‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬

‫(اضغط هنا للنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على النترنت)‬
‫الكتاب ‪ :‬الفِقْ ُه السلميّ وأدلّتُهُ‬
‫الشّامل للدلّة الشّرعيّة والراء المذهبيّة وأهمّ النّظريّات الفقهيّة وتحقيق الحاديث‬
‫النّبويّة وتخريجها‬
‫المؤلف ‪ :‬أ‪.‬د‪ .‬وَهْبَة الزّحَيِْليّ‬
‫ي وأصوله‬
‫أستاذ ورئيس قسم الفقه السلم ّ‬
‫بجامعة دمشق ‪ -‬كلّيّة الشّريعة‬
‫الناشر ‪ :‬دار الفكر ‪ -‬سوريّة ‪ -‬دمشق‬
‫الطبعة ‪ :‬الطّبعة الرّابعة المنقّحة المعدّلة بالنّسبة لما سبقها‪ ،‬وهي الطّبعة الثّانية‬
‫عشرة لما تقدّمها من طبعات مصوّرة؛ لنّ الدّار النّاشرة دار الفكر بدمشق لتعتبر‬
‫التّصوير وحده مسوّغا لتعدّد الطّبعات مالم يكن هناك إضافات ملموسة‪.‬‬
‫عدد الجزاء ‪10 :‬‬
‫ـ الكتاب مقابل على المطبوع ومرقّم آليّا ترقيما غير موافق للمطبوع‪.‬‬
‫ـ مذيّل بالحواشي دون نقصان‪.‬‬
‫نال شرف فهرسته وإعداده للشّاملة‪ :‬أبو أكرم الحلبيّ من أعضاء ملتقى أهل الحديث‬
‫ل تنسونا من دعوة في ظهر الغيب ‪...‬‬
‫وعليه دم التمتع (‪ ، )1‬فإن لم يجد الدم‪ ،‬صام ثلثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع‪ ،‬أي فرغ من أداء‬
‫نسكه‪ ،‬ولو قبل وصوله إلى أهله‪.‬‬
‫فإذا حلق يوم النحر‪ ،‬فقد حل من الحرامين جميعا؛ لن الحلق مُحلّل في الحج كالسلم في الصلة‪،‬‬
‫فيتحلل به عنهما‪.‬‬
‫وليس لهل مكة عند الجمهور تمتع ول قران‪ ،‬وإنما لهم الفراد خاصة‪ ،‬وقال الحنفية‪ :‬يكره القران‬
‫للمكي‪.‬‬
‫بطلن التمتع‪ :‬يبطل تمتع المتمتع إذا عاد إلى بلده بعد فراغه من العمرة‪ ،‬ولم يكن ساق الهدي؛ لنه‬
‫ألم بأهله بين النسكين إلماما صحيحا‪ .‬أما إذا كان قد ساق الهدي‪ ،‬فل يكون إلمامه صحيحا‪ ،‬ول يبطل‬
‫تمتعه عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لنه يجب عليه عند الول‪ ،‬ويندب عند الثاني العود إلى الحرم‬

‫لجل الحلق؛ لنه مقيد بالحرم‪ ،‬والعود يمنع صحة اللمام‪.‬‬
‫أما القارن فل يبطل قرانه بالعود إلى بلده باتفاق الحنفية‪ .‬فيكون الفرق بين القران والتمتع عند‬
‫الحنفية‪ :‬هو أن التمتع يشترط فيه عدم اللمام بأهله‪ ،‬والقران ليشترط فيه عدم اللمام بأهله‪.‬‬
‫متى يكون المحرم بالعمرة قبل أشهر الحج متمتعا؟ قال الحنفية‪ :‬من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج‪،‬‬
‫فطاف لعمرته أقل من أربعة أشواط ثم لم يتمها حتى دخلت أشهر الحج‪ ،‬فتمّمها في أشهره‪ ،‬وأحرم‬
‫بالحج‪ ،‬كان متمتعا؛ لن الحرام عندهم شرط ل ركن‪ ،‬فيصح تقديمه على أشهر الحج كما بينت‪،‬‬
‫وإنما يعتبر أداء الفعال في أشهر الحج‪ ،‬وقد وجد الكثر‪ ،‬وللكثر حكم الكل‪.‬‬
‫أما إن طاف لعمرته قبل أشهر الحج أربعة أشواط فصاعدا‪،‬ثم حج من عامه ذلك‪ ،‬لم يكن متمتعا؛ لنه‬
‫أدى الكثر قبل أشهر الحج‪ ،‬فصار كما إذا تحلل منها قبل أشهر الحج‪.‬‬
‫والحاصل أن الكثر له حكم الكل عند الحنفية‪ ،‬فإذا حصل الكثر قبل أشهر الحج‪ ،‬فكأنها حصلت‬
‫كلها‪ ،‬والمتمتع‪:‬هو الذي يتم العمرة والحج في أشهر الحج‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وهو عند الحنفية دم شكر‪ ،‬فيأكل منه‪.‬‬

‫( ‪)3/587‬‬
‫ثالثا ـ كيفية القران ‪:‬‬
‫القران لغة‪ :‬الجمع بين الشيئين مطلقا‪ ،‬وشرعا‪ :‬الجمع بين إحرام العمرة والحج في سفر واحد‪.‬‬
‫وصفة القران‪ :‬أن يهل بالعمرة والحج معا من الميقات‪ ،‬إما حقيقة بنية المرين معا‪ ،‬وإما حكما عند‬
‫الحنفية خلفا لغيرهم‪ :‬بأن أحرم بالعمرة أولً‪ ،‬ثم بالحج قبل أن يطوف لها أكثر الطواف؛ لن الجمع‬
‫قد تحقق؛ لن الكثر منها قائم‪ ،‬ويصح العكس عند الجمهور‪ :‬بأن يحرم بالحج‪ ،‬ثم يدخل العمرة عليه‪،‬‬
‫لكنه مكروه عند الحنفية‪.‬‬
‫وإدخال الحج على العمرة عند الجمهور (غير الحنفية) يكون قبل شروع المحرم في الطواف‪ ،‬فإن‬
‫شرع فيه ولو بخطوة‪ ،‬فليجوز إدخال الحج على العمرة‪ .‬ويلحق القران عند الحنفية التمتع إذاساق‬
‫المتمتع الهدي‪ ،‬كما أوضحت‪ ،‬فل يتحلل بعد العمرة‪ ،‬كما هو شأن المتمتع‪ ،‬بل يظل محرما حتى ينحر‬
‫الهدي يوم النحر‪.‬‬
‫ويقول القارن عقيب صلة ركعتي الحرام‪ ( :‬اللهم إني أريد الحج والعمرة‪ ،‬فيسرهما لي‪ ،‬وتقّبلهما‬
‫مني ) لبيك اللهم لبيك‪...‬إلخ‪.‬‬

‫فإذا دخل القارن مكة‪ ،‬طاف بالبيت سبعة أشواط‪ ،‬يرمل في الثلث الُول منها‪ ،‬ويسعى بعدها بين‬
‫الصفا والمروة‪ .‬وهذه أفعال العمرة‪.‬‬
‫ثم يشرع عند الحنفية بأفعال الحج كالمُفرِد‪ ،‬ويطوف بعد السعي المذكور طواف القدوم‪ ،‬ويطوف‬
‫طواف الفاضة للحج‪ ،‬ويسعى أيضا بين الصفا والمروة كالمفرد‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وأتموا الحج والعمرة‬
‫ل } [البقرة‪ ]196/2:‬وتمامها أن يأتي بأفعالهما على الكمال‪ ،‬ولم يفرق بين القارن وغيره‪.‬‬
‫ويدل له أن صبيّ بن معبد لما طاف طوافين وسعى سعيين‪ ،‬قال له عمر‪« :‬هديت لسنة نبيك» (‪، )1‬‬
‫وقال علي في القارن‪« :‬إذا أهللت بالحج والعمرة‪ ،‬فطف لهما طوافين‪ ،‬واسع لهما سعيين بالصفا‬
‫والمروة» ‪. )2( .‬‬
‫وقال الجمهور (‪ : )3‬يكفي للقارن طواف واحد وسعي واحد‪ ،‬لما روى الترمذي وصححه أنه صلّى‬
‫ال عليه وسلم قال‪« :‬من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال الزيلعي‪ :‬هذا الحديث لم يقع هكذا‪ ،‬فقد أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الصبيّ بن‬
‫معبد الثعلبي‪ ،‬قال‪ « :‬أهللت بهما معا ً » ‪ ،‬فقال عمر‪« :‬هديت لسنة نبيك» (نصب الراية‪.)109/3 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه محمد بن الحسن في كتاب الثار (نصب الراية‪.)111/3 :‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪ 456/3 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪.514/1 :‬‬

‫( ‪)3/588‬‬
‫وسعي واحد‪ ،‬حتى يحل منهما جميعا» (‪ )1‬لكن يطوف القارن كالمفرد طواف القدوم قبل طواف‬
‫الفاضة‪ ،‬ويسعى بعده إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم‪.‬‬
‫وقالت عائشة‪ ...« :‬وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة‪ ،‬فإنما طافوا طوافا واحدا» (‪ )2‬وقال صلّى‬
‫ال عليه وسلم لعائشة لما جمعت بين الحج والعمرة‪« :‬يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك‬
‫وعمرتك» (‪. )3‬‬
‫دم التمتع والقران‪ :‬اتفق العلماء على أن المتمتع والقارن يلزمهما إذا أحرما بالحج الهدي (‪ ، )4‬لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬فمن تمتع بالعمرة إلى الحج‪ ،‬فما استيسر من الهدي} [البقرة‪.]196/2:‬‬
‫ودم القران والتمتع‪ :‬دم شكر فيأكل منه صاحبه عند الحنفية‪ ،‬ول يأكل منهما عند الشافعية‪ .‬وإن لم‬
‫يدخل القارن مكة‪ ،‬وتوجه إلى عرفات‪ ،‬فقد صار عند الحنفية رافضا لعمرته بالوقوف‪ ،‬وسقط عنه دم‬
‫القران‪ ،‬وعليه دم لرفضه عمرته‪ ،‬وهو دم جبر ل يجوز أكله منه‪ ،‬ووجب عليه قضاؤها؛ لنه‬

‫بشروعه فيها أوجبها على نفسه‪ ،‬ولم يوجد منه الداء‪ ،‬فلزمه القضاء‪.‬‬
‫ويسقط عند الشافعية دم التمتع إن عاد لحرام الحج إلى الميقات‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في وقت ذبح دم التمتع والقران (‪: )5‬‬
‫فقال الجمهور‪ :‬يجب ذبح شاة أو بقرة أو بدنة أو سُبْع بدنة أيام النحر بمنى بعد رمي جمرة العقبة يوم‬
‫العيد وقبل الحلق؛ لنه صلّى ال عليه وسلم نحر هديه على هذه الصفة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وأخرجه أيضا ابن ماجه عن ابن عمر‪ ،‬ورواه أحمد بلفظ «من قرن بين حجة وعمرة‪ ،‬أجزأه‬
‫بهما طواف واحد» (نصب الراية‪.)108/3 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه بين البخاري ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪ ،469/3 :‬مغني المحتاج‪.516/1 :‬‬
‫(‪ )5‬اللباب‪ ،193/1 :‬الشرح الصغير‪ ،120/2 :‬مغني المحتاج‪ ،516/1 :‬المغني‪.475/3 :‬‬

‫( ‪)3/589‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬الفضل الذبح يوم النحر للتباع وخروجا من خلف الئمة الثلثة‪ ،‬لكن وقت وجوب‬
‫الدم هو الحرام بالحج؛ لنه حينئذ يصير متمتعا بالعمرة إلى الحج‪ ،‬والصح جواز ذبحه إذا فرغ من‬
‫العمرة‪ .‬ويختص ذبح الهدي بالحرم‪ ،‬والقدرة على الذبح في الحرم أيضا‪ ،‬سواء أقدر عليه في بلده أم‬
‫في غيره أم ل‪.‬‬
‫فإن لم يجد َهدْيا يجب عليه صيام ثلثة أيام في الحج‪ ،‬آخرها يوم عرفة‪ ،‬ثم يصوم سبعة أيام إذا رجع‬
‫إلى أهله‪ ،‬وإن صامها بمكة بعد فراغه من الحج‪ ،‬جاز‪.‬‬
‫وللفقهاء آراء في وقت الصيام البديل عن الهدي عند العجز عنه‪ ،‬وفي تتابع اليام وغير ذلك ‪:‬‬
‫فقال الحنفية (‪ : )1‬يجوز الصوم ولو كانت اليام متفرقة‪ ،‬فل يشترط تتابعها‪ ،‬ووقت صيام اليام‬
‫الثلثة وقت أشهر الحج بعد الحرام بالعمرة‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فصيام ثلثة أيام في الحج} [البقرة‪:‬‬
‫‪ ]196/2‬أي في أشهره؛ لن نفس الحج ل يصلح ظرفا للصيام‪ ،‬لكن الفضل أن يصوم قبل يوم‬
‫التروية بيوم‪ ،‬ويجوز قبل يوم عرفة‪ ،‬فإن فاته صوم اليام الثلثة في أيام الحج‪ ،‬حتى جاء يوم النحر‪،‬‬
‫لم يُجْزه إل الدم؛ لن الصوم بدل عن الهدي‪ ،‬والية خصت الصوم بوقت الحج‪ ،‬فمن تأخر عن‬
‫الصيام إلى يوم النحر‪ ،‬تحلل‪ ،‬ولزمه دمان‪ :‬دم التمتع ودم التحلل قبل نحر الهدي‪.‬‬

‫وله أن يصوم اليام السبعة بعد تمام أيام الحج في أي مكان شاء‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وسبعة إذا رجعتم}‬
‫[البقرة‪ ]196/2:‬أي فرغتم من أفعال الحج‪ ،‬لكن في غير أيام التشريق‪.‬‬
‫وجاز صوم اليام الثلثة قبل الشروع في أعمال الحج‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ 264/2 :‬ومابعدها‪ ،‬اللباب‪ 193/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/590‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬تجب متابعة اليام الثلثة وكذا السبعة في الصوم‪ ،‬وصوم الثلثة يكون في أيام‬
‫الحج آخرها يوم عرفة‪ .‬ومن جهل أو نسي‪ ،‬صام أيام منى الثلثة‪ .‬ويكون صوم السبعة بعد ذلك إن‬
‫شاء تعجلها في طريقه لهله‪ ،‬وإن شاء أخرها إلى بلده‪ .‬ول يجوز صوم الثلثة قبل الشروع في‬
‫أعمال الحج‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )2‬يندب تتابع صوم الثلثة وكذا السبعة‪ .‬ولو فاتته الثلثة في الحج‪ ،‬فالظهر أنه‬
‫يلزمه قضاؤها؛ لنه صوم مؤقت‪ ،‬فيقضى كصوم رمضان‪ ،‬ويلزمه أن يفرق في قضائها بينها وبين‬
‫السبعة‪ ،‬بقدر أربعة أيام (يوم النحر وأيام التشريق) وبقدر إمكان السير إلى أهله على العادة الغالبة‪،‬‬
‫كما في الداء‪ ،‬فلو صام عشرة أيام ولء‪ ،‬حصلت الثلثة‪ ،‬ول يعتد بالبقية لعدم التفريق‪.‬‬
‫والصوم يكون عند العجز عن الهدي حسا بأن فقده‪ ،‬و فقد ثمنه‪ ،‬أو للعجز عنه شرعا بأن وجده بأكثر‬
‫من ثمن مثله‪ ،‬أو كان محتاجا إليه‪ ،‬أو إلى ثمنه أوغاب عنه ماله أو نحو ذلك‪.‬‬
‫ووقت صوم اليام الثلثة‪ :‬بعد الحرام بالحج‪ ،‬للية‪{ :‬فصيام ثلثة أيام في الحج} [البقرة‪ ]196/2:‬فل‬
‫يجوز تقديمها على الحرام بخلف الدم؛ لن الصوم عبادة بدنية‪ ،‬فل يجوز تقديمها على وقتها‬
‫كالصلة‪ ،‬والدم عبادة مالية فأشبه الزكاة‪.‬‬
‫وتستحب قبل يوم عرفة؛ لن صومه في الحج مكروه‪ ،‬ويصوم بعد الثلثة سبعة إذا رجع إلى وطنه‬
‫وأهله في الظهر‪ ،‬إن أراد الرجوع إليهم‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وسبعة إذا رجعتم} [البقرة‪ ]196/2:‬ولقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،140‬بداية المجتهد‪.357/1 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 516/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/591‬‬

‫«فمن لم يجد هديا فليصم ثلثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» (‪، )1‬فل يجوز صومها في‬
‫الطريق لذلك‪ .‬فإن أراد القامة بمكة‪ ،‬صامها بها‪.‬‬
‫وفصل الحنابلة رأيهم في الصوم فقالوا (‪ : )2‬ل يجب التتابع في صوم اليام‪ .‬ولكل من صوم الثلثة‬
‫والسبعة وقتان‪ :‬وقت جواز‪ ،‬ووقت استحباب‪.‬‬
‫فوقت الستحباب أو الختيار لصوم الثلثة‪ :‬هو أن يصومها ما بين إحرامه بالحج ويوم عرفة‪،‬‬
‫ويكون آخر الثلثة يوم عرفة‪ ،‬للحاجة إلى الصوم في هذا الوقت‪ ،‬وإن كان صومه غير مستحب‪.‬‬
‫وأما وقت جواز صوم الثلثة‪ :‬فهو إذا أحرم بالعمرة‪ ،‬كما قال الحنفية‪ ،‬خلفا للمالكية والشافعية‬
‫القائلين بأنه ل يجوز الصوم إل بعد الحرام بالحج‪ .‬ودليل الولين ‪ :‬أن إحرام العمرة أحد إحرامي‬
‫التمتع‪ ،‬فجاز الصوم بعده كإحرام الحج كتقديم الكفارة على الحنث‪ .‬ودليل الخرين آية‪{ :‬فصيام ثلثة‬
‫أيام في الحج} [البقرة‪.]196/2:‬‬
‫وأما وقت الختيار لصوم السبعة‪ :‬فهو إذا رجع إلى أهله‪ ،‬للية والحديث المتقدمين‪ .‬وأما وقت‬
‫الجواز‪ :‬فمنذ تمضي أيام التشريق سواء في الطريق أو بمكة كيف شاء؛ لن كل صوم لزمه وجاز في‬
‫وطنه‪ ،‬جاز قبل ذلك كسائر الفروض‪ ،‬وأما الية {إذا رجعتم} [البقرة‪ ]196/2:‬فإن ال تعالى جوز له‬
‫تأخير الصيام الواجب‪ ،‬فل يمنع ذلك الجزاء قبله‪ ،‬كتأخير صوم رمضان في السفر والمرض بقوله‬
‫سبحانه‪{ :‬فعدة من أيام أخر} [البقرة‪ ،]184/2:‬ولن الصوم وجد من أهله بعد وجود سببه‪ ،‬فأجزأه‬
‫كصوم المسافر والمريض‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الشيخان عن ابن عمر‪.‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.478-476/3 :‬‬

‫( ‪)3/592‬‬
‫وإذا لم يصم المتمتع اليام الثلثة في الحج‪ ،‬صامها بعد ذلك ولو في أيام منى‪ ،‬كما قال المالكية‬
‫والشافعية خلفا للحنفية؛ لنه صوم واجب‪ ،‬فل يسقط بخروج وقته كصوم رمضان‪ ،‬والية تدل على‬
‫وجوبه ل على سقوطه‪ ،‬ويصح الصوم في أيام منى لقول عمر وعائشة‪« :‬لم يرخص في أيام التشريق‬
‫أن ُيصَمن إل لمن لم يجد الهدي» (‪ )1‬وهذا ينصرف إلى ترخيص النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ولن‬
‫ال تعالى أمر بصيام الثلثة في الحج‪ ،‬ولم يبق من أيام الحج إل هذه اليام‪ ،‬فيتعين الصوم فيها‪ ،‬فإذا‬
‫صام هذه اليام‪ ،‬فحكمه حكم من صام قبل يوم النحر‪.‬‬

‫وإذا صام عشرة أيام‪ ،‬لم يلزمه التفريق بين الثلثة والسبعة‪ ،‬خلفا للشافعية؛ لنه صوم واجب في‬
‫زمن يصح الصوم فيه‪ ،‬فلم يجب تفريقه‪ ،‬كسائر الصوم‪.‬‬
‫ووقت وجوب الصوم‪ :‬وقت وجوب الهدي؛ لن الصوم بدل‪ ،‬فكان وقت وجوبه وقت وجوب المبدل‪،‬‬
‫كسائر البدال‪.‬‬
‫المبحث التاسع ـ كيفية التحلل من الحج ‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء على أن في الحج تحللين‪ :‬تحلل أصغر أو أول‪ ،‬وتحلل أكبر أو ثاني‪ ،‬لكنهم اختلفوا فيما‬
‫يباح بالتحلل الول على النحو التي (‪: )2‬‬
‫أما التحلل الول‪ :‬فيحصل بفعل اثنين من ثلثة‪ :‬رمي جمرة العقبة والحلق وطواف الفاضة‪ ،‬ويحل‬
‫به كل شيء إل النساء أي جماعهن ودواعيه عند الحنفية والشافعية والحنابلة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،159/2 :‬الدر المختار‪ 250/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪ ،60-58/2 :‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪ ،138‬المهذب‪ ،230/1 :‬مغني المحتاج‪ ،505/1 :‬غاية المنتهى‪ ،412/1 :‬المغني‪438/3 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.585/2 :‬‬

‫( ‪)3/593‬‬
‫«إذا رميتم وحلقتم‪ ،‬فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إل النساء» (‪ )1‬فيبقى ما كان محرما عليه‬
‫من النساء من الوطء والقبلة واللمس لشهوة‪ ،‬وكذا عقد النكاح عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬ويحل له ما‬
‫سواه‪ ،‬كالصيد وحلق الشعر وتقليم الظفار‪.‬‬
‫ويحل بهذا التحلل عند المالكية كل شيء إل النساء والصيد والطيب لقول عمر‪« :‬إذا رميتم الجمرة‪،‬‬
‫وذبحتم وحلقتم‪ ،‬فقد حل لكم كل شيء إل الطيب والنساء» (‪ )2‬ولقول ال تعالى‪{ :‬لتقتلوا الصيد وأنتم‬
‫حرم} [المائدة‪ ]95/5:‬وهذا حرام‪.‬‬
‫وأما التحلل الثاني أو الكبر‪ :‬فيحصل بفعل الشيء الثالث من الشياء السابقة‪ ،‬فإذا كان قد رمى‬
‫الجمرة وحلق‪ ،‬ثم طاف طواف الفاضة‪ ،‬حل له كل شيء من المحرّمات‪ ،‬وخرج عن إحرامه بالكلية‬
‫بالجماع‪ ،‬ويجب عليه التيان بما بقي من أعمال الرمي بالتفاق‪ ،‬والمبيت بمنى عند الجمهور غير‬
‫الحنفية‪ ،‬مع أنه غير محرم‪ ،‬كما أنه يخرج من الصلة بالتسليمة الولى‪ ،‬ويطلب منه التسليمة الثانية‪،‬‬

‫لكن المطلوب في الحج على سبيل الوجوب‪ ،‬وفي الصلة على سبيل الندب‪.‬‬
‫ويستحب تأخير الوطء عن باقي أيام الرمي ليزول عنه أثر الحرام‪.‬‬
‫المبحث العاشر ـ محظورات الحرام أو ممنوعاته‪ ،‬ومباحاته ‪:‬‬
‫المحظورات‪ :‬هي ما يحرم على المحرم بحج أوعمرة حتى يحلق رأسه بمنى‪ .‬وهي أنواع كثيرة‬
‫ترجع إلى أصول أربعة‪ :‬هي لبس المخيط‪ ،‬وترفيه البدن وتنظيفه‪ ،‬والصيد ‪ ،‬والنساء‪.‬‬
‫وهي أيضا نوعان‪ :‬نوع ل يوجب فساد الحج وهي الصول الثلثة الولى‪ ،‬ونوع يوجب فساد الحج‬
‫وهو الجماع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه سعيد بن منصور عن عائشة رضي ال عنها‪ ،‬ورواه الثرم وأبو داود بلفظ «إذا رمى‬
‫أحدكم جمرة العقبة‪ ،‬فقد حل له كل شيء إل النساء» قال أبو داود‪ ،‬هذا حديث ضعيف (نصب الراية‪:‬‬
‫‪ )81-80/3‬وأخرجه النسائي وابن ماجه عن ابن عباس بلفظ‪« :‬إذا رميتم الجمرة‪ ،‬فقد حل لكم كل‬
‫شيء إل النساء» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬هذا منقطع‪ ،‬وقال عبد ال بن الزبير‪« :‬من سنة الحج‪ :‬إذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء‬
‫حرم عليه إل النساء والطيب‪ ،‬حتى يزور البيت» رواه الحاكم وقال‪ :‬على شرط الشيخين (نصب‬
‫الراية‪.)82-81/3 :‬‬

‫( ‪)3/594‬‬
‫وتفصيل الكلم في هذه المحظورات وآراء الفقهاء فيها على النحو التالي (‪: )1‬‬
‫الصل الول ـ لبس المخيط‪ :‬يختلف الحكم بحسب كون المحرم رجلً أو امرأة‪.‬‬
‫أ ـ أما الرجل‪ :‬فيحرم عليه بمجرد الحرام ستر جميع رأسه أو بعضه بكل ما يعد ساترا‪ ،‬سواء أكان‬
‫مخيطا أم غيره‪ ،‬فل يجوز أن يضع على رأسه ووجهه عمامة ول خرقة ول قلنسوة‪ ،‬ول يغطيه بثوب‬
‫وإن بدت البشرة من ورائه‪ ،‬ول يعصبه بعصابة ونحوها‪ ،‬لخبر الصحيحين‪« :‬أنه صلّى ال عليه وسلم‬
‫قال في المحرم الذي خر عن بعيره ميتا‪ :‬ل تختمروا رأسه‪ ،‬فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» (‪ . )2‬وذلك‬
‫كله إل لحاجة كمداواة أو حر أو برد‪ ،‬فيجوز التغطية‪ ،‬وتجب الفدية‪.‬‬
‫أما ما ل يعد ساترا فل بأس به‪ ،‬مثل أن يتوسد عمامة أو وسادة أو ينغمس في ماء أو يستظل بمحمل‬
‫أو نحوه‪ .‬ول يضر وضع يده على رأسه ولو طال‪ ،‬ول يضر شد خيط عليه لصداع أو غيره‪ .‬ولو‬
‫ل ونحوه‪ ،‬كره‪ ،‬ول يحرم في الصح عند الشافعية‪ .‬ويجوز الستظلل‬
‫وضع على رأسه حملً أو زنبي ً‬

‫بمظلة أو بيت أو سيارة أو شجر أو خيمة‪.‬‬
‫ومنع الحنابلة من الستظلل بمحمل ونحوه‪ ،‬و بنحو ثوب‪ ،‬ويجوز لعذر ويفدي‪.‬‬
‫ويحرم أيضا ستر الوجه وباقي الجسد بغير إزار ورداء‪ ،‬فل يلبس جبة ول قميصا ول سراويل ول‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،219-216 ،206-183/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،138-136‬الشرح الصغير‪-74/2 :‬‬
‫‪ ،110‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،31-23‬مغني المحتاج‪ ،524-518/1 :‬المهذب‪ ،212-204/1 :‬المغني‪:‬‬
‫‪ ،344-295/3‬كشاف القناع‪ ،510-491/2 :‬غاية المنتهى‪.382-373/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس (نيل الوطار ‪.)8/5 :‬‬

‫( ‪)3/595‬‬
‫خفا ول نعلً مخيطا‪ ،‬وإنما يلبس نعلً (‪ )1‬غير مخيطة أو قبقابا ونحوه بحيث يظهر أغلب الصابع‪،‬‬
‫فإن لم يجدها أو لم يجد ثمنها فليلبس السراويل إذا لم يجد الزار‪ ،‬والخفين بعد أن يقطعهما أسفل من‬
‫الكعبين في رأي الحنفية والمالكية‪ .‬وقال الحنابلة في المشهور والشافعية‪ :‬ل يلزمه قطع الخفين‪.‬‬
‫ودليل جواز لبس السراويل والخفين عند العذر‪ :‬ما رواه ابن عباس قال‪« :‬سمعت النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم يخطب بعرفات يقول‪ :‬من لم يجد نعلين فليلبس خفين‪ ،‬ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل» (‪)2‬‬
‫ول فدية عليه في لبسهما عند الحنابلة والشافعية وعليه الفدية عند الحنفية والمالكية لحديث ابن عمر‪:‬‬
‫«أن رجلً سأل رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول ال صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪ :‬ل يلبس القميص ول العمائم‪ ،‬ول السراويلت‪ ،‬ول البرانس‪ ،‬ول الخفاف‪ ،‬إل أحدا ل‬
‫يجد نعلين‪ ،‬فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين‪ ،‬ول يلبس من الثياب شيئا مسّه الزعفران ول‬
‫الورس» (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وهو ما يكون مفتوحا من قدام‪ ،‬أما الحذاء أو الخف الذي له حاجز يستر مقدم الرجل فليجوز‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)3/596‬‬

‫ودليل الحنابلة والشافعية على عدم لزوم قطع الخفين (‪ : )1‬حديث ابن عباس السابق‪« :‬من لم يجد‬
‫نعلين‪ ،‬فليلبس خفين» وهو متأخر عن حديث ابن عمر المتقدم‪ ،‬لكونه في خطبة عرفات‪ ،‬فيكون ناسخا‬
‫له؛ لنه لو كان القطع واجبا لبينه للناس‪ ،‬إذ ل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه‪ ،‬والمفهوم من‬
‫إطلق لبسِهما لبسُهما على حالهما من غير قطع‪ ،‬والولى قطعهما عملً بالحديث الصحيح‪ ،‬وخروجا‬
‫من الخلف وأخذا بالحتياط‪.‬‬
‫ودليل الحنابلة على إسقاط الفدية بلبس السراويل والخفين‪ :‬خبر ابن عباس أيضا‪ ،‬لنه أمر بلبسه‪ ،‬ولم‬
‫يذكر فدية‪.‬‬
‫وضابط ما يحرم لبسه‪ :‬هو الملبوس والمعمول على قدر البدن أو قدر عضو منه بحيث يحيط به‪ ،‬إما‬
‫بخياطة ‪،‬وإما بغير خياطة‪ ،‬فيشمل القميص والسراويل والجبة والقباء والخف‪ ،‬والقميص المنسوج‬
‫غير المخيط‪ ،‬والدرع والجورب والملزق بعضه ببعض‪ ،‬والمعقود في سائر أجزاء بدنه‪.‬‬
‫والصح عند الشافعية تحريم المداس‪ :‬وهو الذي ل يستر الكعبين ويستر مقدم الرِجْل‪.‬‬
‫والمعتبر في اللبس‪ :‬العادة في كل ملبوس‪ ،‬إذ به يحصل الترفه‪ ،‬فلو ارتدى بالقميص أو القباء أو‬
‫التحف بهما أو اتزر بالسراويل فل بأس ول فدية‪ .‬ولو ألقى على جسده قَباء (‪ )2‬أو عباءة وكان‬
‫بحيث لو قام أو قعد‪ ،‬لم يستمسك عليه إل بمزيد عناية‪ ،‬لم تلزمه الفدية‪ ،‬فله أن يجعل المخيط على‬
‫ظهره من غير لباس‪ ،‬ملتحفا به أو مرتديا‪ .‬ويمنع عند المالكية غير المخيط إذا كان فيه رفاهية كجلد‬
‫حيوان مسلوخ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بناء عليه‪ :‬يجوز لبس الحذاء الحالي (الجزمة أو الصّباط) إن قطعه من المام من أعلى الصابع‪،‬‬
‫ل من مؤخرته من الوراء لن الحذاء ل يستر عادة الكعبين‪ ،‬فتحقق قطع الخفين أسفل من الكعبين‪،‬‬
‫ول فدية حينئذ اتفاقا‪.‬‬
‫(‪ )2‬كساء منفرج من أمام يلبس فوق الثياب‪.‬‬

‫( ‪)3/597‬‬
‫ول يجوز عند الشافعية عقد الرداء ول أن يزره ول يخله بخلل أو مسلة ول يربط خيطا في طرفه‪،‬‬
‫ثم يربطه في طرفه الخر‪ ،‬فلو زرّ الزار أو خاطه‪ ،‬حرم ولزمه الفدية‪ .‬وله أن يعقد إزاره لستر‬
‫العورة‪ ،‬ل رداءه‪ ،‬وله أن يغرز طرف ردائه في إزاره‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬يكره أن يخلل الزار بالخلل‬
‫وأن يعقد الزار‪.‬‬

‫وله عند الشافعية والحنفية والحنابلة أن يتقلد السيف للحاجة (‪ ، )1‬ويشد على وسطه ال ِهمْيان (‪)2‬‬
‫والمِنْطقة‪ ،‬ويلبس الخاتم والساعة‪.‬‬
‫صفُر (‪ ، )4‬للحديث الصحيح‪« :‬ول يلبس من‬
‫ع ْ‬
‫ول يلبس ثوبا مصبوغا بوَرْس (‪ )3‬ول زعفران ول ُ‬
‫الثياب ما مسه ورس أو زعفران» ‪.‬‬
‫ومن أحرم وعليه قميص‪ ،‬فنزعه في الحال فل فدية عليه‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم لرجل‬
‫أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بطيب‪« :‬أما الطيب الذي بك فاغسله‪ ،‬وأما الجبة فانزعها‪ ،‬ثم‬
‫اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك» (‪ )5‬فلم يأمر الرجل بفدية‪ ،‬أما إن استدام اللبس بعد إمكان‬
‫نزعه‪ ،‬فعليه الفدية؛ لن استدامة اللبس محرم كابتدائه‪ ،‬بدليل أن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر الرجل‬
‫بنزع جبته (‪. )6‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى البخاري وأحمد عن البراء وعن ابن عمر أن النبي صلّى ال عليه وسلم اتفق مع أهل مكة‬
‫في عمرة القضاء أل يحمل سلحا عليهم إل السيوف (نيل الوطار‪.)9/5 :‬‬
‫(‪ )2‬وهو ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الوسط‪ .‬والمنطقة‪ :‬حزام يجعل كالكيس يوضع فيه الدراهم‪.‬‬
‫(‪ )3‬الورس‪ :‬نبت أصفر يزرع في اليمن‪ ،‬ويصبغ به‪ ،‬ويطيب به الطعام‪.‬‬
‫(‪ )4‬لن لها رائحة طيبة‪.‬‬
‫(‪ )5‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )6‬قال ابن قدامة الحنبلي‪ :‬وإنما لم يأمره بفدية لما مضى‪ ،‬فيما نرى‪ ،‬لنه كان جاهلً بالتحريم‪،‬‬
‫فجرى مجرى الناسي‪.‬‬

‫( ‪)3/598‬‬
‫ب ـ وأما المرأة‪ :‬فتستر بالمخيط رأسها وسائر بدنها سوى الوجه‪ ،‬فالوجه في حقها كرأس الرجل‪،‬‬
‫وإحرامها في وجهها‪ ،‬فيحرم عليها تغطيته في إحرامها‪ ،‬كما يحرم على الرجل تغطية رأسه باتفاق‬
‫العلماء‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ول تنتقب المرأة ولتلبس القفازين» (‪ )1‬وقوله‪« :‬إحرام المرأة‬
‫في وجهها» ‪.‬‬
‫لكن قال الحنابلة‪ :‬ول خلف في أن المرأة إذا احتاجت أحيانا إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا‬
‫منها‪ ،‬فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها (‪ . )2‬لما روي عن عائشة رضي ال عنها‬
‫قالت‪« :‬كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فإذا حاذونا‬

‫سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها‪ ،‬فإذا جاوزونا كشفناه» (‪ ، )3‬ولن بالمرأة حاجة إلى‬
‫ستر وجهها‪ ،‬فلم يحرم عليها ستره على الطلق كالعورة‪.‬‬
‫وأباح المالكية للمرأة ستر وجهها عند الفتنة بل غرز للساتر بإبرة ونحوها‪ ،‬وبل ربط له برأسها‪ ،‬بل‬
‫المطلوب سدله على رأسها ووجهها‪ ،‬أو تجعله كاللثام وتلقي طرفيه على رأسها بل غرز ول ربط (‬
‫‪. )4‬‬
‫وأجاز الشافعية والحنفية (‪ )5‬ذلك بوجود حاجز عن الوجه فقالوا‪ :‬للمرأة أن تسدل على وجهها ثوبا‬
‫متجافيا عنه بخشبة ونحوها‪ ،‬سواء فعلته لحاجة من حر أو برد أو خوف فتنة ونحوها‪ ،‬أو لغير حاجة‪،‬‬
‫فإن وقعت الخشبة فأصاب الثوب وجهها بغير اختيارها ورفعته في الحال‪ ،‬فل فدية‪ .‬وإن كان عمدا‬
‫وقعت بغير اختيارها فاستدامت‪ ،‬لزمتها الفدية‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬وإن ستر الخنثى المشكل وجهه فقط أو‬
‫رأسه فقط‪ ،‬فل فدية عليه‪ ،‬وإن سترهما معا‪ ،‬لزمته الفدية‪ .‬والصحيح عند الشافعية أل فدية على‬
‫المرأة إن اختضبت ولفت على يدها خرقة أو لفتها بل خضاب‪.‬‬
‫ويحرم على الرجل لبس القفازين في يده‪ ،‬ويحرم ذلك أيضا على المرأة‪ ،‬على الصح عند الشافعية‪،‬‬
‫ويلزمهما بلبسه الفدية‪.‬‬
‫لبس المعذور‪ :‬يلحظ أن تحريم اللبس والستر هو إذا لم يكن عذر‪ ،‬فإذا لبس أو ستر شيئا مما يجب‬
‫كشفه‪ ،‬أثم ولزمته الفدية‪ .‬أما المعذور الذي يحتاج لستر رأسه أو لبس المخيط لحر أو برد أو مداواة‬
‫أو نحوها‪ ،‬أو احتاجت المرأة إلى ستر وجهها‪ ،‬فيجوز له وعليه الفدية‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬يحرم على الرجل لبس ما يحيط بالبدن أو الكف أو أي عضو إل الخاتم والمنطقة والساعة‬
‫ونحوها‪ ،‬وحكم المرأة في ذلك كله كالرجل إل في ثلثة أمور تجوز لها السترة وهي لبس المخيط‬
‫والخفين وتغطية رأسها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري وغيره‪.‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.326-325/3 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود والثرم‪.‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الصغير‪.75/2 :‬‬
‫(‪ )5‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،24‬البدائع‪.186/2 :‬‬

‫( ‪)3/599‬‬

‫الصل الثاني ـ ترفيه البدن بالطيب وإزالة الشعر وتقليم الظفر ونحوهما مما يجري مجرى الطيب ‪:‬‬
‫أما الطيب‪ :‬فيحرم على المحرم استعماله في ثوب أو بدن‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬وليلبس من‬
‫الثياب ما مسه ورس أو زعفران» والورس طيب‪ .‬وكذا يحرم عند الشافعية دهن الرأس أو اللحية ولو‬
‫من امرأة‪ ،‬ولو كان الدهن غير مطيب كزيت وشمع مذاب‪ ،‬لما فيه من التزين المنافي لحال المحرم‬
‫فإنه أشعث أغبر‪ ،‬كما ورد في الخبر‪« :‬المحرم‪ :‬الشعث الغبر» (‪ )1‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم‬
‫في المحرم الذي وقصت به ناقته‪« :‬ل تخمروا رأسه‪ ،‬ول تقربوه طيبا» فإن تطيب أو ادهن فعليه‬
‫فدية‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬لو ادهن بدهن مطيب كدهن البنفسج والورد والزئبق‪ ،‬فعليه دم إذا بلغ عضوا كاملً‪،‬‬
‫وكذا لو ادهن بغير مطيب كالزيت والشيرج‪.‬‬
‫وضابط حرمة الطيب عند الحنفية‪ :‬هو مس الطيب بحيث يلزَق شيء منه بثوبه أو بدنه كاستعمال ماء‬
‫الورد والمسك وغيرهما‪.‬‬
‫ولبأس عند الحنفية أن يغتسل المحرم ويدخل الحمام لنه طهارة‪ ،‬فل يمنع منها‪ ،‬وله أن يكتحل؛ لن‬
‫الكحل ليس له رائحة طيبة‪ ،‬فل يكون طيبا‪ ،‬ولكن ل يغسل رأسه ول لحيته بالخِطمي؛ لنه نوع طيب‬
‫‪ ،‬ولنه يقتل هوام الرأس‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرج الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر قال‪ « :‬قام رجل إلى النبي صلّى ال عليه وسلم فقال‪:‬‬
‫من الحاج؟ فقال‪ :‬الشعث التفل » ‪.‬‬

‫( ‪)3/600‬‬
‫وضابط حرمة الطيب عند المالكية كالحنفية‪ :‬هو مس الطيب‪ ،‬ويكره شمه بل مسّ له ول يدهن مطلقا‬
‫بطيب لغير علة‪ ،‬وإل جاز؛ لن الضرورات تبيح المحظورات‪ ،‬ولبدهن غير مطيب‪ ،‬ول يكتحل إل‬
‫من ضرورة‪ ،‬فيكتحل بما ل طيب فيه‪ ،‬ول يأكل طعاما فيه طيب لم تمسه النار‪ ،‬ول يصحب طيبا‬
‫فيكره‪ ،‬ول يستديم شمه فيكره‪ .‬ول يدخل الحمام للتنظيف‪ ،‬ويجوز للتبرد أو الجنابة‪ ،‬وعليه الفدية‬
‫كالشافعية وأبي حنيفة بدهن شيء من جسده أو شعره بدهن ولو بغير مطيب لغير ضرورة كعلة‬
‫مرضية‪ ،‬فإن وجدت علة جاز الدهان ببطن كف أو بطن رجل ول فدية اتفاقا‪ ،‬وهناك قولن بالفدية‬
‫وعدمها في دهن ظاهر الجسد (‪. )1‬‬
‫ورأي الشافعية كالحنفية والمالكية في الستعمال المحرم للطيب‪ :‬وهو أن يلصق الطيب ببدنه أو ثوبه‬

‫على الوجه المعتاد في ذلك الطيب‪ ،‬فلو طيب جزءا من بدنه بمسك أو نحوه لزمته الفدية‪ ،‬سواء في‬
‫ظاهر البدن أو باطنه‪ ،‬بأن أكله أو احتقن به أو استعط‪ .‬ول يحرم أن يجلس في حانوت عطار أو‬
‫موضع يبخر أو عند الكعبة وهي تبخر‪ .‬ويكره في الصح قصد اشتمام الرائحة‪ .‬ول فدية في الصح‬
‫إن مس طيبا فلم يعلق به شيء من عينه (ذات الطيب) ولو شم الورد فقد تطيب‪ ،‬ولوشم ماء الورد‬
‫فليس متطيبا‪ .‬ولو حمل مسكا في زجاجة مغلقة‪ ،‬أو خرقة مشدودة أو كيس‪ ،‬فل إثم عليه ولفدية‪ ،‬وإن‬
‫وجد رائحته‪.‬‬
‫وتحريم استعمال الطيب هو في حالة القصد‪ ،‬فإن تطيب ناسيا لحرامه أو جاهلً بتحريم الطيب أو‬
‫مكرها‪ ،‬فل إثم ول فدية‪ .‬وكذا ل إثم ول فدية إذا جهل كون المستعمل طيبا‪ ،‬والظهر عدم وجوب‬
‫الفدية لو مس طيبا يظنه يابسا ل يعلق منه شيء‪ ،‬فكان رطبا‪.‬‬
‫ومتى ألصق طيبا ببدنه أو ثوبه على وجه يقتضي التحريم‪ ،‬عصى ولزمه الفدية‪ ،‬ووجب عليه‬
‫المبادرة إلى إزالته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪.61-59/2 :‬‬

‫( ‪)3/601‬‬
‫وإن استهلك الطيب في المخالط له بأن لم يبق له ريح ول طعم ول لون‪ ،‬كأن استعمل في دواء وأكله‪،‬‬
‫جاز ول فدية‪ ،‬فإن بقيت له رائحة في المستهلك فدى‪ ،‬ويجوز أكل ما فيه ريح طيبة كالتفاح والترج‪.‬‬
‫وإن بقي اللون دون الرائحة والطعم لم يحرم الدهن المستهلك على الصح‪.‬‬
‫ويحرم كما بينت عندهم دهن شعر الرأس واللحية بكل دهن‪ ،‬سواء أكان مطيبا أم غير مطيب كالزيت‬
‫والسمن ودهن الجوز واللوز‪ .‬ول بأس أن يدهن القرع رأسه‪ ،‬أو يدهن المرد ذقنه‪ .‬ويجوز استعمال‬
‫هذا الدهن في جميع البدن سوى الرأس واللحية‪ ،‬ولو شعرة أو بعضها‪ ،‬وبقية شعور الوجه كاللحية‬
‫على المعتمد‪.‬‬
‫ول يكره عند الشافعية غسل البدن والرأس بخطمي ونحوه كسدر وصابون من غير نتف‪ ،‬والولى‬
‫تركه‪ ،‬وترك الكتحال الذي ل طيب فيه‪ .‬والمعتمد عندهم كراهة ترجيل (تسريح) الشعر‪ ،‬وحك‬
‫الشعر بالظفر‪.‬‬
‫وتشدد الحنابلة فقالوا‪ :‬يحرم تعمد الطيب مسا وشما واستعمالً‪ ،‬فمتى طيب محرم ثوبه أو بدنه‪ ،‬أو‬
‫استعمل في أكل أو شرب أو ادهان أواكتحال أو استعاط أو احتقان طيبا يظهر طعمه أو ريحه‪ ،‬أو‬

‫قصد شم دهن مطيب أو مسك أو عنبر أو زعفران أو ورس أو بخور عود أو نحوه‪ ،‬أو ما ينبته آدمي‬
‫لطيب ويتخذ منه كورد وبنفسج ومنثور وياسمين وزنبق‪ ،‬وشمه أو مس ما يعلق به كماء ورد‪ ،‬حرم‬
‫وعليه الفدية‪.‬‬
‫ول يحرم إن شم بل قصد‪ ،‬أو مس ما ل يعلق بالجسد كقطع المسك‪ ،‬أو شم الفواكه أو النباتات‬
‫الصحراوية كالخزامى والقيصوم والنرجس والذخر‪ ،‬أو ما ينبته آدمي ل بقصد طيب كحناء وعصفر‬
‫وقرنفل‪ ،‬أو ادهن للحاجة بغير مطيب كزيت وشيرج‪ ،‬ولو في رأسه أو بدنه؛ لن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم فعله (‪ ، )1‬أو شم بل قصد بسبب الجلوس عند عطار‪ .‬وإذا تطيب ناسيا أو عامدا لزمه إزالته‬
‫بما أمكن من الماء وغيره من المائعات‪ .‬ول يضر بقاء اللون دون الرائحة والطعم من الدهن المطيب‬
‫في أكل أو شرب‪ ،‬لذهاب المقصود‪.‬‬
‫وللمحرم غسل رأسه وبدنه في حمام وغيره‪ ،‬بل تسريح؛ لن تسريحه تعريض لقطع الشعر‪ ،‬وله مع‬
‫الكراهة الغسل بسدر وخطمي ونحوهما كصابون وأشنان‪ .‬وله غسل ثياب الحرام‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬تحريم مسّ الطيب بالتفاق‪ ،‬وكذا قصد شمه عند الحنابلة‪ ،‬ويكره عند غيرهم‪ ،‬وتحريم‬
‫الدهان بالزيوت مطلقا عند أبي حنيفة والمالكية‪ ،‬وبالدهن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعا‪ ،‬وهو ضعيف‪.‬‬

‫( ‪)3/602‬‬
‫المطيب عند الحنابلة‪ ،‬دون غير المطيب‪ ،‬ودهن الشعر والرأس فقط مطلقا عند الشافعية ولو بغير‬
‫مطيب‪ .‬ويجوز الغتسال ولو بالصابون عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬ول يجوز بالصابون ونحوه عند‬
‫الحنفية‪ ،‬ويغتسل عند المالكية للتبرد ل للتنظيف‪.‬‬
‫وأما إزالة الشعر من جميع بدنه ولو من أنفه بالحلق أو النتف وتقليم الظفار‪ :‬فحرام بالتفاق لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬ول تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة‪ ]196/2:‬وقيس سائر البدن على الرأس؛‬
‫لنه في معناه‪ ،‬إذ حلقه يؤذن بالرفاهية‪ ،‬وهو ينافي الحرام‪ ،‬والمحرم أشعث أغبر‪ .‬وقيس النتف‬
‫والقلع على الحلق؛ لنهما في معناه‪ ،‬وإنما عبر النص بالحلق لنه الغالب‪.‬‬
‫فل يقلم أظفاره ول ينتف إبطه ول يحلق عانته ول شاربه وغيرهما من شعور البدن‪ ،‬ول يقص شعره‬
‫وشعر غيره‪ ،‬ول يزيل الشعث والوسخ‪ ،‬ول يطرح التفث (وهو الظفر المنكسر والشعر المنتوف‬

‫وشبهه) ول يقتل قملة ول برغوثا ول يطرحهما عن نفسه‪ ،‬ول يطرح القراد عن دابته‪ ،‬ول يحك ما‬
‫ل يراه من بدنه حكا عنيفا لئل يكون فيه قملة فتقع‪ ،‬وذلك كله بغير عذر‪ ،‬فإن كان بعذر فل إثم‪.‬‬

‫( ‪)3/603‬‬
‫أما الفدية ففيها تفصيل آراء الفقهاء‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬إن حلق رأسه أو ربع رأسه أو ثلثه من غير عذر‪ ،‬فعليه دم ل يجزئه غيره؛ لنه ارتفاق‬
‫كامل من غير ضرورة‪ ،‬وإن حلقه لعذر‪ ،‬فعليه أحد الشياء الثلثة‪ ،‬لقوله عز وجل‪{ :‬فمن كان منكم‬
‫مريضا أوبه أذى من رأسه‪ ،‬ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة‪ .]196/2:‬وإن حلق دون الربع‬
‫فعليه الصدقة عند أبي حنيفة‪.‬‬
‫وإن حلق شاربه فعليه صدقة؛ لن الشارب تبع للحية‪ .‬وإذا نتف أحد البطين أو كليهما فعليه كفارة‬
‫واحدة وهو الدم‪ .‬وإذا قلم ظفرا عليه نصف صاع لكل ظفر‪ ،‬وإن قلم أظافير يد أو أو رجل من غير‬
‫عذر وضرورة‪ ،‬فعليه دم؛ لنه ارتفاق كامل‪ ،‬فتكاملت الجناية‪ ،‬فتجب كفارة كاملة‪ .‬ويجب الجزاء‬
‫بالحلق والتقليم العمد والسهو والطوع والكره‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬في إزالة الشعر والظفر الواحد والشعرات الظفار العشرة لغير إماطة الذى‪ :‬حفنة من‬
‫طعام‪ ،‬وفي قتل ال َقمْلة والقَملت إلى العشرة أو طرحها بل قتل ل لماطة الذى حفنة من طعام‬
‫يعطيها لفقير‪ ،‬فإن زاد عن العشرة ففدية تلزمه‪.‬‬
‫ول شيء في طرح بُرْغوث ونحوه من كل ما يعيش بالرض كدود ونمل وبعوض وقراد‪ ،‬إذا لم‬
‫يقتله‪ ،‬ول شيء في دخول حمام ولو طال مكثه فيه‪ ،‬إل أن يزيل الوسخ عن جسده‪ ،‬فتلزمه الفدية‬
‫حينئذ‪.‬‬
‫ول يحرم إزالة ما تحت أظفاره وغسل يديه بمزيل الوسخ كالشنان‪ .‬ول شيء بتساقط شعر من لحية‬
‫أو رأس أو غيرهما بسبب وضوء أو غسل‪.‬‬
‫والظهر عند الشافعية أن في الشعرة الواحدة مد طعام‪ ،‬وفي الشعرتين مدين‪ ،‬وتكمل الفدية في ثلث‬
‫شعرات أو ثلثة أظفار‪ ،‬ولو كان ناسيا أوجاهلً على الصح‪ ،‬ولو بواسطة كحجامة وحك بنحو ظفر‬
‫وتحريك رجل راكب على برذعة أو قتَب‪ ،‬وامتشاط‪ ،‬فيحرم ذلك إن علم إزالة الشعر به‪.‬وتجب الفدية‪،‬‬
‫وإل فيكره ول فدية‪ .‬ومنع الحنفية والمالكية المتشاط مطلقا‪.‬‬

‫( ‪)3/604‬‬

‫وللمعذور في الحلق ليذاء أو وسخ أو حر أو جراحة أو نحو ذلك أن يحلق ويفدي‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فمن‬
‫كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه‪ ،‬ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة‪ ،]196/2:‬وفي‬
‫عجْرة قال‪« :‬فيّ نزلت هذه الية‪ ،‬أتيت رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫الصحيحين عن كعب بن ُ‬
‫فقال‪ :‬ادن فدنوت‪ ،‬فقال‪ :‬أيؤذيك هوام رأسك؟ قال ابن عوف‪ :‬وأظنه قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فأمرني بفدية من‬
‫صيام أو صدقة أو نسك» (‪. )1‬‬
‫ولكن يجوز قلع شعرة نبتت داخل جفنه وتأذى بها‪ ،‬ول فدية‪ ،‬وكذا يجوز قطع شعر حاجبه أو رأسه‬
‫إذا غطى عينه‪ ،‬ول فدية‪ ،‬وكذا قطع ما انكسر من ظفره وتأذى به‪ ،‬ول يقطع معه من الصحيح شيئا‪.‬‬
‫والمعتمد كراهة ترجيل (تسريح الشعر) وحك الشعر بالظفر‪ ،‬ول يكره كما بينت غسل بدنه ورأسه‬
‫بخطمي وسدر من غير نتف شعر؛ لن ذلك ليس للتزين‪ ،‬بل لزالة الوسخ‪ ،‬لكن الولى تركه‪،‬‬
‫وللمحرم الحتجام والفصد ما لم يقطع بهما شعرا‪ ،‬والولى ترك الكتحال الذي ل طيب فيه‪ ،‬وأما ما‬
‫فيه طيب فهو حرام‪ .‬ول شيء بسقوط الشعر وحده دون نتف أو إزالة أو حك بنحو ظفر أو أثناء‬
‫حجامة أو امتشاط‪.‬‬
‫وقال الحنابلة كالشافعية‪ :‬يجب إطعام مسكين فيما دون ثلث من شعر أو ظفر‪ ،‬وتجب الفدية في ثلث‬
‫منها أو في التطيب واللبس‪ ،‬ولو في أثناء التمشيط أو تخليل اللحية‪ ،‬أو كان ناسيا أو مكرها‪ .‬ويباح‬
‫حك بدنه برفق بل قطع شعره‪.‬‬
‫ول فدية إن تفلى أو قتل قملً‪ ،‬فإن كعب بن عجرة حين حلق رأسه قد أذهب قملً كثيرا‪ ،‬ولم يجب‬
‫عليه لذلك شيء‪ ،‬وإنما وجبت الفدية بحلق الشعر‪ ،‬ولن القمل ل قيمة له‪ ،‬فأشبه البعوض والبراغيث‪،‬‬
‫ولنه ليس بصيد ول هو مأكول‪ .‬وله قلم الظفر إذا انكسر بقدر المنكسر من غير فدية تلزمه‪ ،‬قال ابن‬
‫المنذر‪ :‬أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر‪ ،‬ولن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪.11/5 :‬‬

‫( ‪)3/605‬‬
‫ما انكسر يؤذيه ويؤلمه‪ ،‬فأشبه الشعر النابت في عينه‪ ،‬والصيد الصائل عليه‪ .‬فإن قص أكثر مما‬
‫انكسر فعليه الفدية لذلك الزائد‪.‬‬
‫ول ينظر في المرآة لصلح شيء كإزالة شعث أو تسوية شعر أو شيء من الزينة‪،‬لحديث «إن‬
‫المحرم الشعث الغبر» وفي حديث آخر‪« :‬إن ال يباهي بأهل عرفة ملئكته‪ ،‬فيقول‪ :‬يا ملئكتي‬

‫انظروا إلى عبادي قد أتوني شعثا غبرا ضاحين» أو كما جاء لفظ الحديث‪.‬ولفدية عليه بالنظر في‬
‫المرآة على كل حال‪ ،‬وإنما ذلك أدب ل شيء على تاركه‪ .‬وله النظر في المرآة لحاجة كمداواة جرح‬
‫أو إزالة شعر نبت في جفنه ونحو ذلك مما أباح الشرع له فعله‪ .‬والخلصة‪ :‬يكره النظر لزينة‪،‬‬
‫ويجوز لحاجة‪.‬‬
‫الصل الثالث ـ النساء ‪:‬‬
‫وهذا يشمل أمرين‪ :‬عقد الزواج‪ ،‬والجماع ومقدماته‪.‬‬
‫أما عقد الزواج‪ :‬فيحرم ول يصح عند الجمهور إل في حق النبي صلّى ال عليه وسلم ـ إن ثبت‬
‫تزوجه ميمونة وهو محرم ـ ول فدية فيه‪ ،‬فل يتزوج المحرم ولو بوكيل غير محرم‪ ،‬ول يزوج‬
‫بولية أو وكالة‪ ،‬فإن فعل فالزواج باطل‪ .‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يَنْكح المحرم ول يُنكح‪،‬‬
‫ول يخطب» (‪ ، )1‬ولن الحرام يحرم الطيب‪ ،‬فيحرم النكاح كالعدة‪ .‬ومتى تزوج المحرم أو زوج‪،‬‬
‫أو ُزوّجت محرمة‪ ،‬فالنكاح باطل؛ لنه منهي عنه‪.‬‬
‫وتكره الخطبة للمحرم‪ ،‬وخطبة المحرمة‪ ،‬ويكره للمحرم أن يخطب لحلل (غير محرم)‪ ،‬للحديث‬
‫السابق «ول يخطب» ولنه تسبب إلى الحرام‪ ،‬فأشبه الشارة إلى الصيد‪.‬‬
‫والحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح وسائر المحظورات؛ لن حكمه باق في وجوب ما يجب في‬
‫الحرام‪ ،‬فكذلك ما يحرم به‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬

‫( ‪)3/606‬‬
‫وأجاز الحنفية الزواج والخطبة للمحرم‪ ،‬لما روى ابن عباس‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم تزوج‬
‫ميمونة وهو محرم» (‪ . )1‬ورد الجمهور بحديث ميمونة‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم تزوجها‬
‫حللً‪ ،‬وبنى بها حللً‪ ،‬وماتت بسَرف في الظلة التي بنى بها فيها» (‪ )2‬وبحديث أبي رافع قال‪:‬‬
‫«تزوج رسول ال صلّى ال عليه وسلم ميمونة وهو حلل‪ ،‬وبنى بها وهو حلل‪ ،‬وكنت أنا الرسول‬
‫بينهما» (‪ )3‬وميمونة وأبو رافع أعلم بذلك من ابن عباس‪ ،‬وأولى بالتقديم لو كان ابن عباس كبيرا‪،‬‬
‫فكيف وقد كان صغيرا ل يعرف حقائق المور‪ ،‬ول يقف عليها‪ ،‬وقد أنكر عليه هذا القول‪ ،‬وقال سعيد‬
‫بن المسيب‪« :‬وَهِم ابن عباس‪ ،‬ما تزوجها النبي صلّى ال عليه وسلم إل حللً» ‪ .‬ثم إن حديث «ل‬
‫ينكح المحرم‪ »...‬قول‪ ،‬فيقدم على الفعل المروي عن ابن عباس‪ ،‬وهو آكد‪ ،‬لن الفعل يحتمل أن يكون‬

‫مختصا بما فعله عليه السلم‪.‬‬
‫وأما الجماع ومقدماته‪ :‬فيحرم بالتفاق ولو لبهيمة‪ ،‬ويحرم على المرأة الحلل تمكين زوجها المحرم‬
‫من الجماع؛ لنه إعانة على معصية‪ ،‬ويحرم على الرجل الحلل جماع زوجته المحرمة‪.‬‬
‫وبناء عليه‪ :‬يحرم على المحرم الوطء في الفرج‪ ،‬ومقدمات الجماع من تقبيل ولمس بشهوة ومباشرة‬
‫وجماع فيما دون الفرج‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬الحج أشهر معلومات‪ ،‬فمن فرض فيهن الحج‪ ،‬فل رفث ول‬
‫فسوق ول جدال في الحج} [البقرة‪ ]197/2:‬والرفث‪ :‬ما يكنى به عن الجماع وجميع حاجات الرجال‬
‫إلى النساء‪.‬‬
‫ويتوقى المحرم في إحرامه ما نهاه ال عنه في هذه الية من الرفث (الجماع) والفسوق وهو السباب‪،‬‬
‫والجدال‪ :‬وهو المراء والمجادلة‪ .‬وقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والثرم‪.‬‬
‫(‪ )3‬قال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن‪ ،‬وميمونة أعلم بنفسها‪ ،‬وأبو رافع صاحب القصة‪ ،‬وهو السفير‬
‫فيها‪.‬‬

‫( ‪)3/607‬‬
‫«من حج فلم يرفُث ولم يفسُق‪ ،‬خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أمه» (‪. )1‬‬
‫فإن جامع قبل الوقوف بعرفة أفسد حجه ومضى في فاسده وعليه القضاء فورا من العام القادم‪ ،‬حتى‬
‫وإن كان نسكه تطوعا‪ ،‬وعليه بدنة‪ ،‬لقضاء الصحابة رضي ال تعالى عنهم بذلك‪ ،‬كما سأبين‪.‬‬
‫وإن جامع بين التحللين‪ ،‬أو جامع ثانيا بعد جماعه الول قبل التحللين‪ ،‬فعليه شاة‪.‬‬
‫وإن جامع فيما دون الفرج أنزل أو لم ينزل‪ ،‬أو قبل أو لمس بشهوة أو باشر‪ ،‬فعليه دم‪ ،‬لكن ل يفسد‬
‫حجه عند الجمهور غير المالكية‪ ،‬قال ابن عمر‪« :‬إذا باشر المحرم امرأته‪ ،‬فعليه دم» وذلك سواء فعل‬
‫ما ذكر من الجماع ومقدماته عامدا أو ناسيا أو مكرها‪ .‬أما لو نظر إلى فرج امرأته عن شهوة‪،‬‬
‫فأمنى‪ ،‬فل شيء عليه‪ ،‬بخلف المس عن شهوة‪ ،‬إنه يوجب الدم‪ ،‬أمنى أو لم يمن‪ ،‬والفرق‪ :‬أن اللمس‪:‬‬
‫استمتاع بالمرأة وقضاء للشهوة‪ ،‬أما النظر فليس استمتاعا ول قضاء للشهوة‪ ،‬بل هو سبب لزرع‬
‫الشهوة في القلب‪ ،‬والمحرم ليس ممنوعا عما يزرع الشهوة كالكل‪.‬‬
‫ورأى الشافعية أنه إن باشر فيما دون الفرج ناسيا فل شيء عليه‪ ،‬سواء أنزل أم ل‪ .‬والستمناء باليد‬

‫يوجب الفدية‪ .‬ولو كرر النظر إلى امرأة فأنزل من غير مباشرة ول استمناء‪ ،‬فل فدية عليه‪ ،‬كما قال‬
‫الحنفية‪.‬‬
‫وكذلك قال الحنابلة‪ :‬إن فكر أو نظر فأنزل فل شيء عليه؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم كان ينظر‬
‫إلى نسائه وهو محرم‪ .‬وإن كرر النظر حتى أمذى أو أمنى‪ ،‬فعليه دم عندهم‪.‬‬
‫أما المالكية فقالوا‪ :‬إن إنزال المني مفسد الحج والعمرة مطلقا‪ ،‬حتى وإن حدث بنظر أو فكر‬
‫مستديمين‪ ،‬ل بمجردهما‪ ،‬بخلف النزال بغيرهما ل يشترط فيه الدامة‪ .‬وبه يلتقي الحنابلة مع‬
‫المالكية في إيجاب الدم في حال الستدامة‪ ،‬لكن يختلف المذهبان في مجرد النظر أو الفكر‪ ،‬فعند‬
‫المالكية‪ :‬يجب دم‪ ،‬وعند الحنابلة‪ :‬ل شيء عليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)3/608‬‬
‫وللمحرم بالتفاق أن يتجر ويصنع الصنائع ويرتجع زوجته مادامت في عدتها‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ليس‬
‫عليكم جناح أن تبتغوا فضلًمن ربكم} [البقرة‪ ]198/2:‬أي في مواسم الحج‪ ،‬والمرأة الرجعية زوجة‪،‬‬
‫والرجعة إمساك‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فأمسكوهن بمعروف} [البقرة‪ ]231/2:‬فأبيح ذلك كالمساك قبل‬
‫الطلق‪.‬‬
‫ما يفسد الحج‪ ،‬وحكمه إذا فسد ‪:‬‬
‫أولً ـ شروط كونه مفسدا‪ :‬يشترط في الجماع المفسد للحج شرطان عند الحنفية وغيرهم‪:‬‬
‫الول ـ أن يكون الجماع في الفرج‪ :‬وهذا متفق عليه‪ ،‬فلو جامع فيما دون الفرج‪ ،‬أو لمس بشهوة‪ ،‬أو‬
‫عانق‪ ،‬أو قبل‪ ،‬أو باشر‪ ،‬ل يفسد حجه‪ ،‬لكن تلزمه عند الحنفية الكفارة‪ ،‬سواء أنزل أو لم ينزل‪ .‬وقال‬
‫المالكية‪ :‬وكذا النزال بالوطء أو بغيرالوطء إل الحتلم يوجب الدم‪.‬‬
‫ورأى الشافعية‪ :‬أن الستمناء باليد والمباشرة فيما دون الفرج حرام‪ ،‬ل يفسد الحج‪ ،‬ويوجب الدم إن‬
‫أنزل‪ .‬وشرطوا لفساد الحج بالجماع أن يكون المجامع عالما بالتحريم‪ ،‬فإن كان ناسيا أو جاهلً‬
‫بالتحريم أو جومعت المرأة مكرهة‪ ،‬لم يفسد الحج ول فدية أيضا في الصح‪ .‬والجماع وحده هو الذي‬
‫يفسد الحج‪ ،‬سواء للرجل والمرأة‪ ،‬حتى لو استدخلت المرأة ذكر نائم‪ ،‬فسد حجها وعمرتها‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنه إن وطئ دون الفرج‪ ،‬فلم ينزل‪ ،‬فعليه دم‪ ،‬وإن أنزل‪ ،‬فعليه بدنة‪ ،‬ول يفسد‬
‫حجه في الرواية الصحيحة‪ .‬وقالوا‪ :‬على الرجل المحرم بدنة إن وطئ في الفرج واستكرهها‪ ،‬فإن‬

‫كانت طاوعته فعلى كل واحد منهما بدنة‪ .‬وإذا تكرر الجماع‪ ،‬فإن كفر عن الول‪ ،‬فعليه للثاني كفارة‬
‫ثانية كالول‪ ،‬وإن لم يكن كفر عن الول‪ ،‬فكفارة واحدة‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الجماع وحده مفسد للحج عند الجمهور‪ ،‬ويضم إليه النزال عند المالكية‪.‬‬

‫( ‪)3/609‬‬
‫والثاني ـ أن يكون الجماع عند الحنفية قبل الوقوف بعرفة‪ ،‬فمن جامع بعد الوقوف بعرفة‪ ،‬لم يفسد‬
‫حجه‪ .‬وعليه بدنة إن جامع بعد الوقوف قبل الحلق‪ ،‬لن الركن الصلي هوالوقوف بعرفة‪ ،‬لحديث‪:‬‬
‫«الحج عرفة» أي الوقوف بعرفة‪ ،‬وعليه مع فساد الحج شاة إن جامع قبل الوقوف‪ ،‬لما روي أن‬
‫الصحابة قالوا‪ :‬عليه هدي‪.‬‬
‫وقال الجمهور غير الحنفية‪ :‬يفسد الحج إن وقع قبل التحلل الول (‪، )1‬ولو بعد الوقوف؛ لنه وطء‬
‫صادف إحراما صحيحا لم يحصل في التحلل الول‪ ،‬فأشبه ما قبل الوقوف‪ .‬وعليه بدنة عند الشافعية‬
‫والحنابلة‪ ،‬لقضاء الصحابة بذلك‪ ،‬وهدي عند المالكية في زمن القضاء‪ ،‬وأفضله البل‪ ،‬ثم البقر ثم‬
‫الضأن‪ ،‬ثم المعز أما العمرة‪ :‬فتفسد عند الحنفية (‪ )2‬إن جامع قبل أن يطوف أربعة أشواط‪ ،‬وعليه‬
‫قضاوها‪ ،‬وشاة‪ .‬وإن وطئ بعدما طاف أربعة أشواط فل تفسد‪ ،‬ول يلزمه قضاؤها‪ ،‬وعليه شاة‪.‬‬
‫وتفسد عند المالكية والحنابلة (‪ )3‬إن جامع قبل تمام السعي‪ ،‬قبل الحلق‪ ،‬وعليه لفسادها هدي عند‬
‫المالكية‪ ،‬وشاة عند الحنابلة‪ ،‬ول فدية على مكرهة‪ ،‬ول يفسد بعد تمام السعي وقبل الحلق‪.‬‬
‫وتفسد عند الشافعية (‪ )4‬إن جامع قبل التحلل أو الفراغ منها‪ ،‬وعليه لفسادها بدنة كالحج‪ ،‬لتغليظ‬
‫الجناية‪.‬‬
‫ثانيا ـ حكم الحج إذا فسد ‪:‬‬
‫إذا فسد الحج بالجماع يجب المضي في فاسده‪ ،‬ويجب القضاء اتفاقا على الفور من العام التالي‪ ،‬وإن‬
‫كان نسكه تطوعا؛ لنه يلزم بالشروع فيه‪ ،‬فصار فرضا‪ ،‬بخلف باقي العبادات عند غير الحنفية‪.‬‬
‫وفورية قضاء الفاسد؛ لنه وإن كان وقت الحج موسعا‪ ،‬يضيق بالشروع فيه‪ ،‬ولقول الصحابة بقضائه‬
‫من قابل‪.‬‬
‫ويستوي في ذلك الرجل والمرأة لستوائهما في المعنى الموجب للفساد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬التحلل الول كماسبق يحصل بفعل اثنين من ثلثةوهي رمي جمرة العقبة والحلق وطواف‬
‫الفاضة‪.‬‬

‫(‪ )2‬الكتاب مع اللباب‪.202/1 :‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الصغير‪ ،94/2 :‬غاية المنتهى‪.382/1 :‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪.522/1 :‬‬

‫( ‪)3/610‬‬
‫ويجب عليه بدنة عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬سواء حدث الفساد قبل الوقوف أم بعده‪ ،‬لقضاء الصحابة‬
‫بذلك‪ ،‬بدون تفرقة بين ما قبل الوقوف وبعده‪ ،‬ولنه جماع صادف إحراما تاما‪ ،‬فوجب به كما بعد‬
‫الوقوف‪ ،‬والقضاء واجب على الصبي إن أفسد نسكه بالجماع‪.‬‬
‫وعليه عند المالكية هدي زمن القضاء‪ ،‬لقول ابن عمر لمن واقع امرأته‪..« :‬فإذا كان في العام المقبل‬
‫فاحجج أنت وامرأتك واهديا هديا‪. »..‬‬
‫وأوجب الحنفية عليه شاة إن جامع قبل الوقوف وفسد حجه‪ ،‬وبدنة إن جامع بعد الوقوف قبل الحلق‬
‫وحجه صحيح؛ لنه قبل الوقوف معنى يوجب القضاء‪ ،‬فلم يجب به بدنة كفوات الوقوف‪ ،‬ولن ابن‬
‫عباس أوجب البدنة في موضعين في الحج‪ :‬أحدهما إذا طاف للزيارة جنبا ورجع إلى أهله ولم يعد‪،‬‬
‫والثاني إذا جامع بعد الوقوف ‪ .‬وإذا كان المحرم قارنا فجامع قبل الوقوف فسد حجه وعمرته‪ ،‬وعليه‬
‫دمان لكل واحد منهما شاة‪ ،‬وعليه المضي فيهما وإتمامهما على الفساد‪ ،‬وعليه قضاؤهما‪ ،‬ويسقط عنه‬
‫دم القران‪ ،‬وأوجب الشافعية مع البدنة دم القران‪.‬‬
‫الصل الرابع ـ الصيد ‪:‬‬
‫ل يجوز للمحرم قتل صيد البر واصطياده أو الدللة عليه‪ ،‬إل المؤذي المبتدئ بالذى غالبا كالسد‬
‫والذئب والحية والفأرة والعقرب والكلب العقور‪ ،‬والكلب عند المالكية‪ :‬كل حيوان وحشي يخاف منه‬
‫كالسباع‪ .‬وعند أبي حنيفة‪ :‬الكلب المعروف‪.‬‬

‫( ‪)3/611‬‬
‫ويجوز للمحرم صيد البحر مطلقا‪ ،‬وذبح المواشي النسية كالنعام من البل والبقر والغنم‪ ،‬وذبح‬
‫الطير الذي ل يطير في الهواء كالدجاج‪ ،‬والدليل قوله تعالى‪{ :‬أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم‬
‫وللسيارة‪ ،‬وحرّم عليكم صيد البر مادمتم حرما} [المائدة‪ ،]96/5:‬وقوله سبحانه‪{ :‬ياأيها الذين آمنوا ل‬
‫تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم} [المائدة‪ ،]95/5:‬وتحريم الشارة إلى الصيد والدللة عليه والكل منه واضح‬
‫من حديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون‪ ،‬فقال النبي صلّى ال عليه وسلم‬

‫لصحابه‪« :‬هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فكلوه» (‪ )1‬وهذا دليل الحنفية‬
‫القائلين‪ :‬يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقا إذا صاده الحلل‪.‬‬
‫وقال الجمهور‪ :‬يحرم الكل من لحم صيد البر على المحرم إذا صيد له‪ ،‬لحديث الصعب بن جَثّامة‪:‬‬
‫«أنه أهدى إلى رسول ال صلّى ال عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالبواء أو بودّان‪ ،‬فرده عليه‪ ،‬فلما‬
‫رأى ما في وجهه قال‪ :‬إنا لم نردّه عليك‪ ،‬إل أنا حُرُم» (‪ )2‬وهذا الرأي أرجح؛ لنه اقتصر في‬
‫التعليل على كونه محرما‪ ،‬كما قال الشوكاني‪ ،‬ولحديث آتٍ‪« :‬صيد البر لكم حلل ما لم تصيدوه أو‬
‫يصد لكم» ‪.‬‬
‫وللمذاهب تفصيلت في الصيد الممنوع‪ ،‬خلصتها ما يأتي‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )3‬ل يجوز للمحرم أن يتعرض لصيد البر المأكول وغير المأكول إل المؤذي غالبا‪.‬‬
‫والصيد الممنوع‪ :‬كل حيوان بري متوحش بأصل الخلقة مباح أو مملوك‪ ،‬فل يحرم على المحرم ذبح‬
‫البل والبقر والغنم؛ لنها ليست بصيد‪ ،‬لعدم المتناع‪ ،‬والصيد هو الممتنع المتوحش‪ ،‬ول يحرم‬
‫الدجاج والبط الذي في المنازل‪ .‬والكلب والسنّور ( القط ) الهلي ليس بصيد‪ :‬لنه مستأنس‪ .‬ويحل‬
‫صيد البحر‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم‪ ،‬والبخاري بلفظ آخر عن أبي قتادة (نيل الوطار‪.)21/5 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه بين أحمد والشيخين (المرجع السابق‪ :‬ص ‪ )18‬ولحمد ومسلم وأبي داود والنسائي‬
‫مثله عن زيد بن أرقم‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،206-195/2 :‬الكتاب‪ ،210-206/1 :‬فتح القدير‪.255/2 :‬‬

‫( ‪)3/612‬‬
‫للحلل والمحرم‪ ،‬للية السابقة‪ ،‬والبحري‪ :‬هو الذي توالده في البحر‪ ،‬سواء أكان ل يعيش إل في‬
‫البحر أم يعيش في البحر والبر‪ .‬والبري‪ :‬ما يكون توالده في البر‪ ،‬سواء أكان ل يعيش إل في البر‪ ،‬أم‬
‫يعيش في البر والبحر‪ ،‬فالعبرة للتوالد‪.‬‬
‫ول بأس بقتل البرغوث والبعوض والنملة والذباب والقراد والزنبور؛ لنها ليست بصيد‪ ،‬لنعدام‬
‫التوحش والمتناع‪ ،‬ولن هذه الشياء من المؤذيات المبتدئة بالذى غالبا‪ ،‬فالتحقت بالمؤذيات‬
‫المنصوص عليها من الحية والعقرب في حديث‪« :‬خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم‪ :‬الحية‬
‫والعقرب والفأرة والكلب العقور والغراب» (‪. )1‬‬

‫ول يقتل القملة‪ ،‬ل لنها صيد‪ ،‬بل لما فيها من إزالة التفث‪ ،‬لنه متولد من البدن كالشعر‪ ،‬والمحرم‬
‫منهي عن إزالة التفث من بدنه‪ ،‬فإن قتلها تصدق بشيء‪ ،‬كما لو أزال شعرة‪.‬‬
‫وكذا ل يقتل الجرادة‪ ،‬لنها صيد البر‪.‬‬
‫ول بأس له بقتل هوام الرض من الفأرة والحية والعقرب والخنافس والجعلن وصياح الليل‬
‫والصرصر ونحوها؛ لنها ليست بصيد‪ ،‬بل من حشرات الرض‪ .‬وكذا القنفذ وابن عرس؛ لنهما من‬
‫الهوام‪.‬‬
‫وله أن يقتل ما ل يبتدئ بالذى غالبا كالضبع والثعلب وغيرهما من الضب واليربوع والقرد والفيل‬
‫والخنزير إن عدا عليه‪ ،‬ول شيء عليه إذا قتله في قول أئمة الحنفية ما عدا زفر‪.‬‬
‫وإن ذبح المحرم صيدا‪،‬فذبيحته ميتة ل يحل أكلها لحد من مُحرم أو حلل‪ ،‬ول بأس أن يأكل المحرم‬
‫لحم صيد اصطاده حلل أوذبحه‪ ،‬إذا لم يدلّه المحرم عليه‪ ،‬ول أمره بصيد‪ ،‬سواء اصطاده لنفسه أو‬
‫للمحرم‪ ،‬حيث لم يكن له فيه صنع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن عائشة‪ ،‬وله ألفاظ أخرى عند أبي داود وأحمد‪.‬‬

‫( ‪)3/613‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬ليقتل المحرم شيئا من صيد البر‪ ،‬ما أكل لحمه‪ ،‬ومالم يؤكل‪ ،‬كما قال الحنفية‪:‬‬
‫سواء أكان ماشيا أم طائرا في الحرم أم في غيره‪ ،‬ول يأمر به‪ ،‬ول يدل عليه‪ ،‬ول يشير إليه‪ ،‬فإن‬
‫أمر أو دل‪ ،‬فقد أساء ول كفارة عليه‪.‬‬
‫ول يأكل لحم صيد صيد له أو من أجله‪ ،‬خلفا للحنفية‪ ،‬وإن صيد في الحل لحلل‪ ،‬جاز للمحرم أكله‪.‬‬
‫وكل ما ذبحه المحرم من الصيد أو قتله عمدا أو خطأ‪ ،‬فهو ميتة‪ ،‬ول يجوز له ول لغيره أكله‪ ،‬كما‬
‫قال الحنفية‪.‬‬
‫ويجوز له ذبح المواشي النسية كالنعام والطير الذي ل يطير في الهواء كالدجاج‪ ،‬وله صيد البحر‬
‫مطلقا‪ ،‬وهذا متفق عليه‪.‬‬
‫وله قتل الحيوان المضر كالسد ونحوه مما ذكر‪ ،‬وهذا متفق عليه‪.‬‬
‫ول يقتل ضبعا ول خنزيرا ول قردا إل أن يخاف من عاديته‪.‬‬
‫ويحرم قتل ما ل ضرر فيه من البعوضة فما فوقها‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )2‬يحرم بالحرام اصطياد كل حيوان مأكول بري متوحش مباح أو مملوك‪ ،‬وكذا‬

‫المتولد من المأكول وغيره‪ ،‬أو من النسي وغيره‪ ،‬كالمتولد من حمار وحشي وحمار أهلي‪ ،‬أو من‬
‫شاة وظبي‪ ،‬ويجب به الجزاء احتياطا‪.‬‬
‫ويحرم الجراد‪ ،‬ول يحرم السمك وصيد البحر‪ :‬وهو مال يعيش إل في البحر‪ .‬أما ما يعيش في البر‬
‫والبحر فحرام‪ ،‬وتحرم الطيور المائية التي تغوص في الماء وتخرج‪ .‬ول يحرم ما ليس مأكولً كما‬
‫قال الحنابلة‪ ،‬خلفا للحنفية والمالكية‪.‬‬
‫ولو ذبح المحرم صيدا‪ ،‬صار ميتة على الصح‪ ،‬فيحرم على كل أحد أكله‪.‬‬
‫ويحرم على المحرم أكل صيد ذبحه هو‪ ،‬أو صاد ه غيره بإذنه‪ ،‬أوبغير إذنه‪ ،‬أو أعان عليه‪،‬أو كان له‬
‫تسبب فيه‪ ،‬فإن أكل منه عصى‪ ،‬ول جزاء عليه بسبب الكل‪ .‬ولو صاده حلل للمحرم ول تسبب فيه‪،‬‬
‫جاز له الكل منه‪ ،‬ول جزاء عليه‪ ،‬كما قال المالكية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،137‬الشرح الصغير‪.110-99/2 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،526-524/1 :‬المهذب‪ 210/1 :‬ومابعدها‪ ،‬اليضاح‪ :‬ص ‪ 28‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/614‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )1‬يحرم على المحرم قتل صيد البر واصطياده والعانة أو الدللة عليه إذا كان‬
‫وحشيا مأكولً‪ ،‬أومتولدا منه ومن غيره‪ ،‬ويباح صيد غير المأكول كما قرر الشافعية‪.‬‬
‫ويحرم عليه أكله من ذلك كله‪ ،‬وكذا ما ذبح أو صيد لجله فل يأكل المحرم ما صاده الحلل أو ذبحه‬
‫لجله‪ ،‬كما قال الشافعية‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬صيد البر لكم حلل ما لم تصيدوه أو يصد‬
‫لكم» (‪ )2‬ويتعين حمل حديث الصعب بن جثّامة على هذا‪ ،‬ويكون امتناع النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫عن الكل من الحمار الوحشي لعلمه أو ظنه أنه صيد من أجله‪ .‬ويحمل حديث أبي قتادة الذي استدل‬
‫به الحنفية على جواز الكل من الصيد الذي صاده الحلل‪ ،‬ل من أجل المحرم‪.‬‬
‫ويحرم قتل القمل وصئبانه؛ لنه يترفه بإزالته كإزالة الشعر‪ ،‬ولو كان قتله بزئبق ونحوه‪ ،‬ويحرم‬
‫رميه أيضا‪ ،‬ول جزاء فيه‪ ،‬لنه ليس بصيد ول قيمة له‪ .‬ويحرم قتل الجراد ويضمن بقيمته في مكانه‪.‬‬
‫وما حرم على المحرم لكونه صيد من أجله أو دل عليه أو أعان عليه‪ ،‬لم يحرم على الحلل أكله‪،‬‬
‫لقول علي‪« :‬أطعموه حللً» وهو محمول على أنه صيد من أجلهم‪ ،‬ولم ينه النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم الصعب بن جثامة عن أكل الحمار الوحشي‪ ،‬ولنه صيد حلل‪ ،‬فأبيح للحلل أكله‪ ،‬كما لو صيد‬
‫لهم‪.‬‬

‫وهل يباح أكله لمحرم آخر لم يصد له؟ فيه احتمالن‪ :‬قال عثمان‪ :‬يباح‪ ،‬لظاهر الحديث «صيد البر‬
‫لكم حلل مالم تصيدوه أو يصد لكم» وروي «أنه أهدي لعثمان صيد وهو محرم‪ ،‬فقال لصحابه‪:‬‬
‫كلوا‪ ،‬ولم يأكل هو‪ ،‬وقال‪ :‬إنما صيد من أجلي» ولنه لم يصد من أجله‪ ،‬فحل له كما لو صاده الحلل‬
‫لنفسه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ ،315-309/3 :‬كشاف القناع‪ ،514-502/2 :‬غاية المنتهى‪.379-376/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والنسائي والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬هو أحسن حديث في الباب‪ ،‬وفيه جمع بين الحاديث‬
‫وبيان المختلف منها‪.‬‬

‫( ‪)3/615‬‬
‫وقال علي‪ :‬يحرم عليه‪ ،‬لقوله‪« :‬أطعموه حللً‪ ،‬فإنا حُرُم » وهذا ما أرجحه‪.‬‬
‫وإذا ذبح المحرم الصيد‪ ،‬صار ميتة يحرم أكله على جميع الناس‪ .‬وهذا متفق عليه؛ لنه حيوان حرم‬
‫عليه ذبحه لحق ال تعالى‪ ،‬فلم يحل بذبحه كذبح المجوسي‪.‬‬
‫والخلصة يحرم عند الحنفية والمالكية الصيد المأكول وغيرالمأكول‪ ،‬ول يحرم عند غيرهم إل الصيد‬
‫المأكول أو المتولد منه ومن غيره‪.‬‬
‫وإذا اضطر المحرم فوجد صيدا وميتة‪ ،‬أكل الميتةعند الحنابلة والمالكية‪ ،‬وقال الشافعي‪ :‬يأكل الصيد (‬
‫‪. )1‬‬
‫وأضاف الحنابلة‪ :‬ويباح قتل الفواسق كالحية والغراب ونحوهما‪ ،‬وقتل كل ما كان طبعه الذى‪ ،‬وإن‬
‫لم يوجد منه الذى كالسد والنمر والذئب والفهد وما في معناه‪ ،‬والحشرات المؤذية كالزنبور والبق‬
‫والبعوض والبراغيث‪ .‬ويباح صيد البحر والنهر إل في الحرم‪ ،‬ولو للحلل‪.‬‬
‫مباحات الحرام ‪:‬‬
‫يتلخص مماسبق بيانه أنه يباح للمحرم ما يأتي مما ليس من المحرمات السابقة (‪: )2‬‬
‫‪ - 1‬للمحرم غسل الرأس بما ينظفه من الوسخ كالسدر والخطمي وغيرهما من غيرنتف شيء من‬
‫شعره‪ ،‬لكن الولى أل يفعل؛ لن ذلك نوع من الترفه‪ ،‬والحاج أشعث أغبر‪ .‬وله أن يغتسل من الجنابة‬
‫بالجماع‪ ،‬وإذا اغتسل من الجنابة استحب أن يغسل رأسه ببطون أنامله برفق‪ ،‬حتى يتسرب الماء في‬
‫أصول شعره‪ ،‬ول يحكه بأظفاره‪ .‬ويكره له عند المالكية والحنابلة غسل رأسه بالسدر والخطمي‬
‫ونحوهما‪ ،‬لما فيه من إزالة الشعث والتعرض لقلع الشعر‪ .‬ويجوز له أيضا غسل البدن في الحمام‬

‫وغيره ول يكره‪.‬‬
‫‪ - 2‬وله الكتحال بما ل طيب فيه‪ ،‬ويكره بالثمد إل للحاجة فل يكره‪.‬‬
‫‪ - 3‬ل بأس بالختتان والفصد والحجامةإذا لم يقطع الشعر؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم احتجم‬
‫وهو محرم (‪ ، )3‬ويجوز قلع الضرس وجبر الكسر‪ ،‬وحك الرأس والبدن برفق بأظفاره على وجه ل‬
‫ينتف شعرا‪ ،‬أو يسقط قملة‪ ،‬والمستحب أل يفعل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا ما ذكره المغني‪ 315/3:‬وكشاف القناع‪.514/3:‬‬
‫(‪ )2‬وانظر اليضاح للنووي‪ :‬ص ‪ ،30‬المغني‪.308-297/3 :‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه عن ابن عباس‪.‬‬

‫( ‪)3/616‬‬
‫فلو حك رأسه أو لحيته‪ ،‬فسقط بحكه شعرة أوشعرات‪ ،‬لزمته الفدية أو التصدق بما شاء‪ .‬ولو سقط‬
‫شعر وشك‪ ،‬هل كان زائلً بنفسه‪ ،‬أم انتتف بحكه فل فدية على الصح عند الشافعية‪.‬‬
‫وللمحرم عند الشافعية أن ينحي القمل من بدنه وثيابه ول كراهة في ذلك‪ ،‬وله قتله ول شيء عليه‪ ،‬بل‬
‫يستحب للمحرم قتله‪ ،‬كما يستحب لغيره‪ .‬وهذا هو الراجح خلفا لمن منع ذلك‪ ،‬تحقيقا للنظافة ومنع‬
‫الذى‪ .‬ويكره للمحرم أن يفلي رأسه ولحيته‪ ،‬فإن فعل‪ ،‬فأخرج منهما قملة وقتلها‪ ،‬تصدق ولو بلقمة‬
‫على ما عليه الشافعي‪ ،‬وهذا التصدق مستحب‪ .‬ول يتفلى المحرم ول يقتل القمل عند الحنابلة‪ ،‬فإن‬
‫خالف وتفلى أو قتل قملً أو ألقاه أو قتله بالزئبق فل فدية عليه‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬يتصدق بما شاء من‬
‫كف من طعام‪.‬‬
‫شعْر الذي ل يأثم فيه‪.‬‬
‫‪ - 4‬للمحرم أن ينشد ال ِ‬
‫‪ - 5‬ول يكره للمحرم والمحرمة النظر في المرآة‪ ،‬خلفا للحنابلة والمالكية فيكره‪.‬‬
‫‪ - 6‬يباح قتل الفواسق كالحدأة والفأرة‪ ،‬بنص الحديث المتقدم‪ ،‬ويجوز قتل السباع‪ ،‬وقتل الحشرات‬
‫المؤذية كالبعوض والبراغيث والذباب في رأي الجمهور غيرالمالكية‪.‬‬
‫‪ - 7‬يجوز صيد البحر‪ ،‬وذبح النعام النسية‪ ،‬والطيور التي ل تطير كالدجاج والبط والوز الهلي‪.‬‬

‫( ‪)3/617‬‬

‫‪ - 8‬يباح الستظلل بالبيت والمحمل والمظلة ونحوها مما ل يصيب رأسه أو وجهه‪ .‬ويكره‬
‫الستظلل بالمحمل عند المالكية والحنابلة‪ ،‬فإن فعل فعليه دم‪ ،‬ولكن له أن يستظل بالسقف والحائط‬
‫والشجرة والخباء‪.‬‬
‫‪ - 9‬يجوز أن يشد على وسطه حزام النقود ولو كانت لغيره‪ ،‬ويجوز عقد الزار لستر العورة‪ ،‬وكذا‬
‫يجوز لبس حزام الفتق‪ ،‬وعليه الفدية‪.‬‬
‫‪ - 10‬يحل حمل السلح وقتال العدو للحاجة‪ ،‬ولبس الخاتم والساعة والحزام (الكمر)‪.‬‬
‫‪ -11‬يباح الكلم‪ ،‬ولكن يستحب للمحرم قلة الكلم في كل حال إل فيما ينفع‪ ،‬صيانة لنفسه عن اللغو‬
‫والوقوع في الكذب‪ ،‬وما ل يحل؛ لن من كثر كلمه كثر سقطه‪ .‬ويستحب للمحرم أن يشتغل بالتلبية‬
‫وذكر ال تعالى أو قراءة القرآن‪ ،‬أو أمر بمعروف‪ ،‬أو نهي عن منكر‪ ،‬أو تعليم لجاهل‪ ،‬أو يأمر‬
‫بحاجته‪ ،‬أو يسكت‪ .‬وإن تكلم بما ل مأثم فيه‪ ،‬أو أنشد شعرا ل يقبح‪ ،‬فهو مباح ول يكثر‪.‬‬
‫المبحث الحادي عشر ـ جزاء الجنايات‬
‫تطرأ على المحرم عوارض‪ :‬هي الجنايات‪ ،‬والحصار‪ ،‬والفوات‪ .‬أما الجنايات فهي جمع جناية‪،‬‬
‫وهي لغة‪ :‬ما تجنيه من شر‪ ،‬وشرعا‪ :‬ما حرم من الفعل بسبب الحرام أو الحرم‪.‬‬
‫والجنايات نوعان ‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬جناية على الحرام‪ :‬هي ارتكاب مخالفة لعمال الحج أو العمرة‪ ،‬أو اقتراف محظور من‬
‫محظورات الحرام السابقة‪ ،‬وترك واجب من واجبات الحج‪ ،‬ولو كان الجاني ناسيا أو جاهلً أو‬
‫مكرها أو مخطئا‪ ،‬أو مغمى عليه‪ ،‬بشرط أن يكون الجاني عند الحنفية محرما بالغا‪ ،‬فل شيء على‬
‫الصبي عند الحنفية والمالكية والحنابلة؛ لن عمده خطأ‪ ،‬لكن لو وطئ يفسد حجه ويمضي في فاسده‪،‬‬
‫وفي وجوب القضاء عليه عند الحنابلة وجهان‪ :‬الول‪ :‬ل يجب لعدم تكليفه‪ ،‬والثاني‪ :‬يجب كوطء‬
‫البالغ‪.‬‬

‫( ‪)3/618‬‬
‫وأوجب الشافعية في الصح على الصبي الفدية والقضاء إذا ارتكب محظورا من محظورات الحرام‬
‫وكان عامدا ل ناسيا أو مكرها‪ ،‬بناء على أن عمده عمد‪ ،‬وهو أحد القولين المشهورين (‪. )1‬‬
‫والحاصل أنه يفسد حج الصبي بالجماع بل خلف بين أئمة المذاهب الربعة خلفا لداود الظاهري‪،‬‬
‫وقال الدسوقي المالكي‪ :‬ل يفسد حجه‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬جناية على الحرم‪ :‬وهي التعرض لصيد الحرم وشجره‪ ،‬سواء من المحرم أو غيره‪ ،‬إذا كان‬

‫الشخص مكلفا (بالغا عاقلً) ولو ناسيا أو جاهلً أو مكرها أو مخطئا‪ .‬وذلك يوجب ضمان المثل أو‬
‫القيمة‪ ،‬وسوف أبينه في بحث خصوصيات الحرم‪.‬‬
‫أما الجناية على الحرام‪ :‬فقد توجب دما (‪ )2‬واحدا أو أكثر‪ ،‬أو صدقة‪ ،‬أو دون ذلك‪ ،‬أو قيمة‪ ،‬على‬
‫النحو التالي (‪ ، )3‬وهو يشمل بحث الفدية وجزاء الصيد‪.‬‬
‫أولً ـ الجناية التي توجب بدنة (ناقة أو بقرة) يوزع لحمها على فقراء الحرم‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬الجماع في أثناء الحرام قبل التحلل الول وبعد وقوف عرفة‪ :‬ويفسد حجه عند الجمهور‪ ،‬ول‬
‫يفسد حجه عند الحنفية‪ ،‬فإن جامع المحرم زوجته قبل الوقوف فإنه يفسد حجه‪ ،‬وعليه شاة فقط عند‬
‫الحنفية‪ ،‬ويمضي في فاسده من حج أو عمرة حتى التمام‪ ،‬ثم يقضيه بالتفاق فورا في العام المقبل إن‬
‫كان حجا‪ ،‬وبعد تمام الفاسد إن كان عمرة‪.‬‬
‫وأوجب المالكية الهدي من النعام (البل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز) بالجماع أو النزال بغير‬
‫الحتلم قبل الوقوف مطلقا أو بعد الوقوف قبل طواف الفاضة ورمي جمرة العقبة يوم النحر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬شرح المجموع‪ ،28/7:‬اليضاح‪ :‬ص ‪.99‬‬
‫(‪ )2‬يراد بكلمة الدم عند الطلق‪ :‬هو وجوب الشاة أو سبع بدنة أو بقرة كالواجب في الضحية‪.‬‬
‫(‪ )3‬الدر المختار‪ ،296-2733/2:‬فتح القدير‪ ،254-224/2:‬الكتاب مع اللباب‪،210-199/1 :‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 138‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،356-346/1 :‬الشرح الكبير‪،71-54/1 :‬‬
‫الشرح الصغير‪ ،98-84/2 :‬مغني المحتاج‪ ،526-521/1 :‬المهذب‪ ،217-210/1 :‬غاية المنتهى‪:‬‬
‫‪ ،391-384/1‬المغني‪ 544 ،526-492 ،255/3:‬ومابعدها‪ ،‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪ 26‬ومابعدها‪،‬‬
‫حاشية الشرقاوي‪ 510/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/619‬‬
‫ً‪ - 2‬إذا طاف طواف الفاضة جنبا أو حائضا أو نفساء‪.‬‬
‫ثانيا ـ الجناية التي توجب دمين ‪:‬‬
‫هي جناية القارن عند الحنفية‪ ،‬وهي كل جناية يجب بها على المفرد دم واحد‪ ،‬فعليه مثلً دمان إذا‬
‫حلق قبل الذبح‪ ،‬دم للتأخير ودم للقران على المذهب‪ ،‬وقال الشافعية والمالكية والحنابلة‪ :‬القارن‬
‫والمفرد في كفارات الحرام واحد؛ لن القارن كالمفرد في الفعال‪ ،‬فكان كالمفرد في الكفارات‪،‬‬
‫فتلزمه بالجماع بدنة واحدة بسبب الفساد لتحاد الحرام‪ ،‬ويلزمه مع ذلك شاة للقران‪ .‬والمتمتع‬

‫كالقارن (‪. )1‬‬
‫ثالثا ـ الجناية التي توجب دما واحدا إما على سبيل التخيير أو الترتيب ‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬لبس المخيط وتغطية الرأس والحلق وقص الظفار والتطيب‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬إن لبس المحرم ثوبا مخيطا أوغطى رأسه يوما كاملً ‪ ،‬فعليه دم (شاة) يفرق لحمها على‬
‫فقراء الحرم‪ ،‬وإن كان أقل من ذلك‪ ،‬فعليه صدقة‪.‬‬
‫وإن حلق موضع الحجامة‪ ،‬فعليه دم عند أبي حنيفة‪ ،‬وقال الصاحبان‪ :‬عليه صدقة؛ لنه غير مقصود‬
‫في ذاته‪.‬‬
‫وإن حلق ربع الرأس فصاعدا أو ربع اللحية‪ ،‬فعليه دم‪ ،‬وإن حلق أقل من الربع فعليه صدقة؛ لن‬
‫حلق بعض الرأس ارتفاق كامل لنه معتاد‪ ،‬فتتكامل به الجناية‪ ،‬ويتقاصر فيما دونه‪.‬‬
‫وإن قص في مجلس واحد أظافر يديه ورجليه جميعا‪ ،‬أو أظافر يديه فقط أو أظافر يد واحدة أو رجل‬
‫واحدة‪ ،‬فعليه شاة‪ .‬وإن تعدد المجلس بأن قص أظافر يديه في مجلس‪ ،‬ثم أظافر رجليه في مجلس‬
‫واحد وجب عليه دمان‪.‬‬
‫وإن قص أقل من خمسة أظافر متفرقة من يديه ورجليه‪ ،‬فعليه صدقة عند أبي حنيفة وأبي يوسف‪.‬‬
‫وإن طيب المحرم عضوا كاملً كالرأس والفم واليد والرجل فأكثر أو جسمه كله‪ ،‬فعليه دم (شاة)؛ لن‬
‫المعتبر الكثرة‪ ،‬وحد الكثرة‪ :‬هو العضو‪.‬‬
‫وإن طيب المحرم ثوبه‪ ،‬لزمه دم بشرط لبسه يوما كاملً‪.‬‬
‫وإن خضب رأسه أو يده أو لحيته بحناء وجب دم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬شرح المجموع‪.418 ،400 ،385/7،394 7 :‬‬

‫( ‪)3/620‬‬
‫وإن ادهن بزيت أو شيرج‪ ،‬لزمه دم‪ ،‬لنهما أصل الطيب (‪ ، )1‬بخلف بقية الدهان كالسمن والشحم‬
‫ودهن اللوز‪ .‬أما لو أكل الزيت أو داوى به جرحه أو شقوق رجليه أو أقطر في أذنيه‪ ،‬فل يجب عليه‬
‫شيء‪ ،‬ل دم ول صدقة باتفاق الحنفية‪ ،‬لنه ليس بطيب من كل وجه‪ ،‬لكن لو استعمل المسك والعنبر‬
‫والغالية والكافور ونحوهما مما هو طيب في نفسه‪ ،‬فإنه يلزمه الدم بالستعمال ولو على وجه‬
‫التداوي‪ .‬ولو جعله في طعام وإن لم يطبخ فل شيء فيه إذا كان مغلوبا‪ ،‬ويكره أكله‪ ،‬كما يكره شم‬
‫الطيب والتفاح‪.‬‬

‫وإن تطيب أو حلق أو لبس ثوبا لعذر فهو مخير‪ :‬إن شاء ذبح شاة‪ ،‬وإن شاء تصدق على ستة‬
‫مساكين بثلثة أصوع (‪ )1‬من طعام لكل مسكين نصف صاع‪ ،‬وإن شاء صام ثلثة أيام‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو ُنسُك} [البقرة‪.]196/2:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ومن الدهان الموجبة لذبح شاة‪ :‬زيت الشعر ونحوه أو الكريم‪.‬‬

‫( ‪)3/621‬‬
‫وقال الجمهور غير الحنفية‪ :‬من لبس أو حلق شعره أو قلم أظفاره أو تطيب أو ادهن أو أزال ثلث‬
‫شعرات متوالية عند الشافعية أو أزال أكثر من شعرتين أو ظفرين عند الحنابلة‪ :‬يخير في الفدية بين‬
‫ذبح شاة يتصدق بها‪ ،‬أو صيام ثلثة أيام‪ ،‬أو إطعام ستة مساكين‪ ،‬لكل مسكين نصف صاع‪ ،‬وذبح‬
‫الشاة يسمى نسكا‪ ،‬فالنسك أحد خصال الفدية‪ ،‬سواء فعل المحظور عمدا أو خطأ أو جهلً‪ ،‬والتخيير‬
‫ثابت مع العسر واليسر في أي مكان شاء‪ ،‬ودليل التخيير الية السابقة‪{ :‬ففدية من صيام أو صدقة أو‬
‫نسك} [البقرة‪ ]196/2:‬وقوله صلّى ال عليه وسلم لكعب بن عُجرة‪« :‬أيؤذيك هوامّ رأسك؟ قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫قال‪ :‬انسك شاة‪ ،‬أو صم ثلثة أيام‪ ،‬أو أطعم فَرقا من الطعام (‪ )2‬على ستة مساكين» وقيس بالحلق‬
‫وبالمعذور غيرهما‪ .‬فهذه الفدية عند الجمهور عامة للمعذور وغيره‪ ،‬وخاصة عند الحنفية بالمعذور‪.‬‬
‫وشعر الرأس وغيره سواء في وجوب الفدية؛ لن الشعر كله جنس واحد في البدن‪ ،‬ويجزئ البر‬
‫والشعير والزبيب في الفدية‪ ،‬كما في الفطرة وكفارة اليمين‪ .‬والواجب عند الحنابلة فدية واحدة مالم‬
‫يكفر عن الول‪ ،‬فإن كفر عن الول ثم حلق ثانيا‪ ،‬فعليه كفارة ثانية‪ .‬وإذا حلق المحرم رأس حلل أو‬
‫قلم أظفاره‪!،‬فل فدية عليه عند الجمهور‪ ،‬وقال أبو حنيفة‪ :‬يلزمه صدقة؛ لنه أتلف شعر آدمي‪ ،‬فأشبه‬
‫شعر المحرم‪ .‬وإن حلق رأس محرم بإذنه أو حلقه حلل بإذنه‪ ،‬فالفدية على المحلوق‪ .‬وإن كان‬
‫المحلوق مكرها أونائما‪ ،‬فل‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬جمع صاع‪ ،‬وهو جملة قلة‪ ،‬وجمع الكثرة صيعان‪ .‬وجمعه على آصع من خطأ العوام‪ ،‬والصاع (‬
‫‪ )2751‬غراما عند الجمهور‪ ،‬وعند الحنفية (‪ 3800‬غم)‪.‬‬
‫(‪ )2‬الفرق‪ :‬ثلثة آصع‪.‬‬

‫( ‪)3/622‬‬

‫فدية على المحلوق رأسه عند المالكية والحنابلة‪،‬وقال أبو حنيفة‪:‬على المحلوق رأسه الفدية‪،‬وعن‬
‫الشافعي كالمذهبين (‪. )1‬‬
‫وهذه الفدية عند الشافعية والحنابلة تجب في مقدمات الجماع بشهوة كإمناء بنظرة ومباشرة بغير‬
‫إنزال‪ ،‬وإمذاء بتكرار نظر أو تقبيل أو لمس أو مباشرة‪ .‬وتجب أيضا في الجماع الثاني بعد الجماع‬
‫الول‪ ،‬وفي حالة الجماع بين التحللين‪ .‬والنزال بغير الحتلم عند المالكية كالجماع يفسد الحج‬
‫ويوجب الهدي‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬الجماع ومقدماته‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬إن قبل أو لمس بشهوة أنزل أو لم ينزل في الصح‪ ،‬أواستمنى بكفه‪ ،‬فعليه دم؛ لن‬
‫دواعي الجماع محرمة لجل الحرام مطلقا‪ ،‬فيجب الدم مطلقا‪.‬‬
‫وإن جامع في أحد السبيلين من آدمي ولو ناسيا أو مكرها أو كانت نائمة‪ ،‬قبل الوقوف بعرفة‪ ،‬فسد‬
‫حجه‪ ،‬ووجب عليه شاة أو سُبْع بدنة‪ ،‬ويمضي وجوبا في حجه الفاسد كغيره ممن لم يفسد حجه‪،‬‬
‫ووجب عليه القضاء فورا‪ ،‬ولو كان حجه نفلً‪ ،‬لوجوبه بالشروع فيه‪ ،‬ولم يقع الموقع المطلوب‪ .‬لكن‬
‫ليس على صبي أو مجنون أفسد حجه دم ول قضاء‪.‬‬
‫فإن جامع بعد الوقوف بعرفة قبل الحلق أو الطواف‪ ،‬لم يفسد حجه‪ ،‬ويجب عليه بدنة‪ ،‬كما بينت؛ لنه‬
‫أعلى أنواع الجناية فغلظت عقوبتها‪.‬‬
‫وإن جامع ثانيا فعليه شاة؛ لنه وقع في إحرام مهتوك‪.‬‬
‫وإن جامع بعد الوقوف والحلق‪ ،‬فعليه شاة‪ ،‬لبقاء إحرامه في حق النساء فقط أي بين التحللين الول‬
‫والثاني‪.‬‬
‫ومن جامع في العمرة قبل أن يطوف لها أربعة أشواط‪ ،‬أفسدها؛ لن الطواف في العمرة بمنزلة‬
‫الوقوف في الحج‪ ،‬ومضى فيها‪ ،‬وقضاها فورا‪ ،‬ووجب عليه شاة؛ لنها عند الحنفية سنة‪ .‬وإن وطئ‬
‫بعد ما طاف لها أربعة أشواط‪ ،‬وقبل الحلق‪ ،‬فعليه شاة‪ ،‬ول تفسد عمرته‪ ،‬ول يلزمه قضاؤها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪.496-494/3 :‬‬

‫( ‪)3/623‬‬
‫وقد سبق بيان رأي غير الحنفية في هذا المحظور‪ ،‬فعند الشافعية والحنابلة إن كان الوطء قبل التحلل‬
‫الول يجب عليه بدنة‪ ،‬فإن عدمها لزمه بقرة‪ ،‬فإن عدمها لزمه سبع شياه‪ ،‬فإن عدمها قوم البدنة‬

‫بدراهم واشترى بقيمتها طعاما وتصدق به‪ ،‬فإن عجز صام عن كل مد يوما‪ .‬فإن وطئ بين التحللين‬
‫أو بعد الفساد لزمه شاة‪ ،‬كما في الحلق ونحوه‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬ترك واجب من واجبات الحج‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬إن طاف طواف القدوم جنبا فعليه شاة لغلظ الجنابة‪ .‬وإن طاف طواف الزيارة محدثا‪،‬‬
‫فعليه شاة؛ لنه أدخل النقص في الركن‪ .‬وإن طاف للقدوم محدثا فعليه صدقة‪ ،‬وإن طاف للزيارة‬
‫جنبا‪ ،‬فعليه بدنة لغلظ الجنابة‪ .‬والفضل أن يعيد الطواف ما دام بمكة ول ذبح عليه‪.‬‬
‫ومن طاف طواف الصّدَر (الوداع) محدثا‪ ،‬فعليه صدقة‪ ،‬وإن طاف جنبا‪ ،‬فعليه شاة‪ .‬ومن ترك من‬
‫طواف الزيارة ثلثة أشواط فما دونها‪ ،‬فعليه شاة‪ .‬وإن ترك أربعة أشواط‪ ،‬بقي محرما أبدا حتى‬
‫يطوفها‪.‬‬
‫وإن ترك طواف الوداع أو أربعة أشواط منه‪ ،‬فعليه شاة‪ ،‬ومن ترك من طواف الوداع ثلثة أشواط‬
‫فعليه صدقة‪.‬‬
‫ومن أعاد أي طواف على طهارة‪ ،‬سقط الدم‪ ،‬لتيانه به على الوجه المشروع‪ ،‬والصح وجوب‬
‫العادة في حال الجنابة‪ ،‬وندبها في حال الحدث‪ ،‬ومن طاف وربع عضو من العورة مكشوف‪ ،‬أعاد‬
‫الطواف ما دام بمكة‪ ،‬وإن لم يعد حتى خرج من مكة‪ ،‬فعليه دم‪.‬‬
‫ومن ترك السعي بين الصفا والمروة‪ ،‬فعليه شاة‪ ،‬وحجه تام‪.‬‬
‫ومن أفاض من عرفة قبل المام والغروب‪ ،‬فعليه دم‪ ،‬ويسقط بالعود قبل الغروب‪ ،‬ل بعده‪.‬‬
‫ومن ترك الوقوف بالمزدلفة‪ ،‬فعليه دم‪.‬‬
‫ومن ترك رمي الجمار في اليام كلها بغروب شمس آخر أيام الرمي وهو اليوم الرابع‪ ،‬فعليه دم‬
‫واحد‪ ،‬وإن ترك رمي يوم فعليه دم‪ ،‬وإن ترك رمي إحدى الجمار الثلث‪ .‬فعليه صدقة‪.‬‬
‫وإن ترك رمي جمرة العقبة‪ ،‬فعليه دم‪.‬‬

‫( ‪)3/624‬‬
‫ومن أخر الحلق حتى مضت أيام النحر‪ ،‬فعليه دم عند أبي حنيفة‪ ،‬وكذا لو أخر طواف الزيارة عن‬
‫أيام النحر‪ ،‬فعليه دم عنده‪ .‬وقال الصاحبان‪ :‬ل شيء عليه‪ .‬ويجب ذبح شاة على القارن والمتمتع‬
‫بالتفاق‪ ،‬كما بينت سابقا‪ .‬وكل ما وجب فيه دم على المفرد وجب فيه دمان على القارن‪ :‬دم لحجته‬
‫ودم لعمرته‪ ،‬إل في حال تجاوز الميقات من غير إحرام عليه إن عاد دم واحد‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬دماء الحج أو العمرة ثلثة‪ :‬الفدية‪ ،‬وجزاء الصيد‪ ،‬والهدي‪ ،‬وقد عرفنا الفدية‪ ،‬أما‬

‫الهدي فيجب في خمسة أنواع‪ :‬جبر ما تركه من الواجبات كترك التلبية أو طواف القدوم أو رمي‬
‫الجمار أو المبيت بمنى والمزدلفة وغير ذلك‪ ،‬وهدي المتعة والقران‪ ،‬وكفارة الوطء ونحوه كمذي‬
‫وقبلة بفم‪ ،‬وجزاء الصيد‪ ،‬وهدي الفوات‪ .‬والهدي مرتب‪ ،‬بخلف الفدية وجزاء الصيد‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬حاصل الدماء الواجبة في الحج أربعة أنواع‪:‬‬
‫الول ‪ -‬دم ترتيب وتقدير‪ :‬ومعنى الترتيب‪ :‬أنه يلزمه الذبح‪ ،‬وليجوز العدول إلى غيره إل إذا عجز‬
‫عنه‪ .‬ومعنى التقدير‪ :‬أن الشرع قدر مايعدل إليه بما ليزيد ولينقص‪ .‬وهو دم التمتع والقران‬
‫والفوات‪ ،‬والمنوط بترك مأمور‪ :‬وهو ترك الحرام من الميقات‪ ،‬والمبيت بمزدلفة ومنى‪ ،‬وطواف‬
‫الوداع‪ ،‬والواجب ذبح شاة للموسر‪ ،‬فإن عجز صام عشرة أيام‪.‬‬
‫والثاني ‪ -‬دم ترتيب وتعديل‪ :‬بمعنى أن الشرع أمر فيه بالتقويم والعدول إلى غيره بحسب القيمة‪،‬‬
‫ويلزمه في حال الجماع‪ ،‬فيجب فيه بدنة‪ ،‬ثم بقرة‪ ،‬ثم سبع شياه‪ ،‬فإن عجز قوم البدنة بدراهم‪،‬‬
‫والدراهم طعاما‪ ،‬وتصدق به‪ ،‬فإن عجز صام عن كل مد يوما‪.‬‬
‫ويلزم في حال الحصار ‪ ،‬فعليه شاة‪ ،‬ثم طعام بالتعديل‪ ،‬فإن عجز عن الطعام‪ ،‬صام عن كل مد‬
‫يوما‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة‪.]196/2:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،119/2:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.139‬‬

‫( ‪)3/625‬‬
‫والثالث‪ -‬دم تخيير وتقدير‪ :‬أي إنه يجوز العدول إلى غيره مع القدرة عليه‪ .‬فيتخير في حلق ثلث‬
‫شعرات أو قلم ثلثة أظفار بالتتابع‪ ،‬بين ذبح وإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع‪ ،‬وصوم‬
‫ثلثة أيام‪ .‬ويتخير أيضا في حال التطيب ودَهْن الرأس أو اللحية وبعض شعور الوجه‪ ،‬واللبس‪،‬‬
‫ومقدمات الجماع‪ ،‬والستمناء‪ ،‬والجماع غير المفسد‪ .‬والفدية تجب في حلق الشعر ولو ناسيا أو جاهلً‬
‫بالحرمة‪ ،‬لعموم الية‪ { :‬ولتحلقوا رؤوسكم} [البقرة‪ ،]196/2:‬بخلف الناسي والجاهل في التمتع‬
‫باللبس والطيب والدهن والجماع ومقدماته‪ :‬لتجب الفدية عليه لشتراط العلم والقصد فيه‪.‬‬
‫ب لهل‬
‫ح ّ‬
‫والرابع ـ دم تخيير وتعديل‪ :‬وهو دم جزاء الصيد والشجر‪ ،‬فيجب مثل الصيد‪ ،‬أوشراء َ‬
‫الحرم بقدر قيمته‪ ،‬يوزع على الفقراء‪ ،‬أو الصيام عن كل مد يوما‪ .‬فإن لم يكن للصيد مثل‪ ،‬خيّر بين‬
‫الطعام أوالصيام إل الحمام فيجب فيه شاة‪ ،‬والدليل آية المائدة ‪ { :95‬يا أيها الذين آمنوا ل تقتلوا‬
‫الصيد وأنتم حُرُم‪ ،‬ومن قتله منكم متعمدا‪ ،‬فجزاءٌ مِثْل ُما قتل من ال ّنعَم‪ ،‬يحكم به ذوا عدل منكم‪ ،‬هديا‬

‫عدْل ُ ذلك صياما ليذوق وبال أمره‪[ }..‬المائدة‪ ]95/5:‬وأما‬
‫بالغ الكعبة‪ ،‬أو كفارةٌ طعام مساكين‪ ،‬أو َ‬
‫شجر الحرم ونباته فيحرم قطعه ويجب ضمانه بالقطع أو القلع‪ ،‬سواء النبات الذي ينبت بنفسه‬
‫والمستنبت‪ ،‬ففي الشجرة الكبيرة بقرة‪ ،‬وفي الصغيرة شاة‪ ،‬عملً بما رواه الشافعي عن ابن الزبير‪.‬‬
‫فإن صغرت الشجرة جدا‪ ،‬ففيها القيمة‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬الفدية‪ :‬ما يجب بسبب نسك أو حرم‪ ،‬وله تقديما على فعل محظور لمعذور‪ ،‬وهي‬
‫نوعان‪ :‬تخيير وترتيب‪ .‬فالتخيير‪ :‬يكون بين ذبح شاة‪ ،‬أو صيام ثلثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل‬
‫مسكين مد بُر أو نصف صاع يجزئ في الفطرة‪ .‬وذلك كفدية لبس المخيط‪ ،‬وطيب‪ ،‬وتغطية رأس‪،‬‬
‫وإزالة أكثر من شعرتين أو ظفرين‪ ،‬ومقدمات الجماع كما تقدم‪ ،‬وجزاء صيد كما سأبين‪.‬‬

