‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء السادس‬

‫إقامة *‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫‪ - 1‬القامة في اللّغة مصدر ‪ :‬أقام ‪ ،‬وأقام بالمكان ‪ :‬ثبت به ‪ ،‬وأقام الشّيء ‪ :‬ثبّته أو عدله ‪،‬‬
‫وأقام الرّجل الشّرع ‪ :‬أظهره ‪ ،‬وأقام الصّلة ‪ :‬أدام فعلها ‪ ،‬وأقام للصّلة إقامةً ‪ :‬نادى لها ‪.‬‬
‫وتطلق القامة في الشّرع بمعنيين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬الثّبوت في المكان ‪ ،‬فيكون ضدّ السّفر ‪.‬‬
‫ظ مخصوص ٍة وصفةٍ‬
‫الثّاني ‪ :‬إعلم الحاضرين المتأهّبين للصّلة بالقيام إليها ‪ ،‬بألفا ٍ‬
‫مخصوصةٍ ‪.‬‬
‫ل ‪ :‬أحكام القامة الّتي بمعنى الثّبوت في المكان‬
‫أ ّو ً‬
‫أ ‪ -‬إقامة المسافر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يصبح المسافر مقيما إذا دخل وطنه ‪ ،‬أو نوى القامة في مكان ما بالشّروط الّتي ذكرها‬
‫الفقهاء ‪ ،‬وينقطع بذلك عنه حكم السّفر ‪ ،‬وتنطبق عليه أحكام المقيم ‪ ،‬كامتناع القصر في‬
‫الصّلة ‪ ،‬وعدم جواز الفطر في رمضان ‪ .‬وإقامة الفاقيّ داخل المواقيت المكانيّة ‪ ،‬أو في‬
‫الحرم تعطيه حكم المقيم داخل المواقيت أو داخل الحرم من حيث الحرام ‪ ،‬وطواف الوداع ‪،‬‬
‫والقدوم ‪ ،‬والقران ‪ ،‬والتّمتّع ‪ .‬وينظر تفصيلت ذلك في ( قران ‪ -‬تمتّع ‪ -‬حجّ ‪ -‬إحرام ) ‪.‬‬

‫ب‪-‬إقامة المسلم في دار الحرب ‪:‬‬

‫ل أنّه إذا كان يخشى على دينه ‪،‬‬
‫‪ - 3‬إقامة المسلم في دار الحرب ل تقدح في إسلمه ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن الّذين‬
‫بحيث ل يمكنه إظهاره ‪ ،‬تجب عليه الهجرة إلى دار السلم ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪ « :‬إ ّ‬
‫توفّاهم الملئكة ظالمي أنفسهم ‪ ،‬قالوا ‪ :‬فيم كنتم ؟ قالوا ‪ :‬كنّا مستضعفين في الرض ‪ .‬قالوا ‪:‬‬
‫ألم تكن أرض اللّه واسعةً فتهاجروا فيها » ‪ ،‬وهذا إذا كان يمكنه الهجرة ولم يكن به عجز ‪،‬‬
‫لمرضٍ أو إكرا ٍه على القامة ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان ل يخشى الفتنة ويتمكّن من إظهار دينه مع إقامته في دار الحرب ‪ ،‬فإنّه يستحبّ‬
‫له الهجرة إلى دار السلم ‪ ،‬لتكثير المسلمين ومعونتهم ‪ ،‬ول تجب عليه الهجرة ‪.‬‬
‫وقد كان العبّاس ع ّم النّبيّ صلى ال عليه وسلم مقيما بمكّة مع إسلمه ‪.‬‬
‫وللفقهاء تفصيلت كثيرة في ذلك ‪ ( :‬ر ‪ :‬جهاد ‪ -‬دار الحرب ‪ -‬دار السلم ‪ -‬هجرة ) ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬القامة للصّلة‬
‫اللفاظ ذات الصّلة بإقامة الصّلة ‪:‬‬

‫‪ - 4‬هناك ألفاظ لها صلة بالقامة للصّلة منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الذان ‪ :‬يعرّف الذان بأنّه ‪ :‬إعلم بدخول وقت الصّلة بألفاظٍ معلومةٍ مأثور ٍة على صفةٍ‬
‫مخصوص ٍة يحصل بها العلم ‪.‬‬
‫فالذان والقامة يشتركان في أنّ كلّا منهما إعلم ‪ ،‬ويفترقان من حيث إنّ العلم في القامة‬
‫ن صيغة‬
‫هو للحاضرين المتأهّبين لفتتاح الصّلة ‪ ،‬والذان للغائبين ليتأهّبوا للصّلة ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫الذان قد تنقص أو تزيد عن القامة على خلفٍ بين المذاهب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّثويب ‪ :‬التّثويب عود إلى العلم بعد العلم ‪ .‬وهو عند الفقهاء ‪ ،‬زيادة " الصّلة‬
‫خير من النّوم " ‪.‬‬

‫حكم القامة التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 5‬في حكم القامة التّكليفيّ رأيان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أنّ القامة فرض كفاي ٍة إذا قام به البعض سقط عن الخرين ‪ ،‬وإذا ترك أثموا جميعا‬
‫‪ .‬قال بهذا الحنابلة ‪ ،‬وهو رأي لبعض الشّافعيّة في الصّلوات الخمس ‪ ،‬ولبعضٍ آخر للجمعة‬
‫ي ‪ ،‬حتّى روي عنهما أنّه إن نسي القامة أعاد الصّلة ‪،‬‬
‫فقط ‪ .‬وهو رأي عطاءٍ والوزاع ّ‬
‫وقال مجاهد ‪ :‬إن نسي القامة في السّفر أعاد ‪ ،‬ولعلّه لما في السّفر من الحاجة إلى إظهار‬
‫الشّعائر ‪ .‬واستدلّ للقول بأنّها فرض كفايةٍ بكونها من شعائر السلم الظّاهرة ‪ ،‬وفي تركها‬
‫تهاون ‪ ،‬فكانت فرض كفايةٍ مثل الجهاد ‪.‬‬
‫ن القامة سنّة مؤكّدة ‪ ،‬وهو مذهب المالكيّة ‪ ،‬والرّاجح عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو الصحّ‬
‫الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫سنّة هنا السّنن الّتي هي من شعائر‬
‫عند الحنفيّة ‪ ،‬وقال محمّد بالوجوب ‪ ،‬ولكن المراد بال ّ‬
‫سنّة المتواترة‬
‫ن ترك ال ّ‬
‫السلم الظّاهرة ‪ ،‬فل يسع المسلمين تركها ‪ ،‬ومن تركها فقد أساء ‪ ،‬ل ّ‬
‫س ّنيّة‬
‫يوجب الساءة وإن لم يكن من شعائر السلم ‪ ،‬فهذا أولى ‪ ،‬وفسّر أبو حنيفة ال ّ‬
‫سنّة وخالفوا وأثموا ‪ ،‬والثم إنّما يلزم بترك‬
‫بالوجوب ‪ ،‬حيث قال في التّاركين ‪ :‬أخطئوا ال ّ‬
‫س ّنيّة « بقوله صلى ال عليه وسلم للعرابيّ المسيء صلته ‪ :‬افعل كذا‬
‫الواجب ‪ .‬واحتجّوا لل ّ‬
‫وكذا» ‪ .‬ولم يذكر الذان ول القامة مع أنّه صلى ال عليه وسلم ذكر الوضوء واستقبال القبلة‬
‫وأركان الصّلة ولو كانت القامة واجبةً لذكرها ‪.‬‬

‫تاريخ تشريع القامة وحكمتها ‪:‬‬

‫‪ - 6‬تاريخ تشريع القامة هو تاريخ تشريع الذان ( ر ‪ :‬أذان ) ‪.‬‬
‫أمّا حكمتها ‪ :‬فهي إعلء اسم اللّه تعالى واسم رسوله صلى ال عليه وسلم وإقرار للفلح‬
‫والفوز عند كلّ صل ٍة في اليوم أكثر من مرّةٍ ‪ ،‬لتركيز ذلك في نفس المسلم ‪ ،‬وإظهار لشعيرةٍ‬
‫من أفضل الشّعائر ‪.‬‬

‫كيفيّة القامة ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اتّفقت المذاهب على أنّ ألفاظ القامة هي نفس ألفاظ الذان في الجملة بزيادة ‪ " :‬قد‬
‫ن التّرتيب بين ألفاظها هو نفس‬
‫قامت الصّلة ‪ -‬بعد ‪ -‬حيّ على الفلح " ‪ .‬وكذلك اتّفقوا على أ ّ‬
‫ل أنّهم اختلفوا في تكرار وإفراد ألفاظها على الوجه التي ‪:‬‬
‫ترتيب ألفاظ الذان ‪ ،‬إ ّ‬
‫اللّه أكبر ‪ .‬تقال في بدء القامة " مرّتين " عند المذاهب الثّلثة ‪ ،‬وأربع مرّاتٍ عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫أشهد أن ل إله إلّ اللّه ‪ .‬تقال " مرّةً واحد ًة " عند المذاهب الثّلثة " ومرّتين " عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫ن محمّدا رسول اللّه ‪ .‬تقال " مرّةً واحدةً " عند المذاهب الثّلثة " ومرّتين " عند الحنفيّة‬
‫أشهد أ ّ‬
‫‪ .‬حيّ على الصّلة ‪ .‬تقال ‪ « :‬مرّةً واحد ًة " عند المذاهب الثّلثة " ومرّتين " عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫حيّ على الفلح ‪ .‬تقال ‪ « :‬مرّةً واحدةً " عند المذاهب الثّلثة " ومرّتين " عند الحنفيّة ‪ .‬قد‬
‫قامت الصّلة ‪ .‬تقال " مرّتين " عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة " ومرّةً واحدةً " عند المالكيّة‬
‫على المشهور ‪.‬‬
‫اللّه أكبر ‪ .‬تقال " مرّتين " على المذاهب الربعة ‪.‬‬
‫ن المذاهب‬
‫ل إله إلّ اللّه ‪ .‬تقال " مرّةً واحد ًة " على المذاهب الربعة ‪ .‬ويستخلص من ذلك أ ّ‬
‫الثّلثة تختلف عن الحنفيّة بإفراد أكثر ألفاظ القامة كما تقدّم ‪ .‬واحتجّوا بما روي عن أنسٍ قال‬
‫‪ « :‬أمر بلل أن يشفع الذان ويوتر القامة » ‪ .‬وبما روي عن ابن عمر قال ‪ « :‬إنّما كان‬
‫الذان على عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم مرّتين مرّتين ‪ ،‬والقامة مرّ ًة مرّ ًة » ‪ .‬أمّا‬
‫الحنفيّة فيجعلون القامة مثل الذان بزيادة " قد قامت الصّلة " مرّتين بعد " حيّ على الفلح "‬
‫‪ .‬واحتجّوا بحديث عبد اللّه بن زيدٍ النصاريّ ‪ «،‬أنّه جاء إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال‬
‫ن رجلً قام وعليه بردان أخضران ‪ ،‬فقام على حائطٍ فأذّن‬
‫يا رسول اللّه ‪ :‬رأيت في المنام كأ ّ‬
‫مثنى مثنى ‪ ،‬وأقام مثنى مثنى » ولما روي كذلك عن عبد اللّه بن زي ٍد « فاستقبل القبلة يعني‬
‫الملك ‪ ،‬وقال ‪ :‬اللّه أكبر ‪ .‬اللّه أكبر ‪ ..‬إلى آخر الذان ‪ .‬قال ثمّ أمهل هنيهةً ‪ ،‬ثمّ قام فقال‬
‫مثلها ‪ ،‬أل أنّه قال ‪ :‬زاد بعد ما قال ‪ :‬حيّ على الفلح ‪ :‬قد قامت الصّلة ‪ ،‬قد قامت الصّلة‬
‫» ‪ .‬وأمّا المالكيّة فيختلفون عن غيرهم في تثنية قد قامت الصّلة ‪ ،‬فالمشهور عندهم أنّها تقال‬
‫مرّةً واحد ًة ‪ .‬لما روى أنس قال ‪ « :‬أمر بلل أن يشفع الذان ويوتر القامة » ‪.‬‬

‫حدر القامة ‪:‬‬

‫‪ - 8‬الحدر هو السراع وقطع التّطويل ‪.‬‬

‫وقد اتّفق الفقهاء على الحدر في القامة والتّرسّل في الذان ‪ ،‬لحديث رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬إذا أذّنت فترسّل ‪ ،‬وإذا أقمت فاحدر » ‪ ،‬ولما روى أبو عبيدٍ بإسناده ‪ ،‬عن‬
‫عمر رضي ال عنه أنّه قال لمؤذّن بيت المقدس ‪ " :‬إذا أذّنت فترسّل ‪ ،‬وإذا أقمت فاحذم "‬

‫قال الصمعيّ ‪ :‬وأصل الحذم ‪ -‬بالحاء المهملة ‪ -‬في المشي إنّما هو السراع ‪.‬‬

‫وقت القامة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬شرعت القامة أهب ًة للصّلة بين يديها ‪ ،‬تفخيما لها كغسل الحرام ‪ ،‬وغسل الجمعة ‪ ،‬ثمّ‬
‫ح تقديمها على وقت‬
‫لعلم النّفس بالتّأهّب والقيام للصّلة ‪ ،‬وإعلم الفتتاح ‪ .‬ول يص ّ‬
‫الصّلة ‪ ،‬بل يدخل وقتها بدخول وقت الصّلة ‪ ،‬ويشترط لها شرطان ‪ ،‬الوّل ‪ :‬دخول‬
‫الوقت ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬إرادة الدّخول في الصّلة ‪ .‬فإن أقام قبيل الوقت بجزءٍ يسيرٍ بحيث دخل‬
‫الوقت عقب القامة ‪ ،‬ثمّ شرع في الصّلة عقب ذلك لم تحصل القامة ‪ ،‬وإن أقام في الوقت‬
‫وأخّر الدّخول في الصّلة بطلت إقامته إن طال الفصل ‪ ،‬لنّها تراد للدّخول في الصّلة فل‬
‫يجوز إطالة الفصل ‪.‬‬

‫ما يشترط لجزاء القامة ‪:‬‬

‫‪ - 10‬يشترط في القامة ما يأتي ‪:‬‬

‫دخول الوقت ‪ ،‬ونيّة القامة ‪ ،‬والداء باللّغة العربيّة ‪ ،‬والخل ّو من اللّحن المغيّر للمعنى ‪،‬‬
‫ورفع الصّوت ‪ .‬ولكن رفع الصّوت بالقامة يكون أخفّ من رفعه بالذان ‪ ،‬لختلف المقصود‬
‫في ك ّل منهما ‪ .‬فالمقصود من الذان ‪ :‬إعلم الغائبين بالصّلة ‪ ،‬أمّا القامة فالمقصود منها‬
‫طلب قيام الحاضرين فعلً للصّلة ‪ ،‬وقد تقدّم ذلك في وقت القامة ‪.‬‬
‫وكذلك يشترط التّرتيب بين الكلمات والموالة بين ألفاظ القامة ‪.‬‬
‫وفي هذه الشّروط خلف وتفصيل ينظر في مصطلح " أذان " ‪.‬‬

‫شرائط المقيم ‪:‬‬
‫‪11‬‬

‫‪ -‬تشترك القامة مع الذان في هذه الشّرائط ونذكرها إجمالً ‪ ،‬ومن أراد زيادة تفصيلٍ‬

‫فليرجع إلى مصطلح ( أذان ) ‪ ،‬وأوّل هذه الشّروط ‪.‬‬
‫ح القامة من الكافر ول‬
‫أ ‪ -‬السلم ‪ :‬اتّفق الفقهاء على اشتراط السلم في المقيم ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫المرتدّ لنّها عبادة ‪ ،‬وهما ليسا من أهلها ‪.‬‬
‫ن الذان‬
‫ب ‪ -‬الذّكورة ‪ :‬اتّفق الفقهاء على عدم جواز أذان المرأة وإقامتها لجماعة الرّجال ‪ ،‬ل ّ‬
‫في الصل للعلم ‪ ،‬ول يشرع لها ذلك ‪ ،‬والذان يشرع له رفع الصّوت ‪ ،‬ول يشرع لها‬
‫رفع الصّوت ‪ ،‬ومن ل يشرع في حقّه الذان ل يشرع في حقّه القامة ‪.‬‬
‫وأمّا إذا كانت منفرد ًة أو في جماعة النّساء ففيه اتّجاهات ‪.‬‬
‫الوّل ‪ :‬الستحباب ‪ .‬وهو قول المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهي رواية عند الحنابلة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الباحة ‪ .‬وهي رواية عن أحمد ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬الكراهة ‪ .‬وهو قول الحنفيّة ‪.‬‬

‫ص فقهاء المذاهب على بطلن أذان وإقامة المجنون والمعتوه والسّكران ‪،‬‬
‫ج ‪ -‬العقل ‪ :‬ن ّ‬
‫ل بعض الحنفيّة في السّكران ‪ ،‬حيث قالوا‬
‫وقالوا ‪ :‬يجب إعادة أذانهم ‪ ،‬ولم يخالف في هذا إ ّ‬
‫بكراهة أذانه وإقامته واستحباب إعادتهما ‪.‬‬
‫د ‪ -‬البلوغ ‪ :‬للعلماء في إقامة الصّبيّ ثلثة آراء ‪:‬‬
‫ح إقامنة الصنّبيّ سنواء أكان مميّزا أم غينر مميّزٍ ‪ ،‬وهنو رأي عنند الحنفي ّة‬
‫الوّل ‪ :‬ل تصن ّ‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ح إقامته إن كان مميّزا عاقلً ‪ ،‬وهو رأي آخر في تلك المذاهب ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬تص ّ‬
‫الثّالث ‪ :‬الكراهة إذا كان مميّزا ‪ ،‬وهو رأي للحنفيّة ‪.‬‬
‫هن‪ -‬العدالة ‪ :‬في إقامة الفاسق ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ل يعتدّ بها ‪ ،‬وهو رأي للحنفيّة ‪ ،‬ورأي للحنابلة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الكراهة ‪ :‬وهو رأي للحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪.‬‬
‫ح ويستحبّ إعادته ‪ .‬وهو رأي للحنفيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬يص ّ‬
‫وينظر تفصيل وتوجيه ذلك في ( الذان ) ‪.‬‬
‫سنّة وصل القامة‬
‫ن ال ّ‬
‫و‪-‬الطّهارة ‪ :‬اتّفق الفقهاء على كراهة القامة مع الحدث الصغر ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن إقامة‬
‫بالشّروع بالصّلة ‪ ،‬واتّفقوا على س ّنيّة العادة ما عدا الحنفيّة ‪ .‬وفي رأيٍ للحنفيّة أ ّ‬
‫المحدث حدثا أصغر جائزة بغير كراهةٍ ‪.‬‬
‫أمّا من الحدث الكبر ففيه رأيان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو إحدى الرّوايتين عند الحنابلة ‪ ،‬إلى كراهة‬
‫إقامة المحدث حدثا أكبر ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الرّواية الخرى عند الحنابلة ‪ :‬بطلن الذان مع الحدث الكبر ‪ ،‬وهو قول عطاءٍ‬
‫ومجاهد والوزاعيّ وإسحاق ‪.‬‬

‫ما يستحبّ في القامة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬اتّفقت المذاهب على استحباب الحدر في القامة والتّرسّل في الذان كما مرّ ( ف ) ‪.‬‬
‫وفي الوقف على آخر كلّ جملةٍ في القامة رأيان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬قال المالكيّة ‪ ،‬وهو رأي للحنفيّة ‪ ،‬القامة معربة إن وصل كلمةً بكلم ٍة ‪ .‬فإن وقف‬
‫المقيم وقف عليها بالسّكون ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬قال الحنابلة ‪ ،‬وهو رأي آخر للحنفيّة ‪ ،‬ورأي للمالكيّة ‪ :‬القامة على الجزم مثل‬
‫الذان ‪ ،‬لما روي عن النّخعيّ موقوفا عليه ومرفوعا إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪:‬‬

‫« الذان جزم ‪ ،‬والقامة جزم ‪ ،‬والتّكبير جزم » ‪ .‬وفي التّكبيرتين الوليين أقوال ‪ ،‬فالتّكبيرة‬
‫الولى فيها قولن ‪:‬‬
‫ضمّ ‪.‬‬
‫الوّل ‪ ،‬للحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬فيها الوقف بالسّكون ‪ ،‬والفتح ‪ ،‬وال ّ‬
‫ضمّ ‪ .‬أمّا التّكبيرة الثّانية ففيها أيضا قولن ‪ :‬الوّل‬
‫الثّاني ‪ ،‬رأي للمالكيّة ‪ :‬فيها السّكون ‪ ،‬أو ال ّ‬
‫ن « القامة جزم » ‪.‬‬
‫‪ ،‬رأي للمالكيّة ‪ ،‬ورأي للحنفيّة ‪ :‬الجزم ل غير ‪ ،‬لما روي أ ّ‬
‫الثّا ني ‪ :‬العراب و هو ‪ :‬الضّ مّ ‪ ،‬و هو رأي آ خر للمالكيّة ‪ ،‬ورأي للحنفيّة ‪ ،‬والجم يع جائز ‪،‬‬
‫ولكن الخلف في الفضل والمستحبّ ‪.‬‬
‫‪ - 13‬ومن مستحبّات الذان والقامة عند المذاهب ‪ :‬استقبال القبلة ‪ ،‬غير أنّهم استثنوا من ذلك‬
‫ي على الفلح " ‪ .‬وفي اللتفات عند الحيعلتين‬
‫اللتفات عند الحيعلتين " حيّ على الصّلة ‪ ،‬ح ّ‬
‫في القامة ثلثة آراء ‪.‬‬
‫الوّل ‪ :‬يستحبّ اللتفات عند الحيعلتين ‪.‬‬
‫الثّا ني ‪ :‬ي ستحبّ إذا كان المكان متّ سعا ‪ ،‬ول ي ستحبّ إذا كان المكان ضيّقا ‪ ،‬أو الجما عة قليلةً‬
‫‪ .‬وهذان الرّأيان للحنفيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬ل يستحبّ أصلً لنّ الستحباب في الذان كان لعلم الغائبين ‪ ،‬والقامة لعلم‬
‫الحاضرين المنتظرين للصّلة ‪ ،‬فل يستحبّ تحويل الوجه ‪ ،‬وهذا الرّأي للحنابلة ‪ ،‬وهو رأي‬
‫للحنفيّة ‪ ،‬ورأي للشّافعيّة ‪ .‬ويؤخذ من كلم المالكيّة جواز اللتفات في الحيعلتين ‪ .‬وفي رأيٍ‬
‫ن المستحبّ هو استقبال القبلة في البتداء ‪.‬‬
‫آخر أ ّ‬
‫سنّة ‪ ،‬وعالما بأوقات الصّلة ‪،‬‬
‫ب فيمن يقيم الصّلة ‪ :‬أن يكون تقيّا ‪ ،‬عالما بال ّ‬
‫‪ - 14‬ويستح ّ‬
‫وحسن الصّوت ‪ ،‬مرتفعه من غير تطريبٍ ول غناءٍ ‪ ،‬وتفصيل ذلك في الذان ‪.‬‬
‫ب لمقيم الصّلة أن يقيم واقفا ‪ .‬وتكره القامة قاعدا من غير‬
‫‪ - 15‬واتّفق الفقهاء على أنّه يستح ّ‬
‫عذرٍ ‪ .‬فإن كان بعذ ٍر فل بأس ‪ .‬قال الحسن العبديّ ‪ « :‬رأيت أبا زيدٍ صاحب رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم وكانت رجله أصيبت في سبيل اللّه ‪ ،‬يؤذّن قاعدا »‬
‫ن « الصّحابة كانوا مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في مسيرٍ فانتهوا إلى‬
‫ولما روي أ ّ‬
‫مضيقٍ ‪ ،‬وحضرت الصّلة ‪ ،‬فمطرت السّماء من فوقهم ‪ ،‬والبلّة من أسفل فيهم ‪ ،‬فأذّن رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم وهو على راحلته وأقام ‪ ،‬فتقدّم على راحلته ‪ ،‬فصلّى بهم يومئ إيماءً‬
‫‪ ،‬يجعل السّجود أخفض من الرّكوع » ‪ .‬كما تكره إقامة الماشي والرّاكب في السّفر وغيره من‬
‫ن بللً رضي ال عنه « أذّن وهو راكب ‪ ،‬ثمّ نزل وأقام على الرض‬
‫غير عذرٍ ‪ .‬لما روي أ ّ‬
‫»‪ .‬ولنّه لو لم ينزل لوقع الفصل بين القامة والشّروع في الصّلة بالنّزول وأنّه مكروه ‪،‬‬
‫ولنّه يدعو النّاس إلى القيام للصّلة وهو غير مته ّيئٍ لها ‪.‬‬
‫ن إقامة الرّاكب في السّفر بدون عذ ٍر جائز ًة بدون كراهةٍ ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة أ ّ‬

‫ما يكره في القامة‬
‫‪16‬‬

‫‪ -‬يكره في القامة ‪ :‬ترك شيءٍ من مستحبّاتها الّتي سبقت الشارة إليها ‪ ،‬وممّا يكره أيضا‬

‫‪ :‬الكلم في القامة لغير ضرور ٍة إذا كان كثيرا ‪ ،‬أمّا إن كان الكلم في القامة لضرورةٍ مثل‬
‫ما لو رأى أعمى يخاف وقوعه في بئرٍ ‪ ،‬أو حيّةً تد بّ إلى غافلٍ ‪ ،‬أو سيّارةً توشك أن تدهمه‬
‫وجب عليه إنذاره ويبني على إقامته ‪.‬‬
‫أمّا الكلم القليل لغير ضرورةٍ ففيه رأيان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ل يكره بل يؤدّي إلى ترك الفضل ‪ .‬قال بهذا الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬واستدلّوا لذلك بما‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم تكلّم في الخطبة » فالذان أولى ‪.‬‬
‫ثبت في الصّحيح من « أ ّ‬
‫ألّ يبطل ‪ ،‬وكذلك القامة ‪ ،‬ولنّهما يصحّان مع الحدث ‪ ،‬وقاعدا ‪ ،‬وغير ذلك من وجوه‬
‫التّخفيف ‪.‬‬
‫لنن‬
‫ّ‬
‫ّهرين والمالكي ّة والحنابلة ‪،‬‬
‫ّ‬
‫الثّانني ‪ :‬يكره له ذلك ‪ ،‬ويبنني على إقامتنه ‪ ،‬وبهذا قال الز‬
‫أنن التّمطينط‬
‫القامنة حدر ‪ ،‬وهذا يخالف الوارد ‪ ،‬ويقطنع بينن كلماتهنا ‪ .‬واتّفنق الفقهاء على ّ‬
‫حرفن أو مدّ أو غيرهنا فني الوائل والواخنر مكروه ‪،‬‬
‫ٍ‬
‫والتّغنّي والتّطرينب بزيادة حركةٍ أو‬
‫لمنافاة الخشوع والوقار ‪ .‬أمّا إذا تفاحش التّغنّي والتّطريب بحيث يخلّ بالمعنى فإنّه يحرم بدون‬
‫أنن رجلً قال لبنن عمنر ‪ «:‬إنّي لحبّك فني اللّه ‪ .‬قال ‪ :‬وأننا‬
‫خلفن فني ذلك ‪ .‬لمنا روي ّ‬
‫ٍ‬
‫أبغضك في اللّه ‪ ،‬إنّك تتغنّى في أذانك »‪ .‬قال ‪ :‬حمّاد يعني التّطريب ‪.‬‬

‫إقامة غير المؤذّن ‪:‬‬

‫‪ - 17‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ينبغي أن يتولّى القامة من تولّى الذان ‪ .‬واحتجّوا بما روي‬
‫عن الحارث الصّدائيّ أنّه قال ‪ « :‬بعث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بللً إلى حاجةٍ له‬
‫فأمرني أن أؤذّن فأذّنت ‪ ،‬فجاء بلل وأراد أن يقيم ‪ ،‬فنهاه عن ذلك وقال ‪ :‬إنّ أخا صداءٍ هو‬
‫الّذي أذّن ‪ ،‬ومن أذّن فهو الّذي يقيم » ولنّهما فعلن من الذّكر يتقدّمان الصّلة ‪ ،‬فيسنّ أن‬
‫يتولّاهما واحد كالخطبتين ‪ ،‬ووافقهم الحنفيّة على هذا الرّأي إذا كان المؤذّن يتأذّى من إقامة‬
‫غيره ‪ ،‬لنّ أذى المسلم مكروه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل بأس أن يؤذّن رجل ويقيم غيره ‪ ،‬لما رواه أبو داود في حديث عبد اللّه بن‬
‫زيدٍ أنّه رأى الذان في المنام فأتى النّبيّ صلى ال عليه وسلم فأخبره فقال ‪ « :‬ألقه على‬
‫بللٍ ‪ ،‬فألقاه عليه ‪ ،‬فأذّن بلل ‪ ،‬فقال عبد اللّه ‪ :‬أنا رأيته وأنا كنت أريده قال ‪ :‬أقم أنت » ‪.‬‬
‫ولنّه يحصل المقصود منه ‪ ،‬فأشبه ما لو تولّاهما معا ‪ ،‬ووافقهم على ذلك الحنفيّة إذا كان‬
‫المؤذّن ل يتأذّى من إقامة غيره ‪.‬‬

‫إعادة القامة في المسجد الواحد ‪:‬‬

‫‪ - 18‬لو صلّى في مسج ٍد بأذانٍ وإقام ٍة ‪ ،‬هل يكره أن يؤذّن ويقام فيه ثانيا ؟‬
‫في المسألة ثلثة آراء ‪:‬‬
‫الوّل للحنفيّة ‪ ،‬وهو رأي للمالكيّة ‪ ،‬ورأي ضعيف للشّافعيّة ‪ :‬إذا صلّى في المسجد بأذانٍ‬
‫وإقامةٍ كره لمن جاء بعدهم أن يؤذّن ويقيم ‪ ،‬وشرط الحنفيّة أن يكون من أذّن وصلّى أ ّولً هم‬
‫أهل المسجد " أي أهل حيّه " فمن ‪ ،‬جاء بعدهم فأذان الجماعة وإقامتهم لهم أذان وإقامة ‪.‬‬
‫ب أن يؤذّن ويقيم للجماعة الثّانية ‪ ،‬إلّ أنّه‬
‫الثّاني في الرّأي الرّاجح للمالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬يستح ّ‬
‫ل يرفع صوته فوق ما يسمعون ‪ ،‬ووافقهم على ذلك الحنفيّة إذا كان المسجد على الطّريق ‪،‬‬
‫وليس له أهل معلومون ‪ ،‬أو صلّى فيه غير أهله بأذانٍ وإقام ٍة ‪ ،‬فإنّه يجوز لهله أن يؤذّنوا‬
‫ويقيموا ‪.‬‬
‫الثّالث للحنابلة ‪ :‬الخيار ‪ ،‬إن شاء أذّن وأقام ويخفي أذانه وإقامته ‪ ،‬وإن شاء صلّى من غير‬
‫أذانٍ ول إقام ٍة ‪.‬‬

‫ما يقام له من الصّلوات ‪:‬‬
‫‪ - 19‬يقام للصّلوات الخمس المفروضة في حال الحضر والسّفر والنفراد والجماعة والجمعة‬
‫ل من الصّلتين المجموعتين ‪،‬‬
‫‪ .‬واتّفق الفقهاء على طلب القامة لك ّ‬
‫ل صلةٍ » ‪.‬‬
‫ن « الرّسول صلى ال عليه وسلم جمع المغرب والعشاء بمزدلفة وأقام لك ّ‬
‫لّ‬
‫ل صل ٍة وحدها ‪ ،‬فاقتضى أن تكون لكلّ‬
‫ولنّهما صلتان جمعهما وقت واحد ‪ ،‬وتصلّى ك ّ‬
‫صلةٍ إقامة ‪.‬‬
‫واتّفق الفقهاء على طلب القامة للصّلوات الفوائت ‪ ،‬لما روي عن أبي سعيدٍ عن رسول اللّه‬
‫ت أمر بللً أن‬
‫صلى ال عليه وسلم « أنّه حين شغلهم الكفّار يوم الحزاب عن أربع صلوا ٍ‬
‫ن ‪ ،‬حتّى قالوا ‪ :‬أذّن وأقام وصلّى الظّهر ‪ ،‬ثمّ أذّن وأقام وصلّى‬
‫يؤذّن ويقيم لكلّ واحدةٍ منه ّ‬
‫العصر ‪ ،‬ثمّ أذّن وأقام وصلّى المغرب ‪ ،‬ثمّ أذّن وأقام وصلّى العشاء » ‪.‬‬
‫واتّفق الفقهاء على استحباب القامة للمنفرد ‪ ،‬سواء صلّى في بيته أو في مكان آخر غير‬
‫المسجد ‪ ،‬لخبر عقبة بن عامرٍ ‪ ،‬قال ‪ « :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪:‬‬
‫يعجب ربّك من راعي غنمٍ في رأس الشّظيّة للجبل يؤذّن ويقيم للصّلة ويصلّي ‪ ،‬فيقول اللّه‬
‫عزّ وجلّ ‪ :‬انظروا إلى عبدي هذا يؤذّن ويقيم الصّلة يخاف منّي ‪ ،‬قد غفرت لعبدي وأدخلته‬
‫الجنّة » ‪.‬‬
‫ولكنّه إذا اقتصر على أذان الحيّ وإقامته أجزأه ‪ ،‬لما روي أنّ عبد اللّه بن مسعودٍ « صلّى‬
‫ن ول إقام ٍة وقال ‪ :‬يكفينا أذان الحيّ وإقامتهم »‪.‬‬
‫بعلقمة والسود بغير أذا ٍ‬

‫القامة لصلة المسافر ‪:‬‬

‫‪ - 20‬الذان والقامة للفرد والجماعة مشروعان في السّفر كما في الحضر ‪ ،‬سواء أكان السّفر‬
‫سفر قصرٍ أو دونه ‪.‬‬

‫الذان للصّلة المعادة ‪:‬‬
‫‪ - 21‬في القامة للصّلة المعادة في وقتها للفساد رأيان ‪:‬‬
‫ن ول إقامةٍ ‪ ،‬وأمّا إن قضوها بعد‬
‫الوّل ‪ :‬للحنفيّة ‪ :‬تعاد الصّلة الفاسدة في الوقت بغير أذا ٍ‬
‫الوقت قضوها في غير ذلك المسجد بأذانٍ وإقامةٍ ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬للمالكيّة ‪ :‬يقام للصّلة المعادة للبطلن أو الفساد ‪ ،‬ولم يعثر للشّافعيّة والحنابلة على‬
‫تصريحٍ بذلك ‪ ،‬ولكن قواعدهم ل تأباه ‪.‬‬

‫ما ل يقام له من الصّلوات ‪:‬‬

‫‪ - 22‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يسنّ القامة لغير الصّلوات الخمس والجمعة ‪ .‬فل أذان ول‬
‫إقامة لصلة الجنازة ول للوتر ول للنّوافل ول لصلة العيدين وصلة الكسوف والخسوف‬
‫والستسقاء ‪ .‬لما روي عن « جابر بن سمرة قال ‪ :‬صلّيت مع النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ن ول إقامةٍ » ‪.‬‬
‫العيد غير مرّ ٍة ول مرّتين بغير أذا ٍ‬
‫وما روي عن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬خسفت الشّمس على عهد رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم فبعث مناديا ينادي ‪ :‬الصّلة جامعة » ‪.‬‬

‫إجابة السّامع للمؤذّن والمقيم ‪:‬‬
‫ص الفقهاء على صيغة الجابة باللّسان فقالوا ‪ :‬يقول السّامع مثل ما يقول المقيم ‪ ،‬إلّ‬
‫‪ - 23‬ن ّ‬
‫في الحيعلتين " حيّ على الصّلة وحيّ على الفلح" فإنّه يحوقل "ل حول ول قوّة إلّ باللّه " ‪.‬‬
‫ويزيد عند إقامة الصّلة " أقامها اللّه وأدامها " ‪ ،‬لما روى أبو داود بإسناده عن بعض أصحاب‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنّ بللً أخذ في القامة فلمّا أن قال ‪ :‬قد قامت الصّلة ‪ ،‬قال‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أقامها اللّه وأدامها » ‪ .‬وقال في سائر القامة كنحو حديث عمر‬
‫ن رسول اللّه صلى ال‬
‫في الذان الّذي رواه جعفر بن عاصمٍ عن أبيه عن عمر بن الخطّاب أ ّ‬
‫عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا قال المؤذّن ‪ :‬اللّه أكبر اللّه أكبر ‪ ،‬فقال أحدكم ‪ :‬اللّه أكبر اللّه أكبر »‬
‫وانظر مصطلح أذان ‪.‬‬
‫ن الجابة‬
‫وحكم الجابة باللّسان أنّها سنّة عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وأمّا الحنفيّة فإ ّ‬
‫عندهم تكون في الذان دون القامة ‪.‬‬

‫الفصل بين الذان والقامة ‪:‬‬

‫ت يسع‬
‫‪ - 24‬صرّح الفقهاء باستحباب الفصل بين الذان والقامة بصلةٍ أو جلوسٍ أو وق ٍ‬
‫حضور المصلّين فيما سوى المغرب ‪ ،‬مع ملحظة الوقت المستحبّ للصّلة ‪.‬‬

‫وتكره عندهم القامة للصّلة بعد الذان مباشر ًة بدون هذا الفصل ‪ ،‬وذلك لما روي عن رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم « أنّه قال لبللٍ ‪ :‬اجعل بين أذانك وإقامتك نفسا حتّى يقضي‬
‫المتوضّئ حاجته في مهلٍ ‪ ،‬وحتّى يفرغ الكل من أكل طعامه في مهلٍ »‬
‫وفي رواي ٍة ‪ « :‬ليكن بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرغ الكل من أكله ‪ ،‬والشّارب من شربه ‪،‬‬
‫والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته » ‪.‬‬
‫ن المقصود بالذان إعلم النّاس بدخول الوقت ليتهيّئوا للصّلة بالطّهارة فيحضروا المسجد‬
‫ول ّ‬
‫‪ ،‬وبالوصل ينتفي هذا المقصود ‪ ،‬وتفوت صلة الجماعة على كثيرٍ من المسلمين ‪ .‬وقد ورد‬
‫عن بعض الفقهاء تحديد مقدار الفصل بين الذان والقامة ‪ ،‬فروى الحسن عن أبي حنيفة أنّ‬
‫مقدار الفصل في الفجر قدر ما يقرأ عشرين آي ًة ‪ ،‬وفي الظّهر قدر ما يصلّي أربع ركعاتٍ ‪،‬‬
‫ت ‪ ،‬وفي العصر مقدار ما يصلّي ركعتين ‪ ،‬يقرأ في كلّ‬
‫يقرأ في كلّ ركع ٍة نحوا من عشر آيا ٍ‬
‫ركع ٍة نحوا من عشر آياتٍ ‪.‬‬
‫أمّا في المغرب ‪ :‬فقد اتّفق الفقهاء على تعجيل القامة فيها لحديث رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ن مبنى المغرب على التّعجيل ‪ ،‬ولما‬
‫ل المغرب » ل ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬بين كلّ أذانين صلة لمن شاء إ ّ‬
‫روى أبو أيّوب النصاريّ رضي ال عنه عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬لن‬
‫تزال أمّتي بخيرٍ ما لم يؤخّروا المغرب إلى اشتباك النّجوم » وعلى هذا يسنّ أن يكون الفصل‬
‫بين الذان والقامة فيها يسيرا ‪.‬‬
‫وللعلماء في مقدار هذا الفصل اليسير أقوال ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قال أبنو حنيفنة والمالكي ّة ‪ :‬يفصنل بينن الذان والقامنة فني المغرب قائما بمقدار ثلث‬
‫آياتٍ ‪ ،‬ول يفصل بالصّلة ‪ ،‬لنّ الفصل بالصّلة تأخير ‪ ،‬كما ل يفصل المقيم بالجلوس ‪ ،‬لنّه‬
‫تأخير للمغرب ‪ ،‬ولنّه لم يفصل بالصّلة فبغيرها أولى ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وقال أبو يوسف ومحمّد ‪ :‬يفصل بجلس ٍة خفيفةٍ كالجلسة بين الخطبتين ‪ ،‬وهو الرّاجح عند‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ووجه قولهم أنّ الفصل مسنون ول يمكن بالصّلة ‪ ،‬فيفصل بالجلسة‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫لقامة ال ّ‬
‫ج ‪ -‬وأجاز الحنابلة وبعض الشّافعيّة الفصل بركعتين بين الذان والقامة في المغرب ‪ ،‬أي‬
‫أنّهما ل يكرهان ول يستحبّان ‪.‬‬

‫الجرة على القامة مع الذان ‪:‬‬
‫‪ - 25‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا وجد من يؤذّن ويقيم محتسبا ‪ -‬ممّن تتحقّق فيه شرائط المؤذّن‬
‫ فل يجوز استئجار أحدٍ للذان والقامة ‪ .‬وأمّا إذا لم يوجد المتطوّع أو وجد ولم تتحقّق فيه‬‫الشّروط فهل يستأجر على الذان والقامة ؟‬

‫في المسألة ثلثة آراء ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬المنع لنّه طاعة ‪ ،‬ول يجوز استئجار أح ٍد على الطّاعة لنّه عامل لنفسه ‪ ،‬ولما‬
‫ن « آخر ما عهد به رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لعثمان بن العاص رضي ال عنه‬
‫روي أ ّ‬
‫أن يصلّي بالنّاس صلة أضعفهم ‪ ،‬وأن يتّخذ مؤذّنا ل يأخذ عليه أجرا » وهذا الرّأي لمتقدّمي‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬وهو رأي للمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الجواز لنّه كسائر العمال ‪ ،‬وهو قول لمتأخّري الحنفيّة ‪ ،‬ورأي للمالكيّة والشّافعيّة‬
‫ن بالمسلمين حاج ًة إليه ‪ ،‬وقد ل يوجد متطوّع ‪ .‬ولنّه إذا انقطع له‬
‫والحنابلة ‪ ،‬ووجه ذلك ‪ :‬أ ّ‬
‫قد ل يجد ما يقيت به عياله ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ ،‬وهنو رأي للشّافعيّة ‪ :‬يجوز للمام أن يسنتأجر دون آحاد النّاس لنّه هنو الّذي يتولّى‬
‫مصالح المسلمين ‪ .‬ويجوز له العطاء من بيت المال ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وقد صرّح الشّافعيّة بأنّه ل يجوز الستئجار على القامة فقط بدون الذان لنّه عمل‬
‫قليل ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ( أذان ‪ ،‬وإجارة ) ‪.‬‬

‫القامة لغير الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 26‬يستحبّ الذان في أذن المولود اليمنى والقامة في اليسرى ‪ ،‬لما روي عن أبي رافعٍ‬
‫قال ‪ « :‬رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أذّن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة بالصّلة‬
‫» ‪ .‬وينظر مصطلح ( أذان ) فقرة ‪ ( 51‬ج ‪ 2‬ص ‪. ) 372‬‬

‫اقتباس *‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫‪ - 1‬القتباس في اللّغة ‪ :‬هو طلب القبس ‪ ،‬وهو الشّعلة من النّار ‪ ،‬ويستعار لطلب العلم ‪،‬‬
‫قال الجوهريّ في الصّحاح ‪ :‬اقتبست منه علما ‪ :‬أي استفدته ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬تضمين المتكلّم كلمه ‪ -‬شعرا كان أو نثرا ‪ -‬شيئا من القرآن أو الحديث ‪،‬‬
‫على وج ٍه ل يكون فيه إشعار بأنّه من القرآن أو الحديث ‪.‬‬

‫أنواعه ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القتباس على نوعين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬ما لم ينقل فيه المقتبس ( بفتح الباء ) عن معناه الصليّ‬
‫‪ ،‬ومنه قول الشّاعر ‪:‬‬
‫قد كان ما خفت أن يكونا‬

‫إنّا إلى اللّه راجعونا‬

‫ن الية { إنّا إليه راجعون } ‪.‬‬
‫وهذا من القتباس الّذي فيه تغيير يسير ‪ ،‬ل ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬ما نقل فيه المقتبس عن معناه الصليّ كقول ابن الرّوميّ ‪:‬‬

‫لئن أخطأت في مدحك‬

‫ما أخطأت في منعي‬

‫لقد أنزلت حاجاتي‬

‫( بوا ٍد غير ذي زرعٍ )‬

‫فقوله { بوادٍ غير ذي زرعٍ } اقتباس من القرآن الكريم ‪ ،‬فهي وردت في القرآن الكريم‬
‫بمعنى " مكّة المكرّمة " ‪ ،‬إذ ل ماء فيها ول نبات ‪ ،‬فنقله الشّاعر عن هذا المعنى الحقيقيّ إلى‬
‫معنًى مجازيّ هو ‪ " :‬ل نفع فيه ول خير " ‪.‬‬

‫حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يرى جمهور الفقهاء جواز القتباس في الجملة إذا كان لمقاصد ل تخرج عن المقاصد‬
‫الشّرعيّة تحسينا للكلم ‪ ،‬أمّا إن كان كلما فاسدا فل يجوز القتباس فيه من القرآن ‪ ،‬وذلك‬
‫ككلم المبتدعة وأهل المجون والفحش ‪.‬‬
‫قال السّيوطيّ ‪ :‬لم يتعرّض له المتقدّمون ول أكثر المتأخّرين ‪ ،‬من الشّافعيّة مع شيوع‬
‫القتباس في أعصارهم واستعمال الشّعراء له قديما وحديثا ‪ ،‬وقد تعرّض له جماعة من‬
‫المتأخّرين ‪ ،‬فسئل عنه الشّيخ العزّ بن عبد السّلم فأجازه ‪ ،‬واستدلّ له بما ورد عنه صلى ال‬
‫عليه وسلم من قوله في الصّلة وغيرها ‪ « :‬وجّهت وجهي ‪ » ...‬إلخ ‪ .‬وقوله ‪ « :‬اللّهمّ فالق‬
‫الصباح وجاعل اللّيل سكنا والشّمس والقمر حسبانا اقض عنّي الدّين وأغنني من الفقر » ‪.‬‬
‫ي منقلبٍ ينقلبون } ‪.‬‬
‫وفي سياق الكلم لبي بكرٍ ‪ { ...‬وسيعلم الّذين ظلموا أ ّ‬
‫ث لبن عمر ‪ { ...‬لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة } ‪.‬‬
‫وفي حدي ٍ‬
‫وقد اشت هر عند المالكيّة تحري مه وتشد يد النّك ير على فاعله ‪ ،‬ل كن من هم من فرّق ب ين الشّ عر‬
‫فكره القتباس فيه ‪ ،‬وبين النّثر فأجازه ‪ .‬وممّن استعمله في النّثر من المالكيّة القاضي عياض‬
‫وابن دقيق العيد وقد استعمله فقهاء الحنفيّة في كتبهم الفقهيّة ‪.‬‬
‫‪ - 4‬ونقل السّيوطيّ عن شرح بديعيّة ابن حجّة أن القتباس ثلثة أقسامٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬مقبول ‪ ،‬وهو ما كان في الخطب والمواعظ والعهود ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬مباح ‪ ،‬وهو ما كان في الغزل والرّسائل والقصص ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬مردود ‪ ،‬وهو على ضربين ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬اقتباس ما نسبه اللّه إلى نفسه ‪ ،‬بأن ينسبه المقتبس إلى نفسه ‪ ،‬كما قيل عمّن وقع‬
‫ن إلينا إيابهم ‪ ،‬ثمّ إنّ علينا حسابهم } ‪.‬‬
‫على شكوى بقوله ‪ { :‬إ ّ‬
‫ن ‪ .‬قال السّيوطيّ ‪ :‬وهذا التّقسيم حسن جدّا ‪،‬‬
‫والخر ‪ :‬تضمين آي ٍة في معنى هزلٍ أو مجو ٍ‬
‫وبه أقول ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫اقتداء *‬

‫‪ - 1‬القتداء لغ ًة ‪ :‬مصدر اقتدى به ‪ ،‬إذا فعل مثل فعله تأسّيا ‪ ،‬ويقال ‪ :‬فلن قدوة ‪ :‬أي يقتدى‬
‫به ‪ ،‬ويتأسّى بأفعاله ‪.‬‬
‫ويستعمله الفقهاء بالمعنى اللّغويّ ‪ ،‬وهو إذا كان في الصّلة يعرّفونه بأنّه ‪ :‬اتّباع المؤتمّ المام‬
‫ط خاصّ ٍة جاء بها الشّرع ‪ ،‬وبيّنها‬
‫في أفعال الصّلة ‪ .‬أو هو ربط صلة المؤتمّ بالمام بشرو ٍ‬
‫الفقهاء في كتاب الصّلة عند الكلم عن صلة الجماعة ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الئتمام ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الئتمام ‪ :‬بمعنى القتداء ‪ .‬يقول ابن عابدين ‪ :‬إذا ربط صلته بصلة إمامه حصل له‬
‫صفة القتداء والئتمام ‪ ،‬وحصل لمامه صفة المامة ‪.‬‬
‫والقتداء في استعمال الفقهاء أع ّم من الئتمام ‪ ،‬لنّه يكون في الصّلة وغيرها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّباع ‪:‬‬
‫‪ - 3‬من معاني التّباع في اللّغة ‪ :‬المشي خلف الغير ‪ ،‬ومنه اتّباع الجنائز ‪ ،‬والمطالبة بالحقّ‬
‫كما في الية { فمن عفي له من أخيه شيء فاتّباع بالمعروف } ويأتي بمعنى الئتمام ‪ ،‬يقال ‪:‬‬
‫اتّبع القرآن ‪ :‬ائتمّ به وعمل بما فيه ‪.‬‬
‫واستعمله الفقهاء بهذه المعاني ‪ ،‬كما استعملوه بمعنى الرّجوع إلى قو ٍل ثبتت عليه حجّة ‪ ،‬فهو‬
‫بهذا المعنى أخصّ من القتداء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّأسّي ‪:‬‬
‫‪ - 4‬التّأسّي في اللّغة ‪ :‬من السوة بمعنى القدوة ‪ ،‬يقال ‪ :‬تأسّيت به وائتسيت ‪ :‬أي اقتديت ‪.‬‬
‫فالتّأسّي بمعنى القتداء ‪ .‬ومن معاني التّأسّي ‪ :‬التّعزّي ‪ ،‬أي ‪ :‬التّصبّر ‪ .‬وأكثر ما يكون‬
‫القتداء في الصّلة ‪ ،‬أمّا التّأسّي فيستعمل في غير ذلك ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّقليد ‪:‬‬
‫‪ - 5‬التّقليد عبارة عن ‪ :‬قبول قول الغير بل حجّ ٍة ول دليلٍ ‪.‬‬

‫أقسام القتداء ‪:‬‬

‫‪ - 6‬القتداء على أقسامٍ ‪ ،‬منها ‪ :‬اقتداء المؤتمّ بالمام في أفعاله من القيام والرّكوع والسّجود‬
‫وغيرها ‪ .‬ومنها ‪ :‬القتداء في غير الصّلة ‪ ،‬فهو بمعنى التّأسّي ‪ ،‬كاقتداء المّة بالنّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم في أقواله وأفعاله ‪ ،‬واتّباع سنّته ‪ ،‬وغير ذلك كما سيأتي ‪.‬‬

‫القتداء في الصّلة‬
‫‪ - 7‬القتداء في الصّلة هو ‪ :‬ربط صلة المؤتمّ بصلة المام كما سبق ‪ ،‬فل بدّ أن يكون‬
‫هناك إمام ومقتدٍ ‪ ،‬ولو واحدا ‪ .‬وأقلّ من تنعقد به الجماعة ‪ -‬في غير العيدين والجمعة ‪-‬‬

‫اثنان ‪ ،‬وهو أن يكون مع المام واحد ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الثنان فما‬
‫فوقهما جماعة » ولفعله عليه الصلة والسلم حين « صلّى بابن عبّاسٍ وحده » ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم سمّى‬
‫وسواء كان ذلك الواحد رجلً أو امرأ ًة أو صبيّا يعقل ‪ ،‬ل ّ‬
‫الثنين مطلقا جماعةً ‪ .‬وأمّا المجنون والصّبيّ الّذي ل يعقل فل عبرة بهما ‪ ،‬لنّهما ليسا من‬
‫أهل الصّلة ‪ .‬هذا ‪ ،‬وهناك شروط ل بدّ من توفّرها في القتداء والمقتدى به ( المام ) ‪،‬‬
‫ص المقتدي أي ( المأموم ) نذكرها فيما يلي ‪:‬‬
‫وحالت تخ ّ‬

‫شروط المقتدى به ( المام ) ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يشترط في المام في الجملة ‪ :‬السلم والعقل اتّفاقا ‪ ،‬والبلوغ عند الجمهور ‪ ،‬وكذلك‬
‫الذّكورة إذا كان المقتدون ذكورا ‪ ،‬والسّلمة من العذار ‪ -‬كرعافٍ وسلس البول ‪ -‬إذا اقتدى‬
‫به أصحّاء ‪ ،‬والسّلمة من عاهات اللّسان ‪ -‬كفأفأةٍ وتمتم ٍة ‪ -‬إذا اقتدى به السّليم منهما ‪ ،‬وكذا‬
‫ط كطهار ٍة وستر عورةٍ ‪.‬‬
‫السّلمة من فقد شر ٍ‬
‫على تفصيلٍ وخلفٍ في بعضها يذكر في مصطلح ‪ ( :‬إمامة ) ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬ال ّنيّة ‪:‬‬

‫شروط القتداء ‪:‬‬

‫‪ - 9‬اتّفق الفقهاء على أنّ نيّة المؤتمّ القتداء بالمام شرط لصحّة القتداء ‪ ،‬إذ المتابعة عمل‬
‫ب التّلفّظ بها عند الحنفيّة‬
‫يفتقر إلى ال ّنيّة ‪ .‬والمعتبر في ال ّنيّة عمل القلب اللّازم للرادة ‪ ،‬ويستح ّ‬
‫ن التّلفّظ بها بدعة ‪ ،‬لنّه‬
‫والشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول للحنابلة قياسا على الحجّ ‪ .‬وذكر جماعة إلى أ ّ‬
‫لم يرد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ول عن أحدٍ من الصّحابة والتّابعين ‪ .‬ويشترط في ال ّنيّة‬
‫أن تكون مقارنةً للتّحريمة ‪ ،‬أو متقدّم ًة عليها بشرط ألّ يفصل بينها وبين التّحريمة فاصل‬
‫أجنبيّ ‪ ،‬وعلى ذلك فل تصحّ نيّة القتداء في خلل الصّلة بعدما أحرم منفردا عند جمهور‬
‫الفقهاء ‪ ( :‬الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬وهو رواية عند الحنابلة )‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواية عند الحنابلة ‪ :‬يجوز للّذي أحرم منفردا أن يجعل نفسه مأموما ‪،‬‬
‫بأن تحضر جماعة فينوي الدّخول معهم بقلبه في صلتهم ‪ ،‬سواء أكان في أوّل الصّلة أم قد‬
‫صلّى ركع ًة فأكثر ‪ .‬ول فرق في اشتراط ال ّنيّة للمأموم بين الجمعة وسائر الصّلوات عند‬
‫المالكيّة ‪ ،‬وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ‪ ،‬وهو مقابل الصّحيح عند الشّافعيّة ‪ :‬ل يشترط في الجمعة نيّة القتداء وكذلك‬
‫ن الجمعة ل تصحّ بدون الجماعة ‪ ،‬فكان التّصريح بنيّة الجمعة أو العيد مغنيا عن‬
‫العيدان ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّصريح بنيّة الجماعة ‪ .‬ول يجب تعيين المام باسمه كزيدٍ ‪ ،‬أو صفته كالحاضر ‪ ،‬أو الشارة‬

‫إليه ‪ ،‬بل تكفي نيّة القتداء بالمام ‪ ،‬فإن عيّنه وأخطأ بطلت صلته ‪ ،‬لربط صلته بمن لم ينو‬
‫القتداء به ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬ول يشترط لصحّة القتداء أن يكون المام قد نوى المامة عند جمهور الفقهاء خلفا‬
‫للحنابلة ‪ .‬واشترط الحنفيّة نيّة الرّجل المامة لصحّة اقتداء النّساء به ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ( إمامة )‬
‫ب ‪ -‬عدم التّقدّم على المام ‪:‬‬
‫‪ - 10‬يشترط لصحّة القتداء ألّ يتقدّم المقتدي إمامه في الموقف عند جمهور الفقهاء ‪:‬‬
‫( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) لحديث ‪ « :‬إنّما جعل المام ليؤتمّ به » والئتمام التّباع ‪،‬‬
‫والمتقدّم غير تابعٍ ‪ ،‬ولنّه إذا تقدّم المام يشتبه عليه حال المام ‪ ،‬ومحتاج إلى النّظر وراءه‬
‫ت ليتابعه ‪ ،‬فل يمكنه المتابعة ‪.‬‬
‫ل وق ٍ‬
‫في ك ّ‬
‫وقال مالك ‪ :‬هذا ليس بشرطٍ ‪ ،‬ويجزئه التّقدّم إذا أمكنه متابعة المام ‪ ،‬لنّ القتداء يوجب‬
‫المتابعة في الصّلة ‪ ،‬والمكان ليس من الصّلة ‪ .‬لكنّه يندب أن يكون المام متقدّما على‬
‫المأموم ‪ ،‬ويكره التّقدّم على المام ومحاذاته إلّ لضرورةٍ ‪.‬‬
‫والعتبار في التّقدّم وعدمه للقائم بالعقب ‪ ،‬وهو مؤخر القدم ل الكعب ‪ ،‬فلو تساويا في العقب‬
‫وتقدّمت أصابع المأموم لطول قدمه لم يضرّ ‪ .‬وكذلك إذا كان المأموم طويلً وسجد قدّام المام‬
‫‪ ،‬إذا لم تكنن عقبنه مقدّمةً على المام حالة القيام ‪ ،‬صنحّت الصنّلة ‪ ،‬أم ّا لو تقدّمنت عقبنه‬
‫وتأخّرت أصنابعه فيضرّ ‪ ،‬لنّه يسنتلزم تقدّم المنكنب ‪ ،‬والعنبرة فني التّقدّم باللينة للقاعدينن ‪،‬‬
‫وبالجنب للمضطجعين ‪.‬‬
‫‪ - 11‬فإذا كان المأموم امرأ ًة أو أكثر من واحدٍ يقف خلف المام ‪ ،‬وإذا كان واحدا ذكرا ‪-‬‬
‫ولو صبيّا ‪ -‬يقف على يمين المام مساويا له عند الجمهور ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة ومحمّد بن‬
‫الحسن إلى أنّه يستحبّ تأخّره عن المام قليلً ‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّ محاذاة المرأة للرّجال تفسد صلتهم ‪ .‬يقول الزّيلعيّ الحنفيّ ‪ :‬فإن حاذته‬
‫امرأة مشتهاة في صل ٍة مطلقةٍ ‪ -‬وهي الّتي لها ركوع وسجود ‪ -‬مشتركةٍ بينهما تحريمةً وأداءً‬
‫في مكان واح ٍد بل حائلٍ ‪ ،‬ونوى المام إمامتها وقت الشّروع بطلت صلته دون صلتها ‪،‬‬
‫ن من حيث أخّرهنّ اللّه » وهو المخاطب به دونها ‪ ،‬فيكون هو التّارك‬
‫لحديث ‪ « :‬أخّروه ّ‬
‫لفرض القيام ‪ ،‬فتفسد صلته دون صلتها ‪.‬‬
‫وجمهور الفقهاء ‪ ( :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) يقولون ‪ :‬إنّ محاذاة المرأة للرّجال ل تفسد‬
‫الصّلة ‪ ،‬ولكنّها تكره ‪ ،‬فلو وقفت في صفّ الرّجال لم تبطل صلة من يليها ول من خلفها ول‬
‫من أمامها ‪ ،‬ول صلتها ‪ ،‬كما لو وقفت في غير الصّلة ‪ ،‬والمر في الحديث بالتّأخير ل‬
‫يقتضي الفساد مع عدمه ‪.‬‬

‫هذا ‪ ،‬وفي الصّلة حول الكعبة في المسجد الحرام يشترط لصحّة القتداء عند الجمهور عدم‬
‫تقدّم المأموم على المام في نفس الجهة ‪ ،‬حتّى إذا تقدّمه في غير جهتهما لم يضرّ اتّفاقا ‪.‬‬
‫وتفصيل هذه المسألة وكيفيّة الصّلة داخل الكعبة يرجع فيه إلى مصطلحي ‪ ( :‬صلة‬
‫الجماعة ‪ ،‬واستقبال القبلة ) ‪.‬‬
‫ل يكون المقتدي أقوى حالً من المام ‪:‬‬
‫ت‪-‬أّ‬
‫‪ - 12‬يشترط لصحّة القتداء عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) ألّ يكون‬
‫ض بمتنفّلٍ ‪ ،‬ول بالغٍ‬
‫المقتدي أقوى حالً من المام ‪ ،‬فل يجوز اقتداء قارئٍ بأ ّميّ ‪ ،‬ول مفتر ٍ‬
‫ح اقتداء سالمٍ‬
‫ض ‪ ،‬ول قادرٍ على ركوعٍ وسجو ٍد بعاجزٍ عنهما ‪ ،‬وكذلك ل يص ّ‬
‫بصبيّ في فر ٍ‬
‫بمعذو ٍر ‪ ،‬كمن به سلس بولٍ ‪ ،‬ول مستور عور ٍة بعارٍ عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬ويكره ذلك عند‬
‫المالكيّة ‪.‬‬
‫وقد ذكر الحنفيّة في ذلك قاعدةً فقالوا ‪ :‬الصل أنّ حال المام إن كان مثل حال المقتدي أو‬
‫فوقه جازت صلة الكلّ ‪ ،‬وإن كان دون حال المقتدي صحّت صلة المام ‪ .‬ول تصحّ صلة‬
‫المقتدي ‪ .‬إلّ إذا كان المام أ ّميّا والمقتدي قارئا ‪ ،‬أو كان المام أخرس فل يصحّ صلة المام‬
‫أيضا ‪ .‬وقد توسّع الحنفيّة في تطبيق هذا الصل على كثيرٍ من المسائل ‪ ،‬ووافقهم المالكيّة‬
‫والحنابلة في هذه القاعدة مع خلفٍ وتفصيلٍ في بعض المسائل ‪ .‬وخالفهم الشّافعيّة في أكثر‬
‫المسائل كما سيأتي بيانه عند الكلم في ‪ ( :‬اختلف صفة المام والمقتدي ) ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬اتّحاد صلتي المقتدي والمام ‪:‬‬
‫ن القتداء بناء‬
‫‪ - 13‬يشترط في القتداء اتّحاد صلتي المام والمأموم سببا وفعلً ووصفا ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّحريمة على التّحريمة ‪ ،‬فالمقتدي عقد تحريمته لمّا انعقدت له تحريمة المام ‪ ،‬فكلّ ما تنعقد‬
‫له تحريمة المام جاز البناء عليه من المقتدي ‪ ،‬وعلى ذلك فل تصحّ ظهر خلف عصرٍ أو‬
‫ح صلة ظهرٍ قضاءً خلف ظهرٍ أداءً ‪ ،‬ول ظهرين من يومين‬
‫غيره ول عكسه ‪ ،‬ول تص ّ‬
‫مختلفين ‪ ،‬كظهر يوم السّبت خلف ظهر الحد الماضيين ‪ ،‬إذ ل بدّ من التّحاد في عين‬
‫الصّلة وصفتها وزمنها ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء ‪ ( :‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) وذلك‬
‫لقوله عليه السلم ‪ « :‬إنّما جعل المام ليؤتمّ به فل تختلفوا عليه » ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬من شروط صحّة القدوة توافق نظم صلتيهما في الفعال الظّاهرة ‪ ،‬ول‬
‫يشترط اتّحاد الصّلتين ‪ .‬وعلى ذلك تصحّ قدوة من يؤدّي الصّلة بمن يقضيها ‪ ،‬والمفترض‬
‫بالمتنفّل ‪ ،‬ومؤدّي الظّهر بالعصر ‪ ،‬وبالمعكوس ‪ .‬أي القاضي بالمؤدّي ‪ ،‬والمتنفّل‬
‫بالمفترض ‪ ،‬وفي العصر بالظّهر ‪ ،‬نظرا لتّفاق الفعل في الصّلة وإن اختلفت ال ّنيّة ‪ .‬وكذا‬
‫يجوز الظّهر والعصر بالصّبح والمغرب ‪ ،‬وتجوز الصّبح خلف الظّهر في الظهر عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وله حينئذٍ الخروج بنيّة المفارقة أو النتظار ليسلّم مع المام وهو الفضل ‪ .‬لكن‬

‫ف أو جناز ٍة ‪ ،‬لم يصحّ القتداء في‬
‫الولى فيها النفراد ‪ .‬فإن اختلف فعلهما كمكتوب ٍة وكسو ٍ‬
‫ذلك على الصّحيح ‪ ،‬لمخالفته النّظم ‪ ،‬وتعذّر المتابعة معها ‪.‬‬
‫أمّا اقتداء المتنفّل خلف المفترض فجائز عند جميع الفقهاء ‪.‬‬
‫ج‪ -‬عدم الفصل بين المقتدي والمام ‪:‬‬
‫‪ -14‬يشترط لصحّة القتداء ألّ يكون بين المقتدي والمام فاصل كبير ‪.‬‬
‫وهذا الشّرط محلّ اتّفاقٍ بين فقهاء المذاهب في الجملة ‪ ،‬وإن اختلفوا في بعض الفروع‬
‫والتّفاصيل على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫ُبعْد المسافة ‪:‬‬
‫‪ - 15‬فرّق جمهور الفقهاء بين المسجد وغير المسجد فيما يتعلّق بالمسافة بين المام‬
‫والمقتدي ‪ ،‬فقال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إذا كان المأموم يرى المام أو من وراءه ‪ ،‬أو‬
‫يسمع التّكبير وهما في مسجدٍ واحدٍ صحّ القتداء ‪ ،‬وإن بعدت المسافة ‪ .‬أمّا في خارج المسجد‬
‫فإذا كانت المسافة قدر ما يسع صفّين فإنّها تمنع من صحّة القتداء عند الحنفيّة ‪ ،‬إلّ في صلة‬
‫العيدين ‪ ،‬وفي صلة الجنازة خلف عندهم ‪ .‬ول يمنع القتداء بعد المسافة في خارج المسجد‬
‫إذا لم يزد عن ثلثمائة ذراعٍ عند الشّافعيّة ‪ .‬واشترط الحنابلة في صحّة القتداء خارج المسجد‬
‫ح القتداء إن لم ير المأموم أحدهما ‪ ،‬وإن‬
‫رؤية المأموم للمام أو بعض من وراءه ‪ .‬فل يص ّ‬
‫سمع التّكبير ‪ ،‬ومهما كانت المسافة ‪.‬‬
‫ولم يفرّق المالكيّة بين المسجد وغيره ول بين قرب المسافة وبعدها ‪ ،‬فقالوا بصحّة القتداء‬
‫إذا أمكن رؤية المام أو المأموم أو سماع المام ولو بمسمّعٍ ‪.‬‬
‫وجود الحائل ‪ ،‬وله عدّة صورٍ ‪:‬‬
‫‪ - 16‬الولى ‪ :‬إن كان بين المقتدي والمام نهر كبير تجري فيه السّفن ( ولو زورقا عند‬
‫الحنفيّة ) ل يصحّ القتداء ‪ ،‬وهذا باتّفاق المذاهب ‪ ،‬وإن اختلفوا في تحديد النّهر الكبير‬
‫والصّغير ‪ .‬فقال الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬النّهر الصّغير هو ما ل تجري فيه السّفن ‪ ،‬وقال المالكيّة‬
‫‪ :‬هو ما ل يمنع من سماع المام ‪ ،‬أو بعض المأمومين ‪ ،‬أو رؤية فعل أحدهما ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬هو النّهر الّذي يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الخر من غير سباحةٍ‬
‫بالوثوب فوقه ‪ ،‬أو المشي فيه ‪ ،‬وفي حكمه النّهر المحوج إلى سباح ٍة عند الشّافعيّة على‬
‫الصّحيح ‪.‬‬
‫‪ - 17‬الثّانية ‪ :‬يمنع من القتداء طريق نافذ يمكن أن تجري فيه عجلة ‪ ،‬وليس فيه صفوف‬
‫متّصلة عند الحنفيّة والحنابلة ‪ .‬قال الحنفيّة ‪ :‬لو كان على الطّريق مأموم واحد ل يثبت به‬
‫التّصال ‪ ،‬وبالثّلث يثبت ‪ ،‬وفي المثنّى خلف ‪ .‬ول يضرّ الطّريق إذا لم يمنع من سماع‬
‫المام أو بعض المأمومين أو رؤية فعل أحدهما عند المالكيّة ‪ ،‬وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ‪،‬‬

‫ولهذا صرّحوا بجواز صلة الجماعة لهل السواق وإن فرّقت الطّرق بينهم وبين إمامهم ‪.‬‬
‫والرّواية الثّانية عند الشّافعيّة يضرّ ‪ ،‬لنّه قد تكثر فيه الزّحمة فيعسر الطّلع على أحوال‬
‫المام ‪ .‬هذا ‪ ،‬وأجاز أكثر الفقهاء الفصل بطريقٍ في صلة الجمعة والعيدين وصلة الخوف‬
‫ونحوها ‪ ،‬والتّفصيل في مواضعها ‪.‬‬
‫‪ - 18‬الثّالثة ‪ :‬صرّح الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواية عن الحنابلة ‪ ،‬بأنّه إذا كان بين المام‬
‫والمأموم جدار كبير أو باب مغلق يمنع المقتدي من الوصول إلى إمامه لو قصد الوصول إليه‬
‫ح إذا كان صغيرا ل يمنع ‪ ،‬أو كبيرا وله ثقب ل يشتبه عليه حال‬
‫ل يصحّ القتداء ‪ ،‬ويص ّ‬
‫المام سماعا أو رؤي ًة ‪ ،‬لما روي أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم « كان يصلّي في حجرة‬
‫عائشة رضي ال عنها والنّاس في المسجد يصلّون بصلته » ‪.‬‬
‫شبّاك أو يمنع الرّؤية ل المرور كالباب‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬فإن حال ما يمنع المرور ل الرّؤية كال ّ‬
‫المردود فوجهان ‪.‬‬
‫وعلى هذا القتداء في المساكن المتّصلة بالمسجد الحرام وأبوابها من خارجه صحيح ‪ ،‬إذا لم‬
‫يشتبه حال المام لسماعٍ أو رؤي ٍة ‪ ،‬ولم يتخلّل إلّ الجدار ‪ ،‬كما ذكره شمس الئمّة فيمن صلّى‬
‫على سطح بيته المتّصل بالمسجد أو في منزله بجنب المسجد وبينه وبين المسجد حائط مقتديا‬
‫بإمامٍ في المسجد وهو يسمع التّكبير من المام أو من المكبّر تجوز صلته ‪ .‬ويصحّ اقتداء‬
‫الواقف على السّطح بمن هو في البيت ‪ ،‬ول يخفى عليه حاله ‪.‬‬
‫ولم يفرّق المالكيّة ‪ ،‬وهو رواية عند الحنابلة بين ما إذا كان الجدار كبيرا أو صغيرا ‪ ،‬فقالوا‬
‫بجواز القتداء إذا لم يمنع من سماع المام أو بعض المأمومين أو رؤية فعل أحدهما ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬اتّحاد المكان ‪:‬‬
‫‪ - 19‬يشترط لصحّة القتداء أن يجمع المقتدي والمام موقف واحد ‪ ،‬إذ من مقاصد القتداء‬
‫اجتماع جم ٍع في مكان ‪ ،‬كما عهد عليه الجماعات في العصر الخالية ‪ ،‬ومبنى العبادات على‬
‫رعاية التّباع فيشترط ليظهر الشّعار ‪ .‬وللفقهاء في تطبيق هذا الشّرط تفصيل ‪ ،‬وفي بعض‬
‫الفروع خلف كالتي ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬البنية المختلفة ‪:‬‬
‫‪ - 20‬تقدّم ما يتعلّق بالبنية المنفصلة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬القتداء في السّفن المختلفة ‪:‬‬
‫‪ - 21‬يشترط في القتداء ألّ يكون المقتدي في سفين ٍة والمام في سفينةٍ أخرى غير مقترن ٍة بها‬
‫عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو المختار عند الحنابلة ‪ ،‬لختلف المكان ‪ ،‬ولو اقترنتا صحّ اتّفاقا ‪ ،‬للتّحاد‬
‫الحكميّ ‪ .‬والمراد بالقتران ‪ :‬مماسّة السّفينتين ‪ ،‬وقيل ربطهما ‪.‬‬

‫وتوسّع المالكيّة في جواز اقتداء ذوي سفنٍ متقاربةٍ ‪ ،‬ولم يشترطوا ربط السّفينتين ‪ ،‬ول‬
‫ن متقارب ٍة في المرسى بإمامٍ‬
‫المماسّة ‪ ،‬ولم يحدّدوا المسافة حيث قالوا ‪ :‬جاز اقتداء ذوي سف ٍ‬
‫واحدٍ في بعضها يسمعون أقواله أو أقوال من معه في سفينته من مأمومين ‪ ،‬أو يرون أفعاله‬
‫أو أفعال من معه في سفينته من مأمومين ‪ .‬وكذلك لو كانت السّفن سائر ًة على المشهور ‪ ،‬لنّ‬
‫الصل السّلمة من طروء ما يفرّقها من ريحٍ أو غيره ‪ .‬لكنّهم نصّوا على استحباب أن يكون‬
‫المام في السّفينة الّتي تلي القبلة ‪.‬‬
‫ح اقتداء أحدهما بالخر وإن لم تكونا مكشوفتين ‪ ،‬ولم‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو كانا في سفينتين ص ّ‬
‫ل تزيد المسافة على ثلثمائة ذراعٍ ‪ ،‬وعدم الحائل ‪ ،‬والماء‬
‫تربط إحداهما بالخرى ‪ ،‬بشرط أ ّ‬
‫بينهما كالنّهر بين المكانين ‪ ،‬بمعنى أنّه يمكن اجتيازه سباح ًة ولم يشترطوا اللتصاق ول الرّبط‬
‫‪ ،‬خلفا للحنفيّة ‪ ،‬والمختار عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬عل ّو موقف المقتدي على المام أو عكسه ‪:‬‬
‫‪ - 22‬يجوز أن يكون موقف المأموم عاليا ‪ -‬ولو بسطحٍ ‪ -‬عن المام عند الحنفيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫ح اقتداء من بسطح المسجد بالمام الّذي يصلّي‬
‫وهو رأي المالكيّة في غير صلة الجمعة ‪ .‬فص ّ‬
‫بالمسجد ‪ ،‬لمكان المتابعة ‪.‬‬
‫ويكره أن يكون موقف المام عاليا عن موقف المأموم ‪.‬‬
‫ولم يفرّق الشّافعيّة بين ارتفاع موقف المام والمأموم ‪ ،‬فشرطوا في هذه الحال ‪ ،‬محاذاة‬
‫بعض بدن المأموم بعض بدن المام ‪ ،‬والعبرة في ذلك بالطّول العاديّ ‪ ،‬وقال النّوويّ يكره‬
‫ل لحاجةٍ‬
‫ارتفاع المأموم على إمامه حيث أمكن وقوفهما بمستوًى واحدٍ ‪ ،‬وعكسه كذلك ‪ ،‬إ ّ‬
‫تتعلّق بالصّلة ‪ ،‬كتبليغٍ يتوقّف عليه إسماع المأمومين وتعليمهم صفة الصّلة ‪ ،‬فيستحبّ‬
‫ارتفاعهما لذلك ‪ ،‬تقديما لمصلحة الصّلة ‪.‬‬
‫وهذا الكلم في البناء ونحوه ‪ .‬أمّا الجبل الّذي يمكن صعوده كالصّفا أو المروة أو جبل أبي‬
‫قبيسٍ فالعبرة فيه بالمسافة الّتي سبق القول فيها وهي ثلثمائة ذراعٍ ‪ .‬فالقتداء فيه صحيح وإن‬
‫كان المأموم أعلى من المام ‪.‬‬
‫خ ‪ -‬عدم توسّط النّساء بين المام والمأموم ‪:‬‬
‫‪ - 23‬يشترط لصحّة القتداء عند الجمهور عدم توسّط النّساء ‪ ،‬فإن وقفت المرأة في صفّ‬
‫الرّجل كره ‪ ،‬ولم تبطل صلتها ‪ ،‬ول صلة من يليها ‪ ،‬ول من خلفها ‪ .‬لنّها لو وقفت في‬
‫غير صل ٍة لم تبطل صلته ‪ ،‬فكذلك في الصّلة ‪ ،‬وقد ثبت أنّ « عائشة رضي ال عنها كانت‬
‫تعترض بين يدي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نائمةً وهو يصلّي » ‪ .‬والنّهي للكراهة ‪،‬‬
‫ولهذا ل تفسد صلتها فصلة من يليها أولى ‪ .‬وهكذا إن كان هناك صفّ تامّ من النّساء ‪ ،‬فإنّه‬
‫ن من الرّجال ‪.‬‬
‫ل يمنع اقتداء من خلفه ّ‬

‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه يشترط لصحّة القتداء ألّ يكون بين المقتدي والمام صفّ من النّساء‬
‫بل حائلٍ قدر ذراعٍ ‪ ،‬وبهذا قال أبو بك ٍر من الحنابلة ‪ ،‬والمراد بالصّفّ عند الحنفيّة ما زاد‬
‫صفّ الثّلث ‪ ،‬وعلى هذا قالوا ‪:‬‬
‫على الثّلث ‪ ،‬وفي رواي ٍة المراد بال ّ‬
‫ ‪ - 1‬المرأة الواحدة تفسد صلة ثلثةٍ ‪ ،‬واحدٍ عن يمينها وآخر عن يسارها وآخر خلفها ‪،‬‬‫ول تفسد أكثر من ذلك ‪.‬‬
‫ ‪ - 2‬والمرأتان تفسدان صلة أربع ٍة من الرّجال ‪ ،‬واحدٍ عن يمينهما ‪ ،‬وآخر عن‬‫يسارهما ‪ ،‬وصلة اثنين خلفهما ‪.‬‬
‫ ‪ - 3‬وإن كنّ ثلثا أفسدن صلة واحدٍ عن يمينهنّ ‪ ،‬وآخر عن يسارهنّ وثلث ٍة ثلث ٍة إلى‬‫صفّ ‪ ،‬تفسد صلة كلّ‬
‫آخر الصّفوف ‪ .‬وهذا جواب ظاهر الرّواية ‪ .‬وفي رواية الثّلث كال ّ‬
‫ن الثّلثة جمع كامل ‪.‬‬
‫ن إلى آخر الصّفوف ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصّفوف خلفه ّ‬
‫وفي روايةٍ عن أبي يوسف أنّ الثّنتين كالثّلث ‪ .‬وفي رواي ٍة أخرى جعل الثّلث كالثنتين ‪.‬‬
‫د ‪ -‬العلم بانتقالت المام ‪:‬‬
‫‪24‬‬

‫‪ -‬يشترط في القتداء علم المأموم بانتقالت المام ‪ ،‬ب سماعٍ أو رؤيةٍ للمام أو لب عض‬

‫المقتد ين به ‪ ،‬لئلّ يشت به على المقتدي حال المام فل يتمكّن من متابع ته ‪ ،‬فلو ج هل المأموم‬
‫أفعال إمامنه الظّاهرة كالرّكوع والسنّجود ‪ ،‬أو اشتبهنت علينه لم تصنحّ صنلته ‪ ،‬لن ّن القتداء‬
‫متابعة ‪ ،‬ومع الجهل أو الشتباه ل تمكن المتابعة ‪ ،‬وهذا الشّرط متّفق عليه عند الفقهاء ‪ .‬زاد‬
‫الحنفيّة ‪ :‬وكذا عل مه بحال إما مه من إقامةٍ أو سفرٍ ق بل الفراغ أو بعده ‪ ،‬وهذا في ما لو صلّى‬
‫الرّباعية ركعتين في مصرٍ أو قريةٍ ‪.‬‬
‫ن الحنابلة ل يجوّزون القتداء خارج المسجد بالسّماع وحده ‪ .‬بل يشترطون‬
‫هذا ‪ ،‬وقد تقدّم أ ّ‬
‫في إحدى الرّوايتين رؤية المأموم للمام أو بعض المقتدين به ‪ ،‬لقول عائشة لنساءٍ كنّ يصلّين‬
‫في حجرتها ‪ ":‬ل تصلّين بصلة المام فإنّكنّ دونه في حجابٍ "‬
‫ولنّه ل يمكنه المتابعة في الغالب ‪.‬‬
‫وأمّا على الرّواية الخرى فالحنابلة يكتفون بالعلم بانتقالت المام بالسّماع أو بالرّؤية ‪.‬‬
‫ذ ‪ -‬صحّة صلة المام ‪:‬‬
‫‪ - 25‬يشترط لصحّة القتداء صحّة صلة المام ‪ ،‬فلو تبيّن فسادها ل يصحّ القتداء ‪ ،‬قال‬
‫الحنفيّة ‪ :‬لو تبيّن فساد صلة المام ‪ ،‬فِسْقا منه ‪ ،‬أو نسيانا لمضيّ مدّة المسح ‪ ،‬أو لوجود‬
‫الحدث أو غير ذلك ‪ ،‬لم تصحّ صلة المقتدي لعدم صحّة البناء ‪ ،‬وكذلك لو كانت صحيح ًة في‬
‫زعم المام فاسد ًة في زعم المقتدي لبنائه على الفاسد في زعمه ‪.‬‬
‫والمراد بالفسق هنا ‪ :‬الفسق الّذي يخلّ بركنٍ أو شرطٍ في الصّلة ‪ ،‬كأن يصلّي وهو‬
‫سكران ‪ ،‬أو هو محدث متعمّدا ‪ .‬أمّا الفسق في العقيدة ‪ ،‬أو بارتكاب المحرّمات ‪ ،‬فهي مسألة‬

‫خلفيّة ‪ ،‬وقد شدّد فيها المام أحمد ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنّه إذا كان داعيا إلى بدعته ‪ ،‬وعلم بذلك المقتدي‬
‫‪ ،‬فعليه إعادة الصّلة ‪ ،‬حتّى لو علم بذلك بعد الصّلة ‪ ،‬وهذه الرّواية المعتمدة في المذهب ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان ل يدعو إلى بدعته ‪ ،‬وهو مستور الحال ‪ ،‬فالظّاهر أنّه ل إعادة على من اقتدى‬
‫به ‪ ،‬وفي روايةٍ ‪ :‬عليه العادة ‪.‬‬
‫ن الصّلة خلف الفاسق مكروهة ‪ ،‬ول إعادة فيها ‪ .‬لحديث ‪« :‬‬
‫وذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ن ابن عمر كان يصلّي خلف الحجّاج ‪ .‬وأنّ الحسن‬
‫صلّوا خلف من قال ل إله إلّ اللّه » ‪ .‬ول ّ‬
‫والحسين كانا يصلّيان خلف مروان ووراء الوليد بن عقبة ‪ .‬ومثله ما ذهب إليه المالكيّة حيث‬
‫ح القتداء بإمامٍ تبيّن في الصّلة أو بعدها أنّه كافر ‪ ،‬أو امرأة ‪ ،‬أو مجنون ‪ ،‬أو‬
‫قالوا ‪ :‬ل يص ّ‬
‫فاسق ( على خلفٍ فيه ) أو ظهر أنّه محدث ‪ ،‬إن تعمّد الحدث أو علم المؤتمّ بحدثه في‬
‫الصّلة أو قبلها ‪ ،‬أو اقتدى به بعد العلم ولو ناسيا ‪.‬‬
‫وكذا قال الشّافعيّة ‪ :‬ل يصحّ اقتداؤه بمن يعلم بطلن صلته ‪ ،‬كمن علم بكفره أو حدثه أو‬
‫ح القتداء بإمامٍ يعتقد المقتدي‬
‫نجاسة ثوبه ‪ ،‬لنّه ليس في صل ٍة فكيف يقتدي به ‪ ،‬وكذا ل يص ّ‬
‫بطلن صلته ‪ .‬وصرّح الحنابلة بأنّه ل يصحّ القتداء بكافرٍ ولو ببدع ٍة مكفّرةٍ ولو أسرّه‬
‫ن كفره أو حدثه ‪ ،‬ولو بان خلف ذلك فيعيد‬
‫وجهل المأموم كفره ثمّ تبيّن له ‪ .‬وكذلك من ظ ّ‬
‫المأموم ‪ ،‬لعتقاده بطلن صلته ‪ .‬لكن المالكيّة قالوا ‪ :‬لو علم المقتدي بحدث إمامه بعد‬
‫ن الحنابلة صرّحوا بأنّه لو صلّى خلف من يعلمه مسلما ‪ ،‬فقال بعد‬
‫الصّلة فل بطلن ‪ .‬كما أ ّ‬
‫الصّلة ‪ :‬هو كافر ‪ ،‬لم يؤثّر في صلة المأموم لنّها كانت محكوما بصحّتها ‪.‬‬
‫وأمّا المام فلو أخطأ أو نسي لم يؤاخذ بذلك المأموم ‪ ،‬كما في البخاريّ وغيره ‪ ،‬أنّ النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أئمّتكم يصلّون لكم ولهم ‪ ،‬فإن أصابوا فلكم ولهم ‪ ،‬وإن أخطئوا‬
‫فلكم وعليهم » ‪ .‬فجعل خطأ المام على نفسه دونهم ‪ ،‬وقد صلّى عمر وغيره من الصّحابة‬
‫رضي ال عنهم وهو جنب ناسيا للجنابة ‪ ،‬فأعاد ولم يأمر المأمومين بالعادة ‪ ،‬وهذا مذهب‬
‫جمهور العلماء ‪ ،‬كمالكٍ والشّافعيّ وأحمد في المشهور عنه ‪.‬‬
‫وكذلك لو فعل المام ما يسوغ عنده ‪ ،‬وهو عند المأموم يبطل الصّلة ‪ ،‬مثل أن يفتصد‬
‫ح مع‬
‫ن صلته تص ّ‬
‫ويصلّي ول يتوضّأ ‪ ،‬أو يمسّ ذكره ‪ ،‬أو يترك البسملة ‪ ،‬وهو يعتقد أ ّ‬
‫ذلك ‪ ،‬والمأموم يعتقد أنّها ل تصحّ مع ذلك ‪ ،‬فجمهور العلماء على صحّة صلة المأموم ‪ ،‬كما‬
‫هو مذهب مالكٍ وأحمد في أظهر الرّوايتين ‪ ،‬بل في أنصّهما عنه ‪ .‬وهو أحد الوجهين في‬
‫ن الصّحابة ‪-‬‬
‫مذهب الشّافعيّ ‪ ،‬اختاره القفّال وغيره ‪ .‬واستدلّ المام أحمد لهذا التّجاه بأ ّ‬
‫ن المسائل‬
‫ض على اختلفهم في الفروع ‪ .‬وأ ّ‬
‫رضوان ال عليهم ‪ -‬كان يصلّي بعضهم خلف بع ٍ‬
‫الخلفيّة ل تخلو إمّا أن يصيب المجتهد فيكون له أجران ‪ :‬أجر اجتهاده وأجر إصابته ‪ ،‬أو أن‬
‫يخطئ فله أجر واحد وهو أجر اجتهاده ‪ ،‬ول إثم عليه في الخطأ ‪.‬‬

‫أحوال المقتدي ‪:‬‬
‫‪ - 26‬المقتدي إمّا مدرك ‪ ،‬أو مسبوق ‪ ،‬أو لحق ‪ ،‬فالمدرك ‪ :‬من صلّى الرّكعات كامل ًة مع‬
‫المام ‪ ،‬أي أدرك جميع ركعاتها معه ‪ ،‬سواء أأدرك معه التّحريمة أو أدركه في جزءٍ من‬
‫ركوع الرّكعة الولى إلى أن قعد معه القعدة الخيرة ‪ ،‬وسواء أسلّم معه أم قبله ‪ .‬والمدرك‬
‫يتابع إمامه في أفعاله وأقواله ‪ ،‬إلّ في حالتٍ خاصّةٍ تذكر في كيفيّة القتداء ‪.‬‬
‫‪ - 27‬والمسبوق ‪ :‬من سبقه المام بكلّ الرّكعات بأن اقتدى بالمام بعد ركوع الخيرة ‪ ،‬أو‬
‫ببعض الرّكعات ‪ .‬وقد اختلفوا في حكمه ‪ ،‬فقال أبو حنيفة والحنابلة ‪ :‬ما أدركه المسبوق فهو‬
‫ل وفعلً ‪ ،‬فإن أدركه فيما بعد الرّكعة الولى كالثّانية أو الثّالثة لم يستفتح ‪ ،‬ولم‬
‫آخر صلته قو ً‬
‫يستعذ ‪ ،‬وما يقضيه فهو أوّل صلته ‪ ،‬يستفتح فيه ‪ ،‬ويتعوّذ ‪ ،‬ويقرأ الفاتحة والسّورة‬
‫كالمنفرد ‪ ،‬لما روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ما أدركتم فصلّوا ‪ ،‬وما فاتكم‬
‫فاقضوا » والمقضيّ هو الفائت ‪ ،‬فيكون على صفته ‪ ،‬لكن لو أدرك من رباعيّ ٍة أو مغربٍ‬
‫ركع ًة ‪ ،‬تشهّد عقب قضاء ركع ٍة أخرى عند الحنابلة كما قال به سائر الفقهاء ‪ ،‬غير أبي حنيفة‬
‫‪ ،‬لئلّ يلزم تغيير هيئة الصّلة ‪ ،‬لنّه لو تشهّد عقب ركعتين لزم قطع الرّباعيّة على وترٍ ‪،‬‬
‫والثّلثيّة شفعا ‪ ،‬ومراعاة هيئة الصّلة ممكنة ‪ ،‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬لو أدركه في ركعة الرّباعيّ‬
‫يقضي ركعتين بفاتحةٍ وسورةٍ ث ّم يتشهّد ‪ ،‬ثمّ يأتي بفاتحةٍ خاصّةٍ ‪ ،‬ليكون القضاء بالهيئة الّتي‬
‫فاتت ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ما أدركه المسبوق مع المام فهو أوّل صلته ‪ ،‬وما يفعله بعد سلم إمامه‬
‫آخرها ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬فما أدركتم فصلّوا ‪ ،‬وما فاتكم فأتمّوا » وإتمام الشّيء‬
‫ل بعد أوّله ‪ ،‬وعلى ذلك إذا صلّى مع المام الرّكعة الثّانية من الصّبح ‪ ،‬وقنت المام‬
‫ل يكون إ ّ‬
‫فيها يعيد في الباقي القنوت ‪ ،‬ولو أدرك ركعةً من المغرب مع المام تشهّد في الثّانية ‪ .‬وذهب‬
‫ن المسبوق يقضي‬
‫المالكيّة ‪ ،‬وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ‪ ،‬وهو المعتمد في المذهب ‪ ،‬أ ّ‬
‫أوّل صلته في حقّ القراءة ‪ ،‬وآخرها في حقّ التّشهّد ‪ ،‬فمدرك ركعةٍ من غير فجرٍ يأتي‬
‫بركعتين بفاتحةٍ وسورةٍ وتش ّهدٍ بينهما ‪ ،‬وبرابعة الرّباعيّ بفاتحةٍ فقط ‪ ،‬ول يعقد قبلهما ‪ ،‬فهو‬
‫ل برواية ‪ « :‬وما فاتكم فاقضوا » لكنّه بانٍ على صلته في حقّ الفعل‬
‫قاضٍ في حقّ القول عم ً‬
‫عملً برواية ‪ « :‬وما فاتكم فأتمّوا » وذلك تطبيقا لقاعدة الصوليّين ‪ ( :‬إذا أمكن الجمع بين‬
‫جمِع ) فحملنا رواية التمام على الفعال ‪ ،‬ورواية القضاء على القوال ‪.‬‬
‫الدّليلين ُ‬
‫‪28‬‬

‫‪ -‬والّ حق ‪ :‬هو من فات ته الرّكعات كلّ ها أو بعض ها ب عد اقتدائه بعذرٍ ‪ ،‬كغفلةٍ وزحمةٍ ‪،‬‬

‫ركوعن أو سنجو ٍد ‪ ،‬كمنا عرّفنه‬
‫ٍ‬
‫حدثن ونحوهنا ‪ ،‬أو بغينر عذرٍ كأن سنبق إمامنه فني‬
‫ٍ‬
‫وسنبق‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬وهو المتخلّف عن المام بركنٍ أو أكثر ‪ ،‬كما عبّر عنه غير الحنفيّة ‪.‬‬

‫وحكم الّحق عند الحنفيّة كمؤتمّ ‪ ،‬ل يأتي بقراءةٍ ول سجود سهوٍ ‪ ،‬ول يتغيّر فرضه بنيّة‬
‫إقام ٍة ‪ ،‬ويبدأ بقضاء ما فاته بعذرٍ ‪ ،‬ثمّ يتابع المام إن لم يكن قد فرغ ‪ ،‬عكس المسبوق ‪ .‬وقال‬
‫الجمهور ‪ ( :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إن تخلّف عن المام بركعةٍ فأكثر بعذرٍ ‪ ،‬من نومٍ‬
‫أو غفلةٍ ‪ ،‬تابع إمامه فيما بقي من صلته ‪ ،‬ويقضي ما سبقه المام به بعد سلم المام‬
‫ن واحدٍ‬
‫كالمسبوق ‪ ،‬وإن تخلّف بركنين بغير عذ ٍر بطلت صلته عندهم ‪ .‬وكذلك لو تخلّف برك ٍ‬
‫ح عندهم ‪.‬‬
‫عمدا عند المالكيّة ‪ ،‬وهو رواية عند الشّافعيّة ‪ ،‬ول تبطل في الص ّ‬
‫ن أو ركنين لعذرٍ فإنّ المأموم يفعل ما سبقه به إمامه ويدركه إن أمكن ‪ ،‬فإن‬
‫وإن تخلّف برك ٍ‬
‫أدركه فل شيء عليه ‪ ،‬وإلّ تبطل هذه الرّكعة فيتداركها بعد سلم المام ‪ .‬وهذا في الجملة ‪،‬‬
‫وفي المسألة تفصيل ‪ ،‬وفي بعض الفروع خلف يرجع إليه في مصطلح ( لحق ) ‪.‬‬

‫كيفيّة القتداء‬
‫أوّلً ‪ -‬في أفعال الصّلة ‪:‬‬

‫‪ - 29‬القتداء في الصّلة هو متابعة المام ‪ ،‬والمتابعة واجبة في الفرائض والواجبات من غير‬
‫تأخير واجبٍ ‪ ،‬ما لم يعارضها واجب آخر ‪ ،‬فإن عارضها واجب آخر فل ينبغي أن يفوته ‪،‬‬
‫ن التيان به ل يفوّت المتابعة بالكّليّة ‪ ،‬وإنّما يؤخّرها ‪ ،‬وتأخير أحد‬
‫بل يأتي به ثمّ يتابعه ‪ ،‬ل ّ‬
‫الواجبين مع التيان بهما أولى من ترك أحدهما بالكلّيّة ‪ ،‬بخلف ما إذا كان ما يعارض‬
‫سنّة أولى من تأخير‬
‫ن ترك ال ّ‬
‫سنّة ويتابع المام بل تأخيرٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫المتابعة سنّة ‪ ،‬فإنّه يترك ال ّ‬
‫الواجب ‪ .‬وعلى ذلك فلو رفع المام رأسه من الرّكوع أو السّجود قبل أن يتمّ المأموم‬
‫التّسبيحات الثّلث وجب متابعته ‪ ،‬وكذا عكسه ‪ .‬بخلف سلم المام أو قيامه لثالث ٍة قبل إتمام‬
‫المأموم التّشهّد ‪ ،‬فإنّه ل يتابعه ‪ ،‬بل يتمّ التّشهّد لوجوبه ‪.‬‬
‫ل يحصل فعل من أفعال المقتدي قبل فعل المام ‪ ،‬وقد‬
‫هذا ‪ ،‬ومقتضى القتداء والمتابعة أ ّ‬
‫فصّل الفقهاء بين الفعال الّتي يسبّب فيها سبق المأموم فعل إمامه أو مقارنته له بطلن القتداء‬
‫ح القتداء‬
‫‪ ،‬وبين غيرها من الفعال ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إن تقدّم المأموم إمامه في تكبيرة الحرام لم يص ّ‬
‫أصلً ‪ ،‬لعدم صحّة البناء ‪ ،‬وهذا باتّفاق المذاهب ‪.‬‬
‫وجمهور الفقهاء ‪ ( :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو رواية عن أبي يوسف من الحنفيّة )‬
‫على أنّ مقارنة المأموم للمام في تكبيرة الحرام تضرّ بالقتداء وتبطل صلة المقتدي ‪ ،‬عمدا‬
‫كان أو سهوا ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬إنّما جعل المام ليؤتمّ به ‪ ،‬فل تختلفوا عليه ‪ ،‬فإذا كبّر فكبّروا ‪،‬‬
‫وإذا ركع فاركعوا » لكن المالكيّة قالوا ‪ :‬إن سبقه المام ولو بحرفٍ صحّت ‪ ،‬إن ختم المقتدي‬
‫معه أو بعده ‪ ،‬ل قبله ‪ .‬واشترط الشّافعيّة ‪ ،‬وهو المفهوم من كلم الحنابلة ‪ ،‬تأخّر جميع‬
‫تكبيرة المقتدي عن تكبيرة المام ‪.‬‬

‫ول تضرّ مقارنة تكبيرة المقتدي لتكبير المام عند أبي حنيفة ‪ ،‬حتّى نقل عنه القول بأنّ‬
‫سنّة ‪ ،‬قال في البدائع ‪ :‬ومنها ( أي من سنن الجماعة ) أن يكبّر المقتدي مقارنا‬
‫المقارنة هي ال ّ‬
‫ن القتداء مشاركة ‪ ،‬وحقيقة‬
‫لتكبير المام فهو أفضل باتّفاق الرّوايات عن أبي حنيفة ‪ ..‬ل ّ‬
‫المشاركة المقارنة ‪ ،‬إذ بها تتحقّق المشاركة في جميع أجزاء العبادة ‪.‬‬
‫ن المقتدي يتابع المام في السّلم ‪ ،‬بأن يسلّم بعده ‪ ،‬وصرّح الحنفيّة ‪ :‬أنّه‬
‫واتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫لو سلّم المام قبل أن يفرغ المقتدي من الدّعاء الّذي يكون بعد التّشهّد ‪ ،‬أو قبل أن يصلّي على‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فإنّه يتابع المام في التّسليم ‪ .‬أمّا عند الجمهور فلو سلّم المام قبل‬
‫أن يصلّي المأموم على النّبيّ صلى ال عليه وسلم فإنّه يصلّي عليه ‪ ،‬ثمّ يسلّم من صلته ‪ ،‬لنّ‬
‫الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم من أركان الصّلة ‪ .‬ولو سلّم قبل المام سهوا فإنّه‬
‫يعيد ‪ ،‬ويسلّم بعده ‪ ،‬ول شيء عليه ‪ ،‬أمّا إن سلّم قبل المام عمدا فإنّه تبطل صلته عند‬
‫الجمهور ‪ ،‬إلّ أن ينوي المفارقة عند بعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ل أنّها مكروهة عند‬
‫أمّا مقارنة المقتدي للمام في السّلم فل تضرّ عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬إ ّ‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬أمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬مساواته للمام تبطل الصّلة ‪.‬‬
‫ول تضرّ مقارنة المأموم للمام في سائر الفعال ‪ ،‬كالرّكوع والسّجود مع الكراهة أو بدونها‬
‫على خلفٍ بين الفقهاء ‪ ،‬فإن تقدّمه في ركوعٍ أو سجودٍ ينبغي البقاء فيهما حتّى يدركه‬
‫المام ‪ ،‬ولو رفع المقتدي رأسه من الرّكوع أو السّجود قبل المام ينبغي أن يعود ول يعتبر‬
‫ذلك ركوعين أو سجودين اتّفاقا ‪ ،‬وفي المسألة تفصيل ينظر في ( صلة ) ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ -‬القتداء في أقوال الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 30‬ل يشترط لصحّة القتداء متابعة المام في سائر أقوال الصّلة غير تكبيرة الحرام‬
‫والسّلم ‪ ،‬كالتّشهّد والقراءة والتّسبيح ‪ ،‬فيجوز فيها التّقدّم والتّأخّر والموافقة ‪.‬‬

‫اختلف صفة المقتدي والمام ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم ‪:‬‬

‫‪ - 31‬يجوز اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم عند جمهور الفقهاء ‪ ( .‬المالكيّة والحنابلة وأبي حنيفة‬
‫وأبي يوسف ) ‪ ،‬لما ورد في حديث « عمرو بن العاص أنّه بعثه النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫أميرا على سريّةٍ ‪ ،‬فأجنب ‪ ،‬وصلّى بأصحابه بالتّيمّم لخوف البرد ‪ ،‬وعلم النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم فلم يأمرهم بالعادة » ‪.‬‬
‫ن التّيمّم يرفع الحدث مطلقا من كلّ وجهٍ ‪ ،‬ما بقي‬
‫واستدلّ الحنفيّة للجواز كذلك على أصلهم بأ ّ‬
‫شرطه ‪ ،‬وهو العجز عن استعمال الماء ‪ ،‬ولهذا تجوز الفرائض المتعدّدة بتي ّممٍ واحدٍ عندهم ‪.‬‬

‫ن إمامة المتوضّئ أولى‬
‫ن الحنابلة صرّحوا بأ ّ‬
‫وكره المالكيّة اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫من إمامة المتيمّم ‪ ،‬لنّ التّيمّم ل يرفع الحدث ‪ ،‬بل يستباح به الصّلة للضّرورة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يجوز القتداء بمن تلزمه العادة كمتيمّمٍ بمتي ّممٍ ‪ ،‬ولو كان المقتدي مثله ‪،‬‬
‫أمّا المتيمّم الّذي ل إعادة عليه فيجوز اقتداء المتوضّئ به ‪ ،‬لنّه قد أتى عن طهارته ببدلٍ مغنٍ‬
‫ح اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم مطلقا في‬
‫عن العادة ‪ .‬وقال محمّد بن الحسن من الحنفيّة ‪ :‬ل يص ّ‬
‫غير صلة الجنازة ‪ ،‬للزوم بناء القويّ على الضّعيف ‪.‬‬

‫اقتداء الغاسل بالماسح ‪:‬‬
‫ن الخفّ مانع‬
‫‪ - 32‬اتّفق الفقهاء على جواز اقتداء غاسلٍ بماسحٍ على خفّ أو جبيرةٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ف يرفعه المسح ‪ ،‬فهو باقٍ على كونه غاسلً ‪ ،‬كما‬
‫ل بالخ ّ‬
‫سراية الحدث إلى القدم ‪ ،‬وما ح ّ‬
‫علّله الحنفيّة ‪ ،‬ولنّ صلته مغنية عن العادة لرتفاع حدثه ‪ ،‬لنّ المسح يرفع الحدث كما‬
‫وجّهه الخرون ‪.‬‬

‫اقتداء المفترض بالمتنفّل ‪:‬‬

‫‪ - 33‬جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة وهو المختار عند الحنابلة ) على عدم جواز اقتداء‬
‫المفترض بالمتنفّل ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما جعل المام ليؤتمّ به ‪ ،‬فل تختلفوا‬
‫عليه » ولقوله عليه السلم ‪ « :‬المام ضامن » ومقتضى الحديثين ألّ يكون المام أضعف‬
‫ن صلة المأموم ل تؤدّى بنيّة المام ‪ ،‬فأشبهت صلة الجمعة خلف من‬
‫حالً من المقتدي ‪ ،‬ول ّ‬
‫يصلّي الظّهر ‪.‬‬
‫ح اقتداء المفترض بالمتنفّل بشرط‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ ،‬وهو الرّواية الثّانية عند الحنابلة ‪ :‬يص ّ‬
‫ن معاذا كان يصلّي مع النّبيّ صلى ال‬
‫توافق نظم صلتيهما ‪ ،‬لما ورد في الصّحيحين ‪ « :‬أ ّ‬
‫عليه وسلم عشاء الخرة ‪ ،‬ث ّم يرجع إلى قومه فيصلّي بهم تلك الصّلة » ‪.‬‬
‫فإن اختلف فعلهما كمكتوب ٍة وكسوفٍ أو جنازةٍ ‪ ،‬لم يصحّ القتداء في ذلك على الصّحيح‬
‫لمخالفته النّظم وتعذّر المتابعة ‪.‬‬
‫ي في الفرض ‪ ،‬فإنّه ل يجوز عند جمهور‬
‫‪ - 34‬ويتفرّع على هذه المسألة اقتداء البالغ بالصّب ّ‬
‫الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) لقول الشّعبيّ ‪ :‬ل يؤمّ الغلم حتّى يحتلم ‪ .‬ولنّه ل يؤمن‬
‫من الصّبيّ الخلل بشرطٍ من شرائط الصّلة ‪.‬‬
‫ح اقتداء البالغ الح ّر بالصّبيّ المميّز ‪ ،‬ولو كانت الصّلة فرضا ‪،‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يص ّ‬
‫للعتداد بصلته ‪ ،‬لنّ« عمرو بن سلمة كان يؤ ّم قومه على عهد رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم وهو ابن ستّ أو سبع سنين »‪ .‬لكنّهم صرّحوا بكراهة القتداء بالصّبيّ المميّز ‪.‬‬

‫هذا في صلة الفريضة ‪ ،‬أمّا في النّافلة فجاز اقتداء البالغ بالصّبيّ عند بعض الحنفيّة ‪ ،‬وهو‬
‫المشهور عند المالكيّة ‪ ،‬ورواية عند الحنابلة ‪ .‬وفي المختار عند الحنفيّة ‪ ،‬ورواية عند المالكيّة‬
‫والحنابلة ‪ :‬ل يجوز لنّ نفل الصّغير دون نفل البالغ ‪ ،‬حيث ل يلزمه القضاء بالفساد ‪ ،‬ول‬
‫يبنى القويّ على الضّعيف ‪ ،‬كما علّله الحنفيّة ‪..‬‬

‫اقتداء المفترض بمن يصلّي فرضا آخر ‪:‬‬
‫ض بمن‬
‫‪ - 35‬جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) على أنّه ل يجوز اقتداء مفتر ٍ‬
‫يصلّي فرضا آخر غير فرض المأموم ‪ ،‬فل يصحّ اقتداء من يصلّي ظهرا خلف من يصلّي‬
‫ن القتداء بناء‬
‫عصرا أو غيره ‪ ،‬ول عكسه ‪ ،‬ول اقتداء من يصلّي أداءً بمن يصلّي قضاءً ‪ ،‬ل ّ‬
‫تحريمة المقتدي على تحريمة المام ‪ ،‬وهذا يقتضي اتّحاد صلتيهما ‪ ،‬كما سبق في شروط‬
‫القتداء ‪ .‬ويجوز ذلك عند الشّافعيّة إذا توافق نظم صلتيهما في الفعال الظّاهرة ‪ ،‬فيصحّ‬
‫اقتداء من يصلّي فرضا من الوقات الخمسة بمن يصلّي فرضا آخر منهما أداءً وقضا ًء ‪ ،‬مع‬
‫تفصيلٍ ذكر في موضعه ‪.‬‬

‫اقتداء المقيم بالمسافر وعكسه ‪:‬‬

‫‪ - 36‬يجوز اقتداء المقيم بالمسافر في الوقت وخارج الوقت باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬فإذا أت ّم المام‬
‫المسافر صلته يقول للمصلّين خلفه ‪ :‬أتمّوا صلتكم فإنّي مسافر ‪ .‬فيقوم المقتدي المقيم ليكمل‬
‫صلته ‪ .‬ويعتبر في هذه الحالة كالمسبوق عند أكثر الفقهاء ‪.‬‬
‫كذلك يجوز اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت بل خلفٍ ‪ ،‬وحينئذٍ يجب عليه إتمام صلته‬
‫أربعا متابع ًة للمام ‪ .‬أمّا اقتداء المسافر بالمقيم خارج الوقت فل يجوز في صل ٍة رباعّيةٍ عند‬
‫ن فرضه ركعتان فيكون اقتداء مفترضٍ بمتنفّلٍ‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬لنّ المسافر بعد فوات الوقت تقرّر أ ّ‬
‫ن‪.‬‬
‫في حقّ قعد ٍة أو قراءةٍ باقتدائه في شفعٍ أوّلٍ أو ثا ٍ‬

‫اقتداء السّليم بالمعذور ‪:‬‬
‫ح عند الشّافعيّة ) أنّه ل يجوز‬
‫‪ - 37‬يرى جمهور الفقهاء ‪ ( :‬الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬ومقابل الص ّ‬
‫اقتداء السّليم بالمعذور ‪ ،‬كمن به سلس البول ‪ ،‬واستطلق البطن ‪ ،‬وانفلت الرّيح ‪ ،‬وكذا‬
‫ن أصحاب العذار يصلّون مع الحدث حقيقةً ‪،‬‬
‫الجرح السّائل ‪ ،‬والرّعاف ‪ ،‬والمستحاضة ‪ ،‬ل ّ‬
‫لكن جعل الحدث الموجود في حقّهم كالمعدوم ‪ ،‬للحاجة إلى الداء فل يتعدّاهم ‪ ،‬لنّ الضّرورة‬
‫ي على الضّعيف ‪،‬‬
‫ن الصّحيح أقوى حالً من المعذور ‪ ،‬ول يجوز بناء القو ّ‬
‫تقدّر بقدرها ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن المام ضامن ‪ ،‬بمعنى أنّه تضمن صلته صلة المقتدي ‪ ،‬والشّيء ل يتضمّن ما هو‬
‫ول ّ‬
‫فوقه ‪.‬‬

‫ح اقتداء السّليم بصاحب السّلس ‪ ،‬والطّاهرة بالمستحاضة غير‬
‫ح ‪ :‬يص ّ‬
‫وقال الشّافعيّة في الص ّ‬
‫المتحيّرة ‪ ،‬لصحّة صلتهم من غير إعادةٍ ‪.‬‬
‫وجواز اقتداء السّليم بالمعذور هو قول المالكيّة في المشهور ‪ ،‬لنّه إذا عفي عن العذار في‬
‫حقّ صاحبها عفي عنها في حقّ غيره ‪ .‬لكنّهم صرّحوا بكراهة إمامة أصحاب العذار‬
‫للصحّاء ‪ .‬وقد نقل في التّاج والكليل عن المالكيّة في جواز أو عدم جواز اقتداء السّليم‬
‫ن عمر كان إماما وأخبر أنّه يجد ذلك ( أي سلس المذي )‬
‫ل للجواز بأ ّ‬
‫بالمعذور قولين ‪ .‬واستد ّ‬
‫ول ينصرف ويجوز اقتداء صاحب العذر بمثله مطلقا ‪ ،‬أي ولو اختلف العذر ‪ ،‬أو إن اتّحد‬
‫عذرهما على تفصيلٍ يذكر في مصطلح ( عذر ) ‪.‬‬

‫اقتداء المكتسي بالعاري ‪:‬‬
‫‪ - 38‬صرّح جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة )‬
‫بعدم صحّة اقتداء المكتسي ( أي مستور العورة ) بالعاري ‪ ،‬لنّ المقتدي أقوى حالً من المام‬
‫ي بالضّعيف ‪.‬‬
‫‪ ،‬فيلزم اقتداء القو ّ‬
‫ولنّه تارك لشرطٍ يقدر عليه المأموم ‪ ،‬فأشبه اقتداء المعافى بمن به سلس البول ‪.‬‬
‫حتّى إنّ المالكيّة قالوا ‪ :‬إن وجدوا ثوبا صلّوا به أفذاذا ل يؤمّهم به أحد ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في الصحّ إلى جواز اقتداء المستور بالعاري ‪ ،‬بناءً على أصلهم في جواز‬
‫ن المالكيّة‬
‫اقتداء السّليم بالمعذور ‪ .‬أمّا اقتداء العاري بالعاري فيجوز عند عامّة الفقهاء ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫قيّدوا الجواز بما إن اجتمعوا بظلمٍ ‪ ،‬وإلّ تفرّقوا وصلّوا أفذاذا متباعدين ‪.‬‬

‫اقتداء القارئ بال ّميّ ‪:‬‬

‫‪ - 39‬ل يجوز اقتداء القارئ بالمّيّ عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫ن المام ضامن ويتحمّل القراءة عن المأموم ‪ ،‬ول يمكن ذلك‬
‫والجديد من مذهب الشّافعيّة ) ل ّ‬
‫في ال ّميّ ‪ ،‬لعدم قدرته على القراءة ‪ ،‬ولنّهما تاركان لشرطٍ يقدران عليه بتقديم القارئ ‪،‬‬
‫ي هنا عند الفقهاء ‪ :‬من ل يحسن القراءة الّتي تتوقّف عليها الصّلة ‪.‬‬
‫والمراد بالمّ ّ‬
‫س ّريّة دون‬
‫ي في القديم من مذهب الشّافعيّة ‪ ،‬في الصّلة ال ّ‬
‫ويجوز اقتداء القارئ بالمّ ّ‬
‫الجهريّة ‪ ،‬وذهب المزنيّ إلى صحّة القتداء به مطلقا ‪.‬‬
‫وجمهور العلماء على بطلن صلة القارئ إذا اقتدى بال ّميّ ‪ ،‬لعدم صحّة بناء صلته على‬
‫صلة ال ّميّ ‪ ،‬كذلك تبطل صلة ال ّميّ الّذي أ ّم القارئ عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في‬
‫الجديد لفقد شرطٍ يقدران عليه ‪.‬‬
‫ي أ ّميّا وقارئا ‪ ،‬فإن كانا عن يمينه ‪ ،‬أو‬
‫أمّا الحنابلة فقد فصّلوا في الموضوع فقالوا ‪ :‬إن أمّ أ ّم ّ‬
‫كان ال ّميّ عن يمينه والقارئ عن يساره صحّت صلة المام وال ّميّ المأموم ‪ ،‬وبطلت صلة‬

‫القارئ لقتدائه بأ ّميّ ‪ .‬وإن كانا خلفه ‪ ،‬أو القارئ وحده عن يمينه ‪ ،‬وال ّميّ عن يساره فسدت‬
‫صلة القارئ لقتدائه بالمّيّ ‪ ،‬وتبطل صلة ال ّميّ المأموم لكونه فذّا خلف المام أو عن‬
‫يساره ‪ ،‬وذلك مبطل للصّلة عندهم ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬ويجوز اقتداء ال ّميّ بمثله بل خلفٍ عند الفقهاء ‪.‬‬

‫اقتداء القادر بالعاجز عن ركنٍ ‪:‬‬
‫ن ‪ ،‬كالرّكوع أو السّجود أو القيام ‪ ،‬بمن ل يقدر عليه‬
‫‪ - 40‬ل يجوز اقتداء من يقدر على رك ٍ‬
‫ن المام عجز عن ركنٍ من أركان‬
‫عند المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قول مح ّمدٍ من الحنفيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصّلة فلم يصحّ القتداء به كالعاجز عن القراءة إلّ بمثله ‪ ،‬ولعدم جواز اقتداء القويّ‬
‫بالضّعيف كما مرّ ‪ ،‬إلّ أنّ الحنابلة استثنوا إمام الحيّ المرجوّ زوال علّته ‪ ،‬وفي هذه الحالة‬
‫يصحّ أن يصلّي المقتدرون وراءه جلوسا أو قياما عندهم ‪.‬‬
‫ويجوز اقتداء قائمٍ بقاعدٍ يركع ويسجد عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬وجاز ذلك عند الشّافعيّة‬
‫ن النّبيّ‬
‫ولو لم يكن القاعد قادرا على الرّكوع أو السّجود ‪ ،‬لحديث عائشة رضي ال عنها أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم « صلّى آخر صلته قاعدا والقوم خلفه قيام » ‪.‬‬
‫واختلفوا في اقتداء المستوي خلف الحدب ‪ ،‬فقال الحنفيّة والشّافعيّة بجوازه ‪ ،‬وقيّده بعض‬
‫الحنفيّة بألّ تبلغ حدبته حدّ الرّكوع ‪ ،‬ويميّز قيامه عن ركوعه ‪ ،‬وقال المالكيّة بجوازه مع‬
‫الكراهة ‪ ،‬ومنعه الحنابلة مطلقا ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان المام يصلّي باليماء فل يجوز اقتداء القائم أو الرّاكع أو السّاجد خلفه عند‬
‫الجمهور ( الحنفيّة عدا زفر ‪ ،‬والمالكيّة والحنابلة ) خلفا للشّافعيّة الّذين قاسوا المضطجع‬
‫والمستلقي على القاعد ‪.‬‬
‫ويجوز اقتداء المومئ بمثله عند الجمهور خلفا للمالكيّة في المشهور ‪ ،‬لنّ اليماء ل ينضبط‬
‫‪ ،‬فقد يكون إيماء المأموم أخفض من إيماء المام ‪ ،‬وقد يسبقه المأموم في اليماء ‪ ،‬وهذا يضرّ‬
‫‪.‬‬

‫القتداء بالفاسق ‪:‬‬

‫‪ - 41‬الفاسق ‪ :‬من فعل كبيرةً ‪ ،‬أو داوم على صغيرةٍ ‪ .‬وقد صرّح الحنفيّة والشّافعيّة بجواز‬
‫القتداء بالفاسق مع الكراهة ‪ ،‬أمّا الجواز فلما ورد في الحديث ‪ « :‬صلّوا خلف ك ّل برّ وفاجرٍ‬
‫ن ابن عمر " كان يصلّي خلف الحجّاج على ظلمه ‪ .‬وأمّا الكراهة‬
‫» ‪ ،‬ولما رواه الشّيخان أ ّ‬
‫فلعدم الوثوق به في المحافظة على الشّروط ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬كزانٍ وسارقٍ‬
‫وقال الحنابلة ‪ -‬وهو رواية عند المالكيّة ‪ : -‬ل تصحّ إمامة فاسقٍ بفع ٍ‬
‫وشارب خمرٍ ونمّامٍ ونحوه ‪ ،‬أو اعتقادٍ ‪ ،‬كخارجيّ أو رافضيّ ولو كان مستورا ‪ .‬لقوله تعالى‬

‫‪ { :‬أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ل يستوون } ‪ ،‬ولما روي عن جابرٍ مرفوعا ‪ « :‬ل تؤمّن‬
‫ل أن يقهره بسلطانٍ يخاف سوطه وسيفه‬
‫امرأة رجلً ‪ ،‬ول أعرابيّ مهاجرا ‪ ،‬ول فاجر مؤمنا إ ّ‬
‫ن وشارب خمرٍ ‪،‬‬
‫» ‪ .‬وفصّل المالكيّة في الرّواية الخرى المعتمدة بين الفاسق بجارحةٍ كزا ٍ‬
‫ن أو شرطٍ ‪ ،‬أو سنّةٍ‬
‫وبين من يتعلّق فسقه بالصّلة ‪ ،‬كأن يقصد بتقدّمه الكبر ‪ ،‬أو يخلّ برك ٍ‬
‫عمدا ‪ ،‬فقالوا بجواز القتداء بالوّل دون الثّاني ‪.‬‬
‫وهذا كلّه في الصّلوات الخمس ‪ ،‬أمّا في الجمع والعياد فيجوز القتداء بالفاسق اتّفاقا ‪،‬‬
‫لنّهما يختصّان بإمامٍ واحدٍ ‪ ،‬فالمنع منهما خلفه يؤدّي إلى تفويتهما دون سائر الصّلوات ‪.‬‬

‫القتداء بالعمى والصمّ والخرس ‪:‬‬
‫ن العمى والصّمم ل يخلّان‬
‫‪ - 42‬ل خلف بين الفقهاء في صحّة القتداء بالعمى والصمّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫بشي ٍء من أفعال الصّلة ‪ ،‬ول بشروطها ‪ .‬لكن الحنفيّة والحنابلة صرّحوا بكراهة إمامة‬
‫العمى ‪ ،‬كما صرّح المالكيّة بأفضليّة إمامة البصير المساوي للعمى في الفضل ‪ ،‬لنّه أشدّ‬
‫تحفّظا من النّجاسات ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬العمى والبصير سواء لتعارض فضليهما ‪ ،‬لنّ العمى ل ينظر ما يشغله‬
‫فهو أخشع ‪ ،‬والبصير ينظر الخبث فهو أقدر على تجنّبه ‪ ،‬وهذا إذا كان العمى ل يتبذّل ‪ ،‬أمّا‬
‫إذا تبذّل أي ترك الصّيانة عن المستقذرات ‪ ،‬كأن لبس ثياب البذلة ‪ ،‬كان البصير أولى منه ‪.‬‬
‫أمّا الخرس فل يجوز القتداء به ‪ ،‬لنّه يترك أركان الصّلة من التّحريمة والقراءة ‪ .‬حتّى إنّ‬
‫الشّافعيّة والحنابلة صرّحوا بعدم جواز القتداء بالخرس ‪ ،‬ولو كان المقتدي مثله ‪ ،‬وصرّح‬
‫ن الخرس أسوأ حالً من ال ّميّ ‪ ،‬لقدرة المّيّ على التّحريمة دون الخرس ‪ ،‬فل‬
‫الحنفيّة أ ّ‬
‫يجوز اقتداء ال ّميّ بالخرس ‪ ،‬ويجوز العكس ‪.‬‬

‫القتداء بمن يخالفه في الفروع ‪:‬‬

‫‪ - 43‬ل خلف بين الفقهاء في صحّة القتداء بإمامٍ يخالف المقتدي في الفروع ‪ ،‬إذا كان‬
‫المام يتحامى مواضع الخلف ‪ ،‬بأن يتوضّأ من الخارج النّجس من غير السّبيلين كالفصد مثلً‬
‫‪ ،‬ول ينحرف عن القبلة انحرافا فاحشا ‪ ،‬ويراعي الدّلك والموالة في الوضوء ‪ ،‬والطّمأنينة‬
‫في الصّلة ‪.‬‬
‫وكذلك يصحّ القتداء بإمامٍ مخالفٍ في المذهب إذا كان ل يعلم منه التيان بما يفسد الصّلة‬
‫ن الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم من المسلمين لم يزل بعضهم يقتدي‬
‫عند المقتدي بيقينٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫صفّ وقوّة المسلمين ‪.‬‬
‫ببعضٍ مع اختلفهم في الفروع ‪ ،‬ولما فيه من وحدة ال ّ‬
‫أمّا إذا علم المقتدي أنّ المام أتى بمانعٍ لصحّة الصّلة في مذهب المأموم ‪ ،‬وليس مانعا في‬
‫مذهبه ‪ ،‬كترك الدّلك والموالة في الوضوء ‪ ،‬أو ترك شرطا في الصّلة عند المأموم ‪ ،‬فقد‬

‫ن المعتبر في‬
‫صرّح المالكيّة والحنابلة ‪ -‬وهو رواية عند الشّافعيّة ‪ -‬بصحّة القتداء ‪ ،‬ل ّ‬
‫شروط الصّلة مذهب المام ل المأموم ‪ ،‬ما لم يكن المتروك ركنا داخلً في الصّلة عند‬
‫المالكيّة ‪ ،‬كترك الرّفع من الرّكوع ‪ .‬وفي الصحّ عند الشّافعيّة ل يصحّ القتداء اعتبارا بنيّة‬
‫المقتدي ‪ ،‬لنّه يعتقد فساد صلة إمامه ‪ ،‬فل يمكن البناء عليه ‪.‬‬
‫ح القتداء ‪،‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن تيقّن المقتدي ترك المام مراعاة الفروض عند المقتدي لم يص ّ‬
‫وإن علم تركه للواجبات فقط يكره ‪ ،‬أمّا إن علم منه ترك السّنن فينبغي أن يقتدي به ‪ ،‬لنّ‬
‫الجماعة واجبة ‪ ،‬فتقدّم على ترك كراهة التّنزيه ‪ ،‬وهذا بناء على أنّ العبرة لرأي المقتدي ‪-‬‬
‫ح ‪ -‬وقيل ‪ :‬لرأي المام ‪ ،‬وعليه جماعة ‪ .‬قال في النّهاية ‪ :‬وهو القيس ‪ ،‬وعليه‬
‫وهو الص ّ‬
‫ح القتداء ‪ ،‬وإن كان المام ل يحتاط ‪.‬‬
‫فيص ّ‬

