬‬
‫ما أشد حيرة أصحاب المواهب في هذا البلد المحب للفن !‬
‫* مجاملـة ‪:‬‬
‫دم لي طبقا ً فارغا ً ‪.‬‬
‫دعاني صديقي إلى العشاء‪ ،‬امس‪ ،‬وق ّ‬
‫ما كانت الصول في بلدنا تقضي برد ّ الدعوة‪ ،‬فإنني دعوته إلى الغداء عندنا‪ ،‬هذا‬
‫ول ّ‬
‫دم له طبقا ً فارغا ً كما فعل‪..‬ذلك لن تراثنا العائلي‬
‫اليوم‪ ،‬دون أن يكون في نّيتي أن أق ّ‬
‫ل يسمح لنا باقتناء الطباق !‬
‫لم أدر ماذا أصنع‪..‬كان الموقف محرجا ً جدًا‪..‬ولكي أحفظ ماء وجهي‪ ،‬استقبلت صديقي‬
‫عند الباب بابتسامة عريضة‪ ،‬وصافحته بحرارة‪..‬ثم طردته فورا ً ‪.‬‬
‫‪185‬‬

‫ت‪ ،‬بشهّية‪ ،‬حلوة ابتسامتي‪ ،‬ورحت ألعق من أصابعي‬
‫أغلقت الباب وراءه‪ ،‬ثم ازدرد ُ‬
‫حرارة المصافحة !‬
‫* ما نتعّلمه من الدنيا ‪:‬‬
‫ون من عشرة أشخاص ‪.‬‬
‫في إحصاء السكان الماضي كانت أسرتنا تتك ّ‬
‫صفر من العشرة !‬
‫وفي الحصاء الخير قامت الدولة بحذف ال ّ‬
‫ُ‬
‫ما الصفر المحذوف فقد أعدموا لنهم‪ ،‬قبل‬
‫أنا الواحد المتب ّ‬
‫قي سأعدم بعد يومين‪ ،‬أ ّ‬
‫ي‪ ،‬لم ُيبّلغوا السلطة بأني خائن ‪.‬‬
‫القبض عل ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ن العمر لم يذهب دون فائدة‪..‬لقد تعلمت من الدنيا أ ّ‬
‫حتى الن أستطيع القول ا ّ‬
‫الصفر في بلدنا ُيساوي تسعة ‪.‬‬
‫ن العشرة في بلدنا‬
‫ول ريب عندي في أن الناس‪ ،‬بعد إعدامي‪ ،‬سيتعّلمون من الدنيا أ ّ‬
‫تساوي صفرا ً ‪.‬‬

‫قضّية دعبول‬

‫استلقى "دعبول" على الرض‪ ،‬وشرع في تقويس ظهره ببراعة لعب "يوغا"‪..‬وظل‬
‫وسه شيئا ً فشيئًا‪ ،‬حتى تم له في النهاية أن ُيطبق رجليه على فمه ‪.‬‬
‫يتدرج في تق ّ‬
‫وحالما استكمل شكله الدائري‪ ،‬فتح شدقيه بشهية بالغة‪ ،‬ثم ابتلع نفسه ‪.‬‬
‫***‬
‫ولن العالم أصبح قرية صغيرة‪ ،‬فإن الخبر وصل إلى القطب الشمالي‪ ،‬حتى قبل أن‬
‫يصل إلى "دعبول" نفسه !‬
‫جاءت‪ ،‬على الفور‪ ،‬وفود من شتى أنحاء العالم‪ ،‬واكتظ بيت دعبول على اتساعه‬
‫بالصحافيين وعدسات التصوير وكاميرات التلفزيون وميكروفونات الذاعات ولجان‬
‫الحقوق المختلفة‪ ،‬حتى دعت الحاجة إلى تعطيل حركة المرور‪..‬ذلك لن بيت دعبول‬
‫هو رصيف الشارع العام ‪.‬‬
‫ّ‬
‫كانت أنظار العالم كلها مصوبة إلى دعبول‪..‬وكان دعبول كله عبارة عن كرة مبهمة‬
‫راقدة بسكون وسط الضجة العارمة ‪.‬‬
‫***‬
‫صرخت مندوبة الجمعية العالمية للدفاع عن حقوق الحذية ‪:‬‬
‫من حق هذا المتوحش أن يفعل بنفسه مايريد‪ ،‬لكن ليس من حقه أن يبتلع الحذية‬
‫المسكينة‪..‬إنني أطالبه‪ ،‬باسم جمعيتنا الموقرة‪ ،‬بأن يطلق سراح الفردتين حا ً‬
‫ل‪..‬من‬
‫غير نقصان نعل أو مسمار ‪.‬‬
‫***‬
‫ً‬
‫وفي تلك الثناء أصدر صندوق النقد الدولي احتجاجا شديد اللهجة على هذا العمل‬
‫الوحشي الجبان‪..‬وقال ناطق طلب عدم ذكر اسمه أن وراء احتجاج الصندوق أسبابا ً‬
‫ط توضيحات أكثر ‪.‬‬
‫تنافسية‪ ،‬لكنه لم ُيع ِ‬
‫‪186‬‬

