‫‪http://www.shamela.

ws‬‬
‫تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬

‫الكتاب ‪ :‬شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫تأليف‪:‬‬
‫تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي المكي المالكي‬
‫الناشر‪:‬‬
‫دار الكتب العلمية‬
‫الطبعة الولى ‪1421‬هـ‪2000-‬م‬
‫عنوان الكتاب‪:‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫تأليف‪:‬‬
‫تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي المكي المالكي‬
‫الناشر‪:‬‬
‫دار الكتب العلمية‬
‫الطبعة الولى ‪1421‬هـ‪2000-‬م‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -3-‬بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫مقدمة‪:‬‬
‫‪ -1‬بسم ال الرحمن الرحيم‪ ،‬والحمد ل رب العالمين‪ .‬هذا كتاب "شفاء الغرام‪،‬‬
‫بأخبار البلد الحرام" يظهر مطبوعا لول مرة‪ ،‬في ثوب قشيب‪ ،‬وحلة أنيقة‪،‬‬
‫وتعليقات مفيدة‪ ،‬وتصحيحات وشروح نافعة‪ ،‬للفيف من الساتذة‪ ،‬هم الذين قاموا‬
‫بالشراف على طبع هذا الكتاب‪ ،‬والتعليق عليه‪ ،‬ومراجعة أصوله‪ ،‬وتصحيح‬
‫أخطاء نسخه الخطية التي وقعت بتحريف النساخ‪ ،‬وبذلوا مجهودا كبيرا في إعداد‬
‫هذا الكتاب للنشر‪.‬‬
‫ولول همة رجل عربي عظيم‪ ،‬هو حضرة صاحب المعالي الشيخ محمد سرور‬
‫الصبان‪ ،‬ما رأى هذا الكتاب النور‪ ،‬ول ظهر مطبوعا هذه الطبعة‪ ،‬ونحمد ال الذي‬
‫وفق لخراجه‪ ،‬ولظهوره في أيدي المتطلعين إلى قراءته‪.‬‬
‫‪ -2‬وقد اعتمدنا في نشر هذا الكتاب على النسخة الخطية الفريدة المحفوظة بدار‬

‫الكتب المصرية برقم ‪ 7484‬عمومية و ‪ 504‬تاريخ‪ ،‬والتي رمزنا إليها بالحرف‬
‫"ك"‪ ،‬وقد أخذنا صورة فوتوغرافية كاملة لها‪ ،‬وذلك بفضل معاونة الساتذة‬
‫الجلء‪ :‬أحمد رامي‪ ،‬ومحمد أبي الفضيل إبراهيم‪ ،‬وفؤاد السيد‪ ،‬وما بذلوه لنا من‬
‫مساعدات قيمة في تصوير هذه النسخة‪ ،‬التي تقع في ‪ 394‬ورقة من القطع‬
‫المتوسط‪ ،‬وقد قام بنسخها محمد بن مصطفى الديار بكري‪ ،‬وليس عليها من تاريخ‬
‫نسخها سوى هذه الجملة المثبتة في آخر الكتاب‪ ،‬وهي "تمت بعون ال الكريم‬
‫وفضله وإحسانه يوم الربوع المبارك في آخر شهر ربيع الول على يد أفقر عباد‬
‫ال محمد بن مصطفى الديار بكري عفا ال عنهم إلخ" ومكتوب على الورقة الولى‬
‫من الكتاب‪" :‬الحمد ل وحده‪ ،‬من مواهب ال تعالى على عبده محمد بن محمد‬
‫السقاف عفا ال عنهم آمين ‪1238‬هـ"‪.‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -4-‬وقد أشرف قسم التصوير بدار الكتب على تصوير هذه النسخة عام‬
‫‪.1955‬‬
‫كما اعتمدنا على النسخة المكية المخطوطة‪ ،‬المنقولة عن نسخة دار الكتب‬
‫المصرية‪ ،‬وقد قام بنسخها السيد الشيخ عبد الستار الدهلوي‪ ،‬في جزأين كبيرين‪:‬‬
‫الول في ‪ 638‬صفحة من القطع المتوسط‪ ،‬وبآخره‪" :‬تم الجزء الول من هذا‬
‫التاريخ بختام هذا الباب‪ ،‬الباب الخامس والعشرين‪ .‬ويليه في الجزء الثاني‪ :‬الباب‬
‫السادس والعشرون‪ ،‬بتجزئة كاتبه‪ ،‬والحمد ل وحده والصلة والسلم على من ل‬
‫نبي بعده‪ ،‬وصحبه وسلم والجزء الثاني‪ ،‬مصدر بفهرس له وحده‪ ،‬وكتب في‬
‫الصفحة الولى منه‪" :‬الجزء الثاني من شفاء الغرام‪ ،‬بأخبار البلد الحرام" تأليف‬
‫المام العلمة الحافظ أبي الطيب تقي الدين محمد بن شهاب الدين أبي العباس‬
‫محمد بن علي الفاسي الحسني المكي المالكي تغمده ال برحمته ونفعنا بعلومه‬
‫آمين‪ ،‬وكتب بعد ذلك أربعة سطور هي‪" :‬مع الذيل لكاتبه" في ولة مكة من بعد‬
‫المؤلف رحمه ال إلى تاريخ النسخ بالختصار‪ ،‬مع ترجمة مؤلف الصل في‬
‫آخره‪ ،‬وقع هذا الجزء في ‪ 335‬صفحة عدا الذيل الذي يبدأ من صفحة ‪ 336‬إلى‬
‫‪ ،378‬وقد كتب في آخر الجزء الثاني‪" :‬ووجدت في آخر النسخة المنقول منها ما‬
‫نصه‪" :‬تمت بعون ال الكريم وفضله وإحسانه يوم الربوع المبارك في آخر شهر‬
‫ربيع الول‪ ،‬وذلك بخط علمة دهره وفريد عصره محمد بن مصطفى الديار‬
‫بكري عفا ال عنهم" وفي أول صفحة من الذيل ما يلي‪ :‬وقع الفراغ من نسخ هذه‬
‫النسخة الشريفة مع التذييل لكاتبه أحقر العبيد وأفقر الورى‪ ،‬أحد ساكني أم القرى‪،‬‬
‫أبي الفيض وأبي السعاد عبد الستار الصديقي الحنفي ابن المرحوم الشيخ عبد‬
‫الوهاب المكي البكري بمصر‪ ،‬في يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر ربيع‬
‫الول من شهور العام الخامس والثلثين والثلثمائة واللف‪ ،‬من النسخة الموجودة‬
‫بالكتبخانة المصرية بمصر المحروسة‪ ،‬ويبدأ الذيل بترجمة للمؤلف مما تيسر‬
‫لناسخه وقت النسخ‪ ،‬ويلي الترجمة‪ ،‬ذكر أخبار مكة بعد الفاسي إلى انتهاء النسخ‪،‬‬
‫وهو عام ألف وثلثمائة وخمسة وثلثين هجرية‪ ،‬ومن ذلك نعلم أن هذه النسخة‬
‫الثانية منسوخة من النسخة المصرية الولى‪ ،‬ونشير إلى تلك النسخة الثانية بحرف‬

‫"ك"‪ ،‬وقد يسر لنا الحصول عليها السيد الشيخ عبد الوهاب الدهلوي‪ ،‬حفظه ال‪،‬‬
‫وأثابه خير الثواب‪ ،‬وهاتان النسختان رديئتا الخط‪ ،‬إلى حد بعيد‪ ،‬وفيهما كثير من‬
‫النقص والتحريف والخطأ‪.‬‬
‫لذلك لم يكن هناك بد من العتماد على الكثير من الكتب المخطوطة والمطبوعة‪،‬‬
‫نستعين بها على تصحيح نصوص هذا الكتاب وضبطه‪ ،‬فوق مئات المؤلفات من‬
‫كتب التاريخ واللغة والدب والشريعة‪.‬‬
‫وقد عاوننا في بعض التعليقات على رجال الحديث الشيخ سليمان الصنيع مدير‬
‫"مكتبة الحرم المكي"‪.‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -5-‬وأعارنا الشيخ محمد نصيف من أعيان "جدة" مخطوطته القيمة‬
‫"إفادة النام‪ ،‬بأخبار البلد الحرام‪ ،‬للشيخ الغازي‪ ،‬مساعدة لنا على تنقيح الكتاب‪،‬‬
‫ومراجعة نصوصه‪ ،‬وتصحيح روايته‪.‬‬
‫وقد بذلنا مجهودا ضخما‪ :‬في مقابلة النسختين الخطيتين‪" :‬من كتاب شفاء الغرام"‪،‬‬
‫بعضهما على البعض الخر‪ ،‬وفي مراجعة نصوصه على مئات الكتب المطبوعة‬
‫والمخطوطة‪.‬‬
‫واعتمدنا بذلك في تصحيح نصوص الكتاب على كتاب "منتخب شفاء الغرام‪،‬‬
‫بأخبار البلد الحرام" طبع أوروبا عام ‪1880‬م‪.‬‬
‫وقد حلينا الكتاب بأربع خرائط‪ ،‬قام برسمها السيد جلل الجدويلي بجريدة الهرام‪،‬‬
‫مستعينا بخرائط مصلحة المساحة السبعة عشر‪ ،‬عن الحجاز والمملكة العربية‬
‫السعودية‪ :‬وبعض الطالس الفرنجية‪ ،‬والخرائط الحديثة التي رسمتها شركة‬
‫أرامكو‪ .‬ول يفوتنا أن نتقدم بخالص الشكر لمن قام برسم وطبع خرائط مصلحة‬
‫المساحة التي تعتبر من المراجع القيمة عن البلد السعودية‪.‬‬
‫وقد نشرنا في آخر كل جزء من الكتاب فهارس مستوفاة للموضوعات‪ ،‬وذيلنا‬
‫الكتاب بفهارس كاملة للعلم والمواضع‪.‬‬
‫وهذا الستعداد القوي‪ ،‬والعمل المتواصل‪ ،‬من أجل نشر الكتاب نشرا علميا‪ ،‬حديثا‬
‫متقنا هو الذي أخر صدور الكتاب بعض التأخير‪ ،‬ول سيما أن النسختين الخطيتين‬
‫للكتاب خطهما رديء‪ ،‬ويشتملن على تصحيف كثير‪ ،‬وعلى نقص عديد أيضا‪،‬‬
‫وعلى أبيات شعرية محرفة‪ ،‬مما استدعى الوقوف عندها طويل‪ ،‬وخاصة مع عدم‬
‫فائدة الكثير من هذه الشواهد الشعرية‪ ،‬التي هي إلى اللغة العامية أقرب‪.‬‬
‫‪ -3‬وكتاب الفاسي هذا "شفاء الغرام" كتاب جليل الفائدة‪ ،‬دون فيه أخبار مكة‬
‫بتفصيل كثير‪ ،‬وإحاطة شاملة‪ ،‬واستيعاب دقيق‪ ،‬ويعد من المصادر الصلية بعد‬
‫كتابي الزرقي ‪ ،1‬والفاكهي ‪.2‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هو أبو الوليد الزرقي صاحب كتاب "أخبار مكة وما جاء فيها من الثار"‪ ،‬وقد‬
‫توفي نحو عام ‪250‬هـ‪ ،‬وكتابه عمدة المؤرخين في جميع العصور‪ ،‬وقد اختصره‬
‫كثير من المؤرخين‪.‬‬
‫‪ 2‬كتاب الفاكهي "تاريخ مكة" من الكتب الصلية‪ ،‬التي اعتمد عليها الفاسي ونقل‬

‫عنها‪ ،‬وتوجد نسخة منه في بعض خزائن أوروبا‪ ،‬وقد طبعت في أوروبا منتخبات‬
‫منه‪ ،‬واسم الفاكهي هو أبو عبد ال محمد بن إسحاق الفاكهي‪ ،‬توفي نحو ‪280‬هـ‪.‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -6-‬وقد رتبه الفاسي على أربعين بابا ألم فيها بجميع ما يتصل بتاريخ‬
‫مكة من قريب أو بعيد منذ الجاهلية حتى عصره‪ ،‬وذكر تاريخ المسجد الحرام‬
‫وبنائه وعمارته في مختلف العصور‪ ،‬متحدثا عن الملمح الجغرافية والتاريخية‪،‬‬
‫والسياسية والجتماعية للجزيرة العربية في شتى العصور‪ ،‬مع تنويهه بفضائل‬
‫الكعبة والعمال المتعلقة بها‪ ،‬والمواضع المباركة في مكة وحرمها‪ ،‬كالمدارس‬
‫والربط وغير ذلك‪ ،‬مضيفا إلى ذلك كله ما وصل إلى علمه من أخبار ولة مكة في‬
‫السلم على سبيل الجمال‪ ،‬محررا ذرع الكعبة والمسجد الحرام‪ ،‬جامعا لشتات‬
‫من الفوائد والحداث التاريخية التي لم يدونها الزرقي والفاكهي "المتوفى عام‬
‫‪280‬هـ" في كتابيهما‪ ،‬ويقول الفاسي‪ :‬إن ما ذكراه هو الصل الذي بنى عليه كتابه‪،‬‬
‫وإن في كتاب الفاكهي محمد بن إسحق بن العباس المكي أمورا كثيرة مفيدة ليست‬
‫مما يتضمنها كتاب الزرقي‪ ،‬وقد عاش الزرقي والفاكهي في المائة الثالثة من‬
‫الهجرة‪ ،‬وتأخر الفاكهي عن الزرقي قليل‪ ،‬ولم يؤلف أحد بعدهما في تاريخ مكة‬
‫وولتها وفضلئها إل القليل‪ ،‬إلى أن جاء الفاسي فألف كتابه هذا الذي عد مرجعا‬
‫خطرا في تاريخ البلد الحرام‪ ،‬وخاصة منذ القرن الرابع إلى التاسع الهجري‪.‬‬
‫وقد رتب الفاسي كتابه ترتيبا شيًقا‪ ،‬وتحدث فيه عن مكة وحرمها‪ ،‬والثار المروية‬
‫فيها‪ ،‬ووصف الكعبة وعمارتها‪ ،‬ومصلى الرسول صلى ال عليه وسلم في الكعبة‪،‬‬
‫وثواب دخول الكعبة المعظمة وفضائلها‪ ،‬واليات المتعلقة بها‪ ،‬وأخبار الحجر‬
‫السود والملتزم والماكن الشريفة بمكة ومقام إبراهيم وحجر إسماعيل‪ ،‬وتكلم عن‬
‫توسعة المسجد الحرام وعمارته ووصف عمده وعقوده وشرفاته وقناديله وأبوابه‬
‫ومنابره‪ ،‬وتحدث كذلك في الكتاب عن أخبار زمزم والماكن التي لها تعلق‬
‫بالمناسك‪ ،‬وما بني بمكة من المدارس والربط والسقايات والبار والعيون‪ ،‬وتحدث‬
‫عن أخبار مكة في الجاهلية‪ ،‬وعلى عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلم‪ ،‬وذكر‬
‫أسماء أولد إسماعيل‪ ،‬وولية ذرية معد بن عدنان على مكة وولية جرهم‬
‫وخزاعة وقريش‪ ،‬مستقصيا أخبار قريش بمكة في الجاهلية‪ ،‬متوسعا في أخبار بني‬
‫قصي ومآثرهم في الجاهلية‪ ،‬وأجواد قريش وحكامهم في الجاهلية‪ ،‬ثم يذكر فتح‬
‫مكة وولتها في السلم وأخبارها بعد الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويتحدث في‬
‫الباب الربعين عن الصنام التي كانت حول مكة‪ ،‬وأخبار أسواق مكة في الجاهلية‬
‫والسلم‪ ،‬وبذلك ينتهي هذا الكتاب القيم‪.‬‬
‫وترجع أهمية هذا الكتاب التاريخية إلى استقصائه واستيعابه وجمعه لشتى الخبار‬
‫التي تتعلق بمكة مما لم يجمعه مدون بعد الزرقي والفاكهي‪.‬‬
‫وقد تأثر بالفاسي المؤرخون الذين أتوا بعده وألفوا في أخبار مكة والبيت الحرام‪،‬‬
‫مثل‪ :‬المؤرخ جمال الدين محمد بن ظهيرة القرشي في كتابه "الجامع اللطيف‪ ،‬في‬
‫فضل‬
‫) ‪(1/5‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -7-‬مكة وأهلها‪ ،‬وبناء البيت الشريف"‪ ،‬الذي وصل فيه إلى أخبار‬
‫مكة‪ ،‬حتى العام الذي انتهى فيه من تأليف كتابه‪ ،‬وهو هام ‪950‬هـ ‪ ،1‬ومثل العلمة‬
‫قطب الدين الحنفي المتوفى عام ‪988‬هـ في كتابه "تاريخ القطبي" المسمى "كتاب‬
‫العلم‪ ،‬بأعلم بيت ال الحرام" الذي دون فيه أخبار مكة حتى العام الذي انتهى‬
‫فيه من تأليف كتابه هذا‪ ،‬وهو عام ‪984‬هـ ‪.2‬‬
‫ويزيد من أهمية كتاب الفاسي ما احتوى عليه الكتاب من نصوص منقولة عن كتب‬
‫خطية مفقودة حتى اليوم‪.‬‬
‫ونحن في غنى عن أن ننوه بهذا المجهود الذي بذلناه في إخراج الكتاب‪ ،‬والتعليق‬
‫عليه‪ ،‬والعمل على ضبط أعلمه‪ ،‬وتحقيق نصوصه‪ ،‬وشرح شواهده‪ ،‬وسوى ذلك‬
‫مما قمنا به من خدمة علمية لهذا الكتاب‪.‬‬
‫وال المسئول أن يلهمنا الرشد‪ ،‬وأن يهدينا سواء السبيل‪ ،‬وما توفيقنا إل بال عليه‬
‫توكلنا‪ ،‬وإليه أنبنا‪ ،‬وإليه المصير‪.‬‬
‫حياة المام تقي الدين الفاسي المكي‪:‬‬
‫ترجم الفاسي لنفسه في كتابه "ذيل كتاب التقييد‪ ،‬بمعرفة رواة السنن والسانيد‪،‬‬
‫لبن نقطة"‪ ،3‬فقال في نسبه إنه هو‪:‬‬
‫محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن عوف بن أحمد بن علي‬
‫بن عبد الرحمن بن عبد ال بن علي بن حمزة بن ميمون بن إبراهيم بن علي بن‬
‫عبد ال بن إدريس بن الحسن بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب كرم ال‬
‫وجهه‪ ،‬الحسني الفاسي المكي‪.‬‬
‫وذكر نسبه السيد عبد الستار الدهلوي الصديقي الحنفي البكري المكي فقال‪ :‬هو‬
‫المام الحافظ العلمة أبو الطيب تقي الدين محمد بن شهاب الدين أبي العباس أحمد‬
‫بن علي الحسني الفاسي المكي المالكي المؤرخ الشهير‪.‬‬
‫كان الفاسي يلقب بتقي الدين‪ ،‬ويكنى أبا الطيب‪ ،‬وكان قاضي المالكية بالحرم‬
‫الشريف‪ ،‬وقد ولد في ليلة الجمعة لعشرين من ربيع الول عام ‪775‬هـ بمكة‬
‫المكرمة‪ ،‬ونشأ بها‪ ،‬وتتلمذ على علمائها وأهل الفضل فيها‪ ،‬وعني بالحديث‪ ،‬فقرأ‬
‫وسمع كثيرا من‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬راجع صفحة ‪ 325‬من هذا المصدر الطبعة الثانية بمصر ‪.1938‬‬
‫‪ 2‬راجع صفحة ‪ 261‬من هذا المصدر‪ .‬نشر المكتبة العلمية بباب السلم بمكة‪.‬‬
‫‪ 3‬وترجم لنفسه كذلك في كتابه "العقد الثمين" ترجمة طويلة مفيدة‪ .‬وفي ذيل كتاب‬
‫"شفاء الغرام"النسخة الخطية ترجمة طويلة له‪.‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -8-‬الكتب‪ ،‬وروى كثيرا من الحاديث‪ ،‬وقد أجازه كثير من العلماء‬
‫العلم‪ ،‬وقرأ عليهم‪ ،‬وأخذ عنهم‪ ،‬ومن هؤلء‪:‬‬
‫‪ -1‬المام العلمة قاضي مكة جمال الدين محمد بن عبد ال بن ظهيرة القرشي‬
‫المخزومي المكي ‪.1‬‬
‫‪ -2‬جده لمه قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن أحمد النويري‬

‫الشافعي‪ ،‬خطيب مكة وقاضيها‪ ،‬عالم الحجاز في عصره‪ ،‬والمؤرخ المشهور‪.‬‬
‫‪ -3‬ابن جده المذكور لمه‪ ،‬وهو خال المؤلف‪ ،‬قاضي الحرمين محب الدين‬
‫النويري‪.‬‬
‫‪ -4‬المام أبو المعالي عبد ال بن عمر الصوفي‪.‬‬
‫‪ -5‬العلمة اللغوي قاضي اليمن مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي‬
‫الفيروزآبادي "‪817-729‬هـ" صاحب "القاموس المحيط"‪.2‬‬
‫‪ -6‬العلمة المؤلف المفتي الشيخ كمال الدين محمد الدميري المصري الشافعي‪ ،‬ثم‬
‫المالكي‪ ،‬المتوفي عام ‪808‬هـ‪.‬‬
‫‪ -7‬العلمة إبراهيم بن محمد الدمشقي الصوفي المعروف بالبرهان‪.‬‬
‫‪ -8‬المام المؤرخ المشهور الشيخ ابن خلدون المتوفي عام ‪808‬هـ‪ ،‬صاحب‬
‫المقدمة والكتاب التاريخي المشهور‪.‬‬
‫‪ -9‬المام الشهاب أحمد العلئي‪ ،‬وروى عن كثيرين آخرين من العلماء الجلء‪،‬‬
‫والفاسي مؤلف هذا الكتاب يروي غالبا عن المامين‪ :‬أبي أحمد البرهان إبراهيم بن‬
‫محمد اللخمي‪ ،‬وأبي الفرج الجلل عبد الرحمن بن أحمد العربي ‪ ....‬وكذلك أخذ‬
‫عن كثير من شيوخ عصره وأئمة زمانه‪ ،‬وكان معاصرا لشيخ السلم الحافظ‬
‫الشهاب أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلني المصري المشهور‪ ،‬صاحب‬
‫"فتح الباري" المتوفى عام ‪852‬هـ‪.‬‬
‫ويذكر الفاسي في كتابه "شفاء الغرام"‪ 3‬أنه كان قاضي قضاة المالكية بمكة‪ ،‬وأنه‬
‫باشر تدريس الفقه المالكي في مدرسة السلطان الملك المنصور بمكة عام ‪814‬هـ‬
‫في بدء‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هو أحد أجداد ابن ظهيرة المؤرخ صاحب كتاب "الجامع اللطيف‪ ،‬في فضل مكة‬
‫وأهلها وبناء البيت الشريف" الذي ألفه عام ‪950‬هـ‪.‬‬
‫‪ 2‬راجع ترجمته في ص ‪38‬جـ ‪ 3‬وما بعدها من "كتاب أزهار الرياض في أخبار‬
‫القاضي عياض" وهو للمقري صاحب كتاب "نفح الطيب"‪.‬‬
‫‪ 3‬صفحة ‪ 329‬جـ ‪ 1‬من هذا الكتاب‪.‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -9-‬إنشائها‪ ،‬وكان يقوم بالتدريس فيها فيما بين الظهر والعصر من‬
‫يومي الربعاء والخميس من كل أسبوع‪.‬‬
‫وقد ألف الفاسي مؤلف هذا الكتاب كتبا جليلة مشهورة في مقدمتها‪:‬‬
‫‪ -1‬كتابنا هذا "شفاء الغرام‪ ،‬بأخبار البلد الحرام"‪.‬‬
‫‪ -2‬تاريخه الكبير المسمى "بالعقد الثمين‪ ،‬في تاريخ البلد المين" وهو في أربعة‬
‫أجزاء ضخام‪ ،‬ومنه عدة نسخ خطية بدار الكتب المصرية‪ ،‬وقد ترجم فيه لولة مكة‬
‫وأعيانها وعلمائها وأدبائها‪ ،‬منذ ظهور السلم إلى عصره‪ ،‬وقد رتبه على حروف‬
‫المعجم وبدأه بالمحمدين والحمدين‪ ،‬وصدره بذكر رسول ال صلوات ال وسلمه‬
‫عليه‪ ،‬وفي أوله مقدمة لطيفة تحتوي على مقاصد الكتاب‪.‬‬
‫‪" -3‬تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام" وهو اختصار لكتابه "شفاء الغرام"‪ ،‬ويسمى‬

‫أيضا‪" :‬تحصيل المرام‪ ،‬من تاريخ البلد الحرام"‪.‬‬
‫‪ -4‬هادي ذوي الفهام إلى تاريخ البلد الحرام" وهو مختصر من الكتاب السابق‬
‫"تحفة الكرام"‪.‬‬
‫‪" -5‬الزهور المقتطفة‪ ،‬في تاريخ مكة المشرفة" وهو مختصر من كتابه السابق‬
‫"هادي ذوي الفهام"‪.‬‬
‫‪ -6‬عجالة القرى للراغب في تاريخ أم القرى"‪.‬‬
‫‪ " -7‬الجواهر السنية‪ ،‬في السيرة النبوية"‪.‬‬
‫إلى غير ذلك من المؤلفات النفيسة التي كان "شفاء الغرام" أول كتاب يطبع منها‪.‬‬
‫وقد توفي المؤلف في ليلة الربعاء للثالث والعشرين من شهر شوال المكرم عام‬
‫‪832‬هـ بمكة المشرفة‪ ،‬بعد أن اعتمر في السابع والعشرين من رمضان من العام‬
‫المذكور‪ ،‬وترك وراءه آثارا خالدة‪ ،‬وقلما عني أحد من العلماء بتدوين تاريخ البلد‬
‫الحرام في كتب مفيدة‪ ،‬كما عني الفاسي عالم الحجاز وفقيهه ومؤرخه العظيم‪.‬‬
‫وما أجدر كل مسلم وعربي بأن يلتفت إلى آثار الفاسي المخطوطة‪ ،‬ويسهم في‬
‫نشرها‪ ،‬ويعمل على إخراجها‪ ،‬ليعم بمؤلفاته النفع‪ ،‬ولنقف على دقائق التاريخ‬
‫العربي في فترة من أغمض فترات التاريخ السلمي‪.‬‬
‫رحمه ال‪ ،‬ونفع بعمله وبمؤلفاته‪ ،‬وجزاه عن العرب وعن المسلمين خير الجزاء؟‬
‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -11-‬بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫تصدير‪:‬‬
‫بقلم الستاذ محمد مبروك نافع‪ ،‬رئيس قسم التاريخ السلمي‪ ،‬كلية دار العلوم ‪-‬‬
‫جامعة القاهرة‪.‬‬
‫ل أحسبني أبالغ كثيرا إذا قلت‪ :‬إن العقود الخيرة من هذا القرن العشرين قد‬
‫شاهدت يقظة فكرية‪ ،‬ووعيا سياسيا في مختلف أقطار العالم العربي‪ ،‬إذ أدرك هذا‬
‫العالم أنه غفا سنين طويلة‪ ،‬فبدأ يستيقظ ويتحرك‪ ،‬ليعوض ما فاته إبان إغفاءته‪،‬‬
‫ويحمل العالم على احترام كفايته ومقدرته التي جعلت منه الرائد الول في إنارة‬
‫العالم إبان العصور الوسطى المظلمة‪.‬‬
‫فأما من الناحية السياسية فالمر ل يحتاج ‪ -‬وبخاصة في الونة الخيرة‪ -‬إلى تبيان‪،‬‬
‫إذ كل دلئل المور تدل على مدى الحترام الذي يناله العالم العربي اليوم بين قوى‬
‫العالم الخرى المتصارعة‪ ،‬بعد أن كانت ل تلقي بال إليه‪.‬‬
‫وأما من الناحية الثقافية فأحسب أن مجموع ما تخرجه المطابع في بلد العالم‬
‫العربي من مؤلفات ومترجمات وصحف وكتب مخطوطة‪ ،‬تنشر للمرة الولى أو‬
‫يعاد نشرها في مختلف النواحي العلمية والدبية‪ ،‬لكبر دليل على ما يمتع به هذا‬
‫العالم العربي الن من وعي وثقافة ورغبة في الرقي وطموح إلى السيادة‪.‬‬
‫ول تختلف البلد العربية من ناحية ما تخرجه مطابعها بعضها عن البعض في هذا‬
‫المجال باختلف ظروفها وإمكانياتها‪ ،‬ولكنها جميعا يربط ما بينها هذا التجاه‬
‫الثقافي الحميد الذي يعيد إلى الذاكرة تلك الجهود الجبارة التي بذلها أسلفنا العرب‬
‫وظهرت آثارها فيما ألفوه من كتب فيما بين القرنين التاسع والثاني عشر للميلد‬

‫باللسان العربي‪ ،‬في مختلف العلوم والفنون‪ ،‬أو ترجموه عن اللغات الفارسية‬
‫والهندية واليونانية‪ ،‬فشرحوه وصوبوا أخطاءه‪.‬‬
‫أقول هذا وبين يدي كتاب "شفاء الغرام‪ ،‬بأخبار البلد الحرام" لمؤلفه القاضي تقي‬
‫الدين أحمد بن علي الفاسي المتوفى سنة ‪832‬هـ‪ ،‬وهو أوسع كتاب في تاريخ‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -12-‬مكة المكرمة بعد كتابي الزرقي "المتوفي سنة ‪250‬هـ"‬
‫والفاكهي "المتوفي نحو سنة ‪280‬هـ"‪.‬‬
‫والرأي الشائع بين جمهور المثقفين الن أنا نعيش في عصر السرعة‪ ،‬وأن‬
‫المؤلفات المطولة وبخاصة تلك التي تعالج موضوعا واحدا ليس لها مكان في عالم‬
‫التأليف في الوقت الحاضر‪ ،‬لن زحمة الحياة وضيق الوقت ل يتسع لما يقولون‬
‫عنه إنه إسراف في تضييع الوقت‪ .‬ولكن هذا الرأي مردود‪ ،‬وهو إن دل على شيء‬
‫فإنما يدل على اتجاه خطر قد يؤذي الثقافة العالمية إيذاء شديدا‪ ،‬لنه يدل على‬
‫انصراف عن الساس الرئيسي للرقي العقلي الذي هو الساس الصحيح في كل‬
‫حضارة‪.‬‬
‫على أن كتاب "شفاء الغرام‪ ،‬بأخبار البلد الحرام" له نظائره فيما يؤلف من كتب في‬
‫الغرب عن مدائن ليست لها عراقة مكة المكرمة‪ ،‬التي تعتبر المركز الروحي للعالم‬
‫السلمي الذي يناهز عدد سكانه الن سدس سكان العالم‪ ،‬برغم أن الدين السلمي‬
‫هو أحدث الديان جميعا من الناحية التاريخية‪.‬‬
‫والكتاب ليس كتابا لتاريخ مكة السياسي فحسب‪ ،‬بل هو بفصوله الربعين يعتبر‬
‫دائرة معارف شاملة لهذا البلد الحرام وما يتصل به من النواحي العمرانية والدينية‬
‫والثقافية والجتماعية‪ ،‬وفيه من هذه النواحي ما ل يوجد في كتاب آخر من كتب‬
‫التاريخ المعروفة‪.‬‬
‫ويستطيع المؤلف المحدث في الوقت الحاضر أن يخرج من بين سطوره‪ ،‬ومما‬
‫ورد استطرادا في بعض فصوله جملة كتب تحمل عناوين مختلفة وتكون كتبا‬
‫متخصصة‪ ،‬كل واحد منها يعالج ناحية من نواحي العلم أو الفن أو الجتماع أو‬
‫غير ذلك ل لمكة فحسب‪ ،‬بل لبلد المسلمين أجمعين‪.‬‬
‫ولقد نجح بعض المستشرقين في استخراج كنوز علمية من أمثال هذا الكتاب‪،‬‬
‫ووضعوا لها عناوين حديثة ندهش نحن عند قراءتها‪ ،‬ونستغرب أن يكون العرب‬
‫منذ نيف وعشرة قرون أو أكثر قد عرفوا هذه الشياء التي يبدو أنها من صنع‬
‫العصر الوروبي الحديث‪.‬‬
‫فالشتراكية مثل التي تعتبر من مبتكرات العصور الحديثة كانت معروفة لدى‬
‫المكيين منذ القرن الخامس الميلدي‪ .‬فهذا هاشم بن عبد مناف أطعم أهل مكة‬
‫جميعا في سنة أصابهم فيها قحط‪ ،‬إذ جلب لهم من الشام قافلة محملة بالدقيق ونحر‬
‫البل وأطعمهم من جوع‪ .‬وفي عهده ازدهرت الحياة في مكة ازدهارا كبيرا‬
‫وأصبحت تعج بالتجار من الشمال والجنوب حتى لقد سماها بعض المستشرقين‬
‫بندقية "فينيسا" بلد العرب‪ .‬وذكر مستشرق آخر أن مكة أصبحت مركزا للصيرفة‬
‫يمكن أن يدفع فيه التجار أثمان السلع التي ترسل‬

‫) ‪(1/10‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -13-‬إلى بلد بعيدة‪ ،‬كما كانت عملية الشحن والتفريغ لهذه التجارة‬
‫الدولية تتم هناك‪ ،‬كذلك كان يتم التأمين على المتاجر‪ ،‬وهي تجتاز الطرق المحفوفة‬
‫بالمخاطر‪ ،‬ولم يأت هذا المستشرق ‪-‬واسمه أوليري‪ -‬بهذا الكلم من عنده إنما‬
‫استنبطه من الكتب العربية القديمة‪ ،‬التي نمر عليها مرا دون أن نقف لنتأمل‪ ،‬ونعلم‬
‫أنه كان ثمة تأمين على المتاجر‪ ،‬يظن الناس أنه من مستحدثات العصور الحديثة‪.‬‬
‫ونستطيع أن نستنبط من هذه المراجع أيضا أنه كان للدول الكبرى آنئذ ‪-‬كفارس‬
‫وبيزنطة‪ -‬ممثلون تجاريون في قلب مكة ذاتها وأن زعماء مكة ‪-‬التي وصفها‬
‫بعض المستشرقين بأنها كانت جمهورية تجارية بلوتوقراطية "أي حكومة‬
‫الغنياء"‪ -‬كانت تعقد محالفات ومعاهدات تجارية تسمح لمندوبي التجار بالتجوال‬
‫في أقطارها للترويج لمتاجرهم في أمن وطمأنينة‪ ،‬وأن مكة بوصفها مركزا عاما‬
‫للتجارة‪ ،‬كانت شوارعها وأسواقها تعج بناس من قوميات مختلفة‪ ،‬يتكلمون بلغات‬
‫مختلفة‪ ،‬فكانت على حد التعبير الحديث مدينة دولية‪ ،‬وأنها كانت غاصة‬
‫بالمصارف التي كانت تقرض الناس بالربا الذي كان وباء المجتمع المكي‪ .‬ومن‬
‫أجل ذلك حطمه السلم‪ .‬وكان من كبار أصحاب المصارف العباس بن عبد‬
‫المطلب الذي قال عنه النبي صلى ال عليه وسلم في خطبة الوداع‪" :‬كل ربا في‬
‫الجاهلية موضوع‪ ،‬وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب"‪.‬‬
‫إن هذه القضايا التي صغناها بأسلوب العصر الحديث‪ ،‬والتي تبدو في نظر المثقف‬
‫المحدث وكأنها مسائل رائعة ل تكاد تصدق إنما هي والمئات من نظائرها مخبوءة‬
‫بين ثنايا السطور بلغة القرون الولى السلمية في تلك المؤلفات التي دونت بلغة‬
‫تلك العصور غير المألوفة لدينا الن‪ ،‬والتي نمر عليها أثناء قراءتها دون أن نقف‬
‫ونتأمل ونستنبط ونوازن بينهما وبين ما هو معروف لدى العالم المتحضر الن‪.‬‬
‫ولو أن أمثال الزرقي أو الفاكهي أو الفاسي كانوا يعيشون في هذا القرن العشرين‪،‬‬
‫ويؤلفون بأسلوبه ومنهجه العلمي ومعهم تلك الذخيرة الرائعة والمنجم الثمين الذي‬
‫ل ينضب من المعلومات في النواحي المختلفة لظهرت كتبهم في غير ما نألفه من‬
‫ترتيبها‪ ،‬ولرأيناها تزخر بفصول تحمل عناوين كتلك التي نراها في الكتب الحديثة‬
‫مثل "أ" الحالة القتصادية لبلد العرب "ب" السياسة المكية‪ :‬الحزاب‪ ،‬العلقة‬
‫بين قريش والقبائل الخرى‪ ،‬السياسة الخارجية لمكة "ج" الحالة الجتماعية‬
‫والخلقية‪ :‬الفردية والجماعية‪ ،‬المثل العليا الخلقية "د" الحالة الدينية والعقلية‪:‬‬
‫انحطاط الدين الوثني‪ ،‬تدهور الوثنية‪ ،‬التهيؤ لقبول عقيدة الوحدانية إلى آخره‪ ،‬إلى‬
‫آخره‪.‬‬
‫إن ما يمكن أن يكتب تحت هذه العناوين في كتاب محدث تجده وأكثر منه مفصل‬
‫في تلك الثار القديمة ولكن مبعثرا تحت عناوين قد ل تمت إليه بصلة نتيجة‬
‫الستطراد وأسلوب التأليف منذ نحو نيف وعشرة قرون‪.‬‬
‫) ‪(1/11‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -14-‬إن أخطر ما يخشى على العلم هو تلك الملخصات والكتب‬
‫المختصرة التي ترسم الحدود ول تجري الحياة في جسوم الشخاص والحداث‪.‬‬
‫وقد يقرأ قارئ ملخصا لسيرة الرسول عليه السلم فيحيط بتاريخ حياته‪ ،‬ولكنه إن‬
‫قرأ تاريخا مفصل أحس كأنه يعيش في جو الرسول عليه السلم يتنفسه كأنما هو‬
‫قائم معه من صحابته يدرك لم فعل الرسول كيت وكيت ولم لم يفعل كذا وكذا‪.‬‬
‫إن المختصرات التي تكتب الن بحجة أنا في عصر السرعة إنما هي سمة من‬
‫سمات الفلس الروحي‪ ،‬وإيغال في المادية‪ ،‬وتقرب من النهيار الحضاري‪ ،‬كما‬
‫تدل على ذلك تواريخ المم البائدة‪.‬‬
‫حيا ال أولئك الذين يعملون على نشر تراثنا القديم الذي يعتبر أكبر حافز على‬
‫الستمرار في نهضتنا العربية الجديدة‪ ،‬وحياهم وبياهم لو أنهم ‪-‬لصالح النشء من‬
‫أبناء العروبة المحدثين‪ -‬صاغوه بأسلوب ونهج العصر الحديث‪ ،‬وأحسب إنهم‬
‫لفاعلون إن لم يكن اليوم فبعد قليل‪.‬‬
‫وفقنا ال ‪-‬جلت قدرته‪ -‬إلى ما فيه صالح هذا الشعب العربي المجيد‪ ،‬وأمدنا بروح‬
‫من عنده‪ ،‬إنه سميع مجيب‪.‬‬
‫محمد مبروك نافع‪.‬‬
‫) ‪(1/12‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -15-‬بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫مقدمة المؤلف‪:‬‬
‫الحمد ل الذي جعل مكة المشرفة أعظم البلد شأنا‪ ،‬وصيرها محل مباركا‪ ،‬وأجزل‬
‫للمتقربين فيها العطية‪ ،‬وكم لها في الفضل مزية‪ ،‬لن فيها البيت الحرام‪ ،‬الذي هو‬
‫للناس مثابة وقوام‪ ،‬المغفور لمن حجه أو طاف به في البرية ما اقترفه من الخطية‪.‬‬
‫أحمده على ما منحنا من جوار بيته المطهر‪ ،‬وأسأله استمرار ذلك إلى حين أقبر‪.‬‬
‫وصلى ال على سيدنا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه‪ ،‬وبه نستعين‪ ،‬رب يسر وأعن يا‬
‫كريم‪] .‬بجاه عروس القيامة والدين القويم[‪.1‬‬
‫وأشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬وحده ل شريك له‪ ،‬الذي جعل مكة وما حولها حرما‪،‬‬
‫وأغنى بماء زمزم عن الطعام‪ ،‬وشفا به سقما‪ .‬وأشهد أن سيدنا محمدا أفضل من‬
‫الحجر السود قبل‪ ،‬وفي الطواف بالكعبة رمل‪ ،‬وصلى خلف المقام الذي للخليل فيه‬
‫أثر‪ ،‬ووقف بعرفات والمشعر صلى ال عليه وسلم ما رميت الجمار‪ ،‬وما تضرع‬
‫داع في الملتزم والمستجار ‪ ،2‬وما سعى بين الصفا والمروة محرم‪ ،‬ورضي ال‬
‫عن آله وأصحابه الذين توقيرهم واجب على كل مسلم‪.‬‬
‫ت نفسي كثيرا إلى‬
‫أما بعد‪ :‬فإنه لما وفقني ال تعالى للشتغال بالعلم الشريف تشّوَق ْ‬
‫معرفة ما كان بعد المام أبي الوليد محمد بن عبد ال بن أحمد بن محمد بن الوليد‬
‫بن‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ومعنى قول المؤلف "بجاه عروس القيامة والدين القويم" أنه يطلب من ال أن‬
‫يشفع فيه سيد المرسلين صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ 2‬المراد بالملتزم والمستجار‪ :‬البيت كله‪.‬‬

‫) ‪(1/13‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -16-‬عقبة بن الزرق ابن أبي شمر الغساني الزرقي المكي ‪ 1‬مؤلف‬
‫كتاب "أخبار مكة" ‪-‬رحمه ال‪ -‬وفي أخبار عمارة الكعبة المعظمة‪ ،‬وخبر حليتها‬
‫ومعاليقها‪ ،‬وما أهدي لها في معنى الحلية‪ ،‬وكسوتها‪ ،‬وخبر الحجر السود‪ ،‬وخبر‬
‫عمارة المسجد الحرام‪ ،‬وما فيه من عمارة موضع مقام إبراهيم ‪-‬عليه السلم‪-‬‬
‫وحجر النبي إسماعيل ‪-‬عليه السلم‪ -‬وموضع زمزم‪ ،‬وسقاية العباس بن عبد‬
‫المطلب ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬ومنابر المسجد الحرام‪ ،‬والمطاف‪ ،‬ومقامات الئمة‪،‬‬
‫وابتداء وقت ترتيبهم للصلة فيها‪ ،‬وعمارة أماكن مباركة بمكة المشرفة‪ ،‬وهي‬
‫مساجد قيل إن النبي صلى ال عليه وسلم صلى فيها‪ ،‬ومولد النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬ومولد سيدنا على بن أبي طالب‪ -‬رضي ال عنه‪ -‬وغير ذلك من المواضع‬
‫المعروفة بمكة بالمواليد‪ ،‬والدور المباركة بمكة‪ ،‬كدار سيدنا أبي بكر الصديق‬
‫رضي ال عنه‪ -‬ودار خديجة بنت خويلد أم المؤمنين ‪-‬رضي ال عنها‪ -‬ودار‬‫الرقم بن أبي الرقم المخزومي‪ ،‬وهي الدار المعروفة بدار الخيزران‪ ،‬وعمارة‬
‫مساجد مباركة بظاهر مكة‪ ،‬وهي‪ :‬مسجد البيعة ‪-‬بيعة رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم والنصار‪ -‬بقرب عقبة منى‪ ،‬ومسجد الخيف بمنى‪ ،‬وغير ذلك من المساجد‬
‫بمنى‪ ،‬ومسجد أم المؤمنين عائشة ‪-‬رضي ال عنها‪ -‬التي أحرمت منه لما اعتمرت‬
‫بعد حجها بالتنعيم‪ ،‬وعمارة أنصاب ‪ 2‬حدود الحرم‪ ،‬ومشاعر الحج والعمرة‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫الصفا‪ ،‬والمروة‪ ،‬والمشعر الحرام‪ ،‬وغير ذلك‪ .‬ما كان بعد أبي الوليد الزرقي من‬
‫الوقاف على طلبة العلم والفقهاء‪ ،‬وغير ذلك من المدارس والربط وغيرها‪،‬‬
‫وتاريخ وقف ذلك‪ ،‬وما كان بعد الزرقي من المطار والسيول بمكة‪ ،‬فعرفت طرفا‬
‫جيدا من ذلك كله؛ بعضه من كتب التاريخ‪ ،‬وبعضه علمته من رخام‪ ،‬وأحجار‪،‬‬
‫وأخشاب مكتوب فيها ذلك‪ ،‬ثابتة في الماكن المشار إليها‪ .‬وبعضه علمته من أخبار‬
‫الثقات‪ .‬وبعضه شاهدته‪ ،‬وعلق ذلك كله بذهني‪ ،‬وقيدته في أوراق مفردة من غير‬
‫ترتيب‪ ،‬خيفة ذهاب ذلك بالنسيان‪ ،‬لما روي عن أبي حمزة أنس بن مالك‬
‫النصاري خادم رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه كان يقول‪ :‬يا بني قيدوا العلم‬
‫بالكتابة‪ ،‬ثم بدا لي أن أجمع ذلك مرتبا‪ ،‬وأضم إليه من تاريخ أبي الوليد الزرقي ما‬
‫يلئمه من المور التي أشرنا إليها لما في ذلك من كمال الفائدة‪ .‬ففعلت ذلك‪،‬‬
‫وأضفت إلى ذلك أحاديث وآثارا في فضائل الكعبة‪ ،‬والعمال المتعلقة بها‪ ،‬وفي‬
‫جر بسكون الجيم‪ -‬والمقام والمسجد‬
‫فضل الحجر السود والركن اليماني‪ ،‬والح ْ‬
‫الحرام‪ ،‬ومكة‪ ،‬والحرم‪ ،‬وزمزم‪ ،‬وغير ذلك من المواضع المباركة بمكة وحرمها‬
‫مما ذكره أبو الوليد الزرقي‪ -‬وأضفت إلى ذلك أمورا كثيرة مفيدة لم يذكرها‬
‫الزرقي‪ ،‬في بعضها مما عني بجمعه الزرقي‪ ،‬وبعضها لم يعن به‪،‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬توفي نحو سنة "‪250‬هـ" راجع مقدمة كتاب "أخبار مكة" تحقيق‪ :‬رشدي صالح‬
‫ملحس ‪.12 /1‬‬
‫‪ 2‬النصاب‪ :‬جمع "نصب" بضم النون والصاد‪ ،‬وهو العلمة‪.‬‬
‫) ‪(1/14‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -17-‬فمن الول‪ :‬أحاديث نبوية‪ ،‬وآثار عن الصحابة والسلف وأخبار‬
‫جاهلية لها تعلق بمكة وأهلها وملوكها‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫ومن الثاني‪ :‬مسائل فقهية وحديثية‪ ،‬وما علمته من المآثر بمكة وحرمها‪ ،‬كالمدارس‬
‫والربط ‪ 1‬وغير ذلك‪ ،‬وما علمته من أخبار ولة مكة في السلم على سبيل‬
‫الجمال‪ ،‬وأخبار إسلمية تتعلق بمكة وأهلها وولتها‪ ،‬والحجاج‪.‬‬
‫وكثير من هذه الخبار‪ ،‬ذكره الزرقي‪ ،‬وذكر أيضا بعض المآثر‪ ،‬وبعض المسائل‬
‫الفقهية‪ ،‬وهذا القسم مما يكثر الغتباط به‪ ،‬لن غالبه لم يحوه كتاب ‪ ،2‬وإليه يتشوق‬
‫ذوو اللباب‪ ،‬وأضفت إلى ذلك ‪-‬أيضا‪ -‬ما حررناه في ذرع الكعبة ‪ 3‬والمسجد‬
‫الحرام‪ ،‬وأماكن فيه‪ ،‬والماكن المباركة بمكة وحرمها من المساجد والمواليد‪،‬‬
‫والدور المباركة وحدود الحرم من جهاته المعروفة الن بما فيها من العلمات‬
‫المبينة لكون الذراع الذي حررناه به هو ذراع الحديد المستعمل في القماش بديار‬
‫مصر والحجاز‪ ،‬والذراع الذي حرر به الزرقي هو ذراع اليد‪ ،‬فيستفاد مما ذكرته‬
‫ذرع ذلك بالوجهين‪ ،‬وبعض ما حررناه ليس في كتاب الزرقي تحرير له‪ ،‬فل‬
‫يعرف تحريره إل مما ذكرناه‪ ،‬فجاء ‪-‬بحمد ال تعالى‪ -‬تأليفا لشتات الفوائد جامعا‪،‬‬
‫وفي معناه إن ‪-‬شاء ال تعالى‪ -‬مفيدا نافعا‪.‬‬
‫ويستغنى به عن كتاب الزرقي والفاكهي ‪ 4‬ول يغنيان عنه‪.‬‬
‫وللمام الزرقي‪ ،‬والفاكهي فضل السق والتحصيل والتحرير‪ ،‬فإن ما ذكراه هو‬
‫الصل الذي انبنى عليه هذا الكتاب‪ ،‬وفي كتاب الفاكهي وهو‪ :‬محمد بن إسحق بن‬
‫العباس المكي أمور كثيرة مفيدة جدا ليست من معنى تأليف الزرقي‪ ،‬ول من‬
‫المعنى‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الربط‪ :‬جمع رباط‪.‬‬
‫‪ 2‬بعد كتاب الزرقي ظهر هذا الكتاب‪ ،‬ثم ألف ابن ظهيرة القرشي كتاب "الجامع‬
‫اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف" عام "‪950‬م"‪ ،‬كما ألف القطبي‬
‫الحنفي المتوفي سنة "‪988‬هـ" كتابه "تاريخ القطبي" المسمى‪" :‬العلم بأعلم‬
‫بيت ال الحرام"‪ ،‬وبعد ذلك ألفت كتب كثيرة من العصر الحديث عن مكة والبيت‬
‫الحرام منها‪ :‬كتاب "تاريخ عمارة المسجد الحرام"‪ ،‬و"تاريخ الكعبة المعظمة"‬
‫وكلهما للشيخ عبد ال باسلمه ‪-‬رحمه ال‪ -‬وألف كذلك الستاذ أحمد السباعي‬
‫كتاب "تاريخ مكة" الذي نشر سنة "‪1327‬هـ"‪.‬‬
‫وهذه الكتب مراجع قيمة في تاريخ البلد الحرام‪ .‬وكل هؤلء المؤلفين من أبناء مكة‬
‫المكرمة‪.‬‬
‫‪ 3‬ذرع الكعبة والمسجد الحرام‪ :‬قياس مساحتها‪.‬‬
‫‪ 4‬ل يعرف تاريخ ميلد الفاكهي‪ ،‬وقد توفى نحو سنة "‪280‬هـ" أي بعد الزرقي‬
‫بثلثين سنة‪ ،‬وتوجد نسخة من كتاب الفاكهي مطبوعة مكونة من ستة أجزاء‬
‫بتحقيق عبد الملك بن دهيش‪ ،‬ولم يسبق أحد في التأليف عن أخبار مكة إل الوافدي‬
‫المتوفي سنة "‪207‬هـ"‪ ،‬والمدائني "‪225-153‬هـ"‪.‬‬
‫والزبير بن بكار "‪256-172‬هـ" وعمرو بن شبة "‪262-172‬هـ"‪ ،‬والزرقي‬
‫المتوفي نحو سنة "‪250‬هـ"‪.‬‬
‫) ‪(1/15‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -18-‬الذي ألفناه‪ ،‬وكانا في المائة الثالثة‪ ،‬والفاكهي تأخر عن الزرقي‬
‫قليل في غالب الظن‪ ،‬ومن عصرهما إلى تاريخ خمسمائة سنة ‪ 1‬ونحو أربعين سنة‬
‫وأزيد‪ ،‬ولم يصنف بعدهما في المعنى الذي صنفا فيه أحد‪ ،‬وقد حدث بعدهما في‬
‫هذه المدة من المعنى الذي ذكرناه عنهما أمور مستكثرة‪ ،‬فلذلك صارت الحاطة‬
‫لجمعها متعذرة‪ ،‬وقد بذلنا الجهد في تحصيل ذلك‪ ،‬فظفرنا منه بطرف‪ ،‬وفي النفس‬
‫على ما لم نظفر به أسف‪.‬‬
‫وإني لعجب من إهمال فضلء مكة بعد الزرقي للتأليف على منوال تاريخه‪،‬‬
‫ومن تركهم تأليف تاريخ لمكة يحتوي على معرفة أعيانها من أهلها وغيرهم‪ ،‬من‬
‫ولتها‪ ،‬وأئمتها‪ ،‬وقضاتها‪ ،‬وخطبائها وعلمائها‪ ،‬ورواتها‪ ،‬كما صنع فضلء غيرها‬
‫من البلد لبلدهم‪" ،‬كتاريخ بغداد" للخطيب البغدادي ‪ ،2‬ومن بعده "تاريخ دمشق"‬
‫لبن عساكر ‪ 3‬و"تاريخ مصر" للقطب الحلبي‪ ،‬وغير ذلك من تواريخ البلد‪.‬‬
‫وقد وفقني ال تعالى لجمع شيء من هذا المعنى حداني‪ ،‬إلى جمعه أني تشوقت‬
‫كثيرا لمعرفة ذلك‪ ،‬وتتبعت ما ألفه الناس من التواريخ والطبقات والمعاجم ‪4‬‬
‫والمشيخات وغير ذلك من تعاليق العلماء‪ ،‬فظفرت في ذلك ببعض المطلوب‪ ،‬ثم‬
‫رتبته على ما أدركته من المور المناسبة له على ترتيب حروف المعجم خل‬
‫المحمدين والحمدين‪ ،‬فإنهم مقدمون على غيرهم‪ ،‬لكون ذلك من أسماء نبينا‬
‫المصطفى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو صلى ال عليه وسلم مذكور في أول التراجم‬
‫مع شيء من سيرته الشريفة على وجه الختصار للتبرك بذلك‪.‬‬
‫وجعلت في أول هذا الكتاب مقدمة لطيفة تحتوي على مقاصد هذا التأليف‪ ،‬لخصتها‬
‫منه ليكون التأليف ‪-‬الذي هذه المقدمة أوله‪ -‬جامعا لشيء من أخبار مكة وما فيها‪،‬‬
‫وشيء من أخبار أهلها ومن أشرنا إليهم معهم‪ ،‬هذا التأليف "العقد الثمين في تاريخ‬
‫البلد المين"‪ ،‬ثم إني استطلته بعد تسويدي لكثره‪ ،‬وترتيب ما بقي منه بذهني‪،‬‬
‫فاختصرته في مقدار نصف الحجم‪ ،‬وسميت هذا المختصر "عجالة القرى للراغب‬
‫في تاريخ أم القرى"‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ولد الفاسي عام ‪775‬هـ‪ ،‬وتوفى سنة ‪832‬هـ‪.‬‬
‫‪ 2‬توفى الخطيب البغدادي عام "‪463‬هـ"‪.‬‬
‫‪ 3‬هو‪ :‬علي بن أبي محمد الحسن بن هبة ال بن عبد ال بن الحسين‪ ،‬الحافظ ثقة‬
‫الدين أبو القاسم الدمشقي الشافعي‪ ،‬المعروف بابن عساكر‪ ،‬ولد "‪571 -499‬هـ"‬
‫وله تصانيف كثيرة من أهمها‪" :‬التاريخ الكبير لدمشق"‪ ،‬و"هداية العارفين في‬
‫أسماء المؤلفين"‪ ،‬وغيرها‪.‬‬
‫‪ 4‬المعاجم‪ :‬الكتب المصنفة على حروف المعجم والمشيخات في معنى المعاجم‪ ،‬إل‬
‫أن المعاجم ترتب المشايخ فيها على حروف المعجم بعينها‪ ،‬بخلف المشيخات‪.‬‬
‫قاله‪ :‬الحافظ ابن حجر ‪ -‬وتستعمل المشيخة علما على الكراريس التي يجمع‬
‫النسان فيها شيوخه‪ .‬وهو اصطلح قديم‪.‬‬
‫) ‪(1/16‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -19-‬وأنا أسال ال تعالى أن ييسر لي تبييضهما وتحريرهما‪ ،‬وأن ينفع‬
‫بذلك وينفعني به‪ ،‬ويثيبني عليه الثواب الجزيل‪.‬‬
‫وهذا التأليف المحتوي على التراجم ل يخلو من تقصير‪ ،‬سببه ما ذكرته من كوني‬
‫لم أر مؤلفا في معناه‪ ،‬ورأيت ما يدل على أن بعض الناس ألف تاريخا لمكة‪ ،‬وهو‬
‫الشريف زيد بن هاشم بن علي بن المرتضى العلوي الحسني‪ ،‬هكذا نسبه الشيخ أبو‬
‫العباس أحمد بن علي الميورقي ‪ ،1‬وترجمه بوزير مدينة الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وذلك في رسالة كتبها زيد‪ -‬المذكور‪ -‬للشيخ أبي العباس‪ -‬المذكور‪ -‬رأيتها‬
‫في كتاب "الجواهر الثمينة على مذهب عالم المدينة" لبن شاش المالكي بخط‬
‫الميورقي‪ ،‬ووقفه بوج الطائف‪ ،‬وفيها مكتوب بعد البسملة‪ :‬زيد بن هاشم بن علي‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬وبعد ‪ ....‬فقد خدم بها العبد الضعيف في الثلثاء منتصف شعبان‪ ،‬وبخط‬
‫الميورقي فوق شعبان‪ :‬سنة ست وسبعين وستمائة‪ ،‬وذكر أشياء‪ ،‬ثم قال‪ :‬وقد خطر‬
‫للضعيف مع المتاعب التي يعاني من كل وجه إثبات تاريخ لمكة المعظمة‪ ،‬وقد‬
‫أثبت منه إلى الن نحو خمس كراريس‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ولم أقف على هذا التاريخ‪ ،‬وما عرفت على أي نمط هو‪ ،‬هل هو تراجم فقط أو هو‬
‫حوادث فيها ذكر شيء من أخبار مكة والكعبة المعظمة مما يدخل في هذا التاريخ؟‬
‫وسميت هذا التأليف‪" :‬شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام"‪.‬‬
‫ورتبته على أربعين بابا‪:‬‬
‫الباب الول‪ :‬في ذكر مكة المشرفة وحكم بيع دورها وإجارتها‪.‬‬
‫الباب الثاني‪ :‬في أسماء مكة المشرفة‪.‬‬
‫الباب الثالث‪ :‬في ذكر حرم مكة‪ ،‬وسبب تحريمه‪ ،‬وعلماته‪ ،‬وحدوده‪ ،‬وما يتعلق‬
‫بذلك من ضبط ألفاظ في حدوده‪ ،‬ومعاني بعض أسمائها‪.‬‬
‫الباب الرابع‪ :‬في ذكر شيء من الحاديث والثار الدالة على حرمة مكة وحرمها‪،‬‬
‫وشيء في الحكام المختصة بذلك‪ ،‬وشيء مما ورد من تعظيم الناس لمكة‬
‫وحرمها‪ ،‬وفي تعظيم الذنب في ذلك‪ ،‬وفي فضل الحرم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ميورقة‪ :‬بالفتح ثم الضم وسكون الواو والراء يلتقي فيه ساكنان‪ ،‬وقاف‪ :‬جزيرة‬
‫في شرق الندلس‪ ،‬وقد نسب إلى هذه المدينة الشيخ أبو العباس أحمد بن علي‬
‫الميورقي المالكي المتوفي سنة "‪678‬هـ" المذكور عاليه‪ ،‬وصاحب رسالة "بهجة‬
‫المهج في بعض فضائل الطائف ووج" وطبعت في الطائف‪.‬‬
‫) ‪(1/17‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -20-‬الباب الخامس‪ :‬في ذكر الحاديث الدالة على أن مكة أفضل من‬
‫غيرها من البلد‪ ،‬وأن الصلة فيها أفضل من غيرها‪ ،‬وغير ذلك من فضلها‪.‬‬
‫الباب السادس‪ :‬في المجاورة بمكة والموت فيها‪ ،‬وشيء من فضل أهلها‪ ،‬وفضل‬
‫جدة‪ -‬ساحل مكة‪ -‬وشيء من خبرها‪ ،‬وشيء من فضل الطائف وشيء من خبره‪.‬‬
‫الباب السابع‪ :‬في أخبار عمارة الكعبة المعظمة‪.‬‬
‫الباب الثامن‪ :‬في صفة الكعبة وذرعها وشاذروانها وشيء من حليتها‪ ،‬ومعاليقها‪،‬‬
‫وكسوتها‪ ،‬وطيبها‪ ،‬وخدامها‪ ،‬وأسمائهم‪ ،‬وهدم الحبشي لها‪ ،‬ووقت فتحها في‬

‫الجاهلية والسلم‪ ،‬وبيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الفاق‪ ،‬ومعرفة أدلة‬
‫القبلة بالراق المشار إليها‪.‬‬
‫الباب التاسع‪ :‬في بيان مصلى النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة‪ ،‬وبيان قدر‬
‫صلته هذه‪ ،‬ووقتها‪ ،‬ومن رواها من الصحابة‪ ،‬ومن نفاها منهم ‪-‬رضي ال عنهم‪-‬‬
‫وترجيح رواية من أثبتها على رواية من نفاها‪ ،‬وما قيل من الجمع بين ذلك‪ ،‬وعدد‬
‫دخوله صلى ال عليه وسلم الكعبة بعد هجرته إلى المدينة‪ ،‬وأول وقت دخلها بعد‬
‫هجرته‪.‬‬
‫الباب العاشر‪ :‬في ثواب دخول الكعبة المعظمة‪ ،‬وفيما جاء من الخبار الموهمة‬
‫لعدم استحباب دخولها‪ ،‬وفيما يطلب فيها من المور التي صنعها صلى ال عليه‬
‫وسلم فيها‪ ،‬وحكم الصلة فيها‪ ،‬وفي آداب دخولها‪.‬‬
‫الباب الحادي عشر‪ :‬في فضائل الكعبة‪ ،‬وفضائل الحجر السود والركن اليماني‪.‬‬
‫الباب الثاني عشر‪ :‬في فضائل العمال المتعلقة بالكعبة كالطواف بها‪ ،‬والنظر‬
‫إليها‪ ،‬والحج‪ ،‬والعمرة‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫الباب الثالث عشر‪ :‬في اليات المتعلقة بالكعبة المعظمة‪.‬‬
‫الباب الرابع عشر‪ :‬في شيء من أخبار الحجر السود‪.‬‬
‫الباب الخامس عشر‪ :‬في الملتزم‪ ،‬والمستجار‪ ،‬والحطيم‪ ،‬وما جاء في استجابة‬
‫الدعاء في ذلك وغيره من الماكن الشريفة بمكة وحرمها‪.‬‬
‫الباب السادس عشر‪ :‬في شيء من أخبار مقام إبراهيم الخليل عليه السلم‪.‬‬
‫الباب السابع عشر‪ :‬في شيء من خبر حجر إسماعيل ‪-‬عليه السلم‪ -‬وفيه بيان‬
‫المواضع التي صلى فيها النبي صلى ال عليه وسلم حول الكعبة‪.‬‬
‫الباب الثامن عشر‪ :‬في شيء من أخبار توسعة المسجد الحرام‪ ،‬وعمارته‪ ،‬وذرعه‪.‬‬
‫) ‪(1/18‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -21-‬الباب التاسع عشر‪ :‬في عدد أساطينه ‪ ،1‬وصفتها‪ ،‬وعدد عقوده‬
‫‪ ،2‬وشرفاته ‪ ،3‬وقناديله‪ ،‬وأبوابه وأسمائها‪ ،‬ومنايره ‪،4‬وفيما صنع فيه لمصلحة أو‬
‫لنفع الناس به‪ ،‬وفيما فيه الن من المقامات‪ ،‬وكيفية صلة الئمة بها وحكمها‪.‬‬
‫الباب العشرون‪ :‬في أخبار زمزم‪ ،‬وسقاية العباس ‪-‬رضي ال عنه‪.‬‬
‫الباب الثاني والعشرون‪ :‬في الماكن التي لها تعلق بالمناسك‪.‬‬
‫الباب الثالث والعشرون‪ :‬فيما بمكة من المدارس‪ ،‬والربط ‪ ،5‬والسقايات ‪ ،6‬والبرك‬
‫المسبلة ‪ ،7‬والبار‪ ،‬والعيون‪ ،‬والمطاهر ‪ ،8‬وغير ذلك من المآثر‪ ،‬وما في حرمها‬
‫من ذلك‪.‬‬
‫الباب الرابع والعشرون‪ :‬في ذكر شيء من خبر بني المحصن بن جندل ملوك مكة‪،‬‬
‫ونسبهم‪ ،‬وذكر شيء من أخبار العماليق ملوك مكة‪ ،‬ونسبهم‪ ،‬وذكر ولية طسم‬
‫للبيت الحرام‪.‬‬
‫الباب الخامس والعشرون‪ :‬في ذكر شيء من خبر جرهم ولة مكة ونسبهم‪ ،‬وذكر‬
‫من ملك مكة من جرهم ومدة ملكهم لها‪ ،‬وما وقع في نسبهم من الخلف‪ ،‬وفوائد‬
‫تتعلق بذلك‪ ،‬وذكر من أخرج جرهما من مكة‪ ،‬وكيفية خروجهم منها‪ ،‬وغير ذلك‬
‫من خبرهم‪.‬‬

‫الباب السادس والعشرون‪ :‬في ذكر شيء من خبر النبي إسماعيل ‪ -‬عليه السلم‪-‬‬
‫وذكر ذبح إبراهيم لسماعيل عليهما السلم‪.‬‬
‫الباب السابع والعشرون‪ :‬في ذكر شيء من خبر "هاجر" أم إسماعيل ‪-‬عليه‬
‫السلم‪ -‬وذكر أسماء أولد إسماعيل وفوائد تتعلق بهم‪ ،‬وذكر شيء من خبر بني‬
‫إسماعيل‪ ،‬وذكر ولية ثابت بن إسماعيل للبيت الحرام‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الساطين‪ :‬جمع أسطونة‪ ،‬وهي العمود المستدير‪.‬‬
‫‪ 2‬العقود‪ :‬جمع عقدة‪ ،‬وهو القطعة من البناء مقوسة السقف‪.‬‬
‫‪ 3‬الشرفات‪ :‬جمع شرفة‪ ،‬وهي القطعة الخارجة من البناء‪.‬‬
‫‪ 4‬المنائر‪ :‬جمع منارة‪ ،‬والصحيح مناور‪ ،‬وهي المئذنة‪.‬‬
‫‪ 5‬الربط‪ :‬سيأتي الحديث عنها بتوسع في الباب الخاص بها‪.‬‬
‫‪ 6‬جمع سقاية‪ ،‬وهي الماكن التي يسقى فيها الماء‪.‬‬
‫‪ 7‬المسبلة‪ :‬المجعولة وقفا يردها كل من يشاء‪.‬‬
‫‪ 8‬جمع مطهرة‪ :‬وهي المكان المعدة لقضاء الحاجات والوضوء والستحمام‬
‫وغيرها من أنواع الطهارة‪.‬‬
‫) ‪(1/19‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -22-‬الباب الثامن والعشرون‪ :‬في ذكر ولية إياد بن نزار بن معد بن‬
‫عدنان للكعبة وشيء من خبره‪ ،‬وذكر ولية بني إياد بن نزار للكعبة‪ ،‬وشيء من‬
‫خبرهم‪ ،‬وخبر مضر‪ ،‬ومن ولي الكعبة من مضر قبل قريش‪.‬‬
‫البات التاسع والعشرون‪ :‬في ذكر من ولي الجازة بالناس من منى من العرب في‬
‫ولية جرهم‪ ،‬وفي ولية خزاعة وقريش على مكة‪.‬‬
‫الباب الثلثون‪ :‬في ذكر من ولي إنساء ‪ 1‬الشهور من العرب بمكة‪ ،‬وذكر صفة‬
‫النساء‪ ،‬وذكر الحمس‪ ،‬والحلة‪ ،‬والقلمس ‪.2‬‬
‫الباب الحادي والثلثون‪ :‬في ذكر شيء من خبر خزاعة ولة مكة في الجاهلية‬
‫ونسبهم‪ ،‬ومدة وليتهم لمكة‪ ،‬وأول ملوكهم بها‪ ،‬وغير ذلك من خبرهم‪ ،‬وشيء من‬
‫خبر عمرو بن عامر ماء السماء الذي تنسب إليه خزاعة ‪-‬على ما قيل‪ -‬وشيء من‬
‫خبر بنيه وغير ذلك‪.‬‬
‫الباب الثاني والثلثون‪ :‬في ذكر شيء من أخبار قريش بمكة في الجاهلية‪ ،‬وشيء‬
‫من فضلهم‪ ،‬وما وصفوا به‪ ،‬وبيان نسبهم‪ ،‬وسبب تسميتهم بقريش‪ ،‬وابتداء وليتهم‬
‫للكعبة‪ ،‬وأمر مكة‪.‬‬
‫الباب الثالث والثلثون‪ :‬في ذكر شيء من خبر بني قصي بن كلب وتوليتهم لما‬
‫كان بيده من الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء والقيادة وتفسير ذلك‪.‬‬
‫الباب الرابع والثلثون‪ :‬في ذكر شيء من خبر الفجار والحابيش‪.‬‬
‫الباب الخامس والثلثون‪ :‬في حلف الفصول وخبر ابن جدعان الذي كان هذا‬
‫الحلف في داره‪ ،‬وذكر أجواد قريش وحكامهم في الجاهلية‪ ،‬وتملك عثمان بن‬
‫الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي عليهم‪ ،‬وشيء من خبره‪.‬‬
‫الباب السادس والثلثون‪ :‬في ذكر فتح مكة المشرفة‪ ،‬وفوائد تتعلق بخبر فتحها‪.‬‬

‫الباب السابع والثلثون‪ :‬في ذكر ولة مكة المشرفة في السلم‪.‬‬
‫الباب الثامن والثلثون‪ :‬في ذكر حوادث تتعلق بمكة في السلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إنساء الشهور‪ :‬هو تأخير الشهر الحرم إلى ما بعدها‪ ،‬استحلل للقتال كما ذكره‬
‫المؤلف في الباب الثلثين‪.‬‬
‫‪ 2‬القلمس‪ :‬هو أول من نسأ الشهور على العرب‪ ،‬واسمه‪ :‬حذيفة بن عبد فقيم بن‬
‫عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة‪ .‬قال شاعرهم‪:‬‬
‫وفينا ناسئ الشهر القلمسي‬
‫والقلمس‪ :‬هو السيد العظيم المعطاء‪.‬‬
‫) ‪(1/20‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -23-‬الباب التاسع والثلثون‪ :‬في ذكر شيء من أمطار مكة وسيولها‬
‫في الجاهلية والسلم‪ ،‬وشيء من أخبار الصواعق بمكة‪ ،‬وذكر شيء من أخبار‬
‫الغلء والرخص والوباء‪.‬‬
‫الباب الربعون‪ :‬في ذكر الصنام التي كانت بمكة وحولها‪ ،‬وشيء من خبرها‪،‬‬
‫وذكر شيء من خبر أسواق مكة في الجاهلية والسلم‪ ،‬وذكر شيء مما قيل من‬
‫الشعر في الشوق إلى مكة المشرفة‪ ،‬وذكر معالمها المنيفة‪.‬‬
‫وأنا أسأل من كل واقف على هذا المختصر وأصله ‪ 1‬المسامحة عما فيهما من‬
‫التقصير‪ ،‬وإصلح ما فيهما من الغلط بعد التحرير‪ ،‬فسبب الغلط في الغالب‬
‫النسيان‪ ،‬وقد جبل عليه كل إنسان‪ ،‬وسبب التقصير ما ذكرته من أني لم أر مؤلفا‬
‫في المعنى الذي قصدت جمعه مما كان بعد الزرقي والفاكهي فأستغني به‪.‬‬
‫وأسأل ال أن يمنحني على ما قصدت الثواب الجزيل بمحمد ‪ 2‬سيد المرسلين وآله‬
‫وصحبه الكرمين‪.‬‬
‫وقد رأيت أن أذكر إسنادي في تاريخ الزرقي لكثرة المنقول منه في هذا الكتاب‪،‬‬
‫وإذا كان ذلك متصل إليه بالسناد فهو مما يستجاد‪ ،‬وأخبرني به أبو المعالي عبد‬
‫ال بن عمر الصوفي بقراءتي عليه في القاهرة عن أبي زكريا يحيى بن يوسف‬
‫القرشي إجازة إن لم يكن سماعا‪ :‬أن أبا الحسن علي بن هبة ال الخطيب‪ ،‬وعبد‬
‫الوهاب بن ظافر الزدي‪ ،‬أنبآه عن أبي طاهر أحمد بن محمد الحافظ‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا‬
‫به المبارك بن عبد الجبار المعروف بابن الطيوري‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا به أبو طالب‬
‫محمد بن علي بن الفتح العشاري‪ ،‬قال‪ :‬أنبأنا به أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي‬
‫موسى الهاشمي‪ ،‬قال‪ :‬أنبأنا به أبو إسحق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أنبأنا به أبو الوليد محمد بن عبد ال الزرقي‪ .‬فذكره‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬يقصد بالصل‪ :‬كتابه "العقد الثمين"‪.‬‬
‫‪ 2‬أي بشفاعة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كما أفتى بذلك المام ابن تيمية‪.‬‬
‫) ‪(1/21‬‬

‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -25-‬الباب الول‪ :‬في ذكر مكة المشرفة وحكم بيع دورها وإجارتها‬
‫ل‪ :‬ذكر مكة المشرفة‬
‫أو ً‬
‫مكة المشرفة بلدة مستطيلة كبيرة تسع من الخلئق ما ل يحصيهم إل ال ‪-‬عز‬
‫وجل‪ -‬في بطن واد مقدس‪ ،‬والجبال محدقة بها كالسور لها‪ ،‬ولها مع ذلك ثلثة‬
‫أسوار‪ :‬سور في أعلها ويعرف بسور باب المعلة ‪ ،1‬وفيه بابان أحدهما ل باب‬
‫له ويكون في الغالب مسدودا‪ ،‬وسوران في أسفلها‪ ،‬أحدهما‪ :‬يعرف بسور باب‬
‫الشبيكة ‪ 2‬وفيه باب كبير وخوخة ‪ 3‬صغيرة ل باب لها‪ ،‬والسور الخر يعرف‬
‫بسور باب الماجن ‪ ،4‬ويعرف أيضا بسور باب اليمن لنه على طريق البر إلى‬
‫اليمن‪.‬‬
‫وكان أحصن هذه السوار‪ -‬على ما رأينا‪ -‬سور باب الشبيكة‪ ،‬لكماله بالبناء فيما‬
‫بين الجبلين اللذين بينهما السور المذكور‪ ،‬وليس كذلك سور باب المعلة وسور‬
‫باب الماجن‪ ،‬والخلل في سور باب الماجن أكثر‪ ،‬ولقصر جدر هذين السورين في‬
‫مواضع‪ ،‬وليس كذلك سور باب الشبيكة‪ ،‬وقد عمر سور باب المعلة وسور باب‬
‫الماجن حتى كمل بناؤهما من الجبل إلى الجبل إل أن في سور باب المعلة موضعا‬
‫متخلل من البناء‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬المعلة مرتفع بأعلى مكة على سفح جبل الحجون‪ ،‬وبه مقبرة مكة المشهورة‬
‫بقبور المعلة‪ ،‬وينطقها أهل مكة بالتخفيف فيقولون‪" :‬المعلى"‪.‬‬
‫‪ 2‬الشبيكة‪ :‬هي الن حي من أحياء مكة‪ :‬واقعة بأسفل مكة‪ ،‬ومنحرفة إلى الجهة‬
‫الغربية منها‪.‬‬
‫‪ 3‬الخوخة‪ :‬هي الفتحة أو الباب الصغير‪.‬‬
‫‪ 4‬الماجن‪ ،‬أو الماجل‪ :‬بأسفل مكة‪ ،‬وبه الن بركة يقال لها‪ :‬بركة ماجل‪ ،‬وبها‬
‫مزرعة‪ ،‬وهي أحد المتنزهات التي يخرج إليها أهل مكة كل مساء في زمن‬
‫الصيف‪ ،‬وهي من ناحية الجنوب‪ ،‬ويحرفها المكيون فيقولون‪" :‬بركة ماجد"‪،‬‬
‫ويقال‪ :‬إن هذا المكان كان سوقا من أسواق العرب في الجاهلية‪ ،‬وقد انتشر العمران‬
‫الن حتى تعداها‪ ،‬وقد وجدت بعض الثار التي تدل على أن هذا الموضع كان‬
‫معمورا قديما‪.‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -26-‬مما يلي البركة المعروفة ببركة الصارم ‪ ،1‬وارتفع جدر السورين‬
‫عما كانا عليه‪ ،‬ويذكر أنهما يرفعان أكثر ويعمل لهما شرفات‪ ،‬ويكمل الخلل الذي‬
‫في سور باب المعلة وهذه العمارة في النصف الثاني من سنة ست عشرة‬
‫وثمانمائة من جهة الشريف بدر الدين حسن بن عجلن الحسني ‪ 2‬نائب السلطنة‬
‫ببلد الحجاز أدام ال له الرفعة والعزاز ‪.3‬‬

‫وسبب ذلك أن ابن أخيه السيد رميثة بن محمد بن عجلن هجم على مكة ودخلها‬
‫في طائفة من أصحابه في ضحوة يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الخرة‬
‫من السنة المذكورة‪ ،‬ومال إليه جماعة من المولدين الذين كانوا بمكة وخرجوا‬
‫جميعا منها‪ ،‬ولم يحدثوا بها كثير حدث لتخوفهم من وصول السيد حسن بن عجلن‬
‫إليهم فيستأصلهم‪ ،‬لكثرة من معه وقلتهم‪ .‬وكان مدة مكثهم بمكة ساعة فلكية أو أزيد‪.‬‬
‫ولما توجه "رميثة" لمكة لم يكن لعمه علم به‪ ،‬ولما علم بذلك أتى مكة مسرعا‬
‫ودخلها من درب المعلة‪ ،‬ورأى أوائل عسكره أصحاب "رميثة" خارجين من‬
‫مكة‪ ،‬فتبعهم السيد حسن في عسكره قليل‪ ،‬ثم أعرض عنهم رحمة لهم‪ .‬وكان بين‬
‫الفريقين بعد ذلك منازلت وأمور كثيرة‪.‬‬
‫ثم إن بعض عسكر السيد حسن هدم عدة مواضع من سور باب المعلة من جانبيه‪،‬‬
‫منها‪ :‬موضع كبير يلي الجبل الشامي عند البرج الذي هناك سعته نحو عشرة أذرع‬
‫حتى اتصل الهدم بالرض‪ ،‬ومنها‪ :‬موضع نحوه من الجانب الخر يتصل ببركة‬
‫الصارم‪ ،‬وذلك في يوم الثلثاء خامس وعشرين شوال سنة تسع عشرة وثمانمائة‪،‬‬
‫ثم أعيد بناء جميع ما تهدم من هذا السور كما كان‪ ،‬في بقية شوال ‪.4‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ل توجد بركة جهة المعلة بهذا السم الن‪ ،‬وإنما توجد بركة باسم الشامي‪:‬‬
‫فلعلها هي‪ ،‬ولعل تحريفا وقع من الناسخ‪ ،‬ويقول السباعي في كتابه "تاريخ مكة"‪:‬‬
‫كانت بركتا المعلة تقعان خلف السور مباشرة‪ ،‬فلعل هذه إحداهما‪.‬‬
‫‪ 2‬كان الحسن بن عجلن نشيطا في تعمير مكة‪ ،‬وقد جدد بيمارستان المستنصر‬
‫العباسي‪ ،‬وأعده ليواء الفقراء والمرضى والمجانين‪ ،‬وذلك في التاريخ الذي ذكره‬
‫الفارسي في ‪ 24‬ربيع الخرة سنة ‪798‬هـ وقد تنازل الشريف حسن عن إمارة مكة‬
‫وكتب إلى صاحب مصر يطلب الموافقة على تنازله لولديه‪ :‬بركات‪ ،‬وإبراهيم‪،‬‬
‫فوافاه المرسوم سنة ‪824‬هـ بتأييد بركات دون إبراهيم‪ ،‬وقد دامت ولية الشريف‬
‫حسن وولده بركات إلى أوائل سنة ‪827‬هـ حيث انتقلت في هذا التاريخ إلى‬
‫مناوئيهما من بني عمومتهما من أولد "رميثة" ولكن الشريف حسن وابنه بركات‬
‫استطاعا العودة إلى المارة بتأييد الملك برسباي‪ ،‬وقد مات الشريف حسن في ‪16‬‬
‫جمادي الخرة سنة ‪829‬هـ‪" ،‬انظر ترجمته في‪ :‬الضوء اللمع ‪ 103 /3‬رقم‬
‫‪."417‬‬
‫‪ 3‬إتحاف الورى ‪ ،505 /3‬والعقد الثمين ‪.117 /4‬‬
‫‪ 4‬إتحاف الورى ‪ ،534 ،533 /3‬العقد الثمين ‪ ،124 /4‬والسلوك للمقريزي ‪:1 /4‬‬
‫‪ ،371‬وإنباء الغمر ‪.910 /3‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -27-‬وفي أول ذي القعدة من السنة المذكورة‪ ،‬وفي يوم هدم ذلك أحرق‬
‫باب المعلة بالنار حتى سقط إلى الرض‪ ،‬وكان عمل "بكلكته" من بلد الهند في‬
‫سنة ستة وثمانين وسبعمائة‪ ،‬وأهدي للسيد أحمد بن عجلن‪ ،‬وركبه على باب‬
‫المعلة‪ :‬عنان بن مغامس بن رميثة في سنة تسع وثمانين لما ولي إمرة مكة بعد‬
‫قتل محمد بن أحمد بن عجلن‪ ،‬وسبب إحراقه وهدم ذلك‪ :‬أن عسكر السيد رميثة‬

‫بن محمد بن عجلن منعوا عسكر عمه السيد حسن من دخول مكة لما ولي إمرة‬
‫مكة عوض رميثة في ثامن عشر من رمضان هذه السنة‪ ،‬وبأمره كان بناء ما هدم‪،‬‬
‫وبأمره عوض عن الباب المحترق بباب جيد وركب في محله في يوم الجمعة ثاني‬
‫عشر القعدة من السنة المذكورة‪ ،‬وهذا الباب كان لبعض دور السيد حسن بمكة‪،‬‬
‫وكان ينقص عن مقدار باب المعلة‪ ،‬فزيد فيه ما كمله وأحكمت الزيادة فيه ‪.1‬‬
‫وكان لمكة سور من أعلها دون سورها اليوم قريبا من المسجد المعروف بمسجد‬
‫الراية ‪ ،2‬وموضع باب هذا السور على ما ذكر لي غير واحد فيما بين الدارين‬
‫المتقابلتين‪ .‬المنسوبتين لمسعود بن أحمد المعروف بالزرقي المكي التي بإحداهما‬
‫الن ذيب مشروعة ل سقف عليها في محاذاة ركني الدارين مما يلي الردم‪ ،‬وإذا‬
‫كان محل باب السور في محاذاة هذين الركنين فالظاهر ‪-‬وال أعلم‪ -‬أن محل بقية‬
‫السور يحاذي بابه من جانبي الباب‪ ،‬وأنه من الجبل الذي إلى جهة القرارة ‪ 3‬ويقال‬
‫له‪ :‬لعلع إلى الجبل المقابل له الذي إلى جهة سوق الليل‪ ،‬لن التحصن بهذا السور‬
‫ل يتم إل بأن يكون هكذا‪.‬‬
‫وفي الجبلين المشار إليهما آثار بناء تدل على اتصال السور بهما‪ ،‬وبعض هذا‬
‫السور الن ‪-‬على ما بلغني‪ -‬في بعض البيوت المحاذية له‪ ،‬لن بعض الناس أراني‬
‫في بعض الدور المنسوبة للرالكيين جدارا عريضا ذكر أنه من السور الذي كان‬
‫هناك‪ ،‬ونقل ذلك عن بعض أقاربه‪ ،‬ويقال الن لموضع باب السور المشار إليه‪:‬‬
‫الدرب الدارس‪ ،‬ويقال لهذا السور فيما مضى‪ :‬السور الجديد‪ ،‬لني وجدت بخط‬
‫مسند مكة وموثقها عبد الرحمن بن أبي حرمي الكاتب العطار ما يقتضي ذلك‪.‬‬
‫ومن موضع باب السور المشار إليه بالرض عند ركني الدارين المشار إليهما مما‬
‫يلي الردم إلى الجدار القبلي من المسجد المعروف بمسجد الراية‪ :‬مائة ذراع وثلثة‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪.532 /3‬‬
‫‪ 2‬مسجد الراية‪ :‬ما زال معروفا إلى الن بهذا السم‪ ،‬وهو المسجد الواقع‬
‫بالجودرية على يمين الصاعد من المدعا إلى المعلة‪ ،‬وقد جدد عام ‪1361‬هـ‪ ،‬وعند‬
‫حفر أساسه عثر على حجرين مكتوبين يدلن على أن هذا المسجد هو مسجد الراية‬
‫أحدهما تاريخه عام ‪898‬هـ‪ ،‬والثاني عام ‪1000‬هـ‪.‬‬
‫‪ 3‬القرارة‪" :‬هو حي من أحياء مكة"‪.‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -28-‬وعشرون ذراعا وربع ذراع بالذراع الحديد‪ ،‬يكون ذلك بذراع‬
‫اليد التي تحريره إن شاء ال تعالى مائة ذراع وأربعين ذراعا وستة أسباع ذراع‪.‬‬
‫ومن موضع باب السور الذي أشرنا إلى جدار باب المسجد الحرام المعروف بباب‬
‫بني شيبة‪ :‬تسعمائة ذراع ‪-‬بتقديم التاء‪ -‬وعشرون ذراعا ونصف ذراع بالحديد‪.‬‬
‫ويكون ذلك بذراع اليد ألف ذراع واثنين وخمسين ذراعا‪.‬‬
‫وما عرفت متى أنشئت هذه السوار لمكة‪ ،‬ول من أنشأها‪ ،‬ول من عمرها‪ ،‬غير‬
‫أنه بلغني أن الشريف أبا عزيز قتادة ‪ 1‬بن إدريس الحسني أحد أجداد الشريف‬
‫حسين المذكور عمرها ‪-‬وال أعلم‪ -‬بصحة ذلك‪ ،‬وأظن أن في دولته عمر السور‬

‫الذي كان بأعلى مكة‪ ،‬وفي دولته سهلت العقبة التي بني عليها سور باب الشبيكة‬
‫وأصلحت‪ ،‬وذلك من جهة المظفر صاحب إبل في سنة سبع وستمائة ‪ ،2‬ولعله الذي‬
‫بني السور الجديد الذي كان بأعلى مكة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ورأيت في بعض التواريخ ما يقتضي أنه كان لمكة سور في زمن المقتدر بال‬
‫العباسي‪ ،‬وما عرفت هل هو هذا السور من أعلى مكة وأسفلها أو إحدى الجهتين‪،‬‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫وطول مكة‪ ،‬من باب المعلة إلى باب الماجن على خط الردم والمسعى والسوق‬
‫المعروف بسوق العلفة ‪ ،3‬ومسيل وادي إبراهيم‪ :‬أربعة آلف ذراع وأربعمائة‬
‫ذراع واثنان وسبعون ذراعا‪ -‬بتقديم السين‪ -‬وذلك بذراع اليد التي ذكره ‪-‬إن شاء‬
‫ال تعالى‪ -‬في حدود الحرم‪ ،‬وهو ينقص عن ذراع الحديد ثمن ذراع الحديد‪.‬‬
‫وطول مكة من باب المعلة إلى باب الشبيكة على خط الردم‪ ،‬والمسعى‪ ،‬ومسيل‬
‫وادي إبراهيم ‪-‬إل أنه ينحرف عنه‪ -‬إلى باب الشبيكة في الزفاق الذي يخرج منه‬
‫على البيت المعروف ببيت ابن عرفة بالشبيكة‪ :‬أربعة آلف ذراع وستمائة ذراع‬
‫واثنان وتسعون ذراعا ‪-‬بتقديم التاء‪ -‬وذلك بذراع اليد المشار إليه‪.‬‬
‫ومن باب المعلة إلى باب الشبيكة ‪-‬أيضا‪ -‬على خط الردم ويعدل منه من سوق‬
‫الليل والحشيش إلى السويقة‪ ،‬ثم إلى الشبيكة‪ :‬أربعة آلف ذراع ومائة ذراع واثنان‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هو أول من ولي مكة من الشراف الحسنيين‪ ،‬وكانت وليته سنة سبع‪ ،‬وقيل‪:‬‬
‫ثمان‪ ،‬وقيل‪ :‬تسع وتسعين وخمسمائة‪ ،‬وتوفي بمكة في جمادي الخرة سنة ‪618‬هـ‬
‫"انظر‪ :‬الكامل لبن الثير ‪ ،165 /12‬وفي الذيل على الروضتين "ص‪،"123 :‬‬
‫والنجوم الزاهرة ‪ ،"251 /6‬والبداية والنهاية ‪ 92 /13‬أنه توفى في سنة ‪617‬هـ‪.‬‬
‫‪ 2‬إتحاف الورى ‪ ،513‬والعقد الثمين ‪.101 /7‬‬
‫‪ 3‬واسم هذا السوق الن‪ :‬السوق الصغير‪.‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -29-‬وسبعون ذراعا‪ -‬بتقديم السين‪ -‬وذلك بذراع اليد المشار إليه‪ ،‬وما‬
‫عرفت أن أحدا قبلي اعتبر ذلك‪ ،‬وذكرنا في أصل هذا الكتاب مقدار ذلك بالميال‬
‫على قول من قال إن الميل ألف ذراع‪ ،‬وهو قول ابن حبيب المالكي ويقع في بعض‬
‫نسخ ابن الحاجب لتشهيره ‪.1‬‬
‫وقول من قال إنه‪ :‬ثلثة آلف ذراع وخمسمائة ذراع‪ ،‬وهو أصح ما قيل في الميل‬
‫على ما ذكره ابن عبد البر فيما نقله عنه صاحب "التوضيح" الشيخ خليل المالكي‪.‬‬
‫وقول من قال‪ :‬إنه أربعة آلف ذراع‪ ،‬وهو الذي يعتمده أهل الحساب‪ ،‬وعليه أكثر‬
‫الناس على ما قال القاضي أبو الوليد الباجي فيما نقله عنه صاحب "التوضيح"‬
‫أيضا‪.‬‬
‫وقول من قال‪ :‬إنه ستة آلف ذراع‪ ،‬وهو قول الصمعي ومتابعيه من الشافعية‬
‫وغيرهم‪.‬‬
‫وذكر الفاكهي ما يقتضي أن الناس فيما مضى كانوا ل يتجاوزون في السكنى البئر‬
‫التي عند المسجد الذي عند الردم‪ ،‬بأعلى مكة‪ ،‬لنه قال في الترجمة التي ترجم‬

‫عليها بقوله‪" :‬ذكر المواضع التي تستحب فيها الصلة بمكة وآثار النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم فيها وتفسير ذلك‪ .... ":‬ومنها‪ :‬مسجد بأعلى مكة عند الردم ]العلى[‪،‬‬
‫عند بئر جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل‪ ،‬ويقال لها‪ :‬البئر العليا‪ ،‬يقال‪ :‬إن النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم صلى فيه‪ ،‬ثم قال‪ :‬سمعت بعض أهل مكة من الفقهاء يقول‪:‬‬
‫كان الناس ل يجاوزون في السكنى في قديم الدهر هذا البئر‪ ،‬إنما كان الناس فيما‬
‫دونها إلى المسجد‪ ،‬وما فوق ذلك خال من الناس‪ ،‬وقال عمر بن أبي ربيعة‪ -‬أو‬
‫غيره‪ -‬يذكر هذا البئر‪:‬‬
‫نزلت بمكة في قبائل نوفل ونزلت خلف البئر أبعَد منزل‬
‫ب اللسان يقول ما لم يفعل ‪2‬‬
‫حذرا عليها من مقالة كاشح َذِر ِ‬
‫وسمعت أبا يحيى بن أبي ميسرة يقول‪ :‬كان آخر البيوت عند الردم نحوا من هذا‬
‫الموضع‪ ،‬واحتج في ذلك بقول عطاء‪ :‬إذا جاوز الردم ‪-‬يعني الحاج‪ -‬صنع ما‬
‫شاء ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫والمسجد المشار إليه هو المسجد المعروف بمسجد الراية‪ ،‬والبئر المشار إليها لعلها‬
‫البئر التي بقرب هذا المسجد‪ ،‬وهي معروفة عند الناس ويستقون منها‪ ،‬ويحتمل أن‬
‫تكون البئر التي كانت تعرف ببئر أبي المرة بقرب هذا المسجد من أعله‪ ،‬وهي‬
‫الن خافية لنها‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أي عده مشهورا‪.‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،19 /4‬وقد جاء ذكر هذا الموضع‪ ،‬وأن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم صلى فيه‪ ،‬في مسند المام أحمد ‪ ،417 /3‬وسنن ابن ماجة ‪ ،334 /1‬ومسند‬
‫ابن أبي شيبة ‪ ،313 /1‬وذكره ابن حجر في الصابة ‪ 391 /3‬وعزاه لبن أبي‬
‫خيثمة والبغوي‪.‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -30-‬طمست من نحو اثني عشر عاما‪ ،‬وهي منه أبعد من البئر‬
‫الموجودة الن‪ ،‬والول أقرب‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وللناس اليوم منازل كثيرة مسكونة فوق هذا المسجد‪ ،‬والبئر المشار إليها من جانبي‬
‫الوادي‪ ،‬وهي من الجانب الذي يكون على يمين الصاعد من مكة المشرفة ‪.1‬‬
‫ومن الجبال المحدقة بمكة‪ :‬أخشباها وهما‪ :‬أبو قبيس‪ ،‬والجبل الحمر على ما ذكر‬
‫الزرقي؛ لنه قال‪ :‬أخشبا مكة‪ :‬أبو قبيس‪ ،‬وهو الجبل المشرف على الصفا إلى‬
‫السويداء إلى الخندمة‪ ،‬ثم قال بعد ذكر شيء من خبر أبي قبيس‪ :‬والخشب الخر‬
‫الجبل الذي يقال له الحمر‪ ،‬وكان يسمى في الجاهلية "العرف"‪ ،‬وهو الجبل‬
‫المشرف وجهه على قعيقعان وعلى دور عبد ال بن الزبير ‪ ... 2‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر ابن الثير والمحب الطبري في أخشبي مكة مثل ما ذكره الزرقي‪ ،‬وذكر‬
‫القاضي عياض في "المشارق" وياقوت في مختصره لمعجم البلدان ‪ ،3‬ما يقتضي‬
‫خلف ذلك في الحمر‪.‬‬
‫أما القاضي فلنه قال‪ :‬الخشبان جبلن يضافان مرة إلى مكة ومرة إلى المدينة‪،‬‬
‫أحدهما أبو قبيس والخر قعيقعان‪ ،‬ويقال‪ :‬بل الجبل الحمر المشرف هنالك‬

‫ويسميان الجبجبان‪ ،‬وقال ابن وهب‪ :‬الخشبان الجبلن اللذان تحت العقبة بمنى‬
‫فوق المسجد ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ومرة إلى المدينة لعله ومرة إلى منى‪ ،‬بدليل ما حكاه عن ابن وهب‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫وأما ياقوت فقال‪" :‬باب‪ :‬الخشب"‪ :‬موضعان‪ :‬الخشب الشرقي‪ ،‬والخشب‬
‫الغربي‪ ،‬وهما الخشبان‪ ،‬فالشرقي‪ ،‬هو أبو قبيس‪ ،‬والغربي‪ :‬قعيقعان‪ ،‬وقيل‪ :‬بل‬
‫هما أبو قبيس‪ :‬والجبل الحمر المشرف هنالك‪ ،‬وفد بسطا في المعجم ‪ ...4‬انتهى‪.‬‬
‫وأبو قبيس‪ :‬بقاف مضمومة وباء موحدة مفتوحة وياء مثناة من تحت ساكنة وسين‬
‫مهملة‪ ،‬واختلف في سبب تسميته بذلك فقيل‪ :‬سمي برجل من إياد على ما قيل يقال‬
‫له‪ :‬أبو قبيس كان أول من بنى فيه‪ ،‬فلما صعد فيه البناء سمي جبل أبي قبيس‪ ،‬ذكر‬
‫س منه الركن فسمي‬
‫هذا القول المام الزرقي ‪ 5‬بمعنى ما ذكرناه‪ ،‬وقال‪ :‬ويقال اْقُتِب َ‬
‫أبا قبيس‪،‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أي من طريق المدعا‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي "‪."166 /2‬‬
‫‪ 3‬هو كتاب المشترك وضعا والمفترق صقعا "ص‪."16 :‬‬
‫‪ 4‬معجم البلدان ‪.122 /1‬‬
‫‪ 5‬أخبار مكة للزرقي ‪.203 ،202 /2‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -31-‬والول أشهرهما عند أهل مكة‪ ،‬ولم يذكر الزرقي في سبب‬
‫تسميته أبا قبيس غير هذين القولين‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إن أبا قبيس الذي سمي به هذا الجبل المشار إليه من مذحج‪ ،‬ذكر ذلك‬
‫النووي نقل عن ابن الجوزي‪ ،‬لنه قال في "التهذيب" حكى ابن الجوزي في سبب‬
‫تسميته بذلك قولين‪ ،‬الصحيح منهما‪ :‬أن أول من نهض يبني فيه رجل من مذحج‬
‫يقال له أبو قبيس‪ ،‬فلما صعد بالبناء فيه سمي أبا قبيس‪ ،‬والثاني ضعيف أو غلط‬
‫فتركناه ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫والقول الذي ترك النووي ذكره هو القول الذي أشار إليه الزرقي بقوله‪ :‬ويقال‪:‬‬
‫اقتبس منه الركن فسمي أبا قبيس‪ ،‬لن المحب الطبري قال في "القرى" في‬
‫الترجمة التي ترجم عليها بقوله‪" :‬ما جاء في فضل مكة وحرمها وأنها خير أرض‬
‫ال" في الباب الربعين‪ :‬واختلف في سبب تسمية أبي قبيس بذلك‪ ،‬فقيل‪ :‬إن أول‬
‫من نهض يبني فيه رجل من مذحج يقال له‪ :‬أبو قبيس فسمي به‪ ،‬وقيل‪ :‬لنه اقتبس‬
‫منه الركن فسمي بذلك‪ ،‬والول أصح‪ ،‬ذكره في "مثير العزم"‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫ومثير العزم هو "مثير العزم الساكن إلى أشرف الماكن"‪ 2‬تأليف الحافظ أبي‬
‫الفرج بن الجوزي على ما هو مشهور في هذا الكتاب إلى ابن الجوزي‪ ،‬ويتأيد ذلك‬
‫بأن المحب الطبري قال في القرى بعد أن أخرج حديثا في الباب الول منه‪ :‬خرجه‬
‫ابن الجوزي مسندا في كتاب "مثير العزم الساكن"‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وإذا كان ما ذكره المحب الطبري في تسمية أبي قبيس مذكورا في "مثير العزم‬

‫الساكن" صح ما ذكرناه في بيان القول الذي ترك النووي ذكره‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وذكر الفاكهي القولين في الرجل الذي بنى في أبي قبيس أول‪ ،‬هل هو من إياد أو‬
‫من مذحج؟ وسماه قبيسا‪ ،‬وهذا يخالف ما ذكره الزرقي من أنه أبو قبيس‪ ،‬ولعله‬
‫سقط لفظ أبي في كتاب الفاكهي ‪ ،3‬وال أعلم‪.‬‬
‫فيتحصل في نسبه قولن وفي اسمه قولن‪.‬‬
‫وقيل في سبب تسمية هذا الجبل بأبي قبيس غير ما سبق‪ ،‬لن أبا القاسم السهيلي‬
‫قال في روضه‪ :‬وثور جبل من جبال مكة‪ ،‬وثبير ‪-‬أيضا‪ -‬جبل من جبالها‪ ،‬ذكروا‬
‫أن ثبيرا‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪ ،"665 :‬ومثير الغرام "ص‪."345 :‬‬
‫‪ 2‬طبع الكتاب بتحقيقي في دار الحديث بالقاهرة‪ ،‬والرجح في تسميته‪ :‬مثير‬
‫الغرام‪.‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪.47 /4‬‬
‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -32-‬كان رجل من هذيل مات في ذلك الجبل فعرف به الجبل‪ ،‬كما‬
‫عرف أبو قبيس بقبيس بن شالح‪ ،‬رجل من جرهم كان قد وشى بين عمرو بن‬
‫مضاض وبين ابنة عمه مية‪ ،‬فنذرت أل تكلمه‪ ،‬وكان شديد الكلف بها‪ ،‬فحلف ليقتلن‬
‫قبيسا‪ ،‬فهرب منه إلى الجبل المعروف به وانقطع خبره‪ ،‬فإما مات‪ ،‬وإما تردى‬
‫منه‪ ،‬فسمي الجبل أبا قبيس ‪.1‬‬
‫وذكر السهيلي‪ :‬أن ابن هشام ذكره في خبر طويل في غير السيرة لبن إسحاق ‪.2‬‬
‫وقيل في سبب تسميته‪ :‬أن النار التي بأيدي الناس اقتبست منه‪ ،‬وذلك أن سرحتين‬
‫نزلتا من السماء فوقدتا نارا فاقتبس منهما آدم النار التي بأيدي الناس‪ ،‬ذكر ذلك‬
‫محمد بن إبراهيم الوراق في كتاب "مباهج الفكر ومناهج العبر" وهذا معنى ما‬
‫ذكره‪ ،‬وذكر الوراق‪ :‬أنه يقال له‪ :‬أبو قابوس‪ ،‬وشيخ الجبل‪ ،‬ولم أقف على هذا‬
‫الكتاب الذي ذكر الوراق فيه ما حكيناه عنه في أبي قبيس‪ ،‬وإنما وجدته بخط بعض‬
‫أصحابنا نقل عنه‪.‬‬
‫وأبو قبيس‪ :‬اسم لموضعين أحدهما هذا الجبل‪ ،‬والخر حصن بحلب قبالة شيزر‪،‬‬
‫وذكره ياقوت في مختصره لمعجم البلدان ‪.3‬‬
‫وسنذكر من الخبار المتعلقة بأبي قبيس غير ما ذكرناه هنا عند ذكره في الباب‬
‫الحادي والعشرين من هذا الكتاب‪.‬‬
‫والحمر الذي قيل فيه إنه أحد أخشبي مكة ‪-‬بحاء وراء مهملتين بينهما ميم‪ -‬ومنه‬
‫على ما قيل بنى الخليل إبراهيم عليه السلم الكعبة على ما رويناه عن عبد ال بن‬
‫عمرو بن العا‬
‫) ‪(1/9‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪-‬رضي ال عنهما‪ -‬وروينا ذلك عن أبي قلبة في تاريخ الزرقي ‪.4‬‬
‫والحمر اسم لثلثة مواضع على ما ذكر ياقوت في معجم البلدان ‪ 5‬لنه قال‪ :‬باب‬
‫الحمر‪ :‬ثلثة مواضع‪ ،‬الول‪ :‬الحمر‪ ،‬جبل مشرف على قعيقعان‪ ،‬كان يسمى في‬
‫الجاهلة العرف‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬الحمر‪ ،‬حصن بسواحل الشام‪ ،‬كان يعرف بَعثليث‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬الحمر‪ ،‬ناحية بالندلس من ناحية سرقسطه يقال له‪ :‬البرج الحمر‪...‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وقعيقعان الذي قيل إنه أحد أخشبي مكة‪ ،‬قال ياقوت في تعريفه لما ذكر المواضع‬
‫التي سميت قعيقعان‪ :‬جبل مشرف على مكة‪ ،‬وجهه إلى أبي قبيس‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪.175 /1‬‬
‫‪ 2‬الروض النف ‪.221 /1‬‬
‫‪ 3‬المشترك وضعا "ص‪."11 :‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للزرقي ‪.267 /2‬‬
‫‪ 5‬معجم البلدان ‪.117 /1‬‬
‫) ‪(1/10‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -33-‬وذكر أن قعيقعان بضم القاف وفتح العين ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر النووي ما يوافق ذلك‪ ،‬لنه قال بعد أن ذكر محله من "الروضة" وهو بضم‬
‫القاف الولى وفتح العين وبعدها ياء مثناة من تحت ساكنة وكسر القاف الثانية‪،‬‬
‫وهو جبل مكة المعروفة ومقابل لبي قبيس ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وقول ياقوت في تعريف قعيقعان هذا‪ :‬إنه مقابل أبي قبيس يفهم أنه أخشب‬
‫مكة الخر‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫والخشب في اللغة‪ :‬كل جبل خشن غليظ‪ .‬ذكر ذلك ابن الثير‪ ،‬وهو في صحاح‬
‫الجوهري بمعنى ذلك‪.‬‬
‫وسمي قعيقعان‪ :‬لقعقعة سلح مضاض بن عمرو الجرهمي وقومه فيه لما خرجوا‬
‫لقتال قطورا على ما سنذكر في خبرهم في الباب الخامس والعشرين إن شاء ال‬
‫تعالى‪ ،‬وقيل‪ :‬لقعقعة سلح ُتّبع لما قدم مكة لتعظيم حرمة البيت بعد أن كان له فيه‬
‫رأي غير ذلك‪.‬‬
‫وقعيقعان اسم لخمسة مواضع‪ ،‬ذكر ياقوت في مختصره لمعجم البلدان ‪ 3‬منها‬
‫ثلثا‪ :‬هذا‪ ،‬ومنه موضع على اثني عشر ميل من مكة على طريق الجرف إلى‬
‫اليمن ‪-‬ونقل ذلك عن عرام‪ -‬وعندها قرية بها ماء وزروع ونخيل‪ ،‬ومنها‪ :‬جبل‬
‫بالهواز‪ ،‬منه نحتت أساطين جامع البصرة ‪ ...‬انتهى ما ذكره ياقوت بالمعنى‪.‬‬
‫والموضعان اللذان لم يذكرهما ياقوت هما موضع مشهور يليه واد مشهور قرب‬
‫الطائف‪ ،‬وحصن باليمن بين ذمار وإرياب ‪ 4‬أفاَدنيه من ُيعتمد عليه من الصحاب‪،‬‬
‫وبقية الجبال بمكة‪ ،‬والخارجة عنها ل يعرف منها بما ذكره الزرقي من أسمائها‬
‫إل القليل‪ ،‬ولذلك أعرضنا عنه‪.‬‬
‫وبمكة أبنية كثيرة‪ ،‬ولم يذكر منها إل الماكن المباركة والمآثر‪ ،‬وإنما أعرضنا عن‬

‫ذكر ما سوى ذلك من البنية‪ ،‬لنها إنما تعرف بمن هي في أيديهم‪ ،‬وتعريفها بهم ل‬
‫يجدي إل في الوقت الحاضر‪ ،‬لجل نقلها من أيديهم بالبيع وغيره‪ ،‬وتشتهر بمن‬
‫صارت إليه وتنسى معرفتها بمن كانت به معروفة من قبل في الغالب‪ ،‬كما جرى‬
‫للزرقي في تعريفه رباع مكة‪ ،‬فإنها ل يعرف الن منها بما ذكره الزرقي إل‬
‫النادر كما سيأتي بيانه‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬المشترك وضعا "ص‪."355 :‬‬
‫‪ 2‬تهذيب السماء واللغاء ‪ 2‬ق ‪.110 2‬‬
‫‪ 3‬المشترك وضعا "ص‪."355 :‬‬
‫‪" 4‬ذمار وإرياب" مدينتان كبيرتان باليمن أحدهما لواء من ألوية اليمن الن‪.‬‬
‫) ‪(1/11‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -34-‬ووقع فيما ذكرناه من أمر مكة ذكر المعلة فنذكر حدها وحد ما‬
‫يعرف من مكة بالمسفلة‪.‬‬
‫وقد ذكره الزرقي في تاريخه لنه قال‪" :‬المعلة وما يليها من ذلك"‪.1‬‬
‫حد المعلة من شق مكة اليمن‪ :‬ما جاوز دار الرقم بن أبي الرقم‪ ،‬والزقاق الذي‬
‫على الصفا يصعد منه إلى جبل أبي قبيس مصعدا في الوادي‪ ،‬فذلك كله من‬
‫المعلة‪ ،‬ووجه الكعبة والمقام وزمزم وأعلى المسجد‪.‬‬
‫وحد المعلة من الشق اليسر‪ :‬من زقاق البقر الذي عند الطاحونة‪ ،‬ودار عبد‬
‫الصمد بن علي اللبان‪ ،‬مقابل دار يزيد بن منصور الحميري خال المهدي‪ ،‬يقال لها‪:‬‬
‫دار العروس مصعدا إلى قعيقعان‪ ،‬ودار جعفر بن محمد‪ ،‬ودار العجلة‪ ،‬وما جاز‬
‫سيل قعيقعان إلى السويقة‪ ،‬وقعيقعان مصعدا‪ ،‬فذلك كله من المعلة‪.‬‬
‫وحد المسفلة من الشق اليمن‪ :‬من الصفا‪ ،‬إلى أجيادين فما أسفل منه فذلك كله من‬
‫المسفلة‪.‬‬
‫وحد المسفلة من الشق اليسر‪ :‬من زقاق البقر منحدرا إلى دار عمرو بن العاص‪،‬‬
‫ودار ابن عبد الرزاق الجمحي‪ ،‬ودار زبيدة‪ ،‬فذلك كله من المسفلة‪ ،‬فهذه حدود‬
‫المعلة والمسفلة‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وهذه الدور التي ذكرها الزرقي ل يعرف منها الن غير دار الرقم‪ ،‬ودار العجلة‪.‬‬
‫وأما دار عمرو ‪-‬المشار إليها‪ -‬فلعلها من الموضع المعروف بخزانة قريش‪ ،‬لنها‬
‫بقرب باب المسجد الحرام الذي يقال له‪ :‬باب عمرو بن العا‬
‫) ‪(1/12‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪-‬على ما ذكر الزرقي‪ -‬وهو الباب المعروف بباب السدة ‪ ،2‬وتولى بيع‬
‫ذلك في عصرنا أناس كثيرون من ذرية عمرو بن العا‬
‫) ‪(1/13‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬غالبهم يسكن الموضع المعروف بالوهط من بلد‬
‫الطائف‪ ،‬ومنهم صارت للشهاب بركوت ‪ 3‬المكين‪ ،‬وعمر فيها عمارة حسنة جدا‪،‬‬
‫ل يوجد مثلها بمكة‪ ،‬وأدار عليها حائطا مرتفعا من جميع جوانبها‪ ،‬وكان ابتداء‬
‫عمارته لذلك في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة ‪.4‬‬
‫ولعل زقاق البقر المذكور في حد المعلة والمسفلة هو الزقاق الذي يصعد منه إلى‬
‫الموضع المعروف بمعبد الجنيد‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.266 /2‬‬
‫‪ 2‬سمي بالسدة لنه سد ثم فتح‪.‬‬
‫‪ 3‬ذكره الحافظ السخاوي في الضوء اللمع ‪ 15 /3‬رقم ‪.61‬‬
‫‪ 4‬إتحاف الورى ‪.482 /3‬‬
‫) ‪(1/14‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -35-‬وأظن أن دار العجلة ينقص مقدارها عما كان في زمن ابن الزبير‬
‫رضي ال عنه‪ -‬لكونها ذكرت في حد المسفلة والمعلة‪ ،‬ول يكون كذلك إل أن‬‫يكون منها الموضع المعروف بدار أبي سعيد‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وإذا خفي غالب الدور التي ذكرها الزرقي في حد المعلة والمسفلة‪ ،‬فكيف بما‬
‫ذكره من تعريف رباع مكة كلها بمن تنسب إليه‪ ،‬وهذا يؤيد ما ذكرناه من أن‬
‫تعريف رباع مكة بمن هي في أيديهم ل يجدي في الوقت الحاضر‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وحوز أهل المسفلة في عصرنا من جهة الصفا يمتد إلى الميل الذي بمنارة المسجد‬
‫الحرام المعروفة بمنارة باب علي‪ ،‬وكان يمتد حوزهم إلى المطهرة الناصرية‬
‫بالمسعى على ما قيل‪ ،‬وحوزهم من جهة دار العجلة إلى الدار المعروفة بدار أبي‬
‫سعيد‪ ،‬وهي ملصقة لدار العجلة‪.‬‬
‫وذكر الفاكهي ما يقتضي تفضيل المعلة على المسفلة لنه قال‪" :‬ذكر فضل المعلة‬
‫على المسفلة" حدثنا الزبير بن أبي بكر‪ ،‬حدثنا حمزة بن عتبة اللهبي قال‪ :‬سمعت‬
‫أن النبي صلى ال عليه وسلم لما حد المشاعر بالمعلة‪ ،‬والمسفلة‪ ،‬والجمار‪،‬‬
‫والصفا‪ ،‬والمروة‪ ،‬والسعي‪ ،‬والركن‪ ،‬والمقام‪ ،‬والحجر‪ ،‬برز إلى أسفل مكة فنظر‬
‫يمينا وشمال فقال‪" :‬ليس ل تبارك وتعالى فيما ههنا حاجة" يعني من المشاعر ‪...1‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وهذا خبر غريب‪ ،‬ولذلك أوردناه وال أعلم بصحته‪.‬‬
‫وأول دار بنيت بمكة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة‪ :‬دار الندوة‪ ،‬بناها قصي بن‬
‫كلب لما ملك مكة ليحكم فيها‪ ،‬يجتمع فيها هو وقومه للمشورة‪ ،‬واقتدت به قريش‬
‫من بعده في الجتماع بها للمشورة بها تبركا برأيه‪ ،‬ودخلت كلها في المسجد الحرام‬
‫دفعات‪.‬‬
‫وذكر الزبير بن بكر‪ ،‬عن أبي سفيان بن أبي وداعة السهمي أن سعيد بن عمرو بن‬
‫هصيص السهمي أول من بنى بمكة بيتا وأنشد لبي سفيان في ذلك شعرا يدل عليه‬
‫وهو قوله‪:‬‬
‫وأول من بوا بمكة بيته وسور فيها ساكنا بأثاف ‪2‬‬