‫( ‪)3/626‬‬
‫والترتيب ‪:‬‬
‫أ ـ إما بذبح شاة حال اليسار‪ ،‬وصيام عشرة أيام حال العسار‪ ،‬وذلك كدم التمتع والقران‪ ،‬وترك‬
‫واجب‪ ،‬وفوات‪ ،‬وإحصار‪ ،‬والصوم في غير الحصار‪ :‬ثلثة في أيام الحج‪ ،‬وسبعة إذا رجع إلى‬
‫أهله‪ ،‬ول يجب تتابع ول تفريق في اليام‪ ،‬ومن لم يصم الثلثة في أيام منى‪ ،‬صام بعدها عشرة‪،‬‬
‫وعليه دم مطلقا‪ ،‬وعلى المحصر دم‪ ،‬فإن لم يجد ثمنه أو عدمه‪ ،‬صام عشرة أيام بنية التحلل ثم حل‪،‬‬
‫ول إطعام فيه‪.‬‬
‫ب ـ وإما بذبح بدنة ونحوها في الحج‪ ،‬وشاة في العمرة‪ ،‬فإن عجز صام عشرة أيام‪ :‬ثلثة في الحج‪،‬‬
‫وسبعة إذا رجع‪ ،‬وذلك في حال الوطء وإنزال مني بمباشرة دون فرج‪ ،‬أو بتكرار نظر أو تقبيل أو‬
‫لمس بشهوة‪ ،‬أواستمناء‪ ،‬ولو خطأ‪ .‬والمرأة المطاوعة كالرجل‪ ،‬ل النائمة والمكرهة‪ ،‬ول شيء على‬
‫من فكر فأنزل أو احتلم أوأمذى بنظرة‪ ،‬ول على من قتل القمل وعقد النكاح‪.‬‬
‫رابعا ـ ما يوجب الصدقة ‪:‬‬
‫الصدقة‪ :‬نصف صاع من البر (‪ ، )1‬أو قيمة ذلك من الدراهم عند الحنفية‪ .‬وتجب الصدقة عند‬
‫الحنفية فيما يأتي من الحالت التي أشرت إليها سابقا وهي ‪:‬‬
‫أ ـ إن طيب المحرم أقل من عضو كامل‪.‬‬
‫ب ـ إن حلق أقل من ربع الرأس أو اللحية أو حلق شاربه‪.‬‬
‫جـ ـ إن لبس المخيط أو ستر رأسه أقل من يوم أو أقل من ليلة‪.‬‬
‫د ـ إن قص أقل من خمسة أظافير متفرقة‪ ،‬فلكل ظفر صدقة‪.‬‬

‫هـ ـ إن طاف للقدوم أو للوداع أو لكل طواف تطوع محدثا‪ ،‬فإن طاف للقدوم جنبا أو طاف طواف‬
‫الزيارة محدثا فعليه شاة‪ ،‬وإن طاف للزيارة جنبا فعليه بدنة‪ .‬وإن طاف للوداع جنبا فعليه شاة‪.‬‬
‫و ـ إن ترك شوطا من أشواط طواف الوداع أو السعي‪ ،‬أو نقص حصاة من إحدى الجمار‪.‬‬
‫ز ـ إن حلق المحرم رأس غيره‪ ،‬سواء أكان الغير محرما أم حللً‪ .‬ول شيء عليه إن طيب عضو‬
‫غيره أو ألبسه مخيطا إجماعا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وهو عند الحنفية ‪ 1900‬غم‪ ،‬وعند الجمهور ‪ 1375‬غم‪.‬‬

‫( ‪)3/627‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬في قلم الظفر ترفها أوعبثا‪ ،‬ل لماطة الذى‪ ،‬حفنة من طعام‪ .‬وفي إزالة الشعر‬
‫والشعرات والقملة والقملت لعشر لغير إماطة الذى‪ :‬حفنة من طعام يعطيها لفقير‪ ،‬فإن قلم أكثر من‬
‫ظفر مطلقا أو قلم واحدا فقط لماطة الذى‪ ،‬أو أزال أكثر من عشر مطلقا‪ ،‬أو قتل أو طرح أكثر من‬
‫عشر قملت مطلقا لماطة الذى‪ ،‬فتلزمه فدية‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬الظهر أن في الشعرة والظفر مد طعام‪ ،‬وفي الشعرتين والظفرين مدين أي نصف‬
‫صاع‪ ،‬وفي ثلث شعرات وثلثة أظفار فدية كاملة (شاة)‪.‬‬
‫وقال الحنابلة كالشافعية‪ :‬في كل شعرة أو ظفر مد من طعام‪ ،‬وفي قطع بعض الظفر أوبعض الشعرة‬
‫مثل ما في جميعه‪ .‬والمذهب وجوب الفدية الكاملة في حلق ثلث شعرات وقلم ثلثة أظفار‪.‬‬
‫خامسا ـ ما يوجب أقل من نصف صاع‪ :‬وهو التصدق بما شاء ‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬إن قتل جرادة‪ ،‬أو قملة أو اثنتين أوثلثا أو ألقاها من بدنه أو ثوبه‪ ،‬أو ألقى ثوبه بالشمس‬
‫لتموت‪ ،‬أو دل عليها غيره‪ ،‬يتصدق بما شاء ككف طعام؛ لن القملة متولدة من التفث الذي على‬
‫البدن‪ .‬ولو قتل قملة وجدها على الرض لم يكن عليه شيء‪ .‬والجراد من صيد البر‪.‬‬
‫زمان الفدية ومكانها ‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬النسك‪ :‬أي ذبح الشاة أو البدنة يختص بالحرم بالتفاق؛ لن الراقة لم تعرف قربة‬
‫إل في زمان أو مكان‪ ،‬وهذا لم يختص بزمان‪ ،‬فتعين اختصاصه بالمكان‪.‬‬
‫وأما الصوم‪ :‬فيجزئ في أي موضع شاء؛ لنه عبادة في كل مكان‪ ،‬ول يشترط تتابع اليام‪ .‬وكذا‬
‫الصدقة تصح في أي مكان شاء‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )2‬الفدية‪ :‬وهي كفارة ما يفعله المحرم من الممنوعات إل الصيد والوطء‪ ،‬ل تختص‬

‫بأنواعها الثلثة (الصيام والصدقة والنسك) بمكان أو زمان‪ ،‬فيجوز تأخيرها لبلده أو غيره في أي‬
‫وقت شاء‪ .‬أما الهدي الواجب جزاء للصيد أو الوطء فمحله منى أو مكة‪ ،‬فإن وقف بالهدي بعرفة‬
‫بجزء من الليل ذبحه بمنى‪ ،‬وإل فبمكة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،288/2 :‬اللباب‪.201/1 :‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الصغير‪ ،93/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 138‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/628‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )1‬الدم الواجب بفعل حرام كالحلق لعذر أو ترك واجب عليه غير ركن كدم‬
‫الجبرانات ودم التمتع والقرآن والحلق ‪ :‬ليختص بزمان ‪ ،‬ويختص ذبحه بالحرم في الظهر ‪ ،‬ويجب‬
‫صرف لحمه إلى مساكين الحرم وفقرائه‪ :‬القاطنين منهم والغرباء ‪ ،‬فكل الدماء الواجبة وبدلها من‬
‫الطعام تختص تفرقتها بالحرم على مساكينه ‪ ،‬وكذا يختص به الذبح ‪ ،‬إل دم المحصر ‪ ،‬فيذبح حيث‬
‫أحصر ‪ .‬ودم الفوات يجزئ قبل دخول وقت الحرام بالقضاء ‪ ،‬كالتمتع إذا فرغ من عمرته ‪ ،‬فإنه‬
‫يجوز له أن يذبح قبل الحرام بالحج على المعتمد ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : ) 2‬ما وجب لترك واجب‪ ،‬أو بفعل محظور من هدي أو إطعام يكون في الحرم‪.‬‬
‫ويلزم ذبح هدي التمتع والقران والمنذور بالحرم‪ ،‬ويفرق لحمه على مساكينه‪.‬‬
‫والفضل نحر ما وجب بحج بمنى‪ ،‬وما وجب بعمرة بالمروة‪ ،‬ومن عجز عن إيصال المذبوح للحرم‬
‫حتى بوكيله‪ ،‬ينحره حيث قدر‪ ،‬ويفرقه بمنحره‪ .‬وتجزئ فدية أذى في الرأس‪ ،‬ولبس المخيط‪ ،‬وتغطية‬
‫الرأس‪ ،‬والطيب‪ ،‬وفدية فعل المحظور غير الصيد‪ :‬خارج الحرم‪ ،‬ولو بل عذر‪ .‬ويدخل وقت ذبح‬
‫الفدية من حين فعل الجناية‪ ،‬وقبله بعد وجود سببه المبيح ككفارة يمين‪ ،‬ويكون جزاء الصيد بعد‬
‫جرحه‪ ،‬وفدية ترك الواجب عند تركه‪ .‬ويجزئ دم الحصار حيث أحصر‪ .‬ويصح الصوم في كل‬
‫مكان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪.532-530/1 :‬‬
‫(‪ )2‬غاية المنتهى‪ 388/1:‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/629‬‬

‫سادسا ـ الجناية التي توجب القيمة أو المثل (جزاء الصيد وقطع النبات ) ‪:‬‬
‫أوجب أبو حنيفة القيمة بقتل الصيد‪ ،‬وأوجب الجمهور المثل في المثلي أو القيمة‪.‬‬
‫قال أبو حنيفة (‪ : )1‬تجب القيمة بقتل الصيد أو الدللة عليه‪ .‬والصيد المقصود‪ :‬هو كل حيوان بري‬
‫متوحش بأصل خلقته‪ ،‬سواء أكان مباحا أم مملوكا مأكولً أم غير مأكول كالسد والنمر إذا لم يكن‬
‫صائلً‪ ،‬وكالنسر والبوم والغزال والنعام ونحوها‪ ،‬فل يعد صيدا الكلب والهر والحية والعقرب والذباب‬
‫والبعوض والبرغوث والقراد والسلحفاة‪ ،‬والفراشة والدجاج والبط ونحوها‪.‬‬
‫وتجب القيمة على قاتله سواء أكان عامدا أم مخطئا أم ناسيا لحرامه‪ ،‬أم مبتدئا بقتل الصيد أم عائدا‬
‫إليه (أي تكرر منه) ؛ لنه ضمان إتلف‪ ،‬فأشبه غرامات الموال‪.‬‬
‫وتقدر القيمة عند أبي حنيفة وأبي يوسف‪ :‬بأن يقوم الصيد في المكان الذي قتله المحرم فيه‪ ،‬أو في‬
‫أقرب المواضع منه إن كان في برية‪ ،‬يقوّمه ذوا عدل لهما خبرة في تقويم الصيد‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{ فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم } [المائدة‪ ]95/5:‬وقال في الهداية‪ :‬والواحد‬
‫يكفي‪ ،‬والثنان أولى؛ لنه أحوط وأبعد من الغلط‪ ،‬كما في حقوق العباد‪.‬‬
‫ثم يخير المحكوم عليه بالقيمة‪ :‬إن شاء اشترى بها هديا فذبح بمكة إن بلغت القيمة هديا مجزئآً في‬
‫الضحية من إبل أو بقر أوغنم؛ وإن شاء اشترى بها طعاما‪ ،‬فتصدق به على كل مسكين نصف صاع‬
‫من بُر‪ ،‬أو صاعا من تمر أوشعير؛ وإن شاء صام يوما عن كل نصف صاع من بر أو صاع من تمر‬
‫أو شعير‪ .‬فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاع فهو مخير‪ :‬إن شاء تصدق به‪ ،‬وإن شاء صام‬
‫عنه يوما كاملً‪ .‬وتجب قيمة الحشيش والشجر النابت بنفسه الذي ل ينبته الناس في حرم مكة إذا‬
‫قطعه الشخص البالغ إل الذخر والكمأة‪ ،‬سواء أكان محرما أم حللً‪ ،‬وتوزع القيمة مثل توزيع جزاء‬
‫صيد الحرم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اللباب‪ 206/1 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/630‬‬
‫وقال المالكية(‪ : )1‬جزاء الصيد أحد ثلثة أنواع على التخيير كالفدية‪ ،‬بخلف الهدي‪ ،‬يحكم بالجزاء‬
‫من غير المخالف ذوا عدل فقيهان اثنان‪ ،‬فل يكفي واحد أو كون الصائد أحدهما‪ ،‬ول يكفي كافر‪ ،‬ول‬
‫فاسق‪ ،‬ولمرتكب ما يخل بالمروءة‪ ،‬ول جاهل غير عالم بالحكم في الصيد؛ لن كل من ولّي أمرا‪،‬‬
‫فل بد من أن يكون عالما بما وُلّي به‪.‬‬

‫وأنواع الجزاء الثلثة هي ‪:‬‬
‫النوع الول‪ :‬مثل الصيد الذي قتله من ال ّنعَم (البل والبقر والغنم) قدرا وصورة أو قدرا‪ ،‬بشرط كونه‬
‫مجزئا كما تجزئ الضحية سنا وسلمة من العيوب‪ .‬فل يجزئ صغير ول معيب‪.‬‬
‫النوع الثاني ـ قيمة الصيد طعاما‪ :‬بأن يقوّم بطعام من غالب طعام أهل ذلك المكان الذي يخرج فيه‪.‬‬
‫وتعتبر القيمة يوم التلف بمحل التلف‪ ،‬ويعطى لكل مسكين بمحل التلف مدّ بمد النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬فإن لم يوجد فيه مساكين فيعطى لمساكين أقرب مكان له‪.‬‬
‫النوع الثالث ‪ -‬عدل ذلك الطعام صياما‪ :‬لكل مد صوم يوم‪ ،‬في أي مكان شاء من مكة أو غيرها‪،‬‬
‫وفي أي زمان شاء‪ ،‬وليتقيد بكونه في الحج أو بعد رجوعه‪.‬‬
‫وطريق تقدير الحكمين لجزاء الصيد‪ :‬في النعامة أو الفيل بَدَنة‪ ،‬وفي حمار الوحش أو بقرة الوحش‬
‫بقرة‪ ،‬وفي الضّبْع والثعلب والظبي وحمام حرم مكة ويمامه شاة‪ .‬وفيما دون ذلك كفارة طعام أو صيام‬
‫بتقويم الحكمين‪ .‬ول جزاء عندهم فيما حرم قطعه من الشجر في حرمي مكة والمدينة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪.118-112/2 :‬‬

‫( ‪)3/631‬‬
‫وكذلك قال الشافعية (‪ )1‬مثل المالكية‪ :‬إن أتلف المحرم صيدا له مثل من النعم ففيه مثله‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫له مثل ففيه قيمة‪ ،‬ويتخير في جزاء إتلف الصيد المثلي بين ثلثة أمور‪ :‬ذبح مثله والتصدق به على‬
‫مساكين الحرم‪ ،‬أو أن يقوم المثل بالدراهم ويشتري به طعاما لمساكين الحرم‪ ،‬أو يصوم عن كل مد‬
‫يوما‪ .‬وغير المثلي‪ :‬يتصدق بقيمته طعاما أو يصوم عن كل مد يوما‪ .‬ففي النعامة بدنة‪ ،‬وفي بقر‬
‫جفْرة (أنثى المعز إذا بلغت‬
‫الوحش وحماره بقرة‪ ،‬وفي الغزال عنز‪ ،‬وفي الرنب عَنَآق‪ ،‬وفي اليَرْبوع َ‬
‫أربعة أشهر وفصلت عن أمها)‪ ،‬وفي الضبع كبش‪ ،‬وفي الثعلب شاة‪ ،‬وفي الضب‪ :‬جدي‪ .‬وما ل نقل‬
‫فيه يحكم بمثله من النعم عدلن‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة‪ ]95/5:‬ويجب فيما ل‬
‫مثل له مما ل نقل فيه من السّنة أو عن الصحابة كالجراد وبقية الطيور ما عدا الحمام‪ :‬القيمة‪ ،‬عملً‬
‫بالصل في القيميات‪ .‬وتقدر القيمة بموضع التلف أو التلف ل بمكة على المذهب‪ .‬ويلزم في الكبير‬
‫كبير‪ ،‬وفي الصغير صغير‪ ،‬وفي الذكر ذكر‪ ،‬وفي النثى أنثى‪ ،‬وفي الصحيح صحيح‪ ،‬وفي المعيب‬
‫معيب إن اتحد جنس العيب‪ ،‬وفي السمين سمين‪ ،‬وفي الهزيل هزيل‪ ،‬ولو فدى المريض بالصحيح أو‬
‫المعيب أو الهزيل بالسمين‬

‫فهو أفضل‪ ،‬وما ل مثل له مما فيه نقل وهو الحمام في الواحدة منها شاة‪.‬‬
‫والظهر ضمان قطع نبات الحرم المكي الرطب الذي ل يستنبت‪ ،‬وقطع أشجاره‪ ،‬ففي قطع الشجرة‬
‫الحرمية الكبيرة‪ ،‬بقرة لها سنة‪ ،‬وفي الصغيرة شاة‪ ،‬وفي الشجرة الصغير جدا‪ :‬قيمتها‪ .‬والمذهب وهو‬
‫الظهر أن النبات المستنبت وهو‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪.529-524/1 :‬‬

‫( ‪)3/632‬‬
‫ما استنبته الدميون من الشجر كغيره في الحرمة والضمان‪ ،‬لكن يحل الذخر والشوك وغيره‬
‫كالعوسج من كل مؤذ‪ ،‬كالصيد المؤذي‪ ،‬فل ضمان في قطعه‪ ،‬والصح حل أخذ نبات الحرم من‬
‫حشيش ونحوه لعلف البهائم وللدواء‪ ،‬وللتغذي‪ ،‬للحاجة إليه‪ ،‬ولن ذلك في معنى الزرع‪ ،‬ول يضمن‬
‫في الجديد صيد المدينة مع حرمته‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ )1‬أيضا مثل الشافعية‪ :‬يخير في جزاء الصيد بين مثل له‪ ،‬أو تقويمه بمحل تلف أو‬
‫قربه بدراهم يشتري بها طعاما‪ ،‬فيطعم كل مسكين مد بُر‪ ،‬أو نصف صاع من غيره‪ ،‬أو يصوم عن‬
‫طعام كل مسكين يوما‪ ،‬وإن بقي دون طعام صام‪ .‬ويخير فيما ل مثل له من القيميات بين إطعام‬
‫وصيام‪ ،‬ول يجب تتابع فيه‪.‬‬
‫ويضمن نبات الحرم المكي وشجره حتى المزروع إل الذخر والكمأة والثمرة‪ ،‬فيجب في الشجرة‬
‫الصغيرة شاة‪ ،‬وفيما فوقها بقرة‪ ،‬ويخير بين ذلك وبين تقويم الجزاء‪ ،‬وتوزع قيمته كجزاء الصيد‪،‬‬
‫وتجب قيمة الحشيش‪ .‬ولجزاء في قطع ما حرم من صيد المدينة وشجرها‪.‬‬
‫ضوابط جزاء الصيد ‪:‬‬
‫أفاض ابن قدامة في بيان أحكام جزاء الصيد (‪ ، )2‬أوجزها فيما يلي‪:‬‬
‫أولً ـ وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد‪ :‬أجمع أهل العلم على وجوبه‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬يا أيها‬
‫الذين آمنوا ل تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم‪ ،‬ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة‪:‬‬
‫‪.]95/5‬‬
‫وقتل الصيد نوعان‪ :‬مباح ومحرم‪.‬‬
‫فالمحرم‪ :‬قتله ابتداء من غير سبب يبيح قتله‪ ،‬ففيه الجزاء‪ .‬والمباح ثلثة أنواع‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن يضطر إلى أكله‪ ،‬فيباح له ذلك بغير خلف نعلمه‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ول تلقوا بأيديكم إلى‬

‫التهلكة} [البقرة‪ ]195/2:‬ومتى قتله ضمنه‪ ،‬سواء وجد غيره أم لم يجد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬غاية المنتهى‪.397-384/1 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.526-504/3 :‬‬

‫( ‪)3/633‬‬
‫الثاني ‪ :‬إذا صال عليه صيد‪ ،‬فلم يقدر على دفعه إل بقتله‪ ،‬فله قتله‪ ،‬ول ضمان عليه‪ ،‬وهذا موافق‬
‫لرأي الشافعي وأبي حنيفة‪ ،‬لنه قتله لدفع شره‪ ،‬فلم يضمنه كالدمي الصائل‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬إذا خلص صيدا من سبع أو شبكة صياد‪ ،‬أو أخذه ليخلص من رجله خيطا ونحوه‪ ،‬فتلف‬
‫بذلك‪ ،‬فل ضمان عليه؛ لنه فعل أبيح لحاجة الحيوان‪ ،‬فلم يضمن ما تلف به‪.‬‬
‫ثانيا ـ الجزاء واجب في الخطأ والعمد‪ :‬وهذا متفق عليه بين أئمة المذاهب‪ ،‬لقول جابر‪« :‬جعل‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم في الضبع يصيده المحرم كبشا» وقال عليه الصلة والسلم‪« :‬في‬
‫بيض النعام يصيبه المحرم‪ :‬ثمنه‪ ،‬ولم يفرق» (‪ )1‬ولنه ضمان إتلف استوى عمده وخطؤه كمال‬
‫الدمي‪.‬‬
‫ثالثا ـ الجزاء ل يجب إل على المحرم‪ :‬ول فرق بين إحرام الحج وإحرام العمرة‪ ،‬سواء أكان مفردا‬
‫أم قارنا‪ ،‬لعموم النص فيهما‪ ،‬ول خلف في ذلك‪.‬‬
‫رابعا ـ الجزاء ل يجب إل بقتل الصيد‪ :‬لنه الذي ورد به النص بقوله تعالى‪{ :‬ل تقتلوا الصيد}‬
‫[المائدة‪ ]95/5:‬والصيد‪ :‬ما جمع ثلثة أوصاف‪ :‬وهو أن يكون مباحا أكله‪ ،‬ل مالك له‪ ،‬ممتنعا وحشيا‪،‬‬
‫فل جزاء فيما ليس بمأكول كسباع البهائم والمستخبث من الحشرات والطير وسائر المحرمات‪ .‬وهذا‬
‫قول أكثر أهل العلم‪ ،‬إل أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره‪ ،‬كالمتولد من الضبع‬
‫والذئب‪ ،‬تغليبا لتحريم قتله‪.‬‬
‫ول جزاء اتفاقا بذبح وأكل ما ليس بوحشي‪ ،‬كبهيمة النعام كلها والخيل والدجاج ونحوها‪ .‬والعتبار‬
‫في ذلك بالصل ل بالحال‪.‬‬
‫خامسا ـ وجوب الجزاء في صيد البر دون صيد البحر بغير خلف‪ :‬لقوله تعالى‪{ :‬أحل لكم صيد‬
‫البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة‪ ،‬وحرّم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة‪.]96/5:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواهما ابن ماجه‪.‬‬

‫( ‪)3/634‬‬
‫ول فرق بين حيوان البحر الملح‪ ،‬وبين ما في النهار والعيون‪ ،‬فإن اسم البحر يتناول الكل‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬وما يستوي البحران‪ ،‬هذا عذب فرات سائغ شرابه‪ ،‬وهذا ملح أجاج‪ ،‬ومن كلٍ تأكلون لحما‬
‫طريا} [فاطر‪ ]12/35:‬وحيوان البحر‪ :‬ماكان يعيش في الماء ويفرخ ويبيض فيه‪ ،‬كالسمك ونحوه‪،‬‬
‫وإن كان مما يعيش في البر والبحر كالسلحفاة والسرطان فهو كالسمك ل جزاء فيه‪ .‬أما طير الماء‬
‫ففيه الجزاء باتفاق أهل العلم‪ .‬وكذا الجراد فيه الجزاء في قول الكثرين‪.‬‬
‫سادسا ـ كيفية وجوب الجزاء بقتل الصيد‪ :‬قال أبو حنيفة‪ :‬الواجب القيمة؛ لن الصيد ليس بمثلي‪.‬‬
‫وقال الجمهور‪ :‬الواجب المثل من النعم؛ لقوله تعالى‪{ :‬فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة‪]95/5:‬‬
‫وجعل النبي صلّى ال عليه وسلم في الضبع كبشا‪ ،‬وأجمع الصحابة على إيجاب المثل‪ ،‬فقالوا‪« :‬في‬
‫النعامة بدنة» وحكم ابن عباس وأبو عبيدة «في حمار الوحش ببدنة» وحكم عمر « فيه ببقرة » ‪،‬‬
‫فليس المراد حقيقة المماثلة‪ ،‬فإنها لتتحقق بين النعم والصيد‪ ،‬لكن أريدت المماثلة من حيث الصورة‪،‬‬
‫وهو الرجح لدي‪ .‬والمتلف من الصيد قسمان‪:‬‬
‫‪ - 1‬قسم قضت فيه الصحابة‪ :‬فيجب فيه ما قضت‪ ،‬وبه قال الحنابلة والشافعية‪ .‬وقال مالك‪ :‬يستأنف‬
‫الحكم فيه‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬يحكم به ذوا عدل} [المائدة‪ ]95/5:‬لكن مذهب المالكية موافق للرأي الول‬
‫كما تقدم‪ .‬ويدل للحنابلة وموافقيهم ما روي عن جابر‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم جعل في الضبع‬
‫يصيدها المحرم كبشا» (‪ )1‬وروى جابر عن النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬قال‪« :‬في الضبع كبش إذا‬
‫أصاب المحرم‪ ،‬وفي الظبي شاة‪ ،‬وفي الرنب عناق‪ ،‬وفي اليربوع جفرة» (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود وابن ماجه عن جابر‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الدارقطني‪.‬‬

‫( ‪)3/635‬‬
‫‪ - 2‬وقسم لم تقض فيه الصحابة‪ :‬فيرجع إلى قول عدلين من أهل الخبرة‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬يحكم به ذوا‬
‫عدل منكم} [المائدة‪ ]95/5:‬فيحكمان فيه بأشبه الشياء به من النعم من حيث الخلقة‪ ،‬ل من حيث‬
‫القيمة‪ ،‬بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة‪ .‬ولم يشترط الحنابلة في الحاكم كونه فقيها‬
‫خلفا للمالكية‪ ،‬وإنما شرطوا فيه العدالة‪ ،‬للنص عليها‪.‬‬

‫ويجوز عند الحنابلة والشافعية كون قاتل الصيد أحد العدلين‪ ،‬لعموم قوله تعالى‪{ :‬يحكم به ذوا عدل‬
‫منكم} [المائدة‪ ]95/5:‬والقاتل مع غيره ذوا عدل منا‪.‬‬
‫سابعا ـ نوع الجزاء ‪:‬‬
‫قال الحنابلة والشافعية‪ :‬في كبير الصيد مثله من النعم‪ ،‬وفي الصغير‪ :‬صغير‪ ،‬وفي الذكر‪ :‬ذكر‪ ،‬وفي‬
‫النثى أنثى‪ ،‬وفي الصحيح صحيح‪ ،‬وفي المعيب‪ :‬معيب‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فجزاء مثل ما قتل من النعم}‬
‫[المائدة‪ ]95/5:‬مثل الصغير صغير‪.‬‬
‫والجفرة‪ :‬التي قد فطمت ورعت‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يجب ما يجزئ في الضحية‪ ،‬ففي الصغير كبير‪ ،‬وفي المعيب صحيح‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{هديا بالغ الكعبة} [المائدة‪ ]95/5:‬ول يجزئ في الهدي صغير ول معيب‪.‬‬
‫ضمان جزء الصيد‪ :‬أضاف الحنابلة‪ :‬إن أتلف جزءا من الصيد وجب ضمانه؛ لن جملته مضمونة‪،‬‬
‫فكان بعضه مضمونا كالدمي والموال‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬ل ينفّر صيدها»‬
‫فالجرح أولى بالنهي‪ ،‬والنهي يقتضي التحريم‪،‬وما كان محرما من الصيد وجب ضمانه كنفسه‪.‬‬
‫ويضمن بمثله من مثله‪ .‬هذا إن اندمل الصيد ممتنعا‪ ،‬فإن اندمل غير ممتنع ضمنه جميعه؛ لنه عطّله‪،‬‬
‫فصار كالتالف‪ ،‬ولنه مفض إلى تلفه‪ ،‬فصار كالجارح له جرحا يتيقن به موته‪ .‬قال ابن قدامة‪ :‬وهذا‬
‫مذهب أبي حنيفة‪.‬‬

‫( ‪)3/636‬‬
‫ضمان مضاعفات الجرح‪ :‬إن جرح المحرم صيدا‪ ،‬فوقع في شيء تلف به‪ :‬ضمنه؛ لنه تلف بسببه‪،‬‬
‫وكذلك إن نفره فتلف في حال نفوره‪ ،‬ضمنه‪ .‬فإن سكن في مكان وأمن من نفوره ثم تلف‪ ،‬لم يضمنه‪.‬‬
‫ويجوز عند الحنابلة إخراج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل موته‪.‬‬
‫قاعدة الضمان‪ :‬وكل ما يضمن به الدمي يضمن به الصيد من مباشرة وتسبب‪ .‬وما جنت عليه دابته‬
‫بيدها أو فمها من الصيد‪ .‬فالضمان على راكبها‪ ،‬أو قائدها أو سائقها‪ ،‬وما جنت برجلها‪ ،‬فل ضمان‬
‫عليه؛ لنه ل يمكن حفظ رجلها‪.‬‬
‫كيفية ضمان الطير‪ :‬قال الجمهور‪ :‬في النعامة بدنة‪ ،‬وفي الحمام شاة؛ لن النعامة تشبه البعير في‬
‫خلقته‪ ،‬فكانت البدنة مثلً لها‪ ،‬وتوجب الية المثل‪{ :‬فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة‪ ]95/5:‬ولن‬
‫الثار عن الصحابة ذكرت في الحمام شاة‪ ،‬وكذلك ما كان أكبر من الحمام كالحباري والكركي‬
‫والكروان والحجل والوز الكبير من طير الماء‪ ،‬فيه شاة‪ .‬وقال أبو حنيفة‪ :‬الواجب هو القيمة‪.‬‬

‫ول خلف في أن ضمان غير الحمام ونحوه من الطير هو القيمة في المكان الذي أتلفه فيه‪ .‬وكذلك‬
‫يضمن بيض الطير بقيمة الطير‪ ،‬لقول ابن عباس‪« :‬في بيض النعام قيمته» ‪.‬‬

‫( ‪)3/637‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬يجب في الجنين وفي البيض عُشر دية الم ‪.‬‬
‫ثامنا ـ التخيير في جزاء الصيد‪ :‬اتفقت المذاهب على أن قاتل الصيد مخير في الجزاء بين أحد أمور‬
‫ثلثة‪ ،‬بأيها شاء كفّر‪ ،‬سواء أكان موسرا أم معسرا‪ ،‬والمور الثلثة‪ :‬هي ذبح النظير‪ ،‬وتقويم النظير‬
‫بدراهم ثم بطعام‪ ،‬لكل مسكين مد‪ ،‬وصيام يوم عن كل مد‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬هديا بالغ الكعبة‪ ،‬أو كفارة‬
‫طعام مساكين‪ ،‬أو عدل ذلك صياما} [المائدة‪ ]95/5:‬و «أو» في المر للتخيير‪ ،‬بين المثل أو الطعام‬
‫أوالصيام‪ .‬وإذا اختار المثل ذبحه‪ ،‬وتصدق به على مساكين الحرم‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬هديا بالغ الكعبة}‬
‫[المائدة‪ ]95/5:‬والهدي يجب ذبحه‪ ،‬ول يجزئه أن يتصدق به حيا على المساكين‪ ،‬لتسميته هديا‪ ،‬وله‬
‫ذبحه في أي وقت شاء‪ ،‬ول يختص ذلك بأيام النحر‪.‬‬
‫كيفية تقدير الطعام ونوعه ‪:‬‬
‫قال الشافعية والحنابلة‪ :‬متى اختار الطعام‪ :‬فإنه يقوم المثل بالدراهم‪ ،‬والدراهم بطعام ويتصدق به‬
‫على المساكين؛ لن المثل الواجب إذا قوم‪ ،‬لزمت قيمة مثله‪ .‬ول يجزئ إخراج القيمة؛ لن ال تعالى‬
‫خير بين ثلثة أشياء ليست القيمة منها‪ .‬ونوع الطعام المخرج‪ :‬هو الذي يخرج في الفطرة وفدية‬
‫الذى‪ :‬وهو الحنطة والشعير والتمر والزبيب‪ .‬وقال مالك‪ :‬يقوم الصيد ل المثل؛ لن التقويم إذا وجب‬
‫لجل التلف‪ ،‬قوم المتلف كالذي ل مثل له‪.‬‬
‫تقدير الصيام ‪:‬‬
‫في الصيام‪ :‬يصوم عند الجمهور‪ :‬عن كل مد يوما؛ لنها كفارة دخلها الصيام والطعام‪ ،‬فكان في‬
‫مقابلة المد ككفارة الظهار‪ :‬المد فيها في مقابلة إطعام المسكين‪ .‬وإذا بقي ما ل يعدل يوما‪ ،‬صام يوما‬
‫كذلك‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬يصوم عن كل نصف صاع من بُرّ يوما ‪ ،‬إذ ل يجوز عنده أن يطعم المسكين أقل‬
‫من نصف صاع؛ لن الطعام المذكور ينصرف إلى ما هو المعهود في الشرع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪.118/2 :‬‬

‫( ‪)3/638‬‬

‫تاسعا ـ ما ل مثل له من الصيد كالجراد‪ :‬يخير قاتله بين أن يشتري بقيمته طعاما‪ ،‬فيطعمه للمساكين‪،‬‬
‫وبين أن يصوم‪ .‬ول يجوز إخراج القيمة عند الحنابلة في الظاهر‪ ،‬والشافعية‪ ،‬وإنما يتخير بين إخراج‬
‫طعام بقيمته والصيام بعدد المداد‪.‬‬
‫عاشرا ـ تكرار قتل الصيد والشتراك في القتل‪ :‬كلما قتل صيدا حكم عليه‪ ،‬فيجب الجزاء بقتل الصيد‬
‫الثاني‪ ،‬كما يجب عليه إذا قتله ابتداء؛ لنه كفارة عن قتل‪ ،‬فاستوى فيه المبتدئ والعائد كقتل الدمي‪،‬‬
‫ولن هذه الكفارة بدل متلف يجب به المثل أو القيمة‪ ،‬فأشبه بدل مال الدمي‪.‬‬
‫ولو اشترك جماعة في قتل صيد‪ ،‬فعليهم جزاء واحد في رأي الحنابلة على الصحيح والشافعية‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة‪ ]95/5:‬والجماعة قد قتلوا صيدا‪ ،‬فيلزمهم مثله‪ ،‬والزائد‬
‫خارج عن المثل‪ ،‬فل يجب‪.‬‬
‫وقال الحنفية (‪ )1‬والمالكية‪ :‬إذا اشترك المحرمان في قتل صيد‪ ،‬فعلى كل واحد منهما الجزاء كاملً؛‬
‫لن كل واحد منهما جنى على إحرام كامل‪ .‬وإذا اشترك الحللن في قتل صيد الحرم‪ ،‬فعليهما جزاء‬
‫واحد؛ لن الضمان هنا لحرمة الحرم‪ ،‬فجرى مجرى ضمان الموال‪ ،‬كرجلين قتل رجلً خطأ‪ ،‬يجب‬
‫عليهما دية واحدة‪ ،‬وعلى كل واحد منهما كفارة‪.‬‬
‫وأضاف الحنابلة‪ :‬إن كان شريك المحرم في قتل صيد مطلقا حللً أو سبعا‪ ،‬فل شيء على الحلل‪،‬‬
‫ويحكم على الحرام‪.‬‬
‫وإن اشترك حرام وحلل في صيد حرمي‪ ،‬فالجزاء بينهما نصفان؛ لن التلف ينسب إلى كل واحد‬
‫منهما نصفه‪.‬‬
‫حادي عشر ـ تملك الصيد بالبيع ونحوه وزوال ملكيته عنه‪ ،‬وتملكه بالرث ‪:‬‬
‫قال أكثر الفقهاء‪ :‬إذا أحرم الرجل وفي ملكه صيد‪ ،‬لم يزل ملكه عنه‪ ،‬ول يده الحكمية‪ ،‬مثل أن يكون‬
‫في بلده أو في يد نائب له في غير مكانه‪ .‬ول شيء عليه إن مات‪ ،‬وله التصرف فيه بالبيع والهبة‬
‫وغيرهما‪ ،‬ومن غصبه لزمه رده‪ ،‬ويلزمه إزالة يده المشاهدة عنه‪ ،‬فإذا كان في قبضته أو رحله أو‬
‫خيمته أو قفص معه أو مربوطا بحبل معه‪ ،‬لزمه إرساله‪.‬‬
‫والدليل على بقاء يد المالك عليه‪ :‬أ نه لم يفعل في الصيد فعلً‪ ،‬فلم يلزمه شيء‪ ،‬كما لو كان في ملك‬
‫غيره‪.‬‬
‫ول يملك المحرم الصيد ابتداء بالبيع ول بالهبة ونحوهما من السباب‪ ،‬بدليل حديث الصعب بن جثّامة‬
‫المتقدم أنه صلّى ال عليه وسلم رد الحمار الوحشي على صاحبه‪ ،‬لنه محرم‪ .‬فإن أخذه بأحد هذه‬
‫السباب‪ ،‬ثم تلف فعليه جزاؤه‪ ،‬وإن كان مبيعا فعليه القيمة أو رده إلى مالكه‪ ،‬فإن أرسله فعليه ضمانه‬
‫كما لو أتلفه‪ ،‬وليس عليه جزاء‪،‬وعليه رد المبيع أيضا‪.‬‬

‫وإن ورث المحرم صيدا ملكه؛ لن الملك بالرث ليس بفعل من جهته وإنما يدخل في ملكه حكما‪،‬‬
‫سواء اختار ذلك أو كرهه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اللباب‪ 211/1:‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/639‬‬
‫‪...............................‬جدول محظورات الحرام‪...............................‬‬
‫‪.....‬المحرّمات‪.................‬ما يترتب على فعل شيءٍ منها عمدا أو سهوا أو جهلً أو لعذر‬
‫‪-1‬لبس الرجل المخيط من ‪....................‬الفدية بذبح شاة‪.............................‬‬
‫الثياب أو الحذاء وستر بل عذر‪.............................................................‬‬
‫‪-2‬تغطية رأس الرجل ووجه المرأة‪..............‬الفدية بذبح شاة‪.............................‬‬
‫‪-3‬إزالة الشعر من الجسم بأي ‪...‬الفدية بذبح شاة بحلق ربع الرأس عند الحنفية‪ ،‬وإل فعليه نوع في‬
‫أي موضع‪....................‬صدقة‬
‫‪................................‬الفدية بذبح شاة بإزالة ما يزيد عن عشر شعرات عند المالكية‬
‫‪................................‬وإل فعليه حفنة من طعام‪.‬‬
‫‪................................‬الفدية بذبح شاة بإزالة ثلث شعرات فأكثر عند الشافعية‬
‫‪................................‬والحنابلة‪ ،‬وإل فعليه إطعام مسكين عند الحنابلة‪ ،‬ومد لشعرة‬
‫‪................................‬ومدان لشعرتين عند الشافعية‬
‫‪-4‬تقليم الظافر‪................‬الفدية بالذبح بتقليم أظافر يد أو رجل عند الحنفية‪ ،‬وأما عند‬
‫‪................................‬الئمة الخرين فعلى تفصيل إزالة الشعر‪.‬‬
‫‪-5‬استعمال الطيب مطلقا‪......‬الفدية بالذبح‪..............................................‬‬
‫‪-6‬صيد الحيوان أو التعرّض له‪...‬جزاء عند الجمهور بالمثل أو التصدق بقيمته طعاما‪ ،‬أو الصيام‬
‫‪................................‬عن كل مد يوما‪............................................‬‬
‫‪...............................‬جزاء بالقيمة عند أبي حنيفة‪ ،‬ويخير فيها بين شراء هدي وذبحه‬
‫‪..............................‬أو التصدق بطعام لكل مسكين نصف صاع من حنطة‪ ،‬أو صوم‬
‫‪..............................‬يوم عن كل نصف صاع‪.....................................‬‬
‫‪-7‬قطع نبات حرم مكة أو شجرة‪.....‬ل جزاء عند المالكي‪ ،‬وعليه القيمة عند أبي حنيفة‪ ،‬وعليه‬

‫‪......................................‬شاة أو بقرة عند الشافعية والحنابلة بحسب كون الشجرة‬
‫‪......................................‬صغيرة أو كبيرة‪ ،‬وقيمة النبات‪.‬‬
‫‪-8‬الجماع ومقدماته التي فيها ‪.......‬فساد الحج بالجماع اتفاقا‪ ،‬وكذا بالنزال عند المالكية‬
‫استمتاع بالنساء‪.....................‬مع القضاء اتفاقا‪ ،‬وذبح بدنة عند الشافعية والحنابلة‪،‬‬
‫‪....................................‬وهدي عند المالكية‪ ،‬وبدنة بعد الوقوف عند الحنفية‬
‫‪....................................‬وقبله شاة‪ .‬ولفدية عند أحمد على المرأة النائمة والمكرهة‪،‬‬
‫‪...................................‬ول شيء عند الشافعية على من باشر مقدمات الجماع ناسيا‬
‫‪...................................‬ول على المجامع الناسي والجاهل بالتحريم والمرأة المكرهة‪،‬‬
‫‪...................................‬ول يفسد الحج أيضا بذلك عندهم‪.‬‬

‫( ‪)3/640‬‬
‫المبحث الثاني عشر ـ الفوات والحصار ‪:‬‬
‫الفوات‪ :‬ما يفوت به الحج‪ ،‬وحكم الفوات (‪: )1‬‬
‫ما يفوت به الحج‪ :‬من أحرم بالحج مطلقا فرضا أو نفلً‪ ،‬صحيحا أوفاسدا‪ ،‬ثم فاته الوقوف بعرفة حتى‬
‫طلع الفجر من يوم النحر‪ ،‬فقد فاته الحج؛ لن وقت الوقوف يمتد إليه‪ ،‬ولن الحج عرفة‪.‬‬
‫قال ابن جزي المالكي‪ :‬وكذلك يفوت الحج بفوات أعماله كلها‪ ،‬وإذا أقام بعرفة حتى طلع الفجر من‬
‫يوم النحر‪ ،‬سواء أكان وقف بها أم لم يقف‪ .‬والعمرة ل تفوت؛ لنها غير مؤقتة بوقت‪.‬‬
‫حكم الفوات‪ :‬قال الحنفية‪ :‬من فاته الحج وجب عليه أن يتحلل بأفعال العمرة‪ :‬بأن يطوف ويسعى من‬
‫غير إحرام جديد لها‪ ،‬ويحلق أو يقصر‪ ،‬ثم يقضي الحج من عام قابل‪ ،‬ول دم عليه؛ لن التحلل وقع‬
‫بأفعال العمرة‪ ،‬فكانت في حق فائت الحج بمنزله الدم في حق المحصَر‪ ،‬فل يجمع بينهما‪،‬فلو كان‬
‫الفوات سببا للزوم الهدي للزم المحرم هديان‪ :‬للفوات والحصار‪.‬‬
‫وقال الجمهور‪:‬من فاته الحج تحلل بعمرة من طواف وسعي وحلق أوتقصير‪ ،‬وقضى على الفور من‬
‫عام قابل‪ ،‬ولزمه الهدي في وقت القضاء‪ ،‬وسقط عنه ما بقي من المناسك كالنزول بمزدلفة والوقوف‬
‫بالمشعر الحرام والرمي والمبيت بمنى‪.‬‬
‫أما دليل الفوات‪ :‬فهو أن آخر الوقوف آخر ليلة النحر‪ ،‬فمن لم يدرك الوقت حتى طلع الفجر يومئذ‪،‬‬
‫فاته الحج‪ ،‬بل خلف بين العلماء؛ لقول جابر‪:‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬البدائع‪ 220/2 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ 303/2 :‬ومابعدها‪ ،‬اللباب‪ 214/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح‬
‫الصغير‪ 130/2 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،142‬المهذب‪ ،233/1 :‬المغني‪،530-526/3 :‬‬
‫مغني المحتاج‪ ،537/1 :‬حاشية الشرقاوي‪ 511/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/641‬‬
‫جمْع‪ ،‬قال أبو الزبير‪ ،‬فقلت له‪ :‬أقال رسول ال ذلك ؟ قال‪:‬‬
‫«ل يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة َ‬
‫جمْع‪ ،‬فقد‬
‫نعم» (‪ ، )1‬وقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬الحج عرفة‪ ،‬فمن جاءقبل صلة الفجر ليلة َ‬
‫تم حجه» ‪ :‬يدل على فواته بخروج ليلة جمع أي ليلة المزدلفة‪.‬‬
‫وقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج‪ ،‬ومن فاته عرفات بليل‪،‬‬
‫فليحل بعمرة‪ ،‬وعليه الحج من قابل» (‪. )2‬‬
‫ودليل التحلل بعمرة‪ :‬هو ما روي عن الصحابة كعمر وابن عمر (‪ )3‬وغيرهما‪ ،‬ولنه يجوز فسخ‬
‫الحج إلى العمرة من غير فوات‪ ،‬فمع الفوات أولى‪.‬‬
‫ودليل لزوم القضاء من قابل‪ ،‬سواء أكان الفائت واجبا أم تطوعا‪ :‬هو ما روي عن الصحابة‪ :‬عمر‬
‫وابنه وابن عباس وابن الزبير ومروان‪ ،‬وقال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من فاته عرفات فاته الحج‪،‬‬
‫فليحل بعمرة‪ ،‬وعليه الحج من قابل» (‪ ، )4‬ولن الحج يلزم بالشروع فيه‪ ،‬فيصير كالمنذور‪ ،‬بخلف‬
‫سائر التطوعات‪.‬‬
‫وأما لزوم الهدي عند الجمهور خلفا للحنفية‪ :‬فلقول الصحابة المذكورين‪ ،‬ولما روى عطاء‪ :‬أن النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من فاته الحج فعليه دم‪ ،‬وليجعلها عمرة‪ ،‬وليحج من قابل» (‪ ، )5‬ولنه‬
‫حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه هدي‪ ،‬كالمحرم لم يفت حجه‪ ،‬فإنه يحل قبل فواته‪.‬‬
‫بقاء الفائت محرما لعام آخر‪ :‬إن اختار من فاته الحج البقاء إحرامه ليحج من قابل‪ ،‬فله ذلك؛ لن‬
‫تطاول المدة بين الحرام وفعل النسك ل يمنع إتمامه‪ ،‬كالعمرة‪ ،‬والمحرم بالحج في غير أشهره‪.‬‬
‫صفة القضاء ‪:‬‬
‫قال الجمهور‪ :‬إذا فات القارن الحج حل‪ ،‬وعليه مثل ما أهل به من قابل؛ لن القضاء يجب على‬
‫حسب الداء في صورته ومعناه‪ ،‬ويلزمه هديان‪ :‬هدي للقران‪ ،‬وهدي فواته‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬يطوف ويسعى لعمرته‪ ،‬ثم ل يحل حتى يطوف ويسعى لحجه‪.‬‬
‫الخطأ في وقت الوقوف‪ :‬إذا أخطأ الناس‪ ،‬فوقفوا في اليوم الثامن أو في اليوم العاشر أي في غير ليلة‬
‫عرفة‪ ،‬أجزأهم ذلك‪ ،‬ولم يجب عليهم القضاء‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬يوم عرفة الذي يعرّف‬

‫فيه الناس» (‪ ، )6‬ولن الخطأ نجم عن شهادة الشاهدين برؤية الهلل قبل الشهر بيوم‪ ،‬فوقفوا يوم‬
‫الثامن‪ ،‬أو غم عليهم الهلل‪ ،‬فوقفوا يوم العاشر‪ ،‬ومثل هذا ل يؤمن في القضاء‪ ،‬فسقط‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الثرم بإسناده‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الدارقطني عن ابن عمر‪ ،‬وضعفه‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الشافعي في مسنده‪ ،‬وروى مالك في الموطأ بإسناد صحيح عن هبار بن السود أن عمر‬
‫رضي ال عنه أفتى بوجوب القضاء والدم‪ ،‬واشتهر في الصحابة‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الدارقطني عن ابن عباس‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه النجاد بإسناده‪.‬‬
‫(‪ )6‬رواه الدارقطني عن عبد العزيز بن عبد ال بن خالد بن أسيد‪ ،‬وروى الدارقطني أيضا وغيره‬
‫عن أبي هريرة أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬فطركم يوم تفطرون‪ ،‬وأضحاكم يوم‬
‫تضحون» ‪.‬‬

‫( ‪)3/642‬‬
‫فإن اختلفوا فأصاب بعض‪ ،‬وأخطأ بعض‪ ،‬وقت الوقوف‪ ،‬لم يجزئهم؛ لنهم غير معذورين في هذا‪.‬‬
‫الحصار ‪:‬‬
‫معناه‪ ،‬أحكامه ومنها مكان ذبح دم الحصار ووقته‪ ،‬ما يقضيه المحصر‪ ،‬زوال الحصار (‪. )1‬‬
‫ل ـ معنى الحصار ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫الحصار لغة‪ :‬المنع‪ ،‬وشرعا عند الحنفية‪ :‬منع المحرم عن أداء الركنين (الوقوف والطواف)‪ .‬وعند‬
‫الجمهور‪ :‬منع المحرم من جميع الطرق عن إتمام الحج أو العمرة‪.‬‬
‫والمنع عند الحنفية‪ :‬إما بعدو أو مرض أو ضياع نفقة أو حبس أو كسر أو عرج وغيرها من الموانع‬
‫التي تمنع المحرم من إتمام ما أحرم به حقيقة أو شرعا‪ .‬ومن أحصر بمكة وهو ممنوع من الركنين‪:‬‬
‫الوقوف والطواف‪ ،‬كان محصرا؛ لنه تعذر عليه التمام‪ ،‬فصار كما إذا أحصر في الحل‪ ،‬وإن قدر‬
‫على أحد الركنين‪ ،‬فليس بمحصر؛ لنه إن قدر على الطواف تحلل به‪ ،‬وإن قدر على الوقوف فقد تم‬
‫حجه‪ ،‬فليس بمحصر‪.‬‬
‫والمنع الذي يعدّ به المحرم محصرا عند الجمهور‪ :‬هو ما يكون بعدو‪ ،‬فالحصار بعدو بعد الحرام‬
‫مبيح للتحلل إجماعا‪ .‬ول يجوز التحلل بعذر المرض أوالحبس في دَين يتمكن من أدائه‪ ،‬أو ذهاب‬

‫نفقة‪ ،‬فمن مرض يصبر حتى يبرأ‪ ،‬فإذا برئ أتم ما أحرم به من حج أو عمرة‪ .‬وعلى المدين أن‬
‫يؤدي الدين ويمضي في‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،182-175/2 :‬فتح القدير‪ ،302 - 295/2 :‬اللباب‪ ،214-212/1 :‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ ،346-342/1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،141‬الشرح الصغير‪ ،136-133/2 :‬الشرح الكبير‪-93/2 :‬‬
‫‪ ،98‬مغني المحتاج‪ ،537 -532/1 :‬المجموع‪ ،268-242/8 :‬المهذب‪ ،235 - 233/1 :‬المغني‪:‬‬
‫‪ ،364 - 356/3‬كشاف القناع‪ ،614 - 607/2 :‬اليضاح‪ :‬ص ‪.98- 97‬‬

‫( ‪)3/643‬‬
‫حجه‪ ،‬فإن فاته الحج في الحبس لزمه المسير إلى مكة‪ ،‬ويتحلل بعمل عمرة‪ ،‬ويلزمه القضاء‪ .‬ومن‬
‫ذهبت نفقته بعث بهدي إن كان معه ليذبحه بمكة‪ ،‬وكان على إحرامه حتى يقدر على الوصول إلى‬
‫البيت‪ .‬وعليه‪ ،‬فكل من تعذر عليه الوصول إلى البيت بغير حصر العدو من مرض أو عرج أو ذهاب‬
‫نفقة وضياع طرق ونحوه‪ ،‬ل يجوز له التحلل بذلك‪ ،‬بل يصبر حتى يزول عذره‪.‬‬
‫المحصر بمكة‪ :‬من حصر بمكة عن البيت بعدو أو مرض أو حبس ولو بحق‪ ،‬ووقف بعرفة‪ ،‬فقد‬
‫أدرك الحج‪ ،‬ول يحل إل بطواف الفاضة‪ ،‬ولو بعد سنين‪.‬‬
‫شرط التحلل‪ :‬لكن إن شرط المحرم التحلل بمرض‪ ،‬تحلل به‪ ،‬لما في الصحيحين عن عائشة رضي‬
‫ال عنها قالت‪« :‬دخل رسول ال صلّى ال عليه وسلم على ضُبَاعة بنت الزبير‪ ،‬فقال لها‪ :‬أردت‬
‫الحج‪ ،‬فقالت‪ :‬وال ‪ ،‬ما أجدني إل وجعة‪ ،‬فقال‪ :‬حجي واشترطي‪ ،‬وقولي‪ :‬اللهم مَحِلّي حيث حبستني»‬
‫ويقاس عليه غيره‪ .‬ول يسقط عنه الدم عند الحنفية والشافعية إذا شرط عند الحرام أنه يتحلل إذا‬
‫أحصر‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬لشيء عليه‪ ،‬لهدي ول قضاء ولغيره‪ ،‬فإن للشرط تأثيرا في العبادات‪.‬‬

‫( ‪)3/644‬‬
‫الدلة ‪:‬‬
‫استدل الحنفية‪ :‬على عموم أسباب الحصار بعموم قوله تعالى‪ { :‬فإن أحصرتم فما استيسر من‬
‫الهدي } [البقرة‪ ]196/2:‬والمنع كما يكون من العدو‪ ،‬يكون من المرض وغيره‪ ،‬والعبرة بعموم اللفظ‬
‫لبخصوص السبب‪ ،‬إذ الحكم يتبع اللفظ ل السبب‪ .‬وعن الكسائي وأبي معاذ أن الحصار من‬

‫المرض‪ ،‬والحصر من العدو‪ ،‬فعلى هذا كانت الية خاصة في الممنوع بسبب المرض‪ .‬واستدل‬
‫الجمهور‪ :‬بأن آية الحصار المذكورة‪{ :‬فإن أحصرتم‪[ }..‬البقرة‪ ]196/2:‬نزلت في أصحاب رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم حين أحصروا من العدو‪ ،‬وفي آخر الية الشريفة دليل عليه‪ ،‬وهو قوله عز‬
‫وجل‪{ :‬فإذا أمنتم} [البقرة‪ ]196/2:‬والمان‪ :‬من العدو يكون (‪. )1‬‬
‫وروي عن ابن عباس وابن عمر رضي ال عنهما أنهما قال‪« :‬ل حصر إل من عدو» ‪.‬‬
‫شروط التحلل عند المالكية‪ :‬يرى المالكية أن للمحصر خمس حالت يصح له الحلل في أربع منها‪:‬‬
‫وهي أن يكون العذر طارئا بعد الحرام‪ ،‬أو متقدما ولم يعلم به‪ ،‬أو علم وكان يرى أنه ل يصده‪ ،‬وأن‬
‫يشرط الحلل فيما إذا شك هل يصدونه أو ل؟‬
‫ويمتنع الحلل في حالة واحدة‪ ،‬هي إن صد عن طريق‪ ،‬وهو قادر على الوصول من غيره‪.‬‬
‫رفض الحرام‪ :‬إن قال المحرم‪ :‬أنا أرفض الحرام وأحل‪ ،‬فلبس الثياب‪ ،‬وذبح الصيد‪ ،‬وعمل ما‬
‫يعمله الحلل‪ ،‬يظل محرما‪ ،‬ويكون الحرام باقيا في حقه‪ ،‬تلزمه أحكامه‪ ،‬ويلزمه جزاء كل جناية‬
‫جناها عليه‪ ،‬فعليه في كل فعل فعله دم‪ ،‬وإن وطئ فعليه أيضا للوطء بدنة‪ ،‬مع ما يجب عليه من‬
‫الدماء‪ ،‬ويفسد حجه‪ .‬وليس عليه لرفضه الحرام شيء؛ لنه مجرد نية لم تؤثر شيئا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬لكن قال ابن رشد في (بداية المجتهد‪ :)345/1 :‬الظهر أن قوله سبحانه‪{ :‬فإذا أمنتم فمن تمتع‬
‫بالعمرة إلى الحج} [البقرة‪ ]196/2:‬أنه في غير المحصر‪ ،‬بل هو في التمتع الحقيقي‪ ،‬فكأنه قال‪ :‬فإذا‬
‫لم تكونوا خائفين‪ ،‬لكن تمتعتم بالعمرة إلى الحج‪ ،‬فما استيسر من الهدي‪ ،‬ويدل على هذا التأويل قوله‬
‫سبحانه‪{ :‬ذلك لمن لَمْ يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة‪ ]196/2:‬والمحصر يستوي فيه‬
‫حاضر المسجد الحرام وغيره بإجماع‪.‬‬

‫( ‪)3/645‬‬
‫تحليل الزوجة من حج تطوع‪ :‬ذكر الشافعية والحنفية أن للزوج تحليل زوجته‪ ،‬كما له منعها ابتداء من‬
‫حج أو عمرة تطوع أو فرض في الظهر لم يأذن فيه‪ ،‬لئل يتعطل حقه من الستمتاع‪ ،‬كما له أن‬
‫يخرجها من صوم النفل‪ ،‬وإن أذن لها‪ ،‬لم يجز لرضاه بالضرر‪ .‬وتحليلها في الحال من غير ذبح هدي‬
‫عند الحنفية‪ ،‬ومع الهدي عند الشافعية‪ .‬والمراد بتحليله إياها‪ :‬أن يأمرها بالتحلل‪ ،‬وتحللها كتحلل‬
‫المحصر‪ .‬فإن لم يأمرها‪ ،‬لم يجز لها التحلل‪ .‬وليس للزوج تحليل الرجعية أو البائن‪ ،‬بل يحبسها للعدة‪،‬‬
‫فإن انقضت عدتها أتمت عمرتها أو حجها إن بقي الوقت‪ ،‬وإل تحللت بعمرة‪ ،‬ولزمها القضاء ودم‬

‫الفوات‪.‬‬
‫ثانيا ـ أحكام الحصار‪ :‬يتعلق بالمحصر أحكام‪ ،‬لكن الصل فيه حكمان‪ :‬أحدهما ـ جواز التحلل عن‬
‫الحرام‪ ،‬والثاني ـ وجوب قضاء ما أحرم به بعد التحلل‪.‬‬
‫أما جواز التحلل من الحرام وهو الحكم الول‪ :‬فيقتضي بيان معنى التحلل ودليل جوازه‪ ،‬وما يتحلل‬
‫به‪ ،‬ومكان وزمان ذبح الهدي‪.‬‬
‫أما معنى التحلل‪ :‬فهو فسخ الحرام والخروج منه بالطريق الموضوع له شرعا‪ .‬وأما دليل جوازه‬
‫فقوله تعالى‪{ :‬فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة‪ ]196/2:‬وفيه إضمار‪ ،‬ومعناه‪ :‬فإن‬
‫أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة‪ ،‬وأردتم أن تحلوا‪ ،‬فاذبحوا ما تيسر من الهدي‪ ،‬إذ الحصار نفسه ل‬
‫يوجب الهدي‪.‬‬

‫( ‪)3/646‬‬
‫وأما ما يتحلل به‪ :‬فإن أمكنه الوصول إلى البيت‪ ،‬تحلل بعمل عمرة‪ ،‬وإن تعذر عليه ذلك ذبح الهدي‪،‬‬
‫فيبعث عند الحنفية بالهدي أو بثمنه ليشتري به هديا‪ ،‬فيذبح عنه‪ ،‬وما لم يذبح ل يحل‪ ،‬سواء عند‬
‫الحنفية شرط الشخص عند الحرام الحلل بغير ذبح عند الحصار أو لم يشترط‪ .‬والهدي‪ :‬بدنة أو‬
‫بقرة أو شاة‪.‬‬
‫و رأي الجمهور‪ :‬أن من أحصر تحلل بهدي‪ ،‬سواء أكان حاجا أم معتمرا أم قارنا‪ ،‬للية السابقة‪{ :‬فإن‬
‫أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة‪ ]196/2:‬والية نزلت بالحديبية حين صدّ المشركون النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم عن البيت‪ ،‬وكان معتمرا‪ ،‬فنحر ثم حلق‪ ،‬وقال لصحابه‪« :‬قوموا فانحروا‪ ،‬ثم‬
‫احلقوا» (‪. )1‬‬
‫وإن كان قارنا فعليه عند الشافعية والحنابلة دم واحد‪ ،‬وعند الحنفية دمان‪ ،‬بناء على أصل أن القارن‬
‫عند الحنفية محرم بإحرامين‪ ،‬فل يحل إل بهذين‪ ،‬وعند الخرين محرم بإحرام واحد‪ ،‬ويدخل إحرام‬
‫العمرة في الحجة‪ ،‬فيكفيه دم واحد‪.‬‬
‫فإن لم يكن مع المحصر هدي‪ ،‬وعجز عنه‪ ،‬انتقل عند الحنابلة إلى صوم عشرة أيام‪ :‬ثلثة في الحج‬
‫وسبعة إذا رجع إلى أهله‪ ،‬لنه دم واجب للحرام‪ ،‬فكان له بدل كدم التمتع والطيب واللباس‪ ،‬ويبقى‬
‫على إحرامه حتى يصوم أو ينحر الهدي؛ لنهما أقيما مقام أفعال الحج‪ ،‬فلم يحل قبلهما‪ .‬وانتقل عند‬
‫الشافعية في الصح إلى الطعام‪ ،‬فتقوّم الشاة دراهم‪ ،‬ويخرج بقيمتها طعاما‪ ،‬فإن عجز صام عن كل‬
‫مد يوما‪ ،‬وإذا انتقل إلى الصوم‪ ،‬له التحلل في الحال في الظهر‪.‬‬

‫وقال الحنفية والمالكية‪ :‬ليس للهدي الواجب بالحصار بدل؛ لنه لم يذكر في القرآن‪.‬‬
‫والتحلل عند الشافعية والحنابلة يكون بثلثة أشياء‪ :‬ذبح‪ ،‬ونية التحلل بالذبح‪ ،‬وحلق أو تقصير‪ ،‬لحديث‬
‫«إنما العمال بالنيات» ولن النبي صلّى ال عليه وسلم حلق يوم الحديبية‪ ،‬وفعله في النسك دال على‬
‫الوجوب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري وأحمد عن ابن عمر (نيل الوطار‪.)9/5 :‬‬

‫( ‪)3/647‬‬
‫والحلق شرط أيضا عند المالكية‪ ،‬وليس بشرط للتحلل‪ ،‬وإنما يحل المحصر بالذبح بدون الحلق في‬
‫قول أبي حنيفة ومحمد‪ ،‬لطلق نص الية السابقة‪{ :‬فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة‪:‬‬
‫‪ ]196/2‬فمن أوجب الحلق فقد جعله بعض الموجب‪ ،‬وهذا خلف النص‪ ،‬ولن الحلق للتحلل عن‬
‫أفعال الحج‪ ،‬والمحصر ل يأتي بأفعال الحج‪ ،‬فل حلق عليه‪ ،‬والحديث في الحلق بالحديبية محمول‬
‫على الندب والستحسان‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬المحصر بعدو أو فتنة في حج أو عمرة يتربص ما رجا كشف ذلك‪ ،‬فإذا يئس تحلل‬
‫بموضعه حيث كان من الحرم وغيره‪ ،‬ول هدي أو دم عليه‪ .‬فإن كان معه هدي نحره وتحلل بالنية‬
‫والحلق بشرطين‪ :‬أولهما ـ إن لم يعلم بالمانع عند إرادة إحرامه‪ .‬وثانيهما ـ أن ييأس من زوال‬
‫المانع قبل الوقوف بعرفة‪ ،‬والمعتمد عند أشياخ المالكية أنه ل يتحلل إل بحيث لو سار إلى عرفة من‬
‫مكانه‪ ،‬لم يدرك الوقوف‪ ،‬فإن علم أو ظن أو شك أنه يزول المانع قبل الوقوف‪ ،‬فل يتحلل حتى يفوت‪،‬‬
‫فإن فات الوقوف فعل عمرة‪.‬‬
‫وأما مكان ذبح الهدي عند الحنفية‪ :‬فهو الحرم‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ول تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي‬
‫محله} [البقرة‪ ]2/196:‬ولو كان كل موضع محلً له‪ ،‬لم يكن لذكر المحل فائدة‪ ،‬ولنه عز وجل قال‪:‬‬
‫{ثم َمحِلّها إلى البيت العتيق} [الحج‪ ]33/22:‬أي إلى البقعة التي فيها البيت‪ .‬فل يجوز عندهم ذبح دم‬
‫الحصار إل في الحرم‪ ،‬فيبعث شاة تذبح في الحرم‪ ،‬ويواعد من يحملها يوما بعينه يذبحها فيه‪ ،‬ثم‬
‫يتحلل‪ ،‬أي يحل له ما كان محظورا‪ .‬ويجوز للمحصر بالعمرة أن يذبح متى شاء‪ .‬أما الصدقة والصوم‬
‫فيجزيان في أي مكان شاء‪.‬‬

‫( ‪)3/648‬‬

‫وأما زمان ذبح الهدي‪ :‬فيجوز عند أبي حنيفة ذبح الهدي قبل يوم النحر‪ ،‬لطلق النص‪ ،‬ولنه لتعجيل‬
‫التحلل‪ .‬وقال الصاحبان‪ :‬ل يجوز الذبح للمحصر بالحج إل في يوم النحر كدم المتعة والقران‪ .‬وعلى‬
‫الرأي الول وهو الراجح‪ :‬يكون زمان ذبح الهدي مطلق الوقت‪ ،‬ل يتوقف بيوم النحر‪ ،‬سواء أكان‬
‫الحصار عن الحج أم عن العمرة‪.‬‬
‫وحكم التحلل أي أثره‪ :‬صيرورته حللً يباح له تناول جميع ما حظره الحرام لرتفاع الحاظر‪،‬‬
‫فيعود حللً كما كان قبل الحرام‪.‬‬
‫وقال الجمهور غير الحنفية‪ :‬من تحلل ذبح شاة حيث أحصر في حل أو حرم وقت حصره‪ ،‬لطلق‬
‫الية السابقة‪{ :‬فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة‪ ]196/2:‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫حينما منعه كفار قريش نحر هديه وحلق رأسه بالحديبية‪ ،‬قبل يوم النحر‪ ،‬فله النحر في موضعه كما‬
‫فعل النبي‪.‬‬
‫لكن وإن جاز التحلل قبل يوم النحر‪ ،‬فالمستحب له عند الشافعية والحنابلة وأبي حنيفة مع ذلك القامة‬
‫على إحرامه‪ ،‬رجاء زوال الحصر‪ ،‬فمتى زال قبل تحلله‪ ،‬فعليه المضي لتمام نسكه‪ ،‬بغير خلف‪.‬‬
‫والخلصة أل هدي على المحصر إن لم يكن معه عند المالكية‪ ،‬وعليه الهدي عند الجمهور‪.‬‬
‫وأما ما يقضيه المحصر وهو الحكم الثاني فهو مايأتي ‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬إذا تحلل المحصر بالحج‪ ،‬فعليه حجة وعمرة قضاء عما فاته؛ لنه في معنى فائت الحج‬
‫الذي يتحلل بأفعال العمرة‪ ،‬فإن لم يأت بها قضاها‪ .‬هذا إذا لم يحج من عامه‪ ،‬فإن حج منه فل عمرة‬
‫عليه؛ لنه ليس في معنى فائت الحج‪ .‬وعلى المحصر بالعمرة القضاء لما شرع فيه‪ ،‬وعلى المحصر‬
‫القارن حجة وعمرتان‪ ،‬أما الحج وإحدى العمرتين‪ :‬فلما تبين أنه في معنى فائت الحج‪ ،‬وأما الثانية‪:‬‬
‫فلنه خرج منها بعد صحة الشروع فيها‪.‬‬
‫والحاصل أنه يجب عند الحنفية على المحصر قضاء ما أحرم به بعد التحلل‪:‬‬

‫( ‪)3/649‬‬
‫أ ـ فإن كان أحرم بالحجة لغير‪ :‬فإن بقي وقت الحج عند زوال الحصار وأراد أن يحج من عامه‬
‫ذلك‪ ،‬أحرم وحج‪ ،‬وليس عليه نية القضاء‪ ،‬ول عمرة عليه‪ .‬وإن مضت السنة فعليه قضاء حجة‬
‫وعمرة‪ ،‬ول تسقط عنه تلك الحجة إل بنية القضاء‪.‬‬
‫ب ـ وإن كان إحرامه بالعمرة ل غير‪ ،‬قضاها‪ ،‬لوجوبها بالشروع في أي وقت شاء؛ لنه ليس لها‬
‫وقت معين‪.‬‬

‫جـ ـ وإن كان قارنا فأحرم بالعمرة والحجة‪ :‬فعليه قضاء حجة وعمرتين‪ ،‬أما قضاء حجة وعمرة‬
‫فلوجوبها بالشروع‪ ،‬وأما العمرة الخرى فلفوات الحج في عامه ذلك؛ لن العمرة تتعين بالحصار‪،‬‬
‫لنها أقل الواجبين‪ ،‬وهو شيء متيقن‪.‬‬
‫ودليلهم في الجملة على وجوب القضاء‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم لما تحلل زمن الحديبية قضى‬
‫من قابل‪ ،‬وسميت عمرة القضاء‪ ،‬ولنه حل من إحرامه قبل إتمامه‪ ،‬فلزمه القضاء‪ ،‬كما لو فاته الحج‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬على المتحلل بفعل عمرة أو بالنية حجة الفريضة‪ ،‬ول تسقط عنه بالتحلل المذكور‪ .‬أما‬
‫حجة التطوع‪ :‬فيقضيها إذا كان التحلل لمرض أو خطأ عدد أو حبس بحق‪ ،‬وأما لو كان التحلل لعدو‬
‫أو فتنة أو حبس ظلما‪ ،‬فل يطالب بالقضاء‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬ل قضاء على المحصر المتطوع إن تحلل‬
‫من إحصار عام أو خاص‪ ،‬لعدم وروده‪ ،‬وقد أحصر مع النبي صلّى ال عليه وسلم في الحديبية ألف‬
‫وأربع مئة‪ ،‬ولم يعتمر معه في العام القابل إل نفر يسير‪ ،‬أكثر ما قيل‪ :‬إنهم سبع مئة‪.‬‬
‫وإن لم يكن تطوعا نظر‪ :‬إن كان نسكه فرضا مستقرا عليه‪ ،‬كحجة السلم فيما بعد السنة الولى من‬
‫سني المكان‪ ،‬أو كانت قضاء أو نذرا‪ ،‬بقي في ذمته‪ ،‬كما لو شرع في صلة فرض ولم يتمها‪ ،‬فإنها‬
‫تبقى في ذمته‪ .‬وإن كان غير مستقر كحجة السلم في السنة الولى من سني المكان‪ ،‬اعتبرت‬
‫الستطاعة بعد زوال الحصار‪ ،‬إن وجدت وجب الحج‪ ،‬وإل فل‪.‬‬

‫( ‪)3/650‬‬
‫وكذلك قال الحنابلة في الصحيح من المذهب‪ :‬ل قضاء على المحصر إن تحلل ولم يجد طريقا أخرى‬
‫إل أن يكون واجبا‪ ،‬يفعله بالوجوب السابق؛ لنه تطوع جاز التحلل منه مع صلح الوقت له‪ ،‬فلم‬
‫يجب قضاؤه‪ ،‬كما لو دخل في الصوم يعتقد أنه واجب‪ ،‬فلم يكن‪ .‬وأما خبر قضاء العمرة الذي احتج‬
‫به الحنفية‪ ،‬فلم ينقل إلينا أن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر أحدا بالقضاء‪ ،‬والذين اعتمروا مع النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم كانوا نفرا يسيرا‪ ،‬كما تقدم في مذهب الشافعية‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الحنفية يوجبون القضاء‪ ،‬والجمهور ليوجبونه‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬زوال الحصار ‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬إذا زال الحصار قبل التحلل‪ ،‬فإن قدر على إدراك الهدي الذي بعثه‪ ،‬ليذبح في الحرم‪،‬‬
‫وعلى الحج‪ ،‬لم يجز له التحلل‪ ،‬ولزمه المضي‪ ،‬لزوال العجز قبل حصول المقصود بالخلف‪ ،‬ويفعل‬
‫بهديه مايشاء؛ لنه ملكه‪ ،‬وقد كان مخصصا لمقصود استغنى عنه‪ .‬وإن قدر على إدراك الهدي دون‬
‫الحج‪ ،‬تحلل‪ ،‬لعجزه عن الصل‪ .‬وإن قدر على إدراك الحج دون الهدي‪ ،‬جاز له التحلل استحسانا‪،‬‬

‫لئل يضيع عليه ماله مجانا‪ ،‬إل أن الفضل التوجه لداء الحج‪.‬‬
‫وقال الجمهور‪ :‬متى زال الحصر قبل تحلله‪ ،‬فعليه المضي لتمام نسكه‪ ،‬وهذا ل خلف فيه‪ .‬وإن زال‬
‫الحصر بعد فوات الحج‪ ،‬تحلل بعمل عمرة‪ ،‬فإن فات الحج قبل زوال الحصر‪ ،‬تحلل بهدي‪.‬‬
‫ووجوب المضي لتمام النسك فيما إذا كانت حجته حجة السلم‪ ،‬أو كانت الحجة واجبة؛ لن الحج‬
‫عند الكثرين غير الشافعية يجب على الفور‪ ،‬فإن لم تكن الحجة واجبة‪ ،‬فل شيء عليه‪ ،‬كمن لم‬
‫يحرم‪.‬‬

‫( ‪)3/651‬‬
‫المبحث الثالث عشر ـ الهدي ‪:‬‬
‫معنى الهدي‪ ،‬أنواعه وشروط دم التمتع‪ ،‬صفته‪ ،‬الكل منه‪ ،‬مكان ذبحه وزمانه‪ ،‬ذابح الهدي‪ ،‬التصدق‬
‫بلحمه‪ ،‬النتفاع به‪ ،‬تقليد الهدي وإشعاره‪ ،‬عطب الهدي في الطريق (‪. )1‬‬
‫ل ـ معنى الهدي ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫الهدي في اللغة‪ :‬اسم لما يهدي أن يبعث وينقل‪ ،‬وفي الشرع‪:‬‬
‫هو ما يهدى إلى الحرم من النعام (البل والبقر والغنم)‪ .‬وسوق الهدي سنة لمن أراد أن يحرم بحج‬
‫أو عمرة‪.‬‬
‫ثانيا ـ أنواع الهدي وصفته ‪:‬‬
‫الهدي‪ :‬بدنة أو بقرة أو شاة‪ ،‬وأدناه شاة‪ .‬وقد يطلق الدم أو النسك على الهدي‪ ،‬والمراد بالنسك أو الدم‬
‫هو الذبيحة وهي الشاة‪ ،‬لجماع المسلمين على أن الشاة مجزئة في الفدية عن حلق الشعر أو قلم‬
‫الظفر ونحو ذلك‪.‬‬
‫وأفضل الهدي‪ :‬البدنة ثم البقرة‪ ،‬ثم الضأن‪ ،‬ثم المعز‪ ،‬لما روي أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم لما‬
‫أحصر بالحديبية‪ ،‬نحر البدن‪ ،‬وكان يختار من العمال أفضلها‪.‬‬
‫والمجزئ من الهدي بالتفاق‪ :‬ما يجزئ في الضحية‪ ،‬وهو الثّني فصاعدا‪ ،‬وهو عند الحنفية مثلً‪ :‬من‬
‫البل ما تم له خمس سنين‪ ،‬ومن البقر‪ :‬سنتان‪ ،‬ومن الغنم سنة ومن المعز ما له سنتان‪ ،‬لكن يجزئ‬
‫عندهم وعند الحنابلة الجذع من الضأن‪ :‬وهو ما دون الثني‪ ،‬وهو ماله ستة أشهر‪ ،‬لحديث‪« :‬يجزئ‬
‫الجذع من الضأن‪ :‬أضحية» (‪ )2‬والهدي مثله‪.‬‬
‫ول يجزئ في الهدي مقطوع الذن أو أكثرها‪ ،‬ول مقطوع الذّنَب‪ ،‬ول اليد ول الرجل ول الذاهبة‬
‫العين‪ ،‬ول العجفاء (كثيرة الهزال)‪ ،‬ول العرجاء التي ل تمشي إلى المَنْسك (الموضع الذي تذبح‬

‫النسائك فيه)؛ لنها عيوب بينة‪.‬‬
‫والذكر والنثى في الهدي سواء‪ ،‬لن ال تعالى قال‪{ :‬والبدنَ جعلناها لكم من شعائر ال } [الحج‪:‬‬
‫‪ ]36/22‬ولم يذكر ذكرا ول أنثى‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،333 ،326-321/1 :‬الكتاب مع اللباب‪ ،220-215/1 :‬الشرح الصغير‪-119/2 :‬‬
‫‪ ،129‬بداية المجتهد‪ ،367-363/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 139‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪،237-235/1 :‬‬
‫مغني المحتاج‪ ،515/1 :‬المغني‪ 470/3 :‬ومابعدها‪ ،554-534 ،480 ،‬كشاف القناع‪،619-615/2 :‬‬
‫شرح مسلم‪ ،138/8 :‬البدائع‪ ،179 ،175-172/2 :‬المجموع‪.296-269/8 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه ابن ماجه‪ ،‬والفرق بين جذع الضأن وجذع المعز‪ :‬أن الول ينزو فيلقح‪ ،‬بخلف الثاني‪،‬‬
‫ويعرف كونه أجذع بنمو الصوف على ظهره‪.‬‬

‫( ‪)3/652‬‬
‫نوعا الهدي شرعا‪ :‬الهدي نوعان‪ :‬واجب وتطوع‪.‬‬
‫أما هدي التطوع‪ :‬فهو ما يقدمه النسان قربة إلى ال تعالى بدون إيجاب سابق‪ .‬ويستحب لمن قصد‬
‫مكة حاجا أو معتمرا أن يهدي إليها من بهيمة النعام‪ ،‬وينحره ويفرقه‪ ،‬لما روي « أن رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم أهدى مئة بدنة » (‪ . )1‬والفضل عند الجمهور سوق الهدي من بلده‪ ،‬فإن لم‬
‫يكن‪ ،‬فمن طريقه من الميقات أو غيره أو من مكة أو منى‪ ،‬ول يشترط أن يجمع الهدي بين الحل‬
‫والحرم‪ ،‬ول أن يقفه بعرفة‪ ،‬ولكن يستحب ذلك‪ .‬وقال مالك‪ :‬أحب للقارن أن يسوق هديه من حيث‬
‫يحرم‪ ،‬فإن ابتاعه من دون ذلك مما يلي مكة بعد أن يقفه بعرفة‪ ،‬جاز‪ ،‬وقال في هدي المجامع‪ :‬إن لم‬
‫يكن ساقه فليشتره من مكة‪ ،‬ثم ليخرجه إلى الحل‪ ،‬وليسقه إلى مكة‪.‬‬
‫والمستحب أن يكون مايهديه سمينا حسنا‪ ،‬لقوله عز وجل‪{ :‬ومن يعظم شعائر ال فإنها من تقوى‬
‫القلوب} [الحج‪ )2( ]32/22:‬قال ابن عباس في تفسيرها‪ :‬الستسمان والستحسان والستعظام‪.‬‬
‫والهدي الواجب نوعان‪ :‬واجب بالنذر في ذمته للمساكين أو على الطلق‪ ،‬فإن نذر وجب عليه؛ لنه‬
‫قربة‪ ،‬فلزمه بالنذر‪.‬‬
‫وواجب بغير النذر‪ ،‬كدم التمتع والقران‪ ،‬والدماء الواجبة تكون بترك واجب أو فعل محظور‪ .‬وقد‬
‫عرفنا أن الواجب بغير النذر عند المالكية خمسة أنواع‪:‬‬
‫هدي المتعة والقران‪ ،‬وكفارة الوطء‪ ،‬وجبر ما تركه من الواجبات كرمي الجمار والمبيت بمنى‬

‫والمزدلفة وغير ذلك‪ ،‬وهدي الفوات‪ ،‬وجزاء الصيد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حديث صحيح رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشعائر لغة‪ :‬العلئم‪ ،‬وشعائر ال‪ :‬معالم دينه‪.‬‬

‫( ‪)3/653‬‬
‫الهدي الواجب بغير النذر‪ :‬ينقسم الهدي الواجب بغير النذر عند الشافعية والحنابلة قسمين‪ :‬منصوص‬
‫عليه في القرآن‪ ،‬ومقيس على المنصوص (‪. )1‬‬
‫أما المنصوص عليه‪ :‬فهو أربعة أنواع‪ :‬دم التمتع‪ ،‬وجزاء الصيد‪ ،‬وفدية دفع الذى كحلق‪ ،‬وفدية‬
‫الحصار‪.‬‬
‫فإن عدم المتمتع الدم‪ ،‬فعليه صيام ثلثة أيام في الحج‪ ،‬وسبعة إذا رجع إلى أهله‪ ،‬للية السابقة‪{ :‬فمن‬
‫لم يجد فصيام ثلثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} [البقرة‪ ]196/2:‬والعبرة بالعدم في محل الذبح‪،‬‬
‫وإن كان له مال غائب عن ذلك المحل‪ .‬ول يجب عليه تحصيل الدم بأكثر من ثمن المثل‪.‬‬
‫وإن فاته صوم الثلثة اليام في الحج‪ ،‬فرق بينها وبين السبعة‪ ،‬بقدر تفريقه بينهما في الداء‪ ،‬وهو‬
‫أربعة أيام‪ ،‬ومدة إمكان السير إلى وطنه‪ ،‬على العادة الغالبة‪.‬‬
‫وجزاء الصيد‪ :‬إن كان له مثل خير بين أمور ثلثة‪ :‬إخراج مثله‪ ،‬بأن يذبحه ويتصدق به على‬
‫مساكين الحرم‪ ،‬أو تقويمه بدراهم يشتري بها مثلً طعاما يجزئ في الفطرة‪ ،‬ويتصدق به على مساكين‬
‫الحرم‪ ،‬لكل مسكين مد‪ ،‬أو أن يصوم عن كل مد يوما‪ ،‬لية‪{ :‬فجزا ٌء مثلُ ما قتل من النعم} [المائدة‪:‬‬
‫‪ ]95/5‬وهو صوم التعديل‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬أوعدل ذلك صياما} [المائدة‪ ]95/5:‬وإن لم يكن له مثل خير‬
‫بين أمرين‪ :‬تقويمه وشراء طعام به والتصدق به‪،‬أو صوم يوم عن كل مد‪ .‬والمعتبر في قيمة غير‬
‫المثلي‪ :‬بمحل التلف‪ ،‬ل بمكة‪ ،‬وفي قيمة المثلي بمكة‪ ،‬ل بمحل التلف‪.‬‬
‫وفدية دفع الذى كحلق وتقليم أظفار‪ :‬يخير بين أمور ثلثة‪ :‬ذبح شاة بصفة الضحية والتصدق‬
‫بلحمها على مساكين الحرم‪ ،‬وصوم ثلثة أيام‪ ،‬وتصدق باثني عشر مدا على ستة مساكين في الحرم‪،‬‬
‫لكل مسكين مدان‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ـ أي فحلق ـ ففدية من‬
‫صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة‪.]196/2:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حاشية الشرقاوي‪ ،150-508/1 :‬المغني‪ 543/3 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)3/654‬‬
‫ودم الحصار‪ :‬شاة بصفة الضحية‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة‪:‬‬
‫‪ ]2/196‬فإن عدمها وقت الخراج‪ ،‬فيجب عند الشافعية بدلها كدم التمتع وغيره‪ ،‬وهو طعام بقيمتها‪،‬‬
‫فإن عجز عنه صام عن كل مد يوما‪ ،‬قياسا على الدم الواجب بترك مأمور به‪ ،‬وعند الحنابلة‪ :‬ل‬
‫إطعام فيه وينتقل إلى صيام عشرة أيام‪ ،‬وقال مالك وأبو حنيفة‪ :‬ل بدل له؛ لنه لم يذكر في القرآن‪.‬‬
‫وأما المقيس على المنصوص عليه فهو نوعان‪:‬‬
‫أحدهما ـ لترك نسك يجبر تركه وهو خمسة‪ :‬ترك الحرام من الميقات والمبيت بمزدلفة‪ ،‬وبمنى‪،‬‬
‫والرمي وطواف الوداع‪ ،‬ويقاس على دم التمتع‪ ،‬ويقاس عليه أيضا دم الفوات‪ ،‬وهو ذبح شاة‪ ،‬فإن‬
‫عجز صام عشرة أيام‪.‬‬
‫والثاني ـ الترفه‪ :‬وهو خمسة أيضا‪ :‬الوطء في فرج أو غيره‪ ،‬واللمس بشهوة‪ ،‬والقبلة‪ ،‬والتطيب‪،‬‬
‫واللباس‪،‬و يقاس على فدية الذى‪ :‬صيام أو صدقة أو نسك‪.‬‬
‫ثالثا ـ شروط هدي التمتع ‪:‬‬
‫من اعتمر في أشهر الحج‪ ،‬فطاف وسعى‪ ،‬ثم أحرم بالحج من عامه‪ ،‬ولم يكن خرج من مكة إلى ما‬
‫تقصر فيه الصلة‪ ،‬فهو متمتع‪ ،‬عليه دم بالجماع‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فمن تمتع بالعمرة إلى الحج‪ ،‬فما‬
‫استيسر من الهدي‪ ،‬فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم‪ ،‬تلك عشرة كاملة‪ ،‬ذلك‬
‫لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة‪.]196/2:‬‬
‫ويمكن تلخيص شروط وجوب الدم على المتمتع بما يأتي وهي خمسة‪:‬‬
‫الول ـ أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج‪ :‬فإن أحرم بها في غير أشهره لم يكن متمتعا‪ ،‬سواء وقعت‬
‫أفعالها في أشهر الحج أو في غير أشهره‪ .‬وهذا ل خلف فيه إل في شذوذ عن طاوس والحسن‪ ،‬إل‬
‫أن أبا حنيفة قال‪ :‬إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج‪ ،‬فليس بمتمتع‪ ،‬وإن طاف‬
‫الربعة في أشهر الحج‪ ،‬فهو متمتع؛ لن العمرة صحت في أشهر الحج‪.‬‬

‫( ‪)3/655‬‬
‫الثاني ـ أن يحج من عامه‪ :‬فإن اعتمر في أشهر الحج‪ ،‬ولم يحج ذلك العام‪ ،‬بل حج من العام القابل‪،‬‬
‫فليس بمتمتع‪ ،‬وهذا ل خلف فيه إل في قول شاذ عن الحسن؛ لن ال تعالى قال‪{ :‬فمن تمتع بالعمرة‬
‫إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة‪ ]196/2:‬وهذا يقتضي الموالة بينهما‪.‬‬

‫الثالث ـ أل يسافر بين العمرة والحج سفرا بعيدا تقصر في مثله الصلة‪ .‬وهذا رأي الحنابلة‪ :‬لقول‬
‫عمر‪« :‬إذا اعتمر في أشهر الحج‪ ،‬ثم أقام‪ ،‬فهو متمتع‪ ،‬فإن خرج ورجع فليس بمتمتع» ‪.‬‬
‫وقال الشافعي وأحمد‪ :‬إن رجع إلى الميقات فل دم عليه‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬إن رجع إلى مصره‪ ،‬بطلت متعته‪ ،‬وإل فل‪ .‬وقال المالكية‪ :‬إن رجع إلى مصره أو إلى‬
‫غيره مما هو أبعد منه‪ ،‬بطلت متعته‪ ،‬وإل فل‪.‬‬
‫الرابع ـ أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج‪ :‬فإن أدخل الحج على العمرة قبل حله منها‪،‬‬
‫كما فعل النبي صلّى ال عليه وسلم والذين كان معهم الهدي من أصحابه‪ ،‬فهذا يصير قارنا‪ ،‬ول يلزمه‬
‫دم المتعة‪ ،‬لمر النبي صلّى ال عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن عائشة التي حاضت بالهلل‬
‫بالحج وترك العمرة‪ ،‬ولم يوجب عليها هديا ول صوما ولصدقة‪.‬‬
‫ولكن عليه حينئذ دم للقران؛ لنه صار قارنا‪ ،‬وترفه بسقوط أحد السفرين‪.‬‬
‫الخامس ـ أليكون من حاضري المسجد الحرام‪ :‬وهذا متفق عليه‪ ،‬فل يجب دم المتعة على حاضري‬
‫المسجد الحرام‪ ،‬بنص القرآن الكريم‪{ :‬ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة‪]196/2:‬‬
‫ولن حاضر المسجد الحرام ميقاته مكة‪ ،‬فلم يحصل له الترفه بترك أحد السفرين‪ ،‬ولنه أحرم بالحج‬
‫من ميقاته‪ ،‬فأشبه المفرد‪.‬‬

‫( ‪)3/656‬‬
‫من هم حاضرو المسجد الحرام؟ وحاضرو المسجد الحرام عند الحنفية‪ :‬من دون الميقات‪ ،‬لنه موضع‬
‫شرع فيه النسك‪ ،‬فأشبه الحرم‪ .‬وعند المالكية‪ :‬هم أهل مكة وذي طوى‪ .‬وعند الشافعية في الصح‪:‬‬
‫هم من دون مرحلتين (مسافة القصر) من الحرم؛ لن كل موضع ذكر ال فيه المسجد الحرام فهو‬
‫الحرم‪ ،‬إل قوله تعالى‪{ :‬فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة‪ ]149/2:‬فهو الكعبة نفسها‪ ،‬فإلحاق‬
‫هذا بالعم الغلب أولى‪ .‬والقريب من الشيء يقال‪ :‬إنه حاضره‪ .‬وعند الحنابلة‪ :‬هم أهل الحرم‪ ،‬ومن‬
‫بينه وبين مكة دون مسافة القصر؛ لن حاضر الشيء‪ :‬من دنا منه‪ ،‬ومن دون مسافة القصر قريب‬
‫في حكم الحاضر‪ ،‬كما قال الشافعية‪ ،‬بدليل أن من قصده ل يترخص رخص السفر‪.‬‬
‫وإذا كان للمتمتع قريتان‪ :‬قريبة وبعيدة‪ ،‬فهو من حاضري المسجد الحرام؛ لن له أن يحرم من‬
‫القريبة‪ ،‬فلم يكن بالتمتع مترفها بترك أحد السفرين‪.‬‬
‫وعليه‪ :‬إن دخل الفا قي مكة متمتعا ناويا القامة بها‪ ،‬بعد تمتعه‪ ،‬فعليه دم المتعة‪.‬‬
‫وإذا ترك الفاقي الحرام من الميقات‪ ،‬ثم نوى العمرة وحل منها‪ ،‬وأحرم بالحج من مكة من عامه‪،‬‬

‫فهو متمتع‪ ،‬عليه دمان‪ :‬دم المتعة‪ ،‬ودم ترك الحرام من الميقات‪.‬‬
‫الصيام بدل دم المتعة‪ :‬إن لم يجد المتمتع الهدي‪ ،‬ينتقل إلى صيام ثلثة أيام في الحج‪ ،‬وسبعة إذا رجع‬
‫إلى وطنه‪ .‬وتعتبر القدرة على الهدي في موضعه‪ ،‬فمتى عدمه في موضعه‪ ،‬جاز له النتقال إلى‬
‫الصيام‪ ،‬وإن كان قادرا علىه في بلده؛ لن وجوبه موقت‪ ،‬وما كان وجوبه موقتا اعتبرت القدرة عليه‬
‫في موضعه‪ ،‬كالماء في الطهارة إذا عدمه في مكانه‪ ،‬انتقل إلى التراب‪ .‬ول يجب التتابع في أيام‬
‫الصوم‪ ،‬وإنما يندب‪.‬‬
‫وإذا لم يصم المتمتع اليام الثلثة في الحج‪ ،‬فإنه يصومها بعد ذلك عند الجمهور غير الحنفية‪ ،‬وتعين‬
‫عليه الدم عند الحنفية‪ ،‬ول يجزيه الصوم في وطنه‪ ،‬والظهر عند الشافعية أنه يلزمه أن يفرق في‬
‫قضائها بينها وبين السبعة‪.‬‬

‫( ‪)3/657‬‬
‫ومن شرع في الصيام‪ ،‬ثم قدر على الهدي‪ ،‬لم يكن عليه عند الحنابلة والمالكية والشافعية الخروج من‬
‫الصوم إلى الهدي‪ ،‬إل إذا شاء‪ ،‬لنه صوم دخل فيه لعدم الهدي‪.‬‬
‫والمرأة إذا أحرمت متمتعة‪ ،‬فحاضت قبل طواف العمرة‪ ،‬لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لن الطواف‬
‫بالبيت صلة‪ ،‬ولنها ممنوعة من دخول المسجد‪ .‬فإن خشيت فوات الحج‪ ،‬أحرمت بالحج مع عمرتها‪،‬‬
‫وتصير قارنة‪ .‬وهذا قول الجمهور‪ ،‬بدليل رواية مسلم لقصة عائشة التي حاضت‪ ،‬فإنها حجت أولً‪،‬‬
‫ثم اعتمرت من التنعيم‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬ترفض العمرة‪ ،‬وتهل بالحج‪ ،‬بدليل حديث عائشة المتقدم حينما حاضت‪ ،‬أهلت بالحج‪،‬‬
‫وتركت العمرة‪ ،‬بدليل أمور ثلثة‪ :‬قوله عليه السلم لها‪« :‬دعي عمرتك» وقوله‪« :‬انقضي رأسك‬
‫وامتشطي» وقوله‪« :‬هذه عمرة مكان عمرتك» ‪.‬‬
‫رابعا ـ الكل من الهدي ‪:‬‬
‫يرى الحنفية (‪ )1‬أنه يجوز الكل من هدي التطوع والمتعة والقران‪ ،‬إذا بلغ الهدي َمحِلّه؛ لنه دم‬
‫ُنسُك‪ ،‬فيجوز الكل منه بمنزلة الضحية‪ .‬وما جاز لصاحبه الكل منه‪ ،‬جاز للغني الكل منه أيضا‪.‬‬
‫واشتراط بلوغ المحل‪ ،‬لنه إذا لم يبلغ الحرم ل يحل النتفاع منه لغير الفقير‪.‬‬
‫ول يجوز الكل من بقية الهدايا كدماء الكفارات والنذور وهدي الحصار‪ ،‬والتطوع إذا لم يبلغ مَحِلّه‪،‬‬
‫ومحله‪ :‬منى أو مكة‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اللباب ‪.217/1 :‬‬

‫( ‪)3/658‬‬
‫وقرر المالكية (‪ )1‬أن صاحب الهدايا يأكل منها كلها إل من أربعة‪ :‬جزاء الصيد‪ ،‬ونسك الذى‪ ،‬ونذر‬
‫عطِب قبل محله‬
‫المساكين أي (النذر المعين للمساكين وهدي التطوع للمساكين) وهدي التطوع إذا َ‬
‫(منى أو مكة) ‪ ،‬بأن عطب فنحره؛ لنه يتهم بأنه تسبب في عطبه ليأكل منه‪ ،‬وليس عليه بدله‪ .‬فإن‬
‫أكل من هذه الربعة‪ ،‬فعليه بدل البهيمة‪ ،‬إل النذر المعين للمساكين يضمن فقط بقدر أكله منه‪.‬‬
‫وكل ما يمنع الكل منه‪ ،‬يختص بالمساكين‪.‬‬
‫وما سوى هذه الربعة يجوز لصاحبها الكل منها مطلقا؛ قبل المحل وبعده‪ ،‬وهو كل هدي وجب في‬
‫حج أو عمرة‪ ،‬كهدي التمتع والقران‪ ،‬وتجاوز الميقات‪ ،‬وترك طواف القدوم أو الحلق‪ ،‬أو المبيت بمنى‬
‫أو النزول بمزدلفة‪ ،‬أو الواجب بسبب المذي ونحوه‪ ،‬أو نذر مضمون لغير المساكين‪.‬‬
‫ويأكل منها أيضا الغني والقريب‪ .‬ويعد رسول صاحب الهدي غير الفقير كصاحبه في الكل وعدمه‪،‬‬
‫أما الفقير فيجوز له الكل مما ل يجوز لصاحبه الكل منه‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )2‬الهدي نوعان‪ :‬واجب ومتطوع به‪ ،‬أما الهدي الواجب‪ :‬وهو ما يجب بفعل حرام‪،‬‬
‫أو ترك واجب من واجبات الحج‪ ،‬أو بنذر‪ ،‬فل يجوز للمهدي الكل منه‪ ،‬بل يجب ذبحه في محله‪،‬‬
‫وتفرقة جميعه على أهله من مكة أو غيرها‪ ،‬ويملكهم جملته ولو قبل سلخه‪ .‬أما ما يقع الن من ذبح‬
‫الهدي ورميه‪ ،‬فليجزئ ول يقع هديا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،128-125/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،140‬الشرح الكبير‪.89/2 :‬‬
‫(‪ )2‬حاشية الشرقاوي على تحفة الطلب ‪ 506/1:‬وما بعدها‪،‬اليضاح‪:‬ص ‪.63‬‬

‫( ‪)3/659‬‬
‫كذلك ل يجوز الكل لمن تلزم المهدي نفقته‪ ،‬ورفقته ولو فقراء قافلته‪ ،‬وإن كبرت كالحج المصري‪،‬‬
‫ول للغنياء مطلقا‪.‬‬
‫ومحل عدم جواز الكل من الهدي المنذور إذا كانت صيغة النذر صحيحة‪ ،‬كقوله‪ :‬ل علي أن أهدي‬
‫شاة للحرم‪ .‬أما مايقع الن من نذر شيء لسيدي أحمد البدوي وغيره‪ ،‬فيجوز لصاحبه الكل منه‪ ،‬لعدم‬

‫صحة نذره‪ ،‬لكن إن نذر ذلك لمجاوريه أو خدامه‪ ،‬ووجدوا في ذلك المكان‪ ،‬كان نذرا صحيحا يمتنع‬
‫الكل منه (‪. )1‬‬
‫والخلصة‪ :‬ل يأكل من واجب؛ لنه هدي وجب بالحرام‪ ،‬فلم يجز الكل منه كدم الكفارة‪ ،‬فل يجوز‬
‫الكل من الهدي الواجب‪ ،‬وهدي القران والتمتع والمنذور ودم الجناية‪.‬‬
‫وأما المتطوع به‪ :‬فيجوز لصاحبه كالضحية الكل منه‪ ،‬ويلزمه التصدق بقدر ما ينطلق عليه السم‪:‬‬
‫وهو أقل متمول‪ .‬والفضل إذا أراد تقسيمه أن يأكل منه ثلثه‪ ،‬ويهدي للغنياء ثلثه‪ ،‬ويتصدق بثلثه‪،‬‬
‫لقوله تعالى‪{ :‬فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} [الحج‪ ]36/22:‬والقانع‪ :‬السائل أو الراضي بما عنده‬
‫وبما يعطاه بل سؤال‪ ،‬والمعتر‪ :‬المتعرض للسؤال‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : ) 2‬ل يأكل النسان من كل واجب كالواجب بنذر أو بتعيين كأن يقول‪ :‬هذا هدي أو‬
‫يقلده أو يشعره‪ ،‬إل من هدي التمتع والقران دون ما سواهما؛ لن أزواج النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫تمتعن معه في حجة الوداع‪ ،‬وأدخلت عائشة الحج على العمرة‪ ،‬فصارت قارنة‪ ،‬ثم ذبح عنهن النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم البقرة‪ ،‬فأكلن من لحومها‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ومثله نذر الشمعة للوقود‪ :‬فإن كان في المكان المنذور له من ينتفع بضوئها‪ ،‬جاز وإل فل‪.‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ ،548-541 ،537/3 :‬غاية المنتهى‪.388/1 :‬‬

‫( ‪)3/660‬‬
‫ولن دم المتعة والقران دم نسك‪ ،‬فأشبه التطوع‪ .‬ول يجوز أن يأكل من غير دم التمتع والقران؛ لنه‬
‫يجب بفعل محظور‪ ،‬فأشبه جزاء الصيد‪ .‬ويستحب أن يأكل من هدي التطوع‪ :‬وهو ما أوجبه بالتعيين‬
‫ابتداء من غير أن يكون عن واجب في ذمته‪ ،‬وما نحره تطوعا من غير أن يوجبه‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{فكلوا منها} [الحج‪ ]36/22:‬وأقل أحوال هذا المر المر بالستحباب‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم أكل من بُدْنه (‪ ، )1‬ويجوز التزود منه‪ ،‬لقول جابر‪« :‬كنا ل نأكل من بدننا فوق ثلث‪ ،‬فرخص‬
‫لنا النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪ :‬كلوا وتزودوا‪ ،‬فأكلنا وتزودنا» (‪. )2‬‬
‫وإن لم يأكل فل بأس‪ ،‬فإن النبي صلّى ال عليه وسلم لما نحر البدنات الخمس‪ ،‬قال‪« :‬من شاء اقتطع»‬
‫ولم يأكل منهن شيئا‪.‬‬
‫والمحتسب أن يأكل اليسير منها‪ ،‬كما فعل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وله الكل كثيرا والتزود‪ ،‬كما‬
‫جاء في حديث جابر‪ ،‬وتجزئه الصدقة باليسير منها كما في الضحية‪ .‬فإن أكلها‪ ،‬ضمن المشروع‬

‫للصدقة منها‪ ،‬كما في الضحية‪.‬‬
‫وإن أكل مما منع من أكله أو أعطى الجازر منها شيئا أو باع شيئا منها أو أتلفه‪ ،‬ضمنه بمثله لحما‪.‬‬
‫وإن أطعم غنيا مما يجوز له الكل منه على سبيل الهدية جاز‪ ،‬كما يجوز له ذلك في الضحية؛ لن‬
‫ما ملك أكله ملك هديته‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬يجوز الكل من دم التمتع والقران عند الجمهور‪ ،‬ول يجوز عند الشافعية‪ ،‬ول يجوز‬
‫الكل من المنذور ودم الجزاء اتفاقا‪ ،‬ويجوز الكل من المتطوع به بالتفاق‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري‪.‬‬

‫( ‪)3/661‬‬
‫خامسا ـ مكان ذبح الهدي وزمانه ‪:‬‬
‫سبق بيان الكلم عن هذا الموضوع فيما يخص دم الحصار‪ ،‬وأوضحه هنا بصفة عامة‪.‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬ل يجوز ذبح هدي المتعة والقران إل في يوم النحر لنه دم نسك‪ ،‬والصحيح أن‬
‫يجوز ذبح دم التطوع قبل يوم النحر‪ ،‬وذبحه يوم النحر أفضل؛ لن القربة في التطوعات باعتبار أنها‬
‫هدايا‪ ،‬وذلك يتحقق ببلوغها إلى الحرم‪ ،‬فإذا وجد ذلك جاز ذبحها في غير يوم النحر‪ ،‬وفي أيام النحر‬
‫أفضل؛ لن معنى القربة في إراقة الدم فيه أظهر‪.‬‬
‫ويجوز ذبح بقية الهدايا أيّ وقت شاء؛ لنها دماء كفارات‪ ،‬فل تختص بيوم النحر‪ ،‬لنها وجبت لجبر‬
‫النقصان‪.‬‬
‫ول يجوز ذبح الهدايا إل في الحرم؛ لن الهدي اسم لما يهدى إلى مكان‪ ،‬ومكانه الحرم‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )2‬يجب على المعتمد نحر الهدي بمنى بشروط ثلثة‪ :‬إن سيق الهدي في إحرامه‬
‫بحج‪ ،‬ووقف به (‪ )3‬بعرفة كوقوفه هو في كونه بجزء من الليل‪ ،‬وكان النحر في أيام النحر‪ .‬فإن‬
‫انتفت هذه الشروط أو بعضها‪ ،‬بأن لم يقف به بعرفة‪ ،‬أو لم يسق في حج‪ ،‬بأن سيق في عمرة‪ ،‬أو‬
‫خرجت أيام النحر‪ ،‬فمحل ذبحه مكة‪.‬‬
‫فكان محل الذبح إما منى بالشروط الثلثة‪ ،‬وإما مكة ل غير عند فقدها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الكتاب مع اللباب‪ 217/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫(‪ )2‬الشرح الصغير‪ ،120 ،93-92/2 :‬الشرح الكبير‪.86/2 :‬‬
‫(‪ )3‬أو وقف به نائبه‪ ،‬فل يكفي إذا اشتراه صبيحة عرفة من التجار الواقفين به جزءا من الليل للبيع‪.‬‬

‫( ‪)3/662‬‬
‫والفضل فيما ذبح بمنى أن يكون عند الجمرة الولى‪ ،‬ولو ذبح في أي موقع منها كفى وخالف‬
‫الفضل‪ .‬ونحر الهدي يوم النحر‪.‬‬
‫أما فدية المحظور من لبس أو طيب ونحوهما‪ :‬وهي الشاة أو إطعام ستة مساكين من غالب قوت البلد‬
‫الذي أخرجها فيه‪ ،‬أو صيام ثلثة أيام ولو أيام منى (وهي ثاني يوم النحر وتالياه) فل تختص بأنواعها‬
‫الثلثة بمكان أو زمان‪ ،‬فيجوز تأخيرها لبلده أو غيره في أي وقت شاء‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )1‬وقت ذبح الهدي إن كان تطوعا أو بنذر‪ :‬وقت أضحية‪ ،‬أما إن كان بسبب فعل‬
‫حرام أو ترك واجب‪ ،‬فل يختص بوقت‪ .‬ومكان الذبح للمحصر مكان حصره أو الحرم‪ ،‬ولغير‬
‫المحصر‪ :‬جميع الحرم‪ ،‬فالحرم كله منحر حيث نحر منه أجزأه في الحج والعمرة‪ ،‬لكن الفضل للحاج‬
‫ولو متمتعا الذبح في منى‪ ،‬ولمعتمر غير متمتع الذبح في مكة عند المروة؛ لنهما مكان تحللهما‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )2‬فدية الذى بحلق رأس أو غيره‪ :‬في الموضع الذي حلق فيه؛ لن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم «أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية» ولم يأمره ببعثه إلى الحرم‪ .‬وما عدا فدية الشعر‬
‫من الدماء يكون بمكة‪ ،‬وأما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬هديا بالغ الكعبة} [المائدة‪:‬‬
‫‪ ]95/5‬وأما الصيام فيجزئه في كل مكان‪ ،‬بل خلف‪.‬‬
‫والفضل نحر ما وجب بحج بمنى‪ ،‬وما وجب بعمرة بالمروة‪ ،‬لما رواه أبو داود من قولهصلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪« :‬كل منى منحر‪ ،‬وكل فجاج مكة منحر وطريق» ‪ ،‬والعاجز عن إيصاله للحرم‪ ،‬حتى‬
‫بوكيله‪ ،‬ينحره حيث قدر‪ ،‬ويفرقه بمنحره‪ ،‬ويجزئ ما وجب بفعل محظور غير صيد‪ :‬خارج الحرم‪،‬‬
‫ولو بل عذر‪ ،‬حيث وجد السبب‪ ،‬وبالحرم أيضا‪.‬‬
‫ويدخل وقت ذبح فدية المحظور من حين فعله‪ ،‬وقبله بعد وجود سببه المبيح ككفارة يمين‪ .‬ويكون‬
‫وقت جزاء الصيد بعد جرحه‪ ،‬ووقت ترك الواجب عند تركه‪ .‬ويجزئ دم إحصار حيث أحصر‪،‬‬
‫وصوم وحلق بكل مكان‪ ،‬ووقت نحر الهدي والضحية ثلثة أيام‪ :‬يوم النحر ويومان بعده‪.‬‬
‫سادسا ـ ذابح الهدي ‪:‬‬
‫الفضل عند الجمهور في البدن‪ :‬النحر‪ ،‬وفي البقر والغنم‪ ،‬الذبح‪ ،‬والولى بالتفاق (‪ )3‬أن يتولى‬
‫النسان ذبح الهدي بنفسه إن كان يحسن ذلك؛ لنه قربة‪ ،‬والعمل بنفسه في القربات أولى لما فيه من‬

‫زيادة الخشوع‪ ،‬إل أنه يقف عند الذبح إذا لم يذبح بنفسه؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم نحر هديه‬
‫بيده‪.‬‬
‫وقال جابر‪« :‬نحر رسول ال صلّى ال عليه وسلم ثلثا وستين بدنة بيده‪ ،‬ثم أعطى عليا‪ ،‬فنحر ما‬
‫غبر» ‪.‬‬
‫وإن ذبح الهدي غير صاحبه أجزأه‪ ،‬والمستحب أن يشهد ذبحه‪ ،‬لما روي أن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم قال لفاطمة‪« :‬احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة من دمها» ‪.‬‬
‫والفضل أن يتولى تفريق اللحم بنفسه؛ لنه أحوط وأقل للضرر على المساكين‪ ،‬وإن خلى بينه وبين‬
‫المساكين جاز‪ ،‬لقوله عليه السلم‪« :‬من شاء اقتطع» ‪.‬‬
‫ويباح للفقراء الخذ من الهدي إذا لم يدفع إليهم‪ ،‬إما بالذن الصريح لفظا لحديث «من شاء اقتطع» أو‬
‫بالذن دللة كالتخلية بينهم وبينه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حاشية الشرقاوي‪ ،506/1 :‬اليضاح‪ :‬ص ‪.63‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ ،548-545/3 ،434-432/3 :‬غاية المنتهى‪ 388/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬اللباب‪ ،218/1 :‬الشرح الصغير‪ ،129/2 :‬الشرح الكبير‪ ،87/2 :‬المغني‪.541/3 :‬‬

‫( ‪)3/663‬‬
‫سابعا ـ التصدق بلحم الهدي ‪:‬‬
‫أجاز الحنفية (‪ )1‬أن يتصدق بلحم الهدي على مساكين الحرم وغيرهم؛ لن الصدقة قربة معقولة‪،‬‬
‫والصدقة على كل فقير قربة‪ ،‬وعلى مساكين الحرم أفضل‪ ،‬إل أن يكون غيرهم أحوج‪.‬‬
‫ويتصدق بجلل الهدايا وخطامها (‪ ، )2‬ول يعطي الجزارة أجرة منها‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم‬
‫خطُمها ول تُعط الجزار منها» ‪.‬‬
‫لعلي رضي ال عنه‪« :‬تصدّق بجللها و ُ‬
‫وقال المالكية (‪ )3‬كالحنفية‪ :‬يوزع لحم الهدي والخِطام والجِلل على المساكين‪.‬‬
‫ويرى الشافعية (‪ : )4‬أن جزاء الصيد‪ ،‬وفدية الذى كحلق وتقليم أظفار ودم التمتع والقران يذبح‬
‫ويتصدق به على مساكين الحرم‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج‪.]33/22:‬‬
‫وأما رأي الحنابلة (‪ : )5‬فهو أن كل هدي أو إطعام لترك نسك أو فوات أو فعل محظور لمساكين‬
‫الحرم‪ ،‬إن قدر على إيصاله إليهم‪ ،‬إل أن فدية الذى توزع على المساكين في الموضع الذي حلق فيه‪،‬‬
‫لما تقدم من أمر كعب بن عجرة بالفدية في الحديبية‪ ،‬ولقول ابن عباس‪ « :‬الهدي والطعام بمكة‪،‬‬

‫والصوم حيث شاء » ‪ ،‬ولنه نسك يتعدى نفعه إلى المساكين‪ ،‬فاختص بالحرم كالهدي‪.‬‬
‫ويصح تفرقة اللحم أو إعطاؤه لمساكين الحرم ميتا أو حيا لينحروه‪ ،‬وإل استرده ونحره‪ ،‬فإن أبى أو‬
‫عجز‪ ،‬ضمنه‪.‬‬
‫ومساكين الحرم‪ :‬من كان فيه من أهله‪ ،‬أو وارد إليه من الحاج وغيرهم‪ ،‬وهم الذين يجوز دفع الزكاة‬
‫إليهم‪ ،‬ويجوز إباحة الذبيحة لهم‪ ،‬لما روى أبو داود عن أنس‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم نحر‬
‫خمس بدنات‪ ،‬ثم قال‪ :‬من شاء فليقتطع» ‪.‬‬
‫وما جاز تفريقه بغير الحرم‪ ،‬لم يجز دفعه إلى فقراء أهل الذمة في رأي الجمهور؛ لن الذمي كافر‬
‫فلم يجز الدفع إليه كالحربي‪ .‬وأجاز الحنفية دفعه لهل الذمة كالضحية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الكتاب مع اللباب‪.218/1 :‬‬
‫جلّ‪ ،‬وهو كالكساء يقي الحيوان والبرد‪ ،‬وخطامها‪ :‬زمامها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الجلل‪ :‬جمع ُ‬
‫(‪ )3‬الشرح الصغير مع حاشية الصاوي‪.128/2 :‬‬
‫(‪ )4‬حاشية الشرقاوي‪.509/1 :‬‬
‫(‪ )5‬المغني‪ 545 ،433/3 :‬ومابعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪.388/1 :‬‬

‫( ‪)3/664‬‬
‫ثامنا ـ النتفاع بالهدي ‪:‬‬
‫يجوز النتفاع بالهدي عند الضرورة أو الحاجة‪ ،‬فقال المالكية (‪ : )1‬يجوز له ركوبه إن احتاج إليه‪،‬‬
‫ويندب عدم ركوبه والحمل عليه بل عذر‪ ،‬بل يكره‪ ،‬فإن اضطر لركوبه لم يكره‪ ،‬ول يشرب من اللبن‬
‫وإن فضل عن الفصيل‪.‬‬
‫وقال الحنفية (‪ : )2‬من ساق بَدَنة‪ ،‬فاضطر إلى ركوبها أو حمل متاعه عليها‪ ،‬ركبها وحملها‪ ،‬وإن‬
‫استغنى عن ذلك لم يركبها‪ ،‬لنه جعلها خالصا ل ‪ ،‬فل ينبغي أن يصرف لنفسه شيئا من عينها أو‬
‫منافعها إلى أن تبلغ محلها‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى‬
‫تجد ظهرا» (‪ . )3‬وإذا ركبها أو حملها‪ ،‬فانتقصت فعليه ضمان ما انتقص منها‪ .‬وإن كان لها لبن لم‬
‫يحلبها؛ لن اللبن متولد منها‪ ،‬وينضح ضَرْعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن عنها‪ ،‬إن قرب محلها‪،‬‬
‫وإل حلبها وتصدق بلبنها كيل يضر ذلك بها‪ ،‬وإن صرفه لنفسه‪ ،‬تصدق بمثله أو قيمته؛ لنه مضمون‬
‫عليه‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،140‬الشرح الكبير‪.92/2 :‬‬
‫(‪ )2‬اللباب‪ 218/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود‪.‬‬

‫( ‪)3/665‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )1‬له ركوب الهدي على وجه ليضر به‪ ،‬لما روى أبو هريرة وأنس‪« :‬أن رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم رأى رجلً يسوق بدنة‪ ،‬فقال‪ :‬اركبها‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إنها بدنة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫اركبها‪ ،‬ويلك ـ في الثانية أو الثالثة» (‪ )2‬وللمهدي شرب لبن الهدي؛ لن بقاءه في الضرع يضرّ به‪،‬‬
‫فإذا كان ذا ولد لم يشرب إل ما فضل عن ولده‪ .‬وهذا هو الراجح لدي‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )3‬للمحتاج دون غيره أن يركب الهدي المنذور ويشرب من لبنه ما فضل عن ولده‪،‬‬
‫ولو تصدق به‪ ،‬كان أفضل‪ ،‬ولو كان عليه صوف ل منفعةله في جزه‪ ،‬ول ضرر عليه في تركه‪ ،‬لم‬
‫يجز له جزه‪ ،‬وإن كان عليه في بقائه ضرر‪ ،‬جاز له جزه‪ ،‬وينتفع به‪ ،‬فلو تصدق به كان أفضل‪.‬‬
‫تاسعا ـ تقليد الهدي وإشعاره ‪:‬‬
‫التقليد‪ :‬أن يعلق في عنق الهدي قلدة‪ ،‬مضفورة من حبل أو غيره‪ ،‬ويعلق بها نعلن أو نعل‪.‬‬
‫والشعار‪ :‬أن يشق سنام البدنة اليمن عند الشافعية والحنابلة‪ ،‬أو اليسر عند المالكية‪ ،‬ويقول حينئذ‪:‬‬
‫«بسم ال وال أكبر» ‪ .‬والتقليد‪ :‬هو المستحب بالتفاق‪ ،‬أما الشعار فمختلف فيه‪.‬‬
‫فقال الحنفية (‪ : )4‬الشعار مكروه‪ ،‬لنه مُثْلة‪ ،‬فكان غير جائز؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى‬
‫عن تعذيب الحيوان‪ ،‬ولنه إيلم فهو كقطع عضو منه وهذا هو الحق‪.‬‬
‫ول يجب التعريف بالهدايا‪ :‬وهو إحضارها عرفة‪،‬فإن عرّف بهدي المتعة والقران والتطوع‪ ،‬فحسن؛‬
‫لنه يتوّقت بيوم النحر‪ ،‬فعسى أل يجد من يُمسكه‪ ،‬فيحتاج إلى أن يعرّف به‪ ،‬ولنه دم نسك‪ ،‬ومبناه‬
‫على التشهير‪ ،‬بخلف دماء الكفارات‪ ،‬فإنه يجوز ذبحها قبل يوم الجناية‪ ،‬فالستر بها أليق‪.‬‬
‫ويُقلّد هدي التطوع والمتعة والقران إذا كان من البل والبقر؛ لنه دم نسك‪ ،‬فيليق به الظهار‬
‫والشهرة‪ ،‬تعظيما لشعائر السلم‪ .‬وأما الغنم فل يقلد‪ ،‬وكل ما يقلد يخرج به إلى عرفات‪ ،‬وما ل فل‪.‬‬
‫ول يقلد دم الحصار؛ لنه لرفع الحرام‪ ،‬ول دم الجنايات؛ لنه دم جبر‪ ،‬فالولى إخفاؤها وعدم‬
‫إشهارها‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬المغني‪.540/3 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم وأحمد‪.‬‬
‫(‪ )3‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،62‬شرح المجموع‪.281 ،278/8 :‬‬
‫(‪ )4‬الكتاب مع اللباب‪.220 ،218/1 :‬‬

‫( ‪)3/666‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬يستحب تقليد الهدي وإشعاره‪ ،‬وتجليله‪ :‬وهو أن تكسى بجل من أرفع ما يقدر‬
‫عليه من الثياب‪ ،‬ويشق فيه موضع السنام‪ ،‬ويساق كذلك إلى موضع النحر‪ ،‬فيزال عنه الجل‪ ،‬وينحر‬
‫قائما وذلك يوم النحر‪ .‬ويتصدق بالجل والخطام‪ ،‬وتترك القلدة في الدم‪.‬‬
‫والشعار والتقليد والتجليل كله في البل‪ ،‬وأما البقر فتقلد وتشعر‪ ،‬ول تجلل‪ ،‬وأما الغنم فل تقلد ول‬
‫تشعر ول تجلل‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )2‬إن ساق هديا تطوعا ومنذورا‪ ،‬فإن كان بدنة أو بقرة‪ ،‬استحب له أن يقلدها نعلين‬
‫لهما قيمة ليتصدق بهما‪ ،‬وأن يشعرها أيضا؛ لما روى ابن عباس رضي ال عنهما‪« :‬أن النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم صلى الظهر في ذي الحليفة‪ ،‬ثم أتى ببدنة‪ ،‬فأشعرها على صفحة سنامها اليمن‪ ،‬ثم‬
‫سلت الدم عنها‪ ،‬ثم قلدها‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،140-139‬الشرح الصغير‪ 122/2 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬المهذب‪ 235/1 :‬ومابعدها‪ ،‬اليضاح للنووي‪ :‬ص ‪ ،61‬شرح المجموع‪.269/8:‬‬

‫( ‪)3/667‬‬
‫نعلين» (‪ ، )1‬ولنه ربما اختلط بغيره‪ ،‬فإذا أشعر وقلد تميز‪ ،‬وربما ندّ (هرب) فيعرف بالشعار‬
‫والتقليد ‪ ،‬فيرد‪.‬‬
‫وإن ساق غنما قلدها خُرَب القُرَب‪ :‬وهي عراها وآذانها‪ ،‬لما روت عائشة رضي ال عنها أن النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أهدى مرة غنما مقلدة» (‪ )2‬ولن الغنم يثقل عليها حمل النعال‪ .‬ول يشعرها؛‬
‫لن الشعار ل يظهر في الغنم لكثرة شعرها وصوفها‪ ،‬ولنها ضعيفة‪.‬‬
‫ويكون تقليد الجميع والشعار وهي مستقبلة القبلة‪ ،‬والبدنة باركة‪.‬‬
‫وإذا قلد النعم وأشعرها‪ ،‬لم تصر هديا واجبا‪ ،‬على المذهب الصحيح المشهور‪ ،‬كما لو كتب الوقف‬

‫على باب داره‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ )3‬كالشافعية‪ :‬يسن تقليد الهدي‪ ،‬سواء أكان إبلً أم بقرا أم غنما‪ ،‬لحديث عائشة السابق‬
‫بلفظ‪« :‬كنت أفتل القلئد للنبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فيقلد الغنم‪ ،‬ويقيم في أهله حللً» ‪.‬‬
‫ويسن إشعار البل والبقر‪ ،‬لحديث عائشة المتفق عليه‪« :‬فتلت قلئد هد ي النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬ثم أشعرها وقلدها» ‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الشعار عند الجمهور للبل والبقر‪ ،‬وهو مكروه عند الحنفية‪ ،‬ول تقلد الغنم عند‬
‫المالكية والحنفية‪ ،‬وإنما تقلد البل والبقر‪ ،‬ويقلد الكل عند الشافعية والحنابلة‪.‬‬
‫عاشرا ـ عطب الهدي في الطريق ‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )4‬من ساق هديا فعَطِب (أي هلك) ‪ ،‬فإن كان تطوعا فليس عليه غيره‪ ،‬وإن كان عن‬
‫واجب‪ ،‬فعليه أن يقيم غيره مُقامه؛ لن الواجب باق في ذمته حيث لم يقع موقعه‪ ،‬فصار كهلك‬
‫الدراهم المعدة للزكاة قبل أدائها‪.‬‬
‫وإن أصابه عيب كبير‪ ،‬أقام غيره مقامه‪ ،‬لبقاء الواجب في ذمته‪ ،‬وصنع بالمعيب ما شاء‪.‬‬
‫وإذا عطبت البدنة في الطريق (أي قاربت العطب) ‪ :‬فإن كان تطوعا نحرها‪ ،‬وصَبَغ نعلها (أي‬
‫قلدتها) بدمها‪ ،‬وضرب بقلدتها المصبوغة بدمها صفحتها (أي أحد جانبيها) ‪ ،‬ولم يأكل منها‬
‫صاحبها‪ ،‬ول غيره من الغنياء‪ ،‬ليعلم الناس أنه هدي‪ ،‬فيأكل منه الفقراء دون الغنياء‪.‬‬
‫وإن كانت البدنة واجبة‪ ،‬أقام غيرها مُقامها‪ ،‬وصنع بها ما شاء؛ لنها ملكه كسائر أملكه‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )5‬إذا عطب هدي التطوع قبل محله‪ ،‬ينحره‪ ،‬ويخلي بينه وبين الناس‪ ،‬ول يأكل منه‪،‬‬
‫فإن أكل منه‪ ،‬فعليه بدله‪.‬‬
‫وأما ولد الهدي المولود‪ :‬فإن ولد قبل التقليد فيستحب نحره‪ ،‬ول يجب حمله إلى مكة‪ .‬وإن ولد بعد‬
‫التقليد أو الشعار‪ ،‬فيجب حمله إلى مكة على غير أمه‪ ،‬إن لم يمكن سوقه‪.‬‬
‫وكذلك قال الشافعية (‪ : )6‬إن عطب الهدي وخاف أن يهلك‪ ،‬نحره وغمس نعله التي قلده إياها في‬
‫دمه‪ ،‬وضرب به صفحته وتركه موضعه‪ ،‬ليعلم من مر به أنه هدي‪ ،‬فيأكله‪ .‬لما روى أبو قبيصة أن‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم كان يبعث بالهدي‪ ،‬ثم يقول‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم بلفظه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم بلفظه‪ ،‬والبخاري بمعناه‪.‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪.549/3 :‬‬
‫(‪ )4‬الكتاب‪.219/1 :‬‬

‫(‪ )5‬الشرح الكبير‪.92-91/2 :‬‬
‫(‪ )6‬المهذب‪ ،1/632 :‬المجموع‪.289-281 ،278/8 :‬‬

‫( ‪)3/668‬‬
‫صفْحتها‪،‬‬
‫«إن عطب منها شيء‪ ،‬فخشيت عليه موتا‪ ،‬فانحرها‪ ،‬ثم اغمس نعلها في دمها‪ ،‬ثم اضرب َ‬
‫ول تطعمها أنت‪ ،‬ول أحد من رفقتك» (‪. )1‬‬
‫فإن كان تطوعا ‪ :‬فله أن يفعل به ماشاء من بيع وذبح وأكل وإطعام لغيره‪ ،‬وتركه وغير ذلك؛ لنه‬
‫ملكه‪ ،‬ول شيء في كل ذلك‪.‬‬
‫وإن كان منذورا‪ :‬لزمه ذبحه‪ ،‬فإن تركه حتى هلك‪ ،‬لزمه ضمانه‪ ،‬كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى‬
‫تلفت‪.‬‬
‫ول يجوز للمهدي ول لسائق هذا الهدي وقائده الكل منه‪ ،‬بل خلف للحديث السابق‪ ،‬ول يجوز‬
‫للغنياء الكل منه بل خلف؛ لن الهدي مستحق للفقراء‪ ،‬فل حق للغنياء منه‪ ،‬ويجوز للفقراء من‬
‫غير رفقة صاحب الهدي الكل منه بالجماع‪ ،‬لحديث ناجية السلمي أن رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬بعث معه بهدي‪ ،‬فقال‪ :‬إن عطب فانحره‪ ،‬ثم اصبغ نعله في دمه‪ ،‬ثم خل بينه وبين الناس» (‬
‫‪ . )2‬والصح أنه ل يجوز للفقراء من رفقة صاحب الهدي الكل منه‪.‬‬
‫وإذا أتلف المهدي الهدي‪ ،‬لزمه على المذهب ضمانه بأكثر المرين من قيمته ومثله‪ ،‬كما لو باع‬
‫الضحية المعينة وتلفت عند المشتري‪.‬‬
‫وإن أتلف الهدي أجنبي‪ ،‬وجبت عليه القيمة‪ ،‬ويشترى بها المثل‪.‬‬
‫وإذا اشترى هديا‪ ،‬ثم نذر إهداءه‪ ،‬ثم وجد به عيبا‪ ،‬لم يجز له رده بالعيب‪ ،‬لنه تعلق به حق ال‬
‫تعالى‪ ،‬فل يجوز إبطاله‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم في صحيحه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه‪ ،‬قال الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬

‫( ‪)3/669‬‬
‫نعله التي قلده إياها في دمه‪ ،‬وضرب به صفحته وتركه موضعه‪ ،‬ليعلم من مر به أنه هدي‪ ،‬فيأكله‪.‬‬
‫لما روى أبو قبيصة أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم كان يبعث بالهدي‪ ،‬ثم يقول‪« :‬إن عطب منها‬

‫صفْحتها‪ ،‬ول تطعمها أنت‪،‬‬
‫شيء‪ ،‬فخشيت عليه موتا‪ ،‬فانحرها‪ ،‬ثم اغمس نعلها في دمها‪ ،‬ثم اضرب َ‬
‫ول أحد من رفقتك» (‪. )1‬‬
‫فإن كان تطوعا ‪ :‬فله أن يفعل به ماشاء من بيع وذبح وأكل وإطعام لغيره‪ ،‬وتركه وغير ذلك؛ لنه‬
‫ملكه‪ ،‬ول شيء في كل ذلك‪.‬‬
‫وإن كان منذورا‪ :‬لزمه ذبحه‪ ،‬فإن تركه حتى هلك‪ ،‬لزمه ضمانه‪ ،‬كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى‬
‫تلفت‪.‬‬
‫ول يجوز للمهدي ول لسائق هذا الهدي وقائده الكل منه‪ ،‬بل خلف للحديث السابق‪ ،‬ول يجوز‬
‫للغنياء الكل منه بل خلف؛ لن الهدي مستحق للفقراء‪ ،‬فل حق للغنياء منه‪ ،‬ويجوز للفقراء من‬
‫غير رفقة صاحب الهدي الكل منه بالجماع‪ ،‬لحديث ناجية السلمي أن رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬بعث معه بهدي‪ ،‬فقال‪ :‬إن عطب فانحره‪ ،‬ثم اصبغ نعله في دمه‪ ،‬ثم خل بينه وبين الناس» (‬
‫‪ . )2‬والصح أنه ل يجوز للفقراء من رفقة صاحب الهدي الكل منه‪.‬‬
‫وإذا أتلف المهدي الهدي‪ ،‬لزمه على المذهب ضمانه بأكثر المرين من قيمته ومثله‪ ،‬كما لو باع‬
‫الضحية المعينة وتلفت عند المشتري‪.‬‬
‫وإن أتلف الهدي أجنبي‪ ،‬وجبت عليه القيمة‪ ،‬ويشترى بها المثل‪.‬‬
‫وإذا اشترى هديا‪ ،‬ثم نذر إهداءه‪ ،‬ثم وجد به عيبا‪ ،‬لم يجز له رده بالعيب‪ ،‬لنه تعلق به حق ال‬
‫تعالى‪ ،‬فل يجوز إبطاله‪.‬‬
‫وإذا أتلف الهدي قبل بلوغ المنسك‪ ،‬أو بعده وقبل التمكين من ذبحه‪ ،‬فلشيء عليه‪ ،‬لنه أمانة لم يفرط‬
‫فيها‪ ،‬كما لو ماتت أو سرقت الضحية المعينة أو المنذورة المعينة قبل تمكنه من ذبحها يوم النحر‪.‬‬
‫وإن ذبح الهدي أجنبي بغير إذن صاحبه‪ ،‬أجزأه عن النذر؛ لن ذبحه ل يحتاج إلى قصده‪ ،‬ويلزم‬
‫الذابح أرش نقصه‪ :‬وهو ما بين قيمته حيا ومذبوحا؛ لنه لو أتلفه ضمنه‪ ،‬فإذا ذبحه ضمن نقصانه‬
‫كشاة اللحم‪.‬‬
‫وإذا ذبح الهدي المعين قبل المنسك‪ ،‬لزم التصدق بلحمه‪ ،‬ولزم البدل في وقته‪ ،‬كما لو ذبح الضحية‬
‫المعينة أو المنذورة قبل يوم النحر‪ ،‬يلزم التصدق بلحمها‪ ،‬ول يجوز له أكل شيء منها‪ ،‬ويلزمه ذبح‬
‫مثلها يوم النحر بدلً عنها‪.‬‬
‫وإذا ولد الهدي أو الضحية المتطوع بهما‪ ،‬فالولد ملك لصاحبه كالم‪ ،‬يتصرف فيه بما شاء من بيع‬
‫وغيره كالم‪ .‬وأما ولد المنذور فيتبع الم بل خلف‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة (‪ )3‬كالشافعية إجمالً‪ :‬إن كان الهدي تطوعا‪ ،‬وخاف عطبه أو عجز عن المشي‬
‫وصحبة الرفاق‪ ،‬نحره بموضعه‪ ،‬وخلى بينه وبين المساكين‪ ،‬ولم يبح له أكل شيء منه‪ ،‬ول لحد من‬

‫صحابته‪ ،‬وإن كانوا فقراء‪.‬‬
‫وليس عليه بدل عنه‪ ،‬لحديث أبي قبيصة السابق‪.‬‬
‫وإن كان نذرا فعليه البدل‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم‪« :‬من أهدى تطوعا‪ ،‬ثم ضلت‪ ،‬فليس عليه‬
‫البدل‪ ،‬إل أن يشاء‪ ،‬فإن كان نذرا فعليه البدل» (‪. )4‬‬
‫فإن أكل صاحب الهدي أو السائق أو رفقته منه‪ ،‬أو باع أو أطعم غنيا أو رفقته منها‪ ،‬ضمنه بمثله‬
‫لحما‪ .‬وإن أتلفه أو تلف بتفريطه أو خاف عطبه‪ ،‬فلم ينحره حتى هلك‪ ،‬فعليه ضمانه بما يوصله إلى‬
‫فقراء الحرم‪ .‬وإن أطعم منه فقيرا أو أمره بالكل منه‪ ،‬فل ضمان عليه؛ لنه أوصله إلى المستحق‪.‬‬
‫وإن تعيب بفعل آدمي ‪ ،‬فعليه ما نقصه من القيمة يتصدق به‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم في صحيحه‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه‪ ،‬قال الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪.539-3/537 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه الدارقطني عن ابن عمر‪.‬‬

‫( ‪)3/670‬‬
‫خصَا ِئصُ الحَ َرمَين‬
‫صلُ الثّاني‪َ :‬‬
‫ال َف ْ‬
‫وفيه مبحثان‪ :‬حرم مكة‪ ،‬وحرم المدينة‬
‫المبحث الول ـ حرم مكة ‪:‬‬
‫حدود الحرم‪ ،‬بناء الكعبة ومزيتها وفضيلة المسجد الحرام‪ ،‬المجاورة بمكة‪ ،‬أيهما أفضل‪ :‬مكة أم‬
‫المدينة؟ آداب دخول مكة‪ ،‬محظورات الحرم المكي وخصائصه‪ ،‬زيارة أهم المعالم التاريخية في مكة‪.‬‬
‫أولً ـ حدود الحرم المكي ‪:‬‬
‫وهو الذي يحرم فيه الصيد والنبات‪ ،‬ويمنع أخذ ترابه وأحجاره‪ ،‬وبيان مايتعلق به من الحكام وما‬
‫يخالف غيره من الرض‪.‬‬
‫حد الحرم‪ :‬من طريق المدينة على ثلثة أميال من مكة عند بيوت بني نفار أو السقيا وتعرف الن‬
‫بمساجد عائشة‪ ،‬ومن طريق اليمن على سبعة أميال طرف أضاة لبِن في ثنيه لبن‪ ،‬ومن طريق العراق‬
‫على سبعة أميال من مكة على ثنية جبل بالمنقطَع أو المقطع‪ ،‬ومن الطائف وبطن نمرة على طريق‬
‫جعْرانة على تسعة أميال في شعب‬
‫عرفات على سبعة أميال من مكة عند طرف عرفة‪ ،‬ومن طريق ال ِ‬

‫آل عبد ال ابن خالد‪ ،‬ومن جُدّة على عشرة أميال من مكة عند منقطع العشاش‪ .‬ومن بطن عرنة أحد‬
‫عشر ميلً‪ .‬وأما وَجّ‪ :‬وهو واد بالطائف فهو من الحل (‪. )1‬‬
‫ويلحظ أن للحرم علمات من جوانبه كلها‪ ،‬ومنصوب عليه أنصاب‪ ،‬ذكر الزرقي وغيره أن إبراهيم‬
‫صلّى ال عليه وسلم عملها‪ ،‬وجبريل عليه السلم يريه مواضعها‪ ،‬ثم أمر النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫بتجديدها‪ ،‬ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية‪ ،‬وهي الن بينة واضحة‪.‬‬
‫وقد صارت المدينة حرما بتحريم رسول ال صلّى ال عليه وسلم بعد أن كانت حللً‪ .‬والصحيح أن‬
‫مكة حرم منذ القديم‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم يوم فتح مكة‪« :‬فإن هذا بلد حرمه ال تعالى يوم‬
‫خلق السموات والرض‪ ،‬وهو حرام بحرمة ال تعالى إلى يوم القيامة» (‪. )2‬‬
‫ثانيا ـ بناء الكعبة ومزيتها وفضيلة المسجد الحرام ‪:‬‬
‫بنيت الكعبة المشرفة خمس مرات (‪ : )3‬بناء الملئكة أو آدم‪ ،‬أو شيث بن آدم كما قال السهيلي‪ ،‬وبناء‬
‫إبراهيم على القواعد الولى‪ ،‬وبناء قريش في الجاهلية بحضور الرسول صلّى ال عليه وسلم قبل‬
‫البعثة‪ ،‬وبناء ابن الزبير‪ ،‬حين احترقت‪،‬و بناء الحجاج بن يوسف‪ .‬وهذا البناء هو الموجود اليوم‪.‬‬
‫وقد تم توسيع المسجد الحرام في عهد عمر بل إن عمر أول من بناه‪ ،‬ثم في عهد عثمان‪ ،‬ثم في عهد‬
‫الوليد بن عبد الملك‪ ،‬ثم في عهد المهدي‪ ،‬واستقر المر على ذلك‪ ،‬إلى أن تم توسيعه الخير عدة‬
‫مرات في عهد السعوديين ويتم الن أكبر‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪ 440 :‬ومابعدها‪ ،‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،78‬غاية المنتهى‪ ،395/1 :‬إعلم الساجد بأحكام‬
‫المساجد للزركشي ص ‪.63‬‬
‫(‪ )2‬حديث صحيح رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي ال عنهما‪.‬‬
‫(‪ )3‬اليضاح‪ :‬ص ‪.85-84 ،81‬‬

‫( ‪)3/671‬‬
‫توسعة‪ ،‬من جهة الغرب‪ ،‬قال الشافعي‪ :‬أحب أن تترك الكعبة على حالها‪ ،‬فل تهدم؛ لن هدمها يذهب‬
‫حرمتها ويصير كالتلعب بها‪ .‬وقد كساها النبي صلّى ال عليه وسلم ثيابا يمانية‪ ،‬ثم كساها أبو بكر‬
‫وعمر وعثمان ومعاوية وابن الزبير ومن بعدهم‪.‬‬
‫وكان الوليد بن عبد الملك أول من ذهّب البيت في السلم‪ .‬وأجاز الغزالي تزيين الكعبة بالذهب‬
‫والحرير ما لم ينسب إلى السراف‪ .‬ويجوز تطييب الكعبة ويحرم أخذ شيء منه للتبرك وغيره‪ ،‬ومن‬

‫أخذه لزمه رده إليها‪ ،‬فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به‪ ،‬ثم أخذه كما قال النووي‪.‬‬
‫والبيت الحرام‪ :‬أول بيت من بيوت ال وجد على ظهر الرض ليعبد الناس فيه ربهم‪ ،‬أولية شرف‬
‫وزمان‪ ،‬لقوله سبحانه‪{ :‬إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين‪ ،‬فيه آيات بينات‬
‫مقام إبراهيم‪ ،‬ومن دخله كان آمنا} [آل عمران‪ ]96/3:‬فأول دلئله وعلئمه الظاهرة‪ :‬مقام إبراهيم‪،‬‬
‫وثانيها أنه يجب تعظيمه بنسبته إلى ال‪ ،‬حتى إنه كان اللجئ إليه عند العرب يصير آمنا ما دام فيه‪،‬‬
‫وقد أقر ال تعالى هذه المزية في قوله‪{ :‬وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا‪ ،‬واتخذوا من مقام إبراهيم‬
‫مصلى} [البقرة‪{ ]125/2:‬أو لم نمكن لهم حرما آمنا} [القصص‪{ ]57/28:‬أو لم يروا أنا جعلنا حرما‬
‫آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت‪ ]67/29:‬لذا يكره عند مالك والشافعي حمل السلح في‬
‫مكة لغير ضرورة و حاجة‪ ،‬فإن كانت حاجة جاز‪ ،‬ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم قال‪« :‬ل يحل أن يحمل السلح بمكة» ‪.‬‬

‫( ‪)3/672‬‬
‫وتضاعف في الحرم السيئات والحسنات‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬ومن يرد فيه بإلحاد بظلم‪ ،‬نذقه من عذاب أليم}‬
‫[الحج‪ ]25/22:‬وثواب الصلة فيه يعدل مئة ألف صلة‪ ،‬قال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬صلة في‬
‫مسجدي هذا أفضل من ألف صلة فيما سواه إل المسجد الحرام‪ ،‬وصلة في المسجد الحرام أفضل من‬
‫صلة في مسجدي هذا بمئة صلة» (‪ )1‬وفي لفظ عند أحمد من حديث ابن عمر‪« :‬وصلة في‬
‫المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلة» وروى الطبراني عن أبي الدرداء‪« :‬الصلة في المسجد‬
‫الحرام بمئة ألف صلة‪ ،‬والصلة في مسجدي بألف صلة‪ ،‬والصلة في بيت المقدس بخمس مئة‬
‫صلة» وهذا يدل على أفضلية هذه المساجد الثلثة‪ :‬المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد‬
‫القصى‪ ،‬والمسجد الحرام أفضل المساجد على الطلق‪ ،‬ويقصد بالذات للعبادة فيه‪ ،‬ويجب أداء‬
‫الصلة فيه إذا نذرت‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬لتشد الرحال إل إلى ثلثة مساجد‪ :‬المسجد‬
‫الحرام‪ ،‬ومسجدي هذا‪ ،‬والمسجد القصى» (‪. )2‬‬
‫ويطلق المسجد الحرام غالبا ويراد به هذا المسجد‪ ،‬وقد يراد به الحرم‪ ،‬وقد يراد به مكة‪ ،‬كما في قوله‬
‫تعالى‪{ :‬ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة‪ ]196/2:‬وقد ازدادت أهميته بجعله من‬
‫أهم أماكن شعائر الحج في أيام معلومات (‪. )3‬‬
‫ثالثا ـ المجاورة بمكة وفضيلتها ‪:‬‬
‫قال جماعة منهم النووي والزركشي (‪ : )4‬إن حرم مكة كالمسجد الحرام في‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وصححه ابن حبان عن أبي الزبير (سبل السلم‪.)216/2 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة‪.‬‬
‫(‪ )3‬وقد عرفنا أن اليام المعلومات عند المالكية هي أيام النحر الثلثة‪ ،‬واليام المعدودات هي أيام‬
‫منى وهي أيام التشريق وهي الثلثة بعد يوم النحر‪.‬‬
‫(‪ )4‬إعلم الساجد بأحكام المساجد‪ :‬ص ‪ ،129-119‬فتح القدير‪ ،335/2 :‬الدر المختار‪،354/2 :‬‬
‫اليضاح‪ :‬ص ‪ ،84‬غاية المنتهى‪.395/1 :‬‬

‫( ‪)3/673‬‬
‫مضاعفة ثواب الصلة بل وسائر أنواع الطاعات‪ ،‬قال الحسن البصري‪ :‬صوم يوم بمكة بمئة ألف‪،‬‬
‫وصدقة درهم بمئة ألف‪ ،‬وكل حسنة بمئة ألف‪.‬‬
‫قال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة» (‪ )1‬وقال أيضا‪« :‬من‬
‫حج من مكة ماشيا‪ ،‬حتى يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبع مئة حسنة من حسنات الحرم‪ ،‬وحسنات‬
‫الحرم بمئة ألف حسنة» (‪. )2‬‬
‫وقال جماعة من العلماء‪ ،‬منهم ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأحمد بن حنبل‪ :‬تضاعف السيئات‬
‫بمكة كما تضاعف الحسنات‪ .‬وقال بعض المتأخرين‪ :‬القائل بالمضاعفة‪ :‬أراد مضاعفة مقدارها أي‬
‫غلظها ل كميتها في العدد‪ ،‬فإن السيئة جزاؤها سيئة‪ ،‬لكن السيئات تتفاوت‪ ،‬فالسيئة في حرم ال أكبر‬
‫وأعظم منها في طرف من أطراف البلد‪.‬‬
‫ويعاقب فيها على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها‪ ،‬قال تعالى‪ { :‬ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب‬
‫أليم} [الحج‪ ]25/22:‬وهذا مستثنى من قاعدة الهم بالسيئة وعدم فعلها‪ ،‬تعظيما لحرمة الحرم‪.‬‬
‫أما المجاورة بمكة‪ :‬فذهب مالك وأبو حنيفة إلى كراهتها‪ ،‬خوفا من التقصير في حرمتها‪ ،‬والتبرم‬
‫واعتياد المكان والنس به‪ ،‬وذلك يجر إلى قلة المهابة والتعظيم‪ ،‬ولتهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث‬
‫داعية العود‪ ،‬وخوفا من ركوب الخطايا والذنوب بها‪ ،‬فإن ذلك محظور‪ ،‬والراجح عند الحنفية رأي‬
‫الصاحبين وهو عدم كراهة المجاورة بمكة أو المدينة‪ ،‬واختار بعضهم أن المجاورة بالمدينة أفضل‬
‫منها بمكة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البزار عن ابن عمر‪ ،‬وهو ضعيف كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد‪.‬‬

‫(‪ )2‬رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس وقال‪ :‬حديث صحيح السناد‪ ،‬ورواه البيهقي في سننه‬
‫وضعّفه‪.‬‬

‫( ‪)3/674‬‬
‫واستحب الشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة المجاورة لمن لم يخف الوقوع في محظور بمكة أو‬
‫المدينة (‪ )1‬؛لن النبي صلّى ال عليه وسلم قال عن مكة‪« :‬إنك لحب البقاع إلى ال عز وجل‪ ،‬ولول‬
‫أني أخرجت منك ما خرجت» (‪ )2‬قال أحمد‪ :‬والمقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي‬
‫عليه؛ لنها مهاجر المسلمين‪ ،‬وقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يصبر أحد على لوائها وشدتها‬
‫إل كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة» (‪. )3‬‬
‫رابعا ـ هل مكة أفضل أو المدينة (‪ )4‬؟‪.‬‬
‫قال القاضي عياض وغيره‪ :‬انعقد الجماع على أن أفضل بقع الرض على الطلق المكان الذي ضم‬
‫جسده صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وعلى أن مكة والمدينة أفضل بقاع الرض بعده‪.‬‬
‫واختلفوا في أيهما أفضل مكة أم المدينة؟ فقال مالك تبعا لعمر وغيره من الصحابة المدنيين بتفضيل‬
‫المدينة؛ لنها موطن الهجرة‪ ،‬ومستقر الصحابة‪ ،‬ومثوى الرسول صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ولما ورد في‬
‫فضلها من الحاديث الصحيحة (‪ ، )5‬منها‪« :‬إنها طيبة ـ يعني المدينة ـ وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي‬
‫النار خبث الفضة» (‪. )6‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،335/2 :‬غاية المنتهى‪ ،395/1 :‬إعلم الساجد‪ :‬ص ‪ 129‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪:‬‬
‫‪.556/3‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه الترمذي عن ابن عباس وعبد ال بن عدي بن الحمراء بعبارات مقاربة لهذا (جامع‬
‫الصول‪.)185/10 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم والموطأ والترمذي عن ابن عمر (جامع الصول‪.)198/10 :‬‬
‫(‪ )4‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،72‬الدر المختار‪ ،352/2 :‬إعلم الساجد‪ :‬ص ‪ 185‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪.143‬‬
‫(‪ )5‬انظر جامع الصول‪.211-192/10:‬‬
‫(‪ )6‬رواه مسلم عن زيد بن ثابت (جامع الصول‪.)201/10 :‬‬

‫( ‪)3/675‬‬

‫وذهب أكثر العلماء‪ ،‬منهم الئمة الثلثة إلى تفضيل مكة‪ ،‬للحديث السابق عن مكة‪« :‬وال إنك لخير‬
‫أرض ال ‪ ،‬وأحب أرض ال إلى ال ‪ ،‬ولول أني أخرجت منك ما خرجت» (‪. )1‬‬
‫وحديث‪« :‬يامكة‪ ،‬وال ‪ ،‬إنك لخير أرض ال ‪ ،‬وأحب البلد إلى ال ‪ ،‬ولول أني أخرجت منك ما‬
‫خرجت» (‪. )2‬‬
‫وحديث الترمذي أيضا عن ابن عباس‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال لمكة‪« :‬ما أطيبك وأحبك‬
‫إلي‪ ،‬ولول أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» ‪.‬‬
‫وذكر العز بن عبد السلم أوجه تفضيل مكة على المدينة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬وجوب قصدها للحج والعمرة‪ ،‬وهما واجبان ل يقع مثلهما بالمدينة‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن ال تعالى حرمها يوم خلق السموات والرض‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن ال جعلها حرما آمنا في الجاهلية والسلم‪.‬‬
‫‪ - 4‬ل يدخلها أحد إل بحج أو عمرة وجوبا أو ندبا‪.‬‬
‫خامسا ـ آداب دخول مكة ‪:‬‬
‫يستحب لمن دخل مكة ما يأتي (‪: )3‬‬
‫ً‪ - 1‬ينبغي لمن أحرم بحج أو عمرة من الميقات أوغيره أن يتوجه إلى مكة‪ ،‬ومنها يكون خروجه‬
‫إلى عرفات‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬إذا بلغ الحرم المكي دعا‪ ،‬فقال‪« :‬اللهم هذا حرمك وأمنك‪ ،‬فحرمني على النار‪ ،‬وآمني من‬
‫عذابك يوم تبعث عبادك‪ ،‬واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك» ‪ .‬هذا ويستحضر من الخشوع‬
‫والخضوع في قلبه وجسده ما أمكنه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه النسائي عن أبي هريرة‪.‬‬
‫(‪ )3‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،33-31‬الكتاب مع اللباب‪ ،182/1 :‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،351/2 :‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ ،143‬مغني المحتاج‪ ،511/1 :‬المغني‪.555 ،370-368/3 :‬‬

‫( ‪)3/676‬‬
‫ً‪ - 3‬إذا بلغ مكة اغتسل بذي طوى (‪ )1‬بنية غسل دخول مكة‪ ،‬فإن جاء من طريق آخر اغتسل في‬
‫غيرها‪ .‬وهذا الغسل مستحب لكل أحد حتى الحائض والنفساء والصبي‪.‬‬

‫ً‪ - 4‬السنة أن يدخل مكة من ثنية كَداء (‪ ، )2‬وإذا خرج راجعا إلى بلده خرج من ثنية كُدا (‪. )3‬‬
‫ً‪ - 5‬الصح عند الشافعية أن يدخل مكة ماشيا ل راكبا‪.‬‬
‫ل في‬
‫ً‪ - 6‬يدخلها النسان ليلً أونهارا‪ ،‬فقد دخلها رسول ال صلّى ال عليه وسلم نهارا في الحج‪ ،‬ولي ً‬
‫عمرة له‪ ،‬والفضل في الصح عند الشافعية دخولها نهارا‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬ينبغي أن يتحفظ في دخوله من إيذاء الناس في الزحمة‪ ،‬ويتلطف بمن يزاحمه‪ ،‬ويلحظ بقلبه‬
‫جللة البقعة التي هو فيها والتي يتجه إليها‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬ينبغي لمن يأتي من غير الحرم أل يدخل مكة إل محرما بحج أو عمرة‪ .‬والصح عند الشافعية‬
‫أن دخولها محرما مستحب‪ ،‬وواجب عند غيرهم‪.‬‬
‫ً‪ - 9‬يستحب إذا وقع بصره على البيت أن يرفع يديه‪ ،‬فقد جاء أنه يستجاب دعاء المسلم عند رؤية‬
‫الكعبة‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫أي من جهة الجنوب‪ ( .‬اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة‪ ،‬وزد من شرفه وعظمه‬
‫ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا ) ويضيف إليه‪ ( :‬اللهم أنت السلم‪ ،‬ومنك‬
‫السلم‪ ،‬فحينا ربنا بالسلم )‪.‬‬
‫ويدعو بما أحب من مهمات الخرة والدنيا‪ ،‬وأهمها سؤال المغفرة‪ .‬وينبغي أن يستحضر عند رؤية‬
‫الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع‪ ،‬فهذه عادة الصالحين والعارفين‪.‬‬
‫ويقول قبالة البيت‪ ( :‬اللهم إن هذا البيت بيتك‪ ،‬والحرم حرمك‪ ،‬والمن أمنك‪ ،‬وهذا مقام العائذ بك من‬
‫النار )‪.‬‬
‫ً‪ - 10‬يستحب أل يعرج أول دخوله على استئجار منزل وتغيير ثياب وغير ذلك إل الطواف الذي‬
‫هو طواف القدوم وهو سنة عند الجمهور واجب عند المالكية‪ .‬ويترك بعض الرفقة عند متاعهم‬
‫ورواحلهم حتى يطوفوا‪ ،‬ثم يرجعوا إلى رواحلهم ومتاعهم واستئجار المنزل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مثلثة الطاء‪ ،‬وهي في أسفل مكة في صوب طريق العمرة المعتادة ومسجد عائشة رضي ال‬
‫عنها‪.‬‬
‫(‪ )2‬بفتح الكاف‪ ،‬وهي بأعلى مكة‪ ،‬ينحدر منها إلى المقابر‪ ،‬والثنية‪ :‬هي الطريق الضيقة بين جبلين‪.‬‬
‫أي من جهة الشمال‪.‬‬
‫(‪ )3‬بضم الكاف‪ ،‬وهي بأسفل مكة بقرب جبل ُقعَ ْي ِقعَان‪ ،‬وإلى صوب ذي طوى‪.‬‬

‫( ‪)3/677‬‬

‫ويستحب للمرأة الجميلة أو الشريفة أل تبرز للرجال‪ ،‬وتؤخر الطواف ودخول المسجد إلى الليل‪.‬‬
‫ويستحب الدخول إلى البيت الحرام من باب بني شيبة‪ ،‬ويقدم رجله اليمنى في الدخول‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫( أعوذ بال العظيم‪ ،‬وبوجهه الكريم‪ ،‬وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم‪ ،‬بسم ال ‪ ،‬والحمد ل ‪ ،‬اللهم‬
‫صل على محمد وعلى آل محمد‪ ،‬اللهم اغفر لي ذنوبي‪ ،‬وافتح لي أبواب رحمتك)‪ .‬وإذا خرج قدم‬
‫رجله اليسرى‪ ،‬وقال هذا‪ ،‬إل أنه يقول‪ (:‬وافتح لي أبواب فضلك ) وهذا الذكر والدعاء مستحب في‬
‫كل مسجد‪.‬‬
‫ً‪ - 11‬إذا دخل المسجد ينبغي أل يشتغل بصلة تحية المسجد‪ ،‬ول غيرها‪ ،‬بل يقصد الحجر السود‪،‬‬
‫ويبدأ بطواف القدوم‪ ،‬وهو تحية المسجد الحرام‪ ،‬والطواف مستحب لكل داخل محرما كان أوغير‬
‫محرم‪ ،‬إل لداء الصلة المكتوبة أو قضائها‪ ،‬أو فوات الجماعة فيها‪ ،‬أو فوات الوتر أو سنة الفجر‬
‫وغيرها من السنن الراتبة‪ ،‬فيقدم كل ذلك على الطواف ثم يطوف‪.‬‬
‫ولو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد‪.‬‬
‫ً‪ - 12‬يستحب لمن حج أن يدخل البيت‪ ،‬ويصلي فيه ركعتين‪ ،‬كما فعل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫حجْر إسماعيل؛ لنه من البيت‪ ،‬ول يدخل الكعبة بسلح‪.‬‬
‫ول يدخل البيت بنعليه ول خفيه‪ ،‬ول يدخل ِ‬
‫وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها‪ ،‬ول يأخذ من طيب البيت شيئا‪ ،‬ول يخرج من تراب الحرم‪ ،‬ول‬
‫يدخل فيه من الحل‪ ،‬ول يخرج من حجارة مكة وترابها إلى الحل‪-.‬‬
‫ً‪ - 13‬يستحب لمن دخل مكة حاجا أو معتمرا أن يختم القرآن فيها قبل رجوعه‪.‬‬
‫ً‪ - 14‬يندب عند المالكية طواف الوداع‪ ،‬ويجب عند الئمة الخرين‪.‬‬

‫( ‪)3/678‬‬
‫سادسا ـ الحكام التي يخالف فيها الحرم غيره من البلد (خصائصه ومحظوراته ) ‪:‬‬
‫للحرم المكي أحكام خاصة‪ ،‬أهمها ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬ينبغي أل يدخله أحد إل بإحرام‪ ،‬وهو مستحب عند الشافعية‪ ،‬واجب عند غيرهم‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬يحرم صيد الحرم بالجماع على الحلل والمحرم إل المؤذيات المبتدئة بالذى غالبا‪ ،‬وهو‬
‫مضمون بإتلفه خلفا لداود الظاهري‪ ،‬لحديث‪« :‬ل ينفّر صيده» ‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬يحرم قطع شجر الحرم ونباته الرطب الذي ينبت بنفسه ول يستنبته الناس كالشيح والشوك‬
‫والعوسج‪ ،‬إل ما فيه ضرورة كالذْخر (نبات طيب الرائحة) ‪ ،‬ويلحق به كما أبان المالكية ستة‪ :‬السّنَا‬
‫حجَن) (‪ ، )2‬وال َعصَا‪،‬‬
‫(المعروف بالسنامكي) للحاجة إليه في التداوي‪ ،‬والهَشّ (قطع ورق الشجر بالمِ ْ‬

‫والسواك‪ ،‬وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه‪ ،‬وقطعه لصلح الحوائط والبساتين‪ .‬لقوله صلّى ال‬
‫عليه وسلم يوم فتح مكة‪« :‬إن هذا البلد حرّمه ال يوم خلق السموات والرض‪ ،‬فهو حرام بحرمة ال‬
‫إلى يوم القيامة‪ ،‬ل ُي ْعضَد شوكه‪ ،‬ول يُ َنفّر صيده‪ ،‬ول يَلْتقط لقطته إل من عرّفها‪ ،‬ول ُيخْتَلى خله (‬
‫‪ ، )3‬فقال العباس‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إل الذخِر‪ ،‬فإنه‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع‪ ،444-443/7 :‬المهذب‪ ،220-218/1 :‬الكتاب مع اللباب‪ ،211/1 :‬الشرح الصغير‬
‫مع الصاوي‪ 110/2 :‬وما بعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 527/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ ،355-344/3 :‬بداية‬
‫المجتهد‪ ،319/1 :‬البدائع‪ ،211-207/2 :‬إعلم الساجد‪ :‬ص ‪ ،169-154 ،137‬الدر المختار‪:‬‬
‫‪ 297/2‬ومابعدها‪ ،‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،97-95‬طبعة الجمالية بمصر‪.‬‬
‫(‪ )2‬المحجن‪ :‬العصا المعوجة من الطرف‪ .‬أما خبط العصا على الشجر ليقع ورقه فهو حرام‪.‬‬
‫(‪ )3‬الخل‪ :‬الحشيش الرطب‪.‬‬

‫( ‪)3/679‬‬
‫لقَيْنهم وبيوتهم‪ ،‬فقال‪ :‬إل الذخر» (‪ )1‬ويجب عند الجمهور ضمان الشجر خلفا للمالكية‪.‬والمستنبت‬
‫الذي استنبته الدميون من الشجر كغيره على المذهب عند الشافعية وهو الظهر في الحرمة‬
‫والضمان‪ ،‬لعموم الحديث السابق‪ .‬ويحل الذخر‪ ،‬والشوك كالعوسج (نوع من الشوك) وغيره من كل‬
‫مؤذ كالصيد المؤذي‪ ،‬فل ضمان في قطعه‪ .‬والصح عند الشافعية حل أخذ نبات الحرم من حشيش‬
‫ونحوه بالقطع لعلف البهائم وللدواء كالحنظل‪ ،‬وللتغذي كالرّجْلة والبقلة للحاجة إليه (‪. )2‬‬
‫ول يحرم عند غير الشافعية قطع ما أنبته الدمي من الشجر كالجوز واللوز والنخل ونحوه كشجر‬
‫الراك‪ ،‬والرمان والخس والبطيخ والحنطة‪ ،‬ول بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش لنه قد مات‪،‬‬
‫وليس له أخذ ورق الشجر‪ ،‬ويباح أخذ الكمأة من الحرم لنها ليست من جنس النبات‪ ،‬بل هي من‬
‫ودائع الرض‪ ،‬وكذا الفقع؛ لنه ل أصل له‪ ،‬فأشبه الثمرة‪ .‬ول شيء بقتل غراب وحدأة وفأرة وحية‬
‫وكلب عقور وبعوض ونمل وبرغوث وقراد وسلحفاة وما ليس بصيد‪ ،‬على الخلف والتفصيل‬
‫السابق‪.‬‬
‫وأما صيد وَج (واد بالطائف) وشجره‪ :‬فحرام ل يضمن عند الشافعية‪ ،‬لحديث‪« :‬أل إن صيد وج‬
‫وعضاهه ـ يعني شجره ـ حرام محرم» (‪ )3‬وهو مباح حلل عند الحنابلة؛ لن الصل الباحة‪،‬‬
‫والحديث ضعفه أحمد‪ ،‬لكن ليضمن قطعا عند الشافعية‪.‬‬

‫ً‪ - 4‬يمنع إخراج تراب الحرم وأحجاره‪ ،‬والمعتمد عند أكثر الشافعية كراهة ذلك‪ ،‬والصح عند‬
‫النووي التحريم‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬ل بأس بإخراج الحجار وترابه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس (جامع الصول‪ )183/10 :‬وعضد الشجر‪ :‬قطعه‬
‫بال ِم ْعضَد‪ :‬وهي حديدة تتخذ لقطعه‪ .‬والقين‪ :‬الحداد‪ ،‬والعبد أيضا‪ .‬ومعنى كونه لبيوتهم أنهم يسقُفونها‬
‫به فوق الخشب‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج ‪ 527/1‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬حديث ضعيف رواه البيهقي عن الزبير بن العوام‪.‬‬

‫( ‪)3/680‬‬
‫ً‪ - 5‬يمنع عند الجمهور كل كافر من دخول الحرم‪ ،‬مقيما كان أو مارا‪ .‬وأجازه أبو حنيفة ما لم‬
‫يستوطنه‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬ل تحل لقطة مكة وحرمها لمتملك‪ ،‬وإنما تحل لمنشد يحفظها ويعرفها بخلف سائر البلد‪،‬‬
‫للحديث المتقدم‪« :‬ول تلتقط لقطته إل من عرفها» ‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬تغلظ الدية على القاتل الذي قتل في حرم مكة‪ ،‬لقول تعالى‪{ :‬ول تقاتلوهم عند المسجد الحرام‬
‫حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة‪ ]191/2:‬لن للحرم تأثيرا في إثبات المن‪ .‬وتغلظ وإن كان القتل خطأ‪،‬‬
‫سواء أكان القاتل والمقتول معا في الحرم‪ ،‬أم أحدهما فيه دون الخر‪.‬‬
‫وقدر التغليظ عند أحمد‪ :‬هو الزيادة في العدد أي بمقدار الدية وثلث الدية‪.‬‬
‫وعند الشافعي‪ :‬التغليظ جاء في أسنان البل‪ ،‬ل الزيادة في العدد‪.‬‬
‫ول تغلظ الدية بالقتل في حرم المدينة‪ ،‬في الصح عند الشافعية‪.‬‬
‫ويجوز عند الجمهور خلفا لجماعة قتال البغاة في حرم مكة على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي‬
‫إل بالقتال؛ لن قتال البغاة من حقوق ال تعالى التي ل يجوز إضاعتها‪ ،‬فحفظها في الحرم أولى من‬
‫إضاعتها‪.‬‬
‫وتقام الحدود والقصاص في الحرم عند المالكية والشافعية‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ول تقاتلوهم عند المسجد‬
‫الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة‪ ]191/2:‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر بقتل ابن خَطَل لما‬
‫وجد متعلقا بأستار الكعبة‪ ،‬وأمر النبي بقتل الفواسق الخمس في الحل والحرم؛ لنها مؤذيات طبعا‪.‬‬

‫وروي عن أحمد وأبي حنيفة والظاهرية أن من وجب عليه الحد أو القصاص آمن ما دام في الحرم‪،‬‬
‫لقوله تعالى‪{ :‬ومن دخله كان آمنا} [آل عمران‪]97/3:‬‬

‫( ‪)3/681‬‬
‫ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يحل لمرئ يؤمن بال واليوم الخر أن يسفك بها دما» (‪. )1‬‬
‫ً‪ - 8‬تحريم دفن المشرك فيه ونبشه منه‪.‬‬
‫ً‪ - 9‬تخصيص ذبح دماء الجزاءات في الحج والهدايا في الحرم‪.‬‬
‫ً‪ -10‬ل دم على المتمتع والقارن إذا كان من أهل الحرم‪.‬‬
‫ً‪ -11‬ل يكره عند الشافعية صلة النفل التي ل سبب لها في وقت من الوقات في الحرم‪ ،‬سواء في‬
‫مكة وسائر الحرم‪.‬‬
‫ً‪ -12‬إذا نذر قصده‪ ،‬لزمه عند الشافعية الذهاب إليه بحج أوعمرة‪ ،‬بخلف غيره من المساجد‪ ،‬فإنه ل‬
‫يجب الذهاب إليه إذا نذره‪ ،‬إل مسجد رسول ال صلّى ال عليه وسلم والمسجد القصى‪ ،‬فإنهما‬
‫يتعينان أيضا‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬ل تشد الرحال‪. »..‬‬
‫ً‪ -13‬إذا نذر النحر وحده بمكة‪ ،‬لزمه عند الشافعية النحر بها‪ ،‬وتفرقة اللحم على مساكين الحرم‪ ،‬ولو‬
‫نذر ذلك في بلد آخر‪ ،‬لم ينعقد نذره في أصح الوجهين‪.‬‬
‫ً‪ -14‬يحرم عند الشافعية استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء‪.‬‬
‫ً‪ -15‬مضاعفة الجر في الصلوات وسائر الطاعات بالمسجد الحرام‪.‬‬
‫ً‪ -16‬يستحب لهل مكة أن يصلوا العيد في المسجد الحرام‪ ،‬والفضل لغيرهم الصلة في المصلى‪،‬‬
‫إذا كان المسجد عند الشافعية (‪ )2‬ضيّقا‪ ،‬فإن كان واسعا فالمسجد أفضل من المصلى‪.‬‬
‫ً‪ -17‬ل يجوز إحرام المقيم في الحرم بالحج خارجه‪.‬‬
‫سابعا ـ زيارة أهم المعالم التاريخية بمكة ‪:‬‬
‫قال ابن جزي (‪ : )3‬من المواضع التي ينبغي قصدها تبركا‪ :‬قبر إسماعيل عليه السلم وأمه هاجر‬
‫حجْر‪ ،‬وقبر آدم عليه السلم في جبل أبي قبيس‪ ،‬والغار المذكور في القرآن وهو جبل أبي‬
‫وهما في ال ِ‬
‫ثور‪ ،‬والغار الذي في جبل حراء حيث ابتدأ فيه نزول الوحي على رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫وزيارة قبور من بمكة والمدينة من الصحابة والتابعين والئمة‪.‬‬
‫وجبل حراء أو جبل النور‪ :‬يقع في شمال مكة على بعد خمسة كيلو مترات منها‪ ،‬وعلى يسار الذاهب‬
‫إلى عرفات‪ ،‬وارتفاعه نحو ‪ 200‬م‪ ،‬وفيه ابتدأ نزول الوحي على النبي صلّى ال عليه وسلم بأول‬

‫سورة العلق‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم في الصحيحين من الحديث السابق‪« :‬إن مكة حرمها ال ‪ ،‬ولم يحرمها‬
‫الناس‪ ،‬فل يحل لمرئ يؤمن بال واليوم الخر أن يسفك بها دما‪. »...‬‬
‫(‪ )2‬المجموع‪.5/5 :‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.143‬‬

‫( ‪)3/682‬‬
‫وجبل ثور‪ :‬أحد الجبال الكثيرة المحيطة بمكة‪ ،‬وارتفاعه نحو ‪ 500‬م‪ ،‬يقع جنوبي مكة‪ ،‬وعلى مسافة‬
‫ستة أميال منها‪ ،‬وهو ملجأ النبي عليه السلم وصاحبه أبي بكر أثناء الهجرة لمدة ثلثة أيام‪.‬‬
‫ومن الماكن الثرية ‪ :‬دار الرقم‪ ،‬قرب الصفا‪ ،‬وقد أسلم الرقم المخزومي بعد ستة من الصحابة‪،‬‬
‫وكانت داره مقر الدعوة السرية إلى السلم في مبدأ المر‪ ،‬وفيها أسلم عمر‪.‬‬
‫ومنها مقبرة ال ُمعَلّة أو الحجون‪ :‬شمال شرقي مكة‪ ،‬وهي مقبرة المكيين منذ العصر الجاهلي إلى‬
‫اليوم‪ ،‬وتضم قبور بني هاشم من أجداد الرسول صلّى ال عليه وسلم وأعمامه‪ ،‬وقبور بعض الصحابة‬
‫والتابعين‪ ،‬ففيها قبور جدي الرسول‪ :‬عبد مناف وعبد المطلب‪ ،‬وعمه أبي طالب‪ ،‬وقبر السيدة آمنة أم‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬والسيدة خديجة الكبرى زوجته‪ ،‬وقبر عبد ال بن الزبير‪ ،‬وأمه أسماء‬
‫بنت أبي بكر‪.‬‬
‫وأما منى‪ :‬فقرية تقع على مسافة سبعة كيلو مترات من مكة‪ ،‬فيها الجمرات الثلث‪ :‬الصغرى‬
‫والوسطى والكبرى‪ ،‬ومسجد الكبش نسبة إلى كبش فداء إسماعيل عليه السلم‪ ،‬ومسجد البيعة حيث‬
‫بايع أهل المدينة الرسول عليه السلم‪ ،‬ومسجد الخيف الكبير‪.‬‬
‫وأما عرفات‪ :‬فجبل مرتفع بقدر (‪ 225‬م) عن سطح البحر‪ ،‬ويقع على مسافة ‪ 25‬كم في الجنوب‬
‫الشرقي من مكة‪ .‬وفي شماله يقع جبل الرحمة الذي وقف عنده الرسول صلّى ال عليه وسلم في السنة‬
‫العاشرة من الهجرة يوم حجة الوداع‪ ،‬ونزل في هذا الموقف آية‪{ :‬اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت‬
‫عليكم نعمتي‪ ،‬ورضيت لكم السلم دينا} [المائدة‪.]3/5:‬‬

‫( ‪)3/683‬‬

‫المبحث الثاني ـ حرم المدينة ‪:‬‬
‫حدود الحرم‪ ،‬فضيلة المسجد النبوي‪ ،‬خصائص الحرم أو محظوراته وأوجه اختلف حرم المدينة عن‬
‫حرم مكة‪ ،‬زيارة المسجد وقبر النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬زيارة المعالم الثرية في المدينة‪.‬‬
‫أولً ـ حدود الحرم المدني ‪:‬‬
‫حرم المدينة جنوبا وشمالً‪ :‬بريد في بريد‪ ،‬ما بين عائر إلى ثور‪ ،‬لخبر الصحيحين‪« :‬المدينة حرم من‬
‫عَيْر إلى َثوْر» وعائر أوعير‪ :‬اسم جبل مشهور بقرب المدينة‪ ،‬وثور‪ :‬جبل صغير وراء أُحد من جهة‬
‫الشمال‪ ،‬وجبل أحد من الحرم (‪ . )1‬وشرقا وغربا بريد في بريد أيضا ما بين لبتيها‪ ،‬لقوله صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪« :‬حرّم رسول ال صلّى ال عليه وسلم ما بين لبتي المدينة» (‪ )2‬فمساحتها بريد في‬
‫بريد من جهاتها الربع‪ ،‬وسورها الن هو طرفها في زمنه صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وجعل النبي صلّى ال عليه وسلم حول المدينة اثني عشر ميلً‪.‬‬
‫والولى أل تسمى «يثرب» لنه اسم جاهلي قديم‪ ،‬اسمها طيبة وطابة والدار والمدينة ويثرب‪.‬‬
‫ثانيا ـ فضيلة المسجد النبوي ‪:‬‬
‫بنى الرسول صلّى ال عليه وسلم مع الصحابة هذا المسجد بمساحة ‪ 60 × 70‬ذراعا‪ ،‬ثم وسعه عمر‪،‬‬
‫وعثمان‪ ،‬وعبد الملك بن مروان وابنه الوليد (‪ ، )3‬وتم توسيعه الخير على يد الملك عبد العزيز آل‬
‫سعود‪ ،‬وضم إليه مساحة كبرى من جهة الغرب مصلى أثناء الحج‪ .‬ويتم الن إحداث أكبر توسعة له‬
‫بحيث تشمل تقريبا المدينة القديمة‪.‬‬
‫والصلة في هذا المسجد تربو على الصلة في غيره بألف صلة‪ ،‬لحديث أبي هريرة المتقدم في‬
‫الصحيحين‪« :‬صلة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلة فيما سواه إل المسجد الحرام» قال‬
‫النووي‪ :‬وهذا التفضيل يعم الفرض والنفل كمكة‪ .‬وقال العلماء‪ :‬وهذا فيما يرجع إلى الثواب‪ ،‬فثواب‬
‫صلة فيه يزيد على ألف صلة‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬إعلم الساجد للزركشي‪ :‬ص ‪ ،229-226‬مغني المحتاج‪ ،529/1 :‬غاية المنتهى‪.397/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم عن عتبة بن مسلم وعن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد ال‪ ،‬واللبة‪ :‬أرض ذات‬
‫حجارة سود‪ ،‬واللبتان‪ :‬شرقية وغربية (جامع الصول‪.)194/10 :‬‬
‫(‪ )3‬إعلم الساجد‪ :‬ص ‪.225-223‬‬

‫( ‪)3/684‬‬

‫فيما سواه‪ ،‬ول يتعدى ذلك إلى الجزاء‪ ،‬حتى لو كان عليه صلتان‪ ،‬فصلى في مسجد المدينة صلة‬
‫لم تجزئه عنهما‪ ،‬وهذا لخلف فيه‪.‬‬
‫ورأى النووي أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده صلّى ال عليه وسلم الذي كان في زمانه‪ ،‬دون‬
‫ما زيد فيه بعده‪ ،‬لقوله‪« :‬في مسجدي هذا» وذهب غيره إلى أنه لو وُسّع ثبت له هذه الفضيلة‪ ،‬كما في‬
‫مسجد مكة إذا وسع‪ ،‬فإن تلك الفضيلة ثابتة له‪ ،‬قال ابن عمر‪« :‬زاد عمر بن الخطاب في المسجد‪،‬‬
‫قال‪ :‬ولو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة (‪ ، )1‬كان مسجد رسول ال صلّى ال عليه وسلم » (‪. )2‬‬
‫وفي حديث يبين فضل الصلة في هذا المسجد‪« :‬من صلى في مسجدي أربعين صلة ل تفوته صلة‬
‫كتبت له براءة من النار‪ ،‬ونجاة يوم القيامة» (‪ )3‬ولو نذر الذهاب إلى المسجد النبوي أو إلى المسجد‬
‫القصى‪ ،‬فالصح عند الشافعية أنه يستحب له الذهاب ول يجب‪ ،‬ويتحقق النذر باعتكاف ساعة في‬
‫الصح‪ ،‬والفضل صلة ركعتين فيه‪.‬‬
‫ثالثا ـ خصائص الحرم المدني ‪:‬‬
‫حرم المدينة‪ :‬ما بين لبيتها‪ ،‬واللبة‪ :‬الحرة‪ :‬وهي أرض فيها حجارة سود‪ ،‬كما قدمنا‪ .‬ويمتاز هذا‬
‫الحرم بأحكام منها ما يأتي (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مقبرة المدينة‪.‬‬
‫(‪ )2‬إعلم الساجد‪ :‬ص ‪ 246‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الطبراني في الوسط عن أنس بن مالك‪،‬ولم يروه عن أنس إل نُبيط‪ ،‬تفرد به ابن أبي‬
‫الرجال‪.‬‬
‫(‪ )4‬إعلم الساجد للزركشي‪ :‬ص ‪ ،273-242‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،143‬الشرح الصغير‪111/2 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬المجموع‪ ،455-447/7 :‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،96‬المهذب‪ ،219/1 :‬مغني المحتاج‪،529/1 :‬‬
‫المغني‪ ،355-353/3 :‬غاية المنتهى‪ ،397/1 :‬الدر المختار‪.354/2 :‬‬

‫( ‪)3/685‬‬
‫‪ - 1‬تحريم صيد المدينة وشجرها على الحلل والمحرم كمكة عند الجمهور‪ ،‬خلفا لبي حنيفة‪،‬‬
‫للحديث السابق‪« :‬إن إبراهيم حرم مكة‪ ،‬وإني حرمت المدينة‪ ،‬ما بين لبتيها ل يقطع عضاهها‪ ،‬ول‬
‫يصاد صيدها» (‪ )1‬وإذا فعل استغفر ال ولشيء عليه‪،‬ول يضمن القيمة عند الجمهور في الجديد‬
‫الصح عند الشافعية للحديث التي‪« :‬يا أبا عمير» ولنه ليس محلً للنسك‪ ،‬لكن مكة يضمن صيدها‬

‫وشجرها‪.‬‬
‫ولعل أبا حنيفة يستدل بحديث «يا أبا عمير مافعل النغير» (‪ )2‬لكن قال الجمهور‪ :‬يحتمل أن يكون‬
‫قبل تحريم المدينة‪ ،‬أو أن هذا الطائر من خارج حرم المدينة‪.‬‬
‫‪ - 2‬يحرم في رأي النووي نقل تراب حرم المدينةأو أحجاره عن حرم المدينة‪.‬‬
‫‪ - 3‬يستحب عند الشافعية والحنابلة المجاورة بالمدينة‪ ،‬لما يحصل في ذلك من نيل الدرجات ومزيد‬
‫الكرامات‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من صبر على لواء المدينة وشدتها‪ ،‬كنت له شهيدا وشفيعا‬
‫يوم القيامة» (‪. )3‬‬
‫والراجح عند الحنفية كما تقدم‪ :‬أنه ل تكره المجاورة بالمدينة‪ ،‬وكذا بمكة لمن يثق بنفسه‪.‬‬
‫‪ - 4‬يستحب عند الشافعية الصيام بالمدينة والصدقة على سكانها وبرهم‪ ،‬فهم جيران رسول ال صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬خاصة أهل المدينة‪ ،‬وقد روى الطبراني بإسناد ضعيف أنه صلّى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫«رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواه من البلدان» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم‪ ،‬والعضاه‪ :‬شجر عظيم له شوك‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو عوانة في صحيحه عن شُرحَبيل بن سعد‪ ،‬ورواه البخاري ومسلم عن أنس‪ ،‬والنغير‪:‬‬
‫مصغر نغر‪ ،‬وهو طائر يشبه العصفور‪ ،‬أحمر المنقار‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر رضي ال عنهم‪.‬‬

‫( ‪)3/686‬‬
‫‪ - 5‬يختص أهل المدينة بمزيد الشفاعة والكرام‪ ،‬زائدا على غيرهم من المم‪ ،‬لحديث الصحيحين‬
‫المتقدم عن أبي هريرة‪« :‬من صبر على لواء المدينة‪ »..‬وفي حديث آخر‪« :‬أول من أشفع له من‬
‫أمتي‪ :‬أهل المدينة‪ ،‬ثم أهل مكة‪ ،‬ثم أهل الطائف» (‪. )1‬‬
‫‪ - 6‬إذا عاين حيطان المدينة صلى على النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وقال‪ ( :‬اللهم هذا حرم نبيك‬
‫فاجعله وقاية لي من النار‪ ،‬وأمانا من العذاب وسوء الحساب )‪.‬‬
‫رابعا ـ الفرق بين حرم المدينة وحرم مكة ‪:‬‬
‫يختلف حرم المدينة عن حرم مكة في شيئين (‪: )2‬‬
‫أحدهما ـ أنه يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل‪،‬‬
‫ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف‪ ،‬لما روى جابر‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم لما حرم‬

‫المدينة‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح‪ ،‬وإنا لنستطيع أرضا غير أرضنا‪،‬‬
‫فرخص لنا‪ ،‬فقال‪ :‬القائمتان والوسادة والعارضة والمسند‪ ،‬فأما غير ذلك فل يعضد‪ ،‬ول يخبط منها‬
‫شيء» (‪ )3‬فاستثنى ذلك وجعله مباحا كاستثناءذلك وجعله مباحا كاستثناء الذخر بمكة‪.‬‬
‫ولما روى علي‪« :‬المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور‪ ،‬ل يختلى خلها‪ ،‬ول ينفر صيدها‪ ،‬ول يصلح‬
‫أن يقطع منها شجرة إل أن يعلف رجل بعيره» ‪.‬‬
‫وعن جابر أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬ل يخبط ول يعضد حمى رسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الطبراني والبزار عن عبد الملك بن عباد بن جعفر‪ ،‬لكنه لم يرو إل هذا الحديث بهذا‬
‫السناد‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،528/1 :‬إعلم الساجد‪ :‬ص ‪.234‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد‪ .‬والمسند‪ :‬مرْود البكرة أي محور البكرة‪.‬‬

‫( ‪)3/687‬‬
‫ولكن يهش هشا رفيقا» (‪، )1‬ولن المدينة ذات شجر وزرع‪ ،‬فلو منعنا من احتشاشها مع الحاجة‬
‫أفضى إلى الضرر‪ ،‬بخلف مكة‪ .‬ول جزاء في مذهب المالكية خلفا لغيرهم بقتل صيد المدينة وقطع‬
‫شجرها‪ ،‬فإن فعل استغفر ال تعالى فقط‪.‬‬
‫الثاني ـ أن من صاد صيدا خارج المدينة‪ ،‬ثم أدخله إليها‪ ،‬لم يلزمه إرساله؛ لن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم كان يقول‪« :‬يا أبا عمير‪ ،‬ما فعل النغير» وهو طائر صغير‪ ،‬فظاهر هذا أنه أباح إمساكه‬
‫بالمدينة إذ لم ينكر ذلك‪.‬‬
‫وحرمة مكة أعظم من حرمة المدينة‪ ،‬بدليل أنه ل يدخلها الداخل إل محرما‪.‬‬
‫خامسا ـ زيارة المسجد النبوي وقبر النبي صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫يستحب زيارة المسجد النبوي‪ ،‬لنه كما تقدم في الحديث الصحيح أحد المساجد الثلثة التي تشد إليها‬
‫الرحال‪ ،‬وزيارة قبر النبي صلّى ال عليه وسلم وصاحبيه؛ لن موضع قبره عليه الصلة والسلم‬
‫أفضل بقاع الرض‪ .‬وآداب الزيارة وأحكامها ما يأتي (‪: )2‬‬
‫ً‪ - 1‬تسن زيارة قبر رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬لقوله عليه السلم‪« :‬من زار قبري وجبت له‬
‫شفاعتي» (‪ )3‬وقوله‪« :‬من جاءني زائرا لم تنزعه حاجة إل زيارتي‪ ،‬كان‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواهما أبو داود‪.‬‬
‫(‪ )2‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،91 ،88-86‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،143‬مغني المحتاج‪ ،512/1 :‬غاية المنتهى‪:‬‬
‫‪ ،396/1‬المغني‪ ،559-556/3 :‬مراقي الفلح‪ :‬ص ‪.129-127‬‬
‫(‪ )3‬رواه ابن خزيمة في صحيحه والبزار والدارقطني عن ابن عمر رضي ال عنهما (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)95/5‬‬

‫( ‪)3/688‬‬
‫حقا على ال تعالى أن أكون له شفيعا يوم القيامة» (‪ )1‬وروى البخاري‪« :‬من صلى علي عند قبري‪،‬‬
‫وكل ال به ملكا يبلغني‪ ،‬وكفي أمر دنياه وآخرته‪ ،‬وكنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» ‪.‬‬
‫فزيارة قبره صلّى ال عليه وسلم من أفضل القربات وأنجح المساعي لقوله تعالى‪{ :‬ولو أنهم إذ ظلموا‬
‫أنفسهم جاؤوك فاستغفروا ال واستغفر لهم الرسول‪ ،‬لوجدوا ال توابا رحيما} [النساء‪ ،]64/4:‬وتتأكد‬
‫الزيارة للحاج والمعتمر أكثر من غيره‪ ،‬لمرين‪ :‬أحدهما ـ أن الغالب على الحجيج الورود من آفاق‬
‫بعيدة‪ ،‬فإذا قربوا من المدينة يقبح تركهم الزيارة‪ .‬والثاني ـ لحديث ابن عمر‪ « :‬من حج‪ ،‬ولم‬
‫يزرني‪ ،‬فقد جفاني» (‪ )2‬وحديث «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي» (‪. )3‬‬
‫ً‪ - 2‬يستحب للزائر أن ينوي مع زيارته صلّى ال عليه وسلم التقرب إلى ال تعالى بالمسافرة إلى‬
‫مسجده صلّى ال عليه وسلم والصلة فيه‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬يستحب في أثناء السفر لهذه الزيارة أن يكثر من الصلة والتسليم على النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم في طريقه‪ ،‬خصوصا إذا رأى أشجار المدينة وحرمها‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬يستحب أن يغتسل قبل دخوله ويلبس أنظف ثيابه‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬يستحضر في قلبه حينئذ شرف المدينة وأنها أفضل الدنيا بعد مكة‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬ليقل عند باب مسجده صلّى ال عليه وسلم ما قدمناه عند المسجد الحرام وكل المساجد‪ ،‬ويقدم‬
‫رجله اليمنى في الدخول‪ ،‬واليسرى في الخروج‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن السكن في سننه الصحاح المأثورة‪ .‬وروى أبو داود عن أبي هريرة حديثا ضعيفا‪« :‬ما‬
‫من أحد سلم علي إل رد ال علي روحي حتى أرد عليه السلم» وروى الدارقطني حديثا آخر ضعيفا‪:‬‬
‫«من حج فزار قبري بعد وفاتي‪ ،‬فكأنما زارني في حياتي» ‪..‬‬

‫(‪ )2‬رواه ابن عدي في الكامل والدارقطني وابن حبان والبزار (نيل الوطار‪ )95/5 :‬وهو ضعيف‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الدارقطني وأبو يعلى والبيهقي وابن عدي عن ابن عمر‪ ،‬ورواه غيرهم‪ ،‬وتعدد طرقه يقوي‬
‫بعضها بعضا‪.‬‬

‫( ‪)3/689‬‬
‫ثم يقصد الروضة الكريمة (‪ : )1‬وهي ما بين المنبر والقبر‪ ،‬فيصلي تحية المسجد‪ ،‬بجنب المنبر‪،‬‬
‫وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه‪ ،‬فذلك موقف رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬إذا صلى التحية في الروضة أو غيرها من المسجد‪ ،‬شكر ال تعالى على هذه النعمة‪ ،‬ويسأله‬
‫إتمام ما قصده وقبول زيارته‪ ،‬ثم يأتي القبر الكريم‪ ،‬فيستدبر القبلة‪ ،‬ويستقبل جدار القبر‪ ،‬ويبعد من‬
‫رأس القبر نحو أربعة أذرع‪ ،‬ويقف ناظرا إلى أسفل‪ ،‬خاشعا‪ ،‬فارغ القلب من علئق الدنيا‪،‬‬
‫مستحضرا قلبه جللة موقفه صلّى ال عليه وسلم‪ ،‬ثم يسلم ول يرفع صوته‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫( السلم عليك يا رسول ال ‪ ،‬السلم عليك يا نبي ال ‪ ،‬السلم عليك ياخيرة ال ‪ ،‬السلم عليك يا خير‬
‫خلق ال ‪ ،‬السلم عليك يا حبيب ال ‪ ،‬السلم عليك يا نذير‪ ،‬السلم عليك يا بشير‪ ،‬السلم عليك يا‬
‫طُهر‪ ،‬السلم عليك يا طاهر‪ ،‬السلم عليك يا نبي الرحمة‪ ،‬السلم عليك يا نبي المة‪ ،‬السلم عليك يا‬
‫أبا القاسم‪ ،‬السلم عليك يا رسول رب العالمين‪ ،‬السلم عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين‪ ،‬السلم‬
‫عليك يا خير الخلئق أجمعين‪ ،‬السلم عليك يا قائد الغر المحجلين‪ ،‬السلم عليك وعلى آلك وأهل‬
‫بيتك وأزواجك وذريتك وأصحابك أجمعين‪ ،‬السلم عليك وعلى سائر النبياء وجميع عباد ال‬
‫الصالحين‪.‬‬
‫جزاك ال يا رسول ال عنا أفضل ما جزى نبيا ورسولً عن أمته‪ ،‬وصلى ال عليك كلما ذكرك ذاكر‪،‬‬
‫وغفل عن ذكرك غافل‪ ،‬أفضل وأكمل وأطيب ما صلى على أحد من الخلق أجمعين‪.‬‬
‫أشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أنك عبده ورسوله وخيرته من خلقه‪ .‬وأشهد أنك قد‬
‫بلغت الرسالة وأديت المانة‪ ،‬ونصحت المة‪ ،‬وجاهدت في ال حق جهاده‪.‬‬
‫اللهم وآته الوسيلة والفضيلة‪ ،‬وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته‪ ،‬وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله‬
‫السائلون‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ما بين المنبر ومقام النبي صلّى ال عليه وسلم الذي كان يصلي فيه حتى توفي أربعة عشر ذراعا‬
‫وشبر‪ ،‬وما بين المنبر والقبر ثلثة وخمسون ذراعا وشبر‪.‬‬

‫( ‪)3/690‬‬
‫اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي المي‪ ،‬وعلى آل محمد وأزواجه وذريته‪ ،‬كما صليت‬
‫على إبراهيم وعلى آل إبراهيم‪ ،‬وبارك على محمد النبي المي‪ ،‬وعلى آل محمد وأزواجه وذريته‪،‬‬
‫كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين‪ ،‬إنك حميد مجيد )‪.‬‬
‫ومن أراد الختصار‪ ،‬قال‪ ( :‬السلم عليك يا رسول ال صلى ال عليك وسلم )‪.‬‬
‫ثم يتأخر نحو يمينه إلى الشرق قدر ذراع‪ ،‬فيسلم على أبي بكر رضي ال عنه‪ ،‬فيقول‪ ( :‬السلم عليك‬
‫يا أبا بكر صفي رسول ال ‪ ،‬وثانيه في الغار‪ ،‬جزاك ال عن أمة نبيه صلّى ال عليه وسلم خيرا ً )‪.‬‬
‫ثم يتأخر نحو اليمين قدر ذراع‪ ،‬فيسلم على عمر رضي ال عنه‪ ،‬فيقول‪( :‬السلم عليك يا عمر‪ ،‬أعز‬
‫ال بك السلم‪ ،‬جزاك ال عن أمة محمد صلّى ال عليه وسلم خيرا )‪.‬‬
‫ثم يرجع قدر نصف ذراع فيقول‪ ( :‬السلم عليكما يا ضجيعي رسول ال ورفيقيه ووزيريه ومشيريه‬
‫والمعاونين له على القيام في الدين‪ ،‬القائمين بعده بمصالح المسلمين‪ ،‬جزاكما ال أحسن الجزاء )‪.‬‬
‫ثم يعود إلى رأس قبر النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬في زاوية الحجرة المسورة‪ ،‬ويستقبل القبلة‪ ،‬ويحمد‬
‫ال تعالى ويمجده‪ ،‬ويدعو لنفسه بما أهمه وما أحبه‪ ،‬ولوالديه‪ ،‬ولمن شاء من أقاربه‪ ،‬وأشياخه وإخوانه‬
‫وسائر المسلمين‪ ،‬ويبتدئ بقوله‪ ( :‬اللهم إنك قلت وقولك الحق‪{ :‬ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك‬
‫فاستغفروا ال ‪ ،‬واستغفر لهم الرسول‪ ،‬لوجدوا ال توابا رحيما} [النساء‪ ]64/4:‬وقد جئناك سامعين‬
‫قولك‪ ،‬طائعين أمرك‪ ،‬مستشفعين بنبيك‪ ،‬ربنا اغفر لنا ولخواننا الذين سبقونا باليمان ول تجعل في‬
‫قلوبنا غلً للذين آمنوا‪ ،‬ربنا إنك رؤوف رحيم‪ .‬ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الخرة حسنة وقنا عذاب‬
‫النار‪ ،‬سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلم على المرسلين والحمد ل رب العالمين )‪.‬‬

‫( ‪)3/691‬‬
‫ثم يأتي الروضة‪ ،‬فيكثر فيها من الدعاء‪ ،‬والصلة‪ ،‬فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي ال‬
‫عنه‪ :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪،‬قال‪« :‬ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة‪،‬‬
‫ومنبري على حوضي» ويقف عند المنبر ويدعو‪.‬‬
‫ثم يأتي اسطوانة أبي لبابة التي ربط نفسه بها حتى تاب ال عليه‪ ،‬وهي بين القبر والمنبر‪ ،‬فيصلي‬
‫ركعتين ويتوب إلى ال ويدعو بما شاء‪ .‬ثم يأتي السطوانة الحنانة التي فيها بقية الجذع الذي حن إلى‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم حين تركه‪ ،‬وخطب على المنبر‪ ،‬حتى نزل‪ ،‬فاحتضنه‪ ،‬فسكن‪.‬‬

‫ً‪ - 8‬ل يجوز أن يطاف بقبر النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ويكره مسحه باليد وتقبيله‪ ،‬بل الدب أن‬
‫يبعد عنه كما يبعد منه لو حضر في حياته صلّى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ً‪ - 9‬ينبغي له مدة إقامته بالمدينة أن يصلي الصلوات كلها بمسجد رسول ال صلّى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وينبغي له أن ينوي العتكاف فيه‪ ،‬كما ينويه في المسجد الحرام‪ .‬وإذا أراد وداع المدينة صلى‬
‫ركعتين وقال‪ ( :‬اللهم ل تجعله آخر العهد بحرم رسولك‪ ،‬وسهل لي العود إلى الحرمين سهلة‪،‬‬
‫وارزقني العفو والعافية في الخرة والدنيا‪ ،‬وردنا إليه سالمين غانمين )‪.‬‬
‫ً‪ - 10‬كره مالك رحمه ال لهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد وخرج الوقوف بالقبر‪ ،‬قال‪ :‬وإنما‬
‫ذلك للغرباء‪ ،‬أو لمن قدم من أهل المدينة من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف عند قبر النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬فيصلي عليه ويدعو له ولبي بكر وعمر رضي ال عنهما‪ .‬والفرق أن أهل المدينة‬
‫مقيمون بها‪ ،‬وقد قال عليه السلم‪« :‬اللهم ل تجعل قبري وثنا يعبد» ‪.‬‬

‫( ‪)3/692‬‬
‫سادسا ـ زيارة أهم المعالم الثرية في المدينة ‪:‬‬
‫يسن أن يأتي المشاهد بالمدينة‪ ،‬وهي نحو ثلثين موضعا يعرفها أهل المدينة‪ ،‬وأهمها ما يأتي (‪. )1‬‬
‫‪ - 1‬زيارة مساجد المدينة الخرى‪ :‬يستحب زيارة المساجد الخرى‪ ،‬مثل مسجد قباء وهو في‬
‫الجنوب الغربي من المدينة‪ ،‬وهو أول مسجد أسس في المدينة‪ ،‬وذلك يوم السبت ناويا التقرب بزيارته‬
‫والصلة فيه‪ ،‬لحديث‪« :‬صلة في مسجد قباء كعمرة» (‪ ، )2‬وفي الصحيحين عن ابن عمر‪ ،‬قال‪:‬‬
‫«كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا‪ ،‬فيصلي فيه ركعتين» وفي رواية‬
‫صحيحة‪« :‬كان يأتيه كل سبت» ويدعو بما شاء من كشف الكرب والحزن كما كشف عن رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم حزنه وكربه في هذا المقام‪.‬‬
‫ومثل مسجد المصلى أو مسجد الغمامة‪ :‬في المكان الذي كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم يصلي‬
‫فيه صلة العيدين‪.‬‬
‫ومسجد الفتح‪ :‬الواقع شمال البلدة الغربي على قطعة من جبل سَلْع‪ ،‬ويقع حيث كان الخندق‪.‬‬
‫ومسجد القبلتين‪ :‬وهو مسجد صغير أقيم على حافة وادي العقيق شمال غربي المدينة‪ ،‬وسمي بذلك‬
‫لن فيه قبلتين‪ :‬الولى منهما نحو الشمال لبيت المقدس‪ ،‬والثانية إلى الجنوب نحو مكة‪.‬‬
‫‪ - 2‬زيارة البقيع‪ :‬على بضع مئات من المتار من المسجد النبوي من جهة الشرق‪ .‬فيه رفات أكثر‬
‫من عشرة آلف من كبار الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬منهم آل البيت وشهداء أحد‪ ،‬وبعض شهداء بدر‪.‬‬

‫وتكون الزيارة خصوصا يوم الجمعة أو يوم الخميس‪ ،‬بعد السلم على رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪ ،‬ويقول الزائر‪:‬‬
‫( السلم عليكم دار قوم مؤمنين‪ ،‬وإنا إن شاء ال بكم لحقون‪ ،‬اللهم اغفر لهل بقيع الغرقد‪ ،‬اللهم‬
‫اغفر لنا ولهم )‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اليضاح‪ :‬ص ‪ ،91-90‬مغني المحتاج‪ 512/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الترمذي وغيره عن أسيد بن ظهير رضي ال عنه‪ ،‬وهو صحيح‪.‬‬

‫( ‪)3/693‬‬
‫ويزور القبور الظاهرة كقبر إبراهيم بن رسول ال صلّى ال عليه وسلم وعثمان والعباس والحسن بن‬
‫علي وعلي بن الحسين‪ ،‬وجعفر بن محمد وغيرهم‪ ،‬ويختم بقبر صفية عمة رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪ .‬وفي فضل زيارة هذه القبور أحاديث صحيحة كثيرة‪.‬‬
‫‪ - 3‬زيارة الماكن الثرية‪ :‬يستحب أن يزور بئر أريس التي روي أن النبي صلّى ال عليه وسلم تفل‬
‫فيها‪ ،‬فيشرب من مائها ويتوضأ منه‪ ،‬وهي عند مسجد قباء‪.‬‬
‫ويأتي دار أبي أيوب النصاري شرقي المسجد النبوي من ناحيته الجنوبية‪ .‬ودار عثمان بن عفان التي‬
‫استشهد فيها‪ ،‬بجوار دار أبي أيوب‪ ،‬وفيها اليوم قبر أسد الدين شيركوه عم السلطان صلح الدين‬
‫اليوبي‪ ،‬وقبر والد صلح الدين الذي دفن مع أخيه‪.‬‬
‫ودار عبد ال بن عمر بن الخطاب‪ ،‬ودار أبي بكر‪ ،‬ودار خالد بن الوليد‪ ،‬حول المسجد النبوي‪.‬‬
‫وتزار قرية بدر في الجنوب الغربي من المدينة‪ ،‬على مسافة ‪ 156‬كم‪ ،‬ففيها انتصر المسلمون على‬
‫المشركين في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة‪ ،‬وعلى مسيرة ميل جنوب القرية‬
‫توجد قبور شهداء بدر‪.‬‬
‫ويزار جبل أحد‪ :‬على بعد أربعة كيلو مترات شمال المدينة‪ ،‬وطوله من الشرق إلى الغرب ‪ 6‬كم‪،‬‬
‫وارتفاعه (‪1200‬م)‪ .‬وفيه قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أحد جبل يحبنا ونحبه» (‪ . )1‬وفي‬
‫سفحه قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي ال عنه عم الرسول صلّى ال عليه وسلم الذي‬
‫استشهد في غزوة أحد‪ .‬وعلى مقربة منه مقابر الصحابة رضي ال عنهم الذين استشهدوا في هذه‬
‫المعركة‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري عن سهل بن سعد‪ ،‬والترمذي عن أنس‪ ،‬وهو صحيح‪.‬‬

‫( ‪)3/694‬‬
‫الفصل الثالث‪ :‬آداب السفر للحج وغيره‪ ،‬وآداب الحاج العائد‬
‫وفيه مبحثان‪:‬‬
‫المبحث الول ـ آداب السفر للحج وغيره ‪:‬‬
‫ذكر النووي آدابا عظيمة مفيدة للسفر وهي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬المشاورة‪ :‬يستحب أن يشاور من يثق بدينه وخبرته وعلمه في حجه‪ ،‬وعلى المستشار أن يبذل‬
‫له النصيحة‪ ،‬فإن المستشار مؤتمن والدين النصيحة‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬الستخارة‪ :‬ينبغي إذا عزم على الحج أو غيره أن يستخير ال تعالى‪ ،‬فيصلي ركعتين من غير‬
‫الفريضة‪ ،‬ثم يقول بعدها‪:‬‬
‫( اللهم إني أستخيرك بعلمك‪ ،‬وأستقدرك بقدرتك‪ ،‬وأسألك من فضلك العظيم‪ ،‬فإنك تقدر ول أقدر‪،‬‬
‫وتعلم ول أعلم‪ ،‬وأنت علم الغيوب‪ ،‬اللهم إن كنت تعلم أن ـ ذهابي إلى الحج في هذا العام ـ خير‬
‫في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله‪ ،‬فاقدره لي‪ ،‬ويسره لي‪ ،‬ثم بارك لي فيه‪ .‬اللهم‬
‫وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله‪ ،‬فاصرفه عني‪،‬‬
‫واصرفني عنه‪ ،‬واقدر لي الخير حيث كان‪ ،‬ثم رضني به )‪.‬‬
‫ويستحب أن يقرأ في هذه الصلة بعد الفاتحة في الركعة الولى (الكافرون) وفي الثانية‬
‫( الخلص )‪ .‬ثم ليمض بعد الستخارة لما ينشرح إليه صدره‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬التوبة ورد المظالم والديون‪ :‬إذا عزم على السفر تاب من جميع المعاصي ورد المظالم إلى‬
‫أهلها‪ ،‬وقضى ما أمكنه من ديونه‪ ،‬ورد الودائع‪ ،‬وطلب المسامحة ممن كان يعامله أو يصاحبه‪ ،‬وكتب‬
‫وصيته وأشهد عليها‪ ،‬ووكل من يقضي عنه ديونه ما لم يتمكن من وفائها‪ ،‬وترك لهله ما يحتاجونه‬
‫من نفقة‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬إرضاء الوالدين والزوج‪ :‬يجتهد في إرضاء والديه وكل من يبره‪ ،‬وتسترضي المرأة زوجها‬
‫وأقاربها‪ ،‬ويستحب للزوج أن يحج مع امرأته‪.‬‬
‫وليس للوالد منع الولد من حج الفريضة‪ ،‬وله المنع من حج التطوع‪ ،‬فإن أحرم فللوالد تحليله من هذا‬
‫الحج على الصح عند الشافعية‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اليضاح‪ :‬ص ‪.11-4‬‬

‫( ‪)3/695‬‬
‫وللزوج أيضا منع الزوجة من حج التطوع‪ ،‬وحج الفريضة على الظهر عند الشافعية؛ لن حقه على‬
‫الفور‪ .‬وإن كانت مطلقة حبسها للعدة وليس له التحليل إل أن تكون رجعية‪ ،‬فيراجعها‪ ،‬ثم يحللها أي‬
‫يأمرها بذبح شاة تنوي بها التحلل‪ ،‬وتقصر من رأسها ثلث شعرات فأكثر‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬كون النفقة حللً‪ :‬ليحرص على أن تكون نفقته حللً خالصة من الشبهة‪ ،‬فإن حج بما فيه شبهة‬
‫أو بمال مغصوب صح حجه عند الجمهور‪ ،‬لكنه ليس حجا مبرورا‪ .‬وقال أحمد‪ :‬ل يجزيه الحج بمال‬
‫حرام‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬الستكثار من الزاد الطيب والنفقة‪ :‬يستحب الستكثار منهما ليواسي منه المحتاجين‪ ،‬ولقوله‬
‫تعالى‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم‪ ،‬ومما أخرجنا لكم من الرض‪ ،‬ول تيمموا‬
‫الخبيث منه تنفقون} [البقرة‪ ]267/2:‬والمراد بالطيب هنا‪ :‬الجيد‪ ،‬وبالخبيث‪ :‬الرديء‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬ترك المماحكة في الشراء‪ :‬يستحب ذلك بسبب الحج وكل ما يتقرب به إلى ال تعالى‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬عدم المشاركة في الزاد والراحلة والنفقة‪ :‬يستحب ذلك إيثارا للسلمة من المنازعات‪- 9ً .‬‬
‫تحصيل مر كوب قوي مريح‪ :‬يستحب ذلك‪ ،‬والركوب في الحج أفضل من المشي في المذهب‬
‫الصحيح للشافعية‪ ،‬وقد ثبت في الحاديث الصحيحة أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم حج راكبا‪،‬‬
‫وكانت راحلته زاملته‪ .‬والزاملة‪ :‬البعير الذي يُحمل عليه الطعام والمتاع‪.‬‬
‫ً‪ - 10‬تعلم كيفية الحج‪ :‬ل بد إذا أراد الحج أن يتعلم كيفيته‪ ،‬وهذا فرض عين‪ ،‬إذ ل تصح العبادة‬
‫ممن ل يعرفها‪ .‬ويستحب أن يستصحب معه كتابا واضحا في مناسك الحج‪ ،‬وأن يديم مطالعته‪،‬‬
‫ويكررها في جميع طريقه لتصير محققة عنده‪.‬‬

‫( ‪)3/696‬‬
‫ً‪ - 11‬اصطحاب الرفيق‪ :‬ينبغي أن يطلب له رفيقا موافقا‪ ،‬راغبا في الخير‪ ،‬كارها للشر‪ ،‬إن نسي‬
‫ذكّره‪ ،‬وإن ذكر أعانه‪ .‬ويحرص على رضا رفيقه في جميع طريقه‪ ،‬ويتحمل كل واحد صاحبه‪،‬‬
‫ويرى لصاحبه عليه فضلً وحرمة‪ ،‬ول يرى ذلك لنفسه‪ ،‬ويصبر على ما وقع منه أحيانا من جفاء‬
‫ونحوه‪ .‬وقد كره الرسول صلّى ال عليه وسلم الوحدة في السفر‪ ،‬وقال‪« :‬الراكب شيطان‪ ،‬والراكبان‬

‫شيطانان والثلثة ركب» (‪ )1‬وإذا ترافق ثلثة أو أكثر أمّروا على أنفسهم أفضلهم وأجودهم رأيا‪،‬‬
‫لحديث «إذا كانوا ثلثة فليؤمّروا أحدهم» (‪. )2‬‬
‫ً‪ - 12‬التفرغ للعبادة والخلص‪ :‬يستحب أن يتفرغ للعبادة‪ ،‬خاليا عن التجارة؛ لنها تشغل القلب‪،‬‬
‫فإن اتجر مع ذلك صح حجه‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلً من ربكم} [البقرة‪:‬‬
‫‪ ،]198/2‬ويريد بعمله وجه ال تعالى‪ ،‬لقوله سبحانه {وما أمروا إل ليعبدوا ال مخلصين له الدين}‬
‫[البينة‪ .]5/98:‬وقوله عليه السلم‪« :‬إنما العمال بالنيات» ‪.‬‬
‫والفضل في الحج عن الغير أن يكون متبرعا‪ ،‬ولو حج بأجرة فقد ترك الفضل‪ ،‬ويحصل لغيره‬
‫العبادة‪ ،‬ويحصل له حضور تلك المشاهد الشريفة‪.‬‬
‫‪ - 13‬كون السفر يوم الخميس والتبكير‪ :‬يستحب أن يكون سفره يوم الخميس‪ « ،‬إذ قلما‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬وهو صحيح‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة‪.‬‬

‫( ‪)3/697‬‬
‫خرج رسول ال صلّى ال عليه وسلم في سفر إل يوم الخميس » (‪ ، )1‬فإن فاته فيوم الثنين‪ ،‬إذ فيه‬
‫هاجر الرسول من مكة‪ .‬ويستحب أن يبكر لحديث صخر الغامدي‪« :‬اللهم بارك لمتي في بكورها» (‬
‫‪. )2‬‬
‫ً‪ - 14‬صلة سنة السفر‪ :‬يستحب إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي ركعتين‪ ،‬يقرأ في الولى بعد‬
‫الفاتحة ( الكافرون ) وفي الثانية‪ ( :‬الخلص) (‪ ، )3‬ويستحب أن يقرأ بعد سلمه آية الكرسي‪،‬‬
‫وليلف قريش (‪ ، )4‬وسورة الخلص والمعوذتين‪ ،‬ثم يدعو بحضور قلب وإخلص بما تيسر من‬
‫أمور الدنيا والخرة‪ ،‬ويسأل ال تعالى العانة والتوفيق في سفره وغيره من أموره‪ ،‬فإذا نهض من‬
‫جلوسه‪ ،‬قال مارواه أنس‪:‬‬
‫«اللهم إليك توجهت‪ ،‬وبك اعتصمت‪ ،‬اللهم اكفني ما أهمني وما لم أهتم به‪ ،‬اللهم زودني التقوى‪،‬‬
‫واغفر لي ذنبي» ‪.‬‬
‫ً‪ - 15‬الوداع‪ :‬يستحب أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه وأن يودعوه ويستسمحهم‪ ،‬ويقول كل واحد‬
‫منهم لصاحبه‪ ( :‬أستودع ال دينك وأمانتك وخواتيم عملك‪ ،‬زودك ال التقوى‪ ،‬وغفر ذنبك‪ ،‬ويسر لك‬
‫الخير حيث كنت)‪.‬‬

‫ً‪ - 16‬الدعاء عند الخروج من البيت‪ :‬السنة إذا أراد الخروج من بيته أن يقول ما صح عن رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬اللهم إني أعوذ بك من أن أَضل أو أضل‪ ،‬أو أَزل أو أزل‪ ،‬أو أَظلم أو‬
‫أظلم‪ ،‬أو أَجهل أو يجهل علي» وعن أنس أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إذا خرج الرجل من‬
‫بيته‪ ،‬فقال‪ :‬بسم ال ‪ ،‬توكلت على ال ‪ ،‬ل حول ول قوة إل بال‪ ،‬يقال‪ :‬هديت وكفيت ووقيت» ‪.‬‬
‫ويستحب له أن يتصدق بشيء عند خروجه‪ ،‬وكذا بين يدي كل حاجة يريدها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الشيخان في الصحيحين عن كعب بن مالك‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حديث حسن‪.‬‬
‫(‪ )3‬جاء في الحديث‪« :‬ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين‪ ،‬يركعهما عندهم حين يريد السفر»‬
‫‪.‬‬
‫(‪ )4‬جاء فيهما آثار للسلف‪ ،‬منها «من قرأ آية الكرسي عند خروجه من منزله لم يصبه شيء يكرهه‬
‫حتى يرجع من منسكه عن جماعة» ‪.‬‬

‫( ‪)3/698‬‬
‫ً‪ - 17‬الدعاء عند الركوب‪ :‬يستحب إذا أراد الركوب أن يقول‪ ( :‬بسم ال ) وإذا استوى على دابته‬
‫قال‪ ( :‬الحمد ل ‪ ،‬سبحان الذي سخر لنا هذا‪ ،‬وما كنا له مقرنين (‪ ، )1‬وإنا إلى ربنا لمنقلبون )‪.‬‬
‫ثم يقول‪ ( :‬الحمد ل ) ثلث مرات ( ال أكبر ) ثلث مرات‪.‬‬
‫ثم يقول‪ ( :‬سبحانك‪ ،‬اللهم إني ظلمت نفسي‪ ،‬فاغفر لي‪ ،‬فإنه ل يغفر الذنوب إل أنت ) للحديث‬
‫الصحيح في ذلك‪.‬‬
‫ويستحب أن يضم إليه‪« :‬اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى‪ ،‬ومن العمل ما تحب وترضى‪،‬‬
‫طوِعنا ُبعْده‪ ،‬اللهم أنت الصاحب في السفر‪ ،‬والخليفة في الهل والمال‪ .‬اللهم‬
‫اللهم هوّن علينا سفرنا وا ْ‬
‫إنا نعوذ بك من وَعْثاء السفر وكآبة المنقلب‪ ،‬وسوء المنظر في الهل والمال والولد» للحديث الصحيح‬
‫في ذلك‪.‬‬
‫ً‪ - 18‬السفر بالليل والرفق بالدابة‪ :‬يستحب إكثار السفر في الليل‪ ،‬لحديث أنس‪« :‬عليكم الدّلْجة‪ ،‬فإن‬
‫الرض تطوى بالليل» (‪ ، )2‬وأن يريح دابته بالنزول عنها غدوة وعشية‪ ،‬ويتجنب النوم على‬
‫ظهرها‪ ،‬للحديث الصحيح في النهي عن اتخاذ ظهور الدواب منابر‪ ،‬لكن يجوز للحاجة؛ لما ثبت في‬
‫الصحيحين أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم خطب على راحلته‪.‬‬

‫ويحرم عليه أن يحمل على الدابة فوق طاقتها‪ ،‬وأن يجيعها من غير ضرورة‪.‬‬
‫ول بأس بالرتداف على الدابة إذا أطاقته‪ ،‬فقد صحت الحاديث في ذلك‪.‬‬
‫ً‪ - 19‬التقشف والرفق في السفر‪ :‬أن يتجنب الشبع المفرط والزينة والترفه والتبسط في ألوان‬
‫الطعمة‪ ،‬فإن الحاج أشعث أغبر‪ ،‬روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر قال‪« :‬قام رجل إلى النبي‬
‫شعِث التفِل» ‪.‬‬
‫صلّى ال عليه وسلم فقال‪ :‬من الحاج؟ قال‪ :‬ال َ‬
‫وينبغي أن يستعمل الرفق وحسن الخلق مع الناس‪ ،‬ويتجنب المخاصمة والمخاشنة ومزاحمة الناس في‬
‫الطريق وموارد الماء إذا أمكنه ذلك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أي مطيقين‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والحاكم والبيهقي عن أنس‪ ،‬وهو صحيح‪.‬‬

‫( ‪)3/699‬‬
‫ويصون لسانه من الشتم والغيبة ولعن الدواب وجميع اللفاظ القبيحة‪ ،‬للحديث المتقدم‪« :‬من حج فلم‬
‫يرفث‪ ،‬ولم يفسق‪ ،‬خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» ‪.‬‬
‫ً‪ - 20‬عدم اصطحاب الكلب أو الجرس‪ :‬يكره أن يستصحب كلبا أو جرسا‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬إن العير التي فيها الجرس ل تصحبها الملئكة» (‪ )1‬وقوله‪« :‬ل تصحب الملئكة رفقة فيها‬
‫كلب أو جرس» (‪« )2‬الجرس مزمار الشيطان» (‪. )3‬‬
‫ً‪ - 21‬التكبير والتسبيح‪ :‬السنة التكبير عند العلو‪ ،‬والتسبيح عند الهبوط في وادٍ ونحوه‪ ،‬بدون رفع‬
‫الصوت‪.‬‬
‫ً‪ - 22‬الدعاء عند رؤية بلد‪ :‬يستحب إذا أشرف على قرية أو منزل يقول‪« :‬اللهم إني أسألك خيرها‬
‫وخير أهلها وخير ما فيها‪ ،‬وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» ‪.‬‬
‫ً‪ - 23‬الدعاء عند نزول منزل‪ :‬السنة إذا نزل منزلً أن يقول‪ ( :‬أعوذ بكلمات ال التامات من شر ما‬
‫خلق ) لحديث خولة بنت حكيم فيما رواه مسلم‪« :‬من نزل منزلً ثم قال‪ :‬أعوذ بكلمات ال التامات من‬
‫شر ما خلق‪ ،‬لم يضره شيء‪ ،‬حتى يرتحل من منزله ذلك» ‪.‬‬
‫ويستحب أن يسبح في حال حطه الرحل‪ ،‬لقول أنس‪« :‬كنا إذا نزلنا سبحنا حتى نحط الرحال» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود بإسناد حسن عن أم حبيبة أم المؤمنين رضي ال عنها‪.‬‬

‫(‪ )2‬رواه مسلم عن أبي هريرة‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داو وغيره‪.‬‬

‫( ‪)3/700‬‬
‫ويكره النزول في قارعة الطريق‪،‬لحديث أبي هريرة‪« :‬ل تعرّسوا على الطريق فإنها مأوى الهوام‬
‫بالليل» (‪. )1‬‬
‫ً‪ - 24‬الدعاء عند دخول الليل‪ :‬السنة إذا جن عليه الليل أن يقول ما رواه أبو داود عن ابن عمر قال‪:‬‬
‫«كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم إذا سافر‪ ،‬فأقبل الليل‪ ،‬قال‪ :‬يا أرض‪ ،‬ربي وربك ال ‪ ،‬أعوذ‬
‫بال من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك‪ ،‬وشر ما يدب عليك‪ ،‬أعوذ بال من أسد وْسْود‪ ،‬والحية‬
‫والعقرب‪ ،‬ومن ساكن البلد (‪ ، )2‬ومن والد وما ولد» ‪.‬‬
‫ً‪ - 25‬الدعاء عند الخوف‪ :‬إذا خاف قوما أو إنسانا أوغيره‪ ،‬قال ما رواه أبو موسى الشعري‪« :‬أن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم كان إذا خاف قوما‪ ،‬قال‪ :‬اللهم إنا نجعلك في نحورهم‪ ،‬ونعوذ بك من‬
‫شرورهم» (‪. )3‬‬
‫ويستحب أن يكثر من دعاء الكرب هنا وفي كل موطن وهو‪« :‬ل إله إل ال العظيم الحليم‪ ،‬ل إله‬
‫إلال رب العرش العظيم‪ ،‬ل إله إل ال رب السموات ورب الرض‪ ،‬ورب العرش الكريم » (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ورواه ابن ماجه عن جابر بلفظ آخر‪ ،‬والتعريس‪ :‬النزول ليلً‪.‬‬
‫(‪ )2‬السود‪ :‬الشخص‪ ،‬قال أهل اللغة‪ :‬كل شخص يقال له أسود‪ ،‬وساكن البلد‪ :‬الجن‪ ،‬والبلد‪ :‬الرض‬
‫التي هي مأوى الحيوان‪ ،‬وإن لم يكن فيها بناء‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود والنسائي وغيرهما‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس‪.‬‬

‫( ‪)3/701‬‬
‫وكان صلّى ال عليه وسلم إذا كربه أمر قال‪« :‬يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» (‪. )1‬‬
‫ً‪ - 26‬أذكار المسافر في الزمات‪ :‬إذا استصعبت دابته‪ ،‬قرأ في أذنيها {أفغير دين ال يبغون‪ ،‬وله‬
‫أسلم من في السموات والرض طوعا وكرها‪ ،‬وإليه يرجعون} [آل عمران‪ ]83/3:‬و إذا انفلتت دابته‬
‫نادى مرتين أو ثلثا‪ « :‬يا عباد ال احبسوا» ‪.‬‬

‫وإذا ركب سفينة قال‪{ :‬بسم ال مجريها ومرساها‪ ،‬إن ربي لغفور رحيم } [هود‪ { .]41/11:‬وما قدروا‬
‫ال حق قدره‪[ }..‬النعام‪ ]91/6:‬الية‪.‬‬
‫ً‪ - 27‬الدعاء في السفر‪ :‬يستحب الكثار من الدعاء في جميع سفره لنفسه ولوالديه وأحبائه وولة‬
‫المسلمين وسائر المسلمين بمهمات أمور الخرة والدنيا‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ثلث دعوات‬
‫مستجابات‪ ،‬ل شك فيهن‪ :‬دعوة المظلوم‪ ،‬ودعوة المسافر‪ ،‬ودعوة الوالد على ولده» (‪. )2‬‬
‫ً‪ - 28‬التزام الطهارة والصلة‪ :‬يستحب له المداومة على الطهارة والنوم على الطهارة‪ ،‬والمحافظة‬
‫على الصلة في أوقاتها المشروعة‪ ،‬وله عند الشافعية أن يقصر ويجمع‪ ،‬وله ترك الجمع والقصر‪ ،‬وله‬
‫عند الشافعية فعل أحدهما وترك الخر‪ ،‬لكن الفضل أن يقصر وأل يجمع خروجا من الخلف؛ لن‬
‫أبا حنيفة رحمه ال يوجب القصر ويمنع الجمع‪ ،‬إل في عرفات والمزدلفة‪.‬‬
‫وإذا جمع أذّن في وقت الولى‪ ،‬وأقام لكل صلة‪ ،‬كما تقدم في صلة المسافر‪.‬‬
‫ويستحب صلة الجماعة في السفر‪ ،‬ولكن ل تتأكد كتأكدها في الحضر‪.‬‬
‫وتسن السنن الراتبة مع الفرائض في السفر‪ ،‬كما تسن في الحضر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الترمذي عن أنس بن مالك‪ ،‬قال الحاكم‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة‪ ،‬وليس في رواية أبي داود «على ولده» ‪.‬‬

‫( ‪)3/702‬‬
‫المبحث الثاني ـ آداب رجوع الحاج من سفره ‪:‬‬
‫للحاج وكل مسافر عند عودته إلى بلده آداب أهمها ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬السنة أن يقول ما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي ال عنهما أن رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة‪ ،‬كبر على كل شرف من الرض ثلث تكبيرات‪ ،‬ثم‬
‫يقول‪« :‬ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬له الملك وله الحمد‪ ،‬وهو على كل شيء قدير‪ ،‬آيبون تائبون‪،‬‬
‫عابدون ساجدون‪ ،‬لربنا حامدون‪ ،‬صدق ال وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وهزم الحزاب وحده» (‪. )2‬‬
‫ً‪ - 2‬السنة إذا قرب من وطنه أن يبعث قدامه من يخبر أهله‪ ،‬كيل يقدم عليهم بغتة‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬يحسن أن يقول إذا أشرف على بلده‪ ( :‬اللهم إني أسألك خيرها‪ ،‬وخير أهلها‪ ،‬وخير ما فيها‪،‬‬
‫وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها ) واستحب بعضهم أن يقول‪« :‬اللهم اجعل لنا بها قرارا و رزقا‬
‫حسنا‪ ،‬اللهم ارزقنا جناها‪ ،‬وأعذنا من وباها‪ ،‬وحببنا إلى أهلها‪ ،‬وحبب صالحي أهلها إلينا» رواه ابن‬

‫السني في الذكار‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬إذا قدم‪ ،‬فل يطرق أهله في الليل‪ ،‬بل يدخل البلدة غدوة‪ ،‬وإل ففي آخر النهار‪ ،‬روى مسلم عن‬
‫أنس «أنه صلّى ال عليه وسلم كان ل يطرق أهله ليلً‪ ،‬وكان يأتيهم غدوة أو عشية» ‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬إذا وصل منزله‪ ،‬فالسنة أن يبتدئ بالمسجد‪ ،‬فيصلي فيه ركعتين‪ ،‬وإذا دخل منزله صلى أيضا‬
‫ركعتين‪ ،‬ودعا وشكر ال تعالى‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬يستحب لمن يسلم على الحاج أن يقول‪ ( :‬قبل ال حجك‪ ،‬وغفر ذنبك‪ ،‬وأخلف نفقتك ) لقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬اللهم اغفر للحاج‪ ،‬ولمن استغفر له الحاج» (‪ . )3‬هذا وإن قيام العوام بذبح‬
‫الشاة بين رجلي الحاج يؤدي إلى تحريم أكلها‪ ،‬إذ إن الذبح بنية تعظيم فلن يحرم أكلها ولو ذكر اسم‬
‫ال عليها‪ ،‬أما مظاهر الستقبال الزائدة فهو رياء ينافي الخلص في العبادة‪.‬‬
‫ً‪ - 7‬يستحب أن يقول إذا دخل بيته ما كان يقوله النبي صلّى ال عليه وسلم فيما رواه ابن عباس‪:‬‬
‫«كان النبي صلّى ال عليه وسلم إذا رجع من سفره‪ ،‬فدخل على أهله‪ ،‬قال‪ :‬توبا توبا‪ ،‬لربنا أوبا‪ ،‬ل‬
‫يغادر حوبا» توبا‪ :‬أي نسألك توبة كاملة‪ ،‬ول يغادر حوبا أي ل يترك إثما‪.‬‬
‫ً‪ - 8‬ينبغي أن يكون رجوعه خيرا مما كان‪ ،‬فهذا من علمات قبول الحج‪ ،‬وأن يكون خيره مستمرا‬
‫في ازدياد‪.‬‬
‫انتهى الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع‬
‫(اليمان والنذور والكفارات‪ ،‬النظريات الفقهية وقرارات المجامع )‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اليضاح‪ :‬ص ‪ 100‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.559/3 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الحاكم عن ابن عمر وأبي هريرة‪ ،‬قال الحاكم‪ :‬وهو صحيح على شرط مسلم‪ ،‬والدعاء‬
‫المذكور رواه ابن السني مرفوعا‪.‬‬

‫( ‪)3/703‬‬
‫‪.....................................‬ال ِفقْ ُه السلميّ وأدلّتُهُ‪.................................‬‬
‫‪.........................................‬الجزء الرابع‪.......................................‬‬
‫المحتويات‬
‫البَابُ السّادس‪ :‬اليمان والنّذور والكفّارات‬

‫صلُ الوّل‪ :‬اليمان‬
‫ال َف ْ‬
‫المبحث الول ‪ -‬تعريف اليمين ومشروعيتها وأنواعها وحكم كل نوع‬
‫أنواع اليمين‬
‫‪ - 1‬اليمين الغموس‬
‫‪ - 2‬اليمين اللغو‬
‫‪ -3‬اليمين المنعقدة أو المؤكدة‬
‫أنواع اليمين المنعقدة‬
‫النوع الول ‪ -‬اليمين على ما هو متصور الوجود عادة‬
‫النوع الثاني ‪ -‬اليمين على ما هو مستحيل غير متصور الوجود أصلً‬
‫النوع الثالث ‪ -‬اليمين على ما هو مستحيل عادة‬
‫المبحث الثاني ‪ -‬صيغة اليمين‬
‫‪ - 1‬اليمين باسم من أسماء ال تعالى‬
‫‪ - 2‬اليمين بصفة من صفات ال تعالى‬
‫‪ - 3‬اليمين بال تعالى بطريق الكناية‬
‫‪ - 4‬اليمين بغير ال تعالى صورة ومعنى (الحلف بمخلوق)‬
‫‪ - 5‬الحلف بغير ال تعالى صورة ولكنها يمين بال معنى‬
‫المبحث الثالث ‪ -‬شروط صحة اليمين‬
‫ً‪ - 1‬شروط الحالف‬
‫ً‪ - 2‬شروط المحلوف عليه‬
‫ً‪ - 3‬شرط ركن اليمين‬
‫المبحث الرابع ‪ -‬أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلً‬
‫المطلب الول ‪ -‬الحلف على الدخول‬
‫المطلب الثاني ‪ -‬الحلف على الخروج‬
‫المطلب الثالث ‪ -‬الحلف على الكلم‬
‫المطلب الرابع ‪ -‬الحلف على الكل والشرب والذوق ونحوها‬
‫المطلب الخامس ‪ -‬الحلف على اللبس والكسوة‬
‫المطلب السادس ‪ -‬الحلف على الركوب‬
‫المطلب السابع ‪ -‬الحلف على الجلوس‬

‫المطلب الثامن ‪ -‬الحلف على السكنى‬
‫المطلب التاسع ‪ -‬الحلف على الضرب والقتل‬
‫المطلب العاشر ‪ -‬الحلف على مايضاف إلى غير الحالف‬
‫بحثان ملحقان بهذا المطلب‬
‫البحث الول ‪ -‬الحلف على فعل صادر من غير الحالف‬
‫البحث الثاني ‪ -‬فعل الغير بأمر الحالف‬
‫المطلب الحادي عشر ‪ -‬الحلف على تصرفات شرعية‬
‫الفصل الثاني ‪ -‬النذور‬
‫تعريف النذر وركنه‬
‫شروط النذر‬
‫شروط المنذور به‬
‫حكم النذر‬
‫‪ - 1‬أصل حكم النذر‬
‫‪ - 2‬وقت ثبوت حكم النذر‬
‫‪ - 3‬كيفية ثبوت حكم النذر‬
‫الفصل الثالث ‪ -‬الكفارات‬
‫أنواع الكفارات‬
‫كفارة اليمين ومشروعيتها وسبب وجوبها‬
‫نوع الواجب في كفارة اليمين‬
‫خصال الكفارة‬
‫‪ - 1‬الطعام‬
‫‪ - 2‬الكسوة ‪ -‬صفتها وقدرها‬

‫( ‪)4/1‬‬
‫‪ - 3‬عتق الرقبة‬
‫‪ - 4‬الصوم ‪ -‬مقداره وشرطه‬
‫الباب السابع ‪ -‬الحظر والباحة‬

‫المبحث الول ‪ -‬الطعمة‬
‫المطلب الول ‪ -‬أنواع الطعمة وحكم كل نوع منها‬
‫المطلب الثاني ‪ -‬ما ل نص فيه ‪ -‬الحتكام للذوق العربي‬
‫المطلب الثالث ‪ -‬حالة الضرورة‬
‫أولً ‪ -‬تعريف الضرورة وحكمها‬
‫ثانيا ‪ -‬شروط الضرورة أو ضوابطها‬
‫ثالثا ‪ -‬هل تشمل الضرورة حالة السفر والحضر جميعا؟‬
‫رابعا ‪ -‬جنس الشيء المستباح للضرورة‬
‫خامسا ‪ -‬كيفية ترتيب الفضلية بين مطعومات الضرورة سادسا ‪ -‬مقدار الجائز تناوله للضرورة‬
‫سابعا ‪ -‬حكم أخذ طعام قهرا للضرورة‬
‫ثامنا ‪ -‬حالت خاصة للضرورة أو الحاجة‬
‫المطلب الرابع ‪ -‬إجابة الولئم وموائد المنكر وآداب الطعام‬
‫أولً ‪ -‬إجابة الولئم وموائد المنكر‬
‫ثانيا ‪ -‬آداب الطعام والشراب‬
‫المبحث الثاني ‪ -‬الشربة‬
‫أولً ‪ -‬حكم الشربة‬
‫ثانيا ‪ -‬النتباذ في الظروف والواني‬
‫ثالثا ‪ -‬تخلل الخمر وتخليلها‬
‫المبحث الثالث ‪ -‬اللبس والستعمال والحلي‬
‫المبحث الرابع ‪ -‬الوطء والنظر واللمس واللهو والتصوير والرسم والوشم وأحكام الشعر والنتف‬
‫والتفليج والسلم‬
‫أولً ‪ -‬الوطء وأحكامه‬
‫ثانيا ‪ -‬النظر‬
‫الول ‪ -‬نظر الرجل للمرأة‬
‫الثاني ‪ -‬نظر المرأة للرجل‬
‫الثالث ‪ -‬نظر الرجل إلى الرجل‬
‫الرابع ‪ -‬نظر المرأة إلى المرأة‬
‫ثالثا ‪ -‬اللمس‬

‫رابعا ‪ -‬اللهو‬
‫خامسا ‪ -‬التصوير سادسا ‪ -‬وسم الحيوان‬
‫سابعا ‪ -‬أحكام الشعر‬
‫ثامنا ‪ -‬الوشم والنمص والتفليج‬
‫تاسعا ‪ -‬الترجل والتخنث‬
‫عاشرا ‪ -‬السلم‬
‫المبحث الخامس ‪ -‬مسائل في البيع والتعامل‬
‫أولً ‪ -‬بيع السماد الطبيعي‬
‫ثانيا ‪ -‬استيفاء دين المسلم من ثمن خمر الذمي‬
‫ثالثا ‪ -‬بيع العنب للخمار‬
‫رابعا ‪ -‬الجارة للكنيسة أو حمل خمر الذمي‬
‫خامسا ‪ -‬بيع بناء بيوت مكة وأرضها وإجارتها‬
‫سادسا ‪ -‬دخول الكافر المساجد‬
‫سابعا ‪ -‬الحتكار‬
‫ثامنا ‪ -‬التسعير‬
‫الباب الثامن ‪ -‬الضحية والعقيقة‬
‫الفصل الول ‪ -‬الضحية‬

‫( ‪)4/2‬‬
‫المبحث الول ‪ -‬تعريف الضحية ومشروعيتها وحكمها‬
‫المطلب الول ‪ -‬تعريف الضحية ومشروعيتها‬
‫المطلب الثاني ‪ -‬حكم الضحية‬
‫حالة تغير حكم الضحية أو نوعا الضحية‬
‫المبحث الثاني ‪ -‬شروط الضحية‬
‫المطلب الول ‪ -‬شروط إيجاب الضحية أو سنيتها المطلب الثاني ‪ -‬شروط صحة الضحية‬
‫المطلب الثالث ‪ -‬شروط المكلف بالضحية‬
‫المبحث الثالث ‪ -‬وقت التضحية‬

‫المبحث الرابع ‪ -‬الحيوان المضحى به‬
‫المطلب الول ‪ -‬نوع الحيوان المضحى به‬
‫المطلب الثاني ‪ -‬سن الحيوان المضحى به‬
‫المطلب الثالث ‪ -‬قدر الحيوان المضحى أو ما يجزئ عنه‬
‫المطلب الرابع ‪ -‬أوصاف الحيوان المضحى‬
‫المبحث الخامس ‪ -‬مندوبات الضحية ومكروهاتها وما يسن لمريد التضحية‬
‫المبحث السادس ‪ -‬أحكام لحوم الضحايا‬
‫الفصل الثاني ‪ -‬العقيقة وأحكام المولود‬
‫المبحث الول ‪ -‬العقيقة‬
‫‪ - 1‬حكم العقيقة ومعناها وحكمتها‬
‫‪ - 2‬جنسها وسنها وصفتها‬
‫‪ - 3‬عددها‬
‫‪ - 4‬وقتها‬
‫‪ - 5‬حكم لحمها وجلدها‬
‫المبحث الثاني ‪ -‬أحكام المولود‬
‫الباب التاسع ‪ -‬الذبائح والصيد‬
‫الفصل الول ‪ -‬الذبائح‬
‫مقدمة في تعريف الذبح وحكمه شرعا‬
‫المبحث الول ‪ -‬الذابح المبحث الثاني ‪ -‬الذبح أو التذكية‬
‫المطلب الول ‪ -‬عدد المقطوع‬
‫المطلب الثاني ‪ -‬موضع القطع‬
‫المطلب الثالث ‪ -‬الذبح من القفا‬
‫المطلب الرابع ‪ -‬قطع النخاع‬
‫المطلب الخامس ‪ -‬فورية الذبح‬
‫المطلب السادس ‪ -‬شروط الذبح أو التذكية الشرعية‬
‫المطلب السابع ‪ -‬سنن التذكية‬
‫المطلب الثامن ‪ -‬مكروهات التذكية‬
‫المطلب التاسع ‪ -‬أنواع التذكية‬

‫المطلب العاشر ‪ -‬ما يحرم أكله من المذبوح‬
‫المطلب الحادي عشر ‪ -‬أثر ذكاة الم في الجنين‬
‫المطلب الثاني عشر ‪ -‬أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض‬
‫أولً ‪ -‬أثر الزكاة في المشرف على الموت أو المريض‬
‫ثانيا ‪ -‬أثر الزكاة في الحيوان المريض‬
‫المطلب الثالث عشر ‪ -‬أثر الذكاة في غير المأكول‬
‫المبحث الثالث ‪ -‬آلة الذبح السكين الكالّة‬
‫المبحث الرابع ‪ -‬الحيوان الذبيح‬