‫***‬
‫ً‬
‫وأصدر رئيس جمعية الدفاع عن حقوق الزرار بيانا استنكر فيه العمل البربري الذي‬
‫قام به دعبول‪ ،‬وركز على ضرورة إنقاذ الزرار بأسرع وقت ممكن‪ ،‬كما ناشد الضمير‬
‫العالمي الوقوف وقفة حازمة بوجه مثل هذه العمال الل مسؤولة ‪ .‬وختم بيانه‬
‫بالقول ‪ :‬إننا نحترم رغبة هذا الدعبول في ابتلع قميصه وبنطلونه‪ ،‬بل وحتى‬
‫حذائه‪..‬لكن ما ذنب هذه الزرار الصغيرة المغلوبة على أمرها‪ ،‬والتي ل تستطيع النطق‬
‫أو الدفاع عن نفسها بأية وسيلة ؟!‬
‫***‬
‫ن هذا‬
‫وفي كواللمبور‪..‬أعدمت السلطات رجل ً حاول أن يقّلد دعبول‪..‬وقال مسؤولون إ ّ‬
‫العمل ُيعطي صورة بشعة للغربيين عن تخّلف سكان آسيا‪ ،‬وذلك حين يشاهدون واحدا ً‬
‫منا وهو يأكل نفسه دون استعمال الشوكة والس ّ‬
‫كين !‬
‫***‬
‫وأدلى مندوب جمعية الدفاع عن المصارين بحديث لذاعة مونت كارلو‪ ،‬قال فيه إن‬
‫جمعيته تندد بهذا العمل الثم‪..‬وتطالب دعبول بالخروج حال ً من مصارينه الدقيقة‬
‫والغليظة على حد سواء ‪.‬‬
‫ومما جاء في الحديث قوله ‪ :‬إنني لم أَر في حياتي كلها مثل هذه القسوة‪..‬ول أدري‬
‫كيف تأّتى لهذا البغل أن يخنق هذه المصارين الرقيقة بحشر نفسه فيها ! هل يظن‬
‫نفسه قالبا ً من "اليس كريم" ؟!‬
‫***‬
‫ّ‬
‫ماه ب"دابولز سيتيويشن"‪..‬وحذر من‬
‫ولة ما س ّ‬
‫وناقش البيت البيض‪ ،‬في جلسات مط ّ‬
‫احتمالت أن تعطل هذه المسألة مسيرة السلم في الشرق الوسط‪..‬وأنحى بال ّ‬
‫لئمة‬
‫على بكين‪ ،‬كما ح ّ‬
‫ذر إيران من مغّبة اللعب بالنار ‪.‬‬
‫ً‬
‫وفي الوقت نفسه أصدر مكتب رئيس الوزراء السرائيلي بيانا أ ّ‬
‫كد فيه أن "بلعة‬
‫دعبول" تعتبر تهديدا ً صارخا ً لمن إسرائيل ‪.‬‬
‫***‬
‫دل له منذ سبع سنوات‪ ،‬فيما انخفضت أسهم نفط‬
‫وارتفع سعر الدولر إلى أعلى مع ّ‬
‫ما إذا كان‬
‫ع‬
‫معلومات‬
‫أية‬
‫الفور‬
‫على‬
‫تتوفر‬
‫ولم‬
‫بحر الشمال إلى أدنى معدل لها‪،‬‬
‫ّ‬
‫لقضية دعبول تأثير مباشر في هذا الشأن ‪.‬‬
‫***‬
‫وأدلى مندوب لجنة الدفاع عن حقوق القمشة بتصريح قال فيه ‪ :‬ل يهمنا نوع قماش‬
‫قميصه أو بنطلونه‪..‬إنها مسألة مبدأ بالنسبة لنا‪ ،‬ل فرق إن كان قميصه من الحرير أو‬
‫من الخيش‪..‬كّلها في النهاية‪ ،‬أقمشة بكماء ضعيفة ل تحسن الدفاع عن نفسها‪..‬وعليه‬
‫فإننا نطالب هذا الدعبول الجرب بالفراج عن قميصه وبنطلونه فورا ً ‪.‬‬
‫إن أنظار العالم تراقب معنا‪ ،‬بقلق شديد‪ ،‬معاناة هذه القمشة المرتهنة في جوف هذا‬
‫الحمق ‪.‬‬
‫***‬
‫وأعلن أكثر من فصيل عربي معارض مسؤوليته عن بلع دعبول لنفسه‪ ،‬دون أن يتعّرض‬
‫أيّ منها إلى مسألة بلع الموال من أّية جهة كانت‪..‬فيما نفت جميع الحكومات العربية‬
‫أن يكون لها أي دور في مثل هذه)البلعة( ‪.‬‬
‫ي تصريح لدبلوماسي غربي)رفض فقدان عمولته( حيث قال أن خبرته‬
‫وعزّز هذا النف َ‬
‫الطويلة في الشؤون العربية تجعله يعتقد بأن هذا النوع من البلع غير متعارف عليه‬
‫رسميا ً لدى جميع حكومات المنطقة ‪.‬‬
‫***‬
‫دة‬
‫وأعربت الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق)البنكرياس(عن قلقها البالغ على مصير الغ ّ‬
‫المسكينة‪ ،‬واتخذت بالتعاون مع حركة الدفاع عن حقوق)النزيمات(إجراءات فورية‬
‫لتقديم شكوى عاجلة إلى منظمة)الفيفا(على اعتبار أن دعبول في شكله الكروي‬
‫الراهن‪ ،‬يدخل ضمن مسؤوليتها ‪.‬‬
‫***‬
‫وفيما كان العالم يتابع هذه القضية بذهول وترّقب وقلق‪..‬بدا فجأة‪ ،‬أن كرة دعبول قد‬
‫دد‪..‬‬
‫أخذت تتم ّ‬
‫‪187‬‬

‫وعلى حين غّرة‪ ،‬انطلق منها صوت صاعق أقرب ما يكون إلى)تفوووو(‪..‬ثم استوى‬
‫دعبول قائما ً على قدميه حافيا ً عاريا ً !‬
‫بهت الجمهور الغفير‪..‬ولمعت فلشات أجهزة التصوير‪ ،‬وتراكض مندوبو وسائل العلم‬
‫لتسجيل صورة إفراج دعبول عن نفسه‪..‬لحظة بلحظة ‪.‬‬
‫زمجر دعبول ‪ :‬يا أولد الكلب المحترمين‪...‬ما أنا إل ّ جائع ‪،‬عارٍ ‪،‬مشّرد ‪،‬عاطل عن‬
‫العمل‪..‬فماذا أفعل سوى أن آكل نفسي‪ ،‬لكون أنا طعامي وأنا بيتي ؟!‬
‫دت ونفت وأعلنت‬
‫إنني ضحّية كل هذه الجهات التي أنكرت واستنكرت واحتجت وند ّ‬
‫دعت وح ّ‬
‫ذرت‪ ،‬في الوقت الذي كان فمي مغلقا ً بجسمي‪ ،‬ول قدرة لي على الشكوى‬
‫وا ّ‬
‫أو نفي التهامات ‪.‬‬
‫لقد تشّرفت‪ ،‬هذا اليوم‪ ،‬برؤية منظمات للدفاع عن حقوق كل شيء في هذه القرية‬
‫الصغيرة‪..‬وها أنتم ترون أن الحذية بخير‪ ،‬والقمشة بخير‪ ،‬والمصارين بخير‪،‬‬
‫والبنكرياس بخير‪ ،‬وإسرائيل بخير‪..‬وأنا الوحيد الذي ليس بخير‪..‬فلماذا ل أرى‪ ،‬وسط‬
‫كل هذه القيامة‪ ،‬منظمة واحدة للدفاع عن حقوق دعبول ؟!‬
‫ن الضغط الدولي قد أجبرني على الفراج عن‬
‫ستقولون‪ ،‬يا أولد الكلب المحترمين‪ ،‬إ ّ‬
‫جسمي ‪.‬‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ل والله ‪ ..‬إنني‪،‬ببساطة شديدة‪ ،‬تقّيأت نفسي قَرفا من هذا العالم !‬
‫***‬
‫ّ‬
‫تقول أنباء غير مؤكدة إن السلطات أجبرت دعبول على ابتلع نفسه‪..‬عقوبة له لوقوفه‬
‫عاريا ً وسط الشارع‪..‬المر الذي يعتبر خدشا ً للحياء العام !‬

