You are on page 1of 151

‫محمد علي‬

‫العريبي‬
‫‪2016‬‬

‫نسبتها ألهل البيت واالستدالل بها على حكم‬
‫الثورات‬

‫العنوان‪ :‬الشعارات الثور ية في الحماسات الشيعية‬
‫المؤلف‪ :‬محمد علي العريبي‬
‫الإصدار‪ :‬الأول‬
‫السنة‪ - 2016 :‬البحرين‬

‫‪3‬‬
‫قد تمحل كثير من الزيدية والفرق قديما وبعض أصحابنا ‪-‬هداهم الله‬
‫للصواب‪ -‬أخيرا وجوها شتى لتبرير سعيهم لرفع راية التشيع والحكم‬
‫باسم الإمام بإقامة الدولة الظاهرة‪ ،‬أو معارضة الحكام في حكمهم‪،‬‬
‫أو تشكيل الأحزاب التي لا يتوهم الحكام ولا يشك في كونها‬
‫معارضة لدولتهم‪.‬‬
‫ومن حججهم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كفر يضة‬
‫قائمة لا يمكن تعطيلها‪ ،‬وقد مر الجواب عنها في كتاب حرمة القيام‪،‬‬
‫فليراجع ثمة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬التمسك بقيام الحسين عليه السلام والاقتداء به في ثورته‪ ،‬وأن‬
‫أقواله عليه السلام نص في حرمة مهادنة الحكام الذين لا يجرون‬
‫بالعدل بين الأنام‪.‬‬
‫وهذا ما يبحثه الكتاب الحاضر بين يديك في فصلين‪:‬‬
‫الأول‪ :‬في قيام الحسين بن علي بن أبي طالب‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬في تحقيق حال الشعارات الثور ية المنسوبة لأهل بيت‬
‫المصطفى صلى الله عليه وآله‪.‬‬

‬‬ .‫وقد أدرجنا الفصل الأول لأنه لا غنى عنه كمدخل للثاني‪ ،‬وعنونا‬ ‫الكتاب بالثاني لأنه من الأبحاث التي لم يطرق بابها حتى الآن؛‬ ‫لأغراض منها ما هو مقبول عند الإنصاف‪ ،‬والفصلان مذكوران‬ ‫بتمامها في كتابنا المسمى بـ ( حرمة القيام )‪.

5 .

.

7 .

.

‬‬ ‫غَيْرِه ِ رَه ْ ٌ‬ .‫‪9‬‬ ‫لا ينبغي جعل كلام غير المعصوم حاكما وميزانا لفهم المعصوم ولا‬ ‫هاديا له‪" ،‬أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن‬ ‫يُهدى فما لـكم كيف تحكمون"‪ ،‬بل هو من تسو يلات إبليس اللعين‬ ‫لبعض إخوتنا في الدين‪ ،‬وفيه من الصد عن المحكم من كتاب الله‬ ‫وسنة نبيه وآله‪ ،‬وسلوكا لسبل غيرهم وركونا للظنون من أفهامهم‪،‬‬ ‫وبعض هؤلاء لووا ألسنتهم ليعجب الناس لحنه واصطبغوا بصبغة‬ ‫العلم وهم في بحر الشبهات يسبحون‪ ،‬وقد صدق مولانا أمير المؤمنين‬ ‫عليه السلام في توصيفهم بقوله في خطبته الشهيرة في أصناف الناس‬ ‫وهي شديدة لا يرتضيها من قيل فيه وهي فيه‪ ،‬وكأنها قوله تعالى‪:‬‬ ‫"كالحمار يحمل أسفارا"‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫الله ِ [تَع َالَى] رَج ُلانِ‪:‬‬ ‫َض الْخَلائ ِ ِ‬ ‫"إن أَ ب ْغ َ‬ ‫ق ِإلَى َّ‬ ‫سه ِ‪ ،‬فَه ُو َ ج َائِر ٌ ع َنْ ق َصْ دِ َّ‬ ‫وف‬ ‫ل مَشْغ ُ ٌ‬ ‫الله ُ ِإلَى ن َ ْف ِ‬ ‫رَج ُ ٌ‬ ‫السب ِي ِ‬ ‫ل وَكَل َه ُ َّ‬ ‫ي‬ ‫بِك َلا ِم بِدْعَة ٍ ود ُعَاء ِ ضَلالَة ٍ‪ ،‬فَه ُو َ ف ِت ْن َة ٌ لم ِ َ ِ‬ ‫ن اف ْتَتَنَ بِه ِ ضَالٌّ ع َنْ ه َ ْد ِ‬ ‫خطَايَا‬ ‫ل َ‬ ‫ن اق ْتَد َى بِه ِ فِي حَيَاتِه ِ وبَعْد َ و َفَاتِه ِ ح ََّما ٌ‬ ‫م َنْ ك َانَ قَبْلَه ُ م ُضِ لٌّ لم ِ َ ِ‬ ‫ن بِ خَط ِيئَتِه ِ‪.

‬‬ .‫ش ال ْف ِت ْنَة ِ‬ ‫ل الْ ُأ َّمة ِ عَا ٍد فِي أَ غْبَا ِ‬ ‫ض ٌع فِي ج َُّها ِ‬ ‫جهْل ًا‪ ،‬م ُو ِ‬ ‫ل قَم ََش َ‬ ‫و َ رَج ُ ٌ‬ ‫ع َمٍ بِمَا فِي ع َ ْقدِ ال ْهُدْنَة ِ(‪ ،)1‬ق َ ْد س ََّماه ُ أَ شْ بَاه ُ َّ‬ ‫ْس بِه ِ‪ ،‬ب َ َّكر َ‬ ‫س عَالِما ً ولَي َ‬ ‫النا ِ‬ ‫فَاسْ تَكْثَر َ م ِنْ جَم ٍْع م َا ق ََّل م ِن ْه ُ خَيْر ٌ م َِّما كَثُر َ‪ ،‬ح ََّتى ِإذ َا ارْتَو َى م ِنْ م َاء ٍ‬ ‫س بَيْنَ َّ‬ ‫ص‬ ‫س قَاضِيا ً ضَام ِنا ً لِتَخْلِي ِ‬ ‫النا ِ‬ ‫ل‪ ،‬ج َل َ َ‬ ‫آ ِ‬ ‫ن واكْ تَنَز َ م ِنْ غَيْر ِ طَائ ِ ٍ‬ ‫ج ٍ‬ ‫َات ه ََّيأَ لَهَا َ‬ ‫ت بِه ِ ِإحْد َى ال ْمُبْهَم ِ‬ ‫م َا ال ْتَب ََس عَلَى غَيْرِه ِ‪ ،‬ف َِإ ْن ن َزَل َ ْ‬ ‫حشْوا ً‬ ‫س ُ‬ ‫ْج‬ ‫الشبُه َ ِ‬ ‫ات فِي م ِث ْ ِ‬ ‫ر ًَّثا م ِنْ ر َأْ يِه ِ ث َُّم قَط َ َع بِه ِ‪ ،‬ف َه ُو َ م ِنْ لَب ْ ِ‬ ‫ل نَس ِ‬ ‫َاف أَ ْن يَكُونَ‬ ‫وت‪ ،‬لا ي َ ْدرِي أَ صَابَ أَ ْم أَ خْ طَأَ ‪ ،‬ف َِإ ْن أَ صَابَ خ َ‬ ‫ال ْع َنْكَب ُ ِ‬ ‫اط‬ ‫ل خ ََّب ُ‬ ‫ق َ ْد أَ خْ طَأَ ِوإ ْن أَ خْ طَأَ رَج َا أَ ْن يَكُونَ ق َ ْد أَ صَابَ ‪ ،‬ج َاه ِ ٌ‬ ‫ات‪ ،‬ل َ ْم يَع َ َّض عَلَى ال ْعِلْم ِ بِضِرْسٍ قَاط ٍِع‪،‬‬ ‫َالات‪ ،‬عَاشٍ ر َ َّكابُ عَشَو َ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫جه‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫والله ِ ِإصْ د َار م َا وَرَد َ عَلَيْه ِ‪،‬‬ ‫ي َ ْذر ُو الرِو َاي ِ‬ ‫َات ذ َ ْرو َ الر ِيح ال ْهَشِيم َ‪ ،‬لا م َل ِي ٌّ َّ‬ ‫يء ٍ م َِّما‬ ‫يحْسَبُ ال ْعِلْم َ فِي ش َ ْ‬ ‫ِض] بِه ِ ِ[إلَيْه ِ]‪ ،‬لا َ‬ ‫ل لم َِا [فُو َ‬ ‫ولا [ه ُو َ] أَ ه ْ ٌ‬ ‫أَ ن ْك َر َه ُ‪ ،‬ولا ي َر َى أَ َّن م ِنْ وَر َاء ِ م َا بلَ َ َغ مَذْه َبا ً ل ِغَيْرِه ِ‪ِ ،‬وإ ْن أَ ظْ لَم َ عَلَيْه ِ أَ م ٌْر‬ ‫خ م ِنْ َ‬ ‫سه ِ‪ ،‬تَص ْر ُ ُ‬ ‫ل ن َ ْف ِ‬ ‫اكْ ت َتَم َ بِه ِ لم َِا يَعْلَم ُ م ِنْ َ‬ ‫جهْ ِ‬ ‫جوْرِ قَضَائِه ِ الدِم َاء ُ‬ ‫وتَع َُج م ِن ْه ُ ال ْم َوَارِيثُ ‪.‬‬ ‫(‪ ) 1‬أي لا يدرك المصالح والملاكات فيقضي بأصلحها‪ ،‬ولا يهتدي عند‬ ‫التزاحم فيحكم بأصوبها‪.

59 :‬‬ .‫‪11‬‬ ‫ْس ف ِيه ِ ْم‬ ‫ج َّهال ًا ويَمُوتُونَ ضُلال ًا‪ ،‬لَي َ‬ ‫الله ِ أَ شْ كُو م ِنْ مَعْشَرٍ يَع ِيش ُونَ ُ‬ ‫ِإلَى َّ‬ ‫ق بَي ْعا ً ولا‬ ‫اب ِإذ َا تل ُِي َ ح ََّق تِلاو َتِه ِ‪ ،‬ولا سِل ْع َة ٌ أَ نْف َ ُ‬ ‫ن الْكِت َ ِ‬ ‫سِل ْع َة ٌ أَ ب ْوَر ُ م ِ َ‬ ‫ن‬ ‫ِف ع َنْ م َوَاضِعِه ِ‪ ،‬ولا عِنْد َه ُ ْم أَ ن ْك َر ُ م ِ َ‬ ‫اب ِإذ َا ح ُر َ‬ ‫ن الْكِت َ ِ‬ ‫أَ غ ْلَى ثَمَنا ً م ِ َ‬ ‫ن ال ْمُن ْك َر"(‪.)1‬‬ ‫ف مِ َ‬ ‫ُوف ولا أَ عْرَ ُ‬ ‫ال ْمَعْر ِ‬ ‫(‪ )1‬نهج البلاغة ( تحقيق صبحي )‪.

‫وصف أمري املؤمنني علي بعضهم فقال‪:‬‬ .

13 .

.

‬‬ .‫‪15‬‬ ‫وأما القول في الجواب عن شبهتهم‪:‬‬ ‫فأولها وأوضحها‪ :‬أن الشيعة رهن أمر أئمتهم الذين ثبت بآية الولاية‬ ‫و بحديث الثقلين والغدير وغيرها حجيتهم‪ ،‬لا فرق بينهم‪ ،‬فإن قام‬ ‫الحسين قاموا وإن قعد السجاد وأبناؤه وأمروا شيعتهم بالانتظار‬ ‫َّ‬ ‫سلموا‪ ،‬ليس علينا سؤالهم عن فعلهم وليس عليهم جوابنا عن‬ ‫حركاتهم وسكناتهم‪ ،‬وما علينا إلا السؤال عن التكليف‪ ،‬فمن أراد‬ ‫اتباعهم نجى وصحت حُ َّ جته‪ ،‬ومن خالفهم هلك وغوى وبارت‬ ‫تجارته‪ ،‬فقد ثبت لنا بتلك الأدلة صواب قولهم وكمال عقولهم‪ ،‬وليس‬ ‫هذا الجواب من الأكل من القفى وليس نفس المدعى‪ ،‬فراجع‬ ‫تنجع‪.

‫ثانيها‪ :‬ما في الأخبار المعصومة والمشهورة من كواشف عن علة قيام‬ ‫المعصوم أو قعوده بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬وقد‬ ‫أحسن الجواب السيد المدني في شرح الصحيفة ‪-‬ونوافقه في أكثر ما‬ ‫قال‪-‬حيث قال ناطقا بما في الأخبار‪:‬‬ ‫" فإن قلت‪ :‬فقد كان الحسين (عليه السلام) عالما بذلك فكيف ساغ‬ ‫له الخروج حتى تم عليه ما تم ؟‬ ‫قلت‪ :‬عن ذلك جوابان‪:‬‬ ‫أحدهما‪ :‬إنه كان معهودا إليه بذلك‪ ،‬مأمورا بالخروج مع العلم؛ فإن‬ ‫أفعالهم (عليهم السلام) كلها معهودة من الله تعالى‪ ،‬كما دلت عليه‬ ‫الروايات عنهم (عليهم السلام)‪:‬‬ ‫منها‪ :‬حديث الوصية‪ ،‬وهو ما رواه ثقة الإسلام بإسناده عن معاذ‬ ‫بن كثير‪ ،‬عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال‪« :‬إن الوصية نزلت‬ ‫من السماء على محمد (صلى الله عليه وآله) كتابا لم ينزل على محمد‬ ‫(صلى الله عليه وآله) كتاب مختوم إلا الوصية‪ ،‬فقال جبرئيل‪ :‬يا محمد‬ .

‫‪17‬‬ ‫هذه وصيتك في أمتك عند أهل بيتك‪ ،‬فقال رسول الله (صلى الله‬ ‫عليه وآله)‪:‬‬ ‫أي أهل بيتي يا جبرئيل؟ قال‪ :‬نجيب الله منهم وذريته ليرثك علم‬ ‫النبوة كما ورثه إبراهيم (عليه السلام)‪ ،‬وميراثه لعلي وذر يتك من‬ ‫صلبه‪ ،‬قال‪ :‬وكان عليها خواتيم قال‪ :‬ففتح علي (عليه السلام) الخاتم‬ ‫الأول ومضى لما فيها ثم فتح الحسن (عليه السلام) الخاتم الثاني‬ ‫ومضى لما أمر به فيها‪ ،‬فلما توفي الحسن (عليه السلام) ومضى‪.‬‬ ‫فتح الحسين (عليه السلام) الخاتم الثالث فوجد فيها‪ :‬أن قاتل فاقتل‬ ‫وتقتل‪ ،‬واخرج بأقوام للشهادة لا شهادة لهم إلا معك‪ ،‬قال‪ :‬ففعل‪.‬‬ .‬‬ ‫فلما مضى دفعها إلى علي بن الحسين (عليه السلام) قبل ذلك ففتح‬ ‫الخاتم الرابع فوجد فيها أن اصمت وأطرق لما حجب العلم‪ ،‬فلما توفي‬ ‫ومضى دفعها إلى محمد بن علي (عليهما السلام) قبل ذلك ففتح‬ ‫الخاتم الخامس فوجد فيها أن فسر كتاب الله‪ ،‬وصدق أباك وورث‬ ‫ابنك واصطنع الامة‪ ،‬وقم بحق الله وقل الحق في الخوف والأمن‬ ‫ولا تخش إلا الله‪ ،‬ففعل ثم دفعها إلى الذي يليه‪ ،‬قال‪ :‬قلت له‪:‬‬ ‫جعلت فداك فأنت هو؟ قال فقال‪ :‬ما بي إلا أن تذهب يا معاذ‬ ‫فتروي علي»‪.

‬‬ ‫الجواب الثاني‪ :‬إن التكاليف الشرعية بالنسبة إليهم مقصورة على ما‬ ‫يعلمونه بالعلوم الظاهر ية دون العلوم الغيبية‪ ،‬فالحسين (عليه السلام)‬ ‫لما ظهر له بذل الطاعة من أهل الـكوفة وكاتبه وجوههم وأشرافهم‬ ‫وقراؤهم مرة بعد أخرى طائعين غير مكرهين‪ ،‬ومبتدئين غير مجيبين‪،‬‬ ‫لم يسعه في الظاهر إلا الخروج والقيام في إعلاء دين الله وكلمته‪ ،‬ألا‬ ‫تراه (عليه السلام) لما بلغه قتل مسلم بن عقيل وخذلان أهل‬ ‫الـكوفة هم بالرجوع فلم يمكن‪.‫فهذا الحديث صريح النص بأنهم (عليهم السلام) لم يفعلوا أمرا إلا‬ ‫بعهد من الله تعالى‪ ،‬فسقط الاعتراض‪.‬‬ ‫وكذلك كان حال الحسن (عليه السلام) فانه نهد أولا إلى حرب‬ ‫معاو ية في شيعته وسار إلى لقائه مع علمه في الباطن بمصير الأمر‬ ‫إليه‪ ،‬لـكن لم يثن ذلك من عزمه حتى ظهر له خذلان أصحابه وتفرق‬ ‫أهوائهم‪ ،‬وميل أكثرهم إلى معاو ية طمعا في دنياه‪ ،‬وتفاقم الأمر‬ ‫إلى أن جلس له بعضهم في ساباط مظلم‪ ،‬وطعنه بمعول أصاب فخذه‬ ‫وشقه حتى وصل العظم فلما علم بالعلم الظاهر عدم تمكنه وتوجه‬ ‫الضرر إليه وإلى المؤمنين من شيعته نزع إلى الصلح وكف عن‬ ‫الجهاد‪.‬‬ .

‫‪19‬‬ ‫وهكذا حال سائر الائمة (عليهم السلام)؛ فانهم لو وجدوا من‬ ‫الأنصار من يتمكنون بهم من الخروج لم يسعهم إلا الخروج والقيام‪،‬‬ ‫مع علمهم في الباطن بحقيقة الحال‪.‬‬ ‫يدل على ذلك ما رواه ثقة الإسلام بإسناده إلى سدير الصيرفي قال‪:‬‬ ‫«دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له‪ :‬والله ما يسعك‬ ‫القعود‪ ،‬فقال‪ :‬ولم يا سدير؟ قلت‪ :‬لـكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك‪،‬‬ ‫والله لو كان لأمير المؤمنين مالك من الشيعة والأنصار والموالي ما‬ ‫طمع فيه تيم ولا عدي‪ ،‬فقال‪ :‬يا سدير وكم عسى أن يكون؟ قلت‪:‬‬ ‫مائة ألف‪ ،‬قال‪ :‬مائة ألف؟ قلت‪ :‬نعم ومائتي ألف‪ ،‬فقال‪ :‬مائتي‬ ‫ألف؟ قلت‪ :‬نعم ونصف الدنيا‪ ،‬قال‪ :‬فسكت عني ثم قال‪ :‬يخف‬ ‫عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع ؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬فأمر بحمار وبغل أن يُسرجا‬ ‫فبادرت فركبت الحمار‪ ،‬فقال‪ :‬يا سدير أ ترى أن تؤثرني بالحمار؟‬ ‫قلت‪ :‬البغل أزين وأنبل‪ ،‬قال‪ :‬الحمار أرفق بي‪ ،‬فنزلت فركب الحمار‬ ‫وركبت البغل فمضينا فحانت الصلاة فقال‪ :‬يا سدير انزل بنا نصلى‪،‬‬ ‫ثم قال‪ :‬هذه أرض سبخة لا تجوز الصلاة فيها‪ ،‬فسرنا حتى صرنا‬ ‫إلى أرض حمراء‪ ،‬ونظر إلى غلام يرعى جداء فقال‪ :‬والله يا سدير لو‬ ‫كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود‪ ،‬ونزلنا وصلينا فلما‬ ‫فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها فإذا هي سبعة عشر»‪.‬‬ .

‬‬ ‫(‪ )1‬ر ياض السالـكين في شرح صحيفة سيد الساجدين‪.194 :‬‬ .‫وهذا الحديث صريح فيما ذكرنا‪ ،‬وفي هذا المعنى أخبار أخر لا نطول‬ ‫بذكرها وإنما اختلفت أجوبتهم (عليهم السلام) في العذر لأنهم‬ ‫يكلمون الناس على قدر عقولهم‪ ،‬و يجيبون كل سائل بما تقتضيه‬ ‫المصلحة في الجواب‪ ،‬والله أعلم"(‪ )1‬انتهى كلامه علا مقامه‪.

21 .

.

‬‬ ‫فخرج بأبي هو وأمي من المدينة بعياله لمكة لما قل الناصر فيها وامتلأت‬ ‫بسيوف يزيد وعيونه ‪-‬وقد سبقه ابن الزبير الذي كان مهددا أيضا‬ ‫فاجتمعت عليه الناس‪ ،‬وهجر ذكر يزيد‪ ،‬وتهافتت عليه مراسيل أهل‬ .‫‪23‬‬ ‫ثالثها‪ :‬أننا ننكر أن يكون عليه السلام قد خرج على يزيد ثائرا بالمصطلح‬ ‫المعاصر‪ ،‬بل كان عليه السلام مقتولا مستشهدا على أي حال‪ ،‬م ُطب ِقا‬ ‫لقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة والمدينة حتى خروجه‬ ‫واستشهاده سلام الله عليه‪ ،‬ثائرا على منتهكي حريمه وظالميه يوم‬ ‫الطفوف بالخصوص‪.‬‬ ‫أنكر على معاو ية تخليفه ابنه الفاسق على مشهد المسلمين‪ ،‬ثم امتنع عن‬ ‫البيعة له في المدينة بعد موت معاو ية؛ حيث كانت الأمة تتوقع أن‬ ‫يصير الأمر للحسين عليه السلام‪ ،‬بل هو إمامها الحق والظاهر ببيعة‬ ‫الأكثر وأهل الحل والعقد‪ ،‬وكانت الغلبة في قلوبهم له سلام الله عليه‬ ‫ووجهاؤهم منكرون على يزيد وأبيه‪ ،‬وقد علم أن القوم يجتمعون عليهكما‬ ‫اجتعوا لأبيه وأخيه عليهما السلام‪ ،‬فانظر كيف حفوا به في مكة حتى‬ ‫تضاءل الزبير‪ ،‬ولم يسع ليزيد إلا أن يأخذ الحسين غيلة ولو كان متعلقا‬ ‫بأستار الـكعبة المشرفة‪.

‫العراق بالمكاتيب يبايعونه و ي ُ ُ‬ ‫فدونه حتى لزمت بيعته في أعناقهم دون‬ ‫غيره‪ ،‬ثم ما وسعه القيام والمقام وقد تربص به الأعداء ليقتلوه وقامت‬ ‫عليه الحجة بالإجابة‪ ،‬فما وجد مصرا يأو يه وينصره بخ ير من الـكوفة‪،‬‬ ‫ينصرف إليهم كما سار َ إليهم أبوه علي وأخوه‬ ‫َ‬ ‫وما بقي عذر ٌ له إلا أن‬ ‫ل إليهم بأهلِه وأبهة محامله‪ ،‬وكان قبلها لم‬ ‫الحسن عليهما السلام‪ ،‬فرح َ‬ ‫ل إليهم برسوله مسلم َ بن‬ ‫يستعجل الأمر حتى يتيقن حالهم‪ ،‬فأرس َ‬ ‫عقيل‪ ،‬فأجابه بصدق القوم قبل أن يُفردوه وهم كثرة‪ ،‬فلحق الحسين‬ ‫عليه السلام من الناس وفيهم من يحسب أن الدنيا ستصير إليه‪ ،‬فلما‬ ‫تَبيَّن لهم الأمر أسلموه وحيدا بأهله وقليل من صحبه‪ ،‬ولما تبرد صفقة‬ ‫بيعتهم ولما يجف حبر كتبهم‪ ،‬وحوصر السيد المولى أبو عبد الله الحسين‬ ‫عليه السلام بجنود ملأت الأفق‪ ،‬فطلب الرحيل لموضع لا يدخله‬ ‫الـكوفة ولا يرجعه المدينة‪ ،‬فمنعوه حتى يدخلوه الـكوفة فينفذوا فيه‬ ‫حكم يزيد الذي أصدره لوالي المدينة ونفذه في رسل الحسين وأنصاره‬ ‫في الـكوفة‪ ،‬فما وجد إلا أن يحامي عن نفسه وعرضه وأهله‪ ،‬فثار‬ ‫مدافعا عن هذا وهو يعلم قلة الناصر والمعين وخذلان من كاتبوه‪،‬‬ ‫فاست ُشهد سبط النبي المصطفى ومن معه بأفجع صورة وهتكت حرمته‬ ‫ورفع رأسه وهو أول رأس منحور رفع في الإسلام‪ ،‬فلعن الله قاتليه‬ ‫ومن تابعهم إلى يوم الدين‪.‬‬ .

‬‬ ‫و يؤد ما قلنا ما ذكره الشيخ المفيد رحمه الله (ت ‪ 413‬هـ) ‪ -‬وهو من‬ ‫فقهاء الطائفة وأستاذ السيد المرتضى وشيخ الطائفة الطوسي وصاحب‬ ‫كتاب مقتل الإمام الحسين عليه السلام الشهير ‪ -‬في الإرشاد قال‪:‬‬ ‫"(فصل)‪:‬‬ ‫فَك َان َْت ِإم َام َة ُ الْحُسَيْنِ ع بَعْد َ و َفَاة ِ أَ خِيه ِ بِمَا ق ََّدمْنَاه ُ ث َابتِ َة ً وطَاع َتُه ُ ِلجم َ ِ ِ‬ ‫يع‬ ‫سه ِ ع ل ِ َّلتق َِّية ِ َّالتِي ك َانَ عَلَيْهَا وال ْهُدْنَة ِ‬ ‫ق ل َازِم َة ً ِوإ ْن ل َ ْم ي َ ْدع ُ ِإلَى ن َ ْف ِ‬ ‫الْخَل ْ ِ‬ ‫سفْيَانَ‪ ،‬فَال ْتَزَم َ ال ْو َفَاء َ بِه َا وََر َى فِي‬ ‫الْحا َصِلَة ِ بَي ْن َه ُ وبَيْنَ م ُع َاوِ يَة َ ب ْ ِن أَ بِي ُ‬ ‫ُوت ِإم َام َتِه ِ بَعْد َ َّ‬ ‫النب ِ ِي ص م َ َع‬ ‫مج ْر َى أَ بيِه ِ أَ م ِير ِ ال ْمُؤْم ِنِينَ ع وثُب ِ‬ ‫ذَل ِ َ‬ ‫ك َ‬ ‫َف ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُوت‪،‬‬ ‫والسك ِ‬ ‫ن ع بَعْد َ ال ْهُدْنَة ِ م َ َع ال ْـك ِ‬ ‫الصم ِ‬ ‫ُوت ِوإم َامَة ِ أَ خِيه ِ الْحَسَ ِ‬ .‫‪25‬‬ ‫وعلى القائل بغير هذا أن يبرز دليله وحجته على قيام الحسين عليه السلام‬ ‫بثورةكالثورات المعاصرة التي لا إمام عليها مع قلة العدة والعدد وتظافر‬ ‫النصوص الناهية عن ارتكابها وقدمنا كثيرا منها في كتاب (حرمة‬ ‫القيام)‪ ،‬وأنت إن تتبعت سيرته وقرأت خطبه عليه السلام لم تر ثورة ً‬ ‫كما يصفون ولم تجد غير ما ذكرنا‪ ،‬بل كيف يثور الإمام على المأموم‪،‬‬ ‫وما ع ُرف إمام مبايع معهود إليه بعهد سابق مكتوب يومها إلا الحسين‬ ‫بن علي‪ ،‬فالخارج عليه كمثل الخارج على علي عليه السلام‪.

‫محْصُور ٌ وعِنْد َ‬ ‫الشع ِ‬ ‫الله ِ ص وه ُو َ فِي ِ‬ ‫فَك َانُوا ف ِي ذَل ِ َ‬ ‫ْب َ‬ ‫ك عَلَى سُنَنِ نَبِ ِي َّ‬ ‫جه ِ مُهَاَِرا ً م ِنْ م ََّكة َ مُسْت َخْ ف ِيا ً فِي ال ْغ َارِ وه ُو َ م ِنْ أَ عْد َائِه ِ مَسْتُور ٌ‪.‬‬ ‫خُر ُو ِ‬ ‫ن عَل ٍِي‬ ‫َت م َُّدة ُ ال ْهُدْنَة ِ َّالتِي ك َان َْت تَم ْن َ ُع الْح ُسَيْنَ ب ْ َ‬ ‫فَل ََّما م َاتَ م ُع َاوِ يَة ُ وانْقَض ْ‬ ‫ن َّ‬ ‫ن وأَ ب َانَ ع َنْ حَقِه ِ‬ ‫َب ال ِْإ ْمك َا ِ‬ ‫سه ِ أَ ظْ ه َر َ أَ مْرَه ُ بِ حَس ِ‬ ‫الدعْوَة ِ ِإلَى ن َ ْف ِ‬ ‫ع مِ َ‬ ‫ن اجْ تَم َ َع لَه ُ فِي َّ‬ ‫الظاهِرِ الْأَ نْصَار ُ(‪ ،)1‬فَد َعَا‬ ‫لِلْجَاه ِلِينَ بِه ِ ح َال ًا بِ حَالٍ‪ِ ،‬إلَى أَ ِ‬ ‫الله ِ وحَر َ ِم‬ ‫ع ِإلَى الْجِه َادِ وش ََّمر َ لِل ْق ِتَا ِ‬ ‫ل وتَو ََّجه َ ب ِوُلْدِه ِ وأَ ه ْ ِ‬ ‫ل بَي ْتِه ِ م ِنْ حَر َ ِم َّ‬ ‫ق لِلِاسْ ت ِنْصَارِ بِم َنْ د َعَاه ُ م ِنْ شِيع َتِه ِ عَلَى الْأَ عْد َاءِ‪ ،‬وق ََّدم َ‬ ‫نح ْو َ ال ْع ِرَا ِ‬ ‫رَسُولِه ِ َ‬ ‫(‪ )1‬قال في الإرشاد‪ " :‬ث َُّم ا ْرتَحَلُوا فَسَار َ ح ََّتى انْت َهَ ى ِإلَى ز ُب َالَة َ‪ ،‬ف ََأَ َ َاه ُ خ َب َر ُ ع َبْدِ‬ ‫ن َّ‬ ‫الله ِ َّ‬ ‫ج ِإلَى َّ‬ ‫ِيم)‬ ‫النا ِ‬ ‫خر َ َ‬ ‫الله ِ ب ْ ِن ي َ ْقط ُر َ فََأَ ْ‬ ‫الرحْم ِ‬ ‫س ك ِتَابا ً فَق َرأَ َ ه ُ عَلَيْه ِ ْم (ب ِس ْ ِم َّ‬ ‫َّ‬ ‫الرح ِ‬ ‫أَ َّما بَعْد ُ‪:‬‬ ‫الله ِ‬ ‫ل مُ ْ‬ ‫ف َِإ َّنه ُ ق َ ْد أَ َ َان َا خ َبَر ٌ فَظ ِيعٌ؛ قَت ْ ُ‬ ‫سل ِ ِم ب ْ ِن عَق ِي ٍ‬ ‫ل و َه َان ِ ِئ ب ْ ِن ع ُْروَة َ وَع َب ْدِ َّ‬ ‫َاف فلَ ْيَن ْصَر ِْف غَيْر َ‬ ‫ب ْ ِن ي َ ْقط ُر َ و َق َ ْد خَذ َلَنَا شِيع َتُنَا‪ ،‬فَم َنْ أَ ح ََّب م ِنْكُم ُ ال ِانْصِر َ‬ ‫ْس عَلَيْه ِ ذِم َام ٌ‪ .‬‬ .‬فَتَف ََّرقَ َّ‬ ‫اس ع َن ْه ُ و َأَ خَذ ُوا يَمِينا ً وَشِمَال ًا ح ََّتى بَقِ َي فِي‬ ‫الن ُ‬ ‫حَر ٍِج لَي َ‬ ‫ل‬ ‫ن انْضَوَوْا ِإلَيْه ِ‪ ،‬و َِإ َّنمَا ف َع َ َ‬ ‫ن ج َاءُوا م َع َه ُ م ِ َ‬ ‫صحَابِه ِ الَّذ ِي َ‬ ‫أَ ْ‬ ‫ن ال ْمَدِينَة ِ و َنَفَرٍ يَسِيرٍ م َِّم ِ‬ ‫ن َّاتب َع ُوه ُ ِإ َّنمَا َّاتب َع ُوه ُ و َه ُ ْم يَظ ُُنونَ أَ َّنه ُ ي َأْ تِي‬ ‫ك ل ِأَ َّنه ُ ع عَل ِم َ أَ َّن الْأَ عْرَابَ الَّذ ِي َ‬ ‫ذَل ِ َ‬ ‫َت لَه ُ طَاع َة ُ أَ ه ْلِه ِ‪ ،‬ف َكَر ِه َ أَ ْن يَسِير ُوا م َع َه ُ ِإ َّلا و َه ُ ْم يَعْلَم ُونَ عَلَى‬ ‫بلََدا ً قَدِ اسْ تَق َام ْ‬ ‫م َا ي ُ ْقدِم ُونَ"‪.