‫القتداء في غير الصّلة‬
‫‪44‬‬

‫‪ -‬القتداء في غ ير ال صّلة ‪ -‬بمع نى التّأ سّي والتّباع ‪ -‬يختلف حك مه باختلف المقتدى‬

‫به ‪ ،‬فالقتداء بالنّبيّ صلى ال عليه وسلم في أمور الدّين وما يتعلّق بالشّريعة واجب أو مندوب‬
‫( بحسب حكم ذلك الفعل ) ‪ ،‬والقتداء بأفعاله صلى ال عليه وسلم الجبّليّة حكمه الباحة ‪،‬‬
‫والقتداء بالمجتهد فيما اجتهد فيه من المسائل الفقهيّة مطلوب لمن ليس له أهليّة الجتهاد عند‬
‫الصوليّين ‪.‬‬
‫وتفصيل هذه المسائل في الملحق الصوليّ ‪ ،‬وانظر مصطلحي ( اتّباع ‪ ،‬وتأسّي ) ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬استدانة ‪.‬‬

‫اقتراض *‬
‫اقتصار *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬القتصار على الشّيء لغ ًة ‪ :‬الكتفاء به ‪ ،‬وعدم مجاوزته ‪ ،‬وقد ورد استعمال القتصار‬
‫بهذا المعنى في بعض فروع الشّافعيّة ‪ ،‬كقولهم في كفاية الرّقيق ‪ :‬ول يكفي القتصار على‬
‫ستر العورة ‪ ،‬قال الغزاليّ ‪ :‬ببلدنا احترازا عن بلد السّودان ‪ .‬وفي الستنجاء قال المحّليّ ‪:‬‬
‫وجمعهما ( الماء والحجر ) بأن يقدّم الحجر أفضل من القتصار على أحدهما ‪.‬‬
‫والقتصار على الماء أفضل من القتصار على الحجر ‪ ،‬لنّه يزيل العين والثر بخلف‬
‫ي " اكتفاء " ‪ .‬ولتمام‬
‫الحجر ‪ .‬وقد جاء استعمال " القتصار " في المثالين السّابقين بمعناه اللّغو ّ‬
‫الفائدة يراجع مصطلح ‪ ( :‬استناد ) ‪.‬‬

‫والقتصار عند الفقهاء هو أن يثبت الحكم عند حدوث العلّة ل قبل الحدوث ول بعده ‪ ،‬كما‬
‫في الطّلق المنجّز ‪ ،‬وعرّفه صاحب ال ّدرّ المختار بأنّه ‪ :‬ثبوت الحكم في الحال ‪ ،‬ومثّل له ابن‬
‫عابدين ‪ :‬بإنشاء البيع والطّلق والعتاق وغيرها ‪ ،‬والتّعريفان متقاربان ‪.‬‬
‫ي للقتصار ‪ ،‬لنّ ثبوت الحكم‬
‫ن المعنى الصطلحيّ لم يخرج عن المعنى اللّغو ّ‬
‫ويتّضح أ ّ‬
‫في الحال يعني الكتفاء بالحال وعدم مجاوزته ‪ ،‬ل إلى الماضي ول إلى المستقبل ‪.‬‬
‫‪ - 2‬ويلحظ في تعريف " القتصار " المور التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أنّه أحد الطّرق الّتي يثبت بها الحكم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ثبوت الحكم عن طريق القتصار يكون في الحال ‪ ،‬أي ل قبله ول بعده ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أنّه إنشاء وليس بخبرٍ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أنّه إنشاء منجز ل معلّق ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يتّضح معنى القتصار من ذكر بقيّة الطّرق الّتي يثبت بها الحكم وتعريفها ‪ ،‬وهي ألفاظ‬
‫ذات صل ٍة بالقتصار ‪ .‬قال الحصكفيّ ‪ :‬اعلم أنّ طرق ثبوت الحكام أربعة ‪ :‬النقلب ‪،‬‬
‫والقتصار ‪ ،‬والستناد ‪ ،‬والتّبيين ‪.‬‬

‫النقلب ‪:‬‬

‫‪ - 4‬النقلب ‪ :‬صيرورة ما ليس بعلّةٍ علّ ًة ‪ ،‬كما إذا علّق الطّلق بالشّرط ‪ ،‬كأن يقول الرّجل‬
‫لمرأته ‪ :‬أنت طالق إن دخلت الدّار ‪ ،‬فإنّ " أنت طالق " علّة لثبوت حكمه ‪ ،‬وهو الطّلق ‪،‬‬
‫لكنّه بالتّعليق على الدّخول لم ينعقد علّ ًة إلّ عند وجود شرطه ‪ ،‬وهو الدّخول ‪ ،‬فعند وجود‬
‫الشّرط ينقلب ما ليس بعّلةٍ علّ ًة ‪ .‬ويتبيّن من تعريف النقلب أنّه يتّفق مع القتصار في أنّهما‬
‫ن القتصار منجّز ‪ ،‬والنقلب معلّق ‪.‬‬
‫إنشاء ل خبر ‪ ،‬إلّ أنّهما يختلفان في أ ّ‬

‫الستناد ‪:‬‬
‫ل المدّة ‪،‬‬
‫‪ - 5‬الستناد ‪ :‬ثبوت الحكم في الحال ‪ ،‬ثمّ يستند إلى ما قبله بشرط بقاء المحلّ ك ّ‬
‫كلزوم الزّكاة حين الحول مستندا لوجود النّصاب ‪ ،‬وكالمضمونات تملك عند أداء الضّمان‬
‫مستندا إلى وقت وجود السّبب ‪.‬‬
‫فالثر الرّجعيّ هنا واضح ‪ ،‬بخلف القتصار فليس فيه أثر رجعيّ ‪.‬‬

‫الفرق بين الستناد والقتصار ‪:‬‬

‫‪ - 6‬الستناد أحد الطّرق الربعة الّتي تثبت بها الحكام ‪ ،‬وقد تبيّن من خلل تعريفه أنّ‬
‫الستناد له أثر رجعيّ بخلف القتصار ‪.‬‬
‫جاء في المدخل الفقهيّ العامّ ‪:‬‬

‫في الصطلح القانونيّ الشّائع اليوم في عصرنا يسمّى انسحاب الحكام على الماضي أثرا‬
‫رجعيّا ‪ ،‬ويستعمل هذا التّعبير في رجعيّة أحكام القوانين نفسها كما في آثار العقود على السّواء‬
‫ن بيع ملك الغير بدون إذنه‬
‫‪ .‬فيقال ‪ :‬هذا القانون له أثر رجعيّ ‪ ،‬وذاك ليس له ‪ ،‬كما يقال ‪ :‬إ ّ‬
‫إذا أجازه المالك يكون لجازته أثر رجعيّ ‪ ،‬فيعتبر حكم العقد ساريا منذ انعقاده ل منذ إجازته‬
‫‪ ،‬وليس في لغة القانون اسم لعدم الثر الرّجعيّ ‪.‬‬
‫أمّا الفقه السلميّ فيسمّي عدم رجعيّة الثار اقتصارا ‪ ،‬بمعنى أنّ الحكم يثبت مقتصرا على‬
‫الحال ل منسحبا على الماضي ‪ .‬ويسمّي رجعيّة الثار استنادا ‪ ،‬وهو اصطلح المذهب‬
‫الحنفيّ ‪ ،‬ويسمّيه المالكيّة " انعطافا " ‪ .‬ثمّ أضاف صاحب المدخل ‪ :‬وتار ًة يكون النحلل‬
‫مقتصرا ليس له انعطاف وأثر رجعيّ ‪ ،‬وإنّما يسري حكمه على المستقبل فقط من تاريخ‬
‫وقوعه ‪ ،‬وذلك في العقود الستمراريّة كالشّركة وكالجارة ‪.‬‬
‫فالفسخ أو النفساخ يقطعان تأثير هذه العقود بالنّسبة إلى المستقبل ‪ ،‬أمّا ما مضى فيكون على‬
‫حكم العقد ‪ ،‬وكذا انحلل الوكالة بالعزل ل ينقض تصرّفات الوكيل السّابقة ‪.‬‬
‫ثمّ يستحسن التّمييز في تسمية انحلل العقد بين حالتي الستناد والقتصار ‪ ،‬فيقترح تسمية‬
‫الحلّ والنحلل في حالة الستناد ‪ :‬فسخا وانفساخا ‪ ،‬وفي حالة القتصار ‪ :‬إنهاءً وانتهاءً ‪.‬‬
‫ن الشّافعيّة فرّقوا‬
‫‪ -7‬هذا ‪ ،‬ولم نر التّصريح بهذين المصطلحين في مذهب غير الحنفيّة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫بين حالتين في الفسخ ‪.‬‬
‫قال المام السّيوطيّ في كتابه الشباه والنّظائر ‪ :‬الفسخ هل يرفع العقد من أصله ‪ ،‬أو من‬
‫حينه ؟ يمكن أن نفهم من قول السّيوطيّ هذا أنّهم فرّقوا بين ما يرفع العقد من أصله وبين ما‬
‫يرفع العقد من حينه ‪ ،‬فيصدق على الوّل الستناد عند الحنفيّة ‪ ،‬وعلى الثّاني القتصار عندهم‬
‫ي هنا بين ماله أثر رجعيّ ‪ ،‬وبين ما ليس له أثر رجعيّ ‪.‬‬
‫أيضا ‪ .‬فقد فرّق السّيوط ّ‬
‫‪ -8‬وقد مثّلوا لما يرفع العقد من حينه بما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الفسخ بخيار العيب ‪ ،‬والتّصرية ونحوهما ‪ ،‬والصحّ أنّه من حينه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬فسخ البيع بخيار المجلس أو الشّرط فيه وجهان ‪ ،‬أصحّهما في شرح المهذّب من حينه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الفسخ بالفلس من حينه قطعا ‪.‬‬
‫هن‪ -‬الرّجوع في الهبة من حينه قطعا ‪.‬‬
‫و‪ -‬وفسخ النّكاح بأحد العيوب ‪ ،‬والصحّ ‪ :‬أنّه من حينه ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬فسخ الحوالة ‪ :‬انقطاع من حينه ‪.‬‬
‫‪ -9‬ومثّل لما يرفع العقد من أصله أيضا بقولهم ‪ :‬إذا كان رأس مال السّلم في ال ّذمّة ‪ ،‬وعيّن‬
‫في المجلس ‪ ،‬ثمّ انفسخ السّلم بسببٍ يقتضيه ورأس المال باقٍ ‪ ،‬فهل يرجع إلى عينه أو بدله ؟‬

‫ن المسلم فيه إذا ردّ بالعيب هل‬
‫وجهان ‪ :‬الصحّ الوّل ‪ .‬قال الغزاليّ ‪ :‬والخلف يلتفت إلى أ ّ‬
‫يكون نقضا للملك في الحال ‪ ،‬أو هو مبيّن لعدم جريان الملك ؟ ‪.‬‬
‫ن الصحّ هنا ‪ ،‬أنّه رفع للعقد من أصله ‪ ،‬ويجري ذلك أيضا في‬
‫ومقتضى هذا التّفريع ‪ :‬أ ّ‬
‫نجوم الكتابة ( أقساطها ) ‪ ،‬وبدل الخلع إذا وجد به عيبا فردّه ‪.‬‬
‫لكن في الكتابة يرتدّ العتق لعدم القبض المعلّق عليه ‪.‬‬
‫وفي الخلع ‪ :‬ل يرتدّ الطّلق بل يرجع إلى بدل البضع ‪ .‬هذا ما ذهب إليه المام السّيوطيّ في‬
‫الشباه والنّظائر ‪ ،‬في أنّ الفسخ يرفع العقد من أصله حينا ومن حينه حينا آخر ‪.‬‬
‫ل أنّنا حينما نرجع إلى الرّوضة نجد المام النّوويّ يرجّح أنّ الفسخ يرفع العقد من حينه ‪،‬‬
‫إّ‬
‫وأنّ الرّفع من الصل ضعيف ‪.‬‬
‫و قد تب عه في ذلك القليوب يّ في حاشي ته على شرح المنهاج للمحلّ يّ ‪ ،‬فيقول ‪ :‬إ نّ الف سخ ير فع‬
‫العقد من أصله ‪ ،‬وهو ضعيف ‪.‬‬
‫ويقول المحّليّ ‪ :‬بناءً على الصحّ ‪ :‬إنّ الفسخ يرفع العقد من حينه ‪.‬‬

‫التّبيين ‪:‬‬
‫ن الحكم كان ثابتا من قبل ‪ ،‬مثل أن يقول في اليوم ‪ :‬إن‬
‫‪ - 10‬التّبيين ‪ :‬أن يظهر في الحال أ ّ‬
‫كان زيد في الدّار فأنت طالق ‪ ،‬وتبيّن في الغد وجوده فيها ‪ ،‬يقع الطّلق في اليوم ‪ ،‬ويعتبر‬
‫ابتداء المدّة منه ‪ .‬ويخالف التّبيين القتصار في أنّ الحكم في التّبيين يظهر أنّه كان ثابتا من‬
‫ن الحكم في القتصار يثبت في الحال فقط ‪.‬‬
‫قبل ‪ ،‬في حين أ ّ‬
‫هذا ‪ ،‬ولمّا كان القتصار إنشاءً للعقود ‪ ،‬أو الفسوخ المنجزة ‪ ،‬شملها جميعا ‪ ،‬لنّ التّنجيز هو‬
‫الصل فيها ‪.‬‬
‫مثال العقود ‪ :‬البيع والسّلم والجارة والقراض وغير ذلك ‪.‬‬
‫ومثال الفسوخ ‪ :‬الطّلق والعتاق وغير ذلك ‪ .‬أمّا إذا كانت الفسوخ غير منجزةٍ ‪ ،‬بأن كان لها‬
‫أثر رجعيّ ‪ ،‬وانسحب حكمها على الماضي ‪ ،‬فتدخل حينئذٍ في باب الستناد ‪.‬‬
‫ومثاله ما لو قال ‪ :‬أنت طالق قبل موت فلنٍ بشهرٍ ‪ ،‬لم تطلق حتّى يموت فلن بعد اليمين‬
‫بشهرٍ ‪ ،‬فإن مات لتمام الشّهر طلقت مستندا إلى أوّل الشّهر ‪ ،‬فتعتبر العدّة أوّله ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫اقتضاء *‬

‫‪ - 1‬القتضاء ‪ :‬مصدر اقتضى ‪ ،‬يقال ‪ :‬اقتضيت منه حقّي ‪ ،‬وتقاضيته ‪ :‬إذا طلبته وقبضته‬
‫وأخذته منه ‪ ،‬وأصله من قضاء الدّين ‪.‬‬

‫والقتضاء في استعمال الفقهاء بمعناه اللّغويّ ‪ .‬ويستعمله الصوليّون بمعنى الدّللة ‪ .‬يقولون‬
‫‪ :‬المر يقتضي الوجوب أي يدلّ عليه ‪ ،‬ويستعملونه أيضا بمعنى الطّلب ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القضاء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القضاء ‪ :‬إعطاء الحقّ والفراغ منه ‪ ،‬ومنه أداء ما على النسان من حقوقٍ للّه تعالى ‪،‬‬
‫ل ‪ { :‬فإذا قضيتم مناسككم }‬
‫سواء كان أداؤها في الوقت المحدّد لها ‪ ،‬ومنه قول اللّه عزّ وج ّ‬
‫أي أدّيتموها وفرغتم منها ‪ ،‬أو كان أداؤها بعد خروج وقتها كقضاء الفائتة ‪.‬‬
‫ن لفظ القضاء عامّ يجوز إطلقه على تسليم عين الواجب ( وهو‬
‫وبعض الصوليّين يقول ‪ :‬إ ّ‬
‫ن معنى القضاء ‪ :‬السقاط والتمام والحكام ‪،‬‬
‫الداء ) ‪ ،‬أو تسليم مثله ( وهو القضاء ) ‪ ،‬ل ّ‬
‫وهذه المعاني موجودة في تسليم عين الواجب ‪ ،‬كما هي موجودة في تسليم مثله ‪ ،‬فيجوز‬
‫ص بتسليم المثل عرفا‬
‫إطلق القضاء على الداء بطريق الحقيقة لعموم معناه ‪ ،‬إلّ أنّه لمّا اخت ّ‬
‫أو شرعا كان في غيره مجازا ‪ ،‬وكان إطلقه على الداء حقيقةً لغويّ ًة ‪ ،‬مجازا عرفيّا أو‬
‫شرعيّا ‪ .‬ويشمل أيضا أداء ما على النسان من حقوقٍ لغيره كقولهم ‪ :‬لو عرف الوصيّ دينا‬
‫على الميّت فقضاه ل يأثم ‪. .‬‬
‫ب ‪ -‬الستيفاء ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الستيفاء ‪ :‬طلب الوفاء ‪ ،‬يقال ‪ :‬استوفيت من فلنٍ ما لي عليه أي ‪ :‬أخذته حتّى لم يبق‬

‫عليه شيء ‪ ،‬واستوفيت المال ‪ :‬إذا أخذته كلّه ‪ .‬وهو بذلك نوع من أنواع القتضاء ‪ .‬دللة‬
‫القتضاء ‪:‬‬

‫‪ - 4‬دللة القتضاء هي تقدير محذوفٍ يتوقّف عليه صحّة الكلم أو صدقه ‪.‬‬
‫ح إلّ بالزّيادة هو المقتضى ‪ ،‬والمزيد هو المقتضي ‪ ،‬وطلب الزّيادة هو‬
‫والكلم الّذي ل يص ّ‬
‫القتضاء ‪ ،‬والحكم الّذي ثبت به هو حكم المقتضي ‪ ،‬ومثاله ما يتوقّف عليه لصحّة قول القائل‬
‫‪ :‬أعتق عبدك عنّي بألفٍ ‪ ،‬فنفس هذا الكلم هو المقتضي ‪ ،‬لعدم صحّته في نفسه شرعا ‪ ،‬لنّ‬
‫العتق فرع الملكيّة ‪ ،‬فكأنّه قال ‪ :‬بعني عبدك بكذا أو وكّلتك في إعتاقه ‪ ،‬وطلب الزّيادة الّتي‬
‫يصحّ بها الكلم هي القتضاء ‪ ،‬وهذه الزّيادة ( وهي البيع ) هي المقتضى ‪ ،‬وما ثبت بالبيع‬
‫( وهو الملك ) هو حكم المقتضي ‪ ،‬ومثاله ما يتوقّف عليه صدق المتكلّم ‪ ،‬كقول النّبيّ صلى‬
‫ن رفع الخطأ وغيره‬
‫ال عليه وسلم « رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » فإ ّ‬
‫مع تحقّقه ممتنع فل بدّ من إضمار نفي حكمٍ يمكن نفيه ‪ ،‬كنفي المؤاخذة والعقاب ‪.‬‬
‫ومنه ما أضمر لصحّة الكلم عقلً ‪ ،‬كقوله تعالى ‪ { :‬واسأل القرية } ‪ ،‬فإنّه ل ب ّد من إضمار‬
‫( أهل ) لصحّة الملفوظ به عقلً ‪.‬‬

‫القتضاء بمعنى الطّلب ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الحكم التّكليفيّ هو ‪ :‬خطاب اللّه تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين بالقتضاء أو التّخيير ‪.‬‬
‫والقتضاء ‪ -‬وهو الطّلب ‪ -‬إمّا أن يكون طلب الفعل أو طلب تركه ‪ .‬وطلب الفعل ‪ ،‬إن كان‬
‫على سبيل الجزم فهو اليجاب ‪ ،‬وإن كان غير جاز ٍم فهو النّدب ‪ .‬وأمّا طلب التّرك ‪ ،‬فإن كان‬
‫جازما فهو التّحريم ‪ ،‬وإن كان غير جازمٍ فهو الكراهة ‪.‬‬
‫أمّا التّخيير فهو قسيم القتضاء ‪ ،‬إذ هو ما كان فعله وتركه على السّواء ‪.‬‬
‫اقتضاء الحقّ ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الشّائع في استعمال الفقهاء هو التّعبير بلفظ ( الستيفاء ) مقصودا به أخذ الحقّ ‪ ،‬سواء‬
‫أكان حقّا ماليّا كاستيفاء الجير أجرته ‪ ،‬أم كان حقّا غير ماليّ كاستيفاء المنافع والقصاص‬
‫وغير ذلك ‪.‬‬
‫ويأتي القتضاء بمعنى طلب قضاء الحقّ ‪ ،‬ومنه الحديث ‪ « :‬رحم اللّه رجلً سمحا إذا باع ‪،‬‬
‫وإذا اشترى ‪ ،‬وإذا اقتضى » قال ابن حجرٍ في شرحه ‪ :‬أي طلب قضاء حقّه بسهولةٍ وعدم‬
‫إلحافٍ ‪ ( .‬ر ‪ :‬اتّباع ‪ .‬استيفاء ) ‪.‬‬

‫اقتناء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬القتناء ‪ :‬مصدر اقتنى الشّيء يقتنيه ‪ ،‬إذا اتّخذه لنفسه ‪ ،‬ل للبيع أو للتّجارة ‪ .‬يقال ‪ :‬هذه‬
‫الفرس قنية ‪ ،‬وقنية ( بكسر القاف وضمّها ) إذا اتّخذها للنّسل أو للرّكوب ونحوهما ‪ ،‬ل‬
‫للتّجارة ‪ .‬وقنوت البقرة ‪ ،‬وقنيتها ‪ :‬أي اتّخذتها للحلب أو الحرث ‪ .‬ومال قنيانٍ ‪ :‬إذا اتّخذته‬
‫لنفسك ‪ .‬والمعنى الصطلحيّ لهذا اللّفظ ل يفترق عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫حكم القتناء ‪:‬‬

‫‪ - 2‬القتناء للشياء قد يكون مباحا ‪ ،‬بل قد يكون مندوبا ‪ ،‬مثل اقتناء المصاحف وكتب‬
‫الحديث والعلم ‪ .‬وقد يكون مباحا في حالٍ دون حالٍ ‪ ،‬مثل اقتناء الذّهب والفضّة ‪ ،‬واقتناء‬
‫الكلب المعلّم وغير ذلك من المباحات بشروطها ‪ ،‬ينظر تفصيلها في مصطلح ( إباحة ) ‪.‬‬
‫وقد يكون حراما مثل الخنزير والخمر وآلت اللّهو المحرّم ‪.‬‬
‫ل ما‬
‫‪ - 3‬وقد تعرّض الفقهاء لزكاة المقتنيات وقالوا ‪ :‬ل يزكّى المقتنى من النّعم في الجملة إ ّ‬
‫س من‬
‫ب أو نسلٍ ‪ ،‬إذا بلغت نصابا ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم « في خم ٍ‬
‫ل أو ركو ٍ‬
‫أسيم لحم ٍ‬
‫البل السّائمة صدقة »‬

‫كما يزكّى المقتنى من الذّهب والفضّة مضروبها وتبرها وحليّها وآنيّتها ‪ ،‬نوى التّجارة أو لم‬
‫ينو ‪ ،‬إذا بلغ ذلك نصابا ‪ .‬وهذا عند الحنفيّة ‪ ،‬ووافقهم على ذلك المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‬
‫ل في حليّ النّساء ‪ ( .‬ر ‪ :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫في الجملة ‪ ،‬إ ّ‬

‫اقتيات *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬القتيات لغ ًة ‪ :‬مصدر اقتات ‪ ،‬واقتات ‪ :‬أكل القوت ‪ ،‬والقوت ‪ :‬ما يؤكل ليمسك الرّمق ‪،‬‬
‫كالقمح والرز ‪.‬‬
‫والشياء المقتاتة ‪ :‬هي الّتي تصلح أن تكون قوتا تغذّى به الجسام على الدّوام ‪ ،‬بخلف ما‬
‫يكون قواما للجسام ل على الدّوام ‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬إذ عرّفه الدّسوقيّ بأنّه ‪ :‬ما تقوم البنية‬
‫ويستعمل القتيات عند الفقهاء بالمعنى اللّغو ّ‬
‫باستعماله بحيث ل تفسد عند القتصار عليه ‪.‬‬
‫والغذية أعمّ من القوت ‪ ،‬فإنّها قد يتناولها النسان تقوّتا أو تأدّما أو تفكّها أو تداويا ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪ :‬ومواطن البحث ‪:‬‬

‫‪ - 2‬يتكلّم الفقهاء عن القتيات في الزّكاة ‪ ،‬وفي بيع الرّبويّات ‪ ،‬وفي الحتكار ‪.‬‬
‫ففي الزّكاة ل يخالف أحد من الفقهاء في وجوب الزّكاة في الزّروع والثّمار إن كانت ممّا‬
‫يقتات اختيارا ويدّخر ‪ ،‬أمّا غير القوت ففي بعض أنواعه زكاة عند بعض الفقهاء ‪ ،‬ول زكاة‬
‫فيه عند البعض الخر ‪.‬‬
‫‪ - 3‬وفي بيع الرّبويّات ل يعتبر القتيات عّلةً في الرّبا عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬علّة الرّبا القتيات والدّخار ‪ ،‬إذ حرّموا الرّبا في كلّ ما كان قوتا مدّخرا ‪،‬‬
‫ونفوه عمّا ليس بقوتٍ كالفواكه ‪ ،‬وعمّا هو قوت ل يدّخر كاللّحم ‪ ،‬وفي معنى القتيات عندهم‬
‫‪ :‬ما يصلح القوت كالملح والتّوابل ‪.‬‬
‫وفي الحتكار يتّفق الفقهاء على منع احتكار القوات على اختلفٍ بينهم في ذلك المنع ‪،‬‬
‫ل النّاس قال أكثر الفقهاء ‪ :‬الحتكار ل‬
‫فأغلبهم على تحريمه ‪ .‬ونظرا له ّميّة القوات لك ّ‬
‫ل في القوات ‪ .‬وقد سبق تفصيل ذلك في بحث ( احتكار ) ‪..‬‬
‫يجري إ ّ‬

‫أقراء *‬
‫انظر ‪ :‬قرء ‪.‬‬

‫إقراء *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬القراء لغ ًة ‪ :‬الحمل على القراءة ‪ ،‬يقال ‪ :‬أقرأ غيره يقرئه إقراءً ‪ .‬وأقرأه القرآن فهو‬
‫مقرئ ‪ ،‬وإذا قرأ الرّجل القرآن أو الحديث على الشّيخ يقول ‪ :‬أقرأني فلن ‪ ،‬أي حملني على‬
‫أن أقرأ عليه ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ ‪ ( .‬الحمل على القراءة )‬
‫سواء أكان ذلك بقصد الستماع والذّكر ‪ ،‬أم كان بقصد التّعليم والحفظ ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القراءة والتّلوة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القراءة والتّلوة بمعنًى واحدٍ ‪ ،‬تقول ‪ :‬فلن يتلو كتاب اللّه ‪ :‬أي يقرؤه ويتكلّم به ‪ ،‬قال‬
‫اللّيث ‪ :‬تل يتلو تلو ًة يعني ‪ :‬قرأ ‪ ،‬والغالب في التّلوة أنّها تكون للقرآن ‪ ،‬وجعله بعضهم أعمّ‬
‫من تلوة القرآن وغيره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المدارسة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬المدارسة هي ‪ :‬أن يقرأ الشّخص على غيره ‪ ،‬ويقرأ غيره عليه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الدارة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الدارة هي ‪ :‬أن يقرأ بعض الجماعة قطعةً ‪ ،‬ثمّ يقرأ غيرهم ما بعدها ‪ ،‬وهكذا ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪ - 5‬القراء بقصد الذّكر واستماع القرآن ‪ -‬وخاصّ ًة ممّن كان صوته حسنا ‪ -‬أمر مستحبّ ‪.‬‬
‫فعن ابن مسعودٍ رضي ال تعالى عنه قال ‪ « :‬قال لي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬اقرأ‬
‫عليّ القرآن ‪ ،‬فقلت ‪ :‬يا رسول اللّه أقرأ عليك ‪ ،‬وعليك أنزل ؟ قال ‪ :‬إنّي أحبّ أن أسمعه من‬
‫غيري ‪ ،‬قال ‪ :‬فقرأت عليه سورة النّساء حتّى جئت إلى هذه الية ‪ { :‬فكيف إذا جئنا من كلّ‬
‫أمّ ٍة بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلء شهيدا } قال ‪ :‬حسبك الن ‪ ،‬فالتفت إليه فإذا عيّناه تذرفان »‬
‫‪ .‬وفي ذلك تفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬استماع ‪ -‬قرآن ) ‪.‬‬
‫‪ -6‬والقراء بقصد التّعليم والحفظ ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬سنقرئك فل تنسى } ‪ .‬فهو يعتبر في‬
‫الجملة من فروض الكفاية ‪ .‬جاء في منح الجليل ‪ :‬من فروض الكفاية القيام بعلوم الشّرع ممّن‬
‫هو أهل له ‪ ،‬غير ما يجب عينا ‪ ،‬وهو ما يحتاجه الشّخص في نفسه ‪ ،‬ث ّم قال ‪ :‬والمراد‬
‫بالقيام بها حفظها وإقراؤها وقراءتها وتحقيقها ‪.‬‬
‫ويتعلّق بذلك أحكام مختلفة كأخذ الجرة على ذلك ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( -‬تعليم ‪-‬‬
‫إجارة ‪ -‬اعتكاف ) ‪.‬‬

‫إقرار *‬
‫التّعريف ‪:‬‬

‫‪ - 1‬من معاني القرار في اللّغة ‪ :‬العتراف ‪ .‬يقال ‪ :‬أقرّ بالحقّ إذا اعترف به ‪ .‬وأقرّ الشّيء‬
‫أو الشّخص في المكان ‪ :‬أثبته وجعله يستقرّ فيه ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ ،‬القرار ‪ :‬هو الخبار عن ثبوت حقّ للغير على المخبر ‪ ،‬وهذا‬
‫تعريف الجمهور ‪ .‬وذهب بعض الحنفيّة إلى أنّه إنشاء ‪ ،‬وذهب آخرون منهم إلى أنّه إخبار‬
‫من وجهٍ ‪ ،‬وإنشاء من وجهٍ ‪.‬‬
‫والقرار عند المحدّثين والصوليّين هو ‪ :‬عدم النكار من النّبيّ صلى ال عليه وسلم على‬
‫قولٍ أو فعلٍ صدر أمامه ‪ .‬وتنظر أحكامه في مصطلح ( تقرير ) ‪ ،‬والملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العتراف ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العتراف لغ ًة ‪ :‬مرادف للقرار ‪ .‬يقال ‪ :‬اعترف بالشّيء ‪ :‬إذا أقرّ به على نفسه ‪ .‬وهو‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « رجم‬
‫سنّة أ ّ‬
‫كذلك عند الفقهاء ‪ .‬يقول قاضي زاده ‪ :‬روي في ال ّ‬
‫ماعزا بإقراره بالزّنى ‪ ،‬والغامديّة باعترافها » ‪ « ،‬وقال في قصّة العسيف ‪ :‬واغد يا أنيس إلى‬
‫امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها » ‪ .‬فأثبت الح ّد بالعتراف ‪ .‬فالعتراف إقرار ‪ ،‬وقال‬
‫القليوبيّ ‪ :‬إنّه تفسير بالمرادف ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النكار ‪:‬‬
‫‪ - 3‬النكار ‪ :‬ض ّد القرار ‪ .‬يقال في اللّغة ‪ :‬أنكرت حقّه ‪ :‬إذا جحدته ‪.‬‬
‫ي ( ر ‪ :‬مصطلح ‪ :‬إنكار ) ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغو ّ‬
‫والمنكر في الصطلح ‪ :‬من يتمسّك ببقاء الصل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الدّعوى ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الدّعوى في الصطلح ‪ :‬مباينة للقرار ‪ ،‬فهي قول مقبول عند القاضي يقصد به طلب‬
‫حقّ قبل الغير ‪ ،‬أو دفع الخصم عن حقّ نفسه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الشّهادة ‪:‬‬
‫ق للغير على الغير ‪.‬‬
‫‪ - 5‬الشّهادة هي ‪ :‬الخبار في مجلس الحكم بلفظ الشّهادة لثبات ح ّ‬
‫ن الخبار إن كان عن‬
‫فيجمع كلّا من القرار والدّعوى والشّهادة أنّها إخبارات ‪ ،‬والفرق بينها أ ّ‬
‫حقّ سابقٍ على المخبر ويقتصر حكمه عليه فإقرار ‪ ،‬وإن لم يقتصر ‪ :‬فإمّا ألّ يكون للمخبر‬
‫فيه نفع ‪ ،‬وإنّما هو إخبار عن حقّ لغيره على غيره فهو الشّهادة ‪ ،‬وإمّا أن يكون للمخبر نفع‬
‫فيه ‪ ،‬لنّه إخبار بحقّ له ‪ ،‬فهو الدّعوى ‪.‬‬
‫ح بالمبهم ويلزم تعيينه ‪.‬‬
‫كما تفترق من ناحية أنّ القرار يص ّ‬

‫ح وقوع العقد عليه مبهما كالوصيّة فإنّها تصحّ ‪ .‬وأمّا‬
‫أمّا الدّعوى بالمبهم فإن كانت بما يص ّ‬
‫ح ‪ ،‬ول تسمع ‪.‬‬
‫الدّعوى على المدّعى عليه المبهم فل تص ّ‬
‫ح مبهما صحّت الشّهادة به كالعتق والطّلق ‪،‬‬
‫وأمّا الشّهادة بالمبهم فإن كان المشهود به يص ّ‬
‫ل لم تصحّ ‪ ،‬ل سيّما الشّهادة الّتي ل تصحّ بدون دعوى ‪.‬‬
‫وإ ّ‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ل تضيع‬
‫‪ - 6‬الصل في القرار بحقوق العباد الوجوب ‪ ،‬ومن ذلك ‪ :‬القرار بالنّسب الثّابت لئ ّ‬
‫النساب ‪ ،‬لما روى أبو هريرة رضي ال عنه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال حين‬
‫نزلت آية الملعنة ‪ « :‬أيّما رجلٍ جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب اللّه عنه وفضحه اللّه على‬
‫رءوس الوّلين والخرين » ‪،‬وكذلك القرار بالحقّ الّذي عليه للغير إذا كان متعيّنا لثباته ‪،‬‬
‫ل به فهو واجب ‪.‬‬
‫ن ما ل يتمّ الواجب إ ّ‬
‫لّ‬

‫دليل مشروعيّة القرار ‪:‬‬

‫سنّة والجماع والمعقول ‪.‬‬
‫جيّة القرار بالكتاب وال ّ‬
‫‪ - 7‬ثبتت ح ّ‬
‫أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪ { :‬وليملل الّذي عليه الحقّ } أمره بالملل ‪ ،‬فلو لم يقبل إقراره لمّا‬
‫كان لملله معنًى ‪.‬‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬بل النسان على نفسه بصيرة } أي شاهد كما قاله ابن عبّاسٍ ‪.‬‬
‫سنّة ‪ :‬فما روي أنّه عليه الصلة والسلم « رجم ماعزا والغامديّة بإقرارهما » ‪ ،‬فإذا‬
‫وأمّا ال ّ‬
‫وجب الحدّ بإقراره على نفسه فالمال أولى أن يجب ‪.‬‬
‫ن القرار حجّة قاصرة على المقرّ ‪ ،‬حتّى أوجبوا‬
‫وأمّا الجماع ‪ :‬فلنّ المّة أجمعت على أ ّ‬
‫عليه الحدود والقصاص بإقراره ‪ ،‬والمال أولى ‪.‬‬
‫وأمّا المعقول ‪ :‬فلنّ العاقل ل يقرّ على نفسه كاذبا بما فيه ضرر على نفسه أو ماله ‪،‬‬
‫فترجّحت جهة الصّدق ‪ ،‬في حقّ نفسه ‪ ،‬لعدم التّهمة ‪ ،‬وكمال الولية ‪.‬‬

‫أثر القرار ‪:‬‬
‫‪ - 8‬أثر القرار ظهور ما أقرّ به ‪ ،‬أي ثبوت الحقّ في الماضي ‪ ،‬ل إنشاء الحقّ ابتداءً ‪ ،‬فلو‬
‫ن المقرّ كاذب في إقراره ‪ ،‬ل يحلّ له أخذ المال عن كر ٍه منه‬
‫أقرّ لغيره بمالٍ والمق ّر له يعلم أ ّ‬
‫س منه فيكون تمليكا مبتدًأ على سبيل‬
‫فيما بينه وبين اللّه تعالى ‪ ،‬إلّ أن يسلّمه إيّاه بطيب نف ٍ‬
‫الهبة ‪ .‬وقال صاحب النّهاية ومن يحذو حذوه ‪ :‬حكمه لزوم ما أقرّ به على المقرّ ‪.‬‬

‫جيّة القرار ‪:‬‬
‫حّ‬

‫‪ - 9‬القرار خبر ‪ ،‬فكان محتملً للصّدق والكذب باعتبار ظاهره ‪ ،‬ولكنّه جعل حجّةً لظهور‬
‫رجحان جانب الصّدق فيه ‪ ،‬إذ المقرّ غير متّه ٍم فيما يقرّ به على نفسه ‪.‬‬

‫قال ابن القيّم ‪ :‬الحكم بالقرار يلزم قبوله بل خلفٍ ‪.‬‬
‫ن القرار حجّة بنفسه ‪ ،‬ول يحتاج لثبوت الحقّ به إلى القضاء ‪ ،‬فهو أقوى ما يحكم‬
‫والصل أ ّ‬
‫به ‪ ،‬وهو مقدّم على البيّنة ‪ .‬ولهذا يبدأ الحاكم بالسّؤال عنه قبل السّؤال عن الشّهادة ‪ .‬قال‬
‫طيّب ‪ :‬ولهذا لو شهد شاهدان للمدّعي ثمّ أقرّ المدّعى عليه حكم بالقرار وبطلت‬
‫القاضي أبو ال ّ‬
‫الشّهادة ‪ .‬ولذا قيل ‪ :‬إنّه سيّد الحجج ‪.‬‬
‫جيّته قاصرة على المقرّ وحده لقصور ولية المقرّ عن غيره فيقتصر عليه ‪ .‬فل‬
‫نحّ‬
‫على أ ّ‬
‫يصحّ إلزام أحدٍ بعقوبةٍ نتيجة إقرار آخر بأنّه شاركه في جريمته ‪ .‬وهذا ما جرى عليه القضاء‬
‫ل جاء إلى النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ن « رج ً‬
‫في عهد الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فقد روي أ ّ‬
‫وسلم فقال ‪ :‬إنّه قد زنى بامرأ ٍة ‪ -‬سمّاها ‪ -‬فأرسل النّبيّ صلى ال عليه وسلم إلى المرأة‬
‫فدعاها فسألها عمّا قال ‪ ،‬فأنكرت فحدّه وتركها » ‪.‬‬
‫غير أ نّ هناك بعض حالتٍ ل ب ّد فيها للحكم بمقتضى القرار من إقامة البيّنة أيضا ‪ .‬وهذا إذا‬
‫ما طلب تعدّي الحكم إلى الغير ‪ .‬فلو ادّعى شخص على مدين الميّت أنّه وصيّه في التّركة ‪،‬‬
‫وصدّقه المدين في دعوى الوصاية والدّين ‪ ،‬فإ نّ الوصاية ل تثبت بهذا القرار بالنّسبة لمدي نٍ‬
‫آخر ينكر الوصاية وإنّما يحتاج إلى بيّنةٍ ‪.‬‬
‫وفي الدّرّ المختار ‪ :‬أحد الورثة أقرّ بالدّين المدّعى به على مورثه ‪ ،‬وجحده الباقون ‪ ،‬يلزمه‬
‫الدّين كلّه إن وفّت حصّته من الميراث به ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يلزمه إلّ حصّته من الدّين رفعا للضّرر‬
‫ل التّركة ‪ .‬وهو قول الشّعبيّ والبصريّ والثّوريّ ومالكٍ وابن‬
‫عنه ‪ ،‬لنّه إنّما أقرّ بما يتعلّق بك ّ‬
‫أبي ليلى ‪ ،‬واختاره ابن عابدين ‪ ،‬ولو شهد هذا المقرّ مع آخر أنّ الدّين كان على الميّت قبلت‬
‫شهادته ‪ ،‬ول يؤخذ منه إلّ ما يخصّه ‪.‬‬
‫وبهذا علم أنّه ل يحلّ الدّين في نصيبه بمجرّد إقراره ‪ ،‬بل بقضاء القاضي عليه بإقراره ‪.‬‬
‫يقول ابن عابدين ‪ :‬ولو أقرّ من عنده العين أنّه وكيل بقبضها ل يكفي إقراره ‪ ،‬ويكلّف الوكيل‬
‫إقامة البيّنة على إثبات الوكالة حتّى يكون له قبض ذلك ‪ .‬ثمّ القرار حجّة في النّسب ‪ ،‬ويثبت‬
‫به النّسب إلّ إذا كذّبه الواقع ‪ ،‬كأن يق ّر بنسب من ل يولد مثله لمثله ‪.‬‬

‫سبب القرار ‪:‬‬
‫‪ - 10‬سبب القرار كما يقول الكمال بن الهمام ‪ :‬إرادة إسقاط الواجب عن ذمّته بإخباره‬
‫ل يبقى في تبعة الواجب ‪.‬‬
‫وإعلمه ‪ ،‬لئ ّ‬

‫ركن القرار ‪:‬‬

‫‪ - 11‬أركان القرار عند غير الحنفيّة أربعة ‪ :‬مقرّ ‪ ،‬ومقرّ له ‪ ،‬ومقرّ به ‪ ،‬وصيغة ‪ ،‬وذلك‬
‫ن الرّكن عندهم هو ما ل يتمّ الشّيء إلّ به ‪ ،‬سواء أكان جزءا منه أم لزما له ‪ .‬وزاد‬
‫لّ‬

‫ل نظرٍ ‪،‬‬
‫بعضهم كما يقول الرّمليّ ‪ :‬المقرّ عنده من حاكمٍ أو شاهدٍ ‪ ،‬وقال ‪ :‬وهذه الزّيادة مح ّ‬
‫إذ لو توقّف تحقّق القرار على ذلك لزم أنّه لو أقرّ خاليا بحيث ل يسمعه شاهد ‪ ،‬ولم يكن أمام‬
‫قاضٍ ‪ ،‬ثمّ بعد مدّ ٍة تبيّن أنّه أقرّ على هذا الوجه في يوم كذا ‪ ،‬لم يعت ّد بهذا القرار ‪ ،‬لعدم‬
‫وجود هذا الرّكن الزّائد ‪ ،‬وهو ممنوع ‪ ،‬ولذا فإنّه ل يشترط ‪.‬‬
‫ن الرّكن‬
‫وأمّا ركن القرار عند الحنفيّة فهو الصّيغة فقط ‪ ،‬صراحةً كانت أو دللةً ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫عندهم ‪ :‬ما يتوقّف عليه وجود الشّيء ‪ ،‬وهو جزء من ماهيّته ‪.‬‬

‫المقرّ وما يشترط فيه ‪:‬‬
‫المقرّ من صدر منه الخبار عن ثبوت حقّ للغير على نفسه وتشترط فيه أمور ‪:‬‬

‫الشّرط الوّل ‪ :‬المعلوميّة ‪:‬‬

‫‪ - 12‬أوّل ما يشترط لعتبار القرار والخذ به أن يكون المقرّ معلوما حتّى لو قال رجلن ‪:‬‬
‫ح ‪ ،‬لنّه إذا لم يكن معلوما ل يتمكّن المقرّ له من‬
‫ن على واحدٍ منّا ألف درهمٍ ل يص ّ‬
‫لفل ٍ‬
‫المطالبة ‪ ،‬وكذلك إذا قال أحدهما ‪ :‬غصب واحد منّا ‪ ،‬أو زنى ‪ ،‬أو سرق ‪ ،‬أو شرب ‪ ،‬أو‬
‫ن من عليه الحقّ غير معلومٍ ويجبران على البيان ‪.‬‬
‫قذف ‪ ،‬ل ّ‬

‫الشّرط الثّاني ‪ :‬العقل ‪:‬‬
‫ح إقرار الصّبيّ غير المميّز والمجنون‬
‫‪ - 13‬ويشترط في المقرّ أن يكون عاقلً ‪ .‬فل يص ّ‬
‫والمعتوه والنّائم والسّكران على تفصيلٍ يأتي بيانه ‪.‬‬

‫إقرار المعتوه ‪:‬‬

‫ي المميّز ‪ ،‬فل يلتزم‬
‫ح إقرار المعتوه ولو بعد البلوغ ‪ ،‬لنّ حكمه حكم الصّب ّ‬
‫‪ - 14‬ل يص ّ‬
‫ح إقراره بالمال ‪ ،‬لكونه من ضرورات التّجارة ‪:‬‬
‫ل إذا كان مأذونا له فيص ّ‬
‫بشي ٍء فيه ضرر إ ّ‬
‫كالدّيون ‪ ،‬والودائع ‪ ،‬والعواريّ ‪ ،‬والمضاربات ‪ ،‬والغصوب ‪ ،‬فيصحّ إقراره ‪ .‬للتحاقه في‬
‫حقّها بالبالغ العامل ‪ .‬بخلف ما ليس من باب التّجارة ‪ :‬كالمهر ‪ ،‬والجناية ‪ ،‬والكفالة ‪ ،‬حيث‬
‫ل يصحّ إقراره بها لنّها ل تدخل تحت الذن ‪.‬‬

‫إقرار النّائم والمغمى عليه ‪:‬‬
‫‪ - 15‬النّائم والمغمى عليه إقرارهما كإقرار المجنون ‪ ،‬لنّهما حال النّوم والغماء ليسا من‬
‫أهل المعرفة والتّمييز ‪ ،‬وهما شرطان لصحّة القرار ‪.‬‬

‫إقرار السّكران ‪:‬‬

‫‪ - 16‬السّكران من فقد عقله بشرب ما يسكر ‪ ،‬وإقرار السّكران جائز بالحقوق كلّها إلّ الحدود‬
‫الخالصة ‪ ،‬وال ّردّة بمنزلة سائر التّصرّفات ‪ .‬وهذا عند الحنفيّة والمزنيّ من الشّافعيّة وأبي ثورٍ‬
‫إذا كان سكره بطريقٍ محظورٍ ‪ ،‬لنّه ل ينافي الخطاب ‪ ،‬إلّ إذا أقرّ بما يقبل الرّجوع كالحدود‬

‫ن السّكران يكاد ل يثبت على شيءٍ فأقيم السّكر مقامه فيما يحتمل‬
‫الخالصة حقّا للّه تعالى ‪ ،‬ل ّ‬
‫الرّجوع فل يلزمه شيء ‪.‬‬
‫وإن سكر بطريقٍ غير محرّمٍ ‪ ،‬كمن شرب المسكر مكرها ل يلزمه شيء ‪ ،‬وكذا من شرب‬
‫ما ل يعلم أنّه مسكر فسكر بذلك ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ السّكران ل يؤاخذ بإقراره ‪ ،‬لنّه وإن كان مكلّفا إلّ أنّه محجور عليه في‬
‫المال ‪ ،‬وكما ل يلزمه إقراره ‪ .‬ل تلزمه العقود ‪ ،‬بخلف جناياته فإنّها تلزمه ‪.‬‬
‫وقال جمهور الشّافعيّة ‪ :‬إقرار السّكران صحيح ‪ ،‬ويؤاخذ به في كلّ ما أقرّ به ‪ ،‬سواء وقع‬
‫ق العبد ‪ ،‬لنّ المتعدّي بسكره يجب أن يتحمّل‬
‫العتداء فيها على حقّ اللّه سبحانه أو على ح ّ‬
‫نتيجة عمله ‪ ،‬تغليظا عليه وجزاءً لما أقدم عليه وهو يعلم أنّه سيذهب عقله ‪.‬‬
‫‪ - 17‬أمّا من تغيّب عقله بسببٍ يعذر فيه فل يلزم بإقراره ‪ ،‬سواء أقرّ بما يجب فيه الحدّ حقّا‬
‫للّه خالصا أو ما فيه حقّ العبد أيضا ‪.‬‬
‫ح إقرار السّكران في رواي ٍة عند الحنابلة ‪ ،‬قال ابن منجّا ‪ :‬إنّها المذهب‬
‫وكذا فإنّه ل يص ّ‬
‫ن في أقوال السّكران‬
‫وجزم به في الوجيز وغيره ‪ .‬وجاء في أوّل كتاب الطّلق عند الحنابلة أ ّ‬
‫وأفعاله خمس رواياتٍ أو ستّة ‪ ،‬وأنّ الصّحيح في المذهب ‪ :‬أنّه مؤاخذ بعبارته ‪.‬‬

‫إقرار السّفيه ‪:‬‬
‫ح إقراره بالمال ‪ ،‬لنّه من التّصرّفات الضّارّة المحضة‬
‫‪ - 18‬السّفيه بعد الحجر عليه ل يص ّ‬
‫من حيث الظّاهر ‪ ،‬وإنّما قبل القرار من المأذون للضّرورة ‪.‬‬
‫وإذا بلغ الصّبيّ سفيها أو ذا غفلةٍ وحجر عليه بسبب ذلك أو اعتبر محجورا عليه فإنّه في‬
‫ن المهر الّذي قرّره لها‬
‫تصرّفاته الماليّة الضّارّة يأخذ حكم الصّبيّ المميّز ‪ ،‬فإذا تزوّج وأقرّ بأ ّ‬
‫أكثر من مهر المثل فالزّيادة باطلة ‪ ،‬وهكذا فإنّ القاضي يردّ كلّ تصرّفاته الماليّة الضّارّة ‪.‬‬
‫ن السّفيه‬
‫ن الحجر عليه ل بدّ من الحكم به ول يكون تلقائيّا بسبب السّفه فإ ّ‬
‫وعلى القول بأ ّ‬
‫ح إقراره ‪.‬‬
‫المهمل ‪ -‬أي الّذي لم يحجر عليه ‪ -‬يص ّ‬
‫ن أسند وجوبه إلى ما قبل الحجر ‪،‬‬
‫ح إقراره بنكاحٍ ‪ ،‬ول بدي ٍ‬
‫ونصّ الشّافعيّة على أنّه ل يص ّ‬
‫أو إلى ما بعده ‪ ،‬ول يقبل إقراره بعينٍ في يده في حال الحجر ‪ ،‬وكذا بإتلف مال الغير ‪ ،‬أو‬
‫جناية توجب المال في الظهر ‪ .‬وفي قولٍ عندهم يقبل ‪ ،‬لنّه إذا باشر التلف يضمن ‪ ،‬فإذا‬
‫ح إقراره بالحدّ والقصاص لعدم تعلّقهما بالمال ‪ ،‬وسائر العقوبات‬
‫أقرّ به قبل إقراره ‪ ،‬ويص ّ‬
‫مثلهما لبعد التّهمة ‪ ،‬ولو كان الحدّ سرقةً قطع ‪ ،‬ول يلزمه المال ‪.‬‬
‫ن السّفيه إن أقرّ بحدّ أو قو ٍد أو نسبٍ أو طلقٍ لزم ‪-‬‬
‫وذكر الدميّ البغداديّ من الحنابلة ‪ :‬أ ّ‬
‫ل أخذ به بعد رفع الحجر عنه ‪ .‬والصّحيح من مذهب‬
‫ويتبع به في الحال ‪ -‬وإن أقرّ بما ٍ‬

‫ك الحجر‬
‫الحنابلة ‪ :‬صحّة إقرار السّفيه بالمال سواء لزمه باختياره أو ل ‪ ،‬ويتبع به بعد ف ّ‬
‫عنه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يصحّ مطلقا ‪ ،‬وهو احتمال ذكره ابن قدامة في المقنع في باب الحجر ‪،‬‬
‫واختاره هو والشّارح ‪.‬‬

‫الشّرط الثّالث ‪ :‬البلوغ ‪:‬‬
‫ح إقرار الصّبيّ العاقل المأذون له بالدّين‬
‫‪ - 19‬أمّا البلوغ فإنّه ليس بشرطٍ لصحّة القرار فيص ّ‬
‫ن ذلك من ضرورات التّجارة ‪ ،‬ويصحّ إقراره في قدر ما أذن له فيه دون ما‬
‫والعين ‪ ،‬ل ّ‬
‫ص الحنابلة على أنّه المذهب وعليه جمهور الصحاب ‪ ،‬وهو قول أبي حنيفة ‪ .‬وقال‬
‫زاد ‪ ،‬ون ّ‬
‫الشّافعيّ ‪ :‬ل يصحّ إقراره بحالٍ لعموم الخبر ‪ « :‬رفع القلم عن ثلثةٍ ‪ ،‬عن الصّبيّ حتّى‬
‫يبلغ ‪ ،‬وعن المجنون حتّى يفيق ‪ ،‬وعن النّائم حتّى يستيقظ » ولنّه ل تقبل شهادته ‪ ،‬وفي قولٍ‬
‫ل أنّه ل يصحّ إقرار‬
‫عند الحنابلة ‪ :‬إنّه ل يصحّ إقرار المأذون له إلّ في الشّيء اليسير ‪ .‬إ ّ‬
‫المحجور عليه ‪ ،‬لنّه من التّصرّفات الضّارّة المحضة من حيث الظّاهر ‪ .‬ويقبل إقرار الصّبيّ‬
‫ل من جهته ‪ ،‬وكذا ادّعاء الصّبيّة‬
‫ببلوغه الحتلم في وقت إمكانه ‪ ،‬إذ ل يمكن معرفة ذلك إ ّ‬
‫ن قبل ببيّنةٍ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يصدّق في سنّ يبلغ في‬
‫البلوغ برؤية الحيض ‪ .‬ولو ادّعى البلوغ بالسّ ّ‬
‫مثلها ‪ ،‬وهي تسع سنين ‪ ،‬وقيل ‪ :‬عشر سنين ‪ ،‬وقيل ‪ :‬اثنتا عشرة سنةً ‪ ،‬ويلزمه بهذا البلوغ‬
‫ما أقرّ به ‪ .‬وأفتى الشّيخ تقيّ الدّين ‪ :‬فيمن أسلم أبوه ‪ ،‬فادّعى أنّه بالغ ‪ ،‬بأنّه إذا كان لم يقرّ‬
‫بالبلوغ إلى حين السلم فقد حكم بإسلمه قبل القرار بالبلوغ ‪ .‬وذلك بمنزلة ما إذا ادّعت‬
‫انقضاء العدّة بعد أن ارتجعها ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذا يجيء في كلّ من أق ّر بالبلوغ بعد حقّ ثبت في‬
‫حقّ الصّبيّ ‪ ،‬مثل السلم ‪ ،‬وثبوت أحكام ال ّذمّة تبعا لبيه ‪.‬‬

‫الشّرط الرّابع ‪ :‬فهم المقرّ لما يقرّ به ‪.‬‬
‫‪20‬‬

‫‪ -‬ل بدّ للزوم القرار واعتباره أن تكون ال صّيغة مفهومةً للمقرّ فلو لقّن العامّ يّ كلما تٍ‬

‫عربيّةً ل يعرف معناها لم يؤاخذ بها ‪ ،‬لنّه لمّا لم يعرف مدلولها يستحيل عليه قصدها ‪ ،‬ل نّ‬
‫ّين ‪ -‬غينر المخالط للفقهاء ‪ -‬يقبنل مننه دعوى الجهنل بمدلول كثيرٍ منن ألفاظ الفقهاء ‪،‬‬
‫العام ّ‬
‫بخلف المخالط فل يقبل منه فيما ل يخفى على مثله معناه ‪ .‬وبالولى لو أقرّ العربيّ بالعجميّة‬
‫أو العكس وقال ‪ :‬لم أدر ما قلت ‪ ،‬صدّق بيمينه ‪ ،‬لنّه أدرى بنفسه والظّاهر معه ‪.‬‬

‫الشّرط الخامس ‪ :‬الختيار ‪:‬‬
‫‪ - 21‬ويشترط في المقرّ الختيار ‪ ،‬مدعا ًة للصّدق ‪ ،‬فيؤاخذ به المكلّف بل حجرٍ ‪ ،‬أي حال‬
‫كونه غير محجو ٍر عليه ‪ .‬فإذا أقرّ الحرّ البالغ العاقل طواعي ًة بحقّ لزمه ‪.‬‬
‫ح من مكلّفٍ مختارٍ بما يتصوّر منه التزامه ‪ ،‬بشرط كونه بيده ووليته‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إنّه يص ّ‬
‫واختصاصه ‪ ،‬ولو على موكّله أو مورثه أو مولّيه ‪.‬‬

‫الشّرط السّادس ‪ :‬عدم التّهمة ‪:‬‬
‫ن التّهمة تخلّ‬
‫‪ - 22‬ويشترط في المقرّ لصحّة إقراره أن يكون غير متّهمٍ في إقراره ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن إقرار النسان على نفسه شهادة ‪ .‬قال اللّه‬
‫برجحان الصّدق على جانب الكذب في إقراره ‪ ،‬ل ّ‬
‫تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه ولو على أنفسكم } والشّهادة على‬
‫نفسه إقرار ‪ .‬والشّهادة ترد بالتّهمة ‪ .‬ومن أمثلته ‪ :‬ما لو أقرّ لمن بينه وبينه صداقة أو مخالطة‬
‫‪.‬‬
‫‪23‬‬

‫‪ -‬وممّن يتّهم في إقراره المدين المحجور عليه ‪ ،‬لحاطة الدّين بماله الّذي حجر عليه‬

‫فيه ‪ ،‬وهو ما يعبّر عنه بالمفلس ‪.‬‬
‫ن هذا القيد ‪ -‬ألّ يكون متّهما ‪ -‬إنّما يعتبر في المريض ونحوه والصّحيح‬
‫بل صرّح المالكيّة أ ّ‬
‫ن المفلس بالنّسبة لما‬
‫المحجور عليه ‪ ،‬لحاطة الدّين بماله الّذي حجر عليه فيه ‪ .‬والصّحيح ‪ :‬أ ّ‬
‫فلّس فيه متّهم في إقراره ‪ ،‬فل يقبل إقراره لحدٍ ‪ ،‬حيث كان الدّين الّذي فلّس فيه ثابتا بالبيّنة ‪،‬‬
‫لنّه متّهم على ضياع مال الغرماء ‪ ،‬ول يبطل القرار ‪ ،‬بل هو لزم يتبع به في ذمّته ‪،‬‬
‫ص المقرّ له الغرماء بالدّين الّذي أقرّ له به‬
‫ل فقط ‪ ،‬ول يحا ّ‬
‫ويؤاخذ به المقرّ فيما يجدّ له من ما ٍ‬
‫المفلس ‪.‬‬
‫ن المفلس إذا أقرّ ‪ ،‬وعليه دين ببيّن ٍة ‪ ،‬يبدأ بالدّين الّذي‬
‫ونقل القاضي عن المام أحمد أ ّ‬
‫بالبيّنة ‪ ،‬لنّه أقرّ بعد تعلّق الحقّ بتركته ‪ ،‬فوجب ألّ يشارك المق ّر له من ثبت دينه ببيّنةٍ ‪،‬‬
‫كغريم المفلس الّذي أقرّ له بعد الحجر عليه ‪ ،‬وبهذا قال النّخعيّ والثّوريّ وأصحاب الرّأي ‪.‬‬
‫ن وجب قبل الحجر ‪ ،‬فالظهر قبوله في‬
‫وفصّل الشّافعيّة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬لو أقرّ المفلس بعينٍ أو دي ٍ‬
‫ل يضرّهم‬
‫ق الغرماء ‪ ،‬لئ ّ‬
‫حقّ الغرماء لنتفاء التّهمة الظّاهرة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يقبل إقراره في ح ّ‬
‫بالمزاحمة ‪ ،‬ولنّه ربّما واطأ المقرّ له ‪.‬‬
‫وإن أسند وجوبه إلى ما بعد الحجر لم يقبل في حقّهم ‪ ،‬بل يطالب بعد فكّ الحجر ‪ .‬ولو لم‬
‫يسند وجوبه إلى ما قبل الحجر ول لما بعده ‪ ،‬فقياس المذهب ‪ -‬على ما قاله الرّافعيّ ‪ -‬تنزيله‬
‫على القلّ ‪ ،‬وهو جعله كالمسند إلى ما بعد الحجر ‪.‬‬

‫إقرار المريض مرض الموت ‪:‬‬

‫ت في بعض الحالت على ما سنبيّنه في‬
‫‪ - 24‬وممّن يتّهم في إقراره ‪ :‬المريض مرض مو ٍ‬
‫ن المرض ليس بمان ٍع من صحّة القرار في‬
‫مصطلح ( مرض الموت ) وإن كان الصل أ ّ‬
‫ن صحّة إقرار الصّحيح برجحان‬
‫صحّة ليست شرطا في المق ّر لصحّة إقراره ‪ ،‬ل ّ‬
‫الجملة ‪ .‬إذ ال ّ‬
‫ل على الصّدق ‪ ،‬فكان إقراره أولى بالقبول ‪ .‬غير أنّ‬
‫جانب الصّدق ‪ ،‬وحال المريض أد ّ‬
‫المالكيّة نصّوا على أنّ من أقرّ بشي ٍء في صحّته ‪ :‬بشي ٍء من المال ‪ ،‬أو الدّين ‪ ،‬أو البراءات ‪،‬‬

‫ن فيه توليج ‪،‬‬
‫أو قبض أثمان المبيعات ‪ ،‬فإقراره عليه جائز ‪ ،‬ل تلحقه فيه تهمة ‪ ،‬ول يظ ّ‬
‫والجنبيّ والوارث في ذلك سواء ‪ ،‬وكذا القريب والبعيد والعد ّو والصّديق ‪.‬‬
‫ويقول الحطّاب ‪ :‬من أقرّ بشيءٍ في صحّته لبعض ورثته ‪ ،‬قدّم المقرّ له بعد موت المقرّ ‪،‬‬
‫ويقيم البيّنة على القرار ‪ .‬قال ابن رشدٍ ‪ :‬هذا هو المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن‬
‫مالكٍ المشهور في المذهب ‪ .‬ووقع في المبسوط لبن كنانة والمخزوميّ وابن أبي حازمٍ ومحمّد‬
‫بن مسلمة أنّه ل شيء له ‪ ،‬وإن أقرّ له في صحّته إذا لم يقم عليه بذلك بيّن ًة حتّى هلك إلّ أن‬
‫ل فإذا لم يعرف له سبب فل شيء له ‪ ،‬لنّ الرّجل‬
‫يعرف سبب ذلك ‪ ،‬فإن عرف ذلك فبها وإ ّ‬
‫يتّهم أن يقرّ بدينٍ في صحّته لمن يثق به من ورثته على ألّ يقوم به حتّى يموت ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنّه‬
‫ص به الغرماء في الفلس ‪ ،‬وهو قول ابن القاسم في المدوّنة والعتبيّة ‪ ،‬وقال ابن رشدٍ‬
‫نافذ ويحا ّ‬
‫‪ :‬ل يحاصّ به على قول ابن القاسم إن ثبت ميله إليه إلّ باليمين ‪ ،‬واختار ابن رشدٍ إبطال‬
‫القرار بالدّين مراعا ًة لقول المدنيّين ‪.‬‬
‫ت بالحدّ والقصاص مقبول اتّفاقا ‪ ،‬وكذا إقراره بدينٍ‬
‫وعلى هذا فإقرار المريض مرض مو ٍ‬
‫لجنبيّ فإنّه ينفذ من كلّ ماله ما لم يكن عليه ديون أقرّ بها في حال صحّته عند الحنفيّة‬
‫ح الرّوايات عند الحنابلة ‪ ،‬وهو المذهب عندهم ‪ ،‬وجزم به في‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وأص ّ‬
‫الوجيز ‪ ،‬لنّه لم يتضمّن إبطال حقّ الغير وكان المقرّ له أولى من الورثة ‪ ،‬لقول عمر ‪ :‬إذا‬
‫ن جاز ذلك عليه في جميع تركته ‪ ،‬ولنّ قضاء الدّين من الحوائج الصليّة ‪،‬‬
‫أقرّ المريض بدي ٍ‬
‫وحقّ الورثة يتعلّق بالتّركة بشرط الفراغ ‪ .‬وفي رواية عند الحنابلة ‪ :‬أنّه ل يقبل ‪ ،‬وفي روايةٍ‬
‫أخرى عندهم ل يصحّ بزيادةٍ على الثّلث ‪.‬‬
‫ل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ إقرار المريض في مرضه‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬أجمع ك ّ‬
‫لغير وارثٍ جائز ‪ ،‬وحكى أصحابنا رواي ًة أخرى أنّه ل يقبل ‪ ،‬لنّه إقرار في مرض الموت‬
‫أشبه القرار لوارثٍ ‪ .‬وقال أبو الخطّاب في روايةٍ أخرى ‪ :‬إنّه ل يقبل إقراره بزيادةٍ على‬
‫الثّلث ‪ ،‬لنّه ممنوع من عطيّة ذلك الجنبيّ ‪ ،‬كما هو ممنوع من عطيّة الوارث ‪ ،‬فل يصحّ‬
‫إقراره بما ل يملك عطيّته بخلف الثّلث فما دون ‪ .‬والمقصود بالجنبيّ هنا أن يكون غير‬
‫ث في المق ّر فيشمل القريب غير الوارث ‪ .‬ويصرّح المالكيّة بذلك فيقولون ‪ :‬إن أقرّ لقريبٍ‬
‫وار ٍ‬
‫غير وارثٍ كالخال أو لصدّيقٍ ملطفٍ أو مجهولٍ حاله ‪ -‬ل يدرى هل هو قريب أم ل ‪-‬‬
‫صحّ القرار إن كان لذلك المقرّ ولد وإلّ فل ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يصحّ ‪.‬‬
‫وأمّا لو أقرّ لجنبيّ غير صديقٍ كان القرار لزما كان له ولد أم ل ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪:‬‬
‫للوارث تحليف المقرّ له على الستحقاق ‪.‬‬
‫ل أن يصدّقه الورثة أو يثبت ببيّنةٍ عند الحنفيّة‬
‫وأمّا إقرار المريض لوارثٍ فهو باطل إ ّ‬
‫والمذهب عند الحنابلة ‪ ،‬وفي قولٍ للشّافعيّة ‪ .‬وعند المالكيّة ‪ :‬إن كان متّهما في إقراره كأن‬

‫ث قريبٍ مع وجود البعد أو المساوي ‪ ،‬كمن له بنت وابن عمّ فأقرّ لبنته لم يقبل وإن‬
‫يقرّ لوار ٍ‬
‫أقرّ لبن عمّه قبل ‪ ،‬لنّه ل يتّهم في أنّه يزري ابنته ويوصّل المال إلى ابن عمّه ‪ .‬وعلّة منع‬
‫القرار التّهمة ‪ ،‬فاختصّ المنع بموضعها ‪.‬‬
‫وأطال المالكيّة في تصوير ذلك والتّفريع عليه ‪ .‬وقالوا ‪ :‬من مرض بعد الشهاد في صحّته‬
‫لبعض ولده فل كلم لبقيّة أولده إن كتب الموثّق أنّ الصّحيح قبض من ولده ثمن ما باعه له ‪،‬‬
‫فإن لم يكتب فقيل ‪ :‬يحلف مطلقا ‪ .‬وقيل ‪ :‬يحلف إن اتّهم الب بالميل إليه ‪.‬‬
‫قال الموّاق ‪ :‬ل يقبل إقرار المريض لمن يتّهم عليه ‪ .‬وسئل المازريّ عمّن أوصى بثلث ماله‬
‫‪ ،‬ثمّ اعترف بدنانير لمعيّنٍ ‪ :‬فأجاب إن اعترف في صحّته حلف المقرّ له يمين القضاء ‪.‬‬
‫واستدلّ القائلون ببطلن القرار بما روي أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل‬
‫وصيّة لوارثٍ ‪ ،‬ول إقرار له بالدّين » ‪ ،‬وبالثر عن ابن عمر أنّه قال ‪ " :‬إذا أق ّر الرّجل في‬
‫مرضه بدينٍ لرجلٍ غير وارثٍ فإنّه جائز وإن أحاط بماله ‪ ،‬وإن أقرّ لوارثٍ فهو باطل إلّ أن‬
‫يصدّقه الورثة " ‪ .‬وقول الواحد من فقهاء الصّحابة مقدّم على القياس ‪ .‬ولم يعرف لبن عمر‬
‫في ذلك مخالف من الصّحابة فكان إجماعا ‪ ،‬ولنّه تعلّق حقّ الورثة بماله في مرضه ‪ ،‬ولهذا‬
‫يمنع من التّبرّع على الوارث أصلً ‪ ،‬ففي تخصيص البعض به إبطال حقّ الباقين ‪.‬‬
‫ل أن يقيم بيّنةً‬
‫وفي كتب الحنابلة ‪ :‬لو أقرّت المرأة بأنّها ل مهر لها على زوجها لم يصحّ ‪ ،‬إ ّ‬
‫أنّها أخذته ‪.‬‬

‫إقرار المريض بالبراء ‪:‬‬
‫‪ - 25‬إذا أقرّ المريض أنّه أبرأ فلنا من الدّين الّذي عليه في صحّته ل يجوز ‪ ،‬لنّه ل يملك‬
‫إنشاء البراء للحال ‪ ،‬فل يملك القرار به ‪ ،‬بخلف القرار باستيفاء الدّين ‪ ،‬لنّه إقرار بقبض‬
‫الدّين ‪ ،‬وأنّه يملك إنشاء القبض فيملك الخبار عنه بالقرار ‪ .‬وهذا مذهب الحنفيّة ‪ .‬ويقرب‬
‫منهم الشّافعيّة إذ يقولون ‪ :‬إذا أبرأ المريض مرض الموت أحد مديونيه ‪ ،‬والتّركة مستغرقة‬
‫بالدّيون ‪ ،‬لم ينفذ إبراؤه لتعلّق حقّ الغرماء ‪ .‬بينما يقول المالكيّة في باب القرار ‪ :‬وإن أبرأ‬
‫ل حقّ له عليه ‪ ،‬أو أبرأه وأطلق بريء مطلقا ممّا في‬
‫إنسان شخصا ممّا قبله أو أبرأه من ك ّ‬
‫ال ّذمّة وغيرها معلوما أو مجهولً ‪ .‬وهذه العبارة بإطلقها شاملة للمريض وللصّحيح ‪ ،‬وشاملة‬
‫صحّة وغيره ‪.‬‬
‫للبراء من دين ال ّ‬

‫الرّكن الثّاني ‪ :‬المقرّ له ‪ ،‬وما يشترط فيه ‪:‬‬

‫المقرّ له من يثبت له الحقّ المقرّ به ‪ ،‬ويحقّ له المطالبة به أو العفو عنه واشترط الفقهاء فيه‬
‫ما يأتي ‪:‬‬

‫الشّرط الوّل ‪ :‬ألّ يكون المقرّ له مجهولً ‪:‬‬

‫‪ - 26‬فل بدّ أن يكون معيّنا ‪ ،‬بحيث يمكن أن يطالب به ‪ ،‬ولو كان حملً ‪ .‬كأن يقول ‪ :‬عليّ‬
‫ي ألف لحمل فلنة ‪ ،‬وسيأتي تفصيل القرار للحمل ‪ .‬أو يكون مجهولً‬
‫ألف لفلنٍ ‪ ،‬أو عل ّ‬
‫جهالةً غير فاحش ٍة ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬عليّ مال لحد هؤلء العشرة ‪ ،‬أو لحد أهل البلد ‪ ،‬وكانوا‬
‫محصورين عند الشّافعيّة ‪ ،‬والنّاطفيّ وخواهر زاده من الحنفيّة ‪.‬‬

‫القرار مع جهالة المقرّ له ‪:‬‬
‫ن المجهول‬
‫‪ - 27‬أجمع الفقهاء على أنّ الجهالة الفاحشة بالمقرّ له ل يصحّ معها القرار ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل يصلح مستحقّا ‪ ،‬إذ ل يجبر المقرّ على البيان ‪ ،‬من غير تعيين المستحقّ ‪ ،‬فل يفيد القرار‬
‫شيئا ‪.‬‬
‫وأمّا إذا كانت الجهالة غير فاحش ٍة بأن قال ‪ :‬عليّ ألف لحد هذين أو لحد هؤلء العشر ‪ :‬أو‬
‫لحد أهل البلد وكانوا محصورين ‪ ،‬فهناك اتّجاهان ‪:‬‬
‫ن هذا‬
‫الوّل ‪ :‬ما ذ هب إل يه الشّافعيّة ‪ ،‬و هو ما اختاره النّاطف يّ وخوا هر زاده من الحنفيّة ‪ .‬أ ّ‬
‫ل من حصرهم ‪ ،‬أو‬
‫القرار صحيح ‪ ،‬لنّه قد يفيد وصول الحقّ إلى المستحقّ بتحليف المقرّ لك ّ‬
‫ن المقرّ قد ينسى ‪ ،‬وهو ما يفهم من مغني ابن قدامة ‪ ،‬لنّه مثّل بالجهالة اليسيرة ‪.‬‬
‫بتذكّره ‪ ،‬ل ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬ما ذهب إليه جمهور الحنفيّة ‪ ،‬وهو ما اختاره ال سّرخسيّ ‪ :‬من أ نّ أ يّ جهال ٍة تبطل‬
‫لنن المجهول ل يصنلح مسنتحقّا ‪ ،‬ول يجنبر المق ّر على البيان ‪ ،‬منن غينر تعيينن‬
‫القرار ‪ّ ،‬‬
‫المدّعي ‪.‬‬

‫الشّرط الثّاني ‪ :‬أن تكون للمقرّ له أهليّة استحقاق المقرّ به حسّا وشرعا ‪:‬‬

‫ح القرار ‪ ،‬لنّهما ليسا من أهل‬
‫ن لها عليه ألفا وأطلق لم يص ّ‬
‫‪ - 28‬فلو أق ّر لبهيم ٍة أو دارٍ ‪ ،‬بأ ّ‬
‫الستحقاق ‪ .‬أمّا لو ذكر سببا يمكن أن ينسب إليه ‪ ،‬كما لو قال ‪ :‬عليّ كذا لهذه الدّابّة بسبب‬
‫ن هذا القرار‬
‫الجناية عليها ‪ ،‬أو لهذه الدّار بسبب غصبها أو إجارتها ‪ ،‬فالجمهور على أ ّ‬
‫صحيح ‪ ،‬ويكون القرار في الحقيقة لصاحب الدّابّة أو الدّار وقت القرار وهو اختيار‬
‫ي ‪ ،‬كما جزم به صاحب الرّعاية ‪ ،‬وابن مفلحٍ في الفروع من الحنابلة ‪.‬‬
‫المرداو ّ‬
‫لكن جمهور الحنابلة على أنّ هذا القرار ل يصحّ ‪ ،‬لنّ هذا القرار وقع للدّار وللدّابّة ‪،‬‬
‫وهما ليستا من أهل الستحقاق ‪.‬‬

‫القرار للحمل ‪:‬‬
‫ي كذا ‪ ،‬أو عندي كذا لهذا الحمل وبيّن‬
‫‪ - 29‬إن أقرّ لحمل امرأ ٍة عيّنها بدينٍ أو عيّن فقال ‪ :‬عل ّ‬
‫السّبب فقال ‪ :‬بإرثٍ أو وصّيةٍ ‪ ،‬كان القرار معتبرا ولزمه ما أقرّ به لمكانه ‪ .‬وكان الخصم‬
‫في ذلك وليّ الحمل عند الوضع ‪ ،‬إلّ إذا تمّ الوضع لكثر من أربع سنين ‪ -‬من حين‬
‫الستحقاق مطلقا ‪ -‬الّتي هي أقصى مدّة الحمل ‪ -‬كما يرى فريق من الفقهاء ‪ -‬أو لستّة أشهرٍ‬

‫فأكثر ‪ -‬الّتي هي أقلّ مدّة الحمل ‪ -‬وهي فراش لم يستحقّ ‪ ،‬لحتمال حدوث الحمل بعد‬
‫ل يتيقّن وجوده عند القرار ‪ ،‬ويكون ذلك بما إذا وضعته‬
‫ح القرار إلّ لحم ٍ‬
‫القرار ‪ .‬ول يص ّ‬
‫لقلّ من ستّة أشهرٍ ‪ ،‬أو لكثر من ذلك إلى سنتين عند الحنفيّة ‪ ،‬وإلى أربعةٍ عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ص المالكيّة ‪ :‬ولزم القرار للحمل ‪ ،‬وإن كان القرار أصله وصيّةً فله الكلّ ‪ ،‬وإن كان‬
‫وين ّ‬
‫بالرث من الب ‪ -‬وهو ذكر ‪ -‬فكذلك ‪ ،‬وإن كان أنثى فلها النّصف ‪ ،‬وإن ولدت ذكرا وأنثى‬
‫ل إذا كانت جهة‬
‫فهو بينهما بالسّويّة إن أسنده إلى وصيّ ٍة ‪ ،‬وأثلثا إن أسنده إلى إرثٍ ‪ ،‬إ ّ‬
‫التّوريث يستوي فيها الذّكر والنثى كالخوة لمّ ‪ ،‬وإن أسند السّبب إلى جهةٍ ل تمكن في حقّه‬
‫كقوله ‪ :‬باعني شيئا فلغو للقطع بكذبه ‪ ،‬وعند الشّافعيّة قول بغير ذلك ‪.‬‬
‫وإن أطلق القرار ولم يسنده إلى شيءٍ صحّ عند الحنابلة ‪ ،‬لطلقهم القول بصحّة القرار‬
‫ح إلّ أن يسنده‬
‫بحال حمل امرأ ٍة ‪ ،‬لجواز أن يكون له وجه ‪ .‬وقال أبو الحسن التّميميّ ‪ :‬ل يص ّ‬
‫إلى سببٍ من إرثٍ أو وصّيةٍ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يصحّ مطلقا ‪ .‬قال في النّكت ‪ :‬ول أحسب هذا قولً‬
‫في المذهب ‪.‬‬
‫وصحّ في الظهر عند الشّافعيّة ‪ ،‬ويحمل على الممكن في حقّه ‪ ،‬صونا لكلم المكلّف عن‬
‫ل بمعامل ٍة أو جنايةٍ ‪،‬‬
‫ح ‪ ،‬إذ المال ل يجب إ ّ‬
‫ل عند الشّافعيّة ‪ :‬ل يص ّ‬
‫اللغاء ما أمكن ‪ .‬وفي قو ٍ‬
‫وهما منتفيان في حقّه ‪ ،‬فحمل الطلق على الوعد ‪ .‬وقال أبو يوسف من الحنفيّة ‪ :‬إن أجمل‬
‫ح بالحمل على‬
‫صحّة والفساد ‪ ،‬لنّه إن كان يص ّ‬
‫القرار ل يصحّ ‪ ،‬لنّ القرار المبهم يحتمل ال ّ‬
‫الوصيّة والرث فإنّه يفسد بالحمل على البيع والغصب والقرض ‪ ،‬كما أنّ الحمل في نفسه‬
‫شكّ من وج ٍه واح ٍد يمنع صحّة القرار ‪ ،‬فمن وجهين أولى ‪ .‬وقال‬
‫محتمل الوجود والعدم ‪ ،‬وال ّ‬
‫ح حملً لقرار العاقل على الصّحّة ‪.‬‬
‫محمّد ‪ :‬يص ّ‬
‫شكّ في حياته وقت القرار ‪.‬‬
‫ولو انفصل الحمل ميّتا فل شيء على المقرّ للحمل أو ورثته ‪ ،‬لل ّ‬
‫فيسأل القاضي المقرّ حسبةً عن جهة إقرارٍ من إرثٍ أو وصّيةٍ ليصل الحقّ لمستحقّه ‪ .‬وإن‬
‫مات المقرّ قبل البيان بطل ‪ .‬وإن ألقت حيّا وميّتا جعل المال للحيّ ‪.‬‬

‫القرار للميّت ‪:‬‬
‫ي كذا فذلك إقرار صحيح ‪ ،‬وهو إقرار في الحقيقة للورثة‬
‫‪ - 30‬لو قال ‪ :‬لهذا الميّت عل ّ‬
‫يتقاسمونه قسمة الميراث ‪ ،‬لكن إن كان المقرّ له حملً ثمّ سقط ميّتا بطل القرار ‪ ،‬إن كان‬
‫سبب الستحقاق ميراثا أو وصيّ ًة ‪ ،‬ويرجع المال إلى ورثة المورث ‪ ،‬أو ورثة الموصي ‪.‬‬

‫القرار بالحمل ‪:‬‬

‫ص الحنفيّة ‪ :‬على أنّ من أقرّ لرجلٍ بحمل فرسٍ أو حمل شا ٍة فإنّ إقراره صحيح‬
‫‪ - 31‬ن ّ‬
‫ولزمه ما أقرّ به ‪ ،‬لنّ له وجها صحيحا وهو الوصيّة بالحمل ‪ ،‬بأن تكون الفرس أو الشّاة‬
‫لواحدٍ ‪ ،‬وأوصى بحملها لرجلٍ ‪ ،‬ومات والمقرّ وارثه ‪ ،‬وقد علم بوصيّةٍ مورثه ‪.‬‬

‫القرار للجهة ‪:‬‬
‫ح القرار لمن كان لديه أهليّة ماليّةٍ أو استحقاقٍ كالوقف والمسجد ‪،‬‬
‫‪ - 32‬الصل أنّه يص ّ‬
‫ح القرار لهما ‪ .‬على نفسه بمالٍ له ‪ ،‬ويصرف في إصلحه وبقاء عينه ‪ ،‬كأن يقول‬
‫فيص ّ‬
‫ن القرار لهذا‬
‫ناظر على مسجدٍ أو وقفٍ ‪ :‬ترتّب في ذمّتي مثلً للمسجد أو للوقف كذا ‪ .‬فإ ّ‬
‫ومثله كالطّريق والقنطرة والسّقاية ‪ ،‬يصحّ ‪ ،‬ولو لم يذكر سببا ‪ ،‬كغلّة وقفٍ أو وصيّ ٍة ‪ ،‬لنّه‬
‫إقرار من مكّلفٍ مختارٍ فلزمه ‪ ،‬كما لو عيّن السّبب ويكون لمصالحها ‪ ،‬فإذا أسنده لممكنٍ بعد‬
‫ن القرار للمسجد ونحوه من الجهات‬
‫القرار صحّ ‪ .‬وفي وج ٍه عند الحنابلة ذكره التّميميّ ‪ :‬أ ّ‬
‫ل مع ذكر السّبب ‪.‬‬
‫ل يصحّ إ ّ‬

‫الشّرط الثّالث ‪ :‬ألّ ُيكَذّب المقرّ في إقراره ‪:‬‬

‫‪ - 33‬يشترط الفقهاء لصحّة القرار ألّ يكذّب المقرّ له المق ّر فيما أقرّ به ‪ ،‬فإن كذّبه بطل‬
‫ل في بعض مسائل ‪ :‬منها القرار بالح ّريّة وال ّرقّ‬
‫إقراره لنّ القرار ممّا يرتدّ بال ّردّ إ ّ‬
‫والنّسب وولء العتاقة والوقف والطّلق والميراث والنّكاح وابراء الكفيل وإبراء المدين بعد‬
‫قوله ‪ :‬أبرئني ‪ .‬فلو قال المقرّ له للمقرّ ‪ :‬ليس لي عليك شيء ‪ ،‬أو ل علم لي ‪ ،‬واستمرّ‬
‫التّكذيب فل يؤاخذ بإقراره ‪ .‬والتّكذيب يعتبر من بال ٍغ رشيدٍ ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬ترك المال المقرّ به‬
‫ونصّ الشّافعيّة على أنّه إن كذّب المقرّ له المقرّ وكان قد أقرّ له بعي ٍ‬
‫ن يده مشعرة بالملك ظاهرا ‪ ،‬والقرار بالطّارئ عارضه التّكذيب‬
‫في يد المقرّ في الصحّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ك ل مجرّد استحفاظٍ ‪ .‬ويقابل الصحّ أنّ الحاكم ينزعه‬
‫فسقط ‪ ،‬فتبقى يده على ما معه يد مل ٍ‬
‫منه ويحفظه إلى ظهور مالكه ‪ .‬وإذا ادّعى المقرّ له جنسا آخر بعد أن كذّب المقرّ حلف المقرّ‬
‫‪ .‬أمّا إذا أقرّ المقرّ بشيءٍ ثمّ ادّعى أنّه كاذب في إقراره حلف المقرّ له أو وارثه على المفتى‬
‫ن المقرّ لم يكن كاذبا في إقراره ‪ .‬وقيل ‪ :‬ل يحلف ‪ ،‬وفي جامع‬
‫به ‪ -‬عند الحنفيّة ‪ -‬أ ّ‬
‫الفصولين ‪ :‬أقرّ فمات فقال ورثته ‪ :‬إنّه أقرّ كاذبا فلم يجز إقراره ‪ ،‬والمقرّ له عالم به ليس لهم‬
‫تحليفه ‪ ،‬إذ وقت القرار لم يتعلّق حقّهم بمال المقرّ فصحّ القرار ‪ ،‬وحيث تعلّق حقّهم صار‬
‫حقّا للمقرّ له ‪.‬‬

‫الرّكن الثّالث ‪ :‬المقرّ به ‪:‬‬
‫‪ - 34‬المق ّر به في الصل نوعان ‪ :‬حقّ اللّه تعالى ‪ ،‬وحقّ العبد ‪ .‬وحقّ اللّه تعالى نوعان ‪:‬‬
‫حقّ خالص للّه ‪ ،‬وحقّ للّه فيه حقّ وللعبد أيضا ‪.‬‬

‫ولصحّة القرار بحقّ اللّه شروط هي ‪ :‬تعدّد القرار ‪ ،‬ومجلس القضاء والعبارة ‪ .‬حتّى إنّ‬
‫الخرس إذا كتب القرار فيما هو حقّ اللّه بيده ‪ ،‬أو بما يعرف أنّه إقرار بهذه الشياء يجوز ‪،‬‬
‫ن للخرس إشار ًة معهود ًة فإذا أتى بها يحصل العلم بالمشار إليه‬
‫بخلف الّذي اعتقل لسانه ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ ،‬وليس ذلك لمن اعتقل لسانه ‪ ،‬ولنّ إقامة الشارة مقام العبارة أمر ضروريّ ‪ ،‬والخرس‬
‫ضرورة لنّه أصليّ ‪ ،‬وكذلك فإنّه ل يشترط لصحّة القرار بحقّ اللّه تعالى الصّحو حتّى‬
‫ح إقرار السّكران ‪ ،‬وفي ذلك كلّه تفصيل وخلف مبيّن في الحدود ‪ ،‬وعند الكلم عن حقّ‬
‫يص ّ‬
‫اللّه تعالى ‪.‬‬
‫وأمّا حقّ العبد فهو المال ‪ ،‬من العين والدّين والنّسب والقصاص والطّلق والعتاق ونحوها ‪،‬‬
‫ول يشترط لصحّة القرار بها ما يشترط لصحّة القرار بحقوق اللّه تعالى ‪ .‬فهي تثبت مع‬
‫الشّبهات ‪ ،‬بخلف حقوق اللّه تعالى ‪ .‬والشّرائط المختصّة بحقوق العباد نوعان ‪:‬‬
‫نوع يرجع إلى المقرّ له ‪ ،‬وهو أن يكون معلوما على ما سبق ‪،‬‬
‫ونوع يرجع إلى المقرّ به ‪ ،‬فيشترط لصحّة القرار بالعين والدّين الفراغ عن تعلّق حقّ الغير‬
‫ن حقّ الغير معصوم محترم ‪ ،‬فل يجوز إبطاله من‬
‫ل بحقّ الغير لم يصحّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ .‬فإن كان مشغو ً‬
‫غير رضاه ‪ ،‬فل بدّ من معرفة وقت التّعلّق ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬فإنّ‬
‫ن ‪ ،‬وذلك قد يكون معلوما وقد يكون مجهو ً‬
‫‪ - 35‬ولمّا كان القرار إخبارا عن كائ ٍ‬
‫جهالة المق ّر به ل تمنع صحّة القرار بغير خلفٍ ‪ .‬فلو أتلف على آخر شيئا ليس من ذوات‬
‫المثال فوجبت عليه قيمته ‪ ،‬أو جرح آخر جراحةً ليس لها في الشّرع أرش مقدّر فأقرّ بالقيمة‬
‫والرش ‪ ،‬فكان القرار بالمجهول إخبارا عن المخبر عنه على ما هو به ‪ .‬ويجبر على البيان‬
‫ن علينا‬
‫لنّه هو المجمل ‪ ،‬فكان البيان عليه ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه ثمّ إ ّ‬
‫ح بيانه متّصلً ومنفصلً ‪ ،‬لنّه بيان محض فل يشترط فيه الوصل ‪ - 36 .‬ل بدّ‬
‫بيانه } ويص ّ‬
‫أن يبيّن شيئا له قيمة ‪ ،‬لنّه أقرّ بما في ذمّته ‪ ،‬وما ل قيمة له ل يثبت في ال ّذمّة ‪ ،‬وإذا بيّن‬
‫شيئا له قيمة فإن صدّقه المقرّ له وادّعى عليه زياد ًة ‪ ،‬أخذ ذلك القدر المعيّن ‪ ،‬وأقام البيّنة على‬
‫ل حلّفه عليها إن أراد ‪ ،‬لنّه منكر للزّيادة ‪ ،‬والقول قول المنكر مع يمينه ‪ ،‬وإن‬
‫الزّيادة ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ل حلّفه عليه ‪ ،‬وليس له أن يأخذ ما عيّنه ‪ ،‬لنّه‬
‫ل آخر أقام البيّنة ‪ ،‬وإ ّ‬
‫كذّبه وادّعى عليه ما ً‬
‫أبطل إقراره بالتّكذيب ‪.‬‬
‫ن عليّ مال ‪ ،‬يصدّق في القليل والكثير ‪ .‬لنّ المال اسم ما يتموّل ‪،‬‬
‫وعلى هذا فإذا قال ‪ :‬لفل ٍ‬
‫ح بيانه متّصلً ومنفصلً ‪ .‬وبهذا قال الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫وهذا يقع على القليل والكثير ‪ ،‬ويص ّ‬
‫والحنابلة ‪ .‬ونقل ابن قدامة عن أبي حنيفة أنّه ل يقبل تفسيره ‪ .‬بغير المال الزّكويّ ‪ ،‬وأنّ‬
‫بعض أصحاب مالكٍ حكوا عنه ثلثة أوجهٍ ‪ :‬أحدها كغير المالكيّة ‪،‬‬
‫ب من نصب الزّكاة من نوع أموالهم ‪،‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يقبل إلّ أوّل نصا ٍ‬

‫ح مهرا ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬ما يقطع فيه السّارق ويص ّ‬
‫ن ما دونه ل يطلق عليه اسم المال عادةً‬
‫ويقول الزّيلعيّ ‪ :‬لم يصدّق في أقلّ من درهمٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫وهو المعتبر ‪ .‬ولو قال ‪ :‬له عليّ مال عظيم فالواجب نصاب ‪ ،‬لنّه عظيم في الشّرع حتّى‬
‫اعتبر صاحبه غنيّا ‪ .‬وعن أبي حنيفة أنّه ل يصدّق في أقلّ من عشرة دراهم ‪ ،‬لنّه نصاب‬
‫السّرقة والمهر ‪ ،‬وهو عظيم حيث تقطع به اليد ويصلح مهرا ‪.‬‬
‫ن ما ل قيمة له ل يجب في‬
‫ويجبره القاضي على البيان ‪ ،‬ول بدّ أن يبيّن ما له قيمة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ال ّذمّة ‪ ،‬فإذا بيّن بما ل قيمة له اعتبر رجوعا ‪ ،‬والقول قوله مع يمينه ‪ ،‬وإن ادّعى المقرّ له‬
‫أكثر من ذلك فالقول قول المقرّ مع يمينه ‪.‬‬
‫ولو أق ّر له بشي ٍء أو حقّ ‪ ،‬وقال ‪ :‬أردت حقّ السلم ‪ ،‬ل يصحّ إن قاله مفصولً ‪ ،‬ويصحّ‬
‫ص المالكيّة على أنّه إن قال ‪ :‬لك أحد ثوبين ‪ ،‬عيّن المقرّ ‪ .‬فإن عيّن له‬
‫إن قاله موصولً ‪ .‬وين ّ‬
‫الدنى حلف إن اتّهمه المقرّ له ‪ ،‬وإذا لم يعيّن بأن قال ‪ :‬ل أدري ‪ .‬قيل للمقرّ له ‪ :‬عيّن أنت ‪.‬‬
‫فإن عيّن أدناهما أخذه بل يمينٍ ‪ ،‬وإن عيّن أجودهما حلف للتّهمة وأخذه ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬ل‬
‫أدري ‪ ،‬حلفا معا على نفي العلم ‪ ،‬واشتركا فيهما بالنّصف ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬لو قال ‪ :‬له في هذه الدّار حقّ ‪ ،‬أو في هذا الحائط ‪ ،‬أو في هذه الرض ‪ ،‬ثمّ‬
‫فسّر ذلك بجزءٍ منها قبل تفسيره ‪ ،‬قليلً كان أو كثيرا ‪ ،‬شائعا كان أو معيّنا ‪.‬‬
‫وينصّ الحنابلة على أنّه إن امتنع عن التّفسير حبس حتّى يفسّر ‪ ،‬لنّه ممتنع من حقّ عليه ‪،‬‬
‫فيحبس به ‪ ،‬كما لو عيّنه وامتنع من أدائه ‪ .‬وقال القاضي ‪ :‬يجعل ناكلً ويؤمر المقرّ له‬
‫بالبيان ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إن مات من عليه الحقّ أخذ ورثته بمثل ذلك ‪ ،‬لنّ الحقّ ثبت على مورثهم‬
‫فيتعلّق بتركته ‪ ،‬وقد صارت إلى الورثة ‪ ،‬فيلزمهم ما لزم مورثهم ‪ ،‬كما لو كان الحقّ مبيّنا ‪،‬‬
‫وإن لم يخلّف الميّت ترك ًة فل شيء على الورثة ‪.‬‬
‫ونصّ الشّافعيّة على أنّه لو فسّره بما ل يتموّل ‪ -‬لكن من جنسه ‪ -‬كحبّة حنط ٍة ‪ ،‬أو بما يحلّ‬
‫ح ويحرم أخذه ويجب ردّه ‪ .‬وقيل ‪ :‬ل يقبل فيهما ‪ ،‬لنّ‬
‫ب معّلمٍ ‪ ،‬قبل في الص ّ‬
‫اقتناؤه ككل ٍ‬
‫ي " ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ليس بمالٍ ‪ ،‬وظاهر القرار‬
‫ح التزامه بكلمة " عل ّ‬
‫الوّل ل قيمة له فل يص ّ‬
‫ض وردّ سلمٍ ‪ ،‬إذ ل مطالبة بهما ‪ ،‬وهم‬
‫المال ‪ .‬وقالوا ‪ :‬ل يقبل تفسيره بنحو عيادة مري ٍ‬
‫يشترطون أن يكون المقرّ به ممّا يجوز به المطالبة ‪ .‬أمّا لو كان قال ‪ :‬له عليّ حقّ ‪ ،‬فإنّه يقبل‬
‫لشيوع الحقّ في استعمال كلّ ذلك ‪.‬‬
‫وكذلك يصرّح الحنابلة بأنّه متى فسّر إقراره بما يتموّل في العادة قبل تفسيره وثبت ‪ ،‬إلّ أن‬
‫يكذّبه المقرّ له ‪ ،‬ويدّعي جنسا آخر أو ل يدّعي شيئا ‪ ،‬فبطل إقراره ‪ ،‬وكذا إن فسّره بما ليس‬
‫ب يجوز اقتناؤه ‪،‬‬
‫بمالٍ في الشّرع ‪ ،‬وإن فسّره بكلبٍ غير جائزٍ اقتناؤه فكذلك ‪ .‬وإن فسّره بكل ٍ‬
‫أو جلد ميت ٍة غير مدبوغٍ ففيه وجهان ‪ ،‬الوّل ‪ :‬يقبل لنّه شيء يجب ردّه ‪ ،‬والوجه الثّاني ‪ :‬ل‬

‫ن القرار إخبار عمّا يجب ضمانه وهذا ل يجب ضمانه ‪ ،‬غير أنّهم قالوا ‪ :‬إن فسّره‬
‫يقبل ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن هذا ل يتموّل عادةً على انفراده ‪ .‬وقالوا أيضا ‪ :‬إن فسّره‬
‫بحبّة حنط ٍة أو شعيرٍ لم يقبل ‪ ،‬ل ّ‬
‫بحقّ شفعةٍ قبل ‪ ،‬لنّه حقّ واجب ويئول إلى مالٍ ‪ ،‬وإن فسّره بحدّ قذفٍ قبل ‪ ،‬لنّه حقّ يجب‬
‫ل يقبل لنّه ل‬
‫عليه ‪ -‬وهم في ذلك كالشّافعيّة ‪ -‬غير أنّهم قالوا بالنّسبة لحدّ القذف ‪ :‬يحتمل أ ّ‬
‫يئول إلى مالٍ ‪ ،‬والوّل أصحّ وإن فسّره بردّ سلمٍ أو تشميت عاطسٍ ونحوه لم يقبل ‪ -‬خلفا‬
‫للشّافعيّة ‪ -‬لنّه يسقط بفواته فل يثبت في ال ّذمّة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬يحتمل أن يقبل تفسيره ‪ ،‬فهم في‬
‫هذا كالشّافعيّة ‪.‬‬
‫‪ - 37‬ولو كان المقرّ به معلوم الصل ومجهول الوصف ‪ ،‬نحو أن يقول ‪ :‬إنّه غصب من‬
‫فلنٍ ثوبا من العروض ‪ ،‬فيصدّق في البيان من جنس ذلك سليما كان أو معيبا ‪ ،‬لنّ الغصب‬
‫يردّ على السّليم والمعيب عاد ًة ‪ ،‬وقد بيّن الصل وأجّل الوصف ‪ ،‬فيرجع في بيان الوصف‬
‫إليه فيصحّ منفصلً ‪ ،‬ومتى صحّ بيانه يلزمه ال ّردّ إن قدر عليه ‪ ،‬وإن عجز عنه تلزمه القيمة‬
‫ن اسم الغصب يقع‬
‫وإن قال ‪ :‬غصبت شيئا فطلب منه البيان ففسّره بما ليس بمالٍ قبل ‪ ،‬ل ّ‬
‫عليه ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ :‬وهو مذهب الشّافعيّ ‪ .‬وحكي عن أبي حنيفة أنّه ل يقبل تفسيره بغير‬
‫المكيل والموزون ممّا ل يثبت في ال ّذمّة بنفسه ‪.‬‬
‫ولو أق ّر بأنّ ما عنده لغيره كان رهنا ‪ ،‬فقال المقرّ له ‪ :‬بل وديعة ‪ ،‬فالقول قول المقرّ له‬
‫( المالك ) لنّ العين تثبت بالقرار ‪ ،‬وادّعى المقرّ دينا ل يعترف له به والقول قول المنكر ‪،‬‬
‫ن له به تعلّقا ( حقّا في الحتباس ) فلم يقبل ‪ ،‬كما لو ادّعاه‬
‫ولنّه أقرّ بمالٍ لغيره وادّعى أ ّ‬
‫ب وادّعى أنّه خاطه بأجرٍ‬
‫ل ‪ ،‬وكذلك لو أقرّ له بدارٍ وقال ‪ :‬استأجرتها ‪ ،‬أو بثو ٍ‬
‫بكل ٍم منفص ٍ‬
‫يلزم المق ّر له ‪ .‬لم يقبل لنّه م ّدعٍ على غيره حقّا فل يقبل قوله إلّ ببيّنةٍ ‪.‬‬
‫وإن قال ‪ :‬لك عليّ ألف من ثمن مبي ٍع لم أقبضه ‪ ،‬فقال المدّعى عليه ‪ :‬بل لي عليك ألف ول‬
‫شيء لك عندي ‪ .‬قال أبو الخطّاب ‪ :‬فيه وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ .‬القول قول المقرّ له ‪ ،‬لنّه اعترف له باللف وادّعى عليه مبيعا ‪ ،‬فأشبه ما إذا قال‬
‫ي ألف لم أقبضها ‪.‬‬
‫‪ :‬هذا رهن فقال المالك ‪ :‬وديعة ‪ ،‬أو له عل ّ‬
‫الثّاني ‪ :‬القول قول المقرّ وهو قياس المذهب ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّ وأبي يوسف ‪ ،‬لنّه أقرّ‬
‫ق في مقابلة حقّ له ول ينفكّ أحدهما عن الخر ‪ .‬ويصرّح ابن قدامة بأنّ الشّهادة على‬
‫بح ّ‬
‫القرار بالمجهول تقبل ‪ ،‬لنّ القرار به صحيح ‪ ،‬وما كان صحيحا في نفسه صحّت الشّهادة‬
‫به كالمعلوم ‪.‬‬
‫ص الشّافعيّة على أنّه يشترط في المقرّ به لصحّة القرار ألّ يكون ملكا للمقرّ حين‬
‫‪ - 38‬ون ّ‬
‫ن القرار ليس إزالةً عن الملك ‪ ،‬وإنّما هو إخبار عن كونه ملكا للمقرّ له ‪ ،‬فل بدّ من‬
‫يقرّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫تقديم المخبر عنه على الخبر ‪ ،‬فلو قال ‪ :‬داري أو ثوبي أو ديني الّذي على زيدٍ لعمرٍو ولم‬

‫ن الضافة إليه تقتضي الملك له ‪ ،‬فينافي إقراره لغيره ويحمل على‬
‫يرد القرار فهو لغو ‪ ،‬ل ّ‬
‫الوعد بالهبة ‪ .‬ولو قال ‪ :‬هذا لفلنٍ وكان ملكي إلى أن أقررت به ‪ ،‬فأوّل كلمه إقرار ‪،‬‬
‫وآخره لغو ‪ ،‬فليطرح آخره فقط ‪ ،‬ويعمل بأوّله ‪ ،‬لشتماله على جملتين مستقلّتين ‪.‬‬
‫‪ - 39‬كما اشترطوا لعمال القرار ‪ -‬أي التّسليم ل لصحّته ‪ ،‬أن تكون العين المقرّ بها في‬
‫يد المقرّ حسّا أو حكما ‪ ،‬كالمعار أو المؤجّر تحت يد الغير ‪ ،‬لنّه عند انتفاء يده عنه يكون‬
‫مدّعيا أو شاهدا ‪ ،‬ومتى حصل بيده لزمه تسليمه ‪ ،‬لنّ هذا الشّرط ليس شرط صحّةٍ ‪ .‬فلو أقرّ‬
‫ولم يكن في يده ثمّ صار في يده عمل بمقتضى إقراره ‪ ،‬واستثنوا من اشتراط أن يكون في يده‬
‫ما لو باع بشرط الخيار له أو لهما ‪ ،‬ثمّ ادّعاه رجل ‪ ،‬فأقرّ البائع في مدّة الخيار له به فإنّه‬
‫ي محجورٍ فل‬
‫يصحّ ‪ .‬أمّا لو كانت العين في يده باعتباره نائبا عن غيره كناظر وقفٍ وول ّ‬
‫ح إقراره ‪ .‬وكذلك صرّح الحنابلة باشتراط أن يكون المقرّ به بيد المقرّ ووليته‬
‫يص ّ‬
‫ح إقراره بشي ٍء في يد غيره ‪ ،‬أو في ولية غيره ‪ ،‬كما لو أقرّ أجنبيّ‬
‫واختصاصه ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫على صغيرٍ ‪ ،‬أو وقفٍ في ولية غيره أو اختصاصه ‪ ،‬لكنّهم قالوا بصحّة إقراره بمالٍ في‬
‫وليته واختصاصه ‪ ،‬كأن يقرّ وليّ اليتيم ونحوه أو ناظر الوقف ‪ ،‬لنّه يملك إنشاء ذلك ‪.‬‬
‫واشترطوا أن يتصوّر التزام المقرّ بما أقرّ به ‪ ،‬أي أن يمكن صدقه ‪ ،‬فلو أقرّ بارتكابه جنايةً‬
‫ن إقراره ل يصحّ ‪.‬‬
‫منذ عشرين سنةً وعمره ل يتجاوز العشرين ‪ ،‬فإ ّ‬

‫الرّكن الرّابع ‪ :‬الصّيغة ‪:‬‬
‫‪ - 40‬الصّيغة هي ما يظهر الرادة من لفظٍ ‪ ،‬أو ما يقوم مقامه من كتابةٍ أو إشارةٍ ‪ ،‬وإظهار‬
‫الرادة ل ب ّد منه ‪ ،‬فل عبرة بالرادة الباطنة ‪.‬‬
‫ن ما يكون بالقلب فهو نيّة ‪ ،‬وال ّنيّة وحدها ل تكفي ‪ ،‬ويقول ابن القيّم ‪ :‬إنّ‬
‫يقول السّرخسيّ ‪ :‬إ ّ‬
‫اللّه تعالى وضع اللفاظ بين عباده تعريفا ودلل ًة على ما في نفوسهم ‪ ،‬فإذا أراد أحدهم من‬
‫الخر شيئا عرّفه بمراده وما في نفسه بلفظه ‪ ،‬ورتّب على تلك الرادات والمقاصد أحكامها‬
‫بواسطة اللفاظ ‪ ،‬ولم يرتّب تلك الحكام على مجرّد ما في النّفوس من غير دللة فعلٍ أو قولٍ‬
‫‪ ،‬ول على مجرّد ألفاظٍ مع العلم بأنّ المتكلّم بها لم يرد معانيها ‪.‬‬
‫ي ألف درهمٍ ‪،‬‬
‫ن عل ّ‬
‫وصيغة القرار نوعان ‪ :‬صريح ودللة ‪ .‬فالصّريح نحو أن يقول ‪ :‬لفل ٍ‬
‫ج البيت ‪..‬‬
‫ن كلمة ( عليّ ) كلمة إيجابٍ لغةً وشرعا ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وللّه على النّاس ح ّ‬
‫لّ‬
‫ن كلمة نعم بمثابة‬
‫} وكذا لو قال لرجلٍ ‪ :‬هل لي عليك ألف درهمٍ ؟ فقال الرّجل ‪ :‬نعم ‪ .‬ل ّ‬
‫إعاد ٍة لكلمه ‪ ،‬وكذا لو قال ‪ :‬لفلنٍ في ذمّتي ألف درهمٍ ‪ ،‬لنّ ما في ال ّذمّة هو الدّين ‪ ،‬فيكون‬
‫إقرارا بالدّين ‪.‬‬

‫هذا ما مثّل به الحنفيّة ‪ ،‬ول تخرج أمثلة غيرهم عن ذلك ‪ ،‬والعرف في هذا هو المرجع ‪.‬‬
‫والمر بكتابة القرار إقرار حكما ‪ ،‬إذ القرار كما يكون باللّسان يكون بالبنان ‪ ،‬فلو قال‬
‫ح القرار واعتبر ‪ ،‬كتب أو لم يكتب ‪.‬‬
‫للكاتب ‪ :‬اكتب إقرارا بألفٍ عليّ لفلنٍ ‪ ،‬ص ّ‬
‫ويقول ابن عابدين ‪ :‬إنّ الكتابة المرسومة المعنونة كالنّطق بالقرار ‪ ،‬ول فرق بين أن تكون‬
‫الكتابة بطلبٍ من الدّائن أو بل طلبه ‪ .‬ونقل عن الشباه لبن نجيمٍ أنّه إذا كتب ولم يقل شيئا ل‬
‫ن الكتابة قد تكون للتّجربة ‪ .‬ولو كتب أمام الشّهود وقال ‪ :‬اشهدوا عليّ بما‬
‫تحلّ الشّهادة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل فل ‪.‬‬
‫فيه ‪ ،‬كان إقرارا إن علموا بما فيه وإ ّ‬
‫ل في النّسب والسلم والكفر والفتاء ‪.‬‬
‫واليماء بالرّأس من النّاطق ليس بإقرارٍ إ ّ‬
‫وأمّا الصّيغة الّتي تفيد القرار دللةً فهي أن يقول له رجل ‪ :‬لي عليك ألف ‪ ،‬فيقول ‪ :‬قد‬
‫قبضتها ‪ ،‬لنّ القضاء اسم لتسليم مثل الواجب في ال ّذمّة ‪ ،‬فيقتضي ما يعيّن الوجوب ‪ ،‬فكان‬
‫القرار بالقضاء إقرارا بالوجوب ‪ ،‬ثمّ يدّعي الخروج عنه بالقضاء فل يصحّ إلّ بالبيّنة ‪ ،‬وكذا‬
‫ن التّأجيل تأخير المطالبة مع قيام أصل الدّين في ال ّذمّة ‪.‬‬
‫إذا قال ‪ :‬أجّلني بها ‪ .‬ل ّ‬

‫الصّيغة من حيث الطلق والتّقييد ‪:‬‬
‫الصّيغة قد تكون مطلقةً كما تقدّم ‪ ،‬وقد تكون مقترنةً ‪ .‬والقرينة في الصل نوعان ‪:‬‬
‫‪ - 41‬أ ‪ -‬قرينة مبيّنة ( على الطلق ) ‪ ،‬وهي المعيّنة لبعض ما يحتمله اللّفظ ‪ ،‬فإن كان‬
‫ل كان البيان أو منفصلً ‪ ،‬وإن كان لحد‬
‫اللّفظ يحتمل المعنيين على السّواء صحّ بيانه متّص ً‬
‫الحتمالين رجحان تسبق إليه الفهام من غير قرين ٍة ل يصحّ إن كان البيان منفصلً ‪ ،‬ويصحّ‬
‫بالنّسبة للمتّصل إذا لم يتضمّن الرّجوع ‪.‬‬
‫علين عشرة دراهنم‬
‫ّ‬
‫لفلنن‬
‫ٍ‬
‫وبصنف ٍة عا ّمةٍ إذا كاننت القريننة منفصنلةً عنن القرار بأن قال ‪:‬‬
‫ل درهما ‪ ،‬ل ي صحّ ال ستثناء ع ند كافّة العلماء وعامّة ال صّحابة ‪ ،‬إلّ ما‬
‫و سكت ‪ ،‬ث مّ قال ‪ :‬إ ّ‬
‫ح متّصلً ومنفصلً‬
‫ن الستثناء بيان فيص ّ‬
‫ح‪،‬لّ‬
‫روي عن ابن عبّا سٍ رضي ال عنهما أنّه يص ّ‬
‫‪ .‬ووجه قول العامّة أنّ صيغة الستثناء إذا انفصلت عن الجملة الملفوظة ل تكون كلم استثناءٍ‬
‫ح ‪ .‬وبيان ذلك تفصيلً سبق في مصطلح‬
‫س ل تكاد تص ّ‬
‫ن الرّواية عن ابن عبّا ٍ‬
‫لغةً ‪ ،‬وقالوا ‪ .‬إ ّ‬
‫( استثناء ) ‪.‬‬
‫‪-42‬ب‪ -‬قرينة مغيرة ( من حيث الظاهر ) مبنية ( حقيقة )‪ ،‬وهذه يتغير بها السم لكن يتبين‬
‫بها المراد‪ ،‬فكان تغييرا صورة ‪،‬تبيينا معنى‪ ،‬ومنه ما يلي ‪:‬‬

‫أ‪ -‬تعليق القرار على المشيئة ‪:‬‬

‫‪ -43‬القرينة المغيرة قد تدخل على أصل القرار‪ ، ،‬وتكون متصلة به‪ ،‬كتعليق القرار على‬

‫مشيئة ال أو مشيئة فلن ‪ .‬وهذا يمنع صحة القرار عند الحنفية‪ ،‬لن التعليق على المشيئة‬

‫يجعل المر محتملً ‪ .‬والقرار إخبار عن كائن‪ ،‬والكائن ل يحتمل التعليق ‪ .‬وهو ما ذهب إليه‬
‫ابن المواز وابن عبد الحكم من المالكية إذ قال ‪ :‬لو علق القرار على المشيئة لم يلزمه شيء‪،‬‬
‫وكأنه أدخل ما يوجب الشك‪ ،‬وهو مفاد قول الشافعية فيمن قرن إقراره بقوله فيما أحسب أو‬
‫أظن‪ ،‬إذ قالوا ‪ :‬إنه لغو‪ ،‬لعدم اللزوم على المذهب‪ ،‬لنه علق مشيئة إقراره على شرط فلم‬
‫يصح‪ ،‬ولن ما علق على مشيئة ال ل سبيل إلى معرفته ‪ .‬قال الشيرازي ‪ :‬إن قال ‪:‬له عليّ‬
‫ألف إن شاء ال لم يلزمه شيء‪ ،‬لن ما علق على مشيئة ال تعالى لسبيل إلى معرفته ‪ ،‬وإن‬
‫قال ‪ :‬له علي ألف إن شاء زيد أو قدم فلن لم يلزمه شيء ‪.‬‬
‫ويرى المالكية –عدا ابن المواز وابن عبد الحكم –وكذا الحنابلة أن القرار يلزمه‪ ،‬نص عليه‬
‫أحمد‪ ،‬وقال سحنون ‪:‬أجمع أصحابنا على ذلك ‪.‬غير أن الحنابلة يفرقون بين التعليق على‬
‫مشيئة ال‪ ،‬وبين التعليق على مشيئة الشخاص ‪.‬‬
‫يقول ابن قدامة ‪ :‬لنه أقر ثم علق رفع القرار على أمر ليعلم فلم يرتفع ‪ .‬وإن قال ‪:‬لك علي‬
‫ألف إن شئت‪ ،‬أو إن شاء زيد لم يصح القرار‪ ،‬ولنه علقه على شرط يمكن علمه فلم يصح‪.‬‬
‫ويفارق التعليق على مشئية ال تعالى‪ ،‬لنها كثيرا ما تذكر تبركا وصلة وتفويضا إلى ال‪ ،‬ل‬
‫ن المسجدَ الحرامَ إن شاء ال آمنِين } بخلف مشيئة الدمي‪،‬‬
‫للشتراط‪ ،‬لقوله تعالى { لتدخُلُ ّ‬
‫كما أن مشيئته تعالى ل تعلم إل بوقوع المر‪ ،‬فل يمكن وقف المر على وجودها ‪ ،‬ومشيئة‬
‫الدمي يمكن العلم بها فيمكن جعلها شرطا يتوقف المرعلى وجودها‪ ،‬ويتعين حمل المر هنا‬
‫على المستقبل‪ ،‬فيكون وعدا ل إقرارا ‪.‬‬
‫وقال القاضي ‪ :‬لو علق القرار على مشيئة المقر له أو شخص آخر صح القرار‪ ،‬لنه عقبه‬
‫بما يرفعه‪ ،‬فصح القرار دون ما رفعه ‪ .‬أي كأنه أقر ثم رجع فل يصح رجوعه ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬تعليق القرار على شرطٍ ‪:‬‬
‫ن كلّ إقرارٍ معّلقٍ على شرطٍ ليس بإقرارٍ ‪ ،‬لنّه ليس بمقرّ‬
‫‪ - 44‬وضع الحنابلة قاعد ًة عامّ ًة بأ ّ‬
‫ن الشّرط ل يقتضي‬
‫في الحال ‪ ،‬وما ل يلزمه في الحال ل يصير واجبا عند وجود الشّرط ‪ ،‬ل ّ‬
‫إيجاب ذلك ‪ .‬ونصّ الحنفيّة على أنّه لو أقرّ بشيءٍ على أن يكون له خيار الشّرط ‪ ،‬فإنّ‬
‫ن شرط الخيار في معنى الرّجوع ‪ ،‬والقرار في حقوق‬
‫القرار صحيح ويبطل الشّرط ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن القرار إخبار فل يقبل الخيار ‪ ،‬وهو مذهب المالكيّة والشّافعيّة‬
‫العباد ل يحتمل الرّجوع ‪ ،‬ل ّ‬
‫والحنابلة ‪ ،‬لنّ ما يذكره المقرّ بعد القرار يعتبر رفعا له فل يقبل كالستثناء ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬تغيير وصف الم َقرّ به ‪:‬‬

‫‪ - 45‬إن كان التّغيير متّصلً باللّفظ كأن يقول ‪ :‬لفلنٍ عليّ ألف درهمٍ وديعة ‪ .‬كان إقرارا‬
‫ح ‪ ،‬ويكون إقرارا‬
‫الوديعة ‪ ،‬أمّا إن كان منفصلً ‪ ،‬بأن سكت ثمّ قال ‪ :‬هي وديعة فل يص ّ‬

‫ي ألف درهمٍ وديعة قرضا‬
‫ل بشرط الوصل ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬عل ّ‬
‫ن البيان هنا ل يصحّ إ ّ‬
‫بالدّين ‪ ،‬ل ّ‬
‫أو دينا ‪ ،‬فهو إقرار بالدّين ‪ ،‬لجواز أن يكون أمان ًة في البتداء ث ّم يصير مضمونا في‬
‫ن النسان في القرار‬
‫النتهاء ‪ ،‬إذ الضّمان قد يطرأ على المانة متّصلً كان أو منفصلً ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالضّمان غير متّهمٍ ‪.‬‬

‫د ‪ -‬الستثناء في القرار ‪:‬‬
‫ل فل خلف‬
‫‪ - 46‬إن كان الستثناء من جنس المستثنى منه ومتّصلً به ‪ ،‬فإن كان استثناء الق ّ‬
‫ل ثلثةً فيلزمه سبعة ‪ .‬أمّا إن كان استثناء‬
‫ن عشرة دراهم إ ّ‬
‫في جوازه ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬عليّ لفل ٍ‬
‫ل تسع ًة فجائز في ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫ن عشرة دراهم إ ّ‬
‫الكثر بأن قال ‪ :‬عليّ لفل ٍ‬
‫ن الستثناء تكلّم بالباقي بعد الثّنيا ‪ ،‬وهذا المعنى كما يوجد في‬
‫ويلزمه درهم وهو الصّحيح ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل يوجد في استثناء الكثر من القليل ‪ ،‬وإن كان غير مستحسنٍ عند أهل اللّغة ‪،‬‬
‫استثناء الق ّ‬
‫وروي عن أبي يوسف أنّه ل يصحّ وعليه العشرة ‪.‬‬
‫ل من الكلّ بأن يقول ‪ :‬لفلنٍ عليّ عشرة دنانير إلّ عشر ًة فباطل ‪ ،‬وعليه‬
‫وإن كان استثناء الك ّ‬
‫العشرة كاملةً ‪ ،‬لنّه ليس استثناءً ‪ ،‬وإنّما هو إبطال ورجوع ‪ ،‬والرّجوع عن القرار في حقّ‬
‫ح الستثناء وهو إخراج ما لوله لدخل بنحو إلّ ‪ ،‬وذلك‬
‫العباد ل يصحّ ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يص ّ‬
‫إن اتّصل إجماعا ‪ ،‬والسّكوت اليسير غير مضرّ ‪ ،‬ويض ّر كلم أجنبيّ يسير أو سكوت طويل ‪،‬‬
‫ويشترط أن يقصده قبل فراغ القرار ‪ ،‬ولكونه رفعا لبعض ما شمله اللّفظ احتاج إلى نيّةٍ ولو‬
‫كان إخبارا ‪ ،‬ولم يستغرق المستثنى المستثنى منه ‪ ،‬فإن استغرقه كخمس ٍة إلّ خمس ًة كان باطلً‬
‫ل من شذّ ‪ ،‬لما في ذلك من المناقضة الصّريحة ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬لو قال ‪ :‬عليّ‬
‫بالجماع إ ّ‬
‫ألف إلّ ستّمائةٍ لزمه اللف لنّه استثنى الكثر ‪ ،‬ولم يرد ذلك في لغة العرب ‪.‬‬

‫هن – الستثناء من خلف الجنس ‪:‬‬

‫ح عند الحنفيّة‬
‫‪ – 47‬إن كان الستثناء من خلف الجنس – ما ل يثبت دينا في ال ّذمّة – فل يص ّ‬
‫ل ثوبا بطل الستثناء ‪ ،‬خلفا‬
‫‪ ،‬وعليه جميع ما أقرّ به ‪ ،‬فإن قال ‪ :‬له عليّ عشرة دراهم إ ّ‬
‫ي مائة دينا ٍر إلّ عشرة دراهم‬
‫ن عل ّ‬
‫للشّافعيّة ‪ .‬وإن كان ممّا يثبت دينا في ال ّذمّة بأن قال ‪ :‬لفل ٍ‬
‫ح عند الشّيخين ‪ ،‬ويطرح ممّا أقرّ به قدر قيمة المستثنى ‪ ،‬لنّه إن لم‬
‫أو إلّ قفيز حنطةٍ ‪ ،‬ص ّ‬
‫يمكن تحقيق معنى المجانسة في السم أمكن تحقيقها في الوجوب في ال ّذمّة ‪ ،‬فالدّراهم‬
‫والحنطة من حيث احتمال الوجوب في ال ّذمّة من جنس الدّنانير ‪ ،‬وقال محمّد بن الحسن وزفر‬
‫ل إذا‬
‫ن الستثناء استخراج بعض ما لوله لدخل تحت نصّ المستثنى منه ‪ ،‬وذلك ل يتحقّق إ ّ‬
‫‪:‬إّ‬
‫اتّحد الجنس ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬ل يصحّ الستثناء من غير الجنس ول من غير النّوع على ما‬
‫هو المذهب وعليه جماهير الصحاب ‪.‬‬

‫ح الستثناء من خلف الجنس لورود الكتاب وغيره‬
‫أمّا الشّافعيّة فقد نصّوا على أنّه يص ّ‬
‫بذلك ‪ ،‬يقول اللّه سبحانه ‪ { :‬ل يسمعون فيها لغوا إلّ سلما } ويقول ‪ { :‬ما لهم به من علمٍ إلّ‬
‫ل ثوبا لزمه البيان‬
‫اتّباع الظّنّ } وقالوا ‪ :‬ويلزم المقرّ بالبيان ‪ ،‬فلو كان أقرّ لخر بألف درهمٍ إ ّ‬
‫ب قيمته دون اللف ‪.‬‬
‫بثو ٍ‬
‫ل هذا البيت ‪.‬‬
‫ح الستثناء من المعيّن كهذه الدّار إ ّ‬
‫وقالوا ‪ :‬ويص ّ‬

‫و ‪ -‬تعقيب القرار بما يرفعه ‪:‬‬
‫‪ - 48‬قال المالكيّة ‪ :‬لو عقّب القرار بما يرفعه بأن قال ‪ :‬لك عليّ ألف من ثمن خمرٍ أو‬
‫خنزيرٍ لم يلزمه شيء ‪ ،‬إلّ أن يقول الطّالب ( المق ّر له ) ‪ :‬هي ثمن برّ أو ما يشبهه فيلزمه‬
‫مع يمين الطّالب ‪ .‬ولو قال ‪ :‬عليّ ألف من ثمن كذا ثمّ قال ‪ :‬لم أقبض المبيع ‪ ،‬قال ابن القاسم‬
‫وسحنون وغيرهما ‪ :‬يلزمه الثّمن ول يصدّق في عدم القبض ‪ .‬وقيل ‪ :‬القول قوله ‪ .‬وقال‬
‫الحنابلة ‪ :‬إذا وصل بإقراره ما يغيّره أو يسقطه ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬عليّ ألف من ثمن خمرٍ أو‬
‫ل ما ذكره بعد القرار‬
‫استوفاه الدّائن أو من ثمن مبيعٍ فاسدٍ لم أقبضه لزمه اللف ‪ ،‬لنّ ك ّ‬
‫باللف يعتبر رفعا له فل يقبل ‪ ،‬كاستثناء الكلّ ‪.‬‬
‫وفي قوله له ‪ :‬عليّ من ثمن خمرٍ أو خنزيرٍ ألف ل يجب ‪ .‬ولو قال ‪ :‬كان له عليّ ألف‬
‫وقضيته إيّاه ‪ ،‬أو أبرأني منه ‪ ،‬أو قضيت منها خمسمائةٍ ‪ ،‬فهو منكر ‪ ،‬لنّه قول يمكن صدقه‬
‫ول تناقض فيه من جهة اللّفظ ‪ ،‬فوجب قبول قوله بيمينه وهو المذهب ‪ .‬ول يلزمه شيء‬
‫ن الحقّ قد استقرّ‬
‫كاستثناء البعض استثنا ًء متّصلً ‪ ،‬بخلف استثناء البعض المنفصل ‪ ،‬ل ّ‬
‫بسكوته فل يرفعه استثناء ول غيره ‪ .‬ول يصحّ استثناء ما زاد على النّصف ‪ ،‬ويصحّ في‬
‫النّصف ‪ -‬على ما هو المذهب ‪ -‬فما دونه من غير خلفٍ لنّه لغة العرب ‪.‬‬