‫ما بعد الزوال‬

‫كان بين النقاض ثلثة رجال‪ ،‬هم ك ّ‬
‫قى بعد المذبحة الرضية ‪ .‬التراب تحت‬
‫ل من تب ّ‬
‫أرجلهم رماد‪ ،‬والسماء فوق رؤوسهم دخان ‪.‬‬
‫مروها‪ .‬لم يعيشوا ولم يتركوا البرياء يعيشون‪ .‬ها‬
‫الول‪ :‬فعلها الشرار‪ .‬طمعوا بها فد ّ‬
‫نحن أولء وحدنا على هذه الرض‪ .‬دعونا نف ّ‬
‫كر في طريقة للحياة ‪.‬‬
‫خن ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أشتهي أن أد ّ‬
‫خن كما تشاء‪..‬الهواء كّله تحت أمرك ‪.‬‬
‫الول‪ :‬د ّ‬
‫الثاني‪ :‬كل ّ ‪ .‬أريد سيجارة‪ .‬حّبذا لو كانت سيجارة أجنبية ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬ليس في الرض أجانب يصنعون السجاير‪ .‬نحن وحدنا الحياء‪ ،‬وليس بيننا أجنبي‬
‫‪.‬‬
‫الول‪ :‬كفاكما جد ً‬
‫ل‪ .‬ليس هذا وقته‪ .‬المهم الن أن نجد ما نأكله ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬هذا صحيح‪ .‬يجب أن نجد ما نأكله ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنا جائع في الحقيقة‪ ،‬لكن ل تظّنا أنني سأنسى رغبتي إذا ما شبعت‪ .‬التدخين‬
‫يكون أشهى بعد الطعام‪ .‬ثم إنني أرغب في كوب من الشاي بعد أن آكل ‪.‬‬
‫الول‪ :‬أّيها الطيبان‪ ،‬هذه كماليات‪ .‬المر الضروري هو أن نجد ما نأكله‪ .‬لحظا أننا‬
‫سيمكننا مواصلة العيش بل تبغ أو شاي‪ ،‬لكننا لن نعيش بل طعام ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬السجاير أصل ً اختراع هولندي‪ .‬هي أصل الشر‪ .‬ليست سوى وسيلة من وسائل‬
‫الستعمار ‪.‬‬
‫الول‪ :‬والشاي كذلك‪ .‬صحيح انه اختراع صيني‪ ،‬إل ّ أن النجليز برعوا في جعله وسيلة‬
‫من وسائل الستعمار ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬يسقط الستعمار ‪.‬‬
‫‪188‬‬

‫الول‪ :‬لقد سقط فع ً‬
‫ل‪ ،‬لكّنه واأسفاه أسقط الدنيا كّلها معه ‪.‬‬
‫خن إ َ‬
‫ذن على شرف سقوط الستعمار ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬لند ّ‬
‫الول‪ :‬حاول أن تصبر يا صديقي‪ ،‬ودعنا الن نف ّ‬
‫كر في طريقة لستعمار الرض ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬ف ّ‬
‫ت جوعا ً ‪.‬‬
‫كر وحدك‪ .‬لن أسلك طريق المبريالية حتى لو ِ‬
‫م ّ‬
‫الول‪ :‬أنت مخطئ يا عزيزي‪ .‬الستعمار عمل عظيم‪ .‬الستعمار هو أصل وجود آدم‬
‫وهوا سمعته ‪.‬‬
‫ن قراصنة الغرب هم الذين ش ّ‬
‫على هذه الرض‪ ،‬لك ّ‬
‫وه السمعة ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬إذن فهو مش ّ‬
‫سنها على أيدينا ‪.‬‬
‫الول‪ :‬لنبدأ سمعته من جديد‪ .‬دعونا نح ّ‬
‫سن سمعته على أيدينا ‪.‬‬
‫وه السمعة‪ .‬نعم‪..‬دعونا نح ّ‬
‫الثالث‪ :‬نعم‪ .‬إنه مش ّ‬
‫الثاني‪ :‬إرفع قدمك عن أعصابي‪ .‬إنك تؤلمني‪ .‬أأنت معي أم معه ؟‬
‫الثالث‪ :‬أنا معكما ‪.‬‬
‫الول‪ :‬وأنا أيضا ً معكما ‪.‬‬
‫ما هذا فليس لديه وجهة نظر‪..‬ولذلك‬
‫الثاني‪ :‬أنا أكره وجهة نظرك‪ ،‬لكنني أحترمها‪ .‬أ ّ‬
‫فأنا مضطر لن أكرهه ‪.‬‬
‫الول‪ :‬ينبغي أل ّ يكره أحدنا الخر‪ .‬أل ترون أن الكراهية هي التي أوصلت الرض إلى‬
‫هذه النتيجة ؟‬
‫الثاني‪ :‬إذن‪ ،‬أنا مضطر لن ل أكرهه‪ ،‬وأحسب أن هذا المر سيجعلني محتاجا ً إلى‬
‫التدخين ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬التدخين مضر بالصحة ‪.‬‬
‫حتي ؟‬
‫حتك أم ص ّ‬
‫الثاني‪ :‬ص ّ‬
‫حتك طبعًا‪ .‬لكنني أتضايق أيضا ً من رائحة التبغ ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬ص ّ‬
‫خن‪ .‬بإمكانك مثل ً أن تخرج إلى القطب الشمالي ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬إبتعد عّني حين أد ّ‬
‫الول‪ :‬في الواقع نحن ل نعرف موقعنا على الرض بالضبط‪ .‬رّبما نحن في القطب‬
‫الشمالي فعل ً !‬
‫الثاني‪ :‬ليذهب إلى خط الستواء‪ .‬هناك سعة لمن ل يحب رائحة التبغ ‪.‬‬
‫الول‪ :‬أووه‪..‬ل يعنيني تدخينك‪ ،‬ول كراهيته للتدخين‪ .‬إنني مهتم الن بتحديد موقعنا على‬
‫هذه الرض ‪.‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫قا ؟‬
‫الثاني‪ :‬هل أنت متأكد من أننا فوق الرض ح ّ‬
‫الول‪ :‬وأين يمكن أن نكون ؟!‬
‫الثاني‪ :‬على المّريخ مثل ً ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬ل يمكن‪ .‬ليس على المريخ حياة ‪.‬‬
‫ّ‬
‫الثاني‪ :‬اسكت أنت‪ .‬ماذا نعرف عن المريخ ؟ كل ما نعرفه الن هو أن ليس على‬
‫الرض حياة ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬عليها‪..‬نحن الثلثة ل نزال أحياء ‪.‬‬
‫من يستطيع أن يؤكد أننا‬
‫ثم‬
‫الرض‪.‬‬
‫فوق‬
‫الثاني‪ :‬أيها الغبي‪ ،‬لم نتحقق بعد من أننا‬
‫َ‬
‫أحياء ؟!‬
‫الول‪ :‬أعتقد أننا أحياء‪ .‬فالموتى ل يتكلمون ‪.‬‬
‫ت من قبل لتعرف أن الموتى ل يتكلمون ؟ رّبما لم نكن نفهم كلم‬
‫الثاني‪ :‬هل ِ‬
‫م ّ‬
‫الموتى لننا كنا أحياء‪ .‬وها نحن أولء يفهم بعضنا بعضا ً لننا ميتون !‬
‫هل تتذكرون ؟ عندما كنا نحيا في الوطن العربي لم نكن نتكلم إطلقا ً ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬هذا صحيح‪ ،‬أذكر ذلك جيدا ً ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬إذن فليس الموتى وحدهم الذين ل يتكلمون‪ .‬ك ّ‬
‫ل المسائل نسبّية يا جماعة ‪.‬‬
‫ّ‬
‫الثالث‪ :‬ل أتفق معك‪ .‬فنحن مازلنا عربًا‪..‬ومع ذلك فنحن نتكلم ‪.‬‬
‫صر على أن تظ ّ‬
‫ل عربيًا‪ .‬إسمع يا رجل‪ ،‬ينبغي أن‬
‫الثاني‪ :‬طبعا ً ل تتفق معي‪ ،‬لّنك م ّ‬
‫ً‬
‫تدرك أنك تتكلم الن لنك لم تعد عربيا‪ .‬أنت الن عالمي‪ .‬إذا أردت الدّقة أنت الن‬
‫ثلث نفوس العالم ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أيّ عالم ؟‬
‫الثاني‪ :‬إذا لم نكن على المريخ‪ ،‬وإذا كّنا أحياء‪ ،‬فليس عندي شك في أنك العالم الثالث‬
‫!‬
‫ً‬
‫الول‪ :‬نحن جميعا في موقع واحد ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬في اللحظة الراهنة نعم‪ .‬لكنني أعتقد أنه جاءنا لجئًا‪ .‬أل ترى أنه بل رأي ؟‬
‫‪189‬‬