‫‪27‬‬ ‫الله ِ‬ ‫الله ُ ع َن ْه ُ وأَ ْرضَاه ُ ل ِ َّ‬ ‫سل ِم َ ب ْ َ‬ ‫ن ع َمِه ِ م ُ ْ‬ ‫أَ م َام َه ُ اب ْ َ‬ ‫ن ع َق ِي ٍ‬ ‫لدعْوَة ِ ِإلَى َّ‬ ‫ل رَضِي َ َّ‬ ‫ك وعَاهَد ُوه ُ وضَم ِنُوا‬ ‫ل ال ْـكُوفَة ِ عَلَى ذَل ِ َ‬ ‫وال ْبَي ْعَة ِ لَه ُ عَلَى الْجِه َادِ‪ ،‬فَبَايَع َه ُ أَ ه ْ ُ‬ ‫لَه ُ ُ‬ ‫النصْرَة َ َّ‬ ‫ل ال ْم َُّدة ُ بِه ِ ْم‬ ‫والنصِ يح َة َ وو َثِق ُوا لَه ُ فِي ذَل ِ َ‬ ‫ك وعَاقَد ُوه ُ‪ ،‬ث َُّم ل َ ْم تَط ُ ِ‬ ‫ل بَيْنَه ُ ْم ول َ ْم يَم ْن َع ُوه ُ‪ ،‬وخَرَجُوا ِإلَى‬ ‫ح ََّتى نَكَثُوا بَي ْع َت َه ُ وخَذ َلُوه ُ وأَ سْ لَم ُوه ُ فَق ُت ِ َ‬ ‫الله ِ واضْ ط َُروه ُ ِإلَى حَي ْثُ ل َا‬ ‫الْحُسَيْنِ ع فَحَص َر ُوه ُ وم َن َع ُوه ُ ال ْمَسِير َ فِي بِلَادِ َّ‬ ‫ات ح ََّتى تَم َ َّكنُوا‬ ‫يجِد ُ ن َاص ِرا ً ول َا مَه ْر َبا ً مِنْهُمْ‪ ،‬وح َالُوا بَي ْنَه ُ وبَيْنَ م َاء ِ الْف ُر َ ِ‬ ‫َ‬ ‫م ِن ْه ُ وقَتَلُوه ُ‪ ،‬فَم َض َى ع َظمْآنَ مُجَاه ِدا ً صَاب ِرا مُح ْتَسِبا ً مَظْلُوماً‪ ،‬ق َ ْد نُكِث َْت‬ ‫ت ف ِيه ِ ذ َِّمة ُ ع َ ْقدٍ‪،‬‬ ‫وف لَه ُ ب ِع َ ْه ٍد ول َا رُعِي َ ْ‬ ‫ت ح ُ ْرم َتُه ُ ول َ ْم ي ُ َ‬ ‫بَي ْع َتُه ُ واسْ تُح َِّل ْ‬ ‫الصلَاة ِ َّ‬ ‫ل َّ‬ ‫والرحْمَة ِ‬ ‫ض ُ‬ ‫شَه ِيدا ً عَلَى م َا م َض َى عَلَيْه ِ أَ بُوه ُ وأَ خُوه ُ عَلَيْهِم َا أَ ف ْ َ‬ ‫َّ‬ ‫والتسْل ِِيم"(‪.31 :2‬‬ .)1‬‬ ‫وقال تلميذه السيد المرتضى رحمه الله معرضا بمن تأول الفرق ين الحسن‬ ‫والحسين عليهما السلام‪ ،‬وفلسف لكل فلسفة وجعل لكل مقالة‪:‬‬ ‫"فأما الجمع بين فعله وفعل أخيه الحسن عليه السلام فواضح صحيح‪ ،‬لأن‬ ‫أخاه َّ‬ ‫سلم كفا للفتنة‪ ،‬وخوفا على نفسه وأهله وشيعته‪ ،‬وإحساسا بالغدر‬ ‫من أصحابه‪ ،‬وهذا عليه السلام لما قوي في ظنه النصرة ممن كاتبه ووثق‬ ‫(‪ )1‬الإرشاد ‪.

179-178 :‬‬ .)1‬‬ ‫(‪ )1‬تنز يه الأنبياء‪.‫له‪ ،‬ورأى من أسباب قوة نصار الحق وضعف نصار الباطل‪ ،‬ما وجب‬ ‫معه عليه الطلب والخروج‪ ،‬فلما انعكس ذلك وظهرت أمارات الغدر‬ ‫فيه وسوء الاتفاق‪ ،‬رام الرجوع والمكافة والتسليم كما فعل أخوه عليه‬ ‫السلام‪ ،‬فمُنع من ذلك‪ ،‬وحيل بينه وبينه‪ ،‬فالحالان متفقان إلا أن‬ ‫التسليم والمكافة عند ظهور أسباب الخوف لم يقبلا منه عليه السلام‬ ‫ولم يجب إلى الموادعة وطلبت نفسه عليه السلام فمنع منها بجهده حتى‬ ‫مضى كريما إلى جنة الله تعالى ورضوانه وهذا واضح لمتأمله"(‪.

‫‪29‬‬ ‫فالحسين عليه السلام إن جاهد َ ‪-‬وصحت تسميته جهادا‪ -‬فلما كان يعيشه‬ ‫من ظروف الإمكان شرطا وعدة وعددا‪ ،‬وما تسالم عليه أهل الديانة‬ ‫من ثبوت الخلافة الظاهرة لمن اجتمع عليه أهل الحل والعقد والتزموا‬ ‫ببيعته في أعناقهم وتكاتب عليه أهل الصح في كتاب قبل هذا‪ ،‬وهو‬ ‫الأمر الذي لم يكن إلا للحسين فضلا عن اقترانه بالإمامة المنصوبة‬ ‫المنصوصة‪ ،‬فهو الإمام ليس سواه آخر‪ ،‬وأن الإسلام لا زال جديدا‬ ‫لم ينس جهاد علي والحسن عليهما السلام‪ ،‬ولم ينس بنود الصلح‬ ‫وخلافة الحسين بعد موت معاو ية في بنوده‪ ،‬فهو إمام واجب الطاعة‬ ‫مشروط وجوده في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المحتمل‬ ‫للدماء‪ ،‬مع تظافر الناصر وانبساط الأرض وبيعة الخلق الـكثير‬ ‫واحتمال التأثير بحسب الظاهر من مكاتبات القوم وبيعتهم‪ ،‬فصار في‬ ‫الظاهر مبسوط اليد والقدرة‪ ،‬ولذا تبعه الخلق وأذعن له المصران‪،‬‬ ‫فكان إمام حق في السماء والأرض بالنص والتعيين‪ ،‬وإمام المسلمين‬ ‫قاطبة ببيعة أهل الحل والعقد كما شرطها المهاَرون والأنصار‪ ،‬وسلم‬ ‫بها علي والحسن عليهما السلام‪ ،‬ودون هذين لا يرجى اجتماع ولا‬ .

)1‬‬ ‫ل فَس ََّمو ْه ُ ِإم َاما ً ك َانَ ذَل ِ َ‬ ‫اجْ تَم َع ُوا عَلَى رَج ُ ٍ‬ ‫ولزوم البيعة هذه بعينها هي التي حج بها الحسين عليه السلام القوم في‬ ‫خطبه المعروفة في الـكتب المشهورة‪ ،‬منها ما نقله الطبري في تار يخه‪،‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫" ( قال أبو مخنف )‪ :‬عن عقبة بن أبي العيزار‪ :‬إن الحسين خطب‬ ‫أصحابه وأصحاب الحر بالبيضة فحمد الله وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أيها الناس‬ ‫إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال‪ :‬من رأى سلطانا جائرا‬ ‫مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول‬ ‫(‪ )1‬وقعة صفين‪ ،29 :‬نهج البلاغة‪ /367-366 :‬رسائل أمير المؤمنين ع‪ ،‬رقم‬ ‫‪.‫صلاح حتى يأتي أمر الله‪ ،‬وهذا ما نصت عليه رسالة أمير المؤمنين‬ ‫عليه السلام لمعاو ية يدعوه للبيعة والنزول‪ ،‬قال المنقري في وقعة صفين‬ ‫واختارها الرضي في النهج‪:‬‬ ‫ك و َ أَ ن ْتَ ب َّ‬ ‫ِالشا ِم؛ ل ِأَ َّنه ُ ب َايَعَنِي الْقَوْم ُ‬ ‫" أَ َّما بَعْد ُ‪ ،‬ف َِإ َّن بَي ْعَتِي ب ِال ْمَدِينَة ِ لَزِم َت ْ َ‬ ‫ن ب َايَع ُوا أَ ب َا بَكْر ٍ و َ ع ُم َر َ و َ ع ُثْم َانَ عَلَى م َا بُو ي ِع ُوا عَلَيْه ِ‪ ،‬فَل َ ْم يَكُنْ ل ِ َّ‬ ‫لشاه ِدِ‬ ‫الَّذِي َ‬ ‫يخ ْتَار َ و َ ل َا لِل ْغ َائ ِبِ أَ ْن ي َر َُّد‪ ،‬و َ ِإ َّنمَا ُ‬ ‫ن و َ ا ْلأَ نْصَارِ ف َِإذ َا‬ ‫َر ِي َ‬ ‫الشور َى لِل ْمُه َا ِ‬ ‫أَ ْن َ‬ ‫ك ل َِّله ِ رِضًا"(‪.6‬‬ .

‬‬ ‫ولم يجتمع هذا لأي إمام بعد الحسين الشهيد عليه السلام‪ ،‬فهو إمام‬ ‫منصوب لدينا معاشر الإمامية‪ ،‬وهو إمام قائم بشروط الخلافة من‬ ‫اجتماع الناس وبيعتهم عند غيرنا‪ ،‬وغيره من السلاطين خارج عن‬ ‫أمره‪ ،‬فالحسين هو الأصل وغيره جائر عليه غير مطاع‪ ،‬لـكن تلـكم‬ ‫الألوف خذلته بعد أن بايعوه‪ ،‬وذبحوه على حر صعيد دعوه فيه للقدوم‬ ‫عليهم‪ ،‬فروى بدم المصطفى َّ‬ ‫حر ثرى الطفوف‪ ،‬وما أبقوا من أهل بيته‬ .‫‪31‬‬ ‫كان حقا على الله أن يدخله مدخله‪ ،‬ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة‬ ‫الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود‬ ‫واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله‪ ،‬وأنا أحق من غير‪،‬‬ ‫وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلـكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا‬ ‫تخذلوني‪ ،‬فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم‪ ،‬فأنا الحسين بن علي وابن‬ ‫فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‪ ،‬نفسي مع أنفسكم‬ ‫وأهلي مع أهليكم‪ ،‬فلـكم َّ‬ ‫في أسوة‪ ،‬وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم‬ ‫بيعتي من أعناقكم فلعمري ما هي لـكم بنكر؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي‬ ‫وابن عمى مسلم‪ ،‬والمغرور من اغتر بكم‪ ،‬فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم‪،‬‬ ‫ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغنى الله عنكم والسلام عليكم‬ ‫ورحمة الله وبركاته"‪.

‬‬ ‫لـكن جماعة من قومنا لما جعلوا من يزيد خليفة وصوروا الحسين عليه‬ ‫السلام خارجا عليه‪ ،‬وقرأوا بعض خطبه وكلامه المنتحل عليه‪ ،‬لم يكن‬ ‫لهم بد من ارتجال القول غير المحقق‪ ،‬فنسبوهكنسبة الزيدية والخوارج‪،‬‬ ‫وجعلوا منه سلام الله عليه مثالا لكل خارج‪ ،‬قطعوا حلقات كلامه‬ ‫وأرسلوها في مسامع الشيعة الـكرام‪ ،‬فرست سفنهم على قرار غير مكين‪،‬‬ ‫وأنكروا التقية والهدنة وهي ركن في الدين ركين‪ ،‬انعقدت على الهدنة‬ ‫سيرة أهل الرشاد ولا يصلح بغيرها العباد والبلاد‪.‬‬ ‫وأين هذا الدين والفكر من حركات الساسة وثورات المدعين؛ التي لم‬ ‫يسمح الزمان بعد الحسين عليه السلام لساحة نصر تحققه أو نفع تجلبه‬ ‫أكثر من ضرر يلحقه‪ ،‬وقد اتسعت رقعة الإسلام وتفرقت طوائفهم‬ ‫الآن‪ ،‬والغلبة المطلقة فيها لدين بني أمة وآخرين عدول أو قاسطين‪،‬‬ ‫وستبقى دولا حتى يظهر ولي الله وحجته في العالمين‪ ،‬رغم إنكار أهل‬ ‫الاستحسان والتصرف في أخبار وآثار الطاهرين‪.‫صغيرا ولا كبيرا ولا حرمة إلا انتهكوها‪ ،‬وهو إمامهم في الواقع‬ ‫والظاهر‪ ،‬وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون‪.‬‬ ‫فعليك برعاية النظر فيما ذكره أصحاب المقاتل‪ ،‬وبالخصوص ما ذكره‬ ‫المفيد رحمه الله في كتابه الإرشاد‪.‬‬ ‫وقد روى الطبري في تار يخه قال‪:‬‬ .

‬‬ ‫وقد عرف الوليد بن عتبة أن الأخذ الشديد هو التسليم المطلق ليزيد‪،‬‬ ‫فعلا وقلبا‪ ،‬وهو ما يعلم يزيد والوليد أنه لا يكون أبدا‪.‬‬ ‫حسَينا وع َبد َ الله ِ‬ ‫وكَت َبَ إلَيه ِ في صَ حيفَة ٍك َأَ َّنها اُذُنُ فََأرَة ٍ‪ :‬أما بَعد ُ‪ ،‬فَخُذ ُ‬ ‫ن ُ‬ ‫صة ٌ حَتى‬ ‫الز بَير ِ ب ِالبَيعَة ِ أخذا شَديدا لَيستَ فيه ِ ر ُخ َ‬ ‫ن ع ُم َر َ وع َبد َ الله ِ ب َ‬ ‫ب َ‬ ‫يُباي ِعوا‪ ،‬و َّ‬ ‫َالسلام ُ "‪.‬‬ .‫‪33‬‬ ‫" عن أبي مخنف‪ :‬لَم يَكُن لِي َزيد َ ه َِّمة ٌ حينَ و َلِي َ إلا بَيع َة َ َّ‬ ‫ن أبَوا‬ ‫النفَرِ الَّذي َ‬ ‫اس إلى بَيع َتِه ِ‪َّ ،1‬‬ ‫وأنه ُ‬ ‫الإجابَة َ إلى بَيعَة ِ ي َزيد َ حينَ د َعَا الن َ‬ ‫عَلى م ُعاوِ يَة َ ِ‬ ‫و َل ُِي ع َهدِه ِ بَعد َه ُ و َالف َراغَ م ِن أمرِه ِم‪ ،‬فَكَت َبَ إلَى الوَليدِ‪:‬‬ ‫ن َّ‬ ‫ب ِس ِم الله ِ َّ‬ ‫حيم‪ ،‬م ِن ي َزيد َ أمير ِ المُؤم ِنينَ إلَى الوَليدِ ب ِن ع ُتبَة َ ‪ .‬‬ ‫‪ 1‬لأنه والناس أجمع يعلمون أن شرط الإمامة الظاهر ية بيعة المتقدمين في الإسلام‬ ‫أو أكثرهم‪.‬أما‬ ‫الرحم ِ‬ ‫الر ِ‬ ‫بَعد ُ‪ ،‬ف َِإ َّن م ُعاوِ يَة َكانَ ع َبدا م ِن ع ِبادِ اللهِ‪ ،‬أكرَم َه ُ الله ُ و َاست َخلَف َه ُ وخ ََّولَه ُ‬ ‫عاش مَحمودا‬ ‫ل‪ ،‬ف َرَحِم َه ُ الله ُ ؛ فَق َد َ‬ ‫ن لَه ُ‪ ،‬ف َ‬ ‫وَم ََّك َ‬ ‫َعاش بِقَد َ ٍر وماتَ ب ِأَ ج َ ٍ‬ ‫وماتَ ب َرا تَق ِيا‪ ،‬و َّ‬ ‫َالسلام ُ ‪.

.

35 .

.

‬‬ ‫ومال علي عليه السلام أيامها للسلم والمسالمة‪ ،‬لم يرفع سيفا ولا صوتا؛‬ ‫رعاية للإسلام عن التمزق وللمسلين عن التفرق؛ إذ الأمور خرجت‬ ‫عما كان ينبغي لها أن تكون‪ ،‬وصارت لغير ما يعتقد أنها يجب أن‬ ‫تكون‪ ،‬لـكنه آثر السكون وجلس مستشارا خيرا منه ثائرا أو قائما‪،‬‬ ‫ن المسل ِم َّأنى نزل‪.‬‬ ‫فالأمر لله يُقلِبُه كيف يشاء‪ ،‬و يقبلُه المؤم ُ‬ ‫ولعمري هل يُعجب الثائرين اليوم َ فعل أميرهم !‪ ،‬وهل يرونه قد أذل‬ ‫نفسه وأذلهم !‪ ،‬أم يؤثرون طاعته و يخالفون هواهم‪ ،‬أم تأمرهم‬ ‫ق‬ ‫أحلامهم بغير أوامر الأئمة الهداة!‪ ،‬فيكون القياس لهم أداة !‪ ،‬مُح ِ َ‬ ‫ن من قاس وخر البنيان ما انهدم الأساس‪ ،‬ولسنا –نحن الشيعة‪-‬‬ ‫دي ُ‬ .‫‪37‬‬ ‫وقد مر الشيعة مع غيرهم بثلاث هدنات؛ الأولى بين علي عليه السلام‬ ‫ومن نازعه الأمر حتى سمح الزمان فاستُخل َِف بالنص السابق ثم بالبيعة‬ ‫وح َكم‪ ،‬والثانية بين الحسن ثم أخيه الحسين عليهما السلام من جهة‬ ‫ومعاو ية حتى موت معاو ية‪ ،‬والثالثة بعد استشهاد الحسين عليه السلام‬ ‫حتى قيام من يملأ الأرض قسطا وعدلا‪.

‬‬ ‫و يكفينا شارحا لحال أمير المؤمنين عليه السلام قوله في خطبته الغراء‬ ‫الشقشقية‪:‬‬ ‫ن‬ ‫ْب م ِ َ‬ ‫مح َُل الْقُط ِ‬ ‫والله لَق َ ْد تَق ََّمصَه َا فُلَا ٌ‬ ‫محَل ِي مِنْهَا َ‬ ‫ن ِوإ َّنه لَيَعْلَم ُ أَ َّن َ‬ ‫" أَ م َا َّ‬ ‫ل ول َا يَرْقَى ِإل ََّي َّ‬ ‫الرحَى‪ ،‬يَنْحَدِر ُ ع َنِي َّ‬ ‫َّ‬ ‫الطي ْر ُ‪ ،‬ف َسَد َل ْتُ د ُونَهَا ثَو ْبا ً‬ ‫السي ْ ُ‬ ‫ل بيِ َ ٍد ج ََّذاءَ‪ ،‬أَ ْو‬ ‫كشْحاً‪ ،‬وطَفِقْتُ أَ رْتَئِي بَيْنَ أَ ْن أَ صُو َ‬ ‫وطَو َي ْتُ عَنْهَا َ‬ ‫أَ صْ بِر َ عَلَى طَخْ يَة ٍ عَم ْيَاء‪ ،‬يَه ْرَم ُ ف ِيهَا ال ْـكَب ِير ُ ويَشِيبُ ف ِيهَا َّ‬ ‫ح‬ ‫الصغ ِير ُ‪ ،‬و يَكْد َ ُ‬ ‫َ‬ ‫ن ح ََّتى يلَْقَى ر ََّبه‪ ،‬ف َرأَ َ ي ْتُ أَ َّن َّ‬ ‫الصبْر َ عَلَى ه َاََا أَ ْحج َى‪ ،‬ف َصَبَرْتُ‬ ‫ف ِيهَا مُؤْم ِ ٌ‬ ‫ل‬ ‫ق شَ جًا أَ ر َى ت ُر َاثِي نَه ْبا ً ح ََّتى م َض َى الأَ َّو ُ‬ ‫وفِي ال ْع َيْنِ قَذًى وفِي الْحَل ْ ِ‬ ‫ن بَعْد َه "‪.".‬‬ ‫لِسَب ِيلِه‪ ،‬فََأَ دْلَى بِهَا ِإلَى فُلَا ٍ‬ ‫حتى قال‪:‬‬ ‫ل ال ْم َُّدة ِ وش َِّدة ِ ال ْمِح ْنَة ِ ح ََّتى ِإذ َا م َض َى لِسَب ِيلِه‪ ،‬جَعَلَه َا‬ ‫" فَصَبَرْتُ عَلَى طُو ِ‬ ‫فِي جَمَاعَة ٍ زَعَم َ أَ نِي أَ حَد ُه ُ ْم فَيَا ل ََّله ول ِ ُ‬ ‫لشور َى ‪..‫مذهب تأو يل ولا مصوبة بعقل أبعد ما يكون عن الصواب ولا محل‬ ‫له قبال أدلة الخطاب‪ ،‬فليعلم المسلمون أن تأسيس الشيعة قام على‬ ‫المسالمة لا رفع الحراب‪..‬‬ ‫ثم قال‪:‬‬ .

..‬‬ ‫(‪ )1‬نهج البلاغة ( تحقيق صبحي صالح )‪.)1‬‬ ‫أفكان علي عليه السلام يقار على كظة ظالم أو سغب مظلوم قبل يوم‬ ‫خلافته حتى ينفسها عنه بعد خلافته ؟‪ ،‬لا والله‪ ،‬بل ما اجتمعت لديه‬ ‫شرائط الأمر بالمعروف والقيام‪ ،‬مع أن الحراب كانت أطوع لديه من‬ ‫الصبر على المحنة‪ ،‬وكانت الدولة أصغر ما تكون ليجعلها تحت يديه‪،‬‬ ‫لـكنه آثر أن لا يُسف َك دم على خلافة وأن لا يحكم بلا طوع الناس ‪.‬‬ ‫ك َر َبيِ َ‬ ‫ثم قال‪:‬‬ ‫ق الْح َّب َة َ وب َر َأَ َّ‬ ‫حضُور ُ الْحا َضِر ِ وق ِيَام ُ الْ حَّجُة ِ‬ ‫النسَم َة َ‪ ،‬لَو ْ ل َا ُ‬ ‫" أَ م َا والَّذ ِي فَل َ َ‬ ‫ب ِوُجُودِ َّ‬ ‫الله عَلَى ال ْع ُلَمَاءِ‪ ،‬أَ َّلا يُق َُاروا عَلَى ك َِّظة ِ ظَال ِ ٍم‬ ‫الناصِر ِ‪ ،‬وم َا أَ خَذ َ َّ‬ ‫س‬ ‫خر َه َا بِك َأْ ِ‬ ‫َب مَظْلُو ٍم‪ ،‬لأَ لْق َي ْتُ حَبْلَه َا عَلَى غَارِ بِهَا ‪ -‬ولَسَق َي ْتُ آ ِ‬ ‫ول َا سَغ ِ‬ ‫أَ َّولِهَا ‪ -‬ولأَ لْف َي ْتُم ْ دُن ْيَاك ُ ْم هَذِه أَ زْهَد َ ع ِنْدِي م ِنْ ع َ ْفطَة ِ عَنْزٍ "(‪." .‫‪39‬‬ ‫ْف َّ‬ ‫" فَمَا ر َاعَنِي ِإ َّلا َّ‬ ‫الضب ُِع‪ِ ،‬إل ََّي يَن ْثَالُونَ عَل ََّي م ِنْ ك ُِل‬ ‫اس كَعُر ِ‬ ‫والن ُ‬ ‫حو ْل ِي‬ ‫ن وش َُّق عِ ْطف َايَ ‪ ،‬مُج ْتَمِعِينَ َ‬ ‫ج َان ٍِب‪ ،‬ح ََّتى لَق َ ْد وُطِئ َ الْحَسَنَا ِ‬ ‫ضة ِ ال ْغ َن َ ِم ‪.48 :‬‬ .

‬‬ ‫ولعمري هل يُعجب الثائرين اليومَ‬ ‫فعل أمريهم !‪ ،‬وهل يرونه قد أذل‬ ‫نفسه وأذهلم !‪ ،‬أم يؤثرون طاعته‬ ‫وخيالفون هواهم‪ ،‬أم تأمرهم‬ ‫أحالمهم بغري أوامر األئمة اهلداة!‪،‬‬ ‫فيكون القياس هلم أداة !‬ ‫ولم يختلف فيها الإمام عن أبيه الإمام‪ ،‬سياسة ً في الدين والرعية‪،‬‬ ‫ومنهجا في الأمر بالمعروف مهما أمكن‪ ،‬لما كانت زمام الأمور بيده‪،‬‬ ‫وركونا للسلم والهدنة تغليبا لمصلحة الدين‪ ،‬فلم ينازع أحدا في ملـكه‬ ‫وسلطانه‪ ،‬ولم ينزع للخديعة والغلبة بها حاشاه وهو سبط من الأسباط‬ ‫وسيد شباب أهل الجنة‪ ،‬ولو أراد قياس المصلحة بعقول الناس‬ .‫هذا في الهدنة الأولى التي انتهت بخلافته سلام الله عليه‪ ،‬ثم اعتلاها‬ ‫وصيه بالحق أبو محمد المجتبى‪.

‫‪41‬‬ ‫وهواهم لظفر بمعاو ية ساعة نهار‪ ،‬وما معاو ية بأدهى من الحسن وهو‬ ‫ابن علي بن أبي طالب‪ ،‬غير أنه صبر على الأذى وتحمل الناس وجهلهم‬ ‫وقلة معرفتهم‪ ،‬تحملهم في حربه مع معاو ية حتى طعنوه في فسطاطه‬ ‫وغدروا به في نزال معاو ية وكادوا يسلموه للشام وهو سيدهم وخليفة‬ ‫الله فيهم‪ ،‬ثم صبر على جهل منهم أعظم لما طلب معاو ية منه الصلح‬ ‫والمهادنة فنزل عليها وهو إمام كما قام بالحرب وهو إمام‪ ،‬فما جازوه إلا‬ ‫أن نبذه الجهال‪.‬‬ ‫وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاو ية بالطاعة له في السر‪،‬‬ ‫واستحثوه على السير نحوهم‪ ،‬وضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام إليه‬ .‬‬ ‫ولعمري‪ ،‬كيف يغمض عن طر يقة المعصوم من يدعي اتباعه!‪،‬‬ ‫وكيف يضرب مثلا للعزة فلانا وفلانا ويستحيي أن يذكر الحسن المجتبى‬ ‫عزيز الله في أرضه وسمائه!‪ ،‬فانظر كيف يضرب لنا الأمثال !‪.‬‬ ‫ولا نزيد على ما أرشد له الشيخ المفيد رحمه الله في الإرشاد يصف أبا‬ ‫محمد الحسن عليه السلام في هدنته مع معاو ية بن أبي سفيان‪ ،‬قال بعد‬ ‫ذكر محاولة قتله من بعض الفسقة الخوارج‪:‬‬ ‫" وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن‪ ،‬فأنزل به على سعد‬ ‫بن مسعود الثقفي‪ ،‬وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها فأقره‬ ‫الحسن عليه السلام على ذلك‪ ،‬واشتغل بنفسه يعالج َرحه‪.

‬‬ ‫فازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له‪ ،‬وفساد نيات‬ ‫المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير واستحلال دمه ونهب‬ ‫أمواله‪ ،‬ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعته وشيعة أبيه‬ ‫أمير المؤمنين عليه السلام‪ ،‬وهم جماعة لا تقوم لأجناد الشام‪.‬‬ ‫فكتب إليه معاو ية في الهدنة والصلح‪ ،‬وأنفذ إليه بكتب أصحابه التي‬ ‫ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه‪ ،‬واشترط له على نفسه في إجابته‬ ‫إلى صلحه شروطا كثيرة وعقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح‬ ‫شاملة‪ ،‬فلم يثق به الحسن عليه السلام وعلم احتياله بذلك واغتياله‪ ،‬غير‬ .‫عند دنوهم من عسكره أو الفتك به‪ ،‬وبلغ الحسن ذلك‪ ،‬وورد عليه‬ ‫كتاب قيس بن سعد رضي الله عنه وكان قد أنفذه مع عبيد الله بن‬ ‫العباس عند مسيره من الـكوفة‪ ،‬ليلقى معاو ية فيرده عن العراق‪،‬‬ ‫وجعله أميرا على الجماعة وقال ‪ " :‬إن أصبت فالأمير قيس بن سعد "‪،‬‬ ‫فوصل كتاب ابن سعد يخ بره أنهم نازلوا معاو ية بقر ية يقال لها الحبونية‬ ‫بإزاء مسكن‪ ،‬وأن معاو ية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في‬ ‫المصير إليه‪ ،‬وضمن له ألف ألف درهم‪ ،‬يعجل له منها النصف‪ ،‬و يعطيه‬ ‫النصف الآخر عند دخوله الـكوفة‪ ،‬فانسل عبيد الله بن العباس في‬ ‫الليل إلى معسكر معاو ية في خاصته‪ ،‬وأصبح الناس قد فقدوا أميرهم‪،‬‬ ‫فصلى بهم قيس رضي الله عنه ونظر في أمورهم‪.