‫( ‪)4/3‬‬
‫النوع الول ‪ -‬الحيوان المائي‬
‫النوع الثاني ‪ -‬الحيوان البري‬
‫النوع الثالث ‪ -‬الحيوان البرمائي ملحق ‪ -‬حول طرق الذبح الحديثة في المسلخ الحديث‬
‫الفصل الثاني ‪ -‬الصيد‬
‫المبحث الول ‪ -‬تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته‬
‫المبحث الثاني ‪ -‬شروط إباحة الصيد‬
‫المطلب الول ‪ -‬شروط الصائد‬
‫المطلب الثاني ‪ -‬شروط آلة الصيد‬
‫شروط السلح المصيد به‬
‫شروط الحيوان الصائد‬
‫هل يجب غسل معضّ الكلب؟‬
‫المطلب الثالث ‪ -‬شروط المصيد‬
‫المبحث الثالث ‪ -‬ما يباح اصطياده من الحيوان عند الحنفية‬
‫المبحث الرابع ‪ -‬متى يملك الصائد المصيد؟‬
‫حالة الشتراك في الصيد‬
‫سمُ الثّاني ‪ :‬النّظَريّات الفقهيّة‬
‫الق ْ‬
‫تقديم‬

‫الفصل الول ‪ -‬نظرية الحق‬
‫المبحث الول ‪ -‬تعريف الحق وأركانه‬
‫المطلب الول ‪ -‬تعريف الحق‬
‫المطلب الثاني ‪ -‬أركان الحق‬
‫المبحث الثاني ‪ -‬أنواع الحق‬
‫التقسيم الول ‪ -‬باعتبار صاحب الحق‬
‫‪ - 1‬حق ال تعالى ( الحق العام )‬
‫‪ - 2‬حق النسان ( العبد )‬
‫تقسيم حق الشخص ( العبد )‬
‫الول ‪ -‬حقوق تقبل السقاط وحقوق لتقبل السقاط‬
‫الثاني ‪ -‬حقوق تورث وحقوق ل تورث‬
‫التقسيم الثاني ‪ -‬باعتبار محل الحق‬
‫‪ - 1‬الحقوق المالية وغير المالية‬
‫‪ - 2‬الحق الشخصي والحق العيني‬
‫‪ - 3‬الحقوق المجردة وغير المجردة‬
‫التقسيم الثالث ‪ -‬باعتبار المؤيد القضائي وعدمه‬
‫المبحث الثالث ‪ -‬مصادر الحق أو أسبابه‬
‫المبحث الرابع ‪ -‬أحكام الحق‬
‫‪ - 1‬استيفاء الحق‬
‫التسامح في الستيفاء والداء‬
‫‪ - 2‬حماية الحق‬
‫‪ - 3‬حق التأليف والنشر والتوزيع‬
‫‪ - 4‬استعمال الحق بوجه مشروع‬
‫نقل الحق‬
‫انقضاء الحق‬
‫الفصل الثاني ‪ -‬الموال‬
‫المبحث الول ‪ -‬تعريف المال وإرثه‬
‫الشياء غير المادية ‪ -‬الحقوق والمنافع‬

‫المبحث الثاني ‪ -‬أقسام المال المطلب الول ‪ -‬المال المتقوم وغير المتقوم‬
‫المطلب الثاني ‪ -‬العقار والمنقول‬
‫المطلب الثالث ‪ -‬المال المثلي والقيمي‬
‫الذمة المالية وخصائصها‬
‫المطلب الرابع ‪ -‬المال الستهلكي والستعمالي‬
‫الفصل الثالث ‪ -‬الملكية وخصائصها‬

‫( ‪)4/4‬‬
‫المطلب الول ‪ -‬تعريف الملكية والملك‬
‫المطلب الثاني ‪ -‬قابلية المال للتملك وعدمها‬
‫‪ - 1‬مال يقبل التمليك ول التملك بحال‬
‫‪ - 2‬مال يقبل التملك إل بمسوغ شرعي‬
‫‪ - 3‬مايجوز تملكه وتمليكه مطلقا بدون قيد‬
‫المطلب الثالث ‪ -‬أنواع الملك‬
‫المطلب الرابع ‪ -‬أنواع الملك الناقص‬
‫‪ - 1‬ملك العين فقط‬
‫‪ - 2‬ملك المنفعة الشخصي أو حق النتفاع‬
‫‪ - 3‬ملك المنفعة العيني أو حق الرتفاق‬
‫المطلب الخامس ‪ -‬أسباب الملك التام‬
‫‪ - 1‬الستيلء على المباح‬
‫أولً ‪ -‬إحياء الموات‬
‫ثانيا ‪ -‬الصطياد‬
‫ثالثا ‪ -‬الستيلء على الكل والجام‬
‫رابعا ‪ -‬الستيلء على المعادن والكنوز‬
‫‪ - 2‬العقود الناقلة للملكية‬
‫‪ - 3‬الخلفية‬
‫‪ - 4‬التولد من المملوك‬

‫الفصل الرابع ‪ -‬نظرية العقد‬
‫المبحث الول ‪ -‬تعريف العقد والفرق بينه وبين التصرف واللتزام والرادة المنفردة‬
‫العقد واللتزام‬
‫العقد والرادة المنفردة‬
‫اللتزام بإرادة واحدة‬
‫المبحث الثاني ‪ -‬تكوين العقد‬
‫المطلب الول ‪ -‬ركن العقد‬
‫تعريف اليجاب والقبول‬
‫المطلب الثاني ‪ -‬عناصر العقد‬
‫العنصر الول ‪ -‬صيغة العقد‬
‫الفرع الول ‪ -‬أساليب صيغة اليجاب والقبول‬
‫الفرع الثاني ‪ -‬شروط اليجاب والقبول‬
‫مجلس العقد‬
‫هل تشترط الفورية في القبول‬
‫صيغة العقد‬
‫كيفية إبرام التعاقد بالهاتف واللسلكي ونحوهما‬
‫زمن إتمام العقد في التعاقد بين غائبين‬
‫التعاقد حالة المشي أو الركوب العنصر الثاني ‪ -‬العاقد‬
‫أولً ‪ -‬الهلية‬
‫‪ - 1‬أهلية الوجوب‬
‫‪ - 2‬أهلية الداء‬
‫أدوار الهلية‬
‫عوارض الهلية‬
‫ثانيا ‪ -‬الولية‬
‫تعريف الولية‬
‫صلتها بالعقد والفرق بينها وبين الهلية‬
‫أنواع الولية‬
‫الولياء ودرجاتهم‬

‫مبدأ الولية‬
‫شروط الولي‬
‫تصرفات الولي ومدى صلحياته‬
‫الوكالة‬
‫أنواع الوكالة‬
‫حكم تصرفات الوكيل‬
‫الفرق بين الوكالة والرسالة‬
‫حكم العقد وحقوقه في الوكالة‬
‫التصرفات التي يمارسها الوكيل نوعان‬
‫انتهاء الوكالة‬
‫الفضالة العنصر الثالث ‪ -‬محل العقد‬
‫‪ - 1‬أن يكون موجودا وقت التعاقد‬

‫( ‪)4/5‬‬
‫‪ - 2‬أن يكون المعقود عليه مشروعا‬
‫‪ - 3‬أن يكون مقدور التسليم وقت التعاقد‬
‫‪ - 4‬أن يكون معينا معروفا للعاقدين‬
‫العنصر الرابع ‪ -‬موضوع العقد‬
‫السبب في النظرية الحديثة عند القانونيين‬
‫موقف الفقهاء من نظرية السبب بالمعنى الحديث‬
‫‪ - 1‬بيع العينة‬
‫‪ - 2‬بيع العنب لعاصر الخمر‬
‫‪ - 3‬بيع السلح في الفتنة‬
‫‪ - 4‬زواج المحلّل‬
‫المطلب الثالث ‪ -‬الرادة العقدية‬
‫الفرع الول ‪ -‬صورية العقود‬
‫الفرع الثاني ‪ -‬سلطان الرادة العقدية‬

‫الولى ‪ -‬حرية التعاقد ورضائيته‬
‫الثانية ‪ -‬حرية الشتراط وترتيب آثار العقود والقوة الملزمة للعقد‬
‫أولً ‪ -‬مذهب الحنفية في الشروط‬
‫ثانيا ‪ -‬مذهب الحنابلة في الشروط‬
‫الفرع الثالث ‪ -‬عيوب الرادة أو عيوب الرضا‬
‫‪ - 1‬الكراه‬
‫‪ - 2‬الغلط‬
‫‪ - 3‬التدليس أو التغرير‬
‫‪ - 4‬الغبن مع التغرير‬
‫المبحث الثالث ‪ -‬شروط العقد‬
‫أولً ‪ -‬شرائط النعقاد‬
‫ثانيا ‪ -‬شرائط الصحة‬
‫ثالثا ‪ -‬شرائط النفاذ‬
‫رابعا ‪ -‬شرائط اللزوم‬
‫المبحث الرابع ‪ -‬آثار العقد‬
‫المبحث الخامس ‪ -‬تصنيف العقود‬
‫التقسيم الول ‪ -‬بحسب وصف العقد شرعا‬
‫منشأ الخلف بين الحنفية والجمهور‬
‫العقد الباطل‬
‫العقد الفاسد‬
‫العقد المكروه تحريما‬
‫‪ - 1‬بيع النجش‬
‫‪ - 2‬تلقي الركبان أو الجلب‬
‫‪ - 3‬بيع الحاضر للبادي‬
‫‪ - 4‬البيع وقت النداء لصلة الجمعة‬
‫أنواع العقد الصحيح‬
‫أنواع العقد النافذ‬
‫التقسيم الثاني ‪ -‬بالنظر إلى التسمية وعدمها‬

‫التقسيم الثالث ‪ -‬بالنظر إلى غاية العقد وأغراضه التقسيم الرابع ‪ -‬بالنظر إلى العينية وعدمها‬
‫التقسيم الخامس ‪ -‬باعتبار اتصال الثر بالعقد وعدم اتصاله‬
‫‪ - 1‬العقد المنجز‬
‫‪ - 2‬العقد المضاف للمستقبل‬
‫‪ - 3‬العقد المعلق على شرط‬
‫المبحث السادس ‪ -‬الخيارات‬
‫خيار المجلس عند الشافعية والحنابلة‬
‫خيار التعيين‬
‫خيار الشرط‬
‫مدة الخيار‬
‫أثر خيار الشرط‬
‫خيار العيب‬
‫خيار الرؤية‬
‫خيار النقد‬
‫المبحث السابع ‪ -‬انتهاء العقد‬
‫انتهاء العقد بالفسخ‬
‫انتهاء العقد بالموت‬
‫انتهاء العقد بعدم إجازة الموقوف‬

‫( ‪)4/6‬‬
‫الفصل الخامس ‪ -‬المؤيدات الشرعية‬
‫أولً ‪ -‬المؤيدات المدنية‬
‫أهم الفروق بين البطلن والفساد‬
‫ثانيا ‪ -‬المؤيدات التأديبية ( أو العقوبات) العقوبات غير المقدرة أو التعزيرات‬
‫الشريعة أساس الحكم على الجريمة والعقاب‬
‫الفصل السادس ‪ -‬نظرية الفسخ‬
‫تعريف الفسخ لغة واصطلحا‬

‫الفرق بين الفسخ والنفساخ‬
‫الفرق بين الطلق والفسخ‬
‫البطال‬
‫الفساد‬
‫الفرق بين الفسخ والفساد‬
‫الحكم الجمالي للفسخ ودليله‬
‫شروط فسخ العقد‬
‫أسباب الفسخ‬
‫عدم لزوم العقد بطبيعته‬
‫استحالة تنفيذ أحد اللتزامين المتقابلين‬
‫الفسخ للفساد عند الحنفية‬
‫أنواع الفسخ‬
‫الفسخ باعتباره جزاءً لعدم تنفيذ العاقد الخر التزامه‬
‫الفسخ بسبب الخيار ( الفسخ والقوة الملزمة للعقد )‬
‫الفسخ للعذار الطارئة‬
‫الفسخ لستحالة التنفيذ ( الفسخ وتحمل تبعة الهلك )‬
‫الفسخ للفلس والعسار والمماطلة‬
‫الفسخ بسبب البطلن أو الفساد أو الردة في الزواج الفسخ الرضائي والفسخ الجبري بطريق القضاء‬
‫فرقة الفسخ‪ :‬منها مايتوقف على القضاء‪ ،‬ومنها مال يتوقف عليه‬
‫الفسخ لعدم إجازة العقد الموقوف‬
‫الفسخ بسبب الستحقاق‬
‫الستحقاق بالنسبة لفسخ العقد نوعان‪:‬‬
‫مايقبل الفسخ ومال يقبل‬
‫العقود اللزمة للطرفين‬
‫العقود الجائزة غير اللزمة للطرفين‬
‫العقد اللزم لطرف دون آخر‬
‫حالت فسخ العقود وحالت عدم الفسخ‬
‫فسخ عقد البيع‪:‬‬

‫فسخ عقد اليجار‬
‫حالت عدم الفسخ‬
‫فروق بين الفسخ وغيره‬
‫بعض أسباب الفسخ‬
‫متى يجوز عدم تنفيذ العقد أو ماهي شروط الدفع بعدم التنفيذ‬
‫آثار الفسخ ( أحكامه )‬
‫‪ - 1‬انتهاء العقد بالفسخ‬
‫‪ - 2‬أثر الفسخ في الماضي ( الثر المستند والمقتصر ) والمستقبل‬
‫ملحق ‪ -‬ما اقتبسه القانون المدني المعاصرمن الفقه السلمي‬
‫مدى العتماد على الشريعة في القانونين المصري والسوري‬
‫بعض المبادئ والنظريات العامة المقتبسة من الفقه السلمي‬
‫الجزء الرابع من كتاب الفقه السلمي و أدلته‬
‫الباب السادس‬
‫اليمان والنذور والكفّارات‬

‫( ‪)4/7‬‬
‫اليمان والنذور تشتمل لغة وفقها على معنى العقد والتصميم؛ لن اليمان‪ :‬هي التي يعقدها الحالف‬
‫بإرادته المنفردة قاصدا بها التصميم والعزم على فعل شيء أو تركه‪ ،‬وأما النذور‪ :‬فهي التي يلتزم بها‬
‫الناذر بقصد التوصل إلى تحقيق هدف معين‪ .‬والكفارة‪ :‬هي جزاء الحنث بالعقد الملتزم به‪.‬‬
‫ومن الواضح أن في اليمين والنذور والكفارة معنى العبادة والتعظيم والطاعة لوجود اللتزام بها نحو‬
‫ال عزوجل‪.‬‬
‫وأبدأ ببحث اليمان نظرا لهميتها وخطورتها وشيوعها بين الناس وأصالتها بالنسبة لغيرها‪ ،‬وذلك في‬
‫فصول ثلثة‪:‬‬
‫صلُ الوّل‪ :‬اليمان‬
‫ال َف ْ‬
‫الكلم عن اليمان يتناول المباحث الربعة التية‪:‬‬
‫المبحث الول ـ تعريف اليمين ومشروعيتها وأنواعها وحكم كل نوع‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ صيغة اليمين‪.‬‬

‫المبحث الثالث ـ شروط اليمين‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلً‪ ،‬وفيه أحد عشر مطلبا‪:‬‬
‫المطلب الول ـ الحلف على الدخول‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ الحلف على الخروج‪.‬‬
‫المطلب الثالث ـ الحلف على الكلم‪.‬‬
‫المطلب الرابع ـ الحلف على الكل والشرب‪.‬‬
‫المطلب الخامس ـ الحلف على اللبس والكسوة‪.‬‬
‫المطلب السادس ـ الحلف على الركوب‪.‬‬
‫المطلب السابع ـ الحلف على الجلوس‪ .‬المطلب الثامن ـ الحلف على السكنى‪.‬‬
‫المطلب التاسع ـ الحلف على الضرب والقتل‪.‬‬
‫المطلب العاشر ـ الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف‪.‬‬
‫المطلب الحادي عشر ـ الحلف على أمور شرعية‪.‬‬
‫المبحث الول ـ تعريف اليمين ومشروعيّتها وأنواعها وحكم كل نوع ‪:‬‬
‫تعريف اليمين‪ :‬اليمين في اللغة لها معان ثلثة‪:‬‬
‫أولها ـ القوة‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪{ :‬لخذنا منه باليمين} [الحاقة‪ ]45/69:‬أي بالقوة‪ ،‬ثانيها ـ اليد اليمنى‬
‫وقد سمي العضو باليمين لوفور قوته‪.‬‬
‫ثالثها ـ القسم أو الحلف‪ ،‬وأطلقت اليمين على الحلف؛ لن الناس كانوا إذا تحالفوا يأخذ كل واحد‬
‫منهم بيمين صاحبه‪.‬‬

‫( ‪)4/8‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء كما قال الحنفية‪ :‬عبارة عن عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أوالترك‪.‬‬
‫وسمي هذا العقد باليمين؛ لن العزيمة تتقوى بها (‪. )1‬‬
‫مشروعية اليمين‪ :‬اليمين مشروعة؛ لن ال تعالى أقسم وأمر نبيه صلّى ال عليه وسلم بالقسم‪ ،‬مثل‬
‫قوله سبحانه‪{ :‬والليل إذا يغشى} [الليل‪{ ]1/92:‬والشمس وضحاها} [الشمس‪{ ]1/91:‬والنجم إذا هوى}‬
‫[النجم‪{ ]1/53:‬والتين والزيتون} [التين‪ ]1/95:‬أي وربّ هذه الشياء على اعتبار أن المحلوف به‬
‫محذوف‪ .‬والنبي أمر بالحلف في ثلثة مواضع‪ :‬فقال سبحانه‪{ :‬ويستنبئونك أحق هو؟ قل‪ :‬إي وربي‪،‬‬
‫إنه لحق وما أنتم بمعجزين} [يونس‪ ،]10/53:‬وقال تعالى‪{ :‬قل‪ :‬بلى وربي لتأتينكم} [سبأ‪،]3/34:‬‬

‫وقال عز وجل‪{ :‬قل‪ :‬بلى وربي لتبعثن} [التغابن‪.]7/64:‬‬
‫وقد ثبت في السنة تشريع اليمين (‪ ، )2‬فقال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إني ـ وال ـ إن شاء ال ‪ ،‬ل‬
‫أحلف على يمين‪ ،‬فأرى غيرها خيرا منها إل أتيت الذي هو خير‪ ،‬وتحللتها» (‪ )3‬أي أديت كفارتها‪.‬‬
‫لكن ليملك الحالف الرجوع عن اليمين والنذر والطلق‪،‬وإنما تلزمه بمجرد النطق بها‪.‬‬
‫واليمين وإن كانت في الصل مباحة عند الفقهاء إل أنه يكره الفراط في الحلف بال تعالى لقوله‬
‫سبحانه‪{ :‬ول تطع كل حلف مَهين} [القلم‪ ]10/68:‬وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله‪ .‬ولذا كان المام‬
‫الشافعي رضي ال عنه يقول‪« :‬ما حلفت بال تعالى صادقا ول كاذبا» (‪ ، )4‬وقد تقرر أن اليمين‬
‫مكروهة للنهي عنها بقوله تعالى‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع المبسوط للسرخسي‪ 8 :‬ص ‪ ،126‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،2‬تبيين الحقائق للزيلعي‪3 :‬ص‬
‫‪ 106‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار بهامش رد المحتار‪ 3 :‬ص ‪ 48‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص‬
‫‪ ، 320‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪.48‬‬
‫(‪ )2‬المغني لبن قدامة الحنبلي‪ 8 :‬ص ‪ ،682-676‬تبيين الحقائق‪ ،‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي موسى الشعري‪ ،‬وفي رواية‪« :‬إل كفرت عن‬
‫يميني‪ ،‬وأتيت الذي هو خير» وفي لفظ بالعكس (راجع جامع الصول‪ 12 :‬ص ‪ ،301‬نصب الراية‪:‬‬
‫‪.)297/3‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،678‬الميزان للشعراني‪ 2 :‬ص ‪ ،130 ،18‬مغني المحتاج‪4 :‬ص‬
‫‪ ،325‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪.49‬‬

‫( ‪)4/9‬‬
‫{ول تجعلوا ال عُرْضة ليمانكم} [البقرة‪ ]224/2:‬أي ل تكثروا الحلف بال ‪ ،‬لنه ربما يعجز الحالف‬
‫عن الوفاء به‪ ،‬إل أن تكون اليمين في طاعة من فعل واجب أو مندوب وترك حرام أو مكروه‪ ،‬فتكون‬
‫طاعة‪ .‬وعلى هذا ليس من الدب مع ال تعالى اتخاذ اليمين طريقا للقناع والتأثير وإنفاق السلعة‬
‫والترغيب في المعاملت‪ ،‬أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي ال عنه‪ ،‬قال‪ :‬سمعت رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم يقول‪« :‬الحلف مَ ْنفَقة للسلعة‪َ ،‬ممْحقة للبركة» ‪.‬‬
‫وذكر المالكية أن اليمين بغير ال مكروهة‪ ،‬وقيل‪ :‬حرام‪ ،‬أما اليمين بنحو (اللت والعزى) فإن اعتقد‬
‫تعظيمها فهو كفر‪ ،‬وإل فهو حرام‪ .‬وذكر الحنابلة أن اليمان خمسة أنواع‪:‬‬

‫أحدها ـ واجب‪ :‬وهي التي ينجي بها إنسانا معصوما من الهلك‪.‬‬
‫والثاني ـ مندوب‪ :‬وهو الذي تتعلق به مصلحة من إصلح بين متخاصمين‪ ،‬أو إزالة حقد من قلب‬
‫مسلم عن الحالف أو غيره أو دفع شر‪.‬‬
‫والثالث ـ المباح‪ :‬مثل الحلف على فعل مباح أو تركه‪ ،‬والحلف على الخبار بشيء هو صادق فيه‬
‫أو يظن أنه فيه صادق‪.‬‬

‫( ‪)4/10‬‬
‫والرابع ـ المكروه‪ :‬وهو الحلف على فعل مكروه أو ترك مندوب‪.‬‬
‫والخامس ـ المحرم‪ :‬وهو الحلف الكاذب ‪،‬فإن ال تعالى ذمه بقوله‪{ :‬ويحلفون على الكذب وهم‬
‫يعلمون} [المجادلة‪ ]14/58:‬ولن الكذب حرام‪.‬‬
‫أنواع اليمين‪ :‬اليمين بال تعالى ثلثة أنواع‪ :‬يمين منعقدة‪ ،‬ويمين الغموس‪ ،‬ويمين اللغو‪ ،‬قال محمد في‬
‫كتاب (الصل) ‪ « :‬اليمان ثلثة‪ :‬يمين مكفّرة‪ ،‬ويمين ل تكفّر‪ ،‬ويمين نرجو أل يؤاخذ ال بها‬
‫صاحبها‪ .‬وفسر الثالثة بيمين اللغو » (‪. )1‬‬
‫‪ - 1‬اليمين الغَموس‪ :‬عرفها الحنفية والمالكية بأنها‪ :‬اليمين الكاذبة قصدا في الماضي أو في الحال‪ ،‬أو‬
‫هي الحلف على أمر ماض أو في الحال متعمدا الكذب فيه نفيا أو إثباتا‪ ،‬مثل قول الحالف‪ ( :‬وال لقد‬
‫دخلت هذه الدار ) وهو يعلم أنه ما دخلها‪ ،‬أو قوله عن رجل‪ ( :‬وال إنه خالد ) مع علمه أنه عامر‬
‫ونحو ذلك‪.‬‬
‫وحكمها عند الجمهور ومنهم الحنفية والمالكية والحنابلة على الراجح عندهم (‪ : )2‬أنه يأثم فيها‬
‫صاحبها‪ ،‬ويجب عليه التوبة والستغفار‪ ،‬ول كفارة عليه بالمال‪ .‬استدلوا بقول الرسول صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬من حلف على يمين هو فيها فاجر‪ ،‬ليقتطع بها مال امرئ مسلم حرم ال عليه الجنة وأدخله‬
‫النار» (‪ )3‬وفي الصحيحين‪« :‬لقي ال وهو عليه غضبان» ‪ .‬قال ابن مسعود‪« :‬كنا نعد من اليمين‬
‫التي ل كفارة لها‪ :‬اليمين الغموس» وعن سعيد بن المسيب قال‪« :‬هي من الكبائر‪ ،‬وهي أعظم من أن‬
‫تُكفّر» ‪ ،‬يروى عن النبي صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪ « :‬من الكبائر‪ :‬الشراك بال ‪ ،‬وعقوق‬
‫الوالدين‪ ،‬وقتل النفس واليمين الغموس» (‪ . )4‬والمعقول يؤيدهم وهو أن الذي أتى به الحالف أعظم‬
‫من أن تكون فيه الكفارة‪ ،‬فل ترفع الكفارة إثمها‪ ،‬ول تشرع فيها‪ ،‬وقد سميت بالغموس؛ لنها تغمس‬
‫صاحبها في الثم أو في النار‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬البدائع‪.2/3 :‬‬
‫(‪ )2‬راجع المبسوط‪ 8 :‬ص ‪ ،127‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،15 ،3‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪ ،48‬فتح القدير‪4 :‬‬
‫ص ‪ ،3‬تبيين الحقائق‪ 3 :‬ص ‪ ،107‬الشرح الكبير للدردير بهامش حاشية الدسوقي‪ 2 :‬ص ‪،128‬‬
‫بداية المجتهد‪ 1 :‬ص ‪ ،396‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ ،686‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.160‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي أمامة‪ ،‬ورواية الصحيحين ومثلها رواية أبي داود‬
‫والترمذي هي عن عبد ال بن مسعود‪ ،‬ورواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات عن العرس بن‬
‫عميرة‪ ،‬ورواه أحمد والطبراني أيضا عن أبي موسى بلفظ‪« :‬من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها‬
‫مال أحد لقي ال عز وجل‪ ،‬وهو عليه غضبان» (راجع جامع الصول‪ 12 :‬ص ‪ ،295‬مجمع‬
‫الزوائد‪ 4 :‬ص ‪ ،178‬نصب الراية‪ 3 :‬ص ‪.)292‬‬
‫(‪ )4‬رواه البخاري من حديث ابن عمر‪ ،‬قال‪ :‬جاء أعرابي إلى النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪ :‬يا‬
‫رسول ال ‪ ،‬ما الكبائر؟ فذكر في الحديث الشراك بال‪ ،‬وعقوق الوالدين‪ ،‬وقتل النفس‪ ،‬واليمين‬
‫الغموس‪ ،‬وفيه قال السائل‪ :‬وما اليمين الغموس؟ قال‪« :‬الذي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها‬
‫كاذب» (راجع نيل الوطار‪ 8 :‬ص ‪ ،235‬سبل السلم‪ 4 :‬ص ‪ 105‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)4/11‬‬
‫وقال الشافعية وجماعة‪ :‬تجب الكفارة في اليمين الغموس‪ ،‬أي تسقط الكفارة الثم فيها كما تسقطه في‬
‫غير الغموس؛ لنه وجدت من الحالف اليمين‬
‫بال تعالى والمخالفة مع القصد‪ ،‬فتلزمه الكفارة كما تلزمه في اليمين المنعقدة على أمر في المستقبل‪،‬‬
‫وال تعالى يقول‪{ :‬ل يؤاخذكم ال باللغو في أيمانكم‪ ،‬ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم اليمان} [المائدة‪]89/5:‬‬
‫وهذا النص عام يعم الحلف في الماضي والمستقبل‪ ،‬فتكون الية موجبة الكفارة في اليمين الغموس‪،‬‬
‫لكونها من اليمان المنعقدة‪ ،‬وتعلق الثم في هذه اليمين ل يمنع الكفارة‪ ،‬كما أن الظهار‬

‫( ‪)4/12‬‬
‫منكر من القول وزور‪ ،‬وتتعلق به الكفارة (‪. )1‬‬
‫‪ - 2‬اليمين اللغو‪ :‬اختلف العلماء في تحديد المراد منها‪ ،‬فقال الجمهور (‪ : )2‬هي أن يخبر عن‬
‫الماضي أوعن الحال على الظن أن المخبر به كما أخبر‪ ،‬وهو بخلفه‪ ،‬في النفي والثبات‪ .‬وبعبارة‬
‫أخرى‪ :‬هي أن يحلف على شيء يظنه كما حلف‪ ،‬فلم يكن كذلك‪ .‬مثل قول الحالف‪ ( :‬وال ماكلمت‬

‫زيدا ) وفي ظنه أنه لم يكلمه‪ ،‬و‪ ( :‬وال لقد كلمت زيدا ً ) وفي ظنه أنه كلمه‪ ،‬وهو بخلف الواقع‪.‬‬
‫أو يقول‪ ( :‬وال إن هذا الطائر لغراب ) وفي ظنه أنه كذلك‪ ،‬ثم تبين في الواقع أن الطائر حمام مثلً‪.‬‬
‫وقال الشافعي (‪ : )3‬لغو اليمين‪ :‬ما لم تنعقد عليه النية‪ .‬أو بعبارة أخرى‪ :‬يمين اللغو‪ :‬هي التي يسبق‬
‫اللسان إلى لفظها بل قصد لمعناها‪ ،‬أو يريد اليمين على شيء‪ ،‬فسبق لسانه إلى غيره‪ ،‬بدليل قوله‬
‫تعالى‪{ :‬ل يؤاخذكم ال باللغو في أيمانكم‪ ،‬ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم اليمان} [المائدة‪ ]89/5:‬وروي‬
‫عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي ال عنهم أنهم قالوا‪« :‬هو قول الرجل‪ :‬ل وال ‪ ،‬وبلى وال‬
‫» (‪ )4‬ولن ما سبق إليه اللسان من غير قصد ل يؤاخذ به‪ ،‬كما لو سبق لسانه إلى كلمة الكفر‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء على أن يمين اللغو ل كفارة فيها‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ل يؤاخذكم ال باللغو في أيمانكم}‬
‫[المائدة‪ ،]89/5:‬ولنها يمين غير منعقدة‪ ،‬فلم تجب فيها كفارة‪ ،‬ولنها ل يقصد بها المخالفة‪ ،‬فأشبه‬
‫ذلك ما لو حنث ناسيا (‪. )5‬‬
‫والشافعية يرون أن يمين اللغو تكون على أمر في الماضي أو الحال أو المستقبل؛ لن الدلة التي‬
‫ذكروها لم تفرق بين الماضي والمستقبل‪ ،‬فكان الحلف لغوا على كل حال‪.‬‬
‫والحنفية يقولون‪ :‬ل لغو في المستقبل‪ ،‬بل اليمين على أمر في المستقبل تعتبر يمينا منعقدة‪ ،‬وتجب‬
‫فيها الكفارة إذا حنث الحالف‪ ،‬سواء قصد اليمين أو لم يقصد‪ ،‬وإنما تختص يمين اللغو في الماضي أو‬
‫الحال فقط (‪ )6‬بدليل قوله تعالى‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ ،325‬المهذب للشيرازي‪ 2 :‬ص ‪.128‬‬
‫(‪ )2‬المراجع السابقة ‪ :‬البدائع‪ :‬ص ‪ 3‬ص ‪ ،17‬الفتاوى الهندية‪ :‬ص ‪ ،49‬بداية المجتهد‪ :‬ص ‪،395‬‬
‫المغني‪ :‬ص ‪ ،688‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.159‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،324‬المهذب‪ ،‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )4‬روى خبر عائشة البخاري والشافعي ومالك موقوفا‪ ،‬وصحح ابن حبان رفعه‪ ،‬ورواه أبو داود‬
‫مرفوعا‪ ،‬وأخرجه البيهقي أيضا‪ .‬ونقله ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة‬
‫وجماعة من التابعين (راجع جامع الصول‪ 12 :‬ص ‪ ،307‬نيل الوطار‪ 8 :‬ص ‪ 235‬ومابعدها‪،‬‬
‫سبل السلم‪ 4 :‬ص ‪.)107‬‬
‫(‪ )5‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ 687‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،17‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.159‬‬
‫(‪ )6‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪.4-3‬‬

‫( ‪)4/13‬‬

‫{ل يؤاخذكم ال باللغو في أيمانكم} [المائدة‪ ،]89/5:‬واللغو في اللغة‪ :‬اسم للشيء الذي ل حقيقة له‪ ،‬بل‬
‫على ظن من الحالف أن المر كما حلف عليه‪ ،‬والحقيقة بخلف ذلك‪ ،‬وهكذا اليمين على أمر في‬
‫الماضي أو الحال‪ ،‬فهو مما ل حقيقة له إذ ليس فيه قصد اليمين‪ :‬وهو المنع عن شيء أو الحث على‬
‫شيء‪ ،‬فكان لغوا‪ .‬أما اليمين في المستقبل فهي يمين منعقدة‪ ،‬كما سيأتي بيانه في اليمين المعقودة‪.‬‬
‫‪ - 3‬اليمين المنعقدة أو المعقودة أو المؤكدة‪ :‬هي ما يحلف على أمر المستقبل أن يفعله أو ل يفعله‪،‬‬
‫وحكم هذه اليمين وجوب الكفارة عند الحنث (‪ )1‬لقوله تعالى‪{ :‬ل يؤاخذكم ال باللغو في أيمانكم‪،‬‬
‫ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم اليمان‪ ،‬فكفارته‪[ }...‬المائدة‪ ،]89/5:‬الية‪ .‬والمراد به اليمين في المستقبل‪،‬‬
‫بدليل قوله تعالى‪{ :‬واحفظوا أيمانكم} [المائدة‪ ،]89/5:‬ول يتصور الحفظ عن الحنث والمخالفة إل في‬
‫المستقبل‪ ،‬ولنه تعالى قال‪{ :‬ول تنقضوا اليمان بعد توكيدها} [النحل‪ ،]91/16:‬والنقض إنما يتصور‬
‫في المستقبل (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحنث‪ :‬الثم والذنب من حنث بكسر النون يحنث بفتحها‪.‬‬
‫(‪ )2‬المبسوط‪ 8 :‬ص ‪ ،127‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،5‬تبيين الحقائق‪ 3 :‬ص ‪ ،109‬البدائع‪3 :‬ص ‪، 17‬‬
‫المغني‪.689 ،683/8 :‬‬

‫( ‪)4/14‬‬
‫ووجوب الكفارة في هذه اليمين أمر مقرر بالتفاق بعد الحنث‪ ،‬سواء أكانت اليمين على فعل واجب‪،‬‬
‫أم ترك واجب‪ ،‬أم فعل معصية‪ ،‬أم ترك مندوب أم ترك المباح أم فعله (‪. )1‬‬
‫فإن كانت اليمين على فعل واجب مثل قوله‪ ( :‬وال لصلين صلة الظهر اليوم ) أو ‪ (:‬لصومن‬
‫رمضان ) فإنه يجب عليه الوفاء بيمينه‪ ،‬ول يجوز له المتناع عنه لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من‬
‫نذر أن يطيع ال فليطعه» (‪ )2‬فإن امتنع عن البر يأثم ويحنث (‪ )3‬ويلزمه الكفارة (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ :‬المرجع والمكان السابق‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن الربعة عن عائشة رضي ال عنها‪ ،‬وتتمة الحديث‪« :‬ومن‬
‫نذر أن يعصي ال فل يعصه» (راجع نصب الراية‪ 3 :‬ص ‪ ،300‬نيل الوطار‪8 :‬ص ‪.)240‬‬
‫(‪ )3‬البر‪ :‬هو الموافقة لما حلف عليه‪ .‬والحنث‪ :‬مخالفة ما حلف عليه من نفي أو إثبات‪ ،‬والبر عند‬
‫المالكية‪ :‬ل يكون إل بأكمل الوجوه‪ ،‬والحنث يتحقق بأقل الوجوه‪ ،‬فمن حلف أن يأكل رغيفا‪ ،‬لم يبر‬

‫إل بأكل جميعه‪ ،‬وإن حلف أل يأكله‪ ،‬حنث بأكل بعضه (القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ )161‬وقال الحنفية‪ :‬ل‬
‫يتحقق البر والحنث إل بفعل كل المحلوف عليه (البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،12‬مختصر الطحاوي‪ :‬ص ‪.)308‬‬
‫(‪ )4‬البدائع‪ :‬المرجع السابق‪ ،‬المغني‪ 8 :‬ص ‪.682‬‬

‫( ‪)4/15‬‬
‫وإن كانت اليمين على ترك الواجب أو على فعل المعصية كأن قال‪ ( :‬وال ل أصلي صلة الفرض )‬
‫أو ‪ ( :‬ل أصوم رمضان ) أو قال ‪ ( :‬وال لشربن الخمر ) أو ‪ ( :‬لقتلن فلنا ً ) أو‪ (:‬ل أكلم والدي‬
‫) ونحو ذلك‪ ،‬فإنه يجب عليه للحال الكفارة بالتوبة والستغفار‪ ،‬ثم يجب عليه الحنث والكفارة بالمال؛‬
‫لن عقد هذه اليمين معصية (‪ )1‬وقد قال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من حلف على يمين‪ ،‬فرأى غيرها‬
‫خيرا منها‪ ،‬فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» (‪. )2‬‬
‫وإن كانت اليمين على ترك المندوب مثل‪ ( :‬وال ل أصلي نافلة‪ ،‬ول أصوم تطوعا‪ ،‬ول أعود‬
‫مريضا ول أشيع جنازة ) ونحو ذلك‪ ،‬أو على فعل المكروه مثل‪ ( :‬وال للتفت في الصلة )‬
‫فالفضل له أل يفعل المكروه ويفعل المندوب أي يحنث‪ ،‬ويكفر عن يمينه‪ ،‬للحديث السابق‪( :‬من حلف‬
‫على يمين‪ )..‬ولقوله تعالى‪{ :‬ول يأتل (‪ )3‬أولو الفضل منكم والسعة} ‪[ ..‬النور‪ ]22/24:‬الية‪ ،‬نزلت‬
‫في أبي بكر الصديق رضي ال عنه‪ ،‬وقد حلف أل يبرّ مِسْطحا بسبب اشتراكه في حديث الفك على‬
‫عائشة (‪. )4‬‬
‫وإن كانت اليمين على مباح تركا أو فعلً‪ ،‬كدخول دار‪ ،‬وأكل طعام‪ ،‬ولبس ثوب ونحوه‪ ،‬فالفضل له‬
‫البر أي ترك الحنث‪ ،‬لما فيه من تعظيم ال تعالى‪ ،‬وقد‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع ‪ :‬المرجع نفسه‪ ،‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ ،325‬المغني‪ 8 :‬ص ‪.682‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد في مسنده ومسلم والترمذي وصححه عن أبي هريرة‪ ،‬ورواه أصحاب الكتب الستة إل‬
‫ابن ماجه عن عبد الرحمن بن سمرة‪ ،‬ورواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن عدي بن حاتم‬
‫وروي عن غير هؤلء أيضا ( راجع جامع الصول‪ 12 :‬ص ‪ ،300‬مجمع الزوائد ‪ 4 :‬ص ‪،183‬‬
‫نصب الراية‪ 3 :‬ص ‪ ،296‬نيل الوطار‪ 8 :‬ص ‪ ،237‬سبل السلم‪ 4 :‬ص ‪.) 103‬‬
‫(‪ )3‬أي ليحلف‪ ،‬وقيل‪ :‬المراد ليمتنع‪.‬‬
‫(‪ )4‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،16‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ ،326‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ 681‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/16‬‬

‫قال سبحانه‪{ :‬ول تنقضوا اليمان بعد توكيدها} [النحل‪ ]91/16:‬وله أن يُحنث نفسه‪ ،‬ويكفر عن يمينه‬
‫( ‪. )1‬‬
‫حكم الناسي والمكره‪ :‬الكفارة تجب في اليمين المنعقدة عند الحنفية والمالكية‪ ،‬سواء أكان الحانث عامدا‬
‫أم ساهيا أم مخطئا أم نائما أم مغمى عليه أم مجنونا أم مكرها (‪ )2‬لن الية القرآنية وهي‪{ :‬ولكن‬
‫يؤاخذكم بما عقدتم اليمان} [المائدة‪ ]89/5:‬لم تفرق بين عامد وناس وغيره‪ ،‬ولقوله عليه الصلة‬
‫والسلم‪« :‬ثلثة جدهن جد وهزلهن جد‪ :‬النكاح والطلق واليمين» (‪ ، )3‬فمن حلف بعتق أو طلق‬
‫أل يفعل شيئا‪ ،‬ففعله ناسيا حنث؛ لن هذا يتعلق به حق آدمي‪ ،‬فتعلق الحكم به مع النسيان كالتلف‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )4‬ل كفارة ول حنث على غير المكلف كالصبي والمجنون والنائم‪ ،‬لقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬رفع القلم عن ثلثة‪ :‬عن الصبي حتى يبلغ‪ ،‬وعن النائم حتى يستيقظ‪ ،‬وعن‬
‫المجنون حتى يفيق» (‪ )5‬ول كفارة أيضا على المغمى عليه‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المراجع السابقة‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.160‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ، 17‬تبين الحقائق ‪3 :‬ص ‪ ، 109‬بداية المجتهد ‪2 :‬ص ‪ ،402‬القوانين الفقهية ‪:‬‬
‫ص ‪ ، 161‬فتح القدير ‪4‬ص ‪ ، 6‬الفتاوى الهندية ‪2 :‬ص ‪ ، 49‬الدر المختار ‪3 :‬ص ‪ ، 53‬المغني ‪:‬‬
‫‪8‬ص ‪ ، 726‬الشرح الكبير ‪2 :‬ص ‪.142‬‬
‫(‪ )3‬نص الحديث ليس هكذا ‪ ،‬وإنما لفظه ( النكاح والطلق والرجعة ) أخرجه أبو داوود وابن ماجه‬
‫والترمذي والحاكم في المستدرك والدارقطني والبيهقي ‪ .‬فاستبدال اليمين بالرجعة من صنع الفقهاء‬
‫( راجع نصب الراية ‪3 :‬ص ‪ 293‬وما بعدها )‪.‬‬
‫(‪ )4‬المهذب للشيرازي ‪ 2 :‬ص ‪ ، 128‬حاشية الباجوري على متن أبي شجاع ‪2 :‬ص ‪ ، 323‬المغني‬
‫‪8 :‬ص ‪ 684 ، 676‬وما بعدها ‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الحاكم وأخرجه ابن حبان عن عائشة‪ ،‬ورواه‬
‫بعضهم عن علي وعمر وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم (راجع مجمع الزوائد‪ 6 :‬ص ‪ ،251‬سبل‬
‫السلم‪ 3 :‬ص ‪ ) 180‬وله ألفاظ منها لفظ رواية عائشة‪ « :‬رفع القلم عن ثلثة‪ :‬عن النائم حتى‬
‫يستيقظ‪ ،‬وعن الصغير حتى يكبر‪ ،‬وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» ‪.‬‬

‫( ‪)4/17‬‬

‫والسكران غير المتعدي بسكره‪ ،‬والساهي‪ ،‬إذ إنهم في معنى المذكورين في الحديث‪ ،‬فل تنعقد اليمين‬
‫منهم‪ ،‬كذلك لتنعقد من المكرَه لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬ليس على مقهور يمنين» (‪ )1‬ولقوله‬
‫عليه السلم‪ « :‬رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه» (‪. )2‬‬
‫شروط انعقاد اليمين ‪:‬‬
‫يشترط لنعقاد اليمين الشروط العامة التالية‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬أن يكون الحالف بالغا عاقلً‪ :‬فل تنعقد يمين الصبي والمجنون‪ ،‬لرفع المؤاخذة عنهما‪ ،‬روى أبو‬
‫داود عن علي رضي ال عنه‪ ،‬عن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪ « :‬رفع القلم عن ثلثة‪ :‬عن النائم‬
‫حتى يستيقظ‪ ،‬وعن الصبي حتى يحتلم‪ ،‬وعن المجنون حتى َي ْعقِل » ‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬أل تكون اليمين لغوا‪ :‬وهي مايجري على ألسنة الناس بغير قصد اليمين كما تقدم‪ ،‬مثل قولهم‪(:‬‬
‫بلى وال‪ ،‬ول وال)‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه الدارقطني عن واثلة بن السقع وأبي أمامة‪ ،‬ثم قال‪ :‬عنبسة ـ أحد رجال السند ـ‬
‫ضعيف ‪ ،‬قال في التنقيح‪ :‬حديث منكر‪ ،‬بل موضوع‪ ،‬وفيه جماعة ممن ليجوز الحتجاج بهم ( راجع‬
‫نصب الراية‪ 3 :‬ص ‪.) 294‬‬
‫(‪ )2‬رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان‪ ،‬ورواه أيضا عن أبي الدرداء‪ ،‬وأخرجه ابن ماجه وابن‬
‫حبان والحاكم عن ابن عباس مرفوعا‪ ،‬ورواه ابن ماجه أيضا عن أبي ذر‪ ،‬ورواه أبو نعيم في الحلية‬
‫عن ابن عمر‪ ،‬وكل هذه الروايات بلفظ‪« :‬إن ال وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه»‬
‫إل حديث أبي الدرداء وثوبان فهو بلفظ‪ « :‬إن ال تجاوز عن أمتي ثلثة‪ :‬الخطأ والنسيان وما أكرهوا‬
‫عليه » ولكن ابن عدي في الكامل رواه عن أبي بكرة بلفظ‪ « :‬رفع ال عن هذه المة ثلثا‪ :‬الخطأ‪،‬‬
‫والنسيان‪ ،‬والمر يكرهون عليه » ورواه الطبراني في الوسط عن عقبة بن عامر بلفظ‪« :‬وضع عن‬
‫أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه» وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن‪ ،‬وفيه ضعف‪ .‬وهكذا يظهر أن‬
‫لفظ‪ « :‬رفع عن أمتي‪ »..‬ليس موجودا‪ ،‬وإن كان الفقهاء ليذكرونه إل بهذا اللفظ ( راجع نصب‬
‫الراية‪2 :‬ص ‪ ،62‬التلخيص الحبير‪1 :‬ص ‪ ،109‬مجمع الزوائد‪ 6 :‬ص ‪.) 250‬‬

‫( ‪)4/18‬‬
‫ً‪ - 3‬أن يكون الحلف بذات ال تعالى مثل‪ :‬أقسم بال‪ ،‬أو بأحد أسمائه تعالى‪ ،‬مثل‪ :‬أقسم بالرحمن أو‬
‫برب العالمين‪ ،‬أو بصفة من صفاته تعالى مثل‪ :‬أقسم بعزة ال‪ ،‬أو بعلمه أو بإرادته أو بقدرته‪.‬‬

‫وسأبحث بعض الشروط المختلف فيها والمتفق عليها فيما سيأتي‪.‬‬
‫أنواع اليمين المنعقدة‪ :‬يشترط لنعقاد اليمين كما سيأتي أن يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة‬
‫عند الحلف‪ ،‬ويشترط أيضا لبقاء اليمين أن يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة بعد اليمين‪.‬‬
‫وبناء على هذا الشرط عند الحنفية انقسمت اليمين المنعقدة إلى أنواع‪:‬‬
‫النوع الول ‪ -‬أن تكون اليمين على ماهو متصور الوجود عادة‪.‬‬
‫النوع الثاني ــ أن تكون اليمين على ماهو غير متصور الوجود أصلً‪.‬‬
‫النوع الثالث ــ أن تكون اليمين على ماهو متصور الوجود في نفسه‪ ،‬لكن ليوجد على مجرى‬
‫العادة‪.‬‬

‫( ‪)4/19‬‬
‫النوع الول ــ أن تكون اليمين على ماهو متصور الوجود عادة ‪:‬‬
‫إذا كان المحلوف عليه أمرا يتصور حدوثه بحسب العادة والمكان‪ ،‬فإما أن يكون الحلف في حالة‬
‫الثبات أي اليجاب‪ ،‬أو في حالة النفي أي السلب‪.‬‬
‫أولً ـ إن كان الحلف في حالة الثبات‪ :‬فإما أن يكون الثبات مطلقا عن الوقت أو مؤقتا (‪. )1‬‬
‫آ ـ فإن كان الحلف في الثبات مطلقا عن التأقيت‪ :‬مثل‪ (:‬وال لكلن هذا الرغيف ) أو‪ ( :‬لدخلن‬
‫الدار ) أو‪ ( :‬لتين دمشق ) فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين‪ ،‬فاليمين باقية ل يحنث؛ لن‬
‫الحنث يتحقق عند عدم البر باليمين‪ ،‬وتصور البر ممكن في هذه الحالة‪ :‬وهو فعل المحلوف عليه مرة‬
‫في مدة العمر‪ ،‬فإذا هلك الحالف أو المحلوف عليه‪ ،‬حنث لحصول العجز عن تحقيق مقتضى البر‪،‬‬
‫غير أنه إذا هلك المحلوف عليه يحنث وقت هلكه‪ ،‬وإذا هلك الحالف يحنث في آخر جزء من أجزاء‬
‫الحياة‪.‬‬
‫ب ـ وإن كان الحلف في الثبات مؤقتا‪ :‬مثل‪ ( :‬وال لكلن هذا الرغيف اليوم ) أو‪ ( :‬لدخلن هذه‬
‫الدار اليوم ) فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين‪ ،‬والوقت باقيا ل يحنث؛ لن البر في الوقت‬
‫مرجو فتبقى اليمين‪ .‬وإن كان الحالف والمحلوف عليه قائمين‪ ،‬ولكن مضى الوقت‪ ،‬فإنه يحنث باتفاق‬
‫الحنفية؛ لن اليمين كانت مؤقتة بوقت‪ ،‬فإذا لم يفعل المحلوف عليه حتى انتهى الوقت‪ ،‬فإنه يحنث‪.‬‬
‫أما إذا هلك أحدهما في الوقت المحدد‪ :‬فإن هلك الحالف في الوقت ثم مضى الوقت فل يحنث باتفاق‬
‫الحنفية والحنابلة؛ لن الحنث في اليمين المؤقتة بوقت يقع في آخر أجزاء الوقت‪ ،‬وهو في تلك اللحظة‬
‫ميت‪ ،‬والميت ل يوصف بالحنث‪.‬‬

‫وإن هلك المحلوف عليه وهو الرغيف مثلً قبل مضي الوقت‪ ،‬فتبطل اليمين عند أبي حنيفة ومحمد‬
‫وزفر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،12‬المغني‪ 8 :‬ص ‪.791 ،786‬‬

‫( ‪)4/20‬‬
‫وقال أبو يوسف والشافعية والحنابلة‪ :‬ل تبطل اليمين‪ ،‬ويحنث‪ ،‬وتجب الكفارة‪ .‬واختلفت الرواية عنه‬
‫في وقت الحنث‪ ،‬روي عنه أنه يحنث عند غروب شمس اليوم المحدد فيه وقت اليمين‪ ،‬وروي عنه‬
‫أنه يحنث للحال‪ ،‬قيل‪ :‬وهو الصحيح من مذهبه‪.‬‬
‫ثانيا ـ إذا كان الحلف في حالة النفي‪ :‬فإما أن يكون النفي مطلقا عن التأقيت أو مؤقتا‪.‬‬
‫آ ـ فإن كان الحلف في النفي مطلقا عن الوقت‪ :‬مثل‪ (:‬وال ل آكل هذا الرغيف ) أو‪ ( :‬ل أدخل هذه‬
‫الدار ) فإن فعل مرة حنث؛ لنه لم يتحقق منه البر‪ ،‬وإذا هلك الحالف أو المحلوف عليه قبل الفعل‪ :‬ل‬
‫يحنث‪ ،‬لنه تحقق منه شرط برّه في اليمين‪ :‬وهو المتناع عن الفعل‪.‬‬
‫ب ـ وإن كان الحلف في النفي مؤقتا‪ :‬مثل‪ ( :‬وال ل آكل هذا الرغيف اليوم ) فإن مضى اليوم قبل‬
‫الكل‪ ،‬والحالف والمحلوف عليه قائمان‪ ،‬فقد بر في يمينه‪ ،‬لنه وجد منه شرط البر‪ ،‬وهو ترك الكل‬
‫في اليوم كله‪ .‬وإن هلك الحالف أو المحلوف عليه في اليوم برّ في يمينه أيضا؛ لن شرط البر عدم‬
‫الكل‪ ،‬وقد تحقق‪ .‬وإن فعل المحلوف عليه في الوقت المحدد حنث‪ ،‬لوجود شرط الحنث‪ ،‬وهو الفعل‬
‫في الوقت‪.‬‬
‫النوع الثاني ـ أن تكون اليمين على ما هو مستحيل غير متصور الوجود أصلً ‪:‬‬
‫هذا هو المستحيل عقلً مثل قول الشخص‪ ( :‬وال لشربن الماء الذي في هذا الكوز وليس في الكوز‬
‫ماء‪ ،‬أو قوله‪« :‬وال لقضين دين فلن غدا» فقضاه اليوم‪ ،‬أو أبرأه صاحب الدين اليوم‪ ،‬ثم جاء الغد‪،‬‬
‫وحكمه أنه ل تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر ومالك وأبي الخطاب من الحنابلة (‪ )1‬؛ لن‬
‫اليمين إنما تعقد على متصورالوجود أو متوهم التصور‪ ،‬وليس ههنا واحد منهما‪ ،‬وإذا لم يكن البر‬
‫باليمين متصورا فل يتصور الحنث‪ ،‬فل فائدة في انعقاد اليمين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،11‬تبيين الحقائق‪ 3 :‬ص ‪ ،134‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ ،109‬المغني‪ 8 :‬ص‬
‫‪ ،730‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.163‬‬

‫( ‪)4/21‬‬
‫وقال أبو يوسف والشافعي والقاضي من الحنابلة (‪ : )1‬تنعقد اليمين موجبة للكفارة في الحال؛ لن‬
‫الحالف حلف على فعل نفسه في المستقبل‪ ،‬كما لو حلف ليطلقن امرأته‪ ،‬فماتت قبل طلقها‪ ،‬ول‬
‫يشترط عند هؤلء أن تكون اليمين على أمر متصور الوجود‪.‬‬
‫وإن كان الحالف يعلم أنه ل ماء في الكوز‪ ،‬تنعقد اليمين عند أئمة الحنفية الثلثة‪ ،‬وعند زفر‪ :‬ل‬
‫تنعقد‪.‬‬
‫ويجري هذا الخلف السابق فيما إذا قال الحالف‪ ( :‬وال لقتلن فلنا ) وهو ل يعلم بموته‪ ،‬فل تنعقد‬
‫اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر ومن وافقهم‪ .‬وقال أبو يوسف ومن معه‪ :‬تنعقد اليمين (‪. )2‬‬
‫فإن كان الحالف عالما بموت الشخص فإنه تنعقد اليمين عند الجمهور‪ ،‬وهو كالنوع الثالث وهو‬
‫المستحيل عادة؛ لنه ل يتصور أن يحييه ال ‪ ،‬فيقتله‪ ،‬فيكون البر باليمين متصورا‪ ،‬إلأنه خلف‬
‫المعتاد‪ .‬وقال زفر‪ :‬ل تنعقد يمينه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المراجع السابقة‪ ،‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪.320‬‬
‫(‪ )2‬رتب الحنفية كيفية الخذ بأقوال أئمتهم فقالوا‪ :‬يأخذ القاضي والمفتي وغيرهما بقول أبي حنيفة‬
‫على الطلق سواء أكان معه أحد أصحابه أو انفرد بالرأي‪ ،‬ولكن ذلك في غير بحوث القضاء‬
‫والمواريث فإن الفتوى فيها على قول أبي يوسف لزيادة تجربته‪ ، ،‬ثم يؤخذ بقول أبي يوسف ثم بقول‬
‫محمد ثم بقول زفر والحسن بن زياد‪ .‬ويؤخذ بقول الصاحبين إذا خالفا المام فيما كان الختلف فيه‬
‫بحسب تغيير الزمان وفيما أجمع عليه المتأخرون كالمزارعة والمعاملة (الدر المختار رد المحتار‪4 :‬‬
‫ص ‪.)65/1 ،325‬‬

‫( ‪)4/22‬‬
‫النوع الثالث ـ أن تكون اليمين على ما هو مستحيل عادة ‪:‬‬
‫إذا كان المر المحلوف عليه متصور الوجود في نفسه‪ ،‬ولكنه مستحيل بحسب العادة كالصعود في‬
‫السماء‪ ،‬و الطيران في الهواء‪ ،‬أو تحويل الحجر ذهبا‪ ،‬أو شرب ماء دجلة كله‪ ،‬أو قطع المسافة البعيدة‬
‫في برهةوجيزة‪ ،‬فإنه تنعقد اليمين عند أبي حنيفة وصاحبيه وبقية أئمة المذاهب (‪ )1‬؛ لن البر‬
‫متصور الوجود في نفسه بأن يقدر ال تعالى الحالف على ذلك‪ ،‬كما أقدر الملئكة والجن والنبياء‬

‫على صعود السماء‪ ،‬وكذلك انقلب الحجر ذهبا ممكن بتحويل ال تعالى‪ ،‬وهكذا كل ما ذكر إل أن‬
‫الحالف عاجز عن المر عادة‪ ،‬فبالنظر لتصور وجود المحلوف عليه حقيقة انعقدت اليمين‪ ،‬وبالنظر‬
‫للعجز عن تحقيق المحلوف عليه عادة حنث في الحال‪ ،‬ووجبت الكفارة‪ ،‬كما لو حلف ليطلقن امرأته‪،‬‬
‫فماتت‪.‬‬
‫وقال زفر رحمه ال تعالى‪ :‬لينعقد يمين هذا الحالف‪ :‬لنه مستحيل عادة فيلحق بالمستحيل حقيقة‪،‬‬
‫وبما أن اليمين ل ينعقد في المستحيل حقيقة فل ينعقد كذلك في المستحيل عادة (‪. )2‬‬
‫فإذا كانت هذه اليمين مؤقتة مثل‪ ( :‬وال لصعدن السماء اليوم ) فإنه عند أبي حنيفة ومحمد‪ :‬يحنث‬
‫في آخر اليوم؛ لن البر يجب في المؤقتة في آخر اليوم عندهما‪ ،‬ويكون الوقت ظرفا موسعا‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف‪ :‬يحنث في الحال‪ ،‬لتحقق عجزه عن البر في الحال‪ .‬وهذا هو الصحيح من مذهبه (‬
‫‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع البدائع‪3 :‬ص ‪ 11‬ومابعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪3 :‬ص ‪ ،135‬الدر المختار‪3 :‬ص ‪ ،111‬مغني‬
‫المحتاج‪4 :‬ص ‪ ،320‬المهذب‪3 :‬ص ‪ ،140‬الشرح الكبير للدردير‪2 :‬ص ‪ ،126‬المغني‪8 :‬ص ‪،730‬‬
‫الميزان‪2 :‬ص ‪.132 ،129‬‬
‫(‪ )2‬مراجع الحنفية السابق ذكرها‪.‬‬
‫(‪ )3‬مراجع الحنفية السابقة‪.‬‬

‫( ‪)4/23‬‬
‫يمين الفور‪ :‬هناك نوع آخر من اليمين المنعقدة أي اليمين في المستقبل‪ :‬وهو ما تكون اليمين مؤقتة‬
‫دللة أو معنى ومؤبدة لفظا‪ ،‬وهي المسماة يمين الفور‪ :‬وهي كل يمين خرجت جوابا لكلم‪ ،‬أو بناء‬
‫على أمر‪ ،‬فتتقيد بذلك بدللة الحال‪ ،‬مثل أن يقول شخص لخر‪ (:‬تعال تغد معي ) فقال‪ ( :‬وال ل‬
‫أتغدى) فلم يتغد معه‪ ،‬ثم رجع إلى منزله‪ ،‬فتغدى‪ ،‬وحكمها‪ :‬أنه ل يحنث في يمينه استحسانا‪ ،‬والقياس‬
‫أن يحنث وهو قول زفر‪.‬‬
‫وجه القياس ‪ :‬أن الحالف منع نفسه عن الغداء في عموم الحالت‪ ،‬فتقييد اليمين في بعض الحالت‬
‫دون بعض تخصيص للعموم‪.‬‬
‫ووجه الستحسان‪ :‬أن كلم الحالف خرج جوابا للسؤال‪ ،‬فينصرف إلى ما وقع السؤال عنه‪ ،‬والسؤال‬
‫وقع عن الغداء المدعو إليه‪ ،‬فينصرف الجواب إليه‪ ،‬كأنه أعاد السؤال وقال‪ (:‬وال ل أتغدى الغداء‬

‫الذي دعوتني إليه )‪ :‬يعني أن قصد الحالف متجه إلى المتناع عن الغداء المدعو إليه بحسب عرف‬
‫الناس‪ ،‬واليمان مبنية على العرف عند الحنفية كما سيأتي بيانه‪.‬‬
‫وهناك مثال آخر ليمين الفور وهو‪ :‬إذا أرادت امرأة إنسان أن تخرج من الدار فقال لها زوجها‪ ( :‬إن‬
‫خرجت فأنت طالق ) فقعدت تاركة الخروج ساعة‪ ،‬ثم خرجت بعدئذ ل يحنث استحسانا؛ لن دللة‬
‫الحال تدل على التقيد بذلك الخروج‪ ،‬كأنه قال‪ ( :‬إن خرجت هذه الخرجة فأنت طالق ) فإن ذكر ما‬
‫يدل على خلف المقصود‪ ،‬كأن بين أن المراد الخروج مطلقا في هذا اليوم‪ ،‬فيبطل اعتبار الفور‪،‬‬
‫ويبطل أيضا اعتبار الفور ويحنث بمطلق التغدي إن قال‪ ( :‬إن تغديت اليوم (‪.) )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع المبسوط‪ 8 :‬ص ‪ ،186 ،131‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،13‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ 29‬ومابعدها‪،‬‬
‫فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪.42‬‬

‫( ‪)4/24‬‬
‫قضاء الحق قبل وقته‪ :‬إذا حلف شخص أن يقضي حق غيره في وقت‪ ،‬فقضاه قبله‪ ،‬لم يحنث بيمينه‬
‫عند الحنفية والحنابلة؛ لن مقتضى هذه اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الوقت‪ ،‬فإذا قضاه قبله‪ ،‬فقد‬
‫قضى قبل خروج الوقت‪ ،‬وزاد خيرا‪ ،‬ولن مبنى اليمان على النية‪ ،‬ونية هذا بيمينه أداء الحق قبل‬
‫خروج الوقت‪.‬‬
‫وقال الشافعي ـ نقلً عن ابن قدامة ـ ‪ :‬يحنث إذا قضاه قبله؛ لنه ترك فعل ما حلف عليه مختارا‪،‬‬
‫فحنث كما لو قضاه بعده (‪. )1‬‬
‫فعل بعض المحلوف عليه‪ :‬إن حلف ليفعلن شيئا‪ ،‬لم يبر عند الحنابلة إل بفعل جميعه‪ ،‬وإن حلف أل‬
‫يفعله وأطلق‪ ،‬ففعل بعضه‪ ،‬ففيه روايتان عند الحنابلة‪ ،‬أرجحهما أنه يحنث بفعل البعض (‪. )2‬‬
‫المبحث الثاني ـ صيغة اليمين ‪:‬‬
‫تنقسم اليمين بحسب اللفظ المقسم به إلى خمسة أنواع‪:‬‬
‫‪ - 1‬يمين بال تعالى صراحة باستعمال اسم من أسماء ال الحسنى‪.‬‬
‫‪ - 2‬يمين بال تعالى صراحة باستعمال صفة من صفات ال ‪.‬‬
‫‪ - 3‬يمين بال تعالى بطريق الكناية‪.‬‬
‫‪ - 4‬يمين بال تعالى من حيث المعنى‪.‬‬
‫‪ - 5‬يمين بغير ال تعالى صورة ومعنى‪.‬‬

‫‪ - 1‬اليمين باسم من أسماء ال تعالى ‪:‬‬
‫إن الحلف المباح‪ :‬هو الحلف بال تعالى‪ ،‬وإن الحالف بغير ال عاص‪ ،‬وقد اتفق العلماء على إباحة‬
‫اليمان بأسماء ال سبحانه‪ ،‬سواء أكان السم خاصا ل يطلق إل على ال تعالى نحو‪ :‬ال ‪ ،‬والرحمن‪،‬‬
‫أم مشتركا في الطلق على ال تعالى وعلى غيره كالعليم والحكيم والكريم والحليم ونحو ذلك؛ لن‬
‫هذه السماء وإن أطلقت على المخلوقات إل أنها تنصرف إلى الخالق بدللة القسم‪ ،‬إذ القسم بغير ال‬
‫تعالى ل يجوز‪ ،‬فكان المراد بالسم اسم ال تعالى‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ ،790/8 :‬الشرح الكبير‪.153/2 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.792 ، 782/8 :‬‬

‫( ‪)4/25‬‬
‫حروف القسم‪ :‬هي الباء‪ ،‬والواو‪ ،‬والتاء‪ ،‬كأن يقول الحالف‪ :‬بال ‪ ،‬أو وال ‪ ،‬أوتال ‪ ،‬وهو بحسب‬
‫استعمال العرب‪ ،‬وقد ورد الشرع بتأييد اللغة مثل قوله تعالى‪{ :‬وال ربّنا ما كنا مشركين} [النعام‪:‬‬
‫‪{ ]23/6‬وتال لكيدن أصنامكم} [النبياء‪{ ]57/21:‬وأقسموا بال } [فاطر‪ ]42/35:‬وقال صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬وال لغزون قريشا ـ ثلث مرات‪ ،‬ثم قال في الثالثة‪ :‬إن شاء ال » (‪ ، )1‬وقال عليه‬
‫السلم فيما يرويه عمر‪« :‬إن ال ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم‪ ،‬من كان حالفا فليحلف بال ‪ ،‬أو ليصمت»‬
‫قال عمر‪« :‬فما حلفت بها بعد ذلك ذاكرا ول آثرا» (‪. )2‬‬
‫والباء والواو يستعملن في جمع ما يقسم به من أسماء ال تعالى وصفاته‪ .‬أما التاء فإنه ل يستعمل إل‬
‫في اسم ال تعالى‪ ،‬تقول‪ :‬تال ‪ ،‬ول تقول‪ :‬تالرحمن‪ ،‬تعزة ال تعالى‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود وابن حبان والبيهقي وأبو يعلى وابن عدي عن عكرمة عن ابن عباس‪ ،‬بعضهم‬
‫رواه مسندا‪ ،‬وبعضهم رواه مرسلً‪ ،‬قال ابن أبي حاتم في العلل‪ :‬الشبه إرساله‪ ،‬وقال ابن القطان‪:‬‬
‫الصحيح مرسل (جامع الصول‪ 12 :‬ص ‪ ،299‬نصب الراية‪ 3 :‬ص ‪ ،302‬مجمع الزوائد‪ 4 :‬ص‬
‫‪ ،182‬نيل الوطار‪ 8 :‬ص ‪.)220‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن الربعة وأحمد ومالك والبيهقي عن عمر قال‪ :‬سمعت عمر‬
‫يقول‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن ال ينهاكم‪ ..‬الحديث» ومعنى قول عمر‪« :‬ما حلفت‬
‫به ذاكرا» أي عن ذكر مني وعلم «ول آثرا» ‪ :‬ول راويا لها عن أحد أنه حلف بأبيه (راجع جامع‬

‫الصول‪ 12 :‬ص ‪ ،311 ،293‬نصب الراية‪ 3 :‬ص ‪ ،295‬سبل السلم‪ 4 :‬ص ‪ ،101‬نيل الوطار‪:‬‬
‫‪ 8‬ص ‪.)227‬‬

‫( ‪)4/26‬‬
‫ل ل أفعل كذا) يكون يمينا عند الجمهور‪ .‬وقال‬
‫ولو لم يذكر الحالف شيئا من هذه الدوات بأن قال‪( :‬ا ِ‬
‫الشافعية‪ :‬لو قال‪( :‬ال ) ورفع أو نصب أو جر فليس بيمين إل بنية (‪. )1‬‬
‫‪ - 2‬اليمين بصفة من صفات ال تعالى ‪:‬‬
‫صفات ال تعالى ثلثة أقسام‪:‬‬
‫أحدها ـ ما ل يستعمل في عرف الناس وعاداتهم إل في الصفة نفسها‪ ،‬فالحلف بها يكون يمينا‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫«وعزة ال ‪ ،‬وعظمته‪ ،‬وجلله‪ ،‬وكبريائه» يكون حالفا؛ لن الحلف بهذه الصفات أمر متعارف بين‬
‫الناس‪.‬‬
‫الثاني ـ أن يحلف بصفة تستعمل صفة ل ولغيره على السواء‪ ،‬فالحلف بها يكون يمينا أيضا‪ ،‬مثل‬
‫( وقدرة ال تعالى‪ ،‬وقوته وإرادته‪ ،‬ومشيئته ورضاه‪ ،‬ومحبته‪ ،‬وكلمه) (‪ )2‬فإنه يكون حالفا؛ لن هذه‬
‫الصفات‪ ،‬وإن استعملت في غير صفة ال ‪ ،‬لكن تعين المراد منها بقرينة القسم‪ ،‬إذ ل يجوز القسم‬
‫بغير اسم ال تعالى وصفاته‪.‬‬
‫ومما يلحق بهذا القسم‪ :‬أن يقول الحالف‪( :‬وأمانة ال ) في ظاهر الرواية عند الحنفية‪،‬وهو مذهب‬
‫المالكية والحنابلة أيضا‪ .‬وذكر الطحاوي‪ :‬أنه ليكون يمينا وإن نوى‪،‬دليله‪ :‬أن أمانة ال فرائضه التي‬
‫تعبد بها عباده من الصلة والصوم وغيرهما‪ .‬قال ال تعالى‪{ :‬إنا عرضنا المانة على السموات‬
‫والرض والجبال‪[ }..‬الحزاب‪ ]72/33:‬الية‪ ،‬فكان حلفا بغير اسم ال عز وجل‪ ،‬فل يكون يمينا‪.‬‬
‫ودليل ظاهر الرواية‪ :‬أن المانة المضافة إلى ال تعالى عند القسم يراد بها صفته‪ ،‬بدليل أن «المين»‬
‫من أسماء ال تعالى‪ ،‬وهو مشتق من المانة‪ ،‬فكان المراد بها ـ ل سيما في حالة القسم ـ صفة ال ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع هذا المبحث في البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،5‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،8‬تبيين الحقائق للزيلعي ‪ 3‬ص‬
‫‪ ،111 ،109‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ ،54‬بداية المجتهد‪ 1 :‬ص ‪ ،394‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪-320‬‬
‫‪ ،323‬المهذب‪ 2 :‬ص ‪ ،129‬المغني‪ 8 :‬ص ‪.693-689 ،677‬‬
‫(‪ )2‬الحلف بكلم ال أي بصفته يمين‪ ،‬كما في البدائع‪ 3 :‬ص ‪ 6‬وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه‪.‬‬

‫وقال صاحب الدر‪ :‬وأما الحلف بكلم ال فيدور مع العرف أي لن الكلم صفة مشتركة‪ ،‬والتعارف‬
‫إنما يعتبر في الصفة المشتركة ل في غيرها (الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪.)56‬‬

‫( ‪)4/27‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬اليمين المنعقدة الموجبة للكفارة‪ :‬الحلف بال وبأسمائه كالعزيز والرحيم‪ ،‬وبصفاته‬
‫كعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلمه ووحدانيته‪ ،‬وقدمه وبقائه وعزته وجلله وعهده وميثاقه وذمته‬
‫وكفالته وأمانته‪ ،‬وكذلك باسمه وحقه‪ .‬ويلحق بذلك القرآن والمصحف على المشهور‪.‬‬
‫وقال الشافعية في الراجح عندهم‪ :‬ل ينعقد اليمين بأمانة ال إل أن ينوي الحلف بصفة ال تعالى؛ لن‬
‫المانة تطلق على الفرائض والودائع والحقوق‪ ،‬كما في الية السابقة‪.‬‬
‫ومن هذا القسم‪ ( :‬وعهد ال ) (‪ )1‬فهو يمين‪ ،‬وهذا باتفاق الحنفية والمالكية والحنابلة‪ ،‬وفي وجه عند‬
‫الشافعية؛ لن العادة الحلف بها والتغليظ بألفاظها كالحلف بال وصفات‪،‬وفي الوجه الثاني عند الشافعية‬
‫وهو الراجح‪ :‬ل تعتبر يمينا ما لم ينو الحالف بها اليمين؛ لنها تحتمل أن المراد بالعهد‪ :‬هو استحقاق‬
‫ال ما‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المراد بعهد ال‪ :‬أي إلزامه وتكاليفه‪.‬‬

‫( ‪)4/28‬‬
‫تعبدنا به‪ ،‬فهو يمين‪ ،‬وتحتمل أن المراد بها ما أخذ علينا من العهد في العبادات‪ ،‬فليس بيمين‪ ،‬لنه‬
‫يمين بشيء محدث (‪. )1‬‬
‫ومن هذا القسم أيضا‪ ( :‬ووجه ال ) فهو يمين؛ لنه الوجه المضاف إلى ال تعالى يراد به الذات‪ ،‬قال‬
‫تعالى‪{ :‬كل شيء هالك إل وجهه} [القصص‪ ]88/28:‬أي ذاته‪.‬‬
‫ولو قال الحالف‪ ( :‬وأيم ال ) كان يمينا وكذلك إذا قال‪ ( :‬لعمر ال ) (‪. )2‬‬
‫وقال الشافعية لو قال‪ ( :‬وأيم ال ) أو ( لعمر ال ) ونوى به اليمين‪ ،‬كان يمينا (‪. )3‬‬
‫وقال المالكية والحنابلة كالحنفية‪ :‬إذا قال الحالف‪( :‬وأيم ال ) أو (أيمن ال ) أي بركته‪ ،‬فهو يمين‬
‫تجب كفارته؛ لن الحلف بذلك متعارف‪ ،‬وكذا إذا حلف بقوله (لعمر ال ) (‪. )4‬‬
‫الثالث ـ أن يحلف بصفة تستعمل ل تعالى‪ ،‬ولغيره‪ ،‬لكن استعمالها في غير الصفة هو الغالب‪،‬‬
‫فالحلف بها ل يكون يمينا‪ ،‬مثل قول الحالف‪ ( :‬وعلم ال ) (ورحمة ال )‪( ،‬وكلم ال ) أو غضبه أو‬

‫سخطه أو رضاه (‪ ، )5‬ل يكون هذا يمينا؛ لنه يراد بهذه الصفات آثارها عادة‪ ،‬ل نفسها‪ ،‬فالعلم يراد‬
‫به المعلوم غالبا‪ ،‬والرحمة يراد بها الجنة‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬ففي رحمة ال هم فيها خالدون} [آل عمران‪:‬‬
‫‪ ]107/3‬والغضب والسخط يراد به أثر الغضب والسخط عادة‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع هذا المبحث في البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،6‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،14‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪،49‬‬
‫الشرح الكبير للدردير‪ 3 :‬ص ‪ ،127‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ ،703 ،697‬المهذب‪ 2 :‬ص ‪ ،130‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪.158‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬الدر المختار‪3 :‬ص ‪ ،58‬تبيين الحقائق‪ 3 :‬ص ‪.110‬‬
‫(‪ )3‬راجع المهذب‪ 2 :‬ص ‪ ،130‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ 324‬وأصل الكلمة‪ :‬وأيم أي أيمن فحذفت‬
‫منه النون لكثرة الستعمال كما حذفوها في ( يكن ) فقالوا ( يك)‪.‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الكير‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ ،693 ،691‬والمراد من قوله‪( :‬لعمر ال) أي‬
‫البقاء والحياة‪.‬‬
‫(‪ )5‬أي إذا أريد بهذه الصفات آثارها‪ ،‬فل يكون الحلف بها يمينا إل بالنية‬

‫( ‪)4/29‬‬
‫وهو العذاب والعقوبة‪ ،‬ل الصفة نفسها‪ ،‬فل يصير بذلك حالفا إل إذا نوى به الصفة‪ ،‬وكذا العرب لم‬
‫تتعارف القسم بعلم ال تعالى‪ ،‬فل يكون يمينا بدون النية (‪ . )1‬والخلصة‪ :‬أن المعول عليه هو‬
‫العرف‪ ،‬فما تعارفه الناس أنه يمين فهو يمين وإل فل‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬الحلف بكلم ال وعلمه وقدرته يمين إل أن ينوي بالعلم المعلوم‪ ،‬وبالقدرة‬
‫المقدور‪ ،‬كما يقال‪ ( :‬اللهم اغفر لنا علمك فينا ) أي معلومك منا ومن زلتنا‪ .‬ويقال‪ :‬انظر ( قدرة ال‬
‫) أي مقدوره (‪. )2‬‬
‫الحلف على المصحف‪ :‬الحلف على القرآن أو المصحف يمين باتفاق العلماء من مالكية وشافعية‬
‫وحنابلة‪ ،‬وكذا عند الحنفية على ما رجحه الكمال بن الهمام والعيني؛ لن الحالف بالمصحف إنما قصد‬
‫الحلف بالمكتوب فيه‪ :‬وهو القرآن‪ ،‬فإنه ما بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين‪ .‬وذلك إل أن يريد‬
‫الحالف بقوله (القرآن) الخطبة أو الصلة‪ ،‬أو يريد بقوله ( المصحف ) الورق أو الجلد أو النقوش‪.‬‬
‫وقد كان الحنفية يرون أن الحلف بالقرآن أو المصحف ليس يمينا‪ ،‬لنه حلف بغير ال تعالى‪ .‬ولكن‬
‫بما أن القرآن كلم ال فهو من صفاته تعالى‪ ،‬لذا قال ابن الهمام‪ :‬ول يخفى أن الحلف بالقرآن الن‬

‫متعارف‪ ،‬فيكون يمينا‪ ،‬وقال العيني‪ :‬وعندي أن المصحف يمين‪ ،‬ل سيما في زماننا (‪. )3‬‬
‫ومن حلف بحق القرآن‪ ،‬لزمته عند الجمهور كفارة واحدة؛ لن تكرر اليمين بال سبحانه ل يوجب‬
‫أكثر من كفارة واحدة‪ ،‬فالحلف بصفة من صفاته أولى أن تجزئه كفارة واحدة‪ .‬ونص المام أحمد‬
‫على أنه تلزمه بكل آية كفارة يمين‪ ،‬لما رواه الثرم عن مجاهد من قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من‬
‫حلف بسورة من القرآن‪ ،‬فعليه بكل آية كفارة يمين صبر‪ ،‬فمن شاء بر‪ ،‬ومن شاء فجر» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،6‬تبيين الحقائق‪ 3 :‬ص ‪ ،109‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،9‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪.58‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ 321‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ 690‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ 2 :‬ص ‪.129‬‬
‫(‪ )3‬انظر فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،10- 9‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،8‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪ ،50‬الدر المختار‪:‬‬
‫‪ 3‬ص ‪ ،56‬الشرح الكبير للدردير‪ 2 :‬ص ‪ ،127‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ ،322‬المغني‪ 8 :‬ص ‪،695‬‬
‫‪.707‬‬

‫( ‪)4/30‬‬
‫الحلف بحق ال ‪ :‬اتفق المالكية والحنابلة‪ ،‬والشافعية في الصح على أن الحلف بحق ال يعتبر يمينا‬
‫مكفّرة؛ لن الحق اسم من أسماء ال تعالى‪ ،‬أو أن المراد به صفة ل تعالى؛ لن ل حقوقا يستحقها‬
‫لنفسه من البقاء والعظمة والجلل والعزة‪ ،‬فكان الحلف بذلك كقوله‪ ( :‬وقدرة ال ) (‪. )1‬‬
‫وأما مذهب الحنفية في الحلف بحق ال ففيه اختلف‪ :‬فقال أبو حنيفة ومحمد وفي رواية عن أبي‬
‫يوسف‪ :‬ل يكون يمينا؛ لن حق ال يراد به طاعة ال ومفروضاته‪ ،‬وليست هذه صفة ل ‪ ،‬إذ‬
‫الطاعات حقوقه كما يتبادر إلى الفهم شرعا وعرفا‪ ،‬فيكون حلفا بغير ال ‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬فلو قال ( والحق ) يكون يمينا بالتفاق‪ .‬ولو قال‪ ( :‬حقا ) ل يكون يمينا؛ لن الحق من أسماء‬
‫ال تعالى‪ ،‬قال سبحانه‪{ :‬ويعلمون أن ال هو الحق المبين} [النور‪ ]25/24:‬فذكره معرفا بأل ينصرف‬
‫إلىه‪ ،‬والحلف به متعارف‪ .‬أما إذا ذكر منكّرا بدون أل فهو مصدر منصوب بفعل مقدر‪ ،‬فكأنه قال‪:‬‬
‫أفعل هذا الفعل ل محالة‪ ،‬فيراد به تحقيق الوعد‪ ،‬فقوله (حقا) بمنزلة قوله‪( :‬صدقا) وليس في ذلك‬
‫شيء من معنى الحلف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير للدردير‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،‬المرجعان السابقان‪ ،‬المغني‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪.691‬‬

‫( ‪)4/31‬‬

‫والرواية الخرى عن أبي يوسف‪ :‬أن الحلف بحق ال يكون يمينا؛ لن الحق من صفات ال تعالى‪،‬‬
‫وهو حقّيته أي كونه تعالى ثابت الذات موجودها‪ ،‬فكأنه قال‪ ( :‬وال الحق ) والحلف به متعارف‪،‬‬
‫فوجب كونه يمينا (‪ )1‬وهذا هو رأي بقية الئمة كما عرفنا‪.‬‬
‫الحلف بـ (لعمر ال ) ‪ :‬هي يمين موجبة الكفارة عند الجمهور؛ لنه أقسم بصفة من صفات ذات‬
‫ال ‪ ،‬كالحلف ببقاء ال تعالى‪ .‬وقال الشافعي‪ :‬إن قصد اليمين فهي يمين وإل فل‪ .‬وإن قال‪ ( :‬وأيم ال‬
‫وأيمن ال ) فهي عند الجمهور يمين موجبة للكفارة‪ .‬وقال الشافعي‪ :‬هي يمين إن قصد اليمين كما تقدم‬
‫سابقا (‪..... )2‬‬
‫الحلف بلفظ (أقسم بال ونحوه ) ‪ :‬إذا قال الحالف‪ (:‬أقسم بال ‪ ،‬أو أحلف بال أو أشهد بال أو أعزم‬
‫بال لفعلن كذا ) ‪ ،‬يكون يمينا‪ ،‬سواء نوى اليمين أو أطلق عند الحنفية والحنابلة‪ ،‬وفي الصح عند‬
‫الشافعية في حالة الطلق‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يكون يمينا إن نوى وأراد اليمين بال ‪ ،‬فإن لم يرد اليمين بال فليست بيمين‪ .‬والمراد‬
‫بالنية‪ :‬التقدير أي إن قدر أن هذا اللفظ يمين‪ ،‬فإذا لم يقدره ويلحظه فل يمين عليه‪.‬‬
‫والدليل على أن الحلف بذلك يمين هو عرف الناس واستعمالهم‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬فيقسمان بال }‬
‫[المائدة‪{ ]106/5:‬وأقسموا بال } [النعام‪ ]109/6:‬ويدل عليه أنه لو قال الحالف‪ :‬بال ولم يقل‪ :‬أقسم‬
‫أو أشهد‪ :‬أي لم يذكر الفعل‪ ،‬كان يمينا‪ ،‬وإنما كان يمينا بتقدير الفعل قبله؛ لن الباء تتعلق بفعل مقدر‪،‬‬
‫فإذا ذكر الفعل ونطق بالمقدّر كان أولى بثبوت حكمه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،11‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،7‬تبيين الحقائق‪ 3 :‬ص ‪ ،111‬الدر المختار‪3 :‬ص ‪،62‬‬
‫الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪.49‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.693-691/8 :‬‬

‫( ‪)4/32‬‬
‫وكذلك الحكم إن ذكر الفعل بلفظ الماضي‪ ،‬فقال‪ ( :‬أقسمت بال أو حلفت بال لفعلن كذا )‪ ،‬يكون يمينا‬
‫( ‪. )1‬‬
‫الحلف على الغير‪ :‬قال الشافعية وغيرهم (‪ : )2‬إذا قال شخص لغيره‪ ( :‬أقسم عليك بال ‪ ،‬أو أسألك‬
‫بال لتفعلن كذا )‪ ،‬وأراد يمين نفسه فهو يمين‪ ،‬ويسن للمخاطب أن يبر الحالف‪ ،‬لما روى البخاري‬
‫«أن النبي صلّى ال عليه وسلم أمر بإبرار المقسم» وهذا على سبيل الندب ل على سبيل اليجاب‪،‬‬

‫بدليل أن أبا بكر قال‪« :‬أقسمت عليك يا رسول ال لتخبرني بما أصبت مما أخطأت‪ ،‬فقال النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪ :‬ل تقسم يا أبا بكر» ولم يخبره‪ ،‬ولو وجب عليه إبراره لخبره‪ ،‬فإن لم يبره فالكفارة‬
‫على الحالف‪ ،‬وإن أراد يمين المخاطب أو لم يرد يمينا‪ ،‬بل أراد التشفع بال عز وجل في الفعل لم‬
‫يكن يمينا‪.‬‬
‫الحلف بقوله (أقسم لفعلن كذا ) ‪ :‬إذا ذكر الحالف القسم والخبر المقسم عليه‪ ،‬ولم يذكر المقسم به أي‬
‫لفظ الجللة بأن قال‪( :‬أشهد) أو (أحلف) أو (أقسم) أو (أعزم) لفعلن كذا‪ ،‬كان يمينا عند جمهور‬
‫الحنفية وفي رواية عن أحمد وهي الراجحة في مذهبه؛ لن القسم لما لم يجز بغير ال تعالى‪ ،‬دل على‬
‫أن هنالك مقسما به محذوفا‪ :‬وهو اسم ال تعالى‪ ،‬مثل ( واسأل القرية ) أي أهلها‪ ،‬ولن العرب‬
‫تعارفت الحلف على هذا الوجه‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬يحلفون لكم لترضوا عنهم} [التوبة‪ ]96/9:‬ولم يقل‪:‬‬
‫بال ‪ ،‬وقال عز وجل‪{ :‬إذ أقسموا ليصرمُنّها مصبحين} [القلم‪ ]17/68:‬ولم يذكر بال ‪ .‬وقال سبحانه‪:‬‬
‫{إذا جاءك المنافقون قالوا‪ :‬نشهد إنك لرسول ال} ـ إلى قوله ـ {اتخذوا أيمانهم جنة} [المنافقون‪:‬‬
‫‪ ]1/63‬فسماها ال يمينا‪.‬‬
‫وقال المالكية مثل قولهم حالة ذكر المقسم به‪ ،‬وهي الرواية الثانية عن أحمد‪ ،‬وقول زفر عند الحنفية‪:‬‬
‫إن نوى اليمين بال كان يمينا وإل فل؛ لنه يحتمل القسم بال وبغيره‪ ،‬فلم تكن يمينا حتى يصرفه بنية‬
‫إلى ما تجب به الكفارة‪ ،‬واستثنى المالكية من ذلك لفظ (أعزم) فإنه ل يكون يمينا وإن نوى‪ ،‬لن معنى‬
‫(أعزم)‪ :‬أقصد وأهتم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،‬فتح القدير‪ :‬ص ‪ 12‬المرجعان السابقان‪ ،‬بداية المجتهد‪ 1 :‬ص ‪ ،398‬الشرح الكبير‬
‫للدردير‪ 2 :‬ص ‪ ،127‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ ،323‬المهذب‪ 2 :‬ص ‪ ،131‬المغني‪ 8 :‬ص ‪700‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬شرح الباجوري ‪ 2 :‬ص ‪.321‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ ،324‬المهذب‪ 2 :‬ص ‪ ،131‬المغني‪ 8 :‬ص ‪.731‬‬

‫( ‪)4/33‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬ل يكون يمينا وإن نوى؛ لن ذكر المقسم به ركن من أركان اليمين (‪. )1‬‬
‫تكرار المقسم به‪ :‬إذا ذكر الحالف المقسم به مكررا بدون حرف العطف مثل قوله‪( :‬وال الرحمن‬
‫الرحيم الطالب الغالب المدرك )‪ :‬كان يمينا واحدة بل خلف‪ .‬وإن كرر المقسم به بواسطة حرف‬
‫عطف مثل قوله‪( :‬وال وال) أو (وال والرحمن) ل أفعل كذا‪ :‬كان يمينين في أرجح الروايتين عن‬

‫أئمة الحنفية ما عدا زفر؛ لنه لما عطف أحد السمين على الخر كان الثاني غير الول؛ لن‬
‫المعطوف غير المعطوف عليه‪ ،‬فكان كل واحد منهما يمينا على حدة‪ .‬أما إذا لم يعطف أحدهما على‬
‫الخر‪ ،‬فيجعل الثاني صفة للول‪.‬‬
‫وقال زفر وهي الرواية الثانية عن أبي حنيفة‪ :‬يكون ذلك يمينا واحدة في الحالتين؛ لن حرف العطف‬
‫قد يستعمل للستئناف‪ ،‬وقد يستعمل للصفة‪ ،‬فإنه يقال‪ :‬فلن العالم والزاهد والجواد والشجاع‪ ،‬فاحتمل‬
‫المغايرة‪ ،‬واحتمل الصفة‪ ،‬فل تثبت يمين أخرى مع الشك (‪. )2‬‬
‫تكرار الخبر المقسم عليه‪ :‬إذا كرر الحالف الخبر المقسم عليه بأن قال‪ ( :‬وال ل أفعل كذا‪ ،‬ل أفعل )‬
‫أو قال‪ ( :‬وال ل أكلم فلنا وال ل أكلمه ) فإنه يكون عند الحنفية يمينين إل إذا أراد بالكلم الثاني‬
‫الخبار عن الول‪ ،‬فإنه يكون يمينا واحدة‪ .‬والدليل على الحالة الولى‪ :‬أن الحالف لما أعاد المقسم‬
‫عليه‪ ،‬علم أنه أراد به يمينا أخرى‪ ،‬إذ لو أراد الصفة أو التأكيد لما أعاد المقسم عليه (‪. )3‬‬
‫‪ - 3‬اليمين بال تعالى بطريق الكناية ‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المراجع السابقة‪ :‬البدائع‪ :‬ص ‪ ،7‬فتح القدير‪ :‬ص ‪ ،13‬الدردير‪ :‬ص ‪ ،128‬مغني المحتاج‪ :‬ص‬
‫‪ ،323‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ ،732 ،702‬تبيين الحقائق‪3 :‬ص ‪ ،110‬بداية المجتهد‪ :‬ص ‪.398‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،9‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،13‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪.57‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪.10‬‬

‫( ‪)4/34‬‬
‫إذا حلف إنسان بالخروج من السلم مثل أن يقول‪ :‬إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو مجوسي‬
‫أو بريء من السلم أو من رسول ال أو من القرآن أو كافر‪ ،‬أو يعبد من دون ال أو يعبد الصليب‬
‫أو نحوه مما يكون اعتقاده كفرا‪ ،‬فهذا ما اختلف فيه فقهاؤنا‪ :‬فقال الحنفية (‪ )1‬وفي رواية عن أحمد‪:‬‬
‫يكون يمينا موجبة للكفارة إذا فعل الشيء المحلوف عليه؛ لن الناس تعارفوا الحلف بهذه اللفاظ من‬
‫لدن رسول ال صلّى ال عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير‪ ،‬ولو لم يكن ذلك حلفا لما تعارفوا؛‬
‫لن الحلف بغير ال تعالى معصية‪ ،‬فدل تعارفهم على أنهم جعلوا المذكور كناية عن الحلف بال عز‬
‫وجل‪ ،‬وإن لم يعقل وجه الكناية فيه‪ ،‬كقول العرب‪ ( :‬ل علي أن أضرب ثوبي حطيم (‪ )2‬الكعبة )‬
‫فهذا جعل كناية عن النذر بالتصدق في عرفهم‪ ،‬وإن لم يعقل وجه الكناية فيه‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬البدائع‪ :‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،8‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،13‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ ،59‬الفتاوى‬
‫الهندية‪ 2 :‬ص ‪.51‬‬
‫(‪ )2‬الحطيم‪ :‬جدار حجر الكعبة‪ ،‬وقيل‪ :‬ما بين الركن وزمزم والمقام‪.‬‬

‫( ‪)4/35‬‬
‫وقال المالكية والشافعية والحنابلة في الرواية الصحيحة عندهم‪ :‬ل يكون ذلك يمينا لخلوه عن ذكر اسم‬
‫ال تعالى وصفته‪ ،‬ول كفارة عليه بالحنث فيه‪ ،‬والحلف به معصية‪ ،‬والتلفظ به حرام‪ .‬هذا إذا قصد‬
‫بيمينه تبعيد نفسه عن المحلوف عليه‪ ،‬أما لو حلف على قصد الرضا بالتهود وما في معناه إذا فعل‬
‫الفعل‪ ،‬كفر في الحال‪ ،‬فإن لم يعرف قصده‪ ،‬ل يحكم بكفره‪ ،‬كما رجح الشافعية (‪ . )1‬ويؤيد هذا‬
‫الرأي ماروى بريدة أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من حلف أنه بريء من السلم‪ ،‬فإن‬
‫كان كاذبا فقد قال‪ ،‬وإن كان صادقا فلم يرجع إلى السلم سالما» (‪. )2‬‬
‫هذا إذا أضاف اليمين إلى المستقبل‪ ،‬فأما إذا أضاف اليمين إلى الماضي بأن قال‪ ( :‬إني يهودي أو‬
‫نصراني إن فعلت كذا في الماضي ) كاذبا قصدا‪ ،‬فهذا يمين الغموس‪ ،‬ول كفارة فيه عند جمهور‬
‫الفقهاء‪ ،‬كما بان سابقا‪.‬‬
‫لكن هل يكف ُر بقوله هذا؟‬
‫اختلف مشايخ الحنفية في ذلك‪ ،‬والصحيح ما روى الحاكم الشهيد عن أبي يوسف أنه ل يكفر؛ لنه ما‬
‫قصد به الكفر‪ ،‬ول اعتقده‪ ،‬وإنما قصد به ترويج كلمه وتصديقه فيه‪.‬‬
‫وكذلك ل يكفُر في الصحيح إذا قال‪ ( :‬يعلم ال أني فعلت كذا ) وهو يعلم‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ 1 :‬ص ‪ ،396‬الشرح الكبير للدردير ‪ 2 :‬ص ‪ ،128‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪،324‬‬
‫المهذب‪ 2 :‬ص ‪ ،129‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ ،698‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.158‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي وصححه من حديث بريدة بلفظ «من حلف‪ ،‬فقال‪ :‬إني‬
‫بريء من السلم‪ ،‬فإن كان كاذبا‪ ،‬فهو كما قال؛ وإن كان صادقا‪ ،‬فلن يرجع إلى السلم سالما» ‪.‬‬
‫وروى أبو يعلى عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من حلف على يمين فهو‬
‫كما قال‪ :‬إن قال‪ :‬إني يهودي فهو يهودي‪ ،‬وإن قال‪ :‬إني نصراني فهو نصراني‪ ،‬وإن قال‪ :‬إني‬
‫مجوسي فهو مجوسي» وفيه عنبس بن ميمون وهو متروك (راجع جامع الصول‪ 12 :‬ص ‪،295‬‬
‫سبل السلم‪ 4 :‬ص ‪ ،102‬نيل الوطار‪ 8 :‬ص ‪ ،233‬مجمع الزوائد ‪ 4 :‬ص ‪.)177‬‬

‫( ‪)4/36‬‬
‫أنه لم يفعل‪ .‬وقيل‪ :‬إنه يكفر إذا علم أن قوله هذا مكفر؛ لنه بالقدام عليه صار مختارا للكفر‪،‬‬
‫واختيار الكفر كفر (‪. )1‬‬
‫الحلف بتحريم شيء من ماله‪ :‬قال الحنابلة والحنفية (‪ )2‬إن قال‪( :‬الحل علي حرام)‪ ،‬أو قال‪( :‬هذا‬
‫حرام علي إن فعلت)‪ ،‬ثم فعل ‪ ،‬فهو مخير إن شاء ترك ماحرمه على نفسه‪ ،‬وإن شاء كفّر‪ .‬وقال‬
‫المالكية والشافعية‪ :‬ليس بيمين ول شيء عليه؛ لنه قصد تغيير المشروع‪ ،‬فلغا ما قصده‪ .‬والراجح‬
‫الرأي الول لقوله تعالى‪{ :‬يا أيها النبي لِم تحرمُ ما أحل ال لك} ـ إلى قوله ـ {قد فرض ال لكم‬
‫تحلة أيمانكم} [التحريم‪.]1/66:‬‬
‫هل اليمين بحسب نية الحالف أو المستحلف؟‬
‫اتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون بحسب نية المستحلف‪ ،‬واختلفوا في مثل اليمان على‬
‫الوعود ونحوه‪ ،‬فقال قوم‪ :‬بحسب نية الحالف‪ ،‬وقال قوم آخرون‪ :‬بحسب نية المستحلف‪.‬‬
‫أما المالكية فقالوا‪ :‬اليمين على نية المستحلف‪ ،‬ول تقبل نية الحالف؛ لن الخصم كأنه قبل هذه اليمين‬
‫عوضا عن حقه‪ ،‬ولنه ثبت أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬اليمين على نية المستحلف»‬
‫وفي رواية «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،8‬تحفة الفقهاء‪ 2 :‬ص ‪ ،443‬الطبعة القديمة‪ ،‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪.61‬‬
‫(‪ )2‬المغني ‪ 699/8 :‬ومابعدها‪. 733 ،‬‬
‫(‪ )3‬أخرج مسلم وابن ماجه هاتين الروايتين عن أبي هريرة‪ ،‬وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن‬
‫ماجه الرواية الثانية‪ ،‬وهو حجة لمن قال‪ :‬العتبار بقصد المحلّف سواء أكان حاكما أو دائنا عاديا‬
‫ظالما أو مظلوما‪ ،‬صَادقا أو كاذبا ( راجع نيل الوطار‪ 8 :‬ص ‪ ،218‬جامع الصول‪ 12 :‬ص ‪،307‬‬
‫اللمام‪ :‬ص ‪ ،427‬سبل السلم‪ 4 :‬ص ‪.)102‬‬

‫( ‪)4/37‬‬
‫وأما الحنفية فقد فصلوا في رواية عن أبي حنيفة‪ ،‬فقالوا‪ :‬اليمين على نية الحالف إذا كان مظلوما‪ ،‬لنه‬
‫ل يقتطع بيمينه حقا‪ ،‬فل يأثم وإن نوى غير الظاهر من كلمه‪ ،‬وإن كان ظالما فعلى نية المستحلف‪،‬‬
‫لنه يكون حينئذ آثما إن نوى به غير ما حلف عليه‪ .‬والمعول عليه عندهم هو أن اليمين على نية‬

‫المستحلف إل إذا كانت اليمين بالطلق أو العتاق ونحوهما‪ ،‬فتعتبر نية الحالف إذا لم ينو خلف‬
‫الظاهر ظالما كان الحالف أو مظلوما‪ ،‬وكذلك إذا كانت اليمين بال تعالى وكان الحالف مظلوما‪ ،‬فإنه‬
‫تعتبر نية الحالف أيضا‪ .‬والظالم‪ :‬من يريد بيمينه إبطال حق الغير‪.‬‬
‫ووافق الحنابلة أبا حنيفة‪ ،‬فمن حلف فتأول في يمينه أي قصد بكلمه محتملً يخالف ظاهره‪ ،‬فله‬
‫تأويله إن كان مظلوما‪ ،‬وإن كان ظالما لم ينفعه تأويله‪.‬‬
‫وأما الشافعية فقالوا‪ :‬العبرة في اليمين بنية الحالف؛ لن المقصود من اليمان هو المعنى القائم‬
‫بالنفس‪ ،‬ل ظاهر اللفظ (‪. )1‬‬
‫‪ - 4‬اليمين بغير ال تعالى صورة ومعنى (الحلف بمخلوق ) ‪:‬‬
‫إذا حلف النسان بغير ال تعالى‪ ،‬كالسلم أو بأنبياء ال تعالى أو بملئكته أو بالكعبة أو بالصلة‬
‫والصوم والحج ‪،‬أو قال‪( :‬عليّ سخط ال وعذابه ) أو بالباء أو المهات أو البناء‪ ،‬أو بالصحابة أو‬
‫بالسماء أو بالرض أو بالشمس أو بالقمر والنجوم ونحوها‪ ،‬ومثل‪ (:‬لعمرك وحياتك وعيشك وحقك )‬
‫فل يكون يمينا‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع هذا المبحث في بداية المجتهد‪ 1 :‬ص ‪ ،403‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،20‬الشباه والنظائر لبن‬
‫نجيم‪ 1 :‬ص ‪ ،81‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ ،321‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ 763 ،727‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‬
‫للدردير وحاشية الدسوقي عليه‪ 2 :‬ص ‪ ،139‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،162‬الفرائد البهية في القواعد‬
‫الفقهية للشيخ محمود حمزة‪ :‬ص ‪.35‬‬

‫( ‪)4/38‬‬
‫بإجماع العلماء‪ ،‬وهو مكروه (‪ . )1‬قال الشافعي‪ :‬أخشى أن يكون معصية ول يجب عليه كفارة؛ لنه‬
‫حلف بغير ال تعالى‪ ،‬والناس وإن تعارفوا الحلف بالباء ونحوهم لكن الشرع نهى عنه‪ ،‬وروي عن‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪ « :‬ل تحلفوا بآبائكم ول بالطواغيت » (‪ « ، )2‬فمن كان حالفا‬
‫فليحلف بال أو ليذر » (‪ )3‬وقال عليه السلم‪ « :‬من حلف بغير ال فقد أشرك » (‪ )4‬ولن هذا النوع‬
‫من الحلف لتعظيم المحلوف به‪ ،‬وهذا التعظيم ليستحقه إل ال تعالى‪.‬‬
‫‪ - 5‬اليمين بغير ال تعالى صورة ولكنها يمين بال معنى ‪:‬‬
‫وهي اليمين بغير القربات التي يتقرب بها إلى ال تعالى‪ ،‬وهي الحلف بالطلق والعتاق‪ ،‬أو كالمشي‬
‫إلى مكة‪ ،‬والصوم والصدقة وغيرها‪ ،‬وذلك بذكر‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع ‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ، 21 ، 8‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ، 9‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪،48‬‬
‫الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ ،56‬الشرح الكبير للدردير‪ 2 :‬ص ‪ ،128‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ ،320‬المهذب‪:‬‬
‫‪ 2‬ص ‪ ،129‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ ، 704 ، 677‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪. 158‬‬
‫(‪ )2‬رواه النسائي‪ ،‬وأخرجه مسلم بلفظ‪ « :‬لتحلفوا بالطواغي ول بآبائكم » عن عبد الرحمن بن‬
‫سمرة‪ ،‬ورواه البزار والطبراني في الكبير عن سمرة بلفظ‪ « :‬لتحلفوا بالطواغيت ولتحلفوا بآبائكم‬
‫واحلفوا بال» وإسناد البزار ضعيف‪ ،‬وفي إسناد الطبراني مساتير ( راجع جامع الصول‪ 12 :‬ص‬
‫‪ ،294‬مجمع الزوائد‪ 4 :‬ص ‪ ) 177‬والمقصود بالطواغي والطواغيت‪ :‬الوثان ‪،‬وكل ماكان أهل‬
‫الجاهلية يقدسونه ويعبدونه‪ ،‬وكذلك الشياطين‪ ،‬وكل رأس في ضللة فهو طاغوت‪.‬‬
‫(‪ )3‬هذه العبارة من حديث آخر بلفظ‪ « :‬إن ال ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم‪ ،‬فمن كان حالفا فليحلف بال‬
‫أو ليصمت » وفي رواية‪ « :‬أو ليسكت » أخرجه أصحاب الكتب الستة ومالك وأحمد والبيهقي عن‬
‫ابن عمر‪ ،‬وقد سبق تخريجه ( راجع جامع الصول‪ 12 :‬ص ‪ ، 293‬نصب الراية‪ 3 :‬ص ‪.) 295‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد بهذا اللفظ عن ابن عمر‪ ،‬ورواه أبو داود والترمذي وحسنه الحاكم وصححه بلفظ‪« :‬‬
‫من حلف بغير ال ‪ ،‬فقد كفر » ورواه الترمذي وابن حبان بلفظ‪ « :‬فقد كفر وأشرك » للمبالغة في‬
‫الزجر والتغليظ في ذلك‪ ،‬وهو في الجملة محمول على من اعتقد فيما حلف به من التعظيم مايعتقده في‬
‫ال تعالى ( راجع جامع الصول‪ 12 :‬ص ‪ ،293‬نيل الوطار ‪ 8 :‬ص ‪ ، 227‬سبل السلم‪ 4 :‬ص‬
‫‪.)101‬‬

‫( ‪)4/39‬‬
‫الشرط والجزاء (‪ ، )1‬وبما أنه مانع عن تحصيل الشرط‪ ،‬وحامل على البر ‪ ،‬فهو بمنزلة ذكر اسم ال‬
‫تعالى‪ .‬ويتحقق هذا الحلف باستعمال أحد حروف الشرط وهي‪ :‬إن‪ ،‬وإذا ‪ ،‬وإذا ما ‪ ،‬ومتى ‪ ،‬ومتى ما‬
‫‪ ،‬ومهما ‪ ،‬وكلما‪.‬‬
‫مثل قوله لمرأته‪ ( :‬إذا دخلت هذه الدار فأنت طالق ) أو‪ ( :‬إن دخلت ) أو‪ ( :‬متى دخلت ) أو‪ ( :‬إذا‬
‫مادخلت ) أو‪ ( :‬متى مادخلت ) فإن وجد الدخول طلقت؛ لن هذه حروف الشرط‪ ،‬فإذا وجد الشرط‪،‬‬
‫حنث في يمينه‪ ،‬فإن تكرر دخولها لتطلق ؛ لن هذه الحروف لتقتضي التكرار (‪. )2‬‬
‫وحكمها‪ :‬أنه يلزمه تنفيذ ما حلف به‪ ،‬ول كفارة فيه‪.‬‬
‫ولو قال لمرأته ‪ ( :‬كلما دخلت هذه الدار فأنت طالق ) يحنث بدخولها الدار‪ ،‬فإن تكرر دخولها مرة‬

‫ثانية أو ثالثة‪ ،‬تكرر وقوع الطلق‪ ،‬فتطلق طلقة واحدة في كل مرة؛ لن كلمة ( كلما ) تقتضي تكرار‬
‫الفعال‪ ،‬وهي قد دخلت على فعل الدخول‪ .‬هذا إذا تكرر الدخول في حالة زوجية واحدة‪ ،‬فإن طلقت‬
‫ثلثا‪ ،‬فتزوجت بزوج آخر‪ ،‬وعادت إليه‪ ،‬ثم دخلت الدار في المرة الرابعة‪ ،‬ليقع الطلق عند أئمة‬
‫الحنفية ماعدا زفر‪ ،‬لن محل الجزاء قد فات (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرط‪ :‬العلمة‪ ،‬فسمي ماحلف عليه الحالف شرطا‪ :‬علمة على تحقق الجزاء‪ ،‬والجزاء‪ :‬هو‬
‫مادخل عليه حرف التعليق وهو حرف الفاء إذا كان الجواب متأخرا ذكره عن الشرط مثل‪ :‬إن دخلت‬
‫الدار فأنت طالق‪ ،‬فإن تقدم الجزاء فل حاجة إلى حرف الفاء‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ، 21‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.159‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪. 23‬‬

‫( ‪)4/40‬‬
‫ولو قال‪ ( :‬كل امرأة أتزوجها فهي طالق ) فتزوج امرأة‪ ،‬تطلق لوجود الشرط‪ ،‬ولو تزوجها ثانية‬
‫لتطلق؛ لن الطلق توقف على الزواج ل على طريق التعليق بالشرط‪ ،‬بل لنه أوقع الطلق على‬
‫امرأة متصفة بأنه تزوجها‪ ،‬ويحصل التصاف عند التزوج‪ .‬ولو تزوج امرأة أخرى تطلق؛ لن كلمة‬
‫( كل ) توجب عموم السماء أي كل ما يوصف بأنه امرأة‪ ،‬ول توجب عموم الفعال وتكرارها (‪. )1‬‬
‫الجمع بين شرطين في يمين‪ :‬إذا جمع الحالف بين شرطين بأن عطف أحدهما على الخر بحرف‬
‫الواو ليقع الطلق إل عند وجود الشرطين‪ ،‬مثل قوله‪ ( :‬إن دخلت هذه الدار وهذه الدار ) فل يقع‬
‫الطلق إل عند دخول الدارين جميعا‪ ،‬سواء قدم الشرط أو أخره أو كان متوسطا‪ ،‬وليشترط الترتيب‬
‫في دخول الدارين؛ لن حرف الواو لمطلق الجمع‪ ،‬ولعطف الشيء على جنسه‪ ،‬فيكون الشرط معطوفا‬
‫على الشرط ل على الجزاء‪.‬‬
‫وكذلك إن عطف بحرف (الفاء) لبد من تحقق الشرطين أيضا بأن قال‪(:‬إن دخلت هذه الدار‪ ،‬فهذه‬
‫الدار‪ ،‬فأنت طالق) إل أنه يشترط هنا دخول الدارين على الترتيب والتعقيب بل تراخ‪.‬‬
‫وكذلك إن كان العطف بحرف ( ثم ) لبد من تحقق الشرطين بأن قال‪ (:‬إن دخلت هذه الدار‪ ،‬ثم هذه‬
‫الدار‪ ،‬فأنت طالق ) فيقع الطلق بدخول الدارين على الترتيب مع التراخي بأن يدخل الدارين الولى‬
‫ثم الثانية بعد مدة ساعة من الزمن أو أكثر منها؛ لن حرف ( ثم ) للترتيب والتعقيب مع التراخي‪.‬‬
‫والحكم ليختلف في الجمع بين الشرطين‪ ،‬سواء كرر حرف العطف بدون الفعل‪ ،‬كما تقدم‪ ،‬أو كرر‬

‫حرف العطف مع الفعل بأن قال‪ (:‬إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الدار ) وذلك بالواو أو بالفاء أو‬
‫بحرف ( ثم ) (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ :‬ص ‪. 21‬‬
‫(‪ )2‬البدائع ‪ 3 :‬ص ‪. 31‬‬

‫( ‪)4/41‬‬
‫فإن قال‪ ( :‬اليمان تلزمني ) يحمل على العرف الثابت عند المالكية‪ ،‬والمراد به في بعض البلد‬
‫الطلق الثلث‪ ،‬فيلزمه (‪. )1‬‬
‫تكرار اليمان في مجلس واحد أو في مجلسين‪ :‬إذا حلف إنسان فقال‪( :‬وال ل أكلم فلنا ) ثم قال في‬
‫ذلك المجلس‪ ،‬أو في مجلس آخر ‪ ( :‬وال ل أكلم فلنا ) أو قال لمرأته‪ ( :‬إن دخلت هذه الدار فأنت‬
‫طالق ) ثم قال بعدئذ‪ ( :‬إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ) فهنا ثلثة احتمالت‪ :‬إما أل يكون له نية‪،‬‬
‫أو نوى بالثانية التغليظ والتشديد‪ ،‬أو نوى بالثانية الولى‪.‬‬
‫آ ‪ -‬فإن لم يكن نية‪ :‬فل شك أنهما يمينان‪ ،‬حتى لو فعل كان عليه كفارتان‪ ،‬فلو كلم فلنا لزمه‬
‫كفارتان‪ ،‬وفي اليمين بالطلق يقع طلقتان إن تحقق الشرط‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإن نوى باليمين الثانية التغليظ‪ :‬فكذلك عليه يمينان‪ ،‬ويلزمه كفارتان إذا كلم فلنا‪ ،‬كما أنه يقع‬
‫عليه طلقان بدخول الدار‪ .‬ودليل هاتين الحالتين هو أنه لما أعاد المقسم عليه مع المقسم به‪ ،‬علم أنه‬
‫أراد به يمينا أخرى‪.‬‬
‫جـ ــ وإن نوى باليمين الثانية الولى‪ :‬كان عليه يمين واحدة‪ ،‬لنه نوى التكرار‪ ،‬وهو مستعمل في‬
‫العرف للتأكيد‪ ،‬إل أن في مسألة الطلق ليصدق قضاء‪،‬ويصدق ديانة؛ لن كلمه ظاهر في تكرار‬
‫اليمين‪ ،‬فإن نوى خلف الظاهر‪ ،‬صدق فيما بينه وبين ال تعالى (‪. )2‬‬
‫وقال المالكية (‪ )3‬كالحنفية‪ :‬إذا حلف الحالف على شيء واحد بعينه مرارا كثيرة‪ ،‬ففي كل يمين‬
‫كفارة‪ ،‬إل أن ينوي أو يريد التأكيد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪. 160‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،10‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪ ،53‬تحفة الفقهاء‪ 2 :‬ص ‪446‬‬

‫ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬بداية المجتهد‪ 1 :‬ص ‪ ،407‬الشرح الكبير‪ 2 :‬ص ‪ 135‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/42‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )1‬إذا كرر الحالف اليمين على شيء واحد‪ ،‬مثل قوله‪( :‬وال لغزون قريشا‪ ،‬وال‬
‫لغزون قريشا‪ ،‬وال لغزون قريشا )‪ ،‬فحنث‪ ،‬فليس عليه إل كفارة واحدة‪.‬‬
‫وعن الشافعي قولن (‪ : )2‬أحدهما كالحنابلة‪ ،‬والخر كالمالكية‪ ،‬والراجح فيما يظهر أنهم كالمالكية‪.‬‬
‫وسبب الختلف‪ :‬هل الموجب للتعدد هو تعدد اليمان بالجنس أو بالعدد‪ ،‬فمن قال‪ :‬اختلفها بالعدد‪،‬‬
‫قال‪ :‬لكل يمين كفارة إذا كرر‪ .‬ومن قال‪ :‬اختلفها بالجنس‪ ،‬قال‪ :‬في هذه المسألة يمين واحدة‪.‬‬
‫المبحث الثالث ــ شروط صحة اليمين ‪:‬‬
‫اشترط الحنفية شروطا لصحة اليمين بال تعالى‪ ،‬سواء بالنسبة للحالف والمحلوف عليه وركن اليمين‬
‫( ‪. )3‬‬
‫‪ - ً 1‬شروط الحالف‪ :‬يشترط في الحالف شرطان‪:‬‬
‫أولهما ‪ -‬أن يكون الحالف عاقلً بالغا قاصدا إلى اليمين‪ :‬فل يصح يمين الصبي والمجنون والنائم‪.‬‬
‫ثانيهما ‪ -‬أن يكون مسلما‪ :‬فل يصح يمين الكافر؛ لن كفارة اليمين عبادة‪ ،‬والكافر ليس من أهلها‪.‬‬
‫والدليل على أن الكفارة عبادة‪ :‬أنها لتتأدى بدون النية‪ ،‬وكذا ل تسقط بأداء الغير عن الحانث‪ ،‬وهذان‬
‫حكمان مختصان بالعبادات‪ ،‬إذ غير العبادة لتشترط فيه النية‪ ،‬ويسقط بأداء الغير مثل الديون ورد‬
‫المغصوب ونحوها‪ ،‬والكافر ليس من أهل العبادات‪ ،‬فلتجب بيمينه الكفارة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني ‪ 8 :‬ص ‪. 705‬‬
‫(‪ )2‬المهذب‪ 2 :‬ص ‪ ،131‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪. 323‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،15 - 10‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ 3‬ومابعدها‪ ،‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪.48‬‬

‫( ‪)4/43‬‬
‫وقال غير الحنفية (‪ : )1‬تصح اليمين من الكافر‪ ،‬وتلزمه الكفارة سواء حنث في أثناء كفره‪ ،‬أو بعد‬
‫إسلمه‪ ،‬بدليل أن عمر رضي ال عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام‪ ،‬فأمره النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم بالوفاء بنذره (‪ ، )2‬ولن الكافر من أهل اليمين بال تعالى‪ ،‬بدليل قوله تعالى‪:‬‬

‫{ فيقسمان بال } [المائدة‪.]106/5:‬‬
‫وأما الحرية فليست بشرط‪ ،‬فتصح يمين العبد‪ ،‬وكفارته بالصوم حال رقه‪ ،‬وكذا الطواعية والختيار‬
‫ليس شرطا عند الحنفية والمالكية‪ ،‬فتصح اليمين من المكره؛ لنها من التصرفات التي لتحتمل الفسخ‪،‬‬
‫فل يؤثر الكراه في اليمين كالطلق والنذر ونحوهما‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬يشترط أن يكون الحالف مختارا‪ ،‬فل تنعقد يمين المكره؛ لنها من التصرفات‬
‫التي لتحتمل الفسخ‪ ،‬فل يؤثر الكراه في اليمين كالطلق والنذر ونحوهما‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬يشترط أن يكون الحالف مختارا‪ ،‬فل تنعقد يمين المكره ‪ ،‬لقوله صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬ليس على مقهور يمين » (‪ )3‬ولنه قول حمل عليه بغير حق‪ ،‬فلم يصح ككلمة الكفر‪،‬‬
‫كما سبق بيانه في أنواع اليمين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ ،320‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ ،676‬الميزان للشعراني‪ 2 :‬ص ‪. 130‬‬
‫(‪ )2‬رواه أصحاب الكتب الستة عن ابن عمر أن عمر قال‪ « :‬يارسول ال‪ ،‬إني نذرت في الجاهلية أن‬
‫أعتكف يوما في المسجد الحرام؟ قال‪ :‬أوف بنذرك» وزاد البخاري في رواية‪« :‬فاعتكف ليلة» الفعل‬
‫بصيغة المر ( انظر جامع الصول‪ 12 :‬ص ‪ ، 185‬اللمام‪ :‬ص ‪ ،312‬سبل السلم‪ 4 :‬ص ‪،115‬‬
‫نيل الوطار‪ 8 :‬ص ‪ ،249‬نصب الراية‪ 3 :‬ص ‪.)300‬‬
‫(‪ )3‬حديث ضعيف‪ ،‬وقد سبق تخريجه‪.‬‬