‫الول‪ :‬لقد عّبر عن رأيه بكل وضوح ‪.‬‬
‫ً‬
‫دد ما أقوله أو ما تقوله‪ .‬لم يقل شيئا سوى أن التدخين مضر‬
‫الثاني‪ :‬أيّ رأي؟ إنه ير ّ‬
‫حة ‪.‬‬
‫بالص ّ‬
‫ً‬
‫الثالث‪ :‬وبالبيئة أيضا ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬البيئة ؟!‬
‫ّ‬
‫خن الن‪ .‬ينبغي أن نفكر ريثما يزول هذا الدخان ‪.‬‬
‫الول‪ :‬اسكتا‪..‬البيئة نفسها تد ّ‬
‫الثاني‪ :‬ل أستطيع التفكير وهذا)الخضر( مغروز في خاصرتي‪ .‬قل له أن يشفق على‬
‫أعصابي بقدر إشفاقه على البيئة ‪.‬‬
‫الول‪ :‬إذا واصلنا الجدال فسنهلك ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬ل بأس‪ ،‬إذا كان الهلك سيخلصني من هذا الببغاء ‪.‬‬
‫الول‪ :‬الجدل مفيد إذا كان مفيدا ً ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬حكمة والله !‬
‫الول‪ :‬علينا أن نن ّ‬
‫ظم تفكيرنا وحوارنا ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬الختلف قائم ل محالة ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬نعم نحن نختلف ل محالة‪ .‬علينا أن نن ّ‬
‫ظم تفكيرنا ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬وحوارنا كما قال ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬وحوارنا ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬ألم أقل إنك ببغاء ؟!‬
‫الول‪ :‬إننا ندور في حلقة مفرغة‪ .‬لماذا ل ننتخب واحدا ً مّنا ليكون هو القائد‪ ،‬ويكون‬
‫خرين احترام رأيه ؟‬
‫على ال َ‬
‫من يضمن لي أن يجري النتخاب دون تزوير ؟‬
‫الثاني‪َ :‬‬
‫ً‬
‫الول‪ :‬أنا أضمن ذلك‪ .‬إننا لم نعد في الوطن العربي‪ ،‬كما اننا جميعا سنراقب العملية‬
‫عن كثب ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬نحتاج إلى صندوق ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬ما حاجتنا للصندوق ؟!‬
‫الثالث‪ :‬هه‪..‬كيف يجري النتخاب دون صندوق للقتراع ؟‬
‫االثاني‪ :‬إذا عثرنا على صندوق فأول ما سأفعله هو أن أضعك فيه وأشّيعك إلى مثواك‬
‫الخير ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنت دكتاتور ‪.‬‬
‫الول‪ :‬ك ّ‬
‫ل‪..‬هو ديمقراطي ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬لماذا يقف ضد ّ فكرة صندوق القتراع ؟‬
‫الثاني‪ :‬يا كائن‪ .‬أل ترى أنه ل يوجد صندوق ؟‬
‫الثالث‪ :‬نبحث عن صندوق ‪.‬‬
‫الول‪ :‬حسنًا‪..‬لننتخب أحدنا ليقود عملية البحث ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬هذا أحسن حل ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬كيف ننتخب ؟!‬
‫الول‪ :‬بالقتراع ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬نحتاج إلى صندوق ‪.‬‬
‫الول‪ :‬نحن نحاول انتخاب أحدنا ليقود عملية البحث عن صندوق ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬حل جّيد ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬سأقتل هذا الببغاء ‪.‬‬
‫الول‪ :‬ل تشتبكا‪ .‬بإمكاننا في هذه المّرة أن نجري النتخاب بالتصويت المباشر ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬في هذه المرحلة فقط ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنا أر ّ‬
‫شح نفسي ‪.‬‬
‫الول‪ :‬وأنا ار ّ‬
‫شح نفسي ‪.‬‬
‫ّ‬
‫الثالث‪ :‬وأنا أرشح نفسي ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنت ل ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬لماذا؟ أأنتما أحسن مّني ؟!‬
‫الثاني‪ :‬إذا ر ّ‬
‫شحنا جميعا ً فمن سيراقب سير النتخاب؟ لبد ّ أن يتوّلى أحدنا مهمة‬
‫الرقابة ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬لننتخب أحدنا لهذه المهمة ‪.‬‬
‫‪190‬‬