‬‬ .‬‬ ‫فتوثق عليه السلام لنفسه من معاو ية لتأكيد الحجة عليه‪ ،‬والاعذار فيما‬ ‫بينه وبينه عند الله عز وجل وعند كافة المسلمين‪ ،‬واشترط عليه ترك‬ ‫سب أمير المؤمنين عليه السلام والعدول عن القنوت عليه في‬ ‫الصلوات‪ ،‬وأن يؤمن شيعته رضي الله عنهم ولا يتعرض لأحد منهم‬ ‫بسوء‪ ،‬و يوصل إلى كل ذي حق منهم حقه‪ ،‬فأجابه معاو ية إلى ذلك‬ ‫كله‪ ،‬وعاهده عليه وحلف له بالوفاء به ‪.‬‬ ‫فلقا استتمت الهدنة على ذلك‪ ،‬سار معاو ية حتى نزل بالنخيلة‪ ،‬وكان‬ ‫ذلك يوم جمعة فصلى بالناس ضحى النهار‪ ،‬فخطبهم وقال في خطبته‪ :‬إني‬ ‫والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا‪ ،‬إنكم‬ ‫لتفعلون ذلك‪ ،‬ولـكني قاتلتكم لأتأمر عليكم‪ ،‬وقد أعطاني الله ذلك وأنتم‬ ‫له كارهون‪ ،‬ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء‪ ،‬وجميعها‬ ‫تحت قدمي لا أفي بشيء منها له‪.‫‪43‬‬ ‫أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس ( من ترك ) الحرب وإنفاذ‬ ‫الهدنة‪ ،‬لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه‬ ‫والفساد عليه والخلف منهم له‪ ،‬وما انطوى كثير منهم عليه في استحلال‬ ‫دمه وتسليمه إلى خصمه‪ ،‬وما كان في خذلان ابن عمه له ومصيره‬ ‫إلى عدوه‪ ،‬وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة ‪.

‬إلى آخر كلامه رفع‬ ‫مقامه‪..‫ثم سار حتى دخل الـكوفة فأقام بها أياما‪ ،‬فلا استتمت البيعة له من‬ ‫أهلها‪ ،‬صعد المنبر فخطب الناس‪ ،‬وذكر أمير المؤمنين عليه السلام فنال‬ ‫منه ونال من الحسن‪ ،‬وكان الحسن والحسين صلوات الله عليهما‬ ‫حاضرين‪ ،‬فقام الحسين ليرد عليه فأخذ بيده الحسن فأجلسه ثم قام‬ ‫فقال‪ " :‬أيها الذاكر عليا‪ ،‬أنا الحسن وأبي علي‪ ،‬وأنت معاو ية وأبوك‬ ‫صخر‪ ،‬وأمي فاطمة وأمك هند‪ ،‬وجدي رسول الله وجدك حرب‪،‬‬ ‫وجدتي خديجة وجدتك قتيلة‪ ،‬فلعن الله أخملنا ذكرا‪ ،‬وألأمنا حسبا‪،‬‬ ‫وشرنا قدما‪ ،‬وأقدمنا كفرا ونفاقا " فقال طوائف من أهل المسجد‪:‬‬ ‫آمين آمين‪..‬‬ ‫فكيف يرضى الحسن عليه السلام بالذل والهوان!‪ ،‬وكيف يقار الظالم‬ ‫على ظلمه !‪ ،‬ولسان حال الثائرين الذين لا يرعون دما ولا عرضا والذين‬ ‫(‪ )1‬الإرشاد ‪.‬‬ ‫ولما استقر الصلح بين الحسن صلوات الله عليه وبين معاو ية على ما‬ ‫ذكرناه‪ ،‬خرج الحسن عليه السلام إلى المدينة فأقام بها كاظما غيظه‪،‬‬ ‫لازما منزله‪ ،‬منتظرا لأمر ربه جل اسمه‪ ،‬إلى أن تم لمعاو ية عشر سنين‬ ‫من إمارته وعزم على البيعة لابنه يزيد ‪ )1(" .15-12 :2‬‬ .

‬ركونا للسلم واهلدنة تغليبا‬ ‫ملصلحة الدين‪ ،‬فلم ينازع أحدا‬ ‫يف ملكه وسلطانه‪ ،‬ومل ينزع‬ ‫للخديعة والغلبة بها حاشاه وهو‬ ‫سبط من األسباط وسيد شباب أهل‬ ‫اجلنة‬ ‫(‪ )1‬مقاتل الطالبيين‪..44 :‬‬ .)1‬‬ ‫ومل خيتلف اإلمام عن أبيه اإلمام‬ ‫‪ .‫‪45‬‬ ‫على أعينهم غشاوة الثأر لا تبصر مصالح الحق وتبيح كل باطل في‬ ‫سبيل الغرض عمى وجهالة واتكالا على الاستحسان وأحكام العقول‬ ‫القاصرة‪ ،‬لسانهم كلسان من سلم على أميره الحسن عليه السلام بعد‬ ‫الصلح بقوله‪ :‬السلام على مذل المؤمنين‪ ،‬فأجابه أبو محمد الحسن‪ " :‬يا‬ ‫سفيان‪ ،‬إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به "(‪..

‫وأما الحسين عليه السلام فقد وصفه الشيخ المفيد بأخصر وصف‬ ‫وأوضح مذهب من الالتزام بالهدنة ‪ -‬حتى موت معاو ية ‪ -‬عندما قال‬ ‫فيه‪:‬‬ ‫" فَك َان َْت ِإم َام َة ُ الْحُسَيْنِ ع بَعْد َ و َفَاة ِ أَ خِيه ِ بِمَا ق ََّدمْنَاه ُ ث َابتِ َة ً وطَاع َتُه ُ ِلجم َ ِ ِ‬ ‫يع‬ ‫سه ِ ع ل ِ َّلتق َِّية ِ َّالتِي ك َانَ عَلَيْهَا وال ْهُدْنَة ِ‬ ‫ق ل َازِم َة ً ِوإ ْن ل َ ْم ي َ ْدع ُ ِإلَى ن َ ْف ِ‬ ‫الْخَل ْ ِ‬ ‫سفْيَانَ‪ ،‬فَال ْتَزَم َ ال ْو َفَاء َ بِهَا وََر َى ف ِي‬ ‫الْحا َصِلَة ِ بَي ْن َه ُ وبَيْنَ م ُع َاوِ يَة َ ب ْ ِن أَ بِي ُ‬ ‫وت ِإم َام َتِه ِ بَعْد َ َّ‬ ‫النب ِ ِي ص م َ َع‬ ‫مج ْر َى أَ بيِه ِ أَ م ِير ِ ال ْمُؤْم ِنِينَ ع وثُب ُ ِ‬ ‫ذَل ِ َ‬ ‫ك َ‬ ‫َف ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُوت‪،‬‬ ‫والسك ِ‬ ‫ن ع بَعْد َ ال ْهُدْنَة ِ م َ َع ال ْـك ِ‬ ‫الصم ِ‬ ‫ُوت ِوإم َامَة ِ أَ خِيه ِ الْحَسَ ِ‬ ‫محْصُور ٌ وعِنْد َ‬ ‫الشع ِ‬ ‫الله ِ ص وه ُو َ فِي ِ‬ ‫فَك َانُوا فِي ذَل ِ َ‬ ‫ْب َ‬ ‫ك عَلَى سُنَنِ نَبِ ِي َّ‬ ‫ست َخْ ف ِيا ً فِي ال ْغ َارِ وه ُو َ م ِنْ أَ عْد َائِه ِ مَسْتُور ٌ‪.31 :2‬‬ .)1‬‬ ‫لِلْجَاه ِلِينَ بِه ِ ح َال ًا بِ حَالٍ‪ِ ،‬إلَى أَ ِ‬ ‫‪ 1‬الإرشاد ‪.‬‬ ‫جه ِ مُهَاَِرا ً م ِنْ م ََّكة َ م ُ ْ‬ ‫خُر ُو ِ‬ ‫ن عَل ٍِي‬ ‫َت م َُّدة ُ ال ْهُدْنَة ِ َّالتِي ك َان َْت تَم ْن َ ُع الْحُسَيْنَ ب ْ َ‬ ‫فَل ََّما م َاتَ م ُع َاوِ يَة ُ وانْقَض ْ‬ ‫ن َّ‬ ‫حق ِه ِ‬ ‫ن وأَ ب َانَ ع َنْ َ‬ ‫َب ال ِْإ ْمك َا ِ‬ ‫سه ِ أَ ظْ ه َر َ أَ مْرَه ُ بِ حَس ِ‬ ‫الدعْوَة ِ ِإلَى ن َ ْف ِ‬ ‫ع مِ َ‬ ‫ن اجْ تَم َ َع لَه ُ فِي َّ‬ ‫الظاهِرِ الْأَ نْصَار ُ"(‪.

‬‬ ‫يَكونَ هذا أيضا لِما بَعد َه ُ ‪،‬فَاكتُب إل ََّي ب ِر َأي ِ َ‬ ‫فَكَت َبَ إلَيه ِ م ُعاوِ يَة ُ‪:‬‬ ‫ك وفَه ِمتُ ما ذَك َرتَ فيه ِ م ِن أمر ِ الحُسَينِ‪،‬‬ ‫أما بَعد ُ‪ :‬فَق َد بلََغ َني كِتاب ُ َ‬ ‫ك؛ ف َِإنا لا‬ ‫حسَينا ما ت َرَك َ َ‬ ‫ِض لِلحُسَينِ في ش َيءٍ‪ ،‬و َاتر ُك ُ‬ ‫ف َِإ ياك َ أن تَعر َ‬ ‫ِض لَه ُ في ش َيء ٍ ما و َفى بِبَيع َتِنا ولَم يَنز ُ عَلى سُلطانِنا‪ ،‬فَاكم ُن‬ ‫ن ُريد ُ أن تَعر َ‬ ‫ك صَفحَت َه ُ‪ ،‬و َّ‬ ‫َالسلام ُ ‪.‬‬ ‫ع َنه ُ ما لَم يُبدِ ل َ َ‬ ‫ل الكِتابُ إلَى الح ُسَينِ عليه السلام كَت َبَ إلَيه ِ‪:‬‬ ‫ص َ‬ ‫فَلَما و َ َ‬ .‫‪47‬‬ ‫ويمكن معرفة حال الحسين عليه السلام في زمن الهدنة الثانية التي كان‬ ‫هو الإمام المفترض الطاعة فيها بدراسة بعض نصوص تلك الفترة‪.‬‬ ‫فمن كتاب معاو ية الى الحسين عليه السلام ‪:‬‬ ‫ما رواه الـكشي في كتابه قال‪:‬‬ ‫" رُوِيَ َّ‬ ‫ن الحَكَم ِ كَت َبَ إلى م ُعاوِ يَة َ ـ وه ُو َ عام ِلُه ُ عَلَى المَدينَة ِ ـ‬ ‫أن م َروانَ ب َ‬ ‫ن ع ُثمانَ ذَك َر َ َّ‬ ‫ق وو ُجوه َ‬ ‫ل الع ِرا ِ‬ ‫‪ :‬أما بَعد ُ‪ ،‬ف َِإ َّن ع َمر َو ب َ‬ ‫أن رِجالا ً م ِن أه ِ‬ ‫ن و ُثوبَه ُ‪ ،‬وق َد‬ ‫ل الحِجازِ‪ ،‬يَختَل ِفونَ إلَى الحُسَينِ ب ِن عَل ٍِي‪ ،‬وذَك َر َ َّأنه ُ لاي َأم َ ُ‬ ‫أه ِ‬ ‫ن أن‬ ‫ِلاف يَوم َه ُ هذا‪ ،‬ولَستُ آم َ ُ‬ ‫ك فَبَلَغ َني َّأنه ُ ي ُريد ُ الخ َ‬ ‫بَحَثتُ ع َن ذل ِ َ‬ ‫ك في هذا‪ ،‬و َّ‬ ‫َالسلام ُ"‪.

‫ك ع َني اُمور ٌ أنتَ لي ع َنها‬
‫ك تَذك ُر ُ َّأنه ُ ق َد بلََغ َ َ‬
‫أما بَعد ُ‪ ،‬فَق َد بلََغ َني كِتاب ُ َ‬
‫َنات لا يَهدي لَها ولا ي َر ُُد‬
‫ِب وأن َا ل ِغ َير ِها عِندَك َ ج َدير ٌ‪ ،‬ف َِإ َّن الحَس ِ‬
‫راغ ٌ‬
‫إلَيها إل َا الله‪.‬‬
‫ك المَلاقونَ‬
‫ك ع َني‪ ،‬ف َِإ َّنه ُ َّإنما ر َقاه ُ إلَي َ‬
‫وأما ما ذَك َرتَ َّأنه ُ انت َهى إلَي َ‬

‫ك خِلافا‪ ،‬و َايم ُ اللهِ‪ ،‬إني‬
‫ك ح َربا ولا عَلَي َ‬
‫ميم‪ ،‬وما اُريد ُ ل َ َ‬
‫المَشاؤونَ ب ِا َّلن ِ‬
‫ك ذلِكَ‪ ،‬ولا عاذِرا‬
‫ك ذلِكَ‪ ،‬وما أظ ُُن الله َ راضِيا بِت َر ِ‬
‫لَخائ ٌِف الله ِ في ت َر ِ‬
‫ِزب َّ‬
‫الظلَمَة ِ‬
‫نح ِ‬
‫ك القاسِطينَ المل ُحِدي َ‬
‫الإعذارِ فيه ِ إلَيكَ‪ ،‬وفي أولِيائ ِ َ‬
‫بِدو ِ‬
‫ن ِ‬

‫وأولِياء ِ َّ‬
‫الشياطينِ"(‪.)1‬‬

‫وفي الإمامة والسياسة لابن قتيبة كتب إليه الحسين عليه السلام ‪:‬‬
‫ك ع َني اُمور ٌ لَم تَكُن‬
‫ك تَذك ُر ُ فيه ِ َّأنه ُ انتَه َت إلَي َ‬
‫أما بَعد ُ‪ ،‬فَق َد جاءَني كِتاب ُ َ‬
‫تَظ ُُنني بِها ر َغب َة ً بي ع َنها‪َّ ،‬‬
‫َنات لا يَهدي لَها ولا يُس َدِد ُ إلَيها إل َا‬
‫وإن الحَس ِ‬

‫الله ُ تَعالى‪.‬‬
‫ك ع َني‪ ،‬ف َِإ َّنما ر َقاه ُ المَلاقونَ المَشاؤونَ ب َِّالنميمَة ِ‬
‫وأما ما ذَك َرتَ َّأنه ُ ر ُقِي َ إلَي َ‬

‫المُف َرِقونَ بَينَ الج َ ِ‬
‫مع‪ ،‬وكَذ َبَ الغاوونَ المارِقونَ‪ ،‬ما أر َدتُ ح َربا ولا‬

‫سطينَ‬
‫ك القا ِ‬
‫ك وم ِن حِزب ِ َ‬
‫ك م ِن َ‬
‫ك ذل ِ َ‬
‫خِلافا‪ ،‬وإني ل َأَخش َى لله َ في ت َر ِ‬

‫(‪ )1‬اختيار معرفة الرجال ‪.252 :1‬‬

‫‪49‬‬

‫ن َّ‬
‫ن َّ‬
‫جيم ‪ ...‬حتى قال‪ :‬أَ بش ِر يا‬
‫الشيطا ِ‬
‫ِزب الظال ِ ِم وأعوا ِ‬
‫المحُِلينَ‪ ،‬ح ِ‬
‫الر ِ‬
‫ِساب‪ ،‬و َاعلَم َّ‬
‫أن لله ِ تَعالى كِتابا لا يُغادِر ُ‬
‫ص و َاستَيق ِن ب ِالح ِ‬
‫م ُعاوِ يَة ُ ب ِالق ِصا ِ‬
‫ك‬
‫يس الله ُ بِناسٍ لِأَخذِك َ ب ِالظ ِ َّنة ِ وقَتل ِ َ‬
‫صَغيرَة ً ولا كَبيرَة ً إلا أحصاها‪ ،‬ول َ َ‬
‫أولِياءه ُ عَلَى ُ‬
‫ل أولِيائِه ِ م ِن دورِه ِم إلى دارِ الغ ُربَة ِ‪ ،‬وأخذِك َ‬
‫التهَمِ‪ ،‬ونَق ِ‬
‫َ‬
‫ِلاب‪ .‬لا‬
‫َث‪ ،‬يَشر َبُ الخَمر َ‪ ،‬و يَلع َبُ ب ِالك ِ‬
‫ك غُلا ٍم حَد ٍ‬
‫س بِبَيعَة ِ ابن ِ َ‬
‫لِلنا ِ‬
‫ك‪،‬‬
‫ك وأوبَقتَ دينَكَ‪ ،‬وغَشَشتَ رَع َِّيت َ‬
‫خس ِرتَ نَفسَ َ‬
‫ك إلا وق َد َ‬
‫أعلَم ُ َ‬
‫ل‪ ،‬وأخَفتَ الوَرِعَ َّ‬
‫وأخر َبتَ أمانَتَكَ‪ ،‬وسَم ِعتَ م َقالَة َ َّ‬
‫التق َِّي‬
‫السفيه ِ الجاه ِ ِ‬
‫ل ِأَ جلِه ِم‪ ،‬و َّ‬
‫َالسلام ُ "(‪ )1‬إلى آخر الكتاب‪.‬‬

‫(‪ )1‬الإمامة والسياسة لابن قتيبة ‪.155-154 :1‬‬

‫اْلتَزَمَ –احلسني‪ -‬الْوَفَاءَ ِبهَا وجَرَى‬
‫فِي ذَلِكَ مَجْرَى َأبِيهِ أَمِريِ الْمُ ْؤ ِمنِنيَ‬
‫ع و ُثبُوتِ إِمَا َمتِهِ بَعْدَ النَّبِي ِّ‬

‫مَ ََ‬

‫الصُّمُوتِ‪ ،‬و ِإمَامَةِ أَخِيهِ الْحَ َسنِ ع‬
‫دنَةِ‪ ،‬مَ ََ اْلكَف ِّ والسُّكُوتِ‪،‬‬
‫بَعْدَ اْلهُ ْ‬
‫سَننِ َنبِي ِّ اللِههِ‬
‫َفكَانُوا فِي ذَلِكَ َعلَى ُ‬
‫وهُوَ فِي الش ِّعْبِ مَحْصُورٌ و ِعنْدَ‬
‫خُرُوجِهِ ُمهَاجِراً ِمنْ مَكِهةَ مُ ْستَخْفِياً‬
‫ن أَعْدَائِ ِه مَ ْستُورٌ ‪...‬‬
‫فِي الْغَا ِر وهُ َو ِم ْ‬

‫ثم بدأت الهدنة الثالثة‪ ،‬هدنة على السلم والتوافق بين طوائف الإسلام‬
‫والأمم‪ ،‬لا صراع على سلطة ولا حراك على غير ما أمر به الإمام عليه‬
‫السلام من الصبر والتلطف بالمسلمين ومعونة العادل من ولاتهم وتجنب‬
‫الطاغي منهم‪ ،‬لا خفاء في فعلهم ولا مطامع في دولة المتغلب بالسلطان‬

‫‪51‬‬ ‫ومن انقاد لأمره ونهية الناس‪ ،‬حتى استقر أمر بعض الشيعة على‬ ‫ل أهل البيت‬ ‫العمل بهذه السنة‪ ،‬وزاغ آخرون عنها فكانوا كمن قت َ‬ ‫عليهم السلام عامدا وبذل الذر يعة للوشاة عليهم عند الأمراء فاستحلوا‬ ‫دمائهم الطاهرة ظلما وجورا‪ ،‬ونكتفي هنا بذكر شاهد من سيرتهم‪:‬‬ ‫قال القاضي النعماني الإسماعيلي في شرح الأخبار في الجزء الرابع عشر‬ ‫المخصص لأحوال الصادق عليه السلام‪:‬‬ ‫" وسعي بجعفر بن محمد عليه السلام إلى أبي الدوانيق‪.‬‬ ‫قال الربيع‪ :‬فلما قرب منه حرك شفتيه‪.‬‬ .‬‬ ‫فقال له جعفر بن محمد‪ :‬يا أمير المؤمنين ما فعلت ذلك ولا أردته؛ فقد‬ ‫علمت قديما ما أنا عليه‪ ،‬فلا تقبل علي من كاذب إن كذب وساع إن‬ ‫سعى بي عندك‪.‬‬ ‫فقال للربيع ‪ -‬حاجبه ‪ : -‬يا ربيع‪ ،‬ائتني بجعفر‪ ،‬قتلني الله إن لم أقتله‬ ‫‪ ،‬فجاء به الربيع ‪.‬‬ ‫فلما دخل عليه قال له‪ :‬يا جعفر تحاول الفتنة وتريد سفك دماء المسلمين‬ ‫وتلحد في سلطاني وتبتغي الغوائل‪.

‫فسكت‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا أبا عبد الله‪ ،‬والله إني لأعلم [ما] أنت عليه قديما‬ ‫كما ذكرت‪ ،‬ولو كنت قد فعلت ما قيل لك فقد ابتلي أيوب فصبر‪،‬‬ ‫وظلم يوسف فغفر‪ ،‬وأعطى سليمان فشكر‪.‬‬ .‬‬ ‫[ فقال ‪ ] :‬وهؤلاء أنبياء الله إليهم يرجع أنسابنا‪ ،‬ارتفع إلى هاهنا ‪.‬‬ ‫فرفعه إليه‪ ،‬وأجلسه على فراشه إلى جانبه‪ ،‬ثم دعا برجل فقال‪:‬‬ ‫ألست القائل عن هذا كذا وكذا ؟‬ ‫قال‪ :‬نعم يا أمير المؤمنين‬ ‫قال‪ :‬فسمعت ذلك منه‪ ،‬أو بلغك عنه ؟‬ ‫قال‪ :‬بل سمعت بأذني‬ ‫قال‪ :‬أفتحلف على ذلك ؟‬ ‫قال‪ :‬نعم‬ ‫قال‪ :‬فقل‪ :‬والله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالب‬ ‫فقال جعفر بن محمد عليه السلام‪ :‬يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تجعل‬ ‫استحلافه إلي‪ ،‬فأستحلفه بما شئت‬ ‫[ ثم ] قال‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬إن العبد إذا وحد الله ومجده وحلف بعد‬ ‫ذلك لم ينتقم الله منه‪ ،‬وإن كذب في الدنيا ‪.

‫‪53‬‬ ‫ثم أقبل على الرجل فقال له‪ :‬تحلف بما أستحلفك به ؟‬ ‫قال‪ :‬نعم‬ ‫قال عليه السلام‪ :‬فاتق الله في نفسك ولا تحلف كاذبا واستقبل أمير‬ ‫المؤمنين‪ ،‬وقل الحق‬ ‫قال‪ :‬ما قلت إلا ما سمعته منك ولا أرجع‬ ‫قال جعفر بن محمد عليه السلام ‪ :‬اللهم أنت الشاهد عليه والعالم بقوله‪.‬‬ ‫ثم أقبل عليه‪ ،‬وقال له‪ :‬قل إن كنت حالفا‪ ( :‬برئت من [ حول ] الله‬ ‫وقوته‪ ،‬وأسلمت إلى حولي وقوتي إن لم يكن جعفر بن محمد قال كذا‬ ‫وكذا )‬ ‫فقال الرجل ذلك‪ ،‬فما برح مكانه حتى صرع‪ ،‬فمات‪.‬‬ ‫ثم قال‪ :‬انصرف يا أبا عبد الله فإني أخشى أن يسوء ظن أهلك بنا‬ ‫فيك‪.‬‬ ‫فجروه حتى أخرجوه‪ ،‬وعطف أبو الدوانيق على أبي عبد الله جعفر بن‬ ‫محمد عليه السلام يسترضيه‪.‬‬ .‬‬ ‫قال أبو الدوانيق‪ :‬خذوا برجليه لعنه الله‪.

‬‬ ‫قال ‪ :‬دعوت بدعاء جدي الحسين بن علي عليه السلام ‪.‫فلما انصرف لحقه الربيع فقال‪ :‬يا بن رسول الله لقد دخلت عليه‪ ،‬وما‬ ‫ظننت إلا أنه سيقتلك لما رأيت من حنقه عليك‪ ،‬ويمينه أنه ليقتلك‪،‬‬ ‫فلما دخلت إليه رأيتك حركت شفتيك‪ ،‬فنظرت إليه قد حال عما كان‬ ‫لك عليه‪ ،‬وما أراك إلا دعوت الله تعالى‪ ،‬فعلمني ما دعوت ‪.‬‬ .‬‬ ‫(‪ ) 1‬أفتحسب الصادق عليه السلام علم دعاء جده الحسين واقتفاه وغفل عن‬ ‫أمر استنبطه المتأخرون سموه بثورة الحسين وشبهوه بأعمالهم وأحكام عقولهم‬ ‫!‪ ،‬فما اتبعوا إلا من جعل القرآن عضين ومن ركن إلى ركن غير متين‪،‬‬ ‫هدانا الله وإياهم أجمعين‪.‬‬ ‫قال ‪ :‬وما هو‪ ،‬جعلت فداك ؟‬ ‫قال ‪ :‬قلت ‪ :‬يا عدتي عند شدتي‪ ،‬و يا غوثي عند كربتي‪ ،‬احرسني‬ ‫بعينك التي لا تنام‪ ،‬واكفني برحمتك التي لا ترام(‪.)1‬‬ ‫ثم قال‪ :‬وقول جعفر بن محمد لأبي الدوانيق‪( :‬قد علمت قديما ما أنا‬ ‫عليه) وقول أبي الدوانيق أنه يعلم ذلك ‪.

‬‬ ‫فكان ذلك مما صرف الله عنه به شره‪.‫‪55‬‬ ‫فإنما ذ َّ‬ ‫كره ُ شيئا قد كان شاهده منه؛ وذلك أنه كان يوما في أيام بني‬ ‫أمية جعلوا يستحثونه على القيام‪ ،‬ويذكرون كثرة أوليائه‪ ،‬وكان أكثرهم‬ ‫قولا أبو الدوانيق‪ ،‬فضرب أبو عبد الله عليه السلام [ على ] فخذ أبي‬ ‫الدوانيق ‪.‬‬ ‫ثم قال له ‪ :‬أما بلغك قول أبي لأخيه زيد لما هم بالقيام ‪ " :‬و يحك يا‬ ‫زيد احذر أن تكون غدا المصلوب بالكناسة‪ ،‬إنا أهل بيت لا يقوم منا‬ ‫قائم قبل أوان قيام مهدينا إلا كان كمثل فرخ طائر نهض عن عشه‬ ‫قبل أن يستوي جناحاه فما هو أن يستقل مرة أو مرتين بالطيران حتى‬ ‫سقط‪ ،‬فيأخذه الصبيان يتلاعبون به " ‪.‬‬ ‫فقال له‪ :‬متى يكون قيام مهديكم يا بن رسول الله ؟‬ ‫فقال‪ :‬والله لا يكون ذلك حتى يتلاعب أنت وذريتك من بعدك بهذا‬ ‫الأمر دهرا طو يلا ‪.‬‬ .‬‬ ‫فقال له أبو الدوانيق‪ :‬أنا يا بن رسول الله ؟‬ ‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬أنت ‪.

‫فإذا سعى به إليه‪ ،‬وقيل له فيه ذكر هذا الحديث‪ ،‬فعلم أنه لا يقوم‬ ‫عليه"(‪.302 :3‬‬ .)1‬‬ ‫وبعد هذا كله‪ ،‬فلا معنى لتخصيص الهدنة بالأحكام الفرعية المعروفة‬ ‫كالحكم بطهارةكل المسلمين ومعاملتهم‪ ،‬بل هو معنى مترتب على المعنى‬ ‫الحقيقي للمهادنة ومتناسق مع سهولة وسماحة الدين والملة وأغراضه‬ ‫العالية في حفظ الدماء والحدود والمصالح‪ ،‬و يكفيك أنه سبحانه رتب‬ ‫درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فجعل أقصاها إنكار الجوارح‬ ‫وأدناها إنكار القلوب والجوانح وهي أكثر الموارد؛ لعلمه سبحانه أن‬ ‫اقتضاء الصلاح لا يكون برفع الحراب في صغائر الأمور ولا يورث‬ ‫إلا الندم والدم في عظائمها ولا يصلح لها إلا حكم من عرف الدين‬ ‫كله وترك الاجتهاد والقياس وترفع عن أغراض الدنيا وطلبها‪ ،‬وما‬ ‫وجدنا من هؤلاء معصوما إلا الذين استخلفهم الله بعد نبيه المصطفى‬ ‫ص‪ ،‬وقرنهم بالثقل الأكبر‪ ،‬أعني الثقل الأصغر أهل بيته المعينين‬ ‫وآله المنتجبين‪.‬‬ ‫(‪ )1‬شرح الأخبار ‪.

4 :‬‬ .)1‬‬ ‫ك ال ْب َص َر ُ خ َاسِئًا و َه ُو َ َ‬ ‫ث َُّم ا ْرج ِِع ال ْب َصَر َ ك ََّرتَيْنِ يَنْق َل ِْب ِإلَي ْ َ‬ ‫(‪ )1‬الملك‪.‫‪57‬‬ ‫ولنترك الإطالة في التفصيل ‪ -‬حتى لا نخرج من غرض الرسالة الكلي‬ ‫ للـكتب الطوال في أحوال السجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا‬‫والجواد والهادي والعسكري والحجة المهدي عليهم السلام‪ ،‬فانظر‪ ( :‬م َا‬ ‫ق َّ‬ ‫ُت فَا ْرج ِِع ال ْب َص َر َ ه َلْ ت َر َى م ِنْ فُط ُورٍ‪،‬‬ ‫ن م ِنْ تَف َاو ٍ‬ ‫ت َر َى فِي خ َل ْ ِ‬ ‫الرحْم َ ِ‬ ‫حسِير ٌ)(‪.

.

59 .

.

‬‬ .‬‬ ‫الم َُّدة ُ‪ ،‬ف َِإن ماتَ م ُعاوِ يَة ُ نَظَر َ في ذل ِ َ‬ ‫فليس فيه دلالة على العزم الحتمي على القيام؛ بل فيه من التردد‬ ‫وانتظار الأمر كيف يسفر ما هو صريح لا يخفى!‪ ،‬كما انتظر علي‬ ‫والحسن عليهما السلام‪ ،‬بل في استعلامه لحال أهل الـكوفة بإرسال‬ ‫سفيره مسلم بن عقيل وغيره يعلم حال الحسين من الاحتياط للأمر‬ ‫وسيأتيك تفصيل أكثر في مقام آخر‪.‫‪61‬‬ ‫وأما ما استدل به البعض ‪ -‬على أن الحسين عليه السلام قد َّبيت نية‬ ‫القيام فور انحلاله من العهد مع معاو ية بعد موته باذلا دمه مغمضا‬ ‫عن العواقب عينه ‪ -‬بما رواه الشيخ المفيد في إرشاده‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫حاب السيرَة ِ‪ ،‬قالوا‪ :‬لَما‬ ‫" ما ر َواه ُ الك َلب ِ ُي و َالمَدائِنِ ُي وغَير ُهُما م ِن أص ِ‬ ‫ق وكَتَبوا‬ ‫َت الشيع َة ُ ب ِالع ِرا ِ‬ ‫ن عَل ٍِي عليه السلام‪ ،‬تَح ََّرك ِ‬ ‫نب ُ‬ ‫ماتَ الحَسَ ُ‬ ‫إلَى الحُسَينِ عليه السلام في خ ِ‬ ‫َلع م ُعاوِ يَة َ و َالبَيع َة ِ لَه ُ‪ ،‬ف َامتَن َ َع عَلَيه ِم‬ ‫وذَك َر َ َّ‬ ‫أن بَين َه ُ وبَينَ م ُعاوِ يَة َ ع َهدا وع َقدا لا يَجوز ُ لَه ُ نَقضُه ُ حَتى تَمضِي َ‬ ‫ك "‪.

‬‬ ‫بل روى الشيخ المفيد حال أهل الـكوفة بعد موت معاو ية وامتناع‬ ‫الحسين عن البيعة قال‪:‬‬ ‫جف ُوا بِيَز ِيد َ وع َرَفُوا خ َب َر َ‬ ‫ل ال ْـكُوفَة ِ ه َلَاك ُ م ُع َاوِ يَة َ‪ ،‬فََأَ ْر َ‬ ‫"و َ بلَ َ َغ أَ ه ْ َ‬ ‫ن اب ْ ِن ُ‬ ‫ك‬ ‫الز بَيْر ِ فِي ذَل ِ َ‬ ‫الْحُسَيْنِ ع وامْت ِنَاع َه ُ م ِنْ بَي ْع َتِه ِ وم َا ك َانَ م ِ ِ‬ ‫سلَيْم َانَ‬ ‫ل ُ‬ ‫َت الشِيع َة ُ ب ِال ْـكُوفَة ِ فِي مَنْز ِ ِ‬ ‫جهِم َا ِإلَى م ََّكة َ‪ ،‬فَاجْ تَم َع ِ‬ ‫وخُر ُو ِ‬ ‫ل سُلَيْم َانُ‪ِ :‬إ َّن‬ ‫الله َ عَلَيْه ِ‪ ،‬فَق َا َ‬ ‫ب ْ ِن صُر َ ٍد فَذَك َر ُوا ه َلَاك َ م ُع َاوِ يَة َ فَحَمِد ُوا َّ‬ ‫ج‬ ‫ض عَلَى الْقَو ْ ِم بِبَي ْع َتِه ِ‪ ،‬وق َ ْد خَر َ َ‬ ‫حسَي ْنا ً ق َ ْد تَق ََّب َ‬ ‫ك ِوإ َّن ُ‬ ‫م ُع َاوِ يَة َ ق َ ْد هَل َ َ‬ ‫ِإلَى م ََّكة َ‪ ،‬وأَ ن ْتُم ْ شِيع َت ُه ُ وشِيع َة ُ أَ بيِه ِ‪ ،‬ف َِإ ْن كُن ْتُم ْ تَعْلَم ُونَ أَ َّنك ُ ْم نَاص ِر ُوه ُ‬ .‫ولا ننكر أصل ومشروعية إنكار الظلم لولا نهي الشارع عن مناكفة‬ ‫الحكام حتى قيام الإمام ع وتحت راية المعصوم‪ ،‬وما يحمله هذا النهي‬ ‫عن القيام من حكمة حفظ الدين عن الضياع وتفرق الأمة بعد‬ ‫الاجتماع غير خفي على العاقل‪.

‫‪63‬‬ ‫ن فَلَا تَغ ُُروا َّ‬ ‫ل‬ ‫الرج ُ َ‬ ‫ل وال ْوَه ْ َ‬ ‫خفْتُم ُ الْفَشَ َ‬ ‫ومُجَاهِد ُو عَد ُوِه ِ فََأَ ع ْلِم ُوه ُ‪ِ ،‬وإ ْن ِ‬ ‫ل أَ نْفُسَنَا د ُونَه"(‪.)1‬‬ ‫ل عَد َُّوه ُ ونَقْت ُ ُ‬ ‫سه ِ‪ ،‬قَالُوا‪ :‬ل َا‪ ،‬بَلْ نُق َات ِ ُ‬ ‫فِي ن َ ْف ِ‬ ‫والعجب من القوم الذين ادعوا أن الحسين عليه السلام خرج ثائرا‬ ‫وأنه عاند في الأمر حتى آخر يوم‪ ،‬كيف غاب عنهم ما ذكره أرباب‬ ‫المقاتل المعتبرة‪ ،‬كالفقيه المفيد في الإرشاد‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫سعْ ٍد بِنَي ْن َو َى ومَدَد َه ُ ْم‬ ‫ل ال ْعَسَاكِر ِ م َ َع ع ُم َر َ ب ْ ِن َ‬ ‫"و َ ل ََّما ر َأَ ى الْحُسَيْن ُ ن ُز ُو َ‬ ‫سعْ ٍد أَ نِي ُأرِيد ُ أَ ْن أَ لْق َاك َ‪ ،‬فَاجْ تَم َع َا لَي ْلًا‬ ‫ل ِق ِتَالِه ِ‪ ،‬أَ نْفَذ َ ِإلَى ع ُم َر َ ب ْ ِن َ‬ ‫الله ِ‬ ‫ن َ‬ ‫ج َع عُم َر ُ ب ْ ُ‬ ‫فَتَنَاجَيَا َطوِ يل ًا‪ ،‬ث َُّم ر َ َ‬ ‫سعْدٍ ِإلَى مَك َانِه ِ وكَتَبَ ِإلَى ع ُبَيْدِ َّ‬ ‫ب ْ ِن زِي َادٍ‪:‬‬ ‫الله َ ق َ ْد أَ طْ ف َأَ َّ‬ ‫ح أَ مْرَ ا ْل ُأ َّمة ِ؛‬ ‫النائ ِرَة َ وجَم َ َع الْكَل ِم َة َ وأَ صْ ل َ َ‬ ‫َّأما بَعْد ُ‪ ،‬ف َِإ َّن َّ‬ ‫ن الَّذ ِي أَ تَى م ِن ْه ُ أَ ْو‬ ‫ج َع ِإلَى ال ْمَك َا ِ‬ ‫ن ق َ ْد أَ ْعطَانِي عَهْدا ً أَ ْن يَرْ ِ‬ ‫حسَي ْ ٌ‬ ‫هَذ َا ُ‬ ‫ن ُ‬ ‫ن ال ْمُسْل ِمِينَ لَه ُ م َا لَه ُ ْم وعَلَيْه ِ‬ ‫الثغ ُورِ فَيَكُونَ رَج ُلًا م ِ َ‬ ‫أَ ْن يَسِير َ ِإلَى ثَغْ ٍر م ِ َ‬ ‫(‪ )1‬الإرشاد ‪.36 :2‬‬ .

‫ض َع يَد َه ُ فِي يَدِه ِ فَيَر َى ف ِيم َا‬ ‫م َا عَلَيْهِمْ‪ ،‬أَ ْو أَ ْن ي َأْ تِي َ أَ م ِير َ ال ْمُؤْم ِنِينَ يَز ِيد َ فَي َ َ‬ ‫بَي ْن َه ُ وبَي ْن َه ُ ر َأْ يَه ُ‪ ،‬وفِي هَذ َا لـَك ُ ْم رِض ًى ولِل ْ ُأ َّمة ٍ صَلَاحٌ‪.‬‬ ‫ف َِإ ْن عَاقَب ْتَ فََأَ ن ْتَ أَ وْلَى ب ِال ْعُق ُوبَة ِ ِوإ ْن عَفَو ْتَ ك َانَ ذَل ِ َ‬ ‫ن زِي َادٍ‪ :‬نِعْم َ م َا ر َأَ ي ْتَ َّ‬ ‫اب ِإلَى‬ ‫خر ُجْ بِهَذ َا الْكِت َ ِ‬ ‫الرأْ يُ ر َأْ يُكَ‪ ،‬ا ْ‬ ‫ل لَه ُ اب ْ ُ‬ ‫قَا َ‬ ‫صحَابِه ِ ُ‬ ‫ل عَلَى ح ُ ْ‬ ‫كم ِي‪ ،‬ف َِإ ْن‬ ‫النز ُو َ‬ ‫ِض عَلَى الْحُسَيْنِ وأَ ْ‬ ‫سعْ ٍد فَل ْيَعْر ْ‬ ‫ع ُم َر َ ب ْ ِن َ‬ ‫ل ف َاسْم َعْ‬ ‫ف َع َلُوا فَل ْيَب ْع َْث بِه ِ ْم ِإل ََّي سِلْما ً ِوإ ْن ه ُ ْم أَ بَو ْا فَل ْيُق َاتِلْهُمْ‪ ،‬ف َِإ ْن ف َع َ َ‬ ‫ِب ع ُنُق َه ُ‬ ‫ش واضْر ْ‬ ‫لَه ُ وأَ طِعْ ‪ِ ،‬وإ ْن أَ بَى أَ ْن يُق َاتِلَه ُ ْم فََأَ ن ْتَ أَ م ِير ُ الْجيَ ْ ِ‬ ‫سه ِ‪.‬‬ ‫فل ََّما ق َرأَ َ ع ُبَيْد ُ الله ِ الْكِتَابَ قَالَ‪ :‬هَذ َا كِتَابُ ن ِ ٍ‬ ‫ق عَلَى قَوْمِه ِ‪.‬‬ ‫َاصح مُشْف ِ ٍ‬ ‫َّ‬ ‫ل‬ ‫ل هَذ َا م ِن ْه ُ وق َ ْد ن َز َ َ‬ ‫ن فَق َالَ‪ :‬أَ تَقْب َ ُ‬ ‫ن ذِي الْجَو ْ َ‬ ‫فَق َام َ ِإلَيْه ِ ِشم ْر ُ ب ْ ُ‬ ‫ش ِ‬ ‫ل م ِنْ بِلَادِك َ ول َ ْم يَضَعْ ي َد َه ُ فِي‬ ‫والله ِ لئَ ِ ْن رَح َ َ‬ ‫ض َ‬ ‫ب ِأَ ْر ِ‬ ‫ك ِوإلَى جَن ْبِكَ‪َّ ،‬‬ ‫يَدِك َ لَيَكُون ََّن أَ وْلَى ب ِالْق َُّوة ِ ولَتَكُون ََّن أَ وْلَى ب َّ‬ ‫ْف وال ْع َجْ زِ‪ ،‬فَلَا تُعْطِه ِ‬ ‫ِالضع ِ‬ ‫صحَابُه ُ‬ ‫ك ه ُو َ وأَ ْ‬ ‫ن‪ ،‬ولـَكِنْ لِيَنْز ِلْ عَلَى حُكْم ِ َ‬ ‫هَذِه ِ ال ْمَنْز ِلَة َ ف َِإ َّنهَا م ِ َ‬ ‫ن ال ْوَه ْ ِ‬ ‫ك لَكَ‪.‬‬ ‫واب ْع َْث ِإل ََّي ب ِر َأْ ِ‬ ‫ك ِإلَى الْحُسَيْنِ لِتَك َُّف ع َن ْه ُ ول َا‬ ‫سعْدٍ‪ :‬أَ نِي ل َ ْم أَ ب ْع َث ْ َ‬ ‫وَكَت َبَ ِإلَى ع ُم َر َ ب ْ ِن َ‬ ‫لِتُطَاوِلَه ُ ول َا لِتم ُن َ ِيه ِ َّ‬ ‫السلَام َة َ وال ْبَق َاء َ ول َا لِتَعْتَذِر َ لَه ُ ول َا لِتَكُونَ لَه ُ عِنْدِي‬ ‫صحَابُه ُ عَلَى ح ُ ْ‬ ‫كم ِي واسْ تَسْلَم ُوا فَاب ْع َْث‬ ‫ن وأَ ْ‬ ‫حسَي ْ ٌ‬ ‫ل ُ‬ ‫شَاف ِعاً‪ ،‬انْظُر ْ ف َِإ ْن ن َز َ َ‬ .

‬‬ ‫سعْدٍ‪ ،‬فَل ََّما قَدِم َ عَلَيْه ِ وق َرأَ َ ه ُ‬ ‫الله ِ ِإلَى ع ُم َر َ ب ْ ِن َ‬ ‫ل ِشم ْر ٌ بِكِت َ ِ‬ ‫فََأَ ق ْب َ َ‬ ‫اب ع ُبَيْدِ َّ‬ ‫الله ُ م َا قَدِمْتَ بِه ِ‬ ‫الله ُ د َارَك َ‪ ،‬ق ََّب َ‬ ‫ك و َيْل َ َ‬ ‫ل لَه ُ ع ُم َرُ‪ :‬م َا ل َ َ‬ ‫قَا َ‬ ‫ح َّ‬ ‫ك ل َا ق ََّربَ َّ‬ ‫ل م َا كَتَب ْتُ بِه ِ ِإلَيْه ِ وأَ فْسَدْتَ‬ ‫ك نَهَي ْتَه ُ أَ ْن يَقْب َ َ‬ ‫ك أَ َّن َ‬ ‫والله ِ ِإنِي ل َأَ ظ ُُن َ‬ ‫عَل ََّي‪َّ ،‬‬ ‫ْس‬ ‫ن ِإ َّن ن َف َ‬ ‫حسَي ْ ٌ‬ ‫والله ِ ُ‬ ‫جو ْن َا أَ ْن يَصْ لُحَ‪ ،‬ل َا يَسْت َ ْ‬ ‫عَلَي ْنَا أَ مْرَن َا ق َ ْد ك َُّنا ر َ َ‬ ‫سلِم ْ َّ‬ ‫أَ بيِه ِ لَبَيْنَ جَن ْبَيْه ِ‪.‬‬ ‫ل‬ ‫ل لَه ُ ِشم ْرٌ‪ :‬أَ خْبِرْنِي م َا أَ ن ْتَ صَانِعٌ‪ ،‬أَ تَمْض ِي ل ِأَ مْر ِ أَ م ِيرِك َ وتُق َات ِ ُ‬ ‫فَق َا َ‬ ‫ل بَيْنِي وبَيْنَ الْجن ُْدِ وال ْعَسْكَر ِ‪.‬‬ ‫عَد َُّوه ُ ِوإ َّلا فَخ َ ِ‬ ‫ك فَكُنْ‬ ‫والله ِ ولا ك َرَام َة َ لَكَ‪ ،‬ولـَكِنْ أَ نَا أَ تَو َلَّى ذَلِكَ‪ ،‬فَد ُون َ َ‬ ‫قَالَ‪ :‬لا لا َّ‬ ‫أَ ن ْتَ عَلَى َّ‬ ‫الر َّجالَة ِ‪.‫‪65‬‬ ‫ل بِهِمْ؛ ف َِإ َّنه ُ ْم‬ ‫َف ِإلَيْه ِ ْم ح ََّتى تَقْتُلَه ُ ْم وتُمَث ِ َ‬ ‫بِه ِ ْم ِإل ََّي سِل ْماً‪ِ ،‬وإ ْن أَ بَو ْا فَازْح ْ‬ ‫ص ْدر َه ُ و َظهْر َه ُ‬ ‫ل َ‬ ‫ئ الْخيَ ْ َ‬ ‫ك مُسْتَح ُِقونَ‪ِ ،‬وإ ْن قُت ِ َ‬ ‫لِذَل ِ َ‬ ‫ل الْحُسَيْنُ فََأَ ْوطِ ِ‬ ‫كنْ‬ ‫شي ْئاً‪ ،‬ولـ َ ِ‬ ‫ْت َ‬ ‫ْس أَ ر َى أَ َّن هَذ َا يَض ُُر بَعْد َ ال ْمَو ِ‬ ‫ات ظَلُوم ٌ‪ ،‬ولَي َ‬ ‫ف َِإ َّنه ُ ع َ ٍ‬ ‫ضي ْتَ ل ِأَ مْر ِنَا‬ ‫ل ق َ ْد قلُ ْتُهُ‪ :‬لَو ْ قَتَل ْتُه ُ لَف َعَل ْتُ هَذ َا بِه ِ‪ ،‬ف َِإ ْن أَ ن ْتَ م َ َ‬ ‫عَل ََّي قَو ْ ٌ‬ ‫السام ِِع ال ْمُط ِ‬ ‫ف ِيه ِ ََز َي ْنَاك َ ََز َاء َّ‬ ‫ِيع‪ِ ،‬وإ ْن أَ بَي ْتَ فَاع ْتَز ِلْ ع َمَلَنَا وجُنْد َنَا‬ ‫َ‬ ‫ن وبَيْنَ ال ْعَسْكَر ِ؛ ف َِإ َّنا ق َ ْد أَ م َْرن َاه ُ ب ِأَ مْر ِن َا‪،‬‬ ‫ل بَيْنَ ِشم ْرِ ب ْ ِن ذِي الْجَو ْ َ‬ ‫وخ َ ِ‬ ‫ش ِ‬ ‫َّ‬ ‫والسلَام ُ‪.‬‬ .

89 :2‬‬ .)1‬‬ ‫فإنه مع غض النظر عن كون الرسالة بقلم عمر بن سعد‪ ،‬وما قيل‬ ‫من تحر يفه لمطلب الحسين ع في التخيير بين أن يكون في ثغر من‬ ‫الثغور أو أن يصير ليزيد فيضع يده بيده ‪ -‬المردود برواية ابن كثير‬ ‫قال‪ :‬روى أبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب عن عقبة بن‬ ‫سمعان قال‪ :‬لقد صحبت الحسين من مكة إلى حين قتل‪ ،‬والله ما من‬ ‫كلمة قالها في موطن إلا وقد سمعتها‪ ،‬وإنه لم يسأل (من القوم) أن‬ ‫يذهب إلى يزيد فيضع يده إلى يده‪ ،‬ولا أن يذهب إلى ثغر من‬ ‫الثغور‪ ،‬ولـكن طلب منهم أحد أمرين‪ :‬إما أن يرجع من حيث جاء‪،‬‬ ‫وإما أن يدعه يذهب في الأرض العر يضة حتى ينظر ما يصير أمر‬ ‫الناس إليه" – مع غض النظر عن كل هذا‪ ،‬فلا ريب أن المصادر‬ ‫قد اتفقت على تفاوض الحسين ع على رحيله لموضع آخر بعد خيانة‬ ‫من بايعه‪ ،‬وأنه لا ينزل على حكم ابن ز ياد ولا يزيد فيوافقهم الرأي‬ ‫على الطغيان؛ لعلمه بأنهم قاتلوه وقد بيتوا النية لها قبلا في مكة‬ ‫والمدينة‪ ،‬ولا تسمى غيرته على أهله صلوات ربي عليه ثورة بمصطلح‬ ‫(‪ )1‬الإرشاد ‪.‫ن‬ ‫س لِتِس ٍْع مَضَيْنَ م ِ َ‬ ‫ن َ‬ ‫وَنَه ََض ع ُم َر ُ ب ْ ُ‬ ‫سعْ ٍد ِإلَى الْحُسَيْنِ عَش َِّية َ ا ْلخم َِي ِ‬ ‫ال ْمُح ََّر ِم"(‪.

‫‪67‬‬ ‫أهل القيام والثورات‪ ،‬ولم يكن عليه السلام طالب حكم ورئاسة‬ ‫للدنيا‪ ،‬بل لما اجتمع له شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم‬ ‫يسغ له التخلف بعد البيعة‪ ،‬قام بتكليفه‪ ،‬ولما خلت الشروط فرق‬ ‫الناس عنه وهو في أمس الحاجة لهم‪ ،‬وبقى دفاعه عن نفسه وأهله‪،‬‬ ‫وهو وصحبه الـكرام يعلمون أن لا مصير لهم على أي حال إلا الفوز‬ ‫بالشهادة‪.‬‬ ‫والسلام على الحسين وعلى أصحاب الحسين الذين استشهدوا بين يدي‬ ‫الحسين عليه السلام‪.‬‬ .

.

69 .

.

71 .

.

73 .

.

‫‪75‬‬
‫وقد أصر كثير من المعاصرين من أهل القيام والثورات على ضرب‬
‫الأمثلة من كلام الحسين عليه السلام وخطبه واستدلوا بها على ثور ية‬
‫حركته ودمويتها عن قصد‪ ،‬وتحشيده الناس لبذل دمائهم بلا رو ية‪،‬‬
‫ولو ساء أمر الإسلام وانتهكت حرماته أكثر من ذي قبل‪ ،‬زعما منهم‬
‫أن العزة في هذا السبيل‪ ،‬واخترع البعض أراجيز وأشعارا نسبها أو‬
‫ألقاها على لسان حال الحسين عليه السلام‪ ،‬فألغوا بهذا كل دلالات‬
‫نصوص المهادنة‪ ،‬أو تصرفوا بدلالاتها بالمعارضة تصرفا شنيعا‪ ،‬وابتدعوا‬
‫أصلا بين الأحكام غير أصيل عند معاشر الشيعة قاطبة‪ ،‬كما يأتيك‬
‫()‬

‫توضيحه ‪.‬‬

‫(‪ )1‬طالع للمزيد كتاب ( حرمة القيام في غيبة الإمام )‪.‬‬

77

.

‫‪79‬‬ ‫ومما ذكروه في جملة أدلتهم‪ ،‬الخطبة التي رواها السيد ابن طاووس رحمه‬ ‫الله في كتابه اللهوف (‪ 664‬هـ)‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫خط ِيبا ً فَق َالَ‪:‬‬ ‫ق قَام َ َ‬ ‫ُوج ِإلَى ال ْع ِرَا ِ‬ ‫" ورُوِيَ أَ َّنه ُ ع ل ََّما ع ََزم َ عَلَى الْخُر ِ‬ ‫الله ُ عَلَى رَسُولِه ِ‪ ،‬خ َُّط‬ ‫الله ُ ولا ق َُّوة َ ِإ َّلا ب َِّالله ِ وصَلَّى َّ‬ ‫ا ْلحم َْد ُ ل َِّله ِ ما شاء َ َّ‬ ‫مخ ََّط ال ْق ِلَادَة ِ عَلَى جِيدِ الْف َتَاة ِ‪ ،‬وم َا أَ وْلَهَنِي ِإلَى‬ ‫ال ْمَو ْتُ عَلَى وُلْد ِ آدَم َ َ‬ ‫ُف‪ ،‬وخ ُيِر َ ل ِي مَصْرَعٌ أَ نَا ل َاق ِيه ِ‪ ،‬ك َأَ نِي‬ ‫أَ سْ لَافِي اشْ ت ِيَاقَ يَعْق ُوبَ ِإلَى يُوس َ‬ ‫ات بَيْنَ َّ‬ ‫ِيس وكَر ْبَل َاءَ‪ ،‬فَيَمْل َ ْأنَ م ِنِي‬ ‫النو َاو ِ‬ ‫ب ِأَ ْوصَال ِي تَتَق ََّطعُه َا عَسَلَانُ الْف َلَو َ ِ‬ ‫الله ِ‬ ‫مح َ‬ ‫َر ِبَة ً ُ‬ ‫أَ ك ْرَاشا ً جُوفا ً وأَ ْ‬ ‫سغْباً‪ ،‬ل َا َ‬ ‫ِيص ع َنْ يَو ْ ٍم خ َُّط ب ِالْق َلَم ِ‪ ،‬رِض َى َّ‬ ‫َر َ َّ‬ ‫الصابِر ِينَ‪ ،‬لَنْ تَش َُّذ ع َنْ‬ ‫ْت‪ ،‬نَصْ ب ِر ُ عَلَى بَلَائِه ِ و يُو َف ِينَا أَ ْ‬ ‫ل ال ْبَي ِ‬ ‫رِضَان َا أَ ه ْ َ‬ ‫س تَق َُر بِه ِ ْم ع َي ْنُه ُ‬ ‫حظ ِيرَة ِ الْق ُ ْد ِ‬ ‫هي َ مَج ْم ُوع َة ٌ لَه ُ فِي َ‬ ‫الله ِ ص لُحْمَتُه ُ و ِ‬ ‫رَسُو ِ‬ ‫ل َّ‬ .

‬‬ ‫ق قَام َ َ‬ ‫ال ْمَسِير ِ ِإلَى ال ْع ِرَا ِ‬ ‫ثم أبو الحسين مسعود بن عيسى َّ‬ ‫ورام بن أبي فراس (ت ‪605‬هـ) في‬ ‫مجموع ِه‪..61-60 :‬‬ ‫(‪ )2‬قال المصنف في أول الكتاب ص ‪" :9‬حذفت الأسانيد حتى لا يخرج‬ ‫الكتاب عن الغرض المقصود في الاختصار"‪.‬‬ ‫(‪ )3‬نزهة الناظر‪..‬إلى تمام الخ بر‪.)1‬‬ ‫ح ٌ‬ ‫فَل ْيَرْح َلْ م َع َنَا؛ ف َِإ َّننِي ر َا ِ‬ ‫ل م ُصْ ب ِحا ً ِإ ْن شَاء َ َّ‬ ‫ورواها قبل السيد ‪-‬مرسلة من غير إسناد(‪ -)2‬الحسين بن محمد بن‬ ‫الحسن بن مصر الحلواني (توفي في القرن الخامس وكان حيا سنة‬ ‫‪481‬هـ معاصرا للسيد المرتضى ومحدثا عنه ومعاصرا للشيخ الطوسي)‬ ‫في كتابه نزهة الناظر وتنبيه الخواطر‪ ،‬قال‪" :‬و َ ل ََّما ع ََزم َ عَل َيْه ِ َّ‬ ‫السلام ُ عَلَى‬ ‫خط ِيباً‪ ،‬فَق َال ‪ )3( ".‬‬ ‫ورواها مرسلة أيضا الإربلي (ت ‪693‬هـ) في كشف الغمة‪.86 :‬‬ .‬‬ ‫لـكن ابن نما (ت ‪645‬هـ) في مثير الأحزان رواها هكذا‪:‬‬ ‫(‪ )1‬اللهوف على قتلى الطفوف‪.‫ِ‬ ‫الله ِ ن َ ْفسَه ُ‬ ‫ويُنْج َز ُ بِه ِ ْم وَعْد ُه ُ‪ ،‬م َنْ ك َانَ ب َاذِل ًا ف ِينَا مُهْجَت َه ُ وم ُو َطِنا ً عَلَى لِق َاء َّ‬ ‫الله ُ تَع َالَى"(‪.

‬‬ ‫(‪ )1‬مثير الأحزان‪.‫‪81‬‬ ‫"عن الشعبي عن عبد الله بن عمر‪ :‬أنه كان بماء له فبلغه أن الحسين‬ ‫(ع) قد توجه إلى العراق فجاء إليه وأشار عليه بالطاعة والانقياد‬ ‫وحذره من مشاققة أهل العناد‪ ،‬فقال‪ :‬يا عبد الله أما علمت أن من‬ ‫هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكر يا (ع) أهدي إلى بغي من‬ ‫بغايا بني إسرائيل ‪ ..30 :‬‬ .‬ثم قال له‪ :‬اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن‬ ‫نصرتي‪.‬‬ ‫ثم قام خطيبا فقال‪ :‬الحمد لله وما شاء الله ولا قوه إلا بالله‪ ،‬خط الموت‬ ‫ل مصبحا إن‬ ‫على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ‪ ....‬فإني راح ٌ‬ ‫شاء الله‪ .)1‬‬ ‫وظاهره عطف (ثم قام) على الحديث السابق بحسب السياق‪ ،‬فيكون‬ ‫َّ‬ ‫لـكنه‬ ‫قد وضع الخطبة ضمن ما رواه الشعبي عن عبد الله بن عمر‪،‬‬ ‫منصرف عن ظاهره بما عرف من طر يقة الكتاب في الاختصار‬ ‫ٌ‬ ‫وترادف الأخبار والأحداث مسندة ومرسلة‪ ،‬سيما أنه روى لقياه‬ ‫لعبد الله بن عمر بعد بدء توجهه للعراق‪ ،‬ثم ذكر خطبته هذه التي أعلن‬ ‫فيها نية التوجه‪ ،‬فبينهما تهافت محتمل‪.‬ثم أقبل الحسين حتى مر بالتنعيم"(‪.

‬‬ .‬‬ ‫ل ككثير من أخبار السير‪ ،‬وغير جامع للحجية في مقام‬ ‫فهذا الخ بر مرس ٌ‬ ‫الاستدلال‪ ،‬ولا قام بشروط الدلالة التاريخية لو قيل بالتفر يق بين‬ ‫الحجية وروايات التاريخ والأحداث‪ ،‬متفرد‪ ،‬ما ذكرها أحد ممن يعتمد‬ ‫قولهم إلا من يعتمد المراسيل‪ ،‬فضلا عن ضعف الـكتب الناقلة وعدم‬ ‫خفاء حال أصحابها في الرواية والدراية‪ ،‬إلا عند بعض من يبالغ في‬ ‫توصيف الرجال ولا يفرق بين وصف الرواية والراوي‪.‬‬ ‫(‪ )1‬السنن الـكبرى ‪ /100 :7‬بابا ما جاء في قبلة الرجل ولده‪.‫بل سبقه إليه البيهقي ( ت ‪485‬هـ ) في سننه الـكبرى(‪ )1‬دون ذكر‬ ‫لأي خطبة‪.‬‬ ‫وإنه ليتداخل الشك القوي في صحة هذه المرسلات صدورا وتحققا؛‬ ‫إذ لا يتناسب الإعلان في الملأ عن حتمية مقتله عليه السلام مع ما‬ ‫كان عليه من الاستجابة لدعوة الـكوفيين‪ ،‬وما كان عليه َّ‬ ‫الناس من‬ ‫واللحاق به حتى َّ‬ ‫والسماع منه‪ ،‬بل َّ‬ ‫الاحتفاف به َّ‬ ‫حل قريبَ كربلاء‬ ‫قبل أن يتفرقوا عنه‪ ،‬ولا أرتاب أن خبر مصرعه عليه السلام من‬ ‫الأسرار َّ‬ ‫المغيبة المكتومة التي ما عرفها إلا قلة ٌ من أهل بيته ومن ظفر‬ ‫بها من حملة الأخبار‪.

‫‪83‬‬ ‫وعلى هذا يبتني الجواب عن شبهة أن الحسين عليه السلام أسس‬ ‫لمشروعية القيام بالسيف والثورة مهما كانت العواقب والمآلات تمسكا‬ ‫بمبدأ العزة المدعاة‪ ،‬مع أن العزة في خلاف القيام أغلب الأزمان‬ ‫وملازمة لموافقة أئمة الإيمان؛ فإنه لا دلالة لمثل هذه النصوص على‬ ‫المدعى؛ إما لضعف جملة منها‪ ،‬أو لاستبعاد إذاعتها علنا لتكون منهجا‬ ‫عاما يغني الناس عن التمسك بالأسباب والأخذ بظواهر الأمور‪ ،‬والتي‬ ‫ذكرنا أنها كانت مجتمعة للحسين عليه السلام وما قام إلا بعدها كما هو‬ ‫صريح الروايات‪.‬‬ .‬‬ ‫ثم لا تعجب إن ساقك البحث والتقصي فوجدتها مشهورة في كتب‬ ‫الزيدية مسندة مشروحة‪ ،‬متصلة بزيد مرو ية عن قومه‪ ،‬بل هي‬ ‫المنحصر طر يقها بهم‪ ،‬وعنهم أخذ القوم !‪.

‫فهذا إمام الزيدية في طبرستان أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني‬ ‫الزيدي(‪( )1‬ت ‪ 353‬هـ) يروي في كتابه المصابيح في السيرة في نسخة‬ ‫كثيرة الغلط‪ ،‬فيقول بطر يق فيه إرسال‪:‬‬ ‫"وأخبرنا محمد بن عبد الله بن أيوب البجلي بإسناده عن زيد بن علي‬ ‫عن أبيه عليهم السلام أن الحسين (صلوات الله عليه) خطبهم‪ ،‬فحمد‬ ‫الله وأثنى عليه ثم قال‪:‬‬ ‫أيها الناس خ َُّط الموت على ابن آدم مخط القلادة على جيد الفتاة‪ ،‬ما‬ ‫أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وأخيه‪ ،‬وإن لي لمصرعا ً‬ ‫أنا لاقيه‪ ،‬كأني أنظر إلى أوصالي تقطعها عسْلان الفلوات‪ ،‬غُبرا ً ع ُفرا ً‬ ‫بين كر بلاء وبراريس [نواويس] قد ملأت مني أكراشا ً جوفاً‪ ،‬رضا‬ ‫الله رضانا أهل البيت‪ ،‬فصبرا ً على بلائه ليوفينا أَر الصابرين‪ ،‬لن تشذ‬ ‫عن رسول الله حرمته وعترته‪ ،‬ولن تفارقه أعضاؤه وهي مجموعة له في‬ ‫حظيرة القدس‪ ،‬تقر بهم عينه‪ ،‬وينجز لهم عدته‪ ،‬من كان فينا باذلا ً‬ ‫(‪ ) 1‬في معجم الرجال‪ " :‬أحمد بن إبراهيم بن أحمد‪ :‬السيد أبو العباس الحسيني‬ ‫(الحسني)‪ :‬فاضل‪ ،‬ثقة‪ .‬‬ .‬انظر مقدمة محقق كتابه المصابيح‪.‬وقيل أنه كان‬ ‫إماميا ثم تزيد‪ ،‬دخل الري لطلب الحديث وصار إمامهم‪ ،‬وبرروا له عدم‬ ‫قيامه بكثرة الموانع عنه !‪ .‬الفهرست للشيخ منتجب الدين"‪ .