‫ز ‪ -‬تقييد القرار بالجل ‪:‬‬

‫‪ - 49‬إذا أقرّ شخص بدينٍ عليه لخر وقال ‪ :‬إنّه مؤجّل ‪ ،‬وادّعى المقرّ له حلوله ولزومه ‪،‬‬
‫ن الدّين يلزمه حالً عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو قول‬
‫أي صدقه في الدّين وكذبه في التّأجيل ‪ ،‬فإ ّ‬
‫للمالكيّة ‪ ،‬لنّه أقرّ على نفسه بمالٍ ‪ ،‬وادّعى حقّا لنفسه أنكره المقرّ له ‪ ،‬فالقول للمنكر بيمينه ‪.‬‬
‫ن المقرّ يحلف ‪ ،‬ويقبل قوله في التّنجيم والتّأجيل ‪ ،‬وقد اختلف في يمين‬
‫والقول الخر للمالكيّة أ ّ‬
‫المقرّ ‪ ،‬وهذا أحوط ‪ ،‬وبه كان يقضي متقدّمو قضاة مصر وهو مذهب كلّ من الشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪.‬‬

‫ح ‪ -‬الستدراك في القرار ‪:‬‬
‫‪ - 50‬قال الحنفيّة ‪ :‬إن كان الستدراك في القدر ‪ ،‬فهو على ضربين ‪ :‬إمّا أن يكون في الجنس‬
‫ن عليّ ألف درهمٍ ل بل ألفان ‪ ،‬فعليه ألفان وهو قول الجمهور ‪ .‬وقيل ‪ :‬يكون‬
‫كأن يقول ‪ :‬لفل ٍ‬

‫عليه ثلثة آلفٍ ‪ ،‬وهو قول زفر وهو القياس ‪ ،‬والوّل استحسان ‪ .‬وجه الستحسان أنّ‬
‫القرار إخبار ‪ ،‬والمخبر عنه ما يجري الغلط في قدره أو وصفه عاد ًة ‪ ،‬فقبل الستدراك ما لم‬
‫ن الغلط ل يقع فيه عادةً ‪ .‬ووجه‬
‫يكن متّهما فيه ‪ .‬بخلف الستدراك في خلف الجنس ل ّ‬
‫القياس أنّ قوله ‪ :‬لفلنٍ عليّ ألف درهمٍ إقرار بألفٍ وهذا ل رجوع فيه ‪ ،‬والستدراك‬
‫صحيح ‪ ،‬فأشبه الستدراك في خلف الجنس ‪ ،‬فأشبه ما لو قال لمرأته ‪ :‬أنت طالق واحدةً بل‬
‫ثنتين ‪ ،‬إذ يقع ثلث تطليقاتٍ ‪.‬‬
‫وإن كان الستدراك في صفة المقرّ به ‪ ،‬فعليه أرفع الصّفتين ‪ ،‬لنّه غير متّهمٍ في ذلك ‪ ،‬أمّا‬
‫ح استدراكه‬
‫بالنّسبة لنقصهما فهو متّهم ‪ ،‬فكان مستدركا في الزّيادة راجعا في النّقصان ‪ ،‬فيص ّ‬
‫ن بل لفلنٍ‬
‫ح رجوعه ‪ ،‬وإن أرجع الستدراك إلى المقرّ له ‪ ،‬بأن قال ‪ :‬هذه اللف لفل ٍ‬
‫ول يص ّ‬
‫‪ ،‬وادّعاها كلّ واحدٍ منهما كانت لمن أقرّ له أ ّولً ‪ ،‬لنّه لمّا أقرّ له بها صحّ إقراره له ‪ ،‬فصار‬
‫ح إقراره‬
‫واجب الدّفع إليه ‪ ،‬فقوله بعد ذلك رجوع عن القرار الوّل فل يصحّ في حقّه ‪ ،‬وص ّ‬
‫بها للثّاني في حقّه ‪ -‬أي الثّاني ‪ -‬لكن إن دفعه للوّل بغير قضاءٍ ضمن للثّاني ‪ ،‬لتلفها عليه‬
‫بدفعها للوّل ‪.‬‬
‫ن ل بل من فلنٍ ‪ ،‬فإنّه يدفعه للوّل‬
‫هذا بخلف ما لو قال ‪ :‬غصبت هذا الشّيء من فل ٍ‬
‫ن الغصب سبب لوجوب‬
‫ويضمن للثّاني ‪ ،‬سواء دفعه للوّل بقضا ٍء أو بغير قضاءٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫الضّمان ‪ ،‬فكان القرار به إقرارا بوجود سبب وجوب الضّمان ‪ ،‬وهو ردّ القيمة عند القدرة‬
‫وقيمتها عند العجز ‪ ،‬وقد عجز عن ردّها إلى المقرّ له الثّاني ‪ ،‬فيلزمه ردّ قيمتها ‪.‬‬

‫عدم اشتراط القبول في صحّة القرار ‪:‬‬
‫‪ - 51‬القرار ليس بعقدٍ حتّى تتكوّن صيغته من إيجابٍ وقبولٍ ‪ .‬وإنّما هو تصرّف قوليّ‬
‫والتزام من جانب المقرّ وحده ‪ ،‬فليس القبول شرطا لصحّة القرار ‪ ،‬لكنّه يرتدّ بال ّردّ ‪ ،‬والملك‬
‫ل ‪ ،‬ولكن يبطل بردّه ‪ ،‬فالقرار للحاضر يلزم من جانب المقرّ‬
‫يثبت للمقرّ له بل تصديقٍ وقبو ٍ‬
‫حتّى ل يصحّ إقراره لغيره به قبل ردّه ‪ ،‬ول يلزم من جانب المقرّ له فيصحّ ردّه ‪ .‬أمّا‬
‫القرار للغائب فإنّه وإن كان صحيحا إلّ أنّه ل يلزم ‪ ،‬وإنّما يتوقّف لزومه على عدم ال ّردّ ‪،‬‬
‫ل من أقرّ‬
‫ح إقراره لغيره ‪ ،‬كما ل يلزم المقرّ له فيصحّ له ردّه ‪ .‬وك ّ‬
‫ولعدم لزومه للمقرّ ص ّ‬
‫لرجلٍ بملكٍ فكذّبه به بطل إقراره ‪ ،‬لنّه ل يثبت للنسان ملك ل يعترف به ‪ ،‬والقرار بما في‬
‫ال ّذمّة ليس من التّبرّعات ‪ ،‬وفي المال وجهان ‪ :‬يترك في يد المقرّ لنّه كان محكوما له به فإذا‬
‫بطل إقراره بقي على ما كان عليه ‪ .‬وقيل ‪ :‬يؤخذ إلى بيت المال لنّه لم يثبت له مالك ‪ .‬وقيل‬
‫‪ :‬يؤخذ فيحفظ حتّى يظهر مالكه ‪ ،‬لنّه ل يدّعيه أحد ‪ .‬فإن عاد أحدهما فكذّب نفسه دفع إليه ‪،‬‬
‫لنّه يدّعيه ول منازع له فيه ‪.‬‬

‫الصّوريّة في القرار ‪:‬‬
‫‪ - 52‬لمّا كان القرار إخبارا يحتمل الصّدق والكذب جاز تخلّف مدلوله الوضعيّ ‪ ،‬بمعنى أنّه‬
‫قد يكون في الحقيقة كاذبا يترتّب عليه أثره لزوما ‪ .‬فإذا ادّعى أنّ مورثه أقرّ تلجئةً ‪ ،‬قال‬
‫ن في التّلجئة‬
‫بعضهم ‪ :‬له تحليف المقرّ له ‪ ،‬ولو ادّعى أنّه أقرّ كاذبا ل يقبل ‪ .‬ووجه الفرق ‪ :‬أ ّ‬
‫سرّ ‪ ،‬فلذا يحلف بخلف‬
‫يدّعي الوارث على المقرّ له فعلً له ‪ ،‬وهو تواطؤه مع المقرّ في ال ّ‬
‫دعوى القرار كاذبا كما ل يخفى ‪.‬‬
‫ونقل الموّاق عن سماع أشهب وابن ناف ٍع لو سأل شخص ابن عمّه أن يسكنه منزلً فقال ‪ :‬هو‬
‫لزوجتي ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬لثانٍ ولثالثٍ كذلك ‪ ،‬ثمّ طلبت امرأته بذلك فقال ‪ :‬إنّما قلته اعتذارا لنمنعه ‪،‬‬
‫فل شيء لها بذلك القرار ‪ .‬أي ل يعتبر كلمه إقرارا ‪ .‬ويقول الشّيخ منصور البهوتيّ‬
‫الحنبليّ ‪ :‬إذا خاف شخص أن يأخذ آخر ماله ظلما جاز له القرار ‪ -‬صورةً ‪ -‬بما يدفع هذا‬
‫الظّلم ‪ ،‬ويحفظ المال لصاحبه ‪ .‬مثل أن يقرّ بحاضرٍ أنّه ابنه أو أخوه أو أنّ له عليه كذا دينا ‪،‬‬
‫ويتأوّل في إقراره ‪ ،‬بأن يعني بكونه ابنه صغره ‪ ،‬أو بقوله أخي أخوّة السلم ‪ .‬والحتياط أن‬
‫يشهد على المقرّ له أنّ هذا القرار تلجئة ‪ ،‬تفسيره كذا وكذا ‪ .‬وعلى هذا فالقرار ل يعتبر ما‬
‫دام قد ثبتت صوريّته ‪ ،‬وقواعد الشّافعيّة ل تأبى ذلك ‪.‬‬

‫التّوكيل في القرار ‪:‬‬

‫ل ما يقبل النّيابة ‪ ،‬ومن ذلك القرار ‪ ،‬كما هو مذهب‬
‫‪ - 53‬الصل أنّ التّوكيل يجوز في ك ّ‬
‫الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وفي قولٍ عند الشّافعيّة ‪ ،‬إذ الخبار من الموكّل حقيقةً ‪ ،‬ومن‬
‫ن القرار صدر ممّن عليه الحقّ ‪ .‬وصرّح‬
‫الوكيل حكما ‪ ،‬لنّ فعل الوكيل كفعل الموكّل ‪ ،‬فكأ ّ‬
‫ن إقرار‬
‫الشّافعيّة بأنّ إقرار الوكيل بالتّصرّف إذا أنكره الموكّل ل ينفذ ‪ ،‬كما صرّح المالكيّة بأ ّ‬
‫ن التّوكيل‬
‫ح عند الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫الوكيل يلزم الموكّل إن كان مفوّضا أو جعل له القرار ‪ .‬والص ّ‬
‫في القرار ل يجوز ‪ .‬نعم يكون بالتّوكيل بالقرار مقرّا لثبوت الحقّ عليه ‪ .‬وبالنّسبة لقرار‬
‫ل إذا كان قد فوّض في ذلك عند المالكيّة‬
‫الوكيل بالخصومة فإنّه ل يقبل إقراره بقبض الدّين إ ّ‬
‫والشّافعيّة والحنابلة وابن أبي ليلى ‪ ،‬لنّ القرار معنًى يقطع الخصومة وينافيها فل يملكه‬
‫ن الذن في الخصومة ل يقتضي القرار ‪ ،‬فإن أقرّ بشيءٍ لم يلزم الموكّل ما أقرّ‬
‫الوكيل ‪ ،‬ول ّ‬
‫به ‪ ،‬ويكون الوكيل كشاهدٍ ‪ .‬وقال أبو حنيفة ومحمّد بن الحسن ‪ :‬يقبل إقراره في مجلس الحكم‬
‫فيما عدا الحدود والقصاص ‪ ،‬وقال أبو يوسف ‪ :‬يقبل إقراره في مجلس الحكم وغيره ‪ ،‬لنّ‬
‫ح منه النكار ‪ ،‬لكنّ‬
‫القرار أحد جوابي الدّعوى ‪ ،‬فصحّ من الوكيل بالخصومة كما يص ّ‬
‫ص في عقد الوكالة على أنّ الوكيل ليس له القرار ‪ ،‬لم‬
‫ن الموكّل إذا ن ّ‬
‫الحنفيّة يتّفقون على أ ّ‬
‫يكن له حقّ القرار في ظاهر الرّواية ‪ ،‬فلو أقرّ عند القاضي ل يصحّ ‪ ،‬وخرج به عن الوكالة‬

‫ن التّوكيل بالقرار يصحّ ‪ ،‬ول يصير الموكّل بمجرّد التّوكيل مقرّا خلفا‬
‫‪ ،‬كما نصّوا على أ ّ‬
‫للشّافعيّة ‪ ،‬ونقل ابن عابدين عن الطّواويسيّ ‪ :‬معناه أن يوكّل بالخصومة ويقول ‪ :‬خاصم ‪،‬‬
‫ح إقراره على الموكّل كما في‬
‫فإذا رأيت لحوق مئونةٍ أو خوف عارٍ عليّ فأقرّ بالمدّعى يص ّ‬
‫البزّازيّة ‪ .‬وقال ابن عابدين ‪ :‬ويظهر منه وجه عدم كونه إقرارا أي بمجرّد الوكيل ‪.‬‬

‫أثر الشّبهة في القرار ‪:‬‬
‫‪ - 54‬الشّبهة لغ ًة ‪ :‬اللتباس ‪ ،‬وشبّه عليه المر ‪ :‬خلّط حتّى اشتبه لغيره وعرّفها الفقهاء بأنّها‬
‫ت فهي بهذا تؤثّر على الثبات ومنه القرار ‪ .‬فلو احتمل القرار‬
‫‪ :‬ما يشبه الثّابت وليس بثاب ٍ‬
‫اللّبس أو التّأويل أو شابه شيء من الغموض والخفاء اعتبر ذلك شبهةً ‪ ،‬والشّيء المقرّ به إمّا‬
‫أن يكون حقّا للّه تعالى أو حقّا للعباد ‪ .‬وحقوق العباد تثبت مع الشّبهات ‪ ،‬بخلف حقوق اللّه‬
‫ن منها ما يسقط بالشّبهة ‪ ،‬كالزّنى والسّرقة وشرب الخمر ‪ ،‬ومنها ما ل يسقط‬
‫تعالى ‪ ،‬فإ ّ‬
‫بالشّبهة ‪ ،‬كالزّكاة والكفّارة ‪ .‬على تفصيلٍ يبيّن في موضعه ‪ ،‬وينظر في مصطلح ( حقّ ‪،‬‬
‫وشبهة ) ‪.‬‬
‫‪55‬‬

‫‪ -‬وجمهور الفقهاء على عدم العتداد بإقرار الخرس بالشارة غير المفهمة ‪ ،‬لما فيها من‬

‫الشّب هة ‪ .‬يقول ا بن قدا مة ‪ :‬وأمّا الخرس فإن لم تف هم إشار ته فل يت صوّر م نه إقرار ‪ .‬وإن‬
‫فهمت إشارته ‪ ،‬فقال القاضي ‪ :‬عليه الحدّ ‪ ،‬وهو قول الشّافع يّ وابن القاسم من المالكيّة وأبي‬
‫ح إقراره به كالنّاطق ‪ .‬وقال أصحاب‬
‫ح إقراره بغير الزّنى ص ّ‬
‫ن من ص ّ‬
‫ثورٍ وابن المنذر ‪ .‬ل ّ‬
‫أبي حنيفة ‪ :‬ل يحدّ ‪ ،‬ل نّ الشارة تحتمل ما فهم منها وغيره ‪ ،‬فيكون ذلك شبه ًة في درء الحدّ‬
‫‪ ،‬وهو احتمال كلم الخرقيّ ‪.‬‬
‫‪ - 56‬وقد سبق الكلم عن إقرار الصّبيّ والمجنون والسّكران والمكره وأثر ذلك كلّه في‬
‫ن تكذيب المقرّ له للمقرّ فيما أقرّ به ‪ ،‬أو ظهور كذب المقرّ ‪ -‬كمن يقرّ بالزّنى‬
‫القرار ‪ .‬كما أ ّ‬
‫فظهر مجبوبا ‪ -‬مانع من إقامة الحدّ ‪ ،‬لتيقّن كذب القرار ‪.‬‬
‫ح ‪ ،‬لنّه منكر ‪ ،‬والقول له ‪،‬‬
‫ولو أق ّر بشي ٍء وكذّبه المقرّ له ‪ ،‬وكان أهلً للتّكذيب ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫ن بسبب كفالةٍ ‪ .‬ويقول الشّيرازيّ ‪ :‬لو أقرّ لرجلٍ بمالٍ في يده فكذّبه المقرّ له بطل‬
‫كإقراره بدي ٍ‬
‫القرار ‪ ،‬لنّه ردّه ‪ ،‬وفي المال وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه يؤخذ منه ويحفظ لنّه ل يدّعيه ‪ ،‬والمق ّر له ل يدّعيه ‪ ،‬فوجب على المام حفظه‬
‫كالمال الضّائع ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يؤخذ منه ‪ ،‬لنّه محكوم له بملكه ‪ ،‬فإذا ردّه المقرّ له بقي في ملكه ‪.‬‬

‫وفي المغني ‪ :‬لو أقرّ أنّه زنى بامرأ ٍة فكذّبته فعليه الحدّ دونها ‪ ،‬وبه قال الشّافعيّ ‪ ،‬لنّ‬
‫استيفاء ثبوته في حقّها ل يبطل إقراره ‪ ،‬كما لو سكتت ‪ ،‬وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ‪ :‬ل حدّ‬
‫عليه لنّا صدّقناها في إنكارها فصار محكوما بكذبه ‪.‬‬
‫وينصّ المالكيّة على أنّه يلزم لبطال القرار بتكذيب المقرّ له أن يستمرّ التّكذيب ‪ ،‬بحيث إذا‬
‫رجع المقرّ له إلى تصديقه صحّ القرار ولزم ‪ ،‬ما لم يرجع المقرّ ‪.‬‬
‫ل هذا ممّا يوجد شبهةً في القرار ‪ .‬فوجود الشّبهة فيه أو وجود ما يعارضه أولى بالعتداد‬
‫كّ‬
‫ل بدليلٍ ثابتٍ‬
‫به من القرار نفسه ‪ ،‬لنّ الصل براءة ال ّذمّة ‪ ،‬ول يعدل عن هذا الصل إ ّ‬
‫يقينيّ ل يوجد ما يعارضه أو يوهن منه ‪.‬‬

‫الشّبهة بتقادم القرار في حقوق اللّه ‪:‬‬
‫‪ - 57‬جاء في الهداية والفتح ‪ :‬التّقادم ل يبطل القرار عند مح ّمدٍ ‪ ،‬كما في حدّ الزّنى الّذي ل‬
‫يبطل التّقادم القرار به اتّفاقا ‪ .‬وفي نوادر ابن سماعة عن مح ّمدٍ قال ‪ :‬أنا أقيم عليه الحدّ وإن‬
‫جاء بعد أربعين عاما ‪ .‬وعندهما ل يقام الحدّ على الشّارب إلّ إذا أقرّ به عند قيام الرّائحة ‪.‬‬
‫فالتّقادم يؤثّر على القرار بالشّرب عندهما فيسقط الحدّ ‪.‬‬
‫وفي الهداية والفتح والبحر ‪ :‬التّقادم يؤثّر على الشّهادة في حقوق اللّه عدا حدّ القذف ‪ ،‬لما فيه‬
‫ق العبد ‪ ،‬لما فيه من رفع العار عنه ‪ ،‬بخلف القرار ‪ ،‬فإنّ التّقادم ل يؤثّر عليه ‪،‬‬
‫من ح ّ‬
‫ن التّقادم فيه‬
‫ويحدّ بإقراره مع التّقادم إلّ في حدّ الشّرب فقط عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يبطل القرار خلفا لمح ّمدٍ ‪.‬‬
‫ن التّقادم ل يؤثّر فيها ‪ ،‬ل في القرار بها ول في الشّهادة عليها ‪.‬‬
‫‪ - 58‬أمّا حقوق العباد فإ ّ‬
‫ويقول ابن قدامة ‪ :‬إن أق ّر بزنًى قديمٍ وجب الحدّ ‪ ،‬وبهذا قال الحنابلة والمالكيّة والوزاعيّ‬
‫ق يثبت على الفور فيثبت بالبيّنة بعد تطاول‬
‫والنّوويّ وإسحاق وأبو ثورٍ ‪ .‬لعموم الية ولنّه ح ّ‬
‫الزّمان كسائر الحقوق ‪ .‬ونقل عن أبي حنيفة أنّه قال ‪ :‬ل أقبل بيّنةً على زنًى قديمٍ وأحدّه‬
‫بالقرار به ‪ ،‬وأنّه قول ابن حامدٍ ‪ ،‬وذكره ابن أبي موسى مذهبا لحمد ‪.‬‬

‫الرّجوع عن القرار ‪:‬‬

‫‪ - 59‬الرّجوع قد يكون صريحا كأن يقول ‪ :‬رجعت عن إقراري ‪ ،‬أو كذبت فيه ‪ ،‬أو دللةً‬
‫كأن يهرب عند إقامة الحدّ ‪ ،‬إذ الهرب دليل الرّجوع ‪ ،‬فإن كان بحقّ من حقوق اللّه الّتي تسقط‬
‫بالشّبهة كالزّنى ‪ ،‬فإنّ جمهور الفقهاء ‪ :‬الحنفيّة والمشهور عند المالكيّة ومذهب كلّ من‬
‫ن الرّجوع يعتبر ‪ ،‬ويسقط الحدّ عنه ‪ ،‬لنّه يحتمل أن يكون صادقا في‬
‫الشّافعيّة والحنابلة على أ ّ‬
‫الرّجوع وهو النكار ‪ ،‬ويحتمل أن يكون كاذبا فيه ‪ ،‬فإن كان صادقا في النكار يكون كاذبا‬
‫في القرار ‪ ،‬وإن كان كاذبا في النكار يكون صادقا في القرار ‪ ،‬فيورث شبه ًة في ظهور‬

‫الحدّ ‪ ،‬والحدود ل تستوفى مع الشّبهات ‪ ،‬وقد روي أنّ« ماعزا لمّا أقرّ بين يدي رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم بالزّنى لقّنه الرّجوع »‪ .‬فلو لم يكن محتملً للسّقوط بالرّجوع ما كان‬
‫للتّلقين معنًى ‪ ،‬سواء أرجع قبل القضاء أم بعده ‪ ،‬قبل المضاء أم بعده ‪ .‬ويستوي أن يكون‬
‫الرّجوع بالقول أو بالفعل بأن يهرب عند إقامة الحدّ عليه ‪ ،‬وإنكار القرار رجوع ‪ ،‬فلو أقرّ‬
‫ت ‪ ،‬فأمر القاضي برجمه فقال ‪ :‬ما أقررت بشي ٍء يدرأ عنه الحدّ‬
‫عند القاضي بالزّنى أربع مرّا ٍ‬
‫ن من شرط إقامه الح ّد بالقرار البقاء عليه إلى تمام الح ّد ‪ ،‬فإن رجع عن إقراره أو‬
‫‪ .‬ول ّ‬
‫هرب كفّ عنه ‪ ،‬وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزّهريّ وحمّاد ومالك والثّوريّ والشّافعيّ‬
‫وإسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف ‪ .‬وقال الحسن وسعيد بن جبيرٍ وابن أبي ليلى ‪ :‬يقام عليه‬
‫الحدّ ول يترك ‪ ،‬لنّ ماعزا هرب فقتلوه ولم يتركوه ‪ ،‬ولو قبل رجوعه للزمتهم الدّية ‪ ،‬ولنّه‬
‫حقّ وجب بإقراره ‪ ،‬فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق ‪ .‬وحكي عن الوزاعيّ أنّه إن رجع حدّ‬
‫للفرية على نفسه ‪ ،‬وإن رجع عن السّرقة والشّرب ضرب دون الحدّ ‪ .‬ونقل الشّيرازيّ عن‬
‫أبي ثورٍ أنّه ل يقبل رجوعه ‪ ،‬لنّه حقّ ثبت بالقرار فلم يسقط بالرّجوع كالقصاص وحدّ‬
‫القذف ‪.‬‬
‫واستدلّ ابن قدامة للجمهور القائلين باعتبار الرّجوع بأنّ « ماعزا هرب ‪ ،‬فذكر ذلك للنّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬هلّ تركتموه يتوب فيتوب اللّه عليه ؟ »‬
‫ن القرار إحدى بيّنتي الح ّد ‪ ،‬فيسقط‬
‫ففي هذا أوضح الدّلئل على أنّه يقبل رجوعه ‪ .‬ول ّ‬
‫بالرّجوع عنه كالشّهود إذا رجعوا قبل إقامة الحدّ ‪ .‬وإنّما لم يجب ضمان ماعزٍ على الّذين‬
‫ح في الرّجوع ‪ .‬أمّا إن رجع صراحةً بأن قال ‪ :‬كذبت في‬
‫قتلوه بعد هربه ‪ ،‬لنّه ليس بصري ٍ‬
‫إقراري أو رجعت عنه أو لم أفعل ما أقررت به وجب تركه ‪ ،‬فإن قتله قاتل بعد ذلك وجب‬
‫ضمانه ‪ ،‬لنّه قد زال إقراره بالرّجوع عنه فصار كمن لم يقرّ ‪ ،‬ول قصاص على القاتل‬
‫للختلف في صحّة الرّجوع فكان شبهةً ‪.‬‬
‫وقيّد المام مالك في الرّواية غير المشهورة عنه قبول رجوع المقرّ في حقوق اللّه الّتي تسقط‬
‫بالشّبهة بأن يكون الرّجوع لوجود شبهةٍ ‪ ،‬أمّا لو رجع عن إقراره بغير شبه ٍة فل يعتدّ برجوعه‬
‫ل إذا رجع بشبهةٍ ‪ ،‬وروي ذلك عن مالكٍ ‪ ،‬وبه قال ابن‬
‫‪ ،‬فقد نصّ أشهب على أنّه ل يعذر إ ّ‬
‫الماجشون ‪.‬‬
‫ح عندهم ل يعتبرون إلّ الرّجوع الصّريح ‪ .‬ول يرون مثل الهروب عند‬
‫والشّافعيّة في الص ّ‬
‫تنفيذ الحدّ رجوعا ‪ ،‬فلو قال المقرّ ‪ :‬اتركوني أو ل تحدّوني ‪ ،‬أو هرب قبل حدّه أو في أثنائه‬
‫ل يكون رجوعا في الصحّ ‪ ،‬لنّه لم يصرّح به ‪ ،‬وإن كان يجب تخليته حالً ‪ ،‬فإن صرّح‬
‫فذاك وإلّ أقيم عليه الحدّ ‪ ،‬وإن لم يخلّ لم يضمن ‪ « ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم لم يوجب‬
‫عليهم شيئا في خبر ماعزٍ »‪.‬‬

‫‪ - 60‬أمّا من أق ّر بحقّ من حقوق العباد أو بحقّ للّه تعالى ل يسقط بالشّبهة ‪ -‬كالقصاص‬
‫وحدّ القذف وكالزّكاة والكفّارات ‪ -‬ثمّ رجع في إقراره فإنّه ل يقبل رجوعه عنها من غير‬
‫ن حقّ العبد بعد ما ثبت ل‬
‫خلفٍ ‪ ،‬لنّه حقّ ثبت لغيره فلم يملك إسقاطه بغير رضاه ‪ ،‬ل ّ‬
‫يحتمل السّقوط بالرّجوع ‪ ،‬ولنّ حقوق العباد مبنيّة على المشاحّة ‪ ،‬وما دام قد ثبت له فل‬
‫يمكن إسقاطه بغير رضاه ‪.‬‬
‫وقد وضّح القرافيّ القرار الّذي يقبل الرّجوع عنه والّذي ل يقبل الرّجوع عنه ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫الصل في القرار اللّزوم من البرّ والفاجر ‪ ،‬لنّه على خلف الطّبع ‪ .‬وضابط ما ل يجوز‬
‫الرّجوع عنه ‪ ،‬هو ما ليس له فيه عذر عاديّ ‪ ،‬وضابط ما يجوز الرّجوع عنه ‪ ،‬أن يكون له‬
‫ن ما تركه أبوه ميراث بينهم على ما‬
‫في الرّجوع عنه عذر عاديّ ‪ ،‬فإذا أقرّ الوارث للورثة أ ّ‬
‫ن أباه أشهدهم أنّه تصدّق عليه في صغره بهذه الدّار‬
‫عهد في الشّريعة ‪ ،‬ثمّ جاء شهود أخبروه أ ّ‬
‫وحازها له ‪ ،‬فإنّه إذا رجع عن إقرارٍ معتذرا بإخبار البيّنة له ‪ ،‬وأنّه لم يكن عالما بذلك ‪ ،‬فإنّه‬
‫تسمع دعواه وعذره ‪ ،‬ويقيم بيّنته ‪ ،‬ول يكون إقراره السّابق مكذّبا للبيّنة وقادحا فيها ‪ ،‬فيقبل‬
‫الرّجوع في القرار ‪.‬‬
‫وإذا قال ‪ :‬له عليّ مائة درهمٍ إن حلف ‪ -‬أو مع يمينه ‪ -‬فحلف المق ّر له ‪ ،‬فرجع المقرّ وقال‬
‫ن العادة جرت بأنّ هذا الشتراط يقضي عدم‬
‫‪ :‬ما ظننت أنّه يحلف ‪ ،‬ل يلزم المقرّ شيء ‪ ،‬ل ّ‬
‫اعتقاد لزوم ما أقرّ به ‪ ،‬والعادة جرت على أنّ هذا ليس بإقرارٍ ‪ .‬ويقول ابن جزيّ ‪ :‬من أقرّ‬
‫ق لمخلوقٍ لم ينفعه الرّجوع ‪ ،‬وإن أقرّ بحقّ للّه تعالى كالزّنى وشرب الخمر فإن رجع إلى‬
‫بح ّ‬
‫شبهةٍ قبل منه ‪ ،‬وإن رجع إلى غير شبهةٍ ففيه قولن ‪ :‬قول يقبل منه وفاقا لبي حنيفة‬
‫والشّافعيّ ‪ .‬وقيل ‪ :‬ل يقبل منه وفاقا للحسن البصريّ ‪.‬‬

‫هل القرار يصلح سببا للملك ؟‬
‫‪61‬‬

‫‪ -‬ن صّ الحنفيّة ‪ :‬على أنّه لو أق ّر لغيره بمالٍ ‪ ،‬والمقرّ له يعلم أنّه كاذب في إقراره ‪ ،‬ل‬

‫يحلّ له أخذه عن كر ٍه منه فيما بينه وبين اللّه تعالى ‪ ،‬إلّ أن يسلّمه بطي بٍ من نف سه ‪ ،‬فيكون‬
‫تمليكا مبتدأً على سبيل الهبة ‪ ،‬ونقل ابن عابدين عن ابن الفضل ‪ :‬أ نّ القرار ل يصلح سببا‬
‫ح ردّه ‪ .‬وحكمه لزوم ما‬
‫للتّمليك ‪ ،‬وفي الهداية وشروحها ‪ :‬والمقرّ له إذا صدّقه ثمّ ردّه ل يص ّ‬
‫أقرّ به على المقرّ ‪ ،‬وعمله إظهار المخبر به لغيره ل التّمليك به ابتداءً ‪ ،‬ويدلّ عليه مسائل ‪:‬‬
‫ن ل يملكها يصحّ إقراره ‪ ،‬حتّى لو ملكها المقرّ يوما من الدّهر يؤمر‬
‫أ ‪ -‬أنّ الرّجل إذا أقرّ بعي ٍ‬
‫ح تمليك ما‬
‫بتسليمها إلى المقرّ له ‪ ،‬ولو كان القرار تمليكا مبتدأً لما صحّ ذلك ‪ ،‬لنّه ل يص ّ‬
‫ك له ‪ ،‬وصرّح الشّافعيّة بموافقة الحنفيّة في صحّة القرار ‪ ،‬لكن لم نجد في كلمهم‬
‫ليس بمملو ٍ‬

‫ن المقرّ إذا ملك العين يؤمر بتسليمها للمقرّ له ‪ ،‬وكذلك لم نجد من المالكيّة والحنابلة ذكرا‬
‫أّ‬
‫لهذه المسألة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القرار بالخمر للمسلم يصحّ حتّى يؤمر بالتّسليم إليه ‪ ،‬ولو كان تمليكا مبتدأً لم يصحّ ‪،‬‬
‫لكن ذهب المالكيّة والحنابلة إلى عدم صحّة القرار بالخمر ‪ ،‬وفرّق الشّافعيّة بين الخمر إذا‬
‫كان محترما أو غير محترمٍ ‪ ،‬وصحّحوا القرار بالخمر المحترم ‪.‬‬
‫ح إقراره ‪ ،‬ول‬
‫ج ‪ -‬المريض مرض الموت الّذي ل دين عليه إذا أقرّ بجميع ماله لجنبيّ ص ّ‬
‫يتوقّف على إجازة الورثة ‪ ،‬ولو كان تمليكا مبتدأً لم ينفذ إلّ بقدر الثّلث عند عدم إجازتهم ‪،‬‬
‫وبقولهم مال جمهور العلماء ‪ ،‬وعند الحنابلة قولن آخران ‪ ،‬قيل ‪ :‬ل يصحّ مطلقا ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل‬
‫يصحّ إلّ في الثّلث ‪.‬‬
‫ن في يده صحّ إقراره ‪ ،‬ولو كان القرار سببا للملك ابتداءً‬
‫د ‪ -‬العبد المأذون إذا أقرّ لرجلٍ بعي ٍ‬
‫كان تبرّعا من العبد ‪ ،‬وهو ل يجوز في الكثير ‪ .‬ومثله عند الجمهور إلّ أنّهم لم يفرّقوا بين‬
‫القليل والكثير ‪.‬‬

‫القرار بالنّسب ‪:‬‬
‫ث مشاركٍ لهما في الميراث لم يثبت النّسب بالجماع ‪،‬‬
‫‪ - 62‬إذا أقرّ أحد الورثة بوارثٍ ثال ٍ‬
‫ن النّسب ل يتبعّض فل يمكن إثباته في حقّ المقرّ دون المنكر ‪ ،‬ول يمكن إثباته في حقّهما ‪،‬‬
‫لّ‬
‫ن أحدهما منكر ولم توجد شهادة يثبت بها النّسب ‪ .‬ولكنّه يشارك المقرّ في الميراث في قول‬
‫لّ‬
‫أكثر أهل العلم ‪ ،‬لنّه أقرّ بسبب مالٍ لم يحكم ببطلنه فلزمه المال ‪ ،‬كما لو أقرّ ببيعٍ أو بدينٍ‬
‫فأنكر الخر ‪ .‬ويجب له فضل ما في يد المقرّ من ميراثه ‪ ،‬وبهذا قال ابن أبي ليلى ‪ ،‬ومالك ‪،‬‬
‫والثّوريّ ‪ ،‬والحسن بن صالحٍ ‪ ،‬وشريك ‪ ،‬ويحيى بن آدم وإسحاق وأبو عبيدٍ وأبو ثورٍ ‪.‬‬
‫وتقسم حصّة المقرّ أثلثا فل يستحقّ المقرّ له ممّا في يد المقرّ إلّ الثّلث ( وهو سدس جميع‬
‫المال ) كما لو ثبت نسبه ببيّنةٍ ‪ ،‬لنّه إقرار بحقّ يتعلّق بحصّته وحصّة أخيه ‪ ،‬فل يلزمه أكثر‬
‫ممّا يخصّه ‪ ،‬كالقرار بالوصيّة ‪ ،‬وإقرار أحد الشّريكين على مال الشّركة ‪ ،‬وقال أبو حنيفة ‪:‬‬
‫إذا كان اثنان فأقرّ أحدهما بأخٍ لزمه دفع نصف ما في يده ‪ ،‬وإن أقرّ بأختٍ لزمه ثلث ما في‬
‫يده ‪ ،‬لنّه أخذ ما ل يستحقّ من التّركة ‪ ،‬فصار كالغاصب ‪ ،‬فيكون الباقي بينهما ‪ ،‬ولنّ‬
‫الميراث يتعلّق ببعض التّركة كما يتعلّق بجميعها ‪ ،‬فإذا ملك بعضها أو غصب تعلّق الحقّ‬
‫بباقيها ‪ ،‬والّذي في يد المنكر كالمغصوب فيقتسمان الباقي بالسّويّة ‪ ،‬كما لو غصبه أجنبيّ ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬ل يشارك المقرّ في الميراث ( قضاءً ) ‪ ،‬وحكي ذلك عن ابن سيرين ‪ ،‬وقال‬
‫إبراهيم ‪ :‬ليس بشي ٍء حتّى يقرّوا جميعا ‪ ،‬لنّه لم يثبت نسبه فل يرث ‪ ،‬كما لو أقرّ بنسب‬
‫معروف النّسب ‪ .‬ولصحاب الشّافعيّ فيما إذا كان المقرّ صادقا فيما بينه وبين اللّه تعالى ‪ .‬هل‬

‫يلزمه أن يدفع إلى المقرّ له نصيبه ؟ على وجهين ‪ :‬أحدهما يلزمه ( ديانةً ) وهو الصحّ ‪،‬‬
‫وهل يلزمه أن يدفع إلى المقرّ له نصف ما في يده أو ثلثه ؟ على وجهين ‪.‬‬
‫وإن أقرّ جميع الورثة بنسب من يشاركهم في الميراث ثبت نسبه ‪ ،‬سواء أكان الورثة واحدا‬
‫أم جماع ًة ‪ ،‬ذكورا أم إناثا ‪ ،‬وبهذا قال الشّافعيّ وأبو يوسف وحكاه عن أبي حنيفة ‪ ،‬لنّ‬
‫سيّدة عائشة‬
‫الوارث يقوم مقام الميّت في ميراثه وديونه … وكذلك في النّسب ‪ ،‬وقد روت ال ّ‬
‫ص رضي ال عنه اختصم هو وعبد بن زمعة في ابن‬
‫ن « سعد بن أبي وقّا ٍ‬
‫رضي ال عنها أ ّ‬
‫أمة زمعة ‪ ،‬فقال سعد ‪ :‬أوصاني أخي عتبة إذا قدمت مكّة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة وأقبضه‬
‫فإنّه ابنه ‪ ،‬فقال عبد بن زمعة ‪ :‬هو أخي وابن وليدة أبي ‪ ،‬ولد على فراشه فقال رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬هو لك يا عبد بن زمعة » ولنّه حقّ يثبت بالقرار فلم يعتبر فيه‬
‫العدد ‪ ،‬ولنّه قول ل تعتبر فيه العدالة فلم يعتبر العدد فيه ‪ ،‬والمشهور عن أبي حنيفة أنّه ل‬
‫ل بإقرار اثنين ‪ ،‬لنّه‬
‫يثبت إلّ بإقرار رجلين أو رجلٍ وامرأتين ‪ ،‬وقال مالك ‪ :‬ل يثبت إ ّ‬
‫يحمل النّسب على غيره فاعتبر فيه العدد كالشّهادة ‪.‬‬

‫شروط القرار بالنّسب ‪:‬‬
‫‪ - 63‬يشترط لصحّة القرار بالنّسب على المقرّ نفسه ‪:‬‬
‫­‪ - 1‬أن يكون المقرّ به مجهول النّسب ‪.‬‬
‫ل ينازعه فيه منازع ‪ ،‬لنّه إن نازعه فيه غيره تعارضا ‪ ،‬فلم يكن إلحاقه بأحدهما‬
‫­‪ - 2‬أ ّ‬
‫أولى من الخر ‪.‬‬
‫­‪ - 3‬وأن يمكن صدقه بأن يحتمل أن يولد مثله لمثله ‪.‬‬
‫­‪ - 4‬أن يكون ممّن ل قول له كالصّغير والمجنون ‪ ،‬أو يصدّق المقرّ إن كان من أهل‬
‫التّصديق ‪ .‬فإن كبر الصّغير وعقل المجنون فأنكر لم يسمع إنكاره ‪ ،‬لنّ نسبه قد ثبت فل‬
‫ن الب لو عاد فجحد النّسب لم يقبل منه ‪.‬‬
‫يسقط ‪ ،‬ول ّ‬
‫خ اعتبر فيه الشّروط الربعة السّابقة ‪،‬‬
‫‪ - 64‬وإن كان القرار عليه وعلى غيره كإقرارٍ بأ ٍ‬
‫وشرط خامس ‪ ،‬وهو كون المقرّ جميع الورثة ‪ .‬فإن كان الوارث بنتا أو أختا أو أمّا أو ذا‬
‫ض يرث جميع المال بالفرض وال ّردّ ‪ ،‬ثبت النّسب بقوله عند الحنفيّة والحنابلة القائلين بال ّردّ‬
‫فر ٍ‬
‫‪ ،‬وعند من ل يرى الرّ ّد كالشّافعيّ ل يثبت بقوله النّسب ‪ ،‬لنّه ل يرى الرّ ّد ويجعل الباقي‬
‫لبيت المال ‪ ،‬ولهم فيما إذا وافقه المام في القرار وجهان ‪ ،‬يقول الشّيرازيّ ‪ :‬وإن مات‬
‫وخلّف بنتا فأقرّت بنسب أخٍ لم يثبت النّسب ‪ ،‬لنّها ل ترث جميع المال ‪ .‬فإن أقرّ معها المام‬
‫ففيه وجهان ‪:‬‬
‫ن المام نافذ القرار في مال بيت المال ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أن يثبت ‪ ،‬ل ّ‬

‫والثّاني ‪ :‬أنّه ل يثبت لنّه ل يملك المال بالرث ‪ ،‬وإنّما يملكه المسلمون وهم ل يتبيّنون ‪،‬‬
‫فل يثبت النّسب ‪ .‬وينصّ المالكيّة على أنّ من أقرّ بأخٍ وعمّ لم يرثه إن وجد وارث ‪ ،‬وإلّ يكن‬
‫له وارث أصلً أو وارث غير حائزٍ فخلف ‪ ،‬والرّاجح ‪ :‬إرث المقرّ به من المقرّ جميع المال‬
‫ل ‪ :‬يحلف المقرّ به أنّ‬
‫سواء أكان القرار في حال الصّحّة أم في حالة المرض ‪ ،‬وفي قو ٍ‬
‫القرار حقّ ‪.‬‬
‫ث لم يثبت‬
‫‪ - 65‬وإن كان أحد الوارثين غير مكّلفٍ كالصّبيّ والمجنون فأقرّ المكلّف بأخٍ ثال ٍ‬
‫النّسب بإقراره ‪ ،‬لنّه ل يحوز الميراث كلّه ‪ ،‬فإن بلغ الصّبيّ أو أفاق المجنون فأقرّا به أيضا‬
‫ثبت نسبه لتّفاق جميع الورثة عليه ‪ ،‬وإن ماتا قبل أن يصيرا مكلّفين ثبت نسب المقرّ به لنّه‬
‫ن المقرّ صار جميع الورثة ‪ ،‬هذا فيما إذا كان المق ّر يحوز‬
‫وجد القرار من جميع الورثة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫جميع الميراث بعد من مات ‪ ،‬فإن كان للميّت وارث سواه أو من يشاركه في الميراث لم يثبت‬
‫النّسب ‪ ،‬ويقوم وارث الميّت مقامه ‪ ،‬فإذا وافق المقرّ في إقراره ثبت النّسب ‪ ،‬وإن خالفه لم‬
‫ن للميّت ثبت نسب المقرّ به وورث وسقط‬
‫خ أقرّ باب ٍ‬
‫يثبت ‪ .‬وإذا أقرّ الوارث بمن يحجبه كأ ٍ‬
‫المقرّ ‪ ...‬وهذا اختيار ابن حام ٍد والقاضي وقول أبي العبّاس بن سريجٍ ‪ .‬لنّه ابن ثابت النّسب‬
‫ن ثبوت النّسب سبب‬
‫لم يوجد في حقّه أحد موانع الرث فيرثه ‪ ،‬كما لو ثبت نسبه ببيّنةٍ ‪ ،‬ول ّ‬
‫للميراث فل يجوز قطع حكمه عنه ‪ ،‬ول يورث محجوب به مع وجوده وسلمته من الموانع ‪.‬‬
‫وقال أكثر الشّافعيّة ‪ :‬يثبت نسب المقرّ به ول يرث ‪ ،‬لنّ توريثه يفضي إلى إسقاط توريث‬
‫المقرّ ‪ ،‬فيبطل إقراره ‪ ،‬فأثبتنا النّسب دون القرار ‪ .‬يقول الشّيرازيّ ‪ :‬إن كان المق ّر به يحجب‬
‫ن للميّت يثبت له النّسب ول يرث ‪ ،‬لنّا‬
‫المقرّ ‪ ،‬مثل أن يموت الرّجل ويخلّف أخا فيق ّر الخ باب ٍ‬
‫لو أثبتنا له الرث أدّى ذلك إلى إسقاط إرثه ‪ ،‬لنّ توريثه يخرج المقرّ عن أن يكون وارثا‬
‫فيبطل إقراره ‪ ،‬لنّه إقرار من غير وارثٍ ‪.‬‬
‫ث ثبت النّسب للمق ّر به ‪ ،‬فإن كانا‬
‫‪ - 66‬وإن أقرّ رجلن عدلن ابنان أو أخوان أو عمّان بثال ٍ‬
‫غير عدلين فللمقرّ به ما نقصه إقرارهما ول يثبت النّسب ‪ .‬إذ المراد بالقرار هنا الشّهادة ‪،‬‬
‫ن النّسب ل يثبت بالقرار ‪ ،‬لنّه قد يكون بالظّنّ ول يشترط فيه عدالة ‪ .‬وإن أقرّ عدل بآخر‬
‫لّ‬
‫ل فمذهب‬
‫يحلف المقرّ به مع القرار ويرث ول يثبت النّسب بذلك ‪ ،‬وإلّ يكن المقرّ عد ً‬
‫المالكيّة أنّ للمقرّ به ما نقصه القرار من حصّة المقرّ سواء كان عدلً أو غير عدلٍ ول‬
‫يمين ‪ ،‬والتّفرقة بين العدل وغيره قول ضعيف عند المالكيّة على تفصيلٍ مبيّنٍ عندهم ‪ .‬ويقول‬
‫ك لهما في الميراث وثمّ وارث غيرهما لم‬
‫ابن قدامة ‪ :‬وإن أقرّ رجلن عدلن بنسبٍ مشار ٍ‬
‫ل أن يشهدا به ‪ ،‬وبهذا قال الشّافعيّ ‪ ،‬لنّه إقرار من بعض الورثة فلم يثبت فيها‬
‫يثبت النّسب إ ّ‬
‫النّسب كالواحد ‪ ،‬وفارق الشّهادة لنّه تعتبر فيها العدالة والذّكوريّة ‪ ،‬والقرار بخلفه ‪.‬‬

‫الرّجوع عن القرار بالنّسب ‪:‬‬
‫ح رجوع المقرّ عمّا أقرّ فيما سوى القرار بالبنوّة والبوّة‬
‫ص الحنفيّة على أنّه يص ّ‬
‫‪ - 67‬ين ّ‬
‫خ وصدّقه المقرّ له ثمّ رجع عمّا أقرّ به‬
‫والزّوجيّة وولء العتاقة ‪ ،‬فإنّ من أق ّر في مرضه بأ ٍ‬
‫يصحّ إن صدّقه المقرّ عليه ‪ ،‬لنّه وصيّة من وجهٍ ‪ .‬وفي شرح السّراجيّة ‪ ،‬أنّه بالتّصديق يثبت‬
‫النّسب فل ينفع الرّجوع ‪.‬‬
‫ويقول الشّيرازيّ ‪ :‬وإن أقرّ بالغ عاقل ثمّ رجع عن القرار وصدّقه المقرّ له في الرّجوع ففيه‬
‫وجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنّه يسقط النّسب ‪ ،‬كما لو أقرّ بمالٍ ثمّ رجع في القرار وصدّقه المقرّ له‬
‫في الرّجوع ‪.‬‬
‫ن النّسب إذا ثبت ل يسقط بالتّفاق‬
‫والثّاني ‪ :‬وهو قول أبي حامدٍ السفرايينيّ أنّه ل يسقط ‪ ،‬ل ّ‬
‫على نفيه كالنّسب الثّابت بالفراش ‪.‬‬
‫ويقرب من هذا التّجاه الحنابلة ‪ ،‬يقول ابن قدامة ‪ :‬وإذا ثبت النّسب بالقرار ثمّ أنكر المقرّ‬
‫لم يقبل إنكاره ‪ ،‬لنّه نسب ثبت بحجّ ٍة شرعّيةٍ فلم يزل بإنكاره ‪ ،‬كما لو ثبت ببيّنةٍ أو‬
‫بالفراش ‪ ،‬وسواء أكان المقرّ به غير مكّلفٍ أم مكلّفا فصدّق المقرّ ‪ .‬ويحتمل أن يسقط نسب‬
‫المكلّف باتّفاقهما على الرّجوع عنه ‪ ،‬لنّه ثبت باتّفاقهما فزال برجوعهما كالمال ‪.‬‬
‫ح ‪ ،‬لنّه نسب ثبت بالقرار فأشبه نسب الصّغير والمجنون ‪،‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬والوّل أص ّ‬
‫وفارق المال ‪ ،‬لنّ النّسب يحتاط لثباته ‪.‬‬

‫إقرار الزّوجة بالبنوّة ‪:‬‬

‫ن فيه تحميل النّسب على الغير‬
‫‪ - 68‬عند الحنفيّة ل يقبل إقرار الزّوجة بالولد وإن صدّقها ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح إقرار المرأة بالولد‬
‫ل أن يصدّقها الزّوج أو تقدّم البيّنة ‪ ،‬ويص ّ‬
‫‪ ،‬لنّه ينسب إلى الب ‪ ،‬إ ّ‬
‫مطلقا إن لم تكن زوج ًة ول معتدّ ًة ‪ ،‬أو كانت زوجةً وادّعت أنّه من غير الزّوج ‪ ،‬ول يثبت‬
‫نسبه منه ويتوارثان إن لم يكن لها وارث معروف ‪ ،‬لنّ ولد الزّنى يرث بجهة المّ فقط ‪.‬‬
‫وعن ابن رشدٍ عن المدوّنة ‪ :‬وإن نظرت امرأة إلى رجلٍ فقالت ‪ :‬ابني ‪ ،‬ومثله يولد لها‬
‫وصدّقها لم يثبت نسبه منها ‪ ،‬إذ ليس هنا أب يلحق به ‪ ،‬وإن جاءت امرأة بغلمٍ مفصولٍ‬
‫فادّعت أنّه ولدها لم يلحق بها في ميراثٍ ‪ ،‬ول يحدّ من افترى عليها به ‪.‬‬
‫ب قبل إقرارها ‪ ،‬وإن‬
‫ص الحنابلة على أنّه إن أقرّت المرأة بول ٍد ولم تكن ذات زو جٍ ول نس ٍ‬
‫وين ّ‬
‫ن فيه حملً لنسب الولد على زوجها ولم يقرّ به‬
‫كانت ذات زوجٍ ل يقبل إقرارها في روايةٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ ،‬أو إلحاقا للعار به بولدة امرأ ته من غيره ‪ .‬و في روايةٍ أخرى ‪ :‬يق بل ‪ ،‬لنّ ها ش خص أقرّ‬
‫بولدٍ يحتمل أن يكون منه ‪ ،‬فقبل كالرّجل ‪.‬‬

‫وقال أحمد في رواية ابن منصورٍ في امرأةٍ ادّعت ولدا ‪ :‬فإن كان لها إخوة أو نسب معروف‬
‫فل بدّ من أن يثبت أنّه ابنها ‪ ،‬فإن لم يكن لها دافع فمن يحول بينها وبينه ؟ وهذا لنّها متى‬
‫كانت ذات أهلٍ فالظّاهر أنّها ل تخفى عليهم ولدتها ‪ ،‬فمتى ادّعت ولدا ل يعرفونه فالظّاهر‬
‫كذبها ‪ .‬ويحتمل أن تقبل دعواها مطلقا ‪ ،‬لنّ النّسب يحتاط له ‪ ،‬فأشبهت الرّجل ‪.‬‬

‫القرار بالزّوجيّة تبعا ‪:‬‬
‫‪ - 69‬ومن أقرّ بنسب صغيرٍ لم يكن مقرّا بزوجيّة أمّه ‪ ،‬وبهذا قال الشّافعيّة ‪ ،‬لنّ الزّوجيّة‬
‫ليست مقتضى لفظه ول مضمونه ‪ ،‬فلم يكن مقرّا بها ‪ .‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬إذا كانت مشهورةً‬
‫صحّة ‪.‬‬
‫ن أنساب المسلمين وأصولهم يجب حملها على ال ّ‬
‫بالح ّريّة كان مقرّا بزوجيّتها ‪ ،‬ل ّ‬
‫والقرار بالزّوجيّة صحيح بشرط الخلوّ من الموانع ‪.‬‬

‫إقرار المرأة بالوالدين والزّوج ‪:‬‬

‫ص الفقهاء على جواز إقرار المرأة بالوالدين والزّوج ‪ ،‬إذ النوثة ل تمنع صحّة‬
‫‪ - 70‬ن ّ‬
‫ن القرار بال ّم ل يصحّ ‪ ،‬وكذا في‬
‫القرار على النّفس ‪ .‬وقد ذكر المام العتّابيّ في فرائضه أ ّ‬
‫ضوء السّراج ‪ ،‬لنّ النّسب للباء ل للمّهات ‪ ،‬وفيه حمل الزّوجيّة على الغير ‪ .‬قال صاحب‬
‫ال ّدرّ ‪ :‬لكن الحقّ صحّته بجامع الصالة فكانت كالب والصل ‪ :‬أنّ من أقرّ بنسبٍ يلزمه في‬
‫نفسه ول يحمل على غيره فإقراره مقبول ‪ ،‬كما يقبل إقراره على نفسه بسائر الحقوق ‪.‬‬

‫التّصديق بالنّسب بعد الموت ‪:‬‬
‫‪ - 71‬ويصحّ التّصديق في النّسب بعد موت المقرّ ‪ ،‬لنّ النّسب يبقى بعد الموت ‪ ،‬وكذا‬
‫ن حكم النّكاح باقٍ ‪ ،‬وكذا تصديق الزّوج بعد موتها لنّ الرث من‬
‫تصديق الزّوجة ل ّ‬
‫ح لنقطاع النّكاح بالموت ‪.‬‬
‫أحكامه ‪ ،‬وعند أبي حنيفة ل يص ّ‬
‫ن المقرّ به إذا كان ميّتا فإن كان صغيرا أو مجنونا ثبت نسبه ‪ ،‬لنّه‬
‫ونصّ الشّافعيّة على أ ّ‬
‫يقبل إقراره به إذا كان حيّا فقبل إذا كان ميّتا ‪ .‬وإن كان بالغا عاقلً ففيه وجهان ‪:‬‬
‫ن نسب البالغ ل يثبت إلّ بتصديقه ‪ ،‬وذلك معدوم بعد الموت ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬ل يثبت ل ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّه يثبت وهو الصّحيح ‪ ،‬لنّه ليس له قول ‪ ،‬فيثبت نسبه بالقرار كالصّبيّ‬
‫ن النّسب يثبت لمن أقرّ ببنوّة مجهول النّسب مستوفيا شروطه ثبت نسبه‬
‫والمجنون ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫مستندا لوقت العلوق ‪.‬‬
‫ن فيه تحميل النّسب‬
‫ص الحنفيّة والمالكيّة على أنّ القرار بالجدّ وابن البن ل يصحّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫كما ن ّ‬
‫ن الرّجل إنّما‬
‫ن المالكيّة قالوا ‪ :‬إن قال المقرّ ‪ :‬أبو هذا ابني صدّق ‪ ،‬ل ّ‬
‫على الغير ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫يصدّق في إلحاق ولده بفراشه ‪ ،‬ل بإلحاقه بفراشه غيره ‪.‬‬

‫وفي كتب الشّافعيّة أنّه إذا كان بين المقرّ والمقرّ به واحد ‪ ،‬وهو حيّ لم يثبت النّسب إلّ‬
‫بتصديقه ‪ ،‬وإن كان بينهما اثنان أو أكثر لم يثبت النّسب إلّ بتصديقٍ من بينهما ‪ ،‬لنّ النّسب‬
‫ل بتصديقهم ‪.‬‬
‫يتّصل بالمقرّ من جهتهم فل يثبت إ ّ‬

‫إقراض *‬
‫انظر ‪ :‬قرض ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬قرعة ‪.‬‬

‫إقراع *‬
‫أقط *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬القِط ‪ ،‬والِإقْط ‪ ،‬والَأقْط ‪ ،‬والُأقْط ‪ :‬شيء يتّخذ من اللّبن المخيض ‪ ،‬يطبخ ثمّ يترك حتّى‬
‫يمصل ( أي ينفصل عنه الماء ) ‪ ،‬والقطعة منه أقطة ‪ .‬ويعرّفه الفقهاء بذلك أيضا ‪.‬‬
‫تتعلّق بالقط أحكام منها ما يلي ‪:‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬زكاة الفطر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يجوز إخراج زكاة الفطر من القط عند جمهور الفقهاء باعتباره من القوات ‪ ،‬ولحديث‬
‫ي صلى‬
‫أبي سعيدٍ الخدريّ رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا نخرج زكاة الفطر ‪ -‬إذ كان فينا النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬صاعا من طعامٍ ‪ ،‬أو صاعا من شعيرٍ ‪ ،‬أو صاعا من تمرٍ ‪ ،‬أو صاعا من‬
‫ب ‪ ،‬أو صاعا من أقطٍ » ‪.‬‬
‫زبي ٍ‬
‫أمّا عند الحنفيّة فتعتبر فيه القيمة ‪ ،‬ول يجزئ إخراج زكاة الفطر منه إلّ باعتبار القيمة ‪ ،‬لنّه‬
‫ل باعتبار‬
‫غير منصوصٍ عليه من وجهٍ يوثق به ‪ ،‬وجواز ما ليس بمنصوصٍ عليه ل يكون إ ّ‬
‫القيمة ‪ ،‬كسائر العيان الّتي لم يقع التّنصيص عليها من النّبيّ صلى ال عليه وسلم وينظر‬
‫تفصيل ذلك في ( زكاة الفطر ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البيع ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يعتبر القط من الرّبويّات الّتي يشترط فيها التّماثل والتّقابض في المجلس إن بيعت بمثلها‬
‫‪ .‬والفقهاء يختلفون في جواز بيع القط بعضه ببعضٍ ‪ .‬فأجازه المالكيّة والحنابلة لمكان‬
‫ن أجزاءه منعقدة ‪ ،‬ولنّه يخالطه الملح فل تتحقّق فيه‬
‫التّماثل والتّساوي ‪ ،‬ومنعه الشّافعيّة ل ّ‬
‫المماثلة ‪ .‬وفيه تفصيل كثير ينظر في ( بيع ‪ ،‬وربا ) ‪.‬‬

‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 4‬تتعدّد مواطن أحكام القط ‪ ،‬فتأتي في زكاة الفطر ‪ ،‬والرّبا ‪ ،‬والسّلم ‪ ،‬وتنظر في مواطنها‬
‫‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫إقطاع *‬

‫‪ - 1‬من معاني القطاع في اللّغة ‪ :‬التّمليك والرفاق ‪ ،‬يقال استقطع المام قطيعةً فأقطعه‬
‫إيّاها ‪ :‬أي سأله أن يجعلها له إقطاعا يتملّكه ويستب ّد به وينفرد ‪ ،‬ويقال ‪ :‬أقطع المام الجند‬
‫البلد ‪ :‬إذا جعل لهم غلّتها رزقا ‪ .‬وهو كذلك شرعا يطلق على ما يقطعه المام ‪ ،‬أي يعطيه‬
‫من الراضي رقبةً أو منفع ًة لمن ينتفع به ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إحياء الموات ‪:‬‬
‫‪ - 2‬هو كما عرّفه الشّافعيّة بأنّه ‪ :‬عمارة الرض الخربة الّتي ل مالك لها ول ينتفع بها أحد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أعطيات السّلطان ‪:‬‬
‫‪ - 3‬العطاء والعطيّة ‪ :‬اسم لما يعطى ‪ ،‬والجمع عطايا وأعطية ‪ ،‬وجمع الجمع أعطيات ‪.‬‬
‫وأعطيات السّلطان ‪ :‬ما يعطيه لحدٍ من الرّعيّة من بيت المال مع مراعاة المصلحة العامّة ‪.‬‬
‫وعلى هذا قد يكون القطاع عطا ًء ‪ ،‬وقد ينفصل العطاء ‪ ،‬فيكون في الموال المنقولة غالبا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحمى ‪:‬‬
‫‪ - 4‬المشروع منه ‪ :‬أن يحمي المام أرضا من الموات ‪ ،‬يمنع النّاس رعي ما فيها من الكل‬
‫لتكون خاصّةً لبعض المصالح العامّة كمواشي الصّدقة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الرصاد ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الرصاد لغةً ‪ :‬العداد ‪ ،‬واصطلحا ‪ :‬تخصيص المام غلّة بعض أراضي بيت المال‬
‫لبعض مصارفه ‪ .‬وللتّفصيل ينظر مصطلح ( إرصاد ) ‪.‬‬
‫ن الرصاد ل يصير ملكا للمرصد له ‪ ،‬بحيث يتوارثه أولده أو‬
‫فالفرق بينه وبين القطاع أ ّ‬
‫يتصرّفون فيه كما شاءوا ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫سنّة‬
‫‪ - 6‬القطاع جائز بشروطه ‪ ،‬سواء أكان إقطاع تمليكٍ أم إقطاع إرفاقٍ ‪ ،‬ودليل ذلك من ال ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أقطع الزّبير ركض فرسه من موات النّقيع » ‪ ،‬وكذلك فعل‬
‫ن « النّب ّ‬
‫أّ‬
‫الخلفاء من بعده ‪.‬‬

‫أنواع القطاع ‪:‬‬
‫القطاع نوعان ‪:‬‬
‫‪ - 7‬النّوع الوّل ‪ :‬إقطاع الرفاق ( أو المتاع أو النتفاع ) ‪.‬‬
‫وهو ‪ :‬إرفاق النّاس بمقاعد السواق ‪ ،‬وأفنية الشّوارع ‪ ،‬وحريم المصار ‪ ،‬ومنازل‬
‫المسافرين ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫وهو على ثلثة أقسامٍ ‪:‬‬
‫القسم الوّل ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ما يختصّ الرفاق فيه بالصّحارى والفلوات ‪ .‬حيث منازل المسافرين وحلول المياه وذلك‬
‫ضربان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أن يكون لجتياز السّابلة واستراحة المسافرين فيه ‪ .‬وهذا ل نظر للسّلطان فيه لبعده‬
‫ص السّلطان من ذلك إصلح عورته وحفظ مياهه ‪ ،‬والتّخلية بين النّاس وبين‬
‫عنه ‪ ،‬والّذي يخ ّ‬
‫نزوله ‪ ،‬ويكون السّابق إلى المنزل أحقّ بحلوله فيه من المسبوق حتّى يرتحل عنه ‪ ،‬لقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم « منى مناخ من سبق » ‪ .‬فإن نزلوه سوا ًء ‪ ،‬عدل بينهم نفيا للتّنازع‬
‫‪.‬‬
‫والثّاني‪ :‬أن يكون نزولهم للستيطان ‪ ،‬فإن كان ‪ .‬كذلك فللمام منعهم أو تركهم حسب‬
‫مصالح المسلمين ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪:‬‬
‫‪ - 9‬وهو ما يختصّ بأفنية الدّور والملك ‪ .‬ينظر ‪ ،‬فإن كان الرتفاق مضرّا بهم منع اتّفاقا ‪،‬‬
‫إلّ أن يأذنوا بدخول الضّرر عليهم ‪ .‬فإن كان غير مضرّ بهم ففي إباحة ارتفاقهم به من غير‬
‫إذن أربابها اتّجاهان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أنّ لهم الرتفاق بها وإن لم يأذن أربابها ‪ ،‬لنّ الحريم ( وهو ما ينتفع به أهل الدّور‬
‫من أماكن غير مملوك ٍة لحدٍ ) يعتبر مرفقا إذا وصل أهله إلى حقّهم منه ساواهم النّاس فيما‬
‫عداه ‪ ،‬وهو قول للشّافعيّة ‪ ،‬ورواية عن أحمد ‪ ،‬والزّهريّ ‪ ،‬وهو رأي الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬ل يجوز الرتفاق بحريمهم إلّ عن إذنهم ‪ ،‬لنّه تبع لملكهم فكانوا به أحقّ ‪،‬‬
‫وبالتّصرّف فيه أخصّ ‪ ،‬وهو رأي للشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫القسم الثّالث ‪:‬‬
‫‪ - 10‬هو ما اختصّ بأفنية الشّوارع والطّرقات ‪ ،‬فهو موقوف على نظر السّلطان ‪ ،‬وفي حكم‬
‫نظره وجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنّ نظره فيه مقصور على كفّهم عن التّعدّي ‪ ،‬ومنعهم من‬
‫الضرار ‪ ،‬والصلح بينهم عند التّشاجر ‪.‬‬

‫والثّاني ‪ :‬أنّ نظره فيه نظر مجتهدٍ فيما يراه صالحا ‪ ،‬في إجلس من يجلس ‪ ،‬ومنع من‬
‫يمنعه ‪ ،‬وتقديم من يقدّمه ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬إقطاع التّمليك ‪:‬‬
‫‪ - 11‬هو تمليك من المام مجرّد عن شائبة العوضيّة بإحياءٍ أو غيره ‪.‬‬
‫أقسامه وحكم تلك القسام ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ينقسم إقطاع التّمليك في الرض المقطعة إلى ثلثة أقسامٍ ‪ :‬مواتٍ ‪ ،‬وعامرٍ‪ ،‬ومعادن ‪.‬‬

‫إقطاع الموات ‪:‬‬
‫إقطاع الموات ضربان ‪:‬‬
‫‪ - 13‬الضّرب الوّل ‪ :‬ما لم يزل مواتا من قديم الدّهر ‪ ،‬فلم تجر فيه عمارة ول يثبت عليه‬
‫ملك ‪ ،‬فهذا يجوز للمام أن يقطعه من يحييه ومن يعمّره ‪ ،‬وقد « أقطع رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم الزّبير بن العوّام ركض فرسه من موات النّقيع ‪ ،‬فأجراه ‪ ،‬ث ّم رمى بسوطه رغبةً‬
‫في الزّيادة ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أعطوه منتهى سوطه » ‪.‬‬
‫ويمتنع به إقدام غير المقطع على إحيائه ‪ ،‬لنّه ملك رقبته بالقطاع نفسه ‪ ،‬خلفا للحنابلة ‪،‬‬
‫ن إقطاع الموات مطلقا ل يفيد تمليكا ‪ ،‬لكنّه يصير أحقّ به من غيره ‪ ،‬فإن‬
‫فإنّهم ذهبوا إلى أ ّ‬
‫أحياه ملكه بالحياء ل بالقطاع ‪ ،‬أمّا إذا كان القطاع مطلقا ‪ ،‬أو مشكوكا فيه ‪ ،‬فإنّه يحمل‬
‫على إقطاع الرفاق ‪ ،‬لنّه المحقّق ‪.‬‬
‫‪ - 14‬الضّرب الثّاني من الموات ‪ :‬ما كان عامرا فخرب ‪ ،‬فصار مواتا عاطلً ‪ ،‬وذلك نوعان‬
‫‪ :‬أحدهما ‪ :‬ما كان عاديّا ‪ -‬أي قديما ‪ ،‬جاهليّا ‪ -‬فهو كالموات الّذي لم يثبت فيه عمارة‬
‫ويجوز إقطاعه ‪ .‬قال صلى ال عليه وسلم « عاديّ الرض للّه ولرسوله ‪ ،‬ث ّم هي لكم منّي »‬
‫ثانيهما ‪ :‬ما كان إسلميّا جرى عليه ملك المسلمين ‪ ،‬ث مّ خرب حتّى صار مواتا عاطلً ‪ ،‬ول‬
‫مالكن ‪ .‬قال الشّافعي ّة ‪ :‬إن ّه مال ضائع يرجنع فينه إلى رأي المام‬
‫ٍ‬
‫يعرف له مالك ول ورثنة‬
‫مطلقا ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يملك بالحياء مطلقا ‪ ،‬إذا كا نت الرض غ ير مقطعةٍ ‪ ،‬أمّا إذا كا نت‬
‫مقطعةً فالرّاجنح عندهنم أنّهنا ل تملك بالحياء ‪ .‬وقال الحنفيّنة ‪ :‬إن لم يعرف أربابنه ملك‬
‫بالحياء ‪ ،‬بشرط إقطاع المام له ‪ ،‬وهو رأي للحنابلة ‪.‬‬
‫إقطاع العامر ضربان ‪:‬‬

‫إقطاع العامر‬

‫‪ - 15‬الضّرب الوّل ‪ :‬ما تعيّن مالكه فل نظر للسّلطان في إقطاعه اتّفاقا ‪ ،‬إلّ ما يتعلّق بتلك‬
‫الرض من حقوق بيت المال أو المصالح العامّة ‪ .‬وهذا إذا كانت في دار السلم ‪ ،‬سواء‬
‫أكانت لمسلمٍ أم لذ ّميّ ‪ .‬فإن كانت في دار الحرب الّتي ل يثبت للمسلمين عليها يد ‪ ،‬فأراد‬

‫المام إقطاعها عند الظّفر جاز ‪ .‬وقد ‪ « :‬سأل تميم الدّاريّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫أن يقطعه عيون البلد الّذي كان منه بالشّام قبل فتحه ففعل » ‪.‬‬
‫‪ - 16‬الضّرب الثّاني من العامر ‪ :‬ما لم يتعيّن مالكوه ولم يتميّز مستحقّوه ‪ :‬فما اصطفاه المام‬
‫لبيت المال ‪ ،‬وكذلك كلّ ما دخل بيت المال من أرض الخراج ‪ ،‬أو ما مات عنه أربابه ‪ ،‬ولم‬
‫يستحقّه وارث بفرضٍ ول تعصيبٍ ففي إقطاعه رأيان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬عدم الجواز وهو رأي المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّه ل يجوز إقطاع رقبته‬
‫لصطفائه لبيت المال ‪ ،‬فكان بذلك ملكا لكافّة المسلمين ‪ .‬فجرى على رقبته حكم الوقف المؤبّد‬
‫‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الجواز وهو رأي الحنفيّة ‪ ،‬لنّ للمام أن يجيز من بيت المال من له غناء في‬
‫السلم ‪ ،‬ومن يقوى به على العد ّو ‪ ،‬ويعمل في ذلك بالّذي يرى أنّه خير للمسلمين وأصلح‬
‫ح تمليك رقبتها ‪ ،‬كما يعطى المال حيث ظهرت‬
‫لمرهم ‪ ،‬والرض عندهم بمنزلة المال يص ّ‬
‫المصلحة ‪.‬‬

‫إقطاع المعادن‬
‫المعادن هي البقاع الّتي أودعها اللّه جواهر الرض ‪ .‬وهي ضربان ‪ :‬ظاهرة وباطنة ‪.‬‬
‫‪ - 17‬أمّا الظّاهرة ‪ :‬فما كان جوهرها المستودع فيها بارزا ‪ .‬كمعادن الكحل ‪ ،‬والملح ‪،‬‬
‫والنّفط ‪ ،‬فهو كالماء الّذي ل يجوز إقطاعه ‪ ،‬والنّاس فيه سواء ‪ ،‬يأخذه من ورد إليه ‪ ،‬لما ورد‬
‫ن أبيض بن حمّالٍ « استقطع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ملح مأربٍ فأقطعه ‪ ،‬فقال‬
‫أّ‬
‫القرع بن حابسٍ التّميميّ ‪ :‬يا رسول اللّه إنّي وردت هذا الملح في الجاهليّة ‪ ،‬وهو بأرضٍ‬
‫ليس فيها غيره ‪ ،‬من ورده أخذه وهو مثل الماء الع ّد بالرض ‪ ،‬فاستقال أبيض قطيعة الملح ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬هو منك‬
‫فقال ‪ :‬قد أقلتك على أن تجعله منّي صدقةً ‪ .‬فقال النّب ّ‬
‫صدقة ‪ ،‬وهو مثل الماء العدّ ‪ ،‬من ورده أخذه »‬
‫وهو رأي الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬أمّا المالكيّة فقد أجازوا إقطاع المام للمعادن بغير‬
‫تمييزٍ بين الباطن والظّاهر ‪.‬‬
‫‪ - 18‬وأمّا المعادن الباطنة ‪ :‬فهي ما كان جوهره مستكنّا فيها ‪ ،‬ل يوصل إليه إلّ بالعمل ‪،‬‬
‫كمعادن الذّهب والفضّة والصّفر والحديد ‪ .‬فهذه وما أشبهها معادن باطنة ‪ ،‬سواء احتاج‬
‫ص أو لم يحتج ‪ .‬وقد أجاز إقطاعها الحنفيّة ‪ ،‬وهو رأي‬
‫المأخوذ منها إلى سبكٍ وتصفيةٍ وتخلي ٍ‬
‫للشّافعيّة ‪ ،‬ومنع ذلك المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو الرّأي الرّاجح للشّافعيّة ‪.‬‬

‫التّصرّف في الراضي الميريّة ‪:‬‬

‫‪ - 19‬يجوز للمام أن يدفع الرض الميريّة للزّراعة ‪ ،‬إمّا بإقامتهم مقام الملّاك في الزّراعة‬
‫وإعطاء الخراج ‪ ،‬أوإجارتها للزّرّاع بقدر الخراج ‪ ،‬وعلى هذا اتّفق الئمّة ‪.‬‬
‫وأمّا إقطاعها أو تمليكها ‪ :‬فمنعه المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّه صار ملكا عامّا للمسلمين‬
‫‪ ،‬وأجازه الحنفيّة اعتمادا على أنّ للمام أن يجيز من بيت المال من له غناء في السلم ‪ ،‬كما‬
‫ن له أن يعمل ما يراه خيرا للمسلمين وأصلح ‪ ،‬والرض عندهم بمنزلة المال ‪ .‬وعلى هذا‬
‫أّ‬
‫فمن يلغي إقطاعها ل يجيز تمليكها ‪ ،‬أو إرثها أو إرث اختصاصها ‪ ،‬وإنّما منافعها هي الّتي‬
‫تملك فقط ‪ .‬فله إيجارها ‪ ،‬وللمام إخراجها عنه متى شاء ‪ ،‬غير أنّه جرى الرّسم في الدّولة‬
‫ل فلبيت المال ‪ ،‬ولو له‬
‫ن من مات عن ابنٍ انتقل الختصاص للبن مجّانا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫العثمانيّة ‪ ،‬أ ّ‬
‫ب له أخذها بالجارة الفاسدة ‪.‬‬
‫بنت أو أخ ل ٍ‬
‫وهذا إذا كانت الراضي الميريّة عامرةً ‪ ،‬وأمّا إذا كانت مواتا فإنّها تملك بالحياء ‪ ،‬وتؤخذ‬
‫بالقطاع كما سبق ‪ ،‬وتورث عنه إذا مات ‪ ،‬ويصحّ بيعها ‪ ،‬وعليه وظيفتها من عشرٍ أو خراجٍ‬
‫وللتّفصيل ينظر ‪ ( -‬أرض الحوز ) ‪.‬‬

‫إقطاع المرافق ‪:‬‬
‫‪ - 20‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجوز للمام إقطاع المرافق العامّة وما ل غنى عنه للمسلمين ‪،‬‬
‫وكذلك أرض الملح والقار ونحوها ‪ .‬وكذلك ما قرب من العامر ‪ ،‬وتعلّقت به مصالح المسلمين‬
‫‪ ،‬من طرقٍ وسيل ما ٍء ومطرح قمامةٍ وملقى ترابٍ وآلتٍ ‪ ،‬فل يجوز إقطاعه ‪ ،‬بغير خلفٍ ‪،‬‬
‫وكذلك ما تعلّقت به مصالح القرية ‪ ،‬كفنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها وطرقها ومسيل‬
‫مائها ‪ ،‬ل يجوز إقطاعه ‪.‬‬

‫إجارة القطاعات وإعارتها ‪:‬‬

‫‪ - 21‬ما أقطعه المام للنّاس ملكا ‪ ،‬أو اشتري من بيت المال شرا ًء مسوّغا ‪ ،‬فل خفاء في‬
‫جواز إجارته وإعارته ‪ ،‬حيث صار ملكا للشخاص يتصرّفون فيه تصرّف الملّاك ‪ ،‬ومن‬
‫أقطعه المام أرضا إقطاع انتفاعٍ في مقابلة خدم ٍة عامّ ٍة يؤدّيها ‪ ،‬وبعبارة الفقهاء ‪ :‬في مقابلة‬
‫ن للمقطع إجارتها وإعارتها ‪ ،‬لنّه ملكها ملك منفعةٍ ‪.‬‬
‫استعداده لما أع ّد له ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وإذا مات المؤجّر ‪ ،‬أو أخرج المام الرض المقطعة منه انفسخت الجارة ‪ ،‬لنتقال الملك‬
‫إلى غير المؤجّر ‪.‬‬

‫استرجاع القطاعات ‪:‬‬
‫‪ - 22‬إذا أقطع المام أرضا مواتا ‪ ،‬وت ّم إحياؤها ‪ ،‬أو لم تمض المدّة المقرّرة عند الفقهاء‬
‫للحياء ‪ ،‬فليس له استرجاع القطاع من مقطعه ‪ ،‬وكذلك إذا كان القطاع من بيت المال‬

‫بشرا ٍء مسوغٍ أو بمقابلٍ ‪ ،‬لنّه في الوّل يكون تمليكا بالحياء ‪ ،‬وفي الثّاني يكون تمليكا‬
‫بالشّراء فل يجوز إخراجه منه إلّ بحقّه ‪.‬‬

‫ترك عمارة الرض المقطعة ‪:‬‬
‫‪ - 23‬ل يعارض المقطع إذا أهمل أرضه بغير عمارةٍ قبل طول اندراسها ‪ .‬وقدّر الحنفيّة ذلك‬
‫بثلث سنين ‪ ،‬وهو رأي للمالكيّة ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬إن أحياها غيره قبل ذلك كانت ملكا للمقطع‬
‫‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬إن أحياها عالما بالقطاع كانت ملكا للمقطع ‪ ،‬وإن أحياها غير عالمٍ‬
‫بالقطاع ‪ ،‬خيّر المقطع بين أخذها وإعطاء المحيي نفقة عمارته ‪ ،‬وبين تركها للمحيي‬
‫والرّجوع عليه بقيمة الرض المحياة ‪ .‬وقال سحنون من المالكيّة ‪ :‬ل تخرج عن ملك محييها‬
‫ولو طال اندراسها ‪ ،‬وإن أعمرها غيره لم تخرج عن ملك الوّل ‪.‬‬
‫ل منها ‪ .‬فإن‬
‫ولم يشترط الشّافعيّة والحنابلة مدّةً معيّنةً ‪ ،‬واعتبروا القدرة على الحياء بد ً‬
‫مضى زمان يقدر على إحيائها فيه قيل له ‪ :‬إمّا أن تحييها فتقرّ في يدك ‪ ،‬وإمّا أن ترفع يدك‬
‫عنها لتعود إلى حالها قبل القطاع ‪ .‬وقد اعتبر الحنابلة العذار المقبولة مسوّغا لبقائها على‬
‫ملكه بدون إحياءٍ ‪ ،‬إلى أن يزول العذر ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنفيّة بأنّ عمر رضي ال عنه جعل أجل القطاع إلى ثلث سنين ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ التّأجيل ل يلزم ‪ ،‬وتأجيل عمر يجوز أن يكون لسببٍ اقتضاه ‪.‬‬

‫وقف القطاعات ‪:‬‬

‫‪ - 24‬إنّ وقف القطاع يدور صحّةً وعدما على ثبوت الملكيّة وعدمه للواقف ‪ ،‬فمن أثبتها له‬
‫بوجهٍ من الوجوه حكم بصحّة وقف القطاع ‪ ،‬ومن لم يثبتها لم يحكم بصحّته ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬مع أنّه ل يملك ما‬
‫ن للمام أن يقف شيئا من بيت المال على جه ٍة أو شخصٍ معيّ ٍ‬
‫على أ ّ‬
‫يقفه ‪ ،‬إذا كان في ذلك مصلحة ‪.‬‬

‫القطاع بشرط العوض ‪:‬‬
‫‪ - 25‬الصل في إقطاع التّمليك ‪ :‬أن يكون مجرّدا عن العوض ‪ ،‬فإن أقطعه المام على أنّ‬
‫ل عامٍ كذا جاز وعمل به ‪ ،‬ومحلّ العوض المأخوذ بيت مال المسلمين ‪ ،‬ل‬
‫عليه كذا أو ك ّ‬
‫يختصّ المام به ‪ ،‬لعدم ملكه لما أقطعه ‪ ،‬وهو رأي الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ورأي للشّافعيّة‬
‫ن للمام أن يفعل ما يراه مصلحةً للمسلمين ‪ .‬وهناك رأي للشّافعيّة بخلفه ‪ ،‬وعلّلوه‬
‫‪ ،‬حيث إ ّ‬
‫بأنّ القطاع عطيّة وهبة وصلة وليس بيعا ‪ ،‬والثمان من صفة البيع ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫أقطع *‬

‫‪ - 1‬القطع لغةً ‪ :‬مقطوع اليد ‪.‬‬
‫وعند الفقهاء ‪ :‬يستعمل في مقطوع اليد أو الرّجل ‪ .‬وفي العمل النّاقص أو قليل البركة ‪.‬‬

‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫‪ « - 2‬ك ّل أمرٍ ل يبدأ فيه ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم فهو أقطع » كما ورد في الحديث ‪.‬‬
‫‪ - 3‬والمكلّف إن كان مقطوع اليد أو الرّجل يسقط عنه الجهاد إن كان فرض كفاي ٍة ‪ ،‬لنّه إذا‬
‫سقط عن العرج فالقطع أولى ‪ ،‬ولنّه يحتاج إلى الرّجلين في المشي ‪ ،‬واليدين ليتّقي‬
‫بأحدهما ويضرب بالخرى ‪.‬‬
‫ومن الفقهاء من يجعل بعض المراض الّتي تصيب اليد أو الرّجل عذرا يمنع الخروج للقتال‬
‫كذلك ‪.‬‬
‫‪ - 4‬ومن قطعت يده أو رجله يسقط عنه فرض غسل العضو المقطوع في الوضوء والغسل‬
‫( ر ‪ :‬وضوء ‪ ،‬غسل ) ‪.‬‬
‫‪ -5‬وقطع اليد والرّجل صفة نقصٍ في إمام الصّلة ‪ ،‬ولذلك كره بعض الفقهاء إمامته لغيره ‪،‬‬
‫ومنهم من منعها ‪ ،‬وتفصيل ذلك في شروط المامة ‪.‬‬
‫‪ -6‬وإن قطع القطع من غيره عضوا مماثلً للعضو المقطوع أو غير مماثلٍ ففي ذلك تفصيل‬
‫ينظر في ( قصاص ) ‪ .‬وكذلك إذا سرق ففي إقامة الحدّ عليه تفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬سرقة ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫إقعاء *‬

‫‪ - 1‬القعاء عند العرب ‪ :‬إلصاق الليتين بالرض ‪ ،‬ونصب السّاقين ووضع اليدين على‬
‫الرض ‪ ،‬وقال ابن القطّاع ‪ :‬أقعى الكلب ‪ :‬جلس على أليتيه ونصب فخذيه ‪ ،‬وأقعى الرّجل ‪:‬‬
‫جلس تلك الجلسة ‪.‬‬
‫وللفقهاء في القعاء تفسيران ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬نحو المعنى اللّغويّ ‪ ،‬وهو اختيار الطّحاويّ من الحنفيّة ‪.‬‬
‫والثّا ني ‪ :‬أن ي ضع أليت يه على ع قبيه ‪ ،‬وي ضع يد يه على الرض ‪ ،‬و هو اختيار الكرخ يّ من‬
‫الحنفيّة ‪.‬‬
‫وجلسة القعاء غير التّورّك والفتراش ‪ ،‬فالفتراش أن يجلس على كعب يسراه بحيث يلي‬
‫ظهرها الرض وينصب يمناه ‪ .‬ويخرجها من تحته ‪ ،‬ويجعل بطون أصابعها على الرض‬
‫معتمدا عليها لتكون أطراف أصابعه إلى القبلة ‪.‬‬
‫والتّورّك إفضاء ألينة وورك وسناق الرّجنل اليسنرى للرض ‪ ،‬ونصنب الرّجنل اليمننى على‬
‫اليسرى ‪ ،‬وباطن إبهام اليمنى للرض ‪ ،‬فتصير رجله معا من الجانب اليمن ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ن رسول اللّه‬
‫‪ - 2‬القعاء بالمعنى الوّل مكروه في الصّلة عند أكثر الفقهاء ‪ ،‬لما روي أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم « نهى عن القعاء في الصّلة » ‪ .‬وعند المالكيّة ‪ :‬القعاء بهذه الصّورة‬
‫حرام ‪ ،‬ولكن ل تبطل به الصّلة ‪ .‬وأمّا القعاء بالمعنى الثّاني فمكروه أيضا عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫ن الكراهة تنزيهيّة عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫ي قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫استدلّ الحنابلة على هذا الرّأي رواه الحارث عن عل ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬ل تقع بين السّجدتين » ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬القعاء بهذه الكيفيّة بين السّجدتين سنّة ‪،‬‬
‫ففي مسلمٍ « القعاء سنّة نبيّنا صلى ال عليه وسلم » وفسّره العلماء بهذا ‪ ،‬ونصّ عليه‬
‫الشّافعيّ في البويطيّ والملء في الجلوس بين السّجدتين ‪ ،‬ونقل عن أحمد بن حنبلٍ أنّه قال ‪:‬‬
‫ل أفعل ول أعيب من فعله ‪ ،‬وقال ‪ :‬العبادلة كانوا يفعلونه ‪.‬‬
‫أمّا القعاء في الكل فل يكره ‪ ،‬روى أنس رضي ال عنه قال ‪ « :‬رأيت رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم جالسا مقعيا يأكل تمرا » ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫أقلف *‬

‫‪ - 1‬القلف ‪ :‬هو الّذي لم يختن ‪ ،‬والمرأة قلفاء ‪ ،‬والفقهاء يخصّون أحكام القلف بالرّجل دون‬
‫المرأة ‪ .‬ويقابل القلف في المعنى ‪ :‬المختون ‪.‬‬
‫وإزالة القلفة من القلف تسمّى ختانا في الرّجل ‪ ،‬وخفضا في المرأة ‪.‬‬

‫حكمه التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬اتّفق الفقهاء على أنّ إزالة القلفة من القلف من سنن الفطرة ‪ ،‬لتضافر الحاديث على‬
‫ذلك ‪ ،‬ومنها قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الفطرة خمس ‪ :‬الختان ‪ ،‬والستحداد ‪ ،‬وقصّ‬
‫الشّارب ‪ ،‬وتقليم الظافر ‪ ،‬ونتف البط » ‪ .‬كما سيأتي تفصيل ذلك في ( ختان ) ‪.‬‬
‫ن الختان فرض ‪ .‬وهو قول ابن عبّاسٍ وعليّ بن أبي‬
‫ل إلى أ ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة وأحمد بن حنب ٍ‬
‫ن القلف‬
‫ي ويحيى بن سعيدٍ وغيرهم ‪ ،‬وعلى هذا فإ ّ‬
‫طالبٍ والشّعبيّ وربيعة الرّأي والوزاع ّ‬
‫تارك فرضٍ ‪ ،‬ومنهم من ذهب إلى أنّه سنّة كأبي حنيفة والمالكيّة ‪ ،‬وهو قول الحسن البصريّ‬
‫‪.‬‬
‫‪ - 3‬يختصّ القلف ببعض الحكام ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ردّ شهادته عند الحنفيّة إن كان تركه الختتان لغير عذرٍ ‪ .‬وهو ما يفهم من مذهبي‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّهم يقولون بوجوب الختتان ‪ ،‬وترك الواجب فسق ‪ ،‬وشهادة الفاسق‬
‫مردودة ‪ .‬وذهب المالكيّة إلى كراهة شهادته ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬جواز ذبيحة القلف وصيده ‪ ،‬لنّه ل أثر للفسق في الذّبيحة والصّيد ‪ ،‬ولذلك فقد ذهب‬
‫ن ذبيحة القلف وصيده يؤكلن ‪ ،‬لنّ ذبيحة‬
‫الجمهور ‪ -‬وهو الصّحيح عند الحنابلة ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫النّصرانيّ تؤكل فهذا أولى ‪ .‬وروي عن ابن عبّاسٍ ‪ ،‬وعكرمة وأحمد بن حنبلٍ أنّ ذبيحة‬
‫القلف ل تؤكل ‪ ،‬وقد بيّن الفقهاء ذلك في كتاب الذّبائح والصّيد ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إذا كان الختتان ‪ -‬إزالة القلفة ‪ -‬فرضا ‪ ،‬أو سنّةً ‪ ،‬فلو أزالها إنسان بغير إذن صاحبها‬
‫فل ضمان عليه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا كان هناك حرج في غسل ما تحت القلفة فل يطلب تطهيرها دفعا‬
‫للحرج ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان تطهيرها ممكنا من غير حرجٍ فالشّافعيّة والحنابلة يوجبون تطهير ما تحت القلفة‬
‫في الغسل والستنجاء ‪ ،‬لنّها واجبة الزالة ‪ ،‬وما تحتها له حكم الظّاهر ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى استحباب غسلها في الغسل والستنجاء ‪ ،‬ويفهم من عبارة مواهب الجليل‬
‫ن المالكيّة ل يرون وجوب غسل ما تحت القلفة ‪.‬‬
‫أّ‬
‫هن – ذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهم من يقولون بوجوب تطهير ما تحت القلفة ‪ ،‬إلى أنّه إذا‬
‫ح طهارته ‪ ،‬وبالتّالي ل تصحّ إمامته ‪.‬‬
‫لم يغسل ما تحتها ل تص ّ‬
‫ح إمامته عندهم مع الكراهة التّنزيهيّة ‪ ،‬والمالكيّة يرون جواز إمامة‬
‫وأمّا الحنفيّة فتص ّ‬
‫القلف ‪ ،‬ولكنّهم يرون كراهة تعيينه إماما راتبا ‪ ،‬ومع هذا لو صلّى النّاس خلفه لم يعيدوا‬
‫صلتهم ‪.‬‬

‫أقلّ الجمع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الجمع في اللّغة ‪ :‬تأليف المتفرّق ‪ ،‬وض ّم الشّيء بتقريب بعضه من بعض ‪.‬‬
‫ل على جملة آحادٍ مقصودةٍ بحروف مفرده بتغيّرٍ ما‬
‫وفي اصطلح النّحاة والصّرفيّين ‪ .‬اسم د ّ‬
‫ل الجمع من حيث العدد آراء ‪:‬‬
‫‪ .‬وفيما يفيده أق ّ‬
‫أ ‪ -‬رأي النّحاة والصّرفيّين ‪:‬‬
‫‪ - 2‬أفاد الرّضيّ في الكافية أنّه ل يجوز إطلق الجمع على الواحد والثنين ‪ ،‬فل يقع رجال‬
‫على رجلٍ ول رجلين ‪ ، .‬وصرّح ابن يعيشٍ بأنّ القليل الّذي جعل القلّة له هو الثّلثة فما‬
‫فوقها إلى العشرة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬رأي الصوليّين والفقهاء ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ذكر الصوليّون الخلف في أقلّ عد ٍد تطلق عليه صيغة الجمع ‪ ،‬فجاء في التّلويح ‪،‬‬
‫ن أكثر الصّحابة والفقهاء وأئمّة اللّغة ذهبوا إلى أنّ أقلّ الجمع ثلثة‬
‫ونحوه في مسلّم الثّبوت ‪ :‬أ ّ‬

‫ح الطلق على أقلّ منه إلّ مجازا ‪ ،‬حتّى لو حلف ل يتزوّج نسا ًء ل يحنث بتزوّج‬
‫‪ ،‬فل يص ّ‬
‫ن أقلّ الجمع‬
‫امرأتين ‪ .‬وذهب بعضهم كحجّة السلم الغزاليّ ‪ ،‬وسيبويه من النّحاة ‪ ،‬إلى أ ّ‬
‫اثنان حقيقةً ‪ ،‬حتّى يحنث بتزوّج امرأتين ‪.‬‬
‫ل فريقٍ ‪ ،‬وال ّردّ عليها ‪،‬‬
‫وقيل ‪ :‬ل يصحّ للثنين ل حقيقةً ول مجازا ‪ .‬وبعد عرض أدلّة ك ّ‬
‫ن النّزاع ليس في لفظ الجمع المؤلّف من ( ج م ع ) وإنّما‬
‫يذكر صاحبا التّلويح ومسلّم الثّبوت أ ّ‬
‫ل ومسلمين ‪.‬‬
‫النّزاع في المسمّى ‪ ،‬أي في الصّيغ المسمّاة به ‪ ،‬كرجا ٍ‬
‫ن أقلّ الجمع‬
‫وذكر القرطبيّ عند تفسير قوله تعالى ‪ { :‬فإن كان له إخوة فلمّه السّدس } أ ّ‬
‫ن التّثنية جمع شي ٍء إلى مثله ‪ ،‬واستدلّ برأي سيبويه فيما يرويه عن الخليل ‪.‬‬
‫اثنان ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن أقلّ الجمع اثنان الميراث لنّه قال بعد ذلك ‪ :‬وممّن قال‬
‫ن القرطبيّ أراد بقوله ‪ :‬إ ّ‬
‫والظّاهر أ ّ‬
‫ن أقلّ الجمع ثلثة ‪ -‬وإن لم يقل به هنا ‪ ( -‬يقصد الميراث ) ابن مسعودٍ والشّافعيّ وأبو‬
‫‪:‬إّ‬
‫ن أقلّ الجمع عند الفقهاء ثلثة فصاعدا‬
‫حنيفة وغيرهم ‪ .‬وبالنّظر في أبواب الفقه المختلفة نجد أ ّ‬
‫عدا الميراث ‪ ،‬وسيأتي بيان ذلك ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬رأي الفرضيّين ‪:‬‬
‫ن أقلّ الجمع اثنان ‪ ،‬فقد جاء في العذب الفائض‬
‫‪ - 4‬الفرضيّون ‪ -‬عدا ابن عبّاسٍ ‪ -‬يعتبرون أ ّ‬
‫ن أقلّ الجمع اثنان ‪ ،‬قال ابن سراقة وقد ورد ذلك في‬
‫عند الكلم على ميراث المّ مع الخوة أ ّ‬
‫القرآن الكريم كقوله تعالى ‪ { :‬هذان خصمان اختصموا في ربّهم } ‪ .‬يريد اختصما ‪ ،‬ثمّ قال ‪:‬‬
‫ومن أهل اللّغة من يجعل الثنين جمعا حقيقةً ‪ ،‬وقد حكي عن الفرّاء أنّه قال ‪ :‬أوّل الجمع‬
‫التّثنية ‪ ،‬وهو الصل في اللّغة ‪ ،‬والثنان من جنس الخوة يردّان المّ إلى السّدس وجاء في‬
‫ن حكم الثنين في الميراث حكم الجماعة ‪ ،‬فحكم البنتين والختين كحكم البنات‬
‫السّراجيّة أ ّ‬
‫والخوات في استحقاق الثّلثين ‪ ،‬فكذا في الحجب ‪.‬‬
‫وهذا الحكم لم يخالف فيه سوى ابن عبّاسٍ ‪.‬‬
‫ما يتفرّع على هذه القاعدة ‪:‬‬
‫ل ‪ -‬عند الفقهاء ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫‪ - 5‬يبني الفقهاء أحكامهم على اعتبار أنّ أقلّ الجمع ثلثة ‪ ،‬وهذا فيما يستعمل فيه من‬
‫المسائل الفقهيّة المتفرّقة عدا مسائل الميراث ‪ ،‬عند جميع الفقهاء ‪ ،‬والوصيّة كذلك عند الحنفيّة‬
‫ن أقلّ الجمع اثنان ‪ ،‬وذلك كما جاء في عباراتهم ‪ .‬ويجب أن‬
‫‪ ،‬فتبنى الحكام فيها باعتبار أ ّ‬
‫يلحظ أنّ المقصود هو الجمع المنكّر كما سنرى في المثلة ‪ -‬إذ هو الّذي يت ّم الحكم بانطباقه‬
‫ل ما ينطبق عليه ‪.‬‬
‫على ثلث ٍة من أفراده باعتبارها أق ّ‬
‫المثلة في غير الميراث ‪:‬‬

‫‪ - 6‬أ ‪ -‬في الوصيّة ‪ :‬من وصّى بكفّارة أيمانٍ فأقلّ ما يجب لتنفيذ هذه الوصيّة أن يكفّر عنه‬
‫ن الثّلثة أقلّ الجمع ‪ ،‬وهذا عند الجمهور ‪ .‬أمّا عند الحنفيّة فيجب التّكفير عن‬
‫ثلثة أيمانٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫يمينين فصاعدا ‪ ،‬اعتبارا لمعنى الجمع ‪ ،‬وأقلّه اثنان في الوصيّة ‪ ،‬والوصيّة أخت الميراث ‪،‬‬
‫وفي الميراث أقلّ الجمع اثنان ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬في الوقف ‪ :‬من وقف لجماعةٍ أو لجم ٍع من أقرب النّاس إليه صرف ريع الوقف إلى‬
‫ثلثةٍ ‪ ،‬لنّها أقلّ الجمع ‪ ،‬فإن لم يبلغ أقرب النّاس إليه ثلث ًة يتمّم العدد ممّا بعد الدّرجة الولى‬
‫‪ .‬فمثلً ‪ :‬إن كان لمن وقف ابنان وأولد ابنٍ ‪ ،‬فإنّه يخرج من أولد ابنه واحد منهم بالقرعة ‪.‬‬
‫ويضمّ للبنين ويعطون الوقف ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬في القرار ‪ :‬لو قال ‪ :‬له عندي دراهم ‪ ،‬لزمه ثلثة دراهم ‪ ،‬لنّه جمع ‪ ،‬وأقلّ الجمع‬
‫ثلثة ‪.‬‬
‫ل يكلّم غيره أيّاما أو شهورا أو سنين ‪،‬‬
‫د ‪ -‬في اليمين ‪ :‬من حلف على ترك شيءٍ ‪ ،‬أو على أ ّ‬
‫منكّرا لفظ اليّام والشّهور والسّنين لزمه ثلثة ‪ ،‬لنّه أقلّ الجمع ‪.‬‬
‫ن أقلّ الجمع اثنان ‪ .‬ويتّضح ذلك في‬
‫‪ -7‬أمّا بالنّسبة للميراث فتبنى الحكام فيه باعتبار أ ّ‬
‫ل ما روي عن ابن عبّاسٍ ‪ -‬على أنّ الخوين‬
‫ميراث المّ مع الخوة ‪ ،‬فقد أجمع أهل العلم ‪ -‬إ ّ‬
‫( فصاعدا ) ذكورا كانوا أو إناثا يحجبان المّ عن الثّلث إلى السّدس ‪ ،‬عملً بظاهر قوله تعالى‬
‫ن أقلّ الجمع هنا اثنان ‪ ،‬وقد قال الزّمخشريّ ‪ :‬لفظ‬
‫‪ { :‬فإن كان له إخوة فلمّه السّدس } ‪ .‬ل ّ‬
‫الخوة هنا يتناول الخوين ‪ ،‬لنّ الجمع من الجتماع ‪ ،‬وأنّه يتحقّق باجتماع الثنين ‪ .‬ولنّ‬
‫الجمع يذكر بمعنى التّثنية كما في قوله تعالى ‪ { :‬فقد صغت قلوبكما } هذا رأي الجمهور ‪.‬‬
‫وخالف في ذلك ابن عبّاسٍ فجعل الثنين من الخوة في حكم الواحد ول يحجب المّ أقلّ من‬
‫س ‪ ،‬فقال له عثمان ‪ :‬إنّ‬
‫ثلثٍ ‪ ،‬لظاهر الية ‪ ،‬وقد وقع الكلم في ذلك بين عثمان وابن عبّا ٍ‬
‫قومك ( يعني قريشا ) حجبوها ‪ -‬يعني المّ ‪ -‬وهم أهل الفصاحة والبلغة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬عند الصوليّين ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ذكر الصوليّون الخلف في مسمّى الجمع ‪ ،‬وهل يطلق على الثّلثة فأكثر ‪ ،‬أو يصحّ أن‬
‫يطلق على الثنين على نحو ما سبق بيانه ‪.‬‬
‫ن الجمع من ألفاظ‬
‫وهم يذكرون ذلك في معرض الكلم عن العامّ وتخصيصه ‪ ،‬باعتبار أ ّ‬
‫ن العامّ إذا كان جمعا مثل الرّجال جاز تخصيصه إلى الثّلثة ‪ ،‬تفريعا على أنّ‬
‫العموم ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن التّخصيص إلى ما دون الثّلثة يخرج اللّفظ عن الدّللة على الجمع‬
‫ل الجمع ‪ ،‬ل ّ‬
‫الثّلثة أق ّ‬
‫فيصير نسخا ‪ ،‬وتفصيل هذا ينظر في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫مواطن البحث ‪:‬‬

‫‪ - 9‬أقلّ الجمع يستعمل في المسائل الّتي يستعمل فيها الجمع المنكّر ‪ ،‬كالنّذر واليمان والعتق‬
‫والطّلق وغير ذلك ‪.‬‬

‫أقلّ ما قيل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الخذ بأقلّ ما قيل عند الصوليّين أن يختلف الصّحابة في أمرٍ مق ّدرٍ على أقاويل ‪ ،‬فيؤخذ‬
‫ي هل هي مساوية‬
‫بأقلّها ‪ ،‬إذا لم يدلّ على الزّيادة دليل ‪ .‬وذلك مثل اختلفهم في دية اليهود ّ‬
‫لدية المسلم ‪ ،‬أو على النّصف ‪ ،‬أو على الثّلث ؟ فالقول بأقلّها وهو الثّلث – أخذ بأقلّ ما قيل ‪.‬‬
‫ويقاربه ‪ :‬الخذ بأخفّ ما قيل ‪ .‬والفرق بينهما هو من حيث الكمّ والكيف ‪.‬‬
‫ويقابله ‪ :‬الخذ بأكثر ما قيل ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪ - 2‬اختلف الصوليّون في الخذ بأقلّ ما قيل ‪ ،‬هل يعتبر دليلً يعتمد في إثبات الحكم ؟ فأثبته‬
‫المام الشّافعيّ ‪ ،‬والباقلّانيّ من المالكيّة ‪ ،‬وقال القاضي عبد الوهّاب منهم ‪ :‬وحكى بعض‬
‫الصوليّين إجماع أهل النّظر عليه ‪.‬‬
‫ل بأنّه يؤخذ بأكثر ما قيل ‪ ،‬ليخرج عن عهدة‬
‫ونفاه جماعة ‪ ،‬منهم ابن حزمٍ ‪ ،‬بل حكى قو ً‬
‫التّكليف بيقينٍ ‪ ،‬وكما اختلفوا في الخذ بالقلّ اختلفوا في الخذ بالخفّ ومحلّ تفصيل ذلك‬
‫الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ذكر الصوليّون الخذ بأقلّ ما قيل في مبحث الستدلل ‪ .‬والستدلل هنا في اصطلحهم‬
‫ص ول إجماعٍ ول قياسٍ ‪ .‬كما ذكروه في الكلم على الجماع‬
‫‪ :‬ما كان من الدلّة ليس بن ّ‬
‫لبيان علقته به ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫اكتحال *‬

‫‪ - 1‬الكتحال لغ ًة ‪ :‬مصدر اكتحل ‪ .‬يقال اكتحل ‪ :‬إذا وضع الكحل في عينه ‪ .‬وهو في‬
‫الصطلح مستعمل بهذا المعنى ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬استحبّ الحنابلة والشّافعيّة الكتحال وترا ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من اكتحل‬
‫فليوتر » ‪ ،‬وأجازه مالك في أحد قوليه للرّجال ‪ ،‬وكرهه في قوله الخر للتّشبّه بالنّساء ‪.‬‬

‫ن الممنوع‬
‫أمّا الحنفيّة ‪ ،‬فقالوا بالجواز إذا لم يقصد به الرّجل الزّينة ‪ ،‬وأوضح بعض الحنفيّة أ ّ‬
‫هو التّزيّن للتّكبّر ‪ ،‬ل بقصد الجمال والوقار ‪ .‬ول خلف في جواز الكتحال للنّساء ولو بقصد‬
‫الزّينة ‪ ،‬وكذلك للرّجال بقصد التّداوي ‪ .‬وللتّفصيل ينظر مصطلح ( تزيّن ) ‪.‬‬

‫الكتحال بالمتنجّس ‪:‬‬
‫‪ - 3‬ينبغي أن يكون ما يكتحل به طاهرا حللً ‪ ،‬أمّا الكتحال بالنّجس أو المحرّم فهو غير‬
‫جائزٍ لعموم النّهي عن ذلك ‪ .‬أمّا إذا كان الكتحال لضرور ٍة فقد أجازه الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ ،‬ومنعه المالكيّة ‪.‬‬

‫الكتحال في الحرام ‪:‬‬

‫‪ - 4‬أجاز الحنفيّة الكتحال بالثمد للمحرم بغير كراه ٍة ما دام بغير طيبٍ ‪ ،‬فإذا كان بطيبٍ‬
‫وفعله مرّةً أو مرّتين فعليه صدقة ‪ ،‬فإن كان أكثر فعليه دم ‪ .‬ومنعه المالكيّة وإن كان من غير‬
‫طيبٍ ‪ ،‬إلّ إذا كان لضرورةٍ ‪ ،‬فإن اكتحل فعليه الفدية ‪ .‬وأجازه الشّافعيّة والحنابلة مع الكراهة‬
‫‪ ،‬واشترط الحنابلة عدم قصد الزّينة به ‪ ( .‬ر ‪ -‬إحرام ) ‪.‬‬

‫الكتحال في الصّوم ‪:‬‬
‫‪ - 5‬إذا اكتحل الصّائم بما يصل إلى جوفه فعند الحنفيّة والشّافعيّة ‪ -‬وهو اختيار ابن تيميّة ‪-‬‬
‫ل يفسد صومه ‪ ،‬وإن وجد طعمه في حلقه ‪ ،‬ولونه في نخامته ‪ ،‬لنّه لم يصل إلى الجوف من‬
‫منفذٍ مباشرٍ ‪ ،‬بل بطريق المسامّ ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند الحنابلة ‪ :‬إنّه يفسد صومه‬
‫إذا وصل إلى الحلق ‪ .‬وللتّفصيل ينظر ( صوم ) ‪.‬‬

‫الكتحال للمعتدّة من الوفاة ‪:‬‬

‫‪ - 6‬إذا كان الكتحال بما ل يتزيّن به عاد ًة فل بأس به عند الفقهاء ليلً أو نهارا ‪ .‬أمّا إذا‬
‫كان ممّا يتزيّن به كالثمد ‪ ،‬فالصل عدم جوازه إلّ لحاج ٍة ‪ ،‬فإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة أنّ المراد ‪ -‬في هذه الحال ‪ -‬تكتحل ليلً وتغسله نهارا وجوبا ‪.‬‬

‫الكتحال للمعتدّة من الطّلق ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اتّفق الفقهاء على إباحة الكتحال للمعتدّة من طلقٍ رجعيّ ‪ .‬بل صرّح المالكيّة بأنّه‬
‫يفرض على زوج المعتدّة ثمن الزّينة الّتي تستضرّ بتركها ‪.‬‬
‫ن ‪ .‬قال الحنفيّة ‪ ،‬وهو رأي للشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يجب‬
‫واختلفوا في المعتدّة من طلقٍ بائ ٍ‬
‫عليها ترك الكتحال والزّينة ‪ ،‬وفي رأيٍ للشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يستحسن لها ذلك ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فعندهم الباحة مطلقا للمطلّقة ( ر ‪ -‬عدّة ) ‪.‬‬

‫الكتحال في العتكاف ‪:‬‬

‫‪ - 8‬تكلّم الشّافعيّة على الزّينة في العتكاف والكتحال فيه ‪ ،‬وصرّحوا بأنّه ل يضرّ فيه‬
‫الكتحال ول الزّينة ‪ .‬وقواعد المذاهب الخرى ل تنافيه ‪ ( .‬ر ‪ -‬اعتكاف ) ‪.‬‬

‫الكتحال في يوم عاشوراء ‪:‬‬
‫‪ - 9‬تكلّم الحنفيّة على الكتحال في يوم عاشوراء وعلى استحبابه ‪ ،‬وأبانوا بأنّه لم يرد في ذلك‬
‫نصّ صحيح ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬بأنّه بدعة ‪ ( .‬ر ‪ -‬بدعة ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫اكتساب *‬

‫‪ - 1‬الكتساب ‪ :‬طلب الرّزق وتحصيل المال على العموم ‪ .‬وأضاف الفقهاء إلى ذلك ما‬
‫ل من السباب ‪.‬‬
‫يفصح عن الحكم ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬الكتساب هو تحصيل المال بما ح ّ‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الكسب ‪:‬‬
‫ل ببذل الجهد ‪ ،‬أمّا الكسب فإنّه ل‬
‫ن الكتساب ل يكون إ ّ‬
‫‪ - 2‬يفترق الكسب عن الكتساب بأ ّ‬
‫يعني أكثر من الصابة ‪ ،‬يقال ‪ :‬كسب مالً ‪ :‬إذا أصاب مالً ‪ ،‬سواء كان ذلك ببذل جهدٍ ‪ ،‬بأن‬
‫اكتسبه بعرق جبينه ‪ ،‬أو كسبه من غير جهدٍ ‪ ،‬كما إذا آل إليه بميراثٍ مثلً ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحتراف ‪ ،‬أو العمل ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يفترق الكتساب عن الحتراف أو العمل بأنّهما من وسائل الكتساب ‪ ،‬وليسا باكتسابٍ ‪،‬‬
‫إذ الكتساب قد يكون باحتراف حرفةٍ ‪ ،‬وقد يكون بغير احتراف حرف ٍة ‪ ،‬كمن يعمل يوما عند‬
‫نجّارٍ ‪ ،‬ويوما عند حدّادٍ ‪ ،‬ويوما حمّالً ‪ ،‬دون أن يبرع أو يستقرّ في عملٍ ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬

‫ن الكتساب فرض على المحتاج إليه إذا كان قادرا عليه ‪ ،‬لنّه به‬
‫‪ - 4‬أ ‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫يقوم المكلّف بما وجب عليه من التّكاليف الماليّة ‪ ،‬من النفاق على النّفس والزّوجة والولد‬
‫الصّغار ‪ ،‬والبوين المعسرين ‪ ،‬والجهاد في سبيل اللّه وغير ذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ويفصّل ابن مفلحٍ الحنبليّ حكم الكتساب بحسب أحوال المكتسب ‪ ،‬وخلصة كلمه ‪:‬‬
‫يسنّ التّكسّب مع توفّر الكفاية للمكتسب ‪ ،‬قال المروزيّ ‪ :‬سمعت رجلً يقول لبي عبد اللّه‬
‫أحمد بن حنبلٍ ‪ :‬إنّي في كفايةٍ ‪ ،‬قال المام أحمد ‪ :‬الزم السّوق تصل به رحمك ‪ ،‬وتعد به‬
‫على نفسك ‪.‬‬
‫ويباح التّكسّب لزيادة المال والجاه والتّرفّه والتّنعّم والتّوسعة على العيال ‪ ،‬مع سلمة الدّين‬
‫والعرض والمروءة وبراءة ال ّذمّة ‪.‬‬

‫ويجب التّكسّب على من ل قوت له ولمن تلزمه نفقته ‪ ،‬وعلى من عليه دين أو نذر طاعةٍ أو‬
‫كفّارة ‪ .‬وقد فصّل الفقهاء ذلك في أبواب النّفقة ‪.‬‬
‫ن طلب المرء من الكسب قدر‬
‫ويرى الماورديّ ‪ -‬الشّافعيّ ‪ -‬في كتابه أدب الدّنيا والدّين ‪ :‬أ ّ‬
‫كفايته ‪ ،‬والتماسه منه وفق حاجته هو أحمد أحوال الطّالبين ‪ ،‬وأعدل مراتب القاصدين ‪.‬‬

‫من ل يكلّف الكتساب ‪:‬‬
‫‪ - 5‬أ ‪ -‬ل تكلّف المرأة الكتساب للنفاق على نفسها أو على غيرها ‪ ،‬وتكون نفقتها إن كانت‬
‫فقيرةً واجبةً على غيرها ‪ ،‬سواء كانت متزوّج ًة أم ليست بذات زوجٍ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ول يكلّف الصّغير الّذي ليس بأهلٍ للكسب الكتساب ‪ ،‬ومن جملة هذه الهليّة القدرة‬
‫الجسديّة والفكريّة الّتي يفرّق فيها بين الحلل والحرام ‪ ،‬لما روى المام مالك في الموطّأ عن‬
‫عثمان بن عفّان أنّه قال ‪ :‬ل تكلّفوا الصّغير الكسب ‪ ،‬فإنّه إذا لم يجد سرق ‪.‬‬
‫أمّا الكبير فإنّه يكلّف الكتساب كما تقدّم ‪.‬‬

‫طرق الكتساب ‪:‬‬

‫‪ - 6‬إذا كان الكتساب ل ب ّد فيه من بذل الجهد ‪ -‬على خلف الكسب الّذي قد يكون ببذل‬
‫الجهد ‪ ،‬وقد يكون بغير بذل جهدٍ ‪ -‬فإنّه ل يكون إلّ بالعمل ‪ ،‬وعندئذٍ يشترط في العمل أن‬
‫يكون حللً ‪ ،‬فل يجوز الكتساب بتقديم الخمر لشاربيه ‪ ،‬سواء احترف ذلك أم لم يحترفه ‪،‬‬
‫كما يكره الكتساب عن طريق حرفةٍ وضيعةٍ بقيودٍ وشروطٍ ذكرت في ( احتراف ) ‪.‬‬

‫أكدريّة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الكدريّة هي ‪ :‬إحدى المسائل الملقّبات في الفرائض ‪ ،‬وهي زوج ‪ ،‬وأمّ ‪ ،‬وجدّ ‪ ،‬وأخت‬
‫لبٍ وأمّ ‪ ،‬أو لبٍ ‪ .‬ولقّبت هذه المسألة بالكدريّة ‪ ،‬لنّها واقعة امرأ ٍة من بني أكدر ماتت‬
‫وخلّفت أولئك الورثة المذكورين ‪ ،‬واشتبه على زيدٍ مذهبه فيها فنسبت إليها ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنّ‬
‫شخصا من هذه القبيلة كان يحسن مذهب زيدٍ في الفرائض ‪ ،‬فسأله عبد الملك بن مروان عن‬
‫هذه المسألة فأخطأ في جوابها ‪ ،‬فنسبت إلى قبيلته ‪ .‬وقيل ‪ :‬سمّيت بذلك لنّها كدّرت على زيد‬
‫بن ثابتٍ أصوله في التّوريث ‪ ،‬وقيل ‪ :‬لنّ الجدّ كدّر على الخت نصيبها ‪ ،‬وأهل العراق‬
‫يسمّونها الغرّاء ‪ ،‬لشهرتها فيما بينهم ‪ .‬وللعلماء في هذه المسألة ثلثة مذاهب ‪:‬‬
‫‪ - 2‬أحدها ‪ :‬مذهب زيد بن ثابتٍ رضي ال عنه ‪ ،‬وبه أخذ الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو أنّ‬
‫للزّوج النّصف ‪ ،‬ولل ّم الثّلث ‪ ،‬وللجدّ السّدس وللخت النّصف ‪ ،‬ثمّ يض ّم نصيب الجدّ إلى‬
‫نصيب الخت ‪ ،‬ويقسم مجموع النّصيبين بينهما للذّكر مثل حظّ النثيين ‪.‬‬

‫أصل المسألة من ستّةٍ ‪ ،‬وتعول إلى تسعةٍ ‪ :‬للزّوج ثلثة ‪ ،‬وللمّ اثنان ‪ ،‬وللجدّ واحد ‪،‬‬
‫وللخت ثلثة ‪ ،‬ومجموع النّصيبين أربعة ‪ ،‬فنقسمها على الجدّ والخت للذّكر مثل حظّ‬
‫ح من سبع ٍة وعشرين ‪ :‬للزّوج تسعة ‪ ،‬ولل ّم ستّة ‪ ،‬وللجدّ ثمانية ‪ ،‬وللخت‬
‫النثيين ‪ ،‬وتص ّ‬
‫أربعة ‪ .‬فقد جعل زيد هاهنا الخت ابتداءً صاحبة فرضٍ ‪ ،‬كي ل تحرم الميراث بالمرّة ‪،‬‬
‫وجعلها عصب ًة بالخرة ‪ ،‬كي ل يزيد نصيبها على نصيب الجدّ الّذي هو كالخ ‪.‬‬
‫المذهب الثّاني ‪ :‬وهو قول أبي بكرٍ وابن عبّاسٍ رضي ال عنهم ‪ ،‬حاصله ‪ :‬للزّوج النّصف ‪،‬‬
‫وللمّ الثّلث ‪ ،‬والسّدس الباقي للجدّ ‪ ،‬وتسقط الخت ‪ ،‬وقد أخذ بهذا أبو حنيفة ‪.‬‬
‫المذهب الثّالث ‪ :‬وهو قول عمر وابن مسعودٍ ‪ ،‬للزّوج النّصف ‪ ،‬وللخت النّصف ‪ ،‬وللمّ‬
‫السّدس ‪ ،‬وللجدّ السّدس ‪ ،‬وأصلها من ستّ ٍة وتعول إلى ثمانيةٍ ‪ ،‬للزّوج ثلثة ‪ ،‬وثلثة للخت‬
‫أيضا والجدّ يأخذ سدسا عائلً وهو واحد ‪ ،‬وكذا المّ ‪ .‬وإنّما جعلوا للمّ السّدس كي ل‬
‫يفضّلوها على الجدّ ‪.‬‬

‫صلة الكدريّة بغيرها من المسائل الملقّبات ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الكدريّة إن لم يكن فيها زوج فهي الخرقاء ‪ ،‬وإن لم يكن فيها جدّ كانت المباهلة ‪ ،‬وإن‬
‫لم يكن فيها أخت كانت إحدى الغرّاوين ‪ ،‬وأحكام هذه المسائل تذكر في ( إرث ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫إكراه *‬

‫‪ - 1‬قال في لسان العرب ‪ :‬أكرهته ‪ ،‬حملته على أمرٍ هو له كاره ‪ -‬وفي مفردات الرّاغب‬
‫ل الكره والكره في غير موضعٍ من‬
‫نحوه ‪ -‬ومضى صاحب اللّسان يقول ‪ :‬وذكر اللّه عزّ وج ّ‬
‫كتابه العزيز ‪ ،‬واختلف القرّاء في فتح الكاف وضمّها ‪ .‬قال أحمد بن يحيى ‪ :‬ول أعلم بين‬
‫الحرف الّتي ضمّها هؤلء وبين الّتي فتحوها فرقا في العربيّة ‪ ،‬ول في سنّةٍ تتبع ‪ .‬وفي‬
‫المصباح المنير ‪ ":‬ال َكرْه ( بالفتح ) ‪ :‬المشقّة ‪ ،‬وبالضّمّ ‪ :‬القهر ‪ ،‬وقيل ‪ ( :‬بالفتح ) ‪ :‬الكراه ‪،‬‬
‫ضمّ " المشقّة ‪ .‬وأكرهته على المر إكراها ‪ :‬حملته عليه قهرا ‪ .‬يقال ‪ :‬فعلته َكرْها "‬
‫" وبال ّ‬
‫ضدّين ‪.‬‬
‫بالفتح " أي إكراها ‪ -‬وعليه قوله تعالى ‪ { :‬طوعا أو كرها } فجمع بين ال ّ‬
‫ولخصّ ذلك كلّه فقهاؤنا إذ قالوا ‪ :‬الكراه لغ ًة ‪ :‬حمل النسان على شيءٍ يكرهه ‪ ،‬يقال ‪:‬‬
‫أكرهت فلنا إكراها ‪ :‬حملته على أم ٍر يكرهه ‪ .‬وال َكرْه " بالفتح " اسم منه ( أي اسم مصدرٍ )‬
‫‪ .‬أمّا الكراه في اصطلح الفقهاء فهو ‪ :‬فعل يفعله المرء بغيره ‪ ،‬فينتفي به رضاه ‪ ،‬أو يفسد‬
‫ي بأنّه ‪ :‬حمل الغير على أم ٍر يمتنع عنه بتخويفٍ يقدر الحامل على‬
‫به اختياره ‪ .‬وعرّفه البزدو ّ‬
‫إيقاعه ويصير الغير خائفا به ‪.‬‬

‫أو هو ‪ :‬فعل يوجد من المكرِه ( بكسر الرّاء ) فيحدث في المحلّ ( أي المكَره بفتح الرّاء )‬
‫معنًى يصير به مدفوعا إلى الفعل الّذي طلب منه ‪ .‬والمعنى المذكور في هذا التّعريف ‪،‬‬
‫فسّروه بالخوف ‪ ،‬ولو ممّا يفعله الحكّام الظّلمة بالمتّهمين كيدا ‪ .‬فإذا كان الدّافع هو الحياء مثلً‬
‫‪ ،‬أو التّودّد ‪ ،‬فليس بإكراهٍ ‪.‬‬
‫‪ - 2‬والفعل ‪ -‬في جانب المكِره ( بكسر الرّاء ) ليس على ما يتبادر منه من خلف القول ‪،‬‬
‫ولو إشارة الخرس ‪ ،‬أو مجرّد الكتابة ‪ ،‬بل هو أعمّ ‪ ،‬فيشمل التّهديد ‪ -‬لنّه من عمل اللّسان‬
‫ ولو مفهوما بدللة الحال من مجرّد المر ‪ :‬كأمر السّلطان أو المير ‪ ،‬وأمر قاطع الطّريق ‪،‬‬‫وأمر الخانق الّذي يبدو منه الصرار ‪.‬‬
‫والحنفيّة يقولون ‪ :‬أمر السّلطان ‪ ،‬إكراه ‪ -‬وإن لم يتوعّد ‪ -‬وأمر غيره ليس بإكرا ٍه ‪ ،‬إلّ أن‬
‫يعلم تضمّنه التّهديد بدللة الحال ‪.‬‬
‫وغير الحنفيّة يسوّون بين ذوي البطش والسّطوة أيّا كانوا ‪ ،‬وصاحب المبسوط نفسه من‬
‫ن من عادة المتجبّرين التّرفّع عن التّهديد بالقتل ‪ ،‬ولكنّهم ل يعاقبون مخالفيهم‬
‫الحنفيّة يقول ‪ :‬إ ّ‬
‫إلّ به ‪.‬‬
‫‪ - 3‬ثمّ المراد بالفعل المذكور ‪ -‬فعل واقع على المكَره ( بالفتح ) نفسه ‪ -‬ولو كان تهديدا‬
‫بأخذ أو حبس ماله الّذي له وقع ‪ ،‬ل التّافه الّذي ل يعتدّ به ‪ ،‬أو تهديدا بالفجور بامرأته إن لم‬
‫يطلّقها ‪ .‬ويستوي التّهديد المقترن بالفعل المهدّد به ‪ -‬كما في حديث ‪ :‬أخذ عمّار بن ياسرٍ ‪،‬‬
‫وغطّه في الماء ليرتدّ ‪ .‬والتّهديد المجرّد ‪ ،‬خلفا لمن لم يعتدّ بمجرّد التّهديد ‪ ،‬كأبي إسحاق‬
‫المروزيّ من الشّافعيّة ‪ ،‬واعتمد ‪ .‬الخرقيّ من الحنابلة ‪ ،‬تمسّكا بحديث عمّارٍ هذا ‪ ،‬واستدلّ‬
‫ل توصّل المعتدون إلى أغراضهم ‪ -‬بالتّهديد المجرّد ‪-‬‬
‫الخرون بالقياس حيث ل فرق ‪ ،‬وإ ّ‬
‫دون تحمّل تبع ٍة ‪ ،‬أو هلك الواقع عليهم هذا التّهديد إذا رفضوا النصياع له ‪ ،‬فكان إلقاء‬
‫باليدي في التّهلكة ‪ ،‬وكلهما محذور ل يأتي الشّرع بمثله ‪ .‬بل في الثر عن عمر ‪ -‬وفيه‬
‫انقطاع ‪ -‬ما يفيد هذا التّعميم ‪ :‬ذلك أنّ رجلً في عهده تدلّى يشتار ( يستخرج ) عسلً ‪،‬‬
‫ل قطعته ‪ ،‬فذكّرها اللّه والسلم ‪ ،‬فقالت‬
‫فوقفت امرأته على الحبل ‪ ،‬وقالت ‪ :‬طلّقني ثلثا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫‪ :‬لتفعلن ‪ ،‬أو لفعلن ‪ ،‬فطلّقها ثلثا ‪ .‬ورفعت القصّة إلى عمر ‪ ،‬فرأى طلق الرّجل لغوا ‪،‬‬
‫وردّ عليه المرأة ‪ ،‬ولذا اعتمد ابن قدامة عدم الفرق ‪.‬‬
‫ويتفرّع على هذا التّفسير أنّه لو وقع التّهديد بقتل رجلٍ ل يمتّ إلى المهدّد بسببٍ ‪ ،‬إن هو لم‬
‫ن هذا ل يكون إكراها ‪ ،‬حتّى لو أنّه وقعت الدّللة‬
‫يدلّ على مكان شخصٍ بعينه يراد للقتل ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ممّن طلبت منه ‪ ،‬ثمّ قتل الشّخص المذكور ‪ ،‬لكان الدّا ّل معينا على هذا القتل عن طواعيةٍ إن‬
‫علم أنّه المقصود ‪ -‬والمعيّن شريك للقاتل عند أكثر أهل العلم ‪ ،‬بشرائط خاصّةٍ ‪ -‬وذهب أبو‬
‫ن التّهديد في أجنبيّ إكراه في اليمان ‪ ،‬واستظهره ابن رجبٍ ‪.‬‬
‫الخطّاب الحنبليّ إلى أ ّ‬

‫‪ - 4‬والفعل ‪ ،‬في جانب المكرَه ( بفتح الرّاء ) ‪ ،‬هو أيضا أعمّ من فعل اللّسان وغيره ‪ ،‬إلّ أنّ‬
‫أفعال القلوب ل تقبل الكراه ‪ ،‬فيشمل القول بل شكّ ‪.‬‬
‫وفيما يسمّيه فقهاؤنا بالمصادرة في أبواب البيوع وما إليها ‪ ،‬الفعل الّذي يطلب من المكَره‬
‫( بالفتح ) دفع المال وغرامته ‪ ،‬ل سبب الحصول عليه من بيعٍ أو غيره ‪ -‬كاستقراضٍ ‪-‬‬
‫ب معيّنٍ ‪ ،‬إلّ أنّ المكرِه ( بالكسر ) لم‬
‫ح السّبب ويلزم وإن علم أنّه ل مخلص له إلّ بسب ٍ‬
‫فيص ّ‬
‫يعيّنه له في إكراهه إيّاه ‪ .‬ولذا قالوا ‪ :‬إنّ الحيلة في جعل السّبب مكرها عليه ‪ ،‬أن يقول ‪:‬‬
‫المكرَه ( بالفتح ) ‪ :‬من أين أتى بالمال ؟ فإذا عيّن له المكرِه ( بالكسر ) سببا ‪ ،‬كأن قال له ‪:‬‬
‫بع كذا ‪ ،‬أو عند ابن نجيمٍ اقتصر على المر بالبيع دون تعيين المبيع ‪ ،‬وقع هذا السّبب المعيّن‬
‫تحت طائلة الكراه ‪.‬‬
‫ولم يخالف في هذا إلّ المالكيّة ‪ -‬باستثناء ابن كنانة ومتابعيه ‪ -‬إذ جعلوا السّبب أيضا مكرها‬
‫عليه بإطلقٍ ‪.‬‬
‫ويشمل التّهديد بإيذاء الغير ‪ ،‬ممّن يحبّه من وقع عليه التّهديد ‪ -‬على الشّرط المعتبر فيما‬
‫يحصل به الكراه من أسبابه المتعدّدة ‪ -‬بشريطة أن يكون ذلك المحبوب رحما محرما ‪ ،‬أو ‪-‬‬
‫كما زاد بعضهم ‪ -‬زوجةً ‪.‬‬
‫والمالكيّة ‪ ،‬وبعض الحنابلة يقيّدونه بأن يكون ولدا وإن نزل ‪ ،‬أو والدا وإن عل ‪ .‬والشّافعيّة‬
‫ل بكونه ممّن يشقّ على‬
‫ وخرّجه صاحب القواعد الصوليّة من الحنابلة ‪ -‬ل يقيّدونه إ ّ‬‫المكرَه ( بالفتح ) إيذاؤه مشقّ ًة شديد ًة كالزّوجة ‪ ،‬والصّديق ‪ ،‬والخادم ‪ .‬ومال إليه بعض‬
‫الحنابلة ‪ .‬حتّى لقد اعتمد بعض الشّافعيّة أنّ من الكراه ما لو قال الوالد لولده ‪ ،‬أو الولد لوالده‬
‫ل قتلت نفسي ‪ ،‬بخلف ما لو قال ‪ :‬وإلّ كفرت ‪ ،‬لنّه‬
‫( دون غيرهما ) ‪ :‬طلّق زوجتك ‪ ،‬وإ ّ‬
‫يكفر في الحال ‪.‬‬
‫وفي التّقييد بالولد أو الوالد نظر ل يخفى ‪.‬‬
‫كما أنّه يصدق على نحو اللقاء من شاهقٍ أي ‪ :‬اللجاء بمعناه الحقيقيّ المنافي للقدرة الممكنة‬
‫من الفعل والتّرك ‪.‬‬
‫ن الضّرر من جانب المكرَه ( بالفتح ) إن لم يفعل‬
‫والمالكيّة ‪ -‬وجاراهم ابن تيميّة ‪ -‬اكتفوا بظ ّ‬
‫‪ ،‬وعبارتهم ‪ :‬يكون ( أي الكراه ) بخوف مؤلمٍ ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الرّضى والختيار ‪:‬‬
‫الرّضى لغةً ‪ :‬الختيار ‪ .‬يقال ‪ :‬رضيت الشّيء ورضيت به ‪ :‬اخترته ‪ .‬والختيار لغ ًة ‪ :‬أخذ‬
‫ما يراه خيرا ‪.‬‬

‫ن جمهور الفقهاء لم يفرّقوا بين الرّضى والختيار ‪ ،‬لكن ذهب‬
‫وأمّا في الصطلح ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الحنفيّة إلى التّفرقة بينهما ‪.‬‬
‫فالرّضى عندهم هو ‪ :‬امتلء الختيار وبلوغه نهايته ‪ ،‬بحيث يفضي أثره إلى الظّاهر من‬
‫ظهور البشاشة في الوجه ونحوها ‪.‬‬
‫أو هو ‪ :‬إيثار الشّيء واستحسانه ‪ .‬والختيار عند الحنفيّة هو ‪ :‬القصد إلى مقدورٍ متر ّددٍ بين‬
‫الوجود والعدم بترجيح أحد جانبيه على الخر ‪ .‬أو هو ‪ :‬القصد إلى الشّيء وإرادته ‪.‬‬

‫حكم الكراه ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الكراه بغير حقّ ليس محرّما فحسب ‪ ،‬بل هو إحدى الكبائر ‪ ،‬لنّه أيضا ينبئ بقلّة‬
‫الكتراث بالدّين ‪ ،‬ولنّه من الظّلم ‪ .‬وقد جاء في الحديث القدسيّ ‪ « :‬يا عبادي إنّي حرّمت‬
‫الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فل تظالموا ‪. » ...‬‬
‫الشّريطة الولى ‪:‬‬

‫شرائط الكراه‬

‫‪ - 7‬قدرة المكرِه ( بالكسر ) على إيقاع ما هدّد به ‪ ،‬لكونه متغلّبا ذا سطو ٍة وبطشٍ ‪ -‬وإن لم‬
‫ن تهديد غير القادر ل اعتبار له ‪.‬‬
‫يكن سلطانا ول أميرا ‪ -‬ذلك أ ّ‬
‫الشّريطة الثّانية ‪:‬‬
‫‪ - 8‬خوف المكرَه ( بفتح الرّاء ) من إيقاع ما هدّد به ‪ ،‬ول خلف بين الفقهاء في تحقّق‬
‫الكراه إذا كان المخوف عاجلً ‪ .‬فإن كان آجلً ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والذرعيّ‬
‫ن الكراه ل يتحقّق‬
‫من الشّافعيّة إلى تحقّق الكراه مع التّأجيل ‪ .‬وذهب جماهير الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫مع التّأجيل ‪ ،‬ولو إلى الغد ‪ .‬والمقصود بخوف اليقاع غلبة الظّنّ ‪ ،‬ذلك أنّ غلبة الظّنّ معتبرة‬
‫عند عدم الدلّة ‪ ،‬وتعذّر التّوصّل إلى الحقيقة ‪.‬‬
‫الشّريطة الثّالثة ‪:‬‬
‫ل أو إتلف عضوٍ ‪ ،‬ولو بإذهاب قوّته مع بقائه كإذهاب البصر ‪،‬‬
‫‪ - 9‬أن يكون ما هدّد به قت ً‬
‫أو القدرة على البطش أو المشي مع بقاء أعضائها ‪ ،‬أو غيرهما ممّا يوجب غمّا يعدم‬
‫الرّضا ‪ ،‬ومنه تهديد المرأة بالزّنى ‪ ،‬والرّجل باللّواط ‪.‬‬
‫أمّا التّهديد بالجاعة ‪ ،‬فيتراوح بين هذا وذاك ‪ ،‬فل يصير ملجئا إلّ إذا بلغ الجوع بالمكره‬
‫( بالفتح ) حدّ خوف الهلك ‪.‬‬
‫ثمّ الّذي يوجب غمّا يعدم الرّضا يختلف باختلف الشخاص والحوال ‪ :‬فليس الشراف‬
‫كالراذل ‪ ،‬ول الضّعاف كالقوياء ‪ ،‬ول تفويت المال اليسير كتفويت المال الكثير ‪ ،‬والنّظر‬
‫في ذلك مفوّض إلى الحاكم ‪ ،‬يقدّر لكلّ واقعةٍ قدرها ‪.‬‬

‫الشّريطة الرّابعة ‪:‬‬
‫‪ - 10‬أن يكون المكره ممتنعا عن الفعل المكره عليه لول الكراه ‪ ،‬إمّا لحقّ نفسه ‪ -‬كما في‬
‫إكراهه على بيع ماله ‪ -‬وإمّا لحقّ شخصٍ آخر ‪ ،‬وإمّا لحقّ الشّرع ‪ -‬كما في إكراهه ظلما‬
‫على إتلف مال شخصٍ آخر ‪ ،‬أو نفس هذا الشّخص ‪ ،‬أو الدّللة عليه لذلك أو على ارتكاب‬
‫موجب حدّ في خالص حقّ اللّه ‪ ،‬كالزّنى وشرب الخمر ‪.‬‬
‫الشّريطة الخامسة ‪:‬‬
‫‪ - 11‬أن يكون محلّ الفعل المكره عليه متعيّنا ‪ .‬وهذا عند الشّافعيّة وبعض الحنابلة على‬
‫إطلقه ‪ .‬وفي حكم المتعيّن عند الحنفيّة ‪ ،‬ومن وافقهم من الحنابلة ما لو خيّر بين أمورٍ معيّنةٍ‬
‫‪ .‬ويتفرّغ على هذا حكم المصادرة الّتي سلف ذكره في فقرةٍ ‪.‬‬
‫ن موقف المالكيّة في حالة البهام أدنى إلى مذهب الحنفيّة ‪ ،‬بل أوغل في‬
‫ومنه يستنبط أ ّ‬
‫العتداد بالكراه حينئذٍ ‪ ،‬لنّهم لم يشترطوا أن يكون مجال البهام أمورا معيّنةً ‪.‬‬
‫أمّا الكراه على طلق إحدى هاتين المرأتين ‪ ،‬أو قتل أحد هذين الرّجلين ‪ ،‬فمن مسائل‬
‫الخلف الّذي صدّرنا به هذه الشّريطة ‪ :‬فعند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬ومعهم موافقون من الشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ ،‬يتحقّق الكراه برغم هذا التّخيير ‪.‬‬
‫وعند جماهير الشّافعيّة ‪ ،‬وقلّ ٍة من الحنابلة ‪ ،‬ل يتحقّق ‪ ،‬لنّ له مندوحةً عن طلق كلّ بطلق‬
‫الخرى ‪ -‬وكذا في القتل ‪ -‬نتيجة عدم تعيين المحلّ ‪ .‬والتّفصيل في الفصل الثّاني ‪.‬‬
‫الشّريطة السّادسة ‪:‬‬
‫ل يكون للمكره مندوحة عن الفعل المكره عليه ‪ ،‬فإن كانت له مندوحة عنه ‪ ،‬ثمّ فعله ل‬
‫‪ - 12‬أ ّ‬
‫ن الحكم يختلف تبعا لتساوي هذين‬
‫يكون مكرها عليه ‪ ،‬وعلى هذا لو خيّر المكره بين أمرين فإ ّ‬
‫ل ‪ ،‬وتفصيل الكلم في ذلك كما يلي ‪:‬‬
‫المرين أو تفاوتهما من حيث الحرمة والح ّ‬
‫ل واحدٍ منهما محرّما ل يرخّص فيه ‪ ،‬ول يباح‬
‫إنّ المرين المخيّر بينهما إمّا أن يكون ك ّ‬
‫أصلً ‪ ،‬كما لو وقع التّخيير بين الزّنى والقتل ‪.‬‬
‫أو يكون كلّ واحدٍ منهما محرّما يرخّص فيه عند الضّرورة ‪ ،‬كما لو وقع التّخيير بين الكفر‬
‫ل واح ٍد منهما محرّما يباح عند الضّرورة ‪ ،‬كما لو وقع التّخيير‬
‫وإتلف مال الغير ‪ .‬أو يكون ك ّ‬
‫بين أكل الميتة وشرب الخمر ‪ .‬أو يكون كلّ واحدٍ منهما مباحا أصال ًة أو للحاجة ‪ ،‬كما لو وقع‬
‫التّخيير بين طلق امرأته وبيع شي ٍء من ماله ‪ ،‬أو بين جمع المسافر الصّلة في الحجّ وفطره‬
‫في نهار رمضان ‪.‬‬
‫ففي هذه الصّور الربع الّتي يكون المران المخيّر بينهما متساويين في الحرمة أو الحلّ ‪،‬‬
‫ي واحدٍ من المرين المخيّر بينهما ‪ ،‬وهو الحكم الّذي سيجيء‬
‫يترتّب حكم الكراه على فعل أ ّ‬
‫ل على الحد الدّائر دون‬
‫ل ما يتعلّق به ‪ ،‬لنّ الكراه في الواقع ليس إ ّ‬
‫تقريره بخلفاته وك ّ‬

‫ن ‪ ،‬وقد خالف في هذا أكثر الشّافعيّة وبعض‬
‫ت ‪ ،‬وهذا ل تعدّد فيه ‪ ،‬ول يتحقّق إلّ في معيّ ٍ‬
‫تفاو ٍ‬
‫الحنابلة ‪ ،‬فنفوا حصول الكراه في هذه الصّور ‪.‬‬
‫وإن تفاوت المران المخيّر بينهما ‪ ،‬فإن كان أحدهما محرّما ل يرخّص فيه ول يباح بحالٍ‬
‫كالزّنى والقتل ‪ ،‬فإنّه ل يكون مندوح ًة ‪ ،‬ويكون الكراه واقعا على المقابل له ‪ ،‬سواء أكان هذا‬
‫المقابل محرّما يرخّص فيه عند الضّرورة ‪ ،‬كالكفر وإتلف مال الغير ‪ ،‬أم محرّما يباح عند‬
‫الضّرورة ‪ ،‬كأكل الميتة وشرب الخمر ‪ ،‬أم مباحا أصالةً أو للحاجة ‪ ،‬كبيعٍ كشيءٍ معيّنٍ من‬
‫مال المكره ‪ ،‬والفطار في نهار رمضان ‪ ،‬ويترتّب على هذا الكراه حكمه الّذي سيجيء‬
‫تفصيله بخلفاته ‪.‬‬
‫وتكون هذه الفعال مندوحةً مع المحرّم الّذي ل يرخّص فيه ول يباح بحالٍ ‪ ،‬أمّا هو فإنّه ل‬
‫يمكن مندوح ًة لواحدٍ منها ‪ ،‬ففي الصّور الثّلث المذكور آنفا ‪ ،‬وهي ما لو وقع التّخيير بين‬
‫الزّنى أو القتل وبين الكفر أو إتلف مال الغير ‪ ،‬أو وقع التّخيير بين الزّنى أو القتل وبين أكل‬
‫ن من المال ‪،‬‬
‫الميتة أو شرب الخمر ‪ ،‬أو وقع التّخيير بين الزّنى أو القتل وبين بيع شيءٍ معيّ ٍ‬
‫فإنّ الزّنى أو القتل ل يكون مكرها عليه ‪ ،‬فمن فعل واحدا منهما كان فعله صادرا عن طواعيةٍ‬
‫ل إكرا ٍه ‪ ،‬فيترتّب عليه أثره إذا كان الكراه ملجئا حتّى يتحقّق الذن في فعل المندوحة ‪،‬‬
‫وكان الفاعل عالما بالذن له في فعل المندوحة عند الكراه ‪.‬‬
‫وإن كان أحد المرين المخيّر بينهما محرّما يرخّص فيه عند الضّرورة ‪ ،‬والمقابل له محرّما‬
‫يباح عند الضّرورة ‪ ،‬كما لو وقع التّخيير بين الكفر أو إتلف مال الغير ‪ ،‬وبين أكل الميتة أو‬
‫شرب الخمر ‪ ،‬فإنّهما يكونان في حكم المرين المتساويين في الباحة ‪ ،‬فل يكون أحدهما‬
‫مندوح ًة عن فعل الخر ‪ ،‬ويكون الكراه واقعا على فعل كلّ واحدٍ من المرين المخيّر‬
‫بينهما ‪ ،‬متى كان بأمرٍ متلفٍ للنّفس أو لحد العضاء ‪.‬‬
‫وإن كان أحد المرين محرّما يرخّص فيه أو يباح عند الضّرورة ‪ ،‬والمقابل له مباحا أصالةً‬
‫أو للحاجة ‪ ،‬كما لو وقع التّخيير بين الكفر أو شرب الخمر ‪ ،‬وبين بيع شيءٍ من مال المكره‬
‫أو الفطر في نهار رمضان ‪ ،‬فإنّ المباح في هذه الحالة يكون مندوحةً عن الفعل المحرّم الّذي‬
‫يرخّص فيه أو يباح عند الضّرورة ‪ ،‬وعلى هذا يظلّ على تحريمه ‪ ،‬سواء كان الكراه بمتلفٍ‬
‫ن الكراه بغير المتلف ل يزيل الحظر عند‬
‫للنّفس أو العضو أو بغير متلفٍ لحدهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحنفيّة مطلقا ‪ ،‬والكراه بمتلفٍ ‪ -‬وإن كان يزيل الحظر ‪ -‬إلّ أنّ إزالته له بطريق‬
‫الضطرار ‪ ،‬ول اضطرار مع وجود المقابل المباح ‪.‬‬

‫تقسيم الكراه‬

‫ينقسم الكراه إلى ‪ :‬إكرا ٍه بحقّ ‪ ،‬وإكراهٍ بغير حقّ ‪ .‬والكراه بغير حقّ ينقسم إلى إكراهٍ‬
‫ملجئٍ ‪ ،‬وإكرا ٍه غير ملجئٍ ‪.‬‬

‫أوّلً ‪ :‬الكراه بحقّ ‪:‬‬
‫تعريفه ‪:‬‬
‫‪ - 13‬هو الكراه المشروع ‪ ،‬أي الّذي ل ظلم فيه ول إثم ‪ .‬وهو ما توافر فيه أمران ‪ :‬الوّل‬
‫‪ :‬أن يحقّ للمكره التّهديد بما هدّد به ‪ .‬الثّاني ‪ :‬أن يكون المكره عليه ممّا يحقّ للمكره اللزام‬
‫به ‪ .‬وعلى هذا فإكراه المرتدّ على السلم إكراه بحقّ ‪ ،‬حيث توافر فيه المران ‪ ،‬وكذلك‬
‫إكراه المدين القادر على وفاء الدّين ‪ ،‬وإكراه المولي على الرّجوع إلى زوجته أو طلقها إذا‬
‫مضت مدّة اليلء ‪.‬‬

‫أثره ‪:‬‬

‫‪ - 14‬والعلماء عادةً يقولون ‪ :‬إنّ الكراه بحقّ ‪ ،‬ل ينافي الطّوع الشّرعيّ ‪ -‬وإلّ لم تكن له‬
‫فائدة ‪ ،‬ويجعلون من أمثلته إكراه العنّين على الفرقة ‪ ،‬ومن عليه النّفقة على النفاق ‪ ،‬والمدين‬
‫والمحتكر على البيع ‪ ،‬وكذلك من له أرض بجوار المسجد أو المقبرة أو الطّريق يحتاج إليها‬
‫من أجل التّوسيع ‪ ،‬ومن معه طعام يحتاجه مضطرّ ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬الكراه بغير حقّ ‪:‬‬
‫تعريفه ‪:‬‬
‫‪ - 15‬الكراه بغير حقّ هو الكراه ظلما ‪ ،‬أو الكراه المحرّم ‪ ،‬لتحريم وسيلته ‪ ،‬أو لتحريم‬
‫المطلوب به ‪ .‬ومنه إكراه المفلس على بيع ما يترك له ‪..‬‬

‫الكراه الملجئ والكراه غير الملجئ ‪:‬‬

‫‪ - 16‬تقسيم الكراه إلى ملجئٍ وغير ملجئٍ يتفرّد به الحنفيّة ‪.‬‬

‫فالكراه الملجئ عندهم هو الّذي يكون بالتّهديد بإتلف النّفس أو عض ٍو منها ‪ ،‬أو بإتلف‬
‫جميع المال ‪ ،‬أو بقتل من يهمّ النسان أمره ‪.‬‬
‫وحكم هذا النّوع أنّه يعدم الرّضى ويفسد الختيار ول يعدمه ‪ .‬أمّا إعدامه للرّضى ‪ ،‬فلنّ‬
‫الرّضا هو الرّغبة في الشّيء والرتياح إليه ‪ ،‬وهذا ل يكون مع أيّ إكراهٍ ‪.‬‬
‫ن الختيار هو ‪ :‬القصد إلى فعل الشّيء أو تركه‬
‫وأمّا إفساده للختيار دون إعدامه ‪ ،‬فل ّ‬
‫ح من الفاعل ‪ ،‬وهذا المعنى ل يزول بالكراه ‪ ،‬فالمكره يوقع الفعل بقصده إليه ‪ ،‬إلّ أنّ‬
‫بترجي ٍ‬
‫هذا القصد تارةً يكون صحيحا سليما ‪ ،‬إذا كان منبعثا عن رغب ٍة في العمل ‪ ،‬وتارةً يكون فاسدا‬
‫‪ ،‬إذا كان ارتكابا لخفّ الضّررين ‪ ،‬وذلك كمن أكره على أحد أمرين كلهما شرّ ‪ ،‬ففعل‬
‫ن اختياره لما فعله ل يكون اختيارا صحيحا ‪ ،‬بل اختيارا فاسدا ‪.‬‬
‫أقلّهما ضررا به ‪ ،‬فإ ّ‬

‫والكراه غير الملجئ هو ‪ :‬الّذي يكون بما ل يفوّت النّفس أو بعض العضاء ‪ ،‬كالحبس لمدّةٍ‬
‫قصيرةٍ ‪ ،‬والضّرب الّذي ل يخشى منه القتل أو تلف بعض العضاء ‪.‬‬
‫وحكم هذا النّوع أنّه يعدم الرّضا ولكن ل يفسد الختيار ‪ ،‬وذلك لعدم اضطرار المكره إلى‬
‫التيان بما أكره عليه ‪ ،‬لتمكّنه من الصّبر على تحمّل ما هدّد به بخلف النّوع الوّل ‪.‬‬
‫ئ كما فعل الحنفيّة ‪ ،‬ولكنّهم‬
‫‪ - 17‬أمّا غير الحنفيّة فلم يقسّموا الكراه إلى ملجئٍ وغير ملج ٍ‬
‫تكلّموا عمّا يتحقّق به الكراه وما ل يتحقّق ‪ ،‬وممّا قرّروه في هذا الموضوع يؤخذ أنّهم جميعا‬
‫يقولون بما سمّاه الحنفيّة إكراها ملجئا ‪ ،‬أمّا ما يسمّى بالكراه غير الملجئ فإنّهم يختلفون فيه ‪،‬‬
‫فعلى إحدى الرّوايتين عن الشّافعيّ وأحمد يعتبر إكراها ‪ ،‬وعلى الرّواية الخرى ل يعتبر‬
‫إكراها ‪.‬‬
‫أمّا عند المالكيّة فإنّه ل يعتبر إكراها بالنّسبة لبعض المكره عليه ‪ ،‬ويعتبر إكراها بالنّسبة‬
‫للبعض الخر ‪ ،‬فمن المكره عليه الّذي ل يعتبر الكراه غير الملجئ إكراها فيه ‪ :‬الكفر بالقول‬
‫أو الفعل ‪ ،‬والمعصية الّتي تعلّق بها حقّ لمخلوقٍ ‪ ،‬كالقتل أو القطع ‪ ،‬والزّنى بامرأةٍ مكرهةٍ أو‬
‫ي أو ملكٍ أو صحابيّ ‪ ،‬أو قذفٍ لمسلمٍ ‪.‬‬
‫ب نب ّ‬
‫لها زوج ‪ ،‬وس ّ‬
‫ومن المكره عليه الّذي يعتبر الكراه غير الملجئ إكراها فيه ‪ :‬شرب الخمر ‪ ،‬وأكل الميتة ‪،‬‬
‫والطّلق واليمان والبيع وسائر العقود والحلول والثار ‪.‬‬

‫أثر الكراه ‪:‬‬
‫‪ - 18‬هذا الثر موضع خلفٍ ‪ ،‬بين الحنفيّة وغير الحنفيّة ‪ ،‬على النّحو التي ‪:‬‬
‫أثر الكراه عند الحنفيّة ‪:‬‬
‫‪ - 19‬يختلف أثر الكراه عند الحنفيّة باختلف القول أو الفعل الّذي يقع الكراه عليه ‪ ،‬فإن‬
‫كان المكره عليه من القرارات ‪ ،‬كان أثر الكراه إبطال القرار وإلغاءه ‪ ،‬سواء كان الكراه‬
‫ملجئا أم غير ملجئٍ ‪ .‬فمن أكره على العتراف بمالٍ أو زواجٍ أو طلقٍ كان اعترافه باطلً ‪،‬‬
‫ول يعتدّ به شرعا ‪ ،‬لنّ القرار إنّما جعل حجّةً في حقّ المقرّ باعتبار ترجّح جانب الصّدق‬
‫ن المقرّ‬
‫فيه على جانب الكذب ‪ ،‬ول يتحقّق هذا التّرجيح مع الكراه ‪ ،‬إذ هو قرينة قويّة على أ ّ‬
‫ل يقصد بإقراره الصّدق فيما أقرّ به ‪ ،‬وإنّما يقصد دفع الضّرر الّذي هدّد به عن نفسه ‪ .‬وإن‬
‫كان المكره عليه من العقود والتّصرّفات الشّرعيّة كالبيع والجارة والرّهن ونحوها كان أثر‬
‫الكراه فيها إفسادها ل إبطالها ‪ ،‬فيترتّب عليها ما يترتّب على العقد الفاسد ‪ ،‬حسب ما هو‬
‫مقرّر في المذهب أنّه ينقلب صحيحا لزما بإجازة المكره ‪ ،‬وكذلك لو قبض المكره الثّمن ‪ ،‬أو‬
‫سلّم المبيع طوعا ‪ ،‬يترتّب عليه صحّة البيع ولزومه ‪.‬‬

‫وحجّتهم في ذلك أنّ الكراه عندهم ل يعدم الختيار الّذي هو ترجيح فعل الشّيء على تركه‬
‫أو العكس ‪ ،‬وإنّما يعدم الرّضى الّذي هو الرتياح إلى الشّيء والرّغبة فيه ‪ ،‬والرّضى ليس‬
‫ركنا من أركان هذه التّصرّفات ول شرطا من شروط انعقادها ‪ ،‬وإنّما هو شرط من شروط‬
‫صحّتها ‪ ،‬فإذن فقد ترتّب على فقدانه فساد العقد ل بطلنه ‪ .‬ولكنّهم استثنوا من ذلك بعض‬
‫التّصرّفات ‪ ،‬فقالوا بصحّتهما مع الكراه ‪ ،‬ولو كان ملجئا ‪ ،‬ومن هذه التّصرّفات ‪ :‬الزّواج‬
‫ن الشّارع اعتبر اللّفظ في هذه‬
‫والطّلق ومراجعة الزّوجة والنّذر واليمين ‪ .‬وعلّلوا هذا بأ ّ‬
‫التّصرّفات ‪ -‬عند القصد إليه ‪ -‬قائما مقام إرادة معناه ‪ ،‬فإذا وجد اللّفظ ترتّب عليه أثره‬
‫ن الشّارع اعتبر هذه‬
‫الشّرعيّ ‪ ،‬وإن لم يكن لقائله قصد إلى معناه ‪ ،‬كما في الهازل ‪ ،‬فإ ّ‬
‫التّصرّفات صحيح ًة إذا صدرت منه ‪ ،‬مع انعدام قصده إليها ‪ ،‬وعدم رضاه بما يترتّب عليها‬
‫ل قتله ‪ ،‬أو إتلف‬
‫من الثار ‪ .‬وإن كان المكره عليه من الفعال ‪ ،‬كالكراه على قتل من ل يح ّ‬
‫مالٍ لغيره أو شرب الخمر وما أشبه ذلك ‪ ،‬فالحكم فيها يختلف باختلف نوع الكراه والفعل‬
‫المكره عليه ‪.‬‬
‫‪ - 20‬فإن كان الكراه غير ملجئٍ ‪ -‬وهو الّذي يكون بما ل يفوّت النّفس ‪ ،‬أو بعض العضاء‬
‫كالحبس لمدّةٍ قصير ٍة ‪ ،‬أو أخذ المال اليسير ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ -‬فل يحلّ القدام على الفعل ‪ .‬وإذا‬
‫أقدم المكرَه ( بالفتح ) على الفعل بناءً على هذا الكراه كانت المسئوليّة عليه وحده ‪ ،‬ل على‬
‫من أكرهه‬
‫‪ - 21‬وإن كان الكراه ملجئا ‪ -‬وهو الّذي يكون بالقتل أو تفويت بعض العضاء أو العمل‬
‫المهين لذي الجاه ‪ -‬فالفعال بالنّسبة إليه أربعة أنواعٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أفعال أباحها الشّارع أصالةً دون إكرا ٍه كالكل والشّرب ‪ ،‬فإنّه إذا أكره على ارتكابها‬
‫وجب على المكرَه ( بالفتح ) أن يرتكب أخفّ الضّررين ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أفعال أباح الشّارع إتيانها عند الضّرورة ‪ ،‬كشرب الخمر وأكل لحم الميتة أو الخنزير ‪،‬‬
‫ق الدميّ ‪ ،‬فالعقل ‪ -‬مع الشّرع ‪ -‬يوجبان ارتكاب‬
‫وغير ذلك من كلّ ما حرّم لحقّ اللّه ل لح ّ‬
‫أخفّ الضّررين ‪.‬‬
‫فهذه يباح للمكره فعلها ‪ ،‬بل يجب عليه التيان ‪ .‬بها ‪ ،‬إذا ترتّب على امتناعه قتل نفسه أو‬
‫ن اللّه تعالى أباحها عند الضّرورة بقوله ع ّز من قائلٍ ‪ { :‬إنّما‬
‫تلف عض ٍو من أعضائه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل به لغير اللّه ‪ ،‬فمن اضطرّ غير باغٍ ول عادٍ‬
‫حرّم عليكم الميتة والدّم ولحم الخنزير وما أه ّ‬
‫فل إثم عليه إنّ اللّه غفور رحيم } ‪.‬‬
‫ول شكّ أنّ الكراه الملجئ من الضّرورة الّتي رفع اللّه الثم فيها ‪ ،‬فيباح الفعل عند تحقّقها ‪،‬‬
‫وتناول المباح دفعا للهلك عن النّفس أو بعض أجزائها واجب ‪ ،‬فل يجوز تركه ‪ ،‬ولو شرب‬
‫الخمر مكرها لم يحدّ ‪ ،‬لنّه ل جناية حينئذٍ ‪ ،‬والحدّ إنّما شرع زجرا عن الجنايات ‪.‬‬

‫ل أنّه لو صبر المكره على تحمّل الذى‬
‫ج ‪ -‬أفعال رخّص الشّارع في فعلها عند الضّرورة ‪ ،‬إ ّ‬
‫‪ ،‬ولم يفعلها حتّى مات ‪ ،‬كان مثابا من اللّه تعالى ‪ ،‬وذلك كالكفر باللّه تعالى أو الستخفاف‬
‫بالدّين ‪ ،‬فإذا أكره النسان على التيان بشيءٍ من ذلك جاز له الفعل متى كان قلبه مطمئنّا‬
‫ن باليمان } ‪.‬‬
‫ل من أكره وقلبه مطمئ ّ‬
‫ل{إّ‬
‫باليمان ‪ ،‬لقول اللّه عزّ وج ّ‬
‫سنّة ما جاء بإسنادٍ صحيحٍ عند الحاكم والبيهقيّ وغيرهما عن محمّد بن عمّارٍ عن أبيه‬
‫ومن ال ّ‬
‫« أخذ المشركون عمّار بن ياسرٍ ‪ ،‬فلم يتركوه حتّى سبّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم وذكر‬
‫آلهتهم بخيرٍ ‪ ،‬فلمّا أتى النّبيّ عليه الصلة والسلم قال ‪ :‬ما وراءك ؟ قال ‪ :‬شرّ ‪ ،‬يا رسول‬
‫اللّه ‪ ،‬ما تركت حتّى نلت منك ‪ ،‬وذكرت آلهتهم بخيرٍ ‪ ،‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬فكيف تجد‬
‫قلبك ؟ قال ‪ :‬مطمئنّا باليمان ‪ ،‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬فإن عادوا فعد » ‪.‬‬
‫وقد ألحق علماء المذهب بهذا النّوع الكراه على إفساد صوم رمضان ‪ ،‬أو ترك الصّلة‬
‫ن المكره لو صبر وتحمّل الذى ‪ ،‬ولم يفعل ما أكره‬
‫المفروضة ‪ ،‬أو إتلف مال الغير ‪ ،‬فإ ّ‬
‫عليه كان مثابا ‪ ،‬وإن فعل شيئا منها فل إثم عليه ‪ ،‬وكان الضّمان في صورة التلف على‬
‫الحامل عليه ل على الفاعل ‪ ،‬لنّ فعل التلف يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلةً‬
‫له ‪ ،‬فيثبت الضّمان عليه ‪.‬‬
‫ل للمكره القدام عليها بحالٍ من الحوال ‪ ،‬كقتل النّفس بغير حقّ ‪ ،‬أو قطع‬
‫د ‪ -‬أفعال ل يح ّ‬
‫عض ٍو من أعضائها ‪ ،‬أو الضّرب الّذي يؤدّي إلى الهلك ‪ ،‬فهذه الفعال ل يجوز للمكره‬
‫ن نفس الغير معصومة كنفس المكره‬
‫القدام عليها ‪ ،‬ولو كان في امتناعه عنها ضياع نفسه ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ ،‬ول يجوز للنسان أن يدفع الضّرر عن نفسه بإيقاعه على غيره ‪ ،‬فإن فعل كان آثما ‪،‬‬
‫ووجب عقاب الحامل له على هذا الفعل باتّفاق علماء المذهب ‪ ،‬والخلف بينهم إنّما هو في‬
‫نوع هذا العقاب ‪.‬‬
‫فأبو حنيفة ومحمّد يقولن ‪ :‬إنّه القصاص ‪ ،‬لنّ القتل يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل‬
‫الفاعل آلةً له ‪ ،‬والقصاص إنّما يكون على القاتل ل على آلة القتل ‪.‬‬
‫وأبو يوسف يقول ‪ :‬إنّه الدّية ‪ ،‬لنّ القصاص ل يثبت إلّ بالجناية الكاملة ‪ ،‬ولم توجد الجناية‬
‫ل من الحامل والمكره ‪.‬‬
‫الكاملة بالنّسبة لك ّ‬
‫وهذا القتل يقوم مانعا من الرث بالنّسبة للمكرِه ( بالكسر ) إذا كان المكرَه ( بالفتح ) مكلّفا ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان غير مكّلفٍ كالصّبيّ أو المجنون فل يكون مانعا ‪ .‬وهذا عند أبي حنيفة ومح ّمدٍ ‪،‬‬
‫أمّا أبو يوسف فل يحرم ولو كان المكره مكلّفا ‪ .‬أمّا بالنّسبة للمكرَه ( بالفتح ) فل يحرم باتّفاق‬
‫الحنفيّة ‪ .‬وإنّما يجب القصاص عند أبي حنيفة ومح ّمدٍ على المكره إذا كان المطلوب قتله‬
‫شخصا ثالثا غير المكره ول المكره ‪ ،‬فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه كأن قال للّذي قتله ‪:‬‬

‫ل قتلتك ‪ ،‬فقتله ‪ ،‬فل قصاص على القاتل ‪ ،‬وتجب الدّية لوجود الشّبهة ‪ ،‬ولنّ الدّية‬
‫اقتلني وإ ّ‬
‫تثبت للوارث ابتداءً ل ميراثا عن المقتول ‪.‬‬
‫وأمّا إن كان المطلوب قتله هو المكرَه ‪ ،‬فإنّه ل يكون ثمّ إكراه ‪ ،‬لنّ المهدّد به ل يزيد على‬
‫القتل ‪ ،‬فل يتحقّق الكراه ول شيء من آثاره ‪ ،‬فل قصاص ول دية في هذا القتل ‪ ،‬إلّ إذا‬
‫ن نفسك في النّار أو لقتلنك ‪ ،‬فعند أبي حنيفة‬
‫ل أشنع كما لو قال له ‪ :‬لتلقي ّ‬
‫كان التّهديد بقت ٍ‬
‫يختار ما هو الهون في ظنّه ‪ ،‬وعند الصّاحبين ‪ :‬يصبر ول يقتل نفسه ‪ ،‬لنّ مباشرة الفعل‬
‫سعي في إهلك نفسه فيصبر تحاميا عنه ‪ .‬ثمّ إذا ألقى نفسه في النّار فاحترق فعلى المكره‬
‫القصاص باتّفاقهم ‪ ،‬كما في الزّيلعيّ ‪.‬‬
‫ونقل صاحب مجمع النهر أنّ القصاص إنّما هو عند أبي حنيفة خلفا للصّاحبين ‪.‬‬
‫ومن هذا النّوع أيضا ‪ :‬الزّنى ‪ ،‬فإنّه ل يرخّص فيه مع الكراه ‪ ،‬كما ل يرخّص فيه حالة‬
‫ن حرمة الزّنى ل ترتفع بحالٍ من الحوال ‪ ،‬فإذا فعله إنسان تحت تأثير الكراه‬
‫الختيار ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الكراه يعتبر شبهةً ‪ ،‬والحدود تدرأ بالشّبهات ‪ .‬وقد‬
‫كان آثما ‪ ،‬ولكن ل يجب عليه الحدّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫أورد البابرتيّ من الحنفيّة ضابطا لثر الكراه نصّه ‪ :‬الكراه الملجئ معتبر شرعا سواء ‪،‬‬
‫أكان على القول أم الفعل ‪ .‬والكراه غير الملجئ إن كان على فعلٍ فليس بمعتبرٍ ‪ ،‬ويجعل كأنّ‬
‫ل يستوي فيه الجدّ‬
‫المكره فعل ذلك الفعل بغير إكراهٍ ‪ .‬وإن كان على قولٍ ‪ ،‬فإن كان قو ً‬
‫ل فهو معتبر ‪.‬‬
‫والهزل فكذلك ‪ ،‬وإ ّ‬

‫أثر الكراه عند المالكيّة ‪:‬‬
‫‪ - 22‬يختلف أثر الكراه عندهم باختلف المكره عليه ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فإن كان المكره عليه عقدا أو حلّا أو إقرارا أو يمينا لم يلزم المكره شيء ‪ ،‬ويكون الكراه‬
‫ل من‬
‫في ذلك بالتّخويف بقتلٍ أو ضربٍ مؤلمٍ أو سجنٍ أو قيدٍ أو صفعٍ لذي مروء ٍة على م ٍ‬
‫النّاس ‪ .‬وإن أجاز المكرَه ( بالفتح ) شيئا ممّا أكره عليه ‪ -‬غير النّكاح ‪ -‬طائعا بعد زوال‬
‫الكراه لزم على الحسن ‪ ،‬وأمّا النّكاح فل تصحّ إجازته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإن كان الكراه على الكفر بأيّ صورةٍ من صوره ‪ ،‬أو قذف المسلم بالزّنى ‪ ،‬أو الزّنى‬
‫بامرأ ٍة طائع ٍة خليّ ٍة ( غير متزوّج ٍة ) ‪ ،‬فل يحلّ له القدام على شيءٍ من هذه الشياء إلّ في‬
‫ن ونحوه ‪ ،‬فإن فعل ذلك اعتبر مرتدّا ‪،‬‬
‫حالة التّهديد بالقتل ‪ ،‬ل فيما دونه من قطعٍ أو سج ٍ‬
‫ويحدّ في قذف المسلم ‪ ،‬وفي الزّنى ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وإن كان الكراه على قتل مسلمٍ ‪ ،‬أو قطع عض ٍو منه ‪ ،‬أو على زنًى بمكرهةٍ ‪ ،‬أو بامرأةٍ‬
‫ص منه ‪،‬‬
‫لها زوج ‪ ،‬فل يجوز القدام على شيءٍ من ذلك ولو أكره بالقتل ‪ .‬فإن قتل يقت ّ‬
‫ويعتبر القتل هنا مانعا للقاتل من ميراث المقتول ‪ ،‬لنّه شريك في الفعل ‪ ،‬وكذلك المكرِه‬

‫ص منه أيضا ويمنع من الميراث ‪ .‬وإنّما يجب القصاص عندهم على المكره‬
‫( بالكسر ) يقت ّ‬
‫والمكره ‪ ،‬إذا كان المطلوب قتله شخصا ثالثا غيرهما ‪.‬‬
‫ل قتلتك فقتله ‪،‬‬
‫فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه ( بالكسر ) كما لو قال للّذي قتله ‪ :‬اقتلني وإ ّ‬
‫ن الدّية تثبت للوارث‬
‫فل قصاص عندهم وتجب الدّية ‪ ،‬لمكان الشّبهة من ناحيةٍ ‪ ،‬وبناءً على أ ّ‬
‫ابتداءً ل ميراثا ‪ .‬وأمّا إن كان المطلوب قتله هو المكرَه ( بالفتح ) ‪ ،‬فالصل أنّه ل يتحقّق‬
‫الكراه في هذه الحالة ‪ ،‬ول قصاص فيه ول دية ‪ ،‬إلّ إذا كان التّهديد بقتلٍ أشنع ‪ ،‬كالحراق‬
‫بالنّار وبتر العضاء حتّى الموت ‪ ،‬فإنّ المكرَه ( بالفتح ) يختار أهون الميتتين ‪ ،‬جزم به‬
‫اللّقانيّ ‪ .‬وإن زنى يحدّ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وأمّا لو أكره على فعل معصيةٍ ‪ -‬غير الكفر ‪ -‬ل حقّ فيها لمخلوقٍ كشرب خمرٍ وأكله‬
‫ميتةً ‪ ،‬أو إبطال عبادةٍ كصلةٍ وصومٍ ‪ ،‬أو على تركها فيتحقّق الكراه بأيّة وسيل ٍة من قتلٍ أو‬
‫غيره ‪ .‬ويترتّب عليه في الصّوم القضاء دون الكفّارة ‪ .‬وفي الصّلة يكون الكراه بمنزلة‬
‫المرض المسقط لبعض أركانها ‪ ،‬ول يسقط وجوبها ‪ .‬وفي شرب الخمر ل يقام الحدّ ‪ .‬وألحق‬
‫سحنون بهذا النّوع الزّنى بامرأةٍ طائعةٍ ل زوج لها ‪ ،‬خلفا للمذهب ‪.‬‬
‫ن لنّه‬
‫ن القطع في السّرقة يسقط بالكراه مطلقا ‪ ،‬ولو كان بضربٍ أو سج ٍ‬
‫ويضيف المالكيّة أ ّ‬
‫شبهة تدرأ الحدّ ‪.‬‬

‫أثر الكراه عند الشّافعيّة ‪:‬‬
‫‪ - 23‬يختلف أثر الكراه عندهم باختلف المكره عليه ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الكراه بالقول ‪ :‬إذا كان المكره عليه عقدا أو حلّا أو أيّ تص ّرفٍ قوليّ أو فعليّ ‪ ،‬فإنّه ل‬
‫ل بعموم الحديث الصّحيح ‪ « :‬رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه »‬
‫يصحّ عم ً‬
‫إذ المقصود ليس رفع ما وقع لمكان الستحالة ‪ ،‬وإنّما رفع حكمه ‪ ،‬ما لم يدلّ دليل على‬
‫خلف ذلك ‪ ،‬فيخصّص هذا العموم في موضع دللته ‪ .‬وبمقتضى أدلّة التّخصيص يقرّر‬
‫ل في الصّلة فتبطل به وعلى هذا فيباح للمكرَه‬
‫الشّافعيّة أنّه ل أثر لقول المكرَه ( بالفتح ) إ ّ‬
‫( بالفتح ) التّلفّظ بكلمة الكفر ‪ ،‬ول يجب ‪ ،‬بل الفضل المتناع مصابر ًة على الدّين واقتداءً‬
‫بالسّلف ‪.‬‬
‫وفي طلق زوجة المكرِه ( بالكسر ) أو بيع ماله ونحوهما من كلّ ما يعتبر الكراه فيه إذنا‬
‫أبلغ ‪ .‬والكراه في شهادة الزّور الّتي تفضي إلى القتل أو الزّنى ‪ ،‬وفي الكراه بالحكم الباطل‬
‫الّذي يفضي إلى القتل أو الزّنى ‪ ،‬فل يرتفع الثم عن شاهد الزّور ‪ ،‬ول عن الحاكم الباطل ‪،‬‬
‫وحكمهما في هذه الحالة من حيث الضّمان حكم المكرِه ( بالكسر )‬
‫ب ‪ -‬الكراه بالفعل ‪ :‬ل أثر للكراه بالفعل عند الشّافعيّة إلّ فيما يأتي ‪:‬‬

‫‪- 1‬الفعل المضمّن كالقتل أو إتلف المال أو الغصب ‪ ،‬فعلى المكرَه ( بالفتح ) القصاص أو‬‫الضّمان ‪ ،‬وقرار الضّمان على المكرِه ( بالكسر ) ‪ ،‬وإن قيل ‪ :‬ل رجوع له على المكرِه‬
‫( بالكسر ) بما غرم في إتلف المال ‪ ،‬لنّه افتدى بالتلف نفسه عن الضّرر ‪ .‬قال القليوبيّ‬
‫في مسألة القتل ‪ :‬فيقتل هو المكرَه ( بالفتح ) ومن أكرهه ‪.‬‬
‫‪ -2‬الزّنى وما إليه ‪ :‬يأثم المكرَه ( بالفتح ) بالزّنى ‪ ،‬ويسقط الحدّ للشّبهة ‪ ،‬ويترتّب على‬‫وطء الشّبهة حكمه ‪.‬‬
‫‪ - 3‬الرّضاع ‪ :‬فيترتّب عليه التّحريم المؤبّد في المناكحات وما ألحق بها ‪.‬‬‫ل فعلٍ يترتّب عليه بطلن الصّلة ‪ ،‬كالتّحوّل عن القبلة ‪ ،‬والعمل الكثير ‪ ،‬وترك قيام‬
‫‪ -4‬ك ّ‬‫القادر في الفريضة ‪ ،‬والحدث ‪ ،‬فتبطل الصّلة بما تقدّم برغم الكراه عليه ‪.‬‬
‫‪ -5‬ذبح الحيوان ‪ :‬تحلّ ذبيحة المكرَه ( بالفتح ) الّذي تح ّل ذبيحته ‪ ،‬كالمسلم والكتابيّ ولو‬‫كان المكرِه ( بالكسر ) مجوسيّا ‪ ،‬أو محرّما والمذبوح صيد ‪.‬‬
‫ن المواضع المذكورة ‪ ،‬إمّا من باب‬
‫قال السّيوطيّ ‪ :‬وقد رأيت الكراه يساوي النّسيان ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ترك المأمور ‪ ،‬فل يسقط تداركه ‪ ،‬ول يحصل الثّواب المرتّب عليه ‪ ،‬وإمّا من باب التلف ‪،‬‬
‫فيسقط الحكم المرتّب عليه ‪ ،‬وتسقط العقوبة المتعلّقة به ‪ ،‬إلّ القتل على الظهر ‪.‬‬

‫أثر الكراه عند الحنابلة ‪:‬‬
‫‪ - 24‬يختلف أثر الكراه عند الحنابلة باختلف المكره عليه ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فالتّصرّفات القوليّة تقع باطلةً مع الكراه إلّ النّكاح ‪ ،‬فإنّه يكون صحيحا مع الكراه ‪،‬‬
‫قياسا للمكره على الهازل ‪ .‬وإنّما لم يقع الطّلق مع الكراه للحديث الشّريف‬
‫« ل طلق في إغلقٍ » ‪ ،‬والكراه من الغلق ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ومن أكره على الكفر ل يعتبر مرتدّا ‪ ،‬ومتى زال عنه الكراه أمر بإظهار إسلمه ‪،‬‬
‫والفضل لمن أكره على الكفر أن يصبر وإذا أكره على السلم من ل يجوز إكراهه كال ّذمّيّ‬
‫والمستأمن ‪ ،‬فأسلم لم يثبت له حكم السلم ‪ ،‬حتّى يوجد منه ما يدلّ على إسلمه طوعا ‪.‬‬
‫أمّا من يجوز إكراهه على السلم كالمرتدّ ‪ ،‬فإنّه إذا أكره فأسلم حكم بإسلمه ظاهرا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬والكراه يسقط الحدود عن المكره ‪ ،‬لنّه شبهة ‪ ،‬والحدود تدرأ بالشّبهات ‪.‬‬
‫ص فقتله ‪ ،‬وجب القصاص على المكره والمكره جميعا‬
‫د ‪ -‬وإذا أكره رجل آخر على قتل شخ ٍ‬
‫ب وليّ المقتول قتل أحدهما ‪ ،‬وأخذ نصف‬
‫‪ ،‬وإن صار المر إلى الدّية وجبت عليهما ‪ ،‬وإن أح ّ‬
‫الدّية من الخر أو العفو فله ذلك ‪ .‬ويعتبر القتل هنا مانعا من الميراث بالنّسبة للمكره والمكره‬
‫ل إذا كان المطلوب قتله شخصا ثالثا‬
‫‪ .‬والقصاص عندهم ل يجب على المكره والمكره ‪ ،‬إ ّ‬
‫غيرهما ‪ .‬فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه ( بالكسر ) فإنّه يكون هدرا ‪ ،‬ول قصاص ول‬

‫دية في المختار عندهم ‪ .‬وأمّا إن كان المطلوب قتله هو المكرَه ( بالفتح ) ‪ ،‬فل يتحقّق الكراه‬
‫في هذه الحالة ‪ ،‬ول دية ول قصاص عند بعضهم ‪ .‬إلّ إذا كان التّهديد بقتلٍ أشنع فعليه أن‬
‫يختار أهون الميتتين في إحدى الرّوايتين ‪.‬‬

‫أثر إكراه الصّبيّ على قتل غيره ‪:‬‬
‫‪ - 25‬إذا كان المكره على القتل صبيّا ‪ ،‬فإنّه يعتبر آل ًة في يد المكره عند الحنفيّة ‪ ،‬فل‬
‫قصاص ول دية ‪ ،‬وإنّما القصاص على المكرِه ( بالكسر ) ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى وجوب القصاص على المكره ( بالكسر ) ونصف الدّية على عاقلة الصّبيّ‬
‫‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى التّفرقة بين الصّبيّ المميّز ‪ ،‬وغير المميّز ‪.‬‬
‫فإن كان غير مميّزٍ ‪ ،‬اعتبر آل ًة عندهم ‪ ،‬ول شيء عليه ‪ ،‬ويجب القصاص على المكره ‪.‬‬
‫وإن كان مميّزا ‪ ،‬فيجب نصف الدّية على عاقلته ‪ ،‬والقصاص على المكرِه ( بالكسر ) ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ الصّبيّ غير المميّز إذا أكره على قتل غيره فل قصاص عليه ‪،‬‬
‫ل ‪ :‬ل يجب القصاص ل عليه وعلى من أكرهه‬
‫والقصاص على المكرِه ( بالكسر ) ‪ .‬وفي قو ٍ‬
‫‪ ،‬لنّ عمد الصّبيّ خطأ ‪ ،‬والمكرِه ( بالكسر ) شريك المخطئ ‪ ،‬ول قصاص على شريك‬
‫مخطئٍ ‪ .‬أمّا إذا كان الصّبيّ مميّزا فل يجب القصاص على المكرِه ( بالكسر ) ول يجب على‬
‫الصّبيّ المميّز ‪.‬‬

‫إكسال *‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫‪ - 1‬الكسال لغ ًة ‪ :‬مصدر أكسل ‪ ،‬وأكسل المجامع ‪ :‬خالط المرأة ولم ينزل ‪ ،‬أو عزل ولم‬
‫يرد ولدا ‪.‬‬
‫وعند الفقهاء ‪ :‬أن يجامع الرّجل ثمّ يفتر ذكره بعد اليلج ‪ ،‬فل ينزل ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العتراض ‪:‬‬
‫‪ - 2‬العتراض هو ‪ :‬عدم انتشار الذّكر للجماع ‪ .‬وقد يكون العتراض قبل اليلج أو بعده ‪.‬‬
‫فالعتراض ليس من الكسال ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العنّة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬العنّة ‪ :‬عجز الرّجل عن إتيان النّساء ‪ ،‬وقد يكون عنّينا عن امرأةٍ دون أخرى ‪.‬‬
‫والفرق بين العنّة والكسال واضح ‪.‬‬

‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬

‫‪ - 4‬ل يغيّر الكسال الحكام المتعلّقة بالجماع ‪ ،‬ول يختلف الجماع مع النزال عنه بدونه ‪،‬‬
‫إلّ ما حكي عن جماع ٍة من الصّحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬كانوا يقولون ‪ :‬ل غسل على من‬
‫جامع فأكسل يعني لم ينزل ‪ .‬ورووا في ذلك أحاديث عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫أمّا بقيّة الفقهاء فإنّه يجب الغسل عندهم وإن أكسل المجامع ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ « :‬إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم ينزل » والتقاء الختانين كناية عن اليلج ‪.‬‬
‫ن ‪ « :‬الماء من الماء » كان رخص ًة أرخص فيها‬
‫قال سهل بن سعدٍ ‪ :‬حدّثني أبيّ بن كعبٍ أ ّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ثمّ نهى عنها ‪.‬‬
‫ن الزّنا الّذي يجب به الحدّ يكون بمجرّد إيلج الحشفة ‪ ،‬ولو لم يكن من إنزالٍ ‪.‬‬
‫ولم يختلفوا أ ّ‬
‫ل بتغييب‬
‫ن الحصان ل يحصل إ ّ‬
‫كذلك يثبت الحصان بالجماع مع الكسال عند من يقول ‪ :‬إ ّ‬
‫الحشفة ‪.‬‬
‫وتحصل فيئة المولي إن غيّب حشفته ‪ ،‬وإن لم ينزل ‪ .‬وترفع العنّة بالوطء دون إنزالٍ أيضا ‪.‬‬
‫ويحصل التّحليل لمطلّق المرأة ثلثا بمجرّد اليلج من الزّوج الخر ‪ ،‬لحديث عائشة رضي‬
‫ال عنها ‪ « :‬أنّ رفاعة القرظيّ تزوّج امرأةً ثمّ طلّقها فتزوّجت آخر ‪ ،‬فأتت النّبيّ صلى ال‬
‫ل مثل هدب ٍة ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل ‪ .‬حتّى تذوقي‬
‫عليه وسلم فذكرت له ‪ :‬أنّه ل يأتيها وأنّه ليس معه إ ّ‬
‫عسيلته ويذوق عسيلتك » ‪ .‬رواه البخاريّ ‪.‬‬
‫وهذا قول الجمهور ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬العسيلة هي ‪ :‬الجماع ‪ ،‬وش ّذ الحسن البصريّ فقال ‪ :‬ل يحلّها‬
‫إلّ إذا أنزل ‪ ،‬وشذّ سعيد بن المسيّب فقال ‪ :‬يكفي في إحللها العقد ‪.‬‬
‫وتنظر مسائل أحكام الجماع في مصطلح ‪ ( :‬وطء ) ‪.‬‬

‫أكل *‬
‫حكم الطّعام المأكول ذاته ‪:‬‬

‫‪ - 1‬إنّ بيان ما يحلّ ويحرم من الطعمة ومعرفتهما من مهمّات الدّين ‪ .‬فقد ورد الوعيد‬
‫ل لحمٍ نبت من حرامٍ فالنّار‬
‫الشّديد على أكل الحرام ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ك ّ‬
‫أولى به » ‪.‬‬
‫وقد حرّم اللّه في القرآن العظيم أشياء كما في قوله تعالى ‪ { :‬حرّمت عليكم الميتة والدّم ولحم‬
‫ل ما‬
‫الخنزير وما أهلّ لغير اللّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع إ ّ‬
‫ذكّيتم وما ذبح على النّصب وأن تستقسموا بالزلم } ‪ .‬ونحوها من اليات ‪.‬‬
‫ل ذي نابٍ من‬
‫سنّة النّبويّة كما في قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ك ّ‬
‫وحرّمت أشياء بال ّ‬
‫السّباع فأكله حرام » ‪.‬‬
‫وسكت الشّرع عن أشياء ‪ .‬ويرجع إلى إيضاح ذلك كلّه تحت عنوان ( أطعمة ) ‪.‬‬

‫صفة الكل بالنّسبة للكل ‪:‬‬
‫‪ - 2‬إنّ الكل قد يكون فرضا ‪ ،‬يثاب النسان على فعله ويعاقب على تركه ‪ ،‬وذلك إذا كان‬
‫للغذاء بقدر ما يدفع عنه الهلك ‪ ،‬لنّ النسان مأمور بإحياء نفسه وعدم إلقائها إلى التّهلكة ‪.‬‬
‫وقد يكون واجبا ‪ ،‬وذلك بقدر ما يستطيع معه أداء الصّلة المفروضة عليه قائما ‪ ،‬وأداء‬
‫الصّوم الواجب ‪ ،‬لنّه من قبيل ما ل يتمّ الواجب إلّ به ‪.‬‬
‫ومنه مندوب ‪ ،‬وهو ما يعينه على تحصيل رزقه وتحصيل العلم وتعلّمه وتحصيل النّوافل ‪.‬‬
‫وقد يكون الكل مباحا يجوز للنسان أن يتناوله ‪ ،‬وذلك إلى حدّ الشّبع الّذي ل يضرّ معه‬
‫المتلء ‪ .‬وقد يكون حراما ‪ ،‬وهو ما فوق الشّبع ‪ ،‬وك ّل طعامٍ غلب على ظنّه أنّه يفسد‬
‫ل إذا كانت الزّيادة على‬
‫معدته ‪ ،‬لنّه إسراف منهيّ عنه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ول تسرفوا } إ ّ‬
‫الشّبع ل تضرّه ‪ ،‬وقصد بالكل القوّة على صوم الغد ‪ ،‬أو الزّيادة في الطّاعات ‪ ،‬أو لئلّ‬
‫يستحيي الحاضر معه بعد إتمام طعامه ‪ .‬وقد قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما مل آدميّ‬
‫وعاءً شرّا من بطنٍ ‪ ،‬بحسب ابن آدم أكلت يقمن صلبه ‪ ،‬فإن كان ل محالة فثلث لطعامه ‪،‬‬
‫وثلث لشرابه ‪ ،‬وثلث لنفسه » ‪.‬‬
‫ومن الكل ما هو مكروه ‪ ،‬وهو ما زاد على الشّبع قليلً ‪ ،‬فإنّه يتضرّر به ‪ ،‬وقد قال البعض‬
‫ن الكل ل ينبغي له أن يقصد به التّلذّذ والتّنعّم ‪ ،‬فإنّ اللّه تعالى ذمّ الكافرين بأكلهم للتّمتّع‬
‫‪:‬إّ‬
‫والتّنعّم وقال ‪ { :‬والّذين كفروا يتمتّعون ويأكلون كما تأكل النعام ‪ ،‬والنّار مثوًى لهم } ‪ .‬وقال‬
‫النّبيّ عليه الصلة والسلم « المسلم يأكل في معًى واحدٍ ‪ ،‬والكافر يأكل في سبعة أمعاءٍ » ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬والتّحقيق أنّه يجوز للنسان الكل بقصد التّمتّع والتّلذّذ بما أنعم اللّه علينا به ‪ ،‬لقصد‬
‫طيّبات‬
‫التّقوّي على أعمال الخير لقوله تعالى ‪ { :‬قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده وال ّ‬
‫من الرّزق قل هي للّذين آمنوا في الحياة الدّنيا خالصةً يوم القيامة } وأمّا الية الّتي احتجّ بها‬
‫ن اللّه تعالى ينعي عليهم أنّهم يتمتّعون بالطعمة الّتي رزقهم اللّه من غير أن‬
‫هذا القائل فإ ّ‬
‫يفكّروا في المنعم ‪ ،‬وأن يشكروه على نعمه ‪ .‬وأمّا الحديث فليس فيه دللة على ما احتجّوا‬
‫عليه ‪ ،‬وإنّما فيه النّعي على من أكثر من الطّعام ‪.‬‬

‫حكم الكل من الضحيّة والعقيقة ‪:‬‬

‫ب للمضحّي أن يأكل من أضحيّته ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فإذا‬
‫‪ - 3‬يتّفق الفقهاء على أنّه يستح ّ‬
‫ن الهدي والضحيّة من‬
‫وجبت جنوبها فكلوا منها ‪ } ...‬وهذا وإن كان واردا في الهدي إلّ أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا ضحّى أحدكم فليأكل من أضحيّته ويطعم‬
‫بابٍ واحدٍ ‪ .‬ولقول النّب ّ‬
‫منها غيره » ولنّه ضيف اللّه ع ّز شأنه في هذه اليّام ‪ ،‬فله أن يأكل من ضيافة اللّه تعالى ‪.‬‬

‫ن له أن يطعم غيره منها ‪ .‬وهذا التّفاق في الضحيّة الّتي لم تجب ‪ .‬أمّا‬
‫ويتّفقون كذلك على أ ّ‬
‫إذا وجبت الضحيّة ففي حكم الكل منها اختلف الفقهاء ‪.‬‬
‫ووجوبها يكون بالنّذر أو بالتّعيين ‪ ،‬وهي واجبة عند الحنفيّة من حيث الصل بشرط الغنى ‪،‬‬
‫ح عند الحنابلة ‪ ،‬أنّ‬
‫ولو اشتراها الفقير من أجل التّضحية وجبت عليه ‪ .‬فعند المالكيّة ‪ ،‬والص ّ‬
‫ن النّذر محمول على المعهود ‪ ،‬والمعهود من الضحيّة‬
‫له أن يأكل منها ويطعم غيره ‪ ،‬ل ّ‬
‫الشّرعيّة ذبحها والكل منها ‪ ،‬والنّذر ل يغيّر من صفة المنذور إلّ اليجاب ‪.‬‬
‫وعند بعض الحنابلة ‪ ،‬وهو ظاهر كلم أحمد ‪ :‬أنّه ل يجوز الكل من الضحيّة المنذورة ‪،‬‬
‫ل آخر للشّافعيّة ‪ :‬إن‬
‫بناءً على الهدي المنذور ‪ ،‬وهذا هو المذهب عند الشّافعيّة ‪ ،‬وفي قو ٍ‬
‫وجبت الضحيّة بنذرٍ مطلقٍ جاز له الكل منها ‪ .‬والحكم عند الحنفيّة ‪ -‬كما فصّله ابن عابدين‬
‫ أنّه يجوز للغنيّ الكل من الضحيّة الواجبة عليه ‪ ،‬كما يجوز له الكل من الضحيّة الّتي‬‫نذرها إن قصد بنذره الخبار عن الواجب عليه ‪ ،‬فإن كان النّذر ابتداءً فل يجوز له الكل منها‬
‫‪ .‬وبالنّسبة للفقير إذا وجبت عليه بالشّراء ‪ ،‬ففي أحد القولين ‪ :‬له الكل منها ‪ ،‬وفي القول‬
‫الثّاني ‪ :‬ل يجوز له الكل منها ‪ .‬هذا ما ذكره ابن عابدين توضيحا لما ذكره الزّيلعيّ من أنّه‬
‫ل يجوز الكل من الضحيّة المنذورة دون تفصيلٍ ‪.‬‬
‫ن الكاسانيّ ذكر في البدائع أنّه يجوز بالجماع ‪ -‬أي عند فقهاء الحنفيّة ‪ -‬الكل من‬
‫غير أ ّ‬
‫ل أم واجب ًة ‪ ،‬منذور ًة كانت أو واجبةً ابتداءً ‪.‬‬
‫الضحيّة ‪ ،‬سواء أكانت نف ً‬
‫‪ - 4‬ومن وجبت عليه أضحيّة فمضت أيّام النّحر قبل أن يذبحها ‪ ،‬فعند الجمهور يذبحها قضاءً‬
‫ن الذّبح أحد مقصودي الضحيّة فل يسقط‬
‫‪ ،‬ويصنع بها ما يصنع بالمذبوح في وقته ‪ ،‬ل ّ‬
‫بفوات وقته ‪ .‬وعند الحنفيّة ‪ :‬يجب عليه أن يتصدّق بها حيّةً ‪ ،‬ول يأكل من لحمها ‪ ،‬لنّه انتقل‬
‫الواجب من إراقة الدّم إلى التّصدّق ‪.‬‬
‫وإذا ولدت الضحيّة قبل التّضحية ‪ ،‬فحكم ولدها في الكل منه حكم المّ ‪ ،‬وهذا عند الجمهور‬
‫‪ .‬وعند الحنفيّة ‪ :‬ل يجوز الكل منه ‪ .‬ومن أوجب أضحيّ ًة ثمّ مات قام ورثته مقامه ‪ ،‬فيجوز‬
‫لهم الكل منها وإطعام غيرهم ‪ .‬وهذا عند المالكيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو المختار عند الحنفيّة ‪ :‬ل يجوز لهم الكل منها ‪ ،‬بل سبيلها التّصدّق ‪.‬‬
‫‪ -5‬والعقيقة ( وهي ما يذبح عن المولود ) حكمها في استحباب الكل منها ‪ ،‬وإطعام الغير‬
‫ن الحنفيّة ل يرونها واجبةً ‪ .‬وقد ورد في مراسيل أبي داود عن‬
‫منها حكم الضحيّة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال في العقيقة الّتي عقّتها فاطمة عن‬
‫ن النّب ّ‬
‫جعفر بن محمّدٍ عن أبيه أ ّ‬
‫الحسن والحسين ‪ «:‬أن يبعثوا إلى القابلة برجلٍ ‪ ،‬وكلوا وأطعموا ول تكسروا منها عظما » ‪.‬‬

‫حكم الكل من الكفّارات والنّذور ‪:‬‬

‫ن أو ظهارٍ أو إفطارٍ في نهار‬
‫‪ - 6‬يتّفق الفقهاء على أنّ من وجب عليه إطعام في كفّارة يمي ٍ‬
‫ن الكفّارة تكفير للذّنب ‪ .‬هذا‬
‫رمضان أو فدية الذى في الحجّ فإنّه ل يجوز له أن يأكل منه ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالنّسبة للمكفّر ‪.‬‬
‫أمّا المعطى ‪ -‬وهو المستحقّ ‪ -‬فعند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند الحنابلة ‪ :‬أنّه ل يكفي‬
‫إباحة الطعام ‪ ،‬وإنّه ل ب ّد من تمليك المستحقّ ‪ ،‬لنّ تدارك الجناية بالطعام أشبه البدل ‪،‬‬
‫والبدليّة تستدعي تمليك البدل ‪ ،‬ولنّ المنقول عن الصّحابة إعطاؤهم ‪ ،‬ففي قول زيدٍ وابن‬
‫ن وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم لكعبٍ في فدية‬
‫عبّاسٍ وابن عمر وأبي هريرة مدّا لكلّ مسكي ٍ‬
‫الذى ‪ « :‬أطعم ثلثة آص ٍع من تمرٍ بين ستّة مساكين » ولنّه مال وجب للفقراء شرعا فوجب‬
‫تمليكهم إيّاه كالزّكاة ‪ .‬وعلى ذلك فل يجزئ أن يغدّيهم ويعشّيهم ‪ ،‬لنّ ذلك يعتبر إباح ًة ل‬
‫تمليكا ‪.‬‬
‫والصل عند المالكيّة هو التّمليك ‪ ،‬وخاصّةً في كفّارتي الظّهار وفدية الذى ‪ ،‬لقول المام‬
‫ب الغداء والعشاء للمساكين ‪ ،‬حتّى حمل أبو الحسن كلم المام على الكراهة ‪،‬‬
‫مالكٍ ‪ :‬ل أح ّ‬
‫وحمله ابن ناجي على التّحريم ‪ .‬والعلّة في التّمليك هو خشية ألّ يبلغ ما يأكله الواحد منهم‬
‫مقدار الواجب إخراجه ‪ ،‬ولذلك قال مالك ‪ :‬ل أظنّه ( الغداء والعشاء ) يبلغ ذلك ( المقدار‬
‫الواجب إخراجه ) ومن هنا قال الدّردير ‪ :‬فلو تحقّق بلوغه أجزأ ‪.‬‬
‫وفي كفّارة اليمين يجزئ شبعهم مرّتين ‪ .‬وإجزاء الطعام بغداءٍ وعشاءٍ إن بلغ مقدار الواجب‬
‫لهم هو رواية عن المام أحمد ‪ ،‬لنّه أطعم المساكين ‪ ،‬فأجزأه كما لو ملّكهم ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة أنّ التّمليك ليس بشرطٍ لجواز الطعام بل الشّرط هو التّمكين ‪ .‬وإنّما يجوز‬
‫ن النّصّ ورد بلفظ الطعام { فكفّارته‬
‫التّمليك من حيث هو تمكين ‪ ،‬ل من حيث هو تمليك ‪ ،‬ل ّ‬
‫إطعام عشرة مساكين } والطعام في متعارف اللّغة اسم للتّمكين من المطعم ل التّمليك ‪ ،‬وإنّما‬
‫يطعمون على سبيل الباحة دون التّمليك ‪.‬‬
‫وفي النّذر ل يجوز للنّاذر الكل من نذره ‪ ،‬لنّه صدقة ‪ ،‬ول يجوز الكل من الصّدقة ‪ ،‬وهذا‬
‫ن الضحيّة المنذورة فيها خلف على ما سبق بيانه ‪ .‬وكذلك النّذر المطلق الّذي‬
‫في الجملة ‪ ،‬ل ّ‬
‫لم يعيّن للمساكين ‪ -‬ل بلفظٍ ول بنيّةٍ ‪ -‬يجوز الكل منه ‪ ،‬عند المالكيّة وبعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وبالنّسبة للمنذور له فذلك يكون بحسب كيفيّة النّذر ‪ ،‬فمن نذر إطعام المساكين أطعمهم ‪ ،‬ومن‬
‫نذر على سبيل التّمليك ملّكه لهم ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ( كفّارة ) ( ونذر ) ‪.‬‬

‫الكل من الوليمة والكل مع الضّيف ‪:‬‬

‫‪ - 7‬من دعي إلى طعام الوليمة ‪ -‬وهي طعام العرس ‪ -‬فإن كان مفطرا فإنّه يستحبّ له الكل‬
‫‪ ،‬وهذا باتّفاقٍ في الجملة ‪ ،‬لخبر مسلمٍ ‪ « :‬إذا دعي أحدكم إلى طعامٍ فليجب ‪ ،‬فإن كان صائما‬
‫فليصلّ ‪ .‬وإن كان مفطرا فليطعم » أي فليدع بالبركة ‪.‬‬
‫ووقع للنّوويّ في شرح مسلمٍ تصحيح وجوب الكل ‪ .‬وهو قول عند بعض المالكيّة ‪ .‬وإن‬
‫ب له الكل ‪ ،‬وإفطاره لجبر خاطر الدّاعي‬
‫كان صائما تطوّعا ‪ ،‬فعند الشّافعيّة والحنابلة يستح ّ‬
‫أفضل من إمساكه ولو آخر النّهار ‪ ،‬لما روي أنّه « صنع أبو سعيدٍ الخدريّ طعاما فدعا النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم وأصحابه فقال رجل من القوم ‪ :‬إنّي صائم ‪ ،‬فقال له رسول اللّه صلى‬
‫ن في الكل‬
‫ال عليه وسلم صنع لك أخوك وتكلّف لك أخوك أفطر وصم يوما مكانه » ‪ .‬ول ّ‬
‫إجابة أخيه المسلم وإدخال السّرور على قلبه ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة والمالكيّة يكتفي الصّائم بالدّعاء لصاحب الوليمة ‪ ،‬ومن أضاف أحدا وقدّم له‬
‫الطّعام فالمستحبّ أن يأكل صاحب الطّعام مع ضيفه ‪ ،‬وألّ يقوم عن الطّعام وغيره يأكل ‪ ،‬ما‬
‫دام يظنّ به حاجة إلى الكل ‪ ،‬قال المام أحمد ‪ :‬يأكل بالسّرور مع الخوان ‪ ،‬وباليثار مع‬
‫الفقراء ‪ ،‬وبالمروءة مع أبناء الدّنيا ‪.‬‬

‫آداب الكل ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬آداب ما قبل الكل ‪:‬‬
‫‪ - 8‬أ ّولً ‪ :‬من آداب الكل السّؤال عن الطّعام إذا كان ضيفا على أحدٍ ول يعرفه ‪ ،‬ول يطمئنّ‬
‫إلى ما قد يقدّمه إليه ‪ .‬فقد« كان الرّسول صلى ال عليه وسلم ل يأكل طعاما حتّى يحدّث أو‬
‫يسمّى له فيعرف ما هو» ‪ ،‬فقد روى البخاريّ عن « خالد بن الوليد أنّه دخل مع رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم على ميمونة ‪ ،‬وهي خالته وخالة ابن عبّاسٍ فوجد عندها ضبّا محنوذا‬
‫قدمت به أختها حفيدة ابن الحارث من نجدٍ فقدّمت الضّبّ لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫وكان قلّما يقدّم يده لطعامٍ حتّى يحدّث به ويسمّى له ‪ ،‬وأهوى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫يده إلى الضّبّ فقالت امرأة من النّسوة الحضور ‪ :‬أخبرن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ن له هو الضّبّ يا رسول اللّه ‪ ،‬فرفع رسول اللّه يده عن الضّبّ ‪ ،‬قال خالد بن‬
‫ن ما قدّمت ّ‬
‫أّ‬
‫الوليد ‪ :‬أحرام الضّبّ يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال‬
‫خالد ‪ :‬فاجتررته فأكلته ورسول اللّه صلى ال عليه وسلم ينظر إليّ » ‪ .‬وشرحه الزّركشيّ‬
‫ن العرب كانت ل تعاف شيئا من المآكل لقلّتها‬
‫فقال ‪ :‬قال ابن التّين ‪ :‬إنّما كان يسأل ‪ ،‬ل ّ‬
‫عندهم ‪ ،‬وكان هو صلى ال عليه وسلم قد يعاف بعض الشّيء ‪ ،‬فلذلك كان يسأل ‪ .‬ويحتمل‬
‫أنّه كان يسأل لنّ الشّرع ورد بتحريم بعض الحيوانات وإباحة بعضها ‪ ،‬وكانوا ل يحرّمون‬
‫منها شيئا ‪ ،‬وربّما أتوا به مشويّا أو مطبوخا فل يتميّز من غيره إلّ بالسّؤال عنه ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬المبادرة إلى الكل إذا قدّم إليه الطّعام من مضيفه ‪:‬‬
‫ن من كرامة الضّيف تعجيل التّقديم له ‪ ،‬ومن كرامة صاحب المنزل المبادرة إلى قبول‬
‫‪ - 9‬فإ ّ‬
‫طعامه والكل منه ‪ ،‬فإنّهم كانوا إذا رأوا الضّيف ل يأكل ظنّوا به شرّا ‪ ،‬فعلى الضّيف أن‬
‫ن في ذلك اطمئنانا لقلبه ‪.‬‬
‫يهدّئ خاطر مضيفه بالمبادرة إلى طعامه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ثالثا ‪ :‬غسل اليدين قبل الطّعام ‪:‬‬
‫‪ - 10‬يستحبّ غسل اليدين قبل الطّعام ‪ ،‬ليأكل بها وهما نظيفتان ‪ ،‬لئلّ يضرّ نفسه بما قد‬
‫ن ذلك لنفي الفقر ‪ ،‬لما في الحديث ‪ « :‬الوضوء قبل الطّعام‬
‫يكون عليهما من الوسخ ‪ .‬وقيل إ ّ‬
‫ينفي الفقر » ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬التّسمية قبل الكل ‪:‬‬
‫ب التّسمية قبل الكل ‪ ،‬والمراد بالتّسمية على الطّعام قول " باسم اللّه " في ابتداء‬
‫‪ - 11‬يستح ّ‬
‫الكل ‪ ،‬فقد روي عن عائشة مرفوعا ‪ « :‬إذا أكل أحدكم طعاما فليقل ‪ :‬باسم اللّه ‪ ،‬فإن نسي‬
‫ن الفضل أن يقول المرء ‪ :‬بسم‬
‫في أوّله فليقل ‪ :‬باسم اللّه في أوّله وآخره » ويرى النّوويّ أ ّ‬
‫سنّة ‪ ،‬لما روى عمر بن أبي سلمة‬
‫ال الرحمن الرحيم ‪ ،‬فإن قال ‪ :‬باسم اللّه كفاه وحصلت ال ّ‬
‫قال ‪ « :‬كنت غلما في حجر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصّحفة‬
‫ل ممّا يليك‬
‫‪ ،‬فقال لي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يا غلم ‪ :‬سمّ اللّه ‪ ،‬وكل بيمينك ‪ ،‬وك ّ‬
‫»‪.‬‬

‫خامسا ‪ :‬آداب الكل أثناء الطّعام وبعده ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الكل باليمين ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ينبغي للمسلم أن يأكل بيمينه ول يأكل بشماله ‪ ،‬فقد روت عائشة رضي ال عنها ‪ «:‬أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يعجبه التّيمّن في تنعّله وترجّله وطهوره في شأنه كلّه » ‪ .‬وقد‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل يأكلن أحد منكم‬
‫روي عن ابن عمر رضي ال عنهما أ ّ‬
‫ن بها ‪ ،‬فإنّ الشّيطان يأكل بشماله ويشرب بها » ‪.‬‬
‫بشماله ‪ ،‬ول يشرب ّ‬
‫وهذا إن لم يكن عذر ‪ ،‬فإن كان عذر يمنع الكل أو الشّرب باليمين من مرضٍ أو جراحةٍ أو‬
‫غير ذلك فل كراهة في الشّمال ‪.‬‬
‫ن النسان ينبغي أن يتجنّب الفعال الّتي تشبه أفعال الشّيطان ‪.‬‬
‫والحديث يشير إلى أ ّ‬
‫ب ‪ -‬الكل ممّا يليه ‪:‬‬
‫ن أن يأكل النسان ممّا يليه في الطّعام مباشر ًة ‪ ،‬ول تمتدّ يده إلى ما يلي الخرين ‪،‬‬
‫‪ - 13‬يس ّ‬
‫ول إلى وسط الطّعام ‪ ،‬لنّ أكل المرء من موضع صاحبه سوء عشرةٍ وترك مروء ٍة ‪ ،‬وقد‬
‫يتقذّره صاحبه ل سيّما في المراق وما شابهها ‪ ،‬وذلك لما روى ابن عبّاسٍ أنّ النّبيّ صلى ال‬

‫عليه وسلم قال ‪ « :‬إنّ البركة تنزل وسط الطّعام ‪ ،‬فكلوا من حافّتيه ول تأكلوا من وسطه » ‪.‬‬
‫وكذلك ما روي عن عمر بن أبي سلمة قال ‪ « :‬كنت غلما في حجر النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم وكانت يدي تطيش في الصّحفة ‪ ،‬فقال لي ‪ :‬يا غلم سمّ اللّه وكل بيمينك وكل ممّا يليك‬
‫ل أنّه إن كان الطّعام تمرا أو أجناسا فقد نقلوا إباحة‬
‫قال ‪ :‬فما زالت تلك طعمتي بعد » ‪ .‬إ ّ‬
‫اختلف اليدي في الطّبق ونحوه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬غسل اليد بعد الطّعام ‪:‬‬
‫سنّة بمجرّد الغسل بالماء ‪ ،‬قال ابن رسلن ‪ :‬والولى غسل اليد بالشنان أو‬
‫‪ - 14‬تحصل ال ّ‬
‫الصّابون أو ما في معناهما ‪ .‬فقد أخرج التّرمذيّ عن أنسٍ قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬إنّ الشّيطان حسّاس لحّاس ‪ ،‬فاحذرواه على أنفسكم ‪ ،‬من بات وفي يده غمر‬
‫ن إلّ نفسه » ‪.‬‬
‫فأصابه شيء فل يلوم ّ‬
‫ب قبل الكل وبعده ‪ ،‬ولو كان الشّخص على وضوءٍ ‪ .‬وروى سلمان عن‬
‫هذا والغسل مستح ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬بركة الطّعام الوضوء قبله ‪ ،‬والوضوء بعده » ‪ ،‬قال‬
‫الطّيبيّ ‪ :‬المراد بالوضوء تنظيف اليد بغسلها ‪ ،‬وليس الوضوء الشّرعيّ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المضمضة بعد الطّعام ‪:‬‬
‫‪ - 15‬المضمضة بعد الفراغ من الطّعام مستحبّة ‪ ،‬لما روى بشير بن يسارٍ عن سويد بن‬
‫النّعمان أنّه أخبره « أنّهم كانوا مع النّبيّ صلى ال عليه وسلم بالصّهباء ‪ -‬وهي على روحةٍ‬
‫ل سويقا فلك منه ‪ ،‬فلكنا معه ثمّ دعا‬
‫من خيبر ‪ -‬فحضرت الصّلة ‪ ،‬فدعا بطعامٍ فلم يجده إ ّ‬
‫بماءٍ فمضمض ‪ ،‬ث ّم صلّى وصلّينا ولم يتوضّأ » ‪.‬‬
‫هن – الدّعاء للمضيف ‪:‬‬
‫‪ -16‬فقد روى أنس أنّ « النّبيّ صلى ال عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبزٍ‬
‫وزيتٍ فأكل ‪ ،‬ثمّ قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أفطر عندكم الصّائمون ‪ ،‬وأكل طعامكم‬
‫البرار ‪ ،‬وصلّت عليكم الملئكة » ‪ .‬وعن جابرٍ وقال ‪ « :‬صنع أبو الهيثم بن النّبهان للنّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم طعاما فدعا النّبيّ صلى ال عليه وسلم وأصحابه ‪ ،‬فلمّا فرغوا قال ‪:‬‬
‫ن الرّجل إذا دخل بيته فأكل طعامه‬
‫أثيبوا أخاكم ‪ ،‬قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه وما إثابته ؟ قال ‪ :‬إ ّ‬
‫وشرب شرابه فدعوا له ‪ ،‬فذلك إثابته »‬
‫و‪ -‬الكل بثلثة أصابع ‪:‬‬
‫سنّة الكل بثلثة أصابع ‪ ،‬قال عياض ‪ :‬والكل بأكثر منها من الشّره وسوء الدب ‪،‬‬
‫‪ - 17‬ال ّ‬
‫ولنّه غير مضطرّ لذلك لجمعه اللّقمة وإمساكها من جهاتها الثّلث ‪ :‬وإن اضطرّ إلى الكل‬
‫بأكثر من ثلثة أصابع ‪ ،‬لخفّة الطّعام وعدم تلفيقه بالثّلث يدعمه بالرّابعة أو الخامسة ‪ .‬هذا إن‬
‫أكل بيده ‪ ،‬ول بأس باستعمال الملعقة ونحوها كما يأتي ‪.‬‬

‫ز ‪ -‬أكل اللّقمة السّاقطة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬إذا وقعت اللّقمة فليمط الكل عنها الذى وليأكلها ول يدعها للشّيطان ‪ ،‬لنّه ل يدري‬
‫موضع البركة في طعامه ‪ ،‬وقد يكون في هذه اللّقمة السّاقطة ‪ ،‬فتركها يفوّت على المرء بركة‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « كان إذا طعم‬
‫س رضي ال عنه أ ّ‬
‫الطّعام ‪ ،‬لما روي عن أن ٍ‬
‫طعاما لعق أصابعه الثّلث وقال ‪ :‬وإذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الذى وليأكلها ‪ ،‬ول‬
‫يدعها للشّيطان » ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عدم التّكاء أثناء الكل ‪:‬‬
‫‪ - 19‬وذلك لقوله صلى ال عليه وسلم « أمّا أنا فل آكل متّكئا » قال الخطّابيّ ‪ :‬المتّكئ هنا‬
‫الجالس معتمدا على وطا ٍء تحته ‪ ،‬كقعود من يريد الكثار من الطّعام ‪ .‬وسبب الحديث المذكور‬
‫قصّة العرابيّ المذكور في حديث عبد اللّه بن بسرٍ قال ‪ « :‬أهديت للنّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫شاةً ‪ ،‬فجثا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم على ركبتيه يأكل ‪ ،‬فقال أعرابيّ ‪ :‬ما هذه‬
‫الجلسة ؟ فقال ‪ :‬إنّ اللّه جعلني عبدا كريما ‪ ،‬ولم يجعلني جبّارا عنيدا … » واختلف في صفة‬
‫ن الكثار من الطّعام مذموم ‪ ،‬ومراده صلى ال عليه وسلم ذ ّم فعل من‬
‫التّكاء ‪ ،‬لكن مرادهم أ ّ‬
‫يستكثر الطّعام ‪ ،‬ومدح من ل يأكل إلّ البلغة من الزّاد ‪ ،‬ولذلك قعد مستوفزا ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬التّسوية بين الحاضرين على الطّعام ‪:‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أتى بعض حجر نسائه ‪،‬‬
‫‪ - 20‬فقد روي عن جابرٍ « أ ّ‬
‫فدخل ‪ ،‬ثمّ أذن لي فدخلت الحجاب عليها ‪ ،‬فقال ‪ :‬هل من غدا ٍء ؟ فقالوا ‪ :‬نعم ‪ .‬فأتي بثلثة‬
‫أقرصةٍ فوضعن على نبيّ‪ -‬مائدةٍ من خوصٍ‪ -‬فأخذ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قرصا‬
‫فوضعه بين يديه ‪ ،‬وأخذ قرصا آخر فوضعه بين يديّ ‪ ،‬ثمّ أخذ الثّالث فكسره اثنين ‪ ،‬فحمل‬
‫ل ‪ ،‬قال‬
‫نصفه بين يديه ونصفه بين يديّ ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬هل من أدمٍ ؟ قالوا ‪ :‬ل ‪ ،‬إلّ شيء من خ ّ‬
‫‪ :‬هاتوه ‪ ،‬فنعم الدم هو » ‪ .‬والتّسوية بين الحاضرين على الطّعام مستحبّة ‪ ،‬حتّى لو كان‬
‫بعض الحاضرين أفضل من بعضٍ ‪.‬‬
‫هذا ومن آداب الكل أثناء الطّعام إكرام الخبز ‪ ،‬لحديث عائشة مرفوعا ‪ « :‬أكرموا الخبز‬
‫» ‪ ،‬وعدم البصاق والمخاط حال الكل إلّ لضرورةٍ ‪ .‬ومن آدابه كذلك الكل مع الجماعة ‪،‬‬
‫والحديث غير المحرّم على الطّعام ‪ ،‬ومؤاكلة صغاره وزوجاته ‪ ،‬وألّ يخصّ نفسه بطعامٍ إلّ‬
‫ن أو طيّبٍ ‪ .‬وإذا فرغ‬
‫لعذرٍ كدواءٍ ‪ ،‬بل يؤثرهم على نفسه فاخر الطّعام ‪ ،‬كقطعة لحمٍ وخبزٍ ليّ ٍ‬
‫ضيفه من الطّعام ورفع يده قال صاحب الطّعام ‪ :‬كل ‪ ،‬ويكرّرها عليه ما لم يتحقّق أنّه اكتفى‬
‫منه ‪ ،‬ول يزيد على ثلث مرّاتٍ ‪ ،‬وأن يتخلّل ‪ ،‬ول يبتلع ما يخرج من أسنانه بالخلل بل‬
‫يرميه ‪.‬‬

‫آداب الكل بعد الفراغ منه ‪:‬‬
‫‪ - 22‬يسنّ أن يقول الكل ما ورد من حمد اللّه والدّعاء بعد تمام الكل ‪ ،‬فقد كان النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم إذا رفع مائدته قال ‪ « :‬الحمد للّه حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه غير مكفيّ ول‬
‫مو ّدعٍ ول مستغنًى عنه ربّنا » وقد كان الرّسول صلى ال عليه وسلم إذا أكل طعاما غير اللّبن‬
‫قال ‪ « :‬اللّهمّ بارك لنا فيه ‪ ،‬وأطعمنا خيرا منه » وإذا شرب لبنا قال ‪ « :‬اللّهمّ بارك لنا فيه ‪،‬‬
‫وزدنا منه » ‪ .‬وقد روى ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال‬
‫‪ « :‬من أطعمه اللّه طعاما فليقل ‪ :‬اللّهمّ بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ‪ ،‬ومن سقاه اللّه لبنا‬
‫فليقل ‪ :‬اللّهمّ بارك لنا فيه وزدنا منه » ‪.‬‬

‫آداب عامّة في الكل ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عدم ذمّ الطّعام ‪:‬‬

‫‪ - 23‬روى أبو هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬ما عاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم طعاما‬
‫قطّ ‪ ،‬إن اشتهاه أكله ‪ ،‬وإن كرهه تركه » والمراد الطّعام المباح ‪ ،‬أمّا الحرام فكان يعيبه‬
‫ويذمّه وينهى عنه ‪ .‬وذهب بعضهم إلى أنّه إن كان العيب من جهة الخلقة كره ‪ ،‬وإن كان من‬
‫ن صنعة اللّه ل تعاب وصنعة الدميّين تعاب ‪ .‬والّذي يظهر‬
‫جهة الصّنعة لم يكره ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن فيه كسر قلب الصّانع ‪.‬‬
‫التّعميم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ل يعاب كقوله ‪ :‬مالح ‪ ،‬حامض ‪ ،‬قليل الملح ‪ ،‬غليظ‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬من آداب الطّعام المتأكّدة أ ّ‬
‫ن المرء قد ل‬
‫‪ ،‬رقيق ‪ ،‬غير ناضجٍ ‪ ،‬وغير ذلك ‪ -‬قال ابن بطّالٍ ‪ :‬هذا من حسن الداب ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن في أكله من قبل الشّرع ليس فيه عيب ‪.‬‬
‫يشتهي الشّيء ويشتهيه غيره ‪ ،‬وكلّ مأذو ٍ‬

‫ب ‪ -‬استعمال الملعق والسّكاكين وأدوات الطّعام ‪:‬‬

‫سكّين وما في معناه ‪ ،‬لخبر الصّحيحين عن « عمرو بن أميّة الضّمريّ‬
‫‪ - 24‬يجوز استعمال ال ّ‬
‫أنّه رأى النّبيّ صلى ال عليه وسلم يحتزّ من كتف شاةٍ في يده ‪ ،‬فدعي إلى الصّلة ‪ ،‬فألقاها‬
‫سكّين الّتي يحتزّ بها ‪ ،‬ثمّ قام فصلّى ولم يتوضّأ » ‪.‬‬
‫وال ّ‬
‫ح ‪ .‬وقال‬
‫وأمّا خبر « ل تقطعوا اللّحم بالسّكّين » فقد سئل عنه المام أحمد فقال ‪ :‬ليس بصحي ٍ‬
‫ح ‪ :‬أمّا تقطيع الخبز بالسّكّين فلم أجد فيه كلما ‪.‬‬
‫ابن مفل ٍ‬

‫ج ‪ -‬تحرّي الكل من الحلل ‪:‬‬
‫ل أن تكون تجارةً‬
‫‪ - 25‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا ل تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إ ّ‬
‫عن تراضٍ منكم } ‪ .‬وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يحلبن أحد ماشية امرئٍ بغير‬
‫ب أحدكم أن تؤتى مشربته ‪ ،‬فتكسر خزانته ‪ ،‬فينتقل طعامه ‪ ،‬فإنّما تخزّن لهم‬
‫إذنه ‪ ،‬أيح ّ‬
‫ضروع ماشيتهم أطعماتهم ‪ ،‬فل يحلبن أحد ماشية أحدٍ إلّ بإذنه »‪.‬‬

‫قال الشّافع يّ رح مه ال ‪ :‬أ صل المأكول والمشروب إذا لم ي كن لمال كٍ من الدميّ ين ‪ ،‬أو أحلّه‬
‫ل في كتابه أو على لسان نبيّه صلى ال عليه وسلم‬
‫مالكه ‪ ،‬أنّه حلل إلّ ما حرّم اللّه عزّ وج ّ‬
‫ل أن يحرّم ‪.‬‬
‫فإنّ ما حرّم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لزم في كتاب اللّه عزّ وج ّ‬
‫ويحرم ما لم يختلف المسلمون في تحريمه ‪ ،‬وكان في معنى كتابٍ أو سنّ ٍة أو إجماعٍ ‪ ،‬فإن‬
‫ن كلّ ما كان مباح الصل يحرم بمالكه ‪ ،‬حتّى يأذن فيه مالكه فالحجّة‬
‫قال قائل فما الحجّة في أ ّ‬
‫ل قال ‪ { :‬ل تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلّ أن تكون تجارةً عن تراضٍ‬
‫ن اللّه عزّ وج ّ‬
‫فيه ‪ :‬أ ّ‬
‫منكم } ‪ .‬وقال تبارك وتعالى { وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحل ًة فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسا‬
‫ي كثير ٍة في كتاب اللّه عزّ وجلّ‬
‫فكلوه هنيئا مريئا } وقال ‪ { :‬وآتوا اليتامى أموالهم } ‪ ،‬مع آ ٍ‬
‫ل بطيب أنفسهم ‪.‬‬
‫حظر فيها أموال النّاس إ ّ‬
‫وممّا روي في تحريم مال الغير بغير إذنه ما ورد عن عميرٍ مولى أبي اللّحم قال ‪ « :‬أقبلت‬
‫مع سادتي نريد الهجرة ‪ ،‬حتّى أن دنونا من المدينة ‪ ،‬قال ‪ :‬فدخلوا المدينة ‪ ،‬وخلّفوني في‬
‫ظهرهم قال ‪ :‬فأصابني مجاعة شديدة ‪ ،‬قال ‪ :‬فمرّ بي بعض من يخرج من المدينة فقالوا لي ‪:‬‬
‫لو دخلت المدينة فأصبت من تمر حوائطها ‪ ،‬فدخلت حائطا ‪ ،‬فقطعت منه قنوين ‪ ،‬فأتاني‬
‫صاحب الحائط ‪ ،‬فأتى بي إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وأخبره خبري ‪ ،‬وعليّ ثوبان ‪،‬‬
‫فقال لي ‪ :‬أيّهما أفضل ؟ فأشرت له إلى أحدهما ‪ ،‬فقال ‪ :‬خذه ‪ ،‬وأعطى صاحب الحائط الخر‬
‫‪ ،‬وأخلى سبيلي » وفي هذا دليل على أنّ الحاجة ل تبيح القدام على مال الغير مع وجود ما‬
‫يمكن النتفاع به أو بقيمته ‪ ،‬ولو كان ممّا تدعو حاجة النسان إليه ‪ ،‬فإنّه هنا أخذ أحد ثوبيه ‪،‬‬
‫ودفعه إلى صاحب النّخل ‪.‬‬

‫ما يترتّب على قاعدة تحرّي الحلل في الكل ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حكم المضطرّ ‪:‬‬

‫ل ميتةً أو نحوها من المحرّمات أو مال‬
‫‪ - 26‬من غلب على ظنّه هلك نفسه ‪ ،‬ولم يجد إ ّ‬
‫الغير ‪ ،‬لزمه الكل منه بقدر ما يحيي نفسه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ول تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } ‪.‬‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬فمن اضطرّ غير باغٍ } أي على مضطرّ آخر { ول عادٍ } أي سدّ الجوعة‬
‫فأكل { فل إثم عليه } ‪ .‬قال الزّركشيّ ‪ :‬وينبغي أن يكون خوف حصول الشّين الفاحش في‬
‫ن ‪ ،‬كما في الكراه على‬
‫عض ٍو ظاهرٍ ‪ ،‬كخوف طول المرض كما في التّيمّم ‪ .‬واكتفى بالظّ ّ‬
‫أكل ذلك ‪ ،‬فل يشترط فيه التّيقّن ول الشراف على الموت ‪.‬‬
‫وللمضطرّ أن يأكل ما يسدّ الرّمق أي ما يحفظ الحياة وهو مذهب أبي حنيفة والشّافعيّ ‪ ،‬وهو‬
‫ص الموطّأ ‪ :‬ومن أحسن ما سمعته في الرّجل يضطرّ‬
‫الظهر عند الحنابلة ‪ .‬قال الموّاق ‪ :‬ون ّ‬
‫إلى الميتة أنّه يأكل منها حتّى يشبع ويتزوّد منها ‪ ،‬فإن وجد عنها غنًى طرحها ‪ .‬ويحرم الكل‬

‫من الميتة على المضطرّ في سفر المعصية ‪ ،‬كقاطع الطّريق والبق ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فمن‬
‫اضطرّ غير باغٍ ول عادٍ فل إثم عليه } قال مجاهد ‪ :‬غير باغٍ على المسلمين ول عادٍ عليهم ‪.‬‬
‫وقال سعيد بن جبيرٍ ‪ :‬إذا خرج يقطع الطّريق فل رخصة له ‪ .‬فإن تاب وأقلع عن معصيته‬
‫حلّ له الكل ‪ .‬وفي ذلك خلف وتفصيل يرجع إليه تحت عنوان ( اضطرار ) ‪ .‬وإن اضطرّ‬
‫فلم يجد ميت ًة ‪ ،‬ومع رجلٍ شيء كان له أن يكابره ‪ ،‬وعلى الرّجل أن يعطيه ‪ ،‬وإذا كابره‬
‫أعطاه ثمنه وافيا ‪ ،‬فإن كان إذا أخذ شيئا خاف مالك المال على نفسه لم يكن له مكابرته ‪ .‬قال‬
‫القرافيّ في الذّخيرة ‪ :‬وإذا أكل مال مسلمٍ اقتصر على سدّ الرّمق ‪ ،‬إلّ أن يعلم طول الطّريق‬
‫ن مواساته تجب إذا جاع ‪.‬‬
‫فليتزوّد ‪ ،‬ل ّ‬

‫ب ‪ -‬الكل من بستان الغير وزرعه دون إذنه ‪:‬‬
‫‪ - 27‬قال صاحب المغني من الحنابلة ‪ :‬من مرّ ببستان غيره يباح له الكل منه ‪ ،‬من غير‬
‫ل ذلك إذا لم يكن للبستان حائط ‪ ،‬أي جدار‬
‫فرقٍ بين أن يكون مضطرّا إلى الكل أو ل ‪ ،‬ومح ّ‬
‫يمنع الدّخول إليه لحرزه ‪ ،‬لما في ذلك من الشعار بعدم الرّضى ‪.‬‬
‫ودليل ذلك ما روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إذا أتى أحدكم حائطا ‪ ،‬فأراد‬
‫ل فليأكل ‪ ،‬وإذا مرّ أحدكم بإبلٍ‬
‫أن يأكل ‪ ،‬فليناد ‪ :‬يا صاحب الحائط ‪ ،‬ثلثا ‪ ،‬فإن أجابه وإ ّ‬
‫فأراد أن يشرب من ألبانها ‪ ،‬فليناد ‪ :‬يا صاحب البل أو يا راعي البل ‪ ،‬فإن أجابه ‪ ،‬وإلّ‬
‫فليشرب » ‪.‬‬
‫وروي عن أحمد أنّه قال ‪ :‬يأكل ممّا تحت الشّجر ‪ ،‬وإذا لم يكن تحت الشّجر فل يأكل ثمار‬
‫ب بحجرٍ ‪ ،‬ول يرمي ‪ ،‬لنّ هذا يفسد ‪ .‬غير أنّه يمتنع على‬
‫النّاس وهو غنيّ ‪ ،‬ول يأكل بضر ٍ‬
‫النسان أن يأخذ خبنةً ‪ ،‬وهي ما تحمله وتخرج به من ثمار الغير ‪ ،‬لنّ هذا منهيّ عنه بنصّ‬
‫الحديث الشّريف ‪ ،‬فقد « سئل النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن الثّمر المعلّق فقال ‪ :‬من أصاب‬
‫بفيه من ذي حاجةٍ غير متّخذٍ خبن ًة فل شيء عليه ‪ ،‬ومن خرج بشيءٍ منه فعليه غرامة مثليه‬
‫والعقوبة » ‪.‬‬
‫ح عندهم‬
‫وقول المالكيّة كقول الحنابلة ‪ ،‬ولكن قيّدوه بحال الحاجة ‪ .‬أمّا في غير الحاجة فالص ّ‬
‫المنع ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة قال النّوويّ ‪ :‬من مرّ بثمر غيره أو زرعه لم يجز له أن يأخذ منه ‪ ،‬ول يأكل‬
‫ل أن يكون مضطرّا فيأكل ويضمن ‪.‬‬
‫بغير إذن صاحبه إ ّ‬
‫وحكم الثّمار السّاقطة من الشجار حكم سائر الثّمار إن كانت داخل الجدار ‪ ،‬فإن كانت‬
‫خارجه فكذلك إن لم تجر عادتهم بإباحتها ‪ ،‬فإن جرت بذلك ‪ ،‬فهل تجري العادة المطّردة‬
‫مجرى الباحة ؟ والصحّ ‪ :‬أنّها تجري مجرى الباحة ‪.‬‬

‫وأمّا الكل من الزّرع فعن أحمد فيه روايتان ‪ :‬إحداهما قال ‪ :‬ل يأكل ‪ ،‬إنّما رخّص في‬
‫ن الثّمار خلقها اللّه‬
‫س منه ‪ .‬ووجهه أ ّ‬
‫الثّمار وليس الزّرع ‪ ،‬وقال ‪ :‬ما سمعنا في الزّرع أن يم ّ‬
‫للكل رطبةً ‪ ،‬والنّفوس تتشوّق إليها ‪ ،‬والزّرع بخلفها ‪.‬‬
‫ن العادة جارية بأكله رطبا ‪ ،‬أشبه الثّمر ‪ .‬وكذلك‬
‫والرّواية الثّانية ‪ :‬قال يأكل من الفريك ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحكم في الباقلء والحمّص وشبهه ممّا يؤكل رطبا ‪ ،‬فأمّا الشّعير وما لم تجر العادة بأكله فل‬
‫ل بإذنٍ ‪ ،‬لما فيه من‬
‫ل يؤكل منها إ ّ‬
‫يجوز الكل منه ‪ ،‬قال ‪ :‬والولى في الثّمار وغيرها أ ّ‬
‫الخلف والخبار الدّالّة على التّحريم ‪.‬‬
‫وعنه أيضا في حلب الماشية روايتان ‪ :‬إحداهما يجوز له أن يحلب ويشرب ول يحمل ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬ل يجوز له أن يحلب ول يشرب ‪ ،‬ولكلّ منهما ما يسنده من قول الرّسول صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ .‬فالباحة يسندها الحديث المتقدّم ‪.‬‬
‫ل له حديث الرّسول صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل يحلبن أحد ماشية امرئٍ بغير‬
‫والحظر يد ّ‬
‫ب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه ‪ ،‬فإنّما تخزّن لهم ضروع‬
‫إذنه ‪ ،‬أيح ّ‬
‫ماشيتهم أطعماتهم ‪ ،‬فل يحلبن أحد ماشية أحدٍ إلّ بإذنه » ‪.‬‬

‫حكم أخذ النّثار في العرس وغيره ‪:‬‬
‫‪ - 28‬النّثار مكروه في العرس وغيره ‪ ،‬روي ذلك عن أبي مسعودٍ البدريّ وعكرمة وابن‬
‫سيرين وعطاءٍ وعبد اللّه بن يزيد الخطميّ وطلحة وزبي ٍد الياميّ ‪ ،‬وبه قال مالك والشّافعيّ‬
‫ن فيه نهبا‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « نهى عن النّهبى والمثلة » ‪ .‬ول ّ‬
‫وأحمد لما روي أ ّ‬
‫وتزاحما وقتالً ‪ ،‬وربّما أخذه من يكره صاحب النّثار لحرصه وشرهه ودناءة نفسه ‪ ،‬ويحرمه‬
‫من يحبّ صاحبه لمروءته وصيانة نفسه وعرضه ‪ .‬والغالب هذا ‪ ،‬فإنّ أهل المروءات‬
‫ن في هذا دناءةً‬
‫يصونون أنفسهم عن مزاحمة سفلة النّاس على شيءٍ من الطّعام أو غيره ‪ ،‬ول ّ‬
‫ب معالي المور ويكره سفسافها ‪.‬‬
‫‪ ،‬واللّه يح ّ‬
‫وروي عن أحمد رواية ثانية ‪ :‬أنّه ليس بمكرو ٍه ‪ ،‬اختارها أبو بكرٍ ‪ ،‬وهو قول الحسن وقتادة‬
‫ط قال ‪ « :‬قرّب إلى‬
‫والنّخعيّ وأبي حنيفة وأبي عبيدٍ وابن المنذر ‪ ،‬لما روى عبد اللّه بن قر ٍ‬
‫ن يبدأ ‪،‬‬
‫ت ‪ ،‬فطفقن يزدلفن إليه ‪ ،‬بأيّته ّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم خمس بدناتٍ أو س ّ‬
‫فنحرها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وقال كلمةً لم أسمعها ‪ ،‬فسألت من قرب منه فقال قال‬
‫ي صلى ال عليه وسلم دعي‬
‫ن النّب ّ‬
‫‪ :‬من شاء اقتطع » وهذا جارٍ مجرى النّثار ‪ ،‬وقد روي « أ ّ‬
‫ب فأنهب عليه » ‪ .‬قال الرّاوي « ونظرت إلى رسول‬
‫إلى وليمة رجلٍ من النصار ثمّ أتوا بنه ٍ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم يزاحم النّاس أو نحو ذلك ‪ ،‬قلت ‪ :‬يا رسول اللّه أو ما نهيتنا عن‬
‫النّهبة ؟ قال ‪ :‬نهيتكم عن نهبة العساكر » ولنّه نوع إباح ٍة فأشبه إباحة الطّعام للضّيفان ‪.‬‬

‫زمان الكل بالنّسبة للصّائم ‪:‬‬
‫ن للصّائم أن يؤخّر سحوره إلى آخر اللّيل مع تحقّق بقاء اللّيل ‪ ،‬وأن يعجّل فطوره‬
‫‪ - 29‬يس ّ‬
‫بعد التّيقّن من غروب الشّمس ‪ .‬وتفصيل ذلك ينظر تحت عنوان ( الصّوم ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫أكولة *‬

‫‪ - 1‬الكولة لغةً ‪ :‬صيغة مبالغ ٍة ‪ ،‬بمعنى ‪ :‬كثيرة الكل ‪ ،‬وتكون بمعنى المفعول أيضا أي‬
‫المأكولة ‪ ،‬وفي الحديث ‪ « :‬نهي المصدّق عن أخذ الكولة من النعام في الصّدقة » ‪.‬‬
‫واختلف في تفسير الكولة فقيل ‪ :‬هي الشّاة الّتي تعزل للكل وتسمّن ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬أكولة غنم الرّجل ‪ :‬الخصيّ والهرمة والعاقر والكبش ‪.‬‬
‫وعند الفقهاء ‪ :‬شاة اللّحم تسمّن لتؤكل ‪ ،‬ذكرا كان أو أنثى ‪ ،‬وكذا توصف به المرأة الكثيرة‬
‫الكل ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ال ّربّى ‪ :‬الشّاة الّتي تربّى للّبن ‪ ،‬وهي من كرائم الموال مثل الشّاة الكولة ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬

‫‪ - 3‬يتّفق الفقهاء على أنّه ليس للسّاعي أن يأخذ الكولة من الغنم ‪ ،‬لنّها من كرائم الموال ‪.‬‬
‫« لقوله لمعاذٍ حين بعثه إلى اليمن ‪ :‬إيّاك وكرائم أموالهم » رواه الجماعة ‪ ،‬هذا إن كانت الغنم‬
‫ل برضى المالك ‪ .‬فإن‬
‫خيارا ولئاما ‪ ،‬وكذا إن كانت كلّها لئاما ‪ ،‬ل يأخذ السّاعي الكولة إ ّ‬
‫كانت كلّها خيارا فإنّ من الفقهاء من قال ‪ :‬تجب الكولة ‪ ،‬ومنهم من قال ‪ :‬تكفي الوسط ‪.‬‬
‫‪ - 4‬والزّوجة الكولة ل تختلف عن غيرها في مقدار النّفقة عند من يقدّر للزّوجة بحسب يسار‬
‫ن المالكيّة قالوا ‪:‬‬
‫الزّوج أو إعساره ‪ ،‬وكذا ل تختلف عن غيرها عند من يقول بالكفاية ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫ن الزّوجة الكولة يجب لها كفايتها من الكل أو يطلّقها ‪ ،‬ول خيار له في فسخ النّكاح‬
‫إّ‬
‫ل فله ردّها ما لم ترض بالوسط ‪.‬‬
‫وإمضائه ‪ ،‬وهذا ما لم يشترط كونها غير أكولةٍ ‪ ،‬وإ ّ‬

‫ألبسة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬اللبسة ‪ :‬جمع لباسٍ ‪ ،‬وهو ما يستر البدن ويدفع الحرّ والبرد ‪ ،‬ومثله الملبس ‪ ،‬واللّبس‬
‫بالكسر ‪ .‬ولبس الكعبة والهودج ‪ :‬كسوتهما ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬لبست امرأ ًة ‪ ،‬أي تمتّعت بها زمانا ‪ .‬ولباس كلّ شيءٍ غشاؤه ‪ .‬واللّبوس بفتح اللّام ما‬
‫يلبس ‪ ،‬وقوله تعالى ‪ { :‬وعلّمناه صنعة لبوسٍ لكم } يعني الدّرع ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يا بني‬

‫آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ‪ ،‬ولباس التّقوى ذلك خير ‪ ،‬ذلك من آيات اللّه‬
‫لعلّهم ي ّذكّرون } ‪..‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬استعمال اللّباس تعتريه الحكام الخمسة ‪ :‬فالفرض منه ‪ :‬ما يستر العورة ويدفع الحرّ‬
‫والبرد ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجدٍ } أي ما يستر عورتكم عند‬
‫الصّلة ‪.‬‬
‫والمندوب إليه أو المستحبّ ‪ :‬هو ما يحصل به أصل الزّينة وإظهار النّعمة ‪ ،‬قال تعالى ‪{ :‬‬
‫وأمّا بنعمة ربّك فحدّث } ‪ ،‬وعن أبي الحوص عن أبيه قال ‪ « :‬دخلت على النّبيّ صلى ال‬
‫ل المال قد أتاني اللّه تعالى‬
‫عليه وسلم فرآني سيّئ الهيئة فقال ‪ :‬ألك شيء ؟ قلت ‪ :‬نعم ‪ .‬من ك ّ‬
‫فقال ‪ :‬إذا كان لك مال فلير عليك » ‪ .‬وعن ابن عمرٍو رضي ال عنهما أنّ النّبيّ صلى ال‬
‫ب أن يرى أثر نعمته على عبده » ‪ .‬ومن المندوب ‪ :‬اللّبس‬
‫عليه وسلم قال ‪ « :‬إنّ اللّه يح ّ‬
‫ن النّبيّ‬
‫للتّزيّن ‪ ،‬ول سيّما في الجمع والعياد ومجامع النّاس ‪ ،‬لحديث عائشة رضي ال عنها أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ما على أحدكم إن وجد سع ًة أن يتّخذ ثوبين ليوم الجمعة غير‬
‫ثوبي مهنته » ومحلّه إذا لم يكن للتّكبّر ‪.‬‬
‫والمكروه ‪ :‬هو اللّباس الّذي يكون مظنّةً للتّكبّر والخيلء ‪ ،‬لحديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬وكلوا واشربوا والبسوا من غير إسرافٍ ول‬
‫عن جدّه أ ّ‬
‫س رضي ال عنهما قال ‪ :‬كل ما شئت ‪ ،‬والبس ما شئت ‪ ،‬ما‬
‫مخيلةٍ » ‪ .‬وعن ابن عبّا ٍ‬
‫أخطأتك اثنتان ‪ :‬سرف ومخيلة والمخيلة هي الكبر ‪ .‬وقال ‪ :‬عبد اللّه بن عمرٍو ‪ « :‬قلت يا‬
‫رسول اللّه ‪ :‬أمن الكبر أن يكون لي الحلّة فألبسها ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قلت ‪ :‬أمن الكبر أن تكون لي‬
‫راحلة فأركبها ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قلت ‪ :‬أمن الكبر أن أصنع طعاما فأدعو أصحابي ؟ قال ‪ :‬ل ‪.‬‬
‫الكبر أن تسفّه الحقّ وتغمص النّاس » وسفه الحقّ ‪ :‬جهله ‪ .‬وغمص النّاس ‪ :‬احتقارهم ‪.‬‬
‫والحرام ‪ :‬هو اللّبس بقصد الكبر والخيلء ‪ ،‬لما ورد في الحاديث السّابقة ‪.‬‬
‫ومن الحرام لبس الحرير والذّهب مثلً بالنّسبة للرّجال ‪ ،‬ولو بحائلٍ بينه وبين بدنه ‪ ،‬ما لم‬
‫يدع إلى لبسه ضرورة ‪ ،‬أو مرض كحكّةٍ به ‪ ،‬فيلبس الحرير لذلك ‪ ،‬لما روي عن عليّ رضي‬
‫ال عنه قال ‪ « :‬أخذ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم حريرا فجعله في يمينه ‪ ،‬وذهبا فجعله‬
‫ن هذين حرام على ذكور أمّتي » ‪ .‬وعن أبي موسى الشعريّ رضي ال‬
‫في شماله ‪ .‬فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬حرّم لباس الحرير والذّهب على ذكور أمّتي ‪،‬‬
‫عنه أ ّ‬
‫ل لناثهم » ‪ .‬وعن ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما قال ‪ « :‬إنّما نهى النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وأح ّ‬

‫وسلم عن الثّوب المصمت من الحرير » أي الخالص الّذي ل يخالطه شيء ‪ ،‬وهذا ما عليه‬
‫عامّة الفقهاء ‪ .‬ولتفصيله ينظر مصطلح ( حرير ) ( وذهب ) ‪.‬‬

‫حكمة مشروعيّة اللّباس ‪:‬‬
‫‪ - 3‬لمّا كان في إظهار العورة أمام الغير على نحو ما كان في الجاهليّة إخلل بالصّفة‬
‫النسانيّة الكريمة والداب العامّة ‪ ،‬ولما يسبّبه كشفها من إخللٍ بالخلق وذيوع مفاسد‬
‫عظيمة الثر بين أفراد المجتمع ‪ ،‬كان ل بدّ للشّارع تكريما للنسان ‪ -‬كما في قوله سبحانه‬
‫وتعالى ‪ { :‬ولقد كرّمنا بني آدم }‬
‫واحتراما لدميّته ‪ ،‬وتمييزا له عن سائر الحيوانات ‪ ،‬من أن يحفظ عليه إنسانيّته ‪ ،‬فأنعم عليه‬
‫بنعمه الّتي ل تعدّ ول تحصى ‪ ،‬وكان منها اللّباس شرع ًة منه للدميّين لتستر به عوراتهم ‪،‬‬
‫ل من قبح العري الّذي كان متفشّيا بينهم‬
‫وليكون لهم بهذا السّتر ما يزيّنهم ويجمّلهم ‪ ،‬بد ً‬
‫وشناعته مظهرا ومخبرا ‪ ،‬وفي هذا يقول اللّه تبارك وتعالى ‪ { :‬يا بني آدم قد أنزلنا عليكم‬
‫لباسا يواري سوآتكم وريشا ‪ ،‬ولباس التّقوى ذلك خير ‪ ،‬ذلك من آيات اللّه لعلّهم ي ّذكّرون }‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجدٍ ‪ ،‬وكلوا واشربوا ول تسرفوا ‪ ،‬إنّه ل‬
‫يحبّ المسرفين } فقد أمر سبحانه بأخذ الزّينة وأهمّها ستر العورة ‪ ،‬وتفصيل ما يتّصل بستر‬
‫العورة ينظر في ( استتار ‪ ،‬وعورة ‪ ،‬وصلة ) ‪.‬‬

‫حكم اللبسة تبعا لذواتها ‪:‬‬

‫ل ما ورد نصّ بتحريمه‬
‫‪ - 4‬الصل في اللّباس الح ّل مهما كانت المادّة الّتي صنع منها إ ّ‬
‫كالحرير للذّكور ‪ ،‬وتفصيله في مصطلح ( حرير ) ‪.‬‬
‫وكذلك ما كان من جلود الميتة وما ل يزكّى ‪ ،‬فإذا دبغت طهرت ‪ ،‬وح ّل لبسها ولو في‬
‫الصّلة ‪ .‬وتفصيله في ( إهاب ) ( ودباغة ) ‪.‬‬
‫وأمّا الملبس المصنوعة من الصّوف أو الشّعر أو الوبر ‪ ،‬فإن كانت من مأكول اللّحم فهي‬
‫طاهرة حلل ‪ ،‬سواء أخذت منه في حياته أو بعد تذكيته أو بعد موته ‪ ،‬وإنّما حلّت ‪ -‬ولو‬
‫جزّت من الميتة ‪ -‬لنّها ل تحلّها الحياة ‪.‬‬
‫وفيما أخذ من غير مأكول اللّحم أو من نجس العين ‪ ،‬تفصيل وخلف ينظر في مصطلح‬
‫( شعر ) ‪.‬‬

‫لبس جلود السّباع ‪:‬‬
‫‪ - 5‬جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ) على جواز النتفاع بجلود السّباع بشرط‬
‫ب دبغ فقد طهر » ‪.‬‬
‫الدّباغ لقوله عليه السلم ‪ « :‬أيّما إها ٍ‬

‫وقال القاضي أبو يعلى الحنبليّ ‪ :‬ل يجوز النتفاع بها قبل الدّبغ ول بعده ‪ ،‬لما روى أبو‬
‫ريحانة قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نهى عن ركوب النّمور » أخرجه أبو‬
‫داود وابن ماجه ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان ينهى عن‬
‫وعن معاوية والمقداد بن معد يكرب « أ ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم «‬
‫لبس جلود السّباع والرّكوب عليها » رواه أبو داود ‪ .‬وروي أ ّ‬
‫نهى عن افتراش جلود السّباع »‬
‫وأمّا الثّعالب فيبنى حكمها على حلّها ‪ ،‬وفيها للحنابلة روايتان ‪ ،‬كذلك يخرج في جلودها ‪ ،‬فإن‬
‫قيل بتحريمها فحكم جلودها حكم جلود بقيّة السّباع وكذلك السّنانير البرّيّة ‪..‬‬

‫لبس الثّياب الجميلة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬من المتّفق عليه أنّه يباح من اللبسة الثّوب الجميل ما لم يكن من مح ّرمٍ كالحرير‬
‫للذّكور ‪ ،‬ويستحبّ التّزيّن في العياد والجمع ومجامع النّاس ‪ ،‬وذلك بدون صلفٍ ول خيلء ‪.‬‬
‫ومن ترك ذلك وهو قادر عليه تزمّتا أو تديّنا فقد أخطأ ‪ ،‬فليس ذلك ممّا يدعو إليه الشّرع ‪،‬‬
‫طيّبات‬
‫وانظر القرطبيّ في تفسير قوله تعالى ‪ { :‬قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده وال ّ‬
‫من الرّزق } ‪.‬‬

‫اللبسة من حيث ألوانها وأشكالها وصفاتها ومناسبتها لعادات النّاس ‪:‬‬

‫تختلف اللبسة من حيث ألوانها ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬اللّون البيض ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اتّفق الفقهاء على استحباب لبس ما كان أبيض اللّون من الثّياب ‪ ،‬وتكفين الموتى به ‪،‬‬
‫لحديث سمرة بن جندبٍ قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬البسوا من ثيابكم‬
‫البياض ‪ ،‬فإنّها أطهر وأطيب ‪ ،‬وكفّنوا فيها موتاكم » قال الشّوكانيّ ‪ :‬أمّا كونه أطيب فظاهر ‪،‬‬
‫ن أدنى شي ٍء يقع عليه يظهر ‪ ،‬فيغسل إذا كان من جنس النّجاسة ‪ ،‬فيكون‬
‫وأمّا كونه أطهر فل ّ‬
‫نقيّا ‪ .‬كما ثبت عنه صلى ال عليه وسلم في دعائه « ونقّني من الخطايا كما ينقّى الثّوب‬
‫البيض من الدّنس » ‪.‬‬
‫ب عمر رضي ال عنه لبس البياض لقارئ القرآن ‪.‬‬
‫وقد استح ّ‬
‫ب ‪ -‬اللّون الحمر ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ذهب بعض الحنفيّة والحنابلة إلى القول بكراهة لبس ما لونه أحمر متى كان غير مشوبٍ‬
‫بغيره من اللوان للرّجال دون النّساء ‪ ،‬لقول البراء بن عازبٍ « نهانا النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ي » ولقول عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي ال عنهما «‬
‫وسلم عن المياثر الحمر والقس ّ‬