‫الثاني‪ :‬أنا أر ّ‬
‫وت لصالحك ‪.‬‬
‫شحك وأص ّ‬
‫ده ‪.‬‬
‫وت ض ّ‬
‫الول‪ :‬سأص ّ‬
‫الثاني‪ :‬إذن‪ ،‬أعّينك أنت رئيسا ً للجنة الرقابية ‪.‬‬
‫من أنت حتى تعّينه؟ ك ّ‬
‫ل‪..‬يجب أن يجرى انتخاب ‪.‬‬
‫الثالث‪َ :‬‬
‫الول‪ :‬ل شأن لي بانتخابات رئاسة اللجنة الرقابية‪ ،‬أنا مر ّ‬
‫شح قيادة للبحث عن صندوق‬
‫اقتراع لنتخابات القيادة العامة ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنا منسحب ‪.‬‬
‫ّ‬
‫الول‪ :‬في هذه الحالة رشح نفسك لنتخابات اللجنة الرقابية ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬لن أر ّ‬
‫شح في أي انتخاب ‪.‬‬
‫ل بصوتك كمواطن عادي ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬إذن إد ِ‬
‫شح‪ .‬أنت مث ً‬
‫الثاني‪ :‬ل ثقة لي بأي مر ّ‬
‫ل‪..‬ما هو برنامجك النتخابي ؟‬
‫الثالث‪ :‬برنامجي ؟!‬
‫الول‪... :‬ومن أبرز أهدافي أن أكون في خدمة هذين الرفيقين الطيَبين‪ .‬وأعد بشرفي‬
‫ن وإخلص لتحقيق المكاسب التالية‪:‬‬
‫انني إذا ت ّ‬
‫م انتخابي‪ ،‬سأعمل بكل طاقاتي وبتفا ٍ‬
‫أول ً ‪:‬العثور على صندوق للقتراع‪ ،‬ثانيًا‪:‬إجراء انتخابات حرة مستندة إلى صندوق‬
‫صف ومحاربة المّية وتوفير الوظائف وإطلق حرية الرأي ‪.‬‬
‫القتراع‪ ،‬ثالثًا‪:‬توحيد ال ّ‬
‫الثالث‪ :‬ماذا يقول ؟!‬
‫الثاني‪ :‬أحسن منك‪ .‬رجل عنده برنامج ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أهذا هو البرنامج ؟‬
‫الثاني‪ :‬نعم‪ .‬هذا هو‪ .‬أم كنت تظنه برنامج)ما يطلبه المستمعون( ؟‬
‫الثالث‪ :‬ويحي‪ .‬هذا سهل‪ .‬أنا أيضا ً أستطيع أن أقول مثل هذا البرنامج ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬هات ما عندك ‪.‬‬
‫الثالث‪.. :‬ومن أبرز أهدافي أن أكون في خدمة هذين الرفيقين الثلثة‪ .‬وأقسم بشرفي‬
‫أن أحقق المنجزات التالية‪ :‬أو ً‬
‫ل‪ :‬العثور على صندوق‪ ،‬ثانيًا‪ :‬العثور على طعام‪ ،‬ثالثًا‪:‬‬
‫توحيد الصف ومحاربة المبريالية ‪.‬‬
‫الول‪ :‬حسنًا‪..‬أمامك برنامجان ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬ليس في البرنامجين ما يغريني بانتخاب أحدكما‪ .‬لم يتطرق أيّ منكما إلى‬
‫ضرورة توفير السجاير لي ‪.‬‬
‫الول‪ :‬الطعام أوّل ً ‪.‬‬
‫حة ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬السجاير مضيعة للمال والص ّ‬
‫الثاني‪ :‬انتخبا لوحدكما ‪.‬‬
‫الول‪ :‬وماذا ستفعل أنت ؟‬
‫الثاني‪ :‬مقاطعة النتخابات ‪.‬‬
‫الول‪ :‬موقف غير حضاري‪ .‬ل يجوز للمواطن الصيل أن يتخذ موقفا ً سلبي ّا ً من قضّية‬
‫النتخابات ‪.‬‬
‫ً‬
‫الثاني‪ :‬لست سلبيا‪ .‬أنا على الحياد‪ .‬الحياد اليجابي ‪.‬‬
‫الول‪ :‬أعتقد أن ل مفر من القيادة الجماعية ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬كنا هكذا منذ البداية !‬
‫مي‬
‫نس‬
‫أن‬
‫نستطيع‬
‫فإننا‬
‫ية‪،‬‬
‫القض‬
‫تبلورت‬
‫وقد‬
‫الن‬
‫ما‬
‫أ‬
‫بدائية‪.‬‬
‫الول‪ :‬نعم‪ .‬لكن بطريقة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أنفسنا مجلس قيادة ‪.‬‬
‫من ؟!‬
‫الثاني‪ :‬نقود َ‬
‫الول‪ :‬أنفسنا ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬هذه بدعة عربية‪ .‬نحن الن عالميون ‪.‬‬
‫الول‪ :‬ماذا نفعل إذن ؟‬
‫الثاني‪ :‬احسن شيء هو أن يمضي كل واحد منا في اتجاه ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬فكرة جيدة‪..‬لكنها أيضا ً فكرة عربية ‪.‬‬
‫ً‬
‫قدان من العروبة؟ لماذا ل نكون عربا وعالميين في الوقت نفسه؟‬
‫الول‪ :‬لماذا انتما مع ّ‬
‫أل يكفي العرب كرامة عند الله أن يكون منهم الثلثة الوحيدون الذين بقوا على قيد‬
‫الحياة فوق الرض ؟!‬

‫‪191‬‬

‫الثاني‪ :‬على قيد الحياة؟ من قال إننا أحياء حقًا؟ فوق الرض؟ من قال إن هذه هي‬
‫الرض حقًا؟ كرامة؟ أينبغي أن يزول جميع البشر لكي يستطيع ثلثة من العرب أن‬
‫يشعروا بكرامتهم ؟!‬
‫الثالث‪ :‬إثنان فقط‪ .‬أنا ل أشعر بالكرامة‪ .‬كيف أشعر بها وأنت عاكف على إهانتي ؟‬
‫الثاني‪ :‬إذا كانت كلمتي ثقيلة عليك فبإمكانك أن تطلب حقّ اللجوء من هذا‪..‬‬
‫ت في طلبات اللجوء قبل النتخابات ‪.‬‬
‫الول‪ :‬ل تحرجني‪ .‬أنت تعلم أنني ل أستطيع الب ّ‬
‫الثاني‪ :‬أقترح في هذه الحالة أن تجرى انتخابات مب ّ‬
‫كرة ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬سنحتاج إلى صندوق‪..‬‬
‫الول‪ :‬وإلى ناخبين‪..‬‬
‫الثاني‪ :‬وإلى لجنة رقابية‪...‬‬

‫مكان شاغر على القمة‬

‫قى الكاتب الشهير رسالة من كاتب ناشىء‪ ،‬يشكو فيها بمرارة من ثقل شعوره‬
‫تل ّ‬
‫ً‬
‫بالخفاق على الرغم من بذله غاية الجهد‪ ،‬قائل إنه قد أرسل العديد من قصصه‬
‫القصيرة إلى جميع المجلت المعروفة‪ ،‬لكّنه‪ ،‬مع طول انتظاره‪ ،‬لم يحظ بنشر أّية‬
‫واحدة منها‪ ،‬المر الذي جعله يفقد الثقة في نفسه‪ .‬ولنه ل يعرف ماذا يصنع‪ ،‬فقد‬
‫جه إليه طالبا ً منه النصيحة‪.‬‬
‫تو ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫مة لكاتب جّيد جديد‪.‬‬
‫وقد رد ّ عليه الكاتب الشهير قائل‪ :‬هناك دائما مكان شاغر على الق ّ‬
‫مثلى للوصول إلى هناك هي أن تبدأ من أسفل السفح‪ .‬وإذا لم تكن ممن‬
‫والطريقة ال ُ‬
‫يروق لهم البتداء من السفل‪ ،‬فهذا يعني أّنك لست ممن يروق لهم اّتخاذ الكتابة مهنة‪.‬‬
‫وعلى أّية حال‪ ،‬فإن هناك آلفا ً من الصحف السبوعية‪ ،‬والمطبوعات التجارية‪،‬‬
‫والمج ّ‬
‫لت الصغيرة‪ ،‬والمنشورات العلنية‪ ،‬ولبد ّ لمن كانت لديه درجة معقولة من‬
‫القدرة على الكتابة‪ ،‬أن يجد‪ ،‬ذات يوم‪ ،‬فرصة للنشر في واحدة منها‪.‬‬
‫م شيء في حياتك هو أن يظهر عملك بالحرف المطبعية‪ ،‬فإن المر سيبدو‬
‫وإذا كان أه ّ‬
‫لك جيدًا‪ ،‬مهما كان المكان الذي يظهر فيه‪ .‬وإذا بدا ذلك العمل جيدا ً للقارىء أيضًا‪،‬‬
‫فإنك لب ُد ّ أن تجد كثيرا ً من المحّررين والناشرين الذين يرغبون في مساعدتك على‬
‫مة‪.‬‬
‫الصعود قُ ُ‬
‫دما ً إلى الق ّ‬
‫ّ‬
‫تلك هي نصيحة الروائي المريكي الكبير )أرسكين كالدويل( لواحد من قرائه‬
‫ده على مجموعة من السئلة‬
‫المتطّلعين لن يكونوا ك ُّتابًا‪ ،‬وقد جاءت في سياق ر ّ‬
‫مها‬
‫معت لديه عبر سنوات عمله‪ ،‬فأفرد لها فصل ً ختامي ّا ً في كتابه )س ّ‬
‫الشائعة التي تج ّ‬
‫خبرة(‪ ،‬الذي روى فيه تفاصيل تجربته الشخصّية في تعّلم الكتابة‪.‬‬
‫ن تلك الجابات هي ليست سوى خلصات لوقائع تجربته المريرة التي حفر‬
‫والواقع أ ّ‬
‫خللها الصخر بأظافره‪ ،‬من أجل أن يستوي أخيرا ً على مقعد الشهرة والكتفاء المالي‪.‬‬
‫‪192‬‬