‫( ‪)4/44‬‬
‫‪ - ً 2‬شرط المحلوف عليه ‪ :‬يشترط في المحلوف عليه عند أبي حنيفة ومحمد وزفر شرط واحد‪:‬‬
‫وهو أن يكون متصور الوجود (‪ )1‬حقيقة عند الحلف‪ ،‬وفي حال بقاء اليمين‪ .‬وهو شرط انعقاد اليمين‬
‫على أمر في المستقبل‪ ،‬وشرط لبقاء اليمين أيضا‪ ،‬فل ينعقد اليمين على ماهو مستحيل الوجود حقيقة‪،‬‬
‫وليبقى إذا صار بحال يستحيل وجوده‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف‪ :‬ليس هذا بشرط لنعقاد اليمين ول لبقائها‪ ،‬وإنما الشرط فقط أن تكون اليمين على‬
‫أمر في المستقبل‪.‬‬
‫واتفق أبو حنيفة وصاحباه على أن كون اليمين متصور الوجود عادة ليس بشرط لنعقاد اليمين‪ ،‬وقال‬
‫زفر‪ :‬هو شرط‪ ،‬لتنعقد اليمين بدونه‪.‬‬
‫ويتوضح الخلف بالمثلة التطبيقية على كل من الحالتين‪ :‬المستحيل حقيقة‪ ،‬والمستحيل عادة‪ ،‬وذكر‬

‫بعضها في بحث أنواع اليمين‪.‬‬
‫أما أمثلة النوع الول وهو المستحيل حقيقة فهي‪ :‬لو قال إنسان‪ ( :‬وال لشربن الماء الذي في هذا‬
‫الكوز ) فتبين أنه ل ماء فيه‪ ،‬لتنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر‪ ،‬لعدم تحقق شرط انعقاد‬
‫اليمين‪ :‬وهو تصور شرب الماء الذي حلف عليه‪.‬‬
‫وعند أبي يوسف‪ :‬تنعقد اليمين لوجود الشرط بحسب رأيه‪ :‬وهو مجرد إضافة اليمين إلى المستقبل‪.‬‬
‫فإن كان الحالف يعلم أنه ل ماء في الكوز‪ ،‬فهو من المستحيل عادة‪ :‬تنعقد اليمين عند أئمة الحنفية‬
‫الثلثة‪ ،‬وعند زفر‪ :‬لتنعقد‪ .‬ويجري هذا الخلف فيما لو وقّت اليمين فقال‪ ( :‬وال لشربن الماء الذي‬
‫في هذا الكوز اليوم)‪.‬‬
‫وإذا قال الحالف‪ ( :‬وال لقتلن فلنا )‪ :‬مع أن فلنا هذا ميت‪ ،‬وهو ليعلم بموته‪ ،‬لتنعقد اليمين عند‬
‫أبي حنيفة ومحمد وزفر‪ ،‬وعند أبي يوسف‪ :‬تنعقد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أي متصور البر والوفاء بمقتضى ما حلف عليه‪.‬‬

‫( ‪)4/45‬‬
‫ويجري هذا الخلف فيما إذا قال شخص‪ ( :‬وال لقضين دين فلن غدا ) فقضاه اليوم‪ ،‬أو أبرأه‬
‫صاحب الدين قبل مجيء الغد‪ ،‬ليحنث في يمينه عند الطرفين وزفر والحنابلة‪ .‬وعند أبي يوسف‬
‫والشافعي‪ :‬يحنث‪.‬‬
‫وكذا إذا قال الزوج في اليمين بالطلق‪ ( :‬إن لم أشرب هذا الماء اليوم فامرأتي طالق ) ثم أهريق‬
‫الماء قبل انقضاء اليوم‪ :‬ليحنث عند الطرفين وزفر‪ ،‬وعند أبي يوسف‪ :‬يحنث‪.‬‬
‫وأما أمثلة النوع الثاني‪ :‬وهو المستحيل عادة فهي‪ :‬لو قال شخص‪( :‬وال لمسن السماء ) أو‬
‫( لصعدن السماء ) أو( لحولن هذا الحجر ذهبا ) وحكمه‪ :‬أنه تنعقد اليمين عند أئمة الحنفية الثلثة‪.‬‬
‫وعند زفر‪ :‬لتنعقد‪.‬‬
‫الدلة‪ :‬استدل أبو يوسف على المستحيل حقيقة فقال‪ :‬إن الحالف شرَط لحنثه عدم تحقق فعل من‬
‫الفعال‪ :‬وهو القتل أو شرب الماء مثلً‪ ،‬فإذا تحقق الشرط حنث‪ ،‬كما في المستحيل عادة‪.‬‬
‫واستدل أبو حنيفة ومحمد وزفر‪ :‬بأن اليمين تنعقد بقصد البر والوفاء بما حلف عليه‪ ،‬والكفارة تجب‬
‫لستر الذنب الذي حصل بعدم البر وهو الحنث‪ ،‬فإذا لم يكن البر متصور الوجود حقيقة ليتصور‬
‫الحنث‪ ،‬فلم يكن في انعقاد اليمين فائدة‪ ،‬فلتنعقد ‪ .‬وهذا بخلف المستحيل عادة‪ ،‬فإن البر متصور‬

‫الوجود في نفسه حقيقة بأن يقدر ال تعالى الحالف على صعود السماء مثلً‪ ،‬كما أقدر الملئكة‬
‫والنبياء عليهم السلم‪ ،‬إل أنه عاجز عن ذلك عادة‪ ،‬فيحنث للعجز عن تحقيق مقتضى يمينه في‬
‫العادة‪ .‬واستدل زفر على عدم انعقاد اليمين في المستحيل عادة بقوله‪ :‬المستحيل عادة يلحق بالمستحيل‬
‫حقيقة‪ ،‬وبما أنه لتنعقد اليمين في المستحيل حقيقة‪ ،‬فل تنعقد في المستحيل عادة‪.‬‬
‫واستدل جمهور الحنفية على انعقاد اليمين في المستحيل عادة‪ :‬بأن الذي ينبغي مراعاته هو حقيقة‬
‫الشيء والعادة فيه‪ ،‬فإذا قررنا انعقاد اليمين فقد اعتبرنا الحقيقة والعادة معا‪ ،‬وهو أولى من النظر إلى‬
‫العادة فقط‪ ،‬أو إهدار الحقيقة كما يرى زفر‪.‬‬

‫( ‪)4/46‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن زفر سوّى في الحكم بين المستحيل حقيقة والمستحيل عادة وهو عدم انعقاد اليمين‪،‬‬
‫وأن أبا يوسف سوّى في الحكم بين النوعين وهو انعقاد اليمين‪ ،‬وأن أبا حنيفة ومحمد فرقا بين‬
‫المستحيل حقيقة والمستحيل عادة‪ ،‬فتنعقد اليمين في النوع الثاني دون الول‪.‬‬
‫ووافق بقية أئمة المذاهب رأي جمهور الحنفية في المستحيل عادة‪ .‬وأما في المستحيل عقلً فقد اتفق‬
‫الشافعي والقاضي من الحنابلة مع أبي يوسف في الرأي‪ .‬كما اتفق مالك وأبو الخطاب من الحنابلة مع‬
‫أبي حنيفة ومحمد وزفر رحمهم ال جميعا‪ ،‬وسبق ذكر ذلك كله‪.‬‬
‫‪ ً 3‬ــ شرط ركن اليمين‪ :‬ركن اليمين بال تعالى‪ :‬هو اللفظ الذي يستعمل في اليمين بال تعالى‪،‬‬
‫وهو مركب من المقسم عليه والمقسم به‪ .‬وقد تكلمت عن المقسم به تحت عنوان‪ :‬صيغة اليمين‪.‬‬
‫الستثناء في اليمين‪ :‬اشترط جميع الفقهاء (‪ )1‬في ركن اليمين نفسه‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع المغني لبن قدامة الحنبلي‪ 8 :‬ص ‪ 715‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،15‬مختصر الطحاوي‪:‬‬
‫ص ‪ ،308‬بداية المجتهد‪ 1 :‬ص ‪ ،399‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 166‬ومابعدها‪.....‬‬

‫( ‪)4/47‬‬
‫أن يخلو عن الستثناء (‪ ، )1‬مثل‪ :‬إن شاء ال تعالى‪ ،‬أو إل أن يشاء ال ‪ ،‬أو ماشاء ال‪ ،‬أو إل أن‬
‫يبدو لي غير هذا‪ ،‬أو إل أن أرى غير هذا‪ ،‬أو إل أن أحب غير هذا‪ ،‬أو قال‪ :‬إن أعانني ال ‪ ،‬أو يسّر‬
‫ال ‪ ،‬أو قال‪ :‬بمعونة ال ‪ ،‬أو بتيسيره ونحو ذلك‪.‬‬
‫فإن قال الحالف شيئا مما ذكر متصلً مع لفظ اليمين‪ ،‬لم تنعقد اليمين أي أن للستثناء بالمشيئة تأثيرا‬

‫في اليمين بالتفاق‪ .‬وإن فصل الستثناء عن لفظ اليمين انعقدت‪.‬ودليله قول النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪« :‬من حلف فقال‪ :‬إن شاء ال لم يحنث» (‪ )2‬وروى أبو داود‪« :‬من حلف فاستثنى‪ :‬فإن شاء رجع‪،‬‬
‫عقِبه ل‬
‫وإن شاء ترك» (‪ )3‬فقول النبي عليه الصلة والسلم‪ « :‬من حلف فاستثنى» يقضي كونه َ‬
‫منفصلً عنه‪.‬‬
‫وذكر المالكية شروطا ثلثة لتعطيل اليمين بالستثناء بالمشيئة أو بإل وهي ما يأتي (‪: )4‬‬
‫أحدها ـ النطق باللسان‪ ،‬ول يكفيه مجرد النية إل في الستثناء بمشيئة ال ‪.‬‬
‫الثاني ـ اتصاله باليمين من غير فصل إل بنحو سعال أو عطاس أو تثاؤب وشبه ذلك‪ .‬وقال‬
‫الشافعي‪ :‬ل بأس بالسكتة الخفيفة للتذكر أو للتنفس أو انقطاع الصوت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬إذا قال الحالف مع يمينه‪ ( :‬إن شاء ال )‪ ،‬فهذا يسمى استثناء‪ ،‬روى ابن عمر عن النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم أنه قال‪« :‬من حلف فقال‪ :‬إن شاء ال فقد استثنى» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة‪ ،‬وعند النسائي‪« :‬من حلف على يمين‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫إن شاء ال ‪ ،‬فقد استثنى» (راجع جامع الصول‪12 :‬ص ‪ ،298‬نصب الراية‪3 :‬ص ‪.)302‬‬
‫(‪ )3‬رواه مالك والشافعي وأحمد وأصحاب السنن الربعة وابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر‪،‬‬
‫وفي لفظ‪« :‬من حلف على يمين‪ ،‬فقال‪ :‬إن شاء ال‪ ،‬فقد استثنى» وفي رواية الترمذي‪« :‬من حلف‬
‫على يمين فقال‪ :‬إن شاء ال‪ ،‬فل حنث» رجاله رجال الصحيح إل أن القاسم لم يدرك ابن مسعود‬
‫( المرجعان السابقان‪ ،‬مجمع الزوائد‪ 4 :‬ص ‪ ،182‬اللمام‪ :‬ص ‪ ،427‬نيل الوطار‪ 8 :‬ص ‪،219‬‬
‫سبل السلم‪ 4 :‬ص ‪.)103‬‬
‫(‪ )4‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،171 ،167‬الشرح الكبير‪ 2 :‬ص ‪.161 ،129‬‬

‫( ‪)4/48‬‬
‫الثالث ـ قصد حل اليمين ‪ :‬فلو قصد تأكيد اليمين أو التفويض إلى ال أو التأدب والتبرك‪ ،‬لم ينفعه‬
‫الستثناء‪.‬‬
‫أما النذر فل ينفع فيه الستثناء بالمشيئة‪.‬‬
‫ووافقهم بقية الفقهاء في الشرطين الولين (‪ . )1‬وإن قال‪ :‬إل أن يشاء فلن‪ ،‬فإن لم تعلم مشيئته لغيبة‬
‫أو جنون أو موت‪ ،‬انحلت اليمين‪ ،‬لنه لم يوجد الشرط‪ .‬وإن عرفت مشيئته فشاء‪ ،‬لزمه الفعل‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلً ‪:‬‬

‫يحلف النسان عادة على الحوال المحيطة به من أكل وشرب ودخول وخروج وجلوس وركوب‬
‫وسكنى ولبس وكلم وضرب ونحوها‪ ،‬قاصدا حث نفسه أو غيره على فعل الشيء أو المنع منه‪ ،‬فإن‬
‫خالف مقتضى يمينه حنث ووجبت عليه الكفارة‪ .‬لهذا كان مناسبا أن يعنون لهذا المبحث بأحوال‬
‫اليمين التي يكون الكلم عنها في أحد عشر مطلبا بحسب ما هو الغلب وقوعه بين الناس‪.‬‬
‫وقبل البدء بالكلم عن هذه المطالب أحقق هذه المسائل المهمة التي اختلف فيها الفقهاء‪ ،‬والتي يتوقف‬
‫إصدار الحكم في أهم موضوعات هذه المطالب على معرفتها وهي‪:‬‬
‫هل اليمان مبنية على العرف أو النية أوصيغة اللفظ؟‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ 716‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/49‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬اليمان مبنية على العرف والعادة ل على المقاصد والنيات‪ ،‬لن غرض الحالف‪ :‬هو‬
‫المعهود المتعارف عنده‪ ،‬فيتقيد بغرضه‪ .‬هذا هو الغالب عندهم‪ ،‬وقد تبنى اليمان عندهم على اللفاظ‬
‫ل على الغراض (‪. )1‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬اليمان مبنية على الحقيقة اللغوية أي بحسب صيغة اللفظ‪ ،‬لن الحقيقة أحق بالرادة‬
‫والقصد‪ ،‬إل أن ينوي شيئا فيعمل بنيته‪ ،‬مثاله‪ :‬لو حلف إنسان أل يأكل رؤوسا‪ ،‬فأكل رؤوس حيتان‬
‫(مفرده‪ :‬حوت) فمن راعى العرف قال‪ :‬ل يحنث‪ ،‬ومن راعى دللة اللغة قال‪ :‬يحنث‪ .‬وكذلك يحنث‬
‫من حلف ل يأكل لحما ‪ ،‬فأكل شحما مراعاة لدللة اللفظ‪،‬وقال الخرون‪ :‬ل يحنث‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة‪ ،‬وذلك عند ظهورها وشمولها‪ ،‬وهو الصل العام‪،‬‬
‫وتارة يتبع العرف إذا اشتهر واطرد‪......‬‬
‫وقال مالك في المشهور من مذهبه‪ :‬المعتبر في اليمان التي ل يقضى (‪ )2‬على حالفها بموجبها‬
‫وكذلك النذور هو النية ( أي نية الحالف في غير الدعاوى ففيها تعتبر نية المستحلف كما بان سابقا )‪،‬‬
‫فإن عدمت فقرينة الحال‪ ،‬فإن عدمت فعرف اللفط أي ماقصد الناس من عرف أيمانهم‪ ،‬فإن عدم‬
‫فدللة اللغة‪ ،‬وقيل‪ :‬ليراعى إل النية أو ظاهر اللفظ اللغوي فقط‪ ،‬وقيل‪ :‬يراعى النية وبساط الحال أي‬
‫السبب الحامل على اليمين (‪ ، )3‬أو المقام وقرينة السياق في اصطلح علم المعاني‪ .‬ولينفع في النذر‬
‫الستثناء بالمشيئة‪.‬‬

‫وأما اليمان التي يقضى بها على صاحبها‪ :‬ففي مجال الستفتاء تراعى هذه الضوابط على هذا‬
‫الترتيب‪ ،‬وإن كان مما يقضى بها عليه لم يراع فيها إل اللفظ إل أن يؤيد ما اد عاه من النية قرينة‬
‫الحال أو العرف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال ابن عابدين في رسائله ( ‪ 1‬ص ‪ :) 304‬كل من هاتين القاعدتين مقيدة بالخرى‪ ،‬فقولهم‪:‬‬
‫(اليمان مبنية على العرف) معناه العرف المستفاد من اللفظ ل الخارج عن اللفظ اللزم له‪ .‬وقولهم‪:‬‬
‫(اليمان مبنية على اللفاظ ل الغراض ) معناه اللفاظ العرفية‪ .‬وإذا تعارض الوضع الصلي للكلمة‬
‫والوضع العرفي ترجح الوضع العرفي‪.‬‬
‫(‪ )2‬أي التي ليصدر فيها حكم قضائي ‪ ،‬وإنما يترك شأنها للحالف بينه وبين ال تعالى‪ ،‬وذلك في‬
‫المور التي تكون علقتها بنفس النسان أو بال سبحانه‪ .‬أما المور التي تتعلق بالناس فهذه مما‬
‫يقضى فيها على الحالف‪.‬‬
‫(‪ )3‬حدود ابن عرفة‪ :‬ص ‪.137‬‬

‫( ‪)4/50‬‬
‫قال الشاطبي‪ :‬من مذهب مالك أن يترك الدليل للعرف‪ ،‬فإنه رد اليمان إلى العرف‪ ،‬مع أن اللغة‬
‫تقتضي في ألفاظها غير مايقتضيه العرف‪ .‬كمن حلف ليدخل بيتا‪ :‬ليحنث بدخول المسجد‪ ،‬لنه ل‬
‫يسمى بيتا في العرف (‪. )1‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬يرجع في اليمان إلى النية أي نية الحالف‪ ،‬فإن نوى بيمينه مايحتمله اللفظ انصرفت‬
‫يمينه إليه‪ ،‬سواء أكان مانواه موافقا لظاهر اللفظ‪ ،‬أم مخالفا له (‪ )2‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«إنما العمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ مانوى» (‪ )3‬فإن لم ينو شيئا رجع إلى سبب اليمين وما‬
‫هيجها أو أثارها لدللته على النية‪ .‬فإن حلف ل يأوي مع امرأته في هذه الدار‪ ،‬فإن كان سبب يمينه‬
‫غيظا من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منة عليه بها‪ ،‬اختصت يمينه بها‪ .‬وإن كان لغيظ لحقه من‬
‫المرأة يقضي جفاءها ول أثر للدار فيه‪ ،‬تعلق ذلك بإيوائه معها في كل دار‪.‬‬
‫هذا ‪ ..‬وقد عرفنا أنه ينقسم هذا المبحث إلى أحد عشر مطلبا أذكرها فيما يأتي‪:‬‬
‫المطلب الول ــ الحلف على الدخول ‪:‬‬
‫أبدأ ببيان الفعال أو الحوال التي يحلف عليها فعلً‪ ،‬وأولها الدخول لمكان باعتباره من أهم السباب‬
‫التي تثير المشكلت‪ ،‬وتستدعي الحلول بعد انعقاد اليمان المحلوفة لمنع المرء نفسه أو غيره من‬

‫الدخول إلى مكان من المكنة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬العتصام ‪. 141/2 :‬‬
‫(‪ )2‬انظر هذا المبحث في تبيين الحقائق‪3 :‬ص ‪ 116‬ومابعدها ‪ ،‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،38‬الفتاوى الهندية‪:‬‬
‫‪2‬ص ‪ ،63‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ ،78‬رسائل ابن عابدين‪ 1 :‬ص ‪ ،292‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪1 :‬‬
‫ص ‪ ،82‬بداية المجتهد‪ 1 :‬ص ‪ 402 ،398‬ومابعدها‪ .‬الشرح الكبير للدردير‪ 2 :‬ص ‪139 ،135‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ 335‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 8 :‬ص ‪ 763‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪ 161‬ومابعدها‪.171 ،‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪ ،‬وهو حديث متواتر عن ثلثين‬
‫صحابيا (شرح مسلم‪ 13 :‬ص ‪ ،53‬الربعين النووية‪ :‬ص ‪ ،16‬النظم المتناثر من الحديث المتواتر‬
‫للسيد جعفر الكتاني‪ :‬ص ‪.) 17‬‬

‫( ‪)4/51‬‬
‫معنى الدخول ‪:‬‬
‫الدخول‪ :‬هو النتقال من خارج المكان إلى داخله‪ .‬فإن حلف إنسان ليدخل هذه الدار وهو فيها‪ ،‬فمكث‬
‫بعد يمينه‪ ،‬ليحنث استحسانا‪ ،‬والقياس أن يحنث وهو قول غير الحنفية‪ ،‬ووجه ذلك أن المداومة على‬
‫الفعل هي بحكم إنشاء الفعل‪ .‬ووجه الستحسان‪ :‬أن معنى الدخول المذكور وهو ( النتقال من خارج‬
‫الشيء إلى داخله ) ليتحقق؛ لن الدوام هو المكث‪ ،‬والمكث استقرار في الشيء فيستحيل أن يكون‬
‫انتقالً‪.‬‬
‫ولو حلف أل يدخل دارا أو بيتا أو مسجدا أو حماما‪ ،‬فعلى أي وجه دخل‪ :‬من الباب أو غيره‪ ،‬حنث‬
‫لوجود الدخول‪ ،‬فإن نزل على سطحها‪ ،‬حنث عند الجمهور غير الشافعية؛ لن سطح الدار منها‪ ،‬إذ‬
‫الدار اسم لما تدور عليه الدائرة‪ ،‬والدائرة أحاطت بالسطح‪ .‬وكذا لو أقام على حائط من حيطانها؛ لن‬
‫الحائط مما تدور عليه الدائرة‪ ،‬فكان كسطحها‪ ،‬وهذا هو مذهب المالكية والحنابلة في أن سطح الدار‬
‫منها‪ ،‬وحكمه كحكمها‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬ليحنث بصعود سطح من خارج الدار‪ ،‬لنه ليسمى داخل الدار لغة ول عرفا‪ ،‬لنه‬
‫حاجز يقي الدار الحر‪ ،‬والبرد‪ ،‬فهو كحيطانها‪ .‬ولو قام على ظلة للدار شارعة (‪ )1‬أو كنيف شارع (‬
‫‪ : )2‬فإن كان مفتح ذلك إلى الدار يحنث‪ ،‬لنه ينسب إليها‪،‬فيكون من جملة الدار وإل فل يحنث‪.‬‬

‫وإن قام على أسكفّة (‪ )3‬الباب‪ :‬فإن كان الباب إذا أغلق كانت السكفة خارجة عن الباب لم يحنث‬
‫لنه خارج‪ ،‬وإن بقيت من داخل الدار حنث‪ ،‬لنه داخل؛ لن الباب يغلق على مافي داخل الدار‪ ،‬ل‬
‫على ما في الخارج‪.‬‬
‫ولو دخل دهليز (‪ )4‬الدار حنث باتفاق الحنفية والشافعية؛ لنه من داخل الدار‪ .‬ولو دخل ظلة باب‬
‫الدار ل يحنث‪ ،‬لنها اسم للخارج‪.‬‬
‫وإن أدخل الحالف إحدى رجليه في الدار‪ ،‬ولم يدخل الخرى ل يحنث بالتفاق؛ لنه لم يوجد الدخول‬
‫مطلقا‪ ،‬وهو النتقال بكله‪ ،‬وإنما دخل بعضه‪ ،‬وكذا إذا أدخل رأسه دون قدميه (‪. )5‬‬
‫ولو حلف ل يدخل دارا‪ ،‬فدخل دارا بعد انهدامها ول بناء عليها ل يحنث‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الظلة‪ :‬كل ما أظلك من بناء أو جبل أو سحاب أي سترك وألقى ظله عليك من الحر والبرد‪.‬‬
‫وقول الفقهاء‪ :‬ظلة الدار يريدون بها السدة التي فوق باب الدار‪ ،‬أي الساباط الذي يكون على باب‬
‫الدار‪ ،‬وليكون فوقه بناء‪ .‬وكذلك إذا كان فوقه بناء إل أن مفتحه إلى الطريق‪ ،‬وهو المراد بقوله‪ :‬ظلة‬
‫شارعة أي سقيفة تابعة للدار‪ ،‬ولكنها فوق طريق يسير فيه الناس‪ .‬والشارعة مؤنث الشارع‪ .‬وإنما لم‬
‫يحنث في الحالة الولى‪ :‬فلنه لينطلق عليه اسم البيت ولعدم البيتوتة فيه‪ .‬وفي الحالة الثانية‪ :‬ليحنث‬
‫لنه ليس من جملة البيت المنسوب إلى شخص‪.‬‬
‫(‪ )2‬الكنيف‪ :‬هو الكنّة التي تشرع فوق باب الدار‪ ،‬أي السقفية‪.‬‬
‫(‪ )3‬السْكفّة ‪ -‬بضم اللف والكاف وتشديد الفاء‪ :‬وهي خشبة الباب التي يوطأ عليها‪.‬‬
‫(‪ )4‬الدهليز ‪ -‬بكسر الدال‪ :‬ما بين الباب والدار‪.‬‬
‫(‪ )5‬انظر ما ذكر في البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،36‬المبسوط‪ 8 :‬ص ‪ ،168‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪ ،64‬تبيين‬
‫الحقائق‪ 3 :‬ص ‪ ،118‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،34 ،29‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ ،80‬وانظر ما ذكر من‬
‫مذاهب غير الحنفية في كتاب المغني‪ 8:‬ص ‪ ،778 ،775 ،772‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪،332‬‬
‫المهذب‪ 2 :‬ص ‪ ،132‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،162‬الشرح الكبير‪.154/2 :‬‬

‫( ‪)4/52‬‬
‫ولو عين المحلوف عليه‪ ،‬فقال‪( :‬وال ل أدخل هذه الدار) فذهب بناؤها بعد يمينه‪ ،‬ثم دخلها‪ ،‬يحنث‪.‬‬
‫والفرق بين الصورتين‪ :‬هو أنه إذا ذكر الحالف لفظ الدار منكّرا‪ ،‬فإن النكرة تنصرف إلى المتعارف ‪،‬‬
‫وهي الدار المبنية‪ ،‬فما لم يوجد البناء وهو وصف الدار ل يحنث‪ ،‬وأما إذا قال‪( :‬هذه الدار) فهو‬

‫إشارة إلى الشيء المعين الحاضر‪ ،‬فيراعى ذات المعين‪ ،‬ل صفته؛ لن الوصف للتعريف‪ ،‬والشارة‬
‫كافية للتعريف‪ ،‬وذات الدار قائمة بعد النهدام؛ لن الدار في اللغة اسم للعَرْصة يقال‪ :‬دار عامرة‬
‫ودار غير عامرة‪ ،‬وقد شهدت أشعار العرب بذلك‪ ،‬والعرصة قائمة بعد انهدام الدار‪.‬‬

‫( ‪)4/53‬‬
‫ولو أعيد البناء فدخلها يحنث سواء ذكر الدار منكرا أو معينا (‪. )1‬‬
‫وقال الشافعية والمالكية‪ :‬إن حلف ل يدخل هذه الدار فانهدمت‪ ،‬وصارت ساحة‪ ،‬أو جعلت حانوتا أو‬
‫بستانا أومسجدا أو حماما‪ ،‬فدخلها‪ ،‬لم يحنث‪ ،‬لنه زال عنها اسم الدار‪ .‬ثم إن أعيدت بغير تلك اللة‬
‫أي بأدوات بناء جديدة من حجارة واسمنت ونحوها لم يحنث بدخولها‪ ،‬لنها غير تلك الدار‪ .‬وإن‬
‫أعيدت بآلتها الولى ففيه وجهان‪:‬أحدهما وهو الصح‪ :‬يحنث‪ ،‬والخر‪ :‬ل يحنث (‪. )2‬‬
‫الحلف على عدم دخول مسجد‪ :‬لو قال شخص‪( :‬ل أدخل هذا المسجد) فهدم فصار صحراء ثم دخله‪،‬‬
‫فإنه يحنث لنه مسجد‪ ،‬وإن لم يكن مبنيا‪ .‬وإذا دخل سطح المسجد يحنث‪ ،‬لنه مسجد‪.‬‬
‫الحلف على عدم دخول بيت‪ :‬ولو حلف‪ :‬ل يدخل بيتا أو هذا البيت‪ ،‬فدخله بعدما انهدم ولبناء فيه‪ ،‬ل‬
‫يحنث؛ لن البيت اسم لما يبات فيه‪ ،‬ول يبات إل في البناء‪ ،‬وكذلك ل يطلق اسم البيت إل على المبنى‬
‫المسقف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،37‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ ،81‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ 32-30‬قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫الدار دار وإن زالت حوائطها والبيت ليس ببيت بعد تهديم‬
‫(‪ )2‬المهذب‪ 2 :‬ص ‪ ،132‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪ ،332‬الشرح الكبير للدردير‪ 2 :‬ص ‪.158‬‬

‫( ‪)4/54‬‬
‫الحلف على عدم دخول الفسطاط‪ :‬لو حلف‪ ( :‬ل يدخل هذا الفسطاط ) وهو مضروب في مكان‪ ،‬فقلع‬
‫وضرب في مكان آخر‪ ،‬فدخله‪ ،‬يحنث؛ لن اليمين يقع على عين الشيء‪ ،‬والعين باقية ل تتبدل بنقلها‬
‫من مكان إلى مكان‪.‬‬
‫عدم الجلوس إلى الحائط أو السطوانة‪ :‬إذا حلف‪ ( :‬ل يجلس إلى هذا الحائط‪ ،‬أو إلى هذه‬
‫السطوانة ) فهدما‪ ،‬ثم بنيا بأنقاضهما‪ ،‬فجلس إليه‪ :‬ل يحنث ؛ لن الشيء الجديد غير القديم‪ ،‬فإن‬

‫الحائط إذا هدم زال اسمه عنه‪ ،‬وكذا السطوانة‪.‬‬
‫الحلف على القلم والمقص ونحوهما‪ :‬إذا حلف ‪ ( :‬ل يكتب بهذا القلم) فكسر القلم‪ ،‬بحيث لم تبق‬
‫صورته‪ ،‬ثم براه‪ ،‬فكتب به‪ ،‬لم يحنث‪ ،‬لنه إذا كسر‪ ،‬فقد زال عنه اسم القلم‪ ،‬فبطلت اليمين‪.‬‬
‫وكذلك إذا حلف على مقص أو سكين أو سيف‪ ،‬فكسر‪ ،‬ثم أعيد ثانية‪ :‬ل يحنث؛ لن اسم الشيء قد‬
‫زال بالكسر‪.‬‬
‫ولو نزع الحالف مسمار المقص ونصاب السكين وجعل مكانه مسمارا آخر‪ ،‬أو نصابا آخر‪ :‬يحنث؛‬
‫لن اسم الشيء لم يزل عنه‪ ،‬وإنما تغير وصف التركيب‪.‬‬
‫الحلف على عدم دخول الدار ثم جعلها شيئا آخر‪ :‬لو حلف‪ ( :‬ل يدخل هذه الدار ) فجعلها بستانا أو‬
‫حماما أو مسجدا‪ :‬ل يحنث‪ ،‬لنها صارت شيئا آخر من حيث النتفاع بها والغرض من استعمالها (‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ 8 :‬ص ‪ ،171‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪.‬‬

‫( ‪)4/55‬‬
‫وإن حلف‪( :‬ل يدخل بيتاَ) فدخل مسجدا أو بِيعة أو كنيسة أو بيت نار (‪ ، )1‬أو دخل الكعبة‪ ،‬أو حماما‬
‫أو دهليزا و ظلة باب دار‪ :‬لم يحنث بالتفاق؛ لن البيت ما أعدّ للبيتوتة‪ ،‬وهذه البقاع ما بنيت لها‬
‫ولن هذه الشياء ل تسمى بيتا في العرف والعادة‪ ،‬ومن المعلوم عند الحنفية أن اليمان مبنية على‬
‫صفّة ل تسمى بيتا في العرف‬
‫صفّة (‪ )2‬في عرفنا الحاضر؛ لن ال ُ‬
‫العرف‪ .‬وكذلك ل يحنث إن دخل ُ‬
‫والعادة (‪. )3‬‬
‫وهذا هو الحكم المقرر أيضا عند الشافعية (‪ )4‬؛ لن هذه الشياء ل تدخل في إطلق اسم البيت‪،‬‬
‫ولن البيت اسم لما جعل لليواء والسكنى‪ ،‬وهذه الشياء لم تجعل لذلك‪ ،‬ول تسمى بيتا عرفا‪ .‬ويحنث‬
‫عندهم بدخول أو سكنى كل بيت من طين أو حجر أو آجر أو خيمة أو بيت شعر أو جلد‪ ،‬لن اسم‬
‫البيت يقع على ذلك كله حقيقة في اللغة‪ ،‬سواء أكان الحالف حضريا أم بدويا‪ .‬وخالفهم المالكية (‪، )5‬‬
‫فقالوا‪ :‬إن حلف أل يدخل على فلن بيتا‪ ،‬حنث إن دخل عليه في الحمام ل في المسجد‪.‬‬
‫الحلف على عدم دخول باب الدار‪ :‬لو حلف‪ ( :‬ل يدخل من باب هذه الدار)‪ ،‬فدخلها من غير الباب‪،‬‬
‫لم يحنث بالتفاق‪ ،‬لعدم الشرط وهو الدخول من الباب‪ .‬ولو جُعل للدار باب آخر‪ ،‬فدخل منه يحنث؛‬
‫لن الحلف على باب منسوب إليها‪ ،‬فيستوي القديم والحادث إل إن عين ذلك الباب في حلفه‪ ،‬ولو نواه‬

‫ولم يعينه يدين فيما بينه وبين ال تعالى‪ ،‬لن لفظه يحتمله‪ ،‬ول يدين في القضاء‪ ،‬لنه خلف الظاهر‪،‬‬
‫حيث أراد بالمطلق المقيد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البيعة بكسر الباء‪ ،‬معبد النصارى‪ ،‬والكنيسة‪ :‬معبد اليهود‪ ،‬وبيت النار‪ :‬معبد المجوس‪.‬‬
‫(‪ )2‬الصفّة‪ :‬موضع مظلل وهو بيت صيفي يكون مسقوفا بجريد النخل ونحوه‪ .‬وصفة المسجد‪ :‬مقعد‬
‫بالقرب منه مظلل‪.‬‬
‫(‪ )3‬المسبوط‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،169‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪ ،63‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص‬
‫‪ ،38‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،32 ،29‬تبيين الحقائق‪ 3 :‬ص ‪ ،117‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪.80‬‬
‫(‪ )4‬المهذب‪ 2 :‬ص ‪ ،132‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪.334 ،332‬‬
‫(‪ )5‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.163‬‬

‫( ‪)4/56‬‬
‫ولو حلف ‪ ( :‬ل يدخل من باب الدار ) ‪ :‬فمن أي باب دخل حنث إل إذا أراد به الباب المعروف‪،‬‬
‫فيدين فيما بينه وبين ال تعالى‪ ،‬دون القضاء (‪. )1‬‬
‫الحلف على عدم دخول دار فلن‪ :‬وإن حلف ل يدخل دار فلن فدخل دارا بين فلن وبين آخر‪ ،‬فإن‬
‫كان فلن ساكنا فيها بالجارة حنث‪ ،‬وإذا كان مالكا بعضها حنث من باب أولى‪ .‬وإن لم يكن ساكنا‬
‫فيها ل يحنث‪ ،‬لن الدار مضافة إلى الشخصين إضافة ملك‪ ،‬وكل الدار ليست مضافة إلى أحدهما‪،‬‬
‫لن بعض الدار ل يسمى دارا‪ ،‬وحينئذ ل يقال‪ :‬إن الدار لفلن‪.‬‬
‫وهذا يفترق عما إذا حلف ل يزرع أرض فلن‪ ،‬فزرع أرضا بين فلن وشخص آخر‪ ،‬فإنه يحنث‪،‬‬
‫لن كل جزء من الرض يسمى أرضا‪ ،‬وبعض الدار ل يسمى دارا كما ذكرت‪.‬‬
‫وكذلك قال المالكية والشافعية في الظهر (‪ : )2‬من حلف ل يدخل على زيد‪ ،‬فدخل بيتا فيه زيد‬
‫وغيره حنث مطلقا‪ ،‬لوجود صورة الدخول عليه‪ .‬لكن لو حلف ل يسلم على فلن‪ ،‬فسلّم على قوم هو‬
‫فيهم واستثناه‪ ،‬ل يحنث‪ ،‬وإن أطلق حنث في الظهر‪ ،‬كالدخول‪.‬‬
‫الحلف على عدم دخول بيت فلن‪ :‬لو حلف شخص ل يدخل بيت فلن‪ ،‬ول نية له‪ ،‬فدخل صحن‬
‫داره‪ ،‬وفلن ساكن فيها ل يحنث حتى يدخل البيت؛ لن البيت اسم لموضع يبات فيه عادة‪ ،‬ول يبات‬
‫في صحن الدار عادة‪ ،‬فإن نواه يصدق‪ ،‬لنه شدد على نفسه‪.‬‬
‫الحلف على عدم دخول الدار إل مجتازاً‪ :‬لو حلف ل يدخل هذه الدار إل مجتازا أوعابر سبيل‪ :‬فإن‬

‫دخل وهو ل يريد الجلوس‪ ،‬ل يحنث‪ ،‬لنه عقد يمينه على كل دخول‪ ،‬واستثنى دخولً بصفة الجتياز‪،‬‬
‫وقد دخل على الصفة المستثناة‪.‬‬
‫فإن دخل يعود مريضا‪ ،‬ومن رأيه الجلوس عنده‪ ،‬يحنث‪ ،‬لنه دخل ل على الصفة المستثناة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،38‬فتح القدير‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،34‬المغني‪.773/8 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 334/4 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ 145/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/57‬‬
‫وإن دخل ليريد الجلوس‪ ،‬ثم بدا له بعد ما دخل فجلس‪ ،‬ل يحنث؛ لنه لم يحنث بدخوله‪ ،‬والبقاء على‬
‫الدخول ليس بدخول‪ .‬وإن نوى بقوله‪ ( :‬ل يدخلها إل مجتازا ) النزول فيها والدوام‪ :‬ل يحنث‬
‫بالجلوس‪ ،‬لنه يقول‪ :‬دخلت عابر سبيل‪ :‬بمعنى أنه لم يدم على الدخول ولم يستقر (‪. )1‬‬
‫الحلف بالدخول على فلن‪ :‬لو حلف إنسان ل يدخل على فلن‪ ،‬فدخل عليه في بيته‪ :‬فإن كان يقصده‬
‫بالدخول حنث‪ ،‬وإن لم يقصده ل يحنث‪ ،‬وكذلك إذا دخل عليه في بيت رجل آخر‪ ،‬ولم يقصده‬
‫بالدخول‪،‬ل يحنث‪ .‬وإنما اعتبر القصد حتى يصير داخلً عليه؛ لن النسان إنما يحلف أل يدخل على‬
‫غيره استخفافا به وتركا لكرامه عادة‪ ،‬وهذا ل يكون إل مع القصد‪.‬‬
‫وذكر الكرخي عن ابن سماعة في نوادره خلف هذا‪ ،‬فقال في رجل قال‪( :‬وال ل أدخل على فلن‬
‫بيتا ) فدخل بيتا على قوم‪ ،‬وفيهم فلن‪ ،‬ولم يعلم به الحالف‪ ،‬فإنه حانث بدخوله‪ ،‬فلم يعتبر القصد‬
‫للدخول على فلن‪.‬‬
‫ودليله أنه جعل شرط الحنث الدخول على فلن‪ ،‬وقد وجد الشرط‪ ،‬والعلم بشرط الحنث ليس بشرط‬
‫في الحنث‪ ،‬كمن حلف ل يكلم زيدا‪ ،‬فكلمه وهو ل يعرف أنه زيد‪ .‬ولكن ظاهر المذهب هو الرأي‬
‫الول‪.‬‬
‫ولو علم الحالف أن فلنا في القوم‪ ،‬فدخل ينوي الدخول على القوم ل عليه‪ :‬ل يحنث فيما بينه وبين‬
‫ال عز وجل‪ ،‬لنه إذا قصد غيره لم يكن داخلً عليه‪ ،‬ول يصدق قضاء؛ لن الظاهر دخوله على‬
‫الجماعة وما في اعتقاده ل يعرفه القاضي‪.‬‬
‫فإن دخل عليه في مسجد أو ظلة أو سقيفة أو دهليز دار‪ :‬لم يحنث لن الدخول يقع على الدخول‬
‫المعتاد‪ ،‬وهو الذي يدخل الناس فيه بعضهم على بعض‪ ،‬ول يكون هذا إل في البيوت‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ :‬ص ‪.39‬‬

‫( ‪)4/58‬‬
‫فإن دخل في فسطاط (‪ )1‬أو خيمة أو بيت شعر‪ :‬لم يحنث إل أن يكون المحلوف عليه من أهل‬
‫البادية‪ ،‬لنهم يسمون ذلك بيتا‪ ،‬والتعويل في شأنه على العرف والعادة‪.‬‬
‫ولو دخل عليه في داره‪ ،‬وفلن في بيت من الدار‪ :‬لم يحنث‪ ،‬لنه ليس بدخول عليه‪ .‬وإن كان في‬
‫صحن الدار‪ ،‬يحنث‪ ،‬لنه يكون داخلً عليه إذا شاهده‪.‬‬
‫وإن دخل عليه في المسجد أو الكعبة أو الحمام‪ ،‬ل يحنث لن المقصود بهذه اليمين المتناع من‬
‫الدخول في المواضع التي يُكرّم الناس بالدخول عليهم فيها‪ ،‬وهذا ل يوجد في هذه المواطن‪.‬‬
‫ولو دخل الحالف دارا ليس فيها فلن‪ ،‬فدخل فلن تلك الدار‪ :‬ل يحنث‪ ،‬لنه ما دخل على فلن‪ ،‬بل‬
‫فلن دخل عليه فل يحنث (‪. )2‬‬
‫وذكر المالكية (‪ : )3‬أن من حلف أل يدخل دار فلن‪ ،‬فدخل دارا مكتراة له‪ ،‬حنث عندهم وعند‬
‫الحنفية والحنابلة إن لم ينو دار الملك لن الدار تضاف إلى ساكنها‪ .‬ومن حلف أل يدخل دار فلن‪،‬‬
‫فانتقلت عن ملكه‪ ،‬لم يحنث بدخولها‪ .‬وإن قال‪ ( :‬هذه الدار ) حنث‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬ل يحنث إل‬
‫بدخول دار يملكها؛ لن الضافة إلى المالك‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء (‪ )4‬على أن من حلف ليدخل دارا‪ ،‬فأكره على دخولها‪ ،‬ولم يمكنه المتناع‪ ،‬لم يحنث؛‬
‫لن الفعل غير موجود منه ول منسوب إليه‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ الحلف على الخروج ‪:‬‬
‫الخروج مقابل للدخول وهو‪ :‬النتقال من داخل الشيء إلى خارجه‪ .‬فل يكون المكث بعد الخروج‬
‫خروجا‪ ،‬كما ل يكون المكث بعد الدخول دخولً‪ ،‬والخروج كما يكون من البلدان والدور والمنازل‬
‫والبيوت‪ ،‬يكون من الخبية والفساطيط والخيم والسفن لوجود تعريف الخروج‪ ،‬وذلك كالدخول‪.‬‬
‫والخروج من الدور المسكونة‪ :‬أن يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله‪ ،‬كما إذا حلف ل يسكن فيها‪.‬‬
‫والخروج من القرى والبلدان‪ :‬أن يخرج الحالف ببدنة خاصة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الفسطاط‪ :‬بيت من شعر‪.‬‬
‫(‪ )2‬انظر البدائع‪ 3 :‬ص ‪.41‬‬

‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،162‬المغني‪ ،773/8 :‬الشرح الكبير‪.154/2 :‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪.771/8 :‬‬

‫( ‪)4/59‬‬
‫وهذا مبني عل العرف‪ ،‬فإن من خرج من الدار‪ ،‬وأهله ومتاعه فيها ل يعد خارجا من الدار‪ ،‬ومن‬
‫خرج من البلد يعد خارجا منها‪ ،‬وإن كان أهله ومتاعه فيها (‪ . )1‬وهذا هو مذهب الحنابلة أيضا (‬
‫‪ ، )2‬فالحلف على الخروج يقتضي الخروج بنفسه وأهله‪ ،‬كما لو حلف ل يسكنها‪ .‬أما من حلف على‬
‫الخروج من هذه البلدة‪ ،‬فتتناول يمينه عند الحنابلة الخروج بنفسه؛ لن الدار يخرج منها صاحبها عادة‬
‫في اليوم مرات‪ ،‬فظاهر حاله أنه لم يرد الخروج المعتاد‪ ،‬أما الخروج من البلد فهو بخلف ذلك ‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يتحقق معنى الخروج بأن يخرج الحالف بنفسه بنية النتقال‪ ،‬لنه المحلوف عليه‪ ،‬ول‬
‫يضر بقاء أهله ومتاعه (‪. )3‬‬
‫ويترتب على مذهب الحنفية ما يأتي (‪: )4‬‬
‫الحلف على الخروج من البيت‪ :‬لو قال رجل لمرأته‪ ( :‬إن خرجت من البيت فأنت طالق ) فخرجت‬
‫من البيت إلى صحن الدار‪ ،‬حنث‪ ،‬لنه نوى ما يحتمله لفظه‪ :‬وهو النتقال من داخل الشيء إلى‬
‫خارجه‪ ،‬ولن البيت غير الدار‪ ،‬لن البيت اسم لمسقف واحد‪ ،‬والدار اسم لحدود يجمع البيوت‬
‫والمنازل‪ ،‬وبناء عليه إذا قال‪ ( :‬إن دخل فلن بيتك ) فدخل صحن دارها‪ ،‬دون بيتها‪ ،‬لم يحنث‪.‬‬
‫والحكم في هذين المثالين مبني على عرف الذين كانوا في عصر المجتهدين‪ ،‬أما في عرف‬
‫المتأخرين‪ ،‬فإن اسم البيت يطلق على الدار والمنزل‪ ،‬فيحنث في الثاني دون الول‪.‬‬
‫الحلف على الخروج من الدار‪ :‬وإن قال‪ (:‬إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق ) فخرجت من هذه‬
‫الدار من أي باب كان‪ ،‬ومن أي موضع كان‪ :‬من فوق حائط‪ ،‬أو سطح أو نقب‪ :‬حنث‪ ،‬لوجود شرط‬
‫الحنث‪ ،‬وهو الخروج من الدار‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،42‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،38‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ ،85‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص‬
‫‪.73 ،69‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ 8 :‬ص ‪.770‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪.329‬‬
‫(‪ )4‬انظر البدائع‪ 3 :‬ص ‪ 42‬ومابعدها‪ ،‬المبسوط‪ 8 :‬ص ‪ 173‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/60‬‬
‫الخروج من الباب‪ :‬ولو قال‪ ( :‬إن خرجت من باب هذه الدار فأنت طالق) فخرجت من أي باب كان‪،‬‬
‫سواء من الباب القديم أو من الباب الحادث بعد اليمين‪ ،‬حنث في يمينه لوجود شرط الحنث‪ :‬وهو‬
‫الخروج من باب الدار‪ .‬فلو خرجت من السطح أو من فوق حائط أو نقب‪ :‬ل يحنث‪ ،‬لنه ليس بباب‪.‬‬
‫ولو عين بابا في يمينه فقال‪ ( :‬إن خرجت من هذا الباب ) ل يحنث ما لم تخرج من الباب المعين‪.‬‬
‫وإن خرجت من باب آخر‪ ،‬ل يحنث‪ ،‬لنه قد يكون للتعيين فائدة أو غرض معين‪ ،‬فيعتبر ذلك‪.‬‬
‫الخروج لمر معين‪ :‬لو قال‪ ( :‬إن خرجت من هذه الدار إل في أمر كذا) فخرجت في ذلك المر‬
‫مرة‪ ،‬ثم خرجت لمر آخر‪ :‬يحنث‪ ،‬لنه حرم عليها جميع حالت الخروج إل خروجا مقيدا بصفة‬
‫معينة‪ ،‬فإذا وجد منها الخروج المستثنى ل يحنث‪ ،‬وإن وجد خروج آخر يحنث‪.‬‬
‫وإن عنى بيمينه الخروج مرة يصح‪ .‬وتكون ( إل ) بمعنى ( حتى ) مجازا‪ ،‬كأنه قال‪ ( :‬إن خرجت‬
‫من هذه الدار حتى تخرجي في أمر كذا ) فإذا خرجت في ذلك المر يسقط اليمين‪ ،‬لتحقق الغاية من‬
‫اليمين‪ ،‬ولكن هذا يثبت ديانة ل قضاء‪ ،‬لنه مخالف لحقيقة اللفظ‪.‬‬
‫الخروج مع فلن‪ :‬لو قال‪ ( :‬إن خرجت من الدار مع فلن فأنت طالق) فخرجت وحدها أو مع غير‬
‫فلن‪ ،‬ثم خرج فلن ولحقها‪ :‬لم يحنث‪ ،‬لن حرف (مع) للمصاحبة والقران‪ ،‬فيقتضي مقارنتها في‬
‫الخروج‪ ،‬ولم يوجد‪ ،‬لن الدوام على الخروج ليس بخروج‪.‬‬
‫بعض الحالت المتعلقة بالخروج من الدار‪ :‬لو قال‪ ( :‬إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق ) فدخلت‬
‫في صحن الدار أو في بيت علو أو كنيف شارع (‪ )1‬إلى الطريق العام‪ ،‬فإنه ل يحنث‪ ،‬لن هذا ل‬
‫يسمى خروجا من الدار‪.‬‬
‫هل الدوام على الشيء بحكم ابتداء الشيء؟ لو قال لها وهي خارجة من الدار‪ (:‬إذا خرجت من الدار‬
‫فأنت طالق ) ل يحنث‪ .‬وكذلك إذا كانت في الدار‪ ،‬فقال‪ ( :‬إن دخلت هذه الدار‪..‬إلخ ) ل يحنث‪ ،‬ويقع‬
‫اليمين على خروج ودخول مستأنف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أي السقيفة الممتدة خارج البيت إلى الشارع‪.‬‬

‫( ‪)4/61‬‬

‫أما لو قال‪ (:‬إن قمت أو قعدت أو لبست أو ركبت ) وهي قائمة أو قاعدة أو لبسة أو راكبة‪ ،‬فدامت‬
‫على ذلك ساعة‪ ،‬يحنث‪.‬‬
‫هذا هو مذهب الحنفية؛ لن الخروج معناه النتقال من الداخل إلى الخارج والدخول عكسه‪ ،‬وهذا مما‬
‫ل دوام له‪ ،‬فل يعتبر الدوام على الخروج خروجا‪ .‬أما الركوب ونظائره ففعل له دوام أي تتجدد‬
‫أمثاله‪ ،‬فيكون له حكم البتداء‪ .‬ودليل التفرقة أنه يقال‪ :‬ركبت أمس واليوم‪ ،‬ولبست أمس واليوم‪ ،‬ول‬
‫يقال‪ :‬دخلت أمس واليوم إل لدخول مبتدأ جديد (‪. )1‬‬
‫وزعم الحنفية أن مذهب الشافعي يعتبر الدوام على الدخول والخروج له حكم ابتداء الفعل‪ ،‬وهذا غير‬
‫صحيح‪ ،‬فإن نصوص المذهب الشافعي صريحة في أنه لو حلف إنسان أل يدخل الدار وهو فيها‪ ،‬أو‬
‫ل يخرج منها‪ ،‬وهو خارج‪ ،‬فل حنث في الصورتين؛ لن الدخول هو النفصال من خارج إلى داخل‪،‬‬
‫والخروج عكسه‪ ،‬ولم يوجد المعنى في الستدامة‪ ،‬فلهذا ل يسمى دخولً ول خروجا‪ .‬أما الدوام على‬
‫اللبس والركوب والقيام والقعود فله حكم البتداء‪ ،‬فلو استمر في هذه الحوال حنث (‪ )2‬كما لحظنا‬
‫عند الحنفية‪.‬‬
‫ومثل الركوب‪ :‬الكل والضرب‪ :‬فلو قال لها وهي في الكل والضرب‪( :‬إذا أكلت أو ضربت‪ ،‬فأنت‬
‫طالق) فدامت على ذلك‪ :‬يقع اليمين؛ لن كل جزء من هذا الفعل يسمى أكلًوضربا‪.‬‬
‫ومثل الدخول والخروج‪ ( :‬الحيض والمرض )‪ :‬فلو قال رجل لمرأته وهي حائض أو مريضة‪:‬‬
‫( إن حضت أو مرضت‪ ،‬فأنت طالق ) فإن اليمين يقع على ما يستجد ويحدث من الحيض والمرض‪،‬‬
‫كما هو عرف الناس‪.‬‬
‫ولو نوى ما يحدث من الحيض في هذه المدة أو يزاد من المرض‪ :‬يصح‪ ،‬لن الحيض ذو أجزاء‪،‬‬
‫يحدث حالً فحالً‪ ،‬فتصح نيته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪.36‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪.321‬‬

‫( ‪)4/62‬‬
‫ولو قال‪ ( :‬إن حضت غدا ً ) وهو ل يعلم أنها حائض‪ ،‬فإن اليمين يقع على الحيض المستجد الحادث‪.‬‬
‫وإن كان يعلم أنها حائض‪ ،‬فإن اليمين يقع على هذه الحيضة إذا دام الحيض منها إلى أن يطلع الفجر‬
‫واستمر ثلثة أيام في رأي الحنفية‪ ،‬لنه لما علم أنها حائض وقد حلف‪ ،‬فقد أراد استمرار الحيض‪،‬‬

‫وما لم يكن ثلثة أيام ل يكون حيضا‪.‬‬
‫الحلف على الخروج بدون إذن‪ :‬قد يحلف الرجل بطلق امرأته إذا لم يأذن لها بالخروج‪ ،‬بإحدى‬
‫الصيغ التية‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يقول‪ (:‬أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إل بإذني أو برضاي) ونحوه‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن يقول‪ ( :‬أنت طالق إن خرجت من هذه الدار حتى آذن لك أو حتى أرضى )‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن يقول‪ ( :‬أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إل أن آذن لك أو إل أن أرضى )‪.‬‬
‫وأبدأ بالحالة الولى وهي‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يقول‪ ( :‬إل بإذني أو برضاي )‪ :‬إذا قال رجل لمرأته‪ ( :‬أنت طالق إن خرجت إل بإذني أو‬
‫بأمري أو برضاي أو بعلمي ) أو قال‪ ( :‬إن خرجت من هذه الدار بغير إذني‪ ،‬أو بغير أمري‪ ،‬أو‬
‫بغير رضاي‪ ،‬أو بغير علمي ) ففي هذه الحالت كلها يحنث إن خرجت بغير إذنه‪ ،‬ويشترط الذن في‬
‫كل مرة‪ ،‬حتى لو أذن لها مرة فخرجت‪ ،‬ثم عادت‪ ،‬ثم خرجت بغير إذنه مرة أخرى‪ ،‬حنث‪ .‬وكذلك لو‬
‫أذن لها مرة‪ ،‬فقبل أن تخرج نهاها عن الخروج‪ ،‬ثم خرجت بعدئذ يحنث‪ .‬وإن وجد خروج بإذن فهو‬
‫خروج مستثنى من يمينه‪ ،‬فل يكون داخلً تحت اليمين‪ ،‬فل يحنث‪.‬‬
‫والسبب فيه أنه جعل كل خروج شرطا لوقوع الطلق‪ ،‬واستثنى خروجا موصوفا بصفة‪ :‬وهو أن‬
‫يكون الخروج مصحوبا بالذن؛ لن الباء في اللغة لللصاق‪ ،‬مثل كتبت بالقلم أي أنه التصقت الكتابة‬
‫بالقلم ‪ ،‬فكل خروج ليكون بتلك الصفة‪ ،‬كان داخلً في اليمين‪ ،‬وصار شرطا للحنث‪ .‬قال ال تعالى‪:‬‬
‫{ وما نتنزل إل بأمر ربك } [مريم‪ ]64/19:‬أي ل يوجد نزول إل بهذه الصفة‪.‬‬

‫( ‪)4/63‬‬
‫ونظيره ‪ :‬ما لو قال لمرأته‪ ( :‬إن خرجت إل بملءة‪ ،‬أو بقناع أو إل راكبة فأنت طالق ) فإن وجد‬
‫الخروج المستثنى ل يحنث‪ ،‬وإن وجد ل على ذلك الوصف‪ :‬يحنث؛ لن المستثنى غير داخل في‬
‫اليمين‪ ،‬وغير المستثنى داخل‪ ،‬فيحنث‪ ،‬لوجود الشرط‪.‬‬
‫فإن أراد بقوله‪ ( :‬إل بإذني ) مرة واحدة‪ :‬تصح نيته‪ ،‬ويعمل بمقتضى نيته ديانة فيما بينه وبين ال‬
‫عز وجل‪ .‬أما قضاء فيعمل أيضا بموجب النية عند أبي حنيفة ومحمد‪ ،‬وفي رواية عن أبي يوسف‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬ل يعمل بنيته قضاء‪ ،‬لنه نوى خلف الظاهر؛ لن ظاهر هذا الكلم يقتضي تكرار الذن في‬
‫كل مرة كما تقدم‪ ،‬وهو الرأي الراجح الذي عليه الفتوى عند الحنفية‪.‬‬
‫أما وجه قول الطرفين‪ :‬فهو أن تكرار الذن لم يثبت بظاهر اللفظ‪ ،‬وإنما ثبت بإضمار الخروج‪ ،‬فإذا‬

‫نوى مرة واحدة‪ ،‬فقد نوى ما يقتضيه ظاهر كلمه‪ .‬والحقيقة أن ظاهر الكلم‪ :‬هو تكرار الذن‪ .‬وأما‬
‫إذا أريد باليمين الذن مرة واحدة‪ ،‬فهذا مما يحتمله الكلم فقط‪ ،‬ولذا كان المعول عليه في الفتيا‪ ،‬هو‬
‫رأي أبي يوسف‪ ،‬فيصدق الحالف في أنه نوى مرة واحدة ديانة ل قضاء‪ ،‬لنه نوى التخفيف عن‬
‫نفسه‪ ،‬فل يصدق في القضاء‪.‬‬
‫والحيلة في هذه اليمين المتطلبة تكرار الذن‪ :‬أن يقول الزوج لمرأته‪ ( :‬أذنت لك الدهر كله ) أو‬
‫( أذنت لك أبدا ) أو ( كلما شئت الخروج فقد أذنت لك ) فيثبت الذن في كل مرة وجد فيها الخروج؛‬
‫لن كلمة ( كلما ) توجب التعميم والتكرار‪ .‬وكذلك ل يحنث إذا قال الزوج‪ ( :‬أذنت لك عشرة أيام )‬
‫فخرجت مرارا في مدة العشرة‪.‬‬
‫ولو أذن الزوج لمرأته في قوله‪ (:‬إل بإذني ) مرة واحدة‪ ،‬ثم نهاها عن الخروج بعد صدور الذن‬
‫الخاص يصح نهيه‪ ،‬حتى لو خرجت بعد ذلك بغير إذنه‪ :‬يحنث في يمينه؛ لنه صح رجوعه عن‬
‫الذن‪ ،‬واليمين باقية‪ ،‬فجعل كأنه لم يأذن‪.‬‬
‫أما لو أذن الزوج لمرأته إذنا عاما‪ :‬ثم نهاها عن الخروج بعدئذ نهيا عاما عن جميع حالت الخروج‪،‬‬
‫فهل يؤثر هذا النهي أو ل؟‬

‫( ‪)4/64‬‬
‫قال محمد‪ :‬يعمل بموجب النهي‪ ،‬ويبطل إذنه الصادر منه بالخروج‪ ،‬حتى إنها لو خرجت بعدئذ بغير‬
‫إذنه‪،‬يحنث ‪ ،‬بدليل أنه لو أذن لها مرة‪ ،‬ثم نهاها يصح نهيه‪ ،‬فكذا إذا أذن لها في كل مرة‪ ،‬وجب‬
‫العمل بنهيه‪ ،‬ويزول الذن بالنهي‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف‪ :‬ل يؤثر نهيه في الذن السابق ويظل ساري المفعول‪ ،‬لن الذن العام بالخروج يرفع‬
‫اليمين‪ ،‬لنه بالذن ألغى شرط وقوع الطلق‪ :‬وهو الخروج بدون إذن‪ ،‬فإذا وجد النهي العام عن‬
‫الخروج فل يؤثر‪ ،‬لنه ل يمين هناك‪ .‬وهذا بخلف الذن الخاص بالخروج مرة واحدة‪ ،‬فإنه لم ترتفع‬
‫اليمين‪ ،‬فجاء النهي عن الخروج واليمين باقية‪ ،‬فصح النهي (‪. )1‬‬
‫‪ - 2‬أن يقول‪ ( :‬حتى آذن لك ) ‪ :‬إذا قال رجل لمرأته‪ ( :‬أنت طالق إن خرجت من هذه الدار حتى‬
‫آذن لك أو آمر‪ ،‬أو أرضى أو أعلم ) فيكفي الذن مرة واحدة‪ ،‬وتسقط اليمين‪ ،‬حتى لو أذن لها مرة‪،‬‬
‫فخرجت ثم عادت‪ ،‬ثم خرجت بغير إذن ل يحنث‪ ،‬وكذا إذا أذن لها مرة ثم نهاها قبل أن تخرج‪ ،‬ثم‬
‫خرجت بعدئذ ل يحنث؛ لن كلمة ( حتى ) تفيد الغاية‪ ،‬وهي بمعنى( إلى ) وكلمة ( إلى ) لنتهاء‬
‫الغاية‪ ،‬فينتهي اليمين بانتهاء ما بعد ( حتى ) فيصير وجود الذن من الحالف غاية لمنع الخروج‪ ،‬فل‬

‫تبقى اليمين بعد وجود الغاية‪ .‬فإذا حدث خروج بعدئذ‪ ،‬ل يحنث إذ ل يمين هناك؛ لن اليمين سقطت‬
‫بالذن‪ ،‬فل يعتبر النهي بعده‪ .‬أما قبل الذن فاليمين باقية فيحنث بالخروج‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ 8 :‬ص ‪ ،173‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ 43‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،40‬تبيين الحقائق‪3 :‬‬
‫ص ‪ ،122‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ 89‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/65‬‬
‫ولو نوى بقوله‪ ( :‬حتى آذن لك ) حصول الذن في كل مرة‪ :‬يصدق ديانة وقضاء‪ ،‬لنه نوى التشديد‬
‫على نفسه (‪. )1‬‬
‫‪ - 3‬أن يقول‪ ( :‬إل أن آذن لك )‪ :‬إذا قال رجل لمرأته‪ ( :‬أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إل‬
‫أن آذن لك‪ ،‬أو آمر أو أعلم‪ ،‬أو أرضى ) فهذا بمنزلة قوله‪ ( :‬حتى آذن ) عند عامة العلماء‪ .‬فلو أذن‬
‫لها مرة واحدة‪ ،‬فخرجت‪ ،‬ثم خرجت مرة أخرى بغير إذنه لم يحنث‪ ،‬لن ( إل أن ) كلمة تفيد معنى‬
‫الغاية‪ ،‬فتنتهي اليمين بها‪ ،‬كما إذا قال‪ ( :‬حتى آذن لك )‪.‬‬
‫والسبب في أن كلمة ( إل أن ) تفيد معنى الغاية‪ ،‬مع أنها من حروف الستثناء‪ :‬هو أن صدر الكلم‬
‫الذي قبل أداة الستثناء ليس من جنس الذن‪ ،‬حتى يستثنى الذن منه‪ ،‬فيجعل مجازا عن كلمة‬
‫( حتى ) لمناسبة بينهما‪ :‬وهو أن حكم ما قبل الغاية مخالف لما بعدها‪ ،‬كما أن حكم ما قبل الستثناء‬
‫يخالف ما بعده‪.‬‬
‫وقال الفراء من علماء النحو‪ :‬قول القائل‪ ( :‬إل أن آذن لك ) مثل قوله‪( :‬إل بإذني ) يتطلب تكرار‬
‫الذن في كل مرة من مرات الخروج‪ ،‬لن المعنى ( إل خروجا بإذني )‪ ،‬إذ ( أن ) والفعل المضارع‬
‫بعدها في تأويل المصدر‪ ،‬فصار تقدير الكلم‪ ( :‬إن خرجت من الدار إل خروجا إذني ) وهذا كلم‬
‫غيرمستقيم‪ ،‬فلزم تقدير الباء‪ ،‬فيصير( إل خروجا بإذني ) وإسقاط الباء في اللفظ مع ثبوتها في التقدير‬
‫أمر جائز في اللغة‪ ،‬كما روي عن رؤبة بن العجاج أنه قيل له‪ :‬كيف أصبحت؟ فقال‪( :‬خير‪ ،‬عافاك‬
‫ال) أي بخير‪ .‬وكذا يحذفون الباء في القسم‪ ،‬فيقولون‪( :‬ال) مكان قولهم‪( :‬بال ) وإذا كان حذف الباء‬
‫جائزا قدرت في الكلم لضرورة تصحيحه‪ ،‬والدليل عليه قوله تعالى‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا ل تدخلوا‬
‫بيوت النبي إل أن يؤذن لكم} [الحزاب‪ ]53/33:‬أي إل بإذن لكم يتكرر بتكرار الدخول في كل مرة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر المراجع السابقة‪.‬‬

‫( ‪)4/66‬‬
‫ورد الحنفية بأن تصحيح الكلم بجعل ( إل ) بمعنى (حتى) و ( إلى ) أولى من تصحيح الكلم‬
‫بالتقدير الذي قاله الفراء؛ لن التصحيح بجعل كلمة قائمة مقام أخرى أولى من التصحيح بطريق‬
‫الصنمار والتقدير‪ ،‬لن الول تغيير بتصرف في الوصف‪ ،‬والضمار إثبات أصل الكلم‪ ،‬ول شك‬
‫أن التصرف في الوصف بالتغيير والتبديل أولى من إثبات أصل الكلم‪ .‬وأما قوله عز وجل‪{ :‬إل أن‬
‫يؤذن لكم} [الحزاب‪ ]53/33:‬فإنه اقتضى تكرار الذن في كل مرة لبمقتضى اللفظ‪ ،‬بل بدليل آخر‪:‬‬
‫وهو أن دخول دار الغير بغير إذنه حرام‪ ،‬ولن ال تعالى قال؛ {إن ذلكم كان يؤذي النبي} [الحزاب‪:‬‬
‫‪ ]53/33‬ومعنى الذى موجود في كل ساعة‪ ،‬فشرط الذن في كل مرة (‪. )1‬‬
‫وقال غير الحنفية (‪ : )2‬الحكم في أنواع اللفاظ الثلثة السابقة واحد‪ ،‬وهو أنه متى خرجت بغير‬
‫إذنه‪ ،‬طلقت وانحلت يمينه؛ لن حرف ( إن ) ل يقتضي تكرارا‪ ،‬فإذا حنث مرة انحلت اليمين؛ لنه‬
‫علق الطلق على شرط‪ ،‬وقد وجد فيقع الطلق‪ ،‬كما لو لم تخرج بإذنه‪ .‬لكن الحنابلة قالوا‪ :‬لبد من‬
‫تكرار الذن‪ ،‬كما سيأتي بيانه‪.‬‬
‫تعليق الخروج بإذن فلن‪ :‬لو قال الرجل لمرأته‪ (:‬إن خرجت إل بإذن فلن) فمات فلن قبل الذن‪،‬‬
‫بطلت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما ال ‪ .‬وقال أبو يوسف رحمه ال ‪ :‬اليمين باقية‪ ،‬حتى لو‬
‫خرجت بعدئذ يحنث‪ .‬وهذا الخلف مفرع على اختلفهم فيمن حلف ( ليشربن الماء الذي في هذا‬
‫الكوز‪ ،‬ول ماء فيه)‪ .‬فعند الطرفين‪ :‬ل تنعقد اليمين؛ لن تصور البر شرط لنعقاد اليمين ولبقائها في‬
‫المستقبل عندهما‪ .‬وعند أبي يوسف‪ :‬تنعقد اليمين‪ ،‬لنه ل يشترط هذا الشرط عنده‪ ،‬وإنما يكفي أن‬
‫تكون اليمين على أمر في المستقبل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المراجع السابقة‪.‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ ،796/8 :‬الشرح الكبير‪.157 ،148/2 :‬‬

‫( ‪)4/67‬‬
‫الذن بالخروج دون أن تسمع المرأة‪ :‬إن أذن الرجل لمرأته المحلوف عليها بالخروج من حيث ل‬
‫تسمع عادة‪ ،‬فخرجت‪ ،‬بغير الذن‪ :‬يحنث عند أبي حنيفة ومحمد‪ ،‬لن الذن إعلم‪ ،‬قال ال تعالى‪:‬‬
‫{وأذان من ال ورسوله} [التوبة‪ ]3/9:‬أي إعلم‪ ،‬والذن بحيث ل تسمع يكون إعلما‪ ،‬فل يكون إذنا‪،‬‬

‫فلم يوجد مأذون فيه‪ ،‬فيحنث‪ ،‬ولنه حرم عليها الخروج إل خروجا مأذونا فيه مطلقا بحيث يأذن‬
‫وتسمع‪ ،‬والخروج الذي حصل مأذون فيه من جهة واحدة‪ ،‬فلم يكن هذا خروجا مستثنى‪ ،‬فبقي داخلً‬
‫تحت الحرمة‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف‪ :‬ل يحنث؛ لن شرط الحنث وجود خروج غير مأذون فيه مطلقا‪ ،‬والخروج الذي‬
‫حصل مأذون فيه من وجه لوجود كلم الذن فلم يوجد شرط الحنث‪ ،‬فل يحنث بالشك‪.‬‬
‫ل أل‬
‫الحلف مقيد ببقاء الولية‪ :‬إذا حلف رجل على زوجته أل تخرج من الدار‪ ،‬أو سلطان حلّف رج ً‬
‫يخرج من بلدة إل بإذنه‪ ،‬ثم بانت المرأة من الزوج‪ ،‬أو عزل السلطان عن عمله‪ ،‬ثم خرجت المرأة‬
‫والرجل بغير إذن‪ :‬لم يحنث الحالف‪ ،‬وسقطت اليمين؛ لن اليمين تقع على الحال التي يملك الحالف‬
‫فيها الذن‪ :‬وهي بقاء الولية‪ ،‬فإذا زالت الولية زالت اليمين‪ .‬وتنطبق هذه القاعدة على ما إذا حلّف‬
‫الدائن مدينه أل يخرج من بلده إل بإذنه‪ ،‬فاليمين مقيدة بحال قيام الدين‪ ،‬فإن خرج وعليه دين‪ :‬يحنث‪.‬‬
‫وإن خرج بعد أداء الدين أو إبراء المدين منه‪ :‬ل يحنث؛ لن اليمين سقطت‪ ،‬وإنما تتقيد اليمين ببقاء‬
‫الدين‪ .‬وهذا من تطبيقات يمين الفور التي تتقيد بدللة الحال‪ .‬ويترتب عليه أنه إن عاد الدين أو غيره‬
‫على المدين لم تعد اليمين (‪. )1‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن مذهب الحنفية يشترط تكرار الذن في كل خروج في قول الحالف‪ ( :‬إل بإذني ) ‪ .‬أما‬
‫قوله‪ ( :‬حتى آذن ) أو ( إل أن آذن ) فل يقتضي تكرار الذن‪ ،‬وإنما يكفي الذن مرة واحدة‪ ،‬ثم‬
‫تسقط اليمين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر هذه القضايا الثلث في البدائع‪ 3 :‬ص ‪.46-45‬‬

‫( ‪)4/68‬‬
‫مذاهب غير الحنفية في هذه اللفاظ‪ :‬قال المالكية والشافعية‪ :‬يكفي إذن واحد بالخروج في هذه الصور‬
‫الثلث‪ ( :‬إل بإذني) و (حتى آذن لك) و( إل أن آذن لك )‪.‬‬
‫فإذا أذن الحالف مرة واحدة تنحل اليمين‪ ،‬ول يحنث بخروجها بعدئذ‪ ،‬لن اليمين تعلقت بخروج واحد‬
‫بحرف ل يقتضي التكرار‪ ،‬وإذا خرجت بغير إذن حنث‪ .‬وإن خرجت بإذن بر في يمينه؛ لن البر‬
‫يتعلق بما يتعلق به الحنث‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬ل بد من تكرار الذن في كل حالة من حالت الخروج في‬
‫الصور الثلث السابقة؛ لن الحالف علق الطلق بشرط‪ ،‬فإذا وجد الشرط وقع الطلق‪ ،‬وتنحل اليمين‬

‫إن حنث مرة واحدة (‪. )1‬‬
‫المطلب الثالث ـ الحلف على الكلم ‪:‬‬
‫ل بد من وقوع الكلم من النسان‪ ،‬لنه يحتاج إلى إيصال ما في نفسه إلى غيره للوصول إلى‬
‫مقاصده وأغراضه‪ .‬وللكلم أهميته في التوفيق أو التنازع بين اثنين‪ .‬ويحتاج المرء في الغالب إلى‬
‫القسم لحمل نفسه أو غيره على التكلم أو المتناع من التكلم‪ .‬وسأذكر أهم حالت الحلف على الكلم‪:‬‬
‫وهو إما أن يكون مطلقا أو مؤقتا‪.‬‬
‫أما المطلق‪ :‬فهو أن يحلف أل يكلم فلنا‪ ،‬فيقع على البد‪،‬حتى لو كلمه ولو بالسلم في أي وقت وفي‬
‫أي مكان وعلى أي حال‪ ،‬حنث‪ .‬ومن حالته ما يأتي‪:‬‬
‫الحلف على عدم تكليم فلن‪ :‬لو حلف شخص على أل يكلم فلنا فناداه من مكان بعيد‪ :‬فإن كان فلن‬
‫هذا في موضع بحيث يسمع مثله لو أصغى إليه أذنه‪ ،‬فإنه يحنث عند الحنفية والحنابلة وفي قول عند‬
‫المالكية‪ ،‬وإن لم يسمعه‪ .‬وإن كان في موضع ل يسمع في مثله عادة بسبب بعد المسافة‪ ،‬فإنه ل‬
‫يحنث‪ .‬وكذا إذا كان المخاطب أصم بحيث لو أصغى إليه أذنه ل يسمع‪ :‬ل يحنث‪.‬‬
‫والسبب‪ :‬هو أن تكليم فلن‪ :‬عبارة عن إسماع كلمه إياه‪ ،‬إل أن السماع أمر باطن خفي‪ ،‬فأقيم‬
‫السبب الظاهرالمؤدي إليه مقامه‪ ،‬وهو إمكان السماع في الموضع القريب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر المغني‪ 8 :‬ص ‪ 796‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير للدردير‪ 2 :‬ص ‪ ،157 ،148‬الميزان‬
‫للشعراني‪ 2 :‬ص ‪.132‬‬

‫( ‪)4/69‬‬
‫ولو حلف أل يكلم فلنا‪ ،‬فكلمه وهو نائم فأيقظه‪ :‬حنث‪ ،‬لنه كلمه وأسمعه‪ ،‬ولو لم يوقظه لم يحنث‪،‬‬
‫وهو المختار عند عامة مشايخ الحنفية خلفا لما ذكر القدوري من أنه إذا كان بحيث يسمع لو لم يكن‬
‫نائما يحنث؛ لنه قد كلمه ووصل إلى سمعه إل أنه لم يفهم لنومه‪ ،‬فصار كما إذا ناداه وهو في مكان‬
‫بحيث يسمع إل أنه لم يفهم لشتغاله بأمر آخر‪ .‬ورأي عامة المشايخ هو الرجح‪ ،‬لنه إذا لم يوقظه‬
‫كان كما إذا ناداه من بعيد‪ ،‬وهو بحيث ل يسمع صوته‪ ،‬ولن النسان ل يعد مكلما للنائم إذا لم يتيقظ‬
‫بكلمه‪ ،‬كما ل يعد متكلما مع الغائب‪.‬‬
‫ولو مر الحالف على جماعة فيهم المحلوف عليه‪ ،‬فسلم عليهم‪ :‬حنث لنه كلمه وكلم غيره بالسلم‪،‬‬
‫فإن قصد بالسلم الجماعة دونه لم يحنث وتصح نيته فيما بينه وبين ال تعالى ‪ ،‬لنه نوى تخصيص‬

‫كلمه‪ ،‬وإطلق الكل وإرادة البعض جائز‪ ،‬ولكن ل يقبل منه هذا الدعاء قضاء‪ ،‬لنه خلف الظاهر‬
‫من كلمه (‪. )1‬‬
‫ولو سلم في الصلة والمحلوف عليه معه في الصلة‪ :‬فإما أن يكون الحالف إماما أو مقتديا‪:‬‬
‫‪ - 1‬فإن كان الحالف إماما ينظر‪ :‬إن كان المحلوف عليه خلفه‪ ،‬فسلم‪ ،‬لم يحنث بالتسليمة الولى‪ .‬وإن‬
‫كان على يمينه‪ :‬ل يحنث أيضا؛ لن التسلمية الولى كلم في الصلة؛ لن المصلي يخرج بها عن‬
‫الصلة‪ ،‬فل تكون من كلم الناس‪ ،‬بدليل أنها ل تفسد الصلة‪.‬‬
‫وإن كان شماله فقد اختلف المشايخ فيه‪ :‬فقال بعضهم‪ :‬يحنث‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬ل يحنث‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر البدائع‪ 3 :‬ص ‪ 47‬ومابعدها‪ ،‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪ 89‬وما بعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪ 3 :‬ص‬
‫‪ ،136‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،63‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ ،112‬المغني‪.822/8 :‬‬

‫( ‪)4/70‬‬
‫‪ - 2‬وإن كان الحالف مقتديا‪ :‬فكذلك ل يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لن المقتدي ل يصير‬
‫خارجا عن الصلة بسلم المام عندهما‪.‬‬
‫وقال محمد‪ :‬يحنث لن المقتدي يصير خارجا عن صلته بسلم المام عنده‪ ،‬فقد تكلم كلما خارج‬
‫الصلة مع فلن‪ ،‬فيحنث‪.‬‬
‫ولو حلف ل يكلم فلنا‪ ،‬فكتب إليه كتابا‪ ،‬فانتهى الكتاب إليه‪ ،‬أو أرسل إليه رسولً‪،‬فبلغ الرسالة إليه‪،‬‬
‫أو أشار إليه بالصبع‪ :‬ل يحنث؛ لن هذا ليس بكلم ‪ ،‬وذلك باتفاق الحنفية‪ ،‬والشافعية في الجديد‪.‬‬
‫وقال الحنابلة والمالكية على الراجح‪ :‬يحنث إل أن يكون أراد أل يشافهه (‪. )1‬‬
‫الحلف على عدم التكلم‪ :‬من حلف ل يتكلم اليوم‪ ،‬فقرأ القرآن‪ ،‬أو صلى‪ ،‬أو سبح‪ :‬لم يحنث‪ ،‬استحسانا‪،‬‬
‫ومثله التهليل والتكبير‪ ،‬وهو يتناول القراءة والتسبيح في الصلة وخارجها؛ لن هذا ل يسمى كلما‬
‫عرفا‪ ،‬أما في الصلة فليس بكلم عرفا ول شرعا‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪« :‬إن صلتنا هذه ل‬
‫يصلح فيها شيء من كلم الناس‪ ،‬وإنما هي التهليل والتسبيح وقراءة القرآن» (‪ )2‬وقوله صلّى ال‬
‫عليه وسلم‪« :‬إن ال تعالى يحدث من أمره ما يشاء‪ ،‬وإن مما أحدث أل نتكلم في الصلة» (‪ ، )3‬ولن‬
‫الكلم مفسد‪ ،‬ولو كانت هذه الشياء من كلم الناس لفسدت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،48‬تبيين الحقائق‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪،164‬‬

‫مغني المحتاج‪ .345/4 :‬المغني‪ ،820/8 :‬الشرح الكبير‪.146/2 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وابن حبان والبيهقي والطبراني عن معاوية بن الحكم‬
‫السلمي (نصب الراية‪ 2 :‬ص ‪ ،66‬نيل الوطار‪ 2 :‬ص ‪.)315‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد والنسائي وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود (انظر نيل الوطار‪،‬‬
‫المرجع السابق‪ :‬ص ‪.)314‬‬

‫( ‪)4/71‬‬
‫وأما في غير الصلة فل يحنث‪ ،‬لنه ل يسمى متكلما في عرفنا المتأخر بل قارئا ومسبحا‪ ،‬ومبنى‬
‫اليمان على العرف (‪ . )1‬وكذلك قال الشافعية والحنابلة‪ :‬ل يحنث مطلقا سواء قرأ في الصلة أم في‬
‫غيرها؛ لن الكلم في العرف ل يطلق إل على كلم الدميين‪.‬‬
‫وهذا هو مذهب الشافعية خلفا لما زعم الحنفية من أن مذهب الشافعي مخالف لهم‪ ،‬فإنهم قالوا‪ :‬لو‬
‫حلف ل يتكلم فسبح ال تعالى أو حمده أو هلله أو كبره أو دعا أو قرأ قرآنا في الصلة أو خارجها‪،‬‬
‫ولو كان عليه حدث أكبر‪ ،‬فل حنث بذلك‪ ،‬لنصراف الكلم إلى كلم الدميين في محاوراتهم (‪. )2‬‬
‫وأما الحلف على الكلم مؤقتاً‪ :‬فهو نوعان‪ :‬معين ومبهم‪.‬‬
‫أما المعين‪ :‬فنحو أن يحلف الرجل بالليل‪ :‬ل يكلم فلنا يوما‪ ،‬فيحنث بكلمه من وقت الحلف إلى أن‬
‫تغيب الشمس من الغد‪ ،‬فيدخل في يمينه بقية الليل‪ .‬وكذلك لو حلف بالنهار ل يكلمه ليلة‪ :‬إنه يحنث‬
‫بكلمه من حين حلف إلى طلوع الفجر‪ .‬ولو حلف في بعض النهار ل يكلمه يوما فاليمين على بقية‬
‫اليوم والليلة المستقبلة إلى مثل تلك الساعة التي حلف فيها من الغد‪.‬‬
‫فإن قال في بعض اليوم‪ ( :‬وال ل أكلمك اليوم )‪ ،‬فاليمين على باقي اليوم‪ ،‬فإذا غربت الشمس سقطت‬
‫اليمين‪ .‬وكذلك إذا قال بالليل‪( :‬وال ل أكلمك الليلة )‪ ،‬فإذا طلع الفجر ‪ ،‬سقطت اليمين‪.‬‬
‫ولو حلف ليكلمه شهراً‪ :‬يقع على ثلثين يوما تبتدئ من حين الحلف‪ .‬ولو قال ‪ :‬الشهر‪ ،‬يقع على‬
‫بقية الشهر‪ ،‬ولو حلف ليكلمه السنة‪ ،‬يقع على بقية السنة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،48‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ،65‬تبيين الحقائق‪ 3 :‬ص ‪ ،137‬الدر المختار‪ 3 :‬ص‬
‫‪ ،114‬المغني‪.824/8 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 4 :‬ص ‪.345‬‬

‫( ‪)4/72‬‬

‫ولو قال‪ ( :‬وال ل أكلمك يوما ول يومين )‪ ،‬فهو مثل قوله‪ :‬وال ل أكلمك ثلثة أيام في قول أبي‬
‫حنيفة ومحمد‪ ،‬وفي رواية عن أبي يوسف‪ .‬وذكر محمد في الجامع الصغير أنه يقع على يومين‪.‬‬
‫ودليله‪ :‬أن كل واحد منهما يمين منفردة‪ ،‬فصار لكل يمين مدة على حدة‪ ،‬وبذلك أصبح على اليوم‬
‫الول يمينان‪ ،‬وعلى اليوم الثاني يمين واحدة‪.‬‬
‫ودليل الرأي الول‪ :‬أن الحالف عطف اليومين على اليوم‪ ،‬والمعطوف غير المعطوف عليه‪ ،‬فاقتضى‬
‫يومين آخرين غير الول (‪. )1‬‬
‫وأما المبهم‪ :‬فنحو أن يحلف أل يكلم فلنا زمنا أو حينا أو الزمان أو الحين‪ :‬فإنه يقع على ستة أشهر؛‬
‫لن الحين يستعمل‪ ،‬ويراد به الوقت القصير‪ :‬قال ال تعالى‪{ :‬فسبحان ال حين تمسون وحين‬
‫تصبحون} [الروم‪ ]17/30:‬وقد يراد به الوقت الطويل‪ ،‬وهو أربعون سنة‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬هل أتى على‬
‫النسان حين من الدهر} [النسان‪ ]1/76:‬وقد يراد به الوقت الوسط‪ :‬وهو ستة أشهر‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫{تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم‪ ]25/14:‬قيل‪ :‬أي ستة أشهر‪ ،‬فحمل على الوسط‪ ،‬لنا ل‬
‫نعلم أنه يريد القليل أو الكثير‪.‬‬
‫ولو قال‪ ( :‬ل أكلمه دهرا أو الدهر ) فقال أبو حنيفة‪ :‬إن كانت له نية فهو على ما نوى‪ ،‬وإن لم تكن‬
‫له نية‪ ،‬فل أدري ما الدهر‪.‬‬
‫وقال الصاحبان‪ :‬إذا قال‪ :‬دهرا أي (منكّرا) فهو ستة أشهر‪ ،‬وإذا قال‪ :‬الدهر أي (معرفا) فهو على‬
‫البد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع ‪ ،‬المرجع السابق ‪ :‬ص ‪ 48‬وما بعدها ‪ ،‬تبين الحقائق ‪ ،‬المرجع السابق‪.‬‬

‫( ‪)4/73‬‬
‫وقال بعض مشايخ الحنفية‪ :‬ل خلف في الدهر أنه البد‪ ،‬وإنما قال أبو حنيفة‪ ( :‬ل أدري ما الدهر )‬
‫إذا قال‪ ( :‬دهرا ً) (‪. )1‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )2‬إن حلف أل يكلمه زمنا أو وقتا أو دهرا أو عمرا فإنه يقع على القليل‬
‫والكثير‪ ،‬فيبر بالقليل والكثير؛ لن هذه السماء ل حد لها في اللغة‪ ،‬وتقع على القليل والكثير‪ ،‬فوجب‬
‫حمله على أقل ما يتناوله اسمه‪ .‬أما إذا حلف أل يكلمه الدهر أو البد أو الزمان‪ ،‬فذلك على البد‪ ،‬لن‬
‫ذلك باللف واللم‪ ،‬وهي للستغراق‪ ،‬فتقتضي الدهر كله‪.‬‬
‫ولو قال‪( :‬وال ل أكلمك يوم الجمعة ) فله أن يكلمه في غير يوم الجمعة؛ لن الجمعة اسم ليوم‬

‫جمَع جمع جمعة وهي‬
‫مخصوص‪ .‬وكذلك لو قال‪( :‬جمعا) له أن يكلمه في غير يوم الجمعة‪ ،‬لن ال ُ‬
‫يوم الجمعة فل يتناول غيره‪ ،‬بخلف ما إذا قال‪ ( :‬ل أكلمه أياماً )‪ :‬إنه يدخل فيه الليالي‪.‬‬
‫ثم إذا قال (وال ل أكلمك جمعاً ) فهو على ثلث جمع؛ لن أقل الجمع الصحيح ثلثة‪ ،‬فيحمل عليه‪.‬‬
‫وإذا قال‪ (:‬الجمع ) يقع اليمين على عشر جمع عند أبي حنيفة‪ ،‬وكذلك اليام والزمنة والحايين‬
‫والشهور والسنين‪ :‬يقع اليمين على عشرة أيام‪ ،‬وعشرة أحايين أو أزمنة وعشرة أشهر وعشر سنين؛‬
‫لن أكثر ما تناوله اسم اليام ونحوه‪ :‬هو عشرة؛ لن بعد العشرة ل يقال‪ :‬أيام‪ ،‬بل يقال‪ :‬أحد عشر‬
‫يوما‪ ،‬ومئة يوم‪ ،‬وألف يوم‪.‬‬
‫جمَع والسنين يقع على البد‪ ،‬وكذا في الحايين والزمنة‪ ،‬وفي اليام يقع على‬
‫وقال الصاحبان‪ :‬في ال ُ‬
‫سبعة‪ ،‬وفي الشهور على اثني عشر؛ لن الصل عندهما فيما دخل عليه حرف التعريف هو (اللم)‬
‫من أسماء الجمع‪ :‬أن ينظر إن كان هناك معهود ينصرف إليه كالسبعة في اليام بحسب أيام السبوع‪،‬‬
‫والثني عشر في الشهور‪ ،‬وإن لم يكن هناك معهود ينصرف إلى جميع الجنس‪ ،‬فيستغرق العمر‬
‫كالسنين والحايين والزمنة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع ‪ 3 :‬ص ‪ ،50‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪. 72‬‬
‫(‪ )2‬المغني ‪. 789/8 :‬‬

‫( ‪)4/74‬‬
‫أما الصل عند أبي حنيفة فهو كما لحظنا‪ :‬أن ينصرف السم إلى أقصى ما يطلق عليه لفظ الجمع‬
‫عند اقترانه بالعدد‪ :‬وذلك عشرة (‪. )1‬‬
‫ومن حلف أل يكلمه حيناً‪ ،‬فكلمه قبل الستة أشهر‪ ،‬حنث عند الحنفية والحنابلة (‪ )2‬؛ لن الحين‬
‫المطلق في كلم ال أقله ستة أشهر‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬تؤتي أكلها كل حين} [إبراهيم‪ ]25/14:‬فسره جماعة‬
‫بستة أشهر‪ .‬وقال مالك‪ :‬الحين سنة؛ لنه فسر بعام‪ .‬وقال الشافعي وأبو ثور‪ :‬ل قدر له‪ ،‬ويبر بأدنى‬
‫زمن؛ لن الحين اسم مبهم يقع على القليل والكثير‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يكلمه أياماً ) فهو على ثلثة أيام وهو الصحيح‪ ،‬لنه ذكر لفظ الجمع منكرا‪ ،‬فيقع على‬
‫أدنى الجمع الصحيح‪ :‬وهو ثلثة‪ .‬وفي رواية‪ :‬يقع على عشرة أيام عند أبي حنيفة‪ ،‬وعند الصاحبين‪:‬‬
‫على سبعة‪.‬‬
‫ولو قال‪ ( :‬ل أكلمك سنين ) فهو على ثلث سنين باتفاق الحنفية والمالكية‪ ،‬لما ذكر أن أقل الجمع‬

‫ثلثة‪ ،‬فيحمل عليه (‪. )3‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن أبا حنيفة وصاحبيه يقولون في الجمع المنكر‪ :‬إنه يقع على أقل الجمع وهو ثلثة‪ ،‬أما‬
‫في الجمع المعرف‪ :‬فالصل عند أبي حنيفة‪ :‬أن يقع على أقصى ما يطلق عليه لفظ الجمع عند اقترانه‬
‫بالعدد وهو العشرة‪ .‬والصل عند الصاحبين‪ :‬أن يقع على المعهود إن كان هناك معهود‪ ،‬وإل فيقع‬
‫على جميع الجنس‪.‬‬
‫ولو حلف ( ليكمله العمر) فهو على جميع العمر إذا لم تكن له نية‪ .‬ولو قال‪ :‬عمرا‪ :‬فعن أبي يوسف‬
‫روايتان‪ :‬في رواية وهي الظهر‪ :‬يقع على ستة أشهر كالحين‪ .‬وفي رواية‪ :‬يقع على يوم‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يكلم فلنا أياما كثيرة ) ‪ :‬فهو على عشرة أيام عند أبي حنيفة‪ .‬وعند الصاحبين‪ :‬يقع‬
‫على سبعة أيام ‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يكلمه إلى بعيد ) يقع على شهر فصاعدا‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يكلمه إلى قريب ) فهو على أقل من شهر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،51‬فتح القدير‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪.75‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.788/8 :‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،52‬فتح القدير‪ 4 :‬ص ‪ ، 73‬الشرح الكبير‪.155/2 :‬‬

‫( ‪)4/75‬‬
‫ولو حلف ( ل يكلمه عاجلً أو آجلً ) فالعاجل‪ :‬يقع على أقل من شهر؛ لن الشهر في حكم الكثير؛‬
‫لنه يجعل زمنا آجلً في الديون‪ ،‬فكان بعيدا‪ .‬والجل‪ :‬يقع على الشهر فصاعدا‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يكلمه ملياً ) يقع على شهر كالبعيد‪.‬‬
‫ولو حلف ( أل يكلمه الشتاء ) فأوله إذا لبس الناس اللبسة الشتوية‪ ،‬وآخره إذا ألقوها بحسب البلد‬
‫الذي حلف فيه‪ ،‬والصيف على ضده‪ :‬وهو من حين خلع اللبسة الشتوية إلى لبسها‪ .‬والخريف والربيع‬
‫معروفان بحسب المعلوم في اللغة (‪. )1‬‬
‫ومن حلف أل يفعل شيئا ففعل بعضه حنث إل إن أراد الكل‪ ،‬فمن حلف أل يزور شخصين أو ل‬
‫يكلمهما فزار أو كلم أحدهما‪ ،‬إل أن يكون أراد أل يجتمع فعله بهما (‪. )2‬‬
‫المطلب الرابع ـ الحلف على الكل والشرب والذوق ونحوها ‪:‬‬
‫الكل‪ :‬ـ هو إيصال ما يتأتى فيه المضغ بفمه إلى جوفه‪ ،‬مضَغه أو لم يمضغه‪ ،‬كالخبز واللحم‬

‫والفاكهة ونحوها‪.‬‬
‫والشرب‪ :‬ـ هو إيصال ما ل يتأتى فيه المضغ إلى جوفه‪ ،‬مثل كل المائعات من الماء والنبيذ واللبن‬
‫والعسل الممزوج بالماء ونحوها (‪. )3‬‬
‫وال ّذوْق‪ :‬ـ هو إيصال المذوق إلى الفم ابتلعه أو ل‪ ،‬بعد أن وجد طعمه‪ ،‬لن الذوق أحد الحواس‬
‫الخمس التي تعلم بها الشياء‪ ،‬ولذا يتحقق العلم بالطعم سواء ابتلع الشيء المذاق أو مجه‪ ،‬فكل أكل فيه‬
‫ذوق‪ ،‬وليس كل ذوق أكلً‪.‬‬
‫الحلف على ال ّذوْق‪ :‬بناء عليه‪ :‬إذا حلف ل يأكل ول يشرب فذاق‪ ،‬لم يحنث‪ .‬وإذا حلف ل يذوق طعاما‬
‫أو شرابا‪ ،‬فأدخله في فمه وعرف طعمه‪ ،‬حنث لحصول الذوق‪ ،‬وتحقق معناه الذي ذكر‪.‬‬
‫ولو حلف ل يذوق شيئا وعنى به أكله وشربه‪ :‬فإنه تصح نيته ويصدق ديانة بينه وبين ال عز وجل‪،‬‬
‫ول يصدق قضاء‪ ،‬ول يحنث بالذوق‪ ،‬لنه قد يراد بالذوق‪ :‬الكل والشرب في عرف الناس‪ ،‬يقول‬
‫الرجل‪ :‬ما ذقت اليوم شيئا‪ ،‬وماذقت إل الماء ـ يريد به الكل والشرب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.782/8 :‬‬
‫(‪ )3‬المبسوط‪ 8 :‬ص ‪ ،175‬البدائع‪ 3 :‬ص ‪ ،56‬تبيين الحقائق‪ 3 :‬ص ‪ ،124‬فتح القدير‪4 :‬ص ‪،44‬‬
‫الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪ ،94‬الفتاوى الهندية‪ 2 :‬ص ‪.75‬‬

‫( ‪)4/76‬‬
‫وأما السبب في أنه يصدق ديانة‪ ،‬فلنه نوى ما يحتمله كلمه‪ ،‬ول يصدق قضاء لعدوله عن ظاهر‬
‫الكلم إلى معنى آخر‪.‬‬
‫ولو حلف ل يذوق ماء‪ :‬فتمضمض في الوضوء‪ :‬ل يحنث في يمينه‪ ،‬وإن حصل له العلم بطعم الماء؛‬
‫لن ذلك ل يسمى ذوقا عرفا وعادة‪ ،‬لن قصده التطهر‪ ،‬ل معرفة طعم المذوق (‪. )1‬‬
‫ولو حلف ل يشم شيئاً‪ ،‬فالشم عند الحنابلة يشمل كل نبت أو زهر طيب الرائحة‪ ،‬مثل الورد والبنفسج‬
‫والنرجس‪ .‬وقال الشافعي‪ :‬ل يحنث إل بشم الريحان الفارسي؛ لنه المتعارف (‪. )2‬‬
‫الحلف على الكل ‪:‬‬
‫‪ - 1‬لو حلف ل يأكل الرمان أو العنب‪ ،‬فمصه ورمى تفله وبلع ماءه‪ ،‬ل يحنث في الكل‪ ،‬ول في‬
‫الشرب؛ لن المص ليس بأكل ول شرب‪ ،‬بل هو مص‪ .‬وإن ابتلع العنب أو الرمان من غير مضغ‪:‬‬

‫يحنث لنه أكل‪.‬‬
‫‪ - 2‬مفهوم أكل الطعام‪ :‬لو حلف ل يأكل طعاما‪ :‬فإن الطعام يقع بالتفاق على الخبز‪ ،‬واللحم‪،‬‬
‫والحلوى والفاكهة وما يؤكل على سبيل الدام مع الخبز؛ لن الطعام في اللغة‪ :‬اسم لما يطعم‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬كل الطعام كان حلً لبني إسرائيل إل ما حرّم إسرائيل على نفسه} [آل عمران‪ ]93/3:‬أما في‬
‫العرف فقد اختص بما يؤكل بنفسه أو مع غيره عادة‪.‬‬
‫وكذلك إذا حلف ل يأكل من طعام فلن‪ ،‬فأكل شيئا مما ذكر من طعام فلن‪ :‬يحنث‪ .‬فإن أخذ من نبيذ‬
‫فلن أو مائه‪ ،‬فأكل به بخبز نفسه‪ :‬ل يحنث؛ لن هذا ل يسمى طعاما‪ ،‬لنه ل يؤكل مع الخبز عادة‪،‬‬
‫ولن الشخص يسمى حينئذ طعام نفسه عادة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ ،175/8 :‬البدائع‪ 67/3 :‬ومابعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪ ،125/3 :‬الدر المختار‪،73/3 :‬‬
‫الفتاوى الهندية‪.84 ،75/2 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ 813/8 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/77‬‬
‫ولو حلف أل يأكل قوتا‪ ،‬فأكل خبزا أوتمرا أو زبيبا أو لحما أو لبنا‪ ،‬حنث؛ لن كل واحد من هذه‬
‫يقتات في بعض البلدان‪.‬‬
‫‪ - 3‬كيفية أكل اللبن والخل‪ :‬لو حلف ل يأكل هذا اللبن‪ ،‬فأكله مع الخبز أو التمر‪ ،‬أو حلف ل يأكل‬
‫هذا الخل‪ ،‬فأكله مع الخبز‪ :‬يحنث باتفاق الحنفية والشافعية؛ لن أكل اللبن هكذا يكون عادة‪ ،‬وكذلك‬
‫الخل لنه من جملة الدام‪ ،‬قال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬نعم الدام الخل» (‪ )1‬ولو شربه ل يحنث‪،‬‬
‫لن هذا ليس بأكل (‪. )2‬‬
‫‪ - 4‬اليمين معلقة ببقاء العين ل بعد تغيرها‪ :‬لو حلف ل يأكل هذا اللبن‪ ،‬فأكل مما يتخذ منه كالجبن‬
‫والقط (‪ )3‬ونحوهما‪ ،‬ل يحنث بالتفاق؛ لنه قد تغير‪ ،‬فل يبقى له اسم العين المحلوف عليها‪ .‬ومثله‪:‬‬
‫ما لو حلف أل يأكل من هذه البيضة‪ ،‬فصارت فرخا‪ ،‬فأكل من فرخ خرج منها‪ ،‬أو حلف ل يشرب‬
‫من هذه الخمر‪ ،‬فصارت خلً‪ :‬ل يحنث‪ ،‬لنه تغير عن أصله‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد في مسنده وأصحاب السنن الربعة عن جابر بن عبد ال‪ ،‬ورواه مسلم والترمذي‬
‫وأحمد وابن ماجه عن عائشة رضي ال عنها وهو حديث صحيح‪ ،‬ولفظ حديث جابر‪« :‬نعم الدم‬

‫الخل» (نيل الوطار‪ )221/8 :‬والدام‪ :‬ما يؤتدم به‪ ،‬وجمع الدام أدم بضم الهمزة‪ ،‬مثل‪ :‬كتاب‬
‫وكتب‪ ،‬والدم بإسكان الدال مفرد كالدام‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،‬المرجع نفسه‪ :‬ص ‪ ،56‬تبيين الحقائق‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،144/2 :‬مغني‬
‫المحتاج‪ .342 ،340 ،338/4 :‬المغني‪.806/8 :‬‬
‫(‪ )3‬القط (بفتح الهمزة وكسر القاف)‪ :‬ما يتخذ من اللبن المخيض‪ :‬يطبخ ثم يترك حتى يمصل‪.‬‬

‫( ‪)4/78‬‬
‫وذكر الحنابلة (‪ )1‬أن اللبن يتناول لبن النعام أوالصيد أو لبن الدمية؛ لن السم يتناوله حقيقة‬
‫وعرفا‪ ،‬وسواء أكان حليبا أم رائبا مائعا أم مجمدا؛ لن الجميع لبن‪.‬‬
‫ومثله أيضا لو حلف أل يأكل من هذا البُسْر فصار ُرطَبا (‪ )2‬أو ل يأكل من هذا الرطب فصار تمرا‪،‬‬
‫أو ل يأكل من هذا العنب شيئا‪ ،‬فصار زبيبا فأكله‪ :‬لم يحنث في جميع ما ذكر باتفاق الحنفية والشافعية‬
‫والمالكية؛ لن الصل أن اليمين متى تعلقت بعين تبقى ببقاء العين‪ ،‬وتزول بزوالها‪ ،‬إل أن العين في‬
‫الرطب وإن لم تتبدل‪ ،‬لكن زال بعضها‪ :‬وهو الماء بالجفاف‪ ،‬فإذا جف الرطب‪ ،‬فقد زال عنه الماء‪،‬‬
‫فصار آكلً بعض العين المشار إليها فل يحنث‪ ،‬وذلك كما لو حلف ل يأكل هذا الرغيف‪ ،‬فأكل‬
‫بعضه‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )3‬لو حلف أل يأكل هذا الرطب‪ ،‬فأكله تمرا حنث‪ ،‬كما يحنث من أكل كل ما تولد‬
‫من ذلك الرطب‪ .‬أما لو حلف أل يأكل تمرا‪ ،‬فأكل رطبا‪ ،‬لم يحنث‪ ،‬وكذا لو حلف أل يأكل عنبا‪ ،‬فأكل‬
‫زبيبا أو دبسا‪ ،‬أو ل يكلم شابا فكلم شيخا‪ ،‬أو ل يشتري جديا فاشترى تيسا لم يحنث؛ لن اليمين‬
‫تعلقت بالصفة دون العين‪ ،‬ولم توجد الصفة‪.‬‬
‫ومن حلف ل يأكل طعاما يشتريه فلن‪ ،‬فاشتراه فلن وغيره‪ ،‬فأكل منه ولم تكن له نية‪ ،‬حنث عند‬
‫المالكية والحنفية والحنابلة (‪ )4‬لن فلنا مشتر لنصفه وهو طعام وقد أكله‪ ،‬فيجب أن يحنث كما لو‬
‫اشتراه فلن فخلطه بما اشتراه غيره‪ ،‬فأكل الجميع‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬ل يحنث؛ لن كل جزء لم ينفرد‬
‫أحدهما بشرائه‪ ،‬فلم يحنث به‪ ،‬كما لو حلف ل يلبس ثوبا اشتراه زيد‪ ،‬فلبس ثوبا اشتراه زيد وغيره‪.‬‬
‫وهذا بخلف الحالت التية‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪.803/8 :‬‬
‫(‪ )2‬البسر‪ :‬هو التمر إذا تلون ولم ينضج‪ ،‬والرطب‪ :‬ما نضج من البسر قبل أن يصير تمرا‪.‬‬

‫(‪ )3‬المغني‪.800/8،802 :‬‬
‫(‪ )4‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،163‬مغني المحتاج‪ ،352/4 :‬المغني‪.780/8 :‬‬

‫( ‪)4/79‬‬
‫لو حلف ل يأكل من لحم هذا الحَمل (‪ )1‬أو هذا الجدي (‪ )2‬فأكل منه بعدما صار كبشا أو تيسا‪ :‬فإنه‬
‫يحنث عند الحنفية؛ لن العين قائمة لم تتغير‪ ،‬واليمين وقعت على الذات المعينة‪.‬‬
‫وإذا حلف أل يكلم هذا الشاب‪ ،‬فكلمه بعدما شاخ‪ :‬حنث لن العين قائمة لم تتغير‪ ،‬وإنما الذي تغير هو‬
‫الوصف‪ ،‬ل بعض الشخص المحلوف عليه‪.‬‬
‫أما لوحلف ل يكلم شابا‪ ،‬فكلم شيخا‪ :‬فإنه ل يحنث بالتفاق؛ لن اليمين وقعت على نكرة موصوفة‬
‫بصفة الشباب‪ ،‬وذكر الصفة بمنزلة اشتراط الشرط‪ ،‬ومن المعلوم أن صفة الشباب ل تنطبق على‬
‫الشيوخ‪.‬‬
‫اختلف الحنفية في حكم خلط اللبن بالماء‪ :‬إذا حلف إنسان ل يذوق من هذا اللبن شيئا‪ ،‬فصب فيه ماء‬
‫فذاقه أو شربه‪ :‬ينظر إذا كان اللبن غالبا‪ :‬حنث‪ ،‬لنه إذا كان غالبا يسمى لبنا‪ ،‬وإذا كان الماء غالبا ل‬
‫يحنث‪ ،‬وهذا ينطبق على النبيذ إذا صبه في خل‪ ،‬أو الماء المالح إذا صب على ماء عذب‪ ،‬فالعبرة فيه‬
‫للغلبة‪ ،‬وهذا باتفاق الصاحبين‪ ،‬غير أن أبا يوسف اعتبر الغلبة في اللون أو الطعم‪ ،‬ل في الجزاء‪،‬‬
‫فإن بقي لون اللبن أو طعمه يحنث وإن كان اللبن أقل‪ .‬أما إذا ذهب طعم اللبن أو لونه فل يحنث‪ ،‬وإن‬
‫كانت أجزاء اللبن أكثر‪ ،‬لنه إذا كان اللون والطعم كان اسم الشيء باقيا‪.‬‬
‫ونظر محمد إلى غلبة الجزاء‪ ،‬فقال‪ :‬إن كانت أجزاء المحلوف عليه غالبة يحنث‪ ،‬وإن كانت مغلوبة‬
‫ل يحنث؛ لن الحكم يتعلق بالكثر ويكون القل تبعا للكثر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحمل‪ :‬أي الخروف‪.‬‬
‫(‪ )2‬الجدي‪ :‬ذكر الماعز في السنة الولى‪.‬‬

‫( ‪)4/80‬‬
‫وذكر محمد‪ :‬أنه لو حلف إنسان ل يأكل سمنا‪ ،‬فأكل سويقا لتّه (‪ )1‬بسمن ول نية له أخرى‪ :‬إن كانت‬
‫أجزاء السمن تستبين في السويق ويوجد طعمه يحنث‪ .‬وإن كان ل يوجد طعمه‪ ،‬ول يرى مكانه لم‬
‫ضمْن غيرها‪ ،‬فكأنه أكل السمن بنفسه منفردا‪ ،‬وإذا لم تستبن‬
‫يحنث لنها إذا استبانت لم تصر مستهلكة ِ‬

‫أجزاء السمن‪ ،‬فقد صارت مستهلكة في غيرها‪ ،‬فل يعتد بها‪.‬‬
‫اختلط الشيء بجنسه‪ :‬إذا اختلط المحلوف عليه بجنسه كاللبن المحلوف عليه إذا اختلط بلبن آخر‪ ،‬قال‬
‫أبو يوسف‪ :‬حكمه حكم خلط اللبن بالماء تعتبر فيه الغلبة‪ ،‬فإن كانت الغلبة لغير المحلوف عليه‪ ،‬لم‬
‫يحنث في يمينه‪ ،‬لنه في معنى الشيء المستهلك في غيره‪.‬‬
‫وقال محمد‪ :‬يحنث وإن كان المحلوف عليه مغلوبا؛ لن الشيء ل يصير مستهلكا بجنسه‪ ،‬وإنما يصير‬
‫مستهلكا بغير جنسه‪ ،‬وحينئذ يعتبر كأنه غير مغلوب‪.‬‬
‫ولكن يلحظ أن المام محمد لم يجعل خلط الجنسين استهلكا أي (إعداما لذات الشيء) إذا كان‬
‫الجنس والنوع والصفة في كل منهما واحدا‪ ،‬فإذا اختلف النوع كلبن الضأن ولبن المعز‪ ،‬أو اختلفت‬
‫الصفة كالماء العذب والماء المالح‪ ،‬فيجعل خلطهما استهلكا‪ ،‬ويعتبر الحكم في الخليط للغلبة كما في‬
‫حالة اختلط الجنسين (‪. )2‬‬
‫‪ - 5‬الحلف على الدام‪ :‬لو حلف ل يأكل إداما‪ ،‬فالدام‪ :‬كل مايصطبغ (‪ )3‬به مع الخبز عادة كاللبن‬
‫والزيت والمرق والخل والعسل ونحوها‪ ،‬وما ل يصطبغ به فليس بإدام مثل‪ :‬اللحم والجبن والبيض‪،‬‬
‫وهذا قول أبي حنيفة‪ ،‬وفي رواية عن أبي يوسف‪ .‬وقال محمد وبقية الفقهاء وفي رواية أخرى عن‬
‫أبي يوسف‪ :‬إن كل ما يؤكل بالخبز‪ :‬فهو إدام مثل اللحم والبيض والجبن‪ ،‬بدليل ما روي عن رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪« :‬سيد إدام أهل الجنة اللحم» (‪ )4‬ولن الدام من الئتدام وهو‬
‫الموافقة‪ ،‬والموافقة بين هذه الشياء وبين الخبز في الكل أمرها ظاهر‪ ،‬فكانت إداما‪ ،‬ولن الناس‬
‫يأتدمون بها عرفا وعادة‪ .‬وهذا هو الرأي الظهر المفتى به عند الحنفية‪.‬‬
‫وبناء عليه هناك ثلثة أوجه في أكل الدام‪:‬‬
‫آ ـ إن أكل ما يؤتدم به كالزيت والخل يحنث بالتفاق؛ لن هذه الشياء تصير تبعا للخبز‪ ،‬ول تؤكل‬
‫مقصودة بنفسها‪ ،‬وهذا هو معنى الدام‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬السويق‪ :‬هو الناعم من دقيق الحنطة والشعير‪ ،‬ولت السويق‪ :‬خلطه بالسمن‪.‬‬
‫(‪ )2‬أنظر ما ذكر في المبسوط ‪ 8/182 :‬وما بعدها ‪ ،‬الفتاوى الهندية ‪ 76 / 2 :‬وما بعدها ‪ ،‬البدائع ‪:‬‬
‫‪ 3/62‬ومابعدها ‪ ،‬فتح القدير ‪ 45/ 4 :‬وما بعدها ‪ ،‬تبين الحقائق ‪ ، 126/ 3 :‬الدر المختار ‪.3/97 :‬‬
‫(‪ )3‬يقال اصطبغ بالصبغ أي الدام ‪ :‬ائتدم ‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء مرفوعا به بلفظ ‪« :‬سيد طعام أهل الدنيا وأهل‬
‫الجنة ‪ :‬اللحم » وسنده ضعيف ‪ ،‬ورواه ابن قتيبة في غريبه و الطبراني عن بريدة مرفوعا أيضا بلفظ‬
‫‪« :‬سيد طعام أهل الدنيا والخرة اللحم » رواه أبو نعيم في الطب عن علي ابن أبي طالب بلفظ ‪« :‬‬

‫سيد طعام أهل الدنيا والخرة ‪ :‬اللحم » أو « خير طعام ‪ ( » ..‬أنظر نيل الوطار ‪, 222/ 8 :‬‬
‫المقاصد الحسنة للسخاوي ‪ :‬ص ‪ , 244‬الجامع الصغير ‪.)35 /2 :‬‬

‫( ‪)4/81‬‬
‫ب ـ إن أكل مع الخبزوالجبن واللحم والبيض‪ :‬يحنث على الرأي المختار‪ ،‬وهو قول محمد‪ .‬ول‬
‫يحنث على الرأي المرجوح وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف‪.‬‬
‫وأما الرز‪ :‬فإن كان في بلد يؤكل تبعا للخبز يكون إداما عند محمد‪ ،‬فيحنث بأكله‪ ،‬وإن كان يؤكل‬
‫مقصودا بنفسه في عرف الناس كما في بلد الشرق القصى‪ ،‬فل يحنث‪ ،‬لنه ليس إداما عندهم‪.‬‬
‫جـ ـ وإن أكل مع الخبز عنبا وسائر الفواكه أو البقول‪ :‬ل يحنث بالتفاق‪ ،‬لنه تؤكل وحدها‪ ،‬ول‬
‫تؤكل إداما مقصودا‪ ،‬بل هي تبع للكل مع الدام‪ ،‬إل في موضع تؤكل تبعا للخبز غالبا‬

‫( ‪)4/82‬‬
‫مراعاة للعرف (‪. )1‬‬
‫‪ - 6‬عدم أكل اللحم‪ :‬لو حلف ل يأكل لحما‪ ،‬فأي لحم أكل من سائر الحيوان غير السمك حنث‪ .‬أما إن‬
‫أكل سمكا فل يحنث وإن سماه ال عز وجل لحما في قوله تعالى‪{ :‬لحما طريا} [فاطر‪ ]12/35:‬لنه ل‬
‫يسمى لحما في العرف ول يراد به عند الطلق اسم اللحم‪ ،‬فإن الرجل يقول‪ :‬ما أكلت اللحم كذا‬
‫يوما‪ ،‬وإن كان قد أكل سمكا ‪ ،‬وإطلق القرآن عليه مجرد تسمية‪ .‬وهذا هو مذهب الشافعية أيضا (‪)2‬‬
‫‪ ،‬ول يشمل الكَرْش والكَبِد والطّحال والقلب في الصح عند الشافعية‪ ،‬ويشمل لحم الرأس واللسان‬
‫وشحم الظهر والجَنْب‪.‬‬
‫وقال المالكية والحنابلة‪ :‬يحنث بأكل شحم الظهر والجنب وبأكل السمك‪ ،‬لن ال سماه لحما في قوله‬
‫سبحانه‪{ :‬وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا} [النحل‪ ،]14/16:‬وقال‪{ :‬ومن كلّ تأكلون‬
‫لحما طريا} [فاطر‪ ،]12/35:‬ولنه من جسم حيوان (‪. )3‬‬
‫واللحم عند الحنابلة ل يشمل الشحم والمخ والدماغ‪ ،‬إل إن أراد اجتناب الدسم‪ ،‬فيحنث بأكل الشحم‪.‬‬
‫ولو أكل شحم الظهر يحنث عند الحنفية؛ لنه لحم سمين‪ .‬ولو أكل شحم البطن واللية‪ :‬ل يحنث‪ ،‬لنه‬
‫ل يسمى لحما‪ ،‬ول يباع مع اللحم أيضا‪ ،‬فإن نواه يحنث؛ لنه شدد على نفسه‪ ،‬ولن فيه معنى اللحم‬
‫من وجه وهو الدسومة‪ .‬وكذلك يحنث إن نوى لحم السمك‪ ،‬لنه لحم ناقص في معنى اللحمية‪.‬‬
‫ولو أكل أحشاء البطن مثل الكرش والكبد والقلب والكلي والرئة والمعاء والطحال‪ :‬ذكر الكرخي أنه‬

‫يحنث في عادة أهل الكوفة في زمن أبي حنيفة‪ ،‬لن ذلك يباع مع اللحم‪ ،‬وأما في الموضع الذي ل‬
‫يباع مع اللحم كما في عرفنا الحاضر فل يحنث به‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬امبسوط ‪ ، 177/ 8 :‬البدائع ‪ ، 3/57‬الدر المختار ‪ 103/ 3 :‬وما بعدها ‪ ،‬فتح القدير ‪، 4/54 :‬‬
‫تبين الحقائق ‪ ، 3/131 :‬المغني ‪. 805/ 8 :‬‬
‫(‪ )2‬المهذب ‪ ، 134/ 2‬مغني المحتاج ‪. 336/ 4 :‬‬
‫(‪ )3‬المغني ‪ 811 , 809/ 8 :‬وما بعدها ‪ ,‬الشرح الكبير ‪. 143/ 2 :‬‬

‫( ‪)4/83‬‬
‫ولو أكل لحم الرأس من الحيوانات‪ ،‬سوى السمك‪ :‬يحنث؛ لن الرأس عضو من أعضاء الحيوان‪،‬‬
‫فكان لحمه كلحم سائر العضاء‪ ،‬بخلف ما إذا حلف ليشتري لحما‪ ،‬فاشترى رأسا‪ :‬إنه ل يحنث‪،‬‬
‫لن مشتريه ل يسمى مشتري لحم‪ ،‬وإنما يقال‪ :‬اشترى رأسا (‪. )1‬‬
‫‪ - 7‬عدم أكل الشحم‪ :‬ولو حلف ل يأكل شحما فاشترى شحم الظهر لم يحنث عند أبي حنيفة والشافعي‬
‫وأحمد؛ لنه ل يسمى شحما عرفا وعادة‪ ،‬بل يسمى لحما سمينا‪ ،‬فل يتناوله اسم الشحم عند الطلق‪،‬‬
‫وتسمية ال تعالى إياه شحما ل يدل على دخوله تحت اليمين إذا لم يكن متعارفا‪ ،‬واليمان مبنية على‬
‫العرف‪ ،‬وإنما يحنث بشحم البطن والمعاء‪.‬‬
‫وقال الصاحبان والمالكية‪ :‬يحنث بأكل شحم الظهر أيضا‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ومن البقر والغنم حرمنا‬
‫عليهم شحومهما إل ما حملت ظهورهما} [النعام‪ ]146/6:‬والمستثنى من جنس المستثنى منه‪ ،‬فدل أن‬
‫شحم الظهر شحم حقيقة (‪ )2‬وهذا ما يؤيده عرف اليوم أنه شحم‪.‬‬
‫‪ - 8‬عدم أكل الرأس أو شرائه‪ :‬لو حلف ل يأكل رأسا أو ل يشتري‪ :‬إن نوى الرؤوس كلها انصرف‬
‫إليها‪ ،‬لنه نوى حقيقة كلمه وشدد على نفسه‪ .‬وإن لم يكن له نية فإن اسم الرأس يتناول جميع ما يباع‬
‫في بلد الحالف من الرؤوس‪.‬‬
‫وكان أبو حنيفة رحمه ال يقول أولً‪ :‬يدخل فيه رأس البل والبقر والغنم‪ ،‬ثم رجع فقال‪ :‬يحنث في‬
‫رأس البقر والغنم خاصة‪ .‬وقال الصاحبان‪ :‬ل يحنث إل في رأس الغنم خاصة‪.‬‬
‫قال متأخرو الحنفية‪ :‬وهذا اختلف عصر وزمان وتبدل عادة ل اختلف حجة وبرهان‪ ،‬إذ مسائل‬
‫اليمان مبنية على العرف‪ ،‬فتدورمعه (‪. )3‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )4‬من حلف ل يأكل الرؤوس‪ ،‬ول نية له‪ ،‬حنث برؤوس تباع وحدها‪ ،‬وهي‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط ‪ ، 176/ 8 :‬البدائع ‪ ، 3/58 :‬فتح القدير ‪ ,4/47 :‬تبين الحقائق ‪ ، 3/127 :‬الدر‬
‫المختار ‪. 99/ 3 :‬‬
‫(‪ )2‬المراجع السابقة‪ :‬فتح القدير‪ :‬ص ‪ ،48‬تبيين الحقائق‪ :‬ص ‪ ،128‬الدر المختار‪ :‬ص ‪ ،100‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،337/4 :‬الشرح الكبير‪.144/2 :‬‬
‫(‪ )3‬انظر المبسوط‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬فتح القدير‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،52‬تبيين الحقائق‪ :‬ص ‪،130‬‬
‫الدر المختار‪ :‬ص ‪ ،102‬البدائع‪ :‬ص ‪.59‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪.335/4 :‬‬

‫( ‪)4/84‬‬
‫رؤوس الغنم قطعا‪ ،‬وكذا البل والبقر على الصحيح؛ لن ذلك هو المتعارف ‪ .‬ول يحنث بأكل رؤوس‬
‫طير وحوت وصيد وخيل إل ببلد تباع فيه مفردة‪ ،‬لكثرتها واعتياد أهلها‪ ،‬فيحنث بأكلها فيه؛ لنها‬
‫كرؤوس النعام في حق غيرهم‪.‬‬
‫‪ - 9‬عدم أكل البيض‪ :‬إذا حلف ل يأكل بيضا‪ :‬فإن نوى بيض كل شيء‪ ،‬يقع عليه عند الحنفية؛ لنه‬
‫نوى حقيقة كلمه‪ ،‬وشدد على نفسه وإن لم تكن له نية فيقع على ماله قشر‪ :‬وهو بيض الطير والدجاج‬
‫والوز‪ ،‬بدللة العرف (‪. )1‬ويقع اسم البيض عند الشافعية (‪ )2‬على كل ما يفارق بائضه في الحياة‬
‫كدجاجة ونعامة وحمام‪ ،‬ل سمك وجراد‪.‬‬
‫‪ - 10‬عدم أكل الطبيخ‪ :‬لو حلف ل يأكل طبيخا‪ :‬فإن نوى اللحم وغيره يقع عليه‪ ،‬لنه طبيخ حقيقة‪،‬‬
‫وفيه تشديد على نفسه‪ .‬وإن لم ينو شيئا ينصرف إلى المتعارف عليه وهو كل مطبوخ بالماء‪ .‬وكان‬
‫العرف السابق يعني بالطبيخ‪ :‬اللحم المطبوخ بالماء ليسهل أكله‪ ،‬ويعني أيضا المرقة المتخذة منه لما‬
‫فيها من أجزاء اللحم‪.‬‬
‫‪ - 11‬عدم أكل الشواء‪ :‬لو حلف ل يأكل شواء ونوى أكل لحم مشوي بالنار‪ :‬يحنث بأكل أي مشوي‪،‬‬
‫لنه نوى حقيقة كلمه وإن لم يكن له نية فإنما يقع على اللحم خاصة لتعارف الناس في السابق عليه‪،‬‬
‫وأما اليوم فينصرف إلى ما يتعارفه الناس أيضا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.59/3 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪.336/4 :‬‬

‫( ‪)4/85‬‬
‫‪ - 12‬عدم أكل الحلو‪ :‬إذا حلف ل يأكل حلواء أو حلوا أو حلوة‪ :‬فالصل الذي كان مقررا عند‬
‫السابقين‪ :‬هو أن الحلو‪ :‬هو ما ليس من جنسه حامض‪ .‬وغير الحلو‪ :‬ما كان من جنسه حامض‪،‬‬
‫والمرجع فيه إلى العرف‪.‬‬
‫فيحنث بأكل الخبيص والعسل والسكر والرطب والتمر والتين وأشباهها‪ ،‬لنه ليس من جنسها حامض‪،‬‬
‫ول يحنث بأكل العنب الحلو والبطيخ الحلو والرمان الحلو والجاص الحلو والتفاح الحلو والزبيب؛‬
‫لن من جنسها ما ليس بحلو‪ ،‬فلم يخلص معنى الحلوة فيها‪.‬‬
‫وأما الحلواء‪ :‬فيقع على المصنوع من الحلوة وحدها‪ ،‬أو مع غيرها كالخبيص والناطف‪ :‬وهو ما‬
‫يصنع من الطحينة والسكر (‪. )1‬‬
‫والحقيقة أن تفسير الحلوى وغيرها مرجعه إلى العرف كما قالوا‪ ،‬ففي عرفنا يراعى ما هو المقصود‬
‫من الحلويات أو الحلوة عند الناس‪.‬‬
‫قال ابن عابدين‪ :‬وفي زماننا‪ ،‬الحلو‪ :‬كل ما يتحلى به من فاكهة وغيرها كتين وعنب وخبيصة وكنافة‬
‫وقطائف‪ ،‬وأما الحلوة والحلوى‪ :‬فهي اسم لنوع خاص كالجوزية والسمسمية مما يعقد‪ ،‬وكذا ما يطبخ‬
‫من السكر أوالعسل بطحين أو نشا (‪. )2‬‬
‫‪ - 13‬عدم أكل الفاكهة‪ :‬الكلم في الحلف على أل يأكل الفاكهة على النحو الذي ذكره فقهاء الحنفية‬
‫بحسب عرفهم السابق يتناول أصنافا ثلثة أعرضها هنا عرضا تاريخيا‪ ،‬ثم أذكر الحكم الفقهي الدائم‪:‬‬
‫الصنف الول‪ :‬يحنث به باتفاق الحنفية‪ :‬وهو أنه يقع على ثمرة كل شجرة سوى العنب والرطب‬
‫والرمان‪ ،‬سواء منها الطري واليابس ؛ لنه ينطبق عليها اسم الفاكهة‪ :‬وهو كل ما يتفكه به ويؤكل قبل‬
‫الطعام وبعده ‪ ،‬أي يتنعم به زيادة على المعتاد‪.‬‬
‫الصنف الثاني‪ :‬ل يحنث به بالتفاق أيضا‪ :‬وهو أن يأكل القثاء والخيار والجزر؛ لن معنى التفكه‬
‫غير موجود فيها بحسب المعتاد‪ ،‬لنها من البقول بيعا وأكلً‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ ،178/8 :‬البدائع‪ ،59/3 :‬فتح القدير‪ ،52/4 :‬تبيين الحقائق‪.129/3 :‬‬
‫(‪ )2‬رد المحتار على الدر المختار‪.103/3 :‬‬

‫( ‪)4/86‬‬

‫الصنف الثالث‪ :‬اختلفوا فيه وهو العنب والرطب والرمان‪ :‬فعند أبي حنيفة ل يحنث بها؛ لن الفاكهة‬
‫من التفكه‪ :‬وهو التنعم بما ل يتعلق به البقاء زيادة على المعتاد‪ ،‬وهو مما ل يصلح غذاء ول دواء‪،‬‬
‫وهذه الشياء مما يتغذى بها ويتداوى بها‪ ،‬لن الرطب والعنب يؤكلن غذاء‪ ،‬ويتعلق بهما بقاء‬
‫الجسد‪ .‬وبعض الناس في بعض المواضع يكتفون بها‪ .‬والرمان يؤكل للتداوي‪ ،‬فليس في هذه الشياء‬
‫معنى التفكه الكامل‪ ،‬فل يتناولها اسم الفاكهة‪ ،‬ويؤيده قوله تعالى‪{ :‬فأنبتنا فيها حبا‪ ،‬وعنبا وقضبا‪،‬‬
‫وزيتونا ونخلً‪ ،‬وحدائق غُلْبا‪ ،‬وفاكهة وأبّا‪ ،‬متاعا لكم ولنعامكم} [عبس‪ ]32-27/80:‬فال سبحانه‬
‫عطف الفاكهة على العنب‪ ،‬والمعطوف غير المعطوف عليه‪.‬‬
‫وقال الصاحبان‪ :‬يحنث بأكل هذه الشياء؛ لن معنى التفكه موجود فيها عرفا‪ ،‬فإنها أعز الفواكه‪،‬‬
‫والتنعم بها يفوق التنعم بغيرها‪.‬‬
‫هذا هو مذهب الحنفية في الفاكهة‪ ،‬والعبرة الن للعرف‪ ،‬فيحنث الحالف بكل ما يعد فاكهة عرفا‪ .‬وأما‬
‫قول أبي حنيفة بأن العنب والرطب والرمان ليس بفاكهة‪ ،‬فهذا اختلف عرف وزمان‪ ،‬وكان في زمنه‬
‫ل تعد هذه الشياء من جملة الفواكه‪ ،‬فأفتى بحسب عرف زمانه‪ ،‬وقد تغير العرف في زمان‬
‫الصاحبين‪ ،‬فكانت فتواهما مخالفة لفتوى المام رضي ال عنه‪.‬‬
‫ولو حلف ل يأكل فاكهة يابسة فأكل الجوز واللوز والتين ونحوها‪ :‬فإنه كان في الماضي يحنث؛ لن‬
‫اسم الفاكهة يطلق على الرطب واليابس منها‪ ،‬وأما في عرفنا فل يحنث في الجوز واللوز‪ ،‬لنه ل‬
‫يتفكه بهما (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ ،179/8 :‬البدائع‪ 60/3 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ ،53/4 :‬تبيين الحقائق‪130/4 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪.103/3 :‬‬

‫( ‪)4/87‬‬
‫وقال المالكية والشافعية والحنابلة (‪ : )1‬يدخل في فاكهة‪ُ :‬رطَب النخيل وعنب ورمان وأتر ُجّ (نارنج)‬
‫ورَطْب ويابس وليمون ونَبْق (ثمر حمل السدر)‪ ،‬وبِطّيخ ولبّ فُسْتق وبُنْدق وغيرهما من اللبوب كلبّ‬
‫لوز وجوز‪ ،‬في الصح‪ ،‬ول يشمل القثاء والخيار والجزر والباذنجان‪.‬‬
‫‪ - 14‬عدم أكل الحنطة‪ :‬لو حلف ل يأكل من هذه الحنطة يقع على أكل عينها مقلية (‪ )2‬ومطبوخة‪،‬‬
‫ول يقع على الحنطة النيئة إل بالنية‪ ،‬كما ل يقع على الخبز‪ ،‬وما يتخذ من الدقيق إل أن ينويه فيحنث‬
‫به‪ ،‬وهذا عند أبي حنيفة رضي ال عنه؛ لن اسم الحنطة ل يقع على الخبز حقيقة‪ ،‬فحملها على الخبز‬

‫يكون حملً على المجاز‪ ،‬والحقيقة أولى‪.‬‬
‫ورأى الشافعية (‪ )3‬أنه يحنث بأكل الحنطة مطبوخة ونيئة ومقلية‪ ،‬ول يحنث بأكل طحينها وسويقها‬
‫وعجينها وخبزها‪ .‬كذلك ل يتناول الرطب تمرا ول ُبسْرا (‪ ، )4‬ول يتناول العنب زبيبا‪.‬‬
‫وقال الصاحبان رحمهما ال والمالكية‪ :‬إن أكل الحنطة خبزا حنث أيضا‪،‬كما لو أكل من عينها؛ لن‬
‫المتعارف في إطلق أكل الحنطة هو أكل المتخذ منها وهو الخبز‪ ،‬ل أكل عينها‪ ،‬يقال‪ :‬فلن يأكل من‬
‫حنطة كذا أي من خبزها‪ ،‬ومطلق الكلم يحمل على المتعارف‪ .‬ومنشأ الخلف في هذه القضية راجع‬
‫إلى اختلفهم في مسألة في أصول الفقه‪ :‬وهي أن الكلم إذا كان له حقيقة مستعملة ومجاز متعارف‪،‬‬
‫فعند أبي حنيفة‪ :‬الحقيقة أولى من المجاز المتعارف‪ .‬وعند الصاحبين‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ 340/4 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،163‬المغني‪.804/8 :‬‬
‫(‪ )2‬المقلية‪:‬هي التي يغليها الناس على النار ويأكلونها قضما‪ ،‬وهي التي تسمى في عرف بلدنا‬
‫(بليلة)‪.‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪.338/4 :‬‬
‫(‪ )4‬قال أهل اللغة‪ :‬ثمر النخل أوله طلع وكافور‪ ،‬ثم خَلل‪ ،‬ثم بلح‪ ،‬ثم بسر‪ ،‬ثم رطب‪ ،‬ثم تمر‪.‬‬

‫( ‪)4/88‬‬
‫المجاز المتعارف أولى‪ .‬فمن حلف ل يشرب من الفرات أو من هذا النهر فعند أبي حنيفة‪ :‬يقع على‬
‫الشرب كرعا (‪ )1‬حتى لو اغترف بإناء أو بيده‪ :‬ل يحنث ‪ .‬وعند الصاحبين‪ :‬يقع عليهما أخذا بعموم‬
‫المجاز‪.‬‬
‫وعموم المجاز‪ :‬معناه أن يكون للمجاز أفراد كثيرة‪ ،‬ومن جملة أفراده محل الحقيقة‪ ،‬فتدخل الحقيقة في‬
‫المجاز‪ ،‬كمن حلف ل يدخل دار فلن‪ ،‬فإنه مجاز عن المسكن‪ ،‬وحقيقته الدار المملوكة لفلن‪ ،‬فيدخل‬
‫في اليمين‪ :‬ما يسكنه كيفما كان‪ ،‬سواء أكان مستأجرا أم عارية أم ملكا لعموم المجاز اتفاقا‪.‬‬
‫عدم أكل الدقيق‪ :‬ولو حلف ل يأكل من هذا الدقيق‪ ،‬فأكل مما يتخذ منه وهو الخبز‪ :‬يحنث؛ لن عينه‬
‫ل يؤكل‪ ،‬وإنما يؤكل عادة خبزا‪ ،‬ول يستف إل نادرا‪ ،‬والنادر ملحق بالعدم ‪ .‬فإن نوى ل يأكل عين‬
‫الدقيق‪ :‬ل يحنث بأكل ما يخبز منه‪ ،‬لنه نوى حقيقة كلمه‪.‬‬
‫عدم أكل الخبز‪ :‬ولو حلف ل يأكل خبزا فيمينه على حسب المعتاد عند أهل البلد فيما يعتبر أكله‬
‫خبزا‪ ،‬وذلك خبز الحنطة والشعير‪ ،‬لنه هو المعتاد في غالب البلدان (‪. )2‬‬

‫والخبز في الحلف على أكله يتناول عند الشافعية (‪ )3‬كل خبز كحنطة وشعير وأرز وباقل (فول) وذ ُ‬
‫حمّص‪.‬‬
‫رة و َ‬
‫وبناء على مسألة الدقيق‪ :‬إذا حلف ل يأكل من هذه الشجرة فأكل من ثمرتها‪ :‬يحنث؛ لن عينها ل‬
‫تؤكل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كَرع في الماء أو الناء‪ :‬مد عنقه وتناول الماء بفيه من موضعه‪.‬‬
‫(‪ )2‬انظر المبسوط‪ ،181/8 :‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ 61‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪50/4 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪ ،129/3 :‬الدر المختار‪ 100/3 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪.145/2 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪.339/4 :‬‬

‫( ‪)4/89‬‬
‫‪ -15‬الحلف على عدم الكل وقصد طعام خاص‪ :‬لو حلف ل يأكل أو ل يشرب‪ ،‬أو ل يلبس‪ ،‬ونوى‬
‫طعاما خاصا وشرابا خاصا‪ ،‬وثوبا‪ :‬فإنه ل يصدق؛ لنه نوى خلف مقتضى كلمه وهو ل عموم له‪،‬‬
‫فل يحتمل الخصوص‪ ،‬والنية إنما تعمل في الملفوظ لتعيين بعض محتملته‪ .‬أما لو قال‪ :‬ل آكل‬
‫طعاما‪ ،‬أو ل ألبس ثوبا‪ ،‬ونوى طعاما بعينه وثوبا بعينه‪ :‬يصدق ديانة ل قضاء‪ ،‬لنه نوى تخصيص‬
‫كلمه الظاهر منه العموم ولكنه يحتمل الخصوص (‪. )1‬‬
‫وذكر المالكية (‪ : )2‬أن من حلف أل يأكل رغيفا‪ ،‬فأكل بعضه‪ ،‬فإنه يحنث في المشهور‪ ،‬ولو حلف‬
‫أن يأكله‪ ،‬لم يبر إل بأكل جميعه‪ .‬والقاعدة عندهم أن من حلف على فعل يحمل على أكثر ما يحتمله‬
‫اللفظ على المشهور‪ .‬ومن حلف على فعل شيء حنث بأكل ما يشتق منه‪ ،‬فمن حلف أل يأكل قمحا‪،‬‬
‫حنث بأكل خبزه‪ ،‬ومن حلف أل يأكل لبنا‪ ،‬حنث بأكل الجبن‪ ،‬ومن حلف أل يأكل عنبا‪ ،‬حنث بأكل‬
‫الزبيب‪.‬‬
‫الحلف على الشرب ‪:‬‬
‫عرفنا معنى الشرب‪ :‬وهو إيصال مال يحتمل المضغ من المائعات إلى الجوف‪ ،‬فلو حلف ل يشرب‪،‬‬
‫فأكل‪ :‬ل يحنث‪ ،‬كما لو حلف ل يأكل‪ ،‬فشرب‪ :‬ل يحنث؛ لن الكل والشرب فعلن متغايران‪ .‬وإذا‬
‫حلف ل يشرب ول نية له‪ :‬فأي شراب شرب من ماء أو غيره يحنث‪ ،‬لنه منع نفسه عن الشرب‬
‫عموما‪ ،‬وسواء شرب قليلً أو كثيرا‪ ،‬لن بعض الشراب يسمى شرابا‪.‬‬
‫ولو حلف ل يشرب من دجلة أو من الفرات‪ :‬قال أبو حنيفة‪ :‬ل يحنث ما لم يشرب منه كرعا‪ :‬وهو‬

‫أن يضع فاه عليه‪ ،‬فيشرب منه‪ ،‬فإن أخذ الماء بيده أو بإناء لم يحنث‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ :‬ص ‪ ،66‬تبيين الحقائق‪ ،133/3 :‬الدر المختار‪ 105/3 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 164‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/90‬‬
‫وقال الصاحبان‪ :‬يحنث سواء شرب كرعا أو بإناء أو اغترف بيده‪ .‬دليلهما‪ :‬أن مطلق اللفظ ينصرف‬
‫إلى المتعارف عند أهل اللغة‪ .‬والمتعارف عندهم‪ :‬أن من رفع الماء من النهر بيده أو بإناء أنه يسمى‬
‫شاربا من النهر‪ ،‬فيحمل مطلق الكلم على غلبة المتعارف‪ ،‬وإن كان مجازا بعد أن كان متعارفا‪ ،‬كما‬
‫ذكرت قريبا‪ ،‬وهو مثل ما لو حلف ل يأكل من هذه الشجرة‪ ،‬فإنه ينصرف إلى الثمرة‪ .‬ودليل أبي‬
‫حنيفة‪ :‬أن مطلق الكلم محمول على الحقيقة‪ ،‬وحقيقة الشرب من النهر‪ :‬هو أن يكرع منه كرعا بأن‬
‫يضع فاه عليه فيشرب منه‪.‬‬
‫الشرب من الجب أو البئر‪ :‬إن حلف ل يشرب من ماء هذا الجب (‪ )1‬أو البئر فاغترف بإناء أو بيده‬
‫من الول واستقى من الثاني وشرب‪ :‬يحنث بالتفاق‪ ،‬لنه ل يمكن الشرب منه كرعا‪.‬‬
‫فلو حلف ل يشرب من هذا الجب‪ :‬فهو على الختلف الذي ذكرته في الحلف من دجلة أو الفرات‪،‬‬
‫فل يحنث عند أبي حنيفة ما لم يكرع منه‪ .‬وعند الصاحبين‪ :‬يحنث مطلقا (‪. )2‬‬
‫الحلف على الغداء والعشاء والسحور‪ :‬الغداء والعشاء والسحور عبارة عن أكل ما يقصد به الشبع‬
‫عادة‪ ،‬ويعتبر غداء كل بلدة‪ :‬ما تعارفه أهلها‪ ،‬فإن كان خبزا فخبز‪ ،‬وإن كان لحما فلحم‪ ،‬حتى إن‬
‫الحضري إذا حلف على ترك الغداء‪ ،‬فشرب اللبن لم يحنث‪ ،‬والبدوي بخلفه‪ ،‬لنه غداء في البادية‬
‫أي أن المعتبر فيما يتغدى به عادة أهل بلد الحالف‪.‬‬
‫ول بد من أن يأكل أكثر من نصف الشبع في غداء وعشاء وسحور‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الجب بضم الجيم‪ :‬البئر العميقة‪.‬‬
‫(‪ )2‬المبسوط‪ 186/8 :‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ ،66/3 :‬فتح القدير‪ 58/4 :‬ومابعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪:‬‬
‫‪.134/3‬‬

‫( ‪)4/91‬‬

‫والغداء في الماضي‪ :‬هو الكل من طلوع الفجر إلى الظهر‪.‬‬
‫والعشاء في الماضي‪ :‬هو الكل من صلة الظهر إلى نصف الليل؛ لن مابعد الزوال يسمى عشاء‪،‬‬
‫وعليه تسمى الظهر إحدى صلتي العشاء في الحديث‪ ،‬فإنه ورد أن النبي صلّى ال عليه وسلم صلى‬
‫إحدى صلتي العشاء ركعتين‪ :‬يريد به الراوي‪ :‬الظهر أو العصر‪.‬‬
‫وفي عرفنا اليوم يعتبر الكل من طلوع الفجر إلى ارتفاع الضحى الكبر فطورا‪ ،‬ومابعده يدخل وقت‬
‫الغداء وينتهي إلى العصر‪ ،‬لنه أول وقت العشاء في عرفنا‪ ،‬وحينئذ يدخل وقت العشاء‪ :‬وهو مابعد‬
‫صلة العصر‪ ،‬وهذا العرف يعمل به‪.‬‬
‫والسحور‪ :‬هو الكل من بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر‪ ،‬مأخوذ من السحر وهو الثلث الخير من‬
‫الليل‪ ،‬وقد أطلق على النصف الثاني من الليل لقربه من الثلث الخير‪.‬‬
‫وأما التضحي‪ :‬فهو الكل في وقت الضحى‪ .‬ووقت الضحى‪ :‬هو من بعد طلوع الشمس من الساعة‬
‫التي تحل فيها الصلة إلى نصف النهار؛ لن هذا وقت صلة الضحى‪.‬‬
‫وأما التصبيح‪ :‬فهو ما بين طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحوة الكبرى لنه من الصباح‪ ،‬وهذا يعرف‬
‫بتسمية أهل اللغة‪.‬‬
‫ولو حلف ليأتينه غدوة‪ :‬فهذا بعد طلوع الفجر إلى نصف النهار (‪. )1‬‬
‫وإن حلف أل يأكل شيئا فشربه أو ل يشربه فأكله‪ ،‬ل يحنث عند الجمهور‪ ،‬وعن المام أحمد روايتان‪:‬‬
‫إحداهما ـ يحنث؛ لن اليمين على ترك أكل شيء أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشيء‪،‬‬
‫فحملت اليمين عليه إل أن ينوي‪.‬‬
‫والثانية ـ ل يحنث؛ لن الفعال أنواع كالعيان (‪. )2‬‬
‫المطلب الخامس ـ الحلف على اللبس والكسوة ‪:‬‬
‫من حلف أل يلبس ثوبا وهو لبسه‪ ،‬نزعه في الحال‪ ،‬فإن لم يفعل حنث بالتفاق (‪. )3‬‬
‫وإذا حلف إنسان ( ل يلبس قميصا أو سراويل أو رداء ) فاتزر به‪ :‬ل يحنث‪ ،‬وكذا إذا اعتم بشيء‬
‫مما ذكر؛ لن المطلق تعتبر فيه العادة‪ ،‬والتزار والتعمم ليس بمعتاد في هذه الشياء‪ ،‬فل يحنث‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يلبس هذا القميص أو هذا الرداء ) فعلى أي حال لبسه حنث بالتفاق (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،69/3 :‬فتح القدير‪ ،5/4 :‬تبيين الحقائق‪ ،132/3 :‬الدر المختار‪.105/3 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.816/8 :‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪.777/8 :‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪ ،779/8 :‬الشرح الكبير‪.154/2 :‬‬

‫( ‪)4/92‬‬
‫حتى بالتزار والتعمم؛ لن اليمين إذا تعلقت بعين اعتبر فيها وجود اسم العين‪ ،‬ول تعتبر فيها الصفة‬
‫المعتادة‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يلبس من غزل فلنة شيئاً ) فلبس ثوبا قد غزلته فلنة‪ :‬يحنث في يمينه؛ لن الغزل‬
‫عينه ل يلبس‪ ،‬فيقع على ما يصنع منه‪ ،‬وهو الثوب‪ .‬ولو نوى الغزل بعينه‪ :‬ل يحنث إذا لبس الثوب‪،‬‬
‫لنه نوى حقيقة كلمه‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يلبس ثوبا من غزل فلنة ) يقع على الثوب‪ ،‬ولو نوى الغزل ليصدق‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يلبس ثوبا من غزل فلنة ) فلبس ثوبا من غزلها وغزل غيرها‪ :‬ليحنث باتفاق الحنفية‬
‫والشافعية؛ لن الثوب اسم لشيء مقدر‪ ،‬فل يقع على بعضه‪.‬‬
‫وعند الحنابلة روايتان‪ :‬إحداهما‪ :‬يحنث كالصورة التية بعدها‪ ،‬والثانية‪ :‬ليحنث‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يلبس من غزل فلنة ) فلبس ثوبا من غزلها وغزل غيرها‪ :‬حنث بالتفاق (‪ ، )1‬لن‬
‫البعض يسمى غزلً‪.‬‬
‫أما لو حلف ( ل يلبس من غزل فلنة ) ولم يقل ثوبا‪ :‬لم يحنث في التكة والزر والعروة والطوق؛‬
‫لن هذا ليس بلبس في العادة‪ ،‬فلو لبس ثوبا تلبيبه (‪ )2‬من غزل فلنة‪ :‬يحنث؛ لن هذا القدر ملبوس‬
‫من غزلها بلبس الثوب (‪. )3‬‬
‫ومن حلف ( ل يلبس حلياً ) فلبس خاتم فضة لم يحنث؛ لنه ليس بحلي عرفا ول شرعا‪ ،‬حتى أبيح‬
‫استعماله للرجال‪ ،‬وإن كان من ذهب حنث‪ ،‬لنه حلي ولهذا ل يحل استعماله للرجال‪ ،‬ولو لبس عقد‬
‫لؤلؤ يحنث عند الصاحبين‪ ،‬لنه حلي حقيقة‪ ،‬والتحلي به معتاد‪ ،‬وهو الرأي المفتى به خلفا لرأي أبي‬
‫حنيفة القائل بأنه ل يحنث‪ .‬وقال غير الحنفية‪ :‬يحنث بلبس الفضة واللؤلؤ (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني ‪.781/8 :‬‬
‫(‪ )2‬التلبيب‪ :‬جمع تلبيب وهو ما في موضع اللبب من الثياب‪ ،‬واللبب واللبة‪ :‬موضع القلدة من‬
‫الصدر‪.‬‬
‫(‪ )3‬انظر المبسوط‪ 2/9 :‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ 69/3 :‬ومابعدها‪ ،‬تحفة الفقهاء‪ ،‬الطبعة القديمة‪،483/2 :‬‬
‫فتح القدير‪ 96/4 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬فتح القدير‪ :‬ص ‪ ،97‬المهذب‪ ،136/2 :‬المغني‪.779/8 :‬‬

‫( ‪)4/93‬‬
‫ولو حلف ( ل يكسو فلنا شيئا ) ول نية له‪ ،‬فكساه قلنسوة‪ ،‬أو خفين أو جوربين‪ :‬حنث؛ لن الكسوة‬
‫اسم لما يكسى به‪ ،‬وذلك يوجد في القليل والكثير‪.‬‬
‫ولو حلف (ل يكسو فلنا ثوبا ) فأعطاه دراهم يشتري بها ثوبا لم يحنث‪ ،‬لنه لم يكسه‪ ،‬وإنما وهبه‬
‫دراهم‪ ،‬وشاوره فيما يفعل بها‪.‬‬
‫ولو أرسل له ثوب كسوة‪ :‬حنث؛ لن حقوق العقد أو اليمين ل تتعلق بالرسول‪ ،‬وإنما تتعلق بالمرسل (‬
‫‪. )1‬‬
‫المطلب السادس ـ الحلف على الركوب ‪:‬‬
‫إذا حلف ( ل يركب دابة ) فهو يقع على الدواب التي يركبها الناس في حوائجهم في مواضع إقامتهم‪،‬‬
‫كالفرس والحمار والبغل‪ ،‬فلو ركب ظهر إنسان أو بعيرا أو بقرة أو فيلً‪ :‬ل يحنث استحسانا إل‬
‫بالنية‪ .‬والقياس أن يحنث في ركوب كل حيوان‪ ،‬لن الدابة لفظ عام يشمل كل ما يدب على الرض‪.‬‬
‫قال تعالى‪{ :‬وما من دابة في الرض إل على ال رزقها} [هود‪ ]6/11:‬إل أنهم استحسنوا وحملوا‬
‫اليمين على ما يركبه الناس في حوائجهم غالبا‪ :‬وهو الخيل والبغال والحمير تخصيصا للعموم بالعرف‬
‫والعادة‪.‬‬
‫قال صاحب الدر‪ :‬وينبغي حنثه بالبعير في مصر والشام أي ( إذا كان ممن يركب البعير كالمسافر‬
‫وأهل البدو ) وبالفيل في الهند للتعارف‪.‬‬
‫ولو حمل على الدابة مكرها فل حنث‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يركب فرساً ) فركب برذونا‪ ،‬أو حلف ل يركب برذونا (‪ )2‬فركب فرسا‪ :‬لم يحنث؛‬
‫لن كل حيوان يختلف عن الخر‪ ،‬فالفرس عربي‪ ،‬والبرذون أعجمي‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يركب ) وقال‪ :‬نويت الخيل‪ :‬ل يصدق قضاء ول ديانة‪ ،‬لن المركوب ليس بمذكور‪،‬‬
‫فل يحتمل اللفظ التخصيص‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ ،4/9 :‬البدائع‪.71/3 :‬‬
‫(‪ )2‬البرذون‪ :‬التركي من الخيل‪ ،‬والجمع البراذين‪ ،‬وخلفها العراب‬

‫( ‪)4/94‬‬

‫‪ .‬فإن حلف ( ل يركب الخيل ) فركب برذونا أو فرسا‪ :‬يحنث لن الخيل اسم جنس‪ ،‬فيعم جميع‬
‫أنواعه‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يركب دابة ) وهو راكبها فمكث على حاله ساعة‪ :‬حنث؛ لن الركوب له أمثال تتجدد‬
‫مع الزمن‪ ،‬فله حكم البتداء‪ ،‬مثل ما لو حلف ل يلبس وهو ل بس‪ ،‬أو ل يجلس وهو جالس (‪. )1‬‬
‫المطلب السابع ـ الحلف على الجلوس ‪:‬‬
‫إذا حلف ( ل يجلس على الرض ) فجلس على شيء حائل بينه وبين الرض كحصير أو بساط أو‬
‫كرسي‪ :‬لم يحنث‪ ،‬لنه ل يسمى جالسا على الرض؛ لن الجالس على الرض‪ :‬من باشر الرض‪،‬‬
‫ل لن الثياب‬
‫ولم يحل بينه وبينها شيء‪ ،‬بخلف ما إذا حال بينه وبين الرض ثيابه‪ ،‬فإنه ل يعتبر حائ ً‬
‫تبع له‪.‬‬
‫وإن حلف ( ل يجلس على هذا الفراش ) فجعل عليه فراشا مثله‪ ،‬ثم جلس‪ :‬لم يحنث؛ لن الجلوس‬
‫ينسب إلى الفراش الثاني دون الول‪.‬‬
‫وخالف أبو يوسف في الفراش خاصة فقال‪ :‬إذا حلف ل ينام على هذا الفراش‪ ،‬فجعل فوقه فراشا آخر‬
‫ونام عليه‪ :‬حنث‪ ،‬لنه يحصل به زيادة توطئة ولين‪ ،‬فيكونان مقصودين بالنوم عليهما‪.‬‬
‫واتفقوا على أنه لو حلف ل ينام على هذا الفراش فجعل فوقه ملءة أي شرشفا‪ :‬حنث لنه تبع‬
‫للفراش‪ ،‬فل يمنع أن يقال‪ :‬نام على الفراش‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يجلس على هذا السرير أو السطح ) فجعل فوقه مصلى أو بساطا‪ ،‬ثم جلس عليه‪:‬‬
‫حنث؛ لن السرير يجلس عليه هكذا غالبا‪ ،‬ويقال‪ :‬نام على السطح‪ ،‬وإن كان نام على فراش‪.‬‬
‫فلو جعل فوق السرير سريرا أو بنى فوق السطح سطحا‪ :‬لم يحنث؛ لن الجلوس ينسب إلى الثاني‬
‫دون الول‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ ،‬المرجع السابق‪ 12/3 :‬وما بعدها‪ ،‬البدائع‪ ،71/3 :‬فتح القدير‪ 42/4 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر‬
‫المختار ورد المحتار‪ ،94 :‬الفتاوى الهندية‪.74/2 :‬‬

‫( ‪)4/95‬‬
‫ولو نوى الجلوس على ألواح هذا السرير مباشرة دون أن يكون فوقه شيء‪ :‬يصدق ديانة فيما بينه‬
‫وبين ال ‪ ،‬ل قضاءً‪ ،‬لنه خلف المعتاد وإن كان حقيقة‪.‬‬
‫ولو قال‪ ( :‬وال ل أنام على ألواح هذا السرير ) فجلس على بساط فوقه‪ :‬لم يحنث‪ ،‬لنه ما نام على‬

‫ألواح‪.‬‬
‫ولو حلف ( ل يجلس على الرض ) فجلس على السطح‪ :‬يحنث لنه يسمى أرض السطح (‪. )1‬‬
‫المطلب الثامن ـ الحلف على السكنى ‪:‬‬
‫إذا حلف ( ل يسكن هذه الدار ) فإن لم يكن ساكنا فيها فالسكنى‪ :‬أن يسكنها بنفسه‪ ،‬وينقل إليها من‬
‫متاعه ما يتأثث به‪ ،‬ويستعمله في منزله‪ ،‬فإذا فعل ذلك فهو ساكن‪ ،‬وحانث في يمينه؛ لن السكنى هو‬
‫الكون في المكان على طريق الستقرار والمداومة‪ ،‬وهو يكون بما يسكن به عادة‪ ،‬أل ترى أن من‬
‫جلس في المسجد وبات فيه‪ ،‬لم يكن ساكنا في المسجد‪ ،‬ولو أقام فيه بما يتأثث به يسمى ساكن المسجد‪،‬‬
‫فكان هذا معتبرا في اليمين‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )2‬إن استدامة السكنى كابتدائها في وقوع اسم السكنى عليها‪ ،‬فإذا حلف‬
‫ساكن الدار ليسكنها‪ ،‬فمتى أقام فيها بعد يمينه زمنا يمكنه فيه الخروج‪ ،‬حنث‪ .‬وإن أقام لنقل متاعه لم‬
‫يحنث؛ لن النتقال ليكون إل بالهل والمال‪ ،‬فيحتاج أن ينقل ذلك معه‪ ،‬حتى يكون منتقلً‪ .‬وإن أكره‬
‫على المقام لم يحنث‪ ،‬لحديث العفو عن الستكراه‪.‬‬
‫وإن كان الرجل ساكنا في الدار فحلف ل يسكنها‪ :‬فإنه ل يبر في يمينه ما لم ينتقل بنفسه وأهله وولده‬
‫ومتاعه وخادمه ومن يقوم بشأنه في منزله‪ ،‬لن السكنى في الدار بهذه الشياء‪ ،‬فكان ترك السكنى‬
‫فيها بضدها‪ ،‬فإذا لم يأخذ في النقلة من ساعته مع المكان‪ :‬يحنث في يمينه‪ .‬وهنا ثلثة افتراضات‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 71/3 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ ،98/4 :‬تبيين الحقائق‪ 155/3 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ، 329/4 :‬المغني ‪ 767/8 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/96‬‬
‫أحدها ـ إذا انتقل بأهله ومتاعه في الحال‪ :‬لم يحنث عند أئمة الحنفية الثلثة‪ ،‬ول يؤثر وجود السكنى‬
‫القليلة‪ ،‬لنه ل يمكن الحتراز عنه‪ ،‬فكان مستثنى دللة‪ .‬وقال زفر‪ :‬يحنث لوجود شرط الحنث وهو‬
‫السكنى‪.‬‬
‫الثاني ـ لو انتقل بنفسه‪ ،‬ولم ينتقل بأهله ومتاعه‪ :‬يحنث عند أئمة الحنفية والحنابلة؛ لن السكنى في‬
‫المكان ـ كما تقدم ـ هي الكون في الشيء على وجه الستقرار‪ ،‬ول يكون هذا إل بما يسكن به‬
‫عادة‪ ،‬فإذا حلف ل يسكنها وهو فيها‪ ،‬فالبر في إزالة ما كان به ساكنا‪ ،‬فإذا لم يفعل حنث‪ ،‬ولن من‬
‫حلف ل يسكن هذه الدار فخرج بنفسه‪ ،‬وأهله ومتاعه فيها يسمى في العرف والعادة ساكن الدار‪ .‬هذا‬

‫بخلف ما إذا حلف ل يسكن في بلد فخرج منه وترك أهله فيه‪ :‬لم يحنث؛ لن العادة ل يقال لمن‬
‫بدمشق وأهله بحلب‪ :‬إنه ساكن بحلب‪.‬‬
‫وقال المام الشافعي (‪ : )1‬ل يحنث‪ ،‬ويكفي أن يخرج ببدنه بنية التحول‪ ،‬لن اليمين على سكناه‪ ،‬وقد‬
‫ترك السكنى‪ ،‬فلم يحنث بترك أهله ومتاعه‪ ،‬كما لو حلف ل يسكن في بلد‪ ،‬فخرج بنفسه وترك أهله‬
‫فيه‪ .‬وقال الشافعي محتجا على الحنفية‪ :‬إذا خرجت من مكة‪ ،‬وخلّفت دفيترات بها أفأكون ساكنا‬
‫بمكة؟!‪ .‬ومن حلف ل يسكن دارا معينة أو ل يقيم فيها‪ ،‬فليخرج في الحال‪ ،‬فإن مكث بل عذر حنث‪،‬‬
‫حتى ولو أخرج متاعه؛ لن المحلوف عليه سكناه‪ ،‬وهو موجود‪ ،‬إذ السكنى تطلق على الدوام‬
‫كالبتداء‪ ،‬أما إن اشتغل بأسباب الخروج كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب‪ ،‬فلم يحنث بمكثه لذلك؛‬
‫لنه ل يعدّ ساكنا‪ ،‬وإن طال مقامه بسبب ذلك‪ .‬وكذلك الدوام على التزوج أو التطهر أو اللبس أو‬
‫الركوب أو القيام أو القعود‪ ،‬له حكم ابتداء هذه الفعال عندهم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر مغني المحتاج‪ ،329/4 :‬المهذب‪. 132/2 :‬‬

‫( ‪)4/97‬‬
‫وهذا بعكس الوطء والصوم والصلة وبقاء الطيب‪ ،‬الدوام فيها ليس كالبتداء باتفاق الفقهاء (‪. )1‬‬
‫الثالث ـ إذا انتقل بنفسه وأهله وماله ومتاعه وترك من أثاثه شيئا يسيرا فإن أبا حنيفة قال‪ :‬يحنث لن‬
‫السكنى قد ثبتت بكل ذلك فيبقى مابقي شيء منه‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬يعتبرنقل الكثر‪ ،‬لن نقل الكل قد يتعذر في بعض الوقات‪.‬‬
‫وقال محمد‪ :‬يعتبر ماتقوم به السكنى‪ ،‬قالوا‪ :‬وهذا القول أحسن وأرفق بالناس‪ .‬ولشك أن من خرج‬
‫على نية ترك المكان وعدم الرجوع إليه‪ ،‬ونقل من أمتعته مايقوم به أمر سكناه‪ .‬وهو على نية نقل‬
‫الباقي يقال عنه‪ :‬ليس ساكنا فيه‪ ،‬بل انتقل منه‪ ،‬وسكن في مكان آخر‪ ،‬وبهذا يترجح قول محمد‪.‬‬
‫فإن منع من الخروج والتحول بنفسه ومتاعه‪ ،‬وأوثقوه وقهروه‪ :‬ليحنث وإن أقامـ على وضعه أياما‪،‬‬
‫لنه ليس بساكن‪ ،‬إنما هو أسكن فيها عن إكراه‪ ،‬فليحنث‪.‬‬
‫وقال محمد‪ :‬إذا خرج الحالف من ساعته‪ ،‬وخلف متاعه كله في المسكن‪ ،‬ومكث في طلب المنزل أياما‬
‫ثلثة‪ ،‬فلم يجد مايستأجره وكان يمكنه أن يخرج من المنزل ويضع متاعه خارج الدار‪ :‬ليحنث؛ لن‬
‫هذا من عمل النقلة عادة‪ ،‬لن المعتاد أن ينتقل من منزل إلى منزل ل أن يلقي متاعه على الطريق‪.‬‬
‫وقال محمد أيضا‪ :‬وإن كان الساكن موسرا وله متاع كثير‪ ،‬وهو يقدر على أن يستأجر من ينقل متاعه‬

‫في يوم‪ ،‬فلم يفعل‪ ،‬وجعل ينقل بنفسه الول فالول‪ ،‬ومكث في النقلة سنة وهو ليترك الشتغال‬
‫بالنقل‪ :‬فإنه ليحنث‪ ،‬لنه ل يلزمه النتقال بأسرع الوجوه‪.‬‬
‫وإن حلف ل يسكن هذه الدار وهو ساكن فيها‪ ،‬فتحول ببدنه فقط‪ ،‬وقال‪ :‬ذلك عنيت بيميني‪ :‬يصدق‬
‫ديانة فيما بينه وبين ال تعالى وليصدق قضاء‪ ،‬لنه نوى خلف الظاهر والعادة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني ‪. 778/8 :‬‬

‫( ‪)4/98‬‬
‫وإن كان حلف وهو غير ساكن فيها وقال‪ :‬نويت النتقال ببدني فقط يصدق ديانة وقضاء‪ ،‬لنه نوى‬
‫مايحتمله كلمه‪ ،‬ولنه شدد على نفسه (‪. )1‬‬
‫هل الدوام على السكنى له حكم البتداء؟‬
‫قال الحنفية‪ :‬دوام السكنى واللبس والركوب له حكم البتداء‪ ،‬حتى لو حلف ليلبس هذا الثوب وهو‬
‫لبسه أو ليركب هذه الدابة وهو راكبها‪ ،‬أو ليسكن هذه الدار وهو ساكنها‪ ،‬واستمر على ماكان‬
‫عليه‪ :‬حنث؛ لن هذه الفعال تتجدد بحدوث أمثالها‪ .‬وذلك بعكس الدخول والخروج والتزوج‬
‫والتطهر‪ :‬ليعتبر الدوام عليها بمثابة إنشائها‪.‬‬
‫والضابط الفارق بينهما‪ :‬أن مايمتد فلدوامه حكم البتداء كالقعود والقيام والنظر ونحوه‪ ،‬ومال يمتد ل‬
‫دوام له كالخروج والدخول‪ .‬وهذا هو مذهب الشافعية أيضا (‪. )2‬‬
‫ويترتب على هذا أن الحالف على السكنى واللبس والركوب ونحوها إذا انتقل للحال أو نزع الثوب‬
‫حالً‪ ،‬أو نزل عن الدابة حالً‪ :‬ليحنث‪ .‬وقال زفر‪ :‬يحنث لوجود اللبس والركوب والسكنى بعد‬
‫اليمين‪ ،‬وإن قل النتظار‪ ،‬وهو كاف للحنث (‪. )3‬‬
‫المطلب التاسع ــ الحلف على الضرب والقتل ‪:‬‬
‫إذا حلف إنسان بطلق زوجته ليضربنها حتى يقتلها أو حتى ترفع ميتة ولنية له‪ ،‬فإن ضربها ضربا‬
‫شديدا بر في يمينه‪ ،‬لنه يراد بمثل هذا القول في العادة شدة الضرب دون الماتة‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬البر بما يسمى ضربا‪ ،‬فل يكفي وضع اليد عليها ورفعها‪ ،‬وليشترط فيه إيلم لصدق‬
‫السم بدونه إل أن يقول‪ :‬ضربا شديدا‪.‬‬
‫ولو حلف « ليضربن غلمه عشرة أسواط » فجمع عشرة أسواط‪ ،‬وضربه مرة واحدة‪ ،‬وأصاب كل‬
‫سوط جلده‪ :‬بر في يمينه وليحنث عند الحنفية والشافعية‪ ،‬لنه ضربه عشرة أسواط‪ .‬فأما إذا لم يصب‬

‫كل سوط جلده‪ :‬فإنه يحنث‪ ،‬لنه ليسمى ضاربا عشرة أسواط‪.‬‬
‫وقال المالكية والحنابلة (‪ : )4‬من حلف أن يضرب غيره مئة سوط فجمعها‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ 162/8 :‬ومابعدها‪ ،‬الفتاوى الهندية‪ ،69/2 :‬البدائع‪ 72/3 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪36/4 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬تبيين الحقائق ‪.119/3 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ، 331/4 :‬المهذب‪. 132/2 :‬‬
‫(‪ )3‬المبسوط‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،35‬تبيين الحقائق‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬الدر المختار‪ 3 :‬ص ‪.83‬‬
‫(‪ )4‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،164‬المغني‪ ،819/8 :‬الشرح الكبير‪.143/2 :‬‬

‫( ‪)4/99‬‬
‫ضغثا فيه عشرة أعواد‪ ،‬ثم ضربه بها ضربة واحدة لم يبر بيمينه؛ لن معنى يمينه أن يضربه عشر‬
‫ضربات‪ ،‬ولم يضربه إل ضربة واحدة‪ ،‬فلم يبر‪ ،‬كما لو حلف ليضربنه عشر مرات بسوط‪.‬‬
‫ولو قال‪ ( :‬وال ل أقتل فلنا بدمشق ) أو قال‪ ( :‬وال ل أتزوج فلنة بدمشق) فضرب فلنا بحلب‬
‫فمات بدمشق‪ ،‬أو زوجه الولي امرأة بحلب‪ ،‬فبلغها الخبر بدمشق‪ ،‬فأجازت العقد حنث في اليمينين‬
‫جميعا‪.‬‬
‫وكذلك لو حلف على الزمان‪ ،‬فقال‪ ( :‬ل أفعل ذلك يوم الجمعة ) فمات المحلوف عليه يوم الجمعة‪ ،‬أو‬
‫أجازت المرأة النكاح يوم الجمعة‪ :‬حنث الحالف‪.‬‬
‫وهكذا يعتبر في القتل مكان زهوق الروح وزمانه‪ ،‬كما يعتبر في النكاح مكان الجازة وزمانها‪.‬‬
‫ويجري هذا في البيع والشراء‪ :‬يعتبر مكان الجازة ويوم الجازة‪.‬‬
‫وقال محمد‪ :‬يعتبر في العقد مكان الفاعل وزمانه‪ ،‬وفي القتل كما قال أبو يوسف‪ :‬يعتبر مكان زهوق‬
‫الروح بالنسبة للمقتول وزمانه (‪. )1‬‬
‫ومن حلف ( ل يضرب امرأته ) ففعل بها أي فعل يوجعها كالعض وعصر الحلق وشد الشعر ولو‬
‫ممازحا‪ :‬يحنث؛ لن الضرب اسم لفعل مؤلم‪ ،‬وقد تحقق اليلم‪ .‬وقيل‪ :‬ل يحنث في حال الملعبة‪،‬‬
‫لنه يسمى في العرف ممازحة ل ضربا‪.‬‬
‫وإذا قال شخص‪ ( :‬إن لم أقتل فلنا فامرأتي طالق ) وفلن ميت‪ :‬فإن كان الحالف عالما بموته حين‬
‫حلف حنث للحال؛ لن يمينه تنعقد لتصور البر فيه‪ ،‬لن ال تعالى قادر على إعادة الحياة فيه إذ‬
‫الروح ل تموت‪ ،‬فيمكن قتله‪ ،‬ثم إنه يحنث في الحال للعجز عن البر في يمينه عادة مثل الحلف على‬

‫صعود السماء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 76/3 :‬ومابعدها‪ ،‬الفتاوى الهندية‪.118/2 :‬‬

‫( ‪)4/100‬‬
‫وإن لم يعلم بموته ل يحنث عند أبي حنيفة ومحمد‪ ،‬لنه عقد يمينه على حياة كانت فيه‪ ،‬ول يتصور‬
‫إزالتها‪ ،‬وقال أبو يوسف‪ :‬يحنث لن تصور البر ليس بشرط عنده لنعقاد اليمين‪ .‬وهذا الخلف جرى‬
‫كما ذكر سابقا في مسألة الكوز إذا كان يعلم أل ماء فيه‪ ،‬فحلف وقال‪ ( :‬إن لم أشرب الماء الذي في‬
‫هذا الكوز فامرأتي طالق ) (‪. )1‬‬
‫أما إن حلف أن يضرب فلنا في غد‪ ،‬فمات الحالف في يومه‪ ،‬فل حنث عليه عند الحنابلة والشافعية‪،‬‬
‫وإن مات المحلوف عليه في الغد‪ ،‬حنث؛ لنه لم يفعل ما حلف عليه في وقته من غير إكراه ول‬
‫نسيان‪ ،‬وهو من أهل الحنث (‪ . )2‬وينطبق هذا الحكم على من قال‪ :‬وال لشربن ماء هذا الكوز غدا‪،‬‬
‫فاندفق اليوم‪ ،‬أو لكلن هذا الخبز غدا‪ ،‬فتلف اليوم‪ ،‬يحنث‪.‬‬
‫المطلب العاشر ـ الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف ‪:‬‬
‫الحلف على ما في ملك فلن‪ :‬إذا حلف إنسان على ما في ملك فلن‪ :‬يحنث إذا كان الشيء مملوكا له‬
‫وقت فعل المحلوف عليه‪ ،‬سواء أكان ما في ملك فلن مملوكا له وقت الحلف‪ ،‬أم لم يكن مملوكا له‬
‫حينذاك‪ ،‬كأن حلف ( ل يأكل طعام فلن أو ل يشرب شراب فلن أو ل يدخل دار فلن‪ ،‬أو ل يركب‬
‫دابة فلن‪ ،‬أو ل يلبس ثوب فلن) ولم يكن شيء منها في ملكه‪ ،‬ثم استحدث الملك فيها‪ ،‬فإن زال‬
‫الملك عن فلن‪ ،‬فحدث الفعل المحلوف عليه‪ :‬ل يحنث بالتفاق‪ .‬وأما في حال وجود الملك فيحنث‬
‫وهو الحكم المقرر في ظاهر الرواية عند الحنفية؛ لن هذه اليمين عقدت على المنع من الفعل في ملك‬
‫فلن‪ ،‬فيعتبر الملك القائم يوم الفعل‪ .‬وهناك رواية أخرى في النوادر عن محمد‪ ،‬ورواية أخرى أيضا‬
‫عن أبي يوسف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،101/4 :‬تبيين الحقائق‪ ،159/3 :‬الدر المختار‪ 143/3 :‬ومابعدها‪ .‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪.347/4‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ 786/8 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/101‬‬

‫لكن إذا حلف ( ل يكلم زوج فلنة أو امرأة فلن أو صديق فلن‪ ،‬أو ابن فلن‪ ،‬أو أخ فلن ) فإنه يقع‬
‫على ما كان متحققا وقت الحلف‪ ،‬ول يشمل ما يحدث من زوجية وصداقة وولد في المستقبل‪ ،‬فإن‬
‫زال عقد النكاح ورابطة الصداقة‪ ،‬فكلم المحلوف عليه حنث بالتفاق‪.‬‬
‫وإذا حلف على ما في ملك فلن مع التعيين بالشارة‪ ،‬كأن قال‪ ( :‬ل أدخل دار فلن هذا‪ ،‬أو ل أركب‬
‫دابة فلن هذا‪ ،‬أو ل ألبس ثوب فلن هذا ) فباع فلن داره أو دابته‪ ،‬أو ثوبه ثم دخل أو ركب أو‬
‫لبس بعد زوال الملك عن فلن‪ :‬لم يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف إل أن يعني ذات الشيء خاصة‪.‬‬
‫وقال محمد‪ :‬يحنث وإن زال ملك فلن إل أن يعني ما دامت ملكا لفلن‪ ،‬فأبو حنيفة وأبو يوسف‬
‫اعتبرا الشارة وإضافة الملك لفلن معا وقت حدوث الفعل للحكم بالحنث فما لم يوجدا ل يحنث‪.‬‬
‫ومحمد يعتبر الشارة فقط‪.‬‬
‫واتفقوا على أنه لو حلف ( ل أكلم هذا الشخص ) أو (ل أدخل هذه الدار) أو (ل أركب هذه الدابة)‬
‫حنث بالمخالفة‪ ،‬لنه تعتبر العين المشار إليها (‪. )1‬‬
‫بحثان ملحقان بهذا المطلب‪:‬‬
‫البحث الول ـ الحلف على فعل صادر من غير الحالف ‪:‬‬
‫إذا حلف إنسان ( ل يلبس مما يشتريه فلن ) فاشتراه فلن مع غيره‪ :‬لم يحنث‪ ،‬لنه لبس ثوبا اشترى‬
‫فلن بعضه ل كله‪.‬‬
‫ولو حلف( ل يأكل مما يشتريه فلن ) فاشتراه فلن مع غيره فأكل منه حنث؛ لنه قد أكل ما اشتراه‬
‫فلن‪ ،‬لن بعض الطعام طعام حقيقة‪ ،‬ويسمى أيضا طعاما عرفا‪ .‬وهذا بخلف ما إذا حلف (ل يدخل‬
‫دار فلن) فدخل دارا بينه وبين آخر‪ ،‬فإنه ل يحنث‪ ،‬لن بعض الدار ل يسمى دارا‪ .‬وكذلك لو حلف‬
‫(ل يلبس ثوبا لفلن أو يشتريه فلن‪ ،‬أو نسجه فلن) فلبس ثوبا اشتراه فلن مع آخر‪ ،‬أو نسجه مع‬
‫غيره‪ ،‬لن بعض الثوب ل يسمى ثوبا‪.‬‬
‫أما لو حلف (ل يلبس من نسج فلن) فنسجه فلن مع غيره‪ ،‬فإنه يحنث؛ لنه يقال عنه‪ :‬من نسج‬
‫فلن‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.79/3 :‬‬

‫( ‪)4/102‬‬

‫ولو حلف (ل يأكل من طبيخ فلن‪ ،‬أو من خبز فلن) فأكل مما طبخ فلن مع غيره أو من خبز‬
‫مشترك بينه وبين غيره‪ ،‬حنث ؛ لن كل جزء من الطبيخ طبيخ‪ ،‬وكل جزء من الخبز يسمى خبزا‪.‬‬
‫أما لو حلف (ل يأكل من قِدْر طبخها فلن) فأكل مما طبخ فلن مع غيره فل يحنث؛ لن كل جزء‬
‫من القِدْر ليس بقدر‪.‬‬
‫وكذا لو حلف ( ل يأكل لفلن رغيفا ) فأكل رغيفا مشتركا‪ :‬ل يحنث‪ ،‬لن بعضه ل يسمى رغيفا‪.‬‬
‫والمقصود من الخباز‪ :‬هو الذي يضرب الخبز في التنور أو الفرن‪ ،‬دون من عجنه وبسطه‪ .‬وأما‬
‫الطابخ‪ :‬فهو الذي يوقد النار‪ ،‬دون الذي ينصب القدر‪ ،‬ويصب الماء واللحم فيه؛ لن ذلك من مقدمات‬
‫الطبخ؛ لن الطبخ ما ينضج به اللحم‪ ،‬وهو يحصل بإيقاد النار‪.‬‬
‫ولو حلف (ل يأكل من كسب فلن) فالكسب‪ :‬ما صار ملكا للنسان بفعله أو بقوله‪ ،‬مثل الستيلء‬
‫على المباحات‪ ،‬والصطياد‪ ،‬والبيع‪ ،‬والجارة وقبول الهبة والصدقة والوصية ونحوها مما يحتاج إلى‬
‫قبول لترتب الثر الشرعي عليه‪.‬‬
‫أما الميراث‪ :‬فليس بكسب للوارث ؛ لنه يثبت له الملك فيه من غير إرادة منه‪.‬‬
‫ولو مات المحلوف عليه‪ ،‬وقد كسب شيئا فورثه رجل‪ ،‬فأكل الحالف منه‪ :‬حنث؛ لنه أكل من أكساب‬
‫المحلوف عليه‪ ،‬وهو ليس كسبا للوارث‪ ،‬فيظل منسوبا للمورث‪.‬‬
‫أما لو باع المحلوف عليه كسبه إلى رجل‪ ،‬فأكل منه الحالف فل يحنث؛ لن ملكيته انتقلت إلى‬
‫المشتري‪ ،‬فلم يبق منسوبا إلى المالك الصلي (‪. )1‬‬
‫البحث الثاني ‪ -‬فعل الغير بأمر الحالف ‪:‬‬
‫لو حلف إنسان على فعل‪ ،‬فقال‪ ( :‬وال ل أفعل كذا ) ثم أمر غيره بأن يفعله‪ ،‬ففعل‪ ،‬ينظر في طبيعة‬
‫المحلوف عليه‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.64 ،57/3 :‬‬

‫( ‪)4/103‬‬
‫‪ - 1‬إن كان فعلً له حقوق (‪ )1‬ترجع إلى الفاعل كالبيع والشراء والجارة‪ ،‬والقسمة‪ :‬ل يحنث؛ لن‬
‫حقوق هذه العقود تختص بالعاقد المباشر لها دون المر وحينئذ ل ينسب الفعل إلى المر‪ ،‬وإنما ينسب‬
‫إلى الفاعل باعتبار أنه العاقد في الحقيقة‪ .‬وأما ما يرجع للمر فهو حكم العقد أي ( الغرض والغاية‬
‫من إنشائه ) ففي البيع‪ :‬الحكم هو انتقال ملكية المبيع للمشتري وملكية الثمن للبائع‪.‬‬

‫ففي هذه الزمرة من العقود ل يحنث الحالف على فعلها كما بينت إل إذا كان الحالف ممن ل يتولى‬
‫القيام بهذه العقود بنفسه‪ ،‬كالقاضي والسلطان ونحوهما‪ ،‬فيحنث بمجرد أمر غيره بهذه الفعال؛ لن‬
‫المعتاد أن تتم هذه العقود بواسطة غيره‪.‬‬
‫وكذلك لو كان الوكيل هو الحالف فإنه يحنث؛ لن حقوق العقد راجعة إليه‪ ،‬وأنه هو العاقد حقيقة‪ ،‬ل‬
‫المر‪.‬‬
‫‪ - 2‬وإن كان المحلوف عليه فعلً ترجع حقوقه إلى المر‪ ،‬أو كان مما ليس له حقوق‪ ،‬كالنكاح‬
‫والطلق والهبة والصدقة والكسوة وقضاء الحقوق واقتضائها والدعاء أمام القضاء والشركة‪ :‬بأن‬
‫حلف ل يشارك رجلً‪ ،‬فأمر غيره بأن يعقد عقد الشركة معه‪ ،‬وكالضرب والذبح والقتل والبناء‬
‫والخياطة والنفقة ونحوها‪ ،‬فإذا فعل الحالف هذه الفعال بنفسه‪ ،‬أو أمر غيره ففعل‪ ،‬حنث؛ لن مال‬
‫حقوق له أو ترجع حقوقه إلى المر‪ ،‬ل إلى الفاعل ينسب إلى المر‪ ،‬ل إلى الفاعل‪.‬‬
‫وأما عقد الصلح‪ :‬ففيه روايتان عن أبي يوسف‪ :‬في رواية إذا حلف ل يصالح‪ ،‬فوكل بالصلح لم‬
‫يحنث؛ لن الصلح عقد معاوضة كالبيع‪ .‬وفي رواية‪ :‬أنه يحنث؛ لن الصلح إسقاط حق كالبراء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حقوق العقد‪ :‬هي العمال التي ل بد منها للوصول إلى حكم العقد لتمام الغاية والغرض منه‪ ،‬مثل‬
‫تسليم المبيع وقبض الثمن والرد بالعيب أو بخيار الرؤية أو الشرط‪.‬‬

‫( ‪)4/104‬‬
‫فإن قال الحالف في زمرة الفعال التي ترجع الحقوق فيها إلى المر كالنكاح والطلق‪ ( :‬نويت أن‬
‫أباشر ذلك بنفسي ) يصدق ديانة فيما بينه وبين ال تعالى‪ ،‬ل قضاء‪ ،‬لنه نوى ما يحتمله كلمه إل‬
‫أنه خلف الظاهر‪.‬‬
‫ولو قال الحالف فيما ل حقوق له كالضرب والذبح‪( :‬عنيت أن أباشر ذلك بنفسي) يصدق ديانة‬
‫وقضاء؛ لنه نوى حقيقة كلمه؛ لن الضرب والذبح من الفعال الحقيقية ل الحكمية أو العتبارية‪،‬‬
‫فكانت العبرة فيه لمباشرة الفعل (‪. )1‬‬
‫المطلب الحادي عشر ـ الحلف على تصرفات شرعية ‪:‬‬
‫الكلم في المطالب السابقة كان محصورا في الحلف على المور العادية التي يمارسها النسان عادة‬
‫بحكم تقلب شؤونه في هذه الحياة‪ .‬وهذا المطلب مخصص للبحث عن أحوال اليمين التي يحلفها‬
‫الحالف على المور الشرعية‪ ،‬باعتبار أن الشارع له حكم فيها من ناحية الصحة والفساد‪ ،‬مثل البيع‬

‫والشراء والهبة والعارية والصدقة والقرض والتزويج والصلة والصوم ونحوها‪.‬‬
‫الحلف على عدم شراء الذهب والفضة‪ :‬إذا حلف شخص (ليشتري ذهبا ول فضة) فاشترى عملة‬
‫نقدية فضية كالدراهم في الماضي‪ ،‬أو ذهبية كالدنانير‪ ،‬أو آنية أو سبيكة أو حليا مصوغا أو غيرها‬
‫مما هو ذهب أو فضة‪ :‬فإنه يحنث عند أبي يوسف‪ .‬وقال محمد‪ :‬ل يحنث في الدراهم والدنانير‪.‬‬
‫وسبب الخلف هو أن أبا يوسف يعتبر الحقيقة اللغوية في هذه المور‪ .‬ومحمد‪ :‬يعتبر العرف السائد‬
‫عند الناس‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 82/3 :‬ومابعدها‪ ،‬الفتاوى الهندية‪. 104/2 :‬‬

‫( ‪)4/105‬‬
‫عدم شراء الصوف‪ :‬لو حلف ل يشتري صوفا‪ ،‬فاشترى شاة على ظهرها صوف‪ :‬لم يحنث‪ .‬والقاعدة‬
‫في مثل هذا‪ :‬أن من حلف ل يشتري شيئا‪ ،‬فاشترى غيره‪ ،‬ودخل المحلوف عليه في البيع تبعا‪ :‬لم‬
‫يحنث‪ ،‬وإن دخل مقصودا يحنث‪ .‬والصوف ههنا لم يدخل في العقد مقصودا؛ لن التسمية لم تتناول‬
‫الصوف‪ ،‬وإنما دخل في العقد تبعا للشاة (‪. )1‬‬
‫عدم الهبة والصدقة ونحوهما لو حلف ل يهب لفلن شيئا‪ ،‬أو ل يتصدق عليه‪ ،‬أو ل يعيره‪ ،‬أو ل‬
‫ينحل له أو ل يعطيه‪ ،‬ثم وهب له أو تصدق عليه‪ ،‬أو أعاره أو نحله أو أعطاه فلم يقبل المحلوف‬
‫عليه‪ :‬يحنث عند جمهور الحنفية‪ .‬وعند زفر‪ :‬ل يحنث‪.‬‬
‫وأما القرض‪ :‬فقد روي عن محمد أنه ل يحنث ما لم يقبل‪ ،‬وعن أبي يوسف روايتان‪ :‬في رواية مثل‬
‫قول محمد‪ ،‬وفي رواية‪ :‬يحنث من غير قبول‪ ،‬وهو الرجح؛ لن القرض ل تتوقف صحته على‬
‫تسمية عوض‪ ،‬فهو كالهبة‪ .‬ووجه قول محمد‪ :‬أن القرض يشبه البيع‪ ،‬لنه تمليك بعوض‪.‬‬
‫عدم البيع والجارة ونحوهما‪ :‬إن حلف الشخص على عقد فيه عوض كالبيع والجارة والصرف‬
‫والسلم ونحوها‪ ،‬ففعل الحالف‪ ،‬ولم يقبل الخر‪ :‬ل يحنث‪.‬‬
‫والفرق بين عقود التبرعات كالهبة ونحوها‪ ،‬وعقود المعاوضات كالبيع ونحوه‪ :‬هو أن التبرعات تفيد‬
‫التمليك من جانب واحد وهو المتبرع‪ ،‬وأما القبول فهو شرط لثبوت الحكم في حق الجانب الخر‪ ،‬أ ي‬
‫أنه شرط فقط لترتب الثر الشرعي على العقد‪ :‬وهو انتقال الملكية بالنسبة إليه‪ ،‬فإذا وجد مايطلق عليه‬
‫اسم العقد لغة واصطلحا عند الفقهاء‪ ،‬يحنث‪.‬‬
‫وأما المعاوضات‪ :‬فل تفيد التمليك إل بإرادة المتعاقدين لغة وشرعا فل يتحقق وجود اسم العقد إل‬

‫بوجود اليجاب من أحد المتعاقدين‪ ،‬والقبول من المتعاقد الخر‪ ،‬وحينئذ يحنث‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع ‪. 81/3 :‬‬

‫( ‪)4/106‬‬
‫فإذا كان البيع صحيحا وتم قبول المشتري‪ :‬يحنث الحالف‪ ،‬وكذلك يحنث إن كان البيع فاسدا إن تحقق‬
‫قبول المشتري وقبض المبيع فعلً؛ لن اسم البيع يتناول الصحيح والفاسد‪ :‬وهو مبادلة شيء مرغوب‬
‫فيه بشيء مرغوب فيه‪.‬‬
‫ولو باع بيعا فيه خيار للبائع أو للمشتري‪ :‬حنث عند محمد‪ ،‬ولم يحنث عند أبي يوسف‪ .‬وجه قول‬
‫محمد ‪ :‬أن البيع كما يطلق على البيع البات‪ ،‬أي الذي لخيار فيه‪ ،‬يطلق أيضا على البيع الذي فيه‬
‫خيار‪ ،‬فإن كل واحد منهما يسمى بيعا في عرف الناس‪ ،‬إل أن انتقال الملكية في بيع الخيار يتوقف‬
‫على أمر آخر هو إجازة البيع أو سقوط الخيار فأشبه البيع الفاسد‪.‬‬
‫ووجه قول أبي يوسف‪ :‬أن وجود شرط الخيار يمنع نقل الملكية‪ ،‬فأشبه حالة وجود اليجاب فقط من‬
‫أحد المتعاقدين دون القبول (‪. )1‬‬
‫الحلف على عدم الزواج‪ :‬لو حلف ( ل يتزوج هذه المرأة ) فيقع على الزواج الصحيح دون الفاسد‪،‬‬
‫فلو تزوج المرأة بنكاح فاسد‪ :‬ل يحنث؛ لن المقصود من النكاح هو حل المرأة‪ ،‬ول يثبت الحل‬
‫بالفاسد‪ ،‬بخلف البيع‪ ،‬فإن المقصود منه الملك‪ ،‬ويثبت الملك بالفاسد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪.83‬‬

‫( ‪)4/107‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )1‬حلف ل يبيع أو ل يشتري‪ ،‬فعقد لنفسه أو غيره‪ ،‬حنث‪ ،‬ول يحنث بعقد وكيله له‪.‬‬
‫ولو حلف ل يُزوج أو ل يطلق أو ليضرب‪ ،‬فوكل من فعله ل يحنث‪ ،‬إل أن يريد أل يفعل هو ول‬
‫غيره‪ .‬وإن حلف ل ينكح‪ ،‬حنث بعقد وكيله له‪ ،‬ل بقبوله هو لغيره‪ .‬ورأى الحنابلة والمالكية (‪ )2‬أن‬
‫من حلف ل يفعل شيئا كالشراء والضرب‪ ،‬فوكل في فعله حنث‪ ،‬إل أن ينوي مباشرته بنفسه‪.‬‬
‫الحلف على عدم الصلة والصوم‪ :‬وكذلك لو حلف ل يصلي ول يصوم‪ ،‬فيقع على الصحيح دون‬
‫الفاسد‪ ،‬حتى لو صلى بغير طهارة أو صام بغير نية‪ :‬ل يحنث؛ لن المقصود منه التقرب إلى ال‬

‫سبحانه وتعالى‪ ،‬ول يحصل التقرب بالفاسد من الصلوات أو الصيام‪.‬‬
‫أما إذا حلف في الماضي بأن قال‪( :‬وال ما تزوجت) أو (ما صليت) أو (ماصمت) فإنه يقع على‬
‫الصحيح والفاسد؛ لن القصد من كلمه هو الخبار عن الصلة وغيرها‪ ،‬واسم الصلة أو النكاح أو‬
‫الصوم يطلق على الصحيح والفاسد‪ ،‬فإن قصد الصحيح صدق قضاء‪.‬‬
‫ولو حلف (ل يصلي) فكبر‪ ،‬ودخل في الصلة‪ :‬لم يحنث حتى يركع ويسجد سجدة استحسانا؛ لن‬
‫الصلة أفعال مختلفة من القيام والقراءة والركوع والسجود‪ ،‬والمتركب من أجزاء مختلفة‪ :‬ل يوجد ما‬
‫لم يكتمل كله‪ ،‬فما لم توجد هذه الفعال كلها ل يوجد فعل الصلة‪ ،‬وبالتالي ل يسمى مصليا‪ .‬وهذا‬
‫بخلف الصوم‪ :‬ففي صوم ساعة يحصل فعل الصوم‪.‬‬
‫وبخلف ما لو حلف (ل يصلي صلة) ل يحنث‪ ،‬ما لم يصل ركعتين‪ ،‬لن أدنى الصلة ركعتان‪.‬‬
‫ولو حلف (ل يصلي الظهر)‪ :‬ل يحنث ما لم يتشهد التشهد الخير‪ :‬لن صلة الظهر مقدرة بأربع‬
‫ركعات‪ ،‬فما لم توجد الربع‪ ،‬ل توجد الظهر‪.‬‬
‫ولو حلف (ل يصوم) فأصبح صائما لمدة ساعة ثم أفطر‪ :‬يحنث لنه يسمى صائما بصوم ساعة‬
‫واحدة‪ ،‬إذ الصوم هو المساك عن المفطرات على قصد التقرب‪ ،‬وبه وجد شرط الحنث‪.‬‬
‫ولو حلف (ل يصوم يوما)‪ :‬ل يحنث حتى يصوم يوما كاملً‪ ،‬لنه جعل شرط الحنث صوما مقدرا‬
‫باليوم‪.‬‬
‫ولو حلف (ل يصوم صوماً)‪ :‬لم يحنث مالم يصم اليوم؛ لن أقل الصوم الشرعي يوم كامل‪.‬‬
‫ولو حلف (ليفطرن عند فلن) فأفطر بالماء في منزله‪ ،‬ثم تعشى عند فلن‪ :‬حنث؛ لن شرط بره هو‬
‫الفطار عند فلن‪ ،‬والفطار اسم لما يضاد الصوم أي نقيض الصوم‪ ،‬وقد حصل المعنى بالفطار في‬
‫منزله بالماء‪ .‬أما إن نوى بالفطار تناول العشاء عند فلن‪ :‬ل يحنث لنه نوى به أمرا متعارفا‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫(فلن يفطر عند فلن) إذا كان يتعشى عنده‪ ،‬حتى ولو كان أصل الفطار يقع في منزله‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪.350/4 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ 724/8 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/108‬‬
‫الحلف على (عدم الحج)‪ :‬لو حلف (ل يحج) أو (ل يحج حجة)‪ :‬ل يحنث حتى يطوف طواف الزيارة؛‬
‫لن الحج عبادة مركبة من أجناس أفعال من الوقوف بعرفة‪ ،‬والطواف والسعي وغيرها‪ ،‬فيكون اسم‬

‫الحج واقعا على كل الفعال حقيقة‪ ،‬ل على البعض‪ ،‬وللكثر حكم الكل‪ ،‬فإذا طاف أكثر الطواف‪:‬‬
‫حنث‪.‬‬
‫ولو حلف (ل يعتمر) فأحرم‪ ،‬وطاف أربعة أشواط‪ :‬حنث؛ لنه وجد الكثر‪ ،‬وللكثر حكم الكل كما‬
‫تقدم‪ ،‬فإن جامع الرجل امرأته في الحج‪ :‬ليحنث؛ لن الحج قربة إلى ال تعالى‪ ،‬فتنعقد اليمين على‬
‫الحج الذي هو قربة أي عبادة‪ :‬وهو الحج الصحيح ل الفاسد؛ لن الفاسد ليس بقربة (‪. )1‬‬
‫صلُ الثّاني‪ :‬النّذور‬
‫ال َف ْ‬
‫خطة الموضوع ‪:‬‬
‫أذكر في هذا البحث ثلثة أمور‪ :‬تعريف النذر وشروط النذر‪ ،‬وحكم النذر‪.‬‬
‫تعريف النذر وركنه‪ :‬النذر لغة‪ :‬الوعد بخير أو شر‪ ،‬وشرعا‪ :‬الوعد بخير خاصة‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬هو التزام قربة لم تتعين (‪ . )2‬وركنه عند الحنفية‪ :‬هو الصيغة الدالة عليه مثل قول‬
‫الشخص‪( :‬ل علي كذا) و (علي كذا) أو (علي نذر) أو (هذا هدي) أو (صدقة) أو (مالي صدقة) أو‬
‫(ما أملك صدقة) ونحوها (‪. )3‬‬
‫وللنذر عند الجمهور غير الحنفية أركان ثلثة‪ :‬الناذر‪ ،‬والمنذور‪ ،‬وصيغة النذر‪ .‬فأما الناذر‪ :‬فهو كل‬
‫مكلف مسلم‪ ،‬فل نذر للصبي والمجنون والكافر‪.‬‬
‫وأما المنذور فنوعان‪ :‬مبهم ومعين‪ ،‬فالمبهم‪ :‬ما ل يبين نوعه كقوله‪ :‬ل علي نذر‪ ،‬وحكمه أن فيه في‬
‫رأي المالكية كفارة يمين‪ .‬والمعين‪ :‬أربعة أنواع‪:‬‬
‫الول ـ قربة‪ ،‬فيجب الوفاء بها‪.‬‬
‫الثاني ـ معصية‪ ،‬فيحرم الوفاء بها‪.‬الثالث ـ مكروه‪ ،‬فيكره الوفاء به‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 84/3 :‬ومابعدها‪ ،‬تحفة الفقهاء‪ ،‬الطبعة القديمة‪ 48/2 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪93/4 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬الفتاوى الهندية‪ 108/2 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.720/8 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 354/4 :‬وقال الراغب‪ :‬النذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪.81/5 :‬‬

‫( ‪)4/109‬‬
‫الرابع ـ مباح‪ ،‬فيباح الوفاء به وتركه‪ ،‬وليس على من تركه شيء‪.‬‬
‫وأما الصيغة‪ ،‬فنوعان أيضا‪ :‬مطلق ومقيد‪.‬‬

‫فأما المطلق فما كان شكرا ل على نعمة أو لغير سبب‪ ،‬مثل ل علي أن أصوم كذا أو أصلي كذا‪،‬‬
‫وهو مستحب عند المالكية‪ ،‬ويجب الوفاء به‪.‬‬
‫وأما المقيد ‪ :‬فهو المعلق بشرط‪ ،‬كقوله‪ :‬إن قدم فلن أو شفى ال مريضي فعلي كذا‪ .‬وحكمه‪ :‬أنه يلزم‬
‫الوفاء به بتحقق الشرط‪.‬‬
‫وهو مباح عند المالكية وقيل‪ :‬مكروه‪.‬‬
‫شروط النذر‪ :‬هناك شروط في الناذر وشروط في المنذور به‪ ،‬أما شروط الناذر فهي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫أولً ـ الهلية من العقل والبلوغ‪ :‬فل ينعقد نذر المجنون والصبي غير المميز والصبي المميز؛ لن‬
‫هؤلء غير مكلفين بشيء من الحكام الشرعية‪ ،‬فليسوا أهلً لللتزام‪.‬‬
‫ثانيا ـ السلم‪ :‬فل يصح نذر الكافر‪ ،‬حتى لو نذر‪ ،‬ثم أسلم‪ ،‬ل يلزمه الوفاء بنذره لعدم أهليته للقربة‬
‫أو التزامها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ 81‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬الشرح الكبير‬
‫للدردير‪ ،161/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 167‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/110‬‬
‫وأما الحرية فليست بشرط لصحة النذر‪ ،‬فيصح نذر المملوك‪ .‬وكذلك الختيار أو الطواعية ليس‬
‫بشرط عند الحنفية‪ ،‬وهو شرط عند الشافعية فل يصح نذر المكره عندهم لخبر‪ « :‬رفع عن أمتي‬
‫الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه» (‪. )1‬‬
‫وأما شروط المنذور به فهي مايلي (‪: )2‬‬
‫أولً ـ أن يكون المنذور به متصور الوجود في نفسه شرعا‪ :‬فل يصح النذر بما ليتصور وجوده‬
‫شرعا كمن قال‪ ( :‬ل علي أن أصوم ليلً ) أو قالت المرأة‪ ( :‬ل علي أن أصوم أيام حيضي ) لن‬
‫الليل ليس محل الصوم‪ ،‬والحيض مناف له شرعا؛ إذ الطهارة عن الحيض والنفاس شرط وجود‬
‫الصوم الشرعي‪.‬‬
‫ثانيا ـ أن يكون المنذور به قربة‪ :‬كصلة وصيام وحج وصدقة‪ ،‬فل يصح النذر بما ليس بقربة‬
‫كالنذر بالمعاصي بأن يقول‪ ( :‬ل علي أن أشرب الخمر ) أو (أقتل فلنا ) أو ( أضربه ) أو‬
‫( أشتمه ) وهذا باتفاق الئمة الربعة وغيرهم (‪ )3‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬لنذر في معصية‬
‫ال ‪ ،‬ول فيما ل يملكه ابن آدم » (‪ )4‬وقوله عليه السلم‪« :‬ل نذر إل مايُبتغى به وجه ال تعالى» (‬

‫‪ )5‬وقوله أيضا‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان‪ ،‬وهو حديث صحيح‪ ،‬وروي عن غيره‪ ،‬وقد سبق تخريجه‪،‬‬
‫وهو بلفظ‪ « :‬إن ال تجاوز عن أمتي ثلثة‪ :‬الخطأ والنسيان وماأكرهوا عليه» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ 82‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬انظر بداية المجتهد‪ ،409/1 :‬المحلى‪ ،3/8 :‬مختصر الطحاوي‪ :‬ص ‪ ،316‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،354/4‬المغني‪ ،3/9 :‬المهذب‪ ،242/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.168‬‬
‫(‪ )4‬رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن عمران بن حصين رضي ال عنه‪ ،‬وروى النسائي وأبو داود‬
‫عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪ « :‬ل نذر‪ ،‬ول يمين فيما‬
‫ل تملك‪ ،‬ول في معصية‪ ،‬ول في قطيعة رحم » ( نصب الراية‪ ،300/3 :‬جامع الصول‪،188/12 :‬‬
‫نيل الوطار‪.)238/8 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه أبو داود عن عبد ال بن عمرو بن العاص ( جامع الصول‪ ،‬المرجع السابق ) وروى أحمد‬
‫عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪ « :‬ل نذر إل فيما ابتغي به‬
‫وجه ال تعالى » ( نيل الوطار‪.) 242/8 :‬‬

‫( ‪)4/111‬‬
‫« من نذر أن يطيع ال فليطعه‪ ،‬ومن نذر أن يعصي ال فل يعصه » (‪ )1‬ولن حكم النذر‪ :‬وجوب‬
‫المنذور به‪ ،‬ووجوب فعل المعصية محال‪ ،‬وعليه فإنه يحرم الوفاء بالمعصية‪ ،‬وليجب عند الجمهور‬
‫على الناذر شيء‪ .‬وقال أبو حنيفة‪ :‬عليه كفارة يمين‪،‬كما سيأتي‪.‬‬
‫وكذلك ليلزم النذر بالمباحات من الكل والشرب واللبس والركوب وطلق المرأة؛ لن هذه المور‬
‫ليست قربة ل ‪ ،‬فل تلزم بالنذر‪.‬‬
‫ثالثا ـ أن يكون قربة مقصودة‪ :‬فل يصح النذر بعيادة المرضى وتشييع الجنائز والوضوء وتكفين‬
‫الميت والغتسال ودخول المسجد ومس المصحف والذان وبناء الرباطات (‪ )2‬والمساجد ونحوها؛‬
‫لن هذه المور‪ ،‬وإن كانت قُرَبا ل إل أنها ليست قربا مقصودة لذاتها عادة‪ .‬ومن المعلوم أن النذر‬
‫قربة مقصودة لذاتها كاليمين‪ ،‬فل يصح نذر ماليس عبادة أو طاعة مقصودة لنفسها (‪ ، )3‬وإنما يصح‬
‫نذر الصلة والصوم والحج والعمرة والعتكاف ونحوها؛لنها عبادات مقصودة‪ ،‬ومن جنسها واجب‬
‫شرعا‪ ،‬وقد قال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬من نذر أن يطيع ال فليطعه » ‪.‬‬

‫وقال الشافعية‪ :‬الصحيح انعقاد النذر بكل قربة لتجب ابتداء كعيادة مريض وتشييع جنازة والسلم‬
‫على الغير أو على نفسه إذا دخل بيتا خاليا‪ ،‬وتشميت العاطس‪ ،‬وزيارة القادم؛ لن الشارع رغب‬
‫فيها‪ ،‬والعبد يتقرب بها‪ ،‬فهي كالعبادات‪ .‬وأما القرب التي يجب جنسها بالشرع كالصلة والصوم‬
‫والحج‪ :‬فإنها تلزم بالنذر قطعا بدون خلف‪ ،‬وكون العتكاف يلزم بالنذر وهو أنه يوجد من جنسه في‬
‫الشرع ماهو واجب وهو الوقوف بعرفة والقعدة الخيرة في الصلة‪ ،‬فهذان يعتبران مكثا كالعتكاف (‬
‫‪. )4‬‬
‫ولو قال شخص‪ ( :‬ل علي أن أصوم يوم النحر‪ ،‬أو أيام التشريق) يصح نذره عند أبي حنيفة‬
‫وصاحبيه؛ لنه نذر بقربة مقصودة‪ ،‬فيصح النذر‪ ،‬كما لو نذر الصوم في غير هذه اليام‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن الربعة عن عائشة رضي ال عنها ( انظر تخريج وتحقيق‬
‫أحاديث تحفة الفقهاء‪ 459/2 :‬ومابعدها للمؤلف مع الستاذ المنتصر الكتاني )‪.‬‬
‫(‪ )2‬الرباطات‪ :‬المعاهد المبنية والموقوفة للفقراء‪.‬‬
‫(‪ )3‬انظر البدائع‪ ،82/5 :‬فتح القدير والعناية‪ ،27/4 :‬الدر المختار ورد المحتار‪.73/3 :‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪. 370/4 :‬‬

‫( ‪)4/112‬‬
‫وقال جمهور العلماء وزفر من الحنفية‪ :‬ليصح نذر يوم العيد أو أيام التشريق؛ لنه نذر بما هو‬
‫معصية؛ لن الرسول عليه الصلة والسلم نهى عن الصوم في هذه اليام‪ ،‬فقال‪ « :‬أل لتصوموا‪،‬‬
‫فإنها أيام أكل وشرب » (‪ )1‬والمنهي عنه يكون معصية‪ ،‬والنذر بالمعاصي ليصح بدليل قوله عليه‬
‫السلم‪« :‬لنذر في معصية ال ‪ ،‬ول فيما ليملكه ابن آدم » (‪. )2‬‬
‫ولو قال‪ ( :‬ل علي أن أحج ماشياً ) يلزمه الحج ماشيا باتفاق الفقهاء‪ ،‬لنه التزم المشي‪ ،‬وفيه زيادة‬
‫قربة‪ ،‬قال عليه السلم‪ « :‬من حج ماشيا فله بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم» ‪ ،‬قيل‪ :‬وما حسنات‬
‫الحرم؟ قال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬واحدة بسبع مئة » (‪ )3‬فإن عجز عن المشي ركب‪ ،‬وعليه‬
‫دم ‪ ،‬أي شاة عند الحنفية والمالكية‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا الحديث رواه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم والبزار عن عقبة بن عامر بلفظ أن النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم قال‪ « :‬أيام التشريق‪ :‬أيام أكل وشرب وصلة فل يصومها أحد » وروى‬

‫البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد الخدري عن رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنه نهى عن‬
‫صوم يومين‪ :‬يوم الفطر ويوم النحر » ( راجع تخريج أحاديث تحفة الفقهاء للمؤلف مع الستاذ‬
‫الكتاني‪.)296/1 :‬‬
‫(‪ )2‬المراجع السابقة في بحث شروط المنذور به‪ ،‬البدائع‪.83/5 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه ابن خزيمة والحاكم وقال‪ :‬صحيح السناد عن زاذان رضي ال عنه‪ ،‬ولفظه مختصرا‪« :‬من‬
‫حج من مكة ماشيا حتى يرجع إلى مكة كتب ال له بكل خطوة سبع مئة حسنة‪ ،‬كل حسنة مثل حسنات‬
‫الحرم‪ .‬قيل‪ :‬وما حسنات الحرم؟ قال‪ :‬بكل حسنة مئة ألف حسنة » (الترغيب والترهيب‪.)166/2 :‬‬

‫( ‪)4/113‬‬
‫والشافعية‪ ،‬وفي رواية عن أحمد‪ .‬وأضاف مالك رضي ال عنه أن الناذر يرجع عند العجز‪ ،‬ثم يمشي‬
‫مرة أخرى من حيث عجز‪ ،‬والدم عنده أي الهدي هو بدنة أو بقرة‪ ،‬أو شاة إن لم يجد بقرة أو بدنة (‬
‫‪ . )1‬ودليل هذه المسألة ماروي عن ابن عباس رضي ال عنهما عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت‬
‫أن تمشي إلى بيت ال الحرام‪ ،‬فأتى النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فسأله ‪ :‬فقال‪ « :‬إن ال لغني عن‬
‫نذر أختك‪ ،‬لتركب‪ ، ،‬ولتهد ِ بدنة» (‪ )2‬ولن المشي صار بالنذر نسكا واجبا‪ ،‬فوجب بتركه الدم‬
‫كالحرام من الميقات‪.‬‬
‫والرجح عند الحنابلة أنه إذا عجز عن المشي ركب‪ ،‬وعليه كفارة يمين‪ ،‬لن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم قال لخت عقبة بن عامر لما نذرت المشي إلى بيت ال ‪ « :‬لتمش ولتركب‪ ،‬ولتكفر عن يمينها‬
‫» أخرجه أبو داود‪ ،‬وفي رواية الجوزجاني والترمذي وبقية أصحاب السنن‪ « :‬فلتصم ثلثة أيام »‬
‫ولقوله عليه السلم‪ « :‬كفارة النذر كفارة يمين» (‪ )3‬ولن المشي مما يوجبه الحرام فلم يجب الدم‬
‫بتركه‪ ،‬وحديث الهدي ضعيف كما أشرنا في الحاشية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر البدائع‪ ،84/5 :‬بداية المجتهد‪ ،411/1 :‬مغني المحتاج‪ 363/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪245/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬المغني‪.8/9 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود عن عبد ال بن عباس بهذا اللفظ‪ ،‬ورواه أحمد وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما‬
‫بلفظ‪ « :‬إن ال غني عن نذر أختك‪ ،‬ولتركب ولتصم ثلثة أيام» ورواه أحمد وأصحاب الكتب الستة‬
‫عن عقبة بن عامر بلفظ‪« :‬لتمش ولتركب» وفي رواية‪« :‬إن ال تعالى ل يصنع بشقاء أختك شيئا‪،‬‬
‫مرها فلتختمر‪ ،‬ولتركب‪ ،‬ولتصم ثلثة أيام» (جامع الصول‪ ،185/12 :‬مجمع الزوائد‪،189/4 :‬‬

‫نصب الراية‪ ،305/3 :‬نيل الوطار‪ ،246/8 :‬سبل السلم‪.)113/4 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر بلفظ‪« :‬كفارة النذر كفارة‬
‫يمين» وهو حديث صحيح‪ ،‬وهناك روايات أخرى استوفيناها في تخريج أحاديث تحفة الفقهاء‪464/2 :‬‬
‫وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/114‬‬
‫رابعا ـ أن يكون المال المنذور به مملوكا للناذر وقت النذر‪ ،‬أو يكون النذر مضافا إلى المِلْك‪ ،‬أو إلى‬
‫سبب الملك‪ :‬فلو نذر في الحال صدقة مال يملكه ليصح بالتفاق لقوله عليه الصلة والسلم‪ « :‬لنذر‬
‫فيما ليملكه ابن آدم» ‪ .‬ولو أضاف النذر إلى الملك مثل‪ :‬كل مال أملكه في المستقبل فهو صدقة‪ ،‬أو‬
‫أضافه إلى سبب الملك مثل‪ :‬كل ما أشتريه أو أرثه فهو صدقة‪ :‬يصح النذر عند الحنفيةخلفا للشافعي‬
‫رحمه ال لقوله عز وجل‪{ :‬ومنهم من عاهد ال ‪ :‬لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين}‬
‫[التوبة‪ ]75/9:‬إلى قوله تعالى‪{ :‬فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا ال ما وعدوه وبما‬
‫كانوا يكذبون} [التوبة‪ ]77/9:‬فهذه الية الشريفة تدل على صحة النذر المضاف إلى الملك (‪. )1‬‬
‫ودليل الشافعي على أنه ل يصح النذر بالتصدق بما ل يملكه النسان‪ :‬هو حديث عمران بن الحصين‬
‫أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪ « :‬ل نذر في معصية ال ‪ ،‬ول فيما ليملكه ابن آدم » (‪. )2‬‬
‫خامسا ـ أل يكون المنذور فرضا أو واجبا‪ :‬فل يصح النذر بشيء من الفرائض‪ ،‬سواء أكان فرض‬
‫عين كالصلوات الخمس وصوم رمضان‪ ،‬أم فرض كفاية كالجهاد وصلة الجنازة‪ ،‬ول بشيء من‬
‫الواجبات سواء أكان عينا كالوتر وصدقة الفطر والضحية أم كفائيا كتجهيز الموتى وغسلهم ورد‬
‫السلم‪ ،‬لن إيجاب الواجب ل يتصور (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.90/5 :‬‬
‫(‪ )2‬المهذب ‪.242/1 :‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،‬المرجع السابق‪.‬‬

‫( ‪)4/115‬‬
‫حكم النذر‪ :‬هذا البحث يتطلب الكلم في أمور ثلثة هي‪ :‬أصل الحكم‪ ،‬وفيه تعرف أدلة مشروعية‬
‫النذر‪ ،‬وقت ثبوت الحكم‪ ،‬وكيفية ثبوت الحكم‪.‬‬

‫‪ - 1‬أصل حكم النذر‪ :‬اختلف العلماء‪ :‬هل النذر مكروه أو قربة؟ فقال الحنفية‪ :‬النذر في الطاعات‬
‫مباح‪ ،‬سواء أكان مطلقا أم معلقا على شرط‪ .‬وقال جماعة‪ :‬النذر تقرب‪ .‬ورأى المالكية أن النذر‬
‫المطلق مندوب‪ ،‬وهو ماليس بمعلق على شيء ول مكرر بتكرر اليام كنذر صوم كل يوم خميس‪،‬‬
‫وهو ما أوجبه على نفسه شكرا ل تعالى على نعمة وقعت‪ ،‬كمن شفى ال مريضه أو رزق ولدا أو‬
‫زوجة‪ ،‬فنذر‪ .‬أما المكرر كنذر صوم كل يوم خميس فمكروه‪ ،‬وأما المعلق مثل إن شفى ال مريضي‬
‫فعلي صدقة‪ ،‬ففي كراهته وإباحته تردد‪ ،‬قال الباجي بالكراهة‪ ،‬وقال ابن رشد بالباحة‪ ،‬وهذا هو‬
‫الراجح‪ ،‬لكن النذور المعلقة لتغير من قضاء ال شيئا‪ ،‬وإنما هي وسيلة لستخراج الصدقة من‬
‫البخيل‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬إنه مكروه كراهة تنزيه ل تحريم‪ ،‬فل يستحب بدليل ماروى ابن عمر عن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم أنه نهى عن النذر‪ ،‬وقال‪ « :‬إنه ليرد شيئا‪ ،‬وإنما يستخرج به من البخيل‬
‫» وفي لفظ‪ « :‬أنه ليأتي بخير وإنما (‪... )1‬إلخ » ولن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن إل الترمذي عن ابن عمر‪ ،‬وصح أيضا مسندا‬
‫فيما يرويه الجماعة إل أبا داود من طريق أبي هريرة‪ .‬قال الخطابي‪ :‬معنى نهيه عليه السلم عن‬
‫النذر إنما هو تأكيد لمره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه‪ ،‬ولو كان معناه الزجر عنه حتى ل يفعل‬
‫لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به‪ ،‬إذ كان بالنهي عنه قد صار معصية‪ ،‬فل يلزم‬
‫الوفاء به‪ :‬أي أن الحديث متأول وليس على ظاهره‪ ،‬وبمثله قال ابن الثير في النهاية‪ ،‬وأضاف قوله‪:‬‬
‫وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر ل يجر لهم في العاجل نفعا‪ ،‬ول يصرف عنهم ضرا‪،‬‬
‫ول يرد قضاء‪ ،‬فل تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره ال لكم أو تصرفون به عنكم ما‬
‫جرى به القضاء عليكم‪ ،‬فإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لزم لكم‪ .‬وقيل‪:‬‬
‫الحديث على ظاهره فإنه صريح بكراهة النذر‪ ،‬لنه إنما يفعله البخيل يستخرج به من ماله ما ل‬
‫تسخو به نفسه إل قهرا إذا تحقق غرضه المنذور عليه‪( .‬راجع المحلى‪ ،4/8 :‬جامع الصول‪:‬‬
‫‪ ،243 ،181/12‬نيل الوطار‪ ،240/8 :‬سبل السلم‪.)110/4 :‬‬

‫( ‪)4/116‬‬
‫النذر لو كان مستحبا لفعله النبي صلّى ال عليه وسلم وأفاضل أصحابه‪ ،‬لكن مع هذا من نذر طاعة ل‬
‫عز وجل لزمه الوفاء بها بأدلة من القرآن والسنة والمعقول (‪. )1‬‬

‫أما القرآن‪ :‬فقوله تعالى‪ { :‬وليوفوا نذورهم } [الحج‪ { ]29/22:‬يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره‬
‫مستطيرا} [النسان‪{ ]7/76:‬يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة‪{ ]1/5:‬وأوفوا بالعهد إن العهد‬
‫كان مسئول} [السراء‪{ ]34/17:‬وأوفوا بعهد ال إذا عاهدتم} [النحل‪ ]91/16:‬والنذر نوع من العهد‬
‫من الناذر مع ال عز وجل‪ ،‬والعقود‪ :‬العهود‪.‬‬
‫وأما السنة‪ :‬ـ فقوله عليه السلم‪ « :‬من نذر أن يطيع ال فليطعه » وقوله عليه الصلة والسلم « من‬
‫نذر وسمى (‪ )2‬فعليه الوفاء بما سمى » (‪ )3‬وكلمة « على » تفيد اليجاب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المحلى‪ ،3/8 :‬المغني‪ ،1/9 :‬مغني المحتاج‪ ،354/4 :‬البدائع‪ ،90/5 :‬بداية المجتهد‪،409/1 :‬‬
‫الشرح الكبير لللدردير‪.162/2 :‬‬
‫(‪ )2‬أي سمى شيئا يفعله كالصلة والصوم والحج ونحوها من الطاعات‪.‬‬
‫(‪ )3‬قال الزيلعي في نصب الراية‪ 300/3 :‬عن هذا الحديث‪ :‬غريب‪ .‬وفي وجوب الوفاء بالنذر‬
‫أحاديث ذكر منها أحاديث ابن عباس وعائشة وابن عمر وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (وراجع‬
‫أيضا فتح القدير‪.)27/4 :‬‬

‫( ‪)4/117‬‬
‫وأما المعقول‪ :‬فهو أن المسلم يحتاج إلى أن يتقرب إلى ال سبحانه وتعالى بنوع من القرب المقصودة‬
‫التي يجوز له تركها‪ ،‬طمعا في نيل الدرجة العليا عند ال تعالى‪ ،‬وبما أن النذر يوجب فعل المنذور‬
‫به‪ ،‬فيكون النذر طريقا للزام النفس فعل الشيء ومنعها من الترك‪ ،‬فيتحقق المقصود للناذر‪.‬‬
‫وقد فصل الحنفية حكم ما يجب الوفاء به بالنظر لتسمية المنذور به وعدم تسميته فقالوا‪:‬‬
‫أولً ـ إن نذر الناذر وسمى المنذور به‪ :‬مثل‪( :‬ل علي حج أو عمرة) أو قال‪( :‬إن شفى ال مريضي‬
‫فعلي صدقة مئة ليرة) فيجب عليه الوفاء بما سمى‪ ،‬سواء ـ كما لحظنا ـ أكان النذر مطلقا أم معلقا‬
‫بشرط‪ ،‬ول تجزئ عنه الكفارة‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬النذر نوعان‪ :‬مطلق ومقيد‪ ،‬فأما المطلق‪ :‬فهو ما كان شكرا ل على نعمة‪ ،‬أو لغير‬
‫سبب كقوله‪ ( :‬ل علي أن أصوم كذا أو أصلي كذا )‪ ،‬وهو مستحب ويجب الوفاء به‪ ،‬سواء ذكر لفظ‬
‫النذر أو لم يذكره إل إن قصد الخبار فل يجب عليه شيء‪.‬‬
‫وأما المقيد فهو المعلق بشرط كقوله‪ :‬إن قدم فلن‪ ،‬أو شفى ال مريضي‪ ،‬أو إن قضى ال حاجتي‬
‫فعلي كذا‪ ،‬وهو مباح‪ ،‬وقيل‪ :‬مكروه ويلزم الوفاء به مطلقا‪ .‬ول اعتبار باختلف الوجوه التي يقع‬

‫النذر عليها من لَجاج أو غضب أو غيرهما (‪. )1‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )2‬إذا كان النذر معلقا بشرط يفرق بين ما يريد الناذر وقوعه‪ ،‬وبين ما ل يريد‬
‫وقوعه أي يفرق بين نذر التبرر‪ ،‬ونذر اللّجاج‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،168‬الشرح الكبير‪.161/2 :‬‬
‫(‪ )2‬راجع مغني المحتاج‪ 355/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪.243/1 :‬‬

‫( ‪)4/118‬‬
‫ونذر التبرر (‪ : )1‬بأن يلتزم النسان قربة إن حدثت نعمة أو ذهبت نقمة‪ ،‬مثل‪ :‬إن شفى ال مريضي‬
‫فلله علي صوم أو نحوه‪ ،‬ففي هذا النوع يلزم الناذر بالوفاء بنذره إذا حصل الشرط المعلق عليه‪.‬‬
‫ونذر اللّجاج (‪ : )2‬ويسمى أيضا يمين اللجاج‪ ،‬والغضب‪ ،‬ويمين الغَلَق‪ :‬هو الذي خرج مخرج اليمين‬
‫بأن يقصد الناذر حث نفسه على فعل شيء أو منعها غير قاصد للنذر ول القربة‪ ،‬مثل‪ :‬إن كلمت فلنا‬
‫فلله علي صوم أو نحوه‪ ،‬فالظهر في هذا النوع أن الناذر بالخيار‪ :‬إن شاء وفى بما التزم‪ ،‬وإن شاء‬
‫كفر كفارة يمين‪ ،‬وهذا هو المقصود بحديث‪( :‬كفارة النذر كفارة يمين) (‪ )5‬فبما أنه ل كفارة في نذر‬
‫التبرر قطعا‪ ،‬فتعين أن يكون المراد بالحديث نذر اللجاج‪.‬‬
‫وبه يتبين أن نذر اللجاج يكون حال الخصومة بدافع من الغضب‪ ،‬ونذر التبرر ل يكون بدافع‬
‫الخصومة أو الغضب‪ .‬والنذر المطلق‪ :‬هو أن يلتزم الناذر قربة ل تعالى‪ ،‬دون تعليق على تحقق‬
‫غرض معين أو بدافع من الخصومة أو الغضب‪ ،‬مثل‪:‬ل علي صيام يوم الخميس‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )4‬حكم نذر اللجاج والغضب حكم اليمين ويخير كما قال الشافعية بين فعل المنذور‬
‫وبين كفارة اليمين‪ ،‬قال عليه السلم‪ « :‬ل نذر في غضب‪ ،‬وكفارته كفارة يمين » (‪ . )5‬وقال المام‬
‫مالك‪ :‬النذر لزم على أية جهة وقع (‪. )6‬‬
‫ثانيا ـ وإن كان النذر ل تسمية فيه‪ :‬أي إن المنذور به غير مسمى‪ ،‬فحكمه وجوب مانواه الناذر إن‬
‫نوى شيئا‪ ،‬سواء أكان النذر مطلقا عن الشرط أم مقيدا‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هو تفعّل من البر‪ ،‬سمي بذلك‪ ،‬لن الناذر طلب به البر والتقرب إلى ال تعالى‪ ،‬وهو يشمل نذر‬
‫المجازاة أي المكافأة والنذر المطلق‪.‬‬
‫(‪ )2‬اللجاج‪ :‬هو التماحك والتمادي في الخصومة‪ ،‬سمي بذلك لوقوعه حال الغضب‪.‬‬

‫(‪ )3‬رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي‪ ،‬وزاد فيه‪ « :‬إذا لم يسمّه » وصححه عن عقبة‬
‫بن عامر بهذا اللفظ قال ابن حجر‪ :‬وهو صحيح‪ ،‬وروي بألفاظ أخرى عن عائشة وابن عباس‬
‫وعمران بن حصين وأبي هريرة (راجع سبل السلم‪ ،111/4 :‬نيل الوطار‪ 243/8 :‬وما بعدها‪،‬‬
‫نصب الراية‪ ،295/3 :‬اللمام‪ :‬ص ‪ ،309‬تخريج أحاديث التحفة‪.)465/2 :‬‬
‫(‪ )4‬المغني ‪. 2/9 ،696/8 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه النسائي عن عمران بن الحصين رضي ال عنه ( راجع المحلى‪ ،8/8 :‬جامع الصول‪:‬‬
‫‪ 189/12‬ومابعدها ) ورواه الطبراني في الكبير والوسط عن ابن عباس بلفظ «ول يمين في غضب‬
‫» (مجمع الزوائد‪.)186/4 :‬‬
‫(‪ )6‬بداية المجتهد‪ ، 409/1 :‬الشرح الكبير للدردير‪.161/2 :‬‬

‫( ‪)4/119‬‬
‫بشرط‪ ،‬بأن قال‪( :‬ل علي نذر) أو قال‪( :‬إن فعلت كذا فلله علي نذر) فإن نوى صوما أو صلة أو‬
‫حجا أو عمرة لزمه الوفاء به للحال حالة كون النذر مطلقا‪ ،‬وعند وجود الشرط إذا كان النذر معلقا‬
‫بشرط‪ ،‬ول تجزئ كفارة اليمين‪.‬‬
‫وإن لم تكن هناك نية عند الناذر وهو النذر المبهم‪ ،‬فعليه كفارة اليمين‪ .‬وهذه الكفارة تجب حالً إذا‬
‫كان النذر مطلقا عن الشرط‪ ،‬فإن كان معلقا على شرط فتجب الكفارة عند تحقق الشرط‪ .‬والدليل قوله‬
‫عليه الصلة والسلم‪ « :‬النذر يمين‪ ،‬وكفارته كفارة يمين» (‪. )1‬‬
‫ووجوب الكفارة مقرر عند الحنفية سواء أكان الشرط الذي علق به النذر مباحا أم معصية‪ ،‬ويجب‬
‫عليه أن يحنث نفسه ويكفر عن يمينه (‪ ، )2‬لقوله عليه الصلة والسلم‪ « :‬من حلف على يمين فرأى‬
‫غيرها خيرا منها‪ ،‬فليأت الذي هو خير‪ ،‬وليكفر عن يمينه» (‪. )3‬‬
‫وإذا كان النذر مبهما ونوى الناذر فيه صياما ولم ينو عددا معينا‪ :‬فعليه صيام ثلثة أيام‪.‬‬
‫وإن نوى في قوله (ل علي نذر) طعاما ولم ينو عددا‪ :‬فعليه طعام عشرة مساكين‪ ،‬لكل مسكين نصف‬
‫صاع من حنطة‪ ،‬أي حوالي نصف رطل شامي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نص الحديث‪ :‬هو ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا أن رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من نذر نذرا لم يسمّه‪ ،‬فكفارته كفارة يمين‪ ،‬ومن نذر نذرا في معصية‬
‫ال فكفارته كفارة يمين‪ ،‬ومن نذر نذرا ل يطيقه فكفارته كفارة يمين‪ ،‬ومن نذر نذرا أطاقه فليف به»‬

‫وهناك روايات أخرى مثل حديث عقبة بن عامر‪« :‬كفارة النذر كفارة يمين» ( راجع تخريج أحاديث‬
‫تحفة الفقهاء‪ 464/2 :‬ومابعدها) وقد سبقت الشارة إليه‪.‬‬
‫(‪ )2‬راجع مذهب الحنفية بهذا التفصيل في المبسوط‪ ،136/8 :‬البدائع‪ ،92-90/5 :‬فتح القدير‪:‬‬
‫‪ ،27/4‬الفتاوى الهندية‪.60/2 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن عدي بن حاتم‪ .‬ورواه آخرون عن غيره‪ ،‬وقد سبق‬
‫تخريجه (انظر نيل الوطار‪.)237/8 :‬‬

‫( ‪)4/120‬‬
‫ولو قال‪( :‬ل علي صدقة) فعليه نصف صاع‪.‬‬
‫ولو قال‪( :‬ل علي صوم) فعليه صوم يوم بالتفاق‪.‬‬
‫ولو قال‪( :‬ل علي صلة) فعليه ركعتان بالتفاق‪.‬‬
‫والعلة في حكم هذه الصور‪ :‬هو أن النذر لم يذكر فيه التقدير‪ ،‬فاعتبر أدنى ما ورد به المر في‬
‫الشرع؛ لن النذر يعتبر بحسب ما جاء به المر‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬من نذر صوم أيام لزمه اليام التي نواها‪ ،‬وإن لم يعين عددا كفاه يوم واحد‪ .‬ولو‬
‫نذر صوم الدهر لزمه‪ ،‬ول شيء عليه في أيام العيد والحيض ورمضان‪ ،‬وله الفطر في المرض‬
‫والسفر‪ ،‬ول قضاء عليه‪ ،‬إذ ل يمكنه‪.‬‬
‫وإن نذر صلةً‪ ،‬لزمه ما نوى‪ ،‬وإل كفته ركعتان‪ .‬وإن نذر صدقة جميع ماله أو حلف بذلك‪ ،‬فحنث‪،‬‬
‫كفاه الثلث‪ .‬وإن عين مقدارا معينا كالنصف أو الثلثين‪ ،‬لزمه ما نوى‪ .‬وإن نذر المشي إلى مكة‪ ،‬فإن‬
‫ذكر الحج أو العمرة‪ ،‬لزمه ذلك‪ ،‬وإن لم يذكر الحج أو العمرة ول نواهما‪ ،‬وجب عليه الحج أو‬
‫العمرة‪ ،‬كما بينت‪ .‬ومن نذر أن يضحي ببدنة‪ ،‬لم تقم مقامها بقرة مع القدرة عليها‪ ،‬أما مع العجز‬
‫فيجزئه بقرة في رأي مالك‪.‬‬
‫وكذلك قال الشافعية (‪ : )2‬من نذر المشي إلى بيت ال أو إتيانه‪ ،‬فالمذهب وجوب إتيانه بحج أو‬
‫عمرة‪ .‬وإن نذر أن يحج أو يعتمر ماشيا‪ ،‬فالظهر وجوب المشي‪ ،‬فإن قال‪ :‬أحج ماشيا فمن حيث‬
‫يحرم‪ ،‬وإن قال‪ :‬أمشي إلى بيت ال تعالى‪ ،‬فمن دويرة أهله في الصح‪ .‬هذا إذا كان قادرا على‬
‫المشي‪ ،‬لنه التزم جعل‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،170-168‬الشرح الكبير‪.166/2 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 362/4 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/121‬‬
‫الشيء وصفا للعبادة‪ ،‬أما إذا لم يكن قادرا على المشي‪ ،‬فل يلزمه المشي‪ ،‬ويجوز له الركوب‪ ،‬لعجزه‬
‫عن المشي‪.‬‬
‫نذر المباح ونذر المعصية ‪:‬‬
‫إذا نذر النسان فعل مباح‪ ،‬كما إذا قال‪( :‬ل علي أن أمشي إلى بيتي) أو (أركب فرسي) أو (ألبس‬
‫ثوبي) أو نذر ترك مباح كأن ل يأكل الحلوى‪ :‬لم يلزمه الفعل ول الترك لخبر أبي داود‪« :‬ل نذر إل‬
‫فيما ابتغي به وجه ال تعالى» (‪ )1‬ولخبر البخاري عن ابن عباس « بينما النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫يخطب إذا رأى رجلً قائما في الشمس‪ ،‬فسأل عنه‪ ،‬فقالوا‪ :‬هذا أبو إسرائيل‪ ،‬نذر أن يصوم ول يقعد‪،‬‬
‫ول يستظل ول يتكلم‪ ،‬قال‪ :‬مروه فليتكلم وليستظل‪ ،‬وليقعد‪ ،‬وليتم صومه» (‪ )2‬وعن أبي هريرة قال‪:‬‬
‫« نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت ال الحرام‪ ،‬فسئل نبي ال عن ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬إن ال لغني عن مشيها‪،‬‬
‫مروها فلتركب» (‪ )3‬وأجاب جمهور الفقهاء عن حديث المرأة التي قالت للنبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫حين قدم المدينة‪ « :‬إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف‪ ،‬فقال لها‪ :‬أوفي بنذرك » (‪ )4‬بأنه صار‬
‫ذلك من القرب لما حصل السرور للمسلمين بقدومه صلّى ال عليه وسلم وأغاظ الكفار‪ ،‬وأرغم‬
‫المنافقين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (انظر تخريج أحاديث تحفة الفقهاء‪:‬‬
‫‪ ،461/2‬نيل الوطار‪ 242/8 :‬ومابعدها‪ ،‬مجمع الزوائد‪.)186/4 :‬‬
‫(‪ )2‬وأخرجه أيضا مالك وابن ماجه وأبو داود (انظر تخريج أحاديث التحفة‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬جامع‬
‫الصول‪ ،184/12 :‬نيل الوطار‪ ،242/8 :‬اللمام ص ‪ )113‬ورواه الطبراني في الوسط عن جابر‬
‫بن عبد ال‪ ،‬وفيه حجاج بن أرطاة وهو مدلس (راجع مجمع الزوائد‪.)187/4 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه الترمذي عن أبي هريرة‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حديث صحيح‪ .‬ولم يأمرها بكفارة (جامع الصول‪:‬‬
‫‪.)186/12‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (جامع الصول‪ ،‬المصدر السابق‪ :‬ص‬
‫‪ ،188‬نصب الراية‪.)300/3 :‬‬

‫( ‪)4/122‬‬
‫ولكن ناذر المباح إن خالف مقتضى نذره فهل عليه كفارة؟ قال الحنفية والمالكية والشافعية في‬
‫الصح‪ :‬ل كفارة عليه لعدم انعقاد النذر‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬يتخير ناذر المباح بين فعله فيبر‪ ،‬لحديث‬
‫المرأة التي نذرت أن تضرب بالدف السابق ذكره‪ ،‬وبين تركه وعليه كفارة يمين؛ لنه ينعقد عندهم‬
‫نذر المباح بدليل حديث الضرب بالدف (‪. )1‬‬
‫وأما إذا نذر النسان معصية مثل ‪( :‬ل علي أن أشرب الخمر) و (أقتل فلنا) أو (أضربه) أو (أشتمه)‬
‫ونحوه‪ :‬فل يجوز الوفاء به إجماعا ؛ لقوله عليه الصلة والسلم‪« :‬ل نذر في معصية ال » (‪. )2‬‬
‫وهل تجب الكفارة به؟‬
‫قال الحنفية والحنابلة‪ :‬يجب على ناذر المعصية كفارة يمين‪ ،‬ل فعل المعصية‪ ،‬بدليل حديث عمران بن‬
‫الحصين وحديث أبي هريرة الثابت عن النبي صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪ « :‬ل نذر في معصية‬
‫ال ‪ ،‬وكفارته كفارة يمين » (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر الموضوع في رحمة المة في اختلف الئمة للدمشقي بهامش الميزان‪ 149/1 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫مغني المحتاج‪ ،357/4 :‬المغني‪ ،5/9 :‬تحفة الفقهاء‪ ،‬الطبعة القديمة‪ ،502/2 :‬بداية المجتهد‪،410/1 :‬‬
‫الشرح الكبير للدردير‪ ،162/2 :‬الفتاوى الهندية‪ ،61/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.168‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن عمران بن حصين بلفظ «ل نذر في‬
‫معصية‪ ،‬ول فيما ل يملك ابن آدم» وفي لفظ «ل نذر في معصية ال» عند مسلم (راجع جامع‬
‫الصول‪ ،188/12 :‬نصب الراية‪ ،300/3 :‬مجمع الزوائد‪.)187/4 :‬‬
‫(‪ )3‬حديث عمران خرّجته في الحديث السابق فقد روي بلفظ‪ « :‬ل نذر في معصية‪ ،‬وكفارته كفارة‬
‫يمين» وحديث أبي هريرة رواه أحمد وأصحاب السنن والبيهقي‪ ،‬قال الحافظ ابن حجر‪ :‬وإسناده‬
‫صحيح إل أنه معلول بأنه منقطع‪ .‬ورواه أحمد وأصحاب السنن عن عائشة بلفظ «لنذر في معصية‪،‬‬
‫سكَن‪ ،‬وضعفه‬
‫وكفارته كفارة يمين » واحتج به أحمد وإسحاق‪ ،‬وصححه الطحاوي وأبو علي بن ال ّ‬
‫جمهور المحدثين‪ ،‬ورواه أبو داود عن ابن عباس بلفظ «من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة‬
‫يمين» وإسناده حسن‪ ،‬إل أنه في الصح موقوف على ابن عباس بلفظ «من نذر نذرا في معصية‬
‫فكفارته كفارة يمين» وإسناده حسن‪ ،‬إل أنه في الصح موقوف على ابن عباس( انظر جامع‬
‫الصول‪ ،188/12 :‬نيل الوطار‪ 243/8 :‬ومابعدها‪ ،‬سبل السلم‪.)112/4 :‬‬

‫( ‪)4/123‬‬
‫وقال المالكية والشافعية وجمهور العلماء‪ :‬ليلزمه في ذلك شيء‪ ،‬فل كفارة عليه‪ ،‬لحديث عائشة عن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪ « :‬من نذر أن يطيع ال فليطعه‪ ،‬ومن نذر أن يعصي ال فل‬
‫يعصه » وأما حديثُ عمران وأبي هريرة‪ ،‬فقال ابن عبد البر‪ :‬ضعف أهل الحديث حديث عمران‬
‫وأبي هريرة‪ ،‬وقالوا‪ :‬لن حديث أبي هريرة يدور على سليمان بن أرقم‪ ،‬وهو متروك الحديث‪،‬‬
‫وحديث عمران يدور على زهير بن محمد عن أبيه‪ ،‬وأبوه مجهول‪ ،‬لم يرو عنه غير ابنه‪ ،‬وزهير‬
‫أيضا عنده مناكير‪ ،‬وأما حديث عقبة بن عامر‪ ( :‬كفارة النذر كفارة يمين ) فهو محمول على نذر‬
‫اللجاج والغضب (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر الموضوع في مراجع نذر المباح‪ :‬رحمة المة‪ :‬ص ‪ 147‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ :‬ص‬
‫‪ 356‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ :‬ص ‪ ،3‬التحفة‪ :‬ص ‪ ،502‬فتح القدير‪ ،22/4 :‬المحلى‪ :‬ص ‪ ،8‬بداية‬
‫المجتهد‪ :‬ص ‪ 409‬ومابعدها‪ ،‬الدردير‪ :‬ص ‪ ،162‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.168‬‬

‫( ‪)4/124‬‬
‫‪ - 2‬وقت ثبوت حكم النذر ‪ :‬أي الوقت الذي يجب فيه المنذور به‪ ،‬ووقت الوجوب يختلف بحسب ما‬
‫إذا كان النذر مطلقا عن الشرط‪ ،‬أو معلقا على شرط أو مقيدا بمكان‪ ،‬أو مضافا إلى وقت في‬
‫المستقبل‪ .‬ومن المعلوم أن المنذور به‪ :‬إما أن يكون قربة بدنية كالصوم والصلة‪ ،‬أو قربة مالية‬
‫كالصدقة (‪. )1‬‬
‫فإن كان النذرمطلقاً‪ :‬أي غير معلق بشرط ول مقيد بمكان أو زمان مثل‪ :‬ل علي صوم شهر أو حجة‬
‫أو صدقة أو صلة ركعتين ونحوه‪ :‬فيجب عليه في الحال مطلقا عن الشرط والزمان والمكان؛ لن‬
‫سبب الوجوب وجد مطلقا فيثبت مطلقا‪ ،‬لكن يندب التعجيل‪.‬‬
‫وإن كان النذر معلقا بشرط‪ :‬إن شفى ال مريضي أو إن قدم فلن الغائب‪ ،‬فلله علي صوم شهر أو‬
‫صلة ركعتين أوالتصدق بليرة ونحوه‪ ،‬فإذا وجد الشرط فعليه الوفاء بالنذر نفسه؛ لن المعلق بالشرط‬
‫كالمنجز‪ ،‬فلو فعل المشروط قبل وجود الشرط يكون نفلً؛ لن المعلق بالشرط غير موجود قبل وجود‬
‫الشرط‪.‬‬
‫وإن كان مقيدا بمكان بأن قال‪( :‬ل علي أن أصلي ركعتين في موضع كذا) أو (أتصدق على فقراء بلد‬

‫كذا) يجوز أداؤه في غير ذلك المكان عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لن المقصود من النذر‪ :‬هو التقرب‬
‫إلى ال عز وجل‪ ،‬وليس لذات المكان دخل في القربة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر البدائع‪ ،93/5 :‬فتح القدير‪ 26/4 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ ،77 ،75/3 :‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪.168‬‬

‫( ‪)4/125‬‬
‫وإن نذر صلة ركعتين في المسجد الحرام‪ ،‬فأداها في أقل شرفا منه أو فيما ل شرف له أجزأه عند‬
‫أئمة الحنفية المذكورين‪ ،‬وأفضل الماكن‪ :‬المسجد الحرام‪ ،‬ثم مسجد النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ثم‬
‫مسجد بيت المقدس‪ ،‬ثم الجامع‪ ،‬ثم مسجد الحي‪ ،‬ثم البيت؛ لن المقصود هو القربة إلى ال ‪ ،‬وهو‬
‫يتحقق في أي مكان‪.‬‬
‫وخالف زفر في الحالتين‪ :‬في حالةالتصدق في مكان‪ ،‬وحالة الصلة في مكان‪ ،‬فإنه يتعين عليه الوفاء‬
‫بنذره في المكان المشروط؛ لن الناذر أوجب على نفسه الداء في مكان مخصوص‪ ،‬فإذا أدى في‬
‫غيره لم يكن مؤديا ما عليه‪ ،‬وفي الصلة في مسجد‪ ،‬التزم الناذر زيادة قربة فيلزمه‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬إن نوى الصلة أو العتكاف في مكان أو سمى المسجد كأحد المساجد الثلثة‬
‫لزمه الذهاب إليه دون غيرها‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )2‬إذا نذر إنسان التصدق بشيء على أهل بلد معين لزمه فيه الوفاء بالتزامه‪ ،‬ولو‬
‫نذر صوما في بلد لزمه الصوم؛ لنه قربة‪ ،‬ولم يتعين مكان‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ ،265 ،255/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.170‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،367/4 :‬المهذب‪ 243/1 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/126‬‬
‫الصوم في تلك البلد‪ ،‬فله الصوم في غيره‪ .‬ولو نذر صلة في بلد لم يتعين لها ويصلي في غيرها؛‬
‫لنها ل تختلف باختلف المكنة إل المسجد الحرام أي الحرم كله‪ ،‬ومسجد المدينة والمسجد القصى‬
‫إذا نذر الصلة في أحد هذه المساجد فيتعين لعظم فضلها‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تشد‬
‫الرحال إل إلى ثلثة مساجد‪ :‬المسجد الحرام‪ ،‬ومسجدي هذا‪ ،‬والمسجد القصى » (‪. )1‬‬

‫واستدلوا بدليل نقلي على تعيين مكان التصدق بالنذر‪ :‬وهو ما روى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن‬
‫جده‪« :‬أن امرأة أتت النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسول ال إني نذرت أن أذبح بمكان كذا‬
‫وكذا ـ لمكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية ـ قال‪ :‬لصنم؟ قالت‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬لوثن؟ قالت‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬أوفي‬
‫بنذرك» (‪. )2‬‬
‫وكذلك قال الحنابلة (‪ : )3‬يتعين العتكاف في أحد المساجد الثلثة إن نذر العتكاف فيها‪.‬‬
‫وإن كان مضافا إلى وقت في المستقبل‪ :‬بأن قال‪( :‬ل علي أن أصوم رجب) أو‪( :‬أصلي ركعتين يوم‬
‫كذا) أو‪( :‬أتصدق بدرهم في يوم كذا)‪ ،‬فوقت الوجوب في الصدقة‪ :‬هو وقت النذر باتفاق الحنفية‪،‬‬
‫حتى إنه يجوز تقديمها على الوقت المحدد‪.‬‬
‫واختلف الحنفية في الصوم والصلة‪ :‬فقال أبو حنيفة وأبو يوسف‪ :‬وقت الوجوب فيهما وقت النذر؛‬
‫لن الوقت للتقدير‪ ،‬ل لتعين الواجب؛ لن الوقات في معنى العبادة سواء‪ .‬وبناء عليه يجوز تقديم‬
‫المنذور به على الوقت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد في مسنده والشيخان‪ :‬البخاري ومسلم‪ ،‬والبيهقي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن‬
‫أبي هريرة‪ ،‬ورواه أحمد والشيخان والبيهقي والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري‪ ،‬ورواه ابن‬
‫ماجه عن عبد ال بن عمرو بن العاص‪ ،‬وهو حديث صحيح (انظر نيل الوطار‪ ،253/8 :‬سبل‬
‫السلم‪.)114/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪ ،‬وهو تتمة حديث المرأة التي‬
‫نذرت أن تضرب بالدف عند الرسول صلّى ال عليه وسلم السابق تخريجه‪ ،‬وفي معناه أحاديث‬
‫أخرى‪ .‬قال ابن الثير في النهاية‪ :‬الفرق بين الوثن والصنم‪ :‬أن الوثن كل ما له جثة معمولة من‬
‫جواهر الرض أو من الخشب والحجارة كصورة الدمي تعمل‪ ،‬وتنصب‪ ،‬فتعبد‪ .‬والصنم‪ :‬الصورة‬
‫بل جثة‪ .‬ومنهم من لم يفرق بينهما‪ ،‬وأطلقهما على المعنيين‪ .‬وقد يطلق الوثن على غير الصورة‪،‬‬
‫ومنه حديث عدي بن حاتم‪« :‬قدمت على النبي صلّى ال عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ألق هذا الوثن عنك» (انظر نصب الراية‪ ،300/3 :‬نيل الوطار‪ 249/8 :‬ومابعدها‪ ،‬اللمام‪:‬‬
‫ص ‪ 309‬ومابعدها‪ ،‬جامع الصول‪ ،187/12 :‬مجمع الزوائد‪.)191/4 :‬‬
‫(‪ )3‬كشاف القناع‪.412/2 :‬‬

‫( ‪)4/127‬‬

‫وقال محمد‪ :‬وقت الوجوب هو حين مجيء الوقت؛ لن الناذر أوجب على نفسه الصوم في وقت‬
‫مخصوص‪ ،‬فل يجب عليه قبل مجيئه بخلف الصدقة؛ لنها عبادة مالية‪ ،‬ل تعلق لها بالوقت بل‬
‫بالمال‪ ،‬فكان ذكر الوقت فيه لغوا بخلف العبادة البدنية‪.‬‬
‫ومن نذر أن يذبح ولده‪ ،‬نحر شاة عند أبي حنيفة‪ ،‬وجزورا فداء عند مالك‪ ،‬وقال الشافعي‪ :‬ل شيء‬
‫عليه؛ لنها معصية‪ .‬وقال أحمد في رواية عنه‪ :‬عليه كفارة يمين‪ ،‬وهذا قياس المذهب؛ لن هذا نذر‬
‫معصية أو نذر لجاج‪ .‬وفي رواية ثانية كما قال أبو حنيفة‪ :‬كفارته ذبح كبش ويطعمه المساكين‪ ،‬عملً‬
‫بفداء ولد إبراهيم حينما أمر بذبحه (‪ . )1‬ومن نذر ذبح نفسه أو أجنبي‪ ،‬ففيه أيضا عن أحمد روايتان‪.‬‬
‫‪ - 3‬كيفية ثبوت حكم النذر ‪ :‬النذر إما أن يضاف إلى وقت مبهم أو إلى وقت معين ‪:‬‬
‫فإن أضيف إلى وقت مبهم بأن قال‪( :‬ل علي أن أصوم شهرا) ول نية له‪ :‬فحكمه حكم الواجب‬
‫المطلق عن الوقت (‪ . )2‬ومن المعروف أن علماء الصول اختلفوا في وقت وجوب الواجب‪ .‬فقال‬
‫بعضهم‪ :‬على الفور‪ ،‬وقال الكثرون‪ :‬على التراخي‪ :‬ففي أي جزء من العمر يجوز القيام به ويتضيق‬
‫الوجوب في آخر العمر إذا بقي من العمر في غالب الظن قدر ما يسع الداء‪ ،‬ويسن تعجيل الوفاء‬
‫بالنذر‪ ،‬وهذا هو الرأي الصحيح‪ .‬وهو ينطبق على نذر العتكاف المضاف إلى وقت مبهم بأن قال‪:‬‬
‫(ل علي أن أعتكف شهرا) ول نية له‪ ..‬ولكن هناك فرقا بين الصوم والعتكاف‪ :‬في الصوم يخير‬
‫الناذر بين متابعة الصوم وتفرقته‪ ،‬أما في العتكاف فيلزم الناذر عند الجمهور غير الشافعية بالتتابع‬
‫في النهار والليل؛ لن طبيعة العتكاف وهو اللبث على الدوام تتطلب القيام به على التصال‪ ،‬فل بد‬
‫من التتابع‪ .‬وأما الصوم فليس مبنيا على التتابع لوجود فاصل الليل بين كل يومين‪ .‬فإن قيد نذر‬
‫الصوم بتفريق أو موالة وجب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،170‬المغني‪ 708/8 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الواجب المطلق‪ :‬هو ما طلب الشارع فعله حتما‪ ،‬ولم يعين وقتا لدائه‪ ،‬كالكفارة الواجبة على من‬
‫حلف يمينا وحنث‪ ،‬فليس لفعل هذا الواجب وقت معين‪ ،‬فإذا شاء الحانث كفر بعد الحنث مباشرة‪ ،‬وإن‬
‫شاء كفر بعد ذلك (انظر أصول الفقه للمؤلف‪.)49/1 :‬‬

‫( ‪)4/128‬‬
‫وإن أضيف النذر إلى وقت معين بأن قال‪( :‬ل علي صوم غد) فيجب عليه صوم الغد وجوبا مضيقا‬
‫ليس له تأخيره من غير عذر‪ ،‬وإذا قال‪( :‬ل علي صوم رجب) فيجب عليه صيام شهر‪ ،‬سواء أكان‬

‫قبل مجيء رجب أم بمجرد مجيئه‪ ،‬ول يجوز التأخير عن رجب من غير عذر‪ .‬فإن صام رجب إل‬
‫يوما يقضي ذلك اليوم من شهر آخر‪ ،‬ولو أفطر رجب كله قضى في شهر آخر‪ ،‬لنه فوت الواجب‬
‫عن وقته‪ ،‬فصار دينا عليه (‪ ، )1‬والدين مقضي على لسان رسول ال صلّى ال عليه وسلم (‪. )2‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬إن نذر صوم سنة معينة‪ ،‬صامها وأفطر العيد والتشريق‪ ،‬وصام رمضان عنه ول‬
‫قضاء‪ ،‬ول تقضي المرأة في الظهر أيام الحيض والنفاس‪ .‬وإن أفطر يوما بل عذر وجب قضاؤه‪.‬‬
‫فإن شرط التتابع وجب في الصح‪ .‬ويقضي رمضان والعيدين والتشريق؛ لنه التزم صوم سنة ولم‬
‫يصمها‪ .‬وكذا تقضي المرأة في الظهر أيام الحيض والنفاس‪.‬‬
‫ومن شرع في صوم نفل‪ ،‬فنذر إتمامه‪ ،‬لزمه على الصحيح‪.‬‬
‫ولو قال‪( :‬إن قدم زيد‪ ،‬فلله علي صوم اليوم التالي ليوم قدومه)‪ :‬لزمه صومه فيه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر هذا المطلب في البدائع‪ 94/5 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 359/4 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي أمامة‪ ،‬قال الترمذي‪ :‬حديث حسن وصححه ابن حبان‪ .‬ورواه‬
‫أيضا أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى والدارقطني وابن أبي شيبة وعبد الرزاق (نصب الراية‪:‬‬
‫‪.)57/4‬‬

‫( ‪)4/129‬‬
‫صلُ الثّالث‪ :‬الكفّارات‬
‫ال َف ْ‬
‫أنواع الكفارات‪ :‬الكفارات أربعة أنواع‪ :‬كفارة ظهار‪ ،‬وكفارة قتل خطأ (ويقاس عليه القتل العمد عند‬
‫الشافعية) وكفارة جماع نهار رمضان عمدا (ويقاس عليه الكل والشرب عمدا عند الحنفية والمالكية)‬
‫(‪ )1‬وكفارة يمين‪ .‬والخصال الواجبة للكفارة في النواع الثلثة الولى مرتبة‪( :‬وهي إعتاق رقبة‪ ،‬فإن‬
‫عجز عن الرقبة وجب صوم شهرين متتابعين‪ ،‬فإن عجز عن الصوم وجب إطعام ستين مسكينا إل‬
‫القتل فل إطعام فيه اقتصارا على الوارد فيه النص)‪ .‬لكن كفارة إفساد الصوم بالجماع في نهار‬
‫رمضان مخيرة الخصال عند المالكية‪ ،‬والطعام أفضل الخصال عندهم‪ .‬وأما خصال كفارة اليمين‬
‫فهي مرتبة مخيرة‪ ( :‬وهي كما سنعلم إطعام عشرة مساكين‪ ،‬أو كسوتهم‪ ،‬أو تحرير رقبة مؤمنة‪ ،‬فإن‬
‫عجز عن ذلك وجب صوم ثلثة أيام) (‪ )2‬وسأفصل موضوع الكفارة الخيرة محل البحث‪.‬‬
‫وقد بينت في بحث الصيام أحكام أربع كفارات‪ :‬كفارة إفساد صوم رمضان‪ ،‬وكفارة المسافر‬
‫والمريض إذا لم يقضيا الصوم في عامهما‪ ،‬وكفارة الكبير العاجز عن الصوم‪ ،‬وكفارة الحامل‬

‫والمرضع عند الشافعية إذا أفطرتا خوفا على طفلهما‪ .‬وأوضحت أيضا في بحث الحج كفارات الحج‪.‬‬
‫وذكرت في النذر كفارة نذر اللجاج وهي كفارة اليمين‪ .‬وسأذكر في بحث الظهار والقتل كفارتيهما‪.‬‬
‫وإقامة الحد عند الجمهور غير الحنفية كفارة للقتل‪ ،‬كما سيتضح في بحث الحدود‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع أصول الفقه السلمي للمؤلف‪ ،‬طبعة دار الفكر‪.693-692/1 :‬‬
‫(‪ )2‬تحفة الطلب للشيخ زكريا النصاري‪ :‬ص ‪ 103‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/130‬‬
‫كفارة اليمين‬
‫خطة الموضوع ‪:‬‬
‫الكلم في هذه الكفارة عن الصل في مشروعيتها‪ ،‬وسبب وجوبها‪ ،‬ونوع الواجب فيها‪ ،‬والخصال‬
‫الواجبه فيها‪.‬‬
‫مشروعية الكفارة‪ :‬الكفارة مشتقة من الكفر بفتح الكاف أي الستر‪ ،‬فهي ستارة للذنب الحاصل بسبب‬
‫الحنث في اليمين‪ ،‬فاليمين سبب للكفارة‪.‬‬
‫والصل في كفارة اليمين‪ :‬الكتاب والسنة والجماع‪:‬‬
‫أما الكتاب‪ :‬فقول ال تعالى‪{ :‬ل يؤاخذكم ال باللغو في أيمانكم‪ ،‬ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم اليمان‪،‬‬
‫فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم‪ ،‬أو كسوتهم أو تحرير رقبة‪ ،‬فمن لم يجد‬
‫فصيام ثلثة أيام‪ ،‬ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم‪ ،‬واحفظوا أيمانكم‪ ،‬كذلك يبين ال لكم آياته لعلكم‬
‫تشكرون} [المائدة‪.]89/5:‬‬
‫وأما السنة‪ :‬فقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها‪ ،‬فائت‬
‫الذي هو خير‪ ،‬وكفر عن يمينك» (‪. )1‬‬
‫وأجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بال تعالى (‪. )2‬‬
‫سبب وجوبها‪ :‬تجب الكفارة بالحنث في اليمين‪ ،‬سواء أكانت في طاعة أم في معصية أم مباح‪ ،‬ول‬
‫يجوز التكفير قبل اليمين باتفاق العلماء؛ لنه تقديم للحكم قبل سببه‪ ،‬فلم يجز كتقديم الزكاة قبل ملك‬
‫النصاب‪.‬‬
‫تقديم الكفارة على الحنث‪ :‬وهل الكفارة قبل الحنث أفضل أو بعده؟ قال الحنابلة‪ :‬الكفارة قبل الحنث‬
‫وبعده سواء في الفضيلة‪ .‬وقال مالك والشافعية‪ :‬الكفارة بعد الحنث أفضل لما فيه من الخروج من‬

‫الخلف‪ ،‬وحصول اليقين ببراءة الذمة‪ ،‬فيجوز تقديم الكفارة المالية للصوم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أصحاب الكتب الستة إل ابن ماجه عن عبد الرحمن بن سمرة‪ ،‬ورواه بعض هؤلء‬
‫وآخرون عن غيره‪ ،‬وقد سبق تخريجه (انظر جامع الصول لبن الثير الجزري‪.)300/12 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ ،733/8 :‬فتح القدير‪ ،18/4 :‬المبسوط‪.147/8 :‬‬

‫( ‪)4/131‬‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬ل يجوز تقديم الكفارة على الحنث مطلقا‪ ،‬إنما تجزئ إذا أخرجها بعد الحنث (‪. )1‬‬
‫وهذا أولى الراء؛ لن المسبب يكون عادة بعد السبب‪.‬‬
‫نوع الواجب في الكفارة‪ :‬الكفارة واجب مطلق‪ ،‬أي ليس له وقت محدد لدائه‪ ،‬فيجوز القيام به بعد‬
‫الحنث مباشرة أو بعده في أثناء العمر‪.‬‬
‫ثم إن الواجب في الكفارة واجب مخير حالة اليسار‪( :‬توفر المقدرة المالية) يعني أن الموسر مخير بين‬
‫أحد أمور ثلثة‪ :‬إطعام عشرة مساكين‪ ،‬أو كسوتهم‪ ،‬أو إعتاق رقبة‪ .‬وهذا بإجماع العلماء المستند إلى‬
‫صريح الية القرآنية السابق ذكرها‪{ :‬فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو‬
‫كسوتهم أو تحرير رقبة} [المائدة‪ ]89/5:‬لن ال تعالى عطف بعض هذه الخصال على بعض بحرف‬
‫(أو) وهو للتخيير (‪. )2‬‬
‫فإذا عجز النسان عن كل واحد من الخصال الثلثة المذكورة‪ ،‬لزمه صوم ثلثة أيام‪ ،‬للية السابقة‪:‬‬
‫{فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام} [المائدة‪ ]89/5:‬والمراد بالعجز‪ :‬أل يقدر على المال الذي يصرفه في‬
‫الكفارة‪ ،‬كمن يجد كفايته في يومه وليلته وكفاية من تلزمه نفقته فقط ‪ ،‬ول يجد ما يفضل عنها (‪. )3‬‬
‫وينظر إلى العجز وقت الداء‪ ،‬أي أداء الكفارة عند الحنفية والمالكية والشافعية‪ ،‬فلو حنث الحالف‪،‬‬
‫وكان موسرا وقت الحنث‪ ،‬ثم أعسر‪ ،‬جاز له الصوم عندهم؛ لن الكفارة عبادة لها بدل‪ ،‬فينظر فيها‬
‫إلى وقت الداء‪ ،‬ل وقت الوجوب كالصلة إذا فاتت في حال الصحة‪ ،‬فقضاها قاعدا أو باليماء حال‬
‫المرض فإنه يجوز‪.‬‬
‫ويشترط عند الحنفية استمرار العجز إلى الفراغ من الصوم‪ ،‬فلو شرع في الصوم ثم قدر على الطعام‬
‫أو الكسوة أو العتق‪ ،‬ولو قبل فراغه من صوم اليوم الثالث بساعة مثلً‪ :‬ل يجوز له الصوم‪ ،‬ويرجع‬
‫إلى التكفير بالمال (‪. )4‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬المغني‪ ،‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪ ،714- 712‬بداية المجتهد‪ ،406/1 :‬الميزان للشعراني‪،130/2 :‬‬
‫مغني المحتاج‪ ،326/4 :‬الدر المختار‪ ،67/3 :‬المهذب‪ ،141/2 :‬شرح تحفة الطلب للشيخ زكريا‬
‫النصاري‪ ،481/2 :‬المبسوط للسرخسي‪ ،147/8 :‬فتح القدير‪ ،20/4 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.166‬‬
‫(‪ )2‬المبسوط‪ ،127/8 :‬الفتاوى الهندية‪ ،157/2 :‬المغني‪ ،734/8 :‬بداية المجتهد‪ ،403/1 :‬البدائع‪:‬‬
‫‪ ،97/5‬مغني المحتاج‪.327/4 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،728/4 :‬المغني‪ ،756/8 :‬الفتاوى الهندية‪ ،57/2 :‬نهاية المحتاج للرملي‪،40/8 :‬‬
‫المهذب‪ ،141/2 :‬الشرح الكبير‪.133/2 :‬‬
‫(‪ )4‬البدائع‪ ،97/3 :‬الدر المختار‪ ،67/3 :‬تبيين الحقائق‪.113/3 :‬‬

‫( ‪)4/132‬‬
‫كذلك ينظر عند المالكية والشافعية إلى العجز وقت إرادة التكفير‪ .‬أما إذا شرع في الصوم‪ ،‬ثم قدر‬
‫على المال فل يلزمه عند هؤلء الرجوع عن الصوم إلى الكفارة المالية؛ لن الصوم بدل عن غيره‪،‬‬
‫فل يبطل بالقدرة على المبدل عنه‪ ،‬ولو وجبت الكفارة على موسر ثم أعسر لم يجزئه الصوم عند‬
‫هؤلء (‪ ، )3‬بعكس الحنفية في المسألتين‪.‬‬
‫والمعتبر عند الحنابلة وقت الوجوب أي حالة الحنث‪.‬‬
‫خصال الكفارة‪ :‬عرفنا أن كفارة اليمين هي إما الطعام أو الكسوة أو العتق‪ ،‬فإن عجز عن أحد هذه‬
‫الخصال صام ثلثة أيام‪ .‬فما هو الواجب في كل حالة؟‬
‫‪ - 1‬ما مقدار الطعام وما المقصود به؟ قال الحنفية‪ :‬إن المقصود من الطعام هو مجرد الباحة ل‬
‫التمليك؛ لن النص القرآني ورد بلفظ الطعام‪{ :‬فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة‪]89/5:‬‬
‫والطعام في متعارف اللغة‪ :‬هو التمكين من المطعم أي (الكل) ل التمليك‪ ،‬وكذا إشارة النص دليل‬
‫على قولهم‪ ،‬لن ال تعالى‪{ :‬إطعام عشرة مساكين} [المائدة‪ ]89/5:‬والمسكنة‪ :‬هي الحاجة‪ ،‬وهو‬
‫محتاج إلى أكل الطعام دون تملكه‪،‬فكان في إضافة الطعام إلى المساكين إشارة إلى أن الطعام هو‬
‫الفعل الذي يصير المسكين به متمكنا من الطعام ل التمليك‪ ،‬بخلف الزكاة وصدقة‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير للدردير‪ ،133/2 :‬حاشية قليوبي وعميرة على شرح المنهاج للمحلي‪،275/4 :‬‬
‫المغني‪ 762 ،755/8 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/133‬‬

‫الفطر والعشر الواجب على الزروع البعلية‪ ،‬ل بد فيها من التمليك؛ لن النص ورد فيها بلفظ اليتاء‬
‫ل بلفظ الطعام (‪. )1‬‬
‫وقال الجمهور‪ :‬ل بد من تمليك الطعام للفقراء ككل الواجبات المالية؛ لن الواجب المالي ل بد من أن‬
‫يكون معلوم القدر ليتمكن المكلف من التيان به‪ ،‬والطعام المباح للغير ليس له قدر معلوم‪ ،‬ل سيما‬
‫وأن كل مسكين يختلف عن الخر صغرا وكبرا‪ ،‬جوعا وشبعا (‪. )2‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن التمليك عند الحنفية ليس بشرط لجواز الطعام‪ ،‬بل الشرط هو التمكين‪،‬فيكفي دعوة‬
‫المساكين إلى قوت يوم‪ :‬وهو غداء وعشاء‪ ،‬فإذا حضروا وتغدوا وتعشوا كان ذلك جائزا‪ .‬وعند غير‬
‫الحنفية‪ :‬ل بد من التمليك بالفعل أخذا‪.‬‬
‫ويجب أن يكون المخرج سالما من العيب‪ ،‬فل يكون الحب مسوسا‪ ،‬ول متغيرا طعمه ول فيه زوان‬
‫أو تراب يحتاج إلى تنقية‪ ،‬وكذلك دقيقه وخبزه؛ لنه مخرج في حق ال تعالى عما وجب في الذمة‪،‬‬
‫فلم يجز أن يكون معيبا كالشاة في الزكاة‪.‬‬
‫وأما مقدار الطعام‪ :‬فاختلف العلماء فيه بسبب اختلفهم في تأويل قوله تعالى‪{ :‬من أوسط ما تطعمون‬
‫أهليكم} [المائدة‪ ]89/5:‬فمن قال‪ :‬المراد أكلة واحدة قال‪ :‬المد وسط في الشبع‪ ،‬ومن قال‪ :‬المراد قوت‬
‫اليوم وهو غداء وعشاء قال‪ :‬الواجب نصف صاع أي مدان (‪. )3‬‬
‫وبناء عليه قال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة‪ :‬يعطى لكل مسكين مد من الحنطة كصدقة‬
‫الفطر إل أن المام مالك قال‪ :‬المد خاص بأهل المدينة فقط لضيق معايشهم‪ ،‬وأما سائر المدن فيعطون‬
‫الوسط من نفقتهم‪ .‬وقال ابن القاسم‪ :‬يجزئ المد في كل مدينة (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ ،151/8 :‬البدائع‪ ،100/5 :‬الدر المختار ورد المحتار لبن عابدين‪ ،3/67 :‬الفتاوى‬
‫الهندية‪.58/2 :‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير للدردير‪ ،132/2 :‬حاشية قليوبي وعميرة على شرح المحلي للمنهاج‪،274/4 :‬‬
‫المغني‪.741 ،739 ،738 ،736 ،734/8 :‬‬
‫(‪ )3‬الصاع‪ :‬أربعة أمداد‪ ،‬والمد رطل وثلث بالرطل العراقي‪ ،‬والرطل العراقي (‪ )130‬درهما‪،‬‬
‫والدرهم ‪2,975‬غم‪ ،‬أي أن المد يساوي ‪ 675‬غم والصاع يساوي ‪ 2751‬غم‪.‬‬
‫(‪ )4‬بداية المجتهد‪ ،404/1 :‬مغني المحتاج‪ ،327/4 :‬المغني‪ ،736/8 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.165‬‬

‫( ‪)4/134‬‬

‫ويجوز عند الشافعية‪ :‬مدّ حب من غالب قوت بلد الحانث‪ .‬والفضل بالتفاق إخراج الحب؛ لن فيه‬
‫خروجا من الخلف‪ .‬ول يجوز عند الجمهور إخراج قيمة الطعام والكسوة‪ ،‬عملً بنص الية‪:‬‬
‫{فكفارته إطعام عشرة مساكين‪[ }...‬المائدة‪.]89/5:‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬مقدار الطعام نصف صاع من بر‪ ،‬أو صاع من تمر أو شعير أو من دقيق الحنطة أو‬
‫الشعير أو قيمة هذه الشياء من النقود‪ :‬دراهم أو دنانير أو من عروض التجارة كما هو المقرر في‬
‫صدقة الفطر‪ .‬قالوا‪ :‬وقد ثبت ذلك عن سادتنا عمر وعلي وعائشة‪ ،‬وبه قال جماعة من التابعين‪ :‬سعيد‬
‫بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد والحسن‪.‬‬
‫وأما مقدار طعام الباحة عند الحنفية‪ :‬فأكلتان مشبعتان‪ :‬غداء وعشاء‪ ،‬وكذلك إذا غداهم وسحرهم‪،‬‬
‫أوعشاهم وسحرهم‪ ،‬أو غداهم غداءين ونحوهما؛ لنهما أكلتان مقصودتان‪.‬‬
‫وسواء أكان الطعام خبزا مع الدام‪ ،‬أم بغير الدام‪ :‬لن ال تعالى لم يفصل بين الطعام المأدوم‬
‫وغيره‪ ،‬في قوله سبحانه‪{ :‬فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة‪.]89/5:‬‬
‫وكذلك لو أطعم خبز الشعير أو تمرا أجزأه؛ لنه قد يؤكل وحده في طعام الهل‪.‬‬

‫( ‪)4/135‬‬
‫ولو أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام غداء وعشاء‪ ،‬أو أعطى مسكينا واحدا عشرة أيام‪ ،‬كل يوم نصف‬
‫صاع‪ ،‬جاز عند الحنفية؛ لن المقصود سد حاجة عشرة مساكين‪ ،‬وقد تحقق‪ .‬ول يجوز ذلك عند‬
‫المالكية والشافعية؛ لنه ل بد من توزيع الطعام على عشرة مساكين فعلً بالتفاق‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬إذا‬
‫وجد عشرة فقراء‪ ،‬لم يجزئه الصرف إلى فقير واحد في عشرة أيام‪ ،‬وإذا لم يجد غير فقير واحد أو‬
‫خمسة مثلً‪ ،‬أجزأه ذلك للضرورة‪ .‬والخلصة‪ :‬لبد من إطعام عشرة مساكين فعلً‪ ،‬والخلف‬
‫محصور فيما لو أطعم واحدا عشرة أيام‪ ،‬يجوز عند الحنفية ول يجوز عند غيرهم‪ .‬ولو أطعم عشرة‬
‫مساكين في يوم غداء‪ ،‬ثم أعطى كل واحد مدا من الحنطة جاز؛ لنه جمع بين التمليك‪ ،‬وطعام‬
‫الباحة‪ ،‬ولن كل وجبة طعام مقدرة بمد‪ .‬وكذلك لو غدى رجلً واحدا عشرين يوما‪ ،‬أو عشى رجلً‬
‫في شهر رمضان عشرين يوما جاز؛ لن المقصود قد حصل‪.‬‬
‫أما لو أعطى مسكينا واحدا طعام عشرة‪ ،‬في يوم واحد‪ ،‬دفعة واحدة‪ :‬لم يجز؛ لن ال تعالى أمر بسد‬
‫جوعة عشرة مساكين إما مرة واحدة أو موزعة على اليام‪ ،‬وهذا لم يحصل هنا‪.‬‬
‫وأجاز أبو حنيفة ومحمد رحمهما ال إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفارات والنذور ل الزكاة‪ ،‬لعموم‬
‫قوله تعالى‪{ :‬فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة‪ ]89/5:‬من غير تفرقة بين المؤمن والكافر‪.‬‬

‫واستثنيت الزكاة بقول النبي صلّى ال عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن‪ « :‬خذها من أغنيائهم‬
‫وردها في فقرائهم » (‪. )1‬‬
‫وقال أبو يوسف‪ :‬ل يجوز إعطاء الذميين من الموال السلمية إل النذور والتطوعات ودم التمتع في‬
‫الحج؛ لن الكفارة صدقة أوجبها ال ‪ ،‬فل يجوز صرفها إلى الكافر كالزكاة‪ ،‬بخلف النذر‪ ،‬لنه وجب‬
‫بإيجاب النسان‪ ،‬والتطوع ليس بواجب أصلً‪ ،‬والتصدق بلحم المتعة في الحج غير واجب؛ لن‬
‫التقرب إلى ال في إراقة الدم (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة‪ :‬أحمد وأصحاب الكتب الستة عن ابن عباس أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫لما بعث معاذا إلى اليمن‪ ،‬وفيه‪ « :‬فأعلمهم أن ال افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم‪ ،‬فترد على‬
‫فقرائهم » ( انظر نيل الوطار‪ ،114/4 :‬نصب الراية‪.) 327/2 :‬‬
‫(‪ )2‬انظر المبسوط‪ 149/8 :‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ ،105-101/5 :‬فتح القدير‪ ،18/4 :‬الدر المختار‪:‬‬
‫‪ ،66/3‬الفتاوى الهندية‪.58/2 :‬‬

‫( ‪)4/136‬‬
‫المدفوع إليهم الطعام‪ :‬الطعام يكون لمن توافرت فيه أوصاف خمسة هي‪:‬‬
‫الول ـ أن يكونوا مساكين فل يدفع إلى غيرهم؛ لن ال تعالى أمر بإطعام المساكين‪ ،‬وخصهم بذلك‪.‬‬
‫الثاني ـ أن يكونوا أحرارا‪ ،‬فل يجزئ دفعه إلى عبد ومكاتب‪.‬‬
‫الثالث ـ أن يكونوا مسلمين فل يجوز عند الجمهور صرفه إلى كافر‪ ،‬ذميا كان أو حربيا‪ .‬وأجاز‬
‫الحنفية دفعه إلى الذمي‪ ،‬لدخوله في اسم المساكين‪ ،‬فيدخل في عموم الية‪.‬‬
‫الرابع ـ أن يكونوا قد أكلوا الطعام في رأي الحنابلة والمالكية‪ ،‬فل يجوز دفعه لطفل لم يطعم‪ .‬وأجاز‬
‫الحنفية والشافعية دفعه إلى الصغير الذي لم يطعم‪ ،‬ويقبضه عنه وليه‪ .‬ويجوز بالتفاق للمكفر أن‬
‫يعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله‪ .‬وكل من يمنع الزكاة من الغني والكافر والرقيق‬
‫يمنع أخذ الكفارة‪ .‬إل أن الحنفية أجازوا دفعها لذمي‪.‬‬
‫الخامس ـ أن يوزع الطعام على عشرة مساكين فعلً‪ ،‬فلو أطعم واحدا طعام عشرة لم يجزئه باتفاق‬
‫الفقهاء‪ ،‬واختلفوا فيما لو أطعم واحدا عشرة أيام‪ ،‬على النحو السابق بيانه‪.‬‬

‫( ‪)4/137‬‬

‫‪ - 2‬الكسوة‪ ،‬صفتها وقدرها‪ :‬صفة الكسوة‪ :‬هي أنها ل تجوز إل على سبيل التمليك حتى عند‬
‫الحنفية؛ لن الكسوة للوقاية من الحر والبرد‪ ،‬وهذه الحاجة ل تتحقق إل بالتمليك‪ ،‬بخلف الطعام‪،‬‬
‫فإنه لدفع الجوع‪ ،‬وهو يحصل بتناول الطعام‪ .‬وتكون الكسوة للمساكين كالطعام‪ .‬وأما قدر الكسوة‪:‬‬
‫فاختلف فيه (‪ ، )1‬فقال الحنفية‪:‬أدنى الكسوة ما يستر عامة البدن‪ ،‬وقال الحنابلة‪ :‬تتقدر الكسوة بما‬
‫تجزئ الصلة فيه‪ :‬فإن كان رجلً كساه ثوبا تجزئ الصلة فيه‪ ،‬وإن كانت امرأة كساها قميصا‬
‫وخمارا؛ لن الكسوة إحدى خصال الكفارة‪ ،‬فلم يجز فيها أدنى ما يطلق عليه اسم الكسوة‪ ،‬كما هو‬
‫مقرر في الطعام والعتاق‪ ،‬ولن اللبس حينما ل يستر العورة يسمى عريانا ل مكتسيا‪ .‬وقال‬
‫المالكية‪ :‬أقل ذلك للرجل ثوب يستر جميع جسده‪ ،‬وللمرأة‪ :‬ما يجوز لها فيه الصلة‪ ،‬وذلك ثوب‬
‫وخمار‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يجزئ أقل ما يطلق عليه اسم الكسوة من إزار أو رداء أو جبة أو قميص أو ملحفة؛‬
‫لنه يقع عليه اسم الكسوة‪ ،‬ولن ال تعالى لم يذكر في الكسوة تقديرا‪ ،‬فكل ما يسمى ل بسه مكتسيا‬
‫يجزئ‪.‬‬
‫ول تجزئ بالتفاق القلنسوة (‪ )2‬والخفان والنعلن والقفازان والمنطقة (‪ )3‬؛ لن ل بسها ل يسمى‬
‫مكتسيا إذا لم يكن عليه ثوب‪ ،‬بل ول تسمى هذه كسوة عرفا (‪. )4‬‬
‫ولم يجز الحنفية على الصحيح عندهم الكسوة بالسراويل والعمامة؛ لن أدنى الكسوة عندهم كما تقدم‬
‫ما يستر عامة البدن‪ ،‬ولن ل بسها ل يسمى مكتسيا عرفا وعادة‪ ،‬بل يسمى عريانا‪ ،‬فلو أمكن اتخاذ‬
‫العمامة ثوبا أجزأه‪ ،‬كذا إذا بلغت قيمتها وقيمة السراويل قيمة المقدار الواجب من الطعام‪ ،‬فإنه يجزئ‪،‬‬
‫ويقع ذلك‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،405/1 :‬الشرح الكبير‪ ،132/2:‬المغني‪ ،742/8 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.165‬‬
‫(‪ )2‬القلنسوة بفتح القاف واللم‪ :‬وهي ما يغطى به الرأس ونحو ذلك مما ل يسمى كسوة‪ ،‬كدرع من‬
‫حديد‪.‬‬
‫(‪ )3‬المنطقة‪ :‬بكسر الميم‪ :‬هي النطاق الذي يشدّ به وسط النسان‪.‬‬
‫(‪ )4‬المبسوط‪ ،153/8 :‬البدائع‪ ،105/5 :‬فتح القدير‪ ،19/4 :‬المهذب‪ ،141/2 :‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،327/4‬الفتاوى الهندية‪ ،57/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.165‬‬

‫( ‪)4/138‬‬

‫عن الطعام بغير نية إذا نوى الكفارة عند محمد‪ .‬وأما عند أبي يوسف فل يقع عن الطعام ما لم ينو‬
‫الكسوة عن الطعام‪.‬‬
‫وأجاز الشافعية الكسوة بالسراويل والعمامة؛ لنها تسمى كسوة‪.‬‬
‫ويجزئ عند المالكية أقل ما يطلق عليه اسم قميص أو إزار‪ ،‬أو سراويل أو عمامة‪.‬‬
‫‪ - 3‬عتق الرقبة‪ :‬الكلم في إعتاق الرقبة في كفارة اليمين وغيرها تاريخي فقط بسبب عدم وجود‬
‫الرقيق في عصرنا‪ ،‬وحينئذ يسقط هذا الواجب ويظل الخيار للحانث محصورا بين الطعام والكسوة‪.‬‬
‫وأكتفي هنا بذكر ضابط الرقبة التي يجوز عتقها في الكفارة‪.‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬يشترط أن تكون الرقبة مملوكة ملكا كاملً للمعتق‪ ،‬وأن تكون كاملة الرق‪ ،‬سليمة من‬
‫العيوب التي تزيل جنسا من أجناس المنفعة‪ ،‬سواء أكانت الرقبة صغيرة أم كبيرة‪ ،‬ذكرا أم أنثى‪،‬‬
‫مسلمة أم كافرة‪ .‬فل يجوز في الكفارة إعتاق عبد غيره‪ ،‬ول أن يعتق عبدا مشتركا بينه وبين غيره‪،‬‬
‫ول مدبّرا أو أم ولد‪ ،‬إل أنه يجوز تحرير المكاتب استحسانا‪ ،‬ول يجوز أن يعتق عبدا مقطوع اليدين‬
‫أو الرجلين أو مقطوع يد واحدة‪ ،‬أو رجل واحدة من جانب واحد‪ ،‬أو يابس الشق مفلوجا‪ ،‬أو مقعدا أو‬
‫زمِنا أو أشل اليدين‪ ،‬أو مقطوع البهامين من اليدين أو مقطوع ثلثة أصابع من كل يد سوى‬
‫البهامين‪ ،‬أو أعمى‪ ،‬أو مفقود العينين‪ ،‬أو معتوها يغلب العته عليه‪ ،‬أو أخرس لفوات جنس من‬
‫أجناس المنفعة كمنفعة البطش باليدين‪ ،‬والمشي بالرجلين‪ ،‬والنظر في العينين‪ ،‬والكلم والعقل (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ ،144/8 :‬البدائع‪ 107/5 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ ،18/4 :‬الدر المختار‪ ،66/3 :‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪166‬‬

‫( ‪)4/139‬‬
‫واشترط المالكية والشافعية والحنابلة‪ :‬أن تكون الرقبة مؤمنة‪ ،‬كما تشترط في كفارة الفطر في‬
‫رمضان‪ ،‬وفي كفارة الظهار‪.‬‬
‫وسبب الختلف بين الحنفية والجمهور في اشتراط اليمان في الرقبة‪ :‬هو اختلفهم في مسألة‬
‫أصولية وهي‪ :‬هل يحمل المطلق على المقيد في المور التي تنفق أحكامها وتختلف أسبابها ككفارة‬
‫اليمين وكفارة القتل الخطأ‪ ،‬فقد ورد النص القرآني في كفارة اليمين مطلقا بدون تقييد بشرط اليمان‬
‫وهو‪{ :‬أو تحرير رقبة} [المائدة‪ ،]89/5:‬وورد النص مقيدا بشرط اليمان في كفارة القتل الخطأ وهو‪:‬‬
‫{ومن قتل مؤمنا خطأ فتحريررقبة مؤمنة} [النساء‪ ]92/4:‬فقال الجمهور‪ :‬يحمل المطلق على المقيد‪،‬‬

‫فيشترط اليمان في كفارة اليمين حملً على اشتراطه في كفارة القتل الخطأ؛ لنهما يشتركان في ستر‬
‫الذنب‪ ،‬كما حمل قوله تعالى‪{ :‬واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة‪ ]282/2:‬على المقيد في قوله‬
‫تعالى‪{ :‬وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلق‪.]2/65:‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬ل يحمل المطلق على المقيد‪ ،‬وإنما يجب أن يبقى موجب اللفظ في كفارة اليمين على‬
‫إطلقه‪ ،‬ويعمل بكل نص على حدة؛ لن شرط اليمان في كفارة القتل غير معقول المعنى‪ ،‬فيقتصر‬
‫على مورد النص (‪. )1‬‬
‫‪ - 4‬الصوم‪ ،‬مقداره وشرطه‪ :‬اتفق الفقهاء على أن الحانث إن لم يجد طعاما ول كسوة ول عتقا يجب‬
‫عليه أن يصوم ثلثة أيام‪ ،‬لقوله سبحانه‪{ :‬فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام} [المائدة‪.]89/5:‬‬
‫واختلفوا في اشتراط تتابع اليام الثلثة في الصيام‪ ،‬فقال المالكية والشافعية‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،406/1 :‬البدائع‪ ،110/5 :‬مغني المحتاج‪ 327/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪،743/8:‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.165‬‬

‫( ‪)4/140‬‬
‫في الظهر عندهم‪ :‬ل يشترط التتابع‪ ،‬ولكنه مستحب‪ ،‬لطلق الية القرآنية‪{ :‬فصيام ثلثة أيام}‬
‫[المائدة‪ ]89/5:‬فليس فيها اشتراط التتابع‪ ،‬وقد نسخت هذه الية القراءة الشاذة لبن مسعود تلوة‬
‫وحكما (‪. )1‬‬
‫وقال الحنفية والحنابلة‪ :‬يشترط التتابع (‪ )2‬بدليل قراءة أبي وعبد ال بن مسعود‪( :‬فصيام ثلثة أيام‬
‫متتابعات) (‪ . )3‬وهذا إن كان قرآنا فهو حجة‪ ،‬وإن لم يكن قرآنا فهو رواية عن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم فهو إذا خبر واحد‪ ،‬وخبر الواحد حجة‪ ،‬وتجوز الزيادة في الجملة على الكتاب بخبر واحد (‪. )4‬‬
‫وبناء على اشتراط التتابع لو أفطر المكفر لعذر مرض أو سفر أو حيض‪ ،‬أو لغير عذر‪ :‬فإنه عند‬
‫الحنفية يستأنف الصوم من جديد مرة أخرى‪ ،‬كذلك يستأنف الصوم إذا أفطر في يوم العيد أو أيام‬
‫التشريق‪ ،‬ويبطل التتابع؛ لن الصوم في هذه اليام ل يصلح لسقاط ما في الذمة‪ .‬وهذا بخلف صوم‬
‫شهرين متتابعين كفارة عن الجماع في نهار رمضان‪ ،‬فإن الحيض والمرض ل ينقطع التتابع بسببهما؛‬
‫لن الغالب أن الشهرين ل يخلوان عنهما‪ .‬وأما عند الحنابلة فل ينقطع التتابع بالحيض والمرض في‬
‫كفارة اليمين‪ ،‬وكفارة انتهاك حرمة رمضان (‪. )5‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،‬المرجع السابق‪ ،405 :‬مغني المحتاج‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬حاشية قليوبي وعميرة‪:‬‬
‫‪ ،275/4‬المهذب‪.141/2 :‬‬
‫(‪ )2‬قال الحنفية‪ :‬أربعة صيامات متتابعة بالنص‪ :‬أداء رمضان وكفارة الظهار والقتل واليمين‪.‬‬
‫والمخير فيه قضاء رمضان وفدية الحلق لذى برأس المحرم‪ ،‬والمتعة والقران‪ ،‬وجزاء الصيد‪ ،‬وثلثة‬
‫صيامات لم تذكر في القرآن وثبتت بالخبار‪ :‬صوم كفارة الفطار عمدا وهو متتابع‪ ،‬والتطوع متخير‬
‫فيه‪ ،‬والنذر متتابع إن نذر أياما متتابعة معينة أو غير معينة بخصوصها‪ ،‬ومنه ما لزم بنذر العتكاف‪،‬‬
‫وهو متتابع وإن لم ينص عليه‪ ،‬إل أن يصرح بعدم التتابع في النذر (نور اليضاح‪ :‬ص ‪ ،116‬العناية‬
‫بهامش فتح القدير‪.)81/2 :‬‬
‫(‪ )3‬حكاه أحمد ورواه الثرم عن أبي بن كعب وابن مسعود أنهما قرأا‪{ :‬فصيام ثلثة أيام متتابعات}‬
‫[المائدة‪ ]89/5:‬وروى ابن أبي شيبة حديث ابن مسعود عن الشعبي قال‪« :‬قرأ د ال ‪ :‬فصيام ثلثة‬
‫أيام متتابعات» ورواه عبد الرزاق عن عطاء يقول‪ :‬بلغنا في قراءة ابن مسعود‪« :‬فصيام ثلثة أيام‬
‫متتابعات‪ ،‬وكذلك نقرؤها» وأخرج الحاكم حديث أبي عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرأ‪:‬‬
‫{فصيام ثلثة أيام متتابعات} [المائدة‪(/89:‬انظر نيل الوطار‪ ، 8/238 :‬نصب الراية ‪. 3/296 :‬‬
‫(‪ )4‬المبسوط ‪ ، 8/144 :‬فتح القدير ‪ , 4/18 :‬البدائع ‪ :‬ص ‪ ، 11‬المغني ‪ , 8/752 :‬تبين الحقائق ‪:‬‬
‫‪ , 113/ 3‬الفتاوى الهندية ‪. 2/57:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )5‬البدائع ‪ ،‬المرجع السابق ‪ ،‬المغني ‪ ،‬المرجع السابق ‪.‬‬

‫( ‪)4/141‬‬
‫البَابُ السّابع‪ :‬الحَظر والباحة‬
‫أو الطعمة والشربة واللباس وغيره‬
‫تمهيد ‪:‬‬
‫هناك أمور تتردد بين الحل والحرمة تمس النسان والمجتمع‪ ،‬لتحقيق عافية المرء في صحته ودينه‪،‬‬
‫أو لمنع الضرر المادي أو الدبي عن المجتمع في المعاملت‪ ،‬يعبر عنها الحنفية إما بالحظر (المنع‬
‫الشرعي) والباحة (أي الطلق) أو بالكراهية (‪ ، )1‬أو بالستحسان (أي ما حسّنه الشرع وقبّحه) أو‬
‫بكتاب الزهد والورع؛ لن كثيرا من مسائله أطلقه الشرع‪ ،‬والزهد والورع تركه‪.‬‬
‫ويبحثها غير الحنفية تحت عنوان الطعمة والشربة‪ ،‬والنية‪ ،‬وخصال الفطرة‪ ،‬ومقدمات عقد‬

‫الزواج‪ ،‬وعبر عنها الشيخ خليل من المالكية بالمباح والمحرم والمكروه‪.‬‬
‫والكلم عنها أو عن المهم منها في مباحث خمسة هي‪:‬‬
‫المبحث الول ـ الطعمة‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ الشربة‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ اللبس والستعمال والحلي‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ الوطء والنظر واللمس واللهو‪.‬‬
‫المبحث الخامس ـ مسائل في البيع (بيع السماد الطبيعي‪ ،‬الحتكار‪ ،‬التسعير‪ ،‬بيع العنب للخمار‬
‫ونحوها)‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬إذا أطلقت الكراهة عند الحنفية أريد بها الكراهة التحريمية ‪ ،‬وهي إلى الحرام أقرب ‪ ,‬لثبوت‬
‫النهي فيهابدليل فيه شبهة ‪.‬‬

‫( ‪)4/142‬‬
‫المبحث الول ـ الطعمة‬
‫وفيه مقدمة عن حكم الطعام والشراب‪ ،‬ومطالب أربعة‪:‬‬
‫المطلب الول ـ أنواع الطعمة وحكم كل نوع منها (الحلل‪ ،‬والمكروه‪ ،‬والحرام‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ ما ل نص فيه ـ الحتكام إلى الذوق العربي‪.‬‬
‫المطلب الثالث ـ حالة الضرورة‪.‬‬
‫المطلب الرابع ـ إجابة الولئم‪ ،‬وموائد المنكر‪ ،‬وآدا ب الطعام‪.‬‬
‫مقدمة ـ مبدأ تناول الطعام والشراب ‪:‬‬
‫عني السلم بالجسم والنفس‪ ،‬فأوجب تناول الحد الدنى أو الضروري من الطعام والشراب للحفاظ‬
‫على الحياة‪ ،‬ودفع الهلك عن النفس (‪ ، )1‬وللقيام بالواجبات الدينية من صلة وصيام ونحوهما‪ ،‬وما‬
‫عدا قدر الضرورة يباح تناوله ما لم يصل إلى حد السراف‪ ،‬فالسراف في الكل والشرب فوق‬
‫الطاقة الجسمية ضرر‪ ،‬وخطر‪ ،‬وحرام‪ .‬والعتدال هو المطلوب‪ .‬واستثنى الحنفية من التحريم إذا لم‬
‫يخش الضرر حالة قصد التقوي على صوم الغد أو لئل يستحي ضيفه ونحو ذلك‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬يا بني‬
‫آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد (‪ ، )2‬وكلوا واشربوا ول تسرفوا‪ ،‬إنه ل يحب المسرفين} [العراف‪:‬‬
‫‪.]31/7‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ‪. 238/ 5 :‬‬
‫(‪ )2‬أي عند الطواف أو الصلة ‪ ,‬فستر العورة فيهما واجب ‪ ,‬وما بعد العورة سنة ‪ ,‬ل واجب ‪.‬‬

‫( ‪)4/143‬‬
‫والملبوس والمأكول‪ :‬هو الحلل‪ ،‬الطيب‪ ،‬فقد أحل ال للنسان كل نافع في الرض‪{ :‬خلق لكم ما في‬
‫الرض جميعا} [البقرة‪ ]29/2:‬وقد أردف ال تعالى الية السابقة بقوله‪{ :‬قل‪ :‬من حرم زينة ال التي‬
‫أخرج لعباده‪ ،‬والطيبات من الرزق} [العراف‪ .]32/7:‬وتوالت اليات القرآنية والحاديث النبوية في‬
‫تقرير هذا المباح‪ ،‬فقال تعالى‪{ :‬ياأيها الناس كلوا مما في الرض حللً طيبا} [البقرة‪ ]168/2:‬وقال‬
‫أيضا‪{ :‬ويحل لهم الطيبات‪ .‬ويحرم عليهم الخبائث} [العراف‪.]157/7:‬‬
‫وقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬كلوا واشربوا‪ ،‬وتصدقوا‪ ،‬والبسوا في غير إسراف ول مخيلة ـ‬
‫كبر وإعجاب بالنفس ـ فإن ال يحب أن يرى أثر نعمه على عبده» (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عبد ال بن عمرو‪.‬‬

‫( ‪)4/144‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬ول تجوز الرياضة بتقليل الكل حتى يضعف عن أداء العبادة (‪. )1‬‬
‫المطلب الول ـ أنواع الطعمة وحكم كل نوع منها ‪:‬‬
‫الغذاء النساني الذي يؤكل نوعان‪ :‬نبات وحيوان‪.‬‬
‫أما النبات المأكول‪ :‬فكله حلل إل النجس والضار والمسكر (‪ . )2‬أما النجس أو ما خالطته نجاسة‬
‫(المتنجس)‪ ،‬فل يؤكل‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ويحرم عليهم الخبائث} [العراف‪ ]157/7:‬والنجس‪ :‬خبيث‪ .‬ولو‬
‫تنجس طاهر كخل‪ ،‬ودبس ودهن ذائب‪ ،‬وزيت‪ ،‬حرم‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم في الفأرة تقع في‬
‫السمن‪ ،‬وتموت فيه‪« :‬إن كان جامدا فألقوها وما حولها‪ ،‬وكلوه‪ ،‬وإن كان مائعا فأريقوه» (‪ )3‬فلو حل‬
‫أكله‪ ،‬لم يأمر بإراقته‪.‬‬
‫وأما المسكر‪ :‬فحرام لقوله تعالى فيه {رجس من عمل الشيطان‪ ،‬فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة‪:‬‬
‫‪.]90/5‬‬
‫وأما الضار‪ :‬فل يحل أكله‪ ،‬كالسّم والمخاط والمني والتراب والحجر‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ول تقتلوا أنفسكم}‬

‫[النساء‪ ]29/4:‬وقوله تعالى‪{ :‬ول تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة‪ ]195/2:‬وأكل هذه الشياء تهلكة‪،‬‬
‫فوجب أل تحل‪ .‬لكن قال المالكية‪ :‬قيل‪ :‬الطين مكروه‪ .‬وقيل‪ :‬حرام‪ ،‬وهو الرجح‪.‬‬
‫ويحل أكل ما ل يضر كالفواكه والحبوب‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬قل‪ :‬من حرم زينة ال التي أخرج لعباده‪،‬‬
‫والطيبات من الرزق} [العراف‪.]32/7:‬‬
‫وأما الحيوان فنوعان‪ :‬مائي‪ ،‬وبري‪ .‬أذكر هنا الحلل والحرام باختصار‪ ،‬وأحيل التفصيل على بحث‬
‫الحيوان الذبيح في الذبائح والصيد‪.‬‬
‫أما المائي‪ :‬فيحل منه السمك بالتفاق‪ ،‬إل الطافي منه فل يحل عند الحنفية‪ ،‬ويحل عند غيرهم‪ .‬وكره‬
‫مالك خنزير الماء‪ ،‬والمعتمد عند المالكية أن خنزير الماء وكلب الماء مباح‪.‬‬
‫ول يحل أكل الضفدع عند الجمهور غير المالكية‪ ،‬لنهي النبي صلّى ال عليه وسلم عن قتل الضفدع‪.‬‬
‫ولو حل أكله لم ينه عن قتله‪ .‬وأباح المالكية أكل الضفادع‪ ،‬إذ لم يرد نص بتحريمها‪.‬‬
‫وأما البري‪ :‬فيحرم منه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ال به (أي ما ذكر عند ذبحه‬
‫اسم معبود غير ال )‪ ،‬والمنخنقة (التي ماتت خنقا) والنطيحة (التي نطحها حيوان فماتت)‪ ،‬والموقوذة‬
‫(التي ضربت فماتت)‪ ،‬والمتردية (التي سقطت من مرتفع فماتت)‪ ،‬وما بقر الحيوان المفترس بطنها‪،‬‬
‫إل إذا ذبحت‪ ،‬وفيها حياة‪ ،‬فيحل كل ما ذكر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار‪.238/5 :‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ ،452،456-450/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،171‬المهذب‪ ،250 ،246/1 :‬مغني‬
‫المحتاج‪.305/4 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري وأحمد والنسائي عن ميمونة زوج النبي صلّى ال عليه وسلم (سبل السلم‪.)8/3 :‬‬

‫( ‪)4/145‬‬
‫ويحرم أكل الحيوانات المفترسة كالذئب والسد والنمر عند الجمهور‪ ،‬وقال المالكية‪ :‬هي مكروهة‪.‬‬
‫كما يحرم أكل الطيور الجارحة كالصقر والباز والنسر ونحوها‪ .‬وقال المالكية‪ :‬هي مباحة‪ ،‬إل‬
‫الوطواط‪ ،‬فيكره أكله على الراجح‪.‬‬
‫ويحرم أكل الكلب والحمير الهلية والبغال؛ لن الكلب من الخبائث‪ ،‬بدليل قوله صلّى ال عليه وسلم‬
‫حمُر والبغال (‪)2‬‬
‫‪« :‬الكلب خبيث‪ ،‬خبيث ثمنه» (‪ )1‬ولنهي النبي صلّى ال عليه وسلم يوم خيبر عن ال ُ‬
‫والمعتمد عند المالكية‪ :‬أن الكلب النسي مكروه‪ ،‬وأن كلب الماء مباح‪.‬‬

‫ويحرم أكل حشرات الرض (صغار دوابها) كالعقرب والثعبان والفأرة والنمل والنحل لسّميتها‬
‫واستخباث الطباع السليمة لها‪.‬‬
‫ويحرم المتولد من مأكول وغير مأكول كالبغل المتولد من الحمير والخيل‪ ،‬والحمار المتولد من حمار‬
‫الوحش والحمار الهلي؛ لنه مخلوق مما يؤكل ومما ل يؤكل‪ ،‬فيغلب التحريم (‪ )3‬عملً بقاعدة تقديم‬
‫الحاظر على المبيح‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يباح بالذكاة أكل خَشاش الرض كعقرب وخنفساء وبنات ورَدْان وجندب ونمل ودود‬
‫وسوس‪ .‬ويباح أيضا أكل حية أمن سمها إن ذبحت بحلقها (‪. )4‬‬
‫ويحل أكل الخيل بأنواعها الصيلة وغير الصيلة عند الشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة لذن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم يوم خيبر بها (‪ . )5‬وقال أبو حنيفة بكراهتها كراهة تنزيهية‪ ،‬لورود حديث‬
‫ينهى عن لحوم الخيل (‪ . )6‬والمشهور عند المالكية تحريم الخيل (‪. )7‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي عن رافع بن خديج‪« :‬ثمن الكلب‬
‫خبيث» (نيل الوطار‪.)284 ،143/5 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد ال‪ ،‬وقال‪ :‬حديث صحيح على شرط مسلم‪ ،‬ولم‬
‫يخرجاه (نصب الراية‪.)197/4 :‬‬
‫(‪ )3‬المهذب‪ ،249/1 :‬مغني المحتاج‪ ،303/4 :‬كشاف القناع‪.190/6 :‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الكبير‪،115/2 :‬وسمي ذلك خشاشا لنه يخش أي يدخل في الرض ول يخرج منها إل‬
‫بمخرج‪ ،‬ويبادر برجوعه إليها‪.‬‬
‫(‪ )5‬أخرجه البخاري ومسلم (نصب الراية‪.)198/4 :‬‬
‫(‪ )6‬أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن خالد بن الوليد (نصب الراية‪.)196/4 :‬‬
‫(‪ )7‬بداية المجتهد‪ ،455/1 :‬الشرح الكبير‪.117/2 :‬‬

‫( ‪)4/146‬‬
‫وأباح الشافعية والحنابلة أكل الضّب والضّبُع‪ .‬وعند الشافعية‪ :‬والثعلب‪ ،‬وحرمه الحنابلة‪ .‬وحرم‬
‫الحنفية أكل ذلك كله‪ .‬وأما المالكية فقد أباحوا مع الكراهة أكل كل السباع كما تقدم‪.‬‬
‫ويجوز بالجماع أكل النعام ( البل والبقر والغنم ) لباحتها بنص القرآن الكريم‪ ،‬كما يجوز أكل‬
‫الطيور غير الجارحة كالحمام والبط والنعامة والوز‪ ،‬والسمان‪ ،‬والقنبر‪ ،‬والزرزور‪ ،‬والقطا‪،‬‬

‫والكروان‪ ،‬والبلبل وغير ذلك من العصافير‪.‬‬
‫ويحل أكل الوحوش غير الضارية‪ ،‬كالظباء‪ ،‬وبقر الوحش وحماره لذن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫بأكلها (‪. )1‬‬
‫ويباح أكل الرنب والجراد‪ ،‬لثبوت الباحة في السنة النبوية‪ .‬الدود وحده يحرم عند غير المالكية‪ ،‬لكن‬
‫دود الطعام والفاكهة وسوس الحبوب‪ ،‬ودود الخل‪ ،‬إذا أكل معه ميتا‪ ،‬وطابت به النفس ولم تعافه‪ ،‬يحل‬
‫أكله لتعسر تمييزه (‪. )2‬‬
‫خلصة مذهب المالكية في المباح والمحرم(‪: ) 3‬‬
‫يظهر مما سبق أن مذهب المالكية أوسع المذاهب في إباحة الطعمة والشربة‪ ،‬لذا أستحسن إعطاء‬
‫خلصة عنه‪:‬‬
‫المباح‪ :‬يباح حال الختيار أكلً أوشربا كل طعام طاهر‪ ،‬والحيوان البحري‪ ،‬ولو آدميه وخنزيره‪ ،‬وإن‬
‫كان البحري ميتا‪ ،‬والطير بجميع أنواعه ولو كان‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،303 ،268/4 :‬المغني‪.605/8 :‬‬
‫(‪ )3‬راجع متن العلمة خليل والشرح الكبير للدردير مع الدسوقي‪.115/2 :‬‬

‫( ‪)4/147‬‬
‫جلّلة (‪ ، )1‬أو ذا مخلب كالباز والعقاب والرخم‪ ،‬إل الوطواط‪ ،‬فيكره أكله على الراجح‪ ،‬وال ّنعَم‬
‫(البل والبقر والغنم ولو جللة)‪ ،‬والوحش غير المفترس كغزال وحمر وحش ويربوع‪ ،‬وخُلْد‪ ،‬ووَبْر (‬
‫‪ ، )2‬وأرنب‪ ،‬وقُ ْنفُذ‪ ،‬وضُرْبوب (‪ ، )3‬وحية أمن سمها (‪ )4‬إن ذكيت بحلقها‪.‬‬
‫ويباح أيضا هوام الرض كخنفساء وبنات وَرْدان‪ ،‬وجندب (‪ ، )5‬ونمل ودود وسوس‪.‬‬
‫ويباح عصير ماء العنب أول عصره‪ ،‬و ُفقّآع‪ ،‬وعقيد وسوبيا (‪ )6‬أمن سكره‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أي مستعملً للنجاسة‪ .‬والجللة لغة‪ :‬البقرة التي تستعمل النجاسة‪ .‬والفقهاء يستعملونها في كل‬
‫حيوان يستعملها‪.‬‬
‫(‪ )2‬اليربوع‪ :‬دابة قدر بنت عرس‪ ،‬رجلها أطول من يديها‪ .‬والخلد‪ :‬فأر أعمى ل يصل للنجاسة‪.‬‬
‫والوبر‪ :‬فوق اليربوع كالرنب يعتلف النبات والبقول‪ ،‬ودون السنور‪ ،‬طحلء اللون أي بين البياض‬

‫والغبرة‪.‬‬
‫(‪ )3‬القنفذ‪ :‬أكبر من الفأر‪ ،‬كله شوك إل رأسه وبطنه ويديه ورجليه‪ ،‬والضربوب‪ :‬كالقنفذ في الشوك‪،‬‬
‫إل أنه قريب من خلقة الشاة‪ .‬وأباح الحنابلة أكل اليربوع والوبر والضب والضبع (المغني‪،592/8 :‬‬
‫كشاف القناع‪ )191/6 :‬والشافعية أيضا كما أبنت في الذبائح‪ :‬أباحوا أكل الضبع والضب والثعلب‬
‫واليربوع والفَنَك (حيوان يؤخذ من جلده الفرو) والسمور (كالسنور)‪ ،‬وهما من ثعالب الترك‪ .‬وأباحوا‬
‫أكل ابن عرس (دويبة رقيقة تعادي الفأر تدخل تحت حجره وتخرجه)‪ ،‬والبجع (الحوصل)‪ :‬وهو طائر‬
‫أبيض من الكركي‪ ،‬ذو حوصلة عظيمة يتخذ منها فرو‪ ،‬ويكثر بمصر‪ ،‬والقاقم (دويبة يتخذ جلدها فروا‬
‫) لن ما ذكر من الطيبات (مغني المحتاج‪.)299/4 :‬‬
‫(‪ )4‬أمن سمها لمستعملها‪ ،‬ويجوز أكلها بسمها لمن ينفعه ذلك لمرض‪.‬‬
‫(‪ )5‬بنت وردان‪ :‬دويبة كريهة الرائحة‪ ،‬تألف الماكن القذرة في البيوت‪ ،‬وهي ذات ألوان مختلفة‬
‫وأرجل جانبية متعددة‪ .‬والجندب‪ :‬نوع من الجراد‪.‬‬
‫(‪ )6‬الفقاع‪ :‬شراب يتخذ من القمح والتمر‪ .‬والسوبيا‪ :‬شراب يميل إلى الحموضة بما يضاف إليه من‬
‫عجوة ونحوها‪ .‬وعقيد‪ :‬هو ماء العنب يغلى على النار حتى ينعقد ويذهب إسكاره‪ .‬ويسمى بالرّب‬
‫الصامت‪.‬‬

‫( ‪)4/148‬‬
‫المحرم‪ :‬ويحرم تناول النجس من جامد أو مائع ‪ ،‬والخنزير البري ‪ ،‬والبغل والفرس والحمار ‪ ،‬ولو‬
‫كان حمارا وحشيا تأنس ‪ .‬والرجح تحريم أكل الطين والتراب والعظام والخبز المحروق بالنار ‪،‬‬
‫منعا لذى البدن‪.‬‬
‫المكروه‪ :‬ويكره سبع وضبع وثعلب وذئب‪ ،‬وهر ولو كان وحشيا‪ ،‬وفيل وفهد ودب ونمر ونمس (‬
‫‪ ، )1‬وكلب إنسي على المعتمد‪ .‬والظهر كراهة أكل القرد والنسناس‪ ،‬والمشهور أن فأر البيوت الذي‬
‫يصل إلى النجاسة يكره‪ ،‬فإن شك في وصوله لها‪ ،‬لم يكره‪ ،‬وإن لم يصل للنجاسة فهو مباح‪.‬‬
‫لحم الجللة‪ :‬الجللة كما عرفها الحنفية‪ :‬هي التي تعتاد أكل الجيف والنجاسات فقط‪ ،‬ول تخلط معها‬
‫طعاما غيره ويكون لها ريح منتنة‪ .‬وهي عند غير الحنفية‪ :‬هي التى أكثر طعامها النجاسة‪ ،‬وقد‬
‫اختلف الفقهاء في حكم أكل لحمها‪.‬‬
‫فأباح المالكية (‪ )2‬كما تقدم أكل لحم الجللة‪ .‬وكرهها مالك‪ ،‬وأحمد في رواية عنه والحنفية والشافعية‬
‫(‪ ، )3‬وحرمها الحنابلة (‪. )4‬‬

‫وسبب اختلفهم معارضة القياس للثر‪ .‬أما الثر فهو ما روى ابن عمر‪« :‬نهى النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم عن أكل الجللة وألبانها» (‪ )5‬وروى الخلل بإسناده عن عبد ال بن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وتسمى كل تلك الحيوانات ما عدا الهر الوحوش المفترسة‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير‪ ،115/2 :‬بداية المجتهد‪.451/1 :‬‬
‫(‪ )3‬تبيين الحقائق للزيلعي‪ ،10/1 :‬البدائع‪ 39/5 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،250/1 :‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،304/4‬الدر المختار‪ 239/5 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬كشاف القناع‪ ،192/6 :‬المغني‪.593/8 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد وأبو داود والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حسن غريب‪ .‬وفي رواية لبي داود‪« :‬نهى عن ركوب‬
‫الجللة» وفي أخرى له‪« :‬نهى عن ركوب جللة البل» وروى أحمد والنسائي وأبو داود عن عمرو‬
‫بن شعيب عن أبيه عن جده‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الهلية وعن‬
‫ركوب الجللة‪ ،‬وأكل لحمها» ‪.‬‬

‫( ‪)4/149‬‬
‫عمرو‪« :‬نهى رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن البل الجللة أن يؤكل لحمها‪ ،‬ول يحمل عليها إل‬
‫الدمُ (الجلود المدبوغة)‪ ،‬ول يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة» ‪.‬‬
‫وأما القياس المعارض لهذا‪ :‬فهو أن ما يرد جوف الحيوان ينقلب إلى لحم‪ ،‬فالمالكية القائلون بالحل‬
‫نظروا إلى النقلب أو التحول إلى لحم‪ ،‬كانقلب الدم لحما‪.‬‬
‫والحنابلة أخذوا بظاهر النهي المقتضي للتحريم‪ ،‬ولن اللحم يتولد من النجاسة‪ ،‬فيكون نجسا‪ ،‬كرماد‬
‫النجاسة‪ .‬والحنفية والشافعية حملوا الحديث على الكراهة التنزيهية‪.‬‬
‫وعبارة الحنفية‪ :‬يكره لحم الجللة ولبنها‪ ،‬كما يكره لحم التان ولبنها ولبن الخيل‪ ،‬وبول البل‪،‬‬
‫وأجازه (أي بول البل ولحم الفرس) أبو يوسف للتداوي به‪ .‬وتحبس الجللة حتى يذهب نتن لحمها‪،‬‬
‫وقدر بثلثة أيام لدجاجة‪ ،‬وأربعة لشاة‪ ،‬وعشرة لبل وبقر على الظهر‪ .‬ولو أكلت الجللة النجاسة‬
‫وغيرها بحيث لم ينتن لحمها‪ ،‬حلت‪ ،‬كما حل أكل جدي غذي بلبن خنزير؛ لن لحمه ل يتغير‪ ،‬وما‬
‫غذي به يصير مستهلكا ل يبقى له أثر‪ .‬وعليه‪ :‬ل بأس بأكل الدجاج‪ ،‬لنه يخلط أكل النجس مع‬
‫غيره‪ ،‬ول يتغير لحمه (‪. )1‬‬
‫وعبارة الشافعية‪ :‬يكره أكل الجللة‪ :‬وهي التي أكثر أكلها العَذِرَة (الغائط) من ناقة أو شاة‪ ،‬و بقرة‪ ،‬أو‬

‫ديك‪ ،‬أو دجاجة؛ لحديث ابن عمر المتقدم‪ :‬ول يحرم أكلها‪ ،‬لنه ليس فيها أكثر من تغيير لحمها‪ ،‬وهذا‬
‫ل يوجب التحريم‪ .‬فإن أطعم الجللة طعاما طاهرا لم يكره‪ ،‬لقول ابن عمر‪« :‬تعلف الجللة علفا‬
‫طاهرا‪ :‬إن كانت ناقة أربعين يوما‪ ،‬وإن كانت شاة سبعة أيام‪ ،‬وإن كانت دجاجة ثلثة أيام» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وروي أنه عليه الصلة والسلم كان يأكل الدجاج‪ .‬وما روي أن الدجاج يحبس ثلثة أيام‪ ،‬ثم‬
‫يذبح‪ ،‬فذاك على سبيل التنزه‪ ،‬ل أنه شرط ( تبيين الحقائق‪ ،‬المكان السابق )‪.‬‬

‫( ‪)4/150‬‬
‫وعبارة الحنابلة‪ :‬وتحرم الجللة‪ :‬وهي التي أكثر طعامها النجاسة‪ ،‬كما تحرم ألبانها وهي رواية عن‬
‫أحمد‪ ،‬وفي رواية أخرى أنها مكروهة غير محرمة‪ ،‬وتزول الكراهة بحبسها اتفاقا‪ .‬واختلف في قدره‬
‫فروي عن أحمد أنها تحبس ثلثا‪ ،‬سواء أكانت طائرا أم بهيمة‪ .‬وروي عنه أيضا‪ :‬تحبس الدجاجة‬
‫ثلثا‪ ،‬والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين‪ .‬ويكره ركوب الجللة‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ ما ل نص فيه ـ الحتكام للذوق العربي ‪:‬‬
‫قال الشافعية والحنابلة (‪ : )1‬الحيوان الذي ل نص فيه من كتاب أو سنة أو إجماع‪ ،‬ل خاص ول عام‬
‫بتحريم ول تحليل‪ ،‬ول ورد فيه أمر بقتله ول بعدم قتله‪ :‬إن استطابه أهل يسار (أي ثروة وخصب)‬
‫وأهل طباع سليمة من أكثر العرب ـ سكان بلد أو قرى‪ ،‬في حال رفاهية عند الشافعية‪ ،‬أو أهل‬
‫الحجاز أهل المصار عند الحنابلة‪ :‬حل أكله‪ .‬لقوله تعالى‪{ :‬ويحل لهم الطيبات‪ ،‬ويحرم عليهم‬
‫الخبائث} [العراف‪ ]157/7:‬ولن العرب هم الذين نزل عليهم الكتاب‪ ،‬وخوطبوا به‪ ،‬وبالسنة وفيهم‬
‫بعث النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فيرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم‪ ،‬دون غيرهم‪.‬‬
‫وعليه تكون القاعدة‪ :‬المحرم من الحيوان‪ :‬ما نص ال تعالى عليه في كتابه‪ .‬وما كانت العرب تسميه‬
‫طيبا فهو حلل‪ ،‬وما كانت تسميه خبيثا فهو محرم‪.‬‬
‫ول يعتبر قول الجلف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة؛ لنهم للضرورة والمجاعة‪ ،‬يأكلون‬
‫ما وجدوا‪.‬‬
‫وما لم يوجد عند أهل الحجاز عند الحنابلة‪ ،‬رد إلى أقرب ما يشبهه في‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ 303/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،249/1 :‬المغني‪.585/8 :‬‬

‫( ‪)4/151‬‬

‫الحجاز‪ .‬فإن لم يشبه شيئا منها‪ ،‬فهو مباح‪ ،‬لدخوله في عموم قوله تعالى‪{ :‬قل‪ :‬ل أجد في ما أوحي‬
‫إليّ محرما} ‪[ ..‬النعام‪ ]145/6:‬الية‪ ،‬ولقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬وما سكت ال عنه فهو‬
‫مما عفا عنه» (‪. )1‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬إن جهل اسم حيوان‪ ،‬سئل العرب عنه‪ ،‬وعمل بتسميتهم له مما هو حلل أو حرام؛‬
‫لن المرجع في ذلك إلى السم وهم أهل اللسان‪ .‬وإن لم يكن له اسم عندهم‪ ،‬ألحق بالشبه به من‬
‫الحيوان‪ ،‬في الصورة‪ ،‬أو الطبع‪ ،‬أو الطعم في اللحم‪ .‬فإن تساوى الشبهان‪ ،‬أو فقد ما يشبهه‪ ،‬حل على‬
‫الصح‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬قل‪ :‬ل أجد فيما أوحي إليّ محرما‪[ }..‬النعام‪ ]145/6:‬الية‪.‬‬
‫وعملً بهذا المبدأ أذكر بإيجاز ما يحرم وما يحل من الحيوان عند الشافعية‪ :‬أما ما يحرم‪ :‬فيشمل‬
‫الحشرات كلها كالنمل والذباب والخنافس والحيّات والدود والبق والقمل والصّرصُر والوزع‪ :‬وهو سام‬
‫أبرص‪ .‬ويَحرم ذوات السم وكل ما يندب قتله كالنحل والزنابير والعقارب والفئران والغربان‬
‫والفاعي والحِدأ‪.‬‬
‫خفّاش (الوطواط) والخُطّاف (طائر أسود الظهر أبيض البطن) والببّغا )طائر‬
‫ويحرم من الطيور‪ :‬ال ُ‬
‫أخضر يحاكي الصوات) والطاوس‪ ،‬والرّخمة (طائر يشبه النسر) وال ُبغَاثة (طائر أبيض بطيء‬
‫الطيران أصغر من الحدأة) ويحرم كل ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير‪ .‬ويحرم كل متنجس‬
‫ل يمكن تطهيره كخل وزيت ودبس‪ ،‬وما يضر البدن كالحجر والتراب والزجاج والسم والفيون‪.‬‬
‫وأما ما يحل‪ :‬فيشمل طيور النعامة والبط والحجل والوَز والدجاج والقطا وغراب الزرع والحمام‪.‬‬
‫ويشمل أيضا كل طاهر ل ضرر فيه ول تعافه النفس‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه الترمذي وابن ماجه عن سلمان الفارسي (نيل الوطار‪.)106/8 :‬‬

‫( ‪)4/152‬‬
‫كالبيض والجبن‪ ،‬أما ما تعافه النفس وتستقذره كالمخاط والمني ونحوهما فحرام‪ .‬وتحل ألبان‬
‫الحيوانات المأكولة اللحم‪ ،‬ول تحل ألبان الحيوانات غير المأكولة اللحم كلبن إناث الحمير‪ ،‬لكن لبن‬
‫النسان طاهر‪.‬‬
‫ويحرم كل ما استخبثه العرب في عصر النبي صلّى ال عليه وسلم كالحشرات ونحوها إل ما أباحه‬
‫الشرع كاليربوع (دابة كالفأرة لكن ذنبه أطول) والضّب (دابة كالجرذون) والوَبْر (دابة أصغر من‬
‫الهر) والسمّور (دابة كالسنور) وابن عرس (دابة رقيقة تطارد الفئران)‪.‬‬

‫حمُر‬
‫وتحل حيوانات البحر‪ ،‬لن العرب استطابتها‪ ،‬وتباح النعام (البل والبقر والغنم والمعز) و ُ‬
‫الوحش والظباء والرانب ونحوها مما استطابته العرب‪ ،‬إل ما حرمه الشرع كالبغال والحمر الهلية‪.‬‬
‫المطلب الثالث ـ حالة الضرورة ‪:‬‬
‫الضرورة نظرية متكاملة تشمل جميع أحكام الشرع‪ ،‬يترتب عليها إباحة المحظور‪ ،‬وترك الواجب‪.‬‬
‫والكلم عنها يطول (‪ ، )1‬أجتزئ ببيان المهم منها وهو تعريفها وحكمها وشروطها‪ ،‬وهل تشمل حالة‬
‫السفر والحضر جميعا‪ ،‬وجنس المستباح أو ما يجوز تناوله‪ ،‬وكيفية ترتيب أفضلية الشيء المتناول‪،‬‬
‫ومقدار الجائز تناوله‪ ،‬والتزود من الميتة‪ ،‬وحكم أخذ طعام الغير قهرا للضرورة‪ ،‬وحالت خاصة‬
‫للحاجة (المار ببستان الفاكهة‪ ،‬والكل من الزرع‪ ،‬وحلب الماشية لمن مر بهما) (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع كتابنا نظرية الضرورة الشرعية‪.‬‬
‫(‪ )2‬انظر المسبوط‪ ،48/24:‬البدائع‪ ،124/5 :‬رد المحتار‪ ،238/5 :‬أحكام القرآن للجصاص‪147/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير للدردير‪ 115/2 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،173‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ 461/1‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ 250/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،310-306 ،188/4 :‬المغني‪:‬‬
‫‪ ،603-595/8‬كشاف القناع ‪.200-194/6 :‬‬

‫( ‪)4/153‬‬
‫أولً ـ تعريف الضرورة وحكمها‪ :‬هي الخوف على النفس من الهلك علما (أي قطعا) أو ظنا‪ .‬فل‬
‫يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت‪ .‬وحكمها في المذاهب الربعة (‪: )1‬وجوب الكل من‬
‫المحرّم‪ ،‬بمقدار ما يسد ر َمقَه (أي بقية حياته)‪ ،‬ويأمن معه الموت‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فمن اضطر غير باغ‬
‫ول عاد‪ ،‬فل إثم عليه} [البقرة‪ ]173/2:‬وقوله‪{ :‬ول تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة‪ ]195/2:‬وقوله‪:‬‬
‫{ول تقتلوا أنفسكم} [النساء‪ .]29/4:‬فإن ترك الكل والشرب حتى هلك‪ ،‬فقد عصى‪ ،‬لن فيه إلقاء إلى‬
‫التهلكة‪ ،‬وهو منهي عنه في محكم التنزيل‪ ،‬ولنه قادر على إحياء نفسه بما أحله ال له‪ ،‬فلزمه‪ ،‬كما‬
‫لو كان معه طعام حلل‪.‬‬
‫بخلف من امتنع عن التداوي حتى مات‪ ،‬ل يجب عليه‪ ،‬ول يعصي بالترك‪ ،‬إذ ل يتيقن أن الدواء‬
‫يشفيه‪ .‬هذا وقد قرر الحنابلة أنه يجب على المضطر تقديم السؤال ‪ ،‬أي الستجداء على أكل الميتة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪،‬المكان السابق‪ ،‬البدائع‪ ،176/7 :‬تبيين الحقائق‪ ،185/5 :‬الدر المختار ورد المحتار‪:‬‬

‫‪ ،238 ،92/5‬درر الحكام‪ ،310/1 :‬الشرح الكبير‪ ،115/2 :‬مغني المحتاج‪ ،306/4 :‬المغني‪:‬‬
‫‪ ،596/8‬الفروق‪ ،183/4 :‬الجصاص‪ ،150 ،148/1 :‬أحكام القرآن لبن العربي‪.56/1 :‬‬

‫( ‪)4/154‬‬
‫وقيل عند البعض كأبي يوسف وأبي إسحاق صاحب المهذب وفي وجه عند الحنابلة‪ :‬ل يجب على‬
‫المضطر الكل من الميتة أو لحم الخنزير‪ ،‬بل يباح لنه له غرضا في تركه‪ ،‬وهو أن يجتنب ما حرم‬
‫سهْمي صاحب رسول ال‬
‫عليه‪ ،‬وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة‪ ،‬ولما روي عن عبد ال بن حذافة ال ّ‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬أن طاغية الروم حبسه في بيت‪ ،‬وجعل معه خمرا ممزوجا بماء‪ ،‬ولحم‬
‫خنزير مشوي ثلثة أيام‪ ،‬فلم يأكل ‪ ،‬ولم يشرب‪ ،‬حتى مال رأسه من الجوع والعطش‪ ،‬وخشوا موته‪،‬‬
‫فأخرجوه‪ ،‬فقال ‪ :‬قد كان ال أحله لي‪ ،‬لني مضطر‪ ،‬ولكن لم أكن لشمتك بدين السلم » ولن‬
‫إباحة الكل رخصة‪ ،‬فل تجب عليه كسائر الرخص (‪ ، )1‬ولن قوله تعالى‪ { :‬وقد فصّل لكم ماحَرّم‬
‫عليكم إل ما اضطررتم إليه } [النعام‪ ]119/6:‬استثناء من التحريم‪ ،‬والستثناء من التحريم حل أو‬
‫إباحة كما يقرر الصوليون‪.‬‬
‫وبهذا يظهر أن الضراب عن الطعام في السجون ونحوها‪ ،‬ل يحل إذا أدى إلى الموت‪ ،‬على كل‬
‫الرأيين السابقين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني ‪ ، 596/8 :‬تكملة فتح القدير‪.298/7 :‬‬

‫( ‪)4/155‬‬
‫ثانيا ـ شروط الضرورة أو ضوابطها ‪:‬‬
‫ليس كل من ادعى الضرورة يسلّم له ادعاؤه‪ ،‬أو يباح له فعل الحرام‪ ،‬وإنما لبد من توافر شروط أو‬
‫ضوابط للضرورة‪ ،‬وهي ما يأتي (‪: )1‬‬
‫ً‪ - 1‬أن تكون الضرورة قائمة ل منتظرة في المستقبل‪ ،‬أي أن يحصل في الواقع خوف الهلك على‬
‫النفس أو المال بغلبة الظن بحسب التجارب‪ ،‬أو التحقق من خطر التلف‪ ،‬لو لم يأكل‪ ،‬ويكفي في ذلك‬
‫الظن‪ ،‬كما في الكراه على أكل الحرام‪ ،‬فل يشترط فيه التيقن ول الشراف على الموت‪ ،‬بل لو انتهى‬
‫إلى هذه الحالة لم يفد الكل ولم يحل الكل كما صرح الشافعية‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬أن يتعين على المضطر ارتكاب المحظور الشرعي أي أل يكون هناك وسيلة أخرى من‬

‫المباحات لدفع الخطر إل تناول الحرام؛ لن سبب استعمال المحرمات في حال الضطرار هو‬
‫ضرورة التغذي أعني إذا لم يجد شيئا حللً يتغذى به‪ .‬وهذا لخلف فيه‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬أن يتوافر عذر يبيح القدام على الحرام‪ ،‬كالحفاظ على النفس أو العضو بأن خاف التلف إما من‬
‫جوع‪ ،‬أو يخاف إن ترك الكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة فيهلك‪ ،‬أو يعجز عن الركوب‬
‫فيهلك‪ ،‬وبه يظهر أن كل ما يبيح التيمم ـ كماصرح الشافعية والحنابلة ـ يبيح تناول الحرام أو‬
‫ارتكاب المحظور‪ ،‬فيعتبر خوف حصول الشين الفاحش في عضو ظاهر كخوف طول المرض‪ ،‬كل‬
‫منهما يبيح الكل من المحرمات‪.‬‬
‫ً‪ - 4‬أل يخالف المضطر مبادئ السلم‪ ،‬فل يحل الزنا والقتل والكفر والغصب بأي حال؛ لنها‬
‫مفاسد في ذاتها‪ ،‬وإن كان يرخص حال الكراه في الكفر باللسان مع اطمئنان القلب بالسلم‪ ،‬كما‬
‫يرخص بأخذ طعام الغير ولو قهرا إذا لم يكن هو أيضا مضطرا إليه‪ .‬وبه يظهر أن الباحة تختلف‬
‫عن الرخصة؛ لن الباحة تقلب الحرام حللً‪ ،‬وتزيل عنه صفة الحرمة‪ ،‬وأما الرخصة فتمنع الثم‬
‫ويظل الفعل حراما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف‪ :‬ص ‪ 66‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/156‬‬
‫ول يباح أصلً قتل آدمي وأكله‪ ،‬كما ليباح عند الجمهور غير الشافعية أكل آدمي ميت‪ ،‬كما سأبين‪،‬‬
‫ويحرم على الراجح عند أئمة المذاهب الربعة تناول الخمر إل لزالة غُصة عند عدم مايسيغها به‬
‫من غيرها‪ ،‬وليحل عند المالكية تناول شيء من الدم أو ال َعذِرة‪ ،‬أو ضالة البل‪.‬‬
‫ً‪ - 5‬أن يقتصر في رأي الجمهور على الحد الدنى أو القدر اللزم لدفع الضرر‪ ،‬كما سأوضح؛ لن‬
‫إباحة الحرام ضرورة‪ ،‬والضرورة تقد ر بقدرها‪.‬‬
‫ً‪ - 6‬أن يصف المحرم ـ في حال ضرورة الدواء ـ طبيب عدل ثقة في دينه وعلمه‪ ،‬وأل يوجد من‬
‫غير المحرّم علج آخر‪ ،‬يقوم مقامه‪.‬‬
‫ول يتقيد الضطرار بزمن مخصوص لختلف الشخاص في ذلك (‪. )1‬‬
‫ثالثا ـ هل تشمل الضرورة حالة السفر والحضر جميعا؟‬
‫تباح المحرمات عند الضطرار إليها في الحضر والسفر جميعا؛ لن آية الضرورة { فمن اضطر }‬
‫[البقرة‪ ]173/2:‬مطلقة غير مقيدة بحالة معينة من هاتين الحالتين‪ ،‬وهو لفظ عام في حق كل مضطر‪،‬‬

‫ولن الضطرار يكون في الحضر في سنة المجاعة العامة‪ ،‬وسبب الباحة‪ :‬الحاجة إلى حفظ النفس‬
‫عن الهلك‪ ،‬وهو عام في الحالين (‪. )2‬‬
‫وهذا باتفاق المذاهب الربعة‪ ،‬ولم يميز الحنفية (‪ )3‬بين السفر المقصود به أصلً المعصية‪ ،‬أو طروء‬
‫المعصية في أثناء سفر مباح‪ .‬وهو الراجح عند الحنابلة كما في الحاشية ‪ .‬والمشهور من مذهب مالك‬
‫(‪ : )4‬أن المضطر يجوز له الكل من الميتة ونحوها في سفر المعصية ‪،‬وليجوز له القصر والفطر‬
‫لقوله تعالى‪ { :‬غير باغ ول عاد } [البقرة‪.]173/2:‬‬
‫وفرق المالكية في المشهور والشافعية والحنابلة (‪ )5‬بين المعصية بالسفر‪ ،‬والمعصية في السفر أي‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ ،194/6 :‬المغني‪. 595/8 :‬‬
‫(‪ )2‬هذا ماقرره ابن قدامة في مذهب أحمد ( المغني‪ )596/8 :‬وهو الموافق لغيره من الكتب (كشاف‬
‫القناع‪.)194/6 :‬‬
‫(‪ )3‬التوضيح‪ ،194/2 :‬مسلم الثبوت‪ ،113/1 :‬أحكام الجصاص‪ 147/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬الموافقات‪ ،337/1 :‬أحكام القرآن لبن العربي‪ ،58/1 :‬تفسير القرطبي‪ ،233/2 :‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ ،173‬بداية المجتهد‪.462/1 :‬‬
‫(‪ )5‬مخطوط قواعد الزركشي‪ :‬ق ‪ ،107‬الشباه والنظائر للسيوطي‪ :‬ص ‪ ،124‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،268 ،64/1‬المغني‪ ،297/8 :‬الشرح الصغير‪.477/1 :‬‬

‫( ‪)4/157‬‬
‫أثنائه‪ .‬فمن أنشأ سفرا يعتبر في ذاته معصية كالمرأة الناشز‪ ،‬وقاطع الطريق‪ ،‬والمسافر لظلم الناس‪،‬‬
‫ليباح له الكل من الميتة‪ ،‬أو استعمال الرخص الشرعية؛ لن الرخص لتناط بالمعاصي‪ ،‬ولقوله‬
‫تعالى‪ { :‬فمن اضطر غير باغ ول عاد‪ ،‬فل إثم عليه } [البقرة‪ ]173/2:‬قال مجاهد‪ :‬غير باغ على‬
‫المسلمين ول عاد عليهم‪.‬‬
‫ومن سافر سفرا مباحا‪ ،‬وعصى أثناء سفره‪ ،‬كأن شرب الخمر‪ ،‬فهو عاص في سفره‪ ،‬تباح له‬
‫الرخص الشرعية‪ ،‬لنها منوطة بالسفر‪ ،‬ونفس السفر ليس معصية‪ ،‬ول إثم به‪.‬‬
‫رابعا ـ جنس الشيء المستباح للضرورة ‪:‬‬
‫يستباح للضرورة في المذاهب الربعة كل شيء محرم‪ ،‬يرد جوعا أو عطشا‪ ،‬كالميتة من كل حيوان‬
‫والخنزير وطعام الغيرونحوه (‪. )1‬‬

‫واستثنى الحنابلة السم ونحوه مما يضر‪.‬‬
‫واستثنى المالكية الدمي والدم والخنزير والطعمة النجسة كالعذرة والشربة النجسة إل الخمر‪ ،‬لزالة‬
‫الغُصة‪ ،‬ول تباح لجوع ول لعطش لنها ل تدفعه‪ ،‬وقيل‪ :‬تباح‪ ،‬ول يحل التداوي بها ولو لخوف‬
‫الموت في المشهور‪.‬‬
‫كما استثنوا ضالة البل‪ ،‬إل إن تعينت عند انفرادها‪ ،‬وتقدم عليها الميتة عند وجودهما‪.‬‬
‫واتفق أئمة المذاهب على أنه ل يباح قتل إنسان مسلم أو كافر معصوم أو إتلف عضو منه لضرورة‬
‫الكل‪ ،‬لنه مُثلة‪ ،‬فل يجوز أن يبقي نفسه بإتلفه‪ .‬فل يباح إذن النسان الحي‪ .‬كما ل يباح الكل من‬
‫النسان الميت عند الجمهور غير الشافعية‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬كسر عظم الميت ككسره‬
‫حيا» (‪ . )2‬وإن قال شخص لخر‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير للدردير‪ 115/2 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،461/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪،173‬‬
‫الدر المختار ورد المحتار‪ ،238/5 :‬مغني المحتاج‪ ،595/8 :‬كشاف القناع‪.194/6 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد في مسنده‪ ،‬وأبو داود ‪ ،‬وابن ماجه عن عائشة رضي ال عنها‪ .‬وروى مالك وابن‬
‫ل واحدا هو سعد النصاري‪ ،‬ضعفه أحمد‪ ،‬ووثقه‬
‫ماجه وأبو داود بإسناد صحيح ما عدا رج ً‬
‫الكثرون‪ :‬حديثا في معناه عن جابر رضي ال عنه أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال لحفار قبر‬
‫أخرج عظما‪« :‬ل تكسرها‪ ،‬فإن كسرك إياها ميتا ككسرك إياه حيا‪ ،‬ولكن دُسّه في جانب القبر»‬
‫وأخرج ابن ماجه عن أم سلمة أنه صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬كسر عظم الميت ككسره حيا في الثم»‬
‫‪.‬‬

‫( ‪)4/158‬‬
‫مثلً‪ :‬اقطع يدي وكلها‪ ،‬ل يحل؛ لن لحم النسان ل يباح في الضطرار لكرامته‪.‬‬
‫وأجاز الشافعية (‪ )1‬للمضطر أكل آدمي ميت إذا لم يجد ميتة غيره؛ لن حرمة الحي أعظم من حرمة‬
‫الميت‪ ،‬إل إذا كان الميت نبيا‪ ،‬فإنه ل يجوز الكل منه قطعا‪ ،‬أو كان الميت مسلما والمضطر كافرا‪،‬‬
‫فإنه ل يجوز له الكل منه لشرف السلم‪ .‬وقال الخطيب الشربيني شارح المنهاج‪ :‬بل لنا وجه‪ :‬أنه‬
‫ل يجوز أكل الميت المسلم‪ ،‬ولو كان المضطر مسلما‪ .‬وبهذه الستثناءات اقترب الشافعية من غيرهم‪.‬‬
‫وأجاز الحنابلة أكل الدمي غير المعصوم أي مباح الدم كالحربي والمرتد والزاني المحصن والقاتل‬
‫في المحاربة (‪. )2‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪.307/4 :‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪.198/6 :‬‬

‫( ‪)4/159‬‬
‫كذلك أجاز الشافعية والحنابلة للمضطر قتل حربي ومرتد وأكله‪ ،‬ول يجوز له قطع بعض أعضائه‪،‬‬
‫لنهما ـ أي في حالة القتل ـ غير معصومين‪ ،‬فيباح قتلهما‪ ،‬إذ ل حرمة لهما‪ ،‬فكانا بمنزلة السباع‪،‬‬
‫وللمضطر أكله بعد موته‪ ،‬لعدم حرمته‪.‬‬
‫وللمضطر أيضا عندهم (الشافعية والحنابلة) قتل الزاني المحصن‪ ،‬والمحارب (قاطع الطريق) ومن‬
‫عليه قصاص‪ ،‬وإن لم يأذن المام في القتل؛ لن قتلهم مستحق‪ ،‬وإنما يعتبر إذن المام في غير حال‬
‫الضرورة تأدبا معه‪ ،‬وحال الضرورة ليس فيها رعاية أدب‪.‬‬
‫ول يجوز للمضطر قتل ذمي ومستأمن ومعاهد‪ ،‬لحرمة قتلهم‪ .‬والصح له حل قتل صبي حربي‬
‫وامرأة حربية‪ ،‬لنهما ليسا بمعصومين‪ ،‬ومنع قتلهما في غير الضرورة ل لحرمتهما‪ ،‬بل لحق‬
‫الغانمين‪.‬‬
‫تشريح الجثث ونقل العضاء ‪:‬‬
‫يرى المالكية والحنابلة عملً بحديث‪« :‬كسر عظم الميت ككسره حيا» أنه ل يجوز شق بطن الميتة‬
‫الحامل لخراج الجنين منه؛ لن هذا الولد ل يعيش عادة‪ ،‬وليتحقق أنه يحيا‪ ،‬فل يجوز هتك حرمة‬
‫متيقنة لمر موهوم‪.‬‬
‫وأجاز الشافعية شق بطن الميتة لخراج ولدها‪ ،‬وشق بطن الميت لخراج مال منه‪ .‬كما أجاز الحنفية‬
‫كالشافعية شق بطن الميت في حال ابتلعه مال غيره‪ ،‬إذا لم تكن له تركة يدفع منها‪ ،‬ولم يضمن عنه‬
‫أحد (‪. )1‬‬
‫وأجاز المالكية أيضا شق بطن الميت إذا ابتلع قبل موته مالً له أو لغيره إذا كان كثيرا‪ :‬هو قدر‬
‫نصاب الزكاة‪ ،‬في حال ابتلعه لخوف عليه أو لعذر‪ .‬أما إذا ابتلعه بقصد حرمان الوارث مثلً‪ ،‬فيشق‬
‫بطنه‪ ،‬ولو قل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪.246/3 :‬‬

‫( ‪)4/160‬‬

‫وبناء على هذه الراء المبيحة‪ :‬يجوز التشريح عند الضرورة أو الحاجة بقصد التعليم لغراض طبية‪،‬‬
‫أو لمعرفة سبب الوفاة وإثبات الجناية على المتهم بالقتل ونحو ذلك لغراض جنائية إذا توقف عليها‬
‫الوصول إلى الحق في أمر الجناية‪ ،‬للدلة الدالة على وجوب العدل في الحكام‪ ،‬حتى ل يظلم بريء‪،‬‬
‫ول يفلت من العقاب مجرم أثيم‪.‬‬
‫كذلك يجوز تشريح جثث الحيوان للتعليم؛ لن المصلحة في التعليم تتجاوز إحساسها باللم‪.‬‬
‫وعلى كل حال ينبغي عدم التوسع في التشريح لمعرفة وظائف العضاء وتحقيق الجنايات‪ ،‬والقتصار‬
‫على قدر الضرورة أو الحاجة‪ ،‬وتوفير حرمة النسان‬
‫الميت وتكريمه بمواراته وستره وجمع أجزائه وتكفينه وإعادة الجثمان لحالته بالخياطة ونحوها بمجرد‬
‫النتهاء من تحقيق الغاية المقصودة‪.‬‬
‫كما يجوز عند الجمهور نقل بعض أعضاء النسان لخر كالقلب والعين والكُلْية إذا تأكد الطبيب‬
‫المسلم الثقة العدل موت المنقول عنه؛ لن الحي أفضل من الميت‪ ،‬وتوفير البصر أو الحياة لنسان‬
‫نعمة عظمى مطلوبة شرعا‪ .‬وإنقاذ الحياة من مرض عضال أو نقص خطير أمر جائز للضرورة‪،‬‬
‫والضرورات تبيح المحظورات‪ ،‬ولكن ل يقبل بيع هذه العضاء بحال‪ ،‬كما ل يجوز بيع الدم‪ ،‬وإنما‬
‫يجوز التبرع بدفع عوض مالي على سبيل الهبة أو المكافأة عند نقل العضو أو التبرع بالدم في حالة‬
‫التعرض لهلك أو ضرر بالغ‪ .‬فإن تحتم دفع العوض ول يوجد متبرع من القارب أو غيرهم‪ ،‬جاز‬
‫للدافع الدفع للضرورة‪.‬‬
‫التداوي بالخمر ‪:‬‬
‫قال أئمة المذاهب الربعة (‪ : )1‬يحرم على الراجح النتفاع بالخمر وسائر المسكرات للمداواة‬
‫وغيرها‪ ،‬كاستخدامها في دُهن أو طعام أو إذابة دواء أو َبلّ طين‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن‬
‫ال لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (‪، )2‬وروى طارق‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،113/5 :‬الدر المختار وحاشية ابن عابدين‪ ،320/5 :‬المنتقى على الموطأ‪،154/3 :‬‬
‫‪ ،158‬التاج والكليل‪ ،318/6 :‬الشرح الكبير للدردير‪ 352/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،251/1 :‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،187/4 :‬كشاف القناع‪ ،198/6 :‬زاد المعاد‪ ،114/3 :‬المغني‪ ،308/8 ،255/4 :‬الفرائد‬
‫البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة‪ :‬ص ‪.286‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري عن ابن مسعود‪ .‬وكذا رواه عبد الرزاق والطبري وابن أبي شيبة موقوفا عليه‪.‬‬
‫وذكره البيهقي وأحمد وأبو يعلى والبزار مرفوعا‪ ،‬وابن حبان وصححه‪ ،‬من حديث أم سلمة‪.‬‬

‫( ‪)4/161‬‬
‫ابن سويد أنه سأل النبي صلّى ال عليه وسلم عن الخمر‪ ،‬فنهاه‪ ،‬أو كره أن يصنعها‪ ،‬فقال‪ :‬إنما‬
‫أصنعها للدواء؟ فقال‪« :‬إنه ليس بدواء‪ ،‬ولكنه داء» (‪. )1‬‬
‫لكن قال الحنفية (‪ : )2‬يجوز التداوي بالمحرم إن علم يقينا أن فيه شفاء‪ ،‬ول يقوم غيره مقامه‪ ،‬أما‬
‫بالظن فل يجوز‪ .‬وقول الطبيب ل يحصل به اليقين‪ .‬وليرخص التداوي بلحم الخنزير‪ ،‬وإن تعين‪.‬‬
‫وقيد الشافعية (‪ )3‬حرمة التداوي بالخمر إذا كانت صرفا‪ ،‬غير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه‪ .‬أما‬
‫الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه‪ ،‬فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم به‪ ،‬مما يحصل به‬
‫التداوي من الطاهرات‪ ،‬كالتداوي بنجس كلحم حية وبول‪ .‬وكذا يجوز التداوي بما ذكر لتعجيل شفاء‬
‫بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك‪ ،‬أو معرفته للتداوي به‪ .‬وبشرط أن يكون القدر المستعمل قليلً‬
‫ليسكر‪.‬‬
‫قال العز بن عبد السلم (‪ : )4‬جاز التداوي بالنجاسات إذا لم يجد طاهرا يقوم مقامها؛ لن مصلحة‬
‫العافية والسلمة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة‪ ،‬ول يجوز التداوي بالخمر على الصح إل إذا‬
‫علم أن الشفاء يحصل بها‪ ،‬ولم يجد دواء غيرها‪.‬‬
‫وأبان ابن العربي والقرطبي المالكيان (‪ )5‬أنه يجوز النتفاع بالخمر للضرورة‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والترمذي وصححه هو وابن عبد البر‪.‬‬
‫وروي أيضا‪« :‬ل تداووا بحرام» من حديث أبو داود والطبراني ورجاله ثقات عن أبي الدرداء بلفظ‪:‬‬
‫«إن ال خلق الداء والدواء فتداووا ول تتداووا بحرام» (مجمع الزوائد‪.)86/5 :‬‬
‫(‪ )2‬الهدية العلئية للعلمة الشيخ علء الدين عابدين‪ :‬ص ‪.251‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪.188/4 :‬‬
‫(‪ )4‬قواعد الحكام‪.81/1 :‬‬
‫(‪ )5‬أحكام القرآن لبن العربي‪ 56/1 :‬ومابعدها‪ ،‬تفسير القرطبي‪.231/2 :‬‬

‫( ‪)4/162‬‬
‫لقوله تعالى‪{ :‬فمن اضطر غير باغ ول عاد} [البقرة‪ ]173/2:‬فرفعت الضرورة التحريم‪ ،‬وخصصت‬
‫الضرورة الحرام؛ لن إهمال تعاطي الدواء قد يسبب الوفاة‪.‬‬

‫شرب الخمر حالة العطش ‪:‬‬
‫أجاز جمهور الفقهاء (‪ )1‬شرب الخمر عند ضرورة العطش أو الغصص أو الكراه قدر ما تندفع به‬
‫الضرورة؛ لن الحفاظ على الحياة يقتضي إباحة كل ما يطفئ الظمأ‪.‬‬
‫وقيد الحنابلة (‪ )2‬شرب الخمر لضرورة العطش بما إذا كانت ممزوجة بما يروي من العطش‪ ،‬فتباح‬
‫حينئذ فقط‪ .‬فإن شربها صرفا أو ممزوجة بشيء يسير ل يروي من العطش‪ ،‬لم يبح له ذلك‪ ،‬وعليه‬
‫عقوبة الحد المقررة‪.‬‬
‫خامسا ـ كيفية ترتيب الفضلية بين مطعومات الضرورة ‪:‬‬
‫إذا وجد المضطر ميتة وطعاما لغيره وصيدا لمحرم أو مأكولً غير مذبوح‪ ،‬فهل يقدم الميتة أو‬
‫غيرها؟ للفقهاء رأيان‪:‬‬
‫‪ - 1‬قال الجمهور (الحنفية‪ ،‬والشافعية في المعتمد عندهم‪ ،‬والحنابلة) (‪ : )3‬إنه يأكل الميتة؛ لن أكل‬
‫الميتة ثبت بالنص‪ ،‬وطعام الغير أو إباحة الصيد ثبت بالجتهاد‪ ،‬والخذ بالمنصوص عليه أولى‪ ،‬ولن‬
‫الميتة ل تبعة فيها لحد من الناس‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أحكام القرآن لبن العربي‪ ،147/1 :‬بداية المجتهد‪ ،462/1 :‬الفصاح لبن هبيرة‪ :‬ص ‪،374‬‬
‫تفسير القرطبي‪.228/2 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.605 ،308/8 :‬‬
‫(‪ )3‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ ،124/1 :‬أحكام القرآن للجصاص‪ ،148/1 :‬مغني المحتاج‪،309/4 :‬‬
‫المهذب‪ ،250/1 :‬المغني‪ ،600/8 :‬كشاف القناع‪ 194/6 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/163‬‬
‫في الدنيا ول في الخرة‪ ،‬فكان أكلها أخف من أكل طعام الغير‪ ،‬إذ حقوق الناس مبنية على التشديد‪،‬‬
‫وحق ال تعالى أوسع‪ .‬ولو حصل ضرر بأكل الميتة يرجى الشفاء منه بالمداواة‪ .‬ويجب عند الحنابلة‬
‫تقديم السؤال على آكل الميتة‪.‬‬
‫وإن وجد المحرم صيدا حيا وميتة‪ ،‬أكل الميتة؛ لن ذبح الصيد جناية ل تجوز له حال الحرام‪ .‬فإن‬
‫لم يجد المضطر ميتة‪ ،‬ذبح الصيد وأكله‪.‬‬
‫وإن لم يجد المضطر شيئا يأكله‪ ،‬لم يبح له عند الحنابلة (‪ )1‬أكل بعض أعضائه؛ لن أكله من نفسه‬
‫ربما قتله‪ ،‬فيكون قاتلً لنفسه‪ ،‬ول يتيقن حصول البقاء بأكل جزء من جسده‪.‬‬

‫وقال النووي في المنهاج (‪ : )2‬الصح جواز قطع بعضه‪ ،‬ل كله‪ ،‬لنه إتلف بعضه لستبقاء كله‪.‬‬
‫وشرط الجواز أمران‪ :‬أحدهما ـ فقد الميتة ونحوها‪ .‬والثاني ـ أن يكون الخوف في قطعه أقل من‬
‫الخوف في ترك الكل‪ .‬فإن كان مثله أو أكثر‪ ،‬حرم جزما‪ .‬كما يحرم جزما على شخص قطع بعض‬
‫نفسه لغيره من المضطرين؛ لن قطعه لغيره ليس فيه قطع البعض لستبقاء الكل‪ .‬ويحرم على‬
‫مضطر أيضا أن يقطع لنفسه قطعة من حيوان معصوم‪.‬‬
‫‪ -2‬وقال المالكية (‪ : )3‬تقدم الميتة وجوبا على أكل لحم الخنزير‪ ،‬لنه حرام لذاته‪ ،‬وحرمة الميتة‬
‫عارضة‪ ،‬كما تقدم الميتة للمضطر المحرم على الصيد الحي الذي صاده المحرم أو أعان عليه‪ ،‬ما لم‬
‫تكن الميتة متغيرة يخاف على نفسه من أكلها‪ ،‬وإل قدم الصيد المذكور‪ .‬فإن كان المضطر حللً قدم‬
‫صيد المحرم على الميتة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪.601/8 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪.310/4 :‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير‪ ،116/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،173‬تفسير القرطبي‪.229/2 :‬‬

‫( ‪)4/164‬‬
‫ويقدم طعام الغير ندبا‪ ،‬ل وجوبا على أكل الميتة‪ ،‬إن لم يخف الذى من قطع عضو‪ ،‬أو ضرب‬
‫ونحوه؛ لن الطعام طاهر‪ ،‬ولن الغالب أن النسان يبذل طعامه للمضطر ول يتلكأ في ذلك‪ .‬وهذا‬
‫المذهب هو المعقول‪ ،‬بل إني أرى وجوب تقديم طعام الغير على أكل الميتة‪ ،‬دفعا للضرر‪.‬‬
‫قال ابن كثير (‪ : )1‬إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث ل ضرر فيه ول أذى‪ ،‬فإنه ل يحل له‬
‫أكل الميتة‪ ،‬بل يأكل طعام الغير بغير خلف (‪. )2‬‬
‫سادسا ـ مقدار الجائز تناوله للضرورة ‪:‬‬
‫هل يقتصر المضطر من تناول الحرام كالميتة على مقدار دفع الضرر‪ ،‬أو يباح له الشبع؟ رأيان‬
‫للفقهاء‪:‬‬
‫‪ - 1‬قال الجمهور (الحنفية‪ ،‬والظهر عند الشافعية‪ ،‬وأصح الروايتين عند الحنابلة‪ ،‬وبعض المالكية‬
‫كابن الماجشون وابن حبيب) (‪ : )3‬يأكل المضطر للغذاء‪ ،‬ويشرب للعطش‪ ،‬ولو من حرام أو ميتة و‬
‫مال غيره‪ ،‬مقدار ما يدفع الهلك عن نفسه أو يؤمن معه الموت‪ :‬وهو مقدار ما يتمكن به من الصلة‬
‫قائما‪ ،‬ومن الصوم‪ ،‬وهو لقيمات معدودة‪ ،‬ويمتد ذلك من حالة عدم القوت إلى حالة وجوده‪ .‬لقوله‬

‫تعالى‪{ :‬فمن اضطر غير باغ ولعاد‪ ،‬فل إثم عليه} [البقرة‪ )4( ]173/2:‬ولن (ما جاز للضرورة‬
‫يتقدر بقدرها) ويكون المضطر بعد سد الرمق غير مضطر‪ ،‬فلم يحل له الكل‪ ،‬فيصير بعد سد رمقه‬
‫كما كان قبل أن يضطر‪ ،‬وحينئذ لم يبيح له الكل‪ ،‬فكذا بعد زوال حالة الضرورة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تفسير ابن كثير‪.205/1 :‬‬
‫(‪ )2‬كذا قال‪ ،‬وقد عرفنا أن هناك خلفا في المسألة‪.‬‬
‫(‪ )3‬رد المحتار‪ ،238/5 :‬المهذب‪ ،250/1 :‬كشاف القناع‪ ،194/6 :‬المغني‪ ،597 ،595/8 :‬مغني‬
‫المحتاج‪.307/4 :‬‬
‫(‪ )4‬أي غير متجاوز حد الضرورة‪ ،‬ول باغ في الكل بما يزيد عن حاجته‪.‬‬

‫( ‪)4/165‬‬
‫‪ - 2‬وقال المالكية على المعتمد (‪ : )1‬يجوز للمضطر التناول من الحرام حتى يشبع‪ ،‬وله التزود‬
‫(ادخار الزاد) من الميتة ونحوها‪ ،‬إذا خشي الضرورة في سفره‪ ،‬فإذا استغنى عنها طرحها‪ ،‬لنه ل‬
‫ضرر في استصحابها‪ ،‬ول في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته‪ ،‬ولكن ل يأكل منها إل عند‬
‫ضرورته‪.‬‬
‫ودليلهم أن الضرورة ترفع التحريم‪ ،‬فتعود الميتة جميعها ونحوها مباحة لظاهر قوله تعالى‪ { :‬فمن‬
‫اضطر غير باغ ول عاد } [البقرة‪ .]173/2:‬ومقدار الضرورة إنما هو في حالة عدم القوت إلى حالة‬
‫وجوده‪ ،‬ولن كل طعام يباح‪ ،‬جاز أن يأكل منه النسان قدر سد الرمق‪ ،‬جاز له أن يشبع منه كالطعام‬
‫الحلل‪.‬‬
‫هذا إذا كانت المخمصة نادرة في وقت ما‪ ،‬فإن كانت المجاعة عامة مستمرة‪ ،‬فل خلف بين العلماء‬
‫في جواز الشبع من الميتة ونحوها من سائر المحظورات‪.‬‬
‫ويتفق الشافعية‪ ،‬والحنابلة في أصح الروايتين (‪ )2‬مع المالكية في جواز التزود من المحرّمات‪ ،‬ولو‬
‫رجا الوصول إلى الحلل‪ .‬ويبدأ وجوبا بلقمة حلل ظفر بها‪ ،‬فل يجوز له أن يأكل من الحرام حتى‬
‫يأكلها لتتحقق الضرورة‪.‬‬
‫وصرح الشافعية‪ :‬لو عمّ الحرام الرض بحيث ل يوجد فيه حلل إل نادرا‪ ،‬جاز استعمال ما يحتاج‬
‫إليه‪ ،‬ول يقتصر على الضرورة‪ ،‬بل على الحاجة‪ .‬وعلل العز بن عبد السلم (‪ )3‬جواز تناول الحرام‬
‫حينئذ‪ ،‬دون أن يقتصر على الضرورات بقوله‪ :‬لن المصلحة العامة كالضرورة الخاصة‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،462/1 :‬أحكام القرآن لبن العربي‪ ،55/1 :‬الشرح الكبير‪ 116/2 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،173‬تفسير القرطبي‪ 226/2 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،307/4 :‬المغني‪ ،597/8 :‬كشاف القناع‪.194/6 :‬‬
‫(‪ )3‬قواعد الحكام‪.160/2 :‬‬