187‬‬ ‫(‪ ) 2‬له كتاب الإفادة في تاريخ الأئمة السادة‪ ،‬من كتب الزيدية التي عليها‬ ‫معتمدهم‪.)1‬‬ ‫وهو أقدم مصدر لها بل هو الوحيد اليتيم الذي وجدنا هذه الخطبة‬ ‫فيه‪ ،‬ولا تجد فيها أنه قالها في خروجه من مكة أو في حال توجهه‬ ‫للعراق كما نقله المتأخرون عنه !‪ ،‬ولعلهم نسبوها للحسين ع لما رأوا ذكر‬ ‫كربلاء‪ ،‬وأغفلوا أنه عيَّن القتلة َ بين كربلاء وما سماها براريس في هذه‬ ‫النسخة‪ ،‬ونقلها المتأخرون عنه ( نووايس ) وهو ما يغطى به لحد القبر‪،‬‬ ‫وقيل أنه اسم لمقابر النصارى خارج كربلاء من شمالها‪ ،‬مع الاتفاق‬ ‫على أن الحسين عليه السلام قد عرف مكان استشهاده وكذا خواص‬ ‫أهله وهو كربلاء لا غيرها‪ ،‬فتأمل‪.‫‪85‬‬ ‫عز وجل‪ ،‬ثم نهض إلى‬ ‫مهجته فليرحل فإني راحل غدا ً إن شاء الله َّ‬ ‫عدوه فاستشهد (صلوات الله عليه)"(‪.340‬ت ‪ 424‬هـ)‪ ،‬توفي شيخه أبو العباس‬ ‫وكان يحيى صبيا عمره ثلاثة عشر سنة كما تسجله تواريخ الوفيات‪ ،‬وهذا‬ ‫من الغرائب في التلمذة وأخذ الحديث المسند ومضعف لاعتبار حديثه‪،‬‬ ‫(‪ )1‬المصابيح في السيرة والتاريخ‪ /335 :‬ح ‪.‬‬ .‬‬ ‫وأخذها عن أبي العباس الآنف الذكر إمامهم أبو طالب يحيى بن الحسين‬ ‫الهاروني الزيدي(‪( )2‬م ‪ .

346-345 :‬‬ .)2‬‬ ‫ورواها عنه الخوارزمي (ت ‪ 568‬هـ) بسنده في مقتله ببعض التفاوت‬ ‫عن أبي العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني بنفس الطر يق‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫" أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد سيف الدين أبو جعفر محمد بن عمر الجمحي‬ ‫كتابة‪ ،‬أخبرنا الشيخ الإمام أبوالحسين زيد بن الحسن بن علي البيهقي‪،‬‬ ‫أخبرنا السيد الإمام النقيب علي بن محمد بن جعفر الحسني‬ ‫الإسترابادي‪ ،‬حدثنا السيد الإمام نقيب النقباء زين الإسلام أبو جعفر‬ ‫(‪ )1‬في غير مصدر بدون أبي‪ ،‬ولعلها زائدة‪.‫وروى هذا الخ بر في أماليه‪ ،‬فقال مفصلا ما أجمل في سند شيخه‪،‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫س أَ حْمَد ُ بن إ ب ْر َاه ِيم َ الْحَسَنِي رحمه الله تعالى‪ ،‬قَالَ‪ :‬ح َ َّدثَنَا‬ ‫أَ خْبَر َن َا أبو الع ََّبا ِ‬ ‫مُح ََّمد ُ بن ع َبْدِ الله بن أَ ُيوبَ البَجْل ِي‪ ،‬قَالَ‪ :‬ح ََّدثَنَا عَل ُِي بن ع َبْدِ العزيز‬ ‫يم بن‬ ‫ن بن مُح ََّم ٍد بن َ‬ ‫العَكْبَر ِي‪ ،‬قَالَ‪ :‬ح ََّدثَنَا الْحَسَ ُ‬ ‫يح ْي َى ع َنْ أَ بيِه ِ‪ ،‬ع َنْ تَم ِ ِ‬ ‫[أبي]‪1‬‬ ‫ر َبِيع َة َ الر ِي َاحِي‪ ،‬ع َنْ ز َيْدِ بن عَل ٍِي‪ ،‬ع َنْ أَ بيِه ِ عليه السلام أَ َّن‬ ‫صحَابَه ُ فَحَمِد َ الله و َأَ ث ْن َى عَلَيْه ِ ث َُّم‬ ‫خطَبَ أَ ْ‬ ‫الْحُسَيْنَ بن عَل ٍِي عليه السلام َ‬ ‫قَالَ" وساق الخ بر(‪.‬‬ ‫(‪ )2‬تيسير المطالب في أمالي أبي طالب (ترتيب الأمالي)‪.

208 :‬‬ .‬‬ ‫وكذا الرواة عن تميم بن ربيعة‪ ،‬مجهولون أو مهملون‪.‫‪87‬‬ ‫محمد بن جعفر بن علي الحسيني‪ ،‬حدثنا السيد الإمام أبو طالب يحيى‬ ‫بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد بن القاسم‬ ‫بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم‬ ‫السلام)‪ ،‬أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني‪ ،‬حدثنا محمد بن‬ ‫عبدالله بن أيوب البجلي‪ ،‬حدثنا علي بن عبدالعزيز العكبري‪ ،‬حدثنا‬ ‫الحسن بن محمد بن يحيى‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن تيم بن ربيعة الر ياحي‪ ،‬عن زيد‬ ‫بن على‪ ،‬عن أبيه ‪ :‬أن الحسين (عليه السلام) خطب أصحابه‪ ،‬فحمد‬ ‫الله وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال " الخ بر(‪.)1‬‬ ‫والراوي عن زيد بن علي‪ ،‬تميم بن ربيعة الر ياحي‪ ،‬مجهول عندنا‬ ‫وعندهم لم يفصل حاله أحد‪ ،‬قال في موسوعة رجال الزيدية‪ " :‬تميم بن‬ ‫ربيعة الر ياحي‪ :‬ذكر في طبقات الزيدية أنه روى عن زيد بن علي‪،‬‬ ‫وروى عنه محمد بن يحيى‪ ،‬ومثله في الجداول‪ .‬لم أقف له على ترجمه "‪.‬‬ ‫فهذ الخ بر من أخبار الآحاد المنفردة التي رواها المجاهيل ومن لا يقبل‬ ‫منهم إلا أن يعضد خبرهم خبر غيرهم‪ ،‬فما بالك وقد رواها من يجر‬ ‫(‪ )1‬مقتل الخوارزمي‪.

.‬‬ ‫وقال بعض المعاصرين في معرض الإجابة عن سؤال السائل عن‬ ‫درجة اعتبار هذه الخطبة المنسوبة للحسين عليه السلام‪:‬‬ ‫"نعم المقاطع التي في هذه الخطبة والتي وردت في نصوصٍ أخرى عن‬ ‫الإمام الحسين عليه السلام‪ ،‬بحيث تظافرت النصوص فيها‪ ،‬يمكن‬ ‫القول بثبوتها ثبوتا ً نوعيا ً لا شخصيا ً ‪ ..‬‬ ‫ولو قدرت لهذه الخطبة صحة وصدور‪ ،‬لما تعدت زيد بن علي بن الحسين‬ ‫عليهما السلام؛ فإنه ممن أنهوا الفصاحة والبلاغة إليه‪ ،‬وضم السيف إلى‬ ‫جناحه ودعا الناس إلى بيعته‪.‫النار لقرصه وتفرد بها من جهل أمره وتناقلها من لا يوثق بقوله !‪،‬‬ ‫وهذا أضعف صور الإسناد وأوهن النصوص في الاعتماد‪.‬وأقول‪ :‬إذا ً فهذه قطعا ً قد‬ ‫صدرت؛ لأن فيها ذلك المقطع الذي تظافرت النصوص لتأكيده‪،‬‬ ‫فهنا أنا أَزم بهذه الفكرة المشتركة بين مائة نص حديثي أو تار يخي‬ ‫مختلف الموضوع‪ ،‬وفي الوقت عينه لا أصحح أي رواية من هذه‬ ‫الروايات المائة بعينها وشخصها على تقدير ضعفها بنفسها‪ ،‬وهذه نقطة‬ .

‫‪89‬‬

‫مهمة جدا ً في علم الحديث والأصول غالبا ً ما تتم الغفلة عنها كما رأيت‪.‬‬
‫والله العالم"(‪.)1‬‬
‫وهذا الجواب من غرائب الأجوبة !؛ إذ بعد التنزل والتسليم بأن‬
‫اشتراك بعض المقاطع جابر لضعف الخ بر ومورث للاطمئنان لو تكثر‬
‫وروده‪ ،‬فلنا أن نسأل صاحب هذه الدعوى ‪ -‬المجردة عن الدليل ‪-‬‬
‫عن مواضع الاشتراك المائة ومحالها !‪ ،‬وهل تعدد نَقلُها ونَق َلَتُها حتى‬
‫حقق وثوقا نوعيا بصدورها !‪ ،‬هذا‪ ،‬فضلا عن عدم كاشفية اشتراك‬
‫بعض مقاطع الخطبة مع غيرها عن الصدور‪ ،‬إلا أن يؤنس بكلمات‬
‫الإمام عليه السلام و يعرف أسلوب بيانه بعد التتبع والممارسة‪ ،‬بل قد‬
‫ي ُ َّدعى أن المشاركة في خطبتين ‪-‬عن اثنين‪ -‬غير متحدتين داعية للميل‬
‫للوضع في المشكوكة منهما؛ إذا لا يقصر صاحب اللسان عن أي بيان‪،‬‬
‫ولا يعجزه ضيق وفاض عن فيض العذب من الألفاظ‪.‬‬
‫عصمنا الله من الزلل‪ ،‬ووفقنا للسعي في إعلاء دينه من غير ملل أو‬
‫كلل‪.‬‬

‫(‪ )1‬حيدر حب الله‪.‬‬

91

.

‫‪93‬‬ ‫ونسب للحسين الشهيد ع قوله في وصية له‪ " :‬وأني لَم أخر ُج أشِرا ولا‬ ‫َالص ِ‬ ‫الن ِ‬ ‫جاح و َّ‬ ‫ب َّ‬ ‫بَط ِرا‪ ،‬ولا م ُفسِدا ولا ظالِما‪َّ ،‬‬ ‫لاح في‬ ‫وإنما خَر َجتُ لِطَل َ ِ‬ ‫ا َُّمة ِ ج َدي "‪.‬‬ ‫فقد ادعى بعض أنه واضح الدلالة على جواز الخروج والمطالبة بل‬ ‫والمجازفة بالتضحيات‪ ،‬دماء وحرمات وأمان‪ ،‬بعنوان الثورة أو‬ ‫المعارضة‪ ،‬بمقتضى إطلاق نفي إرادة الفساد وإثبات إرادة الإصلاح‬ ‫في مقام تعليل الخروج‪ ،‬بضميمة أن يكون معنى الخروج هو القيام‬ ‫والثورة‪ ،‬فكأن السؤال كان عن سبب ثورته عليه السلام‪ ،‬فأجاب عنه‬ ‫بما ذكر من تكليف‪.‬‬ ‫ومن الواضح أن معنى الخروج في نفسه ‪ -‬خاليا عن الإضافة أو القرائن‬ ‫ لا يتضمن معنى القيام على الحكم أو الظالم المسمى الآن بالثورة في‬‫لسان الساسة المتوثبين على حكوماتهم‪ ،‬ولم يتواضع أهل اللسان على‬ ‫الخروج بمعنى القيام إلا بعد اقترانه سياقا وحكما واشتهاره بحكم الخروج‬ ‫عن أمر الحاكم أو الظالم بعد سنين طو يلة من عصر الإسلام الأول‪.‬‬ ‫وأما ما قيل من أن اللفظ استقر على معنى القيام على الحاكم حتى سمي‬ ‫أتباعه خوارج بعد ظهورهم في زمن أمير المؤمنين عليه السلام‪ ،‬كما‬ .

381 :1‬‬ .‬‬ ‫فلا يمكن التسليم بأن معنى الخروج هنا هو المعنى المتبادر عند المستدل‬ ‫إلا بقرينة واضحة‪ ،‬إذ يحتمل غير هذا كخروجه من مكة‪ ،‬أو خروجه‬ ‫إلى الـكوفة إجابة لبيعتهم‪.‫ألمح الشيخ شمس الدين في كتابه)‪ ،(1‬فهو لا يعني انحصار استعمال‬ ‫مفردة الخروج في هذا المعنى‪ ،‬كما أن المعنى الجديد كان معرفة وتسمية‬ ‫لخصوص فئة هم الخوارج‪ ،‬ولم يكن في باقي تصر يفات الكلمة‪.)2‬‬ ‫(‪ )1‬أنصار الحسين‪.38 :‬‬ ‫(‪ )2‬أمالي الطوسي ‪.‬‬ ‫ومن أمثلة استعمال الكلمة ( الخروج ) وما اقترنت به من ألفاظ شبيهة‬ ‫بما ورد في مقامنا ‪-‬بمعناها الأولي لا بمعنى القيام‪ -‬ما رواه ابن الشيخ‬ ‫الطوسي في مجالسه عن أبيه‪ ،‬بسنده عن الرضا‪ ،‬عن آبائه ( عليهم‬ ‫السلام )‪ ،‬قال ‪ " :‬كان الصادق ( عليه السلام‪ ،‬يقول إذا خرج إلى‬ ‫الصلاة ‪:‬‬ ‫اللهم إني أسألك بحق السائلين بك‪ ،‬و بحق مخرجي هذا‪ ،‬فإني لم أخرج‬ ‫أشرا ولا بطرا ولا ر ياء ولا سمعة‪ ،‬ولـكن خرجت ابتغاء رضوانك‪،‬‬ ‫واجتناب سخطك‪ ،‬فعافني بعافيتك من النار "(‪.

‫‪95‬‬ ‫ومثله ما رواه بسنده عن موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السلام(‪،)1‬‬ ‫وروي قريب منه وبألفاظ مشابهة أكثره في كتب العامة‪.‬‬ ‫قال أحمد بن أعثم الـكوفي في كتابه الفتوح فيما كان بالمدينة قبل‬ ‫خروجه عليه السلام لمكة وقبل بيعة أهل الـكوفة وإرسال كتبهم‬ ‫طالبين قدومه‪:‬‬ ‫ن الحنَ َف َِّية ِ‬ ‫الإما ِم الحُسَينِ عليه السلام ] مُح ََّمد ُ اب ُ‬ ‫"لَما جاء َ إلَيه ِ [ أي إلَى ِ‬ ‫س إل ََّي وأع َُزه ُم عَل ََّي‪ ،‬ولَستُ‬ ‫ك نَفسي‪ ،‬أنتَ أح َُب النا ِ‬ ‫ل ‪ :‬يا أخي فَد َت َ‬ ‫قا َ‬ ‫خر ُ َّ‬ ‫ك‪،‬‬ ‫يس أحَدٌ أح ََّق بِها م ِن َ‬ ‫ن الخَلقِ‪ ،‬ول َ َ‬ ‫النصيح َة َ لأَ ح َ ٍد م ِ َ‬ ‫و َالله ِ َّأد ِ‬ ‫ل بَيتي وم َن عَلَيه ِ اعت ِمادي وطاع َتُه ُ في‬ ‫ف َِإ َّن َ‬ ‫ك كَن َفسي وروحي وكَبير ُ أه ِ‬ ‫ل‬ ‫ِ‬ ‫ك م ِن‬ ‫ك وجَعَل َ َ‬ ‫ع ُنُقي‪ ،‬لأَ َّن الله َ تَبارَك َ وتَعالى ق َد ش ََّرف َ َ‬ ‫سادات أه ِ‬ ‫ك ب ِر َأيي فَاقبَله ُ م ِني ‪.‬ف َقا َ‬ ‫ل لَه ُ الحُسَينُ عليه السلام ‪ :‬قُل ما بَدا ل َ َ‬ ‫ف َقا َ‬ ‫ن الأَ مصارِ م َا استَطَعتَ ‪ ،‬وأن تَبع َثَ‬ ‫تَنجُو َ نَفسَ َ‬ ‫ك ع َن ي َزيد َ ب ِن م ُعاوِ يَة َ وع َ ِ‬ ‫(‪ )1‬أمالي الطوسي ‪.371 :1‬‬ .‬‬ ‫الج َّنَة ِ‪ ،‬وإني اُريد ُ أن اُشير َ عَلَي َ‬ ‫ك أن‬ ‫ل ‪ :‬اُشير ُ عَلَي َ‬ ‫ك ‪ .

‬‬ .‫اس وتابَعوك َ‬ ‫ك الن ُ‬ ‫س وتَدع ُو َه ُم إلى بَيع َتِكَ‪ ،‬ف َِإني إن بايَع َ َ‬ ‫ك إلَى النا ِ‬ ‫رُسُل َ َ‬ ‫حَم ِدتُ الله َ عَلى ذلِكَ‪ ،‬وق ُمتَ فيه ِم بِما يَقوم ُ فيهِم ُ َّ‬ ‫النب ِ ُي صلى الله عليه و‬ ‫ك‬ ‫آله و َالخل َُفاء ُ الراشِدونَ المَهدِيونَ م ِن بَعدِه ِ‪ ،‬حَتى يَت َو َفاك َ الله ُ وه ُو َ ع َن َ‬ ‫ك وأخيكَ‪ ،‬وإن أجم َ َع‬ ‫راضٍ ‪ ،‬و َالمُؤم ِنونَ ك َذلِكَ‪ ،‬كَما ر َضوا ع َن أبي َ‬ ‫ل‬ ‫ك أن ت َدخ ُ َ‬ ‫اس عَلى غَيرِك َ حَم ِدتَ الله َ عَلى ذلِكَ‪ ،‬وإني خائ ٌِف عَلَي َ‬ ‫الن ُ‬ ‫س فَيَقتَت ِلونَ فَت َكونُ طائِف َة ٌ‬ ‫ن النا ِ‬ ‫ن الأَمصارِ أو َ َأتِي َ جَماع َة ً م ِ َ‬ ‫م ِصرا م ِ َ‬ ‫ل بَينَه ُم ‪.‬‬ ‫ك فَتُقت َ َ‬ ‫ك و َطائِف َة ٌ عَلَي َ‬ ‫م ِنه ُم م َع َ َ‬ ‫ل‪ :‬اُخر ُج‬ ‫ن أذه َبُ ؟ قا َ‬ ‫ل لَه ُ الحُسَينُ عليه السلام‪ :‬يا أخي ! إلى أي َ‬ ‫ف َقا َ‬ ‫ن‬ ‫ك الدار ُ ف َذاك َ الَّذي ُ‬ ‫ن اطم َأَ َّنت ب ِ َ‬ ‫إلى م ََّكة َ‪ ،‬ف َِإ ِ‬ ‫تح ُِب واُح ُِب‪ ،‬وإن تَكُ ِ‬ ‫ك وأبيكَ‪،‬‬ ‫ن‪ ،‬ف َِإ َّنه ُم أنصار ُ ج َدِك َ وأخي َ‬ ‫الاُخرى خَر َجتَ إلى بِلادِ اليم َ َ ِ‬ ‫س بِلادا وأرجَ حُه ُم ع ُقولاً‪،‬‬ ‫س ُع النا ِ‬ ‫س وأر َُقه ُم قُلوبا‪ ،‬وأو َ‬ ‫ف النا ِ‬ ‫وه ُم أرأَ ُ‬ ‫ُعوب الج ِبالِ‪،‬‬ ‫ل وش ِ‬ ‫ن وإلا لَح ِقتَ ب ِالر ِما ِ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ن اطم َأَ َّنت ب ِ َ‬ ‫ف َِإ ِ‬ ‫أرض اليم َ َ ِ‬ ‫ك‬ ‫ل إلَيه ِ أمرُ الناسِ‪ ،‬و يُحكَم َ بَين َ َ‬ ‫وص ِرتَ م ِن بل ََدٍ إلى بل ََدٍ لِتَنظ ُر َ ما يَؤ ُو ُ‬ ‫وبَينَ الق َو ِم الفاسِقينَ ‪.‬‬ ‫الدنيا م َلج َأ ٌ‬ ‫ل لَه ُ الحُسَينُ عليه السلام‪ :‬يا أخي ! و َالله ِ لَو لَم يَكُن ف ِي ُ‬ ‫ف َقا َ‬ ‫ل صلى الله عليه‬ ‫ن م ُعاوِ يَة َ أبَدا‪ ،‬وق َد قا َ‬ ‫ولا م َأوى لَما بايَعتُ و َالله ِ ي َزيد َ ب َ‬ ‫و آله ‪« :‬الله َُّم لا تُبارِك في ي َزيد َ» ‪.

.‬‬ ‫قالَ‪ :‬ث َُّم د َعَا الحُسَينُ عليه السلام بِد َواة ٍ وبَياضٍ ‪ .‬فَكَت َبَ ‪:‬‬ ‫ن َّ‬ ‫ب ِس ِم الله ِ َّ‬ ‫ن عَل ِِي ب ِن أبي طال ٍِب‬ ‫حيم‪ ،‬هذا ما أوصى بِه ِ الحُسَينُ ب ُ‬ ‫الرحم ِ‬ ‫الر ِ‬ ‫عروف وَلَد ِ عَل ِ ِي ب ِن أبي طال ٍِب عليه السلام‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫لأَ خيه ِ مُح ََّمدِ اب ِن الحنَ َف َِّية ِ الم َ‬ ‫ك لَه ُ‪َّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫وأن‬ ‫ن عَل ٍِي يَشهَد ُ أن لا إله َ إل َا الله ُ و َحد َه ُ لا ش َر ي َ‬ ‫إن الحُسَينَ ب َ‬ ‫َق‪ ،‬و َالنار َ ح ٌّ‬ ‫وأن الج َّنَة َ ح ٌّ‬ ‫ق م ِن ع ِندِه ِ‪َّ ،‬‬ ‫َق‬ ‫مُح ََّمدا ع َبد ُه ُ ور َسولُه ُ‪ ،‬جاء َ ب ِالح َ ِ‬ ‫وأن الساع َة َ آتيِ َة ٌ لا ر َيبَ فيها‪َّ ،‬‬ ‫‪َّ .‫‪97‬‬ ‫ن الحنَ َف َِّية ِ الك َلام َ وبَكى‪ ،‬فَب َكى م َع َه ُ الحُسَينُ عليه‬ ‫ل‪ :‬فَقَطَ َع عَلَيه ِ مُح ََّمد ُ اب ُ‬ ‫قا َ‬ ‫ل ‪ََ :‬ز َاك َ الله ُ ـ يا أخي ـ ع َني خ َيرا‪ ،‬ولَق َد نَصَحتَ‬ ‫ساع َة ً ث َُّم قا َ‬ ‫السلام َ‬ ‫وأش َرتَ ب َّ‬ ‫ك م ُو ََّفقا‬ ‫واب‪ ،‬وأن َا أرجو أن يَكونَ إن شاء َ الله ُ ر َأي ُ َ‬ ‫ِالص ِ‬ ‫ك أنَا‬ ‫روج إلى م ََّكة َ‪ ،‬وق َد تَه ََّيأتُ لِذل ِ َ‬ ‫مُس ََّددا‪ ،‬وإني ق َد ع ََزمتُ عَلَى الخ ُ ِ‬ ‫وإخو َتي وبَنو إخو َتي وشيع َتي‪ ،‬وأمرُه ُم أمري‪ ،‬ور َأيُه ُم ر َأيي ‪ ..‬‬ ‫وأن الله َ يَبع َثُ م َن فِي الق ُبورِ‪ ،‬وأني لَم‬ ‫أخر ُج أشِرا ولا بَط ِرا‪ ،‬ولا م ُفسِدا ولا ظالِما‪َّ ،‬‬ ‫ب‬ ‫وإنما خَر َجتُ لِطَل َ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َّ ِ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫النجاح و َالصلاح في اُمة ِ ج َدي مُحَم ٍد صلى الله عليه و آله‪ ،‬اُريد ُ أن آم ُرَ‬ ‫ن المُنكَر ِ‪ ،‬وأسير َ ب ِسيرَة ِ ج َدي مُح ََّم ٍد صلى الله عليه و‬ ‫ِ‬ ‫ب ِالم َ‬ ‫عروف وأنهى ع َ ِ‬ ‫ب وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين‬ ‫آله‪ ،‬وسيرَة ِ أبي عَل ِِي ب ِن أبي طال ِ ٍ‬ .‬وأما أنتَ‬ ‫ُخف عَل ََّي‬ ‫ك أن تُقيم َ ب ِالمَدينَة ِ فَت َكونَ لي ع َينا عَلَيه ِم‪ ،‬ولا ت ِ‬ ‫يا أخي فَلا عَلَي َ‬ ‫شَيئا م ِن اُمورِه ِم ‪.

‬‬ ‫ولا حَو َ‬ ‫ل ولا ق َُّوة َ إلا ب ِالله ِ العَل ِِي الع ِ‬ ‫ل ‪ :‬ث َُّم طَو َى الكِتابَ الحُسَينُ عليه السلام وخَتَم َه ُ بِ خاتَمِه ِ‪ ،‬ود َف َع َه ُ إلى‬ ‫قا َ‬ ‫أخيه ِ مُح ََّمدِ اب ِن الحنَ َف َِّية ِ ث ُم َ و ََّدع َه ُ"(‪.‫ق فَالله ُ أولى ب ِالحَقِ‪ ،‬وم َن ر ََّد عَل ََّي‬ ‫ل الح َ ِ‬ ‫رضي الله عنهم‪ ،‬فَم َن قَبِلَني بِق َبو ِ‬ ‫هذا أصب ِر ُ حَتى يَقضِي َ الله ُ بَيني وبَينَ الق َو ِم ب ِالحَقِ‪ ،‬و يَحكُم َ بَيني وب َينَه ُم‬ ‫ك يا أخي‪ ،‬وما تَوفيقي إلا‬ ‫ب ِالحَقِ‪ ،‬وه ُو َ خ َير ُ الحاك ِمينَ‪ ،‬هذِه ِ وَص َِّيتي إلَي َ‬ ‫ب ِاللهِ‪ ،‬عَل َيه ِ تَو َ َّكلتُ وإلَيه ِ اُنيبُ ‪ ،‬و َّ‬ ‫ن َّاتب َ َع اله ُدى‪،‬‬ ‫َالسلام ُ عَلَي َ‬ ‫ك وعَلى م َ ِ‬ ‫َظيم ‪.)1‬‬ ‫نقلنا النص بتمامه ليعلم أن الخروج المقصود هو خروج الحسين عليه‬ ‫السلام من مكة إلى المدينة أو غيرها من البلدان كما هو واضح من‬ ‫السياق والمقام‪ ،‬وأن هذا الأمر كان قبل قيام الحسين عليه السلام‬ ‫وعزمه على تولي الـكوفة بعد أن تكاثرت عليهكتب الـكوفيين أن أقدم‬ ‫(‪ )1‬الفتوح ‪ :‬ج ‪ ۵‬ص ‪ ، ۲۱‬عنه مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي ‪ :‬ج ‪۱‬‬ ‫ص ‪.۱۸۸‬‬ .

27‬‬ ‫‪ 2‬معجم الأدباء ‪ ،231-230 :2‬ر‪.29‬‬ .‫‪99‬‬ ‫إلينا خليفة لا نريد سواك‪ ،‬فتبين أن الاستدلال بها من جملة‬ ‫الاشتباهات وأن المقصود بها لا يوافق المستدل بها على جواز القيام‪.‬‬ ‫ولا شك في كونه من أبناء العامة لا الخاصة‪ ،‬وأن الناظر في كتابه يراه‬ ‫محبا أو زيديا‪ ،‬لا متشيعا إماميا‪ ،‬لذا قال فيه التستري في قاموسه‪" :‬من‬ ‫(‪ )1‬نوادر المعجزات‪ ،62 :‬ب‪ 1‬ح‪.‬‬ ‫وهذه قد نُقلت عن كتاب ابن الأعثم الـكوفي (ت ‪ 314‬هـ)‪ ،‬الذي‬ ‫وصفه بعض العلماء المنسوبين للشيعةكابن َرير الطبري الإمامي بأنه "‬ ‫رجل معاند "(‪ )1‬ولعله أراد مخالف‪ ،‬وآخرون من المتأخرين –كالمحدث‬ ‫ابن طاهر القمي‪ -‬بأنه عمدة المخالفين وعلمائهم الثقات‪َّ ،‬‬ ‫وعده ياقوت‬ ‫الحموي في معجم الأدباء شيعيا‪ ،‬قال‪ " :‬كان شيعيا وهو عند أصحاب‬ ‫الحديث ضعيف"(‪ )2‬وهذا تعصب منه‪.‬‬ ‫أما خبر هذه الوصية فمع اشتهارها بين المتأخر ين خاصة‪ ،‬غير أنها في‬ ‫مصادر لا يتيقن صحتها مع انفرادها ولا يركن لها إلا إذا انضم إليها ما‬ ‫يقويها ولم يعارضها أمر آخر‪.

‬‬ ‫وأما متنها فمما فيه أنه عليه السلام قال أنه يسير بسيرة الخلفاء الراشدين‬ ‫المهديين رضي الله عنهم‪ ،‬وهذا لا يوافق المعلوم من المذهب بالضرورة‪،‬‬ ‫وما في بعض طبعات الـكتب المتأخرة من رواية الحديث مع إسقاط‬ ‫هذه الجملة أو تخطيها تصرف معيب لا مبرر له !‪.‬‬ ‫(‪ )1‬قاموس الرجال ‪ ،90 :12‬ر‪.‫مؤرخي العامة إلا أنه ليس من نصابهم "(‪ ،)1‬وتار يخه اعتمد على النقل‬ ‫منه بعض علماء الشيعة‪ ،‬لـكن لا بتمام الاعتماد وكامل الركون كغيره‬ ‫من كتب أهل الأخبار التار يخية كمقتل لوط ابن يحيى المعروف بأن‬ ‫الشيعة ركنت لصاحبه ونقولاته؛ فإنه ‪-‬ابن أعثم‪ -‬مضطرب النقل كثير‬ ‫التفرد يسوق في أخباره الشعر ويداخلها بالمفجعات من الجمل مخالفا‬ ‫لغيره من نقلة الأخبار‪ ،‬واستحسنه بعض الشيعة من أصحاب التأليف‬ ‫المتأخرين‪ ،‬فاقتبسوا منه وصار يقرأ على الناس‪ ،‬فلاحظ‪.231‬‬ .

‬‬ ‫ولو سلم أنه خروج للجهاد من أوله تمهيدا ثم تنفيذا‪ ،‬قلنا‪ :‬أنه لم يكن‬ ‫هذا من سيرة النبي صلى الله عليه وآله ولا سيرة علي ولا الحسن عليهما‬ ‫السلام التي ذكرت في ذيل الوصية‪ ،‬ولا يصح أن تقع المعارضة‬ ‫والتهافت؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله ما جاهد الـكفار إلا أمرا‬ .‫‪101‬‬ ‫وأما التمسك بالتعليل فيها بـ ( طلب الإصلاح ) وأنه سيرة النبي صلى‬ ‫الله عليه وآله وعلي والحسن عليهم السلام‪ ،‬ليكون مبررا للخروج مطلقا‬ ‫حتى مع عدم توفر دواعي النصر وأسبابه‪ ،‬فلو سلمنا صحة الرواية‬ ‫وسلامة متنها – وهو ما لا يمكن التسليم به كما أسلفنا آنفا – لم يصح‬ ‫معناه؛ لأن خروجه لو حمل على أنه للمسير من مكة إلى المدينة لم يكن‬ ‫مرادفا لمعنى القيام‪ ،‬والحال أن المستدل ممن ينتصر لجواز القيام أو‬ ‫وجوبه‪.‬‬ ‫ولو حمل على الخروج لجهاد يزيد في مكة قبل بيعة الناس فهذا ليس‬ ‫بخروج وقيام؛ بل م ُقام ٌ في مكة وتحصن فيها بأهلها بغير دعوة دعا‬ ‫لنفسه فيهم كما هو المتفق عليه‪ ،‬وإنما كان ذاك من عبد الله بن الزبير‬ ‫بعد ذاك‪ ،‬فلا ينفع المدعي أيضا‪.

‬‬ ‫وإن عليا عليه السلام هو كذلك‪ ،‬ما قام في الناس ثائرا ولا أراق في‬ ‫هذا السبيل محجمة دم ولم يمسك بزمام الخلافة إلا بعد بيعة الناس له‬ ‫وعلمه بصيرورة الأمور إليه‪ ،‬ودونك خطبته الشقشقية وكثير من غرر‬ ‫كلامه‪.‬‬ ‫فكيف يكون خروجه عليه السلام من مكة بداية قيام وثورة!‪ ،‬وكيف‬ ‫يمكن الاستدلال بسيرة من لا يوافقون الثورة والقيام المدعى لا في‬ ‫المبدأ ولا الأسباب كالنبي وآله الأطياب !‪ ،‬فلم يقم و يخرج رسول‬ ‫الله صلى الله عليه وآله كخروج الثوار والقائمين‪ ،‬وكذا لم يفعل علي ولا‬ ‫ابنه الحسن عليهما السلام‪ ،‬فانتفى الم ُ َّعلل (القيام) لبطلانه‪ ،‬ولم يصح‬ .‫ووحيا بعد الصبر العظيم واجتماع الأسباب والقدرة بالهجرة‪ ،‬وما‬ ‫انفرد خارجا لحرب أحد ولا سلك سبل الثائرين كما في هذا العصر‪.‬‬ ‫وأن أبا محمد الحسن عليه السلام دام على خطى أبيه‪ ،‬ومن سيرته‬ ‫المهادنة لما خلت الأسباب وترجح الفساد ُ على الصلاح بين الأتباع‪،‬‬ ‫كل هذا مع ما ثبت من سيرة الحسين عليه السلام‪ ،‬وهو بقاؤه في مكة‬ ‫ثم قدوم أهل الـكوفة بكتبهم يطلبون قدومه ليبايعوه كسيرة أبيه عليه‬ ‫السلام‪ ،‬ثم سار لهم سير الشاخص غير المتحصن بعسكر ولا المترئس‬ ‫لجيش دون تبييت نية لمواجهة أو قيام كما أثبتناه في غير موضع من‬ ‫هذا الكتاب وفي غيره‪.

‬‬ ‫ولرب قائل أن يقول‪ :‬أنه عليه السلام بامتناعه عن بيعة يزيد قد شرع‬ ‫في المعارضة والقيام‪ ،‬فنقول‪ :‬إنا نسلم أصل المعارضة منه عليه السلام‬ ‫ليزيد قبل أن يُباي َع ليزيد ويبسط يده على البلاد ولا ينكره أحد أبدا‪،‬‬ ‫لكنا ننكر أنه قام على حاكم‪ ،‬وأنه قام بلا اهتمام لدماء الناس ولا رعاية‬ ‫لمصلحة الإسلام كالثوار والخارجين المجازفين وكما يريد أن يصوره‬ ‫المستدل على صحة القيام‪ ،‬و يكفي أن تلاحظ سيرته كلها سلام الله‬ ‫عليه ليبان لك الفارق البين‪ ،‬مع عدم صحة القياس والاستدلال مطلقا‬ ‫بامتناع الحسين عليه السلام عن البيعة‪ ،‬كما مر عليك و يأتيك من‬ ‫تفصيل أكثر‪.‫‪103‬‬ ‫َّ‬ ‫التعليل (طلب الإصلاح) لانتفائه‪ ،‬وهذا مضعف آخر للرواية‪ ،‬وعلى‬ ‫مدعي دلالتها الإتيان بوجه صحيح تام‪ ،‬وحيث لم يكن فلا محيص عن‬ ‫رفع اليد عنها‪.‬‬ ‫مع أن المروي عن هذه الوصية أو الكتاب ‪-‬الذي لا يعلم غيره‪ -‬بطرقنا‬ ‫ن‬ ‫ما عن السيد بن طاووس في كتابه اللهوف بسنده قال‪ :‬ذكر مُح ََّمد ُ ب ْ ُ‬ .

28 :‬‬ .)1‬‬ ‫والسند غريب شاذ؛ فمروان بن إسماعيل مجهول لم ي ُذكر ولم يعرف في‬ ‫طرق الروايات ولا رواية له عن حمزة بن حمران‪ ،‬كذلك لم يروِ عنه‬ ‫صفوان‪ ،‬وصفوان يروي بلا واسطة عن حمران‪ ،‬ولعله أبو إسماعيل‬ ‫خالد بن نافع البجلي العاقولي الذي روى عن حمران‪ ،‬لـكنه بعيد أيضا‪،‬‬ ‫وحمزة بن حمران بن أعين صاحب كتاب رواه القاسم بن إسماعيل‪ ،‬لم‬ ‫يصرح بوثاقته‪ ،‬لـكنه صاحب كتاب روى عنه أجلة الثقات‪ ،‬وليس‬ ‫هذا الخ بر مما بلغنا عنهم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬اللهوف‪.‫اب َّ‬ ‫ن الْحُسَيْنِ‬ ‫يح ْي َى ع َنْ مُح ََّمدِ ب ْ ِ‬ ‫ل ع َنْ مُح ََّمدِ ب ْ ِن َ‬ ‫يَعْق ُوبَ الْك ُلَيْن ِ ُي فِي كِت َ ِ‬ ‫الرسَائ ِ ِ‬ ‫ع َنْ أَ ُيوبَ ب ْ ِن ن ُ ٍ‬ ‫ل ع َنْ حَم ْزَة َ ب ْ ِن‬ ‫صفْوَانَ ع َنْ م َْرو َانَ ب ْ ِن ِإسْمَاعِي َ‬ ‫وح ع َنْ َ‬ ‫ن‬ ‫ف اب ْ ِ‬ ‫ج الْحُسَيْنِ ع و َ تَخ َُل َ‬ ‫الله ِ ع قَالَ‪" :‬ذَكَر ْنَا خُر ُو َ‬ ‫ح ُم ْرَانَ ع َنْ أَ بِي ع َبْدِ َّ‬ ‫ل‬ ‫ِيث ل َا تَسْأَ ُ‬ ‫الله ِ ع‪ :‬ي َا حَم ْز َة ُ ِإنِي س َُأخْب ِرُك َ بِ حَد ٍ‬ ‫الْحنَ َف َِّية ِ‪ ،‬فَق َا َ‬ ‫ل أَ بُو ع َبْدِ َّ‬ ‫ل م ُت َو َجِها ً د َعَا ب ِقِرْطَاسٍ و َ‬ ‫ص َ‬ ‫ك هَذ َا؛ ِإ َّن الْحُسَيْنَ ل ََّما ف َ َ‬ ‫س َ‬ ‫مج ْل ِ ِ‬ ‫ع َن ْه ُ بَعْد َ َ‬ ‫ن َّ‬ ‫الله ِ َّ‬ ‫ن الْحُسَيْنِ ب ْ ِن عَل ِِي ب ْ ِن أَ بِي طَال ٍِب‬ ‫ِيم‪ ،‬م ِ َ‬ ‫الرحْم ِ‬ ‫كَت َبَ ف ِيه ِ‪ :‬ب ِس ْ ِم َّ‬ ‫الرح ِ‬ ‫ف‬ ‫ق بِي م ِنْك ُ ْم اسْ تُشْهِد َ و َ م َنْ تَخ ََّل َ‬ ‫ِإلَى بَنِي ه َاشِمٍ‪ ،‬أَ َّما بَعْد ُ؛ ف َِإ َّنه ُ م َنْ لَح ِ َ‬ ‫ل َ ْم يَب ْلُغْ م َبْل َ َغ الْف َت ِْح و َ َّ‬ ‫السلَام ُ"(‪.

‬‬ ‫(‪ )2‬في البصائر‪ :‬مروان بن إسماعيل‪.25‬‬ .‫‪105‬‬ ‫ورواه الحسن بن سليمان الحلي عن مختصر البصائر (المجموعة الحديثية)‬ ‫ن نُ ٍ‬ ‫وح(‪ ،)1‬ع َنْ مُح ََّمدِ ب ْ ِن‬ ‫لسعد بن عبد الله الأشعري عن أَ ُيوبُ ب ْ ُ‬ ‫(‪)2‬‬ ‫الله ِ ع قَالَ‪ :‬ذَكَر ْتُ‬ ‫ِإسْمَاعِي َ‬ ‫ل ‪ ،‬ع َنْ حَم ْزَة َ ب ْ ِن حُم ْرَانَ‪ ،‬ع َنْ أَ بِي ع َبْدِ َّ‬ ‫الله ِ‬ ‫ف اب ْ ِن الْحنَ َف َِّية ِ ع َن ْه ُ‪ ،‬فَق َا َ‬ ‫ج الْحُسَيْنِ ب ْ ِن عَل ٍِي ع و َ تَخ َُل َ‬ ‫خُر ُو َ‬ ‫ل أَ بُو ع َبْدِ َّ‬ ‫مج ْلِسِنَا‬ ‫ك فِي هَذ َا الْحَدِيثَ ل َا تَسْأَ ُ‬ ‫ع‪« :‬يَا حَم ْز َة ُ ِإنِي س َُأح َدِث ُ َ‬ ‫ل ع َن ْه ُ بَعْد َ َ‬ ‫س‬ ‫ل] م ُت َو َجِها ً د َعَا ب ِقِرْطَا ٍ‬ ‫ص َ‬ ‫ن عَل ٍِي ع ل ََّما مثل [ف َ َ‬ ‫هَذ َا‪ِ :‬إ َّن الْحُسَيْنَ ب ْ َ‬ ‫ق‬ ‫ن الْحُسَيْنِ ب ْ ِن عَل ٍِي ِإلَى بَنِي هَاش ِ ٍم أَ َّما بَعْد ُ‪ :‬ف َِإ َّنه ُ م َنْ لَح ِ َ‬ ‫فَكَت َبَ ف ِيه ِ‪ :‬م ِ َ‬ ‫ح و َ َّ‬ ‫السلَام ُ»(‪.‬‬ ‫(‪ )3‬مختصر البصائر‪ /60-59 :‬ح‪.)3‬‬ ‫ك الْف َت ْ َ‬ ‫ف ل َ ْم ي ُ ْدرِ ِ‬ ‫بِي م ِنْكُم ُ اسْ تُشْهِد َ‪ ،‬و َ م َنْ تَخ ََّل َ‬ ‫(‪ )1‬في البصائر ز يادة‪ :‬عن صفوان بن يحيى‪.

‬‬ ‫ف ل َ ْم يَب ْل ُ ِغ الْف َت ْ َ‬ ‫بِي م ِنْك ُ ْم اسْ تُشْهِد َ مَع ِي‪ ،‬و َ م َنْ تَخ ََّل َ‬ ‫(‪ )2‬راجع مقالنا ( نظرات في نسخ بصائر الدرجات )‪.‬‬ ‫(‪ )3‬كامل الز يارات ‪ /75‬ح‪.‬‬ ‫(‪)3‬‬ ‫ورواه موثقا ابن قولو يه في كامل الز يارات‬ ‫‪-‬مسندا للباقر لا‬ ‫الله ِ‬ ‫الله ُ و َ جَمَاع َة ُ مَش َايِ خ ِيه ع َنْ َ‬ ‫سعْدِ ب ْ ِن ع َبْدِ َّ‬ ‫للصادق ع‪ -‬عن أَ بِيه رَحِم َه ُ َّ‬ ‫(‪)4‬‬ ‫ل ب ْ ِن ع ِيس َى‬ ‫ع َنْ عَل ِِي ب ْ ِن ِإسْمَاعِي َ‬ ‫اب‬ ‫و َ مُح ََّمدِ ب ْ ِن الْحُسَيْنِ ب ْ ِن أَ بِي الْخ َ َّط ِ‬ ‫ع َنْ مُح ََّمدِ ب ْ ِن عَمْرِو ب ْ ِن سَع ِي ٍد َّ‬ ‫الله ِ ب ْ ِن بُكَيْرٍ ع َنْ زُر َارَة َ‬ ‫الز َّي ِ‬ ‫ات ع َنْ ع َبْدِ َّ‬ ‫ن عَل ٍِي م ِنْ م ََّكة َ ِإلَى مُح ََّمدِ ب ْ ِن عَل ٍِي‬ ‫جعْف َ ٍر ع قَالَ‪ :‬كَتَبَ الْحُسَيْنُ ب ْ ُ‬ ‫ع َنْ أَ بِي َ‬ ‫ن الْحُسَيْنِ ب ْ ِن عَل ٍِي‪ِ :‬إلَى مُح ََّمدِ ب ْ ِن ع َل ٍِي و َ م َنْ ق ِبلََه ُ م ِنْ بَنِي ه َاش ِ ٍم‪ ،‬أَ َّما‬ ‫مِ َ‬ ‫ن نُ ٍ‬ ‫(‪ )1‬بصائر الدرجات ‪/482 :1‬ح ‪ 5‬ج‪ 10‬ب‪ ،9‬ونصه‪َّ :‬‬ ‫وح‬ ‫"حدثَنَا أَ ُيوبُ ب ْ ُ‬ ‫ل ع َنْ حَم ْزَة َ ب ْ ِن حُم ْرَانَ ع َنْ أَ بِي‬ ‫يح ْي َى ع َنْ م َْرو َانَ ب ْ ِن ِإسْمَاعِي َ‬ ‫صفْو َانَ ب ْ ِن َ‬ ‫ع َنْ َ‬ ‫ل أَ بُو‬ ‫ف اب ْ ِن الْحنَ َف َِّية ِ َعن ْه ُ قَالَ‪ :‬قَا َ‬ ‫ج الْحُسَيْنِ و َ تَخ َُل َ‬ ‫الله ِ ع قَالَ‪ :‬ذَكَر ْن َا خُر ُو َ‬ ‫ع َبْدِ َّ‬ ‫مجْلِسِنَا‬ ‫ك فِي هَذ َا الْحَد ِ‬ ‫اللهِ‪ :‬ي َا حَم ْز َة ُ ِإنِي س َُأح َدِث ُ َ‬ ‫ِيث و َ ل َا تَسْأَ لْ ع َن ْه ُ بَعْد َ َ‬ ‫ع َبْدِ َّ‬ ‫الله ِ َّ‬ ‫ن‬ ‫ص َ‬ ‫هَذ َا؛ ِإ َّن الْحُسَيْنَ ل ََّما ف َ َ‬ ‫الرحْم َ ِ‬ ‫ل م ُت َو َجِها ً د َعَا ب ِقِرْطَاسٍ و َ كَت َبَ ‪ :‬ب ِس ْ ِم َّ‬ ‫َّ‬ ‫ق]‬ ‫ن الْحُسَيْنِ ب ْ ِن عَل ٍِي ِإل َى بَنِي ه َاشِمٍ‪ ،‬أَ َّما بَعْد ُ؛ ف َِإ َّنه ُ م َنْ ألحق [لَح ِ َ‬ ‫ِيم م ِ َ‬ ‫الرح ِ‬ ‫ح و َ َّ‬ ‫السلَام ُ "‪.15‬‬ ‫(‪ )4‬وهو علي بن السندي‪ ،‬ثقة‪.‫ونحوه روى صاحب الكتاب المعروف اليوم ببصائر الدرجات‬ ‫الـكبرى(‪ ،)1‬وليس في نسخة البصائر الصغيرة للصفار التي لا تزال‬ ‫()‬ ‫مخطوطة لم تطبع‬ ‫‪.‬‬ .

‬‬ ‫(‪ )1‬فهرست النجاشي‪ /369 :‬ر‪.‬‬ .1001‬‬ ‫(‪ ) 2‬يقصد برواية الغرائب في كلام الرجاليين وأهل الحديث هو ما لم يكن على‬ ‫مجرى العادة‪ ،‬فيحتاج إثباته لقرينة أو شاهد ز يادة على باقي الأخبار‪،‬‬ ‫وانفراد الرواي بها أو تفاوت ألفاظها أحد الموهنات التي تورد العلة على‬ ‫الحديث‪.‬‬ ‫والظاهر ‪ -‬من تتبع الأسانيد ‪ -‬أن الرواية الأخيرة من كتاب محمد بن‬ ‫عمرو بن سعيد الز يات‪ ،‬قال النجاشي رحمه الله‪ " :‬المدائني ثقة عين‬ ‫روى عن الرضا عليه السلام نسخة‪ .‬أخبرنا علي بن أحمد قال‪ :‬حدثنا‬ ‫محمد بن الحسن عن الصفار قال‪ :‬حدثنا علي بن السندي عن محمد بن‬ ‫عمرو بن سعيد "(‪ ،)1‬وقد يفرق في الاعتبار بين إخباراته في الأحكام‬ ‫فتصحح بشهادة نقاد الحديث والرجال‪ ،‬وبين المناقب والتواريخ فتحتاج‬ ‫لقرينة‪ ،‬كما هو الملاحظ من التفرد والغرابة(‪ )2‬أو ضعف الضبط في‬ ‫رواياته‪ ،‬فلاحظ؛ فإنها من ضوابط قبول الحديث عندنا‪.‫‪107‬‬ ‫ح وَ‬ ‫ك الْف َت ْ َ‬ ‫ق بِي اسْ تُشْهِد َ و َ م َنْ ل َ ْم يلَْحَقْ بِي ل َ ْم ي ُ ْدرِ ِ‬ ‫بَعْد ُ؛ ف َِإ َّن م َنْ لَح ِ َ‬ ‫َّ‬ ‫السلَام ُ‪.

‫وتناقلها عنهم غير واحد من علماء الشيعة في مصنفاتهم‪ ،‬فانظر هامش‬ ‫التخريج(‪.‬‬ ‫غير أن هذا الخ بر يعارضه ظاهر استجابته لبيعة الـكوفيين مع ما دل‬ ‫على عدم علم عموم الناس وأكثر بني هاشم بالمصير المحتوم أو ‪ -‬وقته‬ ‫المعين وموضعه وإن تواتر أو اشتهر عند المطلعين الإخبار عن شهادته‬ ‫سلام الله عليه ‪ -‬حتى من زينب عليها السلام وأهل بيته ورسوله الثقة‬ ‫مسلم بن عقيل الذي أخذ بيعة الناس له صفقة يد منهم‪ ،‬ومن خرج‬ ‫معه في ركبه من الناس الـكثير‪ ،‬ومن معه في الشهداء‪ ،‬إلا قبل يوم‬ ‫أو يومين من واقعة الطف‪ ،‬كما في روايات الإرشاد ومقتل لوط بن‬ ‫(‪ )1‬المناقب لابن شهر آشوب ‪ ، 76 : 4‬مثير الأحزان ‪ ، 39 :‬الخرائج الجرائح‬ ‫‪ ، 771 : 2‬بحار الأنوار ‪ 330 : 44‬و ‪ 84 : 45‬و ‪ 81 : 42‬ح ‪، 12‬‬ ‫العوالم ‪. 179 : 17‬‬ .)1‬‬ ‫وجوابه بعد الغض عن إشكال طر يقي الخ بر والفسحة في تصحيحه‪:‬‬ ‫أنه لا دلالة فيه على إقدامه عليه السلام وصحبه على الموت علنا؛ لأنه‬ ‫من إخباراته الخاصة لأهل بيته من بني هاشم كما هو صر يحها‪.

‫‪109‬‬ ‫يحيى المروي عن الطبري‪ ،‬وعين عليه السلام وقته المحتوم وصحبه يوم‬ ‫الواقعة؛ إذ روى ابن قولو يه في الصحيح عن الْحُسَيْنِ ب ْ ِن أَ بِي ال ْع َلَاء ِ‬ ‫صحَابِه ِ يَوْم َ ُأصِيبُوا ث َُّم‬ ‫الله ِ ع قَالَ‪ِ " :‬إ َّن الْحُسَيْنَ ص صَلَّى ب ِأَ ْ‬ ‫ع َنْ أَ بِي ع َبْدِ َّ‬ ‫الله َ و َ اصْ بِر ُوا "‪ ،‬وغيرها‬ ‫قَالَ‪ :‬أَ شْهَد ُ أَ َّنه ُ ق َ ْد ُأذِنَ فِي قَتْل ِـك ُ ْم ي َا قَو ْ ِم ف َ َّاتق ُوا َّ‬ ‫من الأخبار والشواهد التي تدل على عدم علم الناس بالمحتوم وموضعه‬ ‫وزمانه‪ ،‬ولا يؤثر البحث في علم الإمام بمقتله تفصيلا أو أنه يغم عليه‬ ‫وقته كما يقول به بعض مشايخنا المحققين‪.‬‬ ‫فهذا الخ بر من متفردات المضامين وغريبها‪ ،‬ولا يرجح على مجموع‬ ‫الأخبار المعارضة لمفاده فضلا عما يحوطه من ضعف ذكرناه‪ ،‬وقد‬ ‫يكتفى بأخذ ظاهره المبين في أول الجواب‪.‬‬ ‫ومن هنا يعلم‪ ،‬أن الاستدلال بخ بر ( إني لم أخرج أشرا ) على جواز‬ ‫المعارضة مع احتمال الضرر بشرط سماه بعض منهم ( سلمية المعارضة‬ ‫)‪ ،‬تبرع بالدلالة والشرط؛ فقد علمت عدم صلاحيتها للاستدلال‬ ‫لضعف مستندها ومتنها‪ ،‬ولو دلت على جواز أو وجوب الخروج على‬ .

‬‬ ‫وكذا فإنه لا معنى لسلمية الخروج على الحاكم في الواقع فضلا عن لغو ية‬ ‫اشتراطها شرعا؛ لأن السلامة لا تتحقق بمجرد الامتناع عن حمل السلاح‬ ‫في قبال الحكام‪ ،‬بل في أن يؤمن من الفتنة بين الأنام والضرر من‬ ‫جانب السلطان حتى لو علق الزهر مكان السنان‪ ،‬وهو ‪-‬أي السلطان‪-‬‬ ‫الذ ي يقرر كيف يشاء سلميتها إذا تحقق بها السلم أو عدم سلميتها إذا‬ ‫تحقق بها الضرر له ولملك دولته‪ ،‬فالسلمية وعدمها عنوان واقعي ينتزع‬ ‫من سلامة الطرفين المتنازعين في الفرض‪ ،‬وليس لها محل في عالم‬ .‫الحكام في كل عصر مطلقا‪ ،‬لما احتجنا لاشتراط سلمية الخروج !؛‬ ‫لأن الغرض يطلب تحققه بأي نحو ولو بسفك المهج تمسكا بإطلاق‬ ‫الدليل كما توهموا‪ ،‬بل يلزم من هذا تخصيص أدلة الأمر بالمعروف‬ ‫والنهي عن المنكر بهذا العنوان المبتدع !‪.‬‬ ‫ولو قيل‪ :‬أن مرادهم بالشرط مشروعية المعارضة السلمية على نحو‬ ‫الاتفاق والإجماع؛ إذ لا حمل فيها للسلاح ولا تشابك في عراك‪ ،‬فهو‬ ‫مردود؛ بأنه لا يوافق القائلين بالحرمة ولا الجواز؛ إذ لا سنة ولا رواية‬ ‫ولا قول في الشر يعة بتخصيص أدلة حرمة القيام إذا كان دون حمل‬ ‫سلاح بعد صدق مسمى الخروج المتمثل بالمعارضةكما بيناه‪ ،‬ولا مستند‬ ‫لتخصيص حكم الجواز أو الوجوب المطلق عند المتوهمين لهذا الحكم‪،‬‬ ‫فهو خرق للإجماع المركب النافي للتفصيل‪.

‬‬ .‬‬ ‫والحاصل‪ :‬أن نسبة هذا الحكم – وهو جواز المعارضة السلمية لإسقاط‬ ‫السلاطين والحكام المتغلبين ومبسوطي اليد‪ ،‬وصولا للحكم أو المشاركة‬ ‫فيه مغالبة ومحاصصة‪ -‬بدون إمام معصوم ‪-‬وهو الحجة الغائب ع له بيعة‬ ‫وأنصار يجمع الله تعالى به الكلمة‪ -‬في عصر المهادنة بين بني الإسلام‬ ‫والمسالمة مع بقية الأنام‪ ،‬نسبة باطلة للشارع المقدس‪ ،‬كما أن توهم أو‬ ‫إيهام المكلفين بأن تغيير الألفاظ والأوصاف عن واقعها يبيح لهم‬ ‫ف عن‬ ‫ارتكاب الحرام‪ ،‬بطلانه من أوضح الواضحات‪ ،‬تن َّ َزه َ الشرع ُ الحني ُ‬ ‫هذا اللعب بالدين وخلطِ الوه ِم بالي َقين‪.‫‪111‬‬ ‫الاعتبار‪ ،‬فمتى أجاز الحاكم المعارضة أو قل لم تكن بالنسبة له وفي نظره‬ ‫معارضة لحكمه ومنازعة له في ملـكه‪ ،‬فقد ارتفع المحذور بالكلية على ما‬ ‫بينها في غير موضع‪.

.

113 .

.

‫‪115‬‬ ‫ومنها ما يلقيه بعض خطباء السياسة تشحيذا وتحميسا لأغراضهم‬ ‫وإسقاطا لنزاعاتهم مع الحكام على معنى شر يف لا علاقة له بمآربهم‪،‬‬ ‫كالمروي في الإرشاد في حديث الحسين الشهيد مع ابنه علي بن الحسين‬ ‫عليهما السلام‪ ،‬قال المفيد رحمه الله‪:‬‬ ‫ن ال ْمَاء ِ ث َُّم أَ م َر ب َّ‬ ‫خر ِ َّ‬ ‫ل‬ ‫ل أَ م َرَ ف ِت ْيَانَه ُ ب ِالاسْ تِق َاء ِ م ِ َ‬ ‫"و َ ل ََّما ك َانَ فِي آ ِ‬ ‫ِالرحِي ِ‬ ‫اللي ْ ِ‬ ‫َ‬ ‫ن ِسم ْع َانَ‪ :‬سِرْنَا م َع َه ُ سَاع َة ً‬ ‫ل عُقْب َة ُ ب ْ ُ‬ ‫ل‪ ،‬فَق َا َ‬ ‫فَا ْرتَح َ َ‬ ‫ل م ِنْ قَصْر ِ بَنِي مُق َات ِ ٍ‬ ‫ل‪ِ :‬إ َّنا ل َِّله ِ و َ ِإ َّنا ِإلَيْه ِ‬ ‫خ ْفق َة ً ث َُّم ان ْتَب َه َ و َ ه ُو َ يَق ُو ُ‬ ‫سه ِ َ‬ ‫ق و َ ه ُو َ عَلَى َظ ْهرِ ف َر َ ِ‬ ‫فَخَف َ َ‬ ‫ل‬ ‫ك م ََّرتَيْن ِ أَ ْو ثَلَاثاً‪ ،‬فََأَ ق ْب َ َ‬ ‫ل ذَل ِ َ‬ ‫َب ال ْعالم َي ِنَ فَف َع َ َ‬ ‫راجِع ُونَ و َ ا ْلحم َْد ُ ل َِّله ِ ر ِ‬ ‫جعْتَ‬ ‫ن الْحُسَيْنِ ع عَلَى ف َر َسٍ فَق َالَ‪ :‬م َِّم حَمِدْتَ ا َّلله َ و َ اسْ تَرْ َ‬ ‫ِإلَيْه ِ اب ْن ُه ُ عَلِي ُ ب ْ ُ‬ ‫خ ْفق َة ً ف َع ََّن ل ِي فَار ٌِس عَلَى ف َر َسٍ و َ ه ُو َ‬ ‫خفَقْتُ َ‬ ‫؟ فَق َالَ‪ :‬ي َا بُن ََّي ِإنِي َ‬ ‫يَق ُولُ‪ :‬الْقَوْم ُ يَسِير ُونَ و َ ال ْمَنَاي َا تَصِ ير ُ ِإلَيْهِمْ‪ ،‬ف َع َلِم ْتُ أَ َّنهَا أَ نْفُس ُنَا نُع ِي َْت ِإل َي ْنَا‪،‬‬ ‫ق ؟ قَالَ‪ :‬بلََى و َ‬ ‫الله ُ سُوءاً‪ ،‬أَ لَسْنَا عَلَى الْح َ ِ‬ ‫فَق َا َ‬ ‫ل لَهُ‪ :‬يَا أَ ب َتِ ل َا أَ ر َاك َ َّ‬ .

)2‬فأبى القوم إلا‬ ‫كُتُبُك ُ ْم و َ قَدِم ْ‬ ‫منعه وحصاره‪.)1‬‬ ‫لَه ُ الْحُسَيْنُ ع‪ََ :‬ز َاك َ َّ‬ ‫والجواب‪ :‬أن هذا القول كان بعد تيقن منازلة الأعداء‪ ،‬بعد أن تجاذب‬ ‫الحسين عليه السلام والحر الكلام وزاحمه الحر في المسير وأخبره بما‬ ‫أمره عبيد الله بن ز ياد‪ ،‬حيث خطب عليه السلام فيهم فقال‪ " :‬أَ َّما‬ ‫الله و َ تَعْرِفُوا الْح ََّق ل ِأَ ه ْلِه ِ يَكُنْ أَ رْض َى ل َِّله ِ‬ ‫بَعْد ُ أَ ُيهَا َّ‬ ‫الن ُ‬ ‫اس ف َِإ َّنك ُ ْم ِإ ْن ت َّ َتق ُوا َّ َ‬ ‫ْت مُح ََّم ٍد و َ أَ وْلَى ب ِوَل َايَة ِ هَذ َا الْأَ مْر ِ عَلَيْك ُ ْم م ِنْ‬ ‫ل بَي ِ‬ ‫ن أَ ه ْ ُ‬ ‫نح ْ ُ‬ ‫ع َنْكُمْ‪ ،‬و َ َ‬ ‫ْس لَه ُ ْم و َ َّ‬ ‫ن ف ِيك ُ ْم ب ِالْجَوْرِ و َ ال ْع ُ ْدو َانِ‪ ،‬و َ ِإ ْن‬ ‫السائِر ِي َ‬ ‫ه َؤُل َاء ِ ال ْم َُّدع ِينَ م َا لَي َ‬ ‫ل بِ ح َق ِنَا و َ ك َانَ ر َأْ يُكُم ُ الْآنَ غَيْر َ م َا أَ تَتْنِي بِه ِ‬ ‫أَ بَي ْتُم ْ ِإ َّلا ك َرَاه ِيَة ً لَنَا و َ الْج َ ْه َ‬ ‫َت بِه ِ عَل ََّي رُسُلـُك ُ ْم ان ْصَر َف ْتُ ع َنْكُمْ"(‪.80-79 :2‬‬ .‬‬ ‫فلا ينفع المستدل ‪-‬ولا المُعمِي على المعنى‪ -‬الاستدلال بها على محبة‬ ‫الإقدام على الموت لطالب الحق بلا رو ية؛ فإنها في موضع قد أقبل‬ ‫الموت على الحسين وصحبه ونزل القضاء بساحتهم فرضوا به ولم يستبدلوا‬ ‫(‪ )1‬الإرشاد ‪ ،82 :2‬ما َرى بين الحسين ع والحر الر ياحي‪.‫ل‬ ‫ج ُع ال ْع ِبَادِ‪ ،‬قَالَ‪ :‬ف َِإ َّننَا ِإذا ً ل َا نُبَال ِي أَ ْن نَمُوتَ مُح ِق ِينَ‪ ،‬فَق َا َ‬ ‫الَّذ ِي ِإلَيْه ِ م َْر ِ‬ ‫الله ُ م ِنْ وَلَدٍ خَيْر َ م َا ََز َى وَلَدا ً ع َنْ و َالِدِه ِ"(‪.‬‬ ‫(‪ )2‬الإرشاد ‪.