‫ي‪ ،‬لتطمين أبناء الشقاء المتزاحمين في‬
‫إّنه ل يطرح المواعظ الجوفاء من برجه العاج ّ‬
‫ً‬
‫أسفل المبنى‪ .‬ولكّنه يخبرهم بتواضع خالص‪ ،‬بأنه كان واقفا‪ ،‬ذات يوم‪ ،‬في مثابتهم‪،‬‬
‫وقد اقتضاه الوصول إلى موقعه الحالي أن يدفع كل الضرائب المترّتبة على من يبتغي‬
‫الوصول ‪ ..‬وهي كما يرويها كانت ضرائب فادحة‪ .‬أي أنه يقول لهم باختصار‪" :‬من‬
‫الممكن أن تصبحوا مثلي اليوم‪ ،‬إذا استطعتم أن تكونوا مثلي بالمس"‪.‬‬
‫لقد عاش هذا الرجل أعواما ً طويلة وهو جالس وراء آلته الكاتبة‪ ،‬ك ّ‬
‫ل يوم‪ ،‬في البرد أو‬
‫في الحر‪ ،‬لينتج مئات القصص ويرسلها إلى مئات المطبوعات‪ ،‬لتلقى نهايتها في سلل‬
‫المهملت‪ ،‬دون أن يداخله اليأس أو الملل‪ .‬وكان‪ ،‬عاما ً بعد عام‪ ،‬يختصر نفقات‬
‫الطعام‪ ،‬ليزيد في نفقات الطوابع التي يحتاجها لرسال قصصه‪.‬‬
‫والعمل الوحيد الذي استطاع أن يحصل عليه‪ ،‬من أجل أن يعيش‪ ،‬هو كتابة عروض‬
‫سريعة للكتب الجديدة‪ ،‬لحساب إحدى المج ّ‬
‫لت التي كانت ترسل إليه رزما ً منها ك ّ‬
‫ل‬
‫شهر‪ ،‬غير أّنها بدل ً من أن تدفع له مال ً نظير ما يكتبه‪ ،‬كانت تسمح له بأن يحتفظ‬
‫جار الكتب المستعملة مقابل بضعة‬
‫بالكتب المرسلة إليه‪ ،‬فكان بدوره يبيع بعضها لت ّ‬
‫سنتات لك ّ‬
‫ل كتاب‪.‬‬
‫وللمرء أن يتخّيل بشاعة ما كان يعانيه من فاقة‪ ،‬حين يقرأ البهجة العارمة في السطور‬
‫قيه ثلثة دولرات مكافأة عنها من المجّلة‬
‫صة له‪ ،‬وتل ّ‬
‫التي يصف فيها ذكرى نشر أول ق ّ‬
‫التي نشرتها‪ ،‬إذ يقول‪ " :‬لقد ُأتيح لنا في ذلك اليوم أن نتذّوق طعم اللحم‪ ،‬بعد زمن‬
‫طويل من الحرمان " !‬
‫والكتاب بجملته درس لك ّ‬
‫ن على من يريد أن يكون كاتبًا‪ ،‬أن يكون‬
‫ل كاتب‪ ،‬فهو يقّرر أ ّ‬
‫مخلصا ً للكتابة حتى الرمق الخير‪ ،‬على الرغم من كل العوائق والمحبطات‪.‬‬
‫ولع ّ‬
‫ل جوابه القصير على سؤال حول مقدار المال الذي يكسبه من عمله‪ ،‬يبّين لنا‬
‫بإيجاز المعنى الكبير للرسالة التي تضمنها كتابه‪.‬‬
‫يقول أرسكين كالدويل‪ " :‬ليس لي دخل منتظم‪ ،‬لن ما أكسبه يعتمد على المكافآت‬
‫التي أتقاضاها لقاء ما أكتبه‪ .‬فأحيانا ً أكسب عشرة دولرات في عام كامل‪ ،‬وأحيانا ً‬
‫أكسب ثلثة آلف دولر في أسبوع " !‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ما أن يكون النشر منتظرا لدى الباب‪،‬‬
‫والمعنى الكامن وراء هذه الجابة هو أنه ليس مه ّ‬
‫وليس مهما ً أن يكون المكسب في متناول اليد ‪ ..‬بل المهم هو أن تكتب وتكتب‬
‫ن الكتابة‪ ،‬بحد ّ ذاتها‪ ،‬هي الوسيلة والغاية معًا‪.‬‬
‫وتكتب‪ ،‬مضمرا ً في قرارة نفسك أ ّ‬