‫( ‪)4/166‬‬
‫سابعا ـ حكم أخذ طعام قهرا للضرورة ‪:‬‬
‫ل خلف بين الفقهاء (‪ )1‬في أنه يجب على مالك الطعام أو المال‪ ،‬إذا لم يكن مضطرا إليه في الحال‪،‬‬
‫أن يبذله إلى المحتاج إليه بقيمته‪ ،‬ليدفع عنه أذى الجوع أو العطش أو الحر أو البرد أو الضرر الذي‬
‫قد يلحق به‪ .‬فإن امتنع أو طلب أكثر من ثمن المثل‪ ،‬فيجوز قتاله ولو كان مسلما؛ لخذه جبرا عنه؛‬
‫لن المسلمين متكافلون متعاونون على السراء والضراء‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وتعاونوا على البر والتقوى‪،‬‬
‫ول تعاونوا على الثم والعدوان} [المائدة‪ ،]2/5:‬ولن امتناع مالك المال أو الطعام من بذله للمضطر‬
‫إليه إعانة على قتله‪ ،‬وقد ورد‪« :‬من أعان على قتل امرئ مسلم‪ ،‬ولو بشطر كلمة‪ ،‬جاء يوم القيامة‬
‫مكتوبا بين عينيه‪:‬آيس من رحمة ال » (‪ . )2‬وقد ذم ال على منع ذلك مطلقا بقوله تعالى‪{ :‬ويمنعون‬
‫الماعون} [الماعون‪.]7/107:‬‬
‫ول يجوز للمضطر في هذه الحالة أن يأكل الميتة‪ ،‬لنه غير مضطر‪ ،‬والتزامه بدفع قيمة الطعام أمر‬
‫مقرر شرعا؛ لن الباحة للضطرار ل تنافي الضمان (‪ . )3‬وتنص القاعدة‪ ( :‬الضطرار ل يبطل‬
‫حق الغير )‪.‬‬
‫وأما في حال المجاعة العامة فل يلزم المرء ببذل الطعام للمضطرين؛ لن الضرر ل يزال بالضرر (‬
‫‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار‪ ،238/5 :‬الموافقات‪ ،352/2 :‬الشرح الكبير‪ 116/2 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،205/1‬المهذب‪ ،250/1 :‬كشاف القناع‪ ،195/6 :‬غاية المنتهى‪ ،316/1 :‬المغني‪ ،602/8 :‬الطرق‬
‫الحكمية‪ :‬ص ‪ ،26‬ط السنة المحمدية‪ ،‬الحسبة لبن تيمية‪ :‬ص ‪ ،40‬القواعد لبن رجب‪ :‬ص ‪.227‬‬
‫(‪ )2‬رواه ابن ماجه عن أبي هريرة‪ ،‬وهو حديث ضعيف‪.‬‬
‫(‪ )3‬شرح المجلة للتاسي‪ :‬ص ‪ 76‬ومابعدها‪ ،‬للمحاسني‪ :‬ص ‪ 60‬ومابعدها‪ ،‬الفروق‪195/1 :‬‬

‫ومابعدها‪ ،9/4 ،‬حاشية الجمل على المنهج‪ ،‬القواعد لبن رجب‪ :‬ص ‪ ،286 ،36‬القواعد والفوائد‬
‫لبن اللحام الحنبلي‪ :‬ص ‪.43‬‬
‫(‪ )4‬كشاف القناع‪.198/6 :‬‬

‫( ‪)4/167‬‬
‫ثامنا ـ حالت خاصة للضرورة أو الحاجة ‪:‬‬
‫هناك حالت خاصة بالمار ببستان الغير والكل من الزرع أو الفاكهة‪ ،‬والمار بماشية الغير‪ ،‬هل‬
‫يجوز التناول منه أو ل؟‬
‫‪ ً 1‬ـ الكل من ثمار البساتين ‪:‬‬
‫من مر في طريقه ببستان فيه أشجار مثمرة‪ ،‬فله أن يأكل من فاكهته الرطبة ولو كان هناك حائط عند‬
‫الضرورة بشرط الضمان أي دفع القيمة‪.‬‬
‫فإن لم يكن هناك ضرورة للكل‪ ،‬فل يجوز للمار عند جمهور الفقهاء (‪ )1‬أن يأخذ منه شيئا بغير إذن‬
‫صاحبه‪ ،‬كما ل يجوز له أن يحمل معه شيئا؛ لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يحل مال امرئ مسلم‬
‫إل بطيب نفسه» (‪ )2‬وقوله عليه السلم‪« :‬إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم‬
‫هذا» (‪ )3‬وهذا الرأي أنزه وأورع وأحوط دينا‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )4‬يجوز في حال الجوع والحاجة لمن مر بثمرة أن يأكل منها‪ ،‬ول يحمل‪ .‬قال‬
‫أحمد‪ :‬إذا لم يكن للبستان حائط‪ ،‬يأكل النسان منها إذا كان جائعا‪ ،‬وإذا لم يكن جائعا‪ ،‬فل يأكل‪ .‬وقد‬
‫فعله غير واحد من أصحاب النبي صلّى ال عليه وسلم فإذا كان عليه حائط لم يأكل‪ ،‬لنه قد صار‬
‫شبه الحريم‪ ،‬ولقول ابن عباس‪« :‬إن كان عليها حائط فهو حريم‪ ،‬فل تأكل‪ ،‬وإن لم يكن عليها حائط‪،‬‬
‫فل بأس» ‪ ،‬ولن إحراز الثمار بالحائط يدل على شح صاحبه به‪ ،‬وعدم المسامحة فيه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار‪ ،238/5 :‬المهذب‪ ،251/2 :‬الميزان للشعراني‪.59/2 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الحاكم وابن حبان في صحيحهما عن أبي حميد الساعدي بلفظ‪« :‬ل يحل لمرئ أن يأخذ‬
‫عصا أخيه بغير طيبة نفسه منه» ‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم‪ .‬وروى مسلم عن أبي هريرة‪« :‬كل المسلم على المسلم حرام ‪ :‬دمه وماله‬
‫وعرضه» ‪.‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪.597/8 :‬‬

‫( ‪)4/168‬‬
‫والدليل على جواز الكل للحاجة في حال عدم وجود حائط للبستان قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ما‬
‫أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنة (‪ ، )1‬فل شيء عليه‪ ،‬ومن أخرج منه شيئا‪ ،‬فعليه غرامة‬
‫مثليه‪ ،‬والعقوبة» (‪ )2‬وقوله أيضا‪« :‬إذا أتيت على حائط ـ أي بستان ـ فناد صاحب البستان ثلثا‪،‬‬
‫فإن أجابك ‪ ،‬وإل فكل‪ ،‬من غير أن تفسد» (‪ . )3‬وروي عن أبي زينب التميمي‪ ،‬قال‪« :‬سافرت مع‬
‫أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي بردة‪ ،‬فكانوا يمرون بالثمار‪ ،‬فيأكلون في أفواههم» وهو‬
‫قول عمر وابن عباس وأبي بردة‪ ،‬قال عمر‪« :‬يأكل ول يتخذ خبنة» (‪. )4‬‬
‫وهناك رواية أخرى عن المام أحمد أنه أجاز الكل من ثمار البساتين غير المحوطة مطلقا‪ ،‬سواء‬
‫أكان المار جائعا‪ ،‬أم ل‪ .‬جاء في متن القناع وكشاف القناع (‪ : )5‬من مر بثمر على شجر بستان‪ ،‬أو‬
‫مر بثمر ساقط تحت الشجر‪ ،‬ل حائط عليه‪ ،‬ول ناظر(حافظ) ولو كان المار به غير مسافر ول‬
‫مضطر‪ ،‬فله أن يأكل منه مجانا‪ ،‬ولو لغير حاجة إلى أكله‪ ،‬وكذا لو أكله من غصونه من غير رميه‬
‫بشيء ول ضربه‪ ،‬ول صعود شجرة‪ ،‬لحديث الخدري السابق‪« :‬إذا أتيت حائط بستان‪ . »..‬والحقيقة‬
‫أن هذا كان سائدا بحسب العرف القائم بين الناس‪ ،‬فإنهم كانوا‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الخبنة‪ :‬ما تحمله في حضنك‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر‪ ،‬وقال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن غريب‪ ،‬ل نعرفه إل‬
‫من حديث يحيى بن سليم‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري‪ ،‬ورجاله ثقات‪ .‬وروى سعيد عن الحسن عن سمرة‬
‫مثله‪.‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪.598/8 :‬‬
‫(‪ )5‬كشاف القناع‪ 198/6 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/169‬‬
‫يتسامحون عادة في الكل للمار‪ ،‬وفي تناول الثمار الساقطة بل إذن صاحبها‪ ،‬إل إذا كان قائما‬
‫بالتقاطها‪ ،‬أو نهى الناس عن التناول منها (‪. )1‬‬
‫‪ ً 2‬ـ الكل من الزرع ‪:‬‬

‫روي عن أحمد روايتان فيمن مر بزرع الغير‪ ،‬فأراد الكل منه (‪ ، )2‬أي للحاجة‪:‬‬
‫إحداهما ـ قال‪ :‬ل يأكل‪ ،‬إنما رخص في الثمار ليس في الزرع‪ ،‬وقال‪ :‬ما سمعنا في الزرع أن يمس‬
‫منه‪ .‬والفرق بين الثمر والزرع‪ :‬أن الثمار خلقها ال تعالى للكل رطبة‪ ،‬والنفوس تتوق إليها‪ ،‬أما‬
‫الزرع فهو بخلف ذلك‪.‬‬
‫والثانية ـ قال‪ :‬يأكل من الفريك؛ لن العادة جارية بأكله رطبا‪ ،‬فأشبه الثمر‪.‬‬
‫قال ابن قدامة‪ :‬والولى في الثمار وغيرها أل يأكل منها إل بإذن صاحبها لما فيه من الخلف‬
‫والخبار الدالة على التحريم‪.‬‬
‫‪ ً 3‬ـ حلب ماشية الغير ‪:‬‬
‫عن أحمد أيضا روايتان في حلب لبن الماشية (‪: )3‬‬
‫إحداهما ـ يجوز ـ أي للمحتاج ـ أن يحلب ويشرب من ماشية الغير‪ ،‬ولكن ل يحمل معه شيئا‪،‬‬
‫لحديث سمرة‪« :‬إذا أتى أحدكم على ماشية‪ ،‬فإن كان فيها صاحبها‪ ،‬فليستأذنه‪ ،‬فإن أذن‪ ،‬فليحلب‬
‫وليشرب‪ ،‬وإن لم يكن فيها‪ ،‬فليصوت ثلثا‪ ،‬فإن أجابه أحد‪ ،‬فليستأذنه‪ ،‬وإن لم يجبه‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشباه والنظائر للسيوطي‪ :‬ص ‪.81‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.599/8 :‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪.599/8 :‬‬

‫( ‪)4/170‬‬
‫أحد‪ ،‬فليحلب وليشرب‪ ،‬وليحمل» (‪. )1‬‬
‫والثانية ـ ل يجوز له أن يحلب ول يشرب‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل يحلبن أحد ماشية أحد‬
‫إل بإذنه‪ ،‬أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته‪ ،‬فتكسر خزانته‪ ،‬فَيُنْ َتقَل ُطعامه‪ ،‬فإنما تَخْزُن ُلهم ضروع‬
‫مواشيهم أطعمتهم‪ ،‬فل يحلبن أحد ماشية أحد إل بإذنه» ‪ ،‬وفي لفظ‪« :‬فإن ما في ضروع مواشيهم‪،‬‬
‫مثل ما في مشاربهم» (‪. )2‬‬
‫المطلب الرابع ـ إجابة الولئم‪ ،‬وموائد المنكر‪ ،‬وآداب الطعام ‪:‬‬
‫أولً ـ إجابة الولئم وموائد المنكر ‪:‬‬
‫إجابة الوليمة مشروعة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬شر الطعام‪ :‬طعام الوليمة‪ ،‬يُمنعها من يأتيها‪،‬‬
‫ويدعى إليها من يأباها‪ ،‬ومن ل يجب الدعوة‪ ،‬فقد عصى ال ورسوله» (‪ )3‬ول خلف في أن وليمة‬

‫العرس سنة مشروعة لقول النبي صلّى ال عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج‪« :‬أولم ولو‬
‫بشاة» (‪ . )4‬والمنصوص لدى أصحاب الشافعي أنها واجبة‪ ،‬لهذا الحديث‪ .‬ومنهم من قال‪ :‬هي‬
‫مستحبة‪ ،‬لنه طعام لحادث سرور‪ ،‬فلم تجب كسائر الولئم‪ .‬وهذا قول أكثر العلماء (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه بين البخاري ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم عن أبي هريرة‪ ،‬ورواه الباقون إل الترمذي موقوفا عن أبي هريرة بلفظ‪« :‬شر الطعام‬
‫طعام الوليمة يدعى إليها الغنياء ويترك الفقراء‪ ،‬ومن لم يجب الدعوة فقد عصى ال ورسوله»‬
‫(نصب الراية‪.)221/4 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة عن أنس بن مالك‪.‬‬
‫(‪ )5‬المغني‪.2/7 :‬‬

‫( ‪)4/171‬‬
‫وإجابة الدعوة سنة عند الحنفية (‪ ، )1‬وتجب الجابة إذا لم يكن فيها منكر أو لهو عند الشافعية‬
‫والحنابلة (‪. )2‬‬
‫وتجب الجابة لوليمة النكاح عند المالكية وفاقا للشافعية والحنابلة (‪ ، )3‬وتستحب إجابة ما يفعله‬
‫الرجل بخواص إخوانه توددا‪ .‬وتجوز إجابته كدعوة العقيقة‪ ،‬وتكره إجابته‪ :‬وهو ما يفعل للفخر‬
‫والمباهاة‪ .‬وتحرم إجابته‪ :‬وهو ما يفعله الرجل لمن تحرم عليه هديته كالغريم (الدائن)‪ ،‬وأحد‬
‫الخصمين للقاضي‪ .‬وهذا تفصيل حسن لدى المالكية‪.‬‬
‫والمستحب لمن فرغ من الطعام أن يدعو لصاحب الطعام‪ ،‬لما روى ابن ماجه عن عبد ال بن الزبير‬
‫رضي ال عنه‪ ،‬قال‪« :‬أفطر رسول ال صلّى ال عليه وسلم عند سعد بن معاذ رضي ال عنه ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫أفطر عندكم الصائمون‪ ،‬وصلت عليكم الملئكة‪ ،‬وأكل طعامكم البرار» ‪.‬‬
‫مانع المنكر من إجابة الدعوة ‪:‬‬
‫إن علم المدعو بوجود منكر كلعب وغناء ومل ٍه ونصب تماثيل وصور مجسمة على الحيطان أو‬
‫الستار أو الوسائد‪ ،‬قبل حضوره‪ ،‬فل يحضر‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ليكونن من أمتي أقوام‬
‫يستحلون الخمر والخنزير والخزّ والمعازف» (‪ . )4‬وفي لفظ‪« :‬ليشربن ناس من أمتي الخمر‬
‫يسمونها بغير اسمها‪ ،‬يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات (‪ ، )5‬يخسف ال بهم الرض‪،‬‬

‫ويجعل منهم القردة والخنازير » (‪. )6‬‬
‫وإن حضر المدعو‪ ،‬ففوجئ بالمنكر‪ :‬فإن كان على المائدة كالخمر‪ ،‬فل يقعد‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فل تقعد‬
‫بعد الذكرى مع القوم الظالمين} [النعام‪.]68/6:‬‬
‫وروى أبو داود وابن ماجه والحاكم عن ابن عمر‪« :‬نهى رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن الجلوس‬
‫على مائدة يشرب عليها الخمر‪ ،‬وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه» ‪.‬‬
‫وإن كان في المنزل‪ ،‬ل على المائدة الجالس عليها‪:‬‬
‫فإن قدر على المنع‪ ،‬منعهم‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من رأى منكم منكرا فليغيره بيده‪ ،‬فإن لم‬
‫يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه‪ ،‬وذلك أضعف اليمان» (‪ . )7‬وإن لم يقدر على المنع‪ :‬فإن كان‬
‫قدوة‪ ،‬خرج ولم يقعد؛ لن في ذلك شين الدين‪ ،‬وفتح باب المعصية على المسلمين‪.‬‬
‫وإن لم يكن قدوة‪ ،‬صبر‪ ،‬وقعد‪ ،‬وأكل‪ ،‬ول يخرج؛ لن إجابة الدعوة سنة (‪. )8‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكملة الفتح‪ ،87/8 :‬تبيين الحقائق‪.13/6 :‬‬
‫(‪ )2‬المهذب‪ ،64/2 :‬المغني‪ ،2/7 :‬مغني المحتاج‪.245/3 :‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،194‬المهذب‪ ،65-64/2 :‬غاية المنتهى‪ ،77/3 :‬الشرح الصغير‪500/3 :‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه البخاري وأبو داود عن عبد الرحمن بن غُنْم (نيل الوطار‪ )92/2 :‬والخز‪ :‬هو المخلوط‬
‫من صوف وحرير‪.‬‬
‫(‪ )5‬اختلف في الغناء المجرد عن اللت أو المعازف‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬إنه حرام مطلقا‪ ،‬والستماع إليه‬
‫معصية‪ ،‬لطلق هذين الحديثين‪ ،‬ولو سمع بغتة فل إثم عليه‪ .‬ومنهم من قال‪ :‬ل بأس بالتغني ليستفيد‬
‫فهم القوافي والفصاحة‪ .‬ومنهم من قال‪ :‬يجوز التغني لدفع الوحشة إذا كان وحده‪ ،‬ول يكون على‬
‫سبيل اللهو‪ ،‬وهو رأي السرخسي‪ .‬ولو كان في الشعر حكم أو عبر أو فقه أو ذكر امرأة غير معينة‪،‬‬
‫ل يكره (تبيين الحقائق‪ )14/6 :‬وقال الشافعية‪ :‬يكره الغناء من غير آلة مطربة‪ ،‬ويحرم استعمال‬
‫اللت المطربة من غير غناء (المهذب‪326/2 :‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )6‬رواه ابن ماجه والبيهقي عن أبي مالك الشعري‪.‬‬
‫(‪ )7‬رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري‪.‬‬
‫(‪ )8‬تكملة الفتح‪ ،‬تبيين الحقائق‪ ،‬المكان السابق‪ ،‬المهذب‪ ،64/2 :‬مغني المحتاج‪.247/ 3 :‬‬

‫( ‪)4/172‬‬

‫ثانيا ـ آداب الطعام والشراب ‪:‬‬
‫ورد في السنة آداب كثيرة للطعام والشراب منها ما يأتي (‪: )1‬‬
‫يسن للكل أو الشرب البسملة عند أول الطعام‪ ،‬والحمدلة آخره‪ ،‬وللكل غسل اليدين قبله وبعده بأن‬
‫يقول‪ :‬بسم ال الرحمن الرحيم‪ ،‬فإن نسي البسملة فليقل‪ :‬بسم ال على أوله‪ ،‬وعلى آخره‪ .‬ويرفع‬
‫الصوت بها لتلقين من معه‪ ،‬ول يرفع بالحمد إل إذا فرغ الحضور من الكل‪ ،‬فيقول‪« :‬الحمد ل حمدا‬
‫كثيرا طيبا مباركا فيه» (‪ )2‬أو ‪« :‬الحمد ل الذي أطعمني وسقاني من غير حول مني ول قوة» ‪.‬‬
‫ويستحب الكل والشرب باليمين‪ ،‬ودليل ما سبق قول النبي صلّى ال عليه وسلم لعمر بن أبي مسلمة‪:‬‬
‫«بسم ال ‪ ،‬وكل بيمينك‪ ،‬وكل مما يليك» (‪ )3‬وقوله عليه السلم‪« :‬إذا أكل أحدكم‪ ،‬فليأكل بيمينه‪ ،‬وإذا‬
‫شرب‪ ،‬فليشرب بيمينه‪ ،‬فإن الشيطان يأكل بشماله‪ ،‬ويشرب بشماله» (‪ . )4‬والكل مما يليه من‬
‫موضع واحد‪ ،‬إل أن يكون طبقا فيه ألوان الثمار‪ ،‬فيأكل من حيث شاء‪ ،‬لنه ألوان‪ ،‬كما ورد في‬
‫الثر‪.‬‬
‫ويستحب الكل بثلث أصابع لما ثبت عن النبي (‪. )5‬والتقليل من الكل فيجعل ثلثا للطعام‪ ،‬وثلثا‬
‫للشراب‪ ،‬وثلثا لل ّنفَس‪ .‬وترك التبسط في الطعام‪ ،‬كما هو خلُق السلف‪ .‬وأل يأكل متكئا (‪ ، )6‬وقال‬
‫الحنفية‪ :‬ل بأس به‪ .‬وأل ينفخ في‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،239/5 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 436‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،310/4 ،205/3‬المغني‪.616-614/8 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد والشيخان وابن ماجه وأبو داود عن عمر بن أبي سَلَمة (نيل الوطار‪.)161/8 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه عن ابن عمر (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)160/8‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد عن كعب بن مالك‪.‬‬
‫(‪ )6‬روى الجماعة إل مسلما والنسائي عن أبي جحيفة قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«أما أنا فل آكل متكئا» (نيل الوطار‪.)161/8 :‬‬

‫( ‪)4/173‬‬

‫الطعام ول في الشراب‪ ،‬ول يتنفس في الناء‪ .‬وأن يوافق من يأكل معه في تصغير اللقم‪ ،‬وإطالة‬
‫المضغ‪ ،‬والتمهل في الكل‪ ،‬وأل يشرب من فم الناء‪ .‬ويجوز الشرب قائما‪ ،‬والفضل القعود‪ .‬وإذا‬
‫كان جماعة يدار عليهم ماء الشرب‪ ،‬يأخذ بعد الول‪ :‬اليمن فاليمن‪.‬‬
‫ويسن تناول الحلو من الطعمة‪ ،‬وكثرة اليدي على الطعام‪ ،‬وإكرام الضيف‪ ،‬والحديث الحسن القليل‬
‫على الكل‪ ،‬ويكره السكوت‪ ،‬لنه تشبه بالمجوس‪.‬‬
‫ويكره ذم الطعام إذا كان الطعام لغيره‪ ،‬لما فيه من اليذاء‪ ،‬فإن كان له فل‪.‬‬
‫ويسن أن يأكل من أسفل الصحفة‪ ،‬ويكره من أعلها‪ ،‬أو وسطها‪ ،‬فإن البركة تنزل في وسطها (‪. )1‬‬
‫ومن السنةالبداءة بالملح والختم به؛ لن فيه شفاء من سبعين داء‪ .‬ويبسط رجله اليسرى‪ ،‬وينصب‬
‫اليمنى‪ ،‬ول يأكل الطعام حارا‪ ،‬ول يشمه‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ الشربة ‪:‬‬
‫البحث هنا في الشربة يتناول حكم الحرام والحلل منها‪ ،‬والنتباذ في الظروف والواني‪ ،‬وتخليل‬
‫الخمر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫«البركة تنزل في وسط الطعام‪ ،‬فكلوا من حافتيه‪ ،‬ول تأكلوا من وسطه» (نيل الوطار‪.)160/8 :‬‬

‫( ‪)4/174‬‬
‫أولً ـ حكم الشربة ‪:‬‬
‫اتفق العلماء على أن الصل في الشربة والطعمة الباحة‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬هو الذي خلق لكم ما في‬
‫الرض جميعا} [البقرة‪ ]29/2:‬فكل ما نزل من السماء أو نبع من الرض‪ ،‬أو عصر من التمر‬
‫والزهر فهو حلل‪ .‬واتفقت المذاهب (المفتى به ـ وهو رأي محمد ـ عند الحنفية‪ ،‬وغير الحنفية) (‬
‫‪ )1‬على تحريم جميع الشربة المسكرة‪ ،‬قليلها وكثيرها‪ ،‬نيئها ومطبوخها‪ ،‬سواء أكانت خمرا (وهي‬
‫عصير العنب المتخمر) أم غيرها من الشربة الخرى المتخذة من الزبيب أو التمر أو العسل والتين‪،‬‬
‫أو الحبوب كالقمح والشعير والذرة‪ ،‬ونحوها‪ ،‬ويحد كما سأوضح في بحث الحدود شارب القليل أو‬
‫الكثير منها عند غير الحنفية‪ ،‬ول يحد إل بالسكر من الشربة غير الخمر‪ ،‬أو بشرب القليل أو الكثير‬
‫من الخمر عند الحنفية‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬كل مسكر خمر‪ ،‬وكل خمر حرام» (‪، )2‬‬
‫«أنهاكم عن قليل ما أسكر قليله» «ما أسكر كثيره‪ ،‬فقليله حرام» (‪« )3‬إن من العنب خمرا‪ ،‬وإن من‬

‫العسل خمرا‪ ،‬ومن الزبيب خمرا‪ ،‬ومن الحنطة خمرا‪ ،‬ومن التمر خمرا‪ ،‬وأنا أنهاكم عن كل مسكر» (‬
‫‪. )4‬‬
‫ويحرم جميع ما هو ضار من الشربة كالسم وغيره‪ ،‬وكل ما هو نجس كالدم المسفوح والبول‪ ،‬ولبن‬
‫الحيوان غير المأكول عدا النسان‪ ،‬وكل ما هو متنجس كالمائع الذي وقعت فيه نجاسة لما فيه من‬
‫الضرر على النسان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،117/5 :‬نتائج الفكار‪ 160/8 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ ،323/5 :‬اللباب‪ ،215/3 :‬بداية‬
‫المجتهد‪ 457/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير والدسوقي‪ ،352/4 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،174‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،187/4 :‬المهذب‪ ،286/2 :‬المغني‪ 304/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ 116/6 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم والدارقطني عن ابن عمر (نصب الراية‪.)295/4 :‬‬
‫(‪ )3‬روي عن تسعة من الصحابة (نصب الراية‪ 301/4 :‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد وأصحاب السنن إل النسائي عن النعمان بن بشير (التلخيص الحبير‪ :‬ص ‪.)359‬‬

‫( ‪)4/175‬‬
‫خلط الخمر بغيرها‪ :‬يحرم بالتفاق شرب الماء الممزوج بالخمر‪ ،‬لما فيه من ذرات الخمر‪ ،‬ويعزّر‬
‫الشارب‪ ،‬ويجب الحد إن كانت الخمر أكثر من الماء‪ ،‬لبقاء اسم الخمر ومعناها‪ .‬كما يحرم شرب‬
‫الخمر المطبوخة؛ لن الطبخ ل يحل حراما‪ ،‬ولو شربها يجب الحد‪ ،‬لبقاء اسم الخمر ومعناها (‪. )1‬‬
‫ويكره تحريما عند الحنفية أكل الخبز المعجون بالخمر‪ ،‬لوجود ذرات الخمرفيه‪ ،‬وفيه التعزير‪ .‬ويحرم‬
‫ذلك عند غير الحنفية‪ ،‬ول حد فيه عند الكل‪ ،‬والخلف في التسمية والصطلح فقط‪ .‬فما ثبت بدليل‬
‫ظني كالقياس وخبر الحاد يسميه الحنفية مكروها تحريما يعاقب فاعله‪ ،‬والجمهور يسمونه حراما‪.‬‬
‫سعُوط (ما‬
‫ويكره تحريما أيضا عند الحنفية (‪ )2‬الحتقان بالخمر (بأخذها حقنة شرجية) أو جعلها في َ‬
‫يصب في النف من دواء ونحوه)؛ لنه انتفاع بالمحرّم النجس‪ ،‬ولكن ل يجب الحد‪ ،‬لن الحد مرتبط‬
‫بالشّرْب‪.‬‬
‫سعُوط عند الشافعية والمالكية‪ .‬ول يحد بالحتقان بالخمر عند الحنابلة‪ ،‬لكن‬
‫كذلك ل يحد بالحتقان وال ّ‬
‫يحد إن استعط به‪ ،‬لنه أوصله إلى باطنه من حلقه (‪. )3‬‬
‫شعَر؛ لن فيه‬
‫ويكره تحريما عند الحنفية (‪ )4‬شرب دُ ْردِي الخمر (‪ ، )5‬والمتشاط به‪ ،‬ليزيد بريقَ ال ّ‬
‫ذرات الخمر المتناثرة فيه‪ ،‬وقليله ككثيره‪ ،‬للحاديث المتقدمة‪ .‬ولكن ل يحد شاربه إل إذا سكر منه‪،‬‬

‫لنه ل يسمى خمرا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المراجع السابقة‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،188/4 :‬المغني‪.306/8 :‬‬
‫(‪ )2‬تكملة فتح القدير‪.167/8 :‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير‪ ،352/4 :‬مغني المحتاج‪ ،‬المغني‪ :‬المكان السابق‪ ،‬كشاف القناع‪ ،118/6 :‬ويلحظ‬
‫أن المرجع الخير ذكر فيه‪ :‬أنه يحد من احتقن بالمسكر‪ ،‬أو استعط به‪.‬‬
‫(‪ )4‬تكملة الفتح‪.167/8 :‬‬
‫(‪ )5‬دردي الخمر‪ :‬أي كدره أو عكره‪ ،‬ودردي الشيء‪ :‬مايبقى أسفله‪ .‬فالمراد به‪ :‬مافي أسفل وعاء‬
‫الخمر من عكر‪.‬‬

‫( ‪)4/176‬‬
‫وقال غير الحنفية (‪ : )1‬يحرم شرب دردي الخمر‪ ،‬ويحد به‪ ،‬لنه خمر بل شك‪.‬‬
‫الدوية السامة‪ :‬قال الحنابلة (‪ )2‬في الصح‪ :‬ما فيه السموم من الدوية‪ :‬إن كان الغالب من شربه‬
‫واستعماله الهلك به أو الجنون‪ ،‬لم يبح شربه‪ .‬وإن كان الغالب منه السلمة‪ ،‬ويرجى منه المنفعة‪،‬‬
‫فالولى إباحة شربه‪ ،‬لدفع ما هو أخطر منه كغيره من الدوية‪ ،‬ولن كثيرا من الدوية يخاف منه‪،‬‬
‫وقد أبيح لدفع ما هو أضر منه‪.‬‬
‫المخدرات‪ :‬تحرم جميع المخدرات وهي كل ما يضر بالجسم والعقل كالبنج والفيون والحشيشة‬
‫ونحوها‪ ،‬لحديث أم سلمة رضي ال عنها قالت‪« :‬نهى رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن كل مسكر‬
‫ومفتّر» (‪ )3‬ولما فيها من الضرار بالعقل والجسم‪ ،‬ولما تؤدي إليه من تعطيل العمال والكسل‬
‫والسترخاء والخمول‪.‬‬
‫ما يستثنى من حكم المسكرات والمخدرات‪ :‬يباح تناول شيء من المسكر للضرورة كإزالة اللقمة‬
‫بالغصة إذا لم يوجد شراب آخر غير الخمر‪ ،‬ويباح التداوي بالدوية الممزوجة بالكحول للضرورة أو‬
‫الحاجة إذا لم يتوافر دواء آخر سواها‪ .‬ويحل استعمال المخدر في العمليات الجراحية وتسكين اللم‬
‫الشديدة بحقنة أو شرب أو ابتلع للضرورة‪.‬‬
‫غير المسكر‪ :‬يحل شرب كل الشربة غير المسكرة؛ لن الصل في الشياء الباحة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪.188/4:‬‬

‫(‪ )2‬المغني‪. 401/1:‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه أحمد وأبو داود‪.‬‬

‫( ‪)4/177‬‬
‫لكن يكره تحريما من غيرالمسكر (‪ : )1‬المنصّف‪ :‬وهو ما يعمل من تمر ورطب‪ ،‬والخليطان‪ :‬وهو‬
‫ما يعمل من بُسْر ورطب‪ ،‬أو تمر وزبيب‪ ،‬ما لم يغل‪ ،‬أو لم تأتِ عليه ثلثة أيام‪ ،‬فإن قصرت المدة‪،‬‬
‫فل كراهة‪ .‬فيباح النتباذ (طرح التمر أو الزبيب أو الحبوب في الماء) إذا بقي مدة يسيرة كيوم أو ليلة‬
‫ونحوها بحيث ل يحتمل توقع السكار فيها‪ ،‬بدليل ما روى أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن عباس‪ :‬أنه‬
‫كان ينقع الزبيب للنبي‪ ،‬فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الليلة الثالثة‪ ،‬ثم يأمر به فيهراق‪.‬‬
‫ودليل الكراهة‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى عن الخليطين‪ ،‬فقال‪« :‬ل تَنْبُذوا الزّهْو (‪)2‬‬
‫والرطب جميعا‪ ،‬ول تنبذوا الزبيب والرطب جميعا‪ ،‬ولكن انبذوا كل واحد منهما على حدته» (‪. )3‬‬
‫وعن أبي سعيد « أن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما‪ ،‬وعن التمر‬
‫والبسر أن يخلط بينهما يعني في النتباذ (‪. » )4‬‬
‫ولن السكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط‪ ،‬قبل أن يتغير‪ ،‬فيظن الشارب أنه ليس بمسكر‪ ،‬ويكون‬
‫مسكرا‪.‬‬
‫وصرح المالكية والحنابلة (‪ )5‬بأنه لبأس بال ُفقّاع ( وهو شراب يتخذ من قمح وتمر‪ ،‬وقيل‪ :‬ماجعل‬
‫فيه زبيب ونحوه حتى انحل فيه ) لنه غير مسكر‪ ،‬وإنما يتخذ‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير للدردير‪ ،117/2 :‬بداية المجتهد‪ 460/1 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪،174‬‬
‫مغني المحتاج‪ ،187/4 :‬كشاف القناع‪ ،120/6 :‬المغني‪.318/8 :‬‬
‫(‪ )2‬الزهو‪ :‬هو البسر الملون الذي بدأ فيه حمرة أو صفرة وطاب‪ .‬والبسر‪ :‬نوع من تمر النخل‬
‫معروف‪.‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه عن أبي قتادة ( نيل الوطار‪.)185/8 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد ومسلم ( نيل الوطار‪.) 185/8:‬‬
‫(‪ )5‬كشاف القناع‪ ،120/6 :‬المغني‪ ،318/8 :‬بداية المجتهد‪ ،459/1 :‬المنتقى على الموطأ‪.153/3 :‬‬

‫( ‪)4/178‬‬

‫لهضم الطعام‪ .‬ويحل عندهم شراب السوبيا‪ :‬وهو مايتخذ من الرز بطبخه طبخا شديدا حتى يذوب في‬
‫سكّر ليحلو به‪.‬‬
‫الماء‪ ،‬ويصفى ويوضع فيه ال ّ‬
‫ويحل عقيد العنب‪ :‬وهو ماء العنب المغلي حتى يعقد ويذهب إسكاره الذي حصل في ابتداء غليانه‪،‬‬
‫ويسمى الرّب الصامت‪ .‬ولتحل هذه الشربة إل إذا أمن السكر منها‪ .‬وبه يظهر أن الدبس ونحوه من‬
‫المربّيات مباح لعدم السكار‪.‬‬
‫ثانيا ـ النتباذ في الظروف والواني ‪:‬‬
‫اتفق العلماء على أنه يجوز النتباذ ( اتخاذ النبيذ المباح ) في الوعية المصنوعة من جلد‪ ،‬وهي‬
‫السقية‪ ،‬واختلفوا فيما عداها‪:‬‬
‫فقال الحنفية (‪ : )1‬لبأس بالنتباذ في جميع الظروف والواني‪ ،‬سواء الدّبّاء والحَنْتم والمُزفّت والنّقير‬
‫(‪ )2‬؛ لن الشراب الحاصل ليست فيه شدة مطربة‪ .‬والنهي عن النتباذ في هذه الوعية منسوخ بقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬كنت نهيتكم عن الشربة إل في ظروف الَدَم ـ الجلود المدبوغة ـ‬
‫فاشربوا في كل وعاء‪ ،‬غير أل تشربوا مسكرا » (‪ . )3‬وفي رواية‪ « :‬نهيتكم عن الظروف‪ ،‬وإن‬
‫ظرفا ليحل شيئا‪ ،‬وليُحرّمه‪ ،‬وكل مسكر حرام » (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكملة الفتح‪ ،166/8 :‬اللباب شرح الكتاب‪.216/3 :‬‬
‫(‪ )2‬الدباء‪ :‬القرعة اليابسة المجعولة وعاء‪ .‬والحنتم‪ :‬الجرار الخضراء المدهونة‪ .‬والمزفت‪ :‬الوعاء‬
‫المطلي بالزفت وهو القار‪ ،‬وهذا مما يحدث التغير في الشراب سريعا‪ .‬والنقير‪ :‬خشبة تنقر أو تحفر‬
‫كقصعة وقدح‪ ،‬وينبذ فيها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي عن بريدة ( نصب الراية‪ 308/4 :‬ومابعدها‪ ،‬نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)183/8‬‬
‫(‪ )4‬رواه الجماعة إل البخاري وأبا داود عن بريدة‪.‬‬

‫( ‪)4/179‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬يكره النتباذ في الدباء والمزفت فقط‪ ،‬وليكره في غير ذلك من الفخار وغيره‬
‫من الظروف وإن طالت المدة مالم يظن به السكار‪ .‬وعلة الكراهة خوف تعجيل السكار‪ ،‬لما ينبذ‬
‫فيها‪ ،‬إذ شأنها ذلك بخلف غيرها‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ )2‬كالحنفية‪ :‬يجوز النتباذ في الوعية كلها‪.‬‬

‫ثالثا ـ تخلل الخمر وتخليلها ‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء على أن الخمر إذا تخللت بنفسها‪ ،‬جاز أكلها‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬نعم الُدْم‬
‫الخل» (‪. )3‬‬
‫وإذا نقلت الخمر من الظل إلى الشمس أو بالعكس‪ ،‬ولو بقصد التخليل‪ ،‬حل الخل عند الحنفية‬
‫والشافعية والظاهرية‪ ،‬وفي احتمال عند الحنابلة؛ لن الشدة المطربة ( أي السكار) التي هي علة‬
‫النجاسة والتحريم‪ ،‬قد زالت من غير أن تعقب نجاسة في الوعاء‪ ،‬فتطهر‪.‬‬
‫ويحتمل في وجه آخر عند الحنابلة أل تطهر‪ ،‬لنها خللت بفعل‪ ،‬كما لو ألقي فيها شيء (‪. )4‬‬
‫ويعرف التخلل عند أبي حنيفة بالتغير من المرارة إلى الحموضة‪ ،‬بحيث ل يبقى فيها مرارة أصلً‪،‬‬
‫فلو بقي فيها بعض المرارة‪ ،‬ل يحل شربها؛ لن الخمر عنده ل تصير خلً إل بعد تكامل معنى الخلية‬
‫فيه‪ ،‬كما ل يصير العصير عنده خمرا إل بعد تكامل معنى الخمرية‪ ،‬كما سأذكر في حد الشرب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ ،117/2 :‬بداية المجتهد‪ ،460/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.174‬‬
‫(‪ )2‬شرح مسلم للنووي‪ ،158/13 :‬كشاف القناع‪ ،120/6 :‬المغني ‪.318/8‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الربعة عن جابر بن عبد ال ( نصب الراية‪.)310/4 :‬‬
‫(‪ )4‬انظر المبسوط‪ ،7/24:‬البدائع‪ 113/5 :‬ومابعدها‪ ،‬تكملة الفتح‪ ،166/8 :‬تبيين الحقائق‪،48/6 :‬‬
‫الدر المختار‪ ،320/5 :‬مغني المحتاج‪ ،81/1 :‬شرح المحلي على المنهاج‪ ،72/1 :‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ ،461/1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،175‬منتقى الموطأ‪ ،153/3 :‬المغني‪ ،319/8 :‬المحلى‪.117/1 :‬‬

‫( ‪)4/180‬‬
‫وقال الصاحبان‪ :‬تصير الخمر خلً بظهور قليل من الحموضة فيها‪ ،‬اكتفاء بظهور الخَلّية فيها‪ ،‬كما أن‬
‫العصير يصير خمرا بظهور دليل الخمرية عندهما‪ .‬ويظهر أن هذا هو رأي بقية الفقهاء‪.‬‬
‫وأما تخليل الخمر بعلج بإلقاء جسم غريب عنها كالملح أو الخل أو السمك أوالخبز الحار‪ ،‬أو البصل‪،‬‬
‫أو بإيقاد النار قربها‪ ،‬حتى صارت حامضا‪ ،‬فيجوز‪ ،‬ويحل شربها عند الحنفية‪ ،‬لنه إصلح‪،‬‬
‫والصلح مباح‪ ،‬قياسا على دبغ الجلد‪ ،‬فإن الدباغ يطهره‪ ،‬كما ثبت في السنة النبوية‪« :‬أيما إهاب‬
‫حلّ‬
‫دبغ‪ ،‬فقد طهر» (‪ . )1‬وقال صلّى ال عليه وسلم عن جلد الشاة الميتة‪« :‬إن دباغها يُحلّه‪ ،‬كما يُ ِ‬
‫خلّ الخمر» (‪ )2‬فأجاز النبي التخليل‪ ،‬كما ثبت حل الخل شرعا‪ ،‬بدليل قوله صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫َ‬
‫«خير خلكم خل خمركم» (‪ . )3‬والحديث السابق‪« :‬نعم الدمْ الخل» لم يفرق بين التخلل بنفسه‪،‬‬

‫والتخليل‪ ،‬فالنص مطلق ‪.‬‬
‫ولن التخليل يزيل الوصف المفسد‪ ،‬ويجعل في الخمر صفة الصلح‪ ،‬والصلح مباح‪ ،‬كما تقدم‪ ،‬لنه‬
‫يشبه إراقة الخمر‪.‬‬
‫وإذا صارت الخمر خلً‪ ،‬يطهر ما يجاورها من الناء‪ ،‬كما يطهر أعلى الناء (وهو الذي نقص منه‬
‫الخمر) تبعا‪.‬‬
‫وللمالكية في تخليل الخمر بمعالجة أقوال ثلثة‪ :‬قول بالمنع أو التحريم؛ لن النبي صلّى ال عليه‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن ابن عباس‪ .‬وأخرجه الدارقطني بإسناد حسن‬
‫عن ابن عمر‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه الدارقطني عن أم سلمة‪ ،‬وفي سنده ضعف (نصب الراية‪.)113/4 ،119/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه البيهقي في المعرفة عن جابر‪ ،‬وقال‪ :‬تفرد به المغيرة بن زياد‪ ،‬وليس بالقوي‪ .‬ويلحظ أن‬
‫أهل الحجاز يسمون خل العنب خل الخمر (نصب الراية‪.)311/4 :‬‬

‫( ‪)4/181‬‬
‫وسلم أمر بإراقة راوية خمر‪ ،‬أهداها له رجل (‪ ، )1‬ولو جاز تخليلها‪ ،‬لما أباح له إراقتها‪ ،‬ولنبهه على‬
‫تخليلها‪.‬‬
‫وقول بالجواز مع الكراهة؛ لن علة تحريم الخمر الشدة المطربة‪ ،‬فإذا زالت زال التحريم‪ ،‬كما لو‬
‫تخللت بنفسها‪.‬‬
‫وقول بالتفصيل‪ :‬يجوز تخليل الخمر الذي تخمر عند صاحبه‪ ،‬بدون قصد الخمرية‪ ،‬ول يجوز تخليل‬
‫الخمر المتخذة خمرا‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬ل يحل تخليل الخمر بالعلج‪ ،‬ول تطهر حينئذ؛ لننا مأمورون باجتنابها‪،‬‬
‫فيكون التخليل اقترابا من الخمر على وجه التموّل‪ ،‬وهو مخالف للمر بالجتناب‪ ،‬ولن الشيء‬
‫المطروح في الخمر يتنجس بملقاتها‪ ،‬فينجسها بعد انقلبها خلً‪ ،‬ولن الرسول صلّى ال عليه وسلم‬
‫أمر بإهراق الخمر بعد نزول آية المائدة بتحريمها‪ .‬وعن أبي طلحة‪ :‬أنه سأل النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم عن أيتام ورثوا خمرا‪ ،‬فقال‪« :‬أهرقها» قال‪« :‬أفل أخللها؟ قال‪ :‬ل» (‪ )2‬وهذا نهي يقتضي‬
‫التحريم‪ .‬ولو كان إلى استصلحها سبيل مشروع لم تجز إراقتها‪ ،‬بل أرشدهم إليه‪ ،‬لسيما وهي‬
‫ليتام‪ ،‬يحرم التفريط في أموالهم (‪. )3‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مالك في الموطأ وأحمد ومسلم والنسائي (نيل الوطار‪ )169/8 :‬والراوية‪ :‬المزادة من ثلثة‬
‫جلود يوضع فيها الماء‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه مسلم وأبو داود (نصب الراية‪.)311/4 :‬‬
‫(‪ )3‬راجع بحثي عن (الشربة) للموسوعة الفقهية بالكويت‪ ،‬أول بحث نشر من بين البحوث‪.‬‬

‫( ‪)4/182‬‬
‫المبحث الثالث ـ اللبس والستعمال والحلي ‪:‬‬
‫الصل في اللباس والزينة الحل والباحة‪ ،‬سواء في الثوب والبدن والمكان‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬هو الذي‬
‫خلق لكم ما في الرض جميعا} [البقرة‪ ]29/2:‬وقوله سبحانه‪{ :‬قل‪ :‬من حرم زينة ال التي أخرج‬
‫لعباده‪ ،‬والطيبات من الرزق‪[ }..‬العراف‪ ]32/7:‬وقوله عز وجل‪{ :‬يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا‬
‫يواري سوآتكم وريشا‪[ }..‬العراف‪ .]26/7:‬والريش كما قال ابن عباس‪ :‬كل ما ظهر من الثياب‬
‫والمتاع مما يلبس ويفرش‪.‬‬
‫ويحرم استعمال الذهب والفضة للرجال والنساء في النية ووسائل الكتابة والزينة وغيرها في غير‬
‫البيع والشراء باتفاق أئمة المذاهب (‪ ، )1‬فل يجوز الكل والشرب والدهان والكتحال والتطيبُ‬
‫والتوضؤ في آنية الذهب والفضة‪ ،‬كما ل يجوز استعمال الساعات والقلم وأدوات المكتب والمرايا‬
‫وأدوات الزينة الذهبية أو الفضية‪ ،‬ول يجوز تزيين البيوت والمجالس بالذهب و بالفضة؛ لقوله صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪« :‬ل تشربوا في آنية الذهب والفضة‪ ،‬ول تأكلوا في صحافهما (‪ ، )2‬فإنها لهم ـ أي‬
‫للمشركين ـ في الدنيا‪ ،‬ولكم في الخرة» (‪ )3‬وقوله‪« :‬الذي يشرب في إناء الفضة‪ ،‬إنما يجرجر في‬
‫بطنه نار جهنم» (‪. )4‬‬
‫والجرجرة‪ :‬صوت وقوع الماء في الجوف‪ .‬وحرم الشافعية والحنابلة خلفا للحنفية اتخاذ آنية الذهب‬
‫والفضة أي اقتناءها؛ لن اتخاذها يجر إلى استعمالها‪ ،‬وماحرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة‬
‫الستعمال‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬وظاهره حرمة التخاذ ولو للتجارة؛ لن آنية الذهب والفضة ممنوع من‬
‫استعمالها لكل أحد‪ ،‬بعكس الحرير‪ ،‬يجوز اتخاذه للتجارة فيه‪ ،‬لنه ليس ممنوعا من استعماله لكل‬
‫أحد‪.‬‬
‫ويستثنى من حرمة استعمال الذهب والفضة أمور للضرورة أو للحاجة‪:‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬انظر تكملة الفتح‪ ،82-81/8 :‬اللباب‪ 159/4 :‬ومابعدها‪ ،‬شرح الرسالة لبن أبي زيد القيرواني‪:‬‬
‫‪ ،373-371/2‬حاشية الباجوري على ابن قاسم‪ ،1//42 :‬المغني‪ ،78-75/1 :‬المهذب‪11/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬بجيرمي الخطيب‪ 294/3 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الصحاف جمع صحفة‪ ،‬والصحفة‪ :‬هي ما تشبع الخمسة‪.‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه بين الشيخين عن حذيفة بن اليمان (سبل السلم‪.)29/1 :‬‬
‫(‪ )4‬متفق عليه عن أم سلمة (نصب الراية‪ ،220/4 :‬سبل السلم‪. )30/1 :‬‬

‫( ‪)4/183‬‬
‫‪ - 1‬صناعة النف إذا قطع‪ ،‬والسنان إذا سقطت‪ ،‬يجوز عملها من الذهب أو الفضة‪ .‬وهذا رأي‬
‫الجمهور ومنهم محمد‪ ،‬وفي رواية عن أبي يوسف من الحنفية‪ .‬وقال أبو حنيفة‪ :‬ل تشد السنان‬
‫بالذهب‪ ،‬وتشد بالفضة‪ ،‬وأضاف الحنفية‪ :‬ل بأس بمسمار الذهب لتثبيت حجر فص الخاتم‪ ،‬لنه تابع‬
‫له‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬يحرم سن خاتم الذهب على الرجل وهي الشعبة التي يستمسك بها الفص‪.‬‬
‫‪ - 2‬طلء الدوات بالذهب أو الفضة إذا كان قليلً‪ :‬بأن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار‪ ،‬أو‬
‫الذي ل يخلص‪ ،‬أي ل يمكن فصل شيء مادي منه‪.‬‬
‫‪ - 3‬أجاز أبو حنيفة الشرب والوضوء في الناء المفضض (المزين بالفضة)‪ ،‬والركوب على السَرْج‬
‫المفضض‪ ،‬والجلوس على السرير المفضض‪.‬‬
‫وأجاز أيضا الناء المضبب (الذي لحم كسره) بالذهب والفضة‪ ،‬والكرسي المضبب بهما‪ ،‬وكذا إذا‬
‫جعل ذلك في السيف وحلقة المرآة‪ ،‬أو جعل المصحف مذهبا أو مفضضا‪ ،‬ومثل ذلك اللجام والركاب‪،‬‬
‫والثوب الذي كتب فيه بذهب أو فضة‪ .‬ول بأس بتحلية المصحف ونقش المسجد وزخرفته بماء الذهب‬
‫إذا كان المقصود بذلك تعظيمه‪ ،‬ويكره إذا كان بقصد الرياء‪ .‬وقال المالكية‪ :‬ل بأس بالفضة (ل‬
‫الذهب) في حلية الخاتم أو السيف والمصحف‪ ،‬ول يجعل ذلك في لجام ول سرج ول سكين ول في‬
‫غير ذلك‪ .‬وفي الجملة عندهم قولن بالمنع أو الكراهة في المموه بالذهب والفضة‪ ،‬وفي الناء‬
‫المضبب‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يحرم الناء المطلي بذهب أو فضة إن حصل من الطلء شيء بعرضه على النار‪،‬‬
‫ويحل إن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار‪ .‬ويحرم الناء المضبب (‪ )1‬بضَبة فضة كبيرة‬
‫عرفا لزينة‪ ،‬فإن كانت كبيرة للحاجة‪ ،‬جاز مع الكراهة‪ ،‬وإن كانت صغيرة عرفا لزينة كرهت‪ ،‬أما‬
‫لحاجة فل تكره بدليل ما رواه البخاري عن عاصم الحول قال‪« :‬رأيت قدح النبي عند أنس بن مالك‪،‬‬

‫وكان قد انصدع‪ ،‬فسلسله بفضة‪ . »..‬أما ضبة الذهب فتحرم مطلقا‪ ،‬كبيرة أو صغيرة لحاجة أو‬
‫لزينة‪ ،‬كلها أو بعضها‪ ،‬ولو كمكحلة‪.‬‬

‫( ‪)4/184‬‬
‫ويجوز تحلية المصحف بالفضة للرجل والمرأة‪ ،‬وتحلية آلة الحرب كالسيف والرمح والمنطقة بالفضة‬
‫للرجل لنها تغيظ الكفار‪ ،‬ول يحل ذلك للمرأة ول يجوز تحلية ما ل يلبسه الرجل من آلت الحرب‬
‫كالسرج واللجام‪.‬‬
‫وللمرأة تحلية المصحف بالذهب أيضا‪ .‬والتحلية‪ :‬وضع قطع رقيقة‪.‬‬
‫ويحرم تمويه السقوف والجدران بالذهب والفضة‪ ،‬سواء أمكن استخراج شيء منها بالعرض على‬
‫النار أم ل‪.‬‬
‫ويحرم تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب أو بالفضة‪ ،‬كما يحرم كسوتها بالحرير المزركش بالذهب‬
‫أو بالفضة‪.‬‬
‫وقال الحنابلة مثل الشافعية‪ :‬يحرم المضبب بضبة كثيرة من الذهب أو الفضة‪ ،‬لحاجة أو غيرها‪ .‬ول‬
‫يباح اليسير من الذهب إل للضرورة كأنف الذهب وما ربط به السنان‪ ،‬ويباح اليسير من الفضة؛‬
‫لحاجة الناس إليه‪.‬‬
‫وعلل الفقهاء حرمة استعمال الذهب والفضة بالسرف والخيلء‪ ،‬والصح في التعليل‪ :‬هو كون الذهب‬
‫والفضة أثمان الشياء‪ ،‬والنقد المتداول‪ ،‬فلو أبيح استعمالها لثّر ذلك في رواجهما في السواق‪ ،‬فيحل‬
‫الضطراب والقلق‪.‬‬
‫ويجوز استعمال غير آنية الذهب والفضة من الواني النفيسة كإناء ياقوت وزمّرد وزجاج وبلور‬
‫وعقيق وزبرجد ومرجان ولؤلؤ‪ ،‬ونحاس ورصاص‪ ،‬ونحو ذلك؛ لنها ليست في معنى الذهب‬
‫والفضة‪ ،‬والصل في الشياء الباحة‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم توضأ من إناء نحاس (‪. )2‬‬
‫لبس الحرير والتختم بالذهب والفضة ‪:‬‬
‫يحرم على الرجال لبس الحرير والتختم بالذهب‪ ،‬ويحل للنساء اللبس والتختم مطلقا والتحلي بالحلي‬
‫من الذهب والفضة (‪ ، )3‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬الذهب‬
‫‪------------------------------‬‬‫شعَبه وأصلحه‪.‬‬
‫(‪ )1‬يقال‪ :‬ضبب الناء والباب ونحوهما‪ :‬عمل له ضبّة‪ ،‬وأدخل بعضه في بعض‪ ،‬و َ‬
‫(‪ )2‬روى الشيخان عن عبد ال بن زيد قال‪« :‬أتانا رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فأخرجنا له ماء‬

‫في توْر من صُفْر‪ ،‬فتوضأ» وروى أبو داود عن عائشة قالت‪« :‬كنت أغتسل أنا ورسول ال صلّى ال‬
‫عليه وسلم في َتوْر من شَبَه» وتور‪ :‬إناء يشرب فيه‪ ،‬والصفر‪ :‬النحاس‪ ،‬والشبه‪ :‬أرفع النحاس‪.‬‬
‫(‪ )3‬تكملة الفتح‪ ،97- ،83/8 :‬اللباب‪ ،158-157/4 :‬تبيين الحقائق‪ 14/6 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪:‬‬
‫‪ ،255/5‬شرح الرسالة‪ 371/2 :‬ومابعدها‪ ،‬المنتقى على الموطأ‪ ،254/7 :‬المهذب‪ ،11/1 :‬بجيرمي‬
‫الخطيب‪ ،295 ،230-227/2 :‬نيل الوطار‪ ،83-81/2 :‬الدرر المباحة في الحظر والباحة للشيباني‬
‫النحلوي‪ :‬ص ‪ 24‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ ،279-275/2 :‬المغني‪.591-588/1 :‬‬

‫( ‪)4/185‬‬
‫حلّ لناث أمتي‪ ،‬حرام على ذكورها» (‪ )1‬وعن علي «نهى رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫والحرير ِ‬
‫عن التختم بالذهب» (‪ )2‬وعن ابن عباس « أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم رأى في يد رجل‬
‫خاتما من ذهب‪ ،‬فنزعه فطرحه‪ ،‬وقال‪ :‬يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» (‪ ، )3‬وقال‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إنما يلبس الحرير في الدنيا من ل خلق له في الخرة» (‪. )4‬‬
‫واستثنى أئمة المذاهب الخاتم الفضي للرجل‪ ،‬فأباحوا له لبسه والتختم به إذا كان قليلً‪ ،‬ومقداره عند‬
‫الحنفية‪ :‬بقدر مثقال (‪ 975،2‬غم) فما دونه‪ ،‬وعند المالكية‪ :‬إذا كان ل يزيد على درهمين بشرط‬
‫القتداء بالنبي صلّى ال عليه وسلم ‪ .‬والصواب عند الشافعية‪ :‬بما دون المثقال‪ .‬والمعول في ذلك‬
‫على العرف والعادة‪ ،‬سواء زاد عن مثقال أو نقص عنه‪ ،‬فمتى زاد على العادة حرم‪ .‬ويلبس في‬
‫خنصر اليد اليسرى‪ .‬ولو لِبسه في غير الخنصر جاز مع الكراهة عند الشافعية‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬ترك‬
‫التختم لغير السلطان والقاضي وذي الحاجة إليه أولى‪ ،‬والحاجة مثل الختم به‪.‬‬
‫ول يحل للرجال بحال كالخطبة والزواج التختم بخاتم الذهب‪ ،‬لنهي النبي صلّى ال عليه وسلم عنه‪.‬‬
‫ويشتد التحريم بقصد تقليد غير المسلمين‪.‬ول بأس أيضا عند الحنفية من استخدام المنطقة (ما ينتطق‬
‫به الرجل ويشد وسطه) وحلية السيف‪ ،‬من الفضة‪ ،‬كالخاتم‪ ،‬بشرط أل يضع يده على موضع الفضة‪،‬‬
‫لورود الثار في إباحة ذلك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن أبي شيبة عن زيد بن أرقم‪ ،‬وأخرجه الترمذي بلفظ آخر عن أبي موسى الشعري‪،‬‬
‫وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬ورويت أحاديث كثيرة في معناه (نصب الراية‪.)225-222/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة إل البخاري‪ .‬وقال عنه الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬ورواه ابن حبان في‬
‫صحيحه (نصب الراية‪.)235/4 :‬‬

‫(‪ )3‬رواه مسلم (نصب الراية‪.)225/4 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه الشيخان عن ابن عمر (نصب الراية‪.)222/4 :‬‬

‫( ‪)4/186‬‬
‫أما الخاتم‪ :‬فأخرج الئمة الستة عن أنس بن مالك‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم اتخذ خاتما‬
‫من فضة‪ ،‬له فص حبشي‪ ،‬ونقش فيه‪ :‬محمد رسول ال » ‪.‬‬
‫وفي السيف وردت عدة أحاديث‪ :‬منها مارواه أبو داود والترمذي عن أنس‪ ،‬قال‪ « :‬كانت قبيعة ـ‬
‫مقبض ـ سيف رسول ال صلّى ال عليه وسلم فضة » ‪.‬‬
‫وأما المنطقة‪ :‬ففي عيون الثر لبن سيد الناس اليعمري قال‪ « :‬وكان للنبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫منطقة من أديم منشور ثلث‪ ،‬حَلَقها وإبزيمها (‪ ، )1‬وطرفها فضة » (‪. )2‬‬
‫ولبأس عند أبي حنيفة بتوسد الحرير ( جعله وسادة أي مخدة )‪ ،‬وافتراشه والنوم عليه؛ لن ذلك‬
‫استخفاف به‪ ،‬فصار كالتصاوير على البساط‪ ،‬فإنه يجوز الجلوس عليه‪ .‬وقال الصاحبان‪ :‬يكره التوسد‬
‫والفتراش والجلوس على الحرير‪ ،‬لعموم النهي عنه‪ ،‬ولنه زي من ل خلق له من العاجم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البزيم‪ :‬الذي في رأس المنطقة‪ ،‬وما أشبهه‪ ،‬وهو ذو لسان يدخل فيه الطرف الخر‪.‬‬
‫(‪ )2‬راجع الثار الثلثة المذكورة في ( نصب الراية‪.)234 - 232/4 :‬‬

‫( ‪)4/187‬‬
‫ولبأس عند الصاحبين للضرورة بلبس الديباج ( وهو ماسداه ولحمته إبْريَسم أي أحسن الحرير ) في‬
‫الحرب؛ لن الحاجة ماسة إليه‪ ،‬فإنه يردّ الحديد بقوته‪ ،‬ويكون رعبا في قلوب العداء‪ ،‬وهو أهيب في‬
‫عين العدو لبريقه ولمعانه‪ .‬وعن الحكم بن عمير‪ ،‬قال‪ « :‬رخص رسول ال صلّى ال عليه وسلم في‬
‫لباس الحرير عند القتال » (‪ )1‬ويكره لبسه عند أبي حنيفة لعموم النهي‪ ،‬والضرورة تندفع بالمخلوط‪.‬‬
‫وأباح الحنفية في الحرب وغيرها لبس الثوب المختلط بالحرير ( المُ ْلحَم ) بأن كان سداه حريرا‬
‫ولحمته غير حرير كقطن أو كتان أو خز ( صوف مخلوط بحرير‪ :‬لحمته صوف‪ ،‬وسداه حرير )؛‬
‫لن الصحابة كانوا يلبسون الخز‪ ،‬والخز مسدّى بالحرير‪ ،‬ولن النسج باللحمة‪ ،‬فهي المعتبرة دون‬
‫السدى‪ .‬فإن انعكس المر بأن كانت لحمة الثوب حريرا‪ ،‬وسداه غير حرير‪ ،‬ليحل لبسه في غير‬
‫الحرب‪ ،‬ولبأس به في الحرب باتفاق الحنفية‪.‬‬

‫ويجوز عند الحنفية قليل الحرير‪ ،‬فالقليل عفو‪ :‬وهو مقدار ثلثة أو أربعة أصابع‪ ،‬كالعلم‪،‬‬
‫والمكفوف بالحرير‪ ،‬لما روى عمر‪ ،‬فقال‪ « :‬نهى رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن لبس الحرير‪،‬‬
‫إل موضع إصبعين أو ثلث أو أربع» (‪ . )2‬وكان النبي صلّى ال عليه وسلم يلبس جبة مكفوفة‬
‫بالحرير (‪. )3‬‬
‫ويجوز للضرورة لبس الحرير لستر عورة أو وقاية الجسم من الحر أو البرد حتى يجد غيره من‬
‫الثياب المباحة‪ ،‬لن الضرورات تبيح المحظورات‪ ،‬والضرورة تقدر بقدرها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن عدي في الكامل‪ ،‬وفيه ضعيف‪ ،‬وروي عن الشعبي‪ ،‬وهو غريب عنه ( نصب الراية‪:‬‬
‫‪.) 237/4‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه مسلم ( نصب الراية‪.) 225/4 :‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه مسلم عن عبد ال أبي عمر‪ ،‬مولى أسماء بنت أبي بكر‪ ،‬ورواه أبو داود‪ ،‬والبخاري أيضا‬
‫(نصب الراية‪.) 226/4 :‬‬

‫( ‪)4/188‬‬
‫ويباح للضرورة عند جمهور الفقهاء غير المالكية لبس الحرير لدفع أذى من َقمْل ونحوه‪ ،‬أو لدفع‬
‫مرض كجرب وغيره‪ ،‬بدليل أن النبي صلّى ال عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في‬
‫لبس الحرير لحكة كانت بهما (‪ . )1‬وقال المالكية‪ :‬ل يحل ولو لذاك‪ ،‬ويلحظ أن الحديث حجة‬
‫عليهم‪.‬‬
‫ويكره عند الحنفية للولي أن يلبس الصبيان الذكور الذهب والفضة والحرير؛ لن التحريم ثبت في حق‬
‫الذكور‪ ،‬وإذا حرم اللبس‪ ،‬حرم اللباس‪ ،‬كالخمر لما حرم شربه حرم سقيه‪.‬‬
‫وحرم الحنابلة في الصوب على الولي أن يلبس الصبي الحرير ‪ ،‬لعموم قول النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬حرّم لباس الحرير على ذكور أمتي وأحل لنسائهم» وروى أبو داود عن جابر قال‪« :‬كنا‬
‫ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري» ‪.‬‬
‫وحرم الجمهور غير الحنفية الجلوس على الحرير‪ ،‬أو الستناد عليه‪ ،‬أو توسده وستر الجدران به‪ ،‬إل‬
‫أن المالكية أجازوا ستر النافذة به‪ ،‬وأجاز الحنابلة ستر الكعبة به‪ ،‬وأباح الشافعية الجلوس على الحرير‬
‫بحائل (غطاء) كملءة من قطن أو صوف أو كتان أو نحوها‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬رواه الجماعة عن أنس إل لفظ الترمذي‪ :‬أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم ال َق ْملَ‪ ،‬فرخص لهما في ُقمُص الحرير‪ ،‬في غزاة لهما (نيل الوطار‪.)88/2 :‬‬

‫( ‪)4/189‬‬
‫ودليلهم على تحريم الجلوس على الحرير قول حذيفة‪« :‬نهانا النبي صلّى ال عليه وسلم أن نشرب في‬
‫آنية الذهب والفضة‪ ،‬وأن نأكل فيها‪ ،‬وعن لبس الحرير والديباج‪ ،‬وأن نجلس عليه» (‪. )1‬‬
‫وأجاز الجمهور غير الحنفية كالحنفية لبس القليل من الحرير كالعَلَم (‪ )2‬في الثوب الحريري المقدر‬
‫بأربع أصابع‪ ،‬ولكن عند المالكية يجوز لباس الخز (غير الخالص) مع الكراهة للباس السلف له‪.‬‬
‫ودليل الجمهور حديث عمر المتقدم‪ ،‬وحديث ابن عباس قال‪« :‬إنما نهى رسول ال صلّى ال عليه‬
‫صمَت من قَزّ (‪ . » )3‬قال ابن عباس‪« :‬أما السّدَى والعَلَم‪ ،‬فل نرى به بأسا» (‪)4‬‬
‫وسلم عن الثوب ال ُم ْ‬
‫‪.‬‬
‫والمنسوج من الحرير وغيره‪ :‬الحكم فيه عند الشافعية والحنابلة للغلب منهما فإن كان القطن ونحوه‬
‫هو الكثر‪ ،‬جاز؛ لن الحرير مستهلك في غيره‪ .‬وقال المالكية في الصوب‪ :‬يكره المختلط بغيره‪،‬‬
‫كالخالص‪ ،‬سواء أكانت المختلط يسيرا أم كثيرا‪.‬‬
‫ول يجوز في الصوب عند الحنابلة كالحنفية لولي الصبي أن يلبسه الحرير‪ .‬وأجاز الشافعية إلباس‬
‫الصبي أو المجنون حريرا؛ لنه غير مكلف‪ ،‬ولن خنوثة الحرير ل تتنافى مع الولد بعكس الرجال‪.‬‬
‫وكره تنزيها عند الحنفية للرجال لبس المعصفر والمزعفر‪ :‬الحمر والصفر‪ ،‬ول يكره للنساء‪ ،‬ول‬
‫بأس لهن بسائر اللوان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري (نيل الوطار‪.)85/2 :‬‬
‫(‪ )2‬أعلمت الثوب‪ :‬جعلت له علما من طراز وغيره‪ ،‬وهي العلمة‪.‬‬
‫(‪ )3‬المصمت من قز‪ :‬هو الذي جميعه حرير‪ ،‬ل يخالطه قطن ول غيره‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد وأبو داود (نيل الوطار‪.)90/2 :‬‬

‫( ‪)4/190‬‬
‫المبحث الرابع ـ الوطء والنظر واللمس واللهو والتصوير والوسم والوشم وأحكام الشعر والنتف‬
‫والتفليج والسلم ‪:‬‬

‫أولً ـ الوطء ‪:‬‬
‫الستمتاع واجب على الرجل للمرأة إذا انتفى العذر‪ ،‬بما يحقق العفاف والصون عن الحرام‪ ،‬وتباح‬
‫كل وجوه الستمتاع إل التيان في الدبر فهو حرام‪ .‬ومكان الوطء باتفاق المذاهب‪ :‬هو القبل‪ ،‬ل الدبر‬
‫(‪ ، )1‬لقوله تعالى‪{ :‬نساؤكم حرث لكم‪ ،‬فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة‪ )2( ]223/2:‬أي على أية‬
‫كيفية‪:‬‬
‫قائمة‪ ،‬أو قاعدة‪ ،‬مقبلة‪ ،‬أو مدبرة‪ ،‬في أقبالهن (‪ . )3‬قال ابن عباس‪ :‬إنما قوله‪{ :‬فأتوا حرثكم أنى‬
‫شئتم} [البقرة‪ .]223/2:‬قائمة‪ ،‬وقاعدة‪ ،‬ومقبلة‪ ،‬ومدبرة‪ ،‬في أقبالهن‪ ،‬ل تعدو ذلك إلى غيره‪ .‬وله‬
‫عبارة أخرى في الية‪ :‬إن شئت فمقبلة‪ ،‬وإن شئت فمدبرة‪ ،‬وإن شئت فباركة‪ ،‬وإنما يعني ذلك موضع‬
‫الولد للحرث‪ ،‬يقول‪ :‬ائت الحرث حيث شئت‪.‬‬
‫وقد ثبت تحريم الوطء في الدبر (‪ ، )4‬في السنة النبوية‪ ،‬بأحاديث كثيرة منها‪« :‬ملعون من أتى امرأة‬
‫في دبرها» (‪« )5‬الذي يأتي المرأة في دبرها هي اللوطية الصغرى» (‪« )6‬من أتى حائضا‪ ،‬أو امرأة‬
‫في دبرها‪ ،‬أو كاهنا‪ ،‬فصدقه‪ ،‬فقد كفر بما أنزل على محمد» (‪ . )7‬ويجوز الستمتاع بها فيما بين‬
‫الليتين‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬إل على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون‪]6/23:‬‬
‫ويجوز وطؤها في القبل مدبرة لقول جابر‪« :‬يأتيها من حيث شاء مقبلة أو مدبرة إذا كان ذلك في‬
‫الفرج» ‪.‬‬
‫وربما كان أسوأ من الدبر‪ :‬وضع الذكر في فم المرأة ونحوه‪ ،‬مما جاءنا من شذوذ الغربيين‪ ،‬فيكون‬
‫ذلك حراما لثبوت ضرره وقبحه شرعا وذوقا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،211‬فتح المعين شرح قرة العين‪ :‬ص ‪.)107‬‬
‫(‪ )2‬الية ‪ 223‬من سورة البقرة‪.‬‬
‫(‪ )3‬قال الشافعي‪ :‬ل يجب قضاء الجماع للمرأة إل مرة بعد الزفاف‪ ،‬وهذا هو مذهب الحنفية في‬
‫الرواية الظاهرة والمعروف عند الشافعية أنه ل حق للمرأة في الجماع‪ .‬وقال الطحاوي ‪ :‬يلزم في كل‬
‫أربع ليال مرة‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬يلزم كل أربعة أشهر مرة وهي مدة اليلء‪ .‬هذا في أحكام القضاء‪ .‬أما‬
‫ديانة فيلزم الزوج شرعا إعفاف زوجته وإبعادها عن الوقوع في الحرام‪ ،‬متى كان قادرا على ذلك‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬إن العفاف بحسب تقدير حال الزوجين واجب قضائي أيضا‪ ،‬وهو الرأي المعقول‪.‬‬
‫(‪ )4‬المهذب‪.66/2 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة‪ ،‬وهو حديث صحيح‪.‬‬
‫(‪ )6‬رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪.‬‬

‫(‪ )7‬رواه أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة (راجع الحاديث الثلثة في تفسير ابن كثير‪:‬‬
‫‪.)263/1‬‬

‫( ‪)4/191‬‬
‫وطء الحائض ونحوها ‪:‬‬
‫ويحرم بالتفاق إتيان الحائض‪ ،‬ومستحله كافر‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ويسألونك عن المحيض‪ ،‬قل‪ :‬هو أذى‪،‬‬
‫فاعتزلوا النساء في المحيض‪ ،‬ول تقربوهن حتى يطهرن‪ ،‬فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ال ‪،‬‬
‫إن ال يحب التوابين‪ ،‬ويحب المتطهرين} [البقرة‪ ]222/2:‬والنفساء كالحائض‪.‬‬
‫ويسن لمن وطئ الحائض أن يتصدق بدينار إن وطئها في إقبال الدم‪ ،‬وبنصفه في إدباره؛ لخبر أبي‬
‫داود والحاكم وصححه‪« :‬إذا واقع الرجل أهله وهي حائض‪ ،‬إن كان دما أحمر فليتصدق بدينار‪ ،‬وإن‬
‫كان أصفر‪ ،‬فليتصدق بنصف دينار» (‪. )1‬‬
‫وأجاز أبو حنيفة إتيان المرأة إذا انقطع دم الحيض‪ ،‬ولو لم تغتسل بالماء إل أنه إذا انقطع دمها بعد‬
‫أكثر الحيض (عشرة أيام) حلت حينئذ‪ ،‬وإن انقطع دمها لقل من عشرة أيام‪ ،‬لم تحل حتى يمضي‬
‫وقت صلة كامل أو تغتسل‪.‬‬
‫ولم يجز الجمهور غير أبي حنيفة إتيانها حتى ينقطع الحيض‪ ،‬وتغتسل بالماء غسل الجنابة‪.‬‬
‫وأما ما عدا الوطء في الفرج للحائض من الستمتاع بالضم أو المس‪ ،‬أو القبلة أو غير ذلك‪ ،‬فتجوز‬
‫المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة باتفاق العلماء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روى أحمد وأصحاب السنن الربعة عن ابن عباس عن النبي صلّى ال عليه وسلم في الذي يأتي‬
‫امرأته وهي حائض‪ :‬يتصدق بدينار‪ ،‬أو بنصف دينار‪ .‬قال أبو داود‪ :‬هكذا الرواية الصحيحة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫دينار أو نصف دينار ‪ .‬وفي لفظ للترمذي‪ :‬إ ذا كان دما أحمر فدينار‪ ،‬وإن كان دما أصفر فنصف‬
‫دينار ‪ ،‬وفي رواية لحمد أن النبي صلّى ال عليه وسلم جعل في الحائض تصاب دينارا‪ ،‬فإن أصابها‬
‫وقد أدبر الدم عنها‪ ،‬ولم تغتسل‪ ،‬فنصف دينار » (نيل الوطار‪.)278/1 :‬‬

‫( ‪)4/192‬‬
‫وأما المباشرة فيما بين السرة والركبة ففيه أقوال ثلثة (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬قول أكثر العلماء‪ ،‬منهم أبو حنيفة وأبو يوسف والمالكية والشافعية‪ :‬وهو التحريم‪ ،‬سدا للذريعة‪،‬‬

‫ولحديث عائشة‪« :‬كانت إحدانا إذا كانت حائضا‪ ،‬فأراد رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن يباشرها‪،‬‬
‫أمرها أن تأتزر بإزار‪ ،‬في فور حيضتها‪ ،‬ثم يباشرها» (‪. )2‬‬
‫‪ - 2‬قول الحنابلة والوزاعي ومحمد من الحنفية وغيرهم‪ :‬الجواز‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫«اصنعوا كل شيء إل النكاح‪ ،‬وفي لفظ‪:‬إل الجماع» (‪ )3‬وهو صريح بتحليل كل شيء ما عدا‬
‫النكاح‪.‬‬
‫‪ - 3‬التفصيل‪ :‬إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج‪ ،‬إما لشدة ورع‪ ،‬أو لضعف شهوة‪ ،‬جاز‪ ،‬وإل‬
‫لم يجز‪.‬‬
‫وأرجح العمل بالحوط في الحوال العادية‪ ،‬فإن كان المرء مسافرا ثم قدم‪ ،‬أو شديد الشّبَق (‪ ، )4‬جاز‬
‫له العمل بالقولين الخرين‪ ،‬بشرط أن يضبط نفسه عن الفرج‪ ،‬منعا من الوقوع في الحرام بالنظر إلى‬
‫الجنبيات وغيره‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئا‪ ،‬ألقى على فرجها‬
‫شيئا (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪ ،276/1 :‬الدرر المباحة في الحظر والباحة‪ :‬ص ‪ ،41‬اللباب‪ 48/1 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫تبيين الحقائق‪ ،57/1 :‬الشرح الكبير‪ ،173/1 :‬مغني المحتاج‪ ،110/1 :‬المغني‪.306/1 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه بين أحمد والشيخين‪ .‬قال الخطابي‪ :‬فور الحيض‪ :‬أوله ومعظمه ( نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)278/1‬‬
‫(‪ )3‬رواه الجماعة إل البخاري عن أنس بن مالك ( نيل الوطار‪.) 276/1 :‬‬
‫(‪ )4‬وأجاز الحنابلة لمن به شبق وطء الحائض بشرط أل تندفع شهوته بدون الوط ء في الفرج ‪،‬‬
‫ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ ‪ ،‬وليجد غير الحائض من زوجة أخرى ( كشاف القناع‪.)227/1 :‬‬
‫(‪ )5‬رواه أبو داود عن عكرمة عن بعض أزواج النبي صلّى ال عليه وسلم ( نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.) 277/1‬‬

‫( ‪)4/193‬‬
‫العزل ‪:‬‬
‫اليجاد والخلق في الحقيقة منوط بالرادة اللهية‪ ،‬ففي حديث حسن رواه الطبراني‪ « :‬اعزلوا أو‬
‫لتعزلوا‪ ،‬ماكتب ال تعالى من نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إل وهي كائنة » ول خلف بين‬
‫العلماء ما عدا ابن حزم الظاهري (‪ : )1‬أنه يجوز العزل (‪ )2‬عن الزوجة‪ ،‬بشرط إذنها‪ ،‬بدليل قول‬

‫جابر‪ « :‬كنا نعزل على عهد رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فبلغه ذلك‪ ،‬فلم ينهنا » (‪ )3‬ودليل‬
‫اشتراط الذن مارواه أحمد وابن ماجه عن عمر‪ « :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى عن أن يعزل‬
‫عن الحرة‪ ،‬إل بإذنها » (‪. )4‬‬
‫إل أن الشافعية والحنابلة وقوما من الصحابة قالوا بكراهة العزل؛ لن الرسول صلّى ال عليه وسلم‬
‫في حديث مسلم عن عائشة سماه الوأد الخفي‪ ،‬فحمل النهي على كراهة التنزيه‪ .‬وأجاز الغزالي العزل‬
‫لسباب منها كثرة الولد‪.‬‬
‫وبناء عليه يجوز استعمال موانع الحمل الحديثة كالحبوب وغيرها لفترة مؤقتة‪ ،‬دون أن يترتب عليه‬
‫استئصال إمكان الحمل‪ ،‬وصلحية النجاب‪ ،‬قال الزركشي‪ :‬يجوز استعمال الدواء لمنع الحبل في‬
‫وقت دون وقت كالعزل‪ ،‬وليجوز التداوي لمنع الحبل بالكلية‪ .‬أو ربط عروق المبايض إذا ترتب عليه‬
‫امتناع الحمل في‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكملة الفتح‪ ،109/8 :‬إحياء علوم الدين‪ 47/2 :‬ومابعدها‪ ،‬نيل الوطار‪ ،197/6 :‬فتح القدير‪:‬‬
‫‪ ،494/2‬الشرح الكبير‪ ،266/2 :‬المهذب‪ ،66/2 :‬المغني‪ ،223/7 :‬الحياء‪ ،248/2 :‬شرح مسلم‪:‬‬
‫‪.17، 6/10‬‬
‫(‪ )2‬العزل ‪ :‬النزع بعد اليلج‪ ،‬لينزل الماء خارج الفرج‪.‬‬
‫(‪ )3‬رويت أحاديث أخرى في معناه ( نيل الوطار‪ 195/6 :‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )4‬قال المحدثون‪ :‬وليس إسناده بذلك‪ ،‬لن في إسناده ابن لهيعة‪ ،‬وفيه مقال معروف‪ .‬ويشهد له ما‬
‫أخرجه عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس قال‪ « :‬نهى عن عزل الحرة إل بإذنها » وروى عنه ابن‬
‫أبي شيبة أنه كان يعزل عن أمته‪ ،‬وروى البيهقي عن ابن عمر مثله (نصب الراية‪ ،251/4 :‬نيل‬
‫الوطار‪ 196/6 :‬ومابعدها )‪.‬‬

‫( ‪)4/194‬‬
‫المستقبل‪ ،‬والعبرة في ذلك لغلبة الظن‪ ،‬أي احتمال مافوق ‪ .%50‬وكذلك الحكم في تعقيم الرجل‪.‬‬
‫آداب الجماع ‪:‬‬
‫للجماع آداب كثيرة ثابتة في السنة النبوية منها مايأتي (‪ : )1‬تستحب التسمية قبله‪ ،‬ويقرأ { قل هو ال‬
‫أحد } [الخلص‪ ،]1/112:‬ويكبر ‪ ،‬ويهلل‪ ،‬ويقول ولو مع اليأس عن الولد‪ « :‬باسم ال العلي العظيم‪،‬‬
‫اللهم اجعلها ذرية طيبة‪ ،‬إن كنت قدرت أن تخرج ذلك من صلبي » « اللهم جنّبني الشيطان‪ ،‬وجنب‬

‫الشيطان مارزقتني » رواه أبو داود‪ .‬وينحرف عن القبلة‪ ،‬وليستقبل القبلة بالوقاع‪ ،‬إكراما للقبلة‪.‬‬
‫وأن يتغطى نفسه هو وأهله بغطاء‪ ،‬وأل يكونا متجردين (‪ )2‬فذلك مكروه كما سيأتي‪.‬‬
‫وأن يبدأ بالملعبة والضم والتقبيل‪ .‬وإذا قضى وطره‪ ،‬فليتمهل لتقضي وطرها ‪ ،‬فإن إنزالها ربما‬
‫تأخر‪ .‬ويكره الكثار من الكلم حال الجماع‪ ،‬وليخليها عن الجماع كل أربع ليال مرة بل عذر‪.‬‬
‫وتأتزر الحائض بإزار مابين السرة والركبة إذا أراد الستمتاع بها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ ،25/7 :‬إحياء علوم الدين‪ 46/2 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ 216/5 :‬ومابعدها‪ ،‬مختصر‬
‫منهاج القاصدين‪ :‬ص ‪ ،73‬فتح المعين‪ :‬ص ‪،107‬الذكار للنووي‪ :‬ص ‪ ،159‬نيل الوطار‪.194/6 :‬‬
‫(‪ )2‬روى ابن ماجه حديثا عن عتبة بن عبد السّلمي‪ « :‬إذا أتى أحدكم أهله‪ ،‬فليستتر‪ ،‬وليتجردا تجرد‬
‫العَيْرين » أي الحمارين ( نيل الوطار‪.)194/6 :‬‬

‫( ‪)4/195‬‬
‫ومن أراد أن يجامع مرة ثانية‪ ،‬فليغسل فرجه‪ ،‬ويتوضأ؛ لن الوضوء يزيد نشاطا ونظافة‪.‬‬
‫وليس في السنة استحباب الجماع في ليال معينة كالثنين أو الجمعة‪ ،‬ومن العلماء من استحب الجماع‬
‫يوم الجمعة‪.‬‬
‫ويكره الوط ء وهما متجردان‪ .‬لما روى ابن ماجه عن عتبة بن عبد ال قال‪« :‬قال رسول ال صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪ :‬إذا أتى أحدكم أهله فليستتر‪ ،‬ول يتجردان تجرد العَيْرين » والعَيْر‪ :‬حمار الوحش‪،‬‬
‫شبههما به تنفيرا عن تلك الحالة‪ .‬ويكره تحدثهما بما جرى بينهما‪ ،‬وحرمه بعضهم لما فيه من إفشاء‬
‫السر‪ ،‬وهو حرام‪.‬‬
‫ومن الداب أل يحلق شعره‪ ،‬ول يقلم أظفاره‪ ،‬ول يخرج دما‪ ،‬وهو جنب‪.‬‬
‫ويستحب في ليلة الزفاف قبل الجماع أن يأخذ الرجل بناصية المرأة ويقول‪« :‬اللهم إني أسألك من‬
‫خيرها وخير ما جبلتها عليه‪ ،‬وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه» (‪. )1‬‬
‫الجهاض ‪:‬‬
‫اتفق العلماء على تحريم الجهاض دون عذر بعد الشهر الرابع أي بعد ‪ 120‬يوما من بدء الحمل‪،‬ويعد‬
‫ذلك جريمة موجبة للغُرّة (‪ ، )2‬لنه إزهاق نفس وقتل إنسان‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ثبت ذلك بحديث رواه ابن ماجه وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (نيل الوطار‪:‬‬

‫‪.)189/6‬‬
‫(‪ )2‬الغرة‪ :‬دية الجنين‪،‬وتساوي ‪ %5‬من الدية الكاملة أي ‪ 50‬دينارا أو ‪ 500‬درهم‪.‬‬

‫( ‪)4/196‬‬
‫وأرجح عدم جواز الجهاض بمجرد بدء الحمل‪ ،‬لثبوت الحياة‪ ،‬وبدء تكون الجنين إل لضرورة‬
‫كمرض عضال أو سار كالسل أو السرطان‪ ،‬أوعذر‪ ،‬كأن ينقطع لبن المرأة بعد ظهور الحمل‪ .‬وله‬
‫ولد‪ ،‬وليس لبيه ما يستأجر الظئر (المرضع)‪ ،‬ويخاف هلك الولد‪ .‬وإني بهذا الترجيح ميّال مع رأي‬
‫الغزالي الذي يعتبر الجهاض ولو من أول يوم كالوأد جناية على موجود حاصل (‪. )1‬‬
‫ومع هذا أذكر أقوال الفقهاء في الجهاض‪:‬‬
‫‪ - 1‬مذهب الحنفية (‪ : )2‬يباح السقاط بعد الحمل‪ ،‬ما لم يتخلق منه شيء‪ ،‬ولن يكون ذلك إل بعد‬
‫مئة وعشرين يوما؛ لنه ليس بآدمي‪ .‬وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق‪ :‬نفخ الروح‪ .‬وقيل عندهم‪ :‬إن‬
‫ذلك مكروه بغير عذر‪ ،‬فإذا أسقطت بغير عذر يلحقها إثم‪.‬‬
‫ومن العذار‪ :‬أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل‪ ،‬وليس لبي الصبي ما يستأجر به الظئر‪ ،‬ويخاف‬
‫هلكه‪.‬‬
‫وحمل بعضهم إباحة السقاط المطلقة على حالة العذر؛ لن الماء بعد ما وقع في الرحم مآله الحياة‪،‬‬
‫فله حكم الحياة‪ .‬وهذا التأويل معقول وضروري‪.‬‬
‫‪ - 2‬مذهب المالكية (‪ : )3‬المعتمد أنه يحرم عندهم إخراج المني المتكون في الرحم‪ ،‬ولو قبل‬
‫الربعين يوما‪ .‬وقيل‪ :‬يكره إخراجه قبل الربعين‪ .‬وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعا‪ ،‬وهذا رأي‬
‫الغزالي والظاهرية (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬إحياء علوم الدين‪.47/2 :‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ ،495/2 :‬حاشية ابن عابدين‪ ،522/2 ،278/1 :‬ط الميرية‪ ،‬و ‪ ،418/5‬الفتاوى‬
‫الهندية‪.367-365/5 :‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ 266/2 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.212‬‬
‫(‪ )4‬المحلى‪ ،38/11 :‬ط المام‪.‬‬

‫( ‪)4/197‬‬

‫‪ - 3‬مذهب الشافعية (‪ : )1‬يباح الجهاض مع الكراهة إذا تم في فترة الربعين يوما (‪ 40‬أو ‪ 42‬أو‬
‫‪ 45‬يوما) من بدء الحمل‪ ،‬بشرط كونه برضا الزوجين‪ ،‬وأل يترتب على ذلك ضرر بالحامل‪ .‬وبعد‬
‫فترة الربعين يحرم السقاط مطلقا‪.‬‬
‫ورجح الرملي جواز الجهاض قبل نفخ الروح والتحريم بعد نفخ الروح مطلقا‪ ،‬فيكون رأيه كالحنفية‪.‬‬
‫وحرم الغزالي (‪ )2‬ا لجهاض مطلقا‪ ،‬لنه جناية على موجود حاصل‪.‬‬
‫‪ - 4‬مذهب الحنابلة (‪ ، )3‬هو كالحنفية‪ :‬المعتمد عندهم أنه يجوز السقاط في فترة الربعة الشهر‬
‫الولى ي في مدة الـ ‪ 120‬يوما من بدء الحمل قبل نفخ الروح‪ ،‬ويحرم قطعا بعدها‪ ،‬أي بعد ظهور‬
‫الحركة الرادية‪.‬‬
‫العقام أو التعقيم ‪:‬‬
‫جعل المرأة عقيما‪ ،‬بمعالجة تمنع النجاب نهائيا‪ .‬وقد صرح الفقهاء بأنه يحرم استعمال ما يقطع الحبل‬
‫من أصله‪ ،‬لنه كالوأد (‪ . )4‬وذلك إل إذا كانت هناك ضرورة ملجئة كانتقال مرض خطير بالوراثة‬
‫إلى الولد والحفاد‪ ،‬ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح‪ ،‬ويرتكب أخف الضررين‪ ،‬ول مانع من‬
‫عقم المصابة‬
‫بمرض خبيث‪ ،‬وتكون من فئة النساء اللتي تحققت فيهن مشيئة ال بالعقم‪{ :‬ل ملك السموات‬
‫والرض‪ ،‬يخلق ما يشاء‪ ،‬يهب لمن يشاء إناثا‪ ،‬ويهب لمن يشاء الذكور‪ ،‬أو يزوجهم ذكرانا وإناثا‪،‬‬
‫ويجعل من يشاء عقيما} [الشورى‪.]50-42/49:‬‬
‫أما ما يبطئ الحبل مدة‪ ،‬ول يقطعه من أصله‪،‬وهو المعروف بتنظيم الحمل‪ ،‬فل يحرم‪ ،‬بل إن كان‬
‫لعذر كتربية ولد‪ ،‬لم يكره أيضا‪ ،‬وإل كره عند الشافعية‪.‬‬
‫التلقيح الصناعي ‪:‬‬
‫هو استدخال المني لرحم المرأة بدون جماع‪ .‬فإن كان بماء الرجل لزوجته‪ ،‬جاز شرعا‪ ،‬إذ ل محذور‬
‫فيه‪ ،‬بل قد يندب إذا كان هناك ما نع شرعي من التصال الجنسي‪.‬‬
‫وأما إن كان بماء رجل أجنبي عن المرأة‪ ،‬ل زواج بينهما‪ ،‬فهو حرام؛ لنه بمعنى الزنا الذي هو إلقاء‬
‫ماء رجل في رحم امرأة‪ ،‬ليس بينهما زوجية‪ .‬ويعد هذا العمل أيضا منافيا للمستوى النساني‪،‬‬
‫ومضارعا للتلقيح في دائرة النبات والحيوان‪.‬‬
‫خصاء البهائم ‪:‬‬
‫ول بأس عند الحنفية بخصاء البهائم‪ ،‬وإنزاء الحمير على الخيل‪ ،‬لنجاب البغال‪ ،‬ولن الخصاء للنفع‪،‬‬
‫إذ تسمن الدابة ويطيب لحمها‪ .‬وقال المالكية‪ :‬يجوز خصاء الغنم وسائر الدواب إل الخيل؛ لن خصاء‬
‫الغنم يزيد في سمنها‪ ،‬وخصاء الخيل ينقص من قوتها ويقطع نسلها‪ ،‬ويكره الوسم في الوجه‪ ،‬ول بأس‬

‫به في غير ذلك (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بجيرمي الخطيب‪ ،40/4 :‬حاشية الشبرامسلي على نهاية المحتاج‪ ،205/6 :‬ط البهية المصرية‪،‬‬
‫تحفة المحتاج لبن حجر‪ ،241/8 :‬نهاية المحتاج‪ 239/8 :‬ومابعدها‪ ،‬شرح مسلم‪.190/16 :‬‬
‫(‪ )2‬إحياء علوم الدين‪.47/2 :‬‬
‫(‪ )3‬الفروع لشمس الدين المقدسي‪ ،281/1 :‬النصاف لعلء الدين المرداوي‪ ،386/1 :‬منتهى‬
‫الرادات لبن النجار‪ ،286/1 :‬المغني‪.816/7 :‬‬
‫(‪ )4‬المراجع السابقة‪.‬‬
‫(‪ )5‬اللباب‪ ،161/4 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،445‬شرح الرسالة‪.414/2 :‬‬

‫( ‪)4/198‬‬
‫ثانيا ـ النظر ‪:‬‬
‫للنظر أربعة أقسام‪ ،‬لكل قسم حكم‪ ،‬وهي‪ :‬نظر الرجل للمرأة‪ ،‬ونظر المرأة إلى الرجل‪ ،‬ونظر الرجل‬
‫إلى الرجل‪ ،‬ونظر المرأة إلى المرأة (‪. )1‬‬
‫الول ـ نظر الرجل للمرأة ‪:‬‬
‫أ ـ إذا كانت المرأة زوجة‪ :‬جاز للزوج اللمس والنظر إلى جميع جسدها‪ ،‬حتى فرجها باتفاق المذاهب‬
‫الربعة‪ ،‬والفرج محل التمتع‪ .‬ولكن يكره لكل منهما نظر الفرج من الخر‪ ،‬ومن نفسه بل حاجة‪،‬‬
‫وإلى باطنه أشد كراهة‪ ،‬قالت عائشة رضي ال عنها‪« :‬ما رأيت منه‪ ،‬ول رأى مني» أي الفرج (‪)2‬‬
‫‪.‬‬
‫ب ـ وإذا كانت المرأة ذات مَحْرم كالخت والخالة (‪ ، )3‬جاز عند الحنابلة النظر إلى ما يظهر غالبا‬
‫كالرقبة والرأس والكفين والقدمين‪ ،‬وليس له النظر إلى ما يستتر غالبا كالصدر والظهر ونحوهما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع تكملة الفتح‪ ،107-97/8 :‬البدائع‪ ،124-119/5 :‬اللباب‪ ،165-162/4 :‬تبيين الحقائق‪:‬‬
‫‪ ،21-17/6‬الدر المختار‪ ،264-257/5 :‬الشرح الكبير‪ ،215/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪،446 ،193‬‬
‫تحفة المحتاج بشرح المنهاج لبن حجر‪ ،205-190/7 :‬المهذب‪ ،35-34/2 :‬المغني‪552/6 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،580 ،563-558 ،‬مغني المحتاج‪ ،134-128/3 :‬فتح المعين‪ :‬ص ‪.98‬‬
‫(‪ )2‬أما خبر‪« :‬النظر إلى الفرج يورث الطمس» أي العمى‪ ،‬فرواه ابن حبان وغيره في الضعفاء‪ ،‬بل‬

‫ذكره ابن الجوزي في الموضوعات فهو منكر ل أصل له‪ .‬وخالفه ابن الصلح وحسن إسناده (نصب‬
‫الراية‪ )248/4 :‬وحديث عائشة رواه ابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )3‬ذوات المحارم‪ :‬كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بنسب أو رضاع أو تحريم المصاهرة‬
‫بسبب مباح كأم الزوجة عند الشافعية والحنابلة‪ .‬والصح عند الحنفية أن المصاهرة سبب للتحريم‬
‫سواء أكانت بسبب مباح كالنكاح أم بسبب حرام كالسفاح‪.‬‬

‫( ‪)4/199‬‬
‫ومذهب الحنفية قريب من الحنابلة مع تعديل‪ :‬فعندهم يجوز النظر إلى الوجه والرأس والصدر‬
‫والساقين (الساق‪ :‬من الركبة إلى القدم) والعضدين (أي الساعدين‪ ،‬والساعد‪ :‬من المرفق إلى الكتف)‪،‬‬
‫ول ينظر إلى ظهرها وبطنها؛ لن ال تعالى حرم المرأة إذا شبّهها بظهر الم‪ ،‬فيحرم النظر إليه‪،‬‬
‫والبطن أولى من الظهر‪ ،‬لنه أدعى للشهوة‪.‬‬
‫وتشدد المالكية فقالوا‪ :‬الصح جواز رؤية وجهها ويديها‪ ،‬دون سائر جسدها‪.‬‬
‫وتوسط الشافعية فحرموا نظر البالغ من محرمه النثى ما بين سرة وركبة‪ ،‬وأباحوا بغير شهوة نظر‬
‫ما عدا ما بين السرة والركبة‪ ،‬فيجوز النظر إلى السرة والركبة‪ ،‬لنهما ليسا بعورة بالنسبة لنظر‬
‫المحرَم‪.‬‬
‫جـ ـ وإن كانت المرأة أجنبية‪ :‬حرم النظر إليها عند الحنفية إل وجهها وكفّيها‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ول‬
‫يبدين زينتهن إل ما ظهر منها} [النور‪ .]31/24:‬قال علي وابن عباس‪ :‬ما ظهر منها الكحل والخاتم‬
‫أي موضعهما وهو الوجه والكف‪ ،‬والمراد من الزينة في الية موضعها‪ ،‬ولن في إبداء الوجه والكف‬
‫ضرورة لحاجتها إلى المعاملة مع الرجال أخذا وعطاء‪.‬‬
‫وإن وقع البصر على محرّم من غير قصد‪ ،‬وجب أن يصرف عنه‪ ،‬وليس على المرء إثم في المرة‬
‫الولى غير المقصودة‪ ،‬فقد روى مسلم عن جرير بن عبد ال البجلي قال‪« :‬سألت النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم عن نظر الفجأة‪ ،‬فأمرني أن أصرف بصري» ‪ .‬وروى أبو داود عن بُريدة قال‪ :‬قال‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم لعلي‪ « :‬يا علي ل تتبع النظرة النظرة‪ ،‬فإن لك الولى وليس لك‬
‫الخرة» ‪.‬‬

‫( ‪)4/200‬‬

‫وإن كان ل يأمن الشهوة‪ :‬ل ينظر إلى وجهها إل لحاجة ضرورية‪ .‬وبه يظهر أن حل النظر مقيد‬
‫بعدم الشهوة‪ ،‬وإل فحرام‪ .‬والواجب المنع في زماننا من نظر الشابة‪ .‬ويدل لحرمة النظر‪ :‬حديث‬
‫صحيح‪« :‬العينان تزنيان‪ ،‬وزناهما النظر‪ ،‬واليدان تزنيان‪ ،‬وزناهما البطش» (‪ . )1‬وحد الشهوة‪:‬‬
‫تحرك اللة‪.‬‬
‫ويتفق المالكية مع الحنفية في ذلك‪ ،‬فإنهم أجازوا رؤية الوجه والكفين من العجوز‪ ،‬وحرموا ذلك من‬
‫الشابة إل لعذر من شهادة أو معالجة أو خطبة‪.‬‬
‫والخصي في المذهبين في حرمة النظر إلى الجنبي كالفحل‪.‬‬
‫وكذلك قال الشافعية‪ :‬يحرم نظر فحل بالغ عاقل مختار‪ ،‬ولو شيخا كبيرا‪ ،‬وعاجزا عن الوطء ومخنثا‬
‫(وهو المتشبه بالنساء) إلى المرأة الجنبية‪ ،‬وكذا يحرم نظر وجهها وكفيها سواء عند خوف الفتنة أو‬
‫عند المن من الفتنة فيما يظهر له من نفسه من غير شهوة‪ ،‬على الصحيح؛ لن النظر مظنة الفتنة‪،‬‬
‫ومحرّك للشهوة‪ ،‬وقد قال تعالى‪{ :‬قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور‪ ]30/24:‬وقال النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬المرأة عورة‪ ،‬فإذا خرجت استشرفها الشيطان» (‪. )2‬‬
‫والمنع من النظر‪ ،‬ل لن الستر واجب عليهن في ذاته‪ ،‬بل لن فيه مصلحة عامة‪ .‬فقد حكى القاضي‬
‫عياض عن العلماء أنه ل يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها‪ ،‬وإنما ذلك سنة‪ ،‬وعلى الرجال‬
‫غض البصر عنهن للية‪.‬‬
‫وحرم الحنابلة أيضا نظر الرجل إلى الجنبية من غير سبب‪ ،‬وعلى هذا فإن بدن الحرة كله عورة عند‬
‫الشافعية والحنابلة‪ .‬وأما عند الحنفية والمالكية فليس الوجه والكفان بعورة‪ .‬وروي عن أبي حنيفة أن‬
‫القدمين ليستا من العورة‪ .‬وأباح بعض الحنابلة النظر إلى الوجه والكفين مع الكراهة‪ ،‬إذا أمن الفتنة‬
‫ونظر لغير شهوة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه مسلم عن أبي هريرة (نصب الراية‪.)248/4 :‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه الترمذي عن ابن مسعود‪ ،‬وهو حديث صحيح‪.‬‬

‫( ‪)4/201‬‬
‫وقالوا‪ :‬ل بأس بالنظر إلى ما يظهر غالبا من العجوز التي ل يشتهى مثلها أو الشوهاء التي ل‬
‫تشتهى‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬والقواعد من النساء اللتي ل يرجون نكاحا} [النور‪.]60/24:‬‬
‫وعندهم أن الخصي والمخنث الذي ل شهوة له والشيخ ومن ذهبت شهوته لكبر أو عُنّة أو مرض ل‬

‫يرجى برؤه‪ :‬حكمه حكم ذوي المحارم في النظر لقوله تعالى‪{ :‬أو التابعين غير أولي الربة} [النور‪:‬‬
‫‪]31/24‬أي غير ذوي الحاجة إلى النساء‪.‬‬
‫والحوال التي يجوز النظر فيها للمرأة لحاجة استثنائية هي عند الفقهاء‪ :‬الخطبة‪ ،‬والمعالجة‪،‬‬
‫والمعاملة كبيع وشراء‪ ،‬والشهادة أو القضاء‪ ،‬والتعليم‪ ،‬ونحو ذلك والنظر بقدر الحاجة‪ ،‬فل يجوز أن‬
‫يجاوز ما يحتاج إليه؛ لن ما حل لضرورة يقدر بقدرها‪.‬‬
‫ففي أثناء الخطبة يجوز النظر للوجه والكفين فقط دون ما عداهما‪ ،‬وللخاطب تكرير نظره‪ ،‬ول ينظر‬
‫غير الوجه والكفين‪ ،‬بل مس شيء منها‪ ،‬لدللة الوجه على الجمال‪ ،‬والكفين على خصوبة البدن‪.‬‬
‫وفي المعالجة للطبيب‪ :‬يجب أن يكون النظر إلى موضع المرض من المرأة للضرورة مع وجود مانع‬
‫الخلوة كمحرم أو زوج‪ ،‬أو امرأة ثقة‪ ،‬وبشرط عدم وجود امرأة تحسن ذلك؛ لن نظر الجنس إلى‬
‫جنسه أخف وأسهل عاقبة‪ ،‬وأل يكون الطبيب غير أمين مع وجود أمين‪ ،‬وأل يكون ذميا مع وجود‬
‫مسلم‪ ،‬أو ذمية مع وجود مسلمة‪.‬‬
‫ويعتبر في النظر إلى الوجه والكفين أدنى حاجة‪ ،‬وفيما عداهما‪ :‬كل ما يبيح التيمم يبيح النظر‪ ،‬إل‬
‫الفرج وقريبه‪ ،‬فيزاد على ذلك وهو أن تشتد الضرورة‪ ،‬حتى ل يعد الكشف عليه هتكا للمروءة‪.‬‬
‫وفي المعاملة من بيع وشراء يباح النظر للوجه فقط‪ ،‬للمطالبة بالثمن أو تسليم المبيع مثلً‪.‬‬

‫( ‪)4/202‬‬
‫وفي الشهادة أداء وتحملً للمرأة أو عليها‪ ،‬ولو كان النظر للفرج للشهادة بالزنا‪ ،‬أو الولدة‪ ،‬أو العَبَالة‬
‫(كبر الذكر) أو اللتحام أو الفضاء بين القبل والدبر‪ ،‬فإن تيسر وجود النساء أو المحارم للشهادة بذلك‬
‫كان هو المتعين‪.‬‬
‫ويجوز للقاضي النظر إلى المرأة إذا أراد أن يحكم عليها‪ ،‬فينظر إلى الوجه‪ ،‬وإن خاف أن يشتهى‬
‫للحاجة إلى إحياء حقوق الناس بالقضاء‪.‬‬
‫وفي التعليم لما يجب تعلمه وتعليمه كالفاتحة وما يتعين من الصنائع المحتاج إليها‪ ،‬يجوز النظر بشرط‬
‫فقد وجود أحد من جنس النساء أو محرم صالح‪ ،‬وتعذره من وراء حجاب‪ ،‬ووجود مانع الخلوة من‬
‫محرم ونحوه‪.‬‬
‫الثاني ـ نظر المرأة للرجل ‪:‬‬
‫حكم نظر المرأة للرجل كحكم الحوال الثلث المتقدمة في نظر الرجل للمرأة‪ ،‬فإن كان زوجها‪ ،‬جاز‬
‫أن ترى منه ما يرى منها‪.‬‬

‫وإن كانت ذا ت محرم‪ ،‬جاز أن ترى منه جسده له إل عورته‪.‬‬
‫وإن كانت أجنبية عنه‪ ،‬جاز لها عند الحنفية إن أمنت الشهوة أن تنظر إلى جميع بدنه إل ما بين سرته‬
‫وركبته‪.‬‬
‫وعند المالكية والحنابلة قولن‪ :‬قول بأن لها النظر إلى ما ليس بعورة (ما بين السرة والركبة) أي كما‬
‫قال الحنفية‪ ،‬كالرجل مع ذوات محارمه‪ ،‬ويظهر أن هذا هو الراجح؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫في الحديث المتفق عليه قال لفاطمة بنت قيس‪« :‬اعتدي في بيت ابن أم مكتوم‪ ،‬فإنه رجل أعمى‪،‬‬
‫تضعين ثيابك‪ ،‬فل يراك» (‪. )1‬‬
‫وقول آخر‪ ،‬وهو الصح عند الشافعية‪ :‬يجوز لها النظر من الرجل‪ ،‬مثل ما ينظر إلىها الرجل؛ لن‬
‫ال تعالى أمر النساء بغض أبصارهن‪ ،‬كما أمر الرجال به‪ .‬وروى أبو داود وغيره أن النبي صلّى ال‬
‫ل لهما‪« :‬أفعمياوان أنتما ل‬
‫عليه وسلم أمر أم سلمة وحفصة بالحتجاب من ابن أم مكتوم‪ ،‬قائ ً‬
‫تبصرانه؟» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وقالت عائشة‪« :‬كان رسول ال صلّى ال عليه وسلم ورائي يسترني بردائه‪ ،‬وأنا أنظرإلى الحبشة‬
‫يلعبون في المسجد» متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)4/203‬‬
‫الثالث ـ نظر الرجل إلى الرجل ‪:‬‬
‫يباح باتفاق المذاهب نظر الرجل للرجل ولو أمرد إذا أمن الشهوة إلى جميع بدنه إل العورة‪ :‬وهي ما‬
‫بين السرة والركبة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬عورة المؤمن ما بين سرته وركبته» (‪ ، )1‬وقوله‪:‬‬
‫«الفخذ عورة» (‪ . )2‬وستر العورة واجب حتى على البن‪ ،‬وفي الحمام وغيرها (‪. )3‬‬
‫ويحرم نظر أمرد (وهو الشاب الذي لم تنبت لحيته) بشهوة‪ ،‬بالجماع‪ .‬كذلك يحرم النظر إلى‬
‫الملتحي‪ ،‬وإلى النساء المحارم بشهوة‪.‬‬
‫الرابع ـ نظر المرأة إلى المرأة ‪:‬‬
‫المرأة مع المرأة في النظر كالرجل مع الرجل‪ ،‬لوجود المجانسة وانعدام الشهوة غالبا‪ ،‬وقد تحققت‬
‫الضرورة إلى النكشاف فيما بين النساء‪ .‬فيمنع النظر إلى العورة أى ما بين السرة والركبة‪ ،‬ويجوز‬
‫ما سواها مع أمن الشهوة‪ ،‬ويحرم مع الشهوة وخوف الفتنة‪.‬‬
‫والصح عند الجمهور غير الحنابلة تحريم نظر كافرة (ذمية أو غيرها) غير َمحْرم إلى مسلمة‪،‬‬

‫فتحتجب المسلمة عنها وترتدي خمارها أمامها‪ ،‬ما عدا الوجه والكفين‪ ،‬أي أنها كالرجل لقوله تعالى‪:‬‬
‫{أو نسائهن} [النور‪ ،]31/24:‬فلو جاز لها النظر لم يبق للتخصيص بالنساء فائدة‪ .‬وصح عن عمر أنه‬
‫منع الكتابيات دخول الحمام مع المسلمات‪ ،‬ولنها ربما تحكي أوصاف المسلمة للكافر‪ .‬فالمراد‬
‫بنسائهن‪ :‬خصوص النساء المسلمات ‪ ،‬أي المتفقات في الدين‪ ،‬وعلى هذا فل يحل للمسلمة أن تبدي‬
‫شيئا من زينتها الباطنة للكافرة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫سمّويَه (إسماعيل بن عبد ال ‪ 267-‬هـ) عن أبي سعيد‪ ،‬وهو حديث حسن (الفتح الكبير‪،‬‬
‫(‪ )1‬رواه َ‬
‫والجامع الصغير)‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان وغيرهم عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن‬
‫أبيه (نصب الراية‪ 243/ 4 :‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )3‬نقل القاضي حسين من الشافعية عن علي رضي ال تعالى عنه أن الفخذ في الحمام ليس بعورة‪.‬‬

‫( ‪)4/204‬‬
‫والصح عند الحنابلة‪ :‬أل فرق بين المسلمتين‪ ،‬وبين المسلمة والذمية‪ ،‬كما لفرق بين الرجلين‬
‫المسلمين‪ .‬وبين المسلم والذمي في النظر؛ لن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن‪ ،‬قد كن يدخلن‬
‫على نساء النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فلم يكنّ يحتجبن‪ ،‬ول أمرن بحجاب‪ ،‬ولن الحجب بين الرجال‬
‫والنساء لمعنى ل يوجد بين المسلمة والذمية‪ ،‬فوجب أل يثبت الحجب بينهما‪ ،‬كالمسلم مع الذمي‪ .‬فأما‬
‫قوله‪{ :‬أو نسائهن} [النور‪ ]31/24:‬فيحتمل أن يكون المراد جملة أو عموم النساء‪ ،‬ويكون المقصود‬
‫بالية عموم النساء‪ :‬المسلمات أوالكافرات ‪ .‬ويترتب عليه‪ ،‬أنه يجوز للمرأة المسلمة أن تبدي من‬
‫زينتها للمرأة الكافرة ما يحل لها أن تبديه للمسلمة (‪. )1‬‬
‫وفي هذا الرأي سعة ويسر‪ ،‬يتناسب مع أوضاع العصر الحاضر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مذكرة تفسير آيات الحكام للسايس‪164/3 :‬‬

‫( ‪)4/205‬‬
‫ثالثا ـ اللمس ‪:‬‬
‫متى حرم النظر‪ ،‬حرم المس أي مس الشهوة؛ لنه أبلغ منه في اللذة‪ ،‬وإثارة الشهوة‪ ،‬بدليل أنه لو مس‬

‫فأنزل أفطر‪ ،‬ولو نظر فأنزل لم يفطر‪ .‬ومتى جاز النظر‪ ،‬جاز مس العضاء‪ ،‬إذا أمن الشهوة على‬
‫نفسه وعلى المرأة‪ ،‬لنه عليه الصلة والسلم كان يقبّل رأس فاطمة‪ .‬وإن لم يأمن اللمس ذلك أو‬
‫شك‪ ،‬لم يحل له المس ول النظر (‪. )1‬‬
‫وهذا في غير الجنبية الشابة‪ ،‬أما الشابة فل يحل مس وجهها وكفيها‪ ،‬وإن أمن الشهوة‪ ،‬لعدم‬
‫الضرورة‪ ،‬بخلف النظر‪.‬‬
‫وتحرم مصافحة المرأة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إني ل أصافح النساء» (‪. )2‬‬
‫لكن الجمهور غير الشافعية أجازوا مصافحة العجوز التي ل تشتهى‪ ،‬ومس يدها‪ ،‬لنعدام خوف الفتنة‪،‬‬
‫قال الحنابلة‪ :‬كره أحمد مصافحة النساء‪ ،‬وشدد أيضا حتى لمحرم‪ ،‬وجوزه لوالد‪ ،‬وأخذ يد عجوز‬
‫شوهاء‪.‬‬
‫وحرم الشافعية المس والنظر للمرأة مطلقا‪ ،‬ولو كانت المرأة عجوزا‪.‬‬
‫وتجوز المصافحة بحائل يمنع المس المباشر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع تكملة الفتح‪ ،106 ،102 ،98/8 :‬الدر المختار‪ 259/5 :‬ومابعدها‪ 269 ،263 ،‬ومابعدها‪،‬‬
‫اللباب‪ ،164/4 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،446‬مغني المحتاج‪ ،134 ،132/3 :‬غاية المنتهى‪،8/3 :‬‬
‫كشاف القناع‪ ،179/2،14/5 :‬الذكار للنووي‪ :‬ص ‪ ،150-148‬الدرر المباحة في الحظر والباحة‬
‫للشيباني‪ :‬ص ‪ 36‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الموطأ والترمذي والنسائي عن أميمة بنت رقيقة (جامع الصول‪.)168/1 :‬‬

‫( ‪)4/206‬‬
‫ومتى جاز المس‪ ،‬جاز سفر الرجل مع المرأة‪ ،‬ويخلو بها إذا أمن على نفسه وعليها‪ ،‬فالخلوة بالمحرم‬
‫مباحة إل الخت رضاعا والصهرة الشابة‪ .‬ومتى حرم المس حرم السفر والخلوة ‪ ،‬فل يجوز أن يخلو‬
‫رجل بامرأة ليست زوجته ول ذات محرم منه‪ ،‬ول السفر معها‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل‬
‫تسافر المرأة فوق ثلث‪ ،‬إل ومعها زوجها‪ ،‬أو ذو رحم محرم منها» (‪ )1‬وقوله‪« :‬أل ل يخلون رجل‬
‫بامرأة‪ ،‬إل كان ثالثهما الشيطان‪ ،‬عليكم بالجماعة‪ ،‬وإياكم والفرقة‪ ،‬فإن الشيطان مع الواحد‪ ،‬وهو من‬
‫الثنين أبعد» (‪. )2‬‬
‫وكل ما حرم نظره متصلً‪ ،‬حرم نظره منفصلً‪ ،‬ولو بعد الموت‪ ،‬كشعر عانة (عورة) ولو من رجل‪،‬‬
‫وشعر رأس امرأة‪ ،‬وعظم ذراع حرة ميتة وساقها‪ ،‬وقلمة ظفر رجلها دون يدها عند الحنفية‪ ،‬ولو‬

‫من يديها عند الشافعية‪ ،‬فيندب مواراة ذلك لئل ينظر إليه أحد‪ ،‬ويستثنى ما تناثر في الحمامات من‬
‫امتشاط شعور النساء‪ ،‬وحلق عانات الرجال‪.‬‬
‫ووصل الشعر بشعر الدمي حرام ـ كما سأبين ـ سواء أكان شعر المرأة أم شعر غيرها‪ ،‬لما فيه‬
‫من التزوير‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬لعن ال الواصلة والمستوصلة‪ ،‬والواشمة والمستوشمة‪،‬‬
‫والنامصة والمتنمصة» (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري‪ .‬وفي لفظ للبخاري‪ :‬ثلثة أيام‪ ،‬وأخرج الشيخان عن أبي‬
‫هريرة ‪« :‬ل يحل لمرأة تؤمن بال واليوم الخر‪،‬تسافر مسيرة يوم وليلة‪ ،‬إل مع ذي محرم عليها»‬
‫(نصب الراية‪.)249/4 :‬‬
‫(‪ )2‬روي من حديث عمر‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬وجابر بن سمرة‪ ،‬وعامر بن ربيعة‪ .‬وحديث عمر رواه‬
‫الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح غريب (نصب الراية‪ 249/4 :‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )3‬فيه أحاديث كثيرة منها ما هو متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن عمر‪ ،‬وأسماء وعائشة (نيل‬
‫الوطار‪ )190/6 :‬والنامصة‪ :‬التي تنتف الشعر من الوجه‪ ،‬والمتنمصة‪ :‬التي يفعل بها ذلك‪ .‬وهو‬
‫محمول على ما ل ضرورة إليه لما في نتفه بالمنماص (المنقاش) من اليذاء‪ .‬جاء في تبيين المحارم‪:‬‬
‫إزالة الشعر من الوجه حرام إل إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فل تحرم إزالته‪ ،‬بل تستحب‪ .‬وفي‬
‫التتارخانية‪ :‬ل بأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المخنث (رد المحتار‪.)264/5 :‬‬

‫( ‪)4/207‬‬