‫ولم يذكر أنه جعل بابها إلى مسجد الكعبة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،99 /3‬والحديث إسناده ضعيف‪ ،‬فيه "حمزة بن عتبة‬
‫اللهبي" ذكره ابن حجر في اللسان ‪ ،360 /2‬وقال‪ :‬ل يعرف‪ ،‬وحديثه منكر‪،‬‬
‫وانظر ترجمته في العقد الثمين ‪.228 /4‬‬
‫‪ 2‬تاريخ القطبي "ص‪ ،"23 :‬وفي الجامع اللطيف لبن ظهيرة "ص‪ "26 :‬أن‬
‫حميد بن زهير أول من بنى بيتا مربعا بمكة‪.‬‬
‫) ‪(1/15‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -36-‬وينبغي لمن بنى بمكة بيتا أن ل يرفع بناءه على الكعبة‪ ،‬فإن‬
‫بعض الصحابة ‪-‬رضي ال عنهم‪ -‬كان يأمر بهدمه‪ ،‬وهذا في تاريخ الزرقي ‪،1‬‬
‫لن فيه‪ :‬ما جاء في أسماء الكعبة‪ ،‬ولم سميت الكعبة‪ ،‬وأن ل ُيبنى بناء يشرف‬
‫عليها‪ ،‬ثم قال‪ :‬حدثني جدي‪ ،‬عن ابن عيينة‪ ،‬عن ابن نبيه الحجبي‪ ،‬عن شيبة بن‬
‫عثمان أنه كان يشرف فل يرى بيتا مشرفا على الكعبة إل أمر بهدمه‪ .‬ثم قال‪ :‬قال‬
‫جدي‪ :‬لما أن بنى العباس بن محمد بن علي بن عبد ال بن عباس‪ -‬رضوان ال‬
‫عليهم ‪ -‬داره التي بمكة على الصيارفة حيال المسجد الحرام أمر قوامه أن ل‬
‫يرفعوها فيشرفوا بها على الكعبة‪ ،‬وأن يجعلوا أعلها دون الكعبة فتكون دونها‪،‬‬
‫إعظاما للكعبة أن يشرف عليها‪ ،‬قال جدي ‪ :2‬فلم يبق بمكة دار لسلطان ول لغيره‬
‫حول المسجد الحرام تشرف على الكعبة إل هدمت أو خربت إل هذه الدار فإنها‬
‫على حالها إلى اليوم ‪.3‬‬
‫وبمكة عين جارية من أعلها إلى أسفلها‪ ،‬ويختلف جريانها إذا كثر فيها الماء‬
‫وصل إلى البركة المعروفة ببركة الماجن‪ ،‬وإذا قل بلغ سوق الليل‪ ،‬وهذه العين‬
‫معروفة عند الناس بعين بازان ‪- 4‬بباء موحدة وزاي معجمة بينهما ألف‪.‬‬
‫وبمكة آبار كثيرة غالبها مسبلة‪ ،‬وسقايات وبرك‪ ،‬وسيأتي إن شاء ال تعالى ذكر‬
‫ذلك كله بأوضح من هذا‪.‬‬
‫وبها حمامان‪ ،‬أحدهما‪ :‬لبي العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف المري بأجياد‪،‬‬
‫وقفه على رباطه بالمروة‪ ،‬والخر‪ :‬ل أعرف من ينسب إليه‪ ،‬ولعله الحمام الذي‬
‫بناه الجواد وزير صاحب الموصل‪.‬‬
‫وكان بمكة على ما ذكره الفاكهي ستة عشر حماما‪ ،‬وبين الفاكهي مواضعها من‬
‫البلد‪ ،‬وليس منها الن شيء معروف‪.‬‬
‫وذكر أن بأجياد منها ثلثة‪ ،‬وأن بشعب ابن عامر اثنين‪ ،‬وشعب ابن عامر هو‬
‫الشعب المعروف عند الناس بشعب عامر بأعلى مكة‪.‬‬
‫وذكر الفاكهي بعد عده لهذه الحمامات حماما آخر قال‪ :‬يقال إنه بالصفا‪ .‬فتصير به‬
‫الحمامات التي كانت بمكة ‪-‬إن صح أمره‪ -‬سبعة عشر حماما ‪ ،5‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.279 /1‬‬
‫‪ 2‬أي جد الزرقي‪.‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للزرقي ‪.283 ،282 /1‬‬

‫‪ 4‬ل تزال هذه العين باسم بازان سوق الليل" موجودة إلى الن‪ ،‬ومعروفة بالسبع‬
‫آبار‪.‬‬
‫‪ 5‬أخبار مكة للفاكهي ‪.101 /3‬‬
‫) ‪(1/16‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -37-‬وبمكة مخاليف ‪ 1‬كثيرة معروفة إلى الن‪ ،‬منها‪ :‬وادي الطائف‬
‫ويشتمل على قرى كثيرة‪ ،‬وسيأتي ‪-‬إن شاء ال تعالى‪ -‬شيء من خبره‪ ،‬ووادي ليه‪،‬‬
‫ويشتمل على قرى كثيرة‪ ،‬ووادي مر‪ ،‬ويقال له‪ :‬مر الظهران‪ ،‬والهدة ‪ 2‬هدة لبني‬
‫جابر‪ ،‬ووادي نخلة‪ ،‬وهذه الثلثة الودية تشتمل على قرى كثيرة فيها نخل وأشجار‬
‫وعيون جارية‪ ،‬وفيها مواضع كثيرة متخربة تدل على أنها كانت معمورة بالعيون‬
‫وغير ذلك‪ ،‬وما عرفت أول من أنشأ هذه العيون‪.‬‬
‫وأقدم قرى وادي مر ذكرا "سروعة"‪3‬؛ لنها مذكورة في كتاب الفاكهي في ذكر‬
‫فضل جدة ‪.4‬‬
‫ورأيت لرض حسان ذكرا في مكتوب مبيع منها في عشر السبعين‪ -‬بتقديم السين ‪-‬‬
‫وخمسمائة‪ ،‬وإل ففي عشر الثمانين‪ ،‬الشك مني‪.‬‬
‫وذكر السهيلي خلفا في تسميته بمر قال‪ :‬وسمي مرا‪ ،‬لن في عرق من الوادي من‬
‫غير لون الرض شبه الميم الممدودة بعدها راء‪ ،‬خلقت كذلك‪ ،‬قال‪ :‬ويذكر عن‬
‫كثير‪ :‬سميت من المرار لها ‪ ،5‬ول أدري ما صحة ذلك ‪ ...6‬انتهى‪.‬‬
‫ونقل الحازمي عن الكندي أن مرا اسم للقرية‪ ،‬والظهران اسم للوادي‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ومن مر إلى مكة فيما قال البكري‪ :‬ستة عشر ميل ‪ .7‬وقيل‪ :‬ثمانية عشر‪ ،‬وقيل‪:‬‬
‫إحدى وعشرون‪ ،‬حكاه ابن وضاح‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬المخاليف جمع مخلف وهو مجموعة من القرى والبلد‪.‬‬
‫‪ 2‬قال ياقوت في معجم البلدان‪ :‬الهدة بتخفيف الدال من الهدي‪ ،‬أو الهدي بزيادة‬
‫هاء‪ ،‬بأعلى مر الظهران‪ .‬ممدرة أهل مكة‪ .‬والمدر طين أبيض يحمل منها إلى مكة‬
‫"معجم البلدان ‪ ،"396 ،395 /5‬والهدة‪ ،‬بالفتح ثم التشديد وهو الخفة في الرض‪،‬‬
‫والهد‪ :‬الهدم‪ ،‬وهو موضع بين مكة والطائف‪ .‬والنسبة إليه هدوي وهو موضع‬
‫القرود‪ .‬وقد خفف بعضهم داله "‪ ،"395 /5‬وقال أيضا‪ :‬والهدى بالفتح موضع في‬
‫نواحي الطائف‪ ،‬وقال أيضا‪ :‬والهدأة‪ :‬موضع بين عسفان ومكة‪ ،‬قلت‪ :‬والمراد هنا‬
‫الول وهو المعروف في زماننا هذا بهدي الشام‪.‬‬
‫‪ 3‬قال ياقوت‪ :‬سروعة‪ -‬بفتح أوله وسكون ثانية وفتح الواو وعين مهملة‪ ،-‬وقال‪:‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬سروعة‪ :‬جبل بعينه بتهامة لبني الدول بن بكر‪ ،‬وخبرني من أثق به‬
‫من أهل الحجاز أن سروعة بسكون الراء‪ ،‬قرية من قرى وادي مر الظهران‪ ،‬فيها‬
‫نخل وعين ماء جارية‪ ،‬إل أن البلدي قد أفاد أن هذه العين انقطعت منذ عهد قريب‬
‫"معجم البلدان ‪ ،218 /3‬ومعجم معالم الحجاز "‪."197 -196 /4‬‬
‫‪ -4‬أخبار مكة للفاكهي ‪.54 /3‬‬
‫‪ 5‬كذا بالصل‬

‫‪ 6‬الروض النف ‪.114 /1‬‬
‫‪ 7‬معجم ما استعجم ‪.1212 /4‬‬
‫) ‪(1/17‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -38-‬وبعض وادي نخلة يعرف بنخلة الشامية‪ ،‬وبعضه يعرف بنخلة‬
‫اليمانية‪ ،‬فمن الشامية‪ :‬البردان‪ ،‬والتنضب ‪ 1‬وبشراك‪ ،‬وخيف بني عمير‪ ،‬وما يلي‬
‫ذلك‪ .‬ومن اليمانية‪ :‬سولة ‪ 2‬والزيمة ‪ .3‬ويقال لنخلة‪ :‬بستان ابن عامر‪ :‬ذكر ذلك ابن‬
‫سيد الناس في سيرته ‪ 4‬لما ذكر سرية عبد ال بن جحش ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬إلى‬
‫نخلة‪ ،‬ويقال لنخلة‪ :‬بستان بني عامر‪ ،‬كذا في كتب الحنفية‪ ،‬ولعله تصحيف‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫ووادي نخلة من مكة على ليلة‪ ،‬وقد ذكر ابن خرداذبه في كتابه "المسالك‬
‫والممالك"‪ 5‬في مخاليف مكة بما لم يذكر غيره فنذكر ذلك لما فيه من الفائدة‪ ،‬لنه‬
‫قال‪ :‬ومخاليف مكة‪ :‬نجد‪ ،‬والطائف‪ ،‬ونجران‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وكعبة نجران حتم عليك حتى ُتناخي بأبوابها‬
‫وقرن المنازل الذي يقول فيه الشاعر‪:‬‬
‫ألم تسأل الربع أن ينطقا بقرن المنازل إن ‪ 6‬أخلقا‬
‫وبالغيل ‪ ،7‬وعكاظ ‪ ،8‬ولية ‪ ،9‬وتربة ‪ 10‬وبيشة ‪ ،11‬وتبالة ‪ ،12‬والهجيرة ‪،13‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬البردان‪ ،‬والتنضب‪ :‬قريتان أو عينان عليهما زروع ونخيل بأعلى نخلة الشمالية‪،‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫ظلت بروض البردان تغتسل تشرب منها نهلت وتعل‬
‫‪ 2‬سولة‪ :‬قلعة على رابية بوادي نخلة تحتها عين جارية ونخل‪ ،‬وهي لبني مسعود‬
‫بطن من هذيل‪ -‬قال محمد بن إبراهيم بن قرية‪ :‬مرتعي من بلد نخلة بالصيف‬‫بأكناف "سولة"‪" .‬معجم البلدان ‪."285 /3‬‬
‫‪ 3‬الزيمة‪ :‬قرية قريبة من سولة وبها عين وبساتين وجميع المصطافين بالطائف‬
‫يمرون بها في حالتي الذهاب والياب‪ .‬وبها أشجار الموز والليمون وكثير من‬
‫الفواكه والخضار وهي أخصب من سولة في ذلك‪ ،‬وأكبر منها وأعمر لوقوعها في‬
‫الطريق‪ ،‬ولنحراف سولة عن الطريق‪" .‬وانظر‪ :‬معجم البلدان ‪."165 /3‬‬
‫‪ 4‬عيون الثر ‪.228 /1‬‬
‫‪ 5‬المسالك والممالك "ص‪.133 :‬‬
‫‪ 6‬في "المسالك والممالك"‪" :‬قد" بدل "إن"‪.‬‬
‫‪ 7‬الغيل‪ :‬موضع في صدر يلملم‪ .‬ويلملم واٍد في جنوب مكة على ليلتين منها‪ ،‬وهو‬
‫ميقات أهل اليمن‪ ،‬وبه مسجد معاذ بن جبل رضي ال عنه‪" .‬معجم البلدان ‪/4‬‬
‫‪."222‬‬
‫‪ 8‬عكاظ‪ :‬نخل في واٍد بينه وبين الطائف ليلة وبينه وبين مكة ثلث ليال‪" .‬معجم‬
‫البلدان ‪."142 /4‬‬
‫وهو ما يسمى الن بالسيل‪ ،‬على أكثر القوال‪ ،‬في طريق الطائف‪ ،‬وبه عين وقليل‬
‫من النخل‪ ،‬وبه مقاه ومساكن‪.‬‬

‫‪ 9‬لية‪ :‬وادي لية مشهور من جهة الشرق بالطائف‪" .‬معجم البلدان ‪."30 /5‬‬
‫‪ 10‬تربة‪ :‬بالضم ثم الفتح‪ .‬واٍد بالقرب من مكة على مسافة يومين منها‪" .‬معجم‬
‫البلدان ‪."21 /2‬‬
‫‪ 11‬بيشة‪ :‬أيضا واد من أودية الحجاز المشهورة‪ ،‬من عمل مكة مما يلي اليمن‪.‬‬
‫"معجم البلدان ‪"529‬‬
‫‪ 12‬تبالة‪ :‬موضع في جنوب بيشة على مسيرة ليلة منها‪" .‬انظر عنها‪ :‬معجم البلدان‬
‫‪."10 ،9 /2‬‬
‫‪ 13‬الهجيرة‪ :‬موضع بتلك النواحي‪.‬‬
‫) ‪(1/18‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -39-‬ولنية ‪ ،1‬وجرش ‪ ،2‬والسراة ‪ ،3‬ومخاليفها بتهامة ملكان ‪،4‬‬
‫وعشم ‪ ،5‬ويسر ‪ ،6‬وعك ‪ ...7‬انتهى‪.‬‬
‫وبعض ما ذكره ابن خرداذبه من هذه المخاليف ل يعرف‪ ،‬ول يبعد أن كون‬
‫تصحيفا‪.‬‬
‫وقد ذكر جماعة من الفقهاء الشافعية أن الطائف ووجا وما ينضاف إليهما منسوبة‬
‫إلى مكة معدودة من أعمالها‪ ،‬نقل ذلك النووي في "الروضة" ونص كلمه في‬
‫كتاب عقد الجزية والهدنة‪ :‬قال المام ‪-‬يعني إمام الحرمين أبا المعالي الجويني‪:-‬‬
‫قال الصحاب‪ :‬الطائف ووج‪ -‬وهو وادي الطائف‪ -‬وما ينضاف إليهما منسوبة إلى‬
‫مكة‪ ،‬معدودة من أعمالها‪ ،‬وخيبر ‪ 8‬من مخالف المدينة ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ونجران ليست من الحجاز وإن كانت من مخاليف مكة فيما قيل‪ ،‬وممن ذكر أنها‬
‫ليست من الحجاز‪ :‬الجوهري في "صحاحه" لنه قال‪ :‬نجران بلد باليمن ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وفي "التهذيب" للشيخ أبي إسحق الشيرازي‪ :‬وأما نجران فليست من الحجاز‪...‬‬
‫انتهى‪ .‬ونجران فيما قال النووي بين مكة واليمن على نحو سبع مراحل من مكة‪،‬‬
‫وكانت منزل للنصارى‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر النووي ما يقتضي أن فيما ذكره ابن خرداذبه من أن نجران من مخاليف مكة‬
‫نظر‪ ،‬لنه قال‪ :‬وأما قول المام الحافظ أبي بكر الحازمي في كتابه "المؤتلف‬
‫والمختلف" في الماكن‪ :‬إن نجران من مخاليف مكة من صوب اليمن‪ ،‬فيه تساهل‬
‫‪.9‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬لنية‪ :‬لعلها رنية قرب بيشة وتثليث‪ .‬وبمبم‪ .‬وكلها لبني تميم "معجم البلدان ‪/3‬‬
‫‪."74‬‬
‫‪ 2‬جرش‪ :‬واقعة في المنطقة المسماة بعسير اليوم‪ .‬وهي بالضم ثم الفتح‪.‬‬
‫‪ 3‬السراة‪ :‬يطلق على جبال الحجاز الفاصلة بين تهامة ونجد وبها سمي الحجاز‪.‬‬
‫"معجم البلدان ‪."205 /3‬‬
‫‪ 4‬ملكان‪ :‬بالتثنية وفتح اللم جبل بالطائف‪ .‬وبكسر اللم‪ :‬واد لهذيل وكلهما‬
‫بالحجاز‪" .‬معجم البلدان ‪ "194 /5‬وقد صحف في "المسالك ‪ "133‬إلى‪:‬‬
‫"ضنكان"‪.‬‬
‫‪ 5‬عشم‪ :‬قرية متيامنة من قرى تهامة "معجم البلدان ‪."156 /4‬‬

‫‪ 6‬يسر بضم الياء والسين‪ :‬نقب تحت الرض به ماء‪ ،‬وموقعه بالدهناء‪" .‬معجم‬
‫البلدان ‪."436 /5‬‬
‫‪ 7‬عك‪ :‬اسم قبيلة وربما كانت من قبائل عسير‪ ،‬يضاف إليها مخلف باليمن‪.‬‬
‫"معجم البلدان ‪.142 /4‬‬
‫‪ 8‬لعله يريد خيبر الشمالية فهي ل شك من أعمال المدينة المنورة‪ ،‬أما خيبر‬
‫الجنوبية فهي من أعمال مكة‪.‬‬
‫‪ 9‬تهذيب السماء واللغات ‪ 2‬ق ‪.176 /2‬‬
‫) ‪(1/19‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -40-‬والتساهل الذي في كلم الحازمي يلزم مثله في كلم ابن خرداذبه‬
‫على مقتضى قول النووي‪ ،‬وقد يقال‪ :‬ل تساهل في كلم الحازمي؛ لنه ل يلزم من‬
‫قولهم إن نجران من مخاليف مكة من صوب اليمن أن يكون نجران من الحجاز‪،‬‬
‫لجواز أن تكون مخاليف مكة في الحجاز واليمن‪ ،‬وأن سبب عد نجران وما دونها‬
‫إلى مكة في مخاليف مكة كون ولية والي مكة فيما مضى كانت تمتد إلى ذلك‪،‬‬
‫وهذا ل مانع منه‪ ،‬لن المأمون العباس وّلى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن‬
‫علي بن عبد ال بن عباس العباسي مكة والمدينة‪ ،‬وأضاف إليهما بلد عك‪ ،‬ولعل‬
‫ذلك اتفق لغيره من ولة مكة العباسيين‪ ،‬ويتأيد ما ذكرناه بما ذكره ابن خرداذبة في‬
‫مخاليف مكة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وكأن النووي ‪ -‬رحمه ال‪ -‬توهم أن بعد نجران من مكة لكونها باليمن يخرجها عن‬
‫أن تكون من أعمال مكة وليس كذلك‪ ،‬لن مجرد القرب من مكة ل يقتضي أن يعد‬
‫صا ‪ 1‬لم تعد في‬
‫خّلْي ً‬
‫ص مثل لن ُ‬
‫خّلْي ٍ‬
‫في أعمال مكة ما هو أقرب إليها من نجران‪ ،‬ك ُ‬
‫أعمال مكة‪ ،‬وهي منها على يومين‪ ،‬وذكروا أن منتهى عمل مكة من جهتها‪ :‬جنابذ‬
‫بن صيفي‪ ،‬بين عسفان ومر الظهران كما سيأتي إن شاء ال تعالى في كلم‬
‫الفاكهي‪ ،‬وليست جنابذ بن صيفي معروفة الن‪.‬‬
‫وإذا كان مجرد القرب من مكة ليس موجبا لعد ما قرب منها من أعمالها‪ ،‬فالظاهر‬
‫عى في عد ما ذكره العلماء في أعمال مكة‪ ،‬وإن كان بعيدا عنها كثيرا‪،‬‬
‫أن المرا َ‬
‫كون ولية والي مكة ‪-‬فيما مضى‪ -‬شملت ذلك‪ :‬فيقبل من الفاكهي‪ ،‬وابن خرداذبه‪،‬‬
‫وغيرهم‪ ،‬ما ذكروه في أعمال مكة‪ ،‬وإن كان بعيدا جدا عنها لكونه في أطراف‬
‫الحجاز وبلد اليمن‪ ،‬كنجران‪ ،‬وعك‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وذكر الفاكهي شيئا مفيدا في مخاليف ونص ما ذكره‪ :‬ذكر حدود مخاليف مكة‬
‫ومنتهاها‪ ،‬وتفسير ذلك‪ :‬وأعمال مكة ومخاليفها كثيرة‪ ،‬ولها أسماء نقصر عن‬
‫ذكرها لختصار الكتاب‪ ،‬ولكنا نذكر منتهى حدودها التي تنتهي إليه‪ ،‬فآخر أعمالها‬
‫مما يلي طريق المدينة موضع يقال له‪ :‬جنابذ بن صيفي فيما بين عسفان ومر‪،‬‬
‫وذلك على يوم وبعض يوم‪ ،‬وآخر أعمالها مما يلي طريق الجادة في طريق‬
‫العراق‪ :‬الغمير ‪ ،2‬وهو قريب‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪" 1‬خليص" قرية في طريق المدينة المنورة بعد عسفان‪ ،‬وهي مشهورة بهذا السم‬
‫إلى الن‪ .‬وقال ياقوت في معجم البلدان ‪" :387 /2‬هو حصن بين مكة والمدينة"‪.‬‬

‫‪ 2‬المراد بالجادة‪ :‬طريق الحاج العراقي المعروفة "بالمتقى" الذي هو "درب‬
‫زبيدة"‪ .‬وذات عرق تبعد عن مكة حوالي "‪100‬كم" وتسمى اليوم "الضريبة" وهي‬
‫مهجورة‪ ،‬وأما "الغمير" فهو أحد الودية التي تصب في نخلة الشامية‪ ،‬وقد ذكره‬
‫الحربي في المناسك "ص‪ 352 -351 :‬فذكر أن من ذات عرق إلى الغمير‪ :‬سبعة‬
‫أميال‪ .‬ومن الغمير إلى قبر أبي رغال‪ :‬ميلن‪ .‬ثم قال‪ :‬وبالغمير عين جارية وبركة‬
‫يجتمع فها ماء العين‪ .‬وحوانيت كثيرة خراب‪ ،‬وأما "البلدي" في معجم معالم‬
‫الحجاز ‪ 171 /1‬فرجح أن اسم الغمير حول اليوم إلى اسم "الباثة"‪.‬‬
‫) ‪(1/20‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -41-‬من ذات عرق‪ ،‬وذلك على يوم وبعض يوم‪ ،‬وآخر أعمالها مما‬
‫يلي طريق اليمن في طريق تهامة اليوم موضع يقال له‪ :‬ضنكان ‪ ،1‬وذلك على‬
‫عشرة أيام من مكة‪ ،‬وقد كان آخر أعمالها فيما مضى بلد عك داخل في اليمن إلى‬
‫قريب من عدن‪ ،‬وآخر أعمالها مما يلي اليمن في طريق النخل‪ ،‬وطريق صنعاء‬
‫موضع يقال له‪ :‬نجران‪ ،‬وهو آخر مخاليفها‪ .‬وأبعده من مكة‪ :‬نجران على عشرين‬
‫يوما من مكة‪ ،‬وهي أرض طيبة عذبة ‪ ...2‬انتهى باختصار‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأما قول الفاكهي‪ :‬إن نجران على عشرين يوما من مكة فهو مخالف لما سبق من‬
‫قول النووي‪ :‬إن نجران من مكة على سبع مراحل ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫والسبع مراحل ل تكون عشرين يوما‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وكلم الفاكهي يوهم أن نجران من مكة أبعد مما بين بلد عك ومكة‪ ،‬ولم يرد ذلك‬
‫الفاكهي‪ ،‬لن قوله‪ :‬وقد كان آخر أعمالها فيما مضى بلد عك داخل في اليمن إلى‬
‫قريب من عدن ‪ ،3‬يقتضي أن بلد عك قريبة من عدن‪ ،‬ونجران ليست بهذه‬
‫الصفة‪.‬‬
‫وأما قول الفاكهي‪ :‬إن نجران أبعد مخاليف مكة فمراده به‪ :‬بعد بلد عك‪ ،‬لنها‬
‫كانت أبعد أعمال مكة‪ ،‬ثم صار أبعدها نجران‪ ،‬وأدرك ذلك الفاكهي فقال‪ :‬إن‬
‫نجران أبعد مخاليف مكة‪ .‬وبذلك يعلم أن ل تناقض في كلم الفاكهي‪ ،‬وليس كل ما‬
‫ذكره الفاكهي‪ ،‬وابن خرداذبه في مخاليف مكة معدود اليوم في أعمال مكة‪ ،‬لن‬
‫كثيرا من ذلك ليس لمير مكة الن فيه كلم‪.‬‬
‫وأبعد مكان عن مكة لميرها الن فيه كلم‪ :‬الحسبة‪ -‬بحاء وسين مهملتين وباء‬
‫موحدة ‪-‬وهي بلدة في صوب اليمن على طريق تهامة ‪ ،4‬وبينها وبن قنونا ‪ 5‬يوم‪،‬‬
‫وبين خلى ‪ 6‬يومان‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ضنكان‪ :‬واد في جنوب تهامة على سفوح جبال السراة‪ ،‬وينتهي بالبحر الحمر‬
‫ويصب فيه‪ ،‬وقد ذكره ابن خرداذبه بين مخاليف مكة "المسالك والممالك ص‪:‬‬
‫‪ ،133‬معجم البلدان ‪."464 /3‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪.106 /5‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،107 /5‬ومعجم البلدان ‪.142 /4‬‬
‫‪ 4‬معجم البلدان ‪.258 /2‬‬
‫‪ 5‬قنونا‪ :‬هي بلدة القنفذة‪ ،‬وهي ميناء من موانيء الحجاز الجنوبية "جغرافية شبه‬

‫جزيرة العرب لعمر رضا كحالة ص‪ "28 :‬وفي معجم البلدان ‪ :409 /4‬قنوني‪:‬‬
‫بالفتح ونونين‪ ،‬بوزن فعوعل‪.‬‬
‫‪ 6‬صفة جزيرة العرب اللهمذاني "ص‪.120 :‬‬
‫) ‪(1/21‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -42-‬وكلمه فيها‪ :‬باعتبار أن له على مزارعها كل سنة مائة غرارة‬
‫مكية‪ ،‬وله مثل ذلك على بلدة يقال لها‪ :‬دوقة ‪ 1‬على يوم من الحسبة‪ ،‬وله مائتا‬
‫غرارة على الواديين‪ ،‬وله مثل ذلك على الليث ‪ ،2‬ويبعث أمير مكة إلى كل من هذه‬
‫الماكن من يقبض ذلك من أهلها‪.‬‬
‫وأبعد مكان عن حد هذه الماكن عن مكة لميرها فيه كلم الن‪ :‬وادي الطائف‪،‬‬
‫ووادي ليه‪ ،‬ولمير مكة فيهما من الكلمة والعادة على أهلها أكثر مما له على‬
‫الماكن السابق ذكرها‪ ،‬ووادي الطائف‪ ،‬ووادي ليه داخلن في ولية قاضي مكة‪،‬‬
‫وله بهما نواب‪.‬‬
‫وأبعد مكان عن مكة في صوب المدينة لمير مكة الن فيه كلم‪ :‬وادي الهدة ‪ -‬هدة‬
‫بني جابر وهو على مرحلة من مر الظهران‪.‬‬
‫وولة مكة الن يأخذون ما يغرق في البحر فيما بين جدة ورابغ ‪ 3‬ويرون أن ذلك‬
‫يدخل في عملهم‪ ،‬وجدة من أعمال مكة في تاريخه وفيما قبله‪ ،‬وهي على مرحلتين‬
‫من مكة‪ ،‬وسيأتي إن شاء ال تعالى ذكر شيء من خبرها‪.‬‬
‫ومما يناسب ذكره في هذا الكتاب بيان الحجاز لتكرر ذكره فيه‪ ،‬وهو‪ :‬مكة‪،‬‬
‫والمدينة‪ ،‬واليمامة‪ ،‬ومخاليفها‪.‬‬
‫وبهذا فسر المام الشافعي في "الم" الحجاز فيما نقله عنه البندنيجي‪ ،‬وفي دخول‬
‫اليمن في الحجاز وجهان‪ .‬وقيل‪ :‬إن تبوك‪ ،‬وفلسطين‪ ،‬من الحجاز‪ ،‬وقيل‪ :‬إن حدود‬
‫الحجاز مما بين جبلي طييء إلى طريق العراق‪.‬‬
‫وسمي حجازا لنه حجز بين تهامة ونجد‪ ،‬قاله ابن الكلبي والصمعي وغيرهما‪.‬‬
‫واليمامة المشار إليها من اليمن على مرحلتين من الطائف وعلى أربع من مكة‪،‬‬
‫قاله النووي في "تهذيب السماء واللغات ‪ ."4‬فعلى هذا ل تكون البلد المعروفة‬
‫ببجيلة من الحجاز لنها على الطائف أبعد مما بين الطائف واليمامة‪.‬‬
‫وبلد بجيلة واليمامة في جهة واحدة وهي جهة نجد اليمن‪ ،‬ولكن بلد بجيلة أكثر‬
‫دخول في اليمن من اليمامة فل يستقيم عد بلد بجيلة في الحجاز‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأهل مكة إلى الن ل يطلقون الحجاز إل على الطائف وما قرب منه كلية ول‬
‫يطلقون ذلك على بلد بجيلة‪ ،‬ولعل ذلك لكونها داخلة في اليمن‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫والمخاليف المذكورة في حد الحجاز هي مخاليف مكة والمدينة واليمامة‪.‬‬
‫والمخاليف قرى مجتمعة‪ ،‬والمخاليف ‪-‬بفتح الميم والخاء‪ -‬جمع مخلف ‪-‬بكسر‬
‫الميم‪ -‬ومكة من تهامة‪ ،‬قاله النووي ‪.5‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬دوقة‪ :‬واد على طريق الحاج من صنعاء إذا سلكوا‪ ،‬بينه وبين يلملم ثلثة أيام‪.‬‬
‫"معجم البلدان ‪."485 /2‬‬
‫‪ 2‬الليث‪ :‬بكسر اللم ثم الباء ساكنة‪ .‬وينطقها أهل الحجاز الليث‪ ،‬بالكسر المشدد في‬

‫أوله وإبدال الثاء تاء‪ ،‬وهو واد بأسفل السراة يدفع في البحر "معجم البلدان" ‪/5‬‬
‫‪."28‬‬
‫‪ 3‬رابغ‪ :‬هو واد يقطعه الحاج بين البزواء والجحفة دون عزوز "معجم البلدان ‪/3‬‬
‫‪."11‬‬
‫‪ 4‬تهذيب السماء واللغات ‪ 2‬ق ‪.201 /2‬‬
‫‪ 5‬تهذيب السماء واللغات ‪ 2‬ق ‪.44 /1‬‬
‫) ‪(1/22‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -43-‬ثانًيا‪ :‬ذكر حكم بيع دور مكة وإجارتها‪:‬‬
‫اختلف العلماء ‪-‬رحمهم ال‪ -‬في ذلك؛ فحكى الشيخ أبو جعفر البهري عن المام‬
‫مالك ‪-‬رحمة ال عليه‪ :‬أنه كره بيعها وكراها؛ فإن بيعت أو أكريت لم يفسخ‪.‬‬
‫وقال اللخمي‪ :‬اختلف قول مالك في كراء دور مكة وبيعها‪ ،‬فمنع من ذلك مرة‪ ،‬نقل‬
‫ذلك عن البهري واللخمي‪ :‬ابن رشد في "مقدماته"‪ ،‬وذكر أنه لم يختلف قول مالك‬
‫وأصحابه في أن مكة افتتحت عنوة‪ ،‬وأنهم اختلفوا هل من بها على أهلها فلم تقسم‬
‫لما عظم ال من حرمتها‪ ،‬أو أقرت للمسلمين‪ ،‬قال‪ :‬وعلى هذا جاء الختلف في‬
‫كراء بيوتها‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وجواز البيع والكراء في دور مكة ينبني على القول بالمن بها على أهلها‪ ،‬ومنع‬
‫ذلك ينبني على القول بأنها أقرت للمسلمين‪ ،‬وفي هذا القول نظر؛ لن غير واحد‬
‫من علماء الصحابة وخلفائهم ‪-‬رضي ال عنهم‪ -‬اشترى دورا بمكة ووسع بها‬
‫المسجد الحرام‪ ،‬وكذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان ‪-‬رضي ال عنه‪ ،‬وأمير‬
‫المؤمنين عبد ال بن الزبير بن العوام ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬واشترى أمير المؤمنين‬
‫معاوية ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬دار الندوة‪ ،‬ودار أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ‪-‬رضي‬
‫ال عنها‪ -‬بمكة‪ ،‬وغير ذلك من دورها‪ ،‬وكل ذلك منقول من تاريخ الزرقي ‪،1‬‬
‫وبعضه في غيره‪ ،‬واشترى لعمر ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬عامله على مكة دارا للسجن بها‬
‫على ما رويناه في صحيح البخاري؛ لنه قال‪ :‬باب الربط والحبس في الحرم‪،‬‬
‫واشترى نافع بن عبد الحارث دارا للسجن بمكة من صفوان بن أمية على أن عمر‬
‫رضي ال عنه‪ -‬إن رفض‪.‬‬‫وروى الصيلي وأبو ذر‪ :‬على أن عمر رضي ال عنه‪.‬‬
‫وروى القابسي‪ :‬على إن رضي عمر فالبيع بيعه‪ ،‬وأن عمر ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬لم‬
‫يرض فلصفوان أربعمائة درهم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.164 /2‬‬
‫) ‪(1/23‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -44-‬وعند أبي ذر في روايته‪ :‬أربعمائة دينار‪ ،‬وروي في بعض‬
‫النسخ‪ :‬المسجد بدل الحرام‪ ،‬وفي بعض النسخ‪ :‬دار السجن بالضافة وفتح السين‪،‬‬
‫وروي أيضا‪ :‬بالبيع‪ ،‬فالبيع بيعه‪ ...‬انتهى‪.‬‬

‫نقلت هذه الروايات من خط بعض مشايخنا‪ ،‬وروينا ذلك متصل في تاريخ‬
‫الزرقي‪ ،‬وأفاد فيه غير ما في البخاري‪ ،‬لن الزرقي قال فيما رويناه عنه‪ :‬حدثني‬
‫جدي قال‪ :‬حدثنا ابن عيينة‪ ،‬عن عمرو بن دينار‪ ،‬عن عبد الرحمن بن فروخ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫إن نافع بن عبد الحارث ابتاع من صفوان بن أمية دار السجن ‪-‬وهي دار أم وائل‪-‬‬
‫لعمر بن الخطاب ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬بأربعة آلف درهم‪ ،‬فإن رضي عمر ‪-‬رضي‬
‫ال عنه‪ -‬فالبيع له‪ ،‬وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫ونافع بن عبد الحارث ‪-‬هذا‪ -‬هو الخزاعي عامل عمر بن الخطاب على مكة‪ ،‬كان‬
‫من كبار الصحابة وفضلئهم على ما ذكر ابن عبد البر ‪ ،2‬ول يمتري في أنه لم‬
‫يقدم على ما فعل إل برضى أمير المؤمنين عمر بذلك وإذنه فيه‪ ،‬ومن المعلوم‬
‫ضرورة أن أمير المؤمنين عمر ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬كان في العلم والورع بالمحل‬
‫العلى‪ ،‬ول ريب في أنه ومن ذكرنا من علماء الصحابة ‪-‬رضي ال عنهم‪ -‬أعلم‬
‫ممن بعدهم بما يصلح في أرض مكة‪ ،‬وأنه لو كان عندهم علم عن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم بأنها أقرت للمسلمين لما أقدموا على ما فعلوا‪ ،‬ويبعد جدا أن يصح ذلك‬
‫عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويخفى عليهم وعلى غيرهم من علماء الصحابة‬
‫رضي ال عنهم؛ فإنه لم يحفظ عن غيرهم أنه أنكر على أحد منهم ما فعل‪ ،‬ولو كان‬
‫عندهم علم بخلف ما فعل المشار إليهم لما سكتوا عن النكار عليهم‪.‬‬
‫وأما حديث عبد ال بن عمرو بن العا‬
‫) ‪(1/24‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪-‬رضي ال عنهما‪" -‬من أكل من أجر بيوت مكة فإنما يأكل نارا" فقد‬
‫اختلف في رفعه إلى النبي صلى ال عليه وسلم ووقفه على عبد ال‪ ،‬والصحيح أنه‬
‫موقوف عليه على ما ذكر الدارقطني ‪ ،3‬وعلى وقفه فل حجة فيه على تحريم‬
‫كرائها‪ ،‬وبتقدير رفعه فليس ذلك لعدم الملك‪ ،‬وإنما هو بحسب المكتسب‪ ،‬كما نهى‬
‫صلى ال عليه وسلم عن كسب الحجام‪.‬‬
‫وإنما كان الكراء فيها خبيثا‪ ،‬لما فيه من ترك مواساة المحتاجين من الحجاج‬
‫بالسكنى‪ ،‬وقد قال السهيلي بوجوب السكنى بمكة للحجاج كما سيأتي بيانه إن شاء‬
‫ال تعالى‪.‬‬
‫وأما حديث علقمة بن نضلة الكناني ‪-‬ويقال الكندي‪" :-‬توفي رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم وأبو بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬رضي ال عنهما‪ -‬وما تدعى رباع مكة إل السوائب"‬
‫هكذا عند ابن‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.165 /2‬‬
‫‪ 2‬الستيعاب ‪.539 /3‬‬
‫‪ 3‬سنن الدارقطني ‪ 57 /1‬رقم "‪."226‬‬
‫) ‪(1/25‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -45-‬ماجه ‪ ،1‬ولفظه عند الزرقي "كانت الدور والمساكن على عهد‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم وأبي بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان ‪ -‬رضي ال عنهم‪ -‬ما تكرى‬
‫ول تباع‪ ،‬ول تدعى إل السوائب‪ ،‬ومن احتاج سكن‪ ،‬ومن استغنى أسكن"‪...2‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫فإنه ل دللة فيه على نهي النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأبي بكر‪ ،‬وعمر ‪-‬رضي ال‬
‫عنهما‪ -‬عن بيع دور مكة وكرائها‪ ،‬وإنما فيه دللة على عدم وقوع ذلك في زمن‬
‫المشار إليهم‪ ،‬ول يلزم من عدم وقوع ذلك في زمنهم منعه‪ ،‬إذ النسان يترك ما‬
‫يجوز له فعله دهرا طويل‪ ،‬على أن دللة حديث علقمة على عدم وقوع بيع دور‬
‫مكة وكرائها في زمن المشار إليهم‪ ،‬معارضة بما وقع من شراء عمر وعثمان‬
‫رضي ال عنهما ‪-‬لدور مكة‪ ،‬ووقع ذلك في عهد النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لن‬‫الفاكهي قال في كتابه "أخبار مكة"‪ :‬حدثنا حسين بن حسن قال‪ :‬كتبت إلى عبد‬
‫الرحمن بن مهدي أسأله عن كراء دور مكة وشرائها‪ ،‬قال‪ :‬فكتب إلي إنك كتبت‬
‫إلي تسألني عن أشرية دور مكة وكرائها‪ ،‬فأما الشراء فقد اشترى الناس وباعوها‬
‫على عهد النبي صلى ال عليه وسلم ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫وحسين بن حسن هو المروزي صاحب ابن المبارك‪ ،‬قال فيه أبو حاتم صدوق ‪.4‬‬
‫وقد روى عنه الترمذي‪ ،‬والنسائي‪ ،‬وإذا تعارض ذلك مع حديث علقمة فهو مقدم‬
‫على حديث علقمة؛ لن حديث علقمة حاصله شهادة على نفي‪ ،‬وفي مثل هذا يقدم‬
‫المثبت‪ ،‬ويتعين حمل حديث علقمة على أن في عهد النبي صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وأبي بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان ‪ -‬رضي ال عنهم‪ -‬كان الغالب من فعل الناس بمكة‬
‫تركهم بيع دورهم بمكة وكرائها لعدم الحاجة إلى ذلك‪ ،‬وتوسعة على الوافدين‬
‫والمحتاجين‪ ،‬ولما كان وقوع خلف ذلك نادرا لم يستحضره علقمة في حال تحديثه‬
‫بحال دور مكة‪ ،‬ونفاه في حديثه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وعلقمة ل صحبة له‪ ،‬وإن كان ابن عبد البر قد ذكره في الصحابة في كتابه المسمى‬
‫بالستيعاب‪ ،‬وذكره ابن حبان في أتباع التابعين‪ ،‬وذكر ابن منده أنه تابعي‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫وفي شراء عمر‪ -‬رضي ال عنه‪ -‬ومن ذكر معه دللة واضحة على أن مكة‬
‫ن النبي صلى ال عليه وسلم بها على أهلها‪ ،‬كما هو أحد‬
‫مملوكة لهلها‪ ،‬إما ِلَم ّ‬
‫القولين عند القائلين بأنها فتحت عنوة‪ ،‬أو لنها فتحت صلحا‪ ،‬والوجه الول‬
‫أصوب؛ لن فتحها صلحا يخالف ظاهر‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬سنن ابن ماجه "‪ ،"3107‬وسنن الدارقطني "‪ ،"228‬وفيهما زيادة هي‪" :‬من‬
‫احتاج سكن‪ ،‬ومن استغنى أسكن"‪.‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.163 /2‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪.256 /3‬‬
‫‪ 4‬الجرح والتعديل ‪49 /3‬رقم ‪.219‬‬
‫) ‪(1/26‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -46-‬الحاديث الواردة في صفة فتح مكة‪ ،‬ويخالف قول جمهور‬
‫العلماء‪ -‬رحمهم ال‪ -‬في أنها فتحت عنوة ‪ ،1‬وال أعلم بالصواب‪.‬‬
‫ن بمكة‬
‫وذكر السهيلي ما يقتضي ترجيح ما قيل من أن النبي صلى ال عليه وسلم َم ّ‬
‫على أهلها مع كونه دخلها عنوة‪ ،‬وسيأتي ذلك قريبا ‪-‬إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وقد نقل المامان‪ :‬ابن الحاج‪ ،‬وابن عطية المفسران المالكيان عن المام مالك‬
‫رحمه ال‪ -‬ما يقتضي أنها مملوكة لهلها‪ ،‬وذكرا بعض الحجة على ذلك‪ ،‬فأما ابن‬‫الحاج‪ :‬فإنه قال‪ :‬وأباحت طائفة من أهل العلم بيع رباع مكة وكراء منازلها‪ ،‬منهم‪:‬‬
‫طاوس‪ ،‬وعمرو بن دينار‪ ،‬وهو قول مالك‪ ،‬والشافعي‪ ،‬ثم قال‪ :‬والدليل على صحة‬
‫قول مالك‪ ،‬ومن قال بقوله ‪ ....‬فذكر دلئل على ذلك‪ ،‬ثم قال‪ :‬وقوله عليه الصلة‬
‫والسلم في حجة الوداع‪" :‬هل ترك لنا عقيل منزل" مما يدل أنه ملك لربابه‪ ،‬وأن‬
‫عمر بن الخطاب‪ -‬رضي ال عنه‪ -‬ابتاع دار السجن بأربعة آلف درهم‪ ،‬وأن دور‬
‫أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم فيها إلى اليوم بأيدي أعقابهم‪ ،‬منهم‪ :‬أبو‬
‫بكر الصديق‪ ،‬والزبير بن العوام‪ ،‬وحكيم بن حزام‪ ،‬وعمرو بن العاص‪ ،‬وغيرهم‬
‫رضي ال عنهم‪ -‬وقد بيع بعضها وتصدق ببعضها‪ ،‬ولم يكونوا ليفعلوا ذلك إل في‬‫أملكهم‪ ،‬وهم أعلم بال ورسوله ممن بعدهم ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫عْ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫صّدو َ‬
‫ن َكَفُروا َوَي ُ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫وأما ابن عطية‪ :‬فإنه قال في تفسير قوله تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ف ِفيِه َواْلَباد{ ]الحج‪:‬‬
‫سَواًء اْلَعاِك ُ‬
‫س َ‬
‫جَعْلَناُه ِللّنا ِ‬
‫حَراِم اّلِذي َ‬
‫جِد اْل َ‬
‫سِ‬
‫ل َواْلَم ْ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫‪ :[25‬أجمع الناس على الستواء في المسجد الحرام‪ ،‬واختلفوا في مكة‪ ،‬فذهب‬
‫عمر‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬ومجاهد‪ ،‬وسفيان الثوري‪ ،‬وجماعة معهم‪ ،‬إلى أن المر كذلك‬
‫جه‪ ،‬وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو‬
‫في دور مكة‪ ،‬وأن القادم له النزول حيث و ّ‬
‫أبى‪ ،‬وكان كذلك المر في الصدر الول‪ ،‬ثم قال‪ :‬وقال جمهور من الئمة منهم‬
‫مالك‪ :‬ليست الدور كالمسجد‪ ،‬ولهلها المتناع بها والستبداد‪ ،‬وهذا هو العمل‬
‫اليوم‪ ،‬ثم قال بعد أن ذكر الخلف في فتحها‪ :‬هل هو عنوة أو صلح‪ ،‬فمن رآها‬
‫صلحا‪ :‬فإن الستواء في المنازل عنده بعيد‪ ،‬ومن رآها عنوة‪ :‬أمكنه أن يقول‪:‬‬
‫سْكَنى من أسكن من قبل‬
‫طُعوها أحًدا‪ ،‬وإنما ُ‬
‫الستواء فيهما قرره الئمة الذين لم ُيْق ِ‬
‫نفسه‪ ،‬قال‪ :‬وظاهر قوله عليه الصلة والسلم‪" :‬وهل ترك لنا عقيل من منزل؟"‬
‫يقتضي أن ل استواء بها‪ ،‬وإن كانت متملكة ممنوعة على النازلين‪ ،‬ثم قال‪ :‬ومن‬
‫الحجة لتملك أهلها‪ :‬أن عمر ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬اشترى من صفوان بن أمية دار‬
‫السجن بأربعة آلف درهم‪ ،‬ويصح مع ذلك أن يكون‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪.102 /3‬‬
‫) ‪(1/27‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -47-‬الستواء في وقت الموسم للضرورة والحاجة‪ ،‬فيخرج المر‬
‫حينئذ عن العتبار بالعنوة أو بالصلح‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر السهيلي ‪-‬وهو من أئمة المالكية المعتبرين‪ -‬ما يقتضي أن مكة مملوكة‬
‫لهلها‪ ،‬ونذكر كلمه لما فيه من الفائدة‪ ،‬ونصه‪ :‬فصل‪" :‬ونذكر ههنا طرفا من‬
‫أحكام أرض مكة" وقد اختلف هل افتتحها رسول ال صلى ال عليه وسلم عنوة أو‬

‫صلحا؟ لنبني على ذلك الحكم هل أرضها ملك لهلها أم ل؟ وذلك أن عمر بن‬
‫الخطاب ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬كان يأمر بنزع أبواب دور مكة إذا قدم الحاج‪ ،‬وكتب‬
‫عمر بن عبد العزيز‪ -‬رضي ال عنه‪ -‬إلى عامله بمكة أن ينهى أهلها عن كراء‬
‫دورها إذا جاء الحاج‪ ،‬فإن ذلك ل يحل لهم‪.‬‬
‫وقال مالك رحمه ال‪ :‬إن كان الناس ليضربون فساططيهم بدور مكة ل ينهاهم أحد‪.‬‬
‫وروي أن دور مكة كانت تدعى السوائب‪ ،‬وهذا كله منتزع من أصلين‪ :‬أحدهما‬
‫ف ِفيِه‬
‫سَواًء اْلَعاِك ُ‬
‫س َ‬
‫جَعْلَناُه ِللّنا ِ‬
‫حَراِم اّلِذي َ‬
‫جِد اْل َ‬
‫سِ‬
‫قول ال تبارك وتعالى‪َ} :‬واْلَم ْ‬
‫َواْلَباد{ ]الحج‪ .[25 :‬وقال ابن عمر‪ ،‬وابن عباس رضي ال عنهم‪ :‬الحرم كله‬
‫مسجد‪.‬‬
‫ن على‬
‫والصل الثاني‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم دخلها عنوة‪ ،‬غير أنه َم ّ‬
‫أهلها بأنفسهم وأموالهم‪ ،‬ول يقاس عليها غيرها من البلد كما ظن بعض الفقهاء‪،‬‬
‫فإنها مخالفة لغيرها من وجهين‪ ،‬أحدهما‪ :‬ما خص ال به رسول ال صلى ال عليه‬
‫ل{ ]النفال‪.[1 :‬‬
‫سو ِ‬
‫ل َوالّر ُ‬
‫ل ِّ‬
‫لْنَفا ُ‬
‫ل ا َْ‬
‫وسلم فإنه قال‪ُ} :‬ق ِ‬
‫والثاني‪ :‬ما خص به ال مكة المشرفة‪ ،‬فإنه جاء أن ل تحل غنائمها‪ ،‬ول يلتقط‬
‫لقطتها‪ ،‬وهي حرم ال وأمنه‪ ،‬فكيف تكون أرضها أرض خراج‪ ،‬فليس لحد افتتح‬
‫بلدا أن يسلك به سبيل مكة‪ ،‬فأرضها ‪-‬إذا‪ -‬ودورها لهلها‪ ،‬ولكن أوجب ال عليهم‬
‫التوسعة على الحجيج إذا قدموا‪ ،‬وأن ل يأخذوا منهم كراء في مساكنها‪ ،‬فهذا‬
‫حكمها‪ ،‬فل عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحا‪ ،‬وإن كانت ظواهر الحديث أنها‬
‫فتحت عنوة‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وإيجاب السكنى بمكة للحجيج وترك أخذ الجرة منهم على ما ذكره السهيلي ل‬
‫ينافي كون مكة مملوكة لهلها؛ لن النسان يجب عليه بذل ماله لحاجة غيره إليه‬
‫في مسائل كثيرة‪ ،‬منها‪ :‬بذل الخيط لخياطة جرح‪ ،‬وبذل فضل الطعام والماء لمن‬
‫اضطر إلى ذلك لسقي زرع أو غيره‪ ،‬وبذل العمد والخشب لحفظ جدار الغير إذا‬
‫خشي سقوطه‪ ،‬ويجب الضمان في ذلك على من منع منهم‪ ،‬وفي أخذهم الثمن عن‬
‫ذلك خلف‪ ،‬وإيجاب ذلك حق للمواساة‪ ،‬فينزل عليه ما قيل في دور مكة‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫على أن كلم السهيلي ‪-‬رحمه ال‪ -‬ل يفهم أن ما ذكره من الحكم في دور مكة يكون‬
‫في حق غير الحاج‪.‬‬
‫) ‪(1/28‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -48-‬وقد وافق السهيلي على الستدلل باشتراء عمر‪ ،‬وعثمان ‪-‬رضي‬
‫ال عنهما‪ -‬الدور بمكة لتوسعة المسجد على أن دور مكة مملوكة لهلها‪ ،‬لنه قال‪:‬‬
‫وفي اشتراء عمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬رضي ال عنهما‪ -‬الدور التي زاداها دليل على أن‬
‫رباع مكة مملوكة لهلها يتصرفون فيها بالبيع‪ ،‬والشراء‪ ،‬والكراء‪ ،‬إن شاءوا‪ ،‬وفي‬
‫ذلك اختلف ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وحكى ابن رشد في كراء دور مكة أربع روايات‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫إجازة ذلك‪ ،‬وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم في "المدونة"‪.‬‬
‫ومنع ذلك‪ ،‬وهو ظاهر قول مالك في سماع ابن القاسم منه في كتاب الحج‪.‬‬

‫والكراهة مطلقا‪.‬‬
‫والكراهة في أيام الموسم خاصة‪ ،‬حكاه الداوودي عن مالك‪ ...‬انتهى بالمعنى من‬
‫كتاب "المقدمات" لبن رشد‪.‬‬
‫ونقل عنه ابن جماعة في "منسكه" ما يقتضي أنه حكاه في كتاب "البيان" الخلف‬
‫في بيع دور مكة وإجارتها لنه قال‪ :‬وذكر ابن رشد في "البيان والتحصيل" عن‬
‫مالك ثلث روايات‪ :‬منع بيع دور مكة وكرائها‪ ،‬والباحة‪ ،‬وكراهة كرائها في أيام‬
‫الموسم خاصة ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وليس في كلم ابن رشد في "البيان" ما يشعر بذكر خلف في البيع كما فهم ابن‬
‫جماعة‪ ،‬وليس في كلم ابن رشد ‪-‬أيضا‪ -‬ما يشعر ببيان القول الرجح في الكراء‪.‬‬
‫ونقل القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه" عن القاضي أبي علي سند بن‬
‫عنان المالكي الزدي المالكي صاحب "الطراز" ما يقتضي ترجيحا في ذلك؛ لنه‬
‫قال عقب ما نقله ابن رشد‪ :‬ونقل "سند" في "الطراز" أن مذهب مالك المنع‪ ،‬وفيه‬
‫إن قصد بالكراء اللت والخشاب جاز‪ ،‬وإن قصد البقعة فل خير فيه ‪ ... 2‬انتهى‪.‬‬
‫وكلم ابن الحاج في "منسكه" يشعر بترجيح القول بجواز بيع دور مكة وإجارتها‬
‫على المذهب‪ ،‬لقتصاره على ذلك في النقل عن المام مالك‪ ،‬ولستدلله على‬
‫صحة ما نسبوه لمالك‪ ،‬وكذلك ابن عطية لقتصاره في النقل عن مالك‪ ،‬على أن‬
‫لهل دور مكة المتناع بها والستبداد‪ ،‬ول يبعد ترجيح جواز ذلك على القول بأن‬
‫مكة فتحت عنوة كما ذكرناه من فعل خيار السلف له‪ ،‬وفعل الخيار من الخلف له‬
‫في كل عصر‪ ،‬وحيث جاز بيع دور مكة فيجوز فيها الكراء‪ ،‬والهبة‪ ،‬والوقف‪،‬‬
‫والشفعة‪ ،‬والقسمة‪ ،‬وغير ذلك من‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هداية السالك ‪ ،958 /2‬والبيان والتحصيل لبن رشد ‪.406 ،405 /3‬‬
‫‪ 2‬هداية السالك ‪.959 ،958 /2‬‬
‫) ‪(1/29‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -49-‬الحكام التي تجوز في الملك‪ ،‬فإن قيل‪ :‬يعارض ذلك بالنسبة‬
‫إلى الشفعة قول مالك رحمه ال في المدونة ول شفعة في أرض العنوة ول يجوز‬
‫بيعها ‪ ...‬انتهى‪ .‬لن هذا يقتضي أن يكون هو الحكم في مكة‪ ،‬لنها عنده فتحت‬
‫ن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫عنوة‪ ،‬فالجواب‪ ،‬أن مكة وإن كانت فتحت عنوة فقد م ّ‬
‫بها على أهلها‪ ،‬كما هو الراجح في ذلك‪ ،‬ففارقت بذلك غيرها من البلد التي‬
‫افتتحت عنوة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ويفارق مكة ‪-‬أيضا‪ -‬غيرها من البلد في كراء دورها‪ ،‬فإنه مع القول بجوازه ل‬
‫يخلو من كراهته‪ ،‬خصوصا في أيام الموسم‪ ،‬لجل التوسعة بذلك على الحجيج‪،‬‬
‫وورد عن كثير من السلف كراهة كراء بيوت مكة‪ ،‬وعن بعضهم التخفيف في ذلك‬
‫في حق المضطر إليه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫واختلف مذهب المام أبي حنيفة في أرض مكة‪ ،‬فروي عنه كراهة بيعها‪ ،‬فقيل‪ :‬ل‬
‫يجوز البيع‪ ،‬وذكر قاضيخان أنه ظاهر الرواية‪ ،‬وقيل‪ :‬يجوز مع الكراهة‪ ،‬وأجاز‬
‫ذلك صاحباه أبو يوسف‪ ،‬ومحمد بن الحسن‪ ،‬وعليه الفتوى على ما قال الصدر‬

‫الشهيد الحنفي‪ ،‬وبه جزم حافظ الدين النسفي في كتابه "الكنز"‪.‬‬
‫واختلف مذهب أبي حنيفة ‪-‬أيضا‪ -‬في إجازة أرضها‪ ،‬فروي عنه‪ ،‬وعن محمد بن‬
‫الحسن عدم جواز ذلك‪ .‬وروي عنهما جواز ذلك مع الكراهة‪.‬‬
‫واختلف في ذلك ‪-‬أيضا‪ -‬مذهب المام أحمد بن حنبل‪ ،‬فروي عنه جواز ذلك‬
‫ومنعه‪ ،‬وذكر الموفق بن قدامة الحنبلي أن رواية الجواز أظهر في الحجة‪.‬‬
‫وذكر ابن الُمْنجا ‪-‬من الحنابلة‪ -‬أن رواية المنع هي المذهب‪.‬‬
‫ولم يختلف مذهب الشافعي في جواز بيع دور مكة وإجارتها‪ ،‬لنها عنده فتحت‬
‫صلحا‪ ،‬وقال بعضهم عنه‪ :‬فتحت بأمان‪ ،‬والمان في معنى الصلح‪.‬‬
‫وقال صاحب "الحاوي الكبير" القاضي أبو الحسن المعروف بالماوردي الشافعي‪:‬‬
‫عندي أن أسفلها دخلها خالد بن الوليد ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬عنوة‪ ،‬وأعلها فتح‬
‫صلحا ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫قال النووي‪ :‬والصحيح الول‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وفي صحته نظر‪ ،‬لن الفتح صلحا إنما يكون بالتزام أهل البلد المفتتحة ترك القتال‪،‬‬
‫ولم يلتزم ذلك أهل مكة عند فتحها‪ ،‬بل أعدوا جمعا لقتال المسلمين عند فتحها‪ ،‬ولم‬
‫يقبلوا تأمين النبي صلى ال عليه وسلم لهم‪ ،‬والدليل على ذلك ما رويناه في صحيح‬
‫مسلم ‪ 1‬من حديث عبد ال بن رباح النصاري عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه؛‬
‫فذكر حديثا في فتح‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬صحيح مسلم "الجهاد‪."1780 :‬‬
‫) ‪(1/30‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -50-‬مكة قال فيه‪ :‬ووبشت قريش أوباشا ‪ 1‬لها‪ .‬وأتباعا‪ ،‬فقالوا‪ :‬نقدم‬
‫هؤلء‪ ،‬فإن كان لهم شيء كنا معهم‪ ،‬وإن أصيبوا أعطينا الذي سألنا‪ .‬فقال رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم" ثم قال بيديه إحداهما‬
‫على الخرى‪ ،‬ثم قال‪" :‬حتى توافوني بالصفا" قال‪ :‬فانطلقا فما شاء أحد منا أن‬
‫يقتل أحدا إل قتله‪ ،‬وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا‪ ،‬قال فجاء أبو سفيان فقال‪ :‬يا‬
‫رسول ال أبيحت ‪ 2‬خضراء قريش‪ ،‬ل قريش بعد اليوم‪ ،‬ثم قال‪" :‬من دخل دار أبي‬
‫سفيان فهو آمن"‪ ... 3‬انتهى‪ .‬باختصار‪.‬‬
‫وفي هذا دللة صريحة على ما ذكرناه من عدم التزام قريش ترك قتال المسلمين‬
‫يوم فتح مكة‪ ،‬وفي ذلك ‪-‬أيضا‪ -‬دللة على أن ذلك وقع منهم يوم دخل النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم مكة‪ ،‬وما كان ذلك منهما بعد تأمين النبي صلى ال عليه وسلم وهو‬
‫بمر الظهران لنا روينا في مغازي موسى بن عقبة أن أبا سفيان بن حرب‪ ،‬وحكيم‬
‫بن حزام قال للنبي صلى ال عليه وسلم بعد أن أسلما بمر الظهران‪ :‬يا رسول ال‬
‫ادع الناس إلى المان‪ ،‬أرأيت إن اعتركت قريش وكفت أيديها آمنون هم يا رسول‬
‫ال؟ قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من كف يده وأغلق داره فهو آمن" قالوا‪ :‬فابعثنا‬
‫نؤذن فيهم بذلك‪ ،‬قال صلى ال عليه وسلم "انطلقوا فمن دخل دارك يا أبا سفيان‪،‬‬
‫ودارك يا حكيم‪ ،‬وكف يده فهو آمن" قال‪ :‬ودار أبي سفيان بأعل مكة ودار حكيم‬
‫بأسفل مكة‪.‬‬

‫وروينا في سيرة ابن إسحق "تهذيب ابن هشام"‪ ،‬ورواته عن البكائي عنه أن‬
‫العباس بن عبد المطلب ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬قال للنبي صلى ال عليه وسلم بعد إسلم‬
‫أبي سفيان بمر الظهران‪ :‬يا رسول ال إن أبا سفيان رجل يحب الفخر‪ ،‬فاجعل له‬
‫شيئا‪ ،‬قال صلى ال عليه وسلم "نعم‪ ،‬من دخل دار أبي سفيان فهو آمن‪ ،‬ومن أغلق‬
‫عليه بابه فهو آمن‪ ،‬ومن دخل المسجد فهو آمن"‪ ...4‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا في هذين الكتابين ما يقتضي أن النبي صلى ال عليه وسلم استثنى في تأمينه‬
‫رجال ونساء من أهل مكة أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة‪ ،‬لجرائم لهم‬
‫اقتضت ذلك‪.‬‬
‫ومن الحاديث الدالة على عدم التزام قريش بمكة ترك قتال المسلمين يوم فتحها‪،‬‬
‫وعلى عدم قبولهم تأمين النبي صلى ال عليه وسلم بعد أن بلغهم تأمينه لهم‪ ،‬ما‬
‫ذكره الفاكهي‪ ،‬لنه قال‪ :‬حدثنا محمد بن إدريس بن عمر من كتابه قال‪ :‬حدثنا‬
‫سليمان بن حرب قال‪ :‬حدثنا حماد‪ ،‬عن أيوب‪ ،‬عن عكرمة‪ ،‬فذكر خبرا طويل في‬
‫قصة الفتح‪ ،‬وفيه قال‪ :‬فقال أبو سفيان‪ :‬واصباح قريش‪ ،‬فقال العباس ‪-‬رضي ال‬
‫عنه‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬لو أذنت لي‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬وبشت أوباشا‪ :‬الوباش‪ :‬الجموع من قبائل شتى‪ ،‬والتوبيش‪ :‬الجمع‪ ،‬أي جمعت‬
‫لها جموعا من أقوام متفرقين في النساب والماكن‪.‬‬
‫‪ 2‬في الصحيح "أبيدت" أي استؤصلت وأهلكت‪ .‬وخضراؤها‪ :‬سوادها ومعظمها‪.‬‬
‫‪ 3‬صحيح مسلم "الجهاد‪."1780 :‬‬
‫‪ 4‬أخرجه أبو داود "‪."3022 ،3021‬‬
‫) ‪(1/31‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -51-‬فأتيت أهل مكة فدعوتهم وأمنتهم‪ ،‬وجعلت لبي سفيان شيئا يذكر‬
‫به‪ ،‬قال‪ :‬فانطلق العباس ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬حتى ركب بغلة رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم الشهباء‪ ،‬فانطلق فقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ردوا على عمي فإن عم الرجل‬
‫صنو أبيه" قال‪ :‬فانطلق العباس حتى قدم على أهل مكة فقال‪ :‬يا أهل مكة أسلموا‬
‫تسلموا‪ ،‬قد استبطنتم بأشهب بازل‪ ،‬قال‪ :‬وقد كان رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫بعث الزبير من قبل أعل مكة‪ ،‬وبعث خالد بن الولد من قبل أسفل مكة‪ ،‬فقال لهم‬
‫العباس‪ :‬هذا الزبير من قبل أعلى مكة وخالد بن الوليد من قبل أسفل مكة‪ ،‬وخالد‬
‫وما خالد‪ ،‬وخزاعة المخزعة النواف‪ ،‬قال‪ :‬ثم قال‪ :‬من ألقى سلحه فهو آمن‪ ،‬ومن‬
‫أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن‪ ،‬قال ثم جاء ر سول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم فتراموا بشيء من النبل‪ ،‬ثم إن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ظهر عليهم فأمن الناس إل خزاعة عن بني بكر‪ ،‬قال وذكر أربعة‪ :‬مقيس بن‬
‫صبابة‪ ،‬وعبد ال بن أبي سرح‪ ،‬وابن خطل‪ ،‬وسارة مولة بني هاشم‪ ،‬قال حماد‪:‬‬
‫وسارة ل أدري في حديث أيوب أو في حديث غيره‪.‬‬
‫ن َقْوًما{‬
‫قال‪ :‬فقاتلتهم خزاعة إلى نصف النهار‪ ،‬فأنزل ال عز وجل‪َ} :‬أل ُتَقاِتُلو َ‬
‫صُدوَر َقْوٍم ُمْؤِمِنين{‬
‫ف ُ‬
‫ش ِ‬
‫]التوبة‪ [13 :‬الية والتي بعدها‪ ،‬ثم قال بعد قوله‪َ} :‬وَي ْ‬
‫ظ ُقُلوِبِهم{ ]التوبة‪ ،[15 :‬قال خزاعة‪:‬‬
‫غْي َ‬
‫ب َ‬
‫]التوبة‪ [14 :‬قال خزاعة‪َ} :‬وُيْذِه ْ‬

‫شاُء{ ]التوبة‪ ،[15 :‬قال خزاعة ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫ن َي َ‬
‫عَلى َم ْ‬
‫ل َ‬
‫ب ا ُّ‬
‫}َوَيُتو ُ‬
‫وفي هذا الخبر مخالفة لما ذكره ابن عقبة‪ ،‬وابن إسحاق‪ ،‬من أمر النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم بالكف عن قتال من لم يقاتل يوم فتح مكة إل من استثناهم‪ ،‬وسيأتي‪ -‬إن‬
‫شاء ال تعالى‪ -‬ما يدل للخبر الذي ذكره الفاكهي‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومن الخبار الدالة على جمع قريش بمكة لقتال المسلمين يوم فتح مكة ما ذكره‬
‫موسى بن عقبة في "مغازيه" لنه قال في خبر الفتح‪ :‬وبأسفل مكة‪ :‬بنو بكر‪ ،‬وبنو‬
‫الحارث بن عبد مناة‪ ،‬وهذيل‪ ،‬ومن كان معهم من الحابيش استنصرت قريش بهم‪،‬‬
‫فأمروهم أن يكونوا بأسفل مكة ثم قال‪ :‬واندفع خالد بن الوليد رضي ال عنه ‪-‬حتى‬
‫دخل مكة من أسفلها‪ ،‬فلقيته بنو بكر بن وائل‪ ،‬فقاتلوا فهزموا‪ ،‬وقتل من بني بكر‬
‫قريبا من عشرين‪ ،‬ومن هذيل ثلثة أو أربعة‪ ،‬وانهزموا‪.‬‬
‫وذكر ابن إسحاق في سيرته "تهذيب ابن هشام" ما يقتضي ترك التزام قريش لقتال‬
‫المسلمين يوم فتح مكة؛ لنه قال في خبر فتحها‪ :‬وحدثني عبد ال بن أبي نجيح‪،‬‬
‫وعبد ال بن أبي بكر‪ :‬أن صفوان بن أمية‪ ،‬وعكرمة بن أبي جهل‪ ،‬وسهيل بن‬
‫عمرو‪،‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪.214 ،213 /5‬‬
‫) ‪(1/32‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -52-‬كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا‪ ،‬ثم قال ابن إسحق بعد ذكره‬
‫خبر الحماس بن قيس‪ :‬فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم‬
‫شيئا من قتال‪ ،‬فقتل كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهر‪ ،‬وخنيس بن خالد بن‬
‫ربيعة بن أصرم حليف بني منقذ‪ ،‬وكانا في خيل خالد بن الوليد ‪-‬رضي ال عنه‪-‬‬
‫فشذا عنه‪ ،‬فسلكا طريقا غير طريقه‪ ،‬فقتل‪ ،‬ثم قال ابن إسحق‪ :‬وحدثني عبد ال بن‬
‫أبي نجيح‪ ،‬وعبد ال بن أبي بكر قال‪ :‬وأصيب من جهينة سلمة بن الميل من خيل‬
‫خالد‪ ،‬وأصيب ناس من المشركين قريبا من اثني عشر أو ثلثة عشر ثم انهزموا‪...‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬ما ذكره ابن إسحاق من جمع سهيل وصفوان وعكرمة أناسا لقتال‬
‫المسلمين بمكة يوم فتحها ل يقتضي نسبة ذلك لغيرهم من قريش‪ ،‬ويكون ذلك مبينا‬
‫لما وقع مجمل في حديث أبي هريرة من جمع قريش أوباشا لقتال المسلمين يومئذ‬
‫كما سبق ذكره‪.‬‬
‫فالجواب أنه يبعد جدا أن يكون سهيل‪ ،‬وصفوان‪ ،‬وعكرمة‪ ،‬انفردوا بذلك عن‬
‫قومهم مع كراهة قومهم لذلك‪ ،‬ولعل سبب نسبة ذلك إليهم دون من لم يذكر من‬
‫قومهم كونهم الداعين إلى ذلك‪ ،‬ولو سلم كراهة غيرهم لذلك فل يكفي ممن كره‬
‫ذلك سكوته‪ ،‬بل ل بد من إنكاره بالقول والفعل بأن ينحاز عمن فعل ذلك ويعلم به‬
‫المام‪ ،‬ولم يرد خبر تقوم به حجة تدل على أن أحدا من أهل مكة أنكر على سهيل‪،‬‬
‫وصفوان‪ ،‬وعكرمة فعلهم هذا‪ ،‬ول على التزام من كان بمكة من المشركين‪ ،‬ترك‬
‫قتال المسلمين عند فتح مكة‪ ،‬ولو وقع ذلك لحفظ كما حفظ ما كان يشبه ذلك مما‬
‫جرى في عام الحديبية‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬

‫وإذا لم يقم دليل على التزام أهل مكة ترك قتال المسلمين يوم فتحها‪ ،‬وقام الدليل‬
‫على فعلهم بخلف ذلك من جمعهم لقتال المسلمين‪ :‬تعين أن يكون فتح مكة عنوة‪،‬‬
‫كما هو ظاهر الحاديث الصحيحة‪ ،‬فمن ذلك قوله صلى ال عليه وسلم في حديث‬
‫أبي هريرة السابق‪" :‬ترون أوباش قريش وأتباعهم" ثم قال بيديه إحداهما على‬
‫الخرى‪ ،‬ثم قال‪" :‬حتى توافوني بالصفا" قال‪ :‬فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل‬
‫أحدا إل قتله‪ ،‬وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا‪ ،‬قال فجاء أبو سفيان فقال‪ :‬يا رسول‬
‫ال‪ ،‬أبيحت خضراء قريش‪ ،‬ل قريش بعد اليوم‪ ،‬ثم قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من‬
‫دخل دار أبي سفيان فهو آمن"‪.1‬‬
‫وقال مسلم في بعض طرق هذا الحديث‪ :‬حدثنا عبد ال بن هاشم‪ ،‬حدثنا بهز‪ ،‬حدثنا‬
‫سليمان بن المغيرة بهذا السناد‪ ،‬وزاد في الحديث‪ ،‬ثم قال بيديه بإحداهما على‬
‫الخرى‪" :‬احصدوهم حصدا"‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه مسلم "الجهاد‪."1780 :‬‬
‫) ‪(1/33‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -53-‬ومن ذلك ما رواه مسلم ‪ 1‬بنسده إلى عبد ال بن رباح أنه قال‪ :‬يا‬
‫أبا هريرة لو حدثتنا عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال رضي ال عنه‪ :‬كنا‬
‫مع رسول ال صلى ال عليه وسلم يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد ‪-‬رضي ال عنه‪-‬‬
‫على المجنبة اليمنى‪ ،‬وجعل الزبير‪ -‬رضي ال عنه‪ -‬على المجنبة اليسرى‪ ،‬وجعل‬
‫أبا عبيدة‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬على البياذقة وبطن الوادي‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"يا أبا هريرة ادع لي بالنصار"‪ .2‬فدعوتهم فجاءوا يهرولون‪ ،‬فقال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬يا معشر النصار هل ترون أوباش قريش؟" قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪" :‬انظروا إذا‬
‫لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" وأحفى بيده‪ ،‬ووضع يمينه على شماله وقال‪:‬‬
‫"موعدكم الصفا" قال‪ :‬فما أشرف يومئذ لهم أحد إل أناموه‪ ،‬قال‪ :‬وصعد رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم الصفا‪ ،‬وجاءت النصار فأطافوا بالصفا‪ ،‬فجاء أبو سفيان‬
‫فقال‪ :‬يا رسول ال أبيدت خضراء قريش‪ ،‬ل قريش بعد اليوم‪ ،‬قال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬من دخل دار أبي سفيان فهو آمن‪ ،‬ومن ألقى السلح فهو آمن‪ ،‬ومن أغلق‬
‫بابه فهو آمن"‪ ،‬وذكر بقية الخبر‪.‬‬
‫ومن ذلك ما ذكره أبو داود في سننه على ما رويناه عنه‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا مسلم بن‬
‫إبراهيم قال‪ :‬حدثنا سلم بن مسكين قال‪ :‬حدثنا ثابت البناني‪ ،‬عن عبد ال بن رباح‬
‫النصاري‪ ،‬عن أبي هريرة ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬قال‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم لما‬
‫دخل مكة سرح الزبير بن العوام‪ ،‬وأبا عبيدة بن الجراح‪ ،‬وخالد بن الوليد ‪-‬رضي‬
‫ال عنهم‪ -‬على الخيل وقال‪" :‬يا أبا هريرة اهتف بالنصار" قال‪" :‬اسلكوا هذا‬
‫الطريق‪ ،‬فل يشرفن لكم أحد إل أنمتموه"‪ ،‬فنادى مناد‪ :‬ل قريش بعد اليوم‪ ،‬فقال‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من دخل دار أبي سفيان ‪ 3‬فهو آمن‪ ،‬ومن ألقى‬
‫السلح فهو آمن"‪.4‬‬
‫ص بهم‪ ،‬وطاف النبي صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وعمد صناديد قريش فدخلوا الكعبة فغ ّ‬
‫وصلى خلف المقام‪ ،‬ثم أخذ بجنبتي الباب‪ ،‬فخرجوا فبايعوا النبي صلى ال عليه‬

‫وسلم على السلم‪.‬‬
‫ونشير إلى بيان موضع الدللة على أن فتح مكة عنوة من حديث أبي هريرة هذا‪،‬‬
‫فمن ذلك قوله فيه‪ ،‬يعني النبي صلى ال عليه وسلم‪ -‬بيديه بإحداهما على الخرى‪:‬‬
‫"احصدوهم حصدا" كذا في رواية مسلم عن عبد ال بن هاشم‪ ،‬عن بهز‪ ،‬عن‬
‫سليمان بن المغيرة‪ ،‬عن ثابت البناني عن عبد ال بن رباح‪ ،‬عن أبي هريرة ‪-‬رضي‬
‫ال عنه"‪ .‬ومن ذلك قوله فيه قال‪ :‬يعني النبي صلى ال عليه وسلم‪" :‬انظروا إذا‬
‫لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" وأحفى بيديه ووضع يمينه على شماله‪ ،‬كذا في‬
‫رواية مسلم عن الدارمي‪ ،‬عن يحيى بن حسان‪ ،‬عن حماد بن سلمة‪ ،‬عن ثابت‬
‫بسنده‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬صحيح مسلم "الجهاد‪."1780 :‬‬
‫‪ 2‬في صحيح مسلم‪" :‬النصار"‪.‬‬
‫‪ 3‬في سنن أبي داود "‪ :"3024‬من دخل دارا"‪.‬‬
‫‪ 4‬أخرجه أبو داود "‪."3024‬‬
‫) ‪(1/34‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -54-‬ووجه الدللة من قول النبي صلى ال عليه وسلم هذا وإشارته‬
‫بيده أن ذلك ليتضمن الحث على قتال المشركين بمكة عند إرادته فتحها‪.‬‬
‫ومن ذلك قوله فيه‪ :‬فما أشرف لهم يومئذ أحد إل أناموه؛ لن معنى ذلك ما ظهر لهم‬
‫أحد إل قتلوه‪ ،‬فوقع إلى الرض‪ ،‬أو يكون المعنى‪ :‬أسكتوه بالقتل كالنائم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫نامت الريح إذا سكنت‪ ،‬وضربه حتى سكت أي مات‪ ،‬ونامت الشاة وغيرها‪ :‬ماتت‪،‬‬
‫قال الفراء‪ :‬النائمة الميتة‪ ،‬وقيل في معنى أناموه معنى يخالف ما ذكرناه‪ ،‬سنذكره‬
‫فيما بعد مع بيان ما فيه من النظر‪.‬‬
‫ومن ذلك قول أبي سفيان بن حرب‪ :‬يا رسول ال أبيحت خضراء قريش‪ ،‬ل قريش‬
‫بعد اليوم وفي رواية‪ :‬أبيدت ومعناها كمعنى أبيحت‪ ،‬والمعنى في ذلك أي‬
‫استؤصلت قريش بالقتل وأفنيت‪ ،‬وخضراؤهم بمعنى جماعتهم‪ ،‬ويعبر عن الجماعة‬
‫المجتمعة بالسواد والخضرة‪ ،‬ومنه السواد العظم‪ ،‬والبادة على الوجه المشار إليه‬
‫دليل على أن فتح مكة عنوة‪ ،‬لن فتحها صلحا ينافي ذلك‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومن ذلك سؤال أبي سفيان من النبي صلى ال عليه وسلم لمن دخل دار أبي سفيان‪،‬‬
‫ولمن ألقى سلحه ولمن أغلق بابه‪ ،‬وإجابة النبي صلى ال عليه وسلم له إلى ما‬
‫سأله‪.‬‬
‫وجه الدللة من هذا على أن فتح مكة عنوة أنه لو كان فتحها صلحا لم يسأل أبو‬
‫سفيان أمانا مخصوصا مع الستغناء عنه بالمان العام الذي هو مقتضى الصلح‪،‬‬
‫كيف وفي الحديث ما يدل على أن الموجب لسؤال أبي سفيان المان المخصوص‬
‫هو ما رأى من إبادة المسلمين لجماعة قريش بالقتل يوم فتح مكة‪ ،‬ول يفعل‬
‫المسلمون ذلك بالمشركين إل حيث لم يكن لهم ذمة‪ ،‬أو كانت لهم فنقضوها‪ ،‬وهذا‬
‫أظهر‪ ،‬لن النبي صلى ال عليه وسلم أمن أهل مكة نحو التأمين الذي سأله فيه أبو‬
‫سفيان حين سأله في ذلك العباس بن عبد المطلب ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬بمر الظهران‪،‬‬

‫تكرمة لبي سفيان‪ ،‬وقد سبق ذكرنا لذلك‪.‬‬
‫وكان سؤال أبي سفيان للنبي صلى ال عليه وسلم في المان‪ ،‬وذكره له حال‬
‫قريش‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسلم على الصفا بعد فتح ال عليه مكة‪ ،‬لن في‬
‫حديث أبي هريرة قال‪ :‬وصعد رسول ال صلى ال عليه وسلم الصفا‪ :‬وجاءت‬
‫النصار فأطافوا بالصفا‪ ،‬فجاء أبو سفيان فقال‪ :‬يا رسول ال أبيدت خضراء‬
‫قريش‪ ،‬ل قريش بعد اليوم‪ ،‬قال أبو سفيان‪ :‬يا رسول ال من دخل دار أبي سفيان‬
‫فهو آمن؟ وذكر بقية الخبر‪ ،‬وقوله في الحديث الذي فيه هذا الكلم قبل ذكره‪ :‬فما‬
‫أشرف لهم يومئذ أحد إل أناموه‪ ،‬يرد على من قال إن قوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" أن ذلك كان قبل الفتح بيوم‪ ،‬ثم‬
‫حصل الصلح في غده‪ ،‬لما تقدم من أن معنى قوله فما أشرف يومئذ أحد إل أناموه‪،‬‬
‫أي قتلوه‪ ،‬ولم يكن ذلك إل في يوم فتح مكة‪.‬‬
‫) ‪(1/35‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -55-‬وقد أشار المام المازري إلى الرد بذلك على قائل المقالة المشار‬
‫إليها‪ ،‬وأيضا فل يلزم من قوله‪" :‬إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" أن يكون‬
‫ذلك وقع قبل الفتح بيوم‪ ،‬لمكان أن يكون ذلك وقع في آخر الليلة التي وقع الفتح‬
‫فيها صبيحتها‪ ،‬وأيضا فما ادعاه قائل هذه المقالة من حصول صلح في يوم فتح مكة‬
‫قبل حصول القتال في هذا اليوم ل يقوم عليه دليل‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ونشير إلى ضبط بعض اللفاظ في حديث أبي هريرة وهي‪ :‬المجنبة‪ ،‬والبياذقة‪،‬‬
‫فأما المجنبة‪ :‬فبميم مضمومة وجيم مفتوحة ونون مكسورة‪ .‬وأما البياذقة‪ :‬فبباء‬
‫موحدة ثم ياء مثناة تحتية وألف وذال معجمة وقاف‪ ،‬ووقع في بعض الطرق‪:‬‬
‫الساقة بدل البياذقة‪ ،‬وقال بعض الرواة‪ :‬الشارفة بشين معجمة وألف وراء مهملة‬
‫وفاء‪ ،‬وفسره بالذين يشرفون على مكة‪ ،‬قال القاضي عياض‪ :‬وليس هذا بشيء‬
‫لنهم أخذوا في بطن الوادي‪.‬‬
‫والساقة‪ :‬بسين مهملة بعدها ألف وقاف‪ -‬وهم الذين يكونون آخر العسكر على ما‬
‫قاله القاضي‪ ،‬والبياذقة هم الحسر‪ ،‬كما في رواية مسلم‪ ،‬عن شيبان‪ ،‬عن سليمان بن‬
‫المغيرة؛ لن المعنى فيهما واحد‪ ،‬لنهم الرجال الذين ل دروع لهم‪ ،‬والبياذقة‬
‫فارسي معرب ‪-‬على ما قيل‪ -‬وهم أصحاب ركاب الملك ومن يتصرف في أموره‪،‬‬
‫سموا بذلك لخفتهم وسرعة حركتهم على ما قيل‪ ،‬والحسر‪ :‬بحاء مهملة مضمومة‬
‫وسين مشددة مهملة‪.‬‬
‫ومن الدلئل على أن فتح مكة عنوة‪ ،‬ما رويناه عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي‬
‫ال عنها قالت‪ :‬ذهبت إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل‪،‬‬
‫وفاطمة ابنته تستره بثوب‪ ،‬فسلمت عليه‪ ،‬فقال‪" :‬من هذه؟" قلت‪ :‬أم هانئ بنت أبي‬
‫طالب‪ ،‬قال‪" :‬مرحبا بأم هانئ" فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا‬
‫في ثوب‪ ،‬فلما انصرف قلت‪ :‬يا رسول ال زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه‬
‫قاتل رجل أجرته‪ :‬فلن ابن هبيرة‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬قد أجرنا‬
‫من أجرت يا أم هانئ"‪ ،‬قالت أم هانيء‪ :‬وذلك ضحى‪ .‬أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ‬
‫مسلم في صحيحه ‪ 1‬وهو مما اتفق على صحته‪ ،‬ووجه الدللة منه على أن مكة‬

‫فتحت عنوة‪ ،‬وأنه لو كان فتحها صلحا لم يخف ذلك على علي بن أبي طالب‪-‬‬
‫رضي ال عنه" لمكانه من النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولما أقدم على قتل من دخل‬
‫من المان الذي هو مقتضى الصلح‪ ،‬فإن ذلك يغني عن جيرة أم هانيء‪ ،‬ولما سألت‬
‫أم هانئ النبي صلى ال عليه وسلم إنفاذ جيرتها‪ .‬وقد أشار المام المازري إلى نحو‬
‫ما ذكرناه من الستدلل بهذا الحديث علي أن فتح مكة عنوة‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬السيرة لبن هشام ‪.274 ،273 /2‬‬
‫) ‪(1/36‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -56-‬والرجل الذي أجارته أم هانئ كما في هذا الحديث قيل‪ :‬إنه ابنها‬
‫جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزومي‬
‫لن الحافظ أبا القاسم السهيلي لما ذكر أم هانئ بنت أبي طالب ‪-‬رضي ال عنها‪-‬‬
‫قال‪ :‬ولها ابن من هبيرة آخر اسمه يوسف‪ ،‬وثالث وهو الكبر اسمه جعدة‪ ،‬وقيل‪:‬‬
‫إياه عنت في حديث مالك‪ :‬زعم ابن أم علي أنه قاتل رجل أجرته فلن ابن هبيرة‬
‫‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫ونقل ذلك الحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيبه"‪ 2‬عن الحافظ بن عبد البر‪ ،‬لنه‬
‫قال في ترجمة جعدة بن هبيرة هذا‪ ،‬وقال ابن عبد البر أيضا‪ :‬يقال إنه الذي أجارته‬
‫أم هانئ يوم الفتح فلن ابن هبيرة‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ولم أر كلم ابن عبد البر في كتاب "الستيعاب" بعد تتبعي لذلك في ترجمة جعدة‬
‫بن هبيرة‪ ،‬وفي ترجمة أمة أم هانئ في تراجمها الثلث‪ ،‬ولعله ذكر ذلك في غير‬
‫الستيعاب‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وجاء حديث عنها أنها أجارت رجلين من بني مخزوم يوم الفتح‪ ،‬فتفلت علي رضي‬
‫ال عنه‪ -‬ليقتلهما‪ ،‬وهذان الرجلن هما الحارث بن هشام‪ ،‬وعبد ال بن أبي ربيعة‬
‫المخزوميان‪ ،‬قال الخطيب البغدادي‪ ،‬وقيل‪ :‬هما الحارث بن هشام‪ ،‬وزهير بن أبي‬
‫أمية بن المغيرة‪ ،‬ذكره ابن أبي إسحق فيما حكاه ابن بشكوال‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومما يدل لذلك أيضا‪ :‬قوله صلى ال عليه وسلم يوم فتح مكة في خطبته بها‪ ،‬لما‬
‫ذكره حرمة مكة‪" :‬وأنه لم يحل القتال فيه لحد قبلي‪ ،‬ولم تحل لي إل ساعة من‬
‫نهار"‪ ،‬وذكر بقية الحديث‪ ،‬وهو مخرج في الصحيحين ‪ 3‬من حديث ابن عباس‬
‫رضي ال عنهما‪ -‬قال الخطابي‪ :‬إنما أحل له في تلك الساعة إراقة الدماء ل دم‬‫صيد وغيره مما حرم بالحرم من قطع شجر وتنفير صيد‪.‬‬
‫قال المحب الطبري‪ :‬ويحتمل العموم‪ ،‬فإن انتشار العسكر ل يخلو من تنفير صيد‪،‬‬
‫ودوس خل‪ ،‬وقطعه‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬والعمد والخطأ فيه سواء‪ ،‬وقد استدل بهذا من قال‬
‫إن فتح مكة عنوة ‪ ...4‬انتهى‪.‬‬
‫ومما يدل على أن مكة فتحت عنوة قوله صلى ال عليه وسلم في خطبته بمكة يوم‬
‫فتحها‪" :‬يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟" قالوا‪ :‬خيرا أخ كريم وابن أخ‬
‫كريم‪ ،‬ثم قال‪" :‬اذهبوا‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪103 /3‬‬

‫‪ 2‬تهذيب الكمال ‪ 566 /4‬رقم ‪ ،930‬وليس فيه العبارة الواردة في المتن‪.‬‬
‫‪ 3‬صحيح البخاري "‪ "1587‬صحيح مسلم "الحج‪ ،"445 :‬والبيهقي في الشعب "‬
‫‪ "4007‬وأبو داود "‪ ،"2018‬والترمذي "‪ "1590‬والنسائي "‪."2874‬‬
‫‪ 4‬القرى "ص‪."641 :‬‬
‫) ‪(1/37‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -57-‬فأنتم الطلقاء" وهذه الخطبة في "السيرة" لبن إسحاق تهذيب ابن‬
‫هشام" وتظهر الدللة من ذلك على أن فتح مكة عنوة ببيان معنى قوله عليه الصلة‬
‫والسلم‪" :‬أنتم الطلقاء" ومعنى ذلك المطلوقون من السترقاق‪ ،‬أشار إلى ذلك ابن‬
‫الثير‪ ،‬في "نهاية الغريب" له لن فيها قال في حديث حنين حين خرج إليها ومعه‬
‫الطلقاء الذين خل عنهم يوم الفتح ‪ -‬فتح مكة‪ :‬أطلقهم ولم يسترقهم‪ ،‬وأحدهم طليق ‪-‬‬
‫فعيل‪ ،‬بمعنى مفعول‪ -‬وهو السير إذا أطلق سبيله‪ ،‬ومنه الحديث‪" :‬الطلقاء من‬
‫قريش‪ ،‬والعتقاء من ثقيف" كأنه ميز قريشا بهذا السم حيث هو أحسن من‬
‫العتقاء‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وإذا كان هذا معنى الطلقاء‪ ،‬فخطاب النبي صلى ال عليه وسلم لقريش بهذا‬
‫الخطاب يقتضي أنهم كانوا حين خوطبوا بذلك في السر المقتضي للسترقاق لول‬
‫أن النبي صلى ال عليه وسلم تفضل عليهم بالطلق‪ ،‬ولول ذلك لم يكن لستعلمه‬
‫صلى ال عليه وسلم قريشا عن ما توقعونه منه محل لخطاب قريش بذلك بعد‬
‫تأمينهم‪ ،‬وهذا من أظهر الدلئل على فتح مكة عنوة‪ ،‬ويبعد النفصال عنه بجواب‬
‫شاف إل أن يقال إن ذلك مرسل‪ ،‬والمرسل ل يحتج به‪ ،‬ولو سلم ذلك‪ ،‬فالدللة على‬
‫فتح مكة عنوة ناهضة من غيره من الدلئل التي ذكرناها‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقد ذكر الزرقي خطبة النبي صلى ال عليه وسلم بمكة يوم فتحها بلفظ يقرب من‬
‫لفظها السابق في المعنى وزيادة فيها‪ ،‬ونص ما ذكره الزرقي فيما رويناه عنه‬
‫بالسند المتقدم‪ ،‬حدثني جدي أحمد بن محمد وإبراهيم بن محمد الشافعي قال‪ :‬أنبأنا‬
‫مسلم بن خالد‪ ،‬عن عبد ال بن عبد الرحمن بن أبي حسين‪ ،‬عن عطاء بن أبي رباح‬
‫والحسن بن أبي الحسن وطاوس‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم دخل يوم فتح مكة‬
‫البيت فصلى فيه ركعتين‪ ،‬ثم خرج وقد لبط ‪ 1‬الناس حول الكعبة فأخذ بعضادتي‬
‫الباب‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬الحمد ل الذي صدق وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وهزم‬
‫الحزاب وحده‪ ،‬ماذا تقولون وماذا تظنون؟" قالوا‪ :‬نقول خيرا‪ ،‬ونظن خيرا‪ ،‬أخ‬
‫كريم وابن أخ كريم‪ ،‬وقد قدرت فاسمح‪ ،‬قال‪" :‬فإني أقول كما قال أخي يوسف‪} :‬ل‬
‫حِمين{" ]يوسف‪ ...[92 :‬انتهى‪.‬‬
‫حُم الّرا ِ‬
‫ل َلُكْم َوُهَو َأْر َ‬
‫عَلْيُكُم اْلَيْوَم َيْغِفُر ا ُّ‬
‫ب َ‬
‫َتْثِري َ‬
‫باختصار ‪.2‬‬
‫ومما يدل على أن فتح مكة عنوة ما رويناه في مسند المام أحمد بن حنبل‪ ،‬لنه‬
‫قال‪ :‬حدثنا يحيى‪ ،‬عن حسين‪ ،‬عن عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده قال‪ :‬لما‬
‫فتحت مكة على رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬كفوا السلح إل خزاعة عن‬
‫بني بكر"‪ ،‬فأذن لهم حتى صلى العصر‪ ،‬ثم قال‪" :‬كفوا السلح"‪ ،‬الحديث بطوله ‪.3‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬لبط‪ :‬أي اجتمع‪ ،‬وتأتي أيضا بمعنى سعى‪ ،‬والمعنى الول هو الرجح‪.‬‬

‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.121 /2‬‬
‫‪ 3‬مسند أحمد ‪.212 /2‬‬
‫) ‪(1/38‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -58-‬وذكره الفاكهي لنه قال‪ :‬حدثنا حسن بن حسين‪ ،‬أنبأنا ابن أبي‬
‫عدي‪ ،‬حدثنا حسين المعلم‪ ،‬عن عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده‪ :‬أن رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم لما فتح مكة عنوة قال‪" :‬كفوا السلح إل خزاعة عن بني بكر‪،‬‬
‫فأذن لهم حتى صلوا العصر‪ ،‬ثم أمرهم أن يكفوا السلح‪ ،‬حتى إذا كان من الغد لقي‬
‫رجل من خزاعة رجل من بني بكر بالمزدلفة فقتله‪ ،‬فلما بلغ ذلك النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم قام فينا خطيبا وظهره إلى الكعبة فقال‪" :‬إن أعتى الناس على ال ‪-‬عز‬
‫وجل‪ -‬من عدا في الحرم‪ ،‬ومن قتل غير قاتله‪ ،‬ومن قتل بذحول ‪ 1‬الجاهلية"‪...2‬‬
‫انتهى باختصار‪.‬‬
‫ويحيى شيخ المام أحمد بن حنبل هو يحيى بن سعيد القطان‪ ،‬المام المشهور أحد‬
‫العلم‪ ،‬وحسين‪ :‬شيخه هو المعلم‪ ،‬وثقه غير واحد‪ ،‬وأخرج له الجماعة‪ ،‬وعمرو‬
‫بن شعيب وإن لم يخرج له من الجماعة البخاري ومسلم فقد وثقه يحيى بن معين ‪،3‬‬
‫وإسحاق بن راهويه‪ ،‬وصالح حرره وغيرهم من الئمة‪ ،‬وقد احتج به غير واحد‬
‫من الئمة؛ لني وجدت بخط الحافظ الذهبي في تاريخ السلم ‪ :4‬قال البخاري‪:‬‬
‫رأيت أحمد بن حنبل‪ ،‬وعلى بن المديني‪ ،‬وإسحاق بن راهويه‪ ،‬يحتجون بحديث‬
‫عمرو بن شعيب‪ ،‬قال البخاري من الناس بعدهم‪ ،‬وقال الشيخ محيي الدين النووي‪:‬‬
‫الصحيح المختار الحتجاج به‪ ،‬وقال الدارقطني وغيره‪ :‬قد ثبت سماع شعيب عن‬
‫جده عبد ال بن عمرو‪ ...‬انتهى ما وجدته بخط الحافظ الذهبي‪.‬‬
‫وإذا تقرر ذلك فيكون الحديث المشار إليه صحيح السناد‪.‬‬
‫ووجه دللته على أن فتح مكة عنوة أنه يقتضي إباحة القتال فيها يوم فتحها غالب‬
‫هذا اليوم‪ ،‬وذلك ينافي أن يكون صلحا أو بأمان‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومما يدل على أن فتح مكة عنوة‪ ،‬ولو لم يقع فيه قتال‪ ،‬أن دخول النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم ومن معه إليها من المسلمين كان على وجه القهر لهلها لنهم عدوا‬
‫دخلوا صلى ال عليه وسلم عام الحديبية عنوة على ما ذكره ابن إسحاق في السيرة‪،‬‬
‫لنه ذكر أن قريشا قالوا لبديل بن ورقاء الخزاعي ومن معه من خزاعة حين‬
‫أبلغوهم عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه لم يأت لحرب‪ ،‬وإنما جاء زائرا للبيت‬
‫معظما لحرمته‪ ،‬ول يريد قتال‪ ،‬فوال ل يدخلها علينا عنوة أبدا ول يحدث‪ ،‬وبذلك‬
‫عنا العرب‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الذحل‪ :‬الوتر وطلب المكافأة والذحل تأتي بمعنى العداوة أيضا‪.‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪.219 /5‬‬
‫‪ 3‬التاريخ‪ ،‬لبن معين ‪.446 ،445 /2‬‬
‫‪ 4‬تاريخ السلم ‪.285 /4‬‬
‫) ‪(1/39‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -59-‬وذكر ابن إسحاق أيضا أن عروة بن مسعود الثقفي قال للنبي‬
‫صلى ال عليه وسلم لما بعثته إليه قريش بالحديبية‪ :‬إنها قريش خرجت معها العوذ‬
‫‪ 1‬المطافيل‪ ،‬قد لبسوا جلود النمور‪ ،‬يعاهدون ال ل تدخلها عليهم عنوة أبدا ‪...2‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وإذا كان دخول النبي صلى ال عليه وسلم عند أهل مكة‪ ،‬مع كونه لم يقصد فيه‬
‫قتال‪ ،‬وإنما قصد أداء نسك العمرة التي أحرم بها‪ ،‬وعورض في هذا فكيف بدخوله‬
‫صلى ال عليه وسلم إلى مكة وقت فتحها ال عليه؟ والقصد بدخوله يومئذ إظهار‬
‫السلم بها‪ ،‬وإنقاذها من المشركين‪ ،‬ومعه من المسلمين في دخول مكة يوم الفتح‬
‫أضعاف من كان معه من المسلمين يوم الحديبية؛ لن عدد أصحاب الحديبية ألف‬
‫وأربعمائة على ما في مسلم وغيره‪ ،‬وقيل‪ :‬ألف وثلثمائة‪ ،‬وعدد المسلمين يوم‬
‫الفتح عشرة آلف‪ ،‬وقيل‪ :‬اثنا عشر ألفا‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقد حاول النووي ‪-‬رحمه ال‪ -‬الجواب عما في حديث أبي هريرة‪ ،‬وحديث أم هانئ‬
‫من اللفاظ التي تدل على أن فتح مكة عنوة‪ ،‬وفيما حاوله من الجواب نظر نشير‬
‫إليه بعد ذكر كلمه‪ ،‬لنه قال في الجواب عن أمر النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫بحصد المشركين وقتل خالد رضي ال عنه لهم‪" :‬وأما قوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"احصدوهم"‪ ،‬وقتل خالد رضي ال عنه‪ -‬من قتل فهو محمول على من أظهر من‬
‫كفار مكة قتال"‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وتأويل النووي لقوله صلى ال عليه وسلم‪" :‬احصدوهم" إما أن يقتضي أن المأمور‬
‫بحصدهم لظهار القتال معروفون بأسمائهم أو غير معروفين بأسمائهم‪ ،‬والول ل‬
‫يقوم عليه دليل‪ ،‬والثاني مسلم‪ ،‬وهو يقتضي أن المأمور بحصدهم غير‬
‫محصورين‪ ،‬فيكون المر بالحصد عاما في جميع المشار إليهم‪ ،‬وهو دليل على‬
‫الفتح عنوة‪ ،‬لن الصلح لو وقع منع من ذلك‪ ،‬ول يعارض كون المر بحصد‬
‫المشار إليهم عاما في جميعهم المر الوارد بعدم مبادأة المشار إليهم بالقتال‪ ،‬كما‬
‫هو مقتضى الخبر الذي رويناه في "مغازي موسى بن عقبة"‪" ،‬وسيرة ابن‬
‫إسحق"‪ ،‬ولفظ ابن إسحاق‪ :‬وكان رسول ال صلى ال عليه وسلم قد عهد إلى‬
‫أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أل يقاتلوا إل من قاتلهم‪ ،‬إل أنه قد‬
‫عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم‪ ،‬وإن وجدوا تحت أستار الكعبة‪ ...‬انتهى؛ لن المنع‬
‫في مبادأة المشار إليهم بالقتال ل يقتضي تخصيص أحد منهم بترك قتاله‪ ،‬وإنما عدم‬
‫مبادأتهم بالقتال رفقا بهم أجمعين‪ ،‬رجاء إسلمهم‪ ،‬فيكثر بهم عدد المسلمين‪،‬‬
‫ويحتمل أن يكون المر بعدم مبادأتهم بالقتال كان قبل أن يبلغ‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬العوذ‪ :‬بالذال المعجمة‪ :‬جمع عائذ‪ :‬وهي الحديثة النتاج من البل‪ ،‬والمطافيل التي‬
‫معها أولدها‪.‬‬
‫يريد أنهم خرجوا بذوات اللبان من البل ليتزودوا ألبانها‪ ،‬ول يرجعوا حتى‬
‫يناجزوا محمدا‪.‬‬
‫‪ 2‬تهذيب سيرة ابن إسحق "ص‪."221 :‬‬
‫) ‪(1/40‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -60-‬النبي صلى ال عليه وسلم عن قريش أنهم لم يقبلوا تأمينه‪،‬‬
‫وجمعوا الوباش لقتاله‪ ،‬كما هو مقتضي حديث أبي هريرة رضي ال عنه السابق‬
‫في فتح مكة‪ ،‬لن فيه‪ :‬ووبشت قرش أوباشا لها وأتباعا فقالوا‪ :‬نقدم هؤلء‪ ،‬فإن كان‬
‫لهم شيء كنا معهم‪ ،‬فإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا‪ ...‬انتهى‪ .‬وأنه لما بلغ النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ذلك عن قريش أمر بحصدهم‪ ،‬كما في حديث أبي هريرة‬
‫رضي ال عنه‪ ،‬ويتأيد ذلك بأن القتال المأذون فيه في حديث أبي هريرة ‪-‬رضي‬‫ال عنه أبلغ من القتال المأذون فيه في الخبر الذي ذكر ابن إسحاق‪ ،‬لقوله في‬
‫حديث أبي هريرة ‪-‬رضي ال عنه‪" :‬احصدوهم حصدا" وذلك يقتضي البلغ في‬
‫القتل‪ ،‬وإذا حمل الخبران على ما ذكرناه لم يبق بينهما تعارض‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقال النووي في الجواب عن تأمين النبي صلى ال عليه وسلم لمن دخل دار أبي‬
‫سفيان‪ ،‬ومن ألقى سلحه‪ ،‬وتأمين أم هانيء‪ :‬وأما أمان من دخل دار أبي سفيان‪،‬‬
‫ومن ألقى سلحه‪ ،‬وأما أم هانيء‪ ،‬فكله محمول على زيادة الحتياط لهم بالمان‪...‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وهذا الكلم يشعر بأن النبي صلى ال عليه وسلم أمن أهل مكة أمانا عاما‪ ،‬وخص‬
‫منهم بالتأمين من دخل دار أبي سفيان‪ ،‬ومن ألقي سلحه‪ ،‬ومن أجارته أم هانيء‪،‬‬
‫فإن زيادة الحتياط لهؤلء بالمان ل يكون إل بأن يكون تأمين النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم على هذه الصفة وفي ذلك نظر‪ ،‬لنه لم يرد خبر يشعر بأن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم أمن أهل مكة أمانا عاما‪ ،‬وإنما أمن من دخل دار أبي سفيان‪ ،‬ودار‬
‫حكيم‪ ،‬ومن دخل المسجد‪ ،‬ومن أغلق بابه عليه‪ ،‬ومن ألقى سلحه‪ ،‬على ما يتحصل‬
‫من مجموع الخبار التي سبق ذكرها‪ ،‬واستثنى من ذلك جماعة من الرجال والنساء‬
‫بجرائم اقتضت ذلك‪.‬‬
‫وقال النووي في الجواب عن َهّم علي بن أبي طالب ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬بقتل الرجلين‬
‫اللذين أجارتهما أم هانيء‪ :‬وأما َهّم علي بن أبي طالب ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬بقتل‬
‫الرجلين اللذين أجارتهما أم هانيء‪ ،‬فلعله تأول فيهما شيئا‪ ،‬أو جرى منهما قتال أو‬
‫نحو ذلك‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وهذا الكلم يقتضي أن علّيا أراد قتل الرجلين؛ لتأوله فيهما ما يوجب ذلك‪ ،‬أو لنه‬
‫جرى منهما قتال‪ ،‬وغاية ما يتأول علي ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬فيهما أنهما مستحقان القتل‬
‫لفعلهما ما يوجب ذلك من قبل‪ ،‬والصل خلف ذلك‪ ،‬ولو سلم فمستحق القتل ل‬
‫يقتل بغير مؤامرة المام‪ ،‬والصل ‪-‬أيضا‪ -‬أنه لم يجر منهما قتال في يوم فتح مكة‪،‬‬
‫وإذا دار المر بين التأويل لسيدنا "علي" بشيء على خلف الصل‪ ،‬وبين التأويل‬
‫له بما يوافق الواقع‪ ،‬فالتأويل له بالموافق أولى‪ ،‬وهو كون الفتح عنوة‪ ،‬ول لوم في‬
‫القتل فيهما‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫) ‪(1/41‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -61-‬وقال النووي في الجواب عن قوله في حديث فتح مكة‪ :‬فما أشرف‬
‫لهم يومئذ أحد إل أناموه‪ ،‬ومن قال‪ :‬فتحت صلحا ‪-‬يعني مكة‪ -‬يقول‪ :‬أناموه أي ألقوه‬
‫على الرض من غير قتل إل من قاتل‪ ،‬وال أعلم ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وفي هذا التأويل نظر من أوجه‪ ،‬منها‪ :‬أن القصد باللقاء إلى الرض من غير قتل‬

‫هو الرهاب‪ ،‬وهو يحصل بدون ذلك‪ ،‬مثل الشارة بالسيف وشبهه‪ ،‬فيجتزي بذلك‬
‫إذا كان الفتح صلحا‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن اللقاء إلى الرض يبعد وقوعه من غير زيادة عليه في حق كل من‬
‫عارض المسلمين يوم فتح مكة بقتال‪ ،‬وإنما يتأتى ذلك من الراكب للراكب‪ ،‬ومن‬
‫الماشي للراكب‪ ،‬ومن الماشي للماشي‪ ،‬وأما من الراكب للماشي فيبعد تأتيه في حق‬
‫كل من عارض‪ ،‬إل أن ينزل الراكب عن فرسه‪ ،‬وفي وقوع ذلك من كل راكب‬
‫لكل ماش عارض بقتال ُبْعٌد‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن ما ذكره أبو سفيان من إثارة قريش واستباحتها يقتضي أن المفعول فيهم‬
‫يومئذ أعظم من إلقائهم إلى الرض من غير قتال‪ ،‬لن ذلك ل يعبر عنه بما ذكره‬
‫أبو سفيان‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقد ذكر النووي ‪-‬رحمه ال‪ -‬حجة الشافعي ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬على أن مكة فتحت‬
‫صلحا‪ ،‬قال‪ :‬واحتج الشافعي ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬بالحاديث المشهورة أنه صلى ال‬
‫عليه وسلم صالحهم بمر الظهران قبل دخوله مكة‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وهذا الصلح المشار إليه ل يخلو من أمرين‪ ،‬أحدهما‪ ،‬أن يكون المراد به تأمين‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم أهل مكة على الصفة التي سبق ذكرها‪ ،‬والخر أن يكون‬
‫عقد منهم عقد هدنة كما وقع في عام الحديبية‪ ،‬فإن كان الول فإطلق الصلح إنما‬
‫يكون إذا انضم إليه التزام أهل مكة لموجب التأمين‪ ،‬وهو الكف عن قتال المسلمين‬
‫يوم فتح مكة‪ ،‬ول يقوم دليل على التزام أهل مكة لذلك‪ ،‬ويقوم الدليل على خلفه‪،‬‬
‫لن في حديث أبي هريرة ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬السابق في خبر فتح مكة‪ :‬أن قريشا‬
‫جمعوا أوباشا وقالوا نقدم هؤلء‪ ،‬فإن كان لهم شيء كنا معهم‪ ،‬وأن أصيبوا أعطينا‬
‫الدي سئلنا ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫والذي سئلوا هو الكف عن القتل‪ ،‬فدل ذلك على أنهم لم يلتزموه‪ ،‬ولم يرد خبر‬
‫يشعر بأن أحدا من قريش أنكر على سهيل بن عمرو‪ ،‬وصفوان بن أمية‪ ،‬وعكرمة‬
‫بن أبي جهل‪ ،‬جمعهم لقتال المسلمين يومئذ‪ ،‬ول أن أحدا من قريش تبرأ ممن جمع‬
‫لذلك‪ ،‬مشعر برضا الجميع بذلك‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وإن كان المراد الثاني‪ ،‬فهو غير معروف‪ ،‬فضل عن أن يكون فيه أحاديث‬
‫مشهورة‪ ،‬ويبعد جدا أن يكون في ذلك حديث مشهور‪ ،‬ويخفى ذلك حتى ل يعرف‬
‫له‬
‫) ‪(1/42‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -62-‬محل في كتب العلماء‪ ،‬وأيضا فعقد الهدنة إنما يكون بسؤال من‬
‫اضطر إليها‪ ،‬والضطرار إليها في الفتح للمشركين‪ ،‬لوفور قوة المسلمين يومئذ‪،‬‬
‫ولم يسأل المشركون ذلك مشافهة ول مراسلة‪ ،‬لنه لم يحضر عند النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم بمر الظهران‪ -‬ممن كان على الشرك‪ -‬غير أبي سفيان بن حرب‪ ،‬وحكيم‬
‫بن حزام‪ ،‬وكان معهما بديل بن ورقاء الخزاعي‪ ،‬ولم يكن حضورهم إليه لداء‬
‫رسالة عن قريش‪ ،‬وإنما قريش بعثتهم ليتحسسوا لهم أخبار رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬على ما ذكره ابن إسحق‪ ،‬فإنها غيبت عليهم‪ ،‬لن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم سأل ال عز وجل‪ -‬عند توجهه من المدينة أن تعمى الخبار عن قريش حتى‬

‫يبغتها في دارها‪ ،‬فاستجاب ال ‪-‬عز وجل‪ -‬دعوته‪ ،‬ولم يشعر بهم أحد من أهل‬
‫مكة‪ ،‬إل وهم بمر الظهران‪ ،‬وكانوا في وجل من النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫لنقضهم عهد الحديبية‪ ،‬لن بعضهم قاتل ليل مع كنانة خزاعة حلفاء النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ورفد بعضهم كنانة بالسلح ‪.1‬‬
‫وذكر موسى بن عقبة ما يقتضي أن بعض المسلمين أخذوا أبا سفيان ومن معه‬
‫قهرا‪ ،‬وأحضروهم إلى النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأسلموا‪ ،‬وأن أبا سفيان وحكيما‬
‫سأل النبي صلى ال عليه وسلم المان لمن كف من قريش عن قتاله‪ ،‬فأجابهم النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم إلى ذلك‪ ،‬والذي حملهم على ذلك الرغبة فيما يصلح لقومهما‪،‬‬
‫ولم يكن لمن خرج مخرجهما أن يعقد على من وراءه‪ ،‬عقد هدنة إل بعد إعلم من‬
‫وراءه بما رأى‪ ،‬وأن يثق منهم في ذلك الرضا‪ ،‬وقد أنكر بعض العلماء أن يكون‬
‫أهل مكة عقدوا مع النبي صلى ال عليه وسلم صلحا عند فتحها‪ ،‬لنه ذكر أن حال‬
‫أهل مكة جرى في أرضها‪ ،‬وفي أنفسهم‪ ،‬وفي أموالهم‪ ،‬مجرى حال أهل الصلح‪ ،‬ل‬
‫أنهم عقدوا معه صلحا‪ ،‬إذا لم يأت أثر في شيء من هذا بمصالحتهم إياه‪ ،‬وبال‬
‫التوفيق‪ ...‬انتهى بلفظه إل قليل فبالمعنى‪ ،‬وهذا في شرح مسلم للمام المازري‪ ،‬أو‬
‫للقاضي عياض‪ ،‬على الشك مني لبعد العهد بذلك‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقد ذكر النووي ‪-‬رحمه ال‪ -‬حجة الشافعي ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬على جواز بيع دور‬
‫مكة وإجارتها‪ ،‬فقال‪ :‬قوله صلى ال عليه وسلم‪" :‬من دخل دار أبي سفيان فهو‬
‫آمن"‪ .‬استدل به الشافعي وموافقوه على أن دور مكة مملوكة يصح بيعها وإجارتها‪،‬‬
‫لن أصل الضافة إلى الدميين يقتضي الملك وما سوى ذلك مجاز ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وفي هذا الستدلل نظر لنه ليس في معنى قوله صلى ال عليه وسلم‪" :‬من دخل‬
‫دار أبي سفيان" إشعار بإضافة غيرها من دور مكة لهلها من مسلمة الفتح‪ ،‬حتى‬
‫تكون دورهم مملوكة لهم‪ ،‬كملك أبي سفيان‪ ،‬وإذا كان كذلك لم ينهض من قوله‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬من دخل دار أبي سفيان" دللة على ملك غير أبي سفيان‬
‫من مسلمة الفتح لدورهم بمكة‪ ،‬لكون ذلك ل‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪.263 /2‬‬
‫) ‪(1/43‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -63-‬يدل لملك غيره‪ ،‬وهذا يخالف رأي من استدل به على أن دور‬
‫مكة مملوكة لهلها‪ ،‬ويبعد أن يقاس على دار أبي سفيان غيرها من دور مكة التي‬
‫كانت لغيره من مسلمة الفتح‪ ،‬لن ملك أبي سفيان لداره ل ينبغي أن يختلف فيه‪،‬‬
‫لكونه أسلم قبل أن يدخل النبي صلى ال عليه وسلم مكة بمر الظهران‪ ،‬وبإسلمه‬
‫أحرز نفسه وماله‪ ،‬ومثله في ذلك حكيم بن خزام‪ ،‬وبديل بن ورقاء الخزاعي‪،‬‬
‫لنهما أسلما معه بمر الظهران على خلف في بديل‪ ،‬فإنه قيل‪ :‬أسلم قبل الفتح‪،‬‬
‫وغيره من مسلمة الفتح في ملكهم لدورهم بمكة خلف بين أهل العلم سببه الخلف‬
‫في فتح مكة‪ ،‬هل هو عنوة أو صلح‪ ،‬وفي كونه صلحا نظر سبق بيانه‪ ،‬وأقرب ما‬
‫ن بها على أهلها‬
‫يستدل به على ملك دور مكة‪ ،‬كون النبي صلى ال عليه وسلم م ّ‬
‫فلم يقسمها‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬

‫ورأيت في شرح مسلم المشار إليه ذكر السبب الذي لجله قيل إن مكة فتحت‬
‫شّبَه على القوم لجل أنه صلى ال عليه وسلم لم يستبح‬
‫صلحا‪ ،‬لن فيه‪ :‬وإنما ُ‬
‫أموالها‪ ،‬ول قسمها بين الغانمين‪ ،‬فلما رأى الشافعي رضي ال عنه‪ -‬هذا‪ ،‬وخروجه‬
‫عن الصل اعتقد أنه صلح‪ ،‬وهذا ل تعلق له فيه‪ ،‬لن الغنيمة ل يملكها الغانمون‬
‫بنفس القتال على قول كثير من أصحابنا‪ ،‬وللمام أن يخرجها عن الغانمين‪ ،‬ويُم ّ‬
‫ن‬
‫على السرى بأنفسهم وحريمهم وأموالهم‪ ،‬وكأنه صلى ال عليه وسلم رأى من‬
‫المصلحة بعد الفتح والستيلء عليهم أن يبقيهم لحرمة العشيرة وحرمة البلد‪ ،‬وما‬
‫رجي من إسلمهم وتكثير عدد المسلمين بهم‪ ،‬فل يرد ما قدمناه من الدلة الواضحة‬
‫بمثل هذا المحتمل‪ ،‬وفي شرح مسلم المشار إليه‪.‬‬
‫وقال بعض أصحاب الشافعي بقوله‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم دخل مكة‬
‫سه وماله وأرضه‪ ،‬لنه لم‬
‫صلحا‪ ،‬أي فعل فيها ِفْعَله في َمن صالحه‪ ،‬فَمّلَكه نف َ‬
‫يدخلها إل بعد أن أّمن أهلها كلهم‪ ،‬وهذا من قول أصحابه اعتذار من قوله الذي‬
‫انفرد به‪ ،‬وميل إلى قول الجماعة من افتتاحها عنوة‪ ،‬وإنما من عليهم وعفا عنهم‬
‫وملكهم أموالهم‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقد رأيت ما يدل على أن المام الشافعي لم ينفرد بقوله‪ :‬إن مكة فتحت صلحا‪،‬‬
‫لني رأيت في نسخة من "المهذب" للشيخ أبي إسحاق الشيرازي‪ ،‬بخط سليمان بن‬
‫خليل‪ ،‬حاشية بخطه أولها‪ :‬ومذهب الشافعي ‪-‬رحمه ال‪ :‬أن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم فتح مكة صلحا بأمان قومه لهم قبل دخوله‪ ،‬وروي ذلك عن أبي بن عبد‬
‫الرحمن‪ ،‬ومجاهد‪ ،‬وذكر بقية الحاشية‪ ،‬وفوقها مكتوب بخط ابن خليل أيضا‪،‬‬
‫صورته من "الشامل" ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وأظن أن "الشامل" المشار إليه هو الشامل للشيخ أبي نصر بن الصباغ ‪ 1‬الشافعي‪،‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هو المام أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ‪ ،‬توفى سنة‬
‫‪477‬هـ "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي ‪ ،"134 -122 /5‬وكتابه "الشامل" في‬
‫فروع الشافعية مخطوط في دار الكتب المصرية برقم "‪ 141-139‬فقه شافعي"‬
‫ومعهد المخطوطات برقم ‪ 194-185‬فقه شافعي"‪.‬‬
‫) ‪(1/44‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -64-‬وقد بيض ابن خليل بين أبي‪ ،‬وبين ابن عبد الرحمن‪ ،‬وما عرفت‬
‫من المشار إليه بذلك‪ ،‬هل هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام‪ ،‬أو‬
‫غيره؟ وال أعلم‪.‬‬
‫وقد طال الكلم فيما يتعلق بتحقيق فتح مكة‪ ،‬ولكن يحصل بذلك من الفوائد ما ل‬
‫يوجد مجتمعا في غير هذا المحل‪ ،‬وظهر بذلك رجحان كونها فتحت عنوة‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫) ‪(1/45‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬

‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -65-‬الباب الثاني‪:‬‬
‫في أسماء مكة المشرفة‪:‬‬
‫لمكة المشرفة أسماء كثيرة‪ ،‬وقد عني الناس بجمعها‪ ،‬ولم أر لحد في ذلك مثل ما‬
‫رأيت لشيخنا العلمة اللغوي قاضي اليمن‪ ،‬مجد الدين الشيرازي‪ ،‬ولكنه أغرب‬
‫فيما ذكره‪ ،‬وفاته مع ذلك أسماء أخرى‪.‬‬
‫أنبأني شيخنا الماضي مجد الدين الشيرازي ‪-‬أحسن ال إليه‪ -‬قال في كتابه "تحبير‬
‫الموشين في التعبير بالسين والشين" في باب النون‪ :‬الناسة والناشة من أسماء مكة‬
‫شرفها ال تعالى‪ ،‬فيما ذكره كراع النمل‪ ،‬في المنتخب من تأليفه‪ ،‬وهو من جهابذة‬
‫اللغويين‪ ،‬ثم قال بعد شرح معنى هذين السمين‪:‬‬
‫ومن أسماء مكة شرفها ال تعالى وعظمها‪ :‬العروض‪ ،‬والسيل‪ -‬مثال خيل ونيل‪-‬‬
‫ومخرج صدق‪ ،‬والبنية‪ ،‬وهذه عن ياقوت‪.‬‬
‫والمعاد‪ ،‬وأم رحم بالراء المهملة‪ ،‬وأم راحم‪ ،‬وأم زحم وهذه بالزاي‪ ،‬وأم صبح‪،‬‬
‫وأم القرى‪ ،‬والبلد‪ ،‬والبلدة‪ ،‬والبلد المين‪ ،‬والبلد الحرام‪ ،‬والرتاج‪ ،‬والناسة‪،‬‬
‫والناشة‪ ،‬وحرم ال تعالى‪ ،‬وبلد ال تعالى‪ ،‬وفاران‪ ،‬وهذه عن ياقوت الحموي‪.‬‬
‫والباسة‪ ،‬والناسة والبساسة‪ ،‬والنساسة وطيبة‪ ،‬والقادس‪ ،‬والمقدسة‪ ،‬وقرية النمل‪،‬‬
‫ونقرة الغراب‪ ،‬وقرية الحمس‪ ،‬وصلح ‪-‬كقطام منونة‪ -‬والحاطمة‪ ،‬وكوشي‪،‬‬
‫وسبوحة‪ ،‬والسلم‪ ،‬والعذراء‪ ،‬ونادرة‪ ،‬والوادي‪ ،‬والحرم‪ ،‬والنجز‪ ،‬والقرية‪ ،‬وبكة‪،‬‬
‫ومكة‪ ،‬والَعرش‪ ،‬والُعرش‪ ،‬والعريش‪ ،‬والعروش‪ ،‬والحرمة ‪-‬بالضم وبالكسر‪ ،‬وهذه‬
‫النسبة عن ابن عديس‪ ،‬ذكره في كتابه "الباهر"‪.‬‬
‫قال شيخنا القاضي مجد الدين‪ :‬وقد ذكرت في شرح صحيح المام البخاري ‪-‬رحمه‬
‫ظْر إن شاء ال‬
‫ال‪ -‬ما يتعلق باشتقاق كل اسم منها‪ ،‬مقرونة بشواهد وفوائد‪َ ،‬فْلُيْن َ‬
‫تعالى‪.‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -66-‬قلت‪ :‬قرية النمل‪ ،‬ونقرة الغراب‪ ،‬علمتان لموضع زمزم حين‬
‫أمر عبد المطلب بحفرها‪ ،‬وعدهما بعضهم اسمين لزمزم مجازا‪ ،‬فإن كان شيخنا‬
‫القاضي مجد الدين لحظ كونهما اسمين لزمزم‪ ،‬وسمى بهما مكة من باب تسمية‬
‫الكل باسم البعض‪ -‬وهو مجاز شائع‪ -‬فيصح على هذا أن يذكر في أسماء مكة‪:‬‬
‫الصفا‪ ،‬والمروة‪ ،‬والحزورة‪ ،‬وغير ذلك من المواضع المشهورة بمكة‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وقرية الحمس‪ :‬إن كان لحظ في تسمية مكة بذلك أن الحمس كانوا سكان‬
‫مكة قبل‪ ،‬فيصح على هذا أن يذكر في أسماء مكة‪ :‬قرية العمالقة‪ ،‬وقرية جرهم‬
‫لكونهما كانوا سكان مكة قبل الحمس‪ ،‬اللهم إل أن يقال إن تسمية مكة بقرية النمل‪،‬‬
‫ونقرة الغراب‪ ،‬وقرية الحمس‪ ،‬منقول عن أهل اللغة‪ ،‬فل يقاس عليه غيره‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫ومن أسماء مكة التي لم يذكرها شيخنا القاضي مجد الدين‪ :‬بره‪ ،‬ومنها‪ :‬بساق‪،‬‬
‫ومنها‪ :‬البيت العتيق‪ ،‬ومنها‪ :‬الرأس‪ ،‬ومنها‪ :‬القادسية‪ ،‬ومنها‪ :‬المسجد الحرام‪،‬‬

‫ومنها المعطشة‪ ،‬ومنها‪ :‬المكتان‪ ،‬ومنها‪ :‬النابية‪ ،‬ومنها‪ :‬أم روح‪ ،‬ومنها‪ :‬أم‬
‫الرحمن‪ ،‬ومنها‪ :‬أم كوثى‪ ،‬وسنذكر من ذكر هذه السماء من العلماء‪.‬‬
‫ذكر معاني بعض أسماء مكة وعزو بعضها لهل العلم‪:‬‬
‫اختلف في مكة بالميم‪ ،‬وبكة بالباء‪ ،‬هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟‬
‫والول قول الضحاك فيما حكاه عنه المحب الطبري ‪ ،1‬وقول مجاهد فيما حكاه‬
‫عنه الماوردي ‪ ،2‬واحتج ابن قتيبة لتصحيحه بأن الباء تبدل من الميم‪ ،‬كضرب‬
‫لزم ولزب‪.‬‬
‫واختلف القائلون بالثاني‪ ،‬فقيل‪ :‬بكة بالباء‪ ،‬موضع البيت‪ ،‬ومكة بالميم‪ :‬القرية‪،‬‬
‫وهذا يروى عن إبراهيم النخعي‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬بكة بالباء‪ ،‬موضع البيت‪ ،‬ومكة بالميم الحرم كله‪ ،‬وهذا يروى عن يحيى بن‬
‫أبي أنيسة‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬بكة بالباء ما بين الجبلين‪ ،‬ومكة‪ ،‬بالميم الحرم كله‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬بكة بالباء الكعبة والمسجد الحرام‪ ،‬ومكة بالميم ذو طوى‪ ،‬وهذا يروى عن‬
‫زيد بن أسلم‪ ،‬وقيل‪ :‬بكة بالباء البيت‪ ،‬وما حواليه مكة بالميم‪ ،‬وهذا يروى عن‬
‫مجاهد‪،‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."650 :‬‬
‫‪ 2‬الحكام السلطانية "ص‪ 157 :‬وما بعدها"‪.‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -67-‬وهذه القوال رويناها في تاريخ الزرقي‪ ،‬ولم يبين فيه قائل‬
‫القول الثالث من هذه القوال‪ ،‬وال أعلم بالصواب ‪.1‬‬
‫ك الجبارين‪ :‬أي تذهب‬
‫واختلف في معنى تسميتها مكة بالميم‪ ،‬فقيل‪ :‬لنها تم ّ‬
‫نخوتهم‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬لنها تملك الفاجر عنها أي تخرجه‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬لنها تجهد أهلها‪ ،‬من قولهم‪ :‬تمككت العظم إذا أخرجت مخه‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬لنها تجذب الناس إليها‪ ،‬من قولهم‪ :‬أمتك الفصيل ما في ضرع أمه إذا لم يبق‬
‫فيه شيئا‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬لقلة مائها‪.‬‬
‫ك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا‬
‫واختلف في معنى تسميتها بكة بالباء‪ ،‬فقيل‪ :‬لنها تب ّ‬
‫فيها‪ ،‬أي تدقها‪ ،‬والبك الدق‪ ،‬وقيل‪ :‬لزدحام الناس بها‪ ،‬قاله ابن عباس ‪-‬رضي ال‬
‫عنهما‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬لنها تضع من نخوة المتكبرين‪ ،‬قاله الترمذي‪.‬‬
‫وهذان السمان لمكة مأخوذان من القرآن العظيم‪ ،‬وأخذ منه عدة أسماء‪ ،‬منها‪ :‬أم‬
‫القرى‪ ،‬قاله الضحاك في تفسير قوله تعالى‪ِ} :‬لُتْنِذَر ُأّم اْلُقَرى{ ]النعام‪.[92 :‬‬
‫واختلف في سبب تسميتها بذلك‪ ،‬فقيل‪ :‬لن الرض دحيت من تحتها‪ ،‬قاله ابن‬
‫عباس رضي ال عنهما‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬لنها أعظم القرى شأنا‪.‬‬

‫وقيل‪ :‬لن فيها بيت ال تعالى‪ ،‬ولما جرت العادة بأن الملك وبلده مقدمان على‬
‫جميع الماكن سميت ُأما؛ لن الم متقدمة‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬لنها قبلة تؤمها جميع المة‪.‬‬
‫ل َقْرَيًة َكاَن ْ‬
‫ت‬
‫ل َمَث ً‬
‫ب ا ُّ‬
‫ضَر َ‬
‫ومنها‪ :‬القرية‪ ،‬قاله مجاهد في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ل َمَكان{ ]النخل‪.[112 :‬‬
‫ن ُك ّ‬
‫غًدا ِم ْ‬
‫طَمِئّنًة َيْأِتيَها ِرْزُقَها َر َ‬
‫آِمَنًة ُم ْ‬
‫والقرية اسم لما تجمع جماعة كثيرة من الناس‪ ،‬من قولهم‪ :‬قريت الماء في‬
‫الحوض‪ ،‬إذا جمعته فيه‪ ،‬ويقال للحوض‪ :‬مقراة‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."651 ،650 :‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫سُم ِبَهَذا اْلَبَلد{ ]البلد‪ [1 :‬قال‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -68-‬ومنها‪ :‬البلد‪ ،‬قال ال تعالى‪} :‬ل ُأْق ِ‬
‫ابن عباس رضي ال عنهما‪ :‬هي مكة‪ ،‬وقال‪ :‬بلغني أن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬هي مكة"‪ ،‬ذكر ذلك عنه الفاكهي ‪ ،1‬ونقل عن ابن عباس أنه قال في تفسير‬
‫هذه الية‪ :‬إنها مكة‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫والبلد في اللغة الصدر أي صدر القرى‪.‬‬
‫لِمين{ ]التين‪.[3 :‬‬
‫ومنها‪ :‬البلد المين‪ ،‬قال ال تعالى‪َ} :‬وَهَذا اْلَبَلِد ا َْ‬
‫لِمين{‬
‫قال الفاكهي فيما رواه بسنده إلى ابن عباس في قوله تعالى‪َ} :‬وَهَذا اْلَبَلِد ا َْ‬
‫قال‪ :‬يعني مكة‪ ،‬وروى ذلك بسنده عن زيد بن أسلم ‪.2‬‬
‫ب َهِذِه اْلَبْلَدة{ ]النحل‪.[91 :‬‬
‫ن َأعُْبَد َر ّ‬
‫ت َأ ْ‬
‫ومنها‪ :‬البلدة‪ ،‬قال ال تعالى‪ِ} :‬إّنَما ُأِمْر ُ‬
‫قال الواحدي في "الوسيط"‪ :‬هي مكة‪ ،‬وقاله ابن برجان في تفسيره‪.‬‬
‫وقال ياقوت في "معجم البلدان"‪ :‬باب البلدة‪ :‬ثلثة مواضع‪ ،‬الول في قوله تعالى‪:‬‬
‫غُفور{ ]سبأ‪ [15 :‬أراد بها مكة ‪ .3‬انتهى‪.‬‬
‫ب َ‬
‫طّيَبٌة َوَر ّ‬
‫}َبْلَدٌة َ‬
‫وذكر الفاكهي ما يخالف ذلك؛ لنه قال‪ :‬حدثنا أبو يحيى بن ميسرة قالك حدثنا خالد‬
‫بن يحيى قال‪ :‬حدثنا سفيان‪ ،‬قال‪ :‬إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة‪ ،‬قال‪ :‬هي منى‪،‬‬
‫قال أبو يحيى‪ :‬وكذلك العرب تسميها البلدة إلى اليوم‪ ...‬انتهى‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ك ِإَلى‬
‫ن َلَراّد َ‬
‫ك اْلُقْرآ َ‬
‫عَلْي َ‬
‫ض َ‬
‫ن اّلِذي َفَر َ‬
‫ومنها‪ :‬معاد بفتح الميم‪ ،‬لقوله تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫َمَعاٍد{ ]القصص‪ .[85 :‬كما في صحيح البخاري عن ابن عباس رض ال عنهما‪،‬‬
‫لنه قال‪ :‬حدثنا محمد بن مقاتل قال‪ :‬أخبرنا يعلى‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا سفيان العصفري‪،‬‬
‫عن عكرمة‪ ،‬عن ابن عباس ‪-‬رضي ال عنهما‪ :‬لرادك إلى معاد‪ ،‬قال‪ :‬إلى مكة ‪...4‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫فهذه ثمانية أسماء لمكة مأخوذة من القرآن العظيم‪ ،‬ولم يذكر المحب الطبري من‬
‫أسمائها المأخوذة من القرآن إل خمسة‪ ،‬لنه قال‪ :‬سمى ال تعالى مكة بخمسة‬
‫أسماء‪ :‬مكة‪ ،‬وبكة‪ ،‬والبلد‪ ،‬والقرية‪ ،‬وأم القرى ‪ ...‬انتهى ‪.5‬‬
‫وأما تسمية مكة‪ :‬الباسة بالباء الموحدة والسين المهملة‪ ،‬فقال مجاهد‪ ،‬لنها تبس من‬
‫سا{ ]الواقعة‪[5 :‬‬
‫ل َب ّ‬
‫جَبا ُ‬
‫ت اْل ِ‬
‫س ِ‬
‫ألحد فيها‪ ،‬أي تهلكه‪ ،‬أي تحطه‪ ،‬من قوله تعالى‪َ} :‬وُب ّ‬
‫ذكره ابن جماعة‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪.280 /2‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪.281 /2‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،251 /4‬وقال عنه محقق الكتاب‪ :‬إسناده حسن‪ ،‬وقد ذكره‬
‫السيوطي في الدر المنثور ‪ 119 /5‬من قول أبي العالية الرياحي‪ ،‬وعزاه لبن أبي‬
‫حاتم‪.‬‬
‫‪ 4‬هداية السالك ‪.738 /2‬‬
‫‪ 5‬القرى "ص‪."650 :‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -69-‬وأما تسميتها الناسة‪ ،‬بالنون والسين المهملة‪ ،‬فذكره الماوردي‬
‫قال‪ :‬ومعناه أي تنس من ألحد فيها‪ ،‬أي تطرده وتنفيه‪ .‬وحكاه صاحب "المطالع"‬
‫والنووي‪ ،‬وذكره ابن جماعة‪ ،‬قال‪ :‬والناسة قيل‪ :‬لنها تنس الملحد‪ ،‬أي تطرده‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬لقلة مائها‪ ،‬والنس اليبس ‪.1‬‬
‫وأما تسميتها النساسة‪ ،‬بالنون وتشديد السين الولى‪ ،‬فهو مقتضى كلم "المطالع"‬
‫والمعنى في ذلك‪ -‬وال أعلم ‪ -‬كالمعنى في الناسة بالنون‪.‬‬
‫وأما تسميتها الحاطمة‪ ،‬فذكره الزرقي عن إبراهيم بن أبي يحيى‪ ،‬وصاحب‬
‫"المطالع"‪ ،‬وابن خليل‪ ،‬والنووي‪ ،‬قالوا‪ :‬لحطمها الملحدين‪.‬‬
‫وأما تسميتها صلح‪ ،‬بصاد مهملة مفتوحة وحاء مهملة‪ ،‬فحكاه مصعب الزبيري‬
‫وقال‪ :‬سميت بذلك لمنها‪ ،‬وأنشد له قول أبي سفيان بن حرب بن أمية لبن‬
‫الحضرمي‪:‬‬
‫أبا مطر هلم إلى صلح فيكفيك الندامى من قريش ‪2‬‬
‫وتنزل بلدة عزت قديما وتأمن أن يزورك رب جيش‬
‫وصلح مبني على الكسر‪ ،‬كحزام وقطام ونظائرهما‪ ،‬وقد يصرف‪ ،‬واستدل على‬
‫صرفه بقول أبي سفيان السابق‪.‬‬
‫وأما تسميتها العرش‪ ،‬بعين مهملة مفتوحة وراء مهملة ساكنة‪ ،‬فذكره كراع كما‬
‫حكاه عنه ابن جماعة‪ ،‬وأشار إلى ذلك صاحب "المطالع"‪.‬‬
‫وأما تسميتها العريش‪ ،‬بزيادة ياء مثناة من تحت‪ ،‬فذكره ابن سيده فيما حكاه عن‬
‫ابن جماعة‪.‬‬
‫وأم تسميتها القادس فذكره صاحب "المطالع"‪ ،‬قال‪" :‬والقادس من التقديس‪ ،‬لنها‬
‫تطهر من الذنوب‪.‬‬
‫وأما تسميتها المقدسة فذكره صاحب "المطالع" والنووي ‪ ،3‬والمعنى فيه كالذي‬
‫قبله‪.‬‬
‫وأما تسميتها كوثى فذكره الزرقي ‪ 4‬عن مجاهد‪ ،‬والسهيلي ولم يعزه‪ ،‬وصاحب‬
‫"المطالع" إل أنه قال‪ :‬باسم بقعة منها‪ :‬منزل بني عبد الدار‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وأفاد الفاكهي أن كوثى في ناحية قعيقعان قال‪ :‬وقيل‪ :‬كوثى‪ ،‬جبل بمنى ‪ ...5‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هداية المسالك ‪.738 /2‬‬
‫‪ 2‬الحكام السلطانية "ص‪."158 :‬‬

‫‪ 3‬تهذيب السماء ‪290‬ق ‪.156 /2‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للزرقي ‪.281 /1‬‬
‫‪ 5‬أخبار مكة للفاكهي ‪.274 /2‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -70-‬وكوثى بكاف مضمومة وثاء مثلثة‪.‬‬
‫وأما تسميتها الحرم بحاء وراء مهملتين‪ ،‬فذكره سليمان بن خليل في "منسكه"‪.‬‬
‫وأما تسميتها الرتاج‪ ،‬براء مهملة وتاء مثناة من فوق وألف وجيم‪ ،‬فذكره المحب‬
‫الطبري في "شرح التنبيه" فيما نقله عنه ابن جماعة‪.‬‬
‫وأما تسميتها أم رحم براء مهملة مضمومة‪ ،‬فذكره مجاهد فيما حكاه عن‬
‫الماوردي‪ ،‬لن الناس يتراحمون فيها ويتوازون‪.‬‬
‫وأما زحم بزاي معجمة‪ ،‬من الزدحام فذكره الرشاطي ‪.1‬‬
‫وأما تسميتها أم صبح‪ ،‬فذكره ابن الثير في كتابه "المرضع"‪ 2‬على ما وجدت‬
‫بخط قاضي طرابلس شمس الدين محمد بن أحمد النويري ‪.3‬‬
‫وأما تسميتها برة‪ :‬فذكره سليمان بن خليل في منسكه ولم يعزه‪ ،‬ولم يذكر له معنى‪.‬‬
‫وأما تسميتها بساق ‪ ،4‬فذكره ابن رشيق في "العمدة" في تفسير قول أمية بن‬
‫حرثان‪:‬‬
‫سأستعدي على الفاروق ربا له عمد الحجيج إلى بساق‬
‫ثم قال ابن رشيق‪ :‬وقد قيل‪ :‬إن بساق بلد بالحجاز‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وبساق بباء موحدة وسين مهملة وألف وقاف‪.‬‬
‫وأما تسميتها البيت العتيق‪ ،‬فذكره الزرقي ‪ 5‬عن إبراهيم بن أبي يحيى‪ ،‬وصاحب‬
‫"المطالع"‪ ،‬وابن خليل‪ ،‬ولعل ذلك من تسمية مكة بأسماء الكعبة كلها إذا لحظ هذا‬
‫المعنى‪.‬‬
‫وأما تسميتها الرأس‪ ،‬فذكره السهيلي ‪ 6‬وصاحب "المطالع" والنووي ‪ ،7‬وقال‪:‬‬
‫لنها أشرف الرض كرأس النسان‪.‬‬
‫وأما تسميتها القادسة‪ ،‬فذكره ابن جماعة ولم يعزه‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ‪.99 /4‬‬
‫‪ 2‬المرصع "ص‪."220 :‬‬
‫‪ 3‬انظر ترجمته في الضوء اللمع ‪ ،135 /6‬إنباء الغمر ‪ ،538 /3‬قضاة دمشق‬
‫"ص‪ "214 :‬نزهة النفوس والبدان للصيرفي ‪.301 /3‬‬
‫‪ 4‬العمدة لبن رشيق ‪ ،31 /1‬ومعجم البلدان ‪ ،413 /2‬وفيه‪" :‬بساق" بالضم‪.‬‬
‫‪ 5‬أخبار مكة للزرقي ‪.280 /1‬‬
‫‪ 6‬الروض النف ‪.139 /1‬‬
‫‪ 7‬تهذيب السماء واللغات ‪ 2‬ق ‪.156 /2‬‬
‫) ‪(1/7‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -71-‬وأما تسميتها المسجد الحرام‪ ،‬فذكره ابن خليل في "منسكه" وفي‬
‫القرآن الكريم ما يشهد له‪ ،‬وحكاه عبد ال بن عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد‬
‫المرجاني عن ابن مسدي‪.‬‬
‫وأما تسميتها المعطشة فذكره ابن خليل ولم يعزه‪ ،‬ولم يذكر له معنى‪.‬‬
‫وأما تسميتها المكتان‪ ،‬فذكره شيخنا بالجازة‪ ،‬أديب الديار المصرية برهان الدين‬
‫القيراطي في ديوان شعره البديع‪ ،‬ولعله أخذ ذلك من قول ورقة بن نوفل السدي‪:‬‬
‫ببطن المكتين على رجائي حديثك أن أرى منه خروجا‬
‫وللسهيلي على ذلك كلم أحسن‪ ،‬لنه قال بعد أن ذكر هذا البيت‪ :‬ثنى مكة وهي‬
‫حا وظواهر‪ ،‬ثم قال‪ :‬وإنما مقصد العرب في هذه الشارة إلى‬
‫واحدة‪ ،‬لن لها بطا ً‬
‫جانبي كل بلدة‪ ،‬أو الشارة إلى أعلى البلد وأسفلها‪ ،‬فيجعلونها اثنتين على هذا‬
‫المعنى‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقال السهيلي في موضع آخر‪ ،‬بعد أن ذكر شيئا من حال عبد ال بن سعد بن أبي‬
‫سرح القرشي العامري‪ ،‬وهو الذي يقول في حصار عثمان بن عفان ‪-‬رضي ال‬
‫عنه‪:‬‬
‫أرى المر ل يزداد إل تفاقما وأنصارنا بالمكتين قليل‬
‫وأسلمنا أهل المدينة والهوى إلى أهل مصر والذليل ذليل‬
‫وأما تسميتها النابية‪ ،‬فذكره الشيخ عماد الدين بن كثير في "تفسيره" على ما وجدت‬
‫بخط بعض أصحابنا في حاشية كتاب "تحبير الموشين "لشيخنا قاضي القضاة مجد‬
‫الدين عند كلمه على أسماء مكة‪ ،‬ونص الحاشية "وذكر ابن كثير في تفسيره أن‬
‫من أسماء مكة النابية بالنون والباء"‪.1‬‬
‫صع"‪ 2‬على ما وجدت بخط‬
‫وأما تسميتها أم َرْوح فذكره ابن الثير في كتابه "المر ّ‬
‫شمس الدين النويري المقدم ذكره‪.‬‬
‫وأما تسميتها أم الرحمن فذكره عبد ال بن عبد الملك المرجاني وعزاه لبن‬
‫العربي‪.‬‬
‫وأما تسميتها أم كوثى فذكره ابن المرجاني ولم يعزه‪ ،‬ولم يذكر له معنى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ليس في تفسير ابن كثير هذا السم ولعله خطأ من الناسخ‪ ،‬حيث قال ابن كثير لما‬
‫ذكر أسماء مكة‪:‬‬
‫فأبلغها إلى إحدى وعشرين اسًما‪ .‬قال‪ :‬والناسة‪ :‬بالنون وبالباء أيضا‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫والباسة‪ ،‬والثالثة‪ :‬النساسة‪ ،‬حيث ذكر قبلها الناسة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫‪ 2‬المرصع "ص ‪."186‬‬
‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -72-‬وقد بان لما ذكرناه في هذا التفصيل معرفة من ذكر الثني عشر‬
‫اسما التي ذكرناها في أسماء مكة ولم يذكرها شيخنا القاضي مجد الدين‪ ،‬مع معنى‬
‫بعضها‪ ،‬وبأن به أيضا معرفة من ذكر بعض أسماء مكة التي ذكرها شيخنا القاضي‬
‫مجد الدين مع بعض معانيها أيضا‪ ،‬وبعض السماء الغريبة التي لم أرها إل في‬
‫كلمه‪ ،‬المعنى فيها واضح‪ ،‬وهي أم راحم‪ ،‬وأم الرحم‪ ،‬فإن ذلك في معنى أم رحم‬

‫بالراء المهملة‪ ،‬والبلد الحرام لحرمة مكة‪ ،‬وبلد ال لختياره لها على غيرها‪ ،‬وطيبة‬
‫لطيبها‪ ،‬وذكر هذا السم في أسماء مكة الحافظ علء الدين مغلطاي في سيرته‪.‬‬
‫ح منونة‪ ،‬لنها من معنى صلح بل تنوين‪ .‬والسلم من هذا المعنى‪.‬‬
‫وصل ٍ‬
‫والوادي‪ ،‬من قول عمر بن الخطاب ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬لنافع بن عبد الحارث‬
‫الخزاعي عامله على مكة لما لقيه بعسفان‪ ،‬حين استخلف على أهل مكة موله عبد‬
‫الرحمن بن أبزي‪ :‬من استخلفت على أهل الوادي؟‬
‫ولم يذكر النووي من أسماء مكة إل ستة عشر اسما‪ ،‬قال‪ :‬ول يعرف في البلد بلدة‬
‫أكثر أسماء من مكة والمدينة‪ ،‬لكونهما أشرف الرض‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقال عبد ال المرجاني في تاريخه للمدينة المسمى "بهجة السرار في تاريخ دار‬
‫هجرة النبي المختار" بعد ذكره لسماء مكة‪ :‬ومن الخواص قيل‪ :‬إذا كتبت بالدم‬
‫على الجبين "مكة وسط الدنيا‪ ،‬وال رؤوف بالعباد" انقطع الدم‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -73-‬الباب الثالث‪:‬‬
‫ذكر الحرم وسبب تحريمه‪:‬‬
‫حكَمها في‬
‫حكَمه ُ‬
‫أما حرم مكة فهو ما أحاط بها‪ ،‬وأطاف بها من جوانبها‪ ،‬جعل ال ُ‬
‫الحرمة تشريًفا لها‪ ،‬أشار إلى ذلك الماوردي ‪ ،1‬وابن خليل‪ ،‬والنووي ‪.2‬‬
‫واختلف في سبب تحريمه‪ ،‬فقيل‪ :‬إن آدم ‪-‬عليه السلم‪ -‬لما أهبط إلى الرض خاف‬
‫على نفسه من الشيطان‪ ،‬فاستعاذ بال منه‪ ،‬فأرسل ال ملئكة حفوا بمكة من كل‬
‫جانب‪ ،‬ووقفوا في موضع أنصاب الحرم يحرسون آدم عليه الصلة والسلم‪،‬‬
‫فصار ما بينه وبين موقف الملئكة حرما ‪.3‬‬
‫وقيل‪ :‬لن الخليل ‪-‬عليه السلم‪ -‬لما وضع الحجر السود في الكعبة حين بناها‪،‬‬
‫أضاء الحجر يمينا وشمال‪ ،‬وشرقا وغربا؛ فحرم ال الحرم من حيث انتهى نور‬
‫الحجر السود‪.‬‬
‫عا أَْو َكْرًها‬
‫طْو ً‬
‫وقيل‪ :‬لن ال ‪-‬سبحانه وتعالى‪ -‬حين قال للسموات والرض‪} :‬اْئِتَيا َ‬
‫ن{ ]فصلت‪ [11 :‬لم يجبه بهذه المقالة من الرض إل أرض الحرم‪،‬‬
‫طاِئِعي َ‬
‫َقاَلَتا َأَتْيَنا َ‬
‫ولذلك حرمها‪.‬‬
‫ذكر هذا القول السهيلي ‪ ،4‬وذكر الزرقي ‪ 5‬فيما يشهد للقولين الولين‪ ،‬وقيل غير‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الحكام السلطانية "ص‪."157 :‬‬
‫‪ 2‬تهذيب السماء واللغات ج ‪ 2‬ق ‪.156 /2‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪.15 /4‬‬

‫‪ 4‬الروض النف ‪.222 /1‬‬
‫‪ 5‬أخبار مكة للزرقي "‪.127 /2‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -74-‬ذكر علمات الحرم‪:‬‬
‫للحرم علمات بينة‪ ،‬وهي أنصاب مبنية في جميع جوانبه خل حده ‪ 1‬من جهة‬
‫جدة‪ ،‬وجهة الجعرانة ‪ 2‬فإنه ليس فيهما أنصاب‪.‬‬
‫وأول من نصب ذلك الخليل ‪-‬عليه السلم‪ -‬بدللة جبريل عليه السلم له‪ ،‬ثم قصي‬
‫بن كلب‪ .‬وقيل‪ :‬نصبها إسماعيل ‪-‬عليه السلم‪ -‬بعد أبيه الخليل‪ ،‬ثم قصي‪ ،‬وهذا‬
‫يروي عن ابن عباس‪ ،‬ذكره عنه الفاكهي‪ ،‬وغيره ‪.3‬‬
‫وقيل‪ :‬إن عدنان بن أّد أول من وضع أنصاب الحرم حين خاف أن يدرس الحرم‪،‬‬
‫ذكره الزبير بن بكار‪.‬‬
‫ونصبتها قريش بعد أن نزعوها‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسلم بمكة قبل هجرته‪،‬‬
‫ونصبها النبي صلى ال عليه وسلم عام الفتح‪ ،‬ثم عمر بن الخطاب‪ ،‬ثم عثمان ثم‬
‫معاوية‪ -‬رضي ال عنهم‪ -‬ثم عبد الملك بن مروان‪ ،‬ثم المهدي العباسي‪ ،‬ثم أمر‬
‫الراضي العباسي بعمارة العلمين الكبيرين اللذين بالتنعيم في سنة خمس وعشرين‬
‫وثلثمائة ‪ ،4‬واسمه عليها مكتوب‪ ،‬ثم أمر المظفر صاحب إربل بعمارة العلمين‬
‫اللذين هما حد الحرم من جهة عرفة في سنة ست وعشرين وستمائة‪ ،‬ثم الملك‬
‫المظفر صاحب اليمن في سنة ثلث وثمانين وستمائة ‪.5‬‬
‫ولم يذكر الزرقي القول بتنصيب إسماعيل ‪-‬عليه السلم‪ -‬لنصاب الحرم‪ ،‬ول‬
‫نصب عدنان‪ ،‬ول نصب المهدي لها‪ ،‬ول تاريخ السنة التي أمر فيها عمر وعثمان‬
‫رضي ال عنهما‪ -‬بنصب ذلك‪ ،‬وكان أمر عمر عثمان بنصب ذلك في سنة سبع‬‫عشرة من الهجرة‪ ،‬وأمر عثمان ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬بذلك في سنة ست وعشرين‪،‬‬
‫على ما ذكره ابن الثير فيهما ‪.6‬‬
‫وقال الزرقي فيما رويناه بالسند المتقدم‪ :‬أنصاب الحرم على رأس الثنية‪ :‬ما كان‬
‫في وجهها من هذا الشق‪ ،‬فهو حرم‪ ،‬وما كان في ظهرها فهو حل‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬حده‪ :‬منزل بين جدة ومكة من أرض تهامة في وسط الطريق‪ ،‬وهو واد فيه‬
‫حصن نخل‪ ،‬وماء جار من عين‪ ،‬وهو موضع تنزه طيب‪ ،‬والقدماء يسمونه حداد‪،‬‬
‫بالمد‪" .‬معجم البلدان ‪."229 /2‬‬
‫‪ 2‬الجعرانة‪ :‬بكسر أوله‪ ،‬وهي ماء الطائف ومكة‪ ،‬وهي إلى مكة أقرب‪ ،‬نزلها النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم لما قسم غنائم هوازن عند مرجعه من غزوة حنين‪ ،‬وأحرم‬
‫منها‪ ،‬وله فيها مسجد ‪" ...‬معجم البلدان ‪."143 ،142 /2‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،273 /2‬بإسناد ضعيف‪ ،‬وانظر الصابة ‪ ،44 /1‬والقرى‬
‫"ص‪ ،"652 :‬والستيعاب ‪.80 /1‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للفاكهي ‪.275 /2‬‬
‫‪ 5‬إتحاف الورى ‪.117 /3‬‬
‫‪ 6‬الكامل لبن الثير ‪.87 /3 ،537 /2‬‬

‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -75-‬وذكر الزرقي للحرم علمة أخرى‪ ،‬لنه قال فيما رويناه عنه‬
‫بالسند المتقدم‪ :‬وكل واد في الحرم فهو يسيل في الحل‪ ،‬ول يسيل وادي الحل في‬
‫الحرم إل في موضع واحد عند التنعيم ‪ ،1‬عند بيوت نفار ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫حّرَم"‪.‬‬
‫ذكر ذلك الزرقي في آخر الترجمة التي ترجم بقوله‪" :‬ذكر الحرم وكيف ُ‬
‫وذكر الفاكهي ما يقتضي أن سيل الحل ‪ 3‬يدخل إلى الحرم من عدة مواضع‪ ،‬لنه‬
‫قال‪" :‬ذكر ما يسكب من أودية الحل في الحرم"‪ ،‬وبين هذه المواضع‪ ،‬وذكرنا ذلك‬
‫في أصل هذا الكتاب‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬يقع وادي التنعيم في الشمال الغربي لمكة‪ ،‬وقد كاد عمران مكة يصل إليه‪.‬‬
‫‪ 2‬في أخبار مكة للزرقي ‪" :130 /2‬غفار"‪ ،‬وضبطه العيني في "عمدة القاري"‪:‬‬
‫"ِتعار" ‪.222 /9‬‬
‫‪ 3‬الحل‪ :‬مكان خارج هذه النصاب من جميع الجهات‪.‬‬
‫ذكر حدود الحرم وضبط ألفاظ فيها‪:‬‬
‫ذكر الزرقي رحمه ال تعالى حدود الحرم من جهاته الست ‪ ،1‬وذكرها غيره إل‬
‫أنه خالف الزرقي في مقدار بعضها‪ ،‬وأخل بذكر بعضها‪ ،‬وقد تلخص لي مما‬
‫رأيت للناس في حدود الحرم أن جميع حدوده مختلف فيها على ما سنبينه‪.‬‬
‫فأما حده من جهة الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة ‪ 2‬ففيه أربعة أقوال‪:‬‬
‫نحو ثمانية عشر ميل على ما ذكره القاضي أبو الوليد الباجي‪ ،‬وأحد عشر ميل‬
‫على ما ذكره الزرقي ‪ ،3‬والفاكهي ‪ ،4‬وأبو القاسم عبيد ال بن عبد ال بن‬
‫خرداذبة الخراساني في كتاب "المسالك والممالك"‪ ،5‬والمحب الطبري ‪ 6‬نقل عن‬
‫الزرقي‪ ،‬وسليمان بن خليل‪ ،‬إل أنه ذكره بصيغة التمريض‪.‬‬
‫وتسعة أميال ‪-‬بتقديم التاء‪ ،‬على ما ذكر شيخ المذهب أبو محمد عبد ال بن أبي زيد‬
‫القيرواني في كتاب "النوادر"‪ ،‬وسليمان بن خليل‪ ،‬وصدر به كلمه‪ ،‬والمحب‬
‫الطبري بعد أن حكى ما ذكره الزرقي‪.‬‬
‫وسبعة أميال بتقديم ‪-‬السين على الباء‪ -‬على ما ذكره الماوردي في كتاب "الحكام‬
‫السلطانية"‪ 7‬له‪ ،‬والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "مهذبه"‪ ،‬والنووي في‬
‫"إيضاحه"‪،‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.131 ،130 /2‬‬
‫‪َ 2‬نِمرة‪ :‬بفتح أوله‪ ،‬وكسر ثانيه‪ .‬ناحية بعرفة نزل بها النبي صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬الحرم من طريق الطائف على طريق عرفة من نمرة على أحد عشر ميل‪،‬‬
‫وقيل غير ذلك‪" .‬معجم البلدان ‪."305 ،304 /5‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للزرقي ‪.131 /2‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للفاكهي ‪ 86 /2‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪ 5‬المسالك والممالك "ص‪."132 :‬‬
‫‪ 6‬القرى "ص‪."652 ،651 :‬‬
‫‪ 7‬الحكام السلطانية "ص‪."165 ،164 :‬‬

‫) ‪(1/4‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -76-‬و"تهذيب السماء واللغات ‪ 1‬له‪ .‬وفيما قالوه نظر قوي يقتضي‬
‫ُبْعَد استقامِة قولهم على ما سيأتي بيانه إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وذكر النووي في "التهذيب" أن الزرقي انفرد بما قاله في حد الحرم من طريق‬
‫"الطائف"‪ ،‬وقال‪ :‬إن الجمهور قالوا ستة ‪ ...2‬انتهى بالمعنى‪.‬‬
‫ولم ينفرد الزرقي بقوله بموافقة ابن خرداذبه له على قوله‪ ،‬بل ل يعرف له فيما‬
‫قاله مخالف قبله‪ ،‬ول معاصر له‪ ،‬ول بعده‪ ،‬غير الماوردي‪ ،‬وصاحب "المهذب"‪،‬‬
‫ولو خالف الزرقي غيرهما لنقل ذلك كما نقلت مخالفتهما للزرقي‪ ،‬وقد تبعهما‬
‫على ذلك النووي وغيره من المتأخرين‪ ،‬ولم يذكر ذلك سليمان بن خليل‪ ،‬ول‬
‫المحب الطبري‪ ،‬وذلك يشعر بعدم رضاهما لهذا القول‪ ،‬لنهما ذكرا في حدود‬
‫الحرم ما قاله ابن أبي زيد وغيره‪ ،‬وكان ذكرهما لذلك أولى‪ ،‬لكون قائله من‬
‫الشافعية‪ ،‬ول يقال لعل ذلك خفي عليهما‪ ،‬فإن ذلك مشتهر جدا‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأما حده من جهة العراق‪ :‬ففيه أربعة أقوال‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬سبعة أميال ‪-‬بتقديم السين‪ -‬على ما ذكره الزرقي‪.‬‬
‫وثمانية أميال على ما ذكره ابن أبي زيد المالكي في "النوادر"‪.‬‬
‫وعشرة أميال على ما ذكره سليمان بن خليل‪.‬‬
‫وستة أميال على ما ذكره أبو القاسم بن خرداذبه ‪.3‬‬
‫وذكر الزرقي رحمه ال أن الحد في هذه الجهة على ثنية خل بالمقطع‪.‬‬
‫فأما خل‪ :‬فبخاء معجمة مفتوحة‪.‬‬
‫وأما المقطع‪ :‬فبضم الميم وفتح الطاء المشددة‪ ،‬على ما وجدت بخط سليمان بن‬
‫خليل فيهما‪.‬‬
‫ووجدت بخط المحب الطبري في "القرى" على الخاء من خل نقطة من فوق وعلى‬
‫اللم شدة‪ ،‬ووجدت بخطه ضبط المقطع بفتح الميم وإسكان القاف ‪.4‬‬
‫ووجدت في غير موضع من تاريخ الزرقي على الخاء من خل نقطة من فوقها‪،‬‬
‫ورأيت في "اليضاح" للنووي و"تهذيب السماء واللغات" له‪ ،‬عوض "خل"‪:‬‬
‫"جبل" بجيم وباء موحدة‪ ،‬ول يبعد أن يكون ذلك تصحيفا‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬تهذيب السماء واللغات ‪ 2‬ق ‪.82 /2‬‬
‫‪ 2‬تهذيب السماء واللغات ‪ 2‬ق ‪.83 /2‬‬
‫‪ 3‬المسالك والممالك "ص‪."132 :‬‬
‫‪ 4‬القرى "ص‪."652 :‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -77-‬وذكر الزرقي أن سبب تسمية اسم المقطع بذلك‪ :‬أنهم قطعوا منه‬
‫أحجار الكعبة في زمن ابن الزبير رضي ال عنهما‪ .‬وقيل‪ :‬لنهم كانوا في الجاهلية‬
‫إذا خرجوا من الحرم علقوا في رقاب إبلهم من قشور شجر الحرم‪ ،‬وإن كان رجل‬
‫علق في رقبته‪ ،‬فأمنوا حيث توجهوا‪ .‬ويقال‪ :‬هؤلء وفد ال تعظيما للحرم‪ ،‬فإذا‬

‫طع ‪.1‬‬
‫رجعوا فدخلوا الحرم قطعوا ذلك‪ ،‬فسمي ذلك هناك المق ّ‬
‫وأما حده من جهة الجعرانة‪ :‬ففيه قولن‪:‬‬
‫تسعة أميال ‪-‬بتقديم التاء‪ -‬كما ذكره الزرقي ‪ ،2‬وبريد‪ ،‬وهو اثنا عشر ميل على ما‬
‫ذكر ابن خليل‪ ،‬وحكايته لهذا القول بصيغة التمريض بعد ذكره للقول السابق‪.‬‬
‫جعرانة‪ :‬بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء على ما هو الصواب في‬
‫وال ِ‬
‫ضبطها وسيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وذكر الزرقي أن حد الحرم من جهة الجعرانة‪ :‬في شعب آل عبد ال بن خالد بن‬
‫أسيد ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫وعبد ال بن خالد بن أسيد المنسوب إليه هذه الشعب هو فيما أحسب ابن أخي عتاب‬
‫بن أسيد بن العاص القرشي الموي أمير مكة‪ ،‬لنه كان لعبد ال المذكور بمكة‬
‫شهرة لوليته لمر مكة وغير ذلك‪ ،‬ونسب إليه بها مقبرة بأعلى مكة‪ ،‬وهي التي‬
‫دفن فيها عبد ال بن عمر رضي ال عنهما وال أعلم‪.‬‬
‫وذكر سليمان بن خليل أن عبد ال بن خالد المنسوب إليه هذا الشعب هو‪:‬‬
‫عبد ال بن خالد بن أسيد الخزاعي‪.‬‬
‫وذكر ابن جماعة ما يخالف ذلك أيضا‪ ،‬لنه قال لما ذكر حد الحرم من هذه الجهة‪:‬‬
‫ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد ال القسري‪ ...‬انتهى ‪.4‬‬
‫وما أشرنا إليه من نسبة هذا الشعب لعبد ال بن خالد بن أسيد بن أبي العيص أشبه‬
‫بالصواب من نسبته لغيره‪ ،‬لن التعريف إنما يكون في الغالب بأشهر الحوال‪،‬‬
‫وليس لمن نسب إليه ابن الخليل هذا الشعب‪ ،‬ول لمن نسبه إليه ابن جماعة من‬
‫الشهرة‪ ،‬مثل ما لمن نسبناه إليه‪ ،‬وال أعلم بالصواب‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.383 ،382 /2‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.131 /2‬‬
‫‪ 3‬هو‪ :‬عبد ال بن خالد بن أسيد بن أبي العيص‪ ،‬أخو عتاب بن أسيد‪" ،‬انظر‬
‫ترجمته في‪ :‬أسد الغابة ‪."221 /3‬‬
‫‪ 4‬هداية السالك ‪.708 /2‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -78-‬وحد الحرم من هذه الجهة ل يعرف موضعه الن‪ ،‬إل أن بعض‬
‫أعراب مكة زعم أنه في مقدار نصف طريق الجعرانة‪ ،‬وسئل عن سبب معرفته‬
‫لذلك فقال‪ :‬إن الموضع الذي أشار إليه في محاذاة أعلم الحرم من جهة نخلة‪ ،‬وهي‬
‫جهة العراق‪ ،‬وال أعلم بصحة ذلك‪.‬‬
‫وأما حده من جهة التنعيم ففيه أربعة أقوال‪:‬‬
‫ثلثة أميال‪ ،‬على ما ذكره الزرقي ‪ ،1‬وابن خرداذبه ‪ ،2‬والماوردي ‪ ،3‬وصاحب‬
‫"المهذب" وغيرهم‪.‬‬
‫ونحو أربعة أميال‪ ،‬على ما ذكره ابن أبي زيد في "النوادر" عن غير واحد من‬
‫المالكية‪.‬‬
‫وأربعة أميال‪ ،‬على ما قال الفاكهي ‪.4‬‬

‫وخمسة أميال‪ ،‬على ما ذكره أبو الوليد الباجي‪ ،‬ونص كلمه‪ :‬وأما التنعيم فإني‬
‫أقمت بمكة‪ ،‬وسمعت أكثر الناس يذكرون أنها خمسة أميال‪ ،‬ولم أسمع في ذلك‬
‫اختلفا مدة مقامي بها‪ ،‬ولو كان بين مكة والتنعيم أربعة أميال لوجب أن يكون بين‬
‫مكة والحديبية ‪-‬على هذا التعدي‪ :‬قريب من خمسة عشر ميل‪ ،‬لنها أزيد من ثلثة‬
‫أمثالها‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وفي هذا القول نظر‪ ،‬وكذا في القول الذي ذكره الفاكهي‪ ،‬والقول الذي ذكره ابن‬
‫أبي زيد على ما سيأتي بيانه إن شاء ال‪.‬‬
‫ووقع فيما ذكره ابن أبي زيد في حد الحرم من هذه الجهة ما يقتضي أنه إلى منتهى‬
‫التنعيم‪ ،‬لنه قال‪ :‬ومن غير الموازنة لغير واحد من أصحابنا أن حد الحرم مما يلي‬
‫المدينة نحو أربعة أميال إلى منتهى التنعيم‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر الزرقي ما يخالف ذلك‪ ،‬لنه قال‪ :‬ذكر حدود الحرم‪ :‬من طريق المدينة دون‬
‫التنعيم عند بيوت نفار ‪ 3‬على ثلثة أميال ‪ .5‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر المحب الطبري في "شرحه للتنبيه" ما يرجح ما ذكره الزرقي‪ ،‬لنه ذكر أن‬
‫التنعيم أمام الحل قليل‪ ،‬وأن من فسره بطرف الحل أطلق اسم الشيء على ما قرب‬
‫منه‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.131 ،130 /2‬‬
‫‪ 2‬المسالك والممالك "ص‪.132 :‬‬
‫‪ 3‬الحكام السلطانية "ص‪."164 :‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للفاكهي "‪ ،61 /5‬وقد نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري ‪،607 /3‬‬
‫والمحب الطبري في القرى "ص‪."623 :‬‬
‫‪ 5‬معجم البلدان ‪.214 /1‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -79-‬وإذا كان من فسر التنعيم بطرف الحل متجوزا في تفسيره‪ ،‬فكيف‬
‫بمن جعل منتهى التنعيم أول الحل من جهة المدينة كما هو مقتضى ما ذكره ابن‬
‫أبي زيد؟! وال أعلم‪.‬‬
‫"ونفار" المذكور في حد الحرم من هذه الجهة في كلم الزرقي‪ ،‬بنون مكسورة‬
‫وفاء وألف وراء مهملة‪ ،‬على ما ذكر غير واحد‪.‬‬
‫وأما حده من جهة "جدة" ففيه قولن‪:‬‬
‫عشرة أميال‪ ،‬على ما ذكر الزرقي ‪ ،1‬وابن أبي زيد‪.‬‬
‫ونحو ثمانية عشر ميل‪ ،‬على ما ذكر الباجي في مقدار ما بين مكة والحديبية‪،‬‬
‫بتخفيف الياء الثانية على الصواب فيها‪ ،‬ومنتهاها حد الحرم من جهة جدة‪ ،‬كما نقل‬
‫ابن أبي زيد في "النوادر"‪.‬‬
‫وذكر الزرقي أن منتهى الحد في هذه الجهة منقطع العشاش ‪ ،2‬والعشاش جمع‬
‫عش وبعضها في الحل‪ ،‬وبعضها في الحرم‪ ،‬وكذلك الحديبية على ما قال الشافعي‬
‫وابن القصار‪.‬‬
‫وقال الماوردي ‪ :3‬إنها في طرف الحل‪ ،‬وقال مالك‪ :‬إنها في الحرم‪ .‬وهي‬

‫والعشاش ل يعرفان اليوم‪ ،‬ويقال‪ :‬إن الحديبية هي البئر التي تعرف ببئر شميس‬
‫‪ 4‬في طريق جدة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأما حده من جهة اليمن ففيه قولن‪:‬‬
‫سبعة أميال بتقديم السين‪ ،‬على ما ذكره الزرقي ‪ 2‬وابن أبي زيد‪ ،‬وسليمان بن‬
‫خليل‪.‬‬
‫وستة أميال‪ ،‬على ما وجدت بخط المحب الطبري في "القرى"‪ .5‬ورأيت ذلك في‬
‫سْبق َقَلم‪ ،‬لنه في‬
‫ثلث نسخ من "القرى"‪ ،‬وأخشى أن يكون وهما ول يقال َ‬
‫"القرى" بعد ذكره لذلك القول الذي ذكره الزرقي وابن أبي زيد‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وموضع الحد في هذه الجهة طرف "أضاة لبن" في ثنية لبن‪ ،‬على ما ذكره المام‬
‫الزرقي ‪ ،6‬وهذه الضاة تعرف اليوم بأضاة ابن عقش‪ ،‬وفيها علمة مبنية لمعرفة‬
‫حد الحرم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.130 /20‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.131 /2‬‬
‫‪ 3‬الحكام السلطانية "ص‪."165 :‬‬
‫‪ 4‬معجم البلدان ‪.365 /3‬‬
‫‪ 5‬القرى "ص‪."652 :‬‬
‫‪ 6‬جاء في معجم البلدان ‪ :28 /1‬أن أضأة لبن‪ :‬حد من حدود الحرم على طريق‬
‫اليمن‪.‬‬
‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -80-‬والضاة‪ :‬مستنقع الماء‪ ،‬وهي بهمزة مفتوحة وضاد معجمة على‬
‫وزن فتاة‪ .‬ولبن‪ ،‬بكسر اللم وسكون الباء الموحدة‪ ،‬قال الحازمي‪ ،‬وضبطها‬
‫سليمان بن خليل بتفح اللم والباء على ما وجدت بخطه في غير موضع من‬
‫"منسكه" وال أعلم‪.‬‬
‫هذا ما رأيته للناس في حدود الحرم بالميال‪ ،‬ورأيت في ذلك لبعض الحنفية ما‬
‫يستغرب جدا‪ ،‬لن القاضي شمس الدين السروجي الحنفي حكى في "مناسكه"‪ ،‬عن‬
‫أبي جعفر الهنداوي أنه قال‪ :‬مقدار حد الحرم من جهة المشرق‪ ،‬ستة أميال‪ ،‬ومن‬
‫الجانب الثاني‪ :‬اثنا عشر ميل‪ .‬قال صاحب "المحيط"‪ :‬وفيه نظر‪ ،‬فإن ذلك هو‬
‫التنعيم‪ ،‬قريب من ثلثة أميال من مكة‪.‬‬
‫ومن الجانب الثالث‪ :‬ثلثة عشر ميل‪.‬‬
‫ومن الرابع‪ :‬أربعة وعشرون ميل‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫والظاهر وال أعلم أن قائل هذا الكلم أراد بحده من جهة المشرق جهة العراق‪،‬‬
‫وبالحد الثاني‪ :‬جهة التنعيم‪ ،‬وبالحد الثالث‪ :‬جهة اليمن‪ ،‬وبالحد الرابع‪ :‬جهة جدة‪،‬‬
‫وإنما كان ما ذكره هذا القائل مستغربا لنقصه من حده من جهة المشرق‪ ،‬وكثرة‬
‫الزيادة في حده من الجهات الثلث‪ ،‬وإنما لم أذكر ذلك مع ما ذكره غيره في حدود‬
‫الحرم‪ ،‬لعدم تصريح قائل ذلك بجوانب الحرم التي حددها‪ ،‬وقد اعتبرت بما قاله‬
‫الناس في تحديد الحرم من جميع جهاته المعروفة الن‪ ،‬وهي جهة الطائف على‬

‫طريق عرفة من بطن نمرة‪" ،‬عرنة"‪ ،‬وطريق العراق‪ ،‬وطريق التنعيم‪ ،‬وطريق‬
‫اليمن‪ ،‬وكان اعتبارنا لذلك بجبل مقدر على الذراع المعتبر في أميال مسافة‬
‫القصر‪ ،‬وهو ذراع اليد على ما ذكره المحب الطبري في "شرحه للتنبيه"‪ ،‬وذكر‬
‫أن مقداره أربعة وعشرون أصبعا‪ ،‬كل أصبع ست شعيرات مضمومة بعضها إلى‬
‫بعض ‪ ...‬انتهى‪ .‬كذا وجدت بخطه‪.‬‬
‫وأشار إلى ذلك النووي في "تحرير التنبيه"‪ ،‬وغلط النووي "القلعي" في قوله‪" :‬إن‬
‫الصبع ثلث شعيرات‪.‬‬
‫ومقدار الذراع المشار إليه من ذراع الحديد المستعمل في القماش بمصر ومكة‬
‫الن‪ :‬ذراع إل ثمن ذراع‪ ،‬هكذا اعتبره جماعة من أصحابنا بذراع أيديهم‪ ،‬ثم‬
‫اعتبروا ذلك بشعير معتدل مرصوص‪ .‬فجاء كما قال المحب الطبري ومن وافقه‪،‬‬
‫وكان اعتبارهم لذلك بحضوري‪.‬‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -81-‬ذكر تحديد حد الحرم من جهة الطائف على طريق عرفة من‬
‫طريق نمرة‪:‬‬
‫من حد باب بني شيبة إلى العلمين اللذين هما علمة لحد الحرم من جهة عرفة‬
‫سبعة ‪-‬بتقديم السين‪ -‬وثلثون ألف ذراع ومائة ذراع وعشرة أذرع وسبعا ذراع‪،‬‬
‫سبع عشر‬
‫خمس ُ‬
‫بذراع اليد‪ ،‬يكون ذلك أميال‪ ،‬عشرة أميال وثلثة أخماس ميل و ُ‬
‫سبعي ذراع‪ ،‬هذا على القول بأن الميل ثلثة آلف ذراع وخمسمائة‬
‫ميل يزيد ُ‬
‫ذراع‪ ،‬وهو الذي ينبغي أن يعتبر في حدود الحرم‪ ،‬لكون غالبا أقرب إلى موافقة ما‬
‫هو المشهور في قدرها‪ ،‬فإنها إذا اعتبرت على القول بأن مقدار الميل ألفا ذراع‪،‬‬
‫يزيد مقدارها نحو مثل ما هو مشهور فيها‪ ،‬وإذا اعتبرت على القول بأن الميل ستة‬
‫آلف ذراع‪ ،‬ينقص مقدارها عما هو مشهور فيها نحو نصف ذلك‪ ،‬واعتبار ذلك‬
‫على هذين القولين مشكل جدا لكثرة الزيادة وكثرة النقص‪ ،‬على أن اعتبار ذلك‬
‫على القول بأن الميل ثلثة آلف ذراع وخمسمائة ذراع ل يخلو من إشكال‪ ،‬إل أن‬
‫المر فيه قريب‪ ،‬لتأتي الجواب عنه‪ ،‬ويتأيد كون اعتبار ذلك على هذا القول أولى‪،‬‬
‫لكونه أصح القاويل في مقدار الميل‪ ،‬على ما ذكره ابن عبد البر‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ول يعكر على ما أشرنا إليه من ترجيح اعتبار هذا القول في حدود الحرم ما يقع‬
‫في العتبار عليه من الزيادة والنقص المقتضيين مخالفة ما هو مشهور في حدود‬
‫الحرم‪ ،‬لن الزيادة والنقص يكونان في الغالب شيئا يسيرا‪ ،‬وربما كان ذلك لشدة‬
‫المد في الحبل المقيس به وإرخائه‪ ،‬أو لجل ارتفاع الرض وانخفاضها‪ ،‬أو لجل‬
‫اعتبار غيرنا لذلك من موضع غير الموضع الذي اعتبرنا منه‪ ،‬مثل أن يكون‬
‫اعتبارنا وقع من باب بني شيبة‪ ،‬والزرقي اعتبر من موضع بينه وبين المعلة في‬
‫غير اعتباره لحد الحرم من جهة عرفة‪ ،‬ومن عتبة باب المعلة إلى العلمين اللذين‬
‫هما حد الحرم من هذه الجهة‪ :‬خمسة وثلثون ألف ذراع وثلثة وثمانون ذراعا‬
‫وثلثة أسباع ذراع بذراع اليد‪ ،‬يكون ذلك على القول بأن الميل ثلثة آلف‬
‫وخمسمائة ذراع‪ :‬عشرة أميال وسبع سبع ميل وخمس سبع عشر ميل وخمس‬
‫خمس سبع عشر ميل‪.‬‬

‫ولم يعتبر الزرقي حد الحرم في هذه الجهة من باب المعلة‪ ،‬وإنما اعتبره من باب‬
‫بني شيبة‪ ،‬ووقع له ما يوهم أن حد الحرم من هذه الجهة ينتهي إلى دون قبلة مسجد‬
‫عرفة بخمسة وعشرين ذراعا؛ لنه ذكر أن حد الحرم من هذه الجهة على أحد‬
‫عشر ميل‪ ،‬وذكر مواضع هذه الميال إلى عرفة‪ ،‬فقال في موضع الميل الحادي‬
‫عشر‪ :‬وموضع الميل الحادي عشر في حد المكان الذي يدور حول قبلة مسجد‬
‫جُدر المسجد‪ :‬خمس‬
‫عرفة مسجد إبراهيم خليل الرحمن عليه السلم‪ ،‬وبينه وبين ُ‬
‫وعشرون ذراعا ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وذلك يقتضي أن يكون العلمان المشار إليهما في غير الحد‪.‬‬
‫وذكر الزرقي ما يوهم أن حد الحرم من هذه الجهة ينتهي إلى دون العلمين اللذين‬
‫هما علمة حد الحرم من هذه الجهة‪ ،‬بمقدار ستمائة ذراع وواحد وستين ذراعا‪،‬‬
‫لنه قال‪ :‬ومن حد الحرم إلى مسجد عرفة‪ :‬ألف ألف ذراع وستمائة ذراع وخمس‬
‫أذراع‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫) ‪(1/10‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -82-‬وإنما كان حد الحرم من هذه الجهة ينتهي إلى دون العلمين‬
‫المشار إليهما بالقدر الذي ذكرناه‪ ،‬لنا اعتبرنا مقدار ما بين العلمين المشار إليهما‬
‫والجدار القبلي من مسجد عرفة‪ ،‬فكان ذلك ألف ذراع وسبعمائة ذراع بتقديم السين‬
‫وثلثة أذرع بذراع الحديد‪ ،‬ويكون ذلك بذراع اليد ألف ذراع وتسعمائة ذراع‬
‫بتقديم التاء وستة وأربعين ذراعا‪ ،‬وذلك يقتضي أن يكون العلمان المشار إليهما في‬
‫غير الحد‪ ،‬والعلمان المشار إليهما‪ :‬هما اللذان إلى مكة أقرب من العلمين اللذين إلى‬
‫عرفة أقرب‪ ،‬وكون العلمين المشار إليهما علمة لحد الحرم من هذه الجهة‪ ،‬أشبه‬
‫بالصواب من كون حد الحرم دونهما إلى مكة‪ ،‬أو أمامها إلى جهة عرفة قريبا من‬
‫المسجد المنسوب إليهما‪ ،‬كما يوهم كلم الزرقي في الموطنين‪ ،‬لن في العلمين‬
‫المشار إليهما حجرين‪ ،‬مكتوب في كل منهما‪ :‬اللهم أيد بالنصر والظفر‪ ،‬عبدك‬
‫لنعمك‪ ،‬يوسف بن عمر‪ ،‬فهو المر بتجديد هذا العلم الفاصل بين الحل والحرم‪.‬‬
‫وفيه مكتوب أيضا أن ذلك في سنة ثلث وثمانين وستمائة‪.‬‬
‫ويوسف بن عمر المشار إليه‪ :‬هو الملك المظفر صاحب اليمن‪ ،‬والعادة جرت بأن‬
‫بناء مثل ذلك ل يكون إل عن أخبار مستفيضة‪ ،‬أو علمة قديمة كانت قبل ذلك‪،‬‬
‫فخرجت‪ ،‬وجدد عوضها في محلها ‪ ،1‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأما النظر الذي أشرنا إليه في قول من قال إن قدر الحرم من هذه الجهة على سبعة‬
‫أميال بتقديم السين فبيانه أن قدر الحرم من هذه الجهة على القول بأن الميل ثلثة‬
‫آلف ذراع وخمسمائة ذراع تزيد على عشرة أميال‪ ،‬سواء اعتبرت المسافة من‬
‫باب بني شيبة أو من باب المعلة‪ ،‬ومجرى هذه الزيادة يظهر مما سبق قريبا‪ ،‬وأن‬
‫قدر الحرم من هذه الجهة على القول بأن الميل أربعة آلف ذراع يكون تسعة أميال‬
‫بتقديم التاء وخمس ميل وعشر وربع عشر عشر ميل‪ ،‬يزيد سبعي ذراع‪ ،‬هذا إن‬
‫اعتبرنا المسافة من باب بني شيبة‪.‬‬
‫وإن اعتبرنا المسافة على هذا القول من باب المعلة‪ ،‬يكون قدر الحرم من هذه‬
‫الجهة‪ :‬ثمانية أميال وثلثة أرباع ميل وخمس عشر ميل وسبعة أسباع عشر عشر‬

‫عشر ميل‪ ،‬يزيد سبعي ذراع‪.‬‬
‫وأن قدر الحرم من هذه الجهة على القول بأن الميل ألفا ذراع‪ ،‬يكون ثمانية عشر‬
‫ميل وثلثة أخماس ميل ونصف عشر عشر ميل‪ ،‬يزيد سبعي ذراع‪ ،‬هذا على‬
‫اعتبار‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ذكر في إتحاف الورى ‪ 17 /3‬أخبار تلك العمارة التي قام بها يوسف بن عمر‪،‬‬
‫وذلك في أخبار سنة ‪ 683‬هـ‪.‬‬
‫) ‪(1/11‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -83-‬المسافة من باب بني شيبة‪ ،‬ويكون ذلك على هذا القول باعتبار‬
‫المسافة من باب المعلة‪ :‬سبعة عشر ميل ونصف ميل وخمس خمس وستة أسباع‬
‫خمس عشر عشر ميل‪.‬‬
‫وأن قدر الحرم من هذه الجهة على القول بأن الميل ستة آلف ذراع يكون ستة‬
‫أميال وخمس ميل وسدس عشر عشر ميل يزيد سبعي ذراع‪ ،‬هذا باعتبار المسافة‬
‫من باب بني شيبة‪ ،‬ويكون ذلك باعتبارها من باب المعلة على هذا القول‪ :‬خمسة‬
‫أميال ونصف ميل وثلث ميل وثلث خمس خمس ميل وخمسي سبع عشر عشر‬
‫ميل‪.‬‬
‫وإذا تقرر أن مقدار الحرم من هذه الجهة ما ذكرناه على مقتضى القوال الربعة‬
‫في مقدار الميل‪ ،‬ظهر بذلك ُبْعُد استقامة قول من قال‪ :‬إن مقدار الحرم من هذه‬
‫الجهة سبعة أميال بتقديم السين‪ ،‬لكون ذلك يخالف مقتضى هذه القوال باعتبار‬
‫كثرة الزيادة على مقتضى القوال الربعة في مقدار الميل غير القول بأنه ستة‬
‫آلف ذراع‪ ،‬وباعتبار كثرة النقص على مقتضى القول بأن الميل ستة آلف ذراع‪،‬‬
‫فإن النقص يكون على مقتضاه أربعة أخماس ميل إل عشرة أذرع باليد تقريبا‪ ،‬في‬
‫اعتبار المسافة من باب بني شيبة‪ ،‬ويكون النقص على مقتضى هذا القول أيضا في‬
‫اعتبار المسافة من عتبة باب المعلة ميل وقريبا من سدس ميل‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫واعلم أنه وقع للنووي رحمه ال ما يقتضي أن حد الحرم من هذه الجهة على‬
‫خلف قوله إنه سبعة أميال بتقديم السين لنه قال في "اليضاح"‪ :‬واعلم أن بين‬
‫مكة ومنى فرسخا‪ .‬وذكر معنى ذلك في غيره من كتبه‪.‬‬
‫وتظهر المخالفة بين ذلك وبين قوله‪ :‬إن حد الحرم من هذه الجهة على سبعة أميال‪،‬‬
‫بتقديم السين ببيان مقدار ما بين مكة ومنى‪ ،‬ومقدار ما بين منى والعلمين اللذين هما‬
‫علمة حد الحرم من جهة عرفة‪.‬‬
‫فأما مقدار ما بين مكة ومنى‪ :‬فهو ثلثة عشر ألف ذراع وثلثمائة ذراع وثمانية‬
‫وستون ذراعا‪ ،‬وذلك من جدار باب بني شيبة إلى طرف العقبة التي هي حد منى‬
‫من أعلها مما يلي جمرة العقبة‪.‬‬
‫وأما مقدار ما بين منى والعلمين ‪-‬المشار إليهما‪ :‬فذلك ثلثة وعشرون ألف ذراع‬
‫وثمانمائة ذراع واثنان وأربعون ذراعا وسبعا ذراع‪ ،‬وذلك من طرف العقبة ‪1‬‬
‫المشار إليها إلى العلمين المشار إليهما‪.‬‬
‫وإذا تقرر ذلك‪ ،‬فالذي من عقبة منى إلى العلمين المشار إليهما‪ ،‬قدر ما بين مكة‬

‫ومنى‪ ،‬باعتبار المسافة من باب بني شيبة مرتين ينقص ألفي ذراع وثمانمائة ذراع‬
‫وثلثة‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬كان في الصل‪" :‬العقبة التي مشار"‪.‬‬
‫) ‪(1/12‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -84-‬وتسعين ذراعا بتقديم التاء ويلزم على مقتضى قول النووي‪" :‬أن‬
‫بين مكة ومنى فرسخا" أن يكون ما بين طرف العقبة المشار إليه والعلمين المشار‬
‫إليهما‪ :‬خمسة أميال وثلث ميل يزيد سبعة وسبعين ذراعا باليد‪ ،‬ويضم مقدار ما بين‬
‫عقبة منى والعلمين المشار إليهما إلى مقدار ما بين مكة وعقبة منى‪ ،‬فيصير جملة‬
‫ذلك‪ :‬ثمانية أميال وثلث ميل وسبعة وسبعين ذراعا‪ ،‬ويكون ذلك مقدار الحرم من‬
‫هذه الجهة على مقتضى قول النووي‪ :‬أن بين مكة ومنى فرسخا‪ ،‬ويتعارض ذلك‬
‫مع قول للنووي‪ :‬إن حد الحرم من جهة عرفة سبعة أميال بتقديم السين ويقوى به‬
‫النظر الذي أشرنا إليه فيما ذكره في حد الحرم من جهة عرفة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وربما كان مقدار حد الحرم من هذه الجهة على مقتضى قول النووي‪ :‬أن بين مكة‬
‫ومنى فرسخا أكثر من هذا المقدار‪ ،‬إذا كان العتبار لما بين مكة ومنى من باب‬
‫المعلة‪ ،‬لن من عتبة باب المعلة إلى طرف العقبة المشار إليه‪ :‬أحد عشر ألف‬
‫ذراع ومائتي ذراع وواحدا وأربعين ذراعا وسبع ذراع‪ ،‬ومقدار ما بين منى‬
‫والعلمين بالنسبة إلى مقدار ما بين مكة ومنى مرتان‪ ،‬بزيادة ألف ذراع وثلثمائة‬
‫وستين ذراعا‪ ،‬يزيد‪ ،‬فيكون مقدار ما بين منى والعلمين المشار إليهما‪ :‬ستة أميال‬
‫وثلث ميل‪ ،‬بزيادة مائة ذراع وأربعة عشر ذراعا‪ ،‬إذا كان مقدار ما بين مكة ومنى‬
‫فرسخا‪ ،‬وكان العتبار لذلك من باب المعلة‪ ،‬ويضم مقدار ما بين منى والعلمين‬
‫إلى مقدار ما بين مكة ومنى‪ ،‬فيصير جملة ذلك تسعة أميال وثلث ميل بزيادة مائة‬
‫ذراع وأربعة عشر ذراعا‪ ،‬ويكون ذلك مقدار الحرم من هذه الجهة على مقتضى‬
‫قول النووي‪" :‬إن بين مكة ومنى فرسخا"‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫واعلم أن قول النووي أن بين مكة ومنى فرسخا‪ ،‬فيه إشارة إلى أنه لم يعتبر في‬
‫ذلك قول من قال‪ :‬إن الميل ستة آلف ذراع‪ ،‬لنه لو اعتبر ذلك لزم أن يكون ما‬
‫ذكره في مقدار ما بين مكة ومنى غير مستقيم‪ ،‬لن المسافة تنقص عن الثلثة‬
‫الميال‪ ،‬وهي مقدار الفرسخ ميل وثمن ميل وثمانية أذرع وستة أسباع ذراع‪ ،‬في‬
‫اعتبار المسافة من باب المعلة‪ ،‬وينقص في اعتبارها من باب بني شيبة‪ ،‬ثلثة‬
‫أرباع ميل وسدس ثمن ميل وستة أذرع وأربعة أسباع ذراع‪ ،‬وإذا كان المر بين‬
‫حمل كلم النووي على وجه مستقيم‪ ،‬وحمله على وجه ل يستقيم‪ ،‬فحمله على الول‬
‫أولى‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ذكر تحديد حد الحرم من جهة العراق‪:‬‬
‫من جدار باب بني شيبة إلى العلمين اللذين هما علمة حد الحرم في طريق‬
‫العراق‪ ،‬وهما العلمان اللذان بحارة وادى نخلة‪ :‬سبعة وعشرون ألف ذراع ومائة‬
‫ذراع واثنان وخمسون ذراعا باليد‪ ،‬يكون ذلك أميال‪ ،‬على القول بأن الميل ثلثة‬
‫آلف ذراع‪ ،‬وخمسمائة ذراع‪ :‬سبعة أميال بتقديم السين وخمسة أسباع ميل وثلثة‬

‫أسباع عشر ميل يزيد ذراعين‪.‬‬
‫ومن عتبة باب المعلة إلى العلمين المشار إليهما‪ :‬خمسة وعشرون ألف ذراع‬
‫وخمسة وعشرون ذراعا باليد‪ ،‬يكون ذلك أميال على القول بأن الميل ثلثة آلف‬
‫ذراع‪ ،‬وخمسمائة ذراع‪ :‬سبعة أميال بتقديم السين وسبع ميل ونصف سبع عشر‬
‫ميل‪.‬‬
‫وما ذكره الزرقي في مقدار الحرم من هذه الجهة يمكن أن يتمشى على اعتبار‬
‫المسافة من باب المعلة ليسارة الزيادة على السبعة الميال في اعتبار المسافة من‬
‫باب المعلة‪.‬‬
‫وما ذكره ابن أبي زيد في كون مقدار الحرم من هذه الجهة ثمانية أميال يمكن أن‬
‫يتخرج على اعتبار المسافة من باب بني شيبة ليسارة النقص عن الثمانية الميال‬
‫في اعتبار المسافة من باب بني شيبة‪.‬‬
‫ويبعد تخريج ما ذكره ابن خرداذبه في أن مقدار الحرم من هذه الجهة ستة أميال‪،‬‬
‫وأبعد من ذلك ما ذكره سليمان بن خليل في أن مقدار الحرم من هذه الجهة عشرة‬
‫أميال‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫) ‪(1/13‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -85-‬ذكر تحديد حد الحرم من جهة التنعيم وهي طريقة المدينة وما‬
‫يليها‪:‬‬
‫من جدار باب المسجد الحرام المعروف بباب العمرة إلى أعلم الحرم في هذه‬
‫الجهة التي في الرض ل التي على الجبل‪ :‬اثنا عشر ألف ذراع وأربعمائة ذراع‬
‫وعشرون ذراعا بذراع اليد‪ ،‬يكون ذلك أميال على القول بأن الميل ثلثة آلف‬
‫سين ميل وسبع ميل وخمس خمس سبع‬
‫خْم َ‬
‫ذراع وخمسمائة ذراع‪ :‬ثلثة أميال و ُ‬
‫ميل‪.‬‬
‫ومن عتبة باب الشبيكة إلى العلم المشار إليها‪ :‬عشرة آلف ذراع وثمانمائة ذراع‬
‫واثنا عشر ذراعا‪ ،‬يكون ذلك أميال على القول بأن الميل ثلثة آلف وخمسمائة‬
‫ذراع‪ :‬ثلثة أميال وثلثة أخماس سبع ميل وخمس عشر عشر ميل وسبع عشر‬
‫عشر ميل‪.‬‬
‫وما ذكره الزرقي في مقدار حد الحرم من جهة التنعيم‪ ،‬لعله اعتبره من موضع‬
‫باب الشبيكة أو ما قرب منه‪ ،‬فإن الزيادة يسيرة في اعتبار المسافة من هذا الموضع‬
‫على مقدار ما ذكره في حد الحرم من هذه الجهة‪.‬‬
‫وأما قول من قال‪ :‬إن مقدار الحرم من هذه الجهة أربعة أميال فيبعد تخريجه على‬
‫القول بأن الميل ثلثة آلف ذراع وخمسمائة ذراع‪ ،‬لنا إن اعتبرنا المسافة من باب‬
‫الشبيكة‪ ،‬كان النقص عن الربعة أميال‪ :‬أربعة أخماس ميل وعشر ميل وعشر‬
‫ميل‪.‬‬
‫) ‪(1/14‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -86-‬وثلثة أذرع‪ ،‬وإن اعتبرناها من باب العمرة‪ :‬نقصت المسافة‬
‫نصف ميل إل مائة وسبعين ذراعا‪.‬‬
‫ويبعد أيضا تخريج ذلك على القول بأن الميل أربعة ألف ذراع‪ ،‬لن المسافة‬
‫تنقص عن ذلك ميل إل عشر ميل ونصف عشر عشر ميل‪ ،‬على اعتبار المسافة‬
‫من باب العمرة‪.‬‬
‫وأما على اعتبارها من باب الشبيكة‪ ،‬فتنقص ميل وأزيد من ربع ميل‪.‬‬
‫وكذلك يبعد تخريج قول من قال‪ :‬إن قدر الحرم من هذه الجهة نحو أربعة أميال‪،‬‬
‫لنه في معنى القول بالربعة‪.‬‬
‫وأبعد من هذا كله ما ذكره الباجي من أن مقدار الحرم من هذه الجهة على خمسة‬
‫أميال‪ ،‬لنه ل يتخرج إل على القول بأن الميل ألفا ذراع‪ ،‬وفي التخريج عليه نظر‪،‬‬
‫وعلى أن العتبار في ذلك من باب الشبيكة‪ ،‬ومع ذلك فتزيد المسافة على الخمسة‬
‫أميال مقدار خمسي ميل‪.‬‬
‫وأما على اعتبار المسافة من باب العمرة‪ ،‬فتزيد المسافة ميل ونحو ربع ميل‪ ،‬وهذا‬
‫هو النظر الذي أشرنا إليه في هذه القوال‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ذكر تحديد حد الحرم من جهة اليمن‪:‬‬
‫من جدار باب المسجد الحرم المعروف بباب إبراهيم إلى علمة الحرم في هذه‬
‫الجهة‪ :‬أربعة وعشرون ألف ذراع وخمسمائة ذراع وتسعة أذرع ‪-‬بتقديم التاء‪-‬‬
‫وأربعة أسباع ذراع‪ ،‬يكون ذلك أميال على القول بأن الميل ثلثة آلف ذراع‬
‫وخمسمائة ذراع‪ :‬سبعة أميال تزيد سبعة أذرع وأربعة أسباع ذراع‪.‬‬
‫ومن عتبة باب مكة المعروف بباب الماجن إلى حد الحرم في هذه الجهة‪ :‬اثنان‬
‫وعشرون ألف ذراع وثمانمائة ذراع وستة وسبعون ذراعا بتقديم السين وأربعة‬
‫أسباع ذراع‪.‬‬
‫ومقدار ذلك من الميال على القول بأن الميل ثلثة آلف ذراع وخمسمائة ذراع‪:‬‬
‫ستة أميال ونصف ميل وربع سبع ميل يزيد ذراعا وأربعة أسباع ذراع‪.‬‬
‫وقد حررنا مقدار الحرم من جميع جهاته الربع المعروفة على مقتضى القوال‬
‫الربعة في مقدار الميل‪ ،‬وذكرنا ذلك في أصل هذا الكتاب‪ .‬واقتصرنا في هذا‬
‫الكتاب على ذكر ذلك على القول بأن الميل ثلثة آلف ذراع وخمسمائة ذراع‪،‬‬
‫لرجحانه‪ ،‬وطلبا للختصار‪ ،‬وقد نظم بعضهم في حدود الحرم أبياتا‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫وللحرم التحديد من أرض طيبة ثلثة أميال إذا رمت إتقاَنْه‬
‫) ‪(1/15‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -87-‬وسبعة أميال عراق وطائف وجدة عشٌر‪ ،‬ثم تسع جعرانْه‬
‫ومن يمن سبع بتقديم سينها فسل ربك الوهاب يرزقك غفرانْه‬
‫وقد زد في حد لطائف أربع ولم يرض جمهور لذا القول رجحانْه‬
‫والبيتان الولن ل أعرف ناظمهما‪ ،‬والبيتان الخران لجدي لبي قاضي القضاة‬
‫كمال الدين أبي الفضل محمد بن أحمد النويري الشافعي‪ ،‬قاضي مكة وخطيبها‪،‬‬
‫وعالم الحجاز في عصره‪ ،‬تغمده ال برحمته‪ ،‬على ما وجدت في تأليف له بخط‬
‫بعض مشايخنا يسمى "المعلم بدية الحر المسلم"‪.‬‬

‫وبعض الناس ينشد بيت جدي الول على غير ما ذكرناه‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫من يمن سبع بتقديم سينها وقد كملت فاشكر لربك إحسانْه‬
‫وهذا هو المشهور عند الناس‪.‬‬
‫ويجمع بين هذا الختلف بأن يكون جدي قال ذلك على الوجهين‪ ،‬وكأن جدي‬
‫رضي ال تعالى عنه قصد بالبيت الول في نظمه إفادة حد الحرم من جهة اليمن‪،‬‬
‫لكون ناظم البيتين الولين لم يتعرض فيهما لحد الحرم من جهة اليمن‪ ،‬كما وقع‬
‫للماوردي في "الحكام السلطانية"‪ ،1‬والشيخ أبي إسحاق الشيرازي في "مهذبه"‪،‬‬
‫وكأن جدي رحمة ال عليه قصد بالبيت الثاني من نظمه أن يفيد في حد الحرم من‬
‫جهة الطائف على طريق عرفة‪ ،‬ما قيل من أنه أحد عشر ميل‪ ،‬كما ذكره الزرقي‬
‫في تاريخه ‪ ،2‬وأن الراجح في حد الحرم من هذه الجهة قول من قال إنه سبعة‬
‫أميال بتقديم السين على الباب كما قال الماوردي ‪ ،3‬والشيخ أبو إسحاق الشيرازي‪،‬‬
‫والنووي ‪ ،4‬وقلدهم جدي في رجحان ذلك‪.‬‬
‫وفي كون ذلك راجحا نظر لما سبق بيانه من ُبْعِد استقامة قولهم‪ ،‬خصوصا النووي‬
‫رحمه ال لضطراب كلمه في ذلك وسبب ذلك وال أعلم‪ :‬تقليدهم في ذلك مع‬
‫بعدهم عن المكان‪ ،‬وعدم اعتبارهم لذلك‪ ،‬ولو اعتبر كل من هؤلء الئمة هذا المر‬
‫كما اعتبرناه لظهر له صحة ما قلناه‪ ،‬وإنما قلدوا في ذلك‪ ،‬فلم يستقم‪ ،‬وقد طال‬
‫الكلم في هذا المر‪ ،‬ولكن الموجات اقتضت ذلك‪.‬‬
‫وكان شيخنا العلمة المغني المصنف المفتي كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى‬
‫الدميري المصري المكي الشافعي رحمه ال ينشد عن جدي رحمة ال تعالى عليه‬
‫قوله‪ :‬ومن يمن سبع‪ ،‬البيت‪ ،‬ثم يقول‪ :‬الولى أن يقال‪:‬‬
‫ن سبع بتقديم سينها لذلك سيل الحل لم َيْعُد بنيانه‬
‫ومن َيَم ٍ‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الحكام السلطانية "ص‪."173 :‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.131 /2‬‬
‫‪ 3‬الحكام السلطانية "ص‪."165 :‬‬
‫‪ 4‬تهذيب السماء واللغات ‪ 1‬ق واللغات ‪ 1‬ق ‪.82 /2‬‬
‫) ‪(1/16‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -88-‬وهذا الصنف الخير له على ما ذكره لي صاحبنا المام صلح‬
‫الدين خليل بن محمد القفهسي ‪ 1‬أبقاه ال‪ ،‬وذكر لي أن شيخنا كمال الدين كان‬
‫يعلل ذلك بما فيه من الفائدة في كون سيل الحل ل يدخل الحرم‪ ،‬بخلف شطر بيت‬
‫جدي فليس فيه إل الدعاء‪.‬‬
‫وهذه الفائدة ذكرها غير واحد من العلماء‪ ،‬إل أنها معترضة بما ذكره الزرقي من‬
‫أن سيل الحل يدخل الحرم من جهة التنعيم فقط‪ ،‬وقد سبق كلم الزرقي في هذا‬
‫المعنى‪ ،‬ويعارضها أيضا ما ذكره الفاكهي‪ ،‬وقد سبق ذكره‪.‬‬
‫وسمعت بعض أصحابنا ينشد بيت الشيخ كمال الدين هذا بتغيير في لفظه‪ ،‬لنه نقل‬
‫عن شيخنا الدميري أنه قال‪:‬‬
‫ومن يمن سبع وكرز لها اهتدى لذلك سيل الحل لم َيْعُد بنيانه‬

‫وكرز المشار إليه‪ :‬هو كرز بن علقمة الخزاعي ‪.2‬‬
‫وليس هو أول من نصبها في السلم‪ ،‬لن جماعة من الصحابة سبقوه إلى ذلك‪،‬‬
‫منهم‪ :‬تميم بن أسد‪ ،‬عام الفتح‪ ،‬بأمر النبي صلى ال عليه وسلم ‪.3‬‬
‫ومنهم في زمن عمر رضي ال عنه‪ :‬حويطب بن عبد العزى‪ ،‬وسعيد بن يربوع‪،‬‬
‫ومخرمة بن نوفل وأزهر بن عبد عوف الزهريان‪ ،‬كذا في الزرقي ‪ .4‬والفاكهي‬
‫‪.5‬‬
‫وفي الفاكهي أيضا عن الزبير بن بكار‪ :‬أن صبيحة بن الحارث بن جبلة بن عامر‬
‫بن كعب بن سعد بن تيم‪ ،‬أحد القرشيين اللذين بعثهم عمر بن الخطاب رضي ال‬
‫عنه‪ :‬يجددون أنصاب الحرم‪.‬‬
‫ومنهم في زمن عثمان رضي ال عنه حويطب بن عبد العزى‪ ،‬وسعيد بن يربوع‬
‫وعبد الرحمن بن أزهر ونفر من قريش‪ ،‬وكان هؤلء يجددونها في كل سنة‪ ،‬كذا‬
‫في الزرقي والفاكهي‪ ،‬وليس فيهما ذكر نصب كرز لنصاب الحرم‪ ،‬وإنما ذكر‬
‫ذلك ابن عبد البر ‪ ،6‬وذكر أن ذلك وقع في زمن معاوية رضي ال عنه في ولية‬
‫مروان على مكة‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ترجمته في الضوء اللمع ‪ 204 - 202 /3‬رقم ‪.165‬‬
‫‪ 2‬الجرح والتعديل ‪.170 /7‬‬
‫‪ 3‬مثير الغرام الساكن "ص‪.142 :‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للزرقي ‪.129 /2‬‬
‫‪ 5‬أخبار مكة للفاكهي ‪ 273 /2‬ومناسك الحربي "ص‪ 472 :‬ومثير الغرام "ص‪:‬‬
‫‪."142‬‬
‫‪ 6‬الستيعاب ‪.311 /3‬‬
‫) ‪(1/17‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -89-‬وما عرفت لي معنى ذكر شيخنا الدميري نصب كرز دون غيره‬
‫ممن هو أشهر منه‪ ،‬وكان الولى أن يقول‪:‬‬
‫ومن يمن سبع تميم لها اهتدى لذلك سيل الحل لم يعد بنيانه‬
‫لكونه فعل ذلك بأمر النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وما أثر للجاهلية‪ ،‬فإن للتجديد‬
‫بعدها أثر‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ولم أر أحدا تعرض لمقدار الحرم إل أبا القاسم بن خرداذبه الخراساني في كتابه‬
‫"المسالك والممالك"‪ ،1‬لنه قال‪ :‬وطول الحرم حل مكة‪ :‬سبعة وثلثون ميل‪ ،‬وهي‬
‫التي تدور بأنصاب الحرم ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وهي فائدة حسنة‪ ،‬إن صحت‪ ،‬وال أعلم بحقيقة ذلك‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬المسالك والممالك "ص‪ ،"132 :‬وذكر ابن سراقة في كتاب "العداد" أن‬
‫مساحته ستة عشر ميل في مثلها‪" .‬إعلم الساجد ص‪."64 :‬‬
‫) ‪(1/18‬‬

‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -90-‬الباب الرابع‪:‬‬
‫في ذكر شيء من الحاديث والثار الدالة على حرمة مكة وحرمها‪:‬‬
‫وشيء من الحكام المختصة بذلك‪ ،‬وذكر شيء مما ورد في تعظيم الناس لمكة‬
‫وحرمها وفي تعظيم الذنب في ذلك‪ ،‬وفي فضل الحرم‪.‬‬
‫روينا في تاريخ الزرقي عن مجاهد قال‪ :‬إن هذا الحرم حرم حذاؤه من السماوات‬
‫السبع والرضين السبع‪ ،‬وروينا فيه عن قتادة قال‪ :‬ذكر لنا أن الحرم حرم حياله‬
‫إلى العرش ‪.1‬‬
‫وروينا في مسند الشافعي عن أبي شريح الكعبي أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬إن ال سبحانه وتعالى حرم مكة ولم يحرمها الناس‪ ،‬ول يحل لمن كان يؤمن‬
‫بال واليوم الخر أن يسفك بها دما‪ ،‬ول يعضد بها شجرا‪ ،‬فإن ارتخص أحد فقال‪:‬‬
‫أحلت لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال‪ :‬إن ال سبحانه أحلها لي ولم يحلها‬
‫الناس‪ ،‬وإنما أحلت لي ساعة من نهار‪ ،‬ثم هي حرام كحرمتها بالمس" ‪ ...‬انتهى‬
‫باختصار‪ ،‬وأخرجه البخاري ومسلم بالمعنى ‪.2‬‬
‫وروينا في مسند أحمد بن حنبل عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬قال رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم يوم فتح مكة‪" :‬إن هذا البلد حرام‪ ،‬حرمه ال تعالى يوم‬
‫خلق السماوات والرض‪ ،‬فهو حرام بحرمة ال إلى يوم القيامة‪ ،‬ما أحل لحد فيه‬
‫القتل غيري‪ ،‬ول تحل لحد بعدي فيه حتى تقوم الساعة‪ ،‬ما أحل لي منه إل ساعة‬
‫من نهار‪ ،‬فهو حرمة ال عز وجل إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬ل يعضد شوكه‪ ،‬ول يختلى‬
‫خله‪ ،‬ول ينفر صيده‪ ،‬ول يلتقط لقطته‪ ،‬إل لمعرف"‪ ،3‬قال‪ :‬فقال العباس وكان من‬
‫أهل البلد‪ ،‬قد علم الذي ل بد لهم منه‪ :‬إل الذخر يا رسول ال‪ ،‬فإنه ل بد‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.125 ،124 /2‬‬
‫‪ 2‬أخرجه البخاري ‪ ،177 ،176 /6‬ومسلم "الحج‪."1354 :‬‬
‫‪ 3‬المعرف‪ :‬هو الذي يعرف اللقطة ويحتفظ بها إلى أن يحضر صاحبها‪.‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -91-‬لهم منه‪ ،‬فإنه للقبور والبيوت‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬إل الذخر"‪ ،‬أخرجاه بالمعنى ‪.1‬‬
‫وروينا في مسند أحمد بن حنبل عن أبي هريرة رضي ال عنه أن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم لما فتح مكة قال‪" :‬ل ينفر صيدها‪ ،‬ول يختلى شوكها‪ ،‬ول تحل ساقطتها‬
‫إل لمنشد"‪ ،‬فقال العباس‪ :‬إل الذخر‪ ،‬فإنما نجعله لقبورنا وبيوتنا‪ ،‬فقال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬إل الذخر" أخرجاه أيضا ‪.2‬‬
‫وفي لفظ لهما ولحمد‪" :‬ل يعضد شجرها" بدل قول‪" :‬ل يختلى شوكها" وفي ألفاظ‬
‫الحاديث الواردة في هذا المعنى اختلف‪.‬‬

‫وقد اقتضت هذه الحاديث أمورا‪ ،‬منها‪ :‬منع اختلء خل مكة‪ ،‬والخل مقصور‪:‬‬
‫الكل الرطب‪ ،‬فإذا يبس فهو حشيش وهشيم‪ ،‬ما خل الذخر‪ ،‬فإنه يجوز كما في‬
‫الحديث للحاجة إليه في سقف البيوت والقبور والصباغة وما في معناه‪ ،‬وهو نبت‬
‫مشهور طيب الرائحة‪ ،‬وفي معنى الذخر‪ :‬السنا للحاجة إليه في الدواء‪ ،‬كما في‬
‫"المدونة" و"الموازية" من كتب أصحابنا المالكية‪ ،‬والصحيح من مذهب الشافعي‬
‫حل أخذ نبات الحرم لعلف الدابة وللدواء‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬منع عضد شجرة مكة أي قطعها وأرخص مالك في قطع العصا والعصاتين‬
‫من شجر الحرم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬منع تنفير صيد مكة‪ ،‬أي ل يصاح عليه فينفر‪ ،‬قاله المحب الطبري‪ ،‬ونقل‬
‫عن عكرمة أنه قال لرجل‪ :‬أتدري ما تنفير صيدها؟ هو أن تنحيه من الظل وتنزل‬
‫مكانه‪ ،‬ونقل معنى ذلك عن سفيان بن عيينة‪ ،‬قال‪ :‬ول خلف أنه لو نفره وسلم فل‬
‫جزاء عليه‪ ،‬لكنه أثم بارتكابه النهي‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬منع اصطياد صيد مكة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن لقطتها ل تملك كما هو الصح من مذهب الشافعي‪ ،‬وهو رأي بعض‬
‫المالكية‪ ،‬وعند الئمة الثلثة أن حكم مكة في لقطتها كغيرها من البلد‪ ،‬وقد جاءت‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬البخاري "‪ ،"1587‬ومسلم "الحج‪ ،"445 :‬والبيهقي في الشعب "‬
‫‪ ،"4007‬وأبو يعلى "‪ ،"5928‬وأبو داود "‪ ،"2018‬والنسائي "‪،"2874‬‬
‫والترمذي "‪."1590‬‬
‫‪ 2‬أخرجه‪ :‬البخاري "الحج‪ ،‬فضل الحرم‪ 147 /2 :‬مختصرا‪ ،‬وأواخر الحج‪" ،‬ل‬
‫ينفر حين لحرم" "‪ "14 /3‬وآخر الجهاد إثم الغادر للبر والفاجر "‪-104 /4‬‬
‫‪ ،"105‬ومسلم "الحج‪ :‬تحريم مكة وصيدها"‪.‬‬
‫ل يعضد شوكه‪ :‬ل يقطع شوكه‪ ،‬ل ينفر صيده‪ :‬ل يتعرض له بالزعاج‪ ،‬ل يختلى‬
‫خلها‪ :‬الخلى بالقصر‪ :‬الرطب من النبات أي ل يجز أي ل يحصد‪.‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -92-‬أحاديث تقتضي امتناع هذه المور بالمدينة النبوية‪ ،‬لكن لمكة في‬
‫ذلك على المدينة مزية من ثلثة أوجه‪:‬‬
‫الول‪ :‬وجوب الجزاء في صيد مكة بالجماع بخلف المدينة ففيه خلف‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬وجوب الجزاء في شجر مكة عند الشافعي وابن حنبل رحمهما ال‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه لم يقل أحد من علماء المة فيما علمت بعدم تملك لقطة المدينة‪ .‬ولمكة‬
‫أيضا أحكام تخصها‪ ،‬وأحكام تشاركها المدينة فيها‪.‬‬
‫فمن الحكام التي تخص مكة‪ :‬أن الصلة فيها تضاعف على الصلة في غيرها‪،‬‬
‫لحاديث صحيحة وردت في ذلك يأتي ذكرها إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬تضاعف ثواب القربات بها‪ ،‬الحديث عن ابن عباس رضي ال عنهما يأتي‬
‫ذكره إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬تضاعف السيئة بها‪ ،‬كما قال مجاهد‪ ،‬وأحمد بن حنبل فيما حكاه عنهما‬
‫المحب الطبري في "القرى"‪ ،1‬ومثل ذلك نقل عن غيرهما‪ ،‬والصحيح من مذهب‬

‫العلماء أن السيئة بمكة كغيرها‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن النسان يؤاخذ بهمه بالسيئة بمكة وإن كان نائيا عنها‪ ،‬كما هو مقتضي‬
‫الحديث الذي رويناه في مسند المام أحمد بن حنبل من حديث عبد ال بن مسعود‬
‫رضي ال عنه ولفطه في المسند حدثنا يزيد بن هارون قال‪ :‬أخبرنا شعبة‪ ،‬عن‬
‫السدي أنه سمع عبد ال رضي ال عنه قال شعبة‪ :‬ورفعه لي ول أرفعه للمنقول في‬
‫ظْلٍم{ ]الحج‪ [25 :‬قال‪ :‬لو أن رجل هم فيه‬
‫حاٍد ِب ُ‬
‫ن ُيِرْد ِفيِه ِبِإْل َ‬
‫قوله عز وجل‪َ} :‬وَم ْ‬
‫بإلحاد‪ ،‬وهو بعدن أبين ‪ 2‬لذاقه ال عذابا أليما‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ووجه اختصاص مكة بهذا الحكم‪ :‬أن غيرها من البلد إذا هم النسان فيها بسيئة ل‬
‫يؤاخذ بها إل إذا عملها‪ ،‬كما هو مقتضى حديث ابن عباس ‪-‬رضي ال عنهما عن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل في كتابه الحسنات‬
‫والسيئات‪" :‬وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها ال عنده حسنة كاملة‪ ،‬وإن هم بها فعملها‬
‫كتبها ال سيئة واحدة" وهذا الحديث في الصحيحين‪ ،‬وهو بظهره يقتضي عموم‬
‫البلد في هذا الحكم‪ ،‬فيدخل في ذلك مكة‪ ،‬ولكن حديث ابن مسعود ‪-‬رضي ال‬
‫عنه‪ -‬المشار إليه يخصها‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وكنت غفلت عن ذكر هذه الخصوصية‪ ،‬فكتب إلى بعض علماء عصرنا ممن وقف‬
‫على بعض هذ الكتاب يذكرها لي‪ ،‬ونص ما كتبه إلي‪ :‬رأيت مختصر مولنا‬
‫لخبار‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."659 :‬‬
‫‪ 2‬عدن أبين‪ :‬هي جزيرة باليمن أقام بها "أبين" رجل من حمير‪.‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -93-‬مكة‪ ،‬وذكرتم خصائص الحرم بأشياء‪ ،‬ولم تتعرضوا لمن هّم فيه‬
‫بسيئة‪ ،‬فإنهم ذكروا من خصائصه العقوبة على مريد السيئة ومن هّم بها‪ ،‬وروينا‬
‫في ذلك حديثا مرفوعا‪ ،‬وهو من حديث ابن مسعود رضي ال عنه في مسند أحمد‬
‫وغيره ‪ ،1‬وهو حديث إسناده صحيح‪ ،‬ثم قال‪ :‬وهذه المسألة ذكرها ابن أبي حاتم‬
‫في تفسيره‪ ،‬وبسط فيها القول‪ ...‬انتهى باختصار‪.‬‬
‫وذكر ذلك ‪-‬أيضا‪ -‬أبو اليمن ابن عساكر في "فضل منى" عند الكلم على ما‬
‫اختصت به مكة من الحكام‪ ،‬ونص كلمه‪ :‬وأن من أراد فيها اللحاد ولم يعمل به‬
‫أذاقه ال من أليم العذاب‪ ،‬وزاد أيضا من خصائصها عدم استباحة غنائمها‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن صلة النافلة التي ل سبب لها ل تكره بمكة في وقت الكراهة‪ ،‬كما هو‬
‫مذهب الشافعي رحمه ال لحديث من رواية جبير بن مطعم رضي ال عنه عن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم في ذلك‪ ،‬ولفظه عند الدارقطني‪" :‬يا بني عبد مناف ل‬
‫تمنعوا أحدا يصلي عند هذا البيت أية ساعة شاء من ليل أو نهار"‪ .2‬وأخرجه ابن‬
‫حبان بمعناه‪ ،‬ولفظه عند أصحاب السنن الربعة‪ ،‬وابن حنبل‪ ،‬وابن حبان أيضا‪:‬‬
‫"يا بني عبد مناف‪ ،‬إن وليتم من هذا المر شيئا فل تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت‬
‫وصلى أي ساعة شاء ليل أو نهار"‪.3‬‬
‫وجوز البيهقي في المراد بالصلة احتمالين‪.‬‬

‫أحدهما‪ :‬أن يكون المراد بالصلة صلة الطواف خاصة‪ ،‬وقال‪ :‬إنه هو الشبه‬
‫بالثار‪.‬‬
‫والحتمال الخر‪ :‬أن يكون المراد جميع الصلوات ‪.4‬‬
‫ولفظ حديث الدارقطني يرد الحتمال الول الذي ذكره البيهقي أنه أشبه بالثار‪،‬‬
‫قال القاضي عز الدين بن جماعة‪ :‬وتأول بعضهم الصلة على الدعاء‪ ،‬وفيه ُبْعٌد‪،‬‬
‫ومنع‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬مسند أحمد ‪.242 ،234 /2 ،361 ،310 ،227 /1‬‬
‫‪ 2‬أخرجه‪ :‬الدارقطني ‪ ،424 /1‬وهو في موارد الظمآن "ص‪ "165 :‬لكن هذا‬
‫الجواب ل يتمشى مع أصول الشافعية في حمل المطلق على المقيد‪ ،‬لنهم ل‬
‫يشترطون أن يكون المطلق والمقيد واردين في موضوع واحد لكي يحمل المطلق‬
‫على المقيد‪.‬‬
‫‪ 3‬أخرجه أحمد في مسنده ‪ ،80 /4‬والترمذي في "الحج‪ :‬الصلة بعد العصر وبعد‬
‫الصبح لمن يطوف ‪ "22 /3‬النسائي "إباحة الطواف ‪ ،"223 /5‬وابن ماجه ‪/1‬‬
‫‪ ،398‬وموارد الظمآن "ص‪."165 -164 :‬‬
‫‪ 4‬السنن الكبرى للبيهقي ‪ ،292 /5‬أخرج الحديث‪ ،‬وليس فيه التأويل الذي ذكره‬
‫المصنف‪ ،‬فلعله في كتاب آخر للبيهقي‪.‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -94-‬بعضهم الستدلل بهذا الحديث لعموم النهي‪ ،‬كما هو مذهب‬
‫المالكية والحنفية ‪ ،1‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن صلة العيد تصلى بالمسجد الحرام ل في الصحراء كما في سائر البلد‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬وجوب قصدها في كل سنة على طائفة من الناس لقامة شعائر الحج‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنها ل تدخل إل بإحرام على تفصيل في ذلك مقرر في كتب الفقه‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل يجوز إحرام المقيم في الحرم بالحج خارجه‪ ،‬كما هو مذهب الشافعي‪،‬‬
‫على ما نقل النووي في "اليضاح"‪ ،‬وهذا لفظه‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬اختصاصها بنحر هدايا الحج‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬لزوم النحر بمكة لنادرة فيها‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬اختصاص حكام مكة في الجزاء بشاة من غير حكم إذا أصيب في الحرم‪،‬‬
‫كما هو مذهب مالك والشافعي‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن الخارج يتبع الصيد‪ ،‬فإذا دخل الحرم تركه‪ ،‬ذكر ذلك ابن الحاج عن‬
‫بعض المفسرين‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬ائتلف الظباء والسباع فيه‪ ،‬ذكره المحب الطبري ‪.2‬‬
‫ومنها‪ :‬أمن الظباء والوحوش والسباع بها‪ ،‬حتى إن الطيور لتجوز الحد فيعرض‬
‫لها من السباع ما ل يعرض لها إذا جاز شيء منها الحدود‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ذكر ذلك الحافظ‪ ،‬وقال‪ :‬قالوا‪:‬‬
‫ومنها‪ :‬كون أهل مكة ل دم عليهم في التمتع والقران عند مالك والشافعي وأكثر‬
‫العلماء‪ ،‬لكونهم من حاضري المسجد الحرام‪ ،‬خلفا لبي حنيفة‪.‬‬

‫ومنها‪ :‬أن أهلها ل يقاتلون إذا بغوا فيها عند بعض العلماء لكن يضيق عليهم حتي‬
‫يرجعوا عن ذلك‪ ،‬بل قال‪" :‬القفال المروزي"‪ ،‬وهو من كبار الشافعية‪ :‬أنه يمتنع‬
‫قتال الكفار بمكة إذا تحصنوا فيها‪ ،‬وهو مقتضى مذهب مالك على ما ذكره ابن‬
‫شاس وابن الحاجب‪.‬‬
‫ففي "الجواهر" لبن شاس‪ :‬ول يجوز قتال الحاضر مسلما كان أو كافرا‪ ،‬وكذا في‬
‫"مختصر ابن الحاجب"‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هداية السالك ‪.738 /2‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪."661 :‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -95-‬ومذهب أكثر العلماء‪ :‬جواز قتال الكفار والبغاة بمكة تقديما لحق‬
‫ال تعالى‪ ،‬لن قتال الكفار من الحقوق التي ل يجوز إضاعتها‪ ،‬وصحح ذلك‬
‫النووي‪ ،‬وأجاب عن الحاديث الصحيحة الواردة في تحريم القتال بمكة بأن معناها‬
‫تحريم نصب القتال عليهم‪ ،‬بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن إصلح الحال بدون‬
‫ذلك‪ ،‬بخلف ما إذا تحصن كفار في بلد آخر‪ ،‬فإنه يجوز قتالهم على كل وجه بكل‬
‫شيء‪ ،‬وقال‪ :‬إن الشافعي نص على هذا التأويل‪.‬‬
‫ومنها عند أبي حنيفة‪ :‬أن القاتل عمدا إذا لجأ إلى الحرم ل يقتل ما دام فيه‪ ،‬لكن‬
‫يضيق عليه حتى يخرج منه ليقتل خارج الحرم‪.‬‬
‫ومنها عنده‪ :‬أن الزاني المحصن إذا لجأ إلى الحرم ل يقام عليه الحد ما دام فيه‪ ،‬بل‬
‫يضيق عليه حتى يخرج منه ليقتل خارج الحرم‪.‬‬
‫ومنها عنده‪ :‬أن الحربي إذا لجأ إلى الحرم بغير أمان ل يقتل فيه‪ ،‬بل يضيق عليه‬
‫حتى يخرج منه‪.‬‬
‫ومذهب أبي حنيفة في هذه الثلثة المسائل هو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل‪،‬‬
‫ومذهب مالك والشافعي‪ :‬أن الحرم ل يمنع من استيفاء القصاص والحدود‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن القاتل في الحرم يغلظ عليه الدية بزيادة ثلثها‪ ،‬سواء كان القتل عمدا‪ ،‬أو‬
‫خطأ‪ ،‬عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬على ما نقل عنهم ابن جماعة في "منسكه" وفيما نقله‬
‫عن الشافعية ‪ ،1‬لن الصحيح عندهم‪ :‬أن القاتل في الحرم يغلظ عليه الدية باعتبار‬
‫التثليث‪ ،‬وهي أن تكون ثلثين حقة‪ ،‬وثلثين جذعة‪ ،‬وأربعين خلفة‪ ،‬وذلك ل يفهمه‬
‫نقل ابن جماعة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه يمنع من خالف دين السلم من دخول الحرم مقيما كان أو مارا كما هو‬
‫مذهب الشافعي‪ ،‬وأكثر الفقهاء على ما نقل الماوردي ‪ ،2‬وجوز ذلك أبو حنيفة إذا‬
‫لم يستوطنوه‪ ،‬ويجوز عند مالك للكافر دخول الحرم مجتازا لتجارة وشبهها ل‬
‫مستوطنا‪ ،‬والصل في ذلك‪ ،‬ما رواه أبو داود عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"‪.3‬‬
‫ووجه الدليل أن الحجاز هو نفس الجزيرة في قول طائفة من العلماء‪ ،‬وقال طائفة‬
‫منهم‪ :‬إن الحجاز بعض الجزيرة‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن المراد بما أطلقه من الجزيرة‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 1‬هداية السالك ‪.730 /2‬‬
‫‪ 2‬الحكام السلطانية "ص‪."167 :‬‬
‫‪ 3‬أخرجه‪ :‬مسلم "الحج‪ :‬النهي عن حمل السلح بمكة بل حاجة ‪.111 /4‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -96-‬الحجاز بقوله‪" :‬أخرجوا المشركين واليهود من الحجاز‪ ،‬وأهل‬
‫نجران من جزيرة العرب"‪.1‬‬
‫ومنها على ما قال ابن الصلح من الشافعية‪ :‬ل يجوز أخذ شيء من مساويك‬
‫الحرم‪.‬‬
‫وذكر ابن الحاج ‪-‬من أصحابنا أنه ل بأس بأخذ السواك من الحرم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن المستنجي بحجارة الحرم مسيء على ما قال الماوردي‪ ،‬ويجزئه ذلك‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل يحل حمل السلح بمكة لغير ضرورة‪ ،‬عند مالك والشافعي‪ ،‬لحديث‬
‫جابر ‪-‬رضي ال عنه‪" :‬ل يحل لحد أن يحمل السلح بمكة" والحديث في‬
‫الصحيحين ‪.2‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل يجوز استقبال الكعبة ول استدبارها عند قضاء الحاجة في الصحراء‬
‫إذا لم يكن َثم ساتر‪ ،‬لنهي النبي صلى ال عليه وسلم عن ذلك في رواية أبي أيوب‬
‫النصاري رضي ال عنه في الصحيحين‪ ،‬وفي رواية أبي هريرة رضي ال عنه‬
‫في صحيح مسلم وغيره‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن ال تعالى أوجب على أهلها التوسعة على الحجيج إذا قدموا مكة‪ ،‬وأن ل‬
‫يأخذوا منهم أجًرا على نزولهم في مساكنها‪ ،‬كما هو مفهوم من كلم أبي اليمن ابن‬
‫عساكر في فضل منى‪ ،‬وتقدم من كلم السهيلي في الباب الول ما يؤيد ذلك‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه يمتنع على المهاجر منها القامة بها إل ثلثة أيام بعد الصدر‪ ،‬كما روى‬
‫العلء بن الحضرمي عن النبي صلى ال عليه وسلم بمعناه‪.‬‬
‫ومن الحكام التي تشارك المدينة فيها مكة‪ :‬تحريم قطع الرطب من شجرها‬
‫وحشيشها‪ ،‬وتنفير صيدها واصطياده‪ ،‬وإن كان ل جزاء في صيد المدينة كما سبق‬
‫بيانه لحاديث صحيحة في ذلك‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه يحرم دفن المشرك فيها‪ ،‬فإن دفن‪ ،‬نبش ما لم يتقطع‪ ،‬نقل ذلك عن‬
‫النووي الشيخ خليل الجندي المالكي في "منسكه"‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه يحرم إخراج ترابها وحجرها‪ ،‬على ما نقل الشيخ خليل الجندي عن ابن‬
‫الصلح‪ ،‬ونص كلمه لما ذكر خصائص الحرمين‪ ،‬قال ابن الصلح‪ :‬ويختصان‬
‫بتحريم إخراج الحجر والتراب‪ ،‬ويكره إدخال ذلك من الحل‪ ،‬وخلط ذلك بمثله‪ ،‬ول‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬أحمد في مسنده ‪ ،195 /1‬والدارمي ‪ ،233 /2‬والبيهقي في سننه ‪/9‬‬
‫‪ ،208‬كلهم من طريق‪ :‬إبراهيم بن ميمون‪ ،‬وذكره البخاري في التاريخ الكبير ‪/4‬‬
‫‪ ،57‬والهيثمي في مجمع الزوائد ‪ 28 /2‬وعزاه للبزار‪ ،‬وقال‪ :‬رجاله ثقات‪.‬‬
‫‪ 2‬أخرجه البخاري "‪ ،"19 /2‬مسلم "كتاب الحج‪ :‬النهي عن حمل السلح بمكة بل‬
‫حاجة ‪."111 /4‬‬
‫) ‪(1/8‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -97-‬يجوز اتخاذ المساويك من إراك الحرم‪ ،‬زاد النووي‪ :‬ويختصان‬
‫بتحريم دفن المشرك‪ ،‬ولو دفن نبش ما لم يتقطع‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وما ذكره ابن الصلح من تحريم إخراج تراب الحرم وحجارته إلى خارجه نص‬
‫عليه الشافعي في "الجامع الكبير"‪ ،‬وفي "الم" وصححه النووي في "الروضة"‪،‬‬
‫وإن كان نقل في "شرح المهذب" عن الكثرين من الشافعية أن ذلك مكروه‪.‬‬
‫وقال المحب الطبري‪ :‬إن كراهية إخراج تراب الحرم إلى الحل كراهية تحريم‬
‫عندنا ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫والواجب على من أخرج ذلك من الحرم رده إليه‪ ،‬ول ضمان عليه في ترك الرد‪،‬‬
‫وأما كراهية إدخال تراب الحل وأحجاره إلى الحرم فلئل تحدث لها حرمة لم تكن‬
‫لها‪.‬‬
‫وما ذكره ابن الصلح من كراهية إدخال الحل وأحجاره إلى الحرم نص عليه‬
‫النووي في "روضته" و"مناسكه"‪ ،‬وذكر في "المجموع"‪ :‬أن الصحاب متفقون‬
‫على أن ذلك من باب الولى‪ ،‬وفيه نظر‪ ،‬لن صاحب "البيان" نقل عن الشيخ أبي‬
‫حامد أنه قال‪ :‬ل يجوز إدخال شيء من تراب الحل وأحجاره إلى الحرم ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫والعلة في كراهية ذلك‪ :‬لئل يحدث لها حرمة لم تكن‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة‪ :‬كراهة إخراج تراب الحرم وحصاه إلى الحل‪ ،‬وإدخال ذلك من‬
‫الحل إلى الحرم‪ ،‬والخراج أشد على ما قال أحمد‪.‬‬
‫وحكم حرم مكة في ذلك حكم مكة من غير خلف‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء في مكة وحرمها‪ :‬هل صار ذلك حرما آمنا من الجبابرة‪،‬‬
‫والخسوف‪ ،‬والزلزل بسؤال الخليل عليه السلم؟ أم لم يزل حرما آمنا منذ خلق ال‬
‫السماوات والرض؟ وهو الصحيح على ما ذكره النووي وغيره‪ ،‬لحديث ابن‬
‫عباس‪ ،‬وأبي هريرة‪ ،‬وابن شريح الخزاعي رضي ال عنهم وإنما سأل الخليل عليه‬
‫السلم ربه تبارك وتعالى أن يجعل ذلك آمنا من الجدب والقحط‪ ،‬وأن يرزق أهله‬
‫من الثمرات‪ ،‬واحتج القائلون بالول‪ :‬بحديث عبد ال بن زيد بن عاصم رضي ال‬
‫عنه أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬إن إبراهيم حرم مكة‪ ،‬وإني حرمت‬
‫المدينة"‪ .... 2‬الحديث كما في الصحيحين‪.‬‬
‫وأجاب القائلون بالثاني عن هذا الحديث‪ ،‬بأن إبراهيم عليه السلم أظهر التحريم‬
‫بعد أن كان مهجورا‪ .‬وال أعلم بالصواب‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."637 :‬‬
‫‪ 2‬أخرجه‪ :‬البخاري ‪" 88 /3‬البيوع‪ :‬باب بركة صاع النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫ومده"‪ ،‬ومسلم "الحج‪ ."1360 :‬وأحمد ‪ ،40 /4‬والمنتخب من مسند عبد بن حميد‬
‫"‪."518‬‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -98-‬ذكر شيء مما ورد في تعظيم الناس لمكة وحرمها وفي تعظيم‬
‫الذنب في ذلك‪:‬‬
‫روينا في تاريخ الزرقي عن ابن عباس رضي ال عنه أنه قال‪ :‬حج الحواريون‪،‬‬

‫فلما بلغوا الحرم مشوا تعظيما للحرم ‪.1‬‬
‫وروينا فيه عن ابن جريج قال‪ :‬كان الرجل يلقى قاتل أخيه أو ابنه في الكعبة‪ ،‬أو في‬
‫الحرم‪ ،‬أو في الشهر الحرام فل يعرض له ‪.2‬‬
‫سَكن في سننه‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم لما كان بمكة إذا‬
‫وروى أبو علي بن ال ّ‬
‫أراد حاجة النسان خرج إلى الُمَغْمس ‪.3‬‬
‫ويروى أن الشيخ أبا عمرو الزجاجي أحد كبار مشايخ الصوفية في مكة أقام بمكة‬
‫أربعين سنة لم يبل ولم يتغوط في الحرم‪.‬‬
‫ويروى أن المام أبا محمد عبيد ال بن سعيد الشنتجالي جاور بمكة دهرا‪ ،‬وكان إذا‬
‫أراد قضاء الحاجة خرج من الحرم‪.‬‬
‫ومن الخبار الواردة في تعظيم الذنب في الحرم‪ :‬ما رويناه في تاريخ الزرقي عن‬
‫عبد ال بن عمرو بن العا‬
‫) ‪(1/10‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪-‬رضي ال عنهما‪ -‬أنه كان يقول‪ :‬إن من اللحاد في الحرم أن يقول‪:‬‬
‫كل وال‪ ،‬وبلى وال ‪.4‬‬
‫وروينا عن عمر بن الخطاب رضي ال عنه أنه قال‪ :‬يا أهل مكة ل تحتكروا‬
‫الطعام‪ ،‬فإن احتكار الطعام بها للبيع إلحاد‪ ،‬وروينا مثل ذلك عن ابنه عبد ال بن‬
‫عمر‪.‬‬
‫وروينا عن عمر ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬أنه قال‪ :‬لن أخطئ سبعين خطيئة بركبة أحب‬
‫إلى من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة ‪ ...5‬انتهى‪.‬‬
‫"وركبة" محاذية لذات عرق ميقات أهل العراق‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.137 /2‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.140 /2‬‬
‫‪ 3‬المغمس‪ :‬هو السهل الفسيح الواسع الذي يبدأ من أرض الصفاح والشرائع العليا‬
‫"حنين" إلى سهل عرفات‪ ،‬بل إن سهل عرفات كله ما هو إل امتداد لرض‬
‫المغمس‪،‬ويقع في وسط أرض المغمس واد عرنة‪ ،‬وشق حديثا طريق ممهد يصل‬
‫بين عرفات وبين طريق الطائف طوله "‪ "15‬كم إذا سلكه تكون قد توسطت أرض‬
‫المغمس‪.‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للزرقي "‪.132 /2‬‬
‫‪ 5‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،256 /2‬ورواه عبد الرزاق في مصنفه ‪ 28 /5‬من طريق‬
‫ابن جريج به‪ ،‬وذكره في معجم البلدان ‪ 63 /3‬ونسبه لبي سعيد المفضل الجندي‬
‫في فضائل مكة‪.‬‬
‫) ‪(1/11‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -99-‬وروينا عن عبد ال بن عمرو بن العا‬

‫) ‪(1/12‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪-‬رضي ال عنهما‪ :‬اللحاد في الحرم ظلم الخادم‪.‬‬
‫وقد جاء في هلك من ظلم بمكة من المم أو استخف بحرمتها أخبار كثيرة سنذكر‬
‫منها شيئا فيما بعد إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وجاء في النجاة من الذنب باللتجاء إلى الحرم حديث رويناه عن جابر بن عبد ال‬
‫رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم ولفظه قال‪" :‬لما عقرت ثمود الناقة‬
‫وأخذتهم الصيحة‪ ،‬لم يبق تحت أديم السماء منهم أحد إل أهلكته إل رجل واحدا كان‬
‫في حرم ال عز وجل فمنعه الحرم"‪ .‬فقالوا‪ :‬من هو يا رسول ال؟ فقال‪" :‬أبو رغال‬
‫أبو ثقيف‪ ،‬فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه"‪ ،‬أخرجه أحمد في مسنده‬
‫ومسلم‪ ،‬وأبو حاتم بن حبان في صحيحهما ‪.1‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه أحمد في مسنده ‪ ،296 /3‬وأخبار مكة للزرقي ‪.133-122 /2‬‬
‫) ‪(1/13‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -100-‬الباب الخامس‪:‬‬
‫في ذكر الحاديث الدالة على أن مكة المشرفة أفضل من غيرها من البلد‪:‬‬
‫وأن الصلة فيه أفضل من غيرها وغير ذلك من فضلها‬
‫أخبرني إبراهيم بن محمد الصوفي سماعا بالمسجد الحرام‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا أحمد بن‬
‫أبي طالب الصالحي‪ ،‬عن أبي المنجا عبد ال بن عمر البغدادي وأبي بكر محمد بن‬
‫مسعود بن بهروز الطيب‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا أبو الوقت عبد الول بن عيسى بن شعيب‬
‫السنجري‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا الفقيه أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي‪،‬‬
‫قال‪ :‬أخبرنا عبد ال بن أحمد السرخسي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا إبراهيم بن حزيم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أخبرنا عبد بن حميد الحافظ‪ ،‬قال‪ :‬أخبرني يعقوب بن إبراهيم الزهري‪ ،‬قال‪ :‬حدثني‬
‫أبي عن صالح بن كيسان‪ ،‬عن ابن شهاب‪ ،‬قال‪ :‬أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن‪،‬‬
‫عن عبد ال بن عدي بن الحمراء أنه أخبره‪ ،‬أنه سمع النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫وهو على راحلته بالحزورة بمكة يقول لمكة‪" :‬وال إنك لخير أرض ال وأحب‬
‫ت منك ما خرجت"‪.1‬‬
‫ج ُ‬
‫خِر ْ‬
‫ي‪ ،‬ولول أني ُأ ْ‬
‫أرض ال إل ّ‬
‫وأخبرتني الصيلة أم أحمد فاطمة بنت العز محمد بن أحمد الجبلي قراءة عليها وأنا‬
‫أسمع بدمشق في الرحلة الثانية‪ ،‬أن القاضي تقي الدين سليمان بن حمزة المقدسي‬
‫أنبأها وتفردت عنه‪ ،‬قالت‪ :‬أخبرنا الحافظ ضياء الدين المقدسي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا زاهر‬
‫بن أحمد الثقفي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا غانم بن خالد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا الليث بن عقيل‪ ،‬عن محمد‬
‫بن مسلم أن أبا مسلمة أخبره عن عبد ال بن عدي بن الحمراء رضي ال عنه قال‪:‬‬

‫رأيت رسول ال صلى ال عليه وسلم على راحلته واقفا بالحزورة يقول‪" :‬وال إنك‬
‫ت منك ما خرجت"‪.2‬‬
‫ج ُ‬
‫خِر ْ‬
‫لخير أرض ال وأحب أرض ال إلى ال ولول أني ُأ ْ‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬الترمذي "‪ ،"3925‬وابن ماجه "‪ ،"3108‬وأحمد ‪.305 /4‬‬
‫‪ 2‬أخرجه ابن ماجه ‪ ،"3108‬والترمذي "‪ ،"3925‬وأحمد ‪ ،305 /4‬وابن حبان "‬
‫‪ "3708‬والحاكم ‪ ،431 /3‬والزرقي ‪ ،154 /2‬وعبد الرزاق "‪."8868‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -101-‬وأخبرتني عاليا أم محمد بنت المنجا سماعا عن القاضي أبي‬
‫الفضل المقدسي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا الحافظ الضياء‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا أبو جعفر الصيدلني‬
‫وفاطمة بنت سعد الخير قال‪ :‬أخبرتنا فاطمة بنت عبد ال قالت‪ :‬أخبرنا أبو بكر‬
‫محمد بن عبد ال‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا أبو القاسم الطبراني‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أبو زرعة‬
‫الدمشقي‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أبو اليماني‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا شعيب بن أبي حمزة‪.‬‬
‫وبه قال الطبراني‪ :‬وحدثنا عبد الرحمن بن جابر البحتري‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا بشر بن‬
‫شعيب قال‪ :‬حدثني أبي‪ ،‬عن الزهري‪ ،‬قال‪ :‬أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن‬
‫عبد ال بن عدي بن الحمراء أخبره أنه سمع النبي صلى ال عليه وسلم يقول‪ ،‬وهو‬
‫واقف بالحزورة في شرقي مكة‪" :‬وال إنك لخير أرض ال وأحب أرض ال إلى‬
‫ت منك ما خرجت"‪ ،‬أخرجه الترمذي والنسائي عن قتيبة بن‬
‫ج ُ‬
‫خِر ْ‬
‫ال‪ ،‬ولول أني ُأ ْ‬
‫سعيد عن الليث‪ ،‬وأخرجه ابن ماجه عن زغبة‪ ،‬وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن‬
‫محمد بن الحسن بن قتيبة عن زغبة‪ ،‬وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن‬
‫الحسن بن قتيبة عن زغبة عن الليث‪ ،‬فوقع لنا به بدل للترمذي والنسائي‪ ،‬وموافقته‬
‫لبن ماجه وابن حبان ‪ ،1‬مع العلو في ذلك‪ ،‬ول الحمد‪.‬‬
‫وأخرجه النسائي‪ ،‬عن إسحاق بن مسعود الكوسج‪ ،‬عن يعقوب بن أبي إبراهيم‬
‫الزهري‪ ،‬فوقع لنا بدل له عاليا‪ ،‬وقال الترمذي‪ :‬إن حديث ابن الحمراء حديث حسن‬
‫صحيح على ما نقله عن المحب الطبري في "القرى"‪ ،2‬ومن خطه نقلت ذلك‪ ،‬ولما‬
‫ذكر هذا الحديث قال‪ :‬وعن عبد ال بن عدي بن الحمراء‪ ،‬ثم رأيت فوق الحمراء‬
‫حفر باب‪ ،‬وفوق الضرب ما صورته الخيار وهذا عجب منه‪ ،‬فإن الحديث مشهور‬
‫عن ابن الحمراء‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬وقال الترمذي عقب حديث ابن الحمراء رواه محمد‬
‫بن عمرو‪ ،‬عن أبي سلمة‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬وحديث الزهري عندي أصح ‪...3‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫ورويناه في "المعجم الكبير" للطبراني من حديث محمد بن عبد ال بن مسلم‬
‫الزهري ابن أخي الزهري‪ ،‬عن عمه محمد بن مسلم الزهري‪ ،‬عن محمد بن جبير‪،‬‬
‫عن عبد ال بن عدي‪ ،‬وشذ ابن أخي الزهري في ذلك على ما قال صاحبنا الحافظ‬
‫أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلني أمتع ال بفوائده وما ذكره الترمذي‬
‫من أن محمد بن عمرو رواه عن أبي سلمة‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬لم أره هكذا‪ ،‬وإنما‬
‫رأيته عنه‪ ،‬عن أبي سلمة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم مرسل‪ ،‬هكذا رويناه في‬
‫الجزء الثاني من حديث علي بن حجر‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬الترمذي "‪ ،"3925‬وابن ماجه "‪ ،"3108‬وابن حبان "‪."3708‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪."647 :‬‬
‫‪ 3‬الترمذي "‪."3925‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -102-‬السعدي‪ ،‬عن إسماعيل بن جعفر‪ ،‬عن محمد بن عمرويه‪ ،‬وفي‬
‫تارخ الزرقي عن جده عن سعيد بن سالم القداح‪ ،‬عن عثمان بن ساج‪ ،‬عن محمد‬
‫بن عمرويه‪ ،‬ولعل محمد بن عمرويه في الرواية التي ذكرها عنه الترمذي سلك‬
‫فيها جادة إسناده المتكرر في غير ما حدثت له عن أبي سلمة عن أبي هريرة‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫وفي رواية محمد بن عمر المرسلة التي في تاريخ الزرقي‪ ،‬أن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم قال ذلك عام الفتح على الحجون‪ ،‬ول تضاد بين هذه الرواية على تقدير‬
‫ثبوتها‪ ،‬وبين الرواية التي فيها أن النبي صلى ال عليه وسلم قال ذلك وهو واقف‬
‫بالحزورة‪ ،‬لمكان الجمع بين الروايتين‪ ،‬بأن يكون قاله على الحجون في الفتح‬
‫وبالحزورة حين خرج من مكة في عمرة القضية‪ ،‬لنه أراد القامة بمكة ليبني فيها‬
‫بزوجته ميمونة بنت الحارث الهللية‪ ،‬فأبت عليه قريش ذلك‪ ،‬وظن بعض طرق‬
‫الحديث التي أخرجناها أن النبي صلى ال عليه وسلم قال ذلك وهو على راحلته‬
‫بالحزورة‪ ،‬ولم يكن النبي صلى ال عليه وسلم بهذه الصفة حين هاجر إلى المدينة‪،‬‬
‫لن الخبار الواردة في هجرته صلى ال عليه وسلم تقتضي أنه صلى ال عليه‬
‫وسلم خرج من مكة مستخفيا‪ ،‬ولو ركب بالموضع المشار إليه لشعر ذلك بسفره‪،‬‬
‫والقصد خلف ذلك‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫والحزورة بحاء مهملة مفتوحة وزاي معجمة‪ ،‬وعوام مكة يصحفون الحزورة‬
‫ويقولون‪ :‬عزورة بعين مهملة‪ ،‬وهذا التصحيف من قديم‪ ،‬لني رأيت ذلك مكتوبا‬
‫في حجر رباط رامشت بمكة‪ ،‬وتاريخه سنة تسع وعشرين وخمسمائة‪ ،‬والحزورة‬
‫الرابية الصغيرة والجمع الحزاور‪ ،‬وكان عندها سوق الحناطين بمكة‪ ،‬وهي في‬
‫أسفلها عند منارة المسجد الحرام التي تلي أجياد‪ ،‬وما وقع مصرحا به في مسند‬
‫أحمد بن حنبل من حديث عبد ال بن عدي بن الحمراء‪ ،‬وما ذكرناه في موضع‬
‫الحزورة وهو المشهور المعروف على ما ذكره الزرقي‪ ،‬وذكر عن بعض المكيين‬
‫أن الحزورة بفناء دار الرقم‪ ،‬يعني دار الخيزران التي عند الصفا‪ ،‬ونقل عن‬
‫بعضهم أنها بحذاء الردم في الوادي‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫والحزورة مخففة على وزن قسورة‪ ،‬وذكر الدارقطني أن تخفيف الحزورة هو‬
‫الصواب‪ ،‬وأن المحدثين يفتحون الزاي ويشددون الواو وهو تصحيف‪ ،‬نقل ذلك‬
‫عنه صاحب "المطالع"‪ ،‬قال‪ :‬وقد ضبطناه بالوجهين عن ابن سراج ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وأفاد الفاكهي سبب تسمية الحزورة‪ ،‬لنه قال‪ :‬لما ذكر ولية ابن نزار للكعبة‬
‫وبيته‪ :‬فكان أمر البيت إلى رجل منهم يقال له وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد‪،‬‬
‫فبنى صرحا بأسفل مكة عند سوق الحناطين اليوم وجعل فيه أمة له يقال لها‬
‫الحزورة‪ ،‬فبها سميت حزورة مكة ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،145 /5‬والقرى "ص‪."647 :‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -103-‬وقد روينا نحو حديث ابن الحمراء من رواية أبي هريرة وابن‬
‫عباس رضي ال عنهم وعبد ال بن عمرو بن العاص فأما حديث أبي هريرة‬
‫رضي ال عنه فأخبرني به الحافظان أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين وأبو‬
‫الحسن علي بن أبي بكر المصريان سماعا بالقاهرة قال‪ :‬أخبرنا عبد ال بن محمد‬
‫المقدسي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا علي بن أحمد الحنبلي‪ ،‬عن محمد بن معمر القرشي وأخته‬
‫عائشة‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا سعيد بن أبي الرجاء‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا أحمد بن محمد بن النعمان‪،‬‬
‫قال‪ :‬أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم المقري الحافظ‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا إسحاق بن أحمد‬
‫الخزاعي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا محمد بن يحيى بن أبي عمر‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أخبرنا معمر‪ ،‬عن الزهري‪ ،‬عن أبي سلمة‪ ،‬عن أبي هريرة رضي ال عنه قال‪:‬‬
‫وقف رسول ال صلى ال عليه وسلم على الحزورة فقال‪" :‬قد علمت أنك خير‬
‫أرض ال وأحب الرض إلى ال‪ ،‬ولول أن أهلك أخرجوني ما خرجت" أخرجه‬
‫النسائي عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق بن همام‪ ،‬فوقع لنا بدل له عاليا‪،‬‬
‫ورواه أحمد بن حنبل في مسنده‪ ،‬عن عبد الرزاق به‪ .‬وعن إبراهيم بن خالد‬
‫الصنعاني‪ ،‬عن رباح بن زيد عن معمر‪ ،‬عن الزهري‪ ،‬عن أبي سلمة‪ ،‬عن بعض‬
‫الصحابة ‪ .1‬ولم يذكر صاحبنا الحافظ أبو الفضل العسقلني أبقاه ال أن رواية‬
‫معمر شاذة‪ ،‬يعني روايته لهذا الحديث‪ ،‬عن الزهري‪ ،‬عن أبي سلمة‪ ،‬عن أبي‬
‫هريرة رضي ال عنه مرفوعا‪ .‬قال‪ :‬والظاهر أن الوهم فيه من عبد الرزاق‪ ،‬لن‬
‫معمرا كان ل يحفظ اسم صحابيه كما جاءت رواية رباح عنه‪ ،‬وعبد الرزاق سلك‬
‫الجادة فقال‪ :‬عن أبي سلمة عن أبي هريرة‪ .‬ثم قال‪ :‬وإذا تقرر ذلك علم أن ل أصل‬
‫له من حديث أبي هريرة‪ ،‬وال أعلم‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا نحوه في الثالث من حديث المخلص السقاء بن أبي الفوارس‪ ،‬وفي‬
‫"المنتقى" من سبعة أجزاء من حديث المخلص أيضا من حديث عبد ال بن رباح‬
‫النصاري عن أبي هريرة رضي ال عنه أخبرني به القاضي المفتي أبو بكر بن‬
‫الحسين الشافعي سماعا بطيبة عن أحمد بن أبي طالب إذنا وكتابة‪ ،‬وأنبأني به‬
‫محمد بن عبد الرحمن القضاعي في كتابه أن أحمد بن أبي طالب أخبره سمعا‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أخبرنا أحمد بن يعقوب المارستاني إذنا‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا أبو المعالي بن النحاس‪ ،‬عن‬
‫أبي القاسم بن البشرين قال‪ :‬أخبرني أبو طاهر المخلص‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن‬
‫محمد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن محمد بن سنان‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا مؤمل بن إسماعيل‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حدثنا حماد بن سلمة‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا ثابت‪ ،‬عن عبد ال بن رباح النصاري‪ ،‬قال‪:‬‬
‫خرجت في‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه ابن حبان في موارد الظمآن "ص‪،"253 :‬وابن ماجه "‪ ،"3108‬وأحمد‬
‫‪ .305 /4‬ولم نجده في سنن النسائي ول عزاه له جامع الصول ‪."292 /9‬‬
‫) ‪(1/5‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -104-‬وفد فيه أبو هريرة‪ ...‬فذكر عن أبي هريرة في حديث ذكره أنه‬
‫قال‪ :‬لما قدمنا مكة أتته النصار وهو قائم على الصفا فجلسوا حوله‪ ،‬فجعل يقلب‬
‫بصره في نواحي مكة وينظر إليها ويقول‪" :‬وال لقد عرفت أنك أحب البلد إلى ال‬
‫وأكرمها على ال‪ ،‬ولول أن قومي أخرجوني ما خرجت"‪.1‬‬
‫وبه إلى المخلص قال‪ :‬حدثنا يحيى بن محمد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن سنان بالرملة‪،‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا مؤمل بن إسماعيل‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا حماد بن سلمة‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا ثابت‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حدثنا عبد ال بن رباح النصاري عن أبي هريرة رضي ل عنه عن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم مثله‪.‬‬
‫وبه قال ابن صاعد‪.‬‬
‫هذان الخبران لم يأت بهما في هذا الحديث إل مؤمل بن إسماعيل ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وإسناد هذا الحديث فيه نظر‪ ،‬لن مؤمل بن إسماعيل الذي تفرد به كثير الخطأ على‬
‫ما قال أبو حاتم ‪ ،2‬وفيه نظر أيضا لمكان غيره فيه‪ ،‬وإنما أوردناه لغرابته‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫وأما حديث ابن عباس رضي ال عنهما‪ :‬فأخبرني به المسندان المام المفتي أبو‬
‫أحمد إبراهيم بن محمد اللخمي ومحمد بن حسن بن علي القرشي المصريان سماعا‬
‫على الثاني وأجازه ومشافهة من الول‪ :‬أن الحافظ أبا الفتح اليعمري أخبرهما‬
‫سماعا قال‪ :‬قرأت على أبي حفص عمر بن عبد المنعم القواس من غوطة دمشق‪:‬‬
‫أخبركم أبو لقاسم عبد الصمد بن محمد النصاري‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا أبو الحسين بن‬
‫المسلم‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا الحسين بن محمد بن أحمد بن طلب‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا ابن جميع‪،‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا إبراهيم بن معاوية‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن سليمان‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا نصر بن‬
‫عاصم‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا الوليد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن سليمان‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا نصر بن‬
‫عاصر‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا الوليد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا طلحة‪ ،‬عن عطاء بن عباس رضي ال‬
‫عنهما قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "أما وال إني لخرج منك وإني‬
‫لعلم أنك أحب بلد ال وأكرمها على ال‪ ،‬ولول أني أخرجت منك ما خرجت"‪.3‬‬
‫وعاليا عمر بن حسن المزي في إذنه العام‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا عمر بن عبد المنعم‬
‫المذكور بسنده السابق‪ ،‬أخرجه الترمذي في المناقب‪ ،‬عن محمد بن موسى‬
‫البصري‪ ،‬عن فضيل بن سليمان ‪ .4‬وأخرجه ابن حبان في صحيحه‪ ،‬عن الحسن‬
‫بن سفيان‪ ،‬عن‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه الدارمي ‪ ،239 /2‬وأبو يعلي "‪."5928‬‬
‫‪ 2‬الجرح والتعديل ‪ 374 /8‬رقم ‪.1709‬‬
‫‪ 3‬رواه ابن جميع الصيداوي في معجم الشيوخ مخطوطة ليدن ص ‪.89 ،88‬‬
‫‪ 4‬الترمذي "‪."3921‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -105-‬فضيل بن الحسين الجحدري‪ ،‬عن فضيل بن سليمان‪ ،‬عن ابن‬
‫خثيم‪ ،‬عن سعيد بن جبير وابن الطفيل كلهما عن ابن عباس ‪ ،1‬وقال الترمذي‪:‬‬
‫حسن صحيح غريب في هذا الوجه‪.‬‬

‫وأما حديث عبد ال بن عمرو ‪-‬رضي ال عنهما‪ -‬فذكره الفاكهي في كتابه "أخبار‬
‫مكة" ولفظه‪ :‬وحدثنا ميمون بن الحكم الصنعائي‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا محمد بن جعشم‪ ،‬عن‬
‫ياسين بن معاذ‪ ،‬عن عمرو بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده قال‪ :‬بعث رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم عتاب بن أسيد على أهل مكة فقال له رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬أتدري أين بعثتك؟ بعثتك على أهل ال‪ ،‬ليس بلد أحب إلى ال عز وجل ول‬
‫إلي منها ولكن قومي أخرجوني فخرجت‪ ،‬ولو لم يخرجوني لم أخرج"‪.‬‬
‫وحدثنا عبد ال بن عمران‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا سعيد بن سالم‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عثمان بن ساج‪،‬‬
‫قال أخبرني يحيى بن أبي أنيسة‪ ،‬عن ابن شهاب الزهري‪ ،‬قال‪ :‬أخبرني أبو سلمة‬
‫بن عبد الرحمن عن عبد ال بن عمرو رضي ال عنهما عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم بنحو من حديث ميمون ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وحديث عبد ال بن عدي بن الحمراء السابق هو حجة القائلين بأفضلية مكة على‬
‫غيرها من البلد والماكن‪ ،‬ما خل المكان الذي دفن فيه النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫فإنه أفضل بقاع الرض بالجماع‪ ،‬على ما نقل القاضي عياض في شرح مسلم‪،‬‬
‫حتى قيل إنه أفضل من موضع الكعبة على ما صرح به أبو اليمن ابن عساكر في‬
‫إتحافه‪ ،‬وممن قال بأفضلية مكة على غيرها من البلد المام أبو حنيفة والشافعي‬
‫وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه‪ ،‬وابن وهب وابن حبيب من المالكية‪ ،‬وقال‬
‫العبدي‪ :‬إنه مذهب أكثر الفقهاء‪ ،‬وقال ابن عبد البر‪ :‬إن ذلك يروى عن عمر وعلي‬
‫وابن مسعود وأبي الدرداء وجابر وغيرهم من الصحابة‪ ،‬قال‪ :‬وهم أولى أن يقلدوا‬
‫ممن جاء بعدهم‪ ،‬قال‪ :‬وحسبك بفضل مكة أن فيها بيت ال الذي رضي بحط‬
‫الوزار للعباد بقصده في العمر مرة‪ ،‬ولم يقبل من أحد منهم صلة إل باستقبال‬
‫جهته إن قدر على التوجه إليها‪ ،‬وهي قبلة المسلمين أحياء وأمواتا‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬الفضل الثابت لمكة ثابت لجميع حرمها كما ذكره المحب الطبري في "القرى‬
‫لقاصد أم القرى"‪ ،‬وضعف ابن عبد البر بعض الحاديث المستدل بها على أن‬
‫المدينة‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬صحيح ابن حبان "‪ ،"3708‬والترمذي في المناقب ‪ 722 /5‬وقال حديث غريب‪.‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪ 67 /3‬وقال عنه‪ :‬إسناده ضعيف جدا‪ ،‬وذكره السيوطي في‬
‫الكبير ‪ ،890 /1‬وعزاه الطبراني في الكبير‪ ،‬وقد رواه البيهقي في سننه ‪-339 /5‬‬
‫‪ ،340‬من طريق العباس بن الوليد‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن الوزاعي‪ ،‬عن عمرو بن‬
‫شعيب‪.‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -106-‬أفضل من مكة‪ ،‬من ذلك الحديث الذي أخرجه الحاكم في‬
‫مستدركه على الصحيحين عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال حين خرج من‬
‫ي فأسكني أحب‬
‫مكة إلى المدينة‪" :‬اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلد إل ّ‬
‫البلد إليك"‪ .1‬الحديث‪ ،‬قال فيه ابن عبد البر‪ :‬إنه ل يصح ول يختلف أهل العلم في‬
‫نكارته ووضعه‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وعلى تقدير صحته فل دللة فيه لمن استدل به على ما ذكره المحب الطبري‪ ،‬لنه‬

‫لما ذكر اختلف العلماء في تفضيل المدينة على مكة في الفصل الذي عقده لفضل‬
‫مسجد المدينة والصلة فيه‪ ،‬قال‪ :‬وما احتجوا به من قوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"أخرجتني من أحب البلد أو البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك" محمول‬
‫على أنه أراد أحب البقاع إليك بعد مكة‪ ،‬بدليل حديث النسائي وابن حبان المتقدم في‬
‫فضل مكة‪ ،‬يعني حديث عبد ال بن عدي بن الحمراء‪ ،‬فإنه دل على أنها أحب‬
‫أرض ال إلى ال‪ ،‬على أن هذا الحديث نفسه ل دللة فيه‪ ،‬لن قوله‪ :‬وأسكني في‬
‫أحب البقاع إليك‪ ،‬هذا السياق يدل في العرف على أن المراد بعد مكة‪ ،‬فإن النسان‬
‫ل يسأل عما خرج منه‪ ،‬فإن قال‪ :‬أخرجتني فأسكني‪ ،‬يدل على إرادة غير الخروج‬
‫منه‪ ،‬فيكون مكة مسكوتا عنها في الحديث‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وحديث رافع بن خديج رضي ال عنه‪ :‬أشهد لسمعت رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم يقول‪" :‬المدينة خير من مكة" كما في معجم الطبراني ‪ ،2‬قال فيه ابن عبد‬
‫البر ضعيف السناد ول يحتج به‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه موضوع‪ ،‬وذكره الذهبي في "فضل‬
‫البلدان" وقال‪ :‬حديث واه منكر‪ ،‬وهذان الحديثان أشهر الحاديث المستدل بها على‬
‫أن المدينة أفضل من مكة‪ ،‬وممن قال بذلك‪ :‬المام مالك بن أنس ‪-‬رحمه ال‪-‬‬
‫وأصحابه‪ ،‬خل من ذكرنا‪ ،‬ونقل القاضي عياض ذلك عن عمر بن الخطاب وبعض‬
‫الصحابة وأكثر أهل المدينة ‪ ،3‬وال أعلم‪.‬‬
‫ول ريب في أن مكة والمدينة أفضل من سائر البلد‪ ،‬لجماع الناس على ذلك‪ ،‬كما‬
‫ذكره القاضي عياض‪ ،‬كما أن بيت المقدس أفضل من سائرها بعد مكة والمدينة‬
‫للجماع‪ ،‬ومستند الجماع في ذلك‪ :‬أحاديث مشهورة ثابتة في الصحيحين‬
‫وغيرهما‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬مستدرك الحاكم ‪.3 /3‬‬
‫‪ 2‬أخرجه الطبراني بلفظ "المدينة خير من مكة" وفيه "محمد بن عبد الرحمن بن‬
‫داود" وهو مجمع على ضعفه‪ .‬ذكر ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد ‪.299 /3‬‬
‫‪ 3‬إعلم المجد "ص‪ ،"186 :‬المحلى ‪.284 /7‬‬
‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -107-‬ذكر الحاديث الدالة على أن الصلة بمسجد مكة أفضل من‬
‫الصلة في غيره من المساجد‪:‬‬
‫روينا في ذلك أحاديث من حديث أنس بن مالك وجابر بن عبد ال النصاريين‬
‫وعبد ال بن الزبير بن العوام وعبد ال بن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وأبي‬
‫الدرداء وأم الدرداء وعائشة ‪-‬رضي ال عنهم‪ ،‬وقد أخرجنا هذه الحاديث في أصل‬
‫عْزِوها لكتب أهل العلم‪.‬‬
‫هذا الكتاب بأسانيدها‪ ،‬ونقتصر هنا على َ‬
‫فأما حديث أنس وجابر رضي ال عنهما ففي سنن ابن ماجه ‪ ،1‬وإسناده في حديث‬
‫جابر صحيح‪ ،‬على ما قال ابن جماعة في منسكه‪ ،‬وحديث ابن الزبير في مواضع‬
‫يأتي ذكرها‪ .‬وحديث ابن عمر وأبي هريرة رضي ال عنهما‪ -‬في مسند ابن حنبل‬
‫‪ ،2‬وحديث أبي الدرداء رضي ال عنه في "المعجم الكبير" للطبراني بسند حسن‬
‫على ما قال بعض مشايخنا ‪ ،3‬وحديث أم الدرداء رضي ال عنها في التحاف لبن‬

‫عساكر‪ ،‬وحديث عائشة رضي ال عنها في "المعجم الوسط" للطبراني‪ ،‬وحديث‬
‫ابن الزبير رضي ال عنهما عندي أعلها‪ ،‬وقد أخبرني به إبراهيم بن محمد‬
‫الصوفي سماعا بمكة‪ ،‬أن أحمد بن أبي طالب الصالحي أخبره عن ابن اللتي وابن‬
‫بهروز قال‪ :‬أخبرنا أبو الوقت‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا الداودي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا الحموي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أخبرنا إبراهيم بن حزيم‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عبد بن حميد الحافظ‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا سليمان بن‬
‫حرب‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا حماد بن زيد عن حبيب المعلم عن عطاء عن عبد ال بن الزبير‬
‫رضي ال عنهما قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬صلة في مسجدي هذا‬
‫أفضل من ألف صلة فيما سواه إل المسجد الحرام‪ ،‬وصلة في المسجد الحرام‬
‫أفضل من صلة في مسجدي هذا بمائة صلة"‪.4‬‬
‫وأخبرنيه أعلى من هذا علي بن محمد الخطيب عن أبي بكر الوشتي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا‬
‫الحافظ ابن خليل‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا الرازي‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا الحداد‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا أبو نعيم‬
‫الحافظ‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا عبد ال بن فارس‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا يونس بن حبيب‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫أبو داود الطيالسي‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا الربيع بن صبيح‪ ،‬قال‪ :‬سمعت عطاء بن أبي رباح‬
‫يقول‪ :‬بينما ابن الزبير يخطبنا إذ قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬صلة في‬
‫مسجدي هذا أفضل من ألف صلة فيما سواه إل المسجد الحرام‪ ،‬وصلة في‬
‫المسجد الحرام تفضل بمائة صلة"‪.5‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬سنن ابن ماجه "‪."1406‬‬
‫‪ 2‬مسند أحمد ‪.528 /2‬‬
‫‪ 3‬الطبراني في الكبير "‪ 151 /2‬رقم ‪.1607 -1605‬‬
‫‪ 4‬أخرجه‪ :‬مسلم "‪ ،"416 /3‬أحمد ‪ ،5 /4 ،29 /2‬أبو يعلي "‪ ،"5760‬أخبار‬
‫أصفهان ‪.353 /1‬‬
‫‪ 5‬أخرجه مسلم‪" ،‬الصلة‪ ،"451 :‬ورواه ابن خزيمة بنحوه وإسناده صحيح أيضا‪،‬‬
‫الترغيب والترهيب ‪.214 /2‬‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -108-‬قال عطاء‪ :‬فكانت مائة ألف‪ ،‬قال قلت‪ :‬يا أبا محمد هذا الفضل‬
‫الذي يذكر في المسجد الحرام وحده أو في الحرم؟ قال‪ :‬بل في الحرم‪ ،‬فإن الحرم‬
‫كله مسجد‪ ،‬ورأيناه في "إتحاف الزائر" لبي اليمن ابن عساكر من حديث شبابة بن‬
‫سواد‪ ،‬عن الربيع بن صبيح به‪ ،‬إل أن فيه‪" :‬وصلة في المسجد الحرام تعدل مائة‬
‫ألف"‪ .‬ورأيناه في مسند ابن حنبل والبزار ومعجم الطبراني الكبير بألفاظ مختلفة‪.‬‬
‫ويتحصل من طرق حديث ابن الزبير ثلث روايات‪ ،‬أحدها‪ :‬أن الصلة بالمسجد‬
‫الحرام تفضل على الصلة بمسجد المدينة بمائة صلة كما في مسند عبد بن حميد‬
‫وابن حنبل والبزار‪ ،‬وإحدى روايتي الطبراني في الكبير‪ ،‬ورجال أحمد رجال‬
‫الصحيح‪.‬‬
‫والرواية الخرى‪ :‬أن الصلة في المسجد الحرام تفضل على الصلة بمسجد‬
‫المدينة بألف صلة كما في مسند الطيالسي وإتحاف ابن عساكر‪ ،‬وحديث ابن‬
‫الزبير من رواة حماد بن زيد أخرجه ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان‬

‫عن محمد بن عبد ال بن حسان عن حماد بن زيد ‪ ،1‬فوقع لنا عاليا‪ ،‬وقد روي‬
‫موقوفا على ابن الزبير‪ ،‬ومن رفعه فهو أحفظ وأثبت من جهة النقل على ما قاله‬
‫ابن عبد البر‪ ،‬وصحح هذا الحديث وقال‪ :‬إنه الحجة عند التنازع‪ ،‬وإنه نص في‬
‫موضع الخلف‪ ،‬قاطع عند من ألهم رشده ولم تمل به عصبيته ‪ ......‬انتهى‪.‬‬
‫وحديث كل من أنس وجابر وأبي الدرداء ‪-‬رضي ال عنهم‪ -‬في الصلة في المسجد‬
‫الحرام يقتضي تفضيل الصلة بالمسجد الحرام على الصلة بمسجد المدينة كحديث‬
‫ابن الزبير الذي في "مسند الطيالسي" وإتحاف ابن عساكر‪ ،‬وحديث ابن عمر ليس‬
‫في بيان ما تفضل الصلة به في المسجد الحرام على الصلة في غيره‪ ،‬وإنما‬
‫يقتضي أن الصلة فيه أفضل من غيره‪ ،‬وحديث أبي هريرة يقتضي أن الصلة فيه‬
‫أفضل من الصلة في مسجد المدينة بمائة صلة‪ ،‬هذا مقتضى حديث ابن عمر‬
‫وأبي هريرة في كتاب الفاكهي ‪.2‬‬
‫وقد ورد في فضل الصلة بالمسجد الحرام ثواب أكثر من هذا‪ ،‬لن الفاكهي قال‪:‬‬
‫حدثني عبد ال بن منصور عن عبد الرحيم بن زيد العمي‪ ،‬عن أبيه عن سعيد بن‬
‫جبير عن ابن عباس قال‪ :‬من صلى في المسجد الحرام حول بيت ال الحرام في‬
‫جماعة خمسة وعشرين مرة‪ ،‬كتب ال له مائة ألف صلة‪ ،‬ومن صلى في المسجد‬
‫الحرام أو في بيته أو في الحرم‪ ،‬كتب ال له مائة ألف صلة‪ ،‬قيل له‪ ،‬أو قال‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬صحيح ابن حبان "‪."1625‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪.96 /2‬‬
‫) ‪(1/10‬‬
‫ن رأيك هذا يا ابن عباس‪ ،‬أو عن رسول‬
‫عْ‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -109-‬رجل من التابعين‪َ :‬أ َ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال‪ :‬بل عن رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪....... 1‬‬
‫انتهى‪ ،‬وعبد الرحيم ضعيف‪.‬‬
‫وقال الفاكهي أيضا‪ :‬وحدثني محمد بن صالح البلخي‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أبو مطيع الحكم‬
‫بن عبد ال القرشي‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا المسيب‪ ،‬عن المبارك بن حسان‪ ،‬عن الحسن‬
‫ومعاوية بن قرة قال‪ :‬الصلة في المسجد الحرام بألف ألف صلة وخمسمائة‬
‫صلة‪ ،‬والصلة في الحرم كله بمائة ألف صلة ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا عن الجندي في كتاب "فضائل مكة" له‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا إسحق بن إبراهيم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم‪ ،‬عن عبد الصمد بن مغفل‪ ،‬عن وهب بن منبه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وجدت مكتوبا في التوراة‪ :‬من شهد الصلوات الخمس في المسجد الحرام كتب ال‬
‫له بها اثنا عشر ألف ألف وخمسمائة ألف صلة‪.‬‬
‫ن{ ]النبياء‪:‬‬
‫عاِبِدي َ‬
‫غا ِلَقْوٍم َ‬
‫ن ِفي َهَذا َلَبل ً‬
‫وروى الجندي في تفسير قوله تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫‪ [106‬حديثا يقتضي أن المراد بذلك الصلوات الخمس جماعة في المسجد الحرام‪،‬‬
‫ولفظه‪ :‬حدثنا عبد ال بن أبي غسان‪ ،‬حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي‪ ،‬عن أبيه‪،‬‬
‫عن سعيد بن جبير‪ ،‬عن ابن عباس‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قرأ‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ن‬
‫عاِبِدين{‪ .‬ثم قال‪" :‬هي الصلوات الخمس في الجماعة في‬
‫غا ِلَقْوٍم َ‬
‫ِفي َهَذا َلَبل ً‬
‫المسجد الحرام"‪.‬‬

‫ولنذكر فوائد تتعلق بحديث ابن الزبير ‪-‬رضي ال عنهما‪ ،‬وما شابهه‪.‬‬
‫منها‪ :‬أن ابن كنانة المالكي وغيره من المالكية قالوا في قوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"صلة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلة فيما سواه إل المسجد الحرام"‪ .‬كما‬
‫في الصحيحين ‪ :3‬أفضل من الصلة في سائر المساجد بألف صلة خل المسجد‬
‫الحرام‪ ،‬فإن الصلة في مسجده صلى ال عليه وسلم أفضل من الصلة في المسجد‬
‫الحرام بدون اللف ليستقيم لهم بذلك ما رووا من تفضيل الصلة بالمدينة على‬
‫الصلة بمكة‪ ،‬وحديث ابن الزبير وما شابهه من الحاديث التي ذكرناها يدفع هذا‬
‫التأويل‪ ،‬لنها تقتضي تفضيل الصلة بمكة على الصلة بالمدينة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن النقاش المفسر حسب الصلة بالمسجد الحرام على مقتضى حديث‪" :‬إن‬
‫الصلة فيه أفضل من الصلة في سائر المساجد بمائة ألف صلة"‪ ،‬فبلغت صلة‬
‫واحدة‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،92 /2‬وقال فيه‪ :‬إسناده حسن‪ ،‬وفيه "عبد الرحيم بن زيد‬
‫العمي"‪.‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،106 /2‬والحديث إسناده ضعيف‪ ،‬ذكره المحب الطبري في‬
‫القرى "ص‪ "657 :‬وعزاه لسعيد بن منصور‪.‬‬
‫‪ 3‬أخرجه البخاري ‪ ،54 /3‬ومسلم "الحج رقم ‪."1394‬‬
‫) ‪(1/11‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -110-‬بالمسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين‬
‫ليلة‪ ،‬وصلة يوم وليلة وهي خمس صلوات في المسجد الحرام عمر مائتي سنة‬
‫وسبعة وتسعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬رأيت لشيخنا بالجازة المام بدر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن‬
‫الصاحب المصري الشاري ‪ 1‬كلما حسنا في هذا المعنى‪ ،‬لنه قال فيما أنبأنا به‪:‬‬
‫إن كل صلة بالمسجد الحرام فرادى بمائة ألف صلة كما ورد في الحديث‪ ،‬وكل‬
‫صلة فيه جماعة بألفي ألف صلة وسبعمائة ألف صلة‪ ،‬والصلوات الخمس فيه‬
‫بثلثة عشر ألف ألف وخمسمائة صلة‪ ،‬وصلة الرجل منفردا في وطنه غير‬
‫المسجدين المعظمين‪ ،‬كل مائة سنة شمسية بمائة وثمانين ألف صلة‪ ،‬وكل ألف‬
‫سنة بألف ألف صلة وثمانمائة ألف صلة‪ ،‬فتلخص من هذا‪ :‬إن صلة واحدة في‬
‫المسجد الحرام جماعة يفضل ثوابها على ثواب من صلى في بلده فرادى‪ ،‬حتى بلغ‬
‫عمر نوح عليه السلم نحو الضعف‪ ،‬وسلم على نوح في العالمين‪ .‬وهذه فائدة‬
‫تساوي رحلة‪ .‬ثم قال‪ :‬هذا إذا لم تضف إلى ذلك شيئا من أنواع البر‪ ،‬فإن صام‬
‫يوما‪ ،‬وصلى الصلوات الخمس جماعة‪ ،‬وجعل فيه أنواعا من البر قلنا بالمضاعفة‪،‬‬
‫فهذا مما يعجز الحساب عن حصر ثوابه ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن للعلماء المالكية وغيرهم خلفا في هذا الفضل‪ :‬هل يعم الفرض والنفل‪،‬‬
‫أو يختص بالفرض؟ وهو مقتضى مشهور مذهبنا ومذهب أبي حنيفة‪ ،‬والقول‬
‫بالتعميم مذهب الشافعي على ما صرح به النووي‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن للعلماء خلفا في المراد بالمسجد الحرام‪ ،‬فقيل‪ :‬مسجد الجماعة الذي‬

‫يحرم على الجنب القامة فيه‪ ،‬حكاه المحب الطبري‪ ،‬وذكر أنه يتأيد بقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم‪" :‬صلة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلة فيما سواه إل المسجد‬
‫الحرام"‪ ،‬والشارة بمسجده إلى مسجد الجماعة‪ ،‬فينبغي أن يكون المستثنى كذلك‪...‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬المراد بالمسجد الحرام الحرم كله‪ ،‬قال المحب الطبري ‪ :3‬ويتأيد بقوله‬
‫ف ِفيِه َواْلَباد{ ]الحج‪.[25 :‬‬
‫سَواًء اْلَعاِك ُ‬
‫س َ‬
‫جَعْلَناُه ِللّنا ِ‬
‫حَراِم اّلِذي َ‬
‫جِد اْل َ‬
‫سِ‬
‫تعالى‪َ} :‬واْلَم ْ‬
‫جِد‬
‫سِ‬
‫حَراِم ِإَلى اْلَم ْ‬
‫جِد اْل َ‬
‫سِ‬
‫ن اْلَم ْ‬
‫ل ِم َ‬
‫سَرى ِبَعْبِدِه َلْي ً‬
‫ن اّلِذي َأ ْ‬
‫حا َ‬
‫سْب َ‬
‫أو قوله تعالى‪ُ } :‬‬
‫صى{ ]السراء‪ .[1 :‬وكان ذلك من بيت أم هانئ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫لْق َ‬
‫ا َْ‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هو العلمة المفسر شيخ القراء أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد‬
‫الموصلي النقاس‪ ،‬صاحب "شفاء الصدور" في التفسير‪ ،‬و"الشارة في غريب‬
‫القرآن"‪ ،‬توفي سنة ‪351‬هـ "انظر ترجمته في أعلم النبلء ‪ 537 /15‬والمنتظم‬
‫‪.148 /14‬‬
‫‪ 2‬مثير الغرام الساكن "ص‪."254 :‬‬
‫‪ 3‬القرى "ص‪."657 :‬‬
‫) ‪(1/12‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -111-‬وقيل‪ :‬المراد بالمسجد الحرام الكعبة خاصة‪ ،‬ذكره المحب‬
‫الطبري ‪ 1‬عن بعضهم وُأْبِهم له‪ ،‬قال‪ :‬واختاره بعض المتأخرين من أصحابنا‪،‬‬
‫وذكر أنه يتأيد بحديث أبي هريرة رضي ال عنه‪" :‬صلة في مسجدي أفضل من‬
‫ألف صلة فيما سواه إل الكعبة"‪ .‬أخرجه النسائي ‪ ...2‬انتهى باختصار‪.‬‬
‫وذكر بعض الحفاظ من أصحابنا أن في بعض طرق هذا الحديث إل "مسجد‬
‫الكعبة"‪ ،‬وعلى هذا فل تستقيم الدللة بالحديث الذي ذكره المحب الطبري ‪ 1‬على‬
‫أن المراد بالمسجد الحرام الكعبة خاصة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬هذا التضاعف بالنسبة إلى الثواب ل بالنسبة إلى إسقاط الفوائت كما يتخيله‬
‫كثير من الجهال‪ ،‬ولذلك نبهنا عليه‪ .‬وممن صرح بذلك النووي في شرح مسلم‪ ،‬وقد‬
‫ظهر بما ذكرناه من الحاديث وكلم العلماء تفضيل مكة على سائر البلد‪ ،‬وأن‬
‫ثواب الصلة فيها أفضل من ثوابها في غيرها‪ ،‬وجاء أحاديث تدل على تفضيل‬
‫ثواب الصوم وغيره من القربات بمكة على ثواب ذلك في غيرها‪ ،‬إل أنها في‬
‫الثبوت ليست كأحاديث فضل مكة والصلة فيها‪ ،‬وحديث تفضيل الصوم بمكة على‬
‫غيرها‪ .‬رويناه في مسند ابن ماجة ‪ ،3‬وفي تاريخ الزرقي‪ ،‬وفي "المجالس المكية"‬
‫للميانشي ‪ ،4‬من حديث ابن عباس رضي ال عنهما وعنه ورد تضاعف حسنات‬
‫الحرم على غيرها‪ ،‬لنا روينا عن زاذان عن ابن عباس رضي ال عنهما عن النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬من حج من مكة ماشيا حتى يرجع إليها كتب ال له بكل‬
‫خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم‪ .‬فقال بعضهم لبن عباس‪ :‬وما حسنات‬
‫الحرم؟ قال‪ :‬كل حسنة بمائة ألف حسنة"‪ .‬انتهى‪ .‬رواه البيهقي بسنده إلى عيسى بن‬
‫سوادة‪ ،‬عن إسماعيل بن أبي خالد‪ ،‬عن زاذان‪ ،‬وقال‪ :‬تفرد به عيسى بن سوادة‪،‬‬
‫وهو مجهول ‪ ...5‬انتهى‪.‬‬

‫قلت‪ :‬لم ينفرد به عيسى بن سوادة كما ذكر البيهقي‪ ،‬لنا رويناه في الربعين‬
‫المختارة لخطيب مكة‪ :‬الحافظ ابن مسدي‪ ،‬وغيرها من حديث سفيان بن عيينة‪ ،‬عن‬
‫إسماعيل بن أبي خالد الذي رواه عنه ابن سوادة‪ .‬وقال ابن مسدي‪ :‬هذا حديث حسن‬
‫غريب‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."657 :‬‬
‫‪ 2‬سنن النسائي ‪ 33 /2‬كتاب المساجد باب فضل الصلة في المسجد الحرام‪.‬‬
‫‪ 3‬سنن ابن ماجه ‪ 1041 /2‬رقم "‪."3117‬‬
‫‪ 4‬الميانشي هو‪ :‬عمر بن عبد المجيد بن عمر القرشي‪ ،‬الميانشي‪ ،‬من قرى المهدية‬
‫بإفريقية‪ ،‬وله مؤلفات منها‪" :‬تعليقات على الفردوس" وغيره "انظر ترجمته في‪:‬‬
‫العلم ‪."53 /5‬‬
‫‪ 5‬أخرجه‪ :‬البيهقي في الشعب "‪ ،"3981‬وقال‪ :‬فيه عيسى بن سوادة مجهول‪.‬‬
‫) ‪(1/13‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -112-‬ورواه الحاكم ‪ 1‬من الوجه الذي رواه البيهقي وصحح إسناده‪،‬‬
‫وقال المحب الطبري بعد أن أخرج هذا الحديث‪ :‬وهذا الحديث يدل على أن المراد‬
‫بالمسجد الحرام في فضل تضعيف الصلة الحرم جميعه‪ ،‬لنه عم التضعيف في‬
‫جميع الحرم‪ ،‬وكذلك حديث تضعيف الصلة عمن في جميع مكة‪ ،‬وحكم الحرم‬
‫ومكة في ذلك سواء باتفاق‪ ،‬إل أن يخص المسجد بتضعيف زائد على ذلك‪ ،‬فيقدر‬
‫كل صلة بمائة ألف صلة فيما سواه والصلة فيما سواه بعشر حسنات فتكون‬
‫الصلة فيه بألف ألف حسنة‪ ،‬والصلة في مسجد النبي صلى ال عليه وسلم بمائة‬
‫ألف حسنة‪ ،‬ويشهد لذلك ظاهر اللفظ ‪ ،2‬وال أعلم‪.‬‬
‫قال‪ :‬وعلى هذا تكون حسنة الحرم بمائة ألف حسنة وحسنة مسجده‪ ،‬إما مسجد‬
‫الجماعة‪ ،‬وإما الكعبة على اختلف القولين بألف ألف‪ ،‬ويقاس بعض الحسنات على‬
‫بعض أو يكون ذلك خصيصا للصلة‪ ،‬وال أعلم‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا عن الحسن البصري ما يقتضي تضاعف الحسنة بمكة إلى مائة ألف حسنة‪،‬‬
‫لنه قال‪ :‬صوم يوم بمكة بمائة ألف‪ ،‬وصدقة درهم بمائة ألف‪ ،‬وكل حسنة بمائة‬
‫ألف‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر المحب الطبري أن فيما تقدم من أحاديث مضاعفة الصلة والصوم بمكة‬
‫دليل على إطراد التضعيف في جميع الحسنات إلحاقا بهما‪ .‬قال‪ :‬ويؤيد ذلك قول‬
‫الحسن ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬مستدرك الحاكم ‪ ،461 /1‬وقال‪ :‬هذا حديث صحيح السناد‪ ،‬ولم يخرجاه‪.‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪."658 :‬‬
‫) ‪(1/14‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬

‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -113-‬الباب السادس‪:‬‬
‫ذكر المجاورة بمكة‪:‬‬
‫المجاورة بمكة مستحبة عند أكثر العلماء‪ ،‬منهم‪ :‬الشافعي‪ ،‬وأبو يوسف‪ ،‬ومحمد بن‬
‫الحسن صاحبا أبي حنيفة‪ ،‬وابن القاسم صاحب مالك‪ ،‬لنه قال‪ :‬إن جوار مكة مما‬
‫يتقرب به إلى ال‪ ،‬كالرباط‪ ،‬والصلة‪ ،‬نقل ذلك عنه ابن الحاج المالكي في‬
‫"منسكه"‪.‬‬
‫واستحبها أيضا أحمد بن حنبل‪ ،‬لنه روي عنه أنه قال‪ :‬ليت أني الن مجاور بمكة‪.‬‬
‫وممن كره المجاورة بمكة‪ :‬أبو حنيفة‪ ،‬وفهم ذلك ابن رشد المالكي من كلم وقع‬
‫لمالك‪.‬‬
‫وسبب الكراهة عند من رآها من العلماء على ما قال المحب الطبري في "القرى"‪:‬‬
‫خوف الملل وقلة الحترام لمداومة النس بالمكان‪ ،‬وخوف ارتكاب ذنب هنالك‪،‬‬
‫فإن المعصية ليست كغيرها‪ ،‬وتهيج الشوق بسب الفراق ‪.1‬‬
‫وقال أبو عمرو الزجاجي‪ :‬من جاور بالحرم وقلبه متعلق بشيء سوى ال تعالى فقد‬
‫ظهر خسرانه‪.‬‬
‫وقال المحب أيضا‪ :‬ولم يكره المجاورة أحمد بن حنبل في خلق كثير‪ ،‬وقالوا إنها‬
‫فضيلة‪ ،‬وما ُيخاف من ذنب فيقابل بما ُيرجى لمن أحسن من تضعيف الثواب‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."661 :‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -114-‬وقد نزل بها من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫أربعة وخمسون رجل سردهم المحب في "القرى"‪.1‬‬
‫وذكر النووى في "اليضاح"‪ :‬أن المختار استحباب المجاورة بمكة‪ ،‬وعلل كراهة‬
‫من كرهها من العلماء بنحو مما قال المحب‪ ،‬ثم قال‪ :‬وأما من استحبها‪ ،‬فلما فيها‬
‫من تضاعف الحسنات والطاعات‪ ،‬وقد جاور بها مما يقتدى به من سلف المة‬
‫وخلفها خلئق ل يحصون‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬يدل لستحباب المجاورة بمكة‪ :‬رغبة النبي صلى ال عليه في سكناها‪ ،‬كما‬
‫في حديث عبد ال بن الحمراء‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وأبي هريرة‪ ،‬وابن عمر رضي ال‬
‫عنهم‪.‬‬
‫وتمنى بلل رضي ال عنه العود إلى أماكن بعضها بمكة وبعضها حولها‪ ،‬حيث‬
‫يقول‪:‬‬
‫أل ليت شعري هل أبيتن ليلة بفخ وحولي إذخر وجليل‬
‫وهل أردن يوما مياه مجنة وهل تبدون ‪ 2‬لي شامة وطفيل‬
‫هكذا رويناه في تاريخ الزرقي ‪.3‬‬
‫وفي البخاري‪ :‬بواٍد‪ ،‬عوض قوله بفخ‪.‬‬
‫وقد سبق أن الذخر نبت معروف طيب الرائحة‪ ،‬والجليل‪ :‬النمام‪ ،‬وقيل‪ :‬النمام إذا‬

‫جل‪ ،‬وفخ‪ :‬هو وادي الزاهر‪ ،‬لن ياقوتا في "معجم البلدان"‪ 4‬قال لما ذكر فخ‪ :‬قال‬
‫السيد على بن وهاس العلوي‪ :‬فخ وادي الزاهر‪ ،‬فيه قبور جماعة من العلويين قتلوا‬
‫فيه في وقعة كانت لهم مع أصحاب موسى الهادي بن المهدي بن المنصور في ذي‬
‫ث كثيرة‪ ...‬انتهى ‪.5‬‬
‫الحجة سنة تسع وستين ومائة‪ ،‬وللشعراء فيها مرا ٍ‬
‫وعلي بن وهاس هذا من فضلء مكة ممن أخذ عن الزمخشري‪ ،‬ولجله صنف‬
‫"الكشاف" على ما قيل‪ ،‬ومدحه الزمخشري في "الكشاف"‪.‬‬
‫وسيأتي في الباب الربعين إن شاء ال تعالى ذكر مجنة‪ ،‬وشامة‪ ،‬وطفيل‪ ،‬ويدل‬
‫لذلك قول عائشة رضي ال عنها لول الهجرة لسكنت مكة‪ ،‬إني لم أر السماء بمكان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪ ،"661 :‬وانظر مثير الغرام الساكن‪.‬‬
‫‪ 2‬في أخبار مكة للزرقي ‪" :191 /1‬يتدون" وكذلك في معجم البلدان ‪.315 /3‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للزرقي ‪.191 /1‬‬
‫‪ 4‬معجم البلدان ‪.237 /4‬‬
‫‪ 5‬تاريخ الطبري ‪ ،28 /10‬والكامل لبن الثير ‪ ،33 /6‬والعقد الثمين ‪،196 /4‬‬
‫وإتحاف الورى ‪.221 ،22 /2‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -115-‬أقرب إلى الرض منها بمكة‪ ،‬ولم يطمئن قلبي ببلد قط ما‬
‫اطمأن بمكة‪ ،‬ولم أر القمر بمكان قط أحسن منه بمكة‪.‬‬
‫وروينا ذلك في تاريخ الزرقي ‪.1‬‬
‫ويدل لذلك ما رويناه عن الجندي في "فضائل مكة" له‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أبو صالح محمد‬
‫بن زنبور قال‪ :‬حدثنا سفيان بن عيينة‪ ،‬عن مطر‪ ،‬عن أبي الطفيل قال‪ :‬قال ابن‬
‫عباس رضي ال عنهما أقم بمكة وأن أكلت بها العضاة‪ ،‬يعني الشجر‪.‬‬
‫ويدل لذلك أمور أخر ذكرناها في أصل هذا الكتاب مع أشياء أخر تتعلق بحكم‬
‫المجاورة بمكة‪ ،‬وفيما ذكرناه هنا من ذلك كفاية‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.153 /2‬‬
‫ذكر شيء مما جاء في الموت بمكة‪:‬‬
‫روينا عن عبد ال بن عمر بن الخطاب رضي ال عنهما قال‪ :‬قال رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم فذكر أحاديث ثم قال‪" :‬ومن مات بمكة فإنما مات في سماء الدنيا"‪1‬‬
‫إسناده ضعيف‪.‬‬
‫وروينا عن الحسن البصري في رسالته المشهورة أن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬من مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا"‪.2‬‬
‫وروينا في "فضائل مكة" للجندي‪ ،‬عن محمد بن قيس بن مخرمة‪ ،‬عن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم قال‪" :‬من مات بمكة بعثه ال في المنين يوم القيامة"‪.3‬‬
‫وروينا فيه من حديث ابن عباس رضي ال عنهما مرفوعا من جملة حديث يتعلق‬
‫بالكعبة قال فيه‪" :‬إن آدم عليه السلم سأل ربه عز وجل فقال‪ :‬يا رب‪ ،‬أسألك من‬
‫حج هذا البيت من ذريتي ل يشرك بك شيئا أن تلحقه بي في الجنة‪ ،‬فقال ال تعالى‪:‬‬

‫يا آدم من مات في الحرم ل يشرك بي بعثته آمنا يوم القيامة"‪.‬‬
‫وروينا فيه من حديث أنس بن مالك رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪" :‬من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة في المنيين"‪.4‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬البيهقي في الشعب "‪ "4152 ،4151‬وعزاه إلى البخاري في تاريخه‪.‬‬
‫‪ 2‬أخرجه‪ :‬البيهقي في شعب اليمان "‪."4158‬‬
‫‪ 3‬أخرجه‪ :‬الطبراني في الصغير والوسط‪ ،‬وفيه عبد ال بن المؤمل‪ ،‬وثقه ابن‬
‫حبان وغيره‪ ،‬وضعفه أحمد وغيره وإسناده حسن‪ ،‬مجمع الزوائد ‪.319 /2‬‬
‫‪ 4‬أخرجه‪ :‬الدارقطني عن حاطب ‪.278 /2‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -116-‬وعن جابر بن عبد ال رضي ال عنهما قال‪ :‬قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬من مات بمكة أو في طريق مكة بعث من المنين"‪ 1‬ذكره‬
‫ابن جماعة في "منسكه"‪ .‬قال‪ :‬ويروي أن سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫سأل ال تعالى عن ما لهل بقيع الغرقد؟ فقال‪ :‬لهم الجنة‪ .‬فقال‪ :‬يا رب ما لهل‬
‫المعلة؟ قال‪ :‬يا محمد سألتني عن جوارك فل تسألني عن جواري‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وسيأتي إن شاء ال تعالى ذكر شيء من فضل مقبرة المعلة في الباب الحادي‬
‫والعشرين‪.‬‬
‫وروينا في مسند الطيالسي‪ ،‬عن عمر بن الخطاب رضي ال عنه قال‪ :‬سمعت‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬من زارني كنت له شهيدا أو شفيعا يوم‬
‫القيامة‪ ،‬ومن مات بأحد الحرمين بعثه ال تعالى من المنيين يوم القيامة"‪.2‬‬
‫وروى خاطب بن أبي بلتعة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪" :‬من زارني‬
‫بعد موتي فكأنما زارني في حياتي‪ ،‬ومن مات في أحد الحرمين بعث في المنين‬
‫يوم القيامة"‪ .3‬أخرجه هكذا ابن الحاج المالكي في "منسكه"‪.‬‬
‫وعن سلمان الفارسي رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪" :‬من‬
‫مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي‪ ،‬وكان يوم القيامة من المنين" أخرجه‬
‫ابن جماعة ‪.4‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬مجمع الزوائد ‪ ،319 /2‬وعزاه للطبراني في الصغير‪.‬‬
‫‪ 2‬أخرجه الترمذي في المناقب "فضل المدينة" ‪ 719 /5‬وقال‪ :‬حسن غريب‪ .‬وابن‬
‫ماجه ‪ ،1039 /2‬وموارد الظمآن "ص‪."55 :‬‬
‫‪ 3‬أخرجه الدارقطني عن حاطب ‪.278 /2‬‬
‫‪ 4‬هداية السالك ‪ ،116 /1‬ومجمع الزوائد ‪ ،319 /2‬وعزاه للطبراني في الكبير‬
‫وقال‪ :‬وفيه عبد الغفور بن سعيد وهو متروك‪.‬‬
‫ذكر شيء مما جاء في فضل أهل مكة‪:‬‬
‫روينا في كتاب "النسب" للزبير بن بكار قاضي مكة‪ ،‬وفي غيره من حديث عمرو‬
‫بن شعيب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده قال‪ :‬بعث رسول ال صلى ال عليه وسلم عتاب بن‬
‫أسيد على مكة فقال له‪" :‬هل تدري إلى من أبعثك؟ أبعثك إلى أهل ال"‪.1‬‬

‫وروينا في تاريخ الزرقي مرسل عن النبي صلى ال عليه وسلم من حديث ابن‬
‫أبي مليكة رضي ال عنه قال‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم قال لعتاب‪" :‬أتدري‬
‫على ما استعملتك؟ استعملتك على أهل ال‪ ،‬فاستوص بهم خيرا" يقولها ثلثا‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬الزرقي في تاريخ مكة ‪ 153 ،151 /2‬من طريقين مرسلين‪.‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -117-‬وروينا في تاريخ الزرقي أن عمر بن الخطاب رضي ال عنه‬
‫عزل عامله نافع بن عبد الحارث الخزاعي لستعماله على أهل مكة موله عبد‬
‫الرحمن بن أبزي واشتد عليه غضبه لذلك‪ ،‬ولم يسكن غضبه عنه إل عندما أخبره‬
‫أن ابن أبزي قارئ لكتاب ال تعالى ‪.1‬‬
‫ووجدت بخط بعض أصحابنا فيما نقله من خط الشيخ أبي العباس الميورقي ورد‬
‫أن‪" :‬سفهاء مكة حشو الجنة"‪.‬‬
‫واتفق يبن عالمين في الحرم منازعة في تأويل الحديث وسنده‪ ،‬فأصبح الذي طعن‬
‫في الحديث ومعناه‪ ،‬قد طعن أنفه واعوج‪ ،‬وقيل له‪ :‬إي وال وسفهاء مكة من أهل‬
‫الجنة‪ ،‬سفهاء مكة من أهل الجنة‪ ،‬سفهاء مكة من أهل الجنة فأدركه روع وخرج‬
‫إلى الذي كان يكابره في الحديث من علماء عصره‪ ،‬وأقر على نفسه بالكلم فيما ل‬
‫يعنيه‪ ،‬وفيما ل يحيط به خبرا‪ ...‬انتهى باختصار‪.‬‬
‫وبلغني أن الرجل المنكر للحديث هو‪ :‬المام تقي الدين محمد بن إسماعيل بن أبي‬
‫الصيف اليمني الشافعي نزيل مكة ومفتيها‪ ،‬وبلغني أنه كان يقول‪ :‬إنما الحديث‪:‬‬
‫سَفى ‪-‬مكة أي المحزونون فيها على تقصيرهم‪ -‬وال أعلم‪.‬‬
‫َأ ْ‬
‫ومن الخبار الواردة في فضل أشراف مكة‪.‬‬
‫ما ذكره الشيخ جمال الدين أبو محمد عبد الغفار ابن القاضي معين الدين أبي‬
‫العباس أحمد بن عبد الحميد الشهير بابن نوح النصاري الخزرجي القصري‬
‫المولد‪ ،‬القوصي الدار‪ ،‬في كتابه "المنتقى من كتاب الوحيد في سلوك طريق أهل‬
‫التوحيد والتصديق واليمان بأولياء ال تعالى في كل زمان"‪ ،‬لنه قال‪ :‬وأخبرتني‬
‫الحاجة أم نجم الدين بنت مطروح ‪-‬وكانت من الصالحات‪ ،‬وكانت زوجة القاضي‬
‫سراج الدين‪ -‬قالت‪ :‬حصل لنا غلء بمكة شرفها ال تعالى وأكل الناس الجلود‪ ،‬وكنا‬
‫ثمانية عشر نفرا‪ ،‬فكنا نعمل ما مقداره نصف قدح حسوة‪ ،‬فبينما نحن كذلك إذ‬
‫جاءنا أربعة عشر قطعة دقيق‪ ،‬وجاء خلفها أهل مكة شرفها ال تعالى فاقتطعت‬
‫منها أربع قطع وقلت له‪ :‬أنت تريد تقتلنا بالجوع‪ ،‬وفرق العشر القطع على أهل‬
‫مكة‪ ،‬فلما كان الليل قام من منامه مرعوبا وربما قالت‪ :‬فبكى فقلت له ما بالك؟ قال‪:‬‬
‫رأيت الساعة أو رأيت في منامي فاطمة بنت النبي صلى ال عليه وسلم رضي ال‬
‫عنها وهي تقول‪ :‬يا سراج تأكل البر وأولدي جياع! فقام وفرق الربع قطع على‬
‫الشراف‪ ،‬وبقينا بل شيء‪ ،‬وما كنا نقدر على القيام من الجوع‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا في أصل هذا الكتاب من تاريخ الزرقي وغيره أخبارا أخر تدل على فضل‬
‫أهل مكة‪ ،‬تركنا ذكرها هنا اختصارا‪.‬‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.151 /2‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -118-‬ذكر شيء من فضل جدة ساحل مكة وشيء من خبرها‪:‬‬
‫قال الفاكهي‪ :‬حدثنا عبد ال بن منصور‪ ،‬عن سليم بن مسلم‪ ،‬عن المثنى بن الصباح‬
‫عن عمرو بن شعب‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"مكة رباط‪ ،‬وجدة جهاد"‪.1‬‬
‫حدثنا إبراهيم بن أبي يوسف‪ ،‬حدثنا يحيى بن سليم‪ ،‬عن ابن جريج قال‪ :‬سمعت‬
‫عطاء يقول‪ :‬إنما جدة خزانة مكة‪ ،‬وإنما يؤتى به إلى مكة ول يخرج به منها ‪.2‬‬
‫حدثنا ابن أبي يوسف قال‪ :‬حدثنا يحيى بن سليم‪ ،‬عن ابن جريج قال‪ :‬مكة رباط‪:‬‬
‫وجدة جهاد ‪ .3‬قال ابن جريج‪ :‬إني لرجو أن يكون فضل مرابط جدة على سائر‬
‫المرابط‪ ،‬كفضل مكة على سائر البلدان‪.‬‬
‫حدثنا محمد بن علي الصايغ‪ ،‬حدثنا خليل بن رجاء قال‪ :‬حدثنا مسلم أبو يونس قال‪:‬‬
‫حدثني محمد بن عمر‪ ،‬عن ضوء بن فجر قال‪ :‬كنت جالسا مع عباد بن كثير في‬
‫المسجد الحرام فقلت‪ :‬الحمد ل الذي جعلنا في أفضل المجالس وأشرفها‪ ،‬قال‪ :‬وأين‬
‫أنت عن جدة؟ الصلة فيها بسبعة عشر ألف ألف صلة‪ ،‬والدرهم فيها بمائة ألف‪.‬‬
‫وأعمالها بقدر ذلك‪ ،‬يغفر للناظر فيها مد بصره‪ .‬قال‪ :‬قلت‪ :‬رحمك ال‪ ،‬مما يلي‬
‫البحر؟ قال‪ :‬مما يلي البحر‪.‬‬
‫ثم قال الفاكهي‪ :‬حدثنا إبراهيم بن أبي يوسف‪ :‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن سليم قال‪:‬‬
‫سمعت عبد ال بن سعيد بن قنديل قال‪ :‬جاءنا فرقد السنجي بجدة فقال‪ :‬إني رجل‬
‫أقرأ هذه الكتب‪ ،‬وإني لجد فيما أنزل ل عز وجل من كتبه‪ :‬جدة أو جديد يكون بها‬
‫قتلى وشهداء‪ ،‬ل شهيد يومئذ على ظهر الرض أفضل منهم‪.‬‬
‫وقال بعض أهل مكة‪ :‬إن الحبشة جاءت في سنة ثلث وثمانين في مصدرها‪،‬‬
‫فوقعوا بأهل مكة‪ ،‬فخرج الناس من مكة إلى جدة وأميرهم عبد ال بن محمد بن‬
‫إبراهيم‪ ،‬فخرج الناس غزاة في البحر‪ ،‬واستعمل عليهم عبد ال بن‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،313 ،312 /2‬والحديث إسناده ضعيف جدا‪ ،‬وفيه سليم بن‬
‫مسلم المكي‪ ،‬هو المعروف بالخشاب‪ ،‬قال أحمد‪ :‬ليس يسوي حديثه شيئا‪ ،‬وقال ابن‬
‫معين‪ :‬ليس بثقة‪ ،‬وفيه أيضا‪ :‬المثنى بن الصباح ضعيف "ينظر‪ :‬الجرح والتعديل‬
‫‪ "315 /4‬والتقريب "‪."228 /2‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪.53 /3‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪.52 /3‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -119-‬محمد بن إبراهيم بن عبد ال بن الحارث بن عبد الملك بن عبد‬
‫ال بن أبي ربيعة المخزومي‪ .‬وجدت هذا في كتاب أعطانيه بعض المكيين عن‬

‫أشياخه يذكر هذا ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وإبراهيم جد عبد ال بن محمد أمير مكة هذا هو إبراهيم المعروف بالمام بن محمد‬
‫بن علي بن عبد ال بن عباس أخو السفاح‪ .‬والمنصور‪ ،‬حفيده عبد ال هذا‪ ،‬ولى‬
‫مكة للرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي‪ ،‬وعلى هذا فسنة ثلث وثمانين‬
‫المشار إليها في هذا الخبر سنة ثلث وثمانين ومائة ‪.2‬‬
‫وفي بعض الكتب أن اسم عبد ال هذا‪ :‬عبيد ال‪ ،‬وال أعلم بالصواب‪.‬‬
‫وجدة هي الن ساحل مكة العظم‪ .‬وعثمان بن عفان رضي ال عنه أول من جعلها‬
‫ساحل‪ ،‬بعد أن شاور الناس في ذلك‪ ،‬لما سئل فيه في سنة ست وعشرين من‬
‫الهجرة‪ ،‬وكانت الشعيبة ساحل مكة قبل ذلك ‪.3‬‬
‫وذكر ابن جبير أنه رأى بجدة أثر سور محدق بها‪ ،‬وذكر أن بها مسجدين ينسبان‬
‫لعمر بن الخطاب رضي ال عنه وأن أحدهما يقال له‪ :‬مسجد البنوس‪ ،‬لساريتين‬
‫فيه من خشب البنوس‪ ،‬وهذا المسجد معروف إلى الن‪ ،‬والمسجد الخر غير‬
‫معروف‪ ،‬ولعله وال أعلم المسجد الذي تقام الجمعة فيه بجدة‪ ،‬وهو من عمارة‬
‫الملك المظفر صاحب اليمن على ما بلغني‪.‬‬
‫وذكر ابن جبير أيضا أنه كان بجدة موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر أنها منزل‬
‫حواء أم البشر زوج آدم عليهما السلم ‪ ...4‬انتهى‪.‬‬
‫ولعل هذا الموضع هو الموضع الذي يقال له‪ :‬قبر حواء‪ ،‬وهو مكان مشهور بجدة‪،‬‬
‫إذ ل مانع من أن تكون نزلت فيه ودفنت فيه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأستبعد أن يكون قبر حواء بالموضع المشار إليه لكون ابن جبير لم يذكره‪ ،‬وما‬
‫ذاك إل لخفائه عليه‪ ،‬فهو فيما عليه‪ ،‬وهو من الزمن أخفى‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وروى الفاكهي بسنده إلى ابن عباس رضي ال عنهما أن قبر حواء بجدة‪ ...‬انتهى‬
‫باختصار‪.‬‬
‫وبها دور كثيرة‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪.53 ،52 /3‬‬
‫‪ 2‬إتحاف الورى ‪.232 /2‬‬
‫‪ 3‬إتحاف الورى ‪.20 /2‬‬
‫‪ 4‬رحلة ابن جبير "ص‪."55 :‬‬
‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -120-‬ذكر شيء من فضل الطائف وخبره‪:‬‬
‫أخبرني أبو هريرة ابن الحافظ الذهبي بقراءتي عليه في الرحلة الولى بغوطة‬
‫دمشق‪ ،‬أن يحيى بن محمد بن سعد النصاري أخبره سماعا وتفرد بالسماع منه‬
‫قال‪ :‬أنبأنا أبو المنجا بن اللتي وغيره قال‪ :‬أنبأنا أبو حفص عمر بن عبد ال‬
‫الحربي‪ ،‬قال‪ :‬أنبأنا أبو غالب محمد بن عبيد ل العطار قال‪ :‬أنبأنا أبو علي الحسن‬
‫بن أحمد البزار قال‪ :‬أنبأنا أبو محمد عبد ال بن جعفر بن درستويه النحوي قال‪:‬‬
‫أنبأنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي ‪ 1‬قال‪ :‬حدثنا أبو بكر عبد ال بن الزبير‬
‫بن عيسى الحميدي القرشي‪ ،‬ثم السدي قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن الحارث بن عبد‬

‫الملك المخزومي قال‪ :‬حدثني محمد بن عبد ال بن إنسان‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن عروة بن‬
‫الزبير‪ ،‬عن الزبير بن العوام رضي ال عنه قال‪ :‬أقبلنا مع رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم من "لية" قال الحميدي‪ :‬مكان بالطائف حتى إذا كنا عند السدرة وقف‬
‫خبا"‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم عند طرف القرن السود حذوها‪ ،‬فاستقبل "َن ِ‬
‫قال الحميدي‪ :‬مكان بالطائف يقال له نخب‪ -‬ببصره‪ ،‬ثم وقف حتى اتفق الناس‪ ،‬ثم‬
‫ج وعضاهه حرم محرم ال عز وجل"‪ ،‬وذلك قبل نزوله الطائف‬
‫قال‪" :‬إن صيد َو ّ‬
‫وحصاره ثقيفا‪ .‬روينا هذا الحديث هكذا في الول من مشيخة الفسو عن الحميدي‪،‬‬
‫وهو في سنن أبي داود‪ ،‬ومسند ابن حنبل ‪ ،2‬وإسناده ضعيف على ما قال النووي‪،‬‬
‫وقال‪ :‬قال البخاري‪ :‬ل يصح‪.‬‬
‫وقال في "اليضاح"‪ :‬ويحرم صيد وج ‪ ،3‬وهو واد بالطائف‪ ،‬لكن ل ضمان فيه‪...‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫ج احتمالين‪ ،‬لنه قال‪ :‬وتحريمه يحتمل أن‬
‫وذكر المحب الطبري في تحريم صيد َو ّ‬
‫يكون على وجه الحمى له وعليه العمل عندنا‪.‬‬
‫ويحتمل أن يكون حرمه في وقت ثم نسخ‪ .‬قال‪ :‬ونخب بفتح النون وكسر الخاء‬
‫المعجمة‪ ،‬واد بالطائف‪ ،‬وقيل‪ :‬هو واد بأرض هذيل ‪ ..‬قال‪ :‬والقرن جبل صغير‪،‬‬
‫ج بفتح الواو وتشديد الجيم‪ ،‬قيل‪ :‬هو أرض‬
‫ورأسه مشرف على وهدة‪ .‬قال‪ :‬وَو ّ‬
‫الطائف نفسه‪ ،‬يسمى بوج بن عبد الحق من العمالقة ‪ ....4‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هو صاحب كتاب المعرفة والتاريخ"‪.‬‬
‫‪ 2‬سنن أبي داود ‪ ،290 /2‬مسند أحمد ‪ ،165 /1‬وأخبار مكة للفاكهي ‪،99 /5‬‬
‫والحديث إسناده حسن‪.‬‬
‫‪ 3‬وج‪ :‬واد من أودية الطائف المشهورة‪ ،‬يسمى أعله‪ :‬المخاصكة‪ ،‬ووسطه المثناة‪،‬‬
‫وأسفله‪ ،‬العرج‪ ،‬ومن مشهور قراه القديمة‪ :‬الوهط‪" .‬انظر تفاصيل هذا الوادي في‬
‫معجم معالم الحجاز للبلدي ‪."121 /9‬‬
‫‪ 4‬القرى "ص‪."666 :‬‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -121-‬ووح بالحاء‪ :‬ناحية نعمان‪ .‬ذكره الحازمي من الماكن فيما‬
‫حكى عنه النووي ‪ ،1‬وذكر أن وجا بالجيم ربما اشتبه بوح بالحاء‪ .‬قال‪ :‬وقال‬
‫الحازمي‪ :‬وج اسم لحصون الطائف‪ ،‬وقيل‪ :‬لواحد منها‪ ،‬قال‪ :‬وقال في "التهذيب"‪:‬‬
‫هو واد بالطائف ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقال صاحب المطالع‪ :‬هو وادي وج على يومين من مكة‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫جا مقدس ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫قال المحب الطبري‪ :‬وقد جاء في الحديث أن و ّ‬
‫وروى الفاكهي‪ :‬حديثا من رواية خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون رضي‬
‫ال عنهما أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬إن آخر وطأة وطئها ال تعالى بوج"‬
‫‪.3‬‬
‫وقال الفاكهي‪ :‬قال سفيان يعني ابن عيينة في تفسيره‪ :‬آخر غزاة غزاها رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬غزوة الطائف‪ ،‬لقتاله أهل الطائف وحصاره ثقيف‪ ...‬انتهى‪.‬‬

‫و ذكر الشيخ أبو العباس الميورقي ما يوافق هذا التفسير ويزيده‪ ،‬إيضاحا‪ ،‬لنه‬
‫قال‪ :‬وروي في "الصحاح" للجوهري‪ :‬آخر وطأة وطئها ال بوج‪.‬‬
‫وأحسن ما قيل في ذلك ما كان شيخنا أبو محمد محمد بن الحافظ عبد العظيم بن‬
‫عبد القوي المنذر يقول‪ :‬آخر غزوة وطأ ال بها أهل الشرك‪ :‬غزوة الطائف بإثر‬
‫فتح مكة شرفها ال تعالى‪ .‬ذكر ذلك الميورقي في جزء ألفه سماه‪" :‬بهجة المهج في‬
‫بعض فضائل الطائف ووج"‪ ،‬وفيه أسئلة غريبة‪.‬‬
‫عَلْيك{ أي‬
‫ومما ذكره في فضل الطائف‪ :‬وروي في قوله عز وجل‪َ} :‬وُيِتّم ِنْعَمَتُه َ‬
‫بفتح مكة والطائف أهم البلد عليه وأحبها إليه‪.‬‬
‫ن اْلَقْرَيَتْي ِ‬
‫ن‬
‫ل ِم َ‬
‫جٍ‬
‫عَلى َر ُ‬
‫ن َ‬
‫ل َهَذا اْلُقْرآ ُ‬
‫وقال المفسرون في قوله تعالى‪َ} :‬لْول ُنّز َ‬
‫ظيم{‪] 4‬الزخرف‪ [31 :‬قالوا‪ :‬هما مكة والطائف‪ ،‬فقرن ال جل جلله الطائف‬
‫عِ‬
‫َ‬
‫ببيته‪ ،‬وفي ذلك غاية الفخر الذي تعجز العبارة عن كنهه وقدره وماهيته‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬تهذيب السماء واللغات ‪ 2‬ق ‪.198 /2‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪."666 :‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،193 /3‬والحديث رواه أحمد ‪ ،409 /6‬والبيهقي في سننه‬
‫‪ .202 /10‬والترمذي ‪ .101 /8‬والطبري في الكبير ‪24‬م ‪ ،240 ،239‬والهيثمي‬
‫في مجمع الزوائد ‪ ،54 /10‬وقال‪ :‬رجاله ثقات‪ ،‬وذكره السيوطي في الكبير ‪/1‬‬
‫‪ 862‬وزاد نسبته للبخاري في الدب‪ ،‬وكذلك في ‪ ،721 /2‬وعزاه للعسكري في‬
‫المثال‪.‬‬
‫‪ 4‬وقال الخازن‪ :‬اختلفوا في هذا الرجل العظيم‪ ،‬قيل‪ :‬الوليد بن المغيرة بمكة‪،‬‬
‫وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف‪ ،‬وقيل‪ :‬عتبة بن ربيعة من مكة‪ ،‬وكنانة بن عبد‬
‫ياليل من الطائف‪ ،‬وقال ابن عباس‪ :‬الوليد بن المغيرة من مكة‪ ،‬ومن الطائف‪:‬‬
‫حبيب بن عمير الثقفي‪ ،‬وفي عبارة الفاكهي ارتباك مرجعه إلى سقوط تتمة القولين‪.‬‬
‫) ‪(1/10‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -122-‬وقال الفاكهي في الية الخيرة‪ :‬إنها نزلت في مكة والطائف‬
‫فيما يقال‪ ،‬وحكى في الرجل قولين ‪ :1‬أحدهما‪ :‬أنه عتبة بن ربيعة بن عبد شمس‪،‬‬
‫والخر‪ :‬أنه مسعود بن معتب الثقفي‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما الطائف فهي من مخاليف مكة‪ ،‬وهي بلد طيب الهواء بارد الماء‪ ،‬كان له‬
‫خطر عند الخلفاء فيما مضى‪ ،‬وكان الخليفة يوليها رجل من عنده‪ ،‬ول يجعل‬
‫وليتها إلى صاحب مكة‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وبالطائف آثار تنسب للنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬منها‪ :‬السدرة التي انفرجت له‬
‫نصفين حتى جاز بينهما‪ ،‬وبقيت على ساقين‪ ،‬وذلك لما اعترضته في طريقه‪ ،‬وهو‬
‫سائر وسنان ليل في غزوة الطائف‪ ،‬على ما ذكره ابن فورك ‪ ،2‬فيما حكاه عنه‬
‫القاضي عياض في "الشفا"‪ ،‬وبعض هذه السدرة باق إلى الن‪ ،‬والناس يتبركون‬
‫به‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬مسجد ينسب للنبي صلى ال عليه وسلم في مؤخر المسجد الذي فيه قبر عبد‬
‫ال بن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬لن في جداره القبلي من خارجه حجرا مكتوبا فيه‪:‬‬

‫أمرت السيدة أم جعفر بنت أبي الفضل ‪ 3‬أم ولة عهد المسلمين أطال ال بقاءها‬
‫بعمارة مسجد رسول ال صلى ال عليه وسلم بالطائف‪ ،‬وفيه أن ذلك سنة اثنتين‬
‫وتسعين ومائة ‪.4‬‬
‫والمسجد الذي فيه قبر ابن عباس رضي ال عنهما أظن أن المستعين العباسي‬
‫عمره مع ضريح ابن عباس رضي ال عنهما واسمه مكتوب في المنبر الذي في‬
‫هذا المسجد‪ ،‬واسم الملك المظفر صاحب اليمن مكتوب في القبة التي فيها ضريح‬
‫ابن عباس رضي ال عنهما بسبب عمارته لها‪.‬‬
‫وبالطائف مواضع أخر تنسب للنبي صلى ال عليه وسلم معروفة عند أهل الطائف‪.‬‬
‫وذكر الحافظ أبو محمد القاسم ابن الحافظ أبي القاسم على ابن عساكر خبرا في‬
‫فضل أهل الطائف‪ ،‬نقله عن المحب الطبري في "القرى"‪ ،‬ونص ذلك على ما في‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،191 /3‬وإهداء اللطائف للعجيمي "ص‪ ،"54 :‬وتفسير‬
‫الطبري ‪ ،65 /25‬وتفسير ابن كثير ‪.224 /6‬‬
‫‪ 2‬هو أبو بكر محمد بن الحسن الصبهاني المنوفي سنة ‪406‬هـ "ترجمته في‬
‫الوافي بالوفيات ‪ ،334 /2‬ووفيات العيان ‪ ،272 /4‬إنباه الرواة ‪ ،110 /3‬سير‬
‫أعلم النبلء ‪ ،216 -214 /17‬ومرآة الجنان ‪ ،18 ،17 /3‬النجوم الزاهرة ‪/4‬‬
‫‪ ،240‬شذرات الذهب ‪.181 /3‬‬
‫‪ 3‬يقصد بها السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد وأم ولي عهده المين‪ ،‬ونسب‬
‫المأمون والمعتصم إليها تجوزا‪ ،‬وكانت قد زارت الحجاز‪ ،‬وأدخلت فيه بعض‬
‫الصلحات‪ ،‬وبنت العمائر وأجلها عين زبيدة التي بمكة‪.‬‬
‫‪ 4‬إتحاف الورى ‪ ،249 ،248 /2‬وأخبار مكة للزرقي ‪ ،432 ،231 /2‬وفيهما أن‬
‫ذلك كان سنة ‪194‬هـ وهو الصحيح‪.‬‬
‫) ‪(1/11‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪" -123-‬القرى" عن عبد الملك بن عباد بن جعفر‪ ،‬قال‪ :‬سمعت رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬أول من أشفع له يوم القيامة من أمتي‪ :‬أهل المدينة‬
‫وأهل الطائف"‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫واختلف في سبب تسمية الطائف بالطائف‪ ،‬فقال السهيلي‪ :‬ذكر بعض أهل النسب‬
‫أن الدمون بن الصدف واسم الصدف‪ :‬مالك بن مالك بن مربع بن كندة‪ -‬من‬
‫حضرموت‪ ،‬أصاب دما من قومه‪ ،‬فلحق ثقيفا فأقام بها وقال لهم‪ :‬أل أبني لكم‬
‫حائطا يطيف ببلدكم‪ ،‬فبناه فسمي به الطائف ‪ ،2‬ذكره البكري ‪ ،3‬واعترض عليه‬
‫السهيلي فيما ذكره في نسب الدمون‪ .‬وأفاد شيئا من خبره وخبر ولده‪ ،‬وذكر ابن‬
‫الكلبي ما يوافق هذا القول‪.‬‬
‫وقيل في تسمية الطائف‪ :‬أن جبريل عليه السلم طاف به حول الكعبة على ما ذكر‬
‫عَلْيَها‬
‫ف َ‬
‫طا َ‬
‫بعض المفسرين لنه قال في تفسير قوله تعالى في سورة "ن"‪َ} :‬ف َ‬
‫ن{ ]القلم‪ :[19 :‬أن جبريل عليه السلم اقتلعها من‬
‫ك َوُهْم َناِئُمو َ‬
‫ن َرّب َ‬
‫ف ِم ْ‬
‫طاِئ ٌ‬
‫َ‬
‫موضعها‪ .‬فسار بها إلى مكة‪ ،‬فطاف بها حول البيت‪ ،‬ثم أنزلها ال تعالى حيث‬
‫الطائف اليوم‪ ،‬فسميت باسم الطائف الذي طاف عليها وطاف بها‪ ...‬انتهى باختصار‬

‫من كتاب السهيلي ‪.4‬‬
‫ونقل الميورقي عن الزرقي‪ :‬أن الطائف سمي الطائف لطواف جبريل عليه السلم‬
‫به سبعا حول البيت لما اقتلعه من الشام‪ ،‬لدعوة الخليل إبراهيم ‪-‬عليه السلم‪ -‬حيث‬
‫ت{ ]البقرة‪ [126 :‬الية‪ ،‬وال أعلم بالصواب‪.‬‬
‫ن الّثَمَرا ِ‬
‫ق َأْهَلُه ِم َ‬
‫يقول‪َ} :‬واْرُز ْ‬
‫وقد أتينا على جملة من فضل الطائف وخبره‪.‬‬
‫ومن غريب خبره‪ :‬ذكر الميورقي‪ ،‬عن الفقيه أبي محمد عبد ال بن حموا النجاري‪،‬‬
‫عن شيخ الخدام بالحرم النبوي بدر الشهابي‪ :‬أنه بلغه أن ميضاه وقعت في عين‬
‫الزرق في الطائف‪ ،‬فخرجت بعين الزرق بالمدينة على ساكنها السلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬البخاري في التاريخ الكبير ‪ ،415 ،404 /5‬من طريق عبد الملك بن‬
‫أبي زهير‪ ،‬وابن الثير في أسد الغابة ‪ ،510 /3‬وعزاه لبن منده‪ ،‬وأبي نعيم وابن‬
‫عبد البر في كتبهم عن الصحابة وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ‪،318 /10‬‬
‫وعزاه للبزار والطبراني‪ ،‬وذكره ابن حجر في الصابة ‪ 23 /2‬وقال‪ :‬رواه البزار‬
‫في مسنده‪ ،‬وابن شاهين‪ .‬والقرى "ص‪."666 :‬‬
‫‪ 2‬الروض النف‪.161 /4 :‬‬
‫‪ 3‬معجم ما استعجم ‪.557 /2‬‬
‫‪ 4‬الروض النف ‪.162 /4‬‬
‫) ‪(1/12‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -124-‬الباب السابع‪:‬‬
‫في أخبار عمارة الكعبة المعظمة‪:‬‬
‫ل شك أن الكعبة المعظمة بنيت مرات‪ ،‬وقد اختلف في عدد بنائها‪ ،‬وتحصل من‬
‫مجموع ما قيل في ذلك أنها بنيت عشر مرات منها‪ :‬بناء الملئكة عليهم السلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬بناء آدم عليه السلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬بناء أولده‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬بناء العمالقة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬بناء جرهم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬بناء قصي بن كلب‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬بناء قريش‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬بناء الخليل إبراهيم عليه السلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬بناء عبد ال بن الزبير بن العوام السدي رضي ال عنه‪.‬‬
‫ومنها بناء الحجاج بن يوسف الثقفي وإطلق العبارة بأنه بنى الكعبة تجوز؛ لنه لم‬
‫يبن إل بعضها كما سيأتي بيانه إن شاء ال تعالى‪ ،‬ولم أذكر ذلك إل لكون السهيلي‬
‫والنووي ذكرا ذلك في عدد بناء الكعبة ‪.1‬‬

‫ووجدت بخط عبد ال بن عبد الملك المرجاني أن عبد المطلب جد النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم بنى الكعبة بعد قصي وقبل بناء قريش‪ ،‬ولم أر ذلك لغيره‪ ،‬وأخشى أن‬
‫يكون وهما‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪ ،221 /1‬وتهذيب السماء واللغات ‪.124: /2 /2‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -125-‬فأما بناء الملئكة للكعبة‪ :‬فذكره الزرقي في تاريخه ‪ 1‬وذكر أن‬
‫ذلك قبل خلق آدم عليه السلم واستدل على ذلك بخبر رواه عن زين العابدين‪،‬‬
‫وذكر من حديث ابن عباس رضي ال عنهما أيضا ما يدل لبناء الملئكة للكعبة‪.‬‬
‫وذكر النووي في "تهذيب السماء واللغات"‪ 2‬بناء الملئكة للكعبة‪ ،‬وعد ذلك أول‬
‫بنائها‪ ،‬ولم يذكر بناء آدم للكعبة‪ ،‬وذلك عجيب منه‪ ،‬لن بناء آدم في الشهرة كبناء‬
‫الملئكة أو أشهر‪ ،‬وإن كانا غير ثابتين‪ ،‬وكل البنائين على تقدير صحتهما تأسيس‪،‬‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫فأما بناء آدم عليه السلم فروينا فيه خبرا مرفوعا في كتاب "دلئل النبوة" للبيهقي‪،‬‬
‫ولفظه‪ :‬أخبرنا أبو عبد ال الحافظ قال‪ :‬حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد ال‬
‫البغدادي قال‪ :‬حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح قال‪ :‬حدثنا أبو صالح الجهني قال‪:‬‬
‫حدثني ابن لهيعة‪ ،‬عن يزيد‪ ،‬عن أبي الخير‪ ،‬عن عبد ال بن عمرو بن العاص‬
‫رضي ال عنهما قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬بعث ال جبريل إلى‬
‫آدم وحواء فقال لهما‪ :‬ابنيا لي بيتا‪ ،‬فخط لهما جبريل‪ ،‬فجعل آدم يحفر وحواء تنقل‬
‫التراب حتى أجابه الماء فنودي من تحته‪ :‬حسبك يا آدم‪ ،‬فلما بنياه أوصى ال إليه‬
‫أن طوف به‪ ،‬وقيل له‪ :‬أنت أول الناس‪ ،‬وهذا أول بيت" ثم تناسخت القرون حتى‬
‫حجة نوح عليه السلم‪ ،‬ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه قال‬
‫البيهقي‪ :‬تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعا‪.‬‬
‫وذكر الزرقي بناء آدم للكعبة واستدل له بخبرين رواهما عن ابن عباس رضي ال‬
‫عنهما في أحدهما أنه بناه من خمسة أجبل‪ :‬لبنان‪ ،‬وطور زيتا‪ ،‬وطور سيناء‪،‬‬
‫والجودي‪ ،‬وحراء‪ ،‬حتى استوى على الرض‪ ،‬وفي الخر‪ :‬كان آدم عليه السلم‬
‫أول من أسس البيت وصلى فيه ‪.3‬‬
‫وفي "مصنف" عبد الرزاق"‪ :‬أن آدم عليه السلم بنى البيت من هذه الخمسة‬
‫الجبال‪ ،‬وأن ربضه كان من حراء‪.‬‬
‫قال المحب الطبري‪ :‬والمربض هنا هو الساس المستدير بالبيت‪.‬‬
‫وذكر الزرقي بسنده إلى ابن إسحاق ما يدل لبناء آدم الكعبة في أثناء خبر بناء‬
‫الخليل عليه السلم للكعبة ‪.4‬‬
‫واختلف هل بناء الملئكة قبل بناء آدم أو بناء آدم قبل الملئكة؟ وذكر الزرقي‬
‫رحمه ال ما يشهد للقولين‪ .‬وذكرنا ذلك في أصل هذا الكتاب‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.33 ،32 /1‬‬
‫‪ 2‬تهذيب السماء واللغات ‪.124 :2 /2‬‬

‫‪ 3‬أخبار مكة للزرقي ‪.37 /1‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للزرقي ‪.64 /1‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -126-‬ذكر البيت المعمور الذي أنزله ال على آدم وشيء من خبره‪:‬‬
‫روينا في "تاريخ الزرقي" عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫في حديث حدث به‪ :‬آن آدم عليه السلم قال‪ :‬أي رب إني أعرف شقوتي‪ ،‬إني ل‬
‫أرى شيئا من نورك يتعبد فيه‪ ،‬فأنزل ال عز وجل عليه البيت المعمور على‬
‫عرض البيت وموضعه‪ ،‬من ياقوتة حمراء‪ ،‬ولكن طولها كما بين السماء والرض‬
‫وأمره أن يطوف بها‪ ،‬فأذهب ال عنه الغم الذي كان يجد قبل ذلك‪ ،‬ثم رفع على‬
‫عهد نوح ‪.1‬‬
‫وأما بناء بني آدم للكعبة‪ :‬فذكره الزرقي‪ ،‬لنه روى بسنده إلى وهب بن منبه قال‪:‬‬
‫لما رفعت الخيمة التى عرى ال عز وجل بها آدم عليه السلم من حلية الجنة حين‬
‫وضعت له بمكة في موضع البيت ومات آدم عليه السلم فبنى بنو آدم من بعده‬
‫مكانها بيتا بالطين والحجارة‪ ،‬فلم يزل معمورا يعمرونه هم ومن بعدهم‪ ،‬حتى كان‬
‫ئ لبراهيم ‪-‬عليه‬
‫زمن نوح عليه السلم فنسفه الغرق وغير مكانه حتى ُبّو َ‬
‫السلم ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقال الحافظ أبو القاسم السهيلي في الفصل الذي عقده لبنيان الكعبة‪ :‬وكان بناؤها‬
‫في الدهر خمس مرات‪ ،‬الولى حين بناها شيث بن آدم عليه السلم‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا يخالف ما تقدم في من بنى الكعبة أول هل هو الملئكة أو آدم؟ ولعل‬
‫شيًثا أول من بنى الكعبة‪ :‬كون بنائه كان بيتا بالطين‬
‫السبب عند من قال إن ِ‬
‫والحجارة‪ ،‬بخلف بناء آدم عليه السلم فإنه كان بناء لساس البيت كما في خبر‬
‫بنيانه‪ ،‬وأنزل ال عز وجل عليه من الجنة البيت الذي كان يطوف به‪ ،‬وهو البيت‬
‫المعمور كما سبق‪ ،‬ولعله الخيمة المشار إليها في خبر وهب بن منبه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ولعل سبب نسبة هذا البناء لشيث بن آدم كونه‪ :‬كان وصي ابنه‪ ،‬كما يروى عن‬
‫وهب بن منبه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأما بناء الخليل عليه السلم فهو ثابت كما في القرآن العظيم والسنة الشريفة‪ ،‬وهو‬
‫أول من بنى البيت على ما ذكر الفاكهي عن علي بن أبي طالب رضي ال عنه‬
‫وجزم به الشيخ عماد الدين بن كثير في تفسيره‪ ،‬وقال‪ :‬لم يجئ خبر عن معصوم‪،‬‬
‫أن البيت كان مبنيا قبل الخليل ‪ ...... 2‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.51 /1‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،225 /5‬وتاريخ القطبي "ص‪ "35 :‬ومناهج الكرم "ورقة‬
‫‪410‬أ"‪.‬‬
‫) ‪(1/4‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -127-‬وروينا في تاريخ الزرقي عن ابن إسحاق‪ :‬أن الخليل عليه‬
‫السلم لما بنى البيت جعل طوله في السماء تسعة أذرع‪ ،‬وعرضه في الرض‬
‫اثنين وثلثين ذراعا من الركن السود إلى الركن الشامي الذي عنده الحجر من‬
‫وجهه‪ ،‬وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين وعشرين‬
‫ذراعا‪ ،‬وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدا وثلثين‬
‫ذراعا‪ ،‬وجعل عرض شقها اليماني من الركن السود إلى الركن اليماني عشرين‬
‫ذراعا‪ ،‬وجعل بابها بالرض غير مبوب‪ ،‬وحفر جبا في بطن البيت على يمين من‬
‫دخله يكون خزانة للبيت‪ ،‬وكان يبني وإسماعيل ينقل له الحجارة على رقبته ‪.1‬‬
‫وذكر ابن الحاج المالكي في "منسكه" شيئا من خبر بناء إبراهيم عليه السلم للكعبة‬
‫فقال‪ :‬وكان صفة بناء إبراهيم عليه السلم للبيت أنه كان مدورا من ورائه‪ ،‬وكان له‬
‫ركنان وهما اليمانيان فجعلت قريش حين بنوه أربعة أركان ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا عن ابن عباس رضي ال عنهما أنه قال‪ :‬أما وال ما بنياه يقصب ول مدر‬
‫‪ ،2‬ول كان معهما من العوان والموال ما يسقفانه‪ ،‬ولكنهما أعلياه وطافا به‪.‬‬
‫وروينا عن عثمان بن ساج أنه بلغه‪ :‬أن الخليل عليه السلم بنى الكعبة من سبعة‬
‫أجبل‪.‬‬
‫وروينا عن أبي قلبة‪ :‬أنه بناه من خمسة أجبل‪ :‬حراء‪ ،‬وثبير‪ ،‬ولبنان‪ ،‬والطور‪،‬‬
‫والجبل الحمر‪.‬‬
‫وروينا عن قتادة قال‪ :‬ذكر لنا أنه يعني الخليل عليه السلم بناه من خمسة أجبل‪ :‬من‬
‫طور سيناء وطور زيتا ‪ ،3‬ولبنان‪ ،‬والجودي ‪ ،4‬وحراء‪ .‬قال‪ :‬وذكر لنا أن قواعده‬
‫من حراء‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ويروى أنه أسس البيت من ستة أجبل‪ :‬من أبي قبيس‪ ،‬ومن الطور‪ ،‬ومن القدس‪،‬‬
‫ومن ورقان‪ ،‬ومن رضوى‪ ،‬ومن أحد‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا يعكر على الحكمة التي ذكرها السهيلي في كون الخليل بنى الكعبة من‬
‫خمسة أجبل‪ ،‬على ما قيل‪ ،‬لنه قال بعد أن ذكر أن الخليل عليه السلم بنى الكعبة‬
‫من خمسة أجبل هي‪ :‬طور زيتا‪ ،‬وطور سيناء‪ ،‬والجودي‪ ،‬ولبنان‪ ،‬وحراء‪ :‬وانتبه‬
‫الحكمة‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.150 /1‬‬
‫‪ 2‬القصب‪ :‬الغاب‪ ،‬والمدر‪ :‬الحجارة‪.‬‬
‫‪ 3‬طور زيتا" جبل في القدس مشرف على المسجد القصى‬
‫‪ 4‬الجودي‪ :‬جبل يطل على دجلة وعلى جزيرة ابن عمر‪ ،‬وهي قرية من أعمال‬
‫الموصل‪ ،‬وعلى هذا الجبل استوت سفينة نوح عليه السلم‪ -‬لما نضب ماء‬
‫الطوفان‪.‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -128-‬ال تعالى كيف جعل بناءها من خمسة أجبل‪ :‬فشاكل ذلك‬
‫معناها‪ ،‬إذ هثي قبلة الصلوات الخمس وعمود السلم‪ ،‬وقد بني على خمس ‪...1‬‬
‫انتهى‪.‬‬

‫وأما بناء العمالقة وجزهم للكعبة‪ :‬فذكره الزرقي‪ ،‬لنه روى بسنده عن علي بن‬
‫أبي طالب رضي ل عنه قال في خبر بناء إبراهيم عليه السلم للكعبة ثم انهدم فبنته‬
‫العمالقة‪ ،‬ثم انهدم فبنته قبيلة من جرهم‪ ،‬ثم انهدم فبنته قريش ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وذكره الفاكهي‪ ،‬لنه روى بسنده عن علي رضي ال عنه قال‪ :‬أول من بنى البيت‬
‫إبراهيم‪ ،‬ثم انهدم فبنته جرهم‪ ،‬ثم هدم البيت فبنته العمالقة‪ ،‬ثم هدم فبنته قريش ‪.3‬‬
‫قلت‪ :‬هذا يقتضي أن جرهما بنت البيت قبل العمالقة‪ ،‬والخبر الول يقتضي أن‬
‫العمالقة بنته قبل جرهم‪ ،‬وبه جزم المحب الطبري في "القرى"‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وذكر المسعودي ما يقتضي أن الذي بنى الكعبة من جرهم هو الحارث بن مضاض‬
‫الصغر‪ ،‬لنه لما ذكر خبرهم قال فيه‪ :‬إن الحارث هذا زاد في بناء البيت ورفعه‬
‫كما كان عليه من بناء إبراهيم ‪ ...4‬انتهى‪ .‬وال أعلم بحقيقة ذلك‪.‬‬
‫وأما بناء قصي بن كلب‪ :‬فذكره الزبير بن بكار قاضي مكة في كتاب "النسب"‪،‬‬
‫لنه قال‪ :‬وقال غير أبي عبيدة من قريش ابن عبد العزى بن عمران العنبسي‪ :‬أخذ‬
‫قصي في بنيان البيت وجمع نفقته‪ ،‬ثم هدمها فبناها بنيانا لم يبن أحد ممن بناها‬
‫مثله‪ ،‬وجعل‪ ،‬وهو يبنيها يقول‪:‬‬
‫ابني وبيتي ال يرفعها وليبن أهل وراثها بعدي‬
‫بيتا بها وتمامها وحجابها بيد الله وليس بالعبد‬
‫فبناها وسقفها بخشب الدوم الجيد وبجريد النخل‪ ،‬وبناها على خمسة وعشرين‬
‫ذراعا‪ ،‬فلذلك يقول أعشى بكر بن وائل‪:‬‬
‫فإني وثوبي راهب اللج والذي بناها قصي وحده وابن جرهم‬
‫لئن شب نيران العداوة بيننا لتركلن مني على ظهر شيهم‬
‫وذكر الزبير بن بكار في مواضع أخر ما يشهد له‪ ،‬وسيأتي إن شاء ال تعالى ذكره‬
‫في خبر قصي‪ .‬ونقل ذلك كله عن الزبير‪ :‬الفاكهي في كتاب "أخبار مكة" وقال بعد‬
‫ذكره لخبر عبد العزيز بن عمران‪ :‬يعني بالشيهم‪ :‬القنفذ‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪.223 /1‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.62 /1‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪.138 /5‬‬
‫‪ 4‬مروج الذهب ‪.47 /2‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -129-‬وذكر الفاكهي بناء قصي عن غير الزبير‪ ،‬لنه قال في خبر‬
‫قصي‪ :‬وحدثني عبد ال بن أبي سلمة‪ ،‬حدثنا عبد ال بن يزيد‪ ،‬عن ابن لهيعة‪ ،‬عن‬
‫محمد بن عبد الرحمن أبي السود قال‪ :‬بلغني أن قصي بن كلب بنى البيت بعد‬
‫بناء إبراهيم‪ ،‬ثم بنته قريش ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر أبو عبد ال محمد بن عائذ الدمشقي في "مغازيه"‪ :‬أن قصي بن كلب بنى‬
‫البيت‪ .‬وجزم به الماوردي في "الحكام السلطانية"‪ ،‬لنه قال‪ :‬فكان أول من جدد‬
‫بناء الكعبة من قريش بعد إبراهيم عليه السلم قصي بن كلب‪ ،‬وسقفها بخشب‬
‫الدوم وجريد النخل ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬

‫ولم يذكر ذلك الزرقي رحمه ال وال أعلم بحقيقة ذلك‪.‬‬
‫وأما قول عبد العزيز بن عمران في الخبر الذي ذكره الزبير بن بكار‪ :‬وبناها على‬
‫خمسة وعشرين ذراعا‪ ،‬ففيه نظر‪ ،‬لنه إن أراد به أن قصيا جعل ارتفاع الكعبة‬
‫خمسة وعشرين ذراعا كان مخالفا لما اشتهر في الخبار من أن الخليل عليه السلم‬
‫جعل طولها تسعة أذرع‪ ،‬وأن قريشا زادت في طولها تسعة أذرع‪ ،‬وإن أراد أن‬
‫قصيا جعل عرضها خمسة وعشرين ذراعا‪ :‬فالمعروف أن عرضها من الجهة‬
‫الشرقية والغربية ل ينقص عن ثلثين ذراعا في بناء الخليل لها‪ ،‬بل يزيد على‬
‫خلف في مقدار الزيادة‪ ،‬وإذا أراد عرضها من الجهة الشامية واليمانية‪ :‬فعرضها‬
‫في هاتين الجهتين ينقص عن خمسة وعشرين ذراعا ثلثة أذرع أو أزيد‪.‬‬
‫وكل من بنى الكعبة بعد إبراهيم عليه السلم لم يبنه إل على قواعد‪ ،‬غير أن قريشا‬
‫استقصرت من عرضها في الجهة الشرقية والغربية أذرعا عن أساس إبراهيم‪-‬‬
‫عليه السلم لمر اقتضاه الحال‪ ،‬وصنع ذلك الحجاج بعد ابن الزبير عنادا‪ ،‬كما‬
‫سيأتي بيانه إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وأما بناء قريش الكعبة‪ :‬فهو ثابت كما في السنة الشريفة الصحيحة عن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬وحضره صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو ابن خمس وثلثين سنة‪ ،‬كما‬
‫جزم به ابن إسحق وغير واحد من العلماء‪ ،‬وقيل‪ :‬ابن خمس وعشرين سنة كما‬
‫جزم به موسى بن عقبة في "مغازيه" وابن جماعة في "منسكه"‪ ،3‬ونقله مغلطاي‬
‫عن تاريخ يعقوب بن سفيان‪ ،‬وقيل‪ :‬ابن ثلثين سنة حكاه ابن خليل في "منسكه"‬
‫وجزم به‪ ،‬وهذا القول غير معروف‪ ،‬وأظنه سقط من كتابه لفظة‪" :‬خمس" بين‬
‫"ابن" وبين "ثلثين"‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪.256 /5‬‬
‫‪ 2‬الحكام السلطانية "ص‪."160 :‬‬
‫‪ 3‬هداية السالك ‪.1328 ،1327 /3‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -130-‬وقيل‪ :‬إنه صلى ال عليه وسلم كان حين بناء قريش للكعبة‬
‫غلما‪ ،‬ذكر هذا القول الزرقي‪ ،‬لنه قال في ترجمة ترجم عليها بقول‪" :‬ذكر ما‬
‫كان عليه ذرع الكعبة حين صار إلى ما هو عليه إلى اليوم من خارج وداخل"‪ :‬ثم‬
‫بنتها قريش في الجاهلية‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسلم يومئذ غلم ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر الفاكهي ما يوافق ذلك‪ ،‬وفيما ذكره بيان لسن النبي صلى ال عليه وسلم حين‬
‫كان غلما‪ ،‬لن الغلم يقع على الصبي من حين يولد إلى حين يبلغ‪ ،‬وما ذكره‬
‫الفاكهي في ذلك مذكور في الترجمة التي ترجم عليها بقوله‪" :‬ذكر ما كانت عليه‬
‫الكعبة في عهد إبراهيم عليه السلم من الطوال والعرض إلى يومنا هذا" لنه قال‪:‬‬
‫ثم بنتها قريش في الجاهلية‪ ،‬وقد كتبنا بناءها في موضع بناء قريش الكعبة‪ ،‬والنبي‬
‫صلى ال عليه وسلم يومئذ قد ناهز الحلم ‪ ...... 2‬انتهى‪.‬‬
‫وهذا القول‪ ،‬والقول الذي ذكره ابن خليل غريبان‪ ،‬لمخالفتهما المشهور في سنه‬
‫صلى ال عليه وسلم حين بنت قريش الكعبة‪ ،‬وهو ما ذكره ابن إسحاق أو ما ذكره‬

‫ابن عقبة‪ ،‬ولم أر من ذكر ذلك القول الذي ذكره ابن خليل‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وهو صلى ال عليه وسلم الذي وضع الحجر السود موضعه من الكعبة حين‬
‫اختلفت قريش في ذلك‪ ،‬وكان سبب بنائهم لها توهنها من الحريق الذي أصابها حين‬
‫جمرت‪ ،‬والسيل العظيم الذي دخلها وصدع جدرانها بعد توهنها بالحريق‪ ،‬وجعلوا‬
‫ارتفاعها من خارجها من أعلها إلى الرض ثمانية عشر ذراعا‪ ،‬منها‪ :‬تسعة أذرع‬
‫زائدة على طولها حين عمرها الخليل عليه السلم واقتصروا من عرضها أذرعا‬
‫جعلوها في الحجر‪ ،‬لقصر النفقة الحلل التي أعدوها لعمارة الكعبة عن إدخال ذلك‬
‫فيها‪ ،‬ورفعوا بابها ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا‪ ،‬وكبسوها بالحجارة‪،‬‬
‫وجعلوا في داخلها ست دعائم في صفين‪ ،‬ثلث في كل صف من الشق الذي يلي‬
‫الحجر إلى الشق اليماني‪ ،‬وجعلوا في ركنها الشامي من داخلها درجة يصعد منها‬
‫إلى سطحها‪ ،‬وجعلوها سطحا‪ ،‬وجعلوا فيها ميزابا يصب في الحجر‪ ،‬هذا ملخص‬
‫بالمعنى مختصر مما ذكره الزرقي في خبر بناء قريش‪ ،‬وقد ذكرناه بكماله في‬
‫أصل هذا الكتاب‪ ،‬مع ما ذكره الزرقي في خبر بناء قريش‪ ،‬وقد ذكرناه بكماله في‬
‫أصل هذا الكتاب‪ ،‬مع ما ذكره ابن إسحق في ذلك بفوائد ‪ 3‬أخر تتعلق بذلك‪.‬‬
‫وذكر الزرقي والفاكهي في القدر الذي زادته قريش في طول الكعبة على بناء‬
‫الخليل عليه السلم أمرا يستغرب أما الزرقي فإنه قال في الترجمة التي ترجم‬
‫عليها بقوله‪" :‬ما جاء في ذكر بناء قريش الكعبة في الجاهلية"‪ :‬حدثني جدي عن‬
‫داود بن‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪ ،80 -78 /1‬والسير والمغازي لبن إسحاق ‪.108 /2‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪.226 /5‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للزرقي ‪ 157 /1‬وما بعدها‪.‬‬
‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -131-‬عبد الرحمن العطار قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن عثمان بن خيثم‬
‫القاري‪ ،‬عن أبي الطفيل ‪ .....‬فذكر خبرا في بنيان قريش للكعبة‪ ،‬وفيه‪ :‬ثم هدموها‬
‫وبنوها عشرين ذراعا طولها ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وأما الفاكهي فإنه قال‪ :‬وحدثني عبد ال بن أبي سلمة بن أزهر قال‪ :‬حدثنا إبراهيم‬
‫بن المنذر‪ ،‬عن عبد العزيز بن عمران‪ ،‬عن عبد ال بن عثمان بن أبي سليمان‪ ،‬عن‬
‫أبيه‪ ،‬عن ابن الزبير رضي ال عنهما قال‪ :‬قال عثمان بن عفان رضي ال عنه‬
‫وكان عالما بأمر الجاهلية وبنيان البيت قال‪ :‬إن قريشا لما هدمت الكعبة فجعلوا‬
‫يبنونها بأحجار الوادي تحملها قريش على رقابها‪ ،‬فرفعوها في السماء عشرين‬
‫ذراعا‪ ،‬وكانوا ينقلون الحجارة من أجياد ‪ ...2‬انتهى باختصار‪.‬‬
‫ووجه الغرابة في ذلك مخالفته لما ذكره الزرقي والفاكهي وغيرهما‪ ،‬من أن قريشا‬
‫جعلوا طول الكعبة لما بنوها ثمانية عشر ذراعا‪.‬‬
‫وذكر الفاكهي أيضا في من وضع الحجر السود في الكعبة حين بنتها قريش أمرا‬
‫يستغرب أيضا لنه قال في أثناء خبر ذكره‪ :‬وزعم عباد بن عبد الرحمن العرج‬
‫مولى ربيعة بن الحارث قال‪ :‬حدثني من ل أتهم عن حسان بن ثابت وكان قد شهد‬

‫بناءها قال‪ :‬رأيت عبد المطلب بن هاشم جالسا على سور الكعبة‪ ،‬وهو شيخ كبير قد‬
‫ربط لها حاجباه‪ ،‬وهم يختصمون في الركن ليرفعوه إليه‪ ،‬فلما قضى فيه رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ما قضى‪ ،‬ورفعته قريش في الثوب حتى وضعه رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم بيده‪ ،‬فرفعه إلى عبد المطلب‪ ،‬وكان هو الذي وضعه بيده‪،‬‬
‫فقال له محمد بن علي حين حدثه‪ :‬وال ما سمعت بهذا من أحد من أهل بيتي‪ ،‬وما‬
‫سمعت أحدا يذكر إل أن رسول ال صلى ال عليه وسلم هو الذي وضعه بيده ‪.3‬‬
‫قال عثمان‪ :‬قال محمد‪ :‬وحدثت عن بعض أهل العلم أن عبد المطلب أخذه بيده‪،‬‬
‫وجعلت قريش أيديها تحت يده‪ ،‬ثم رفعوا حتى انتهوا به إلى موضعه‪ ،‬فوضعه‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم بيده‪ ،‬كل ذلك قد سمعناه في الركن ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫ووجه الغرابة في كون عبد المطلب وضع الحجر السود في الكعبة حين بنتها‬
‫قريش‪ ،‬فمخالفته لما اشتهر من أن النبي صلى ال عليه وسلم هو الذي وضع الحجر‬
‫السود بيده في الكعبة حين بنتها قريش على ما هو مشهور في خبر بنائهم‪ ،‬ويتأيد‬
‫ذلك بأن عبد المطلب مات وللنبي صلى ال عليه وسلم ثمان سنين‪ ،‬وقيل‪ :‬ثماني‬
‫سنين وشهر وعشرة أيام‪ ،‬وقيل‪ :‬تسع سنين‪،‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.189 ،288 /1‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪.227 /5‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪.228 /5‬‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -132-‬وقيل‪ :‬عشر سنين‪ ،‬وقيل‪ :‬ست سنين‪ ،‬وقيل‪ :‬ثلث سنين‪،‬‬
‫والكعبة بنيت وللنبي صلى ال عليه وسلم خمس وثلثون سنة وقيل‪ :‬خمس‬
‫وعشرون سنة على ما هو المشهور في سنه حين بنتها قريش ‪ 1‬وإذا كان كذلك فل‬
‫يكون عبد المطلب وضع الحجر السود بيده حين بنتها قريش‪ ،‬ول حضر بناءهم‬
‫لها‪ ،‬على أن الفاكهي ذكر في موضع آخر ما يقتضي أن عبد المطلب حضر بناء‬
‫قريش‪ ،‬ذكر ذلك في خبر تبع‪.‬‬
‫وأما بناء ابن الزبير رضي ل عنهما للكعبة فإنه ثابت مشهور‪ ،‬وسبب ذلك توهن‬
‫الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير رضي ال عنهما‬
‫بمكة في أوائل سنة أربع وستين من الهجرة‪ ،‬لمعاندته يزيد بن معاوية‪ ،‬وما أصابها‬
‫مع ذلك من الحريق‪ ،‬بسبب النار التي أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير رضي ال‬
‫عنهما في خيمة له‪ ،‬فطارت الرياح بلهب تلك النار‪ ،‬فأحرقت كسوة الكعبة والساج‬
‫الذي بني في الكعبة حين عمرتها قريش‪ ،‬فضعفت جدران الكعبة‪ ،‬حتى أنها لتنقض‬
‫من أعلها إلى أسفلها‪ ،‬ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها‪.‬‬
‫ولما زال الحصار عن ابن الزبير رضي ال عنهما لدبار الحصين بن نمير من‬
‫مكة بعد أن بلغه موت يزيد بن معاوية‪ ،‬رأي ابن الزبير رضي ال عنهما أن يهدم‬
‫الكعبة ويبنيها‪ ،‬فوافقه على ذلك نفر قليل‪ ،‬وكره ذلك نفر كثير‪ ،‬منهم ابن عباس‬
‫رضي ال عنهما‪.‬‬
‫ولما أجمع على هدمها خرج كثير من أهل مكة إلى منى مخافة أن يصيبهم عذاب‬

‫وأمر ابن الزبير رضي ال عنهما لها يوم السبت في النصف من جمادى الخرة‬
‫سنة أربع وستين وبناها على قواعد إبراهيم عليه السلم وأدخل فيها ما أخرجته‬
‫منها قريش في الحجر‪ ،‬وزاد في طولها على بناء قريش نظير ما زادته قريش في‬
‫طول على بناء الخليل عليه السلم وذلك تسعة أذرع‪ ،‬فصار طولها سبعة وعشرين‬
‫ذراعا بتقديم السين وهي سبعة وعشرون مدماكا ‪ ،2‬وجعل لها بابين لصقين‬
‫بالرض‪ ،‬أحدهما بابها الموجود اليوم‪ ،‬والخر المقابل له المسدود‪ ،‬واعتمد في ذلك‬
‫وفي إدخاله في الكعبة ما أخرجته قريش منها في الحجر حين أخبرته به خالته‬
‫عائشة رضي ال عنها يأتي ذكره إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪ ،221 /1‬والمشهور أن النبي صلى ال عليه وسلم كانت سنه‬
‫عندئذ خمسا وثلثين سنة‪ ،‬كما روى ابن إسحاق وغيره‪.‬‬
‫‪ 2‬المدماك‪ :‬مقياس قديم لهل مكة‪.‬‬
‫) ‪(1/10‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -133-‬وجعل فيها ثلث دعائم في صف واحد‪ ،‬وجعل لها درجة في‬
‫ركنها الشامي يصعد منها إلى سطحها‪ ،‬وجعل فيها ميزابا يصب في الحجر‪ ،‬وجعل‬
‫فيها روازن للضوء‪ ،‬هذا ملحق بالمعنى مختصر مما ذكره الزرقي في خبر بناء‬
‫ابن الزبير رضي ال عنهما للكعبة ‪ 1‬وما ذكره من أن زيادة ابن الزبير تسعة أذرع‬
‫في طول الكعبة هو المشهور‪.‬‬
‫وروينا في صحيح مسلم من حديث عطاء بن أبي رباح قال‪ :‬إن ابن الزبير رضي‬
‫ال عنهما زاد في طول الكعبة عشرة أذرع‪ ،‬وفيه ما يقتضي أنه لم يهدم الكعبة في‬
‫الوقت الذي ذكره الزرقي‪.‬‬
‫وصرح ابن الثير في "كامله" بأن عمارة ابن الزبير رضي ال عنهما للكعبة كانت‬
‫سنة خمس وستين‪ ،‬ثم قال‪ :‬وقيل‪ :‬كانت عمارتها في سنة أربع وستين ‪.2‬‬
‫وهذا يوافق ما ذكره الزرقي‪ ،‬والقول الول موافق لما في مسلم‪ ،‬لن فيه من‬
‫حديث عطاء بن أبي رباح قال‪ :‬لما احترق البيت زمان يزيد بن معاوية حين غزاها‬
‫أهل الشام‪ ،‬وكان من أمره ما كان‪ ،‬تركه ابن الزبير حتى قدم الناس في الموسم‪،‬‬
‫فلما صدر الناس قال‪ :‬يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة‪ :‬أنقضها ثم أبنيها‪ ،‬أو‬
‫أصلح ما َوَهى منها؟‬
‫فقال له ابن عباس رضي ال عنهما‪ :‬إني أرى أن تصلح ما َوَهى منها‪ ،‬وتدع بيتا‬
‫أسلم الناس عليه‪ ،‬وحجارة أسلم الناس عليها‪ ،‬وبعث عليها النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فقال ابن الزبير‪ :‬لو أن أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدده‪ ،‬فكيف ببيت‬
‫ربكم؟ إني مستخير ربي ثلثا‪ ،‬ثم عزم على أمر‪ ،‬فلما مضت الثلثة أجمع رأيه أن‬
‫ينقضها‪ ،‬فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد عليه أمر من السماء‪ ،‬حتى‬
‫صعد رجل فألقى منه حجارة‪ ،‬فلما لم ير الناس أصابه شيء تتابعوا‪ ،‬فنقضوه حتى‬
‫بلغ به الرض‪ ...‬انتهى باختصار‪.‬‬
‫ووجه مخالفة هذا لما ذكره الزرقي‪ :‬أنه يقتضي أن ابن الزبير رضي ال عنهما لم‬
‫يهدم البيت حتى صدر الناس من الموسم‪ ،‬وصدورهم منه كان بعد حجهم‪ ،‬وزمن‬

‫الحج غير الزمن الذي ذكر الزرقي أن ابن الزبير رضي ل عنهما هدم فيه البيت‪،‬‬
‫وقد سبق ذلك قريبا‪ ،‬وال أعلم بالصواب‪.‬‬
‫وتكون عمارة ابن الزبير رضي ال عنهما للبيت على مقتضى حديث عطاء في‬
‫آخر ذي الحجة من سنة أربع وستين‪ ،‬وفي سنة خمس وستين‪ ،‬وذلك يوافق ما جزم‬
‫به ابن الثير في عمارة الكعبة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪ 201 /1‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪ 2‬الكامل لبن الثير ‪.207 /4‬‬
‫) ‪(1/11‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -134-‬ولم أر في تاريخ الزرقي ذكر الوقت الذي فرغ فيه ابن الزبير‬
‫من بناء الكعبة‪ ،‬وهو سنة خمس وستين‪ ،‬على ما ذكره المسبحي في "تاريخه" على‬
‫ما وجدت بخط الحافظ رشيد الدين ابن الحافظ زكي الدين المنذري في اختصاره‬
‫لتاريخ المسبحي‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وذكر المحب الطبري ما يقتضي أن فراغ ابن الزبير رضي ال عنهما من عمارة‬
‫الكعبة كان في ليلة سابع عشر من رجب من سنة أربع وستين لنه قال في الترجمة‬
‫التي ترجم عليها بقوله‪" :‬ما جاء في عمرة التنعيم" في الباب الثامن والثلثين من‬
‫"القرى" بعد أن ذكر اعتمار ابن الزبير رضي ال عنهما من التنعيم لما فرغ من‬
‫بناء الكعبة ‪ :1‬وذكر أبو الوليد أن هدم الكعبة كان يوم السبت في النصف من‬
‫جمادى الخرة سنة أربع وستين‪ ،‬والظاهر أن ابتداء البناء عقيبه‪ ،‬بعد الفراغ منه‪،‬‬
‫وأهل مكة يعتمرون في ليلة سبع وعشرين من رجب في كل سنة‪ ،‬وينسبون هذه‬
‫العمرة إلى ابن الزبير رضي ال عنهما ول يبعد أن يكون بناء الكعبة امتد إلى هذا‬
‫التاريخ‪ ،‬فإن تطابق الناس على ذلك يأثره الخلف عن السلف‪ ،‬وفعله كل سنة‬
‫بأسبابه تدل على صحة النسبة إليه‪ ،‬وأنه اعتمر في ذلك الوقت‪ ،‬وأن الفراغ من‬
‫بناء الكعبة كان في هذا التاريخ‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقد اختلفت الخبار فيمن وضع الحجر السود في موضعه من الكعبة حين بناها‬
‫ابن الزبير رضي ال عنهما فقيل‪ :‬وضعه عبد ال بن الزبير بنفسه‪ ،‬ذكر ذلك‬
‫الزرقي في خبر رواه عن الواقدي بسنده؛ لن فيه‪ :‬فلما بلغ البناء موضع الركن‬
‫جاء ابن الزبير رضي ال عنهما حتى وضعه بنفسه‪ ،‬وشده بالقصبة ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬وضعه عباد بن عبد ال بن الزبير‪ ،‬وهذا في خبر رواه الزرقي ‪ 2‬ذكر فيه‬
‫أن عبد ال بن الزبير رضي ال عنهما أمر ابنه عبادا وجبير بن شيبة أن يجعل‬
‫الركن في ثوب ويخرجاه‪ ،‬وهو يصلي بالناس في صلة الظهر في يوم شديد الحر‪،‬‬
‫لئل يعلم الناس بذلك فيتنافسوا في وضعه‪ ،‬وفيه‪ :‬ففعل ذلك‪ ،‬وفيه‪ :‬فكان الذي‬
‫وضعه في موضعه هذا عباد بن عبد ال بن الزبير‪ ،‬وأعانه عليه جبير بن شيبة‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬وضعه حمزة بن عبد ال بن الزبير بأمر أبيه‪ ،‬نقل ذلك السهيلي ‪ 3‬عن الزبير‬
‫بن بكار‪.‬‬
‫جبة وضعوه في‬
‫حَ‬
‫ورأيت في تاريخ الزرقي وكتاب الفاكهي ما يقتضي أن ال َ‬
‫موضعه ومعهم حمزة بن عبد ال بن الزبير‪ ،‬وال أعلم بالصواب‪.‬‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."622 :‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي "‪.208 /1‬‬
‫‪ 3‬الروض النف ‪.228 /1‬‬
‫) ‪(1/12‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -135-‬فيتلخص من ذلك أربعة أقوال فيمن وضع الحجر السود حين‬
‫بنى ابن الزبير رضي ال عنهما‪.‬‬
‫وأما بناء الحجاج للكعبة فهو أيضا ثابت مشهور‪ ،‬ذكره الزرقي وغيره‪ ،‬وملخص‬
‫ذلك أن الحجاج بعد محاصرته ابن الزبير وقتله كتب إلى عبد الملك بن مروان‬
‫يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس منها‪ ،‬وأحدث فيها بابا آخر‪ ،‬واستأذنه‬
‫في رد ذلك على ما كان عليه في الجاهلية‪ ،‬فكتب إليه عبد الملك أن يسد بها‬
‫الغرب‪ ،‬ويهدم ما زاد فيها ابن الزبير رضي ال عنهما في الحجر‪ ،‬ويكبسها به‬
‫على ما كانت عليه ففعل ذلك الحجاج‪.‬‬
‫وبناؤه في الكعبة‪ ،‬الجدار الذي من جهة الحجر بسكون الجيم والباب الغربي‬
‫المسدود في ظهر الكعبة عند الركن اليماني وما تحت عتبة الباب الشرقي‪ ،‬وهو‬
‫أربعة أذرع وشبر‪ ،‬على ما ذكر الزرقي‪ ،‬وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير‬
‫رضي ال عنهما وهذا ملخص مما ذكره الزرقي في ذلك بالمعنى ‪.1‬‬
‫وكان ذلك في سنة أربع وسبعين من الهجرة على ما ذكره ابن الثير ‪ ،2‬وقيل‪ :‬سنة‬
‫ثلث وسبعين على ما ذكر الذهبي في العبر‪.‬‬
‫ثم إن عبد الملك بن مروان ندم على ما وقع منه في أمر الكعبة‪ ،‬وقال‪ :‬وددت وال‬
‫أنى كنت تركت ابن الزبير وما تحمل حين أخبره الحارث بن عبد ال بن أبي ربيعة‬
‫المخزومي أنه سمع من عائشة رضي ال عنها حديثها عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم الذي اعتمده ابن الزبير رضي ال عنهما فيما فعله في الكعبة‪.‬‬
‫أخبرني بحديث عائشة رضي ال عنها الزاهد عبد الرحمن بن أحمد المصري‬
‫سماعا بالقاهرة في الرحلة الولى‪ :‬أن يونس بن إبراهيم العسقلني أخبره سماعا‪،‬‬
‫عن أبي الحسن علي بن الحسين البغدادي‪ ،‬عن أبي بكر بن الزاغوني ونصر بن‬
‫نصر العكبري‪ ،‬قال الزاعوني‪ :‬أنبأنا ابن نصر الزينبي‪ .‬وقال العكبري‪ :‬أنبأنا أبو‬
‫القاسم بن البسري‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا أبو طاهر المخلص قال‪ :‬حدثنا يحيى قال‪ :‬حدثنا‬
‫بكار بن قتيبة قال‪ :‬حدثنا أبو داود الطيالسي قال‪ :‬حدثنا سليمان بن حبان قال‪ :‬حدثنا‬
‫سعيد بن مينا‪ ،‬عن عبد ال بن الزبير رضي ال عنهما قال أخبرتني عائشة رضي‬
‫ال عنها أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال لها‪" :‬لول أن قومك حديثو عهد‬
‫بالجاهلية لهدمت الكعبة وألزقتها بالرض‪ ،‬وجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا‪،‬‬
‫ولزدت ستة أذرع من الحجر في البيت فإن قريشا استقصرت ذلك لما بنت البيت"‬
‫‪.3‬‬
‫وقد اختلفت الروايات فيما تركته قريش من الكعبة في الحجر‪ ،‬وسنذكر ذلك إن شاء‬
‫ال تعالى في أخبار الحجر‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.210 /1‬‬
‫‪ 2‬الكامل لبن الثير ‪.365 /4‬‬
‫‪ 3‬أخرجه مسلم كما سبق‪.‬‬
‫) ‪(1/13‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -136-‬ذكر شيء من حال الكعبة بعد بناء ابن الزبير والحجاج وما‬
‫صنع فيها من العمارة‪:‬‬
‫اعلم أنه لم يغير أحد من الخلفاء والملوك فيما مضى من الزمان وإلى الن ‪ 1‬ما بناه‬
‫ل‪ ،‬فإن ذلك مما‬
‫ابن الزبير رضي ال عنهما والحجاج فيما علمناه‪ ،‬ولو وقع ذلك لُنِق َ‬
‫غّيَر فيها بعدهما‪ :‬ميزابها غير مرة‪ ،‬وبابها غير مرة‪،‬‬
‫ل يخفى لعظم أمره‪ ،‬والذي ُ‬
‫كما سيأتي بيانه إن شاء ال تعالى وبعض أساطينها‪ ،‬وما دعت الضرورة إلى‬
‫عمارته في جدرها وسقفها‪ ،‬ودرجتها التي يصعد منها إلى سطحها‪ ،‬وعتبتها‪،‬‬
‫ورخامها‪ ،‬وهو مما حدث في الكعبة بعد ابن الزبير رضي ال عنهما والحجاج‪.‬‬
‫وذكر الزرقي أن الوليد بن عبد الملك أول من فرش الكعبة بالرخام وأزر به‬
‫جدرانها‪ ،‬ونقل ذلك عن ابن جريج‪ ،‬لنه قال‪ :‬قال ابن جريج‪ :‬وعمل الوليد بن عبد‬
‫الملك الرخام الحمر والخضر والبيض الذي في بطنها‪ ،‬فوزر به‪ ،‬أيضا‬
‫جدرانها‪ ،‬وفرشها بالرخام‪ ،‬وأرسل به من الشام‪ ،‬ثم قال الزرقي‪ :‬فجميع ما في‬
‫الكعبة من الرخام‪ ،‬فهو من عمل الوليد بن عبد الملك ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وكان الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان يحب أن يردها على ما بناها ابن‬
‫الزبير‪ ،‬حين أخبره بذلك خليفته المام العادل عمر بن عبد العزيز بن مروان لما‬
‫سأله عن ذلك ولم يمنع سليمان من ذلك إل كون الحجاج صنع ذلك بأمر أبيه عبد‬
‫الملك بن مروان‪ ،‬ذكر هذا الخبر الزرقي ‪.3‬‬
‫ويروى أن الخليفة الرشيد وقيل‪ :‬أبوه المهدي أراد أن يغير ما صنعه الحجاج في‬
‫الكعبة‪ ،‬وأن يردها إلى ما صنع ابن الزبير‪ ،‬فنهاه عن ذلك المام مالك بن أنس‬
‫رحمه ال وقال له‪ :‬نشدتك ال ل تجعل بيت ال ملعبة للملوك‪ ،‬ل يشأ أحد منهم أن‬
‫يغيره إل غيره‪ ،‬فتذهب هيبته من قلوب الناس‪ ...‬انتهى بالمعنى‪.‬‬
‫وكأن مالك لحظ في ذلك كون درء المفاسد أولى من جلب المصالح‪ ،‬وهي قاعدة‬
‫مشهورة معتمدة‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.213 /1‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.220 /1‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للزرقي ‪.221 /1‬‬
‫) ‪(1/14‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -137-‬ونشير إلى ما علمناه من العمارات التي وقعت في الكعبة بعد‬
‫ابن الزبير رضي ال عنهما والحجاج‪:‬‬
‫فمن ذلك انفتاح الجدار الذي بناه الحجاج من وجه الكعبة ودبرها وترميمه ذكر ذلك‬

‫إسحق بن أحمد الخزاعي أحد من روى عن الزرقي في تاريخه‪ ،‬ونص كلمه‪:‬‬
‫وأنا رأيتها‪ ،‬وقد عمر الجدار الذي بناه الحجاج مما يلي الحجر‪ ،‬فانفتح من البناء‬
‫الول الذي بناه ابن الزبير مقدار نصف أصبع من وجهها ومن دبرها‪ ،‬وقد رمم‬
‫بالجص البيض‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر ذلك في موطن آخر بمعناه‪ .‬وكلم الخزاعي هذا يحتمل أمرين‪ :‬أحدهما‪ :‬أن‬
‫يكون ما ذكره من انفتاح الجدار وترميمه وقع في عصره‪ ،‬والخر‪ :‬أن يكون وقع‬
‫ذلك قبله ورآه كما ذكره‪ ،‬وال أعلم‪ .‬ووقع فيما ذكره الزرقي‪ :‬ما يقرب من هذا‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬ما وقع في سطح الكعبة على ما ذكر الزرقي‪ ،‬لنه قال‪ :‬وكانت أرض‬
‫جبة بعد‬
‫حَ‬
‫ف عليهم إذا جاء المطر‪ ،‬فقلعته ال َ‬
‫سطح الكعبة بالفسيفساء‪ ،‬ثم كانت تك ّ‬
‫سنة مائتين‪ ،‬وشدوه بالمرمر المطبوخ والجص شيد به تشييدا‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬عتبة باب الكعبة السفلى‪ ،‬على ما ذكره الزرقي‪ ،‬لنه قال لما ذكر‬
‫العمارة المتعلقة بالكعبة في زمن المتوكل العباسي‪ ،‬وهي في سنة إحدى وأربعين‬
‫ومائتين‪ :‬وكانت عتبة باب الكعبة السفلى قطعتين من خشب الساج فدثرتا ونخرتا‬
‫من طول الزمان عليهما‪ ،‬فأخرجهما يعني المندوب للعمارة إسحق بن سلمة الصائغ‬
‫وصير مكانهما قطعة من خشب الساج‪ ،‬وألبسهما صفائح فضة ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬رخامتان أو ثلث في جدران الكعبة‪ ،‬قلع ذلك إسحاق بن سلمة‪ ،‬وأعاد‬
‫نصبه بجص صنع في التاريخ المشار إليه ذكر ذلك الزرقي ‪ 2‬أيضا‬
‫ومن ذلك ما وقع بعد الزرقي‪ ،‬وهو عمارة سقف الكعبة والدرجة التي بباطنها‪،‬‬
‫وكلهما في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ‪.3‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬عمارة رخامها في عشر الخمسين وخمسمائة في غالب ظني وهذه‬
‫العمارة من جهة الوزير جمال الدين المعروف بالجواد‪ ،‬وزير صاحب الموصل‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬مع وقع في سنة تسع وعشرين وستمائة‪ ،‬وما عرفت المعمور في تلك‬
‫السنة من الكعبة‪ :‬هل هو في سقفها؟ أو أرضها وجدرها؟ كإصلح رخامه في ذلك‬
‫وغيره‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪ ،301 /1‬وإتحاف الورى ‪.314 /2‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.307 ،306 /1‬‬
‫‪ 3‬إتحاف الورى ‪.322 /2‬‬
‫) ‪(1/15‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -138-‬وهذه العمارة من جهة المستنصر العباسي‪ ،‬لن في جدر الكعبة‬
‫اليماني من داخلها رخامة مكتوبا فيها بعد البسملة‪ :‬أمر بعمارة البيت المعظم المام‬
‫العظم أبو جعفر المنصور المستنصر بال أمير المؤمنين‪ ،‬وفيها بعد الدعاء له‪:‬‬
‫في شهور سنة تسع وعشرين وستمائة‪.‬‬
‫ومن ذلك رخام الكعبة بأمر الملك المظفر صاحب اليمن‪ ،‬واسمه مكتوب بسبب ذلك‬
‫في الكعبة في رخامة في وسط الجدار الغربي‪ ،‬ونص المكتوب‪ :‬أمر بتجديد رخام‬
‫هذا البيت المعظم‪ :‬العبد الفقير إلى رحمة ربه يوسف بن عمر بن علي ابن رسول‪،‬‬
‫وفيها بعد الدعاء له‪ :‬بتاريخ شوال سنة ثمانين وستمائة ‪.1‬‬

‫ي سقوطه في بعض جدرانها من داخلها في آخر سنة‬
‫شَ‬
‫خِ‬
‫ومن ذلك‪ :‬إلصاق رخام ُ‬
‫إحدى وثمانمائة أو في أول سنة اثنتين وثمانمائة ‪.2‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬مواضع في سطحها كان يكثر وكف المطر منها إلى سفلها‪ ،‬منها‪:‬‬
‫موضع عند الطابق الذي على الدرجة التي يصعد منها إلى سطحها‪ ،‬ومنها‪ :‬موضع‬
‫عند الميزاب‪ ،‬وكان الفتح الذي في هذا الموضع متسعا مضرا‪ ،‬يصل الماء منه إلى‬
‫الجدار الشامي من الكعبة‪ ،‬لقربه منها‪ ،‬وينزل الماء منه في وسط الجدار‪ ،‬ومواضع‬
‫بقرب بعض الروازن التي للضوء‪.‬‬
‫وكان إصلح المواضع المذكورة بالجبس بعد قلع الرخام الذي هناك‪ ،‬وأعيد في‬
‫موضعه‪ ،‬وأبدل بعضه بغيره‪ ،‬وأصلحت الروازن كلها بالجبس‪ ،‬وكانت الخشاب‬
‫المطبقة بأعلى الروازن التي عليها البناء المرتفع في سطح البيت قد تخربت‪،‬‬
‫فعوضت بخشب سوى ذلك‪ ،‬وأعيد البناء الذي كان عليها كما كان‪ ،‬إل أن الروزن‬
‫الذي يلي باب الكعبة فإن خشبه لم يغير‪ ،‬وكان الروزن الذي يلي الركن الغربي قد‬
‫تخرب بعض الخشب الذي في جوفه مما يلي السقف والكسوة التي في جوف‬
‫الكعبة‪ ،‬وكانت الكسوة التي تليه قد زال تشبكها فشمرت‪ ،‬وكان الروزن الذي يلي‬
‫الركن اليماني منكسرا فقلع وعوض بروزن جيد وجد في أسفل الكعبة‪ ،‬وأصلح في‬
‫الدرجة أخشاب متكسرة‪ ،‬وشاهدت إصلح كثير من هذه المور وأنا بسطح الكعبة‬
‫شر الوسط من شهر رمضان‬
‫مع من صعد لعمل ذلك‪ ،‬وذلك في أيام متفرقة في الُع ْ‬
‫شر‪،‬‬
‫سنة أربع وعشر وثمانمائة عقب مطر عظيم حصل بمكة في أوائل هذا الُع ْ‬
‫وصار يخرج بسببه من باب الكعبة إلى الطواف كأفواه القرب ‪.3‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬أن في النصف الخير من ذي الحجة سنة خمس وعشرين وثمانمائة‪،‬‬
‫أصلحت الروازن التي بسطح الكعبة ورخامة تل ميزابها‪ ،‬لن الماء كان ينتفع‬
‫عليها‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪.113 /3‬‬
‫‪ 2‬إتحاف الورى ‪.416 /3‬‬
‫‪ 3‬إتحاف الورى ‪ ،488 /3‬والعقد الثمين ‪.50 /1‬‬
‫) ‪(1/16‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -139-‬لخراب ما تحتها‪ ،‬فقلعت وأزيل ما تحتها من الخراب‪ ،‬وأعيد‬
‫إلصاقها بعد إحكام هذا الصلح ‪.1‬‬
‫ومن ذلك في هذا التاريخ‪ :‬أن الخشاب التي بسطح الكعبة المعدة لربط كسوتها‬
‫تخربت فقلعت وعوض عنها بأخشاب جديدة محكمة‪ ،‬وركبت فيها الحلق الحديد‬
‫التي يشد بها كسوة الكعبة‪ ،‬ووضعت الخشاب بسطح الكعبة في مواضعها قبل‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬أن في صفر سنة ست وعشرين وثمانمائة قلع الرخام الذي بين جدار‬
‫الكعبة الغربي والساطين التي بالكعبة لتخربه‪ ،‬وأعيد نصبه محكما كما كان‬
‫بالجص‪ ،‬وأصلح رخام آخر في بعض جدران الكعبة لتخربه‪ ،‬وأعيد نصبه محكما‬
‫كما كان بالجص‪ ،‬وأصلح رخام آخر في بعض جدران الكعبة لتخربه‪ ،‬وكتب بسبب‬

‫ذلك في لوح رخام يقابل باب الكعبة‪ ،‬ومعنى المكتوب فيه‪ ،‬تقرب إلى ال تعالى‬
‫برخام هذا البيت الشريف المطهر العبد الفقير إلى ال تعالى الملك الشرف برسباي‬
‫في سنة ست وعشرين وثمانمائة ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫والملك الشرف المشار إليه هو صاحب الديار المصرية والشامية والحرمين في‬
‫هذا التاريخ‪ ،‬زاده ال نصرا وتوفيقا‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬أن السطوانة التي تلي باب الكعبة ظهر بها ميل فخيف من أمرها‪،‬‬
‫فاجتمعنا بالكعبة الشريفة مع جماعة من قضاة مكة‪ ،‬والمير المندوب من مصر في‬
‫السنة الماضية لعمارة المسجد الحرام أحسن ال إليه وغيره من العيان بمكة‬
‫والعارفين بالعمارة‪ ،‬وكشف من فوق السارية المذكورة فوجدت صحيحة‪ ،‬فحمدنا‬
‫ال تعالى كثيرا على ذلك‪ ،‬وردت حتى استقامت وأحكم ذلك كما كانت أول‪ ،‬فلله‬
‫الحمد‪ ،‬والمير المشار إليه هو الجناب السيفي مقبل القديدي الملكي الشرفي‬
‫صاحبنا‪ ،‬أحسن ال إليه‪.‬‬
‫وكان إصلح هذه السطوانة في يوم السبت سادس عشر صفر سنة ست وعشرين‬
‫وثمانمائة‪ ،‬وإصلح الرخام في أيام الشهر المذكور ‪.3‬‬
‫ومما غير في الكعبة بعد ابن الزبير رضي ال عنهما والحجاج‪ :‬عتبة الباب‬
‫السفلى‪ ،‬لن الزرقي ذكر أنها جعلت قطعة واحدة من خشب الساج‪ ،‬كما سبق‬
‫ذكره وعتبة الكعبة الن السفلى حجر منحوت‪ ،‬وما عرفت متى كان ذلك‪ .‬وقد خفي‬
‫علينا من المعنى الذي ذكرناه من أمر عمارة الكعبة كثير لعدم تدوين من قبلنا لذلك‪.‬‬
‫ويدخل في المعنى الذي ذكرناه من عمارة الكعبة العمارة الواقعة في شاذورانها‪،‬‬
‫وقد بينا ما علمناه من ذلك في الباب الذي بعد هذا في الترجمة المتعلقة بالشاذروان‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪ ،587 /3‬والعلم بأعلم بيت ال الحرام "ص‪ ،"207 :‬وتاريخ‬
‫الكعبة المعظمة "ص‪."233 :‬‬
‫‪ 2‬إتحاف الورى ‪ ،597 /3‬والعقد الثمين ‪.50 /1‬‬
‫‪ 3‬إتحاف الورى ‪.597 /3‬‬
‫) ‪(1/17‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -140-‬ذكر الساطين‪:‬‬
‫وأما الساطين‪ :‬فواحدة فيما علمت‪ ،‬على ما ذكر الفاكهي‪ ،‬لنه قال‪ :‬حدثني أبو‬
‫علي الحسن بن مكرم قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن بكر قال‪ :‬حدثني أبي بكر بن حبيب‬
‫جت‪ ،‬وجيء بأخرى‬
‫خِر َ‬
‫قال‪ :‬جاورت بمكة فعابت أسطوانة من أساطين البيت‪ ،‬فُأ ْ‬
‫خلوها مكانها‪ ،‬فطالت عن الموضع‪ ،‬وأدركهم الليل‪ ،‬والكعبة ل تفتح ليل‪،‬‬
‫لُيْد ِ‬
‫فتركوها مائلة ليعودوا من غد فيصلحوها‪ ،‬فجاءوا من غد فأصابوها أقوم من‬
‫القدح‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ولم يذكر ذلك الزرقي ولم أر من ذكر ذلك غير الفاكهي‪ ،‬وهو غريب جدا‪ .‬وال‬
‫أعلم‪ .‬وفيه كرامة للبيت زاده ال شرفا‪.‬‬
‫ذكر الميازيب‪:‬‬
‫وأما الميازيب‪ :‬فميزاب عمله الشيخ أبو القاسم رامشت صاحب الرباط المشهور‬

‫بمكة‪ ،‬وصل به خادمه "مثقال" بعد موته مع تابوته في سنة سبع وثلثين‬
‫وخمسمائة ‪.1‬‬
‫وميزاب أنقذه الخليفة المقتفي العباسي ‪ 2‬في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة‪ ،‬أو في‬
‫التي بعدها‪ ،‬وجعل عوض ميزاب رامشت ‪.3‬‬
‫ومنها‪ :‬ميزاب عمله الناصر العباسي ‪ 4‬وهو الن في الكعبة لن اسمه مكتوب فيه‪،‬‬
‫وهو خشب مبطن برصاص في الموضع الذي يجري فيه الماء‪ ،‬وظاهره مما يبدو‬
‫للناس مطلي بفضة‪ ،‬وأصلح الموضع الذي يجري فيه الماء منه في العشر الوسط‬
‫من شهر رمضان سنة أربع عشرة وثمانمائة ‪ ،5‬بعد قلع اللوح الذي فوقه يستر‬
‫مجرى الماء‪ ،‬وأعيد اللوح كما كان وطول هذا الميزاب بما منه في جدار الكعبة‬
‫يزيد على أربعة أذرع‪ .‬بالحديد‪ ،‬مقدار ثمن الذراع أو أكثر ‪-‬الشك مني في مقدار‬
‫الزيادة بعد تحريري لذلك في التاريخ الذي ذكرنا فيه إصلحه‪ -‬وأحدث عهد حلي‬
‫فيه هذا الميزاب سنة إحدى وثمانين وسبعمائة ‪.6‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪ ،507 /3‬والعقد الثمين ‪.386 ،385 /3‬‬
‫‪ 2‬هو‪ :‬أبو عبد ال الحسين لمر ال ابن المستظهر‪ ،‬بويع بالخلفة سنة ‪540‬هـ‬
‫واستمر إلى أن توفي سنة ‪555‬هـ‪.‬‬
‫‪ 3‬إتحاف الورى ‪ ،510 /2‬وفيه أن ذلك كان في سنة ‪542‬هـ‪.‬‬
‫‪ 4‬هو أبو العباس أحمد الناصر لدين ال ابن المستضيء‪ ،‬بويع بالخلفة سنة‬
‫‪575‬هـ‪ ،‬وظل بها إلى أن توفي سنة ‪622‬هـ‪.‬‬
‫‪ 5‬إتحاف الورى ‪.487 /3‬‬
‫‪ 6‬إتحاف الورى ‪ ،334 /3‬والسلوك للمقريزي ‪ ،372 ،357 :1 /3‬وتاريخ الكعبة‬
‫المعظمة "ص‪ ."999 ،192 ،174 :‬وقد وقع تغيير وتبديل في ميزاب الكعبة على‬
‫مر العصور‪ ،‬وكان آخره هو ما عمله السلطان العثماني عبد المجيد خان‪ ،‬والذي‬
‫صنع في إسلمبول عام "‪1276‬هـ" وركب في نفس السنة‪ ،‬وهو مصفح بالذهب‬
‫نحو "‪ "50‬رطل‪ ،‬وهو آخر ميزاب‪ ،‬وهو الموجود الن بالكعبة المشرفة‪.‬‬
‫) ‪(1/18‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -141-‬ذكر البواب‪:‬‬
‫وأما البواب‪ :‬فباب عمله الوزير جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور‬
‫المعروف بالجواد‪ ،‬سنة خمسين وخمسمائة‪ ،‬وركب عليها في سنة إحدى وخمسين‪،‬‬
‫وكتب عليه اسم الخليفة المقتفي العباسي‪ ،‬وحله الجواد حلية حسنة بحيث إنه كان‬
‫يستوقف البصار لحسن حليته على ما ذكر ابن جبير في أخبار رحلته ‪ ،1‬وذكر‬
‫فيها صفة حليته‪.‬‬
‫وكلم ابن الثير يوهم أن الذي صنع للكعبة الباب في هذا التاريخ الخليفة المقتفي‪،‬‬
‫لنه قال في أخبار سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة‪ ،‬فيها قلع الخليفة المقتفي لمر‬
‫ال باب الكعبة وعمل عوضه بابا مصفحا بالنقرة المذهبة‪ ،‬وعمل لنفسه من الباب‬
‫الول تابوتا يدفن فيه إذا مات ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وليس ما ذكره ابن الثير من نسبة الباب للمقتفي معارضا لما ذكره ابن جبير من‬

‫نسبته للجواد‪ ،‬لن الجواد إنما صنعه بأمر المقتفي‪ ،‬وأضاف إليه هذا الباب بكتابة‬
‫اسمه عليه‪ ،‬وإنما نبهنا على ذلك لئل يتوهم أن كل منهما صنع للكعبة بابا‪ ،‬لنه‬
‫يبعد أن يعمل كل منهما للكعبة بابا في تاريخ واحد بسبب واحد‪ ،‬وهو اتخاذ الباب‬
‫الول تابوتا للدفن‪ ،‬فإن الجواد عمل تابوتا على ما قيل من الباب الذي كان قبل‬
‫بابه‪ ،‬حمل فيه إلى المدينة الشريفة‪ ،‬ودفن بها‪ ،‬ولم يكن يتمكن من ذلك إل بموافقة‬
‫المقتفي عليه‪ ،‬وإظهاره أن للمقتفي رغبة في عمل الباب الذي قبل بابه تابوتا‪،‬‬
‫ولجل ذلك نسب هذا المر للمقتفي كما ذكر ابن الثير‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬رحلة ابن جبير "ص‪ ،"102 :‬وإتحاف الورى ‪51512‬ن والعقد الثمين ‪،33 /7‬‬
‫ودرر الفرائد "ص‪.261 :‬‬
‫‪ 2‬الكامل لبن الثير ‪ ،228 /11‬والعقد الثمين ‪ ،33 /7‬ودرر الفرائد "ص‪:‬‬
‫‪ ،"261‬وإتحاف الورى ‪."516 ،515 /2‬‬
‫) ‪(1/19‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -142-‬ومنها‪ :‬باب عمله المالك المظفر صاحب اليمن وكان عليه‬
‫صفائح فضة زنتها ستون رطل‪ ،‬وصارت لبني شيبة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬باب عمله الملك الناصر محمد بن قلوون ‪ 1‬صاحب مصر‪ ،‬وركب على‬
‫الكعبة بعد قلع باب الملك المظفر في ثامن عشر من ذي القعدة سنة ثلث وثلثين‬
‫وسبعمائة‪ ،‬وكان عليه من الفضة خمسة وثلثون ألف درهم‪ ،‬وثلثمائة درهم على‬
‫ما ذكره البرزالي‪ ،‬وذكر أن هذا الباب من السنط الحمر ‪.2‬‬
‫ومنها‪ :‬باب عمل في سلطنة ولده الملك الناصر حسن ‪ ،3‬وذلك في سنة إحدى‬
‫وستين وسبعمائة‪ ،‬وهو من خشب الساج‪ ،‬عمل بمكة‪ ،‬واستمر في الكعبة إلى‬
‫تاريخه ‪ ،4‬إل أنه في سنة ست وسبعين وسبعمائة قلع مها لعمل الحلية التي هي فيه‬
‫الن‪ ،‬وعوض عنه بباب قديم كان للكعبة ‪ ،5‬وهو الن في حاصل زيت الحرم‪،‬‬
‫ولعله باب الكعبة الذي عمله الملك الناصر محمد بن قلوون‪ ،‬ثم أعيد إليها الباب‬
‫الذي عمل بمكة في دولة الناصر حسن بعد تحليته في التاريخ الذي ذكرناه على ما‬
‫أخبرني به والدي أعزه ال‪ ،‬وذكر أن مقدار هذه الحلية اثنان وثلثون ألف درهم‪،‬‬
‫أو ثلثة وثلثون ل يزيد عن ذلك‪ ،‬وأنه شاهد تحرير هذه الحلية لما كان مشارفا‬
‫على عملها‪ ،‬وأظن أنه حلي في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة ‪ ،6‬وال أعلم‪.‬‬
‫واسم الملك الناصر محمد بن قلوون مكتوب في هذا الباب بأسفله‪ ،‬واسم حفيده‬
‫الملك الشرف شعبان بن حسين ‪ 7‬في بعض فيارين الباب‪ ،‬وفي بعض فيارين‬
‫الباب‪ ،‬وهو الجانب الذي يكون على يمين الداخل إلى الكعبة‪ ،‬مكتوب اسم الملك‬
‫المؤيد أبي النصر شيخ ‪ ،8‬صاحب مصر‪ ،‬نصره ال‪ ،‬لن بعض خواصه قدم إلى‬
‫مكه في أول يوم‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هو سلطان المماليك في مصر والشام‪ ،‬تولى السلطنة عدة مرات أولها سنة‬
‫‪693‬هـ وعمره تسع سنين‪ ،‬فلبث فيها سنة إل ثلثة أيام‪ ،‬ثم تسلطن سنة ‪698‬هـ‪ ،‬ثم‬
‫عاد إلى السلطنة سنة ‪708‬هـ‪ ،‬ثم عاد مرة أخرى سنة ‪709‬هـ‪ ،‬وبقي بها حتى مات‬

‫سنة ‪741‬هـ "الدرر الكامنة ‪."148-144 /4‬‬
‫‪ 2‬البداية والنهاية ‪ ،162 /14‬والسلوك ‪ ،362 :2/2‬وإتحاف الورى ‪.203 /3‬‬
‫‪ 3‬تولى السلطنة عام ‪748‬هـ حتى عام ‪752‬هـ ثم أعيد عام ‪755‬هـ حتى عام‬
‫‪762‬هـ "الدرر الكامنة ‪."40-38 /2‬‬
‫‪ 4‬النجوم الزاهرة ‪ ،316 /10‬والعقد الثمين ‪.181 /4‬‬
‫‪ 5‬إتحاف الورى ‪ ،321 /3‬والعقد الثمين ‪.52 /1 ،10 /5‬‬
‫‪ 6‬إتحاف الورى ‪ ،334 /4‬والسلوك ‪.372 ،357 :1 /3‬‬
‫‪ 7‬تولى السلطنة سنة ‪764‬هـ إلى أن قتل سنة ‪778‬هـ "بدائع الزهور ‪ 1‬ق‪."111 /‬‬
‫‪ 8‬هو السلطان شيخ المحمودي‪ ،‬تسلطن من سنة ‪815‬هـ حتى مات أوائل سنة‬
‫‪827‬هـ "بدائع الزهور ‪."60 /2‬‬
‫) ‪(1/20‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -143-‬من ذي الحجة سنة ستة عشرة وثمانمائة‪ ،‬فرأى جانب الباب‬
‫المشار إليه محتاجا إلى الحلية‪ ،‬فحله بفضة وطلها بالذهب وكتب في ذلك اسم‬
‫الملك المؤيد نصره ال‪ ،‬ومقدار الفضة التي حلي بها الموضع المشار إليه مائة‬
‫درهم ونيف وتسعون درهما‪ ،‬على ما أخبرني به بعض من صاغ ذلك‪ ،‬وكان عمل‬
‫ذلك والفراغ منه قبل الطلوع إلى عرفة في أيام من العشر الول من ذي الحجة من‬
‫سنة ست عشرة وثمانمائة ‪ ،1‬واستحسن ذلك ممن صنعه‪ ،‬فال يزيده رفعة‪ ،‬واسم‬
‫الملك المظفر صاحب اليمن على مفتاح قفل باب الكعبة الن‪ ،‬وفي القفل أيضا فيما‬
‫أظن لن فيه كتابة ممحوة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪ ،510 /3‬وتاريخ الكعبة المعظمة "ص‪."199 :‬‬
‫أّول من بوب الكعبة‪:‬‬
‫ولنختم هذا الفصل بفائدة في بيان أول من بوب الكعبة‪ :‬أول من بوبها أنوش بن‬
‫شيث بن آدم عليه السلم على ما ذكره الزبير بن بكار؛ لنه قال‪ :‬وقال محمد بن‬
‫حسن‪ :‬حدثني عيسى بن عبد ال عن أبيه قال‪ :‬أنوش بن شيث بن آدم أول من‬
‫غرس النخلة‪ ،‬وبوب الكعبة‪ ،‬وزرع الحبة‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر ذلك السهيلي رحمه ال‪ ،‬لنه قال‪ :‬أنوش‪ ،‬وتفسيره الصادق‪ ،‬وهو بالعربية‬
‫أنش‪ ،‬وهو أول من غرس النخلة‪ ،‬وبوب الكعبة‪ ،‬وبذر الحبة ‪ ... 1‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا في تاريخ الزرقي ما يقتضي أن تبعا الحميري أول من بوب الكعبة‪ ،‬لنه‬
‫قال في أثناء خبر نقله عن ابن إسحاق في بناء إبراهيم الكعبة‪ :‬وجعل بابها في‬
‫الرض غير مبوب حتى كان تبع ابن أسعد الحميري هو الذي جعل لها بابا وغلقا‬
‫فارسيا‪ ،‬وذكر معنى ذلك في موضع آخر ‪.2‬‬
‫وذكر الفاكهي ما يخالف ذلك‪ ،‬لنه قال‪ :‬وحدثنا أحمد بن صالح عن الواقدي قال‪:‬‬
‫كان البيت قد دخله السيل من أعلى مكة‪ ،‬فانهدم‪ ،‬فأعادته جرهم على بناء إبراهيم‬
‫عليه السلم وجعلوا له مصراعين وقفل‪ ،‬فاستخفت جرهم بأمر البيت‪ ،‬وعملوا‬
‫أمورا وأحدثوا أحداثا لم تكن ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫ووجه مخالفة هذا لما ذكره الزرقي أنه يقتضي أن جرهما جعلوا للكعبة بابا‪ ،‬وهو‬

‫المصراعان المشار إليهما في هذا الخبر‪ ،‬والزمن الذي صنعوا فيه ذلك هو زمن‬
‫وليتهم للكعبة‪ ،‬ووليتهم لها قبل ولية خزاعة‪ ،‬وولية خزاعة لها قبل ولية‬
‫قريش‪ ،‬والباب‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪.14 /1‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.250 ،134 /1‬‬
‫‪3‬أخبار مكة للفاكهي ‪.225 /5‬‬
‫) ‪(1/21‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -144-‬الذي عمله تبع هو في زمن ولة قريش‪ ،‬على ما أشار إليه‬
‫الفاكهي وغيره في خبر تبع الذي صنع باب الكعبة الذي ذكره الزرقي‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وذكر بعضهم ما يخالف ما ذكره الزبير والسهيلي في كون أنوش أول من بذر‬
‫الحبة‪ ،‬لن القطب الحلبي ذكر أنه بخط أبي علي الحسن بن الشرف أحمد ابن‬
‫القاضي عبد الرحيم بن علي البيسان‪ :‬أول من زرع الحبة آدم عليه السلم فإنه كان‬
‫يحرث ويزرع‪ .‬روي أن الشعير من زرع حواء‪ ،‬والحنطة من زرع آدم عليه‬
‫السلم وإنها تألمت في ذلك‪ ،‬وقال‪ :‬ذكروه في كتب التاريخ ‪ ...1‬انتهى ‪.2‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬تاريخ الطبري ‪.128 /1‬‬
‫‪ 2‬وقد تم تركيب بابين للكعبة الول في عهد الملك عبد العزيز رحمه ال وذلك عام‬
‫‪1363‬هـ ‪1944‬م وكان مصنوعا من اللمونيوم بسمك "‪ "2.5‬وارتفاعه "‪"3.10‬‬
‫أمتار‪ .‬ومدعم بقضبان من الحديد‪ .‬وتمت تغطية الوجه الخارجي للباب بألواح من‬
‫الفضة المطلية بالذهب وزين الباب بأسماء ال الحسنى‪.‬‬
‫أما الباب الثاني‪ :‬فقد أمر بصنعه الملك خالد بن عبد العزيز رحمه ال عام ‪1397‬هـ‬
‫= ‪1977‬م بعد ملحظته قدم الباب وحدوث آثار خدوش في الباب فأصدر توجيهاته‬
‫بصنع باب جديد‪ ،‬وباب التوبة من الذهب الخالص‪ .‬وكان لتوجيهات خادم الحرمين‬
‫الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز "كان وليا للعهد آنذاك" أثر بالغ في أن يظهر‬
‫العمل الجليل بالصورة التي تتمناها نفس كل مسلم‪ .‬حيث قام جللته حين ذاك‬
‫بزيارة مقر العمل‪ .‬وكان لهذه الزيارة الكريمة أثرها البالغ في دفع طاقة العمل‬
‫والنتهاء من العمل قبل الموعد المحدد وقد تم النتهاء منه في ‪ 22‬من ذي القعدة‬
‫سنة ‪1399‬هـ وقام بافتتاحه جللة الملك خالد رحمه ال‪.‬‬
‫وقد تكلفت صناعة البابين باب الكعبة‪ ،‬وباب التوبة "‪ "13,42.000‬من الريالت‬
‫عدا كمية الذهب التي تم تأمينها بواسطة مؤسسة النقد العربي السعودي‪ .‬وكمتها‬
‫مائتين وثمانين كيلو جراما‪ .‬وكان الذهب عيار ‪ .%999.9‬واستغرق العمل منذ بدء‬
‫العمل التنفيذي فيه في غرة ذي الحجة عام ‪1398‬هـ اثني عشر شهرا‪ .‬وقد أقيمت‬
‫ورشة خاصة لصناعته‪.‬‬
‫وقد وضعت أفكار مبدئية للباب تتلخص فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬تحقيق النسجام بين التصميم الجديد للباب وستارة الباب باستخدام خط الثلث‬
‫كعنصر عام مميز مع الزخرفة‪.‬‬

‫‪ -2‬اختيار نسبة وحجم بروز الزخرفة في التصميم الجديد ومطابقة ذلك على‬
‫الموقع‪.‬‬
‫‪ -3‬تحقيق طريقة تنفيذ الزخرفة بالحفر والنقش على الذهب مع استخدام قليل من‬
‫الفضة بالمكانات المحلية وبواسطة شيخ الصاغة في مكة المكرمة‪.‬‬
‫‪ -4‬إمكانية الربط بين طريقة التنفيذ والزخرفة السلمية الصيلة التي تمتد إلى‬
‫التراث العريق في التزيين المعماري الهندسي‪.‬‬
‫‪ -5‬استخدام أحدث الطرق التقنية في الهيكل النشائي للتوصل إلى درجة عالية من‬
‫المتانة والجودة بحيث يقوم الباب بوظيفته بدون الحتياج إلى الصيانة‪.‬‬
‫وفي ضوء هذه المبادئ تم بالنسبة للزخرفة اختيار طريقة التزيين التي تغطي‬
‫المساحة وهي من صميم التراث الفني السلمي نظرا لمكانية تنفيذه بالحفر على‬
‫الذهب‪ .‬أما المساحات الباقية التي =‬
‫) ‪(1/22‬‬
‫ج‪1/‬ص‪-‬‬
‫‪.................................................................................. -145‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫= في الوسط فقد أخذت نفس روح فن الزخرف السلمي حيث وضعت في‬
‫وسطها دوائر لكتابة اليات الكريمة بالطريقة المعتادة مع إضافة زخرفات في‬
‫الزوايا العلوية ليكون شكل الباب العام مقوسا دائريا يحيط باليات القرآنية المكتوبة‬
‫حسب الترتيب الموضوع لها‪ .‬وتمت التجارب المركزة في شكل إخراج الزخرفة‪،‬‬
‫من أنواع متجانسة أهم عناصرها هي زخرفة الطار البارز‪ ،‬وهي الزخرفة التي‬
‫تستمر في مستوى مكان "القفل" حيث تعطي له الهمية اللزمة‪ ،‬لن قفل الكعبة‬
‫المشرفة له شخصية خاصة في الشكل التراثي والوظيفي‪ .‬وأضيفت في الزاويتين‬
‫العلويتين زخارف متميزة لبراز شكل قوس يحيط بلفظ الجللة "ال جل جلله"‬
‫خُلوَها‬
‫واسم رسول ال "محمد صلى ال عليه وسلم" واليات القرآنية الكريمة‪} :‬ادْ ُ‬
‫شْهَر‬
‫س َوال ّ‬
‫حَراَم ِقَياًما ِللّنا ِ‬
‫ت اْل َ‬
‫ل اْلَكْعَبَة اْلَبْي َ‬
‫ل ا ُّ‬
‫جَع َ‬
‫ن{ ]الحجر‪َ } ،[46 :‬‬
‫سلٍم آِمِني َ‬
‫ِب َ‬
‫جَع ْ‬
‫ل‬
‫ق َوا ْ‬
‫صْد ٍ‬
‫ج ِ‬
‫خَر َ‬
‫جِني ُم ْ‬
‫خِر ْ‬
‫ق َوَأ ْ‬
‫صْد ٍ‬
‫ل ِ‬
‫خَ‬
‫خْلِني ُمْد َ‬
‫ب َأْد ِ‬
‫حَراَم{ ]المائدة‪َ} ،[97 :‬ر ّ‬
‫اْل َ‬
‫حَمة{‬
‫سِه الّر ْ‬
‫عَلى َنْف ِ‬
‫ب َرّبُكْم َ‬
‫صيًرا{ ]السراء‪َ} ،[80 :‬كَت َ‬
‫طاًنا َن ِ‬
‫سْل َ‬
‫ك ُ‬
‫ن َلُدْن َ‬
‫ِلي ِم ْ‬
‫ب َلُكم{ ]غافر‪.[60 :‬‬
‫ج ْ‬
‫سَت ِ‬
‫عوِني َأ ْ‬
‫ل َرّبُكُم اْد ُ‬
‫]النعام‪َ} ،[54 :‬وَقا َ‬
‫ويلي ذلك حشوتان على شكل شمسين مشرقتين في وسطها‪" :‬ل إله إل ال محمد‬
‫رسول ال" على شكل برواز دائري وقد ثبتت على أرضية الحشوتين العلويتين‬
‫حلقتا الباب اللتان تشكلن مع القفل وحدة متجانسة شكل والمتباينة نسبة‪ ،‬ليكون‬
‫ل َيا‬
‫الشكل العام مريحا للنظر‪ .‬وكتب تحت الحشوتين العلويتين الية الكريمة‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ل َيْغِفُر الّذُنو َ‬
‫ب‬
‫ن ا َّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫حَمِة ا ِّ‬
‫ن َر ْ‬
‫طوا ِم ْ‬
‫سِهْم ل َتْقَن ُ‬
‫عَلى َأْنُف ِ‬
‫سَرُفوا َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ي اّلِذي َ‬
‫عَباِد َ‬
‫ِ‬
‫حيُم{ ]الزمر‪ .[53 :‬والحشوتان اللتان تحت القفل في‬
‫جِميًعا ِإّنُه ُهَو اْلَغُفوُر الّر ِ‬
‫َ‬
‫وسطيهما كتبت سورة الفاتحة على شكل قرصين بارزين‪ ،‬وتحت هاتين الحشوتين‬
‫عبارات تاريخية صغيرة هي‪ :‬صنع الباب السابق في عهد خادم الحرمين الشريفين‬
‫الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود سنة ‪1363‬هـ وتحتها‪ :‬صنع هذا الباب‬

‫في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود سنة‬
‫‪1399‬هـ‪.‬‬
‫وضمن زخرفة خفيفة كتب في الدرفة اليمنى عبارة‪:‬‬
‫"تشرف بافتتاحه بعون ال تعالى الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود في الثاني‬
‫والعشرين من شهر ذي القعدة سنة ‪1399‬هـ‪ .‬وفي الدرفة اليسرى‪ .‬عبارة‪ :‬صنعه‬
‫أحمد إبراهيم بدر بمكة المكرمة صممه منير الجندي‪ .‬واضع الخط‪ :‬عبد الرحمن‬
‫أمين‪ ،‬كما وضعت زخرفة دقيقة خاصة لنف الباب المثبت على الدرفة اليسرى‪.‬‬
‫أما الجوانب‪ :‬فقد صممت بطريقة فنية ومثبتة حسب التصميم الزخرفي بعد مراعاة‬
‫اللوحات الدائرية البارزة التي تحمل أسماء ال الحسنى وعددها خمسة عشر‪:‬‬
‫فوق الباب‪ :‬يا واسع يا مانع يا نافع‬
‫الجانب اليمن‪ :‬يا عالم يا عليم يا حليم‬
‫يا عظيم يا حكيم يا رحيم‬
‫الجانب اليسر‪ :‬يا غني يا مغني يا حميد‬
‫يا مجيد يا سبحان يا مستعان‬
‫وعلى القاعدة الخشبية تثبت لوحات الذهب الخالص المزخرفة بطريقة النقش‬
‫والحفر‪ .‬وهذه القاعدة الخشبية مؤلفة من ثلثة مستويات في البرواز‪ ،‬الزخرفة‬
‫الطارية المستمرة‪ ،‬والثانية تحمل اليات الكريمة‪= .‬‬
‫) ‪(1/23‬‬
‫ج‪1/‬ص‪-‬‬
‫‪..................................................................................... -146‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫= مقاسات الباب‪:‬‬
‫ويزيد ارتفاع باب الكعبة المشرفة عن ثلثة أمتار‪ .‬ويقارب عرضه المترين‪ .‬بعمق‬
‫قرب من النصف متر‪ ،‬وهو مكون من درفتين ويتألف الهيكل النشائي من قاعدة‬
‫خشبية بسماكة عشرة سنتيمترات من خشب التيك واسمه الخاص "ما كامونغ"‬
‫ووزنه النوعي ‪ 40.8‬سم ‪.2‬‬
‫وقد جرى تفصيل الهيكل النشائي وتجهيزه بواسطة فنيين إخصائيين في ضوء‬
‫مطابقة التصميم الزخرفي من جهة‪ .‬ومراعاة عوامل الطقس والموقع في تحمل‬
‫الحرارة الشديدة والمطار من جهة أخرى‪.‬‬
‫واتخذت أحدث الحتياطات الفنية لمعالجة كافة النقاط التفصيلية‪ .‬والرتباطات بين‬
‫الباب والحلق من جهة‪ .‬والجوانب من جهة أخرى‪ .‬وزودت نهاية الباب بعارضة‬
‫من السفل لمنع دخول المطر إلى داخل الكعبة المشرفة‪ ،‬وتحتوي على قضيب‬
‫خاص يضغط حرف الباب على العتبة عند الغلق‪.‬‬
‫ولكي يتم تركيب الباب بسهولة أعد إطار من الصلب صنع خصيصا وثبتت عليه‬
‫المفصلت بحيث تتحمل كل درفة ما يزيد على "‪ "500‬كيلو جرام‪ .‬وجهزت‬
‫المفصلت على عجلت دائرة لسهولة الحركة‪.‬‬
‫وبالنسبة لتثبيت صفائح الذهب على القاعدة الخشبية‪ .‬فقد تم تركيب مادة لصقة‬

‫خاصة تضمن استمرار التصاق الذهب بالخشب إلى فترة غير محدودة‪.‬‬
‫قفل الباب‪:‬‬
‫أما بالنسبة لقفل باب الكعبة المشرفة الجديد فقد صرف النظر عن استخدام القفل‬
‫الخاص بالباب القديم‪ ،‬والذي يعود إلى عهد السلطان عبد الحميد‪ ،‬وتمت صناعة‬
‫قفل جديد بنفس مواصفات القفل القديم بما يناسب التصميم الخاص بالباب الجديد‪،‬‬
‫ومع زيادة ضمانة الغلق دون الحاجة إلى صيانة‪.‬‬
‫باب التوبة‪:‬‬
‫يقع هذا الباب في الناحية الشمالية حيث يصعد من خلله إلى سطح الكعبة‪ ،‬وقد تم‬
‫تصميمه على أساس أن يأتي مطابقا للباب الرئيسي من حيث الزخرفة وطريقة‬
‫الكتابة بحيث يظهر التجانس بين البابين‪ ،‬ويبلغ عرضه ‪70‬سم وارتفاعه ‪230‬سم‪،‬‬
‫وصنع من نفس نوع الخشب المصنوع منه باب الكعبة "ماكامونغ" ولكن بسماكة‬
‫أقل‪ .‬هامش رقم ‪ 6‬لصفحة ‪ 201‬حتى صفحة ‪ 204‬عن عمارة وتجديد باب الكعبة‬
‫مصدره‪" :‬قصة التوسعة الكبرى" للستاذ حامد عباس‪.‬‬
‫) ‪(1/24‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -147-‬الباب الثامن‪:‬‬
‫ذكر صفة الكعبة وما أحدث فيها من البدعة‪:‬‬
‫أما أرض الكعبة وجدرانها من داخلها‪ :‬فمرخمة برخام ملون‪ ،‬وقد ذكر الزرقي‬
‫رحمه ال عدد الرخام الذي في أرض الكعبة وجدرانها وألوانه ونقل عن ابن جريج‬
‫أن الوليد بن عبد الملك بن مروان أول من رخم أرض الكعبة وجدرانها برخام بعث‬
‫به من الشام ‪.1‬‬
‫وفي الكعبة الن ثلث دعائم من ساج على ثلثة كراسي‪ ،‬وفوقها ثلثة كراسي‪،‬‬
‫وعلى هذه الكراسي ثلث جوائز من ساج‪ ،‬ولها سقفان بينهما فرجة‪ ،‬وفي السقف‬
‫أربعة روازن نافذة من السقف العلى إلى السقف السفل للضوء‪ ،‬وفي ركنها‬
‫الشامي درجة من خشب يصعد منها إلى سطحها‪ ،‬وعدد الدرج التي فيها ثمان‬
‫وثلثون مرقاة‪ ،‬وسقفها العلى مما يلي السماء مرخم برخام أبيض‪ ،‬وطلي بنورة‬
‫‪ 2‬في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بأمر أمير يقال له باشه من أمراء مصر‪ ،‬لما‬
‫ندبه لعمارة المسجد وغيره بمكة المير بركة مدبر المملكة بالديار المصرية مع‬
‫الملك الظاهر قبل سلطنته‪ .‬ثم كشطت النورة في سنة إحدى وثمانمائة بأمر المير‬
‫بيسق ‪.3‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪297 /1‬و ‪.304‬‬
‫‪ 2‬النورة عند الحجازيين يسميها المصريون الجير السود‪.‬‬
‫‪ 3‬قال‪ :‬ابن إياس في حوادث سنة ‪ 801‬هـ "‪"520 :1/2‬ك "وبرز المير بيسق‬

‫الشيخي بالريدانية ليكون أمير حجاج الرجبية‪ ،‬ورسم له بعمارة ما تهدم من المسجد‬
‫الحرام‪ ،‬وخرج معه المعلم شهاب الدين أحمد بن الطولوني المهندس‪ ،‬إتحاف‬
‫الورى ‪ ،410 /3‬السلوك للمقريزي ‪ ،923 :2 /3‬نزهة النفوس ‪.492 ،491 /1‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -148-‬ويطيف بسطحها إفريز مبني بالحجارة على جدرها من جميع‬
‫جوانبها يأتي تحرير ذرعه فيما بعد إن شاء ال تعالى ويتصل بهذا الفريز أخشاب‬
‫فيها حلق من حديد‪ ،‬مربوط بها كسوة الكعبة‪ ،‬وبابها من ظاهره مصفح بصفائح‬
‫فضة مموهة بالذهب‪ ،‬وكذلك فياريز الباب وعتبته العليا مطلية بفضة‪ ،‬زنتها على‬
‫ما بلغني ألف درهم وثمانمائة درهم‪ ،‬وفيها مكتوب اسم مولنا السلطان الملك‬
‫الناصر فرج ‪ 1‬بن الملك الظاهر صاحب الديار المصرية‪ ،‬واسم أبيه الملك‬
‫الظاهر‪ ،‬وأضيف إلى كل منهما المر بعمل هذه الحلية‪ ،‬وفيها مكتوب أيضا اسم‬
‫المير أيتمش ‪ 3‬الذي جعله الملك الظاهر أتابكا ‪ 4‬لوالده واسم المير يشبك ‪ 5‬الذي‬
‫كان خازندار ‪ 6‬الملك الظاهر ثم لبنه الملك الناصر‪ ،‬ثم صار داودارا ‪ 7‬للملك‬
‫الناصر وأتابكا له واسم المير بيسق المر بهذه الحلية‪.‬‬
‫وأما ما أحدث فيها من البدعة‪ :‬فهو البدعة التي يقال لها "العروة الوثقى"‪ ،‬والبدعة‬
‫التي يقال لها "سرة الدنيا"‪،‬وقد ذكرهما المام أبو عمرو بن الصلح رحمه ال لنه‬
‫قال‪ :‬وقد ابتدع من قريب بعض الفجرة والمحتالين في الكعبة المكرمة أمرين‬
‫باطلين عظم ضررهما على العامة‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬ما يذكرونه من العورة الوثقى‪ ،‬عمدوا إلى موضع عال من جدار البيت‬
‫المقابل لباب البيت فسموه بالعروة الوثقى‪ ،‬وأوقعوا في قلوب العامة أن من ناله بيده‬
‫فقد استمسك بالعروة الوثقى‪ ،‬فأحوجهم إلى أن يقاسوا في الوصول إليه شدة وعناء‪،‬‬
‫فركب بعضهم فوق بعض‪ ،‬وربما صعدت النثى فوق الذكر ولمست الرجال‬
‫ولمسوها‪ ،‬فلحقهم بذلك أنواع من الضرر دنيا ودينا‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬تسلطن سنة ‪ 801‬حتى سنة ‪808‬هـ‪" .‬بدائع الزهور ‪ ،834 :2 /1‬وانظر السلوك‬
‫‪."1178 /3‬‬
‫‪ 2‬تسلطن من سنة ‪ 784‬حتى سنة ‪ 791‬ثم عاد للسلطنة سنة ‪ 792‬حتى سنة‬
‫‪801‬هـ‪" .‬السلوك ‪ ،938 /3‬بدائع الزهور ج ‪ "526 :2 /1‬وهو السلطان برقوق‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬بدائع الزهور‪.321 :2 /1 :‬‬
‫‪" 4‬أتابك" أصله أطابك ومعناه الولد المير‪ .‬وأول من لقب بذلك نظام الدولة وزير‬
‫ملكشاه بن ألب أرسلن السلجوقي حين فوض إليه ملكشاه تدبير المملكة سنة ‪465‬‬
‫بألقاب منها هذا‪ ،‬وقيل‪ :‬أطابك معناه أمير أب‪ ،‬والمراد‪ :‬أبو المراء وهو أكبر‬
‫المراء المقدمين بعد النائب الكافل‪ ،‬وليس له وظيفة ترجع إلى حكم وأمر ونهي‪،‬‬
‫وغايته رفعة المحل وعلو المقام ‪" ..‬صبح العشى ‪."18 /4‬‬
‫‪ 5‬بدائع الزهور ‪.525 :2 /1‬‬
‫‪" 6‬الخازندار"‪ :‬وظيفته التحدث في خزائن الموال السلطانية من نقد وقماش وغير‬
‫ذلك‪" .‬صبح العشى ‪."21 /4‬‬

‫‪ 7‬الداودار‪ :‬صاحب الدواة وحاملها للسلطان أو المير‪ ،‬وهو يقوم بإبلغ الرسائل‬
‫عنه وتقديم القصص والشكاوى إليه‪" .‬صبح العشى ‪."492 /5‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -149-‬الثاني‪ :‬مسمار في وسط البيت سموه سرة الدنيا‪ ،‬وحملوا العامة‬
‫على أن يكشف أحدهم عن سرته‪ ،‬وينبطح بها على ذلك الموضع حتى يكون‬
‫واضعا سرته على سرة الدنيا‪ ،‬قاتل ال واضع ذلك ومختلقه وهو المستعان‪ ...‬انتهى‬
‫بنصه من منسك ابن الصلح‪ ،‬ونقل ذلك عنه النووي في "اليضاح" بما يخالف‬
‫بعض ذلك في اللفظ ويوافقه في المعنى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذان المران ل أثر لهما الن في الكعبة‪ ،‬وكان زوال البدعة التي يقال لها‬
‫العروة الوثقى في سنة إحدى وسبعمائة‪ ،‬لن المام جمال الدين المطري فيما‬
‫أخبرني عنه القاضي برهان الدين بن فرحون ذكر أن الصاحب زين الدين أحمد بن‬
‫محمد بن علي بن محمد المعروف بابن حناء توجه إلى مكة في أثناء سنة إحدى‬
‫وسبعمائة‪ ،‬فرأى فيها ما يقع من الفتنة عند دخول البيت الحرام‪ ،‬وتعلق الناس‬
‫بعضهم على بعض‪ ،‬وحمل النساء على أعناق الرجال للستمساك بالعروة الوثقى‬
‫في زعمهم فأمر بقلع ذلك المثال‪ ،‬وزالت تلك البدعة‪ ،‬والمنة ل تعالى ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪ ،133 ،132 /3‬السلوك المقريزي ‪ ،12 :2/1‬الدرر الكامنة ‪/1‬‬
‫‪ 302‬برقم ‪ ،727‬النجوم الزاهرة ‪.215 /8‬‬
‫ذكر ذرع الكعبة من داخلها وخارجها‪:‬‬
‫روينا بالسند المتقدم إلى الزرقي ‪ 1‬قال‪ :‬ذرع البيت خارج طولها في السماء‪:‬‬
‫سبعة وعشرون ذراعا‪ ،‬وذرع طول وجه الكعبة من الركن السود إلى الركن‬
‫الشامي‪ :‬خمس وعشرون ذراعا‪ ،‬وذرع ظهرها من الركن اليماني إلى الركن‬
‫الغربي‪ :‬خمس وعشرون ذراعا‪ ،‬وذرع شقها اليماني من الركن السود إلى الركن‬
‫اليماني‪ :‬عشرون ذراعا‪ ،‬وذرع شقها الذي فيه الحجر من الركن الشامي إلى الركن‬
‫الغربي‪ :‬أحد وعشرون ذراعا‪ ،‬وذرع جميع الكعبة مكسرا‪ :‬أربعمائة ذراع وثمانية‬
‫عشر ذراعا‪ ،‬وذرع نقد جدار الكعبة‪ :‬ذراعان‪ ،‬والذراع أربع وعشرون أصبعا‪.‬‬
‫ثم قال الزرقي‪ :‬ذرع طول الكعبة في السماء من داخلها إلى السقف السفل مما‬
‫يلي باب الكعبة‪ :‬ثماني عشرة ذراعا ونصف‪ ،‬وطول الكعبة في السماء إلى السقف‬
‫العلى‪ :‬عشرون ذراعا‪ ،‬وذرع داخل الكعبة من وجهها من الركن الذي فيه الحجر‬
‫السود إلى الركن الشامي إلى الركن الغربي وهو الشق الذي يلي الحجر‪ :‬خمسة‬
‫عشر ذراعا وثماني عشر إصبعا‪ ،‬وذرع ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي‬
‫وهو الشق الذي يلي الحجر‪ :‬خمسة عشر ذراعا وثماني عشرة أصبعا‪ ،‬وذرع ما‬
‫بين الركن الغربي إلى الركن‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.290 ،289 /1‬‬
‫) ‪(1/4‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -150-‬اليماني‪ -‬وهو ظهر الكعبة‪ :‬عشرون ذراعا وستة أصابع‪ ،‬وذرع‬
‫ما بين الركن اليماني إلى الركن السود ستة عشر ذراعا وستة أصابع ‪.1‬‬
‫وذكر الزرقي رحمه ال‪ :‬ذرع ما بين الساطين التي في الكعبة‪ ،‬فقال فيما رويناه‬
‫عنه بالسند المتقدم‪ :‬ذرع ما بين الجدار الذي بين الركن السود والركن اليماني إلى‬
‫السطوانة الولى‪ :‬أربعة أذرع ونصف‪ ،‬وذرع ما بين السطوانة الولى إلى‬
‫السطوانة الثانية‪ :‬أربعة أذرع ونصف‪ ،‬وذرع ما بين السطوانة الثانية إلى‬
‫السطوانة الثالثة‪ :‬أربعة أذرع ونصف‪ ،‬وذرع ما بين السطوانة الثالثة إلى الجدار‬
‫الذي يلي الحجر‪ :‬ذراعان وثمان أصابع ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وقد حرر ذرع الكعبة الفقيه أبو عبد ال محمد بن سراقة العامري في كتابه "دلئل‬
‫القبلة"‪ ،‬لنه قال‪ :‬اعلم أن الكعبة البيت الحرام مربعة البنيان في وسط المسجد‪،‬‬
‫ارتفاعها من الرض سبعة وعشرين ذراعا‪ ،‬وعرض الجدار وجهها قرابة أربعة‬
‫وعشرين ذراعا‪ ،‬وهو بناء الحجاج بن يوسف الثقفي‪ ،‬وكان عبد ال بن الزبير‬
‫رضي ال عنهما حين ولي مكة جعل عرضه ثلثين ذراعا يزيد على ذلك أقل من‬
‫ذراع‪ ،‬وبعد أن كشف عن قواعد إبراهيم الخليل عليه السلم وبنى عليها‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫وعرض وجهها وهو الذي فيه بابها‪ :‬أربعة وعشرون ذراعا‪ ،‬وعرض مؤخرها‬
‫مثل ذلك‪ ،‬وعرض جدارها الذي يلي اليمن‪ ،‬وهو فيما بين الركن اليماني والركن‬
‫العراقي‪ ،‬وهو الذي فيه الحجر السود‪ :‬عشرون ذراعا‪ .‬ثم قال‪ :‬وعرض جدارها‬
‫الذي يلي الشام‪ ،‬وهو الذي بين الركن الشامي والركن العراقي‪ :‬أحد وعشرون‬
‫ذراعا‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وإنما ذكرنا ما ذكره ابن سراقة العامري من ذرع الكعبة‪ ،‬لن فيه مخالفة لما ذكره‬
‫الزرقي في ذرع شقها الشرقي وشقها الغربي‪ ،‬وذلك ينقص عما ذكره الزرقي‬
‫في ذرع ذلك ذراعا‪ .‬وفي النسخة التي رأيتها من كتاب ابن سراقة لحن في التعبير‬
‫عن ذرع بعض ما نقلته عنه‪ ،‬فكتبته هنا على ما وجدته في النسخة‪ ،‬وذلك واضح‬
‫لمن تأمله‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وذكر ابن جبير في أخبار رحلته ما يستغرب في طول الكعبة‪ ،‬لنه ذكر محمد بن‬
‫إسماعيل بن عبد الرحمن الشيبي زعيم الشيبيين الذين لهم سدانة البيت أخبره أن‬
‫ارتفاعه في الهواء من الصفح الذي يقابل باب الصفا وهو بين الحجر السود‬
‫واليماني تسع وعشرون ذراعا‪ ،‬وسائر الجوانب ثمان وعشرون‪ ،‬بسبب انصباب‬
‫السطح إلى الميزاب ‪ ...3‬انتهى بنصه‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة ‪.290 /1‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة ‪.292 /1‬‬
‫‪ 3‬رحلة ابن جبير ص ‪.59‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -151-‬وما عرفت كيف يستقيم هذا الذرع‪ ،‬وذكر ذرع جهات الكعبة‪،‬‬
‫وأمورا تتعلق بها بالقدام والخطا‪ ،‬وقد ذكرنا كلمه في أصل هذا الكتاب‪.‬‬
‫وذكر ابن خرداذبه في عرض الكعبة ما يخالف ما ذكره الزرقي‪ ،‬لنه قال عند‬

‫ذكر الكعبة‪ :‬طول البيت‪ :‬أربعة وعشرون ذراعا وشبر في ثلثة وعشرين ذراعا‬
‫وشبر‪ ،‬ثم قال‪ :‬وسمكه في السماء سبعة وعشرون ذراعا ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وهذا الكلم يقتضي أن قوله أول‪ :‬طول البيت‪ ،‬المراد به عرضه‪ ،‬لقوله فيما بعد‪:‬‬
‫وسمكه في السماء؛ فإن هذا الذراع طوله‪ ،‬وإذا تقرر ذلك فإن أراد ابن خرداذبه‬
‫بقوله‪ :‬طول البيت بيان ذرع شقه الشرقي والغربي فقد خالف الزرقي في ذلك‪،‬‬
‫لن الزرقي ذكر أن ذرع كل من هذين الشقين خمس وعشرون ذراعا‪ ،‬وإن أراد‬
‫بذلك بيان ذرع شقها الشامي واليماني‪ ،‬فقد خالف في ذلك ما ذكره الزرقي‪ ،‬لنه‬
‫ذكر أن ذرع الشق الشامي واحد وعشرون‪ ،‬واليماني عشرون‪ .‬والوجه الول‬
‫أقرب إلى مراد ابن خرداذبه‪ ،‬وإنما ذكرناه لغرابته‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقد حرر طول الكعبة من داخلها وخارجها‪ :‬القاضي عز الدين بن جماعة بذراع‬
‫القماش المستعمل بمصر في زمنه‪ ،‬وهو المستعمل في زمننا‪ ،‬وذلك في سنة ثمان‬
‫وخمسين وسبعمائة‪ ،‬فقال فيما أخبرني به عنه خالي رحمهما ال ارتفاعهما من‬
‫أعلى الملتزم إلى أرض الشاذروان ثلث وعشرون ذراعا ونصف ذراع وثلث‬
‫ذراع‪ ،‬وبين الركن الذي فيه الحجر السود وبين الركن الشامي وقال له‪ :‬العراقي‬
‫من داخل الكعبة‪ :‬ثمانية عشر ذراعا وثلث وربع وثمن‪ ،‬ومن خارجها‪ :‬ثلثة‬
‫وعشرون ذراعا وربع ذراع‪ ،‬وارتفاع باب الكعبة الشريفة من داخلها ستة أذرع‬
‫وقيراطان‪ ،‬ومن خارجها خمسة أذرع وثلث‪ ،‬وعرضه من داخلها ثلث أذرع‬
‫وربع وثمن‪ ،‬ومن خارجها ثلث أذرع وربع‪ ،‬وعرض العتبة نصف ذراع وربع‪.‬‬
‫وارتفاع الباب الشريف عن أرض الشاذروان ثلثة أذرع وثلث وثمن ومن الركن‬
‫الشامي والغربي من داخل الكعبة خمسة عشر ذراعا وقيراطان‪.‬ومن خارجها تسعة‬
‫عشر بتقديم التاء على السين وربع ‪.2‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬المسالك والممالك ‪.133 ،132‬‬
‫‪ 2‬في مناسك ابن جماعة‪" :‬وربع وثمن" ‪.1334 /3‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -152-‬ووقع فيما ذكره ابن جماعة تسمية الركن الشامي الذي يلي وجه‬
‫الكعبة بالعراقي‪ ،‬وذلك يخالف ما ذكره ابن سراقة في الركن العراقي‪ ،‬ورأيت ما‬
‫يدل لما ذكره ابن جماعة كما سيأتي ذكره إن شاء ال تعالى في الباب الخامس‬
‫عشر من هذا الكتاب‪.‬‬
‫وذكر ابن جبير في غير موضع من رحلته ما يوافق ما ذكره ابن جماعة في ذلك‬
‫‪ ،1‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقد حررت ما حرره الزرقي وابن جماعة من ذرع الكعبة‪ ،‬مع أمور أخر تتعلق‬
‫بها‪ ،‬وفيما حررناه مخالفة لبعض ما حرراه‪.‬‬
‫ونذكر ما حررناه لبيان معرفة الختلف‪ ،‬ومعرفة أمور أخر تتعلق بالكعبة‬
‫حررناها‪ ،‬ولم يحررها الزرقي ول ابن جماعة‪ ،‬وكان تحريرنا لذلك بذراع الحديد‬
‫الذي حرر به ابن جماعة‪ ،‬ومنه يظهر معرفة ما حرره الزرقي‪ ،‬لن تحريره كان‬
‫بذراع اليد‪ ،‬وهو ينقص عن ذراع الحديد ثمن ذراع بالحديد كما تقدم بيانه في باب‬

‫حدود الحرم‪ ،‬واتفق تحريرنا لذلك في صحوة يوم الجمعة ثاني شهر ربيع‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬رحلة ابن جبير‪ :‬ص ‪.67 ،63 ،61 ،59‬‬
‫ذكر ذرع الكعبة من داخلها بذراع الحديد‪:‬‬
‫طول جدارها الشرقي من السقف السفل إلى أرضها سبعة عشر ذراعا بتقديم‬
‫السين ونصف ذراع إل قيراطا وعرضه من الركن الذي فيه الحجر السود إلى‬
‫جدار الدرجة الذي فيه بابها خمسة عشر ذراعا وثمن ذراع‪ .‬وذرع بقية هذا‬
‫الجدار‪ ،‬يعرف تقريبا من جدار الدرجة الغربي‪ ،‬لكونه في محاذاة بقية هذا الجدار‪،‬‬
‫وذرع جدار الدرجة الغربي المشار إليه ثلثة أذرع وقيراط‪ ،‬فيكون ذرع الجدار‬
‫الشرقي على التقريب ثماني عشر ذراعا وسدس ذراع‪.‬‬
‫وطول الجدار الشامي من سقفها السفل إلى أرضها سبعة عشر ذراعا بتقديم السين‬
‫أيضا وعرض هذا الجدار من جدار الدرجة الغربي إلى ركن الكعبة الغربي أحد‬
‫عشر ذراعا وقيراط‪ ،‬وذرع بقية هذا الجدار يعرف تقريبا من جدار الدرجة‬
‫اليماني‪ ،‬لكونه في محاذاة بقية هذا الجدار‪ ،‬وذرع جدار الدرجة المشار إليه ثلثة‬
‫أذرع إل ثمنا‪ ،‬فيكون ذرع الجدار الشامي على التقريب أربعة عشر ذراعا إل‬
‫قيراطين‪.‬‬
‫وطول جدارها الغربي من سقفها السفل إلى أرضها سبعة عشر ذراعا بتقديم‬
‫السين أيضا وربع ذراع وثمن ذراع‪ ،‬وعرض هذا الجدار من الركن الغربي إلى‬
‫الركن اليماني ثمانية عشر ذراعا وثلث ذراع‪.‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -153-‬وطول جدار الكعبة اليماني من سقفها السفل إلى أرضها سبعة‬
‫عشر ذراعا بتقديم السين ونصف ذراع وقيراطين‪ ،‬وعرض هذا الجدار من الركن‬
‫اليماني إلى الركن الذي فيه الحجر السود أربعة عشر ذراعا وثلثا ذراع‪.‬‬
‫ومن وسط جدار الكعبة الشامي إلى وسط جدارها اليماني ثمانية عشر ذراعا وثلث‪.‬‬
‫ومن وسط جدار الكعبة الشرقي إلى وسط جدارها الغربي أربعة عشر ذراعا‬
‫ونصف ذراع وثمن ذراع‪ ،‬وما بين الجدار الشرقي‪ ،‬وبين كرسي السطوانة التي‬
‫تلي الحجر سبعة أذرع بتقديم السين على الباء وثمن‪ ،‬وكذلك ما بينه وبين كرسي‬
‫السطوانة‪ ،‬وما بينه وبين كرسي السطوانة التي تلي الحجر سبعة أذرع بتقديم‬
‫السين أيضا وقيراط‪ ،‬وبن كل من كرسي هذه الساطين وما يقابله من الجدار‬
‫الغربي سبعة أذرع بتقديم السين أيضا إل أنه ينقص في ذرع ما بين كرسي‬
‫السطوانة الوسطى‪ ،‬وما يحاذيها من الجدار الغربي المذكور قيراطين‪ ،‬وبين‬
‫كرسي السطوانة الولى التي تلي باب الكعبة‪ ،‬وبين جدار الكعبة اليماني أربعة‬
‫أذرع وثلث‪ ،‬وما بين كرسيها وكرسى السطوانة الوسطى أربعة أذرع وربع‬
‫وثمن‪ ،‬وما بين كرسي الوسطى وكرسي السطوانة الثالثة التي تلي الحجر بسكون‬
‫الجيم أربعة أذرع ونصف‪ ،‬وما بين كرسي هذه السطوانة الثالثة والجدار الشمالي‬
‫الذي يليها ذراعان وربع‪.‬‬
‫وذرع تدوير السطوانة الولى التي تلي الباب ذراعا وربع وثمن‪ ،‬وذرع تدوير‬

‫الوسطى ذراعان ونصف وربع ذراع‪ ،‬وذرع تدوير السطوانة التي تلي الحجر‬
‫ذراعان ونصف وقيراطان‪ ،‬وهي مثمنة‪ ،‬وطول فتحة الباب من داخله مع الفياريز‬
‫‪ 1‬ستة أذرع‪ ،‬وطوله من خارجه بغير الفياريز ستة أذرع إل ربع‪.‬‬
‫وذرع فتحة الباب من داخل الكعبة مع الفياريز ثلثة أذرع وثلث إل قيراط‪ ،‬وطول‬
‫كل من فردتي الباب ستة أذرع إل ثمن‪ ،‬وعرض كل منهما ذراعان إل ثلث‪ ،‬وذرع‬
‫عرض العتبة ذراع إل ربع‪ ،‬وسعة فتحة باب الدرجة الذي يصعد منه إل أعل‬
‫الكعبة من أسفله ذراع وقيراطان‪ ،‬ومن أعله ذراع وثمن‪ ،‬وارتفاع الباب عن‬
‫الرض ذراعان ونصف ذراع وسدس ذراع وثمن ذراع‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الفياريز‪ :‬مفردها إفريز‪.‬‬
‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -154-‬ذكر ذرع الكعبة من خارجها بذراع الحديد‪:‬‬
‫طول جدارها الشرقي من أعل الشاخص على سطحها إلى أرض المطاف ثلثة‬
‫وعشرون ذراعا وثمن ذراع‪ ،‬وعرض هذا الجدار من الركن الذي فيه الحجر‬
‫السود إلى الركن الشامي الذي يقال له العراقي أحد وعشرون ذراعا وثلث ذراع‪،‬‬
‫ومن عتبة باب الكعبة إلى أرض الشاذروان تحتها ثلثة أذرع ونصف‪ ،‬وارتفاع‬
‫الشاذروان تحتها ربع ذراع وقيراط‪ ،‬وطول جدارها الشامي من أعل الشاخص في‬
‫سطحها إلى أرض الحجر ثلثة وعشرون ذراعا إل ثمن ذراع‪ ،‬وعرض هذا‬
‫الجدار من الركن الشامي إلى الركن الغربي سبعة عشر ذراعا بتقديم السين‬
‫ونصف ذراع وربع ذراع وطول جدارها الغربي من أعل الشاخص في سطحها‬
‫إلى الرض ثلثة وعشرون ذراعا‪ ،‬وعرض هذا الجدار من الركن الغربي إلى‬
‫الركن اليماني أحد وعشرون ذراعا وثلثا ذراع‪ ،‬وطول جدارها اليماني من أعل‬
‫الشاخص في سطحها إلى الرض كالجهة الشرقية ثلثة وعشرون وثمن ذراع‪،‬‬
‫وعرض هذا الجدار من الركن اليماني إلى الركن الذي فيه الحجر السود ثمانية‬
‫عشر ذراعا وسدس ذراع‪.‬‬
‫ذكر ذرع سطح الكعبة‪:‬‬
‫من وسط جدارها الشرقي إلى وسط جدارها الغربي أربعة عشر ذراعا وربع ذراع‬
‫وثمن ذراع‪ ،‬ومن وسط جدارها الشامي إلى وسط جدارها اليماني ثمانية عشر‬
‫ذراعا إل ثمن ذراع‪ ،‬وارتفاع الشاخص في الجهة الشرقية ذراع إل ثمن‪ ،‬وعرضه‬
‫ذراعان إل سدس‪ ،‬وارتفاع الشاخص في الجهة الشامية ذراع وثمن‪ ،‬وعرضه‬
‫ذراعان إل ثمن‪ ،‬وارتفاع الشاخص في الجهة الغربية ذراع‪ ،‬وعرضه ذراع‬
‫ونصف وثمن‪ ،‬وارتفاع الشاخص في الجهة اليمانية ثلثا ذراع‪ ،‬وعرضه ذراع‬
‫ونصف قيراط‪.‬‬
‫وما ذكرناه من ذرع عرض الكعبة من داخلها وخارجها ينقص عما ذكره ابن‬
‫جماعة في ذلك‪ ،‬وما ذكرناه في طولها من خارجها ينقص عما ذكره ابن جماعة‬
‫في ذلك‪ ،‬لن ما ذكرناه ينقص في طولها من خارجها ثلثي ذراع وقيراطا‪ ،‬وينقص‬
‫في ذرع كل من جدارها الشرقي من خارجها ذراعين إل قيراطين‪ ،‬وينقص في‬

‫عرضه من داخلها نصفا وقيراطا‪ ،‬وينقص في ذرع عرض جدارها الشامي من‬
‫خارجها ذراعا‪ ،‬وينقص في عرضه من داخلها ذراعا وسدسا‪ ،‬وينقص في ذرع‬
‫عرض جدارها الغربي من خارجها ذراعا وثلث ذراع‪ ،‬وينقص في عرضه من‬
‫داخلها ثلث ذراع وثمن ذراع‪ ،‬وينقص في ذرع عرض جدارها اليماني من‬
‫خارجها ذراعا وقيراطين وينقص في عرضه من داخلها ثلثي ذراع‪ ،‬وكل ذلك‬
‫بذراع الحديد‪.‬‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -155-‬ذكر شاذروان الكعبة وحكمه وشيء من خبر عمارته‪:‬‬
‫أما شاذروان الكعبة‪ :‬فهو الحجار اللصقة بالكعبة التي عليها البناء المسنم المرخم‬
‫في جوانبها الثلثة‪ :‬الشرقي‪ ،‬والغربي‪ ،‬واليماني‪ .‬وبعض حجارة الجانب الشرقي ل‬
‫بناء عليه‪ ،‬وهو شاذروان أيضا‪ .‬وأما الحجارة اللصقة بجدار الكعبة الذي يلي‬
‫الحجر فليست شاذروانا‪ ،‬لن موضعها من الكعبة بل ريب كما سبق بيانه‪.‬‬
‫والشاذروان هو ما نقصته قريش من عرض جدار أساس الكعبة حين ظهر على‬
‫الرض كما هو عادة الناس في البنية‪ ،‬أشار إلى ذلك الشيخ أبو حامد السفراييني‬
‫وابن الصلح‪ ،‬والنووي‪ ،‬ونقل ذلك عن جماعة من الشافعية وغيرهم‪ ،‬والمحب‬
‫الطبري ‪ ،1‬وذكر أن الشافعي أشار إلى ذلك في "الم"‪ ،2‬ونقل عنه أنه قال‪ :‬إن‬
‫طاف عليه أعاد الطواف‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء في حكم الشاذروان‪ ،‬فذهب الشافعي وأصحابه إلى وجوب‬
‫الحتراز منه وعدم إجزاء طواف من لم يحترز منه‪ ،‬وهو مقتضى مذهب مالك‬
‫على ما ذكر ابن شاش‪ ،‬وابن الحاجب‪ ،‬وشارحه الشيخ خليل‪ ،‬وتلميذه صاحب‬
‫"الشامل" وغيرهم من متأخري المالكية‪ ،‬وأنكر ذلك بعض متأخري المالكية‪ ،‬ولم‬
‫يثبته في المذهب‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة‪ :‬أن الحتراز منه مطلوب‪ ،‬إل أن عدم الحتراز يفسد الطواف‪.‬‬
‫ومذهب أبي حنيفة‪ :‬أنه ليس من البيت على مقتضى ما نقل القاضي شمس الدين‬
‫السروجي من الحنفية عنهم‪ .‬وهو اختيار جماعة من محققي العلماء على ما ذكر‬
‫القاضي عز الدين بن جماعة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ينبغي الحتراز منه‪ ،‬لنه إن كان من البيت‪ -‬كما قيل فالحتراز منه واجب‪،‬‬
‫وإل فل محذور في ذلك‪ ،‬كيف والخروج من الخلف مطلوب‪ ،‬وهو هنا قوي‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫وبعض الناس يعارض القول بأن الشاذروان من البيت‪ ،‬بكون ابن الزبير رضي ال‬
‫عنهما بنى البيت على أساس إبراهيم عليه السلم كما جاء في خبر بنيانه‪ ،‬وهذا‬
‫المعارض ل يخلو من حالتين‪ :‬أحدهما‪ :‬أن يدعي أن ابن الزبير‪ ،‬رضي ال عنهما‬
‫استوفى البناء على جميع أساس جدران البيت بعد ارتفاعها عن الرض‪ ،‬والخر‪:‬‬
‫أن يدعي أن البناء إذا نقص من عرض أساسه بعد ارتفاعه عن الرض ل يكون‬
‫مبنيا على أساسه‪ ،‬والول ل يقوم عليه دليل‪ ،‬لن ما ذكر من صفة بناء ابن الزبير‬
‫رضي ال عنهما البيت ل يقتضي أن يكون بناء البيت مستوفيا على جميع أساس‬
‫جدرانه بعد ارتفاعها عن الرض‪ ،‬ول ناقصا عن أساسها‪ ،‬ووقوع هذا في بيانه‬

‫أقرب من الول‪ ،‬لن العادة جرت بتقصير عرض أساس الجدار بعد ارتفاعه لما‬
‫في ذلك من مصلحة البناء‪ ،‬وإذا كان هذا مصلحة فل مانع من فعله‪ ،‬في البيت لما‬
‫بني في زمن ابن الزبير رضي ال عنهما‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى‪ :‬ص ‪.349‬‬
‫‪ 2‬الم‪.170 /2 :‬‬
‫) ‪(1/10‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -156-‬نعم في بناء ابن الزبير رضي ال عنهما له على أساس إبراهيم‬
‫دليل واضح على أنه أدخل في البيت ما أخرجته منه قريش في الحجر‪ ،‬فإنه بنى‬
‫ذلك على أساس إبراهيم عليه الصلة والسلم ل أساس قريش‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬غير مسلم‪ ،‬لن الجدار إذا اقتصر من عرضه بعد ارتفاعه عن الرض ل‬
‫يخرجه ذلك عن كونه مبنيا على أساسه‪ .‬وهذا مما ل ريب فيه‪ ،‬وإنكاره مكابرة‪،‬‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫ولم أدر متى كان ابتداء البناء في الشاذروان‪ ،‬ولم يبن مرة واحدة وإنما بنى دفعات‪،‬‬
‫منها‪ :‬في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ‪ ،1‬ولم أدر ما بني منه في هذه السنة‪،‬‬
‫ومنها في سنة ست وثلثين وستمائة‪ ،‬وعلى ما ذكر ابن خليل في "منسكه"‪ ،‬وينص‬
‫‪ 2‬لما بين ستة وثلثين‪ .‬وذكر أن في هذه السنة ختم الشاذروان عند الحجر السود‪،‬‬
‫ومنها‪ :‬في آخر عشر الستين وستمائة‪ ،‬أو في أوائل عشر السبعين وستمائة‪ ،‬لن‬
‫القاضي بدر الدين بن جماعة ذكر أنه رأى الشاذروان في سنة ست وخمسين‬
‫وستمائة‪ ،‬وهي مصطبة يطوف عليها بعض العوام‪ ،‬ورآه في سنة إحدى وستين‪.‬‬
‫وقد بني عليه ما يمنع من الطواف عليه على هيئة اليوم‪ .‬هكذا نقل عنه ولده‬
‫القاضي عز الدين‪ ،‬فيما أخبرني به عنه خالي‪ ،‬رحمهم ال تعالى‪.‬‬
‫وذكر القاضي عز الدين بن جماعة فيما أخبرني عنه خالي أيضا‪ ،‬أن ارتفاع‬
‫الشاذروان عن أرض المطاف في جهة باب الكعبة‪ :‬ربع ذراع وثمن ذراع‪،‬‬
‫وعرضه في هذه الجهة نصف وربع‪.‬‬
‫وذكر الزرقي أن طول الشاذروان في السماء ستة عشر أصبعا‪،‬وعرضه ذراع ‪...‬‬
‫انتهى ‪.3‬‬
‫وقد نقص عرضه كما ذكر الزرقي في بعض الجهات‪ ،‬وأفتى المحب الطبري‬
‫عالم الحجاز في وقت بوجوب إعادة مقداره على ما ذكره الزرقي‪ ،‬وله في ذلك‬
‫تأليف نحو نصف كراس سماه "استقصاء البيان في مسألة الشاذروان"‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪.510 /2‬‬
‫‪ 2‬هكذا بالصل ول معنى لها‪.‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة ‪.309 /1‬‬
‫) ‪(1/11‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -157-‬ذكر حلية الكعبة المعظمة ومعاليقها‪:‬‬
‫أول من حلها في الجاهلية على ما قيل عبد المطلب جد النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫بالغزالين الذهب اللذين وجدهما في زمزم حين حفرها‪ .‬ذكر ذلك الزرقي‬
‫واضطرب كلمه في أول من حلها في السلم‪ ،‬فنقل عن جده أن الوليد بن عبد‬
‫الملك بن مروان أول من ذهب البيت في السلم‪ ،‬وذكر في موضع آخر ما يخالف‬
‫ذلك‪ ،‬لنه قال‪ :‬وبعث عبد الملك بن مروان بالشمسيتين‪ ،‬وقدحين من قوارير‪،‬‬
‫وضرب على السطوانة الوسطى الذهب من أسفلها إلى أعلها صفائح‪ ...‬انتهى ‪.1‬‬
‫وذكر المسبحي ما يقتضي خلف ما ذكره الزرقي في أول من حلى الكعبة في‬
‫السلم‪ ،‬لنه قال في أخبار سنة خمس وستين من الهجرة‪ :‬وفيها استتم ابن الزبير‬
‫رضي ال عنهما بناء الكعبة‪ ،‬ويقال‪ :‬إنه بناها بالرصاص المذوب المخلوط‬
‫بالورس‪ ،‬وجعل على الكعبة وأساطينها صفائح الذهب ومفاتحها ذهب ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫نقلت ذلك هكذا من خط الحافظ رشيد الدين ابن الحافظ ركن الدين المنذري في‬
‫اختصاره لتاريخ المسبح‪ ،‬وإنما ذكر ذلك بنصه لما فيه من إفادة تاريخ عمارة ابن‬
‫الزبير رضي ال عنهما للكعبة‪ ،‬ولما فيه من أنه بناها بالرصاص مع الورس‪،‬‬
‫وذلك مما لم يذكره الزرقي في خبر عمارته‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقال الفاكهي في الوليات بمكة‪ :‬وأول من عمل الذهب على باب الكعبة في‬
‫السلم‪ :‬عبد الملك بن مروان‪ ...‬انتهى ‪.3‬‬
‫وذكر الفاكهي أن الوليد بن عبد الملك أول من جعل الذهب على ميزاب الكعبة ‪...4‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وذكر الزرقي صفة الحلية التي عملت بأمر الوليد ومقدارها‪ ،‬لنه قال‪ :‬فلما كان‬
‫في خلفة الوليد بن عبد الملك بعث إلى واليه على مكة خالد بن عبد ال القسري‬
‫بستة وثلثين ألف دينار فضرب منها على بابي الكعبة صفائح الذهب‪ ،‬وعلى‬
‫ميزاب الكعبة‪ ،‬وعلى الساطين التي في باطنها‪ ،‬وعلى الركان في جوفها ‪.5‬‬
‫وذكر الزرقي أن المين محمد بن هارون الرشيد الخليفة العباسي أرسل إلى سالم‬
‫بن الجراح عامل له على موانئ مكة بثمانية عشر ألف دينار؛ ليضرب بها صفائح‬
‫الذهب على بابي الكعبة‪ ،‬فقلع ما كان على الباب من الصفائح‪ ،‬وزاد عليها من‬
‫الثمانية عشر ألف دينار‪ ،‬فضرب عليها الصفائح التي هي عليه اليوم يعني في‬
‫زمنه والمسامير‪ ،‬وحلقتي باب الكعبة‪ ،‬وعلى الفياريز‪ ،‬والعتب ‪.6‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة ‪.224 ،2104 /1‬‬
‫‪ 2‬إتحاف الورى ‪ ،77 /2‬وفيه أن ذلك كان سنة "‪74‬هـ"‪ ،‬الكامل لبن الثير ‪/4‬‬
‫‪ ،87‬ودرر الفرائد "ص‪."198 :‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪.237 /3‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪.237 /3‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،242 /3‬العقد الثمين ‪.390 /3‬‬
‫‪ 5‬أخبار مكة ‪.213 ،212 /1‬‬
‫‪ 6‬أخبار مكة ‪.212 /1‬‬
‫) ‪(1/12‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -158-‬وذكر الزرقي أن الحجبة كتبوا إلى الخليفة المتوكل العباسي‬
‫رقعة ذكروا فيها أن زاويتين من زوايا الكعبة من داخلها ملبستين ‪ 1‬ذهبا وزاويتين‬
‫فضة‪ ،‬وأن ذلك لو كان ذهبا كله كان أحسن وأزين‪ ،‬وأن قطعة مركبة على بعض‬
‫جدران الكعبة شبه المنطقة فوق الزار الثاني من الرخام‪ ،‬وذكروا أنه لو كان بدل‬
‫تلك القطعة فضة في أعل إزار الكعبة في تربيعها كان أبهي وأحسن‪ .‬وذكر‬
‫الزرقي أن المتوكل أنفذ لعمل ذلك‪ ،‬ولعل ما كتب به إليه إسحاق بن سلمة الصائغ‪.‬‬
‫قال‪ :‬وعمل إسحاق الذهب على زاويتي الكعبة من داخلها‪ ،‬فكان ما كان هنالك من‬
‫الفضة ملبسا‪ ،‬وكسر الذهب الذي كان على الزاويتين الباقيتين وأعاد عمله‪ ،‬فصار‬
‫ذلك أجمع على مثال واحد منقوشة مؤلفة ثابتة‪ ،‬وعمل منطقة من فضة‪ ،‬وركبها‬
‫فوق إزار الكعبة في تربيعها كلها منقوشة متصل بهذه المنطقة‪ .‬ثم قال‪ :‬وفي أعل‬
‫‪ 2‬هذه المنطقة رخام منقوش‪ ،‬فألبس ذلك الرخام ذهبا رقيقا‪ ،‬من الذهب الذي يتخذ‬
‫للسقوف‪ .‬قال‪ :‬وكان في الجدار الذي في ظهر الباب يمنة من داخل الكعبة‪ :‬رزة‬
‫كلب من صفر يشد به الباب إذا فتح بذلك الكلب‪ ،‬لئل يتحرك عن موضعه‪ ،‬فقلع‬
‫ذلك الصقر‪ ،‬وصير مكانه فضة‪ ،‬وألبس ما حول باب الدرجة فضة مضروبة‪ .‬قال‪:‬‬
‫وكانت عتبة الباب السفلي قطعتين من خشب الساج قد رثتا ونخرتا من طول‬
‫الزمان عليها‪ ،‬فأخرجهما وصير مكانهما قطعة واحدة من خشب الساج‪ ،‬وألبسها‬
‫صفائح فضة‪.‬‬
‫قال الزرقي‪ :‬وأخبرني إسحاق بن سلمة الصائغ أن مبلغ ما كان في الزوايا من‬
‫الذهب والطوق الذي حول الجزعة‪ :‬نحوا من ثمانية آلف مثقال‪ ،‬وأن ما في منطقة‬
‫الفضة‪ ،‬وما كان على عتبة الباب السفلى من الصفائح‪ ،‬وعلى كرسي المقام من‬
‫الفضة نحوا من سبعين ألف درهم‪ ،‬وما ركب من الذهب الرقيق على جدران الكعبة‬
‫وسقفها نحوا من مائة حق يكون في كل حق خمسة مثاقيل‪ ،‬هذا ما ذكره الزرقي‬
‫من خبر حلية الكعبة ‪.3‬‬
‫وأفاد السهيلي في تحلية الوليد بن عبد الملك للكعبة أمرا لم يفده الزرقي‪ ،‬وفي‬
‫كلمه ما يقتضي أنه ليس أول من حلها في السلم‪ ،‬ولنذكر كلمه لفادة ذلك‪،‬‬
‫ونصه‪ :‬ثم كان الوليد بن عبد الملك‪ ،‬فزاد في حليتها‪ ،‬وصرف في ميزابها وسقها ما‬
‫كان في مائدة سليمان عليه السلم من ذهب وفضة‪ ،‬وكانت قد احتملت على بغل‬
‫قوي فتفسخ‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬كذا في لصل‪ ،‬والصحيح "ملبستان"‪.‬‬
‫‪ 2‬كذا في الصل‪.‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للزرقي ‪.301 /1‬‬
‫) ‪(1/13‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -159-‬تحتها‪ ،‬فضرب منها الوليد حلية الكعبة‪ ،‬وكانت قد احتملت إليه‬
‫من طليطلة من جزيرة الندلس‪ ،‬وكانت لها أطواق من ياقوت وزبرجد ‪....1‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫ولنذكر ما علمناه من خبر حليتها بعد الزرقي على الترتيب‪ ،‬فمن ذلك‪ :‬أن وفد‬

‫الحجبة كتبوا إلى الخليفة المعتضد العباسي يذكرون أن بعض عمال مكة كان قد‬
‫قلع ما على عضادتي باب الكعبة من الذهب فضربه دنانير‪ ،‬واستعان به على‬
‫حرب وأمور كانت بمكة بعد العلوي الخارجي بها في سنة إحدى وخمسين ومائتين‬
‫‪ 2‬فكانوا يسترون العضادتين بالديباج‪ ،‬وأن بعض العمال بعده قلع مقدار الربع من‬
‫أسفل ذهب بابي الكعبة في سنة اثنتين وستين ومائتين ‪ ،3‬وجعل ذلك فضة‬
‫مضروبة مموهة بالذهب‪ ،‬على مثال ما كان عليها‪ ،‬فإذا تمسح به في أيام الحج بدت‬
‫الفضة‪ ،‬حتى تجدد تمويهها في كل سنة وأن المعتضد أمر بعمل ذلك وعمل ما رفع‬
‫إليه‪ ،‬فعمل ذلك‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬أن أم المقتدر الخليفة العباسي أمرت غلمها لؤلؤ بأن يلبس جميع‬
‫السطوانة الولى التي تلي باب الكعبة الذهب‪ ،‬لن التي تليها كانت ملبسة بصفائح‬
‫الذهب‪ ،‬وبقيتها مموهة‪ ،‬وذلك في سنة عشر وثلثمائة ‪.4‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬أن الوزير جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور المعروف بالجواد‬
‫وزير صاحب مصر أنفذ في سنة تسع وأربعين وخمسمائة رجل من جهته يقال له‬
‫الحاجب‪ ،‬ومعه خمسة آلف دينار لعمل صفائح الذهب والفضة في داخل الكعبة‬
‫وفي أركانها ‪.5‬‬
‫وممن حلها‪ :‬الملك المظفر صاحب اليمن‪ ،‬وحليته لبابها‪ ،‬وقد تقدم مقدار الحلية‬
‫التي كانت على الباب الذي صنعه لها‪.‬‬
‫وحلها حفيده الملك المجاهد صاحب اليمن‪ ،‬وأخبرت عمن رأى‪ :‬اسم الملك‬
‫المجاهد مكتوب ‪ 6‬بقلم غليظ في أعلى الحائط الذي فوق باب الكعبة من داخلها‪.‬‬
‫وقد تقدم أن الملك الناصر محمد بن قلون الصالحي صاحب مصر حلى باب‬
‫الكعبة الذي عمله لها بخمسة وثلثين ألف درهم وثلثمائة درهم‪ ،‬وأن حفيده الملك‬
‫الشرف شعبان بن حسين حلى باب الكعبة في سنة ست وسبعين وسبعمائة ‪ ،7‬فهذا‬
‫ما علمته من حلية الكعبة بعد الزرقي‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪.224 /1‬‬
‫‪ 2‬إتحاف الورى ‪.329 /2‬‬
‫‪ 3‬إتحاف الورى ‪.338 /2‬‬
‫‪ 4‬إتحاف الورى ‪ ،368 /2‬أخبار مكة للزرقي ‪.291 /1‬‬
‫‪ 5‬إتحاف الورى ‪ ،514 /2‬العقد الثمين ‪.212 /2‬‬
‫‪ 6‬كذا بالصل والصحيح "مكتوبا"‪.‬‬
‫‪ 7‬إتحاف الورى ‪ ،2321 /3‬العقد الثمين ‪.10 /5 ،52 /1‬‬
‫) ‪(1/14‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -160-‬ذكر معاليق الكعبة وما أهدي إليها في معنى الحلية‪:‬‬
‫قال المسعودي في أخبار الفرس‪ :‬وكانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموال في صدر‬
‫الزمان وجواهر‪ ،‬وقد كان ساسان بن بابك أهدى غزالين من ذهب وجواهر وسيوفا‬
‫وذهبا كثيرا‪ ،‬فدفن في زمزم‪ ،‬وقد ذهب قوم من مصنفي الكتب في التواريخ‬
‫وغيرها من السير أن ذلك كان لجرهم حين كانت بمكة‪ ،‬وجرهم لم تكن ذات مال‬

‫فيضاف ذلك إليها‪ ،‬ويحتمل أن يكون لغيرها ‪ ،1‬وال أعلم‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬إن كلب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن‬
‫كنانة القرشي أول من جعل في الكعبة السيوف المحلة بالذهب والفضة ذخيرة‬
‫للكعبة‪ ،‬ذكر ذلك صاحب "المورد العذب الهني"‪.‬‬
‫وذكر الزرقي رحمه ال أشياء أهديت للكعبة‪ ،‬لنه قال‪ :‬حدثنا محمد بن يحيى‪ ،‬عن‬
‫الواقدي‪ ،‬عن أشياخه قال‪ :‬لما فتح عمر بن الخطاب رضي ال عنه مدائن كسرى‬
‫كان مما ُبعث إليه هللن‪ ،‬فبعث بهما من يعلقهما في الكعبة‪ ،‬وبعث عبد الملك بن‬
‫مروان بالشمسيتين وقدحين من قوارير‪ ،‬ثم قال‪ :‬وبعث الوليد بن عبد الملك‬
‫بقدحين‪ ،‬وبعث الوليد بن يزيد بالسرير الزينبي وبهللين‪ ،‬ثم قال‪ :‬بعث أبو العباس‬
‫يعني السفاح بالصفحة الخضراء‪ ،‬وبعث أبو جعفر يعني أخاه المنصور بالقرورة‬
‫الفرعونية وبعث المأمون بالياقوتة التي تعلق كل سنة في وجه الكعبة في الموسم‬
‫بسلسلة من ذهب‪ ،‬وبعث أمير المؤمنين جعفر المتوكل بشمسية عملها من ذهب‪،‬‬
‫مكللة بالدر الفاخر‪ ،‬والياقوت الرفيع‪ ،‬والزبرجد‪ ،‬وسلسلة تعلق في وجه الكعبة في‬
‫كل موسم‪.‬‬
‫وقال الزرقي‪ :‬حدثني سعيد بن يحيى البلخي قال‪ :‬أسلم ملك من ملوك التبت ‪2‬‬
‫وكان له صنم من ذهب يعبده في صورة إنسان‪ ،‬وكان على رأس الصنم تاج من‬
‫ذهب مكلل بخرز الجوهر‪ ،‬والياقوت الحمر والخضر‪ ،‬والزبرجد‪ ،‬وكان على‬
‫سرير مربع مرتفع على الرض على قوائم‪ ،‬والسرير من فضة‪ ،‬وعلى السرير‬
‫فرشة الديباج‪ ،‬وعلى أطراف الفرش أزرار من ذهب وفضة مرخاة‪ ،‬والزرار ‪3‬‬
‫على قدر الكرسي في وجه‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬مروج الذهب ‪.242 /1‬‬
‫‪ 2‬في أخبار مكة ‪" :225 /1‬التبت"‪.‬‬
‫‪ 3‬في أخبار مكة ‪" :225 /1‬أزرار"‪.‬‬
‫) ‪(1/15‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -161-‬السرير‪ ،‬فلما أسلم ذلك الملك‪ ،‬أهدى السرير والصنم إلى الكعبة‪،‬‬
‫هذا ما ذكره الزرقي في معاليق الكعبة‪ ،‬وما ُأهدي إليها في معنى الحلية‪.‬‬
‫ومما ُأهدي لها من هذا القبيل في عهد الزرقي‪ ،‬ولم يذكره‪ :‬قفل فيه ألف دينار‪،‬‬
‫أهداه إليها المعتصم العباسي‪ ،‬ذكر ذلك الفاكهي‪ ،‬لنه قال‪ :‬ذكر قفل الكعبة‪ ،‬وقال‬
‫بعض المكيين‪ :‬إن أمير المؤمنين المعتصم بال بعث إلى الكعبة بقفل فيه ألف دينار‬
‫في سنة تسع عشرة ومائتين‪ ،‬وعلى مكة يؤمئذ صالح بن العباس‪ ،‬فأرس صالح إلى‬
‫الحجبة فدعاهم ليقبضهم القفل فأبى الحجبة أن يأخذوه‪ ،‬فأجبرهم على ذلك‪ ،‬وأراد‬
‫أن يأخذ قفلها الول ويرسل به إلى الخليفة‪ ،‬فكلموه فتركه عليهم‪ ،‬وأذن لهم في‬
‫الخروج إليه‪ ،‬فخرجوا إليه فكلموه فيها فترك قفلها هذا الذي عليها‪ ،‬وأعطاهم القفل‬
‫الذي كان بعث إليها‪ ،‬فقسموه بينهم ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر المسبحي هذا القفل‪ ،‬وفيما ذكره ما يفهم منه غير ما ذكره الفاكهي‪ ،‬لنه قال‬
‫في أخبار سنة تسع عشرة ومائتين وفيها وصل طاهر بن عبد ال بن طاهر حاجا‬

‫في عدد كثير من الجن بقفل فيه ألف مثقال من ذهب‪ ،‬فقفل به البيت ونزع قفله‬
‫الذي كان عليه‪ ،‬وكان مطليا‪ ،‬ويقال إن الحجاج عمله‪ ...‬انتهى‪ .‬نقلت ذلك من خط‬
‫الرشيد بن المنذري في اختصاره لتاريخ المسبحي‪.‬‬
‫ومما ُأهدي لها من هذا القبيل في عهد الزرقي أو بعده بقليل‪ :‬طوق من ذهب مكلل‬
‫بالزمرد والياقوت وغير ذلك‪ ،‬مع ياقوتة خضراء كبيرة ذكره الفاكهي‪ ،‬لنه قال‪:‬‬
‫وأسلم ملك من ملوك السند في سنة تسع وخمسين ومائتين فبعث إلى الكعبة بطوق‬
‫من ذهب فيه مائة مثقال مكلل بالزمرد والياقوت والماس‪ ،‬وياقوته خضراء وزنها‬
‫أربعة وعشرون مثقال فدفعها إلى الحجبة‪ ،‬فكتبوا في أمرها إلى أمير المؤمنين‬
‫المعتمد على ال‪ ،‬وأخذوا الدرة فأخرجوها وجعلوها في سلسلة من ذهب‪ ،‬وجعلوا‬
‫في وسط الطوق مقابله الياقوت والزمرد‪ ،‬فجاء كتاب أمير المؤمنين بتعليقها‪،‬‬
‫فعلقت مع معاليق الكعبة في سنة تسع وخمسين ومائتين‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ومما علق في الكعبة في عهد الزرق أو بعده بقليل‪ ،‬قصبة من فضة فيها كتاب‪،‬‬
‫فيه بيعة جعفر بن المعتمد وبيعة أبي أحمد الموفق‪ ،‬ذكر ذلك الفاكهي‪ ،‬لنه قال‪ :‬ثم‬
‫قدم الفضل بن عباس الهاشمي مكة في موسم سنة إحدى وستين‪ ،‬ومعه كتاب فيه‬
‫بيعة جعفر ابن أمير المؤمنين المعتمد‪ ،‬وبيعة أبي أحمد الموفق بال أخي أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬وما عقد له أمير المؤمنين المعتمد‪ ،‬وبيعة أبي أحمد الموفق بال أخي‬
‫أمير المؤمنين‪ ،‬وما عقد له أمير المؤمنين المعتمد على ال‪ ،‬فعمل لذلك قصبة من‬
‫فضة‪ ،‬فيها ثلثمائة وخمسون‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫أخبار مكة للفاكهي ‪.236 /5‬‬
‫) ‪(1/16‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -162-‬درهما فضة ثم أدخل الكتاب فيه‪ ،‬وجعل على رأس القصبة‬
‫ثلث رزات‪ ،‬وجعل للرزات ثلث سلسل من فضة‪ ،‬ثم دخل الكعبة يوم الثنين‬
‫لربع ليال خلون من صفر‪ ،‬ومعه محمد بن يحيى صاحب شرطته‪ ،‬وهو يومئذ‬
‫على الخراج والبريد والصوافي‪ ،‬فأقاما فيها حين علقت هذه القصبة مع معاليق‬
‫الكعبة‪ ،‬وذلك في صفر سنة اثنين وستين ومائتين ‪ ....1‬انتهى‪.‬‬
‫وأفاد الفاكهي في صفة الياقوتة التي بعثها المأمون ما لم يفده الزرقي‪ ،‬وهي أنها‬
‫أكبر من الدرة اليتيمة‪ ،‬لنه قال‪ :‬وبعث أمير المؤمنين المأمون بالياقوتة التي كانت‬
‫تعلق كل سنة في وجه الكعبة بسلسلة من ذهب‪ ،‬وهي أكبر من الدرة اليتيمة‪ .‬حدثني‬
‫حسن بن حسين الزدي قال‪ :‬حدثنا إسماعيل بن مجمع قال‪ :‬وزنت الدرة اليتيمة‪،‬‬
‫فإذا وزنها مثالن ونصف وربع وعشر‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ومما ُأهدي لها من هذا القبيل بعد الزرقي‪ :‬قناديل بعث بها المطيع العباسي ‪،2‬‬
‫كلها فضة‪ ،‬خل قنديل منها كان ذهبا‪ ،‬زنته ستمائة مثقال‪ ،‬ذلك في سنة تسع‬
‫وخمسين وثلثمائة ‪.3‬‬
‫ومن ذلك قناديل ومحاريب أهداها إلى الكعبة صاحب عمان‪ ،‬على ما ذكر أبو عبيد‬
‫البكري في كتابه "المسالك والممالك" ونص كلمه‪ :‬وقد أهدى صاحب عمان إلى‬
‫الكعبة بعد العشرين وأربعمائة محاريب مبنية زنة المحراب أزيد من قنطار‪،‬‬

‫وقناديل في نهاية الحكام‪ ،‬وسمرت المحاريب في الكعبة مما يل بابها‪ ....‬انتهى‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬قناديل ذهب وفضة‪ ،‬أهداها للكعبة الملك المنصور عمر بن علي بن‬
‫رسول صاحب اليمن في سنة اثنين وثلثين وستمائة‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬قفل ومفتاح أهداه إليها الملك الظاهر بيبرس ‪ 4‬صاحب مصر‪ ،‬وركب‬
‫عليها القفل المذكور‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬حلقتان من ذهب مرصعتان باللؤلؤ والبلخش‪ ،‬كل حلقة وزنها ألف‬
‫مثقال‪ ،‬وفي كل حلقة ست لؤلؤات فاخرات‪ ،‬وبينها ست قطع بلخش فاخر‪ ،‬بعث‬
‫بذلك الوزير علي شاه وزير السلطان أبي سعيد بن خرابنده ملك التتر على يد‬
‫الحاجي مول واخ‪ ،‬في سنة ثمان عشرة وسبعمائة‪ ،‬ولما أراد تعليق ذلك بباب‬
‫الكعبة منعه منه أمير‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪.237 ،236 /5‬‬
‫‪ 2‬تولى الخلفة سنة ‪ 334‬وبقي إلى سنة ‪363‬هـ‪.‬‬
‫‪ 3‬إتحاف الورى ‪ ،407 /2‬المنتظم ‪ ،53 /7‬الجامع اللطيف "ص ‪ ،112‬درر‬
‫الفرائد "ص‪."245 :‬‬
‫‪ 4‬ولي السلطنة في مصر سنة ‪658‬هـ" وظل بها حتى توفي "‪676‬هـ" شذرات‬
‫الذهب ‪.350 /5‬‬
‫) ‪(1/17‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -163-‬الركب المصري في هذه السنة‪ ،‬وقال‪ :‬هذا ل يمكن إل بإذن‬
‫السلطان يعني صاحب مصر إذا ذاك وهو الناصر محمد بن قلون فقال الحاجي‬
‫مول واخ‪ :‬إن الوزير علي شاه كان نذر متى ظفر بخواجه رشيد الدولة وقتله أن‬
‫يعلق على باب الكعبة حلقتين‪ ،‬فيقال إنه أذن له في تعليقهما زمنا قليل‪ ،‬ثم رفعتا‪،‬‬
‫وأخذهما إذ ذاك رميثة بن أبي ُنَمى من آل قتادة ‪.1‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬ما أخبرني به بعض فقهاء مكة‪ :‬أربعة قناديل كبار‪ ،‬كل قنديل منها على‬
‫ما ذكر في مقدار الدورق‪ :‬اثنان منها ذهب واثنان فضة‪ ،‬والمهدي لذلك هو‬
‫السلطان شيخ أويس صاحب بغداد‪ ،‬وذلك في أثناء عشر السبعين وسبعمائة على ما‬
‫ذكر‪ ،‬وذكر أن ذلك علق في الكعبة زمنا قليل‪ ،‬ثم أزيل‪ ،‬وأخذه أمير مكة عجلن‬
‫بن رميثة‪ ...‬انتهى بالمعنى‪.‬‬
‫وأهدى الناس بعد ذلك للكعبة قناديل كثيرة‪ ،‬والذي في الكعبة الن من المعاليق ستة‬
‫عشر قنديل‪ ،‬منها ثلثة فضة‪ ،‬وواحد ذهب‪ ،‬وواحد بلور‪ ،‬واثنان نحاس‪ ،‬والباق‬
‫زجاج حلبي‪ ،‬وهو تسعة بتقديم التاء‪.‬‬
‫وليس في الكعبة الن شيء من المعاليق التي ذكرها الزرقي ول مما لم يذكره مما‬
‫ذكرنا سوى الستة عشر قنديل‪ ،‬ولس فيها شيء من حلية الذهب والفضة التي كانت‬
‫في أساطينها وجدرانها‪ ،‬وسبب ذلك توالي اليدي عليه من الولة وغيرهم على ما‬
‫ذكر الزرقي في تاريخه‪ ،‬ووقع ذلك أيضا بعده‪ ،‬فمن ذلك ما وقع لبي الفتوح‬
‫الحسن بن جعفر العلوي ‪ 2‬حين خرج عن طاعة الحاكم بأمر ال‪ ،‬ودعا لنفسه‬
‫بالمامة وتلقب بالراشد‪ ،‬لنه أخذ من حليتها وضربه دنانير ودراهم‪ .‬وهي التي‬

‫تسمى الفتحية‪ ،‬وأخذ بعد ذلك المحاريب التي أهداها للكعبة صاحب عمان‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬ما وقع لمحمد بن جعفر المعروف بابن أبي هاشم الحسيني ‪ ،3‬لنه في‬
‫سنة اثنتين وستين وأربعمائة أخذ قناديل الكعبة وستورها وصفائح الباب لما لم‬
‫يصله شيء من جهة المستنصر ‪ 4‬العبيدي صاحب مصر لشتغاله عنه بما هو فيه‬
‫من القحط الذي كاد بسببه أن يستولي الخراب على إقليم مصر ‪.5‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪160 /3‬و ‪ ،161‬السلوك للمقريزي ‪ ،190 :1 /2‬درر الفرائد‬
‫"ص‪."296 :‬‬
‫‪ 2‬هو أمير مكة‪ ،‬تولها مرتين‪ ،‬الولى سنة ‪ ،401 -384‬والثانية سنة ‪-403‬‬
‫‪420‬هـ "انظر عنه الكامل في التاريخ ‪ ،332 -331 /9‬وفيات العيان ‪،174 /2‬‬
‫‪ ،175‬العقد الثمين ‪."69 /4‬‬
‫‪ 3‬ولي مكة سنة ‪ 461‬إلى سنة ‪487‬هـ "إتعاظ الحنفاء‪."269 /2 -‬‬
‫‪ 4‬تولى خلفة مصر من سنة ‪ 427‬إلى سنة ‪487‬هـ "إتعاظ الحنفاء ‪،184 /2‬‬
‫‪."185‬‬
‫‪ 5‬إتحاف الورى ‪ ،472 /2‬العقد الثمين ‪ ،443 -440 /1‬الكامل لبن الثير ‪/10‬‬
‫‪ ،22‬البداية والنهاية ‪ ،99 /12‬النجوم الزاهرة ‪ ،84 /5‬تاريخ الخلفاء "ص‪،"421 :‬‬
‫درر الفرائد "ص‪."256 :‬‬
‫) ‪(1/18‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -164-‬وقد ذكر الزرقي في عقوبة من اجترأ على ذلك‪ ،‬وفي التحذير‬
‫منه أخبارا‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ما نقله عن جده أحمد بن محمد الزرقي‪ ،‬عن عبد ال بن زرارة‪ :‬أنه كان مال‬
‫الكعبة يدعى البرق‪ ،‬ولم يخالط مال قط بحقه‪ ،‬ولم يزرأ منه أحد إل بأن النقص‬
‫في ماله‪ ،‬وأدنى ما يصيب صاحبه أن يشدد عليه الموت‪.‬‬
‫ومنها أن فتى من الحجبة حضرته الوفاة فاشتد عليه النزع جدا‪ ،‬حتى مكث أياما‬
‫ينتزع نزعا شديدا‪ ،‬فقال له أبوه لعلك أصبت من البرق شيئا يعني مال الكعبة‬
‫فقال‪ :‬أربعمائة دينار‪ ،‬فأشهد أن عليه للكعبة أربعمائة دينار فسري عن الفتى‪ ،‬ثم لم‬
‫يلبث أن مات ‪.1‬‬
‫هذا معنى الخبرين باختصار‪ ،‬وبالجملة فل يجوز أخذ شيء من حلية الكعبة ل‬
‫ل لها يجري مجرى الوقاف‪ ،‬ول‬
‫سّب َ‬
‫للحاجة ول للتبرك‪ ،‬لن ما جعل للكعبة و ُ‬
‫يجوز تغييرها عن وجوهها‪ ،‬أشار إلى ذلك المحب الطبري في "القرى"‪ ،‬قال‪ :‬وفيه‬
‫تعظيم للسلم وترهيب على العدو ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة ‪.247 /1‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪."638 :‬‬
‫ذكر كسوة الكعبة المعظمة‪:‬‬
‫كسيت الكعبة في الجاهلية والسلم أنواعا من الكسى‪ ،‬منها‪ :‬الخصف‪ ،‬والمعافر‪،‬‬
‫والملء‪ ،‬والوصائل‪ ،‬والعصب ‪ ،1‬كساها ذلك تبع الحميري‪ ،‬على ما ذكر ابن‬

‫إسحاق ‪ .2‬وذكر ابن جريج أنه كساها العصب‪ ،‬وأنه أول من كسى الكعبة كسوة‬
‫كاملة‪ .‬وذكر السهيلي أنه كساها المسوح والنطاع ‪.3‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬العصب‪ :‬برود يمانية‪ ،‬والوصائل‪ :‬جميع وصيلة وهي ثوب أحمر مخطط يماني‪،‬‬
‫والملء‪ ،‬جمع ملءة وهي ثوب لين رقيق‪ ،‬والمعافر‪ :‬اسم بلد سميت به الثياب‬
‫المعافرة التي تصنع فيه‪ ،‬والخصف‪ :‬جمع خصفة وهي الثوب الغليظ‪.‬‬
‫‪ 2‬روى ابن هشام نقل عن ابن إسحاق أن تبعا أول من كسا البيت وأوصى به ولته‬
‫من جرهم وأمرهم بتطهيره‪ .‬وجعل له بابا ومفتاحا‪.‬‬
‫‪ 3‬المسوح‪ :‬جمع مسح‪ ،‬وهو ثوب من الشعر غليظ‪ ،‬والنطاع‪ :‬جمع نطع‪ ،‬وهو‬
‫بساط من الجلد‪.‬‬
‫وقد ذكر الفاسي رواية السهيلي مقتضبة وتكملتها‪ :‬أنه كساها بالخصف ثم كساها‬
‫بالمسوح والنطاع‪ ،‬ثم كساها بالملء والوصائل‪ ،‬ومن قوله حين كسى البيت‪:‬‬
‫وكسونا البيت الذي حرم ال ملء معضدا وبرودا‬
‫فأقمنا به من الشهر عشرا وجعلنا لبابه إقليدا‬
‫ونحرنا بالشعب ستة ألف فترى الناس نحوهن ورودا‬
‫ثم سرنا عنه نؤم سهيل فرفعنا لواءنا معقودا‬
‫والقصيدة طويلة‪" .‬الروض النف ‪."41 ،40 /1‬‬
‫) ‪(1/19‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -165-‬ومنها على ما ذكرت أم زيد بن ثابت النصاري‪ :‬مطارف خز‬
‫خضر وصفر‪ ،‬وكرار‪ ،‬وأكسية من أكسية العراب‪ ،‬وسقاف شعر‪.‬‬
‫ومنها على ما ذكر عمر بن الحكم السلمي‪ :‬وصائل‪ ،‬وأنطاع‪ ،‬وكرار خز‪ ،‬ونمارق‬
‫عراقية‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬حبرات يمانية‪ ،‬كساها ذلك‪ :‬أبو ربيعة المخزومي‪ ،‬وكساها ذلك‪ :‬قريش حين‬
‫بنوا الكعبة كما في خبر أبي نجيح وفي رواية أنهم كسوها حينئذ الوصائل‪.‬‬
‫ومنها أنماط فهذه كسوتها في الجاهلية على ما ذكره الزرقي ‪.1‬‬
‫وأما كسوتها في السلم على ما ذكر الزرقي‪ :‬فثياب يمانية كساها النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم ذلك وقباطي من مصر كساها ذلك عمر‪ ،‬وعثمان رضي ال عنهما‬
‫وكساها عثمان أيضا برودا يمانية‪ ،‬وهو أول من ظاهر لها بين كسوتين‪.‬‬
‫وكساها عبد ال بن عمر بن الخطاب رضي ال عنه ما كان يحلي به بدنه من‬
‫القباطي‪ ،‬والحبرات والنماط‪.‬‬
‫وكساها معاوية رضي ال عنه الديباج‪ ،‬والقباطي‪ ،‬والحبرات‪ ،‬فكانت تكسى الديباج‬
‫يوم عاشوراء‪ ،‬والقباطي في آخر رمضان للفطر ‪.2‬‬
‫وكساها يزيد بن معاوية‪ :‬الديباج الخسرواني‪ ،‬وكساها الديباج أيضا ابن الزبير‬
‫رضي ال عنهما وعبد الملك بن مروان‪ ،‬ويقال في كل من هؤلء الثلث إنه أول‬
‫من كسى الكعبة الديباج‪.‬‬
‫وكساها ابن الزبير رضي ال عنهما حين فرغ من بنائها القباطي‪.‬‬
‫وكساها المأمون ثلث كسى‪ :‬الديباج الحمر يوم التروية‪ ،‬والقباطي يوم هلل‬

‫رجب‪ ،‬والديباج البيض الذي أحدثه يوم سبع وعشرين من رمضان للفطر‪.‬‬
‫وهكذا كانت تكسى في زمن المتوكل العباسي‪.‬‬
‫وكساها حسين الفطس العلوى كسوتين‪ :‬من قز رقيق‪ ،‬إحداهما صفراء‪ ،‬والخرى‬
‫بيضاء أمر بعملهما أبو السريا‪ ،‬هذا ملخص بالمعنى مما ذكره الزرقي في كسوة‬
‫الكعبة في الجاهلية والسلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة ‪ 249 /1‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪ 2‬ذكر ابن هشام أن أول من كسى الكعبة بالديباج‪ :‬الحجاج بن يوسف‪ ،‬وأنها كانت‬
‫تكسى قبل ذلك بالقباطي والبرود ‪ ،132 /1‬وانظر‪ :‬أخبار مكة ‪ ،253 /1‬و ‪.254‬‬
‫) ‪(1/20‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -166-‬وممن ذكر الزرقي في أنه كسى الكعبة‪ :‬أبو بكر الصديق‪:‬‬
‫رضي ال عنه ولم يذكر صفة كسوته‪ ،‬ول وقت كسوة عبد ال بن عمر بن الخطاب‬
‫رضي ال عنه‪ ،‬ول أن علي بن أبي طالب رضي ال عنه كسى الكعبة ‪ 1‬ولم أر‬
‫من صرح بأنه كساها‪ .‬ولعله اشتغل عن ذلك بحروبه في تمهيد أمر الدين مع‬
‫الخوارج‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ووقع فيما ذكره الزرقي من كسوة الكعبة ذكره القباطي‪ ،‬والوصائل‪ ،‬والحبرات‪،‬‬
‫والعصب‪ ،‬والنماط‪.‬‬
‫فأما القباطي‪ :‬فهي جمع قبطية بالضم‪ ،‬وهو ثوب من ثياب مصر رقيق أبيض‪ ،‬كأنه‬
‫منسوب إلى القبط وهم أهل مصر‪ ،‬والضم فيها من تغيير النسب‪ ،‬وهذا في الثياب‪،‬‬
‫وأما في الناس فقبطي بالكسر ل غير‪.‬‬
‫وأما الوصائل‪ :‬فثياب حمر مخططة يمانية‪.‬‬
‫وأما الحبرات‪ :‬فجمع حبرة‪ ،‬وهو ما كان من البرود مخططا يقال له برد حبرة‪،‬‬
‫وبرد حبر على الوصف وعلى الضافة‪ ،‬وهو ثياب اليمن‪.‬‬
‫وأما العصب فهو برود يمانية يعصب غزلها‪ :‬أي‪ :‬يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج‪،‬‬
‫بنأي‪ :‬موشى ببقايا عصب‪ ،‬منه أبيض‪ ،‬ثم يأخذه صبغ يقال له برد عصب وبرود‬
‫عصب بالتنوين والضافة‪.‬‬
‫وأما النماط‪ :‬فضرب من البسط‪ ،‬وإحداها نمط‪ ،‬ذكر تفسير ذلك كله على ما ذكرنا‬
‫من يعتمد من العلماء رحمهم ال تعالى‪.‬‬
‫وممن كسى الكعبة على ما قيل ولم يذكره الزرقي‪ :‬إسماعيل النبي عليه الصلة‬
‫والسلم أخبرني خالي عن ابن جماعة قال‪ :‬وقد روى عبد الرزاق‪ ،‬عن ابن جريج‬
‫قال‪ :‬وزعم بعض علمائنا أن أول من كسى الكعبة إسماعيل النبي عليه الصلة‬
‫والسلم وال أعلم بذلك‪ ...‬انتهى باختصار‪.‬‬
‫ومنهم‪ :‬عدنان بن أد‪ :‬وهو أول من كساها على ما قيل لن الزبير بن بكار قال في‬
‫كتابه "النسب"‪ :‬ويقال‪ :‬إن عدنان بن أد خاف أن يدرس البيت‪ ،‬فوضع أنصابه‪،‬‬
‫فكان أول من وضعها‪ ،‬وأول من كسى الكعبة أو كسيت في زمانه‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ومنهم‪ :‬خالد بن جعفر بن كلب على ما ذكر السهيلي ‪ 2‬نقل عن الماوردي‪ ،‬ونص‬
‫كلم السهيلي بعد أن ذكر شيئا في كسوة الكعبة‪ ،‬ويزيد هنا ما ذكره الماوردي ‪.3‬‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬راجع أخبار مكة ‪.253 /1‬‬
‫‪ 2‬الروض النف ‪.224 /1‬‬
‫‪ 3‬الحكام السلطانية "ص‪."162 :‬‬
‫) ‪(1/21‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -167-‬قال‪ :‬أول من كسى الكعبة الديباج‪ :‬خالد بن جعفر بن كلب وجد‬
‫لطيمة تحمل البر ‪ ،1‬ووجد فيها أنماطا فعلقها على الكعبة ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وسبقهما إلى ذلك الفاكهي‪ ،‬لنه قال‪ :‬وحدثنا محمد بن أبي عمر وعبد الجبار بن‬
‫العلء‪ ،‬يزيد أحدهما على صاحبه‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا سفيان‪ ،‬عن مسعر‪ ،‬عن خشرم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أصاب خالد بن جعفر لطيمة في الجاهلية فيها نمط من ديباج‪ ،‬فأرسل به إلى الكعبة‬
‫وبسط عليها ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫ومنهم‪ :‬أم العباس بن عبد المطلب رضي ال عنها كستها الحرير والديباج‪ ،‬على ما‬
‫ذكر أبو عبيدة فيما نقله عنه ابن الحاج في منسكه‪ ،‬ونقل عن أبي عبيدة أن سبب‬
‫كسوتها للكعبة أنها أضلت العباس رضي ال عنه صغيًرا‪ ،‬فنذرت إن وجدته أن‬
‫تكسو الكعبة‪ ،‬فلما وجدته كستها ذلك‪ ،‬وهي أو عربية كست الكعبة الديباج على ما‬
‫ذكر السهيلي وغيره‪ ،‬وذكر الزبير بن بكار أن الذي أضلته أم العباس رضي ال‬
‫عنها ونذرت أن تكسو البيت إن رده ال عليها‪ :‬ابنها ضرار بن عبد المطلب شقيق‬
‫العباس رضي ال عنه وذكر أنها كانت تنشده بأبيات‪ ،‬ثم قال‪ :‬فأتاها به رجل من‬
‫جذام‪ ،‬فكست البيت ثيابا بيضا‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وكسيت الكعبة بعد الزرقي أنواعا من الكساء‪ ،‬فمن ذلك‪ :‬الديباج البيض‬
‫الخراساني‪ ،‬والديباج الحمر الخراساني‪ ،‬على ما ذكر ابن عبد ربه في "العقد"‪،‬‬
‫ولنذكر كلمه بنصه لفادته ذلك وغيره من أمر كسوة الكعبة‪ ،‬قال بعد أن ذكر شيئا‬
‫من خبرها‪ :‬والبيت كله مستوف إل الركن السود فإن الستار تفرج عنه مثل القامة‬
‫ونصف‪،‬وإذا دنا وقت الموسم كسي القباطي‪ ،‬وهو ديباج أبيض خراساني‪ ،‬فيكون‬
‫في تلك الكسوة ما دام الناس محرمين‪ ،‬فإذا أحل الناس وذلك يوم النحر حل البيت‬
‫فكسي الديباج الحمر الخراساني‪ ،‬وفيه دارات مكتوب فيها حمد ال وتسبيحه‬
‫وتكبيره وتعظيمه‪ ،‬فيكون كذلك إلى العام القابل‪ ،‬ثم يكسى أيضا على حال ما‬
‫وصفت‪ ،‬فإذا كثرت الكسوة فخشي على البيت من ثقلها خفف منها‪ ،‬فأخذ ذلك سدنة‬
‫البيت وهم بنو شيبة‪ ...‬انتهى كلم صاحب العقد بنصه ‪ .4‬وكانت وفاته سنة ثمان‬
‫وعشرين وثلثمائة على ما ذكره الذهبي في "العبر"‪ 5‬وغيرها‪ .‬ورأيت في كتابه‬
‫"العقد" ما يقتضي أنه عاش بعد ذلك سنين كما بيناه في أصل هذا الكتاب‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬وفي الحكام السلطانية‪" :‬أصاب لطمة في الجاهلية‪ ،‬وفيها نمط ديباج فناطه‬
‫بالكعبة"‪.‬‬
‫‪ 2‬الحكام السلطانية "ص‪."162 :‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،231 /5‬فتح الباري ‪ ،459 /3‬وفيه‪ :‬من "جرة" بدل من‬

‫"حشرم"‪.‬‬
‫‪ 4‬العقد الفريد ‪.258 ،257 /6‬‬
‫‪ 5‬العبر في خبر من غير ‪.212 ،211 /2‬‬
‫) ‪(1/22‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -168-‬ومن ذلك الديباج البيض في زمن الحاكم العبيدي‪ ،‬وفي زمن‬
‫حفيده المستنصر العبيدي‪ ،‬كساها ذلك الصليحي صاحب اليمن ومكة‪ ،‬وكساها أبو‬
‫النصر الستراباذي كسوة بيضاء من عمل الهند في سنة ست وستين وأربعمائة ‪،1‬‬
‫وكسيت في هذه السنة الديباج الصفر‪ ،‬وهذه الكسوة عملها السلطان محمود بن‬
‫سبكتكين‪ ،‬ثم ظفر بها نظام الملك وزير السلطان ملك شاه بن ألب أرسلن‬
‫السلجوقي‪ ،‬فأرسل بها إلى مكة‪ ،‬وجعلت فوق كسوة أبي النصر ‪.2‬‬
‫وكسيت أيضا كسوة خضراء‪ ،‬وذلك في مبدأ خلفة الناصر العباسي‪ ،‬ولعلها كنت‬
‫تكسى ذلك من قبل‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وكسيت في زمنه أيضا كسوة سوداء‪ ،‬وفيها طراز أصفر‪ ،‬وكان قبل ذلك أبيض‬
‫واستمرت فيما أحسب تكسى الديباج السود إلى الن‪ ،‬إل أن في سنة ثلث‬
‫وأربعين وستمائة كسيت ثيابا من القطن مصبوغة بالسواد‪ ،‬كساها ذلك‪ :‬العفيف‬
‫منصور بن منعة البغدادي شيخ الحرم بمكة‪ ،‬لما تمزقت كسوتها من الريح الشديدة‬
‫التي وقعت بمكة في هذه السنة‪ ،‬ووجدت بخط الميورقي ما يقتضي أن هذه الريح‬
‫كانت في سنة أربع وأربعين وستمائة ‪ ،3‬وال أعلم‪.‬‬
‫ولما عريت الكعبة من هذا التاريخ أراد صاحب اليمن الملك المنصور أن يكسوها‪،‬‬
‫فقال له ابن منعة‪ :‬ل يكون هذا إل من جهة الديوان يعني الخليفة العباسي ولم يكن‬
‫عند ابن منعة شيء لجل ذلك‪ ،‬فاقترض ثلثمائة مثقال‪ ،‬واشترى بها الثياب المشار‬
‫إليها‪ ،‬وصبغها بالسواد‪ ،‬وركب فيها الطرز القديمة التي كانت في كسوة الكعبة‪،‬‬
‫وكساها بذلك‪.‬‬
‫وفي سنة عشر وثمانمائة أحدث في كسوة الجانب الشرقي من الكعبة جامات‬
‫منقوشة بالحرير البيض ‪ 4‬وصنع ذلك في سنة إحدى عشر‪ ،‬وفي سنة اثنتي عشرة‬
‫وفي سنة ثلث عشرة‪ ،‬وفي سنة أربع عشرة‪ ،‬وترك ذلك في سنة خمس عشرة‬
‫وثمانمائة وجعلت كسوة هذا الجانب كلها سوداء من غير جامات كما كانت أول‪،‬‬
‫وكذلك في سنة ست عشرة وثمانمائة‪ ،‬وفي سنة سبع عشرة وثمانمائة‪ ،‬وفي سنة‬
‫ثماني عشرة وثمانمائة‪ ،‬ثم جعلت في كسوة الجانب الشرقي جامات منقوشة‬
‫بالحرير البيض فيما تحت الطراز إلى أسفل الكسوة في كل شقة من هذا الجانب‪،‬‬
‫وذلك في سنة تسع عشرة وثمانمائة‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪ ،475 /2‬العقد الثمين ‪.261 /3‬‬
‫‪ 2‬إتحاف الورى ‪ ،476 /2‬النجوم الزاهرة ‪.95 /5‬‬
‫‪ 3‬إتحاف الورى ‪ ،63 ،62 /3‬البداية والنهاية ‪ ،172 ،171 /3‬درر الفرائد "ص‪:‬‬
‫‪."277‬‬
‫‪ 4‬إتحاف الورى ‪ ،459 /3‬درر الفرائد "ص‪."318 :‬‬

‫) ‪(1/23‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -169-‬وعمل في هذه السنة لباب الكعبة ستارة عظيمة الحسن أحسن‬
‫من الستائر الولى التي شاهدناها ‪.1‬‬
‫والجامات المشار إليها مكتوب فيها‪ :‬ل إله إل ال محمد رسول ال‪ ،‬بالبياض‪ ،‬وكان‬
‫ذلك مكتوبا في الشقاق التي أحدثت سنة عشرة وثمانمائة وذلك دوائر‪ .‬واستمرت‬
‫الجامات اليض المشار إليها خمس سنين متوالية بعد سنة تسع عشرة وثمانمائة‪ ،‬ثم‬
‫أزيلت وعوض عنها بجامات سود في سنة خمس وعشرين وثمانمائة ‪.2‬‬
‫وفي كسوة الكعبة طراز من حرير أصفر‪ ،‬وكان قبل ذلك أبيض على ما أدركناه‪،‬‬
‫وأول ما عمل أصفر قبل سنة ثمانمائة بسنة أو سنتين‪ ،‬وفي الطراز مكتوب آيات‬
‫س َلّلِذي‬
‫ضَع ِللّنا ِ‬
‫ت ُو ِ‬
‫ل َبْي ٍ‬
‫ن َأّو َ‬
‫من القرآن العظيم في الجانب الشرقي قوله تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ن آِمًنا َو ِّ‬
‫ل‬
‫خَلُه َكا َ‬
‫ن َد َ‬
‫ت َمَقاُم ِإْبَراِهيَم َوَم ْ‬
‫ت َبّيَنا ٌ‬
‫ن‪ِ ،‬فيِه آَيا ٌ‬
‫ِبَبّكَة ُمَباَرًكا َوُهًدى ِلْلَعاَلِمي َ‬
‫ن{‬
‫ن اْلَعاَلِمي َ‬
‫عِ‬
‫ي َ‬
‫غِن ّ‬
‫ل َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ن َكَفَر َفِإ ّ‬
‫ل َوَم ْ‬
‫سِبي ً‬
‫ع ِإَلْيِه َ‬
‫طا َ‬
‫سَت َ‬
‫نا ْ‬
‫ت َم ِ‬
‫ج اْلَبْي ِ‬
‫حّ‬
‫س ِ‬
‫عَلى الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ن اْلَبْي ِ‬
‫عَد ِم َ‬
‫]آل عمران‪ [97 ،96 :‬وفي الجانب الغربي‪َ} :‬وِإْذ َيْرَفُع ِإْبَراِهيُم اْلَقَوا ِ‬
‫ك َوِم ْ‬
‫ن‬
‫ن َل َ‬
‫سِلَمْي ِ‬
‫جَعْلَنا ُم ْ‬
‫سِميُع اْلَعِليُم‪َ ،‬رّبَنا َوا ْ‬
‫ت ال ّ‬
‫ك َأْن َ‬
‫ل ِمّنا ِإّن َ‬
‫ل َرّبَنا َتَقّب ْ‬
‫عي ُ‬
‫سَما ِ‬
‫َوِإ ْ‬
‫حيُم{ ]البقرة‪:‬‬
‫ب الّر ِ‬
‫ت الّتّوا ُ‬
‫ك َأْن َ‬
‫عَلْيَنا ِإّن َ‬
‫ب َ‬
‫سَكَنا َوُت ْ‬
‫ك َوَأِرَنا َمَنا ِ‬
‫سِلَمًة َل َ‬
‫ُذّرّيِتَنا ُأّمًة ُم ْ‬
‫حَراَم ِقَياًما ِللّنا ِ‬
‫س‬
‫ت اْل َ‬
‫ل اْلَكْعَبَة اْلَبْي َ‬
‫ل ا ُّ‬
‫جَع َ‬
‫‪ [128 ،127‬وفي الجانب اليماني‪َ } :‬‬
‫ت َوَما ِفي‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل َيْعَلُم َما ِفي ال ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫ك ِلَتْعَلُموا َأ ّ‬
‫ي َواْلَقلِئَد َذِل َ‬
‫حَراَم َواْلَهْد َ‬
‫شْهَر اْل َ‬
‫َوال ّ‬
‫عِليم{ ]المائدة‪ [79 :‬وفي الجانب الشامي اسم صاحب‬
‫يٍء َ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ل ِبُك ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫ض َوَأ ّ‬
‫لْر ِ‬
‫ا َْ‬
‫مصر وأمره بعمل هذه الكسوة‪ ،‬وهذا الطراز المذكور في نحو الربع العلى من‬
‫البيت‪.‬‬
‫وذكر بعض العلماء حكمة حسنة في سواد الكعبة؛ لنا روينا عن ابن أبي الصيف‬
‫مفتي مكة أن بعض شيوخه قال له‪ :‬يا محمد تدري لم كسي البيت السواد؟ فقال‪ :‬ل‪،‬‬
‫قال‪ :‬كأنه يشير إلى أنه فقد أناسا كانوا حوله فلبس السواد حزنا عليهم‪ ،‬وهذا معنى‬
‫كلم ابن أبي الصيف‪.‬‬
‫ولمهلهل الدمياطي الشاعر في سواد كسوة الكعبة والقفل‪:‬‬
‫يروق لي منظر البيت العتيق إذا بدت لطرفي في الصباح والطفل‬
‫كأن حليتها السواد قد نسجت من حبة القلب أو من أسود المقل ‪3‬‬
‫وكسوتها في هذه السنة‪ ،‬وفيما قبلها من سبعين سنة من الوقف الذي وقفه السلطان‬
‫الملك الصالح ‪ 4‬إسماعيل بن الملك الناصر محمد بن قلوون صاحب مصر أيام‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪.536 /3‬‬
‫‪ 2‬إتحاف الورى ‪ ،587 /2‬تاريخ الكعبة المعظمة "ص‪."261 :‬‬
‫‪ 3‬كذا ورد في الصل‪.‬‬
‫‪ 4‬هو أبو الفداء عماد الدين‪ .‬تولى السلطنة من سنة ‪746 -743‬هـ "انظر عنه كتاب‬
‫النور اللئح والدر الصادح في اصطفاء مولنا السلطان الملك الصالح‪ ،‬تأليف‬
‫إبراهيم بن القيسراني‪ ،‬طبعة دار النشاء بطرابلس ‪.1982‬‬
‫) ‪(1/24‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -170-‬سلطنته‪ -‬على كسوة الكعبة في كل سنة‪ ،‬وعلى كسوة الحجرة‬
‫النبوية والمنبر النبوي في كل خمس سنين مرة‪ ،‬وهذا الوقف قرية بضواحي‬
‫القاهرة في طريق القليوبية مما يلي القاهرة اشتراها الملك الصالح من بيت المال‬
‫ووقفها على ما ذكر فيها‪ ،‬ولم يكسها أحد من الملوك بعد ذلك إل أخوه الملك‬
‫الناصر حسن‪ ،‬إل أن كسوته لم تكن لظاهر الكعبة‪ ،‬وإنما هي لباطنها‪ ،‬وهي الكسوة‬
‫التي في جوفها الن‪ .‬وبلغني أنها كانت أطول من هذا بحيث تصل إلى الرض‪،‬‬
‫وهي الن سائرة لمقدار النصف العلى وسقفها‪ ،‬وهي حرير أسود‪ ،‬وفيها جامات‬
‫مزركشة بالذهب وهي الن ساترة لمقدار النصف العلى وسقفها‪ ،‬وهي حرير‬
‫أسود‪ ،‬وفيها جامات مزركشة بالذهب‪ ،‬ما خل شقة من السقف بين السطوانتين‬
‫اللتين تليان الباب‪ ،‬فإنها كمخة حرير حمراء‪ ،‬وفي وسطها جامة كبيرة مزركشة‬
‫بالذهب‪،‬وكان إرسال السلطان حسن بهذه الكسوة في سنة إحدى وستين وسبعمائة‬
‫‪.1‬‬
‫وبلغني أنه كان في جوف الكعبة قبلها كسوة للملك المظفر صاحب اليمن‪ ،‬والملك‬
‫المظفر أول من كسا الكعبة من الملوك بعد انقضاء دولة بني العباس من بغداد‬
‫وذلك في سنة تسع وخمسين وستمائة ‪ 2‬واستمر يكسوها عدة سنين مع ملوك مصر‬
‫وانفرد بكسوتها في بعض السنين‪ ،‬وكان المتولي لذلك غالبا‪.‬‬
‫وأول من كساها من ملوك مصر بعد بني العباس الملك الظاهر بيبرس البندقداري‬
‫الصالحي‪ .‬وأول سنة كسى فيها الكعبة سنة إحدى وستين وستمائة ‪.3‬‬
‫وممن كسا الكعبة من غير الملوك‪ :‬الشيخ أبو القاسم رامشت صاحب الرباط بمكة‪،‬‬
‫كساها من الحبرات‪ ،‬وغيرها‪ ،‬فكانت كسوته بثمانية عشر ألف دينار مغربية‪ :‬على‬
‫ما قال ابن الثير ‪ ،:4‬وقيل بأربعة آلف دينارن وذلك في سنة اثنتين وثلثين‬
‫وخمسمائة ‪.5‬‬
‫والكعبة تكسى في عصرنا هذا يوم النحر من كل سنة‪ ،‬إل أن الكسوة في هذا اليوم‬
‫تسدل عليها من أعلها‪ ،‬ول تسبل حتى تصل إلى منتهاها على العادة‪ ،‬وهي‬
‫شاذوران الكعبة إل بعد أيام من يوم النحر‪ ،‬ويأخذ سدنتها بنو شيبة يوم النحر ما‬
‫بقي على الكعبة‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪ ،280 /3‬العقد الثمين ‪.59 /1‬‬
‫‪ 2‬العقد الثمين ‪ ،489 /7‬العقود اللؤلؤية ‪ 135 -133 /1‬إتحاف الورى ‪،84 /3‬‬
‫غاية الماني ‪.450 /1‬‬
‫‪ 3‬إتحاف الورى ‪ ،87 /3‬درر الفرائد "ص‪ 280 :‬العقد الثمين ‪.59 /1‬‬
‫‪ 4‬الكامل في التاريخ ‪.615 /11‬‬
‫‪ 5‬الكامل لبن الثير ‪ ،27 /11‬البداية والنهاية ‪ ،212 /12‬إتحاف الورى ‪،505 /2‬‬
‫العقد الثمين ‪ 386 /4‬درر الفرائد "ص‪."259 :‬‬
‫) ‪(1/25‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -171-‬من كسوتها القديمة‪ ،‬وهو مقدار نصفها العلى‪ ،‬وأخذهم‬
‫للنصف السفل في سابع عشرين ذي القعدة من كل سنة‪.‬‬

‫وذكر ابن جبير في أخبار رحلته ما يفهم أن كسوة الكعبة تشمر في اليوم السابع‬
‫والعشرين من ذي القعدة‪ ،‬ول تقطع‪ ،‬لنه قال بعد أن ذكر فتح الكعبة في هذا اليوم‬
‫فتحا عاما للسرور‪" :‬في هذا اليوم المذكور الذي هو السابع والعشرون من ذي‬
‫القعدة شمرت أستار الكعبة المقدسة إلى نحو قامة ونصف من الجدار من الجوانب‬
‫على العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وفي هذا مخالفة لما يفعله الحجبة اليوم من وجهين‪ ،‬أحدهما‪ :‬أنهم يشمرون كسوة‬
‫الكعبة في اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة في كل سنة من جوانبها الربعة‪،‬‬
‫إلى عتبة الباب السفلي‪ ،‬وكانوا يصنعون ذلك بعد العصر في هذا اليوم‪ ،‬ثم صاروا‬
‫يصنعونه في أول نهار‪.‬‬
‫والوجه الثاني‪ :‬أنهم في اليوم السابع والعشرين من ذي القعدة في كل سنة يقطعون‬
‫كسوة الكعبة من فوق الباب مع ما شمروه من قبل‪.‬‬
‫وكلم ابن جبير ل يقتضي قطع ذلك في السابع والعشرين‪ ،‬وإنما يقتضي تشميره‬
‫فيه‪ ،‬ولعل ذلك لكون الحجاج الذين تكثر رغبتهم في تحصيل كسوة الكعبة بالشراء‬
‫وغيره‪ ،‬وهم الحجاج العراقيون ل يصلون للحج غالبا‪ ،‬إل موافين ليوم عرفة‪،‬‬
‫ويقصدونها قبل مكة‪ ،‬خيفة فوات الوقوف‪ ،‬وإذا كان كذلك فل فوت على الحجبة في‬
‫ذلك الزمان في تأخيرهم قطع كسوة الكعبة في السابع والعشرين‪ ،‬وتأخير قطعها‬
‫إلى أيام منى‪ ،‬أو أخذ الكسوة فيها جملة عند وصول الكسوة الجديدة‪.‬‬
‫ولعل سبب قطع الحجبة لكسوة الكعبة في السابع والعشرين من ذي القعدة‪ ،‬كون‬
‫الحجاج من مصر والشام صاروا يقدمون إلى مكة في أوائل العشر الول من ذي‬
‫الحجة‪ ،‬فإذا أخر الحجبة قطع ذلك‪ ،‬أو أخذ الكسوة جملة إلى أيام منى فاتت الحجبة‬
‫بعض مقصودهم من بيع الكسوة في العشر الول من ذي الحجة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وذكر ابن جبير ما يقتضي أن الكعبة ل تكسى في يوم النحر‪ ،‬وإنما تكسى في يوم‬
‫النقر الثاني‪ ،‬لنه قال‪ :‬وفي يوم النحر ‪-‬المذكور‪ -‬سيقت كسوة الكعبة المقدسة من‬
‫محلة المير إلى مكة على أربعة جمال تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة‬
‫السوادية والرايات على رأسه والطبول تهز ‪ 2‬وراءه‪ ،‬ثم قال‪ :‬فوضعت الكسوة في‬
‫السطح المكرم أعلى‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬رحلة ابن جبير "ص‪."143 :‬‬
‫‪ 2‬بمعنى‪ :‬تصخب‪.‬‬
‫) ‪(1/26‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -172-‬الكعبة‪ ،‬فلما كان يوم الثلثاء‪ :‬الثالث عشر من الشهر المبارك‬
‫المذكور اشتغل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة تقيد البصار حسنا‪ ،‬ثم قال بعد‬
‫وصفه للكسوة‪ :‬فحملت كسوتها‪ ،‬وشمرت أذيالها الكريمة صونا لها من أيدي‬
‫العاجم وشدة اجتذابها وقوة تهافتهم عليها وانصبابها ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وهذا يخالف ما يفعل اليوم من إسدال الكسوة على الكعبة وتشميرها في يوم النحر‪،‬‬
‫وما يفعل اليوم من كسوة الكعبة في يوم النحر يوافق ما ذكره ابن عبد ربه ‪ ،2‬وفي‬
‫هذا العصر من نحو أربع سنين ل يؤتى بكسوة الكعبة من منى في يوم النحر‪ ،‬وإنما‬

‫يأتي أمير الحاج المصري ومعه أعلمه والدباب‪ ،‬والبوقات تضرب معه حتى‬
‫يدخل المسجد ويخرج إليه كسوة الكعبة من جوفها‪ ،‬فتنتشر في المسجد في صحنه‬
‫مما يلي الشق اليماني‪ ،‬فتبرز كسوة كل شق‪ ،‬ويرفعها أعوان المير مع الحجبة إلى‬
‫أعل الكعبة‪ ،‬حتى تكمل‪ ،‬وتسدل على الكعبة على الصفة السابقة‪ ،‬وموجب وضعها‬
‫في الكعبة قبل الحج‪ :‬صونها من السرقة‪ ،‬لنه قبل ذلك سرق بعضها من محل‬
‫المير بمنى‪ ،‬ثم عادت إليه بشيء بذله‪ ،‬وصار المراء بعده يصونونها في الكعبة‬
‫عند توجههم من مكة إلى الموقف‪.‬‬
‫وفي سنة ثماني عشر وثمانمائة ُكسيت الكعبة في رابع ذي الحجة إسبال على‬
‫نصفها العلى ‪ 3‬ولم ُتكس في سنة تسع عشر إل في يوم النحر‪ ،‬على العادة القديمة‬
‫التي أدركناها‪ ،‬وعشرين وثمانمائة وكسيت في ثلث سنين متوالية بعد ذلك في هذا‬
‫التاريخ‪ ،‬أو بعده قبل اليوم السادس من ذي الحجة‪ ،‬ثم كسيت في سنة خمس‬
‫وعشرين وثمانمائة في يوم النحر ضحى ‪.5 ،4‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬رحلة ابن جبير "ص‪."158 ،157 :‬‬
‫‪ 2‬العقد الفريد "‪."257 /6‬‬
‫‪ 3‬إتحاف الورى ‪ ،528 /3‬وتاريخ الكعبة المعظمة "ص‪."268 :‬‬
‫‪ 4‬إتحاف الورى ‪ ،587 /3‬تاريخ الكعبة المعظمة "ص‪."261 :‬‬
‫‪ 5‬واستمرت الكسوة من مصر حتى بعد دخولها سنة ‪ 923‬تحت حكم العثمانيين‪،‬‬
‫الذين أخذوا على أنفسهم كسوة الحجرة النبوية وكسوة الكعبة من الداخل والطيب‬
‫والعطور وزيت القناديل‪.‬‬
‫وبقي المر كذلك حتى تولى محمد على باشا حكم مصر‪ ،‬وحل الوقف الخاص‬
‫بالكسوة‪ ،‬وأنشأ إدارة حكومية لصنع الكسوة وتعهدت الحكومة المصرية آنذاك‬
‫بالنفاق على صناعة الكسوة‪.‬‬
‫وفي اليوم الرابع من شهر المحرم سنة ‪1218‬م دخل المام سعود الكبير ابن المام‬
‫عبد العزيز مكة المكرمة حرمها ال في عهد أبيه‪ ،‬ولم يدرك الحج ول حفل كسوة‬
‫الكعبة‪ ،‬ولكنه علم ما يصحب الكسوة من بدع فأراد منع تكراره فيما يأتي من‬
‫أعوام‪.‬‬
‫وانقطعت الكسوة سبع سنوات‪ ،‬كان المام سعود يتولى كسوة الكعبة‪ ،‬كساها سنة‬
‫‪1221‬هـ من القز الحمر‪ ،‬ثم كساها فيما تلها من أعوام بالديباج السود والقيلن‬
‫السود‪ ،‬وجعل أزرار الكسوة وستارة الكعبة من الحرير الطبيعي الحمر المطرز‬
‫بالذهب والفضة‪ .‬ثم عاد وصول الكسوة من مصر خلل الفترة من سنة ‪1333‬هـ‬
‫إلى سنة ‪1341‬هـ حين عادت الكسوة التى أرسلتها مصر‪ ،‬واستعين بالكسوة التي‬
‫صنعت بالستانة‪ ،‬حتى دخل الملك عبد العزيز آل سعود مكة المكرمة في ‪8‬‬
‫جمادى الولى عام ‪1343‬هـ وصار هو المسؤول عن المسجد الحرام‪ ،‬والكعبة‬
‫المعظمة‪ ،‬والكسوة الشريفة‪.‬‬
‫) ‪(1/27‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -173-‬ونختم هذه الترجمة بمسألة تتعلق بكسوة الكعبة‪ ،‬وهي أن‬
‫العلماء اختلفوا في جواز بيع كسوة الكعبة‪ ،‬فنقل جواز ذلك عن عائشة‪ ،‬وابن‬
‫عباس‪ ،‬وجماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم‪ ،‬ومنع من ذلك ابن القاضي وابن‬
‫عبدان‪ ،‬من الشافعية‪.‬‬
‫وذكر الحافظ صلح الدين خليل بن كيكلدي العلئي ‪ 1‬الشافعي في قواعده‪ :‬أنه ل‬
‫يتردد في جواز ذلك الن‪ ،‬لجل وقف المام ضيعة معينة على أن يصرف ريعها‬
‫في كسوة الكعبة‪ ،‬والوقف بعد استقرار هذه العادة‪ ،‬والعلم بها‪ ،‬فينزل لفظ الواقف‬
‫عليها‪ .‬قال‪ :‬وهذا ظاهر ل يعارضه المنقول المتقدم‪ ...‬انتهى باختصار‪.‬‬
‫وكان أمراء مكة يأخذون من السدنة ستارة باب الكعبة في كل سنة‪ ،‬وجانبا كبيرا‬
‫من كسوتها‪ ،‬أو ستة آلف درهم كاملية عوضا عن ذلك‪ ،‬فسمح لهم بذلك الشريف‬
‫عنان بن مغامس بن رميثة بن أبي نمي لما ولى إمرة مكة في آخر سنة ثمان‬
‫وثمانين وسبعمائة ‪ ،2‬وجرى على ذلك المراء من بعده في الغالب‪ ،‬ثم إن السيد‬
‫حسن بن عجلن بعد سنين من وليته لمكة صار يأخذ منهم ستارة باب الكعبة‬
‫وكسوة مقام إبراهم ويهدي لمن يرجوه من الملوك وغيرهم‪ ،‬وال الموفق‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬راجع ترجمته في الدرر الكامنة ‪ 92 -90 /2‬رقم ‪.1666‬‬
‫‪ 2‬إتحاف الورى ‪ ،357 /3‬العقد الثمين ‪.441 /6‬‬
‫ذكر طيب الكعبة وأخدامها‪:‬‬
‫روينا من تاريخ الزرقي عن عائشة رضي ال عنها قالت‪ :‬طيبوا البيت‪ ،‬فإن ذلك‬
‫من تطهيره‪.‬‬
‫وروينا فيه عنها رضي ال عنها قالت‪ :‬لن أطيب الكعبة أحب إلي من أن أهِدي‬
‫ذهبا وفضة‪.‬‬
‫وروينا فيه عن أبي نجيح قال‪ :‬إن معاوية بن أبي سفيان رضي ال عنه أجرى‬
‫للكعبة وظيفة الطيب بكل صلة‪ ،‬وكان يبعث لهما المجمر والخلوق في الموسم‬
‫وفي رجب‪ ،‬وأخدمها عبيدا‪ ،‬ثم اتبعت ذلك الولة بعده ‪.1‬‬
‫وروينا في تاريخ الزرقي أن عبد ال بن الزبير رضي ال عنهما كان يجمر الكعبة‬
‫كل يوم برطل من مجمر‪ ،‬ويجمر الكعبة كل جمعة برطلين من مجمر ‪.2‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.254 /1‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.257 /1‬‬
‫) ‪(1/28‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -174-‬وقال المحب الطبري‪ :‬المجمر ما يتجمر به وهو العود الرطب‪،‬‬
‫وبالضم ما يتجمر به‪ ،‬والخلوق طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع‬
‫الطيب‪ ،‬ويغلب عليه الصفرة والحمرة‪ .‬وقال‪ :‬قال المام أبو عبد ال الحليمي‪ :‬روي‬
‫عن سعيد بن جبير أنه كان يكره أن يؤخذ من طيب الكعبة يستشفى به‪ ،‬وقال‪ :‬قال‬
‫عطاء‪ :‬كان أحدنا إذا أراد أن يستشفي به جاء بطيب من عنده فمسح به الحجر‪ ،‬ثم‬
‫أخذه‪ ،‬ذكره ابن الصلح في منسكه‪ ...‬انتهى‪.‬‬

‫وذكر النووي أنه ل يجوز أخذ شيء من طيب الكعبة ل للتبرك ول لغيره‪ ،‬ومن‬
‫أخذ شيئا من ذلك لزمه رده‪ ،‬فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده‪ ،‬فمسحها به ثم‬
‫أخذه‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ذكر أسماء الكعبة المعظمة‪:‬‬
‫للكعبة المعظمة أسماء شريفة منها‪ :‬الكعبة‪ ،‬ومنها بكة‪ :‬بالباء الموحدة ومنها‪ :‬البيت‬
‫الحرام‪ ،‬ومنها‪ :‬البيت العتيق‪ ،‬ومنها‪ :‬قادس‪ ،‬ومنها‪ :‬نادر ‪ ،1‬ومنها‪ :‬القرية القديمة‪،‬‬
‫وهذه السماء الثلثة الخيرة مذكورة في تاريخ الزرقي‪.‬‬
‫وسميت الكعبة بالكعبة‪ :‬لتكعيبها وهو تدويرها‪.‬‬
‫قال القاضي عياض في "المشارق" لما ذكر الكعبة قال‪ :‬الكعبة هو البيت نفسه ل‬
‫غير‪ ،‬سمي بذلك لتكعيبها وهو تربيعها‪ ،‬وكل بناء مرتفع مربع كعبة‪.‬‬
‫وقال النووي‪ :‬سميت بذلك لستدارتها وعلوها‪ ،‬وقيل‪ :‬لتربيعها في الصل ‪...2‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وممن قال إنها سميت بالكعبة لكونها على حلقة الكعب‪ :‬ابن أبي نجيح‪ ،‬وابن جريج‪.‬‬
‫وسميت بكة لنها تبك أعناق الجبابرة‪ ،‬وقيل غير ذلك‪.‬‬
‫واختلف في معنى البيت العتيق‪ ،‬فقيل‪ :‬لن ال تعالى أعتقه من الجبابرة فلم ينله‬
‫جبار قط‪ ،‬أو لم يقدر عليه جبار وقيل‪ :‬غير ذلك‪ ،‬والصحيح الول على ما ذكر ابن‬
‫جماعة‪.‬‬
‫ومن أسمائها‪ :‬البنية بباء موحدة ونون وياء مثناة من تحت مشددة‪ ،‬ذكر هذا السم‬
‫لها القاضي عياض في "المشارق" لنه قال في حرف الباء لما ذكر البيت العتيق‪:‬‬
‫والبنية اسم للكعبة‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬في أخبار مكة للزرقي "ناذر" بالذال المعجمة "‪."280 /1‬‬
‫‪ 2‬تهذيب السماء واللغات ‪.124 :2 /2‬‬
‫) ‪(1/29‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -175-‬وذكر ابن الثير في "النهاية" ما يدل لذلك‪ ،‬لنه قال‪ :‬وفي‬
‫حديث البراء بن معرور رضي ال عنه رأيت أن ل أجعل هذه البنية مني بظهر‬
‫يريد الكعبة وكانت تدعى بنية إبراهيم عليه السلم لنه بناها وقد كثر قسمهم برب‬
‫هذه البنية ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر الزرقي ما يشهد لذلك‪ ،‬لنه روى خبرا عن الواقدي فيه أذان بلل رضي‬
‫ال عنه للظهر يوم فتح مكة على ظهر الكعبة‪ ،‬وسماع قريش لذلك‪ ،‬وإنكارهم له‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬وقال الحكم بن أبي العاص‪ :‬هذا وال الحدث الجلل أن يصبح عبد بني جمح‬
‫ينهق على بنية أبي طلحة ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وأبو طلحة هو عبد ال بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلب‬
‫حاجب الكعبة‪ ،‬ولذلك أضافها الحكم إليه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومن أسمائها‪ :‬الدوار بضم الدال المهملة وفتحها وتشديد الواو وبعدها ألف وراء‬
‫مهملة‪ ،‬ذكر ذلك ياقوت في مختصره لمعجم البلدان ‪ ،2‬وذكر أن ابن القطان حكى‬
‫الوجهين اللذين ذكرهما في ضبطه‪ ،‬وذكر أن دوار أيضا‪ :‬شجر باليمامة‪ ،‬وضبطه‬

‫بالوجهين أيضا‪ ،‬وذكر هذا السم شيخنا القاضي مجد الدين الشيرازي في كتابه‬
‫"الوصل والمنى في فضل منى"‪.‬‬
‫حَرام{‬
‫جِد اْل َ‬
‫سِ‬
‫طَر اْلَم ْ‬
‫ش ْ‬
‫ك َ‬
‫جَه َ‬
‫ل َو ْ‬
‫ومن أسمائها‪ :‬المسجد الحرام لقوله تعالى‪َ} :‬فَو ّ‬
‫]البقرة‪ [144 :‬والمراد به الكعبة بل خلف‪ .‬وقد ورد إطلق المسجد الحرام على‬
‫غير الكعبة‪ ،‬وبينا ذلك في الباب الخامس‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.275 /1‬‬
‫‪ 2‬المشترك وضعا والمفترق صقعا "ص‪."183 :‬‬
‫ذكر هدم الحبشي الكعبة في آخر الزمان‪:‬‬
‫روينا في مسند أحمد بن حنبل ‪ ،1‬وفي "المعجم الكبير" للطبراني عن عبد ال بن‬
‫عمرو بن العاص رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬يخرب‬
‫الكعبة ذو السويقتين من الحبشة‪ ،‬ويسلبها حليتها‪ ،‬ويجردها من كسوتها‪ ،‬ولكأني‬
‫أنظر إليه أصلع ‪ 2‬أقرع يضرب عليها بمساحته ومعوله"‪.‬‬
‫وروينا في تاريخ الزرقي عن عبد ال بن عمرو رضي ال عنهما أنه كان يقول‪:‬‬
‫كأني به أصيلع أقيرع ‪ 3‬قائما عليها يهدمها بمسحاته‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬مسند أحمد ‪.220 /2‬‬
‫‪ 2‬في الصل أبدع‪.‬‬
‫‪ 3‬في أخبار مكة للزرقي ‪" :276 /1‬أفيدع"‪.‬‬
‫) ‪(1/30‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -176-‬وروينا في تاريخ الزرقي أيضا أنه قال‪ :‬والذي نفس عبد ال‬
‫بيده إن لنظر إلى صفته في كتاب ال عز وجل أفيحج ‪ 1‬أصيلع‪ ،‬قائما يهدمها‬
‫بمساحته ‪.2‬‬
‫وروينا في تاريخ الزرقي عن علي بن أبي طالب رضي ال عنه أنه قال‪:‬‬
‫استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه‪ ،‬فكأني أنظر إليه حبشيا‬
‫أصيلع أصيمع ‪ 2‬قائما عليها يهدمها بمساحته‪.‬‬
‫وروينا فيه وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة"‪.3‬‬
‫وروينا في صحيح البخاري عن ابن عباس ‪-‬رضي ال عنهما‪ -‬عن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم قال‪" :‬كأني به أسود أفحج يقلعها حجًرا حجًرا"‪.4‬‬
‫وجزم السهيلي بأن تخريب الحبشي للكعبة يكون بعد رفع القرآن‪ ،‬وذلك بعد موت‬
‫عيسى عليه السلم على ما ذكر ابن جماعة قال‪ :‬وصححه بعض العلماء‬
‫المتأخرين‪ ،‬ونقل عن الحليمي أن ذلك في زمن عيسى عليه السلم‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أفيحج‪ :‬تصغير أفحج‪ ،‬يقال‪ :‬فحج في مشيته إذا تدانى صدور قدميه وتباعد عقباه‬
‫فهو أفحج‪.‬‬
‫‪ 2‬خبار مكة للزرقي ‪.276 /1‬‬

‫جَع َ‬
‫ل‬
‫‪ 3‬رواه البخاري ‪" 368 /3‬الحج‪ ،‬باب هدم الكعبة"‪" ،‬وباب قول ال تعالى‪َ } :‬‬
‫س{ ]المائدة‪ [97 :‬ومسلم "‪ "2909‬في "الفتن‪،‬‬
‫حَراَم ِقَياًما ِللّنا ِ‬
‫ت اْل َ‬
‫ل اْلَكْعَبَة اْلَبْي َ‬
‫ا ُّ‬
‫باب‪ :‬ل تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من‬
‫البلء"‪.‬‬
‫‪ 4‬أخرجه البخاري ‪" :368 /3‬باب هدم الكعبة"‪.‬‬
‫ذكر وقت فتح الكعبة في الجاهلية والسلم‪:‬‬
‫روينا في تاريخ الزرقي عن سعيد بن عمرو الهذلي عن أبيه قال‪ :‬رأيت قريشا في‬
‫الجاهلية يفتحون الكعبة يوم الثنين والخميس ‪ ،1‬وذكر ذلك الفاكهي‪ ،‬وذكر أيضا‬
‫أنها كانت تفتح في الجاهلية يوم الجمعة لنه قال‪ :‬حدثنا أحمد بن صالح بن سعيد‬
‫عن محمد بن عمرو السلمي‪ ،‬حدثني عبد ال بن يزيد عن سعيد بن عمرو عن أبيه‬
‫قال‪ :‬رأيت قريشا في الجاهلية يفتحون البيت يوم الثنين ويوم الجمعة ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا فتح الكعبة في الجاهلية يوم الثنين والخميس‪ :‬عن عثمان بن طلحة الحجبي‬
‫من طريق ابن سعد‪.‬‬
‫وذكر ابن جبير في أخبار رحلته وكانت سنة تسع وسبعين وخمسمائة أن الكعبة‬
‫تفتح كل يوم اثنين ويوم جمعة إل في رجب فتفتح كل يوم ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.174 /1‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪.233 /5‬‬
‫‪ 3‬رحلة ابن جبير‪" :‬ص‪.113 :‬‬
‫) ‪(1/31‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -177-‬قلت‪ :‬وفتحها يوم الجمعة مستمر إلى الن‪ ،‬وفتحها يوم الثنين‬
‫متروك‪ ،‬إل أنه وقع في شهر رمضان‪ ،‬وشوال‪ ،‬وذي القعدة‪ ،‬من سنة إحدى‬
‫وثمانمائة ‪ ،1‬واختص النساء بدخولها في هذا اليوم لمر أوجب ذلك‪.‬‬
‫وتفتح الكعبة غير يوم الجمعة أيضا‪ ،‬وذلك في أوقات متعددة من كل سنة‪ ،‬منها‪ :‬في‬
‫بكرة اليوم الثاني عشر من ربيع الول من كل سنة‪ ،‬ومنها‪ :‬في بكرة اليوم التاسع‬
‫والعشرين من رجب من كل سنة‪ ،‬ويختص النساء بدخولها في هذا اليوم أكثر من‬
‫الرجال‪ ،‬وذلك قبل غسلها‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬في بكرة يوم عيد الفطر‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬في بكرة السادس والعشرين من ذي القعدة‪ ،‬ول يدخلها في هذا اليوم إل‬
‫العيان من الناس‪ ،‬وفتحها في هذا اليوم لجل غسلها‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬في زمن الموسم وذلك في بعض ليالي الثماني الول من ذي الحجة من كل‬
‫سنة‪ ،‬وفي بعض هذه اليام‪.‬‬
‫وفتحها في هذه الوقات‪ :‬لجل البر الذي تأخذه الحجبة ممن يرغب في دخولها‪ ،‬ثم‬
‫ل تفتح فتحا عاما إل بعد انقضاء ذي الحجة في أول جمعة من السنة التي تلي ذلك‪،‬‬
‫إل أنهم في سنة أربع عشرة وثمانمائة فتحت الكعبة بعد سفر الحجاج من مكة‪،‬‬
‫وقبل دخول سنة خمس عشرة وصنع مثل ذلك الحجبة في سنة خمس عشرة‪ ،‬وذلك‬
‫للرغبة في أخذ البر من الداخلين إليها‪.‬‬

‫وذكر ابن جبير من أوقات فتح الكعبة التي أشرنا إليها فتحها في اليوم التاسع‬
‫والعشرين من رجب‪ ،‬وذكر أنها تغسل في ثاني هذا اليوم لجل ما لعله أن يكون‬
‫وقع من حدث الصغار الذين يدخلون مع أمهاتهم في اليوم التاسع والعشرين من‬
‫رجب‪ ،‬وذكر أن للنساء احتفال كثيرا في دخول الكعبة في هذا اليوم ‪.2‬‬
‫وذكر ابن جبير فتح الكعبة أيضا في يوم عيد الفطر بكرة ‪ 3‬ولم يذكر فتحها في‬
‫السادس والعشرين من ذي القعدة‪ ،‬وذكر أنها تفتح في السابع والعشرين من ذي‬
‫القعدة فتحا عاما‪ ،‬وأن في هذا اليوم شمرت كسوته من جوانبها الربعة التشمير‬
‫الذي يسمونه إحرام الكعبة‪ ،‬ثم قال‪ :‬ول تفتح من حين إحرامها إل بعد الوقفة‪ ،‬ثم‬
‫قال بعد أن ذكر أن كسوة الكعبة وضعت على سطحها في يوم النحر وأسبلت عليها‬
‫في يوم الثلثاء الثالث عشر من الشهر المذكور‪ :‬وشمرت أذيالها صونا لها من‬
‫أيدي العاجم‪ ،‬وفي هذه اليام‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪.412 /3‬‬
‫‪ 2‬رحلة ابن جبير "ص‪."115 ،113 :‬‬
‫‪ 3‬رحلة ابن جبير "ص‪."134 :‬‬
‫) ‪(1/32‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -178-‬يفتح البيت الكريم كل يوم للعاجم العراقيين والخراسانيين‪،‬‬
‫وسواهم من الواصلين مع المير العراقي ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وفي هذا دللة على أن الكعبة تفتح في أيام الموسم وهو في زمن ابن جبير بعد‬
‫الحج‪ ،‬لن الحجاج العراقيين ما يصلون غالبا إل موافين ليوم عرفة‪.‬‬
‫ولنختم هذه الترجمة بحكم سدانة الكعبة وبحكم ما يأخذه سدنتها ممن يدخلها‪،‬‬
‫وللمحب الطبري في ذلك كلم شاف فنذكره‪ :‬ونص كلمه‪ :‬الحجابة منصب بني‬
‫شيبة‪ ،‬وله رسول ال صلى ال عليه وسلم إياها‪ ،‬كما ولى السقاية للعباس رضي‬
‫ال عنهم ثم قال‪" :‬وسدانة البيت خدمتهم"‪ ،‬وتولي أمره وفتح بابه وإغلقه‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫سدن يسدن سدانة فهو سادن‪ ،‬والجمع سدنة‪ ،‬ثم قال‪ :‬قال العلماء‪ :‬ل يجوز لحد أن‬
‫ينزعها منهم‪ .‬قالوا‪ :‬وهي ولية رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأعظم "مالك"‬
‫رحمه ال تعالى أن يشرك معهم غيرهم ‪.2‬‬
‫قلت‪ :‬ول يبعد أن يقال هذا إذا حافظوا على حرمته ولزموا في خدمته الدب‪ ،‬أما‬
‫إذا لم يحفظوا حرمته فل يبعد أن يجعل عليهم مشرف يمنعهم من هتك حرمته‪،‬‬
‫وربما تعلق الجاهل الغبي الرأي المعكوس الفهم بقوله‪" :‬وكلوا بالمعروف" فاستباح‬
‫أخذ الجرة على دخول البيت‪ ،‬ول خلف بين المة في تحريم ذلك‪ ،‬وأنه من أشنع‬
‫البدع وأقبح الفواحش‪ ،‬وهذه اللفظة إن صحت رواية فيستدل بها على إقامة‬
‫الحرمة‪ ،‬لن أخذ الجرة ليس من المعروف‪ ،‬وإنما الشارة وال أعلم إلى ما‬
‫يقصدون به من البر والصلة من بيت المال على ما يقومون به من خدمته‪ ،‬والقيام‬
‫بمصالحه‪ ،‬فل يحل لهم منه إل قدر ما يستحقونه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ثم قال بعد أن ذكر أحاديث تتعلق بالحجر بسكون الجيم‪ :‬وفيها ما يقتضي أن سبب‬
‫رفع قريش لباب الكعبة ليمنعوا من شاءوا ويدخلوا من شاءوا‪ ،‬وفي قوله‪" :‬فعل‬

‫ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا"‪ ،‬وقوله‪" :‬وألصق بابها‬
‫بالرض"‪ ،‬دللة على أن الناس غير محجوبين عن البيت‪ ،‬وأنه ل يحل منعهم‪ ،‬وما‬
‫يأخذه السدنة على ذلك ل يطيب لهم إل بطيب نفس من الدافعين‪ ،‬وإنما تجب‬
‫أجرتهم على ما يتولونه من القيام بمصالحه من بيت المال‪.‬‬
‫سه{ ]النفال‪:‬‬
‫خُم َ‬
‫ل ُ‬
‫ن ِّ‬
‫قال أبو العالية الرياحي رضي ال عنه في قوله تعالى‪َ} :‬فَأ ّ‬
‫‪ [41‬قال‪ :‬السهم المضاف إلى ال تعالى إنما هو لبيت ال تعالى‪ ،‬وأكثر أهل العلم‬
‫على أنه أضاف الخمس إلى نفسه لشرفه‪ ،‬وسهم ال تعالى‪ ،‬وسهم رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬رحلة ابن جبير "ص‪."144 :‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪."506 :‬‬
‫) ‪(1/33‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -179-‬واحد ‪ ...‬انتهى‪ .‬ذكر ذلك مفرقا في موطنين من الباب الثامن‬
‫والعشرين من كتابه القرى ‪ 1‬وعزا المحب الطبري الخبر الذي فيه‪" ،‬وكلوا‬
‫بالمعروف" إلى سنن سعيد بن منصور‪ ،‬وهو في طبقات محمد بن سعد كاتب‬
‫الواقدي من حديث عثمان بن طلحة‪ ،‬وسيأتي ذلك إن شاء ال تعالى في الباب‬
‫السابع والثلثين من هذا الكتاب إن شاء ال‪.‬‬
‫والصل في غسل الكعبة لتطهيرها في الجملة‪ ،‬ذكر الفاكهي ما يدل له‪ ،‬لنه قال‬
‫في ترجمة ترجم عليها بقوله‪ :‬ذكر أذان بلل بن رباح على الكعبة ورقيه فوقها يوم‬
‫الفتح للذان حدثني محمد بن علي المروزي‪ ،‬حدثنا عبيد ال بن موسى‪ ،‬حدثنا‬
‫موسى بن عبيدة‪ ،‬عن عبد ال بن دينار عن ابن عمر قال‪ :‬أمر رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم بلل فرقي على ظهر الكعبة‪ ،‬فأذن الصلة‪ ،‬وقام المسلمون فتجرروا‬
‫في الزر وأخذوا الدلء‪ ،‬وارتجزوا على زمزم‪ ،‬فغسلوا الكعبة ظهرها وبطنها‪ ،‬فلم‬
‫يدعوا أثرا من آثار المشركين إل محوه وغسلوه ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وإنما ذكرنا هذا الخبر في هذه الترجمة لما وقع فيها من غسل الحجبة للكعبة‪،‬‬
‫ويكون هذا الخبر كالشاهد بذلك‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."508 :‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪.221 /5‬‬
‫ذكر بيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الفاق ومعرفة أدلة القبلة بالفاق‬
‫المشار إليها‪:‬‬
‫أخبرني بذلك خالي قاضي الحرمين محب الدين النويري سماعا عن القاضي عز‬
‫الدين بن جماعة سماعا‪ ،‬أنه نقل من خط والده في الدائرة التي ذكر فيها صفة‬
‫الكعبة‪ ،‬وما يحتاج إلى معرفة تصويره‪ ،‬وأن والده قال‪ :‬إنه كتبها في شهر ربيع‬
‫الخر سنة اثنتين وستين وستمائة‪ ،‬قال‪ :‬جهة القبلة لهل البصرة‪ ،‬والهواز‪،‬‬
‫وفارس وكرمان‪ ،‬وأصبهان‪ ،‬وسجستان‪ ،‬وشمالي بلد الصين‪ ،‬وما على سمت ذلك‬
‫وهو من باب الكعبة إلى الحجر السود‪ ،‬فمن جعل القطب على أذنه اليمنى والشولة‬

‫إذا تدلت للغروب بين عينيه‪ ،‬ومشرق الصيف خلف كتفه اليمن والدبور ‪ 1‬على‬
‫خده اليمن‪ ،‬والجنوب على خده اليسر‪ ،‬فقد استقبل القبلة إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وجهة القبلة لهل الكوفة‪ ،‬وبغداد‪ ،‬وحلوان والقادسية‪ ،‬وهمدان‪ ،‬والري‪ ،‬ونيسابور‪،‬‬
‫وخراسان‪ ،‬ومرو‪ ،‬وخوارزم‪ ،‬وبخارى‪ ،‬وفرغانة‪ ،‬والشاش‪ ،‬وماهان‪ ،‬وما كان‬
‫على سمت ذلك‪ :‬ما بين مصلى آدم إلى قرب باب الكعبة‪ ،‬فمن جعل بنات نعش ‪2‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الدبور‪ :‬هي الريح الغربية‪.‬‬
‫‪ 2‬سبعة كواكب‪ :‬أربعة منها نعش‪ ،‬لنها مربعة وثلث بنات نعش "تاج العروس‬
‫‪."357 /4‬‬
‫) ‪(1/34‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -180-‬الكبرى إذا طلعت خلف أذنه اليمنى‪ ،‬والهقعة ‪ 1‬إذا طلعت بين‬
‫كتفيه إلى خلف أذنه اليسري‪ ،‬والقطب على كتفه اليمن‪،‬وريح الصبا على اليسر‪،‬‬
‫والشمال على عاتقه اليمن‪ ،‬والجنوب على خده اليسر‪ ،‬استقبل القبلة إن شاء ال‬
‫تعالى‪.‬‬
‫وجهة القبلة لهل الرها‪ ،‬والموصل‪ ،‬وملطية‪ ،‬وشميساط‪ ،‬وسيحان‪ ،‬والجزيرة‪،‬‬
‫وديار بكر‪ ،‬وما كان على سمت ذلك‪ :‬إلى القبلة يستقبلون من الركن الشامي إلى‬
‫مصلى آدم‪ ،‬فمن جعل فيها القطب على أذنه اليمنى ومشرق الشتاء خلف أذنه‬
‫اليسرى‪ ،‬وريح الصبا على كتفه اليسر‪ ،‬والشمال على خده اليمن‪ ،‬والجنوب على‬
‫عينه اليسرى‪ :‬استقبل القبلة إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وجهة القبلة لهل الشام كلهم إل ما ذكر عن اليمين‪ ،‬ودمشق في هذا القسم‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫حمص‪ ،‬وحماه‪ ،‬وحلب‪ ،‬ومنبج‪ ،‬وحران‪ ،‬وميافارقين‪ ،‬وما والها من البلد‪،‬‬
‫وسواحل الروم‪ :‬ما بين الميزاب والركن الشامي‪ ،‬موقفهم موقف أهل المدينة‬
‫ودمشق كما تقدم‪ ،‬لكنهم يتياسرون شيئا كثيرا‪ ،‬والجهة شاملة للجميع إن شاء ال‬
‫تعالى‪.‬‬
‫وجهة القبلة لهل جانب الشام الغربي‪ ،‬ووسط غزة‪ ،‬والرملة‪ ،‬وبيت المقدس‪،‬‬
‫والمدينة الشريفة‪ ،‬ودمشق‪ ،‬وفلسطين وعكا‪ ،‬وصيدا‪ ،‬وما ولى ذلك من السواحل‬
‫على سمتهم‪ ،‬وهي من قبيل ميزاب الكعبة إلى دون الركن الغربي‪ ،‬فمن جعل بها‬
‫سهيل إذا طلع بين عينيه‪ ،‬وبنات نعش إذا غربت خلفه‪ ،‬والنسر الواقع إذا طلع على‬
‫أذنه اليسرى‪ ،‬فقد استقبل هذا في الجانب من الشام‪ ،‬أما المدينة‪ ،‬ودمشق وما والها‬
‫من أواسط الشام‪ .‬فمن جعل بنات نعش الكبرى إذا طلعت خلف أذنه اليسرى‪،‬‬
‫والجدي على قفا ظهره مائل إلى عينه قليل‪ ،‬والهقعة إذا طلعت عن شماله‪ ،‬والصبا‬
‫على خده اليسر‪ ،‬والجنوب تلقاء وجهه‪ :‬فقد استقبل القبلة إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وجهة القبلة لهل مصر والصعيد العلى‪ ،‬وسواحلهما السفلى أسواق‪ ،‬وإسنا‪،‬‬
‫وقوص‪ ،‬والفسطاط‪ ،‬والسكندرية‪ ،‬والمحلة‪ ،‬ودمياط‪ ،‬وتنيس‪ ،‬وبرقة‪ ،‬وطرابلس‪،‬‬
‫وصفد‪ ،‬وساحل المغرب‪ ،‬والندلس‪ ،‬وما كان على سمته‪ ،‬وهو ما بين الركن‬
‫الغربي والميزاب‪ ،‬فمن جعل بنات نعش إذا غربت خلف كتفه اليسر‪ ،‬وإذا طلعت‬
‫على خده اليسر‪ ،‬والقطب على أذنه اليسرى‪ ،‬ومشرق الشتاء تلقاء وجهه‪ ،‬والدبور‬

‫خلف كتفه اليمن‪ ،‬فقد استقبل القبلة إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الهقعة‪ :‬بفتح الهاء وسكون القاف وفتح العين‪ ،‬ثلثة كواكب منيرة قريب بعضها‬
‫من بعض‪ .‬فوق منكس الجوزاء كأنها الثافي‪ ،‬وهي من منازل القمر‪ .‬إذا طلعت مع‬
‫الفجر اشتد حر الصيف "تاج العروس ‪."588 /5‬‬
‫) ‪(1/35‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -181-‬وجهة القبلة لهل الشمال من بلد الُبحاة‪ ،‬والنوبة‪ ،‬وأواسط‬
‫المغرب من جنوب الواحات إلى بلد إفريقية‪ ،‬وأواسط بلد البربر‪ ،‬وبلد الجريد‬
‫إلى البحر المحيط وهي جهة جدة‪ ،‬وعيذاب‪ ،‬وجنوب أسوان‪ ،‬وهي من دون الركن‬
‫الغربي بثلث الجدار إلى الركن الغربي‪ ،‬فمن جعل بها الثريا إذا طلعت على عينه‬
‫اليسرى‪ ،‬والصبا على عينه اليمنى فقد استقبل القبلة إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وجهة القبلة لهل بلد البجاة‪ ،‬وبلد دهلك وسواكن‪ ،‬وبلد البلين والنوبة إلى بلد‬
‫التكرور وما وراء ذلك‪ ،‬وما على سمته من بلد السودان وغيرهم إلى البحر‬
‫المحيط‪ ،‬وهي من دون الباب المسدود إلى ثلثي الجدار‪ ،‬فمن جعل بها الثريان إذا‬
‫طلعت بين عينيه‪ ،‬والقطب على عينه اليسرى وخده اليسر‪ ،‬والصبا على عينه‬
‫اليمنى‪ ،‬والدبور خلف أذنه اليسرى‪ ،‬ومغرب الشولة خلف كتفه اليمن ومشرق‬
‫الشتاء على خده اليمن‪ ،‬ومشرق الصيف على اليسر‪ ،‬فقد استقبل القبلة إن شاء ال‬
‫تعالى‪.‬‬
‫وجهة القبلة لهل الحبشة‪ ،‬والزنج‪ ،‬والزيلع‪ ،‬وأكثر بلد السودان‪ ،‬وجزائر فرسان‬
‫وما والها من البلد وكان على سمتها‪ ،‬وهي الركن اليماني إلى ثلثي الجدار وهو‬
‫آخر الباب المسدود‪ ،‬فمن جعل بها الثريا إذا طلعت على جنبه اليمن‪ ،‬والقطب على‬
‫اليسر‪ ،‬والصبا على خده اليمن‪ ،‬والدبور على كتفه اليسر‪ ،‬والجنوب على‬
‫اليمن‪ ،‬ومغرب الشولة خلف كتفه اليسر‪ ،‬فقد استقبل القبلة إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وجهة القبلة لهل اليمن بأسره‪ :‬ظفار‪ ،‬وحضرموت‪ ،‬وصنعاء‪ ،‬وعمان‪ ،‬وصعدة‪،‬‬
‫والشحر‪ ،‬وسبأ وما والها وما كان على سمتها‪ ،‬وهي من دون الركن اليماني‬
‫بسبعة أذرع إلى الركن اليماني‪ ،‬فمن جعل فيها القطب بين عينيه‪ ،‬وسهيل إذا طلع‬
‫خلف أذنه اليمنى‪ ،‬وإذا غرب خلف اليسرى‪ ،‬ومشرق الشتاء على أذنه اليمنى‪،‬‬
‫ومغرب الشتاء على اليسرى‪ ،‬والشمال تلقاء وجهه‪ ،‬والجنوب خلف ظهره‪ ،‬والصبا‬
‫على خده اليمن‪ ،‬والدبور على اليسر‪ ،‬فقد استقبل القبلة إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وجهة القبلة لهل بلد السند‪ ،‬وجنوب بلد الهند‪ ،‬وجنوب بلد الصين‪ ،‬وأهل‬
‫التهائم‪ ،‬والسندين‪ ،‬والبحرين‪ ،‬وما والها وكان على سمتها‪ ،‬وهي من دون مصلى‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم إلى ثلثي هذا الجدار‪ ،‬فمن جعل بنات نعش إذا طلعت‬
‫على خده اليمن‪ ،‬ومطلع النسر الواقع على أذنه اليمنى‪ ،‬ومغرب بنات نعش بين‬
‫عينيه‪ ،‬فقد استقبل القبلة إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وجهة القبلة لهل بلد الصين‪ ،‬وأهل واسط‪ ،‬والهند والمرجان‪ ،‬وكابل‪ ،‬والهدبان‬
‫والتتار‪ ،‬والمسفر‪ ،‬والقندهار‪ ،‬وما والها وكان على سمتها‪ ،‬وهو من الركن السود‬

‫إلى دون مصلى النبي صلى ال عليه وسلم فمن جعل بها بنات نعش الكبرى إذا‬
‫طلعت على خده اليمن‬
‫) ‪(1/36‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -182-‬والقطب على عاتقه اليمن‪ ،‬والصبا خلف أذنه اليمنى‪ ،‬فقد‬
‫استقبل القبلة إن شاء تعالى‪ ...‬انتهى ما ذكره القاضي عز الدين بن جماعة عن أبيه‬
‫من بيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الفاق‪ ،‬ومعرفة أدلة القبلة بالفاق‬
‫المشار إليها‪.‬‬
‫ووجدت في الكتاب الذي ألفه الفقيه أبو عبد ال محمد بن سرقة العامري لمعرفة‬
‫دلئل القبلة في جميع البلدان بابا في هذا المعنى وعرضته على ما ذكره ابن‬
‫جماعة‪ ،‬فإن بين ما ذكره ابن سراقة وابن جماعة اختلف كثير من اللفظ والمعنى‬
‫والزيادة والنقص وغير ذلك‪ ،‬فرأيت أن ذكر ما ذكره ابن سراقة ليحيط بذلك علماء‬
‫النظر في هذا الكتاب‪.‬‬
‫أنبأني بكتاب ابن سراقة المسندان محمد بن محمد بن عبد ال‪ ،‬وإبراهيم بن أبي بكر‬
‫بن عمر الصالحيان إذنا‪ ،‬ومكاتبة عن أبي القاسم شهاب بن علي المحسبي أن أبا‬
‫محمد عبد الوهاب بن ظافر الزدي أخبره سماعا قال‪ :‬أنبأنا أبو طاهر أحمد بن‬
‫محمد الحافظ قال‪ :‬أنبأنا أبو عبد ال محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي قال‪ :‬أنبأنا‬
‫أبو صالح محمد بن أبي عيسى بن الفضل السمرقندي بمصر قال‪ :‬أنبأنا الفقيه محمد‬
‫بن سراقة العامري قال‪ :‬باب ذكر البلدان ومواقعها من جهات الكعبة‪ ،‬وما يستدل‬
‫به هل كل بلد عليها‪ :‬اعلم أن أهل القادسية‪ ،‬والكوفة‪ ،‬وبغداد وحلوان‪ ،‬وهمدان‪،‬‬
‫والري‪ ،‬ونيسابور‪ ،‬ومرو‪ ،‬وخوارزم‪ ،‬وبخارى‪ ،‬والشاش‪ ،‬وفرغانة‪ ،‬وما كان من‬
‫البلد على سمت ذلك يستقبلون الكعبة من مصلى آدم إلى بابها‪ ،‬فمن كان في إحدى‬
‫هذه البلد أو على خطها وأراد التوجه إليها جعل بنات نعش الكبرى إذا طلعت على‬
‫أذنه اليمنى‪ ،‬والهقعة إذا طلعت بين كتفيه إلى خلف أذنه اليسرى‪ ،‬والقطب على‬
‫كتفه اليمن‪ ،‬وريح الصبا على كتفه اليسر‪ ،‬والشمال على عاتقه اليمن إلى قفاه‪،‬‬
‫والدبور على صفحة خده اليمن‪ ،‬والجنوب على خده اليسر‪ ،‬فمن استدل ببعض‬
‫هذه الدلئل في إحدى هذه البلدان أو فيما كان على سمتها من البلد‪ ،‬من بر‪ ،‬أو‬
‫بحر‪ ،‬أو سهل‪ ،‬أو جبل‪ ،‬فقد استقبل جهة الكعبة التي أمر باستقبالها‪.‬‬
‫واعلم أن أهل البصرة‪ ،‬والهواز‪ ،‬وفارس‪ ،‬وأصبهان‪ ،‬وكرمان‪ ،‬وسجستان‪،‬‬
‫وبست إلى بلد الصين‪ ،‬وما كان من البلد على سمت ذلك‪ ،‬يستقبلون في صلتهم‬
‫من باب الكعبة إلى الركن العراقي‪ ،‬فمن كان في إحدى هذه البلد وفيما كان على‬
‫سمتها وأراد التوجه إلى الكعبة جعل القطب على أذنه اليمنى‪ ،‬والنسر الواقع خلفه‬
‫والشولة إن نزلت للغروب بين عينيه‪ ،‬أو مشرق الصيف خلف كتفه اليمن‪ ،‬ومهب‬
‫الصبا على كتفه اليسر‪ ،‬والشمال على أذنه اليمنى‪ ،‬والدبور على خده اليمن‪،‬‬
‫والجنوب على عينه اليسرى‪ ،‬فمتى فعل ذلك استقبل جهة الكعبة‪.‬‬
‫) ‪(1/37‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -183-‬واعلم أن أهل السند‪ ،‬والمهرجان‪ ،‬وكابل‪ ،‬والقندهار‪ ،‬والنسان‪،‬‬
‫وما كان على سمت ذلك من البلد فهم يستقبلون في صلتهم من الركن العراقي‬
‫إلى مصلى النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فمن جعل في إحدى هذه البلد ومن كان من‬
‫البلد على سمتها بنات نعش إذا طلعت على خده اليمن والقطب على عينه اليمنى‪،‬‬
‫وربح الصبا خلف أذنه اليسرى والشمال على خده اليمن‪ ،‬والدبور على خده‬
‫اليسر‪ ،‬والجنوب على كتفه اليسر‪ ،‬فقد استقبل جهة الكعبة‪.‬‬
‫وأعلم أن أهل اليمن‪ ،‬والسدير‪ ،‬والتهائم إلى عدن‪ ،‬والبحرين إلى عمان‪،‬‬
‫وحضرموت‪ ،‬والشحر‪ ،‬وصنعاء‪ ،‬وهي نجدية‪ ،‬وصعدة وما كان على سمت ذلك‬
‫من البلد يستقبلون في صلتهم من موضع مصلى النبي صلى ال عليه وسلم إلى‬
‫الركن اليماني‪ ،‬فمن كان في إحدى هذه البلد فجعل القطب بين عينيه‪ ،‬وسهيل إذا‬
‫طلع على أذنه اليمنى‪ ،‬وإذا غرب خلف أذنه اليسرى‪ ،‬ومشرق الشتاء على أذنه‬
‫اليمنى‪ ،‬والصبا على كتفه اليمن‪ ،‬والشمال تلقاء وجهه‪ ،‬والدبور على جنبه اليسر‪،‬‬
‫والجنوب على كتفه اليسر‪ ،‬فقد استقبل جهة الكعبة‪.‬‬
‫واعلم أن أهل بلد الحبشة‪ ،‬وجزائر‪ ،‬وفرسان‪ ،‬وما كان من البلد على سمت ذلك‬
‫يستقبلون في صلتهم من الركن إلى الباب المسدود‪ ،‬فمن كان في إحدى هذه البلد‬
‫أو فيما كان من البلد على سمتها فجعل الثريا إذا طعلت بين عينيه‪ ،‬والشعرى‬
‫والعيون إذا طلعت على جنبه اليمن‪ ،‬أو القطب على أذنه اليسرى‪ ،‬أو ريح الصبا‬
‫على عينيه‪ ،‬أو الشمال تلقاء وجهه والدبور عن شماله‪ ،‬أو الجنوب خلفه‪ ،‬كان‬
‫مستقبل لجهة الكعبة‪.‬‬
‫وإن أهل بلد النوبة والبجة إلى البحر المحيط‪ ،‬وما وراء ذلك من خلل بلد‬
‫السودان وما كان من البلد على سمت ذلك يستقبلون في صلتهم من الباب‬
‫المسدود إلى دون الركن الغربي بسبعة أذرع‪ ،‬فمن جعل في إحدى هذه البلد أو‬
‫فيما كان على سمتها من البلد العيون إذا طلع بين عينيه‪ ،‬أو الثريا على عينه‬
‫اليمنى‪ ،‬أو الشولة إذا غربت بين كتفيه‪ ،‬أو القطب على صفحة خده اليسر‪ ،‬أو‬
‫مشرق الصيف قبالته‪ ،‬أو مغرب الشتاء خلفه أو ريح الصبا على عينه اليمنى‪ ،‬أو‬
‫الشمال على حاجبه اليسر‪ ،‬أو الدبور على أذنه اليسرى‪ ،‬أو الجنوب على كتفه‬
‫اليمن‪ ،‬فقد استقبل جهة الكعبة‪.‬‬
‫وأعلم أن أهل الندلس والمغرب من أهل إفريقية وطرابلس وما كان من البلد على‬
‫سمت ذلك يستقبلون في صلتهم من دون الركن الغربي بسبعة أذرع إلى الركن‬
‫الغربي‪ ،‬فمن جعل في إحدى هذه البلد وما كان على سمتها الثريا إذا طلعت بين‬
‫عينيه‪ ،‬والشعرى خلف ظهره‪ ،‬أو الشمال على كتفه اليسر‪ .‬أو الجنوب على كتفه‬
‫اليمن فقد استقبل جهة الكعبة‪.‬‬
‫) ‪(1/38‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -184-‬واعلم أن أهل السكندرية ومصر إلى القيروان إلى تاهرت‬
‫والسوس‪ ،‬والمغرب القصى إلى البحر السود‪ ،‬وما كان من البلد على سمت‬
‫ذلك‪ ،‬يستقبلون في صلتهم من الركن الغربي إلى ميزاب الكعبة‪ ،‬فمن جعل إحدى‬
‫هذه البلد الحمرة إذا طلعت بين عينيه‪ ،‬أو بنات نعش إذا غربت على كتفه‬

‫اليسر‪ ،‬وإذا طلعت على أذنه اليسرى‪ ،‬أو الشمال خلف أذنه اليسرى‪ ،‬أو ريح‬
‫الصبا على جبينه اليمن أو الشمال خلف أذنه اليسرى‪ ،‬أو الدبور خلفه‪ ،‬أو الجنوب‬
‫على عينه اليمنى‪ ،‬فقد استقبل جهة الكعبة‪.‬‬
‫واعلم أن أهل مدينة رسول ال صلى ال عليه وسلم وأهل الحجاز والرملة‪ ،‬وبيت‬
‫المقدس‪ ،‬وفلسطين‪ ،‬وما كان على سمت ذلك من البلد يستقبلون في صلتهم‬
‫ميزاب الكعبة‪ ،‬ولهذا نهى رسول ال صلى ال عليه وسلم عن استقبال القبلتين‬
‫بالغائط أو بالبول لن من كان بالمدينة واستقبل الكعبة فقد استدبر صخرة بيت‬
‫المقدس‪ ،‬وقد كانت قبلته‪ ،‬ومن استدبر الكعبة فقد استقبل الصخرة‪ ،‬وكأن في نهيه‬
‫عن استدبار القبلتين نهيا عن استقبال الكعبة واستدبارها‪ ،‬ثم قال‪ :‬ولكن شرقوا أو‬
‫غربوا لتكون الكعبة عن يمينه وبيت المقدس عن شماله أو الكعبة عن شماله وبيت‬
‫المقدس عن يمينه فهذا خاص لهل المدينة وما كان على سمتهم‪ ،‬فمن كان في‬
‫إحدى هذه البلد فجعل بنات نعش إذا غربت خلفه‪ ،‬أو سهيل إذا طلع بين عينيه‪ ،‬أو‬
‫النسر الواقع إذا طلع على أذنه اليسرى‪ ،‬وإذا غرب خلف أذنه اليمنى‪ ،‬أو ريح‬
‫الصبا على عينه اليسرى‪ ،‬أو الشمال خلف أذنه اليسرى‪ ،‬أو الدبور خلف أذنه‬
‫اليمنى‪ ،‬أو الجنوب على حاجبه اليمن‪ ،‬فقد استقبل جهة الكعبة‪.‬‬
‫واعلم أن الشمال كلها خل الرملة‪ ،‬وبيت المقدس‪ ،‬وما كان من البلد على سمت‬
‫ذلك يستقبلون في صلتهم من ميزاب الكعبة إلى الركن الشامي‪ ،‬فمن جعل في‬
‫إحدى هذه البلد بنات نعش الكبرى إذا طلعت خلف أذنه اليسرى‪ ،‬أو الجدي إذا‬
‫عل على منكبه اليسر‪ ،‬أو الهقعة إذا طلعت عن شماله‪ ،‬أو الصبا على صفحة خده‬
‫اليسر‪ ،‬أو الشمال على مرجع الكتف اليمن‪ ،‬أو الدبور على أذنه اليمنى إلى ما‬
‫يلي قفاه‪ ،‬أو الجنوب تلقاء وجهه‪ ،‬كان مستقبل لجهة الكعبة‪.‬‬
‫واعلم أن أهل ملطية‪ ،‬وسمياط‪ ،‬والمرس‪ ،‬وأرمينيا إلى باب البواب‪ ،‬وما كان من‬
‫البلد على سمت ذلك يستقبلون في صلتهم من الركن الشامي إلى مصلى آدم عليه‬
‫السلم‪ ،‬فمن جعل في إحدى هذه البلد‪ ،‬وما كان من البلد‪ ،‬وعلى سمتها العيوق إذا‬
‫طلع خلف أذنه اليسرى إلى قفاه‪ ،‬وإذا غرب على جنبه اليمن‪ ،‬أو القطب على أذنه‬
‫اليمنى إلى خلف قفاه‪ ،‬أو مشرق الشتاء على العظم الذي خلف أذنه اليسرى‪ ،‬أو‬
‫ريح الصبا على كتفه اليسر‪ ،‬أو الشمال على صفحة خده اليمن‪ .‬أو الدبور على‬
‫عاتقه اليمن أو الجنوب على عينه اليسرى‪ ،‬فقد استقبل جهة الكعبة‪.‬‬
‫) ‪(1/39‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -185-‬ول بد لمن أراد استعمال ما ذكرته في كتابي هذا أو العمل به‬
‫من معرفة ما ذكرته من الكواكب‪ ،‬وهي يسيرة فيعرفها بأعيانها‪ ،‬وكذلك الرياح‬
‫ومهابها فإنه يصل إلى بغيته ومراده إن شاء ال تعالى‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ووقع فيما ذكره ابن جماعة وابن سراقة ما يقتضي أن مصلى آدم عليه السلم في‬
‫جهة الكعبة الشرقية فيما بين بابها والركن الشامي الذي يلي الحجر‪ ،‬بسكون الجيم‪،‬‬
‫وأن مصلى النبي صلى ال عليه وسلم فيما بين الركن اليماني والحجر السود‪،‬‬
‫وذلك يحتاج إلى زيادة بيان رجاء معرفته‪ ،‬ليحصل الفوز بالصلة فيه‪ ،‬وليس في‬
‫كلم ابن جماعة ما يقتضي ذلك‪ ،‬وفي كلم ابن سراقة ما يقتضي زيادة بيان في‬

‫ذلك‪ ،‬لنه قال في أوائل كتابه المذكور‪ :‬ومن الباب يعني باب الكعبة إلى مصلى آدم‬
‫عليه السلم حين فرغ من طوافه‪ ،‬وأنزل ال عز وجل عليه التوبة وهي موضع‬
‫الخلوق من أرز الكعبة‪ :‬أرجح من تسعة أذرع‪ ،‬وهناك كان موضع مقام إبراهيم‬
‫عليه السلم وصلى النبي صلى ال عليه وسلم عنده حين فرغ من طوافه ركعتين‪،‬‬
‫ثم قال ابن سراقة‪ :‬وبين موضع الخلوق وهي مصلى آدم عليه السلم وبين الركن‬
‫الشامي ثمانية أذرع‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقال ابن سراقة في بيان مصلى النبي صلى ال عليه وسلم بين الركن اليماني‬
‫والحجر السود‪ :‬وعرض جدارها ‪-‬يعني الكعبة‪ -‬الذي يلي اليمن‪ ،‬وهو فيما بين‬
‫الركن اليماني والركن العراقي الذي فيه الحجر السود‪ :‬عشرون ذراعا‪ ،‬وإلى‬
‫وسط هذا الجدار كان مصلى النبي صلى ال عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة‪...‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫والذراع الذي أشار إليه ابن سراقة في هو ذراع اليد‪ ،‬وهو ينقص عن ذراع الحديد‬
‫ثمن ذراع كما سبق ذكره في حدود الحرام‪ ،‬وقد تحرر لي مما ذكره ابن سراقة في‬
‫ذرع ما بين الركن الشامي ومصلى آدم عليه السلم أن يكون مصلى آدم ظنا بقرب‬
‫الحفرة المرخمة التي في وجه الكعبة‪ ،‬بحيث يكون من المصلى إلى الحفرة ثلثة‬
‫أذرع إل ثلث ذراع بالحديد‪.‬‬
‫ويعرف أيضا مصلى آدم عليه السلم بأن بينه وبين الحفرة المشار إليها ست‬
‫رخامات من الرخام الذي هو الن في شاذروان الكعبة إل أربع أصابع‪ ،‬وتحت‬
‫الرخام ثلثة أحجار صفر إل أن الحجر الثالث يزيد على الست الرخامات فوقه‬
‫قليل‪ ،‬وكان تحريري لذلك مع من يعتمد عليه من أصحابنا في شهر ربيع الول‬
‫سنة ست عشرة وثمانمائة‪ ،‬بعد أن اعتبرنا ما ذكره ابن سراقة في ذلك‪ ،‬فوافق لنا‬
‫ذرعنا مقدار ثمانية أذرع بالبلد‪ ،‬ووضعنا عند طرف ركن الكعبة الشامي‪ ،‬ومددناه‬
‫إلى حيث انتهى من جدار الكعبة‪ ،‬ثم ذرعنا ذلك بذراع الحديد فجاء سبعة أذرع‬
‫بتقديم السين وثمن ذراع بالحديد‪ ،‬فعرفنا بذلك أن موضع منتهى الثمانية أذرع باليد‬
‫أو السبعة بتقديم السين والثمن‬
‫) ‪(1/40‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -186-‬بالحديد موضع مصلى آدم عليه السلم ظنا‪ ،‬وهو الموضع الذي‬
‫أشرنا إليه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وحررنا في التاريخ المذكور موضع مصلى النبي صلى ال عليه وسلم بين الركن‬
‫اليماني والحجر السود‪ ،‬وعلى مقتضى ما ذكره ابن سراقة من أنه في وسط هذا‬
‫الجدار‪ ،‬فإذا هو موضع الرخامة البيضاء المكتوب فيها‪ :‬أمر بتجديد المطاف‬
‫الشريف العبد الفقير الراجي عفو ربه الغفور الملك المنصور لجين ‪ 1‬وبعد ذلك‬
‫سطر مكشوط‪ ،‬وإنما كان هذا الموضع موضع مصلي النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫في هذه الجهة على ما ذكر ابن سراقة في تحريره‪ ،‬لنا ذرعنا ما بين الحجر‬
‫السود وهذه الرخامة فوجدناه ثمانية أذرع وثمن بالحديد‪ ،‬وكذلك ما بين هذه‬
‫الرخامة وبين الركن اليماني‪ ،‬فعرفنا بذلك أن هذه الرخامة وسط هذا الجدار‪ ،‬وأنها‬
‫على مقتضى ما ذكر ابن سراقة موضع مصلى النبي صلى ال عليه وسلم في هذه‬

‫الجهة‪ ،‬وال أعلم‪ .‬على أنى رأيت ما يدل بخلف ما ذكره ابن سراقة في تحرير‬
‫موضع مصلى آدم عليه السلم في الجهة الشرقية‪ ،‬وهو أيضا يخالف ما ذكره ابن‬
‫جمعة في ذلك‪ ،‬لن الزرقي قال فيما رويناه عنه‪ :‬حدثني محمد بن يحيى قال‪:‬‬
‫حدثني هشام بن سليمان المخزومي عن عبد ال بن أبي سليمان المخزومي أنه قال‪:‬‬
‫طاف آدم عليه السلم سبعا بالبيت حين نزل‪ ،‬ثم صلى وجاه باب الكعبة ركعتين‪ ،‬ثم‬
‫أتى الملتزم فقال‪ :‬اللهم إنك تعلم سري وعلنيتي فاقبل معذرتي‪ ،‬وتعلم ما في نفسي‬
‫وما عندي فاغفر لي ذنوبي‪ ،‬وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي‪ ،‬اللهم إني أسألك إيمانا‬
‫يباشر قلبي ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إل ما كتبت لي‪ ،‬والرضا بما‬
‫قضيت علي‪ ،‬قال‪ :‬فأوحى ال عز وجل إليه‪ :‬يا آدم قد دعوتني بدعوات فاستجبت‬
‫لك‪ ،‬ولن يدعوني بها أحد من ولدك إل كشفت غمومه وهمومه‪ ،‬وكففت عليه‬
‫صنعته ونزعت الفقر من قلبه‪ ،‬وجعلت الغنى بين عينيه‪ ،‬وتجرت له من وراء‬
‫تجارة كل تاجر‪ ،‬وأتته الدنيا وهي راغمة‪ ،‬وإن كان ل يريدها ‪.2‬‬
‫وروينا في "دلئل اليقين" لبن أبي الدنيا بسنده‪ ،‬عن عوف بن خالد قال‪ :‬وجدت‬
‫في بعض الكتب آن آدم عليه السلم ركع إلى جانب الركن اليماني ركعتين ثم قال‪:‬‬
‫اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي‪ ،‬ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إل ما‬
‫كتبت لي رضيت بما قسمت لي‪ ،‬فأوحى ال عز وجل إليه‪ :‬يا آدم إنه حق علي أن‬
‫ل يلزم أحد من ذريتك هذا الدعاء إل أعطيته ما يحب‪ ،‬ونجيته مما يكره‪ ،‬ونزعت‬
‫أمل الدنيا والفقر من بين عينيه وملت جوفه حكمة‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هو السلطان الملك المنصور حسام الدين لجين سلطان الديار المصرية‪ ،‬تسلطن‬
‫في عاشر صفر سنة ‪696‬هـ‪ ،‬وقتل في عاشر ربيع الخر سنة ‪698‬هـ‪.‬‬
‫‪2‬أخبار مكة للزرقي ‪.44 /1‬‬
‫) ‪(1/41‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -187-‬وهذا الخبران يقتضيان أن موضع مصلى آدم عليه السلم‬
‫موضع الشقة الثالثة من كسوة الكعبة في وجهة الباب الذي يلي الركن الشامي عند‬
‫باب الحجر‪.‬‬
‫وقال بعض الناس إن الموضع الذي تاب ال فيه على آدم عليه السلم دبر الكعبة‬
‫عند الباب الذي فتحه ابن الزبير رضي ال عنهما من دبرها عند الركن اليماني‪،‬‬
‫والقول الول أحب إليهم وأعجب من أجل الحديث‪ ...‬انتهى‪ .‬وفيه دللة لما ذكر ابن‬
‫سراقة في موضع مصلى آدم عليه السلم في الجهة الشرقية وال أعلم‪.‬‬
‫خر عند الكعبة في جهتها الشرقية وغيرها‪ ،‬يأتي التنبيه عليها في‬
‫وللنبي مصليات ُأ َ‬
‫الباب السابع عشر إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫) ‪(1/42‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬

‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -188-‬الباب التاسع‪:‬‬
‫ذكر بيان مصلى النبي في الكعبة‪:‬‬
‫أخبرني إبراهيم بن محمد المؤذن سماعا بالمسجد أن أحمد بن أبي طالب الحجار‬
‫الصالحي‪ ،‬أخبره عن ابن اللتي وابن بهروز قال‪ :‬أنبأنا أبو الوقت السجزي قال‪:‬‬
‫أنبأنا أبو الحسن الداودي قال‪ :‬أنبأنا أبو محمد بن حمدويه قال‪ :‬أنبأنا إبراهيم بن‬
‫خزيم قال‪ :‬أنبأنا عبد بن حميد قال‪ :‬حدثني سليمان بن حرب قال‪ :‬حدثنا ابن زيد‪،‬‬
‫عن أيوب‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر رضي ال عنهما فقال‪ :‬قدم رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة‪ ،‬إلى عثمان بن طلحة وأسامة وبلل‪ -‬رضي‬
‫ال عنهم‪ ،‬فلما خرجوا ابتدرهم الناس‪ ،‬فقلت لبلل‪ :‬أصلى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم في البيت؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قلت‪ :‬أين؟ قال‪ :‬بين العمودين المقدمين تلقاء وجهه‪.‬‬
‫أخرجه مسلم في صحيحه ‪ 1‬عن قتيبة بن سعيد وأبي الربيع والزهري وأبي كامل‬
‫الجحدري عن حماد‪ .‬فوقع لنا بدل له عاليا بدرجة‪.‬‬
‫ووقع لنا أعلى من هذا بدرجة‪ ،‬من حديث إمام دار الهجرة مالك بن أنس‬
‫الصبحي‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬أخبرني به أبو هريرة ابن الحافظ الذهبي‬
‫بقراءتي عليه بغوطة دمشق في الرحلة الولى‪ :‬أن عيسى بن عبد الرحمن بن‬
‫المطعم أخبرهم سماعا في الثالثة وأجازه‪ ،‬والقاضي تقي الدين سليمان بن حمزة‬
‫الحنبلي أجازه قال‪ :‬أنبأنا ابن اللتي قال‪ :‬أنبأنا أبو الوقت قال‪ :‬أخبرتنا ُلبَنى بنت عبد‬
‫الصمد الهرثمية قالت‪ :‬أنبأنا‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ورواه بروايات مختلفة "‪ "1329‬في "الحج‪ :‬باب استحباب دخول الكعبة للحاج‬
‫وغيره والصلة فيها والدعاء في نواحيها كلها"‪.‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -189-‬عبد الرحمن بن أبي شريح قال‪ :‬أنبأنا أبو القاسم البغوي قال‪:‬‬
‫حدثنا مصعب قال‪ :‬حدثني مالك‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر قال‪ :‬إن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة وبلل وعثمان بن طلحة فأغلقها عليهم‬
‫ومكث فيها‪ ،‬قال عبد ال بن عمر‪ :‬فسألت بلل حين خرج ماذا صنع رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم قال‪ :‬جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره وثلث أعمدة‬
‫وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة‪ ،‬ثم صلى‪.‬‬
‫هذا حديث متفق عليه على صحته وثبوته من حديث مالك رضي ال عنه ووقع لنا‬
‫عاليا جدا من حديثه‪ ،‬وقد أوضح ابن عمر رضي ال عنه موضع مصلى النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم في الكعبة إيضاحا أكثر مما في هذا الحديث‪ ،‬لن البخاري قال‬
‫فيما روينا عنه‪ :‬حدثنا أحمد بن محمد قال‪ :‬حدثنا عبد ال قال‪ :‬حدثنا موسى بن عقبة‬
‫عن نافع عن ابن عمر رضي ال عنه أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حتى‬
‫يدخل ويجعل الباب قبل الظهر‪ ،‬يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه‬
‫قريب من ثلثة أذرع‪ ،‬فيصلي بنواحي المكان الذي أخبره بلل رضي ال عنه أن‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم صلى فيه‪ ،‬وليس على أحد بأس أن يصلي في أي‬
‫نواحي البيت شاء ‪.1‬‬
‫وروينا في تاريخ الزرقي أن معاوية رضي ال عنه استدعى ابن عمر رضي ال‬
‫عنه وهو في الكعبة فقال‪ :‬يا أبا عبد الرحمن أين صلى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم عام دخلها؟ فقال‪ :‬بين العمودين المقدمين‪ ،‬اجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو‬
‫ثلثة ‪ ...2‬انتهى باختصار‪.‬‬
‫ولشيخنا الحافظ الحجة أبي الفضل العراقي كلم حسن في تعيين مصلى النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم في الكعبة‪ ،‬لنه قال فيما أنبأنا بعد ذكر الحاديث الواردة في‬
‫هذا المعنى فتلخص من هذه الطرق‪ :‬أن مصلى النبي صلى ال عليه وسلم من‬
‫البيت‪ :‬أن الداخل من الباب يسير تلقاء وجهه حتى يدخل إلى أن يجعل بينه وبين‬
‫الحائط ثلثة أذرع أو ذراعين أو ما بينهما لختلف الطرق فيه‪ ،‬قال‪ :‬وينبغي أن ل‬
‫يجعل بينه وبين الجدار أقل من ثلثة أذرع‪ ،‬فإن كان الواقع أنهم ثلثة فقد مصله‪،‬‬
‫وإن كان ذراعين فقد وقع وجه المصلي وذراعاه في مكان قدمي النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم فهذا أولى من التقدم عنه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ذكر ابن هشام ذلك في سيرته ‪.275 /2‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.271 /1‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -190-‬ذكر قدر صلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة في دخوله‬
‫هذا‪:‬‬
‫أما قدر هذه الصلة‪ :‬فركعتان على ما رويناه عن عبد ال بن عمر بن الخطاب‬
‫رضي ال عنهما وعن بلل من رواية ابن عمر رضي ال عنهما وعن جابر بن‬
‫عبد ال رضي ال عنه‪ ،‬كما روينا في "شرح معاني الثار" للطحاوي ‪ ،1‬وعن‬
‫عمر رضي ال عنه أيضا كما روينا فيه عن عبد الرحمن بن صفوان رضي ال‬
‫عنه عن عمر رضي ال عنه وجماعة ممن كان مع النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫حينئذ‪ ،‬وعن عثمان بن طلحة رضي ال عنه أيضا‪ ،‬كما رويناه فيه‪ ،‬وهو مقتضى‬
‫حديث شيبة بن عثمان الحجبي وعبد ال بن عباس رضي ال عنهما ول يثبت عنه‪،‬‬
‫وعبد الرحمن بن صفوان القرشي‪ ،‬وعثمان بن طلحة الحجبي‪ ،‬وعمر بن الخطاب‬
‫أمير المؤمنين كما سيأتي مبينا في الترجمة التي بعد هذه الترجمة‪ ،‬ونشير هنا‬
‫لحديث ابن عمر‪ ،‬وبلل رضي ال عنهما لموجب اقتضى ذلك‪.‬‬
‫فأما الحديث المروي عن ابن عمر رضي ال عنهما في ذلك من غير ذكر بلل‬
‫فيه‪ ،‬فإنا رويناه في مسند أحمد بن حنبل؛ لن عبد ال بن أحمد بن حنبل ‪ 2‬قال في‬
‫مسند أبيه وجدت في كتاب أبي‪ :‬حدثنا يزيد قال‪ :‬أنبأنا شعبة عن سماك يعني الحنفي‬
‫قال‪ :‬سمعت ابن عمر رضي ال عنهما يقول صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫في الكعبة ركعتين‪.‬‬
‫وأما الحديث الذي رويناه عن بلل رضي ال عنه في ذلك من رواية ابن عمر‬
‫رضي ال عنهما ففي صحيح البخاري‪ ،‬لنه قال في كتاب الصلة‪ :‬حدثنا مسدد‬

‫قال‪ :‬حدثنا يحيى‪ ،‬عن سيف قال‪ :‬سمعت مجاهدا قال‪ :‬أتى ابن عمر رضي ال‬
‫عنهما فقيل له‪ :‬هذا رسول ال صلى ال عليه وسلم دخل الكعبة‪ ،‬فقال ابن عمر‪:‬‬
‫فأقبلت والنبي صلى ال عليه وسلم قد خرج‪ ،‬فوجدت بلل قائما بين الناس فسألت‬
‫بلل فقلت‪ :‬هل صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم في الكعبة؟ فقال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫ركعتين بين الساريتين اللتين عن يسارك إذا دخلت‪ ،‬ثم خرج فصلى في وجه الكعبة‬
‫ركعتين‪.‬‬
‫وأخرجه النسائي أيضا فقال‪ :‬أخبرنا سليمان قال‪ :‬حدثنا أبو نعيم قال‪ :‬حدثنا سيف‬
‫بن سليمان‪ ...‬فذكره‪.‬‬
‫وروينا ذلك في سنن النسائي أيضا من رواية السائب بن عمر‪ ،‬عن ابن مليكة‪ ،‬عن‬
‫ابن عمر رضي ال عنهما‪ ،‬أنه سأل بلل رضي ال عنه‪ :‬هل صلى رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم في الكعبة؟ فقال‪ :‬نعم‪ ،‬ركعتين بين الساريتين‪.‬‬
‫وروينا ذلك في "سنن الدارقطني" من رواية زهير بن معاوية عن ابن الزبير عن‬
‫ابن أبي مليكة‪ ،‬عن ابن عمر رضي ال عنهما في حديث ابن الزبير‪ ،‬فسألت بلل‬
‫رضي ال عنه‪ -‬فأخبرنا أن رسول ال صلى ال عليه وسلم صلى ركعتين‪.‬‬‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬شرح معاني الثار ‪.391 /1‬‬
‫‪ 2‬مسند أحمد ‪.15 /6‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -191-‬وروينا في الصحيحين ما يقتضي أن ابن عمر رضي ال عنهما‬
‫نسي أن يسأل بلل عن قدر صلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة‪ ،‬وذلك من‬
‫جملة حديث أخرجه البخاري عن شريح بن النعمان‪ ،‬عن فليج عن نافع عن ابن‬
‫عمر‪ ،‬رضي ال عنهما‪.‬‬
‫وأخرجه مسلم عن قتيبة بن سعيد وأبي الربيع والزهري وأبي كامل الجحدري‬
‫كلهم‪ ،‬عن حماد بن زيد‪ ،‬عن أيوب السختياني‪ ،‬عن نافع عن ابن عمر‪ ،‬رضي ال‬
‫عنهما‪.‬‬
‫وروينا ذلك أيضا في سنن ابن ماجه‪ ،‬وفي رواية ابن ماجة‪ :‬ثم لمت نفسي أن ل‬
‫أكون سألته يعني بلل كم صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫فتكون هذه الحاديث معارضة للحاديث التي تقتضي أن ابن عمر رضي ال‬
‫عنهما سأل بلل رضي ال عنه عن قدر صلة النبي صلى ال عليه وسلم هذه‪ .‬وقد‬
‫سبق ذكر هذه الحاديث‪.‬‬
‫وذكر شيخنا العراقي في الجمع بين هذه الحاديث ثلثة احتمالت‪ ،‬واستبعد منها‬
‫اثنين وسكت عن الثالث وهو على ما قال فما أنبأني به‪ ،‬ويحتمل أن ابن عمر وإن‬
‫كان سمع من بلل أنه صلى ركعتين لم يكتف بذلك في أنه لم يصل غيرهما‪ ،‬لن‬
‫من صلى أربعا أو أكثر يصدق عليه أنه صلى ركعتين‪ ،‬على القول بأن مفهوم العدد‬
‫ليس بحجة كم هو المرجح في الصول فلعل الذي نسي أن يسأل عنه بلل رضي‬
‫ال عنه في أنه هل زاد على الركعتين شيئا أم ل؟ وال أعلم‪.‬‬
‫ذكر من روى صلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة يوم فتح مكة من‬

‫الصحابة ومن نقلها منهم‪ ،‬رضي ال عنهم‪:‬‬
‫روى هذه الصلة بلل‪ ،‬وجابر بن عبد ال‪ ،‬وشيبة بن عثمان الحجبي‪ ،‬وعبد ال بن‬
‫الزبير‪ ،‬وعبد ال بن عباس على ما قيل وعبد ال بن عمر بن الخطاب‪ ،‬وعبد‬
‫الرحمن بن صفوان القرشي‪ ،‬وعثمان بن طلحة الحجبي‪ ،‬وعمر بن الخطاب‪ ،‬وأبو‬
‫هريرة‪ ،‬وعائشة‪.‬‬
‫ونفاها أسامة على المعروف عنه والفضل بن عباس وأخوه عبد ال بن عباس على‬
‫ما صح عنه وليس في حديث أكثر الصحابة المثبتين لهذه الصلة والنافين لها في‬
‫أن ذلك وقع في يوم فتح مكة‪ ،‬وإنما ذلك مبين في حديث ابن عمر رضي ال عنهما‬
‫السابق‪ ،‬وحديث جابر رضي ال عنه كما سيأتي إن شاء ال تعالى وغيره‪ ،‬فيحمل‬
‫على ذلك حديث من لم يقع في حديثه بيان زمن الصلة المشار إليه‪ ،‬لن الحاديث‬
‫يفسر بعضها بعضا‪ ،‬والمجمل منها يرد إلى المبين‪ ،‬وقد أشار إلى ذلك النووي‬
‫رحمه ال تعالى في شرح مسلم‪ ،‬ولما تكلم على قوله في حديث ابن عمر رضي‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -192-‬ال عنهما‪ :‬قدم رسول ال صلى ال عليه وسلم يوم الفتح ونزل‬
‫بفناء الكعبة‪ .‬هذا دليل على أن المذكور في أحاديث الباب من دخوله صلى ال عليه‬
‫وسلم الكعبة وصلته فيه كان يوم الفتح‪ ،‬وهذا ل خلف فيه‪ ،‬ولم يكن يوم حجة‬
‫الوداع‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ويتأيد ذلك بما رويناه في تاريخ الزرقي قال‪ :‬حدثني جدي قال‪ :‬سمعت سفيان‬
‫يعني ابن عيينة يقول‪ :‬سمعت غير واحد من أهل العلم يذكرون أن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح ثم حج ولم يدخلها ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وإذا تقرر ذلك فنشير إلى شيء من أحاديث الصحابة المشار إليهم رضي ال عنهم‪.‬‬
‫فأما حديث بلل رضي ال عنه‪ :‬فرويناه في شرح معاني الثار" للطحاوي قال‪:‬‬
‫حدثنا فهد قال‪ :‬حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا شبابة‪ ،‬عن مغيرة بن مسلم‪،‬‬
‫عن ابن الزبير‪ ،‬عن جابر رضي ال عنه قال‪ :‬دخل النبي البيت يوم الفتح فصلى‬
‫فيه ركعتين‪.‬‬
‫وأما حديث شيبة‪ :‬فرويناه في "معجم ابن قانع" ولفظه‪ :‬حدثنا خليد بن محمد‪ ،‬حدثنا‬
‫القواريري‪ :‬حدثنا محمد بن حمدان‪ ،‬وحدثنا أبو بشر‪ ،‬عن مسافع بن شيبة‪ ،‬عن أبيه‬
‫قال‪ :‬دخل النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة فصلى فيها ركعتين ورأى فيها تصاوير‬
‫فقال‪" :‬يا شيبة اكفني هذا"‪ ،‬فاشتد ذلك على شيبة فقال له رجل‪ :‬اطله بزعفران‪،‬‬
‫ففعل‪.‬‬
‫وسيأتي إن شاء ال تعالى لشيبة في الباب الذي بعده حديث آخر في المعنى‪.‬‬
‫ورويناه أيضا في "شرح الثار" للطحاوي ‪ 2‬ونصه‪ :‬حدثنا ابن أبي داود قال‪:‬‬
‫حدثنا محمد بن الصباح قال‪ :‬حدثنا أبو إسماعيل المؤدب‪ ،‬عن عبد ال بن مسلم‪،‬‬
‫عن هرمز‪ ،‬عن عبد الرحمن بن الزجاج‪ ،‬قال‪ :‬أتيت شيبة بن عثمان فقلت‪ :‬يا أبا‬
‫عثمان إن ابن عباس يقول‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم دخل الكعبة فلم‬
‫يصل‪ ،‬قال‪ :‬بلى‪ ،‬صلى ركعتين عند العمودين المقدمين‪ ،‬ألزق بهما ظهره‪.‬‬
‫وحدثنا فهد قال‪ :‬حدثنا محمد بن سعيد‪ ،‬أخبرنا عبد الرحيم بن سليمان‪ ،‬عن عبد ال‬

‫بن مسلم‪ ،‬فذكره‪.‬‬
‫وأما حديث ابن الزبير رضي ال عنه فرويناه في مسند أحمد بن حنبل‪ ،‬ولفظه‪:‬‬
‫حدثنا عثمان قال‪ :‬حدثنا حماد عن عبد ال بن أبي مليكة قال‪ :‬إن معاوية قدم إلى‬
‫مكة فدخل الكعبة‪ ،‬فبعث إلى ابن عمر يسأله أين صلى النبي صلى ال عليه وسلم؟‬
‫فقال‪ :‬صلى بين‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.273 /1‬‬
‫‪ 2‬شرح معاني الثار ‪" 392 /1‬باب الصلة في الكعبة"‪.‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -193-‬الساريتين بحيال الباب‪ ،‬فجاء ابن الزبير فرج الباب رجا شديدا‬
‫ففتح له‪ ،‬فقال لمعاوية‪ :‬أما أنك قد علمت أني كنت أعلم مثل الذي تعلم ولكنك‬
‫حسدتني‪.‬‬
‫وأما حدث ابن عباس‪ :‬فرويناه في "سنن الدارقطني" ولفظه‪ :‬حدثنا الحسين بن‬
‫إسماعيل قال‪ :‬حدثنا عيسى بن أبي حرب الصفار قال‪ :‬حدثني يحيى بن أبي بكير‪،‬‬
‫عن عبد الغفار بن القاسم قال‪ :‬حدثني حبيب بن أبي ثابت‪ ،‬قال‪ :‬حدثني سعيد بن‬
‫جبير‪ ،‬عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬دخل رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫البيت فصلى بين الساريتين ركعتين‪ ،‬ثم دخل مرة أخرى‪ ،‬وقام فيه يدعو‪ ،‬ثم خرج‬
‫ولم يصل‪.‬‬
‫وكتب الدارقطني على حاشية هذا الحديث‪ :‬عبد الغفار ضعيف‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا هذا الحديث في "معجم الطبراني الكبير" وفي إسناد أبو مريم‪ ،‬روي عن‬
‫صغار التابعين‪ ،‬وبقية رجاله وثقوا‪ ،‬وفي بعضهم كلم‪.‬‬
‫وروينا عن ابن عباس رضي ال عنهما ما يدل لذلك أيضا في مسند بلل للحسن بن‬
‫محمد الصباح الزغفراني‪ ،‬ولفظه‪ :‬حدثنا سعيد بن سليمان قال‪ :‬حدثنا عبد ال‬
‫المؤمل قال‪ :‬سمعت ابن أبي مليكة يحدث عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪:‬‬
‫صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم في الكعبة‪ .‬وكان بلل والفضل على الباب‪،‬‬
‫فقال بلل‪ :‬سجد‪ ،‬وقال الفضل‪ :‬إنما كان يركع‪.‬‬
‫وأما حديث عبد ال بن عمر‪ :‬من غير ذكر بلل رضي ال عنهم‪ :‬فأخبرني به‬
‫الحافظ أبو أحمد بن الحسين الحاكم إجازة‪ -‬إن لم يكن سماعا‪ -‬قال‪ :‬أخبرنا به محمد‬
‫بن أزبك البدري بقراءتي عليه بظاهر دمشق في الرحلة الثالثة قال‪ :‬أنبأنا محمد بن‬
‫عبد المؤمن الصوري قال‪ :‬أنبأنا عبد ال بن أحمد بن قدامة‪ ،‬قال أنبأنا أحمد بن‬
‫المقرب الكرخي‪ ،‬ونفيسة بنت أبي غلب البزار قال‪ :‬أنبأها طراد بن محمد القرشي‬
‫قال‪ :‬أنبأنا أحد بن محمد بن أحمد بن حسنون النرسي قال‪ :‬حدثنا محمد بن عمرو‬
‫بن البحتري قال‪ :‬حدثنا أحمد بن عبيد الجشمي قال‪ :‬حدثنا غارم أبو النعمان قال‪:‬‬
‫حدثنا حماد بن زيد بن عمرو بن دينار‪ ،‬عن ابن عمر رضي ال عنهما قال‪ :‬إن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم في جوف البيت‪ .‬هكذا رواه‪ ،‬عن غارم‪ ،‬عن حماد‪،‬‬
‫وخالفه قتيبة‪ ،‬لنه رواه عن حماد فزاد في إسناده بلل‪ ،‬ورواية قتيبة أخرجها‬
‫الترمذي عنه‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حديث حسن صحيح‪.‬‬

‫وقال الطحاوي في "شرح معاني الثار"‪ :1‬حدثنا أبو مرزوق قال‪ :‬حدثنا وهب هو‬
‫ابن جرير قال‪ :‬حدثنا شعيب‪ ،‬عن سماك الحنفي قال‪ :‬سمعت ابن عمر يقول‪ :‬صلى‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم في البيت‪ ،‬وسيأتي من ينهاك فل تسمع قوله يعني‬
‫ابن عباس ‪....‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬شرح معاني الثار ‪" 391 /1‬باب الصلة في الكعبة"‪.‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -194-‬وقال أيضا‪ :‬حدثنا فهد‪ ،‬حدثنا أبو نعيم‪ ،‬حدثنا مسعر‪ ،‬عن سماك‬
‫الحنفي‪ ،‬قال‪ :‬سمعت ابن عباس يقول‪ :‬ل تجعل سائر البيت خلفك وائتم به جميعا‪.‬‬
‫وسمعت ابن عمر يقول‪ :‬صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فيه‪.‬‬
‫وأما حديث عبد الرحمن بن صفوان‪ :‬فرويناه في "معجم الطبراني الكبير" ولفظه‬
‫قال‪ :‬رأيت رسول ال صلى ال عليه وسلم حين دخل البيت قال‪ :‬صلى ركعتين بين‬
‫السطوانتين عن يمين البيت‪ .‬ورجال الطبراني رجال الصحيح على ما ذكر شيخنا‬
‫أبو الحسن الحافظ‪.‬‬
‫ورويناه في "مسند البزار"‪ ،‬ولفظه قال‪ :‬لما فتح رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫مكة قلت‪ :‬للبسن ثيابي‪ -‬وكانت داري على الطريق‪ ،‬فذكر الحديث إلى أن قال‪:‬‬
‫فلما خرج رسول ال صلى ال عليه وسلم سألت من كان معه‪ :‬أين صلى رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم؟ قال‪ :‬ركعتين عند السارية الوسطى عن يمينها‪.‬‬
‫ورويناه في "سنن أبي داود السجستاني"‪.‬‬
‫ورويناه عن شيوخه عن جماعة لم يسموه في "شرح معاني الثار للطحاوي قال‪:‬‬
‫حدثنا ربيع الحبري قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن الحميدي قال‪ :‬حدثنا محمد بن فضيل بن‬
‫غزوان عن يزيد بن أبي الزناد‪ ،‬عن مجاهد‪ ،‬عن ابن صفوان أو عبد ال بن‬
‫صفوان قال‪ :‬سمعت أن رسول ال صلى ال عليه وسلم يوم الفتح قد قدم‪ ،‬فجمعت‬
‫علي ثيابي‪ ،‬فوجدته قد خرج من البيت‪ ،‬فقلت‪ :‬أين صلى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم من البيت؟ قالوا‪ :‬تجاهك‪ ،‬قلت‪ :‬كم صلى؟ قالوا‪ :‬ركعتين‪.‬‬
‫وأما حديث عثمان بن طلخة‪ :‬فهو في "صحيح مسلم" على الشك‪ ،‬لنه روى بسنده‬
‫إلى ابن عمر قصة دخول النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة‪ ،‬ثم قال‪ :‬فأخبرني بلل‬
‫أو عثمان بن طلحة أن رسول ال صلى ال عليه وسلم صلى في جوف الكعبة‪.‬‬
‫ووقع في بعض نسخ مسلم على ما قال النووي بلل وعثمان بن طلحة‪ ،‬ويعضد‬
‫ذلك رواية في مسلم يأتي ذكرها ولكن فيها علة‪ ،‬وهي أن بعض رواتها نسب فيها‬
‫إلى الوهم‪.‬‬
‫وروينا حديث عثمان بن طلحة في المعنى من غير شك في مسند أحمد بن حنبل‪،‬‬
‫ولفظ حديثه‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم صلى في البيت وجاهك حين تدخل بين‬
‫الساريتين‪ .‬ورجال أحمد رجال الصحيح‪.‬‬
‫ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" أيضا‪.‬‬
‫ورويناه أيضا في "معجم ابن قانع" ولفظه‪ :‬حدثنا محمد بن يونس قال‪ :‬حدثنا مسلم‬

‫بن إبراهيم قال‪ :‬حدثنا حماد بن سلمة‪ ،‬عن هشام بن عروة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن عثمان بن‬
‫طلحة قال‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم صلى في البيت بين الساريتين‪.‬‬
‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -195-‬ورويناه أيضا في "شرح معاني الثار للطحاوي‪ ،‬ونصه‪ :‬حدثنا‬
‫علي بن عبد الرحمن‪ ،‬حدثنا عفان قال‪ :‬حدثنا حماد بن سلمة قال‪ :‬أنبأنا هشام بن‬
‫عروة‪ ،‬عن عروة‪ ،‬عن عثمان بن طلحة قال‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫دخل البيت فصلى فيه ركعتين وجاهك بين الساريتين‪.‬‬
‫وحسن شيخنا أبو الفضل الحافظ الحديث الذي من رواية ابن قانع‪.‬‬
‫وأما حديث عمر بن الخطاب رضي ال عنهم فرويناه في "سنن أبي داود‬
‫السجستاني" ولفظه‪ :‬حدثنا زهير بن حرب قال‪ :‬حدثني عن يزيد بن أبي زياد‪ ،‬عن‬
‫مجاهد‪ ،‬عن عبد الرحمن بن صفوان قال‪ :‬قلت لعمر بن الخطاب‪ ،‬كيف صنع‬
‫رسول ال حين دخل الكعبة قال‪ :‬صلى ركعتين ‪.1‬‬
‫ورواه الطحاوي في "شرح معاني الثار" فقال‪ :‬حدثنا معلى بن شيبة قال‪ :‬حدثنا‬
‫إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال‪ :‬أنبأنا جرير فذكره بلفظه‪ ،‬إل أنه قال‪ :‬قال ابن أبي‬
‫الزناد ولم يقل الخطاب‪ ،‬وقال أيضا‪ :‬حدثنا ابن أبي داود‪ ،‬حدثنا أبو الوليد‪ ،‬حدثنا‬
‫جرير بن عبد الحميد‪ ،‬فذكره بإسناده مثله‪ ،‬غير أنه قال‪ :‬عبد ال بن صفوان ‪.2‬‬
‫وأما حديث أبي هريرة‪ :‬فرويناه في "مسند البزار" ولفظه قال‪ :‬لما كان يوم الفتح‬
‫بعث رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى أم عثمان بن طلحة أن ابعثي بالمفتاح أي‬
‫مفتاح الكعبة فقالت‪ :‬ل‪ ،‬وال والعزى ل أبعث به إليك‪ ،‬فقال قائل‪ :‬ابعث إليها قسًرا‪،‬‬
‫فقال ابنها عثمان‪ :‬يا رسول ال إنها حديثة عهد بكفر فابعثني إليها حتى آتيك به‪،‬‬
‫قال‪ :‬فذهب‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمتاه إنه قد جاء أمر غير الذي كان‪ ،‬وإنه إن لم تعط المفتاح‬
‫قتلت‪ ،‬قال‪ :‬فأخرجته فدفعته إليه‪ ،‬فجاء به يسعى‪ ،‬فلما دنا من النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم فابتدر المفتاح بين يديه‪ ،‬فقام النبي صلى ال عليه وسلم فجئنا عليه بثوبه‬
‫فأخذه‪ ،‬ثم جاء إلى الباب ‪-‬أحسبه قال‪ :‬ففتحه ثم قام عند أركان البيت وأرجائه‬
‫يدعو‪ ،‬ثم صلى ركعتين بين السطوانتين‪ .‬في إسناد هذا الحديث في "مسند البزار"‬
‫زيد بن عوف وهو ضعيف‪.‬‬
‫وأما حديث عائشة رضي ال عنها فرويناه في "سنن البيهقي" ولفظه‪ :‬أخبرنا أبو‬
‫عبد ال الحافظ قال‪ :‬حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال‪ :‬حدثنا أحمد بن عيسى‬
‫بن زيد بن الجبار بن مالك اللخمي بتنيس قال‪ :‬حدثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي‪:‬‬
‫حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن عقبة‪ ،‬عن سالم بن عبد ال‪ ،‬أن عائشة قالت‪:‬‬
‫دخل رسول ال صلى ال عليه وسلم الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى‬
‫خرج منها‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ج ‪" 391 /1‬باب الصلة في الكعبة"‪.‬‬
‫‪ 2‬شرح معاني الثار ‪.393 /1‬‬
‫) ‪(1/9‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -196-‬وأخرج هذا الحديث الحاكم في "المستدرك" بهذا السناد‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫صحيح على شرط الشيخين‪ ،‬ولم يخرجاه ‪.1‬‬
‫وأما حديث أسامة‪ :‬الموافق لهم في إثبات الصلة فرويناه في "شرح معاني الثار"‬
‫للطحاوي أيضا قال‪ :‬حدثنا حسين بن نصر قال‪ :‬حدثنا ابن شريح قال‪ :‬أخبرني‬
‫محمد بن جعفر قال‪ :‬أخبرني العلء بن عبد الرحمن قال‪ :‬كنت مع أبي فلقيت عبد‬
‫ال بن عمر فسأله أبي وأنا أسمع‪ :‬أين صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم حين‬
‫دخل البيت؟ فقال ابن عمر‪ :‬دخل النبي صلى ال عليه وسلم بين أسامة وبلل‪ ،‬فلما‬
‫خرجا سألتهما أين صلى؟ يعنى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬على جهته‪.‬‬
‫حدثنا ابن خزيمة‪ ،‬حدثنا أحمد بن أشكاب‪ ،‬حدثنا أبو معاوية‪ ،‬عن العمش‪ ،‬عن‬
‫عمارة‪ ،‬عن أبي الشعثاء‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬قال‪ :‬رأيته دخل البيت حتى إذا كان بن‬
‫الساريتين مضى حتى لزق بالحائط‪ ،‬فقام فصلى‪ ،‬فجئت فقمت إلى جنبه‪ ،‬فصلى‬
‫أربعا فقلت‪ :‬أخبرني أين صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم من البيت؟ فقال‪:‬‬
‫ههنا‪ ،‬أخبرني أسامة أن رسول ال صلى ال عليه وسلم صلى ‪.2‬‬
‫فهذه أحاديث الصحابة المثبتين لصلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة‪.‬‬
‫وأما أحاديث الذين نفوها‪ :‬حديث أسامة منها رويناه في "سنن النسائي" ولفظه‪:‬‬
‫أخبرنا حاجب بن سليمان المنبجي‪ ،‬عن عبد المجيد بن أبي رواد‪ ،‬حدثنا ابن جريج‪،‬‬
‫عن عطاء ‪ ،3‬عن أسامة بن زيد قال‪ :‬دخل رسول ال صلى ال عليه وسلم الكعبة‬
‫فسبح في نواحيها وكبر ولم يصل‪ ،‬ثم خرج فصلى خلف المقام ركعتين‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫هذه القبلة‪.‬‬
‫ورويناه في "صحيح" من رواية عطاء عن عبد ال بن عباس عن أسامة‪.‬‬
‫وأما حديث الفضل بن عباس رضي ال عنهما في نفي الصلة‪ :‬فرويناه في كتاب‬
‫"الطبقات" لمحمد بن سعد كاتب الواقدي ولفظه‪ :‬حدثنا موسى بن داود‪ ،‬عن حماد‬
‫بن سلمة‪ ،‬عن عمرو بن دينار‪ ،‬عن ابن عباس‪ ،‬عن الفضل قال‪ :‬إن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم دخل البيت فكان يسبح ويكبر ويدعو ول يركع‪.‬‬
‫قال شيخنا أبو الفضل الحافظ بعد إخراجه لهذا الحديث من هذا الطريق‪ :‬ورجاله‬
‫رجال مسلم‪ ،‬إل أن موسى بن داود الصيتي قاضي طرطوش تكلم فيه‪ ،‬وقد قيل‪ :‬إنه‬
‫تفرد عن حماد بن سلمة‪ .‬وأخرجه أيضا شيخنا أبو الفضل الحافظ من معجم ابن‬
‫قانع ثم قال بعد إخراجه له من طريقه‪ :‬هذا حديث غريب من هذا الوجه‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬المستدرك على الصحيحين ‪.479 /1‬‬
‫‪ 2‬شرح معاني الثار ‪.391 /1‬‬
‫‪ 3‬هو عطاء بن أبي رباح‪.‬‬
‫) ‪(1/10‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -197-‬ورويناه في "مسند أحمد بن حنبل" ولفظه" عن ابن عباس‬
‫رضي ال عنه قال‪ :‬إن الفضل بن عباس أخبر أنه دخل مع النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم وأن النبي صلى ال عليه وسلم لم يصل في الكعبة ولكنه لما خرج نزل فركع‬
‫ركعتين عند باب البيت‪.‬‬

‫ورواه الطبراني بمعناه في "الكبير"‪ ،‬ورجاله رجال أحمد‪ ،‬ورجال الصحيح‪.‬‬
‫وأما حديث عبد ال بن عباس رضي ال عنهما في نفي الصلة من غير إسناده ذلك‬
‫إلى أسامة وأخيه الفضل‪ :‬فرويناه في صحيحي البخاري ومسلم‪ ،‬أما البخاري‪:‬‬
‫فأخرجه عن إسحاق بن نصر‪ ،‬عن عبد الرزاق‪ ،‬عن ابن جريج‪ ،‬عن عطاء‪ ،‬عن‬
‫ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬لما دخل النبي صلى ال عليه وسلم البيت دعا في‬
‫نواحيه كلها‪.‬‬
‫والمشهور عن عبد الرزاق بهذا السناد عن ابن عباس عن أسامة‪ ،‬وكذا رواه‬
‫النسائي وغيره‪.‬‬
‫وأما مسلم‪ :‬فقال‪ :‬أخبرنا شيبان بن فروخ قال‪ :‬حدثنا همام قال‪ :‬حدثنا عطاء‪ ،‬عن‬
‫ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم دخل الكعبة وفيها‬
‫ست سوار‪ ،‬فقام عند كل سارية فدعا ولم يصل‪.‬‬
‫ذكر ترجيح رواية من أثبت صلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة على رواية‬
‫من نفاها‪ ،‬وما قيل في الجمع بين ذلك‪:‬‬
‫قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر‪ :‬رواية ابن عمر عن بلل‪ :‬أن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم صلى في الكعبة أولى من رواية ابن عباس عن أسامة أنه لم يصل‪،‬‬
‫لنها زيادة مقبولة‪ ،‬وليس قول من قال من لم يفعل بشهادة إلى آخر كلمه‪.‬‬
‫وقال السهيلي في "الروض النف" وأما دخوله صلى ال عليه وسلم الكعبة‬
‫وصلته فيها فحديث بلل أنه صلى فيها‪ ،‬وحديث ابن عباس أنه لم يصل فيها وأخذ‬
‫الناس بحديث بلل‪ ،‬لنه أثبت الصلة‪ ،‬وابن عباس نفاها‪ ،‬وإنما يؤخذ بشهادة‬
‫المثبت ل بشهادة النافي‪ ،‬ومن تأول قول بلل رضي ال عنه أنه صلى أي دعا‬
‫فليس بشيء‪ ،‬لن في حديث ابن عمر رضي ال عنهما أنه صلى فيها ركعتين‪،‬‬
‫ولكن رواية ابن عباس‪ ،‬ورواية بلل‪ ،‬صحيحتان‪ ،‬لنه عليه الصلة والسلم دخلها‬
‫يوم النحر فلم يصل‪ ،‬ودخلها من الغد فصلى فيها‪ ،‬وذلك في حجة الوداع‪ ،‬وهو‬
‫حديث مروي عن ابن عمر بإسناد حسن أخرجه الدارقطني وهو من فوائده ‪... 1‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وقال الشيخ محيي الدين النووي‪ :‬أجمع أهل الحديث علي الخذ برواية بلل رضي‬
‫ال عنه لنه مثبت‪ ،‬فمعه زيادة علم‪ ،‬فوجب ترجيحه قال‪ :‬وأما نفي أسامة‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪.4 /4‬‬
‫) ‪(1/11‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -198-‬رضي ال عنه فيشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب‬
‫واشتغلوا بالدعاء‪ ،‬فرأى‪ :‬أسامة النبي صلى ال عليه وسلم يدعو‪ ،‬ثم اشتغل أسامة‬
‫في ناحية من نواحي البيت والنبي صلى ال عليه وسلم في ناحية أخرى‪ ،‬وبلل‬
‫قريب منه‪ ،‬ثم صلى النبي صلى ال عليه وسلم فرآه بلل رضي ال عنه لقربه منه‪،‬‬
‫ولم يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء‪ ،‬وكانت صلته خفيفة فلم يرها أسامة‬
‫لغلق الباب‪ ،‬مع بعده واشتغاله بالدعاء وجائز له نفيها عمل بظنه‪ ،‬وأما بلل‬
‫فتحققها وأخبر بها‪ ،‬وال أعلم ‪ ...‬انتهى من شرح مسلم‪.‬‬

‫وقال في "المجموع" وهو "شرح المهذب"‪ :‬قال العلماء‪ :‬الخذ برواية بلل رضي‬
‫ال عنه في إثبات الصلة أولى لنه مثبت وقدم على النافي‪ ،‬فإن بلل رضي ال‬
‫عنه كان قريبا من النبي صلى ال عليه وسلم حين صلى معه‪ ،‬وراقبه في ذلك فرآه‬
‫يصلي‪ ،‬وكان أسامة رضي ال عنه متباعدا مشتغل بالدعاء والباب مغلق ولم ير‬
‫الصلة‪ ،‬فوجب الخذ برواية بلل رضي ال عنه‪ ،‬لنه معه زيادة علم ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقال المحب الطبري‪ :‬وقد اختلف بلل وأسامة رضي ال عنهما في صلة النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم في البيت‪ ،‬وحكم العلماء بترجيح حديث بلل‪ ،‬لنه أثبت‪،‬‬
‫وضبط ما لم يضبطه أسامة رضي ال عنه والمثبت مقدم على النافي‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫ويحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلته‪.‬‬
‫وقد روى ابن المنذر عن أسامة رضي ال عنه قال‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫رأي صورا في الكعبة‪ ،‬فكنت آتيه بماء في الدلو يضرب به الصور‪.‬‬
‫فأخبر أنه كان خرج لنقل الماء‪ ،‬وكان ذلك في يوم الفتح‪ ،‬وصلته صلى ال عليه‬
‫وسلم في الكعبة إنما كانت يوم الفتح ل في حجة الوداع‪ .‬وقال أبو حاتم بن حبان‪:‬‬
‫والشبه عندي أن يحتمل الخبران على دخولين متغايرين أحدهما‪ :‬يوم الفتح وصلى‬
‫فيه‪ .‬والخر‪ :‬في حجة الوداع ولم يصل فيه من غير أن يكون بينهما تضاد‪...‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وقال القاضي عز الدين بن جماعة في هذا المعنى فيما أخبرني به خالي عنه‪ :‬قال‬
‫يعني أحمد بن حنبل حدثنا هشيم‪ ،‬قال‪ :‬أنبأنا عبد الملك‪ ،‬عن عطاء‪ ،‬قال‪ :‬قال أسامة‬
‫بن زيد رضي ال عنهما دخلت مع رسول ال صلى ال عليه وسلم البيت فجلس‬
‫فحمد ال وأثنى عليه‪ ،‬وكبر‪ ،‬وهلل‪ ،‬وخرج ولم يصل‪ ،‬ثم دخلت معه في اليوم‬
‫الثاني‪ ،‬فقام ودعا‪ ،‬ثم صلى ركعتين‪ ،‬ثم خرج فصلى ركعتين خارجا من البيت‬
‫مستقبل وجه الكعبة‪ ،‬ثم انصرف وقال‪ :‬هذه القبلة‪.‬‬
‫وكذلك رواه أحمد بن منيع في مسنده‪ ،‬والدارقطني وغيرهم‪ ،‬وهو كلم شاف كاف‬
‫في الجمع بين الحاديث‪ ،‬فنحمد ال على التوفيق للجمع به‪ ،‬فإن ذلك من أج ّ‬
‫ل‬
‫الفوائد‪.‬‬
‫) ‪(1/12‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -199-‬فإن بعض كبار العلماء قال‪ :‬يحتمل أن يكون أسامة رضي ال‬
‫عنه غاب عنه صلى ال عليه وسلم بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلته‪.‬‬
‫ثم قال ابن جماعة بعد أن ذكر كلما للنووي في "المجموع" في الجمع بين حديث‬
‫بلل وأسامة سبق ذكرنا له‪ :‬وهذا يحتاج إلى نقل ولم أقف عليه‪ ،‬ول ضرورة تعدو‬
‫إليه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ثم قال بعد أن ذكر كلم ابن حبان السابق في الجمع بين اختلف بلل وأسامة‬
‫رضي ال عنها وكلمه وكلم الشيخ محيي الدين يعني النووي ومن نقل عنهم يدل‬
‫على أنهم لم يطلعوا على ما جمعنا به ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقال الطحاوي في "شرح معاني الثار" فإن كان هذا الباب يؤخذ من طريق‬
‫تصحيح تواتر الخبار فإن الخبار قد تواترت أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫قد صلى في الكعبة ما لم يتواتر بمثله أنه لم يصل‪ ،‬وإن كان يؤخذ بأن أسامة بن‬

‫زيد الذي حكى عنه ابن عباس أن رسول ال صلى ال عليه وسلم حين دخل الكعبة‬
‫خرج منها ولم يصل‪ ،‬فقد روى عنه ابن عمر‪ ،‬عن أسامة‪ ،‬فذلك أولى مما تفرد به‬
‫ابن عباس عن أسامة‪ ،‬وقال الطحاوي أيضا‪ :‬فكان ينبغي لما تضادت الروايات عن‬
‫أسامة وتكافأت أن يرفع‪ ،‬ويثبت ما روي عن بلل إذا كان لم يختلف عنه في ذلك‪.‬‬
‫هذا ما رأيته للناس من ترجيح حديث بلل رضي ال عنه في إثبات صلة النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم في الكعبة على حديث من خالفه في ذلك‪ ،‬وما قيل في الجمع‬
‫بين هذا الختلف وما ذكروه من الترجيح يتجه‪ ،‬ومما لعله أن يكون مرجحا لذلك‬
‫أيضا من حيث المعنى على ما ظهر لي‪ :‬أن الكعبة المعظمة كالمسجد الحرام في‬
‫استحباب التحية لمن دخلها‪ ،‬والتحية للمسجد الحرام كالطواف لمريده والصلة فيه‪،‬‬
‫والطواف بالكعبة من داخلها غير مشروع‪ ،‬فلم يتبق لنا تحية إل الصلة فيها‪،‬‬
‫كتحية سائر المساجد‪ ،‬فكيف يدخلها النبي صلى ال عليه وسلم ول يصلي فيها مع‬
‫بعد عهده من دخولها‪ ،‬فإنه من حين هاجر إلى المدينة لم يدخلها‪ ،‬وبين هجرته‬
‫ودخوله هذا ثماني سنين‪ ،‬ومع طول مكثه صلى ال عليه وسلم في الكعبة في‬
‫دخوله هذا‪ ،‬فإن في مسلم من حديث ابن عمر رضي ال عنه في قصة دخول النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ومن معه أنهم لبثوا في البيت مليا قال النووي‪ :‬أي طويل‪.‬‬
‫وفي البخاري عن ابن عمر رضي ال عنهما من رواية نافع‪ :‬أن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم مكث نهارا طويل في الكعبة حين دخلها يوم الفتح‪ ،‬وطول المكث بمكان‬
‫يستدعي الجلوس فيه غالبا‪ ،‬ويبعد كل البعد أن النبي صلى ال عليه وسلم لم يجلس‬
‫في الكعبة في دخوله هذا‪ ،‬أو أن يجلس فيها بغير صلة‪ ،‬وقد نهى صلى ال عليه‬
‫وسلم فيما صح عنه الداخل إلى المسجد عن الجلوس فيه‪.‬‬
‫) ‪(1/13‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -200-‬من غير صلة‪ ،‬وما يؤيد كونه صلى ال عليه وسلم صلى في‬
‫الكعبة في دخوله هذا‪ :‬إغلق الباب عليه فيها كما في الصحيحين ‪ 1‬وغيرهما من‬
‫حديث ابن عمر رضي ال عنهما للحكمة التي ذكرها العلماء في إغلق الباب في‬
‫دخوله هذا‪ ،‬وهي لئل يكثر الناس عليه‪ ،‬فل يتمكن من الصلة في الكعبة على ما‬
‫يريد صلى ال عليه وسلم وقيل‪ :‬الحكمة في ذلك ليصلي صلى ال عليه وسلم إلى‬
‫كل جهة من الكعبة‪ ،‬فإن الباب إذا كان مفتوحا وليس أمامه قدر مؤخرة الرحل لم‬
‫تصح الصلة إليه لعدم استقبال شيء من الكعبة‪ ،‬وذكر هذين القولين المحب‬
‫الطبري في "القرى" واستظهر القول الول‪ ،‬وذكر أنه يتأيد بكون النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم لم يصل في الكعبة أكثر من ركعتين على ما صح عنه‪.‬‬
‫وأما الوجه التي نقلناها عن العلماء في الجمع بين اختلف خبر بلل‪ ،‬وأسامه‪،‬‬
‫وابن عباس رضي ال عنهم في صلة النبي صلى ال عليه وسلم فإن أقربها إلى‬
‫الصواب ما قيل إن النبي صلى ال عليه وسلم صلى في الكعبة لما غاب عنه أسامة‬
‫ليأتيه بماء يمحو به الصور التي رآها في الكعبة‪ ،‬فرأى ذلك بلل رضي ال عنه‬
‫فأثبت الصلة‪ ،‬ولم يره أسامة فنفاها‪ ،‬وإنما كان هذا الوجه أقرب إلى الصواب من‬
‫الوجوه الخر لقيام الدليل على ما يؤيده‪ ،‬وهو الحديث الذي رويناه في "مسند أبي‬
‫داود الطيالسي" ولفظه‪ :‬حدثنا ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران قال‪:‬‬

‫حدثني عمير مولى ابن عباس‪ ،‬عن أسامة بن زيد رضي ال عنه قال‪ :‬دخلت على‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم في الكعبة‪ ،‬ورأى صورا‪ ،‬فدعا بدلو من ماء‪ ،‬فأتيته‬
‫به‪ ،‬فجعل يمحوها ويقول‪" :‬قاتل ال قوما يصورون ما ل يخلقون"‪.‬‬
‫قلت‪ :‬رجال هذا الحديث ثقات‪ ،‬فإن ابن أبي ذئب‪ :‬هو محمد بن عبد الرحمن المام‬
‫المشهور‪ ،‬وشيخه عبد الرحمن بن مهران وثقه النسائي‪ ،‬وابن سعد‪ ،‬وابن حبان‪،‬‬
‫وشيخه عمير روى له‪ :‬البخاري‪ ،‬ومسلم‪ ،‬وأبو داود‪ ،‬والنسائي‪ ،‬ويتأيد هذا الحديث‬
‫بالحديث الذي رواه ابن المنذر في هذا المعنى ولم أر سنده فيه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأما الوجه الذي ذكره النووي في الجمع بين الختلف في صلة النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم في الكعبة‪ ،‬فإنه وإن جاز وقوعه‪ ،‬ففيه بعد‪ ،‬لن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم لما دخل الكعبة هو وأسامة‪ ،‬وبلل رضي ال عنهما ومن دخل معه‪ ،‬إما أن‬
‫يكون اشتغل بعد دخوله بالصلة فيه‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬راجع البخاري ‪ 372 ,371 /3‬في "الحج‪ ،‬باب إغلق البيت وباب الصلة في‬
‫صّلى{‪،‬‬
‫ن َمَقاِم ِإْبَراِهيَم ُم َ‬
‫خُذوا ِم ْ‬
‫الكعبة"‪ ،‬وفي "القبلة‪ ،‬باب قول ال تعالى‪َ} :‬واّت ِ‬
‫وفي "المساجد‪ ،‬باب البواب والغلق‪ .‬للكعبة والمساجد"‪ ،‬وفي "سترة المصلي‪،‬‬
‫باب الصلة بين السواري في غير جماعة" وفي "التطوع‪ :‬باب ما جاء في التطوع‬
‫مثنى مثنى"‪ ،‬في "الجهاد‪ :‬باب الردف على الحمار"‪ ،‬وفي المغازي‪ :‬باب حجة‬
‫الوداع"‪ ،‬ومسلم "‪ "1329‬في "الحج‪ ،‬باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره"‪.‬‬
‫) ‪(1/14‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -201-‬قبل اشتغاله بغيرها مما صنعه في الكعبة‪ ،‬أو بدأ قبل الصلة‬
‫بالذكر والدعاء ونحو ذلك مما صنعه في الكعبة‪ ،‬فإن كان الول‪ :‬فكيف يخفى على‬
‫أسامة رضي ال عنه؟ وإن كان الثاني وهو مقتضى كلم النووي فالحال يقتضي‬
‫أن أسامة رضي ال عنه يلزم النبي صلى ال عليه وسلم ليقتدي به فيما يسمعه من‬
‫دعواته الخيرية الجامعة النافعة‪ ،‬وحسن ثنائه على ال تعالى‪ ،‬وأن ل ينفرد عنه‬
‫بمكان في الكعبة يدعو فيه ويذكر حتى ل يعلم ما يصنع النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫وأما الوجه الذي ذكره ابن حبان في الجمع بين الختلف في صلة النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم في الكعبة فإن فيه نظرا‪ ،‬لن النبي صلى ال عليه وسلم دخل الكعبة يوم‬
‫فتح مكة‪ ،‬ودخل معه يومئذ أسامة‪ ،‬وبلل‪ ،‬وعثمان بن طلحة والفضل بن عباس‬
‫رضي ال عنهم‪ ،‬على خلف في الفضل‪ ،‬وحديث دخول الفضل معهم في مسند‬
‫أحمد بن حنبل وسنن النسائي‪.‬‬
‫ولفظ أحمد‪ :‬حدثنا هشيم قال‪ :‬أنبأنا غير واحد‪ ،‬وابن عون‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر‬
‫قال‪ :‬دخل رسول ال صلى ال عليه وسلم البيت ومعه الفضل بن العباس وأسامة‬
‫بن زيد‪ ،‬وعثمان بن طلحة‪ ،‬وبلل ‪ ....‬الحديث‪.‬‬
‫وإسناد هذا الحديث صحيح‪ ،‬ولكن في صحيح مسلم ما يخالفه‪ ،‬على ما سيأتي بيانه‪.‬‬
‫وثبت من حديث ابن عمر رضي ال عنهما أن بلل رضي ال عنه أثبت صلة‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة لما دخلها يوم فتح مكة‪ ،‬وثبت من حديث‬

‫أسامة والفضل رضي ال عنهما نفي صلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة‪،‬‬
‫وليس في حديثهما التصريح بالزمن الذي نفيا فيه الصلة‪ ،‬في حجة الوداع‪ ،‬لما قال‬
‫ابن حبان‪ ،‬والول أشبه بالصواب‪ ،‬لنه إذا دار المر بين حمل حديثهما من نفي‬
‫الصلة على زمن ثبت دخولهما فيه إلى الكعبة‪ ،‬وبين حمل ذلك على زمن لم يثبت‬
‫لهما فيه دخوله‪ ،‬فحمله على الزمن الذي ثبت دخولهما فيه أولى‪ ،‬وفي حمله على‬
‫الوجه الذي ذكره ابن حبان إشكال‪ ،‬لن ذلك يستلزم دخول النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم الكعبة في حجة الوداع‪ ،‬ودخول أسامة رضي ال عنه ومن نفى معه صلة‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة‪ ،‬ولم يرد خبر يشعر بذلك‪ ،‬فكيف يحمل على‬
‫ذلك حديث من نفى الصلة في الكعبة كما قال ابن حبان‪.‬‬
‫ول يعارض ذلك حديث عائشة رضي ال عنها لدخول النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫الكعبة في حجة الوداع‪ .‬ولفظه‪ :‬قالت‪ :‬خرج النبي صلى ال عليه وسلم من عندي‬
‫وهو قرير العين طيب النفس فرجع إلى وهو حزين‪ ،‬فقلت له‪ :‬فقال‪" :‬إني دخلت‬
‫الكعبة ووددت أني لم أكن دخلت‪ ،‬إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي"‪ .‬لن‬
‫في إسناد هذه الحديث من نسب إلى‬
‫) ‪(1/15‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -202-‬الضعف‪ ،‬وهو إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير ‪ 1‬المكي‬
‫راوه عن ابن أبي مليكة عن عائشة قال‪ :‬فيه ابن معين وأبو حاتم ليس بالقوي‪.‬‬
‫ورواه ابن مهدي‪ .‬وقال يحيى القطان‪ :‬تركته ثم كتبت عن سفيان عنه‪ ،‬نقل هذا كله‬
‫الذهبي في "الميزان" وذكر له هذا الحديث‪ .‬وحديث آخر له عن ابن أبي مليكة عن‬
‫عائشة رضي ال عنها أيضا‪ :‬ما رأيت رسول ال صلى ال عليه وسلم رافعا يديه‬
‫حتى يبدو ضبعاه إل لعثمان بن عفان إذا دعى له"‪.‬‬
‫وذكره لهذين الحديثين مشعر بأن في صحتهما نظر‪ ،‬وذلك وال أعلم لكون‬
‫الترمذي صحح هذا الحديث وحسنه وكذا الحاكم لنه أخرجه في "مستدركه على‬
‫الصحيحين‪ ،‬ومما يقوي النظر في صحة هذا الحديث‪ :‬أن أفعال النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم في حجته نقلت بأسانيد صحيحة ل وهن فيها‪ ،‬ولم يذكر فيما نقل من‬
‫أفعاله صلى ال عليه وسلم في حجته بمثل ذكر دخوله صلى ال عليه وسلم إلى‬
‫الكعبة في حجته‪ ،‬ولو وقع ذلك لذكر كما ذكر بالسناد الصحيح مجيئه صلى ال‬
‫عليه وسلم إلى زمزم وإرادته النزع منها وشربه من السقاة‪ ،‬ودخول النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم الكعبة في حجته لو وقع أولى بالذكر من هذه المور‪ ،‬ول يعارض‬
‫ما أشرنا إليه ما ذكره البخاري في صحيحه في باب الزيارة يوم النحر‪ ،‬لنه قال‪:‬‬
‫ويذكر عن أبي حسان‪ ،‬عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬إن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم كان يزور البيت أيام منى‪ ،‬لن زيارة البيت ل تستلزم دخوله‪ ،‬ويصدق‬
‫على الطواف به‪ ،‬وأيضا فإن هذا تعليق بصيغة التمريض‪ ،‬والحتجاج به يتوقف‬
‫على ثبوته‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومما يقوي النظر في حديث عائشة رضي ال عنها المشار إليه‪ ،‬إنكار غير واحد‬
‫من أهل العلم دخول النبي صلى ال عليه وسلم في حجته على ما ذكر منهم سفيان‬
‫بن عيينة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬

‫وبتقدير صحته فليس فيه ما يشعر بأن من نفى صلة النبي صلى ال عليه وسلم في‬
‫الكعبة دخل مع النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة في حجة الوداع‪ ،‬حتى يكون من‬
‫نفى صلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة محمول على هذا الزمن كما قال‬
‫ابن حبان‪ ،‬ول ينبغ التعارض بين حديث من أثبت صلة النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫في الكعبة‪ ،‬وحديث من نفاها‪ ،‬بالتوفيق الذي ذكره ابن حبان لفقد دليل يدل على ما‬
‫ذكره من أن الزمن الذي أثبت فيه بلل رضي ال عنه ومن وافقه الصلة في‬
‫الكعبة غير الزمن الذي نفى فيه أسامة رضي ال عنه ومن وافقه الصلة‪ ،‬وقيام‬
‫الدليل على أن الزمن الذي أثبت فيه بلل ومن وافقه الصلة والزمن الذي نفى فيه‬
‫أسامة ومن وافقه الصلة به متجه‪ ،‬وهو يوم فتح مكة‪ ،‬كما سبق بيانه‪ ،‬ويتعارض‬
‫حينئذ خبر‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬كذا في الصل‪ ،‬انظر‪ :‬التاريخ لبن معين ‪ ،35 /2‬الجرح والتعديل ‪،186 /1‬‬
‫التاريخ الكبير ‪ ،317 /2‬المعرفة والتاريخ ‪ ،108 /3‬المجروحين ‪ ،121 /1‬ميزان‬
‫العتدال ‪ ،237 /1‬الكمال ‪ ،187 /5‬الكاشف ‪ ،75 /1‬تهذيب الكمال ‪،141 /3‬‬
‫المغني في الضعفاء ‪ ،85 /1‬تهذيب التهذيب ‪ ،396 /1‬تقريب التهذيب ‪،72 /1‬‬
‫العقد الثمين للتقي الفاسي ‪.301 /3‬‬
‫) ‪(1/16‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -203-‬بلل رضي ال عنه ومن وافقه وخبر أسامة رضي ل عنه ومن‬
‫وافقه في ذلك ويضاف إلى الترجيح أو التوفيق بما هو متجه كما سبق بيانه‪.‬‬
‫وبالجملة فقد خولف ابن حبان فيما نحا إليه من دخول النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫الكعبة في حجة الوداع‪ ،‬كما ذكر سفيان بن عيينة‪ ،‬وفي كون النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم لم يصل في الكعبة لما دخلها في حجة الوداع‪ ،‬كما ذكر البيهقي‪ ،‬وال أعلم‬
‫بالصواب‪.‬‬
‫وأما الوجه الذي ذكره السهيلي ‪ 1‬في الجمع بن اختلف حديث بلل وابن عباس في‬
‫صلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة ففيه نظر من أوجه‪.‬‬
‫الول‪ :‬أن كلمه يقتضي حمل حديث بلل رضي ال عنه في إثبات الصلة على‬
‫زمن‪ ،‬وحمل حديث ابن عباس رضي ال عنهما في نفيها على زمن غيره‪ ،‬وفي‬
‫ذلك من النظر مثل النظر الذي فيما ذكره ابن حبان‪ ،‬وهو حمل حديث من أثبت‬
‫الصلة على زمن‪ ،‬وحديث من نفاها على زمن‪ ،‬لتحاد الزمان الذي وقع فيه ذلك‪.‬‬
‫والوجه الثاني‪ :‬أن كلم السهيلي يقتضي أن إثبات الصلة ونفيها في زمنين في‬
‫حجة الوداع‪ ،‬ووجه النظر في ذلك أنه ل ريب في أن إثبات بلل رضي ال عنه‬
‫لصلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة كان يوم الفتح كما روي من حديث ابن‬
‫عمر رضي ال عنهما في الصحيحين وغيرهما وابن عباس رضي ال عنهما إن‬
‫كان المراد به الفصل فنفيه للصلة محمول على الزمن الذي ثبت فيه دخوله‪ ،‬وهو‬
‫زمن الفتح‪.‬‬
‫وإن كان المراد به عبد ال بن عباس رضي ال عنهم‪ :‬فلم يثبت له دخول في الفتح‬
‫ول في حجة الوداع فيكون نفيه لصلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة مستندا‬

‫إلى قول أخيه الفضل‪ ،‬وأسامة رضي ال عنهما؛ فإنه روى عنهما ذلك‪ ،‬وقد سبق‬
‫أن نفيهما على الزمن الذي ثبت فيه دخولهما إلى الكعبة‪ ،‬وهو زمن الفتح‪ ،‬فيكون‬
‫كذلك نفي عبد ال بن العباس رضي ال عنهما وإذا تقرر ذلك لم يستقم ما ذكره‬
‫السهيلي من أن إثبات بلل رضي ال عنه للصلة في الكعبة‪ ،‬ونفي ابن عباس‬
‫رضي ل عنهما لها في حجة الوداع‪ ،‬وأنى يستقيم ما ذكره وهو يقتضي إثبات‬
‫دخولين للنبي صلى ال عليه وسلم في حجة الوداع إلى الكعبة‪ ،‬وفي إثبات دخوله‬
‫إليها مرة واحدة في حجة الوداع نظر سبق بيانه فكيف بدخوله فيها مرتين وليس‬
‫في الحديث الذي أشار إليه السهيلي في الجمع لما ذكر ما يقتضي أن ذلك في الزمن‬
‫الذي ذكر ويظهر ذلك بلفظ الحديث‪ ،‬ولفظه في كتاب الدارقطني‪ :‬حدثنا عبد ال بن‬
‫محمد بن عبد العزيز‪ ،‬حدثنا وهب بن منبه‪ ،‬عن خالد‪ ،‬عن ابن أبي ليلى‪ ،‬عن‬
‫عكرمة بن خالد‪ ،‬عن يحيى بن جعدة‪ ،‬عن عبد ال بن‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪.104 /4‬‬
‫) ‪(1/17‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -204-‬عمر رضي ال عنهما قال‪ :‬دخل النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫البيت‪ ،‬ثم خرج وبلل خلفه‪ ،‬فقلت لبلل‪ :‬هل صلى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬فلما كان الغد دخل‪ ،‬فسألت بلل‪ :‬هل صلى؟ قال‪ :‬نعم ركعتين‪،‬‬
‫استقبل الجذعة وجعل السارية الثانية عن يمينه‪.‬‬
‫وكتب الدارقطني على حاشية هذا الحديث‪ :‬ابن أبي ليلى ليس بالحافظ‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫فهذا الحديث كما ترى لس فيه بيان من دخول النبي صلى ال عليه وسلم إلى‬
‫الكعبة‪ ،‬فإن حملنا الحديث علي أن ما فيه من الدخولين والصلة في أحدهما جرى‬
‫في حجة الوداع في يوم النحر‪ ،‬ومن الغد كما فهم السهيلي‪ ،‬لم ينهض من الحديث‬
‫دللة على ذلك‪ ،‬لحتمال أن يكون اليومان اللذان دخل فيهما النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وجرى فيهما ما ذكر في الحديث هما‪ :‬يوم النحر‪ ،‬ويوم النفر الول‪ ،‬أو يوم‬
‫النفر الول‪ ،‬ويوم النفر الثاني‪ ،‬أو هما فيما بين قدومه مكة‪ ،‬وخروجه منها للوقوف‬
‫بعرفة‪ ،‬وكان قدومه بمكة صبيحة الرابع من ذي الحجة‪ ،‬وليس في الحديث الذي‬
‫ذكره الدارقطني على تقدير حمله على حجة الوداع ما يمنع من هذه الحتمالت‪:‬‬
‫إل أن في البخاري ما يمنع الحتمال الخير‪ ،‬وإن احتمله الحديث الذي ذكره‬
‫الدارقطني‪ ،‬لنه في صحيحه‪ :‬حدثنا محمد بن أبي بكر‪ ،‬حدثنا فضيل‪ ،‬حدثنا موسى‬
‫بن عقبة قال‪ :‬أخبرني كريب‪ ،‬عن عبد ال بن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬قدم‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم مكة فطاف وسعى بين الصفا والمروة‪ ،‬ولم يقرب الكعبة‬
‫بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة‪.‬‬
‫وروى البخاري ذلك أيضا في موضع آخر في صحيحه بهذا السناد مع أمور أخر‬
‫تتعلق بحجة النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإذا امتنع الحتمال الخير نفي ما عداه‪،‬‬
‫مع احتمال آخر‪ ،‬وهو ما ذكره السهيلي‪ ،‬وكون ما ذكره هو الواقع‪ ،‬مع تجويزه‬
‫غيره يحتاج إلى دليل ترجيح ما ذكره وهو متعدد‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫وإن حملنا الحديث الذي ذكره الدارقطني على أن ما فيه من الدخولين‪ ،‬والصلة في‬

‫إحداهما جرى في زمن الفتح لم يستقم ما ذكره السهيلي من أن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم دخل الكعبة في يوم النحر وصلى بها فيه‪ ،‬لكون ذلك يخالف مقتضى ما يحمل‬
‫عليه الحديث‪ ،‬من أن ما فيه جرى في زمن الفتح‪ ،‬ويخالف أيضا ما صح عن بلل‬
‫رضي ال عنه من كون النبي صلى ال عليه وسلم صلى في الكعبة لما دخلها يوم‬
‫فتح مكة كما سبق‪.‬‬
‫الوجه الثالث‪ :‬أن كلم السهيلي يقتضي أن إسناد الحديث الذي أشار إليه حسن‪،‬‬
‫وذلك ل يستقيم لضعف في إسناد الحديث‪ ،‬وفيه علة أخرى وهي النكارة في متنه‪،‬‬
‫لنا إذا حملناه على زمن الفتح فإنه يقتضي أن النبي صلى ال عليه وسلم لم يصل‬
‫في الكعبة حين دخلها يوم فتح مكة‪ ،‬وإنما صلى فيها حين دخلها في اليوم الثاني‪،‬‬
‫وذلك يخالف ما صح عن ابن عمر رضي ل عنهما من دخول النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم الكعبة في يوم فتح مكة وصلته بها في هذا‬
‫) ‪(1/18‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -205-‬اليوم‪ -‬من دخول النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة في يوم فتح‬
‫مكة وصلته بها في هذا اليوم على ما أخبر به بلل رضي ل عنه كما هو مقتضى‬
‫الحديث السابق‪ ،‬وهو في صحيح مسلم"‪.‬‬
‫وروينا مثل ذلك من حديث أيوب السختياني عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر رضي ال‬
‫عنهما في مسند الحميدي"‪ 1‬وعن عبيد ال بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر‬
‫بن الخطاب في "سنن البيهقي"‬
‫وإذا كان كذلك فالحديث الذي أخرجه الدارقطني منكر‪ ،‬لمخالفته ما رواه الئمة‬
‫الثقات عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر رضي ال عنهما‪.‬‬
‫أما الضعف الذي في إسناد الحديث الذي أخرجه الدارقطني فلجل محمد بن أبي‬
‫ليلى ‪ 2‬بسبب سوء حفظه‪ ،‬واضطراب حديثه‪ ،‬وكثرة أخطائه فيه‪ ،‬وإن كان‬
‫صدوقا‪ ،‬قال عنه شعبة‪ :‬ما رأيت أحدأ أسوأ حفظا من ابن أبي ليلى‪.‬‬
‫وقال أحمد بن حنبل‪ :‬كان سيئ الحفظ‪ ،‬مضطرب الحديث‪ .‬وقال أبو حاتم ‪ 3‬كان‬
‫سيئ الحفظ‪ ،‬شغل بالقضاء فساء حفظه‪ ،‬ول يتهم بشيء من الكذب‪ ،‬وإنما ينكر‬
‫عليه كثرة الخطأ‪ ،‬يكتب حديثه ول يحتج به‪ .‬وقال ابن حبان ‪ :4‬كان رديء الحفظ‬
‫فاحش الخطأ‪ ،‬فكثر الوهم‪ .‬وقال أبو أحمد الحاكم‪ :‬غالب أحاديثه مقلوبة‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ومن كان في الحفظ بهذه الصفة فالحجة به غير ناهضة‪ ،‬فيما يرويه من الحديث‪،‬‬
‫فكيف إذا عارض ما يرويه حديثا صحيحا كما في هذه المسألة‪ ،‬وحينئذ إنما يحتج‬
‫بالحديث الصحيح‪ ،‬لن له مزية توجب الترجيح‪ ،‬على أني لم أر ما يدل لرواية ابن‬
‫أبي ليلى عن عكرمة بن خالد‪ ،‬ول لرواية عكرمة عن يحيى بن جعدة‪ ،‬ول لرواية‬
‫يحيى عن ابن عمر رضي ال عنهما‪ ،‬وال أعلم بصحة ذلك‪.‬‬
‫ومن أوجه النظر فيما ذكره السهيلي من الجمع‪ ،‬ما أشار إليه من حمله حديث ابن‬
‫عباس رضي ال عنهما في النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة‪ ،‬على أنه نفى ذلك‬
‫في يوم النحر من حجة الوداع‪ ،‬لكونه لم يرد عن ابن عباس رضي ال عنهما ما‬
‫يشعر بدخول النبي صلى ال عليه وسلم في حجة الوداع‪ ،‬بل ورد عن ابن عباس‬
‫ما يقتضي خلف ذلك على ما رويناه في "معجم الطبراني" ولفظ الحديث الوارد‬

‫عنه في ذلك‪ :‬حدثنا محمد بن حاجهان‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬مسند الحميدي ‪ 82 /1‬رقم ‪.149‬‬
‫‪ 2‬هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى‪ ،‬ولي القضاء لبني أمية ثم لبني العباس‬
‫مات سنة ‪148‬هـ‪.‬‬
‫‪ 3‬الجرح والتعديل ‪.322 /7‬‬
‫‪ 4‬كتاب المجروحين ‪.243 /2‬‬
‫) ‪(1/19‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -206-‬الجنديسابوري‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا محمود بن غيلن‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا يحيى‬
‫بن آدم‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا زهير عن جابر‪ ،‬عن عكرمة‪ ،‬عن ابن عباس رضي ال عنهما‬
‫قال‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم لم يدخل البيت في الحج ودخل عام الفتح فلما‬
‫نزل صلى أربع ركعات ‪-‬أو قال‪ :‬ركعتين‪ -‬بين الحجر والباب مستقبل الكعبة‪،‬‬
‫وقال‪" :‬هذه القبلة"‪.‬‬
‫وجابر هو الجعفي ‪ 1‬ضعفه جماعة ووثقه شعبة‪.‬‬
‫وأما الوجه الذي ذكره ابن جماعة في الجمع بين اختلف حديث بلل وأسامة‬
‫رضي ل عنهما فإن في استقامته نظرا‪ ،‬لن الحديث الذي جمع به يقتضي أن النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم دخل الكعبة مرتين‪ ،‬فصلى في الثانية‪ ،‬ولم يصل في الولى‪،‬‬
‫ومحمول على أن ذلك كان في زمن الفتح‪ ،‬لما سبق من كلم النووي رحمه ال‪،‬‬
‫وإذا كان كذلك فالصلة التي نفاها أسامة رضي ال عنه في اليوم الول إن كانت‬
‫هي الصلة التي أثبتها بلل رضي ال عنه في يوم فتح مكة‪ ،‬على ما ذكر ابن عمر‬
‫رضي ال عنهم‪ :‬فأسامة وبلل رضي ال عنهما مختلفان في هذه الصلة‪ ،‬وينتفي‬
‫اختلفهما فيها بإثبات أسامة رضي ال عنه صلة النبي صلى ال عليه وسلم في‬
‫غير اليوم الول ل في اليوم الثاني‪ ،‬وإنما كان يتجه الجمع بالحديث الذي جمع به‬
‫ابن جماعة‪ ،‬لو ورد من حديث ابن عمر رضي ال عنهما أن الصلة التي أثبتها‬
‫بلل رضي ل عنه كانت في زمن الفتح‪ ،‬من غير تعرض لبيان اليوم الذي وقعت‬
‫فيه‪ ،‬وأما مع تبيين ابن عمر رضي ال عنه لليوم الذي أثبت بلل رضي ال عنه‬
‫فإن الجمع بالحديث المشار إليه ل يستقيم وال أعلم‪.‬‬
‫وقد روي عن أسامة رضي ال عنه خبر يوهم أن النبي صلى ال عليه وسلم صلى‬
‫في الكعبة في دخوله إليها يوم الفتح‪ ،‬ورويناه في مسند بلل رضي ال عنه للحسن‬
‫بن محمد بن الصباح الزعفراني‪ ،‬وفي صحيح مسلم‪ ،‬ولفظ مسلم‪ :‬وحدثني حميد بن‬
‫مسعدة قال‪ :‬حدثنا خالد يعني ابن الحرث قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن عون‪ ،‬عن نافع‪،‬‬
‫عن عبد ال بن عمر رضي ال عنهما قال‪ :‬إنه انتهى إلى الكعبة‪ ،‬وقد دخلها النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي‪ .‬مات سنة ‪28‬هـ‪ .‬وكان شيعيا‪ .‬انظر عنه‪:‬‬
‫الطبقات الكبرى ‪ ،345 /6‬التاريخ لبن معين ‪ ،76 /2‬تاريخ خليفة "ص‪،"378 :‬‬
‫طبقات خليفة "ص‪ ،"263 :‬التاريخ الكبير ‪ ،210 /2‬الضعفاء للبخاري "ص‪:‬‬

‫‪ ،"255‬المعرفة والتاريخ ‪ ،539 ،297 /1‬تاريخ أبي زرعة ‪ ،296 /1‬الضعفاء‬
‫للنسائي "ص‪ ،"287 :‬الجرح والتعديل ‪ ،497 /2‬الكاشف ‪ ،177 /1‬المغني في‬
‫الضعفاء ‪ ،126 /1‬تاريخ السلم ‪ ،52 /5‬تهذيب الكمال ‪ ،465 /4‬تهذيب التهذيب‬
‫‪.46 /2‬‬
‫) ‪(1/20‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -207-‬وبلل وأسامة‪ ،‬وأجاف عليهم عثمان بن طلحة الباب‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فمكثوا فيه مليا‪ ،‬ثم فتح الباب‪ ،‬فخرج النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فرقيت الدرجة‬
‫ودخلت البيت فقلت‪ :‬أين صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ قالوا‪ :‬ههنا‪:‬‬
‫وأنسيت أن أسألهم كم صلى؟‬
‫وهذا الحديث يقتضي أن ابن عمر رضي ال عنهما سأل بلل وأسامة وعثمان‬
‫رضي ال عنهم عن صلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة في دخوله هذا‪،‬‬
‫وأنهم جميعا أخبروا ابن عمر بها‪ ،‬وذلك وهم من بعض رواة هذا الحديث‪ ،‬لن‬
‫القاضي عياض نقل عن الدارقطني أنه قال‪ :‬وهم ابن عوان هنا‪ ،‬وخالفه غيره‪،‬‬
‫فأسندوا عن بلل وحده‪ ،‬قال القاضي‪ :‬وهذا هو الذي ذكر مسلم في باقي الطرق‪،‬‬
‫فسألت بلل‪ ،‬فقال‪ :‬إل أنه وقع في رواية حرملة عن ابن وهب‪ ،‬فأخبرني بلل أو‬
‫عثمان بن طلحة‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم في جوف الكعبة‪ ،‬هكذا هو‬
‫عند عامة شيوخنا‪ .‬وفي بعض النسخ‪ :‬وعثمان بن أبي طلحة‪ .‬قال‪ :‬وهذا يعضد‬
‫رواية ابن عون‪ .‬والمشهور انفراد بلل رضي ال عنه برواية ذلك‪ .‬وال أعلم‪.....‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وقد طال الكلم في ترجيح خبر بلل على خبر أسامة رضي ال عنهما‪ ،‬وما قيل‬
‫من الجمع بين ذلك‪ ،‬ولكن لموجبات اقتضاها الحال‪ ،‬واشتمل ذلك على فوائد يغتبط‬
‫بها من له على تحصيل العلم إقبال‪.‬‬
‫وأما ترجيح خبر بلل على خبر الفضل بن عباس رضي ال عنهم المعارض بخبر‬
‫بلل رضي ال عنه في صلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة يوم فتح مكة‪،‬‬
‫فصحة حديث بلل رضي ل عنه في ذلك عند أهل الحديث من غير اختلف بينهم‬
‫في ذلك‪ ،‬واختلفهم في صحة حديث الفضل‪ ،‬لختلف حديث ابن عمر رضي ال‬
‫عنهم في دخول الفضل الكعبة يوم فتح مكة مع النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأسامة‬
‫وبلل وعثمان بن طلحة رضي ل عنهم فإنا رويناه في صحيح مسلم من حديث ابن‬
‫شهاب الزهري‪ ،‬عن سالم بن عبد ال بن عمر‪ ،‬عن أبيه قال‪ :‬رأيت رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم حين دخل الكعبة وأسامة بن زيد‪ ،‬وبلل‪ ،‬وعثمان بن طلحة‪،‬‬
‫ولم يدخله معهم أحد‪ ،‬ثم أغلقت عليهم‪.‬‬
‫وذكر بقية الحديث‪ .‬وهذا يقتضي أن الفضل لم يدخل مع المذكورين الكعبة‪.‬‬
‫وفي مسند أحمد بن حنبل ما يعارض ذلك‪ ،‬لنه قال فيما رويناه عنه‪ :‬حدثنا هشيم‪،‬‬
‫أخبرنا غير واحد وابن عون‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬قال‪ :‬دخل رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم حين دخل الكعبة وأسامة بن زيد‪ ،‬وبلل‪ ،‬وعثمان بن طلحة‪ ،‬ولم‬
‫يدخله معهم أحد‪ ،‬ثم أغلقت عليهم‪.‬‬
‫وذكر بقية الحديث‪ .‬وهذا يقتضي أن الفضل لم يدخل مع المذكورين الكعبة‪.‬‬

‫وفي مسند أحمد بن حنبل ما يعارض ذلك‪ ،‬لنه قال فيما رويناه عنه حدثنا هشيم‪،‬‬
‫أخبرنا غير واحد وابن عون‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬قال‪ :‬دخل رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم البيت ومعه الفضل بن عباس وأسامة بن زيد ‪ ....‬وذكر الحديث‪.‬‬
‫وروى ذلك النسائي‪ ،‬لنه قال فيما رويناه عنه‪ :‬أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال‪:‬‬
‫أخبرنا هشيم‪ ،‬عن ابن عون‪ :‬فذكره‪.‬‬
‫) ‪(1/21‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -208-‬وهذا السناد وإن صح ففيه نظر‪ ،‬لن رواية هشيم له شهادة‬
‫على ما ذكر شيخنا الحافظ العراقي عن بعض مشايخه‪ ،‬ونقل عنه تضعيف حديث‬
‫الفضل‪ ،‬وأيضا‪ ،‬فإن للحديث الذي يرويه مسلم مزية في الصحة على ما يرويه‬
‫غيره من الحاديث الصحيحة غير ما في صحيح البخاري‪ ،‬فإنه أميز في الصحة‬
‫مما في مسلم عند محققي أهل الحديث‪ ،‬وعلى تقدير ثبوت دخول الفضل رضي ال‬
‫عنه الكعبة مع النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومن ذكر معه‪ ،‬وثبوت حديثه في نفي‬
‫صلة النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة في دخوله إليها يوم الفتح‪ ،‬فل معارضة‬
‫بين حديث الفضل وبلل في الصلة المشار إليها‪ ،‬لن نفي الفضل رضي ال عنه‬
‫له إنما هو باعتبار كونه لم يرها ل باعتبار كونها لم تقع‪ ،‬لنا روينا في تاريخ‬
‫الزرقي‪ ،‬عن عبد المجيد بن أبي داود‪ :‬أن الفضل رضي ال عنه دخل مع النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم الكعبة يوم الفتح وبعثه النبي صلى ال عليه وسلم فجاء بذنوب‬
‫من ماء زمزم ليطمس به الصور التي في الكعبة ‪ .1‬قال عبد المجيد‪ :‬فصلى خلفه‬
‫ولذلك لم يره صلى‪.‬‬
‫وروينا فيه أيضا ما يؤيد ذلك‪ ،‬لن فيه من حديث الزهري أن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم دخل البيت يوم الفتح‪ ،‬وأرسل الفضل بن عباس فجاء بماء زمزم‪ ،‬ثم أمر‬
‫بثوب فبل الماء‪ ،‬فأمر بطمس تلك الصور ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫فتكون صلته صلى ال عليه وسلم كانت في الكعبة يوم الفتح حين غاب الفضل‬
‫رضي ال عنه‪ -‬للمر الذي ندبه إليه‪ ،‬ويتفق بذلك خبره مع خبر بلل‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأما ترجيح خبر بلل رضي ال عنه على خبر عبد ال بن عباس رضي ال‬
‫عنهما‪ -‬في نفيه لصلة النبي صلى ال عليه وسلم يوم الفتح‪ ،‬فلن بلل رضي ال‬
‫عنه حضر مع النبي صلى ال عليه وسلم حين صلى‪ ،‬وشاهد صلته‪ ،‬وأخبر بها‪،‬‬
‫وابن عباس رضي ال عنهما‪ -‬لم يحضر مع النبي صلى ال عليه وسلم واعتمد في‬
‫كون النبي صلى ال عليه وسلم لم يصل في الكعبة على خبر أسامة رضي ال عنه‪-‬‬
‫له بذلك كما ثبت في صحيح مسلم‪ ،‬ورواية من حضر القصة مقدمة على من غاب‬
‫عنها‪ ،‬وقد أشار إلى ترجيح خبر بلل على خبر الفضل بن عباس وأخيه عبد ال‬
‫رضي ال عنهم بما ذكره شيخنا الحافظ العراقي رحمة ال عليه‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.165 /1‬‬
‫) ‪(1/22‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -209-‬ذكر عدد دخول النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة الشريفة بعد‬
‫هجرته إلى المدينة وأول وقت دخل الكعبة فيه بعد هجرته‪:‬‬
‫أما عدد دخول النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة بعد هجرته‪ :‬فروينا في ذلك أخبارا‬
‫يتحصل من مجموعها أن النبي صلى ال عليه وسلم دخل الكعبة بعد هجرته أربع‬
‫مرات‪ ،‬وهو يوم فتح مكة‪ ،‬وفي ثاني يوم الفتح‪ ،‬وفي حجة الوداع‪ ،‬وفي عمرة‬
‫القضية‪ ،‬وفي كل من هذه الدخلت خلف‪ ،‬إل الدخول الذي في يوم الفتح‪ ،‬ونشير‬
‫إلى الخبار الواردة في هذه الدخلت‪.‬‬
‫فأما دخوله يوم الفتح فرويناه في صحيح مسلم وغيره‪ ،‬كما سبق في حديث ابن‬
‫عمر رضي ال عنهما ولفظ حديثه عن مسلم‪ :‬قدم رسول ال صلى عليه وسلم يوم‬
‫الفتح فنزل بفناء الكعبة وأرسل إلى عثمان بن طلحة فجاء بالمفتاح ففتح الباب‪،‬‬
‫قال‪ :‬ثم دخل النبي صلى ال عليه وسلم وبلل وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة‪،‬‬
‫وذكر الحديث‪.‬‬
‫ول تضاد بين حديث ابن عمر رضي ل عنهما هذا‪ ،‬وحديثه في صحيح مسلم الذي‬
‫قال فيه‪ :‬أقبل رسول ال صلى ال عليه وسلم عام الفتح على ناقة لسامة حتى أناخ‬
‫بفناء الكعبة‪ ،‬ثم دعا عثمان بن طلحة فقال‪" :‬ائتني بالمفتاح"‪ .....‬الحديث في قصة‬
‫دخول النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة وصلته فيها لن المراد بعام الفتح في هذا‬
‫الحديث يوم الفتح كما في الحديث السابق‪ ،‬لن الحاديث يفسر بعضها بعضان‬
‫والمجمل منها يرد إلى المبين‪.‬‬
‫وقد أشار المام النووي رحمه ال إلى اتفاق الخبرين‪ ،‬لنه قال في شرح مسلم‬
‫قوله‪ :‬قدم رسول ال صلى ال عليه وسلم يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة‪.‬‬
‫هذا دليل على أن هذا المذكور في أحاديث الباب من دخوله صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وصلته فيها كان يوم الفتح‪ ،‬وهذا ل خلف فيه‪ ،‬ولم يكن يوم حجة الوداع‪...‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وفي هذا الدخول وقع الختلف في كون النبي صلى ال عليه وسلم صلى فيه‪.‬‬
‫وأما دخوله صلى ال عليه وسلم في ثاني يوم الفتح‪ :‬ففي مسند أحمد بن حنبل ما‬
‫يدل له‪ ،‬لنه قال‪ :‬حدثنا هشيم قال‪ :‬أنبأنا عبد الملك عن عطاء قال‪ :‬قال أسامة بن‬
‫زيد رضي ل عنهما‪ :‬دخلت مع رسول ال صلى ال عليه وسلم البيت فجلس فحمد‬
‫ال وأثنى عليه وكبر وهلل‪ ،‬وخرج ولم يصل‪ ،‬ثم دخلت معه في اليوم الثاني‪ ،‬فقام‬
‫ودعا ‪ ......‬الحديث‪ ،‬وقد سبق في هذا الباب بكماله‪.‬‬
‫وأما دخوله صلى ال عليه وسلم في حجة الوداع‪ :‬فرويناه في سنن أبي داود وابن‬
‫ماجه‪ ،‬وجامع الترمذي‪ ،‬والمستدرك للحاكم‪ ،‬من رواية إسماعيل بن عبد الملك بن‬
‫أبي الصغير عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي ال عنها وسبق ذلك في الترجمة‬
‫التي قبل هذه الترجمة مع بيان ما في الحديث من الوهن‪ ،‬وال أعلم بالصواب‪.‬‬
‫وأما دخول النبي صلى ال عليه وسلم في عمرة القضية فذكر المحب الطبري في‬
‫"القرى" عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب ما يقتضي ذلك‪ ،‬لنه قال في باب‬
‫العمرة‪ ،‬وهو الثامن والثلثون في ترجمة ترجم عليها بما جاء في عمرة الحديبية‬
‫وعمرة القضية‪ :‬وعن هشام‪ ،‬وعن أبيه قال‪ :‬إن خراش بن أمية حلق رأس رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم عند المروة ثم دخل البيت‪.‬‬
‫) ‪(1/23‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -210-‬وعن سعيد بن المسيب قال‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫لما قضى نسكه دخل البيت‪ ،‬فلم يزل فيه حتى أذن بالظهر على ظهر الكعبة‪ ،‬وأقام‬
‫رسول ل صلى ال عليه وسلم بمكة ثلثا‪ ،‬فلما كان ظهر اليوم الرابع أتاه سهيل بن‬
‫عمرو بن حويطب بن عبد العزى‪ ،‬ورسول ال جالس في مجلس من النصار‬
‫يتحدث مع سعد بن عبادة‪ ،‬فقال‪ :‬يا محمد قد انقضى أجلك فاخرج عنا‪ ،‬وكان صلى‬
‫ال عليه وسلم قد تزوج بميمونة الهللية في طريقه‪ ،‬وذكر مناشدة سهيل النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم إلى "سرف" وتعريسه فيه بميمونة‪ ،‬ولم يذكر المحب الطبري‬
‫من خرج هذا الخبر ول الخبر الول‪ ،‬وهما يقتضيان دخول النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم الكعبة في عمرة القضية‪ ،‬وخبر سعيد بن المسيب أصرح‪ ،‬لما فيه من القضايا‬
‫التي وقعت في عمرة القضية على ما جاء في غير هذا الخبر‪ ،‬وهو تزويج النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ميمونة‪ ،‬وسؤال سهيل بن عمرو النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫في الخروج من مكة وجواب النبي صلى ال عليه وسلم له على نحو ما في هذا‬
‫الخبر‪ ،‬ولست واثقا بصحة ما فيه من دخول النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة‪،‬‬
‫وأذان بلل رضي ل عنه الظهر عليها‪ ،‬وعلى تقدير صحتها فإنهما يخالفان ما‬
‫رويناه في الصحيحين‪ ،‬عن إسماعيل بن أبي خالد قال‪ :‬قلت لعبد ال بن أبي أوفى‪:‬‬
‫أدخل النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة في عمرته؟ فقال‪ :‬ل انتهى‪.‬‬
‫والمراد بهذه العمرة عمرة القضية على ما قال العلماء‪ ،‬كما قال النووي عنهم في‬
‫شرح مسلم وغيره‪.‬‬
‫وسيأتي إن شاء ال تعالى ذكر السبب الذي لجله لم يدخل النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم الكعبة في عمرة القضية‪ ،‬كما هو مقتضى هذين الخبرين‪ ،‬وإنا ذكرناهما‬
‫لغرابتهما‪.‬‬
‫وأما دخوله صلى ال عليه وسلم في يوم الفتح وحجة الوداع‪ :‬فهو رأي أبي حاتم بن‬
‫حبان‪ ،‬لنه جمع بذلك بين اختلف بلل وأسامة في صلة النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم في الكعبة‪ ،‬ونص كلمه والشبه عندي أن يحمل الخبران على دخولين‬
‫متغايرين‪ ،‬أحدهما يوم الفتح وصلى فيه‪ ،‬والخر في حجة الوداع ولم يصل فيه‪...‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وقد وافق ابن حبان على ما ذكره من دخول النبي صلى ال عليه وسلم في حجة‬
‫الوداع‪ :‬البيهقي‪ ،‬لنه قال‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم صلى في داخل الكعبة في‬
‫حجة الوداع‪ ،‬حكى ذلك عن البيهقي‪ :‬ابن جماعة في منسكه‪.‬‬
‫وأما دخول النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة في ثاني يوم فتح مكة‪ :‬كما هو‬
‫مقتضى حديث أسامة رضي ال عنه الذي جمع به ابن جماعة‪ :‬فلم أر أحدا من أهل‬
‫العلم قال به إل ابن جماعة في منسكه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫) ‪(1/24‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -211-‬وأما أول وقت دخل فيه النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة بعد‬
‫هجرته‪ :‬فيوم فتح مكة‪ ،‬لنه لم يدخلها في عمرة القضية على مقتضى حديث ابن‬
‫أبي أوفى السابق ذكره في الصحيحين‪ ،‬ول يعارض ذلك الخبران المقتضيان‬
‫لدخول النبي صلى ال عليه وسلم في عمرة القضية‪ ،‬لنهما لو صحا لكان ما في‬

‫الصحيحين مقدما عليهما‪ ،‬فكيف وفى صحتهما نظر وال أعلم‪.‬‬
‫وأما السبب الذي لم يدخل النبي صلى ال عليه وسلم لجله الكعبة في عمرة‬
‫القضية‪ :‬فذكر النووي فيه كلما لغيره ل يخلو من نظر‪ ،‬لنه قال لما تكلم على‬
‫حديث ابن أبي أوفى‪ :‬قال العلماء‪ :‬وسبب عدم دخوله صلى ال عليه وسلم‪ :‬ما كان‬
‫في البيت من الصنام والصور‪ ،‬ولم يكن المشركون يتركونه لتغييرها‪ ،‬فلما فتح ال‬
‫تعالى عليهم مكة دخل البيت وصلى فيه‪ ،‬وأزال الصور قبل دخوله‪ ،‬وال أعلم‪...‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬في هذا الكلم ما يقتضي أن النبي صلى ال عليه وسلم لم يدخل الكعبة يوم‬
‫فتح مكة حتى أخرج منها ما كان ينبغي إخراجه من الصور وغير ذلك‪ ،‬ووقع في‬
‫مسند أبي داود السجستاني من حديث ابن عباس رضي ال عنهما ما يدل لذلك‪.‬‬
‫وقد روينا ما يخالف ذلك؛ لن أبا داود الطيالسي قال في مسنده‪ :‬حدثنا ابن أبي‬
‫ذئب‪ ،‬عن عبد الرحمن بن مهران قال‪ :‬حدثني عمير مولى ابن عباس‪ ،‬عن أسامة‬
‫بن زيد رضي ال عنهما قال‪ :‬دخلت مع رسول ل صلى ال عليه وسلم في الكعبة‪،‬‬
‫ورأى صورا فدعا بدلو من ماء‪ ،‬فأتيته به‪ ،‬فجعل يمحوها ويقول‪" :‬قاتل ال قوما‬
‫يصورون ما ل يخلقون"‪.‬‬
‫ورجال هذا الحديث يحتج بهم‪ ،‬وهو يقتضي أن النبي صلى ال عليه وسلم دخل‬
‫الكعبة في الفتح والصور فيها‪ ،‬وأنه أزالها بعد دخوله‪ ،‬ويدل لذلك أيضا ما رويناه‬
‫في تاريخ الزرقي عن عبد العزيز ‪ 1‬بن أبي داود‪ ،‬قال‪ :‬إن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم بعث الفضل بن عباس رضي ل عنهما‪ -‬بعد دخوله معه الكعبة ليأتيه بماء‬
‫ليطمس به الصور في الكعبة ‪.2‬‬
‫ويدل لذلك أيضا‪ :‬قول ابن إسحاق في السيرة في قصة الفتح‪ :‬فلما قضى‪ -‬يعني‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪ -‬طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة‬
‫ففتحت له‪ .‬فدخلها‪ ،‬فوجد فيها حمامة من عيدان‪ ،‬فكسرها بيده ثم طرحها‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وهذا يقتضي أن النبي صلى ال عليه وسلم دخل الكعبة وفيها الصور‪ ،‬وأنه دخل‬
‫الكعبة حين فتحت له في هذا التاريخ‪ ،‬ولم يشتغل صلى ال عليه وسلم بشيء سوى‬
‫ذلك‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هكذا وردت بالصل‪ ،‬وهو يشير إلى الرواية التي وردت وهي عن عبد المجيد‬
‫بن أبي رواد ل عن عبد العزيز‪.‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة ‪.165 /1‬‬
‫) ‪(1/25‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -212-‬الباب العاشر‪:‬‬
‫في ثواب دخول الكعبة المعظمة‪:‬‬

‫أخبرني أحمد بن عمر البغدادي بقراءتي عليه بالقاهرة‪ ،‬والقاضي المفتي أبو بكر‬
‫بن الحسين الشافعي بقراءتي عليه بطيبة‪ ،‬كلهما عن الحافظ أبي الحجاج المزي‪،‬‬
‫قال‪ :‬أخبرنا الدرجي‪ ،‬قال‪ :‬أنبأنا الصيدلني‪ ،‬قال‪ :‬أخبرتنا فاطمة الجوزدانية قالت‪:‬‬
‫أخبرنا ابن ريذة‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا الطبراني‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي عن عبد ال بن المؤمل‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عبد الرحمن‬
‫بن محيصن‪ ،‬عن عطاء‪ ،‬عن ابن عباس‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"من دخل البيت فصلى فيه دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورا له"‪ .1‬وفي‬
‫لفظ‪" :‬من دخل البيت خرج مغفورا له"‪.2‬‬
‫وروى الفاكهي أخبارا في فضائل دخول الكعبة والصلة فيها‪ ،‬لنه قال‪ :‬حدثنا‬
‫سعيد بن عبد الرحمن‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن الوليد‪ ،‬عن عبد الوهاب بن مجاهد‪،‬‬
‫عن أبيه‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬في دخول البيت دخول في حسنة وخروج من سيئة مغفورا‬
‫له‪.‬‬
‫حدثنا محمد بن أبي عمر حدثنا سفيان‪ ،‬عن عبد الكريم‪ ،‬وحدثنا أبو بشر‪ ،‬حدثنا ابن‬
‫أبي الصيف‪ ،‬حدثنا إسماعيل بن كثير أبو هاشم جميعا عن مجاهد‪ ،‬قال‪ :‬دخول‬
‫البيت حسنة وخروجه خروج من سيئة مغفورا له ‪.3‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬البيهقي في سننه ‪.158 /5‬‬
‫‪ 2‬رواه الطبراني في الكبير والبزار بنحوه‪ ،‬وفي سنده "عبيد ال بن المؤمل" منفرد‬
‫به "وثقه ابن سعد وغيره‪ ،‬وفيه ضعف" ذكر ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد ‪/3‬‬
‫‪ ،293‬وحسنه السيوطي في الجامع الصغير‪ ،‬والمناوي في الفيض ‪.124 /6‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،292 /2‬وذكره السيوطي في الجامع الكبير عن ابن عباس‪،‬‬
‫وعزاه للطبراني والبيهقي في السنن‪.‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -213-‬وقال الفاكهي أيضا‪ :‬حدثني أحمد بن محمد القرشي‪ ،‬عن يوسف‬
‫بن خالد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا غالب القطان‪ ،‬عن هند بن أوس قال‪ :‬حججت فلقيت ابن عمر‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬إني أقبلت من الفج العميق أردت البيت العتيق‪ ،‬وأنه ذكر لي أن من أتى بيت‬
‫المقدس يصلى فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‪ ،‬فقال ابن عمر‪ :‬رأيت البيت من‬
‫دخله فصلى فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ‪.1‬‬
‫وقال الفاكهي‪ :‬حدثنا سلمة بن شبيب‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا الغازيان‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا سفيان عن‬
‫ابن جريج‪ ،‬عن عطاء قال‪ :‬لن أصلي ركعتين في البيت أحب إلي من أن أصلي‬
‫أربعا في المسجد الحرام ‪.2‬‬
‫وقال الفاكهي‪ :‬حدثنا أحمد بن حميد‪ ،‬عن الحسين بن الوليد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عباد بن‬
‫راشد‪ ،‬عن الحسن قال‪ :‬الصلة في الكعبة تعدل مائة ألف صلة‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا عن الحسن البصري في رسالته المشهورة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪" :‬من دخل الكعبة‪ ،‬دخل في رحمة ال عز وجل‪ ،‬وفي حمي ال تعالى‪،‬‬
‫وفي أمن ال عز وجل‪ ،‬ومن خرج خرج مغفوًرا له"‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وما أحسن ما أنشده الحافظ أبو طاهر السلفي لنفسه بعد دخول الكعبة‪:‬‬

‫أبعد دخول البيت وال ضامن بنفي قبيح‪ ،‬والخطايا الكوامن‬
‫فحاشاه‪ ،‬كل‪ ،‬بل تسامح كلها ويرجع كل‪ ،‬وهو جذلن آمن‬
‫وقد اتفق الئمة الربعة على استحباب دخول البيت‪ ،‬واستحسن مالك كثرة دخولها‪،‬‬
‫لن في مناسك ابن الحاج قال ابن حبيب‪ :‬وأخبرني مطرف‪ ،‬عن مالك‪ :‬أنه سئل‬
‫عن الصلة في البيت وعن دخوله كلما قدر عليه الداخل‪ ،‬فقال له‪ :‬ذلك واسع‬
‫حسن‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا ذلك في "تاريخ الزرقي" عن سالم بن عبد ال بن عمر بن الخطاب‪ -‬أحد‬
‫الفقهاء السبعة بالمدينة على ما قيل وصدقة بن يسار‪ ،‬ووردت أخبار استدل بها‬
‫بعض العلماء على عدم استحباب دخول الكعبة‪ ،‬وقد ذكرها المحب الطبري مع‬
‫الجواب عنها في كتاب "القرى"‪ ،3‬وذكرنا ذلك بنصه في أصل هذا الكتاب‪ ،‬ونشير‬
‫هنا لشيء من ذلك‪ :‬أنبأنا عمن أنبأه المحب الطبري قال‪" :‬باب دخول الكعبة" وهو‬
‫الباب الثامن والعشرون من كتابه "القرى"‪ ،‬حجة من قال‪ :‬ل يستحب‪ ،‬عن عائشة‬
‫قالت‪ :‬خرج رسول‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪.90 /2‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪.292 /2‬‬
‫‪ 3‬القرى "ص‪."494 :‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -214-‬ال صلى ال عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب‬
‫النفس‪ ،‬ثم رجع إلى وهو حزين‪ ،‬فقلت له‪ :‬فقال‪" :‬إني دخلت الكعبة ووددت أني لم‬
‫أكن فعلت‪ ،‬إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي"‪ .‬أخرجه أحمد‪ ،‬والترمذي‬
‫وصححه‪ ،‬وأبو داود ‪.1‬‬
‫وقد استدل بهذا الحديث من كره دخول البيت‪ ،‬ول دللة فيه‪ ،‬بل نقول دخوله صلى‬
‫ال عليه وسلم دليل على الستحباب‪ ،‬وتمنيه عدم الدخول فقد علله بالمشقة والشفقة‬
‫على أمته‪ ،‬وذلك ل يرفع حكم الستحباب‪.‬‬
‫ثم قال المحب‪ :‬وعن عبد ال بن أبي أوفى قال‪ :‬اعتمر رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس‪ ،‬قال له‬
‫رجل‪ :‬أدخل رسول ال صلى ال عليه وسلم الكعبة؟ قال‪ :‬ل‪ .‬أخرجاه وبوب عليه‬
‫البخاري‪" ،‬باب من قال‪ :‬لم يدخل الكعبة"‪ ،‬وأجاب المحب الطبري عن هذا الحديث‬
‫بأن عدم دخول النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة في عمرته هذه يجوز أن يكون‬
‫لعذر‪ ،‬قال‪ :‬ولعله تركه شفقة على أمته‪ ،‬كما دل عليه الحديث المتقدم ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا الحتمال بعيد‪ ،‬والحتمال الول هو الصواب‪ ،‬لموافقته ما ذكره العلماء‬
‫في سبب كون النبي صلى ال عليه وسلم لم يدخل الكعبة في عمرته المشار إليها‪،‬‬
‫وهو عدم تمكنه صلى ال عليه وسلم من أن يزيل من الكعبة ما كان فيها من‬
‫الوثان والصور‪ ،‬لكون مكة في أيدي المشركين وحكمهم إذا ذاكروا‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأما ما يطلب في الكعبة من المور التي صنعها النبي صلى ال عليه وسلم فهو‪:‬‬
‫التكبير والتسبيح والتهليل والتحميد والثناء على ال عز وجل‪ ،‬والدعاء والستغفار‪،‬‬

‫لحاديث وردت في ذلك‪ ،‬منها‪ :‬ما رويناه عن أسامة بن زيد‪ :‬أن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج‪ ،‬فلما خرج‬
‫ركع ِقَبل البيت ركعتين وقال‪" :‬هذه القبلة"‪ ،‬أخرجه البخاري ومسلم ‪.3‬‬
‫وفي مسلم عن ابن جريج قلت لعطاء‪ :‬ما نواحيه؟ أفي زواياه؟ قال‪ :‬بل في كل قبلة‬
‫من البيت‪.‬‬
‫وعند النسائي في هذا الحديث‪ :‬سبح في نواحيه وكبر ‪.4‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬أحمد في مسنده ‪ ،153 /6‬والترمذي "‪ ،"223 /3‬وابن ماجه "‪،"306‬‬
‫المستدرك ‪ ،479 /1‬والبيهقي في السنن ‪.159 /5‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪."496 ،495 :‬‬
‫‪ 3‬أخرجه‪ :‬البخاري "‪ ،"50 /2‬ومسلم "استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره‪/4 :‬‬
‫‪."96‬‬
‫‪ 4‬سنن النسائي " "‪ ،‬مسند أحمد ‪.2 /4 ،210 /1‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -215-‬وقوله‪ِ :‬قبل البيت‪ ،‬وهو بضم القاف والباء الموحدة‪ ،‬ويجوز‬
‫إسكان الباء كما في نظائره‪ ،‬ومعناه على ما قيل‪ :‬ما استقبلك فيها‪ ،‬وقيل‪ :‬مقابلها‪.‬‬
‫وفي معنى قوله صلى ال عليه وسلم‪" :‬هذه القبلة" ثلثة احتمالت‪ :‬أولها‪ :‬أن معنى‬
‫ذلك أن أمر القبلة قد استقر على استقبال هذا البيت فل ينسخ بعد اليوم وصلوا إليه‬
‫أبدا‪.‬‬
‫والحتمال الثاني‪ :‬أن معنى ذلك أن النبي صلى ال عليه وسلم علمهم سنة موقف‬
‫المام‪ ،‬وأنه يقف في وجه الكعبة دون أركانها وجوانبها‪ ،‬وإن كانت الصلة في‬
‫جميع جهاتها مجزية‪ ،‬وهذان الحتمالن أبداهما المام أبو سليمان الخطابي‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫والحتمال الثالث‪ :‬أبداه المام النووي في "شرح مسلم" بعد ذكره لهذين‬
‫الحتمالين‪ ،‬وهو أن معناه هذه الكعبة هي المسجد الحرام الذي أمرتم باستقباله ل‬
‫كل الحرم ول مكة‪ ،‬ول كل المسجد الذي حول الكعبة بل هي الكعبة نفسها فقط‪،‬‬
‫وال أعلم‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ومعنى قول عطاء‪ :‬بل في كل قبلة من البيت‪ :‬أي في كل قبلة من البيت قبلة‪ ،‬أو كل‬
‫موضع من البيت قبلة‪ ،‬ذكر ذلك المحب الطبري‪ ،‬قال‪ :‬ويكون قد دار النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم في البيت جميعه داعيا ذاكًرا ‪.1‬‬
‫ومن الحاديث الواردة في المعنى الذي أشرنا إليه‪ :‬ما رويناه في "سنن النسائي"‬
‫أيضا من حديث أسامة بن زيد أنه دخل مع النبي صلى ال عليه وسلم البيت‪،‬‬
‫فمضى يعني النبي صلى ال عليه وسلم حتى إذا كان بين السطوانتين اللتين يليان‬
‫باب الكعبة جلس فحمد ال وأثنى عليه وسأله واستغفره‪ ،‬ثم قام حتى أتى ما استقبل‬
‫من دبر البيت فوضع وجهه وخده عليه‪ ،‬فحمد ال وأثنى عليه وسأله واستغفره‪ ،‬ثم‬
‫انصرف إلى كل ركن من أركان الكعبة فاستقبله بالتكبير والتهليل والتسبيح والثناء‬
‫على ال والمسألة والستغفار ثم خرج‪ ،‬انتهى باختصار‪.‬‬
‫وروينا من حديثه أيضا في "سنن النسائي" قال‪ :‬دخلت مع رسول ال صلى ال‬

‫عليه وسلم البيت فجلس فحمد ال وأثنى عليه وكبر وهلل‪ ،‬ثم قام إلى ما بين يديه‬
‫من البيت فوضع صدره عليه وخده ويديه‪ ،‬ثم هلل وكبر ودعا‪ ،‬ثم فعل ذلك‬
‫بالركان كلها‪ ،‬ثم خرج‪ ...‬انتهى باختصار‪ ،‬وأخرجه أحمد أيضا‪.‬‬
‫وروينا عن ابن عباس قال‪ :‬دخل النبي صلى ال عليه وسلم الكعبة وفيها ست‬
‫سوار‪ ،‬فقام عند كل سارية فدعا ولم يصل‪ .‬أخرجه البخاري ومسلم ‪ 2‬وأحمد بن‬
‫حنبل‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص ‪."500 ،499‬‬
‫‪ 2‬صحيح البخاري ‪ 375 /1‬كتاب الحج‪ ،‬مسلم "الحج‪."1330 :‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -216-‬وروينا في مسنده ‪ 1‬عن الفضل بن عباس‪ :‬أن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم قام في الكعبة وسبح وكبر ودعا ال عز وجل واستغفر ولم يركع ولم‬
‫يسجد‪.‬‬
‫وروينا عن الفضل أيضا‪ :‬أنه كان مع رسول ال صلى ال عليه وسلم حين دخل‬
‫الكعبة‪ ،‬قال‪ :‬فلم يصل فيها ولكنه لما دخلها وقع ساجًدا بين العمودين ثم جلس‬
‫يدعو‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ول تضاد بين قوله في هذا الحديث‪" :‬وقع ساجدا"‪ ،‬وبين قوله في الحديث الذي‬
‫قبله‪" :‬ولم يسجد" لحتمال أن يكون أراد بقوله‪ :‬ولم يسجد‪ ،‬أي‪ :‬في صلة‪ ،‬ويؤيده‬
‫قوله‪" :‬ولم يركع" والركوع إنما يكون في صلة‪ ،‬ويكون سجود النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم في الكعبة على تقدير ثبوت الحديث المتضمن لذلك شكرا ل تعالى‪ ،‬وقد‬
‫أشار المحب الطبري‪ ،‬إلى التوفيق بين هذين الحديثين بما ذكرناه ‪ ،2‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومن المور التي قيل إن النبي صلى ال عليه وسلم صنعها في الكعبة‪ ،‬صبه الماء‬
‫على جسده صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ذكر ذلك الفاكهي‪ ،‬لنه قال‪ :‬حدثنا سلمة بن شبيب‬
‫أبو عبد الرحمن‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا زيد بن الحباب‪ ،‬قال‪ :‬سمعت أبا قدامة عامر الحول‬
‫يقول‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم دعا بدلو من ماء فصبه عليه في الكعبة‪...‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وهذا غريب جدا‪ ،‬ولذا ذكرناه‪ ،‬وال أعلم بصحته‪ ،‬ول أعلم أحدا من أهل العلم قال‬
‫باستحبابه ‪ ،3‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومن المور التي صنعها النبي صلى ال عليه وسلم في الكعبة على ما قيل‪ :‬إنه‬
‫ألصق بها بطنه وظهره كما رويناه في معجم ابن قانع‪ ،‬لنه قال‪ :‬أخبرنا حسين بن‬
‫اليماني‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا سهل بن عثمان العسكري‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان‬
‫عن عبد ال بن مسلم بن هرمز‪ ،‬عن عبد الرحمن الزجاج قال‪ :‬أتيت شيبة بن‬
‫عثمان فقلت‪ :‬يا أبا عثمان‪ ،‬زعموا أن رسول ال صلى ال عليه وسلم دخل الكعبة‬
‫فلم يصل‪ ،‬فقال‪ :‬كذبوا لقد صلى بين العمودين ركعتين ثم ألصق بها بطنه‬
‫وظهره‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقد أشار شيخنا الحافظ العراقي إلى استحباب هذا الفعل في الكعبة‪ ،‬وبدل لذلك ما‬
‫رويناه في "مسند الشافعي" عن عروة بن الزبير أنه كان إذا طاف بالبيت استلم‬

‫الركان كلها وألصق بطنه وظهره وجنبه بالبيت‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫ورأيت لغير واحد من العلماء ما يقتضي عدم استحباب ذلك‪ ،‬لن المحب الطبري‬
‫قال في "القرى"‪ :‬ما جاء في كراهية أن يلصق ظهره إلى الكعبة‪ ":‬عن عطاء‪ ،‬وقد‬
‫سئل‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬مسند أحمد ‪.210 /1‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪."501 :‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪.234 /5‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -217-‬عن ذلك فكرهه‪ ،‬وعن إبراهيم قال‪ :‬كانوا يكرهون أن يسند‬
‫ظهره‪ ،‬أخرجهما سعيد بن منصور‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ورأيت أيضا لمامنا ما يقتضي أن ذلك غير مطلوب‪ ،‬لنه قال‪ :‬ل يعتنق شيئا من‬
‫أساطينه‪ ،‬يعني البيت‪ ،‬وقد دخله صلى ال عليه وسلم ولم أسمع أنه اعتنق شيئا من‬
‫أساطينه ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫والدللة من كلم مالك على كراهيته ذلك ظاهرة‪ ،‬لن اعتناق أساطين الكعبة‬
‫كإلصاق البطن والظهر بها‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأما ما سوى ذلك من المور التي صنعها رسول ال صلى ال عليه وسلم في‬
‫الكعبة هو مذكور في هذه الحاديث‪ ،‬فل أعلم بين أهل العلم اختلفا في استحبابه‪،‬‬
‫إل سجدة الشكر في الكعبة‪ ،‬كما هو مقتضى حديث الفضل‪ ،‬ففيها خلفا بين أهل‬
‫العلم‪ ،‬فإن مشهور مذهب مالك أن سجود الشكر مكروه من حيث الجملة‪ ،‬ومقتضى‬
‫ذلك أن ل يفعل في الكعبة‪ ،‬على أن حديث الفضل الذي في هذه السجدة مختلف في‬
‫ثبوته‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."318 :‬‬
‫ذكر حكم الصلة في الكعبة‪:‬‬
‫استحب جمهور العلماء الصلة في الكعبة‪ ،‬لنه ثبت أن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫صلى فيها‪ ،‬ومنع طائفة من العلماء منهم ابن عباس كما حكاه عنه القاضي عياض‬
‫ونقله النووي عن جماعة من العلماء في شرح مسلم" لنه قال‪ :‬وقال محمد بن‬
‫جرير‪ ،‬وأصبغ المالكي وبعض أهل الظاهر‪ :‬ل تصح فيها صلة أبدا ل فريضة ول‬
‫نافلة‪ ،‬قال‪ :‬ودليل الجمهور حديث بلل‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫واختلف المستحبون للصلة في الكعبة‪ ،‬فبعضهم قال بذلك في الفريضة والنافلة‬
‫بشرط يأتي ذكره في الفريضة‪ ،‬وبعضهم قصر ذلك على النفل غير المؤكد‪ ،‬وهذا‬
‫مذهب المام مالك‪ ،‬ولم أر فيما وقفت عليه من كتب المالكية ما يشهد لصحة ما نقله‬
‫النووي عن أصبغ بن الفرج أحد أئمة المالكية‪ ،‬والذي رأيته منقول عنه في كتب‬
‫المذهب‪ :‬أن من صلى الفريضة في الكعبة أعاد أبدا من غير نظر إلى كون‬
‫المصلي فيها عامدا أو ناسيا‪ ،‬وقد اختلف المذهب‪ ،‬وصحح صلة الفريضة في‬
‫الكعبة ابن عبد الحكم‪ ،‬واستحب أشهب أل تصلى الفريضة في الكعبة‪ ،‬فإن صليت‬

‫فيها صحت‪ ،‬وصوب هذا القول اللخمي‪ ،‬لنه لما ثبت أن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫صلى في الكعبة النافلة وجب مساواة الفريضة لها‪ ،‬فإن أمرهما في الحضر واحد‬
‫من جهة الستقبال‪ ،‬ومشهور المذهب أن صلة الفريضة ل‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -218-‬تصح في الكعبة‪ ،‬وإن صلها فيها أعاد الصلة‪ ،‬واختلف شيوخ‬
‫ختلف‬
‫المذهب في العادة هل تكون في الوقت أو أبدا؟ وهو مقتضى قول أصبغ‪ ،‬وا ُ‬
‫في العادة في الوقت هل هي في حق الناسي‪ ،‬وهو قول ابن حبيب ورأي ابن‬
‫يونس وجماعة وقيل‪ :‬إن ذلك في حق العامد والناسي وهو رأي القاضي عبد‬
‫الوهاب واللخمي وابن عتاب‪ ،‬ويلحق بالفريضة النوافل في كونها ل تصلى في‬
‫الكعبة‪ ،‬وهي السنن كالعيدين والوتر وركعتي الفجر وركعتي الطواف الواجب‪ ،‬فإن‬
‫صليت هذه النوافل في الكعبة فل تجزئ على المذهب المشهور‪ ،‬وتجزئ على رأي‬
‫أشهب وابن عبد الحكم‪.‬‬
‫واختلف الحنابلة في صحة صلة الفريضة في الكعبة‪ ،‬والصح عندهم أنها ل‬
‫تصح فيها‪ ،‬وكذلك عندهم النذر المطلق قالوا‪ :‬فإن نذر الصلة في الكعبة صحت‬
‫فيها‪ ،‬وعندهم خلف في صحة النافلة في الكعبة‪ ،‬والصح عندهم فيها الصحة‪،‬‬
‫وعندهم في كونها في الكعبة مستحبة أو جائزة روايتان‪.‬‬
‫ولم يخالف مذهب الشافعي في جواز الصلة في الكعبة‪ ،‬سواء كانت فريضة أو‬
‫نافلة‪ ،‬ومقتضى مذهبه إن فعل النافلة في الكعبة أفضل من فعلها في المسجد خارج‬
‫الكعبة‪ ،‬وكذلك الفريضة بشرط أن ل يرجو المصلي مجيء جماعة خارج الكعبة‪.‬‬
‫قال الشافعي‪ :‬ما فريضة تفوتني في جماعة فأصليها في موضع أحب إليه منه‬
‫يعني البيت الحرام‪ -‬لن البقاع إذا فضلت بقربها منه فبطنه أفضل منها‪.‬‬‫ومذهب أبي حنيفة‪ :‬جواز صلة النافلة والفريضة في الكعبة‪ ،‬وأن النافلة في الكعبة‬
‫مستحبة‪ ،‬وحيث صحت الصلة في الكعبة فللنسان أن يصلي في جوفها إلى أي‬
‫جوانبها شاء‪ ،‬هكذا في "النوادر" من كتب أصحابنا المالكية‪ ،‬وفيه أحب إلى أن‬
‫يجعل الباب خلف ظهره‪ ،‬ثم يصلي إلى أي موضع شاء بعد أن يستدبر الباب‪،‬‬
‫وكذلك فعل النبي صلى ال عليه وسلم‪ ...‬انتهى‪ ،‬وهذا مذهب الشافعي‪.‬‬
‫وعند الحنابلة أن الصلة إلى الباب صحيحة إذا كانت له عتبة شاخصة‪ ،‬وعندهم‬
‫وجهان فيما إذا صلى إلى سترة في لبن منظوم أو شبهه غير متصل اتصال البناء‪،‬‬
‫وصحح أبو البركان الصحة في هذه الصور‪.‬‬
‫وإذا أقيمت الجماعة في الكعبة فلمن ائتم بالمام فيها خمسة أقوال في الوقت‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن يكون وجه المأموم إلى ظهر المام‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن يكون ظهره إلى ظهره‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن يكون وجه المأموم إلى ظهر المام‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أن يكون بجنبه غير متقدم عليه‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أن يكون ظهر المأموم إلى وجه المام‪.‬‬
‫فيصح في جميع الحوال غير الحالة الخامسة فل يصح فيها على الصح من‬
‫مذهب الشافعي‪ ،‬ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة كمذهب الشافعي‪.‬‬

‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -219-‬وعند الحنابلة وجهان في صحة صلة المأموم إذا تقابل هو‬
‫والمام‪ ،‬وقاس أبو البركات ‪-‬من الحنابلة‪ -‬المنع على ما إذا كان قفاء المأموم في‬
‫وجه المام‪.‬‬
‫وإذا حفرت في الكعبة حفرة وصلى فيها إنسان صحت صلته فيها كما قال بعض‬
‫الشافعية فيما نقل "مجلي" في "ذخائره"‪ ،‬قال مجلي‪ :‬وذلك إذا لم تجاوز الحفرة‬
‫قواعد البيت‪ ،‬فإن جاوزتها بحيث ل تحاذي ببدنه شيئا منها لم يصح‪ ،‬وإل فهو‬
‫كالصلة على ظهرها إلى السترة القصيرة‪ ،‬وذكر ابن الرفعة أن فيما قاله "مجلي"‬
‫نظر‪ ،‬وذكر أنه ل فرق بين أن يتجاوز القواعد إلى سترة أو ل كما أطلقه‬
‫الصحاب‪.‬‬
‫قال ابن جماعة‪ :‬وعندي ينبغي أن يفصل فيقال‪ :‬إن صلى في الحفرة ولم يحاذ ببدنه‬
‫شيئا من الكعبة أو قواعدها وكان قادرا على إصابة عين البناء لم تصح الصلة‪،‬‬
‫وإل صحت ‪ ،1‬وال أعلم‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫واختلف العلماء أيضا في الصلة على سطح الكعبة‪ ،‬والمشهور من مذهب مالك‬
‫منع الصلة على ظهرها‪ ،‬وأنه أشد من منعها في بطنها‪ ،‬وذلك لن المصلي في‬
‫بطنها يعيد في الوقت والمصلي على سطحها يعيد أبدا‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إن الصلة على سطحها كالصلة في بطنها فتعاد في الوقت‪ ،‬وهذا القول‬
‫حكاه ابن محرز عن أشهب‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إن الصلة على سطحها تصح ول إعادة على من فعل ذلك‪ ،‬وهذا القول حكاه‬
‫اللخمي عن أشهب‪ ،‬وهو قول ابن عبد الحكم‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إن الصلة على سطحها تصح إن أقام المصلي شيئا يقصده‪ ،‬وهذا تأويل‬
‫القاضي عبد الوهاب على المذهب‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬تصح الصلة على سطحها إذا كان بين يدي المصلي قطعة من السطح‪.‬‬
‫وهذا الختلف في الفريضة‪ ،‬وأما النافلة على سطح الكعبة فل تصح على مقتضى‬
‫مشهور المذهب إذا كانت الصلة متأكدة كالسنن والوتر وركعتي الفجر وركعتي‬
‫الطواف الواجب‪ ،‬لمساواة هذه النوافل للفريضة في حكم الصلة في جوف الكعبة‪،‬‬
‫وفي صحة النفل غير المؤكد على سطح الكعبة نظر على مقتضى رأي أكثر أهل‬
‫المذهب في حملهم النهي الوارد عن النبي صلى ال عليه وسلم في الصلة على‬
‫سطح الكعبة‪.‬‬
‫وأما على رأي ابن عبد الحكم ومن وافقه فيصح النفل مطلقا على سطح الكعبة‪،‬‬
‫وحديث النهي الوارد عن الصلة فيها رويناه في مسند عبد بن حميد بالسند المتقدم‬
‫إليه في‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هداية السالك ‪.939 ،938 /2‬‬
‫) ‪(1/9‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -220-‬الباب التاسع‪ ،‬ولفظه‪ :‬حدثنا عبد ال بن يزيد المقري‪ ،‬حدثنا‬
‫يحيى بن أيوب‪ ،‬عن زيد بن جبيرة‪ ،‬عن داود بن حصين‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر‬
‫قال‪" :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم نهى أن يصلى في سبعة مواطن‪ :‬في‬
‫المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام ومعاطن البل وفوق ظهر‬
‫بيت ال عز وجل" أخرجه الترمذي ‪ 1‬عن محمود بن غيلن‪ ،‬وابن ماجه عن‬
‫محمد بن إبراهيم الدمشقي‪ ،‬كلهما عن المقري‪ .‬فوقع لنا بدل لهما عاليا بدرجة‬
‫بالنسبة إلى روايتنا العالية لكتابيهما بدرجتين بالنسبة إلى روايتنا لهما المتصلة‬
‫بالسماع‪ ،‬وزيد بن جبيرة ‪ 2‬متروك الحديث‪.‬‬
‫وروينا هذا الحديث من غير طريقه في سنن ابن ماجه بإسناد يقوم بمثله الحجة‪،‬‬
‫ولفظه‪ :‬حدثنا علي بن داود ومحمد بن أبي الحسن قال‪ :‬أخبرنا أبو صالح‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حدثنا الليث‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا نافع عن ابن عمر بن الخطاب قال‪ :‬إن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم قال‪" :‬سبع مواطن ل يجوز فيها الصلة ظاهر بيت ال والمقبرة‬
‫والمزبلة والمجزرة والحمام ومعاطن البل ومحجة الطريق"‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ومذهب الشافعي صحة صلة الفريضة والنافلة على سطح الكعبة بشرط أن يكون‬
‫بين يدي المصلي شاخص قدر ثلثي ذراع تقريبا من نفس الكعبة‪ ،‬هذا هو الصحيح‬
‫من مذهب الشافعي‪ ،‬وفي مذهبه وجه أيضا‪ :‬يصح في السطح وإن لم يكن الشاخص‬
‫قدر ثلثي ذراع‪ ،‬وقيل‪ :‬إنما تصح فيه بشرط أن يكون الشاخص قدر قامة المصلي‬
‫طول وعرضا‪.‬‬
‫ومذهب الحنفية‪ :‬أن الصلة على السطح جائزة وإن لم يكن بين يدي المصلي‬
‫سترة‪ ،‬فإن الصلة في السطح مكروهة لما فيه من ترك التعظيم‪ ،‬وعندهم أن‬
‫الصلة على جدار الكعبة صحيحة إذا كان المصلي متوجها إلى سطحها‪ ،‬ول تصح‬
‫إذا جعل السطح وراءه‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة‪ :‬أن صلة الفريضة ل تصح في سطح الكعبة‪ ،‬وأن النافلة فيه‬
‫تصح‪ ،‬وأن حكم النافلة على سطحها حكم الفريضة في بطنها إذا كان الباب مفتوحا‬
‫ومقتضى ذلك أنها ل تصح في السطح إل إذا كان هناك شاخص‪.‬‬
‫وقد حررنا ارتفاع الشاخص في سطح الكعبة وهو ذراع إل ثمن ذراع في الجهة‬
‫الشرقية وفي جهة الحجر بسكون الجيم ذراع وثمن‪ ،‬وفي جهة المغرب ذراع‪ ،‬وفي‬
‫جهة اليمن ثلثا ذراع‪ ،‬وقد سبق تحريرنا لذلك طول وعرضا في الباب الثامن‪ ،‬وقد‬
‫أثبتنا فيما يتعلق بالصلة في وجه الكعبة وعلى سطحها بما فيه كفاية في ذلك‪،‬‬
‫ويوجد به من الفوائد ما ل يوجد مجتمعا في تأليف‪ ،‬ونسأل ال التوفيق لكل خير‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه الترمذي "‪."346‬‬
‫‪ 2‬انظر عنه‪ :‬التاريخ الكبير ‪ 390 /3‬رقم ‪ ،1299‬الجرح والتعديل ‪ ،559 /3‬رقم‬
‫‪ ،2528‬المعرفة والتاريخ ‪ ،138 /3‬المغني في الضعفاء ‪ 245 /1‬رقم ‪،2264‬‬
‫الكاشف ‪ 264 /1‬رقم ‪ 744‬ميزان العتدال ‪ 99 /2‬رقم ‪.299‬‬
‫) ‪(1/10‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -221-‬آداب دخول الكعبة‪:‬‬
‫وأما آداب دخول الكعبة فكثيرة منها‪ :‬الغتسال لما رويناه عن عبد الكريم بن أبي‬
‫المخارق‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬نزع الخف والنعل‪ ،‬لما روينا في سنن سعيد بن منصور عن عطاء وطاوس‬
‫ومجاهد‪ ،‬وكره مالك دخولها بالخفين والنعلين‪ ،‬وهو قول الحنابلة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه ل يرفع بصره إلى السقف‪ ،‬لحديث في ذلك رويناه عن عائشة أخرجه‬
‫الحاكم في "المستدرك"‪ 1‬وقال‪ :‬صحيح على شرط الشيخين‪ ،‬وقد تقدم هذا الحديث‬
‫في الباب التاسع‪ ،‬وإنما كره رفع البصر في الكعبة‪ ،‬لنه يولد الغفلة واللهو عن‬
‫القصد‪ ،‬أشار بذلك المحب الطبري في "القرى"‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن ل يزاحم زحمة شديدة يتأذى بها أو يؤذي بها أحدا‪ ،‬أشار إلى ذلك‬
‫النووي وغيره‪.‬‬
‫ومنها أن ل يكلم أحدا إل لضرورة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن يلزم قلبه الخشوع والخضوع وعينيه الدموع إن استطاع ذلك وإل حاول‬
‫صورتها‪َ ،‬ذَكَر هذين المرين المحب الطبري‪ ،‬وهذا لفظه ‪.2‬‬
‫ومنها‪ :‬أن ل يسأل مخلوقا‪ ،‬لما رويناه عن سفيان بن عيينة قال‪ :‬دخل هشام بن عبد‬
‫الملك الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد ال بن عمر بن الخطاب فقال‪ :‬سلني حاجتك‪.‬‬
‫قال‪ :‬أستحي من ال أن أسأل في بيته غيره ‪.3‬‬
‫وذكر الفاكهي ما يقتضي أن التارك لسؤال هشام في الكعبة غير سالم بن عبد ال‪،‬‬
‫لنه قال‪ :‬حدثنا محمد بن أبي عمر قال‪ :‬قال سفيان بن عيينة سمعت بعض من‬
‫يذكر أن هشام بن عبد الملك أو غيره دخل الكعبة عام حج فلم يدع في الكعبة غير‬
‫منصور الحجبي‪ ،‬فقال له هشام‪ :‬سل حاجتك‪ ،‬قال منصور‪ :‬ما كنت لسأل غير ال‬
‫في بيته‪ ،‬فلم يسأله شيئا‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وحكم النساء في دخولهن الكعبة حكم الرجال من غير خلف أعلمه في ذلك‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬مستدرك الحاكم ‪.479 /1‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪."501 :‬‬
‫‪ 3‬القرى "ص‪."502 ،501 :‬‬
‫) ‪(1/11‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -222-‬الباب الحادي عشر‪:‬‬
‫ذكر شيء من فضائل الكعبة‪:‬‬
‫ل شك أن فضل الكعبة مشهور لوروده في القرآن العظيم في غير ما آية‪ ،‬ووروده‬
‫في السنة الشريفة الصحيحة‪ ،‬وإنما أردنا بذكره ههنا للتبرك‪ ،‬فمن اليات الواردة‬
‫س َلّلِذي ِبَبّكَة ُمَباَرًكا َوُهًدى‬
‫ضَع ِللّنا ِ‬
‫ت ُو ِ‬
‫ل َبْي ٍ‬
‫ن َأّو َ‬
‫في ذلك قول ال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬

‫ن آِمًنا{ ]آل عمران‪ 96 :‬و‬
‫خَلُه َكا َ‬
‫ن َد َ‬
‫ت َمَقاُم ِإْبَراِهيَم َوَم ْ‬
‫ت َبّيَنا ٌ‬
‫ن‪ِ ،‬فيِه آَيا ٌ‬
‫ِلْلَعاَلِمي َ‬
‫‪.[97‬‬
‫واختلف في معنى كونه أول بيت وضع للناس على قولين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنه أول بيت وضع للعبادة‪ ،‬وكان قبله بيوت لغيرها‪ ،‬وهذا يروى عن علي‬
‫بن أبي طالب رضي ال عنه‪.‬‬
‫والخر‪ :‬أنه أول بيت كان في الرض‪.‬‬
‫قال المحب الطبري‪ :‬وقوله }ُمَباَرًكا{ أي كثير الخير لما يحصل لمن حجه‪ ،‬أو‬
‫ن{ أي‬
‫اعتمره‪ ،‬أو عكف عنده وطاف حوله من الثواب‪ ،‬وقوله‪َ} :‬وُهًدى ِلْلَعاَلِمي َ‬
‫ت َمَقاُم ِإْبَراِهيَم{ مقام عطف بيان على آيات‪،‬‬
‫ت َبّيَنا ٌ‬
‫متعبدهم وقبلتهم وقوله‪ِ} :‬فيِه آَيا ٌ‬
‫ن الجمع بالواحد لشتماله على آيات أثر قدميه في الصخرة‪ ،‬وبقاؤه وحفظه مع‬
‫وَبّي َ‬
‫كثرة أعدائه من المشركين‪ .‬واختلف في أمن الداخل‪ ،‬فقيل‪ :‬من دخله كان آمنا من‬
‫الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك‪ ،‬وقيل‪ :‬من دخله لقضاء النسك‪ ،‬معظما لحرمته عارفا‬
‫بحقه‪ ،‬متقربا إلى ال عز وجل كان آمنا يوم القيامة‪ ،‬كما جاء‪" :‬من كثرت صلته‬
‫بالليل حسن وجهه بالنهار"‪ ،1‬يعني نهار يوم القيامة‪ ،‬وقيل معناه‪ :‬أمن من دخله‪،‬‬
‫أي ل‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬كشف الخفا ومزيل اللباس ‪.2587‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -223-‬يقتص منه‪ ،‬كما هو مذهب أبي حنيفة‪ ،‬وُيلجأ إلى الخروج منه‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬معناه غير ذلك‪.‬‬
‫س{ ]المائدة‪:‬‬
‫حَراَم ِقَياًما ِللّنا ِ‬
‫ت اْل َ‬
‫ل اْلَكْعَبَة اْلَبْي َ‬
‫ل ا ُّ‬
‫جَع َ‬
‫ومن اليات‪ :‬قوله تعالى‪َ } :‬‬
‫‪[97‬‬
‫قال المحب الطبري‪ :‬أي قواما لهم في أمر دينهم ودنياهم‪ ،‬فل يزال في الرض دين‬
‫ما حجت‪ ،‬وعندها المعاش والمكاسب‪ ،‬قال‪ :‬والمراد بتحريم البيت‪ ،‬سائر الحرم‪،‬‬
‫ونقل عن الضحاك أنه قال‪ :‬قياما للناس‪ :‬قياما لدينهم ومعالم حجهم‪ ،‬قال‪ :‬ويروى‬
‫نحوه عن السدي‪ ،‬وقال‪ :‬قال عكرمة‪ :‬قياما للناس‪ :‬مكانا لهم‪.‬‬
‫ومن الحاديث الواردة في ذلك ما رويناه عن الزرقي بالسند المتقدم إليه قال‪:‬‬
‫حدثني جدي‪ ،‬عن الزنجي‪ ،‬عن أبي الزبير المكي‪ ،‬عن جابر بن عبد ال رضي ال‬
‫عنهما أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬إن هذا البيت دعامة السلم‪ ،‬ومن‬
‫خرج يؤم هذا البيت من حاج‪ ،‬أو معتمر كان مضمونا على ال عز وجل إن قبضه‬
‫أن يدخله الجنة‪ ،‬وإن رده أن يرده بأجر وغنيمة"‪.1‬‬
‫ومنها‪ :‬ما ورد في تنزيل الرحمات على الكعبة كما في "المعجم الكبير" للطبراني‬
‫من حديث ابن عباس رضي ال عنهما عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولفظه‪" :‬إن‬
‫ال ينزل في كل ليلة ويوم عشرين ومائة رحمة‪ ،‬ينزل على هذا البيت ستون‬
‫للطائفين‪ ،‬وأربعون للمصلين‪ ،‬وعشرون للناظرين"‪ ،2‬ورواه في "الوسط" إل أنه‬
‫قال‪" :‬تنزل على هذا المسجد مسجد مكة"‪ ،3‬وفي رواية‪" :‬وأربعون للعاكفين" بدل‬
‫"المصلين"‪ .‬وأخرجه الزرقي في تاريخه ‪ ،4‬بمعنى رواية الطبراني في الكبير‪.‬‬

‫ووقع لنا عاليا جدا أخبرني به ابن الذهبي بقراءتي عليه‪ ،‬قال‪ :‬أنبأنا عيسى المعلم‬
‫حضورا وإجازة قال‪ :‬أنبأنا ابن اللتي‪ ،‬قال‪ :‬أنبأنا أبو الوقت قال‪ :‬أخبرتنا لبنى قالت‪:‬‬
‫أنبأنا ابن شريج‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن‬
‫عمران العابدي المخزومي بمكة قال‪ :‬حدثنا يوسف بن الفيض قال ابن صاعد‪:‬‬
‫هكذا كان يسميه وإنما هو يوسف بن السفر أبو الفيض عن الوزاعي‪ ،‬عن‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه الطبراني في الوسط‪ ،‬وفيه محمد بن عبد ال بن عبيد بن عمير وهو‬
‫متروك "مجمع الزوائد ‪ "209 /3‬ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن داود‬
‫بن المحبر‪ ،‬وهو متروك‪" .‬المطالب ‪."325 /2‬‬
‫‪ 2‬أخرجه‪ :‬الطبراني في الكبير "‪ "125 ،124 /11‬رقم "‪."1248‬‬
‫‪ 3‬ذكره الزركشي في إعلم الساجد "ص‪ "111 :‬وعزاه الطبراني في الوسط‪،‬‬
‫وذكره الهندي في كنز العمال ‪ ،54 ،53 /5‬وعزاه للبيهقي في شعب اليمان‪،‬‬
‫والخطيب في تاريخ بغداد‪.‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للزرقي ‪.8 /2‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -224-‬عطاء‪ ،‬عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن ل عز وجل في كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة تنزل‬
‫على أهل هذا البيت‪ ،‬فستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين"‪.1‬‬
‫وذكر الشيخ محب الدين الطبري أنه ل تضاد بين الرواية التي فيها أن الرحمات‬
‫تنزل على هذا البيت‪ ،‬وبين الرواية التي فيها أنها تنزل على مسجد مكة‪ ،‬لنه يجوز‬
‫جَه َ‬
‫ك‬
‫ل َو ْ‬
‫أن يريد بمسجد مكة البيت‪ ،‬ويطلق عليه مسجد بدليل قوله تعالى‪َ} :‬فَو ّ‬
‫حَرام{ ]البقرة‪ ،[144 :‬ويجوز أن يريد مسجد الجماعة وهو‬
‫جِد اْل َ‬
‫سِ‬
‫طَر اْلَم ْ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫الظهر‪ ،‬ويكون المراد بالتنزيل على البيت التنزل على أهل المسجد‪ ،‬وكذلك‬
‫قسمت الرحمات على أنواع العبادات الكائنة في المسجد‪ .‬قال‪ :‬وقوله‪" :‬فستون‬
‫للطائفين‪ "...‬إلى آخره‪ ،‬تحتمل في من تأول القسم بين كل فريقين وجهين‪:‬‬
‫الول‪ :‬قسمة الرحمات بينهم على المسمى بالتسوية ل على العمل بالنظر إلى قلته‬
‫وكثرته وضعفه‪ ،‬وما زاد على المسمى فله ثواب من غير هذا الوجه‪ ،‬ونظير هذا‬
‫الكلم‪ :‬أعطي الداخلين بيتي مائة دينار‪ ،‬فدخل واحد مرة وآخر مرارا‪ ،‬فل خلف‬
‫في تساويهما في القسم‪.‬‬
‫الوجه الثاني‪ :‬وهو الظهر قسمها بينهم على قدر العمل‪ ،‬لن الحديث ورد في سياق‬
‫الحث والتخصيص‪ ،‬وما هذا سبيله ل يستوي فيه التي بالقل والكثر‪ ،‬واستدل‬
‫المحب الطبري على ذلك بأمور معنوية ظاهرة ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬ما رويناه في "معجم الطبراني الكبير" عن ابن عباس رضي ال عنهما‬
‫ظَر رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى الكعبة‪ ،‬فقال‪ :‬ل إله إل ال ما أطيبك‬
‫قال‪َ" :‬ن َ‬
‫وأطيب ريحك وأعظم حرمتك‪ ،‬والمؤمن أعظم حرمة منك‪ ،‬إن ال جعلك حراما‪،‬‬
‫وحّرم من المؤمن ماله ودمه وعرضه‪ ،‬وأن يظن به ظنا سيئا"‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬ابن عدي في الكامل ‪ ،2620 /7‬والخطيب في تاريخ بغداد ‪،472 /2‬‬
‫والفاكهي في أخبار مكة ‪ ،99 ،89 /1‬وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ‪ 116 /3‬وابن‬
‫أبي حاتم في العلل ‪ ،287 /1‬وابن حبان في المجروحين‪ ،‬وابن الجوزي في العلل‪،‬‬
‫والزركشي في إعلم الساجد "ص‪ "111 :‬وعزاه للطبراني في الوسط‪.‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪."657 :‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -225-‬ذكر شيء من فضائل الحجر السود وما جاء في كونه من‬
‫الجنة‪:‬‬
‫روينا عن عبد ال بن عمرو بن العاص رضي ال عنهما قال‪ :‬سمعت رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس ال‬
‫طمس نورهما لضاءا ما بين المشرق والمغرب"‪ 1‬أخرجه‬
‫نورهما‪ ،‬ولول أن ُ‬
‫أحمد بن حنبل في مسنده‪ ،‬وابن حبان في صحيحه‪ ،‬والترمذي في جامعه‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫حديث غريب‪.‬‬
‫ونقل السهيلي عن الترمذي هذا الحديث إل أنه قال فيه‪" :‬إن الركن السود والركن‬
‫اليماني ياقوتتان" وذكر بقية الحديث بالمعنى‪ ،‬وما نقله السهيلي من أن في هذا‬
‫الحديث والركن اليماني غير معروف‪ ،‬والمعروف فيه‪ :‬الحجر السود والمقام‪،‬‬
‫ق َقلم‪ ،‬وقد رأيت ما نقلناه عنه في غير نسخة من تأليفه‪،‬‬
‫سَب ُ‬
‫ولعل ذلك من السهيلي َ‬
‫قال بعد ذكره لهذا الحديث‪ :‬وفي رواية غيره ولبراء من استلمهما من الخرس‬
‫والجذام والبرص‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا من حديث ابن عباس رضي ال عنهما‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬نزل الحجر السود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن‪ ،‬فسودته خطايا بني‬
‫آدم" أخرجه الترمذي وقال‪ :‬حسن صحيح ‪.2‬‬
‫وروينا عن ابن عباس رضي ال عنهما‪ -‬أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫"الحجر السود من الجنة" أخرجه النسائي ‪.3‬‬
‫وروينا عن ابن عباس رضي ال عنهما‪ -‬عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬لول‬
‫ما طبع ال من الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها لشتفي به من كل عاهة‪،‬‬
‫وللفاه كهيئته يوم خلقه ال تعالى‪ ،‬وإنما غيره بالسواد لئل ينظر أهل الدنيا إلى‬
‫زينة الجنة‪ ،‬وإنها لياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة"‪.4‬‬
‫قلت‪ :‬ذكر شيخنا بالجازة المام بدر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن الصاحب‬
‫المقرئ في كون الحجر السود من ياقوت الجنة دون غيره من جواهرها حكمة‬
‫حسنة‪ ،‬لنه قال فيما أنبأنا به‪ :‬فإن قلت ما الحكمة في كونه من ياقوتها ولم يكن من‬
‫غيره من جواهرها؟ قلت‪ :‬له سر غريب نبهت عليه في كتاب "الرموز" في كشف‬
‫أغطية الكئوس" وأنا ضنين بذلك‪ ،‬ولكن ألوح بشيء هنا من قشوره‪ ،‬وذلك أن‬
‫الشمس في الفلك الرابع المتوسط‪.‬‬
‫لو لم يكن وسط الشياء أحسنها ما اختارت الشمس من أفلكها الوسطى‬
‫وهي الممتدة لما فوقها وما تحتها من الفلك والمعدة في الفلك الرابع من النفس‪،‬‬
‫وهي الممتدة لما فوقها وتحتها ويقصرها على النار‪ ،‬ولهذا قال‪ :‬رسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬ابن حبان "‪ ،"3710‬الحاكم "‪."1679‬‬
‫‪ 2‬أخرجه الترمذي "‪ ،"877‬وأحمد "‪ ،329 ،307 /1‬والبيهقي في الشعب "‬
‫‪."4034‬‬
‫‪ 3‬أخرجه النسائي ‪ ،226 /5‬وابن خزيمة ‪ ،220 /4‬والحديث إسناده حسن‪.‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للزرقي ‪ ،323 /1‬القرى "ص‪."293 :‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -226-‬ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬المعدة بيت الداء"‪ ،1‬وما خلق ال‬
‫فيها عينا نباعة تحض معينة على الهضم والتبريد‪.‬‬
‫ومكة في الفلك المتوسط من الدنيا‪ ،‬وهي محل النار‪ ،‬وهي الممتدة للدنيا‪ ،‬قال ال‬
‫س{ ]المائدة‪ [97 :‬أي قواما لدينهم‬
‫حَراَم ِقَياًما ِللّنا ِ‬
‫ت اْل َ‬
‫ل اْلَكْعَبَة اْلَبْي َ‬
‫ل ا ُّ‬
‫جَع َ‬
‫تعالى‪َ } :‬‬
‫ودنياهم‪ ،‬وجعل الحجر من ياقوت الجنة الذي ل يبالي بالنار ويحصل منه التبريد‬
‫المعنوي والحسي‪.‬‬
‫وطالما أصلي الياقوت جمر غضا ثم انطفى الجمر والياقوت ياقوت‬
‫ثم سر آخر وهو‪ :‬أنه نقطة الدائرة الياقوتية‪ ،‬وهذه نكتة من كشف أغطية الكونين‪،‬‬
‫من أراد كشفهما فليصغ أسمعه من ذلك من الميراث النبوي ما ل يسمعه من غيري‬
‫في هذا الزمان‪ ،‬وال الموفق‪ ...‬انتهى!!‬
‫ذكر ما قيل من الحكمة في اسوداد الحجر السود بعد بياضه‪:‬‬
‫قال السهيلي بعد أن ذكر شيئا مما يتعلق بالحجر السود‪ ،‬وأشار هنا إلى الحكمة في‬
‫أنه سودته خطايا بني آدم دون غيره من حجارة الكعبة وأستارها‪ ،‬وذلك أن العهد‬
‫الذي فيه بمعنى الفطرة التي فطر الناس عليها من توحيد ال‪ ،‬فكل مولود يولد على‬
‫الفطرة‪ ،‬وعلى ذلك فلول أن أبويه يهودانه وينصرانه ويمجسانه حتى ليسود قلبه‬
‫بالشرك لما حاد من العهد‪ ،‬فقد صار قلب ابن آدم محل لذلك العهد والميثاق‪ ،‬وصار‬
‫الحجر محل لما كتب فيه من ذلك العهد والميثاق قياسا‪ ،‬فاسود من الخطايا قلب ابن‬
‫آدم بعد ما حاد عما كان ولد عليه من ذلك العهد‪ ،‬واسود الحجر بعد ابيضاضه‪،‬‬
‫وكانت الخطايا سببا في ذلك‪ ،‬حكمة من ال سبحانه‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وقال المحب الطبري‪ :‬وقد اعترض بعض الملحدة‪ ،‬فقال‪ :‬كيف يسود الحجر‬
‫خطايا أهل الشرك ول يبيضه توحيد أهل اليمان؟ فالجواب عنه من ثلثة أوجه‪:‬‬
‫الول‪ :‬ما تضمنه حديث ابن عباس رضي ال عنهما المتقدم آنفا‪ :‬أن ال عز وجل‬
‫إنما طمس نوره ليستر زينته عن الظلمة‪ ،‬وكأنه لما تغيرت صفته التي كانت‬
‫كالزينة له بالسواد كان ذلك السواد له كالحجاب المانع من الرؤية وإن رؤي جرمه‪،‬‬
‫إذا يجوز أن يطلق عليه أنه غير مرئي‪ ،‬كما يطلق على المرأة المستترة بثوب أنها‬
‫غير مرئية‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أجاب به ابن حبيب‪ ،‬فقال‪ :‬لو شاء ال لكان ذلك‪ ،‬وكما علمت أيها المعترض‬
‫من أن ال تعالى أجرى العادة بأن السواد يصبغ ول ينصبغ والبياض ينصبغ ول‬
‫يصبغ‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬وهو منقاس‪ :‬أن يقال إن بقاءه أسود وال أعلم إنما كان للعتبار ليعلم أن‬

‫الخطايا إذا أثرت في الحجر فتأثيرها بالقلوب أعظم ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬ل يصح نسبته للنبي صلى ال عليه وسلم وإن كان معناه صحيحا‪ ،‬وينسب‬
‫للحارث بن كلدة‪.‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪ :"295 :‬وتأويل مختلف الحديث لبن قتيبة "ص‪."289 :‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -227-‬ذكر ما رؤي من البياض في الحجر السود بعد اسوداده‪:‬‬
‫ذكر ابن جبير في خبر رحلته‪ :‬أن في الحجر السود نقطة بيضاء صغيرة مشرقة ‪1‬‬
‫ولم يذكر سواها‪ ،‬وكانت رحلته في سنة تسع وسبعين وخمسمائة‪.‬‬
‫وقال الفقيه سليمان بن خليل العسقلني في "منسكه" بعد ذكر الشيء يتعلق بالحجر‬
‫السود‪ :‬قلت أنا‪ :‬ولقد أدركت في الحجر السود ثلث مواضع ‪ 2‬بيض في الناحية‬
‫التي تلي باب الكعبة المعظمة‪ ،‬إحداها‪ :‬وهي أكبرهن‪ ،‬في قدر حبة الذرة الكبيرة‪.‬‬
‫والخرى‪ :‬إلى جنبها‪ ،‬وهي أصغر منها‪.‬‬
‫والثالثة‪ :‬إلى جنب الثانية‪ ،‬وهي أصغر من الثانية فإنها في قدر حبة الدخن‪.‬‬
‫ثم إني أتلمح تلك النقطة‪ ،‬فإذا هي كل وقت في نقص‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ونقل القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه" كلم ابن خليل هذا‪ ،‬وذكر أنه رأى‬
‫الحجر السود في سنة ثمان وسبعمائة وفيه نقطة بيضاء ظاهرة‪ ،‬وأنه لم يرها في‬
‫سنة ست وثلثين إل بعد جهد ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫وكنت ذاكرت بهذا المر من نحو خمس عشرة سنة بعض مشايخنا فذكر لي أن في‬
‫الحجر السود نقطة بيضاء خفية جدا‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ولم يذكر لي موضعها من الحجر‪ ،‬ولعلها النقطة الموجودة فيه الن‪ ،‬فإن في جانبه‬
‫مما يلي باب الكعبة من أعله نقطة بيضاء قدر حبة سمسمة على ما أخبرني به‬
‫ثلثة نفر يعتمد عليهم من أصحابنا الفقهاء المكيين في يوم الجمعة خامس عشر‬
‫جمادى الولى سنة ثمان عشرة وثمانمائة‪ ،‬إل أن بعضهم لم يخبرني بذلك إل في‬
‫يوم السبت ثاني تاريخه‪ ،‬وأخبرني الثلثة أنهم رأوا ذلك في يوم الجمعة المذكور‪،‬‬
‫وشكرت لهم‪ ،‬فال يثيبهم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬رحلة ابن جبير "ص‪."67 :‬‬
‫‪ 2‬هكذا وردت بالصل‪ ،‬والصواب "ثلثة مواضع"‪.‬‬
‫‪ 3‬هداية السالك ‪.59 /1‬‬
‫) ‪(1/7‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -228-‬ما جاء في شهادة الحجر السود يوم القيامة لمن استلمه بحق‪:‬‬
‫روينا في مسند الدارمي عن ابن عباس رضي ال عنهما أن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم قال‪" :‬ليبعثن ال الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به‬
‫يشهد لمن استلمه بحق"‪ .1‬وفي رواية "على من استلمه بحق"‪ .2‬أخرجه الترمذي‬

‫وابن حبان وقال‪" :‬له لسان وشفتان"‪.‬‬
‫وروينا ما يدل لذلك من حديث عبد ال بن عمرو رضي ال عنهما عن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم وروينا ذلك من حديث سلمان الفارسي رضي ال عنه موقوفا عليه‪.‬‬
‫ما جاء في تقبيل النبي صلى ال عليه وسلم للحجر السود واستلمه له‪:‬‬
‫وروينا عن عبد ال بن عمر رضي ال عنهما أنه سئل عن استلم الحجر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫رأيت رسول ال صلى ال عليه وسلم يستلمه ويقبله‪ ،‬أخرجه البخاري ‪ 3‬ومسلم ‪.4‬‬
‫ما جاء في السجود عليه‪:‬‬
‫وروينا في تقبيل النبي صلى ال عليه وسلم الحجر من حديث عمر بن الخطاب‬
‫وجابر بن عبد ال وغيرهما ما جاء في السجود ‪ -‬عليه‪.‬‬
‫وروينا في الترمذي عن ابن عباس رضي ال عنهما أن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫سجد على الحجر ‪.5‬‬
‫وروينا في سنن البيهقي عنه قال‪ :‬رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫رأيت رسول ال صلى ال عليه وسلم فعل هكذا ‪.6‬‬
‫وروينا عن ابن عباس رضي ال عنهما في "مسند المام الشافعي" أنه قبل الركن‬
‫وسجد عليه ثلث مرات ‪.7‬‬
‫وروينا ذلك أيضا عن طاوس في تاريخ الزرقي والبيهقي وغيرهما‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه الدارمي "‪ ،"1839‬أحمد ‪ ،247 /1‬والبيهقي في السنن ‪،75 /5‬‬
‫والزرقي في أخبار مكة ‪.23 /1‬‬
‫‪ 2‬أخرجه الترمذي "‪ "961‬وأحمد ‪،26 /1‬وابن حبان "‪ "37‬وابن ماجه "‪"2944‬‬
‫وأبو يعلى "‪."2711‬‬
‫‪ 3‬أخرجه البخاري ‪.379 /3‬‬
‫‪ 4‬أخرجه مسلم "الحج‪.1267 :‬‬
‫‪ 5‬أخرجه‪ :‬الترمذي "‪ "862‬وأحمد ‪ ،309 ،257 /1‬والنسائي "‪."3119 ،3918‬‬
‫‪ 6‬أخرجه البيهقي في سننه "‪ ،"74 /5‬وابن حبان "‪."3821‬‬
‫‪ 7‬مسند المام الشافعي "ص‪."126 :‬‬
‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -229-‬ولم ير المام مالك السجود على الحجر وقال‪ :‬هو بدعة‪ ،‬وخالفه‬
‫الجمهور في ذلك‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ما جاء في الكثار من استلمه‪:‬‬
‫روينا في "تاريخ الزرقي" بالسند المتقدم إليه‪ :‬قال حدثني جدي قال‪ :‬حدثنا سعيد‬
‫بن سالم‪ ،‬عن عثمان بن ساج قال‪ :‬أخبرني زهير بن محمد‪ ،‬عن منصور بن عبد‬
‫الرحمن الحجبي‪ ،‬عن أمه‪ ،‬عن عائشة رضي ال عنها أنها قالت‪ :‬قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬أكثروا استلم هذا الحجر فإنكم توشكون أن تفقدوه‪ ،‬بينما‬
‫الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا وقد فقدوه‪ ،‬إن ال تعالى ل يترك شيئا من‬
‫الجنة في الرض إل أعاده فيها قبل يوم القيامة"‪.1‬‬
‫ما جاء في مفاوضة الحجر السود‪:‬‬

‫روينا عن أبي هريرة رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"من فاوض الحجر السود فإنما يفاوض يد الرحمن" أخرجه ابن ماجه‪.‬‬
‫قال المحب الطبري‪ :‬وقوله‪ :‬فاوض أي لمس وخالط‪ ،‬من مفاوضة الشريكين‬
‫وتفويض كل منهما إلى صاحبه ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫ما جاء في أن الحجر السود يمين ال يصافح بها عباده واستجابة الدعاء عنده‪:‬‬
‫روينا في تاريخ الزرقي بالسند المتقدم إليه قال‪ :‬حدثني جدي‪ ،‬عن سعيد بن سالم‪،‬‬
‫عن عثمان بن ساج‪ ،‬عن أبي إسماعيل‪ ،‬عن عبد الملك بن عبد ال بن أبي حسين‪،‬‬
‫عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬الركن يمين ال عز وجل‪ -‬يصافح بها خلقه‪،‬‬
‫والذي نفس ابن عباس بيده ما من امريء مسلم يسأل ال تعالى عنده شيئا إل أعطاه‬
‫إياه ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫وروي هذا عن النبي صلى ال عليه وسلم لن أبي ‪ 4‬عبد القاسم بن سلم روى أن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬الحجر السود يمين ال في الرض"‪.‬‬
‫ورواه أبو طاهر المخلص في "فوائده" في الجزء الثاني من التاسع وزاد‪" :‬فمن لم‬
‫يدرك بيعة رسول ال صلى ال عليه وسلم ومسح الحجر السود بيده فقد بايع‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم"‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.343 ،342 /1‬‬
‫‪ 2‬سنن ابن ماجه "‪ "985 /2‬القرى "ص‪ ،"280 ،279 :‬وابن عدي في الكامل ‪/2‬‬
‫‪ 690‬والحديث إسناده ضعيف‪.‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للزرقي ‪.326 /1‬‬
‫‪ 4‬هكذا بالصل‪ ،‬والصواب‪" :‬لنه أبا عبيد"‪.‬‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -230-‬قال المحب الطبري‪ :‬ومعنى الحديث وال أعلم أن كل ملك إذا‬
‫ُقِدَم عليه ُقِبَلت يمينه‪ ،‬ولما كان الحاج والمعتمر أول ما يقدمان يسن لهما تقبيله نزل‬
‫منزلة يمين الملك ويده‪ ،‬ول المثل العلى‪ ،‬وكذلك من صافحه كان له عند ال عهد‪،‬‬
‫كما أن الملوك تعطي العهد بالمصافحة‪ ،‬وال أعلم ‪.1‬‬
‫أنشدني العلمة بدر الدين أحمد بن محمد بن الصاحب المصري إجازة لنفسه قوله‪:‬‬
‫للحجر السود كم لثم وساجد مرغ فيه الجباه‬
‫تزدحم الفواه في ورده كأنه ينبوغ ماء الحياة‬
‫وقوله فيما أنبأنا به‪:‬‬
‫في الحجر السود كم أودعت أسرار أنس من علوم الغيوب‬
‫تزدحم الفواه في لثمه كأنه يلفظ قوت القلوب‬
‫وقوله فيما أنبأنا به‪:‬‬
‫للحجر السود سر خفي وقد بدا للعين منه شهود‬
‫قد ضمت قلوب الورى كأنه قلب سواد الوجود‬
‫وقوله فيما أنبأنا به‪:‬‬
‫أقول وقد زوحمت عن لثم أسود من البيت إن تحجب فما السر يحجب‬

‫فإنك مني بالمحل الذي به محل سواد العين‪ ،‬أو أنت أقرب‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪ "280 :‬عزاء المحب الطبري لبي عبد القاسم بن سلم‪ ،‬وأبي‬
‫طاهر المخلص في فوائده وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن‪.‬‬
‫ذكر فضل الركن اليماني وما جاء في تقبيله ووضع الخد عليه‬
‫روينا في "سنن الدارقطني" عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪" :‬كان النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه ‪.1‬‬
‫وروينا في تاريخ البخاري عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬كان رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم إذا استلم الركن اليماني قبله ‪.2‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬سنن الدارقطني ‪ 290 /2‬والبيهقي في سننه ‪ ،76 /5‬والحاكم في المستدرك "‬
‫‪ "1675‬وصححه ووافقه الذهبي‪ ،‬وعبد ال بن هرمز‪ :‬قال عنه أبو زرعة الرازي‪:‬‬
‫ليس بالقوي‪ ،‬وقال النسائي‪ :‬ضعيف‪ .‬وقال الدارقطني‪ :‬ليس بالقوي "جامع الجرح‬
‫والتعديل‪."2325 :‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،122 /1‬وأحمد في المسند ‪.54 /1‬‬
‫) ‪(1/10‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -231-‬وروينا في تاريخ الزرقي عن مجاهد قال‪ :‬كان رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم يستلم الركن ويضع خده عليه ‪.1‬‬
‫قلت‪ :‬تقبيل النبي صلى ال عليه وسلم الركن اليماني ووضع خده عليه‪ ،‬ل يثبت‪،‬‬
‫وأما استلمه له فثابت‪.‬‬
‫ما جاء في استلم النبي للركن اليماني‪:‬‬
‫روينا في مسند أحمد بن حنبل وغيره عن ابن عمر رضي ال عنهما قال‪ :‬إن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم كان ل يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر السود‬
‫في كل طوافه‪ ،‬وكان هو يفعله‪ ،‬أخرجه أبو داود ‪ 2‬والنسائي‪.‬‬
‫وقال المحب الطبري بعد إخراجه لهذا الحديث‪ :‬وفيه دللة على استحباب التقبيل‬
‫والستلم في كل طواف‪ ،‬واستحبه بعضهم في كل وتر‪ ،‬وروي ذلك عن الشافعي‬
‫وطاوس ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وفيه دللة على استحباب التقبيل‪ ،‬يعني في الحجر السود ل في الركن‬
‫اليماني والستلم فيها‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ما جاء في المزاحمة على استلم الركن اليمان والحجر السود وأن مسحهما كفارة‬
‫للخطايا‪:‬‬
‫وروينا عن ابن عمر رضي ال عنهما أنه كان يزاحم على الركنين‪ ،‬فقيل له في‬
‫ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬إن أفعل فإني سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬إن‬
‫مسحهما كفارة للخطايا" أخرجه الترمذي ‪.4‬‬
‫وروينا عن ابن عمر رضي ال عنهما أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬مسح‬
‫الحجر السود والركن اليماني يحط الخطايا حطا" أخرجه أحمد بن حنبل وابن‬
‫حبان في صحيحه ‪.5‬‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.338 /1‬‬
‫‪ 2‬أخرجه أبو داود "‪ ،"1874‬النسائي "‪."231 /5‬‬
‫‪ 3‬القرى "ص‪."281 :‬‬
‫‪ 4‬أخرجه الترمذي ‪" ،181 /4‬كتاب الحج‪ :‬باب ما جاء في استلم الركنين"‪ ،‬وعبد‬
‫الرزاق في مصنفه ‪ ،29 /5‬والزرقي في أخبار مكة ‪ ،331 /1‬والطبراني في‬
‫الكبير ‪.390 /12‬‬
‫‪ 5‬مسند أحمد بن حنبل ‪ ،95 ،89 /3‬ابن حبان في موارد الظمآن "ص‪"247 :‬‬
‫وابن خزيمة ‪ ،227 /4‬وأخبار مكة للفاكهي ‪.127 /1‬‬
‫) ‪(1/11‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -232-‬ما جاء في عدم استحباب ذلك للنساء بحضره الرجال‪:‬‬
‫روينا عن عطاء‪ ،‬عن عائشة رضي ال عنها أنها قالت لمرأة‪" :‬ل تزاحمي على‬
‫ت‪ ،‬ول‬
‫الحجر‪ ،‬إن رأيت خلوة فاستلمي‪ ،‬وإن رأيت زحاما فكبرى وهللي إذا حاذي ِ‬
‫تؤذي أحًدا" أخرجه سعيد بن منصور‪.‬‬
‫وروينا عن عائشة بنت سعد أنها قالت‪ :‬كان أبي يقول‪ :‬إذا وجدتن فرجة من الناس‬
‫فاستلمن وإل فكبرن وامضين‪ .‬أخرجه المام الشافعي‪.‬‬
‫وفي البخاري‪ :‬عن عطاء‪ ،‬عن عائشة رضي ال عنها ما يقتضي ترك استلم‬
‫الحجر للنساء‪ ،‬وهو محمول على ما إذا حضر الرجال كما هو مقتضى الخبر الذي‬
‫رواه سعيد بن منصور في "سننه" وال أعلم‪.‬‬
‫ما جاء في إكثار النبي صلى ال عليه وسلم من استلمه واستغفار الملئكة لمن‬
‫استلمه‪:‬‬
‫روينا في تاريخ الزرقي عن عطاء قال‪ :‬قيل‪ :‬يا رسول ال‪ :‬تكثر من استلم الركن‬
‫اليماني؟ قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما أتيت عليه قط إل وجبريل عليه الصلة‬
‫والسلم قائم عنده يستغفر لمن استلمه"‪.1‬‬
‫ما جاء في تأمين الملئكة على الدعاء عنده واستجابة الدعاء عنده‪:‬‬
‫ل به‬
‫روينا عن أبي هريرة رضي ال عنه أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪ُ" :‬وّك َ‬
‫سبعون ملكا ‪-‬يعني‪ :‬الركن اليماني‪ -‬فمن قال‪ :‬اللهم إن أسألك العفو والعافية في‬
‫الدين والدنيا والخرة اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الخرة حسنة وقنا عذاب النار‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬آمين" أخرجه ابن ماجه وغيره ‪.2‬‬
‫وروينا في تاريخ الزرقي عن ابن عمر رضي ال عنهما قال‪ :‬على الركن اليماني‬
‫ملكان يؤمنان على دعاء من مر بهما‪ ،‬وإن على الحجر السود من الملئكة ما ل‬
‫يحصى ‪.3‬‬
‫وروينا فيه عن مجاهد قال‪ :‬من وضع يده على الركن اليماني ثم دعا استجيب له ‪.4‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.338 /1‬‬
‫‪ 2‬سنن ابن ماجه "‪ "2958‬بلفظ "سبعون ملكا" والديلمي في الفردوس "‪،"7332‬‬
‫وابن عدي في الكامل ‪ ،275 /4‬والفاكهي في أخبار مكة ‪.183 /1‬‬

‫‪ 3‬أخبار مكة للزرقي ‪.338 /1‬‬
‫‪ 4‬سنن ابن ماجة "‪."2957‬‬
‫) ‪(1/12‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -233-‬وسيأتي في خبر المستجار وهو عند الركن اليماني شيء من‬
‫هذا المعنى‪.‬‬
‫ما جاء في أن الركن اليماني باب من أبواب الجنة‪:‬‬
‫ي َأْدِنِني من‬
‫روينا في تاريخ الزرقي عن عبد ال بن الزبير‪ ،‬عن أبيه قال‪ :‬يا بن ّ‬
‫الركن اليماني‪ ،‬فإنه كان يقال‪ :‬إنه باب من أبواب الجنة ‪.1‬‬
‫وروينا نحوه عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب‪.‬‬
‫وذكر السهيلي شيئا من سبب تسمية الركن اليماني بالركن اليماني‪ ،‬لنه قال‪ :‬وأما‬
‫الركن اليماني فسمي باليماني فيما ذكر القتبي‪ ،‬لن رجل من اليمن بناه اسمه أبي‬
‫بن سالم وأنشد‪:‬‬
‫ي بن سالم ‪3‬‬
‫لنا الركن اليماني ‪ 2‬من البيت الحرام وراثة بقية ما أبقى ُأَب ّ‬
‫‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪ ،338 /1‬وسنن ابن ماجه "‪."2887‬‬
‫‪" 2‬اليماني" ليست في الروض النف ‪.224 /1‬‬
‫‪ 3‬الروض النف ‪.224 /1‬‬
‫) ‪(1/13‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -234-‬الباب الثاني عشر‪:‬‬
‫ذكر ما ورد في ثواب الطواف عموما من غير تقييد بزمن‪:‬‬
‫أخبرني ابن أبي المجد الخطيب‪ ،‬عن الدشتي قال‪ :‬أخبرنا ابن خليل الحافظ قال‪:‬‬
‫أنبأنا الداراني قال‪ :‬أنبأنا الحداد‪ ،‬قال‪ :‬أنبأنا أبو نعيم الحافظ قال‪ :‬أنبأنا ابن فارس‬
‫قال‪ :‬أنبأنا يونس بن حبيب قال‪ :‬أخبرنا أبو داود الطيالسي قال‪ :‬حدثنا همام‪ ،‬عن‬
‫عطاء بن السائب‪ ،‬عن عبد ال بن عبيد بن عمير‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن ابن عمر رضي‬
‫ال عنهما قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬من طاف بهذا البيت‬
‫سبعا يحصيه كتب له بكل خطوة حسنة‪ ،‬ومحيت عنه سيئة‪ ،‬ورفعت له درجة‪،‬‬
‫وكان له عدل رقبة" أخرجه الترمذي وحسنه ‪.1‬‬
‫وأخرج النسائي بعضه‪ ،‬ولفظه‪" :‬من طاف بالبيت سبعا فهو كعدل رقبة"‪ 2‬وكذلك‬
‫أخرجه ابن ماجه‪ ،‬إل أنه قال‪" :‬من طاف بالبيت وصلى ركعتين"‪ 3‬وفي بعض‬

‫طرق الحديث‪" :‬خلف المقام"‪ .‬ومعنى يحصيه‪ :‬أي يتحفظ فيه لئل يغلط‪ ،‬قاله ابن‬
‫وضاح وغيره‪.‬‬
‫وروينا في صحيح ابن حبان وغيره عن أنس بن مالك رضي ال عنه قال‪ :‬كنت‬
‫أمشي مع رسول ال صلى ال عليه وسلم في مسجد الخيف‪ ،‬فأتاه رجل من‬
‫النصار ورجل من ثقيف فسلما عليه‪ ،‬ودعوا له دعاء حسنا‪ ،‬ثم قال‪ :‬جئناك يا‬
‫رسول ال نسألك‪ ...‬الحديث بطوله‪ ،‬وفيه‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‬
‫للنصاري‪" :‬وأما طوافك بالبيت‪ :‬فإنك ل تضع قدما ول‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه الترمذي "‪ 292 /2‬استلم الركنين‪ ،‬والبيهقي في الشعب "‪."4041‬‬
‫‪ 2‬أخرجه النسائي "‪."21 /5‬‬
‫‪ 3‬أخرجه ابن ماجه "‪."2956‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -235-‬ترفعها إل كتب ال تعالى لك بها حسنة‪ ،‬ومحا بها عنك خطيئة‪،‬‬
‫ورفعك بها درجة‪ ،‬وأما ركعتيك ‪ 1‬بعد الطواف فكعتق رقبة‪ .‬وأما طوافك بالبيت‬
‫بعد ذلك يعني الحج‪ :‬فإنك تطوف ول ذنب عليك"‪.2‬‬
‫وأنبأني أبو بكر بن محمد بن عبد الرحمن المزي ابن أخي الحافظ أبي الحجاج‬
‫المزي‪ ،‬أن أحمد بن أبي طالب الصالحي الحجار أخبره سماعا‪ ،‬وأخبرني المفتي‬
‫أبو بكر بن الحسين الشافعي سماعا بطيبة‪ ،‬عن أحمد بن أبي طالب إذنا قال‪ :‬أنبأنا‬
‫أحمد بن يعقوب المارستاني قال‪ :‬قال أنبأنا ابن النحاس‪ ،‬عن أبي القاسم بن التسري‬
‫قال‪ :‬أنبأنا ابن النحاس‪ ،‬عن أبي القاسم بن التسري قال‪ :‬أنبأنا أبو طاهر قال‪ :‬حدثنا‬
‫يحيى هو ابن صاعد قال‪ :‬حدثنا سفيان بن وكيع قال‪ :‬حدثنا ابن يحيى بن يمان‪ ،‬عن‬
‫شريك‪ ،‬عن أبي إسحاق‪ ،‬عن عبد ال بن سعيد بن جبير‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن ابن عباس‬
‫رضي ال عنهما قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من طاف بالبيت‬
‫خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" أخرجه الترمذي عن سفيان بن وكيع‬
‫فوقع لنا موافقة له عليه‪ ،‬وقال‪ :‬حسن غريب ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫والمراد بالخمسين مرة‪ :‬خمسون أسبوعا‪ ،‬لنا روينا عن ابن عباس رضي ال‬
‫عنهما قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من طاف بالبيت خمسين أسبوعا‬
‫خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وهذه الرواية في معجم الطبراني‪ ،‬وساقها عنه‬
‫المحب الطبري بسنده‪ ،‬وعزا ذلك أيضا لمصنف عبد الرزاق وقال‪ :‬قال أهل العلم‪:‬‬
‫وليس المراد أن يأتي بها متوالية في آن واحد‪ ،‬وإنما المراد أن يوجد في صحيفة‬
‫حسناته ولو في عمره كله ‪ ...4‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر المحب الطبري أن بعض أهل العلم ذكر أن لعدد الطواف سبع مراتب‪:‬‬
‫الول‪ :‬خمسون أسبوعا في اليوم والليلة‪ ،‬للحديث المتقدم‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬إحدى وعشرون‪ ،‬فقد قيل‪ :‬سبعة أسابيع بعمرة‪ ،‬ورود ثلث عمر بحجة‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أربعة عشر‪ ،‬فقد ورد عمرتان بحجة‪ ،‬وهذا في غير عمرة رمضان‪ ،‬لن‬
‫العمرة فيه كحجة‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬اثنا عشر أسبوعا‪ ،‬خمسة بالنهار‪ ،‬وسبعة بالليل كما تقدم من فعل آدم عليه‬

‫السلم‪ ،‬وفعل ابن عمر رضي ال عنهما‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬سبعة أسابيع‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬كذا في الصل‪ ،‬والصحيح‪" :‬ركعتاك"‪.‬‬
‫‪ 2‬وأخرجه الزرقي ‪ ،5 /2‬والصبهاني في الترغيب "‪ ،"1036 ،1060‬وسنده‬
‫قوي‪.‬‬
‫‪ 3‬سنن الترمذي ‪ ،219 /3‬ورسالة الحسن البصري‪.‬‬
‫‪ 4‬القرى "ص‪."324 :‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -236-‬السادس‪ :‬ثلثة أسابيع‪.‬‬
‫السابع‪ :‬أسبوع واحد‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫نقل هذا عن المحب الطبري‪ :‬القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه"‪ ،‬وهذا‬
‫لفظه بحروفه ‪.1‬‬
‫والحاديث الواردة في فضل الطواف أكثر من هذا‪ ،‬وإنما اقتصرنا على هذه‬
‫الحاديث الثلثة‪ ،‬لنها أجود إسنادا من غيرها‪ ،‬وفي "أخبار مكة " للزرقي‪،‬‬
‫وأخبارها للفاكهي‪ ،‬وفضائلها للجندي‪ ،‬ورسالة الحسن البصري‪ ،‬جمل كثيرة من‬
‫فضائل الطواف‪ ،‬وقد ذكرنا بعض ذلك في أصل هذا الكتاب وفيما ذكرناه هنا‬
‫كفاية‪.‬‬
‫ما جاء في فضل الطواف في الحر‪:‬‬
‫روينا في "أخبار مكة" للجندي عن ابن عباس رضي ال عنهما عن رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬من طاف حول البيت سبعا في يوم صائف شديد حره‪،‬‬
‫وحسر على رأسه‪ ،‬وقارب بين خطاه‪ ،‬وقل التفاته‪ ،‬وغض بصره‪ ،‬وقل كلمه إل‬
‫بذكر ال تعالى‪ ،‬واستلم الحجر في كل طواف من غير أن يؤذي أحدا‪ ،‬كتب ال له‬
‫بكل قدم يرفعها ويضعها سبعين ألف حسنة‪ ،‬ويعتق عنه سبعين رقبة‪ ،‬ثمن كل رقبة‬
‫عشرة آلف‪ ،‬ويعطيه ال سبعين ألف شفاعة إن شاء في أهل بيته من المسلمين‪،‬‬
‫وإن شاء في العامة‪ ،‬وإن شاء عجلت له في الدنيا‪ ،‬وإن شاء أخرت له في الخرة"‬
‫هذا حديث ضعيف السناد جّدا ‪.2‬‬
‫ما جاء في الطواف في المطر‪:‬‬
‫أخبرني ابن الذهبي قال‪ :‬أنبأني المطعم حضورا وإجازة‪ ،‬قال‪ :‬أنبأنا ابن الّلّتي قال‪:‬‬
‫أنبأنا أبو الوقت قال‪ :‬أخبرتنا ُلبنى قالت‪ :‬أنبأنا ابن أبي شريح قال‪ :‬حدثنا يحيى هو‬
‫ابن صاعد قال حدثنا عبد ال بن عمر أن العايدي قال‪ :‬حدثنا داود بن عجلن‪ ،‬عن‬
‫أبي عقل قال‪ :‬طفت مع أنس بن مالك رضي ال عنه في يوم مطير‪ ،‬فقال أنس‬
‫رضي ال عنه‪ :‬طفت مع النبي صلى ال عليه وسلم في يوم مطير‪ ،‬فقال‪" :‬ائتنفوا ‪3‬‬
‫للعمل فقد ُكِفيُتم ما مضى" أخرجه ابن ماجه‪ ،‬وأخرجه الزرقي عن جده‪ ،‬وابن أبي‬
‫عمر عن داود‪ .‬فوقع لنا بدل له عاليا بدرجتين‪ ،‬وهو حديث ضعيف السناد جدا‪،‬‬
‫لمكان أبي عقال وهو هلل بن يزيد ‪.4‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ 1‬هداية المسالك ‪ ،56 /1‬القرى "ص‪."323 :‬‬
‫‪ 2‬أخرجه الصبهاني في الترغيب "‪ "1041‬وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن‬
‫بتحقيقنا "ص‪ ،"284 :‬وأخبار مكة للزرقي ‪.4 /2‬‬
‫‪ 3‬في أخبار مكة للزرقي ‪" ،21 /2‬استأنفوا"‪.‬‬
‫‪ 4‬سنن ابن ماجه ‪ ،1041 /2‬وأخبار مكة للزرقي ‪.21 /2‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -237-‬ما جاء في الطواف إذا وقع بعد صلة الصبح أو العصر‬
‫وانقضى مع طلوع الشمس أو غروبها‪:‬‬
‫روينا في تاريخ الزرقي بالسند المتقدم إليه قال‪ :‬حدثني جدي‪ ،‬عن عبد الرحمن بن‬
‫زيد العمي عن أبيه‪ ،‬عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب قال‪ :‬قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬طوافان ل يوافقهما عبد مسلم إل خرج من ذنوبه كيوم ولدته‬
‫أمه‪ ،‬فيغفر له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت‪ :‬طواف بعد صلة الصبح وفراغه مع‬
‫طلوع الشمس‪ ،‬وطواف بعد صلة العصر وفراغه مع غروب الشمس"‪.1‬‬
‫قال المحب الطبري بعد إخراجه لهذا الحديث‪ :‬ويحتمل أن يريد بالبعدية ما بعد‬
‫الطلوع والغروب ولو بلحطة لتسع أسبوعا‪ ،‬ويحتمل أن يريد استيعاب الزمنين‬
‫بالعبادة ولعله الظهر‪ ،‬وإل لقال طواف قبل الطلوع وقبل الغروب‪ ،‬وعلى هذا‬
‫فيكون حجة‪ ،‬على من كرهه في الوقتين ‪ ...2‬انتهى‪.‬‬
‫وقال المحب الطبري لما ترجم على هذا الحديث‪" :‬ما جاء في فضل الطواف عند‬
‫طلوع الشمس وغروبها"‪ ،‬وهكذا ترجم عليه الزرقي‪" :‬ما جاء في تفضيل‬
‫الطواف على الصلة"‪.‬‬
‫قال الفاكهي‪ :‬حدثنا محمد بن نصر المصري قال‪ :‬حدثنا أيوب بن سويد الرملي‬
‫قال‪ :‬حدثنا محمد بن جابر‪ ،‬عن عبد ال بن عمر رضي ال عنهما قال‪ :‬كان أحب‬
‫العمال إلى النبي صلى ال عليه وسلم إذا قدم مكة الطواف بالبيت ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫وروينا عن النبي صلى ال عليه وسلم حديثا يدل على تفضيل الطواف على الصلة‬
‫ولكن الحديث ل تقوم به حجة لضعف إسناده‪ ،‬فإن فيه يوسف بن السفر وهو‬
‫متروك ‪.4‬‬
‫وقد تقدم هذا الحديث في الباب الحادي عشر‪ ،‬وهو حديث ابن عباس رضي ال‬
‫عنهما قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن ل عز وجل في كل يوم وليلة‬
‫عشرين ومائة رحمة تنزل على أهل البيت‪ ،‬فستون للطائفين‪ ،‬وأربعون للمصلين‪،‬‬
‫وعشرون للناظرين"‪.5‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،253 /1‬والزرقي ‪ ،22 /2‬والحديث إسناده ضعيف جدا‪،‬‬
‫وفيه عبد الرحيم بن زيد العمي‪ ،‬وهو متروك الحديث‪ ،‬والقرى "ص‪"33 :‬‬
‫والجامع الزهر للمناوي ‪ 11 /2‬وعزاه للطبراني في الكبير‪.‬‬
‫‪ 2‬القرى "ص‪."330 :‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للفاكهي ‪ ،238 /2‬والحديث ذكره المحب الطبري في القرى "ص‪:‬‬
‫‪ "323‬وعزاه لبي ذر‪ ،‬وكذلك في هداية المسالك ‪.55 /1‬‬

‫‪ 4‬الجرح والتعديل ‪.223 /9‬‬
‫‪ 5‬أخبار مكة للزرقي ‪.8 /2‬‬
‫) ‪(1/5‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -238-‬وقد استدل به على تفضيل الطواف على الصلة‪ :‬الماوردي‪،‬‬
‫وسليمان بن خليل‪.‬‬
‫وقال المحب الطبري لما تكلم على هذا الحديث بعد أن ذكر كيفية قسمة الرحمات‬
‫بين كل فريق‪ :‬إذا تقرر ذلك‪ ،‬فالتفضيل في الرحمات بين المتعبدين بأنواع العبادات‬
‫الثلث أدل دليل على أفضلية الطواف على الصلة‪ ،‬والصلة على النظر إذا‬
‫تساووا في الوصف‪ ،‬هذا هو المتبادر إلى الفهم عند سماع ذلك فيختص به ‪.1‬‬
‫ومما ورد من الحاديث المتقدمة في ذكر فضل الطواف عموم قوله صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬واعلموا أن خير أعمالكم الصلة"‪" ،‬الصلة خير موضوع"‪ .‬أو يقول‪:‬‬
‫الطواف نوع من الصلة بشهادة ما تقدم من الحاديث في أركان الشروط‪ ،‬فيكون‬
‫داخل في عموم حديث تفضيل الضلة على سائر أعمال البدن‪ ،‬ول ينكر أن بعض‬
‫الصلة أفضل من بعض‪ ،‬وأورد على ذلك سؤال وأجاب عنه‪ ،‬ثم قال‪ :‬ووجه‬
‫تفضيل هذا النوع من الصلة وهو الطواف على غيره من النواع‪ :‬ثبوت الخصية‬
‫له بمتعلق الثلثة‪ ،‬وهو البيت الحرام ول خفاء بذلك‪ ،‬ولذلك بدأ في الذكر هنا وفي‬
‫ن{ في اليتين‪ ،‬ولما كانت الصلة على تنويعها لم‬
‫طاِئِفي َ‬
‫ي ِلل ّ‬
‫طّهْر َبْيِت َ‬
‫قوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫تشرع إل عبادة‪ ،‬والنظر قد يكون عبادة إذا قصد التعبد به‪ ،‬وقد ل يكون‪ ،‬وذلك إذا‬
‫لم يقترن به قصد التعبد به تأخر في المرتبة‪.‬‬
‫وقولنا‪ :‬إذا تساووا في الوصف يحترز مما إذا اختلف وصف المتعبدين‪ ،‬فكان‬
‫الطائف ساهيا غافل‪ ،‬والمصلي والناظر خاشعا يعبد ال كأنه يراه‪ ،‬أو كأن ال‬
‫يراه‪ ،‬كان المتصف بذلك أفضل من غير المتصف به‪ ،‬إذ ذلك الوصف ل يعد له‬
‫ضيُع‬
‫عمل جارحة خاليا منه وهو المشار إليه ‪-‬وال أعلم‪ -‬في قوله تعالى‪ِ} :‬إّنا ل ُن ِ‬
‫ل{ ]العراف‪ .[170 :‬وسئل صلى ال عليه وسلم عن الحسان‬
‫عَم ً‬
‫ن َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫ن َأ ْ‬
‫جَر َم ْ‬
‫َأ ْ‬
‫فقال‪" :‬أن تعبد ال كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"‪ ،‬وكثير من العلماء يذهب‬
‫في توجيه اختلف القسم بين الطائفين‪ ،‬والمصلين‪ ،‬والناظرين‪ :‬بأن الرحمات المائة‬
‫والعشرين قسمت ستة أجزاء‪ ،‬فجعل جزء للناظرين‪ ،‬وجزآن للمصلين‪ ،‬لن‬
‫المصلي ناظر في الغالب‪ ،‬فجزء للنظر‪ ،‬وجزء للصلة‪ ،‬والطائف لما اشتمل على‬
‫المعاني الثلثة‪ ،‬كان له ثلثة أجزاء‪ :‬جزء للنظر‪ ،‬وجزء الصلة وجزء للطواف‪،‬‬
‫وهذا القائل ل يثبت للطواف أفضلية على الصلة وإنما يثبت بقوله‪" :‬كثرة‬
‫الرحمات له"! بسبب اشتماله على الصلة وما ذكرناه أولى‪ ،‬وفيما ذكره نظر‪ ،‬فإن‬
‫الطائف العمى‪ ،‬وكذلك المصلي ينالهما ما يثبت للطائف والمصلي‪ ،‬وإن لم ينظرا‪،‬‬
‫وكذا المتعمد ترك النظر فيها ل ينتقص قسمه بسبب ذلك‪ ،‬فدل ذلك على أن المراد‬
‫صلة غير ركعتي الطواف‪ .‬فإن كثرة الطواف منسوبة إليه إما وجوبا أو ندبا‪ ،‬فهي‬
‫منه‪ .‬وأما النظر فيه‪ :‬فإن لم يقترن بقصد التعبد فل أثر له‪ ،‬وإن قصد به التعبد‪،‬‬
‫فالظاهر أنه‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."326 :‬‬
‫) ‪(1/6‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -239-‬ينال به أجر الناظر زائدا على أجر الطواف‪ ،‬وال أعلم‪ ...‬انتهى‬
‫كلم المحب الطبري ‪ 1‬وهو كلم نفيس متجه شاف في هذه المسألة‪.‬‬
‫وفرق فيها بعض العلماء بين الغرباء وأهل مكة فقال‪ :‬إن الطواف للغرباء أفضل‪،‬‬
‫لعدم تأتيه لهم كل وقت‪ ،‬والصلة لهل مكة أفضل لتمكنهم من المرين‪ ،‬وهو‬
‫مذهب مالك وأبي حنيفة وغير واحد من العلماء وال أعلم‪.‬‬
‫ما جاء في تفضيل الطواف على العمرة‪:‬‬
‫روينا بالسند المتقدم إلى الزرقي قال‪ :‬حدثنا جدي‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا الزنجي‪ ،‬عن ابن‬
‫جريج قال‪ :‬أخبرني قدامة بن موسى بن قدامة بن مظعون قال‪ :‬إن أنس بن مالك‬
‫رضي ال عنه قدم المدينة‪ ،‬فركب إليه عمر بن عبد العزيز‪ ،‬فسأله عن الطواف‬
‫للغرباء أفضل أم العمرة؟ فقال‪ :‬بل الطواف ‪.2‬‬
‫قال المحب الطبري بعد إخراجه لهذا الحديث ومراد أنس وال أعلم أن تكرار‬
‫الطواف أفضل من العمرة‪ ،‬ول يريد به طواف أسبوع واحد‪ ،‬فإنه موجود في‬
‫العمرة‪ .‬وقد ذهب قوم من أهل عصرنا إلى تفضيل العمرة عليه‪ ،‬ويرون الشتغال‬
‫بها أفضل من تكراره والشتغال به‪ ،‬ويستفرغون وسعهم فيها بحيث ل يبقى في‬
‫أحدهم من يستعين بها على الطواف‪ ،‬وذلك خطأ ظاهر‪ ،‬وأول دليل على خطئه‪:‬‬
‫مخالفة السلف الصالح في ذلك قول وفعل‪ ،‬إذ لم ينقل تكرارها والكثار منها عن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم ول عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين‪،‬‬
‫واستدل على ذلك المحب الطبري ثم قال‪ :‬وقد أفردنا الكلم في هذه المسألة تأليفا‪،‬‬
‫وبسطنا القول فيه على أن ل يدعى كراهة تكرارها بل يقول‪ :‬إنها عبادة كثيرة‬
‫الفضل‪ ،‬عظيمة الخطر‪ ،‬لكن الشتغال بتكرار الطواف في مثل مدتها أفضل من‬
‫الشتغال بها ‪ ،3‬وال أعلم‪ ...‬انتهى كلم المحب الطبري‪ .‬وتأليفه المشار إليه هو‬
‫المسمى‪" :‬عواطف النصرة في تفضيل الطواف على العمرة"‪.‬‬
‫وقال القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه" بعد أن ذكر كلم المحب الطبري‬
‫هذا‪ :‬وهو حسن‪ ،‬ثم قال‪ :‬وكيف يكون حال من يجعل نفسه قصيا متعبدا لينال‬
‫فضيلة القصد والزيارة‪ ،‬أفضل من حال من هو بالحضرة مشاهد مقيم يتردد حول‬
‫المقصود والمزار بخطوات ترفع الدرجات‪ ،‬وتكسب الحسنات‪ ،‬وتمحو الوزار؟‬
‫ولهذا كان رأي السلف الصالح تعهد العمرة دون الشتغال بها عن الطواف بحيث‬
‫ل تصير مهجورة‪ ،‬وال أعلم‪.‬والخير في اتباعهم‪ ...‬انتهى كلم ابن جماعة ‪.4‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."328 :327 :‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.3 /2‬‬
‫‪ 3‬القرى "ص‪."336-334 :‬‬
‫‪ 4‬هداية السالك "‪.927 /2‬‬
‫) ‪(1/7‬‬

‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -240-‬وقد أخبرني عنه خالي سماعا‪ ،‬وقد جنح إلى ذلك أيضا على ما‬
‫بلغني بعض العلماء المعاصرين لبن جماعة وهو العلمة شمس الدين أبو أمامة‬
‫محمد بن علي المعروف بابن النقاش الشافعي‪ ،‬وألفيت بخط بعض أصحابنا أن‬
‫لبي أمامة بن النقاش هذا تأليفا جليل في المنع في العمرة من مكة لمن هو مقيم‬
‫بها‪ ...‬انتهى‪ .‬وأستبعد أن يكون لبي أمامة تأليف في منع المقيم بمكة من العمرة‪،‬‬
‫فإنه ل وجه لذلك‪ ،‬ولعل تأليفه في عدم استحباب تكرار العمرة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وللمام الكبير تقي الدين ابن تيمية كلم يقتضي عدم استحباب تكرار العمرة من‬
‫مكة وإنكاره؛ لنه قال‪ :‬ولم يكن على عهد النبي صلى ال عليه وسلم وخلفائه‬
‫الراشدين أحد يخرج من مكة ليعتمر إل لعذر‪ ،‬ل في رمضان‪ ،‬ول في غير‬
‫رمضان والذين حجوا مع النبي صلى ال عليه وسلم ليس فيهم من اعتمر بعد الحج‬
‫إل عائشة رضي ال عنها ول كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وخالف في ذلك من أهل عصره على ما بلغني خطيب دمشق‪ :‬جمال الدين محمود‬
‫بن جملة الشافعي‪ ،‬والشيخ العلمة الولي العارف عبد ال اليافعي‪ ،‬وصنف في ذلك‬
‫كتابا سماه‪ :‬الدرة المستحسنة في تكرار العمرة في السنة"‪.‬‬
‫وسئل شيخنا شيخ السلم سراج الدين البلقيني عن العمرة والطواف أيهما أفضل؟‬
‫وما الذي يفتي به في ذلك؟ فقال‪ :‬والمفتى به في ذلك‪ :‬أن تكرار العمرة أفضل ول‬
‫سيما في رمضان انتهى‪.‬‬
‫وكذلك قال تلميذه العلمة زين الدين الفارسكوري‪ ،‬وصنف في ذلك كتابا سماه‬
‫"النصاف في تفضيل العمرة على الطواف"‪.‬‬
‫وسمعت بعض مشايخنا يحكي عن بعض العلماء أن المعتمر يمتاز عن الطائف‬
‫بأمرين‪ :‬أحدهما‪ :‬الدخول في دعوة النبي صلى ال عليه وسلم بالرحمة للمحلقين‬
‫والمقصرين‪.‬‬
‫والخر‪ :‬دعوته صلى ال عليه وسلم للحاج والمعتمر بزيادة التشريف والتكريم‬
‫والتعظيم والبر‪.‬‬
‫هذا معنى ما سمعته من مشايخنا‪ ،‬وهو كلم متجه‪ ،‬لنه كلما اعتمر فاز بذلك‪،‬‬
‫ويعظم الفوز بذلك بتكراره‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ولعل محل الخلف فيما إذا اشتغل إنسان بالعمرة حتى فرغ منها‪ ،‬وآخر بالطواف‬
‫مدة اشتغال المعتمر بالعمرة‪ ،‬وليس في محل الخلف الشتغال عن الطواف‬
‫بالعمرة في جميع الزمن أو أكثره بأن يكرر الخروج للتنعيم للعمرة في اليوم الواحد‬
‫أو الليلة فل يبقى فيه بعد ترويح بدنه للطواف إل نشاط قليل‪ ،‬ول سيما إن كرر ذلك‬
‫في اليام والليالي كما يصنع كثير من الناس في شهر رمضان‪ ،‬حتى أن بعضهم‬
‫يخرج إلى التنعيم للعمرة في اليوم الواحد ثلث مرات‪ ،‬ويحكى عن بعضهم أكثر‬
‫من ذلك‪ ،‬وكل هذا ل‬
‫) ‪(1/8‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -241-‬يعرف مثله عن السلف المقتدى بهم فهذا سيد الولين والخرين‬
‫صلى ال عليه وسلم وأصحابه رضي ال عنهم أقاموا بمكة بعد أن فتح ال عليهم‪،‬‬
‫بضع عشرة ليلة‪ ،‬أولها العشر الخير من رمضان‪ ،‬فما نقل أخباري عنه صلى ال‬

‫عليه وسلم ول عن أحد من أصحابه أنه خرج في هذه المدة إلى التنعيم للعتمار‪،‬‬
‫ولو وقع ذلك لنقل كما نقل غيره من أفعالهم‪ ،‬ولم ينقل عمن كان بمكة بعد النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم من الصحابة والتابعين تكرار الخروج في اليوم الواحد إلى‬
‫التنعيم‪ ،‬ول الخروج إليه للعمرة في كل يوم إل ما يروى عن علي وابن عمر‬
‫رضي ال عنهم أنهما كانا يعتمران في كل يوم‪ ،‬وهذا عنهما في بعض كتب الفقه‬
‫فيما ذكره القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه الكبير" قال‪ :‬وليس لذلك أصل‬
‫في كتب الحديث ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫والذي صح عن بعض الصحابة والتابعين رضي ال عنهم‪ :‬الخروج إلى التنعيم‬
‫للعمرة من غير تكرار‪ ،‬فالقتصار على فعل مثل ما نقل عنهم أولى‪ ،‬لنهم أعرف‬
‫الناس بأفضل العبادات‪ ،‬وأشدهم حرصا على فعل أفضلها‪ ،‬وال أعلم بالصواب‪.‬‬
‫ما جاء في فضل الطائفين‪:‬‬
‫أخبرني ابن الذهبي بقراءتي عليه قال‪ :‬أنبأنا المين بن النحاس حضورا إجازة قال‪:‬‬
‫أنبأنا الساوي قال‪ :‬أنبأنا السلفي قال‪ :‬أنبأنا العلف قال‪ :‬أنبأنا ابن بشر قال‪ :‬أنبأنا‬
‫الجري قال‪ :‬حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني قال‪ :‬حدثنا يحيى بن أيوب‬
‫العابد قال‪ :‬حدثنا محمد بن صبيح بن السماك‪ ،‬عن عائذ بن بشير‪ ،‬عن عطاء قال‪:‬‬
‫قالت عائشة رضي ال عنها‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن ال تعالى‬
‫يباهي بالطائفين"‪.2‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي ال عنه أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬أكرم سكان‬
‫السماء على ال تعالى‪ :‬الذين يطوفون حول عرشه‪ ،‬وأكرم سكان الرض الذين‬
‫يطوفون حول بيته" ذكر هذا الحديث هكذا سليمان بن خليل في "منسكه"‪ ،‬ورويناه‬
‫في "رسالة الحسن البصري عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وروينا فيها من قول‬
‫الحسن‪ :‬وإن ال عز وجل ليباهي بالطائفين ملئكته‪ ،‬ولو أن الملئكة صافحت أحدا‬
‫لصافحت الطائفين حول بيت ال ‪ ...3‬انتهى باختصار‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬هداية السالك ‪.927 /2‬‬
‫‪ 2‬أخرجه‪ :‬أبو يعلى "‪ ،"4589‬والبيهقي في الشعب "‪ "4097‬وابن عدي في‬
‫الكامل "‪ ،"2992 /2‬والصبهاني في الترغيب "‪ ،"1062‬وأخبار مكة للفاكهي ‪/1‬‬
‫‪ ،194‬وذكره السيوطي في الجامع الكبير ‪ ،182 /1‬وعزاه لبي نعيم في الحلية‪.‬‬
‫‪ 3‬هداية السالك ‪.53 /1‬‬
‫) ‪(1/9‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -242-‬قلت‪ :‬إذا كان الطائف بهذه المزية‪ ،‬فينبغي له إخلص النية‪،‬‬
‫وحفظ اللسان عما يؤدي إلى النقصان‪ ،‬وما أحسن قول الشيخ محب الدين الطبري‪:‬‬
‫واعلم أن التحدث في الطواف على غير النحو المتقدم في الفصل قبله خطأ كبير‬
‫وغفلة عظيمة‪ ،‬ومن لبس ذلك فقد لبس ما يمقت عليه‪ ،‬خصوصا أنه صدر ممن‬
‫ينسب إلى العلم والدين فإنه إذا أنكر على من دونه واحتج به فصار فتنة لكل‬
‫مفتون‪ ،‬ومن أمر محادثة المخلوق في أمر الدنيا‪ ،‬والقبال عليه‪ ،‬والصغاء لحديثه‬
‫على ذكر خالقه‪ ،‬والقبال عليه وعلى ما هو متلبس به عبادته‪ ،‬فهو عين الرأي‪،‬‬

‫لن طوافه بجسده‪ ،‬وقلبه له ساه‪ ،‬وقد غلب الخوض فيما ل يعنيه حتى استرسل في‬
‫عبادته‪ ،‬كذلك فهو إلى الخسران أقرب منه إلى الربح‪ ،‬ومثل هذا خليق بأن يشكوه‬
‫إلى ال عز وجل وإلى جبريل عليه السلم ولعل الملئكة تتأذى به‪ ،‬وكثير من‬
‫الطائفين يتبرءون منه‪ ،‬فعلى الطائف أن يبذل جهده في مجانبة ذلك ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وقال سليمان بن خليل‪ :‬وليحذر أن يكون ممن وصفه بعض العلماء العاملين فقال‪:‬‬
‫يا من يطوف ببيت ال بالجسد والجسم في بلد والروح في بلد!‬
‫ماذا فعلت وماذا أنت فاعله؟ بهرج في اللقا للواحد الصمد‬
‫إن الطواف بل قلب ول بصر على الحقيقة ل يشفي من الكمد‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬القرى "ص‪."325 ،324 :‬‬
‫ذكر بدء الطواف بهذا البيت العظيم وما ورد من طواف الملئكة‪:‬‬
‫روينا في تاريخ الزرقي أن بعض أهل الشام سأل بمكة زين العابدين علي بن‬
‫الحسين بن علي بن أبي طالب عن بدء الطواف بهذا البيت‪ ،‬فقال له علي بن‬
‫ل ِفي‬
‫عٌ‬
‫جا ِ‬
‫الحسين‪ :‬أما بدء الطواف بهذا البيت‪ :‬فإن ال تعالى قال للملئكة‪ِ} :‬إّني َ‬
‫خِليَفًة{ ]البقرة‪.[30 :‬‬
‫ض َ‬
‫لْر ِ‬
‫ا َْ‬
‫قالت الملئكة‪ :‬يا رب‪ ،‬أخليفة من غيرنا ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ويتحاسدون‬
‫ويتباغضون ويتنازعون؟ أي رب اجعل ذلك الخليفة منا‪ ،‬فنحن ل نفسد فيها‪ ،‬ول‬
‫نسفك الدماء‪ ،‬ول نتحاسد ول نتباغض ‪ 1‬ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك‪ ،‬ونطيعك‬
‫ن{ ]البقرة‪ [30 :‬قال‪ :‬فظنت‬
‫عَلُم َما ل َتْعَلُمو َ‬
‫ول نعصيك‪ .‬قال ال تعالى‪ِ} :‬إّني َأ ْ‬
‫الملئكة إنما قالوا رّدا على ربهم عز وجل وأنه قد غضب من قولهم‪ ،‬فلذوا‬
‫بالعرش‪ ،‬ورفعوا رءوسهم‪ ،‬وأشاروا بالصابع يتضرعون ويبكون إشفاقا لغضبه‪،‬‬
‫وطافوا بالعرش ثلث ساعات‪ ،‬فنظر‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬في أخبار مكة للزرقي قدم "تباغض" على تحاسد وزاد "ول نتباغى"‪.‬‬
‫) ‪(1/10‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -243-‬ال إليهم‪ ،‬فنزلت الرحمة عليهم‪ ،‬فوضع ال تعالى تحت العرش‬
‫بيتا على أربع أساطين من زبرجد‪ ،‬وكساهن بياقوتة حمراء‪ ،‬وسمى البيت‬
‫الضراح‪ ،‬ثم قال ال عز وجل للملئكة‪ :‬طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش‪ .‬قال‪:‬‬
‫فطافت الملئكة بالبيت وتركوا العرش‪ ،‬وصار أهون عليهم‪ .‬وهو البيت المعمور‬
‫الذي ذكره ال عز وجل يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ل يعودون إليه أبدا‪ ،‬ثم إن‬
‫ال عز وجل بعث ملئكة فقال‪ :‬ابنوا لي بيًتا في الرض بمثاله وقدره‪ ،‬وأمر ال‬
‫من في الرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت‬
‫المعمور‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬صدقت يا ابن بنت رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪...1‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وروينا نحوه بالمعنى مختصرا في كتاب "النسب" للزبير بن بكار قاضي مكة‪.‬‬
‫وروينا في "تاريخ الزرقي" وغيره أخبارا ُأخر تدل على طواف الملئكة بالبيت‬
‫منها‪ :‬ما رواه الزرقي بسنده إلى وهب بن منبه قال‪ :‬وقرأت في كتاب من الكتب‬

‫الولى ذكر فيه الكعبة‪ ،‬فوجد فيه‪ ،‬أنه ليس من ملك بعثه ال تعالى إلى الرض إل‬
‫ض من تحت العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر‪ ،‬ثم‬
‫أمره بزيارة البيت فينق ّ‬
‫يطوف سبًعا‪ ،‬ويركع في جوفه ركعتين ثم يصعد ‪.2‬‬
‫ومنها‪ :‬ما رواه بسنده عن محمد بن المنكدر قال‪ :‬كان أول شيء عمله آدم عليه‬
‫السلم حين أهبط من السماء طاف بالبيت الحرام‪ ،‬فلقيته الملئكة فقالوا‪ :‬بر نسكك‬
‫يا آدم فإنا قد طفنا بهذا البيت قبلك بألفي سنة‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬الروض النف ‪ ،222 ،22 /1‬أخبار مكة للزرقي ‪.34 ،33 /1‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.39 /1‬‬
‫ذكر طواف بعض الجن والدواب والطير بالكعبة‪:‬‬
‫روينا في تاريخ الزراقي خبرا فيه أن الجن طاف بالبيت سبعا‪ ،‬وصلى خلف‬
‫المقام‪ ،‬ثم انقلب إلى أهله فقتله شاب من بني سهم‪ ،‬فثارت بمكة غيرة وفتنة بين‬
‫الجن وبين بني سهم ‪.1‬‬
‫وروينا في تاريخ الزرقي أيضا خبًرا فيه‪ :‬أن أنمار وهي الحية الذكر طاف بالبيت‬
‫سبعا وصلى ركعتين وراء المقام‪ ،‬ثم كوم برأسه كومة بطحاء فوضع ذنبه عليها‪،‬‬
‫فسما إلى السماء فما ُرئي‪.‬‬
‫وروين في تاريخ الزرقي‪ :‬أن طيرا طاف على منكب بعض الحجاج أسابيع‬
‫والناس ينظرون إليه وهو مستأنس منهم‪ ،‬ثم طار وخرج من المسجد الحرام‪ ،‬وذلك‬
‫في السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائتين ‪.2‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.19 ،15 /2‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪ ،18 ،17 /2‬وإتحاف الورى ‪.295 ،294 /2‬‬
‫) ‪(1/11‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -244-‬ما جاء من أن شرعية الطواف لقامة ذكر ال‪:‬‬
‫روينا في مسند الدارمي بسند صحيح عن عائشة رضي ال عنها قالت‪ :‬إنما جعل‬
‫الطواف بالبيت‪ ،‬ورمي الجمار‪ ،‬والسعي بين الصفا والمروة‪ ،‬لقامة ذكر ال‪،‬‬
‫وروينا فيه عن عائشة رضي ال عنها عن النبي صلى ال عليه وسلم نحوه ‪،1‬‬
‫وأخرج المحب الطبري في "القرى" عنها مرفوعا‪ ،‬وزاد بعد قوله‪" :‬ذكر ال‬
‫تعالى"‪ :‬وإن لم يقترن بها ذكر بالقول‪ ،‬ثم قال‪ :‬وينبغي للذاكر في الطواف والتالي‬
‫أن ل يزيد في رفع صوته على إسماع نفسه لئل يشوش على غيره‪ ،‬واستدل على‬
‫ذلك بما يقوم به الحجبة‪ ،‬ثم قال‪ :‬وفي معنى الطائف من كان في المسجد قريبا من‬
‫الطواف‪ ،‬ينبغي له أن ل يرفع صوته بتلوة ول ذكر؛ لئل يشوش على الطائفين‬
‫‪ ...2‬انتهى باختصار‪ ،‬وهو كلم متجه‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه أبو داود "باب في الرمل ‪ 179 /2‬بلفظه"‪ ،‬والترمذي "ما جاء كيف‬
‫يرمي الجمار" ‪ ،246 /3‬ولفظه "إنما جعل رمي الجمار والحصى بين الصفا‬
‫والمروة لقامة ذكر ال" وقال الترمذي‪" :‬حسن صحيح"‪.‬‬

‫‪ 2‬القرى "ص‪."312 :‬‬
‫ذكر ثواب النظر إلى الكعبة‪:‬‬
‫تقدم في هذا المعنى حديث ابن عباس رضي ال عنهما عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم في تنزل الرحمات‪ ،‬وفيه‪" :‬عشرون للناظرين"‪.‬‬
‫وروينا في تاريخ الزرقي عن عطاء قال‪ :‬سمعت ابن عباس رضي ال عنهما‬
‫يقول‪ :‬النظر إلى الكعبة محض اليمان ‪.1‬‬
‫وروينا فيه عن إبراهيم النخعي‪ :‬أن حماد بن أبي سلمة قال‪ :‬الناظر إلى الكعبة‬
‫كالمجتهد في العبادة في غيرها‪ .‬وروينا فيه عن يونس بن حبان قال‪ :‬النظر إلى‬
‫الكعبة عبادة فيما سواها من الرض‪ ،‬عبادة الصائم القائم الدائم القانت ‪.2‬‬
‫وروينا فيه عن مجاهد قال‪ :‬النظر إلى الكعبة عبادة ‪.3‬‬
‫وروينا عن سعيد بن المسيب قال‪ :‬من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا خرج من‬
‫الخطايا كيوم ولدته أمه ‪.4‬‬
‫وروينا عن أبي السائب المديني‪ ،‬قال‪ :‬من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا تحاتت‬
‫عنه الذنوب كما يتحات الورق من الشجر ‪.5‬‬
‫وروينا فيه عن زهير بن محمد قال‪ :‬الجالس في المسجد ينظر إلى البيت ل يطوف‬
‫به ول يصلي أفضل من المصلي في بيته ل ينظر إلى البيت ‪.6‬‬
‫وروينا فيه عن عطاء قال‪ :‬النظر إلى البيت عبادة‪ ،‬والنظر إلى البيت كمنزلة‬
‫الصائم القائم الدائم المخبت المجاهد في سبيل ال عز وجل ‪.7‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخبار مكة للزرقي ‪.9 /2‬‬
‫‪ 2‬أخبار مكة للزرقي ‪.8 /2‬‬
‫‪ 3‬أخبار مكة للزرقي ‪.9 /2‬‬
‫‪ 4‬أخبار مكة للزرقي ‪.9 /2‬‬
‫‪ 5‬أخبار مكة للزرقي ‪.9 /2‬‬
‫‪ 6‬أخبار مكة للزرقي ‪.9 /2‬‬
‫‪ 7‬أخبار مكة للزرقي ‪.9 /2‬‬
‫) ‪(1/12‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -245-‬ذكر ثواب الحج والعمرة‪:‬‬
‫وروينا في ذلك عن النبي صلى ال عليه وسلم وأصحابه وغيرهم أخبارا كثيرة‬
‫مشهورة ثابتة‪ ،‬منها‪ :‬ما رواه أبو هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم قال‪" :‬من حج ل عز وجل فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" متفق‬
‫عليه‪ ،‬واللفظ للبخاري ‪.1‬‬
‫وفي رواية لمسلم‪" :‬من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه"‪.2‬‬
‫ورواه النسائي ‪ 3‬فقال‪" :‬من حج أو اعتمر"‪ ...‬الحديث‪.‬‬
‫والرفث‪ :‬الجماع‪ ،‬قاله ابن عمر‪ ،‬وابن عباس رضي ال عنهم‪ .‬وقيل‪ :‬اسم لكل لهو‬
‫خنا وُزور وفجور بغير حق‪ .‬والفسوق‪ :‬المعاصي‪ ،‬قاله ابن عباس وابن عمر‬
‫وِ‬
‫رضي ال عنهم‪.‬‬

‫ومنها‪ :‬ما روينا عن أبي هريرة رضي ال عنه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما‪ ،‬والحج المبرور ليس له جزاء إل الجنة"‬
‫متفق عليه ‪ ،4‬ومعنى ليس له جزاء إل الجنة‪ :‬أنه ل يقتصر فيه على تكفير الذنوب‬
‫بل ل بد أن يبلغ به الجنة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬ما رويناه عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬الحجة المبرورة تكفر خطايا سنة" أخرجه ابن حبان في صحيحه ‪.5‬‬
‫ومنها‪ :‬ما رويناه عن عمرو بن العاص رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم قال‪" :‬إن الحج يهدم ما قبله"‪ .‬رواه مسلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬ما رويناه عن ابن مسعود رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب‪ ،‬كما ينفي الكير خبث‬
‫الحديد والذهب‪،‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه البخاري "‪ ،"1521‬ومسلم "‪ ،"1350‬وأحمد ‪ ،484 /2‬والدارقطني "‬
‫‪ ،"2519‬والبغوي في شرح السنة "‪ ،"1814‬والبيهقي ‪ ،262 /5‬والطيالسي "‬
‫‪ ،"2519‬وابن حبان "‪ ،"3694‬وابن ماجه "‪ ،"2889‬النسائي "‪."2626‬‬
‫‪ 2‬أخرجه مسلم "الحج‪."1349 :‬‬
‫‪ 3‬أخرجه النسائي ‪ 115 ،112 /5‬في الحج باب "فضل الحج المبرور‪ ،‬وباب فضل‬
‫العمرة"‪.‬‬
‫‪ 4‬أخرجه البخاري "باب العمرة" ‪ ،2 /3‬مسلم ‪.107 /4‬‬
‫‪ 5‬أخرجه أحمد ‪.258 /2‬‬
‫) ‪(1/13‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -246-‬والفضة‪ ،‬وليس للحجة المبرورة ثواب إل الجنة" رواه‬
‫الترمذي‪ ،‬وصححه النسائي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬في سننهما ‪.1‬‬
‫وفي رواية لبن أبي خيثمة والطبراني‪" :‬تابعوا بين الحج والعمرة فإن متابعة ما‬
‫بينهما يزيد في العمر والرزق"‪.2‬‬
‫ومنها‪ :‬ما رويناه عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫ج‪ ،‬والمعتمر" أخرجه النسائي‪ ،‬وابن‬
‫قال‪" :‬وفد ال تعالى ثلثة‪ :‬الغازي‪ ،‬والحا ّ‬
‫حبان في صحيحه‪ ،‬والحاكم في مستدركه‪ ،‬وصححه على شرط مسلم‪ ،‬وزاد ابن‬
‫حبان في بعض طرقه‪" :‬دعاهم فأجابوه‪ ،‬وسألوه فأعطاهم"‪.3‬‬
‫وفي رواية لبن ماجه‪" :‬الحاج والمعتمر وفد ال‪ ،‬إن دعوه أجابهم‪ ،‬وإن استغفروه‬
‫غفر لهم"‪.4‬‬
‫ومنها‪ :‬ما رويناه في سنن البيهقي عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم‪" :‬اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج" صححه الحاكم ‪ 5‬رضي‬
‫ال عنهما‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬ما رويناه عن ابن عباس رضي ال عنهما عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫"عمرة في رمضان تعدل حجة معي" كذا رويناه عن الطبراني ‪ ،6‬وقال الحاكم‪ :‬إن‬
‫هذه الرواية صحيحة على شرط البخاري ومسلم‪ ،‬والحديث في الصحيحين بغير‬

‫لفظة‪" :‬معي" إل أنه في طريق لمسلم‪" :‬عمرة في رمضان تقضي حجة‪ .‬أو حجة‬
‫معي"‪ ،‬والخبار الواردة في فضل العمرة والحج كثيرة جدا فل نطّول عليها‪ ،‬وفيما‬
‫ذكرناه من ذلك كفاية إذ القصد الختصار‪ ،‬وال الموفق‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬أخرجه‪ :‬الترمذي "‪ ،"807‬أحمد ‪ ،387 /1‬والنسائي "‪ ،"2630‬والطبراني في‬
‫الكبير "‪ ،"10406‬وابن خزيمة "‪ ،"2512‬وأبو نعيم في الحلية ‪ ،110 /4‬وابن‬
‫ماجه "‪ ،"2886‬وابن حبان "‪."3693‬‬
‫‪ 2‬أخرجه‪ :‬الطبراني في الكبير ‪ ،230 /10‬وابن ماجه "‪ ،"2887‬وأبو يعلى "‬
‫‪ ،"4955‬والبيهقي في الشعب "‪ ،"4095‬وأخبار مكة للفاكهي "‪ ،404 /1‬وأحمد‬
‫‪ ،25 /1‬وابن عدي في الكامل ‪ ،186 /5‬وذكره السيوطي في الكبير ‪،463 /1‬‬
‫وعزاه لبي يعلى‪ ،‬والضياء المقدسي‪ ،‬وابن أبي عمر في مسنده‪.‬‬
‫‪ 3‬أخرجه ابن حبان "‪."3693‬‬
‫‪ 4‬أخرجه‪ :‬ابن ماجه "‪ ،"2892‬وموارد الظمآن "ص‪ ،"240 :‬الحاكم في مستدركه‬
‫‪ ،441 /1‬ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫‪ 5‬أخرجه‪ :‬البيهقي في مسنده ‪ 261 /5‬من طريق الحاكم‪ ،‬والمستدرك ‪.441 /1‬‬
‫‪ 6‬أخرجه‪ :‬الطبراني في الكبير "‪ ،"11299‬والبخاري "‪ ،"1782‬ومسلم ‪،200 /3‬‬
‫وابن ماجه "‪ ،"2992‬وأبو داود "‪ ،"1990‬وابن خزيمة "‪ ،"3077‬وابن حبان "‬
‫‪."3700‬‬
‫) ‪(1/14‬‬
‫شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‬
‫) ‪(1/1‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -247-‬الباب الثالث عشر‪:‬‬
‫في اليات المتعلقة بالكعبة‪:‬‬
‫للكعبة المعظمة آيات بينات‪ ،‬منها‪ :‬بقاء بنائها الموجود الن‪ ،‬وهو ل يقتضي أن‬
‫يبقى هذه المدة على ما بلغني عن بعض مهندسي عصرنا‪ ،‬قال‪ :‬وإنما بقاؤها آية من‬
‫آيات ال تعالى‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ولعمري إنه لصادق‪ ،‬فإن من المعلوم ضرورة أن الريح والمطر إذا تواليا أياما‬
‫على بناء تخرب‪ ،‬ومن المعلوم ضرورة أن الكعبة المعظمة ما زالت الرياح‬
‫العاصفة‪ ،‬والمطار الكثيرة المهولة‪ ،‬تتوالى عليها منذ بنيت وإلى تاريخه‪ ،‬وذلك‬
‫سبعمائة سنة وخمسون سنة‪ ،‬ولم يحدث فيها بحمد ال تغير أدى إلى خللها‪ ،‬وغاية‬
‫ما يحدث فيها انكسار فلقة من الركن اليماني‪ ،‬وتحرك البيت مرارا‪ ،‬لن الشيخ‬
‫شهاب الدين أبا شامة المقدسي قال في "ذيل الروضتين" له في أخبار سنة اثنين‬
‫وخمسمائة‪ :‬وفيها وقع من الركن اليماني قطعة‪ ،‬وتحرك البيت مرارا‪ ،‬وهذا شيء‬
‫لم يعهد ‪ ...1‬انتهى‪.‬‬
‫وقال ابن الثير في أخبار سنة خمس عشر وخمسمائة‪ :‬فيها تضعضع الركن‬

‫اليماني من البيت الحرام زاده ال شرفا من زلزلة وانهدم بعضه ‪.2‬‬
‫وذكر مثل ذلك المؤيد صاحب حماه في أخبار سنة خمس عشرة وخمسمائة ‪.3‬‬
‫وذكر صاحب "مرآة الزمان"‪ :‬أنه في سنة سبع عشرة وأربعمائة تشعث البيت‬
‫الحرام ‪.4‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬شذرات الذهب ‪ ،308 /4‬والنجوم الزاهرة ‪ ،139 /6‬وإتحاف الورى ‪،562 /2‬‬
‫والذيل على الروضتين "ص‪ "8 :‬وفي الخيرين‪" :‬وتجرد البيت مرارا"‪.‬‬
‫‪ 2‬الكامل لبن الثير ‪ ،226 /10‬والبداية والنهاية ‪ ،188 /12‬وإتحاف الورى ‪/2‬‬
‫‪.498‬‬
‫‪ 3‬المختصر في أخبار البشر ‪.235 /2‬‬
‫‪ 4‬إتحاف الورى ‪.454 /2‬‬
‫) ‪(1/2‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -248-‬وقال أبو عبيد البكري في كتابه "المسالك والممالك"‪ :‬وحدث‬
‫جماعة‪ :‬أن في سنة ثلث وثلثين وأربعمائة انكسرت من الركن اليماني فلقة قدر‬
‫أصبع‪ ،‬وغفل الناس عن شدها فصارت عند قوم من أهل مكة من الحسنيين‪ ،‬فوقع‬
‫بمكة وباء عظيم عام‪ ،‬وموت‪ ،‬وكان ل يلبث المريض فوق ثلثة أيام‪ ،‬وهلك من‬
‫أهل الدار الذي اتهم أن الفلقة فيها ثمانية عشر إنسانا‪ ،‬فرأي بعض الصالحين‬
‫المجاورين من أهل خراسان في نومه أن يتفقد ما ذهب من الكعبة ويرد فيرفع ال‬
‫عنهم الوباء‪ ،‬فردت إلى موضعها فارتفع الوباء ‪.1‬‬
‫هذا ما علمته من التوهن الذي أصاب الكعبة‪ ،‬ول تزال إن شاء ال باقية إلى أن ينفذ‬
‫فيها أمر ال من تخريب الحبشي لها في آخر الزمان كما سبق بيانه في "الباب‬
‫الثامن"‪.‬‬
‫ومن اليات المتعلقة بالكعبة المعظمة على ما قال الحافظ‪ :‬أنه ل يرى البيت الحرام‬
‫أحد ممن لم يكن يره إل ضحك أو بكى‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن الفرقة من الطير من الحمام وغيره ليقبل حتى إذا كادت تبلغ الكعبة‬
‫ل ظهرها شيٌء منها‪ .‬ذكر ذلك الجاحظ‪ ،‬وقال‪ :‬قالوا‪.‬‬
‫انفرقت فرقتين فلم يْع ُ‬
‫وذكر ذلك أبو عبيد البكري جزما‪ ،‬لنه قال‪ :‬ومن عجائب مكة‪ :‬أن الحمام وجميع‬
‫الطير تمر في طيرانها‪ ،‬فإذا قارب أن تحاذي الكعبة أخذت يمينا وشمال‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬على ما قال الجاحظ‪ :‬أنه ل يسقط على ظهر الكعبة من الحمام الذي قد أمن‬
‫إل وهو عليل أو مريض‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر ابن الحاج معنى هذا‪ ،‬لنه قال لما ذكر اليات المتعلقة بالبيت‪ :‬ومنها‪ :‬أن‬
‫الطائر ل يعلو البيت صحيحا‪ ،‬ويعلوه مريضا للشفاء‪.‬‬
‫وذكر ذلك أبو عبيد البكري‪ ،‬لنه قال‪ :‬ومن عجائب مكة أن الحمام وجميع الطير ل‬
‫يعلوها البتة ول ينزل على جدرها إل أن يكون مريضا‪ ،‬فيفعل ذلك مستشفيا‪،‬‬
‫والطير ينزل على سائر جدر المسجد‪ ،‬وقبة زمزم وغيرها‪.‬‬
‫وذكر بعضهم أن الطير إذا نزل على الكعبة إما يشفى أو يموت لحينه‪ ،‬وذكر هذه‬
‫الية المحب الطبري قال‪ :‬ولول ذلك لكانت ستارته يعني البيت الحرام مملوءة من‬

‫قذرهن كنجوها‪ ،‬مما يتعذر الجلوس عليه‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬على ما ذكر ابن الحاج عن بعض المفسرين‪ :‬أن الغيث إذا كان ناحية الركن‬
‫اليماني كان الخصب باليمن‪ ،‬وإذا كان ناحية الشامي كان الخصب بالشام‪ ،‬وإذا عم‬
‫البيت كان الخصب بجميع البلدان‪ .‬وذكر ذلك أيضا المحب الطبري بمعناه‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬إتحاف الورى ‪ ،460 /4‬ودرر الفراقد "ص‪."54 :‬‬
‫) ‪(1/3‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -249-‬وذكر ذلك الجاحظ‪ ،‬إل أنه خالف في بعض ذلك لنه قال‪ :‬وإذا‬
‫أصاب في أول السنة المطر باب الكعبة من شق العراق كان الخصب تلك السنة‬
‫بالعراق‪ ،‬وإذا أصاب شق الشام كان الخصب في تلك السنة في الشام‪ ،‬وإذا عم‬
‫جوانب البيت عم الخصب الجميع‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن مفتاح الكعبة إذا وضع في فم الصغير الذي ثقل لسانه عن الكلم يتكلم‬
‫سريعا ذكر ذلك الفاكهي في "أخبار مكة"‪ ،‬لنه قال‪ :‬وكان من سنة المكيين وهم‬
‫على ذلك إلى اليوم إذا ثقل لسان الصبي المولود وأبطأ كلمه عن وقته جاءوا به‬
‫إلى حجبة الكعبة‪ ،‬فسألوهم أن يدخلوا مفتاح الكعبة في فمه‪ ،‬فيأخذونه ‪ 1‬الحجبة‬
‫فيدخلونه خزانة الكعبة‪ ،‬ثم يغطون وجهه‪ ،‬ثم يدخل مفتاح الكعبة في فمه‪ ،‬فيتكلم‬
‫وينطلق لسانه‪ ،‬ويتكلم سريعا بإذن ال تعالى وذلك مجرب بمكة إلى يومنا هذا‪...‬‬
‫انتهى‪ .‬وأهل مكة يفعلون ذلك إلى الن‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنها تفتح بحضرة خلق كثير إلى الغاية ويدخلها الجميع متزاحمين‪ ،‬ويصلون‬
‫فيها أجمع‪ ،‬وتسعهم بقدرة ال تعالى‪ ،‬وما علمت أن أحدا مات من الزحام إل خمسة‬
‫وثلثين نفرا ماتوا دفعة واحدة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة على ما ذكره أبو‬
‫شامة في "الروضتين"‪ 2‬نقل عن ابن القادسي‪ ،‬عن الحجاج في هذه السنة‪ ،‬وذكر‬
‫ذلك أيضا ابن البزوري في "ذيل المنتظم" وعزاه للحجاج‪.‬‬
‫ومنها على ما قيل‪ :‬إنها منذ خلقها ال تعالى لم تخل من طائف من النس أو الجن‬
‫أو الملئكة‪ ،‬ذكر ذلك المحب الطبري وابن جماعة‪ .‬وسبقهما إلى مثل ذلك‬
‫السهيلي‪ ،‬وأفاد في ذلك خبرا غريبا‪ ،‬لنه قال لما ذكر بناء ابن الزبير للكعبة‪ ،‬وفي‬
‫الخبر أنه سترها حين وصل إلى القواعد‪ ،‬فطاف الناس بتلك الستار‪ ،‬فلم تخل قط‬
‫من طائف‪ ،‬حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير اشتدت الحرب‪ ،‬واشتغل الناس‪ ،‬فلم‬
‫ير طائف يطوف بالكعبة إل جمل يطوف بها ‪ ...3‬انتهى‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬ما قال ابن الحاج‪ :‬وذكر ابن أبي خيثمة قال‪ :‬حدثنا موسى بن إسماعيل قال‪:‬‬
‫حدثنا ثابت بن يزيد قال‪ :‬حدثنا هلل بن حبان‪ ،‬عن عمرو بن ميمون قال‪ :‬رأيت‬
‫دخان البيت ل يشد يمينا ول شمال‪ ،‬ول قدام ول خلف‪ ،‬يصعد في السماء‪ ...‬انتهى‪.‬‬
‫ولعل المراد بالدخان‪ :‬دخان ما يجمر به الكعبة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬وقع هيبتها في القلوب‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬حفظها من الجبابرة وتذللهم لها‪ ،‬والنتقام ممن أرادها بسوء‪ ،‬كما جرى‬
‫لتبع‪ ،‬والهذليين‪ ،‬وأصحاب الفيل‪ ،‬وغيرهم ممن أساء الدب فيها‪.‬‬
‫ونشير هنا لشيء من ذلك على سبيل الختصار‪.‬‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪ 1‬كذا في الصل‪ ،‬وهي لغة أكلوني البراغيث‪.‬‬
‫‪ 2‬ينقل الفاسي هنا عن القسم المفقود من كتاب الروضتين‪ ،‬وهذا الخبر موجود في‬
‫"العقد الثمين" ‪ ،189 /1‬ودرر الفرائد "ص‪ ،"265 :‬وإتحاف الورى ‪.554 /2‬‬
‫‪ 3‬الروض النف ‪.221 /1‬‬
‫) ‪(1/4‬‬
‫ج ‪ 1 /‬ص ‪ -250-‬ذكر خبر تبع والهذليين‪:‬‬
‫لما أقبل تبع وهو معان أسعد الحميري ملك اليمن من الشرق وجعل المدينة النبوية‬
‫على طريقه لقضاء وطر له بها‪ ،‬ثم توجه منها إلى مكة‪ ،‬لنها طريقه لبلده‪ ،‬فلما‬
‫سفان ‪ 2‬لقيه نفر من هذيل من بني لحيان‪ ،‬فحسنوا له تخريب‬
‫عْ‬
‫كان بين َأَمج ‪ 1‬و ُ‬
‫الكعبة‪ ،‬وأن يبني عنده بيتا يصرف إليه الحج‪ ،‬فعزم على ذلك‪ ،‬فدقت بهم دوابهم‪،‬‬
‫وغشيتهم ظلمة شديدة وريح‪ ،‬فدعى أحبارا كانوا معه من أهل الكتاب فسألهم‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬هل هممت لهذا البيت بسوء؟ فأخبرهم بما قال له الهذليون‪ ،‬وما أراد أن‬
‫يفعل‪ ،‬فقالوا له‪ :‬ما أراد القوم إل هلكك وهلك من معك‪ ،‬هذا بيت ال لم يرده أحد‬
‫بسوء إل هلك‪ ،‬قال‪ :‬فما الحيلة؟ قالوا‪ :‬تنوي له خيرا أن تعظمه‪ ،‬وتكسوه وتنحر‬
‫عنده‪ ،‬وتحسن إلى أهله‪ ،‬ففعل‪ ،‬فانجلت عنهم الظلمة‪ ،‬وسكنت عنهم الريح‪،‬‬
‫وانطلقت بهم دوابهم وركابهم‪ ،‬فأمر تبع بالهذليين فضربت أعناقهم وصلبهم‪ ،‬وسار‬
‫حتى قدم مكة فأقام بها أياما ينحر كل يوم مائة بدنة‪ ،‬وكسا البيت‪.‬‬
‫هذا ملخص بالمعنى مختصر من كتاب الزرقي‪.‬‬
‫وذكر الفاكهي أخبارا من خبر تبع‪ ،‬منها‪ :‬أنه قال‪ :‬حدثني حسن بن حسين الزدي‪،‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا إبراهيم بن عبد ال‪ ،‬عن هشام بن الكلبي قال‪ :‬أخبرني جرير بن يزيد‬
‫البجلي