‫‪193‬‬

‫نوع العقوبة‬

‫في عام ‪ 1973‬قام الجنرال الشيلي السفاح )أوغستو بينوشيه( بانقلب عسكري‪ ،‬بدأه‬
‫بإطلق نيران المدفعية علي بيت الرئيس المنتخب )سلفادور ألليندي(‪ ..‬مما ادي الي‬
‫مصرع الخير وغرق شيلي في مستنقع الرعب والقتل الجماعي طيلة اعوام لم تنته إل‬
‫في وقت قريب‪ ،‬بعد ان كنست عواصف التغيير شيخوخة الجنرال ونظامه الي مزبلة‬
‫التاريخ‪.‬‬
‫وقد كاد هذا الوحش يواجه العقاب في لندن مؤخرا‪ ،‬بعد احتجازه للمحاكمة بدعاوي‬
‫اهل ضحاياه وانصارهم‪ ،‬لول ان شفعت له عمالته القديمة‪ ،‬يوم ان سخر ارض بلده‬
‫للبريطانيين في )حرب الفوكلند(‪ ..‬فتم تهريبه من العقاب‪ ،‬تحت جنح ظلم العدالة!‬
‫والمرء يتساءل عن العبرة من محاكمته في بريطانيا؟ ان عدالتها لن تعدمه‪ ،‬لن عقوبة‬
‫العدام ملغاة فيها‪ .‬وحتي اذا اعدمته فما الفائدة؟ انه في ارذل العمر‪ ،‬وموته راحة له‪.‬‬
‫وفي الحالين لن يكون في عقوبته ما يطفيء غ ّ‬
‫ل ضحاياه‪.‬‬
‫الروائية الشيلية الفذة )إيزابيل ألليندي(‪ ،‬وهي ابنة عم الرئيس المغدور سلفادور‪،‬‬
‫وواحدة من ضحايا بينوشيه‪ ،‬قررت عقوبة للدكتاتور علي طريقتها‪ ،‬ففي مقابلة لها مع‬
‫سئلت في شيلي مؤخرا عن النهاية التي أود‬
‫صحيفة )التايمز( البريطانية قالت‪ :‬لقد ُ‬
‫كتابتها للجنرال بينوشيه‪ ،‬فأجبت بأنني اتمني له ان يصبح عجوزا جدا جدا‪ ،‬حتي يتجاوز‬
‫عمره المائة عام‪ ،‬وان يكون طيلة هذا الوقت محاطا بأشباح ضحاياه ممن خانهم‬
‫اوأرهبهم او قتلهم‪ ،‬ومحاطا ايضا بأبناء هؤلء حتي آخر لحظة من حياته الطويلة ‪.‬‬
‫وقاطعها المحرر قائل‪ :‬انت تفترضين ان السفاح يمتلك نوعا من الضمير ‪.‬‬
‫فردت‪ :‬لو كان يملك ضميرا حقا‪ ،‬لما كانت هناك حاجة لحاطته بالشباح !‬
‫أتأمل كلمها‪ ،‬ويخطر في ذهني رئيسنا المناضل‪ ،‬الذي اخرجه الميركان من جحره‬
‫علي هيئة نشال‪ ،‬وبصحبته مسدسه ورشاشاته التي كان يدخرها لوقت الشدة الذي لم‬
‫يأت ابدا!!‬
‫‪194‬‬

‫وأتساءل في نفسي‪ :‬بأية اشباح سنخيف هذا الشعث الغبر الذي كان نائما في حفرة‬
‫ضب بصحبة الجرذان؟ انه برغم ذلته وهوانه ما زال يسمي ضحاياه من الهل والجيران‬
‫لصوصا وخونة وغوغاء‪.‬‬
‫ثم ماذا سيفيدنا عذابه بهذه الطريقة الرومانسية‪ ،‬اذا كنا ل نزال غارقين في توابع‬
‫زلزاله من المرتزقة النذال الذين يرقصون علي دمائنا في وسائل العلم‪ ،‬ومن الجهلة‬
‫الذين ما زالوا يصدقونهم برغم ظهور كل محتويات جحيمنا للقاصي والداني؟ بالنسبة‬
‫لي‪ ..‬اتمني انا ايضا لهذا السفاح ان يعيش مائة عام فوق عمره‪ ،‬بشرط ان يوزع علي‬
‫جميع الدول العربية‪ ،‬ليحكمها دوريا )علي طريقة مجلس حكمنا النتقالي(‪ ..‬لكن بواقع‬
‫خمس سنوات لكل دولة‪ ،‬علي ان يوظف يتاماه الطبالون اعضاء في مجلس قيادته‪.‬‬
‫أخمن ان سنة واحدة ستكون كافية ووافية تماما‪ ،‬لكي يعرف شعب كل دولة ان الله‬
‫حق‪ ،‬وان الشعب العراقي )معجزة( بالتأكيد‪ ..‬حين استطاع ان يبقي حيا‪ ،‬وهو علي قيد‬
‫الوفاة طيلة ستة وثلثين عاما!‬
‫أما اعضاء مجلس قيادته‪ ،‬فانهم سوف لن يعرفوا اطلقا ما ستعرفه الشعوب‪ ،‬وذلك‬
‫لن الصورة ستخلو منهم تدريجيا بارسالهم الي السماء ‪-‬بنظام الشفتات‪ -‬حسب‬
‫)حسابات الحاضر والماضي( كما كان يقول مهيبنا الهارب من الخدمة العسكرية!‬
‫فاذا اكمل القائد دورات حكمه‪ ،‬وامكن ان يجدوا فيه نفسا يتردد‪ ،‬بعد استخراجه من‬
‫الحفرة العشرين‪ ،‬فل بأس‪ ،‬عندئذ‪ ،‬من البدء بمحاكمته‪.‬‬

‫‪195‬‬

‫ق في الفؤاد ‪ ..‬وكلمة فوق اللسان ‪..‬‬
‫مابين خف ٍ‬
‫في أول هدأة للمرض كنت أنوي أن أنفض الليل المطبق على الوراق وأشرع في‬
‫الكتابة‪ ،‬مهما كلفني ذلك من جهد‪ ،‬أنا الذي وجدتني أخوض صراعات شاقة من أجل‬
‫القيام بأمور معتادة وبسيطة كالصلة‪ ،‬أو القراءة أو حتى مشاهدة فيلم مس ّ‬
‫ل لتخفيف‬
‫مى الوقت‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫كنت سأقول‪ :‬أليس من الغريب أن يصطفي المرض من عمري سنواته القسى‬
‫مه فيها؟‬
‫سس ّ‬
‫والكثر ألما ً ويد ّ‬
‫أن يتسّلل على أطراف أصابعه ويعبث بكريات دمي فيما أنا واقف على أطراف‬
‫أصابعي أتأمل من نافذة غربتي "عراقي" الحزين‪ ،‬وقد آل إلى ضياع جديد‪ ،‬وأفكر في‬
‫جدوى أن أعرق كلما ارتفعت حرارة الوطن فيما العصابات هناك تعيث في روحه‬
‫فسادا ً وتسرق الحياة من شرايينه؟‬
‫كنت سأقول‪ :‬أليس من المؤلم جدًا‪ ،‬ولم تمض أربعة أشهر بعد‪ ،‬على كتابتي قصيدة‬
‫)ثلثون(‪ ،‬تلك السيرة القصيرة الطويلة التي ضبطت نفسي وأنا أغالب عبرتي أثناء‬
‫من المرض على رحلة السندباد ويهديني زوبعة جديدة بغرض التلّهي عن‬
‫كتابتها‪ ،‬أن يؤ ّ‬
‫الزوبعة الولى ربما؟‬
‫هل يملك من يحمل في داخله وطنا ً كالعراق طاقة إضافية للصراع مع مرض آخر‪ ،‬وهل‬
‫يستطيع حقا ً أن ينشغل بعلج بدنه عن علج روحه؟‬
‫كنت سأقول وأسهب عن موسم واحد ٍ فقط يعرفه سرير المرض وهو موسم الشتاء‪،‬‬
‫فل صيف ول ربيع ول حتى خريف وإنما برودة ضارية تتخلل الغطية البيضاء وتوسع‬
‫قاموس الدوية والمضادات وتحيل حتى كأس الماء إلى قطعة جليد‪.‬‬
‫ن ) سبتمبر(‪ ،‬الذي وعيت فيه على مرضي‪ ،‬هو أقسى الشهور وليس‬
‫كنت سأقول أ ّ‬
‫ن "إليوت" مات قبل أن يرى الرض الخراب الحقيقية‪.‬‬
‫) أبريل(‪ ،‬وإ ّ‬
‫كنت سأضحك من شّر البلية وأنا في البرزخ بين جرعة علج وأخرى وقد رجتني‬
‫ي وأسترخي قليل ً كأن ألوذ بالتفكير في شيء جميل "فكر مثل ً‬
‫الطبيبة أن أغمض عين ّ‬
‫في بلدك ‪ "..‬قالت ذلك قبل أن تستدرك وهي ترى معالم الدهشة على وجهي وتتذكر‬
‫أنني من البلد الذي يلعب الن دور البطولة التراجيدية على شاشات التلفزيون " ل ل ‪..‬‬
‫بل ف ّ‬
‫كر في أي شيء آخر عدا بلدك!" ثم تتحول الضحكة إلى نوبة نشيج مكتوم عندما‬
‫يعيد ابني الكبر على إخوته رواية الحادثة مرة واثنتين وثلثًا!‬
‫دد – صادقا ً – أنني لم أعتد على الستسلم‪ ،‬منذ كنت‬
‫كنت سأقول ألست أنا من أر ّ‬
‫طفل ً غّرًا‪ ،‬وأنني أستطيع الوقوف وحيدا ً في وجه أقسى الهزائم لحيلها إلى انتصارات‬
‫تشبه إرادتي‪ ،‬وأنني لم أتخ ّ‬
‫ل يوما ً عن إيماني العميق برحمة الله التي أنجتني أيضًا‪ ،‬منذ‬
‫ن هذه الشهر هي اختبار ل مفّر منه لصلبة نفسي؟‬
‫وأ‬
‫الله‪،‬‬
‫كنت يافعًا‪ ،‬من شّر خلق‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫كنت سأقول إنه لو كان للمرض من حسنة فهي أنه أبعدني – قسرا‪ -‬عن الستماع إلى‬
‫نشرات الخبار وعن قراءة الصحف وعن كل ما له صلة بالموت هناك‪ ،‬سواء بوجهه‬
‫الفيزيائي من خلل المجازر التي ترتكب بشكل يومي أو بوجهه الخر المتبدي جليا ً في‬
‫ن الخبار تتسلل‪ ،‬رغم‬
‫الضمائر الملوثة التي تبيع وتشتري باسم الوطن والوطنية‪ ،‬لول أ ّ‬
‫حيطة المقربين‪ ،‬عن طريق ملحظة عابرة أو هامش صغير أو تداع لكلمة من هنا‬
‫وصوت من هناك أو عنوان رئيسي لصحيفة مهملة‪ ،‬وأن كل ذلك كاف ليقاظ اللم‬
‫‪196‬‬