‫‪117‬‬ ‫عن إمامهم ورايته بدلا‪ ،‬وهذا لا نزاع فيه‪ ،‬ولا يستحق الوقوف عليه‬ ‫إلا تنبيها على خطأ الاستشهاد‪.‬‬ .

.

)1‬‬ ‫(‪ )1‬النساء‪.‬‬ ‫وله اصطلاح فقهي شائع‪ ،‬وآخر ديني أعم؛ أما الفقهي فهو صاحب‬ ‫الحق المقتول في نضال الأعداء في ساحة القتال لا خارجها‪ ،‬وله‬ ‫أحكام خاصة‪.‫‪119‬‬ ‫ومن هنا ينبغي الحديث عن الشهادة وتحرير مفهومها الذي زين بهكثير‬ ‫من الثائرين أسماءهم‪ ،‬فغصبوا ثياب الشرف‪ ،‬مع أن الشرف ليس‬ ‫من حقيقه الإسم‪ ،‬بل من حقائق الذات ومن عطايا رب العباد‪.‬‬ ‫والديني العام‪ :‬هو الشاهد على الحق وعلى ضلال الجاحدين لله حقه‪،‬‬ ‫قال تعالى‪ « :‬و َ م َنْ يُط ِِع ال َّله َ و َ َّ‬ ‫ك م َ َع الَّذِي َ‬ ‫ل ف َ َُأولئ ِ َ‬ ‫الرسُو َ‬ ‫ن أَ ن ْعَم َ َّ‬ ‫الله ُ‬ ‫الصدِيق ِينَ و َ ُ‬ ‫الشه َداء ِ و َ َّ‬ ‫ن َّ‬ ‫ك‬ ‫ن ُأولئ ِ َ‬ ‫حس ُ َ‬ ‫الصالِ ح ِينَ و َ َ‬ ‫النب ِيِينَ و َ ِ‬ ‫عَلَيْه ِ ْم م ِ َ‬ ‫ر َف ِيقا ً »(‪.‬‬ ‫فالشهادة من الشهود والحضور‪ ،‬والشهيد هو الحاضر الشاهد للأمر‪.69 :‬‬ .

31 :‬‬ ‫(‪ )3‬الكافي ‪ /51 :1‬ح‪ 1‬ب التقليد‪.)1‬‬ ‫فعلق وصف الشهيد على شرط الطاعة لله ولرسوله والإيمان الصادق‬ ‫بهما‪ ،‬والطاعة لا تكون إلا من حيث أمر الله‪ ،‬والإيمان بالله عبودية‬ ‫وانقياد له سبحانه دون غيره من الطواغيت في الدنيا والدين‪ ،‬الذين‬ ‫قال الله تعالى في ذم اتباعهم وسماه عبادة‪َّ « :‬اتخَذ ُوا أَ حْ بار َه ُ ْم و َ‬ ‫الله »(‪ ،)2‬ففي الموثق عن أَ بِي بَصِ يرٍ ع َنْ أَ بِي‬ ‫رُه ْبانَه ُ ْم أَ رْبابا ً م ِنْ د ُو ِ‬ ‫ن َّ‬ ‫ن‬ ‫الله ِ ع قَالَ‪ " :‬قُل ْتُ لَهُ‪َّ :‬اتخَذ ُوا أَ حْ بار َه ُ ْم و َ رُه ْبانَه ُ ْم أَ رْبابا ً م ِنْ د ُو ِ‬ ‫ع َبْدِ َّ‬ ‫الله ِ م َا دَعَو ْه ُ ْم ِإلَى عِبَادَة ِ أَ نْفُسِه ِ ْم و َ لَو ْ دَعَو ْه ُ ْم م َا‬ ‫اللهِ‪ ،‬فَق َالَ‪ :‬أَ م َا و َ َّ‬ ‫َّ‬ ‫أَ ج َابُوهُمْ‪ ،‬و َ لـَكِنْ أَ ح َُلوا لَه ُ ْم حَر َاما ً و َ ح ََّرم ُوا عَلَيْه ِ ْم ح َلَال ًا ف َع َبَد ُوه ُ ْم م ِنْ‬ ‫حَي ْثُ ل َا يَشْع ُر ُونَ "(‪.‬‬ .19 :‬‬ ‫(‪)2‬التوبة‪.‫الصدِيق ُونَ و َ‬ ‫ك هُم ُ ِ‬ ‫ن آم َنُوا ب َِّالله ِ و َ رُسُلِه ِ ُأولئ ِ َ‬ ‫وقال عز شأنه‪ « :‬و َ الَّذِي َ‬ ‫ُ‬ ‫الشه َداء ُ ع ِنْد َ ر َبِه ِ ْم »(‪.)3‬‬ ‫وبمفاد الآيتين الـكريمتين روى البرقي في المحاسن في باب ( المؤمن‬ ‫ق شَه ِيد )‪:‬‬ ‫صِدِي ٌ‬ ‫(‪ )1‬الحديد‪.

‫‪121‬‬

‫ق‬
‫ن الْحُسَيْنِ ب ْ ِن عَل ٍِي ع قَالَ‪ " :‬م َا م ِنْ شِيع َتِنَا ِإ َّلا صِدِي ٌ‬
‫بسند قوي ع َ ِ‬

‫ك و َع َ َّامتُه ُ ْم يَمُوتُونَ عَلَى‬
‫شَه ِيدٌ‪ ،‬قَالَ‪ :‬قُل ْتُ ‪ :‬جُعِل ْتُ فِد َاك َ أَ َّنى يَكُونُ ذَل ِ َ‬
‫ن آم َنُوا ب َِّالله ِ و َ‬
‫الله ِ فِي الْحَدِيدِ‪ ( :‬و َ الَّذِي َ‬
‫ف ِرَاشِه ِ ْم ؟ فَق َالَ‪ :‬أَ م َا تَت ْلُو كِتَابَ َّ‬

‫الصدِيق ُونَ و َ ُ‬
‫الشه َداء ُ ع ِنْد َ ر َبِه ِ ْم )‪ ،‬قَالَ‪ :‬فَق ُل ْتُ ‪ :‬ك َأَ نِي‬
‫ك هُم ُ ِ‬
‫رُسُلِه ِ ُأولئ ِ َ‬

‫اب َّ ِ‬
‫ُ‬
‫َّ ُ‬
‫ل َ ْم أَ ق ْرأْ َ هَذِه ِ الْآيَة َ م ِنْ كِت َ ِ‬
‫الله ع ََّز و َ ج َل ق َط‪ ،‬قَالَ‪ :‬لَو ْ ك َانَ الشهَد َاء ُ‬
‫ل لَك َانَ ُ‬
‫الشهَد َاء ُ قَلِيلًا "(‪.)1‬‬
‫ْس ِإ َّلا كَمَا تَق ُو ُ‬
‫لَي َ‬

‫ل‬
‫ن الْحُسَيْنِ ع‪ " :‬فَق َا َ‬
‫وروى الشيخ في التهذيب في المرسل عن عَل َِّي ب ْ َ‬
‫ِإنْس َانٌ‪ :‬م َا كُن ْتُ أَ ر َى أَ َّن َّ‬
‫ل عَل ِ ُي‬
‫الله ِ ! فَق َا َ‬
‫الشه ِيد َ ِإ َّلا م َنْ قُت ِ َ‬
‫ل فِي سَب ِي ِ‬
‫ل َّ‬
‫ن الْحُسَيْنِ ع‪ِ :‬إ َّن ُ‬
‫ن آم َنُوا‬
‫الشهَد َاء َ ِإذ َ ْن لَق َلِيلٌ‪ ،‬ث َُّم ق َرأَ َ هَذِه ِ الْآيَة َ ( الَّذِي َ‬
‫بْ ُ‬
‫الصدِيق ُونَ و َ ُ‬
‫الشه َداء ُ ع ِنْد َ ر َبِه ِ ْم "(‪ )2‬الحديث‪.‬‬
‫ك هُم ُ ِ‬
‫ب َِّالله ِ و َ رُسُلِه ِ ُأولئ ِ َ‬

‫الله ِ ع في الحديث‪:‬‬
‫وروى البرقي في الصحيح عن أَ بِي بَصِ يرٍ ع َنْ أَ بِي ع َبْدِ َّ‬
‫شه ِ حَي ٌّ ع ِنْد َ ر َبِه ِ يُرْز َقُ "(‪،)3‬‬
‫الله ِ و َ ِإ ْن م َاتَ عَلَى ف ِرَا ِ‬
‫قَالَ‪ِ " :‬إي و َ َّ‬
‫ومثلها أخبار كثيرة صحيحة‪.‬‬

‫(‪ )1‬المحاسن ‪ /163 :1‬ح‪.115‬‬
‫(‪ )2‬التهذيب ‪ /167 :1‬ح‪.4‬‬
‫(‪ )3‬المحاسن ‪ /164 :1‬ح‪.116‬‬

‫فليس بشهيد من لم يقر بالحق لأهله ويدين بدين الله الصادق أو بنية‬
‫خالصة له تعالى ذكره‪ ،‬إلا أن يكون من المستضعفين في المعرفة والدين‪،‬‬
‫كحال كثير بل أكثر المسلمين بل كل الغافلين‪.‬‬

‫ل‬
‫جعْفَرٍ ع قَا َ‬
‫ومع أنه روي في المعتبر صحيحا ع َنْ أَ بِي م َْر ي َم َ ع َنْ أَ بِي َ‬

‫ل د ُونَ مَظْلِمَتِه ِ فَه ُو َ شَه ِيدٌ‪ ،‬ث َُّم قَالَ‪ :‬ي َا أَ بَا‬
‫الله ِ ص‪" :‬م َنْ قُت ِ َ‬
‫ل رَسُو ُ‬
‫قَا َ‬
‫ل َّ‬
‫م َر ي َم َ ه َلْ ت َ ْدرِي م َا د ُونَ مَظْل ِمَتِه ِ ؟ قُل ْتُ ‪ :‬جُعِل ْتُ فِد َاك َ َّ‬
‫ل‬
‫ل يُقْت َ ُ‬
‫الرج ُ ُ‬
‫ْ‬

‫ن ال ْف ِ ْقه ِ‬
‫د ُونَ أَ ه ْلِه ِ و َ د ُونَ م َالِه ِ و َ أَ شْ بَاه ِ ذَلِكَ‪ ،‬فَق َالَ‪ :‬يَا أَ ب َا م َْر ي َم َ ِإ َّن م ِ َ‬

‫ع ِْرفَانَ الْحَقِ"(‪.)1‬‬

‫إلا أنه ي ُرغب عن التعرض للقتل والقتال عند التمكن من التخلص‬
‫حتى لصاحب المظلمة المتقدمة أمثلتها والمقيدة بوقت المظلمة وشروطها‪.‬‬
‫ففي التهذيب في الصحيح عن ِ الْحُسَيْنِ ب ْ ِن أَ بِي ال ْع َلَاء ِ قَالَ‪ " :‬سَأَ ل ْتُ أَ ب َا‬
‫ن َّ‬
‫الله ِ ص‪:‬‬
‫ل رَسُو ُ‬
‫ل د ُونَ م َالِه ِ‪ ،‬فَق َالَ‪ :‬قَا َ‬
‫ل يُق َات ِ ُ‬
‫الرج ُ ِ‬
‫ع َبْدِ ال َّله ِ ع ع َ ِ‬
‫ل َّ‬

‫(‪)1‬الكافي ‪ /52 :5‬ح‪ 2‬ب من قتل دون مظلمته‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫ل د ُونَ م َالِه ِ فَه ُو َ بِمَنْز ِلَة ِ َّ‬
‫ل ؟ فَق َالَ‪:‬‬
‫ض ُ‬
‫ل أَ ف ْ َ‬
‫الشه ِيدِ‪ ،‬فَق ُل ْنَا لَهُ‪ :‬يُق َات ِ ُ‬
‫م َنْ قُت ِ َ‬
‫س‪ ،‬أَ َّما أَ ن َا فَلَو ْ كُن ْتُ ل َ ْم ُأق َات ِلْ و َ ت َرَكْ تُه ُ "(‪.)1‬‬
‫ِإ ْن ل َ ْم يُق َات ِلْ فَلَا ب َأْ َ‬
‫عرض المرء نفسه للموت والتهلـكة فليس بشهيد؛ فقد روى‬
‫بل لو َّ‬

‫جعْف َ ٍر ع َنْ أَ بيِه ِ ع َنْ عَل ِِي ب ْ ِن الْحُسَيْنِ‬
‫ن ز َي ْ ٍد ع َنْ َ‬
‫الشيخ بسنده ع َنْ طَل ْح َة َ ب ْ ِ‬

‫ل َّ‬
‫ح َّتى‬
‫ن امْرَأَ ة ٍ أَ سَر َه َا ال ْعَد ُُو فََأَ صَاب ُوا بِهَا َ‬
‫ع قَالَ‪ " :‬سُئ ِ َ‬
‫النب ِ ُي ص ع َ ِ‬

‫هي َ بِمَنْز ِلَة ِ َّ‬
‫الشه ِيدِ ؟ قَالَ‪ :‬نَعَمْ‪ِ ،‬إ َّلا أَ ْن تَكُونَ أَ عَان َْت عَلَى ن َ ْفسِه َا‬
‫م َات َْت‪ ،‬أَ ِ‬
‫"(‪.)2‬‬
‫[ المؤمن لا يتمنى الموت‪ ،‬لـكنه يرضى به عند نزوله ]‬
‫والمجمع عليه بين أهل الملة كراهة تمني الموت واستحباب تمني طول‬
‫العمر في طاعة الله عز وجل‪ ،‬وحرمة التعرض للهلـكة بلا حجة شرعية‬
‫مأذون له فيها‪ ،‬والرضا به والتسليم له عند نزول الموت بساحة المؤمن‪.‬‬
‫ففي الصحيح إلى ع َبْدِ َّ‬
‫صحَابِه ِ ع َنْ أَ بِي ع َب ْدِ‬
‫ض أَ ْ‬
‫الصمَدِ ب ْ ِن بَشِيرٍ ع َنْ بَعْ ِ‬
‫الله ُ لِق َاءَه ُ‬
‫الله ِ ع قَالَ‪ " :‬قلُ ْتُ ‪ :‬أَ صْ لَح َ َ‬
‫الله ِ أَ ح ََّب َّ‬
‫الله ُ م َنْ أَ ح ََّب لِق َاء َ َّ‬
‫ك َّ‬
‫َّ‬
‫الله ِ ِإ َّنا‬
‫الله ِ أَ ب ْغ َ‬
‫و َ م َنْ أَ ب ْغ َ‬
‫الله ُ لِق َاءَه ُ ؟ قَالَ‪ :‬نَعَمْ‪ ،‬قُل ْتُ ‪ :‬ف َو َ َّ‬
‫َض َّ‬
‫َض لِق َاء َ َّ‬
‫(‪ )1‬الكافي ‪ /52 :5‬ح‪ 3‬ب من قتل دون مظلمته‪.‬‬
‫(‪ )2‬تهذيب الأحكام ‪ /168 :5‬ح‪ 6‬ب الشهداء وأحكامهم‪.‬‬

‫ك عِنْد َ ال ْم ُع َايَنَة ِ‬ ‫ك حَي ْثُ تَذْه َبُ ‪،‬؛ ِإ َّنمَا ذَل ِ َ‬ ‫ْس ذَل ِ َ‬ ‫لَنَك ْر َه ُ ال ْمَو ْتَ ! قَالَ‪ :‬لَي َ‬ ‫الله ُ تَع َالَى‬ ‫ْس ش َ ْ‬ ‫يح ُِب فَلَي َ‬ ‫ِإذ َا ر َأَ ى م َا ُ‬ ‫يء ٌ أَ ح ََّب ِإلَيْه ِ م ِنْ أَ ْن يَتَق ََّدم َ‪ ،‬و َ َّ‬ ‫ْس ش َ ْ‬ ‫الله ِ حِينَئِذٍ‪ ،‬و َ ِإذ َا ر َأَ ى م َا يَك ْر َه ُ فَلَي َ‬ ‫يح ُِب لِق َاءَه ُ و َ ه ُو َ ُ‬ ‫ُ‬ ‫يح ُِب لِق َاء َ َّ‬ ‫يء ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ِض لِق َاءَه ُ "(‪.)1‬‬ ‫الله ُ يُب ْغ ُ‬ ‫أَ ب ْغ َ‬ ‫الله ِ و َ َّ‬ ‫َض ِإلَيْه ِ م ِنْ لِق َاء َّ‬ ‫فالشهيد هو من شهد بالحق وتيقنه‪ ،‬وأطاع الله من حيث أمره‪ ،‬مات‬ ‫بحد السيف أو على فراشه‪ ،‬كيف وقد ضاعف الله أَر الصابرين في‬ ‫زمن الهدنة بأن جعل لهم أَر اثنين وخمسين شهيدا‪ ،‬وقد مر عليك ما‬ ‫رواه الطبرسي في النبوي المعتضد معناه بأخبار الصبر والانقياد لأمر‬ ‫أهل البيت عليهم السلام‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫الله ِ ص‪:‬‬ ‫ل رَسُو ُ‬ ‫ب ر َف َع َه ُ قَا َ‬ ‫"ع َنْ سَع ِيدِ ب ْ ِن ال ْمُس ََّي ِ‬ ‫ل َّ‬ ‫ل َّ‬ ‫أَ ُيهَا َّ‬ ‫والتج َُبر ِ‬ ‫اس سَيَكُونُ بَعْدِي ُأم َرَاء ُ ل َا يَسْت َق ِيم ُ لَهُم ُ ال ْمُل ْ ُ‬ ‫الن ُ‬ ‫ك ِإ َّلا ب ِالْق َت ْ ِ‬ ‫ك َّ‬ ‫ل َّ‬ ‫الزم َانَ م ِنْك ُ ْم‬ ‫والتك َُبر ِ‪ ،‬فَم َنْ أَ ْدرَك َ ذَل ِ َ‬ ‫ول َا ي َ ْست َق ِيم ُ لَهُم ُ ال ْغ َنَاء ُ ِإ َّلا ب ِال ْبُخْ ِ‬ ‫فَصَبَر َ عَلَى الْف َ ْقرِ وه ُو َ ي َ ْقدِر ُ عَلَى ال ْغ َنَاء ِ مِنْهُمْ‪ ،‬وصَبَر َ عَلَى ال ْبَغْضَاء ِ وه ُو َ‬ ‫(‪ )1‬الكافي ‪ /134 :3‬ح‪ 12‬ب ما يعاين المؤمن والكافر‪.‬‬ .

‫‪125‬‬ ‫ي َ ْقدِر ُ عَلَى ال ْمَح ََّبة ِ مِنْهُمْ‪ ،‬وصَبَر َ عَلَى ُ‬ ‫ل وه ُو َ ي َ ْقدِر ُ عَلَى ال ْع ِزِ مِنْه ُ ْم‪ ،‬ويُر ِيد ُ‬ ‫الذ ِ‬ ‫الله ِ َّ‬ ‫َر َ اث ْنَيْنِ وخَمْسِينَ شَه ِيداً"(‪.)1‬‬ ‫الله ُ أَ ْ‬ ‫والدار َ الْآ ِ‬ ‫بِذَل ِ َ‬ ‫خرَة َ أَ ْعطَاه ُ َّ‬ ‫ك وَجْه َ َّ‬ ‫وقد تكرر في كلام بعض الحاشدين لأدلة القيام والحاثين للتضحية في‬ ‫غيبة الإمام‪ ،‬بعض ما روي مطلقا في الدعاء بتمني القتل في سبيل الله‪،‬‬ ‫وتبرع المستدل بإطلاقها زمانا ومكانا‪ ،‬فتوهم أو أوهم تأييد الشارع‬ ‫لكل إقدام على الموت إذا صحت نية العبد في رفع راية الدين وتسمى‬ ‫في المجاهدين‪ ،‬وعلى هذا القول بذلت نفوس مؤمنين ما كنا نحسب أنها‬ ‫تزهق لو تلي مسامعها صافي كلام النبي وآله‪ ،‬وسقي عطشها من حلو‬ ‫كؤوس معين معارف خطابه‪ ،‬فتأمل فيما مضى و يأتي‪ ،‬وتنبه‪.‬‬ ‫فمن ذاك ما رواه السيد ابن طاووس في الإقبال في موضعين مرسلا‬ ‫ضمن أعمال شهر رمضان قال‪:‬‬ ‫"دعاء آخر في كل ليلة منه‪:‬‬ ‫(‪ )1‬مشكاة الأنوار‪.477 :‬‬ .

.6‬‬ .‬‬ ‫ج ْ‬ ‫الدعاء ِ و َ ال ْمَسْأَ لَة ِ فَاسْ ت َ ِ‬ ‫ِب لَنا ‪ .‬و َ م ِنْ ك ُِل سُوء ٍ يا لا ِإله َ ِإلا ان ْتَ بِ ح َِق‬ ‫يا خالِق َنا اسْم َعْ و َ اسْ تَج ْ‬ ‫لا ِإله َ ِإلا ان ْتَ فَنَجِنا"(‪.‬‬ ‫مَغْف ِرَت ِ َ‬ ‫(‪ )1‬إقبال الأعمال ‪ ،143 :1‬ب‪ 4‬الفصل‪ ،15‬و ‪ ،224 :1‬ب‪ 5‬الفصل ‪..‫ك فِي َّ‬ ‫َّ‬ ‫س م ِنْ‬ ‫الصالِ ح ِينَ فَا ْدخِل ْنا‪ ،‬و َ فِي ع ِلِيِينَ فَارْفَعْنا‪ ،‬و َ بِك َأْ ٍ‬ ‫الله َُّم ب ِرَحْمَت ِ َ‬ ‫ك ف َز َوِجْ نا‪ ،‬و َ‬ ‫ن الْحُورِ ال ْعِينِ ب ِرَحْمَت ِ َ‬ ‫ل فَاسْ ق ِنا‪ ،‬و َ م ِ َ‬ ‫م َعِينٍ م ِنْ عَيْنٍ سَلْسَب ِي ٍ‬ ‫ن فَاخْدِمْنا‪ ،‬و َ م ِنْ ثِمارِ ا ْلج َّنَة ِ و َ‬ ‫ن ال ْم ُخَلَّدِينَ‪ ،‬ك َأَ َّنه ُ ْم لُؤ ْلُؤ ُ مَكْنُو ٌ‬ ‫ن الْوِلْدا ِ‬ ‫مِ َ‬ ‫ياب ُ‬ ‫لُحُو ِم َّ‬ ‫ق‬ ‫س و َ الْحَرِير ِ و َ ال ِْإسْ تَبْر َ ِ‬ ‫السنْد ُ ِ‬ ‫الطيْر ِ فَاطْ عِمْنا‪ ،‬و َ م ِنْ ث ِ ِ‬ ‫ك ف َو َف ِقْ لَنا‪ ،‬و َ‬ ‫سب ِيل ِ َ‬ ‫ك الْحَرا ِم و َ قَت ْل ًا فِي َ‬ ‫فََأَ ل ْبِسْنا‪ ،‬و َ لَيْلَة َ الْق َ ْدرِ و َ حَ َّ ج بَي ْت ِ َ‬ ‫صالِ ِح ُ‬ ‫ب لَنا‪.)1‬‬ ‫لـكن الشيخ الطوسي رحمه الله روى ‪-‬مرسلا‪ -‬لفظ الدعاء بتفاوت في‬ ‫الدعوات بعد صلاة الظهر وليس فيه سؤال القتل في سبيل الله‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫" دعاء آخر‪:‬‬ ‫ش الـْكَر ِي ِم ‪-‬‬ ‫الله ُ ال ْعَزِيز ُ ر َُب ال ْعَر ْ ِ‬ ‫الله ُ ال ْعَظ ِيم ُ الْحل َ ِيم ُ ل َا ِإلَه َ ِإ َّلا َّ‬ ‫ل َا ِإلَه َ ِإ َّلا َّ‬ ‫َب ال ْعالم َي ِنَ َّ‬ ‫ك و َ ع ََزائِم َ‬ ‫ات رَحْمَت ِ َ‬ ‫ك م ُوجِب َ ِ‬ ‫الله َُّم ِإنِي أَ سْ أَ ل ُ َ‬ ‫ا ْلحم َْد ُ ل َِّله ِ ر ِ‬ ‫ك و َ ال ْغ َن ِيم َة َ م ِنْ ك ُِل ب ِر ٍ و َ َّ‬ ‫السلَام َة َ م ِنْ ك ُِل ِإ ْثمٍ‪.

‬و َ م ِنْ ثيِ َ ِ‬ ‫جه ََّنم َ فَلَا َ‬ ‫ب لَنَا ب َر َاءَتَنَا‪ ،‬و َ فِي َ‬ ‫النارِ فَاكْ ت ُ ْ‬ ‫وَ ُ‬ ‫ك الْحَر َا ِم‬ ‫ق فََأَ ل ْبِسْنَا و َ لَيْلَة َ الْقَبْر ِ فَا ْرحَم ْنَا و َ حَ َّ ج بَي ْت ِ َ‬ ‫س و َ ال ِْإسْ تَبْر َ ِ‬ ‫السنْد ُ ِ‬ ‫ك زُلْفَى و َ صَالِ ح َ ُ‬ ‫ِب‬ ‫الدعَاء ِ و َ ال ْمَسْأَ لَة ِ ف َاسْ تَج ْ‬ ‫فَا ْرز ُق ْنَا و َ سَدِدْنَا و َ ق َرِ ب ْنَا ِإلَي ْ َ‬ ‫ِب " الحديث‪..‫‪127‬‬ ‫ل َّ‬ ‫ن‬ ‫ل مُح ََّم ٍد ب َر َاءَة ً م ِ َ‬ ‫ك بِ ح َِق مُح ََّم ٍد و َ آ ِ‬ ‫الله َُّم ِإنِي أَ سْ أَ ل ُ َ‬ ‫إلى أن قال‪ " :‬ث َُّم تَق ُو ُ‬ ‫َّ‬ ‫اب الْحَرِير ِ‬ ‫تج ْعَل ْنَا ‪ .‬‬ ‫(‪ )1‬فلاح السائل‪ ،176 :‬الفصل التاسع‪.‬‬ ‫لَنَا ي َا خ َالِق َنَا اسْم َعْ لَنَا و َ اسْ تَج ْ‬ ‫والسيد نفسه روى نفس الدعاء في تعقيبات صلاة الظهر في فلاح‬ ‫ن م ُوس َى ب ْ ِن عَل ٍِي‬ ‫السائل‪ ،‬وأورد طر يقه‪ ،‬قال‪" :‬رَو َاه ُ أَ بُو الْف َر َِج مُح ََّمد ُ ب ْ ُ‬ ‫يح ْي َى أَ بُو عَل ٍِي ال ْع ََّطار ُ‬ ‫ن مُح ََّمدِ ب ْ ِن َ‬ ‫ل أَ خْبَر َن َا أَ حْمَد ُ ب ْ ُ‬ ‫الله ُ قَا َ‬ ‫الْقَزْوِينِ ُي رَحِم َه ُ َّ‬ ‫جعْف َر ُ ب ْ ُ‬ ‫فِي كِتَابِه ِ عَلَى يَد َْي أَ بِي مُح ََّم ٍد الْح ََّذاء ِ قَالَ‪ :‬ح ََّدثَنَا َ‬ ‫ن مُح ََّمدِ ب ْ ِن م َال ِكٍ‬ ‫ِث الْأَ شْ تَر ِ‬ ‫ك ب ْ ِن الْحا َر ِ‬ ‫ل ح ََّدثَنَا أَ حْمَد ُ ب ْ ُ‬ ‫الْف َزَار ُِي قَا َ‬ ‫ن م َال ِكٍ م ِنْ وُلْد ِ م َال ِ ِ‬ ‫ل‪ :‬ت َ ْدع ُو فِي‬ ‫الله ِ ع قَا َ‬ ‫ع َنْ مُح ََّمدِ ب ْ ِن ع ُثْم َانَ ع َنْ أَ بِي بَصِ يرٍ ع َنْ أَ بِي ع َبْدِ َّ‬ ‫َاب َّ‬ ‫ض بِهَذِه ِ الْأَ ْدعِيَة ِ "(‪ ،)1‬وساق الدعاء‪ ،‬وليس‬ ‫ات الْف َرَائ ِ ِ‬ ‫الصلَو َ ِ‬ ‫أَ ْعق ِ‬ ‫فيه‪" :‬وقتلا في سبيلك فوفق لنا"‪.‬‬ ..

5‬‬ ‫(‪ )2‬الإقبال ‪.‫بل روى السيد في الإقبال دعاء البهاء فقال‪" :‬و من ذلك دعاء آخر‬ ‫ِيم‬ ‫وَجَدْن َاه ُ فِي أَ ْدعِيَة ِ ك ُِل يَو ْ ٍم م ِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ب ِِإسْ نَا ٍد و َ تَرْغ ٍ‬ ‫ِيب عَظ ِ‬ ‫ن ي َ ْذك ُر ُ ف ِيه ِ أَ َّنه ُ م ِنْ أَ سْر َارِ َّ‬ ‫َّ‬ ‫ات و َ ه ُوَ‪:‬‬ ‫ن ال ِْإج َاب َ ِ‬ ‫ات و َ م َضْ م ُو ِ‬ ‫الدع َو َ ِ‬ ‫الشأْ ِ‬ ‫ِب ل ِي كَمَا و َعَدْتَنِي ثَلَاثا ً َّ‬ ‫َّ‬ ‫الله َُّم ِإنِي‬ ‫الله َُّم ِإنِي أَ ْدع ُوك َ كَمَا أَ م َْرتَنِي فَاسْ تَج ْ‬ ‫ك بَهِ ي " إلى أن قال‪ " :‬و َ لَيْلَة َ‬ ‫ك ب ِأَ بْهَاه ُ و َ ك ُُل بَهَائ ِ َ‬ ‫ك م ِنْ بَهَائ ِ َ‬ ‫أَ سْ أَ ل ُ َ‬ ‫ك ف َو َف ِقْ لَنَا "(‪.39 :1‬‬ .‬‬ ‫ك و َ أَ سْ أَ ل ُ َ‬ ‫ل بِي أَ عْد َاءَك َ و َ أَ عْد َاء َ رَسُول ِ َ‬ ‫أَ ْن تَقْت ُ َ‬ ‫سل ِ ٍم وأَ بِي‬ ‫وهو الموافق لما رواه الكليني ‪-‬صحيحا مشهورا‪ -‬ع َنْ مُح ََّمدِ ب ْ ِن م ُ ْ‬ ‫الله ِ عليه السلام ي َ ْدع ُو بِهذ َا ُ‬ ‫الدعَاء ِ ف ِي شَهْرِ‬ ‫بَصِ يرٍ‪ ،‬قَالَ‪ :‬ك َانَ أَ بُو ع َبْدِ َّ‬ ‫رَمَضَانَ‪َّ « :‬‬ ‫جتِي‪ ،‬و َ م َنْ طَلَبَ ح َاج َة ً‬ ‫ك أَ طْ لُبُ ح َا َ‬ ‫ك و َ م ِن ْ َ‬ ‫الله َُّم ِإنِي ب ِ َ‬ ‫(‪ )1‬الإقبال ‪ ،104 :1‬ب‪.)1‬‬ ‫ك م َ َع و َلِي ِ َ‬ ‫ك الْحَرَا ِم و َ قَت ْلًا فِي سَب ِيل ِ َ‬ ‫الْق َ ْدرِ و َ حَ َّ ج بَي ْت ِ َ‬ ‫ك‬ ‫وفي عدة مواضع أخر أيضا‪ ،‬منها ما رواه في أدعية شهر الله‪ " :‬و َ أَ سْ أَ ل ُ َ‬ ‫ك‬ ‫ك و َ أَ سْ أَ ل ُ َ‬ ‫تح ْتَ ر َاي َة ِ نَب ِي ِ َ‬ ‫ك َ‬ ‫ك م َ َع أَ وْلِيَائ ِ َ‬ ‫ل و َفَاتِي قَت ْل ًا فِي سَب ِيل ِ َ‬ ‫تج ْع َ َ‬ ‫أَ ْن َ‬ ‫ك أَ ْن تُكْرِمَنِي"(‪ )2‬الحديث‪.

.)1‬‬ ‫ح ْ‬ ‫َ‬ ‫اللهُ‪ ،‬م َا شَاء َ َّ‬ ‫سبِي َ َّ‬ ‫وبهذا يتضح أن عبارة دعاء الإقبال مقيدة‪ ،‬حملا للمطلق على المقيد‪،‬‬ ‫ومنفردة اللفظ في قبال الأكثر‪ ،‬محتملة للنقص‪ ،‬فما هو في سبيل الله‬ ‫من تمني الموت والإقدام على القتل ليس إلا تحت راية نبي أو ولي‬ ‫وصي‪ ،‬وإليه تصرف الأدلة المطلقة‪ ،‬والكلام هو الكلام في المروي‬ ‫من قول أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء يوم الهرير بصفين‪ " :‬ف َِإذ َا‬ ‫ك بيَِدِ ش َر ِ خ َل ْق ِك‬ ‫ك َانَ م َا ل َا ب ُ َّد م ِن ْه ُ ال ْمَو ْتُ فَاجْ ع َلْ م ِيتَتِي قَت ْلًا فِي سَب ِيل ِ َ‬ ‫(‪ )1‬الكافي ‪ /70 :4‬ح‪ 6‬ب ما يقال في مستقبل شهر رمضان‪.‫‪129‬‬ ‫ِإلَى َّ‬ ‫ك لَكَ‪.. ،‬‬ ‫ك وَحْدَك َ ل َا شَر ِي َ‬ ‫جتِي ِإ َّلا م ِن ْ َ‬ ‫الناسِ‪ ،‬ف َِإنِي ل َاأَ طْ لُبُ ح َا َ‬ ‫ل و َفَاتِي قَت ْلًا فِي‬ ‫تج ْع َ َ‬ ‫ك أَ ْن َ‬ ‫شك ْر َ م َا أَ ن ْع َ ْمتَ بِه ِ عَل ََّي‪ ،‬و َ أَ سْ أَ ل ُ َ‬ ‫و َ أَ ْوزِ ْعنِي ُ‬ ‫ل بِي أَ عْد َاءَك َ‬ ‫ك أَ ْن تَقْت ُ َ‬ ‫ك م َ َع أَ وْلِيَائِكَ‪ ،‬و َ أَ سْ أَ ل ُ َ‬ ‫تح ْتَ ر َايَة ِ نَب ِي ِ َ‬ ‫سَب ِيلِكَ‪َ ،‬‬ ‫ك‪ ،‬و َ‬ ‫ن م َنْ شِئ ْتَ م ِنْ خ َل ْق ِ َ‬ ‫ك أَ ْن تُكْرِمَنِي بِه َوَا ِ‬ ‫و َ أَ عْد َاء َ رَسُولِكَ‪ ،‬و َ أَ سْ أَ ل ُ َ‬ ‫الله َُّم اجْ ع َلْ ل ِي م َ َع َّ‬ ‫ل َاتُه ِنِي ب ِك َرَامَة ِ أَ ح َ ٍد م ِنْ أَ وْلِيَائِكَ‪َّ ،‬‬ ‫ل سَب ِيل ًا‪،‬‬ ‫الرسُو ِ‬ ‫الله ُ»(‪.‬‬ .

)2‬‬ ‫َّ‬ ‫(‪ )1‬مهج الدعوات ‪.97‬‬ ‫(‪ )2‬البقرة‪.159 :‬‬ .‫"(‪ ،)1‬وغيره هذا يكون من رمي النفس في التهلـكة وإعانة عليها‪ ،‬إلا‬ ‫أن يموت غيلة ً أو في حين المظلمة كما سوف نبين‪.‬‬ ‫ومن غير الجائز أن تلوى الأدلة عن وجهها‪ ،‬و يكتم عن الناس فقهها‪،‬‬ ‫وتوظفها الأهواء المتحزبة لأغراضها‪ ،‬فإن آخر مطافها بعد البيان أن‬ ‫ن يَكْتُم ُونَ ما أَ ن ْزَلْنا‬ ‫يصدق فيهم ‪-‬والعياذ بالله‪ -‬قول الله تعالى‪ِ ( :‬إ َّن الَّذي َ‬ ‫ك يلَ ْع َنُهُم ُ‬ ‫تاب ُأولئ ِ َ‬ ‫س فِي الْك ِ ِ‬ ‫ِنات و َ ال ْه ُدى م ِنْ بَعْدِ ما ب ََّي َّناه ُ ل ِ َّلنا ِ‬ ‫ن ال ْبَي ِ‬ ‫مِ َ‬ ‫الله ُ و َ يلَ ْعَنُهُم ُ ا َّ‬ ‫للاع ِنُون )(‪.

131 .

.

‫‪133‬‬ ‫ومن أمثلة تلك الأقوال والشعارات التي استدل بها م ُروجو عقيدة‬ ‫القيام والثورة‪ ،‬ما نسب للحسين الشهيد عليه السلام أنه قال‪" :‬موت في‬ ‫عز خير من حياة في ذل"‪.‬‬ ‫أرسله ابن شهرآشوب في المناقب عنه عليه السلام ولم يسنده كعادته‬ ‫في كتابه‪ ،‬وهو أول من نسبه للحسين ع في الـكتب الحاضرة‪.‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ل‪ ،‬و َ أَ نْش َأَ ع فِي يَو ْ ِم قَت ْلِه ِ‪:‬‬ ‫ْت فِي عِز ٍ خَيْر ٌ م ِنْ حَيَاة ٍ فِي ذ ُ ٍ‬ ‫ل ع مَو ٌ‬ ‫" و َ قَا َ‬ ‫ُوب ال ْع َارِ‬ ‫ال ْم َو ْتُ خَيْر ٌ م ِنْ رُك ِ‬ ‫ل َّ‬ ‫النارِ‬ ‫و َ ال ْع َار ُ أَ وْلَى م ِنْ دُخُو ِ‬ ‫الله ِ م َا هَذ َا و َ هَذ َا ج َارِي‬ ‫و َ َّ‬ ‫ابن نباتة‪:‬‬ .

68 :4‬‬ .‬‬ ‫وثانيا‪ :‬أنها مما كثر ذكر أمثاله في مواضع الحرب وتحميس المحاربين على‬ ‫العدو‪ ،‬على غرار ما رواه السيد الرضي في نهج البلاغة قال‪" :‬و من‬ ‫خطبة له ع لما غلب أصحاب معاو ية أصحابه ع على شر يعة الفرات‬ ‫بصفين و منعوهم الماء‪:‬‬ ‫محَلَّة ٍ أَ ْو ر َُووا ُ‬ ‫وف‬ ‫السي ُ َ‬ ‫قَدِ اسْ تَطْعَم ُوكُم ُ ال ْق ِتَا َ‬ ‫ل فََأَ ق ُِروا عَلَى مَذ َلَّة ٍ و َ َ َأْ خِير ِ َ‬ ‫ن‪ ،‬و َ ا ْلحيََاة ُ فِي‬ ‫ن ال ْمَاءِ؛ فَال ْمَو ْتُ فِي حَيَاتِك ُ ْم م َ ْقه ُورِي َ‬ ‫ن الدِم َاء ِ تَرْوَوْا م ِ َ‬ ‫مِ َ‬ ‫(‪ )1‬المناقب ‪.‫الحسين الذي رأى القتل في العز‬ ‫(‪)1‬‬ ‫حياة والعيش في الذل قتلا‬ ‫أولا‪ :‬أن المقولة لا ينعقد لها إطلاق؛ لأنها ‪-‬كما تكرر منا القول‪ -‬صر يحة‬ ‫في مقام استقبال الموت والرضا به دون انتهاك الحرمات‪ ،‬فلا يليق‬ ‫بالمستدل العارف إيرادها في كتاب أو إسماعها في خطاب‪ ،‬إلا أن‬ ‫يخفى عليه الواضح أو يكون له غرض آخر‪.

)2‬‬ ‫ن م َنْ لَه ِ َ‬ ‫و َ ال ْع ُ ْدو َا ِ‬ ‫(‪ )1‬نهج البلاغة‪ /88 :‬خ ‪.‫‪135‬‬ ‫س عَلَيْهِم ُ الْخ َبَر َ‬ ‫ن ال ْغ ُوَاة ِ و َ ع ََّم َ‬ ‫مَو ْتِك ُ ْم قَاهِرِينَ‪ ،‬أَ ل َا و َ ِإ َّن م ُع َاوِ يَة َ قَاد َ لُم َة ً م ِ َ‬ ‫اض ال ْمَن َِّية"(‪.206‬‬ .51‬‬ ‫(‪ )2‬نهج البلاغة‪ /323 :‬خ‪.)1‬‬ ‫ح ََّتى جَع َلُوا نُح ُور َه ُ ْم أَ غْرَ َ‬ ‫فليس من المبادئ العامة التي لها أساس في الشر يعة بذل النفوس‬ ‫غرورا‪ ،‬بل جعل الإسلام كف اليد والتدبير وحقن دماء الأبر ياء‬ ‫أعلى رتب تُطلب‪ ،‬وخير غاية ترتجى‪ ،‬وأفضل دعاء يدعى به حتى عند‬ ‫اصطكاك الأسنة‪ ،‬فقد روى السيد الرضي رحمه الله في النهج قال‪" :‬‬ ‫و من كلام له ع و قد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام‬ ‫حربهم بصفين‪:‬‬ ‫صفْتُم ْ أَ عْمَالَه ُ ْم و َ ذَكَرْتُم ْ‬ ‫ِإنِي أَ ك ْر َه ُ لـَك ُ ْم أَ ْن تَكُونُوا س ََّبابِينَ‪ ،‬و َ لـَك َِّنك ُ ْم لَو ْ و َ َ‬ ‫ل و َ أَ ب ْل َ َغ فِي ال ْع ُ ْذرِ‪ ،‬و َ قُل ْتُم ْ مَك َانَ سَبِك ُ ْم‬ ‫ح َالَه ُ ْم ك َانَ أَ صْ و َبَ فِي الْقَو ْ ِ‬ ‫ِإ َّياهُمْ‪َّ :‬‬ ‫الله َُّم احْ ق ِنْ دِم َاءَن َا وَدِم َاءَه ُ ْم و َأَ صْ ل ِحْ ذ َاتَ بَي ْنِنَا و َ بَيْنِه ِ ْم و َ‬ ‫ن الْغ َِي‬ ‫ِف الْح ََّق م َنْ َ‬ ‫اهْدِه ِ ْم م ِنْ ضَلَالَتِهِمْ؛ ح ََّتى يَعْر َ‬ ‫جه ِلَه ُ و َ يَرْعَوِيَ ع َ ِ‬ ‫ج ب ِه "(‪.

)1‬‬ ‫وثالثا‪ :‬فهذه المقولة من المأثورات عن العرب وليست من تأسيسات‬ ‫الإمام ولا من تطبيقاته في كل قضايا الإسلام‪ ،‬قال السيد المرتضى‬ ‫في أماليه في أخبار الحارث بن كعب المذحجي ووصيته حين الموت‪:‬‬ ‫قال أبو حاتم السجستاني‪ :‬جمع الحار بن كعب بنيه لما حضرته الوفاة‬ ‫فقال‪:‬‬ ‫«يا بنى‪ ،‬قد أتى علي ستون و مائة سنة‪ ،‬ما صافحت بيميني يمين غادر‪،‬‬ ‫و لا قنعت نفسى بخلة فاَر‪ ،‬و لا صبوت بابنة عم و لا كنة‪ ،‬و لا‬ ‫طرحت عندي مومسة قناعها‪ ،‬و لا بحت لصديقي بسر‪ ،‬و إني لعلى‬ ‫دين شعيب النبي عليه السلام‪ ،‬و ما عليه أحد من العرب غيرى‪ ،‬و‬ ‫غير أسد بن خزيمة‪ ،‬و تميم بن مرة‪ ،‬فاحفظوا وصيتي‪ ،‬و موتوا على‬ ‫(‪ )1‬تفسير العياشي ‪.‫ومن الإيمان اتقاء إهلاك النفس لأجل الدنيا والمنازعة على الملك‬ ‫بالفتك‪ ،‬حتى لو زينها المتكلمون وجعلوا طلبها في دعواهم نصرة‬ ‫للمظلوم‪ ،‬ومن لا تقية له لا دين له‪ ،‬سواء في دمه أو دماء الأبر ياء‪،‬‬ ‫ويشهد له خبر العياشي في التفسير بسنده عن عن حذيفة قال‪« " :‬و َ لا‬ ‫تلُْق ُوا ب ِأَ يْدِيك ُ ْم ِإلَى َّ‬ ‫الته ْلـ ُكَة ِ»‪ ،‬قال ع‪ :‬هذا في التقية "(‪.87 :1‬‬ .

‫‪137‬‬ ‫شر يعتي‪ :‬إلهكم فاتقوه يكفكم المهم من أموركم‪ ،‬و يصلح لـكم أعمالـكم؛ و‬ ‫إياكم و معصيته‪ ،‬لا يحل بكم الدمار‪ ،‬و يوحش منكم الديار‪ .)2‬‬ ‫وكذا أورده المعتزلي في النهج قال‪ :‬في (فصل‪ :‬في ذكر بعض وصايا‬ ‫العرب)‪:‬‬ ‫" و ينبغي أن يذكر في هذا الموضع وصايا من كلام قوم من رؤساء‬ ‫العرب أوصوا بها أولادهم و رهطهم فيها آداب حسان و كلام‬ ‫فصيح‪ ،‬و هي مناسبة لعهد أمير المؤمنين ع هذا و وصاياه المودعة فيه‪،‬‬ ‫و إن كان كلام أمير المؤمنين ع أجل و أعلى من أن يناسبه كلام؛‬ ‫(‪ )1‬آمالی المرتضى‪.‬يا بني‪،‬‬ ‫كونوا جميعا و لا تفرقوا فتكونوا شيعا‪ ،‬و إن موتا في عز خير من حياة‬ ‫(‪)1‬‬ ‫في ذل و عجز‪ ،‬و كل ما هو كائن كائن‪ ،‬و كل جميع إلى تباين"‬ ‫الخ بر‪.‬‬ ‫وظاهر قوله ‪ " :‬خير في ذل وعجز "‪ ،‬هو تفضيل الموت غنيا عن الآخرين‬ ‫على الموت عاَزا ذليلا سائلا‪.122 :‬‬ .232 :‬‬ ‫(‪ )2‬الغيبة‪.‬‬ ‫ورواه أيضا الشيخ الطوسي في أخبار المعمرين في كتابه الغيبة(‪.

‬‬ ‫فقس على هذا المثال غيره من الأقوال‪ ،‬وتنبه إلى فقهها‪ ،‬ولا تغتر بما‬ ‫يردده العوام من غير ترو في كل مقام‪ ،‬ولتق الله الخطباء في منابرهم‬ ‫فإنهم مسلطون على أمانات؛ فإن الـكذب ليدخل على المؤمن من‬ ‫ربه وقد َّ‬ ‫التهاون في الدين‪ ،‬فيلقى العبد ُ َّ‬ ‫تعلقت به الدماء‪ ،‬أعاذنا الله‬ ‫من الجهل ووقانا شرور الجهلاء‪.‫لأنه قبس من نور الكلام الإلهي و فرع من دوحة المنطق النبوي"‪1‬‬ ‫ثم ذكره بعينه‪.‬‬ ‫‪ 1‬شرح النهج ‪.118 :17‬‬ .

139 .

.

‫‪141‬‬ ‫ونقل بعضهم ما رويَ إلى حي ِز الشعار‪ ،‬وصار يواسي به كل ما يصيب‬ ‫الثوار‪ ،‬فمنه ما روي عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام‪ ،‬الذي قضى‬ ‫شهيدا مظلوما في سجن الخليفة هارون‪ ،‬متنقلا بين سجونه في مجموع أربع‬ ‫سنين‪ ،‬ونالت سيرته صلوات الله عليه من التحر يف ما نال سيرة آبائه‬ ‫وأبنائه‪ ،‬من الـكذبة المضيعين والمفرطين (‪ ،)1‬ووظفت في سياقات‬ ‫التحفيز والنفير‪ ،‬مع أن هذا من أبعد الأشياء عن أهل البيت وهم‬ ‫أبعد الناس عن هذه الدعوى‪.‬‬ ‫ومن أمثلته‪:‬‬ ‫(‪ )1‬ذكرنا في كتاب (حرمة القيام) أنه أحد أسباب استشهاد الإمام موسى عليه‬ ‫السلام في عنوان ( سيرة الشيعة على الإلباد للأرض ) وقصة هشام بن‬ ‫الحكم‪.‬‬ .

‫ما رواه علي بن عيسى الإربلي (‪ 692‬هـ) في كشف الغمة مرسلا‬ ‫من كتاب الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي قال‪" :‬ح ََّدثَ أَ حْمَد ُ‬ ‫جعْف َ ٍر ع ِإلَى َّ‬ ‫س بِرِسَالَة ٍ‬ ‫الرشِيدِ م ِ َ‬ ‫ن َ‬ ‫ل بَع َثَ م ُوس َى ب ْ ُ‬ ‫ل قَا َ‬ ‫ن ِإسْمَاع ِي َ‬ ‫بْ ُ‬ ‫ن الْحبَ ْ ِ‬ ‫ك م َع َه ُ ي َوْم ٌ‬ ‫ن الْبَلَاء ِ ِإ َّلا انْق َض َى ع َن ْ َ‬ ‫ك َان َْت‪ :‬أَ َّنه ُ لَنْ يَنْقَضِي َ ع َنِي يَوْم ٌ م ِ َ‬ ‫ن َّ‬ ‫يخ ْس َر ُ ف ِيه ِ‬ ‫ْس لَه ُ ان ْقِضَاء ٌ َ‬ ‫الرخ َاء ِ ح ََّتى ن َ ْقضِي َ جَم ِيعا ً ِإلَى يَوْم َ لَي َ‬ ‫مِ َ‬ ‫ال ْمُبْط ِلُون"(‪.)1‬‬ ‫ُتب مشايخ الفرق الأخرى‬ ‫وقد حدث الإربلي في كتابه عن جماعة و ك ِ‬ ‫َّ‬ ‫وترحم عليهم‪ ،‬ككتب ابن الجوزي‪ ،‬والجنابذي واحد منهم‪ ،‬أكثر‬ ‫النقل عنه الإربلي من كتابه ( كتاب معالم العترة النبو ية العلية ومعارف‬ ‫أئمة أهل البيت الفاطمية العلو ية )‪.‬‬ .‬‬ ‫وقد علل روايته عنهم بما ظاهره توثيقهم‪ ،‬قال‪" :‬قال الفقير إلى الله‬ ‫تعالى عبد الله علي بن عيسى غفر الله له برحمته ذنوبه و ستر بعفوه و‬ ‫تجاوزه عيوبه‪ :‬أن الحافظ أبا نعيم وصل معنا إلى أخبار أبي عبد الله‬ ‫جعفر بن محمد الصادق ع و أضرب صفحا َّ‬ ‫عمن سواه‪ ،‬و أما ابن‬ ‫الجوزي فإنه ذكر العبد الصالح موسى بن جعفر ع و ما تعداه‪.‬‬ ‫(‪ )1‬كشف الغمة‪ ،212 :‬في مناقب أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم‪.

306-305 :2‬‬ .‬‬ ‫فأما عبد العزيز الحافظ الجنابذي فإنه وصل إلى الحسن العسكري ع‬ ‫ووقف حين وصل إلى ذكر الإمام الخلف الصالح مولانا الحجة عليه وعلى‬ ‫آبائه أفضل الصلاة و السلام‪.‫‪143‬‬ ‫و هما في كتابيهما يذكران من مجهولي العباد و من شذاذ العباد من لا‬ ‫يعرف اسمه و لا نسبه و لا يتحقق طر يقه و لا مذهبه‪ ،‬فيقولان مثلا‪:‬‬ ‫عابد ٌ كان باليمن‪ ،‬عابدة ٌ حبشية‪ ،‬إلى أمثال هذا‪ ،‬و لا يذكرون مثل‬ ‫موسى الكاظم و لا علي الرضا و لا محمد الجواد و أبناهم‪.‬‬ ‫فأما كمال الدين بن طلحة رحمه الله فإنه ذكر السلف و الخلف و َرى‬ ‫في مضماره و ما وقف‪ ،‬و إن أنكر غيره شيئا فقد أقر رحمه الله و‬ ‫اعترف‪.)1‬‬ ‫ومن الواضح أن هذا لا يكفي للاعتبار عند كل أهل الأخبار‪.‬‬ ‫و من أعجب الأمور أن أبا نعيم م ُتهم بالتشيع !‪ ،‬و فعله هذا يرفعه عنه‬ ‫غاية الترفع عفا الله عنا و عنهم‪ ،‬فكل قال على قدر اجتهاده و كلٌّ منا‬ ‫لسانه من خدم فؤاده فلا يقول إلا بمقتضى مراده"(‪.‬‬ ‫(‪ )1‬كشف الغمة ‪.

‬‬ ‫فلا يثبت بهذه الرواية المنفردة شيء يعتمد عليه و يحتج وينسب للإمام‬ ‫عليه السلام؛ فإنها وإن كانت عن رجل ظاهره المودة لأهل البيت‬ ‫ع‪ ،‬إلا أنه لم يعلم احتياطه ووثاقته‪ ،‬وشروط الحجية فيها غير مجتمعة‬ ‫والقرائن العاضدة غير متوفرة‪ ،‬بل الانفراد بروايتها علامة ضعفها‪.‬سمع القاضي أبا بكر وأبا‬ ‫القاسم بن السمرقندي‪ ،‬و يحيى بن الطراح‪ ،‬وعبد الجبار بن توبة‪ ،‬وعبد‬ ‫الوهاب الأنماطي‪ ،‬وأبا منصور بن خيرون‪ ،‬وأبا الحسن بن عبد السلام‪،‬‬ ‫وأبا سعد بن البغدادي‪ ،‬وأبا الفضل الأرموي‪ ،‬وأبا الفضل بن ناصر‪،‬‬ ‫وابن البطي‪ ،‬وصنف‪ ،‬وجمع‪ ،‬وكتب عن أقرانه‪ ،‬وحدث نحوا من‬ ‫ستين عاما‪ ،‬وكان ثقة‪ ،‬فهما‪ ،‬خيرا‪ ،‬دينا‪ ،‬عفيفا‪ ،‬قال ابن الدبيثي لم‬ ‫أر في شيوخنا أوفر شيوخا من ابن الأخضر‪ ،‬ولا أغزر سماعا‪ ،‬حدث‬ ‫بجامع القصر سنين كثيرة "‪ ،‬وفي هذا مدح عظيم‪ ،‬لـكنه عن معلوم‬ ‫الحال‪ ،‬والذي كلما زاد مدحا كان في الرجل قدحا !‪.‫وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء‪" :‬ابن الأخضر الإمام العالم المحدث‬ ‫الحافظ المعمر مفيد العراق أبو محمد عبد العزيز بن أبي نصر محمود بن‬ ‫المبارك بن محمود الجنابذي الأصل البغدادي التاَر البزاز‪ ،‬ابن‬ ‫الأخضر‪ ،‬ولد سنة ‪ 524‬وسمع في سنة ثلاثين‪ .‬‬ ‫ولا ينقضي العجب بعد هذا‪ ،‬مما صار إليه حالنا ‪-‬وبين أيدينا كتب‬ ‫فيها إرث المصطفى صلى الله عليه وآله‪ -‬من تلقيم الناس عكس علوم‬ .

9 :7‬‬ ‫‪2016‬‬ .)1‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪1437‬‬ ‫‪14‬‬ ‫(‪ )1‬زبدة التفاسير للفتح الله الكاشاني ‪.‫‪145‬‬ ‫السماء ونقائض السلوك السوي‪ ،‬وحثهم على التحلي بخلاف الحكمة‬ ‫ونقائص المروة والعقول المذمومة‪ ،‬وكله بتلك الشعارات التي جعلوها‬ ‫كمل المتقين المنزهين‪ ،‬بلا‬ ‫شعائر الدين وحقيقة مذهب أهل البيت الـ َُّ‬ ‫دليل أقاموه ولا حجة ناهضة‪ ،‬ولا احتياط رعوه وهو أقل الإيمان‪،‬‬ ‫حتى بلغ الأمر أن يحشد الناس المساكين للمشاغبة بين دور الآمنين‬ ‫و يخرب كل ثمين في أوطان المؤمنين‪ ،‬كأنهم قد صدق فيه قول أحد‬ ‫َف فِي قُل ُو بِهِم ُ‬ ‫المفسرين في يهود المدينة المتمردين الخائنين‪ ( " :‬و َقَذ َ‬ ‫ُ‬ ‫يخْرِبُونَ‬ ‫الرعْبَ ) وأثبت فيها الخوف الَّذي يرعبها ‪ ،‬أي ‪ :‬يملؤها ( ُ‬ ‫بُي ُوتَه ُ ْم ب ِأَ يْدِيه ِ ْم ) ضنا بها على المسلمين ‪ ،‬واحتياجا لهم إلى الخشب‬ ‫والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة ‪ ،‬وإخراجا لما استحسنوا من آلاتها (‬ ‫وأَ يْدِي ال ْمُؤْم ِنِينَ ) فإنهم أيضا كانوا يخربون ظواهرها نكاية وتوسيعا‬ ‫لمجال القتال ‪ ،‬فلا يبقى لهم بالمدينة دار ‪ ،‬ولا منهم ديار"(‪.

.

..............................................................................................‬‬ ‫علي عليه السالم يف اهلدنة األوىل ‪37 ..............................‬‬ ‫الفصل األول‪7 .......‬‬ ‫التحريف يف سرية احلسني عليه السالم ‪61 ............................‬‬ ‫احلسني عليه السالم يف اهلدنة الثانية ‪46 ............................‬‬ ‫الفصل الثاين‪71 ............................................................‬‬ ‫تشييد وتشديد ‪9 ...............................................‬‬ ‫علة القيام من كالم املعصوم عليه السالم ‪16 .............‬‬ ‫تراجع احلسني ع عن جهاد يزيد بعد خذالن القوم ‪63 .......................................................‬‬ ‫اجلواب عن الشبهة ‪15 ................................‬‬ ‫احلسني عليه السالم مل يكن اثئرا ‪23 ...............................‬‬ ‫الشيعة رهن أمر أئمتهم‪15 ...................‬‬ ‫احلسن عليه السالم يف اهلدنة الثانية ‪40 ................................‬‬ ‫احلسني مل يُبيَّت القيام واالستشهاد‪61 ......................................... :‬‬ ‫أدلة القيام من شعارات وخطب منسوبة للحسني عليه السالم ‪75 .........................................................................‬‬ ‫اهلدانت الثالث ‪37 ......... :‬‬ ‫قيام احلسني ابألمر ‪7 ..‫‪147‬‬ ‫الفهرس‬ ‫متهيد ‪3 ..................................‬‬ ‫أحوال األئمة عليه السالم يف اهلدنة الثالثة ‪50 ............‬‬ ‫توضيح وبيان من القاضي النعمان ‪54 .......................................................‬‬ ...........................‬‬ ‫توفر الناصر للحسني عليه السالم والبيعة له وحده ‪62 ...........................................................................................................................................................‬‬ ‫اجتماع شروط اخلالفة الظاهرة للحسني كما اجتمعت لعلي واحلسن ع ‪29 .............................

...........‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫مصادر النص ‪95 ...................‬‬ ‫كتاب‪َ :‬من َحلِ َق ِب استُش ِه َد َو َمن َمل يَل َحق ِب َمل يُد ِر ِك ال َفتح ‪103 ...............................................................................‬‬ ‫مفهوم الشهادة ‪119 .....‬‬ ‫الدعاء ابملوت يف سبيل هللا حتت راية إمام قائم ‪128 .........................................‫املثال األول‪79 ........................................‬‬ ‫عدم علم الناس بزمان وموضع قتل اإلمام ع ‪108 ..‬‬ ‫اخلطبة من تراث الزيدية ‪83 ................................‬‬ ‫الضعف يف منت الرواية‪100 ................................................................‬‬ ‫وقتال يف سبيلك فوفق لنا ‪125 .....................................‬كأين أبوصايل تقطعها ‪79 ......................................................................‬‬ ‫املثال الرابع‪ :‬موت يف عزّ خري من حياة يف ذُل ‪133 ......................‬‬ ‫املثال الثالث‪ :‬علي بن احلسني ألبيه‪ :‬ال نبايل أن منوت ُُمقني ‪115 .........‬‬ ‫أقوال أخرى نسبت لألئمة عليهم السالم ‪141 .............‬‬ ‫مصدر الرواية غري معترب ‪99 .........................................‬‬ ‫البالء إِال انقضى عنك معه يوم من ا َّلر ِ‬ ‫الكاظم ع‪ :‬لن ينقضي عين يوم من ِ‬ ‫خاء ‪141 ..‬‬ ‫ال يدل اخلرب على جواز املعارضة السلمية مع احتمال الضرر ‪109 ...............‬‬ ‫املثال الثاين‪ :‬وأين َمل أخرج ِ‬ ‫أشرا وال بَ ِطرا ‪93 ....................‬‬ ‫احلاصل ‪111 .................................................‬‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ‬ .............................................................................. :‬‬ ‫خطبة‪ :‬خط املوت على ولد آدم ‪..................‬‬ ‫االشتباه يف االستدالل هبا على مشروعية القيام واملعارضة ‪98 .....................................................................................................‬‬ ‫لو صحت الرواية مل يصح التمسك بداللتها أيضا ‪101 ........................‬‬ ‫وهبذا يتضح ‪129 ..........................‬‬ ‫وجوابه‪134 ..................................................................‬‬ ‫الرتغيب عن التعرض للقتل دون املظلمة ‪122 ....

149 .

.

151 .