‫مرّ على النّبيّ صلى ال عليه وسلم رجل عليه ثوبان أحمران ‪ ،‬فسلّم عليه ‪ ،‬فلم يردّ عليه‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم »‬
‫واستدلّوا على جواز لبس الثّوب الحمر إذا خالطه لون آخر بأحاديث منها ‪ :‬حديث هلل بن‬
‫عامرٍ عن أبيه قال ‪ « :‬رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بمنًى يخطب على بغلةٍ ‪ ،‬وعليه‬
‫برد أحمر ‪ ،‬وعليّ أمامه يعبّر عنه » وحديث البراء بن عازبٍ قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم مربوعا ‪ ،‬وقد رأيته في حلّ ٍة حمراء ‪ ،‬لم أر شيئا قطّ أحسن منه صلى ال عليه‬
‫وسلم » ‪.‬‬
‫وروى البيهقيّ أنّه عليه الصلة والسلم « كان يلبس يوم العيد برد ًة حمراء » ‪.‬‬
‫والمراد بالحلّة الحمراء بردان يمنيّان منسوجان بخطوطٍ حمرٍ مع سو ٍد ‪ ،‬أو خضرٍ ‪ ،‬كسائر‬
‫البرود اليمنيّة ‪ ،‬ووصفت بالحمرة باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر ‪ ،‬وإلّ فالحمر البحت‬
‫منهيّ عنه عندهم ومكروه لبسه ‪ ،‬وبهذا حملوا الحاديث المبيحة على أنّها وردت بشأن البرود‬
‫اليمنيّة وهي الّتي تشتمل على اللّون الحمر وغيره وأمّا أحاديث النّهي فهي خاصّة بما كان‬
‫أحمر خالصا ل يخالطه شيء ‪ .‬وذهب بعض الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى القول بجواز‬
‫لبس الثّوب الحمر الخالص غير المزعفر والمعصفر ‪ ،‬لحديث البراء بن عازبٍ وحديث هلل‬
‫بن عامرٍ المتقدّمين ‪ ،‬ولقول ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما « كان رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم يلبس يوم العيد بردةً حمراء » ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬اللّون السود ‪:‬‬
‫‪ - 9‬أجاز الفقهاء لبس السود بغير كراه ٍة في ذلك للرّجل والمرأة ‪ ،‬لما روي عن عائشة‬
‫رضي ال عنها أنّها قالت ‪ « :‬خرج النّبيّ صلى ال عليه وسلم ذات غداةٍ ‪ ،‬وعليه مرط مرحّل‬
‫من شعرٍ أسود »‬
‫وعن جابرٍ قال ‪ « :‬رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم دخل يوم فتح مكّة وعليه عمامة‬
‫سوداء » وعن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬صنعت لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم بردةً‬
‫طيّبة » ‪ .‬وعن‬
‫سوداء فلبسها فلمّا عرق فيها وجد ريح الصّوف فقذفها ‪ ،‬وكانت تعجبه الرّيح ال ّ‬
‫ب فيها خميصة سوداء ؟ قال ‪ :‬من ترون‬
‫أمّ خالدٍ قالت ‪ « :‬أتي النّبيّ صلى ال عليه وسلم بثيا ٍ‬
‫نكسو هذه الخميصة ؟ فأسكت القوم ‪ ،‬فقال ‪ :‬ائتوني بأ ّم خالدٍ ‪ ،‬فأتي بي إلى النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم فألبسنيها بيده وقال ‪ :‬أبلي وأخلقي مرّتين وجعل ينظر إلى علم الخميصة ويشير‬
‫بيده إليّ ويقول ‪ :‬يا أ ّم خالدٍ هذا سنا ‪ ،‬هذا سنا » ‪ .‬والسّنا بلسان الحبشة ‪ :‬الحسن ‪ .‬وفي هذا‬
‫الحديث دليل على أنّه يجوز للنّساء لباس الثّياب السّود ‪ ،‬ول خلف في ذلك عند العلماء كما‬
‫قاله الشّوكانيّ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬اللّون الصفر ‪:‬‬

‫‪ - 10‬اتّفق الفقهاء على جواز لبس الصفر ما لم يكن معصفرا أو مزعفرا لقول عبد اللّه بن‬
‫جعفرٍ ‪ « :‬رأيت على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ثوبين أصفرين » ولقول عمران بن‬
‫ك إزارا أصفر ‪.‬‬
‫مسلمٍ ‪ :‬رأيت على أنس بن مال ٍ‬
‫هن‪ -‬اللّون الخضر ‪:‬‬
‫‪ -11‬ذهب بعض الفقهاء إلى استحباب لبسه لنّه لباس أهل الجنّة ‪ ،‬لما في قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫عاليهم ثياب سندسٍ خضر وإستبرق } ‪ .‬ولحديث أبي رمثة قال ‪ « :‬رأيت رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم وعليه بردان أخضران » ‪.‬‬
‫و ‪ -‬المخطّط اللوان ‪:‬‬
‫‪ - 12‬وذلك يجوز لبسه ‪ ،‬لما روي عن أنسٍ رضي ال عنه قال ‪ « :‬كان أحبّ الثّياب إلى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم أن يلبسها الحبرة » والحبرة هي الثّوب المخطّط اللوان كما قال‬
‫الجوهريّ ‪.‬‬

‫ما يحرم أو يكره من اللبسة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اللبسة الّتي عليها نقوش أو تصاوير أو صلبان أو آيات ‪:‬‬
‫‪ - 13‬يحرم على الرّجل والمرأة لبس الثّياب الّتي عليها تصاوير الحيوانات على الصحّ ‪،‬‬
‫لحديث أبي طلحة قال ‪ .‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬ل تدخل الملئكة‬
‫بيتا فيه كلب ول تصاوير » ‪.‬‬
‫فإن أزيل من الصّورة ما ل تبقى بإزالته الحياة كالرّأس ‪ ،‬أو لم يكن لها رأس فل بأس به ‪.‬‬
‫كما يحرم جعل الصّليب في الثّوب ونحوه كالطّاقيّة وغيرها ممّا يلبس ‪ ،‬لقول عائشة رضي ال‬
‫عنها إنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « كان ل يترك في بيته شيئا فيه تصليب إلّ قضبه »‬
‫أي قطع موضع الصّليب منه دون غيره ‪ ،‬والقضب القطع ‪ .‬وهذا الشّيء يشمل الملبوس‬
‫والسّتور والبسط واللت وغير ذلك ‪ .‬كما يحرم تصويرها في نسج الثّياب على الصحّ ‪،‬‬
‫لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ أشدّ النّاس عذابا عند اللّه يوم القيامة المصوّرون » ‪.‬‬
‫والصّلة في الثّوب الّذي عليه تصاوير الحيوانات أو الصّلبان حرام مع صحّة الصّلة ‪،‬‬
‫لحديث أنسٍ قال ‪ « :‬كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها ‪ ،‬فقال لها ‪ :‬أميطي عنّا قرامك‬
‫هذا ‪ ،‬فإنّه ل تزال تصاويره تعرض لي في صلتي » والقرام بكسر القاف ‪ ،‬ستر رقيق ‪.‬‬
‫وكذلك لبس الثّوب الّذي نقشت فيه آيات تلهي المصلّي عن صلته ‪ ،‬أو كان من شأن لبسه‬
‫امتهانها ‪.‬‬

‫ل ما ل روح‬
‫ول بأس بلبس الثّياب المصوّرة بصور غير الحيوانات ‪ ،‬كشجرٍ وقمرٍ وجبالٍ وك ّ‬
‫س لمّا قال له المصوّر ‪ :‬ل أعرف صنع ًة غيرها ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫فيه ‪ ،‬لما روى البخاريّ عن ابن عبّا ٍ‬
‫إن لم يكن بدّ فصوّر من الشجار ما ل نفس له ‪ .‬هذا ما جرى عليه جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫أمّا التّ صاوير المنقو شة على ال سّتور والب سط والو سائد والبواب وافتراش ها والجلوس علي ها‬
‫وتعليقها واستخداماته ا المختلفة ‪ .‬فالحكام فيها تنظر في مصطلح ( تصوير ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬اللبسة المزعفرة ونحوها ‪:‬‬
‫‪ - 14‬ذهب الشّافعيّة إلى تحريم لبس الثّياب المزعفرة دون المعصفرة للرّجال وإباحتها‬
‫س رضي ال عنه قال ‪ « :‬نهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم أن يتزعفر الرّجل‬
‫للنّساء ‪ ،‬فعن أن ٍ‬
‫» ولو صبغ بعض ثوبٍ بزعفرانٍ ‪ ،‬فهل هو كالتّطريف فيحرم ما زاد على الربع الصابع ‪،‬‬
‫أو كالمنسوج من الحرير وغيره فيعتبر الكثر ؟ الوجه أنّ المرجع في ذلك إلى العرف ‪ ،‬فإن‬
‫صحّ إطلق المزعفر عليه عرفا حرم وإلّ فل ‪ .‬ول يكره لغير المرأة مصبوغ بغير الزّعفران‬
‫والعصفر والحمر والصفر والخضر وغيرها سواء أصبغ قبل النّسج أم بعده ‪ ،‬لعدم ورود‬
‫نهيٍ في ذلك ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة والحنابلة بكراهة لبس الثّياب المزعفرة والمعصفرة للرّجال دون النّساء ‪ ،‬لحديث‬
‫أنسٍ السّابق ‪ .‬ولما روي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي ال عنهما قال ‪ « :‬رأى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين فقال ‪ :‬أأمّك أمرتك بهذا ؟ قلت ‪ :‬أغسلهما ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬بل أحرقهما »‬
‫وعن عليّ رضي ال عنه قال ‪ « :‬نهاني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن التّختّم‬
‫بالذّهب ‪ ،‬وعن لباس القسيّ ‪ ،‬وعن القراءة في الرّكوع والسّجود وعن لباس المعصفر »‬
‫وأجاز المالكيّة لغير المحرم لبس المعصفر ونحوه كالمزعفر ‪ ،‬ما لم يكن مفدّما ( أي شديد‬
‫ل كره لبسه‬
‫ي الصّبغ الّذي ردّ في العصفر مرّةً بعد أخرى ‪ ،‬وإ ّ‬
‫الحمرة ) والمفدّم ‪ :‬هو القو ّ‬
‫للرّجال في غير الحرام ‪.‬‬
‫وحرم عند الجميع على المحرم لبس ما كان مزعفرا أو معصفرا ‪ ،‬سواء كان رجلً أو‬
‫امرأةً ‪ ،‬إذا كان ريح الطّيب باقيا ‪ ،‬لنّه طيّب ‪ ،‬ول بأس بسائر اللوان غير ذلك ‪.‬‬

‫ف أو يصف ‪:‬‬
‫ج ‪ -‬لبس ما يش ّ‬

‫‪ - 15‬ل يجوز لبس الرّقيق من الثّياب إذا كان يشفّ عن العورة ‪ ،‬فيعلم لون الجلد من بياضٍ‬
‫أو حمرةٍ ‪ ،‬سواء في ذلك الرّجل والمرأة ولو في بيتها ‪ ،‬هذا إن رآها غير زوجها ‪ ،‬لما يأتي‬
‫من الدلّة ‪ ،‬وهو بالضافة إلى ذلك مخلّ بالمروءة ‪ ،‬ولمخالفته لزيّ السّلف ‪ ،‬ول تصحّ‬
‫الصّلة في مثل تلك الثّياب ‪ ،‬ويجوز للمرأة لبسه إذا كان ل يراها إلّ زوجها ‪ .‬أمّا ما كان‬

‫رقيقا يستر العورة ‪ ،‬ولكنّه يصف حجمها حتّى يرى شكل العضو فإنّه مكروه ‪ .‬لقول جرير بن‬
‫ن الرّجل ليلبس وهو عارٍ ‪ ،‬يعني الثّياب الرّقاق "‬
‫عبد اللّه ‪ " :‬إ ّ‬
‫وعن أسامة بن زيدٍ قال ‪ « :‬كساني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قبطيّةً كثيف ًة ممّا أهداها له‬
‫دحية الكلبيّ ‪ ،‬فكسوتها امرأتي ‪ ،‬فقال لي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم مالك لم تلبس‬
‫القبطيّة ؟ قلت ‪ :‬يا رسول اللّه كسوتها امرأتي ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬مرها‬
‫فلتجعل تحتها غللةً ‪ ،‬فإنّي أخاف أن تصف حجم عظامها »‬
‫ففيه دليل على النّهي عن لبس اللّباس الّذي يصف ما تحته من البدن ‪ ،‬ولهذا ورد في حديث‬
‫علقمة عن أمّه قالت ‪ :‬دخلت حفصة بنت عبد الرّحمن على عائشة وعليها خمار رقيق ‪ ،‬فشقّته‬
‫عائشة ‪ ،‬وكستها خمارا كثيفا ‪ .‬والخمار بالكسر هو ‪ :‬ما تغطّي به المرأة رأسها ‪ .‬وعن دحية‬
‫الكلبيّ قال ‪ « :‬أتي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بقباطيّ ‪ ،‬فأعطاني منها قبطيّةً ‪ .‬فقال ‪:‬‬
‫اصدعها صدعين ‪ ،‬فاقطع أحدهما قميصا ‪ ،‬وأعط الخر امرأتك تختمر به فلمّا أدبر قال ‪:‬‬
‫وأمر امرأتك أن تجعل تحته ثوبا ل يصفها » ‪ ،‬وقباطيّ جمع ‪ :‬قبطيّ ٍة بكسرٍ أو ضمّ وسكونٍ ‪،‬‬
‫أي ثوب يصنعه قبط مصر رقيق أبيض ‪.‬‬

‫د ‪ -‬اللبسة المخالفة لعادات النّاس ‪:‬‬
‫‪ - 16‬لبس اللبسة الّتي تخالف عادات النّاس مكروه لما فيه من شهر ٍة ‪ ،‬أي ما يشتهر به عند‬
‫النّاس ويشار إليه بالصابع ‪ ،‬لئلّ يكون ذلك سببا إلى حملهم على غيبته ‪ ،‬فيشاركهم في إثم‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نهى‬
‫الغيبة ‪ .‬فعن أبي هريرة رضي ال عنه مرفوعا « أ ّ‬
‫عن الشّهرتين فقيل ‪ :‬يا رسول اللّه وما الشّهرتان ؟ قال ‪ :‬رقّة الثّياب وغلظها ‪ ،‬ولينها‬
‫وخشونتها ‪ ،‬وطولها وقصرها ‪ ،‬ولكن سدادا بين ذلك واقتصادا »‬
‫وعن ابن عمر مرفوعا « من لبس ثوب شهرةٍ ألبسه اللّه ثوب مذلّ ٍة يوم القيامة » قال في‬
‫لسان العرب ‪ :‬الشّهرة ظهور الشّيء في شنع ٍة حتّى يشهره النّاس ‪ ،‬ويكره لبس زيّ مزرٍ به‬
‫لنّه من الشّهرة ‪ ،‬فإن قصد به الختيال أو إظهار التّواضع حرم لنّه رياء ‪ « :‬من سمّع سمّع‬
‫اللّه به ‪ ،‬ومن راءى راءى به » ‪.‬‬
‫ويكره زيّ أهل الشّرك ‪ ،‬لحديث ابن عمر مرفوعا « من تشبّه بقو ٍم فهو منهم » كما كره‬
‫طول الرّداء مخافة أن يغفل عنه فيجرّه من خلفه ‪ ،‬وقد جاء النّهي عن ذلك لمن فعله بطرا ‪،‬‬
‫ل من المر الّذي ينبغي ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم « ل ينظر‬
‫والتّوقّي من ذلك على كلّ حا ٍ‬
‫اللّه يوم القيامة إلى من جرّ إزاره بطرا » ‪.‬‬

‫هن – اللبسة النّجسة ‪:‬‬

‫‪ -17‬لبس الثّوب النّجس لستر العورة في غير صلةٍ جائز ‪.‬‬

‫أمّا في الصّلة ‪ ،‬فلو وجد ساترا نجسا ولم يجد غيره فإنّه يستتر به ول يصلّي عاريّا ‪ ،‬كما‬
‫هو مذهب الحنابلة ‪ ،‬وأحد قولين لكلّ من المالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫أمّا القول الخر عند المالكيّة ‪ ،‬وهو الظهر عند الشّافعيّة فإنّه يصلّي عاريّا ول يستتر‬
‫بالنّجس ‪ .‬أمّا عند الحنفيّة فإذا كان الرّبع من الثّوب طاهرا وجب الستتار به ول يصلّي عاريّا‬
‫ل من ربعه يخيّر بين الستتار به أو الصّلة عاريّا ‪ ،‬وإن كان كلّه نجسا‬
‫‪ ،‬وإن كان الطّاهر أق ّ‬
‫ن في الصّلة به ترك فرضٍ‬
‫فذهب محمّد بن الحسن إلى أنّه يصلّي به ول يصلّي عريانا ‪ ،‬ل ّ‬
‫واحدٍ ‪ ،‬وفي الصّلة عريانا ترك الفروض من قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ ‪ ،‬بل يصلّي قاعدا باليماء‬
‫‪ .‬وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى التّفريق في ذلك بين النّجس الصليّ كجلد ميت ٍة لم يدبغ‬
‫وبين المتنجّس ‪ ،‬فل يستتر بالوّل ‪ ،‬ويستتر بالثّاني ‪.‬‬

‫و ‪ -‬اللبسة المغصوبة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬ليس للعاري أخذ الثّوب قهرا ( غصبا ) من مالكه للصّلة فيه ‪ ،‬وتصحّ بدونه ما لم يجد‬
‫ل أن يغصبه ‪ ،‬فإنّه‬
‫ق الدميّ ‪ ،‬فأشبه ما لو لم يجد ماءً يتوضّأ به إ ّ‬
‫غيره ‪ ،‬لما في ذلك من ح ّ‬
‫يتيمّم ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة ‪.‬‬

‫حكم اتّخاذ اللبسة الخاصّة بالمناسبات والشخاص ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ملبس العياد ومجامع النّاس ‪:‬‬

‫ن الفقهاء متّفقون‬
‫‪ - 19‬جعل اللّه تعالى العياد أيّام فرحٍ وسرورٍ وزين ٍة للمسلمين ‪ ،‬ولذا فإ ّ‬
‫على أنّ التّطيّب والتّزيّن لها مستحبّ ‪ ،‬والتّزيّن بلبس الثّياب الجميلة والجديدة ‪ ،‬وأفضلها‬
‫البياض ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬البسوا من ثيابكم البياض ‪ ،‬فإنّها من خير ثيابكم »‬
‫ولما في ذلك من إظهار نعمة اللّه تعالى على عبده الّتي يجب أن يرى أثرها عليه ‪ ،‬ولذا ل‬
‫ن اللّه‬
‫ينبغي ترك إظهار الزّينة والتّطيّب في العياد مع القدرة عليها تقشّفا ‪ ،‬فقد ورد « أ ّ‬
‫ب أن يرى أثر نعمته على عبده » ‪.‬‬
‫تعالى يح ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان يلبس في‬
‫ن النّب ّ‬
‫س رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫وقد روي عن ابن عبّا ٍ‬
‫العيدين بردةً حبر ًة » ‪ .‬وعن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم « ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان يعتمّ ‪ ،‬ويلبس برده الحمر في العيدين‬
‫ن النّب ّ‬
‫وعن جابرٍ « أ ّ‬
‫والجمعة » ‪ .‬وعن جابرٍ قال ‪ « :‬كانت للنّبيّ صلى ال عليه وسلم جبّة يلبسها في العيدين‬
‫ويوم الجمعة » ‪.‬‬
‫« وكان صلى ال عليه وسلم يلبس بردين أخضرين ولبس مرّ ًة بردا أحمر »‪.‬‬

‫وروي عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي طالبٍ أنّه كان يلبس كساء خزّ بخمسين دينارا ‪،‬‬
‫يلبسه في الشّتاء ‪ ،‬فإذا كان الصّيف تصدّق به ‪ ،‬أو باعه فتصدّق بثمنه ‪ ،‬وكان يلبس في‬
‫الصّيف ثوبين من متاع مصر ممشّقين ( أي مصبوغين بالمشق وهو صبغ أحمر ) ويقرأ قوله‬
‫طيّبات من الرّزق } فقد دلّت على‬
‫تعالى ‪ { :‬قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده وال ّ‬
‫استحباب لباس الرّفيع من الثّياب والتّجمّل بها في الجمع والعياد وعند لقاء النّاس وزيارة‬
‫الخوان ‪ .‬قال أبو العالية ‪ :‬كان المسلمون إذا تزاوروا تجمّلوا ‪ .‬وفي صحيح مسلمٍ من حديث‬
‫« عمر بن الخطّاب أنّه رأى حلّ ًة سيراء تباع عند باب المسجد ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا رسول لو اشتريتها‬
‫ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إنّما يلبس هذا‬
‫من ل خلق له في الخرة » فما أنكر ذكر التّجمّل وإنّما أنكر عليه كونها سيراء ‪ ( ،‬والسّيراء‬
‫نوع من البرود ‪ ،‬فيه خطوط صفر ‪ ،‬أو يخالطه حرير ) ‪.‬‬
‫وقال أبو الفرج ‪ :‬كان السّلف يلبسون الثّياب المتوسّطة ل المترفّعة ول الدّون ‪ ،‬ويتخيّرون‬
‫أجودها للجمعة والعيدين وللقاء الخوان ‪ ،‬ولم يكن تخيّر الجود عندهم قبيحا ‪.‬‬
‫وأمّا اللّباس الّذي يزري بصاحبه ‪ -‬أي وهو يجد غيره ‪ -‬فإنّه يتضمّن إظهار الزّهد وإظهار‬
‫الفقر ‪ ،‬وكأنّه لسان شكوى من اللّه تعالى ‪ ،‬ويوجب احتقار اللّابس ‪ ،‬وكلّ ذلك مكروه منهيّ‬
‫عنه ‪ .‬فإن قال قائل ‪ :‬تجويد اللّباس هوى النّفس ‪ ،‬وقد أمرنا بمجاهدتها ‪ ،‬وتزيّن للخلق وقد‬
‫ل ما‬
‫أمرنا أن تكون أفعالنا للّه ل للخلق ؟ فالجواب ‪ :‬أنّه ليس كلّ ما تهواه النّفس يذمّ ‪ ،‬ول ك ّ‬
‫يتزيّن به للنّاس يكره ‪ .‬وإنّما ينهى عن ذلك إذا كان الشّرع قد نهى عنه ‪ ،‬أو على وجه الرّياء‬
‫ظ للنّفس ل يلم عليه ‪ ،‬ولهذا‬
‫ن النسان يحبّ أن يرى جميلً ‪ ،‬وذلك ح ّ‬
‫في باب الدّين ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يسرّح شعره ‪ ،‬وينظر في المرآة ‪ ،‬ويسوّي عمامته ‪ ،‬ويلبس بطانة الثّوب الخشنة إلى داخلٍ ‪،‬‬
‫وظهارته الحسنة إلى خارجٍ ‪ ،‬وليس في شيءٍ من هذا ما يكره ول يذمّ ‪.‬‬
‫وقد روى مكحول عن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬كان نفر من أصحاب رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ينتظرونه على الباب ‪ ،‬فخرج يريدهم ‪ ،‬وفي الدّار ركوة فيها ماء ‪ ،‬فجعل‬
‫ينظر في الماء ‪ ،‬ويسوّي لحيته وشعره ‪ ،‬فقلت يا رسول اللّه ‪ :‬وأنت تفعل هذا ؟ قال ‪ :‬نعم إذا‬
‫ن اللّه جميل يحبّ الجمال » ‪.‬‬
‫خرج الرّجل إلى إخوانه فليهيّئ من نفسه ‪ ،‬فإ ّ‬

‫ب ‪ -‬ملبس الحرام بالحجّ ‪:‬‬
‫‪ - 20‬يلبس المحرم ملبس خاصّةً ‪ ،‬وبيان ما يراعى في ذلك تقدّم في مصطلح ( إحرام ) ج‬
‫‪ 2‬ص ‪. 128‬‬

‫ج ‪ -‬ملبس المرأة المحدّة ‪:‬‬

‫‪ - 21‬الحداد بمعناه العامّ ‪ :‬ترك الزّينة وما في معناها ‪ .‬واختلف في لبس المحدّة لبعض‬
‫الثّياب الملوّنة على وجه الزّينة وفي لبس الحليّ ‪ ،‬وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح ( إحداد ‪:‬‬
‫ج ‪ 2‬ص ‪. ) 103‬‬

‫د ‪ -‬لباس العلماء ‪:‬‬
‫‪ - 22‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يندب للعلماء أن يكون لباسهم فاخرا ‪ ،‬كصوفٍ وجوخٍ‬
‫رفيعٍ وأبرادٍ رقيقةٍ ‪ ،‬وأن تكون ثيابهم واسع ًة ‪ ،‬ويحسن لهم لفّ عمامةٍ طويل ٍة تعارفوها ‪ ،‬فإن‬
‫عرف عرف في بلدٍ أخر أنّها تفعل بغير الطّول يفعل ‪ ،‬لظهار مقام العلم ‪ ،‬ولجل أن‬
‫يعرفوا فيسألوا عن أمور الدّين ‪ .‬فقد كان أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يعتمّون ‪،‬‬
‫ن إرخاءها من زيّ أهل العلم والفضل والشّرف ‪ ،‬ولذا ل‬
‫ويرخون الذّؤابة بين أكتافهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫يجوز أن يمكّن الكفّار من التّشبّه بهم ‪ ،‬وأن يلبسوا القلنس إذا انتهوا في عملهم وعندهم‬
‫عظمت منزلتهم واقتدى النّاس بهم ‪ ،‬فيتميّزون بها للشّرف على من دونهم ‪ ،‬لما رفعهم اللّه‬
‫بعلمهم على جهلة خلقه ‪ ،‬وكذلك الخطباء على المنابر لعلوّ مقامهم ‪.‬‬
‫وعلى هذا فما صار شعارا للعلماء يندب لهم لبسه ليعرفوا بذلك ‪ ،‬فيسألوا ‪ ،‬وليطاوعوا فيما‬
‫عنه زجروا ‪ ،‬وعلّل ذلك ابن عبد السّلم بأنّه سبب لمتثال أمر اللّه تعالى والنتهاء عمّا نهى‬
‫اللّه عنه ‪.‬‬
‫وكره المالكيّة والحنابلة لهم سعة ثيابهم وطولها ‪ ،‬وطول أكمامهم ‪ ،‬والكبر الخارج عن عادة‬
‫النّاس لما في ذلك من إضاع ٍة للمال المنهيّ عنها ‪ « ،‬وقد نهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن‬
‫إضاعته »‪ ،‬فقد يفصّل من ذلك الكمّ ثوب غيره وروى مالك رحمه ال تعالى في موطّئه أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إزرة المسلم إلى أنصاف ساقيه ‪ .‬ل جناح عليه فيما بينه‬
‫وبين الكعبين ‪ .‬ما أسفل من ذلك ففي النّار ‪ .‬ما أسفل من ذلك ففي النّار ‪ .‬ل ينظر اللّه يوم‬
‫ص صريح منه عليه الصلة والسلم أنّه ل يجوز‬
‫القيامة إلى من جرّ إزاره بطرا » فهذا ن ّ‬
‫ن ما تحت الكعبين ليس للنسان به حاجة فمنعه منه ‪.‬‬
‫للنسان أن يجرّ ثوبه بقصد التّكبّر ‪ .‬إذ أ ّ‬
‫وأباح ذلك للنّساء ‪ ،‬فللمرأة أن تجرّ ثوبها خلفها شبرا أو ذراعا للحاجة الدّاعية إلى ذلك ‪ ،‬وهي‬
‫التّستّر والبلغ فيه ‪ ،‬إذ أنّ المرأة كلّها عورة إلّ ما استثني ‪ ،‬وذلك فيها بخلف الرّجال ‪.‬‬

‫لباس أهل ال ّذمّة ‪:‬‬

‫‪ - 23‬اتّفق الفقهاء على وجوب أخذ أهل ال ّذمّة بما يميّزهم عن المسلمين في لباسهم ‪ ،‬فل‬
‫يتشبّهون بهم ‪ ،‬لنّهم لمّا كانوا مخالطين لهل السلم كان ل بدّ من تمييزهم عنهم ‪ ،‬كي تكون‬
‫معاملتهم مختلفةً عن معاملة المسلمين من التّوقير والجلل ‪ ،‬وذلك ل يجوز لهم ‪ .‬وإذا وجب‬

‫التّمييز وجب أن يكون بما فيه صغارهم ل إعزازهم ‪ ،‬وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح‬
‫( أهل ال ّذمّة ) ‪.‬‬

‫اللبسة الّتي تجزئ في النّفقة الواجبة ‪:‬‬
‫‪ - 24‬يجب للزّوجة والولد والوالدين ومن تجب لهم النّفقة كسوة مقدّرة على حسب حال من‬
‫تجب عليه ‪ ،‬على خلفٍ في ذلك ينظر في مصطلح ( نفقة ) ‪.‬‬

‫ما يجزئ من اللبسة في كفّارة اليمين ‪:‬‬

‫‪ - 25‬في كفّارة اليمان إن اختار الحانث أن يكفّر بالكسوة كسا عشرة مساكين بما يطلق عليه‬
‫اسم الكسوة ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( كفّارة ) ‪.‬‬

‫شراء اللبسة أو استئجارها للصّلة فيها ‪:‬‬
‫‪ - 26‬أجاز الحنفيّة والشّافعيّة شراء اللبسة أو استئجارها للصّلة ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬إن وجد‬
‫من يبيعه ثوبا بثمن مثله ‪ ،‬أو يؤجّره بأجرة مثله ‪ ،‬أو زياد ٍة يتغابن النّاس بمثلها ‪ ،‬وقدر على‬
‫ذلك العوض لزمه قبوله ‪ .‬وإن كانت كثيرةً ل يتغابن النّاس بمثلها لم يلزمه ‪ ،‬وقال المالكيّة ‪:‬‬
‫إذا كان بثمنٍ معتادٍ لزمه وإلّ فل ‪ ( : .‬ر ‪ :‬صلة ‪ ،‬وإجارة ) ‪.‬‬

‫ما يترك للمفلس من اللبسة ‪:‬‬

‫‪ - 27‬إذا حجر على المفلس يترك له من اللّباس أقلّ ما يكفيه ‪ ،‬وما ل غنى له عنه ‪ :‬قميص‬
‫وسراويل وشيء يلبسه على رأسه ‪ ،‬إمّا عمامة أو قلنسوة أو غيرهما ممّا جرت به عادته‬
‫ولرجله حذاء ‪ ،‬وإن احتاج إلى جبّ ٍة أو فرو ٍة أو نحوهما ترك له ذلك ‪ .‬وإن كان له ثياب‬
‫رفيعة ل يلبس مثله مثلها بيعت واشتري له كسوة مثله ‪ ،‬وردّ الفضل على الغرماء ‪ .‬فإن‬
‫كانت إذا بيعت واشتري له كسوة ل يفضل منها شيء تركت له ‪ ،‬فإنّه ل فائدة في بيعها ‪ .‬وفي‬
‫قولٍ للحنفيّة ‪ :‬يترك له مثل ما هو لبسه ‪ ،‬لنّه إذا غسل ثيابه ل بدّ له من ملبسٍ يلبسه ‪.‬‬
‫وتزاد المرأة ما ل غنى لها عنه ‪ ،‬كمقنعةٍ وغيرها ممّا يليق بها ‪.‬‬
‫ويترك لعياله من الملبس والثّياب مثل ما يترك له ‪ ( .‬ر ‪ :‬إفلس ) ‪.‬‬

‫سلب القتيل من اللبسة ‪:‬‬
‫‪ - 28‬إذا قال المام ‪ :‬من قتل قتيلً فله سلبه ‪ ،‬فسلب القتيل من اللبسة مباح لمن حارب‬
‫الكفّار دفاعا عن السلم والمسلمين ‪ ،‬وقتل منهم من يجوز قتله ‪ ،‬وذلك اتّفاقا ‪ ،‬وكذلك إذا لم‬
‫يقل المام ذلك عند الحنابلة ‪ .‬والصل فيه قوله صلى ال عليه وسلم « من قتل قتيلً له عليه‬
‫بيّنة فله سلبه » ‪.‬‬
‫وسلب القتيل ما كان لبسا له من ثيابٍ وعمامةٍ وقلنسوةٍ ومنطق ٍة ودرعٍ ومغفرٍ وبيضةٍ وتاجٍ‬
‫ف بما فيه من حلي ٍة ونحو ذلك ‪.‬‬
‫وأسور ٍة ورانٍ وخ ّ‬

‫وفي إعطائه لمن قتله تفصيل يرجع إليه في مصطلح ( غنيمة ) ‪.‬‬

‫سنن اللّبس وآدابه وأدعيته المأثورة ‪:‬‬
‫سنّة أن يبدأ المسلم وهو يلبس ثوبه أو نعله أو سراويله وشبهها باليمين ‪ ،‬بإدخال‬
‫‪ - 29‬من ال ّ‬
‫اليد اليمنى في كمّ الثّوب ‪ ،‬والرّجل اليمنى في كلّ من النّعل والسّراويل ‪ ،‬وفي الخلع باليسر‬
‫ثمّ اليمن ‪ .‬فعن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يعجبه‬
‫التّيمّن في شأنه كلّه ‪ ،‬في طهوره وتنعّله وترجّله » وفي رواي ٍة أخرى « كان رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم يحبّ التّيامن ما استطاع في طهوره وتنعّله وترجّله وفي شأنه كلّه » ‪ .‬وعن‬
‫أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا لبس قميصا بدأ بميامنه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬إذا لبستم وإذا توضّأتم فابدءوا‬
‫ن النّب ّ‬
‫» وعنه رضي ال عنه « أ ّ‬
‫بميامنكم » وعن حفصة رضي ال عنها « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يجعل يمينه‬
‫لطعامه وشرابه وثيابه ‪ ،‬ويجعل شماله لما سوى ذلك » رواه أبو داود وأحمد ‪ ،‬وعن أبي‬
‫هريرة رضي ال عنه مرفوعا إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا انتعل أحدكم فليبدأ‬
‫باليمين ‪ ،‬وإذا نزع فليبدأ بالشّمال » ‪.‬‬
‫ولهذا اتّفق العلماء على استحباب التّيامن في المور الشّريفة ‪ ،‬والتّياسر فيما سوى ذلك ‪.‬‬
‫فالتّيامن كلبس الثّوب والخفّ والمداس والسّراويل وغير ذلك ‪ ،‬والتّياسر كخلع الثّوب‬
‫والسّراويل والخفّ وما أشبه ذلك فيستحبّ التّياسر فيه ‪ ،‬وذلك لكرامة اليمين وشرفها ‪.‬‬
‫ويستحبّ لمن لبس ثوبه سواء أكان قميصا أم إزارا أم عمام ًة أم رداءً أن يقول ‪ :‬بسم اللّه ‪،‬‬
‫وأن يدعو بما ورد ‪ .‬فعن معاذ بن أنسٍ رضي ال عنه أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬
‫من لبس ثوبا جديدا فقال ‪ :‬الحمد للّه الّذي كساني هذا ‪ ،‬ورزقنيه من غير حولٍ منّي ول ق ّوةٍ ‪،‬‬
‫غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه » ‪ .‬وعن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي ال عنه قال ‪ « :‬كان رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم إذا استجدّ ثوبا سمّاه باسمه عمام ًة أو قميصا أو رداءً ثمّ يقول ‪ :‬اللّهمّ‬
‫لك الحمد أنت كسوتنيه ‪ .‬أسألك خيره وخير ما صنع له ‪ ،‬وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما صنع‬
‫له » ‪.‬‬
‫وعن عمر رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬من لبس‬
‫ثوبا جديدا فقال ‪ :‬الحمد للّه الّذي كساني ما أداري به عورتي ‪ ،‬وأتجمّل به في حياتي ‪ ،‬ثمّ‬
‫ل وفي سبيل‬
‫عمد إلى الثّوب الّذي أخلق فتصدّق به ‪ ،‬كان في حفظ اللّه وفي كنف اللّه عزّ وج ّ‬
‫اللّه حيّا وميّتا » ‪ .‬ذلك هو سنن اللّبس وآدابه ‪ ،‬وما في ذلك من أدعيةٍ مأثور ٍة ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫التباس *‬

‫‪ - 1‬اللتباس في اللّغة من اللّبس وهو ‪ :‬الخلط ‪ .‬ويأتي بمعنى الشتباه والشكال ‪ .‬يقال ‪:‬‬
‫التبس عليه المر أي ‪ :‬اشتبه وأشكل ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن هذا المعنى اللّغويّ ‪ ،‬حتّى إنّ بعضهم سوّى بين‬
‫الشتباه واللتباس ‪ ،‬وعرّف أحدهما بالخر ‪ ،‬كما جاء في كتب المالكيّة ‪ :‬قال ابن عبد السّلم‬
‫‪ :‬الشتباه اللتباس ‪.‬‬
‫ن المالكيّة قد انفردوا باستعمال لفظ ( اللتباس ) ‪،‬‬
‫‪ - 2‬ويظهر من تتبّع عبارات الفقهاء أ ّ‬
‫ك ) بدلً من كلمة التباسٍ ‪ ،‬كما هو‬
‫وغير المالكيّة أكثروا من استعمال لفظي ( اشتباهٍ وش ّ‬
‫الملحظ في بحث خفاء القبلة ‪ ،‬ونكاح الجنبيّة الّتي اشتبهت بأخته ‪ ،‬وطهارة الماء والثّياب‬
‫والواني الملتبسة وغيرها ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يختلف حكم اللتباس تبعا لختلف متعلّقه ‪ ،‬فإذا التبس الحلل بالحرام يرجّح جانب‬
‫الحرمة احتياطا ‪ ،‬كمن التبست عليه الجنبيّة بأخته ‪ ،‬بأن شكّ في الجنبيّة وأخته من الرّضاع‬
‫حرمتا معا ‪ .‬وكذا إذا اشتبهت المذكّاة بالميتة ‪.‬‬
‫ومن التبست عليه القبلة سأل واجتهد وتحرّى ‪ ،‬فإذا خفيت تخيّر وصلّى مع تفصيلٍ في ذلك ‪.‬‬
‫كذلك لو اشتبه على شخصٍ ماء طاهر بما ٍء نجسٍ ‪ ،‬أو التبست عليه الواني أو الثّياب ‪ ،‬يجتهد‬
‫ويتحرّى عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وإن كان الرجح عند بعض الحنفيّة الطّهارة ‪ .‬ولمعرفة أحكام‬
‫اللتباس واللفاظ ذات الصّلة به يرجع إلى مصطلح ( اشتباه ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫التزام *‬

‫‪-1‬اللتزام في اللّغة يقال ‪ :‬لزم الشّيء يلزم لزوما أي ‪ :‬ثبت ودام ‪ ،‬ولزمه المال وجب عليه ‪،‬‬
‫ولزمه الطّلق ‪ :‬وجب حكمه ‪ ،‬وألزمته المال والعمل فالتزمه ‪ ،‬واللتزام ‪ :‬العتناق ‪.‬‬
‫واللتزام ‪ :‬إلزام الشّخص نفسه ما لم يكن لزما له ‪ ،‬أي ما لم يكن واجبا عليه قبل ‪ ،‬وهو‬
‫بهذا المعنى شامل للبيع والجارة والنّكاح وسائر العقود ‪.‬‬
‫ن اللتزام عامّ‬
‫ل تعبيراتهم على أ ّ‬
‫وهذا المعنى اللّغويّ جرت عليه استعمالت الفقهاء ‪ ،‬حيث تد ّ‬
‫في التّصرّفات الختياريّة ‪ ،‬وهي تشمل جميع العقود ‪ ،‬سواء في ذلك المعاوضات والتّبرّعات‬
‫‪ .‬وهو ما اعتبره الحطّاب استعمالً لغويّا ‪ ،‬فقد عرّفه بأنّه ‪ :‬إلزام الشّخص نفسه شيئا من‬
‫المعروف مطلقا ‪ ،‬أو معلّقا على شيءٍ ‪ ،‬فهو بمعنى العطيّة ‪ ،‬فدخل في ذلك الصّدقة والهبة‬
‫والحبس ( الوقف ) والعاريّة والعمرى والعريّة والمنحة والرفاق والخدام والسكان والنّذر ‪.‬‬

‫قال الحطّاب في كتابه تحرير الكلم في مسائل اللتزام ‪ :‬وقد يطلق في العرف على ما هو‬
‫أخصّ من ذلك ‪ ،‬وهو التزام المعروف بلفظ اللتزام ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العقد والعهد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬من معاني العقد لغ ًة ‪ :‬العهد ‪ ،‬ويقال ‪ :‬عهدت إلى فلنٍ في كذا وكذا ‪ ،‬وتأويله ‪ :‬ألزمته‬
‫ذلك ‪ ،‬فإذا قلت عاقدته أو عقدت عليه فتأويله ‪ :‬أنّك ألزمته ذلك باستيثاقٍ ‪ ،‬وتعاقد القوم ‪:‬‬
‫تعاهدوا ‪ .‬وفي المجلّة العدليّة ‪ :‬العقد ‪ :‬التزام المتعاقدين وتعهّدهما أمرا ‪ ،‬وهو عبارة عن‬
‫ارتباط اليجاب بالقبول ‪ .‬وبذلك يكون العقد التزاما ‪.‬‬
‫‪ - 3‬أمّا العهد فهو في اللّغة ‪ :‬الوصيّة ‪ ،‬يقال عهد إليه يعهد ‪ :‬إذا أوصاه ‪ ،‬والعهد ‪ :‬المان ‪،‬‬
‫والموثق ‪ ،‬وال ّذمّة ‪.‬‬
‫ل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد ‪ ،‬والعهد ‪ :‬اليمين‬
‫والعهد ‪ :‬كلّ ما عوهد اللّه عليه ‪ ،‬وك ّ‬
‫يحلف بها الرّجل ‪ .‬وبذلك يعتبر العهد نوعا من أنواع اللتزام أيضا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّصرّف ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يقال صرف الشّيء ‪ :‬إذا أعمله في غير وجهٍ كأنّه يصرفه عن وجهٍ إلى وجهٍ ‪ ،‬ومنه‬
‫التّصرّف في المور ‪.‬‬
‫وبهذا المعنى يكون التّصرّف أعمّ من اللتزام ‪ ،‬إذ من التّصرّف ما ليس فيه التزام ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬اللزام ‪:‬‬
‫‪ - 5‬اللزام ‪ :‬الثبات والدامة ‪ ،‬وألزمته المال والعمل وغيره ‪.‬‬
‫فاللزام سبب اللتزام ‪ ،‬سواء أكان ذلك بإلزام الشّخص نفسه شيئا ‪ ،‬أم بإلزام الشّارع له ‪.‬‬
‫يقول الرّاغب الصفهانيّ ‪ :‬اللزام ضربان ‪ :‬إلزام بالتّسخير من اللّه ‪ ،‬أو من النسان ‪ .‬وإلزام‬
‫بالحكم والمر ‪ ،‬واللزام ل يتوقّف على القبول ‪.‬‬
‫د ‪ -‬اللّزوم ‪:‬‬
‫‪ - 6‬اللّزوم ‪ :‬الثّبوت والدّوام ‪ ،‬ولزمه المال ‪ :‬وجب عليه ‪ ،‬ولزمه الطّلق ‪ :‬وجب حكمه ‪.‬‬
‫فاللّزوم يصدق على ما يترتّب على اللتزام متى توفّرت شروطه ‪ ،‬وعلى ما يقرّره الشّرع إذا‬
‫توافرت شروط معيّنة ‪ .‬أمّا اللتزام فهو أمر يقرّره النسان باختياره ابتداءً ‪.‬‬
‫هن‪ -‬الحقّ ‪:‬‬
‫‪ -7‬الحقّ ضدّ الباطل ‪ ،‬وحقّ المر أي ثبت ‪ ،‬قال الزهريّ ‪ :‬معناه وجب يجب وجوبا ‪،‬‬
‫ق الشّيء إذا وجب وثبت ‪.‬‬
‫وهو مصدر ح ّ‬

‫والحقّ اصطلحا ‪ :‬هو موضوع اللتزام ‪ ،‬أي ما يلتزم به النسان تجاه اللّه ‪ ،‬أو تجاه غيره‬
‫من النّاس ‪.‬‬
‫و ‪ -‬الوعد ‪:‬‬
‫شرّ مجازا ‪.‬‬
‫‪ - 8‬الوعد يدلّ على ترجيةٍ بقولٍ ‪ ،‬والوعد يستعمل في الخير حقيق ًة وفي ال ّ‬
‫والوعد ‪ :‬العهد ‪.‬‬
‫والعدة ليس فيها إلزام الشّخص نفسه شيئا الن ‪ ،‬وإنّما هي كما قال ابن عرفة ‪ :‬إخبار عن‬
‫إنشاء المخبر معروفا في المستقبل ‪.‬‬
‫والفرق بين ما يدلّ على اللتزام ‪ ،‬وما يدلّ على العدة ‪ :‬هو ما يفهم من سياق الكلم وقرائن‬
‫ل أن تدلّ قرينة على‬
‫الحوال ‪ .‬والظّاهر من صيغة المضارع ‪ :‬الوعد ‪ ،‬مثل ‪ :‬أنا أفعل ‪ ،‬إ ّ‬
‫اللتزام كما يفهم من كلم ابن رشدٍ ‪ .‬وذلك مثل ما لو سألك مدين أن تؤخّره إلى أجل كذا ‪،‬‬
‫فقلت ‪ :‬أنا أؤخّرك ‪ ،‬فهو عدة ‪ ،‬ولو قلت ‪ :‬قد أخّرتك ‪ ،‬فهو التزام ‪.‬‬

‫أسباب اللتزام ‪:‬‬
‫‪ - 9‬من تعريف اللتزام اللّغويّ والشّرعيّ ‪ ،‬ومن استعمالت الفقهاء وعباراتهم ‪ ،‬يتبيّن أنّ‬
‫سبب اللتزام هو تصرّفات النسان الختياريّة الّتي يوجب بها حقّا على نفسه ‪ ،‬وسواء أكان‬
‫هذا الحقّ تجاه شخصٍ ‪ ،‬كاللتزامات الّتي يبرمها ‪ ،‬ومنها العقود والعهود الّتي يتعهّد بها ‪،‬‬
‫واليمان الّتي يعقدها ‪ ،‬والشّروط الّتي يشترطها ‪ .‬أم كان لحقّ اللّه ‪ ،‬كنذرٍ صل ٍة أو صومٍ أو‬
‫اعتكافٍ أو صدق ٍة مثلً ‪ .‬وهناك أسباب أخرى سيأتي ذكرها فيما بعد ‪ .‬وبيان ذلك فيما يأتي ‪.‬‬

‫التّصرّفات الختياريّة ‪:‬‬

‫‪ - 10‬التّصرّفات الّتي يباشرها النسان باختياره ويوجب بها حقّا على نفسه تتناول العقود‬
‫بالمعنى العامّ الّذي أطلقه الفقهاء ‪ ،‬وهي الّتي تنعقد بإرادتين متقابلتين ( أي باليجاب والقبول )‬
‫أو الّتي تنعقد بإراد ٍة واحدةٍ ( أي باليجاب فقط ) وهذه قد تسمّى عقودا على سبيل التّوسّع ‪.‬‬
‫ل إذا كان من شأنه أن يرتّب التزاما في جانب كلّ من الطّرفين ‪،‬‬
‫والتّصرّف يتمّ بإيجابٍ وقبو ٍ‬
‫كالبيع والجارة والمساقاة والمزارعة ‪ .‬أمّا التّصرّف الّذي يرتّب التزاما في جانب أحد‬
‫الطّرفين دون الخر فيتمّ بإيجاب الطّرف الملتزم وحده ‪ ،‬كالوقف والوصيّة لغير معيّنٍ‬
‫والجعالة والبراء من الدّين والضّمان والهبة والعاريّة ‪ .‬وهذا في الجملة مع مراعاة اختلف‬
‫الفقهاء في اشتراط القبول في بعضها ‪ .‬ويدخل فيما يتمّ بإرادةٍ منفردةٍ ‪ :‬اليمان والنّذور ‪ ،‬وما‬
‫شاكل ذلك ‪ .‬فهذه التّصرّفات كلّها الّتي تتمّ بإرادتين ‪ ،‬أو بإرادةٍ واحد ٍة متى استوفت أركانها‬
‫وشرائطها على النّحو المشروع ‪ ،‬فإنّه يترتّب عليها اللتزام بأحكامها ‪.‬‬
‫ل ما ذكر ‪ ،‬ومن هذه النّصوص ‪:‬‬
‫ن اللتزام يشمل ك ّ‬
‫‪ - 11‬ونصوص الفقهاء صريحة في أ ّ‬

‫أ ‪ -‬في كتاب البيوع من المجلّة العدليّة ‪ .‬العقد ‪ :‬التزام المتعاقدين وتعهّدهما أمرا ‪ ،‬وهو عبارة‬
‫عن ارتباط اليجاب بالقبول ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬جاء في المنثور في القواعد للزّركشيّ ‪ :‬العقد الشّرعيّ ينقسم باعتبار الستقلل به‬
‫وعدمه إلى ضربين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬عقد ينفرد به العاقد ‪ ،‬مثل عقد النّذر واليمين والوقف ‪ ،‬إذا لم يشترط القبول فيه ‪،‬‬
‫وع ّد بعضهم منه الطّلق والعتاق إذا كانا بغير عوضٍ ‪ ،‬قال الزّركشيّ ‪ :‬وإنّما هو رفع للعقد ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬عقد ل بدّ فيه من متعاقدين ‪ ،‬كالبيع والجارة والسّلم والصّلح والحوالة والمساقاة‬
‫والهبة ‪ .‬والشّركة والوكالة والمضاربة والوصيّة والعاريّة الوديعة والقرض والجعالة والمكاتبة‬
‫والنّكاح والرّهن والضّمان والكفالة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وفي المنثور أيضا ‪ :‬ما أوجبه اللّه على المكلّفين ينقسم إلى ما يكون سببه جناي ًة ويسمّى‬
‫عقوب ًة ‪ ،‬وإلى ما يكون سببه التزاما ويسمّى ثمنا أو أجر ًة أو مهرا أو غيره د ‪ -‬في القواعد‬
‫للعزّ بن عبد السّلم ‪ :‬المساقاة والمزارعة التّابعة لها هي التزام أعمال الفلحة بجزءٍ شائعٍ من‬
‫الغلّة المعمول على تحصيلها ‪ .‬وفيه كذلك ‪ :‬التزام الحقوق من غير قبولٍ أنواع ‪ :‬أحدها ‪:‬‬
‫بنذرٍ في الذّمم والعيان ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬التزام الدّيون بالضّمان ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬ضمان الدّرك ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬ضمان الوجه ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬ضمان ما يجب إحضاره من العيان المضمونات ‪.‬‬
‫هن‪-‬من المثلة الّتي ذكرها الحطّاب في اللتزامات ‪:‬‬
‫ ‪ -1‬إذا قال له ‪ :‬إن بعتني سلعتك بكذا فقد التزمت لك كذا وكذا ‪ ،‬فالشّيء الملتزم به داخل‬‫في جملة الثّمن ‪ ،‬فيشترط فيه ما يشترط في الثّمن ‪.‬‬
‫‪ -2‬إذا قال له ‪ :‬إن أسكنتني دارك سنةً ‪ ،‬فهذا من باب الجارة ‪ ،‬فيشترط فيه شروط الجارة‬‫‪ ،‬بأن تكون المدّة معلومةً والمنفعة معلومةً ‪ ،‬وأن يكون الشّيء الملتزم به ممّا يصحّ أن يكون‬
‫أجرةً ‪ .‬وأمثال هذه النّصوص كثيرة في كتب الفقه ‪.‬‬
‫ومنها يمكن القول بأنّ السباب الحقيقيّة لللتزامات ‪ :‬هي تصرّفات النسان الختياريّة ‪ .‬إلّ‬
‫ن المشتغلين بالفقه في العصر الحديث زادوا على ذلك ثلثة مصادر أخرى ليست في الحقيقة‬
‫أّ‬
‫التزاما ‪ ،‬بل هي إلزام أو لزوم ‪ ،‬ولكن يترتّب عليها مثل ما يترتّب باللتزام باعتبار التّسبّب أو‬
‫المباشرة ‪ .‬وبيانها كما يلي ‪:‬‬
‫ ‪ -1‬الفعل الضّارّ أو الفعل غير المشروع ‪:‬‬‫‪ - 12‬الفعل الضّا ّر الّذي يصيب الجسم أو المال يستوجب العقوبة أو الضّمان ‪.‬‬

‫والضرار متعدّدة فمنها إتلف مال الغير ‪ ،‬ومنها الجناية على النّفس أو الطراف ‪ ،‬ومنها‬
‫التّعدّي بالغصب ‪ ،‬أو بالسّرقة ‪ ،‬أو بالتّجاوز في الستعمال المأذون فيه ‪ ،‬كتجاوز المستأجر ‪،‬‬
‫والمستعير ‪ ،‬والحجّام ‪ ،‬والطّبيب ‪ ،‬والمنتفع بالطّريق ‪ ،‬ومنها التّفريط في المانات كالودائع‬
‫ل ذلك يصير الفاعل ملزما بضمان فعله ‪ ،‬وعليه العوض في المثليّ بمثله ‪،‬‬
‫والرّهون ‪ .‬ففي ك ّ‬
‫وفي القيميّ بقيمته ‪ ،‬وهذا في الجملة ‪ ،‬إذ من التلفات ما ل ضمان فيه ‪ ،‬كمن صال عليه‬
‫إنسان أو بهيمة ولم يندفع إلّ بالقتل فقتله ‪ ،‬كما أنّ من العمال المباحة ما فيه الضّمان ‪،‬‬
‫كالمضطرّ الّذي يأكل مال غيره ‪ ،‬ففيه الضّمان عند غير المالكيّة ‪.‬‬
‫والضّابط في ذلك ما قال الزّركشيّ ‪ :‬أنّ التّعدّي مضمون أبدا إلّ ما قام دليله ‪ ،‬وفعل المباح‬
‫ساقط أبدا إلّ ما قام دليله ‪ .‬والصل في منع الضّرر قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل‬
‫ل ما سبق تفصيلت كثيرة ينظر في مصطلحاتها وأبوابها ‪.‬‬
‫ضرر ول ضرار » وفي ك ّ‬
‫ ‪ -2‬الفعل النّافع أو الثراء بل سببٍ ‪:‬‬‫ل نافعٍ لغيره ‪ ،‬فيصير دائنا لذلك الغير بما قام به أو بما أدّى عنه ‪.‬‬
‫‪ - 13‬قد يقوم النسان بفع ٍ‬
‫وهذا ما يسمّيه المشتغلون بالفقه في العصر الحديث ( الثراء بل سببٍ ) وهم يعنون بذلك ‪:‬‬
‫ن من أدّى عن غيره دينا أو أحدث له منفع ًة فقد افتقر المؤدّي وأثرى المؤدّى عنه بل سببٍ ‪،‬‬
‫أّ‬
‫وبذلك يصبح المثري ملزما بأداء أو ضمان ما أدّاه عنه غيره أو قام به ‪.‬‬
‫وليست هناك قاعدة يندرج تحتها ذلك ‪ ،‬وإنّما هي مسائل متفرّقة في أبواب الفقه ‪ ،‬كإنفاق‬
‫المرتهن على الرّهن ‪ ،‬والملتقط على اللّقيط أو اللّقطة ‪ ،‬والنّفقة على الرّقيق والزّوجات‬
‫والقارب والبهائم إذا امتنع من يجب عليه النفاق ‪ ،‬وإنفاق أحد الشّريكين على المال المشترك‬
‫مع غيبة الخر أو امتناعه ‪ .‬ومن ذلك ‪ :‬بناء صاحب العل ّو السّفل بدون إذن صاحبه ‪ .‬أو إذن‬
‫الحاكم لضطراره لذلك ‪ ،‬وبناء الحائط المشترك ‪ ،‬ودفع الزّكاة لغير المستحقّ ‪ ..‬وهكذا ‪.‬‬
‫ق الرّجوع بما‬
‫ففي مثل هذه المسائل يكون المنتفع ملزما بما أدّى عنه ‪ ،‬ويكون لمن أنفق ح ّ‬
‫أنفق في بعض الحوال ‪.‬‬
‫وفي ذلك خلف وتفصيل في بيان متى يحقّ له الرّجوع ‪ ،‬ومتى ل يحقّ ‪ ،‬إذ القاعدة الفقهيّة ‪،‬‬
‫ن من دفع دينا عن غيره بل أمره يعتبر متبرّعا ‪ ،‬ول يرجع بما دفع ‪.‬‬
‫أّ‬
‫والقاعدة الخامسة والسّبعون في قواعد ابن رجبٍ هي فيمن يرجع بما أنفق على مال غيره‬
‫بغير إذنه ‪ ،‬وفيها كثير من هذه المسائل ‪.‬‬
‫وتنظر هذه المسائل في أبواب الفقه ‪ ،‬كالشّركة والرّهن واللّقطة والزّكاة وغيرها ‪ ،‬وفي مجمع‬
‫الضّمانات كثير من هذه المثلة ‪ ،‬وفي الفروق للقرافيّ ‪ :‬كلّ من عمل عملً أو أوصل نفعا‬
‫لغيره من مالٍ أو غيره بأمره أو بغير أمره نفذ ذلك ‪ ،‬فإن كان متبرّعا لم يرجع به ‪ ،‬أو غير‬

‫متب ّرعٍ وهو منفعة فله أجر مثله ‪ ،‬أو مال فله أخذه ممّن دفعه عنه بشرط أن يكون المنتفع ل بدّ‬
‫له من عمل ذلك ‪.‬‬
‫ ‪ -3‬الشّرع ‪:‬‬‫‪ - 14‬يعتبر المسلم بإسلمه ملتزما بأحكام السلم وتكاليفه ‪.‬‬
‫جاء في مسلّم الثّبوت ‪ :‬السلم ‪ :‬التزام حقيقة ما جاء به النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وممّا يعتبر المسلم ملتزما به ما يلزمه به الشّارع نتيجة ارتباطاتٍ وعلقاتٍ خاصّةٍ ‪ .‬ومن‬
‫ذلك ‪ :‬إلزامه بالنّفقة على أقاربه الفقراء ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ‬
‫بالمعروف } ‪ .‬وقوله سبحانه { وعلى الوارث مثل ذلك } وقوله تعالى ‪ { :‬وقضى ربّك ألّ‬
‫تعبدوا إلّ إيّاه وبالوالدين إحسانا } ‪.‬‬
‫ومن ذلك الولية الشّرعيّة ‪ ،‬كولية الب والجدّ لقوله تعالى ‪ { :‬وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا‬
‫النّكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } ‪.‬‬
‫وذلك لوفور الشّفقة في الوليّ وعدم حسن تصرّف القاصر ‪.‬‬
‫ومن ذلك اللتزام بقبول الميراث ‪ ،‬وغير ذلك ممّا يعتبر المسلم ملتزما به دون تو ّقفٍ على‬
‫قبوله ‪ .‬يقول الكاسانيّ ‪ :‬اللّزوم هنا بإلزام من له ولية اللزام ‪ ،‬وهو اللّه تبارك وتعالى ‪ ،‬فلم‬
‫يتوقّف على القبول ‪ ،‬كسائر الحكام الّتي تلزم بإلزام الشّرع ابتداءً ‪.‬‬
‫على أنّه يمكن أن يضاف إلى هذه السباب ‪ :‬الشّروع ‪ ،‬فمن شرع في عبادةٍ غير واجبةٍ أصبح‬
‫ملتزما بإتمام ها بالشّروع في ها ‪ ،‬وو جب القضاء بف سادها ‪ ،‬ك ما يقول المالكيّة والحنفيّة ‪ .‬هذه‬
‫هي المصادر الثّلثة ( الفعل الضّارّ ‪ -‬والفعل النّافع ‪ -‬والشّرع ) الّتي عدّها المشتغلون بالفقه‬
‫السنلميّ فني العصنر الحدينث منن مصنادر اللتزام ‪ ،‬إلّ أنّهنا فني الحقيقنة تعتنبر منن باب‬
‫اللزام ‪ ،‬وليست من باب اللتزام ‪ ،‬كما مرّ في كلم الكاسانيّ ‪.‬‬
‫‪ - 15‬والفقهاء عبّروا في التّصرّفات النّاشئة عن إرادة النسان بأنّها التزام ‪ ،‬أمّا ما كان بغير‬
‫إرادته فالتّعبير فيها باللزام أو اللّزوم ‪ .‬ذلك أنّ اللتزام الحقيقيّ ‪ .‬هو ما أوجبه النسان على‬
‫ن الكافر إذا أسلم يلزمه ثمن البياعات وأجر‬
‫نفسه والتزم به ‪ .‬ولذلك يقول القرافيّ ‪ :‬إ ّ‬
‫الجارات ودفع الدّيون الّتي اقترضها ونحو ذلك ‪ ،‬ول يلزمه القصاص والغصب والنّهب ‪،‬‬
‫ن ما رضي به حال كفره واطمأنّت نفسه بدفعه لمستحقّه ل يسقط بالسلم ‪ ،‬وما لم يرض‬
‫لّ‬
‫بدفعه لمستحقّه كالقتل والغصب ونحوه فإنّ هذه المور إنّما دخل عليها معتمدا على أنّه ل‬
‫ن في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيرا له عن السلم ‪.‬‬
‫يوفّيها أجلها ‪ ،‬فهذا كلّه يسقط ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل إذا اعتبرنا هذه اللزامات تنشئ التزاماتٍ حكما وبذلك يمكن ردّ مصادر كلّ اللتزامات‬
‫إّ‬
‫ح منها وما ل يصحّ ‪،‬‬
‫إلى الشّرع ‪ ،‬فالشّرع هو الّذي رسم حدودا لكلّ التّصرّفات ‪ ،‬ما يص ّ‬
‫ورتّب عليها أحكامها ‪.‬‬

‫لكن اللّه سبحانه وتعالى جعل لما أوجبه على النسان أسبابا مباشرةً ‪ ،‬ومن ذلك أنّه جعل‬
‫تصرّفات النسان الختياريّة سبب التزاماته ‪.‬‬
‫ويوضّح ذلك الزّركشيّ إذ يقول ‪ :‬ما أوجبه اللّه على المكلّفين ينقسم إلى ما يكون سببه جنايةً‬
‫ويسمّى عقوب ًة ‪ ،‬وإلى ما يكون سببه إتلفا ويسمّى ضمانا ‪ ،‬وإلى ما يكون سببه التزاما‬
‫ويسمّى ثمنا أو أجرةً أو مهرا أو غيره ‪ ،‬ومنه أداء الدّيون والعواريّ والودائع ‪ ،‬واجبة‬
‫باللتزام ‪ .‬ويقول ‪ :‬حقوق الدميّين الماليّة تجب بسبب مباشرته من التزا ٍم أو إتلفٍ ‪.‬‬

‫ي لللتزام ‪:‬‬
‫الحكم التّكليف ّ‬
‫‪ - 16‬اللتزام بأحكام السلم أمر واجب على كلّ مسلمٍ ‪.‬‬
‫ت وضمان متلفاتٍ والقيام بالنّفقات وأعمال الولية ‪.‬‬
‫ومن ذلك ما أوجبه عليه من عقوبا ٍ‬
‫ن الح ّريّة في أن‬
‫ل إنسا ٍ‬
‫أمّا بالنّسبة لتصرّفات النسان الختياريّة فالصل فيها الباحة ‪ .‬إذ لك ّ‬
‫يتصرّف التّصرّف المشروع الّذي يلتزم به أمرا ‪ ،‬ما دام ذلك لم يمسّ حقّا لغيره ‪ .‬وقد تعرض‬
‫له الحكام التّكليفيّة الخرى ‪.‬‬
‫فيكون واجبا ‪ ،‬كبذل المعونة بيعا أو قرضا أو إعار ًة للمضطرّ لذلك ‪ .‬وكوجوب قبول الوديعة‬
‫إذا لم يكن من يصلح لذلك غيره ‪ ،‬وخاف إن لم يقبل أن تهلك ‪.‬‬
‫ويكون مندوبا ‪ ،‬إذا كان من باب التّبرّعات الّتي تعين النّاس على مصالحهم ‪ ،‬لنّه إرفاق‬
‫بهم ‪ ،‬يقول اللّه تعالى ‪ { :‬وتعاونوا على البرّ والتّقوى } ‪ ،‬ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« كلّ معروفٍ صدقة » ‪.‬‬
‫ويكون حراما إذا كان فيه إعانة على معصي ٍة ‪ ،‬ولذلك ل يصحّ إعارة الجارية لخدمة رجلٍ‬
‫غير محرمٍ ‪ ،‬ول الوصيّة بخمرٍ لمسلمٍ ‪ ،‬ول نذر المعصية ‪.‬‬
‫ويكون مكروها ‪ ،‬إذا أعان على مكروهٍ ‪ ،‬كمن يفضّل بعض أولده في العطيّة ‪.‬‬

‫أركان اللتزام ‪:‬‬

‫‪ - 17‬ركن اللتزام عند الحنفيّة هو ‪ :‬الصّيغة فقط ويزاد عليها عند غيرهم ‪ :‬الملتزِم ( بكسر‬
‫الزّاي ) والملتزم له ‪ ،‬والملتزم به ‪ ،‬أي محلّ اللتزام ‪.‬‬
‫ل ‪ :‬الصّيغة ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫‪ - 18‬تتكوّن الصّيغة من اليجاب والقبول معا في اللتزامات الّتي تتوقّف على إرادة الملتزم‬
‫والملتزم له ‪ ،‬كالنّكاح وكعقود المعاوضات ‪ ،‬مثل البيع والجارة ‪ ،‬وهذا باتّفاقٍ ‪.‬‬
‫أمّا اللتزامات بالتّبرّعات كالوقف والوصيّة والهبة ففيها اختلف الفقهاء بالنّسبة للقبول ‪ .‬ومن‬
‫اللتزامات ما يت ّم بإرادة الملتزم وحده باتّفاقٍ ‪ ،‬كالنّذر والعتق واليمين ‪.‬‬

‫وصيغة اللتزام ( اليجاب ) تكون باللّفظ أو ما يقوم مقامه من كتابةٍ أو إشار ٍة مفهمةٍ ونحوها‬
‫ممّا يدلّ على إلزام الشّخص نفسه ما التزمه ‪.‬‬
‫ج ‪ ،‬وكمن قام إلى الصّلة فنوى وكبّر فقد‬
‫وقد يكون اللتزام بالفعل كالشّروع في الجهاد والح ّ‬
‫عقدها لربّه بالفعل ‪ .‬كذلك يكون اللتزام بمقتضى العادة ‪ ،‬ومن القواعد الفقهيّة ( العادة محكّمة‬
‫ت لها ‪ ،‬فسكن الزّوج معها ‪ ،‬فل كراء عليه ‪ ،‬إلّ‬
‫) ومن ذلك من تزوّجت وهي ساكنة في بي ٍ‬
‫إن تبيّن أنّها ساكنة بالكراء ‪.‬‬
‫ويلحظ أنّ أغلب اللتزامات قد ميّزت بأسماءٍ خاصّ ٍة ‪ ،‬فاللتزام بتسليم الملك بعوضٍ بيع ‪،‬‬
‫ض إجارة ‪ ،‬وبدونه إعارة‬
‫وبدونه هبة أو عطيّة أو صدقة ‪ ،‬واللتزام بالتّمكين من المنفعة بعو ٍ‬
‫أو وقف أو عمرى ‪ ،‬وسمّي التزام الدّين ضمانا ‪ ،‬ونقله حوالةً ‪ ،‬والتّنازل عنه إبرا ًء ‪ ،‬والتزام‬
‫طاعة اللّه بنيّة القربة ‪ :‬نذرا وهكذا ‪.‬‬
‫ل نوعٍ من هذه اللتزامات صيغ خاصّة سواء أكانت صريح ًة ‪ ،‬أم كناي ًة تحتاج إلى نيّةٍ أو‬
‫ولك ّ‬
‫قرينةٍ ‪ ،‬وتنظر في أبوابها ‪.‬‬
‫وقد ذكر الفقهاء ألفاظا خاصّةً تعتبر صريحةً في اللتزام وهي ‪ :‬التزمت ‪ ،‬أو ألزمت نفسي ‪.‬‬
‫ومنها أيضا لفظ ( عليّ ) أو ( إليّ ) ‪ ،‬جاء في الهداية في باب الكفالة لو قال ‪ :‬عليّ أو إليّ‬
‫تصحّ الكفالة ‪ ،‬لنّها صيغة اللتزام ‪ ،‬وقال مثل ذلك ابن عابدين ‪.‬‬
‫وفي نهاية المحتاج ‪ :‬شرط الصّيغة في القرار لفظ أو كتابة من ناطقٍ أو إشارة من أخرس‬
‫تشعر باللتزام بحقّ ‪ ،‬مثل ‪ :‬لزيدٍ هذا الثّوب " وعليّ " " وفي ذمّتي " للمدين الملتزم " ومعي "‬
‫" وعندي " للعين ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الملتزم ‪:‬‬
‫ن ‪ ،‬أو القيام بعملٍ ‪.‬‬
‫‪ - 19‬الملتزم هو من التزم بأمرٍ من المور كتسليم شيءٍ ‪ ،‬أو أداء دي ٍ‬
‫واللتزامات متنوّعة على ما هو معروف ‪ .‬فما كان منها من باب المعاوضات فإنّه يشترط فيه‬
‫ل للتّبرّع ‪.‬‬
‫في الجملة أهليّة التّصرّف ‪ .‬وما كان من باب التّبرّعات فيشترط فيه أن يكون أه ً‬
‫وفي ذلك تفصيل من حيث تصرّف الوكيل والوليّ والفضوليّ ‪ ،‬ومن الفقهاء من أجاز وصيّة‬
‫السّفيه والصّبيّ المميّز كالحنابلة ‪ .‬وينظر ذلك في أبوابه ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الملتزم له ‪:‬‬
‫‪ - 20‬الملتزم له الدّائن ‪ ،‬أو صاحب الحقّ ‪ :‬فإن كان اللتزام تعاقديّا ‪ ،‬وكان الملتزم له طرفا‬
‫في العقد ‪ ،‬فإنّه يشترط فيه الهليّة ‪ ،‬أي أهليّة التّعاقد على ما هو معروف في العقود ‪ ،‬وإلّ تمّ‬
‫ذلك بواسطة من ينوب عنه ‪.‬‬
‫وإذا كان اللتزام بالرادة المنفردة فل يشترط في الملتزم له ذلك ‪.‬‬

‫والّذي يشترط في الملتزم له في الجملة أن يكون ممّن يصحّ أن يملك ‪ ،‬أو يملك النّاس النتفاع‬
‫به كالمساجد والقناطر ‪.‬‬
‫ح الصّدقة عليه والهبة له ‪.‬‬
‫ح اللتزام للحمل ‪ ،‬ولمن سيوجد ‪ ،‬فتص ّ‬
‫وعلى ذلك فإنّه يص ّ‬
‫ت علم الموصي بموته ‪ ،‬ويصرف الموصى به في قضاء ما‬
‫وعند المالكيّة تجوز الوصيّة لميّ ٍ‬
‫ل بطلت الوصيّة ‪.‬‬
‫ل صرف لورثته وإ ّ‬
‫عليه من الدّيون ‪ ،‬وإ ّ‬
‫كما أنّ كفالة دين الميّت المفلس جائزة ‪ ،‬وقد أق ّر النّبيّ صلى ال عليه وسلم ذلك ‪ ،‬فقد روى‬
‫البخاريّ عن سلمة بن الكوع « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم أتي برجلٍ يصلّي عليه فقال ‪:‬‬
‫هل عليه دين ؟ قالوا ‪ :‬نعم ديناران ‪ ،‬قال ‪ :‬هل ترك لهما وفاءً ؟ قالوا ‪ :‬ل ‪ ،‬فتأخّر ‪ ،‬فقيل ‪:‬‬
‫لم ل تصلّي عليه ؟ فقال ‪ :‬ما تنفعه صلتي وذمّته مرهونة إلّ إن قام أحدكم فضمنه ‪ ،‬فقام أبو‬
‫قتادة فقال ‪ :‬هما عليّ يا رسول اللّه ‪ ،‬فصلّى عليه النّبيّ صلى ال عليه وسلم » ‪.‬‬
‫كما أنّه يجوز اللتزام للمجهول ‪ ،‬فقد نصّ الفقهاء على صحّة تنفيل المام في الجهاد بقوله‬
‫محرّضا للمجاهدين ‪ :‬من قتل قتيلً فله سلبه ‪ ،‬وعندئذٍ من يقتل عدوّا يستحقّ أسلبه ‪ ،‬ولو لم‬
‫يكن ممّن سمعوا مقالة المام ‪.‬‬
‫ومن ذلك ما لو قال رجل ‪ :‬من يتناول من مالي فهو مباح فتناول رجل من غير أن يعلم ‪.‬‬
‫ن لبناء السّبيل ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في مواضعه‬
‫ومن ذلك أيضا بناء سقاي ٍة للمسلمين أو خا ٍ‬
‫ل اللتزام ( الملتزم به ) ‪:‬‬
‫رابعا ‪ :‬مح ّ‬
‫‪ - 21‬اللتزام هو إيجاب الفعل الّذي يقوم به الملتزم كاللتزام بتسليم المبيع للمشتري ‪ ،‬وتسليم‬
‫الثّمن للبائع ‪ ،‬وكاللتزام بأداء الدّين ‪ ،‬والمحافظة على الوديعة ‪ ،‬وتمكين المستأجر والمستعير‬
‫من النتفاع بالعين ‪ ،‬والموهوب له من الهبة ‪ ،‬والمسكين من الصّدقة ‪ ،‬والقيام بالعمل في عقد‬
‫الستصناع والمساقاة والمزارعة ‪ ،‬وفعل المنذور ‪ ،‬وإسقاط الحقّ ‪ ...‬وكذا ‪ .‬وهذه اللتزامات‬
‫ترد على شيءٍ تتعلّق به ‪ ،‬وهو قد يكون عينا أو دينا ‪ ،‬أو منفعةً أو عملً ‪ ،‬أو حقّا ‪ ،‬وهذا ما‬
‫يسمّى بمحلّ اللتزام أو موضوعه ‪.‬‬
‫ل محلّ شروط خاصّة حسب طبيعة التّصرّف المرتبط به ‪ ،‬والشّروط قد تختلف من‬
‫ولك ّ‬
‫تص ّرفٍ إلى آخر ‪ ،‬فما يجوز اللتزام به في تصرّفٍ قد ل يجوز اللتزام به في تصرّفٍ آخر‬
‫‪.‬‬
‫إلّ أنّه يمكن إجمال الشّروط بصفةٍ عامّةٍ مع مراعاة الختلف في التّفاصيل ‪.‬‬
‫وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬انتفاء الغرر والجهالة ‪:‬‬

‫‪ - 22‬يشترط بصف ٍة عا ّمةٍ في المحلّ الّذي يتعلّق به اللتزام انتفاء الغرر ‪ ،‬والغرر ينتفي عن‬
‫الشّيء ‪ -‬كما يقول ابن رشدٍ ‪ -‬بأن يكون معلوم الوجود ‪ ،‬معلوم الصّفة ‪ ،‬معلوم القدر ‪،‬‬
‫ومقدورا على تسليمه ‪.‬‬
‫وانتفاء الغرر شرط متّفق عليه في الجملة في اللتزامات الّتي تترتّب على المعاوضات‬
‫المحضة كالبيع والجارة ‪ ،‬مبيعا وثمنا ومنفعةً وعملً وأجرةً ‪.‬‬
‫هذا مع استثناء بعضها بالنّسبة لوجود محلّ اللتزام وقت التّصرّف كالسّلم والجارة‬
‫والستصناع ‪ ،‬فإنّها أجيزت استحسانا مع عدم وجود المسلم فيه والمنفعة والعمل ‪ ،‬وذلك‬
‫للحاجة ‪ .‬ويراعى كذلك الخلف في بيع الثّمر قبل بدوّ صلحه ‪.‬‬
‫وإذا كان شرط انتفاء الغرر متّفقا عليه في المعاوضات المحضة ‪ ،‬فإنّ المر يختلف بالنّسبة‬
‫لغيرها من تبرّعاتٍ كالهبة بل عوضٍ والعارة ‪ ،‬وتوثيقاتٍ كالرّهن والكفالة وغيرها ‪.‬‬
‫فمن الفقهاء من يجيز اللتزام بالمجهول وبالمعدوم وبغير المقدور على تسليمه ‪ ،‬ومنهم من ل‬
‫يجيز ذلك ‪ .‬وأكثرهم تمسّكا بذلك الحنفيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫ل التّصرّفات لمعرفة مدى انطباق شرط انتفاء الغرر‬
‫‪ - 23‬ومن العسير في هذا المقام تتبّع ك ّ‬
‫ل تص ّرفٍ ‪ .‬ولذلك سنكتفي ببعض نصوص المذاهب الّتي تلقي ضوءا على ذلك ‪ ،‬على‬
‫على ك ّ‬
‫أن يرجع في التّفصيلت إلى مواضعها ‪:‬‬
‫‪ -1‬في الفروق للقرافيّ ‪ :‬الفرق الرّابع والعشرون بين قاعدة ‪ :‬ما تؤثّر فيه الجهالت والغرر‬‫‪ ،‬وقاعدة ‪ :‬ما ل يؤثّر فيه ذلك من التّصرّفات ‪ .‬وردت الحاديث الصّحيحة في « نهيه عليه‬
‫الصلة والسلم عن بيع الغرر وعن بيع المجهول » ‪.‬‬
‫واختلف العلماء بعد ذلك ‪ ،‬فمنهم من عمّمه في التّصرّفات ‪ ،‬وهو الشّافعيّ ‪ ،‬فمنع من الجهالة‬
‫في الهبة والصّدقة والبراء والخلع والصّلح وغير ذلك ‪.‬‬
‫ومنهم من فصّل ‪ ،‬وهو مالك ‪ ،‬بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة ‪ ،‬وهو باب‬
‫المماكسات والتّصرّفات الموجبة لتنمية الموال وما يقصد به تحصيلها ‪ ،‬وقاعدة ما ل يجتنب‬
‫فيه الغرر والجهالة ‪ ،‬وهو ما ل يقصد لذلك ‪ ،‬وانقسمت التّصرّفات عنده ثلثة أقسامٍ ‪ :‬طرفان‬
‫وواسطة ‪.‬‬
‫ل ما دعت الضّرورة إليه عادةً‬
‫‪ - 24‬فالطّرفان ‪ :‬أحدهما معاوضة صرفة ‪ ،‬فيجتنب فيها ذلك إ ّ‬
‫‪.‬‬
‫ن هذه‬
‫وثانيهما ما هو إحسان صرف ل يقصد به تنمية المال ‪ ،‬كالصّدقة والهبة والبراء ‪ ،‬فإ ّ‬
‫التّصرّفات ل يقصد بها تنمية المال ‪ ،‬بل إن فاتت على من أحسن إليه بها ل ضرر عليه ‪ ،‬فإن‬
‫لم يبذل شيئا بخلف القسم الوّل إذا فات بالغرر والجهالت ضاع المال المبذول في مقابلته ‪،‬‬
‫فاقتضت حكمة الشّرع منع الجهالت فيه ‪ .‬أمّا الحسان الصّرف فل ضرر فيه ‪ ،‬فاقتضت‬

‫ل طريقٍ ‪ ،‬بالمعلوم والمجهول ‪ ،‬فإنّ ذلك‬
‫حكمة الشّرع وحثّه على الحسان التّوسعة فيه بك ّ‬
‫أيسر لكثرة وقوعه قطعا ‪ ،‬وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله ‪ ،‬فإذا وهب له عبده البق جاز‬
‫أن يجده ‪ ،‬فيحصل له ما ينتفع به ول ضرر عليه إن لم يجده ‪ ،‬لنّه لم يبذل شيئا ‪ .‬وهذا فقه‬
‫ن الحاديث لم يرد فيها ما يعمّ هذه القسام حتّى نقول ‪ :‬يلزم منه مخالفة نصوص‬
‫جميل ‪ .‬ثمّ إ ّ‬
‫الشّرع ‪ ،‬بل إنّما وردت في البيع ونحوه ‪.‬‬
‫ن المال فيه ليس مقصودا ‪-‬‬
‫‪ - 25‬وأمّا الواسطة بين الطّرفين فهو النّكاح ‪ ،‬فهو من جهة أ ّ‬
‫وإنّما مقصده المودّة واللفة والسّكون ‪ -‬يقتضي أن يجوز فيه الجهالة والغرر مطلقا ‪ ،‬ومن‬
‫جهة أنّ صاحب الشّرع اشترط فيه المال بقوله تعالى ‪ { :‬أن تبتغوا بأموالكم } يقتضي امتناع‬
‫الغرر والجهالة فيه ‪ .‬فلوجود الشّبهين توسّط مالك فجوّز فيه الغرر القليل دون الكثير ‪ ،‬نحو‬
‫ت ( وهي الجهاز ) ‪ ،‬ول يجوز على العبد البق والبعير الشّارد‬
‫عبدٍ من غير تعيينٍ وشورة بي ٍ‬
‫‪ ،‬لنّ الوّل يرجع فيه إلى الوسط المتعارف ‪ ،‬والثّاني ليس له ضابط فامتنع ‪ ،‬وألحق الخلع‬
‫بأحد الطّرفين الوّلين الّذي يجوز فيه الغرر مطلقا ‪ ،‬لنّ العصمة وإطلقها ليس من باب ما‬
‫يقصد للمعاوضة ‪ ،‬بل شأن الطّلق أن يكون بغير شي ٍء فهو كالهبة ‪ .‬فهذا هو الفرق ‪ ،‬والفقه‬
‫مع مالكٍ رحمه ال ‪.‬‬
‫وفي الفروق كذلك ‪ :‬اتّفق مالك وأبو حنيفة على جواز التّعليق في الطّلق والعتاق قبل النّكاح‬
‫وقبل الملك ‪ ،‬فيقول للجنبيّة ‪ :‬إن تزوّجتك فأنت طالق ‪ ،‬وللعبد ‪ :‬إن اشتريتك فأنت حرّ ‪،‬‬
‫فيلزمه الطّلق والعتاق إذا تزوّج واشترى خلفا للشّافعيّ ‪ ،‬ووافقنا الشّافعيّ على جواز‬
‫التّصرّف بالنّذر قبل الملك ‪ ،‬فيقول ‪ :‬إن ملكت دينارا فهو صدقة ‪.‬‬
‫وجميع ما يمكن أن يتصدّق به المسلم في ال ّذمّة في باب المعاملت ‪ .‬ودليل ذلك ‪.‬‬
‫ل ‪ :‬القياس على النّذر في غير المملوك بجامع اللتزام بالمعدوم ‪.‬‬
‫أ ّو ً‬
‫وثانيا ‪ :‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬أوفوا بالعقود } والطّلق والعتاق عقدان عقدهما على نفسه فيجب‬
‫الوفاء بهما ‪.‬‬
‫وثالثا ‪ :‬قوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬المسلمون على شروطهم » ‪ ،‬وهذان شرطان فوجب‬
‫الوقوف معهما ‪.‬‬
‫‪ -2 /- 26‬في المنثور للزّركشيّ ‪ :‬من حكم العقود اللّازمة أن يكون المعقود عليه معلوما‬
‫مقدورا على تسليمه في الحال ‪ ،‬والجائز قد ل يكون كذلك ‪ ،‬كالجعالة تعقد على ردّ البق ‪ .‬ثمّ‬
‫قال ‪ :‬حيث اعتبر العوض في عقدٍ من الطّرفين أو من أحدهما فشرطه أن يكون معلوما ‪،‬‬
‫كثمن المبيع وعوض الجرة ‪ ،‬إلّ في الصّداق وعوض الخلع ‪ ،‬فإنّ الجهالة فيه ل تبطله ‪ ،‬لنّ‬
‫له مرادا ( بدلً ) معلوما وهو مهر المثل ‪ ،‬وقد يكون العوض في حكم المجهول ‪ ،‬كالعوض‬
‫في المضاربة والمساقاة ‪.‬‬

‫ن العلّة في بطلن بيع المعدوم هي الغرر قال‬
‫ ‪ -3‬في إعلم الموقّعين بعد أن قرّر ابن القيّم أ ّ‬‫‪ :‬وكذلك سائر عقود المعاوضات بخلف الوصيّة فإنّها تبرّع محض ‪ ،‬فل غرر في تعلّقها‬
‫بالموجود والمعدوم ‪ ،‬وما يقدر على تسليمه وما ل يقدر ‪ ،‬وطرده ( مثاله ) ‪ :‬الهبة ‪ ،‬إذ ل‬
‫محذور في ذلك فيها ‪ ،‬وقد صحّ عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم هبة المشاع المجهول في قوله‬
‫لصاحب كبّة الشّعر حين أخذها من المغنم ‪ ،‬وسأله أن يهبها له فقال ‪ « :‬أمّا ما كان لي ولبني‬
‫عبد المطّلب فهو لك »‬
‫‪ -4 /- 27‬في القواعد لبن رجبٍ في إضافة النشاءات والخبارات إلى المبهمات قال ‪ :‬أمّا‬
‫النشاءات فمنها العقود ‪ ،‬وهي أنواع ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬عقود التّمليكات المحضة كالبيع والصّلح بمعناه ( أي على بدلٍ ) ‪ ،‬وعقود التّوثيقات‬
‫ح في‬
‫كالرّهن والكفالة ‪ ،‬والتّبرّعات اللّازمة بالعقد أو بالقبض بعد ٍة كالهبة والصّدقة ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫مبهمٍ من أعيانٍ متفاوتةٍ ‪ ،‬كعبدٍ من عبيدٍ ‪ ،‬وشا ٍة من قطيعٍ ‪ ،‬وكفالة أحد هذين الرّجلين ‪،‬‬
‫وضمان أحد هذين الدّينين ‪ .‬وفي الكفالة احتمال ‪ ،‬لنّه تبرّع ‪ ،‬فهو كالعارة والباحة ‪،‬‬
‫ن متساوي ٍة مختلط ٍة ‪ ،‬كقفيزٍ من صبر ٍة ‪ ،‬فإن كانت متميّزةً متفرّقةً‬
‫ح في مبهمٍ من أعيا ٍ‬
‫ويص ّ‬
‫صحّة ‪.‬‬
‫ففيه احتمالن ذكرهما في التّلخيص ‪ ،‬وظاهر كلم القاضي ال ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬عقود معاوضاتٍ غير متمحّض ٍة ‪ ،‬كالصّداق وعوض الخلع والصّلح عن دم العمد ‪،‬‬
‫ففي صحّتها على مبه ٍم من أعيانٍ مختلفةٍ وجهان ‪ :‬أصحّهما الصّحّة ‪.‬‬
‫ح في المبهم بغير خلفٍ لما دخله من التّوسّع ‪ ،‬ومثله‬
‫والثّالث ‪ :‬عقد تب ّرعٍ معلّق بالموت فيص ّ‬
‫عقود التّبرّعات ‪ ،‬كإعارة أحد هذين الثّوبين وإباحة أحد هذين الرّغيفين ‪ ،‬وكذلك عقود‬
‫المشاركات والمانات المحضة ‪ ،‬مثل أن يقول ‪ :‬ضارب بإحدى هاتين المائتين ‪ -‬وهما في‬
‫كيسين ‪ -‬ودع الخرى عندك وديعةً ‪ .‬وأمّا الفسوخ فما وضع منها على التّغليب والسّراية‬
‫صحّ في المبهم كالطّلق والعتاق ‪ ..‬إلخ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬قابليّة المحلّ لحكم التّصرّف ‪:‬‬
‫‪ - 28‬يشترط كذلك في المحلّ الّذي يتعلّق به اللتزام ‪ :‬أن يكون قابلً لحكم التّصرّف ‪ ،‬بمعنى‬
‫ألّ يكون التّصرّف فيه مخالفا للشّرع ‪.‬‬
‫وهذا الشّرط متّفق عليه بصف ٍة عا ّمةٍ مع الختلف في التّفاصيل ‪.‬‬
‫يقول السّيوطيّ ‪ :‬كلّ تصرّفٍ تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل ‪ .‬فلذلك لم يصحّ بيع الحرّ‬
‫ول الجارة على عملٍ مح ّرمٍ ‪.‬‬
‫ويقول ابن رشدٍ في الجارة ‪ :‬ممّا اجتمعوا على إبطال إجارته ‪ :‬كلّ منفعةٍ كانت لشي ٍء محرّم‬
‫ل منفع ٍة كانت محرّم ًة بالشّرع ‪ ،‬مثل أجر النّوائح وأجر المغنّيات ‪ ،‬وكذلك كلّ‬
‫العين ‪ ،‬كذلك ك ّ‬
‫ن على النسان بالشّرع ‪ ،‬مثل الصّلة وغيرها ‪.‬‬
‫منفع ٍة كانت فرض عي ٍ‬

‫وفي المهذّب ‪ :‬الوصيّة بما ل قربة فيه ‪ ،‬كالوصيّة للكنيسة والوصيّة بالسّلح لهل الحرب‬
‫ح اللتزام بما هو غير مشروعٍ ‪ ،‬كاللتزام بتسليم الخمر أو‬
‫باطلة ‪ .‬وبالجملة فإنّه ل يص ّ‬
‫الخنزير في بيعٍ أو هب ٍة أو وصيّ ٍة أو غير ذلك ‪ ،‬ول اللتزام بالتّعامل بالرّبا ‪ ،‬أو الزّواج بمن‬
‫تحرم عليه شرعا ‪ .‬وهكذا ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في مواضعه ‪.‬‬

‫آثار اللتزام ‪:‬‬
‫آثار اللتزام هي ‪ :‬ما تترتّب عليه ‪ ،‬وهي المقصد الصليّ لللتزام ‪ .‬وتختلف آثار اللتزام‬
‫تبعا لختلف التّصرّفات الملزمة واختلف الملتزم به ‪ ،‬ومن ذلك ‪:‬‬
‫( ‪ ) 1‬ثبوت الملك ‪:‬‬
‫‪29‬‬

‫‪ -‬يثبت ملك العين أو المنفعة أو النتفاع أو العوض وانتقاله للملتزم له في التّصرّفات الّتي‬

‫تقت ضي ذلك م تى ا ستوفت أركان ها وشرائط ها ‪ ،‬م ثل الب يع والجارة وال صّلح والق سمة ‪ ،‬و مع‬
‫ملحظة القبض فيما يشترط فيه القبض عند من يقول به ‪ .‬وهذا باتّفاقٍ ‪.‬‬
‫( ‪ ) 2‬حقّ الحبس ‪:‬‬
‫‪ - 30‬يعتبر الحبس من آثار اللتزام ‪ .‬فالبائع له حقّ حبس المبيع ‪ ،‬حتّى يستوفي الثّمن الّذي‬
‫ل أن يكون الثّمن مؤجّلً ‪.‬‬
‫التزم به المشتري ‪ ،‬إ ّ‬
‫والمؤجّر له حقّ حبس المنافع إلى أن يستلم الجرة المعجّلة ‪ .‬وللصّانع حقّ حبس العين بعد‬
‫صبّاغ وال ّنجّار والحدّاد ‪ .‬والمرتهن‬
‫الفراغ من العمل إذا كان لعمله أثر في العين ‪ ،‬كالقصّار وال ّ‬
‫له حقّ حبس المرهون حتّى يؤدّي الرّاهن ما عليه ‪ .‬يقول ابن رشدٍ ‪ :‬حقّ المرتهن في الرّهن‬
‫أن يمسكه حتّى يؤدّي الرّاهن ما عليه ‪ ،‬والرّهن عند الجمهور يتعلّق بجملة الحقّ المرهون فيه‬
‫وببعضه ‪ ،‬أعني أنّه إذا رهنه في عد ٍد ما ‪ ،‬فأدّى منه بعضه ‪ ،‬فإنّ الرّهن بأسره يبقى بعد بيد‬
‫المرتهن حتّى يستوفي حقّه ‪ .‬وقال قوم ‪ :‬بل يبقى من الرّهن بيد المرتهن بقدر ما يبقى من‬
‫الحقّ ‪ ،‬وحجّة الجمهور أنّه محبوس بحقّ ‪ ،‬فوجب أن يكون محبوسا بكلّ جز ٍء منه ‪ ،‬أصله‬
‫( أي المقيس عليه ) حبس التّركة على الورثة حتّى يؤدّوا الدّين الّذي على الميّت ‪ .‬وحجّة‬
‫الفريق الثّاني أنّ جميعه محبوس بجميعه ‪ ،‬فوجب أن يكون أبعاضه محبوس ًة بأبعاضه ‪ ،‬أصله‬
‫الكفالة ‪.‬‬
‫ومن ذلك حبس المدين بما عليه من الدّين ‪ ،‬إذا كان قادرا على أداء دينه وماطل في الداء ‪،‬‬
‫وطلب صاحب الدّين حبسه من القاضي ‪ ،‬وللغريم كذلك منعه من السّفر ‪ ،‬لنّ له حقّ المطالبة‬
‫بحبسه ‪.‬‬
‫( ‪ ) 3‬التّسليم وال ّردّ ‪:‬‬
‫‪ - 31‬يعتبر التّسليم من آثار اللتزام فيما يلتزم النسان بتسليمه ‪.‬‬

‫فالبائع ملتزم بتسليم المبيع للمشتري ‪ ،‬والمؤجّر ملتزم بتسليم العين وما يتبعها للمستأجر‬
‫بحيث تكون مهيّأ ًة للنتفاع بها ‪ ،‬والمشتري والمستأجر ملتزمان بتسليم العوض ‪ ،‬وأجير الوحد‬
‫ص ) ملتزم بتسليم نفسه ‪ ،‬والكفيل ملتزم بتسليم ما التزم به ‪ ،‬والزّوج ملتزم‬
‫( الجير الخا ّ‬
‫بتسليم الصّداق ‪ ،‬والزّوجة ملتزمة بتسليم البضع ‪ ،‬والواهب ملتزم بتسليم الموهوب عند من‬
‫يرى وجوب الهبة ‪ ،‬وربّ المال في السّلم والمضاربة مطالب بتسليم رأس المال ‪ .‬وهكذا كلّ‬
‫من التزم بتسليم شيءٍ وجب عليه القيام بالتّسليم ‪.‬‬
‫ومثل ذلك ردّ المانات والمضمونات ‪ ،‬سواء أكان ال ّردّ واجبا ابتداءً أم بعد الطّلب ‪ ،‬وذلك‬
‫كالمودع والمستعار والمستأجر والقرض والمغصوب والمسروق واللّقطة إذا جاء صاحبها ‪،‬‬
‫وما عند الوكيل والشّريك والمضارب إذا فسخ المالك وهكذا ‪.‬‬
‫مع اعتبار أنّ التّسليم في كلّ شيءٍ بحسبه ‪ ،‬قد يكون بالقباض ‪ ،‬وقد يكون بالتّخلية والتّمكين‬
‫من الملتزم به ‪.‬‬
‫( ‪ ) 4‬ثبوت حقّ التّصرّف ‪:‬‬
‫ق التّصرّف في الملتزم به بامتلكه ‪ ،‬لكن يختلف نوع التّصرّف باختلف‬
‫يثبت للملتزم له ح ّ‬
‫نوع الملكيّة في الملتزم به ‪ ،‬وذلك كما يأتي ‪:‬‬
‫‪ - 32‬أ ‪ -‬إذا كان الملتزم به تمليكا للعين أو للدّين ‪ ،‬فإنّه يثبت للمالك حقّ التّصرّف فيه بكلّ‬
‫أنواع التّصرّف من بيعٍ وهب ٍة ووصيّةٍ وعتقٍ وأكلٍ ونحو ذلك ‪ ،‬لنّه أصبح ملكه ‪ ،‬فله ولية‬
‫التّصرّف فيه ‪.‬‬
‫وهذا إذا كان بعد القبض بل خلفٍ ‪ ،‬أمّا قبل القبض فإنّ الفقهاء يختلفون فيما يجوز التّصرّف‬
‫فيه قبل القبض وما ل يجوز ‪.‬‬
‫ح عند الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وفي روايةٍ عن المام أحمد التّصرّف في‬
‫وبالجملة فإنّه ل يص ّ‬
‫العيان المملوكة في عقود المعاوضات قبل قبضها ‪ .‬إلّ العقار فيجوز بيعه قبل قبضه عند‬
‫أبي حنيفة وأبي يوسف خلفا لمح ّمدٍ ‪ .‬ودليل منع التّصرّف قبل القبض قول النّبيّ صلى ال‬
‫ن فيه غرر انفساخ العقد على اعتبار‬
‫عليه وسلم لحكيم بن حزامٍ ‪ « :‬ل تبع ما لم تقبضه » ول ّ‬
‫الهلك ‪.‬‬
‫ل في الطّعام ‪ ،‬فل‬
‫وعند المالكيّة ‪ ،‬والمذهب عند الحنابلة ‪ :‬أنّه يجوز التّصرّف قبل القبض إ ّ‬
‫يجوز التّصرّف فيه قبل قبضه ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من ابتاع طعاما فل يبعه‬
‫حتّى يستوفيه » ‪.‬‬
‫وأمّا الدّيون ‪ :‬فعند الحنفيّة يجوز التّصرّف فيها قبل القبض إلّ في الصّرف والسّلم ‪:‬‬
‫ن كلّ واحدٍ من بدلي الصّرف مبيع من وج ٍه وثمن من وجهٍ ‪ .‬فمن حيث هو‬
‫أمّا الصّرف فل ّ‬
‫ثمن يجوز التّصرّف فيه قبل القبض ‪ ،‬ومن حيث هو مبيع ل يجوز ‪ ،‬فغلب جانب الحرمة‬

‫ص ‪ ،‬والستبدال بالمبيع المنقول قبل القبض ل‬
‫احتياطا ‪ .‬وأمّا السّلم فلنّ المسلم فيه مبيع بالنّ ّ‬
‫يجوز ‪ .‬وكذلك يجوز تصرّف المقرض في القرض قبل القبض عندهم ‪ ،‬وذكر الطّحاويّ ‪ :‬أنّه‬
‫ل يجوز ‪ .‬وعند المالكيّة يجوز التّصرّف في الدّيون قبل القبض فيما سوى الصّرف والسّلم ‪،‬‬
‫فإنّ المام مالكا منع بيع المسلم فيه قبل قبضه في موضعين ‪:‬‬
‫ن الّذي يشترط في صحّة‬
‫أحدهما ‪ :‬إذا كان المسلم فيه طعاما ‪ ،‬وذلك بناءً على مذهبه في أ ّ‬
‫بيعه القبض هو الطّعام ‪ ،‬على ما جاء عليه الّنصّ في الحديث ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬إذا لم يكن المسلم فيه طعاما فأخذ عوضه المسلم ( صاحب الثّمن ) ما ل يجوز أن‬
‫يسلم فيه رأس ماله ‪ ،‬مثل أن يكون المسلم فيه عرضا والثّمن عرضا مخالفا له ‪ ،‬فيأخذ المسلم‬
‫من المسلم إليه إذا حان الجل شيئا من جنس ذلك العرض الّذي هو الثّمن ‪ ،‬وذلك أنّ هذا‬
‫يدخله إمّا سلف وزيادة ‪ ،‬إن كان العرض المأخوذ أكثر من رأس مال السّلم ‪ ،‬وإمّا ضمان‬
‫وسلف إن كان مثله أو أقلّ ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة إن كان الملك على الدّيون مستقرّا ‪ ،‬كغرامة المتلف وبدل القرض جاز بيعه‬
‫ممّن عليه قبل القبض ‪ ،‬لنّ ملكه مستقرّ عليه ‪ ،‬وهو الظهر في بيعه من غيره ‪ .‬وإن كان‬
‫الدّين غير مستقرّ فإن كان مسلما فيه لم يجز ‪ ،‬وإن كان ثمنا في بي ٍع ففيه قولن ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬كلّ عوضٍ ملك بعقدٍ ينفسخ بهلكه قبل القبض لم يجز التّصرّف فيه قبل قبضه‬
‫‪ ،‬كالجرة وبدل الصّلح إذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود ‪ ،‬وما ل ينفسخ العقد‬
‫بهلكه جاز التّصرّف فيه قبل قبضه ‪ ،‬كعوض الخلع وأرش الجناية وقيمة المتلف ‪.‬‬
‫أمّا ما يثبت فيه الملك من غير عوضٍ ‪ ،‬كالوصيّة والهبة والصّدقة ‪ ،‬فإنّه يجوز في الجملة‬
‫التّصرّف فيه قبل قبضه عند الجمهور ‪.‬‬
‫‪ - 33‬ب ‪ -‬وإذا كان الملتزم به تمليكا للمنفعة ‪ ،‬فإنّه يثبت لمالك المنفعة حقّ التّصرّف في‬
‫الحدود المأذون فيها ‪ ،‬وتمليك المنفعة لغيره كما في الجارة والوصيّة بالمنفعة والعارة وهذا‬
‫عند المالكيّة وفي الجارة عند جميع المذاهب ‪ ،‬وفي غيرها اختلفهم ‪ ،‬والقاعدة عند الحنفيّة ‪:‬‬
‫ل كالجارة ‪ ،‬والّتي تملك بغير عوضٍ ل يجوز‬
‫ل يجوز تمليكها ببد ٍ‬
‫ن المنافع الّتي تملك ببد ٍ‬
‫أّ‬
‫تمليكها بعوضٍ ‪ .‬فالمستعير يملك العارة ول يملك الجارة ‪.‬‬
‫‪ - 34‬ج ‪ -‬وإذا كان الملتزم به حقّ النتفاع فقط ‪ ،‬فإنّ حقّ التّصرّف يقتصر على انتفاع‬
‫الملتزم له بنفسه فقط ‪ ،‬كما في العاريّة عند الشّافعيّة ‪ ،‬وفي وج ٍه عند الحنابلة ‪ ،‬وكالباحة‬
‫للطّعام في الضّيافات ‪.‬‬
‫‪ - 35‬د ‪ -‬وإذا كان الملتزم به إذنا في التّصرّف ‪ ،‬فإنّه يثبت للمأذون له حقّ التّصرّف المطلق‬
‫إذا كان الذن مطلقا ‪ ،‬وإلّ اقتصر التّصرّف على ما أذن به ‪ ،‬وذلك كما في الوكالة‬
‫ل ذلك تفصيل ينظر في مواضعه ‪.‬‬
‫والمضاربة ‪ .‬وفي ك ّ‬

‫( ‪ ) 5‬منع حقّ التّصرّف ‪:‬‬
‫‪ - 36‬قد ينشأ من بعض اللتزامات منع حقّ التّصرّف ومن أمثلة ذلك ‪ :‬الرّهن ‪ ،‬فل يصحّ‬
‫ن المرتهن أخذ العين بحقّه في الرّهن ‪ ،‬وهو‬
‫تصرّف الرّاهن في المرهون ببيعٍ أو غيره ‪ ،‬ل ّ‬
‫التّوثّق باستيفاء دينه وقبض المرهون ‪ .‬فالمرتهن بالنّسبة إلى الرّهن كغرماء المفلس المحجور‬
‫عليه ‪.‬‬
‫( ‪ ) 6‬صيانة النفس والموال ‪:‬‬
‫‪ - 37‬الصل أنّ المسلم ملتزم بحكم إسلمه بالمحافظة على دماء المسلمين وأموالهم‬
‫وأعراضهم لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم في خطبته يوم النّحر ‪ « :‬إنّ دماءكم وأموالكم‬
‫حرام كحرمة يومكم هذا ‪ ،‬في شهركم هذا ‪ ،‬في بلدكم هذا » ‪.‬‬
‫أمّا بالنّسبة لغير المسلمين ‪ ،‬فإنّ ممّا يصون دماءهم وأموالهم التزام المسلمين بذلك بسبب‬
‫العقود الّتي تتمّ معهم ‪ ،‬كعقد المان المؤقّت أو الدّائم ‪ .‬إذ ثمرة المان حرمة قتلهم واسترقاقهم‬
‫وأخذ أموالهم ‪ ،‬ما داموا ملتزمين بموجب عقد المان أو عقد ال ّذمّة ‪.‬‬
‫ومن صيانة الموال ‪ :‬اللتزام بحفظ الوديعة بجعلها في مكان أمينٍ ‪ .‬وقد يجب اللتزام بذلك‬
‫حرصا على الموال ‪ ،‬ولذلك يقول الفقهاء ‪ :‬إن لم يكن من يصلح لخذ الوديعة غيره وخاف‬
‫إن لم يقبل أن تهلك تعيّن عليه قبولها ‪ ،‬لنّ حرمة المال كحرمة النّفس ‪ ،‬لما روى ابن مسعودٍ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬حرمة مال المؤمن كحرمة دمه » ‪ .‬ولو خاف على‬
‫أّ‬
‫دمه لوجب عليه حفظه ‪ ،‬فكذلك إذا خاف على ماله ‪.‬‬
‫ومن ذلك أخذ اللّقطة واللّقيط ‪ ،‬إذ يجب الخذ إذا خيف الضّياع ‪ ،‬لنّ حفظ مال الغير واجب ‪،‬‬
‫قال ابن رشدٍ ‪ :‬يلزم أن يؤخذ اللّقيط ول يترك ‪ ،‬لنّه إن ترك ضاع وهلك ‪ ،‬ل خلف بين أهل‬
‫العلم في هذا ‪ ،‬وإنّما اختلفوا في لقطة المال ‪ ،‬وهذا الختلف إنّما هو إذا كانت بين قومٍ‬
‫مأمونين والمام عدل ‪ .‬أمّا إذا كانت بين قومٍ غير مأمونين فأخذها واجب قولً واحدا ‪.‬‬
‫ومن ذلك اللتزام بالولية الشّرعيّة لحفظ مال الصّغير واليتيم والسّفيه ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك‬
‫في مواضعه ‪.‬‬
‫( ‪ ) 7‬الضّمان ‪:‬‬
‫‪ - 38‬الضّمان أثر من آثار اللتزام ‪ ،‬وهو يكون بإتلف مال الغير أو العتداء عليه بالغصب‬
‫أو السّرقة أو بالتّعدّي في الستعمال المأذون فيه في المستعار والمستأجر أو بالتّفريط وترك‬
‫الحفظ كما في الوديعة ‪ .‬يقول الكاسانيّ ‪ :‬تتغيّر صفة المستأجر من المانة إلى الضّمان بأشياء‬
‫منها ‪ :‬ترك الحفظ ‪ ،‬لنّ الجير لمّا قبض المستأجر فقد التزم حفظه ‪ ،‬وترك الحفظ الملتزم‬
‫سبب لوجوب الضّمان ‪ ،‬كالمودع إذا ترك الحفظ حتّى ضاعت الوديعة ‪ .‬وكذلك يضمن‬

‫بالتلف والفساد إذا كان الجير متعدّيا فيه ‪ ،‬إذ الستعمال المأذون فيه مقيّد بشرط السّلمة ‪.‬‬
‫ويقول السّيوطيّ ‪ :‬أسباب الضّمان أربعة ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬العقد ‪ ،‬ومن أمثلته ضمان المبيع ‪ ،‬والثّمن المعيّن قبل القبض ‪ ،‬والمسلم فيه ‪،‬‬
‫والمأجور ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬اليد ‪ ،‬مؤتمن ًة كانت كالوديعة والشّركة والوكالة والمقارضة إذا حصل التّعدّي ‪ ،‬أو‬
‫غير مؤتمن ٍة كالغصب والسّوم والعاريّة والشّراء فاسدا ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬التلف للنّفس أو المال ‪.‬‬
‫والرّابع ‪ :‬الحيلولة ‪.‬‬
‫ويقول ابن رشدٍ ‪ :‬الموجب للضّمان إمّا المباشرة لخذ المال المغصوب أو لتلفه ‪ ،‬وإمّا‬
‫المباشرة للسّبب المتلف ‪ ،‬وإمّا إثبات اليد عليه ‪ .‬وفي القواعد لبن رجبٍ ‪ :‬أسباب الضّمان‬
‫ل ذلك خلف وتفصيلت وتفريعات تنظر في مواضعها‬
‫ثلثة ‪ :‬عقد ‪ ،‬ويد ‪ ،‬وإتلف ‪ .‬وفي ك ّ‬
‫‪.‬‬

‫حكم الوفاء باللتزام وما يتعلّق به ‪:‬‬
‫‪ - 39‬الصل في اللتزام أنّه يجب الوفاء به امتثالً لقوله تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا أوفوا‬
‫بالعقود } والمراد بالعقود كما يقول الفقهاء ‪ :‬ما عقده المرء على نفسه من بيعٍ وشراءٍ وإجارةٍ‬
‫وكراءٍ ومناكحةٍ وطلقٍ ومزارعةٍ ومصالح ٍة وتمليكٍ وتخييرٍ وعتقٍ وتدبيرٍ ‪ ،‬وكذلك العهود‬
‫والذّمم الّتي نعقدها لهل الحرب وأهل ال ّذمّة والخوارج ‪ ،‬وما عقده النسان على نفسه للّه‬
‫تعالى من الطّاعات كالحجّ والصّيام والعتكاف والنّذر واليمين وما أشبه ذلك ‪ ،‬فيلزم الوفاء‬
‫بها ‪ .‬وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬المسلمون على شروطهم » عامّ في إيجاب الوفاء‬
‫بجميع ما يشرطه النسان على نفسه ‪ ،‬ما لم تقم دللة تخصّصه ‪.‬‬
‫ل اللتزامات ‪ ،‬وذلك لتنوّع اللتزامات بحسب اللّزوم وعدمه‬
‫لكن هذا الحكم ليس عامّا في ك ّ‬
‫وبيان ذلك فيما يأتي ‪:‬‬
‫( ‪ ) 1‬اللتزامات الّتي يجب الوفاء بها ‪:‬‬
‫‪ - 40‬أ ‪ -‬اللتزامات الّتي تنشأ بسبب العقود اللّازمة بين الطّرفين ‪ ،‬كالبيع والجارة والصّلح‬
‫وعقود ال ّذمّة ‪ ،‬فهذه اللتزامات متى تمّت صحيح ًة لزم ًة وجب الوفاء بها ما لم يحدث ما‬
‫يقتضي الفسخ ‪ ،‬كالهلك والستحقاق وال ّردّ بالعيب ‪ ،‬وهذا شامل للعيان الواجب تسليمها ‪،‬‬
‫وللدّيون الّتي تكون في الذّمم كبدل القرض وثمن المبيع والجرة في الجارة أو الّتي تنشأ‬
‫نتيجة إنفاذ مال الغير على خلفٍ وتفصيلٍ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اللتزامات الّتي تنشأ نتيجة التّعدّي بالغصب أو السّرقة أو التلف أو التّفريط ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬المانات الّتي تكون عند الملتزم ‪ ،‬سواء أكانت بموجب عق ٍد كالوديعة ‪ ،‬أم لم تكن كاللّقطة‬
‫وكمن أطارت الرّيح ثوبا إلى داره ‪.‬‬
‫ت بدنيّ ٍة أو ماليّةٍ طاع ًة وتقرّبا إلى اللّه‬
‫د ‪ -‬نذر القربات ‪ ،‬وهو ما يلتزم به النسان من قربا ٍ‬
‫سبحانه وتعالى ‪.‬‬
‫هن‪ -‬اللتزامات التّكليفيّة الشّرعيّة ‪ ،‬ومنها النّفقات الواجبة ‪ .‬فهذه اللتزامات ل خلف في‬
‫وجوب الوفاء بها ‪ ،‬منجزةً إن كانت كذلك ‪ ،‬وبعد تحقّق الشّرط المشروع إن كانت معلّقةً ‪،‬‬
‫وعند دخول الوقت إن كانت مضافةً ‪ ،‬وسواء أكان الوفاء ل يجب إلّ بعد الطّلب أم يجب‬
‫بدونه ‪ .‬ويتحقّق الوفاء بالداء والتّسليم أو القيام بالعمل أو البراء أو المقاصّة وهكذا ‪ .‬ودليل‬
‫الوجوب الية السّابقة ‪ ،‬وكذلك قوله تعالى ‪ { :‬وأوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم } وقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫وليوفوا نذورهم } وقوله تعالى ‪ { :‬فليؤدّ الّذي اؤتمن أمانته } ‪.‬‬
‫والتّخلّف عن الوفاء بغير عذرٍ يستوجب العقوبة الدّنيويّة والخرويّة ‪ ،‬إذ العقوبة واجبة لقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته » فعقوبته حبسه ‪ ،‬وعرضه‬
‫أن يحلّ القول في عرضه بالغلظ ‪ .‬وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مطل الغنيّ ظلم »‬
‫‪.‬‬
‫ولذلك يجبر الممتنع عن الوفاء بالضّرب أو الحبس أو الحجر ومنع التّصرّف في المال ‪ ،‬أو‬
‫بيع مال الملتزم والوفاء منه ‪ .‬إلّ إذا كان الملتزم معسرا فيجب إنظاره لقوله تعالى ‪ { :‬وإن‬
‫كان ذو عسر ٍة فنظرة إلى ميسرةٍ } ‪.‬‬
‫‪ - 41‬وما سبق إنّما هو في الجملة ‪ ،‬إذ للفقهاء في ذلك تفصيلت وتفريعات ‪ ،‬ومن ذلك مثلً‬
‫‪ :‬اختلفهم في الجبار على الوفاء بالنّذر المشروع عند المتناع ‪ ،‬فعند المالكيّة يقضى بالنّذر‬
‫المطلق إذا كان لمعيّنٍ ‪ ،‬وإن كان لغير معيّنٍ يؤمر بالوفاء ول يقضى به على المشهور ‪ ،‬وقيل‬
‫ن أبا حنيفة ل يجيز الحجر في الدّين‬
‫يقضى به ‪ ،‬وفيه الخلف أيضا عند الشّافعيّة ‪ .‬ومن ذلك أ ّ‬
‫‪ ،‬لنّ في الحجر إهدار آدميّة المدين ‪ ،‬بل ل يجيز للحاكم التّصرّف في ماله ‪ ،‬وإنّما يجبره‬
‫على بيعه لوفاء دينه ‪ .‬وهكذا ‪ ،‬وينظر تفصيل ذلك في مواضعه ‪.‬‬
‫(‪ -) 2‬التزامات يستحبّ الوفاء بها ول يجب ‪:‬‬
‫‪ - 42‬أ ‪ -‬اللتزامات الّتي تنشأ من عقود التّبرّعات كالقرض والهبة والعاريّة والوصيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اللتزام النّاشئ بالوعد ‪ ،‬فهذه اللتزامات يستحبّ الوفاء بها ‪ ،‬لنّها من المعروف الّذي‬
‫ندب إليه الشّارع ‪ ،‬يقول اللّه تعالى ‪ { :‬وتعاونوا على البرّ والتّقوى } ويقول النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬من نفّس عن مسلمٍ كربةٍ من كرب الدّنيا نفّس اللّه عنه كربةً من كرب يوم‬
‫القيامة » ويقول ‪ « :‬تهادوا تحابّوا » ‪.‬‬

‫لكن ل يجب الوفاء بها ‪ ،‬ففي الوصيّة يجوز بالتّفاق الرّجوع فيها ما دام الموصي حيّا ‪ .‬وفي‬
‫العاريّة والقرض يجوز الرّجوع بطلب المستعار وبدل القرض في الحال بعد القبض ‪ ،‬وهذا‬
‫ن المقرض إذا أجّل القرض ل يلزمه التّأجيل ‪ ،‬لنّه لو‬
‫عند غير المالكيّة ‪ ،‬بل قال الجمهور ‪ :‬إ ّ‬
‫لزم فيه الجل لم يبق تبرّعا ‪.‬‬
‫ن العاريّة والقرض إذا كانا مؤجّلين فذلك لزم إلى أن ينقضي الجل ‪ ،‬وإن كانا‬
‫أمّا المالكيّة فإ ّ‬
‫مطلقين لزم البقاء فتر ًة ينتفع بمثله فيها ‪ ،‬واستندوا إلى ما روي عن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم« أنّه ذكر رجلً سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينارٍ فدفعها إليه إلى أجلٍ مسمّى‬
‫» ‪ .‬وقال ابن عمر وعطاء ‪ :‬إذا أجّله في القرض جاز ‪.‬‬
‫ويجوز الرّجوع في الهبة قبل القبض عند الجمهور ‪ ،‬فإذا تمّ القبض فل رجوع عند الشّافعيّة‬
‫ل فيما وهب الوالد لولده ‪ ،‬وعند الحنفيّة يجوز الرّجوع إن كانت لجنبيّ ‪.‬‬
‫والحنابلة إ ّ‬
‫أمّا المالكيّة فل رجوع عندهم في الهبة قبل القبض وبعده في الجملة ‪ ،‬إلّ فيما يهبه الوالد لولده‬
‫‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في مواضعه ‪.‬‬
‫‪ - 43‬والوعد كذلك يستحبّ الوفاء به باتّفاقٍ ‪ .‬يقول القرافيّ ‪ :‬من أدب العبد مع ربّه إذا وعد‬
‫ربّه بشيءٍ ل يخلفه إيّاه ‪ ،‬ل سيّما إذا التزمه وصمّم عليه ‪ ،‬فأدب العبد مع اللّه سبحانه وتعالى‬
‫بحسن الوفاء وتلقّي هذه اللتزامات بالقبول ‪.‬‬
‫لكن الوفاء به ليس بواجبٍ في الجملة ‪ ،‬ففي البدائع ‪ :‬الوعد ل شيء فيه وليس بلزمٍ ‪ ،‬وفي‬
‫منتهى الرادات ‪ :‬ل يلزم الوفاء بالوعد نصّا ‪ ،‬وفي نهاية المحتاج ‪ :‬لو قال ‪ :‬أؤدّي المال أو‬
‫ن الصّيغة غير مشعرةٍ باللتزام ‪.‬‬
‫أحضر الشّخص ‪ ،‬فهو وعد ل يلزم الوفاء به ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلّ أنّه إذا كانت هناك حاجة تستدعي الوفاء بالوعد فإنّه يجب الوفاء به ‪ .‬فقد نقل ابن عابدين‬
‫عن جامع الفصولين ‪ :‬لو ذكر البيع بل شرطٍ ‪ ،‬ثمّ ذكر الشّرط على وجه العدة ‪ ،‬جاز البيع‬
‫ولزم الوفاء بالوعد ‪ ،‬إذ المواعيد قد تكون لزمةً فيجعل لزما لحاجة النّاس ‪ .‬والمشهور عند‬
‫المالكيّة أنّ الوعد يلزم ويقضى به إذا دخل الموعود بسبب الوعد في شي ٍء ‪ ،‬قال سحنونٍ ‪:‬‬
‫ج أو اشتر‬
‫الّذي يلزم من الوعد إذا قال ‪ :‬اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به ‪ ،‬أو اخرج إلى الح ّ‬
‫سلعةً أو تزوّج وأنا أسلفك ‪ ،‬لنّك أدخلته بوعدك في ذلك ‪ ،‬أمّا مجرّد الوعد فل يلزم الوفاء به‬
‫‪ ،‬بل الوفاء به من مكارم الخلق ‪.‬‬
‫سنّة ‪ ،‬ولنّ‬
‫وقال القليوبيّ ‪ :‬قولهم الوعد ل يجب الوفاء به مشكل ‪ ،‬لمخالفته ظاهر اليات وال ّ‬
‫خلفه كذب ‪ ،‬وهو من خصال المنافقين ‪.‬‬
‫( ‪ ) 3‬التزامات يجوز الوفاء بها ول يجب ‪:‬‬
‫‪ - 44‬أ ‪ -‬اللتزامات الّتي تنشأ نتيجة العقود الجائزة بين الطّرفين ‪ ،‬كالوكالة والشّركة‬
‫ل من الطّرفين فسخها وعدم اللتزام بمقتضاها ‪ ،‬هذا مع مراعاة ما‬
‫والقراض ‪ ،‬فهذه يجوز لك ّ‬

‫يشترطه بعض الفقهاء حين الفسخ من نضوض رأس المال في المضاربة ‪ ،‬وكتعلّق حقّ الغير‬
‫بالوكالة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬نذر المباح ‪ :‬يقول القر طبيّ ‪ :‬نذر المباح ل يلزم بإجما عٍ من المّة ‪ ،‬وقال ا بن قدا مة ‪:‬‬
‫مباحن ‪ ،‬فهذا يتخي ّر فينه‬
‫ٍ‬
‫وجهن‬
‫ٍ‬
‫نذر المباح ‪ ،‬كلبنس الثّوب وركوب الدّاب ّة وطلق المرأة على‬
‫ن ‪ ،‬ويتخرّج أن ل كفّارة عليه ‪.‬‬
‫النّاذر بين فعله فيبرّ ‪ ،‬وإن شاء تركه وعليه كفّارة يمي ٍ‬

‫( ‪ )4‬التزامات يحرم الوفاء بها ‪:‬‬
‫‪ - 45‬اللتزام بما ل يلزم ل يجب فيه الوفاء ‪ ،‬بل قد يكون الوفاء حراما ‪ ،‬وذلك إذا كان‬
‫التزاما بمعصيةٍ ‪ .‬ومن ذلك ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬نذر المعصية حرام باتّفاقٍ ‪ ،‬فمن قال ‪ :‬للّه عليّ أن أشرب الخمر ‪ ،‬أو أقتل فلنا ‪ ،‬فإنّ‬
‫هذا اللتزام حرام في ذاته ‪ ،‬وأيضا يحرم الوفاء به ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من‬
‫نذر أن يعصي اللّه فل يعصه » وفي وجوب الكفّارة خلف ( ر ‪ :‬نذر ‪ -‬كفّارة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وكذلك اليمين على فعلٍ مح ّرمٍ ‪ ،‬فمن حلف على ترك واجبٍ أو فعل حرامٍ ‪ ،‬فقد عصى‬
‫بيمينه ‪ .‬ولزمه الحنث والكفّارة ‪ ( .‬ر ‪ :‬كفّارة ‪ -‬أيمان ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬اللتزام المعلّق على فعلٍ مح ّرمٍ على الملتزم له ‪ ،‬كقوله ‪ :‬إن قتلت فلنا أو شربت الخمر‬
‫فلك كذا وكذا ‪ ،‬فإنّه حرام يحرم الوفاء به ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ما كان اللتزام فيه بإسقاط حقّ اللّه أو حقّ غير الملتزم ‪ ،‬فل يجوز الصّلح عن حقّ اللّه‬
‫كدعوى حدّ ‪ ،‬ول عن حقّ الغير ‪ ،‬فلو أنّ امرأ ًة طلّقها زوجها وادّعت عليه صبيّا في يده أنّه‬
‫ابنه منها وجحد الرّجل ‪ ،‬فصالحت عن النّسب على شي ٍء ‪ ،‬فالصّلح باطل ‪ ،‬لنّ النّسب حقّ‬
‫الصّبيّ ‪ .‬ولو باع ذهبا بفضّ ٍة مؤجّلً لم يصحّ ‪ ،‬لنّ القبض في الصّرف لحقّ اللّه ‪.‬‬
‫هن‪ -‬الشّروط الباطلة ل يجوز اللتزام بها ومن ذلك ‪:‬‬
‫‪ -46‬من خالع زوجته على أن تتحمّل بالولد مدّ ًة معيّنةً وشرط عليها ألّ تتزوّج بعد الحولين (‬
‫ن ذلك ل يلزمها‬
‫مدّة الرّضاع ) أي أنّه شرط عليها ترك النّكاح بعد الحولين ‪ ،‬فل اختلف أ ّ‬
‫ن هذا الشّرط فيه تحريم ما أحلّ اللّه ‪ .‬والخلع صحيح ‪.‬‬
‫الوفاء به ‪ ،‬ل ّ‬
‫ومن ذلك ما يقوله المالكيّة فيمن باع حائطه ( حديقته ) وشرط في عقد البيع أنّ الجائحة ل‬
‫توضع عن المشتري ‪ ،‬فالبيع جائز والشّرط باطل ‪ ،‬ول يلتزم به المشتري ‪.‬‬
‫وفي البدائع للكاسانيّ ‪ :‬لو وهب دارا على أن يبيعها ‪ ،‬أو على أن يبيعها لفلنٍ ‪ ،‬أو على أن‬
‫يردّها عليه بعد شهرٍ جازت الهبة وبطل الشّرط ‪ .‬وهي شروط تخالف مقتضى العقد ‪ ،‬فتبطل‬
‫صحّة ‪ ،‬بخلف البيع ‪.‬‬
‫ويبقى العقد على ال ّ‬

‫وفي المهذّب ‪ :‬لو شرط في القرض شرطا فاسدا بطل الشّرط ‪ ،‬وفي القرض وجهان ‪.‬‬
‫والمثلة من هذا النّوع كثيرة ‪ ( .‬ر ‪ :‬بيع ‪ -‬اشتراط ) ‪.‬‬
‫وفي حالة عقد الهدنة يستثنى حالة الضّرورة أو الحاجة ‪ .‬جاء في جواهر الكليل ‪ ،‬يجوز‬
‫للمام مهادنة الحربيّين لمصلحةٍ ‪ ،‬إن خلت المهادنة عن شرطٍ فاسدٍ ‪ ،‬كأن كانت على مالٍ‬
‫يدفعه لهم فل يجوز ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ {:‬ول تهنوا ول تحزنوا وأنتم العلون إن كنتم مؤمنين }‬
‫إلّ لضرورة التّخلّص منهم خوف استيلئهم على المسلمين ‪ ،‬فيجوز دفع المال لهم ‪ « ،‬وقد‬
‫شاور النّبيّ صلى ال عليه وسلم أصحابه في مثل ذلك »‪ ،‬فلو لم يكن العطاء جائزا عند‬
‫الضّرورة ما شاور فيه ‪.‬‬
‫وفي الشباه لبن نجيمٍ ‪ ،‬ومثله في المنثور للزّركشيّ ‪ :‬ما حرم أخذه حرم إعطاؤه ‪ ،‬كالرّبا‬
‫ل في مسائل في‬
‫ومهر البغيّ وحلوان الكاهن والرّشوة للحاكم إذا بذلها ليحكم له بغير الحقّ ‪ ،‬إ ّ‬
‫الرّشوة لخوفٍ على نفسه أو ماله أو لفكّ أسيرٍ أو لمن يخاف هجوه ‪ .‬وينبغي أن يكون مثله‬
‫إعطاء الرّبا للضّرورة فيأثم المقرض دون المقترض ‪.‬‬

‫الوصاف المغيّرة لثار اللتزام ‪:‬‬
‫ع من أنواع اللتزام م ستوفي ًة أركان ها وشرائط ها ترتّ بت‬
‫إذا تمّت التّ صرّفات الملز مة بأ يّ نو ٍ‬
‫عليها آثارها ووجب تنفيذ اللتزام ‪ .‬لكن قد يتّصل بالتّصرّف بعض الوصاف الّتي تغيّر من‬
‫آثار اللتزام ‪ ،‬فتوقفه أو تزيد عليه التزاما آخر أو تبطله ‪ ،‬وبيان ذلك فيما يأتي ‪:‬‬

‫أوّلً ‪ :‬الخيارات ‪:‬‬

‫‪ - 47‬من الخيارات ما يتّصل بالتّصرّف ‪ ،‬فيتوقّف لزومه ويتأخّر تنفيذ اللتزام إلى أن يبتّ‬
‫فيها ‪ ،‬فيتبيّن ما ينفذ وما ل ينفذ ‪ .‬والخيارات كثيرة ‪ ،‬ولكنّا نكتفي بالخيارات المشهورة عند‬
‫الحنفيّة ‪ .‬وهي خيار الشّرط والتّعيين والرّؤية والعيب ‪.‬‬
‫يقول ابن عابدين ‪ :‬من الخيارات ما يمنع ابتداء الحكم ‪ ،‬وهما خيار الشّرط والتّعيين ‪ ،‬ومنه ما‬
‫يمنع تمام الحكم كخيار الرّؤية ‪ ،‬ومنه ما يمنع لزومه كخيار العيب ‪.‬‬
‫ويقول الكاسانيّ ‪ :‬شرائط لزوم البيع بعد انعقاده ونفاذه وصحّته أن يكون خاليا من خياراتٍ‬
‫أربع ٍة ‪ :‬خيار الشّرط ‪ ،‬والتّعيين والرّؤية ‪ ،‬والعيب ‪ .‬فل يلزم مع هذه الخيارات إذ ل بدّ للّزوم‬
‫من الرّضى لقوله تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا ل تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلّ أن تكون‬
‫ض منكم } ‪.‬‬
‫تجارةً عن ترا ٍ‬
‫وفي الموضوع تفصيلت كثيرة بالنّسبة للتّصرّفات الّتي تدخلها الخيارات والتّصرّفات الّتي ل‬
‫تدخلها ‪ ،‬وبالنّسبة لما هو عند المذاهب الخرى ‪ ،‬فخيار التّعيين مثلً ل يأخذ به الشّافعيّة‬

‫والحنابلة وزفر من الحنفيّة لمخالفته للقياس ‪ .‬وكذلك خيار الرّؤية بالنّسبة للشّافعيّة ‪ ،‬ولغيرهم‬
‫تفصيل فيه ‪ ( .‬ر ‪ :‬خيار )‬

‫ثانيا ‪ :‬الشّروط ‪:‬‬
‫‪ - 48‬الشّرط قد يكون تعليقيّا ‪ ،‬وقد يكون تقييديّا ‪ :‬فالشّرط التّعليقيّ ‪ :‬هو ربط وجود الشّيء‬
‫ن الملتزم يعلّق تنفيذ التزامه على وجود ما شرطه ‪ .‬وبذلك يكون أثر‬
‫بوجود غيره ‪ ،‬أي أ ّ‬
‫الشّرط التّعليقيّ في اللتزام هو توقّف تنفيذ اللتزام حتّى يحصل الشّرط ‪ ،‬فعند المالكيّة مثلً‬
‫إذا قال لشخصٍ ‪ :‬إن بنيت بيتك ‪ ،‬أو إن تزوّجت فلك كذا فهو لزم ‪ ،‬إذا وقع المعلّق عليه ‪.‬‬
‫وهذا طبعا في التّصرّفات الّتي تقبل التّعليق ‪ ،‬كالسقاطات والطلقات واللتزام بالقرب بالنّذر‬
‫ن التّعليق يمنع النعقاد لعدم صحّة‬
‫‪ .‬أمّا التّصرّفات الّتي ل تقبل التّعليق كالبيع والنّكاح ‪ ،‬فإ ّ‬
‫التّصرّفات حينئذٍ ‪ ( .‬ر ‪ :‬شرط ‪ -‬تعليق ) ‪.‬‬
‫وأمّا الشّرط التّقييديّ فهو ما جزم فيه بالصل وشرط فيه أمرا آخر ‪.‬‬
‫وأمّا أثره في اللتزام ‪ ،‬فإن كان صحيحا ‪ ،‬فما كان منه ملئما للتّصرّف ‪ ،‬كمن يبيع ويشترط‬
‫على المشتري أن يعطيه بالثّمن رهنا أو كفيلً ‪ ...‬أو كان جرى به التّعامل بين النّاس كمن‬
‫يشتري جرابا على أن يخرزه له البائع ‪ ...‬فإنّه ينشئ التزاما زائدا على اللتزام الصليّ ‪ ،‬كما‬
‫هو واضح من المثلة ويجب الوفاء به ‪ .‬أمّا إن كان مؤكّدا لمقتضى التّصرّف ‪ ،‬كاشتراط‬
‫التّسليم في البيع مثلً ‪ ،‬فل أثر له في اللتزام ‪ ،‬إذ الشّرط هنا تأكيد وبيان لمقتضى اللتزام ‪.‬‬
‫وإن كان الشّرط فاسدا ‪ ،‬فإن كان ل يقتضيه التّصرّف وليس ملئما له ول جرى به التّعامل‬
‫بين النّاس وفيه منفعة لها صاحب يطالب بها ‪ ،‬كمن يبيع الدّار على أن يسكنها البائع شهرا ‪،‬‬
‫أو الثّوب على أن يلبسه أسبوعا ‪ ،‬فإنّ هذا الشّرط فاسد ويفسد معه التّصرّف ‪ ،‬وبالتّالي يفسد‬
‫اللتزام الصليّ للتّصرّف حيث قد فسد مصدره ‪.‬‬
‫وهذا عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو يجري في عقود المبادلت الماليّة فقط ‪ ،‬خلفا للتّبرّعات كالهبة حيث‬
‫يفسد الشّرط ويبقى التّصرّف في اللتزام به كما هو ‪ ،‬ويصبح الشّرط ل أثر له في اللتزام ‪.‬‬
‫وأمّا عند الشّافعيّة فإنّ مثل هذا الشّرط يفسد ‪ ،‬ويفسد معه التّصرّف ‪ ،‬ويجرون هذا في كلّ‬
‫التّصرّفات ‪.‬‬
‫ن الشّرط الّذي يفسد التّصرّف عندهم ‪ ،‬فهو ما كان منافيا لمقتضى العقد ‪ ،‬أو‬
‫أمّا المالكيّة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫كان مخلّا بالثّمن ‪ .‬وقريب من هذا مذهب الحنابلة ‪ .‬إذ هو عندهم ‪ :‬ما كان منافيا لمقتضى‬
‫العقد ‪ ،‬أو كان العقد يشتمل على شرطه ‪ .‬أمّا ما كان فيه منفعة لحدٍ ‪ ،‬فإنّه غير فاسدٍ عندهم‬
‫إذا كانت المنفعة معلومةً ‪ .‬فمن يبيع الدّار ويشترط سكناها شهرا مثلً فشرطه صحيح ويجب‬

‫ل ‪ ،‬واشترط ظهره‬
‫الوفاء به ‪ .‬واستدلّوا بحديث جابرٍ أنّه « باع النّبيّ صلى ال عليه وسلم جم ً‬
‫إلى المدينة أي ركوبه » ‪ ،‬وفي لفظٍ قال ‪ « :‬بعته واستثنيت حملنه إلى أهلي » ‪.‬‬
‫ن من باع عبدا واشترط أن يعتقه المشتري‬
‫على أنّ الجمهور ومعهم أبو حنيفة متّفقون على أ ّ‬
‫ن من الفقهاء من قال ‪ :‬يجبر‬
‫فهو شرط صحيح يجب الوفاء به ‪ ،‬لتشوّف الشّارع للح ّريّة ‪ ،‬بل إ ّ‬
‫المشتري على ذلك ‪.‬‬
‫وأمّا إن كان الشّرط بغير ما ذكر ‪ ،‬فإنّه يفسد هو ويبقى التّصرّف صحيحا فيجب الوفاء به ‪.‬‬
‫وفي الموضوع تفصيلت كثيرة ( ر ‪ :‬اشتراط ‪ ،‬شرط ) ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬الجل ‪:‬‬
‫‪ - 49‬الجل هو المدّة المتّفق عليها المستقبلة المحقّقة الوقوع ‪ .‬واللتزام قد يكون مؤجّلً إذا‬
‫ت ‪ ،‬فإنّه يجعل تنفيذ اللتزام مستمرّا طوال المدّة المحدّدة حتّى تنتهي ‪،‬‬
‫كان الجل أجل توقي ٍ‬
‫فمن أجّر دارا لمدّة شهرٍ أصبح من حقّ المستأجر النتفاع بالدّار في هذه المدّة ول يجوز‬
‫للملتزم ‪ -‬وهو المؤجّر ‪ -‬أن يطالبه بتسليم الدّار قبل انتهاء الجل المضروب ‪.‬‬
‫ن تنفيذ اللتزام ل يبدأ إلّ عند حلول الجل ‪ ،‬فالدّين المؤجّل إلى‬
‫وإذا كان أجل إضاف ٍة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ل الجل وجب على الملتزم‬
‫رمضان يمنع الدّائن من المطالبة قبل دخول رمضان ‪ .‬فإذا ح ّ‬
‫بالدّين الوفاء ‪ ،‬وصار من حقّ الدّائن المطالبة بدينه ‪.‬‬
‫والتّصرّفات تختلف بالنّسبة للجل توقيتا أو إضافةً ‪ ،‬فمنها ما هو مؤقّت أو مضاف بطبيعته ‪،‬‬
‫ل كالصّرف والنّكاح ‪،‬‬
‫كالجارة والمساقاة والوصيّة ‪ ،‬ومنها ما هو منجز ول يقبل التّأقيت بحا ٍ‬
‫وإذا دخلهما التّأقيت بطل ‪ ،‬ويكون أثر التّأقيت هنا بطلن الجل ‪.‬‬
‫وأمّا العقد فيبطل في الصّرف إجماعا ‪ .‬وفي النّكاح عند الكثرين ‪.‬‬
‫ومنها ما يكون الصل فيه التّنجيز كالثّمن في البيع لكن يجوز تأجيله إرفاقا فيتغيّر أثر اللتزام‬
‫من التّسليم الفوريّ إلى تأخيره إلى الجل المحدّد ‪.‬‬
‫على أنّ التّصرّفات الّتي تقبل التّأجيل يشترط فيها في الجملة ‪ :‬أن يكون الجل معلوما ‪ ،‬إذ في‬
‫ل يعتاض عن الجل ‪ ،‬إذ العتياض عنه يؤدّي إلى الرّبا ‪.‬‬
‫الجهالة غرر يؤدّي إلى النّزاع ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ويكون الثر حينئذٍ بطلن الشّرط ‪ .‬وهذا في الجملة كما ذكرنا ‪ ،‬إذ من التّصرّفات ما يكون‬
‫ل بطبيعته ‪ ،‬كالجعالة والوصيّة ‪ ،‬ويلحق بهما الوكالة والقراض والذن في‬
‫الجل فيه مجهو ً‬
‫التّجارة إذا لم يحدّد للعمل مدّةً ‪ .‬كذلك التّبرّعات عند المالكيّة تجوز إلى أجلٍ مجهولٍ ‪ .‬وفي‬
‫كلّ ذلك تفصيلت مطوّلة تنظر في مواضعها وفي ( بحث ‪ :‬أجل ) ‪.‬‬

‫توثيق اللتزام ‪:‬‬

‫‪ - 50‬توثيق اللتزام ‪ -‬أي إحكامه وإثباته ‪ -‬أمر مشروع لحتياج النّاس إلى معاملة من ل‬
‫يعرفونه ‪ ،‬خشية جحد الحقوق أو ضياعها ‪ .‬وقد شرع اللّه سبحانه وتعالى للنّاس ما يضمن‬
‫لهم حقوقهم بتوثيقها ‪ ،‬وجعل لذلك طرقا متعدّدةً وهي ‪:‬‬
‫( ‪ ) 1‬الكتابة والشهاد ‪:‬‬
‫‪ - 51‬شرع اللّه سبحانه وتعالى الكتابة والشهاد صيانةً للحقوق ‪ ،‬وذلك في قوله تعالى ‪ { :‬يا‬
‫أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمّى فاكتبوه } ‪ { ..‬واستشهدوا شهيدين من رجالكم‬
‫} ‪ { ..‬وأشهدوا إذا تبايعتم } وقد أوجب الشّرع توثيق بعض اللتزامات لخطره كالنّكاح ‪،‬‬
‫ل بالبيّنة ‪ ،‬ومثله الشهاد عند دفع مال اليتيم‬
‫وقريب منه طلب الشّفعة فل تثبت عند النكار إ ّ‬
‫إليه عند البلوغ والرّشد ‪.‬‬
‫ومن اللتزامات ما اختلف في وجوب الشهاد فيه أو استحبابه ‪ ،‬كالبيع والجارة والسّلم‬
‫والقرض والرّجعة ‪.‬‬
‫والشّهادة تعتبر من البيّنات الّتي يثبت بها الحقّ ‪ .‬ولبيان ما يجب فيه الشهاد وما ل يجب ‪،‬‬
‫وبيان شروط الشّهادة في الحقوق من حيث التّحمّل والداء والعدد وصفة الشّاهد والمشهود به‬
‫ينظر ‪ ( :‬إثبات ‪ ،‬إشهاد ‪ -‬شهادة ‪ -‬أداء ‪ -‬تحمّل ) ‪.‬‬
‫( ‪ ) 2‬الرّهن ‪:‬‬
‫‪ - 52‬الرّهن شرع كذلك لتوثيق اللتزامات ‪ ،‬لنّه احتباس العين ليستوفي الحقّ من ثمنها ‪ ،‬أو‬
‫من ثمن منافعها عند تعذّر أخذه من الغريم ‪ .‬والصل في مشروعيّته قول اللّه تعالى ‪ { :‬وإن‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم «‬
‫كنتم على سفرٍ ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } ‪ .‬وروي أ ّ‬
‫ي إلى أجلٍ ورهنه درعا من حديدٍ » ‪.‬‬
‫اشترى طعاما من يهود ّ‬
‫والرّهن مشروع بطريق النّدب ل بطريق الوجوب ‪ ،‬بدليل قول اللّه تعالى ‪ { :‬فإن أمن‬
‫بعضكم بعضا فليؤ ّد الّذي اؤتمن أمانته } ‪ ،‬ولنّه أمر به عند عدم تيسّر الكتابة ‪ ،‬والكتابة غير‬
‫واجب ٍة فكذلك بدلها ‪.‬‬
‫هذا وللرّهن شروط من حيث كونه مقبوضا وكونه بدينٍ لزمٍ وغير ذلك ( ر ‪ :‬رهن ) ‪.‬‬
‫( ‪ ) 3‬الضّمان والكفالة ‪:‬‬
‫‪ - 53‬الضّمان والكفالة قد يستعملن بمعنًى واحدٍ ‪ ،‬وقد يستعمل الضّمان للدّين ‪ ،‬والكفالة‬
‫للنّفس ‪ .‬وهما مشروعان أيضا ليتوثّق بهما اللتزام ‪ .‬والصل في ذلك قول اللّه تعالى في‬
‫قصّة يوسف ‪ { :‬ولمن جاء به حمل بعيرٍ وأنا به زعيم } ‪.‬‬
‫وفي كلّ ذلك تفصيلت واختلفات للفقهاء تنظر في موضعها ( ر ‪ :‬كفالة ) ‪.‬‬
‫أمّا بالنّسبة للتّصرّفات الّتي يدخلها التّوثيق والّتي ل يدخلها ‪ ،‬فقد قال السّيوطيّ ‪ :‬الوثائق‬
‫المتعلّقة بالعيان ثلثة ‪ :‬الرّهن والكفالة والشّهادة ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬من العقود ما تدخله الثّلثة كالبيع‬

‫والسّلم والقرض ‪ ،‬ومنها ما تدخله الشّهادة دونهما وهو المساقاة ‪ -‬جزم به الماورديّ ‪ -‬ونجوم‬
‫الكتابة ‪ .‬ومنها ما تدخله الشّهادة والكفالة دون الرّهن وهو الجعالة ‪.‬‬
‫ومنها ما تدخله الكفالة دونهما وهو ضمان الدّرك ‪ .‬ث ّم قال ‪ :‬ليس لنا عقد يجب فيه الشهاد من‬
‫ل النّكاح قطعا ‪ ،‬والرّجعة على قولٍ ‪ ،‬وعقد الخلفة على وجهٍ ‪ ،‬وممّا قيل بوجوب‬
‫غير تقييدٍ إ ّ‬
‫الشهاد فيه من غير العقود ‪ :‬اللّقطة على وجهٍ ‪ ،‬واللّقيط على الصحّ لخوف إرقاقه ‪ .‬وقد زاد‬
‫الزّركشيّ أروش الجنايات المستقرّة فيما يدخله الثّلثة ‪.‬‬
‫وقد اعتبر الزّركشيّ أنّ التّوثيق ل ينحصر في هذه الثّلثة ( الشّهادة والرّهن والكفالة ) وإنّما‬
‫اعتبر منها ‪ :‬الحبس على الحقوق إلى الوفاء ‪ ،‬ومنها حبس المبيع حتّى يقبض الثّمن ‪ ،‬وكذلك‬
‫منع المرأة تسليم نفسها حتّى تقبض معجّل المهر ‪..‬‬

‫انتقال اللتزام ‪:‬‬
‫‪ - 54‬يجوز انتقال اللتزام بالدّين من ذمّةٍ إلى ذمّةٍ أخرى ‪ ،‬إذ هو نوع من التّوثيق بمنزلة‬
‫الكفالة ‪ ،‬وهو ما يسمّى بالحوالة ‪ ،‬وهي معاملة صحيحة مستثناة من بيع الدّين بالدّين فجازت‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مطل الغنيّ ظلم ‪ .‬وإذا أحيل أحدكم على مليءٍ‬
‫للحاجة ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫فليتبع » ‪ .‬وللتّفصيل ومعرفة الخلف ( ر ‪ :‬حوالة ) ‪.‬‬

‫إثبات اللتزام ‪:‬‬

‫‪ - 55‬إثبات اللتزام إنّما يحتاج إليه عند إنكار الملتزم ‪ .‬وفي هذه الحالة يكون على الملتزم له‬
‫ل بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬البيّنة على من ادّعى‬
‫( صاحب الحقّ ) إثبات حقّه ‪ ،‬عم ً‬
‫ق بيّنته ‪ -‬أن يسأله ‪ :‬ألك‬
‫‪ ،‬واليمين على من أنكر » ‪ .‬وللقاضي ‪ -‬إن لم يظهر صاحب الح ّ‬
‫بيّنة ؟ لما روي « أنّه جاء رجل من حضرموت ‪ ،‬ورجل من كندة ‪ ،‬إلى النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ض لي كانت لبي ‪ ،‬فقال‬
‫ن هذا قد غلبني على أر ٍ‬
‫وسلم فقال الحضرميّ ‪ :‬يا رسول اللّه إ ّ‬
‫الكنديّ ‪ :‬هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حقّ ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫للحضرميّ ‪ :‬ألك بيّنة ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فلك يمينه » ‪ .‬وللثبات طرق متعدّدة كالقرار‬
‫والشّهادة واليمين والنّكول والقسامة وغير ذلك ( ر ‪ :‬إثبات ) ‪.‬‬

‫انقضاء اللتزام ‪:‬‬
‫ن أو دينٍ ‪،‬‬
‫‪ - 56‬الصل أنّ اللتزام ينقضي بوفاء الملتزم وتنفيذه ما التزم به من تسليم عي ٍ‬
‫كتسليم المبيع للمشتري ‪ ،‬والثّمن للبائع ‪ ،‬والمأجور للمستأجر ‪ ،‬والجرة للمؤجّر والموهوب‬
‫للمتّهب وبدل القرض للمقرض وهكذا ‪.‬‬
‫وينقضي اللتزام أيضا بالقيام بالعمل الملتزم به في إجارةٍ أو استصناعٍ أو مساقاةٍ أو وكالةٍ أو‬
‫مضاربةٍ ‪ ،‬وبانقضاء المدّة في التّصرّف المقيّد بالزّمن كالجارة المحدّدة ‪.‬‬

‫‪ - 57‬وقد ينقضي اللتزام بغير هذا ومن أمثلة ذلك ‪:‬‬
‫( ‪ ) 1‬إبراء الدّائن للمدين ‪.‬‬
‫ل إذا‬
‫(‪ - ) 2‬الفسخ أو العزل في العقود الجائزة كالوكالة والشّركة والقراض الوديعة ‪ ،‬إ ّ‬
‫اقتضى فسخها ضررا على الطّرف الخر ‪.‬‬
‫يقول السّيوطيّ ‪ :‬الشّركة والوكالة والعاريّة الوديعة والقراض كلّها تنفسخ بالعزل من‬
‫المتعاقدين أو أحدهما ‪.‬‬
‫وفي المنثور للزّركشيّ ‪ :‬العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها ضررا على الطّرف الخر امتنع‬
‫وصارت لزمةً ‪ .‬ولهذا قال النّوويّ ‪ :‬للوصيّ عزل نفسه إلّ أن يتعيّن عليه أو يغلب على‬
‫ظنّه تلف المال باستيلء ظالمٍ ‪.‬‬
‫ويجري مثله في الشّريك والمقارض ‪ ،‬وقد قالوا في العامل إذا فسخ القراض ‪ :‬عليه التّقاضي‬
‫ن الدّين ملك ناقص ‪ ،‬وقد أخذه منه كاملً ‪ ،‬فليردّه كما أخذه ‪ ،‬وظاهر كلمهم‬
‫والستيفاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫أنّه ل ينعزل حتّى ينضّ المال ‪.‬‬
‫( ‪ ) 3‬الرّجوع في التّبرّعات قبل القبض كالوصيّة والهبة ‪ ،‬وبعد القبض في العاريّة والقرض‬
‫عند غير المالكيّة ‪.‬‬
‫( ‪ ) 4‬المقاصّة في الدّيون ‪.‬‬
‫( ‪ ) 5‬انعدام الهليّة في العقود الجائزة كالجنون والموت ‪.‬‬
‫( ‪ ) 6‬الفلس أو مرض الموت في التّبرّعات قبل القبض ‪.‬‬
‫( ‪ ) 7‬عدم إمكان التّنفيذ ‪ ،‬كهلك المبيع قبل القبض ‪.‬‬
‫يقول الكاسانيّ ‪ :‬هلك المبيع قبل القبض ‪ ،‬إن هلك كلّه قبل القبض بآف ٍة سماويّةٍ انفسخ البيع ‪،‬‬
‫لنّه لو بقي أوجب مطالبة المشتري بالثّمن ‪ ،‬وإذا طالبه بالثّمن فهو يطالبه بتسليم المبيع ‪ ،‬وأنّه‬
‫عاجز عن التّسليم فتمتنع المطالبة أصلً ‪ ،‬فلم يكن في بقاء البيع فائدة فينفسخ ‪ ،‬وكذلك إذا‬
‫هلك بفعل المبيع بأن كان حيوانا فقتل نفسه ‪ ،‬وكذا إذا هلك بفعل البائع يبطل البيع ويسقط‬
‫الثّمن عن المشتري عندنا ‪.‬‬
‫وإن هلك بفعل المشتري ل ينفسخ البيع وعليه الثّمن ‪ ،‬لنّه بالتلف صار قابضا ‪..‬‬

‫التصاق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬التصق والتزق بمعنًى واحدٍ ‪ ،‬والتصق بالشّيء ‪ :‬لزق وعلق به ‪ ،‬واللتصاق ‪ :‬اتّصال‬
‫الشّيء بالشّيء بحيث ل يكون بينهما فجوة بتلزّجٍ أو تماسكٍ أو تماسّ ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملونه بالمعنى نفسه ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬اللتصاق من المور الّتي قد تحدث تلقائيّا ‪ ،‬كالتصاق الدّور ‪ ،‬والتصاق أوراق الشّجر‬
‫بالماء ‪ ،‬وكالتصاق عضوٍ زائدٍ بجسمٍ ‪ .‬وقد يحدث بقصدٍ كلصق جبير ٍة على جرحٍ ‪.‬‬
‫وسواء حدث اللتصاق بقصدٍ أو بغير قصدٍ فإنّه قد يترتّب عليه بعض الحكام ‪.‬‬
‫‪ - 3‬فالتصاق الدّارين مثلً في سكّ ٍة نافذ ٍة يعطي أحد الجارين الملصقين الولويّة في الشّفعة ‪،‬‬
‫إذا أراد الخر بيع داره ‪ ،‬وهذا كما يقول الحنفيّة ‪ .‬إذ ل شفعة بالجوار عند غيرهم ‪ .‬والتصاق‬
‫الجبيرة على الجرح يترتّب عليه جواز المسح على الجبيرة في الطّهارة ‪.‬‬
‫‪ -4‬على أنّ اللتصاق منه ما هو واجب ‪ ،‬كالتصاق الجبهة بالرض في السّجود ‪ .‬ومنه ما هو‬
‫ب واحدٍ بدون حائلٍ ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫حرام كالتصاق رجلين أو امرأتين في ثو ٍ‬
‫ب واحدٍ » ‪.‬‬
‫وسلم ‪ « :‬ل يفضي الرّجل ‪ ،‬إلى الرّجل ول تفضي المرأة إلى المرأة في ثو ٍ‬
‫ل وبدون قصد التّلذّذ ‪.‬‬
‫ويكون مكروها إذا كان بحائ ٍ‬

‫مواطن البحث ‪:‬‬

‫‪ - 5‬يأتي اللتصاق في مواطن متعدّدةٍ ‪ ،‬ومن ذلك ‪ :‬التصاق الثّوب بالجسم في الصّلة ‪،‬‬
‫وينظر في ( ستر العورة ) ‪.‬‬
‫وفي التصاق الدّارين ‪ ،‬وإساءة أحد صاحب الدّارين إلى الخر وينظر في ( جناية ‪ -‬إتلف‬
‫ارتفاق ‪ -‬شفعة ) وفي ما انحسر عنه البحر ‪ ،‬وينظر في ( إحياء الموات ) ‪.‬‬
‫وفي التصاق عضوين في الجسم وينظر في ( طهارة ) ‪.‬‬

‫التفات *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬اللتفات ‪ :‬هو لغ ًة ‪ :‬النصراف إلى جهة اليمين أو الشّمال ‪.‬‬
‫وعند الفقهاء ل يختلف استعمال اللّفظ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫‪ - 2‬انحراف ‪:‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫النحراف هو ‪ :‬الميل عن الشّيء ‪ ،‬وهو غير اللتفات ‪ ،‬فقد يميل النسان وهو في نفس‬
‫التّجاه ‪.‬‬

‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫اللتفات تارةً يطلب شرعا ‪ ،‬وأحيانا ينهى عنه ‪.‬‬

‫‪ - 3‬وممّا يطلب فيه اللتفات ‪ :‬الذان ‪ ،‬فعند الحيعلتين يستحبّ اللتفات عند أغلب الفقهاء ‪،‬‬
‫ل رضي ال عنه ‪ ،‬واستثنى بعض الفقهاء من ذلك ما إذا كان يؤذّن لنفسه ‪ ،‬أو‬
‫لفعل بل ٍ‬
‫لجماع ٍة صغيرةٍ ‪ ،‬أو لمولودٍ ‪ .‬ولللتفات كيفيّات ثلث يذكرها الفقهاء في ( الذان ) ‪.‬‬
‫ن اللتفات كذلك عند تسليم المصلّي ‪ ،‬يلتفت يمينا وشمالً ‪ ،‬روى النّسائيّ عن عبد اللّه بن‬
‫ويس ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان يسلّم عن يمينه ‪ :‬السّلم عليكم‬
‫ن النّب ّ‬
‫مسعودٍ رضي ال عنه « أ ّ‬
‫ورحمة اللّه ‪ ،‬حتّى يرى بياض خدّه اليمن ‪ ،‬وعن يساره ‪ :‬السّلم عليكم ورحمة اللّه ‪ ،‬حتّى‬
‫يرى بياض خدّه اليسر » ‪ .‬وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في ( التّسليم ) ‪.‬‬
‫‪ - 4‬أمّا اللتفات المنهيّ عنه ‪ ،‬فمنه ‪ :‬اللتفات في الصّلة ‪ ،‬وهو إمّا بالوجه أو بغيره ‪ ،‬فعند‬
‫الئمّة الربعة يكره اللتفات بالوجه في الصّلة ‪ ،‬عن أنسٍ رضي ال عنه قال لي رسول اللّه‬
‫ن اللتفات في الصّلة هلكة ‪،‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬يا بنيّ إيّاك واللتفات في الصّلة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫فإن كان ل بدّ ففي التّطوّع ل في الفريضة » ‪.‬‬
‫أمّا اللتفات بالصّدر أو بالبدن كلّه فمن الفقهاء من كره ذلك ‪ ،‬ومنهم من قال ‪ :‬تبطل به‬
‫الصّلة إن حوّل قدميه ‪ ،‬وتفصيل ذلك كلّه يذكره الفقهاء في ( استقبال القبلة ) ‪.‬‬
‫ص الفقهاء على كراهة التفات الخطيب ‪ ،‬ومنهم من ذكر كراهية التفات المستمع‬
‫وفي الخطبة ن ّ‬
‫‪ ،‬وتفصيل ذلك بيّنه الفقهاء في ( خطبة الجمعة ) ‪.‬‬

‫التقاء الختانين *‬
‫انظر ‪ :‬وطء ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬لقطة ‪.‬‬

‫التقاط *‬
‫التماس *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬اللتماس لغةً ‪ :‬الطّلب ‪ ،‬والتّلمّس ‪ :‬التّطلّب مرّ ًة بعد أخرى ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬هو الطّلب مع التّساوي بين المر والمأمور ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪ - 2‬قد يكون اللتماس مطلوبا أو ممنوعا ‪.‬‬

‫‪ - 3‬فاللتماس المطلوب مثل ‪ :‬التماس رؤية هلل رمضان ‪ ،‬وهو واجب عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫ومندوب عند جمهور الفقهاء ‪ .‬والتماس الماء قبل التّيمّم فإنّه واجب عند الفقهاء ‪ -‬ر ‪-‬‬
‫( صيام وتيمّم ) ‪.‬‬
‫والتماس ليلة القدر في قيام اللّيل ‪ ،‬فإنّه مستحبّ ‪ ( .‬ر ‪ -‬صيام ‪ -‬قيام اللّيل ) ‪.‬‬
‫‪ - 4‬أمّا اللتماس الممنوع ‪ ،‬فهو إذا كان الشّيء الملتمس قد حرّمه الشّرع ‪ ،‬كالتماس الخمر‬
‫وبقيّة المحظورات الّتي حرّمها الشّارع ‪ ( .‬ر ‪ -‬أشربة ) ‪.‬‬

‫ألثغ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬اللثغ لغةً ‪ :‬من به لثغة ‪ ،‬واللّثغة ‪ :‬حبسة في اللّسان حتّى تصير الرّاء لما أو غينا ‪ ،‬أو‬
‫السّين ثا ًء ونحو ذلك ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ - 2‬الرتّ ‪ ،‬وهو من يدغم الحرف في الحرف ممّا ل يدغم في كلم النّاس ‪.‬‬
‫والتّأتاء ‪ ،‬وهو من يكرّر التّاء ‪.‬‬
‫والفأفاء ‪ ،‬وهو من يكرّر الفاء ‪..‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ص في إمام الصّلة ‪.‬‬
‫‪ - 3‬اللّثغة صفة نق ٍ‬
‫فذهب الجمهور ‪ :‬الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة في قولٍ ‪ ،‬والحنابلة سوى القاضي منهم ‪ ،‬إلى‬
‫إلحاق اللثغ بالمّيّ في المامة ‪ ،‬فيمنع اقتداء السّالم به ‪ ،‬ويجوز له أن يؤمّ مثله ‪ ،‬وذهب‬
‫ل آخر ‪ ،‬والقاضي من الحنابلة إلى صحّة إمامته مع الكراهة ‪ ،‬فيأثم المقتدي به‬
‫المالكيّة في قو ٍ‬
‫إن وجد غيره ممّن يحسن القراءة ‪ ،‬وإلّ فل ‪.‬‬
‫غير أنّ الشّافعيّة اشترطوا لصحّة إمامة اللثغ بمثله أن تكون اللّثغة في كلمةٍ واحد ٍة ‪ .‬فإن كان‬
‫أحدهما يلثغ في كلمةٍ ‪ ،‬والخر يلثغ في غيرها لم تصحّ إمامة أحدهما للخر ‪.‬‬
‫قال ابن تيميّة ‪ :‬وأمّا من ل يقيم قراءة الفاتحة ‪ ،‬فل يصلّي خلفه إلّ من هو مثله ‪ ،‬فل يصلّي‬
‫خلف اللثغ الّذي يبدّل حرفا بحرفٍ ‪ ،‬إلّ حرف الضّاد إذا أخرجه من طرف الفم ‪ ،‬كما هو‬
‫عادة كثيرٍ من النّاس ‪ ،‬فهذا فيه وجهان ‪:‬‬
‫ح صلته في نفسه ‪ ،‬لنّه أبدل حرفا بحرفٍ ‪ ،‬لنّ‬
‫منهم من قال ‪ :‬ل يصلّي خلفه ‪ ،‬ول تص ّ‬
‫مخرج الضّاد الشّدق ‪ ،‬ومخرج الظّاء طرف السنان ‪ .‬فإذا قال ‪ ( :‬ول الظّالّين ) كان معناه‬
‫ظلّ يفعل كذا ‪.‬‬

‫ن الحرفين في السّمع شيء واحد ‪ ،‬وحسّ أحدهما من‬
‫والوجه الثّاني ‪ :‬تصحّ ‪ ،‬وهذا أقرب ‪ ،‬ل ّ‬
‫جنس حسّ الخر لتشابه المخرجين ‪ .‬والقارئ إنّما يقصد الضّلل المخالف للهدى ‪ ،‬وهو الّذي‬
‫يفهمه المستمع ‪ ،‬فأمّا المعنى المأخوذ من ظلّ فل يخطر ببال واحدٍ ‪ ،‬وهذا بخلف الحرفين‬
‫ن هذا ل يحصل به مقصود القراءة‬
‫المختلفين صوتا ومخرجا وسمعا ‪ ،‬كإبدال الرّاء بالغين ‪ ،‬فإ ّ‬
‫‪.‬‬
‫وفي الدّماء ‪ ،‬والدّيات ‪ :‬ل فرق بين الجناية على لسان السّليم ‪ ،‬ولسان اللثغ ‪ ،‬صرّح بذلك‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وهو ما يفهم من فروع غيرهم ‪.‬‬
‫أمّا في إذهاب الكلم ‪ ،‬فيراعى قسط اللّثغة ‪ ،‬فلو جنى على سليمٍ فأصابته لثغة فإنّ أغلب‬
‫ل بينهم في عدد الحروف الّتي تقسم‬
‫الفقهاء يوجب دية الحرف المبدل ‪ ،‬على خلفٍ وتفصي ٍ‬
‫عليها الدّية ‪ ،‬وكذا مخارج الحروف ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة يقدّر ذلك بالجتهاد ‪ ،‬ول يحسب على عدد الحروف ‪ ،‬وهو قول للحنفيّة ‪ .‬فإن‬
‫منعت الجناية نطق اللثغ ‪ ،‬فإنّ بعض الفقهاء أوجب الدّية كاملةً فيه ‪ ،‬وقال البعض ل يجب‬
‫إلّ قسط الحروف الذّاهبة ‪ .‬وبالضافة إلى ما تقدّم يتكلّم الفقهاء عن اللّثغة في الطّلق ‪ ،‬كما‬
‫إذا قال لزوجته ‪ :‬أنت تالق بدل طالق ‪.‬‬

‫إلجاء *‬
‫انظر ‪ :‬إكراه ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫إلحاد *‬

‫‪ - 1‬اللحاد في اللّغة ‪ ،‬واللّحد ‪ :‬الميل والعدول عن الشّيء ‪ ،‬ومنه ‪ :‬لحد القبر وإلحاده أي‬
‫شقّ في جانبه ل في وسطه ‪ .‬وألحدت الميّت ‪ ،‬ولحدته ‪ :‬جعلته في اللّحد ‪ ،‬أو عملت له‬
‫جعل ال ّ‬
‫لحدا ‪.‬‬
‫ويستعمل اللحاد في الصطلح بمعانٍ منها ‪:‬‬
‫اللحاد في الدّين ‪ ،‬وهو ‪ :‬الطّعن فيه أو الخروج عنه ‪.‬‬
‫صدّ عنه‬
‫ومنها ‪ :‬الخلل بما يستحقّه المسجد الحرام بفعل المحرّمات فيه ‪ ،‬أو منع عمارته وال ّ‬
‫‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬اللحاد في الدّين ‪ :‬هو الميل عن الشّرع القويم إلى جهةٍ من جهات الكفر‬
‫كالباطنيّة الّذين يدّعون أنّ للقرآن ظاهرا ‪ ،‬وأنّهم يعلمون الباطن ‪ ،‬فأحالوا بذلك الشّريعة ‪،‬‬
‫لنّهم تأوّلوا بما يخالف العربيّة الّتي نزل بها القرآن ‪.‬‬

‫ومن اللحاد ‪ :‬الطّعن في الدّين مع ادّعاء السلم ‪ ،‬أو التّأويل في ضرورات الدّين لجراء‬
‫الهواء ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ال ّردّة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ال ّردّة لغ ًة ‪ :‬هي الرّجعة مطلقا ‪.‬‬
‫وشرعا ‪ :‬هي كفر المسلم البالغ العاقل المختار الّذي ثبت إسلمه ولو ببنوّته لمسلمٍ ‪ ،‬وإن لم‬
‫ينطق بالشّهادتين ‪ .‬أو كفر من نطق بهما عالما بأركان السلم ملتزما بها ‪ ،‬ويكون ذلك‬
‫بالتيان بصريح الكفر بلفظٍ يقتضيه ‪ ،‬أو فعلٍ يتضمّنه ونحو ذلك ‪ .‬وهذا التّعريف هو أجمع‬
‫التّعاريف في الرّدّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّفاق ‪:‬‬
‫‪ - 3‬النّفاق ‪ :‬إظهار اليمان باللّسان ‪ ،‬وكتمان الكفر بالقلب ‪ .‬ول يطلق هذا السم على من‬
‫يظهر شيئا ويخفي غيره ممّا ل يختصّ بالعقيدة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الزّندقة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الزّندقة ‪ :‬إبطان الكفر والعتراف بنبوّة نبيّنا محمّدٍ صلى ال عليه وسلم ويعرف ذلك من‬
‫أقوال الزّنديق وأفعاله ‪ .‬وقيل ‪ :‬هو من ل دين له ‪.‬‬
‫ومن الزّندقة ‪ :‬الباحيّة ‪ ،‬وهي ‪ :‬العتقاد بإباحة المحرّمات ‪ ،‬وأنّ الموال والحرم مشتركة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الدّهريّة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الدّهريّ ‪ :‬من يقول بقدم الدّهر ‪ ،‬ول يؤمن بالبعث ‪ ،‬وينكر حشر الجساد ويقول ‪ { :‬إن‬
‫هي إلّ حياتنا الدّنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلّ الدّهر } مع إنكار إسناد الحوادث إلى الصّانع‬
‫المختار سبحانه وتعالى ‪.‬‬
‫ل من الزّندقة والنّفاق والدّهريّة وبين اللحاد ‪:‬‬
‫الفرق بين ك ّ‬
‫‪ - 6‬نقل ابن عابدين عن ابن كمالٍ باشا قوله ‪ :‬الزّنديق في لغة العرب يطلق على ‪ :‬من ينفي‬
‫الباري تعالى ‪ ،‬وعلى من يثبت الشّريك ‪ ،‬وعلى من ينكر حكمته ‪ .‬والفرق بينه وبين المرتدّ‬
‫العموم الوجهيّ ‪ ،‬لنّه قد ل يكون مرتدّا ‪ ،‬كما لو كان زنديقا أصليّا غير منتقلٍ عن دين‬
‫السلم ‪ .‬والمرتدّ قد ل يكون زنديقا ‪ ،‬كما لو تنصّر أو تهوّد ‪ .‬وقد يكون مسلما فيتزندق ‪.‬‬
‫وأمّا في اصطلح الشّرع فالفرق أظهر ‪ ،‬لعتبارهم فيه إبطان الكفر والعتراف بنبوّة نبيّنا‬
‫محمّ ٍد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬والفرق بين الزّنديق والمنافق والدّهريّ والملحد ‪ -‬مع الشتراك‬
‫ن المنافق غير معترفٍ بنبوّة نبيّنا محمّدٍ صلى ال عليه وسلم والدّهريّ‬
‫في إبطان الكفر ‪ -‬أ ّ‬
‫كذلك مع إنكار إسناد الحوادث إلى الصّانع المختار سبحانه وتعالى ‪ ،‬والملحد ل يشترط فيه‬

‫العتراف بنبوّة نبيّنا صلى ال عليه وسلم ول بوجود الصّانع تعالى ‪ .‬وبهذا فارق الدّهريّ‬
‫أيضا ‪ .‬ول يعتبر فيه إضمار الكفر ‪ ،‬وبه فارق المنافق ‪ .‬كما ل يعتبر فيه سبق السلم وبه‬
‫ل ‪ .‬أي هو معنى الكافر‬
‫فارق المرتدّ ‪ .‬فالملحد أوسع فرق الكفر حدّا ‪ ،‬وأعمّ في الجملة من الك ّ‬
‫مطلقا ‪ ،‬تقدّمه إسلمه أم ل ‪ ،‬أظهر كفره أم أبطنه ‪.‬‬

‫اللحاد في الحرم ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اللحاد في الحرم هو الميل بالظّلم فيه ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬إنّ الّذين كفروا ويصدّون عن‬
‫سبيل اللّه والمسجد الحرام الّذي جعلناه للنّاس سواءً العاكف فيه والبّاد ومن يرد فيه بإلحادٍ‬
‫بظلمٍ نذقه من عذابٍ أليمٍ } وقد اختلف في معنى اللحاد في الحرم على أقوا ٍل منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قال ابن مسعودٍ ‪ :‬اللحاد هو الشّرك ‪ ،‬وقال أيضا هو استحلل الحرام ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬قال الجصّاص ‪ :‬المراد به انتهاك حرمة الحرم بالظّلم فيه ‪.‬‬
‫سيّئ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬قال مجاهد ‪ :‬هو العمل ال ّ‬
‫د ‪ -‬اللحاد في الحرم هو منع النّاس عن عمارته ‪.‬‬
‫هن‪ -‬قال سعيد بن جبيرٍ هو الحتكار ‪ .‬قال ابن حيّان ‪ :‬الولى حمل هذه القوال في الية‬
‫على التّمثيل ل على الحصر ‪ ،‬إذ الكلم يدلّ على العموم ‪.‬‬
‫وقد عظّم اللّه الذّنب في الحرم ‪ ،‬وبيّن أنّ الجنايات تعظم على قدر عظم الزّمان كالشهر‬
‫الحرم ‪ ،‬وعلى قدر المكان كالبلد الحرام ‪ ،‬فتكون المعصية معصيتين ‪ :‬إحداهما المخالفة ‪،‬‬
‫والثّانية إسقاط حرمة الشّهر الحرام أو البلد الحرام ‪.‬‬

‫إلحاد الميّت ‪:‬‬

‫‪ - 8‬إلحاد الميّت في القبر سنّة عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬اللّحد‬
‫ص رضي ال عنه « أنّه قال‬
‫شقّ لغيرنا » ولما رواه مسلم من حديث سعد بن أبي وقّا ٍ‬
‫لنا وال ّ‬
‫ي اللّبن ‪ ،‬كما صنع برسول اللّه صلى‬
‫في مرضه الّذي مات فيه الحدوا لي لحدا ‪ ،‬وانصبوا عل ّ‬
‫ال عليه وسلم » ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال للحافر‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه مستحبّ ‪ ،‬لما روي أ ّ‬
‫‪ « :‬أوسع من قبل رأسه ‪ ،‬وأوسع من قبل رجله » ‪ .‬ولقول الرّسول صلى ال عليه وسلم يوم‬
‫أحدٍ ‪ « :‬احفروا ‪ ،‬وأوسعوا ‪ ،‬وعمّقوا » ولما روى ابن ماجه عن أنسٍ « لمّا توفّي النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم وكان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬نستخير ربّنا ونبعث إليهما ‪،‬‬
‫فأيّهما سبق تركناه ‪ ،‬فأرسل إليهما ‪ ،‬فسبق صاحب اللّحد ‪ ،‬فلحدوا النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫شقّ بدون‬
‫» وهذا عند الجميع إذا كانت الرض صلبةً ‪ ،‬أمّا إذا كانت رخوةً فإنّه يصار إلى ال ّ‬
‫خلفٍ ويكون أفضل ‪ ،‬ويكون اللّحد إلى جهة القبلة بقدر الميّت ‪..‬‬

‫اللحاد في الدّين ‪:‬‬
‫‪ - 9‬الملحد إمّا أن يكون في الصل على الشّرك ‪ ،‬فحكمه ينظر تحت عنوان ( إشراك ) ‪ ،‬أو‬
‫يكون ذ ّميّا فيلحد أي يطعن في الدّين جهارا ‪ ،‬فينتقض بذلك عهده ‪ ،‬وينظر حكمه تحت عنوان‬
‫( أهل ال ّذمّة ) أو يكون مسلما فيلحد ‪ ،‬فينظر حكمه تحت عنوان ( ارتداد ‪ -‬زندقة ) ‪.‬‬

‫الثار المترتّبة على اللحاد ‪:‬‬

‫‪ - 10‬من ألحد بعد إسلمٍ والعياذ باللّه ‪ ،‬إمّا أن يستتاب على رأي من قال بذلك ‪ ،‬فيأخذ حكم‬
‫المرتدّ في العبادات في الجملة في حالة رجوعه عن إلحاده ‪ ،‬من نقض وضوئه باللحاد‬
‫وعدمه ‪ ،‬ومن قضائه للعبادات ‪ ،‬وأدائه ما عليه من زكاةٍ ‪ ،‬وقضائه للحجّ قبل اللحاد وبعده ‪.‬‬
‫كما يأخذ حكمه كذلك في غير العبادات ‪ ،‬من سقوط شفعته بال ّردّة ونفاذ عقوده وعدمها ‪،‬‬
‫وبينونة امرأته ‪ ،‬ولزوم المهر ‪ ،‬والنّفقة ‪ ،‬وانفساخ النّكاح ‪ .‬كما يأخذ حكمه في الجنايات‬
‫والدّيون على الخلف المذكور بين العلماء ‪ .‬والّذي يرجع إليه في مصطلح ( ردّة ) ‪.‬‬
‫وأمّا إذا لم يستتب فإنّه يأخذ حكم المرت ّد المقتول في ال ّردّة ‪ ،‬من حيث زوال ملكه عن أمواله ‪،‬‬
‫وحكم تلك الموال بعد الموت في الميراث ‪ ،‬ومن حيث سقوط وصيّته أو عدمه ‪ ،‬وقضاء‬
‫ديونه بعد الموت ‪ ،‬ويراجع في ذلك مصطلح ( ردّة ) ‪.‬‬

‫إلحاق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬اللحاق في اللّغة ‪ :‬التّباع ‪ .‬يقال ‪ :‬ألحقته به ‪ :‬إذا أتبعته إيّاه حتّى لحقه ‪ .‬واستعمل‬
‫الفقهاء والصوليّون إلحاق الفروع بالصول في القياس ‪ .‬ومن ذلك قول ابن قدامة في روضة‬
‫ن اللحاق يسمّى قياسا ‪ ،‬إذا بيّنت العلّة الجامعة وأثبت وجودها في الفرع ‪ .‬وجرى‬
‫النّاظر ‪ :‬إ ّ‬
‫على لسان بعض الفقهاء في تعريف القياس بأنّه ‪ :‬إلحاق المسكوت بالمنطوق ‪ .‬وجرى أيضا‬
‫على ألسنتهم ‪ :‬إلحاق الولد بمن ادّعاه كما في مسألة اللّقيط ‪ ،‬حتّى إنّ إطلق لفظ ( اللحاق )‬
‫ينصرف إلى اللحاق في النّسب ‪.‬‬
‫القياس ‪:‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ - 2‬يظهر من تتبّع أقوال الفقهاء أنّ اللحاق يأتي بمعنيين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬القياس ‪ ،‬بإلحاق الفرع بالصل لوجود عّلةٍ مشترك ٍة يتعدّى بها الحكم من الصل إلى‬
‫الفرع بشروطه ‪ ،‬فهو حمل الشّيء على غيره بإجراء حكمه عليه لعّلةٍ مشتركةٍ ‪.‬‬

‫والثّاني ‪ :‬إلحاق النسان المجهول النّسب بمن ادّعاه ‪ ،‬فإنّه يصحّ بشروطه ‪ ،‬كما يعرف في‬
‫باب النّسب ‪.‬‬
‫‪ - 3‬واللحاق له طريقان ‪:‬‬
‫الطّريق الوّل ‪ :‬إلغاء الفارق المؤثّر في الحكم لكي يشمل المسكوت عنه فل يحتاج إلى‬
‫التّعرّض للعلّة الجامعة لكثرة ما فيه من الجتماع ‪ ،‬وقد اختلف في تسمية هذا قياسا ‪.‬‬
‫والطّريق الثّاني ‪ :‬أن يتعرّض للجامع ويبيّن وجوده في الفرع ‪ ،‬وهذا هو المتّفق على تسميته‬
‫قياسا ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ن اللحاق إتباع الشّيء بالشّيء فيقتضي أن يكون الحكم في الملحق نفس الحكم‬
‫‪ - 4‬نظرا ل ّ‬
‫الّذي في الملحق به ‪ .‬ولتطبيق هذه القاعدة أمثلة كثيرة منها ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬إلحاق جنين المذكّاة بأمّه ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫‪ - 5‬ذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والصّاحبان من الحنفيّة ) إلى إلحاق‬
‫جنين المذكّاة بها ‪ ،‬إذا كان كامل الخلقة ‪ ،‬ومات بذبح أمّه ‪ ،‬فهذا إلحاق من حيث اللّغة ‪ .‬وإنّما‬
‫قالوا ذلك لما ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ذكاة الجنين ذكاة أمّه » ‪ .‬ولنّ‬
‫جنين الدّابّة تبع فيباع ببيع المّ ‪ ،‬ولذا يأخذ جنين المذكّاة حكم المذكّاة بالتّبع ‪ ،‬وهذا إن كان قد‬
‫أشعر على رأيٍ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يشترط ذلك ‪.‬‬
‫وخالفهم في ذلك أبو حنيفة وزفر فذهبا إلى أنّه ل يحلّ الجنين إلّ إذا أدرك حيّا وذبح ‪ .‬كذلك‬
‫ل يمكن إلحاق الجنين الّذي ظهر من المّ حيّا فمات بعدها بدون الذّبح ‪.‬‬
‫ويرجع لتفصيله إلى مصطلحي ( ذبيحة ) ( وذكاة ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬إلحاق صغار السّوائم بالكبار في الذّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ل خلف بين فقهاء المذاهب في إلحاق صغار السّوائم بالكبار في وجوب الزّكاة فيها ‪ ،‬إذا‬
‫اجتمعت مع الكبار وتمّ الحول عليها ‪ .‬أمّا إذا كانت كلّها صغارا فصلنا أو حملنا أو عجاجيل‬
‫‪ ،‬فل زكاة فيها عند أبي حنيفة ومح ّمدٍ وهو رواية عن أحمد ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ ،‬وهي المذهب‬
‫عند الحنابلة ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّ في القديم ‪ ،‬وإليه ذهب زفر من الحنفيّة ‪ :‬يجب في الصّغار‬
‫ما يجب في الكبار إلحاقا ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ ،‬والشّافعيّ في الجديد ‪ :‬يجب فيها واحدة منها ‪ ،‬وصورته إذا كان له نصاب‬
‫من الكبار ثمّ ماتت المّهات ‪ ،‬وتمّ الحول على الولد وهي صغار ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ( ذكاة ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬إلحاق توابع المبيع به في البيع ‪:‬‬

‫‪ - 7‬يدخل الجنين في بيع المّ تبعا ‪ ،‬ول يفرد بالبيع ‪ ،‬لنّ التّابع تابع ‪ .‬وكذلك حقّ المرور‬
‫والشّرب يدخلن في بيع الرض تبعا ‪ .‬وولد البقرة المشتراة للّبن داخل في بيع المّ ‪ .‬ويدخل‬
‫الغراس في بيع الرض ‪ ،‬وتدخل الرض وما يتّصل بها في بيع الدّار ‪ .‬وكذلك كلّ ما يعتبر‬
‫من توابع المبيع يدخل في البيع إلحاقا ‪ ،‬ويأخذ حكم المبيع على تفصيلٍ وخلفٍ في ذلك ينظر‬
‫في موضعه ‪.‬‬

‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 8‬تكلّم الفقهاء عن إلحاق الفروع بالصول في بحث ( القياس ) ‪ ،‬وفي ( البيع ) في إلحاق‬
‫الثّمر بالشّجر ‪ ،‬وإلحاق الثّمار الّتي لم يبد صلحها بما بدا صلحه منها ‪ .‬وإلحاق توابع المبيع‬
‫بالمبيع ‪ ،‬وإلحاق الولد بخير البوين في ( الدّيانة ) إن كانا مختلفين دينا ‪ ،‬ومسائل أخرى ‪.‬‬
‫لكن أكثر ما يتعرّضون فيه لللحاق هو في بحث ( النّسب ) في إلحاق مجهول النّسب بمن‬
‫ادّعاه بشروطه ‪ ،‬فليرجع لتفصيله إلى تلك المواضع ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫إلزام *‬

‫‪ - 1‬اللزام مصدر ألزم المتعدّي بالهمزة ‪ ،‬وهو من لزم ‪ ،‬يقال ‪ :‬لزم يلزم لزوما ‪ :‬ثبت‬
‫ودام ‪ ،‬وألزمته ‪ :‬أثبتّه وأدمته ‪ ،‬وألزمته المال والعمل وغيره فالتزمه ‪ ،‬ولزمه المال ‪ :‬وجب‬
‫عليه ‪ ،‬وألزمه إيّاه فالتزمه ‪.‬‬
‫ويقول الرّاغب ‪ :‬اللزام ضربان ‪ :‬إلزام بالتّسخير من اللّه تعالى أو من النسان ‪ ،‬وإلزام‬
‫بالحكم والمر ‪ ،‬نحو قوله تعالى ‪ { :‬أنلزمكموها وأنتم لها كارهون } وقوله { وألزمهم كلمة‬
‫التّقوى } ‪ .‬فيكون معنى اللزام ‪ :‬اليجاب على الغير ‪.‬‬
‫ول يخرج الفقهاء في استعمالهم عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫اليجاب ‪:‬‬
‫‪ - 2‬وجب الشّيء يجب وجوبا أي ‪ :‬لزم ‪ ،‬وأوجبه هو وأوجبه اللّه تعالى ‪ .‬وفي حديث عمر‬
‫رضي ال عنه أنّه أوجب نجيبا ‪ ،‬أي أهداه في حجّ أو عمر ٍة كأنّه ألزم نفسه به ‪ ،‬وأوجبه‬
‫إيجابا أي ألزمه ‪.‬‬
‫ل العسكريّ بين اليجاب واللزام فقال ‪ :‬اللزام يكون في الحقّ والباطل ‪،‬‬
‫وقد فرّق أبو هل ٍ‬
‫ق والباطل ‪ .‬واليجاب ل يستعمل إلّ فيما هو حقّ ‪ ،‬فإن استعمل في غيره‬
‫يقال ‪ :‬ألزمته الح ّ‬
‫فهو مجاز ‪ ،‬والمراد به اللزام ‪.‬‬
‫الجبار والكراه ‪:‬‬

‫‪ - 3‬الجبار والكراه هما الحمل على الشّيء قهرا ‪ ،‬واللزام قد يكون بالقهر وهو ما يسمّى‬
‫سيّ ‪ ،‬وقد يكون بدونه ‪.‬‬
‫باللزام الح ّ‬
‫اللتزام ‪:‬‬
‫‪ - 4‬اللتزام هو ‪ :‬إلزام الشّخص نفسه شيئا من المعروف ‪.‬‬
‫فاللتزام يكون من النسان على نفسه كالنّذر والوعد ‪ ،‬واللزام يكون منه على الغير كإنشاء‬
‫اللزام من القاضي ‪ .‬واللتزام يكون واقعا على الشّيء ‪ ،‬يقال ‪ :‬التزمت العمل ‪ ،‬واللزام يقع‬
‫على الشّخص ‪ ،‬يقال ‪ :‬ألزمت فلنا المال ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ض لما فيه من التّسلّط ‪ ،‬وإنّما يكون اللزام‬
‫‪ - 5‬الصل امتناع اللزام من النّاس بعضهم لبع ٍ‬
‫من اللّه تعالى لعباده ومخلوقاته ‪ ،‬إمّا بطريق التّسخير ‪ ،‬وإمّا بطريق الحكم والمر ‪.‬‬
‫وقد يقع اللزام من النّاس بعضهم لبعضٍ بتسليط اللّه تعالى ‪ ،‬وذلك بطريق الولية سواء‬
‫أكانت خاصّةً أم عامّ ًة ‪ ،‬وحينئذٍ قد يكون اللزام واجبا ‪ ،‬فإنّ المام يجب عليه إلزام النّاس‬
‫بالخذ بشريعة السلم ‪ ،‬وله سلطة إلزامهم بالقوّة وحملهم على فعل الواجبات وترك‬
‫المحرّمات ‪ .‬ولقد قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬والّذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر‬
‫ب فيحطب ‪ ،‬ثمّ آمر بالصّلة فتقام ‪ ،‬ثمّ آمر رجلً فيصلّي بالنّاس ‪ ،‬ثمّ أنطلق معي برجالٍ‬
‫بحط ٍ‬
‫معهم حزم من حطبٍ إلى قو ٍم ل يشهدون الصّلة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنّار » ‪.‬‬
‫وقد قاتل أبو بكرٍ رضي ال تعالى عنه مانعي الزّكاة ‪ .‬ومن امتنع من أداء حقوق الدميّين من‬
‫ديون وغيرها أخذت منه جبرا إذا أمكن ‪ ،‬ويحبس بها إذا تعذّرت ‪ ،‬إلّ أن يكون معسرا فينظر‬
‫إلى ميسرته ‪.‬‬
‫ن للمام إلزام النّاس بها كما إذا اجتمع أهل بلدٍ على‬
‫بل إنّ الشّعائر الّتي ليست بفرضٍ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن المام أو نائبه يقاتلهم ‪ ،‬لنّه من شعائر السلم الظّاهرة ‪ .‬وكذلك القاضي‬
‫ترك الذان ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ق فيما وكّل إليهم ‪.‬‬
‫والمحتسب لهم هذا الح ّ‬
‫وقد يكون اللزام حراما ‪ ،‬وذلك في المر بالظّلم ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل‬
‫طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق » ‪ ،‬وعلى ذلك فمن أمره الوالي بقتل رجلٍ ظلما أو قطعه‬
‫أو جلده أو أخذ ماله أو بيع متاعه فل يفعل شيئا من ذلك ‪.‬‬
‫وقد يكون اللزام جائزا كإلزام الوالي بعض النّاس بالمباحات لمصلحةٍ يراها ‪ ،‬وإلزام الرّجل‬
‫زوجته بالمتناع عن مباحٍ ‪.‬‬
‫وقد يكون اللزام مستحبّا ‪ ،‬وذلك عندما يكون موضوعه مستحبّا ‪ ،‬كإلزام المام رعيّته‬
‫بالجتماع على صلة التّراويح في المساجد ‪.‬‬

‫مواطن البحث‬
‫‪ -6‬تتعدّد مواطن اللزام بتعدّد أسبابه ‪ ،‬فقد يكون بسبب الكراه الملجئ على تفصيلٍ فيه ‪ ( .‬ر‬
‫‪ :‬إكراه ) ‪.‬‬
‫ومن ذلك العقود الّتي يكون من آثارها اللزام بعملٍ معيّنٍ كالبيع إذا تمّ ‪ ،‬فإنّه يترتّب عليه‬
‫إلزام البائع بتسليم المبيع وإلزام المشتري بتسليم الثّمن ‪ .‬وكالجارة إذا تمّت يترتّب عليها إلزام‬
‫المستأجر بالقيام بالعمل ( ر ‪ :‬عقد ‪ -‬بيع ‪ -‬إجارة ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫إلغاء *‬

‫س أنّه كان يلغي‬
‫‪ - 1‬اللغاء مصدر ألغيت الشّيء أي ‪ :‬أبطلته ‪ ،‬ومنه الثر عن ابن عبّا ٍ‬
‫طلق المكره ‪ ،‬أي يبطله ‪.‬‬
‫ويعرّفه الصوليّون بقولهم ‪ :‬وجود الحكم بدون الوصف صورةً ‪ ،‬وحاصله عدم تأثير الوصف‬
‫أي العلّة ‪.‬‬
‫ويأتي اللغاء عند الفقهاء بمعنى ‪ :‬البطال والسقاط والفساد والفسخ ‪ ،‬غير أنّه ل بدّ في تحقّق‬
‫ح إلغاء فعلٍ أو شيءٍ لم يوجد ‪.‬‬
‫اللغاء من قيام الحقّ أو الملك الّذي يراد إلغاؤه ‪ ،‬إذ ل يص ّ‬
‫ويطلقه الصوليّون في تقسيم المصالح إلى معتبرةٍ ‪ ،‬ومرسلةٍ ‪ ،‬وملغاةٍ ‪ ،‬ويقصدون بهذه‬
‫الخيرة ما أبطله الشّرع ‪ ،‬كإلغاء ما في الخمر والميسر والرّبا من مصالح ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬البطال ‪:‬‬
‫‪ - 2‬البطال في اللّغة ‪ :‬إفساد الشّيء وإزالته حقّا كان ذلك الشّيء أو باطلً ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪:‬‬
‫{ ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل } ‪.‬‬
‫وشرعا ‪ :‬الحكم على الشّيء بالبطلن ‪ ،‬ويأتي على ألسنة الفقهاء بمعنى الفسخ والسقاط‬
‫والنّقص واللغاء ‪.‬‬
‫ن البطال قد يقع قبل وجود الشّيء ‪ ،‬ول يكون اللغاء‬
‫وهو بهذا يكون بمعنى اللغاء ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫إلّ بعد وجود الشّيء أو فعله ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السقاط ‪:‬‬
‫‪ - 3‬من معاني السقاط لغةً ‪ :‬الزالة ‪ ،‬وهو في اصطلح الفقهاء ‪ :‬إزالة الملك أو الحقّ ل‬
‫إلى مالكٍ أو مستحقّ ‪ ،‬كالطّلق فإنّه إزالة ملك النّكاح ‪ ،‬وكالعتق فإنّه إزالة ملك الرّقبة ‪.‬‬
‫وعلى هذا يوافق اللغاء في كونه ل بدّ من قيام الملك والحقّ الّذي يراد إسقاطه أو إلغاؤه حتّى‬

‫ض وبغير‬
‫يتحقّق السقاط واللغاء ‪ ،‬فيقال أسقط عنه الرّقّ ‪ :‬ألغاه ‪ ،‬كما أنّهما يكونان بعو ٍ‬
‫عوضٍ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الفسخ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الفسخ لغةً ‪ :‬النّقض ‪ ،‬يقال فسخ الشّيء يفسخه فسخا فانفسخ أي ‪ :‬نقضه فانتقض ‪،‬‬
‫وتفاسخت القاويل ‪ :‬تناقضت ‪.‬‬
‫ل واحدٍ من العوضين لصاحبه ‪،‬‬
‫ويطلق اصطلحا على حلّ ارتباط العقد والتّصرّف وقلب ك ّ‬
‫وهو بهذا يكون فيه معنى اللغاء والبطال ‪.‬‬
‫وقد يعبّر الفقهاء في المسألة الواحدة تارةً باللغاء والبطال ‪ ،‬وتارةً بالفسخ ‪ .‬غير أنّ الفسخ‬
‫غالبا ما يكون في العقود ‪ ،‬ويقلّ في العبادات ‪ ،‬ومنه ‪ :‬فسخ الحجّ إلى العمرة ‪ ،‬وفسخ نيّة‬
‫الفرض إلى النّفل ‪ ،‬غير أنّه يكون في العقود قبل تمامها ‪ ،‬وعند تمامها بشروطٍ مثل خيار‬
‫الشّرط وخيار الرّؤية وخيار العيب والقالة ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 5‬أجاز العلماء إلغاء التّصرّفات والعقود غير اللّازمة من جانب العاقدين ‪ ،‬أمّا في العقود‬
‫اللّازمة من جانبٍ واحدٍ فإنّه يصحّ اللغاء من الجانب الخر غير الملتزم به كالوصيّة ‪.‬‬
‫وأمّا في العقود والتّصرّفات الملزمة فل يرد عليها اللغاء بعد نفاذها إلّ برضي العاقدين ‪ ،‬كما‬
‫في القالة ‪ ،‬أو بوجود سببٍ مانعٍ من استمرار العقد كظهور الرّضاع بين الزّوج والزّوجة ‪،‬‬
‫وقد يكون هنا اللغاء بمعنى الفسخ ‪.‬‬

‫اللغاء في الشّروط ‪:‬‬

‫‪ - 6‬تنقسم الشّروط بالنّسبة إلى اللغاء إلى أقسامٍ ‪:‬‬

‫ب أو سنّةٍ ‪ ،‬كما لو أقرض واشترط‬
‫منها شروط يلغى بها العقد مطلقا ‪ ،‬لمخالفتها نصّا من كتا ٍ‬
‫ربا على القرض ‪.‬‬
‫ل يبيعه المشتري أو ل يهبه ‪،‬‬
‫ومنها شروط لغية ول تبطل العقد ‪ ،‬كما إذا باع ثوبا على أ ّ‬
‫جاز البيع ويلغى الشّرط كما هو الصّحيح عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫ح بها العقد ‪ ،‬لنّها توثيق للعقد ‪ ،‬كما إذا اشترط رهنا أو كفيلً‬
‫وشروط غير لغي ٍة تصحّ ويص ّ‬
‫بالبيع ‪.‬‬

‫إلغاء التّصرّفات ‪:‬‬
‫‪ - 7‬تلغى التّصرّفات الّتي ل يقرّها الشّارع ‪ ،‬مثل رهن الخمر وبيع الميتة ونذر المعصية ‪،‬‬
‫كما تلغى تصرّفات عديم الهليّة كالمجنون والسّفيه ‪ ،‬على تفصيلٍ ( ر ‪ :‬حجر ) ‪.‬‬

‫اللغاء في القرار ‪:‬‬

‫‪ - 8‬وذلك إذا كذّبه الظّاهر ‪ ،‬أو كذّب المقرّ نفسه ‪ ،‬أو رجع فيما يحقّ له الرّجوع فيه وهو‬
‫حقوق اللّه ‪ .‬ومنها الحدود ‪ ،‬وتفصيله في ( القرار ) ‪.‬‬

‫إلغاء الفارق المؤثّر بين الصل والفرع ‪:‬‬
‫‪ - 9‬وهو يستلزم اتّحاد الحكم بينهما ( ر ‪ :‬إلغاء الفارق ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫إلغاء الفارق *‬

‫ل من فرقّ بين الشّيئين ‪ :‬إذا فصل‬
‫‪ - 1‬اللغاء في اللّغة هو ‪ :‬البطال ‪ .‬والفارق اسم فاع ٍ‬
‫بينهما ‪.‬‬
‫وإلغاء الفارق عند الصوليّين ‪ :‬بيان عدم تأثير الفارق بين الصل والفرع في القياس ‪ ،‬فيثبت‬
‫الحكم لما اشتركا فيه ‪ ،‬وذلك كإلحاق المة بالعبد في سراية العتق من بعضه إلى سائره ‪.‬‬
‫وهذه السّراية في العبد ثابتة بحديث الصّحيحين ‪ « :‬من أعتق شركا له في عبدٍ فكان له مال‬
‫يبلغ ثمن العبد قوّم عليه قيمة عدلٍ فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ‪ ،‬وإلّ فقد عتق‬
‫منه ما عتق » فالفارق بين المة والعبد هو النوثة ‪ ،‬ول تأثير لها في السّراية ومنه أيضا أنّ‬
‫الية ‪ { :‬والّذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً } تقتضي‬
‫ن الفارق‬
‫حدّ قاذف المرأة المحصنة ‪ ،‬وسكتت عن قذف الرّجال المحصنين ‪ ،‬فيلحقون بهنّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫النوثة وهي ملغاة ‪ ،‬أي ل أثر لها في الحكم ‪ .‬وبعضهم عبّر عنه بنفي الفارق ‪ .‬وشبيه به ‪" :‬‬
‫إلغاء التّفاوت " ومقابله ‪ :‬إبداء الفارق ‪ ،‬أو إبداء الخصوصيّة أو الفرق ‪ .‬وهو من قوادح‬
‫العلّة ‪ .‬ويسمّى القياس المعتمد على إلغاء الفارق " القياس في معنى الصل " أو " قياس المعنى‬
‫"‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬هناك مصطلحان أصوليّان ملتبسان بإلغاء الفارق أشدّ التباسٍ وأخفاه ‪.‬‬
‫أوّلهما ‪ :‬تنقيح المناط ‪ .‬ويسمّيه الحنفيّة الستدلل ‪ ،‬وهو أن يدلّ نصّ ظاهر على التّعليل‬
‫بوصفٍ ‪ ،‬فيحذف خصوصه عن العتبار بالجتهاد ‪ ،‬ويناط الحكم بالعمّ ‪ ،‬أو ككون أوصافٍ‬
‫ل الحكم ‪ ،‬فيحذف بعضها عن العتبار بالجتهاد ويناط الحكم بالباقي ‪.‬‬
‫في مح ّ‬
‫وثانيهما ‪ :‬السّبر والتّقسيم ‪ .‬وهو حصر الوصاف الموجودة في الصل المقيس عليه وإبطال‬
‫ما ل يصلح منها للعّليّة ‪ ،‬فيتعيّن الباقي لها ‪.‬‬
‫ن الوصف في تنقيح المناط في شقّه الوّل‬
‫والفرق بين تنقيح المناط والسّبر والتّقسيم أ ّ‬
‫منصوص عليه ‪ ،‬بخلفه في السّبر والتّقسيم ‪ ،‬وفي الشّقّ الثّاني منه ‪ :‬إنّما هو في حذف ما ل‬
‫يصلح للعّليّة وفي تعيين الباقي لها ‪ ،‬وفي السّبر الجتهاد في الحذف فقط ‪ ،‬فيتعيّن الباقي للعّليّة‬

‫ل واحدا ‪ ،‬وفي إلغاء الفارق‬
‫‪ .‬وإلغاء الفارق قريب من السّبر إلّ أنّه في السّبر يبطل الجميع إ ّ‬
‫يبطل واحد فتتعيّن العلّة بين الباقي ‪ ،‬والباقي موجود في الفرع فيلزم اشتماله على العلّة ‪.‬‬
‫ويبدو من تعريفي إلغاء الفارق وتنقيح المناط أنّ الملغى في إلغاء الفارق وصف موجود في‬
‫ن إلغاء‬
‫الفرع ‪ ،‬بخلف الملغى في تنقيح المناط فهو وصف في الصل المقيس عليه ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫الفارق ليس فيه تعيين للعلّة ‪ ،‬وإنّما يحصل اللحاق بمجرّد اللغاء ‪ ،‬بخلف تنقيح المناط ففيه‬
‫اجتهاد في تعيين الباقي من الوصاف للعّليّة ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اختلف الصوليّون في ع ّد إلغاء الفارق من مسالك العلّة ‪ ،‬فذكره بعضهم كصاحب كتاب‬
‫المقترح ‪ ،‬وابن السّبكيّ في جمع الجوامع ‪ ،‬بل ذكر ابن قدامة في كتاب " روضة النّاظر "‬
‫الخلف في تسمية إلحاق المسكوت بالمنطوق قياسا إذا كان طريقه نفي الفارق المؤثّر على‬
‫سبيل القطع ‪ .‬ولم يعدّه أحد من الجدليّين من مسالك التّعليل ‪.‬‬
‫وتمام الكلم عليه محلّه الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫مواطن البحث ‪:‬‬

‫‪ - 4‬ذكر بعض الصوليّين إلغاء الفارق في مبحث العلّة من مباحث القياس عند كلمهم على‬
‫ن الجليّ ما قطع فيه بنفي‬
‫مسالك العلّة ‪ ،‬كما ذكروه في تقسيم القياس إلى جليّ وخفيّ ‪ ،‬حيث إ ّ‬
‫الفارق ‪ ،‬أو كان تأثير الفارق فيه احتمالً ضعيفا ‪ ،‬والخفيّ بخلفه ‪ .‬كما ذكروه في تقسيم‬
‫ن القياس في‬
‫القياس باعتبار علّته إلى قياس علّ ٍة وقياس دلل ٍة وقياسٍ في معنى الصل ‪ ،‬وأ ّ‬
‫معنى الصل هو ما يكون القياس بإلغاء الفارق فيه ‪.‬‬

‫إلهام *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬اللهام لغ ًة ‪ :‬مصدر ألهم ‪ ،‬يقال ‪ :‬ألهمه اللّه خيرا أي لقّنه إيّاه ‪ ،‬واللهام أن يلقي اللّه في‬
‫النّفس أمرا يبعث على الفعل أو التّرك ‪ ،‬وهو نوع من الوحي يخصّ اللّه به من يشاء من‬
‫عباده ‪.‬‬
‫ص به اللّه سبحانه بعض‬
‫ن له الصّدر يخ ّ‬
‫وعند الصوليّين ‪ :‬إيقاع شي ٍء في القلب يطمئ ّ‬
‫أصفيائه ‪.‬‬
‫وقد ع ّد الصوليّين اللهام نوعا من أنواع الوحي إلى النبياء ‪ ،‬وفي كتاب التّقرير والتّحبير‬
‫عن اللهام من اللّه لرسوله ‪ :‬أنّه إلقاء معنًى في القلب بل واسطة عبارة الملك وإشارته‬
‫ن ذلك المعنى منه تعالى ‪.‬‬
‫ن بخلق علمٍ ضروريّ أ ّ‬
‫مقرو ٍ‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الوسوسة ‪:‬‬
‫ب نشأ من الشّيطان له ‪.‬‬
‫‪ - 2‬الوسوسة ‪ :‬إلقاء معنًى في النّفس بمباشرة سب ٍ‬
‫ب ‪ -‬التّحرّي ‪:‬‬
‫‪ - 3‬التّحرّي فيه بذل جهدٍ وإعمال فكرٍ ‪ ،‬أمّا اللهام فيقع بل كسبٍ ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬

‫‪ - 4‬يتّفق الصوليّون على أنّ اللهام من اللّه تعالى لنبيائه حقّ ‪ ،‬وهو بالنّسبة للنّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم حجّة في حقّه ‪ ،‬كذلك هو في حقّ أمّته ‪ ،‬ويكفر منكر حقيقته ‪ ،‬ويفسق تارك العمل‬
‫به كالقرآن ‪.‬‬
‫أمّا إلهام غير النبياء من المسلمين ‪ ،‬فإنّه ليس بحجّةٍ ‪ ،‬لنّ من ليس معصوما ل ثقة بخواطره‬
‫لنّه ل يأمن من دسيسة الشّيطان فيها ‪ ،‬وهو قول جمهور أهل العلم ‪ ،‬وهو المختار عند‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬ول عبرة بما قاله قوم من الصّوفيّة بأنّه حجّة في الحكام ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬هو حجّة على الملهم ل على غيره ‪ ،‬إذا لم يكن له معارض من نصّ أو اجتهادٍ أو‬
‫خاطرٍ آخر ‪ ،‬وهذا ذكره غير واحدٍ ‪ ،‬فيجب العمل به في حقّ الملهم ‪ ،‬ول يجوز أن يدعو‬
‫صبّاغ من الشّافعيّة ‪.‬‬
‫غيره إليه ‪ .‬واعتمده المام الرّازيّ في أدلّة القبلة ‪ ،‬وابن ال ّ‬
‫وهل هو في حقّ النبياء من الوحي الظّاهر أم الوحي الباطن خلف بين الصوليّين ‪.‬‬

‫أولو الرحام *‬
‫انظر ‪ :‬أرحام ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫أولو المر *‬

‫‪ " - 1‬أولو " من اللفاظ الملزمة للضافة نحو ‪ :‬أولو الرّأي ‪ ،‬أي أصحاب الرّأي ‪ ،‬وهو اسم‬
‫جمعٍ واحده " ذو " وليس له مفرد من لفظه ‪.‬‬
‫والمر في اللّغة ‪ :‬يكون بمعنى ‪ :‬طلب الفعل على طريق الستعلء ‪ ،‬وجمعه أوامر ‪ ،‬ويكون‬
‫بمعنى ‪ :‬الشّأن والحال ‪ ،‬وجمعه أمور ‪.‬‬
‫وأولو المر ‪ :‬الرّؤساء والعلماء ‪ .‬وقد ورد في أولي المر قوله تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا‬
‫أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي المر منكم } ‪.‬‬
‫‪ - 2‬وأصحّ القوال الواردة في المراد بأولي المر قولن ‪:‬‬

‫ضحّاك ‪،‬‬
‫الوّل ‪ :‬أهل القرآن والعلم وهو اختيار مالكٍ ‪ ،‬ونحوه قول ابن عبّاسٍ ‪ ،‬وال ّ‬
‫ن أصل المر منهم والحكم‬
‫ومجاهدٍ ‪ ،‬وعطاءٍ قالوا ‪ :‬هم الفقهاء والعلماء في الدّين ‪ .‬ذلك ل ّ‬
‫إليهم ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬قال الطّبريّ عنه ‪ :‬هو أولى القوال بالصّواب ‪ :‬هم المراء والولة ‪ ،‬لصحّة الخبار‬
‫عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بالمر بطاعة الئمّة والولة ‪ ،‬فيما كان للّه طاعةً‬
‫وللمسلمين مصلح ًة ‪.‬‬
‫ويشمل أمراء المسلمين في عهد الرّسول صلى ال عليه وسلم وبعده ‪ ،‬ويندرج فيهم الخلفاء‬
‫والسّلطين والمراء ‪ ،‬والقضاة وغيرهم ممّن له ولية عامّة ‪.‬‬
‫ن منهم أمراء السّرايا ‪ ،‬وروي ذلك عن أبي هريرة وميمون بن مهران وابن أبي حاتمٍ‬
‫كما أ ّ‬
‫س‪.‬‬
‫س ّديّ ‪ ،‬وأخرجه ابن عساكر عن ابن صالحٍ عن ابن عبّا ٍ‬
‫عن ال ّ‬
‫ن للمراء تدبير‬
‫هذا ‪ ،‬وقد حمله كثير من العلماء على ما يعمّ الجميع ‪ ،‬لتناول السم لهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫الجيش ‪ ،‬والقتال ‪ ،‬وللعلماء حفظ الشّريعة وبيان ما يجوز ممّا ل يجوز ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أولياء المور ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يشمل أولياء المور كلّ من له ولية على غيره ‪ ،‬سواء أكانت عا ّمةً أم خاصّةً ‪ ،‬ومن‬
‫ي اليتيم ‪ ،‬والقيّم على المجنون ‪ ،‬ووليّ المرأة في الزّواج ‪ ،‬فضلً عمّن سبق ذكرهم من‬
‫ذلك ول ّ‬
‫أصحاب الولية العامّة من الخليفة فمن دونه ‪.‬‬

‫الشّروط المعتبرة في أولي المر إجمالً ‪:‬‬

‫‪ - 4‬يشترط فيمن يولّى الخلفة ‪ -‬وهي أعلى درجات أولي المر‪ : -‬السلم ‪ ،‬والحرّيّة ‪،‬‬
‫والبلوغ ‪ ،‬والعقل ‪ ،‬والذّكورة ‪ ،‬والعلم ‪ ،‬والعدالة بشروطها الجامعة ‪ ،‬والكفاية ‪.‬‬
‫فالعلم يقصد به ‪ :‬العلم المؤدّي إلى التّصرّف المشروع في المور العامّة ‪ .‬والعدالة يقصد بها‬
‫هاهنا ‪ :‬الستقامة في السّيرة والتّجنّب للمعاصي ‪.‬‬
‫ل بحمل النّاس‬
‫والكفاية يقصد بها ‪ :‬أن يكون قادرا على إقامة الحدود ‪ ،‬بصيرا بالحروب ‪ ،‬كفي ً‬
‫ح معها مباشرة ما يدرك بها ‪،‬‬
‫س كالسّمع والبصر واللّسان ‪ ،‬ليص ّ‬
‫عليها ‪ ،‬مع سلمة الحوا ّ‬
‫والمقصود سلمتها ممّا يؤثّر في الرّأي والعقل ‪ ،‬ومن سلمة العضاء من نقصٍ يمنع عن‬
‫استيفاء الحركة وسرعة النّهوض ‪ ،‬والمقصود سلمتها ممّا يؤثّر في الرّأي والعمل ‪ ،‬ويكون‬
‫متّصفا بالشّجاعة والنّجدة المؤدّية إلى حماية البيضة ‪ ،‬وجهاد العدوّ ‪ ،‬وأن يكون ذا رأيٍ يؤهّله‬
‫لسياسة الرّعيّة ‪ ،‬وتدبير المصالح ‪ ،‬قيّما بأمر الحرب والسّياسة ‪ .‬وإقامة الحدود ل تلحقه رأفة‬
‫في ذلك ‪.‬‬

‫أمّا من دون الخليفة من أولي المر فلهم شروط أقلّ ممّا ذكر ‪ ،‬بحسب ما يلونه من أمور‬
‫المسلمين ‪ ،‬وتعرف في أبواب القضاء والجهاد ونحوهما ‪ .‬ومرجعها إلى توافر القوّة والمانة ‪.‬‬
‫قال اللّه تعالى ‪ {:‬إنّ خير من استأجرت القويّ المين } ‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫‪ -‬ما يجب لولي المر على الرّعيّة ‪:‬‬

‫أولً ‪ -‬طاعة أولي المر ‪:‬‬
‫ن مع صيتهم حرام ‪،‬‬
‫سنّة على وجوب طا عة أولي ال مر ‪ ،‬وأ ّ‬
‫دلّت النّ صوص من القرآن وال ّ‬
‫ول كن الطّا عة الوا جب على المّة التّقيّد ب ها لي ست طاع ًة مطلقةً ‪ .‬وإنّ ما هي طا عة في حدود‬
‫الشّرع ‪.‬‬
‫وقد أمر اللّه تعالى بالطّاعة لولي المر في قوله عزّ وجلّ ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه‬
‫وأطيعوا الرّسول وأولي المر منكم } وتسمّى هذه الية ( آية المراء ) ‪.‬‬
‫والطّاعة أمر أساسيّ لوجود النضباط في الدّولة ‪.‬‬
‫والطّاعة ‪ :‬امتثال المر ‪ .‬وهي مأخوذة من أطاع إذا انقاد ‪.‬‬
‫ووجوب طا عة اللّه وطا عة ر سوله م ستفاد من قوله تعالى { أطيعوا اللّه ‪ ،‬وأطيعوا الرّ سول }‬
‫ل نّ ( أطيعوا ) أ مر ‪ ،‬وال مر يتعيّن للوجوب إذا حفّت به قري نة ت صرف إل يه ‪ ،‬و قد تضمّن‬
‫ّصن قرينةً جازمةً تصنرف المنر إلى الوجوب ‪ ،‬وذلك بربنط الطّاعنة باليمان باللّه واليوم‬
‫الن ّ‬
‫الخر أي حقيق ًة ‪.‬‬
‫سنّة تقيّد الطّاعة بما ل يكون‬
‫واللّه سبحانه أمر بالطّاعة طاعةً مطلقةً غير مقيّد ٍة ‪ ،‬ث مّ جاءت ال ّ‬
‫معصنيةً ‪ ،‬فعنن ابنن عمنر أنّن رسنول اللّه صنلى ال علينه وسنلم قال ‪ « :‬على المرء المسنلم‬
‫ب وكره ‪ ،‬إلّ أن يؤ مر بمع صيةٍ ‪ ،‬فإذا أ مر بمع صي ٍة فل سمع ول طا عة » ‪.‬‬
‫الطّا عة في ما أح ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق » وعن أبي‬
‫وعن النّب ّ‬
‫هريرة قال ‪ :‬قال ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم « من أطاع ني ف قد أطاع اللّه ‪ ،‬و من أطاع‬
‫أميري فقد أطاعني ‪ ،‬ومن عصاني فقد عصى اللّه ‪ ،‬ومن عصى أميري فقد عصاني » ويقول‬
‫ن الّذ ين أ مر اللّه تعالى بطاعت هم في ال ية { وأولي ال مر من كم } هم الئمّة و من‬
‫الطّبريّ ‪ :‬إ ّ‬
‫ولّاه المسلمون دون غيرهم من النّاس ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أن يفوّضوا المر إليهم وإلى أهل العلم بالدّين وأهل الخبرة ويكلوه إلى تدبيرهم ‪ ،‬حتّى‬
‫ل تختلف الراء ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬ولو ردّوه إلى الرّسنول وإلى أولي المنر منهنم لعلمنه‬
‫الّذين يستنبطونه منهم } ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬النّصرة لولي المر في غير المعصية ‪.‬‬

‫رابعا ‪ :‬النّ صح ل هم ‪ :‬قال ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ « :‬الدّ ين النّ صيحة للّه ولر سوله‬
‫ولكتابه ولئمّة المسلمين وعامّتهم » ‪.‬‬

‫واجبات أولي المر ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يجب عليهم التّصرّف بما فيه المصلحة العامّة للمسلمين ‪ ،‬كلّ في مجاله وبحسب سلطته ‪.‬‬
‫وفي ذلك القاعدة الشّرعيّة " التّصرّف على الرّعيّة منوط بالمصلحة " وبالتّفصيل ما يلي ‪:‬‬
‫أولً ‪ :‬حفظ الدّين على أصوله المستقرّة وما أجمع عليه سلف المّة ‪ ،‬فإن زاغ ذو شبهةٍ عنه‬
‫أوضح له الحجّة ‪ ،‬وبيّن له الصّواب ‪ ،‬وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ‪ ،‬ليكون الدّين‬
‫محروسا من الخلل ‪ ،‬والمّة ممنوع ًة من الزّلل ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬تنفيذ الحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بينهم ‪ ،‬حتّى تظهر النّصفة ‪ ،‬فل يتعدّى‬
‫ظالم ول يضعف مظلوم ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬حماية الدّولة والذّبّ عن الحوزة ‪ ،‬ليتصرّف النّاس في المعايش ‪ ،‬وينتشروا في السفار‬
‫آمنين ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬إقامة الحدود ‪ ،‬لتصان محارم اللّه تعالى عن النتهاك ‪ ،‬وتحفظ حقوق عباده من‬
‫إتلفٍ واستهلكٍ ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬تحصين الثّغور بالعدّة المانعة والقوّة الدّافعة ‪ ،‬حتّى ل يظفر العداء بثغرةٍ ينتهكون‬
‫بها محرما ‪ ،‬ويسفكون فيها دما لمسلمٍ أو معاهدٍ ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬جهاد من عاند السلم بعد الدّعوة حتّى يسلم ‪ ،‬أو يدخل في ال ّذمّة ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬قتال أهل البغي والمحاربين وقطّاع الطّريق ‪ ،‬وتوقيع المعاهدات وعقود ال ّذمّة والهدنة‬
‫والجزية ‪ .‬والتّفصيل موطنه مصطلح ( المامة الكبرى ) ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬تعيين الوزراء ‪ ،‬ووليتهم عامّة في العمال العامّة لنّهم يستنابون في جميع المور‬
‫من غير تخصيصٍ ‪.‬‬
‫ن النّظر‬
‫تاسعا ‪ :‬تعيين المراء ( المحافظين ) للقاليم ‪ ،‬ووليتهم عامّة في أعمالٍ خاصّةٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫فيما خصّوا به من العمال عا ّم في جميع المور ‪.‬‬
‫ج ‪ ،‬ورؤساء الجيش ‪ ،‬ووليتهم خاصّ ًة في العمال‬
‫عاشرا ‪ :‬تعيين القضاة وأمراء الح ّ‬
‫ص في جميع العمال ‪ .‬وكذا تعيين الئمّة‬
‫ل واحدٍ منهم مقصور على نظرٍ خا ّ‬
‫نكّ‬
‫العامّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل واحدٍ من هؤلء شروط تنعقد بها وليته ‪.‬‬
‫للصّلوات الخمس والجمعة ‪ ،‬ولك ّ‬
‫أحد عشر ‪ :‬تقدير العطاء وما يستحقّ من بيت المال ( الميزانيّة العامّة ) من غير سرفٍ ول‬
‫تقصيرٍ فيه ‪ .‬والتّفصيل موطنه مصطلح ( المامة الكبرى ) ‪.‬‬

‫اثنا عشر ‪ :‬استكفاء المناء ‪ ،‬وتقليد النّصحاء فيما يفوّض إليهم من العمال ‪ ،‬ويكله إليهم من‬
‫الموال ‪ ،‬لتكون العمال مضبوطةً والموال محفوظةً ‪.‬‬
‫ثلث عشر ‪ :‬أن يباشر بنفسه أو بأعوانه الموثوق بهم مشارفة المور ‪ ،‬وتصفّح الحوال‬
‫لينهض بسياسة المّة ‪.‬‬
‫أربع عشر ‪ :‬مشاورة ذوي الرّأي ‪ :‬وتعتبر المشاورة مبدأً من أهمّ المبادئ السلميّة ‪ ،‬وقاعدةً‬
‫من أهمّ القواعد الساسيّة في الوليات العامّة ‪ .‬وقد جاءت الدّعوة إلى الشّورى صريح ًة في‬
‫القرآن الكريم في آيتين منه الولى ‪ :‬قوله تعالى ‪ { :‬فبما رحمةٍ من اللّه لنت لهم ولو كنت فظّا‬
‫غليظ القلب لنفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في المر } ‪ .‬والثّانية ‪:‬‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬والّذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصّلة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم‬
‫ينفقون } ‪ .‬والتّفصيل موطنه ( إمامة كبرى ) ‪.‬‬

‫ألية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬اللية ‪ :‬هي العجيزة ‪ ،‬أو ما ركب العجز من لح ٍم وشحمٍ ‪.‬‬
‫ول يختلف المعنى عند الفقهاء عن ذلك ‪ ،‬فقد قالوا ‪ :‬إنّها اللّحم النّاتئ بين الظّهر والفخذ ‪.‬‬
‫والفخذ يلي الرّكبة ‪ ،‬وفوقه الورك ‪ ،‬وفوقه اللية ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ومواطن البحث ‪:‬‬

‫‪ - 2‬يتعلّق باللية عدّة أحكامٍ في مواضع متفرّق ٍة من أبواب الفقه منها ‪:‬‬
‫ن المتوضّئ إذا نام ومكّن أليته من الرض‬
‫أ ‪ -‬في نواقض الوضوء ‪ :‬يرى الحنفيّة والشّافعيّة أ ّ‬
‫فل ينتقض وضوءه ‪ ،‬لمن خروج ما ينتقض به وضوءه ‪.‬‬
‫ولم يعتبر المالكيّة هيئة النّائم ‪ ،‬بل المعتبر عندهم صفة النّوم وحدها ثقلً أو خ ّفةً ‪ ،‬والحنابلة‬
‫ينظرون إلى صفة النّوم وهيئة النّائم معا ‪ ،‬فمتى كان النّائم ممكّنا مقعدته من الرض فل‬
‫ل النّوم الكثير ‪.‬‬
‫ينقض إ ّ‬
‫ب ‪ -‬في الضحيّة ‪ :‬يختلف الفقهاء في إجزاء الشّاة إن كانت دون ألي ٍة ‪ ،‬وتسمّى البتراء أو‬
‫مقطوعة الذّنب ‪ ،‬ولهم في ذلك أربعة أقوالٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬عدم الجزاء مطلقا ‪ ،‬وهو قول المالكيّة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الجزاء إن كانت مخلوق ًة دون أليةٍ ‪ ،‬أمّا مقطوعة اللية فإنّها ل تجزئ ‪ ،‬وهو‬
‫الصحّ عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬التّفريق بين ما إذا قطع الكثر أو القلّ ‪ ،‬فإن قطع الكثر تجزئ ‪ ،‬وتجزئ إن بقي‬
‫الكثر ‪ ،‬لنّ للكثر حكم الكلّ بقا ًء وذهابا ‪ ،‬وهو قول الحنفيّة ‪.‬‬

‫الرّابع ‪ :‬الجزاء مطلقا ‪ .‬وهو قول الحنابلة ‪ .‬وممّن كان ل يرى بأسا بالبتراء ‪ :‬ابن عمر‬
‫وسعيد بن المسيّب والحسن وسعيد بن جبيرٍ والحكم ‪.‬‬
‫ن لها حدّا تنتهي إليه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وفي الجناية على اللية عمدا القصاص عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقال المزنيّ ‪ :‬ل قصاص فيها ‪ ،‬لنّها لحم متّصل بلحمٍ ‪ ،‬فأشبه لحم الفخذ ‪.‬‬
‫فإن كانت الجناية خطأً ففي اللية نصف دي ٍة وفي الليتين الدّية الكاملة عند أغلب الفقهاء ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬سواء أكانت ألية رجلٍ أم ألية امرأ ٍة ‪ ،‬هذا باستثناء‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬في اللية حكومة عد ٍ‬
‫أشهب ‪ ،‬فإنّه فرّق بين ألية الرّجل وألية المرأة ‪ ،‬فأوجب في الولى حكوم ًة ‪ ،‬وفي الثّانية الدّية‬
‫‪ ،‬لنّها أعظم على المرأة من ثديها ‪.‬‬
‫وبالضافة إلى المواضع السّابقة يتكلّم الفقهاء عنها عند الفتراش في قعدات الصّلة ‪ ،‬وعند‬
‫التّورّك ‪ .‬وفي تكفين الميّت يتكلّمون عن شدّ الليين غرفة بعد وضع قطنٍ بينهما ‪ ،‬ليؤمن من‬
‫خروج شي ٍء من الميّت ‪.‬‬

‫أليّة *‬
‫انظر ‪ :‬أيمان ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬رقّ ‪.‬‬

‫إماء *‬
‫أمارة *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬المارة لغةً ‪ :‬العلمة ‪.‬‬
‫ظّنيّ ‪ ،‬وهو ما يمكن التّوصّل بصحيح النّظر فيه إلى مطلوبٍ‬
‫وهي عند الصوليّين ‪ :‬الدّليل ال ّ‬
‫خبريّ ظ ّنيّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الدّليل ‪:‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫ي قطعيّ أو ظنّيّ ‪ .‬وقد‬
‫ب خبر ّ‬
‫‪ - 2‬الدّليل ‪ :‬هو ما يتوصّل بصحيح النّظر فيه إلى مطلو ٍ‬
‫يخصّ بالقطعيّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العلمة ‪:‬‬
‫ن المارة ليست‬
‫‪ - 3‬الدّليل الظّ ّنيّ يسمّى أمارةً وعلم ًة ‪ ،‬إلّ أنّ الحنفيّة اصطلحوا على أ ّ‬
‫بشهرة العلمة ‪ ،‬بل العلمة أشهر ‪ .‬والعلمة ل تنفكّ عن الشّيء ‪ ،‬بخلف المارة ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الوصف المخيّل ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الوصف المخيّل يفيد الظّنّ الضّعيف ‪ ،‬أمّا المارة فإنّها تفيد الظّنّ القويّ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬القرينة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬القرينة كثيرا ما تطلق على المارة ‪ ،‬والعكس كذلك ‪ ،‬غير أنّ القرينة قد تكون قاطع ًة ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 6‬عند الصوليّين ما ليس عليه دللة قاطعة ‪ ،‬بل عليه أمارة فقط كخبر الواحد والقياس ‪،‬‬
‫فالواجب على المجتهد أن يعمل بموجب هذا الظّنّ الّذي ثبت عنده بهذه المارة ‪ ،‬وهذا بخلف‬
‫ن ظنّه ل يصير وسيلةً إلى العلم ‪.‬‬
‫المقلّد ‪ ،‬ل ّ‬
‫ويأخذ الفقهاء بالمارات ‪ ،‬ففي معرفة القبلة يستدلّون بهبوب الرّياح ‪ ،‬ومطالع النّجوم ‪.‬‬
‫ن نبات شعر العانة الخشن أمارة على البلوغ ‪ ،‬وكذلك يرى‬
‫وفي البلوغ يرى أغلب الفقهاء أ ّ‬
‫البعض أنّ فرق أرنبة النف ‪ ،‬وغلظ الصّوت وشهود الثّدي ‪ ،‬ونتن البط ‪ ،‬أمارات على‬
‫البلوغ ‪.‬‬
‫‪ -7‬وفي القضاء ‪ :‬الحكم بالمارات محلّ خلفٍ بين الفقهاء ‪ ،‬منهم من يرى الحكم بها قولً‬
‫واحدا عملً بقول اللّه سبحانه ‪ { :‬وجاءوا على قميصه بدمٍ كذبٍ } ‪ .‬روي أنّ إخوة يوسف لمّا‬
‫ب ‪ ،‬فاستدلّ بذلك‬
‫أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب ‪ ،‬تأمّله فلم يجد فيه خرقا ول أثر نا ٍ‬
‫على كذبهم ‪ .‬فاستدلّ الفقهاء بهذه الية على إعمال المارات في مسائل كثيرةٍ من الفقه ‪ .‬وقد‬
‫ن الباب المتمّم السّبعين من تبصرته في القضاء بما يظهر من‬
‫خصّص العلمة ابن فرحو ٍ‬
‫سنّة ‪ ،‬وذكر ما‬
‫قرائن الحوال والمارات وحكم الفراسة ‪ ،‬وأيّد الحكم بها بأدلّ ٍة من الكتاب وال ّ‬
‫يربو عن ستّين مسألةً منها ما هو متّفق عليه ‪ ،‬ومنها ما تفرّد به بعضهم ‪ .‬والبعض ل يأخذ‬
‫س قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫بالقرائن ‪ ،‬مستدلّا بما أخرجه ابن ماجه عن ابن عبّا ٍ‬
‫وسلم ‪ « :‬لو كنت راجما أحدا بغير بيّن ٍة لرجمت فلنة ‪ ،‬فقد ظهر منها الرّيبة في منطقها‬
‫وهيئتها ومن يدخل عليها » ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( قرينة ) وفي الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫إمارة *‬

‫‪ - 1‬المارة بالكسر ‪ ،‬والمرة ‪ :‬الولية ‪ ،‬يقال ‪ :‬أمر على القوم يأمر ‪ ،‬من باب قتل فهو أمير‬
‫‪ .‬وأمر يأمر إمارةً وإمرةً ‪ :‬صار لهم أميرا ‪ .‬ويطلق على منصب المير ‪ ،‬وعلى جزءٍ من‬
‫الرض يحكمه أمير ‪.‬‬

‫والصطلح الفقهيّ ل يخرج عن هذا المعنى في الجملة ‪ ،‬إلّ أنّ المارة تكون في المور‬
‫العامّة ‪ ،‬ول تستفاد إلّ من جهة المام ‪ ،‬أمّا الولية فقد تكون في المور العامّة ‪ ،‬وقد تكون‬
‫في المور الخاصّة ‪ ،‬وتستفاد من جهة المام أو من جهة الشّرع أو غيرهما ‪ ،‬كالوصيّة‬
‫بالختيار والوكالة ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخلفة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الخلفة في اللّغة ‪ :‬مصدر خلفه خلف ًة ‪ :‬أي بقي بعده ‪ ،‬أو قام مقامه ‪.‬‬
‫وهي في الصطلح الشّرعيّ ‪ :‬منصب الخليفة ‪ .‬وهي رئاسة عامّة في الدّين والدّنيا نيابةً عن‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم وتسمّى أيضا المامة الكبرى ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السّلطة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬السّلطة هي ‪ :‬السّيطرة والتّمكّن والقهر والتّحكّم ‪ ،‬ومنه السّلطان وهو من له ولية التّحكّم‬
‫والسّيطرة في الدّولة ‪ ،‬فإن كانت سلطته قاصرةً على ناحيةٍ خاصّ ٍة فليس بخليفةٍ ‪ ،‬وإن كانت‬
‫عامّ ًة فهو الخليفة ‪ ،‬وقد وجدت في العصور السلميّة المختلفة خلفة بل سلطةٍ ‪ ،‬كما وقع في‬
‫أواخر عهد العبّاسيّين ‪ ،‬وسلطة بل خلف ٍة كما وقع في عهد المماليك ‪.‬‬

‫تقسيم المارة ‪ ،‬وحكمها التّكليفيّ ‪:‬‬

‫‪ - 4‬تنقسم المارة إلى عامّ ٍة وخاصّةٍ ‪ :‬أمّا العامّة فالمراد بها الخلفة أو المامة الكبرى ‪،‬‬
‫وهي فرض كفايةٍ ‪ ،‬وينظر تفصيل أحكامها في مصطلح ( إمامة كبرى ) ‪.‬‬
‫ن من فروض الكفاية دون غيره ‪ ،‬كالقضاء‬
‫وأمّا المارة الخاصّة ‪ :‬فهي لقامة فرضٍ معيّ ٍ‬
‫والصّدقات والجند إذا دعت الحاجة إلى ذلك التّخصيص ‪.‬‬
‫وقد يكون التّخصيص مكانيّا ‪ ،‬كالمارة على بلدٍ أو إقليمٍ خاصّ ‪ .‬كما يكون زمانيّا ‪ ،‬كأمير‬
‫الحاجّ ونحوه ‪ .‬والمارة الخاصّة من المصالح العامّة للمسلمين والمنوطة بنظر المام ‪.‬‬
‫« وكان الرّسول صلى ال عليه وسلم ينيب عنه عمّالً على القبائل والمدن »‪ ،‬وفعل ذلك‬
‫الخلفاء الرّاشدون ‪ .‬وعدّها أصحاب كتب الحكام السّلطانيّة من المور اللّازمة على المام ‪،‬‬
‫فيجب عليه أن يقيم المراء على النّواحي والجيوش والمصالح المتعدّدة فيما ل يستطيع أن‬
‫يباشره بنفسه ‪.‬‬

‫إمارة الستكفاء ‪:‬‬
‫‪5‬‬

‫‪ -‬هي ‪ :‬أن يفوّض المام باختياره إلى شخ صٍ إمارة بلدٍ أو إقلي مٍ وليةً على جم يع أهله‬

‫ونظرا في المعهود من سائر أعماله ‪.‬‬
‫ويشتمل نظر المير في هذه المارة على أمورٍ ‪:‬‬

‫ل ‪ :‬النّظر في تدبير الجيوش ‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ثانيا ‪ :‬النّظر في الحكام ‪ ،‬وتقليد القضاة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬جباية الخراج ‪ ،‬وأخذ الصّدقات ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬حماية الدّين ‪ ،‬والذّبّ عن ديار السلم ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬إقامة الحدود ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬المامة في الجمع والجماعات ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬تسيير الحجيج ( إمارة الحجّ ) ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬قسم الغنائم ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬كرعاية شئون التّعليم‬
‫وحاجة المّة قد تستدعي إضافة مهامّ أخرى بحسب ما يجدّ من أحوا ٍ‬
‫صحّة ونحوها ‪.‬‬
‫وال ّ‬

‫شروط إمارة الستكفاء ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يشترط فيمن يولّى إمارة الستكفاء ما يشترط لوزارة التّفويض ‪:‬‬
‫فمنها شروط متّفق عليها وهي ‪ :‬السلم ‪ ،‬والتّكليف ( العقل والبلوغ ) ‪ ،‬والذّكورة ‪.‬‬
‫ومنها شروط مختلف فيها وهي ‪ :‬العدالة والجتهاد والكفاية ‪.‬‬
‫ول يشترط ( النّسب ) اتّفاقا في المارة ‪ .‬وللتّفصيل ينظر مصطلح ( إمامة كبرى ) ‪.‬‬

‫صيغة عقد إمارة الستكفاء ‪:‬‬

‫‪ - 7‬ل بدّ لتقليد المارة من صيغةٍ كسائر العقود ‪ ،‬فيتحدّد نوعها بالصّيغة ‪ ،‬فتعمّ المارة‬
‫ص بخصوصها ‪ .‬كأن يقول في المارة الّتي تعمّ التّصرّفات مثلً ‪:‬‬
‫بعموم الصّيغة ‪ ،‬أو تخ ّ‬

‫قلّدتك ناحية كذا أو إقليم كذا إمار ًة على أهلها ‪ ،‬ونظرا على جميع ما يتعلّق بها ‪ .‬إلخ ‪.‬‬
‫نفاذ تصرّفات أمير الستكفاء ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يجوز لمير الستكفاء أن يقلّد من يعيّنه في تنفيذ مهامّه لنّه معيّن له ‪ ،‬ونائب عنه في‬
‫مباشرة العمال الّتي ل تتيسّر مباشرتها للمير نفسه ‪ .‬ولكنّه ل يجوز له أن يفوّض لشخصٍ‬
‫آخر ما عهد إليه من أصل الولية إلّ بإذن المام ‪ ،‬لنّه مستقلّ النّظر ‪.‬‬

‫إمارة الستيلء ‪:‬‬
‫ل بتقليدٍ صحيحٍ من المام ‪ ،‬أو من‬
‫‪ - 9‬الصل في الفقه السلميّ ‪ :‬ألّ يتولّى أحد منصبا إ ّ‬
‫ينوب عنه في ذلك كوزير التّفويض ‪ .‬على أنّه في بعض الظّروف ‪ ،‬قد يحدث أن يستبدّ أمير‬
‫ل بالسّلطة ‪ ،‬بعد تولّيه بتقليدٍ من المام ‪ .‬ويخشى فتنة في عزله ‪ ،‬فللمام أن يقرّه على‬
‫أو وا ٍ‬
‫إمارته ‪ .‬وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى صحّة هذا التّقليد من المام للضّرورة ‪ ،‬وحسما للفتنة‬
‫ويسمّونها ‪ :‬إمارة الستيلء تفريقا بينها وبين إمارة الستكفاء ‪.‬‬

‫وهي وإن خرجت على عرف التّقليد ( التّولية ) ‪ ،‬وشروطه وأحكامه ‪ ،‬فالحكمة في إقرارها‬
‫هي حفظ وحدة كلمة المسلمين بالعتراف بوجود الخلفة الواحدة في الجملة ‪ ،‬وإضفاء صفة‬
‫الشّرعيّة على الحكام الّتي يصدرها المستولي ‪ ،‬وصونها عن الفساد ‪.‬‬
‫وجاء في الحكام السّلطانيّة للماورديّ ‪ :‬والّذي ينحفظ بتقليد المستولي من قوانين الشّرع سبعة‬
‫أشياء ‪ ،‬فيشترك في التزامها الخليفة ‪ ،‬والمستولي ‪ .‬وعدّد الشياء ‪ ،‬ول تخرج في عمومها‬
‫عمّا ذكرناه ‪ ،‬من حفظ مركز الخلفة ‪ ،‬والعتراف بوجودها ‪ ،‬وإضفاء الصّفة الشّرعيّة على‬
‫أعمال المارة وصونها عن الفساد ‪.‬‬
‫ن صحّة هذا النّوع من المارة هو من باب الضّرورة ‪ ،‬كما صرّح بذلك الحصكفيّ‬
‫ول يخفى أ ّ‬
‫وغيره ‪.‬‬
‫المارة الخاصّة ( من حيث الموضوع ) ‪:‬‬
‫‪ - 10‬المارة الخاصّة هي ما كان المير مقصور النّظر فيها على أمرٍ خاصّ ‪ ،‬كقيادة‬
‫الجيش ‪ ،‬فيقتصر نظره فيما حدّد له ‪ ،‬في عقد التّقليد ‪ ،‬فل يتعرّض لغيرها ‪ ،‬كالقضاء ‪،‬‬
‫ج ‪ ،‬وإمارة السّفر ‪.‬‬
‫وجباية الخراج ‪ ،‬وقبض الصّدقات ‪ ،‬وإمارة الجهاد ‪ ،‬وإمارة الح ّ‬

‫إمارة الحجّ ‪:‬‬
‫‪ - 11‬جمهور الفقهاء على أنّه يستحبّ للمام ‪ -‬إن لم يخرج بنفسه ‪ -‬أن ينصب للحجيج أميرا‬
‫يخرج بهم ‪ ،‬ويرعى مصالحهم في حلّهم وترحالهم ‪ ،‬ويخطب فيهم في الماكن الّتي شرعت‬
‫فيها الخطبة ‪ ،‬يعلّمهم فيها مناسك الحجّ وأعماله وما يتعلّق به ‪ .‬وذهب بعض الشّافعيّة إلى أنّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫تنصيب أميرٍ لقامة الحجّ واجب على المام ‪ ،‬إن لم يخرج بنفسه ‪ ،‬ل ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬بعث في السّنة الثّامنة من الهجرة عتّاب بن أسيدٍ ‪ ،‬وفي التّاسعة أبا بكرٍ ‪ .‬وخرج‬
‫بنفسه في العاشرة » ‪.‬‬

‫أقسام إمارة الحجّ ‪:‬‬

‫كتنب الحكام السنّلطانيّة وحدهنا دون كتنب الفقنه فيمنا نعلم قسنّمت هذه المارة إلى قسنمين ‪:‬‬
‫إمارة إقامة الحجّ ‪ .‬وإمارة تسيير الحجيج ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬إمارة تسيير الحجيج ‪:‬‬
‫‪ - 12‬إمارة تسيير الحجيج هي ‪ :‬ولية سياسيّة ‪ ،‬وزعامة وتدبير ‪ .‬فيشترط لميرها ‪ :‬أن‬
‫يكون مطاعا ‪ ،‬ذا رأيٍ وشجاعةٍ ‪ ،‬وهيبةٍ ‪ .‬وقد ع ّد الماورديّ عشرة أشياء جعلها من واجبات‬
‫أمير الحجيج وهي ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬جمع النّاس في مسيرهم ونزولهم حتّى ل يتفرّقوا ‪.‬‬
‫أو ً‬

‫ل منها رئيس ‪ ،‬حتّى يعرف‬
‫ت لك ّ‬
‫ثانيا ‪ :‬ترتيبهم في السّير والنّزول ‪ ،‬وتقسيمهم إلى مجموعا ٍ‬
‫كلّ فريقٍ منهم جماعته إذا سار ‪ ،‬ويألف مكانه إذا نزل ‪ ،‬فل يتنازعون فيه ‪ ،‬ول يضلّون عنه‬
‫‪.‬‬
‫ل عنه منقطعهم ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬يرفق بهم في السّير حتّى ل يعجز عنه ضعيفهم ‪ ،‬ول يض ّ‬
‫رابعا ‪ :‬أن يسلك بهم أوضح الطّرق وأخصبها ‪ ،‬ويتجنّب أجدبها وأوعرها ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬أن يرتاد لهم المياه إذا انقطعت ‪ ،‬والمراعي إذا قلّت ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬أن يحرسهم إذا نزلوا ‪ ،‬ويحوطهم إذا رحلوا ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬أن يمنع عنهم من يصدّهم عن المسير ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬أن يصلح بين المتشاجرين ‪ ،‬ويتوسّط بين المتنازعين ‪.‬‬
‫تاسعا ‪ :‬أن يؤدّب خائنهم ‪ ،‬ول يتجاوز التّعزير ‪.‬‬
‫ج عليهم ‪.‬‬
‫عاشرا ‪ :‬أن يراعي اتّساع الوقت حتّى يؤمن فوات الح ّ‬

‫الحكم بين الحجيج ‪:‬‬
‫‪ - 13‬ليس لمير الحجّ أن يتعرّض للحكم بين الحجيج إجبارا إلّ أن يفوّض إليه الحكم ‪ ،‬وهو‬
‫أهل للقضاء ‪ ،‬فيجوز له حينئذٍ أن يحكم بينهم ‪ .‬فإن دخلوا في بلدٍ فيه حاكم جاز له أن يحكم‬
‫بينهم ‪ .‬كما يجوز لحاكم البلد أن يحكم بينهم ‪ .‬هذا إذا كان النّزاع بين الحجّاج ‪ .‬أمّا إذا كان‬
‫ل حاكم البلد ‪.‬‬
‫بين الحجيج وبين أهل البلد لم يحكم بينهم إ ّ‬

‫إقامة الحدود فيهم ‪:‬‬

‫ل أن يؤذن له فيها وهو من أهل القضاء‬
‫ج إقامة الحدود في الحجيج إ ّ‬
‫‪ - 14‬ل يجوز لمير الح ّ‬
‫‪ .‬فإن أذن فله إقامتها فيهم ‪ .‬فإن دخل في بلدٍ فيه من يتولّى إقامة الحدود ‪ ،‬فإن كان المحدود‬
‫قد أتى بموجب الح ّد قبل دخول البلد ‪ ،‬فأمير الحجيج أولى بإقامة الحدّ عليه ‪.‬‬
‫أمّا إذا أتى به بعد دخول البلد فحاكم البلد أولى بإقامة الحدّ من أمير الحجيج ‪.‬‬

‫انتهاء وليته ‪:‬‬
‫‪ - 15‬إذا وصل الحجيج إلى مكّة زالت وليته عمّن ل يرغب العودة ‪ .‬أمّا من كان عازما‬
‫على العود فيبقى تحت وليته حتّى يصلوا إلى بلدهم ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬إمارة إقامة الحجّ ‪:‬‬

‫‪ - 16‬هي أن ينصب المام أميرا للحجيج يخرج بهم نيابةً عنه في المشاعر ‪.‬‬
‫ج شروط إمامة الصّلة ‪ ،‬مضافا إليها أن يكون عالما بمناسك الحجّ‬
‫ويشترط في أمير إقامة الح ّ‬
‫وأحكامه عارفا بمواقيته وأيّامه ‪.‬‬

‫انتهاء إمارته ‪:‬‬

‫ج بانتهاء أعمال الحجّ ‪ ،‬ول تتجاوزها ‪ ،‬وتبدأ بابتدائها ‪ ،‬فتبدأ‬
‫‪ - 17‬تنتهي ولية أمير إقامة الح ّ‬
‫من وقت صلة الظّهر في اليوم السّابع من ذي الحجّة ‪ ،‬وتنتهي في يوم النّفر الثّاني ‪ ،‬وهو‬
‫اليوم الثّالث عشر من ذي الحجّة ‪.‬‬
‫ل عامٍ حتّى يصرف عنه ‪.‬‬
‫ج فله إقامته في ك ّ‬
‫وإذا كان تقليده مطلقا على إقامة الح ّ‬
‫أمّا إذا كان تقليده لعامٍ واحدٍ فليس له إقامته في غيره من العوام ‪ ،‬إلّ بتقليدٍ جديدٍ ‪.‬‬

‫اختصاصه ‪:‬‬
‫ل ما يتعلّق بأعمال الحجّ ‪ :‬من الشعار بوقت الحرام ‪ ،‬والخروج‬
‫ص نظره في ك ّ‬
‫‪ - 18‬يخت ّ‬
‫بالنّاس إلى مشاعرهم ‪ ،‬وإلقاء الخطب في الماكن الّتي شرعت فيها ‪ ،‬وترتيبه المناسك على‬
‫ما استقرّ الشّرع عليه لنّه متبوع فيها ‪ ،‬فل يقدّم مؤخّرا ول يؤخّر مقدّما سواء كان التّرتيب‬
‫واجبا أو مستحبّا ‪.‬‬

‫إقامة الحدود ‪:‬‬

‫‪ - 19‬ليس لمير إقامة الحجّ إقامة الحدّ ‪ ،‬أو التّعزير على من أتى ما يوجب ذلك من أفراد‬
‫الحجيج ‪ ،‬إن كان الموجب ممّا ل يتعلّق بالحجّ ‪ .‬أمّا إذا كان موجب الح ّد أو التّعزير ممّا يتعلّق‬
‫بالحجّ فله التّعزير ‪ .‬وفي إقامة الح ّد وجهان ‪ :‬أحدهما ليس له ذلك ‪ .‬لنّه خارج من أحكام‬
‫الحجّ ‪ ،‬ووليته خاصّة بالحجّ ‪ .‬والثّاني له إقامته عليه ‪.‬‬

‫الحكم بين الحجيج ‪:‬‬
‫ج أن يحكم بين الحجيج فيما تنازعوا فيه من غير أحكام الحجّ ‪.‬‬
‫‪ - 20‬ل يجوز لمير إقامة الح ّ‬

‫إمارة السّفر ‪:‬‬

‫‪ - 21‬يستحبّ لكلّ جماع ٍة ( ثلثةٍ فأكثر ) قصدوا السّفر أن يؤمّروا أحدهم ‪ ،‬ويجب عليهم‬
‫طاعته فيما يتعلّق بما هم فيه ‪ ،‬ويحرم عليهم مخالفته ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫إذا خرج ثلثة في السّفر فليؤمّروا أحدهم » ‪ .‬وللتّفصيل ينظر مصطلح ( سفر ) ‪.‬‬

‫إمام *‬
‫انظر ‪ :‬إمامة ‪.‬‬
‫إمامة الصّلة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬

‫المامة الصّغرى‬

‫‪ - 1‬المامة في اللّغة ‪ :‬مصدر أمّ يؤمّ ‪ ،‬وأصل معناها القصد ‪ ،‬ويأتي بمعنى التّقدّم ‪ ،‬يقال ‪:‬‬
‫أمّهم وأمّ بهم ‪ :‬إذا تقدّمهم ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء تطلق المامة على معنيين ‪ :‬المامة الصّغرى ‪ ،‬والمامة الكبرى ‪.‬‬
‫ويعرّفون المامة الكبرى بأنّها ‪ :‬استحقاق تص ّرفٍ عامّ على النام ( أي النّاس ) ‪ ،‬وهي رئاسة‬
‫عامّة في الدّين والدّنيا خلفةً عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ ( .‬ر ‪ :‬إمامة كبرى ) ‪ .‬أمّا‬
‫ط بيّنها‬
‫المامة الصّغرى ( وهي إمامة الصّلة ) فهي ارتباط صلة المصلّي بمصلّ آخر بشرو ٍ‬
‫الشّرع ‪ .‬فالمام لم يصر إماما إلّ إذا ربط المقتدي صلته بصلته ‪ ،‬وهذا الرتباط هو حقيقة‬
‫المامة ‪ ،‬وهو غاية القتداء ‪.‬‬
‫وعرّفها بعضهم بأنّها ‪ :‬كون المام متّبعا في صلته كلّها أو جزءٍ منها ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القدوة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القدوة اسم للقتداء أي ‪ :‬التّباع ‪ ،‬ويطلق على الشّخص المتبوع ‪ ،‬يقال ‪ :‬فلن قدوة أي‬
‫يقتدى به ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القتداء والتّأسّي ‪:‬‬
‫ل منهما بمعنى التّباع ‪ ،‬سواء كان ذلك في صل ٍة أو غيرها ‪ ،‬فالمأموم‬
‫‪ - 3‬القتداء والتّأسّي ك ّ‬
‫يقتدي بالمام ويتأسّى به ‪ ،‬فيعمل مثل عمله ‪ ،‬ويطلق على المقتدى به أنّه قدوة وأسوة ‪.‬‬

‫مشروعيّة المامة وفضلها ‪:‬‬

‫‪ - 4‬إمامة الصّلة تعتبر من خير العمال الّتي يتولّاها خير النّاس ذوو الصّفات الفاضلة من‬
‫العلم والقراءة والعدالة وغيرها كما سيأتي ‪ ،‬ول تتصوّر صلة الجماعة إلّ بها ‪.‬‬
‫وصلة الجماعة من شعائر السلم ‪ ،‬ومن السّنن المؤكّدة الّتي تشبه الواجب في القوّة عند‬
‫أكثر الفقهاء ‪ ،‬وصرّح بعضهم بوجوبها ‪ ،‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬صلة الجماعة ) ‪.‬‬
‫وقد صرّح جمهور الفقهاء ‪ ،‬ومنهم الحنفيّة ‪ ،‬وبعض المالكيّة ‪ ،‬وهو رواية في مذهب أحمد ‪:‬‬
‫بأنّ المامة أفضل من الذان والقامة ‪ ،‬لمواظبة النّبيّ صلى ال عليه وسلم والخلفاء الرّاشدين‬
‫عليها ‪ ،‬ولهذا أمر النّبيّ صلى ال عليه وسلم أن يقوم بها أعلم النّاس وأقرؤهم ‪ ،‬كما روي في‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إذا كانوا ثلث ًة فليؤمّهم‬
‫حديث أبي سعيدٍ الخدريّ ‪ .‬قال ‪ « :‬قال النّب ّ‬
‫أحدهم ‪ ،‬وأحقّهم أقرؤهم » ‪.‬‬
‫ولمّا مرض النّبيّ عليه السلم اختار أفضل الصّحابة للمامة حيث قال ‪ « :‬مروا أبا بكرٍ‬
‫فليصلّ بالنّاس » ‪ ،‬ففهم الصّحابة من تقديمه في المامة الصّغرى استحقاقه المامة الكبرى ‪.‬‬
‫ل آخر ‪ :‬الذان أفضل ‪ ،‬وهو قول بعض المالكيّة ‪ ،‬ومذهب الشّافعيّ ‪ ،‬ورواية في‬
‫وفي قو ٍ‬

‫مذهب أحمد ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬المام ضامن والمؤذّن مؤتمن ‪ ،‬اللّهمّ أرشد‬
‫الئمّة واغفر للمؤذّنين » والمانة أعلى من الضّمان ‪ ،‬والمغفرة أعلى من الرشاد ‪ .‬وقال‬
‫عمر رضي ال عنه ‪ " :‬لول الخلفة لذّنت "‪.‬‬

‫شروط المامة ‪:‬‬
‫يشترط لصحّة المامة المور التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السلم ‪:‬‬
‫ح الصّلة‬
‫‪ - 5‬اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في المام أن يكون مسلما ‪ .‬وعلى هذا ل تص ّ‬
‫خلف من هو كافر يعلن كفره ‪ ،‬أمّا إذا صلّى خلف من ل يعلم كفره ‪ ،‬ث ّم تبيّن أنّه كافر ‪ ،‬فإنّ‬
‫الحنفيّة والحنابلة قالوا ‪ :‬إذا أمّهم زمانا على أنّه مسلم ‪ ،‬ثمّ ظهر أنّه كان كافرا ‪ ،‬فليس عليهم‬
‫إعادة الصّلة ‪ ،‬لنّها كانت محكوما بصحّتها ‪ ،‬وخبره غير مقبولٍ في الدّيانات لفسقه باعترافه‬
‫‪.‬‬
‫ن المأموم‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو بان إمامه كافرا معلنا ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أو مخفيا ‪ ،‬وجبت العادة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الصحّ عدم وجوب العادة إذا كان المام مخفيا‬
‫مقصّر بترك البحث ‪ .‬وقال الشّربينيّ ‪ :‬إ ّ‬
‫كفره ‪ .‬ومثله مذهب المالكيّة حيث قالوا ‪ :‬تبطل الصّلة بالقتداء بمن كان كافرا ‪ ،‬سواء أكانت‬
‫س ّريّ ًة أم جهريّةً ‪ ،‬وسواء أطالت مدّة صلته إماما بالنّاس أم ل ‪ .‬وصرّح الحنابلة ‪ ،‬وهو‬
‫رواية عند المالكيّة ‪ ،‬بعدم جواز إمامة الفاسق ‪ ،‬وهو الّذي أتى بكبيرةٍ كشارب خمرٍ وزانٍ‬
‫وآكل الرّبا ‪ ،‬أو داوم على صغيرةٍ ‪ .‬لكنّ الحنفيّة والشّافعيّة ذهبوا إلى جواز إمامة الفاسق مع‬
‫الكراهة ‪ ،‬وهذا هو المعتمد عند المالكيّة إذا لم يتعلّق فسقه بالصّلة ‪ ،‬وإلّ بطلت عندهم كقصده‬
‫الكبر بالمامة ‪ ،‬وإخلله بركنٍ أو شرطٍ أو سنّةٍ عمدا ‪ .‬وفي صلة الجمعة والعيدين جاز‬
‫إمامة الفاسق بغير كراهةٍ ‪ ،‬مع تفصيلٍ ينظر في مواضعه ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬العقل ‪:‬‬

‫‪ - 6‬يشترط في المام أن يكون عاقلً ‪ ،‬وهذا الشّرط أيضا متّفق عليه بين الفقهاء ‪ ،‬فل تصحّ‬
‫إمامة السّكران ‪ ،‬ول إمامة المجنون المطبق ‪ ،‬ول إمامة المجنون غير المطبق حال جنونه ‪،‬‬
‫وذلك لعدم صحّة صلتهم لنفسهم فل تبنى عليها صلة غيرهم ‪.‬‬
‫ح إمامته حال إفاقته ‪.‬‬
‫ن ويفيق ‪ ،‬فتص ّ‬
‫أمّا الّذي يج ّ‬

‫ت ‪ -‬البلوغ ‪:‬‬
‫‪ - 7‬جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬على أنّه يشترط لصحّة المامة في صلة‬
‫ض عندهم ‪ ،‬لما ورد عن‬
‫الفرض أن يكون المام بالغا ‪ ،‬فل تصحّ إمامة مم ّيزٍ لبالغٍ في فر ٍ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل تقدّموا صبيانكم » ‪ ،‬ولنّها حال كمالٍ والصّبيّ ليس‬

‫ن المام ضامن وليس هو من أهل الضّمان ‪ ،‬ولنّه ل يؤمن معه الخلل‬
‫من أهلها ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن صلة‬
‫سرّ ‪ .‬واستدلّوا كذلك على عدم صحّة إمامة الصّبيّ للبالغ في الفرض أ ّ‬
‫بالقراءة حال ال ّ‬
‫الصّبيّ نافلة فل يجوز بناء الفرض عليها ‪.‬‬
‫ح إمامة المميّز للبالغ عند جمهور‬
‫أمّا في غير الفرض كصلة الكسوف أو التّراويح فتص ّ‬
‫الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة ‪ -‬لنّه ل يلزم منها بناء القويّ على‬
‫الضّعيف ‪ .‬والمختار عند الحنفيّة عدم جواز إمامة المميّز للبالغ مطلقا ‪ ،‬سواء أكانت في‬
‫الفرائض أم في النّوافل ‪ ،‬لنّ نفل الصّبيّ ضعيف لعدم لزومه بالشّروع ‪ ،‬ونفل المقتدي البالغ‬
‫قويّ لزم مضمون عليه بعد الشّروع ‪ .‬ولم يشترط الشّافعيّة في المام أن يكون بالغا ‪ ،‬فتصحّ‬
‫إمامة المميّز للبالغ عندهم مطلقا ‪ ،‬سواء أكانت في الفرائض أم النّوافل ‪،‬‬
‫لحديث « عمرو بن سلمة أنّه كان يؤمّ قومه على عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وهو‬
‫ابن ستّ أو سبع سنين » لكنّهم قالوا ‪ :‬البالغ أولى من الصّبيّ ‪ ،‬وإن كان الصّبيّ أقرأ أو أفقه ‪،‬‬
‫لصحّة القتداء بالبالغ بالجماع ‪ ،‬ولهذا نصّ في البويطيّ على كراهة القتداء بالصّبيّ ‪ .‬أمّا‬
‫إمامة المميّز لمثله فجائزة في الصّلوات الخمس وغيرها عند جميع الفقهاء ‪.‬‬

‫ث ‪ -‬الذّكورة ‪:‬‬
‫ح إمامة المرأة للرّجال ‪ ،‬وهذا متّفق‬
‫‪ - 8‬يشترط لمامة الرّجال أن يكون المام ذكرا ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫ن من‬
‫عليه بين الفقهاء ‪ ،‬لما ورد في الحديث أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أخّروه ّ‬
‫ن اللّه » والمر بتأخيرهنّ نهي عن الصّلة خلفهنّ ‪ .‬ولما روى جابر مرفوعا ‪« :‬‬
‫حيث أخّره ّ‬
‫ل تؤ ّمنّ امرأة رجلً » ولنّ في إمامتها للرّجال افتتانا بها ‪.‬‬
‫أمّا إمامة المرأة للنّساء فجائزة عند جمهور الفقهاء ‪ -‬وهم الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪-‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫واستدلّ الجمهور لجواز إمامة المرأة للنّساء بحديث « أمّ ورقة أ ّ‬
‫أذن لها أن تؤمّ نساء أهل دارها » ‪.‬‬
‫ب أو مندوبٍ ‪ ،‬فإنّه يكره لهنّ‬
‫لكن كره الحنفيّة إمامتها لهنّ ‪ ،‬لنّها ل تخلو عن نقصٍ واج ٍ‬
‫ن ‪ .‬فإذا صلّت النّساء صلة الجماعة بإمامة‬
‫الذان والقامة ‪ ،‬ويكره تقدّم المرأة المام عليه ّ‬
‫امرأةٍ وقفت المرأة المام وسطهنّ ‪ .‬أمّا المالكيّة فل تجوز إمامة المرأة عندهم مطلقا ولو لمثلها‬
‫في فرضٍ أو نفلٍ ‪ .‬ول تصحّ إمامة الخنثى للرّجال ول لمثلها بل خلفٍ ‪ ،‬لحتمال أن تكون‬
‫امرأةً والمقتدي رجلً ‪ ،‬وتصحّ إمامتها للنّساء مع الكراهة أو بدونها عند جمهور الفقهاء ‪،‬‬
‫خلفا للمالكيّة حيث صرّحوا بعدم جوازها مطلقا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬القدرة على القراءة ‪:‬‬

‫‪ -9‬يشترط في المام أن يكون قادرا على القراءة وحافظا مقدار ما يتوقّف عليه صحّة الصّلة‬
‫على تفصيلٍ يذكر في مصطلح ( قراءة ) ‪.‬‬
‫ح إمامة ال ّميّ‬
‫وهذا الشّرط إنّما يعتبر إذا كان بين المقتدين من يقدر على القراءة ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫للقارئ ‪ ،‬ول إمامة الخرس للقارئ أو ال ّميّ ‪ ،‬لنّ القراءة ركن مقصود في الصّلة ‪ ،‬فلم‬
‫ح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه ‪ ،‬ولنّ المام ضامن ويتحمّل القراءة عن المأموم ‪ ،‬ول‬
‫يص ّ‬
‫يمكن ذلك في ال ّميّ ‪ ،‬ولتفصيل المسألة ( ر ‪ :‬اقتداء ) ‪.‬‬
‫أمّا إمامة المّيّ لل ّميّ والخرس فجائزة ‪ ،‬وهذا متّفق عليه بين الفقهاء ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وتكره إمامة الفأفاء ( وهو من يكرّر الفاء ) والتّمتام ( وهو من يكرّر التّاء ) واللّاحن‬
‫لحنا غير مغيّرٍ للمعنى عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬الفأفأة ‪ ،‬والتّمتمة ‪ ،‬واللّثغة‬
‫( وهي تحرّك اللّسان من السّين إلى الثّاء ‪ ،‬أو من الرّاء إلى الغين ونحوه ) تمنع من المامة ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة في جواز إمامة هؤلء وأمثالهم خلف ‪.‬‬

‫ح ‪ -‬السّلمة من العذار ‪:‬‬
‫‪ - 10‬يشترط في المام إذا كان يؤمّ الصحّاء أن يكون سالما من العذار ‪ ،‬كسلس البول‬
‫وانفلت الرّيح والجرح السّائل والرّعاف ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو رواية عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬لنّ أصحاب العذار يصلّون مع الحدث حقيقةً ‪ ،‬وإنّما تجوز صلتهم لعذرٍ ‪ ،‬ول‬
‫ن المام ضامن ‪ ،‬بمعنى أنّ صلته تضمن صلة‬
‫يتعدّى العذر لغيرهم لعدم الضّرورة ‪ ،‬ول ّ‬
‫المقتدي ‪ ،‬والشّيء ل يضمن ما هو فوقه ‪.‬‬
‫ول يشترط في المشهور عند المالكيّة ‪ -‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ -‬السّلمة من العذر لصحّة‬
‫ق صاحبها عفي عنها في حقّ غيره ‪.‬‬
‫ن الحداث إذا عفي عنها في ح ّ‬
‫المامة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وأمّا إمامة صاحب العذر لمثله فجائزة باتّفاق الفقهاء مطلقا ‪ ،‬أو إن اتّحد عذرهما ( ر ‪ :‬اقتداء‬
‫)‪.‬‬

‫خ ‪ -‬القدرة على توفية أركان الصّلة ‪:‬‬

‫‪ - 11‬يشترط في المام أن يكون قادرا على توفية الركان ‪ ،‬وهذا إذا كان يصلّي بالصحّاء ‪،‬‬
‫فمن يصلّي باليماء ركوعا أو سجودا ل يصحّ أن يصلّي بمن يقدر عليهما عند جمهور الفقهاء‬
‫( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) خلفا للشّافعيّة فإنّهم أجازوا ذلك قياسا على صحّة إمامة‬
‫المستلقي أو المضطجع للقاعد ‪.‬‬
‫ن فيه بناء القويّ‬
‫واختلفوا في صحّة إمامة القاعد للقائم ‪ ،‬فالمالكيّة والحنابلة ل يجوّزونها ‪ ،‬ل ّ‬
‫على الضّعيف ‪ ،‬واستثنى الحنابلة إمام الحيّ إذا كان مرضه ممّا يرجى زواله ‪ ،‬فأجازوا إمامته‬
‫‪ ،‬واستحبّوا له إذا عجز عن القيام أن يستخلف ‪ ،‬فإن صلّى بهم قاعدا صحّ ‪ .‬والشّافعيّة يقولون‬

‫ي صلى ال عليه وسلم « صلّى آخر‬
‫ن النّب ّ‬
‫بالجواز ‪ ،‬وهو قول أكثر الحنفيّة ‪ ،‬لحديث عائشة أ ّ‬
‫صلةٍ صلّاها بالنّاس قاعدا ‪ ،‬والقوم خلفه قيام » ‪.‬‬
‫أمّا إمامة العاجز عن توفية الركان لمثله فجائزة باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬اقتداء ) ‪.‬‬

‫د ‪ -‬السّلمة من فقد شرطٍ من شروط الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يشترط في المام السّلمة من فقد شرطٍ من شروط صحّة الصّلة كالطّهارة من حدثٍ أو‬
‫خبثٍ ‪ ،‬فل تصحّ إمامة محدثٍ ول متنجّسٍ إذا كان يعلم ذلك ‪ ،‬لنّه أخلّ بشرطٍ من شروط‬
‫الصّلة مع القدرة على التيان به ‪ ،‬ول فرق بين الحدث الكبر والصغر ‪ ،‬ول بين نجاسة‬
‫الثّوب والبدن والمكان ‪.‬‬
‫ن علم المقتدي بحدث المام بعد الصّلة مغتفر ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪:‬‬
‫وصرّح المالكيّة والشّافعيّة أ ّ‬
‫من اقتدى بإمامٍ ث ّم علم أنّ إمامه محدث أعاد لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من أ ّم قوما‬
‫ثمّ ظهر أنّه كان محدثا أو جنبا أعاد صلته » ‪.‬‬
‫وفصّل الحنابلة فقالوا ‪ :‬لو جهله المأموم وحده وعلمه المام يعيدون كلّهم ‪ ،‬أمّا إذا جهله المام‬
‫والمأمومون كلّهم حتّى قضوا الصّلة صحّت صلة المأموم وحده ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ « :‬إذا صلّى الجنب بالقوم أعاد صلته وتمّت للقوم صلتهم » ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪:‬‬
‫( طهارة ) ‪.‬‬

‫ذ ‪ -‬ال ّنيّة ‪:‬‬

‫‪ - 13‬يشترط في المام عند الحنابلة نيّة المامة ‪ ،‬فإنّهم قالوا ‪ :‬من شرط صحّة الجماعة ‪ :‬أن‬
‫ينوي المام أنّه إمام وينوي المأموم أنّه مأموم ‪ .‬ولو أحرم منفردا ثمّ جاء آخر فصلّى معه ‪،‬‬
‫س أنّه قال ‪ « :‬بتّ عند خالتي ميمونة ‪ ،‬فقام‬
‫ح في النّفل ‪ ،‬لحديث ابن عبّا ٍ‬
‫فنوى إمامته ص ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم متطوّعا من اللّيل ‪ ،‬فقام إلى القربة فتوضّأ ‪ ،‬فقام فصلّى ‪ ،‬فقمت لمّا‬
‫رأيته صنع ذلك ‪ ،‬فتوضّأت من القربة ‪ ،‬ث ّم قمت إلى شقّه اليسر ‪ ،‬فأخذ بيدي من وراء ظهره‬
‫شقّ اليمن » ‪.‬‬
‫يعدلني كذلك إلى ال ّ‬
‫أمّا في الفرض فإن كان ينتظر أحدا ‪ ،‬كإمام المسجد يحرم وحده ‪ ،‬وينتظر من يأتي فيصلّي‬
‫معه ‪ ،‬فيجوز ذلك أيضا ‪.‬‬
‫ن الفرض كالنّفل في صحّة صلة من أحرم منفردا ثمّ نوى أن يكون إماما‬
‫واختار ابن قدامة أ ّ‬
‫ن ‪ ،‬وهذا في‬
‫‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬نيّة الرّجل المامة شرط لصحّة اقتداء النّساء إن كنّ وحده ّ‬
‫صلةٍ ذات ركوعٍ وسجودٍ ‪ ،‬ل في صلة الجنازة ‪ ،‬لما يلزم من الفساد بمحاذاة المرأة له لو‬
‫ح صلته ول تصحّ‬
‫حاذته ‪ ،‬وإن لم ينو إمامة المرأة ونوت هي القتداء به لم تضرّه ‪ ،‬فتص ّ‬
‫ن الشتراك ل يثبت دون ال ّنيّة ‪.‬‬
‫صلتها ‪ ،‬ل ّ‬

‫ول يشترط نيّة المام المامة عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬إلّ في الجمعة والصّلة المعادة‬
‫ب عندهم للمام أن ينوي المامة في سائر الصّلوات‬
‫والمنذورة عند الشّافعيّة ‪ ،‬لكنّه يستح ّ‬
‫للخروج من خلف الموجب لها ‪ ،‬وليحوز فضيلة المامة وصلة الجماعة ‪.‬‬

‫الحقّ بالمامة ‪:‬‬
‫‪ - 14‬وردت في ذلك الحاديث التّالية ‪ :‬عن أبي سعيدٍ قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬إذا كانوا ثلث ًة فليؤمّهم أحدهم ‪ ،‬وأحقّهم بالمامة أقرؤهم » رواه أحمد ومسلم‬
‫والنّسائيّ ‪ .‬وعن أبي مسعودٍ عقبة بن عمرٍو قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه ‪ ،‬فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسّنّة ‪ ،‬فإن كانوا في‬
‫ن الرّجل الرّجل‬
‫سنّة سواءً فأقدمهم هجرةً ‪ ،‬فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سنّا ‪ ،‬ول يؤمّ ّ‬
‫ال ّ‬
‫في سلطانه ‪ ،‬ول يقعد في بيته على تكرمته إلّ بإذنه » ‪.‬‬
‫ض فهو‬
‫‪ - 15‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا اجتمع قوم وكان فيهم ذو سلطانٍ ‪ ،‬كأميرٍ ووالٍ وقا ٍ‬
‫أولى بالمامة من الجميع حتّى من صاحب المنزل وإمام الحيّ ‪ ،‬وهذا إذا كان مستجمعا‬
‫لشروط صحّة الصّلة كحفظ مقدار الفرض من القراءة والعلم بأركان الصّلة ‪ ،‬حتّى ولو كان‬
‫ن ابن عمر كان يصلّي خلف‬
‫بين القوم من هو أفقه أو أقرأ منه ‪ ،‬لنّ وليته عامّة ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن يقدّم صاحب المنزل ‪ ،‬ويقدّم إمام الحيّ وإن كان غيره‬
‫الحجّاج ‪ .‬وإن لم يكن بينهم ذو سلطا ٍ‬
‫أفقه أو أقرأ أو أورع منه ‪ ،‬إن شاء تقدّم وإن شاء قدّم من يريده ‪ .‬لكنّه يستحبّ لصاحب‬
‫المنزل أن يأذن لمن هو أفضل منه ‪.‬‬
‫واتّفقوا كذلك على أنّ بناء أمر المامة على الفضيلة والكمال ‪ ،‬ومن استجمع خصال العلم‬
‫وقراءة القرآن والورع وكبر السّنّ وغيرها من الفضائل كان أولى بالمامة ‪.‬‬
‫ول خلف في تقديم العلم والقرأ على سائر النّاس ‪ ،‬ولو كان في القوم من هو أفضل منه‬
‫سنّ وسائر الوصاف ‪.‬‬
‫في الورع وال ّ‬
‫ن العلم بأحكام الفقه أولى بالمامة‬
‫وجمهور الفقهاء ‪ ( :‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ) على أ ّ‬
‫من القرأ ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬مروا أبا بكرٍ فليصلّ بالنّاس » وكان ثمّة من هو أقرأ منه ‪ ،‬ل أعلم‬
‫منه ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أقرؤكم أبيّ » ‪ ،‬ولقول أبي سعيدٍ ‪ ":‬كان أبو بك ٍر أعلمنا‬
‫ن الحاجة‬
‫"‪ ،‬وهذا آخر المرين من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فيكون المعوّل عليه ‪ .‬ول ّ‬
‫ن واحدٍ ‪ ،‬والفقه يحتاج‬
‫إلى الفقه أهمّ منها إلى القراءة ‪ ،‬لنّ القراءة إنّما يحتاج إليها لقامة رك ٍ‬
‫إليه لجميع الركان والواجبات والسّنن ‪.‬‬
‫ن أقرأ النّاس أولى بالمامة ممّن هو‬
‫وقال الحنابلة ‪ ،‬وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫أعلمهم ‪ ،‬لحديث أبي سعيدٍ قال ‪ :‬قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا كانوا ثلثة فليؤمّهم‬

‫أحدهم ‪ ،‬وأحقّهم بالمامة أقرؤهم » ولنّ القراءة ركن ل بدّ منه ‪ ،‬والحاجة إلى العلم إذا‬
‫عرض عارض مفسد ليمكنه إصلح صلته ‪ ،‬وقد يعرض وقد ل يعرض ‪.‬‬
‫‪ - 16‬أمّا إذا تفرّقت خصال الفضيلة من العلم والقراءة والورع وكبر السّنّ وغيرها في‬
‫أشخاصٍ فقد اختلفت أقوال الفقهاء ‪ .‬فمنهم من قدّم العلم على القرأ ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّما أمر النّبيّ‬
‫ن أصحابه كان أقرؤهم أعلمهم ‪ ،‬فإنّهم كانوا إذا تعلّموا‬
‫صلى ال عليه وسلم بتقديم القارئ ‪ ،‬ل ّ‬
‫القرآن تعلّموا معه أحكامه ‪ ،‬وهذا قول جمهور الفقهاء ‪ .‬والصل في أولويّة المامة حديث أبي‬
‫ن النّبيّ عليه السلم قال ‪ « :‬يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه ‪ ،‬فإن كانوا في‬
‫مسعودٍ النصاريّ أ ّ‬
‫سنّة سوا ًء فأقدمهم هجر ًة ‪ ،‬فإن كانوا في الهجرة‬
‫سنّة ‪ ،‬فإن كانوا في ال ّ‬
‫القراءة سوا ًء فأعلمهم بال ّ‬
‫سوا ًء فأقدمهم سنّا » ‪.‬‬
‫‪ - 17‬وفي ترتيب الولويّة في المامة بعد الستواء في العلم والقراءة ‪ ،‬قال الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫‪ :‬يقدّم أورعهم أي الكثر اتّقا ًء للشّبهات ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من صلّى خلف‬
‫سنّة نسخ‬
‫ن الهجرة المذكورة بعد القراءة والعلم بال ّ‬
‫ي فكأنّما صلّى خلف نبيّ » ول ّ‬
‫عالمٍ تق ّ‬
‫وجوبها بحديث ‪ « :‬ل هجرة بعد الفتح » فجعلوا الورع ‪ -‬وهو هجر المعاصي ‪ -‬مكان تلك‬
‫الهجرة ‪.‬‬
‫ومثله ما صرّح به المالكيّة حيث قالوا ‪ :‬الولويّة بعد العلم والقرأ للكثر عباد ًة ‪ .‬ثمّ إن‬
‫استووا في الورع يقدّم عند الجمهور القدم إسلما ‪ ،‬فيقدّم شابّ نشأ في السلم على شيخٍ‬
‫أسلم حديثا ‪ .‬أمّا لو كانوا مسلمين من الصل ‪ ،‬أو أسلموا معا فإنّه يقدّم الكبر سنّا ‪ ،‬لقوله‬
‫ن يكون أخشع قلبا عاد ًة ‪ ،‬وفي‬
‫ن الكبر في السّ ّ‬
‫عليه السلم ‪ « :‬وليؤمّكما أكبركما سنّا » ‪ .‬ول ّ‬
‫تقديمه كثرة الجماعة ‪.‬‬
‫‪ - 18‬فإن استووا في الصّفات والخصال المتقدّمة من العلم والقراءة والورع والسّنّ ‪ ،‬قال‬
‫الحنفيّة يقدّم الحسن خلقا ‪ ،‬لنّ حسن الخلق من باب الفضيلة ‪ ،‬ومبنى المامة على الفضيلة ‪،‬‬
‫فإن كانوا فيه سوا ًء فأحسنهم وجها ‪ ،‬لنّ رغبة النّاس في الصّلة خلفه أكثر ‪ ،‬ث ّم الشرف‬
‫نسبا ‪ ،‬ثمّ النظف ثوبا ‪ .‬فإن استووا يقرع بينهم ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يقدّم بعد السنّ الشرف نسبا ‪ ،‬ثمّ الحسن صورةً ‪ ،‬ثمّ الحسن أخلقا ‪ ،‬ثمّ‬
‫الحسن ثوبا ‪.‬‬
‫ت ‪ ،‬وطيّب‬
‫والشّافعيّة كالمالكيّة في تقديم الشرف نسبا ‪ ،‬ثمّ النظف ثوبا وبدنا ‪ ،‬وحسن صو ٍ‬
‫صفةٍ وغيرها ‪ ،‬ثمّ يقرع بينهم ‪ .‬أمّا الحنابلة فقد صرّحوا أنّه إن استووا في القراءة والفقه‬
‫فأقدمهم هجر ًة ‪ ،‬ثمّ أسنّهم ‪ ،‬ثمّ أشرفهم نسبا ‪ ،‬ثمّ أتقاهم وأورعهم ‪ ،‬فإن استووا في هذا كلّه‬
‫أقرع بينهم ‪ .‬ول يقدّم بحسن الوجه عندهم ‪ ،‬لنّه ل مدخل له في المامة ‪ ،‬ول أثر له فيها ‪.‬‬
‫وهذا التّقديم إنّما هو على سبيل الستحباب وليس على سبيل الشتراط ول اليجاب ‪ ،‬فلو قدّم‬

‫صحّة ‪ ،‬لكن مع الكراهة عند الحنابلة ‪.‬‬
‫المفضول كان جائزا اتّفاقا ما دام مستجمعا شرائط ال ّ‬
‫والمقصود بذكر هذه الوصاف وربط الولويّة بها هو كثرة الجماعة ‪ ،‬فكلّ من كان أكمل فهو‬
‫أفضل ‪ ،‬لنّ رغبة النّاس فيه أكثر ‪.‬‬

‫اختلف صفة المام والمقتدي ‪:‬‬
‫‪ - 19‬الصل أنّ المام إذا كان أقوى حالً من المقتدي أو مساويا له صحّت إمامته اتّفاقا ‪ ،‬أمّا‬
‫إذا كان أضعف حالً ‪ ،‬كأن كان يصلّي نافلةً والمقتدي يصلّي فريض ًة ‪ ،‬أو كان المام معذورا‬
‫والمقتدي سليما ‪ ،‬أو كان المام غير قادرٍ على القيام مثلً والمقتدي قادرا ‪ ،‬فقد اختلفت آراء‬
‫الفقهاء ‪ ،‬وإجمالها فيما يأتي ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬تجوز إمامة الماسح للغاسل وإمامة المسافر للمقيم اتّفاقا ‪ ،‬وتجوز إمامة المتيمّم‬
‫للمتوضّئ عند جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ، -‬وقيّد الشّافعيّة هذا الجواز بما‬
‫إذا لم تجب على المام العادة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬جمهور الفقهاء على عدم جواز إمامة المتنفّل للمفترض ‪ ،‬والمفترض للّذي يؤدّي فرضا‬
‫آخر ‪ ،‬وعدم إمامة الصّبيّ للبالغ في فرضٍ ‪ ،‬وإمامة المعذور للسّليم ‪ ،‬وإمامة العاري للمكتسي‬
‫ف وتفصيلٍ في بعض الفروع ‪ ،‬أمّا‬
‫ن للقادر عليه ‪ ،‬مع خل ٍ‬
‫‪ ،‬وإمامة العاجز عن توفية رك ٍ‬
‫إمامة هؤلء لمثالهم فجائزة باتّفاق الفقهاء ‪ .‬وللتّفصيل يرجع إلى بحث ‪ ( :‬اقتداء ) ‪.‬‬

‫موقف المام ‪:‬‬

‫ن المام يتقدّمهم في الموقف ‪ ،‬لفعل رسول اللّه‬
‫‪ - 20‬إذا كان يصلّي مع المام اثنان أو أكثر فإ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم وعمل المّة بذلك ‪ .‬وقد روي أنّ « جابرا وجبّارا وقف أحدهما عن يمين‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم والخر عن يساره ‪ ،‬فأخذ بأيديهما حتّى أقامهما خلفه » ‪ .‬ولنّ‬
‫المام ينبغي أن يكون بحالٍ يمتاز بها عن غيره ‪ ،‬ول يشتبه على الدّاخل ليمكنه القتداء به ‪.‬‬
‫سنّة ‪ .‬ويرى الحنابلة بطلن‬
‫صفّ أو في ميسرته جاز مع الكراهة لتركه ال ّ‬
‫ولو قام في وسط ال ّ‬
‫صلة من يقف على يسار المام ‪ ،‬إذا لم يكن أحد عن يمينه ‪.‬‬
‫ي يعقل الصّلة وقف المام عن يساره والمأموم عن‬
‫ولو كان مع المام رجل واحد أو صب ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فأداره إلى‬
‫س « أنّه وقف عن يسار النّب ّ‬
‫يمينه ‪ ،‬لما روي عن ابن عبّا ٍ‬
‫يمينه » ‪ .‬ويندب في هذه الحالة تأخّر المأموم قليلً خوفا من التّقدّم ‪ .‬ولو وقف المأموم عن‬
‫يساره أو خلفه جاز مع الكراهة إلّ عند الحنابلة فتبطل على ما سبق ‪.‬‬
‫ن من حيث أخّرهنّ اللّه » ‪.‬‬
‫ولو كان معه امرأة أقامها خلفه ‪ ،‬لقوله عليه السلم ‪ « :‬أخّروه ّ‬
‫ولو كان معه رجل وامرأة أقام الرّجل عن يمينه والمرأة خلفه ‪ ،‬وإن كان رجلن وامرأة أقام‬
‫الرّجلين خلفه والمرأة وراءهما ‪.‬‬

‫سنّة أن تقف المرأة الّتي تؤ ّم النّساء وسطهنّ ‪ ،‬لما روي أنّ عائشة وأ ّم سلمة أمّتا‬
‫‪ -21‬وال ّ‬
‫نساءً فقامتا وسطهنّ وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقد صرّحوا بعدم جواز إمامتها ولو لمثلها ‪ ،‬في فريض ٍة كانت أو في نافلةٍ كما‬
‫تقدّم في شروط المامة ‪.‬‬
‫‪ - 22‬ول يجوز تأخّر المام عن المأموم في الموقف عند جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ -‬لحديث ‪ « :‬إنّما جعل المام ليؤتمّ به » ومعنى الئتمام التّباع ‪ ،‬والمتقدّم غير تابعٍ‬
‫‪ .‬وأجاز المالكيّة تأخّره في الموقف إذا أمكن للمأمومين متابعته في الركان ‪ ،‬لكنّهم صرّحوا‬
‫بكراهة تقدّم المقتدي على المام أو محاذاته له إلّ لضرورةٍ ‪ .‬والختيار في التّقدّم والتّأخّر‬
‫للقائم بالعقب ‪ ،‬وللقاعد باللية ‪ ،‬وللمضطجع بالجنب ‪.‬‬
‫ل إذا أراد المام‬
‫‪ - 23‬هذا ‪ ،‬ويكره أن يكون موقف المام عاليا عن موقف المقتدين اتّفاقا ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن النّبيّ‬
‫ل عند الشّافعيّة ‪ ،‬لما روي « أ ّ‬
‫تعليم المأمومين ‪ ،‬فالسّنّة أن يقف المام في موضعٍ عا ٍ‬
‫صلى ال عليه وسلم فعل ذلك ثمّ قال ‪ { :‬أيّها النّاس ‪ :‬إنّما فعلت هذا لتأتمّوا بي ‪ ،‬ولتعلموا‬
‫صلتي » ‪ .‬أمّا إذا أراد المام بذلك الكبر فممنوع ‪ .‬ول بأس عند الحنابلة بالعل ّو اليسير ‪،‬‬
‫وقدّروه بمثل درجة المنبر ‪ .‬وقدّر الحنفيّة العلوّ المكروه بما كان قدر ذراعٍ على المعتمد ‪.‬‬
‫ولتفصيل هذه المسائل يراجع مصطلح ‪ ( :‬صلة الجماعة ) ( واقتداء ) ‪.‬‬

‫من تكره إمامتهم ‪:‬‬
‫‪ - 24‬إنّ بناء أمر المامة على الفضيلة والكمال ‪ ،‬فكلّ من كان أكمل فهو أفضل ‪ ،‬وإن تقدّم‬
‫المفضول على الفاضل جاز وكره وإذا أذن الفاضل للمفضول لم يكره ‪ ،‬وهذا القدر متّفق عليه‬
‫بين الفقهاء ‪ .‬وقد سبق بيانه في بحث الولويّة ‪.‬‬
‫ثمّ قال الحنفيّة ‪ :‬يكره تقديم العبد لنّه ل يتفرّغ للتّعلّم ‪ ،‬والعرابيّ وهو من يسكن البادية لغلبة‬
‫الجهل عليه ‪ ،‬ويكره تقديم الفاسق لنّه ل يهتمّ بأمر دينه ‪ ،‬والعمى لنّه ل يتوقّى النّجاسة ‪،‬‬
‫كما يكره إمامة ولد الزّنى ‪ ،‬والمبتدع بدعةً غير مكفّرةٍ ‪ ،‬كذلك يكره إمامة أمرد وسفيهٍ‬
‫ج وأبرص شاع برصه ‪ .‬ولنّ في تقديم هؤلء تنفير الجماعة ‪ ،‬لكنّه إن تقدّموا جاز ‪،‬‬
‫ومفلو ٍ‬
‫لقوله عليه السلم ‪ « :‬صلّوا خلف ك ّل برّ وفاج ٍر » ‪.‬‬
‫ي أفضل من‬
‫والكراهة في حقّهم لما ذكر من النّقائص ‪ ،‬فلو عدمت بأن كان العراب ّ‬
‫الحضريّ ‪ ،‬والعبد من الحرّ ‪ ،‬وولد الزّنى من ولد الرّشدة والعمى من البصير زالت الكراهة‬
‫‪ .‬أمّا الفاسق والمبتدع فل تخلو إمامتهما عن الكراهة بحالٍ ‪ ،‬حتّى صرّح بعضهم بأنّ كراهة‬
‫تقديمهما كراهة تحريمٍ ‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬كره إمامة مقطوع اليد أو الرّجل والشلّ والعرابيّ لغيره وإن كان أقرأ ‪،‬‬
‫وكره إمامة ذي السّلس والقروح للصّحيح ‪ ،‬وإمامة من يكرهه بعض الجماعة ‪ ،‬فإن كرهه‬
‫الكلّ أو الكثر ‪ ،‬أو ذو الفضل منهم ‪ -‬وإن قلّوا ‪ -‬فإمامته حرام ‪ ،‬لقوله عليه السلم ‪ « :‬لعن‬
‫رسول اللّه ثلث ًة ‪ :‬رجل أمّ قوما وهم له كارهون ‪ » ...‬كما كره أن يجعل إماما راتبا كلّ من‬
‫الخصيّ أو المأبون أو القلف ( غير المختون ) أو ولد الزّنى ‪ ،‬أو مجهول الحال ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يكره إمامة الفاسق والقلف وإن كان بالغا ‪ ،‬كما يكره إمامة المبتدع ‪ ،‬ومن‬
‫يكرهه أكثر القوم لمرٍ مذمومٍ فيه شرعا ‪ ،‬والتّمتام والفأفاء ‪ ،‬واللّاحن لحنا غير مغيّرٍ للمعنى ‪،‬‬
‫ن العمى ل ينظر ما يشغله‬
‫لكن العمى والبصير سيّان في المامة ‪ ،‬لتعارض فضيلتهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫فهو أخشع ‪ ،‬والبصير ينظر الخبث فهو أحفظ لتجنّبه ‪ .‬وإمامة الحرّ أولى من العبد ‪ ،‬والسّميع‬
‫أولى من الصمّ ‪ ،‬والفحل أولى من الخصيّ والمجبوب ‪ ،‬والقرويّ أولى من البدويّ ‪ .‬وقال‬
‫الحنابلة ‪ :‬تكره إمامة العمى والصمّ والّلحّان الّذي ل يحيل المعنى ‪ ،‬ومن يصرع ‪ ،‬ومن‬
‫اختلف في صحّة إمامته ‪ ،‬وكذا إمامة القلف وأقطع اليدين أو إحداهما ‪ ،‬أو الرّجلين أو‬
‫ل في دينه أو فضله ‪ .‬ول بأس‬
‫إحداهما ‪ ،‬والفأفاء والتّمتام ‪ ،‬وأن يؤمّ قوما أكثرهم يكرهه لخل ٍ‬
‫بإمامة ولد الزّنى واللّقيط والمنفيّ باللّعان والخصيّ والعرابيّ إذا سلم دينهم وصلحوا لها ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬والكراهة إنّما تكون فيما إذا وجد في القوم غير هؤلء ‪ ،‬وإلّ فل كراهة اتّفاقا ‪.‬‬

‫ما يفعله المام قبل بداية الصّلة ‪:‬‬
‫ن « بللً كان يستأذن النّبيّ صلى ال‬
‫‪ - 25‬إذا أراد المام الصّلة يأذن للمؤذّن أن يقيمها ‪ ،‬فإ ّ‬
‫عليه وسلم للقامة » ‪ ،‬ويسنّ للمام أن يقوم للصّلة حين يقال ( حيّ على الفلح ) أو حين‬
‫قول المؤذّن ‪ ( :‬قد قامت الصّلة ) أو مع القامة أو بعدها بقدر الطّاقة على تفصيلٍ عند‬
‫الفقهاء ‪ ،‬وإذا كان مسافرا يخبر المأمومين بذلك ليكونوا على علمٍ بحاله ‪ ،‬ويصحّ أن يخبرهم‬
‫بعدم تمام الصّلة ليكملوا صلتهم ‪ .‬كما يسنّ أن يأمر بتسوية الصّفوف فيلتفت عن يمينه‬
‫وشماله قائلً ‪ :‬اعتدلوا وسوّوا صفوفكم ‪ ،‬لما روى محمّد بن مسلمٍ قال ‪ « :‬صلّيت إلى جانب‬
‫ن النّبيّ‬
‫أنس بن مالكٍ يوما فقال ‪ :‬هل تدري لم صنع هذا العود ؟ فقلت ‪ :‬ل واللّه ‪ .‬فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم كان إذا قام إلى الصّلة أخذه بيمينه فقال ‪ :‬اعتدلوا وسوّوا صفوفكم ‪ ،‬ثمّ‬
‫أخذه بيساره وقال ‪ :‬اعتدلوا وسوّوا صفوفكم » ‪ ،‬وفي روايةٍ ‪ « :‬اعتدلوا في صفوفكم‬
‫وتراصّوا ‪ ،‬فإنّي أراكم من وراء ظهري » ‪.‬‬

‫ما يفعله المام أثناء الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الجهر أو السرار بالقراءة ‪:‬‬

‫‪ - 26‬يجهر المام بالقراءة في الفجر والرّكعتين الوليين من المغرب والعشاء أدا ًء وقضاءً ‪،‬‬
‫وكذلك في الجمعة والعيدين والتّراويح والوتر بعدها ‪ .‬ويسرّ في غيرها من الصّلوات ‪.‬‬
‫والجهر فيما يجهر فيه والمخافتة فيما يخافت فيه واجب على المام عند الحنفيّة ‪ ،‬وسنّة عند‬
‫غيرهم ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬قراءة ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬تخفيف الصّلة ‪:‬‬
‫ن للمام أن يخفّف في القراءة والذكار مع فعل البعاض والهيئات ‪ ،‬ويأتي بأدنى‬
‫‪ - 27‬يس ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا صلّى أحدكم‬
‫الكمال ‪ ،‬لما روي عن أبي هريرة أ ّ‬
‫بالنّاس فليخفّف ‪ ،‬فإنّ فيهم السّقيم والضّعيف والكبير » ‪ ،‬ولحديث معاذٍ أنّه كان يطوّل بهم‬
‫القراءة ‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬أفتّان أنت يا معاذ ‪ ،‬صلّ بالقوم صلة أضعفهم » ‪،‬‬
‫ن المنع لجلهم ‪ ،‬وقد رضوا ‪.‬‬
‫لكنّه إن صلّى بقومٍ يعلم أنّهم يؤثرون التّطويل لم يكره ‪ ،‬ل ّ‬
‫ويكره له السراع ‪ ،‬بحيث يمنع المأموم من فعل ما يسنّ له ‪ ،‬كتثليث التّسبيح في الرّكوع‬
‫والسّجود ‪ ،‬وإتمام ما يسنّ في التّشهّد الخير ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬النتظار للمسبوق ‪:‬‬

‫ص داخلٍ وهو راكع ‪ ،‬ينتظره يسيرا ما لم يشقّ على من خلفه ‪،‬‬
‫س المام بشخ ٍ‬
‫‪ - 28‬إن أح ّ‬
‫وهذا عند الحنابلة ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬لنّه انتظار ينفع ول يشقّ ‪ ،‬فشرع كتطويل‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان يطيل الرّكعة الولى‬
‫ن النّب ّ‬
‫الرّكعة وتخفيف الصّلة ‪ ،‬وقد ثبت « أ ّ‬
‫حتّى ل يسمع وقع قدمٍ » ‪ .‬وكان ينتظر الجماعة فإن رآهم قد اجتمعوا عجّل ‪ ،‬وإذا رآهم قد‬
‫ح عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫أبطئوا أخّر ‪ .‬ويكره ذلك عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو مقابل الص ّ‬

‫د ‪ -‬الستخلف ‪:‬‬
‫‪ - 29‬إذا حدث للمام عذر ل تبطل به صلة المأمومين يجوز للمام أن يستخلف غيره من‬
‫المأمومين لتكميل الصّلة بهم ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وفي كيفيّة الستخلف وشروطه وأسبابه تفصيل وخلف ينظر في مصطلح ‪ ( :‬استخلف ) ‪.‬‬

‫ما يفعله المام عقب الفراغ من الصّلة ‪:‬‬

‫‪ - 30‬يستحبّ للمام والمأمومين عقب الصّلة ذكر اللّه والدّعاء بالدعية المأثورة ‪ ،‬منها ما‬
‫ل صلةٍ مكتوبةٍ ‪ :‬ل إله إلّ‬
‫رواه الشّيخان « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يقول في دبر ك ّ‬
‫ل شي ٍء قدير ‪ ...‬إلخ » ‪ ،‬كما يستحبّ‬
‫اللّه وحده ل شريك له ‪ ،‬له الملك وله الحمد وهو على ك ّ‬
‫له إذا فرغ من الصّلة أن يقبل على النّاس بوجهه يمينا أو شمالً إذا لم يكن بحذائه أحد ‪ ،‬لما‬
‫روي عن سمرة قال ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا صلّى صل ًة أقبل علينا بوجهه » ‪.‬‬

‫ويكره له المكث على هيئته مستقبل القبلة ‪ ،‬لما روي عن عائشة « أنّ النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم كان إذا فرغ من الصّلة ل يمكث في مكانه إلّ مقدار أن يقول ‪ :‬اللّهمّ أنت السّلم ومنك‬
‫ن المكث يوهم الدّاخل أنّه في الصّلة فيقتدي به‬
‫السّلم تباركت يا ذا الجلل والكرام » ‪ ،‬ول ّ‬
‫‪ .‬كما يكره له أن يتنفّل في المكان الّذي أمّ فيه ‪.‬‬
‫وإذا أراد النصراف فإن كان خلفه نساء استحبّ له أن يلبث يسيرا ‪ ،‬حتّى ينصرف النّساء ول‬
‫يختلطن بالرّجال ‪ ،‬لما روت أ ّم سلمة « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان إذا سلّم قام‬
‫النّساء حين يقضي سلمه ‪ ،‬فيمكث يسيرا قبل أن يقوم » ‪ .‬ثمّ ينصرف المام حيث شاء عن‬
‫يمينٍ وشمالٍ ‪.‬‬
‫‪ - 31‬ويستحبّ كذلك للمام المسافر إذا صلّى بمقيمين أن يقول لهم عقب تسليمه ‪ :‬أتمّوا‬
‫صلتكم فإنّا سفر ‪ ،‬لما روي عن عمران بن حصينٍ « أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم صلّى‬
‫بأهل مكّة ركعتين ‪ ،‬ثمّ قال لهم ‪ :‬صلّوا أربعا فإنّا سفر » ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وقد فرّق الحنفيّة بين الصّلوات الّتي بعدها سنّة وبين الّتي ليست بعدها سنّة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إن‬
‫كانت صلةً ل تصلّى بعدها سنّة ‪ ،‬كالفجر والعصر فإن شاء المام قام ‪ ،‬وإن شاء قعد يشتغل‬
‫بالدّعاء ‪ ،‬مغيّرا هيئته أو منحرفا عن مكانه ‪ .‬وإن كانت صلةً بعدها سنّة يكره له المكث‬
‫قاعدا ‪ ،‬ولكن يقوم ويتنحّى عن ذلك المكان ثمّ يتنفّل ‪.‬‬
‫ووجه التّفرقة عندهم أنّ السّنن بعد الفرائض شرعت لجبر النّقصان ‪ ،‬ليقوم في الخرة مقام ما‬
‫ترك فيها لعذرٍ ‪ ،‬فيكره الفصل بينهما بمكثٍ طويلٍ ‪ ،‬ول كذلك الصّلوات الّتي ليست بعدها‬
‫سنّة ‪ .‬ولم يعثر على هذه التّفرقة في كتب غير الحنفيّة ‪.‬‬

‫الجر على المامة ‪:‬‬
‫‪ - 32‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ - :‬الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬والمتقدّمون من الحنفيّة ‪ -‬إلى عدم جواز‬
‫الستئجار لمامة الصّلة ‪ ،‬لنّها من العمال الّتي يختصّ فاعلها بكونه من أهل القربة ‪ ،‬فل‬
‫يجوز الستئجار عليها كنظائرها من الذان وتعليم القرآن ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪« :‬‬
‫ن المام يصلّي لنفسه ‪ ،‬فمن أراد اقتدى به وإن لم ينو‬
‫اقرءوا القرآن ول تأكلوا به » ‪ .‬ول ّ‬
‫المامة ‪ ،‬وإن توقّف على نيّته شيء فهو إحراز فضيلة الجماعة ‪ ،‬وهذه فائدة تختصّ به ‪.‬‬
‫ن العبد فيما يعمله من القربات والطّاعات عامل لنفسه ‪ ،‬قال سبحانه وتعالى ‪ { :‬من عمل‬
‫ول ّ‬
‫صالحا فلنفسه } ‪ ،‬ومن عمل لنفسه ل يستحقّ الجر على غيره ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬جاز أخذ الجرة على الذان وحده أو مع صلةٍ ‪ ،‬وكره الجر على الصّلة‬
‫وحدها ‪ ،‬فرضا كانت أو نفلً من المصلّين ‪.‬‬

‫والمفتى به عند متأخّري الحنفيّة جواز الستئجار لتعليم القرآن والفقه والمامة والذان ‪،‬‬
‫ويجبر المستأجر على دفع المسمّى بالعقد أو أجر المثل إذا لم تذكر مدّة ‪.‬‬
‫واستدلّوا للجواز بالضّرورة ‪ ،‬وهي خشية ضياع القرآن لظهور التّواني في المور الدّينيّة‬
‫اليوم ‪ .‬وهذا كلّه في الجر ‪ .‬وأمّا الرّزق من بيت المال فيجوز على ما يتعدّى نفعه من هذه‬
‫المور بل خلفٍ ‪ ،‬لنّه من باب الحسان والمسامحة ‪ ،‬بخلف الجارة فإنّها من باب‬
‫ن بيت المال لمصالح المسلمين ‪ ،‬فإذا كان بذله لمن يتعدّى نفعه إلى المسلمين‬
‫المعاوضة ‪ ،‬ول ّ‬
‫محتاجا إليه كان من المصالح ‪ ،‬وكان للخذ أخذه ‪ ،‬لنّه من أهله وجرى مجرى الوقف على‬
‫من يقوم بهذه المصالح ‪.‬‬

‫المامة الكبرى‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ ( - 1‬المامة ) ‪ :‬مصدر أمّ القوم وأ ّم بهم ‪ .‬إذا تقدّمهم وصار لهم إماما ‪ .‬والمام ‪ -‬وجمعه‬
‫ل من ائتمّ به قوم سواء أكانوا على صراطٍ مستقيمٍ ‪ :‬كما في قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫أئمّة ‪ : -‬ك ّ‬
‫وجعلناهم أئمّ ًة يهدون بأمرنا } أم كانوا ضالّين كقوله تعالى ‪ { :‬وجعلناهم أئمّ ًة يدعون إلى‬
‫النّار ويوم القيامة ل ينصرون } ‪.‬‬
‫ل من صار قدو ًة في فنّ من فنون العلم ‪ .‬فالمام أبو‬
‫ثمّ توسّعوا في استعماله ‪ ،‬حتّى شمل ك ّ‬
‫حنيفة قدوة في الفقه ‪ ،‬والمام البخاريّ قدوة في الحديث ‪ ...‬إلخ ‪ ،‬غير أنّه إذا أطلق ل‬
‫ينصرف إلّ إلى صاحب المامة العظمى ‪ ،‬ول يطلق على الباقي إلّ بالضافة ‪ ،‬لذلك عرّف‬
‫ل شخصٍ يقتدى به في الدّين ‪.‬‬
‫الرّازيّ المام بأنّه ‪ :‬ك ّ‬
‫والمامة الكبرى في الصطلح ‪ :‬رئاسة عامّة في الدّين والدّنيا خلفةً عن النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم وسمّيت كبرى تمييزا لها عن المامة الصّغرى ‪ ،‬وهم إمامة الصّلة وتنظر في‬
‫موضعها ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الخلفة ‪:‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫ل من‬
‫‪ - 2‬الخلفة في اللّغة ‪ :‬مصدر خلف يخلف خلف ًة ‪ :‬أي ‪ :‬بقي بعده أو قام مقامه ‪ ،‬وك ّ‬
‫يخلف شخصا آخر يسمّى خليف ًة ‪ ،‬لذلك سمّي من يخلف الرّسول صلى ال عليه وسلم في‬
‫إجراء الحكام الشّرعيّة ورئاسة المسلمين في أمور الدّين والدّنيا خليف ًة ‪ ،‬ويسمّى المنصب‬
‫خلف ًة وإمامةً ‪.‬‬
‫أمّا في الصطلح الشّرعيّ ‪ :‬فهي ترادف المامة ‪ ،‬وقد عرّفها ابن خلدونٍ بقوله ‪ :‬هي حمل‬
‫الكافّة على مقتضى النّظر الشّرعيّ ‪ ،‬في مصالحهم الخرويّة ‪ ،‬والدّنيويّة الرّاجعة إليها ‪ ،‬ثمّ‬

‫فسّر هذا التّعريف بقوله ‪ :‬فهي في الحقيقة خلفة عن صاحب الشّرع في حراسة الدّين والدّنيا‬
‫‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المارة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬المارة لغةً ‪ :‬الولية ‪ ،‬والولية إمّا أن تكون عامّ ًة ‪ ،‬فهي الخلفة أو المامة العظمى ‪،‬‬
‫ل خاصّ من شئون‬
‫وإمّا أن تكون خاصّ ًة على ناحي ٍة كأن ينال أمر مصرٍ ونحوه ‪ ،‬أو على عم ٍ‬
‫الدّولة كإمارة الجيش وإمارة الصّدقات ‪ ،‬وتطلق على منصبٍ أمير ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السّلطة ‪:‬‬
‫‪ - 4‬السّلطة هي ‪ :‬السّيطرة والتّمكّن والقهر والتّحكّم ومنه السّلطان وهو من له ولية التّحكّم‬
‫والسّيطرة في الدّولة ‪ ،‬فإن كانت سلطته قاصرةً على ناحيةٍ خاصّ ٍة فليس بخليفةٍ ‪ ،‬وإن كانت‬
‫عامّ ًة فهو الخليفة ‪ ،‬وقد وجدت في العصور السلميّة المختلفة خلفة بل سلطةٍ ‪ ،‬كما وقع في‬
‫أواخر العبّاسيّين ‪ ،‬وسلطة بل خلفةٍ كما كان الحال في عهد المماليك ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الحكم ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الحكم هو في اللّغة ‪ :‬القضاء ‪ ،‬يقال ‪ :‬حكم له وعليه وحكم بينهما ‪ ،‬فالحاكم هو القاضي‬
‫في عرف اللّغة والشّرع ‪.‬‬
‫وقد تعارف النّاس في العصر الحاضر على إطلقه على من يتولّى السّلطة العامّة ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ن المّة يجب عليها النقياد لمامٍ‬
‫‪ - 6‬أجمعت المّة على وجوب عقد المامة ‪ ،‬وعلى أ ّ‬
‫عادلٍ ‪ ،‬يقيم فيهم أحكام اللّه ‪ ،‬ويسوسهم بأحكام الشّريعة الّتي أتى بها رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم ولم يخرج عن هذا الجماع من يعتدّ بخلفه ‪.‬‬
‫ن الصّحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬بمجرّد‬
‫واستدلّوا لذلك ‪ ،‬بإجماع الصّحابة والتّابعين ‪ ،‬وقد ثبت أ ّ‬
‫أن بلغهم نبأ وفاة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بادروا إلى عقد اجتماعٍ في سقيفة بني ساعدةٍ‬
‫‪ ،‬واشترك في الجتماع كبار الصّحابة ‪ ،‬وتركوا أه ّم المور لديهم في تجهيز رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم وتشييع جثمانه الشّريف ‪ ،‬وتداولوا في أمر خلفته ‪.‬‬
‫وهم ‪ ،‬وإن اختلفوا في بادئ المر حول الشّخص الّذي ينبغي أن يبايع ‪ ،‬أو على الصّفات الّتي‬
‫ينبغي أن تتوفّر فيمن يختارونه ‪ ،‬فإنّهم لم يختلفوا في وجوب نصب إمامٍ للمسلمين ‪ ،‬ولم يقل‬
‫أحد مطلقا إنّه ل حاجة إلى ذلك ‪ ،‬وبايعوا أبا بكرٍ رضي ال عنه ‪ ،‬ووافق بقيّة الصّحابة الّذين‬
‫سنّة في كلّ العصور ‪ ،‬فكان ذلك إجماعا على‬
‫لم يكونوا حاضرين في السّقيفة ‪ ،‬وبقيت هذه ال ّ‬
‫وجوب نصب المام ‪.‬‬

‫وهذا الوجوب وجوب كفايةٍ ‪ ،‬كالجهاد ونحوه ‪ ،‬فإذا قام بها من هو أهل لها سقط الحرج عن‬
‫الكافّة ‪ ،‬وإن لم يقم بها أحد ‪ ،‬أثم من المّة فريقان ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أهل الختيار وهم ‪ :‬أهل الحلّ والعقد من العلماء ووجوه النّاس ‪ ،‬حتّى يختاروا إماما للمّة‬
‫‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أهل المامة وهم ‪ :‬من تتوفّر فيهم شروط المامة ‪ ،‬إلى أن ينصب أحدهم إماما ‪.‬‬

‫ما يجوز تسمية المام به ‪:‬‬
‫‪ - 7‬اتّفق الفقهاء على جواز تسمية المام ‪ :‬خليف ًة ‪ ،‬وإماما ‪ ،‬وأمير المؤمنين ‪.‬‬
‫فأمّا تسميته إماما فتشبيها بإمام الصّلة في وجوب التّباع والقتداء به فيما وافق الشّرع ‪،‬‬
‫ولهذا سمّي منصبه بالمامة الكبرى ‪.‬‬
‫وأمّا تسميته خليف ًة فلكونه يخلف النّبيّ صلى ال عليه وسلم في حراسة الدّين وسياسة الدّنيا في‬
‫المّة ‪ ،‬فيقال خليفة بإطلق ‪ ،‬وخليفة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫واختلفوا في جواز تسميته خليفة اللّه ‪ ،‬فذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز تسميته بخليفة اللّه‬
‫‪ ،‬ل نّ أ با بك ٍر ر ضي ال ع نه ن هى عن ذلك لمّا د عي به ‪ ،‬وقال ‪ :‬ل ست خلي فة اللّه ‪ ،‬ولكنّي‬
‫خلي فة ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ .‬ول نّ ال ستخلف إنّ ما هو في ح قّ الغائب ‪ ،‬واللّه‬
‫منزّه عن ذلك ‪ .‬وأجازه بعضهم اقتباسا من الخلفة العامّة للدميّين في قوله تعالى ‪:‬‬
‫{ إنّي جاعل في الرض خليفةً } وقوله ‪ { :‬هو الّذي جعلكم خلئف في الرض } ‪.‬‬

‫معرفة المام باسمه وعينه ‪:‬‬

‫ن الخلفة‬
‫‪ - 8‬ل تجب معرفة المام باسمه وعينه على كافّة المّة ‪ ،‬وإنّما يلزمهم أن يعرفوا أ ّ‬
‫أفضت إلى أهلها ‪ ،‬لما في إيجاب معرفته عليهم باسمه وعينه من المشقّة والحرج ‪ ،‬وإنّما يجب‬
‫ذلك على أهل الختيار الّذين تنعقد ببيعتهم الخلفة ‪ ،‬وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء ‪.‬‬

‫حكم طلب المامة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬يختلف الحكم باختلف حال الطّالب ‪ ،‬فإن كان ل يصلح لها إلّ شخص وجب عليه أن‬
‫يطلبها ‪ ،‬ووجب على أهل الحلّ والعقد أن يبايعوه ‪.‬‬
‫ل أجبر‬
‫ح أن يطلبها واحد منهم ‪ ،‬ووجب اختيار أحدهم ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وإن كان يصلح لها جماعة ص ّ‬
‫أحدهم على قبولها جمعا لكلمة المّة ‪ .‬وإن كان هناك من هو أولى منه كره له طلبها ‪ ،‬وإن‬
‫كان غير صالحٍ لها حرم عليه طلبها ‪.‬‬

‫شروط المامة ‪:‬‬

‫‪ - 10‬يشترط الفقهاء للمام شروطا ‪ ،‬منها ما هو متّفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه ‪.‬‬
‫فالمتّفق عليه من شروط المامة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬السلم ‪ ،‬لنّه شرط في جواز الشّهادة ‪ .‬وصحّة الولية على ما هو دون المامة في‬
‫اله ّميّة ‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلً } والمامة كما قال ابن‬
‫حزمٍ ‪ :‬أعظم ( السّبيل ) ‪ ،‬وليراعى مصلحة المسلمين ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬لنّهما في ولية‬
‫ح إمامة صبيّ أو مجنو ٍ‬
‫ب ‪ -‬التّكليف ‪ :‬ويشمل العقل ‪ ،‬والبلوغ ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫غيرهما ‪ ،‬فل يليان أمر المسلمين ‪ ،‬وجاء في الثر « تعوّذوا باللّه من رأس السّبعين ‪ ،‬وإمارة‬
‫الصّبيان » ‪.‬‬
‫ت ‪ -‬الذّكورة ‪ :‬فل تصحّ إمارة النّساء ‪ ،‬لخبر ‪ « :‬لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأ ًة » ولنّ هذا‬
‫المنصب تناط به أعمال خطيرة وأعباء جسيمة تتنافى مع طبيعة المرأة ‪ ،‬وفوق طاقتها ‪.‬‬
‫فيتولّى المام قيادة الجيوش ويشترك في القتال بنفسه أحيانا ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬الكفاية ولو بغيره ‪ ،‬والكفاية هي الجرأة والشّجاعة والنّجدة ‪ ،‬بحيث يكون قيّما بأمر‬
‫الحرب والسّياسة وإقامة الحدود والذّبّ عن المّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الح ّريّة ‪ :‬فل يصحّ عقد المامة لمن فيه رقّ ‪ ،‬لنّه مشغول في خدمة سيّده ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬سلمة الحواسّ والعضاء ممّا يمنع استيفاء الحركة للنّهوض بمهامّ المامة ‪ .‬وهذا القدر‬
‫من الشّروط متّفق عليه ‪.‬‬
‫‪ - 11‬أمّا المختلف فيه من الشّروط فهو ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العدالة والجتهاد ‪ .‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العدالة والجتهاد شرطا‬
‫صحّةٍ ‪ ،‬فل يجوز تقليد الفاسق أو المقلّد إلّ عند فقد العدل والمجتهد ‪.‬‬
‫ح تقليد الفاسق والعا ّميّ ‪ ،‬ولو عند وجود العدل‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّهما شرطا أولويّ ٍة ‪ ،‬فيص ّ‬
‫والمجتهد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السّمع والبصر وسلمة اليدين والرّجلين ‪.‬‬
‫ح إمامة العمى والصمّ ومقطوع اليدين‬
‫ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها شروط انعقادٍ ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫والرّجلين ابتدا ًء ‪ ،‬وينعزل إذا طرأت عليه ‪ ،‬لنّه غير قادرٍ على القيام بمصالح المسلمين ‪،‬‬
‫ويخرج بها عن أهليّة المامة إذا طرأت عليه ‪.‬‬
‫وذهب بعض الفقهاء إلى أنّه ل يشترط ذلك ‪ ،‬فل يضرّ المام عندهم أن يكون في خلقه عيب‬
‫جسديّ أو مرض منفّر ‪ ،‬كالعمى والصّمم وقطع اليدين والرّجلين والجدع والجذام ‪ ،‬إذ لم يمنع‬
‫ذلك قرآن ول سنّة ول إجماع ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النّسب ‪ :‬ويشترط عند جمهور الفقهاء أن يكون المام قرشيّا لحديث ‪ « :‬الئمّة من‬
‫قريشٍ » وخالف في ذلك بعض العلماء منهم أبو بكرٍ الباقلّانيّ ‪ ،‬واحتجّوا بقول عمر ‪ ":‬لو كان‬
‫سالم مولى أبي حذيفة حيّا لولّيته "‪ ،‬ول يشترط أن يكون هاشميّا ول علويّا باتّفاق فقهاء‬

‫ن الثّلثة الول من الخلفاء الرّاشدين لم يكونوا من بني هاشمٍ ‪ ،‬ولم يطعن‬
‫المذاهب الربعة ‪ ،‬ل ّ‬
‫أحد من الصّحابة في خلفتهم ‪ ،‬فكان ذلك إجماعا في عصر الصّحابة ‪.‬‬

‫دوام المامة ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يشترط لدوام المامة دوام شروطها ‪ ،‬وتزول بزوالها إلّ العدالة ‪ ،‬فقد اختلف في أثر‬
‫زوالها على منصب المامة على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫ح تقليد الفاسق المامة عندهم مع‬
‫عند الحنفيّة ليست العدالة شرطا لصحّة الولية ‪ ،‬فيص ّ‬
‫ل ‪ ،‬ثمّ جار في الحكم ‪ ،‬وفسق بذلك أو غيره ل‬
‫الكراهة ‪ ،‬وإذا قلّد إنسان المامة حال كونه عد ً‬
‫ينعزل ‪ ،‬ولكن يستحقّ العزل إن لم يستلزم عزله فتنةً ‪ ،‬ويجب أن يدعى له بالصّلح ونحوه ‪،‬‬
‫ول يجب الخروج عليه ‪ ،‬كذا نقل الحنفيّة عن أبي حنيفة ‪ ،‬وكلمتهم قاطب ًة متّفقة في توجيهه‬
‫ن بعض الصّحابة رضي ال عنهم صلّوا خلف أئمّة الجور وقبلوا الولية‬
‫على أنّ وجهه ‪ :‬هو أ ّ‬
‫عنهم ‪ .‬وهذا عندهم للضّرورة وخشية الفتنة ‪.‬‬
‫وقال الدّسوقيّ ‪ :‬يحرم الخروج على المام الجائر لنّه ل يعزل السّلطان بالظّلم والفسق‬
‫وتعطيل الحقوق بعد انعقاد إمامته ‪ ،‬وإنّما يجب وعظه وعدم الخروج عليه ‪ ،‬إنّما هو لتقديم‬
‫أخفّ المفسدتين ‪ ،‬إلّ أن يقوم عليه إمام عدل ‪ ،‬فيجوز الخروج عليه وإعانة ذلك القائم ‪ .‬وقال‬
‫الخرشيّ ‪ :‬روى ابن القاسم عن مالكٍ ‪ :‬إن كان المام مثل عمر بن عبد العزيز وجب على‬
‫النّاس الذّبّ عنه والقتال معه ‪ ،‬وأمّا غيره فل ‪ ،‬دعه وما يراد منه ‪ ،‬ينتقم اللّه من الظّالم بظالمٍ‬
‫‪ ،‬ثمّ ينتقم من كليهما ‪.‬‬
‫ن الجرح في عدالة المام ‪ ،‬وهو الفسق على ضربين ‪:‬‬
‫وقال الماورديّ ‪ :‬إ ّ‬
‫أحدهما ما تبع فيه الشّهوة ‪ ،‬والثّاني ما تعلّق فيه بشبهةٍ ‪ .‬فأمّا الوّل منهما فمتعلّق بأفعال‬
‫الجوارح ‪ ،‬وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيما للشّهوة وانقيادا للهوى ‪،‬‬
‫فهذا فسق يمنع من انعقاد المامة ومن استدامتها ‪ ،‬فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها‬
‫‪ ،‬فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى المامة إلّ بعقدٍ جديدٍ ‪ .‬وقال بعض المتكلّمين ‪ :‬يعود إلى‬
‫المامة بعودة العدالة من غير أن يستأنف له عقد ول بيعة ‪ ،‬لعموم وليته ولحوق المشقّة في‬
‫استئناف بيعته ‪.‬‬
‫وأمّا الثّاني منهما فمتعلّق بالعتقاد المتأوّل بشبهةٍ تعترض ‪ ،‬فيتأوّل لها خلف الحقّ ‪ ،‬فقد‬
‫اختلف العلماء فيها ‪ :‬فذهب فريق منهم إلى أنّها تمنع من انعقاد المامة ومن استدامتها ‪،‬‬
‫ويخرج منها بحدوثه لنّه لمّا استوى حكم الكفر بتأويلٍ وغير تأويلٍ وجب أن يستوي حال‬
‫ل ‪ .‬وقال كثير من علماء البصرة ‪ :‬إنّه ل يمنع من انعقاد المامة ‪،‬‬
‫الفسق بتأويلٍ وغير تأوي ٍ‬
‫ول يخرج به منها ‪ ،‬كما ل يمنع من ولية القضاء وجواز الشّهادة ‪.‬‬

‫وقال أبو يعلى ‪ :‬إذا وجدت هذه الصّفات حالة العقد ‪ ،‬ثمّ عدمت بعد العقد نظرت ‪ ،‬فإن كان‬
‫جرحا في عدالته ‪ ،‬وهو الفسق ‪ ،‬فإنّه ل يمنع من استدامة المامة ‪ .‬سواء كان متعلّقا بأفعال‬
‫الجوارح ‪ .‬وهو ارتكاب المحظورات ‪ ،‬وإقدامه على المنكرات اتّباعا لشهوته ‪ ،‬أو كان متعلّقا‬
‫بالعتقاد ‪ ،‬وهو المتأوّل لشبهةٍ تعرض يذهب فيها إلى خلف الحقّ ‪ .‬وهذا ظاهر كلمه‬
‫ل ‪ ،‬يغزى معه ‪ ،‬وقد كان يدعو‬
‫( أحمد ) في رواية المروزيّ في المير يشرب المسكر ويغ ّ‬
‫المعتصم بأمير المؤمنين ‪ ،‬وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن ‪.‬‬
‫وقال حنبل ‪ :‬في ولية الواثق اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد اللّه قالوا ‪ :‬هذا أمر قد تفاقم‬
‫وفشا ‪ -‬يعنون إظهار القول بخلق القرآن ‪ -‬نشاورك في أنّا لسنا نرضى بإمرته ول سلطانه ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬عليكم بالنّكير بقلوبكم ‪ ،‬ول تخلعوا يدا من طاعةٍ ‪ ،‬ول تشقّوا عصا المسلمين ‪ .‬وقال‬
‫أحمد في رواية المروزيّ ‪ ،‬وذكر الحسن بن صالح بن حيّ الزّيديّ فقال ‪ :‬كان يرى السّيف ‪،‬‬
‫ول نرضى بمذهبه ‪.‬‬

‫ما تنعقد به المامة ‪:‬‬
‫سنّة ‪:‬‬
‫تنعقد المامة بطرقٍ ثلث ٍة ‪ ،‬باتّفاق أهل ال ّ‬

‫أوّلً ‪ -‬البيعة ‪:‬‬

‫‪ - 13‬والمراد بالبيعة بيعة أهل الحلّ والعقد ‪ ،‬وهم ‪ :‬علماء المسلمين ورؤساؤهم ووجوه النّاس‬
‫‪ ،‬الّذين يتيسّر اجتماعهم حالة البيعة بل كلفةٍ عرفا ‪ ،‬ولكن هل يشترط عدد معيّن ؟ اختلف في‬
‫ذلك الفقهاء ‪ ،‬فنقل عن بعض الحنفيّة أنّه يشترط جماعة دون تحديد عددٍ معيّنٍ ‪ .‬وذهب‬
‫المالكيّة والحنابلة إلى أنّها ل تنعقد إلّ بجمهور أهل الحلّ والعقد ‪ ،‬بالحضور والمباشرة بصفقة‬
‫اليد ‪ ،‬وإشهاد الغائب منهم من كلّ بلدٍ ‪ ،‬ليكون الرّضى به عامّا ‪ ،‬والتّسليم بإمامته إجماعا ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل يشترط اتّفاق أهل الحلّ والعقد من سائر البلد ‪ ،‬لتعذّر ذلك وما فيه‬
‫من المشقّة ‪ ،‬وذكروا أقوالً خمس ًة في ذلك فقالت طائفة ‪ :‬أقلّ ما تنعقد به المامة خمسة ‪،‬‬
‫يجتمعون على عقدها أو يعقد أحدهم برضى الباقين ‪ ،‬واستدلّوا بخلفة أبي بكرٍ لنّها انعقدت‬
‫بخمس ٍة اجتمعوا عليها ‪ ،‬ثمّ تابعهم النّاس فيها ‪ .‬وجعل عمر الشّورى في ستّةٍ ليعقدوا لحدهم‬
‫برضى الخمسة ‪.‬‬
‫وذهبت طائفة إلى أنّ المامة ل تنعقد بأقلّ من أربعين ‪ ،‬لنّها أشدّ خطرا من الجمعة ‪ ،‬وهي‬
‫ل تنعقد بأقلّ من أربعين ‪ ،‬والرّاجح عندهم ‪ :‬أنّه ل يشترط عدد معيّن ‪ ،‬بل ل يشترط عدد ‪،‬‬
‫ل والعقد بواحدٍ مطاعٍ كفت بيعته لنعقاد المامة ‪ ،‬ولزم على‬
‫حتّى لو انحصرت أهليّة الح ّ‬
‫النّاس الموافقة والمتابعة ‪.‬‬

‫شروط أهل الختيار ‪:‬‬

‫‪ - 14‬يشترط الفقهاء لهل الختيار أمورا ‪ ،‬هي ‪ :‬العدالة بشروطها ‪ ،‬والعلم بشروط‬
‫المامة ‪ ،‬والرّأي والحكمة والتّدبير ‪.‬‬
‫ويزيد الشّافعيّة شرطا آخر وهو ‪ :‬أن يكون مجتهدا في أحكام المامة إن كان الختيار من‬
‫واحدٍ ‪ ،‬وأن يكون فيهم مجتهد إن كان أهل الختيار جماع ًة ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬ولية العهد ‪( :‬الستخلف ) ‪:‬‬
‫‪15‬‬

‫ح إليه العهد ليكون إماما بعده ‪ .‬قال الماورديّ ‪:‬‬
‫‪ -‬وهي ‪ :‬عهد المام بالخلفة إلى من يص ّ‬

‫انعقاد المامنة بعهند منن قبله ممّا انعقند الجماع على جوازه ‪ ،‬ووقنع التّفاق على صنحّته ‪،‬‬
‫لمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما ‪.‬‬
‫أحده ما ‪ :‬أ نّ أ با بكرٍ ر ضي ال ع نه ع هد ب ها إلى ع مر ر ضي ال ع نه ‪ ،‬فأث بت الم سلمون‬
‫إمامته بعهده ‪.‬‬
‫ن عمر رضي ال عنه عهد بها إلى أهل الشّورى ‪ ،‬فقبلت الجماعة دخولهم فيها ‪،‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫وهم أعيان العصر اعتقادا لصحّة العهد بها وخرج باقي الصّحابة منها ‪ ،‬وقال عليّ للعبّاس‬
‫رضوان ال عليهما حين عاتبه على الدّخول في الشّورى ‪ ":‬كان أمرا عظيما في أمور السلم‬
‫لم أر لنفسي الخروج منه "‪ .‬فصار العهد بها إجماعا في انعقاد المامة ‪ ،‬فإذا أراد المام أن‬
‫يعهد بها فعليه أن يجتهد رأيه في الحقّ بها والقوم بشروطها ‪ ،‬فإذا تعيّن له الجتهاد في‬
‫واحدٍ نظر فيه ‪:‬‬
‫فإن لم يكن ولدا ول والدا جاز أن ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه ‪ ،‬وإن لم يستشر‬
‫فيه أحدا من أهل الختيار ‪ ،‬لكن اختلفوا هل يكون ظهور الرّضى منهم شرطا في انعقاد بيعته‬
‫أو ل ؟ فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أنّ رضى أهل الختيار لبيعته شرط في لزومها‬
‫ن بيعته‬
‫للمّة ‪ ،‬لنّها حقّ يتعلّق بهم ‪ ،‬فلم تلزمهم إلّ برضى أهل الختيار منهم ‪ ،‬والصّحيح أ ّ‬
‫ن بيعة عمر رضي ال عنه لم تتوقّف على رضى‬
‫ن الرّضى بها غير معتبرٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫منعقدة وأ ّ‬
‫ن المام أحقّ بها فكان اختياره فيها أمضى ‪ ،‬وقوله فيها أنفذ ‪.‬‬
‫الصّحابة ‪ ،‬ول ّ‬
‫ي العهد ولدا أو والدا فقد اختلف في جواز انفراده بعقد البيعة له على ثلثة مذاهب‬
‫وإن كان ول ّ‬
‫‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬ل يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لولدٍ ول لوالدٍ ‪ ،‬حتّى يشاور فيه أهل الختيار فيرونه‬
‫ن ذلك منه تزكية له تجري مجرى الشّهادة ‪،‬‬
‫أهلً لها ‪ ،‬فيصحّ منه حينئذٍ عقد البيعة له ‪ ،‬ل ّ‬
‫وتقليده على المّة يجري مجرى الحكم ‪ ،‬وهو ل يجوز أن يشهد لوالدٍ ول لول ٍد ‪ ،‬ول يحكم‬
‫لواحدٍ منهما للتّهمة العائدة إليه بما جبل من الميل إليه ‪.‬‬

‫والمذهب الثّاني ‪ :‬يجوز أن يفرد بعقدها لولدٍ ‪ ،‬ووال ٍد ‪ ،‬لنّه أمير المّة نافذ المر لهم وعليهم‬
‫‪ .‬فغلب حكم المنصب على حكم النّسب ‪ ،‬ولم يجعل للتّهمة طريقا على أمانته ول سبيلً إلى‬
‫معارضته ‪ ،‬وصار فيها كعهده بها إلى غير ولده ووالده ‪ ،‬وهل يكون رضى أهل الختيار‬
‫بعد صحّة العهد معتبرا في لزومه للمّة أو ل ؟ على ما قدّمناه من الوجهين ‪.‬‬
‫والمذهب الثّالث ‪ :‬أنّه يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لوالده ‪ ،‬ول يجوز أن ينفرد بها لولده ‪ ،‬لنّ‬
‫ل ما يقتنيه‬
‫الطّبع يبعث على ممايلة الولد أكثر من ممّا يبعث على ممايلة الوالد ‪ ،‬ولذلك كان ك ّ‬
‫في الغلب مذخورا لولده دون والده ‪.‬‬
‫فأمّا عقدها لخيه ومن قاربه من عصبته ومناسبيه فكعقدها للبعداء الجانب في جواز تفرّده‬
‫بها ‪ .‬وقال ابن خلدونٍ ‪ ،‬بعد أن قدّم الكلم في المامة ومشروعيّتها لما فيها من المصلحة ‪،‬‬
‫وأنّ حقيقتها للنّظر في مصالح المّة لدينهم ودنياهم ‪ .‬قال ‪ :‬فالمام هو وليّهم والمين عليهم ‪،‬‬
‫ينظر لهم ذلك في حياته ‪ ،‬ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته ‪ ،‬ويقيم لهم من يتولّى أمورهم‬
‫كما كان هو يتولّاها ‪ ،‬ويثقون بنظره لهم في ذلك ‪ ،‬كما وثقوا به فيما قبل ‪ ،‬وقد عرف ذلك من‬
‫الشّرع بإجماع المّة على جوازه وانعقاده ‪ ،‬إذ وقع بعهد أبي بكرٍ رضي ال عنه لعمر‬
‫بمحضرٍ من الصّحابة ‪ ،‬وأجازوه ‪ ،‬وأوجبوا على أنفسهم به طاعة عمر رضي ال عنه وعنهم‬
‫ستّة بقيّة العشرة ‪ ،‬وجعل لهم أن يختاروا للمسلمين ‪،‬‬
‫‪ ،‬وكذلك عهد عمر في الشّورى إلى ال ّ‬
‫ف ‪ ،‬فاجتهد وناظر‬
‫ض ‪ ،‬حتّى أفضى ذلك إلى عبد الرّحمن بن عو ٍ‬
‫ففوّض بعضهم إلى بع ٍ‬
‫المسلمين فوجدهم متّفقين على عثمان وعلى عليّ ‪ ،‬فآثر عثمان بالبيعة على ذلك لموافقته إيّاه‬
‫ل ما يعرض له دون اجتهاده ‪ ،‬فانعقد أمر عثمان لذلك ‪،‬‬
‫على لزوم القتداء بالشّيخين في ك ّ‬
‫وأوجبوا طاعته ‪ ،‬والمل من الصّحابة حاضرون للولى والثّانية ‪ ،‬ولم ينكره أحد منهم ‪ ،‬فدلّ‬
‫على أنّهم متّفقون على صحّة هذا العهد ‪ ،‬عارفون بمشروعيّته ‪ ،‬والجماع حجّة كما عرف ‪،‬‬
‫ول يتّهم المام في هذا المر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه ‪ ،‬لنّه مأمون على النّظر لهم في حياته‬
‫‪ ،‬فأولى أن ل يحتمل فيها تبعةً بعد مماته ‪ ،‬خلفا لمن قال باتّهامه في الولد والوالد ‪ ،‬أو لمن‬
‫ظنّة في ذلك كلّه ‪ ،‬ل سيّما إذا كانت هناك‬
‫خصّص التّهمة بالولد دون الوالد ‪ ،‬فإنّه بعيد عن ال ّ‬
‫ظنّة في ذلك رأسا ‪.‬‬
‫داعية تدعو إليه من إيثار مصلح ٍة أو توقّع مفسد ٍة فتنتفي ال ّ‬
‫هذا ‪ ،‬وللمام أن يجعلها شورى بين اثنين فأكثر من أهل المامة ‪ ،‬فيتعيّن من عيّنوه بعد موت‬
‫المام ‪ ،‬لنّ عمر رضي ال عنه جعل المر شورى بين ستّ ٍة ‪ ،‬فاتّفقوا على عثمان رضي ال‬
‫عنه ‪ ،‬فلم يخالف من الصّحابة أحد ‪ ،‬فكان ذلك إجماعا ‪.‬‬

‫استخلف الغائب ‪:‬‬

‫‪ - 16‬صرّح الفقهاء بأنّه يصحّ استخلف غائبٍ عن البلد ‪ ،‬إن علم حياته ‪ ،‬ويستقدم بعد موت‬
‫المام ‪ ،‬فإن طال غيابه وتضرّر المسلمون بغيابه يجوز لهل الختيار نصب نائبٍ عنه ‪،‬‬
‫وينعزل النّائب بقدومه ‪.‬‬

‫شروط صحّة ولية العهد ‪:‬‬
‫‪ - 17‬يشترط جمهور الفقهاء لصحّة ولية العهد شروطا منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون المستخلف جامعا لشروط المامة ‪ ،‬فل يصحّ الستخلف من المام الفاسق أو‬
‫الجاهل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يقبل وليّ العهد في حياة المام ‪ ،‬فإن تأخّر قبوله عن حياة المام تكون وصيّةً‬
‫بالخلفة ‪ ،‬فيجري فيها أحكام الوصيّة ‪ ،‬وعند الشّافعيّة قول ببطلن الوصيّة في الستخلف ‪،‬‬
‫ن المام يخرج عن الولية بالموت ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ج ‪ -‬أن يكون وليّ العهد مستجمعا لشروط المامة ‪ ،‬وقت عهد الولية إليه ‪ ،‬مع استدامتها‬
‫إلى ما بعد موت المام ‪ ،‬فل يصحّ ‪ -‬عند جمهور الفقهاء ‪ -‬عهد الولية إلى صبيّ أو مجنونٍ‬
‫أو فاسقٍ وإن كملوا بعد وفاة المام ‪ ،‬وتبطل بزوال أحد الشّروط من وليّ العهد في حياة المام‬
‫‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى جواز العهد إلى صبيّ وقت العهد ‪ ،‬ويفوّض المر إلى والٍ يقوم به ‪،‬‬
‫ي العهد ‪ .‬وصرّحوا أيضا بأنّه إذا بلغ جدّدت بيعته وانعزل الوالي المفوّض عنه‬
‫حتّى يبلغ ول ّ‬
‫ببلوغه ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬الستيلء بالقوّة ‪:‬‬

‫‪ - 18‬قال الماورديّ ‪ :‬اختلف أهل العلم في ثبوت إمامة المتغلّب وانعقاد وليته بغير عقدٍ ول‬
‫اختيارٍ ‪ ،‬فذهب بعض فقهاء العراق إلى ثبوت وليته ‪ ،‬وانعقاد إمامته ‪ ،‬وحمل المّة على‬
‫ن مقصود الختيار تمييز المولّى ‪ ،‬وقد تميّز هذا‬
‫طاعته وإن لم يعقدها أهل الختيار ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل بالرّضى والختيار ‪،‬‬
‫بصفته ‪ .‬وذهب جمهور الفقهاء والمتكلّمين إلى أنّ إمامته ل تنعقد إ ّ‬
‫ل بعاقدٍ ‪.‬‬
‫ن المامة عقد ل يتمّ إ ّ‬
‫لكن يلزم أهل الختيار عقد المامة له ‪ ،‬فإن توقّفوا أثموا ل ّ‬
‫وقال أبو يعلى ‪ :‬المامة تنعقد من وجهين ‪:‬‬
‫ل والعقد ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬باختيار أهل الح ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬بعهد المام من قبل ‪.‬‬
‫ل بجمهور أهل الحلّ والعقد ‪ .‬قال أحمد ‪،‬‬
‫فأمّا انعقادها باختيار أهل الحلّ والعقد ‪ ،‬فل تنعقد إ ّ‬
‫في رواية إسحاق بن إبراهيم ‪ :‬المام ‪ :‬الّذي يجتمع عليه ‪ ،‬كلّهم يقول ‪ :‬هذا إمام ‪.‬‬
‫وظاهر هذا ‪ :‬أنّها تنعقد بجماعتهم ‪.‬‬

‫ل على أنّها تثبت بالقهر والغلبة ‪ ،‬ول تفتقر إلى العقد ‪ .‬فقال في رواية‬
‫وروي عنه ما د ّ‬
‫عبدوس بن مالكٍ العطّار ‪ :‬ومن غلب عليهم بالسّيف حتّى صار خليف ًة وسمّي أمير المؤمنين ‪،‬‬
‫فل يحلّ لحدٍ يؤمن باللّه واليوم الخر أن يبيت ول يراه إماما ‪ ،‬برّا كان أو فاجرا ‪ .‬وقال‬
‫أيضا في رواية أبي الحارث ‪ -‬في المام يخرج عليه من يطلب الملك ‪ ،‬فيكون مع هذا قوم‬
‫ومع هذا قوم ‪ : -‬تكون الجمعة مع من غلب واحتجّ بأنّ ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن‬
‫الحرّة ‪ .‬وقال ‪ ":‬نحن مع من غلب "‪.‬‬
‫وجه الرّواية الولى ‪ :‬أنّه لمّا اختلف المهاجرون والنصار ‪ ،‬فقالت النصار ‪ ":‬منّا أمير‬
‫ومنكم أمير " حاجّهم عمر ‪ ،‬وقال لبي بكرٍ رضي ال عنهما ‪ ":‬مدّ يدك أبايعك "فلم يعتبر‬
‫الغلبة واعتبر العقد مع وجود الختلف ‪.‬‬
‫ووجه الثّانية ‪ :‬ما ذكره أحمد عن ابن عمر وقوله ‪ :‬نحن مع من غلب ولنّها لو كانت تقف‬
‫ح رفعه وفسخه بقولهم وقوله ‪ ،‬كالبيع وغيره من العقود ‪ ،‬ولمّا ثبت أنّه ( أي‬
‫على عقدٍ لص ّ‬
‫المتغلّب ) لو عزل نفسه أو عزلوه لم ينعزل ‪ ،‬دلّ على أنّه ل يفتقر إلى عقده ‪.‬‬
‫ن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزّبير واستولى على البلد وأهلها ‪ ،‬حتّى بايعوه‬
‫ول ّ‬
‫طوعا وكرها ‪ ،‬فصار إماما يحرم الخروج عليه ‪ ،‬ولما في الخروج عليه من شقّ عصا‬
‫المسلمين ‪ ،‬وإراقة دمائهم ‪ ،‬وذهاب أموالهم ‪ .‬ولخبر ‪ « :‬اسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد‬
‫حبشيّ أجدع » ‪ .‬وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وذكر الشّافعيّة قولً ‪ :‬يشترط لصحّة إمامة المتغلّب استجماع شروط المامة ‪ .‬كما يشترط‬
‫الشّافعيّة أيضا ‪ :‬أن يستولي على المر بعد موت المام المبايع له ‪ ،‬وقبل نصب إمامٍ جديدٍ‬
‫بالبيعة ‪ ،‬أو أن يستولي على حيّ متغلّبٍ مثله ‪ .‬أمّا إذا استولى على المر وقهر إماما مولّى‬
‫بالبيعة أو بالعهد فل تثبت إمامته ‪ ،‬ويبقى المام المقهور على إمامته شرعا ‪.‬‬

‫اختيار المفضول مع وجود الفضل ‪:‬‬
‫‪ - 19‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا تعيّن لهل الختيار واحد هو أفضل الجماعة ‪ ،‬فبايعوه على‬
‫المامة ‪ ،‬فظهر بعد البيعة من هو أفضل منه ‪ ،‬انعقدت بيعتهم إمامة الوّل ولم يجز العدول‬
‫عنه إلى من هو أفضل منه ‪ .‬كما اتّفقوا على أنّه لو ابتدءوا بيعة المفضول مع وجود الفضل‬
‫لعذرٍ ‪ ،‬ككون الفضل غائبا أو مريضا ‪ ،‬أو كون المفضول أطوع في النّاس ‪ ،‬وأقرب إلى‬
‫قلوبهم ‪ ،‬انعقدت بيعة المفضول وصحّت إمامته ‪ ،‬ولو عدلوا عن الفضل في البتداء لغير‬
‫عذرٍ لم يجز ‪.‬‬
‫أمّا النعقاد فقد اختلفوا في انعقاد بيعة المفضول مع وجود الفضل بغير عذرٍ ‪ ،‬فذهبت طائفة‬
‫ن الختيار إذا دعا إلى أولى المرين لم يجز العدول عنه إلى غيره‬
‫ن بيعته ل تنعقد ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلى أ ّ‬

‫ن المامة جائزة للمفضول مع وجود الفضل ‪،‬‬
‫‪ .‬وذهب الكثر من الفقهاء والمتكلّمين إلى أ ّ‬
‫وصحّت إمامته إذا توفّرت فيه شروط المامة ‪ .‬كما يجوز في ولية القضاء تقليد المفضول‬
‫ن زيادة الفضل مبالغة في الختيار ‪ ،‬وليست شرطا فيه ‪ .‬وقال أبو بكرٍ‬
‫مع وجود الفضل ل ّ‬
‫يوم السّقيفة ‪ :‬قد رضيت لكم أحد هذين الرّجلين ‪ :‬أبي عبيدة بن الجرّاح ‪ ،‬وعمر بن الخطّاب‬
‫‪ .‬وهما ‪ -‬على فضلهما دون أبي بكرٍ في الفضل ‪ ،‬ولم ينكره أحد ‪.‬‬
‫ودعت النصار إلى بيعة سعدٍ ‪ ،‬ولم يكن أفضل الصّحابة بالتّفاق ‪ ،‬ثمّ عهد عمر رضي ال‬
‫عنه إلى ستّ ٍة من الصّحابة ‪ ،‬ول بدّ أن يكون بعضهم أفضل من بعضٍ ‪.‬‬
‫وقد أجمع أهل السلم حينئذٍ على أنّه لو بويع أحدهم فهو المام الواجب طاعته ‪ .‬فصحّ بذلك‬
‫إجماع الصّحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬على جواز إمامة المفضول ‪.‬‬

‫عقد البيعة لمامين ‪:‬‬
‫ت واحدٍ ‪ ،‬ول يجوز‬
‫‪ - 20‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يجوز كون إمامين في العالم في وق ٍ‬
‫إلّ إمام واحد ‪ .‬واستدلّوا بخبر ‪ « :‬إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الخر منهما » ‪ .‬وقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫وأطيعوا اللّه ورسوله ول تنازعوا فتفشلوا } ‪.‬‬
‫ووجه الستدلل ‪ :‬أنّ اللّه سبحانه وتعالى ‪ :‬حرّم على المسلمين التّفرّق والتّنازع ‪ ،‬وإذا كان‬
‫إمامان فقد حصل التّفرّق المحرّم ‪ ،‬فوجد التّنازع ووقعت المعصية للّه تعالى ‪.‬‬
‫فإن عقدت لثنين معا بطلت فيهما ‪ ،‬أو مرتّبا فهي للسّابق منهما ‪ .‬ويعزّر الثّاني ومبايعوه ‪.‬‬
‫لخبر ‪ « :‬إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الخر منهما » ‪ .‬وإن جهل السّابق منهما بطل العقد فيهما‬
‫عند الشّافعيّة ‪ ،‬لمتناع تعدّد الئمّة ‪ ،‬وعدم المرجّح لحدهما ‪.‬‬
‫وعند المام أحمد روايتان ‪ :‬إحداهما ‪ :‬بطلن العقد ‪ ،‬والثّانية ‪ :‬استعمال القرعة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا تباعدت البلد ‪ ،‬وتعذّرت الستنابة ‪ ،‬جاز تعدّد الئمّة بقدر‬
‫الحاجة ‪ ،‬وهو قول عند الشّافعيّة ‪..‬‬

‫طاعة المام ‪:‬‬

‫‪ - 21‬اتّفقت المّة جمعاء على وجوب طاعة المام العادل وحرمة الخروج عليه للدلّة الواردة‬
‫في ذلك كخبر ‪ « :‬من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ‪ ،‬فإن جاء‬
‫آخر ينازعه فاضربوا عنق الخر » ‪ .‬وقوله تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا‬
‫الرّسول وأولي المر منكم } وحديث ‪ « :‬من خرج من الطّاعة ‪ ،‬وفارق الجماعة فمات ‪،‬‬
‫مات ميت ًة جاهليّةً » ‪.‬‬
‫أمّا حكم الخروج على الجائر من الئمّة فقد سبق بيانه عند الكلم عن دوام المامة ‪.‬‬

‫ويدعو للمام بالصّلح والنّصرة وإن كان فاسقا ‪ .‬ويكره تحريما وصفه بما ليس فيه من‬
‫الصّفات كالصّالح والعادل ‪ ،‬كما يحرم أن يوصف بما ل يجوز وصف العباد به ‪ .‬مثل‬
‫شاهنشاه العظم ‪ ،‬ومالك رقاب النّاس ‪ ،‬لنّ الوّل من صفات اللّه فل يجوز وصف العباد‬
‫به ‪ ،‬والثّاني كذب ‪.‬‬

‫من ينعزل بموت المام ‪:‬‬
‫‪ - 22‬ل ينعزل بموت المام من عيّنه المام في وظيف ٍة عامّ ٍة كالقضاة ‪ ،‬وأمراء القاليم ‪،‬‬
‫ونظّار الوقف ‪ ،‬وأمين بيت المال ‪ ،‬وأمير الجيش ‪ .‬وهذا محلّ اتّفاقٍ بين الفقهاء ‪ ،‬لنّ الخلفاء‬
‫الرّاشدين ‪ -‬رضي ال عنهم ‪ -‬ولّوا حكّاما في زمنهم ‪ ،‬فلم ينعزل أحد بموت المام ‪ ،‬ولنّ‬
‫الخليفة أسند إليهم الوظائف نيابةً عن المسلمين ‪ ،‬ل نوّابا عن نفسه ‪ ،‬فل ينعزلون بموته ‪ ،‬وفي‬
‫انعزالهم ضرر على المسلمين وتعطيل للمصالح ‪.‬‬
‫ن الوزارة نيابة عن المام فينعزل النّائب‬
‫أمّا الوزراء فينعزلون بموت المام وانعزاله ‪ ،‬ل ّ‬
‫بموت المستنيب ‪ .‬لنّ المام استناب الوزير ليعينه في أمور الخلفة ‪.‬‬

‫عزل المام وانعزاله ‪:‬‬

‫‪ - 23‬سبق نقل كلم الماورديّ في مسألة عزل المام لطروء الفسق والجور عند الكلم عن‬
‫ص فينقسم ثلثة أقسامٍ ‪:‬‬
‫دوام المام ‪ .‬ثمّ قال الماورديّ ‪ :‬أمّا ما طرأ على بدنه من نق ٍ‬
‫أحدها ‪ :‬نقص الحواسّ ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬نقص العضاء ‪ ،‬والثّالث ‪ :‬نقص التّصرّف ‪.‬‬
‫فأمّا نقص الحواسّ فينقسم ثلثة أقسامٍ ‪ :‬قسم يمنع من المامة ‪ ،‬وقسم ل يمنع منها ‪ ،‬وقسم‬
‫مختلف فيه ‪.‬‬
‫فأمّا القسم المانع منها فشيئان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬زوال العقل ‪ .‬والثّاني ‪ :‬ذهاب البصر ‪.‬‬
‫فأمّا زوال العقل فضربان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬ما كان عارضا مرج ّو الزّوال كالغماء ‪ ،‬فهذا ل يمنع‬
‫من انعقاد المامة ول يخرج منها ‪ ،‬لنّه مرض قليل اللّبث سريع الزّوال ‪ «،‬وقد أغمي على‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في مرضه » ‪.‬‬
‫والضّرب الثّاني ‪ :‬ما كان لزما ل يرجى زواله كالجنون والخبل ‪ ،‬فهو على ضربين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أن يكون مطبقا دائما ل يتخلّله إفاقة ‪ ،‬فهذا يمنع من عقد المامة واستدامتها ‪ ،‬فإذا‬
‫طرأ هذا بطلت به المامة بعد تحقّقه والقطع به ‪،‬‬
‫والضّرب الثّاني ‪ :‬أن يتخلّله إفاقة يعود بها إلى حال السّلمة فينظر فيه ‪ :‬فإن كان زمان‬
‫الخبل أكثر من زمان الفاقة فهو كالمستديم يمنع من عقد المامة واستدامتها ‪ ،‬ويخرج بحدوثه‬
‫منها ‪ ،‬وإن كان زمان الفاقة أكثر من زمان الخبل منع من عقد المامة ‪.‬‬

‫واختلف في منعه من استدامتها ‪ ،‬فقيل ‪ :‬يمنع من استدامتها كما يمنع من ابتدائها ‪ ،‬فإذا طرأ‬
‫ن في استدامته إخللً بالنّظر المستحقّ فيه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يمنع من استدامة‬
‫بطلت به المامة ‪ ،‬ل ّ‬
‫المامة ‪ ،‬وإن منع من عقدها في البتداء ‪ ،‬لنّه يراعى في ابتداء عقدها سلمة كاملة ‪ ،‬وفي‬
‫الخروج منها نقص كامل ‪.‬‬
‫وأمّا ذهاب البصر فيمنع من عقد المامة واستدامتها ‪ ،‬فإذا طرأ بطلت به المامة ‪ ،‬لنّه لمّا‬
‫أبطل ولية القضاء ‪ ،‬ومنع من جواز الشّهادة ‪ ،‬فأولى أن يمنع من صحّة المامة ‪.‬‬
‫ل يبصر عند دخول اللّيل ‪ ،‬فل يمنع من المامة في عقدٍ ول‬
‫وأمّا غشاء العين ‪ ،‬وهو ‪ :‬أ ّ‬
‫استدام ٍة ‪ ،‬لنّه مرض في زمان الدّعة يرجى زواله ‪.‬‬
‫وأمّا ضعف البصر ‪ ،‬فإن كان يعرف به الشخاص إذا رآها لم يمنع من المامة ‪ ،‬وإن كان‬
‫يدرك الشخاص ول يعرفها منع من المامة عقدا واستدامةً ‪.‬‬
‫وأمّا القسم الثّاني من الحواسّ ‪ ،‬الّتي ل يؤثّر فقدها في المامة فشيئان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬الخشم في‬
‫النف الّذي يدرك به شمّ الرّوائح ‪ .‬والثّاني ‪ :‬فقد الذّوق الّذي يفرّق به بين الطّعوم ‪ .‬فل يؤثّر‬
‫هذا في عقد المامة ‪ ،‬لنّهما يؤثّران في الّلذّة ‪ ،‬ول يؤثّران في الرّأي والعمل ‪.‬‬
‫س المختلف فيها فشيئان ‪ :‬الصّمم ‪ ،‬والخرس ‪ ،‬فيمنعان من ابتداء‬
‫وأمّا القسم الثّالث من الحوا ّ‬
‫ن كمال الوصاف بوجودهما مفقود ‪.‬‬
‫عقد المامة ‪ ،‬ل ّ‬
‫واختلف في الخروج بهما من المامة ‪ ،‬فقالت طائفة ‪ :‬يخرج بهما منها كما يخرج بذهاب‬
‫البصر لتأثيرهما في التّدبير والعمل ‪ ،‬وقال آخرون ‪ :‬ل يخرج بهما من المامة ‪ ،‬لقيام الشارة‬
‫ل بنقصٍ كاملٍ ‪ .‬وقال آخرون ‪ :‬إن كان يحسن الكتابة لم يخرج‬
‫مقامهما ‪ ،‬فلم يخرج منها إ ّ‬
‫ن الكتابة مفهومة والشارة‬
‫بهما من المامة ‪ ،‬وإن كان ل يحسنها خرج من المامة بهما ‪ ،‬ل ّ‬
‫موهومة ‪ ،‬والوّل من المذاهب أصحّ ‪.‬‬
‫وأمّا تمتمة اللّسان ‪ ،‬وثقل السّمع ‪ ،‬مع إدراك الصّوت إذا كان عاليا ‪ ،‬فل يخرج بهما من‬
‫المامة إذا حدثا ‪ .‬واختلف في ابتداء عقدها معهما ‪ ،‬فقيل ‪ :‬يمنع ذلك ابتداء عقدها ‪ ،‬لنّهما‬
‫ن نبيّ اللّه موسى عليه السلم لم‬
‫نقص يخرج بهما عن حال الكمال ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يمنع ‪ ،‬ل ّ‬
‫تمنعه عقدة لسانه عن النّبوّة فأولى ألّ يمنع من المامة ‪.‬‬
‫وأمّا فقد العضاء فينقسم إلى أربعة أقسامٍ ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬ما ل يمنع من صحّة المامة في عق ٍد ول استدامةٍ ‪ ،‬وهو ما ل يؤثّر فقده في رأيٍ ول‬
‫عملٍ ول نهوضٍ ول يشين في المنظر ‪ ،‬فل يمنع من عقد المامة ول من استدامتها بعد‬
‫ن فقده ل يؤثّر في الرّأي والحنكة ‪ .‬مثل قطع الذنين لنّهما ل يؤثّران في رأيٍ ول‬
‫العقد ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل ‪ ،‬ولهما شين يمكن أن يستتر فل يظهر ‪.‬‬
‫عم ٍ‬

‫والقسم الثّاني ‪ :‬ما يمنع من عقد المامة ومن استدامتها ‪ :‬وهو ما يمنع من العمل ‪ ،‬كذهاب‬
‫اليدين ‪ ،‬أو من النّهوض كذهاب الرّجلين ‪ ،‬فل تصحّ معه المامة في عقدٍ ول استدامةٍ ‪،‬‬
‫ل أو نهضةٍ ‪.‬‬
‫لعجزه عمّا يلزمه من حقوق المّة في عم ٍ‬
‫والقسم الثّالث ‪ :‬ما يمنع من عقد المامة ‪ :‬واختلف في منعه من استدامتها ‪ ،‬وهو ما ذهب به‬
‫بعض العمل ‪ ،‬أو فقد به بعض النّهوض كذهاب إحدى اليدين أو إحدى الرّجلين ‪ ،‬فل يصحّ‬
‫معه عقد المامة لعجزه عن كمال التّصرّف ‪ ،‬فإن طرأ بعد عقد المامة ففي خروجه منها‬
‫مذهبان للفقهاء ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬يخرج به من المامة ‪ ،‬لنّه عجز يمنع من ابتدائها فمنع من استدامتها ‪.‬‬
‫ن المعتبر في عقدها‬
‫والمذهب الثّاني ‪ :‬أنّه ل يخرج به من المامة وإن منع من عقدها ‪ ،‬ل ّ‬
‫كمال السّلمة ‪ ،‬وفي الخروج منها كمال النّقص ‪.‬‬
‫والقسم الرّابع ‪ :‬ما ل يمنع من استدامة المامة ‪ .‬واختلف في منعه من ابتداء عقدها ‪ ،‬وهو ما‬
‫يشين ويقبّح ‪ ،‬ول يؤثّر في عملٍ ول في نهضةٍ ‪ ،‬كجدع النف وسمل إحدى العينين ‪ ،‬فل‬
‫يخرج به من المامة بعد عقدها ‪ ،‬لعدم تأثيره في شيءٍ من حقوقها ‪ ،‬وفي منعه من ابتداء‬
‫عقدها مذهبان للفقهاء ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه ل يمنع من عقدها ‪ ،‬وليس ذلك من الشّروط المعتبرة فيها لعدم تأثيره في حقوقها‬
‫‪.‬‬
‫والمذهب الثّاني ‪ :‬أنّه يمنع من عقد المامة ‪ ،‬وتكون السّلمة منه شرطا معتبرا في عقدها‬
‫ص يزدرى ‪ ،‬فتقلّ به الهيبة ‪ ،‬وفي قلّتها نفور عن‬
‫ليسلم ولة الملّة من شينٍ يعاب ونق ٍ‬
‫الطّاعة ‪ ،‬وما أدّى إلى هذا فهو نقص في حقوق المّة ‪.‬‬
‫وأمّا نقص التّصرّف فضربان ‪ :‬حجر ‪ ،‬وقهر ‪.‬‬
‫فأمّا الحجر ‪ :‬فهو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبدّ بتنفيذ المور من غير تظاهرٍ بمعصيةٍ‬
‫ول مجاهر ٍة بمشاقّةٍ ‪ ،‬فل يمنع ذلك من إمامته ‪ ،‬ول يقدح في صحّة وليته ‪.‬‬
‫وأمّا القهر فهو أن يصير مأسورا في يد عد ّو قاهرٍ ل يقدر على الخلص منه ‪ ،‬فيمنع ذلك عن‬
‫عقد المامة له ‪ ،‬لعجزه عن النّظر في أمور المسلمين ‪ ،‬وسواء كان العد ّو مشركا أو مسلما‬
‫باغيا ‪ ،‬وللمّة اختيار من عداه من ذوي القدرة ‪ .‬وإن أسر بعد أن عقدت له المامة فعلى كافّة‬
‫المّة استنقاذه ‪ ،‬لما أوجبته المامة من نصرته ‪ ،‬وهو على إمامته ما كان مرج ّو الخلص‬
‫مأمول الفكاك إمّا قتال أو فداء ‪ ،‬فإن وقع اليأس منه ‪ ،‬لم يخل حال من أسره من أن يكونوا‬
‫مشركين أو بغاة المسلمين ‪ ،‬فإن كان في أسر المشركين خرج من المامة لليأس من‬
‫خلصه ‪ ،‬واستأنف أهل الختيار بيعة غيره على المامة ‪ ،‬وإن خلص قبل الياس فهو على‬
‫إمامته ‪ .‬وإن كان مأسورا مع بغاة المسلمين ‪ ،‬فإن كان مرج ّو الخلص فهو على إمامته ‪ ،‬وإن‬

‫لم يرج خلصه ‪ ،‬فالمام المأسور في أيديهم خارج من المامة بالياس من خلصه ‪ ،‬وعلى‬
‫أهل الختيار في دار العدل أن يعقدوا المامة لمن ارتضوا لها ‪ ،‬فإن خلص المأسور لم يعد‬
‫إلى المامة لخروجه منها ‪.‬‬

‫واجبات المام ‪:‬‬
‫‪ - 24‬من تعريف الفقهاء للمامة الكبرى بأنّها رئاسة عامّة في سياسة الدّنيا وإقامة الدّين نيابةً‬
‫عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم يتبيّن أنّ واجبات المام إجمالً هي كما يلي ‪:‬‬
‫سنّة وإجماع سلف المّة وإقامة شعائر الدّين ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬حفظ الدّين على أصوله الثّابتة بالكتاب وال ّ‬
‫ب ‪ -‬رعاية مصالح المسلمين بأنواعها ‪.‬‬
‫كما أنّهم ‪ -‬في معرض الستدلل لفرضيّة نصب المام بالحاجة إليه ‪ -‬يذكرون أمورا ل بدّ‬
‫للمّة ممّن يقوم بها وهي ‪ :‬تنفيذ الحكام ‪ ،‬وإقامة الحدود ‪ ،‬وسدّ الثّغور ‪ ،‬وتجهيز الجيوش ‪،‬‬
‫وأخذ الصّدقات ‪ ،‬وقبول الشّهادات ‪ ،‬وتزويج الصّغار والصّغائر الّذين ل أولياء لهم ‪ ،‬وقسمة‬
‫الغنائم ‪ .‬وعدّها أصحاب كتب الحكام السّلطانيّة عشر ًة ‪ .‬ول تخرج في عمومها عمّا ذكره‬
‫ن ذلك يزيد وينقص بحسب تجدّد الحاجات الزّمنيّة وما تقضي‬
‫الفقهاء فيما مرّ ‪ ،‬على أ ّ‬
‫المصالح بأن ل يتولّاه الفراد والهيئات ‪ ،‬بل يتولّاه المام ‪.‬‬

‫وليات المام ‪:‬‬

‫‪ - 25‬الولة من قبل المام تنقسم وليتهم إلى أربعة أقسامٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ولية عامّة في العمال العامّة ‪ ،‬وهي ‪ :‬الوزارة ‪ ،‬فهي نيابة عن المام في المور كلّها‬
‫من غير تخصيصٍ ‪.‬‬
‫ص بها عامّ‬
‫ب ‪ -‬ولية عامّة في أعمالٍ خاصّ ٍة ‪ ،‬وهي المارة في القاليم ‪ ،‬لنّ النّظر فيما خ ّ‬
‫في جميع المور ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ولية خاصّة في العمال العامّة ‪ :‬كرئاسة القضاء ونقابة الجيش ‪ ،‬لنّ كليهما مقصور‬
‫على نظرٍ خاصّ في جميع العمال ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ولية خاصّة في أعمالٍ خاصّةٍ كقاضي بلدٍ ‪ ،‬أو مستوفي خراجه ‪ ،‬وجابي صدقاته ‪ ،‬لنّ‬
‫ص بعملٍ مخصوصٍ ل يتجاوزه ‪،‬‬
‫كلّا من ولية هؤلء خا ّ‬
‫والتّفصيل في مصطلحي ‪ ( :‬وزارة ‪ ،‬إمارة )‬

‫مؤاخذة المام بتصرّفاته ‪:‬‬
‫س بغير خطٍأ في الحكم أو تقصيرٍ في تنفيذ الحدّ‬
‫‪ - 26‬يضمن المام ما أتلفه بيده من مالٍ أو نف ٍ‬
‫ص منه إن قتل عمدا ‪ ،‬وتجب الدّية عليه أو على عاقلته أو بيت‬
‫والتّعزير كآحاد النّاس فيقت ّ‬
‫المال في الخطأ وشبه العمد ‪ ،‬ويضمن ما أتلفه بيده من مالٍ ‪ ،‬كما يضمن ما هلك بتقصيره في‬

‫الحكم ‪ ،‬وإقامة الحدّ ‪ ،‬والتّعزير ‪ .‬بالقصاص أو الدّية من ماله أو عاقلته أو بيت المال حسب‬
‫أحكام الشّرع ‪ ،‬وحسب ظروف التّقصير وجسامة الخطأ ‪ .‬وينظر التّفصيل في مصطلحات ‪( :‬‬
‫حدّ ‪ ،‬وتعزير ‪ ،‬وقصاص ‪ ،‬وضمان ) ‪.‬‬
‫ن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ‪ ،‬وأموالهم‬
‫وهذا القدر متّفق عليه بين الفقهاء ‪ ،‬لعموم الدلّة ‪ ،‬ول ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم " أقاد من نفسه » وكان عمر‬
‫ن النّب ّ‬
‫ل بحقّها ‪ ،‬وثبت « أ ّ‬
‫معصومة إ ّ‬
‫رضي ال عنه يقيد من نفسه ‪ .‬والمام والمعتدى عليه نفسان معصومتان كسائر الرّعيّة ‪.‬‬
‫واختلفوا في إقامة الحدّ عليه ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة إلى أنّه يقام عليه الحدّ كما يقام على سائر النّاس‬
‫لعموم الدلّة ‪ ،‬ويتولّى التّنفيذ عليه من يتولّى الحكم عنه ‪.‬‬
‫ن الحدّ حقّ اللّه تعالى ‪ ،‬والمام نفسه هو المكلّف‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يقام عليه الحدّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن إقامته تستلزم الخزي والنّكال ول يفعل أحد ذلك‬
‫بإقامته ‪ ،‬ول يمكن أن يقيمه على نفسه ‪ ،‬ل ّ‬
‫بنفسه ‪ ،‬بخلف حقّ العباد ‪ .‬أمّا حدّ القذف فقالوا ‪ :‬المغلّب فيه حقّ اللّه ‪ ،‬فحكمه حكم سائر‬
‫الحدود ‪ ،‬فإقامته إليه كسائر الحدود ‪ .‬ول ولية لحدٍ عليه ‪ .‬ليستوفيه ‪ ،‬وفائدة اليجاب‬
‫الستيفاء ‪ ،‬فإذا تعذّر لم يجب ‪ .‬وفرّقوا بين الحدّ ‪ ،‬وبين القصاص وضمان المتلفات بأنّهما من‬
‫حقوق العباد فيستوفيهما صاحب الحقّ ‪ ،‬ول يشترط القضاء ‪ ،‬بل المكان والتّمكّن ‪ ،‬ويحصل‬
‫ذلك بتمكينه من نفسه ‪ ،‬إن احتاج إلى منع ٍة ‪ .‬فالمسلمون منعته ‪ ،‬فبهم يقدر على الستيفاء‬
‫فكان الوجوب مفيدا ‪.‬‬

‫هدايا المام لغيره ‪:‬‬
‫ص فل يختلف حكمه عن غيره من الفراد ‪،‬‬
‫‪ - 27‬هدايا المام لغيره إن كانت من ماله الخا ّ‬
‫وينظر في مصطلح ‪ ( :‬هديّة ) ‪.‬‬
‫ل عامّ فهو رزق ‪ ،‬وإن كان عطا ًء شاملً‬
‫أمّا إن كانت من بيت المال ‪ ،‬فإذا كان مقابلً لعم ٍ‬
‫للنّاس من بيت المال فهو عطاء ‪ ،‬وإن كانت الهديّة بمبادر ٍة من المام ميّز بها فردا عن غيره‬
‫فهي الّتي تسمّى ( جائزة السّلطان ) وقد اختلف فيها ‪ ،‬فكرهها أحمد تورّعا لما في بعض‬
‫موارد بيت المال من الشّبهة ‪ ،‬لكنّه نصّ على أنّها ليست بحرامٍ على آخذها ‪ ،‬لغلبة الحلل‬
‫على موارد بيت المال ‪ ،‬وكرهها ابن سيرين لعدم شمولها للرّعيّة ‪ ،‬وممّن تنزّه عن الخذ منها‬
‫حذيفة وأبو عبيدة ومعاذ وأبو هريرة وابن عمر ‪ .‬هذا من حيث أخذ الجوائز ‪.‬‬
‫أمّا من حيث تصرّف المام بالعطاء فيجب أن يراعى فيه المصلحة العامّة للمسلمين دون‬
‫ن تصرّف المام في الموال العامّة وغيرها من أمور المسلمين‬
‫اتّباع الهوى والتّشهّي ‪ ،‬ل ّ‬
‫منوط بالمصلحة ‪.‬‬

‫قبول المام الهدايا ‪:‬‬

‫‪ - 28‬لم يختلف العلماء في كراهية الهديّة إلى المراء ‪.‬‬
‫ن المام ( بمعنى الوالي ) ل تحلّ له الهديّة ‪ ،‬للدلّة ‪ -‬الواردة‬
‫ذكر ابن عابدين في حاشيته ‪ :‬أ ّ‬
‫في هدايا العمّال ولنّه رأس العمّال ‪.‬‬
‫وقال ابن حبيبٍ ‪ :‬لم يختلف العلماء في كراهية الهديّة إلى السّلطان الكبر وإلى القضاة‬
‫سنّة ‪ « .‬وكان النّبيّ صلى‬
‫والعمّال وجباة الموال ‪ .‬وهذا قول مالكٍ ومن قبله من أهل العلم وال ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم معصوم ممّا‬
‫ال عليه وسلم يقبل الهديّة » ‪ ،‬وهذا من خواصّه ‪ ،‬والنّب ّ‬
‫ي صلى ال‬
‫يتّقي على غيره منها ‪ ،‬ولمّا " ردّ عمر بن عبد العزيز الهديّة ‪ ،‬قيل له ‪ :‬كان النّب ّ‬
‫عليه وسلم يقبلها ‪ ،‬فقال ‪ :‬كانت له هديّ ًة وهي لنا رشوة ‪ ،‬لنّه كان يتقرّب إليه لنبوّته ل‬
‫لوليته ‪ ،‬ونحن يتقرّب بها إلينا لوليتنا " ‪.‬‬

‫هدايا الكفّار للمام ‪:‬‬
‫‪29‬‬

‫‪ -‬ل يجوز للمام قبول هديّ ٍة من كفّارٍ أشرفت حصونهم على ال سّقوط بيد المسلمين ‪ ،‬لما‬

‫في ذلك من توه ين الم سلمين وت ثبيط همّت هم ‪ .‬أمّا إذا كانوا بق ّوةٍ ومنعةٍ جاز له قبول هديّت هم ‪.‬‬
‫وهني للمام إن كاننت منن قريب ٍن له ‪ ،‬أو كاننت مكافأ ًة ‪ ،‬أو رجاء ثوابٍن ( أي مقابلٍ ) ‪ .‬وإن‬
‫كانت من غير قريبٍ ‪ ،‬وأهدى بعد دخول المام بلدهم فهي غنيمة ‪ .‬وهم فيء قبل الدّخول في‬
‫بلدهم ‪.‬‬
‫هذا إذا كا نت من الفراد ‪ ،‬أمّا إذا كا نت من الطّاغ ية أي رئي سهم ‪ ،‬فإنّ ها ف يء إن أهدى ق بل‬
‫دخول المسلمين في بلدهم ‪ ،‬وغنيمة بعد الدّخول فيه ‪ ،‬وهذا التّفصيل للمالكيّة ‪ .‬وعند أحمد ‪:‬‬
‫لنن « النّبيّ صنلى ال علينه وسنلم قبنل هديّة‬
‫يجوز للمام قبول الهديّة منن أهنل الحرب ‪ّ ،‬‬
‫المقوقنس صناحب مصنر » ‪ ،‬فإن كان ذلك فني حال الغزو فمنا أهداه الكفّار لمينر الجينش أو‬
‫ل خوفا من المسلمين ‪ ،‬فأشبه ما لو أخذه قهرا ‪.‬‬
‫لبعض قوّاده فهو غنيمة ‪ ،‬لنّه ل يفعل ذلك إ ّ‬
‫وأمّا إن أهدى من دار الحرب ‪ ،‬فهو لمن أهدى إليه سواء كان المام أو غيره ‪ « ،‬ل نّ النّبيّ‬
‫صلى ال عل يه و سلم ق بل الهديّة من هم » ‪ ،‬فكا نت له دون غيره ‪ .‬وعزا ا بن قدا مة هذا إلى‬
‫الشّافع يّ أيضا ‪ ،‬ون قل عن المام أ بي حني فة ‪ :‬أنّ ها للمهدى له بكلّ حالٍ ‪ ،‬لنّه خ صّه ب ها ‪،‬‬
‫فأش به ما لو أهدي له من دار السلم ‪ ،‬وح كى في ذلك رواي ًة عن أح مد وذهب الشّافعيّة إلى‬
‫أنّه لو أهدى مشرك إلى المير أو إلى المام هديّةً ‪ ،‬والحرب قائمة فهي غنيمة ‪ ،‬بخلف ما لو‬
‫أهدى قبل أن يرتحلوا عن دار السلم ‪ ،‬فإنّه للمهدى إليه ‪.‬‬
‫وقال عبد الغن يّ النّابلسيّ ‪ :‬قال الماورد يّ ‪ :‬فنزاهته عنها أولى من قبولها ‪ ،‬فإن قبلها جاز ولم‬
‫يم نع ‪ ،‬وهذا ح كم الهدا يا للقضاة ‪ ،‬أمّا الهدا يا للئمّة ف قد قال في الحاوي ‪ :‬إنّ ها إن كا نت من‬
‫هدايا دار السلم فهي على ثلثة أقسامٍ ‪:‬‬

‫أحد ها ‪ :‬أن يهدي إل يه من ي ستعين به على حقّ ي ستوفيه ‪ ،‬أو على ظل مٍ يدف عه ع نه ‪ ،‬أو على‬
‫ل يعينه عليه ‪ ،‬فهذه الرّشوة المحرّمة ‪.‬‬
‫باط ٍ‬
‫الثّا ني ‪ :‬أن يهدي إل يه من كان يهاد يه ق بل الول ية ‪ ،‬فإن كان بقدر ما كان ق بل الول ية لغ ير‬
‫حاجةٍ عر ضت فيجوز له قبول ها ‪ ،‬وإن اقترن ب ها حا جة عر ضت إل يه فيم نع من القبول ع ند‬
‫الحاجة ‪ ،‬ويجوز أن يقبلها بعد الحاجة ‪ .‬وإن زاد في هديّته على قدر العادة لغير حاج ٍة ‪ ،‬فإن‬
‫كا نت الزّيادة من ج نس الهديّة جاز قبول ها لدخول ها في المألوف ‪ ،‬وإن كا نت من غ ير ج نس‬
‫الهديّة منع من القبول ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أن يهدي إليه من لم يكن يهاديه قبل الولية ‪ ،‬فإن ( كان ) لجل وليته فهي رشوة ‪،‬‬
‫ل صندر ( له ) مننه إمّا واجبا أو تنبرّعا فل يجوز‬
‫ويحرم علينه أخذهنا ‪ ،‬وإن كان لجنل جمي ٍ‬
‫قبولها أيضا ‪ .‬وإن كان ل ل جل ولي ٍة ‪ ،‬بل لمكافأةٍ على جميلٍ ‪ ،‬فهذه هديّة ب عث عليها جاه ‪،‬‬
‫فإن كافأه عليها جاز له قبولها ‪ ،‬وإن لم يكافئ عليها فل يقبلها لنفسه ‪ ،‬وإن كانت من هدايا دار‬
‫الماوردين فني الحكام السنّلطانيّة قال ‪ :‬والفرق بينن‬
‫ّ‬
‫الحرب جاز له قبول هداياهنم ‪ ،‬وذكنر‬
‫ن الرّشوة ما أخذت طلبا ‪ ،‬والهديّة ما بذلت عفوا ‪.‬‬
‫الرّشوة والهديّة أ ّ‬

‫أثر فسق المام على وليته الخاصّة ‪:‬‬
‫‪ - 30‬اختلف الفقهاء في سلب الولية الخاصّة عن المام بفسقه ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة‬
‫والحنابلة إلى أنّه ل يشترط ‪ -‬عندهم ‪ -‬العدالة في ولية النّكاح أصلً ‪ ،‬حتّى يسلبها الفسق ‪،‬‬
‫فيزوّج بناته القاصرات بالولية الخاصّة ‪ ،‬يستوي في ذلك المام ‪ ،‬وغيره من الولياء ‪.‬‬
‫ن الولية الخاصّة تسلب بالفسق ‪ ،‬فل يصحّ له تزويج بناته بالولية‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫الخاصّة كغيره من الفسقة ‪ ،‬لخروجه بالفسق عن الولية الخاصّة كأفراد النّاس ‪ ،‬وإن لم يسلبه‬
‫ن في ذلك خلفا سبق بيانه ‪.‬‬
‫عن الولية العامّة تعظيما لشأن المامة ‪ ،‬على أ ّ‬
‫ن بالولية العامّة‬
‫وتنتقل ولية النّكاح إلى البعيد من العصبة ‪ ،‬فإن لم توجد عصبة زوّجه ّ‬
‫ي لهنّ ‪ .‬لحديث ‪ « :‬السّلطان وليّ من ل وليّ له » ‪.‬‬
‫ن ممّن ل ول ّ‬
‫كغيره ّ‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫أمان *‬

‫‪ - 1‬المان في اللّغة ‪ :‬عدم توقّع مكرو ٍه في الزّمن التي ‪ ،‬وأصل المن طمأنينة النّفس‬
‫وزوال الخوف ‪ ،‬والمن والمانة والمان مصادر للفعل ( أمن ) ‪ ،‬ويرد المان تار ًة اسما‬
‫للحالة الّتي يكون عليها النسان من الطّمأنينة ‪ ،‬وتار ًة لعقدٍ المان أو صكّه ‪.‬‬
‫ي ورقّه وماله حين قتاله أو الغرم عليه ‪ ،‬مع‬
‫وعرّفه الفقهاء بأنّه ‪ :‬رفع استباحة دم الحرب ّ‬
‫استقراره تحت حكم السلم ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الهدنة ‪:‬‬
‫ض وبغير عوضٍ ‪،‬‬
‫‪ - 2‬الهدنة هي ‪ :‬أن يعقد لهل الحرب عقد على ترك القتال مدّةً بعو ٍ‬
‫ن عقد الهدنة ل يعقده‬
‫وتسمّى ‪ :‬مهادنةً وموادعةً ومعاهد ًة ‪ .‬ويختلف عقد الهدنة عن المان بأ ّ‬
‫ح من أفراد المسلمين ‪.‬‬
‫إلّ المام أو نائبه ‪ ،‬أمّا المان فيص ّ‬
‫ب ‪ -‬الجزية ‪:‬‬
‫‪ - 3‬عقد الجزية موجب لعصمة الدّماء وصيانة الموال والعراض إلى غير ذلك ممّا يترتّب‬
‫ل المام ‪ .‬كما أنّ عقد‬
‫ن عقد الجزية مثل الهدنة ل يعقده إ ّ‬
‫عليه ‪ .‬ويختلف عن المان في أ ّ‬
‫الجزية مؤبّد ل ينقض ‪ ،‬بخلف المان فهو عقد غير لزمٍ ‪ ،‬أي قابلٍ للنّقض بشروطه ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪ - 4‬الصل أنّ إعطاء المان أو طلبه مباح ‪ ،‬وقد يكون حراما أو مكروها إذا كان يؤدّي إلى‬
‫ضررٍ أو إخللٍ بواجبٍ أو مندوبٍ ‪.‬‬
‫وحكم المان هو ثبوت المن للكفرة عن القتل والسّبي وغنم أموالهم ‪ ،‬فيحرم على المسلمين‬
‫قتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريّهم واغتنام أموالهم ‪.‬‬

‫ما يكون به المان ‪:‬‬
‫ح أو كناي ٍة يفيد الغرض ‪ ،‬بأيّ لغةٍ كان ‪ ،‬وينعقد بالكتابة‬
‫ظ صري ٍ‬
‫‪ - 5‬ينعقد المان بكلّ لف ٍ‬
‫والرّسالة والشارة المفهمة ‪ .‬لنّ التّأمين إنّما هو معنًى في النّفس ‪ ،‬فيظهره المؤمّن تارةً‬
‫بالنّطق ‪ ،‬وتار ًة بالكتابة ‪ ،‬وتار ًة بالشارة ‪ ،‬فكلّ ما بيّن به التّأمين فإنّه يلزم ‪.‬‬

‫شروط المان ‪:‬‬

‫‪ - 6‬ذهب المالكيّة والحنابلة وأكثر الشّافعيّة إلى أنّ شرط المان انتفاء الضّرر ‪ ،‬ولو لم تظهر‬
‫المصلحة ‪.‬‬
‫وقيّد البلقينيّ جواز المان بمجرّد انتفاء الضّرر بغير المان المعطى من المام ‪ ،‬فل بدّ فيه‬
‫من المصلحة والنّظر للمسلمين ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يشترط في المان أن تكون فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين وذلك بأن يعطى في‬
‫حال ضعف المسلمين وقوّة أعدائهم ‪ ،‬لنّ الجهاد فرض والمان يتضمّن تحريم القتال ‪،‬‬
‫فيتناقض ‪ ،‬إلّ إذا كان في حال ضعف المسلمين وقوّة الكفرة ‪ ،‬لنّه إذ ذاك يكون قتالً معنًى ‪،‬‬
‫لوقوعه وسيل ًة إلى الستعداد للقتال ‪ ،‬فل يؤدّي إلى التّناقض ‪.‬‬

‫من له حقّ إعطاء المان ‪:‬‬
‫‪ - 7‬المان إمّا أن يعطى من المام أو من آحاد المسلمين ‪:‬‬

‫ح أمان المام لجميع الكفّار وآحادهم ‪ ،‬لنّه مقدّم للنّظر والمصلحة ‪،‬‬
‫أ ‪ -‬أمان المام ‪ :‬يص ّ‬
‫نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضارّ ‪ .‬وهذا ما ل خلف فيه ‪.‬‬
‫ح لعددٍ محصورٍ‬
‫ب ‪ -‬أمان آحاد المسلمين ‪ :‬يرى جمهور الفقهاء أنّ أمان آحاد المسلمين يص ّ‬
‫ن صغيرٍ ‪ ،‬أمّا تأمين العدد الّذي ل ينحصر فهو من خصائص المام‬
‫كأهل قري ٍة صغيرةٍ وحص ٍ‬
‫ح من الواحد ‪ ،‬سواء أمّن جماع ًة كثير ًة أو قليلةً أو أهل‬
‫ن المان يص ّ‬
‫‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫مصرٍ أو قريةٍ ‪ ،‬فليس حينئذٍ لحدٍ من المسلمين قتالهم ‪.‬‬

‫شروط المؤمّن ‪:‬‬
‫ح أمان الكافر ‪ ،‬وإن كان يقاتل مع المسلمين ‪.‬‬
‫‪ - 8‬أ ‪ -‬السلم ‪ :‬فل يص ّ‬
‫ب ‪ -‬العقل ‪ :‬فل يصحّ أمان المجنون والصّبيّ الّذي ل يعقل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬البلوغ ‪ :‬بلوغ المؤمّن شرط عند جمهور الفقهاء ‪ .‬وقال محمّد بن الحسن الشّيبانيّ ‪ :‬ليس‬
‫بشرطٍ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬عدم الخوف من الحربيّين ‪ :‬فل يصحّ أمان المقهورين في أيدي الكفرة ‪.‬‬
‫أمّا الذّكورة فليست بشرطٍ لصحّة المان عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬فيصحّ أمان المرأة لنّها ل‬
‫تعجز عن الوقوف على حال القوّة والضّعف ‪.‬‬
‫ن أمان المرأة والعبد والصّبيّ ل يجوز ابتداءً ‪ ،‬ولكن إن‬
‫وقال ابن الماجشون من المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫وقع يمضي إن أمضاه المام وإن شاء ردّه ‪.‬‬

‫مواطن البحث ‪:‬‬

‫فصّل الفقهاء أحكام المان في أبواب السّير والجهاد فتنظر فيها ‪ ،‬ويرجع إلى مصطلح‬
‫( مستأمن ) ‪.‬‬

‫أمانة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬المانة ‪ :‬ضدّ الخيانة ‪ ،‬والمانة تطلق على ‪ :‬كلّ ما عهد به إلى النسان من التّكاليف‬
‫الشّرعيّة وغيرها كالعبادة الوديعة ‪ ،‬ومن المانة ‪ :‬الهل والمال ‪.‬‬
‫وبالتّتبّع تبيّن أنّ المانة قد استعملها الفقهاء بمعنيين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬بمعنى الشّيء الّذي يوجد عند المين ‪ ،‬وذلك يكون في ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العقد الّذي تكون المانة فيه هي المقصد الصليّ ‪ ،‬وهو الوديعة وهي ‪ ،‬العين الّتي توضع‬
‫ص من المانة ‪ ،‬فكلّ وديع ٍة أمانة ول عكس ‪.‬‬
‫ص ليحفظها ‪ ،‬فهي أخ ّ‬
‫عند شخ ٍ‬
‫ب ‪ -‬العقد الّذي تكون المانة فيه ضمنا ‪ ،‬وليست أصلً بل تبعا ‪ ،‬كالجارة والعاريّة‬
‫والمضاربة والوكالة والشّركة والرّهن ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬ما كانت بدون عقدٍ كاللّقطة ‪ ،‬وكما إذا ألقت الرّيح في دار أحدٍ مال جاره ‪ ،‬وذلك ما‬
‫يسمّى بالمانات الشّرعيّة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬بمعنى الصّفة وذلك في ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ما يسمّى ببيع المانة ‪ ،‬كالمرابحة والتّولية والسترسال ( الستئمان ) وهي العقود الّتي‬
‫يحتكم فيها المبتاع إلى ضمير البائع وأمانته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬في الوليات سواء كانت عا ّمةً كالقاضي ‪ ،‬أم خاصّةً كالوصيّ وناظر الوقف ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬فيمن يترتّب على كلمه حكم كالشّاهد ‪.‬‬
‫د ‪ -‬تستعمل المانة في باب اليمان كمقسمٍ بها باعتبارها صف ًة من صفات اللّه تعالى ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬المانة بمعنى الشّيء الّذي يوجد عند المين ‪:‬‬

‫‪ - 2‬للمانة بهذا المعنى عدّة أحكا ٍم إجمالها فيما يلي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الصل إباحة أخذ الوديعة واللّقطة ‪ ،‬وقيل يستحبّ الخذ لمن قدر على الحفظ والداء ‪،‬‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬وتعاونوا على البرّ والتّقوى } ‪.‬‬
‫وقد يعرض الوجوب لمن يثق في أمانة نفسه وخيف على اللّقطة أخذ خائنٍ لها ‪ ،‬وعلى الوديعة‬
‫من الهلك أو الفقد عند عدم اليداع ‪ ،‬لنّ مال الغير واجب الحفظ ‪ ،‬وحرمة المال كحرمة‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬حرمة مال المؤمن‬
‫النّفس ‪ ،‬وقد روى ابن مسعودٍ أ ّ‬
‫كحرمة دمه » ‪ .‬وقد يحرم الخذ لمن يعجز عن الحفظ ‪ ،‬أو ل يثق بأمانة نفسه ‪ ،‬وفي ذلك‬
‫تعريض المال للهلك ‪ .‬وهذا في الجملة ‪ .‬وتفصيله في الوديعة واللّقطة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وجوب المحافظة على المانة عامّةً ‪ ،‬وديع ًة كانت أو غيرها ‪ ،‬يقول العلماء ‪ :‬حفظ‬
‫ل أمانةٍ ‪،‬‬
‫المانة يوجب سعادة الدّارين ‪ ،‬والخيانة توجب الشّقاء فيهما ‪ ،‬والحفظ يكون بحسب ك ّ‬
‫فالوديعة مثلً يكون حفظها بوضعها في حرز مثلها ‪ .‬والعاريّة والشّيء المستأجر يكون‬
‫حفظهما بعدم التّعدّي في الستعمال المأذون فيه ‪ ،‬وبعدم التّفريط ‪ .‬وفي مال المضاربة يكون‬
‫بعدم مخالفة ما أذن فيه للمضارب من التّصرّفات وهكذا ‪.‬‬
‫ن اللّه يأمركم أن تؤدّوا المانات إلى أهلها }‬
‫ت ‪ -‬وجوب ال ّردّ عند الطّلب لقوله تعالى ‪ { :‬إ ّ‬
‫وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أدّ المانة إلى من ائتمنك ‪ ،‬ول تخن من خانك » ‪.‬‬
‫ث ‪ -‬وجوب الضّمان بالجحود أو التّعدّي أو التّفريط ‪.‬‬
‫ج‪ -‬سقوط الضّمان إذا تلفت المانة دون تعدّ أو تفريطٍ ‪.‬‬
‫وهذا في غير العاريّة عند الحنابلة والشّافعيّة ‪ ،‬فالعاريّة عندهم مضمونة ‪.‬‬

‫ح ‪ -‬التّعزير على ترك أداء المانات كالودائع وأموال اليتام وغلّات الوقوف ‪ ،‬وما تحت‬
‫أيدي الوكلء والمقارضين وشبه ذلك ‪ ،‬فإنّه يعاقب على ذلك كلّه حتّى يؤدّي ما يجب عليه ‪.‬‬
‫وللفقهاء في كلّ ذلك تفصيلت وفروع يرجع إليها في مواضعها من ( وديعة ‪ ،‬ولقطة ‪،‬‬
‫وعاريّة ‪ ،‬وإجارة ‪ ،‬ورهن ‪ ،‬وضمان ‪ ،‬ووكالة ) ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬المانة بمعنى الصّفة ‪:‬‬
‫‪ - 3‬تختلف أحكام المانة بهذا المعنى لختلف مواضعها ‪ ،‬وبيان ذلك إجمالً فيما يأتي ‪:‬‬
‫ن المشتري ائتمن البائع في‬
‫أ ‪ -‬بيع المانة كالمرابحة ‪ ،‬والمرابحة تعتبر بيع أمانةٍ ‪ ،‬ل ّ‬
‫إخباره عن الثّمن الوّل من غير بيّن ٍة ول استحلفٍ ‪ ،‬فتجب صيانتها عن الخيانة والتّهمة ‪،‬‬
‫ن التّحرّز عن ذلك كلّه واجب ما أمكن ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يا أيّها الّذين آمنوا ل تخونوا اللّه‬
‫لّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ليس منّا من‬
‫والرّسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } ‪ .‬وقال النّب ّ‬
‫غشّنا » ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فإذا ظهرت الخيانة في بيع المرابحة ففي الجملة يكون المشتري بالخيار ‪ ،‬إن شاء‬
‫أخذ المبيع ‪ ،‬وإن شاء ردّه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬بحطّ الزّيادة على أصل رأس المال ونسبتها من الرّبح مع‬
‫إمضاء البيع ‪.‬‬
‫ل كثيرٍ ينظر في ( بيع ‪ -‬مرابحة ‪ -‬تولية ‪ -‬استرسال ) ‪.‬‬
‫هذا مع تفصي ٍ‬
‫ب ‪ -‬اعتبار المانة شرطا فيمن تكون له ولية ونظر في مال غيره كالوصيّ وناظر الوقف ‪،‬‬
‫فقد اشترط الفقهاء صفة المانة في الوصيّ وناظر الوقف ‪ ،‬وأنّه يعزل لو ظهرت خيانته ‪ ،‬أو‬
‫يضمّ إليه أمين في بعض الحوال ‪ ،‬وهذا في الجملة ‪ .‬كذلك من له ولية عامّة كالقاضي ‪،‬‬
‫فالصل اعتبار المانة فيه ‪ .‬وللفقهاء في ذلك تفصيل ( ر ‪ :‬قضاء ‪ ،‬وصيّ ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬من يترتّب على كلمه حكم كالشّاهد ‪ :‬فقد اشترط الفقهاء في الشّاهد العدالة ‪ ،‬لقول اللّه‬
‫تعالى ‪ { :‬وأشهدوا ذوي عد ٍل منكم } ‪ .‬وقوله تعالى ‪ { :‬إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبيّنوا } ‪ ،‬فأمر‬
‫اللّه تعالى بالتّوقّف عن نبأ الفاسق ‪ ،‬والشّهادة نبأ فيجب عدم قبول شهادة الفاسق ‪ ،‬واعتبر‬
‫ن الخيانة من الفسق ‪ ،‬واستدلّوا بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تجوز شهادة‬
‫الفقهاء أ ّ‬
‫خائنٍ ول خائن ٍة » ‪.‬‬
‫ن من حلف بالمانة مع إضافتها إلى اسم اللّه‬
‫د ‪ -‬الحلف بالمانة ‪ :‬يرى جمهور الفقهاء أ ّ‬
‫ن ذلك يعتبر يمينا توجب الكفّارة ‪.‬‬
‫سبحانه وتعالى فقال ‪ :‬وأمانة اللّه لفعلن كذا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أمّا الحلف بالمانة فقط دون إضافةٍ إلى لفظ الجللة ‪ ،‬فإنّه يرجع فيه إلى نيّة الحالف ‪ ،‬فإن‬
‫أراد بالمانة صفة اللّه تعالى فالحلف بها يمين ‪ ،‬وإن أراد بالمانة ما في قوله تعالى ‪ { :‬إنّا‬
‫عرضنا المانة على السّموات والرض } أي التّكاليف الّتي كلّف اللّه بها عباده فليس بيمينٍ ‪.‬‬

‫ويكون الحلف بها غير مشروعٍ لنّه حلف بغير اللّه ‪ ،‬واستدلّ لذلك بحديث ‪ « :‬من حلف‬
‫بالمانة فليس منّا » ‪.‬‬

‫مواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يأتي ذكر المانة في كثيرٍ من البواب الفقهيّة ‪ :‬كالبيع ‪ ،‬والوكالة ‪ ،‬والشّركة ‪،‬‬
‫والمضاربة ‪ ،‬الوديعة ‪ ،‬والعاريّة ‪ ،‬والجارة ‪ ،‬والرّهن ‪ ،‬والوقف ‪ ،‬والوصيّة ‪ ،‬واليمان ‪،‬‬
‫والشّهادة ‪ ،‬والقضاء ‪ .‬وقد سبقت الشارة إلى ذكر ذلك إجمالً ‪.‬‬
‫كذلك يأتي ذكر المانة في باب الحضانة باعتبارها شرطا من شروط الحاضن والحاضنة ‪،‬‬
‫وفي باب الحجّ في الرّفقة المأمونة بالنّسبة لسفر المرأة ‪ ،‬وفي باب الصّيام بالنّسبة لمن يخبر‬
‫برؤية الهلل ‪.‬‬

‫امتثال *‬

‫انظر ‪ :‬طاعة‬

‫امتشاط *‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫‪ - 1‬المتشاط لغةً ‪ :‬هو ترجيل الشّعر ‪ ،‬والتّرجيل ‪ :‬تسريح الشّعر ‪ ،‬وتنظيفه ‪ ،‬وتحسينه ‪.‬‬
‫وعند الفقهاء معناه كالمعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫‪ - 2‬يستحبّ ترجيل شعر الرّأس واللّحية من الرّجل ‪ ،‬وكذا الرّأس من المرأة ‪ ،‬لما ورد ‪:‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان جالسا في المسجد فدخل رجل ثائر الرّأس واللّحية ‪،‬‬
‫«أّ‬
‫فأشار إليه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بيده أن اخرج ‪ .‬كأنّه يعني إصلح شعر رأسه‬
‫ولحيته ‪ ،‬ففعل الرّجل ثمّ رجع ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أليس هذا خيرا من أن‬
‫يأتي أحدكم ثائر الرّأس ‪ ،‬كأنّه شيطان »‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من كان له شعر‬
‫ولحديث أبي هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫فليكرمه » ويفصّل الفقهاء ذلك في خصال الفطرة ‪ ،‬والحظر والباحة ‪.‬‬
‫‪ - 3‬وفي الحرام ‪ :‬يحرم المتشاط إن علم أنّه يزيل شعرا ‪ ،‬وكذا إن كان يدهن ولم يزل‬
‫ن من الفقهاء من أباحه ‪ ،‬ومنهم من كرهه‬
‫شعرا ‪ ،‬فإن كان ل يزيل شعرا وكان بغير طيبٍ فإ ّ‬
‫على تفصيلٍ ينظر في مصطلح ( إحرام )‬
‫‪ - 4‬ول يمنع امتشاط المحدّة عند أغلب الفقهاء ‪ ،‬إن كان التّرجيل خاليا عن موادّ الزّينة ‪ ،‬فإن‬
‫ن أو طيبٍ حرم ‪.‬‬
‫كان بده ٍ‬

‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يحرم امتشاط المحدّة بمشطٍ ضيّقٍ ‪ ،‬وإن لم يكن معه طيب ‪ ،‬وتفصيل هذه‬
‫الحكام يذكرها الفقهاء في ( الحداد ) ( ج ‪ 2‬ص ‪ 107‬ف ‪. ) 14‬‬

‫امتناع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬المتناع لغ ًة ‪ :‬مصدر امتنع ‪ .‬يقال ‪ :‬امتنع من المر ‪ :‬إذا كفّ عنه ‪ .‬ويقال ‪ :‬امتنع‬
‫بقومه أي ‪ :‬تقوّى بهم وعزّ ‪ ،‬فلم يقدر عليه ‪.‬‬
‫والمتناع في الصطلح ل يخرج عن هذين المعنيين ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪ - 2‬إنّ المتناع عن الفعل المحرّم واجب ‪ ،‬كالمتناع عن الزّنى وشرب الخمر ‪ ،‬وامتناع‬
‫الحائض عن الصّلة ‪ ،‬وعن مسّ المصحف ‪ ،‬والجلوس في المسجد ‪.‬‬
‫والمتناع عن الواجب حرام ‪ ،‬كامتناع المكلّف غير المعذور عن الصّلة والصّوم والحجّ ‪،‬‬
‫ومثل امتناع المحتكر عن بيع القوات ‪ ،‬والمتناع عن إنقاذ المشرف على الهلك ممّن هو‬
‫قادر على إنقاذه ‪.‬‬
‫والمتناع عن المندوب يكون مكروها ‪ ،‬كامتناع المريض عن التّداوي مع قدرته عليه ‪.‬‬
‫والمتناع عن المكروه يكون مندوبا إليه ‪ ،‬كالمتناع عن التّدخين عند من يقول بكراهته ‪،‬‬
‫والمتناع عن تولّي القضاء لمن يخاف على نفسه الزّلل ‪.‬‬
‫والمتناع عن المباح مباح ‪ ،‬كالمتناع عن طعامٍ معيّنٍ في الحوال المعتادة ‪ ،‬ومثل امتناع‬
‫المرأة عن الدّخول حتّى تقبض مقدّم المهر ‪ ،‬وامتناع البائع من تسليم المبيع حتّى يقبض الثّمن‬
‫‪ .‬ويرجع لمعرفة حكم كلّ نوعٍ من هذه النواع في بابه ‪.‬‬

‫امتهان *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬المتهان افتعال من ( مهن ) أي خدم غيره ‪ ،‬وامتهنه ‪ :‬استخدمه ‪ ،‬أو ابتذله ‪ .‬ومنه يتبيّن‬
‫ن ) في معنيين ‪:‬‬
‫ن أهل اللّغة يستعملون كلمة ( امتها ٍ‬
‫أّ‬
‫الوّل ‪ :‬بمعنى ( الحتراف ) ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬بمعنى ( البتذال ) ‪.‬‬
‫والبتذال هو ‪ :‬عدم صيانة الشّيء بل تداوله واستخدامه في العمل ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملون المتهان بهذين المعنيين أيضا ‪.‬‬
‫أمّا المتهان بمعنى الحتراف ‪ ،‬فينظر تفصيله في مصطلح ( احتراف ج ‪ 1‬ص ‪ ) 69‬وفيما‬
‫يلي ما يتّصل بالمعنى الثّاني وهو البتذال ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الستخفاف والستهانة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬سبق بيان معنى ( المتهان ) ومنه يتبيّن أنّه غير الستهانة بالشّيء أو الستخفاف به ‪،‬‬
‫فالستهانة بالشّيء استحقاره ‪ ،‬أمّا المتهان فليس فيه معنى الستحقار ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪ - 3‬هناك كثير من الحوال يطلب فيها من المسلم أن يلبس غير ثياب المهنة ‪ ،‬كالجمعة‬
‫ل على ذلك حديث { ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة‬
‫والعيدين والجماعات ‪ ،‬يد ّ‬
‫سوى ثوب مهنته } ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬احتراف ) ( وألبسة ) ‪ .‬كما أنّه يختلف حكم ما فيه صورة ‪ ،‬بين‬
‫ن وينظر في مصطلح ( تصوير ) ‪.‬‬
‫أن يكون ممتهنا ( مبتذلً ) أو غير ممته ٍ‬

‫أمر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -1‬المر في اللّغة يأتي بمعنيين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬يأتي بمعنى الحال أو الشّأن ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬وما أمر فرعون برشيدٍ } أو‬
‫الحادثة ‪ ،‬ومنه قول اللّه تعالى ‪ { :‬وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتّى يستأذنوه }‬
‫وقوله سبحانه ‪ { :‬وشاورهم في المر }‬
‫ي في اليضاح ‪ :‬أي شاورهم في الفعل الّذي تعزم عليه ‪ .‬ويجمع بهذا‬
‫قال الخطيب القزوين ّ‬
‫المعنى على ( أمورٍ ) ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬طلب الفعل ‪ ،‬وهو بهذا المعنى نقيض النّهي ‪ .‬وجمعه ( أوامر ) فرقا بينهما ‪ ،‬كما‬
‫قاله الفيّوميّ ‪.‬‬
‫وعند الفقهاء يستعمل المر بالمعنيين المذكورين ‪ ،‬ولكن اختلف الصوليّون من ذلك في‬
‫مسائل ‪:‬‬
‫المسألة الولى ‪ :‬قال بعضهم ‪ :‬لفظ ( المر ) مشترك لفظيّ بين المعنيين ‪ .‬وقال آخرون ‪ :‬بل‬
‫هو حقيقة في القول المخصوص ‪ ،‬وهو قول الطّالب للفعل ‪ ،‬مجاز في الحال والشّأن ‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫إنّه موضوع للمعنى المشترك بينهما ‪.‬‬
‫المسألة الثّانية ‪ :‬طلب الفعل ل يسمّى أمرا حقيق ًة ‪ ،‬إلّ إن كان على وجه الحتم واللزام ‪.‬‬
‫واستدلّ من قال بذلك بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لول أن أشقّ على أمّتي لمرتهم‬
‫ل وضوءٍ » قالوا ‪ :‬لو لم يكن المر على وجه الحتم ما كان فيه مشقّة ‪ .‬وهذا‬
‫بالسّواك مع ك ّ‬

‫قول الحنفيّة ‪ .‬وقال الباقلّانيّ وجمهور الشّافعيّة ‪ :‬ل يشترط ذلك ‪ ،‬بل طلب الفعل أمر ولو لم‬
‫يكن على وجه التّحتّم ‪ ،‬فيدخل المندوب في المأمور به حقيقةً ‪.‬‬
‫ن طلب الفعل ل يسمّى أمرا حقيق ًة إلّ إذا كان على سبيل الستعلء ‪ ،‬أي‬
‫المسألة الثّالثة ‪ :‬إ ّ‬
‫استعلء المر على المأمور ‪ ،‬احترازا عن الدّعاء واللتماس ‪ ،‬فهو شرط أكثر الماتريديّة‬
‫ي من المعتزلة ‪،‬‬
‫والمديّ من الشعريّة ‪ ،‬وصحّحه الرّازيّ ‪ ،‬وهو رأي أبي الحسين البصر ّ‬
‫لذمّ العقلء الدنى بأمره من هو أعلى ‪.‬‬
‫ل كان دعاءً أو التماسا ‪.‬‬
‫وعند المعتزلة يجب العلوّ في المر ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وعند الشعريّ ل يشترط العلوّ ول الستعلء ‪ ،‬وبه قال أكثر الشّافعيّة ‪ .‬وفي شرح المختصر‬
‫ن هذا لساحر عليم ‪ ،‬يريد أن يخرجكم من‬
‫‪ :‬وهو الحقّ ‪ ،‬لقوله تعالى حكايةً عن فرعون ‪ { :‬إ ّ‬
‫أرضكم فماذا تأمرون } ‪.‬‬

‫صيغ المر ‪:‬‬
‫‪ - 2‬للمر صيغ صريحة وهي ثلثة ‪ :‬فعل المر ‪ ،‬مثل قوله تعالى ‪ { :‬أقيموا الصّلة }‬
‫وقوله ‪ { :‬فاسعوا إلى ذكر اللّه } ‪ ،‬واسم فعل المر نحو ‪ :‬نزال ‪ ،‬والمضارع المقترن فاللّام‬
‫المر نحو { لينفق ذو سعةٍ من سعته } ‪.‬‬
‫وصيغ غير صريحةٍ ‪ ،‬قال الشّاطبيّ ‪:‬‬
‫ أ ‪ -‬منها ‪ :‬ما جاء مجيء الخبار عن تقرير الحكم ‪ ،‬نحو ‪ { :‬والوالدات يرضعن أولدهنّ‬‫حولين كاملين } ‪.‬‬
‫ ب ‪ -‬ومنها ‪ :‬ما جاء مجيء مدحه أو مدح فاعله نحو ‪ { :‬ومن يطع اللّه ورسوله يدخله‬‫جنّاتٍ } ‪.‬‬
‫ل به فهو‬
‫ ج ‪ -‬ومنها ‪ :‬ما يتوقّف عليه المطلوب ‪ ،‬كالمفروض في مسألة ما ل يتمّ الواجب إ ّ‬‫واجب ‪ ،‬كغسل جزءٍ من الرّأس ‪ ،‬لستيفاء غسل الوجه ‪.‬‬

‫دللة صيغة المر الصّريحة ‪:‬‬

‫‪ - 3‬اختلف الصوليّون في دللة صيغة ( افعل ) غير المقترنة بما يعيّن معناها ‪.‬‬
‫فهي عند الجمهور حقيقة في الوجوب ‪ ،‬وعند أبي هاشمٍ وكثيرٍ من الصوليّين حقيقة في النّدب‬
‫وهو أحد قولي الشّافعيّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬مشترك بينهما اشتراكا لفظيّا ‪ ،‬وروي هذا عن الشّافعيّ ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنّها موضوعة لمشتركٍ بينهما وهو القتضاء حتما كان أو ندبا ‪ ،‬وروي هذا عن أبي‬
‫منصو ٍر الماتريديّ ‪ ،‬ونسب إلى مشايخ سمرقند ‪.‬‬
‫‪ - 4‬المر الوارد بعد الحظر هو للباحة عند الكثر ‪ ،‬ومنهم الشّافعيّ والمديّ كقول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كنت نهيتكم عن زيارة القبور أل فزوروها » ‪.‬‬

‫وللوجوب عند عامّة الحنفيّة وهو المرويّ عن القاضي والمعتزلة واختاره الرّازيّ ‪ ،‬وتوقّف‬
‫فيه إمام الحرمين ‪ .‬واختار ابن الهمام والشّيخ زكريّا النصاريّ أنّه يرجع الحكم لما كان عليه‬
‫قبل الحظر إباحةً أو وجوبا ‪.‬‬

‫ورود المر لغير الوجوب ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ترد صيغة المر لغير الوجوب في أكثر من عشرين معنًى ‪ ،‬منها ‪ :‬اللتماس والتّهديد ‪.‬‬

‫اقتضاء المر للتّكرار ‪:‬‬

‫‪ - 6‬المر لطلب الفعل مطلقا ل يقتضي التّكرار عند الحنفيّة ‪ ،‬فيبرأ بالفعل مرّةً ويحتمل‬
‫التّكرار ‪ ،‬واختاره الرّازيّ والمديّ ‪.‬‬
‫وقال الستاذ أبو إسحاق السفرايينيّ ‪ :‬هو لزم مدّة العمر إن أمكن ‪ ،‬وعلى هذا جماعة من‬
‫الفقهاء والمتكلّمين ‪.‬‬
‫وذهب كثير من أهل الصول إلى أنّها للمرّة ‪ ،‬ول يحتمل التّكرار ‪ ،‬وهو قول أكثر الشّافعيّة ‪.‬‬
‫طهّروا } أو بالصّفة نحو { والسّارق والسّارقة‬
‫أمّا إن قيّد بشرطٍ ‪ ،‬نحو { وإن كنتم جنبا فا ّ‬
‫فاقطعوا أيديهما } فإنّه يقتضي التّكرار ‪ ،‬بتكرّر الشّرط أو الصّفة ‪ ،‬وقيل بالوقف في ذلك ‪.‬‬

‫دللة المر على الفور أو التّراخي ‪:‬‬
‫ن المر لمجرّد الطّلب ‪ ،‬فيجوز التّأخير كما يجوز البدار ‪ ،‬وعزي‬
‫‪ - 7‬الصّحيح عند الحنفيّة أ ّ‬
‫إلى الشّافعيّ وأصحابه ‪ .‬واختاره الرّازيّ والمديّ ‪.‬‬
‫سكّاكيّ والقاضي ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬يوجب الفور ‪ ،‬وعزي إلى المالكيّة والحنابلة والكرخيّ ‪ ،‬واختاره ال ّ‬
‫وتوقّف المام في أنّه للفور أو للقدر المشترك بين الفور والتّراخي ‪.‬‬

‫المر بالمر ‪:‬‬

‫‪ - 8‬من أمر غيره أن يأمر آخر بفعلٍ ما فليس هذا أمرا للمأمور الثّاني على المختار عند‬
‫الصوليّين ‪ .‬فقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مروا أولدكم بالصّلة وهم أبناء سبع سنين‬
‫» ليس أمرا منه للصّبيان بالصّلة ‪.‬‬
‫ن الواسطة مجرّد مبلّ ٍغ كان المر بالمر أمرا للمأمور الثّاني ‪ ،‬ومنه‬
‫لكن إن أفهمت القرينة أ ّ‬
‫ن عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض ‪،‬‬
‫ن عمر أخبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم أ ّ‬
‫«أّ‬
‫فقال ‪ :‬مره فليراجعها » ‪ .‬وليس من موضوع هذه المسألة ما لو صرّح المر بالتّبليغ نحو‬
‫ن هذا أمر للثّاني بل خلفٍ ‪.‬‬
‫ن يفعل كذا ) فإ ّ‬
‫قوله ‪ ( :‬قل لفل ٍ‬

‫تكرار المر ‪:‬‬
‫‪ - 9‬إذا كرّر المر المر قبل أن ينفّذ المأمور المر الوّل ‪ ،‬فقد يتعيّن الثّاني للتّأكيد ‪ ،‬كما في‬
‫نحو ‪ :‬صم هذا اليوم ‪ ،‬صم هذا اليوم ‪ ،‬إذ ل يصام اليوم مرّتين ‪ .‬ونحو ‪ :‬اسقني اسقني ‪ ،‬فإنّ‬

‫الحاجة الّتي دعت إلى طلب الماء تندفع بالشّرب الوّل ‪ .‬فإن دار الثّاني بين التّأسيس والتّأكيد‬
‫فقيل ‪ :‬يحمل على التّأسيس احتياطا ‪ ،‬ويكون المطلوب التيان بالفعل مكرّرا ‪ .‬وقيل ‪ :‬يحمل‬
‫على التّأكيد لكثرته في الكلم ‪.‬‬

‫امتثال المر يقتضي الجزاء ‪:‬‬
‫‪ - 10‬المأمور إذا أتى بالمأمور به على وجهه كما طلب مع الشّرائط والركان ‪ ،‬يستلزم‬
‫الجزاء اتّفاقا ‪ ،‬إذا فسّر الجزاء بالمتثال ‪.‬‬
‫أمّا إن فسّر الجزاء بسقوط القضاء ‪ ،‬فإنّ التيان بالمأمور به على وجهه يسقطه كذلك عند‬
‫الجمهور ‪ ،‬خلفا للقاضي عبد الجبّار المعتزليّ ‪.‬‬

‫تعارض المر والنّهي ‪:‬‬

‫‪ - 11‬النّهي عند الصوليّين يترجّح على المر ‪ ،‬لنّ دفع المفسدة المستفادة من النّهي أولى‬
‫من جلب المنفعة ‪ ،‬ولذا يترجّح حديث النّهي عن الصّلة في الوقات المكروهة على حديث‬
‫المر بصلة ركعتين قبل الجلوس في المسجد ‪ ،‬في حقّ من دخل المسجد قبيل غروب الشّمس‬
‫مثلً ‪ .‬وفي هذه المسائل المتقدّمة خلفات وتفصيلت أوسع ممّا تقدّم ‪ ،‬فليرجع إليها ضمن‬
‫مباحث المر من كتب أصول الفقه ‪ ،‬والملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫الحكام الفقهيّة إجمالً ‪:‬‬
‫طاعة الوامر ‪:‬‬

‫‪ - 12‬تجب طاعة أوامر اللّه تعالى الّتي تقتضي الوجوب ‪ ،‬وكذلك أوامر رسوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ .‬ويطاع سواهما في غير المعصية ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم « السّمع‬
‫ب وكره ‪ ،‬ما لم يؤمر بمعصي ٍة » فيطاع البوان ووليّ‬
‫والطّاعة على المرء المسلم فيما أح ّ‬
‫المر ونوّابه في غير الحرام ‪ ( .‬ر ‪ :‬طاعة ) ‪.‬‬

‫المر في الجنايات ‪:‬‬
‫ن فقتله ‪ ،‬فالقصاص على القاتل دون المر ‪ ،‬إن كان القاتل‬
‫‪ - 13‬من أمر إنسانا بقتل إنسا ٍ‬
‫مكلّفا ‪ ،‬لكن إن كان للمر ولية على المأمور ‪ ،‬أو خاف المأمور على نفسه لو لم يفعل ‪ ،‬ففي‬
‫وجوب القصاص عليهما أو على أحدهما خلف وتفصيل ‪.‬‬
‫ينظر في ( إكراه ‪ ،‬وقتل ‪ ،‬وقصاص )‬

‫ضمان المر ‪:‬‬

‫‪ - 14‬من أمر غيره بعملٍ ‪ ،‬فأتلف شيئا ‪ ،‬فالضّمان على المتلف ل على المر ‪ ،‬ويستثنى من‬
‫ذلك صور منها ‪ :‬أن يكون المر سلطانا أو أبا ‪ ،‬أو يكون المأمور صغيرا أو مجنونا أو أجيرا‬
‫لدى المر ‪ .‬وفي ذلك تفصيل يرجع إليه في مصطلح ( ضمان وإكراه ) ‪.‬‬

‫اليجاب أو القبول بصيغة المر ‪:‬‬
‫ح ‪ .‬وكذا لو قال‬
‫‪ - 15‬إذا قال ‪ :‬بعني هذا الثّوب بعشرين ‪ ،‬فقال ‪ :‬بعتك بها ‪ ،‬انعقد البيع وص ّ‬
‫البائع ‪ :‬اشتر منّي هذا الثّوب بكذا ‪ ،‬فقال ‪ :‬اشتريته به ‪ ،‬لصدق حدّ اليجاب والقبول عليهما ‪.‬‬
‫وكذا في التّزويج ‪ ،‬لو قال لرجلٍ ‪ :‬زوّجني ابنتك ‪ ،‬فقال ‪ :‬زوّجتكها ‪ ،‬ينعقد النّكاح ‪ .‬وهذا‬
‫بخلف الستفهام أو التّمنّي مثلً ‪ ،‬فل ينعقد بهما العقد ‪ .‬كما لو قال ‪ :‬أتبيعني هذا الثّوب بكذا‬
‫فقال ‪ :‬بعتكه بها ‪ .‬وفي ذلك تفصيل ‪ ،‬وفي بعضه خلف ( ر ‪ :‬صيغة ‪ ،‬عقد ‪ ،‬زواج ) ‪.‬‬

‫امرأة *‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫‪ - 1‬المرء هو النسان ‪ ،‬والنثى منه ( مرأة ) بإضافة تاء التّأنيث ‪ ،‬وقد تلحق بها همزة‬
‫الوصل فتصبح ( امرأة ) وهي اسم للبالغة ‪.‬‬
‫ل أنّها في بعض البواب كالمواريث تصدق على الصّغير‬
‫وهذا في اللّغة والصطلح ‪ .‬إ ّ‬
‫والكبير ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يمكن إجمال ما يتعلّق بالمرأة من أحكامٍ غالبا فيما يأتي ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ن لها حقّ الرّعاية في طفولتها من تربي ٍة وتعليمٍ لقول النّب ّ‬
‫أ ‪ -‬المرأة كإنسا ٍ‬
‫وسلم ‪ « :‬من كانت له ابنة فأدّبها فأحسن تأديبها ‪ ،‬وعلّمها فأحسن تعليمها ‪ ،‬وأوسع عليها من‬
‫نعم اللّه الّتي أسبغ عليه ‪ ،‬كانت له منع ًة وستر ًة من النّار » ‪.‬‬
‫وإذا رشدت كانت لها ذمّتها الماليّة المستقلّة ‪ ،‬وصار لها ح ّريّة التّعبير عن إرادتها ‪ ،‬ولذلك ل‬
‫تزوّج بدون إذنها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬والمرأة كأنثى ‪ ،‬مطالبة بالمحافظة على مظاهر أنوثتها ‪ ،‬فلها أن تتزيّن بزينة النّساء ‪،‬‬
‫ويحرم عليها التّشبّه بالرّجال ‪ .‬ومطالبة كذلك بالتّستّر وعدم الختلط بالرّجال الجانب أو‬
‫الخلوة بهم ‪ ،‬ولذلك تقف في الصّلة متأخّرةً عن صفوف الرّجال ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬والمرأة كمسلم ٍة ‪ ،‬مطالبة بكلّ التّكاليف الشّرعيّة الّتي فرضها اللّه على عباده ‪ ،‬مع‬
‫الختلف عن الذّكر في بعض هيئات العبادة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬والمرأة اختصّها اللّه سبحانه وتعالى بالحيض والحمل والولدة ‪ ،‬وترتّب على ذلك بعض‬
‫الحكام الفقهيّة كالتّخفيف عنها في العبادات في هذه الحالت ‪.‬‬
‫هن ‪ -‬ولضعف المرأة في الخلقة والتّكوين ‪ ،‬فإنّها ل تتولّى من العمال ما يحتاج إلى بذل‬
‫ي كالمارة والقضاء ‪ ،‬ولم يفرض عليها الجهاد في الجملة ‪ ،‬وكانت‬
‫الجهد الجسديّ والذّهن ّ‬
‫شهادتها على النّصف من شهادة الرّجل ‪.‬‬

‫و ‪ -‬ولنّ المرأة أكثر حنانا وشفق ًة من الرّجل كان حقّها في الحضانة مقدّما على الرّجل ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬والصل أن يكون عمل المرأة هو رعاية بيتها وزوجها وأولدها ‪ ،‬لذلك كانت نفقتها على‬
‫زوجها ولو كانت غنيّ ًة ‪ .‬وكان الرّجل قوّاما عليها ‪ ،‬يقول اللّه تعالى ‪ { :‬الرّجال قوّامون على‬
‫النّساء بما فضّل اللّه بعضهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالهم } ‪.‬‬
‫ل هذه المور ينظر في مصطلح ( أنوثة ) ‪.‬‬
‫وتفصيل ك ّ‬

‫المر بالمعروف والنّهي عن المنكر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬المر في اللّغة ‪ :‬كلم دالّ على طلب الفعل ‪ ،‬أو قول القائل لمن دونه ‪ :‬افعل ‪.‬‬
‫وأمرت بالمعروف ‪ :‬أي بالخير والحسان ‪.‬‬
‫ويقول ابن الثير ‪ :‬المعروف اسم جامع لكلّ ما عرف من طاعة اللّه والتّقرّب إليه ‪ ،‬والحسان‬
‫إلى النّاس ‪ ،‬وكلّ ما ندب إليه الشّرع من المحسّنات ‪ ،‬ونهى عنه من المقبّحات ‪ .‬وهو من‬
‫الصّفات الغالبة أي معروف بين النّاس إذا رأوه ل ينكرونه ‪.‬‬
‫والمر بالمعروف في اصطلح الفقهاء ‪ :‬هو المر باتّباع محمّدٍ صلى ال عليه وسلم ودينه‬
‫ل غير مستقبحٍ‬
‫ل ما كان معروفا فعله جمي ً‬
‫الّذي جاء به من عند اللّه ‪ ،‬وأصل المعروف ‪ :‬ك ّ‬
‫عند أهل اليمان ‪ ،‬ول يستنكرون فعله ‪.‬‬
‫أمّا النّهي عن المنكر ‪ ،‬فإنّ النّهي في اللّغة ‪ :‬ض ّد المر ‪ ،‬وهو قول القائل لمن دونه ‪ :‬ل تفعل‬
‫‪ .‬والمنكر لغ ًة ‪ :‬المر القبيح ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬المنكر ما ليس فيه رضى اللّه من قولٍ أو فعلٍ ‪ .‬فالنّهي عن المنكر في‬
‫ف عن فعل ما ليس فيه رضى اللّه تعالى ‪.‬‬
‫الصطلح ‪ :‬طلب الك ّ‬
‫هذا ‪ ،‬وقد عرّف الزّبيديّ المر بالمعروف بقوله ‪ :‬هو ما قبله العقل ‪ ،‬وأقرّه الشّرع ‪ ،‬ووافق‬
‫ل أو فعلٍ ‪.‬‬
‫كرم الطّبع ‪ .‬والنّهي عن المنكر ‪ :‬هو ما ليس فيه رضى اللّه تعالى من قو ٍ‬
‫أ ‪ -‬الحسبة ‪:‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ - 2‬الحتساب في اللّغة ‪ :‬العدّ والحساب ونحوه ‪ ،‬ومنه احتساب الجر عند اللّه ‪ ،‬أي ‪ :‬طلبه‬
‫كما في الحديث ‪ « :‬من مات له ولد فاحتسبه » أي ‪ :‬احتسب الجر بصبره على مصيبته به ‪،‬‬
‫قال صاحب اللّسان ‪ :‬معناه ع ّد مصيبته به في جملة بليا اللّه الّتي يثاب على الصّبر عليها ‪.‬‬
‫ل مشروعٍ يؤدّى للّه تعالى ‪ ،‬كالذان والقامة وأداء الشّهادة ‪ .‬إلخ ‪،‬‬
‫وفي الشّريعة يتناول ك ّ‬
‫ولهذا قيل ‪ :‬القضاء باب من أبواب الحسبة ‪.‬‬

‫ص في العرف بأمورٍ منها ‪ :‬إراقة الخمر وكسر المعازف وإصلح‬
‫قال التّهانويّ ‪ :‬واخت ّ‬
‫الشّوارع ‪ .‬والمر بالمعروف إذا ظهر تركه ‪ ،‬والنّهي عن المنكر إذا ظهر فعله ‪.‬‬
‫والحسبة من الوليات السلميّة الّتي يقصد بها المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ممّا ليس‬
‫من اختصاص الولة والقضاة وأهل الدّيوان ونحوهم ‪ .‬وممّا يقارب المر بالمعروف والنّهي‬
‫عن المنكر ‪ :‬النّصح والرشاد ‪ ،‬وقد سبقت المقارنة بينهما في مصطلح ( إرشاد ) ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬اتّفق الئمّة على مشروعيّة المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ‪ ،‬وحكى المام النّوويّ‬
‫وابن حزمٍ الجماع على وجوبه ‪ ،‬وتطابقت آيات الكتاب وأحاديث الرّسول صلى ال عليه‬
‫وسلم وإجماع المسلمين على أنّه من النّصيحة الّتي هي الدّين ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬ولتكن منكم‬
‫أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ‪.‬‬
‫وقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده ‪ ،‬فإن لم يستطع فبلسانه‬
‫‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف اليمان » ‪.‬‬
‫قال المام الغزاليّ ‪ :‬المر بالمعروف والنّهي عن المنكر أصل الدّين ‪ ،‬وأساس رسالة‬
‫المرسلين ‪ ،‬ولو طوي بساطه ‪ ،‬وأهمل علمه وعمله ‪ ،‬لتعطّلت النّبوّة واضمحلّت الدّيانة ‪،‬‬
‫وعمّت الفوضى ‪ ،‬وهلك العباد ‪.‬‬
‫إلّ أنّهم اختلفوا بعد ذلك في حكمه ‪ ،‬هل هو فرض عينٍ ‪ ،‬أو فرض كفايةٍ ‪ ،‬أو نافلة ؟ أو يأخذ‬
‫حكم المأمور به والمنهيّ عنه ‪ ،‬أو يكون تابعا لقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد ‪ .‬على‬
‫أربعة مذاهب ‪:‬‬
‫ضحّاك من أئمّة‬
‫سنّة ‪ ،‬وبه قال ال ّ‬
‫المذهب الوّل ‪ :‬أنّه فرض كفايةٍ ‪ .‬وهو مذهب جمهور أهل ال ّ‬
‫التّابعين والطّبريّ وأحمد بن حنبلٍ ‪.‬‬
‫ن في مواضع ‪:‬‬
‫المذهب الثّاني ‪ :‬أنّه فرض عي ٍ‬
‫ل هو ‪ ،‬وكان متمكّنا من إزالته ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬إذا كان المنكر في موضعٍ ل يعلم به إ ّ‬
‫ب ‪ -‬من يرى المنكر من زوجته أو ولده ‪ ،‬أو يرى الخلل بشي ٍء من الواجبات ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬والي الحسبة ‪ ،‬فإنّه يتعيّن عليه ‪ ،‬لختصاصه بهذا الفرض ‪.‬‬
‫المذهب الثّالث ‪ :‬إنّ المر بالمعروف والنّهي عن المنكر نافلة ‪ ،‬وهو مذهب الحسن البصريّ‬
‫وابن شبرمة ‪.‬‬
‫المذهب الرّابع ‪ :‬التّفصيل ‪ ،‬وقد اختلفوا على ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬

‫ن المر والنّهي يكون واجبا في الواجب فعله أو في الواجب تركه ‪ ،‬ومندوبا‬
‫القول الوّل ‪ :‬إ ّ‬
‫في المندوب فعله أو في المندوب تركه هكذا ‪ ،‬وهو رأي جلل الدّين البلقينيّ والذرعيّ من‬
‫الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ي الجبّائيّ من المعتزلة بين المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ‪،‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬فرّق أبو عل ّ‬
‫وقال ‪ :‬إنّ المر بالواجب واجب ‪ ،‬وبالنّافلة نافلة ‪ ،‬وأمّا المنكر فكلّه من بابٍ واحدٍ ‪ ،‬ويجب‬
‫النّهي عن جميعه ‪.‬‬
‫القول الثّالث ‪ :‬لبن تيميّة وابن القيّم وعزّ الدّين بن عبد السّلم ‪ ،‬قالوا ‪ :‬إنّ مقصود النّهي عن‬
‫المنكر أن يزول ويخلفه ضدّه ‪ ،‬أو يقلّ وإن لم يزل بجملته ‪ ،‬أو يخلفه ما هو مثله ‪ ،‬أو يخلفه‬
‫ما هو شرّ منه ‪ ،‬والوّلن مشروعان ‪ ،‬والثّالث موضع اجتهادٍ ‪ ،‬والرّابع محرّم ‪.‬‬

‫أركان المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ‪:‬‬
‫‪ - 4‬عقد الغزاليّ في إحياء علوم الدّين مبحثا جيّدا لركانه ‪ ،‬وحاصله ما يلي ‪ :‬الركان‬
‫اللّازمة للمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أربعة ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫( أ ) المر ‪.‬‬
‫( ب ) ما فيه المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ( المأمور فيه ) ‪.‬‬
‫( ج ) نفس المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ( الصّيغة ) ‪.‬‬
‫ن من الركان شروطه الخاصّة به على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫ن لكلّ رك ٍ‬
‫( د ) المأمور ‪ .‬ثمّ بيّن أ ّ‬

‫أوّلً ‪ :‬المر وشروطه ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬التّكليف ‪ ،‬ول يخفى وجه اشتراطه ‪ ،‬فإنّ غير المكلّف ل يلزمه أمر ‪ ،‬وما ذكر يراد به‬
‫شرط الوجوب ‪ ،‬فأمّا إمكان الفعل وجوازه فل يستدعي إلّ العقل ‪.‬‬
‫ن هذا نصرة للدّين ‪ ،‬فكيف يكون من أهله من هو‬
‫ب ‪ -‬اليمان ‪ ،‬ول يخفى وجه اشتراطه ‪ ،‬ل ّ‬
‫جاحد لصله ومن أعدائه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العدالة ‪ :‬وقد اختلفوا في هذا الشّرط ‪ ،‬فاعتبرها قوم ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ليس للفاسق أن يأمر‬
‫وينهى ‪ ،‬واستدلّوا بقوله تعالى ‪ { :‬أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم } ‪ .‬وقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫كبر مقتا عند اللّه أن تقولوا ما ل تفعلون } ‪ .‬وقال آخرون ‪ :‬ل تشترط في المر بالمعروف‬
‫والنّهي عن المنكر العصمة من المعاصي كلّها ‪ ،‬وإلّ كان خرقا للجماع ‪ ،‬ولهذا قال سعيد بن‬
‫ل من ل يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيءٍ ‪.‬‬
‫جبيرٍ ‪ :‬إذا لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر إ ّ‬
‫وقد ذكر ذلك عند مالكٍ فأعجبه ‪.‬‬
‫ن لشارب الخمر أن يجاهد في سبيل اللّه ‪ ،‬وكذلك ظالم اليتيم ‪،‬‬
‫واستدلّ أصحاب هذا الرّأي بأ ّ‬
‫ولم يمنعوا من ذلك ل في عهد الرّسول صلى ال عليه وسلم ول بعده ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬محلّ المر بالمعروف والنّهي عن المنكر وشروطه ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬كون المأمور به معروفا في الشّرع ‪ ،‬وكون المنهيّ عنه محظور الوقوع في الشّرع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون موجودا في الحال ‪ ،‬وهذا احتراز عمّا فرغ منه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يكون المنكر ظاهرا بغير تجسّسٍ ‪ ،‬فكلّ من أغلق بابه ل يجوز التّجسّس عليه ‪ ،‬وقد‬
‫نهى اللّه عن ذلك فقال ‪ { :‬ول تجسّسوا } وقال ‪ { :‬وأتوا البيوت من أبوابها } وقال ‪ { :‬ل‬
‫تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها } ‪.‬‬
‫ل اجتهادٍ فليس‬
‫د ‪ -‬أن يكون المنكر متّفقا على تحريمه بغير خلفٍ معتبرٍ ‪ ،‬فكلّ ما هو مح ّ‬
‫محلّا للنكار ‪ ،‬بل يكون محلّا للرشاد ‪ ،‬ينظر مصطلح ( إرشاد ) ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬الشّخص المأمور أو المنهيّ ‪:‬‬

‫وشرطه أن يكون بصف ٍة يصير الفعل الممنوع منه في حقّه منكرا ‪ ،‬ول يشترط كونه مكلّفا ‪ ،‬إذ‬
‫لو شرب الصّبيّ الخمر منع منه وأنكر عليه ‪ ،‬وإن كان قبل البلوغ ‪ .‬ول يشترط كونه مميّزا ‪،‬‬
‫فالمجنون أو الصّبيّ غير المميّز لو وجدا يرتكبان منكرا لوجب منعهما منه ‪.‬‬

‫رابعا ‪ :‬نفس المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ‪:‬‬
‫ثمن‬
‫ثمن الوعنظ والنّصنح ‪ّ ،‬‬
‫ثمن النّهني ‪ّ ،‬‬
‫وله درجات وآداب ‪ .‬أمّا الدّرجات فأوّلهنا التّعرينف ‪ّ ،‬‬
‫التّعن يف ‪ ،‬ث مّ التّغي ير بال يد ‪ ،‬ث ّم التّهد يد بالضّرب ‪ ،‬ث مّ إيقاع الضّرب ‪ ،‬ث مّ ش هر ال سّلح ‪ ،‬ث مّ‬
‫الستظهار فيه بالعوان والجنود ‪ .‬وسيأتي تفصيل ذلك ‪.‬‬

‫مراتب المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ‪:‬‬

‫‪ - 5‬يرى جمهور الفقهاء أنّ المراتب الساسيّة للمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ثلث ‪،‬‬
‫وذلك لحديث أبي سعيدٍ الخدريّ ‪ ،‬قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬من‬
‫رأى منكم منكرا فليغيّره بيده ‪ ،‬فإن لم يستطع فبلسانه ‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه ‪ ،‬وذلك أضعف‬
‫اليمان »‬
‫فمن وسائل النكار التّعريف باللّطف والرّفق ‪ ،‬ليكون أبلغ في الموعظة والنّصيحة ‪ ،‬وخاصّةً‬
‫لصحاب الجاه والعزّة والسّلطان وللظّالم المخوف شرّه ‪ ،‬فهو أدعى إلى قبوله الموعظة ‪.‬‬
‫وأعلى المراتب اليد ‪ ،‬فيكسر آلت الباطل ويريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله ‪ ،‬وينزع‬
‫المغصوب ‪ ،‬ويردّه إلى أصحابه بنفسه ‪ ،‬فإذا انتهى المر بذلك إلى شهر السّلح ربط المر‬
‫بالسّلطان ‪ .‬وقد فصّل الغزاليّ في الحياء مراتب المر والنّهي وقسّمها إلى سبع مراتب ‪،‬‬
‫تنظر في مصطلح ( حسبة ) ‪.‬‬

‫هذا ويجب قتال المقيمين على المعاصي الموبقات ‪ ،‬المصرّين عليها المجاهرين بها على كلّ‬
‫أحدٍ من النّاس إذا لم يرتدعوا ‪ -‬وهذا بالنّسبة للمام ‪ -‬لنّنا مأمورون بوجوب التّغيير عليهم ‪،‬‬
‫والنّكير بما أمكن باليد ‪ ،‬فإذا لم يستطع فلينكر بلسانه ‪ ،‬وذلك إذا رجا أنّه إن أنكر عليهم بالقول‬
‫أن يزولوا عنه ويتركوه ‪ ،‬فإن خاف على نفسه أو على عض ٍو من أعضائه ‪ ،‬أنكر بقلبه ‪ .‬فلو‬
‫ل أن يكون التّأثير باللّسان أقرب ‪ ،‬أو أنّه‬
‫قدر واحد باليد وآخرون باللّسان تعيّن على الوّل ‪ ،‬إ ّ‬
‫يتأثّر به ظاهرا وباطنا ‪ ،‬في حين ل يتأثّر بذي اليد إلّ ظاهرا فقط ‪ ،‬فيتعيّن على ذي اللّسان‬
‫حينئذٍ ‪.‬‬
‫‪ -6‬ول يسقط النكار بالقلب عن المكلّف باليد أو اللّسان أصلً ‪ ،‬إذ هو كراهة المعصية ‪ ،‬وهو‬
‫ل مكّلفٍ ‪ ،‬فإن عجز المكلّف عن النكار باللّسان وقدر على التّعبيس والهجر‬
‫واجب على ك ّ‬
‫والنّظر شزرا لزمه ‪ ،‬ول يكفيه إنكار القلب ‪ ،‬فإن خاف على نفسه أنكر بالقلب واجتنب‬
‫صاحب المعصية ‪ .‬قال ابن مسعو ٍد رضي ال عنه ‪ ":‬جاهدوا الكفّار بأيديكم فإن لم تستطيعوا‬
‫إلّ أن تكفهرّوا في وجوههم فافعلوا "‪.‬‬

‫أخذ الجر على القيام بالمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ‪:‬‬
‫‪ - 7‬الصل أنّ كلّ طاع ٍة ل يجوز الستئجار عليها ‪ ،‬كالمر بالمعروف والنّهي عن المنكر‬
‫والذان والحجّ وتعليم القرآن والجهاد ‪ .‬وهو رأي للحنفيّة ومذهب المام أحمد ‪ ،‬لما روي عن‬
‫ن آخر ما عهد إليّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم أن اتّخذ مؤذّنا‬
‫عثمان بن أبي العاص قال ‪ « :‬إ ّ‬
‫ل يأخذ على أذانه أجرا » وما رواه « عبادة بن الصّامت قال ‪ :‬علّمت ناسا من أهل الصّفّة‬
‫القرآن والكتابة ‪ ،‬فأهدى إليّ رجل منهم قوسا ‪ ،‬قلت ‪ :‬قوس وليس بمالٍ ‪ ،‬أتقلّدها في سبيل اللّه‬
‫‪ ،‬فذكرت ذلك للنّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬إن كنت تحبّ أن تطوّق طوقا من نارٍ فاقبلها‬
‫»‬
‫وأجاز الشّافعيّ ومالك ومتأخّرو الحنفيّة ذلك ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد ‪ ،‬وقال به أبو قلبة وأبو‬
‫ثورٍ وابن المنذر ‪ " ،‬لنّ « رسول اللّه صلى ال عليه وسلم زوّج رجلً بما معه من القرآن »‬
‫وجعل ذلك يقوم مقام المهر ‪ .‬وقد روي عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬أحقّ‬
‫ن المحتسب المعيّن يفرض له كفايته من بيت المال ‪،‬‬
‫ما أخذتم عليه أجرا كتاب اللّه » على أ ّ‬
‫ما يفرض للقضاة وأصحاب الوليات ‪ ،‬بخلف المتطوّع لنّه غير متف ّرغٍ لذلك ‪ ( .‬ر ‪ :‬إجارة‬
‫)‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫أمرد *‬

‫‪ - 1‬المرد في اللّغة من المرد ‪ ،‬وهو نقاء الخدّين من الشّعر ‪ ،‬يقال ‪ :‬مرد الغلم مردا ‪ :‬إذا‬
‫طرّ شاربه ولم تنبت لحيته ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء هو ‪ :‬من لم تنبت لحيته ‪ ،‬ولم يصل إلى أوان إنباتها في غالب النّاس‬
‫ن طرور الشّارب وبلوغه مبلغ الرّجال ليس بقي ٍد ‪ ،‬بل هو بيان لغايته ‪ ،‬وأنّ ابتداءه‬
‫والظّاهر أ ّ‬
‫حين بلوغه سنّا تشتهيه النّساء ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الجرد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الجرد في اللّغة هو ‪ :‬من ل شعر على جسده ‪ ،‬والمرأة جرداء ‪ .‬وفي الصطلح ‪ :‬الّذي‬
‫ط وأثطّ ‪( .‬‬
‫ليس على وجهه شعر ‪ ،‬وقد مضى أوان طلوع لحيته ‪ .‬ويقال له في اللّغة أيضا ‪ :‬ث ّ‬
‫ر ‪ :‬أجرد ) أمّا إذا كان على جميع بدنه شعر فهو ‪ :‬أشعر ‪.‬‬
‫المراهق ‪:‬‬
‫‪ - 3‬إذا قارب الغلم الحتلم ولم يحتلم فهو مراهق ‪ .‬فيقال ‪ :‬جارية مراهقة ‪ ،‬وغلم‬
‫مراهق ‪ ،‬ويقال أيضا ‪ :‬جارية راهقة وغلم راهق ‪.‬‬

‫الحكام الجماليّة المتعلّقة بالمرد ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬النّظر والخلوة ‪:‬‬

‫ص الحنفيّة والشّافعيّة على أنّه يأخذ حكم‬
‫‪ - 4‬إن كان المرد غير صبيحٍ ول يفتن ‪ ،‬فقد ن ّ‬
‫غيره من الرّجال ‪ .‬أمّا إن كان صبيحا حسنا يفتن ‪ ،‬وضابطه أن يكون جميلً بحسب طبع‬
‫ن الحسن يختلف باختلف الطّباع فله في هذه الصّورة حالتان ‪:‬‬
‫النّاظر ولو كان أسود ‪ ،‬ل ّ‬
‫الولى ‪ :‬أن يكون النّظر والخلوة وغير ذلك من المور المتعلّقة بالمر بل قصد اللتذاذ ‪،‬‬
‫والنّاظر مع ذلك آمن الفتنة ‪ ،‬كنظر الرّجل إلى ولده أو أخيه المرد الصّبيح ‪ ،‬فهو في غالب‬
‫الحوال ل يكون بتلذّذٍ ‪ ،‬فهذا مباح ول إثم فيه عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬أن يكون ذلك بلذّ ٍة وشهو ٍة ‪ ،‬فالنّظر إليه حرام ‪.‬‬
‫شكّ‬
‫ن المرد يلحق بالمرأة في النّظر إن كان بشهوةٍ ‪ ،‬ولو مع ال ّ‬
‫وقد ذكر الحنفيّة والشّافعيّة أ ّ‬
‫في وجودها ‪ ،‬وحرمة النّظر إليه بشبه ٍة أعظم إثما ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لنّ خشية الفتنة به عند بعض‬
‫النّاس أعظم منها ‪.‬‬
‫أمّا الخلوة بالمرد فهي كالنّظر ‪ ،‬بل أقرب إلى المفسدة حتّى رأى الشّافعيّة حرمة خلوة المرد‬
‫بالمرد وإن تعدّد ‪ ،‬أو خلوة الرّجل بالمرد وإن تعدّد ‪ .‬نعم إن لم تكن هناك ريبة فل تحرم‬
‫كشارعٍ ومسجدٍ مطروقٍ ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬مصافحة المرد ‪:‬‬

‫ن المسّ‬
‫س ومصافحة المرد الصّبيح بقصد التّلذّذ ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫‪ - 5‬جمهور الفقهاء على حرمة م ّ‬
‫بشهو ٍة عندهم كالنّظر بل أقوى وأبلغ منه ‪.‬‬
‫س المرد ومصافحته ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة كراهة م ّ‬

‫ثالثا ‪ :‬انتقاض الوضوء بمسّ المرد ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يرى المالكيّة ‪ ،‬وهو قول للمام أحمد إنّه ينتقض الوضوء بلمس المرد الصّبيح لشهوةٍ ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة ‪ ،‬وهو القول الخر لحمد عدم انتقاضه ‪.‬‬

‫رابعا ‪ :‬إمامة المرد ‪:‬‬

‫‪ - 7‬جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) على أنّه تكره الصّلة خلف المرد‬
‫ل فتنةٍ ‪ .‬ولم نجد نصّا للمالكيّة في هذه المسألة ‪.‬‬
‫الصّبيح ‪ ،‬وذلك لنّه مح ّ‬

‫خامسا ‪ :‬ما يراعى في التّعامل مع المرد وتطبيبه ‪:‬‬
‫‪ - 8‬التّعامل مع المرد الصّبيح من غير المحارم ينبغي أن يكون مع شيءٍ من الحذر غالبا‬
‫ولو في مقام تعليمهم وتأديبهم لما فيه من الفات ‪.‬‬
‫وعند الحاجة إلى معاملة المرد للتّعليم أو نحوه ينبغي القتصار على قدر الحاجة ‪ ،‬وبشرط‬
‫السّلمة وحفظ قلبه وجوارحه عند التّعامل معهم ‪ ،‬وحملهم على الجدّ والتّأدّب ومجانبة‬
‫ن كلّ ما كان سببا للفتنة فإنّه ل يجوز ‪ ،‬حيث يجب سدّ الذّريعة‬
‫النبساط معهم ‪ .‬والصل ‪ :‬أ ّ‬
‫إلى الفساد إذا لم يعارضها مصلحة ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫إمساك *‬

‫‪ - 1‬من معاني المساك في اللّغة القبض ‪ .‬يقال ‪ :‬أمسكته بيدي إمساكا ‪ :‬قبضته ‪ ،‬ومن معانيه‬
‫أيضا الكفّ يقال ‪ :‬أمسكت عن المر ‪ :‬كففت عنه ‪.‬‬
‫واستعمله الفقهاء أيضا في هذين المعنيين في مواضع مختلفةٍ ‪ ،‬لنّ مرادهم بالمساك في‬
‫الجنايات القبض باليد ‪ .‬فإذا أمسك رجل آخر فقتله الثّالث يقتل الممسك قصاصا عند المالكيّة‬
‫إذا كان المساك بقصد القتل ‪ ،‬وعند غيرهم ل يقتل كما سيأتي ‪ .‬ومرادهم بالمساك في‬
‫الصّيام ‪ :‬الكفّ عن المفطرات والمتناع عن الكل والشّرب والجماع ‪ ،‬كما صرّحوا بذلك ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الحتباس ‪:‬‬
‫ص بما يحبسه النسان لنفسه ‪ .‬تقول ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحتباس لغ ًة ‪ :‬هو المنع من ح ّريّة السّعي ‪ ،‬ويخت ّ‬
‫احتبست الشّيء ‪ :‬إذا اختصصته لنفسك خاصّ ًة ‪.‬‬

‫ويطلق الحتباس عند الفقهاء على تسليم المرأة نفسها لزوجها ‪ ،‬كما قالوا ‪ :‬إنّ النّفقة جزاء‬
‫الحتباس ‪ .‬كما يطلقون الحتباس أو الحبس على الوقف ‪ ،‬لما فيه من منع التّصرّف فيه ‪،‬‬
‫ص من المساك ‪.‬‬
‫وعلى هذا فالحتباس أخ ّ‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫يختلف حكنم المسناك باختلف الموضوعات الّتني ذكنر فيهنا ‪ :‬منن الصنّيام ‪ ،‬والصنّيد ‪،‬‬
‫والطّلق ‪ ،‬والقصاص ‪.‬‬

‫أوّلً ‪ :‬إمساك الصّيد ‪:‬‬

‫‪ - 3‬يطلق إمساك الصّيد على الصطياد ‪ ،‬وعلى إبقاء الصّيد في اليد بدلً من إرساله ‪ ،‬وقد‬
‫ن إمساك صيد البرّ حرام إذا كان في حالة الحرام ‪ ،‬أو كان في داخل‬
‫اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫حدود الحرم ‪ .‬وكذلك الدّللة والشارة إلى الصّيد والعانة في قتله ‪ ،‬كما هو مبيّن في‬
‫مصطلح ( إحرام ) على تفصيلٍ في ذلك ‪.‬‬
‫‪ - 4‬ويجوز الصطياد بجوارح السّباع والطّير ‪ ،‬كالكلب والفهد والبازي والشّاهين ‪ ،‬ويشترط‬
‫في الجارح أن يمسك الصّيد على صاحبه ‪ .‬بشرط كونه معلّما ‪.‬‬
‫والمساك على صاحبه شرط من شروط كون الكلب معلّما عند الجمهور ‪ ،‬فإنّهم صرّحوا أنّ‬
‫تعليم الكلب هو أنّه إذا أرسل اتّبع الصّيد ‪ .‬وإذا أخذه أمسكه على صاحبه ‪ .‬ول يأكل منه شيئا‬
‫‪ .‬حتّى لو أخذ صيدا فأكل منه ل يؤكل عند الجمهور ‪ ،‬بدليل قوله تعالى ‪ { :‬فكلوا ممّا أمسكن‬
‫ن حدّ تعليم الكلب وما هو في معناه هو المساك على صاحبه وترك الكل‬
‫عليكم } إشارةً إلى أ ّ‬
‫منه ‪ ،‬والكلب الّذي يأكل إنّما أمسك على نفسه ل على صاحبه ‪ ،‬فكان فعله مضافا إليه ل إلى‬
‫ي بن حاتمٍ أنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫المرسل فل يجوز أكله ‪ .‬واستدلّ لذلك بحديث « عد ّ‬
‫قال له ‪ :‬فإن أكل فل تأكل ‪ ،‬فإنّي أخاف أن يكون إنّما أمسك على نفسه » ‪.‬‬
‫وقال مالك وهو رواية عن أحمد ‪ :‬إنّ المساك ليس شرطا في تعليم الحيوان الّذي يرسل إلى‬
‫الصّيد ‪ .‬فالحيوان المعلّم هو الّذي إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر ‪ ،‬لنّ التّعليم إنّما شرط‬
‫حالة الصطياد وهي حالة التّباع ‪ .‬أمّا المساك على صاحبه وترك الكل فيكونان بعد الفراغ‬
‫عن الصطياد فل يشترطان ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ( صيد ) ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬المساك في الصّيام ‪:‬‬
‫‪ - 5‬المساك عن الكل والشّرب والجماع بشرائط مخصوص ٍة هو معنى الصّيام عند الفقهاء ‪.‬‬
‫ن اليوم من‬
‫وهناك إمساك ل يعدّ صوما ‪ ،‬لكنّه واجب في أحوالٍ منها ‪ :‬ما إذا أفطر لعتقاده أ ّ‬
‫شعبان ‪ ،‬فتبيّن أنّه من رمضان ‪ ،‬لزمه المساك عن جميع المفطرات لحرمة الشّهر ‪ ،‬وإن كان‬
‫ل يحتسب إمساكه هذا صوما ‪.‬‬

‫كذلك يلزم إمساك بقيّة اليوم لكلّ من أفطر في نهار رمضان والصّوم لزم له ‪ ،‬كالمفطر بغير‬
‫ن الشّمس قد غابت ولم‬
‫ن الفجر لم يطلع وقد كان طلع ‪ ،‬أو ظنّ أ ّ‬
‫عذرٍ ‪ ،‬والمفطر يظنّ أ ّ‬
‫تغب ‪ ،‬مع وجوب القضاء عند عامّة الفقهاء ‪.‬‬
‫‪ -6‬أمّا من يباح له الفطر وزال عذره في نهار رمضان كما لو بلغ الصّبيّ ‪ ،‬أو أفاق المجنون‬
‫‪ ،‬أو أسلم الكافر ‪ ،‬أو صحّ المريض أو أقام المسافر ‪ ،‬أو طهرت الحائض والنّفساء ‪ ،‬فالمالكيّة‬
‫وكذا الشّافعيّة في الصحّ والحنابلة في رواي ٍة على عدم وجوب المساك عليهم بقيّة يومهم ‪.‬‬
‫وصرّح بعضهم باستحباب إمساكهم لحرمة الشّهر ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة والشّافعيّة في قولهم الثّاني والحنابلة في روايةٍ فقد صرّحوا بوجوب المساك عليهم‬
‫بقيّة يومهم ‪ ،‬كما إذا قامت البيّنة على رؤية هلل رمضان في أثناء النّهار ‪ .‬وللفقهاء في‬
‫شكّ خلف وتفصيل ‪ ،‬لكن المالكيّة صرّحوا بأنّه يندب المساك عن المفطر في‬
‫صوم يوم ال ّ‬
‫شكّ بقدر ما جرت العادة بالثّبوت فيه ليتحقّق الحال ‪.‬‬
‫يوم ال ّ‬
‫وللتّفصيل في هذه المسائل يرجع إلى مصطلح ( صيام ) ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬المساك في القصاص ‪:‬‬
‫‪ - 7‬إن أمسك شخص إنسانا وقتله آخر فل خلف أنّ القاتل يقتل قصاصا ‪ .‬أمّا الممسك فإن‬
‫ن الجاني كان يريد القتل فل قصاص عليه اتّفاقا ‪ ،‬لنّه متسبّب والقاتل مباشر ‪،‬‬
‫لم يعلم أ ّ‬
‫والقاعدة الفقهيّة تقول ‪ ( :‬إذا اجتمع المباشر والمتسبّب يضاف الحكم إلى المباشر ) ‪.‬‬
‫كذلك إذا كان المساك بقصد القتل بحيث لول إمساكه له لما أدركه القاتل مع علم الممسك بأنّ‬
‫الجاني قاصد قتله فقتله الثّالث فالحنفيّة والشّافعيّة على أنّه ل يقتصّ من الممسك ‪ ،‬لتقديم‬
‫المباشر على المتسبّب ‪.‬‬
‫ص من القاتل لمباشرته ‪،‬‬
‫ص من الممسك لتسبّبه كما يقت ّ‬
‫وقال مالك وهو رواية عن أحمد ‪ :‬يقت ّ‬
‫لنّه لو لم يمسكه لما قدر القاتل على قتله ‪ ،‬وبإمساكه تمكّن من قتله ‪ ،‬فيكونان شريكين ‪.‬‬
‫ن من أمسك شخصا ليقتله الطّالب يحبس الممسك حتّى يموت ‪ .‬لنّه أمسك‬
‫وروي عن أحمد أ ّ‬
‫القتيل حتّى الموت ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ( قصاص )‬

‫رابعا ‪ :‬المساك في الطّلق ‪:‬‬

‫‪ - 8‬المساك من صيغ الرّجعة في الطّلق الرّجعيّ عند الجمهور ( الحنفيّة والحنابلة وهو‬
‫الصحّ عند الشّافعيّة ) فتصحّ الرّجعة بقوله ‪ :‬مسكتك أو أمسكتك بدون حاج ٍة إلى ال ّنيّة ‪ ،‬لنّه‬
‫ورد به الكتاب لقوله تعالى ‪ { :‬فأمسكوهنّ بمعروفٍ } يعني الرّجعة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة وهو القول الثّاني للشّافعيّة ‪ :‬إن قال ‪ :‬أمسكتها ‪ ،‬يكون مراجعا بشرط ال ّنيّة ‪.‬‬
‫ويصير مراجعا بالمساك الفعليّ إذا كان بشهو ٍة عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد ‪ ،‬وكذلك‬

‫عند المالكيّة إذا اقترن المساك بالنّيّة ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل تحصل الرّجعة بفعلٍ كوطءٍ‬
‫ومقدّماته ‪ ،‬لنّ ذلك حرّم بالطّلق ومقصود الرّجعة حلّه ‪ ،‬فل تحصل به ‪.‬‬
‫أمّا المساك لغير شهوةٍ فليس برجع ٍة عند عامّة الفقهاء ‪.‬‬
‫ن الطّلق في الحيض طلق بدع ٍة لكنّه إن حصل وقع ‪ ،‬وتستحبّ مراجعتها‬
‫‪ -9‬وذكر الفقهاء أ ّ‬
‫عند الجمهور ‪ .‬وقال مالك ‪ :‬يجبر على الرّجعة ‪ ،‬لحديث ابن عمر « مره فليراجعها ثمّ‬
‫ليمسكها حتّى تطهر ث ّم تحيض ثمّ تطهر » ‪.‬‬
‫فإذا راجعها وجب إمساكها عند عامّة الفقهاء حتّى تطهر من الحيض وندب إمساكها حتّى‬
‫تحيض حيضةً أخرى ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ( رجعة ) ‪.‬‬

‫إمضاء *‬
‫انظر ‪ :‬إجازة ‪.‬‬

‫إملك *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الملك هو ‪ :‬التّزويج وعقد النّكاح‬

‫ي ومواطن البحث ‪:‬‬
‫الحكم الجمال ّ‬
‫ص به تذكر فيه أحكامه ‪.‬‬
‫‪ - 2‬الملك بمعنى ‪ :‬عقد النّكاح ‪ ،‬وله مصطلح خا ّ‬
‫ووليمة الملك بمعنى وليمة العقد ‪ ،‬فهي سنّة عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬والجابة إليها سنّة عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول ابن قدامة وغيره من الحنابلة ‪ ،‬وقال بعض الحنابلة ‪ :‬إنّها مباحة ‪ .‬وهل‬
‫تتعدّد مع وليمة الدّخول ؟ قال الشّافعيّة ‪ :‬المعتمد أنّها واحدة ‪ .‬ولم نطّلع على حكم وليمة‬
‫الملك عند المالكيّة والحنفيّة ‪ .‬ويتكلّم الفقهاء عن الملك في باب الوليمة من كتاب النّكاح ‪،‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ( وليمة ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫أمّ *‬

‫‪ - 1‬أ ّم الشّيء في اللّغة ‪ :‬أصله ‪ ،‬والمّ ‪ :‬الوالدة ‪ ،‬والجمع أمّهات وأمّات ولكن كثر‬
‫( أمّهات ) في الدميّات ( وأمّات ) في الحيوان ‪.‬‬
‫ويقول الفقهاء ‪ :‬إنّ من ولدت النسان فهي أمّه حقيقةً ‪ ،‬أمّا من ولدت من ولده فهي أمّه مجازا‬
‫‪ ،‬وهو الجدّة ‪ ،‬وإن علت كأمّ الب وأ ّم المّ ‪.‬‬
‫ومن أرضعت إنسانا ولم تلده فهي أمّه من الرّضاع ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫للمّ أحكام خاصّة في الفقه السلميّ تفصيلها فيما يلي ‪:‬‬

‫برّ الوالدين ‪:‬‬

‫‪ - 2‬ومن الواجب على المسلم برّ الوالدين وإن كانا فاسقين أو كافرين ‪ ،‬ويجب طاعتهما في‬
‫غير معصية اللّه تعالى ‪ ،‬فإن كانا كافرين فليصاحبهما في الدّنيا معروفا ‪ ،‬ول يطعهما في كفرٍ‬
‫ول في معصية اللّه تعالى قال سبحانه وتعالى ‪ { :‬وقضى ربّك ألّ تعبدوا إلّ إيّاه وبالوالدين‬
‫إحسانا } وقال تعالى ‪ { :‬وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فل تطعهما‬
‫وصاحبهما في الدّنيا معروفا }‬
‫وهي أولى من الب بالبرّ لقوله تعالى ‪ { :‬ووصّينا النسان بوالديه إحسانا حملته أمّه وهنا‬
‫ن وفصاله في عامين } ولنّ« النّبيّ صلى ال عليه وسلم جاءه رجل فقال ‪ :‬يا رسول‬
‫على وه ٍ‬
‫اللّه من أحقّ بحسن صحابتي ؟ قال ‪ :‬أمّك ‪ .‬قال ‪ :‬ثمّ من ؟ قال ‪ :‬أمّك ‪ .‬قال ‪ :‬ثمّ من ؟ قال ‪:‬‬
‫أمّك قال ‪ :‬ثمّ من ؟ قال ‪ :‬أبوك » وعن ابن مسعودٍ رضي ال عنه قال ‪ « :‬سألت رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم أيّ العمل أفضل ؟ قال ‪ :‬الصّلة لوّل وقتها ‪ ،‬وبرّ الوالدين»‬

‫تحريم المّ ‪:‬‬
‫‪ - 3‬أجمعوا على تحريم نكاح المّ النّسبيّة وإن علت على ابنها لقوله تعالى ‪ { :‬حرّمت عليكم‬
‫أمّهاتكم } ومثلها المّ من الرّضاع لقوله تعالى ‪ { :‬وأمّهاتكم اللّاتي أرضعنكم } ‪.‬‬

‫النّظر إلى المّ والمسافرة بها ‪:‬‬

‫‪ - 4‬اتّفق الفقهاء على جواز النّظر إلى المّ ‪ ،‬ولكن اختلفوا في محلّ جواز النّظر ‪ ،‬فذهب‬
‫الحنفيّة إلى جواز النّظر من المّ إلى الرّأس والوجه والصّدر والسّاق والعضدين ‪ ،‬فل يجوز‬
‫النّظر إلى الظّهر والبطن والفخذ ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه ينظر إلى الوجه والطراف ‪ ،‬فل يجوز النّظر إلى الصّدر والظّهر‬
‫والثّدي والسّاق ‪ ،‬وإن لم يلتذّ به ‪.‬‬
‫ل أنّهم أجازوا النّظر إلى السّاق من المحرم ‪ ،‬وذهب‬
‫والحنابلة في المعتمد عندهم كالمالكيّة إ ّ‬
‫الشّافعيّة والقاضي من الحنابلة إلى تحريم النّظر من المحرم إلى ما بين السّرّة والرّكبة ويحلّ‬
‫ما عداه ‪ .‬واتّفق الفقهاء أيضا على أنّ هذا التّحديد في النّظر على اختلف المذاهب مشروط‬
‫بعدم النّظر بشهو ٍة ‪ ،‬فإن كان بشهو ٍة حرم ‪ .‬ويجوز للمّ أن تسافر مع ولدها لنّه من أقوى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يحلّ لمرأةٍ تؤمن باللّه واليوم الخر أن‬
‫المحارم لها ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫تسافر مسيرة يومٍ وليل ٍة ليس معها حرمة » ‪.‬‬

‫النّفقة ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع العلماء على وجوب النّفقة للوالدين اللّذين ل كسب لهما ول مال ‪،‬‬

‫سواء أكان الوالدان مسلمين أو كافرين ‪ ،‬وسواء كان الفرع ذكرا أم أنثى ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫ن أطيب ما يأكل الرّجل‬
‫{ وصاحبهما في الدّنيا معروفا } ولقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫من كسبه ‪ ،‬وولده من كسبه » ‪ .‬وللتّفصيل انظر ( نفقة ) ‪.‬‬

‫الحضانة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬تثبت الحضانة للمّ المسلمة اتّفاقا ما لم يكن مانع ‪ ،‬بل هي أولى من غيرها ‪ ،‬وكذا المّ‬
‫ف وتفصيلٍ فيها ‪ -‬وتجب عليها الحضانة إذا تعيّنت بألّ يكون غيرها ‪.‬‬
‫الكتابيّة ‪ -‬على خل ٍ‬
‫وللتّفصيل ‪ :‬انظر مصطلح ( حضانة ) ‪.‬‬
‫ل‪:‬‬
‫‪ - 7‬للمّ في الميراث ثلثة أحوا ٍ‬

‫الميراث ‪:‬‬

‫الوّل ‪ :‬استحقاق السّدس فرضا ‪ ،‬وذلك إذا كان للميّت فرع وارث ‪ ،‬أو اثنان من الخوة‬
‫والخوات من أيّ جه ٍة كانوا ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬استحقاق ثلث التّركة كلّها فرضا ‪ ،‬وذلك عند عدم الفرع الوارث أصلً ‪ ،‬وعدم اثنين‬
‫فأكثر من الخوة والخوات ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬استحقاق ثلث الباقي من التّركة ‪ ،‬وذلك في مسألتين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون الورثة زوجا وأمّا وأبا ‪ ،‬فللمّ ثلث الباقي بعد فرض الزّوج ‪ ،‬وهو يساوي هنا‬
‫السّدس ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون الورثة زوج ًة وأمّا وأبا ‪ ،‬فللمّ ثلث الباقي بعد فرض الزّوجة ‪ ،‬وهو يساوي‬
‫هنا الرّبع ‪ .‬وقد سمّى الفقهاء هاتين المسألتين بالغرّاوين أو العمريّتين ‪ ،‬لقضاء عمر رضي ال‬
‫عنه فيهما بذلك ‪.‬‬

‫الوصيّة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ل يدخل الوالدان والولد في الوصيّة للقرباء ‪ ،‬لنّهم يرثون في كلّ حالٍ ‪ ،‬ول يحجبون ‪،‬‬
‫ث»‬
‫وقد قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل وصيّة لوار ٍ‬

‫الولية ‪:‬‬

‫‪ - 9‬يرى جمهور الفقهاء أنّه ل ولية للمّ على مال الصّغير ‪ ،‬لنّ الولية ثبتت بالشّرع فلم‬
‫تثبت للمّ كولية النّكاح ‪ ،‬لكن يجوز أن يوصى إليها فتصير وصيّةً باليصاء ‪.‬‬
‫وفي رأيٍ للشّافعيّة ‪ -‬خلف الصحّ ‪ -‬وهو قول ذكره القاضي والشّيخ تقيّ الدّين بن تيميّة من‬
‫الحنابلة تكون لها الولية بعد الب والجدّ ‪ ،‬لنّها أكثر شفق ًة على البن ‪.‬‬

‫ن المرأة ل تملك تزويج نفسها ول غيرها ‪،‬‬
‫وكذلك ل ولية لها في النّكاح عند الجمهور ل ّ‬
‫لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تزوّج المرأة المرأة ول تزوّج المرأة نفسها » ‪.‬‬
‫وعند أبي حنيفة وزفر والحسن وهو ظاهر الرّواية عن أبي يوسف أنّه تجوز ولية المّ في‬
‫النّكاح عند عدم العصبة ‪.‬‬

‫إقامة الح ّد والتّعزير على المّ ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ل يقام حدّ السّرقة على المّ إذا سرقت من مال ولدها ‪ .‬ول تحدّ حدّ القذف أيضا إذا‬
‫قذفت ولدها ‪ ،‬وخلف الرّاجح عند المالكيّة تحدّ ‪ ،‬وكذا ل يعزّر الوالدان لحقوق الولد ‪.‬‬

‫القصاص ‪:‬‬

‫ص للقتيل من قبل أصوله ‪ ،‬ومنهم المّ لحديث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ل يقت ّ‬
‫« ل يقاد الوالد بولده » ومثله بقيّة الصول ‪ ،‬ولنّ الصل سبب لحياء الفرع فمن المحال أن‬
‫يستحقّ له إفناؤه ‪ .‬وذهب المالكيّة إلى ما ذهب إليه جمهور العلماء ‪ ،‬إلّ إذا قصد الصل‬
‫إزهاق روح الفرع ‪ ،‬كأن يرمي عنق الفرع بالسّيف ‪ ،‬أو يضجعه ويذبحه ‪.‬‬

‫شهادة الفرع للمّ وعكسه ‪:‬‬
‫‪ - 12‬أ ‪ -‬ل تقبل شهادة أحدهما للخر عند جماهير العلماء ‪ ،‬وبه قال شريح والحسن‬
‫والشّعبيّ والنّخعيّ وأبو حنيفة ومالك والشّافعيّ وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه ‪ -‬وهي‬
‫المذهب ‪ -‬وإسحاق وأبو عبيدٍ وأصحاب الرّأي ‪.‬‬
‫ن شهادة البن لصله مقبولة بخلف العكس ‪ ،‬وروي عن عمر‬
‫وفي رواي ٍة أخرى عن أحمد أ ّ‬
‫ن شهادة كلّ منهما للخر مقبولة وروي ذلك عن شريحٍ ‪ ،‬وبه‬
‫بن الخطّاب رضي ال عنه أ ّ‬
‫قال عمر بن عبد العزيز وأبو ثورٍ والمزنيّ وداود وإسحاق وابن المنذر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أمّا شهادة أحدهما ‪ -‬أي الفرع والصل ‪ -‬على صاحبه فتقبل ‪ ،‬وهو قول عامّة أهل‬
‫ل لم تقبل ‪.‬‬
‫ل قبول الشّهادة حيث ل عداوة وإ ّ‬
‫العلم ‪ ،‬لنتفاء التّهمة ‪ ،‬وصرّح الشّافعيّة بأنّ مح ّ‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ( شهادة ) ‪.‬‬

‫إذن المّ لولدها في الجهاد ‪:‬‬

‫‪ - 13‬اتّفقوا على أنّه ل يجوز الجهاد للولد في حال كونه فرض كفاي ٍة إلّ بإذن والديه إذا كانا‬
‫مسلمين ‪ « ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم للرّجل الّذي استأذنه في الجهاد ‪ :‬أحيّ والداك ؟‬
‫قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬ففيهما فجاهد » ‪.‬‬

‫تأديب المّ لولدها ‪:‬‬
‫‪ - 14‬يجوز للب والمّ ضرب الصّغير والمجنون زجرا لهما عن سيّئ الخلق وإصلحا‬
‫لهما ‪ .‬وللتّفصيل ‪ :‬انظر مصطلح ( تعزير )‬

‫أمّ الرامل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -1‬المّ لغةً الوالدة ‪ ،‬والرامل جمع أرملةٍ وهي الّتي مات زوجها ‪ .‬ومسألة أ ّم الرامل عند‬
‫ت لمّ ‪،‬‬
‫الفرضيّين ‪ :‬إحدى المسائل الملقّبات وهي جدّتان ‪ ،‬وثلثة زوجاتٍ ‪ ،‬وأربع أخوا ٍ‬
‫وثماني أخواتٍ لبوين أو لبٍ ‪ ،‬وتسمّى أيضا بأمّ الفروج لنوثة الجميع ‪ ،‬وتسمّى أيضا‬
‫السّبعة عشريّة ‪ ،‬لنسبتها إلى سبعة عشر ‪ ،‬وهو عدد أسهمها ‪.‬‬

‫بيان النصبة فيها ‪:‬‬

‫‪ - 2‬أصل المسألة من اثني عشر ( وتعول إلى سبعة عشر ) فيكون للجدّتين السّدس ‪ ،‬وهو‬
‫اثنان ‪ ،‬لكلّ واحد ٍة سهم ‪ ،‬وللزّوجات الرّبع ‪ ،‬ثلثة ‪ ،‬لكلّ واحد ٍة منهنّ سهم ‪ ،‬وللخوات لمّ‬
‫ن سهم ‪ ،‬والثّلثان وهو ثمانية أسهمٍ للخوات الثّماني لكلّ واحدةٍ‬
‫الثّلث ‪ ،‬أربعة ‪ ،‬لكلّ واحدةٍ منه ّ‬
‫سهم ‪ ،‬ويفصّل الفقهاء هذه المسألة في المواريث في باب العول ‪.‬‬

‫أمّ الدّماغ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬أ ّم الدّماغ لغةً ‪ :‬الهامة ‪ :‬وقيل الجلدة الرّقيقة المشتملة على الدّماغ ‪.‬‬
‫وعند الفقهاء ‪ :‬الجلدة الّتي تحت العظم فوق الدّماغ ‪ ،‬وتسمّى بأمّ الرّأس ‪ ،‬وخريطة الدّماغ ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫شجّة الّتي تصل إلى أمّ الدّماغ دون أن تخرقها تسمّى آ ّمةً ومأموم ًة ‪ ،‬وفيها ثلث الدّية ‪،‬‬
‫‪ - 2‬ال ّ‬
‫ول قصاص فيها عند الفقهاء ‪ ،‬روى ابن ماجه في سننه عن العبّاس بن عبد المطّلب عن النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل قود في المأمومة ول الجائفة ول المنقّلة » ‪ ،‬وفي المغني‬
‫‪ " :‬وليس فيها قصاص عند أحدٍ من أهل العلم نعلمه إلّ ما روي عن ابن الزّبير أنّه قصّ من‬
‫ص منها قبل ابن الزّبير ‪.‬‬
‫المأمومة فأنكر النّاس عليه ‪ ،‬وقالوا ما سمعنا أحدا ق ّ‬
‫شجّة أمّ الدّماغ سمّيت الدّامغة ‪ ،‬وللفقهاء فيها عدّة آراءٍ ‪.‬‬
‫‪ - 3‬فإن خرقت ال ّ‬
‫منها ‪ :‬أنّه يجب فيها ما يجب في المّة ول يزاد لها شيء ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنّه يزاد فيها حكومة بالضافة إلى دية المّة ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنّه يجب فيها ما يجب في النّفس إذ ل يعيش النسان معها غالبا ‪ .‬ويفصّل الفقهاء ذلك‬
‫في كتاب الجنايات ‪ ( :‬القصاص فيما دون النّفس ‪ ،‬دية الطراف والمنافع ) ‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬وبالضا فة إلى ما تقدّم يتكلّم الفقهاء عن إفطار ال صّائم بو صول شي ٍء إلى أ مّ الدّماغ ‪،‬‬

‫فمنهم من يرى بطلن صومه بوصول شيءٍ إلى أمّ الدّماغ ‪ ،‬ومنهم من ل يرى بطلن صومه‬
‫إلّ إذا وصل إلى الدّماغ نفسه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في كتاب الصّيام باب ( ما يفطر الصّائم )‬

‫أ ّم الفروخ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬المّ لغةً الوالدة ‪ ،‬والفروخ ‪ :‬جمع فرخٍ ‪ ،‬وهو ولد الطّائر ‪ ،‬وقد استعمل في كلّ صغيرٍ‬
‫من الحيوان والنّبات والشّجر وغيرها ‪.‬‬
‫‪ - 2‬وأمّ الفروخ عند الفرضيّين لقب لمسألةٍ من مسائل الميراث هي ‪ :‬زوج ‪ ،‬وأمّ ‪ ،‬وأختان‬
‫ب ‪ ،‬واثنان فأكثر من أولد المّ ‪ ،‬وسمّيت بأمّ الفروخ لكثرة السّهام العائلة فيها ‪،‬‬
‫شقيقتان أو ل ٍ‬
‫ل مسأل ٍة عائلةٍ إلى عشرةٍ ‪ .‬ويقال لهذه‬
‫شبّهت بطائرٍ حولها أفراخها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّه لقب لك ّ‬
‫المسألة أيضا ( البلجاء ) لوضوحها لنّها عالت بثلثيها ‪ ،‬وهو أكثر ما تعول إليه مسألة في‬
‫الفرائض ‪ ،‬وتلقّب أيضا ( الشّريحيّة ) لوقوعها في زمن القاضي شريحٍ ‪.‬‬
‫ن رجلً أتاه وهو قاضٍ بالبصرة فسأله عنها ‪ ،‬فجعلها من عشر ٍة كما تقدّم ‪ ،‬فكان الزّوج‬
‫روي أ ّ‬
‫يلقى الفقيه فيستفتيه قائلً ‪ :‬رجل ماتت امرأته ‪ ،‬ولم تترك ولدا ول ولد ابنٍ ‪ ،‬فيجيبه الفقيه ‪ :‬له‬
‫النّصف ‪ ،‬فيقول ‪ :‬واللّه ما أعطيت نصفا ول ثلثا ‪ ،‬فيقول له ‪ :‬من أعطاك ذلك ؟ فيقول ‪:‬‬
‫شريح ‪ ،‬فيلقى الفقيه شريحا فيسأله عن ذلك فيخبره الخبر ‪ ،‬فكان شريح إذا لقي الزّوج يقول‬
‫له ‪ :‬إذا رأيتني ذكرت في حكما جائرا إذا رأيتك ذكرت رجلً فاجرا تبيّن لي فجوره ‪ ،‬إنّك‬
‫تذيع الشّكوى وتكتم الفتوى ‪.‬‬

‫كيفيّة التّوريث فيها ‪:‬‬

‫‪ - 3‬للزّوج النّصف ‪ ،‬وللختين لغير أ ّم الثّلثان ‪ ،‬ولل ّم السّدس ‪ ،‬ولولد المّ الثّلث ‪،‬‬
‫ومجموع ذلك عشرة ‪ ،‬وأصلها من ستّةٍ هذا على قول الجمهور ‪.‬‬
‫ويفصّل الفقهاء هذه المسألة في باب العول من كتب الفرائض ‪.‬‬

‫أمّ الكتاب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬أ ّم الشّيء في اللّغة ‪ :‬أصله ‪ ،‬وأ ّم الكتاب هي ‪ :‬أصله ‪.‬‬

‫ن أمّ الكتاب }‬
‫وبهذا المعنى وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى ‪ { :‬منه آيات محكمات ه ّ‬
‫أي أصله الّذي يرجع إليه عند الشتباه ‪ ،‬وأطلق في قوله جلّ شأنه ‪ { :‬يمحو اللّه ما يشاء‬
‫ويثبت وعنده أمّ الكتاب } على اللّوح المحفوظ الّذي فيه علم اللّه تعالى ‪.‬‬
‫وقد ورد في عد ٍد من الحاديث والثار إطلق ( أمّ الكتاب ) على سورة الفاتحة ‪ .‬من ذلك‬
‫قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من قرأ بأ ّم الكتاب فقد أجزأت عنه » وقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬من صلّى صلةً لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خداج »‬
‫وينظر تفصيل أحكام ( أ ّم كتاب ) بالطلق الخير في مصطلح ( الفاتحة ‪ ،‬وقراءة ) ‪.‬‬

‫أمّ الولد *‬
‫انظر ‪ :‬استيلد ‪.‬‬

‫أمّهات المؤمنين *‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫ل امرأةٍ عقد عليها رسول‬
‫‪ - 1‬يؤخذ من استعمال الفقهاء أنّهم يريدون ب " أمّهات المؤمنين " ك ّ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ودخل بها ‪ ،‬وإن طلّقها بعد ذلك على الرّاجح ‪.‬‬
‫ن من عقد عليها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ولم يدخل بها فإنّها ل يطلق‬
‫وعلى هذا فإ ّ‬
‫عليها لفظ " أمّ المؤمنين " ‪.‬‬
‫ومن دخل بها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم على وجه التّسرّي ‪ ،‬ل على وجه النّكاح ‪ ،‬ل‬
‫يطلق عليها " أمّ المؤمنين " كمارية القبطيّة ‪.‬‬
‫ويؤخذ ذلك من قوله تعالى في سورة الحزاب { وأزواجه أمّهاتهم } ‪.‬‬

‫عدد أمّهات المؤمنين ‪:‬‬
‫ن أمّهات‬
‫‪ - 2‬النّساء اللّاتي عقد عليهنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ودخل بهنّ ‪ -‬وه ّ‬
‫ن كما يلي ‪:‬‬
‫ن على ترتيب دخوله به ّ‬
‫المؤمنين ‪ -‬اثنتا عشرة امرأةً ‪ ،‬ه ّ‬
‫ ‪ - 1‬خديجة بنت خويلدٍ ‪.‬‬‫ ‪ - 2‬سودة بنت زمعة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّه دخل بها بعد عائشة ‪.‬‬‫صدّيق التّيميّة ‪.‬‬
‫ ‪ - 3‬عائشة بنت أبي بكرٍ ال ّ‬‫ ‪ - 4‬حفصة بنت عمر بن الخطّاب العدويّة ‪.‬‬‫ ‪ - 5‬زينب بنت خزيمة الهلليّة ‪.‬‬‫ ‪ - 6‬أ ّم سلمة ‪ ،‬واسمها ‪ :‬هند بنت أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّة ‪.‬‬‫‪ - 7 -‬زينب بنت جحشٍ السديّة ‪.‬‬

‫ ‪ - 8‬جويرية بنت الحارث الخزاعيّة ‪.‬‬‫ ‪ - 9‬ريحانة بنت زيد بن عمرٍو القرظيّة ‪.‬‬‫ ‪ - 10‬أ ّم حبيبة ‪ ،‬واسمها ‪ :‬رملة بنت أبي سفيان المويّة ‪.‬‬‫ ‪ - 11‬صفيّة بنت حييّ بن أخطب النّضيريّة ‪.‬‬‫ن الهلليّة ‪.‬‬
‫ ‪ - 12‬ميمونة بنت الحارث بن حز ٍ‬‫وتوفّي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن تسعٍ منهنّ ‪ ،‬وهنّ ‪ :‬سودة ‪ -‬وعائشة ‪ -‬وحفصة‬
‫ وأمّ سلمة ‪ -‬وزينب بنت جحشٍ ‪ -‬وأمّ حبيبة ‪ -‬وجويرية ‪ -‬وصفيّة ‪ -‬وميمونة ‪ .‬وقد وقع‬‫الخلف بين العلماء في ( ريحانة ) فقيل ‪ :‬كان دخول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بها‬
‫ح ‪ ،‬وقيل ‪ :‬كان دخوله بها دخول تسرّ بملك اليمين ‪ ،‬والصّحيح الوّل ‪.‬‬
‫دخول نكا ٍ‬

‫ممّا يجب أن تتّصف به أمّهات المؤمنين ‪:‬‬
‫يجب أن تتّصف أمّهات المؤمنين بالصّفات التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السلم ‪:‬‬
‫ن كلّهنّ مسلماتٍ مؤمناتٍ ‪ ،‬وذكر‬
‫‪ - 3‬لم تكن واحدة من أمّهات المؤمنين كتابيّةً ‪ ،‬بل ك ّ‬
‫المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬أنّه يحرم على رسول اللّه أن يتزوّج بكتابيّةٍ ‪ ،‬لنّه عليه الصلة والسلم‬
‫أشرف من أن يضع نطفته في رحمٍ كافر ٍة ‪ ،‬بل لو نكح كتابيّةً لهديت إلى السلم كرامةً له ‪،‬‬
‫لخبر « سألت ربّي ألّ أزوّج إلّ من كان معي في الجنّة فأعطاني » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الح ّريّة ‪:‬‬
‫ن حرائر ‪ ،‬بل ذكر المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬أنّه‬
‫ن كلّه ّ‬
‫‪ - 4‬ولم تكن واحدة منهنّ رقيق ًة ‪ ،‬بل ك ّ‬
‫يحرم على رسول اللّه أن يتزوّج بأمةٍ ولو كانت مسلمةً ‪ ،‬لنّ نكاحها لعدم الطّول ( القدرة‬
‫على زواج الحرّة ) وخوف العنت ( الزّنى ) ‪ ،‬وهو غنيّ عن الوّل ابتداءً وانتهاءً ‪ ،‬لنّ له أن‬
‫يتزوّج بغير مهرٍ ‪ -‬كما سيأتي ‪ -‬وعن الثّاني للعصمة الّتي عصمه اللّه تعالى بها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عدم المتناع عن الهجرة ‪:‬‬
‫‪ - 5‬لقد حرّم اللّه تعالى على رسوله صلى ال عليه وسلم أن يتزوّج من وجبت عليها الهجرة‬
‫فلم تهاجر ‪ ،‬ولو كانت مؤمن ًة مسلمةً ‪ ،‬لقوله تعالى في سورة الحزاب ‪ { :‬يا أيّها النّبيّ إنّا‬
‫ن وما ملكت يمينك ممّا أفاء اللّه عليك وبنات عمّك‬
‫أحللنا لك أزواجك اللّاتي آتيت أجوره ّ‬
‫وبنات عمّاتك وبنات خالك وبنات خالتك اللّاتي هاجرن معك } ‪ .‬ولما رواه التّرمذيّ وحسّنه‬
‫وابن أبي حاتمٍ عن عبد اللّه بن عبّاسٍ رضي ال عنهما قال ‪ « :‬نهي رسول اللّه عن أصناف‬
‫النّساء ‪ ،‬إلّ ما كان من المؤمنات المهاجرات » ولحديث « أمّ هانئٍ قالت ‪ :‬خطبني رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم فاعتذرت إليه بعذرٍ فعذرني ‪ ،‬فأنزل اللّه تعالى ‪ { :‬إنّا أحللنا لك أزواجك‬

‫ل له ‪ ،‬لنّي لم أهاجر‬
‫‪ } ...‬الية إلى قوله تعالى { اللّاتي هاجرن معك } قالت ‪ :‬فلم أكن أح ّ‬
‫معه ‪ ،‬كنت من الطّلقاء » ‪.‬‬
‫ن اللّاتي لم يهاجرن‬
‫وقال المام أبو يوسف ‪ -‬من الحنفيّة ‪ : -‬ل دللة في الية الكريمة على أ ّ‬
‫ن محرّماتٍ على الرّسول عليه الصلة والسلم ‪ ،‬لنّ تخصيص الشّيء بالذّكر ل ينفي ما‬
‫كّ‬
‫عداه ‪ .‬ويجوز للرّسول صلى ال عليه وسلم أن يتزوّج من نساء النصار ‪ ،‬قد تزوّج عليه‬
‫الصلة والسلم من غير المهاجرات صفيّة وجويرية ‪ ،‬وفي مسند المام أحمد عن أبي برزة‬
‫رضي ال عنه قال ‪ « :‬كانت النصار إذا كان لحدهم أيّم لم يزوّجها حتّى يعلم هل للنّبيّ‬
‫ل له التّزوّج من نساء النصار‬
‫صلى ال عليه وسلم فيها حاجة أم ل » فلو ل علمهم بأنّه يح ّ‬
‫لما كان هناك داعٍ للتّربّص والنتظار ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّنزّه عن الزّنى ‪:‬‬
‫‪ - 6‬أمّهات المؤمنين بحكم كونهنّ زوجات رسول اللّه صلى ال عليه وسلم منزّهات عن‬
‫طيّبات للطّيّبين‬
‫الزّنى ‪ ،‬لما في ذلك من تنفير النّاس عن الرّسول ‪ ،‬ولقوله تعالى ‪ { :‬ال ّ‬
‫سيّدة عائشة‬
‫س ‪ :‬ما بغت امرأة نبيّ قطّ ‪ ،‬وما رميت به ال ّ‬
‫طيّبات } ‪ .‬قال ابن عبّا ٍ‬
‫طيّبون لل ّ‬
‫وال ّ‬
‫ل شأنه ‪ { :‬إنّ‬
‫من الفك فرية كاذبة خاطئة برّأها اللّه تعالى منها في القرآن الكريم بقوله ج ّ‬
‫الّذين جاءوا بالفك عصبة منكم ل تحسبوه شرّا لكم بل هو خير لكم ‪ ،‬لكلّ امرئٍ منهم ما‬
‫اكتسب من الثم ‪ ،‬والّذي تولّى كبره منهم له عذاب عظيم } ‪ .‬اليات إلى قوله { يعظكم اللّه أن‬
‫تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين } ‪.‬‬

‫أحكام أمّهات المؤمنين مع الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫العدل بين الزّوجات ‪:‬‬

‫ن ‪ ،‬ول يطالب رسول‬
‫‪ - 7‬ل حقّ لمّهات المؤمنين في القسم في المبيت ول في العدل بينه ّ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم بذلك ‪ ،‬ويجوز له أن يفضّل من شاء منهنّ على غيرها في المبيت‬
‫والكسوة والنّفقة لقوله تعالى ‪ { :‬ترجي من تشاء منهنّ وتؤوي إليك من تشاء ‪ ،‬ومن ابتغيت‬
‫ممّن عزلت فل جناح عليك } ‪.‬‬
‫ب القرظيّ قال ‪ « :‬كان رسول اللّه موسّعا عليه في قسم‬
‫وأخرج ابن سعدٍ عن محمّد بن كع ٍ‬
‫أزواجه يقسم بينهنّ كيف شاء » ‪.‬‬
‫وعلّل ذلك بعضهم بأنّ في وجوب القسم عليه شغلً عن لوازم الرّسالة ‪.‬‬
‫وقد صرّح العلماء أنّ القسم لم يكن واجبا عليه لكنّه كان يقسم من نفسه تطييبا لقلوبهنّ ‪.‬‬

‫تحريم نكاح أمّهات المؤمنين على التّأبيد ‪:‬‬

‫ل شأنه { وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ول أن‬
‫‪ - 8‬ثبت ذلك بنصّ القرآن الكريم ‪ ،‬فقال ج ّ‬
‫ن ذلكم كان عند اللّه عظيما } ‪.‬‬
‫تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قبل الدّخول كالمستعيذة ‪ -‬وهي أسماء بنت‬
‫وأمّا اللّاتي فارقه ّ‬
‫النّعمان ‪ ،‬وكالتي رأى في كشحها بياضا ‪ -‬وهي عمرة بنت يزيد عندما دخل عليها ‪ ،‬فللفقهاء‬
‫في تأبيد التّحريم رأيان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّهنّ يحرمن ‪ ،‬وهو الّذي عليه الشّافعيّ وصحّحه في الرّوضة لعموم الية السّابقة ‪،‬‬
‫وذلك لنّ المراد من قوله تعالى ‪ { :‬ول أن تنكحوا أزواجه من بعده } أي من بعد نكاحه ‪.‬‬
‫ن الشعث بن قيسٍ نكح المستعيذة في زمن عمر بن الخطّاب‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يحرمن ‪ .‬لما روي أ ّ‬
‫‪ ،‬فقام عمر برجمه ورجمها ‪ ،‬فقالت له ‪ :‬كيف ترجمني ولم يضرب عليّ حجاب ‪ ،‬ولم أسمّ‬
‫للمؤمنين أمّا ؟ فكفّ عمر عن ذلك ‪.‬‬
‫ن في النّفقة والسّكنى خلف ‪.‬‬
‫وفي وجوب عدّة الوفاة على أمّهات المؤمنين واستمرار حقّه ّ‬

‫علوّ منزلتهنّ ‪:‬‬
‫‪ - 9‬إذا عقد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم على امرأةٍ ودخل بها صارت أمّا للمؤمنين‬
‫والمؤمنات عند البعض ‪ ،‬ورجّحه القرطبيّ بدللة صدر الية { النّبيّ أولى بالمؤمنين من‬
‫أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم } ‪.‬‬
‫وعند البعض الخر ‪ :‬تصبح أمّا للمؤمنين دون المؤمنات ‪ ،‬ورجّحه ابن العربيّ مستدلّا بما‬
‫روي عن عائشة رضي ال عنها أنّها قالت لها امرأة ‪ :‬يا أمّه ‪ ،‬فقالت لها عائشة ‪ :‬لست لك‬
‫بأمّ ‪ ،‬إنّما أنا أمّ رجالكم ‪.‬‬

‫دخولهنّ في آل بيت الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬

‫‪ - 10‬اختلف العلماء في دخول أمّهات المؤمنين في أهل بيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ .‬فمنهم من قال ‪ :‬يدخل نساء النّبيّ صلى ال عليه وسلم في أهل البيت ‪ ،‬وبه قالت عائشة‬
‫وابن عبّاسٍ وعكرمة وعروة وابن عطيّة ‪ ،‬وابن تيميّة وغيرهم ‪ ،‬ويستدلّ هؤلء بما رواه‬
‫ن خالد بن سعيد بن العاص بعث إلى عائشة سفر ًة من‬
‫الخلّال بإسناده عن ابن أبي مليكة أ ّ‬
‫ل لنا الصّدقة ‪ ،‬وكان عكرمة ينادي في السّوق {‬
‫الصّدقة فردّتها وقالت ‪ :‬إنّا آل مح ّمدٍ ل تح ّ‬
‫إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا } نزلت في نساء النّبيّ صلى‬
‫ن ما قبلها وما بعدها‬
‫ل عليه سياق الية ‪ ،‬ل ّ‬
‫ال عليه وسلم خاصّ ًة ‪ .‬وهذا القول هو الّذي يد ّ‬
‫ن ول تبرّجن تبرّج الجاهليّة‬
‫خطاب لمّهات المؤمنين ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وقرن في بيوتك ّ‬
‫الولى وأقمن الصّلة وآتين الزّكاة وأطعن اللّه ورسوله ‪ ،‬إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرّجس‬
‫ن من آيات اللّه والحكمة إنّ اللّه كان‬
‫أهل البيت ويطهّركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتك ّ‬

‫لطيفا خبيرا } ومنهم من قال ‪ :‬ل يدخل نساء النّبيّ في آل بيت رسول اللّه ‪ ،‬ويستدلّ هؤلء‬
‫بما رواه التّرمذيّ عن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول اللّه قال ‪ « :‬نزلت هذه الية على النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم { إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا } في‬
‫ي خلف ظهره ‪ ،‬فجلّلهم‬
‫بيت أمّ سلمة ‪ ،‬فدعا النّبيّ فاطمة وحسنا وحسينا فجلّلهم بكساءٍ وعل ّ‬
‫بكسا ٍء ثمّ قال ‪ :‬اللّهمّ هؤلء أهل بيتي ‪ ،‬فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا ‪ ،‬قالت أ ّم سلمة‬
‫‪ :‬وأنا معهم يا نبيّ اللّه ؟ قال أنت على مكانك ‪ ،‬وأنت إلى خيرٍ » ‪.‬‬

‫حقوق أمّهات المؤمنين ‪:‬‬
‫‪ - 11‬من حقّ أمّهات المؤمنين أن يحترمن ويعظّمن ‪ ،‬ويصنّ عن العين واللسن ‪ ،‬وذلك‬
‫ن‪.‬‬
‫واجب على المسلمين نحوه ّ‬
‫فإن تطاول من ل خلق له على تناولهنّ بالقذف أو السّبّ ‪ ،‬ففي القذف يفرّق جمهور الفقهاء‬
‫بين قذف عائشة رضي ال عنها ‪ ،‬وقذف غيرها من أمّهات المؤمنين ‪.‬‬
‫فمن قذف عائشة رضي ال عنها بما برّأها اللّه تعالى منه ‪ -‬من الزّنى ‪ -‬فقد كفر ‪ ،‬وجزاؤه‬
‫ن من أتى شيئا من ذلك فقد‬
‫القتل ‪ ،‬وقد حكى القاضي أبو يعلى وغيره الجماع على ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫كذّب القرآن ‪ ،‬ومن كذّب القرآن قتل ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدا إن‬
‫كنتم مؤمنين } ‪ .‬أمّا من قذف واحدةً من أمّهات المؤمنين غير عائشة فقد اختلف العلماء في‬
‫عقوبته ‪ ،‬فقال بعضهم ومنهم ابن تيميّة ‪ :‬إنّ حكم قذف واحد ٍة منهنّ كحكم قذف عائشة رضي‬
‫ال عنها ‪ -‬أي يقتل ‪ -‬لنّ فيه عارا وغضاض ًة وأذًى لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم بل في‬
‫ذلك قدح بدين رسول اللّه صلوات اللّه وسلمه عليه ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬إنّ قذف واحد ٍة من أمّهات المؤمنين غير عائشة كقذف واحدٍ من الصّحابة‬
‫رضي ال عنه ‪ ،‬أو واحدٍ من المسلمين ‪ ،‬أي يح ّد القاذف حدّا واحدا لعموم قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫والّذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلد ًة ول تقبلوا لهم شهادةً‬
‫ن شرف المنزلة ل يؤثّر في الحدود‬
‫ن زياد ًة في حدّ من قذفهنّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫أبدا } لنّه ل يقتضي شرفه ّ‬
‫‪ .‬وقال بعضهم ومنهم مسروق بن الجدع وسعيد بن جبيرٍ ‪ :‬من قذف أمّهات المؤمنين غير‬
‫عائشة يح ّد حدّين للقذف ‪ -‬أي يجلد مائ ًة وستّين جلدةً ‪-‬‬
‫أمّا سبّ واحد ٍة من أمّهات المؤمنين ‪ -‬بغير الزّنى ‪ -‬من غير استحللٍ لهذا السّبّ ‪ ،‬فهو‬
‫فسق ‪ ،‬وحكمه حكم سبّ واحدٍ من الصّحابة رضوان ال عليهم ‪ ،‬يعزّر فاعله ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫أ ّميّ *‬

‫‪ -1‬ال ّميّ ‪ :‬المنسوب إلى المّ ‪ ،‬ويطلق على من ل يقرأ ول يكتب ‪ ،‬نسب إلى المّ لنّه بقي‬
‫ن الكتابة والقراءة مكتسبة ‪.‬‬
‫على ما ولدته عليه أمّه ‪ .‬ل ّ‬
‫صلة ال ّميّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ال ّميّ الّذي ل يحسن قراءة الفاتحة ‪ ،‬ويحسن قراءة آيةٍ منها ويريد الصّلة ‪ ،‬قال البعض‬
‫‪ :‬إنّه يكرّر هذا الّذي يحسنه سبع مرّاتٍ ‪ ،‬ليكون بمنزلة سبع آيات الفاتحة ‪ ،‬وقال آخرون ‪ :‬ل‬
‫يكرّره ‪.‬‬
‫وإن كان ل يحسن الفاتحة ويحسن غيرها ‪ ،‬قرأ ما يحسنه من القرآن الكريم ‪.‬‬
‫فإن كان ل يحسن شيئا واجتهد آناء اللّيل والنّهار فلم يقدر على التّعلّم ‪ ،‬قال أبو حنيفة وبعض‬
‫المالكيّة ‪ :‬يصلّي دون أن يقرأ شيئا ل من القرآن ول من الذكار ‪ .‬وقال الشّافعيّ وأحمد بن‬
‫حنبلٍ وبعض المالكيّة ‪ :‬يصلّي ويحمد اللّه تعالى ويهلّله ويكبّره بدل القراءة ‪ ،‬لما روي عن‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إذا قمت إلى الصّلة فإن كان معك قرآن فاقرأ به ‪،‬‬
‫ل فاحمده وهلّله وكبّره » ‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫وقد فصّل الفقهاء ذلك في كتاب ( الصّلة ) عند كلمهم على القراءة في الصّلة ‪.‬‬

‫أمن *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ - 1‬المن ضدّ الخوف ‪ ،‬وهو ‪ :‬عدم توقّع مكروهٍ في الزّمان التي ‪ ،‬ول يخرج استعمال‬
‫الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬أمان ‪:‬‬

‫‪ - 2‬المان ‪ :‬ضدّ الخوف ‪ ،‬يقال ‪ :‬أمّنت السير ‪ :‬أعطيته المان فأمن ‪ ،‬فهو كالمن ‪.‬‬
‫وأمّا عند الفقهاء ‪ ،‬فله معنًى يختلف عن المن ‪ ،‬إذ هو عندهم ‪ ،‬عقد يفيد ترك القتال مع‬
‫الكفّار فردا أو جماعةً مؤقّتا أو مؤبّدا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬خوف ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الخوف ‪ :‬الفزع ‪ ،‬وهو ضدّ المن‬
‫ج ‪ -‬إحصار ‪:‬‬
‫‪ - 4‬الحصار ‪ :‬المنع والحبس ‪.‬‬
‫ج أو العمرة ‪،‬‬
‫ج بعدوّ ونحوه من بعض أعمالٍ معيّنةٍ في الح ّ‬
‫ويستعمله الفقهاء في منع الحا ّ‬
‫كالوقوف بعرفة والطّواف ‪.‬‬

‫حاجة النّاس إلى المن وواجب المام تجاه ذلك ‪:‬‬

‫ن النّاس على‬
‫‪ - 5‬المن للفرد وللمجتمع وللدّولة من أهمّ ما تقوم عليه الحياة ‪ ،‬إذ به يطمئ ّ‬
‫دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم ‪ ،‬ويتّجه تفكيرهم إلى ما يرفع شأن مجتمعهم وينهض‬
‫ن ‪ -‬حدوث الختلف بينهم ‪،‬‬
‫بأمّتهم ‪ .‬ومن طبائع المجتمعات البشريّة ‪ -‬كما يقول ابن خلدو ٍ‬
‫ووقوع التّنازع الّذي يؤدّي إلى المشاحنات والحروب ‪ ،‬وإلى الهرج وسفك الدّماء والفوضى ‪،‬‬
‫بل إلى الهلك إذا خلّي بينهم وبين أنفسهم بدون وازعٍ ‪.‬‬
‫ن وجود المام هو الّذي يمنع الفوضى ‪ ،‬فيقول ‪ :‬المامة موضوعة لخلفة‬
‫وبيّن الماورديّ أ ّ‬
‫النّبوّة في حراسة الدّين وسياسة الدّنيا ‪ ،‬ولول الولة لكان النّاس فوضى مهملين وهمجا‬
‫مضيّعين ‪ .‬ث ّم يوضّح الماورديّ واجبات المام في ذلك فيقول ‪ :‬الّذي يلزم المام من المور‬
‫العامّة عشرة أشياء ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬حفظ الدّين على أصوله المستقرّة وما أجمع عليه سلف المّة ‪ ،‬فإن نجم مبتدع أو زاغ‬
‫‪ .‬ذو شبهةٍ عنه أوضح له الحجّة ‪ ،‬وبيّن له الصّواب ‪ ،‬وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ‪،‬‬
‫ليكون الدّين محروسا من خللٍ ‪ ،‬والمّة ممنوعةً من زللٍ ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬تنفيذ الحكام بين المتشاجرين ‪ ،‬وقطع الخصام بين المتنازعين ‪ ،‬حتّى تعمّ النّصفة ‪،‬‬
‫فل يتعدّى ظالم ‪ ،‬ول يضعف مظلوم ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬حماية البيضة والذّبّ عن الحريم ليتصرّف النّاس في المعايش وينتشروا في السفار ‪،‬‬
‫س أو مالٍ ‪.‬‬
‫آمنين من تغريرٍ بنف ٍ‬
‫الرّابع ‪ :‬إقامة الحدود لتصان محارم اللّه تعالى عن النتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلفٍ‬
‫واستهلكٍ ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬تحصين الثّغور بالعدّة المانعة والقوّة الدّافعة ‪ ،‬حتّى ل تظفر العداء بغرّةٍ ‪ ،‬ينتهكون‬
‫فيها محرما ‪ ،‬أو يسفكون فيها لمسلمٍ أو معاهدٍ دما ‪.‬‬
‫السّادس ‪ :‬جهاد من عاند السلم بعد الدّعوة حتّى يسلم ‪ ،‬أو يدخل في ال ّذمّة ‪ ،‬ليقام بحقّ اللّه‬
‫تعالى في إظهاره على الدّين كلّه ‪.‬‬
‫السّابع ‪ :‬جباية الفيء والصّدقات على ما أوجبه الشّرع نصّا واجتهادا من غير خوفٍ ول‬
‫عسفٍ ‪.‬‬
‫ق في بيت المال من غير سرفٍ ول تقتيرٍ ‪ ،‬ودفعه في وقتٍ‬
‫الثّامن ‪ :‬تقدير العطايا وما يستح ّ‬
‫ل تقديم فيه ول تأخير ‪.‬‬
‫التّاسع ‪ :‬استكفاء المناء وتقليد النّصحاء فيما يفوّض إليهم من العمال ويوكّل إليهم من‬
‫الموال ‪ ،‬لتكون العمال بالكفاءة مضبوطةً ‪ ،‬والموال بالمناء محفوظ ًة ‪.‬‬
‫العاشر ‪ :‬أن يباشر بنفسه مشارفة المور وتصفّح الحوال ‪ ،‬لينهض بسياسة المّة وحراسة‬
‫الملّة ‪ ،‬ول يعوّل على التّفويض تشاغلً بل ّذةٍ أو عبادةٍ ‪ ،‬فقد يخون المين ‪ ،‬ويغشّ النّاصح ‪.‬‬

‫اشتراط المن بالنّسبة لداء العبادات ‪:‬‬
‫‪ - 6‬المن مقصود به سلمة النّفس والمال والعرض والدّين والعقل ‪ ،‬وهي الضّروريّات الّتي‬
‫ن أمن النسان على نفسه وماله‬
‫ل بدّ منها لقيام مصالح الدّين والدّنيا ‪ ،‬وقد اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ن المحافظة على النّفوس والعضاء للقيام بمصالح‬
‫وعرضه شرط في التّكليف بالعبادات ‪ .‬ل ّ‬
‫الدّنيا والخرة أولى من تعريضها للضّرر بسبب العبادة ‪.‬‬
‫ويتّضح ذلك من المثلة التية ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬في الطّهارة ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫‪ - 7‬الطّهارة بالماء الطّهور من الحدث الصغر أو الكبر من شرائط الصّلة لكن من كان‬
‫بينه وبين الماء عدوّ أو لصّ أو سبع أو حيّة يخاف على نفسه الهلك أو الضّرر الشّديد أبيح‬
‫له التّيمّم ‪ ،‬لنّ إلقاء النّفس إلى التّهلكة حرام ‪ ،‬وكذا من كان به جراحة أو مرض ويخشى‬
‫على نفسه التّلف باستعمال الماء فإنّه يتيمّم ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو‬
‫جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النّساء فلم تجدوا ما ًء فتيمّموا صعيدا طيّبا } وقوله تعالى ‪:‬‬
‫{ ول تقتلوا أنفسكم } وقد روى ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما أنّ « رجلً أصابه جرح في رأسه‬
‫على عهد النّبيّ صلى ال عليه وسلم ثمّ أصابه احتلم فأمر بالغتسال ‪ ،‬فاغتسل فكزّ فمات ‪،‬‬
‫فبلغ ذلك النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬قتلوه قتلهم اللّه » ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬طهارة ‪ -‬وضوء ‪ -‬غسل ‪ -‬تيمّم ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬أ ‪ -‬من شرائط الصّلة استقبال القبلة مع المن ‪ ،‬فإذا لم يتحقّق المن بأن خاف من نحو‬
‫عد ّو أو سبعٍ سقط الستقبال وصلّى على حاله لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا أمرتكم‬
‫بشي ٍء فأتوا منه ما استطعتم » ( ر ‪ :‬استقبال ) ‪.‬‬
‫ل أنّها ل تجب على خائفٍ على نفسه أو ماله إجماعا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬صلة الجمعة فرض إ ّ‬
‫ج ‪ -‬صلة الجماعة سنّة أو فرض على الكفاية على اختلفٍ بين الفقهاء ‪ ،‬ولكن الجماعة‬
‫ن النّبيّ‬
‫س رضي ال عنهما أ ّ‬
‫ض ‪ ،‬لما روى ابن عبّا ٍ‬
‫تسقط لخوفٍ على نفسٍ أو مالٍ أو عر ٍ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من سمع المنادي فلم يمنعه من اتّباعه عذر ‪ -‬قالوا ‪ :‬وما‬
‫العذر ؟ قال ‪ :‬خوف أو مرض‪ -‬لم تقبل منه الصّلة الّتي صلّى » ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬في الحجّ ‪:‬‬
‫ج أمن الطّريق في النّفس والمال والعرض ‪ ،‬فمن خاف على ذلك من‬
‫‪ - 9‬يشترط لوجوب الح ّ‬
‫ص أو غير ذلك لم يلزمه الحجّ إن لم يجد طريقا آخر آمنا ‪ .‬وإذا لم يكن‬
‫عد ّو أو سبعٍ أو ل ّ‬
‫ج ‪ .‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫ج مثلً طريق إلّ بالبحر ‪ ،‬وكان الغالب عدم سلمة الوصول لم يجب الح ّ‬
‫للح ّ‬

‫ج البيت من استطاع إليه سبيلً } وقوله ‪ { :‬ل يكلّف اللّه نفسا إلّ وسعها }‬
‫{ وللّه على النّاس ح ّ‬
‫( ر حجّ ) ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬في المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ‪:‬‬
‫‪ - 10‬المر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجب على ‪ .‬سبيل الكفاي