‫ي أن أضرب عرض الحائط بكل‬
‫التي تتصّنع الغفوة داخلي وعودة أبنائي إلى التو ّ‬
‫سل إل ّ‬
‫شيء وأفكر فقط في نفسي "على القل في فترة مرضك‪ ،‬حاول أن تنسى كل ما من‬
‫شأنه أن يثير انفعالك وأساك"!‬
‫كنت سأقول أشياء كثيرة عن خطورة المرض والشروط القاسية التي يمليها على‬
‫أبسط طقوس الحياة وعن جبهته الواسعة والمفتوحة على معارك شتى‪ ،‬وعن الوطن‬
‫الذي يبتعد كلما اقتربت وعن اللصوص المتنفذين بداخله والمحيطين به من ك ّ‬
‫ل جانب‪،‬‬
‫وعن الرادة والوقت وأشياء أخرى مصطفة بأدب جم في انتظار أن أفضح صمتها‪ ،‬غير‬
‫أن ك ّ‬
‫ل هذه الشياء‪ ،‬كلها دون استثناء‪ ،‬يمكن تأجيلها‪ ،‬أو بالحرى يجب عليها أن تجلس‬
‫ف الول‪،‬‬
‫ن ممتلئة بالمتنان لصحاب الص ّ‬
‫على كراسي الص ّ‬
‫ف الثاني وتشخص بأعي ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أولئك الذين رافقوني مع أسرتي طيلة الرحلة الصعبة‪ ،‬فكانوا وطنا آمنا وشفاًء‪ ،‬وكانوا‬
‫كل ما يجب أن يقال الن في هذه اللحظة‪ :‬صحيفة الراية ورئيس تحريرها الصديق‬
‫ف عن السؤال والطمئنان‪ ،‬والذي احتوى فترة‬
‫الستاذ يوسف درويش‪ ،‬الذي لم يك ّ‬
‫مرضي وانقطاعي الطويل عن الكتابة بكثير من الُنبل والريحية وأصّر على أن أبقى‬
‫ن صوتي لم‬
‫ن قلمي لم يتوقف عن النبض لحظة وكأ ّ‬
‫بينهم حاضرا ً في الغياب وكأ ّ‬
‫يتحشرج لثانية‪.‬‬
‫ثم ثّلة الصدقاء والصديقات الذين تركوا العواصم المتباعدة خلفهم وطووا المسافات‬
‫الطويلة لكي يغتالوا وحشتي بحضورهم ويمدوا أيديهم‪ ،‬ولو لبضع ساعات‪ ،‬إلى كتفي‬
‫ل المرض يسمعهم فينكمش خج ً‬
‫ويهمسوا في أذني لع ّ‬
‫ل‪ :‬إننا هنا يا أحمد‪.‬‬
‫ً‬
‫ومثلهم ذلك الجيش الملئكي الذي أسميه مجازا )قرائي(‪ ،‬وهم شعب من الجناس‬
‫المختلفة والعمار المختلفة والمستويات المختلفة وربما القلوب المختلفة أيضًا‪ ،‬الذين‬
‫بلغني أنهم يتابعون أخباري بكل الوسائل المتاحة لديهم‪ ،‬وهي أكثر صدقا ً ونقاء من‬
‫جميع وسائل العلم العربية‪ ،‬ويتبادلون الدعاء من أجلي عبر رسائلهم الهاتفية‪،‬‬
‫ويلحقون أنباء صحتي في مواقعهم الشخصية على النترنت‪ ،‬والذين اجتمعوا على أن‬
‫ل يعلمون جيدا ً‬
‫ي حّبهم وكلماتهم ودعواتهم التي كان لها فعل السحر عند رج ٍ‬
‫يوصلوا إل ّ‬
‫أنه أعزل!‬
‫ً‬
‫أنتم جميعا‪ ،‬أيها العزاء‪ ،‬سندي وقّرة عيني‪ ،‬وأنتم الرهان الذي ل يخيب‪ ،‬وأنتم الوطن‬
‫الخافق في الفؤاد والساكن تحت المداد‪.‬‬
‫هذا تماما ً ما أريد قوله في أول هدأة للمرض‪ ،‬ومن دفء هذا الحساس يمكنني أن‬
‫ل عابر‪.‬‬
‫أقتبس النور في بلد ٍ ل تزوره الشمس إل بشك ٍ‬
‫من كل قلبي‪ :‬شكرا ً لكم‪.‬‬

‫أحمد مطر‬

‫‪197‬‬

198

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful