‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬

‫(اضغط هنا للنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على النترنت)‬
‫الكتاب ‪ :‬الفِقْ ُه السلميّ وأدلّتُهُ‬
‫الشّامل للدلّة الشّرعيّة والراء المذهبيّة وأهمّ النّظريّات الفقهيّة وتحقيق الحاديث‬
‫النّبويّة وتخريجها‬
‫المؤلف ‪ :‬أ‪.‬د‪ .‬وَهْبَة الزّحَيِْليّ‬
‫ي وأصوله‬
‫أستاذ ورئيس قسم الفقه السلم ّ‬
‫بجامعة دمشق ‪ -‬كلّيّة الشّريعة‬
‫الناشر ‪ :‬دار الفكر ‪ -‬سوريّة ‪ -‬دمشق‬
‫الطبعة ‪ :‬الطّبعة الرّابعة المنقّحة المعدّلة بالنّسبة لما سبقها‪ ،‬وهي الطّبعة الثّانية‬
‫عشرة لما تقدّمها من طبعات مصوّرة؛ لنّ الدّار النّاشرة دار الفكر بدمشق لتعتبر‬
‫التّصوير وحده مسوّغا لتعدّد الطّبعات مالم يكن هناك إضافات ملموسة‪.‬‬
‫عدد الجزاء ‪10 :‬‬
‫ـ الكتاب مقابل على المطبوع ومرقّم آليّا ترقيما غير موافق للمطبوع‪.‬‬
‫ـ مذيّل بالحواشي دون نقصان‪.‬‬
‫نال شرف فهرسته وإعداده للشّاملة‪ :‬أبو أكرم الحلبيّ من أعضاء ملتقى أهل الحديث‬
‫ل تنسونا من دعوة في ظهر الغيب ‪...‬‬
‫وحيث منع النظر منعت المجالسة والمواكلة إل لضرورة (‪. )1‬‬
‫حفُوا‬
‫وأما إعفاء اللحية‪ :‬فل شك بأنه سنة مطلوبه لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬خالفوا المشركين‪ ،‬أ ْ‬
‫الشوارب‪ ،‬وأوفوا اللّحى» ‪« ،‬جُزّوا الشوارب وأرْخُوا اللحى‪ ،‬خالفوا المجوس» وروت عائشة‪« :‬عشر‬
‫من الفطرة‪ :‬قص الشارب‪ ،‬وإعفاء اللحية‪ ،‬والسواك‪ »...‬الحديث‪ ،‬وعن ابن عمر عن النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪« :‬أنه أمر بإحفاء الشوارب‪ ،‬وإعفاء اللحية» (‪. )2‬‬
‫ومعنى إحفاء الشوارب‪ :‬قص ما طال على الشفتين‪ ،‬حتى يبين بياضهما‪.‬‬
‫ومعنى إعفاء اللحية‪ :‬توفيرها‪ ،‬خلفا لما كان من عادة الفرس من قص اللحية‪ ،‬فنهى الشرع عن ذلك‪.‬‬
‫وقد حرم المالكية والحنابلة حلقها‪ ،‬واعتبر الحنفية حلقها مكروها تحريميا‪ ،‬والمسنون في اللحية هو‬
‫القبضة‪ ،‬وأما الخذ منها دون ذلك أو أخذها كلها فل يجوز (‪ . )3‬وقال الشافعية بكراهية حلقها‪ ،‬فقد‬

‫ذكر النووي أن العلماء ذكروا عشر خصال مكروهة في اللحية‪ ،‬بعضها أشد من بعض‪ ،‬منها حلقها‬
‫إل إذا نبت للمرأة لحية‪ ،‬فيستحب لها حلقها (‪. )4‬‬
‫وأما خصال الفطرة العشر (‪ )5‬فهي بمقتضى حديث عائشة السابق‪ :‬قص‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 446‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪.135/4 :‬‬
‫(‪ )2‬روى مسلم في صحيحه هذه الحاديث‪ ،‬الول عن ابن عمر‪ ،‬والثاني عن أبي هريرة‪ ،‬والثالث‬
‫عن عائشة‪ ،‬والرابع عن ابن عمر (شرح مسلم‪.)147/3:‬‬
‫(‪ )3‬الدر المختار‪.155/2 :‬‬
‫(‪ )4‬شرح مسلم‪ ،149/3 :‬نيل الوطار‪.116/1 :‬‬
‫(‪ )5‬وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه‪« :‬الفطرة خمس‪ :‬الختان‪ ،‬والستحداد (حلق العانة)‪ ،‬وقص‬
‫الشارب‪ ،‬وتقليم الظفار‪ ،‬ونتف البط» ‪.‬‬

‫( ‪)4/208‬‬
‫الشارب وإعفاء اللحية‪ ،‬والسواك‪ ،‬واستنشاق الماء‪ ،‬وقص الظفار‪ ،‬وغسل البَرَاجم (‪ ، )1‬ونتف‬
‫البط‪ ،‬وحلق العانة‪ ،‬وانتقاص الماء (الستنجاء)‪ ،‬والمضمضة‪ ،‬والختان وكونه العاشر أولى‪ ،‬كما في‬
‫رواية أبي هريرة‪.‬‬
‫وأما المضاجعة‪ :‬فل يجوز أن يجتمع رجل وامرأة غير زوجته في مضجع واحد‪ ،‬ل متجردين‪ ،‬ول‬
‫غير متجردين‪ ،‬ول يجوز أن يجتمع رجلن ول امرأتان في مضجع واحد‪ ،‬وقد نهي عن المكامعة أو‬
‫المكاعمة ومعناها المضاجعة التي ل ستر بينهما (‪ . )2‬وقد حرم الشافعية تلك المضاجعة بين رجلين‬
‫أو امرأتين عاريين في ثوب واحد‪.‬‬
‫ويجب التفريق بين الصبيان أو البنات في المضاجع بين ابن عشر سنين وإخوته وأخواته لخبر‪:‬‬
‫«مروا أولدكم بالصلة‪ ،‬وهم أبناء سبع‪ ،‬واضربوهم عليها وهم أبناء عشر‪ ،‬وفرقوا بينهم بالمضاجع»‬
‫( ‪. )3‬‬
‫وتسن مصافحة الرجلين والمرأتين لقوله عليه السلم فيما يرويه الطبراني والبيهقي‪« :‬إن المؤمن إذا‬
‫لقي المؤمن‪ ،‬فسلم عليه وأخذ بيده‪ ،‬فصافحه‪ ،‬تناثرت خطاياهما‪ ،‬كما يتناثر ورق الشجر» ‪ .‬ولخبر‪:‬‬
‫«ما من مسلمين يلتقيان يتصافحان إل غفر لهما قبل أن يتفرقا» (‪ )4‬والسنة في المصافحة بكلتا يديه‪.‬‬
‫قال النووي في الذكار‪ :‬اعلم أن المصافحة مستحبة عند كل لقاء‪ ،‬وأما ما اعتاده الناس من المصافحة‬

‫بعد صلة الصبح والعصر‪ ،‬فل أصل له في الشرع على هذا الوجه‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البراجم‪ :‬هي عُقد الصابع ومفاصلها كلها‪ ،‬ويلحق بها معاطف الذن وداخل النف وأي موضع‬
‫من البدن عليه وسخ مجتمع‪.‬‬
‫(‪ )2‬روه ابن أبي شيبة عن عامر الحجري (نصب الراية‪.)257/4 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عمرو‪ ،‬وهو حديث صحيح‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو داود والترمذي عن البراء (نصب الراية‪.)260/4 :‬‬

‫( ‪)4/209‬‬
‫ولكن ل بأس به‪ ،‬فإن أصل المصافحة سنة‪ ،‬وتقييدها بما بعد الصبح والعصر عادة كانت في زمانه‪،‬‬
‫وإل فعقب الصلوات كلها كذلك‪ .‬والراجح عند الحنفية جواز المصافحة مطلقا ولو بعد الصلوات‪.‬‬
‫وكره بعض الحنفية المصافحة بعد الصلة‪.‬‬
‫وتكره مصافحة من به عاهة كجذام أو برص (‪. )1‬‬
‫ويكره تحريما عند الحنفية تقبيل الرجل فم الرجل‪ ،‬أو يده‪ ،‬أو شيئا منه‪ .‬وكذا تقبيل المرأة المرأة عند‬
‫لقاء أو وداع‪ ،‬إذا كان عن شهوة‪ ،‬أما لو كان على وجه البر‪ ،‬فجائز‪.‬‬
‫وتكره عند الشافعية المعانقة والتقبيل في الرأس‪ ،‬ولو كان أحدهما أو كلهما صالحا‪ ،‬للنهي عن ذلك‬
‫في حديث رواه الترمذي‪ ،‬إل لقادم من سفر‪ ،‬أو تباعُد لقاء عرفا‪ ،‬فيكون سنة؛ لحديث رواه الترمذي‬
‫أيضا‪.‬‬
‫ويكره حني الظهر مطلقا لكل أحد من الناس‪ ،‬ويحرم تقبيل الرض بين يدي العلماء والعظماء‪ .‬ول‬
‫بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل‪ ،‬وتقبيل رأس العالم أجود‪.‬‬
‫ويسن القيام لهل الفضل من علم أو صلح أو شرف‪ ،‬أو نحو ذلك إكراما‪ ،‬ل رياء وتفخيما‪ ،‬قال‬
‫النووي في الروضة‪ :‬قد ثبت فيه أحاديث صحيحة‪.‬‬
‫رابعا ـ اللهو ‪:‬‬
‫اللعب‪ :‬أ ـ يحرم بالتفاق كل لعب فيه قمار (‪ : )2‬وهو أن يغنم أحدهما‪ ،‬ويغرم الخر‪ ،‬لنه من‬
‫الميسر أي القمار الذي أمر ال باجتنابه في قوله تعالى‪{ :‬إنما الخمر والميسر والنصاب والزلم‬
‫رجس من عمل الشيطان‪ ،‬فاجتنبوه } [المائدة‪ .]90/5:‬ومن تكرر منه ذلك سقطت عدالته‪ ،‬وردت‬
‫شهادته‪.‬‬

‫وإن أخرج أحدهما مالً على أنه إن غلب‪ ،‬أخذ ماله‪ ،‬وإن غلبه صاحبه‪ ،‬أخذ المال‪ ،‬لم يصح العقد؛‬
‫لنه ليس من آلت الحرب‪ ،‬فل يصح بذل العوض فيه‪ ،‬ول ترد به الشهادة‪ ،‬لنه ليس بقمار‪ ،‬كما‬
‫أبنت معناه‪.‬‬
‫ب ـ وما خل من القمار‪ ،‬وهو اللعب الذي ل عوض فيه من الجانبين ول من أحدهما‪ ،‬فمنه ما هو‬
‫محرم‪ ،‬ومنه ما هو مباح‪ ،‬لكن ل يخلو كل لهو غير نافع من الكراهة؛ لما فيه من تضييع الوقت‬
‫والنشغال عن ذكر ال وعن الصلة وعن كل نافع مفيد‪.‬‬
‫النرد‪ :‬يحرم اللعب بالنرد‪ ،‬وترد به الشهادة‪ .‬وعبر عنه الحنفية‪ :‬بالمكروه تحريما بحسب اصطلحهم‬
‫في كون دليل الحكم فيه ظنيا‪ ،‬لما روى أبو موسى الشعري‪« :‬من لعب بالنرد فقد عصى ال‬
‫ورسوله» (‪ )3‬وروى بريدة أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من لعب بالنردشير‪ ،‬فكأنما غمس‬
‫يده في لحم الخنزير ودمه» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر الدرر المباحة في الحظر والباحة‪ :‬ص ‪ 42‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،135/3 :‬تكملة‬
‫الفتح‪ ،120/8 :‬شرح الرسالة‪ ،393/2 :‬الدر المختار‪.271-269/5 :‬‬
‫(‪ )2‬انظر البدائع‪ ،127/5:‬تكملة الفتح‪ ،132/8 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،194‬شرح الرسالة‪417/2، :‬‬
‫‪ ،420‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ 198/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،328-325/2 :‬المغني‪،176-170/9 :‬‬
‫الدر المختار‪ ،337/3 ،279/5 :‬الفتاوى الهندية‪ ،363/5 :‬تبيين الحقائق‪ 13/6 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود ومالك (المنتقى على الموطأ‪ ،278/7 :‬نيل الوطار‪.)94:‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو داود‪ ،‬ولمسلم‪« :‬من لعب بالنردشير‪ ،‬فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» (نصب‬
‫الراية‪.)274/4 :‬‬

‫( ‪)4/210‬‬
‫فمن تكرر منه اللعب به‪ ،‬لم تقبل شهادته‪ ،‬سواء لعب به قمارا أو غير قمار‪ .‬وهذا باتفاق المذاهب‬
‫الربعة‪ ،‬لنه إن لم يقامر‪ ،‬فهو عبث ولهو‪ ،‬وقال عليه السلم‪« :‬كل شيء ليس من ذكر ال ‪ ،‬فهو‬
‫لهو‪ ،‬ولعب‪ ،‬أو‪ :‬وهو سهو ولغو‪ ،‬إل أربعة‪ :‬ملعبة الرجل امرأته‪ ،‬وتأدي الرجل فرسه‪ ،‬ومشي‬
‫الرجل بين الغرضين‪ ،‬وتعلم الرجل السباحة» (‪ )1‬وقال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬لست من دَد‪ ،‬ول‬
‫الدّد مني» (‪. )2‬‬
‫ويحرم اللعب بالربعة عشر؛ لن المعول فيها على ما يخرجه الكعبان (‪ )3‬فشابه الزلم والنرد‪ ،‬لكن‬

‫الحقيقة أن تحريم النرد (أي الطاولة) هو لنه اللعب الذي كان يدور عليه قمار أهل فارس‪.‬‬
‫الشطرنج‪ :‬ويحرم عند الجمهور غير الشافعية أيضا الشطرنج‪ ،‬قال علي رضي ال عنه‪ :‬الشطرنج من‬
‫الميسر‪ .‬ومرّ علي رضي ال عنه بقوم يلعبون الشطرنج‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يكره اللعب بالشطرنج‪ ،‬لنه لعب ل ينتفع به في أمر الدين‪ ،‬ول حاجة تدعو إليه‪ ،‬فكان‬
‫تركه أولى‪ .‬ول يحرم‪ ،‬لنه روي اللعب به عن ابن عباس وابن الزبير‪ ،‬وأبي هريرة‪ ،‬وسعيد بن‬
‫المسيب رضي ال عنهم‪ ،‬إذ لم يرد نص بتحريمه‪ ،‬ول هو في معنى المنصوص عليه‪ ،‬والصل في‬
‫الشياء الباحة‪ .‬وقيل‪ :‬فيه تشحيذ الخواطر‪ ،‬وتذكية الفهام‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه النسائي من حديث جابر بن عبد ال ‪،‬وفيه أحاديث أخرى عن عقبة بن عامر‪ ،‬وأبي‬
‫هريرة‪ ،‬وعمر بن الخطاب‪ .‬والمشي بين الغرضين أو الهدفين أي تعلم الرماية (نصب الراية‪273/4 :‬‬
‫ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )2‬روي من حديث أنس‪ ،‬ومعاوية بن أبي سفيان‪ ،‬روى الول البخاري وغيره‪ ،‬وروى الثاني‬
‫الطبراني (تخريج أحاديث التحفة‪ .)4697/3 :‬والدد‪ :‬اللعب‪.‬‬
‫(‪ )3‬الكعاب‪ :‬هي فصوص النرد‪.‬‬

‫( ‪)4/211‬‬
‫وإن كان على عوض من الجانبين أو من جانب واحد يأخذه الغالب من المغلوب‪ ،‬فهو حرام‪ ،‬كما‬
‫ذكرت في بدء بحث اللهو‪.‬‬
‫الغناء وآلته‪ :‬قال بعض الحنفية وبعض الحنابلة‪ :‬يحرم الغناء وسماعه من غير آلة مطربة‪ ،‬لما روى‬
‫ابن مسعود أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬الغناء ينبت النفاق في القلب» (‪. )1‬‬
‫وقال بعض آخر من الحنفية والحنابلة‪ ،‬والمالكية‪ :‬يباح الغناء المجرد من غير كراهة‪ .‬ويظهر أن رأي‬
‫هذا البعض هو الراجح‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬يكره الغناء وسماعه من غير آلة مطربة‪ ،‬ول يحرم‪ ،‬لما روي عن عائشة رضي ال‬
‫عنها‪ ،‬قالت‪« :‬كانت عندي جاريتان تغنيان‪ ،‬فدخل أبو بكر‪ ،‬فقال‪ :‬مزمار الشيطان في بيت رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم ؟ فقال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬دعهما‪ ،‬فإنها أيام عيد» (‪ . )2‬وقال‬
‫عمر‪ :‬الغناء زاد الراكب‪ .‬والخلصة‪ :‬أن الغزالي في بعض تآليفه نقل التفاق على حل مجرد الغناء‬
‫من غير آلة (‪. )3‬‬

‫وأما اللت‪ :‬فيحرم في المشهور من المذاهب الربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) استعمال‬
‫اللت التي تطرب كالعود والطنبور والمعزفة والطبل والمزمار والرباب وغيرها من ضرب الوتار‬
‫والنايات والمزامير كلها (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الصحيح أنه من قول ابن مسعود (المغني‪.)175/9 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬نيل الوطار‪ ،101/8:‬الحياء‪ 238/2 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬انظر بحث السماع في الحياء للغزالي‪ 268-237/2 :‬ويلحظ أن الغزالي أباح سماع القضيب‬
‫والطبل والدف وغيره‪ ،‬ولم يستثن إل المعازف والوتار والمزامير التي ورد الشرع بالمنع منها‪ ،‬ل‬
‫للذتها‪ ،‬مثل البَرْبَط والطُنبُور‪ .‬وانظر أيضا نيل الوطار‪ ،105-100/8 :‬الشرح الصغير وحاشية‬
‫الصاوي‪ 502/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/212‬‬
‫فمن أدام استماعها‪ ،‬ردت شهادته‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ليكونن من أمتي أقوام يستحلون‬
‫الخمر والخنازير والخز والمعازف» (‪ )1‬وفي لفظ ‪« :‬ليشربن ناس من أمتي الخمر‪ ،‬يسمونها بغير‬
‫اسمها‪ ،‬يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات‪ ،‬يخسف ال بهم الرض‪ ،‬ويجعل منهم القردة‬
‫والخنازير» (‪. )2‬‬
‫واستدلوا على تحريم المعازف من القرآن بقوله تعالى‪{ :‬ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل‬
‫عن سبيل ال } [لقمان‪ ]6/31:‬قال ابن عباس‪ :‬إنها الملهي‪.‬‬
‫وبالمعقول‪ :‬وهو أن هذه اللت تطرب‪ ،‬وتدعو إلى الصد عن ذكر ال تعالى وعن الصلة‪ ،‬وإلى‬
‫إتلف المال‪ ،‬فحرمت كالخمر‪.‬‬
‫ويكره عند الشافعية والحنابلة القضيب الذي يزيد الغناء طربا‪ ،‬ول يطرب إذا انفرد‪ ،‬لنه تابع للغناء‪،‬‬
‫فكان حكمه حكم الغناء‪ ،‬أي أنه مكروه إذا انضم إليه محرم أو مكروه كالتصفيق والغناء والرقص‪.‬‬
‫وإن خل عن ذلك لم يكره‪ ،‬لنه ليس بآلة ول يطرب‪ ،‬ول يسمع منفردا بخلف الملهي‪.‬‬
‫وأباح مالك والظاهرية وجماعة من الصوفية السماع ولو مع العود واليراع‪ .‬وهو رأي جماعة من‬
‫الصحابة (ابن عمر‪ ،‬وعبد ال بن جعفر‪ ،‬وعبد ال بن الزبير‪ ،‬ومعاوية‪ ،‬وعمرو بن العاص وغيرهم)‬
‫وجماعة من التابعين كسعيد بن المسيب‪.‬‬

‫وأما الرقص الذي يشتمل على التثني والتكسر والتمايل والخفض والرفع بحركات موزونة فهو حرام‬
‫ومستحله فاسق‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه ابن ماجه (نيل الوطار في الحديثين‪ )96/8 :‬وروى الترمذي حديثا عن علي‪« :‬إذا فعلت‬
‫أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلء‪ ،‬وفيه‪ :‬وشربت الخمور‪ ،‬ولبست الحرير‪ ،‬واتخذت القيان‬
‫والمعازف» لكنه حديث غريب‪( ،‬نيل الوطار‪.)99/8 :‬‬

‫( ‪)4/213‬‬
‫وأما اللعب المباح‪ :‬فهو ـ كما سأبين في بحث السبق ـ المسابقة المشروعة بالخيل وغيرها من‬
‫الحيوانات‪ ،‬أو التدرب على السلح‪ .‬ويجوز ذلك على عوض من غير المتسابقين‪ ،‬أو من واحد منهما‬
‫يأخذه السابق‪.‬‬
‫ويجوز الغناء المباح وضرب الدف (‪ )1‬في العرس والختان‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم‪« :‬أعلنوا‬
‫النكاح‪ ،‬واضربوا عليه بالغربال» ‪)2( .‬‬
‫وتحرم الغاني المهيجة للشرور المشتملة على وصف الجمال والفجور ومعاقرة الخمور في الزفاف‬
‫وغيره‪ ،‬ويحرم كل الملهي المحرمة (‪. )3‬‬
‫وحكى الرُوياني عن القفال أن مذهب مالك بن أنس إباحة الغناء بالمعازف‪ ،‬وهو مذهب الظاهرية‪.‬‬
‫ول خلف بين أهل المدينة في إباحة العود (‪ ، )4‬وبه قال بعض الشافعية‪ .‬ودليلهم على الباحة‪ :‬أنه‬
‫لم تصح عندهم أحاديث المنع‪ .‬قال الفاكهاني‪ :‬لم أعلم في كتاب ال ‪ ،‬ول في السنة حديثا صحيحا في‬
‫تحريم الملهي‪ ،‬وإنما هي ظواهر وعمومات يتأنس بها‪ ،‬ل أدلة قطعية (‪. )5‬‬
‫وأقول‪ :‬إن الغاني الوطنية أو الداعية إلى فضيلة‪ ،‬أو جهاد‪ ،‬ل مانع منها‪ ،‬بشرط عدم الختلط‪،‬‬
‫وستر أجزاء المرأة ما عدا الوجه والكفين‪ .‬وأما الغاني المحرضة على الرذيلة فل شك في حرمتها‪،‬‬
‫حتى عند القائلين بإباحة الغناء‪ ،‬وعلى التخصيص منكرات الذاعة والتلفاز الكثيرة في وقتنا الحاضر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وهو المدور من وجه واحد كالغربال‪ .‬وأما المدور من وجهين وهو المزهر ففيه عند المالكية‬
‫أقوال ثلثة‪ :‬الجواز‪ ،‬والمنع‪ ،‬والكراهة‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه ابن ماجه عن عائشة (نيل الوطار‪.)187/6 :‬‬

‫(‪ )3‬نيل الوطار ‪.188/6 :‬‬
‫(‪ )4‬نيل الوطار‪.150-100/8 :‬‬
‫(‪ )5‬نيل الوطار‪.104/8 :‬‬

‫( ‪)4/214‬‬
‫ول شك بأن المتناع عن السماع في الوقت الحاضر أولى؛ لن في ذلك شبهة؛ والمؤمنون وقافون‬
‫عند الشبهات كما صرح به الحديث الصحيح‪ ،‬ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه‪ ،‬ومن حام‬
‫حول الحمى يوشك أن يقع فيه‪ ،‬ولسيما إذا كان مشتملً على ذكر القدود والخدود‪ ،‬والجمال والدلل‪،‬‬
‫والهجر والوصال‪ ،‬ومعاقرة الراح (الخمر)‪ ،‬كما ذكر الشوكاني (‪. )1‬‬
‫ول بأس بسماع الموسيقا لعلج بعض المراض النفسانية‪ ،‬أو العصبية‪.‬‬
‫ضابط ما يجوز وما يحرم من اللهو واللعب عند الشافعية ‪:‬‬
‫الضابط المميز للهو واللعب عند الشافعية‪ :‬هو أن كل ما ل يترك أثرا نافعا فهو مباح‪ ،‬وكل ما يترك‬
‫أثرا ضارا فهو حرام‪.‬‬
‫وأساس التفرقة في أنواع اللعب‪ :‬هو أن ما يقوم على تشغيل الذهن وتحريك الفكر كالشطرنج فهو‬
‫مكروه‪ ،‬وكل ما يقوم على المصادفة وحجب الفكر والعقل كالنرد فهو حرام‪.‬‬
‫وعلى هذا يكون السترسال في مجالس اللهو والمزاح مكروها ‪ ،‬فإن انضم إليه الكذب أو التهاون في‬
‫الخلق فهو حرام‪.‬‬
‫وتكون مجالس الغناء المقرونة باللت الموسيقية حراما‪ ،‬والشطرنج مكروه لنه رياضة للذهن‪ ،‬فإن‬
‫فوت الواجبات الدينية فهو حرام‪ ،‬ولعب الشدّة أو الورق مكر وه لنه يلهي عن ذكرال ويصبح حراما‬
‫إن كان على شرط المال‪ .‬والنرد حرام ولو بغير قمار أو عوض مالي لعتماده على المصادفة‪ ،‬وذلك‬
‫يترك أثرا ضارا في النفس؛ لنه يجعل العقل يتخيل كون المصادفة مؤثرة في أعمال الحياة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪.105/8 :‬‬

‫( ‪)4/215‬‬
‫وتحريش الديكة على بعضها‪ ،‬ودفع المواشي إلى التناطح ومصارعة الثيران والمصارعة الحرة‬
‫والملكمة ونحوها حرام‪ ،‬لما تحدثه من أضرار في حياة النسان أو الحيوان‪ ،‬فإن لم يكن في الملكمة‬

‫أو المصارعة ضرر بأحد الطرفين كانت مباحة‪ ،‬وكذلك تباح إن كان فيها تعويد النسان على القوة‬
‫والقتال والدفاع عن النفس‪ ،‬وقد صارع رسول ال صلّى ال عليه وسلم رُكانة وغلبه (‪. )1‬‬
‫فإن كان اللهو على مال مشروط من أحد الطرفين أو من الطرفين أو من أجنبي عنهما فهو حرام؛‬
‫لنه من الميسر الذي يحرم تعاطيه‪.‬‬
‫وأما ما رواه أبو داود في مراسيله‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم صارع ركانة إذ كان مشركا‪،‬‬
‫على شياه» فهذا كان في الجاهلية قبل إسلم ركانة‪ ،‬وقد رد النبي صلّى ال عليه وسلم الشياه الثلث‬
‫على ركانة قائلً له‪« :‬ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك فنغرمك‪ ،‬خذ غنمك» ‪.‬‬
‫ويكره اللعب بالحمام عند جماعة من العلماء لنه من اللهو الذي لم يؤذن فيه‪ ،‬وربما يكون حراما؛ لما‬
‫رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة‪ :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم رأى رجلً يتبع‬
‫حمامة‪ ،‬فقال‪« :‬شيطان يتبع شيطانة» ‪.‬‬
‫الحداء والشعر‪ :‬وأما الحداء وهو النشاد الذي تساق به البل‪ ،‬فمباح‪ ،‬ل بأس في فعله واستماعه‪ .‬وقد‬
‫أقره النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬كما أقر نشيد العراب‪ .‬فيجوز سائر أنواع النشاد ما لم يخرج إلى‬
‫حد الغناء‪ ،‬وقد كان النبي صلّى ال عليه وسلم يسمع إنشاد الشعر‪ ،‬فل ينكره (‪. )2‬‬
‫ويجوز قول الشعر‪ ،‬لنه كان للنبي صلّى ال عليه وسلم شعراء منهم حسان وكعب بن مالك وعبد ال‬
‫بن رواحة‪ ،‬وقد مدحوه‪ ،‬وأعطى الرسول بردة كانت عليه كعب بن زهير لما أنشده القصيدة اللمية‪:‬‬
‫بانت سعاد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫(‪ )2‬راجع المهذب‪ 327/2 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ ،176/9 :‬الحياء‪.109/3 :‬‬

‫( ‪)4/216‬‬
‫وحكم الشعر حكم الكلم في حظره وإباحته‪ ،‬وكراهيته واستحبابه ورد الشهادة به‪ ،‬فحسنه كحسنه‪،‬‬
‫وقبيحه كقبيحه‪ ،‬قال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن من الشعر لحكما» (‪ )1‬وقال أيضا‪« :‬الشعر‬
‫بمنزلة الكلم‪ :‬حسنه كحسن الكلم‪ ،‬وقبيحه كقبيح الكلم» (‪. )2‬‬
‫تلحين القرآن‪ :‬ل بأس بقراءة القرآن من غير تلحين‪ .‬والفضل تحسين الصوت بالقرآن‪ ،‬لقوله صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪« :‬زينوا القرآن بأصواتكم» أو «زينوا أصواتكم بالقرآن» (‪. )3‬‬
‫أما القراءة بالتلحين‪ :‬فإن لم يفرط في التمطيط والمد وإشباع الحركات‪ ،‬فل بأس به لن النبي صلّى‬

‫ال عليه وسلم قد قرأ ورجّع ورفع صوته‪.‬فإن جاوز الحد في التطويل وإدغام بعضه في بعض‪ ،‬كان‬
‫مكروها (‪. )4‬‬
‫خامسا ـ التصوير ‪:‬‬
‫التصوير في أصل اللغة العربية‪ :‬معناه النشاء والترتيب والتمييز‪ ،‬ومنه «المصوّر» أحد أسماء ال‬
‫تعالى‪ :‬وهو الذي صوّر جميع الموجودات ورتّبها‪ ،‬فأعطى كلّ شيء منها صورة خاصة‪ ،‬وهيئة‬
‫منفردة يتميز بها على اختلفها وكثرتها (‪ . )5‬ومنه قوله تعالى‪{ :‬ثم صوّرناكم} [العراف‪]7/11:‬‬
‫{وصوّركم‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس بلفظ‪« :‬إن من البيان سحرا‪ ،‬وإن من الشعر حكما‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري في الدب والطبراني في الوسط عن ابن عمرو‪ ،‬ورواه أبو يعلى عن عائشة‬
‫(الفتح الكبير)‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن البراء بن عازب (الجامع‬
‫الصغير)‪.‬‬
‫(‪ )4‬المهذب‪ ،328/2:‬المغني‪ 179/9 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )5‬النهاية لبن الثير ‪.58/3‬‬

‫( ‪)4/217‬‬
‫فأحسن صوركم} [التغابن‪{ ]3/64:‬في أي صورة ما شاء ركّبك} [النفطار‪{ ]8/82:‬هو الذي يصوّركم‬
‫في الرحام} [آل عمران‪ .]6/3:‬ومنه قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬خلق ال آدم على صورته‪ ،‬وطوله‬
‫خصّ‬
‫ستون ذراعا» (‪ . )1‬قال الراغب الصفهاني في مفردات القرآن‪ :‬فالصورة‪ :‬أراد بها ما ُ‬
‫النسان بها من الهيئة المدركة بالبصر والبصيرة‪ ،‬وبها فضّله على كثير من خلقه (‪. )2‬‬
‫وكان التصوير الموجود في عهد النبوة الذي اتجه إليه النهي والتحريم هو الذي توافر فيه صفات‬
‫ثلث ‪ :‬صورة ماله روح من النسان والحيوان‪ ،‬وقصد التعظيم‪ ،‬ومضاهاة أو محاكاة خلق ال تعالى‬
‫وفعله‪ .‬والحكمة من التحريم‪ :‬منع التشبه بعبادة الوثان والصنام‪ ،‬ومحاربة الشرك‪ ،‬وتوفير التعظيم‬
‫ل وحده‪.‬‬
‫وأهم الحاديث الواردة في التصوير ما يلي‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬حديث امتناع الملئكة من دخول البيت الذي فيه كلب أو تصاوير‪ :‬أخرج مسلم عن ابن عباس‬

‫يقول‪ :‬سمعت أبا طلحة يقول‪ :‬سمعت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقول‪« :‬ل تدخل الملئكة بيتا‬
‫فيه كلب ول صورة» أي ملئكة الرحمة والتبريك والستغفار‪ .‬أما الحفظة فيدخلون في كل بيت‪ ،‬ول‬
‫يفارقون بني آدم في كل حال؛ لنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها‪ .‬قال العلماء‪ :‬سبب امتناعهم‬
‫من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة‪ ،‬وفيها مضاهاة لخلق ال تعالى‪ .‬وأما الكلب فلكثرة أكله‬
‫النجاسات (‪ . )3‬وقال الخطابي ‪ :‬وإنما ل تدخل الملئكة بيتا فيه كلب أو صورة ‪ :‬مما يحرم اقتناؤه‬
‫من الكلب والصور‪ ،‬فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في‬
‫البساط والوسادة وغيرهما‪ ،‬فل يمتنع دخول الملئكة بسببه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة‪ ،‬والمعنى‪ :‬خلق ال آدم على صورة آدم التي كان‬
‫عليها من مبدأ فطرته إلى موته‪ ،‬لم تتفاوت قامته ولم تتغير هيئته بخلف بنيه‪ ،‬فإن كلً منهم يكون‬
‫نطفة ثم مضغة ثم عظاما وأعصابا‪ ،‬ثم يمر بأطوار الطفولة والبلوغ والشباب والشيخوخة‪.‬‬
‫(‪ )2‬معجم مفردات ألفاظ القرآن‪ :‬ص ‪.297‬‬
‫(‪ )3‬شرح مسلم للنووي ‪.14/84‬‬

‫( ‪)4/218‬‬
‫‪ - ً 2‬حديث القرام‪ :‬أخرج مسلم أيضا عن عائشة قالت‪ :‬دخل علي رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫وأنا متسترة بِقرَام (‪ )1‬فيه صورة‪ ،‬فتلوّن وجهه‪ ،‬ثم تناول الستر فهتكه‪ ،‬ثم قال‪« :‬إن من أشد الناس‬
‫عذابا يوم القيامة الذين يُشَبّهون بخَلْق ال » (‪ )2‬وهذا الحكم المتعلق بالقرام كان في أول المر‪ ،‬ثم‬
‫ُرخّص فيه بعدئذ‪ ،‬بدليل رواية أخرى كما ذكرها مسلم لخالد الجهني فيها زيادة‪« :‬إل ما كان رقما في‬
‫ثوب» وكذلك رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) في حديث أبي طلحة‪« :‬إل رقما في ثوب» ‪.‬‬
‫ويؤيد الترخيص المتأخرحديث آخر‪ :‬هو ما أخرجه مسلم عن عائشة قالت‪« :‬كان لنا ستْر فيه تمثال‬
‫طائر‪ ،‬وكان الداخل إذا دخل استقبله‪ ،‬فقال لي رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪:‬حوّلي هذا‪ ،‬فإني كلما‬
‫دخلت فرأيته‪ ،‬ذكرت الدنيا» قالت‪ :‬وكانت لنا قطيفة كنا نقول‪ :‬عََلمُها حرير‪ ،‬فكنا نَلْبَسُها‪ .‬قال‬
‫الطحاوي‪ :‬إنما نهى الشارع أولً عن الصور كلها‪ ،‬وإن كانت رقما؛ لنهم كانوا حديث عهد بعبادة‬
‫الصور‪ ،‬فنهى عن ذلك جملة‪ ،‬ثم لما تقرر نهيه عن ذلك‪ ،‬أباح ما كان رقما في ثوب للضرورة إلى‬
‫اتخاذ الثياب‪ ،‬وأباح ما يمتهن؛ لنه يأمن على الجاهل تعظيم ما يمتهن‪ ،‬وبقي النهي فيما ل يمتهن‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬حديث النّمرقة (‪ : )3‬أخرج مسلم عن عائشة‪ « :‬أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير‪ ،‬فلما رآها‬

‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬قام على الباب‪ ،‬فلم يدخل‪ ،‬فعَرَفتُ ـ أو‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القرام ‪ :‬الستر الرقيق كالشراشف الحالية والبطانيات ‪.‬‬
‫(‪ )2‬شرح المسلم ‪ 87/ 14‬وما بعدها ‪.‬‬
‫(‪ )3‬الّنمُرقة ‪ :‬الوسادة الصغيرة ‪.‬‬

‫( ‪)4/219‬‬
‫فعُرفت ـ في وجهه الكراهية‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬أتوب إلى ال وإلى رسوله فماذا أذنبت؟ فقال‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬ما بال هذه النمرقة؟ فقالت‪ :‬اشتريتُها لك تقعُد عليها وتوَسّدها‪ ،‬فقال‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬إن أصحاب هذه الصور يعذّبون‪ ،‬ويقال لهم‪ :‬أحيوا ما خلقتم» ‪ .‬ثم‬
‫قال‪ « :‬إن البيت الذي فيه الصور ل تدخله الملئكة» (‪ . )1‬وهذا واضح الدللة في أن التحريم‬
‫منصب على المصورين الذين يصورون صور الجسام ذات الروح إذا كانت بحالة يضاهى بها خلق‬
‫ال ‪.‬‬
‫‪ - ً 4‬تحدي المصورين‪ :‬أخرج مسلم عن أبي زُرعة قال‪ :‬دخلت مع أبي هريرة في دار مروان‪،‬‬
‫فرأى فيها تصاوير‪ ،‬فقال‪ :‬سمعت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقول‪ :‬قال ال عز وجل‪« :‬ومن‬
‫أظلم ممن ذهب يخلُق خلقا كخَلْقي‪ ،‬فليخلُقوا ذَرّة‪ ،‬أو ليخلقوا حبّة أو ليخلقوا شعيرة» (‪. )2‬‬
‫‪ - ً 5‬أخرج البخاري « أن النبي لمصلّى ال عليه وسلم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب (‪ )3‬إل‬
‫نفضه» ‪.‬‬
‫آراء العلماء في التصوير ‪:‬‬
‫قال النووي مبينا آراء العلماء (‪ : )4‬تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم‪ ،‬وهو من الكبائر؛‬
‫لنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الحاديث‪ ،‬وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره‪،‬‬
‫فصنعته حرام بكل حال؛ لن فيه مضاهاة لخلق ال تعالى‪ ،‬وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم‬
‫أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها‪.‬‬
‫وأما تصوير صورة الشجر ورحال البل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان‪ ،‬فليس بحرام‪ .‬هذا‬
‫حكم التصوير نفسه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬شرح المسلم ‪ 89/ 14‬وما بعدها ‪.‬‬

‫(‪ )2‬المرجع السابق ‪ 93/ 14 :‬وما بعدها ‪.‬‬
‫(‪ )3‬التصاليب ‪ :‬صور الصليب ‪.‬‬
‫(‪ )4‬شرح مسلم ‪ ،‬المرجع السابق ‪ 14/81 :‬وما بعدها ‪.‬‬

‫( ‪)4/220‬‬
‫وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان‪ ،‬أي تعليقه ونصبه في المنازل وغيرها‪ ،‬فإن كان معلقا على‬
‫حائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحو ذلك مما ل يعد ممتهنا‪ ،‬فهو حرام‪.‬‬
‫وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن‪ ،‬فليس بحرام‪ ،‬ولفرق في هذا كله بين ما‬
‫له ظل وما ل ظل له‪ .‬وهذا رأي الشافعية وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم‪ ،‬وهو‬
‫مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم‪.‬‬
‫ووجود الصور يمنع دخول ملئكة الرحمة ذلك البيت إذا كان فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه‬
‫من الكلب والصور‪ ،‬دون غيره مما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي‬
‫تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما‪ ،‬فل يمتنع دخول الملئكة بسببه‪ ،‬كما تقدم بيانه‪.‬‬
‫وقال بعض السلف‪ :‬إنما ينهى عما كان له ظل‪ ،‬ول بأس بالصورالتي ليس لها ظل‪ ،‬قال النووي‪:‬‬
‫وهذا مذهب باطل‪ ،‬فإن الستر الذي أنكر النبي صلّى ال عليه وسلم الصورة فيه ل يشك أحد أنه‬
‫مذموم‪ ،‬وليس لصورته ظل‪ ،‬مع باقي الحاديث المطلقة في كل صورة‪ .‬وقال الزهري‪ :‬النهي في‬
‫الصورة على العموم‪ ،‬وكذلك استعمال ما هي فيه‪ ،‬ودخول البيت الذي هي فيه‪ ،‬سواء كانت رقما في‬
‫ثوب أوغير رقم‪ ،‬وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن‪ ،‬عملً بظاهر‬
‫الحاديث‪ ،‬ل سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم‪ .‬قال النووي‪ :‬وهذا مذهب قوي‪ .‬وقال آخرون‪:‬‬
‫يجوز منها ما كان رقما في ثوب‪ ،‬سواء امتهن أم ل‪ ،‬وسواء علق في حائط أم ل‪ ،‬وكرهوا ما كان له‬
‫ظل‪ ،‬أو كان مصورا في الحيطان وشبهها‪ ،‬سواء كان رقما أو غيره‪ .‬واحتجوا بحديث «إل ما كان‬
‫رقما في ثوب» وهذا مذهب القاسم بن محمد‪.‬‬
‫وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره‪ .‬قال القاضي عياض‪ :‬إل ما ورد في اللعب بالبنات‬
‫لصغار البنات‪ ،‬والرخصة في ذلك‪.‬‬

‫( ‪)4/221‬‬

‫ونقل ابن حجر في فتح الباري شرح البخاري عن ابن العربي رأيه في اتخاذ الصور قائلً‪ :‬حاصل ما‬
‫في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالجماع‪ .‬وإن كانت رقما فأربعة أقوال‪:‬‬
‫الول ـ يجوز مطلقا‪ ،‬عملً بحديث‪« :‬إل رقما في ثوب» ‪.‬‬
‫الثاني ـ المنع مطلقا‪.‬‬
‫الثالث ـ إن كانت الصورة باقية الهيئة‪ ،‬قائمة الشكل حرم‪ ،‬وإن كانت مقطوعة الرأس أو تفرقت‬
‫الجزاء‪ ،‬جاز‪ ،‬قال ابن حجر‪ :‬وهو الصح‪.‬‬
‫الرابع ـ إن كانت مما يمتهن جاز‪ ،‬وإل لم يجز‪.‬‬
‫خلصة الرأي في التصوير ‪:‬‬
‫تحرم الصور ذات الظل وكل الصور المجسّدة والتماثيل لكل ذي روح من إنسان أو حيوان‪ ،‬لجماع‬
‫العلماء على ذلك‪ ،‬ويحرم صنع التماثيل ونصبها في أي مكان‪ ،‬لما أخرجه الشيخان أن رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إن الملئكة ل تدخل بيتا فيه تماثيل» ‪ ،‬وتباح صور النباتات والمناظر‬
‫الطبيعية الكونية من السماء والرض والحدائق والجبال والبحار والنهار‪ ،‬والشياء الجامدة من‬
‫طائرات وسيارات وغير ذلك من الكائنات المخلوقة وليست بذات روح؛ لنها ليست مما تناولها النص‬
‫النبوي بإشارة « يشبّهون بخلق ال » وبإشارة «يقال لهم‪ :‬أحيوا ما خلقتم» ‪.‬‬
‫أما الصور المجسّمة على المخاد والوسائد والستائر والبسط والفرش والبطائن فل مانع منها‪ ،‬لنها‬
‫ممتهنة‪ .‬وتباح عند بعض العلماء اللوحات الزيتية ونقوش الحيطان‪ ،‬والرسوم على الورق‪ ،‬والصور‬
‫المطبوعة أو المنسوجة في الملبس والستور‪ ،‬والمطرزات والموشّاة والمشغولة بأنواع الخيوط ونحو‬
‫ذلك مما ل ظل له‪.‬‬

‫( ‪)4/222‬‬
‫وتباح صور لعب الطفال المختلفة من أنواع الشموع والمعادن كالعرائس ونحوها‪ ،‬ويجوز بيعها‪ ،‬لما‬
‫أخرجه البخاري وأبو داود عن عائشة قالت‪« :‬كنت ألعب بالبنات (‪ ، )1‬فربما دخل علي رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم وعندي الجواري (‪ ، )2‬فإذا دخل خرجن‪ ،‬وإذا خرج دخلن» وأخرج أبو داود‬
‫والنسائي حديثا آخر مشابها لهذا الحديث‪ ،‬أقر فيه الرسول صلّى ال عليه وسلم ما وجده عند عائشة‬
‫من بنات ُلعَب‪ ،‬بعد عودته من غزوة تبوك أو خيبر‪ ،‬قال ابن حزم‪ :‬وجائز للصبايا خاصة اللعب‬
‫بالصور ول يحل لغيرهن‪ ،‬والصور محرمة إل هذا ‪ ،‬وإل ما كان رقما في ثوب‪.‬‬
‫وتباح الصور إذا كانت بحالة ل تعيش بها كمقطوعة الرأس أو الصور النصفية‪ ،‬والولى عدم إقامتها‬

‫أو نصبها في أي مكان في المنزل وغيره‪.‬‬
‫قال الكاساني من الحنفية (‪: )3‬وتكره (أي كراهة تحريم) التصاوير في البيوت‪ ،‬لما روي عن رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم عن سيدنا جبريل عليه الصلة والسلم أنه قال‪« :‬ل تدخل الملئكة بيتا فيه‬
‫كلب أو صورة» ولن إمساكها تشبّه بعبدة الوثان إل إذا كانت على البسط أو الوسائد الصغار التي‬
‫تلقى على الرض ليجلس عليها‪ ،‬فل تكره؛ لن دوسها بالرجل إهانة لها‪ ،‬فإمساكها في موضع‬
‫الهانة ل يكون تشبها بعبدة الصنام إل أن يسجد عليها‪ ،‬فيكره لحصول معنى التشبه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البنات‪ :‬صور للبنات تستعمل للعب والتسلية‪.‬‬
‫(‪ )2‬الجواري‪ :‬جمع جارية وهي الشابة الصغيرة‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ 126/5 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/223‬‬
‫ويكره التصوير على الستور وعلى الزر المضروبة على الحائط وعلى الوسائد الكبار وعلى السقف؛‬
‫لما فيه من تعظيمها‪ ،‬فإذا لم يكن لها رأس‪ ،‬فل بأس؛ لنها ل تكون صورة‪ ،‬بل نقشا‪ ،‬فإن قطع الرأس‬
‫بأن خاط على عنقه خيطا‪ ،‬فذاك ليس بشيء؛ لنها لم تخرج عن كونها صورة‪ ،‬بل ازدادت حلية‬
‫كالطوق لذوات الطواق من الطيور‪ .‬ثم المكروه أي تحريما‪ :‬صورة ذي الروح‪ ،‬فأما صورة مال‬
‫روح له من الشجار والقناديل ونحوها‪ ،‬فل بأس به‪.‬‬
‫أما التصوير الشمسي أو الخيالي فهذا جائز‪ ،‬ول مانع من تعليق الصور الخيالية في المنازل وغيرها‪،‬‬
‫إذا لم تكن داعية للفتنة كصور النساء التي يظهر فيها شيء من جسدها غير الوجه والكفين‪ ،‬كالسواعد‬
‫والسيقان والشعور‪ ،‬وهذا ينطبق أيضا على صور التلفاز وما يعرض فيه من رقص وتمثيل وغناء‬
‫مغنيات‪ ،‬كل ذلك حرام في رأيي‪.‬‬
‫وأما أعمال النحت والرسم للنساء العاريات التي يقوم بها طلب كليات الفنون الجميلة فهي من أشد‬
‫المحرمات والكبائر‪ ،‬ول يصح قياس الرسم على تشريح الجثث في كليات الطب‪ ،‬لن التشريح‬
‫ضرورة علمية تحقق فائدة الحفاظ على حياة النسان‪ ،‬بعكس الرسم الذي هو مجرد عمل ترفيهي‬
‫كمالي‪ ،‬كما أن التشريح يحدث بعد الموت‪ ،‬والرسم يتم في حال الحياة‪.‬‬
‫والسبب في إباحة الصور الخيالية‪ :‬أن تصويرها ل يسمى تصويرا لغة ول شرعا‪ ،‬لما تقدم من بيان‬
‫معنى التصوير في عهد النبوة‪ ،‬ولن هذا التصوير يعد حبسا للظل أو الصورة‪ ،‬مثل الصورة في‬

‫المرآة والصورة في الماء‪ ،‬كل مافي المر أن صورة المرآة أو الماء متحركة غير ثابتة‪ ،‬والصور‬
‫الخيالية تثبّت بالحماض الكيمياوية ونحوها‪ ،‬وهذا ل يسمى تصويرا في الحقيقة‪ ،‬فإن الحمض هو‬
‫المانع من النتقال والتحرك (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تفسير آيات الحكام للشيخ الستاذ محمد علي السايس ‪.61/4‬‬

‫( ‪)4/224‬‬
‫سادسا ـ وسم الحيوان ‪:‬‬
‫الوسم‪ :‬وضع علمة على الحيوان بالكي أو شق الذن أو ثقبها بمثقب‪ .‬قال أهل اللغة‪ :‬الوسم‪ :‬أثر‬
‫كية‪ ،‬يقال‪ :‬بعير موسوم‪ ،‬وقد وسمه يسمه وسما وسمة‪ ،‬والمِيسَم‪ :‬الشيء الذي يوسم به‪ ،‬وجمعه مياسم‬
‫ومواسم‪ ،‬وأصله كله من السمة‪ :‬وهي العلمة‪ ،‬ومنه موسم الحج‪ ،‬أي معلم جمع الناس‪ ،‬وفلن موسوم‬
‫بالخير وعليه سمة الخير‪ ،‬أي علمته‪ ،‬وتوسمت فيه كذا‪ ،‬أي رأيت فيه علمة‪.‬‬
‫وحكم الوسم يتنازعه اتجاهان ‪:‬‬
‫قال أبو حنيفة‪ :‬هو مكروه؛ لنه تعذيب ومثلة‪ ،‬وقد نهي عن المثلة‪.‬‬
‫وذهب الجمهور‪ :‬إلى جواز وسم الحيوان غير الدمي في غير الوجه‪ ،‬وندبه في َنعَم الزكاة والجزية‪،‬‬
‫لحاديث صحيحة صريحة ذكرها مسلم‪ ،‬وآثار كثيرة عن عمر وغيره من الصحابة رضي ال عنهم‪،‬‬
‫ولنها ربما شردت فيعرفها واجدها بعلمتها فيردها‪ ،‬والجواب عن النهي عن المثلة والتعذيب أنه‬
‫عام‪ ،‬وحديث الوسم خاص‪ ،‬فوجب تقديمه‪.‬‬
‫وأما الحاديث‪ :‬فمنها ما أخرجه مسلم عن هشام بن زيد قال‪« :‬سمعت أنسا يحدّث أن أمّه حين ولدت‬
‫انطلقوا بالصبي إلى النبي صلّى ال عليه وسلم يُحنّكه‪ ،‬قال‪ :‬فإذا النبي صلّى ال عليه وسلم في مِرْبَد (‬
‫سمُ غنما‪ ،‬قال شعبة‪ :‬وأكثر علمي أنه قال‪ :‬في آذانها» ‪.‬‬
‫‪ )1‬يَ ِ‬
‫وفي رواية أخرى‪ :‬أن هشام بن زيد قال‪ :‬سمعت أنسا يقول‪ « :‬دخلنا على رسول ال صلّى ال عليه‬
‫سمُ غنما‪ ،‬قال‪ :‬أحسِبُه قال‪ :‬في آذانها (‪. » )2‬‬
‫وسلم مِرْبَدا‪ ،‬وهو يَ ِ‬
‫سابعا ـ أحكام الشّعر ‪:‬‬
‫تجوز إطالة شعر الرأس وحلقه جميعه‪ ،‬لما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن ابن‬
‫عمر‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم رأى صبيا قد حلق بعض رأسه‪ ،‬وترك بعضه‪ ،‬فنهاهم عن‬
‫ذلك‪ ،‬وقال‪ :‬احلقوا كله‪ ،‬أو ذروا كله» وفيه دليل على جواز حلق الرأس جميعه‪ ،‬قال الغزالي‪ :‬ل بأس‬

‫به لمن أراد التنظيف ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المربد‪ :‬الموضع الذي تحبس فيه البل‪ ،‬وهو مثل الحظيرة للغنم‪.‬‬
‫(‪ )2‬شرح مسلم‪.98/14 :‬‬

‫( ‪)4/225‬‬
‫ويكره القَزَع‪ :‬وهو حلق رأس الصبي وترك مواضع منه متفرقة غير محلوقة تشبيها بقزع السحاب‪،‬‬
‫قال النووي‪ :‬والقزع حلق بعض الرأس مطلقا‪ ،‬وهو الصح‪.‬‬
‫ويجوز اتخاذ الشعر‪ ،‬لما روى الخمسة إل النسائي عن عائشة رضي ال عنها قالت‪« :‬كان شعر‬
‫جمّة» (‪. )1‬‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم فوق الوَفرة ودون ال ُ‬
‫ومن اتخذ شعرا يندب له ترجيله (تمشيطه) وإكرامه‪ ،‬روى أبو داود عن أبي هريرة رضي ال عنه‬
‫أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬من كان له شعر فليكرمه» وفيه دللة على استحباب إكرام الشعر‬
‫بالدهن والتسريح وإعفائه عن الحلق؛ لنه يخالف الكرام إل أن يطول‪ ،‬أخرج مالك عن عطاء بن‬
‫يسار قال‪« :‬أتى رجل النبي ثائر الرأس واللحية‪ ،‬فأشار إليه رسول ال صلّى ال عليه وسلم كأنه‬
‫يأمره بإصلح شعره ولحيته‪ ،‬ففعل‪ ،‬ثم رجع‪،‬فقال صلّى ال عليه وسلم ‪:‬أليس هذا خيرا من أن يأتي‬
‫أحدكم ثائر‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الوفرة‪ :‬الشعر المجتمع على الرأس أو ما سال على الذنين منه أو ما جاوز شحمة الذن‪.‬‬
‫والجمة‪ :‬دون ذلك‪ ،‬وهي مجتمع شعر الرأس‪.‬‬

‫( ‪)4/226‬‬
‫الرأس (‪ )1‬كأنه شيطان» ‪.‬‬
‫ويكره نتف الشيب‪ ،‬لما رواه أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم قال‪« :‬ل تنتفوا الشيب‪ ،‬فإنه نور المسلم‪ ،‬ما من مسلم يشيب شيبة في السلم إل كتب‬
‫ال له بها حسنة‪ ،‬ورفعه بها درجة‪ ،‬وحط عنه بها خطيئة» قال النووي‪ :‬لو قيل‪ :‬يحرم النتف للنهي‬
‫الصريح لم يبعد‪ ،‬وقال‪ :‬ول فرق بين نتفه من اللحية والرأس والشارب والحاجب والعذار من الرجل‬
‫والمرأة‪.‬‬

‫وأما خضاب الشعر بالحمر والصفر والسود وغير ذلك من اللوان فهو جائز‪ ،‬إل عند الشافعية‪،‬‬
‫فإنه يحرم الخضاب بالسواد وقال غيرهم بالكراهة فقط‪ ،‬لما رواه الجماعة إل البخاري والترمذي عن‬
‫جابر بن عبد ال قال‪ :‬جيء بأبي قحافة (‪ )2‬يوم الفتح إلى رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وكأن‬
‫رأسه ُثغَامة (‪ ، )3‬فقال رسول ال صلّى ال عليه وسلم‪« :‬اذهبوا به إلى بعض نسائه‪ ،‬فلتغيره بشيء‪،‬‬
‫وجنّبوه السواد» ‪.‬‬
‫وفي الحديث المتفق عليه بين أحمد والشيخين عن محمد بن سيرين قال‪ :‬سئل أنس بن مالك عن‬
‫خضاب رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪« :‬إن رسول ال صلّى ال عليه وسلم لم يكن شاب إل‬
‫يسيرا‪ ،‬ولكن أبا بكر وعمر بعده خضّبا بالحِنّاء والكَتَم» (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الثائر‪ :‬الشعث بعيد العهد بالدهن والترجيل‪.‬‬
‫(‪ )2‬أبو قحافة‪ :‬هو والد أبي بكر الصديق رضي ال عنه‪.‬‬
‫(‪ )3‬ثغامة‪ :‬قال أبو عبيد‪ :‬هو نبت أبيض الزهر والثمر‪ ،‬يشبه بياض المشيب به‪.‬‬
‫(‪ )4‬الحناء‪ :‬معروف‪ ،‬لون صباغة أحمر فاتح‪ ،‬والكتَم والكُتمان‪ ،‬نبت يخلط بالحناء ويخضب به‬
‫الشعر‪ ،‬وهو النبت المعروف بالوسمة يعني ورق النيل‪ ،‬ورقه كورق الس يخضب به مدقوقا‪.‬‬

‫( ‪)4/227‬‬
‫واختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وجنسه‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬ترك الخضاب أفضل‪،‬‬
‫لحديث في النهي عن تغيير الشيب‪ ،‬ولنه صلّى ال عليه وسلم لم يغير شيبه (‪ . )1‬وقال آخرون‪:‬‬
‫الخضاب أفضل‪ ،‬فقد خضب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم للحاديث الواردة في ذلك‪.‬‬
‫ثم اختلف هؤلء‪ ،‬فكان أكثرهم يخضب بالصفرة‪ ،‬أي الشقرة‪ ،‬منهم ابن عمرو وأبو هريرة وآخرون‪،‬‬
‫وروي ذلك عن علي‪.‬‬
‫وخضب جماعة منهم بالحناء والكتم‪ ،‬وبعضهم بالزعفران‪.‬‬
‫وخضب جماعة بالسواد‪ ،‬روي ذلك عن عثمان والحسن والحسين ابني علي‪ ،‬وعقبة بن عامر وابن‬
‫سيرين وأبي بردة وآخرين (‪. )2‬‬
‫والصواب جواز تغيير الشيب وجواز تركه‪ ،‬وجواز الخضاب بأي لون كان‪ ،‬مع كراهة الخضاب‬
‫بالسواد‪.‬‬
‫ويحرم كما تقدم وصل الشعر بشعر آدمي آخر على الرجال والنساء اليامى والمتزوجين‪ ،‬للتجمل‬

‫وغيره‪ ،‬بل خلف‪ ،‬سواء كان شعر رجل أو امرأة‪ ،‬وسواء شعر المَحْرم والزوج وغيرهما بل‬
‫خلف‪ ،‬لعموم الدلة‪ ،‬ولنه يحرم النتفاع بشعر الدمي وسائر أجزائه لكرامته‪ ،‬بل يدفن شعره‬
‫وظفره وسائر أجزائه‪.‬‬
‫فإن وصلته بشعر غير آدمي‪ :‬فإن كان شعرا نجسا‪ ،‬وهو شعر الميتة وشعر ما ل يؤكل لحمه إذا‬
‫انفصل في حياته‪ ،‬فهو حرام أيضا للحديث التي بلعن الواصلة والمستوصلة‪ ،‬ولنه حمل نجاسة في‬
‫صلتها وغيرها عمدا‪.‬‬
‫وأما الشعر الطاهر من غير الدمي‪ ،‬والشعر الصناعي‪ :‬فإن لم يكن لها زوج ول سيد‪ ،‬فهو حرام‬
‫أيضا‪ ،‬وإن كان لها زوج فإن فعلته بإذنه جاز‪ ،‬وإن فعلته بغير إذنه‪ ،‬لم يجز‪ ،‬وعلى هذا يكون ارتداء‬
‫«الباروكة» جائزا للرجل‪ ،‬وللمرأة بإذن زوجها‪.‬‬
‫ويجوز عند الشافعية والليث والقاضي عياض وصل الشعر بخيوط من الحرير الملونة؛ لنه ل يأخذ‬
‫حكم الوصل‪ ،‬إنما هو لمجرد الزينة أو التجمل والتحسين‪ ،‬وقال مالك والطبري وكثيرون‪ :‬الوصل‬
‫ممنوع بكل شيء‪ ،‬سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق‪ ،‬لحديث جابرعند مسلم‪ « :‬أن النبي‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روي هذا عن عمر وعلي وأبي بكر وآخرين‪.‬‬
‫(‪ )2‬نيل الوطار‪.118/1 :‬‬

‫( ‪)4/228‬‬
‫زجر أن تصل المرأة برأسها شيئا (‪. » )1‬‬
‫قال الكاساني من الحنفية‪ :‬ويكره أي كراهة تحريم للمرأة أن تصل شعر غيرها من بني آدم بشعرها‪،‬‬
‫لقوله عليه الصلة والسلم‪« :‬لعن ال الواصلة والمستوصلة» ولن الدمي بجميع أجزائه مكرم‪،‬‬
‫والنتفاع بالجزء المنفصل منه إهانة له‪ ،‬ولهذا كره بيعه‪ .‬ول بأس بذلك من شعر البهيمة وصوفها؛‬
‫لنه انتفاع بطريق التزين بما يحتمل ذلك‪ ،‬ولهذا احتمل الستعمال في سائر وجوه النتفاع‪ ،‬فكذا في‬
‫التزين (‪. )2‬‬
‫وأما قص المرأة شعرها فيجوز مادون الذن‪ ،‬كيل تتشبه بالرجال‪ ،‬كما تقدم‪ .‬ولها تسريح شعرها‬
‫بمختلف التسريحات في المنزل‪ ،‬وستره خارج المنزل‪.‬‬
‫ثامنا ـ الوشم والنمص والتفليج ‪:‬‬
‫الوشم حرام أيضا‪ :‬وهو أن تغرز إبرة أو نحوها في الجلد على ظهر الكف والمعصم أو الوجه أو‬

‫الشفة وغير ذلك‪ ،‬حتى يسيل الدم‪ ،‬ثم يحشى محل الغرز بكحل ونحوه‪ ،‬فيخضر‪.‬‬
‫والنمص‪ :‬وهو نتف الشعر من الوجه حرام أيضا إل إذا نبت في وجه المرأة شعر كثير كلحية‬
‫وشارب‪ ،‬فيندب إزالتهما‪.‬‬
‫وتفليج السنان حرام أيضا‪ :‬وهو تفريق ما بين مقدمة السنان من الثنايا والرباعيات بالمبرد ونحوه‪،‬‬
‫وتحرم أيضا عمليات التجميل النسائية التي يراد بها تصغير المرأة الكبيرة (عمليات الشد) روى أحمد‬
‫عن عائشة قالت‪« :‬كان النبي صلّى ال عليه وسلم يلعن القاشرة والمقشورة‪ ،‬والواشمة والموشومة‪،‬‬
‫والواصلة والموصولة» وروى أحمد أيضا عن ابن مسعود قال‪« :‬سمعت رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم ينهى عن النامصة والواشرة والواصلة والواشمة إل من داء» ‪.‬‬
‫والواشرة‪ :‬التي تَشِر السنان حتى تكون لها أشْر‪ ،‬أي تحديد ورقّة‪ ،‬تفعله المرأة الكبير‪ ،‬تتشبه بالحديثة‬
‫السن‪.‬‬
‫والقاشرة‪ :‬التي تعالج وجهها أو وجه غيرها بالغُمرة (طلء يتخذ من الوَرْس) ليصفو لونها‪،‬‬
‫والمقشورة‪ :‬التي يفعل بها ذلك‪ ،‬كأنها َتقْشِر أعلى الجلد‪ ،‬ويبدو ما تحته من البشرة‪ ،‬وهو شبيه بفعل‬
‫النامصة‪.‬‬
‫والوشم والنمص والتفليج حرام على الرجال والنساء‪ ،‬الفاعل والمفعول به‪ ،‬لورود اللعن عليه‪ ،‬مما‬
‫يدل على تحريمه‪ .‬ويصبح موضع الوشم متنجسا لنحباس الدم فيه‪ ،‬فإن أمكن إزالته بالعلج وجب‪،‬‬
‫وإن لم يمكن إل بالجرح‪ ،‬فإن خيف منه الضرر أو العيب الفاحش في عضو ظاهر كالوجه والكفين‪،‬‬
‫لم تجب إزالته‪ ،‬وتجب التوبة منه‪ ،‬وإن لم يكن ضرر‪ ،‬لزم إزالته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المرجع السابق‪ 191/6 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ 125/5 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/229‬‬
‫ودليل تحريم هذه الثلثة (الوشم والنمص والتفليج)‪ :‬الحديث المتفق عليه بين أحمد والشيخين عن عبد‬
‫ال بن مسعود رضي ال عنه قال‪« :‬لعن ال الواشمات والمستوشمات‪ ،‬والمتنمصات‪ ،‬والمتفلجات‬
‫للحسن‪ ،‬المغيّرات خلق ال تعالى» وقال‪« :‬ما لي ل ألعن من لعن رسول ال صلّى ال عليه وسلم » ‪.‬‬
‫وهناك أحاديث أخرى عن ابن عمر وغيره في الموضوع (‪.. )1‬‬
‫تاسعا ـ الترجل والتخنث ‪:‬‬

‫يحرم أيضا تشبه الرجال بالنساء في اللباس والزينة‪ ،‬كالساور والعقود (الطواق) والقراط‪ ،‬وتشبه‬
‫النساء بالرجال في الكلم‪ ،‬والمشي‪ ،‬وحلق الشعر وتكلف الخشونة والرجولة‪ ،‬وهن المترجلت‪:‬‬
‫المتشبهات من النساء بالرجال‪ .‬ويحرم التخنث أيضا‪ :‬وهو تشبه الرجال بالنساء في المشي والتكسر‬
‫ولين الكلم ورقة الصوت والتزين بالحناء ونحو ذلك من أنواع «المكياج» والتحمير والتبييض‬
‫وتطريف الصابع‪ ،‬لكن يستحب الخضاب للنساء بالحناء ونحوه‪ ،‬وأما التحمير ونحوه فيجوز بإذن‬
‫الزوج وفي داخل البيت‪ ،‬ويحرم بغير إذن الزوج وخارج المنزل‪ .‬والدليل ما أخرجه أحمد والبخاري‬
‫عن أنس قال‪« :‬لعن رسول ال صلّى ال عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء‪ ،‬والمتشبهات من‬
‫النساء بالرجال» وفي رواية‪« :‬لعن رسول ال صلّى ال عليه وسلم المخنثين من الرجال‪،‬‬
‫والمترجّلت من النساء‪ ،‬وقال‪ :‬أخرجوهم من بيوتكم‪ ،‬فأخرج النبي صلّى ال عليه وسلم فلنة‪،‬‬
‫وأخرج عمر فلنا» ‪ .‬وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال‪« :‬أتي رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء‪ ،‬فقال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬ما بال هذا؟‬
‫قالوا‪ :‬يتشبه بالنساء‪ ،‬فأمر به فنفي إلى النقيع‪ ،‬فقيل‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬أل تقتله؟ فقال‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع نيل الوطار‪.190/6 :‬‬

‫( ‪)4/230‬‬
‫إني نهيت أن أقتل المصلين» (‪. )1‬‬
‫عاشرا ـ السلم ‪:‬‬
‫السلم‪ :‬هو اسم من أسماء ال تعالى‪ ،‬ومعناه‪ :‬اسم ال عليك أنت في حفظه‪ ،‬كما يقال‪ :‬ال يصحبك‪،‬‬
‫ال معك‪ .‬وللسلم أحكام هي ما يأتي (‪: )2‬‬
‫ابتداء السلم سنة‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أفشوا السلم بينكم» (‪ )3‬ورده من الفرد فرض عين‬
‫ومن الجماعة فرض كفاية‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وإذا حيّيتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء‪:‬‬
‫‪ ]86/4‬وابتداء السلم من جماعة سنة كفاية‪ ،‬والفضل السلم من جميعهم‪ ،‬ولو سلم جماعة على‬
‫شخص‪ ،‬وقصد الرد عليهم جميعا‪ ،‬جاز ذلك‪ ،‬وسقط الفرض في حق الجميع‪ .‬ويجزئ «السلم عليكم»‬
‫وفي الرد «وعليكم السلم» ويجب زيادة الواو في رد السلم‪ .‬وقال جماعة‪ :‬ل تجب وإنما تندب‪،‬‬
‫وأكمله «السلم عليكم ورحمة ال وبركاته» وفي الرد‪« :‬وعليكم السلم ورحمة ال وبركاته» ولكل‬
‫فقرة من هذه التحية عشر حسنات‪ .‬ويكره تغيير صيغة السلم المشروعة هكذا‪ ،‬بمثل قول بعضهم‪« :‬‬

‫سلم من ال‪ »..‬إلخ فذلك بدعة منكرة‪.‬‬
‫ورفع الصوت بابتداء السلم سنة‪ ،‬ليسمعه المسلّم عليه سماعا محققا‪ ،‬للحديث السابق‪« :‬أفشوا السلم‬
‫بينكم» وإن كان هناك أيقاظ ونيام‪ ،‬خفض صوته‪ ،‬بحيث يسمع اليقاظ‪ ،‬ول يوقظ النيام‪ ،‬جمعا بين‬
‫الفرضين‪.‬‬
‫ولو سلم على إنسان‪ ،‬ثم لقيه على قرب‪ ،‬سن أن يسلم عليه ثانيا وثالثا وأكثر من ذلك‪ ،‬لعموم حديث‬
‫«أفشوا السلم» ‪.‬‬
‫ويسن أن يبدأ بالسلم قبل كل كلم‪ ،‬للخبر السابق‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪.194-193/6 :‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪.179-175/2 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ «ل تدخلون الجنة حتى تؤمنوا‪،‬‬
‫ولتؤمنوا حتى تحابوا‪ ،‬أل أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلم بينكم» (الترغيب‬
‫والترهيب‪.)424/3 :‬‬

‫( ‪)4/231‬‬
‫ول يترك السلم إذا كان يغلب على ظنه أن المسلّم عليه ل يرد السلم‪ ،‬لعموم «أفشوا السلم» ول‬
‫بأس بالسلم على الصبيان تأديبا لهم‪ ،‬ول يجب الرد عليهم‪ ،‬فإن سلم الصبي على البالغ وجب عليه‬
‫الرد‪.‬‬
‫ورفع الصوت برد السلم واجب قدر البلغ أو السماع أي للمسلّم‪.‬‬
‫ويكره النحناء في السلم‪ ،‬ويكره أن يسلم على امرأة أجنبية (غير زوجة له ول محرم) إل أن تكون‬
‫عجوزا أي غير حسناء‪ ،‬أو أل تشتهى لمن الفتنة‪.‬‬
‫ويكره السلم في الحمام‪ ،‬وعلى من يأكل أو يقاتل لشتغاله‪ ،‬وعلى تال للقرآن وعلى ذاكر ال تعالى‪،‬‬
‫وعلى ملبّ ومحدّث (أي يحدث بحديث النبي صلّى ال عليه وسلم)‪ ،‬وخطيب وواعظ‪ ،‬وعلى من‬
‫يستمع للمذكورين من التالي ومن بعده‪ ،‬وعلى مكرر فقه ومدرس في أي عمل كان‪ ،‬وعلى من‬
‫يبحثون في العلم‪ ،‬وعلى من يؤذّن أو يقيم (‪ ، )1‬وعلى من هو على حاجته‪ ،‬ويكره أيضا رده منه‪،‬‬
‫وعلى من يتمتع بأهله‪ ،‬أو مشتغل بالقضاء ونحوهم‪.‬‬
‫ومن سلم في حالة ل يستحب فيها السلم مما سبق‪ ،‬لم يستحق جوابا لسلمه‪.‬‬

‫ويكره أن يخص بعض طائفة لقيهم أو دخل عليهم بالسلم‪ ،‬وأن يقول‪ :‬سلم ال عليكم‪ ،‬لمخالفته‬
‫الصيغة الواردة‪ ،‬وأن يقول‪ :‬عليك سلم ال ؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم كرهه‪.‬‬
‫والهجر المنهي عنه (وهو هجر المسلم أخاه فوق ثلثة أيام) يزول بالسلم؛ لنه سبب التحابب‪ ،‬فيقطع‬
‫الهجر‪ ،‬وروي مرفوعا‪« :‬السلم يقطع الهجران» ‪.‬‬
‫ويسن السلم عند النصراف عن القوم‪ ،‬وإذا دخل على أهله‪ ،‬فإن دخل بيتا خاليا‪ ،‬أو مسجدا خاليا‪،‬‬
‫قال‪ :‬السلم علينا وعلى عباد ال الصالحين‪ ،‬للخبر في كل ذلك‪.‬‬
‫وإذا دخل بيته‪ ،‬قدم رجله اليمنى‪ ،‬وليقل‪« :‬اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج‪ ،‬باسم ال‬
‫ولجنا‪ ،‬وباسم ال خرجنا‪ ،‬وعلى ال ربنا توكلنا» ثم يسلّم على أهله‪ ،‬لخبر أبي مالك الشعري‬
‫مرفوعا‪ ،‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مذهب الحنابلة‪ :‬ل يكره السلم على المصلي‪.‬‬

‫( ‪)4/232‬‬
‫المبحث الخامس ـ مسائل في البيع والتعامل ‪:‬‬
‫أورد الحنفية فروعا فقهية في المعاملت مشتملة على شبهة أو مانع شرعي أو معصية‪ ،‬يحسن ذكرها‬
‫باختصار‪:‬‬
‫أولً ـ بيع السماد الطبيعي ‪:‬‬
‫ل بأس ببيع روث البهائم لتسميد الرض بها‪ ،‬واستكثار الريع بها‪ ،‬فينتفع بها‪ ،‬وإن كان البيع في‬
‫الصل مكروها؛ لن الروث نجس‪ ،‬ويكره بيع ال َعذِرة (رجيع الدمي) والصحيح عند الحنفية‪ :‬هو‬
‫جواز بيع المتنجس كالزيت الذي خالطته النجاسة (‪. )1‬‬
‫ثانيا ـ استيفاء دين المسلم من ثمن خمر الذمي ‪:‬‬
‫يجوز أخذ المسلم دينه على كافر‪ ،‬من ثمن خمر‪ ،‬أو خنزير‪ ،‬لصحة بيعهما من الكافر لغيره؛ لنهما‬
‫مال متقوم في حقه‪ ،‬بخلف الدين على مسلم‪ ،‬ل يصح أخذه من ثمن خمر أو خنزير‪ ،‬لعدم صحة‬
‫البيع‪ ،‬لكن أجاز أبو حنيفة خلفا لصاحبيه أن يوكل المسلم ذميا في بيع الخمر‪.‬‬
‫وكذلك ل يجوز استيفاء الدين من كسب حرام كالمرابي والمرتشي والغصب والسارق والمغنية‪ .‬ول‬
‫يحل للورثة أيضا أخذ الميراث من كسب حرام‪ ،‬وعليهم رد ما أخذوه على أربابه إن عرفوهم‪ ،‬وإل‬
‫تصدقوا به؛ لن سبيل الكسب الخبيث التصدق به إذا تعذر الرد على صاحبه (‪. )2‬‬

‫ثالثا ـ بيع العنب للخمار ‪:‬‬
‫يجوز بيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا؛ لن المعصية ل تقوم بعين الموجود حالة البيع‪ ،‬وإنما‬
‫تتحقق بعد تغييره‪.‬‬
‫كذلك أجازوا بيع السلح من أهل الفتنة‪ ،‬لن المعصية تتحقق باستعماله‪ ،‬ل بحالته القائمة (‪ ، )3‬وهو‬
‫رأي الشافعي أيضا‪ .‬لكن يكره هذا البيع‪ ،‬لنه تسبب إلى المعصية‪ .‬بخلف بيع العصير لمن يتخذه‬
‫خمرا‪ ،‬لن المعصية ل تقام بعينه‪ ،‬بل بعد تغييره‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكملة الفتح‪ ،122/8 :‬الدر المختار‪ 110/4 :‬و ‪ ،272/5‬الدرر المباحة في الحظر والباحة‪ :‬ص‬
‫‪.53‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار ورد المحتار‪ 272/5 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬المرجع السابق‪ ،273/5 :‬تكملة فتح القدير‪.127/8 :‬‬

‫( ‪)4/233‬‬
‫رابعا ـ الجارة للكنيسة أو حمل خمر الذمي ‪:‬‬
‫يجوز للشخص عند أبي حنيفة (‪ )1‬أن يؤجر نفسه أو سيارته أو دابته بأجر لتعمير كنيسة‪ ،‬أو لحمل‬
‫خمر ذمي‪ ،‬ل لعصرها؛ لنه ل معصية في الفعل عينه‪ ،‬لن عقد الجارة على الحمل ليس بمعصية‬
‫ول سبب لها‪ ،‬وإنما تحصل المعصية باختيار الشارب‪ ،‬وقد يكون حملها للراقة أو التخليل‪.‬‬
‫أما عصرها بقصد الخمرية كمعاصر الخمور في بلدنا أو في أمريكا مثلً من مسلم فيحرم؛ لن‬
‫المعصية في الفعل عينه‪ .‬وأجاز أبو حنيفة أيضا إجارة بيت لتخاذه كنيسة أو لبيع الخمر فيه في بلد‬
‫غالب أهلها أهل الذمة؛ لن الجارة تقع على منفعة البيت‪ ،‬ولهذا تجب الجرة بمجرد التسليم‪ ،‬ول‬
‫معصية فيه‪ ،‬وإنما المعصية بفعل المستأجر‪ ،‬وهو مختار فيه‪.‬‬
‫ول تجوز تلك الجارة في بلد غالب أهلها السلم؛ لن أهل الذمة ليمكّنون من اتخاذ الكنائس‬
‫وإظهار بيع الخمور ونحو ذلك في الصح‪.‬‬
‫وقال الصاحبان والئمة الثلثة‪ :‬ل ينبغي كل تلك الجارات‪ ،‬وهي مكروهة؛ لنها إعانة على‬
‫المعصية‪ ،‬ولنه عليه الصلة والسلم لعن في الخمر عشرة‪ ،‬وعد منها «حاملها» (‪. )2‬‬
‫واعتبر أبو حنيفة الحديث محمولً على الحمل المقرون بقصد المعصية‪ .‬وعلى كل حال فرأي أبي‬
‫حنيفة قياس‪ .‬ورأي الصاحبين استحسان‪ .‬وهو المعول عليه في كثير من الفتاوى‪.‬‬

‫خامسا ـ بيع بناء بيوت مكة وأرضها‪ ،‬وإجارتها ‪:‬‬
‫يجوز عند الحنفية والشافعية بل كراهة بيع بناء بيوت مكة وأرضها؛ لن البناء مملوك لبانيه‪،‬‬
‫والرض مملوكة لهلها‪ ،‬لظهور آثار الملك فيها‪ ،‬وهو الختصاص بها شرعا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ 277/5 :‬ومابعدها‪ ،‬تكملة الفتح‪.127/8 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود عن ابن عمر‪ ،‬وصححه ابن السكن ( التلخيص الحبير‪.) 359/1:‬‬

‫( ‪)4/234‬‬
‫ويكره عند الحنفية إجارة بيوت مكة في أيام الموسم‪ ،‬في الحج‪ ،‬ويرخص لهم الجارة في غير‬
‫الموسم‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬سواء العاكف فيه والباد} [الحج‪ ]25/22:‬وهكذا كان عمر بن الخطاب ينادي‬
‫أيام الموسم ويقول‪ :‬يا أهل مكة‪ ،‬ل تتخذوا لبيوتكم أبوابا‪ ،‬لينزل البادي حيث شاء‪ ،‬ثم يتلو الية (‪. )1‬‬
‫سادسا ـ دخول الكافر المساجد ‪:‬‬
‫أجاز أبو حنيفة (‪ )2‬للكافر دخول المساجد كلها‪ ،‬حتى المسجد الحرام من غير إذن‪ ،‬ولو لغير حاجة‪.‬‬
‫ومعنى آية {فل يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة‪ ]28/9:‬عنده‪ :‬أل يحجوا‪ ،‬ول يعتمروا‬
‫عراة بعد حج عامهم هذا‪ ،‬عام تسع من الهجرة‪ ،‬حين أمر الصديق‪ ،‬ونادى علي بهذه السورة‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫«أل ل يحج بعد عامنا هذا مشرك‪ ،‬ول يطوف عريان» (‪ . )3‬وقد دخل أبو سفيان مسجد المدينة‬
‫لتجديد عقد صلح الحديبية‪ ،‬بعدما نقضته قريش‪ ،‬وكذلك دخل إليه وفد ثقيف‪ ،‬وربط ثمامة بن اثال في‬
‫المسجد النبوي حينما أسر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪.278/5 :‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،274/5 :‬شرح السير الكبير‪ ،93/1 :‬الشباه والنظائر لبن نجيم‪ ،176/2 :‬أحكام‬
‫القرآن للجصاص‪.88/3 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه الشيخان‪.‬‬

‫( ‪)4/235‬‬
‫وأجاز المالكية (‪ )1‬لغير المسلم دخول الحرم المكي‪ ،‬دون البيت الحرام‪ ،‬بإذن أو أمان‪ .‬ول يجوز‬
‫عندهم مطلقا دخول الكافر مسجدا‪ ،‬ول يمكّن من دخوله‪ ،‬إل لعذر‪ ،‬كالدخول للتقاضي أمام الحاكم‬

‫المسلم‪ ،‬قياسا على منعه من دخول المسجد الحرام؛ لن العلة وهي النجاسة موجودة في كل مشرك‪،‬‬
‫والحرمة موجودة في كل مسجد‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )2‬يمنع غير المسلم‪ ،‬ولو لمصلحة من دخول حرم مكة‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬يا‬
‫أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس‪ ،‬فل يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة‪ ]28/9:‬وقد‬
‫ورد في الثر‪ « :‬الحرم كله مسجد» (‪ . )3‬ويجوز عندهم للكافر لحاجة دخول المساجد الخرى غير‬
‫المسجد الحرام‪ ،‬بإذن المسلمين؛ لن نص الية في المسجد الحرام‪ ،‬والصل في الشياء الباحة‪ ،‬ولم‬
‫يرد في الشرع ما يخالف هذا الصل‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم قدم عليه وفد أهل الطائف‪،‬‬
‫فأنزلهم في المسجد قبل إسلمهم‪ .‬وقال سعيد بن المسيب‪ :‬قد كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة‪ ،‬وهو‬
‫على شركه‪ .‬وقدم عمير بن وهب‪ ،‬فدخل المسجد‪ ،‬والنبي صلّى ال عليه وسلم فيه ليفتك به‪ ،‬فرزقه‬
‫ال السلم‪.‬‬
‫سابعا ـ الحتكار ‪:‬‬
‫معناه‪ :‬الحتكار‪ :‬هو الدخار للبيع‪ ،‬وطلب الربح بتقلّب السواق‪ ،‬أما الدخار للقوت فليس من‬
‫الحتكار‪ .‬هذا تعريف المالكية (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مواهب الجليل للحطاب‪ ،381/3 :‬الخرشي‪ ،144/3 :‬ط ثانية‪ ،‬أحكام القرآن لبن العربي‪:‬‬
‫‪ ،901/2‬مذكرة تفسير آيات الحكام للسايس‪ 22/3 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،247/4 :‬تفسير ابن كثير‪ ،346/2 :‬الفصاح لبن هبيرة‪ :‬ص ‪ ،448‬المغني‪:‬‬
‫‪.532-531/8‬‬
‫(‪ )3‬قال عطاء‪ :‬الحرم كله مسجد لقوله تعالى‪ { :‬فل يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } ‪.‬‬
‫(‪ )4‬المنتقى على الموطأ‪ 15/5 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 255‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/236‬‬
‫وعرفه الحنفية (‪ )1‬بقولهم‪ :‬الحتكار لغة مصدر حكر أي حبس فهو احتباس الشيء انتظارا لغلئه‪،‬‬
‫والمراد به شرعا‪ :‬حبس القوات متربصا للغلء‪ .‬أو هو اشتراء طعام ونحوه‪ ،‬وحبسه إلى الغلء‬
‫أربعين يوما‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم‪« :‬من احتكر طعاما أربعين ليلة‪ ،‬فقد برئ من ال ‪ ،‬وبرئ‬
‫ال منه‪ ،‬وأيّما أهل عَرْصة ـ بقعة ـ بات فيهم امرؤ جائع‪ ،‬فقد برئت منهم ذمة ال » (‪. )2‬‬
‫وعرفه الشافعية (‪ )3‬بأنه‪ :‬إمساك ما اشتراه وقت الغلء ليبيعه بأكثر مما اشتراه عند اشتداد الحاجة‪.‬‬

‫بخلف إمساك ما اشتراه وقت الرخص‪ ،‬ل يحرم مطلقا ‪ ،‬ولإمساك غلة ضيعته‪ ،‬ول ما اشتراه في‬
‫وقت الغلء لنفسه وعياله‪ ،‬أو ليبيعه بمثل ما اشتراه‪.‬‬
‫وفي كراهة إمساك ما فضل عن كفايته وكفالة عياله سنة وجهان‪ :‬أوجههما ـ عدم الكراهة‪ ،‬لكن‬
‫الولى بيعه‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )4‬الحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلثة شروط‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬أن يكون بطريق الشراء‪ ،‬ل الجلب‪ ،‬فلو جلب شيئان‪ ،‬أو أدخل من غلته شيئا‪ ،‬فادخره ‪ ،‬لم يكن‬
‫محتكرا‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم‪« :‬الجالب مرزوق‪ ،‬والمحتكر ملعون» (‪. )5‬‬
‫ً‪ - 2‬أن يكون المشترى قوتا أي من الحبوب المقتاتة ونحوها؛ لنه مما تعم الحاجة إليه‪ .‬أما الدام‬
‫والحلواء والعسل والزيت وأعلف البهائم‪ ،‬فليس فيها احتكار محرم‪.‬‬
‫ً‪ - 3‬أن يُضيّق على الناس بشرائه بأمرين‪ :‬أحدهما ـ بأن يكون في بلد يضيق بأهله الحتكار‪،‬‬
‫كالحرمين والثغور‪ ،‬أما البلد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب كبغداد ودمشق ومصر‪ ،‬فل يحرم فيها‬
‫الحتكار؛ لن ذلك ل يؤثر فيها غالبا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬العناية شرح الهداية بهامش تكملة الفتح‪ ،126/8 :‬رد المحتار‪ ،282/5 :‬البدائع‪ ،129/5 :‬تبيين‬
‫الحقائق‪ ،27/6 :‬اللباب‪.166/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى الموصلي والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم‬
‫عن ابن عمر (نصب الراية‪ ،262/4 :‬نيل الوطار‪.)221/5 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،38/2 :‬سبل السلم‪.25/3 :‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪.221/4 :‬‬
‫(‪ )5‬أخرجه ابن ماجه وابن راهويه والدارمي وعبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي والبيهقي عن عمر‬
‫بن الخطاب (نصب الراية‪.)261/4 :‬‬

‫( ‪)4/237‬‬
‫والثاني ـ أن يكون في حال الضيق‪ :‬بأن يدخل البلد قافلة فيبادر ذوو الموال لشرائها‪ ،‬ويضيقون‬
‫على الناس‪ ،‬وفي هذا ل فرق بين البلد الصغير والكبير‪ .‬أما الشراء في حال التساع والرخص على‬
‫وجه ل يضيق على أحد‪ ،‬فليس بمحرم‪.‬‬
‫متى يتحقق الحتكار وما نوع المحتكَر؟‬

‫يظهر من تعاريف الفقهاء للحتكار‪ :‬أنهم اتفقوا على أن الحتكار يكون في حال الضيق والضرورة ل‬
‫في وقت السعة‪ ،‬وفي البلد الصغير عادة‪ ،‬ومن طريق الشراء والمتناع عن البيع مما يضر بالناس؛‬
‫لن في الحبس ضررا بالمسلمين‪ .‬ول يكون محتكرا بحبس غلة أرضه بل خلف لنه خالص حقه‪،‬‬
‫ول ما جلبه من بلد آخر؛ لن حق الناس بالموجود في البلد‪ ،‬والمختار عند الحنفية قول محمد وهو إن‬
‫كان يجلب منه عادة كره تحريما حبسه؛ لن حق الناس تعلق به‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء أيضا على أن الحتكار حرام في كل وقت في القوات أو طعام النسان‪ ،‬مثل الحنطة‬
‫والشعير والذرة والرز‪ ،‬والتين والعنب والتمر والزبيب واللوز ونحوها مما يقوم به البدن‪ ،‬ل العسل‬
‫والسمن‪ ،‬واللحم والفاكهة‪.‬‬
‫وكذلك يحرم الحتكار عند الحنفية والشافعية والحنابلة في طعام البهائم كتبن وفصفصة وهي الرطبة‬
‫من علف الدواب‪ .‬ويحرم الحتكار أيضا عند المالكية وأبي يوسف في غير الطعام في وقت‬
‫الضرورة‪ ،‬ل في وقت السعة‪ ،‬فل يجوز عندهم الحتكار في الطعام وغيره‪ ،‬من الكتان والقطن‬
‫وجميع ما يحتاج إليه النسان‪ ،‬أو كل ما أضر بالناس حبسه‪ ،‬قوتا كان أو ل ولو ثيابا أو دراهم‪ .‬وقال‬
‫السبكي من الشافعية‪ :‬إذا كان الحتكار في وقت قحط‪ ،‬كان في ادخار العسل والسمن والشيرج‬
‫وأمثالها إضرار‪ ،‬فينبغي أن يقضى بتحريمه‪ ،‬وإذا لم يكن إضرار فل يخلو احتكار القوات من كراهة‬
‫( ‪. )1‬‬
‫ويخرج الطعام من بلد إلى غيره إذا أضر بأهل البلد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نيل الوطار‪.222/5 :‬‬

‫( ‪)4/238‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الجمهور خصوا الحتكار بالقوتين (قوت الناس وقوت البهائم) نظرا للحكمة المناسبة‬
‫للتحريم وهي دفع الضرر عن الناس‪ ،‬والغلب في ذلك إنما يكون في القوتين‪ ،‬ومنعه المالكية مطلقا‪.‬‬
‫المدة‪ :‬إذا قصرت مدة الحتباس ل تكون احتكارا لعدم الضرر‪ ،‬وإذا طالت تكون احتكارا لتحقق‬
‫الضرر‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬يقدر طول المدة بأربعين ليلة للحديث السابق‪« :‬من احتكرطعاما أربعين ليلة‪ ،‬فقد برئ من ال‪،‬‬
‫وبرئ ال منه» ‪ .‬وقيل‪ :‬بالشهر؛ لن ما دونه قليل عاجل‪ ،‬والشهر وما فوقه كثير عاجل‪ .‬وقيل‪ :‬المدة‬
‫للمعاقبة في الدنيا‪ ،‬وأما الثم فيحل وإن قلت المدة‪.‬‬

‫حكم الحتكار‪ :‬للحتكار أحكام أهمها ما يأتي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬الحتكار ممنوع‪ :‬وعبر أغلب الحنفية عن المنع بكراهته التحريمية‪ ،‬فقالوا‪ :‬يكره الحتكار في‬
‫أقوات الدميين‪ ،‬والبهائم‪ ،‬إذا كان ذلك في بلد يضر‬
‫الحتكار بأهله‪ ،‬كما يكره تلقي الركبان‪ ،‬أو الجلب‪ ،‬لنهي النبي صلّى ال عليه وسلم عن تلقي البيوع (‬
‫‪ . )1‬فأما إذا كان ل يضر‪ ،‬فل بأس به (‪. )2‬‬
‫وعبر الكاساني في البدائع عن منع الحتكار بالحرمة (‪ ، )3‬وهو متفق عليه مع تعبير الئمة‬
‫الخرين‪ :‬الحتكار حرام‪.‬‬
‫وأدلة التحريم أحاديث كثيرة‪ ،‬منها ما ذكر سابقا في البحث‪ ،‬ومنها قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل‬
‫يحتكر إل خاطئ» «من احتكر حُكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ» «من دخل في‬
‫شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم‪ ،‬كان حقا على ال أن يقعده ُبعْظم من النار ـ مكان عظيم من‬
‫النار ـ يوم القيامة» «من احتكر على المسلمين طعامهم‪ ،‬ضربه ال بالجذام والفلس» (‪. )4‬‬
‫ً‪ - 2‬بيع المال المحتكر‪ :‬قال الحنفية (‪ : )5‬يؤمر المحتكر من القاضي ببيع ما فضل عن قوته وقوت‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن مسعود (نيل الوطار‪ )166/5 :‬وأخرج مسلم عن أبي‬
‫هريرة‪« :‬نهى رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن تلقي الجلب‪ .‬وفي لفظ‪ :‬ل تلقوا الجلب‪ ،‬فمن تلقاه‬
‫فاشتراه‪ ،‬فإذا أتى سيده السوق‪ ،‬فهو بالخيار» وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس‪« :‬ل تتلقوا‬
‫الركبان‪ ،‬ول يبيع حاضر لباد» (نصب الراية‪.)261/4 :‬‬
‫(‪ )2‬تكملة الفتح‪ ،‬الدر المختار‪ ،‬اللباب‪ ،‬تبيين الحقائق‪ :‬المكان السابق‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،‬المكان السابق‪.‬‬
‫(‪ )4‬روى الول أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن المسيب‪ ،‬وروى الثاني والثالث أحمد عن معقل بن‬
‫يسار‪ ،‬وعن أبي هريرة‪ ،‬وروى الرابع ابن ماجه عن عمر (نيل الوطار‪.)220/5 :‬‬
‫(‪ )5‬مراجعهم السابقة‪.‬‬

‫( ‪)4/239‬‬
‫أهله‪ ،‬فإن لم يفعل وأصر على الحتكار‪ ،‬ورفع أمره إلى الحاكم مرة أخرى‪ ،‬وهو مصر عليه‪ ،‬وعظه‬
‫الحاكم وهدده‪ .‬فإن لم يفعل ورفع إليه أمره للمرة الثالثة‪ ،‬حبسه وعزره‪ ،‬زجرا له عن سوء صنعه‪،‬‬
‫ويجبره القاضي على البيع‪ ،‬ويبيعه القاضي عليه جبرا عنه إذا امتنع عن بيع طعامه بالتفاق بين‬

‫الحنفية على الصحيح‪ ،‬ويكون البيع بسعر المثل‪.‬‬
‫وكذلك قال المالكية (‪ : )1‬يباع الشيء المحتكر للمحتاج إليه بمثل ما اشتراه به‪ ،‬ل يزاد عنه شيء‪.‬‬
‫وإن لم يعلم ثمنه‪ ،‬فبسعره يوم احتكاره‪.‬‬
‫وأضاف الحنفية (‪ : )2‬لو خاف الحاكم على أهل بلد الهلك‪ ،‬أخذ الطعام من المحتكرين‪ ،‬ووزعه‬
‫عليهم‪ ،‬حتى إذا صاروا في سعة‪ ،‬ردوا مثله‪ ،‬وذلك للضرورة‪ ،‬ومن اضطر إلى مال غيره‪ ،‬وخاف‬
‫الهلك‪ ،‬تناوله بل رضاه‪ ،‬ويضمن قيمته؛ لن الضطرار ل يبطل حق الغير‪ ،‬كما أبنت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المنتقى على الموطأ‪.17/5 :‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،283/5 :‬البدائع‪.129/5 :‬‬

‫( ‪)4/240‬‬
‫ثامنا ـ التسعير ‪:‬‬
‫المبدأ القتصادي في السلم هو الحرية القتصادية التي يراعي فيها المسلم حدود النظام السلمي‪،‬‬
‫ومن أهمها العدالة والقناعة والتزام قواعد الربح الطيب الحلل بأن كان في حدود الثلث‪ ،‬لقوله عليه‬
‫الصلة والسلم‪« :‬دعوا الناس يرزق ال بعضهم من بعض» (‪. )1‬‬
‫وبناء عليه‪ :‬الصل عدم التسعير‪ ،‬ول يسعر حاكم على الناس‪ ،‬وهذا متفق عليه بين الفقهاء‪.‬‬
‫والتزم الشافعية والحنابلة (‪ )2‬هذا الصل‪ ،‬فقال الحنابلة‪ :‬ليس للمام أن يسعر على الناس‪ ،‬بل يبيع‬
‫الناس أموالهم على ما يختارون‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬يحرم التسعير‪ ،‬ولو في وقت الغلء‪ ،‬بأن يأمر الوالي‬
‫السوقة أل يبيعوا أمتعتهم إل بكذا‪ ،‬للتضييق على الناس في أموالهم‪ ،‬وذلك ل يختص بالطعمة‪ .‬ولو‬
‫سعّر المام‪ ،‬عُزّر مخالفه‪ ،‬بأن باع بأزيد مما سعر‪ ،‬لما فيه من مجاهرة المام بالمخالفة‪ ،‬وصح البيع‪،‬‬
‫إذ لم يعهد الحجر على الشخص في ملكه أن يبيع بثمن معين‪.‬‬
‫وأجاز ابن الرفعة الشافعي وغيره التسعير في وقت الغلء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الطبراني عن أبي السائب بلفظ‪« :‬دعوا الناس يصيب بعضهم من بعض‪ ،‬فإذا استنصح‬
‫أحدكم أخاه فلينصحه» وورد في (نيل الوطار‪« :)164/5 :‬دعوا الناس يرزق ال بعضهم من بعض»‬
‫‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،38/2 :‬المغني‪.217/4 :‬‬

‫( ‪)4/241‬‬
‫واستدل ما نعو التسعير بحديث أنس قال‪« :‬غل السعر على عهد رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬لو سعرت‪ ،‬فقال‪ :‬إن ال هو القابض الباسط الرازق المسعر‪ ،‬وإني لرجو أن‬
‫ألقى ال عز وجل‪ ،‬ول يطلبني أحد بمَظْلَمة‪ ،‬ظلمتها إياه في دم‪ ،‬ول مال» (‪ )1‬فالنبي لم يسعر‪ ،‬ولو‬
‫جاز‪ ،‬لجابهم إليه‪ ،‬وعلل بكونه مظلمة‪ ،‬والظلم حرام‪ ،‬ولنه ماله‪ ،‬فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى‬
‫عليه المتبايعان‪ ،‬كما اتفق الجماعة عليه‪ ،‬ولن في التسعير إضرارا بالناس‪ ،‬إذا زاد تبعه أصحاب‬
‫المتاع‪ ،‬وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع‪.‬‬
‫وأجاز المالكية والحنفية (‪ )2‬للمام تسعير الحاجيات‪ ،‬دفعا للضرر عن الناس‪ ،‬بأن تعدى أصحاب‬
‫السلعة عن القيمة المعتادة تعديا فاحشا‪ ،‬فل بأس حينئذ بالتسعير بمشورة أهل الرأي والبصر‪ ،‬رعاية‬
‫لمصالح الناس والمنع من إغلء السعر عليهم‪ ،‬والفساد عليهم‪ .‬ومستندهم في ذلك القواعد الفقهية‪:‬‬
‫( ل ضرر ول ضرار ) و( الضرر يزال ) و ( يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام )‪.‬‬
‫ول يجبر الناس على البيع‪ ،‬وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحدده المام على حسب ما يرى‬
‫من المصلحة فيه للبائع والمبتاع‪ ،‬ول يمنع البائع ربحا‪ ،‬ول يسوغ له منه ما يضر بالناس‪.‬‬
‫ويجب أن يختص التسعير في قول ابن حبيب المالكي بالمكيل والموزون مأكولً كان أو غير مأكول‪،‬‬
‫دون غيره من المبيعات التي ل تكال ول توزن؛ لن المكيل والموزون من المثليات يرجع فيه إلى‬
‫المثل‪ ،‬وغير ذلك من القيميات يرجع فيه إلى القيمة‪ ،‬وتختلف أغراض الناس في العيان‪ ،‬فل يمكن‬
‫حمل الناس فيه على سعر واحد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وأصحاب السنن إل النسائي‪ ،‬وصححه الترمذي‪ .‬وعن أبي سعيد مثله (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)219/5‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،183/5 :‬تبيين الحقائق‪ ،28/6 :‬البدائع‪ ،129/5 :‬تكملة الفتح‪ ،127/8 :‬اللباب‪:‬‬
‫‪ ،167/4‬المنتقى على الموطأ‪ ،19-17/5 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.255‬‬

‫( ‪)4/242‬‬
‫وليس في التسعير مخالفة لنص الحديث السابق‪ ،‬وإنما هو تطبيق للنص نفسه‪ ،‬وفهم اجتهادي لمناطه‬
‫وحكمته في الواقع‪ ،‬وتفسير له بالمعنى المناسب أو المصلحة المتبادرة إلى الفهم من ذات النص‪ ،‬ل‬

‫من خارجه (‪ . )1‬فامتناع الرسول من التسعير ل لكونه تسعيرا‪ ،‬وإنما لكون علة التسعير وهي ظلم‬
‫التجار أنفسهم غير متوفرة‪ ،‬فهم كانوا يبيعون بسعر المثل‪ ،‬وإنما كان ارتفاع السعر ليس من قبل‬
‫التجار‪ ،‬وإنما بسبب قانون العرض والطلب‪ ،‬فقد قل عرض البضاعة‪ ،‬فارتفع السعر‪ .‬ول تسعير إذا لم‬
‫تدع الحاجة إليه‪ ،‬بأن كانت السلع متوفرة في السواق‪ ،‬وتباع بسعر المثل دون ظلم أو جشع (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وكذلك أجاز المالكية تلقي الركبان إذا كثرت السلع واعتدلت السعار‪ ،‬وعلم البائع بسعر السوق‪،‬‬
‫وباع بسعر المثل‪ ،‬أو أزيد منه‪ .‬ويظل النهي عن تلقي الركبان قائما معمولً به إذا تضرر أهل السوق‬
‫عامة ولم تتوفر السلع لهم‪ ،‬أو إذا جهل البائع نفسه بالسعار‪ ،‬فتجب حينئذ رعاية المصلحة العامة‪،‬‬
‫وحماية البائع نفسه‪.‬‬
‫(‪ )2‬أصول الفقه للمؤلف‪ ،815/2 :‬ط دار الفكر‪.‬‬

‫( ‪)4/243‬‬
‫البَاب الثّامن‪ :‬الُضحِية والعَقِيقَة‬
‫وفيه فصلن‪:‬‬
‫الفصل الول ـ في الضحية‬
‫الفصل الثاني ـ في العقيقة وأحكام المولود الفصل الول‬
‫الضحية‬
‫الكلم عن الضحية في المباحث الستة التية‪:‬‬
‫المبحث الول ـ تعريف الضحية ومشروعيتها وحكمها‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ شروطها (شروط إيجابها أو سنيتها‪ ،‬شروط صحتها‪ ،‬شروط المكلف بها)‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ وقت التضحية‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ الحيوان المضحى به (نوعه‪ ،‬سنه‪ ،‬ما يجزئ عنه‪ ،‬صفاته)‪.‬‬
‫المبحث الخامس ـ آداب التضحية ـ مندوباتها ومكروهاتها‪ ،‬وما يسن لمريد التضحية‪.‬‬
‫المبحث السادس ـ أحكام لحوم الضحايا ـ الكل والتوزيع‪.‬‬
‫المبحث الول ـ تعريف الضحية ومشروعيتها وحكمها ‪:‬‬
‫وفيه مطلبان‪:‬‬
‫المطلب الول ـ تعريف الضحية ومشروعيتها ‪:‬‬

‫الضحية لغة‪ :‬اسم لما يضحى به‪ ،‬أو لما يذبح أيام عيد الضحى‪ ،‬فالضحية ما يذبح في يوم‬
‫الضحى‪ .‬وفقها‪ :‬هي ذبح حيوان مخصوص بنية القربة في وقت مخصوص (‪ . )1‬أو هي ما يذبح‬
‫من ال ّنعَم تقربا إلى ال تعالى في أيام النحر (‪. )2‬‬
‫وقد شرعت في السنة الثانية من الهجرة كالزكاة وصلة العيدين‪ ،‬وثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة‬
‫والجماع (‪. )3‬‬
‫أما الكتاب‪ :‬فقوله تعالى‪{ :‬فصلّ لربك وانحر} [الكوثر‪{ )4( ]2/108:‬والبدنَ جعلناها لكم من شعائر‬
‫ال } [الحج‪ ]36/22:‬أي من أعلم دين ال ‪.‬‬
‫وأما السنة فأحاديث‪ ،‬منها حديث عائشة‪« :‬ما عمل ابن آدم يوم النحر عملً أحب إلى ال تعالى من‬
‫إراقة الدم‪ ،‬إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلفها وأشعارها‪ ،‬وإن الدم ليقع من ال عز وجل بمكان‬
‫قبل أن يقع على الرض‪ ،‬فطيبوا بها نفسا» (‪. )5‬‬
‫ومنها حديث أنس قال‪« :‬ضحى رسول ال صلّى ال عليه وسلم بكبشين أملحين‪ ،‬أقرنين‪ ،‬فرأيته‬
‫صفَاحها‪ ،‬يُسمّي ويكبّر‪ ،‬فذبحهما بيده» (‪. )6‬‬
‫واضعا قدميه على ِ‬
‫وأجمع المسلمون على مشروعية الضحية‪ .‬ودلت الحاديث على أنها أحب العمال إلى ال يوم‬
‫النحر‪ ،‬وأنها تأتي يوم القيامة على الصفة التي ذبحت عليها‪ ،‬ويقع دمها بمكان من القبول قبل أن يقع‬
‫على الرض‪ ،‬وإنها سنة إبراهيم لقوله تعالى‪{ :‬وفديناه بذبح عظيم} [الصافات‪.]107/37:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،219/5 :‬تبيين الحقائق‪ ،2/6 :‬تكملة الفتح‪.66/8 :‬‬
‫(‪ )2‬شرح الرسالة‪ ،366/1 :‬مغني المحتاج‪ ،282/4 :‬حاشية الباجوري على ابن قاسم‪،304/2 :‬‬
‫كشاف القناع‪.615/2 :‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪ ،617/8 :‬مغني المحتاج‪ :‬المكان السابق‪ ،‬المهذب‪ ،237/1 :‬كشاف القناع‪.17/3 :‬‬
‫(‪ )4‬أشهر القوال‪ :‬أن المراد بالصلة صلة العيد‪ ،‬وبالنحر‪ :‬الضحايا‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه الحاكم وابن ماجه والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حديث حسن غريب‪ .‬وجاء في لفظ‪ « :‬أحب إلى‬
‫ال من هراقة دم وإنه ليأتي‪( »..‬نيل الوطار‪.)108/5 :‬‬
‫(‪ )6‬رواه الجماعة‪ ،‬ورواه أحمد أيضا عن عائشة (نيل الوطار‪ ،)121 ،119/5 :‬والملح‪ :‬البيض‬
‫الخالص‪ ،‬أو بياضه أغلب من سواده‪ ،‬والقرن‪ :‬الذي له قرنان معتدلن‪ .‬والصفحة‪ :‬جانب العنق‪.‬‬
‫وإنما فعل ذلك ليكون أثبت له وأمكن لئل تضطرب الذبيحة برأسها‪ ،‬فتمنعه من إكمال الذبح‪ ،‬أو‬
‫تؤذيه‪.‬‬

‫( ‪)4/244‬‬

‫والحكمة من تشريعها‪ :‬هو شكر ال على نعمه المتعددة‪ ،‬وعلى بقاء النسان من عام لعام‪ ،‬ولتكفير‬
‫السيئات عنه‪ :‬إما بارتكاب المخالفة‪ ،‬أو نقص المأمورات‪ ،‬وللتوسعة على أسرة المضحي وغيرهم‪ ،‬فل‬
‫يجزئ فيها دفع القيمة‪ ،‬بخلف صدقة الفطر التي يقصد منها سد حاجة الفقير‪ .‬ونص المام أحمد على‬
‫أن الضحية أفضل من الصدقة بقيمتها‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ حكم الضحية ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في حكم الضحية‪ ،‬هل هي واجبة أو هي سنة؟‬
‫فقال أبو حنيفة وأصحابه‪ :‬إنها واجبة مرة في كل عام على المقيمين من أهل المصار‪ ،‬وذكر‬
‫الطحاوي وغيره‪ :‬أن على قول أبي حنيفة‪ :‬واجبة‪ ،‬وعلى قول الصاحبين (أبي يوسف ومحمد)‪ :‬سنة‬
‫مؤكدة (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكملة فتح القدير‪ ،67/8 :‬اللباب شرح الكتاب‪ ،232/3 :‬تبيين الحقائق‪ ،2/6 :‬البدائع‪.62/5 :‬‬

‫( ‪)4/245‬‬
‫وقال غير الحنفية (‪ : )1‬إنها سنة مؤكدة غير واجبة‪ ،‬ويكره تركها للقادر عليها‪ .‬وذلك عند المالكية‬
‫على المشهور لغير الحاج بمنى‪ .‬والكمل عندهم للقادر أن يضحي عن كل شخص عنده أضحية‪ ،‬فإن‬
‫أراد إنسان أن يضحي بنفسه عن كل من عنده ممن تجب عليه نفقته جاز في المذهب‪ .‬وهي عند‬
‫الشافعية سنة عين للمنفرد في العمر مرة‪ ،‬وسنة كفاية إن تعدد أهل البيت‪ ،‬فإذا فعلها واحد من أهل‬
‫البيت‪ ،‬كفى عن الجميع‪.‬‬
‫ودليل الحنفية على الوجوب‪ :‬هو قوله عليه السلم‪« :‬من وجد سعة‪ ،‬فلم يضح‪ ،‬فل يقربن مصلنا» (‬
‫‪ )2‬قالوا‪ :‬ومثل هذا الوعيد ل يلحق بترك غير الواجب‪ ،‬ولن الضحية قربة يضاف إليها وقتها‪،‬‬
‫يقال‪ :‬يوم الضحى وذلك يؤذن بالوجوب؛ لن الضافة للختصاص‪ ،‬والختصاص بوجود الضحية‬
‫فيه‪ ،‬والوجوب هو المفضي إلى الوجود في الظاهر بالنسبة لمجموع الناس‪.‬‬
‫واستدل الجمهور على السنية للقادر عليها بأحاديث‪:‬‬
‫منها حديث أم سلمة‪« :‬أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪ :‬إذا رأيتم هلل ذي الحجة‪ :‬وأراد‬
‫أحدكم أن يضحي‪ ،‬فليمسك عن شعره وأظفاره» (‪ )3‬ففيه تعليق الضحية بالرادة‪ ،‬والتعليق بالرادة‬
‫ينافي الوجوب‪.‬‬
‫ومنها حديث ابن عباس قال‪ :‬سمعت رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقول‪« :‬ثلث هن علي‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،415/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،186‬الشرح الكبير‪ ،118/2 :‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ 282/4‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،237/1 :‬المغني‪ ،617/8 :‬شرح الرسالة لبن أبي زيد القيرواني‪:‬‬
‫‪.366/1‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الوطار‪.)108/5 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه الجماعة إل البخاري (نيل الوطار‪.)112/5 :‬‬

‫( ‪)4/246‬‬
‫فرائض‪ ،‬وهن لكم تطوع‪ :‬الوتر‪ ،‬والنحر وصلة الضحى» (‪ )1‬وروى الترمذي‪« :‬أمرت بالنحر وهو‬
‫سنة لكم» ‪.‬‬
‫ويؤيد ذلك أن الضحية ذبيحة لم يجب تفريق لحمها‪ ،‬فلم تكن واجبة كالعقيقة ‪ .‬وضعف أصحاب‬
‫الحديث حديث الحنفية‪ ،‬أو هو محمول على تأكيد الستحباب كغسل الجمعة في حديث‪« :‬غُسل الجمعة‬
‫واجب على كل محتلم» (‪. )2‬‬
‫ويرشد إليه الثر‪« :‬أن أبا بكر وعمر كانا ل يضحيان‪ ،‬مخافة أن ترى الناس ذلك واجبا (‪ )3‬والصل‬
‫عدم الوجوب» ‪.‬‬
‫ودليل الشافعية على أن الضحية سنة كفاية لكل بيت‪ :‬حديث ِمخْنَف بن سُلَيم قال‪« :‬كنا وقوفا مع‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فسمعته يقول‪ :‬يا أيها الناس‪ ،‬على كل أهل بيت في كل عام أضحية‪( »..‬‬
‫‪ ، )4‬ولن الصحابة كانوا يضحون في عهده صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬والظاهر اطلعه‪ ،‬فل يُنكر عليهم‬
‫(‪ . )5‬وقد ضحى النبي صلّى ال عليه وسلم بكبشين سمينين أقرنين أملحين‪ ،‬أحدهما عن أمته‪،‬‬
‫والثاني عن نفسه وآله (‪. )6‬‬
‫ودليل الشافعية على أن الضحية سنة عين للمنفرد في العمر مرة هو أن المر عندهم ل يقتضي‬
‫التكرار (‪. )7‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك‪ ،‬والدارقطني‪ .‬وسكت عنه الحاكم‪ ،‬وفيه راو ضعيف‬
‫ضعفه النسائي والدارقطني (نصب الراية‪.)206/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه السبعة‪( :‬أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن أبي سعيد الخدري (سبل السلم‪.)87/1:‬‬
‫(‪ )3‬رواه البيهقي وغيره بإسناد حسن‪.‬‬

‫(‪ )4‬رواه أحمد وابن ماجه والترمذي‪ .‬وقال‪ :‬هذا حديث حسن غريب (نيل الوطار‪.)138/5 :‬‬
‫(‪ )5‬ثبت هذا برواية ابن ماجه والترمذي وصححه عن عطاء بن يسار‪ ،‬وبرواية ابن ماجه عن‬
‫الشعبي (نيل الوطار‪.)120/5 :‬‬
‫(‪ )6‬رواه ابن ماجه عن عائشة وأبي هريرة (نصب الراية‪.)215/4 :‬‬
‫(‪ )7‬قرر الشافعية في أصولهم‪ :‬أن المر ل يقتضي التكرار ول يفيد المرة‪ ،‬وإنما يفيد طلب الماهية‬
‫من غير إشعار بتكرار أو مرة‪ ،‬إل أنه ل يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة‪،‬‬
‫فصارت المرة من ضروريات التيان بالمأمور به (شرح السنوي‪.)43/2 :‬‬

‫( ‪)4/247‬‬
‫حالة تغير حكم الضحية أو نوعا الضحية ‪:‬‬
‫الضحية عند الحنفية نوعان‪ :‬واجبة وتطوع (‪. )1‬‬
‫أما الواجبة‪ :‬فهي أولً ـ المنذورة كأن يقول المرء‪ :‬ل علي أن أضحي شاة‪ ،‬أو بدنة ( ناقة ) أو هذه‬
‫الشاة‪ ،‬أو هذه البدنة‪ ،‬أو جعلت هذه الشاة ضحية أو أضحية‪ ،‬سواء أكان القائل غنيا أم فقيرا‪.‬‬
‫وثانيا ـ المشتراة للضحية إذا كان المشتري فقيرا‪ .‬فإن اشترى فقير شاة بنية الضحية‪ ،‬صارت‬
‫واجبة؛ لن الشراء للضحية ممن ل أضحية عليه‪ ،‬يجري مجرى اليجاب‪ ،‬وهو النذر بالتضحية‬
‫عرفا‪.‬‬
‫وثالثا ـ المطلوبة من الغني دون الفقير في كل عيد‪ ،‬من غير نذر ول شراء للضحية‪ ،‬بل شكرا‬
‫لنعمة الحياة‪ ،‬وإحياء لميراث الخليل عليه السلم حين أمره ال تعالى بذبح الكبش في أيام العيد‪ ،‬فداء‬
‫عن ولده‪ ،‬ومطية على الصراط (‪ ، )2‬ومغفرة للذنوب‪ ،‬وتكفيرا للخطايا‪.‬‬
‫وإن ولدت الضحية ولدا يذبح ولدها مع الم‪ ،‬وإن باعه يتصدق بثمنه‪ ،‬لن الم تعينت للضحية‪.‬‬
‫وأما التطوع‪ :‬فأضحية المسافر‪ ،‬والفقير الذي لم يوجد منه النذر بالتضحية‪ ،‬ول الشراء للضحية‪،‬‬
‫لنعدام سبب الوجوب وشرطه‪.‬‬
‫وقال ابن جزي المالكي (‪ : )3‬تتعين الضحية وتصبح واجبة بالذبح اتفاقا‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،78 ،63-61/5 :‬الدر المختار‪.227/5 :‬‬
‫(‪ )2‬ذكر الرافعي وابن الرفعة حديث‪ « :‬عظموا ضحاياكم‪ ،‬فإنها على الصراط مطاياكم » لكن قال‬

‫ابن الصلح‪ :‬إنه غير ثابت‪.‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.189‬‬

‫( ‪)4/248‬‬
‫وبالنية قبله على خلف في المذهب‪ ،‬وبالنذر إن عينها له اتفاقا‪ ،‬فإذا قال‪ :‬جعلت هذه أضحية‪ ،‬تعينت‬
‫على أحد قولين‪ ،‬فإن ماتت فل شيء عليه على كل القولين‪ ،‬وإن باعها لزمه أن يشتري بثمنها كله‬
‫أخرى‪.‬‬
‫لكن قال الدردير والدسوقي المالكيان (‪ : )1‬المعتمد المشهور في المذهب‪ :‬أن الضحية لتجب إل‬
‫بالذبح فقط‪ ،‬ولتجب بالنذر‪ .‬وقال أيضا‪ :‬يندب وليجب على المعتمد ذبح ولد الضحية الذي ولد قبل‬
‫ذبح أمه؛ لن الضحية لتتعين عندهم إل بالذبح‪ ،‬ولتتعين بالنذر‪.‬‬
‫وقال الشافعية في الصحيح والحنابلة (‪ : )2‬إن نوى الشراء للضحية ولم يتلفظ بذلك لتصير به‬
‫أضحية؛ لن إزالة الملك على سبيل القربة لتحصل بذلك‪ ،‬وإنما تجب الضحية إما بالنذر‪ ،‬مثل ل‬
‫علي‪ ،‬أو علي أن أضحي بهذه الشاة‪ ،‬أو بالتعيين بأن يقول‪ :‬هذه أضحية أو جعلتها أضحية‪ ،‬لزوال‬
‫ملكه عنها بذلك‪ .‬والجعل بمعنى النذر‪ ،‬فتصير واجبة‪ ،‬ويحرم حينئذ الكل منها‪ ،‬وليقبل القول بإرادة‬
‫التطوع بها‪ .‬فإن قال‪ :‬أضحية إن شاء ال لم تتعين ولم تجب‪ .‬وإشارة الخرس المفهمة كنطق الناطق‪.‬‬
‫وليجوز تأخيرها للعام القابل‪ ،‬وتعين ذبحها وقت الضحية‪.‬‬
‫وإن ولدت الضحية المعينة أو المنذورة‪ ،‬فولدها تابع لها‪ ،‬يذبح معها‪ ،‬وحكمه حكمها‪ ،‬سواء أكان‬
‫حملً عند التعيين أم حدث بعده‪ .‬وليشرب صاحبها من لبنها إل الفاضل عن ولدها‪ ،‬فإن لم يفضل‬
‫عنه شيء لم يكن له أخذه‪.‬‬
‫المبحث الثاني ــ شروط الضحية ‪:‬‬
‫وفيه مطالب ثلثة‪:‬‬
‫المطلب الول ـ شروط إيجاب الضحية أو سنيتها ‪:‬‬
‫يشترط ليجاب الضحية عند الحنفية‪ ،‬أو سنيتها عند الئمة الخرين‪ :‬القدرة عليها‪ ،‬فل تطلب من‬
‫العاجز عنهافي أيام عيد الضحى‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير وحاشيته‪. 125 ،122/2 :‬‬

‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،291 ، 288 ،283/4 :‬المهذب‪ 240/1 :‬ومابعدها‪ ،‬حاشية الباجوري‪،305/2 :‬‬
‫المغني‪ 627/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.8/3 :‬‬

‫( ‪)4/249‬‬
‫والمقصود بالقدرة عند الحنفية‪ ،‬هو اليسار أي يسار الفطرة (‪ ، )1‬وهو أن يكون مالكا مئتي درهم‬
‫الذي هو نصاب الزكاة‪ ،‬أو متاعا يساوي هذا المقدار زائدا عن مسكنه ولباسه‪ ،‬أو حاجته وكفايته هو‬
‫ومن تجب عليه نفقتهم‪.‬‬
‫والقادر عليها عند المالكية (‪ : )2‬هو الذي ل يحتاج إلى ثمنها لمر ضروري في عامه‪ .‬ولو استطاع‬
‫أن يستدين استدان‪.‬‬
‫والمستطيع عليها عند الشافعية (‪ : )3‬هو من يملك ثمنها زائدا عن حاجته وحاجة من يعوله يوم العيد‬
‫وأيام التشريق‪ ،‬لن ذلك وقتها‪ ،‬مثل زكاة الفطر‪ ،‬فإنهم اشترطوا فيها أن تكون فاضلة عن حاجته‬
‫مَمونة يوم العيد وليلته فقط‪.‬‬
‫والقادر عليها عند الحنابلة (‪ : )4‬هو الذي يمكنه الحصول على ثمنها ولو بالدين‪ ،‬إذا كان يقدر على‬
‫وفاء دينه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،222/ :‬اللباب‪ ،232/3 :‬تبيين الحقائق‪.3/6 :‬‬
‫(‪ )2‬شرح الرسالة لبن أبي زيد القيرواني‪.367/1 :‬‬
‫(‪ )3‬حاشية الباجوري‪.304/2 :‬‬
‫(‪ )4‬كشاف القناع‪.18/3 :‬‬

‫( ‪)4/250‬‬
‫المطلب الثاني ـ شروط صحة الضحية ‪:‬‬
‫يشترط لصحة الضحية ما يأتي (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬سلمة الحيوان المضحى به من العيوب الفاحشة التي تؤدي عادة إلى نقص اللحم أو تضر‬
‫بالصحة‪ ،‬كالعيوب الربعة المتفق على كونها مانعة من الضحية‪ ،‬وهي‪ :‬العور البين‪ ،‬والمرض البين‪،‬‬
‫والعرج‪ ،‬والعَجَف (الهُزال)‪ ،‬فل تجزئ العوراء البين عورها‪ ،‬والمريضة البين مرضها‪ ،‬والعرجاء‬
‫البين ضََلعُها‪ ،‬والعجفاء (أو الكسير) التي ل تُنْقي‪ ،‬بنص الحديث (‪. )2‬‬

‫وسيأتي مزيد بيان للعيوب المانعة في المذاهب في مبحث الحيوان المضحى به‪.‬‬
‫‪ - 2‬كون التضحية في وقت مخصوص‪ :‬وهو عند الحنفية‪ :‬أيام النحر ولياليها وهما ليلتان‪ :‬ليلة اليوم‬
‫الثاني‪ :‬وهي ليلة الحادي عشر من ذي الحجة‪ ،‬وليلة يوم الثالث‪ :‬وهي ليلة الثاني عشر‪ ،‬ول تصح‬
‫التضحية في ليلة عيد الضحى‪ :‬وهي ليلة العاشر من ذي الحجة‪ ،‬ول في ليلة اليوم الرابع‪ ،‬لقول‬
‫جماعة من الصحابة رضوان ال عليهم‪ :‬أيام النحر ثلثة‪ .‬وذكر اليام يشمل ذكر الليالي لغة‪ .‬ولكن‬
‫يكره تنزيها الذبح ليلً‪.‬‬
‫وسأوضح وقت الذبح في مبحث (وقت التضحية)‪.‬‬
‫واشترط المالكية أن يكون الذبح نهارا‪ ،‬فلو ذبح ليلً لم تصح أضحيته‪ .‬والنهار بطلوع الفجر في غير‬
‫اليوم الول‪.‬‬
‫وأضاف المالكية شرطين آخرين هما (‪: )2‬‬
‫‪ - 1‬إسلم الذابح‪ :‬فل تصح بذبح كافر‪ ،‬أنابه صاحب الضحية فيه‪ ،‬ولو كان كتابيا‪ ،‬وإن جاز أكلها‪.‬‬
‫ويستحب عند غير المالكية (‪ )3‬أل يذبح الضحية إل مسلم‪ ،‬ويكره أن يذبحها الذمي الكتابي‪ ،‬لنها‬
‫عمل هو قربة‪ ،‬وهو ليس من أهلها‪ ،‬فلو ذبحها بالنيابة عن المسلم جاز مع الكراهة‪.‬‬
‫‪ - 2‬وعدم الشتراك في ثمن الضحية‪ ،‬فإن اشترك جماعة بالثمن أو كانت مملوكة شركة بينهم‪،‬‬
‫فذبحوها ضحية عنهم‪ ،‬لم تجز عن واحد منهم‪ .‬ويصح التشريك في الثواب قبل الذبح ل بعده‪ ،‬بين‬
‫سبعة في بدنة أو بقرة ل شاة‪ ،‬بشروط ثلثة على المشهور عندهم‪:‬‬
‫أن يكون قريبا له كابنه وأخيه وابن عمه‪ ،‬ويلحق به الزوجة‪.‬‬
‫وأن يكون ممن ينفق عليه‪ ،‬سواء أكانت النفقة واجبة عليه كأب وابن فقيرين‪ ،‬أم غير واجبة كالخ‬
‫وابن العم‪.‬‬
‫وأن يكون ساكنا معه في دار واحدة‪.‬‬
‫ويصح عند غير المالكية (‪ )4‬الشتراك في الضحية إذا كانت من البل أو البقر‪ ،‬فيصح اشتراك‬
‫سبعة في بقرة أو ناقة إذا ساهم كل واحد منهم بالسُبع‪ .‬ول يصح أكثر من سبعة‪ ،‬ول المساهمة بأقل‬
‫من السُبع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،75-73/5 :‬الشرح الصغير للدردير‪ ،144-141/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،186‬مغني‬
‫المحتاج‪ 286/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 636 ،623/8 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن البراء بن عازب وصححه الترمذي‪ ،‬ولفظ العجفاء‬
‫عنده‪ :‬وهي التي اشتد هزالها بحيث ذهب مخ أي دهن العظم‪ .‬وعند غيره‪ :‬الكسير‪ ،‬والضلع‪ :‬هو‬

‫العرج‪ ،‬ول تنقي‪ :‬أي ل نقْي لها أي ل مخ‪ .‬قال النووي‪ :‬وأجمعوا على أن العيوب الربعة المذكورة‬
‫في حديث البراء‪ ،‬وهي المرض والعجف والعور والعرج البينات ل تجزئ التضحية بها‪ ،‬وكذا ما كان‬
‫في معناها‪ ،‬أو أقبح منها كالعمى وقطع الرجل وشبهه (نيل الوطار‪.)117-115/5 :‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الصغير‪ 141/2 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬الباب شرح الكتاب‪ ،236/3 :‬المهذب‪ ،239/1 :‬المغني‪.640/8 :‬‬
‫(‪ )4‬تبيين الحقائق‪ ،3-2/6 :‬مغني المحتاج‪ ،285/4 :‬كشاف القناع‪ ،618/2 :‬المغني‪.619/8 :‬‬

‫( ‪)4/251‬‬
‫المطلب الثالث ـ شروط المكلف بالضحية ‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء (‪ )1‬على أن المطالب بالضحية هو المسلم الحر البالغ العاقل المقيم المستطيع‪ ،‬واختلفوا‬
‫في مطالبة المسافر والصغير بها‪.‬‬
‫أما المسافر‪ :‬فقال الحنفية (‪ : )2‬ليس عليه أضحية؛ لن أبا بكر وعمر كانا ليضحيان إذا كانا‬
‫مسافرين‪ .‬وقال علي‪« :‬ليس على المسافر جمعة ول أضحية» (‪ ، )3‬ولن أداءها يختص بأسباب‬
‫تشق على المسافر‪ ،‬وتفوت بمضي الوقت‪ ،‬فل تجب عليه لدفع الحرج عنه‪ ،‬كالجمعة‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )4‬تسن الضحية لغيرالحاج‪ ،‬لن سنته الهدي (‪ ، )5‬وغير الحاج تسن له الضحية‬
‫مطلقا‪ ،‬حاضرا في بلده أو مسافرا‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )6‬تسن الضحية لكل مسلم‪ ،‬مسافر أو حاج أو غيرهما‪« ،‬لنه صلّى ال‬
‫عليه وسلم ضحى في منى عن نسائه بالبقر» رواه الشيخان‪ .‬وبه يرد على القائل بأن الضحية ل‬
‫تسن للحاج بمنى‪ ،‬وإن الذي ينحره بها هدي‪ ،‬ل أضحية‪.‬‬
‫والخلصة أن غير الحنفية يقولون‪ :‬تسن الضحية للمسافر وغيره‪ ،‬وعند الحنفية‪ :‬ليس عليه أضحية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اللباب‪ ،232/3 :‬تكملة الفتح‪ ،67/8 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،186‬الشرح الكبير‪ ،118/2 :‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،283/4 :‬كشاف القناع‪.17/3 :‬‬
‫(‪ )2‬تكملة الفتح‪ ،71/8 :‬تبيين الحقائق‪ ،3/6 :‬الدر المختار‪.222/5 :‬‬
‫(‪ )3‬قال الزيلعي عن كل من الثرين‪ :‬غريب (نصب الراية‪.)211/4 :‬‬
‫(‪ )4‬الشرح الكبير‪ ،118/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،186‬بداية المجتهد‪.415/1 :‬‬

‫(‪ )5‬الهدي‪ :‬ما يهدى إلى الحرام من النعم وغيرها‪ ،‬سمي بذلك لنه يهدى إلى ال تعالى‪.‬‬
‫(‪ )6‬مغني المحتاج‪ ،283/4 :‬كشاف القناع‪.17/3 :‬‬

‫( ‪)4/252‬‬
‫وأما الصغير‪ :‬فتجب عليه الضحية من ماله على الصح‪ ،‬في رأي الشيخين‪ :‬أبي حنيفة وأبي يوسف‪،‬‬
‫ويضحي عنه أبوه أو وصيه‪ ،‬ويأكل الصغير من أضحيته ما أمكنه‪ ،‬ويبتاع مما بقي ما ينتفع بعينه‬
‫كالغربال والمنخل‪ ،‬ل ما يستهلك‪ .‬ويذبح الولي عن كل واحد من أولده الصغار شاة‪ ،‬أو يذبح ناقة أو‬
‫بقرة عن سبعة‪ ،‬كما في صدقة الفطر‪.‬‬
‫وقال محمد وزفر‪ :‬يضحي الولي من مال نفسه‪ ،‬ل من مال الصغير‪.‬‬
‫وفي ظاهر الرواية عند الحنفية‪ ،‬وهو الظهر لدى بعضهم وعليه الفتوى (‪ : )1‬إن الضحية تستحب‬
‫ول تجب عن الولد الصغير‪ ،‬وليس للب أن يفعله من مال الصغير؛ لنها قربة محضة‪ ،‬والصل في‬
‫العبادات أل تجب على أحد بسبب غيره‪ ،‬بخلف صدقة الفطر؛ لن فيها معنى المؤونة (‪ ، )2‬والسبب‬
‫فيها رأس يمونه (ينفق عليه) ويلي عليه‪ .‬وهذا أرجح الراء‪.‬‬
‫وكذلك قال المالكية (‪ : )3‬تسن الضحية للصغير‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،222/5 :‬تبيين الحقائق‪ ،3-2/6 :‬تكملة الفتح‪ ،70 ،67/8 :‬اللباب‪232/3:‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬المؤونة‪ :‬هي الضريبة التي تؤدي إلى المحافظة على ما تؤدى عنه من نفس أو مال‪ .‬فصدقة‬
‫الفطر عبادة فيها معنى المؤونة‪ ،‬أما إنها عبادة فلنها تقرب إلى ال بالتصدق على المحتاجين‪ ،‬وأما‬
‫إنها مؤونة فلوجوبها عند الحنفية على المكلف بسبب غيره ممن يعوله‪ ،‬وله ولية عليه كخادمه وابنه‬
‫الصغير‪ ،‬كما تجب عليه نفقتها ( أصول الفقه لنا‪ ،153/1 :‬ط دار الفكر)‪.‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير‪.118/2 :‬‬

‫( ‪)4/253‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )1‬ل تسن الضحية للصغير‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الضحية للصغير من مال وليه تستحب عند الحنفية والمالكية‪ ،‬ول تستحب عند‬
‫الشافعية والحنابلة‪.‬‬

‫ويشترط لجواز إقامة التضحية على المكلف بها (‪ : )2‬نية الضحية‪ ،‬فل تجزئ الضحية بدونها‪ ،‬لن‬
‫الذبح قد يكون للحم‪ ،‬وقد يكون للقربة‪ ،‬والفعل ل يقع قربة بدون النية‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫«إنما العمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ ما نوى» (‪ )3‬وقوله‪« :‬ل عمل لمن ل نية له» ‪.‬‬
‫قال الكاساني‪ :‬والمراد منه عمل هو قربة‪ ،‬فل تتعين الضحية إل بالنية‪ .‬واشترط الشافعية والحنابلة‪:‬‬
‫أن تكون النية عند ذبح الضحية؛ لن الذبح قربة في نفسه‪ .‬ويكفيه أن ينوي بقلبه‪ ،‬ول يشترط أن‬
‫يتلفظـ بالنية بلسانه؛ لن النية عمل القلب‪ ،‬والذكر باللسان دليل عليها‪.‬‬
‫واشترط الحنفية أيضا‪ :‬أل يشارك المضحي فيما يصح فيه الشركة من ليريد القربة رأسا‪ ،‬وإنما أراد‬
‫اللحم‪ ،‬فلو اشترك سبعة في بعير أو بقرة كلهم يريد القربة إل واحدا منهم يريد اللحم‪ ،‬ل تجزئ‬
‫الضحية عن الجميع‪ ،‬لن القربة في إراقة الدم‪ ،‬وذلك ل يتجزأ‪ ،‬لنها فعل أو ذبح واحد‪.‬‬
‫وأجاز الشافعية (‪ )4‬هذا الشتراك‪ ،‬وللشركاء قسمة اللحم‪ ،‬لنها قسمة إفراز على الصح‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،283/4 :‬كشاف القناع‪ ،17/3 :‬قليوبي وعميرة على المحلي على المنهاج‪:‬‬
‫‪.249/4‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،71/5 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،187‬مغني المحتاج‪ ،289/4 :‬كشاف القناع‪.6/3 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪ ،‬بل رواه الجماعة عنه‪.‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪.285/4 :‬‬

‫( ‪)4/254‬‬
‫المبحث الثالث ـ وقت التضحية ‪:‬‬
‫للفقهاء خلفات جزئية في أول وقت التضحية وآخره‪ ،‬وفي كراهية التضحية في ليالي العيد‪.‬‬
‫لكنهم اتفقوا على أن أفضل وقت التضحية هو اليوم الول قبل زوال الشمس؛ لنه هو السنة‪ ،‬لحديث‬
‫البراء بن عازب‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إن أول مانبدأ به يومنا هذا‪ :‬أن‬
‫نصلي‪ ،‬ثم نرجع‪ ،‬فننحر‪ ،‬فمن فعل ذلك‪ ،‬فقد أصاب سنتنا‪ ،‬ومن ذبح قبل ذلك‪ ،‬فإنما هو لحم قدمه‬
‫لهله‪ ،‬ليس من النُسُك في شيء» (‪ . )1‬إنهم اتفقوا على أن الذبح قبل الصلة‪ ،‬أو في ليلة العيد ل‬
‫يجوز عملً بالحديث السابق‪.‬‬
‫وأذكر آراء الفقهاء فيما اختلفوا فيه‪:‬‬
‫‪ - 1‬قال الحنفية (‪ : )2‬يدخل وقت التضحية عند طلوع فجر يوم الضحى‪ ،‬ويستمر إلى قبيل غروب‬

‫شمس اليوم الثالث‪ ،‬إل أنه ل يجوز لهل المصار المطالبين بصلة العيد الذبح في اليوم الول إل‬
‫بعد أداء صلة العيد‪ ،‬ولو قبل الخطبة‪ ،‬أو بعد مضي مقدار وقت الصلة في حال تركها لعذر‪ .‬وأما‬
‫أهل القرى الذين ليس عليهم صلة العيد‪ ،‬فيذبحون بعد فجر اليوم الول‪.‬‬
‫وإن ضلت الشاة أو سرقت‪ ،‬فاشترى أخرى ثم وجدها فالفضل ذبحهما‪ ،‬وإن ذبح الولى جاز‪ ،‬وكذا‬
‫الثانية لو قيمتها كالولى أو أكثر‪.‬‬
‫وإذا أخطأ الناس في تعيين يوم العيد‪ ،‬فصلوا وضحوا‪ ،‬ثم بان لهم أنه يوم عرفة (الوقفة)‪ ،‬أجزأتهم‬
‫الصلة والتضحية‪ ،‬لنه ل يمكن التحرز عن مثل هذا الخطأ‪ ،‬فيحكم بالجواز‪ ،‬صيانة لجميع المسلمين‪.‬‬
‫وأيام الذبح ثلثة‪ :‬يوم العيد (النحر) ويومان بعده‪.‬‬
‫ويكره تنزيها الذبح ليلً‪ ،‬لحتمال الغلط في الذبح في ظلمة الليل‪ ،‬وذلك في الليلتين المتوسطتين‪:‬‬
‫الثانية والثالثة‪ ،‬ل الولى ول الرابعة؛ لنه ل تصح فيهما الضحية أصلً‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم (نصب الراية‪.)212/4 :‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،75-73/5 :‬تكملة فتح القدير‪ 72/8 :‬وما بعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪ 4/6 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر‬
‫المختار‪ ،225-222/5 :‬اللباب شرح الكتاب‪ 233/3 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/255‬‬
‫ولو تركت التضحية حتى مضى وقتها‪ ،‬تصدق بها صاحبها حية إن كانت منذورة أوجبها على نفسه‪،‬‬
‫أو مشتراة من فقير أو غني للضحية؛ لنها في حكم المنذورة عرفا‪ .‬وأما الغني إذا لم يشتر‬
‫الضحية‪ ،‬فيتصدق بقيمة شاة على الصحيح‪ ،‬كما في البدائع‪ ،‬وهو قول المام وصاحبيه؛ لن‬
‫الضحية واجبة على الغني‪ ،‬وتجب على الفقير بالشراء بنية الضحية‪.‬‬
‫ودليل الحنفية على جواز الذبح بعد الصلة ولو قبل الخطبة‪ :‬حديث البراء بن عازب المتقدم‪« :‬من‬
‫ضحى قبل الصلة‪ ،‬فإنما ذبح لنفسه‪ ،‬ومن ذبح بعد الصلة فقد تم نسكه‪ ،‬وأصاب سنة المسلمين»‬
‫وحديث أنس عند البخاري‪« :‬من ذبح قبل الصلة‪ ،‬فليُعد‪ ،‬ومن ذبح بعد الصلة‪ ،‬فقد تم نُسكُه‪ ،‬وأصاب‬
‫سُنة المسلمين» فقد رتب النبي صلّى ال عليه وسلم الذبح على الصلة‪ ،‬ل على الخطبة‪ ،‬فدل على أن‬
‫العبرة للصلة‪ ،‬ل للخطبة‪.‬‬
‫وأما دليلهم على تحديد الوقت بثلثة أيام‪ ،‬فهو ما روي عن عمر وعلي وابن عباس أنهم قالوا‪« :‬أيام‬
‫النحر ثلثة‪ ،‬أفضلها أولها» (‪ . )1‬وكان ابن عمر يقول‪« :‬الضحى يومان بعد يوم الضحى» (‪. )2‬‬

‫‪ - 2‬وقال المالكية (‪ : )3‬يبتدئ وقت التضحية لمام صلة العيد بعد الصلة والخطبة‪ ،‬فلو ذبح قبلها‬
‫لم يجز‪ .‬وغير المام يذبح في اليوم الول‪ ،‬بعد ذبح المام‪ ،‬أو مضي زمن قدر ذبح المام أضحيته إن‬
‫لم يذبح المام‪ ،‬فإن ذبح أحد قبل المام متعمدا لم يجزئه‪ ،‬ويعيد ذبح أضحية أخرى‪ ،‬وعليه فل جزئ‬
‫الذبح قبل الصلة‪ ،‬ول قبل ذبح المام‪ ،‬إل من تحرى أقرب إمام ولم يبرز أضحيته وظن أنه ذبح‬
‫فسبقه‪ ،‬أجزأه ذلك‪ .‬وإن تأخر المام بعذر شرعي انتظره إلى قرب الزوال بحيث يبقى قدر ما يذبح‬
‫قبله لئل يفوته الوقت الفضل‪.‬‬
‫ودليلهم أن النبي صلّى ال عليه وسلم في حديث جابر (‪ )4‬أمر من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر‪،‬‬
‫ول ينحروا حتى ينحر النبي‪ ،‬مما يدل على أنه ل ذبح قبل ذبح المام‪.‬‬
‫ودل حديث جُ ْندَب بن سفيان البَجَلي (‪ )5‬على أن الذبح يكون بعد الصلة‪« :‬من كان ذبح قبل أن‬
‫يصلي‪ ،‬فليذبح مكانها أخرى‪ ،‬ومن لم يكن ذبح‪ ،‬حتى صلينا‪ ،‬فليذبح باسم ال » وفي غير اليوم الول‬
‫ـ وهو الثاني والثالث يدخل وقت الذبح بطلوع الفجر‪ ،‬لكن يندب التأخير لرتفاع الشمس‪ .‬وإذا لم‬
‫يضح المسلم قبل زوال الشمس يوم النحر‪ ،‬الفضل أن يضحي بقية النهار‪ ،‬وإن فاته ذلك في‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال الزيلعي عنه‪ :‬غريب جدا (نصب الراية‪.)213/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه مالك في الموطأ‪ .‬وفيه أيضا أنه بلغه أن علي بن أبي طالب كان يقول مثل ذلك (المرجع‬
‫السابق)‪.‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير‪ ،120/2،122 :‬بداية المجتهد‪ 421/1 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 186‬وما‬
‫بعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )5‬متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الوطار‪.)123/5 :‬‬

‫( ‪)4/256‬‬
‫اليوم الثاني فالفضل أن يؤخر إلى ضحى اليوم الثالث‪ ،‬وإن فاته التضحية في اليوم الثالث‪ ،‬فيضحي‬
‫بعد الزوال‪ ،‬لنه ليس له وقت ينتظر‪.‬‬
‫ويستمر وقت الذبح لخر (أي مغيب شمس) اليوم الثالث من أيام النحر‪ ،‬أي كما قال الحنفية‪ ،‬وهو‬
‫رأي الحنابلة أيضا كما سيأتي؛ لن المشهور في تفسير (اليام المعلومات)‪ :‬أنها يوم النحر ويومان‬
‫بعده‪ ،‬في قوله تعالى‪{ :‬ليشهدوا منافع لهم‪ ،‬ويذكروا اسم ال في أيام معلومات على ما رزقهم من‬

‫بهيمة النعام} [الحج‪.]28/22:‬‬
‫‪ - 3‬وقال الشافعية (‪ : )1‬يدخل وقت التضحية بمضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفات بعد طلوع‬
‫شمس يوم النحر‪ ،‬ثم ارتفاعها في الفق كرمح (‪ )2‬على الفضل وهو بدء وقت صلة الضحى‪ ،‬فإن‬
‫ذبح قبل ذلك لم تقع أضحية لخبر الصحيحين عن البراء بن عازب المتقدم‪« :‬أول ما نبدأ به في يومنا‬
‫هذا نصلي‪ ،‬ثم نرجع‪ ،‬فننحر‪ »..‬ويستثنى من ذلك ما لو وقف الحجاج بعرفة في الثامن غلطا‪ ،‬وذبحوا‬
‫في التاسع‪ ،‬ثم بان الخطأ‪ ،‬أجزأهم في رأي ضعيف تبعا للحج (‪. )3‬‬
‫ويمتد وقت الذبح ليلً ونهارا إلى آخر أيام التشريق‪ ،‬وهي ثلثة عند الشافعي رحمه ال بعد العاشر‪،‬‬
‫لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬عرفة كلها موقف‪ ،‬وأيام التشريق كلها منحر» (‪ )4‬وفي رواية لبن‬
‫حبان‪« :‬في كل أيام التشريق ذبح» (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ 287/4 :‬وما بعدها‪ ،‬المهذب‪ ،237/1 :‬المحلي على المنهاج‪ 252/4 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫نهاية المحتاج‪.6/8 :‬‬
‫(‪ )2‬الرمح‪ :‬عود طويل في رأسه حربة‪.‬‬
‫(‪ )3‬هذا إنما يأتي على رأي مرجوح عند الشافعية‪ ،‬وهو أن الحج يجزئ‪ ،‬والصح أنه ل يجزئ‪ ،‬فكذا‬
‫الضحية‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه البيهقي‪ ،‬وصححه ابن حبان‪.‬‬
‫(‪ )5‬ورواه أحمد والدارقطني‪« :‬كل أيام التشريق ذبح» وهو دليل على أن أيام التشريق كلها أيام ذبح‬
‫وهي يوم النحر‪ ،‬وثلثة أيام بعده (نيل الوطار‪ )125/5 :‬وقال الئمة الثلثة غير الشافعية‪ :‬يومان‬
‫بعده‪.‬‬

‫( ‪)4/257‬‬
‫لكن يكره الذبح والتضحية ليلً للنهي عنه‪ ،‬إما خوفا من الخطأ في المذبح‪ ،‬أو لن الفقراء ل‬
‫يحضرون للضحية بالليل‪ ،‬كحضورهم بالنهار‪.‬‬
‫ومن نذر أضحية معينة‪ ،‬فقال‪ :‬ل علي أن أضحي بهذه البقرة مثلً‪ ،‬لزمه ذبحها وقت الضحية‬
‫المذكور هنا‪ ،‬ول يجوز تأخيرها للعام القابل‪ ،‬فإن تلفت قبل وقت الضحية أو فيه قبل التمكن من‬
‫ذبحها‪ ،‬فل شيء عليه لعدم تقصيره وهي في يده أمانة‪ .‬وإن أتلفها لزمه أن يشتري بقيمتها مثلها‬
‫ويذبحها فيه‪ ،‬أي وقت التضحية المذكور‪.‬‬

‫‪ - 4‬وقال الحنابلة (‪ : )1‬يبدأ وقت الذبح من نهار الضحى بعد مضي قدر صلة العيد والخطبتين في‬
‫أخف ما يكون كما قال الشافعية‪ ،‬والفضل أن يكون الذبح بعد الصلة وبعد الخطبة وذبح المام إن‬
‫كان‪ ،‬خروجا من الخلف‪ ،‬ل فرق في هذا بين أهل المصر وغيرهم‪ ،‬فإن فاتت صلة العيد بالزوال‪،‬‬
‫لعذر أو غيره‪ ،‬ضحى المضحي عند الزوال‪ ،‬فما بعده‪ ،‬لفوات التبعية بخروج وقت الصلة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ 636/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.6/3 :‬‬

‫( ‪)4/258‬‬
‫وإن ذبح قبل الصلة لم يجزئه‪ ،‬ولزمه في الضحية الواجبة بنذر أو تعيين البدل‪ ،‬لنها نسيكة واجبة‬
‫ذبحها قبل وقتها‪ ،‬فلزمه بدلها‪ .‬والذبح في اليوم الثاني في أول النهار؛ لن الصلة فيه غير واجبة‪.‬‬
‫ويستمر وقت الذبح إلى آخر اليوم الثاني من أيام التشريق‪ ،‬أي أن أيام النحر ثلثة‪ :‬يوم العيد‪ ،‬ويومان‬
‫بعده‪ ،‬كما قال الحنفية والمالكية‪.‬‬
‫والفضل الذبح في النهار‪ ،‬ويجوز في الليل مع الكراهة‪ ،‬للخروج من الخلف‪ ،‬روي عن النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪« :‬أنه نهى عن الذبح بالليل» (‪ )1‬ولن الليل تتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب‪ ،‬فل‬
‫يفرق طازجا طريا‪ ،‬فيفوت بعض المقصود‪.‬‬
‫وإذا فات وقت الذبح‪ ،‬ذبح الواجب قضاء‪ ،‬وصنع به ما يصنع بالمذبوح في وقته‪ .‬وهو مخير في‬
‫التطوع‪ ،‬فإن فرق اللحم‪ ،‬كانت القربة بذلك دون الذبح؛ لنها شاة لحم‪ ،‬وليست أضحية‪.‬‬
‫وإذا وجبت الضحية بإيجاب صاحبها‪ ،‬فضلّت أو سرقت بغير تفريط منه‪ ،‬فل ضمان عليه؛ لنها‬
‫أمانة في يده‪ ،‬فإن عادت إليه‪ ،‬ذبحها‪ ،‬سواء أكان في زمن الذبح‪ ،‬أم فيما بعده‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ الحيوان المضحى به ‪:‬‬
‫وفيه مطالب أربعة‪:‬‬
‫المطلب الول ـ نوع الحيوان المضحى به ‪:‬‬
‫اتفق العلماء على أن الضحية ل تصح إل من نَعم‪ :‬إبل وبقر (ومنها الجاموس) وغنم (ومنها المعز)‬
‫بسائر أنواعها‪ ،‬فيشمل الذكروالنثى‪ ،‬والخصي والفحل‪ ،‬فل يجزئ غير النعم من بقر الوحش وغيره‪،‬‬
‫والظباء وغيرها‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم ال على ما رزقهم من بهيمة‬
‫النعام} [الحج‪ ]34/22:‬ولم ينقل عنه صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ول عن أصحابه التضحية بغيرها‪،‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه الطبراني عن ابن عباس‪ ،‬وفي إسناده متروك‪ ،‬ورواه البيهقي مرسلً عن الحسن (نيل‬
‫الوطار‪.)126/5:‬‬

‫( ‪)4/259‬‬
‫ولن التضحية عبادة تتعلق بالحيوان‪ ،‬فتختص بال ّنعَم كالزكاة (‪. )1‬‬
‫والمولود من النعام وغيرها‪ ،‬كالمتولد من الهلي والوحشي يتبع الم؛ لنها هي الصل في التبعية‪،‬‬
‫هذا رأي الحنفية والمالكية‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬المتولد بين جنسين من النعم يجزئ في الضحية‪ ،‬ويعتبر أعلى البوين سنا‪ ،‬فل بد‬
‫من بلوغه سنتين إذا كان متولدا بين الضأن والمعز‪ .‬وقال الحنابلة‪ :‬ل يجزئ المتولد من أهلي‬
‫ووحشي‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في الفضل من أنواع الحيوان على رأيين‪:‬‬
‫فقال المالكية‪ :‬الفضل الضأن‪ ،‬ثم البقر‪ ،‬ثم البل‪ ،‬نظرا لطيب اللحم‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫ضحى بكبشين‪ ،‬ول يفعل إل الفضل‪ ،‬ولو علم ال خيرا منه لفدى إسحاق (أو إسماعيل) به‪.‬‬
‫وعكس الشافعية والحنابلة فقالوا‪ :‬أفضل الضاحي‪ :‬البل‪ ،‬ثم البقر‪ ،‬ثم الضأن‪ ،‬ثم المعز‪ .‬نظرا لكثرة‬
‫اللحم‪ ،‬ولقصد التوسعة على الفقراء‪ ،‬ولقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من اغتسل يوم الجمعة‬
‫غسل الجنابة‪ ،‬ثم راح فكأنما قرب بدنة‪ ،‬ومن راح في الساعة الثانية‪ ،‬فكأنما قرب بقرة‪ ،‬ومن راح في‬
‫الساعة الثالثة‪ ،‬فكأنما قرب كبشا أقرن‪. )2( »..‬‬
‫ورأي الحنفية‪ :‬الكثر لحما هو الفضل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،69/5 :‬اللباب‪ ،235/3 :‬الدر المختار‪ ،226/5 :‬تبيين الحقائق‪ ،7/6 :‬تكملة الفتح‪،76/8 :‬‬
‫الشرح الكبير‪ 118/2 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،416/1 :‬مغني المحتاج‪ ،284/4 :‬المغني‪619/8 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،623 ،‬كشاف القناع‪ 615/2 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،188‬المهذب‪.238/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة إل ابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الوطار‪.)237/3 :‬‬

‫( ‪)4/260‬‬
‫وتفصيل عبارات المذاهب ما يأتي‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪« : )1‬الصل أنه إذا استويا في اللحم والقيمة‪ ،‬فأطيبهما لحما أفضل‪ .‬وإذا اختلفا فيهما‬

‫فالفاضل أولى» فالشاة أفضل من سبع البقرة إذا استويا في القيمة واللحم‪ ،‬وإن كان سبع البقرة أكثر‬
‫لحما فهو أفضل‪ .‬والكبش أفضل من النعجة إذا استويا فيهما‪ ،‬وإل فهي أفضل‪ ،‬والنثى من المعز‬
‫أفضل من التيس إذا استويا قيمةولم يكن خصيا (‪ . )2‬والنثى من البل والبقر أفضل إذا استويا؛ لن‬
‫لحمها أطيب‪ .‬وعلى هذا فالذكر الخصي أفضل‪ ،‬وإل فالنثى‪ ،‬والبيض القرن أفضل من غيره‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )3‬الفضل الغنم‪ :‬فحله‪ ،‬فخصيه‪ ،‬فأنثاه‪ ،‬ثم المعز‪ ،‬ثم البقر‪ ،‬ثم البل‪ ،‬لطيب اللحم‪.‬‬
‫فالذكور عندهم أفضل من الناث مطلقا‪ ،‬والبيض أفضل من السود‪ ،‬ويوافقهم الشافعية والحنابلة في‬
‫تفضيل البيض على السود‪.‬‬
‫وعبارة الشافعية والحنابلة (‪ : )4‬أفضل الضاحي‪ :‬البعير أو البدنة لنه أكثر لحما‪ ،‬ثم بقرة؛ لن لحم‬
‫البدنة أكثر من لحم البقرة غالبا‪ ،‬ثم ضأن‪ ،‬ثم معز‪ ،‬لطيب الضأن على المعز‪ ،‬وبعد المعز‪ :‬المشاركة‬
‫في بقرة أو بدنة‪ ،‬فسبع شياه أفضل من‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار وحاشيته‪ 226/5 :‬ومابعدها‪ ،233 ،‬البدائع‪.80/5 :‬‬
‫(‪ )2‬فإن كان خصيا أي موجوءا ـ مرضوض النثيين‪ :‬مدقوقهما‪ ،‬فالذكر في الضأن والمعز أفضل‪.‬‬
‫وقد ثبت في رواية أحمد عن أبي رافع قال‪« :‬ضحى رسول ال صلّى ال عليه وسلم بكبشين أملحين‬
‫موجوءين خصيين» والموجوء‪ :‬منزوع النثيين (نيل الوطار‪ )119/5 :‬وقال الزيلعي في نصب‬
‫الراية‪ :215/4 :‬روي أيضا من حديث جابر وعائشة وأبي هريرة وأبي الدرداء‪.‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير‪ ،121/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.188‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ 285/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،238/1 :‬المغني‪ 621/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪ 615/2‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/261‬‬
‫بعير أو بقرة؛ لن لحم الغنم أطيب‪ ،‬وشاة أفضل من مشاركة في بعير إذا تساويا في القدر‪ ،‬للنفراد‬
‫بإراقة الدم وطيب اللحم‪ .‬فإن كان سبع البعير أكثر قدرا‪ ،‬كان أفضل‪.‬‬
‫والكبش أفضل الغنم‪ ،‬لنه أضحية النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وهو أطيب لحما (‪ ، )1‬وجذع الضأن‬
‫أفضل من ثني المعز‪ ،‬لطيب اللحم‪ ،‬ولنه يروى عن النبي صلّى ال عليه وسلم أنه قال‪« :‬نعم أو‬
‫نعمت الضحية‪ :‬الجَذَع من الضأن» (‪ )2‬أي قبل الثني‪.‬‬
‫والذكر عند الشافعية أفضل على الصح من النثى؛ لن لحمه أطيب‪ ،‬والخصي أفضل من النعجة عند‬

‫الحنابلة؛ لن لحمه أوفر وأطيب‪ .‬والفحل في المذهبين أفضل من الخصي‪.‬‬
‫والسمينة أفضل من غير السمينة‪ ،‬لقول ال عز وجل‪{ :‬ومن يعظم شعائر ال‪ ،‬فإنها من تقوى القلوب}‬
‫[الحج‪ ]32/22:‬قال ابن عباس‪ :‬تعظيمها‪ :‬استسمانها واستحسانها‪ .‬وهذا متفق عليه بين الفقهاء‪.‬‬
‫والبيضاء أفضل من الغبراء والسوداء؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين‪،‬‬
‫والملح‪ :‬البيض‪ .‬وبه يكون ترتيب اللوان في مذهبي الشافعية والحنابلة ما يأتي‪ ،‬وهو متفق عليه‬
‫بين الفقهاء‪:‬‬
‫البيضاء أفضل‪ ،‬ثم الصفراء‪ ،‬ثم العفراء ( وهي التي ليصفو بياضها أوليس بناصع)‪ ،‬ثم الحمراء ثم‬
‫البلقاء ( مختلط البياض والسواد) ثم السوداء (‪ ، )3‬روى أحمد والحاكم خبر أبي هريرة‪« :‬دم ُعفراءَ‬
‫أحب إلى ال من دم سوداوين» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وروى عبادة بن الصامت أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬خير الضحية الكبش‬
‫القرن» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬حديث غريب رواه الترمذي وأحمد عن أبي هريرة (نصب الراية‪ )216/4 :‬والجذع لولد الشاة‬
‫في السنة الثانية‪ ،‬ولولد البقرة والحافر في السنة الثالثة‪ ،‬وللبل في السنة الخامسة‪.‬‬
‫(‪ )3‬والترجيح بين اللوان‪ :‬قيل‪ :‬للتعهد‪ ،‬وقيل لحسن المنظر‪ ،‬وقيل‪ :‬لطيب اللحم‪.‬‬

‫( ‪)4/262‬‬
‫المطلب الثاني ‪ -‬سن الحيوان المضحى به ‪:‬‬
‫جذَع (‪ )1‬من‬
‫اتفق الفقهاء على جواز التضحية بالثّ ِنيّ فما فوقه من البل والبقر والغنم‪ .‬واختلفوا في ال َ‬
‫الضأن‪ ،‬فقال الحنفية والحنابلة (‪ : )2‬يجزئ الجذع العظيم أو السمين من الغنم ابن ستة أشهر ودخل‬
‫في السابع‪ ،‬وهو رأي بعض المالكية (‪ ، )3‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬يجزئ الجذع من الضأن‬
‫أضحية» (‪ . )4‬وبيّن الحنفية حالة سمنه بما إذا خلط بالثنايا يشتبه على الناظر من بعيد‪ ،‬فل يمكن‬
‫تمييزه مما له سنة‪.‬‬
‫والفرق بين جذع الضأن والمعز‪ :‬أن جذع الضأن ينزو‪ ،‬فيلقح‪ ،‬بخلف الجذع من المعز‪ .‬ويعرف‬
‫كونه قد أجذع بنمو الصوف على ظهره‪.‬‬
‫وقال الشافعية والمالكية على الراجح عندهم (‪ : )5‬يجزئ الجذع من الضأن إذا أتم السنة الولى‪،‬‬
‫ودخل في الثانية‪ ،‬لخبر أحمد وغيره‪« :‬ضحوا بالجذع من الضأن‪ ،‬فإنه جائز» (‪. )6‬‬

‫وأما أسنان بقية النعام المجزئة في الضحية عند الفقهاء فهي ما يأتي (‪: )7‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الجذع قبل الثني‪ :‬وهو الشاب الحدث‪ ،‬يقال لولد الشاة في السنة الثانية‪ ،‬ولولد البقر والحافر في‬
‫السنة الثالثة‪ ،‬وللبل في السنة الخامسة‪ .‬والثني‪ :‬الذي يلقي ثنيته‪ .‬ويكون ذلك في البقر والحافر في‬
‫السنة الثالثة‪ ،‬وفي البل في السنة السادسة‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،70/5:‬كشاف القناع‪ ،616/2 :‬المغني‪.623/8 :‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.188‬‬
‫(‪ )4‬رواه ابن ماجه وأحمد عن أم بلل بنت هلل عن أبيها (نيل الوطار‪.)114/5 :‬‬
‫(‪ )5‬الشرح الكبير‪ ،119/2 :‬بداية المجتهد‪ ،419/1 :‬مغني المحتاج‪ ،284/4 :‬المهذب‪.238/1 :‬‬
‫(‪ )6‬روى النسائي عن عقبة بن عامر أنه ضحى مع الرسول بالجذع من الضأن‪ ،‬وروى أحمد‬
‫والشيخان أنه أذن لعقبة بن عامر بالضحية بالجذع (نيل الوطار‪.)114/5 :‬‬
‫(‪ )7‬المراجع السابقة في هذا المطلب لكل مذهب‪.‬‬

‫( ‪)4/263‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬المعز‪ :‬ما أتم سنة وطعن (دخل في الثانية)‪ ،‬والبقر والجاموس ما أتم سنتين ودخل في‬
‫الثالثة‪ ،‬والبل‪ :‬ما أتم خمس سنوات‪ ،‬ودخل في السادسة‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬المعز‪ :‬ابن سنة عربية ودخل في الثانية دخولً بينا كشهر‪ ،‬بخلف الضأن‪ ،‬فيكفي فيه‬
‫مجرد الدخول‪ .‬والبقر والجاموس‪ :‬ابن ثلث سنين‪ ،‬ودخل في الرابعة مجرد دخول‪ ،‬والبل ابن خمس‬
‫سنوات ودخل في السادسة‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬شرط إبل أن يطعن في السنة السادسة‪ ،‬وبقر ومعز في السنة الثالثة‪ ،‬وضأن في السنة‬
‫الثانية‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬المعز ابن سنة كاملة‪ ،‬والبقر ما له سنتان كاملتان‪ ،‬والبل‪ :‬ماكمل خمس سنين‪.‬‬
‫وبه يظهر لدينا أن فقهاء المذاهب اتفقوا على تحديد سن البل بخمس‪ ،‬واختلفوا في البقر على رأيين‪،‬‬
‫فعند الحنفية والحنابلة والشافعية‪ :‬ما له سنتان‪ .‬وعند المالكية‪ :‬ما له ثلث سنين‪ .‬كما اختلفوا في‬
‫المعز‪ :‬فعند غير الشافعية‪ :‬ما له سنة كاملة‪ .‬وعند الشافعية‪ :‬ما له سنتان كاملتان‪.‬‬
‫المطلب الثالث ‪ -‬قدر الحيوان المضحى أو مايجزئ عنه ‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء (‪ )1‬على أن الشاة والمعز ل تجوز أضحيتهما إل عن واحد‪ ،‬وتجزئ البدنة أو البقرة عن‬

‫سبعة أشخاص‪ ،‬لحديث جابر‪« :‬نحرنا مع رسول ال صلّى ال عليه وسلم بالحديبية‪ :‬البدنة عن سبعة‬
‫والبقرة عن سبعة» (‪ . )2‬وفي لفظ مسلم‪« :‬خرجنا مع‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،70/5:‬تبيين الحقائق‪ ،3/6 :‬تكملة الفتح‪ ،76/8 :‬الدر المختار‪ ،222/5 :‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪ ،186‬بداية المجتهد‪ ،420/1 :‬الشرح الكبير‪ ،119/2 :‬مغني المحتاج‪ ،292 ،285/4 :‬المهذب‪:‬‬
‫‪ ،238/1‬المغني‪ 619/8 :‬وما بعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.617/2 :‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه الجماعة (نصب الراية‪.)209/4 :‬‬

‫( ‪)4/264‬‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم مهلين بالحج‪ ،‬فأمرنا رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن نشترك في‬
‫البل‪ ،‬والبقر‪ ،‬كل سبعة منا في بدنة» (‪. )1‬‬
‫وأجاز الحنابلة أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة‪ ،‬أو بقرة‪ ،‬أو بدنة‪ ،‬عملً بما رواه مسلم عن‬
‫عائشة أن النبي صلّى ال عليه وسلم ضحى بكبش عن محمد وآل محمد‪ ،‬وضحى بكبشين أملحين‬
‫أقرنين‪ ،‬أحدهما عن محمد وأمته (‪ ، )2‬وروى ابن ماجه والترمذي وصححه عن أبي أيوب‪« :‬كان‬
‫الرجل في عهد النبي صلّى ال عليه وسلم يضحي بالشاة عنه‪ ،‬وعن أهل بيته‪ ،‬فيأكلون‪،‬‬
‫ويطعمون‪. »...‬‬
‫وكذلك أجاز المالكية أن يذبح الرجل الكبش أو البقرة أو البدنة مضحيا‪ ،‬عن نفسه وعن أهل بيته‪ ،‬ولو‬
‫زادوا عن سبعة إذا كان الشتراك في الثواب قبل الذبح بشروط ثلثة‪ :‬أن يكون قريبا له‪ ،‬ينفق عليه‪،‬‬
‫وساكنا معه‪ ،‬وقد بينتها في شروط صحة الضحية‪.‬‬
‫وقال الشافعية أيضا‪ :‬تضحية واحد من أهل البيت تحصل به سنة الكفاية‪ ،‬وإن لم يصدر من بقيتهم‬
‫إذن‪.‬‬
‫المطلب الرابع ـ أوصاف الحيوان المضحى ‪:‬‬
‫صفات الحيوان المضحى به أو الضحية ثلثة أنواع‪ :‬مستحبة‪ ،‬ومانعة الجزاء‪ ،‬ومكروهة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬استنبط الشافعية من هذا الحديث خلفا للحنفية كما بينت جواز الشتراك بين من يريد القربة ومن‬
‫ل يريدها‪ ،‬فقالوا‪ :‬وظاهره أنهم لم يكونوا من أهل بيت واحد‪ ،‬وسواء اتفقوا في نوع القربة أم اختلفوا‬
‫كما إذا قصد بعضهم التضحية‪ ،‬وبعضهم الهدي‪ ،‬وبعضهم اللحم‪ ،‬ولهم قسمة اللحم‪ ،‬لن قسمته قسمة‬

‫إفراز على الصح‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود‪.‬‬

‫( ‪)4/265‬‬
‫فأما الصفات المستحبة في الضحية باتفاق الفقهاء (‪ : )1‬فهي أن تكون كبشا سمينا أقرن أملح‬
‫(أبيض) فحلً ـ هو أفضل من الخصي عند الجمهور‪ ،‬أو خصيا (موجوءا) هو أفضل من الفحل عند‬
‫الحنفية؛ لن الكبش كما تقدم هو أفضل أجناس الغنم‪ .‬وهذا الستحباب عند الشافعية والحنابلة هو في‬
‫حالة تفضيل الكبش عن سبع البدنة أو البقرة‪.‬‬
‫والسبب في استحباب هذه الصفات هو أنها صفات أضحية النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬كما ثبت في‬
‫أحاديث جابر وعائشة وأبي هريرة وأبي رافع‪ ،‬وأبي الدرداء الدالة على جواز التضحية بالخصي‪،‬‬
‫وهي دليل الفضل عند الحنفية‪ ،‬وحديث أبي سعيد الدال على التضحية بالفحل (‪ ، )2‬ونصه‪« :‬ضحى‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم بكبش أقرن فحيل‪ ،‬يأكل في سواد‪ ،‬ويمشي في سواد‪ ،‬وينظر في‬
‫سواد» (‪ )3‬وهو دليل الفضل عند الجمهور‪.‬‬
‫وأما الصفات المانعة الجزاء‪ :‬فهي ـ كما تقدم في بحث الشروط ـ أربعة باتفاق الفقهاء‪ :‬وهي‬
‫العور البيّن‪ ،‬والمرض البين‪ ،‬والعرج‪ ،‬والعجف (الهزال)‪ .‬ودليلهم حديث البراء بن عازب قال‪ :‬قال‬
‫عوَرُها‪ ،‬والمريضة‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أربع ل تجوز في الضاحي‪ :‬العوراء البيّن َ‬
‫البيّن مرضها‪ ،‬والعرجاء البيّن ضَلَعها‪ ،‬والكسير (أو العجفاء) التي ل تُنْقي» (‪. )4‬‬
‫وأضاف الفقهاء عيوبا أخرى بالقياس على هذه الربعة‪ ،‬هي في معناها‪ ،‬أو أقبح منها‪ ،‬كالعمى وقطع‬
‫الرجل‪ ،‬لما يترتب على ذلك من نقص اللحم‪ ،‬ويكون الحديث من باب الخاص الذي أريد به العموم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،80/5 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،188‬مغني المحتاج‪ 285/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪،621/8 :‬‬
‫كشاف القناع‪.617/2 :‬‬
‫(‪ )2‬راجع نصب الراية‪ 215/4 :‬وما بعدها‪ ،‬نيل الوطار‪ 118/5 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وصححه والترمذي وابن حبان‪ ،‬وهو على شرط مسلم‪ ،‬ومعناه‪ :‬أن فمه أسود‪ ،‬وقوائمه‬
‫وحول عينيه سواد (نيل الوطار‪ ،‬المكان السابق)‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) وصححه الترمذي‪ ،‬وفيه دليل على أن متبينة العور والعرج‬
‫(الضلع) والمرض ل يجوز التضحية بها‪ ،‬إل ما كان من ذلك يسيرا غير بيّن‪ ،‬وكذلك الكسير التي ل‬

‫نقي لها (أي ل مخ لها)‪ ،‬وفي رواية الترمذي والنسائي «والعجفاء) بدل «الكسير» (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪ )117-115/5‬فالعجفاء‪ :‬هي المهزولة التي ل مخ في عظامها‪.‬‬

‫( ‪)4/266‬‬
‫فصارت العيوب عند الحنفية (‪ )1‬ما يأتي‪:‬‬
‫ل يضحى بالعمياء (الذاهبة العينين)‪ ،‬والعوراء (الذاهبة عينا)‪ ،‬والعرجاء (العاطلة إحدى القوائم‪ ،‬وهي‬
‫التي ل تمشي إلى المذبح)‪ ،‬والعجفاء (المهزولة التي ل مخ في عظامها)‪ ،‬والهتماء (التي ل أسنان لها‪،‬‬
‫جذّاء‬
‫ويكفي بقاء الكثر)‪ ،‬والسّكاء (التي ل أذن لها خلقة‪ ،‬فلو كان لها أذن صغيرة خلقة أجزأت)‪ ،‬وال َ‬
‫(مقطوعة رؤوس ضرعها‪ ،‬أو يابستها)‪ ،‬والجَدْعاء (مقطوعة النف)‪ ،‬والمصرّمة حلمات الضرع‬
‫(التي عولجت حتى انقطع لبنها)‪ ،‬والتي ل ألية لها‪ ،‬والخنثى (لن لحمها ل ينضج)‪ ،‬والجلّلة (التي‬
‫تأكل العذرة ـ الغائط ـ دون غيرها)‪ ،‬ومقطوعة أكثر من ثلث الذن أو الذنَب أو اللْية‪ ،‬أو التي‬
‫ذهب أكثر نور عينها (لن للكثر حكم الكل بقاء وذهابا‪ ،‬فيكفي بقاء الكثر‪ ،‬ولن العيب اليسير ل‬
‫يمكن التحرز عنه‪ ،‬فجعل عفوا)‪ .‬وهذه العيوب تمنع من صحة الضحية إذا كانت قائمة وقت الشراء‪.‬‬
‫أما لو اشتراها سليمة ثم تعيبت‪ ،‬بعيب مانع‪ :‬فإن كان غنيا غيّرها‪ ،‬وإن كان فقيرا تجزئه‪ .‬وكذلك‬
‫تجزئه لو كانت معيبة وقت الشراء لعدم وجوبها عليه‪ ،‬بخلف الغني‪.‬‬
‫جمّاء (وهي التي ل قرن لها‪ ،‬أو مكسورة القرن؛ لن القرن ل يتعلق به‬
‫ويجوز أن يُضحّى بال َ‬
‫مقصود)‪ ،‬والخَصي (لن لحمه أطيب)‪ ،‬والجَرْباء السمينة (لن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،75/5 :‬الدر المختار‪ ،227/5 :‬تكملة الفتح‪ 74/8 :‬وما بعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪،5/6 :‬‬
‫اللباب‪ 234/3 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/267‬‬
‫الجرب يكون في جلدها‪ ،‬ول نقصان في لحمها‪ ،‬بخلف المهزولة‪ ،‬لن الهزال يكون في لحمها)‬
‫وال ّثوْلء (‪( )1‬المجنونة) إذا كان ترعى‪ ،‬فإن امتنعت من الرعي‪ ،‬لم تجزئ‪.‬‬
‫وعند المالكية (‪ : )2‬ل تجزئ العيوب المذكورة في الحديث وهي العوراء والعرجاء والمريضة‬
‫والعجفاء‪ ،‬ول العمياء والمجنونة جنونا دائما‪ ،‬ول مقطوعة جزء من أجزائها الصلية أو الزائدة كيد‬
‫خصْية (بيضة) لنه يجزئ الخصي‪ ،‬ول الجرباء والهَرِمة والبشْماء إذا كثر الجَرَب‬
‫أو رجل‪ ،‬غير ُ‬

‫والهَرَم والتّخَمة‪ ،‬ول ال َبكْماء (فاقدة الصوت إل لعارض كالناقة بعد أشهر من الحمل) والصّماء (التي‬
‫صمْعاء (صغيرة الذنين جدا‪ ،‬كأنها خلقت بل أذن‪،‬‬
‫ل تسمع) وال َبخْراء (منتنة رائحة الفم)‪ ،‬وال َ‬
‫والبَتْراء (التي ل ذنب لها)‪ ،‬ويابسة الضرع جميعه ومكسورة قرن لم يبرأ‪ ،‬وفاقدة أكثر من سن بسبب‬
‫ضرب أو مرض‪ ،‬ل بسبب كبر أو إثغار (تبديل أو تغيير في الصغر)‪ ،‬ومقطوعة ثلث ذنب فصاعدا‪،‬‬
‫أو أكثر من ثلث أذن‪ ،‬لقول علي بن أبي طالب رضي ال عنه‪« :‬أمرنا رسول ال صلّى ال عليه‬
‫وسلم أن نستشرف العين والذن‪ ،‬وأل نضحي بمقابَلة‪ ،‬ول مدابَرَة‪ ،‬ول شَرْقاء (‪ )3‬ول خَرْقاء» ‪.‬‬
‫جمّاء (المخلوقة بدون قرن)‪ ،‬وبالمُقْعدة (العاجزة عن القيام) لشحم كثر عليها‪،‬‬
‫وتصح الضحية بال َ‬
‫ومكسورة قرن من أصله‪ ،‬أو طرفه إن برئ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ال ّثوَل‪ :‬استرخاء في أعضاء الشاة خاصة‪ ،‬أو كالجنون يصيبها‪ ،‬فل تتبع الغنم وتستدبر في‬
‫مرتعها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير‪ 119/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪ 143/2 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪188‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪.419-417/1 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) وصححه الترمذي‪ .‬ومعناه أن نشرف على الذن والعين‬
‫ونتأملهما‪ ،‬كيل يقع فيهما نقص وعيب‪ .‬والمقابلة‪ :‬شاة قطعت أذنها من قدام وتركت معلقة‪ ،‬والمدابرة‪:‬‬
‫التي قطعت أذنها من جانب‪ ،‬والشرقاء‪ :‬مشقوقة الذن طول‪ ،‬والخرقاء‪ :‬التي في أذنها خرق مستدير‪.‬‬

‫( ‪)4/268‬‬
‫وعند الشافعية (‪ : )1‬ل تجزئ أيضا العيوب المنصوص عليها في الحديث وهي العجفاء (أي ذاهبة‬
‫المخ من شدة هزالها‪ ،‬والمخ‪ :‬دهن العظام)‪ ،‬وذات العرج والعور والمرض البين‪ ،‬ومثلها ذات الجرب‬
‫ولو كان يسيرا‪ .‬ول يضر اليسير في العيوب الربعة الولى لعدم تأثيره في اللحم‪ .‬ول تجزئ أيضا‬
‫ل فتهزل)‪ ،‬ول مقطوعة‬
‫العمياء والمجنونة (وهي التولء التي تدور في المرعى ول ترعى إل قلي ً‬
‫بعض الذن أو بعض اللسان‪ ،‬ولو كان يسيرا لذهاب جزء مأكول‪ ،‬وهو نقص في اللحم‪ .‬وشلل الذن‬
‫كفقدها‪ .‬ول تجزئ مقطوعة اللية قطعا غير خلقة‪.‬‬
‫ويجوز التضحية بالخصي لنه « صلّى ال عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين ل » (‪ )2‬أي‬
‫خصيين‪ ،‬لكن الفحل أفضل منه إن لم يحصل منه ضراب‪ .‬ول يضرفقد قرن خلقة‪ ،‬وتسمى الجلحاء‪،‬‬
‫ول كسره ما لم يعب اللحم‪ ،‬وإن دمى بالكسر‪ ،‬لن القرن ل يتعلق به كبير غرض‪ ،‬فإن عِيب اللحم‬

‫ضر كالجرب وغيره‪ .‬لكن ذات القرن أولى لخبر «خير الضحية الكبش القرن» (‪ ، )3‬ولنها أحسن‬
‫منظراَ‪ ،‬بل يكره غيرها‪ .‬ول يضر ذهاب بعض السنان أو أكثرها‪ ،‬ويجزئ مكسور سن أو سنين؛‬
‫لنه ل يؤثر في العتلف ونقص اللحم‪ ،‬فلو ذهب الكل‪ ،‬ضر‪ ،‬لنه يؤثر في ذلك‪.‬‬
‫وكذا ل يضر شق أذن ول خرقها‪ ،‬ول ثقبها في الصح بشرط أل يسقط من الذن شي بذلك‪ ،‬لنه ل‬
‫ينقص به من لحمها شيء‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن كل ما ينقص اللحم ل يجوز‪ ،‬وما ل ينقص اللحم يجوز‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ 286/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪.238/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي رافع وعائشة وأبي هريرة ( نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.) 119/5‬‬
‫(‪ )3‬رواه الحاكم وصحح إسناده‪.‬‬

‫( ‪)4/269‬‬
‫وعند الحنابلة (‪ : )1‬ل تصح الضحية بالعجفاء والعوراء البين عورها‪ ،‬والعمياء‪ ،‬والعرجاء البين‬
‫عرجها‪ ،‬والمريضة التي ل يرجى برؤها بمرض مفسد للحمها كجرب أو غيره‪ ،‬والعضباء (وهي التي‬
‫ذهب أكثر من نصف الذن أو القرن) (‪ ، )2‬ومثلها التي ذهب أكثر من نصف أليتها‪ .‬ول تجزئ‬
‫الكسيرة كالمريضة‪ ،‬ول الجداء أو الجدباء (جافة الضرع) ول الهتماء (التي ذهبت ثناياها من أصلها)‪،‬‬
‫ول العَصماء (التي انكسر غلف قرنها)‪.‬‬
‫ويجزئ الخصي ( الذي قطعت خصيتاه أو سلتا‪ ،‬أو رضتا ) لفعل النبي عليه السلم‪ ،‬وليجزئ‬
‫مقطوع الذكر مع قطع الخصيتين‪ ،‬وتجزئ الجماء ( وهي التي خلقت بل قرن )‪ ،‬والصمعاء ( وهي‬
‫الصغيرة الذن‪ ،‬أو خلقت بل أذن )‪ ،‬والبتراء ( التي ل ذنب لها خلقة‪ ،‬أو كان مقطوعا ) لن ذلك‬
‫ليخل بالمقصود‪ ،‬وتجزئ التي بعينها بياض ليمنع النظر‪ ،‬لعدم فوات المقصود من البصر‪ .‬وتجزئ‬
‫الحامل من البل والبقر والغنم كالحائل‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن هناك عيوبا متفقا على كونها مانعة الجزاء ‪ ،‬وعيوبا خَلْقية غير مانعة‪ ،‬وعيوبا مختلفا‬
‫فيها كمقطوعة بعض الذن‪ ،‬فالمالكية والحنفية‪ :‬ليجيزون مقطوعة الكثر من الثلث‪ ،‬والحنابلة‪:‬‬
‫الكثر من النصف‪ ،‬والشافعية‪ :‬ليجيزون قطع البعض وإن كان يسيرا‪ .‬ومثل مكسورة القرن‪ :‬تجزئ‬
‫عند الحنفية مالم يصل الكسر إلى المخ أي رأس العظم‪ ،‬وعند المالكية‪ :‬تجزئ إن برئ ولو كسر كله‪.‬‬

‫وعند الشافعية‪ :‬تجزئ مالم ينقص اللحم‪ ،‬وعند الحنابلة‪ :‬تجزئ إن ذهب أقل من النصف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ 623/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪. 3/3 :‬‬
‫(‪ )2‬لما روى علي رضي ال عنه قال‪ « :‬نهى رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن يضحي بأعضب‬
‫القرن والذن » قال قتادة‪« :‬فسألت سعيد بن المسيب‪ ،‬فقال نعم‪ ،‬العضب‪ :‬النصف فأكثر من ذلك »‬
‫رواه الشافعي وابن ماجه وأحمد وبقية أصحاب السنن ( نيل الوطار‪.)115/5 :‬‬

‫( ‪)4/270‬‬
‫والفضل‪ :‬ما كان كامل الخلقة‪ ،‬دون أي نقص فيه‪.‬‬
‫وإذا أوجب المرء أضحية صحيحة سليمة من العيوب‪ ،‬ثم حدث بها عيب يمنع الجزاء‪ ،‬ذبحها‪،‬‬
‫وأجزأته عند غير الحنفية (‪ ، )1‬لما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد قال‪ « :‬ابتعنا كبشا نضحي به‪،‬‬
‫فأصاب الذئب من أليته‪ ،‬فسألنا النبي صلّى ال عليه وسلم فأمرنا أن نضحي به » فالعيب المانع إذن‬
‫هو القديم ل الطارئ‪ ،‬وعند الحنفية إن كان المضحي غنيا غيّرها‪.‬‬
‫وأما الصفات المكروهة في الحيوان المضحى به‪ :‬فهي ما يأتي عند الفقهاء‪ :‬قال الحنفية (‪ : )2‬تكره‬
‫التضحية بالشرقاء ( المشقوقة الذن )‪ ،‬والخرقاء (التي يخرق أذنها الوسم) والمدابَرة ( التي يقطع‬
‫شيء من مؤخر أذنها ) والمقابَلة (التي يقطع شيء من مقدم أذنها) ‪ ،‬لحديث علي المتقدم‪ ،‬وفيه‪« :‬وأل‬
‫نضحي بعوراء‪ ،‬ول مقابلة‪ ،‬ول مدابرة‪ ،‬ول خرقاء ول شَرقاء » والنهي فيها محمول على الندب‪،‬‬
‫وفي الخرقاء على الكثير‪.‬‬
‫وتكره المجزوزة ( التي جز صوفها قبل الذبح لينتفع به )‪ ،‬والحَولء ( التي في عينها حول )‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )3‬تكره الشرقاء وما ذكر معها في الحديث السابق‪ ،‬وكل عيوب الذن الخرى‪،‬‬
‫وهي السّكاء ( المخلوقة بغير أذن )‪ ،‬والجَذعاء ( المقطوعة جزءا يسيرا من أذنها ) كما تكره عيوب‬
‫القرن كالعضباء ( وهي الناقصة الخلقة في قول‪ ،‬أو المكسورة القرن )‪ .‬وتكره ساقطة بعض السنان‬
‫لكبر ونحوه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ 626/8 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬تبيين الحقائق‪ ،9 ،5/6 :‬البدائع‪ ،87 ،76/5 :‬الدر المختار‪.231/5 :‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير‪ ،121/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.189‬‬

‫( ‪)4/271‬‬
‫وفي الجملة‪ :‬يندب الجيد من أعلى النعم‪ ،‬والسالم من العيوب التي تجزئ معها‪ ،‬كخفيف مرض‪،‬‬
‫وكسر قرن بريء‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )1‬يكره تنزيها المذكور في الحديث السابق بسبب شق الذن أو خرقها أو ثقبها في‬
‫الصح؛ وتكره التضحية بالجلحاء ( وهي التي لم يخلق لها قرن ) وبالقصماء ( وهي التي انكسر‬
‫غلف قرنها )‪ ،‬وبالعضباء ( وهي التي انكسر قرنها )؛ لن كل ذلك يشينها‪ ،‬وقد قال ابن عباس عن‬
‫الضاحي‪ :‬تعظيمها استحسانها‪.‬‬
‫وكذلك قال الحنابلة (‪ : )2‬تكره المشقوقة الذن‪ ،‬والمثقوبة‪ ،‬وما قطع شيء منها‪ ،‬لحديث علي المنهي‬
‫فيه عن تلك العيوب‪ .‬وهذا نهي تنزيه‪ ،‬ويحصل الجزاء بها‪ ،‬ول خلف في ذلك ما عدا الظاهرية‪،‬‬
‫ولن اشتراط السلمة من أي عيب يشق‪ ،‬إذ ل يكاد يوجد سالم من هذا كله‪.‬‬
‫المبحث الخامس ‪ -‬مندوبات الضحية ومكروهاتها وما يسن لمريد التضحية ‪:‬‬
‫هناك اتفاق بين الفقهاء في أغلب مواضع هذا المبحث‪.‬‬
‫‪ 1‬ـ قال الحنفية (‪ )3‬يستحب للمضحي قبل التضحية‪ :‬ربط الضحية قبل أيام النحر بأيام‪ ،‬لما فيه من‬
‫الستعداد للقربة وإظهار الرغبة فيها‪ ،‬فيكون له فيه أجر وثواب‪،‬وأن يقلدها (‪ )4‬ويجللها كالهدي‪،‬‬
‫ليشعر بتعظيمها‪ ،‬لقوله تعالى‪ { :‬ومن يعظم شعائر ال ‪ ،‬فإنها من تقوى القلوب } [الحج‪ ]32/22:‬وأن‬
‫يسوقها إلى المذبح سوقا جميلً ل عنيفا‪ ،‬وأل يجرها برجلها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،287/4 :‬المهذب‪. 239 - 238/1 :‬‬
‫(‪ )2‬المغني ‪. 626/8 :‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ، 80 - 78/5 :‬الدر المختار‪. 231/5 :‬‬
‫(‪ )4‬تقليد البدنة مثلً‪ :‬أن يعلّق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي‪.‬‬

‫( ‪)4/272‬‬
‫ويكره لمن اشترى أضحية أن يحلبها أو يجز صوفها‪ ،‬أو ينتفع بها‪ ،‬ركوبا أو حملً‪ ،‬أو ينتفع بلحمها‬
‫إذا ذبحها قبل وقتها؛ لنه عينها للقربة‪ ،‬والنتفاع بها يوجب نقصا فيها‪ .‬وإن كان في ضرعها لبن‪،‬‬
‫وهو يخاف عليها الهلك إن لم يحلبها‪ ،‬نضح ضرعها بالماء البارد‪ ،‬حتى يتقلص اللبن‪ .‬وإن حلبها‬

‫تصدق باللبن؛ لنه جزء من شاة متعينة للقربة‪ .‬وإن ذبحها أو جزها تصدق باللحم أو بقيمته‪،‬‬
‫وبالصوف والشعر والوبر‪.‬‬
‫ويكره له بيعها لتعينها قربة بالشراء‪ ،‬وإن باعها‪،‬جاز عند أبي حنيفة ومحمد‪ ،‬وعليه مثلها أو أرفع‬
‫منها (‪ )1‬؛ لنه بيع مال مملوك مقدور التسليم‪ .‬ولم يجز البيع عند أبي يوسف‪ ،‬لنها بمنزلة الوقف‪،‬‬
‫ول يجوز بيع الموقوف‪.‬‬
‫وإن ولدت الضحية ولدا ‪ ،‬ذبح ولدها مع الم‪ .‬وإن باعه تصدق بثمنه‪ ،‬لن الم تعينت للضحية‪،‬‬
‫فيتبعها الولد‪.‬‬
‫وفي حال التضحية‪ :‬يستحب لمريد التضحية‪ :‬أن يذبح بنفسه‪ ،‬إن قدر عليه‪ ،‬لنه قربة‪ ،‬فمباشرتها‬
‫بنفسه أفضل من توليتها غيره‪ ،‬كسائر القربات‪ .‬بدليل أن النبي صلّى ال عليه وسلم ساق مئة بدنة‬
‫هدية للحرم‪ ،‬فنحر منها نيفا وستين بيده الشريفة‪ ،‬ثم أعطى المُدية سيدنا عليا رضي ال عنه ‪ ،‬فنحر‬
‫الباقي (‪. )2‬‬
‫فإن لم يكن المضحي يحسن الذبح أناب عنه غيره مسلما‪ ،‬ل كتابيا؛ لن ذبح الكتابي مكروه ولن‬
‫الضحيةقربة‪ ،‬وهو ليس من أهلها‪ ،‬لكن لو ذبح بالنيابة عن المسلم جاز؛ لنه أهل للذكاة‪ .‬وأما‬
‫المجوسي فيحرم ذبحه لنه ليس من أهله‪.‬‬
‫ويستحب أن يتوجه الذابح إلى القبلة‪ ،‬كما فعل النبي صلّى ال عليه وسلم في حديث أنس المتقدم الذي‬
‫رواه الجماعة‪ ،‬وأن يضجع الذبيحة على جنبها اليسر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬و إن اشترى دونها‪ ،‬فعليه أن يتصدق بفضل مابين القيمتين‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد ومسلم من حديث جابر في صفة حج النبي صلّى ال عليه وسلم ( نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)105/5‬‬

‫( ‪)4/273‬‬
‫ويستحب أن يحضر المضحي الذبح‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم لفاطمة‪ « :‬قومي إلى أضحيتك‪،‬‬
‫فاشهديها‪ ،‬فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه‪. )1( »...‬‬
‫ويدعو المضحي‪ ،‬فيقول‪ :‬اللهم منك‪ ،‬ولك صلتي‪ ،‬ونسكي ومحياي ومماتي ل رب العالمين‪ ،‬ل‬
‫شريك له‪ ،‬وبذلك أمرت‪ ،‬وأنا من المسلمين‪ ،‬لما ثبت في حديث فاطمة السابق‪ .‬ثم يقول‪ :‬بسم ال ‪،‬‬
‫وال أكبر‪ ،‬اللهم تقبل مني‪ ،‬لحديث جابر‪ :‬قال‪ « :‬صليت مع رسول ال صلّى ال عليه وسلم عيد‬

‫الضحى‪ ،‬فلما انصرف‪ ،‬أتي بكبش‪ ،‬فذبحه‪ ،‬فقال‪ :‬بسم ال ‪ ،‬وال أكبر‪ ،‬اللهم هذا عني‪ ،‬وعمن لم‬
‫يضح من أمتي» (‪. )2‬‬
‫والمستحب في الضحية‪ ،‬كما تقدم أن تكون أسمنها وأحسنها وأعظمها؛ لنها مطية الخرة‪.‬‬
‫وأفضل الشاء‪ :‬أن يكون كبشا أملح أقرن‪ ،‬موجوءا‪ :‬خصيا‪ ،‬لحديث جابر السابق‪.‬‬
‫ويستحب أن تكون آلة الذبح حادة من الحديد‪.‬‬
‫والمستحب بعد الذبح النتظار قدر مايبرد الذبيح وتسكن جميع أعضائه‪ ،‬فل يسلخ قبل أن يبرد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روي من حديث عمران بن حصين عند الحاكم والبيهقي والطبراني‪ ،‬ومن حديث أبي سعيد‬
‫الخدري عند الحاكم أيضا‪ ،‬والبزار‪ ،‬ومن حديث علي عند أبي القاسم الصبهاني‪ ،‬وفي إسناد الولين‬
‫مقال (نصب الراية‪.) 219/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود والترمذي ( نيل الوطار‪.) 109/5 :‬‬

‫( ‪)4/274‬‬
‫‪ - 2‬وقال المالكية والشافعية وجماعة من الحنابلة (‪ : )1‬المستحب لمريد التضحية إذا دخل عليه عشر‬
‫ذي الحجة أل يحلق شعره‪ ،‬ول يقلم أظفاره‪ ،‬حتى يضحي‪ ،‬بل يكره له ذلك‪ .‬وقال بعض الحنابلة‪:‬‬
‫يحرم عليه ذلك‪ .‬بدليل حديث أم سلمة أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬إذا رأيتم هلل ذي‬
‫الحجة‪ ،‬وأراد أحدكم أن يضحي‪ ،‬فليمسك عن شعره وأظفاره» (‪ . )2‬ول شك بأن هذا الرأي هو‬
‫الرجح لصحة الحديث‪ .‬والدليل على عدم حرمة المذكور قول عائشة‪« :‬كنت أفتل قلئد هدي رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ثم يقلدها بيده‪ ،‬ثم يبعث بها‪ ،‬ول يحرم عليه شيء أحله ال له‪ ،‬حتى ينحر‬
‫الهدي» (‪. )3‬‬
‫ولم ير الحنفية كراهة ما ذكر؛ لن المضحي ل يحرم عليه الوطء واللباس‪ ،‬فل يكره له حلق الشعر‬
‫وتقليم الظفار‪ ،‬كما لو لم يرد أن يضحي (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ ،12/2 :‬الشرح الصغير‪ ،144/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،190‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ ،424/1‬مغني المحتاج‪ 283/3 :‬ومابعدها‪ ،290 ،‬المهذب‪ 238/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪640 ،8//618:‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ ،5/3 :‬حاشية الباجوري على ابن قاسم‪.309/2 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة إل البخاري‪ ،‬ولفظ أبي داود ‪ ،‬وهو لمسلم والنسائي أيضا‪« :‬من كان له ذِبْح يذبحه‪،‬‬

‫فإذا أهل هلل ذي الحجة‪ ،‬فل يأخذن من شعره وأظفاره حتى يضحي» (نيل الوطار‪.)112/5 :‬‬
‫والحكمة في النهي‪ :‬أن يبقى كامل الجزاء للعتق من النار‪ ،‬وقيل‪ :‬للتشبه بالمحرم في الحج‪ .‬والوجه‬
‫الثاني غلط عند بعض الشافعية‪ ،‬لن المضحي ل يعتزل النساء‪ ،‬ول يترك الطيب واللباس وغير ذلك‬
‫مما يتركه المحرم‪.‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪.619/8 :‬‬

‫( ‪)4/275‬‬
‫وأضاف الجمهور كالحنفية‪ :‬أنه يندب توجيه الذبيحة إلى القبلة على جنبها اليسر إن كانت من البقر‬
‫والغنم‪ ،‬ويقول الذابح‪« :‬بسم ال وال أكبر‪ ،‬اللهم هذا منك وإليك» لما روى ابن عمر‪« :‬أن النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم ذبح يوم العيد كبشين‪ ،‬ثم قال حين وجهها‪ :‬وجهت وجهي للذي فطر السموات والرض‬
‫حنيفا‪ ،‬وما أنا من المشركين‪ ،‬إن صلتي ونُسُكي (‪ )1‬ومحياي ومماتي ل رب العالمين‪ ،‬ل شريك له‪،‬‬
‫وبذلك أمرت‪ ،‬وأنا أول المسلمين‪ ،‬بسم ال ‪ ،‬وال أكبر‪ ،‬اللهم هذا منك ولك» (‪ )2‬فإن قال بعدئذ‪:‬‬
‫«اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك» فحسن‪ .‬وإن اقتصر على التسمية فقد ترك الفضل‪.‬‬
‫وقد عدد الشافعية خمسة أشياء تستحب عند الذبح وهي‪ :‬التسمية بالبسملة كلها أو بسم ال ‪ ،‬والصلة‬
‫على النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬واستقبال القبلة بالذبيحة‪ ،‬والتكبير قبل التسمية أو بعدها‪ ،‬والدعاء‬
‫بالقبول فيقول الذابح‪ :‬اللهم هذه منك وإليك‪ ،‬أي نعمة صادرة منك‪ ،‬تقربت بها إليك‪.‬‬
‫والفضل أن يذبح الرجل بنفسه إن أحسن الذبح‪ ،‬اتباعا لفعل النبي صلّى ال عليه وسلم (‪ . )3‬والسنة‬
‫للمرأة أن توكل عنها‪ .‬وأن يحضر المضحي أضحيته بنفسه‪ ،‬عملً بالسنة وطلبا للمغفرة‪ ،‬والمستحب‬
‫أن يذبحها مسلم‪ ،‬لنها قربة‪ ،‬فل يليها غير أهل القربة‪ ،‬قال جابر‪« :‬ل يذبح النسك إل مسلم» ‪.‬‬
‫ويجوز توكيل مسلم بالذبح‪ ،‬لن النبي صلّى ال عليه وسلم وكل عليا رضي ال عنه بذبح ما بقي من‬
‫المئة بدنة‪ .‬ويكره استنابة ذمي (كتابي) وصبي وأعمى‪ .‬وإن وكل ذميا فذبح‪ ،‬جاز؛ لنه يجوز للكافر‬
‫أن يتولى ما كان قربة للمسلم كبناء المساجد والقناطر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬النسك‪ :‬العبادة‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود‪ ،‬ويقول غير النبي‪ :‬وأنا من المسلمين لمناسبة المعنى‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الشيخان‪.‬‬

‫( ‪)4/276‬‬
‫وليس على الوكيل أن يقول عند الذبح عمن؛ لن النية تجزئ‪ ،‬وإن ذكر من يضحي عنه‪ ،‬لن النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم حينما ضحى‪ ،‬قال‪« :‬اللهم تقبل من محمد وآل محمد‪ ،‬وأمة محمد‪ ،‬ثم ضحى» (‬
‫‪ )1‬وقال الحسن‪ :‬يقول‪« :‬بسم ال وال أ كبر‪ ،‬هذا منك ولك‪ ،‬تقبل من فلن» ‪.‬‬
‫وقال الحنفية‪ :‬يكره أن يذكر الذابح اسم غير ال ‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وما أهلّ لغير ال به} [المائدة‪.]3/5:‬‬
‫وإن عين الشخص أضحية‪ ،‬فذبحها فضولي غيره بغير إذنه‪ ،‬أجزأت عن صاحبها‪ ،‬ول ضمان عليه‬
‫عند غير المالكية‪ ،‬لنه فعل ل يفتقر إلى النية‪ ،‬فإذا فعله غير الصاحب أجزأ عنه‪ ،‬كغسل ثوبه من‬
‫النجاسة‪ .‬وقال مالك‪ :‬هي شاة لحم‪ ،‬لصاحبها أرشها أي قيمتها‪ ،‬وعليه بدلها؛ لن الذبح عبادة‪ ،‬فإذا‬
‫فعلها غير صاحبها عنه‪ ،‬بغير إذنه‪ ،‬لم تقع الموقع كالزكاة (‪. )2‬‬
‫ويكره عند المالكية (‪ : )3‬جز صوف الضحية قبل الذبح إل إذا تضررت ببقاء الصوف لحر ونحوه‪،‬‬
‫وشرب لبنها‪ ،‬لنه نواها ل ‪ ،‬والنسان ل يعود في قربته‪ .‬ويكره للمام عدم إبراز الضحية للمصلى‪،‬‬
‫ولغيره يندب؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم كان يذبح وينحر بالمصلى (‪ : )4‬وهو مكان صلة‬
‫العيد‪ ،‬والحكمة فيه أن يكون بمرأى من الفقراء فيصيبون من لحم الضحية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ ،642/8 :‬كشاف القناع‪ ،11/3 :‬الكتاب مع اللباب‪ ،237/3 :‬مغني المحتاج‪،290/4 :‬‬
‫الشرح الكبير‪ 123/2 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير‪ ،122/2 :‬الشرح الصغير‪.146/2 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه البخاري وأصحاب السنن إل الترمذي عن ابن عمر‪.‬‬

‫( ‪)4/277‬‬
‫وفصل الشافعية والحنابلة (‪ )1‬في المر فقالوا‪ :‬ل يشرب المضحى من لبن الضحية المعينة إل‬
‫الفاضل عن ولدها‪ ،‬فإن لم يفضل عنه شيء‪ ،‬أو كان الحلب يضرّ بها‪ ،‬أو ينقص لحمها‪ ،‬لم يكن له‬
‫أخذه‪ .‬وإن لم يكن كذلك فله حلب اللبن والنتفاع به؛ لن بقاء اللبن معها يضرها‪ .‬ولو تصدق به كان‬
‫أفضل‪ ،‬خروجا من الخلف‪ .‬ودليل جواز النتفاع‪ ،‬قول علي‪« :‬ل يحلبها إل ما فضل عن تيسير‬
‫ولدها» ولنه انتفاع ل يضر بها ول بولدها‪.‬‬

‫ويجوز لصاحب الضحية المعينة الركوب عليها لحاجة فقط‪ ،‬بل ضرر؛ لن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم قال‪« :‬اركبها بالمعروف‪ ،‬إذا ألجئت إليها‪ ،‬حتى تجد ظهرا» (‪ ، )2‬ولنه تعلق بها حق‬
‫المساكين‪ ،‬فلم يجز ركوبها من غير ضرورة أو حاجة كملكهم‪ .‬فإن تضررت بالركوب لم يجز؛ لن‬
‫الضرر ل يزال بالضرر‪ ،‬ويضمن النقص الحاصل بركوبه‪ ،‬لتعلق حق غيره بها‪.‬‬
‫وأما صوفها‪ :‬فإن كان جزه أنفع لها‪ ،‬كأن كان في وقت الصيف أو الربيع‪ ،‬وبقي إلى وقت النحر مدة‬
‫طويلة‪ ،‬جاز جزه؛ لنها تخف بجزه وتسمن‪ ،‬ويتصدق به وهو الفضل‪ ،‬أو ينتفع به كاللبن‪ .‬وإن كان‬
‫ل يضر بها الصوف لقرب مدة الذبح‪ ،‬أو كان بقاؤه أنفع لها‪ ،‬كما في وقت الشتاء‪ ،‬لحتياجها له‬
‫للدفء‪ ،‬لم يجز جزه ول أخذه؛ لن الحيوان ينتفع به‪ ،‬في دفع البرد عنه‪ ،‬وينتفع به المساكين عند‬
‫الذبح‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،292/4 :‬المهذب‪ ،241 ،236/1 :‬المغني‪ 629/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪9/3 :‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود‪.‬‬

‫( ‪)4/278‬‬
‫المبحث السادس ـ أحكام لحوم الضحايا ‪:‬‬
‫يتحقق المقصود من الضحية‪ ،‬وهو القربة بإراقة الدم (‪ ، )1‬وأما الكل منها وتوزيعها ونحوهما ففيه‬
‫خلف يسير بين الفقهاء‪ ،‬الجمهور في جانب‪ ،‬والشافعية في جانب آخر‪ ،‬ورأي الجمهور أولى لتفاقه‬
‫مع ظاهر السنة النبوية‪.‬‬
‫‪ - 1‬قال جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة) (‪: )2‬‬
‫يجوز الكل من الضحية المتطوع بها‪ ،‬أما المنذورة‪ ،‬أو الواجبة بالشراء عند الحنفية فيحرم الكل‬
‫منها‪ ،‬كما يحرم الكل من ولد الضحية التي تلده قبل الذبح‪ ،‬أو من المشتركة بين سبعة نوى أحدهم‬
‫بحصته القضاء عن الماضي‪ .‬أما عند المالكية والحنابلة فيجوز الكل من المنذورة كالمتطوع بها‪.‬‬
‫والمستحب أن يجمع المضحي في حالة التطوع‪ ،‬أو في حالة النذر عند المالكية والحنابلة بين الكل‬
‫منها‪ ،‬والتصدق‪ ،‬والهداء‪ ،‬ولو أكل الكل بنفسه أو ادخره لنفسه فوق ثلثة أيام‪ ،‬جاز مع الكراهة عند‬
‫الحنفية والمالكية‪ .‬وجاز أكل الكثر عند الحنابلة‪ ،‬فإن أكل الكل ضمن أقل ما يطلق عليه اسم اللحم‬
‫كالوقية‪ .‬وليس للجمع بين المور الثلثة في المشهور عند المالكية حد مقدر في ذلك بثلث ولغيره‪.‬‬

‫والمستحب عند الحنفية والحنابلة أن تكون نسبة التوزيع أثلثا‪ ،‬فيأكل ثلث أضحيته‪ ،‬ويهدي ثلثها‬
‫لقاربه وأصدقائه ولو أغنياء‪ ،‬ويتصد ق بثلثها على المساكين‪ ،‬ودليلهم عليه‪ :‬قوله تعالى‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتتاج‪.291/4 :‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ 80/5:‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ ،230/5 :‬تبيين الحقائق‪ 8/6 :‬ومابعدها‪ ،‬تكملة فتح القدير‪:‬‬
‫‪ 76/8‬ومابعدها‪ ،‬اللباب‪ ،236/3 :‬بداية المجتهد‪ ،424/1 :‬الشرح الكبير والدسوقي‪،126 ،122/2 :‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 190‬ومابعدها‪ .‬المغني‪،635 -632/8 :‬كشاف القناع‪18 ،16 ،10/3 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬شرح العلمة زروق على رسالة القيرواني‪.377/1 :‬‬

‫( ‪)4/279‬‬
‫{فكلوا منها‪ ،‬وأطعموا القانع‪ ،‬والمعتر} (‪[ )1‬الحج‪{ ،]36/22:‬وأطعموا البائس الفقير} [الحج‪]28/22:‬‬
‫وأوجب الحنابلة الطعام عملً باليتين؛ لن المر يقتضي الوجوب‪.‬‬
‫ودليل نسبة التوزيع أثلثا عند غير المالكية‪ :‬ما روى ابن عباس في صفة أضحية النبي صلّى ال‬
‫سؤّال بالثلث» (‪)2‬‬
‫عليه وسلم ‪« :‬ويطعم أهل بيته الثلث‪ ،‬ويطعم فقراء جيرانه الثلث‪ ،‬ويتصدق على ال ُ‬
‫‪ .‬وجهات التوزيع ثلثة‪ :‬الكل‪ ،‬والدخار‪ ،‬لما ثبت في الحديث‪ ،‬والطعام لما ثبت في الية‪ ،‬فانقسم‬
‫عليها ثلثا‪.‬‬
‫ودليل المالكية على عدم وجود نسبة للتوزيع‪ ،‬وأنها مطلقة‪ :‬أحاديث عائشة وجابر‪ ،‬وسلمة بن الكوع‬
‫وأبي سعيد وبريدة وغيرهم‪ ،‬التي ورد فيها‪« :‬كلوا‪ ،‬وادخروا ‪ ،‬وتصدقوا» أو‪« :‬كلوا وأطعموا‪،‬‬
‫وادخروا» (‪. )3‬‬
‫والدليل على جواز ادخار لحوم الضاحي عدا المذكور‪ :‬قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬كنت نهيتكم عن‬
‫ادخار لحوم الضاحي فوق ثلث من أجل الدافّة (‪ ، )4‬وقد جاء ال بالسعة‪ ،‬فادخروا ما بدا لكم» (‪)5‬‬
‫‪.‬‬
‫ويحرم بيع جلد الضحية وشحمها ولحمها وأطرافها ورأسها وصوفها وشعرها ووبرها ولبنها الذي‬
‫يحلبه منها بعد ذبحها‪ ،‬واجبة كانت أو تطوعا؛ لن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القانع‪ :‬السائل الفقير‪ ،‬والمعتر الذي يعتريك أو يتعرض لك بالسؤال لتطعمه‪ ،‬ول يسأل‬
‫‪ )2( .‬رواه الحافظ أبو موسى الصفهاني في الوظائف‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن‪ .‬وهو قول ابن مسعود‬

‫وابن عمر‪ ،‬بدون مخالف من الصحابة‪.‬‬
‫(‪ )3‬انظر نيل الوطار‪ 126/5 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬الدافة‪ :‬جماعة من العراب‪ ،‬كانوا قد دخلوا المدينة طلبا للزاد‪ ،‬لن السنة أهلكتهم في البادية‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه مسلم‪ ،‬وفي حديث عائشة‪« :‬إنما نهيتكم من أجل الدافّة‪ ،‬فكلوا‪ ،‬وادخروا وتصدقوا» متفق‬
‫عليه‪.‬‬

‫( ‪)4/280‬‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم أمر بقسم جلودها ونهى عن بيعها‪ ،‬فقال‪« :‬من باع جلد أضحيته‪ ،‬فل‬
‫أضحية له» (‪. )1‬‬
‫ول يجوز إعطاء الجزار أو الذابح جلدها أو شيئا منها كأجرة للذبح‪ ،‬لما روى علي رضي ال عنه‬
‫قال ‪ « :‬أمرني رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن أقوم على بُدْنه (أي عند نحرها)‪ ،‬وأن أقسم‬
‫جلودها‪ ،‬وجللها (‪ ، )2‬وأل أعطي الجازر شيئا منها» وقال‪ « :‬نحن نعطيه من عندنا» (‪. )3‬‬
‫فإن أعطي الجزار شيئا من الضحية لفقره‪ ،‬أو على سبيل الهدية‪ ،‬فل بأس؛ لنه مستحق للخذ فهو‬
‫كغيره‪ ،‬بل هو أولى‪ ،‬لنه باشرها‪ ،‬وتاقت نفسه إليها‪.‬‬
‫وللمضحي أن ينتفع بجلد الضحية لستعماله في البيت كجراب وسقاء وفرو وغربال ونحوها‪ ،‬ولكن‬
‫له استحسانا عند الحنفية خلفا لغيرهم‪ :‬أن يشتري به ما ينتفع بعينه مع بقائه أي مبادلته بعروض‬
‫(أمتعة) أخرى؛ لن للبدل حكم المبدل‪ ،‬والمعاوضة بالعروض من باب النتفاع‪ .‬ول يجوز أن يشتري‬
‫به شيئا استهلكيا كالدراهم والدنانير والمأكولت والمشروبات‪ ،‬أي فل يجوز البيع بالنقود أو السلع‬
‫الستهلكية‪.‬‬
‫ودليل جواز النتفاع بالجلد‪ :‬أن عائشة رضي ال عنها اتخذت من جلد أضحيتها سقاء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الحاكم‪ ،‬وقال‪ :‬حديث صحيح السناد‪ ،‬ورواه البيهقي أيضا (نصب الراية‪ )218/4 :‬وروى‬
‫أحمد أيضا حديثا عن أبي سعيد‪ ،‬وفيه‪« :‬ول تبيعوا لحوم الهدي والضاحي» (نيل الوطار‪.)129/5 :‬‬
‫(‪ )2‬الجلل‪ :‬ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه‪ ،‬ويجمع أيضا على‪ :‬أجلة‪ ،‬ومفرده‪ :‬جلل‬
‫بضم الجيم‪.‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)4/281‬‬

‫ويكره عند المالكية أن يطعم منها يهوديا أو نصرانيا‪.‬‬
‫وأجاز الحنابلة إهداء الكافر من أضحية التطوع‪ ،‬أما الواجبة فل يجوز إهداء الكافر منها شيئا (‪. )1‬‬
‫أما نقلها إلى بلد آخر‪ :‬فقال الحنفية‪ :‬يكره نقلها كالزكاة من بلد إلى بلد إل أن ينقلها إلى قرابته أو إلى‬
‫قوم هم أحوج إليها من أهل بلده‪ ،‬ولو نقل إلى غيرهم أجزأه مع الكراهة‪ .‬وقال المالكية‪ :‬ول يجوز‬
‫نقلها إلى مسافة قصر فأكثر إل أن يكون أهل ذلك الموضع أشد حاجة من أهل محل الوجوب‪ ،‬فيجب‬
‫نقل الكثر لهم‪ ،‬وتفرقة القل على أهله‪ .‬وقال الحنابلة والشافعية كالمالكية‪ :‬يجوز نقلها لقل من‬
‫مسافة القصر‪ ،‬من البلد الذي فيه المال‪ ،‬ويحرم نقلها كالزكاة إلى مسافة القصر وتجزئه‪..‬‬
‫‪ - 2‬وقال الشافعية (‪ : )2‬الضحية الواجبة ـ المنذورة أو المعينة بقوله مثلً‪« :‬هذه أضحية» أو‬
‫«جعلتها أضحية» ‪ :‬ل يجوز الكل منها‪ ،‬ل المضحي ول من تلزمه نفقته‪ .‬ويتصدق بجميعها وجوبا‪.‬‬
‫ويذبح ولد الضحية المعينة كأمه‪ ،‬لكن يجوز للمضحي أكله كله قياسا على اللبن‪ ،‬إذ أن له شرب‬
‫فاضل لبنها عن ولدها مع الكراهة‪.‬‬
‫وأما الضحية التطوع‪ :‬فالمستحب للمضحي بها عن نفسه الكل منها‪ ،‬أي أن الفضل له تناول لقم‬
‫يتبرك بأكلها‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فكلوا منها‪ ،‬وأطعموا البائس الفقير} [الحج‪ ]28/22:‬وعند البيهقي‪« :‬أنه‬
‫صلّى ال عليه وسلم كان يأكل من كبد أضحيته» ‪ .‬وإنما ل يجب الكل منها ـ كما قال الظاهرية‬
‫عملً بظاهر الية ـ لقوله تعالى‪{ :‬والبدن جعلناها لكم من شعائر ال } [الحج‪ ]36/22:‬فجعلها لنا‪،‬‬
‫وما جعل للنسان فهو مخير بين تركه وأكله‪.‬‬
‫وللمضحي أيضا إطعام الغنياء‪ ،‬ل تمليكهم منها شيئا‪ ،‬بل يرسل إليهم على سبيل الهدية‪ ،‬دون أن‬
‫يتصرفوا فيه بالبيع وغيره‪.‬‬
‫والمضحي يأكل ثلثا على المذهب الجديد‪ ،‬وفي قول قديم‪ :‬يأكل نصفا ويتصدق بالنصف الخر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪.19/3 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 290/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪.240/1 :‬‬

‫( ‪)4/282‬‬
‫والصح وجوبا التصدق ببعض الضحية‪ ،‬ولو جزءا يسيرا من لحمها‪ ،‬بحيث ينطلق عليه السم‪ ،‬على‬
‫الفقراء المسلمين ولوواحدا‪ .‬والفضل التصدق بالكل إل لقما يتبرك بأكلها‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫ويتصدق المضحي في أضحية التطوع بجلدها‪ ،‬أو ينتفع به‪ ،‬كما يجوز له النتفاع بها‪ ،‬والتصدق به‬

‫أفضل‪ .‬أما الواجبة‪ :‬فيجب التصدق بجلدها‪.‬‬
‫ول يجوز نقل الضحية من بلدها لمسافة القصر فأكثر كما هو المقرر في نقل الزكاة‪.‬‬
‫الضحية عن الغير‪ :‬قال الشافعية (‪ : )1‬ل يضحى عن الغير بغير إذنه‪ ،‬ول عن ميت إن لم يوص‬
‫بها‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وأن ليس للنسان إل ما سعى} [النجم‪ ]39/53:‬فإن أوصى بها جاز‪ ،‬وبإيصائه تقع‬
‫له‪ .‬ويجب التصدق بجميعها على الفقراء‪ ،‬وليس لمضحيها ول لغيره من الغنياء الكل منها‪ ،‬لتعذر‬
‫إذن الميت في الكل‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )2‬وكره فعلها عن ميت إن لم يكن عينها قبل موته‪ ،‬فإن عينها بغير النذر‪ ،‬ندب‬
‫للوارث إنفاذها‪ .‬وقال الحنفية والحنابلة (‪ : )3‬تذبح الضحية عن ميت‪ ،‬ويفعل بها كعن حي من‬
‫التصدق والكل‪ ،‬والجر للميت‪ ،‬لكن يحرم عند الحنفية الكل من الضحية التي ضحى بها عن الميت‬
‫بأمره‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،292/4 :‬المحلي على المنهاج‪.255/4 :‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير‪.122/2 :‬‬
‫(‪ )3‬رد المحتار والدر المختار‪ ،229/5 :‬كشاف القناع‪.18/3 :‬‬

‫( ‪)4/283‬‬
‫صلُ الثّاني‪ :‬ال َعقِيقة وأحكامُ المولود‬
‫ال َف ْ‬
‫وفيه مبحثان‪:‬‬
‫المبحث الول ـ العقيقة ‪:‬‬
‫الكلم عن العقيقة فيما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬حكم العقيقة ومعناها وحكمتها ‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )1‬تباح العقيقة ول تستحب؛ لن تشريع الضحية نسخ كل دم كان قبلها من العقيقة‪،‬‬
‫والرجبية‪ ،‬والعتيرة‪ ،‬فمن شاء فعل‪ ،‬ومن شاء لم يفعل‪ .‬والنسخ ثبت بقول عائشة‪« :‬نسخت الضحية‬
‫كل ذبح كان قبلها» ‪.‬‬
‫والعقيقة‪ :‬الذبيحة التي تذبح عن المولود‪ ،‬يوم أسبوعه‪ .‬والصل في معناها اللغوي‪ :‬أنها الشعر الذي‬
‫على المولود‪ ،‬ثم أسمت العرب الذبيحة عند حلق شعر المولود عقيقة‪ ،‬على عادتهم في تسمية الشيء‬
‫باسم سببه‪ ،‬أو ما يجاوره‪.‬‬

‫والرجبية‪ :‬شاة كان العرب في الجاهلية يذبحونها في رجب‪ ،‬فيأكل منها أهل البيت‪ ،‬ويطبخون‪،‬‬
‫ويطعمون‪.‬‬
‫والعتيرة‪ :‬أول ولد للناقة أو الشاة‪ ،‬يذبح‪ ،‬ويأكله صاحبه‪ ،‬ويطعم منه‪ .‬وقيل‪ :‬إنها الشاة التي تذبح في‬
‫رجب‪ ،‬وفاء لنذر‪ ،‬أو إذا أنتجت الشاة عشرا‪ ،‬فتذبح واحدة منها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.69/5 :‬‬

‫( ‪)4/284‬‬
‫والصحيح أن العتيرة هي الرجبية‪ ،‬سواء بنذر أو بغير نذر‪ ،‬وهي سنة جاهلية (‪. )1‬‬
‫وقال جمهور الفقهاء (غير الحنفية) (‪ : )2‬ل تسن العتيرة‪ ،‬أو الرجبية‪ ،‬وتسن للب من ماله العقيقة‬
‫عن المولود‪ ،‬ول تجب؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬في حديث ابن عباس‪« :‬عق عن الحسن‬
‫والحسين عليهما السلم كبشا كبشا» (‪ . )3‬وقال ‪« :‬مع الغلم عقيقة‪ ،‬فأهريقوا عنه دما‪ ،‬وأميطوا عنه‬
‫الذى» (‪« )4‬كل غلم رهينة بعقيقته‪ ،‬تُذبح عنه يوم سابعه‪ ،‬ويُسمى فيه‪ ،‬ويحلق رأسه» (‪ . )5‬وقال‬
‫الشافعية‪ :‬تسن لمن تلزمه نفقته‪.‬‬
‫وحكمتها ‪ :‬شكر نعمة ال تعالى برزق الولد‪ ،‬وتنمية فضيلة الجود والسخاء وتطييب قلوب الهل‬
‫والقارب والصدقاء بجمعهم على الطعام‪ ،‬فتشيع المحبة والمودة واللفة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال ابن سراقة‪ :‬آكد الدماء المسنونة‪ :‬الهدايا‪ ،‬ثم الضحايا‪ ،‬ثم العقيقة‪ ،‬ثم العتيرة‪ ،‬ثم الفرع‪.‬‬
‫والعتيرة‪ :‬ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الول من رجب‪ ،‬ويسمونها الرجيبة‪ ،‬والفرع‪ :‬أول نتاج‬
‫البهيمة‪ ،‬كانوا يذبحونه ول يملكونه رجاء البركة في الم‪ ،‬ويكرهان لخبر البخاري‪« :‬ل فرع ول‬
‫عتيرة» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير للدردير‪ ،126/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،191‬مغني المحتاج‪ 293/4 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫المهذب‪ 241/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 645/8 :‬ومابعدها‪ ،650،‬كشاف القناع‪ 20/3 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية‬
‫المجتهد‪ 448/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود‪ ،‬والنسائي‪ ،‬وقال‪ :‬بكبشين كبشين (نيل الوطار‪.)135/5 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه الجماعة إل مسلما عن سلمان بن عامر الضّبي (نيل الوطار‪.)131/5 :‬‬

‫(‪ )5‬رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) وصححه الترمذي عن سمرة (نيل الوطار‪ ،‬المكان‬
‫السابق)‪.‬‬

‫( ‪)4/285‬‬
‫‪ - 2‬جنسها وسنها وصفتها ‪:‬‬
‫هي في الجنس والسن والسلمة من العيوب مثل الضحية‪،‬من النعام‪ :‬البل‪ ،‬والبقر‪ ،‬والغنم‪ .‬وقيل‪ :‬ل‬
‫يعق (‪ )1‬بالبقر ول بالبل‪.‬‬
‫‪ - 3‬عددها ‪:‬‬
‫هي عند المالكية‪ :‬شاة عن الذكر‪ ،‬أو النثى‪ ،‬لحديث ابن عباس السابق أنه عليه الصلة والسلم‪« :‬عق‬
‫عن الحسن شاة‪ ،‬وعن الحسين شاة» وهو المعقول واليسر‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬عن الغلم شاتان‪ ،‬وعن النثى شاة‪ .‬لخبر عائشة‪« :‬عن الغلم شاتان‬
‫مكافئتان‪ ،‬وعن الجارية شاة» (‪ )2‬وحديث ابن عباس محمول على الجواز‪ .‬وكالشاة‪ :‬سُبْع أو بقرة‪،‬‬
‫فلو ذبح بدنة أو بقرة عن سبعة أولد‪ ،‬جاز‪ .‬ولو كان المساهم في العقيقة عند الشافعية يريد اللحم‬
‫فقط‪ .‬وتتعدد العقيقة بتعدد الولد‪ .‬وتتحقق السنة بشاة عن الغلم‪ ،‬وشاة عن النثى‪ ،‬لفعل النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم المتقدم عن الحسن والحسين‪ .‬وتتعدد العقيقة بتعدد الولد‪ ،‬فلو ولد له توأمان‪ ،‬كان لهما‬
‫عقيقتان‪ ،‬ول تكفي واحدة عنهما‪.‬‬
‫‪ - 4‬وقتها ‪:‬‬
‫تذبح يوم سابع ولدة المولود‪ ،‬ويحسب يوم الولدة من السبعة‪ .‬فإن ولدت ليلً‪ ،‬حسب اليوم الذي يليه‪.‬‬
‫وعند المالكية‪ :‬يحسب يوم الولدة إن ولد قبل الفجر أو معه‪ ،‬ول يعد اليوم الذي ولد فيه‪ ،‬إن ولد بعد‬
‫الفجر‪ .‬وقيل عندهم‪ :‬يحسب إن ولد قبل الزوال ل بعده‪ .‬ويندب الذبح ضحى إلى الزوال ل ليلً‪.‬‬
‫وصرح الشافعية والحنابلة‪ :‬أنه لو ذبح قبل السابع أو بعده‪ ،‬أجزأه‪ .‬وأضاف الحنابلة والمالكية‪ :‬ل يعق‬
‫غير الب‪ ،‬ول يعق المولود عن نفسه إذا كبر‪ ،‬لنها مشروعة في حق الب‪ ،‬فل يفعلها غيره‪.‬‬
‫واختار جماعة من الحنابلة‪ :‬أن للشخص أن يعق عن نفسه استحبابا‪ .‬ول تختص العقيقة بالصغر‪،‬‬
‫فيعق الب عن المولود‪ ،‬ولو بعد بلوغه؛ لنه ل آخر لوقتها‪.‬‬
‫ويقول الذابح بعد التسمية‪ :‬اللهم منك وإليك عقيقة فلن؛ لخبر ورد فيه رواه البيهقي بإسناد حسن‪،‬‬
‫وروت عائشة أن النبي صلّى ال عليه وسلم عق عن الحسن والحسين‪ ،‬وقال‪« :‬قولوا‪ :‬بسم ال ‪ ،‬اللهم‬
‫لك وإليك عقيقة فلن» ‪.‬‬

‫ويكره لطخ رأس المولود بدم العقيقة‪ ،‬خلفا لما كان عليه الجاهلية من تلطيخ رأسه بدمها‪ ،‬قالت‬
‫عائشة‪« :‬كانوا في الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة‪ ،‬ويجعلونها على رأس المولود‪ ،‬فأمرهم النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم أن يجعلوا مكان الدم خَلوقا» أي زعفرانا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬عق يعق‪ :‬بكسر العين وضمها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والترمذي وصححه‪ .‬وفي لفظ‪« :‬أمرنا رسول ال صلّى ال عليه وسلم أن نعق عن‬
‫الجارية شاة‪ ،‬وعن الغلم شاتين» رواه أحمد وابن ماجه‪ .‬وفي معناه حديث أم كُرز الكعبية الذي رواه‬
‫أحمد والترمذي وصححه (نيل الوطار‪.)132/5 :‬‬

‫( ‪)4/286‬‬
‫ودليل كراهية التلطيخ أيضا قوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬مع الغلم عقيقة‪ ،‬فأهريقوا عنه دما‪،‬‬
‫وأميطوا عنه الذى» (‪. )1‬‬
‫‪ - 5‬حكم لحمها وجلدها ‪:‬‬
‫حكم اللحم كالضحايا‪ ،‬يؤكل من لحمها‪ ،‬ويتصدق منه‪ ،‬ول يباع شيء منها‪ .‬ويسن طبخها‪ ،‬ويأكل منها‬
‫أهل البيت وغيرهم في بيوتهم‪ ،‬وكره عند المالكية عملها وليمة يدعو الناس إليها‪ .‬ويجوز عند‬
‫المالكية‪ :‬كسر عظامها‪ ،‬ول يندب‪ .‬وقال الشافعية والحنابلة‪:‬يجوز اتخاذ الوليمة‪ ،‬ول يكره كسر‬
‫العظام‪ ،‬إذ لم يثبت فيه نهي مقصود‪ ،‬بل هو خلف الولى‪ ،‬ويستحب أن تفصل أعضاؤها‪ ،‬ول تكسر‬
‫عظامها‪ ،‬تفاؤلً بسلمة أعضاء المولود‪ ،‬لما روي عن عائشة‪ ،‬أنها قالت‪« :‬السنة شاتان مكافئتان عن‬
‫الغلم‪ ،‬وعن الجارية شاة تطبخ جُدولً (‪ ، )2‬ول يكسر عظم‪ ،‬ويأكل ويطعم‪ ،‬ويتصدق‪ ،‬وذلك يوم‬
‫السابع» ‪.‬‬
‫وأجاز المام أحمد في رواية عنه بيع الجلد والرأس والتصدق به‪ .‬ويستحب إعطاء القابلة من العقيقة؛‬
‫لما في مراسيل أبي داود أن النبي قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين‪« :‬أن يبعثوا‬
‫إلى القابل برِجْل‪ ،‬وكلوا وأطعموا‪ ،‬ول تكسروا منها عظما» ‪.‬‬
‫فيكون الفرق بين العقيقة والضحية‪ :‬أنه يسن طبخ العقيقة‪ ،‬ويستحب أل تكسر عظامها‪ ،‬وأن تهدى‬
‫القابلة رجل العقيقة نيئة غير مطبوخة؛ لن فاطمة رضي ال عنها فعلت ذلك بأمر النبي صلّى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬كما روى الحاكم‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬رواه الجماعة إل مسلما عن الصبي‪ ،‬وسبق تخريجه‪ ،‬وهذا يقتضي أل يمس بدم لنه أذى‪ .‬ولكن‬
‫ذكر في رواية‪« :‬فأهرقوا عليه دما» وروى همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة‪« :‬الغلم مرتهن‬
‫بعقيقته‪ ،‬تذبح عنه يوم السابع‪ ،‬ويدمى» وهذا دليل قتادة والحسن القائلين باستحباب اللطخ بالدم‪ .‬قال‬
‫ابن عبد البر‪ :‬ل أعلم أحدا قال هذا إل الحسن وقتادة‪ ،‬وأنكر سائر أهل العلم وكرهوه‪ ،‬للحديث السابق‬
‫(المغني‪.)647/8 :‬‬
‫(‪ )2‬تطبخ جدولً‪ :‬أي ل يكسر لها عظم ‪ ،‬وإنما تطبخ عضوا عضوا‪.‬‬

‫( ‪)4/287‬‬
‫المبحث الثاني ـ أحكام المولود ‪:‬‬
‫وهي كثيرة أهمها ما يأتي‪:‬‬
‫يستحب للوالد أن يؤذّن في أذن المولود اليمنى‪ ،‬وتقام الصلة في اليسرى حين يولد (‪ ، )1‬لما روى‬
‫أبو رافع أن النبي صلّى ال عليه وسلم أذن في أذن الحسن‪ ،‬حين ولدته فاطمة (‪ ، )2‬ولخبر ابن‬
‫السني عن الحسن بن علي مرفوعا‪« :‬من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى‪ ،‬وأقام في اليسرى‪ ،‬لم‬
‫تضره أم الصبيان» أي التابعة من الجن‪ .‬وعن ابن عباس‪« :‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم أذن في‬
‫أذن الحسن بن علي يوم ولد‪ ،‬وأقام في أذنه اليسرى» (‪. )3‬‬
‫وبما أن هذين الحديثين ضعيفان‪ ،‬فيقتصر في تقديري على الذان الثابت في حديث أبي رافع‪ ،‬ليكون‬
‫إعلم المولود بالتوحيد أول ما يقرع سمعه عند قدومه إلى الدنيا‪ ،‬كما يلقن عند خروجه منها‪ ،‬ولما فيه‬
‫من طرد الشيطان عنه‪ ،‬فإنه يدبر عند سماع الذان‪ ،‬كما ورد في الخبر‪.‬‬
‫ويسن أن يقول في أذن المولود اليمنى‪« :‬إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» ويقول ذلك‪،‬‬
‫ولو كان المولود ذكرا على سبيل التلوة‪ ،‬والتبرك بلفظ الية‪ ،‬بتأويل إرادة (النسمة) وفي مسند ابن‬
‫رَزِين أنه قرأ في أذن مولود (أي اليمنى) سورة الخلص‪.‬‬
‫ويسن أن يُحنّك المولود بتمرة‪ ،‬بأن تمضغ‪ ،‬ويدلك بها داخل فمه‪ ،‬ويفتح فمه‪ ،‬حتى ينزل إلى جوفه‬
‫منها شيء‪ .‬فإن لم يكن تمر‪ ،‬فيحنكه بحلو (‪ . )4‬لما في الصحيحين عن أبي موسى قال‪« :‬ولد لي‬
‫غلم‪ ،‬فأتيت به النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فسماه‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،296/4 :‬المهذب‪ ،242/1 :‬المغني‪ ،649/8 :‬كشاف القناع‪.25/3 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود والترمذي وصححاه‪ .‬وفي رواية أحمد‪ :‬الحسين‪.‬‬

‫(‪ )3‬رواه البيهقي‪ ،‬كما روى الحديث الذي قبله‪ ،‬لكن قال‪ :‬في إسنادهما ضعف‪ .‬لكن حديث الذان فقط‬
‫صحيح كما أبنت‪.‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ ،296/4 :‬المهذب‪ ،242/1 :‬المغني‪ ،650/8 :‬كشاف القناع‪.25/3 :‬‬

‫( ‪)4/288‬‬
‫إبراهيم‪ ،‬وحنكه بتمرة» زاد البخاري‪« :‬ودعا له بالبركة‪ ،‬ودفعه إلي‪ ،‬وكان أكبر ولد أبي موسى» ‪.‬‬
‫وروى أنس قال‪« :‬ذهبت بعبد ال بن أبي طلحة إلى رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬حين ولد‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫هل معك تمر؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬فناولته تمرات‪ ،‬فلكهن‪ ،‬ثم فغر فاه‪ ،‬ثم مجّه فيه‪ ،‬فجعل يتلمظ‪ ،‬فقال رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬حَب النصار‪ :‬التمر‪ ،‬وسماه‪ :‬عبد ال » (‪. )1‬‬
‫ويندب أن يُهنّأ الوالد‪ ،‬بأن يقال له‪« :‬بارك ال لك في الموهوب لك‪ ،‬وشكرت الواهب‪ ،‬وبلغ أشده‪،‬‬
‫ورزقت بره » ويرد هو على المهنئ‪ ،‬فيقول‪« :‬بارك ال لك‪ ،‬وبارك عليك» أو‪« :‬أجزل ال ثوابك»‬
‫أو نحو ذلك (‪. )2‬‬
‫ويستحب حلق رأس المولود في اليوم السابع من ولدته‪ ،‬وأن يُسمى فيه‪ ،‬بعد ذبح العقيقة‪ ،‬ويُتَصدّق‬
‫بوزن شعره ذهبا أو فضة (‪ ، )3‬لنه صلّى ال عليه وسلم أمر فاطمة‪ ،‬فقال‪« :‬زِني شعر الحسين‪،‬‬
‫وتصدقي بوزنه فضة» (‪ ، )4‬كما قال لها لما ولدت الحسن‪« :‬احلقي شعر رأسه‪ ،‬فتصدقي بوزنه من‬
‫الوَرِق» (‪ )5‬أي الفضة‪ .‬وقيس بالفضة‪ :‬الذهب‪.‬‬
‫ويكره الختان يوم الولدة ويوم السابع عند الحنفية؛ لنه من فعل اليهود‪ .‬ويستحب عند الشافعية أن‬
‫يكون الختان في اليوم السابع من ولدته‪ ،‬لما أخرجه البيهقي عن عائشة‪ « :‬أن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم ختن الحسن والحسين يوم السابع من ولدتهما» ‪ .‬والختان للذكر بقطع الجلدة التي تغطي‬
‫الحشفة‪ :‬سنة مؤكدة عند‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الوطار‪.)136/5 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،‬المكان السابق‪.‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،192‬مغني المحتاج‪ ،295/4 :‬المهذب‪ ،241/1 :‬كشاف القناع‪.25/3 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه الحاكم وصححه‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد عن أبي رافع (نيل الوطار‪.)136/5 :‬‬

‫( ‪)4/289‬‬

‫المالكية والحنفية للذكور‪ ،‬والخفاض في النساء مكرمة وهي قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى‬
‫الفرج‪ ،‬ويندب أل تَ ْنهَك‪ ،‬أي ل تجور في قطع الجلدة التي في أعلى الفرج لجل تمام اللذة في الجماع‪.‬‬
‫وقال الشافعية‪ :‬الختان فرض على الذكور والناث‪ ،‬وقال أحمد‪ :‬الختان واجب على الرجال‪ ،‬مكرمة‬
‫في حق النساء (‪ ، )1‬ويجري هذا عادة في البلد الحارة‪ .‬ويستحب أن يؤخر عند المالكية حتى يؤمر‬
‫الصبي بالصلة‪ ،‬وذلك من السبع إلى العشر‪.‬‬
‫وحكمة الختان‪ :‬المبالغة في الطهارة والنظافة‪ ،‬وتمييز المسلم من غيره‪ .‬ويسن أن يحسن الوالد اسم‬
‫المولود (‪ )2‬لخبر‪« :‬إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم‪ ،‬وأسماء آبائكم‪ ،‬فحسّنوا أسماءكم» (‪. )3‬‬
‫وأفضل السماء‪ :‬عبد ال ‪ ،‬وعبد الرحمن‪ ،‬لخبر مسلم‪« :‬أحب السماء إلى ال تعالى‪ :‬عبد ال ‪ ،‬وعبد‬
‫الرحمن» ‪ ،‬زاد أبو داود‪« :‬وأصدقها‪ :‬حارث وهمام‪ ،‬وأقبحها‪ :‬حرب ومرة» ‪ .‬ومثل ذلك كل ما‬
‫أضيف إلى أسماء ال الحسنى‪ .‬ومثله أسماء النبياء أو الملئكة لحديث‪« :‬تسموا باسمي‪ ،‬ول تكنوا‬
‫بكنيتي» (‪ . )4‬قال مالك‪ :‬سمعت أهل المدينة يقولون‪« :‬ما من أهل بيت فيهم اسم محمد‪ ،‬إل رزقوا‬
‫رزق خير» ‪ .‬فالتكني بأبي القاسم حرام (‪. )5‬‬
‫وتكره السماء القبيحة‪ ،‬كشيطان وظالم وشهاب وحمار وكليب‪ ،‬وما‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ ،126/2 :‬شرح الرسالة‪ 393/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 85/1 :‬ومابعدها‪ .‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ ،192‬الفصاح لبن هبيرة‪ ،206/1 :‬الدرر المباحة في الحظر والباحة للشيباني‬
‫النحلوي‪ :‬ص ‪ ،33‬شرح العناية على الهداية في تكملة الفتح‪.99/8 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 294/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،242/1 :‬كشاف القناع‪ 22/3 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه أبو نعيم‪.‬‬
‫(‪ )5‬ثبت النهي عن التكني بأبي القاسم‪ ،‬لكن كان ذلك في زمنه عليه السلم‪ ،‬أو في حالة الجمع بينه‬
‫وبين اسم (محمد) كما قال النووي‪ ،‬وهو الولى‪.‬‬

‫( ‪)4/290‬‬
‫يتشاءم بنفيه عادة‪ ،‬كنجيح وبركة‪ ،‬لخبر‪« :‬ل تسمين غلمك‪ :‬أفلح ول نجيحا‪ ،‬ول يسارا‪ ،‬ول رباحا‪،‬‬
‫فإنك إذا قلت‪ :‬أث ّم هو؟ قال‪ :‬ل» ‪ ،‬ويسن أن تغير السماء القبيحة‪ ،‬وما يتطير بنفيه لخبر مسلم‪« :‬أنه‬
‫صلّى ال عليه وسلم غيّر اسم عاصية‪ ،‬وقال‪ :‬أنت جميلة» ‪ .‬وفي الصحيحين أنه غير اسم بَرّة إلى‬

‫زينب‪ ،‬وهي زينب بنت جحش‪.‬‬
‫ويجوز التسمية بأكثر من اسم واحد‪ ،‬والقتصار على اسم واحد أولى‪ ،‬لفعله صلّى ال عليه وسلم‬
‫بأولده‪.‬‬
‫ويكره كراهة شديدة التسمية بست الناس أو العلماء‪ ،‬أو القضاة‪ ،‬أو العرب‪ ،‬لنه كذب‪.‬‬
‫ول تجوز التسمية بملك الملك وشاهان شاه‪ ،‬ومعناه‪ :‬ملك الملك وليس ذلك إل ال ‪.‬‬
‫والتسمية بعبد النبي قد تجوز إذا قصد به التسمية ‪ ،‬ل النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬ومال الكثرون‬
‫إلى المنع منه‪ ،‬خشية التشريك لحقيقة العبودية‪ ،‬واعتقاد حقيقة العبودية‪.‬‬
‫ول تجوز التسمية بعبد الكعبة‪ ،‬وعبد العزى‪.‬‬
‫ويحرم تلقيب الشخص بما يكره‪ ،‬وإن كان فيه‪ ،‬كالعور والعمش‪ ،‬ويجوز ذكره بنية التعريف لمن لم‬
‫يعرفه إل به‪.‬‬
‫وتجوز اللقاب الحسنة‪ ،‬كألقاب الصحابة مثل عمر الفاروق‪ ،‬وحمزة أسد ال‪ ،‬وخالد سيف ال ‪.‬‬
‫ويحرم التسمية بما ل يليق إل بال ‪ ،‬كقدوس‪ ،‬والبر‪ ،‬وخالق‪ ،‬والرحمن‪ ،‬لن معنى ذلك ل يليق بغيره‬
‫تعالى‪ .‬وتستحب كما تقدم التهنئة بالمولود بين الرجال وبين النساء‪ ،‬بأن يقال‪ :‬بارك ال لك في‬
‫الموهوب لك‪ ،‬وشكرت الواهب‪ ،‬وبلغ أشده‪ ،‬ورُزقت بِرّه‪ .‬ويجيب الوالد والوالدة‪ :‬بارك ال لكم‪،‬‬
‫وبارك عليكم‪ ،‬وأجزل ثوابكم‪.‬‬

‫( ‪)4/291‬‬
‫البَاب التّاسع‪ :‬الذّبائح والصّيد‬
‫وفيه فصلن‪:‬‬
‫الفصل الول ـ في الذبائح‬
‫الفصل الثاني ـ في الصيد‬
‫صلُ الوّل‪ :‬الذّبائح‬
‫ال َف ْ‬
‫وفيه مقدمة في الذبح وحكمه‪ ،‬وأربعة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول ـ في الذابح أو المذكي‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ في الذبح أو التذكية (صفة التذكية‪ ،‬شروطها‪ ،‬سننها‪ ،‬مكروهاتها‪ ،‬أنواعها‪ ،‬ما يحرم‬
‫أكله من المذبوح ـ أثر ذكاة الم في الجنين‪ ،‬أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض‪ ،‬أثر‬
‫الذكاة في غير المأكول)‪.‬‬

‫المبحث الثالث ـ في آلة الذبح‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ في الذبيحة أو المذكى ـ ما يؤكل من الحيوان وما ل يؤكل‪.‬‬
‫المقدمة ـ تعريف الذبح وحكمه شرعاً ‪:‬‬
‫الذبح أو الذكاة أو التذكية لغة‪ :‬القطع أو الشق وإزهاق الحيوان‪ .‬واصطلحا‪ :‬يختلف بحسب الواجب‬
‫قطعه في كل مذهب‪ .‬فعند الحنفية والمالكية (‪ : )1‬هو فري العروق‪ ،‬والعروق التي تقطع في الذكاة‬
‫أربعة‪ :‬الحلقوم‪ ،‬والمريء‪ ،‬والودجان (‪ . )2‬ومحله ما بين الّلبة والّلحيين (عظمي الحنك)‪ ،‬لقول النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬الذكاة‪ :‬ما بين الّلبة والّلحية» (‪ )3‬أي محل الذكاة‪ :‬ما بين اللبة واللحيين‪.‬‬
‫واللبة‪ :‬أسفل العنق‪ .‬واللحية شعر الذقن‪ .‬والنحر‪ :‬فري الوداج‪ ،‬ومحله‪ :‬آخر الحلق‪ ،‬والذكاة‬
‫الضطرارية‪ :‬جرح في أي موضع كان من البدن‪.‬‬
‫وعند الشافعية والحنابلة (‪ : )4‬الذكاة‪ :‬ذبح حيوان مقدور عليه مباح أكله بقطع الحلقوم والمري‪.‬‬
‫ومحله الحلق‪ :‬أعلى العنق‪ ،‬أو اللبة‪ :‬أسفل العنق فيسمى نحرا (‪ ، )5‬أوعقر مزهق للروح عند التعذر‬
‫في أي موضع كان‪ .‬والخلصة باتفاق المذاهب أن الذكاة‪ :‬هي ذبح أو نحر أوعقر حيوان مباح الكل‪.‬‬
‫وحكمه‪ :‬أنه شرط حل الكل في الحيوان البري المأكول‪ ،‬فل يحل شيء من الحيوان المأكول بغير‬
‫ذكاة شرعية‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬حرمت عليكم الميتة والدم ولحم‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،41/5 :‬تكملة الفتح‪ ،52/8 :‬اللباب مع الكتاب‪ 225/3 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪.99/2 :‬‬
‫(‪ )2‬الحلقوم هو الحلق‪ ،‬والمري‪ :‬مجرى الطعام والشراب‪ ،‬والودجان‪ :‬عرقان عظيمان في جانبي‬
‫العنق‪ ،‬بينهما الحلقوم والمريء‪.‬‬
‫(‪ )3‬قال الزيلعي عنه‪ :‬غريب بهذا اللفظ‪ ،‬وأخرج الدارقطني عن أبي هريرة‪« :‬أل إن الذكاة في الحلق‬
‫واللبة» وإسناده ضعيف جدا‪ .‬وأخرجه عبد الرزاق موقوفا على ابن عباس وعلى عمر‪« :‬الذكاة في‬
‫الحلق واللبة» (نصب الراية‪.)185/4 :‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ ،265/4،270 :‬كشاف القناع‪.201/3 :‬‬
‫(‪ )5‬يسن نحر البل‪ ،‬وذبح البقر والغنم (نيل الوطار‪.)122/5 :‬‬

‫( ‪)4/292‬‬
‫الخنزير‪ ،‬وما أهل لغير ال به‪ ،‬والمنخنقة‪ ،‬والموقوذة‪ ،‬والمتردية‪ ،‬والنطيحة‪ ،‬وما أكل السبع‪ ،‬إل ما‬
‫ذكيتم} [المائدة‪ ]3/5:‬فقد علق الحل بالتذكية‪.‬‬

‫ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ما أنهر الدم‪ ،‬وذكر اسم ال عليه‪ ،‬فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا‪،‬‬
‫وسأحدثكم عن ذلك‪ :‬أما السن فعظم‪ ،‬وأما الظّفر فمدى الحبشة» (‪. )1‬‬
‫والحكمة من الذبح‪ :‬مراعاة صحة النسان العامة‪ ،‬ودفع الضرر عن الجسم‪ ،‬بفصل الدم عن اللحم‬
‫وتطهيره من الدم؛ لن تناول الدم المسفوح حرام بسبب إضراره بالنسان‪ ،‬لنه مباءة الجراثيم‬
‫والمكروبات‪ ،‬ولكل دم زمرة أو فصيلة تناسبه‪ ،‬فيمنع الختلط بين الدماء‪ ،‬ويعد الدم نجسا تنفيرا منه‪.‬‬
‫قال بعض العلماء‪ :‬والحكمة في اشتراط الذبح وإنهار الدم تمييز حلل اللحم والشحم من حرامهما‪،‬‬
‫وتنبيه على تحريم الميتة لبقاء دمها‪.‬‬
‫المبحث الول ـ الذابح‬
‫الذابح أحد أصناف ثلثة‪ :‬صنف تحرم ذكاته بالتفاق‪ ،‬وصنف تجوز تذكيته بالتفاق‪ ،‬وصنف مختلف‬
‫فيه (‪. )2‬‬
‫فالذابح الذي ل تؤكل ذبيحته وتحرم بالتفاق‪ :‬هو الكافر من غير أهل الكتاب‪ ،‬كالمشرك أو الوثني‬
‫عابد الصنام‪ ،‬والملحد الذي ل يدين بدين‪ ،‬والمرتد وإن تدين بدين أهل الكتاب‪ ،‬والزنديق‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬وما ذُبح على الّنصُب} [المائدة‪ ]3/5:‬وقوله‪{ :‬وما أهل لغير ال به} [المائدة‪ ]3/5:‬لنه يحرم‬
‫التجاه‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة عن رافع بن خديج (نيل الوطار‪.)141/8 :‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ ،435/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،180‬الميزان‪ ،60/2 :‬رحمة المة بهامش الميزان‬
‫للدمشقي‪ ،154/1 :‬البدائع‪ ،45/5 :‬المهذب‪ ،251/1 :‬المغني‪ ،564/8 :‬كشاف القناع‪.203/6 :‬‬

‫( ‪)4/293‬‬
‫بالذبح إلى غير ال تعالى‪ ،‬والمرتد ل يقر على الدين الذي انتقل إليه‪ ،‬وبناء عليه تحرم اللحوم‬
‫المستوردة من البلد الوثنية كاليابان‪ ،‬أو الشيوعية كروسيا والصين‪ ،‬أو التي ل تدين بدين سماوي‬
‫كالهند‪ .‬كماتحرم ذبيحة الباطنية إل من ثبت إيمانه بالسلم وترك ملته‪.‬‬
‫والذابح المتفق على ذكاته‪ :‬هو المسلم البالغ العاقل الذكر‪ ،‬الذي ل يضيع الصلة‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬إل ما‬
‫ذكيتم} [المائدة‪ ]3/5:‬والخطاب فيه موجه للمسلمين‪.‬‬
‫وأشهر المختلف في تذكيته بين الفقهاء‪ :‬أهل الكتاب والمجوس والصابئون‪ ،‬والمرأة والصبي‬
‫والمجنون والسكران‪ ،‬والسارق والغاصب‪.‬‬

‫‪ ً 1‬ـ ذبيحة الكتابي‪ :‬فأما أهل الكتاب‪ :‬فتجوز من حيث المبدأ ذبائحهم بالجماع (‪ )1‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫{وطعام الذين أوتوا الكتاب} ـ أي ذبائحهم ـ {حل لكم‪ ،‬وطعامكم حل لهم} [المائدة‪ .]5/5:‬والجائز‪:‬‬
‫هو ما يعتقدونه في شريعتهم حللً لهم‪ ،‬ولم يحرم عليهم‪ ،‬كلحم الخنزير‪ ،‬ولو لم يعلم أنهم سموا ال‬
‫تعالى‪ ،‬أو كانت الذبيحة لكنائسهم وأعيادهم ولو اعتقدوا تحريمه كالبل‪ .‬قال ابن عباس‪« :‬وإنما أحلت‬
‫ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والنجيل» (‪. )2‬‬
‫إل أن المام مالك قال‪ :‬ذبائحهم المحرمة عليهم مكروهة لنا‪ ،‬كالبل والشحوم الخالصة‪ ،‬وهي‬
‫المذكورة في قوله تعالى‪{ :‬وعلى الذين هادوا حرمنا كل‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،‬المكان السابق‪ ،‬تكملة الفتح‪ ،52/8 :‬تبيين الحقائق‪ ،287/5 :‬رد المحتار‪ ،208/5 :‬بداية‬
‫المجتهد‪ ،436/1 :‬الشرح الكبير‪ ،99/2 :‬المنتقى على الموطأ‪ ،112/2 :‬مغني المحتاج‪266/4 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 567/8 :‬ومابعدها‪ .‬تفسير القرطبي‪ ،76/6 :‬أحكام القرآن للجصاص‪.146/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الحاكم وصححه‪.‬‬

‫( ‪)4/294‬‬
‫ذي ظفر (‪ ، )1‬ومن البقر والغنم‪ ،‬حرمنا عليهم شحومهما‪ ،‬إل ما حملت ظهورهما‪ ،‬أو الحوايا‪ ،‬أو ما‬
‫اختلط بعظم} [النعام‪ .]146/6:‬وأجازها الجمهور لنها مسكوت عنها في شرعنا‪ ،‬فتبقى على أصل‬
‫الباحة‪.‬‬
‫وكذلك تكره عند المالكية والشافعية وفي رواية عن أحمد المذبوحة لكنائسهم وأعيادهم‪ ،‬لما فيها من‬
‫تعظيم شركهم‪ ،‬ولن الذابح قصد بقلبه الذبح لغير ال ‪ ،‬ولم يذكر اسم ال عليه‪ .‬وهذا هو الصوب‪.‬‬
‫وأما إذا علم أن الذابح سمى على الذبيحة غير اسم ال ‪ ،‬بأن ذبح النصراني باسم المسيح‪ ،‬واليهودي‬
‫باسم العزير‪ ،‬فقال الجمهور بعدم الحل لقوله تعالى‪{ :‬وما أهل لغير ال به} [المائدة‪{ ]3/5:‬ول تأكلوا‬
‫مما لم يذكر اسم ال عليه} [النعام‪ ]121/6:‬وهذا هو الولى بالصحة؛ لن المراد بحل ذبائحهم ما‬
‫ذبحوه بشرطه كالمسلم‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬بكراهة ذلك في غير حرمة‪ ،‬لعموم آية {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة‪:‬‬
‫‪ ]5/5‬لنه قد علم ال أنهم سيقولون على ذبائحهم مثل ذلك‪ ،‬ولن تسميتهم باسم الله حقيقة ليست على‬
‫طريق العبادة‪ ،‬فكانت التسمية منهم وعدمها على سواء‪.‬‬
‫وقيد الشافعية حل ذبيحة الكتابي وزواج الكتابية بشرط هو ما يأتي (‪: )2‬إن لم يكن الكتابي إسرائيليا‪:‬‬

‫فالظهر الحل إن علم دخول قومه (أي أول من تدين من آبائه) في ذلك الدين (أي دين موسى وعيسى‬
‫عليهما السلم) قبل نسخه وتحريفه‪ ،‬لتمسكهم بذلك الدين حين كان حقا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال قتادة‪ :‬تفسير كل ذي ظفر‪ :‬هي البل والنعام والبط وكل ما ليس بمشقوق الصابع‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 187/3 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/295‬‬
‫وإن كان الكتابي إسرائيليا (‪ )1‬فالشرط فيه‪ :‬أل يعلم دخول أول آبائه في ذلك الدين بعد بعثة تنسخه‪،‬‬
‫بأن علم دخول أول آبائه في ذلك الدين قبل البعثة‪ ،‬أو شك‪ .‬فإن علم دخوله فيه بعد تحريفه‪ ،‬أو بعد‬
‫بعثه ل تنسخه‪ ،‬كبعثة بين موسى وعيسى‪ ،‬فإنه يحل ذبحه‪ ،‬وتزوج النثى (‪ . )2‬وفي علمي أنه ل‬
‫دليل للشافعية على هذا الشرط؛ لن الصحابة رضي ال تعالى عنهم أكلوا من ذبائح الكتابيين‬
‫وتزوجوا من نسائهم‪ ،‬ولم يبحثوا عن توافر هذا الشرط‪.‬‬
‫‪ ً 2‬ـ ذبيحة المجوس‪ :‬ل تؤكل ذبيحة المجوس وصيدهم (‪ )3‬؛ لنهم مشركون ليسوا من أهل‬
‫الكتاب‪ ،‬إذ يعتقد المجوسي بخالقين اثنين‪ :‬للخير والشر‪ ،‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬سنوا بهم سنة‬
‫أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم‪ ،‬ول آكلي ذبائحهم» (‪ )4‬وقد روى أحمد بإسناده عن قيس بن سكن‬
‫السدي قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬إنكم نزلتم بفارس من النّبط‪ ،‬فإذا اشتريتم لحما‪،‬‬
‫فإن كان من يهودي أو نصراني‪ ،‬فكلوا‪ ،‬وإ ن كان ذبيحة مجوسي‪ ،‬فل تأكلوا» ‪.‬‬
‫‪ ً 3‬ـ ذبيحة الصابئة‪ :‬الصابئون إن وافقوا أهل الكتاب في أصول العقائد تؤكل ذبائحهم‪ ،‬وإن لم‬
‫يوافقوهم وكان دينهم بين المجوسية والنصرانية‪ ،‬أو يعتقدون بتأثير النجوم‪ ،‬فل تؤكل ذبائحهم (‪. )5‬‬
‫وهذا التفصيل وهو رأي الشافعية هو الولى خلفا لمن قال بالحل كأبي حنيفة‪ ،‬أو بالحرمة مطلقا وهم‬
‫المالكية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وهو المنسوب إلى إسرائيل‪ ،‬وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلة والسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬ولم يجز الشيعة المامية أكل ذبيحة الكتابي لقول جعفر الصادق‪« :‬ل تأكلوا ذبائحهم» ولن الله‬
‫الذي يذكرون اسمه ـ إن ذكروه ـ هو أبو المسيح أو أبو عزير‪ ،‬فوجود هذا اللفظ كعدمه‪.‬‬
‫(المختصر النافع في فقه المامية‪ :‬ص ‪.)251‬‬
‫(‪ )3‬تبيين الحقائق‪ ،287/5 :‬البدائع‪ ،45/5 :‬الدر المختار‪ ،209/ :‬بداية المجتهد‪ ،438/1 :‬مغني‬

‫المحتاج‪ ،266/4 :‬المغني‪.570/8 :‬‬
‫(‪ )4‬غريب بهذا اللفظ‪ ،‬وروي من طريق آخر‪ ،‬مطعون السند (نصب الراية‪ .)181/4 :‬ومن تمسك‬
‫بحل ذبيحة المجوسي كأبي ثور احتج بالشق الول منه وهو «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ‪.‬‬
‫(‪ )5‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،180‬بداية المجتهد‪.438/1 :‬‬

‫( ‪)4/296‬‬
‫‪ ً 4‬ـ ذبيحة المرأة والصبي‪ :‬تحل ذبيحة المرأة ولو حائضا‪ ،‬والصبي المميز (‪ )1‬؛ لن للمرأة أهلية‬
‫كاملة‪ ،‬لكن يستحب كون الذابح رجلً؛ لنه أقوى على الذبح من المرأة‪ ،‬ولن للصبي قصدا صحيحا‪،‬‬
‫فأشبه البالغ‪ .‬وتصح ذبيحة غير المميز مع الكراهة عند الشافعية؛ لن له قصدا وإرادة في الجملة‪ .‬ول‬
‫تصح ذبيحته عند جمهور الفقهاء لنه ل قصد له‪ ،‬فل يعقل التسمية‪ ،‬ول يضبط الذبيحة‪ ،‬أي فل يعلم‬
‫شرائط الذبح من فري الوداج والتسمية‪.‬‬
‫‪ ً 5‬ـ المجنون والسكران‪ :‬ل تحل ذبيحتهما عند الجمهور‪ ،‬لنه ل قصد لهم كالصبي غير المميز‪،‬‬
‫وأجاز الشافعية في الظهر مع الكراهة ذبيحتهما؛ لن لهما قصدا وإرادة في الجملة (‪. )2‬‬
‫‪ ً 6‬ـ السارق والغاصب‪ :‬أجاز جمهور الفقهاء غير الظاهرية ذبيحتهما‪ ،‬وذبيحة المستكره؛ لن لهما‬
‫قصدا صحيحا‪ ،‬ولنه ليس وجود الملك شرطا من شروط التذكية (‪ ، )3‬بدليل ما ثبت في السنة من‬
‫إباحة ذبحهما مع الكراهية‪ ،‬في حديث الشاة المصلية (المشوية أو المطبوخة) التي ذبحت بغير إذن‬
‫صاحبها‪ ،‬فقال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أطعموها السارى» (‪. )4‬‬
‫شروط الذابح‪ :‬مما سبق تعرف شروط الذابح‪ :‬وهي أن يكون مميزا عاقلً‪ ،‬مسلما أو كتابيا‪ :‬ذميا أو‬
‫حربيا أو من نصارى بني تغلب‪ ،‬قاصدا التذكية‪ ،‬ولو كان‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكملة الفتح‪ ،52/8 :‬اللباب‪ ،223/3 :‬الدر المختار وحاشيته‪ ،209/5 :‬تبيين الحقائق‪،287/5 :‬‬
‫بداية المجتهد‪ ،438/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،181‬الشرح الكبير‪ ،99/2 :‬مغني المحتاج‪،267/4 :‬‬
‫المهذب‪ ،251/1 :‬كشاف القناع‪ ،203/6 :‬المغني‪.583 ،573 ،567 ،564/8 :‬‬
‫(‪ )2‬المراجع السابقة‪.‬‬
‫(‪ )3‬بداية المجتهد‪ 438/1 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.181‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد وأبو داود والدارقطني عن عاصم بن كليب (نيل الوطار‪ 321/5 :‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)4/297‬‬

‫مكرها على الذبح‪ ،‬ذكرا أو أنثى‪ ،‬طاهرا أو حائضا أو جنبا‪ ،‬بصيرا أوأعمى‪ ،‬عدلً أو فاسقا؛ لعموم‬
‫الدلة وعدم المخصص‪ ،‬فل يصح ذبح غير المميز والمجنون والسكران عند الجمهور خلفا للشافعي‪،‬‬
‫ول تؤكل ذبيحة المشرك والمجوسي والوثني والمرتد‪ ،‬وتكره عند الشافعية ذكاة العمى وغير المميز‬
‫والمجنون والسكران‪ .‬وتكره عند الكل ذبيحة النصراني أو اليهودي والفاسق وتارك الصلة‪.‬‬
‫سلْع‪ ،‬فأصيبت شاة منها‪،‬‬
‫ودليل إباحة ذبيحة المرأة‪ :‬أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما ب َ‬
‫فأدركتها فذبحتها بحجر‪ ،‬فسأل النبي فقال‪« :‬كلوها» (‪. )1‬‬
‫المبحث الثاني ـ الذبح أو التذكية ‪:‬‬
‫وفيه ثلثة عشر مطلبا‪:‬‬
‫المطلب الول ‪ -‬عدد المقطوع ‪:‬‬
‫اتفق العلماء على أن الذبح الذي يقطع فيه الودجان والمري والحلقوم مبيح للكل‪ .‬واختلفوا في الحد‬
‫الدنى الذي يجب قطعه‪:‬‬
‫‪ - 1‬فقال أبو حنيفة (‪ : )2‬يجب قطع الكثر من أربعة أي ثلثة منها‪ :‬وهي الحلقوم‪ ،‬والمري‬
‫والودجان‪ ،‬فلو ترك الذابح واحدا منها يحل‪ .‬لحديث «أفر الوداج بما شئت» (‪ )3‬والوداج‪ :‬اسم‬
‫جمع‪ ،‬أقله ثلثة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والبخاري (نيل الوطار‪.)139/8 :‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،41/5 :‬الدر المختار‪ ،207/5 :‬تبيين الحقائق‪ ،290/5 :‬اللباب‪ ،226/3 :‬تكملة فتح‬
‫القدير‪.57/8 :‬‬
‫(‪ )3‬قال الزيلعي عنه‪ :‬غريب‪ .‬ولفظه المؤيد له‪ :‬ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عدي بن‬
‫حاتم‪« :‬أمرر الدم بما شئت‪ ،‬واذكر اسم ال » وروى ابن أبي شيبة عن رافع بن خديج‪« :‬كل ما أفرى‬
‫الوداج إل سنا أو ظفرا» (نصب الراية‪ 185/4 :‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)4/298‬‬
‫وقال أبو يوسف‪ :‬ل بد من قطع الحلقوم والمري وأحد الودجين؛ لن كل واحد من العروق يقصد‬
‫بقطعه غير ما يقصد به الخر؛ لن الحلقوم مجرى النفَس‪ ،‬والمري‪ :‬مجرى الطعام‪ ،‬والودجين مجرى‬
‫الدم‪.‬‬
‫وقال محمد‪ :‬ل يحل حتى يقطع من كل واحد من الربعة أكثره‪ ،‬لنه إذا قطع الكثر من كل واحد من‬

‫الربعة‪ ،‬فقد حصل المقصود بالذبح‪ ،‬وهو خروج الدم‪.‬‬
‫‪ - 2‬وقال المالكية في المشهور عندهم (‪ : )1‬ل بد من قطع جميع الحلقوم وجميع الودجين‪ .‬ول‬
‫يشترط قطع المري عندهم‪ .‬فكان مذهبهم قريبا من الحنفية‪ ،‬ودليلهم المفهوم من حديث رافع بن خَديج‪:‬‬
‫«ما أنهر الدم‪ ،‬وذكر اسم ال عليه‪ ،‬فكل» (‪ )2‬وحديث أبي أمامة‪« :‬ما أفرى الوداج‪ ،‬ما لم يكن‬
‫قرض سن‪ ،‬أو جزّ ظفر» (‪ )3‬فالول‪ :‬يقتضي قطع بعض الوداج فقط‪ ،‬وهو معنى إنهار الدم‪،‬‬
‫والثاني‪ :‬يقتضي قطع جميع الوداج‪ ،‬ول يمكن قطع الودجين بدون الحلقوم‪ ،‬لحاطتهما به‪ .‬وهذا أدق‬
‫وأصح الراء‪.‬‬
‫‪ - 3‬وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )4‬ل بد من قطع كل الحلقوم (مجرى النفَس) والمري (مجرى‬
‫الطعام)؛ لن الحياة تفقد بفقدهما‪ .‬ويستحب قطع الودجين (وهما عرقان في صفحتي العنق)؛ لنه من‬
‫الحسان في الذبح‪ ،‬وخروجا من الخلف‪ .‬وإجزاء قطع الحلقوم والمري مشروط بوجود الحياة‬
‫المستقرة عند أول قطعهما (بأن‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ ،99/2 :‬بداية المجتهد‪ ،431/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.184‬‬
‫(‪ )2‬متفق على صحته‪ ،‬رواه الجماعة (نيل الوطار‪.)141/8 :‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه الطبراني في معجمه (نصب الراية‪.)186/4 :‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ ،270/4 :‬المهذب‪ ،252/1 :‬كشاف القناع‪ ،204/6 :‬المغني‪ ،575/8 :‬بجيرمي‬
‫الخطيب‪.248/4 :‬‬

‫( ‪)4/299‬‬
‫أسرع في الذبح فقطعهما دفعة‪ ،‬وإل اشترطت عند آخر قطع)‪ ،‬فإن لم يسرع قطعهما (بأن أسرع في‬
‫الذبح فقطعهما دفعة‪ ،‬وإل اشترطت عند آخر قطع)‪ ،‬فإن لم يسرع قطعهما ولم تكن فيه حياة مستقرة‪،‬‬
‫بل انتهى لحركة مذبوح‪ ،‬لم يحل؛ لنه صار ميتة‪ ،‬فل يفيده الذبح بعدئذ‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ موضع القطع ‪:‬‬
‫ل خلف في أنه إذا قطعت جوزة الحلقوم (أي العقدة التي في أعلى الحلق) في نصفها‪ ،‬وخرج بعضها‬
‫إلى جهة البدن‪ ،‬وبعضها إلى جهة الرأس‪ ،‬حلت الذبيحة‪.‬‬
‫فإن لم تقطع الجوزة في نصفها‪ ،‬وخرجت إلى جهة البدن‪ ،‬فقال جمهور الفقهاء غير الحنفية‪ :‬ل تؤكل؛‬
‫لن قطع الحلقوم شرط في الذكاة‪ ،‬فل بد أن تقطع الجوزة‪ ،‬لنه إذا قطع فوق الجوزة فقد خرج‬

‫الحلقوم سليما‪ .‬وعلى هذا فل بد من أن يبقى من الجوزة تدويرتان كاملتان‪ :‬إحداهما من أعلى‪،‬‬
‫والثانية من أسفل‪ ،‬وإل لم يحل المذبوح‪ ،‬لنه حينئذ يسمى مزعا ل ذبحا‪.‬‬
‫وقال الحنفية وبعض المالكية‪ :‬تؤكل‪ ،‬لنه ل يشترط قطع الحلقوم ذاته‪ ،‬فإن قطع فوق الجوزة‪ ،‬جاز (‬
‫‪ )1‬لنه يشترط فقط قطع أكثر الوداج‪ ،‬وقد وجد‪.‬‬
‫وعبارة الحنفية‪ :‬المختار أن كل شيء ذبح وهو حي‪ ،‬أكل‪ ،‬وعليه الفتوى‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬إل ما ذكيتم}‬
‫[المائدة‪ ]3/5:‬من غير تفصيل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ ،99/2 :‬بداية المجتهد‪ ،432/1 :‬اللباب شرح الكتاب‪ 225/3 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪ ،184‬رد المحتار‪.207/5 :‬‬

‫( ‪)4/300‬‬
‫المطلب الثالث ـ الذبح من القفا ‪:‬‬
‫قال المالكية (‪ : )1‬ل يؤكل ما ذبح من القفا‪ ،‬ول في صفحة العنق إذا وصل من ذلك إلى قطع ما‬
‫يجب في الذكاة؛ لن القاطع للعروق أعضاء الذكاة من القفا‪ ،‬ل يصل إليها بالقطع إل بعد قطع النخاع‬
‫الشوكي‪ ،‬وهو مقتل من المقاتل‪ ،‬فيحصل الذبح لحيوان قد أصيب مقتله‪.‬‬
‫وقال جمهور الفقهاء (‪ : )2‬يكره ذبح الحيوان من القفا‪ ،‬أو من صفحة العنق‪ ،‬فلو فعل ذلك عصى لما‬
‫فيه من التعذيب‪ .‬لكن إن حدث القطع على وجه السرعة‪ ،‬وأتت السكين على موضع الذبح‪ ،‬وفي‬
‫الحيوان حينئذ حياة مستقرة حتى تقطع العروق عند الحنفية‪ ،‬والحلقوم والمري عند الشافعية والحنابلة‪،‬‬
‫جاز أكله‪ ،‬وإل لم يحل لموته بل ذكاة‪ .‬ويعلم وجود الحياة المستقرة بوجود الحركة أو انفجار الدم بعد‬
‫قطع موضع الذبح‪ ،‬فهي دليل بقاء الحياة المستقرة قبله‪ .‬فإن لم يعلم وشك‪ ،‬هل توجد الحياة المستقرة‬
‫قبل قطع موضع الذبح نظر‪ :‬فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة اللة وسرعة القطع‪ ،‬أبيح أكله‪ ،‬وإن كانت‬
‫اللة كالّة (ل تقطع)‪ ،‬وأبطأ قطعه‪ ،‬وطال تعذيبه للحيوان لم يبح أكله؛ لنه مشكوك في وجود ما‬
‫يحله‪ ،‬وصار ميتة‪ ،‬فل يفيده الذبح بعدئذ‪.‬‬
‫المطلب الرابع ـ قطع النخاع ‪:‬‬
‫إن تمادى الذابح بالذبح حتى قطع النخاع (‪ ، )3‬أو قطع كل الرقبة (إبانة‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬المكان السابق‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،99/2 :‬شرح الرسالة‪.379/1 :‬‬

‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،208/5 :‬اللباب‪ ،227/3 :‬تكملة الفتح‪ ،60/8 :‬الشرح الصغير‪ ،174/2 :‬القوانين‬
‫الفقهية وبداية المجتهد‪ :‬المكان السابق‪ ،‬المهذب‪ ،252/1 :‬مغني المحتاج‪ ،271/4 :‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪ ،205/6‬الميزان‪ ،60/2 :‬المغني‪ 578/8 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬النخاع‪ :‬وهو عرق أبيض يمتد من الدماغ‪ ،‬ويستبطن فقرات الرقبة إلى عَجب الذنب (أي أصل‬
‫الذنب)‪.‬‬

‫( ‪)4/301‬‬
‫الرأس)‪ ،‬كره الذبح عند جمهور الفقهاء غير الحنابلة (‪ ، )1‬لما روي عن عمر رضي ال عنه أنه‬
‫نهى عن النّخْع (بلوغ السكين النخاع) ولن فيه زيادة تعذيب‪ ،‬فإن فعل ذلك لم يحرم؛ لن قطع النخاع‬
‫يوجد بعد حصول الذكاة‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )2‬لو أبان رأس الحيوان المأكول بالذبح أو بسيف‪ ،‬أبيح مطلقا‪ ،‬لفتاء علي وعمران‬
‫بن حصين بأكله‪.‬‬
‫المطلب الخامس ـ فورية الذبح ‪:‬‬
‫يشترط السراع أو الفورية في إكمال الذبح عند جمهور الفقهاء (‪ ، )3‬فإن رفع يده قبل تمام الذبح‪ ،‬ثم‬
‫أعادها فورا‪ ،‬تؤكل الذبيحة‪ .‬فإن تباعد ذلك لم تؤكل‪ ،‬لن الذكاة طرأت على منفوذة المقاتل‪ ،‬أي التي‬
‫نفذ فيها أثر القتل قبل الذبح فصارت ميئوسة مقطوعا بموتها‪ .‬وقال الحنفية (‪ : )4‬يستحب التذفيف‬
‫(السراع) في قطع الوداج‪ ،‬ويكره البطاء فيه‪ ،‬للحديث‪« :‬وليرح ذبيحته» والسراع نوع راحة له‪.‬‬
‫المطلب السادس ـ شروط الذبح أو التذكية الشرعية ‪:‬‬
‫يشترط لجواز التذكية أو الذبح شروط أخرى عدا ما ذكر من قطع العروق‪ ،‬والفورية‪ ،‬وكون الذابح‬
‫مسلما أو كتابيا‪ ،‬وهي ما يأتي‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،‬المهذب‪ ،‬المكان السابق‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،581‬اللباب مع‬
‫الكتاب‪.227/3 :‬‬
‫(‪ )2‬كشاف القناع‪ 205/6 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رد المحتار‪ ،207/5 :‬بداية المجتهد‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬المكان السابق‪ ،‬مغني المحتاج‪،271/4 :‬‬
‫كشاف القناع‪ ،204/6 :‬شرح رسالة القيرواني‪.379/1 :‬‬
‫(‪ )4‬البدائع‪.60/5 :‬‬

‫( ‪)4/302‬‬
‫أولً ـ النية أو القصد‪ :‬أي قصد الفعل لتؤكل ل مجرد إزهاق الروح‪ :‬يشترط في الذبح باتفاق الفقهاء‬
‫(‪ )1‬قصد عين المذبوح بالفعل‪ ،‬وإن أخطأ في الظن‪ ،‬أو قصد الجنس‪ ،‬وإن أخطأ في الصابة‪ .‬فلو تم‬
‫قطع العروق بغير نية الذبح‪ ،‬إذ لم يقصد أحد تحقيقه‪ ،‬لم تحل الذبيحة‪ ،‬كما لوضرب حيوانا بآلة‪،‬‬
‫فأصابت منحره‪ ،‬أو أصابت صيدا‪ ،‬أو قصد مجرد إزهاق روحه من غير قصد تذكية‪ ،‬لم يؤكل (‪. )2‬‬
‫ثانيا ـ التسمية عند التذكية حالة التذكر‪ :‬بأن يقول‪ ( :‬بسم ال ) عند حركة يده بالذبح أو النحر أو‬
‫العقر‪ ،‬ويسن التكبير مع التسمية بأن يقول‪ ( :‬بسم ال‪ ،‬وال أكبر )‪ .‬قال جمهور الفقهاء غير الشافعية‬
‫(‪ : )3‬تشترط التسمية عند التذكية وعند الرسال في العقر‪ ،‬فل تحل الذبيحة‪ ،‬سواء أكانت أضحية أم‬
‫غيرها‪ ،‬في حال ترك التسمية عمدا‪ ،‬وكانت ميتة‪ .‬فلو تركها سهوا‪ ،‬أو كان الذابح المسلم أخرس أو‬
‫مستكرها‪ ،‬تؤكل لقوله تعالى‪ { :‬ول تأكلوا مما لم يذكر اسم ال عليه‪ ،‬وإنه لفسق } [النعام‪]121/6:‬‬
‫وأضاف الحنابلة‪ :‬من ترك التسمية على الصيد عامدا أو ساهيا‪ ،‬لم يؤكل‪ .‬وعلى هذا فتحقيق المذهب‬
‫عندهم أن التسمية على الذبيحة تسقط بالسهو‪ ،‬وعلى الصيد ل تسقط‪ .‬وقال الظاهرية‪ :‬تشترط التسمية‬
‫مطلقا‪ ،‬ول يؤكل متروك التسمية عمدا أو سهوا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكملة الفتح‪ ،53/8 :‬تبيين الحقائق‪ ،287/5 :‬رد المحتار‪ ،209/5 :‬الشرح الكبير‪ ،106/2 :‬بداية‬
‫المجتهد‪ ،435/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،184‬مغني المحتاج‪ 276/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪،581/8 :‬‬
‫كشاف القناع‪.202/6 :‬‬
‫(‪ )2‬قال النووي في المنهاج (مغني المحتاج‪ ،‬المكان السابق)‪« :‬لو كان بيد شخص سكين مثلً‪ ،‬فسقط‬
‫من يده‪ ،‬وانجرح به صيد‪ ،‬أو احتكت به شاة‪ ،‬وهو في يده‪ ،‬فانقطع حلقومها ومريئها‪ ،‬أو استرسل‬
‫عدْوه لم يحل الصيد في الصح‪ ،‬لجتماع السترسال المانع والغراء‬
‫كلب‪ ،‬فأغراه صاحبه‪ ،‬فزاد َ‬
‫المبيح‪ ،‬فغلب جانب المنع» ‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،46/5 :‬تكملة الفتح‪ ،54/8 :‬تبيين الحقائق‪ ،288/5 :‬الدر المختار‪ ،210/5 :‬الشرح‬
‫الكبير‪ ،106/2 :‬بداية المجتهد‪ ،434/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،185‬كشاف القناع‪ ،206/6 :‬المغني‪:‬‬
‫‪.656/8‬‬

‫( ‪)4/303‬‬

‫وقال الشافعية (‪ : )1‬تسن التسمية ول تجب وتركها مكروه‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فكلوا مما ذكراسم ال عليه}‬
‫[النعام‪ ]118/6:‬فلو ترك التسمية عمدا‪ ،‬أو سهوا‪ ،‬حل الكل‪ ،‬ولن ال تعالى في قوله‪{ :‬إل ما ذكيتم}‬
‫[المائدة‪ ]3/5:‬أباح المذكى‪ ،‬ولم يذكر التسمية‪ ،‬وأباح ال تعالى ذبائح أهل الكتاب‪ ،‬وهم ل يسمون‬
‫غالبا‪ ،‬فدل على أنها غير واجبة‪.‬‬
‫أما الذبيحة التي يحرم أكلها‪ ،‬فهي التي ذكر اسم غير ال عليها‪ ،‬وهي التي كانت تذبح للصنام‪ .‬وهذا‬
‫هو المقصود بآية {ول تأكلوا مما لم يذكر اسم ال عليه} [النعام‪.]121/6:‬‬
‫ويدل لمذهب الشافعية من السنة أحاديث منها‪:‬‬
‫حديث عائشة رضي ال عنها‪« :‬إن قوما قالوا‪ :‬يا رسول ال ‪ :‬إن قومنا يأتوننا باللحم‪ ،‬ل ندري أذكر‬
‫اسم ال عليه أم ل؟ فقال‪ :‬سموا ال عليه أنتم‪ ،‬وكلوا» (‪ )2‬وفي رواية لمالك‪« :‬وكانوا حديثي عهد‬
‫بالكفر» ولو كانت التسمية واجبة‪ ،‬لما أجاز الكل مع الشك‪.‬‬
‫وحديث عدي بن حاتم‪ ،‬قال‪« :‬سألت النبي صلّى ال عليه وسلم عن الصيد؟ فقال‪ :‬إذا رميت بسهمك‪،‬‬
‫فاذكر اسم ال عليه» (‪. )3‬‬
‫وحديث الصلت السدوسي‪« :‬ذبيحة المسلم حلل‪ ،‬ذكر اسم ال ‪ ،‬أو لم يذكر» (‪ )4‬ويذكره الفقهاء بلفظ‬
‫غريب‪« :‬المسلم يذبح على اسم ال تعالى‪ ،‬سمى أو‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،272/4 :‬المهذب‪.252/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري والنسائي وابن ماجه (نيل الوطار‪ ،139/8 :‬نصب الراية‪ 183/4 :‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )3‬أخرجه الئمة الستة في كتبهم (نصب الراية‪.)184/4 :‬‬

‫( ‪)4/304‬‬
‫(‪ )4‬مرسل رواه أبو داود في المراسيل (نصب الراية‪ .)183/4 :‬لم يسم» ‪ ،‬وسأل رجل النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪ :‬الرجل منا يذبح‪ ،‬وينسى أن يسمي ال ‪ ،‬قال‪ :‬اسم ال على كل مسلم» (‪ )1‬وفي لفظ‪:‬‬
‫«على فم كل مسلم» أو «اسم ال في قلب كل مسلم» ‪.‬‬
‫والحاديث الخرى المطالبة بالتسمية مثل خبر أبي ثعلبة‪« :‬فما صدت بقوسك فاذكر اسم ال ‪ ،‬ثم‬
‫كل‪ »...‬محمولة على الندب‪ .‬وهذا الرأي أيسر من غيره‪ ،‬لكن أدلة الجمهور وأحاديثهم أصح وأقوى‬
‫ثبوتا وأعم مرادا‪.‬‬
‫المطلب السابع ـ سنن التذكية ‪:‬‬

‫يستحب في التذكية ما يأتي وهي سنن الذبح (‪: )2‬‬
‫‪ - 1‬التسمية عند من ل يوجبها وهم الشافعية‪ ،‬والتكبير‪ ،‬فيقول‪ :‬بسم ال ‪ ،‬وال أكبر‪ .‬ول يقل‪ :‬باسم‬
‫ال واسم محمد‪ ،‬وأضاف الشافعية‪ :‬ويصلي على النبي صلّى ال عليه وسلم عند الذبح؛ لنه محل‬
‫طاعة‪.‬‬
‫‪ - 2‬كون الذبح بالنهار‪ ،‬ويكره تنزيها عند الحنفية بالليل‪ ،‬قياسا على الضحية‪ ،‬خشية الخطأ في‬
‫الذبح‪ ،‬وقد روي عن رسول ال صلّى ال عليه وسلم أنه نهى عن الضحية ليلً‪ ،‬وعن الحصاد ليلً (‬
‫‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرجه الدارقطني‪ ،‬وفيه ضعيف (نصب الراية‪ ،‬المكان السابق)‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،60/5 :‬الدر المختار‪ ،208/5 :‬تبيين الحقائق‪ ،291/5 :‬تكملة الفتح‪ ،60/8 :‬بداية‬
‫المجتهد‪ ،435/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،185‬الشرح الكبير‪ 271/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪251/1 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ 208/6 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬أخرج الطبراني عن ابن عباس أنه صلّى ال عليه وسلم نهى عن الذبح ليلً‪ ،‬لكن في إسناده‬
‫متروك‪ .‬وفي البيهقي عن الحسن‪« :‬نهى عن جذاذ الليل وحصاده‪ ،‬والضحية بالليل» وهو حديث‬
‫مرسل (نيل الوطار‪.)126/5 :‬‬

‫( ‪)4/305‬‬
‫‪ - 3‬توجه الذابح والذبيحة نحو القبلة؛ لن القبلة جهة معظمة وهي أشرف الجهات‪ ،‬والتذكية عبادة‪،‬‬
‫وكان الصحابة إذا ذبحوا استقبلوا القبلة‪ ،‬ولن النبي صلّى ال عليه وسلم لما ضحى‪ ،‬وجه أضحيته‬
‫إلى القبلة‪ ،‬وقال‪ { :‬وجهت وجهي‪[ }..‬النعام‪ ]79/6:‬اليتين (‪ . )1‬فإن لم يستقبل ساهيا أو لعذر‪،‬‬
‫أكلت‪.‬‬
‫‪ - 4‬إضجاع الذبيحة على شقها اليسر برفق‪ ،‬ورأسها مرفوع‪ .‬ويأخذ الذابح جلد حلقها من اللحي‬
‫السفل‪ ،‬فيمده‪ ،‬حتى تتبين البشرة‪ ،‬ثم يمر السكين على الحلق تحت الجوزة‪ ،‬حتى يقف في عظم‬
‫الرقبة‪ .‬فإن كان أعسر‪ ،‬جاز أن يجعلها على شقها اليمن‪ .‬ويكره ذبح العسر ويستحب أن يستنيب‬
‫غيره‪.‬‬
‫وتترك رجلها اليمنى تتحرك بعد الذبح لتستريح بتحريكها‪ ،‬إل البل‪ ،‬فالفضل أن تنحر قائمة معقولة‬
‫ركبتها اليسرى‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬فاذكروا اسم ال عليها صوافّ} [الحج‪ ]36/22:‬كما سيأتي‪.‬‬

‫‪ - 5‬نحر البل قائمة معقولة الركبة اليسرى‪ ،‬وذبح البقر والغنم مضجعة لجنبها اليسر وتترك رجلها‬
‫اليمنى‪ ،‬وتشد باقي القوائم‪ ،‬لقوله تعالى في البل‪{ :‬فاذكروا اسم ال عليها صوافّ} [الحج‪ ]36/22:‬قال‬
‫ابن عباس‪« :‬أي قياما على ثلث» (‪ )2‬أما الشاة ففي الصحيحين‪« :‬أنه أضجعها» وقيس عليها البقر‬
‫وغيره‪ ،‬لنه أسهل على الذابح في أخذه السكين باليمين‪ ،‬وإمساك الرأس باليسار‪.‬‬
‫ول خلف بين أهل العلم في استحباب نحر البل (‪ ، )3‬وذبح ما سواها‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬فصل لربك‬
‫وانحر} [الكوثر‪ ]2/108:‬وقال تعالى‪{ :‬إن ال‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه ابن ماجه عن جابر (نيل الوطار‪.)126/5 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه الحاكم وصححه‪.‬‬
‫(‪ )3‬معنى النحر‪ :‬أن يضربها بحربة أو نحوها‪ ،‬في الوهدة التي بين أصل عنقها وصدرها‪.‬‬

‫( ‪)4/306‬‬
‫يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة‪ ]67/2:‬قال مجاهد‪ :‬أمرنا بالنحر‪ ،‬وأمر بنو إسرائيل بالذبح (‪. )1‬‬
‫وثبت «أن رسول ال صلّى ال عليه وسلم نحر بدنة‪ ،‬وضحى بكبشين أقرنين ذبحهما بيده» (‪. )2‬‬
‫‪ - 6‬قطع الوداج كلها والتذفيف أي السراع بالذبح‪ ،‬ويكره قطع البعض دون البعض‪ ،‬لما فيه من‬
‫إبطاء فوات الحياة‪ .‬وليبلغ بالذبح النخاع ( وهو العرق البيض الذي يكون في عظم الرقبة ) ول‬
‫إبانة الرأس‪ ،‬ولو فعل ذلك يكره‪ ،‬لما فيه من زيادة إيلم من غير حاجة إليه‪ ،‬كما بان سابقا‪.‬‬
‫‪ - 7‬إحداد الشفرة (السكين العظيمة) قبل الضجاع‪ ،‬ل بمرأى البهيمة؛ لنها تعرف اللة الجارحة كما‬
‫تعرف المهالك‪ ،‬فتتحرز عنها‪ ،‬فإذا أحد الشفرة‪ ،‬وقد أضجعها‪ ،‬يزداد ألمها‪ .‬قال النبيصلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬إن ال كتب الحسان على كل شيء‪ ،‬فإذا قتلتم‪ ،‬فأحسنوا القِتْلة‪ ،‬وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة‪،‬‬
‫وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» (‪ )3‬وفي سنن البيهقي أن عمر رضي ال عنه «رأى رجلً وقد‬
‫أضجع شاة‪ ،‬ووضع رجله على صفحةوجهها‪ ،‬وهو يحد الشفرة‪ ،‬فضربه بالدّرة» وعن ابن عباس‬
‫قال‪« :‬مر رسول ال صلّى ال عليه وسلم على رجل واضع رجله على صفحة شاة‪ ،‬وهو يحد شفرته‪،‬‬
‫وهي تلحظ إليه ببصرها‪ ،‬قال‪ :‬أفل قُتِل هذا‪ ،‬أو يريد أن يميتها موتتين» (‪. )4‬‬
‫ويستحب أل يذبح شاة‪ ،‬وأخرى تنظر إليه لما روى ابن عمر‪« :‬أن رسول ال‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ 575/8 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫(‪ )2‬متفق عليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن شدّاد بن أوس (نيل الوطار‪ )141/8 :‬والقتلة‬
‫والذبحة‪ :‬هي الهيئة والحالة‪.‬‬
‫(‪ )4‬رواه الطبراني في الكبير والوسط‪ ،‬ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد‪.)33/4 :‬‬

‫( ‪)4/307‬‬
‫صلّى ال عليه وسلم أمر أن تحد الشفار‪ ،‬وأن توارى عن البهائم» (‪. )1‬‬
‫‪ - 8‬الترفق بالبهيمة‪ ،‬فل يضرب بها الرض‪ ،‬ول تجر برجلها إلى المذبح؛ لنه إلحاق زيادة ألم بها‬
‫من غير حاجة إليها في التذكية‪.‬‬
‫المطلب الثامن ـ مكروهات التذكية ‪:‬‬
‫يكره في الذبح أو التذكية ترك السنن السابقة‪ ،‬فتكون مكروهات التذكية ما يأتي (‪: )2‬‬
‫‪ - 1‬ترك التسمية عند من ل يوجبها أو ل يشترطها‪ ،‬وهم الشافعية وبعض المالكية‪ .‬أو قرن اسم ال‬
‫باسم محمد أو غيره‪ .‬ويكره عند الحنفية أن يقول الذابح عند الذبح‪ :‬اللهم تقبل من فلن‪ .‬وإن قال ذلك‬
‫قبل التسمية والضجاع أوبعد الذبح جاز‪.‬‬
‫‪ - 2‬التوجه بالذبيحة لغير القبلة‪ ،‬لمخالفة السنة‪.‬‬
‫‪ - 3‬نحر الشياه وذبح البل عند الحنفية‪ ،‬لمخالفة ما ثبت بالسنة‪ ،‬ول يكره ذلك عند الشافعية‬
‫والحنابلة‪ ،‬لعدم ورود نهي فيه‪.‬‬
‫‪ - 4‬التعذيب أو زيادة اللم بل فائدة مثل قطع الرأس‪ ،‬وكسر الرقبة‪ ،‬وبلوغ النخاع‪ ،‬والذبح من القفا (‬
‫‪ ، )3‬وجر الحيوان برجله إلى المذبح‪ ،‬وحد الشفرة أمامه بعد الضجاع‪ ،‬والذبح أمام بهيمة أخرى‬
‫لمخالفة الثابت في السنة‪ ،‬والسلخ أو النخع (قطع النخاع) قبل أن يبرد الحيوان‪ ،‬لما روي‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد وابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،60/5 :‬تبيين الحقائق‪ ،292/5 :‬الدر المختار‪ ،208/5 :‬الشرح الصغير‪،173/2 :‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،185‬مغني المحتاج‪ ،172/4 :‬كشاف القناع‪ 208/6 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪:‬‬
‫‪.580/8‬‬
‫(‪ )3‬إن بقيت حية حتى تقطع العروق‪ ،‬وإل لم يحل لحدوث الموت بل ذكاة‪.‬‬

‫( ‪)4/308‬‬

‫«أن الفَرا ِفصَة قال لعمر رضي ال عنه‪ :‬إنكم تأكلون طعاما ل نأكله‪ ،‬قال‪ :‬وما ذاك يا أبا حسان؟‬
‫فقال‪ :‬تُعجلون النفس قبل أن تزهق (‪ . )1‬فأمر عمر رضي ال عنه مناديا ينادي‪ :‬الذكاة في الحلق‬
‫والّلبة لمن قدر‪ ،‬ول تعجلوا النفس حتى تزهق» (‪. )2‬‬
‫‪ 5‬ـ الذبح بالسن والظفر والعظم المنزوع عند الحنفية الذين يجيزون التذكية بها‪ ،‬مع الكراهة لما فيه‬
‫من الضرر بالحيوان كذبحه بشفرة كليلة‪ .‬أما الذبح بالقائم غير المنزوع من الظفر ونحوه فل يحل‪.‬‬
‫المطلب التاسع ـ أنواع التذكية ‪:‬‬
‫التذكية التي تحل الكل عند المالكية (‪ )3‬أربعة أنواع‪:‬‬
‫‪ - 1‬إدماء أو صيد أو عقر في غير المقدور عليه‪ ،‬المتوحش‪ ،‬ل النسي الذي يكون من النعام‪ ،‬أما‬
‫الحمام ونحوه فكله صيد‪ ،‬فلو توحش أكل بالعقر‪.‬‬
‫‪ - 2‬وذبح في الحلق بقطع جميع الحلقوم وجميع الودجين للطيور ولو نعامة‪ ،‬والغنم‪.‬‬
‫‪ - 3‬ونحر في اللبة‪ :‬وهي وسط الصدر للبل والزرافة (‪ . )4‬وأما البقر فيجوز فيها الذبح والنحر‪،‬‬
‫لكن يندب فيها الذبح‪ ،‬أي أن النعام يشترط فيها الذبح أو النحر‪.‬‬
‫‪ - 4‬فعل يزيل الحياة بأي وسيلة وهو تأثير بقطع أو غيره في الجراد؛ لن المقرر عند المالكية خلفا‬
‫لعامة الفقهاء‪ :‬أن الجراد ل يؤكل من غير ذكاة‪ ،‬وذكاته عندهم أن يقتل إما بقطع رأسه أو بغير ذلك‪.‬‬
‫ويجب النحر في البل والزرافة‪ ،‬والذبح في غيرها‪ .‬فإن ذبح ماينحر أو نحر ما يذبح ولو سهوا إن‬
‫قدر‪ ،‬من غير ضرورة‪ ،‬لم تؤكل الذبيحة‪ .‬ويجوز للضرورة الذبح في البل‪ ،‬والنحر في غيرها‬
‫كوقوع الحيوان في هوة‪ ،‬أو لعدم وجود آلة الذبح أو النحر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬النفس ههنا‪ :‬الرواح التي تكون حركة البدان بها‪ ،‬وزهوقها‪ :‬خروجها من البدان وذهابها‪.‬‬
‫(‪ )2‬المهذب‪.253/1 :‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير‪ ،107 ،103 ،99/2 :‬بداية المجتهد‪ 429/1 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪183‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬الذبح عند المالكية‪ :‬قطع الحلقوم والودجين من المقدّ بنية‪ .‬وعقر الحيوان‪ :‬هو أن يرمى بسهم في‬
‫أي موضع من جسمه‪ ،‬فيجرحه ويميته‪ .‬والنحر‪ :‬ذبح من أعلى الصدر‪ ،‬ويكون في اللّبة‪ :‬وهي الوهدة‬
‫التي بين أصل العنق والصدر‪.‬‬

‫( ‪)4/309‬‬

‫والخلصة‪ :‬أن النعام إذا توحشت لتؤكل بالصيد عندهم‪ ،‬لكن يؤكل بالصيد إن تأنس متوحش الصل‬
‫ثم هرب‪ ،‬أو توحش الحمام ونحوه؛ لن كله صيد‪.‬‬
‫وكذلك تنقسم التذكية عند الشافعية إلى ثلثة أقسام‪ :‬ذبح‪ ،‬ونحر‪ ،‬وعقر‪ ،‬أما الذبح‪ :‬فهو قطع الحلق‬
‫( أعلى العنق ) والمري من الحيوان‪ ،‬وتذكى به جميع الحيوانات‪.‬‬
‫وأما النحر‪ :‬فهو قطع لَبّة الحيوان‪ ،‬وهي أسفل العنق‪ ،‬وهو المسنون في البل‪.‬‬
‫وأما العقر‪ :‬فهو ذكاة الضرورة‪ ،‬وهو جرح الحيوان‪ ،‬بأي فعل مزهق للروح‪ .‬في أي مكان في‬
‫جسمه‪ .‬ويستعمل في تذكية الحيوان المأكول إذا ندّ‪ ،‬ولم يتمكن صاحبه من القدرة عليه‪ .‬وعلى هذا‬
‫يرى الجمهور غير المالكية (‪ )1‬أن الذكاة نوعان‪ :‬اختيارية‪ ،‬واضطرارية في معنى الصيد‪.‬‬
‫أما الختيارية‪ :‬فهي الجرح في الحلق ( الحلقوم) مابين اللبة واللحيين‪ ،‬عند القدرة على الحيوان‪ .‬ولبد‬
‫من ذبح المستأنس؛ لن ذكاة الضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الختيار‪.‬‬
‫والضطرارية‪ :‬الجرح في أي موضع كان من البدن عند العجز عن الحيوان‪ ،‬أي كأنها صيد‪،‬‬
‫فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والنعام‪ ،‬أي أنها تستعمل عند الجمهور غير المالكية‬
‫في الحيوان المتوحش‪ ،‬أو الحيوان المستأنس إذا شرد‪ ،‬ولم يمكن الحصول عليه‪ ،‬لن التكليف بحسب‬
‫الوسع‪ .‬وتسمى هذه الحالة‪ :‬العقر أي إزهاق الروح في أي موضع كان‪ .‬ويكون العقر أو ذكاة‬
‫الضرورة بآلة جارحة ل بمثقل أو حجر أي بالجرح أو الطعن‪ ،‬أو إنهار الدم في أي موضع كان من‬
‫البدن‪ ،‬بحيث يسيل دمه‪ .‬ويشترط عند الشافعية‪ :‬أن يكون الجرح مفضيا إلى الزهوق أي يؤدي إلى‬
‫الموت‪.‬‬
‫وأما عند المالكية‪ :‬فل يحل الحيوان بذكاة الضرورة إذا كان مستأنسا من النعام‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تبيين الحقائق‪ ،286/5 :‬تكملة الفتح‪ 60/8:‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار وحاشيته‪ ،206/5،213 :‬مغني‬
‫المحتاج‪ 268 ،265/4 :‬ومابعدها‪ ،271 ،‬المهذب‪ ،255/1 :‬المغني‪،577 ،575 ،573 ،566/8 :‬‬
‫كشاف القناع‪ ،205/6 :‬الشرح الكبير للدردير‪.110 ،103/4 :‬‬

‫( ‪)4/310‬‬
‫فلو توحش حيوان أهلي بعد أن كان إنسيا أو مستأنسا‪ ،‬أو ندّ بعير (شرد) أو تردى في بئر ونحوه‪،‬‬
‫ولم تمكن الذكاة الختيارية أي عجز عنها بذبحه في الحلق‪ ،‬فذكاته عند غير المالكية حيث يصاب بأي‬
‫جرح من بدنه‪ ،‬ويحل حينئذ أكله‪ ،‬كصيد‬

‫الطائر أو الحيوان المتوحش‪ ،‬لحديث رافع بن خديج‪ ،‬قال‪« :‬كنا مع رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫في سفر‪ ،‬فندّ بعير من إبل القوم‪ ،‬ولم يكن معهم خيل‪ ،‬فرماه رجل بسهم‪ ،‬فحبسه‪ ،‬فقال رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪ :‬إن لهذه البهائم أوابد‪ ،‬كأوابد الوحش‪ ،‬فما فعَل منها هذا‪ ،‬فافعلوا به هكذا (‪» )1‬‬
‫‪ .‬وهذا هو الرأي الرجح‪.‬‬
‫وإن نحر ما يذبح‪ ،‬أو ذبح ما ينحر أكل مع الكراهة عند الحنفية (‪ ، )2‬وبل كراهة عند الشافعية‬
‫والحنابلة‪ ،‬لعدم ورود نهي فيه‪.‬‬
‫المطلب العاشر ـ ما يحرم أكله من المذبوح ‪:‬‬
‫قال الحنفية (‪ : )3‬ل تؤكل سبعة أشياء من أجزاء الحيوان المأكول وهي‪ :‬الدم المسفوح‪ ،‬والذكر‪،‬‬
‫والنثيان‪ ،‬والقبُل‪ ،‬والغدة (‪ ، )4‬والمثانة‪ ،‬والمرارة‪ .‬لقوله عز شأنه‪{ :‬ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم‬
‫الخبائث} [العراف‪ ]157/7:‬وهذه الشياء السبعة مما تستخبثه الطباع السليمة‪ .‬وروي عن مجاهد أنه‬
‫قال‪« :‬كره رسول ال صلّى ال عليه وسلم من الشاة‪ :‬الذكر‪ ،‬والنثيين‪ ،‬والقبل‪ ،‬والغدة‪ ،‬والمرارة‪،‬‬
‫والمثانة والدم » والمراد منه كراهة التحريم‪ ،‬بدليل أنه جمع بين الشياء الستة وبين الدم‪ ،‬في‬
‫الكراهة‪ ،‬والدم المسفوح محرم‪ .‬والمروي عن أبي حنيفة أنه قال‪« :‬الدم حرام‪ ،‬وأكره الستة» أطلق‬
‫اسم الحرام على الدم المسفوح‪ ،‬لنه ثبت بدليل مقطوع به‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الجماعة (نيل الوطار‪ )143/8 :‬والوابد جمع آبدة‪ :‬أي غريبة‪ ،‬وتأبدت‪ :‬توحشت‪ ،‬والمراد‬
‫أن لها توحشا‪.‬‬
‫(‪ )2‬يجوز في قول عند الحنفية استخدام ذكاة الضرورة فيما لو أدرك صيده حيا‪ ،‬أو أشرف ثوره على‬
‫الهلك‪ ،‬وضاق الوقت على الذبح‪ ،‬أو لم يجد آلة الذبح‪ ،‬فجرحه في غير محل الذبح‪ ،‬حل‪ .‬وفي قول‬
‫آخر‪ :‬ل يحل أكله إل إذا قطع العروق‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،61/5 :‬رد المحتار‪.219/5 :‬‬
‫(‪ )4‬الغدة‪ :‬قطعة لحم صلبة تحدث عن داء بين الجلد واللحم‪.‬‬

‫( ‪)4/311‬‬
‫وهو النص القرآني‪{ :‬قل ‪ :‬ل أجد في ما أوحي إلي محرما} ‪ ...‬إلى قوله‪{ :‬أو دما مسفوحا} [النعام‪:‬‬
‫‪ ]6/145‬وسمى ما سواه مكروها‪ ،‬لثبوته بدليل ظني‪.‬‬
‫المطلب الحادي عشر ـ أثر ذكاة الم في الجنين ‪:‬‬

‫لذكاة الجنين أربعة أحوال (‪: )1‬‬
‫الول ـ أن تلقيه الم ميتا قبل الذبح‪ ،‬فل يؤكل إجماعا‪.‬‬
‫الثاني ـ أن تلقيه حيا قبل الذبح‪ ،‬فل يؤكل إل أن يذكى (يذبح) وهو مستقر الحياة‪.‬‬
‫الثالث ـ أن تلقيه حيا بعد تذكيتها‪ ،‬فإن ذبح وهو حي أكل‪ ،‬وإن لم تدرك ذكاته في حال الحياة‪ ،‬فهو‬
‫ميتة‪ ،‬وقيل عند المالكية‪ :‬ذكاته ذكاة أمه‪.‬‬
‫الرابع ـ أن تلقيه الم ميتا بعد تذكيتها‪ ،‬وهذا موطن الخلف بين الفقهاء‪:‬‬
‫آ ـ فقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد‪ :‬ل يؤكل بتذكية الم؛ لن ال تعالى حرم الميتة‪ ،‬وحرم‬
‫المنخنقة‪ ،‬والجنين ميتة؛ لنه ل حياة فيه‪ ،‬والميتة‪ :‬كل حيوان مات من غير ذكاة‪ ،‬أو إن الجنين مات‬
‫خنقا‪ ،‬فيحرم بنص القرآن‪.‬‬
‫ول يجعل الجنين تبعا لمه؛ لنه يتصور بقاؤه حيا بعد ذبح الم‪ ،‬فوجب إفراده بالذبح ليخرج الدم‬
‫عنه‪ ،‬فيحل به‪ ،‬ول يحل بذكاة أمه‪ ،‬إذ المقصود بالذكاة إخراج دمه ليتميز من اللحم‪ ،‬فيطيب‪ ،‬فل‬
‫يكون تبعا للم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،42/5 :‬تبيين الحقائق‪ ،293/5 :‬اللباب‪ ،228/3 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،183‬بداية‬
‫المجتهد‪ 428/1 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،114/2 :‬مغني المحتاج‪ ،306 ،579/4 :‬المغني‪،579/8:‬‬
‫شرح الرسالة‪.381/1 :‬‬

‫( ‪)4/312‬‬
‫والمراد بحديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه» هو التشبيه أي كذكاتها‪ ،‬فل يدل على أنه يكتفى بذكاة الم‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن الجنين الميت ل يؤكل عند الحنفية‪ ،‬أشعر أو لم يشعر‪ ،‬أي تم خلقه‪ ،‬أو لم يتم‪ ،‬لنه ل‬
‫يشعر إل بعد تمام الخلق‪.‬‬
‫ب ـ وقال جمهور الفقهاء ومنهم صاحبا أبي حنيفة‪ :‬يحل أكل الجنين إذا خرج ميتا بذكاة أمه‪ ،‬أو‬
‫وجد ميتا في بطنها‪ ،‬أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح‪.‬‬
‫ويشترط فيه عند المالكية‪ :‬أن يكون قد كمل خلقه‪ :‬ونبت شعره‪ ،‬لما روي عن ابن عمر وجماعة من‬
‫الصحابة‪ ،‬وقال كعب بن مالك‪« :‬كان أصحاب رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقولون‪ :‬إذا أشعر‬
‫الجنين‪ ،‬فذكاته ذكاة أمه» ‪.‬‬
‫وأجاز الشافعية والحنابلة أكل الجنين الميت‪ ،‬أشعر أم لم يشعر‪ ،‬لما روى ابن المبارك عن ابن أبي‬

‫ليلى‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ذكاة الجنين ذكاة أمه‪ ،‬أشعر أو لم يشعر» ‪.‬‬
‫ودليل الجمهور على الجواز حديث حسن‪« :‬ذكاة الجنين ذكاة أمه» (‪ ، )1‬ورأيهم بدليل الثابت في‬
‫السنة هو الصح عندي‪ ،‬بل القياس يقتضي أن تكون ذكاة الجنين في ذكاة أمه؛ لنه جزء منها‪ ،‬فل‬
‫معنى لشتراط الحياة فيه‪ .‬قال ابن رشد المالكي‪ :‬وعموم الحديث يضعف اشتراط أصحاب مالك نبات‬
‫شعره‪ ،‬فل يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس‪ ،‬أي قياسه على الشياء التي تعمل فيها التذكية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬روي عن أحد عشر صحابيا وهم الخدري‪ ،‬وجابر‪ ،‬وأبو هريرة‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬وأبو أيوب‪ ،‬وابن‬
‫مسعود‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وكعب بن مالك‪ ،‬وأبو الدرداء‪ ،‬وأبو أمامة‪ ،‬وعلي‪ .‬فحديث أبي سعيد الخدري‬
‫مثلً رواه أحمد والترمذي وحسنه‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬والدارقطني وابن حبان وصححه (نصب الراية‪:‬‬
‫‪ 189/4‬ومابعدها‪ ،‬نيل الوطار‪.)144/8 :‬‬

‫( ‪)4/313‬‬
‫المطلب الثاني عشر ـ أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض ‪:‬‬
‫إذا أشرف حيوان على الموت بسبب اعتداء عليه‪ ،‬أو مرض‪ ،‬ثم ذبح‪ ،‬فهل يحل أكله؟‬
‫أولً ـ أثر الذكاة في المشرف على الموت بسبب اعتداء ‪:‬‬
‫إذا اعتدي على الحيوان المأكول بخنق‪ ،‬أو ضرب‪ ،‬أو جرح سبع كذئب‪ ،‬ثم أدركه صاحبه فذبحه‪ ،‬أو‬
‫لم يدركه‪ ،‬فمات‪ ،‬فله أحوال أربعة (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬إن مات قبل الذكاة‪ ،‬لم يؤكل إجماعا‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬حرمت عليكم الميتة‪ ،‬والدم‪ ،‬ولحم الخنزير‪،‬‬
‫وما أهل لغير ال به‪ ،‬والمنخنقة‪ ،‬والموقوذة‪ ،‬والمتردية‪ ،‬والنطيحة‪ ،‬وما أكل السبع‪ ،‬إل ما ذكيتم}‬
‫[المائدة‪ )2( ]3/5:‬فهذه الحيوانات الخمسة المذكورة في الية (ما بعد المهل به لغير ال ) لم يحل‬
‫أكلها إذا ماتت قبل إدراكها حية ولم تذبح‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ إن أدرك حيا أي غلب على الظن أنها تعيش‪ ،‬بأن يصاب لها مقتل‪ ،‬فذبح‪ ،‬أكل إجماعا‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬إل ما ذكيتم} [المائدة‪.]3/5:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار‪ ،217/5 :‬الشرح الكبير‪ ،113/2:‬البدائع‪ ،40/5:‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،183‬بداية‬
‫المجتهد‪ 425/1 :‬وما بعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ ،206/6 :‬أحكام القرآن للجصاص‪ ،306/2 :‬أحكام القرآن‬
‫لبن العربي‪.539/2 :‬‬

‫(‪ )2‬أي إل ما أدركتموه حيا مما سبق‪ ،‬فذكيتموه من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل‬
‫السبع جزءا منه وما أهل لغير ال به‪ ،‬فإذا كانت فيه حياة ولو بسيطة بأن يطرف عينا أو يضرب‬
‫برجل أو يد ثم ذبح‪ ،‬صار حللً‪ ،‬والمنخنقة‪ :‬هي التي ماتت بأي شكل كان‪ .‬والموقوذة‪ :‬هي التي‬
‫ماتت بعصا أو بحجر بل ذكاة شرعية‪ .‬والمتردية‪ :‬هي ما سقطت من مكان عال كجبل أو هوت في‬
‫بئر‪ .‬والنطيحة‪ :‬هي ما نطحتها بهيمة أخرى‪ ،‬فماتت‪ .‬وما أكل السبع‪ :‬هي ما قتلت بافتراس حيوان‬
‫كالذئب والنمر مثلً‪ ،‬وما أهل لغير ال به‪ :‬أي ما ذكر عليه اسم غير ال ‪ ،‬لن أكله مشاركة لهله في‬
‫عبادة غير ال‪.‬‬

‫( ‪)4/314‬‬
‫‪ - 3‬إن نفذت مقاتل البهيمة‪ :‬وهي المنفوذة المقاتل (‪( )1‬أي المقطوع بموتها)‪ ،‬لم تؤكل عند المالكية‬
‫وأجاز على وابن عباس أكلها‪ .‬وتعمل فيها الذكاة عند الشافعية والحنابلة متى كان فيها حياة مستقرة‪.‬‬
‫وتؤثر فيها الذكاة عند الحنفية إن علمت حياتها‪ ،‬أو لم تدر حياتها فتحركت أو خرج الدم‪ ،‬وهذا يتأتى‬
‫فيما اعتدى عليها الذئب فبقر بطنها‪ ،‬وفي المنخنقة والمتردية والنطيحة؛ لعموم قوله تعالى‪{ :‬إل‬
‫ماذكيتم} [المائدة‪.]3/5:‬‬
‫‪ -4‬الميئوس من حياته ولم تنفذ مقاتله؛ أو المشكوك في أمره‪ ،‬تؤثر الذكاة في حل أكله عند الحنفية‪،‬‬
‫وهو مشهور قول المالكية ما دامت حياته محققة‪ .‬وقال بعض المالكية‪ :‬ل تؤثر الذكاة فيه ول يؤكل‪.‬‬
‫وأجاز الشافعية والحنابلة ذبح الميئوس الذي تكون فيه حياة مستقرة‪ ،‬ولم يجز المشكوك في أمره‪.‬‬
‫وعلى هذا فإذا غلب على الظن أن المعتدى عليها تهلك بإصابة مقتل أو غيره‪ ،‬فقال الحنفية والشافعية‪:‬‬
‫تعمل الذكاة فيها‪ ،‬وقال قوم‪ :‬ل تعمل الذكاة فيها‪ ،‬وعن مالك‪ :‬الوجهان‪ ،‬وقال ابن القاسم‪ :‬تذكى‬
‫وتؤكل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هي التي بلغ القتل فيها أحد أمور خمسة متفق عليها‪ :‬وهي قطع الوداج‪ ،‬وانتشار الدماغ‪،‬‬
‫وانتشار الحشاء‪ ،‬وخرق أعلى المصران في مجرى الطعام والشراب‪ ،‬ل أسفله‪ .‬وقطع النخاع‬
‫الشوكي (القوانين الفقهية‪ ،‬المكان السابق‪ :‬الشرح الكبير‪.)113/2 :‬‬

‫( ‪)4/315‬‬

‫ومنشأ الخلف في الميئوس منها وفي منفوذة المقاتل‪ :‬هو الستثناء المذكور في الية السابقة‪ ،‬هل هو‬
‫استثناء متصل أو منقطع؟ فمن قال‪ :‬إنه متصل‪ ،‬قال‪ :‬تعمل الذكاة في هذه الحوال‪ .‬ومن قال‪ :‬إنه‬
‫منقطع أي ما ذكيتم من غيرها‪ ،‬لم يعمل الذكاة فيها‪.‬‬
‫والمراد بالحياة المطلوب تحققها في هذه الحالة عند الحنفية والمالكية‪ :‬هو وجود أمارة الحياة من‬
‫حركة رجل أو طرفة عين أو جريان نفس‪ ،‬سواء عاشت من مثله أو ل تعيش‪ ،‬بقيت لمدة قصيرة أو‬
‫طويلة‪ ،‬أي أن المطلوب بقدر حياة المذبوح بعد الذبح‪ ،‬وهو الحد الدنى للحياة‪.‬‬
‫وعند الشافعية والحنابلة‪ :‬أن تبقى فيه حياة مستقرة يمكن زيادتها على حركة المذبوح‪،‬سواء انتهت إلى‬
‫حال يعلم أنها ل تعيش معه أو تعيش‪.‬‬
‫ثانيا ـ أثر الذكاة في الحيوان المريض ‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء على تأثير الذكاة‪ ،‬وحل الكل في الحيوان المريض الذي لم يشرف على الموت‪ .‬واختلفوا‬
‫في تأثير الذكاة في الحيوان الذي أشرف على الموت من شدة المرض (‪. )1‬‬
‫فقال الجمهور‪ :‬وهو المشهور عن مالك‪ :‬إن الذكاة تعمل فيه‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬إن الذكاة ل تعمل فيه‪.‬‬
‫وسبب الخلف تعارض القياس مع الثر‪ .‬فالجمهور أخذوا بحديث كعب بن مالك المتقدم‪ :‬أن جارية‬
‫له كانت ترعى غنما بسَلْع‪ ،‬فأبصرت شاة مشرفة على الموت‪ ،‬فأدركتها وذبحتها بحجر‪ ،‬فسئل رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم فقال‪ :‬كلوها (‪. )2‬‬
‫والبعض أخذ بالقياس‪ :‬وهو أن الذكاة إنما تؤثر في الحي‪ ،‬وهذا في حكم الميت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،428/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 181‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والبخاري (نيل الوطار‪.)139/8 :‬‬

‫( ‪)4/316‬‬
‫والحنفية من الجمهور على المفتى به فصّلوا في المريضة‪ ،‬وفي الحالة الخيرة من أحوال المنخنقة‬
‫والمتردية والنطيحة‪ ،‬فقالوا (‪: )1‬‬
‫آ ـ إن عُلمت حياة الشاة‪ ،‬وإن كانت حياتها خفيفة على المفتى به‪ ،‬وقت الذبح‪ ،‬أكلت مطلقا‪ ،‬وإن لم‬
‫تتحرك ولم يخرج الدم‪ .‬والحياة القليلة أو الخفيفة‪ :‬هي أن يبقى في الشاة من الحياة بقدر ما يبقى في‬
‫المذبوح بعد الذبح‪.‬‬

‫ب ـ وإذا لم تعلم الحياة‪ ،‬فتحركت‪ ،‬أو خرج الدم‪ ،‬حلت‪ ،‬وإن لم تتحرك أو لم يخرج الدم‪ ،‬لم تحل‪.‬‬
‫وعلمات الحياة والموت تعرف بما يأتي‪ :‬فتح الفم‪ ،‬أو العين‪ ،‬ومد الرجل‪ ،‬ونوم الشعر‪ :‬علمة‬
‫الموت‪ ،‬لنها استرخاء‪ ،‬والحيوان يسترخي بالموت‪ .‬وعكس ذلك يدل على الحياة‪ ،‬فضم الفم والعين‪،‬‬
‫وقبض الرجل‪ ،‬ووقوف الشعر علمةالحياة‪.‬‬
‫وذكر المالكية علمات خمس على الحياة هي (‪: )2‬‬
‫سيلن الدم‪ ،‬ل خروج القليل منه‪ ،‬والركض باليد أو الرجل‪ ،‬وطرف العين‪ ،‬وتحريك الذنب‪ ،‬وخروج‬
‫النفَس‪ ،‬فإن تحركت ولم يسل دمها‪ ،‬أكلت‪ .‬وإن سال دمها ولم تتحرك‪ ،‬لم تؤكل؛ لن الحركة أقوى في‬
‫الدللة على الحياة من سيلن الدم‪ .‬وأما الختلج الخفيف فليس دليلً على الحياة؛ لن اللحم يختلج بعد‬
‫السلخ‪.‬‬
‫والحياة عند الشافعية والحنابلة ثلثة أنواع (‪: )3‬‬
‫‪ - 1‬الحياة المستمرة‪ :‬وهي الطبيعية الباقية إلى خروجها بذبح‪ ،‬أو نحوه‪ .‬والذكاة تؤثر فيها بالحل‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪.334 ،217/5 :‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،182‬أحكام القرآن للجصاص‪.306/2 :‬‬
‫(‪ )3‬بجيرمي الخطيب‪ ،248/4 :‬كشاف القناع‪ ،206/6 :‬مغني المحتاج‪ ،271/4 :‬المغني‪-583/8 :‬‬
‫‪.585‬‬

‫( ‪)4/317‬‬
‫‪ - 2‬الحياة المستقرة‪ :‬هي ما يوجد معها الحركة الختيارية بقرائن وأمارات تغلب على الظن بقاء‬
‫الحياة‪ .‬ومن أماراتها‪ :‬انفجار الدم بعد قطع الحلقوم والمريء‪ .‬والصح الكتفاء بالحركة الشديدة‪.‬‬
‫وليشترط العلم بوجود الحياة المستقرة عند الذبح‪ ،‬بل يكفي الظن بوجودها بقرينة كشدة الحركة أو‬
‫انفجار الدم‪ .‬وهذه تحل الذبيحة‪ ،‬فإن شك في وجودها‪ ،‬حرم تغليبا للتحريم‪.‬‬
‫‪ - 3‬حياة المذبوح‪ ،‬أو حركة عيش المذبوح‪ :‬وهي التي ل يبقى معها سمع ل إبصار‪ ،‬ول حركة‬
‫اختيار‪ ،‬وهذا النوع‪ :‬إن وجد له سبب يحال عليه الهلك‪ ،‬كما لو مرض الحيوان بأكل نبات مضر‪،‬‬
‫حتى صار في آخر رمق‪ ،‬لم يحل على المعتمد‪ .‬وإن لم يوجد سبب يحال عليه الهلك‪ ،‬كأن مرض‬
‫الحيوان‪ ،‬أو جاع حتى صار في آخر رمق‪ ،‬فذبحه‪ ،‬حل أكله‪.‬‬
‫المطلب الثالث عشر ـ أثر الذكاة في غير المأكول ‪:‬‬

‫المقصود بهذا أن الذكاة أو الذبح‪ ،‬هل تؤثر في تحليل النتفاع بجلود الحيوانات غير مأكولة اللحم‪،‬‬
‫وسلب النجاسة عنها؟‬
‫للفقهاء رأيان في ذلك‪:‬‬
‫‪ - 1‬فقال الحنفية والمالكية في المشهور (‪ : )1‬إذا ذبح ما ل يؤكل كالسباع وغيرها يطهر لحمه‬
‫وشحمه وجلده إل الدمي والخنزير‪ .‬أما الدمي فلحرمته وكرامته‪ ،‬وأما الخنزير فلنجاسة عينه‪ .‬وقال‬
‫الدردير والصاوي‪ :‬مشهور المذهب أن الذكاة ل تطهر محرّم الكل كالخيل والبغال والحمير‪ ،‬والكلب‬
‫والخنزير‪ .‬أما سباع الوحش وسباع الطير‪ ،‬فتطهر بذبحها على المشهور‪.‬‬
‫وأصح ما يفتى به عند الحنفية‪ :‬أن اللحم والشحم ل يطهر بالذكاة‪ ،‬والجلد يطهر به‪ ،‬وهذا التفصيل‬
‫عندهم مخالف لما في متن الكنز والدر المختار والهداية من عدم التفصيل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تبيين الحقائق‪ ،296/5 :‬تكملة الفتح‪ ،64/8 :‬الدر المختار‪ ،216/5 ،290/1 :‬البدائع‪،86/1 :‬‬
‫بداية المجتهد‪ ،427/1 :‬اللباب‪ ،230/3 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،181‬الشرح الصغير‪ ،45/1 :‬شرح‬
‫الرسالة‪ ، 384/1 :‬الشرح الكبير‪.56/1 :‬‬

‫( ‪)4/318‬‬
‫ودليلهم‪ :‬أن الذكاة مؤثرة في إزالة الرطوبات النجسة والدماء السيالة‪ ،‬فإذا زالت طهرت البهيمة كما‬
‫في الدباغ‪ ،‬وليس الجلد واللحم من الرطوبات أو الدماء‪ .‬وإذا ثبت تحريم تناول لحم غير المأكول‪ ،‬بقي‬
‫ما سواه على الصل‪ :‬وهو التطهير‪ ،‬فتؤثر الذكاة فيه‪ ،‬كما يؤثر الدباغ في تطهير الجلود‪ .‬وإذا طهر‬
‫الجلد بعد الذبح‪ ،‬فلو وقع في الماء القليل ل ينجسه‪ .‬ويجوز النتفاع بالجلد في غير ا لكل‪ .‬وقيل بقول‬
‫آخر عند الحنفية‪ :‬ل يجوز قياسا على الكل‪.‬‬
‫‪ - 2‬وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )1‬ل تؤثر الذكاة في شيء من الحيوان غير المأكول؛ لن أثر الذكاة‬
‫في إباحة اللحم هو الصل‪ ،‬والجلد تبع للحم‪ ،‬فإن لم تعمل الذكاة في اللحم‪ ،‬لم تعمل فيما سواه‪ ،‬كذبح‬
‫المجوسي أو الذبح غير المشروع‪ .‬ول يقاس الذبح على الدباغ‪ ،‬لكون الدبغ مزيلً للخبث والرطوبات‬
‫كلها‪ ،‬مطيبا للجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه ل يتغير‪ ،‬والذكاة ل يحصل بها ذلك‪ ،‬فل يستغنى‬
‫بها عن الدبغ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،58/1 :‬المغني‪.71/1 :‬‬

‫( ‪)4/319‬‬
‫هذا‪ ...‬وقد صرح الشافعية بأنه يحرم ذبح الحيوان غير المأكول‪ ،‬ولو لراحته‪ ،‬كالحمار الزمِن مثلِ‪،‬‬
‫لنه تعذيب له (‪ ، )1‬ونهى النبي صلّى ال عليه وسلم عن قتل الكلب إل السود البهيم‪ ،‬فإنه أمر‬
‫بقتله (‪. )2‬‬
‫المبحث الثالث ـ آلة الذبح‬
‫اتفق الفقهاء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الوداج من حديد أو صخر‪ ،‬أو عود‪ ،‬أو قضيب‪ ،‬أو‬
‫زجاج تحل التذكية به‪.‬‬
‫واختلفوا في ثلثة في السن والظفر والعظم‪ ،‬على رأيين‪ ،‬فأجاز الحنفية‪ ،‬والمالكيةـ في الجملة ـ‬
‫الذبح بها‪ ،‬ومنع الشافعية والحنابلة إجمالً التذكية بها‪ ،‬كما سيأتي‪ ،‬والولى أو الصح عدم الذبح بها‬
‫لصحة الحديث الذي استدل به الشافعية وغيرهم‪.‬‬
‫‪ - 1‬قال الحنفية (‪ : )3‬يجوز الذبح بكل ما أفرى الوداج‪ ،‬وأنهر الدم (أساله) ولو بنار أسالت الدم‪،‬‬
‫أو بِليطَة (قشر القصب)‪ ،‬أو مَرْوة (حجر أبيض كالسكين يذبح بها)‪ ،‬أو ظفر وعظم وقرن وسن‬
‫منزوع من مكانه غير قائم في محله‪ ،‬ولكن مع كراهة الذبح بهذه الربعة الخيرة لما فيه من الضرر‬
‫بالحيوان‪ ،‬كذبحه بشفرة كليلة‪ .‬ودليلهم قوله عليه الصلة والسلم‪« :‬أنهر الدم بما شئت» (‪ )4‬ويروى‬
‫«أفر‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البجيرمي علي الخطيب‪.248/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأصحاب السنن (الخمسة) وصححه الترمذي عن عبد ال بن ال ُمغَفّل (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)128/8‬‬
‫(‪ )3‬تكملة فتح القدير‪ 59/8 :‬وما بعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪ 290/5 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪207/5 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬اللباب شرح الكتاب‪.227/3 :‬‬
‫(‪ )4‬هذا لفظ النسائي وأحمد في حديث عدي بن حاتم‪ ،‬ونصه «أنهر الدم بما شئت‪ ،‬واذكر اسم ال‬
‫» (نصب الراية‪.)187/4 :‬‬

‫( ‪)4/320‬‬

‫الوداج بما شئت» (‪ ، )1‬ولن هذه آلة جارحة‪ ،‬فيحصل بها ما هو المقصود‪ ،‬وهو إخراج الدم‪،‬‬
‫وصار العظم ونحوه كالحجر والحديد‪.‬‬
‫فإن كان الظفر أو العظم قائما محله‪ ،‬فل يحل الذبح به‪ ،‬وإن فرى الوداج‪ ،‬وأنهر الدم بالجماع للنص‬
‫عليه في الحديث‪.‬‬
‫واستثناء السن والظفر في حديث رافع بن خديج محمول على غير المنزوع‪ ،‬القائم محله؛ لن الظفر‬
‫القائم ونحوه يقتل بالثقل؛ لنه يعتمد عليه‪.‬‬
‫وكما كرهوا الذبح بالظفر ونحوه‪ ،‬كرهوه بغير الحديد والسلح من غير حاجة أو ضرورة‪ ،‬مع وجود‬
‫الحديد وأسلحته‪ ،‬لما فيه من تعذيب الحيوان بل فائدة‪ ،‬للمر بالحديث السابق بالحسان في القتلة‬
‫والذبحة‪.‬‬
‫‪ - 2‬وقال المالكية (‪ : )2‬إن وجد الحديد أي اللة الجارحة كالسكين ونحوها (‪ ، )3‬تعين‪ .‬وإن وجد‬
‫غير الحديد كالحجر والزجاج مع الظفر والسن‪ ،‬ففي الذبح بهما أربعة أقوال للمام مالك‪:‬‬
‫الول ـ الجواز مطلقا متصلً أو منفصلً‪ ،‬والثاني ـ المنع مطلقا فل يؤكل ما ذبح بهما‪ ،‬والثالث ـ‬
‫التفصيل بالجواز عند النفصال‪ ،‬والمنع عند التصال‪ .‬والرابع ـ الكراهية بالسن مطلقا‪ ،‬والجواز‬
‫بالظفر مطلقا‪.‬‬
‫وإن لم يوجد غيرهما‪ ،‬أي غير السن والظفر جاز بهما جزما‪ .‬ولو تم الذبح بقطعة عظم محددة‪ ،‬فل‬
‫خلف في الجواز‪.‬‬
‫‪ - 3‬وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )4‬يحل الذبح بكل محدّد (له حد) يجرح (يقطع) أو يخرق بحده ل‬
‫بثقله‪ ،‬كحديد ونحاس‪ ،‬وذهب‪ ،‬وخشب‪ ،‬وقصب‪ ،‬وحجر‪ ،‬وزجاج‪ ،‬إل ظفرا وسنا‪ ،‬وعند الشافعية‪:‬‬
‫ل كان أو منفصلً من آدمي أو غيره؛ لن منع الذبح بالسن علل بكونه عظما ‪،‬‬
‫وسائر العظام‪ ،‬متص ً‬
‫فكل عظم وجدت العلة فيه‪ ،‬فيكون ممنوعا‪ .‬وأجاز الحنابلة الذبح بالعظم (‪ ، )5‬واستدلوا على السن‬
‫والظفر بحديث رافع بن خديج عند الئمة الستة وأحمد‪ ،‬قال‪« :‬قلت‪ :‬يارسول ال ‪ ،‬إنا نلقى العدو غدا‪،‬‬
‫وليس معنا مُدىً (‪ ، )6‬فقال النبي صلّى ال عليه وسلم ‪:‬ما أنهر الدم‪ ،‬وذكر اسم ال عليه‪ ،‬فكلوا‪ ،‬ما‬
‫ظفْرا‪ ،‬وسأحدثكم عن ذلك‪ :‬أما السن فعظم‪ ،‬وأما الظفر فمدى الحبشة» (‪. )7‬‬
‫لم يكن سنا أو ُ‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا حديث غريب كما قال الزيلعي‪ ،‬وفي معناه روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن رافع بن‬
‫خديج‪« :‬كل ما أفرى الوداج‪ ،‬إل سنا وظفرا» (نصب الراية‪ 185/4 :‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير‪ ،107/2 :‬الشرح الصغير‪ ،178/2 :‬بداية المجتهد‪ ،433/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪.183‬‬

‫(‪ )3‬السكين تذكر وتؤنث‪.‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ 272/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،252/1 :‬المغني‪ 573/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪.205-203/6‬‬
‫(‪ )5‬لن العظم دخل في عموم اللفظ المبيح ثم استثني السن والظفر خاصة‪ ،‬فيبقى سائر العظام داخلً‬
‫فيما يباح الذبح به‪ ،‬والمنطوق مقدم على التعليل‪ ،‬ولهذا علل الظفر بكونه من مدى الحبشة؛ ولن‬
‫العظام يتناولها سائر الحاديث العامة‪ ،‬ويحصل بها المقصود‪ ،‬فأشبهت سائر اللت‪.‬‬
‫(‪ )6‬مدى‪ :‬جمع مُدْية‪ :‬هي السكين‪ ،‬سميت بذلك لنها تقطع مدى الحيوان أي عمره‪ .‬والمراد بلقاء‬
‫العدو‪ :‬أنهم سيغنمون منه ما يذبحونه‪ ،‬أو إنهم يحتاجون إلى ذبح ما يأكلون للتقوي‪.‬‬
‫(‪ )7‬علق ابن رشد عليه فقال (بداية المجتهد‪ :)433/1 :‬من الناس من فهم منه أن ذلك لمكان إن هذه‬
‫الشياء ليس في طبعها أن تنهر الدم غالبا‪ .‬ومنهم من فهم أن ذلك شرع غير معلل‪ .‬وهؤلء منهم من‬
‫اعتقد أن النهي فيه يدل على فساد المنهي عنه‪ ،‬ومنهم من اعتقد أنه ل يدل على فساد المنهي عنه‪،‬‬
‫ومنهم من اعتقد أن النهي للكراهة‪.‬‬

‫( ‪)4/321‬‬
‫السكين الكالّة‪ :‬لو ذبح بسكين كالّة‪ ،‬حل عند الشافعية بشرطين‪ :‬أل يحتاج القطع إلى قوة الذابح‪ .‬وأن‬
‫يقطع الحلقوم والمريء قبل انتهاء الحيوان إلى حركة مذبوح‪ .‬ويقرب منه قول الحنابلة‪ :‬إن كانت‬
‫اللة كالة‪ ،‬وأبطأ قطع الحيوان وطال تعذيبه‪ ،‬لم يبح أكله‪ ،‬لنه مشكوك في وجود ما يحله‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الجمهور أجازوا التذكية بالعظم‪ ،‬وحرم الشافعية الذبح به‪ .‬وأما السن والظفر فأجاز‬
‫الحنفية الذبح بالمنزوع منهما‪ ،‬وحرم الشافعية والحنابلة الذبح بهما متصلين أو منفصلين‪ .‬وصحح ابن‬
‫رشد المالكي الذبح بهما عند النفصال‪ ،‬ول يجوز حالة التصال‪ ،‬أي كما قال الحنفية‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ الحيوان الذبيح‬
‫الكلم في هذا المبحث مجمل بالقدر المتصل بالذبائح‪ ،‬والتفصيل فيه سبق في مبحث مستقل عن «‬
‫الطعمة والشربة» ‪.‬‬
‫التذكية شرط لحل الكل من الحيوان البري المأكول‪ ،‬فل يحل أكله ـ كما تقدم ـ بدون الذكاة‪ ،‬لقوله‬
‫تبارك وتعالى‪{ :‬حرمت عليكم الميتة والدم} ـ إلى قوله‪{ :‬إل ماذكيتم} [المائدة‪ ]3/5:‬استثنى سبحانه‬
‫المذكى من المحرم‪ ،‬والستثناء من التحريم إباحة‪.‬‬

‫( ‪)4/322‬‬

‫والحيوان بالنسبة للذبح أو الذكاة الشرعية أنواع ثلثة‪ :‬مائي‪ ،‬وبري‪ ،‬وبرمائي (بري ـ مائي)؛ لن‬
‫منه مايؤكل بدون ذكاة‪ ،‬ومنه ما يؤكل بالذكاة‪ ،‬ومنه ما ل يؤكل وإن ذكي‪.‬‬
‫النوع الول ـ الحيوان المائي ‪:‬‬
‫الحيوان المائي‪ :‬هو الذي ل يعيش إل في الماء فقط‪ .‬وللعلماء في أكله رأيان‪ - 1 :‬مذهب الحنفية (‪)1‬‬
‫‪ ،‬جميع مافي الماء من الحيوان محرم الكل إل السمك خاصة‪ ،‬فإنه يحل أكله بدون ذكاة إل الطافي (‬
‫‪ )2‬منه‪ ،‬فإن مات وطفا على الماء لم يؤكل‪ .‬وأدلتهم كثيرة منها قوله تعالى‪{ :‬حرمت عليكم الميتة}‬
‫[المائدة‪ ]3/5:‬وقوله {ويحرّم عليهم الخبائث} [العراف‪ ]157/7:‬وما سوى السمك‪ :‬من الضفادع‬
‫والسرطان والحية ونحوها‪ :‬من الخبائث‪.‬‬
‫ونهى رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن دواء يتخذ فيه الضفدع‪ ،‬ونهى عن قتل الضفادع (‪، )3‬‬
‫وذلك نهي عن أكله؛ لن النهي عن قتل الحيوان‪ ،‬إما لحرمته كالدمي‪ ،‬وإما لتحريم أكله‪ ،‬كالصّرَد (‬
‫‪ ، )4‬والهدهد‪ .‬وبما أن الضفدع ليس بمحترم‪ ،‬فكان النهي منصرفا إلى الوجه الخر‪ ،‬وهو تحريم‬
‫الكل‪.‬‬
‫وأما دليل تحريم أكل السمك الطافي‪ ،‬فهو حديث جابر‪« :‬ما ألقاه البحر‪ ،‬أو جزر عنه‪ ،‬فكلوه‪ ،‬وما‬
‫مات فيه‪ ،‬وطفا‪ ،‬فل تأكلوه» (‪. )5‬‬
‫‪ - 2‬مذهب الجمهور غير الحنفية (‪ ، )6‬ورأيهم هو الصح‪ :‬حيوان الماء‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،39-35/9 :‬تبيين الحقائق‪ ،297-294/5 :‬تكملة الفتح‪ ،65-61/8 :‬الدر المختار‪:‬‬
‫‪ ،217-214/5‬اللباب‪.231-228/3 :‬‬
‫(‪ )2‬الطافي على وجه الماء‪ :‬هو الذي مات حتف أنفه‪ ،‬وهو ما بطنه من فوق‪ .‬أما لو كان ظهره من‬
‫فوق‪ ،‬فليس بطاف‪ ،‬فيؤكل‪ .‬كما يؤكل الموجود في بطن الطافي لموته بضيق المكان‪ .‬قال العلمة عبد‬
‫البر‪ :‬الصل في إباحة السمك أن ما مات بآفة (أي بسبب) يؤكل‪ ،‬وما مات بغير آفة ل يؤكل‪ .‬فالذي‬
‫مات بحر الماء وبرده‪ ،‬أو بربطه فيه أو إلقاء شيء فيه‪ ،‬فموته بآفة (رد المحتار‪.)216/5 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أبو داود والنسائي والحاكم‪ ،‬وأحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي‪« :‬أن طبيبا سأل‬
‫رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن الضفدع يجعلها في دواء‪ ،‬فنهى عن قتلها » نصب الراية‪:‬‬
‫‪.201/4‬‬
‫(‪ )4‬الصرد‪ :‬الطائر ضخم الرأس أبيض البطن أخضر الظهر يصطاد صغار الطير‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه أبو داود وابن ماجه‪ .‬وهو حديث ضعيف (نصب الراية‪ ،202/4 :‬تخريج أحاديث تحفة‬
‫الفقهاء‪.)70/3 ،‬‬

‫(‪ )6‬بداية المجتهد‪ ،456 ،425/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،181-171‬مغني المحتاج‪،297 ،267/4 :‬‬
‫المهذب‪ ،250/1 :‬المغني‪ ،608-606/8 :‬كشاف القناع‪.202/6 :‬‬

‫( ‪)4/323‬‬
‫السمك وشبهه مما ل يعيش إل في الماء كالسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك‪ ،‬حلل يباح‬
‫بغير ذكاة‪ ،‬كيف مات‪ ،‬حتف أنفه‪ ،‬أو بسبب ظاهر‪ ،‬كصدمة حجر‪ ،‬أو ضربة صياد‪ ،‬أو انحسار ماء‪،‬‬
‫راسيا كان أو طافيا‪ ،‬وأخذه ذكاته‪ ،‬لكن إن انتفخ الطافي بحيث يخشى منه السقم يحرم للضرر‪.‬‬
‫إل أن المام مالك كره خنزير الماء‪ ،‬وقال‪ :‬أنتم تسمونه خنزيرا‪.‬‬
‫وقال الليث بن سعد‪ :‬أما إنسان الماء‪ ،‬وخنزير الماء‪ ،‬فل يؤكلن على شيء من الحالت‪.‬‬
‫واستدل الجمهور بقوله تعالى‪{ :‬أحل لكم صيد البحر وطعامه‪ ،‬متاعا لكم وللسيارة} [المائدة‪]96/5:‬‬
‫واسم «الصيد» يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر‪ ،‬فيقتضي أن يكون الكل حللً‪ .‬وبقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم حين سئل عن التوضؤ بماءالبحر‪ ،‬فقال‪« :‬هو الطهور ماؤه‪ ،‬الحل ميتته» (‪)1‬‬
‫وبقوله عليه السلم‪« :‬أحلت لنا ميتتان ودمان‪ ،‬فأما الميتتان‪ :‬فالجراد والحوت‪ ،‬وأما الدمان‪ :‬فالكبد‬
‫والطحال» (‪ )2‬وبحديث‪« :‬إن ال ذبح ما في البحر لبني آدم» (‪ )3‬وبحديث صحيح عند الشيخين‬
‫وأحمد في العنبر (‪ « : )4‬أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوه بشاطئ البحر ميتا‪ ،‬فأكلوا منه شهرا حتى‬
‫سمنوا‪ ،‬وادهنوا‪ ،‬وقدموا منه للنبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فأكل منه (‪ » )5‬؛ ولنه ل دم لحيوان‬
‫الماء‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة ومالك وابن أبي شيبة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والترمذي عن أبي هريرة‬
‫(سبل السلم‪ ،14/1 :‬نيل الوطار‪.)149/8 :‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر‪ ،‬وفيه ضعف (سبل السلم‪ ،1/52 :‬نيل‬
‫الوطار‪.)147/8 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه الدارقطني‪ ،‬وذكره البخاري موقوفا على أبي شريح بلفظ «كل شيء في البحر مذبوح» (نيل‬
‫الوطار‪.)150/8 :‬‬
‫(‪ )4‬حوت قد يبلغ نحو ‪ 60‬قدما‪ ،‬ضخم الرأس‪ ،‬وله أسنان‪.‬‬
‫(‪ )5‬رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة (جمع الفوائد‪ ،542/1 :‬نصب الراية‪.)204/4 :‬‬

‫( ‪)4/324‬‬

‫النوع الثاني ـ الحيوان البري ‪:‬‬
‫الحيوان البري‪ :‬هو الذي ل يعيش إل في البر‪ .‬وهو أصناف ثلثة‪:‬‬
‫الول‪ :‬ما ليس له دم أصلً‪ ،‬كالجراد والذباب والنمل والنحل والدود والزنبور والعنكبوت والخنفساء‬
‫والصرصار والعقرب وذوات السموم ونحوها‪ ،‬ليحل أكلها إل الجراد خاصة؛ لنها من الخبائث غير‬
‫المستطابة‪ ،‬لستبعاد الطباع السليمة إياها‪ ،‬وقد قال ال تعالى‪{ :‬ويحرم عليهم الخبائث} [العراف‪:‬‬
‫‪.]157/7‬‬
‫لكن الجراد وشبهه الجندُب (نوع من الجراد تسميه العامة القبّوط) خص من هذه الجملة بالحديث‬
‫السابق‪« :‬أحلت لنا ميتتان» والميتتان‪ :‬السمك والجراد‪.‬‬
‫واشترط المالكية تذكية الجراد أو موته بسبب‪ ،‬بقطع عضو منه أو إحراقه أو جعله في الماء الحار‪،‬‬
‫كما تبين في أنواع التذكية؛ لن كل حيوان بري ليس له دم سائل يفتقر عندهم إلى الذكاة‪ .‬ويكره عند‬
‫الحنابلة بلع الجراد حيا؛ لن فيه تعذيبا له‪ ،‬كما يحرم عندهم بلع السمك حيا (‪. )1‬‬
‫الثاني‪ :‬ما ليس له دم سائل‪ :‬كالحية والوَزَغ بأنواعها‪ ،‬وسام أبرص (‪ ، )2‬وجميع الحشرات‪ ،‬وهوام‬
‫الرض من الفأر والقُرَاد (دويبة تتعلق بالبعير ونحوه كالقمل للنسان) والقنافذ والضب واليربوع وابن‬
‫عرس والدود ونحوها‪ ،‬يحرم أكلها‪ ،‬لستخباثها‪ ،‬ولنها ذات سموم ولنه صلّى ال عليه وسلم أمر‬
‫بقتلها (‪ ، )3‬قال صلّى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،36/5 :‬بداية المجتهد‪ ،456 ،425/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،181‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ، 303/4‬المغني‪ ،590 ،585 ،573/8 :‬كشاف القناع‪.202/6 :‬‬
‫(‪ )2‬نوع من الزحافات كجسم الضفدع‪ ،‬لكن له ذيل‪ .‬وسام أبرص‪ :‬هو كبار الوزغ‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،36/5 :‬بداية المجتهد‪ ،454/1 :‬مغني المحتاج‪ ،303 ،299/4 :‬المغني‪،603 ،585/8 :‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.172‬‬

‫( ‪)4/325‬‬
‫« خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم‪ :‬الحية (‪ )1‬والغراب البقع والفأرة والكلب العقور‪ ،‬والحدايا»‬
‫وفي رواية «العقرب» بدل «الغراب» (‪. )2‬‬
‫وحرم الحنفية وفي قول عند المالكية الضب‪ ،‬لنه صلّى ال عليه وسلم نهى عائشة حين سألته عن‬
‫أكله (‪. )3‬‬

‫وأباح الجمهور غير الحنفية أكل الضب‪ ،‬لقراره عليه الصلة والسلم أكل الضب بين يديه‪ ،‬لما روى‬
‫ابن عباس أنه أقر خالد بن الوليد على أكله أمامه وهو ينظر إليه‪ ،‬وقوله عليه الصلة والسلم‪ « :‬ل‬
‫ـ أي ليس حراما ـ ولكنه لم يكن بأرض قومي‪ ،‬فأجدني أعافه » (‪ . )4‬وأباح المالكية أكل الحلزون‬
‫إذا سلق أو شوي‪ ،‬ل ما مات وحده‪.‬‬
‫وأجاز الشافعية أكل القُنْفذ وابن عِرْس والثعلب واليَرْبوع والفَنَك والسّمور (‪ )5‬؛ لن العرب تستطيب‬
‫ذلك‪ ،‬وما كانت العرب ( أي أهل الحجاز ) تسميه طيبا فهو حلل‪ ،‬وما كانت تسميه خبيثا ‪ ،‬فهو‬
‫محرم‪ ،‬لقول ال تعالى‪{ :‬ويحل لهم الطيبات‪ ،‬ويحرم عليهم الخبائث} [العراف‪.]157/7:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال في كتاب الجواهر عند المالكية‪ :‬يحكي المخالفون عن المذهب جواز أكل الحيوانات‬
‫المستقذرة كالحشرات وهوام الرض‪ ،‬والمذهب بخلف ذلك‪ .‬وحرمها الشافعي لنها خبائث ( القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪.)173‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن عائشة‪ .‬والرواية الخيرة عند أبي داود‪.‬‬
‫(‪ )3‬قال الزيلعي عنه‪ :‬غريب‪ .‬وروى أبو داود أن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى عن أكل لحم‬
‫الضب‪ ،‬لكن في اسناده مقال (نصب الراية‪ )195/4 :‬والضب‪ :‬حيوان من الزحافات شبيه بالحردون‬
‫ذنبه كبير العقد‪.‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه أحمد والئمة الستة إل الترمذي ( جمع الفوائد لبن سليمان الروداني‪.)550/1 :‬‬
‫(‪ )5‬الفنك‪ :‬حيوان يؤخذ من جلده الفرو للينه وخفته‪ .‬والسمور‪ :‬حيوان يشبه السنور ( الهر ) وهما‬
‫نوعان من ثعالب الترك‪.‬‬

‫( ‪)4/326‬‬
‫الثالث‪ :‬ماله دم سائل‪ :‬وهو إما مستأنس‪ ،‬أو متوحش‪.‬‬
‫أما المستأنس من البهائم‪ :‬فيحل منه النعام وهي البل والبقر والغنم بالجماع‪ ،‬لقوله تعالى‪ { :‬والنعام‬
‫خلقها لكم فيها دفء‪ ،‬ومنها تأكلون } [النحل‪{ ]5/16:‬أحلت لكم بهيمة النعام إل مايتلى عليكم}‬
‫[المائدة‪ ]1/5:‬واسم النعام يقع على هذه الحيوانات لغة‪.‬‬
‫ويحرم أكل البغال والحمير‪ ،‬ويحل لحم الخيل‪ ،‬لكن مع الكراهة تنزيها عند أبي حنيفة (‪ ، )1‬لحديث‬
‫جابر‪ « :‬نهى رسول ال صلّى ال عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الهلية‪ ،‬وأذن في لحوم‬
‫الخيل » (‪ )2‬والبغال متولدة من الحمير‪ ،‬والمتولد من الشيء له حكمه في التحريم‪ .‬وهكذا يحرم عند‬

‫الشافعية خلفا للحنفية والحنابلة كل ماتولد من بين النسي والوحشي‪ ،‬تغليبا للتحريم‪ .‬والخرون قالوا‪:‬‬
‫تغلب الباحة لنها الصل‪ ،‬وعموم النصوص يقتضيها‪.‬‬
‫والسبب في كراهة لحم الخيل عند أبي حنيفة‪ :‬هو استخدامها للركوب والجهاد‪ ،‬ولختلف الحاديث‬
‫المروية في حلها وتحريمها‪ ،‬فتكره احتياطا للحرمة (‪ . )3‬والمشهور عند المالكية تحريم الخيل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 37/5:‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،455/1 :‬الشرح الكبير‪ ،49/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ ،172‬مغني المحتاج‪ 298/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 586/8 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه بين أحمد والشيخين‪ ،‬قال ابن عبد البر‪ :‬وروى عن النبي صلّى ال عليه وسلم تحريم‬
‫الحمر الهلية علي وعبد ال بن عمر‪ ،‬وعبد ال بن عمرو‪ ،‬وجابر‪ ،‬والبراء‪ ،‬وعبد ال بن أبي أوفى‪،‬‬
‫وأنس‪ ،‬وزاهر السلمي بأسانيد صحاح حسان‪ ،‬وحديث غالب بن الحر ليعرج على مثله مع ما‬
‫عارضه ( نصب الراية‪ ،198/4 :‬المغني‪.) 587/8 :‬‬
‫(‪ )3‬ثبت في الصحيحين عن أسماء رضي ال عنها‪ ،‬قالت‪« :‬نحرنا فرسا على عهد رسول ال صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬وأكلناه‪ ،‬ونحن بالمدينة» وأما خبر خالد في النهي عن أكل لحوم الخيل‪ ،‬فقال المام‬
‫أحمد وغيره‪ :‬منكر‪ ،‬وقال أبو داود‪ :‬منسوخ‪ .‬والستدلل على التحريم بآية { لتركبوها وزينة }‬
‫مردود‪ ،‬كما ذكر البيهقي وغيره‪ ،‬لن الية مكية بالتفاق‪ ،‬ولحوم الحمر إنما حرمت يوم خيبر سنة‬
‫سبع بالتفاق‪.‬‬

‫( ‪)4/327‬‬
‫ويحل بالتذكية بالجماع‪ :‬المستأنس من الطير الذي ل مخلب له‪ ،‬كالدجاج والحمام والنعامة والبط‬
‫والوز‪.‬‬
‫ويحرم المستأنس من السباع‪ :‬وهو الكلب والسنور الهلي (الهر) (‪. )1‬‬
‫وأما المتوحش‪ :‬فيحرم عند الجمهور غير مالك أكل كل ذي ناب منه من السباع‪ ،‬وكل ذي مخلب من‬
‫الطير لنها تأكل الجيف أي الميتات‪ .‬وذو الناب من سباع الوحش‪ :‬مثل السد والذئب والضبع والنمر‬
‫والفهد‪ ،‬والثعلب‪ ،‬والسنور البري‪ ،‬والسنجاب‪ ،‬والفنك‪ ،‬والسمور‪ ،‬والدب‪ ،‬والقرد والفيل‪ ،‬والدّلَق (‪)2‬‬
‫وابن آوى (فوق الثعلب ودون الكلب طويل المخلب)‪.‬‬
‫وذو المخلب من الطير‪ :‬كالبازي والباشق‪ ،‬والصقر‪ ،‬والشاهين والحدأة والبومة والنعّاب (فرخ الغراب‬
‫لكثرة نعبه) وغراب البين (وهو أكبر الغربان والبقع) والرّخْم (طير يشبه النسر في الخلقة) والنسر‬

‫خطّاف (هو عرفا طائر أسود الظهر أبيض البطن‪ ،‬يأوي إلى البيوت في الربيع‪ ،‬وهو‬
‫والعقاب‪ ،‬وال ُ‬
‫خفّاش (أي الوطواط‪ ،‬وهو طائر صغير ل ريش له‪ ،‬يشبه الفأرة‪ ،‬يطير بين المغرب‬
‫السنونو) وال ُ‬
‫والعشاء) وما أشبه ذلك (‪. )3‬‬
‫وحرم الشافعية أكل الببّغاء والطاووس لخبث لحمهما‪ ،‬كما حرموا أكل الهدهد والصّرَد (وهو طائر‬
‫فوق العصفور يصيد العصافير) وعند الحنابلة في‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،39/5 :‬مغني المحتاج‪ ،302 ،300/4 :‬المغني‪ ،592/8 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪،172‬‬
‫المهذب‪ 248/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدلق‪ :‬حيوان يقرب من السنور في الحجم‪ ،‬وهو أصفر اللون‪ ،‬بطنه وعنقه مائلن إلى البياض‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،39/5 :‬تكملة الفتح‪ 61/8 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ 453/1 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪ ،172‬مغني المحتاج‪ ،300/4 :‬المهذب‪ 247/1 :‬وما بعدها‪ ،‬المغني‪،603 ،593-587/8 :‬‬
‫اللباب‪ 229/3 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/328‬‬
‫الهدهد والصرد‪ :‬روايتان عن أحمد‪ ،‬إحداهما‪ :‬أنهما حلل لنهما ليسا من ذوات المخلب ول‬
‫يستخبثان‪ ،‬والثانية‪ :‬تحريمهما لنهي النبي صلّى ال عليه وسلم عن قتل الهدهد والصّرَد‪ ،‬والنملة‬
‫والنحلة ‪ .‬والدليل على تحريم ذي الناب والمخلب‪ :‬أنه صلّى ال عليه وسلم يوم خيبر «نهى عن أكل‬
‫كل ذي ناب من السباع‪ ،‬وكل ذي مخلب من الطير» (‪. )1‬‬
‫وروي عن مالك القول بأن السباع ذوات الربع مكروهة وهو الراجح لديه‪ ،‬وقيل‪ :‬جميعها محرمة‪،‬‬
‫وذهب أصحابه إلى التحريم‪ .‬وأما الطير فهو حلل عند المالكية سواء ذو المخلب وغيره‪ ،‬عملً‬
‫بظاهر الية‪{ :‬قل‪ :‬ل أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [النعام‪ ]145/6:‬فما عدا‬
‫المذكور في هذه الية حلل‪ .‬ويحمل النهي المذكور في الحديث على الكراهية‪.‬‬
‫وقيد الشافعية تحريم ذي الناب بكونه ضاريا (عاديا) ذا ناب قوي‪ ،‬وذي المخلب بكونه قويا يجرح به‪،‬‬
‫فأباحوا كل ما نابه ضعيف كالضبع والثعلب والفنك والسمور واليربوع‪ .‬والصح عندهم حل غراب‬
‫زرع (وهو أسود صغير يقال له‪ :‬الزاغ)؛ لنه يأكل الزرع‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬رواه الجماعة إل البخاري والترمذي عن ابن عباس‪ ،‬وروي مثله عن علي وخالد بن الوليد‬
‫(نصب الراية‪ 192/4 :‬ومابعدها‪ ،‬نيل الوطار‪.)116/8 :‬‬

‫( ‪)4/329‬‬
‫ورخص الحنابلة أيضا في أكل الضبع‪ ،‬لما روى جابر‪ ،‬قال‪« :‬أمرنا رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫بأكل الضبع‪ ،‬قلت‪ :‬صيد هي؟ قال‪ :‬نعم» وفي لفظ قال‪« :‬سألت رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن‬
‫الضبع‪ ،‬فقال‪ :‬هو صيد‪ ،‬ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم» (‪ )1‬ورويت الرخصة فيه عن سعد وابن‬
‫عمر‪ ،‬وأبي هريرة‪ ،‬وعروة بن الزبير‪ ،‬وعكرمة وإسحاق‪ ،‬وقال عروة‪ :‬مازالت العرب تأكل الضبع‪،‬‬
‫ول ترى بأكلها بأسا‪ .‬ورخص أحمد أيضا في أكل اليربوع؛ لن الصل الباحة ما لم يرد فيه تحريم‪.‬‬
‫وما عدا كل ذي ناب أو مخلب من الوحوش‪ ،‬يحل أكله‪ ،‬كالظباء وبقر الوحش‪ ،‬وحمار الوحش على‬
‫اختلف أنواعها كالوعل والمها وغيرها؛ لنها كالمعز الهلية‪ ،‬ومن الطيبات‪ ،‬ولما ثبت في‬
‫الصحيحين أنه صلّى ال عليه وسلم قال في حمار الوحش‪« :‬كلوا من لحمه‪ ،‬وأكل منه» ‪.‬‬
‫ويباح أكل الرنب لنه حيوان مستطاب‪ ،‬ليس بذي ناب كالظبي‪ ،‬وقد أباح النبي صلّى ال عليه‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود (نيل الوطار‪.)121/8 :‬‬

‫( ‪)4/330‬‬
‫وسلم أكله (‪. )1‬‬
‫ويباح أيضا أكل كل ما ل مخلب له من الطير المتوحش كالحمام بأنواعه‪ ،‬والحُبارى (طائر أكبر من‬
‫الدجاج وأطول عنقا) والعصافير والكَركي (وهو طائر كبير معروف‪ ،‬كنيته أبو نعيم‪ ،‬يمشي برجل‬
‫واحدة على الرض‪ ،‬ويعلق الخرى) والغراب (‪ )2‬الذي يأكل الزرع والحب (وهو المعروف‬
‫صعْوة‬
‫بالزاغ)‪ ،‬وكل ما على شكل العصفور‪ ،‬وإن اختلف لونه ونوعه كعندليب (وهو الهُزار) و َ‬
‫حمّرة‪.‬‬
‫(صغار العصافير‪ ،‬المحمرة الرأس) وزُرزور (عصفور صغير أحمر النف)‪ ،‬وبُلبل‪ ،‬و ُ‬
‫وأحل الحنفية في الصح أكل العَقعق (وقال له القعقع وهو القاق‪ :‬وهو طائر ذو لونين أبيض وأسود‪،‬‬
‫طويل الذنب‪ ،‬قصير الجناح‪ ،‬عيناه يشبهان الزئبق‪ ،‬صوته العقعقة‪ ،‬كانت العرب تتشاءم بصوته) لنه‬
‫يخلط بين أكل الحب والجيف‪ .‬وحرم الشافعية أكله‪ ،‬وأكل الغدّاف الكبير (ويسمى الغراب الجبلي‪ ،‬لنه‬
‫ل يسكن إل الجبال) لخبثهما‪ .‬واختلف الشافعية في الغداف الصغير (وهو أسود رمادي اللون)‪ :‬فقيل‪:‬‬

‫يحرم‪ ،‬وقيل بحله وهو الظاهر‪ ،‬لنه يأكل الزرع‪.‬‬
‫وحرم الحنابلة أيضا أكل العقعق‪ ،‬لنه يأكل الجيف‪ .‬قال أحمد‪ :‬إن لم يكن يأكل الجيف‪ ،‬فل بأس به‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬عن محمد بن صفوان‪« :‬أنه صاد أرنبين‪ ،‬فذبحهما بمروتين‪ ،‬فأتى رسول ال صلّى ال عليه وسلم‬
‫‪ ،‬فأمره بأكلهما» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه‪ .‬وروى الجماعة عن أنس أنه أمسك أرنبا بمرّ‬
‫الظهران‪ ،‬فذبحها أبو طلحة وبعث مع أنس بوَرِكها (أو عجُزها) إلى رسول ال صلّى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫فقبله (نيل الوطار‪.)121/8 :‬‬
‫(‪ )2‬جاء في العناية عند الحنفية‪ :‬الغراب ثلثة أنواع‪ :‬نوع يلتقط الحب ول يأكل الجيف وهو الزاغ‪:‬‬
‫يباح ول يكره‪ .‬ونوع ل يأكل إل الجيف‪ ،‬وهو البقع‪ ،‬وإنه مكروه‪ .‬ونوع يخلط‪ ،‬يأكل الحب مرة‪،‬‬
‫والجيف أخرى‪ .‬وهو غير مكروه عند أبي حنيفة‪ ،‬مكروه عند أبي يوسف‪.‬‬

‫( ‪)4/331‬‬
‫النوع الثالث ـ الحيوان البرمائي ‪:‬‬
‫وهو الذي يعيش في البر والماء معا‪ ،‬كالضفدع والسلحفاة والسرطان‪ ،‬والحية والتمساح وكلب الماء‬
‫ونحوها‪ .‬وفيه آراء ثلثة‪:‬‬
‫‪ - 1‬قال الحنفية والشافعية (‪ : )1‬ل يحل أكلها؛ لنها من الخبائث‪ ،‬وللسمية في الحية‪ ،‬ولن «النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع» (‪ )2‬ولو حل أكله‪ ،‬لم ينه عن قتله‪.‬‬
‫‪ - 2‬وقال المالكية (‪ : )3‬يباح أكل الضفادع والحشرات والسرطانات والسلحفاة‪ ،‬إذ لم يرد نص في‬
‫تحريمها‪ .‬وتحريم الخبائث‪ :‬هو ما نص عليه الشرع‪ ،‬فل يحرم ما تستخبثه النفوس مما لم يرد فيه‬
‫نص‪.‬‬
‫‪ - 3‬وفصل الحنابلة فقالوا (‪ : )4‬كل ما يعيش في البر من دواب البحر‪ ،‬ل يحل بغير ذكاة كطير‬
‫الماء‪ ،‬والسلحفاة‪ ،‬وكلب الماء‪ ،‬إل مال دم فيه كالسرطان‪ ،‬فإنه يباح في رأي أحمد بغير ذكاة؛ لنه‬
‫حيوان بحري يعيش في البر‪ ،‬وليس له دم سائل‪ ،‬فلحاجة إلى ذبحه‪ ،‬خلفا لما له دم‪ ،‬ل يباح بغير‬
‫ذبح‪ .‬والصح كما في شرح المقنع لبن مفلح الحنبلي (‪ :)214/9‬أن السرطان ل يحل إل بالذكاة‪.‬‬
‫ول يباح أكل الضفدع؛ لن النبي صلّى ال عليه وسلم ـ فيما رواه النسائي ـ نهى عن قتله‪ ،‬فيدل‬
‫ذلك على تحريمه‪.‬‬
‫كما ل يباح أكل التمساح‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اللباب شرح الكتاب‪ ،230/3 :‬تكملة الفتح‪ 62/8 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،298/4 :‬المهذب‪:‬‬
‫‪.250/1‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه أبو داود وأحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي والحاكم عن عبد الرحمن بن‬
‫عثمان التميمي (نصب الراية‪.)201/4:‬‬
‫(‪ )3‬بداية المجتهد‪ ،656/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.172‬‬
‫(‪ )4‬المغني‪ 606/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.202/6 :‬‬

‫( ‪)4/332‬‬
‫ملحق ـ حول طرق الذبح الحديثة في المسلخ الحديث ‪:‬‬
‫ل مانع من استخدام وسائل تضعف من مقاومة الحيوان‪ ،‬دون تعذيب له (‪ ، )1‬وبناء عليه‪ :‬يحل في‬
‫السلم استعمال طرق التخدير المستحدثة غير المميتة قبل الذبح‪ ،‬مثل استعمال ثاني أكسيد الفحم‪ ،‬إذا‬
‫ذبح الحيوان‪ ،‬وكان الغالب على الظن وجود الحياة الطبيعية فيه عند ذبحه‪ ،‬لنه ل يترتب عليه إيلم‬
‫الحيوان‪ ،‬ويحرم الصرع بمسدس‪ ،‬أو بمثقل كخشب وقدوم وعصا‪ ،‬أو تيار كهربائي ونحوها من كل‬
‫مخدر غير ضار‪ ،‬لما فيها من تعذيب الحيوان المنهي عنه شرعا‪ .‬ولكن استعمال ما ذكر ل يمنع من‬
‫أكل الحيوان بعد ذبحه‪ ،‬إذا ظل حيا حياة مستقرة‪ ،‬وإن كان سيموت بعد مدة لو ترك بغير ذبح‪ ،‬ولو‬
‫بعد استعمال هذه الوسائل التي يراد منها تسهيل عميلة الذبح‪ .‬وأما إتلف الجملة العصبية في المخ‬
‫بالضرب‪ ،‬فيمنع من إباحة الكل عند المالكية؛ لن الحيوان يصبح منفوذ المقاتل‪ ،‬ومن المقاتل انتشار‬
‫أو نثر الدماغ‪ ،‬لكن إذا كانت حياته محققة يؤكل عندهم‪ .‬ويؤكل المذكور عند الشافعية والحنابلة إذا‬
‫ذبح الحيوان وكان فيه حياة مستقرة‪ ،‬أي حركة اختيارية يدل عليها انفجار الدم‪ ،‬أو الحركة الشديدة‪.‬‬
‫كذلك يؤكل عند الحنفية إذا أسرع الذابح بقطع العروق‪ .‬ويتم الذبح الن في المسالخ عادة باللت‬
‫الحادة السريعة القطع‪ .‬وقد نقل لنا أن عملية الذبح تعقب عملية التخدير أو الصرع بثوان معدودات‪.‬‬
‫ول مانع من الذبح من القفا عند غير المالكية‪ ،‬ولكن مع الكراهة‪ ،‬لما فيه من تعذيب الحيوان‪.‬‬
‫ول يجوز أكل الحيوان إذا نزف دمه بآلة‪ ،‬ثم ذبح قبل معرفة الحياة الطبيعية عنده‪.‬‬
‫وقد بينت سابقا أنه ل مانع من أكل الذبائح المستوردة من البلد النصرانية‪ ،‬حتى وإن لم يسم عليها‪،‬‬
‫بشرط كونها مذبوحة ل مخنوقة‪ ،‬ول ممزوعة الرقبة‪ .‬ول تحل اللحوم المستوردة من البلد الوثنية أو‬
‫اللدينية كاليابان والهند والدول الشيوعية‪ .‬ويكبر على ذبيحة النصراني أخذا بمذهب المالكية في حل‬

‫الكل مع الكراهة من ذبائح أهل الكتاب إن سموا غير اسم ال ‪ .‬لكن الشافعية والشيعة يتشددون في‬
‫مثل هذه اللحوم‪ ،‬فل يبيحونها في الواقع العملي‪.‬‬
‫وأما الطالب الذي يدرس في البلد الشيوعية‪ ،‬فيجب عليه المتناع من تناول الطعام المشتمل على‬
‫اللحوم‪ ،‬ويكتفي بأكل أغذية النباتات والخضار‪ ،‬أو يستعين بالمعلبات من اللحوم المستوردة من أوربا‬
‫مثلً‪ .‬ول يحل بحال أكل تلك اللحوم الممنوعة‪ ،‬وبخاصة الخنزير في أي بلد‪ ،‬حتى مع ادعاء وجود‬
‫الضرورة؛ لن معنى الضرورة ليتوفر حينئذ‪ ،‬إذ يمكن الحفاظ على النفس من الهلك‪ ،‬بتناول أطعمة‬
‫غير ممنوعة شرعا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر فتواي المنشورة في مجلة حضارة السلم بدمشق ـ السنة الثامنة‪ ،‬العدد الخامس‪ :‬ص ‪62‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/333‬‬
‫صلُ الثّاني‪ :‬الصّيد‬
‫ال َف ْ‬
‫وفيه مباحث أربعة‪:‬‬
‫المبحث الول ـ تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ شروط إباحة الصيد‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ ما يباح اصطياده من الحيوان‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ متى يملك الصائد المصيد؟‬
‫المبحث الول ـ تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته ‪:‬‬
‫تعريف الصيد‪ :‬الصيد أو الصطياد لغة‪ :‬مصدر «صاد» أي أخذ‪ ،‬فهو صائد‪ ،‬وذاك مصيد‪ ،‬ويسمى‬
‫المصيد صيدا‪ ،‬ويجمع على صيود‪ .‬والمصيد‪ :‬هو كل حيوان متوحش طبعا‪ ،‬ممتنع عن الدمي‪،‬‬
‫مأكولً كان أو غير مأكول‪ ،‬ل يمكن أخذه إل بحيلة‪.‬‬

‫( ‪)4/334‬‬
‫والصيد‪ :‬اقتناص حيوان حلل متوحش‪ ،‬طبعا غير مملوك‪ ،‬ول مقدور عليه (‪. )1‬‬
‫حكم الصيد‪ :‬الصطياد مباح لقاصده إجماعا في غير حرم مكة وحرم المدينة‪ ،‬لغير المحرم بحج أو‬
‫عمرة‪ .‬ويؤكل المصيد إن كان مأكولً شرعا (‪ )2‬لقوله تعالى‪{ :‬وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة‪]5/2:‬‬

‫أمر بعد حظر‪ ،‬فيفيد الباحة‪ .‬ولقوله سبحانه‪{ :‬وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة‪]5/96:‬‬
‫{ياأيها الذين آمنوا ل تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة‪{ ]5/95:‬قل‪ :‬أحل لكم الطيبات‪ ،‬وما علّمتم من‬
‫الجوارح مكلّبين} [المائدة‪.]4/5:‬‬
‫وثبت في السنة أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال لعدي بن حاتم‪« :‬إن أرسلت كلبك‪ ،‬وسميت‪ ،‬فأخذ‪،‬‬
‫فقتل‪،‬فكل‪ ،‬وإن أكل منه فل تأكل‪ ،‬فإنما أمسك على نفسه» (‪. )3‬‬
‫وعن أبي قتادة‪ :‬أنه كان مع رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فرأى حمارا وحشيا‪ ،‬فاستوى على‬
‫فرسه‪ ،‬وأخذ رمحه‪ ،‬ثم شد على الحمار‪ ،‬فقتله‪ ،‬فلما أدركوا رسول ال صلّى ال عليه وسلم‪ ،‬سألوه‬
‫طعْمة‪ ،‬أطعمكموها ال » (‪. )4‬‬
‫عن ذلك‪ ،‬فقال‪« :‬هي ُ‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تبيين الحقائق‪ ،50/6 :‬اللباب‪ ،217/3 :‬كشاف القناع‪.211/6 :‬‬
‫(‪ )2‬تبيين الحقائق‪ ،50/6 :‬المغني‪ 539/8،551 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪.328/5 :‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الوطار‪ ،134/8 :‬تلخيص الحبير‪ 133/4 :‬ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )4‬متفق عليه‪.‬‬

‫( ‪)4/335‬‬
‫وعن أبي ثعلبة الخشني‪ ،‬أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬ما صدت بقوسك‪ ،‬فذكرت اسم ال‬
‫عليه‪ ،‬فكل‪ ،‬وما صدت بكلبك المعلم‪ ،‬فذكرت اسم ال عليه‪ ،‬فكل‪ ،‬وما صدت بكلبك غير المعلم‪،‬‬
‫فأدركت ذكاته‪ ،‬فكل» (‪ . )1‬وأجمع العلماء على إباحة الصطياد‪ ،‬والكل من الصيد‪.‬‬
‫ويكره الصيد لهوا‪ ،‬لنه عبث لقوله عليه السلم‪« :‬ل تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا» (‪ )2‬أي هدفا‬
‫«من قتل عصفورا عبثا‪ ،‬عج إلى ال يوم القيامة يقول‪ :‬يارب‪ ،‬إن فلنا قتلني عبثا‪ ،‬ولم يقتلني منفعة»‬
‫(‪ . )3‬وهو حرام إن كان فيه ظلم الناس بالعدوان على زروعهم وأموالهم؛ لن الوسائل لها أحكام‬
‫المقاصد (‪. )4‬‬
‫والصيد أفضل مأكول؛ لنه حلل ل شبهة فيه‪ ،‬كما أن الزراعة أفضل مكتسب؛ لنها أقرب إلى‬
‫التوكل من غيرها‪ ،‬وأقرب للحل‪ .‬وفيها عمل اليد‪ ،‬والنفع العام للنسان والحيوان (‪. )5‬‬
‫ومما يؤكد مشروعية الصيد‪ :‬أنه نوع اكتساب‪ ،‬وانتفاع بما هو مخلوق للنسان‪ ،‬ليتمكن من البقاء‪،‬‬
‫وتنفيذ التكاليف الشرعية‪.‬‬
‫هذا وقد قسم المالكية (‪ )6‬أحكام الصيد خمسة أقسام‪:‬‬

‫مباح للمعاش‪ ،‬ومندوب للتوسعة على العيال‪ ،‬وواجب لحياء النفس عند الضرورة‪ ،‬ومكروه للهو‪،‬‬
‫وحرام إذا كان عبثا لغير نية‪ ،‬للنهي عن تعذيب الحيوان لغير فائدة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه (نيل الوطار‪.)130/8 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الشافعي وأحمد والنسائي وابن حبان عن عمرو بن الشريد عن أبيه (نيل الوطار‪137/8 :‬‬
‫ومابعدها)‪.‬‬
‫(‪ )4‬كشاف القناع‪.211/6 :‬‬
‫(‪ )5‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )6‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،175‬الشرح الكبير‪.108/2 :‬‬

‫( ‪)4/336‬‬
‫المبحث الثاني ـ شروط إباحة الصيد ‪:‬‬
‫يشترط لباحة الصيد خمسة عشر شرطا عند الحنفية (‪ ، )1‬وستة عشر شرطا عند المالكية (‪، )2‬‬
‫وأجملها الشافعية والحنابلة (‪ )3‬في شروط سبعة‪.‬‬
‫وهذه الشروط هي في الصائد‪ ،‬وفي آلة الصيد‪ ،‬وفي المصيد‪.‬‬
‫ويلحظ أن مجموع هذه الشروط هو لحالة ما يحل أكله ولم يدركه حيا‪ ،‬فإن أدركه حيا وجب ذبحه‪،‬‬
‫وهي شروط في صيد البر‪ ،‬أما صيد البحر فيجوز مطلقا‪ ،‬سواء صاده مسلم أو كافر على أي وجه‬
‫كان‪.‬‬
‫المطلب الول ـ شروط الصائد ‪:‬‬
‫شروط الصائد خمسة عند الحنفية‪ ،‬ستة أو سبعة عند المالكية وهي‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يكون الصائد من أهل الذكاة أي ممن تقبل تذكيته شرعا‪ ،‬كما تقدم في الذبائح وهذا شرط‬
‫متفق عليه‪ .‬فيجوز صيد المسلم اتفاقا‪ ،‬ول يجوز صيد الوثني والمرتد والمجوسي والباطني اتفاقا؛ لن‬
‫الصطياد أقيم مقام الذكاة‪ ،‬والجارحة آلة كالسكين‪ ،‬وعقر الصائد الحيوان بمنزلة إفراء الوداج‪ ،‬ول‬
‫يجوز صيد المجنون عند الجمهور خلفا للشافعية؛ لن الصائد بمنزلة المذكي فتشترط الهلية فيه‪.‬‬
‫ويجوز صيد الكتابي (اليهودي والنصراني) في المذاهب الربعة‪ ،‬لكن قيد الشافعية حل اصطياده‬
‫وذبحه بأل يعلم تهود آباء اليهودي بعد مجيء السلم الناسخ لليهودية‪ ،‬وبأن يعلم تنصر آباء‬

‫النصراني قبل السلم‪ .‬فإن كان أبو الكتابي مجوسيا وأمه كتابية‪ ،‬أو بالعكس‪ ،‬فمالك يعتبر الوالد‪،‬‬
‫والشافعي يعتبر الم‪ ،‬وأبو حنيفة‪ :‬يعتبر أيهما كان ممن تجوز تذكيته‪ ،‬فالمتولد بين مشرك وكتابي‬
‫ككتابي؛ لنه أخف؛ لن الولد يتبع أخف البوين ضررا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار على الدر المختار‪ ،328/5 :‬تكملة الفتح‪ 180 ،174/8 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،178-175‬الشرح الكبير‪ ،106-103/2 :‬بداية المجتهد‪.448-441/1 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ 266/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ 253/1:‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ ،545-539/8 :‬كشاف‬
‫القناع‪.225-214/6 :‬‬

‫( ‪)4/337‬‬
‫وأحمد‪ :‬يعتبر المتولد من كتابي ومشرك كولد مجوسية من كتابي مثل المشرك ل يؤكل صيده (‪. )1‬‬
‫‪ - 2‬أل يشاركه في الرسال من ل يحل صيده‪ :‬وهذا شرط اتفاق أيضا‪ .‬ويمكن جعل الشرط الول‬
‫والثاني واحدا‪ .‬ودليل هذا الشرط حديث عدي بن حاتم الذي فيه‪« :‬ما لم يُشركها كلب ليس معها» فهو‬
‫يدل على أنه ل يحل أكل ما شاركه كلب آخر في اصطياده‪.‬‬
‫فلو شارك مجوسي مسلما في اصطياد أو ذبح‪ ،‬أو اشتركا في إرسال كلبين أو سهمين‪ ،‬ولم يسبق كلب‬
‫المسلم أو سهمه‪ ،‬فجرحا المصيد‪،‬أو جهل الجارح‪ ،‬لم يؤكل المصيد أو المذبوح؛ لنه اجتمع المبيح‬
‫والمحرّم‪ ،‬فتغلب جهة المحرم احتياطا‪ ،‬مما يدل على أن المبدأ في الطعمة في المذاهب الربعة هو‬
‫تغليب التحريم (‪ . )2‬ويطبق ذلك أيضا على حالة الشتراك بين كلب معلم وغير معلم‪ ،‬أو كلب لم‬
‫يذكر اسم ال تعالى عليه عمدا مع ما ذكر‪ ،‬عند الجمهور مشترطي التسمية‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن ينوي الصطياد أو يوجد منه الرسال ـ إرسال الجارحة على الصيد‪ ،‬وهو شرط متفق‬
‫عليه‪ ،‬فإن استرسلت بنفسها‪،‬فقتلت‪ ،‬لم يبح‪ ،‬لقول النبي صلّى ال عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم‬
‫المتقدم‪« :‬إذا أرسلت كلبك المعلم‪ ،‬وذكرت اسم ال عليه‪ ،‬فكل ما أمسك عليك» ‪ ،‬ولن إرسال‬
‫الجارحة جعل بمنزلة الذبح‪ ،‬ولهذا اعتبرت التسمية معه‪.‬‬
‫وإن استرسل الجارح بنفسه‪ ،‬فسمى صاحبه‪ ،‬وزجره‪ ،‬فزاد في عدْوه‪ ،‬أبيح صيده عند الحنابلة‬
‫والحنفية؛ لن الزجر مثل الرسال‪ ،‬ول يباح عند المالكية‪ ،‬والشافعي في الصح‪ ،‬لجتماع‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،176‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،210/5 :‬كشاف القناع‪.215/6 :‬‬

‫(‪ )2‬اللباب‪ 219/3 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،105/2 :‬مغني المحتاج‪ ،226/4 :‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪ ،215/6‬المهذب‪.253/1 :‬‬

‫( ‪)4/338‬‬
‫الرسال بنفسه والغراء‪ ،‬فغلب جانب المنع (‪ ، )1‬والول أرجح في تقديري‪.‬‬
‫‪ - 4‬أل يترك التسمية عامدا‪ ،‬وهذا شرط عند الجمهور‪ ،‬وعند الشافعية ليس بشرط‪ ،‬والسنة أن يسمي‬
‫الصائد ال تعالى عند الرمي أو إرسال الجارح‪ ،‬كما يسمي الذابح عند الذبح بأن يقول بسم ال ‪ ،‬أو‬
‫يضيف إليه‪« :‬وال أكبر» ‪ ،‬للحديث السابق المذكور فيه التسمية‪ .‬فإن ترك القانص التسمية عمدا لم‬
‫يؤكل المصيد عند الجمهور‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ول تأكلوا مما لم يذكر اسم ال عليه} [النعام‪]121/6:‬‬
‫وقوله سبحانه‪{ :‬فكلوا مما أمسكن عليكم‪ ،‬واذكروا اسم ال عليه} [المائدة‪ .]4/5:‬وإن ترك التسمية‬
‫سهوا يؤكل المصيد عند المالكية والحنفية‪ ،‬ول يؤكل عند الحنابلة (‪ )2‬بعكس الذبيحة تؤكل عندهم في‬
‫حال ترك التسمية سهوا‪ ،‬لقول ابن عباس‪« :‬من نسي التسمية فل بأس» ‪ .‬وروى سعيد بن منصور‬
‫بإسناده عن راشد بن ربيعة قال‪ :‬قال رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ذبيحة المسلم حلل‪ ،‬وإن لم‬
‫يسم ما لم يتعمد» ‪ .‬وقوله تعالى‪{ :‬ول تأكلوا مما لم يذكر اسم ال عليه} [النعام‪ ]121/6:‬محمول على‬
‫ما تركت تسميته عمدا بدليل قوله‪{ :‬وإنه لفسق} [النعام‪ ]121/6:‬والكل مما نسيت التسمية عليه‪،‬‬
‫ليس بفسق‪.‬‬
‫وتختلف الذبيحة عن الصيد عند الحنابلة؛ لن ذبح الصيد في غير محل‪ ،‬فاعتبرت التسمية تقوية له‪،‬‬
‫والذبيحة بخلف ذلك‪ ،‬ويرشد إلى وجوب التسمية مطلقا حديث عدي بن حاتم قال‪« :‬قلت‪ :‬يا رسول‬
‫ال ‪ ،‬إنى أرسل كلبي‪ ،‬وأسمّي‪ ،‬قال‪ :‬إن أرسلت كلبك‪ ،‬وسميت‪ ،‬فأخذ‪ ،‬فقتل‪ ،‬فكل‪ ،‬وإن أكل منه‪ ،‬فل‬
‫تأكل‪ ،‬فإنما أمسك على نفسه‪ .‬قلت‪ :‬إني أرسل كلبي‪ ،‬أجد معه كلبا‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المغني‪ 541/8 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،104/2 :‬مغني المحتاج‪ ،276/4 :‬تكملة الفتح‪:‬‬
‫‪.181/8‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪.565 ،540/8 :‬‬

‫( ‪)4/339‬‬

‫آخر‪ ،‬ل أدري أيهما أخذه؟ قال‪ :‬فل تأكل‪ ،‬فإنما سميت على كلبك‪ ،‬ولم تسم على غيره» (‪. )1‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )2‬يباح أكل متروك التسمية عمدا أو سهوا‪ ،‬في الصيد والذبائح‪ ،‬لقول النبي صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬المسلم يذبح على اسم ال ‪ ،‬سمى أو لم يسم » (‪ )3‬وعن أبي هريرة رضي ال‬
‫عنه «أن النبي صلّى ال عليه وسلم سئل‪ ،‬فقيل‪ :‬أرأيت الرجل منا يذبح‪ ،‬وينسى أن يسمي ال ؟ فقال‪:‬‬
‫اسم ال في قلب كل مسلم» (‪. )4‬‬
‫وأما النهي في قوله تعالى‪{ :‬ول تأكلوا مما لم يذكر اسم ال عليه‪ ،‬وإنه لفسق} [النعام‪ ]121/6:‬فمقيد‬
‫بحال كون الذبح فسقا‪ ،‬والفسق في الذبيحة مفسر في كتاب ال بما أهل لغير ال به؛ لن جملة {وإنه‬
‫لفسق} [النعام‪ ]121/6:‬ل تصلح أن تكون معطوفا‪ ،‬للتباين بين الجملتين‪ ،‬إذ الولى فعلية إنشائية‪،‬‬
‫والثانية اسمية خبرية‪ ،‬فتعين أن تكون حالية‪.‬‬
‫وأما الحاديث المطالبة بالتسمية في خبر أبي ثعلبة وعدي بن حاتم ونحوهما‪ ،‬فمحمولة على الندب‪.‬‬
‫‪ - 5‬أل يشتغل الصائد بين الرسال وأخذ المصيد بعمل آخر‪ .‬وعبر المالكية عن ذلك بقولهم‪ :‬أن يتبع‬
‫الصائد الصيد عند الرسال أو الرمي‪.‬‬
‫والسبب في اشتراط هذا الشرط‪ :‬أن الصائد مطالب بملحقة المصيد‪ ،‬ليذبحه إن أدركه حيا فيه روح‪،‬‬
‫فإن قصر في ذلك‪ ،‬ومات ولم يذكه‪ ،‬لم يؤكل‪ ،‬لنه قدر على الذكاة الختيارية‪ ،‬فل تجزئ الذكاة‬
‫الضطرارية لعدم الضرورة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الوطار‪.)134/8 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪.272/4 :‬‬
‫(‪ )3‬قال عنه الزيلعي‪ :‬غريب بهذا اللفظ‪ .‬وفي معناه أحاديث منها حديث ابن عباس عند الدارقطني‬
‫لكن في إسناده كلم‪ ،‬والصحيح عند ابن حبان أنه موقوف على ابن عباس‪ .‬وأخرجه عبد الرزاق عن‬
‫ابن عباس موقوفا‪( .‬نصب الراية‪.)182/4 :‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه الدارقطني أيضا‪ ،‬وفيه ضعيف‪ .‬وعند أبي داود حديث مرسل عن الصلت الدوسي‪ ،‬بلفظ‬
‫«ذبيحة المسلم حلل‪ ،‬ذكر اسم ال ‪ ،‬أو لم يذكر» ‪ .‬ولحمد رواية مثل حديث أبي هريرة (نصب‬
‫الراية‪ ،183/4 :‬المغني‪.)540/8 :‬‬

‫( ‪)4/340‬‬

‫وللفقهاء آراء في إدراك المصيد حيا‪ ،‬قال الحنفية (‪ : )1‬إن أدرك المصيد‪ ،‬وكان فيه فوق حياة‬
‫المذبوح‪ ،‬بأن يعيش مدة كاليوم أو نصفه‪ ،‬فوق ما يعيش المذبوح‪ ،‬وترك التذكية‪ ،‬حتى مات‪ ،‬لم يؤكل؛‬
‫لنه مقدور على ذبحه‪ ،‬ولم يذبح‪ ،‬فصار كالميتة‪ ،‬وال تعالى يقول‪{ :‬إل ما ذكيتم} [المائدة‪ ]3/5:‬ولقوله‬
‫عليه الصلة والسلم لعدي‪« :‬إذا أرسلت كلبك‪ ،‬فاذكر اسم ال عليه‪ ،‬وإن أمسك عليك‪ ،‬فأدركته حيا‪،‬‬
‫فاذبحه» ‪.‬‬
‫أما لو أدرك به حياة مثل حياة المذبوح‪ ،‬فل تلزم تذكيته‪ ،‬لنه ميت حكما‪ ،‬ولهذا لو وقع في الماء في‬
‫هذه الحالة‪ ،‬ل يحرم‪ ،‬كما لو وقع وهو ميت‪ .‬ولو أدرك الصيد حيا حياة فوق ما يكون في المذبوح‪،‬‬
‫ولم يتمكن من ذبحه لفقد آلة‪ ،‬أو ضيق الوقت‪ ،‬لم يؤكل في ظاهر الرواية‪ ،‬وفي رواية أخرى عن أئمة‬
‫الحنفية الثلثة‪ :‬إنه يؤكل استحسانا‪ ،‬وقيل‪ :‬هذا أصح‪.‬‬
‫أما إن لم يتمكن من ذبحه‪ ،‬لعدم قدرته عليه‪ ،‬أي عدم ثبوت يده عليه‪ ،‬فمات‪ ،‬أكل؛ لن اليد لم تثبت‬
‫عليه‪ ،‬ولم يوجد منه التمكن من الذبح‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكملة الفتح‪ 178/8 :‬ومابعدها‪ ،‬اللباب‪ ،219/3 :‬تبيين الحقائق‪ ،53/6 :‬الدر المختار‪.334/5 :‬‬

‫( ‪)4/341‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )1‬إن رجع الصائد بعد الرسال أو الرمي‪ ،‬ثم أدرك المصيد غير منفوذ المقاتل‪،‬‬
‫ذكاه‪ .‬وإن لم يدركه إل منفوذ المقاتل‪ ،‬لم يؤكل‪ ،‬إل أن يتحقق أن مقاتله أنفذت بالمصيد به‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )2‬إن كانت حياة المصيد كحياة المذبوح‪ ،‬ليس فيه حياة مستقرة‪ ،‬بأن شق‬
‫جوفه وخرجت الحشوة‪ ،‬أو أصاب العقر من الكلب مقتلً‪ ،‬يباح من غير ذبح‪ ،‬باتفاق المذاهب؛ لن‬
‫الذكاة في مثل هذا ل تفيد شيئا‪ ،‬لكن المستحب عند الشافعية أن يمر السكين على الحلق ليريحه‪ ،‬وإن‬
‫لم يفعل حتى مات‪ ،‬حل؛ لن عقر الكلب المرسل عليه‪ ،‬قد ذبحه‪ ،‬وبقيت فيه حركة المذبوح‪ .‬وإن‬
‫كانت فيه حياة مستقرة أدركها الصائد فينظر في المر‪:‬‬
‫أ ـ إن تعذر ذبحه‪ ،‬بل تقصير من الصائد‪ ،‬حل أكله‪ ،‬كأن سل السكين على الصيد ‪ ،‬أو ضاق الزمان‬
‫فلم يتسع الوقت لذكاته‪ ،‬حتى مات‪ ،‬أو مشى له على هينته ولم يأته عدوا‪ ،‬أو اشتغل بتوجيهه للقبلة أو‬
‫بطلب المذبح (مكان الذبح)‪ ،‬أو بتناول السكين‪ ،‬أو منع منه سبع‪ ،‬فمات قبل إمكانه الذبح‪ ،‬أو امتنع منه‬
‫بقوته‪ ،‬ومات قبل القدرة عليه‪ ،‬فيحل في الجميع كما لو مات‪ ،‬ولم يدرك حياته‪.‬‬
‫ب ـ وإن مات لتقصيره‪ ،‬بأن ل يكون معه سكين‪ ،‬أو لم تكن محددة‪ ،‬أو ذبح بظهرها خطأ‪ ،‬أو أخذها‬

‫منه غاصب‪ ،‬أو نشبت في الغمد (أي عسر إخراجها بأن تعلقت في الغلف)‪ ،‬حرم الصيد‪ ،‬للتقصير‪،‬‬
‫لحديث أبي ثعلبة الخشني المتقدم أن النبي صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬ما رد عليك كلبك المكلب‪،‬‬
‫وذكرت اسم ال عليه‪ ،‬وأدركت ذكاته‪ ،‬فذكه‪ ،‬وكل‪ ،‬وإن لم تدرك ذكاته‪ ،‬فل تأكل‪. »..‬‬
‫‪ - 6‬أل يكون الصائد في صيد البر محرما بحج أو عمرة‪ ،‬أما صيد البحر فحلل للمحرم لقوله‬
‫تعالى‪{ :‬أحل لكم صيد البحر وطعامه‪ ،‬متاعا لكم وللسيارة‪ ،‬وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما}‬
‫[المائدة‪ .]96/5:‬وفي حديث صحيح‪« :‬صيد البر لكم حلل ـ وأنتم حرم ـ ما لم‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.176‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 269/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،254/1 :‬المغني‪ 547/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪ 214/6‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/342‬‬
‫تصيدوه أو ُيصَد لكم» (‪ )1‬وحكمة التفرقة بين نوعي الصيد كما ورد في الية هو توفير زاد‬
‫للمسافرين والنائين عن البحر‪ ،‬ولن صيد البر ترفه يتطلب مشقة ومطاردة تصرف المحرم عما فيه‬
‫من عبادة‪.‬‬
‫‪ - 7‬أن يرى الصائد الصيد ويعينه أو يحس به‪ ،‬ويرسل كلبه المعلم على صيد‪ ،‬وهذا شرط ذكره‬
‫المالكية والشافعية والحنابلة (‪ ، )2‬ويمكن عده مع الشرط الثالث‪.‬‬
‫فلو علم الصائد بالصيد‪ ،‬ولو كان أعمى‪ ،‬فأرسل كلبه أو بازه المعلم‪ ،‬فقتل المصيد‪ ،‬فإنه يؤكل‪ ،‬ويصح‬
‫صيد العمى عند المالكية والحنابلة‪ .‬أما لو أرسله على صيد‪ ،‬وهو ل يرى شيئا‪ ،‬ول يحس به‪،‬‬
‫فأصاب صيدا‪ ،‬لم يبح في قول أكثر أهل العلم؛ لنه لم يرسله على الصيد‪ ،‬وإنما استرسل بنفسه‪.‬‬
‫وكذلك إن رمى سهما لختبار قوته أو إلى غرض‪ ،‬فأصاب صيدا‪ ،‬أو رمى به إلى أعلى‪ ،‬فوقع على‬
‫صيد‪ ،‬فقتله‪ ،‬لم يُبح لنه لم يقصد برميه عينا‪ ،‬كما لو نصب سكينا فانذبحت بها شاة‪ .‬ولو أرسل‬
‫الصائد الجارح في غار أو غيضة (مجتمع شجر) ‪ ،‬لم يعلم أن فيهما صيدا‪ ،‬ونوى ذكاة ما وجده فيها‪،‬‬
‫أو علم فيهما صيدا‪ ،‬ولم يره ببصره‪ ،‬فوجد صيدا‪ ،‬فقتله‪ ،‬فإنه يؤكل كما صرح المالكية‪ ،‬تنزيلً للغالب‬
‫منزلة المعلوم‪.‬‬
‫واشترط الشافعية (‪ )3‬أن يكون الصائد بصيرا‪ ،‬فل يحل عندهم صيد العمى في الصح لعدم صحة‬
‫قصده؛ لنه ل يرى الصيد‪ ،‬فصار كاسترسال الكلب بنفسه‪ ،‬ليحل به الصيد‪ ،‬ولو أرسل كلبا‪ ،‬وهو ل‬

‫يراه صيدا‪ ،‬فأصاب صيدا لم يحل‪ .‬وتطبيقا على هذه الشروط أذكر حالتين‪ :‬هما حالة غيبة مصرع‬
‫المصيد‪ ،‬وحالة وقوعه في ماء أو ترديه من سطح بعد الصيد‪:‬‬
‫حالة غيبة المصرع‪ :‬إن رمى الصائد الصيد‪ ،‬فغاب عن عينه‪ ،‬فوجده ميتا وليس به إل أثر سهمه (‪)4‬‬
‫‪ ،‬يباح أكله عند الحنفية‪ ،‬والحنابلة‪ :‬إن تابع طلبه والبحث عنه‪ ،‬أو لم يتشاغل عنه بشيء آخر‪ .‬فإن‬
‫تشاغل عنه‪ ،‬ثم وجده‪ ،‬أو وجد به أثر سهم آخر‪ ،‬أوشك في سهمه لم يبح أكله‪ ،‬لحتمال موته بسبب‬
‫آخر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث جابر‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير‪ ،104/2 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،176‬المغني‪ ،545/8 :‬كشاف القناع‪،214/6 :‬‬
‫المهذب‪ ،255/6 :‬مغني المحتاج‪.277/4 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،267-266/4:‬المهذب‪.255/1 :‬‬
‫(‪ )4‬اللباب‪ ،220/3 :‬تبيين الحقائق‪ ،57/6 :‬تكملة الفتح‪ ،183/8 :‬الشرح الكبير‪،106 ،104/2 :‬‬
‫المهذب‪ ،254/1 :‬المغني‪ 553/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ ،218/6 :‬بداية المجتهد‪ ،446/1 :‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،277/4 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.178‬‬

‫( ‪)4/343‬‬
‫ولقول ابن عباس‪« :‬كل ما أصميت‪ ،‬ودع ما أنميت» (‪ )1‬والصماء‪ :‬ما رأيته‪ ،‬والنماء‪ :‬ما توارى‬
‫عنك‪ ،‬مما يدل على أن الصيد يحرم بالتواري‪ .‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم في حديث عدي ابن حاتم‪:‬‬
‫«إذا رميت فوجدته بعد يوم أو يومين‪ ،‬ليس به إل أثر سهمك‪ ،‬فكل‪ ،‬وإن وقع في الماء فل تأكل» ‪.‬‬
‫وقال الشافعية في الظهر‪ :‬إن جرحه جرحا يمكن إحالة الموت عليه‪ ،‬وغاب‪ ،‬ثم وجده ميتا‪ ،‬ولم يظن‬
‫أن سهمه قتله‪ ،‬حرم‪ ،‬لحديث عدي بن حاتم قال‪« :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إنا أهل صيد‪ ،‬وإن أحدنا يرمي‬
‫الصيد‪ ،‬فيغيب عنه الليلتين والثلث‪ ،‬فيجده ميتا‪ ،‬فقال‪ :‬إذا وجدت فيه أثر سهمك‪ ،‬ولم يكن أثر سبع‪،‬‬
‫وعلمت أن سهمك قتله‪ ،‬فكل» (‪. )2‬‬
‫وقال المالكية في المشهور‪ :‬إن وجده ميتا بعد يوم أو يومين منفوذ المقاتل ل يؤكل لحتمال موته‬
‫بشيء من الهوام مثلً‪ ،‬ولحديث مسند عن أبي رَزين وعن عائشة‪ ،‬ومرسل عند أبي داود‪ ،‬مفاده «أن‬
‫النبي صلّى ال عليه وسلم كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي‪ ،‬وقال‪ :‬لعل هوام الرض قتلته» ‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الصيد الذي غاب بعد رميه‪ ،‬ولم يعلم أو يظن أنه مات بضربه‪ ،‬ل يؤكل في المذاهب‪.‬‬

‫حالة الوقوع في الماء أو التردي من مكان عال على الرض‪ :‬إذا رمى الصائد صيدا‪ ،‬فوقع في ماء‬
‫أو تردى من مكان عال كجبل أو سطح على الرض‪ ،‬أو وطئه شيء فمات‪ ،‬لم يؤكل باتفاق المذاهب‬
‫(‪ ، )3‬لكن إن وقع على الرض مباشرة‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه البيهقي موقوفا (تلخيص الحبير‪.)136/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد والبخاري (نيل الوطار‪ 135/8 :‬ومابعدها‪ ،‬جامع الصول‪.)444/7 :‬‬
‫(‪ )3‬اللباب‪ 220/3 :‬وما بعدها‪ ،‬تكملة الفتح‪ ،184/8 :‬تبيين الحقائق‪ ،58/6 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ ،178‬الشرح الكبير‪ ،105/2 :‬بداية المجتهد‪ 446/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،274/4 :‬المهذب‪:‬‬
‫‪ ،254/1‬المغني‪ ،577/8:‬كشاف القناع‪.218/6 :‬‬

‫( ‪)4/344‬‬
‫أكل؛ لنه ل يمكن الحتراز عنه‪ .‬بخلف الحالة المتقدمة‪ ،‬فإنه يمكن الحتراز عنه‪ ،‬وقد اجتمع فيه‬
‫سبب الحل والحرمة معا‪ ،‬فترجح جهة الحرمة احتياطا‪ ،‬ولحديث عدي بن حاتم السابق‪« :‬وإن وقع في‬
‫ماء‪ ،‬فل تأكل» ‪ .‬هذا مالم يكن سهم قد أنفذ مقاتله قبل الوقوع‪ ،‬فإن حدث ذلك لم يضره الغرق أو‬
‫التردي‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ شروط آلة الصيد ‪:‬‬
‫اللة نوعان‪ :‬سلح‪ ،‬وحيوان‪.‬‬
‫أ ـ أما السلح‪ :‬فيشترط أن يكون محددا كالرمح والسهم والسيف والبارود ونحو ذلك‪ .‬وإذا رمى‬
‫الصيد بسيف أو غيره‪ ،‬فقطعه قطعتين أو قطع رأسه‪ ،‬أكل جميعه وأكل الرأس‪ ،‬عند الجمهور (‪، )1‬‬
‫ول يؤكل الجزء المبان منه إذا بقيت فيه حياة مستقرة؛ لن «الجزء المقطوع من الحي كميتته» ‪.‬‬
‫ويؤكل العضو المبان إذا لم تبق فيه حياة مستقرة ومات بالجرح‪.‬‬
‫وكذلك قال الحنفية (‪ : )2‬إذا رمى إلى صيد‪ ،‬فقطع عضوا منه أكل المصيد‪ ،‬كوجود الجرح‪ ،‬ول‬
‫يؤكل العضو المقطوع بحال‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ما أبين من الحي فهو ميت» (‪ )3‬والمبان‬
‫منه حي حقيقة لوجود الحياة‪ .‬وإن قطعه الرامي أثلثا أو أكثره مع عجزه‪ ،‬أو قطع نصف رأسه أو‬
‫أكثره‪ ،‬أو قدّه نصفين‪ ،‬أُكل كله؛ لن هذه الصور ل يمكن فيها وجود حياة فوق حياة المذبوح‪ ،‬فلم‬
‫يتناولها الحديث المذكور‪ .‬أما لو كان الكثر مع الرأس‪ ،‬أكل الكثر‪ ،‬ول يؤكل القل‪ ،‬لمكان الحياة‬
‫فوق حياة المذبوح‪ ،‬وأما القل فهو مبان من الحي‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،178 ،176‬المغني‪ 556/8 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،447/1 :‬مغني‬
‫المحتاج‪.270/4 :‬‬
‫(‪ )2‬اللباب‪ ،222/3 :‬الدر المختار‪ ،336/5 :‬تكملة الفتح‪ 185/8 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين وأحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر بلفظ «ما‬
‫قطع من حي فهو ميته» أو «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة» (نيل الوطار‪.)146/8 :‬‬

‫( ‪)4/345‬‬
‫ول يجوز الصطياد بما ليجوز التذكية به‪ ،‬وهي السن والظفر والعظم على الخلف السابق في‬
‫التذكية به‪.‬‬
‫ول يجوز الصيد بمثقل (‪ )1‬كالحجر‪ ،‬والبندقة (طينة مدورة يرمى بها)‪ ،‬والمعراض بعُرضه (سهم ل‬
‫ريش ول نصل‪ ،‬أو عصا محددة الرأس) إل أن يكون له حد‪ ،‬ويوقن أنه أصاب به‪ ،‬ل بالرض؛ لن‬
‫ما قتله بحدة بمنزلة ما طعنه برمحه‪ ،‬ورماه بسهم‪ ،‬وما قتل بعُرْضه (جانبه) إنما يقتل بثقله‪ ،‬فهو‬
‫موقوذ أو وقيذ (ميت بالضرب) ولما روي أن عدي بن حاتم قال للنبي صلّى ال عليه وسلمـ‪ :‬إني‬
‫أرمي الصيد بالمعراض (‪ ، )2‬فأصيب‪ ،‬فقال‪« :‬إذا رميت بالمعراض‪ ،‬فخزق (نفذ)‪ ،‬فكله‪ ،‬وإن أصاب‬
‫بعُرْضه (بغير طرفه المحدد)‪ ،‬فل تأكله» (‪ . )3‬وفي حديث عبد ال بن مغَفّل قال‪« :‬نهى رسول ال‬
‫صلّى ال عليه وسلم عن الخَذْف‪ ،‬وقال‪ :‬إنه ل يقتل الصيد‪ ،‬ول ينكأ العدو‪ ،‬وإنه يفقأ العين‪ ،‬ويكسر‬
‫السن» (‪. )4‬‬
‫وعليه‪ :‬إذا قتل الصائد أو الذابح الحيوان بمُ ْثقّل (شيء ثقيل)‪ ،‬أو ثقل محدد كبندقة وسوط‪ ،‬وسهم بل‬
‫نصل ول حد‪ ،‬أو سهم وبندقة معا‪ ،‬أو جرحه نصل وأثر فيه عُرْض السهم (جانبه) في مروره‪ ،‬ومات‬
‫بهما (أي الجرح والتأثير) أو انخنق بأحبولة أو شبكة‪ ،‬فهو محرم‪ ،‬بل خلف‪ ،‬لنه قتله بما ليس له‬
‫حد (‪ . )5‬وهكذا حكم سائر آلت الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعُرْضها ولم تجرح‪ ،‬لم يبح‬
‫الصيد‪ ،‬كالسهم يصيب الطائر بعُرْضه فيقتله‪ ،‬أو كالسيف بصفحه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكملة الفتح‪ ،185/8 :‬اللباب‪ ،221/3 :‬تبيين الحقائق‪ ،58/6 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،176‬بداية‬
‫المجتهد‪ ،441/1 :‬مغني المحتاج‪ ،274/4 :‬المهذب‪ ،254/1 :‬المغني‪ 558/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف‬
‫القناع‪ 217/6 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫(‪ )2‬قال القرطبي‪ :‬المشهور أنه خشبة ثقيلة آخرها عصا محدد رأسها‪ ،‬وقد ل يحدد‪ .‬وقال ابن التين‪:‬‬
‫المعراض‪ :‬عصا في طرفها حديدة يرمي بها الصائد‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم وأحمد (نيل الوطار‪.)130/8 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (جامع الصول‪.)452/7 :‬‬
‫(‪ )5‬مغني المحتاج‪ ،4/472 :‬المهذب‪ ،274/4 :‬بداية المجتهد‪ ،446/1 :‬المغني‪.559/8 :‬‬

‫( ‪)4/346‬‬
‫ول يؤكل ما يصطاد اليوم بالخردق أو الرصاص غير محدد الرأس إل إذا أدركه الصائد حيا وذبحه‬
‫ذبحا اختياريا‪ .‬وأفتى الشيخ المفتي محمود حمزة في دمشق وغيره بجواز أكل ماصيد بالخردق أو‬
‫الرصاص العادي‪ ،‬لنه يقتل بسرعة شديدة‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أنه يؤكل المصيد بالرمي بأداة محددة كالرماح والسيوف والسهام ونحوها للنص عليها في‬
‫القرآن والسنة‪ .‬كما يؤكل المصيد بالمثقل إذا قتله بحده وخرق جسد الصيد‪ ،‬ول يؤكل إذا قتله بالمثقل‬
‫ولم يخرق لقول النبي صلّى ال عليه وسلم‪« :‬ما خزق فكل» ‪ .‬وهذا التفصيل بالمثقل هو رأي‬
‫الجماهير‪.‬‬
‫ب ـ وأما الحيوان الجارح‪ :‬فيحل الصطياد بجوارح السباع والطير إذا كانت معلمة‪ ،‬ولم تأكل من‬
‫الصيد عند غير المالكية‪ .‬فالسبع مثل الكلب والفهد والنمر والسد والهر‪ ،‬والطير مثل الباز أو البازي‬
‫(نوع من الصقور) والشاهين (من جنس الصقر) والصقر والنسر والعقاب ونحوها من كل ما يقبل‬
‫التعليم (‪ )1‬لقوله تعالى‪{ :‬أحل لكم الطيبات‪ ،‬وما علّمتم من الجوارح مكلبين} [المائدة‪ ،]5/4:‬قال ابن‬
‫عباس‪ :‬هي الكلب المعلمة‪ ،‬وكل طير تعلّم الصيد والفهود والصقور وأشباهها‪ ،‬أي يحل لكم صيد‬
‫ماعلمتم من الجوارح (‪ . )2‬ولحديث عدي بن حاتم‪ ،‬قال‪ :‬سألت رسول ال صلّى ال عليه وسلم عن‬
‫صيد البازي‪ ،‬فقال‪« :‬إذا أمسك عليك‪ ،‬فكل» ولنه جارح يصاد به عادة‪ ،‬ويقبل التعليم‪ ،‬فأشبه الكلب‪.‬‬
‫ومثله كل سبع حتى السد‪.‬‬
‫واستثنى أبو يوسف (‪ )3‬من ذلك السد والدب‪ ،‬لنهما ل يعملن لغيرهما‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،44/5 :‬الدر المختار‪ ،329/5 :‬تبيين الحقائق‪ ،50/6 :‬تكملة الفتح‪ ،171/8 :‬اللباب‪:‬‬
‫‪ 217/3‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،441/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،176‬الشرح الكبير‪ ،104/2 :‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،275/4 :‬المهذب‪ 253/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ ،547-545 ،539/8 :‬كشاف القناع‪.220/6 :‬‬

‫(‪ )2‬والجوارح‪ :‬الكواسب‪ .‬ومكلبين‪ :‬من التكليب‪ :‬هو الغراء‪.‬‬
‫(‪ )3‬الهداية مع تكملة الفتح‪.173/8 :‬‬

‫( ‪)4/347‬‬
‫السد لعلو همته‪ ،‬والدب لخساسته‪ ،‬وألحق بعضهم بهما الحدَأة لخساستها‪ ،‬والخنزير مستثنى؛ لنه‬
‫نجس العين‪ ،‬فل يجوز النتفاع به‪.‬‬
‫واستثنى المام أحمد من الكلب‪ :‬الكلب السود البهيم(الذي ل يخالط لونه لون سواه كالبياض‬
‫ونحوه)‪ ،‬لنه كلب يحرم اقتناؤه‪ ،‬ويسن قتله بأمر النبي صلّى ال عليه وسلم‪ ،‬فلم يبح صيده‪ ،‬كغير‬
‫المُعلّم‪ .‬ودليله قول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬عليكم بالسود البهيم ذي ال ُنكْتتين‪ ،‬فإنه شيطان» (‪)1‬‬
‫فقد سماه النبي شيطانا‪ ،‬ول يجوز اقتناء الشيطان‪ .‬وإباحة الصيد المقتول بالجارح رخصة‪ ،‬فل تستباح‬
‫بمحرم كسائر الرخص‪ ،‬ويكون عموم الية السابقة مخصصا بهذا الحديث (‪. )2‬‬
‫ويسن أيضا عند الحنابلة قتل الخنزير ويحرم النتفاع به‪ ،‬ويجب قتل الكلب العقور ولو كان معلما‪،‬‬
‫ويحرم اقتناؤه لذاه‪.‬‬
‫شروط الحيوان الصائد ‪ -‬يشترط في الحيوان المصيد به ستة شروط (‪: )3‬‬
‫الول ‪ -‬أن يكون معلماً‪ :‬بأن ينتقل عن طبعه الصلي‪ ،‬حتى يصير تحت تصرف الصائد كاللة‪ ،‬ل‬
‫صائدا لنفسه‪ .‬وشرط التعليم متفق عليه بنص القرآن‪.‬‬
‫وتعليم الكلب عند الحنفية‪ :‬أن يترك الكل ثلث مرات‪ .‬وتعليم البازي ونحوه‪ :‬أن يرجع ويجيب إذا‬
‫دعوته‪ ،‬ول يشترط فيه ترك الكل من الصيد‪ ،‬وهو مأثور عن ابن عباس‪ ،‬ولن آية التعليم‪ :‬ترك ما‬
‫هو مألوفه عادة‪ ،‬فيترك الكلب ونحوه من السباع الكل والستلب مما يصيده‪،‬ويتعود الطائر الجابة‪،‬‬
‫أو الرجوع‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر مرفوعا بلفظ « ذي الطفيتين » أي الخطين البيضين‬
‫فوق عينيه‪ ،‬وهما النكتتان‪ ،‬والنكتة‪ ،‬النقطة البيضاء في السود‪ ،‬أو السوداء في البيض‪.‬‬
‫(‪ )2‬المغني‪ ،547/8 :‬كشاف القناع‪.220/6 :‬‬
‫(‪ )3‬رد المحتار‪ ،328/5 :‬بداية المجتهد‪ ،444/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 176‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/348‬‬

‫إذا دعوته‪ .‬وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة‪ :‬ليقدر التعليم بالثلث بل بحسب رأي المدرب‪.‬‬
‫ويؤكل مااصطاده في المرة الثالثة عند أبي حنيفة‪ ،‬ول يؤكل عند الصاحبين؛ لنه إنما يصير معلما‬
‫بعد تمام الثلث (‪ . )1‬ولبد من الرسال‪ ،‬لكن ليشترط الزجر في حل الصيد‪.‬‬
‫ولبد في التعليم عند الشافعية والحنابلة من أوصاف أو شروط ثلثة‪ :‬إذا أرسله صاحبه استرسل‪ ،‬وإذا‬
‫زجره انزجر‪ ،‬وإذا أمسك الصيد لم يأكل منه‪ .‬ويكفي عند المالكية توفر الشرطين الولين (‪. )2‬‬
‫ويشترط تكرار هذه المور حتى يصير معلما في حكم العرف بأن يظن تأدب الجارحة‪ ،‬وليضبط‬
‫ذلك بعدد عند المالكية والشافعية‪ ،‬بل يرجع في أمر التكرار إلى أهل الخبرة بالجوارح‪ ،‬وأقل ذلك أن‬
‫يتكرر مرتين فأكثر‪ ،‬بحيث يغلب على الظن تعوده وتعلمه ذلك‪ .‬وأقل المطلوب عند الحنابلة ثلث‬
‫مرات؛ لن مااعتبر فيه التكرار اعتبر ثلثا‪ ،‬كالمسح في الستجمار وغسلت الوضوء‪.‬‬
‫وليعتبر أيضا عند بعض المالكية شرط‪ « :‬إذا زجر انزجر » في الباز‪ ،‬لنه لينزجر‪.‬‬
‫ودليل شرط عدم أكل الجارح من الصيد‪ :‬هو حديث عدي بن حاتم المتقدم‪« :‬إذا أرسلت كلبك المعلم‪،‬‬
‫وسميت‪ ،‬فأمسك وقتل‪ ،‬فكل‪ ،‬وإن أكل فل تأكل‪ ،‬فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكملة الفتح‪ 173/8 :‬ومابعدها‪ ،175 ،‬اللباب‪.218/3 :‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير‪ 103/2 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،443/1 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،176‬مغني‬
‫المحتاج‪ ،275/4 :‬المهذب‪ ،253/1 :‬المغني‪ 542/8 :‬ومابعدها‪ ،‬كشاف القناع‪.221/6 :‬‬

‫( ‪)4/349‬‬
‫فإن ظهر كون الجارح معلما‪ ،‬ثم أكل مرة من لحم صيد‪ ،‬لم يحل الصيد في الرجح عند الجمهور‬
‫غير المالكية‪ ،‬لحديث عدي السابق‪ ،‬ولن عدم الكل شرط في التعلم ابتداء ودواما‪ ،‬فيشترط تعليم‬
‫جديد‪ .‬وأجاز الحنفية أكل ما أكل منه البازي؛ لن ترك الكل ليس شرطا عندهم في تعليمه‪.‬‬
‫وقال المالكية‪ :‬يؤكل (‪ ، )1‬لعموم قوله تعالى‪{ :‬فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة‪ ]4/5:‬وحديث أبي‬
‫ثعلبة‪« :‬ما صدت بقوسك‪ ،‬فذكرت اسم ال عليه‪ ،‬فكل‪ ،‬وما صدت بكلبك المُعلّم‪ ،‬فذكرت اسم ال عليه‪،‬‬
‫فكل‪ ،‬وما صدت بكلبك غير المعلم‪ ،‬فأدركت ذكاته فكل (‪ » )2‬ولن الكل يحتمل أن يكون لفرط‬
‫جوع‪ ،‬أوغيظ على الصيد‪.‬‬
‫ويحل الصيد الذي صاده قبل الكل‪ ،‬كما يحل في الراجح عند الحنابلة ما صاده الكلب بعد الصيد الذي‬
‫أكل منه (‪. )3‬‬

‫وهل يجب غسل معضّ الكلب أي أثر فم الكلب؟ قال الشافعية وفي وجه عند الحنابلة (‪ : )4‬معض‬
‫الكلب نجس‪ ،‬ول يعفى عنه‪ ،‬لنه ثبتت نجاسته‪ ،‬فيجب غسل ما أصابه كبوله‪ ،‬ويغسل سبعا إحداهن‬
‫بالتراب‪ .‬وقال المالكية وهو الوجه الثاني عند الحنابلة‪ :‬ل يجب غسله؛ لن ال تعالى ورسوله أمرا‬
‫بأكله‪ ،‬ولم يأمرا بغسله‪ ،‬والكلب طاهر في مذهب المالكية‪ ،‬فيؤكل موضع نابه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المراجع السابقة‪.‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الوطار‪.)130/8 :‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪.545/8 :‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ ،276/4 :‬المغني‪ ،546/8 :‬المهذب‪.253/1 :‬‬

‫( ‪)4/350‬‬
‫الثاني ـ أن يذهب على سنن الرسال ولو من غير تعيين عند الحنفية‪ .‬أما عند المالكية والشافعية‬
‫والحنابلة فل بد من أن يرسله الصائد من يده على الصيد بعد أن يراه ويعينه (‪ . )1‬فإن انبعث من‬
‫نفسه لم يؤكل اتفاقا‪ .‬ومن سمع حسا ظنه حس صيد‪ ،‬فرماه‪ ،‬أو أرسل كلبا أو بازا عليه‪ ،‬فأصاب‬
‫صيدا ثم تبين أنه صيد‪ ،‬حل المصاب عند الحنفية‪ ،‬لنه قصد الصطياد‪.‬‬
‫وإن زجره بعد انبعاثه من تلقاء نفسه‪ ،‬فرجع إليه‪ ،‬ثم أشله (أغراه)‪ ،‬أكل‪ .‬وإن لم يرجع إليه‪ ،‬بعد أن‬
‫انزجر‪ ،‬ثم زاد في عدوه‪ ،‬أبيح صيده عند الحنفية والحنابلة‪ ،‬وهو الولى؛ لن الزجر مثل الرسال‬
‫من حيث كونه فعل الصائد‪ ،‬فالزجر إرسال لنه دليل الطاعة‪ .‬ولم يبح عند المالكية والشافعية‪ ،‬كما‬
‫ذكر سابقا‪ ،‬تغليبا لجانب المنع؛ لنه اجتمع إرسال بنفسه وإغراء‪ ،‬فغلب الول (‪. )2‬‬
‫وإن أرسله على صيد بعينه‪ ،‬فصاد غيره‪ ،‬لم يؤكل عند غير الحنفية‪ .‬فإن أرسل‪ ،‬ولم يقصد شيئا‬
‫معينا‪ ،‬وإنما قصد ما يأخذ الجارح‪ ،‬أو ما تقتل اللة في جهة محصورة كالغار وشبهه‪ ،‬جاز على‬
‫المشهور عند المالكية‪ .‬وإن كانت جهة غير معينة كالمتسع من الرض والغياض أو كان الرسال‬
‫على كل صيد يعثر عليه‪ ،‬لم يجز ولم يبح المصيد عندهم ‪ .‬ولو اضطرب الجارح فأرسله الصائد‪ ،‬ولم‬
‫ير شيئا‪ ،‬وليس المكان محصورا من غار أو غيضة‪ ،‬فصاد شيئا‪ ،‬لم يؤكل لحتمال أن يكون غير‬
‫المضطرب عليه ولم ينوه‪ ،‬فإن نواه وغيره أكل‪ .‬وقيل‪ :‬ل يؤكل‪.‬‬
‫ول بد عند الشافعية والحنابلة‪ :‬أن يقصد صيدا معينا‪ ،‬ل مبهما‪ ،‬فلو أرسل‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬رد المحتار‪ ،328/5 :‬تكملة الفتح‪ ،181/8 :‬تبيين الحقائق‪ 54/6 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪:‬‬
‫‪ ،106/2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،177‬المغني‪ ،545/8 :‬مغني المحتاج‪ ،277/4 :‬كشاف القناع‪:‬‬
‫‪ ،225 ،222/6‬المهذب‪.255/1 :‬‬
‫(‪ )2‬فيه حديث موقوف على ابن مسعود وهو‪« :‬ما اجتمع الحلل والحرام‪ ،‬إل وغلب الحرام الحلل»‬
‫وفيه ضعيف وانقطاع (نصب الراية‪.)314/4 :‬‬

‫( ‪)4/351‬‬
‫سهما لختبار قوته‪ ،‬أو إلى غرض يرمي إليه‪ ،‬فاعترضه صيد‪ ،‬فقتله‪ ،‬حرم‪ ،‬لنه لم يقصد برميه‬
‫معينا‪.‬‬
‫الثالث ـ أل يشاركه في الخذ ما ل يحل صيده‪ ،‬كالجارح غير المعلم‪ ،‬وهو شرط مجمع عليه‪ .‬فإن‬
‫تيقن أن ال ُمعَلّم هو المنفرد بالخذ أو الجراح‪ ،‬أكل‪.‬وإن تيقن خلفه أوشك لم يؤكل‪ ،‬لنه اجتمع المبيح‬
‫والمحرم‪ ،‬فتغلب جهة المحرم احتياطا‪ .‬وإن غلب على ظنه أنه القاتل‪ ،‬ففيه خلف (‪ ، )1‬فإن أدركه‬
‫حيا فذكاه‪ ،‬حل اتفاقا‪.‬‬
‫ودليل هذا الشرط حديث عدي بن حاتم قال‪« :‬سألت رسول ال صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقلت‪ :‬أرسل‬
‫كلبي‪ ،‬فأجد معه كلبا آخر قال‪ :‬ل تأكل‪ ،‬فإنك إنما سميت على كلبك‪ ،‬ولم تسم على الخر» وفي لفظ‪:‬‬
‫«فإن وجدت مع كلبك كلبا آخر‪ ،‬فخشيت أن يكون أخذ منه‪ ،‬وقد قتله‪ ،‬فل تأكله‪ ،‬فإنك إنما ذكرت اسم‬
‫ال على كلبك» وفي لفظ «فإنك ل تدري أيهما قتله؟» (‪. )2‬‬
‫الرابع ـ أن يقتله جَرْحا‪ ،‬فإن خنقه أو قتله بصدمته‪ ،‬لم يبح عند الجمهور (‪ )3‬غير الشافعية؛ لن قتله‬
‫بغير جَرْح أشبه بقتله بالحجر والبندق‪ ،‬ولن ال تعالى حرم الموقوذة‪ ،‬وقول النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم السابق‪« :‬ما أنهر الدم‪ ،‬وذكر اسم ال ‪ ،‬فكل» يدل على أنه ل يباح ما لم ينهر الدم‪ .‬فعلى هذا‬
‫يكون الجرح شرطا‪ .‬وهذا أولى في نظري؛ لن الوقيذ محرم بالقرآن والجماع‪ ،‬والعقر ذكاة الصيد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار‪ ،328/5 :‬نكملة الفتح‪ ،180/8 :‬اللباب‪ 219/3 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ ،177‬بداية المجتهد‪ ،446/1 :‬المهذب‪ ،253/1 :‬المغني‪ ،549/8 :‬كشاف القناع‪.216/6 :‬‬
‫(‪ )2‬متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الوطار‪.)134/8 :‬‬
‫(‪ )3‬رد المحتار‪ ،328/5 :‬تكملة الفتح‪ ،180/8 :‬اللباب‪ ،219/3 :‬الشرح الكبير‪ ،104-102/3 :‬بداية‬
‫المجتهد‪ ،447 ،444 ،441/1 :‬المغني‪ ،545/8 :‬كشاف القناع‪.222/6 :‬‬

‫( ‪)4/352‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )1‬لو تحاملت الجارحة على صيد‪ ،‬فقتلته بثقلها‪ ،‬حل في الظهر‪ ،‬لعموم قوله تعالى‪:‬‬
‫{فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة‪ ]4/5:‬ولنه يعسر تعليمه أل يقتل إل بجرح‪ ،‬ولعموم حديث عدي‪:‬‬
‫«ما علّمت من كلب أو باز‪ ،‬ثم أرسلته‪ ،‬وذكرت اسم اللهعليه‪ ،‬فكل ما أمسك عليك‪ ،‬قلت‪ :‬وإن قتل؟‬
‫قال‪ :‬وإن قتل‪ ،‬ولم يأكل منه شيئا‪ ،‬فإنما أمسكه عليك» (‪. )2‬‬
‫الخامس ـ أل يأكل من الصيد‪ ،‬فإن أكل منه لم يبح‪ .‬ويمكن دمج هذا الشرط بالشرط الول‪.‬‬
‫وهذا الشرط عند الجمهور غير المالكية‪ ،‬وهو أصح الروايتين عند الحنابلة‪ ،‬وهو مذهب الحنفية في‬
‫الكلب ونحوه من السباع‪.‬‬
‫وقال مالك ومتأخرو المالكية ( وهو مشهور بالذهب )‪ ،‬وفي رواية ثانية عن أحمد‪ :‬يجوز الكل مما‬
‫أكل منه الكلب أو غيره من الطيور‪.‬‬
‫وقال الحنفية وبعض المصنفين من الحنابلة كصاحب كشاف القناع (‪ : )3‬ليباح ما أكل منه الكلب‬
‫عملً بالحديث المتفق عليه‪ « :‬فإن أكل فل تأكل‪ ،‬فإني أخاف أن يكون إ نما أمسك على نفسه » ‪،‬‬
‫ويباح ما أكل منه الطائر ذو المخلب كالبازي والصقر والعقاب والشاهين ونحوها‪ ،‬لن تعليمه بأن‬
‫يسترسل إذا أرسل‪ ،‬ويرجع إذا دعي‪ ،‬وليعتبر ترك الكل لقول ابن عباس‪ « :‬إذا أكل الكلب فل‬
‫تأكل‪ ،‬وإن أكل الصقر‪ ،‬فكل » ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪.276/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود ( نيل الوطار‪.) 130/8 :‬‬
‫(‪ )3‬رد المحتار‪ ،328/5 :‬اللباب‪ ،218/3 :‬تبيين الحقائق‪ ،52/6 :‬تكملةالفتح ‪ ،175/8‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ 443/1‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،275/4 :‬المغني‪ ،543/8 :‬كشاف القناع‪.221/6 :‬‬

‫( ‪)4/353‬‬
‫ودليل الجمهور‪ :‬حديث عدي بن حاتم‪ « :‬إذا أرسلت كلبك المعلم‪ ،‬وذكرت اسم ال تعالى‪ ،‬فكل ما‬
‫أمسك عليك‪ .‬قلت‪ :‬وإن قتل؟ قال‪ :‬وإن قتل‪ ،‬إل أن يأكل الكلب‪ ،‬فإن أكل‪ ،‬فل تأكل‪ ،‬فإني أخاف أن‬
‫يكون إنما أمسك على نفسه » ‪ .‬وظاهر الكتاب يدل عليه وهو قوله تعالى‪ { :‬فكلوا مما أمسكن‬
‫عليكم } [المائدة‪ ]4/5:‬والمساك يكون بعدم الكل من الصيد‪ ،‬ولن من أهم خواص التعليم عدم‬

‫الكل‪.‬‬
‫واستدل المالكية في المشهور عندهم‪ ،‬وأحمد في رواية عنه بعموم قوله تعالى‪ { :‬فكلوا مما أمسكن‬
‫عليكم } [المائدة‪ ]4/5:‬وبحديث أبي ثعلبة الخشني‪« :‬إذا أرسلت كلبك المعلّم‪ ،‬وذكرت اسم ال عليه‪،‬‬
‫فكل‪ ،‬قلت‪ :‬وإن أكل منه يارسول ال ؟ قال‪ :‬وإن أكل» وحملوا حديث عدي على الندب‪ ،‬وهذا على‬
‫الجواز‪ .‬ولنه صيد جارح معلم‪ ،‬فأبيح‪ ،‬كما لو لم يأكل‪ ،‬فإن الكل يحتمل أن يكون لفرط جوع أو‬
‫غيظ على الصيد‪.‬‬
‫ويلحظ أن حديث عدي أصح من حديث أبي ثعلبة‪،‬لنه متفق عليه‪ ،‬وعدي بن حاتم أضبط‪ ،‬ولفظه‬
‫أبين‪ ،‬لنه ذكر الحكم والعلة‪ .‬ورد ابن رشد المالكي على متأخري المالكية بقوله (‪ : )1‬وهذا الذي‬
‫قالوه خلف النص في الحديث‪ ،‬وخلف ظاهر الكتاب‪ ،‬وهو قوله تعالى‪ { :‬فكلوا مما أمسكن عليكم }‬
‫[المائدة‪ ]4/5:‬وللمساك على سيد الكلب طريق تعرف به‪ ،‬وهو العادة‪ .‬ولذلك قال عليه الصلة‬
‫والسلم‪ « :‬فإن أكل‪ ،‬فل تأكل‪ ،‬فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» ‪.‬‬
‫السادس ـ عند المالكية (‪ : )2‬أل يرجع الجارح عن الصيد‪ ،‬فإن رجع بالكلية‪ ،‬لم يؤكل وكذلك‬
‫لواشتغل بصيد آخر‪ ،‬أو بما يأكله‪ ،‬ل يؤكل‪ .‬وهذه الشروط كلها إذا قتله الجارح‪ ،‬فإن لم يقتله‪ ،‬وأدركه‬
‫القانص‪ ،‬ذكي‪ ،‬وأكل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪.444/1 :‬‬
‫(‪ )2‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.177‬‬

‫( ‪)4/354‬‬
‫المطلب الثالث ـ شروط المصيد ‪:‬‬
‫ذكر المالكية (‪ )1‬خمسة شروط لحل المصيد‪ ،‬كما ذكر الحنفية (‪ )2‬شروطا خمسة له أيضا‪ ،‬إل أن‬
‫الثلثة المذكورة عند الحنفية منها يمكن عدها شرطا واحدا‪.‬‬
‫وسأذكر هذه الشروط بحسب منهج المالكية‪ ،‬لنه أدق وأشمل‪ .‬ويلحظ أنه يجوز عند الحنفية (‪)3‬‬
‫اصطياد ما يؤكل لحمه من الحيوان‪ ،‬وكذا ما ل يؤكل لنه سبب للنتفاع بجلده أو شعره أو قرنه أو‬
‫لستدفاع شره‪.‬‬
‫الول ـ أن يكون المصيد مباح الكل شرعاً؛ لن الحرام عند غير الحنفية والمالكية ل يؤثر فيه‬
‫الصيد‪ ،‬ول الذكاة‪ .‬وقد عبر الحنفية عن هذا الشرط بأل يكون متقويا بنابه أو بمخلبه‪ ،‬وأل يكون من‬

‫الحشرات‪ ،‬وأل يكون من بنات الماء إل السمك‪ ،‬لنه ل يحل أكل شيء من حيوان الماء عندهم إل‬
‫السمك‪.‬‬
‫الثاني ـ أن يكون متوحشاً‪ ،‬بأن يعجز النسان عن أخذه في أصل خلقته كالوحوش والطيور‪ ،‬فإن‬
‫كان مستأنسا كالبل والبقر والغنم‪ ،‬ثم توحش‪ ،‬لم يؤكل بالصيد عند المالكية‪ .‬ويؤكل به عند غير‬
‫المالكية؛ لن الصيد يعد حينئذ ذكاة اضطرارية‪ ،‬تباح للضرورة‪ ،‬كما تقدم في بحث أنواع التذكية‪.‬‬
‫وإن تأنس المتوحش الصل‪ ،‬ثم ندّ (هرب) أكل بالصطياد عند المالكية‪ ،‬كما يؤكل بالعقر عندهم‬
‫الحمام ونحوه إن توحش؛ لن كله صيد‪.‬‬
‫وقد عبر الحنفية عن هذا الشرط بقولهم‪ :‬أن يمنع نفسه بجناحيه أو قوائمه‪.‬‬
‫الثالث ـ أن يموت من الجَرح‪ ،‬ل من صدم الجارح‪ ،‬ول من الرعب‪ ،‬أو الخوف من الجارح‪ .‬وهذا‬
‫شرط عند الجمهور غير الشافعية‪ .‬وأجاز الشافعية أكل ما قتله الجارح بثقله‪ ،‬كأن صدمه بصدره أو‬
‫جبهته‪ ،‬فقتله ‪ ،‬ولم يجرحه‪ ،‬كما ذكر في شروط آلة الصيد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 177‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪.444/1 :‬‬
‫(‪ )2‬رد المحتار‪.32/5 :‬‬
‫(‪ )3‬الكتاب مع اللباب‪.223/3 :‬‬

‫( ‪)4/355‬‬
‫الرابع ـ أل يشك في عين الصيد الذي أصابه في حالة غيبته عن عينه‪ ،‬هل هو‪ ،‬أو غيره؟ ول يشك‪،‬‬
‫هل قتلته اللة‪ ،‬أول ؟ فإن شك لم يؤكل‪ .‬ولو غاب عنه الصيد ليلة‪ ،‬ثم وجده غدا ميتا لم يؤكل في‬
‫المشهور عند المالكية‪ .‬ويباح أكله عند غيرهم إن تابع طلبه‪.‬أو لم يتشاغل عنه بشيء آخر‪ ،‬وتأكد أنه‬
‫صيده‪.‬‬
‫الخامس ـ أن يذبحه إن أدركه حيا‪ ،‬وقدر على تذكيته؛ لقوله عليه الصلة والسلم في حديث عدي‪:‬‬
‫« وإن أدركته حيا فاذبحه » فإن أدركه ميتا‪ ،‬أو نفذت مقاتله‪ ،‬أو حياته كحياة المذبوح‪ ،‬أو عجز عن‬
‫تذكيته بسبب مقاومته مثلً حتى مات‪ ،‬ولم يذكه‪ ،‬أكل من غير ذبح باتفاق الفقهاء (‪. )1‬‬
‫وإن قتله الجارح المصيد به قبل أن يقدر عليه أكل أيضا‪ ،‬بشرط أن يقتله جرحا كما تقدم في شروط‬
‫اللة‪ .‬وصرح الحنابلة بأن الصائد إن لم يكن معه ما يذكيه‪،‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬تكملة الفتح‪ 178/8 :‬ومابعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪ ،53/6 :‬اللباب مع الكتاب‪ 219/3 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،178‬المهذب‪ ،253/1 :‬المغني‪ 547/8 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪.269/4 :‬‬

‫( ‪)4/356‬‬
‫أشلى ( أغرى ) الصائد له عليه حتى يقتله‪ ،‬فيؤكل (‪ )1‬عندهم لنها حال تتعذر فيها الذكاة في الحلق‬
‫واللبة غالبا‪ .‬فجازت ذكاة الضرورة‪ ،‬ول يؤكل في قول أكثر أهل العلم‪ ،‬لنه صيد مقدور عليه‪ ،‬فلم‬
‫يبح بقتل الجارح له كبهيمة النعام‪ ،‬وكما لو أخذه سليما‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ ما يباح اصطياده من الحيوان عند الحنفية ‪:‬‬
‫يباح عند الحنفية (‪ )2‬اصطياد ما في البحر والبر‪ ،‬مما يحل أكله‪ ،‬وما ل يحل أكله‪ .‬غير أن ما يحل‬
‫أكله يكون اصطياده للنتفاع بلحمه وبقية أجزائه‪ ،‬وما ل يحل أكله‪ ،‬يكون اصطياده للنتفاع بجلده‬
‫وشعره وعظمه‪ ،‬أو لدفع أذاه وشره‪ ،‬وهذا هو رأي المالكية كما ذُكر سابقا فيما تعمل به الذكاة‪ ،‬إل‬
‫صيد الحرم (في مكة والمدينة) فإنه ل يباح اصطياده‪ ،‬باتفاق الفقهاء إل المؤذي منه‪ ،‬لقوله عز شأنه‪:‬‬
‫{أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} [العنكبوت‪ ]67/29:‬وقول النبي صلّى ال عليه وسلم في صيد حرم‬
‫مكة‪« :‬ول ينفر صيده» (‪ . )3‬وكذلك قال في صيد المدينة‪« :‬ل ينفر صيدها» (‪ )4‬وخص منه‬
‫المؤذيات بقوله عليه الصلة والسلم‪« :‬خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم‪ :‬الغراب‪ ،‬والحدأة‪،‬‬
‫والعقرب‪ ،‬والفأرة‪،‬والكلب العقور» (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وهو رأي إبراهيم النخعي الذي كان يقول‪ « :‬إذا أدركته حيا ولم يكن معك حديدة‪ ،‬فأرسل عليه‬
‫الكلب حتى تقتله» وبه قال الحسن البصري لعموم قوله تعالى‪ { :‬فكلوا مما أمسكن عليكم } [المائدة‪:‬‬
‫‪( ]4/5‬بداية المجتهد‪.)445/1 :‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،61/5 :‬الكتاب مع اللباب‪ ،223/3 :‬تكملة الفتح‪ ،188/8 :‬تبيين الحقائق‪61/6 :‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن عباس (نيل الوطار‪.)25/5 :‬‬
‫(‪ )4‬رواه أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه عن علي (جامع الصول‪.)193/10 :‬‬
‫(‪ )5‬متفق عليه بين أحمد والشيخين عن عائشة‪ ،‬وفيه روايات أخرى عن ابن عمر‪ ،‬وابن مسعود وابن‬
‫عباس وغيرهم‪ ،‬وفي بعضها ذكر الحية بدل الحدأة‪ ،‬حتى صارت تسعا (نيل الوطار‪.)26/5 :‬‬

‫( ‪)4/357‬‬

‫ويباح اصطياد ما في البحر للحلل (غير الحاج أو المعتمر) والمحرم (الحاج أو المعتمر)‪ ،‬ول يباح‬
‫اصطياد ما في البر للمحرم خاصة‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة‪،‬‬
‫وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة‪ ]96/5:‬ولقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬صيد البر لكم‬
‫حلل‪ ،‬وأنتم حرم‪ ،‬مالم تصيدوه‪ ،‬أو ُيصَد لكم» (‪ )1‬وعن الصَعب بن جَثّامة «أنه أهدى إلى رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم حمارا وحشيا‪ ،‬وهو ( بالبواء ) أو بوَدّان (مكان بين مكة والمدينة)‪ ،‬فرده‬
‫عليه‪ ،‬فلما رأى ما في وجهه‪ ،‬قال‪ :‬إنا لم نُردّه عليك إل أنا حُرُم» (‪. )2‬‬
‫المبحث الرابع ـ متى يملك الصائد المصيد؟‬
‫جاء في الدر المختار ورد المحتار (‪ : )3‬أن أسباب الملك ثلثة‪:‬‬
‫ناقل من مالك إلى مالك كبيع وهبة‪ .‬وذو خلفة عن المالك كإرث‪ .‬وذو أصالة‪ :‬وهو الستيلء‬
‫الحقيقي بوضع اليد ومنه إحياء الموات‪ ،‬والستيلء الحكمي بالتهيئة كنصب شبكة صيد على مباح‬
‫خالٍ عن المالك‪ .‬فإن كان المصيد أو المباح مملوكا لم يتملك‪ ،‬فلو استولى رجل في مفازة على حطب‬
‫غيره‪ ،‬لم يملكه‪.‬‬
‫والستيلء الحكمي يتم باستعمال ما هو موضوع للصطياد‪ ،‬فمن نصب شبكة‪ ،‬فتعلق بها صيد‪ ،‬ملكه‪،‬‬
‫قصد بها الصطياد‪ ،‬أو ل‪ ،‬فلو نصبها للتجفيف مثلً‪ ،‬ل يملكه‪ ،‬لنه قصد مغاير للصطياد‪.‬‬
‫ـ وإن نصب فسطاطا (خيمة)‪ :‬إن قصد الصيد‪ ،‬يملكه‪ ،‬وإل فل‪ ،‬لنه غير موضوع للصيد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) إل ابن ماجه عن جابر (نيل الوطار‪.)23/5 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم والموطأ والترمذي والنسائي (جامع الصول‪.)419/3 :‬‬
‫(‪ )3‬انظر ‪.329/5‬‬

‫( ‪)4/358‬‬
‫ـ ولو دخل صيد دار إنسان‪ ،‬فلما رآه أغلق عليه الباب‪ ،‬وصار بحال يقدر على أخذه‪ ،‬بل اصطياد‬
‫بشبكة أوسهم‪ ،‬ملكه‪ .‬وإن أغلق ولم يعلم به‪ ،‬ل يملكه‪.‬‬
‫ـ ولو نصب حِبالة ( ِمصْيَدة)‪ ،‬فوقع فيها صيد‪ ،‬فقطعها‪ ،‬وانفلت الصيد‪ ،‬فأخذه آخر‪ ،‬ملكه‪ .‬ولو جاء‬
‫صاحب الحبالة ليأخذه‪ ،‬ودنا منه‪ ،‬بحيث يقدر على أخذه‪ ،‬فانفلت‪ ،‬ل يملكه الخذ‪ .‬وكذا ل يملكه الخذ‬
‫لو انفلت من الشبكة في الماء قبل الخراج‪ ،‬فأخذه غيره‪ ،‬وإنما يملكه صاحب المصيدة‪ .‬أما لو رمى‬
‫به صاحب الشبكة خارج الماء‪ ،‬في موضع يقدر على أخذه‪ ،‬فوقع في الماء‪ ،‬فأخذه غيره‪ ،‬يملكه الخذ؛‬

‫لن المور بمقاصدها‪.‬‬
‫ومن رمى صيدا‪ ،‬فأصابه‪ ،‬ولم يثخنه (يوهنه بالجراحة)‪ ،‬ولم يخرجه من حيّز المتناع عن الخذ (أي‬
‫ما يزال قابل الخذ من الغير)‪ ،‬فرماه آخر‪ ،‬فقتله‪ ،‬أو أثخنه (أضعفه)‪ ،‬وأخرجه عن حيز المتناع‪،‬‬
‫فهو للرامي الثاني‪ ،‬لنه الخذ ‪ ،‬وقد قال عليه الصلة والسلم‪« :‬الصيد لمن أخذه» (‪. )1‬‬
‫وإن كان الرامي الول قد أثخنه بحيث أخرجه عن حيز المتناع‪ ،‬فرماه الثاني‪ ،‬فقتله‪ ،‬لم يؤكل‪،‬‬
‫لحتمال الموت بالثاني‪ ،‬ول يعد فعل الثاني ذكاة شرعية‪ ،‬للقدرة على ذكاة الختيار‪ .‬ويضمن الثاني‬
‫قيمته للول‪ ،‬لنه بالرمي أتلف صيدا مملوكا للغير؛ لن الول ملكه بالرمي المثخن‪ ،‬لكن تقدر قيمته‬
‫وهو جريح؛ لن المتعدي وهو الرامي الثاني أتلفه‪ ،‬وهو جريح‪ ،‬وقيمة المتلف تعتبر أو تقدر يوم‬
‫التلف (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال عنه الزيلعي‪ :‬غريب‪ .‬وقال عنه في الدراية‪ :‬ل أصل له بهذا السناد عن أبي هريرة (نصب‬
‫الراية‪.)318/4 :‬‬
‫(‪ )2‬تكملة الفتح‪ ،187/8 :‬تبيين الحقائق‪ ،60/6 :‬اللباب مع الكتاب‪ 222/3 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/359‬‬
‫والمالكية (‪ : )1‬قالوا مثل الحنفية‪ :‬ل يستحق الصيد إل بالخذ أي بالصيد وقصد الصطياد‪ ،‬أو‬
‫بوضع اليد‪ ،‬فمن رأى صيدا وصاده آخر‪ ،‬كان لمن صاده‪ ،‬فإن صاده واحد‪ ،‬ثم ند (هرب) منه فصاده‬
‫آخر‪ ،‬فاختلف‪ :‬هل يكون للول أو للثاني‪ ،‬إل إن توحش بعد الول‪ ،‬فهو للثاني‪.‬‬
‫ومن طرد صيدا‪ ،‬فدخل دار إنسان‪ ،‬فإن كان اضطره‪ ،‬فهو له‪ ،‬وإن كان لم يضطره‪ ،‬فهولصاحب‬
‫الدار‪.‬‬
‫وقال الشافعية (‪ : )2‬مثلما قال المالكية والحنفية‪ :‬يملك الصيد إما بالستيلء الفعلي أي بوضع اليد‬
‫والخذ‪ ،‬وإن لم يقصد تملكه‪ ،‬كسائر المباحات‪ ،‬وإما بصيده مع قصد الصطياد‪ .‬فوضع اليد‪ :‬مثل‬
‫خضْب وقص جناح وقُرْط‪ ،‬وكان صائده غير محرم وغير‬
‫ضبطه بيده‪ ،‬إن لم يكن به أثر ملك لغيره ك َ‬
‫مرتد‪ ،‬يكون سببا للملكية‪ ،‬وإن لم يقصد تملكه‪ .‬فلو أخذ صيدا لينظر إليه ملكه‪ ،‬لنه مباح‪ ،‬فيملك‬
‫بوضع اليد عليه كسائر المباحات‪.‬‬
‫ويملك الصيد أيضا باصطياده‪ :‬بجُرْح مذفّف (مسرع للهلك) وبإزمان (إزالة امتناعه) وكسر جناح‬
‫بحيث يعجز عن الطيران والعَدْو جميعا‪ ،‬إن كان مما يمتنع بهما‪ ،‬وإل فبإبطال واحد منهما‪ ،‬وإن لم‬

‫يضع يده عليه‪ .‬ويملكه أيضا بوقوعه في شبكة نصبها للصيد‪ ،‬فيملكه‪ ،‬وإن لم يضع يده عليه‪ ،‬سواء‬
‫أكان حاضرا أم غائبا‪ ،‬طرده إليها طارد أم ل‪ ،‬وسواء أكانت الشبكة مباحة أم مغصوبة‪ ،‬لنه يعد‬
‫بذلك مستوليا عليه‪.‬‬
‫ويملكه أيضا بإلجائه إلى مضيق‪ ،‬ولو مغصوبا‪ ،‬ل يفلت منه‪ ،‬أي ل يقدر الصيد على التفلت منه كبيت‬
‫لنه صار مقدورا عليه‪.‬‬
‫ول بد من قصد الصطياد‪ ،‬فمن رأى صيدا‪ ،‬فظنه حجرا‪ ،‬أوحيوانا غير الصيد‪ ،‬فرماه‪ ،‬فقتله‪ ،‬حل‬
‫أكله‪ ،‬وملكه‪ ،‬لنه قتله بفعل قصده‪ ،‬وإنما جهل حقيقته‪ ،‬والجهل بها ل يؤثر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ 178‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،282-278/4 :‬المهذب‪.257-255/1 :‬‬

‫( ‪)4/360‬‬
‫ولو قصد صيدا في ملكه‪ ،‬وصار مقدورا عليه بتوحل ( الوقوع في وحل ) وغيره‪ ،‬لم يملكه في‬
‫الصح؛ لن مثل هذا ل يقصد به الصطياد‪ ،‬والقصد ضروري للتملك‪ ،‬لكن يصير أحق به من غيره‪.‬‬
‫ومتى ملكه‪ ،‬لم يزل ملكه بانفلته‪ ،‬فمن أخذه‪ ،‬لزمه رده‪ ،‬ول يزول ملكه أيضا بإرسال المالك له في‬
‫الصح؛ لن رفع اليد عنه‪ ،‬ل يقتضي زوال الملك عنه‪ ،‬كما لو سيّب بهيمته‪ ،‬فليس لغيره أن يصيده‬
‫إذا عرفه‪.‬‬
‫حالة الشتراك في الصيد‪ :‬لو جرح الصيد اثنان متعاقبان‪ ،‬فإن ذفف (قتل) الثاني منهما الصيد‪ ،‬أو‬
‫أزمن (بأن أزال امتناعه)‪ ،‬دون الول منهما‪ ،‬فهو للثاني؛ لن جُرْحه هو المؤثر في امتناعه‪ ،‬ول‬
‫شيء له على الول بجرحه‪ ،‬لنه كان مباحا حينئذ‪.‬‬
‫وإن أزمن الول‪ ،‬فإن انضم إليه فعل الثاني‪ ،‬بأن ذفف بقطع حُلقوم ومريء‪ ،‬فهو حلل الكل‪،‬‬
‫لحصول الموت بفعل ذابح‪ ،‬وعليه للول مقدار ما نقص بالذبح‪ .‬وإن ذفف الثاني ل بقطع الحلقوم‬
‫والمريء‪ ،‬أو لم يذفف أصلً‪ ،‬ومات بالجرحين فحرام‪ ،‬لنه في حالة عدم القطع كان الصيد مقدورا‬
‫عليه‪ ،‬والمقدور عليه ل يحل إل بذبحه‪ ،‬وفي الحالة الثانية (عدم التذفيف) فلجتماع المبيح والمحرم‪،‬‬
‫فيغلب المحرم‪ .‬ويضمنه الثاني للول لنه أفسد ملكه‪ .‬وهذا كما قال الحنفية سابقا‪ ،‬وهو مذهب‬
‫الحنابلة أيضا فيه وفيما يأتي من مسائل‪ .‬وإن جرحا معا‪ ،‬وذففا بجرحهما‪ ،‬أو أزمنا به‪ ،‬فلهما الصيد‪،‬‬
‫لشتراكهما في سبب الملك بجرحهما‪.‬‬

‫وإن ذفف أحدهما‪ ،‬أو أزمن من دون الخر‪ ،‬فله‪ ،‬لنفراده بسبب الملك‪.‬‬
‫ولو جهل كون التذفيف منهما أو من أحدهما‪ ،‬كان لهما‪ ،‬لعدم الترجيح‪.‬‬
‫وإن ذفف واحد في غير مذبح‪ ،‬وأزمن الخر على الترتيب بالصابة ل بالرمي‪ ،‬وجهل السابق منها‪،‬‬
‫حرم الصيد على المذهب‪ ،‬لجتماع الحظر والباحة‪ ،‬فيقدم الحظر‪.‬‬

‫( ‪)4/361‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )1‬كالشافعية‪ :‬يتملك الصيد إما بالصطياد مع قصده‪ ،‬أو بوضع اليد (الخذ) ‪ ،‬فمن‬
‫رمى طيرا على شجرة في دار قوم‪ ،‬فطرحه في دارهم‪ ،‬فهو للرامي؛ لنه ملكه بإزالة امتناعه‪.‬‬
‫ومن نصب خيمة أو شبكة أو فخا للصطياد‪ ،‬فوقع فيه صيد‪ ،‬ملكه للحيازة‪ .‬وكذا لو ألجأ صيدا‬
‫لمضيق ل يفلت منه أو أغلق باب داره عليه‪ ،‬ملكه بذلك‪ ،‬ولو لم يقصد تملكه للحيازة أو لنه بمنزلة‬
‫إثباته بوضع اليد‪.‬‬
‫ومن صنع بِرْكة يصيد بها سمكا‪ ،‬فما وقع فيها ملكه‪ ،‬كالصيد بالشبكة‪ .‬وإن لم يقصد بالبركة صيد‬
‫السمك‪ ،‬لم يملكه بحصوله فيها‪.‬‬
‫ومن كان في سفينة‪ ،‬فوثبت سمكة‪ ،‬فوقعت في حِجْره‪ ،‬فهي له‪ ،‬دون صاحب السفينة؛ لن السمكة من‬
‫الصيد المباح‪ ،‬يملك بالسبق إليه‪.‬‬
‫والصياد الذي يتعاطى سببا للصيد في قوارب الصيد كضوء أوجرس يملكه بذلك‪ .‬فإن لم يقصد الصيد‬
‫بفعل منه‪ ،‬ووقعت سمكة في حجر راكب معه‪ ،‬فهي له‪ ،‬لستيلئه على مباح‪ ،‬وإن وقعت في السفينة‬
‫فلصاحب السفينة‪.‬‬
‫ولو وقع صيد في شبكة إنسان‪ ،‬وأثبته (ثبتت يده عليه) ثم أخذه إنسان آخر‪ ،‬لزمه رده إلى رب‬
‫الشبكة‪ ،‬لنه أثبته بآلته‪ .‬وإن لم تمسكه الشبكة وانفلت منها في الحال‪ ،‬أو خرقها وذهب منها‪ ،‬ولو بعد‬
‫زمن‪ ،‬لم يملكه رب الشبكة‪ ،‬لنه لم يثبته‪ ،‬فإذا صاده غيره ملكه‪ .‬ولو ذهب الصيد بالشبكة‪ ،‬فصاده‬
‫إنسان مع بقاء امتناعه‪ ،‬ملكه الصائد الثاني‪ ،‬ورد الشبكة لصاحبها؛ لن الول لم يملكه‪ .‬فإن مشى‬
‫الصيد بالشبكة على وجه ل يقدر على المتناع فهو لصاحبها‪ ،‬لنه أزال امتناعه‪ ،‬كما في حالة انفلته‬
‫منه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشاف القناع‪ 223/6 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.564 -559/8 :‬‬

‫( ‪)4/362‬‬

‫سمُ الثّاني ‪ :‬النّظَريّات الفقهيّة‬
‫الق ْ‬
‫‪..........................................‬تقديم‪.........................................‬‬
‫تقتضي طبيعة التدرج المنطقي النتقال من الجزئيات إلى الكليات‪ ،‬ومن الفراد إلى التركيب‪ ،‬ومن‬
‫الحكام الجزئية إلى النظريات العامة‪ ،‬كما هو منهج الدراسة القانونية الحديثة‪ .‬لذا كان لزاما علينا‬
‫البحث عن نظريات الفقه السلمي‪ ،‬وما أكثرها‪ ،‬بالرغم مما يكتنف ذلك من صعوبات استقرائية في‬
‫تتبع أحكام المسائل الفقهية في بحار الكتب القديمة المترعة بالثروة الفقهية الضخمة‪ ،‬التي تمتاز‬
‫بخصوبتها ومرونتها وتغطيتها لحتمالت متعددة‪ ،‬ل تقل عن أروع ما ابتكره الفكر القانوني الحديث‪،‬‬
‫بل تفوقه أحيانا بالحرص على القيم الخلقية العالية والمصالح العامة‪.‬‬
‫وحينما ندرس بدقة وإمعان طائفة من النظريات الفقهية‪ ،‬يتجلى لنا إحكام الربط بين الحكم الشرعي‬
‫وبين مصدره وأصوله وقواعده والنظريات الفقهية التي أدركها المجتهدون من مصادر الشريعة‬
‫واتخذوها نبراسا لهم في الجتهاد‪.‬‬
‫وقد أشرت لما يتفق مع القانون ويختلف فقها وقانونا‪ ،‬ودعمت الحكم الشرعي بدليله النقلي المعتمد‬
‫على القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة‪ ،‬أو بالدليل العقلي المتجه نحو رعاية المصلحة ودرء‬
‫المفسدة‪.‬‬
‫هذا‪ ..‬وقد بحثت في الجزاء الربعة الولى القسم الول من هذا الكتاب‪ ،‬وهو ( العبادات )‪ .‬وأتابع‬
‫في هذا الجزء بحث القسم الثاني من الكتاب وهو أهم النظريات الفقهية ومدى الستفادة منها في‬
‫القوانين الوضعية‪ ،‬وذلك في فصول ستة وملحق‪ ،‬كما سأبحث في هذا الجزء أيضا عقد البيع‬
‫والخيارات من القسم الثالث وهو ( العقود )‪.‬‬
‫أما موضوعات القسم الثاني أو فصوله فهي نظريات الحق‪ ،‬الموال‪ ،‬نظرية الملكية‪ ،‬نظرية العقد‪،‬‬
‫المؤيدات الشرعية‪ ،‬نظرية الفسخ‪ ،‬أهم ما اقتبسه القانون المدني من الفقه السلمي‪.‬‬
‫وال أسأل أن يوفقنا جميعا لدراك عظمة الفقه السلمي وغناه وواقعيته وسداده‪ ،‬لنعود إليه عند‬
‫وضع القوانين عن جدارة وتقدير‪ ،‬تاركين العتماد على الفقه الغربي ونظرياته وحلوله الغريبة عنا‪.‬‬
‫‪..............................................................................‬المؤلف‬

‫( ‪)4/363‬‬
‫صلُ الوّل‪ :‬نظريّة الحقّ‬
‫ال َف ْ‬
‫النظرية‪ :‬معناها المفهوم العام ا لذي يؤلف نظاما حقوقيا موضوعيا تنطوي تحته جزئيات موزعة في‬

‫أبواب الفقه المختلفة‪ ،‬كنظرية الحق‪ ،‬ونظرية الملكية‪ ،‬ونظرية العقد‪ ،‬ونظرية الهلية‪ ،‬ونظرية‬
‫الضمان‪ ،‬ونظرية الضرورة الشرعية‪ ،‬ونظرية المؤيدات الشرعية من بطلن وفساد وتوقف وتخيير‬
‫ونحو ذلك مما أذكره هنا‪.‬‬
‫ومن المعروف أن فقهاءنا لم يقرروا أحكام المسائل الفقهية على أساس النظريات العامة وبيان المسائل‬
‫المتفرعة عنها‪ ،‬على وفق المنهاج القانوني الحديث‪ ،‬وإنما كانوا يتتبعون أحكام المسائل والجزئيات‬
‫والفروع‪ ،‬مع ملحظة ماتقتضيه النظرية أو المبدأ العام الذي يهيمن على تلك الفروع‪ .‬ولكن بملحظة‬
‫أحكام الفروع يمكن إدراك النظرية وأصولها‪.‬‬
‫وبذلك تختلف النظرية عن القاعدة الكلية مثل (المشقة تجلب التيسير) (والمور بمقاصدها) في أن‬
‫النظرية بناء عام لقضايا ذات مفهوم واسع مشترك‪ .‬أما القاعدة فهي ضابط أومعيار كلي في ناحية‬
‫مخصوصة من نواحي النظرية العامة‪.‬‬
‫وأوضح نظرية الحق في أربعة مباحث ‪:‬‬
‫الول ـ تعريف الحق وأركانه‬
‫الثاني ـ أنواع الحق الثالث ـ مصادر الحق وأسبابه‬
‫الرابع ـ أحكام الحق‬
‫المبحث الول ـ تعريف الحق وأركانه‬
‫وفيه مطلبان‪:‬‬
‫المطلب الول ـ تعريف الحق ‪:‬‬
‫الحق في اللغة العربية له معان مختلفة تدور حول معنى الثبوت والوجوب مثل قوله تعالى‪{ :‬لقد حقّ‬
‫طلَ‬
‫ق ويُ ْب ِ‬
‫حقّ الح ّ‬
‫القولُ على أكثرهم‪ ،‬فهم ل يؤمنون} [يس‪ ]7/36:‬أي ثبت ووجب‪ .‬وقوله سبحانه‪ { :‬ليُ ِ‬
‫الباطِل َ} [النفال‪ ]8/8:‬أي يثبت ويظهر‪ .‬وقوله عز وجل‪{ :‬جاءَ الحقّ وزَهَقَ الباطِل} [السراء‪:‬‬
‫‪ ]81/17‬أي المر الموجود الثابت‪ .‬وقوله تعالى‪{ :‬وللمطلقاتِ متاعٌ بالمعروف حقا على المتقين}‬
‫[البقرة‪ ]241/2:‬أ ي واجبا عليهم‪.‬‬

‫( ‪)4/364‬‬
‫وتطلق كلمة الحق على النصيب المحدد لمثل قوله تعالى‪{ :‬والذين في أموالهم حقّ معلومٌ‪ ،‬للسائل‬
‫والمحروم} [المعارج‪،]25-24/70:‬كما تطلق على العدل في مقابلة الظلم مثل قوله تعالى‪{ :‬وال‬
‫يقضي بالحقّ} [غافر‪.]20/40:‬‬

‫وأما عند الفقهاء فقد ورد تعريف للحق عند بعض المتأخرين فقال‪ :‬الحق‪ :‬هو الحكم الثابت شرعا (‪)1‬‬
‫‪ .‬ولكنه تعريف غير جامع ول شامل لكل ما يطلق عليه لفظ الحق عند الفقهاء‪ .‬فقد يطلق الحق على‬
‫المال المملوك وهو ليس حكما‪ ،‬ويطلق على الملك نفسه‪ ،‬وعلى الوصف الشرعي كحق الولية‬
‫والحضانة والخيار‪ ،‬ويطلق على مرافق العقار كحق الطريق والمسيل والمجرى‪ .‬ويطلق على الثار‬
‫المترتبة على العقود كاللتزام بتسليم المبيع أو الثمن‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حاشية قمر القمار على شرح المنار للشيخ عبد الحليم اللكنوي‪ ،‬أول مبحث الحقوق‪.‬‬

‫( ‪)4/365‬‬
‫وعرفه بعض الساتذة المعاصرين‪ ،‬فقال أستاذنا الشيخ علي الخفيف‪ :‬الحق‪ :‬هو مصلحة مستحقة‬
‫شرعا (‪ . )1‬لكنه تعريف بالغاية المقصودة من الحق‪،‬ل بذاتيته وحقيقته‪ ،‬فإن الحق‪ :‬هو علقة‬
‫اختصاصية بين صاحب الحق والمصلحة التي يستفيدها منه‪.‬‬
‫وقال الستاذ مصطفى الزرقاء‪ :‬الحق‪ :‬هو اختصاص يقرر به الشرع سلطةً أو تكليفا (‪ . )2‬وهو‬
‫تعريف جيد؛ لنه يشمل أنواع الحقوق الدينية كحق ال على عباده من صلة وصيام ونحوهما‪،‬‬
‫والحقوق المدنية كحق التملك‪ ،‬والحقوق الدبية كحق الطاعة للوالد على ولده‪ ،‬وللزوج على زوجته‪،‬‬
‫والحقوق العامة كحق الدولة في ولء الرعية لها‪ ،‬والحقوق المالية كحق النفقة‪ ،‬وغير المالية كحق‬
‫الولية على النفس‪.‬‬
‫ويتميز هذا التعريف بأنه أبان ذاتية الحق بأنه علقة اختصاصية بشخص معين‪ ،‬كحق البائع في الثمن‬
‫يختص به‪ ،‬فإن لم يكن هناك اختصاص بأحد‪ ،‬وإنما كان هناك إباحة عامة كالصطياد والحتطاب‬
‫والتمتع بالمرافق العامة‪ ،‬فل يسمى ذلك حقا‪ ،‬وإنما هو رخصة عامة للناس‪.‬‬
‫والسلطة‪ :‬إما أن تكون على شخص كحق الحضانة والولية على النفس‪ ،‬أو على شيء معين كحق‬
‫الملكية‪.‬‬
‫والتكليف‪ :‬التزام على إنسان إما مالي كوفاء الدين‪ ،‬وإما لتحقيق غاية معينة كقيام الجير بعمله‪.‬‬
‫وأشار التعريف لمنشأ الحق في نظر الشريعة‪ :‬وهو إرادة الشرع‪ ،‬فالحقوق في السلم منح إلهية‬
‫تستند إلى المصادر التي تستنبط منها الحكام الشرعية‪ ،‬فل يوجد حق شرعي من غير دليل يدل‬
‫عليه‪ ،‬فمنشأ الحق هو ال تعالى؛ إذ ل حاكم غيره‪ ،‬ول تشريع سوى ما شرعه‪ .‬وليس الحق في‬
‫السلم طبيعيا مصدره الطبيعة أو العقل البشري‪ ،‬إل أنه منعا مما قد يتخوف منه القانونيون من جعل‬

‫مصدر الحقوق إلهيا وبالتالي إطلق الحرية في ممارسة الحق‪ ،‬منعا من هذا الخطر‪ ،‬قرر السلم‬
‫سلفا تقييد الفراد في استعمال حقوقهم بمراعاة مصلحة الغير وعدم الضرار بمصلحة الجماعة‪ ،‬فليس‬
‫الحق مطلقا وإنما هو مقيد بما يفيد المجتمع ويمنع الضرر عن الخرين‪ ،‬والحق في الشريعة يستلزم‬
‫واجبين‪:‬‬
‫واجب عام على الناس باحترام حق الشخص وعدم التعرض له‪.‬‬
‫وواجب خاص على صاحب الحق بأن يستعمل حقه بحيث ل يضر بالخرين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مذكرات الحق والذمة‪ :‬ص ‪.36‬‬
‫(‪ )2‬المدخل إلى نظرية اللتزام في الفقه‪ :‬ف ‪ 3‬ص ‪ 10‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/366‬‬
‫المطلب الثاني ـ أركان الحق ‪:‬‬
‫للحق ركنان‪ :‬صاحب الحق وهو المستحق‪ ،‬ومحل الحق‪ :‬وهو ما يتعلق به الحق ويرد عليه‪ .‬وهو إما‬
‫الشيء المعين الذي يتعلق به الحق كما في الحق العيني‪ ،‬أو الدين‪ .‬ويضاف للحق الشخصي كالعلقة‬
‫بين الدائن والمدين ركن ثالث‪ :‬وهو المدين المكلف بالحق‪ .‬ونوع التكليف إما أن يكون قياما بعمل‬
‫كأداء الدين أو الثمن‪ ،‬أو امتناعا عن عمل‪ ،‬كالمتناع عن إضرار الجار أو غيره‪ ،‬والمتناع عن‬
‫استعمال الوديعة أو المانة‪ .‬والمكلف قد يكون معينا فردا أو جماعةً كالمدين بالنسبة للدين‪ ،‬أو غير‬
‫معين كالواجبات العامة المكلف بها جميع الناس باحترام حقوق الخرين وعدم العتداء عليها‪.‬‬
‫صاحب الحق‪ :‬هو ال تعالى في الحقوق الدينية‪ ،‬والشخص الطبيعي (النسان) أو العتباري‬
‫(كالشركات والمؤسسات) في الحقوق الخرى‪ ،‬الذي يتمتع بالسلطات التي يمارسها على محل الحق‪.‬‬
‫وتبدأ الشخصية الطبيعية لكل إنسان ببدء تكون الجنين‪ ،‬بشرط ولدته حيا ولو حياة تقديرية‪ .‬ويعتبر‬
‫حيا عند الحنفية بظهور أكثر المولود حيا‪ ،‬وتعتبر الحياة تقديرية عندهم في حالة إسقاط الجنين بجناية‪،‬‬
‫كما لو ضرب شخص امرأة حبلى فأسقط جنينا ميتا‪ ،‬فإنه يرث ويورث‪.‬‬
‫وقال غير الحنفية‪ :‬يشترط تمام الولدة لعتبار الشخص حيا‪ ،‬وانفصاله عن أمه انفصالً تاما‪ .‬وبهذا‬
‫الرأي أخذ قانون الحوال الشخصية السوري‪ .‬واكتفى غير الحنفية في حال إسقاط الجنين ميتا بأن‬
‫الجنين تورث عنه الغرة فقط (وهي دية الجنين أو التعويض المالي الواجب دفعه بسبب العتداء على‬
‫الجنين وقدرت شرعا بـ ‪ 05‬دينارا أو بـ ‪ 500‬درهم)‪.‬‬

‫( ‪)4/367‬‬
‫وتنتهي الشخصية الطبيعية بالوفاة الحقيقية (الموت) أو التقديرية كالحكم بوفاة المفقود أو الغائب الذي‬
‫ل يعلم مكانه‪ ،‬ول يدرى أهو حي أو ميت‪ ،‬وذلك بوفاة أقرانه في غالب الظن‪ ،‬أو ببلوغه تسعين سنة‪.‬‬
‫ولكن مع زوال الشخصية بالموت تظل ذمة النسان وأهلية وجوبه باقية افتراضا بقدر ما تقتضيه‬
‫تصفية الحقوق المتعلقة بتركته‪ ،‬وذلك للضرورة وبقدر الضرورة‪ ،‬كما سيتضح في بحث الموال‬
‫والذمة المالية‪ ،‬فيتملك الميت ما باشر سبب ملكيته في حياته كنصب شبكة للصيد وقع فيها المصيد‪،‬‬
‫ويضمن ما باشر سبب ضمانه‪ ،‬كاللتزام بدفع قيمة ما يقع من حيوان في حفرة حفرها في الطريق‬
‫العام‪.‬‬
‫ويقر الفقه السلمي ما يسمى قانونا‪ :‬الشخصية العتبارية‪ ،‬أو المعنوية أو الشخصية المجردة عن‬
‫طريق العتراف لبعض الجهات العامة كالمؤسسات والجمعيات والشركات والمساجد بوجود شخصية‬
‫تشبه شخصية الفراد الطبيعيين في أهلية التملك وثبوت الحقوق‪ ،‬واللتزام بالواجبات‪ ،‬وافتراض‬
‫وجود ذمة مستقلة للجهة العامة بقطع النظر عن ذمم الفراد التابعين لها‪ ،‬أو المكونين لها‪.‬‬
‫والدلة كثيرة على هذا القرار‪ ،‬سواء من النصوص أو من الجتهادات الفقهية‪ .‬فمن النصوص‪:‬‬
‫الحديث النبوي‪« :‬ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» (‪ )1‬أي أن المان الصادر للعدو من أحدهم‬
‫يسري على جماعة المسلمين‪ .‬ومنها نصوص المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬والتي تقضي‬
‫بجواز رفع ما يسمى بدعوى الحسبة من أي فرد لقمع غش وإزالة منكر أو أذى عن الطريق‪ ،‬وتفريق‬
‫بين زوجين بينهما علقة محرمة‪ ،‬وإن لم يكن للمدعي مصلحة شخصية‪.‬‬
‫ومن الجتهادات‪ :‬فصل بيت المال عن مال الحاكم الخاص‪ ،‬وقولهم‪ :‬بيت المال وارث من ل وارث‬
‫له‪ ،‬واعتبار الحاكم نائبا عن المة في التصرف بالموال العامة على وفق المصلحة‪ ،‬كما يتصرف‬
‫الوصي بمال اليتيم‪ .‬وهو نائب عن المة‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد عن علي رضي ال عنه ( نيل الوطار‪.) 27/7 :‬‬

‫( ‪)4/368‬‬
‫أيضا في إبرام المعاهدات التي تظل نافذة على الرغم من موته أو خلعه‪ ،‬وفي تعيين الموظفين أو‬
‫العمال الذين ل ينعزلون بموت الحاكم‪ ،‬وفي إصدار الحكام القضائية‪ ،‬فل يضمن القاضي الدية إذا‬

‫أخطأ في قضائه في حقوق ال كقطع يد السارق بشهود زور‪ ،‬وإنماضمانها في بيت المال‪.‬‬
‫ومن اجتهاداتهم‪ :‬جواز تمليك الوقف والتزامه بما يجب عليه من حقوق للخرين‪ ،‬وجواز الوصية‬
‫والوقف للمسجد‪ ،‬واعتبار ناظر الوقف مجرد نائب عنه ليتحمل شيئا من ديون الوقف‪ ،‬ويشتري‬
‫للوقف مايحتاجه‪ ،‬ويدفع ثمنه من غلت الوقف‪ .‬فالوقف هو المالك والدائن والمدين‪ ،‬ل المتولي عليه‪.‬‬
‫والناظر أمين على الوقف‪ ،‬فلو خان مصلحة الوقف أو أساء التصرف إليه أو خالف شروط الواقف‪،‬‬
‫ضمن موجب فعله‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ أنواع الحق‬
‫ينقسم الحق عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة بحسب المعنى الذي يدور عليه الحق‪ ،‬أذكر أهم هذه‬
‫التقسيمات وأحكامها وما يترتب عليها من نتائج‪.‬‬
‫التقسيم الول ـ باعتبار صاحب الحق‬
‫ينقسم الحق بهذا العتبار إلى ثلثة أنواع‪ :‬حق ال ‪ ،‬وحق النسان‪ ،‬وحق مشترك‪ :‬وهو ما اجتمع فيه‬
‫الحقان ولكن قد يغلب حق ال أو حق النسان الشخصي (‪. )1‬‬
‫‪ - 1‬حق ال تعالى (أو الحق العام ) ‪:‬‬
‫وهو ما قصد به التقرب إلى ال تعالى وتعظيمه وإقامة شعائر دينه‪ ،‬أو تحقيق النفع العام للعالم من‬
‫غير اختصاص بأحد من الناس‪ .‬وينسب إلى ال تعالى لعظم خطره وشمول نفعه‪ ،‬أي أنه هو حق‬
‫للمجتمع‪.‬‬
‫مثال الول‪ :‬العبادات المختلفة من الصلة والصيام والحج والزكاة والجهاد‪ ،‬والمر بالمعروف والنهي‬
‫عن المنكر‪ ،‬والنذر واليمين وتسمية ال عند الذبح وكل أمر ذي بال‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع كتب أصول فقه الحنفية‪ :‬التقرير والتحبير‪ ،111-104/2 :‬كشف السرار‪،136/2 :‬‬
‫التلويح على التوضيح‪ 151/2 :‬ومابعدها‪ ،‬حاشية نسمات السحار‪ :‬ص ‪.259‬‬

‫( ‪)4/369‬‬
‫ومثال الثاني‪ :‬الكف عن الجرائم وتطبيق العقوبات من حدود (حد الزنا والقذف والسرقة والحرابة‬
‫وشرب المسكرات) وتعزيرات على الجرائم المختلفة‪ ،‬وصيانة المرافق العامة من أنهار وطرقات‬
‫ومساجد وغيرها مما ل بد منها للمجتمع‪.‬‬
‫وتقسم حقوق ال تعالى عند الحنفية إلى ثمانية أقسام تعرف في أصول الفقه‪ .‬وأحكام حق ال تعالى‬

‫كثيرة‪ :‬وهي ل يجوز إسقاطه بعفو أو صلح أو تنازل‪ ،‬ول يجوز تغييره‪ ،‬فل يسقط حد السرقة بعفو‬
‫المسروق منه أو صلحه مع السارق بعد بلوغ المر إلى الحاكم‪ .‬ول يسقط حد الزنا بعفو الزوج أو‬
‫غيره أو إباحة المرأة نفسها‪.‬‬
‫ول يورث هذا الحق‪ ،‬فل يجب على الورثة ما فات مورثهم من عبادات‪ ،‬إل إذا أوصى بإخراجها‪،‬‬
‫ول يسأل الوارث عن جريمة المورث‪.‬‬
‫ويجري التداخل في عقوبة حقوق ال ‪ ،‬فمن زنى مرارا‪ ،‬أو سرق مرارا ولم يعاقب في كل مرة‪،‬‬
‫فيكتفى بعقوبة واحدة؛ لن المقصود من العقوبة هو الزجر والردع ويتحقق بذلك (‪ . )1‬واستيفاء‬
‫عقوبة هذه الجرائم للحاكم‪ ،‬فهو الذي يؤدب على ترك العبادات أو التهاون بشأنها‪ ،‬وهو الذي يقيم‬
‫الحدود والتعزيرات على العصاة منعا من الفوضى وتثبيتا من وقوع الجريمة‪.‬‬
‫‪ - 2‬حق النسان (أو العبد ) ‪:‬‬
‫وهو ما يقصد منه حماية مصلحة الشخص‪ ،‬سواء أكان الحق عاما كالحفاظ على الصحة والولد‬
‫والموال‪ ،‬وتحقيق المن‪ ،‬وقمع الجريمة‪ ،‬ورد العدوان‪ ،‬والتمتع بالمرافق العامة للدولة؛ أم كان الحق‬
‫خاصا‪ ،‬كرعاية حق المالك في ملكه‪ ،‬وحق البائع في الثمن والمشتري في المبيع‪ ،‬وحق الشخص في‬
‫بدل ماله المتلف‪ ،‬ورد المال المغصوب‪ ،‬وحق الزوجة في النفقة على زوجها‪ ،‬وحق الم في حضانة‬
‫طفلها‪ ،‬والب في الولية على أولده‪ ،‬وحق النسان في مزاولة العمل ونحو ذلك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 55/7 :‬ومابعدها‪ ، 86 ،‬المبسوط‪.185/9 :‬‬

‫( ‪)4/370‬‬
‫وحكم هذا الحق أنه يجوز لصاحبه التنازل عنه‪ ،‬وإسقاطه بالعفو أو الصلح أو البراء أو الباحة‪،‬‬
‫ويجرى فيه التوارث‪ ،‬ول يقبل التداخل‪ ،‬فتتكرر فيه العقوبة على كل جريمة على حدة‪ ،‬واستيفاؤه‬
‫منوط بصاحب الحق أو وليه‪.‬‬
‫‪ - 3‬الحق المشترك‪ :‬وهو الحق الذي يجتمع فيه الحقان‪ :‬حق ال وحق الشخص‪ ،‬لكن إما أن يغلب‬
‫فيه حق ال تعالى أو حق الشخص‪.‬‬
‫مثال الول‪ :‬عدة المطلقة‪ ،‬فيها حق ال ‪ :‬وهو صيانة النساب عن الختلط‪ ،‬وفيها حق الشخص‪،‬‬
‫وهو المحافظة على نسب أولده‪ ،‬لكن حق ال غالب؛ لن في صيانة النساب نفعا عاما للمجتمع‪،‬‬
‫وهو حمايته من الفوضى‬

‫والنهيار‪ .‬ومثاله أيضا‪ :‬صيانة النسان حياته وعقله وصحته وماله‪ ،‬فيها حقان‪ ،‬لكن حق ال غالب‬
‫لعموم النفع العائد للمجتمع‪ .‬ومثاله عند الحنفية (‪ )1‬حد القذف ( وهو ثمانون جلدة لمن يتهم غيره‬
‫بالزنا ) فيه حقان‪ :‬حق للمقذوف بدفع العار عنه وإثبات شرفه وحصانته‪ ،‬وحق ال ‪ :‬وهو صيانة‬
‫أعراض الناس وإخلء العالم من الفساد‪ ،‬والحق الثاني أغلب (‪. )2‬‬
‫وحكمه‪ :‬أنه يلحق بالقسم الول‪ ،‬وهو حق ال تعالى باعتبار أنه هو الغالب‪.‬‬
‫ومثال الثاني‪ :‬حق القصاص الثابت لولي المقتول‪ ،‬فيه حقان‪ :‬حق ل وهو تطهير المجتمع عن جريمة‬
‫القتل النكراء‪ ،‬وحق للشخص‪ :‬وهو شفاء غيظه وتطييب نفسه بقتل القاتل‪ ،‬وهذا الحق هو الغالب؛ لن‬
‫مبنى القصاص على المماثلة‪ ،‬بقوله تعالى‪{ :‬وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة‪]45/5:‬‬
‫والمماثلة ترجح حق الشخص‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،194/4 :‬البدائع‪ ،56/7 :‬المبسوط‪ ،113/9 :‬رد المحتار والدر المختار‪.189/4 :‬‬
‫(‪ )2‬وقال الشافعية والحنابلة وفي قول لمالك هو الظهر عند ابن رشد‪ :‬حد القذف حق خالص‬
‫للمقذوف‪ ،‬لن القذف جناية على عرضه‪ ،‬وعرضه حقه فالعقاب حقه‪.‬‬

‫( ‪)4/371‬‬
‫وحكمه أنه يلحق بالقسم الثاني‪ :‬وهو حق الشخص في جميع أحكامه‪ ،‬فيجوز لولي المقتول العفو عن‬
‫القاتل‪ ،‬والصلح معه على مال‪ ،‬بل ندب ال تعالى إلى العفو والصلح‪ ،‬فقال‪{ :‬فمن عفي له من أخيه‬
‫شيء‪ ،‬فاتباع بالمعروف‪ ،‬وأداء إليه بإحسان‪ ،‬ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة‪ .]178/2:‬وقال‬
‫عز وجل‪{ :‬ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فل يسرف في القتل‪ ،‬إنه كان منصورا}‬
‫[السراء‪.]33/17:‬‬
‫تقسيم حق الشخص (أو العبد ) ‪:‬‬
‫ينقسم حق الشخص الخاص باعتبار أنه صاحب الحق تقسيمين آتيين‪:‬‬
‫الول ـ حقوق تقبل السقاط وحقوق لتقبل السقاط ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحق القابل للسقاط‪ :‬الصل أن جميع الحقوق الشخصية تقبل السقاط بخلف العيان‪ ،‬كحق‬
‫القصاص وحق الشفعة وحق الخيار‪ .‬وإسقاط الحق إما أن يكون بعوض أو بغير عوض‪.‬‬
‫‪ - 2‬الحق الذي ل يقبل السقاط‪ :‬هناك حقوق ل تقبل السقاط على سبيل الستثناء من الصل العام‬
‫المتقدم وهي ما يأتي‪:‬‬

‫أ ـ الحقوق التي لم تثبت بعد‪ :‬كإسقاط الزوجة حقها في المبيت والنفقة المستقبلة‪ ،‬وإسقاط المشتري‬
‫حقه في خيار الرؤية قبل الرؤية‪ ،‬وإسقاط الوارث حقه في العتراض على الوصية حال حياة‬
‫الموصي‪ ،‬وإسقاط الشفيع (الشريك أو الجار) حقه في الشفعة قبل البيع‪ .‬كل هذا ل يسقط؛ لن الحق‬
‫نفسه لم يوجد بعد‪.‬‬
‫ب ـ الحقوق المعتبرة شرعا من الوصاف الذاتية الملزمة للشخص‪ :‬كإسقاط الب أو الجد حقهما‬
‫في الولية على الصغير‪ ،‬فإن الولية وصف ذاتي لهما ل تسقط بإسقاطهما‪ .‬ومثلها عند أبي يوسف‪:‬‬
‫ولية الواقف على وقفه‪ ،‬تثبت له سواء شرطها أو نفاها؛ لنها أثر ملكه‪.‬‬

‫( ‪)4/372‬‬
‫ج ـ الحقوق التي يترتب على إسقاطها تغيير للحكام الشرعية كإسقاط المطلق حقه في إرجاع‬
‫زوجته‪،‬وإسقاط الواهب حقه في الرجوع عن الهبة‪،‬وإسقاط الموصي حقه في الرجوع عن الوصية‪.‬‬
‫ومنها إسقاط مالك العين حقه في ملكها‪ ،‬ل يقبل السقاط؛ لن معنى إسقاط حقه في ملكها إخراجها‬
‫عن ملكه إلى غير مالك‪ ،‬فتكون سائبة ل مالك لها‪ ،‬وقد نهى الشرع عن السائبة التي كانت في‬
‫الجاهلية بقوله تعالى‪ { :‬ما جعل ال من بحيرة ول سائبة ول وصيلة ول حام‪[ )1:( }...‬المائدة‪:‬‬
‫‪ ،]5/103‬فأصبح المبدأ المقرر‪ ( :‬ل سائبة في السلم )‪ .‬وعليه فإن العين في حكم الشرع ل بد أن‬
‫يثبت فيها وصف الملك لحد من الناس‪ ،‬فإسقاط المالك حقه في ملكها يترتب عليه تغيير حكم الشرع‬
‫الثابت‪ ،‬وهذا باطل إذ ليس لحد من الناس ولية تغيير حكم الشرع المقرر‪.‬‬
‫د ـ الحقوق التي يتعلق بها حق الغير‪ :‬كإسقاط الم حقها في الحضانة‪ ،‬والمطلق حقه في عدة‬
‫مطلقته‪ ،‬والمسروق منه حقه في حد السارق؛ لن هذه الحقوق مشتركة‪ ،‬وإذا كان للنسان ولية على‬
‫إسقاط حقه‪ ،‬فليس له ولية على إسقاط حق غيره‪.‬‬
‫الثاني ـ حقوق تورث وحقوق ل تورث ‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء على وراثة الحقوق المقصود بها التوثق كحبس المرهون لوفاء الدين‪ ،‬وحبس المبيع‬
‫لستيفاء الثمن‪ ،‬وحق الكفالة بالدين لنها من الحقوق اللزمة المؤكدة‪.‬‬
‫واتفقوا أيضا على وراثة حقوق الرتفاق كحق الشّرب والمرور؛ لنها حقوق تابعة للعقار ولزمة له‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البحيرة‪ :‬هي الشاة التي تلد خمسة أبطن خامسها أنثى‪ .‬والسائبة‪ :‬الناقة التي تسيب للهتهم فترعى‬
‫حيث شاءت‪ ،‬ول يأخذ لبنها إل ضيف وليحمل عليها‪ .‬والوصيلة‪ :‬الناقة التي تلد ذكرا ثم أنثى‪،‬‬

‫فيقولون‪ :‬وصلت أخاها‪ ،‬فلم يذبحوا الذكر للهتهم كما كان مقررا عندهم من ذبح الذكر وإبقاء النثى‬
‫لهم‪ .‬والحام أو الحامي‪ :‬الفحل الذي يولد من ظهره عشرة أبطن ( تفسير ابن كثير‪107/2 :‬‬
‫ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)4/373‬‬
‫وكذلك اتفقوا على إرث خيار التعيين والعيب؛ لن البيع في خيار التعيين لزم‪ ،‬والحق محصور في‬
‫اختيار أحد الشياء‪ .‬والبيع تم في خيار العيب على أساس سلمة المبيع من العيب‪ ،‬فيثبت ذلك الحق‬
‫للورثة دفعا للضرر والغبن‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في إرث خيار الشرط وخيار الرؤية وأجل الدين وحق الغانم في الغنيمة بعد الحراز‪،‬‬
‫وقبل القسمة‪:‬‬
‫فقال الحنفية‪ :‬ل تورث الحقوق والمنافع؛ لن الرث يجري في المال الموجود وهو العيان‪ ،‬وهذه‬
‫ل لنها أوصاف شاغلة لها‪ ،‬ول يتصور‬
‫ليست أموالً عندهم‪ .‬أما الديون فما دامت في الذمة فليست ما ً‬
‫قبضها حقيقة‪ ،‬وإنما يقبض ما يعادلها‪ ،‬لكنها تورث لنها مال حكمي؛ أي شيء اعتباري يملكه الدائن‪،‬‬
‫وهو موجود في ثروة المدين‪ ،‬فالدين مال من حيث المآل‪.‬‬
‫وقال غير الحنفية‪ :‬تورث الحقوق والمنافع والديون؛ لنها أموال‪ ،‬ولقوله عليه السلم‪« :‬من ترك مالً‬
‫أو حقا فلورثته‪ ،‬ومن ترك كَلً أو عيالً فإلي» (‪. )1‬‬
‫التقسيم الثاني ـ باعتبار محل الحق‬
‫ينقسم الحق باعتبار محله المتعلق به إلى حق مالي وغير مالي‪ ،‬وإلى حق شخصي وحق عيني‪ ،‬وإلى‬
‫حق مجرد وحق غير مجرد‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة بلفظ‪« :‬ما من مؤمن إل أنا أولى به في‬
‫سهِمْ} [الحزاب‪ ]6/33:‬فأيما مؤمن‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬واقرؤوا إن شئتم‪{ :‬النّبيّ َأوْلَى بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ مِنْ أْ ْنفُ ِ‬
‫مات وترك مالً فليرثه عصبته من كانوا‪ ،‬ومن ترك دَيْنا أو ضياعا‪ ،‬فليأتني فأنا موله » والضياع أي‬
‫ذوي ضياع أي ل شيء لهم (نيل الوطار‪.)57/6 :‬‬

‫( ‪)4/374‬‬

‫‪ - 1‬الحقوق المالية وغير المالية ‪:‬‬
‫الحقوق المالية‪ :‬هي التي تتعلق بالموال ومنافعها أي التي يكون محلها المال أو المنفعة‪ ،‬كحق البائع‬
‫في الثمن‪ ،‬والمشتري في المبيع‪ ،‬وحق الشفعة‪ ،‬وحقوق الرتفاق‪ ،‬وحق الخيار‪ ،‬وحق المستأجر في‬
‫السكنى‪ ،‬ونحوها‪.‬‬
‫والحقوق غير المالية‪ :‬هي التي تتعلق بغير المال مثل حق القصاص‪ ،‬وحق الحرية بجميع أنواعها‪،‬‬
‫وحق المرأة في الطلق أو التفريق لعدم النفاق‪ ،‬أو بسبب العيوب التناسلية أو للضرر وسوء العشرة‬
‫أو للغيبة أو الحبس‪ ،‬وحق الحضانة‪ ،‬وحق الولية على النفس‪ ،‬ونحو ذلك من الحقوق السياسية‬
‫والطبيعية‪.‬‬
‫‪ - 2‬الحق الشخصي والحق العيني ‪:‬‬
‫الحق الشخصي‪ :‬هو ما يقره الشرع لشخص على آخر‪ .‬ومحله إما أن يكون قياما بعمل كحق البائع‬
‫في تسلم الثمن وحق المشتري في تسلم المبيع‪ ،‬وحق النسان في الدين وبدل المتلفات والمغصوبات‪،‬‬
‫وحق الزوجة أو القريب في النفقة‪ .‬وإما أن يكون امتناعا عن عمل كحق المودع على الوديع في عدم‬
‫استعمال الوديعة‪.‬‬
‫وللحق الشخصي عناصر ثلثة‪ :‬هي صاحب الحق‪ ،‬ومحل الحق‪ ،‬والمكلف أو المدين‪ ،‬إل أن العلقة‬
‫بين طرفي هذا الحق هي المتميزة أو البارزة‪ ،‬دون المحل وهو المال‪.‬‬

‫( ‪)4/375‬‬
‫والحق العيني‪ :‬هو ما يقره الشرع لشخص على شيء معين بالذات‪ .‬فالعلقة القائمة بين صاحب الحق‬
‫وشيء مادي معين بذاته‪ ،‬والتي بموجبها يمارس المستحق سلطة مباشرة على الشيء هي الحق‬
‫العيني‪ .‬مثل حق الملكية الذي به يستطيع المالك ممارسة أكمل السلطات على ما يملكه‪ :‬وهي‬
‫التصرف بالشيء واستثماره واستعماله‪ .‬وحق الرتفاق المقرر لعقار على عقار معين كحق المرور أو‬
‫المسيل أو تحميل الجذوع على الجدار المجاور‪ .‬وحق احتباس العين المرهونة لستيفاء الدين‪ .‬وللحق‬
‫العيني عنصران فقط هما‪ :‬صاحب الحق‪ ،‬ومحل الحق‪.‬‬
‫خصائص الحق العيني والحق الشخصي ‪:‬‬
‫يتميز كل من هذين الحقين بمميزات وخصائص أهمها ما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬حق التتبع لصاحب الحق العيني دون الشخصي‪ :‬لصاحب الحق العيني تتبع الشيء الذي تعلق به‬
‫حقه في أي يد وجدت فيها العين مهما تغير واضع اليد عليها‪ .‬فلو غصب شخص شيئا ثم باعه أو‬

‫غصب منه وتداولته اليدي‪ ،‬جاز لمالكه رفع الدعوى على الحائز الخير صاحب اليد‪.‬‬
‫أما الحق الشخصي‪ :‬فل يطالب به إل المكلف به أصالة وهو المدين أو نيابة وهو الكفيل أو المحال‬
‫عليه‪.‬‬
‫وسبب التفرقة‪ :‬أن الحق العيني متعلق بعين معينة ل بذمة شخصية‪ ،‬والعين يمكن انتقالها من يد إلى‬
‫أخرى‪ .‬أما الحق الشخصي فمتعلق بذمة المكلف أو المدين‪ ،‬فل يسأل عنه غيره إل بإرادته كما في‬
‫الكفالة والحوالة‪.‬‬
‫‪ - 2‬حق المتياز أو الفضلية لصاحب الحق العيني‪ :‬يكون لصاحب الحق العيني حق الولوية أو‬
‫المتياز على سائر الدائنين العاديين إذا كان دينه موثقا برهن‪.‬‬

‫( ‪)4/376‬‬
‫أما صاحب الحق الشخصي فليس له حق المتياز إل استثناء في أحوال معينة كحالة التهمة أو الشك‪،‬‬
‫فتقدم ديون الصحة على ديون المرض‪ ،‬وحالة الضرورة‪ ،‬فتقدم نفقات التكفين والتجهيز على بقية‬
‫الحقوق المتعلقة بالتركة ويقدم دين النفقة للزوجة والولد الصغار على الديون العادية‪ .‬وحالة رعاية‬
‫المصلحة العامة‪ ،‬فتقدم ديون الحكومة على ديون الناس العادية‪ - 3 .‬سقوط الحق العيني بهلك محله‪:‬‬
‫إذا هلك محل الحق العيني سقط الحق وبطل العقد‪ .‬فإذا هلك المبيع في يد البائع قبل قبض المشتري له‬
‫بطل العقد‪ ،‬وسقط حق المشتري في تسلم المبيع‪ .‬وإذا احترقت الدار المؤجرة بطل عقد الجارة‪،‬‬
‫وسقط حق المستأجر في النتفاع بها‪.‬‬
‫أما إذا هلك محل الحق الشخصي فل يسقط الحق ول يبطل العقد‪ ،‬فإذا هلكت أموال المدين‪ ،‬فل يسقط‬
‫حق الدائن بالدين؛ لن الدين متعلق بالذمة ل بمال معين‪ .‬وإذا هلك الشيء المسلَم فيه في عقد السلم‬
‫وجب على البائع (المسلَم إليه) تسليم غيره‪.‬‬
‫‪ - 3‬الحقوق المجردة وغير المجردة ‪:‬‬
‫الحق المجرد أو المحض‪ :‬هو الذي ل يترك أثرا بالتنازل عنه صلحا أو إبراء‪ ،‬بل يبقى محل الحق‬
‫عند المكلف (أو المدين) بعد التنازل كما كان قبل التنازل‪ .‬مثل حق الدين‪ ،‬فإن الدائن إذا تنازل عن‬
‫دينه‪ ،‬كانت ذمة المدين بعد التنازل هي بعينها قبل التنازل‪ ،‬ول يترتب على التنازل عن الحق أثر من‬
‫الثار‪ .‬وكذلك حق الشفعة إذا أسقط الشفيع حقه في الشفعة‪ ،‬كانت ملكية المشتري للعقار بعد التنازل‬
‫عن الشفعة هي بعينها قبل التنازل‪ .‬ومثله حق المدعي في تحليف خصمه اليمين‪ ،‬وحق الخيار‪ ،‬والحق‬
‫في وظائف الوقاف‪.‬‬

‫( ‪)4/377‬‬
‫والحق غير المجرد‪ :‬هو الذي يترك أثرا بالتنازل عنه‪ ،‬كحق القصاص فإنه يتعلق برقبة القاتل ودمه‪،‬‬
‫ويترك فيه أثرا بالتنازل عنه‪ ،‬فيتغير فيه الحكم‪ ،‬فيصير معصوم الدم بالعفو بعد أن كان غير معصوم‬
‫الدم‪ ،‬أي مباح القتل بالنسبة إلى ولي المقتول المستحق للقصاص‪ ،‬ولكن برأي الحاكم‪ .‬ومثل حق‬
‫استمتاع الزوج بزوجته‪ ،‬يتعلق بالزوجة‪ ،‬ويمنعها من إباحة نفسها لغير زوجها بالعقد عليها‪ ،‬فإذا‬
‫تنازل الزوج عن هذا الحق بالطلق‪ ،‬استردت المرأة حريتها‪ ،‬فتتزوج بمن تشاء (‪. )1‬‬
‫وتظهر فائدة هذا التقسيم فيما يأتي‪:‬‬
‫الحق غير المجرد تجوز المعاوضة عنه بالمال‪ ،‬كحق القصاص وحق الزوجة يجوز لكل من ولي‬
‫المقتول والزوج أخذ العوض المالي في مقابل التنازل عن حقه بالصلح‪.‬‬
‫أما الحق المجرد‪ :‬فل يجوز العتياض عنه كحق الولية على النفس والمال وحق الشفعة‪ ،‬وهذا رأي‬
‫الحنفية‪ ،‬ويجوز عند غير الحنفية أخذ العوض عنه‪.‬‬
‫التقسيم الثالث ـ باعتبار المؤيد القضائي وعدمه‬
‫ينقسم الحق باعتبار وجود المؤيد القضائي وعدمه إلى نوعين‪ :‬حق دياني‪ ،‬وحق قضائي‪ .‬فالحق‬
‫الدياني‪ :‬هو الذي ل يدخل تحت ولية القضاء‪ .‬فل يتمكن القاضي من اللزام به لسبب من السباب‬
‫كالعجز عن إثباته أمام القضاء‪ .‬وإنما يكون النسان مسؤولً عنه أمام ربه وضميره‪ .‬فالدين الذي‬
‫عجز صاحبه عن إثباته أمام القضاء ل يعني أنه صار غير مستحق‪ ،‬بل يجب على المدين ديانة‬
‫المبادرة إلى وفائه‪ .‬والزواج العرفي غير المسجل في المحاكم الشرعية تكون فيه الزوجية ثابتة ديانة‪.‬‬
‫وتترتب عليها الحكام الشرعية من نفقة وثبوت نسب الولد وغير ذلك‪.‬‬
‫والحق القضائي‪ :‬هو ما يدخل تحت ولية القاضي‪ ،‬ويمكن لصاحبه إثباته أمام القضاء‪.‬‬
‫وتظهر ثمرة التقسيم في أن الحكام الديانية تبنى على النوايا والواقع‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أحكام المعاملت الشرعية لستاذنا الشيخ علي الخفيف‪ :‬ص ‪.38‬‬

‫( ‪)4/378‬‬
‫والحقيقة‪ .‬وأما الحكام القضائية فتبنى على ظاهر المر ول ينظر فيها إلى النوايا وواقع المر‬
‫وحقيقته‪ .‬فمن طلق امرأته خطأ‪ ،‬ولم يقصد إيقاع الطلق‪ ،‬يحكم القاضي بوقوع طلقه عملً بالظاهر‬

‫واستحالة معرفة الحقيقة‪ ،‬ويكون الحكم بوقوع الطلق حكما قضائيا‪ .‬وأما ديانة فالحكم عدم وقوع‬
‫الطلق‪ ،‬وللنسان أن يعمل بذلك فيما بينه وبين ال تعالى‪ ،‬وللمفتي إفتاؤه بذلك؛ لن الزوج لم يقصد‬
‫الطلق في الواقع‪.‬‬
‫المبحث الثالث ـ مصادر الحق أو أسبابه‬
‫عرفنا سابقا أن منشأ الحق أو سببه الساسي أو غير المباشر‪ :‬هو الشرع‪ .‬فالشرع هو المصدر‬
‫الساسي للحقوق‪ ،‬والسبب الوحيد لها‪ ،‬غير أن الشرع قد ينشئ الحقوق مباشرة من غير توقف على‬
‫أسباب أخرى‪ ،‬كالمر بالعبادات المختلفة‪ ،‬والمر بالنفاق على القريب‪ ،‬والنهي عن الجرائم‬
‫والمحرمات‪ ،‬وإباحةالطيبات من الرزق‪ ،‬فإن أدلة الشرع هنا تعتبر أسبابا مباشرة للحقوق‪.‬‬
‫وقد ينشئ الشارع الحقوق أو الحكام مرتبة على أسباب أخرى يمارسها الناس‪ ،‬كعقد الزواج‪ ،‬فإنه‬
‫ينشئ حق النفقة للزوجة والتوارث بين الزوجين وغير ذلك‪ .‬وعقد البيع ينشئ ملك البائع للثمن‬
‫والمشتري للمبيع‪ .‬والغصب سبب للضمان عند هلك المغصوب‪ .‬وتعتبر العقود والغصب أسبابا‬
‫مباشرة‪ ،‬وأدلة الشرع أسبابا غير مباشرة‪.‬‬
‫والمقصود من السباب أو المصادر في هذا المبحث‪ :‬السباب المباشرة‪ ،‬سواء أكانت أدلة الشرع أم‬
‫السباب التي أقرتها وعينتها هذه الدلة‪ .‬فليس المراد من المصدر هنا‪:‬‬

‫( ‪)4/379‬‬
‫المصدر المر في إيجاب اللتزام‪ ،‬إذ تكون عندئذٍ جميع المصادر مردها إلى الشرع أو القانون‪.‬‬
‫ومصادر الحق بالنسبة لللتزامات (‪ )1‬خمسة‪ :‬هي الشرع‪ ،‬والعقد‪ ،‬والرادة المنفردة‪ ،‬والفعل النافع‪،‬‬
‫والفعل الضار‪.‬‬
‫فالعقد كالبيع والهبة والجارة‪ .‬والرادة المنفردة كالوعد بشيء والنذر‪ .‬والشرع كاللتزام بالنفقة على‬
‫القارب والزوجة‪ ،‬والتزام الولي والوصي‪ ،‬وإيجاب الضرائب‪ .‬والفعل الضار بالغير كالتزام المتعدي‬
‫بضمان الشيء الذي أتلفه أو غصبه‪ .‬والفعل النافع أو الثراء بل سبب كأداء دين يظنه الشخص على‬
‫نفسه‪ ،‬ثم يتبين أنه كان بريئا منه‪ ،‬أو أداء دين الغير بأمره‪ ،‬أو شراء شيء ثم يتبين أنه ملك الغير‪،‬‬
‫فيجوز لصاحب الحق الرجوع على الخر بالدين‪ ،‬لعدم استحقاق الخر له‪.‬‬
‫ويمكن إدخال جميع هذه المصادر في الواقعة الشرعية‪ .‬والواقعة الشرعية إما أن تكون طبيعية‬
‫كالجوار والقرابة والمرض ونحوها‪ ،‬أو اختيارية‪ .‬والواقعة الختيارية إما أن تكون أعمالً مادية‬
‫ممنوعة وهي الفعل الضار‪ ،‬أو أعمالً مشروعة من جانب واحد وهي الفعل النافع‪ ،‬وإما أن تكون‬

‫تصرفات شرعية‪.‬‬
‫والتصرفات الشرعية‪ :‬إما وحيدة الطرف وهي الرادة المنفردة‪ ،‬أو متعددة وهي العقد (‪. )2‬‬
‫ويلحظ أن هذه المصادر هي السباب المباشرة لللتزم‪ ،‬وأما المصدر غير المباشر لكل التصرفات‬
‫الشرعية والفعال المادية فهو الشرع‪.‬‬
‫وأما مصادر الحق العيني فهي أسباب الملك التام أو الناقص التي بيانها في بحث نظرية الملكية‪.‬‬
‫قال الدكتور السنهوري‪ :‬إنه يمكن رد مصادر الحقوق في الفقه السلمي (سواء بالنسبة لللتزامات أم‬
‫بالنسبة للحقوق العينية) إلى مصدرين اثنين‪ ،‬كما في الفقه الغربي أو القوانين الوضعية وهما‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اللتزام هو الحادث الذي نشأ عنه اللتزام‪.‬‬
‫(‪ )2‬المدخل إلى نظرية اللتزام في الفقه للستاذ الزرقاء‪ :‬ف ‪.52-49‬‬

‫( ‪)4/380‬‬
‫التصرف القانوني‪ ،‬والواقعة القانونية (‪. )1‬‬
‫والتصرف الشرعي أو القانوني يشمل العقد والرادة المنفردة‪ .‬والواقعة الشرعية أو القانونية تشمل‬
‫الفعل الضار والفعل النافع‪.‬‬
‫ويلحظ أخيرا أن القرار ل يعد منشئا للحق‪ ،‬وإنما هو إخبار بالحق على الرأي الراجح عند الفقهاء‪.‬‬
‫كما أن قضاء القاضي ل يعد منشئا للحق‪ ،‬وإنما هو مظهر للحق وكاشف له‪ ،‬إل إذا قضى القاضي‬
‫بشهادة زور‪ ،‬ولم يكتشف الزور فيها‪ ،‬فإن قضاءه يعد منشئا للحق ظاهرا أي قضاء ل ديانة‪.‬‬
‫وهذه هي المسألة المعروفة في الفقه السلمي بأن قضاء القاضي ينفذ ظاهرا وباطنا‪ ،‬أو ظاهرا فقط‪،‬‬
‫وهي محل خلف بين الفقهاء‪.‬‬
‫المبحث الرابع ـ أحكام الحق‬
‫أحكام الحق‪ :‬هي آثاره المترتبة عليه بعد ثبوته لصاحبه‪ ،‬وأحكامه ما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬استيفاء الحق‪ :‬لصاحب الحق أن يستوفي حقه بكل الوسائل المشروعة‪.‬‬
‫أ ــ واستيفاء حق ال تعالى في العبادة يكون بأدائها على الوجه الذي رسمه ال تعالى للعبادة إما في‬
‫الحوال العادية (العزيمة)‪ ،‬أو في الحوال الستثنائية (الرخصة ) مثل قصر الصلة‪ ،‬وإباحة الفطر‬
‫في رمضان للمريض والمسافر‪ ،‬والتيمم بالتراب بدل الماء أثناء المرض أو فقد الماء‪ ،‬والنيابة في‬
‫الحج للعاجز عنه‪ ،‬وإباحة النطق بالكفر مع اطمئنان القلب باليمان حال الكراه عليه‪.‬‬

‫فإن امتنع الشخص عن أداء العبادة‪ :‬فإن كان الحق ماليا كالزكاة أخذه الحاكم جبرا عنه ووزعه في‬
‫مصارفه الشرعية‪ .‬وإن كان غير مال حمله الحاكم على فعله بما يملك من وسائل إن ترك الحق‬
‫ظاهرا‪ ،‬وإل عاقبه ال في الدنيا بالمحن واللم‪ ،‬وفي الخرة بالعذاب الليم‪.‬‬
‫واستيفاء حق ال تعالى في منع الجرائم والمنكرات يكون بامتناع الناس عنها‪ ،‬فإن لم يكفّ الناس‬
‫عنها‪ ،‬كان حق ال إقامة العقوبة‪ ،‬ويستوفيها ولي المر أو نائبه بعد إصدار الحكم القضائي بها منعا‬
‫من التظالم وإثارة الفتن والعداوات‪ ،‬وشيوع الفوضى وانهيار المجتمع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مصادر الحق في الفقه السلمي للسنهوري‪.69/1 :‬‬

‫( ‪)4/381‬‬
‫ب ـ واستيفاء حق النسان (العبد)‪ :‬يكون بأخذه من المكلف به باختياره ورضاه‪ ،‬فإن امتنع من‬
‫تسليمه‪ :‬فإن كان الموجود تحت يده عين الحق كالمغصوب والمسروق والوديعة‪ ،‬أو جنس الحق‬
‫كأمثال العين المغصوبة عند هلكها‪ ،‬ولكن ترتب على أخذه من قبل صاحب الحق نفسه فتنة أو ضرر‬
‫في الحالتين أو كان الموجود تحت يده من خلف جنس الحق مطلقا‪ ،‬فليس لصاحب الحق باتفاق‬
‫الفقهاء استيفاؤه بنفسه‪ ،‬وإنما بواسطة القضاء‪.‬‬
‫أما إذا كان الموجود تحت يد الخذ مالً من جنس الحق‪ ،‬ولم يترتب على الخذ بطريق خاص فتنة أو‬
‫ضرر‪ ،‬فالمشهور عند المالكية والحنابلة أن صاحب الحق يستوفيه بواسطة القضاء (‪ ، )1‬لقوله صلّى‬
‫ال عليه وسلم ‪« :‬أد المانة إلى من ائتمنك‪ ،‬ول تخن من خانك» (‪ ، )2‬ولن النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم قضى لهند زوجة أبي سفيان بأخذ حقها ولو لم يعلم زوجها بقوله‪« :‬خذي مايكفيك وولد ك‬
‫بالمعروف» (‪ )3‬فدل على أنه ل بد من القضاء لخذ عين الحق أو جنسه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير للدردير‪ ،335/4 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،359‬المغني‪ 254/8 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الترمذي وأبو داود وحسنه وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة‪.‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إل الترمذي (نيل الوطار‪ ،323/6 ،‬سبل السلم‪.)219/3 :‬‬

‫( ‪)4/382‬‬

‫وقال الشافعية (‪ : )1‬لصاحب الحق استيفاء حقه بنفسه بأي طريق‪ ،‬سواء أكان من جنس حقه‪ ،‬أم من‬
‫غير جنسه‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى‪{ ،]40/42:‬وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما‬
‫عوقبتم به} [النحل‪ ]126/16:‬والمثلية ليست من كل وجه‪ ،‬وإنما في المال‪ .‬ولقوله عليه السلم‪« :‬من‬
‫وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به» (‪. )2‬‬
‫ووافق الحنفية (‪ )3‬على رأي الشافعية فيما إذا كان المأخوذ من جنس حقه ل من غيره‪ ،‬والمفتى به‬
‫اليوم كما قال ابن عابدين جواز الخذ من جنس الحق أو من غيره‪ ،‬لفساد الذمم والمماطلة في وفاء‬
‫الديون‪.‬‬
‫ويلحظ أن هذا البحث المسمى فقها «الظفر بالحق» من أهم أحكام المعاملت التي يفرق فيها بين‬
‫الحكام القضائية والحكام الديانية‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن من وجد عين حقه عند آخر مالً أو عروضا (سلعا) وكان مماطلً في رده أو جاحدا‬
‫الدين‪ ،‬فيباح له باتفاق الفقهاء أخذه ديانة ل قضاء للضرورة‪ ،‬عملً بالحديث السابق‪( :‬من وجد عين‬
‫ماله فهو أحق به) (‪. )4‬‬
‫نوع المأخوذ‪ :‬الصل في استيفاء الحق أن يكون بالعدل ‪ ،‬فل يزاد عليه فإن كان الحق معلوم النوع‬
‫محدد المقدار كثمن دار وأجرتها وبدل قرض فل تجوز الزيادة عليه في الستيفاء وفي حكم القاضي‪.‬‬
‫وإن كان الحق مطلقا غير محدد النوع أو المقدار‪ ،‬فيحمل على الوسط المتعارف عليه بين الناس‪،‬‬
‫فيؤخذ المتوسط من أموال الزكاة‪ .‬ول تؤخذ كرائم الموال أو خسيسها‪.‬‬
‫والدليل على استيفاء الوسط نصوص كثيرة قرنت بالمعروف أو العرف‪ ،‬مثل قوله تعالى‪{ :‬وعلى‬
‫المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة‪{ ]233/2:‬وإن أردتم أن تسترضعوا أولدكم فل جناح‬
‫عليكم إذا سلّمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة‪ ]233/2:‬وفي كفارة اليمين صرح باعتبار الوسط في قوله‬
‫تعالى‪{ :‬فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم‪[ }..‬المائدة‪ ]89/5:‬والمراد‬
‫بالوسط‪ :‬الوسط في نوع الطعام وعدد الوجبات‪ .‬وعلى هذا فنفقة الزوجة والقارب مقدرة بالوسط‬
‫المتعارف عليه بالنص‪ ،‬وتجب زكاة الفطر من غالب قوت البلد‪ :‬وهو الذي تعارف أهل البلد على‬
‫تناوله‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،162/4 :‬المهذب‪.282/2 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن سمرة بن جندب‪.‬‬
‫(‪ )3‬فتح القدير‪ ،236/4 :‬رد المحتار والدر المختار‪ 219/3 :‬ومابعدها‪.265 ،‬‬
‫(‪ )4‬نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف‪ :‬ص ‪ 188‬ومابعدها‪ ،‬ط أولى أو مابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/383‬‬
‫ويجوز التعزير للممتنع عن دفع الزكاة بأخذ أعلى الحق الواجب‪ ،‬أو تغريمه الضعف‪ ،‬لقوله عليه‬
‫السلم‪« :‬من دفعها مؤتجرا بها فله أجرها‪ ،‬ومن منعها فإنّا آخذوها وشطر ماله‪ ،‬عَزْمة من عزمات‬
‫ربنا تبارك وتعالى» (‪. )1‬‬
‫التسامح في الستيفاء والداء‪ :‬الصل أن يكون استيفاء الحق كاملً‪ ،‬لكن الشارع ندب صاحب الحق‬
‫إلى عدم استيفاء حقه كله أو بعضه تسامحا وإحسانا وإيثارا‪ ،‬وبخاصة إذا كان المكلف أو المدين في‬
‫ضائقة‪ ،‬وذلك خير يثاب عليه فاعله‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وإن كان ذو عسرة فنظِرة إلى ميسرة‪ ،‬وأن تصدقوا‬
‫خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة‪ ]280/2:‬والمراد بالتصدق في الية‪ :‬إبراء المدين من دينه‪.‬‬
‫وفي تنازل المرأة عن شيء من حقوقها أو كل مهرها‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وآتوا النساء صدُقاتهن ِنحْلة‪ ،‬فإن‬
‫طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } [النساء‪{ .]4/4:‬وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن‪،‬‬
‫عقْدة النكاح} [البقرة‪:‬‬
‫وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم‪ ،‬إل أن يعفون أو يعفو الذي بيده ُ‬
‫‪ ]237/2‬وفي التنازل عن حق القصاص قال تعالى‪{ :‬ومن قُتِل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فل‬
‫يسرف في القتل‪ ،‬إنه كان منصورا} [السراء‪.]33/17:‬‬
‫وهناك آية تقرر مبدءا عاما في التنازل عن الحقوق وهي قوله تعالى‪{ :‬وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها‪ ،‬فمن‬
‫عفا وأصلح فأجره على ال } [الشورى‪.]40/42:‬‬
‫‪ - 2‬حماية الحق‪ :‬قررت الشريعة حماية الحق لصاحبه من أي اعتداء بأنواع مختلفة من المؤيدات‬
‫منها المسؤولية أمام ال ‪ ،‬والمسؤولية المدنية‪ ،‬وتقرير حق التقاضي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن َبهْز بن حكيم عن أبيه عن جده‪ ،‬بلفظ‪« :‬من أعطاها مؤتجرا‬
‫فله أجرها‪ ،‬ومن منعها فإنا آخذوها‪ ،‬وشطر إبله‪ ،‬عَزْمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى‪( »..‬نيل‬
‫الوطار‪ 121/4 :‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)4/384‬‬
‫فالعبادات التي هي نوع من حقوق ال تعالى حماها الشرع بوازع الدين ودافع اليمان القائمين على‬
‫الرهبة من عذاب ال ‪ ،‬والرغبة في ثوابه ونعيم الدنيا‪ .‬ولذا كثيرا ما بدئت آيات القرآن في التكاليف‬
‫الشرعية بوصف اليمان‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا} [البقرة‪.]282/2:‬‬

‫وهناك نوع آخر من الحماية للعبادة وهو الحسبة (‪ : )1‬وهي المر بالمعروف إذا ظهر تركه‪ ،‬والنهي‬
‫عن المنكر إذا ظهر فعله‪ ،‬وهو حق ثابت لكل فرد من أفراد المة‪ ،‬وللمحتسب وهو والي الحسبة‪ ،‬فله‬
‫مطالبة تارك الصلة والزكاة‪ ،‬أو المفطر في رمضان بأداء ما تركه‪ .‬ولكل مسلم رفع دعوى الحسبة‬
‫على المعاصي إلى المحتسب أو القاضي ليؤدب العاصي بما يردعه ويزجره عن ترك العبادات‬
‫وغيرها‪.‬‬
‫وهكذا بقية حقوق ال تعالى كالكف عن الجرائم تكون حمايتها أيضا بوازع الدين وبالحسبة‪.‬‬
‫وأما حقوق الناس الخاصة (العباد) فحمايتها بوازع الدين الذي يوجب على كل فرد احترام حق غيره‬
‫في ماله أو عرضه أو دمه‪ ،‬وبالمرافعة إلى القضاء لمطالبة من وجبت عليه‪.‬‬
‫وهكذا حمت الشريعة كل أنواع الحقوق الدينية والمدنية‪ ،‬الخاصة والعامة باحترام الحق لصاحبه‪،‬‬
‫وعدم العتداء عليه‪ ،‬وبمعاقبة المعتدي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحسبة‪ :‬وظيفة إدارية للدولة مهمتها مراقبة الناس والسواق وحماية الناس من النحراف عن‬
‫آداب الدين‪ ،‬ومن جشع التجار والصناع والغش والبيع بأكثر من ثمن المثل وعدم إجادة الصناعة‪،‬‬
‫وخلصة مهمتها المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ .‬وتشبه ما تقوم به البلديات الن من مراقبة‬
‫السواق وما تقوم به إدارة المن العام من مراقبة الداب‪ .‬وما تقوم به النيابة العامة من تقديم الجاني‬
‫إلى القضاء‪.‬‬

‫( ‪)4/385‬‬
‫حق التأليف والنشر والتوزيع ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أما حق المؤلف الذي يدخل تحت عنوان قانوني جديد وهو الحق الدبي فهو حق مصون في‬
‫تقديري شرعا على أساس قاعدة الستصلح أو المصلحة المرسلة ( وهي الوصاف التي تلئم‬
‫تصرفات الشرع ومقاصده‪ ،‬ولكن لم يشهد لها دليل معين من الشرع بالعتبار أو اللغاء‪ ،‬ويحصل‬
‫من ربط الحكم بها جلب مصلحة أو دفع مفسدة عن الناس ) فكل عمل فيه مصلحة غالبة أو دفع‬
‫ضرر أو مفسدة يكون مطلوبا شرعا‪.‬‬
‫والمؤلف قد بذل جهدا كبيرا في إعداد مؤلْفه‪ ،‬فيكون أحق الناس به‪ ،‬سواء فيما يمثل الجانب المادي‪:‬‬
‫وهوالفائدة المادية التي يستفيدها من عمله‪ ،‬أو الجانب المعنوي‪ :‬وهو نسبة العمل إليه‪ .‬ويظل هذا‬
‫الحق خالصا دائما له‪ ،‬ثم لورثته لقول النبي صلّى ال عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره‪ « :‬من‬

‫ترك مالً أو حقا فلورثته » ‪ .‬وبناء عليه يعتبر إعادة طبع الكتاب أو تصويره اعتداء على حق‬
‫المؤلف‪ ،‬أي أنه معصية موجبة للثم شرعا‪ ،‬وسرقة موجبة لضمان حق المؤلف في مصادرة النسخ‬
‫المطبوعة عدوانا وظلما‪ ،‬وتعويضه عن الضرر الدبي الذي أصابه‪ .‬وذلك سواء كتب على النسخ‬
‫المطبوعة عبارة‪ ( :‬حق التأليف محفوظ للمؤلف ) أم ل‪ ،‬لن العرف والقانون السائد اعتبر هذا الحق‬
‫من جملة الحقوق الشخصية‪ ،‬والمنافع تعد من الموال المتقوّمة في رأي جمهور الفقهاء غير الحنفية‪،‬‬
‫لن الشياء أو العيان تقصد لمنافعها ل لذواتها‪ ،‬والغرض الظهر من جميع الموال هو منفعتها كما‬
‫قال شيخ السلم عز الدين بن عبد السلم‪.‬‬
‫بل إن متأخري الحنفية أفتوا بضمان منافع المغصوب في ثلثة أشياء‪ :‬المال الموقوف‪ ،‬ومال اليتيم‪،‬‬
‫والمال ال ُمعَدّ للستغلل‪.‬‬
‫والمؤلف حينما يطبع كتابه يقصد به أمرين‪ :‬نشر العلم‪ ،‬واستثمار مؤلفه‪ .‬ويكون لكل طبعة من‬
‫طبعات الكتاب حق خاص للمؤلف‪.‬‬

‫( ‪)4/386‬‬
‫وتذرع بعض الناشرين بأنهم في إعادة الطبع أو التصوير إنما ينشرون العلم ويخدمون المؤلّف هو‬
‫تحايل شيطاني وذريعة فاسدة‪ ،‬لن الحرام ليكون وليصح بحال طريقا للحلل‪ .‬ويُبطل زعمَهم‪ ،‬أنهم‬
‫لول قصد الربح المادي المنتظر من وراء شهرة كتاب انتشر تداوله لما أقدموا على الطبع أو‬
‫التصوير‪.‬‬
‫أما الكتب القديمة التي لم َيعُد يُعرَف ورثة مؤلّفها فل مانع من طبعها بشرط عدم العتداء على جهد‬
‫دار النشر الخاص الذي بذلته في إخراج الكتاب من تعليق وعلمات ترقيم وتصحيح ونحو ذلك‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وأما حق النشر أو التوزيع فيحكمه العقد أو التفاق الحاصل بين المؤلف والناشر أو الموزع‪،‬‬
‫فيجب على طرفي التفاق اللتزام بمضمونه من حيث عدد النسخ المطبوعة والمدة التي يسري فيها‬
‫التفاق‪ .‬وال تعالى أمر بالوفاء بالعقود { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } [المائدة‪ { ، ]1/5:‬وأوفوا‬
‫بالعهد } [السراء‪.]34/17:‬‬
‫وبناء عليه يحرم شرعا نقض بنود التفاق‪ ،‬وليجوز للمؤلف أن يقوم بإعطاء حق النشر أو التوزيع‬
‫لغير الدار التي التزم معها في مدة معينة‪ .‬وأما مايقال من جهد دار التوزيع أو النشر‪ ،‬فهذا قد استوفت‬
‫الدار عوضه بما تأخذه من ربح‪ ،‬والشهرة كانت بالرواج النابع من موضوع الكتاب ل من شكله‬
‫وإخراجه‪ ،‬فهذا له دور ثانوي‪ ،‬بدليل أن كثيرا من الكتب ذات إخراج بديع‪ ،‬ولكنها تافهة لم يكتب لها‬

‫الرواج‪ .‬كذلك ليصح القول‪ :‬إن دار النشر أو التوزيع هي التي أضفت على المؤلف وكتابه شهرة‪،‬‬
‫فذلك قد استوفت الدار عوضه مما أخذته من نسبة مئوية عالية تفوق فعلً مايستفيده صاحب التأليف‬
‫ذاته‪.‬‬
‫جـ ‪ -‬كذلك الترجمة ينبغي أن يكون نشرها بإذن المؤلف وباتفاق معه‪ ،‬وحق المؤلف أو الناشر حينئذٍ‬
‫يتجلى في المطالبة بما يحقق الكتاب من أرباح بنسبة مئوية بحسب التفاقات أو العراف الشائعة التي‬
‫تُع َرفُ من مجموع اتفاقات المؤلفين والناشرين‪.‬‬

‫( ‪)4/387‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن البرّ ‪ :‬ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب‪ ،‬والثم‪ :‬ما حاك في الصدر وكرهت‬
‫أن يطلع عليه الناس‪ .‬ولشك أن حق المؤلف أصبح معترفا به في القوانين والعراف‪ ،‬وأن الطبع أو‬
‫التصوير بغير حق عدوان وظلم على حق المؤلف‪ ،‬وأن فاعل ذلك يتهرب عادة من المسؤولية‪،‬‬
‫وليجرؤ على العتراف بفعله الثم‪ ،‬مما يدل على أن عمله ظلم موجب لتعويض صاحب الحق‪،‬‬
‫والمسلم أولى الناس برعاية الحقوق والوفاء بالذمم والعهود‪ ،‬وال يقول الحق وهو يهدي السبيل‪.‬‬
‫‪ - 3‬استعمال الحق بوجه مشروع‪ :‬على النسان أن يستعمل حقه وفقا لما أمر به الشرع وأذن به‪.‬‬
‫فليس له ممارسة حقه على نحو يترتب علىه الضرار بالغير‪ ،‬فردا أو جماعةً‪ ،‬سواء أقصد الضرار‬
‫أم ل‪ .‬وليس له إتلف شيء من أمواله أو تبذيره لن ذلك غير مشروع‪.‬‬
‫فحق الملكية يبيح للنسان أن يبني في ملكه ما يشاء وكيف يشاء‪ ،‬لكن ليس له أن يبني بناء يمنع عن‬
‫جاره الضوء والهواء‪ ،‬ول أن يفتح في بنائه نافذة تطل على نساء جاره‪ ،‬لضراره بالجار‪.‬‬
‫واستعمال النسان حقه على وجه يضر به أو بغيره هو ما يعرف بالتعسف في استعمال الحق عند‬
‫فقهاء القانون الوضعي‪.‬‬
‫فإن مارس النسان ما ليس حقا له فل يسمى تعسفا وإنما هو اعتداء على حق الغير‪ ،‬فالمستأجر الذي‬
‫ينتفع بالدار على وجه يضر بها يعد متعسفا‪ ،‬أما الغاصب فإنه يعد متعديا‪.‬‬
‫وتجاوز الحكام والموظفين حدود الشريعة وحدود صلحياتهم كاغتصاب بعض الموال‪ ،‬وجباية‬
‫ضرائب ظالمة ل يعد تعسفا في استعمال الحق‪ ،‬وإنما هو استعمال لغير الحق أو تجاوز عن الحق‪،‬‬
‫المستوجب التأديب أو التعزير‪ ،‬فقد عزل عمر عمار بن ياسر عن ولية الكوفة والمغيرة بن شعبة عن‬
‫ولية البصرة لما شكا إليه أهل الوليتين‪ .‬وأنشأ عبد الملك بن مروان ولية المظالم (كمجلس الدولة‬

‫الن) لمحاسبة الولة والجباة وموظفي الدولة إذا ظلموا أحدا من الناس‪ ،‬أوتجاوزوا حدود سلطتهم أو‬
‫صلحيتهم‪.‬‬

‫( ‪)4/388‬‬
‫أدلة حرمة التعسف‪ :‬هناك أدلة كثيرة على تحريم التعسف منها ما يأتي‪ - 1 :‬قال تعالى‪{ :‬وإذا طلقتم‬
‫النساء فبلغن أجلهن‪ ،‬فأمسكوهن بمعروف‪ ،‬أو سرحوهن بمعروف‪ ،‬ول تمسكوهن ضِرارا لتعتدوا}‬
‫[البقرة‪ ]231/2:‬نهى الشرع عن استعمال حق المراجعة بقصد الضرار‪ ،‬كما كان يفعل في الجاهلية‬
‫حيث يطلق الرجل زوجته‪ ،‬ثم إذا قاربت عدتها على النتهاء راجعها‪ ،‬ثم طلقها‪ ،‬فنهى الشرع عنه‪،‬‬
‫والنهي يفيد التحريم‪ ،‬فيكون التعسف حراما‪.‬‬
‫‪ - 2‬قال تعالى بعد بيان أنصباء الورثة‪{ :‬من بعد وصية يُوصى بها أو دين‪ ،‬غير مضار‪ ،‬وصيةً من‬
‫ال } [النساء‪ ]12/4:‬نهى ال تعالى عن الوصية الضارة بالورثة كالوصية لوارث أو بأكثر من الثلث‪،‬‬
‫والنهي للتحريم‪ ،‬فيكون التعسف حراما‪.‬‬
‫‪ - 3‬قال عز وجل‪{ :‬ول تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل ال لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم}‬
‫[النساء‪ ]5/4:‬فقد أمر ال بالحجر على السفيه الذي يبذر ماله‪ ،‬إذ إنه تعسف في استعمال حق النفاق‪،‬‬
‫فيكون التعسف ممنوعا مستحقا التأديب والحجر‪.‬‬
‫‪ - 4‬حديث السفينة في التضامن بإزالة المنكر (‪ : )1‬أمر الرسول صلّى ال عليه وسلم بمنع من في‬
‫أسفل السفينة من خرقها‪ ،‬لما فيه من الضرر‪ ،‬وهو هلك الجميع‪ ،‬ففعلهم يكون تعسفا حراما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أخرج البخاري عن النعمان بن بشير أنه صلّى ال عليه وسلم قال‪« :‬مثَل القائم في حدود ال‬
‫والواقع فيها‪ ،‬كمثل قوم استهموا على سفينة‪ ،‬فأصاب بعضهم أعلها‪ ،‬وبعضهم أسفلها‪ ،‬وكان الذين في‬
‫أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من‬
‫فوقنا؟ فإن تركوهم وما أرادوا‪ .‬هلكوا جميعا‪ ،‬وإن أخذوا على أيديهم نجوا‪ ،‬ونجوا جميعا» ‪.‬‬

‫( ‪)4/389‬‬
‫السبب في تحريم التعسف‪ :‬هناك سببان في تحريم التعسف وهما‪:‬‬
‫أولً ـ ليس لصاحب الحق حرية مطلقة في ممارسته‪ ،‬وإما هو مقيد بعدم الضرار بالغير‪ ،‬للنصوص‬
‫الشرعية التي تمنع الضرار بالغير وتحريم الحتكار وبيع مال المحتكر جبرا عنه عند الحاجة‪،‬‬

‫وتحريم العدوان على الدماء والموال والعراض‪ ،‬سواء أكان الضرر ناشئا عن استعمال حق‬
‫مشروع أم عند اعتداء محض‪.‬‬
‫ثانيا ـ نزعة الحقوق الجماعية‪ :‬فل تقتصر المصلحة المستفادة من الحق الخاص المالي على صاحبه‬
‫فقط‪ ،‬وإنما تعود على المجتمع أيضا؛ لن ثروته جزء من ثروة المة التي يجب أن تبقى قوية‬
‫استعدادا للطوارئ‪ .‬بل إن للمجتمع في الظروف العادية نصيبا مفروضا في المال الخاص عن طريق‬
‫الزكاة والخراج والكفارات وصدقة الفطر وغيرها‪ ،‬ونصيبا مندوبا إليه عن طريق الصدقات والوصايا‬
‫والوقاف وسائر وجوه الخير والبر‪ .‬وهذا ما يعبر عنه اليوم باشتراكية الحقوق‪.‬‬
‫وإذا كان للمجتمع حق في مال الفراد‪ ،‬فيجب أل يتصرف الفرد في ماله تصرفا ضارا؛ لن ذلك يعد‬
‫اعتداءً على حق المجتمع‪ ،‬واعتداءً على نفسه‪.‬‬

‫( ‪)4/390‬‬
‫قواعد منع التعسف في استعمال الحق ‪:‬‬
‫القاعدة الولى ـ قصد الضرار‪ :‬إذا قصد النسان من استعمال حقه الضرار ل المصلحة المنشودة‬
‫من الحق‪ ،‬كان استعماله تعسفا محرما‪ ،‬ووجب منعه‪ .‬والدليل على ذلك تحريم الرجعة إضرارا‬
‫بالزوجة‪ ،‬والوصية إضرارا بالورثة والدائنين‪ ،‬وسفر الزوج بزوجته بعيدا عن بلدها وأهلها إضرارا‬
‫بها‪ .‬ورفع الدعوى على الفضلء بالتهم الباطلة للتشهير بهم‪ .‬وإقرار مريض الموت بالدين لحرمان‬
‫الورثة أو الدائنين‪ .‬وطلق مريض الموت زوجته فرارا من ميراثها‪ .‬فكل ذلك تعسف حرام‪ ،‬وأساس‬
‫هذه القاعدة هو قصد الضرر‪ .‬ويترتب على التعسف في هذه الحالة ثلثة أمور‪ :‬تأديب صاحب الحق‬
‫المتعسف وتعزيره بما يراه القاضي رادعا لمثاله‪ ،‬وبطلن التصرف إذا كان قابلً للبطال‪ ،‬وتعويض‬
‫الضرر من هذا التعسف‪ .‬ويعرف قصد الضرر بالدلة والقرائن‪.‬‬
‫القاعدة الثانية ـ قصد غرض غير مشروع‪ :‬إذا قصد الشخص من استعمال حقه تحقيق غرض غير‬
‫مشروع ل يتفق مع المصلحة المقصودة من الحق‪ ،‬وإنما يستتر وراء استعمال الحق المشروع‪ ،‬كاتخاذ‬
‫عقد الزواج وسيلة لتحليل المطلقة ثلثا لزوجها الول‪ ،‬ول يقصد به الزواج الدائم‪ ،‬واتخاذ عقد البيع‬
‫وسيلة للربا أو الفائدة‪ ،‬ومنه بيع العينة‪ :‬وهو شراء شيء بثمن مؤجل ثم بيعه لنفس البائع الول بثمن‬
‫فوري أقل من الثمن الول‪ ،‬قاصدا به الربا‪ ،‬فذلك كله تعسف حرام‪ ،‬لقوله عليه السلم‪« :‬لعن ال‬
‫المحلل والمحلل له» (‪ )1‬وقوله‪« :‬يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» (‪ )2‬ولنهيه عليه‬
‫السلم عن بيع العِينة صراحة (‪. )3‬‬

‫ومنه إسلم الزوجة غير المسلمة بقصد الرث من زوجها‪ ،‬وهبة المال قبيل الحول بقصد إسقاط‬
‫الزكاة الواجبة‪.‬‬
‫وقد أخذت هذه القاعدة من مبدأ (سد الذرائع) وما يتفرغ عنه من بطلن الحيل المحرمة التي يقصد‬
‫بها إباحة الحرام أو تحريم الحلل أو إسقاط الواجب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وأبو داود وابن ماجه عن ابن مسعود قال‪ « :‬لعن رسول‬
‫ال صلّى ال عليه وسلم المحلّل والمحلّل له » ( نيل الوطار‪.) 138/6 :‬‬
‫(‪ )2‬حديث مرسل‪ ،‬صالح للعتضاد به بالتفاق‪ ،‬وله من المسندات مايشهد له‪ ،‬وهي الحاديث الدالة‬
‫على تحريم العينة‪ ،‬استدل به الوزاعي ورواه ( نيل الوطار‪.)207/5 :‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر بلفظ « إذا ضن الناس بالدينار والدرهم‪ ،‬وتبايعوا بالعينة‬
‫واتبعوا أذناب البقر‪ ،‬وتركوا الجهاد في سبيل ال‪ ،‬أنزل ال بهم بلء‪ ،‬فل يرفعه حتى يراجعوا دينهم»‬
‫(نيل الوطار‪.)206/5 :‬‬

‫( ‪)4/391‬‬
‫وأساس هذه القاعدة هو قصد الضرر أيضا كالقاعدة الولى‪ ،‬ويعرف ذلك بالدلة والقرائن التي تعين‬
‫القصد‪.‬‬
‫القاعدة الثالثة ـ ترتب ضرر أعظم من المصلحة‪ :‬إذا استعمل النسان حقه بقصد تحقيق المصلحة‬
‫المشروعة منه‪ ،‬ولكن ترتب على فعله ضرر يصيب غيره أعظم من المصلحة المقصودة منه‪ ،‬أو‬
‫يساويها‪ ،‬منع من ذلك سدا للذرائع‪ ،‬سواء أكان الضرر الواقع عاما يصيب الجماعة‪ ،‬أو خاصا‬
‫بشخص أو أشخاص‪ .‬والدليل على المنع قول الرسول صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬ل ضرر ول ضرار»‬
‫(‪ )1‬وعلى هذا فإن استعمال الحق يكون تعسفا إذا ترتب عليه ضرر عام‪ ،‬وهو دائما أشد من الضرر‬
‫الخاص‪ ،‬أو ترتب عليه ضرر خاص أكثر من مصلحة صاحب الحق أو أشد من ضرر صاحب الحق‬
‫أو مساو لضرر المستحق‪ .‬أما إذا كان الضرر أقل أو متوهما فل يكون استعمال الحق تعسفا‪.‬‬
‫من أمثلة الضرر العام بالمة أو بالجماعة‪ :‬الحتكار‪ :‬وهو شراء ما يحتاجه الناس وادخاره لبيعه وقت‬
‫غلء السعار وحاجة الناس إليه‪ .‬وهو ممنوع للحديث النبوي‪« :‬الجالب مرزوق والمحتكر ملعون»‬
‫«ل يحتكر إل خاطئ » (‪. )2‬‬
‫ومنه تلقي الركبان‪ :‬وهو تلقي التاجر للوافدين من الريف إلى المدينة لبيع محاصيلهم‪ ،‬وشراؤها بثمن‬

‫أقل من السعر القائم‪ ،‬وبيعها لهل المدينة بثمن مرتفع‪ .‬وهذا حرام لن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫نهى عن تلقي الركبان (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا عن أبي سعيد الخدري‪ ،‬ورواه مالك‬
‫مرسلً عن عمرو بن يحيى عن أبيه‪.‬‬
‫(‪ )2‬الحديث الول ضعيف رواه ابن ماجه عن عمر‪ ،‬والحديث الثاني صحيح رواه أحمد ومسلم وأبو‬
‫داود عن معمر بن عبد ال العدوي (نيل الوطار‪.)220/5 :‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن مسعود بلفظ « نهى النبي عن تلقي البيوع» ولفظ‬
‫البخاري عن ابن عباس «ل تلقوا الركبان» (نيل الوطار‪ ،166/5 :‬سبل السلم‪.)21-20/3 :‬‬

‫( ‪)4/392‬‬
‫ومنه بيع السلح أثناء الفتنة‪ ،‬وبيعه لقطاع الطرق‪ ،‬وبيع العنب للخمار‪ ،‬وبيع السلع بأكثر من ضعف‬
‫القيمة‪ ،‬فذلك يضر الجماعة‪ ،‬فيمنع التاجر منه‪ ،‬ولولي المر عند الحنفية والمالكية تسعير السلع بالربح‬
‫المعقول‪ .‬فإن أبوا من ذلك بيعت السلع جبرا عنهم‪.‬‬
‫كذلك لولي المر منع الناس من زراعة المخدرات‪ ،‬وزراعة أشياء ل تحتاج إليها المة أو تحتاج إلى‬
‫غيرها‪.‬‬
‫ومثال الضرر الخاص الشد‪ :‬فتح نافذة في بناء تطل على مقر نساء الجار إل إذا كانت أعلى من‬
‫مستوى النظر‪ .‬وقد منع الرسول عليه السلم سمرة بن جندب من دخول بستان لحد النصار لتفقد‬
‫نخله بسبب تأذي النصاري من دخوله (‪ )1‬؛ لن الضرر في الدخول كان أشد من عدم تفقد صاحب‬
‫النخل نخله‪.‬‬
‫ومثال الضرر الخاص المساوي للمصلحة‪ :‬أن يفعل مالك الدار فيها شيئا يتضرر به جيرانه‪ .‬رأى أبو‬
‫حنيفة منعه من ذلك دفعا للضرر الذي يصيب غيره‪ ،‬والضرر يجب رفعه لقوله عليه السلم‪« :‬ل‬
‫ضرر ول ضرار» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رواه مسلم ومالك وأحمد وابن ماجه (شرح مسلم‪.)47/11 :‬‬

‫( ‪)4/393‬‬

‫وقال أبو يوسف ومحمد‪ :‬ل يمنع صاحب الحق حينئذ من استعمال حقه مراعاة لحق المالك‪ ،‬لتساويهما‬
‫في الضرر‪ ،‬فيرجح حق المالك عملً بما يبيحه له ملكه من استعمال وانتفاع‪.‬‬
‫ومثال الضرر القليل‪ :‬بناء جدار أو غرس شجر في أرضه‪ ،‬مما يترتب عليه حجب الهواء عن جاره‪،‬‬
‫ل يمنع منه المالك ول يكون تعسفا؛ إذ ل بد من مثل هذا الضرر القليل عادة أثناء النتفاع بالحق‪.‬‬
‫ومثال الضرر الموهوم‪ :‬كثرة إنجاب النسل الذي قد يترتب عليه ضائقة اقتصادية‪ ،‬ل يمنع منه‬
‫النسان؛ لن الضرر هنا متوهم؛ فال تعالى أودع في الرض من الكنوز والموارد ما يكفي حاجة‬
‫النسان إذا استخدمت اليدي العاملة والعقول المفكرة‪ ،‬وتمت مراقبة ال وتقواه في هذه الموارد‪ ،‬كما‬
‫قال تعالى‪{ :‬ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والرض‪ ،‬ولكن كذبوا‪،‬‬
‫فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [العراف‪ .]96/7:‬وقال سبحانه في شأن أهل الكتاب‪{ :‬ولو أنهم أقاموا‬
‫التوراة والنجيل وما أنزل إليهم من ربهم‪ ،‬لكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم‪ ،‬منهم أمة مقتصدة‪،‬‬
‫وكثير منهم ساء ما يعملون} [المائدة‪.]66/5:‬‬
‫وأساس هذه القاعدة‪ :‬هو مقدار الضرر الناشئ عن استعمال الحق‪.‬‬
‫القاعدة الرابعة ـ الستعمال غير المعتاد وترتب ضرر للغير‪ :‬إذا استعمل النسان حقه على نحو غير‬
‫معتاد في عرف الناس‪ ،‬ثم ترتب عليه ضرر للغير‪ ،‬كان متعسفا‪ ،‬كرفع صوت المذياع المزعج‬
‫للجيران والتأذي به‪ ،‬واستئجار دار‪ ،‬ثم ترك الماء في جدرانها وقتا طويلً‪ ،‬أو استئجار سيارة ثم‬
‫يحملها أكثر من حمولتها‪ ،‬أودابة ثم يضربها ضربا قاسيا أو يحملها ما ل تطيق‪.‬‬
‫ففي كل ذلك يعتبر متعسفا‪ ،‬فيمنع من تعسفه‪ ،‬ويعوض المتضرر عما أصابه من ضرر‪.‬‬

‫( ‪)4/394‬‬
‫كذلك يمنع من استعمال حقه‪ ،‬إذا استعمل حقه استعمالً غير معتاد‪ ،‬ولم يترتب عليه ضرر ظاهر؛‬
‫لن الستعمال على هذا النحو ل يخلو من ضرر‪ ،‬وعدم ظهور الضرر ل يمنع من وجوده في الواقع‪،‬‬
‫وإن كان يمنع من الحكم عليه بالتعويض لعدم وضوح الضرر‪ ،‬فإن كان الستعمال معتادا مألوفا‪،‬‬
‫ووقع الضرر فل يعد تعسفا‪ ،‬ول يترتب على ذلك ضمان‪ ،‬كالطبيب الجراح الذي يجري عملية‬
‫جراحية معتادة‪ ،‬ويموت المريض‪ ،‬فل يضمن‪ .‬ومثله من يوقد فرنا يتأذى الجيران بدخانه‪ ،‬أو يدير آلة‬
‫يتضرر الجيران بصوتها المعتاد‪ ،‬فل ضمان؛ لن كل ذلك معتاد مألوف‪.‬‬
‫وبناء عليه‪ :‬من يشعل نارا في أرضه‪ ،‬فطار منها شرر أحرق شيئا لجاره‪ ،‬إن كان ذلك في أحوال‬
‫عادية فل ضمان عليه‪ .‬وإن كان ذلك في وقت هبوب الرياح واشتدادها‪ ،‬فعليه الضمان‪.‬‬

‫وكذلك سقاية الرض‪ ،‬إن كان سقيا عاديا‪ ،‬فتسرب الماء إلى أرض الجار‪ ،‬فل ضمان ‪ ،‬وإن كان سقيا‬
‫غير عادي بماء ل تحتمله الرض عادة‪ ،‬فعليه ضمان الضرر اللحق بالغير (‪. )1‬‬
‫والمقياس في ذلك هو العرف الذي يحدد كون التصرف معتادا أو غير معتاد‪ .‬وعليه تطبق أحكام‬
‫التعامل مع الخباز والكواء إذا أحرق ما سلّم له‪ ،‬يضمن إذا تصرف تصرفا غير معتاد بزيادة وقود‬
‫النار‪ ،‬وحرارة الكهرباء‪.‬‬
‫القاعدة الخامسة ـ استعمال الحق مع الهمال أو الخطأ‪ :‬إذا استعمل النسان حقه على وجه ليس فيه‬
‫احتياط واحتراس وتثبت‪ ،‬فأضر بالغير‪ ،‬وهذا ما يعرف بالخطأ‪ ،‬كان متعسفا أو مسؤولً مسؤولية‬
‫تقصيرية‪.‬‬
‫سواء أكان خطأ في القصد‪ ،‬كما إذا رأى الصياد شبحا من بعيد‪ ،‬فظنه صيدا‪ ،‬فأطلق عليه النار‪ ،‬فإذا‬
‫هو إنسان‪.‬‬
‫أو كان خطأ في الفعل‪ ،‬كما إذا سدد الصائد الرمية على صيد‪ ،‬فانحرفت وأصابت إنسانا‪ ،‬أو تجاوزت‬
‫الصيد إلى إنسان فقتلته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الهداية‪ ،197/3 :‬المهذب‪.401/1 :‬‬

‫( ‪)4/395‬‬
‫فذلك كله إساءة في استعمال الحق يترتب عليه تعويض الضرر الذي أصاب الغير؛ لنه كان يجب‬
‫عليه التثبت والنتباه أو الحتراس في كل من القصد والفعل‪ ،‬فإذا قصد في ذلك تحمل نتيجة فعله‬
‫صونا لدماء الناس وأموالهم‪.‬‬
‫والدليل أن ال تعالى أوجب تعويض الضرر في القتل الخطأ بالدية‪ ،‬ومنع النبي من الضرر في‬
‫الحديث المتقدم‪« :‬ل ضرر ول ضرار» ول سبيل إلى رفع الضرر بعد وقوعه إل بإيجاب الضمان أو‬
‫التعويض‪.‬‬
‫ومجال هذه القاعدة هو الضرر الناشئ عن الخطأ في استعمال الحق‪ ،‬سواء أكان هذا الحق ثابتا بإذن‬
‫الشارع‪ ،‬أم بالعقد أم بغيرهما من مصادر الحق؛ لن استعمال الحقوق مقيد بشرط السلمة كما يقرر‬
‫الفقهاء (‪ ، )1‬ولن أموال الناس ودماءهم معصومة ل تهدر بحال‪ ،‬فيجب ضمانها وتعويض الضرر‬
‫الواقع عليها‪.‬‬
‫وأساس هذه القاعدة حصول الضرر‪ ،‬سواء أكان قليلً أم كثيرا‪.‬‬

‫ول تطبق هذه القاعدة في حالتين‪:‬‬
‫الولى ـ إذا كان استعمال الحق ليمكن فيه الحتراز أو التثبت عادة‪ ،‬كالطبيب الذي يجري عملية‬
‫جراحية على النحو المعتاد‪ ،‬فأفضى ذلك إلى تلف عضو أو نفس‪ ،‬ل يكون ضامنا‪.‬‬
‫الثانية ـ إذا اتخذ الشخص الحتياطات‪ ،‬ومع ذلك وقع الضرر‪ ،‬فل يضمنه كما إذا قام إنسان بالتدرب‬
‫على إطلق النار في ملكه‪ ،‬ووضع لفتات على أرضه بعدم الدخول‪ ،‬فل ضمان عليه إذا أصاب أحدا‬
‫دخل أرضه‪ .‬كما لضمان على من سلك طريقا مخوفا أو فيه سباع فوجد مقتولً‪ ،‬ل تجب ديته (‪. )2‬‬
‫ومن تطبيقات هذه القاعدة‪:‬‬
‫حوادث السير بدون قصد من قتل وإتلف مال‪ ،‬وما يترتب على ممارسة حق التأديب للزوج والمعلم‬
‫والب والحاكم من إتلفات غير مقصودة‪ .‬وحالت تجاوز حدود الدفاع الشرعي من الخف إلى‬
‫الثقل‪ ،‬واستهلك الموال على الظن أنها مال الشخص‪ ،‬فكل ذلك يوجب تعويض الضرر‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الهداية‪ 154/4 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الهداية‪.181/4 :‬‬

‫( ‪)4/396‬‬
‫آثار أو أحكام التعسف ‪:‬‬
‫التعسف في استعمال الحق يندرج تحت ( الفعل الضار ) أحد مصادر الحق‪ .‬أما ما ينشأ عن التعسف‬
‫من حقوق أو آثار وأحكام فهي ما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬إزالة الضرر عينا كهدم البناء الذي بناه المالك ملصقا لجاره‪ ،‬فسد عليه النور والهواء‪ ،‬وسد‬
‫النافذة التي فتحها المالك‪ ،‬وكانت تطل على نساء جاره‪.‬‬
‫‪ - 2‬التعويض عن الضرر إذا كان تلف نفس أو عضو أو مال‪.‬‬
‫‪ - 3‬إبطال التصرف كإبطال زواج التحليل وبيع العينة والوصية الضارة بالورثة‪.‬‬
‫‪ - 4‬المنع من ممارسة الحق كمنع الزوج من السفر بزوجته إذا قصد بالسفر إيذاءها‪.‬‬
‫‪ - 5‬التعزير كالدعاوى المرفوعة على الشرفاء للتشهير بهم‪.‬‬
‫‪ - 6‬الجبار على الفعل كإجبار التجار على البيع بسعر معين‪ ،‬وإجبار العمال على العمل بأجر المثل‪.‬‬
‫‪ - 4‬نقل الحق ‪:‬‬
‫يجوز انتقال الحق بسبب ناقل له‪ ،‬سواء أكان الحق ماليا كحق الملكية في المبيع‪ ،‬فإنه ينتقل من البائع‬

‫للمشتري بسبب عقد البيع‪ ،‬وحق الدين‪ ،‬فإنه ينتقل من ذمة الدائن إلى تركته بسبب الوفاة‪ ،‬أم كان‬
‫الحق غير مالي كحق الولية على الصغير‪ ،‬فإنه ينتقل من الب إلى الجد بسبب وفاة الب‪ ،‬وحق‬
‫الحضانة‪ ،‬فإنه ينتقل من الم إلى الجدة لم إذا تزوجت الم بغير محرم من الصغير‪.‬‬
‫وأسباب انتقال الحق كثيرة منها‪ :‬العقد‪ ،‬ومنها اللتزام الذي يتم من جانب واحد‪ ،‬ومنها الوفاة‪ ،‬ومنها‬
‫حوالة الدين من مدين إلى مدين آخر‪ .‬وهي نوع من العقد ل خلف في مشروعيته بين الفقهاء‪ .‬ومنها‬
‫حوالة الحق من دائن إلى دائن كأن يحيل البائع دائنه على المشتري بالثمن‪ ،‬ويحيل المرتهن على‬
‫الراهن بالدين‪ ،‬وتحيل الزوجة على زوجها بالمهر‪ ،‬وهي جائزة على التحقيق عند فقهاء المذاهب‪،‬‬
‫حتى عند الحنفية في نطاق ما يسمى عندهم بالحوالة المقيدة‪ :‬وهي أن يحيل شخص غيره بالدين الذي‬
‫له على المحال عليه‪.‬‬
‫‪ - 5‬انقضاء الحق ‪:‬‬
‫ينتهي الحق بسبب من السباب المقررة شرعا لنتهائه‪ ،‬وهو يختلف بحسب نوع الحق‪ ،‬فحق الزواج‬
‫ينتهى بالطلق‪ ،‬وحق البن في النفقة على أبيه ينتهي بقدرته على الكسب‪ ،‬وحق الملكية ينتهي بالبيع‪،‬‬
‫وحق النتفاع ينتهي بفسخ عقد الجارة أو انتهاء المدة‪ ،‬أو بانفساخ العقد بالعذار أو الظروف الطارئة‬
‫كانهدام المنزل‪ ،‬وحق الدين ينتهي بالداء أو بالمقاصة أو بالبراء‪ :‬وهو إسقاط صاحب الحق حقه‬
‫ممن هو عليه‪ .‬وتفاصيل ذلك تعرف في بحث نظرية العقد‪.‬‬

‫( ‪)4/397‬‬
‫صلُ الثّاني‪ :‬الموَال‬
‫ال َف ْ‬
‫المال بطبيعته محل الملكية إل إذا وجد مانع من الموانع‪ ،‬وهو في الغالب محل المعاملت المدنية‬
‫كالبيع واليجار والشركة والوصية ونحوها‪ .‬وهو أيضا عنصر ضروري من ضرورات الحياة أو‬
‫المعيشة التي ل غنى عنها للنسان‪.‬‬
‫لذا سأذكر تعريف المال وأقسامه ومايقبل التملك منه ومال يقبل‪ ،‬ثم أبين تعريف الملك وأقسامه‬
‫وخصائص كل قسم‪.‬‬
‫المبحث الول ــ تعريف المال وإرثه ‪:‬‬
‫تعريف المال ــ المال في اللغة‪ :‬كل مايقتنى ويحوزه النسان بالفعل سواء أكان عينا أم منفعة‪،‬‬
‫كذهب أو فضة أو حيوان أو نبات أو منافع الشيء كالركوب واللبس والسكنى‪ .‬أما مال يحوزه‬
‫النسان فل يسمى مالً في اللغة كالطير في الهواء والسمك في الماء والشجار في الغابات والمعادن‬

‫في باطن الرض‪.‬‬
‫وأما في اصطلح الفقهاء ففي تحديد معناه رأيان‪:‬‬
‫أولً ـ عند الحنفية‪ :‬المال‪ :‬هو كل ما يمكن حيازته وإحرازه وينتفع به عادة‪ ،‬أي أن المالية تتطلب‬
‫توفر عنصرين‪:‬‬
‫‪ - 1‬إمكان الحيازة والحراز‪ :‬فل يعد مالً‪ :‬ما ليمكن حيازته كالمور المعنوية مثل العلم‬

‫( ‪)4/398‬‬
‫والصحة والشرف والذكاء‪ ،‬وما ل يمكن السيطرة عليه كالهواء الطلق (‪ )1‬وحرارة الشمس وضوء‬
‫القمر‪.‬‬
‫‪ - 2‬إمكان النتفاع به عادة‪ :‬فكل ما ل يمكن النتفاع به أصلً كلحم الميتة والطعام المسموم أو‬
‫الفاسد‪ ،‬أو ينتفع به انتفاعا ل يعتد به عادة عند الناس كحبة قمح أو قطرة ماء أو حفنة تراب‪ ،‬ل يعد‬
‫مالً‪ ،‬لنه ل ينتفع به وحده‪ .‬والعادة تتطلب معنى الستمرار بالنتفاع بالشيء في الحوال العادية‪ ،‬أما‬
‫النتفاع بالشيء حال الضرورة كأكل لحم الميتة عند الجوع الشديد (المخمصة) فل يجعل الشيء مالً‪،‬‬
‫لن ذلك ظرف استثنائي‪.‬‬
‫وتثبت المالية بتمول الناس كلهم أو بعضهم (‪ ، )2‬فالخمر أو الخنزير مال لنتفاع غير المسلمين بهما‪.‬‬
‫وإذا ترك بعض الناس تمول مال كالثياب القديمة فل تزول عنه صفة المالية إل إذا ترك كل الناس‬
‫تموله‪.‬‬
‫وقد ورد تعريف المال في المادة (‪ )621‬من المجلة نقلً عن ابن عابدين الحنفي (‪ )3‬وهو‪« :‬المال‪:‬‬
‫هو ما يميل إليه طبع النسان‪ ،‬ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجة‪ ،‬منقولً كان أو غير منقول» ‪.‬‬
‫ولكنه تعريف منتقد؛ لنه ناقص غير شامل‪ ،‬فالخضروات والفواكه تعتبر مالً‪ ،‬وإن لم تدخر لتسرع‬
‫الفساد إليها‪ .‬وهو أيضا بتحكيم الطبع فيه قلق غير مستقر؛ لن بعض الموال كالدوية المرة والسموم‬
‫تنفر منها الطباع على الرغم من أنها مال‪ .‬وكذلك المباحات الطبيعية قبل إحرازها من صيود‬
‫ل ولو قبل إحرازها أو تملكها‪.‬‬
‫ووحوش وأشجار في الغابات تعد أموا ً‬
‫ثانيا ـ وأما المال عند جمهور الفقهاء غير الحنفية‪ :‬فهو كل ما له قيمة يلزم متلفه بضمانه (‪. )1‬‬
‫وهذا المعنى هو المأخوذ به قانونا‪ ،‬فالمال في القانون وهو كل ذي قيمة مالية‪.‬‬
‫الشياء غير المادية ـ الحقوق والمنافع ‪:‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬أما الهواء المضغوط المعبأ في زجاجات فهو مال محرز‪.‬‬
‫(‪ )2‬البحر الرائق‪ ،227/2 :‬رد المحتارلبن عابدين‪.3/4 :‬‬
‫(‪ )3‬رد المحتار‪.3/4 :‬‬

‫( ‪)4/399‬‬
‫حصر الحنفية معنى المال في الشياء أو العيان المادية أي التي لها مادة وجِرم محسوس‪ .‬وأما‬
‫المنافع والحقوق فليست أموالً عندهم وإنما هي ملك ل مال‪ .‬وغير الحنفية اعتبروها أموالً؛ لن‬
‫المقصود من الشياء منافعها ل ذواتها‪ ،‬وهذا هو الرأي الصحيح المعمول به في القانون وفي عرف‬
‫الناس ومعاملتهم‪ ،‬ويجري عليها الحراز والحيازة‪.‬‬
‫والمقصود بالمنفعة‪ :‬هو الفائدة الناتجة من العيان‪ ،‬كسكنى الدار‪ ،‬وركوب السيارة‪ ،‬ولبس الثوب‬
‫ونحو ذلك‪.‬‬
‫وأما الحق‪ :‬فهو ما يقرره الشرع لشخص من اختصاص يؤهله لممارسة سلطة معينة أو تكليف‬
‫بشيء‪ .‬فهو قد يتعلق بالمال كحق الملكية وحق الرتفاق بالعقار المجاور من مرور أو شرب أو‬
‫تعلي‪ ،‬وقد ل يتعلق بالمال كحق الحضانة‪ ،‬والولية على نفس القاصر‪.‬‬
‫والمنافع‪ ،‬والحقوق المتعلقة بالمال‪ ،‬والحقوق المحضة كحق المدعي في تحليف خصمه اليمين ليست‬
‫أموالً عند الحنفية‪ ،‬لعدم إمكان حيازتها بذاتها‪ ،‬وإذا وجدت فل بقاء ول استمرار لها‪ ،‬لنها معنوية‪،‬‬
‫وتنتهي شيئا فشيئا تدريجيا‪.‬‬
‫وقال جمهور الفقهاء غير الحنفية‪ :‬إنها تعتبر مالً‪ ،‬لمكان حيازتها بحيازة أصلها ومصدرها‪ ،‬ولنها‬
‫هي المقصودة من العيان‪ ،‬ولولها ما طلبت‪ ،‬ول رغب الناس بها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال المام الشافعي رضي ال عنه‪ :‬ليقع اسم مال إل على ماله قيمة يباع بها ويلزم متلفه‪ ،‬وإن‬
‫قلت‪ ،‬ومال يطرحه الناس مثل الفلس وما أشبه ذلك ( راجع الشباه والنظائر للسيوطي‪ ،‬ص ‪ ،258‬ط‬
‫مصطفى محمد )‪.‬‬

‫( ‪)4/400‬‬
‫ويترتب على هذا الخلف بعض النتائج أو الثمرات في الغصب والميراث والجارة‪ .‬فمن غصب شيئا‬
‫وانتفع به مدة‪ ،‬ثم رده إلى صاحبه‪ ،‬فإنه يضمن قيمة المنفعة عند غير الحنفية‪ ،‬وعند الحنفية‪ :‬ل‬

‫ضمان عليه إل إذا كان المغصوب شيئا موقوفا‪ ،‬أو مملوكا ليتيم‪ ،‬أو معدا للستغلل كعقار معد‬
‫لليجار كفندق أو مطعم؛ لن هذه الملك بحاجة شديدة للحفظ ومنع العدوان عليها‪ .‬وهذا المعنى في‬
‫الواقع موجود في كل المنافع‪ ،‬فينبغي الفتاء بالضمان في كل المغصوبات‪.‬‬
‫والجارة تنتهي بموت المستأجر عند الحنفية؛ لن المنفعة ليست مالً حتى تورث‪ ،‬وغير الحنفية‬
‫يقولون‪ :‬ل تنتهي الجارة بموت المستأجر وتظل باقية حتى تنتهي مدتها‪.‬‬
‫والحقوق ل تورث عند الحنفية كالحق في خيار الشرط أو خيار الرؤية‪ .‬وتورث عند غير الحنفية‪.‬‬
‫المبحث الثاني ـ أقسام المال ‪:‬‬
‫قسم الفقهاء المال عدة تقسيمات يترتب عليها أحكام مختلفة بحسب كل قسم‪ ،‬وأكتفي ببيان أربعة‬
‫تقسيمات‪ ،‬أوضحها القانون المدني‪:‬‬
‫‪ - 1‬باعتبار إباحة النتفاع وحرمته إلى‪ :‬متقوم وغير متقوم‪.‬‬
‫‪ - 2‬باعتبار استقراره في محله وعدم استقراره إلى‪ :‬عقا ٍر ومنقول‪.‬‬
‫‪ - 3‬باعتبار تماثل أحاده أو أجزائه وعدم تماثلها إلى‪ :‬مثلي وقيمي‪.‬‬
‫‪ - 4‬باعتبار بقاء عينه بالستعمال وعدم بقائه إلى‪ :‬استهلكي واستعمالي‪.‬‬

‫( ‪)4/401‬‬
‫المطلب الول ـ المال المتقوم وغير المتقوم ‪:‬‬
‫المال المتقوم‪ :‬كل ما كان محرزا بالفعل‪ ،‬وأباح الشرع النتفاع به كأنواع العقارات والمنقولت‬
‫والمطعومات ونحوها‪.‬‬
‫وغير المتقوم‪ :‬ما لم يحرز بالفعل‪ ،‬أو ما ل يباح النتفاع به شرعا إل في حالة الضطرار (‪، )1‬‬
‫مثال الول‪ :‬السمك في الماء والطير في الهواء والمعادن في باطن الرض ونحوها من المباحات‬
‫كالصيد والحشيش فهي غير متقومة عرفا‪ .‬ومثال الثاني‪ :‬الخمر والخنزير بالنسبة للمسلم غير‬
‫متقومين شرعا‪ ،‬فل يباح للمسلم النتفاع بهما إل عند الضرورة وبقدر الضرورة كدفع خطر جوع‬
‫شديد أو عطش شديد يخشى معه الهلك‪ ،‬ول يجد النسان شيئا آخر سواهما‪ ،‬فيباح له النتفاع‬
‫بأحدهما بقدر ما يدفع الهلك عن نفسه‪.‬‬
‫أما بالنسبة لغير المسلم فهما من الموال المتقومة عند فقهاء الحنفية؛ لننا أمرنا بتركهم وما يدينون‪.‬‬
‫فلو أتلفهما مسلم أو غير مسلم وجب عليه ضمانهما‪ .‬وقال غير الحنفية‪ :‬ل يعتبران مالً متقوما؛ لن‬
‫غير المسلمين المقيمين في بلدنا ملزمون بأحكام المعاملت السلمية‪ ،‬فلهم ما للمسلمين‪ ،‬وعليهم ما‬

‫عليهم‪.‬‬
‫وتظهر فائدة هذا التقسيم في موضعين ‪:‬‬
‫الول ـ صحة التعاقد عليه وعدمها‪ :‬فالمتقوم يصح أن يكون محلً لجميع العقود التي ترد على المال‬
‫كالبيع واليجار والهبة والعارة والرهن والوصية والشركة ونحوها‪ .‬وغير المتقوم‪ :‬ل يصح التعاقد‬
‫عليه بشيء من تلك العقود‪ ،‬فيعد بيع المسلم خمرا أو خنزيرا بيعا باطلً‪ ،‬ولو اشترى المسلم بخمر أو‬
‫خنزير كان الشراء فاسدا‪ ،‬وسبب التفرقة بين الحالتين أن المبيع هو المقصود الصلي من البيع‪،‬‬
‫فتقومه شرط انعقاد‪ .‬وأما الثمن فهو وسيلة ل يقصد لذاته‪ ،‬فتقومه شرط صحة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع المادة (‪ )127‬من المجلة‪ ،‬الدر المختار‪ 111/4 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/402‬‬
‫الثاني ـ الضمان عند التلف‪ :‬إذا أتلف إنسان مالً متقوما لغيره وجب عليه ضمان مثله إن كان‬
‫مثليا‪ ،‬أو قيمته إن كان قيميا‪ .‬أما غير المتقو م فل يضمن بالتلف إذا كان لمسلم‪ .‬فلو أراق أحد‬
‫خمرا لمسلم أو قتل خنزيرا له‪ ،‬ل يضمنه‪ .‬أما لو أتلفه أحد لذمي (أي غير مسلم مقيم في دار السلم)‬
‫ضمن له قيمته عند الحنفية‪ ،‬لنه مال متقوم عندهم‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫التقوم وعدمه عند القانونيين ‪:‬‬
‫يختلف معنى التقوم وعدمه بين الشرعيين والقانونيين‪ ،‬فهو عند الشرعيين كما عرفنا‪ :‬ما يباح النتفاع‬
‫بها‪ ،‬شرعا‪ ،‬أو ما ل يباح ذلك‪.‬‬
‫وأما عند القانونيين‪ :‬فالتقوم‪ :‬ما كان ذا قيمة بين الناس‪ .‬وعدم التقوم‪ :‬هو خروج الشياء عن التعامل‬
‫بطبيعتها أو بحكم القانون‪ .‬فالولى هي التي يشترك كل الناس في النتفاع بها‪ ،‬ول يستطيع أحد أن‬
‫يستأثر بحيازتها‪ ،‬كالهواء والبحار وأشعة الشمس‪ .‬والثانية‪ :‬هي الشياء الخارجة عن التعامل بحكم‬
‫القانون كالمخدرات الممنوعة والمواد الحربية المتفجرة‪ ،‬وكل الشياء المملوكة للدولة أو للشخاص‬
‫العتبارية العامة أو المخصصة للنفع العام بالفعل‪ .‬وقد أخذت فكرة التقوم وعدمه من مفهوم المادة (‬
‫‪ )38‬من القانون المدني التي تنص على ما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬كل شيء غير خارج عن التعامل بطبيعته أو بحكم القانون يصح أن يكون محلً للحقوق المالية‪.‬‬
‫‪ - 2‬والشياء التي تخرج عن التعامل بطبيعتها هي التي ل يستطيع أحد أن يستأثر بحيازتها‪ ،‬وأما‬
‫الخارجة بحكم القانون فهي التي ل يجيز القانون أن تكون محلً للحقوق المالية‪.‬‬

‫يتبين من ذلك أن فكرة التقوم وعدمه تنبني في القانون على جواز التعامل في الشيء وعدم جوازه‬
‫قانونا‪ .‬فالخمر مثلً يجوز التعامل بها في القانون ول يجوز التعامل بها في الشرع‪.‬‬

‫( ‪)4/403‬‬
‫المطلب الثاني ـ العقار والمنقول ‪:‬‬
‫للفقهاء اصطلحان في بيان المقصود من العقار والمنقول‪ ،‬أحدهما للحنفية‪ ،‬والخر للمالكية‪.‬‬
‫رأي الحنفية ـ المنقول‪ :‬هو ما يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر‪ ،‬سواء أبقي على صورته‬
‫وهيئته الولى‪ ،‬أم تغيرت صورته وهيئته بالنقل والتحويل ويشمل النقود والعروض التجارية وأنواع‬
‫الحيوان والمكيلت والموزونات (‪. )1‬‬
‫والعقار‪ :‬هو الثابت الذي ل يمكن نقله وتحويله أصلً من مكان إلى آخر كالدور والراضي (‪. )2‬‬
‫ويلحظ أن البناء والشجر والزرع في الرض ل تعد عقارا عند الحنفية إل تبعا للرض‪ ،‬فلو بيعت‬
‫الرض المبنية أو المشجرة أو المزروعة طبقت أحكام العقار على ما يتبع الرض من البناء ونحوه‪.‬‬
‫أما لو بيع البناء وحده أو الشجر وحده من غير الرض فل يطبق عليهما حكم العقار‪ .‬فالعقار عند‬
‫الحنفية ل يشمل إل الرض خاصة‪ .‬والمنقول يشمل ما عداها (‪. )3‬‬
‫رأي المالكية ـ ضيق المالكية من دائرة المنقول ووسعوا في معنى العقار فقالوا‪ :‬المنقول‪ :‬هو ما‬
‫أمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر مع بقائه على هيئته وصورته الولى كالملبس والكتب‬
‫ل كالرض‪ ،‬أو أمكن تحويله‬
‫والسيارات ونحوها‪ .‬والعقار عندهم‪ :‬هو ما ل يمكن نقله وتحويله أص ً‬
‫ونقله مع تغيير صورته وهيئته عند النقل والتحويل كالبناء والشجر‪ .‬فالبناء بعد هدمه يصير أنقاضا ‪،‬‬
‫والشجر يصبح أخشابا (‪. )4‬‬
‫وهذا الرأي هو المتفق مع القانون المدني السوري‪ ،‬كما نصت المادة ‪« :48/1‬كل شيء مستقر بحيزه‬
‫ثابت فيه‪ ،‬ل يمكن نقله منه‪ ،‬دون تلف‪ ،‬فهو عقار‪ ،‬وكل ماعدا ذلك من شيء فهو منقول» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬م ‪ 128‬من مجلة الحكام العدلية‪.‬‬
‫(‪ )2‬م ‪ 129‬من المجلة‪.‬‬
‫(‪ )3‬رد المحتار‪.408/3 :‬‬
‫(‪ )4‬بداية المجتهد‪.254/2 :‬‬

‫( ‪)4/404‬‬

‫لكن توسع القانون في معنى العقار في الفقرة الثانية من هذه المادة‪ ،‬فأدخل فيه المنقولت التي يضعها‬
‫صاحبها في عقار يملكه لخدمة هذا العقار أو استثماره‪ ،‬حتى السماد والسمك‪ ،‬وسماها (عقارا‬
‫بالتخصيص ) وهذا سائغ في مذهب المالكية‪ .‬وأدخل فيه أيضا في المادة (‪ )85‬الحقوق العينية‬
‫المترتبة على العقار كحقوق الرتفاق والتأمينات‪ ،‬حتى الدعوى المتعلقة بحق عيني على عقار‪.‬‬
‫واعتبار هذه الدعوى عقارا فيه إغراق في تصور معنى العقار‪.‬‬
‫هذا وقد يتحول المنقول إلى عقار وبالعكس‪ ،‬مثال الول‪ :‬البواب والقفال وتمديدات الماء والكهرباء‬
‫تصبح عقارا باتصالها بالعقار على نحو ثابت‪ .‬ومثال الثاني‪ :‬أنقاض البناء وكل ما يستخرج من‬
‫الرض من معادن وأحجار وتراب‪ ،‬تصبح منقولً بمجرد فصلها عن الرض‪.‬‬
‫وتظهر فائدة تقسيم المال إلى عقار ومنقول في طائفة من الحكام الفقهية التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬الشفعة (‪ : )1‬تثبت في المبيع العقار (‪ ، )2‬ول تثبت في المنقول‪ ،‬إذا بيع مستقلً عن العقار‪ ،‬فإن‬
‫بيع المنقول تبعا للعقار ثبت فيهما الشفعة‪.‬‬
‫وكذلك بيع الوفاء (‪ : )3‬يختص بالعقار دون المنقول‪.‬‬
‫‪ - 2‬الوقف‪ :‬ل يصح عند الحنفية خلفا لجمهور الفقهاء إل في العقار‪ .‬أما المنقول فل يصح وقفه إل‬
‫تبعا للعقار كوقف أرض وما عليها من آلت وحيوان‪ ،‬أو ورد بصحة وقفه أثر عن السلف كوقف‬
‫الخيل والسلح‪ ،‬أو جرى العرف بوقفه كوقف المصاحف والكتب وأدوات الجنازة‪ .‬ويصح عند غير‬
‫الحنفية وقف العقار والمنقول على السواء (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشفعة‪ :‬حق تملك العقار المبيع جبرا عن المشتري‪ ،‬بما قام عليه من ثمن وتكاليف مثل رسم‬
‫التسجيل وأجرة السمسار ونحوهما‪ .‬وتثبت عند الحنفية للشريك والجار‪ ،‬وعند غير الحنفية‪ :‬تثبت‬
‫للشريك فقط‪.‬‬
‫(‪ )2‬مختصر الطحاوي‪ :‬ص ‪.120‬‬
‫(‪ )3‬بيع الوفاء‪ :‬هو أن يبيع المحتاج إلى النقود عقارا بشرط أنه متى وفى الثمن استرد العقار (م ‪118‬‬
‫مجله)‪.‬‬
‫(‪ )4‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،411-408/3 :‬فتح القدير‪ 48/5 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/405‬‬

‫‪ - 3‬بيع الوصي مال القاصر‪ :‬ليس للوصي بيع عقار القاصر إل بمسوغ شرعي كإيفاء دين أو دفع‬
‫حاجة ضرورية أو تحقيق مصلحة راجحة‪ .‬وقد أنيط ذلك بإذن القاضي في قانون الحوال الشخصية؛‬
‫لن بقاء عين العقار فيه حفاظ على مصلحة القاصر أكثر من حفظ ثمنه‪.‬‬
‫أما المنقول‪ :‬فله أن يبيعه متى رأى مصلحة في ذلك‪.‬‬
‫ل ببيع المنقول‪ ،‬فإن لم يف ثمنه انتقل إلى العقار‬
‫وفي بيع مال المدين المحجوز عليه لوفاء دينه يبدأ أو ً‬
‫تحقيقا لمصلحة المدين‪.‬‬
‫‪ - 4‬يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلفا لبقية الفقهاء بيع العقار قبل قبضه من المشتري‪ ،‬أما‬
‫المنقول فل يجوز بيعه قبل القبض أو التسليم؛ لن المنقول عرضة للهلك كثيرا بعكس العقار‪.‬‬
‫‪ - 5‬حقوق الجوار والرتفاق تتعلق بالعقار‪ ،‬دون المنقول‪.‬‬
‫‪ - 6‬ل يتصور غصب العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف‪ ،‬إذ ل يمكن نقله وتحويله‪ ،‬ويرى محمد‬
‫وسائر الفقهاء إمكان غصب العقار‪ ،‬والرأي الول أخذت به المجلة (م ‪ 509‬وما بعدها)‪.‬‬
‫أما المنقول فيتصور غصبه باتفاق الفقهاء (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وهناك أحكام قانونية تختلف بين العقار والمنقول‪ :‬منها أن انتقال ملكية العقار ليتم إل بالتسجيل‪،‬‬
‫أما المنقول فل حاجة في نقل ملكيته إلى التسجيل‪ .‬ومنها أن الحيازة بسبب صحيح وبحسن نية في‬
‫المنقول سند الملكية‪ .‬أما العقار فإن حيازته ولو بسبب صحيح لتثبت بها الملكية إل بمضي خمس‬
‫سنين (م ‪.)918 ،927‬‬

‫( ‪)4/406‬‬
‫المطلب الثالث ـ المال المثلي والقيمي ‪:‬‬
‫المال المثلي ‪ :‬ما له مثل أو نظير في السواق من غير تفاوت في أجزائه أو وحداته تفاوتا يعتد به‬
‫في التعامل (‪ . )1‬والموال المثلية أربعة أنواع هي‪ :‬المكيلت (كالقمح والشعير) والموزونات‬
‫(كالقطن والحديد) والعدديات المتقاربة في الحجم كالجوز والبيض‪ ،‬وبعض أنواع الذرعيات (التي تباع‬
‫بالذراع أو المتر ونحوهما)‪ :‬وهي التي تتساوى أجزاؤها دون فرق يعتد به كأثواب الجوخ والقطن‬
‫والحرير‪ ،‬وألواح البلور‪ ،‬والخشاب الجديدة‪ .‬أما إن تفاوتت أجزاء المذروع كالنسيج غير المتماثل‬
‫الجزاء وكالراضي‪ ،‬فيصبح مالً قيميا ل مثليا‪ .‬وكما يعد المعدود المتقارب من المحصولت‬
‫الطبيعية من المال المثلي‪ ،‬كذلك يعد المعدود المتماثل من المصنوعات من مادة واحدة وشكل واحد‬

‫مالً مثليا كأواني الكل والشرب‪ ،‬والسيارات المتحدة النوع‪ ،‬وأدوات غيارها‪ ،‬والكتب الجديدة‬
‫المطبوعة‪.‬‬
‫والمال القيمي ‪ :‬هو ما ليس له نظير أو مثل في السوق‪ ،‬أو له مثل ولكن مع التفاوت المعتد به بين‬
‫وحداته في القيمة (‪ ، )2‬مثل أفراد الحيوان والراضي والشجار والدور وأنواع السجاد والبسط‬
‫والحجار الكريمة كالماس والياقوت والكتب المخطوطة أو المستعملة‪.‬‬
‫ويدخل في المال القيمي‪ :‬العدديات المتفاوتة القيمة في آحادها كالبطيخ والرمان عند اختلف أحجامها‬
‫وأنواعها‪.‬‬
‫وقد ينقلب المال المثلي قيميا وبالعكس ‪ ،‬وحالت انقلب المثلي قيميا أربعة هي‪:‬‬
‫‪ - 1‬النقطاع من السوق‪ :‬إذا انقطع وجود المال المثلي من السواق انقلب قيميا‪.‬‬
‫‪ - 2‬الختلط‪ :‬إذا اختلط مالن مثليان من جنسين مختلفين كحنطة وشعير‪ ،‬صار الخليط قيميا‪.‬‬
‫‪ - 3‬التعرض للخطر‪ :‬إذا تعرض المال المثلي للخطر كالحريق أو الغرق‪ ،‬صار له قيمة خاصة‪.‬‬
‫‪ - 4‬التعيب أو الستعمال‪ :‬إذا تعيب المال المثلي أو استعمل‪ ،‬صار له قيمة خاصة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬م ‪ 145‬من المجلة‪.‬‬
‫(‪ )2‬م ‪ 146‬من المجلة‪.‬‬

‫( ‪)4/407‬‬
‫وانقلب المال القيمي إلى مثلي يكون في حال الكثرة بعد الندرة‪ ،‬فإذا كان المال نادر الوجود في‬
‫السوق‪ ،‬ثم أصبح كثير الوجود‪ ،‬صار مثليا بعد أن كان له قيمة خاصة‪.‬‬
‫ويلحظ أن المال المتقوم أعم من القيمي‪ ،‬فالمتقوم يشمل القيمي والمثلي‪.‬‬
‫وتظهر فائدة التقسيم إلى مثلي وقيمي فيما يأتي ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الثبوت في الذمة (‪ : )1‬يثبت المال المثلي دينا في الذمة أي بأن يكون ثمنا في البيع‪ ،‬عن طريق‬
‫تعيين جنسه وصفته‪ .‬ويصح بالتالي وقوع المقاصة بين الموال المثلية‪.‬‬
‫أما القيمي‪ :‬فل يقبل الثبوت دينا في الذمة‪ ،‬فل يصح أن يكون ثمنا‪ ،‬ول تجري المقاصة بين الموال‬
‫القيمية‪ .‬وإذا تعلق الحق بمال قيمي كرأس غنم أو بقر‪ ،‬يجب أن يكون معينا بذاته‪ ،‬متميزا عن سواه‪،‬‬
‫بالشارة إليه منفردا‪ ،‬ل مشارا إليه بالوصف؛ لن أفراد المال القيمي ولو من نوع واحد غير متماثلة‪،‬‬
‫ولكل واحد منها صفة وقيمة معينة ‪.‬‬

‫‪ - 2‬كيفية الضمان عند التعدي أو التلف‪ :‬إذا أتلف شخص مالً مثليا‪ ،‬مثل كمية من القمح أو‬
‫السكر‪ ،‬وجب عليه ضمان مثله‪ ،‬حتى يكون التعويض على أكمل وجه‪ ،‬والمثل أقرب إلى الشيء‬
‫المتلف صورة ومعنى‪ ،‬أي مالية‪ .‬أما القيمي فيضمن المتعدي قيمته؛ لنه يتعذر إيجاب مثله صورة‪،‬‬
‫فيكتفى بإيجاب مثله معنى‪ ،‬أي من ناحية المالية‪ ،‬وهي القيمة‪.‬‬
‫‪ - 3‬القسمة الجبرية وأخذ النصيب‪ :‬تدخل القسمة جبرا في المال المثلي المشترك‪ ،‬ولكل شريك أخذ‬
‫نصيبه في غيبة الخر دون إذنه‪ .‬أما القيمي‪ :‬فل تدخل فيه القسمة الجبرية‪ ،‬ول يجوز للشريك أخذ‬
‫نصيبه في غيبة الخر بدون إذنه؛ لن القسمة فيها معنى الفراز والمبادلة‪ ،‬فإذا كان المال مثليا كانت‬
‫جهة الفراز هي الراجحة لتماثل أجزائه‪ .‬وإذا كان قيميا كانت جهة المبادلة هي الراجحة لعدم تماثل‬
‫أجزائه‪ ،‬فكأنه أخذ بدل حقه ل عينه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬سأوضح قريبا معنى الذمة وخصائصها وبدئها وانتهائها بمشيئة ال تعالى‪.‬‬

‫( ‪)4/408‬‬
‫‪ - 4‬الربا‪ :‬الموال القيمية ل يجري فيها الربا المحرم‪ ،‬فيجوز بيع غنمة بغنمتين‪ ،‬أي يجوز بيع القليل‬
‫بالكثير من جنسه‪ .‬أما الموال المثلية فيجري فيها الربا الحرام الذي يوجب تساوي العوضين‬
‫المتجانسين في الكمية والمقدار‪ ،‬وتكون الزيادة حراما‪ .‬فل يجوز بيع قنطار من القمح بقنطار وربع‬
‫مثلً‪ ،‬لشتمال البيع على ما يسمى بربا الفضل‪ ،‬وهذا الربا يختص شرعا بالمقدرات المثلية من مكيل‬
‫أو موزون فقط‪.‬‬
‫الذمة المالية وخصائصها ‪:‬‬
‫ل يتصور ثبوت دين على إنسان إل بتصور محل اعتباري مفترض مقدر وجوده في كل إنسان‪ .‬وهذا‬
‫المحل المقدر المفترض هو الذمة‪ ،‬فالذمة تختلف عن الهلية‪ ،‬إذ أن الهلية‪ :‬هي صلحية الشخص‬
‫لثبوت الحقوق له وتحمل الواجبات‪ .‬وتحمل الواجبات أو اللتزامات يستلزم وجود محل في الشخص‬
‫تستقر فيه تلك الواجبات أو الديون‪ .‬وتبدأ الهلية ناقصة منذ بدء تكون الجنين‪ ،‬وتكمل أهلية الوجوب‬
‫بالولدة‪.‬‬
‫وبالولدة تبدأ الذمة مع بدء تصور وجود العنصر الثاني من تلك الهلية‪ :‬وهو عنصر المديونية أو‬
‫اللتزام‪ ،‬فالهلية هي الصلحية‪ ،‬والذمة محل الصلحية‪.‬‬
‫فالذمة‪ :‬هي محل اعتباري في الشخص تقع فيه الديون أواللتزامات (‪. )1‬‬

‫أولً ـ خصائص الذمة ‪:‬‬
‫للذمة الخصائص التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬الذمة من صفات الشخصية الطبيعية وهو النسان أو العتبارية كالشركات والمؤسسات‬
‫والوقاف والمساجد‪ .‬فل ذمة للجنين قبل ولدته‪ ،‬فل تصح الهبة له‪ ،‬لكن تصح الوصية له بشرط‬
‫ولدته حيا‪ ،‬ول ذمة للحيوان‪ ،‬فلو أوصى شخص لدابة وقصد تمليكها فالوصية باطلة‪ ،‬لكن لو كان‬
‫بقصد النفاق عليها صحت الوصية‪ ،‬ويكون المقصود بها مالكها‪ .‬ول يتعين صرف الموصى به للنفقة‬
‫على الدابة عند الحنفية (‪ ، )2‬ويتعين ذلك لعلف الدابة عند الشافعية (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المدخل إلى اللتزام في الفقه للستاذ مصطفى الزرقاء‪ :‬ف ‪.123‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪.459/5،462 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪.42/3 :‬‬

‫( ‪)4/409‬‬
‫‪ - 2‬ل بد لكل شخص بعد ولدته من ذمة‪ ،‬حتى ولو كانت فارغة بريئة؛ لن الذمة من توابع‬
‫الشخصية‪ ،‬وتلزم العنصر الثاني من أهلية الوجوب‪ ،‬وهذه الهلية مناطها الصفة النسانية‪ ،‬فتلزم‬
‫النسان منذ وجوده‪.‬‬
‫‪ - 3‬ل تتعدد الذمة‪ ،‬فلكل شخص ذمة واحدة‪ ،‬ول اشتراك بين أشخاص في الذمة‪.‬‬
‫‪ - 4‬الذمة ل حدّ لسعتها‪ ،‬فهي تتسع لكل الديون مهما عظمت؛ لن الذمة ظرف اعتباري‪ ،‬يتسع لكل‬
‫اللتزامات‪.‬‬
‫‪ - 5‬الذمة متعلقة بالشخص‪ ،‬ل بأمواله وثروته‪ ،‬ليتمكن من ممارسة نشاطه القتصادي بحرية مطلقة‬
‫تمكنه من تسديد ديونه‪ ،‬فله التجارة والبيع ولو كان مدينا بأكثر مما يملك‪ .‬وله وفاء أي دين متقدم أو‬
‫متأخر في الثبوت‪ .‬ول يحق للدائنين العتراض عليه‪.‬‬
‫‪ - 6‬الذمة ضمان عام لكل الديون بل تمييز لدين على آخر إل إذا وجد لصاحب دين حق عيني‬
‫كالرهن‪ ،‬أو كانت بعض الحقوق الشخصية ذات امتياز كنفقات التجهيز والتكفين‪ ،‬ودين النفقة للزوجة‬
‫والولد الصغار‪ ،‬وديون الضرائب الحكومية‬
‫ثانيا ‪ -‬انتهاء الذمة ‪:‬‬
‫تبدأ الذمة بالولدة وتنتهي بالوفاة‪ ،‬وللفقهاء آراء ثلثة في انتهاء الذمة‪.‬‬

‫الرأي الول للحنابلة في رواية عندهم (‪ )1‬ـ انهدام الذمة بمجرد الموت‪ :‬لن الذمة من خصائص‬
‫الشخصية‪ ،‬والموت يعصف بالشخص وبذمته‪ .‬وأما الديون فتتعلق عند أكثر الحنابلة بالتركة‪ ،‬فمن‬
‫مات ول تركة له سقطت ديونه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القواعد لبن رجب‪ :‬ص ‪ 193‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/410‬‬
‫الرأي الثاني للمالكية والشافعية وبعض الحنابلة (‪ )1‬ـ بقاء الذمة بعد الموت حتى إيفاء الديون‬
‫وتصفية التركة‪ :‬تبقى الذمة بعد الموت حتى تصفى الحقوق المتعلقة بالتركة‪ .‬فيصح للميت اكتساب‬
‫حقوق جديدة بعد موته كان سببا لها‪ ،‬كمن نصب شبكة للصطياد‪ ،‬فوقع فيها حيوان‪ ،‬فإنه يملكه‪،‬‬
‫وتظل ذمة الميت باقية بعد موته حتى تسدد ديونه‪ ،‬لقوله عليه السلم‪« :‬نفس المؤمن معلقة بدينه حتى‬
‫يقضى عنه» (‪ . )2‬ويمكن أن تشغل ذمة الميت بعد موته بديون جديدة‪ ،‬كشغلها بثمن المبيع الذي رده‬
‫المشتري على البائع بعد موته بسبب عيب ظهر فيه‪ .‬وكالتزامه بضمان قيمة ما وقع في حفرة حفرها‬
‫الشخص قبل موته‪ ،‬في الطريق العام‪ .‬وتصح الكفالة بعد الموت بما على الميت المفلس من ديون؛‬
‫لن النبي صلّى ال عليه وسلم صحح هذه الكفالة‪ .‬وتصح عند المالكية ل الشافعية والحنابلة الوصية‬
‫لميت‪ .‬ويقتصر أثر الموت في هذا الرأي على عدم مطالبة الميت بالحقوق وإنما يطالب ورثته بأداء‬
‫الحقوق لصحابها‪.‬‬
‫الرأي الثالث للحنفية ـ ضعف الذمة‪:‬‬
‫إن الموت ل يهدم الذمة‪ ،‬لكن يضعفها‪ ،‬فتبقى بقدر الضرورة لتصفية الحقوق المتعلقة بالتركة التي لها‬
‫سبب في حال الحياة‪ .‬فيكتسب الميت بعد موته ملكية جديدة كما في صورة نصب الشبكة للصيد‪،‬‬
‫ويلتزم بالديون التي تسبب بها الشخص قبل موته‪ ،‬كرد المبيع المعيب عليه والتزامه بالثمن‪ ،‬وضمان‬
‫ما وقع في حفرة حفرها في الطريق العام‪ .‬لكن ل تصح كفالة دين على ميت مفلس عند أبي حنيفة‬
‫خلفا للصاحبين (‪ . )3‬ول تصح الوصية للميت أو الهبة له‪ .‬وبهذين الحكمين الخيرين يفترق الرأي‬
‫الثالث عن الرأي الثاني‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مغني المحتاج‪ ،40/3 :‬المغني‪.21/6 :‬‬

‫(‪ )2‬رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة‪ ،‬وهو صحيح‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ ،6/6 :‬فتح القدير‪.419/5 :‬‬

‫( ‪)4/411‬‬
‫المطلب الرابع ـ المال الستهلكي والستعمالي ‪:‬‬
‫المال الستهلكي‪ :‬هو الذي ل يمكن النتفاع به إل باستهلك عينه‪ ،‬كأنواع الطعام والشراب والحطب‬
‫والنفط والورق والنقود‪ .‬فل يمكن النتفاع بهذه الموال ما عدا النقود إل باستئصال عينها‪ .‬وأما النقود‬
‫فاستهلكها يكون بخروجها من يد مالكها‪ ،‬وإن كانت أعيانها باقية بالفعل‪.‬‬
‫والمال الستعمالي‪ :‬هو ما يمكن النتفاع به مع بقاء عينه‪ ،‬كالعقارات والمفروشات والثياب والكتب‬
‫ونحوها‪.‬‬
‫وينظر إلى النتفاع المميز بين النوعين لول مرة‪ ،‬ل إلى حالت الستعمال المتكررة‪ .‬فإن زالت عين‬
‫الشيء من أول انتفاع كان مالً استهلكيا‪ ،‬وإن بقيت عينه حينئذ كان مالً استعماليا‪.‬‬
‫وتظهر فائدة التقسيم فيما يأتي ‪:‬‬
‫يقبل كل نوع من هذين المالين نوعا معينا من العقود‪ .‬فالمال الستهلكي يقبل العقود التي غرضها‬
‫الستهلك ل الستعمال كالقرض وإعارة الطعام‪.‬‬
‫والمال الستعمالي يقبل العقود التي هدفها الستعمال دون الستهلك كالجارة والعارة‪.‬‬
‫فإن لم يكن الغرض من العقد هو الستعمال وحده أو الستهلك وحده‪ ،‬صح أن يرد على كل‬
‫النوعين‪ :‬الستعمالي والستهلكي كالبيع واليداع‪،‬يصح ورودهما على كل من النوعين على السواء‪.‬‬

‫( ‪)4/412‬‬
‫صلُ الثّالث‪ :‬الملكيّة وخصا ِئصُها‬
‫ال َف ْ‬
‫ويشتمل على مطالب خمسة‪:‬‬
‫المطلب الول ـ تعريف الملكية والملك ‪:‬‬
‫الملكية أو الملك‪ :‬علقة بين النسان والمال أقرها الشرع (‪ )1‬تجعله مختصا به‪ ،‬ويتصرف فيه بكل‬
‫التصرفات ما لم يوجد مانع من التصرف‪.‬‬
‫والملك كما يطلق على هذه العلقة‪ ،‬يطلق أيضا على الشيء المملوك‪ ،‬تقول‪ :‬هذا الشيء ملكي أي‬
‫مملوك لي‪.‬وهذا المعنى هو المقصود في تعريف المجلة (م ‪ )521‬للملك‪ :‬بأنه ما ملكه النسان‪ ،‬سواء‬

‫أكان أعيانا أو منافع‪ .‬وعلى هذا المعنى يفهم قول الحنفية‪ :‬إن المنافع والحقوق ملك وليست بمال‪.‬‬
‫وعلى هذا‪ ،‬فالملك أعم من المال عندهم‪.‬‬
‫والملك في اللغة‪ :‬هو حيازة النسان للمال والستبداد به أي النفراد بالتصرف فيه‪.‬‬
‫وقد عرف الفقهاء الملك بتعاريف متقاربة مضمونها واحد (‪ ، )2‬ولعل أفضلها هو ما يأتي‪:‬‬
‫الملك‪ :‬اختصاص بالشيء يمنع الغير منه‪ ،‬ويمكن صاحبه من التصرف فيه ابتداء إل لمانع شرعي‪.‬‬
‫فإذا حاز الشخص مالً بطريق مشروع أصبح مختصا به‪ ،‬واختصاصه به يمكنه من النتفاع به‬
‫والتصرف فيه إل إذا وجد مانع شرعي يمنع من ذلك كالجنون أو العته أو السفه أو الصغر ونحوها‪.‬‬
‫كما أن اختصاصه به يمنع الغير من النتفاع به أو التصرف فيه إل إذا وجد مسوغ شرعي يبيح له‬
‫ذلك كولية أو وصاية أو وكالة‪.‬‬
‫وتصرف الولي أو الوصي أو الوكيل لم يثبت له ابتداء‪ ،‬وإنما بطريق النيابة الشرعية عن غيره‪،‬‬
‫فيكون القاصر أو المجنون ونحوهما هو المالك‪ ،‬إل أنه ممنوع من التصرف بسبب نقص أهليته أو‬
‫فقدانها‪ ،‬ويعود له الحق بالتصرف عند زوال المانع أو العارض‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ قابلية المال للتملك وعدمها ‪:‬‬
‫المال في الصل قابل بطبيعته للتملك‪ ،‬لكن قد يعرض له عارض يجعله غير قابل في كل الحوال أو‬
‫في بعضها للتملك‪ ،‬فيتنوع المال بالنسبة لقابليته للتملك إلى ثلثة أنواع‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬ما ل يقبل التمليك ول التملك بحال‪ :‬وهو ما خصص للنفع العام كالطرق العامة والجسور‬
‫والحصون والسكك الحديدية والنهار والمتاحف والمكتبات العامة والحدائق العامة ونحوها‪ .‬فهذه‬
‫الشياء غير قابلة للتملك لتخصيصها للمنافع العامة‪ .‬فإذا زالت عنها تلك الصفة عادت لحالتها‬
‫الصلية‪ ،‬وهي قابلية التملك‪ ،‬فالطريق إذا استغني عنه أو ألغي جاز تملكه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬حق الملكية وغيره ل يثبت إل بإقرار الشرع واعترافه به‪ ،‬لن الشرع هو مصدر الحقوق‪ ،‬وليس‬
‫الحق في الشريعة حقا طبيعيا‪ ،‬وإنما هو منحة إلهية منحها الخالق للفراد وفقا لمصلحة الجماعة‪.‬‬
‫(‪ )2‬راجع فتح القدير‪ ،74/5 :‬الفروق للقرافي‪ 208/3 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/413‬‬
‫‪ - ً 2‬ما ل يقبل التملك إل بمسوغ شرعي‪ :‬كالموال الموقوفة وأملك بيت المال أي الموال الحرة‬
‫في عرف القانونيين‪ .‬فالمال الموقوف ل يباع ول يوهب إل إذا تهدم أو أصبحت نفقاته أكثر من‬

‫إيراده‪ ،‬فيجوز للمحكمة الذن باستبداله (‪. )1‬‬
‫وأملك بيت المال (أو وزارة المالية‪ ،‬أو الحكومة) ل يصح بيعها إل برأي الحكومة لضرورة أو‬
‫مصلحة راجحة‪ ،‬كالحاجة إلى ثمنها‪ ،‬أو الرغبة فيها بضعف الثمن ونحو ذلك؛ لن أموال الدولة‬
‫كأموال اليتيم عند الوصي ل يتصرف فيها إل للحاجة أو المصلحة‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬ما يجوز تملكه وتمليكه مطلقا بدون قيد‪ :‬وهو ما عدا النوعين السابقين‪.‬‬
‫المطلب الثالث ـ أنواع الملك ‪:‬‬
‫الملك إما تام أو ناقص‪.‬‬
‫فالملك التام‪ :‬هو ملك ذات الشيء (رقبته) ومنفعته معا‪ ،‬بحيث يثبت للمالك جميع الحقوق المشروعة‪.‬‬
‫ومن أهم خصائصه‪ :‬أنه ملك مطلق دائم ل يتقيد بزمان محدود ما دام الشيء محل الملك قائما‪ .‬ول‬
‫يقبل السقاط‪ ،‬فلو غصب شخص عينا مملوكة لخر‪ ،‬فقال المالك المغصوب منه‪ :‬أسقطت ملكي‪ ،‬فل‬
‫تسقط ملكيته ويبقى الشيء ملكا له‪ ،‬وإنما يقبل النقل‪ ،‬إذ ل يجوز أن يكون الشيء بل مالك‪ .‬وطريق‬
‫النقل إما العقد الناقل للملكية كالبيع‪ ،‬أو الميراث أو الوصية‪.‬‬
‫ويمنح صاحبه الصلحيات التامة وحرية الستعمال والستثمار والتصرف فيما يملك كما يشاء‪ ،‬فله‬
‫البيع أو الهبة أو الوقف أو الوصية‪ ،‬كما له العارة والجارة‪ ،‬لنه يملك ذات العين والمنفعة معا‪ ،‬فله‬
‫التصرف بهما معا‪ ،‬أو بالمنفعة فقط‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أجاز الحنفية الستبدال بالموقوف أرضا أخرى للحاجة والمصلحة‪ ،‬فقالوا‪ :‬يجوز للقاضي النزيه‬
‫العدل الذن باستبدال الوقف‪ ،‬بشرط أن يخرج عن النتفاع بالكلية‪ ،‬وأن ل يكون هناك ريع للوقف‬
‫يعمر به‪ ،‬وأن ل يكون البيع بغبن فاحش‪ ،‬وأن يستبدل بعقار ل بدراهم ودنانير (الدر المختار ورد‬
‫المحتار‪.)425/3 :‬‬

‫( ‪)4/414‬‬
‫وإذا أتلف المالك ما يملكه ل ضمان عليه؛ إذ ل يتصور مالك وضامن في شخص واحد‪ ،‬لكن يؤاخذ‬
‫ديانة؛ لن إتلف المال حرام‪ ،‬وقد يؤاخذ قضاء فيحجر عليه إذا ثبت سفهه‪.‬‬
‫والملك الناقص‪ :‬هو ملك العين وحدها‪ ،‬أو المنفعة وحدها‪ .‬ويسمى ملك المنفعة حق النتفاع‪ .‬وملك‬
‫المنفعة قد يكون حقا شخصيا للمنتفع أي يتبع شخصه ل العين المملوكة‪ ،‬وقد يكون حقا عينيا أي تابعا‬
‫للعين دائما‪ ،‬بقطع النظر عن الشخص المنتفع‪ ،‬وهذا يسمى حق الرتفاق‪ ،‬ول يكون إل في العقار‪.‬‬

‫المطلب الرابع ـ أنواع الملك الناقص ‪:‬‬
‫وعلى هذا يكون الملك الناقص ثلثة أنواع‪:‬‬
‫‪ - ً 1‬ملك العين فقط ‪:‬‬
‫وهو أن تكون العين (الرقبة) مملوكة لشخص‪ ،‬ومنافعها مملوكة لشخص آخر‪ ،‬كأن يوصي شخص‬
‫لخر بسكنى داره أو بزراعة أرضه مدة حياته‪ ،‬أو مدة ثلث سنوات مثلً‪ ،‬فإذا مات الموصي وقبل‬
‫الموصى له‪ ،‬كانت عين الدار ملكا لورثة الموصي بالرث‪ ،‬وللموصى له ملك المنفعة مدة حياته أو‬
‫المدة المحددة‪ .‬فإذا انتهت المدة صارت المنفعة ملكا لورثة الموصي‪ ،‬فتعود ملكيتهم تامة‪ .‬وفي هذه‬
‫الحالة‪ :‬ليس لمالك العين النتفاع بها‪ ،‬ول التصرف بمنفعتها أو بالعين‪ ،‬ويجب عليه تسليم العين‬
‫للمنتفع ليستوفي حقه من منافعها‪ ،‬فإذا امتنع أجبر على ذلك‪.‬‬
‫وبه يظهر أن ملكية العين فقط تكون دائمة‪ ،‬وتنتهي دائما إلى ملكية تامة‪ ،‬وملكية المنافع قد تكون‬
‫مؤقتة؛ لن المنافع ل تورث عند الحنفية أو دائمة كالوقف‪.‬‬
‫‪ - ً 2‬ملك المنفعة الشخصي أو حق النتفاع (‪: )1‬‬
‫هناك أسباب خمسة لملك المنفعة‪ :‬وهي العارة والجارة‪ ،‬والوقف والوصية‪ ،‬والباحة‪.‬‬
‫أما العارة‪ :‬فهي عند جمهور الحنفية والمالكية‪ :‬تمليك المنفعة بغير عوض‪ .‬فللمستعير أن ينتفع‬
‫بنفسه‪ ،‬وله إعارة الشيء لغيره‪ ،‬لكن ليس له إجارته؛ لن العارة عقد غير لزم (يجوز الرجوع عنه‬
‫في أي وقت) ‪ ،‬والجارة عقد لزم‪ ،‬والضعيف ل يتحمل القوى منه‪ ،‬وفي إجارة المستعار إضرار‬
‫بالمالك الصلي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬يرى الحنفية‪ :‬أنه ل فرق بين ملك المنفعة وحق النتفاع‪ ،‬وهما شيء واحد‪ .‬فللمنتفع أن ينتفع‬
‫بنفسه‪ ،‬أو أن يملك غيره المنفعة‪ ،‬إل إذا وجد مانع صريح من قبل مالك العين‪ ،‬أو وجد مانع يقتضيه‬
‫العرف والعادة‪ ،‬فمن وقف داره لسكنى الطلب الغرباء كان للطالب حق السكنى فقط‪ ،‬وحق النتفاع‬
‫بالمرافق العامة كالمدارس والجامعات والمشافي مقيد بالمنتفع فقط‪ ،‬وليس له تمليك غيره‪ .‬وهذا الرأي‬
‫هو المعمول به قانونا‪ .‬وقال المالكية‪ :‬هناك فرق بين ملك المنفعة وحق النتفاع‪ .‬فملك المنفعة‬
‫اختصاص يكسب صاحبه أن ينتفع بنفسه‪،‬وأن يملكها لغيره بعوض أو بغير عوض‪ .‬وأما حق‬
‫النتفاع‪ :‬فهو مجرد رخصة بالنتفاع الشخصي بناء على إذن عام كحق النتفاع بالمنافع العامة‬
‫كالطرق والنهار والمدارس والمصحات وغيرها‪،‬أو إذن خاص كحق النتفاع بملك شخص أذن له‬
‫به‪ ،‬كركوب سيارته‪ ،‬والمبيت في منزله‪ ،‬وقراءة كتبه ونحو ذلك‪ .‬فليس للمنتفع أن يملك المنفعة‬
‫لغيره‪ ،‬فتمليك النتفاع‪:‬هو أن يباشر المنتفع بنفسه‪،‬وتمليك المنفعة أعم وأشمل‪ ،‬فيباشر بنفسه ويمكن‬

‫غيره من النتفاع بعوض كالجارة‪،‬وبغير عوض كالعارة (راجع الفروق للقرافي‪،187/1:‬الفرق‬
‫‪.)30‬‬

‫( ‪)4/415‬‬
‫وعند الشافعية والحنابلة‪ :‬هي إباحة المنفعة بل عوض‪ ،‬فليس للمستعير إعارة المستعار إلى غيره‪.‬‬
‫وأما الجارة‪ :‬فهي تمليك المنفعة بعوض‪ .‬وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه‪ ،‬أو بغيره مجانا أو‬
‫بعوض إذا لم تختلف المنفعة باختلف المنتفعين‪ ،‬حتى لو شرط المؤجر على المستأجر النتفاع بنفسه‪.‬‬
‫فإن اختلف نوع المنفعة كان ل بد من إذن المالك المؤجر‪.‬‬
‫وأما الوقف‪ :‬فهو حبس العين عن تمليكها لحد من الناس وصرف منفعتها إلى الموقوف عليه‪.‬‬
‫فالوقف يفيد تمليك المنفعة للموقوف عليه‪ ،‬وله استيفاء المنفعة بنفسه‪ ،‬أو بغيره إن أجاز له الواقف‬
‫الستثمار‪ ،‬فإن نص على عدم الستغلل أو منعه العرف من ذلك‪ ،‬فليس له الستغلل‪.‬‬

‫( ‪)4/416‬‬
‫وأما الوصية بالمنفعة‪ :‬فهي تفيد ملك المنفعة فقط في الموصى به‪ ،‬وله استيفاء المنفعة بنفسه‪ ،‬أو‬
‫بغيره بعوض أو بغير عوض إن أجاز له الموصي الستغلل‪.‬‬
‫وأما الباحة‪ :‬فهي الذن باستهلك الشيء أو باستعماله‪ ،‬كالذن بتناول الطعام أو الثمار‪ ،‬والذن العام‬
‫بالنتفاع بالمنافع العامة كالمرور في الطرقات والجلوس في الحدائق ودخول المدارس والمشافي‪.‬‬
‫والذن الخاص باستعمال ملك شخص معين كركوب سيارته‪ ،‬أو السكن في داره‪.‬‬
‫وسواء أكانت الباحة مفيدة ملك النتفاع بالشيء بالفعل أو بإحرازه كما يرى الحنفية‪ ،‬أو مجرد‬
‫النتفاع الشخصي كما يرى المالكية‪ ،‬فإن الفقهاء متفقون على أنه ليس للمنتفع إنابة غيره في النتفاع‬
‫بالمباح له‪ ،‬ل بالعارة ول بالباحة لغيره‪.‬‬
‫والفرق بين الباحة والملك ‪:‬‬
‫هو أن الملك يكسب صاحبه حق التصرف في الشيء المملوك ما لم يوجد مانع‪ .‬أما الباحة‪ :‬فهي حق‬
‫النسان بأن ينتفع بنفسه بشيء بموجب إذن‪ .‬والذن قد يكون من المالك كركوب سيارته‪ ،‬أو من‬
‫الشرع كالنتفاع بالمرافق العامة‪ ،‬من طرقات وأنهار ومراعي ونحو ذلك‪.‬‬
‫فالمباح له الشيء ل يملكه ول يملك منفعته‪ ،‬بعكس المملوك‪.‬‬
‫خصائص حق المنفعة أو النتفاع الشخصي ‪:‬‬

‫يتميز الملك الناقص أو حق المنفعة الشخصي بخصائص أهمها ما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬يقبل الملك الناقص التقييد بالزمان والمكان والصفة عند إنشائه‪ ،‬بعكس الملك التام‪ ،‬فيجوز لمن‬
‫يعير سيارته لغيره أو يوصي بمنفعة داره أن يقيد المنتفع بمدة معينة كشهر مثلً‪ ،‬وبمكان معين‬
‫كالركوب في المدينة ل في الصحراء‪ ،‬وأن يركبها بنفسه ل بغيره‪.‬‬
‫‪ - 2‬عدم قبول التوارث عند الحنفية خلفا لجمهور الفقهاء ‪ :‬فل تورث المنفعة عند الحنفية؛ لن‬
‫الرث يكون للمال الموجود عند الموت‪ ،‬والمنافع ل تعد مالً عندهم كما تبين‪.‬‬

‫( ‪)4/417‬‬
‫أما عند غير الحنفية فتورث المنافع في المدة الباقية؛ لن المنافع عندهم أموال كما ذكرت‪ ،‬فتورث‬
‫كغيرها من الموال‪ ،‬فمن أوصى لغيره بسكنى داره مدة معلومة‪ ،‬ثم مات قبل انتهاء هذه المدة‪،‬‬
‫فلورثته الحق بسكنى الدار إلى نهاية المدة‪.‬‬
‫‪ - 3‬لصاحب حق المنفعة تسلم العين المنتفع بها ولو جبرا عن مالكها‪ .‬ومتى تسلمها تكون أمانة في‬
‫يده‪ ،‬فيحافظ عليها كما يحافظ على ملكه الخاص‪ ،‬وإذا هلكت أو تعيبت ل يضمنها إل بالتعدي أو‬
‫بالتقصير في حفظها‪ .‬وما عدا ذلك ل ضمان عليه‪ - 4 .‬على المنتفع ما تحتاجه العين من نفقات إذا‬
‫كان انتفاعه بها مجانا‪ ،‬كما في العارة‪ ،‬فإن كان النتفاع بعوض كما في الجارة فعلى مالك العين‬
‫نفقاتها‪.‬‬
‫‪ - 5‬على المنتفع بعد استيفاء منفعته تسليم العين إلى مالكها متى طلبها إل إذا تضرر المنتفع‪ .‬كما إذا‬
‫لم يحن وقت حصاد الزرع في أرض مستأجرة أو مستعارة‪ ،‬فله إبقاء الرض بيده حتى موسم‬
‫الحصاد‪ ،‬ولكن بشرط دفع أجر المثل‪.‬‬
‫انتهاء حق المنفعة ‪:‬‬
‫حق المنفعة حق مؤقت كما عرفنا‪ ،‬فينتهي بأحد المور التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬انتهاء مدة النتفاع المحددة‪.‬‬
‫‪ - 2‬هلك العين المنتفع بها أو تعيبها بعيب ل يمكن معه استيفاء المنفعة‪ ،‬كانهدام دار السكنى أو‬
‫صيرورة أرض الزراعة سبخة أو ملحة‪ .‬فإن حصل ذلك بتعدي مالك العين ضمن عينا أخرى‪،‬‬
‫كالموصي بركوب سيارة ثم عطلها‪ ،‬فعليه تقديم سيارة أخرى‪.‬‬
‫‪ - 3‬وفاة المنتفع عند الحنفية؛ لن المنافع ل تورث عندهم‪.‬‬

‫‪ - 4‬وفاة مالك العين إذا كانت المنفعة من طريق العارة أو الجارة؛ لن العارة عقد تبرع‪ ،‬وهو‬
‫ينتهي بموت المتبرع‪ ،‬ولن ملكية المأجور تنتقل إلى ورثة المؤجر‪.‬‬

‫( ‪)4/418‬‬
‫وهذا عند الحنفية‪ ،‬وقال الشافعية والحنابلة‪ :‬العارة عقد غير لزم‪ ،‬فيجوز للمعير أو لورثته الرجوع‬
‫عنها‪ ،‬سواء أكانت مطلقة أم مؤقتة‪ .‬وقال المالكية‪ :‬العارة المؤقتة عقد لزم‪ ،‬فمن أعار دابة إلى‬
‫موضع كذا‪ ،‬لم يجز له أخذها قبل ذلك‪ ،‬وإل لزمه إبقاؤها قدر ما ينتفع بالمستعار النتفاع المعتاد‪.‬‬
‫وبذلك يتبين أن الجمهور يقولون‪ :‬إن العارة ل تنتهي بموت المعير أو المستعير‪ ،‬وكذلك الجارة ل‬
‫تنتهي بموت أحد العاقدين؛ لنها عقد لزم كالبيع‪.‬‬
‫أما إذا كانت المنفعة من طريق الوصية أو الوقف‪ ،‬فل ينتهي حق المنفعة بموت الموصي؛ لن‬
‫الوصية تبدأ بعد موته‪ ،‬ول بموت الواقف؛ لن الوقف إما مؤبد‪ ،‬أو مؤقت فيتقيد بانتهاء مدته‪.‬‬
‫‪ - ً 3‬ملك المنفعة العيني أو حق الرتفاق ‪:‬‬
‫حق الرتفاق‪ :‬هو حق مقرر على عقار لمنفعة عقار آخر‪ ،‬مملوك لغير مالك العقار الول‪ .‬وهو حق‬
‫دائم يبقى ما بقي العقاران دون نظر إلى المالك‪ .‬مثل حق الشّرب‪ ،‬وحق المجرى‪ ،‬وحق المسيل‪،‬‬
‫وحق المرور‪ ،‬وحق الجوار‪ ،‬وحق العلو‪.‬‬
‫أما حق الشّرب‪ :‬فهو النصيب المستحق من الماء لسقي الزرع والشجر‪ ،‬أو نوبة النتفاع بالماء لمدة‬
‫معينة لسقي الرض‪.‬‬
‫ويلحق به حق الشفة‪ :‬وهو حق شرب النسان والدواب والستعمال المنزلي‪ .‬وسمي بذلك لن الشّرب‬
‫يكون عادة بالشفة‪.‬‬
‫والماء بالنسبة لهذا الحق أربعة أنواع (‪: )1‬‬
‫أ ـ ماء النهار العامة كالنيل ودجلة والفرات ونحوها من النهار العظيمة‪ :‬لكل واحد النتفاع به‪،‬‬
‫لنفسه ودوابه وأراضيه‪ ،‬بشرط عدم الضرار بالغير‪ ،‬لحديث‪« :‬الناس شركاء في ثلث‪ :‬الماء والكل‬
‫والنار» وحديث «ل ضرر ول ضرار» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 188/6 :‬ومابعدها‪ ،‬تكملة فتح القدير‪ ،144/8 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،339‬نهاية المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،255/4‬المغني‪.531/5 :‬‬

‫( ‪)4/419‬‬

‫ب ـ ماء الجداول والنهار الخاصة‪ ،‬المملوكة لشخص‪ :‬لكل إنسان حق الشفة منه‪ ،‬لنفسه ودوابه‪،‬‬
‫وليس لغير مالكه سقي أراضيه إل بإذن مالك المجرى‪.‬‬
‫ج ـ ماء العيون والبار والحياض ونحوها المملوكة لشخص‪ :‬يثبت فيها كالنوع الثاني حق الشفة‬
‫دون حق الشرب‪ .‬فإن أبى صاحب الماء‪ ،‬ومنع الناس من الستقاء لنفسهم ودوابهم‪ ،‬كان لهم قتاله‬
‫حتى ينالوا حاجتهم‪ ،‬إذا لم يجدوا ماءً قريبا آخر‪.‬‬
‫د ـ الماء المحرز في أوان خاصة‪ :‬كالجرار والصهاريج‪ ،‬ل يثبت لحد حق النتفاع به بأي وجه إل‬
‫برضا صاحب الماء؛ لن الرسول عليه السلم نهى عن بيع الماء إل ما حمل منه‪ .‬لكن المضطر إلى‬
‫هذا الماء الذي يخاف على نفسه الهلك من العطش‪ ،‬له أخذ ما يحتاجه منه‪ ،‬ولو بالقوة ليدفع عن نفسه‬
‫الهلك‪ ،‬ولكن مع دفع قيمته‪ ،‬لن ( الضطرار ل يبطل حق الغير)‪.‬‬
‫وحق المجرى‪ :‬هو حق صاحب الرض البعيدة عن مجرى الماء في إجرائه من ملك جاره إلى‬
‫أرضه لسقيها‪ .‬وليس للجار أن يمنع مرور الماء لرض جاره‪ ،‬وإل كان له إجراؤه جبرا عنه‪ ،‬دفعا‬
‫للضرر عنه‪.‬‬

‫( ‪)4/420‬‬
‫وحق المسيل‪ :‬هو مجرى على سطح الرض‪ ،‬أو أنابيب تنشأ لتصريف المياه الزائدة عن الحاجة‪ ،‬أو‬
‫غير الصالحة حتى تصل إلى مصرف عام أو مستودع‪ ،‬كمصارف الراضي الزراعية أو مياه‬
‫المطار أو الماء المستعمل في المنازل‪ .‬والفرق بين المسيل والمجرى‪ :‬أن المجرى لجلب المياه‬
‫الصالحة للرض‪ ،‬والمسيل لصرف الماء غير الصالح عن الرض أو عن الدار‪ .‬وحكمه مثل حق‬
‫المجرى‪ ،‬ليس لحد منعه إل إذا حدث ضرر بين‪.‬‬
‫وحق المرور‪ :‬هو حق صاحب عقار داخلي بالوصول إلى عقاره من طريق يمر فيه سواء أكان‬
‫الطريق عاما غير مملوك لحد‪ ،‬أم خاصا مملوكا للغير‪ .‬فالطريق العام يحق لكل إنسان المرور فيه‪.‬‬
‫والطريق الخاص‪ :‬يحق لصحابه المرور فيه وفتح البواب والنوافذ عليه‪ ،‬وليس لهم سده أمام العامة‬
‫لللتجاء إليه‪.‬‬
‫وحق الجوار‪ :‬الجوار نوعان‪ :‬علوي وجانبي‪ ،‬وفيه حقان‪:‬‬
‫أ ـ حق التعلي‪ :‬وهو الثابت لصاحب العلو على صاحب السفل‪ ،‬أي الحق الطابقي أو حق العلو‪.‬‬
‫ب ـ حق الجوار الجانبي‪ :‬وهو الثابت لكل من الجارين على الخر‪.‬‬
‫ولصاحب حق التعلي حق القرار على الطبقة السفلى‪ ،‬وهو حق ثابت دائما لصاحب العلو‪ ،‬ل يزول‬

‫بهدم العقار كله أو انهدام السفل‪ ،‬وله ولورثته إعادة بنائه حين يريد‪ ،‬وليس لصاحب العلو أو السفل أن‬
‫يتصرف في بنائه تصرفا يضر بالخر‪ ،‬وإذا انهدم السفل وجب على صاحبه إعادة بنائه‪ ،‬فإن امتنع‬
‫أجبر على ذلك قضاء‪ ،‬فإن رفض كان لصاحب العلو البناء ويرجع على الخر بالنفقات‪ ،‬إذا بني بإذن‬
‫القاضي أو إذن صاحب السفل‪ ،‬فإن بني من غير إذن رجع بقيمة البناء وقت تمامه‪ ،‬ل بما أنفق؛ لنه‬
‫لم يكن وكيلً بالنفاق‪.‬‬
‫وليس لصاحب الجوار الجانبي إل حق واحد وهو أل يضر أحدهما بصاحبه ضررا فاحشا بيّنا‪ :‬وهو‬
‫كل ما يمنع المنفعة الصلية المقصودة من البناء كالسكنى‪ ،‬أو يكون سببا لهدم البناء أو وهن فيه‪.‬‬

‫( ‪)4/421‬‬
‫فالضرر في كل أنواع الجوار ممنوع‪ ،‬أما التصرفات التي يُشكل أمرها في الجوار العلوي فل يعلم‬
‫أيحصل منها ضرر أم ل‪ ،‬كفتح باب أو نافذة في الطابق السفل‪ ،‬أو وضع متاع ثقيل في الطابق‬
‫العلى قد يؤثر في السقف‪ ،‬فهذه مختلف في منعها (‪ . )1‬فقال أبو حنيفة‪ :‬يمنع هذا التصرف إل بإذن‬
‫الجار؛ لن الصل في تصرفات المالك في ملكه‪ ،‬التي يتعلق بها حق الغير هو المنع والحظر‪ ،‬لن‬
‫ملكه ليس خالصا‪ ،‬فل يباح له إل ما يتيقن فيه عدم الضرر‪ ،‬ويتوقف ما عداه على إذن صاحب الحق‬
‫ورضاه‪ .‬وهذا الرأي هو المفتى به عند الحنفية‪.‬‬
‫وقال الصاحبان‪ :‬الصل في ذلك الباحة؛ لن صاحب العلو تصرف في ملكه‪ ،‬والمالك حر التصرف‬
‫في ملكه مالم يكن فيه ضرر لغيره بيقين‪ ،‬فيمنع منه حينئذ‪ ،‬ويبقى ما عداه على الباحة‪ ،‬وهذا الرأي‬
‫في تقديري هو المعقول الواجب التباع‪ .‬فيصبح حكم الجوار الجانبي والعلوي واحدا‪ ،‬وهو إباحة‬
‫التصرف في الملك ما لم يترتب على ذلك ضرر فاحش بالجار‪ ،‬فإن وقع الضرر‪ ،‬وجب على المتعدي‬
‫ضمانه‪ ،‬سواء أكان الضرر مباشرا أم بالتسبب‪ .‬وهو رأي المالكية وباقي المذاهب أيضا (‪. )2‬‬
‫أمور ثلثة متعلقة بحقوق الرتفاق ‪:‬‬
‫الول ـ الفرق بين حق الرتفاق وحق النتفاع الشخصي ‪:‬‬
‫يفترق حق الرتفاق عن حق النتفاع من نواحٍ أربع تالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬حق الرتفاق يكون دائما مقررا على عقار‪ ،‬فتنقص به قيمة العقار المقرر عليه‪ ،‬أما حق النتفاع‬
‫الشخصي فقد يتعلق بعقار كوقف العقار أو الوصية به أو إجارته أو إعارته‪ .‬وقد يتعلق بمنقول‬
‫كإعارة الكتاب وإجارة السيارة‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،503/5 :‬رد المحتار على الدر المختار لبن عابدين‪ ،373/4 :‬ط البابي الحلبي‪،‬‬
‫البدائع‪ ،264/6 :‬البحر الرائق‪ ،32/7 :‬تبيين الحقائق للزيلعي‪.196/4 :‬‬
‫(‪ )2‬المنتقى على الموطأ‪ 40/6:‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،341‬نيل الوطار‪ ،261/5 :‬ط‬
‫العثمانية‪.‬‬

‫( ‪)4/422‬‬
‫‪ - 2‬حق الرتفاق مقرر لعقار إل حق الجوار فقد يكون لشخص أو لعقار‪ .‬أما حق النتفاع فإنه دائما‬
‫مقرر لشخص معين باسمه أو بوصفه‪.‬‬
‫‪ - 3‬حق الرتفاق حق دائم يتبع العقار وإن تعدد الملك‪ .‬وحق النتفاع الشخصي مؤقت ينتهي‬
‫بأحوال معينة كما تقدم‪.‬‬
‫‪ - 4‬حق الرتفاق يورث حتى عند الحنفية الذين ل يعدونه مالً؛ لنه تابع للعقار‪ .‬وأما حق النتفاع‬
‫فمختلف في إرثه بين الفقهاء كما سبق بيانه‪.‬‬
‫الثاني ـ خصائص حقوق الرتفاق ‪:‬‬
‫لحقوق الرتفاق أحكام عامة وخاصة‪.‬‬
‫فأحكامها العامة أنها إذا ثبتت تبقى ما لم يترتب على بقائها ضرر بالغير‪ ،‬فإن ترتب عليها ضرر أو‬
‫أذى وجب إزالتها‪ ،‬فيزال المسيل القذر في الطريق العام‪ ،‬ويمنع حق الشرب إذا أضر بالمنتفعين‪،‬‬
‫ويمنع سير السيارة في الشارع العام إذا ترتب عليها ضرر كالسير بالسرعة الفائقة‪ ،‬أو في التجاه‬
‫المعاكس‪ ،‬عملً بالحديث النبوي المتقدم «ل ضرر ول ضرار» ولن المرورفي الطريق العام مقيد‬
‫بشرط السلمة فيما يمكن الحتراز عنه (‪. )1‬‬
‫وأما الحكام الخاصة فسأذكرها في بحث حقوق الرتفاق المخصص لكل نوع منها‪.‬‬
‫الثالث ـ أسباب حقوق الرتفاق ‪:‬‬
‫تنشأ حقوق الرتفاق بأسباب متعددة منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬الشتراك العام‪ :‬كالمرافق العامة من طرقات وأنهار ومصارف عامة‪ ،‬يثبت الحق فيها لكل عقار‬
‫قريب منها‪ ،‬بالمرور والسقي وصرف المياه الزائدة عن الحاجة‪ ،‬لن هذه المنافع شركة بين الناس‬
‫يباح لهم النتفاع بها‪ ،‬بشرط عدم الضرار بالخرين‪.‬‬
‫‪ - 2‬الشتراط في العقود‪ :‬كاشتراط البائع على المشتري أن يكون له حق مرور بها‪ ،‬أو حق شرب‬
‫لرض أخرى مملوكة له‪ ،‬فيثبت هذان الحقان بهذا الشرط‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪.427/5 :‬‬

‫( ‪)4/423‬‬
‫‪ - 3‬التقادم‪ :‬أن يثبت حق ارتفاق لعقار من زمن قديم ل يعلم الناس وقت ثبوته‪ ،‬كإرث أرض زراعية‬
‫لها حق المجرى أو المسيل على أرض أخرى؛ لن الظاهر أنه ثبت بسبب مشروع حملً لحوال‬
‫الناس على الصلح‪ ،‬حتى يثبت العكس‪.‬‬
‫المطلب الخامس ـ أسباب الملك التام ‪:‬‬
‫إن أسباب أو مصادر الملكية التامة في الشريعة أربعة هي‪:‬‬
‫الستيلء على المباح‪ ،‬والعقود‪ ،‬والخلفية‪ ،‬والتولد من الشيء المملوك‪ .‬وفي القانون المدني هي ستة‪:‬‬
‫الستيلء على ما ليس له مالك من منقول أو عقار‪ ،‬والميراث وتصفية التركة‪ ،‬والوصية‪ ،‬واللتصاق‬
‫بالعقار أو بالمنقول‪ ،‬والعقد‪ ،‬والحيازة والتقادم (‪. )1‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع الفصل الثاني من حق الملكية ـ أسباب كسب الملكية‪ :‬م ‪،894 ،879 ،876 ،836 ،828‬‬
‫‪ 907‬ومابعدها من القانون المدني السوري‪.‬‬

‫( ‪)4/424‬‬
‫وهذه السباب تتفق مع السباب الشرعية (‪ )1‬ما عدا الحيازة والتقادم (وضع اليد على مال مملوك‬
‫للغير مدة طويلة) ‪ ،‬فإن السلم ل يقر التقادم المُكسِب على أنه سبب للملكية‪ ،‬وإنما هو مجرد مانع‬
‫من سماع الدعوى بالحق الذي مضى عليه زمن معين (‪ ، )2‬توفيرا لوقت القضاة‪ ،‬وتجنبا لما يثار من‬
‫مشكلت الثبات‪ ،‬وللشك في أصل الحق‪ .‬أما أصل الحق فيجب العتراف به لصاحبه وإيفاؤه له‬
‫ديانة‪ .‬فمن وضع يده على مال مملوك لغيره ل يملكه شرعا بحال‪.‬‬
‫كذلك ل يقر السلم مبدأ التقادم المُسقِط على أنه مسقط للحق بترك المطالبة به مدة طويلة‪ ،‬فاكتساب‬
‫الحقوق وسقوطها بالتقادم حكم ينافي العدالة والخلق‪ ،‬ويكفي في ذلك أن يصير الغاصب أو السارق‬
‫مالكا‪ ،‬إل أن المام مالك في المدونة خلفا لمعظم أصحابه يرى إسقاط الملكية بالحيازة‪ ،‬كما يرى‬
‫تملك الشيء بالحيازة‪ ،‬ولكنه لم يحدد مدة للحيازة‪ ،‬وترك تحديدها للحاكم‪ ،‬ويمكن تحديدها عملً‬
‫بحديث مرسل رواه سعيد بن المسيب مرفوعا إلى النبي صلّى ال عليه وسلم عن زيد بن أسلم‪« :‬من‬

‫حاز شيئا على خصمه عشر سنين‪ ،‬فهو أحق به منه» (‪. )3‬‬
‫‪ - 1‬الستيلء على المباح ‪:‬‬
‫المباح‪ :‬هو المال الذي لم يدخل في ملك شخص معين‪ ،‬ولم يوجد مانع شرعي من تملكه كالماء في‬
‫منبعه‪ ،‬والكل والحطب والشجر في البراري‪ ،‬وصيد البر والبحر‪ .‬ويتميز هذا النوع بما يأتي‪:‬‬
‫أ ـ أنه سبب منشئ للملكية على شيء لم يكن مملوكا لحد‪ .‬أما بقية أسباب الملكية الخرى (العقد‪،‬‬
‫الميراث ونحوهما) فإن الملكية الحادثة مسبوقة بملكية أخرى‪.‬‬
‫ب ـ أنه سبب فعلي ل قولي‪ :‬يتحقق بالفعل أو وضع اليد‪ ،‬فيصح من كل شخص ولو كان ناقص‬
‫الهلية كالصبي والمجنون والمحجور عليه‪ .‬أما العقد فقد ل يصح من هؤلء أو يكون موقوفا على‬
‫إرادة أخرى‪ ،‬وهو سبب قولي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬يلحظ أن المادة (‪ )1248‬من المجلة اقتصرت على السباب الولى للتملك‪ .‬ولكن من الضروري‬
‫إضافة سبب رابع وهو التولد من المملوك إذ هو سبب مستقل عن تلك السباب‪.‬‬
‫(‪ )2‬حدده الفقهاء بـ ‪ 33‬سنة‪ ،‬وحددته المجلة ( م ‪ ) 1662 ،1661‬في الحقوق الخاصة بـ ‪ 15‬سنة‬
‫وفي الراضي الميرية بـ ‪ 10‬سنوات‪ ،‬وفي الوقاف وأموال بيت المال بـ ‪ 36‬سنة‪.‬‬
‫(‪ )3‬انظر بحث الحيازة والتقادم في الفقه السلمي للدكتور محمد عبد الجواد‪ :‬ص ‪50-18‬‬
‫ومابعدها‪ 150 ،108 ،60 ،‬ومابعدها‪ ،‬ومراجعه مثل المدونة‪ ،23/13 :‬وتبصرة الحكام على هامش‬
‫فتح العلي المالك‪ 362/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/425‬‬
‫ويشترط للتملك بهذا الطريق أي إحراز المباح شرطان‪:‬‬
‫أولهما ـ أل يسبق إلى إحرازه شخص آخر‪ ،‬لن «من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له» كما‬
‫قال النبي عليه السلم‪.‬‬
‫ثانيهما ـ قصد التملك‪ :‬فلو دخل الشيء في ملك إنسان دون قصد منه ل يتملكه‪ ،‬كما إذا وقع في‬
‫حِجْر إنسان‪ ،‬ل يتملكه‪ .‬ومن نشر شبكته‪ ،‬فإن كان للصطياد تملك ما يقع فيها‪ ،‬وإن كان للتجفيف لم‬
‫يتملك ما يقع فيها؛ لن «المور بمقاصدها» ‪.‬‬
‫والستيلء على المباح له أنواع أربعة‪:‬‬
‫أولً ـ إحياء الموات‪ :‬أي استصلح الراضي البور‪ .‬والموات‪ :‬ما ليس مملوكا من الرضين‪ :‬ول‬

‫ينتفع بها بأي وجه انتفاع‪ ،‬وتكون خارجة عن البلد‪ .‬فل يكون مواتا‪ :‬ما كان ملكا لحد الناس‪ ،‬أو ما‬
‫كان داخل البلد‪ ،‬أو خارجا عنها‪ ،‬ولكنه مرفق لها كمحتطب لهلها أو مرعى لنعامهم‪.‬‬
‫والحياء يفيد الملك لقول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من أحيا أرضا ميتة فهي له» سواء أكان‬
‫الحياء بإذن الحاكم أم ل عند جمهور الفقهاء‪ .‬وقال أبو حنيفة ومالك‪ :‬ل بد من إذن الحاكم‪ .‬وإحياء‬
‫الرض الموات يكون بجعلها صالحة للنتفاع بها كالبناء والغرس والزراعة والحرث وحفر البئر‪.‬‬
‫وعمل مستصلح الرض لحيائها يسمى فقها «التحجير» وقد حدد بثلث سنين‪ ،‬قال عمر «ليس‬
‫لمحتجر بعد ثلث سنين حق» ‪.‬‬
‫ثانيا ـ الصطياد‪ :‬الصيد‪ :‬هو وضع اليد على شيء مباح غير مملوك لحد‪ .‬ويتم إما بالستيلء‬
‫الفعلي على المصيد‪ ،‬أو بالستيلء الحكمي‪ :‬وهو اتخاذ فعل يعجز الطير أو الحيوان أو السمك عن‬
‫الفرار‪ ،‬كاتخاذ الحياض لصيد السماك‪ ،‬أو الشباك‪ ،‬أو الحيوانات المدربة على الصيد كالكلب‬
‫والفهود والجوارح المعلمة (‪. )1‬‬
‫والصيد حلل للنسان إل إذا كان محرما بالحج أو العمرة‪ ،‬أو كان المصيد في حرم مكة المكرمة أو‬
‫المدينة المنورة‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة‪ ،‬وحرم عليكم صيد البر‬
‫ما دمتم حرما} [المائدة‪.]96/5:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قال تعالى‪ { :‬يسألونك ماذا أحل لهم‪ ،‬قل‪ :‬أحل لكم الطيبات‪ ،‬وماعلمتم من الجوارح مكلبين‪،‬‬
‫تعلمونهن مما علمكم ال‪ ،‬فكلوا مما أمسكن عليكم‪ ،‬واذكروا اسم ال‪ ،‬واتقوا ال‪ ،‬إن ال سريع الحساب‬
‫} [المائدة‪.]4/5:‬‬

‫( ‪)4/426‬‬
‫والصيد من أسباب الملكية‪ ،‬لكن يشترط في الستيلء الحكمي ل الستيلء الحقيقي قصد التملك عملً‬
‫بقاعدة ( المور بمقاصدها )‪ .‬فمن نصب شبكة فتعلق بهاصيد‪ ،‬فإن كان قد نصبها للجفاف‪ ،‬فالصيد‬
‫لمن سبقت يده إليه‪ ،‬لن نيته لم تتجه إليه‪ .‬وإن كان قد نصبها للصيد‪ ،‬ملكه صاحبها‪ ،‬وإن أخذه غيره‬
‫كان متعديا غاصبا‪ .‬ولو أفرخ طائر في أرض إنسان كان لمن سبقت إليه يده إل إذا كان صاحب‬
‫الرض هيأها لذلك‪.‬‬
‫وإذا دخل طائر في دار إنسان‪ ،‬فأغلق صاحبها الباب لخذه‪ ،‬ملكه‪ .‬وإن أغلقه صدفة‪ ،‬لم يملكه‪ .‬وهكذا‬
‫لو وقع الصيد في حفرة أو ساقية‪ ،‬المعوّل في تملكه على نية صيده‪ ،‬وإل فلمن سبقت إليه يده‪.‬‬

‫ثالثا ـ الستيلء على الكل والجام ‪:‬‬
‫الكل‪ :‬هو الحشيش الذي ينبت في الرض بغير زرع‪ ،‬لرعي البهائم‪.‬‬
‫والجام‪ :‬الشجار الكثيفة في الغابات أو الرض غير المملوكة‪.‬‬
‫وحكم الكل‪ :‬أل يملك‪ ،‬وإن نبت في أرض مملوكة‪ ،‬بل هو مباح للناس جميعا‪ ،‬لهم أخذه ورعيه‪،‬‬
‫وليس لصاحب الرض منعهم من ذلك؛ لنه باق على الباحة الصلية‪ ،‬وهو الراجح في المذاهب‬
‫الربعة‪ ،‬لعموم حديث‪« :‬الناس شركاء في ثلثة‪ :‬الماء والكل والنار» (‪. )1‬‬
‫وأما الجام فهي من الموال المباحة إن كانت في أرض غير مملوكة‪ .‬فلكل واحد حق الستيلء‬
‫عليها‪ ،‬وأخذ ما يحتاجه منها‪ ،‬وليس لحد منع الناس منها‪ ،‬وإذا استولى شخص على شيء منها‬
‫وأحرزه صار ملكا له‪ .‬لكن للدولة تقييد المباح بمنع قطع الشجار‪ ،‬رعاية للمصلحة العامة‪ ،‬وإبقاء‬
‫على الثروة الشجرية المفيدة‪.‬‬

‫( ‪)4/427‬‬
‫أما إن كانت في أرض مملوكة فل تكون مالً مباحا‪ ،‬بل هي ملك لصاحب الرض‪ ،‬فليس لحد أن‬
‫يأخذ منها شيئا إل بإذنه؛ لن الرض تقصد لجامها‪ ،‬بخلف الكل‪ ،‬ل تقصد الرض لما فيها من‬
‫الكل‪.‬‬
‫رابعا ـ الستيلء على المعادن والكنوز ‪:‬‬
‫المعادن‪ :‬ما يوجد في باطن الرض من أصل الخِلقة والطبيعة‪ ،‬كالذهب والفضة والنحاس والحديد‬
‫والرصاص ونحوها‪.‬‬
‫والكنز‪ :‬ما دفنه الناس وأودعوه في باطن الرض من الموال‪ ،‬سواء في الجاهلية أو في السلم‪.‬‬
‫والمعدن والكنز يشملها عند الحنفية كلمة ( الركاز )‪ :‬وهو ما ركز في باطن الرض‪ ،‬سواء أكان‬
‫خلق ال كفلزات الحديد والنحاس وغيرها‪ ،‬أم كان بصنع الناس كالموال التي يدفنها الناس فيها‪.‬‬
‫وحكمها واحد في الحديث النبوي‪« :‬وفي الركاز الخمس» (‪. )2‬‬
‫وقال المالكية والشافعية‪ :‬الركاز‪ :‬دفين الجاهلية‪ .‬والمعدن‪ :‬دفين أهل السلم‪.‬‬
‫حكم المعادن ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في تملك المعادن بالستيلء عليها‪ ،‬وفي إيجاب حق فيها للدولة إذا وجدت في أرض‬
‫ليست مملوكة‪.‬‬
‫أما تملك المعادن فللفقهاء فيه رأيان‪:‬‬

‫قال المالكية في أشهر أقوالهم (‪ : )3‬جميع أنواع المعادن ل تملك بالستيلء عليها‪ ،‬كما ل تملك تبعا‬
‫لملكية الرض‪ ،‬بل هي للدولة يتصرف فيها الحاكم حسبما تقضي المصلحة؛ لن الرض مملوكة‬
‫بالفتح السلمي للدولة‪ ،‬ولن هذا الحكم مما تدعو إليه المصلحة‪.‬‬
‫وقال الحنفية والشافعية والحنابلة في أرجح الروايتين عندهم (‪ : )4‬المعادن تملك‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 193/6 :‬ومابعدها‪ ،‬م ‪ 1257‬من المجلة‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه الجماعة عن أبي هريرة ( نيل الوطار‪.)147/4 :‬‬
‫(‪ )3‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،102‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ 486/1 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )4‬الدر المختار ورد المحتار‪ 61/1 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،162/1 :‬المغني‪.28/3 :‬‬

‫( ‪)4/428‬‬
‫بملك الرض؛ لن الرض إذا ملكت بجميع أجزائها‪ ،‬فإن كانت مملوكة لشخص كانت ملكا له‪ ،‬وإن‬
‫كانت في أرض للدولة فهي للدولة‪ ،‬وإن كانت في أرض غير مملوكة فهي للواجد؛ لنها مباحة تبعا‬
‫للرض‪.‬‬
‫وأما حق الدولة في المعادن فيه رأيان أيضا‪:‬‬
‫قال الحنفية‪ :‬في المعادن الخمس؛ لن الركاز عندهم يشمل المعادن والكنوز بمقتضى اللغة‪ ،‬والباقي‬
‫للواجد نفسه‪ .‬وذلك في المعادن الصلبة القابلة للطرق والسحب كالذهب والفضة والحديد والنحاس‬
‫والرصاص‪ .‬أما المعادن الصلبة التي ل تقبل الطرق والسحب كالماس والياقوت والفحم الحجري‪،‬‬
‫والمعادن السائلة كالزئبق والنفط‪ ،‬فل يجب فيها شيء للدولة؛ لن الولى تشبه الحجر والتراب‪،‬‬
‫والثانية تشبه الماء‪ ،‬ول يجب في ذلك شيء للدولة‪.‬‬
‫وقال غير الحنفية‪ :‬ل يجب في المعادن شيء للدولة‪ ،‬ل الخمس وغيره‪ ،‬وإنما يجب فيها الزكاة‪ ،‬لقول‬
‫النبي ‪« :‬العجماء جبار‪ ،‬والبئر جبار‪ ،‬والمعدن جبار‪ ،‬وفي الركاز الخمس» فأوجب الخمس في‬
‫الركاز‪ :‬وهو دفين أهل الجاهلية‪ ،‬ولم يوجب في المعدن شيئا؛ لن ( الجبار ) معناه‪ :‬ل شيء فيه‪.‬‬
‫وإيجاب الزكاة عندهم هو بعموم أدلة الزكاة‪.‬‬
‫حكم الكنز ‪:‬‬
‫وأما الكنز فهو ما دفنه الناس‪ ،‬سواء في الجاهلية أم في السلم‪ .‬فهو نوعان‪ :‬إسلمي وجاهلي‪:‬‬
‫فالسلمي‪ :‬ما وجد به علمة أو كتابة تدل على أنه دفن بعد ظهور السلم مثل كلمة الشهادة أو‬

‫المصحف‪ ،‬أو آية قرآنية أو اسم خليفة مسلم‪.‬‬
‫والجاهلي‪ :‬ما وجد عليه كتابة أو علمة تدل على أنه دفن قبل السلم كنقش صورة صنم أو وثن‪ ،‬أو‬
‫اسم ملك جاهلي ونحو ذلك‪.‬‬
‫والمشتبه فيه‪ :‬وهو مالم يتبين بالدليل أنه إسلمي أو جاهلي‪ ،‬قال فيه متقدمو الحنفية‪ :‬إنه جاهلي‪ .‬وقال‬
‫متأخروهم‪ :‬إنه إسلمي لتقادم العهد‪ .‬وإن وجد كنز مختلط فيه علمات السلم والجاهلية فهو إسلمي‬
‫؛ لن الظاهر أنه ملك مسلم‪ ،‬ولم يعلم زوال ملكه‪.‬‬

‫( ‪)4/429‬‬
‫والكنز السلمي‪ :‬يبقى على ملك صاحبه‪ ،‬فل يملكه واجده‪ ،‬بل يعد كاللقطة‪ ،‬فيجب تعريفه والعلن‬
‫عنه‪ .‬فإن وجد صاحبه سلم إليه وإل تصدق به على الفقراء‪ ،‬ويحل للفقير النتفاع به‪ .‬هذا رأي‬
‫الحنفية (‪. )1‬‬
‫وأجاز المالكية والشافعية والحنابلة (‪ )2‬تملكه والنتفاع به‪ ،‬ولكن إن ظهر صاحبه بعدئذ وجب‬
‫ضمانه‪.‬‬
‫وأما الكنز الجاهلي‪ :‬فاتفق أئمة المذاهب على أن خمسه لبيت المال (خزانة الدولة) وأما باقيه وهو‬
‫الربعة الخماس ففيها اختلف‪ :‬فقيل‪ :‬إنها للواجد مطلقا سواء وجدها في أرض مملوكة أم ل‪ .‬وقيل‪:‬‬
‫إنها للواجد في أرض غير مملوكة أوفي أرض ملكها بالحياء‪ .‬فإن كان في أرض مملوكة فهي لول‬
‫مالك لها أو لورثته إن عرفوا‪ ،‬وإل فهي لبيت المال‪.‬‬
‫هذا وقد خصص القانون المدني السوري (م ‪ ) 830‬ثلثة أخماس الكنز لمالك العقار الذي وجد فيه‬
‫الكنز‪ ،‬وخمسه لمكتشفه‪ ،‬والخمس الخير لخزينة الدولة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،307/3 :‬البدائع‪ ،202/6 :‬المبسوط‪ 4/11 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪.351/3 :‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ ،301/2 :‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ ،121/4 :‬المهذب‪ ،430/1 :‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،415/2‬المغني‪636/5 :‬‬

‫( ‪)4/430‬‬
‫‪ - 2‬العقود الناقلة للملكية ‪:‬‬
‫العقود كالبيع والهبة والوصية ونحوها من أهم مصادر الملكية وأعمها وأكثرها وقوعا في الحياة‬

‫المدنية؛ لنها تمثل النشاط القتصادي الذي يحقق حاجات الناس من طريق التعامل‪ .‬أما السباب‬
‫الخرى للملكية فهي قليلة الوقوع في الحياة‪.‬‬
‫ويدخل في العقود التي هي سبب مباشر للملكية حالتان (‪: )1‬‬
‫الولى‪ :‬العقود الجبرية التي تجريها السلطة القضائية مباشرة‪ ،‬بالنيابة عن المالك الحقيقي‪ ،‬كبيع مال‬
‫المدين جبرا عنه لوفاء ديونه‪ ،‬وبيع الموال المحتكرة‪ .‬فالمتملك يتملك عن طريق عقد بيع صريح‬
‫بإرادة القضاء‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬نزع الملكية الجبري‪ :‬وله صورتان‪:‬‬
‫أ ـ الشفعة‪ :‬وهي عند الحنفية حق الشريك أو الجار الملصق بتملك العقار المبيع جبرا على مشتريه‬
‫بما بذل من ثمن ونفقات‪.‬وقصرها الجمهور على الشريك‪.‬‬
‫ب ـ الستملك للصالح العام‪ :‬وهو استملك الرض بسعرها العادل جبرا عن صاحبها للضرورة أو‬
‫المصلحة العامة‪ ،‬كتوسيع مسجد‪ ،‬أو طريق ونحو ذلك‪.‬‬
‫والمتملك من هذا الطريق يتملك بناء على عقد شراء جبري مقدر بإرادة السلطة‪ .‬وعلى هذا فالعقد‬
‫المسبب للملكية إما أن يكون رضائيا أو جبريا‪ ،‬والجبري‪ :‬إما صريح كما في بيع مال المدين‪ ،‬أو‬
‫مفترض كما في الشفعة ونزع الملكية‪.‬‬
‫‪ - 3‬الخَلَفية ‪:‬‬
‫وهي أن يخلف شخص غيره فيما كان يملكه‪ ،‬أو يحل شيء محل شيء آخر‪ ،‬فهي نوعان‪ :‬خَلَفية‬
‫شخص عن شخص وهي الرث‪ .‬وخلفية شيء عن شيء وهي التضمين‪.‬‬
‫والرث سبب جبري للتملك يتلقى به الوارث بحكم الشرع مايتركه المورث من أموال التركة‪.‬‬
‫والتضمين‪ :‬هو إيجاب الضمان أوالتعويض على من أتلف شيئا لغيره‪ ،‬أو غصب منه شيئا فهلك أو‬
‫فقد‪ ،‬أو ألحق ضررا بغيره بجناية أو تسبب‪ .‬ويدخل فيه الديات وأروش الجنايات أي العواض المالية‬
‫المقدرة شرعا الواجبة على الجاني في الجراحات‪.‬‬
‫‪ - 4‬التولد من المملوك ‪:‬‬
‫معناه أن ما يتولد من شيء مملوك يكون مملوكا لصاحب الصل؛ لن مالك الصل هو مالك الفرع‪،‬‬
‫سواء أكان ذلك بفعل مالك الصل‪ ،‬أم بالطبيعة والخلقة‪ .‬فغاصب الرض الذي زرعها يملك الزرع‬
‫عند الجمهور غيرالحنابلة؛ لنه نماء البذر وهو ملكه‪ ،‬وعليه كراء الرض‪ ،‬ويضمن لصاحب الرض‬
‫نقصانها بسبب الزرع‪ .‬وثمرة الشجر وولد الحيوان وصوف الغنم ولبنها لمالك الصل‪.‬‬
‫وقال الحنابلة‪ :‬الزرع لمالك الرض‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬من زرع في أرض قوم بغير‬
‫إذنهم‪ ،‬فليس له من الزرع شيء‪ ،‬وله نفقته» (‪. )2‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المدخل الفقهي العام للستاذ الزرقاء‪ :‬ف ‪.105‬‬
‫(‪ )2‬رواه الخمسة إل النسائي عن رافع بن خديج‪ ،‬قال البخاري‪ :‬هو حديث حسن (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪ 318/5‬ومابعدها)‪.‬‬

‫( ‪)4/431‬‬
‫صلُ الرّابع‪ :‬نظريّةُ العقدِ‬
‫ال َف ْ‬
‫تمهيد وتخطيط للبحث ‪:‬‬
‫التعاقد مع الخرين وليد الحاجة إلى التعامل‪ ،‬والتعامل ضرورة اجتماعية قديمة ملزمة لنشوء‬
‫المجتمعات‪ ،‬وتخطي مرحلة النغلق والنعزال التي كان يعيشها النسان البدائي‪ ،‬فأصبح ل غنى لكل‬
‫إنسان لكونه مدنيا بالطبع من العيش المشترك مع الجماعة‪ ،‬لتأمين حاجياته‪ ،‬ول يتم ذلك بدون التبادل‬
‫والتعاون مع الخرين‪ .‬وللمبادلت صور متعددة‪ ،‬تخضع لما يعرف بنظرية العقد‪ ،‬التي تنظم حركة‬
‫النشاط القتصادي‪ ،‬وتضبط أصول التعامل‪ ،‬وحرية التجارة‪ ،‬وتبادل العيان والمنافع‪ ،‬ول تخلو الحياة‬
‫اليومية لكل فرد من إبرام عقد من العقود‪ ،‬مما يجعل مسيرة الحياة مترعة بالعقود‪.‬‬
‫فتكون نظرية العقد‪ :‬هي البناء الشرعي الذي يقوم عليه نظام التعاقد‪.‬‬
‫وقد وضع فقهاء السلم نظاما على حدة لكل عقد معروف في عصرهم‪ ،‬ويمكن للباحث أن يستخلص‬
‫نظرية عامة للعقد من جملة هذه النظمة‪ ،‬وبحوث الفقهاء حول تعريفات العقد‪ ،‬وأركانه وشروطه‪،‬‬
‫وأحكامه التي قرروها لكل عقد‪ .‬وبه يمكن النتقال من الطابع الستقرائي والتحليلي للقضايا الفردية‬
‫الذي سار عليه فقهاؤنا إلى المنهج التركيبي أو النظريات العامة التي يسير عليها الن فقهاء العصر‬
‫الحديث في القانون وغيره‪ .‬والصول العامة لنظرية العقد في الفقه السلمي تتضح في البحوث‬
‫السبعة التالية‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬تعريف العقد‪ ،‬والفرق بينه وبين التصرف واللتزام‪ ،‬والرادة المنفردة والوعد بالعقد‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬تكوين العقد‪ ،‬وفيه مطالب ثلثة‪:‬‬
‫المطلب الول ـ ركن العقد‪.‬‬
‫المطلب الثاني ـ عناصر العقد‪.‬‬
‫‪ - 1‬صيغة التعاقد (اللفاظ والشارات والفعال والكتابة)‪.‬‬

‫‪ - 2‬العاقدان‬
‫‪ - 3‬المحل المعقود عليه (شروطه وآثارها في العقد)‪.‬‬

‫( ‪)4/432‬‬
‫‪ - 4‬موضوع العقد (أو المقصد الصلي للعقد) نظرية السبب أو (الباعث على العقد) ـ الرادة‬
‫الظاهرة والرادة الباطنة في العقود‪.‬‬
‫المطلب الثالث ـ الرادة العقدية‪ ،‬ويشتمل على الفروع التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬صورية العقد (السكر وما في معناه‪ ،‬الهزل‪،‬الخطأ‪ ،‬التلجئة‪ ،‬الكراه‪ ،‬القصد غير المشروع)‪.‬‬
‫‪ - 2‬سلطان الرادة العقدية (مدى الحرية في العقود والشروط)‪.‬‬
‫‪ - 3‬عيوب الرادة أو الرضا‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬شروط العقد المبحث الرابع‪ :‬آثار العقد (حكم العقد‪ ،‬النفاذ‪ ،‬اللزام واللزوم)‬
‫المبحث الخامس‪ :‬تصنيف العقود (التقسيمات الخمسة)‬
‫المبحث السادس‪ :‬الخيارات (خيار المجلس‪ ،‬الشرط‪ ،‬العيب‪ ،‬الرؤية‪ ،‬التعيين‪ ،‬النقد)‪.‬‬
‫المبحث السابع‪ :‬انتهاء العقد‬
‫وأوضح هذه المباحث على وفق الترتيب المذكور‪:‬‬
‫المبحث الول ـ تعريف العقد‪ ،‬والفرق بينه وبين التصرف واللتزام والرادة المنفردة ‪:‬‬
‫تعريف العقد ‪:‬‬
‫العقد في لغة العرب‪ :‬معناه الربط (أو الحكام والبرام) بين أطراف الشيء‪ ،‬سواء أكان ربطا حسيا‬
‫أم معنويا‪ ،‬من جانب واحد‪ ،‬أم من جانبين‪ .‬جاء في المصباح المنير وغيره‪ :‬عقد الحبل‪ ،‬أو البيع‪ ،‬أو‬
‫العهد فانعقد‪ .‬ويقال‪ :‬عقد النية والعزم على شيء‪ ،‬وعقد اليمين‪ ،‬أي ربط بين الرادة وتنفيذ ما التزم‬
‫به‪ .‬وعقد البيع والزواج والجارة‪ ،‬أي ارتبط مع شخص آخر‪.‬‬
‫وهذا المعنى اللغوي داخل في المعنى الصطلحي الفقهي لكلمة العقد‪ .‬وللعقد عند الفقهاء معنيان‪ :‬عام‬
‫وخاص‪.‬‬
‫أما المعنى العام‪ :‬القرب إلى المعنى اللغوي والشائع عند فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة (‪ )1‬فهو‪:‬‬
‫كل ما عزم المرء على فعله‪ ،‬سواء صدر بإرادة منفردة‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬انظر نظرية العقد لبن تيمية‪ :‬ص ‪ .78 ،21-18‬ومن هذا الرأي أبو بكر الرازي الجصاص في‬
‫كتابه أحكام القرآن‪ 294/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/433‬‬
‫كالوقف والبراء والطلق واليمين‪ ،‬أم احتاج إلى إرادتين في إنشائه كالبيع واليجار والتوكيل‬
‫والرهن‪ ،‬أي أن هذا المعنى يتناول اللتزام مطلقا‪ ،‬سواء من شخص واحد أو من شخصين‪ ،‬ويشمل‬
‫حينئذ ما يسمى في المعنى الضيق أو الخاص عقدا‪ ،‬كما يشمل ما يسمى تصرفا أو التزاما‪ .‬فالعقد‬
‫بالمعنى العام ينتظم جميع اللتزامات الشرعية‪ ،‬وهو بهذا المعنى يرادف كلمة اللتزام‪.‬‬
‫وأما المعنى الخاص الذي يراد هنا حين الكلم عن نظرية العقد فهو‪ :‬ارتباط إيجاب بقبول على وجه‬
‫مشروع يثبت أثره في محله (‪ . )1‬أو بعبارة أخرى‪ :‬تعلق كلم أحد العاقدين بالخر شرعا على وجه‬
‫يظهر أثره في المحل (‪ . )2‬وهذا التعريف هو الغالب الشائع في عبارات الفقهاء‪.‬‬
‫فإذا قال شخص لخر‪ :‬بعتك الكتاب‪ ،‬فهو اليجاب‪ ،‬وقال الخر‪ :‬اشتريت‪ ،‬فهو القبول‪ ،‬ومتى ارتبط‬
‫القبول باليجاب‪ ،‬وكانا صادرين من ذوي أهلية معتبرة شرعا‪ ،‬ثبت أثر البيع في محله (وهو الكتاب‬
‫هنا)‪ :‬وهو انتقال ملكية المبيع للمشتري‪ ،‬واستحقاق البائع الثمن في ذمة المشتري‪.‬‬
‫واليجاب أو القبول‪ :‬هو الفعل الدال على الرضا بالتعاقد‪ .‬والتقييد بكونه (على وجه مشروع )‬
‫لخراج الرتباط على وجه غير مشروع‪ ،‬كالتفاق على قتل فلن‪ ،‬أو إتلف محصوله الزراعي‪ ،‬أو‬
‫سرقة ماله‪ ،‬أو الزواج بالقارب المحارم‪ ،‬فكل ذلك غير مشروع ل أثر له في محل العقد‪ .‬والتقييد‬
‫بكونه ( يثبت أثره في محله ) لخراج الرتباط بين كلمين ل أثر له‪ ،‬كالتفاق على بيع كل شريك‬
‫حصته من دار أو أرض لصاحبه بالحصة الخرى المساوية لها‪ ،‬فهذا ل فائدة منه ول أثر له‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المادة ‪ 104 ،103‬من مجلة الحكام العدلية‪ ،‬رد المحتار لبن عابدين‪ ،355/2 :‬ط الميرية‪.‬‬
‫(‪ )2‬العناية بهامش فتح القدير‪.74/5 :‬‬

‫( ‪)4/434‬‬
‫والعقد قانونا يلتقي مع هذا التعريف الثاني عند الفقهاء‪ :‬وهو «توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني‬
‫من إنشاء التزام أو نقله‪ ،‬أو تعديله أو إنهائه» (‪ )1‬فإنشاء اللتزام كالبيع والجارة‪ ،‬ونقله كالحوالة‪،‬‬
‫وتعديله كتأجيل الدين‪ ،‬وإنهاؤه كالبراء من الدين‪ ،‬وفسخ الجارة قبل أوانها‪ ،‬فالتعريفان متقاربان‪.‬‬

‫وهذا التعريف وإن كان واضحا سهلً‪ ،‬إل أن تعريف الفقهاء في نظر الشرعيين أدق؛ لن العقد ليس‬
‫هو اتفاق الرادتين ذاته‪ ،‬وإنما هو الرتباط الذي يقره الشرع‪ ،‬فقد يحدث التفاق بين الرادتين‪،‬‬
‫ويكون العقد باطلً لعدم توافر الشروط المطلوبة شرعا‪ ،‬فالتعريف القانوني يشمل العقد الباطل‪.‬‬
‫ثم إن مجرد توافق الرادتين بدون واسطة للتعبير عنهما من كلم أو إشارة أو فعل ل يدل على وجود‬
‫العقد‪ ،‬وتظل الرادة حينئذ أمرا خفيا غير معروف‪ .‬وبذلك يشمل التعريف القانوني الوعد بالعقد مع‬
‫أنه ليس بعقد (‪. )2‬‬
‫والعقد في القانون المدني أحد أنواع التفاق‪ ،‬فليس كل اتفاق عقدا‪ ،‬وإنما يتخصص العقد بما يمثل‬
‫التعارض بين مصلحتين‪ ،‬وبما ينصب على محل وقتي يستنفد وينتهي بالتنفيذ مرة واحدة‪ ،‬فالتفاق‬
‫على إنشاء منظمة ل يعتبر عقدا‪ ،‬لنه ل يمثل تعارضا في المصالح‪ ،‬ولن محل العقد هو وضع دائم‬
‫مستمر‪ ،‬وليس وضعا وقتيا يستنفد مرة واحدة‪.‬‬
‫أما العقد في الفقه السلمي فل يعرف هذا التخصيص‪ ،‬فالزواج عقد‪ ،‬والسلم عقد‪ ،‬والذمة عقد‪،‬مع‬
‫أنها نظم دائمة‪ ،‬وقد ل تقوم على تحكيم المصلحة‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الوسيط للدكتور السنهوري‪ :‬ص ‪ ،138‬النظرية العامة لللتزام للدكتور عبد الحي حجازي‪ :‬ص‬
‫‪ 35‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬المدخل الفقهي للستاذ الزرقاء‪ :‬ف ‪ ،134‬المدخل للستاذ مصطفى شلبي‪ :‬ص ‪ .315‬الشخصية‪.‬‬

‫( ‪)4/435‬‬
‫والعقد في السلم‪ :‬هو دائما انضمام لنظام موجود من قبل‪ ،‬هو النظام النوعي للعقد المبرم الذي‬
‫وضعه الشرع ليسير عليه الناس‪ .‬وما على الفراد إل التقيد التام بأحكام الشرع التي نظم العقود‬
‫عليها‪ .‬والخلصة‪ :‬أن العقد في القانون أداة لدراك مصلحة ذاتية شخصية لكل من المتعاقدين‪ ،‬وأما‬
‫في السلم فهومعد لدراك مقاصد شرعية عامة‪.‬‬
‫العقد واللتزام ‪:‬‬
‫اللتزام‪ :‬هو كل تصرف يتضمن إنشاء حق أو نقله أو تعديله أو إنهاءه سواء أكان صادرا من شخص‬
‫واحد كالوقف والبراء والطلق على غير مال‪ ،‬أم من شخصين كالبيع والجارة والطلق على مال‪.‬‬
‫فاللتزام يرادف كلمة العقد بالمعنى العام الذي ذكر‪ ،‬ويختلف عن كلمة العقد بالمعنى الخاص‪ ،‬فالعقد‬
‫مقصور على نوع خاص من اللتزام وهو ماكان صادرا من شخصين كالبيع واليجار والرهن‬

‫ونحوه‪ ،‬واللتزام من ذلك فيشمل ما صدر من شخص واحد كالوقف والنذر واليمين ونحوه‪ ،‬كما يشمل‬
‫ما صدر من شخصين أو وجد بإرادتين مزدوجتين كالبيع والجارة‪.‬‬
‫العقد والتصرف ‪:‬‬
‫التصرف‪ :‬هو كل ماصدر عن الشخص بإرادته من قول أو فعل‪ ،‬يرتب عليه الشرع أثرا من الثار‪،‬‬
‫سواء أكان في صالح ذلك الشخص أم ل‪ .‬فيشمل القوال الصادرة عن الشخص كالبيع والهبة والوقف‬
‫والقرار بحق‪ ،‬والفعال كإحراز المباحات والستهلك والنتفاع‪ ،‬سواء أكان القول أو الفعل لصالح‬
‫الشخص كالبيع والصطياد‪ ،‬أم لغير صالحه كالوقف والوصية‪ ،‬والسرقة والقتل‪ .‬وبه يتبين أن‬
‫التصرف نوعان‪ :‬فعلي وقولي‪.‬‬
‫أما التصرف الفعلي‪ :‬فهو الواقعة المادية الصادرة عن الشخص كالغصب والتلف وقبض الدين‬
‫وتسلم المبيع‪.‬‬
‫أما التصرف القولي فهو نوعان‪ :‬عقدي وغير عقدي‪ .‬أما العقدي فهو اتفاق إرادتين كالشركة والبيع‪،‬‬
‫وغير العقدي قد يكون مجرد إخبار بحق كالدعوى والقرار‪ ،‬وقد يقصد به إنشاء حق أو إنهاءه‬
‫كالوقف والطلق والبراء‪.‬‬

‫( ‪)4/436‬‬
‫وعلى هذا فإن التصرف أعم من العقد واللتزام إذ أنه يشمل القوال والفعال‪ ،‬وينتظم اللتزام وغير‬
‫اللتزام‪ ،‬وقد يكون التصرف القولي غير داخل في معنى العقد ولو بمعناه الواسع أو العام كالدعوى‬
‫والقرار‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن التصرف أعم من العقد واللتزام‪ .‬والعقد بالمعنى العام واللتزام مترادفان متساويان‪،‬‬
‫واللتزام أعم من العقد بالمعنى الخاص‪ ،‬والعقد بمعناه الخاص نوع من اللتزام‪ ،‬وأخص من كلمة‬
‫تصرف‪ .‬فكل عقد هو تصرف‪ ،‬وليس كل تصرف عقدا‪.‬‬
‫العقد والرادة المنفردة ‪:‬‬
‫قد تستقل الرادة الواحدة بإنشاء التزام‪ ،‬كما قد تنشئ أحيانا عقدا من العقود في أحوال استثنائية‪ ،‬عملً‬
‫بالنزعة الموضوعية لللتزام أو بالمذهب المادي الذي نلحظه في الفقه السلمي‪ ،‬والذي يعد اللتزام‬
‫فيه علقة مالية أكثر منه علقة شخصية بين طرفين‪ :‬دائن ومدين‪.‬‬
‫واللتزام بإرادة واحدة‪ :‬معناه التعهد بشيء يصبح به المتعهد مدينا لخر غير موجود حين إنشاء‬
‫اللتزام كالوعد بالمكافأة أو بالجائزة للمتفوقين من الناجحين‪ ،‬أو لمن يصنع دواء لعلج مرض معين‬

‫مثلً‪.‬‬
‫وأمثلة اللتزام بإرادة واحدة في الفقه السلمي كثيرة منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬الجعالة‪ :‬هي التزام جعل (‪ )1‬أو أجر معين لمن يقوم بعمل معين‪ ،‬بدون تحديد أمد معين‪ ،‬وهي‬
‫عقد جائز غير لزم كتقديم مكافأة لمن يرد متاعا ضائعا‪ ،‬أو يبني حائطا أو يحفر بئرا يصل إلى‬
‫الماء‪ ،‬أو ينجح نجاحا متفوقا في امتحان‪ ،‬أو يحقق نصرا حربيا على العدو‪ ،‬أو يشفي مرضا معينا‪ ،‬أو‬
‫يبتكر علجا ناجعا‪ ،‬أو يخترع اختراعا صناعيا‪ ،‬أو يحفظ القرآن الكريم‪.‬‬
‫وقد أجازها جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة (‪ )2‬عملً بقصة يوسف عليه ا لسلم مع‬
‫إخوته‪{ :‬قالوا‪ :‬نفقد صُواع (‪ )3‬الملك‪ ،‬ولمن جاء به حمل بعير‪ ،‬وأنا به زعيم} [يوسف‪،]12/72:‬‬
‫ويؤيده قوله عليه الصلة والسلم يوم حُنين‪« :‬من قتل قتيلً فله سلبه» (‪. )4‬‬
‫ولم يجزها الحنفية (‪ ، )5‬لما فيها من الغرر والخطر أي الجهالة والحتمال بالنسبة للملتزم وبالنسبة‬
‫للقائم بالعمل الذي ل يدري ما يحتاجه من مجهود لنجاز العمل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫جعْل‪ :‬ما يجعل للنسان من شيء على فعل كأجر العامل ومكافأة المحارب على عمل حربي‬
‫(‪ )1‬ال ُ‬
‫رائع‪.‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ 232/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير للدردير‪ 79/4 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص‬
‫‪ 275‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 429/2 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 507/5 :‬ومابعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪.284/2 :‬‬
‫(‪ )3‬الصواع‪ :‬المكيال الذي يكال به‪.‬‬
‫(‪ )4‬السلب‪ :‬ما يكون مع القتيل من متاع أو مال أو سلح أو خيل‪ .‬والحديث رواه أحمد وأبو داود عن‬
‫أنس بلفظ‪« :‬من قتل رجلً فله سلبه» (نيل الوطار‪.)262/7 :‬‬
‫(‪ )5‬البدائع‪.206/6 :‬‬

‫( ‪)4/437‬‬
‫والقانون المدني السوري في المادة (‪ )163‬نظم الوعد بجائزة‪ :‬وهو تخصيص أجر لشخص لن يتعين‬
‫إل بتنفيذ الداء الذي حدده الواعد‪ .‬وأجاز الرجوع عنه إذا لم يعين الواعد أجلً للقيام بالعمل‪.‬‬
‫‪ - 2‬الوقف‪ :‬هو حبس المال عن التصرف‪ ،‬وتخصيص ريعه لجهة بر‪ ،‬تقربا إلى ال تعالى‪ ،‬كالوقف‬
‫على دور العلم وجهات الخير كالمشافي والمدارس والمصانع الحربية‪ ،‬والوقف لفلن‪ ،‬ثم على جهة‬
‫خير معينة‪ .‬وينعقد الوقف بإرادة الواقف وحده‪ ،‬فإن كان على شخص فله حق الرد‪ ،‬فيصرف إلى‬

‫جهة الخير أو البر التي عينها الواقف‪.‬‬
‫‪ - 3‬البراء‪ :‬إسقاط شخص ماله من حق لدى شخص آخر‪ ،‬كإسقاط الدائن دينه المستقر في ذمة‬
‫مدينه‪ .‬يتم بدون حاجة لقبول المدين‪ ،‬إل أنه يرتد برده في مجلس البراء‪ ،‬لما فيه من معنى التمليك‬
‫(أي تمليك الدين للمدين)‪ ،‬دفعا للمِنّة والجميل الذي يصنعه الدائن له‪ ،‬والنسان ل يملّك شيئا جبرا‬
‫عنه‪ .‬فهو من قبيل السقاطات عند جمهور الفقهاء غير المالكية‪.‬‬
‫قال المالكية على ما هو راجح عندهم‪ :‬يحتاج البراء إلى قبول المبرأ؛ لنه من قبيل التمليكات التي‬
‫يشترط فيها القبول كالهبة والصدقة‪.‬‬

‫( ‪)4/438‬‬
‫‪ - 4‬الوصية‪ :‬تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع‪ ،‬سواء أكان المملك عينا أم منفعة‪،‬‬
‫كالوصية بمبلغ من المال أو بمنفعة دار لفلن أو لجهة خير بعد وفاة الموصي‪ ،‬فهي عقد يتم بإرادة‬
‫واحدة هي إرادة الموصي‪ ،‬وتتحقق بإيجابه (أو عبارته أو كتابته أو إشارته المفهمة) فيكون ركن‬
‫الوصية هو اليجاب من الموصي فقط‪ ،‬إل أنها ترتد بالرد عند الحنفية (‪ )1‬؛ لنه ليس له إلزامه على‬
‫قبولها‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء على أن الوصية من العقود الجائزة غير اللزمة أي أن للموصي أن يرجع فيما أوصى‬
‫به‪.‬‬
‫فاليجاب بالوصية هو ركن الوصية‪ .‬وأما القبول من الموصى له بعد وفاة الموصي فليس بركن‬
‫للوصية‪ ،‬ولكنه على الراجح عند فقهاء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة (‪ )2‬شرط للزوم الوصية‬
‫ودخول الموصى به في ملك الموصى له من بعد الموت‪ .‬فالحقيقة الشرعية للوصية عندهم تكون‬
‫باليجاب من الموصي فقط‪ ،‬ول تتوقف على قبول الموصى له‪ .‬وتنفذ الوصية من ثلث التركة‪ ،‬ول‬
‫وصية جائزة للوارث إل بإجازة الورثة‪ ،‬كما ل تجوز الوصية لغير الوارث بما زاد عن ثلث التركة‬
‫إل بموافقة الورثة‪.‬‬
‫‪ - 5‬اليمين‪ :‬عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أو الترك (‪ ، )3‬مثل وال لكرمنّ جاري‪ ،‬أو‬
‫لعلمنّ هذا اليتيم على نفقتي‪ ،‬فيجب عليه ديانةً الوفاء بيمينه‪ ،‬فإن لم يوفّ به‪ ،‬حنث في يمينه ولزمته‬
‫كفارة اليمين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬اللباب شرح الكتاب‪ ،170/4 :‬تبيين الحقائق للزيلعي‪ ،184 ،182/6 :‬رد المحتار على الدر‬

‫المختار‪.460/5 :‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ ،330/2 :‬الشرح الكبير للدردير‪ ،424/4 :‬مغني المحتاج‪ ،53/3 :‬غاية المنتهى‪:‬‬
‫‪ ،351/2‬المغني‪.25/6 :‬‬
‫(‪ )3‬فتح القدير‪ ،2/4 :‬تبيين الحقائق‪.106/3 :‬‬

‫( ‪)4/439‬‬
‫‪ - 6‬الكفالة‪ :‬عند غير الحنفية‪ :‬ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق أي في‬
‫الدين‪ ،‬فيثبت الدين في ذمتهما معا‪ .‬واقتصر الحنفية على أن الضم محصور في المطالبة بالدين‪.‬‬
‫فالكفالة‪ :‬التزام الكفيل بالدين بأدائه إلى الدائن بدلً من من المدين عند مطالبته‪ .‬وهي توجد بمجرد‬
‫التزام الكفيل بالدين ورضاه به عند المالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف من الحنفية (‪ ، )1‬أي أن‬
‫ركن الكفالة هو اليجاب وحده‪ ،‬وأما القبول من الدائن أو المدين فليس ركنا عند هؤلء‪ .‬فتكون التزاما‬
‫جانب واحد‪ .‬وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن (‪ : )2‬ركن الكفالة‪ :‬اليجاب من الكفيل‪ ،‬والقبول من‬
‫الدائن‪.‬‬
‫العقد بإرادة منفردة ‪:‬‬
‫الصل العام في العقود أن يكون العاقد متعددا ‪ ،‬أي أن العقد ينشأ بإيجاب وقبول يعبر كل واحد منهما‬
‫عن إرادة صاحبه؛ لن العقد ينشئ آثارا متعارضة وحقوقا أو التزاماتٍ متضادة‪ ،‬مثل تسليم المبيع‬
‫وتسلمه‪ ،‬والمطالبة بتسليم المبيع وقبض الثمن ‪ ،‬ورد المبيع بالعيب‪ ،‬وفسخ العقد بالخيارات‪ ،‬ويستحيل‬
‫أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلّما ومتسلما‪ ،‬طالبا ومطالبا‪ ،‬مملكا ومتملكا‪ ،‬مما يوجب‬
‫أن يكون العقد من طرفين‪ ،‬لكل منهما إرادته وعبارته والتزامه‪ ،‬ل من شخص واحد ليس له إل إرادة‬
‫واحدة‪.‬‬
‫لكن استثناء من هذا الصل يجوز عند بعض الفقهاء إبرام العقد بعاقد واحد في بعض حالت البيع‬
‫والزواج‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الصغير‪ :‬للدردير‪ 429/3 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،200/2 :‬المهذب‪ ،340/1 :‬المغني‪:‬‬
‫‪.535/5‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير‪ ،390/5 :‬البدائع‪ ،2/6 :‬الدر المختار‪ ،261/4 :‬مجمع الضمانات‪ :‬ص ‪.275‬‬

‫( ‪)4/440‬‬

‫البيع بعاقد واحد ‪:‬‬
‫أجاز الحنفية ما عدا زفر (‪ )1‬انعقاد البيع بإرادة شخص واحد متخذا صفتين بالنيابة عن البائع وعن‬
‫المشتري‪ ،‬في حالت نادرة هي شراء الب‪ ،‬أو وصيه‪ ،‬أو الجد‪ ،‬مال الصغير لنفسه‪ ،‬أو بيع مال‬
‫نفسه من الصغير‪ ،‬وبيع القاضي والرسول عن طرفي العقد؛ لن القاضي ل ترجع إليه حقوق العقد‬
‫أي (ل يلتزم بشيء من التزامات العقد كالتسليم ودفع الثمن)‪ ،‬فكان بمنزلة الرسول‪ ،‬والرسول بعكس‬
‫الوكيل عن الجانبين ل تلزمه حقوق العقد؛ لنه سفير ومعبر عن كلم الصيل‪ ،‬فجاز لكل من القاضي‬
‫والرسول تولي العقد عن الجانبين‪ .‬ول يجوز ذلك للوكيل من الجانبين‪.‬‬
‫لكن تعامل الب مع الصغير لنفسه مقيد بأن يكون السعر بمثل قيمة الشيء‪ ،‬أو بشيء يسير من الغبن‬
‫المعتاد حدوثه بين الناس عادة؛ لن الب مفترض فيه كمال الشفقة والرحمة ووفرة الرعاية لمصلحة‬
‫الصغير‪.‬‬
‫وأما وصي الب فمقيد تعامله مع الصغير عند أبي حنيفة وأبي يوسف بأن يكون تصرفه بمال‬
‫الصغير لنفسه بمثل القيمة‪ ،‬أو بما فيه نفع ظاهر (أو خير بيّن) لليتيم (‪ ، )2‬لنه مرضي الب‪،‬‬
‫والظاهر ما رضي به إل لوفور شفقته على الصغير‪ .‬ولم يجز محمد بن الحسن تصرف الوصي بمال‬
‫الصغير لنفسه بمثل القيمة؛ لن التساهل في الب لكمال شفقته بخلف الوصي‪.‬‬
‫وأجاز الحنابلة أن يتولى عاقد واحد عن الجانبين كالوكيل عن الطرفين عقد البيع ونحوه من عقود‬
‫المعاوضات الخرى كالجارة مثلً؛ لن حقوق العقد وآثاره أو التزاماته ترجع عندهم للموكل نفسه‬
‫صاحب الشأن‪ .‬كما أجازوا ذلك أيضا في عقد الزواج‪ ،‬وفي الدعوى‪ ،‬فيصح أن يكون الشخص الواحد‬
‫ل مصلحة الطرفين ومقيما الحجة أو الدفوع لكل‬
‫وكيلً في الدعوى عن المدعي والمدعى عليه‪ ،‬ممث ً‬
‫منهما (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،136/5 ،232/2 :‬رد المحتار لبن عابدين‪ ،5/4 :‬فتح القدير‪ ،428/2 :‬تبيين الحقائق‪:‬‬
‫‪.211/6‬‬
‫(‪ )2‬النفع الظاهر في العقار يكون بشراء الوصي لنفسه من الصغير بضعف القيمة‪ ،‬ويبيع بنصفها‪.‬‬
‫وفي المنقول ببيع ما يساوي ‪ 15‬بعشرة‪ ،‬وشراء ما يساوي عشرة بخمسة عشر‪.‬‬
‫(‪ )3‬كشاف القناع‪ ،238/2 :‬المغني‪ ،109/5 :‬مطالب أولي النهي في شرح غاية المنتهى للسيوطي‬
‫الرحيباني‪ ،464/3 :‬ط المكتب السلمي بدمشق‪.‬‬

‫( ‪)4/441‬‬

‫وروي عن المام مالك أن للوكيل والوصي أن يشتريا لنفسهما من مال الموكل واليتيم‪ ،‬إذا لم يحابيا‬
‫أنفسهما (‪. )1‬‬
‫الزواج بعاقد واحد ‪:‬‬
‫أجاز جمهور الحنفية ما عدا زفر للشخص الواحد أن يتولى طرفي عقد الزواج بإيجاب يقوم مقام‬
‫القبول في خمس صور (‪. )2‬‬
‫‪ - 1‬إذا كان الشخص وليا من الجانبين‪ :‬كأن يزوج الجد بنت ابنه الصغيرة لبن ابنه الصغير‪.‬‬
‫‪ - 2‬إذا كان وكيلً من الجانبين‪ :‬كأن يقول‪ :‬زوجت موكلي فلنا موكلتي فلنة‪.‬‬
‫‪ - 3‬إذا كان أصيلً من جانب ووليا من جانب آخر‪ ،‬كأن يتزوج ابن عم بنت عمه الصغيرة التي‬
‫تحت وليته‪ ،‬فيقول أمام الشهود‪ :‬تزوجت بنت عمي فلنة‪.‬‬
‫‪ - 4‬إذا كان أصيلً من جانب ووكيلً من جانب آخر‪ ،‬كما لو وكلت امرأة رجلً ليزوجها من نفسه‪.‬‬
‫‪ - 5‬إذا كان وليا من جانب ووكيلً من جانب‪ ،‬مثل زوجت بنتي من موكلي‪ .‬والسبب في مشروعية‬
‫انعقاد الزواج في هذه الحوال أن العاقد ليس إل سفيرا عن الصيل ومعبرا عنه‪ ،‬فل يتحمل شيئا من‬
‫التزامات العقد‪ ،‬والواحد يصلح أن يكون معبرا عن اثنين بصفتين مختلفتين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.328‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪.137/5 ،231/2 :‬‬

‫( ‪)4/442‬‬
‫وقال الشافعي (‪ « : )1‬يجوز الزواج بعاقد واحد إذا كان وليا من الجانبين وذلك في حالة الجد فقط‪،‬‬
‫له أن يزوج حفيديه ببعضهما‪ ،‬ويتولى وحده العقد عن الطرفين‪ ،‬وذلك للضرورة لعدم وجود ولي آخر‬
‫من درجته‪ ،‬ولقوة وليته وشفقته دون سائر الولياء» ‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن العقد بالمعنى الخاص ل يتحقق بإرادة منفردة‪ ،‬بل ل بد لتحققه من توافق أواجتماع‬
‫إرادتين‪ .‬وأما انعقاد البيع أو الزواج في الحالت السابقة‪ ،‬وإن اقتصر فيه على شخص واحد‪ ،‬إل أنه‬
‫في الحقيقة يمثل صفتين‪ ،‬فقامت عبارة الشخص الواحد التي تدل على إرادتين متوافقتين مقام‬
‫العبارتين من عاقدين مختلفتين (‪. )2‬‬
‫وهناك فرق ثان بينهما من ناحية الحكم (أي الثر المترتب على العقد)‪ ،‬وهو أن العقد يلزم الوفاء به‬
‫من العاقد ديانة وقضاء باتفاق الفقهاء‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة‪]1/5:‬‬

‫وقوله سبحانه‪{ :‬وأوفوا بالعهد} [السراء‪ .]34/17:‬أما الوعد فل يلزم الوفاء به قضاء‪ ،‬بل الوفاء به‬
‫مندوب مطلوب ديانة ومن مكارم الخلق‪ .‬فلو وعد شخص غيره ببيع أو قرض أو هبة مثلً ل يجبر‬
‫على الوفاء بوعده بقوة القضاء‪ ،‬بل يندب له تنفيذه ديانة؛ لقوله تعالى‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون‬
‫ما ل تفعلون‪ ،‬كبُر مقتا عند ال أن تقولوا ما ل تفعلون} [الصف‪ ]3-2/61:‬وقال النبي صلّى ال عليه‬
‫وسلم ‪« :‬آية المنافق ثلث‪ :‬إذا حدث كذب‪ ،‬وإذا وعد أخلف‪ ،‬وإذا اؤتمن خان» (‪. )3‬‬
‫هذا هو السائد عند الفقهاء‪ ،‬لكن توجد آراء قد تكون مخالفة للرأي السائد‪ ،‬وقد تكون ملطفة أحيانا‬
‫بجعل الوعد ملزما قضاء في بعض الحالت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نهاية المحتاج‪ 192/5 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬منع القانون المدني المصري والسوري في المادة ‪ 109‬من تعاقد الشخص مع نفسه‪ ،‬سواء أكان‬
‫التعاقد لحساب نفسه أم لحساب غيره إل إذا رخص الصيل مقدما لنائب في التعاقد مع نفسه‪ ،‬أو وجد‬
‫نص في القانون‪ ،‬أو قضت قواعد التجارة بجواز ذلك (الوسيط للسنهوري‪ :‬ص ‪.)202‬‬
‫(‪ )3‬رواه الشيخان (البخاري ومسلم) والترمذي والنسائي عن أبي هريرة‪.‬‬

‫( ‪)4/443‬‬
‫قال ابن شبرمة (‪ : )1‬يلزم الواعد ويجبر على الوفاء بوعده قضاء‪ .‬وقال الحنفية‪ :‬يلزم الوعد إذا‬
‫صدر معلقا على شرط منعا لتغرير الموعود‪ .‬وعبروا عن ذلك بقاعدة فقهية‪( :‬المواعيد بصورة‬
‫التعاليق تكون لزمة) (م ‪ 38‬مجلة) وقال ابن نجيم‪« :‬ل يلزم الوعد إل إذا كان معلقا» مثل أن يقول‬
‫شخص لخر‪ :‬إذا لم يعطك فلن ثمن المبيع‪ ،‬فأنا أعطيه لك‪ .‬فيلزمه إعطاؤه حينئذ؛ لن الوعد اكتسى‬
‫صفة اللتزام والتعهد‪.‬‬
‫وقال المالكية (‪ : )2‬يلزم الواعد بوعده قضاء إن أدخل الموعود في سبب أو وعده مقرونا بذكر‬
‫السبب‪ ،‬كما قال أصبغ من فقهائهم لتأكد العزم على الدفع حينئذ‪ .‬مثال الحالة الولى أن يقول لخر‪:‬‬
‫اهدم دارك وأنا أقرضك ما تبني به الدار‪ ،‬أو اخرج إلى الحج وأنا أقرضك‪ ،‬أو اشتر سلعة‪ ،‬أو تزوج‬
‫امرأة وأنا أسلفك‪ ،‬ففعل الموعود ذلك‪ ،‬فيجب عليه القراض لنه أدخل الموعود في اللتزام‪ .‬ومثال‬
‫الحالة الثانية عند أصبغ‪ :‬أن يقول شخص لخر‪ :‬تزوج أو اشتر‪ ،‬وأنا أقرضك‪ ،‬فيلزمه الوفاء بوعده‬
‫ولو لم يباشر الموعود فعل الزواج أو الشراء أي سواء تزوج الموعود أو اشترى أم ل‪ ،‬يلزم الواعد‬
‫بما وعد‪ ،‬دفعا للضرر الحاصل للموعود من تغرير الواعد‪.‬‬

‫فإن وعده بدون ذكر السبب‪ ،‬كأن يقول شخص لخر‪ :‬أسلفني كذا‪ ،‬فيقول‬
‫المخاطب‪ :‬نعم‪ ،‬ل يلزمه الوعد‪ .‬والقوانين الوضعية المدنية تتفق مع رأي ابن شبرمة وبعض المالكية‬
‫على أن الوعد بعقد أو بعمل ملزم قانونا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )2‬هو عبد ال بن شبرمة‪ ،‬قاضي فقيه من التابعين ولد سنة ‪ 72‬هـ وتوفي سنة ‪ 144‬هـ (تهذيب‬
‫التهذيب‪.)250/5 :‬‬
‫(‪ )2‬الفروق للقرافي‪ ،25-24/5:‬المحلى لبن حزم‪ ،33/8 :‬م‪.1125/‬‬

‫( ‪)4/444‬‬
‫المبحث الثاني ـ تكوين العقد‬
‫يشتمل هذا المبحث على مطالب ثلثة‪:‬‬
‫المطلب الول ـ ركن العقد ‪:‬‬
‫الركن في اصطلح علماء الصول من الحنفية‪ :‬هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان جزءا داخلً‬
‫في حقيقته‪ .‬ففي العبادات يعد الركوع والسجود وقراءة القرآن أركانا للصلة‪ .‬وفي المعاملت‪:‬‬
‫اليجاب والقبول أو ما يقوم مقامهما هو ركن العقد‪ .‬فركن العقد‪ :‬هو كل ما يعبر به عن اتفاق‬
‫الرادتين أو ما يقوم مقامهما من فعل أو إشارة أو كتابة (‪. )1‬‬
‫هذا هو مذهب الحنفية‪ ،‬وأما بقية العناصر أو المقومات التي يقوم عليها العقد من محل معقود عليه‪،‬‬
‫وعاقدين‪ ،‬فهي لوازم ل بد منها لتكوين العقد‪ ،‬لنه يلزم من وجود اليجاب والقبول وجود عاقدين‪،‬‬
‫ول يتحقق ارتباط العاقدين إل بوجود محل يظهر فيه أثر الرتباط‪.‬‬
‫وغير الحنفية (‪ )2‬يقولون‪ :‬إن للعقد أركانا ثلثة هي عاقد ومعقود عليه وصيغة‪ .‬فالعاقد في البيع هو‬
‫البائع والمشتري‪ ،‬والمعقود عليه هو الثمن والمثمن‪ ،‬والصيغة هي اليجاب والقبول‪ ،‬باعتبار أن الركن‬
‫عند الجمهور‪ :‬هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وإن لم يكن جزءا داخلً في حقيقته‪.‬‬
‫وأيا كان هذا الختلف فهو اصطلح ل تأثير له من حيث النتيجة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،74/5 :‬البدائع‪ ،133/5 :‬رد المحتار لبن عابدين‪.5/4 :‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي‪ ،2/3 :‬مغني المحتاج‪ ،3/2 :‬غاية المنتهى‪ ،3/2 :‬القوانين‬
‫الفقهية‪ :‬ص ‪.245‬‬

‫( ‪)4/445‬‬
‫تعريف اليجاب والقبول ‪:‬‬
‫اليجاب والقبول يكوّنان صيغة العقد‪ ،‬أي العبارات الدالة على اتفاق الطرفين المتعاقدين‪.‬‬
‫وتعريفهما عند الحنفية (‪ )1‬ما يأتي‪:‬‬
‫اليجاب‪ :‬إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولً من كلم أحد المتعاقدين‪ ،‬أو ما يقوم‬
‫مقامه‪ ،‬سواء وقع من المملك أو المتملك (‪ . )2‬فقول العاقد الول في البيع هو اليجاب‪ ،‬سواء صدر‬
‫من البائع أو من المشتري‪ .‬فإذا قال البائع أولً (بعت) فهو اليجاب‪ .‬وإذا ابتدأ المشتري الكلم فقال‪:‬‬
‫(اشتريت بكذا) فهو اليجاب‪.‬‬
‫والقبول‪ :‬ما ذكر ثانيا من كلم أحد المتعاقدين‪ ،‬دالً على موافقته ورضاه بما أوجبه الول (‪. )3‬‬
‫فالمعتبر إذن‪ :‬أولية الصدور وثانويته فقط‪ ،‬سواء أكان من جهة البائع أم من جهة المشتري في عقد‬
‫البيع‪.‬‬
‫وعند غير الحنفية (‪ : )4‬اليجاب‪ :‬هو ما صدر ممن يكون منه التمليك وإن جاء متأخرا‪ ،‬والقبول‪ :‬هو‬
‫ما صدر ممن يصير له الملك‪ ،‬وإن صدر أولً‪ .‬ففي عقد البيع‪ :‬إذا قال المشتري‪ :‬اشتريت منك هذه‬
‫البضاعة بكذا‪ ،‬وقال البائع‪ :‬بعته لك بهذا الثمن‪ ،‬انعقد البيع‪ ،‬وكان اليجاب ما صدر عن البائع‪ ،‬لنه‬
‫المملك‪ ،‬والقبول‪ :‬ما صدر من المشتري‪ ،‬وإن صدر أولً‪.‬‬
‫والواقع أن تسمية إحدى عبارتي العاقدين إيجابا‪ ،‬والخرى قبولً هي تسمية اصطلحية‪ ،‬ليس لها أثر‬
‫يذكر‪ ،‬والصل العام في اليجاب أن يقع من البائع أولً‪ ،‬ويقع القبول من المشتري ثانيا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬رد المحتار لبن عابدين والدر المختار‪ ،6/4 :‬والمراجع السابقة‪.‬‬
‫(‪ )2‬ورد تعريف اليجاب في المجلة (م ‪« :)101‬اليجاب‪ :‬أول كلم يصدر من أحد العاقدين لجل‬
‫إنشاء التصرف‪ ،‬وبه يوجب ويثبت التصرف» ‪.‬‬
‫(‪ )3‬عرفت المجلة في المادة (‪ )102‬القبول بما يأتي‪« :‬القبول‪ :‬ثاني كلم يصدر من أحد العاقدين‬
‫لجل إنشاء التصرف‪ ،‬وبه يتم العقد» ‪.‬‬
‫(‪ )4‬شرح المنهج للنصاري‪ 180/2 :‬وما بعدها‪ ،‬كشاف القناع‪ ،3/2 :‬غاية المنتهى‪ 3/2 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه‪.3/3 :‬‬

‫( ‪)4/446‬‬

‫المطلب الثاني ـ عناصر العقد ‪:‬‬
‫عناصر العقد‪ :‬هي مقوماته الذاتية التي ينشأ بها العقد‪ ،‬ول يتحقق إل بوجودها‪ ،‬وهي أربعة‪ :‬صيغة‬
‫التعاقد‪ ،‬والعاقدان‪ ،‬ومحل العقد‪ ،‬وموضوع العقد‪.‬‬
‫العنصر الول ـ صيغة العقد ‪:‬‬
‫ل على توجه إرادتهما الباطنة لنشاء العقد وإبرامه‪.‬‬
‫صيغة العقد‪ :‬هي ما صدر من المتعاقدين دا ً‬
‫وتعرف تلك الرادة الباطنة بواسطة اللفظ أو القول أو ما يقوم مقامه من الفعل أو الشارة أو الكتابة‪.‬‬
‫وهذه الصيغة هي اليجاب والقبول‪ .‬وقد اتفقت الشرائع على أن مدار وجود العقد وتحققه هو صدور‬
‫ما يدل على التراضي من كل الجانبين بإنشاء التزام بينهما‪ .‬وهذا هو ما يعرف بصيغة العقد عند‬
‫فقهائنا‪ .‬ويسمى عند القانونيين (التعبير عن الرادة)‪ .‬والبحث فيها يكون ببيان أساليب الصيغة‪،‬‬
‫وشروطها‪.‬‬
‫الفرع الول ـ أساليب صيغة اليجاب والقبول ‪:‬‬
‫التعبير عن الرادة العقدية الجازمة يكون بأي صيغة تدل عرفا أو لغة على إنشاء العقد‪ ،‬سواء بالقول‬
‫أو بالفعل أو بالشارة أو بالكتابة‪ ،‬وقد نصت على هذه الساليب المادة (‪ )173‬و (‪ )174‬من المجلة‪،‬‬
‫كما نصت عليها المادة (‪ )1/93‬من القانون المدني السوري‪.‬‬
‫أولً ـ اللفظ (أو القول ) ‪:‬‬
‫اللفظ‪ :‬هو الداة الطبيعية الصلية في التعبير عن الرادة الخفية وهو الكثر استعمالً في العقود بين‬
‫الناس لسهولته وقوة دللته ووضوحه‪ ،‬فيلجأ إليه متى كان العاقد قادرا عليه‪ ،‬وبأي لغة يفهمها‬
‫المتعاقدان‪ .‬ول يشترط فيه عبارة خاصة‪ ،‬وإنما يصح بكل ما يدل على الرضا المتبادل بحسب أعراف‬
‫الناس وعاداتهم؛ لن الصل في العقود هو الرضا‪ ،‬لقوله تعال‪{ :‬إل أن تكون تجارة عن تراض منكم}‬
‫[النساء‪ ]29/4:‬وقوله عليه الصلة والسلم‪« :‬إنما البيع عن تراض» ‪.‬‬
‫مادة اللفظ‪ :‬وعليه فل يشترط في العقود كالبيع واليجار والرهن والهبة ونحوها لفظ معين أو عبارة‬
‫مخصوصة‪ ،‬كأن يقول البائع‪ :‬بعت بكذا‪ ،‬أو ملكته لك بكذا‪ ،‬أو أعطيته لك بكذا‪ ،‬أو وهبته بثمن كذا‪.‬‬
‫ويقول المشتري‪ :‬اشتريت‪ ،‬أو قبلت‪ ،‬أو رضيت‪ ،‬أو خذ الثمن وهات المبيع‪.‬‬
‫أما عقد الزواج فاختلف الفقهاء في شأن اللفاظ المستعملة فيه‪ ،‬نظرا لخطورته وقداسته‪.‬‬

‫( ‪)4/447‬‬

‫فقال الحنفية والمالكية (‪ : )1‬يصح انعقاد الزواج بكل لفظ يدل على تمليك العين في الحال‪ ،‬كالتزويج‬
‫والنكاح والتمليك‪ ،‬والجعل‪ ،‬والهبة والعطية والصدقة‪ ،‬بشرط توافر النية أو القرينة الدالة على أن‬
‫المراد باللفظ هو الزواج‪ ،‬وبشرط فهم الشهود للمقصود؛ لن عقد الزواج كغيره من العقود التي تنشأ‬
‫بتراضي العاقدين‪ ،‬فيصح بكل لفظ يدل على تراضيهما وإرادتهما‪ .‬وقد ورد لفظ ( الهبة ) في القرآن‬
‫الكريم دالً على صحة استعماله لبرام الزواج‪ ،‬كما ورد في السنة النبوية استعمال عبارة ( التمليك )‪.‬‬
‫أما الوارد في القرآن فقوله تعالى‪{ :‬وامرأةً مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد أن يستنكحها خالصة‬
‫لك من دون المؤمنين} (‪ )2‬الخصوصية للنبي صلّى ال عليه وسلمفيقولهتعالى { خالصة لك}‬
‫[الحزاب‪ ]50/33:‬ليست في انعقاد زواجه بلفظ «الهبة» وإنما في صحة زواجه بغير مهر‪.‬‬
‫وأما الوارد في السنة فقوله عليه السلم لخاطب من الصحابة يحفظ سورا من القرآن‪« :‬ملّكتكها بما‬
‫معك من القرآن» (‪. )3‬‬
‫ول يصح الزواج بلفظ ل يفيد الملك كإجارة وإعارة ووصية ورهن ووديعة ونحوها‪ ،‬ول باللفاظ‬
‫المصحفة مثل تجوزت‪.‬‬
‫وقال فقهاء الشافعية والحنابلة (‪ : )4‬يشترط لصحة عقد الزواج استعمال لفظي «زوج أو نكح» وما‬
‫يشتق منهما لمن يفهم اللغة العربية‪ .‬أما من ل يعرف اللغة العربية فيصح الزواج منه بالعبارة التي‬
‫تؤدي الغرض المقصود‪ ،‬وتفهم هذا المعنى؛ لن عقد الزواج له خطورة لوروده على المرأة وهي‬
‫حرة‪ ،‬وشرع لغراض سامية‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬فتح القدير‪ ،346/2 :‬الدر المختار ورد المحتار لبن عابدين‪ 368/2 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪:‬‬
‫ص ‪ ،195‬الشرح الكبير للدردير‪ 220/2 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪.168/2 :‬‬
‫(‪ )2‬الحزاب‪. 50 :‬‬
‫(‪ )3‬متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد (نيل الوطار‪.)170/6 :‬‬
‫(‪ )4‬مغني المحتاج‪ ،139/3 :‬المغني‪ 532/6 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/448‬‬
‫منها تكثير النسل وبقاء النوع النساني‪ ،‬وتكوين السر‪ ،‬ففيه معنى التعبد ل ‪ ،‬بتكثير عباد ال الذين‬
‫يعبدونه‪ ،‬مما يوجب علينا التزام ما ورد به الشرع‪ ،‬ولم يرد في القرآن الكريم إل هذان اللفظان فقط‬
‫وهما (النكاح والتزويج) وذلك في أكثر من عشرين آية‪ :‬منها‪{ :‬فانكحوا ما طاب لكم من النساء} (‪)1‬‬

‫[النساء ‪]4/3‬ومنها {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} (‪. )2‬‬
‫ويمكن أن يكون رأي الحنفية والمالكية أرجح‪ ،‬لن الزواج كغيره من العقود‪ ،‬فيصح بكل لفظ ينبئ‬
‫عن الرضا والرادة‪.‬‬
‫صيغة اللفظ أو نوع الفعل ‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء على صحة انعقاد العقد بالفعل الماضي‪ ،‬لن صيغته أدل على المراد وأقرب إلى تحقيق‬
‫مقصود وهو إنشاؤها في الحال‪ ،‬فينعقد بها العقد من غير توقف على شيء آخر كالنية أو القرينة‪ ،‬وقد‬
‫تعارف الناس استعمال هذه الصيغة (‪ ، )3‬وأقرهم السلم عليها واستعملها الرسول صلّى ال عليه‬
‫وسلم في جميع العقود‪ ،‬لفادتها تنجيز العقد حالً ودللتها على الرادة الجازمة وحدوث الشيء قطعا‬
‫من غيراحتمال معنى آخر‪ ،‬مثل بعت‪ ،‬واشتريت‪ ،‬ورهنت‪ ،‬ووهبت‪ ،‬وزوجت‪ ،‬وأعرت‪ ،‬وقبلت‪ ،‬ونحو‬
‫ذلك‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء أيضا على النعقاد بصيغة المضارع إذا توافرت نية الحال أو دلت القرينة على إرادة‬
‫إنشاء العقد حالً؛ لن المضارع يدل على الحال والستقبال‪ ،‬ففيه احتمال الوعد والمساومة‪ ،‬فكان ل‬
‫بد من النية لتعيين المراد في الحال‪ ،‬وإنشاء العقد حالً‪ ،‬مثل أبيع وأشتري وأزوجك وأقبل وأرضى‪.‬‬
‫وينعقد العقد بالجملة السمية على الصح‪ ،‬مثل أنا بائع لك كذا‪ ،‬أو واهب لك كذا‪ ،‬فقال آخر‪ :‬أنا قابل‪:‬‬
‫أو قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬النساء‪.3 :‬‬
‫(‪ )2‬الحزاب‪.37 :‬‬
‫(‪ )3‬نصت المادة ‪ 168‬من المجلة على ما يأتي‪ :‬اليجاب والقبول في البيع عبارة عن كل لفظين‬
‫مستعملين لنشاء البيع في عرف البلدة‪.‬‬

‫( ‪)4/449‬‬
‫واختلف الفقهاء في انعقاد العقد بلفظ المر الذي يعبر به عن المستقبل‪ ،‬مثل‪ :‬بعني أو اشتر مني‪ ،‬أو‬
‫آجرني‪ ،‬أو خذه بكذا‪.‬‬
‫فقال الحنفية (‪ : )1‬إن ماعدا عقد الزواج ل ينعقد عقده بلفظ المر‪ ،‬ولو نوى ذلك‪ ،‬ما لم يقل القائل‬
‫المر مرة أخرى في المثال السابق‪ :‬اشتريت‪ ،‬أو بعت‪ ،‬أو استأجرت؛ لن لفظ المر مجرد طلب‬
‫وتكليف‪ ،‬فل يكون قبولً ول إيجابا‪ .‬أو كانت العبارة تنبئ عن إيجاب أو قبول مقدر (مفهوم ضمنا)‬

‫يقتضيه المعنى ويستلزمه كأن يقول المشتري‪ :‬اشتريت منك هذا بكذا‪ ،‬فقال البائع‪ :‬خذه‪ ،‬و ال يبارك‬
‫لك‪ ،‬فكأنه قال‪ :‬بعتك فخذه (المجلة‪ :‬م ‪.)172‬‬
‫وأما عقد الزواج فيصح بصيغة المر مثل‪ :‬زوجيني نفسك‪ ،‬فقالت‪ :‬زوجتك‪ ،‬أو قال الرجل لولي‬
‫المرأة أو وكيلها‪ :‬زوجني فلنة‪ ،‬فأجاب‪ :‬زوجتك‪ ،‬لن لفظ المر للمساومة‪ ،‬وعقد الزواج يسبق عادة‬
‫بالخطبة‪ ،‬فل يقصد بهذا المر الوعد والمساومة‪ ،‬وإنما المقصود به إنشاء العقد‪ ،‬ل مقدمات العقد‬
‫وهي الخطبة‪ ،‬فيحمل على اليجاب والقبول‪ .‬أما غير الزواج كالبيع مثلً‪ ،‬فإنه يحصل فجأة بدون‬
‫مقدمات غالبا‪ ،‬فيكون المر فيه مساومة‪ ،‬عملً بحقيقة لفظ المر‪ ،‬ويكون المراد به العدة أو المساومة‪،‬‬
‫ول يعدل عن المعنى الحقيقي للفظ إلى شيء آخر إل بدليل‪ ،‬ولم يوجد الدليل في البيع‪ ،‬بخلف‬
‫الزواج‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 133/5 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير مع العناية‪ 75/5 :‬وما بعدها‪ ،‬حاشية ابن عابدين‪ 9/4 :‬وما‬
‫بعدها‪ ،‬المجلة‪ :‬م ‪.172-169‬‬

‫( ‪)4/450‬‬
‫وقال جمهور الفقهاء غير الحنفية (‪ : )1‬ينعقد العقد بلفظ المر بدون حاجة للفظ ثالث من المر‪ ،‬سواء‬
‫أكان بيعا أم زواجا؛ لن أساس العقد هو التراضي‪ ،‬وقد جرى العرف على استعمال صيغة المر في‬
‫إنشاء العقود كالماضي والمضارع‪ ،‬فينعقد بها العقد‪ ،‬ويكون المر أو المستدعي عاقدا فعلً‪ :‬بائعا أو‬
‫مشتريا مثلً‪ ،‬وهذا الرأي هو الرجح لما فيه من تحقيق مصالح الناس ومراعاة أعرافهم وعاداتهم‬
‫دون مصادمة النصوص الشرعية‪.‬‬
‫واتفق الفقهاء على عدم انعقاد العقد بصيغة الستقبال‪ :‬وهي صيغة المضارع المقرون بالسين أو‬
‫سوف مثل‪ :‬سأبيعك؛ لن ذكر السين يدل على إرادة العقد في المستقبل‪ ،‬فهو وعد بالعقد وليس عقدا‪،‬‬
‫أي أنه يدل على عدم إرادة الحال‪ ،‬فل ينعقد بها العقد‪ ،‬حتى ولو نوى بها العاقد اليجاب والقبول‪.‬‬
‫كذلك ل ينعقد العقد بصيغة الستفهام‪ ،‬لدللتها على المستقبل‪ ،‬لنها سؤال الىجاب والقبول‪ ،‬وليست‬
‫إيجابا ول قبولً‪ ،‬كأن يقول المشتري‪ :‬أتبيع مني هذا الشيء؟ فقال البائع‪ :‬بعت‪ ،‬ل ينعقد العقد إل إذا‬
‫انضم لذلك لفظ ثالث يقوله المشتري مرة أخرى‪ :‬اشتريت؛ لن لفظ الستفهام ل يستعمل للحال حقيقة‪.‬‬
‫ثانيا ـ التعاقد بالفعال (العقد بالمعاطاة ) ‪:‬‬
‫قد ينعقد العقد بدون قول أو لفظ‪ ،‬وإنما بفعل يصدر من المتعاقدين ويسمى في الفقه بالمعاطاة أو‬

‫التعاطي أو المراوضة‪ :‬وهو التعاقد بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي دون تلفظ بإيجاب أو قبول (‬
‫‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مواهب الجليل للحطاب‪ ،240-228/4 :‬حاشية الدسوقي‪ 3/3 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪،168/2 :‬‬
‫مغني المحتاج‪ ،5-4/2 :‬المغني‪.560/3 :‬‬
‫(‪ )2‬نصت المادة ‪ 175‬من المجلة على ما يأتي‪« :‬حيث إن المقصد الصلي من اليجاب والقبول هو‬
‫تراضي الطرفين‪ ،‬فينعقد البيع بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي‪ ،‬ويسمى هذا بيع التعاطي»‬
‫وذكرت المادة أمثلة لذلك‪.‬‬

‫( ‪)4/451‬‬
‫مثل أن يأخذ المشتري المبيع‪ ،‬ويدفع للبائع الثمن‪ ،‬أو يدفع البائع المبيع‪ ،‬فيدفع له الخر ثمنه من غير‬
‫تكلم ول إشارة‪ ،‬سواء أكان المبيع حقيرا أم نفيسا‪.‬‬
‫ففي البيع لو وجد الرجل سلعة مسعرة كتب عليها الثمن كساعة أو حلي‪ ،‬فناول الثمن للبائع وأخد‬
‫السلعة دون إيجاب وقبول لفظيين‪ ،‬انعقد البيع لدللته على التراضي في عرف الناس‪ .‬كذلك ينعقد لو‬
‫اقتصر المشتري على دفع عربون؛ لنه جزء من الثمن‪.‬‬
‫وفي الجارة‪ :‬لو ركب النسان سيارة من وسائل النقل‪ ،‬ثم دفع ثمن التذكرة إلى الجابي دون كلم‬
‫متبادل صح اليجار عرفا‪.‬‬
‫لكن الفقهاء اختلفوا في التعاقد بالتعاطي في العقود المالية على أقوال ثلثة‪:‬‬
‫الول ـ مذهب الحنفية (‪ )1‬والحنابلة (‪ : )2‬ينعقد العقد بالتعاطي فيما تعارفه الناس‪ ،‬سواء أكان‬
‫الشيء يسيرا كالبيضة والرغيف والجريدة أم نفيسا (كثير الثمن) كالدار والرض والسيارة؛ لن‬
‫تعارف الناس دليل ظاهر على التراضي‪ ،‬سواء تمت المبادلة الفعلية من الجانبين‪ ،‬أو من جانب واحد‬
‫ومن الخر اللفظ على الصح المفتى به‪ ،‬وسواء في ذلك البيع والجارة والعارة والهبة والرجعة‪.‬‬
‫وذلك بشرط أن يكون ثمن المعقود عليه معلوما تماما‪ ،‬وإل فسد العقد‪ ،‬وأل يصرح العاقد مع التعاطي‬
‫بعدم الرضا بالعقد‪.‬‬
‫والقانون المدني السوري يتفق مع هذا الرأي‪ ،‬كما جاء في المادة (‪. )1/93‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬البدائع‪ ،134/5 :‬فتح القدير‪ ،77/5 :‬الدر المختار ورد المحتار‪ 11/4 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬غاية المنتهى‪.5/2 :‬‬

‫( ‪)4/452‬‬
‫الثاني ـ مذهب مالك وأصل مذهب أحمد (‪ : )1‬ينعقد العقد بالفعل أو بالتعاطي متى كان واضح‬
‫الدللة على الرضا‪ ،‬سواء تعارفه الناس أم ل‪ ،‬وهذا الرأي أوسع من سابقه وأيسر على الناس‪ ،‬فكل ما‬
‫يدل على البيع أو الجارة‪ ،‬أو الشركة أو الوكالة وسائر العقود الخرى ما عدا الزواج ينعقد العقد به؛‬
‫لن المعول عليه وجود ما يدل على إرادة المتعاقدين من إنشاء العقد وإبرامه والرضا به‪ ،‬وقد تعامل‬
‫الناس به من عصر النبوة فما بعده‪ .‬ولم ينقل عن النبي صلّى ال عليه وسلم وأصحابه القتصار على‬
‫اليجاب والقبول‪ ،‬ول إنكار التعاطي‪ ،‬فكانت القرينة كافية على الدللة على الرضا‪.‬‬
‫الثالث ـ مذهب الشافعية والشيعة والظاهرية (‪ : )2‬ل تنعقد العقود بالفعال أو بالمعاطاة لعدم قوة‬
‫دللتها على التعاقد؛ لن الرضا أمر خفي‪ ،‬ل دليل عليه إل باللفظ‪ ،‬وأما الفعل فقد يحتمل غير المراد‬
‫من العقد‪ ،‬فل يعقد به العقد‪ ،‬وإنما يشترط أن يقع العقد باللفاظ الصريحة أو الكنائية‪ ،‬أو ما يقوم‬
‫مقامها عند الحاجة كالشارة المفهمة أو الكتابة‪.‬‬
‫ونظرا لما يشتمل عليه هذا المذهب من تشدد وشكلية محدودة ومجافاة لمبدأ المرونة والسماحة‬
‫واليسر‪ ،‬فقد اختار جماعة من الشافعية منهم النووي والبغوي والمتولي‪ ،‬صحة انعقاد بيع المعاطاة في‬
‫كل ما يعده الناس بيعا‪ ،‬لنه لم يثبت اشتراط لفظ‪ ،‬فيرجع للعرف كسائر اللفاظ المطلقة‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مواهب الجليل‪ 228/4 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،3/3 :‬بداية المجتهد‪ ،161/2 :‬المغني‪،561/3 :‬‬
‫فتاوى ابن تيمية‪ 267/3 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 3/2 :‬ومابعدها‪ ،‬المهذب‪ ،257/1 :‬المختصر النافع في فقه المامية‪ :‬ص ‪،142‬‬
‫المحلى لبن حزم‪ ،404/8 :‬المهذب‪.257/1 :‬‬

‫( ‪)4/453‬‬
‫وبعض الشافعية كابن سريج والرّوياني خصص جواز بيع المعاطاة بالمحقّرات أي غير النفيسة‪ :‬هي‬
‫ما جرت العادة فيها بالمعاطاة كرطل خبز‪ ،‬أو رغيف‪ ،‬وحزمة بقل ونحوها (‪. )1‬‬
‫عقد الزواج‪ :‬وبغض النظر عن الختلف السابق في التعاقد بالمعاطاة‪ ،‬أجمع الفقهاء على أن الزواج‬

‫ل ينعقد بالفعل‪ ،‬كإعطاء المهر مثلً‪ ،‬بل ل بد من القول للقادر عليه؛ لن عقد الزواج خطير مقدس له‬
‫آثار دائمة على المرأة‪ ،‬فكان ل بد من الحتياط له‪ ،‬وإتمامه بأقوى الدللت على الرادة‪ :‬وهو القول‪،‬‬
‫حفاظاَ على كرامة المرأة ومستقبلها‪ ،‬وصونا لها عن البتذال‪ ،‬ولن عقد الزواج يتطلب الشهاد عليه‪،‬‬
‫تمييزا له عن السفاح أو الزنا‪ ،‬ول يتمكن الشهود من معرفة عقد الزواج إل بسماع لفظ اليجاب‬
‫والقبول (‪. )2‬‬
‫وكالزواج عند المام الشافعي‪ :‬الطلق والخلع والرجعة‪ ،‬ل تجوز إل بالقول‪.‬‬
‫ثالثا ـ التعاقد بالشارة ‪:‬‬
‫الشارة إما من الناطق أو من الخرس‪.‬‬
‫أ ـ إذا كان العاقد قادرا على النطق فل ينعقد بإشارته‪ ،‬بل عليه أن يعبر عن إرادته بلسانه لفظا أو‬
‫كتابة؛ لن الشارة وإن دلت على الرادة ل تفيد اليقين المستفاد من اللفظ أو الكتابة‪ ،‬فل بد من‬
‫العبارة‪ ،‬وإل لم ينشأ العقد عند الحنفية والشافعية (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬سيأتي بحثه في عقد البيع‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ 364/2 :‬وتنص المادة ‪ 5‬من قانون الحوال الشخصية السوري على ما يأتي‪:‬‬
‫«ينعقد الزواج بإيجاب من أحد العاقدين‪ ،‬وقبول من الخر» والمادة ‪ 6‬تنص‪« :‬يكون اليجاب والقبول‬
‫في الزواج باللفاظ التي تفيد معناه لغة أو عرفا» ‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع ‪ ،135/5 :‬حاشية ابن عابدين‪ ، 9/4 :‬نهاية المحتاج‪.11/3 :‬‬

‫( ‪)4/454‬‬
‫لكن القانون المدني السوري وغيره في المادة ‪ )1/93‬أجاز انعقاد العقد بالشارة المتداولة عرفا‪ ،‬ولو‬
‫كانت من الناطق‪ ،‬إذ لم يقيدها بالخرس‪ .‬وهذا يتفق مع مذهب المالكية والحنابلة (‪ )1‬الذين يجيزون‬
‫التعبير عن الرادة من الناطق بالشارة المفهمة‪ ،‬لنها أولى في الدللة من الفعل الذي ينعقد به العقد‪،‬‬
‫كما تقدم في المعاطاة‪.‬‬
‫ب ـ وأما العاقد العاجز عن النطق كالخرس ومعتقل اللسان‪ ،‬فإن كان يحسن الكتابة فل بد منها على‬
‫الرواية الراجحة عند الحنفية؛ لن الكتابة أبلغ في الدللة وأبعد عن الحتمال من الشارة‪ ،‬فيلجأ إليها‪.‬‬
‫وإن كان ل يحسن الكتابة‪ ،‬وله إشارة مفهمة‪ ،‬فتقوم مقام النطق باللسان باتفاق الفقهاء للضرورة‪ ،‬حتى‬
‫ليحرم من حق التعاقد‪ ،‬وعليه نصت القاعدة الفقهية‪ ( :‬الشارات المعهودة للخرس كالبيان باللسان )‬

‫(م‪ 70.‬من المجلة)‪ .‬هذا إذا كان الخرس أصليا ‪ ،‬بأن ولد أخرس‪ ،‬فأما إذا كان عارضا بأن طرأ عليه‬
‫الخرس‪ ،‬فل تعتبر إشارته إل إذا دام به الخرس حتى وقع اليأس من كلمه‪ ،‬وصارت الشارة‬
‫مفهومة‪ ،‬فيلحق بالخرس الصلي‪.‬‬
‫رابعا ـ التعاقد بالكتابة ‪:‬‬
‫يصح التعاقد بالكتابة بين طرفين‪ ،‬ناطقين أو عاجزين عن النطق‪ ،‬حاضرين في مجلس واحد‪ ،‬أو‬
‫غائبين‪ ،‬وبأي لغة يفهمها المتعاقدان‪ ،‬بشرط أن تكون الكتابة مستبينة (بأن تبقى صورتها بعد النتهاء‬
‫منها) ومرسومة (مسطرة بالطريقة المعتادة بين الناس بذكر المرسل إليه وتوقيع المرسل)‪ ،‬فإذا كانت‬
‫غير مستبينة كالرقم أو الكتابة على الماء أو في الهواء‪ ،‬أو غير مرسومة كالرسالة الخالية من التوقيع‬
‫مثلً‪ ،‬لم ينعقد بها العقد‪ ،‬وعليه نصت القاعدة الفقهية‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ ،3/3 :‬المغني‪.562/5 :‬‬

‫( ‪)4/455‬‬
‫(الكتاب كالخطاب) (م ‪ 96‬مجلة) وهذا رأي الحنفية والمالكية (‪. )1‬‬
‫وذلك كأن يرسل شخص خطابا لخر يقول فيه‪ ( :‬بعتك سيارتي بكذا )‪ ،‬فإذا وصله الكتاب‪ ،‬فقال في‬
‫مجلس قراءة الكتاب‪ :‬قبلت‪ ،‬انعقد البيع‪ .‬فإن ترك المجلس‪ ،‬أو صدر منه ما يدل على العراض عن‬
‫اليجاب‪ ،‬كان قبوله غير معتبر‪.‬‬
‫وفي حال إرسال رسول إلى آخر مثل إرسال الكتاب‪ ،‬يعتبر مجلس وصول الرسول هو مجلس العقد‪،‬‬
‫فيلزم أن يقبل فيه‪ ،‬فإن قام من المجلس قبل أن يقبل انتهى مفعول اليجاب‪ .‬فالمعتبر هو مجلس بلوغ‬
‫الرسالة أو الكتابة‪ .‬وصورة الرسال‪ :‬أن يقول شخص‪ :‬بعت لفلن كذا‪ ،‬فاذهب يا فلن وقل له‪،‬‬
‫فذهب الرسول‪ ،‬فأخبره‪ ،‬فقبل المشتري في مجلسه ذلك صح العقد (‪. )2‬‬
‫لكن عقد الزواج ل يصح انعقاده بالكتابة إذا كان العاقدان حاضرين في مجلس واحد‪ ،‬إل حال العجز‬
‫عن النطق كالخرس؛ لن الزواج يشترط لصحته حضور الشهود وسماعهم كلم العاقدين‪ ،‬وهذا ل‬
‫يتيسر في حال الكتابة‪.‬‬
‫وقيد الشافعية والحنابلة (‪ )3‬صحة التعاقد بالكتابة أو الرسالة فيما إذا كان العاقدان غائبين‪ ،‬أما في‬
‫حال الحضور فل حاجة إلى الكتابة؛ لن العاقد قادر على النطق‪ ،‬فل ينعقد العقد بغيره‪.‬‬
‫الفرع الثاني ـ شروط اليجاب والقبول ‪:‬‬

‫الشرط‪ :‬ما يتوقف عليه وجود الشيء‪ ،‬ويكون جزءا خارجا عن حقيقته‪ .‬كالوضوء أو الطهارة‬
‫للعبادات‪ ،‬ل تصح الصلة بدون الطهارة‪ ،‬لكنها غير داخلة في تكوين الصلة‪ .‬وكالقدرة على التسليم‬
‫ل في تكوين العقد‪ .‬وبذلك يظهر أن‬
‫في المعاملت لبد منها لنعقاد العقد‪ ،‬لكنها ليست جزءا داخ ً‬
‫الركن والشرط يتوقف عليهما وجود الشيء‪ .‬إل أن الركن داخل في حقيقة الشيء وجزء منه‪ ،‬أما‬
‫الشرط فخارج عن الحقيقة ول يعد جزءا منها‪.‬‬
‫‪-----------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار وحاشية ابن عابدين‪ 10/4 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،3/3 :‬فتح القدير‪،79/5 :‬‬
‫البدائع‪.137/5 :‬‬
‫(‪ )2‬نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة ‪« :98‬يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في‬
‫المكان وفي الزمان اللذين صدر فيهما القبول‪. »...‬‬
‫(‪ )3‬المهذب‪ ،257/1 :‬غاية المنتهى‪....4/2 :‬‬

‫( ‪)4/456‬‬
‫و اشترط الفقهاء لنعقاد العقد شروطا ثلثة في اليجاب والقبول هي (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬وضوح دللة اليجاب والقبول‪ ،‬أي أن يكون كل من اليجاب والقبول واضح الدللة على مراد‬
‫العاقدين‪ ،‬بأن تكون مادة اللفظ المستعمل لهما في كل عقد تدل لغة أو عرفا على نوع العقد المقصود‬
‫للعاقدين؛ لن الرادة الباطنة خفية‪ ،‬ولن العقود يختلف بعضها عن بعض في موضوعها وأحكامها‪،‬‬
‫فإذا لم يعرف بيقين أن العاقدين قصدا عقدا بعينه ل يمكن إلزامهما بأحكامه الخاصة به‪.‬‬
‫ول يشترط لهذه الدللة لفظ أو شكل معين‪ ،‬فإن الشكلية في غير عقد الزواج والعقود العينية كالهبة‬
‫والرهن غير مطلوبة فقها؛ لن العبرة في العقود للمعاني‪ ،‬ل لللفاظـ والمباني‪ ،‬فيصح البيع بلفظ‬
‫الهبة بعوض‪ ،‬وينعقد الزواج بلفظـ الهبة إذا اقترن بالمهر‪.‬‬
‫‪ - 2‬تطابق القبول واليجاب‪ :‬بأن يكون القبول موافقا لليجاب‪ ،‬بأن يرد على كل ما أوجبه الموجب‬
‫وبما أوجبه‪ ،‬أي على كل محل العقد‪ ،‬ومقدار العوض في عقود المعاوضات‪ ،‬سواء أكانت الموافقة‬
‫حقيقية‪ ،‬كما لو قال البائع‪ :‬بعتك الشيء بعشرة‪ ،‬فيقول المشتري‪ :‬اشتريته بعشرة‪ ،‬أو ضمنية‪ ،‬كما لو‬
‫قال المشتري في المثال السابق‪ :‬اشتريته بخمس عشرة‪ .‬أو أن تقول المرأة‪ :‬زوجتك نفسي بمئة‪،‬‬
‫فيقول الزوج‪ :‬قبلت الزواج بمئة وخمسين‪ ،‬فالتوافق متحقق ضمنا‪ ،‬وهذه المخالفة خير للموجب‪ .‬لكن‬
‫العقد ل يلزم إل بالمقدار الذي وجهه الموجب أي مئة في المثال الخير‪ ،‬وأما الزيادة فموقوفة على‬

‫قبول الموجب في مجلس العقد‪ ،‬فإن قبل به الموجب لزم القابل؛لن المال ل يدخل في ملك إنسان بغير‬
‫اختياره إل في الميراث‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 136/5 :‬ومابعدها‪ ،‬حاشية ابن عابدين‪ ،5/4 :‬فتح القدير‪ ،80/5 :‬أحكام المعاملت‬
‫الشرعية للشيخ علي الخفيف‪ :‬ص ‪ 69‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ 5/2 :‬ومابعدها‪ ،‬حاشية الدسوقي‪:‬‬
‫‪ ،5/3‬غاية المنتهى‪ ،4/2 :‬نهاية المحتاج‪.10-8/3 :‬‬

‫( ‪)4/457‬‬
‫فإن لم يتطابق القبول مع اليجاب‪ ،‬وحدثت مخالفة بينهما‪ ،‬ل ينعقد العقد‪ ،‬كأن خالف القابل في محل‬
‫العقد‪ ،‬فقبل غيره‪ ،‬أو بعضه‪ ،‬مثل قول البائع‪ :‬بعتك الرض الفلنية‪ ،‬فيقول المشتري‪ :‬قبلت شراء‬
‫الرض المجاورة لها‪ ،‬أو قبلت شراء نصفها بنصف الثمن المتفق عليه‪ ،‬فل ينعقد العقد لمخالفته محل‬
‫العقد‪ ،‬أو لتفرق الصفقة على البائع‪ ،‬والمشتري ل يملك تفريقها أي تجزئتها‪.‬‬
‫وإذا خالف في مقدار الثمن‪ ،‬فقبل بأقل مما ذكر البائع‪ ،‬ل ينعقد العقد أيضا‪ ،‬وكذا لو خالف في وصف‬
‫الثمن ل في قدره‪ ،‬كأن أوجب البائع بثمن حال نقدي‪ ،‬فقبل المشتري بثمن مؤجل‪ ،‬أو أوجب بأجل إلى‬
‫شهر معين‪ ،‬فقبل المشتري بأجل أبعد منه‪ ،‬لم ينعقد البيع في الحالتين‪ ،‬لعدم تطابق القبول مع اليجاب‪،‬‬
‫وحينئذ لبد من إيجاب جديد‪.‬‬
‫ويختلف القانون المدني مع الفقه الحنفي في حالة المخالفة إلى خيرللموجب‪ ،‬إذ يقرر القانونيون (‪)1‬‬
‫أن العقد ل يتم‪ ،‬كما يفهم من صريح المادة (‪ )97‬مدني سوري «إذا اقترن القبول بما يزيد في‬
‫اليجاب أو يقيد منه أو يعدل فيه‪ ،‬اعتبر رفضا يتضمن إيجابا جديدا» لكن يتفق ذلك مع ظاهر مذهب‬
‫الشافعي (‪. )2‬‬
‫‪ - 3‬اتصال القبول باليجاب‪ :‬بأن يكون اليجاب والقبول في مجلس واحد إن كان الطرفان حاضرين‬
‫معا‪ ،‬أو في مجلس علم الطرف الغائب باليجاب‪.‬‬
‫ويتحقق التصال بأن يعلم كل من الطرفين بما صدر عن الخر بأن يسمع اليجاب ويفهمه‪ ،‬وبأل‬
‫يصدر منه ما يدل على إعراضه عن العقد‪ ،‬سواء من الموجب أو من القابل‪.‬‬
‫ومجلس العقد‪ :‬هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد‪ .‬وبعبارة أخرى‪ :‬اتحاد الكلم‬
‫في موضوع التعاقد‪.‬‬
‫ويشترط لتحقيق معنى اتصال القبول باليجاب شروط ثلثة هي (‪: )3‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الوسيط للسنهوري‪ :‬ص ‪ 219‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪.6/2 :‬‬
‫(‪ )3‬الملكية ونظرية العقد للستاذ الشيخ محمد أبو زهرة‪ :‬ص ‪ ،175‬ط ‪. 1939‬‬

‫( ‪)4/458‬‬
‫أولها ـ أن يكونا في مجلس واحد‪ ،‬وثانيها ـ أل يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه‪،‬‬
‫ثالثها ـ أل يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل الخر‪.‬‬
‫الشرط الول ـ أن يتحد مجلس اليجاب والقبول‪ :‬فل يجوز أن يكون اليجاب في مجلس‪ ،‬والقبول‬
‫في مجلس آخر؛ لن اليجاب ل يعد جزءا من العقد إل إذا التحق به القبول‪ .‬فلو قال البائع‪ :‬بعتك‬
‫الدار بثمن كذا‪ ،‬أو آجرتك المنزل بأجرة كذا‪ ،‬ثم انتقل الموجب إلى مكان آخر بعيد عن مجلسه الول‬
‫بحوالي مترين أو ثلثة‪ ،‬أو إلى غرفة أخرى‪ ،‬انتهى المجلس الول‪ ،‬فإذا قبل القابل بعد هذا النتقال لم‬
‫ينعقد العقد‪ ،‬ويحتاج إلى إيجاب جديد؛ لن الىجاب كلم اعتباري ل بقاء له إذا لم ينضم إليه القبول‬
‫في حال واحدة من المجلس‪.‬‬

‫( ‪)4/459‬‬
‫وهل تشترط الفورية في القبول؟‬
‫قرر جمهور الفقهاء( الحنفية والمالكية والحنابلة (‪ ) )1‬أنه ل يشترط الفور في القبول‪ ،‬لن القابل‬
‫يحتاج إلى فترة للتأمل‪ ،‬فلو اشترطت الفورية ل يمكنه التأمل‪ ،‬وإنما يكفي صدور القبول في مجلس‬
‫واحد‪ ،‬ولو طال الوقت إلى آخر المجلس؛ لن المجلس الواحد يجمع المتفرقات للضرورة‪ ،‬وفي‬
‫اشتراط الفورية تضييق على القابل‪ ،‬أو تفويت للصفقة من غير مصلحة راجحة‪ ،‬فإن رفض فورا‪،‬‬
‫فتضيع عليه الصفقة‪ ،‬وإن قبل فورا‪ ،‬فربما كان في العقد ضرر له‪ ،‬فيحتاج لفترة تأمل؛ للموازنة بين‬
‫ما يأخذ أو يغنم وبين ما يعطي أو يغرم في سبيل العقد‪ ،‬وقدرت فترة التأمل بمدة مجلس العقد؛ لن‬
‫المجلس جامع للمتفرقات‪ ،‬فتعتبر ساعة واحدة زمنية تيسيرا على الناس‪ ،‬ومنعا للمضايقة والحرج‪،‬‬
‫ودفعا للضرر عن العاقد قدر المكان‪.‬‬
‫وقد أخذ القانون المدني في المادة ‪ 95/2‬بهذا الرأي‪ ،‬فلم يشترط الفورية فيالقبول‪ ،‬وصرح الستاذ‬
‫السنهوري بأن القانون أخذ هذا من الفقه الحنفي (‪. )2‬‬

‫وقال الرملي من الشافعية (‪ : )3‬يشترط أن يكون القبول فور اليجاب‪ ،‬فلو تخلل لفظ أجنبي ل تعلق‬
‫له بالعقد ولو يسيرا بأن لم يكن من مقتضاه ول من مصالحه ول من مستحباته‪ ،‬ل يتحقق التصال‬
‫بين القبول واليجاب‪ ،‬فل ينعقد العقد‪ .‬لكن لو قال المشتري بعد توجيه اليجاب له‪ :‬بسم ال والحمد ل‬
‫والصلة والسلم على رسول ال‪ ،‬قبلت‪ ،‬أي (الشراء) صح العقد‪.‬‬
‫واتجاه الشافعية هذا متفق مع الصل في القبول‪ :‬وهو أن يتصل باليجاب مباشرة وفورا لينعقد العقد‪،‬‬
‫ويخفف تشدد هذا الرأي أخذ الشافعية بمبدأ خيار المجلس لكل من العاقدين بعد انعقاد العقد‪ ،‬والذي‬
‫بمقتضاه يثبت لكل من العاقدين حق فسخ العقد ما داما في المجلس لم يفترقا عنه بأبدانهما‪.‬‬
‫هذا وقد فسر غير الرملي من الشافعية اتصال القبول باليجاب بأنه السائد عرفا بين الناس‪ ،‬فل يضر‬
‫الفصل اليسير ويضر الطويل وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول‪ .‬فيكون رأي الشافعية كغيرهم (‪)4‬‬
‫‪.‬‬
‫حكم إجراء العقود بآلت التصال الحديثة‬
‫تمهيد ‪:‬‬
‫تمكن أبناء العالم المعاصر من إنجاز كثير من معاملتهم وعقودهم المالية بواسطة آلت التصال‬
‫الحديثة‪ ،‬كالهاتف والبرقية واللسلكي والتلكس والفاكس ونحوها‪ ،‬وأصبح ضروريا معرفة كيفية إبرام‬
‫تلك العقود من الناحية الشرعية‪ ،‬وهذا ما أبينه هنا بالعتماد على ما كتبه فقهاؤنا وقرروه عند الكلم‬
‫على صيغة العقد‪ ،‬وشروط اليجاب والقبول‪ ،‬وشروط تحقيق معنى اتصال القبول باليجاب ليكون‬
‫شطرا العقد في مجلس واحد‪.‬‬
‫وبما أن هذه المعلومات معروفة في الجامعات‪ ،‬فأكتفي بإيجازها هنا‪ ،‬لتكون مدخلً للحكم على‬
‫موضوع البحث‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع ‪ ،5/137 :‬فتح القدير‪ ،5/78 :‬الشرح الكبير للدردير‪ ،3/5 :‬الشرح الصغير‪3 :‬حاشية ص‬
‫‪ ،17‬غاية المنتهى‪ ،2/4 :‬مواهب الجليل للحطاب‪ ،4/240 :‬الشرح الكبير مع المغني‪.4/4 :‬‬
‫(‪ )2‬الوسيط للسنهوري‪ :‬ص ‪.215‬‬
‫(‪ )3‬نهاية المحتاج‪ ،3/8 :‬مغني المحتاج‪.2/6 :‬‬
‫(‪ )4‬حاشية الباجوري على ابن قاسم الغزي‪ ،354/1 :‬المجموع للنووي‪.179/9 :‬‬

‫( ‪)4/460‬‬

‫صيغة العقد‪ :‬هي ماصدر من المتعاقدين دالً على توجه إرادتهما الباطنة لنشاء العقد وإبرامه‪.‬‬
‫وتعرف تلك الرادة الباطنة بواسطة اللفظ أو القول أو ما يقوم مقامه من الفعل (المعاطاة) أو الشارة‬
‫أو الكتابة‪ .‬وهذه الصيغة هي اليجاب والقبول الدالن على تراضي الجانبين بإنشاء التزام بينهما‪،‬‬
‫وتسمى الصيغة عند القانونيين التعبير عن الرادة‪.‬‬
‫والتعبير عن الرادة العقدية الجازمة يكون بأي صيغة تدل عرفا أو لغة على إنشاء العقد‪،‬سواء بالقول‬
‫أو بالفعل أو بالشارة أو بالكتابة (‪. )1‬‬
‫والقول أو اللفظ مثل بعت واشتريت‪ ،‬ورهنت وارتهنت‪ ،‬ووهبت وقبلت‪ ،‬وزوجت وتزوجت‪.‬‬
‫والفعل أو المعاطاة أو المراوضة‪ :‬هو التعاقد بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي دون تلفظ بإيجاب‬
‫أو قبول (‪ ، )2‬كأن يأخذ المشتري المبيع ويدفع الثمن للبائع دون كلم من كل الطرفين أو من‬
‫أحدهما‪ ،‬سواء أكان المبيع حقيرا بسيطا أم نفيسا‪ .‬وهذا جائز عند جمهور العلماء غير الشافعية‪،‬‬
‫لتعارفه بين الناس‪ ،‬لكن عقد الزواج بالجماع ل ينعقد ول يصح بالفعل أو بالمعاطاة كإعطاء المهر‬
‫مثلً‪ ،‬بل ل بدّ فيه من النطق باليجاب والقبول‪ ،‬لخطورته وأهميته‪ ،‬وتأثيره الدائم على المرأة‪،‬‬
‫وحفاظا على حرمات العراض المصونة شرعا‪.‬‬
‫ويجوز انعقاد العقد بإشارة الخرس أو معتقل اللسان المفهومة باتفاق الفقهاء للضرورة‪ ،‬حتى ل يحرم‬
‫من حق التعاقد‪ ،‬لذا نصت القاعدة الفقهية‪« :‬الشارات المعهودة للخرس كالبيان باللسان» (المجلة‪ :‬م‬
‫‪.)70‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مجلة الحكام العدلية (م ‪.)174 ،173‬‬
‫(‪ )2‬المجلة (م ‪.)175‬‬

‫( ‪)4/461‬‬
‫وأجاز فقهاء المالكية والحنابلة التعبير عن الرادة من الناطق بالشارة المفهمة المتداولة عرفا‪ ،‬لنها‬
‫أولى في الدللة من الفعل الذي ينعقد به العقد‪ ،‬كما في المعاطاة (‪. )1‬‬
‫ويصح التعاقد بالكتابة بين طرفين في رأي الحنفية والمالكية سواء أكانا ناطقين أم عاجزين عن‬
‫النطق‪ ،‬حاضرين في مجلس واحد أم غائبين‪ ،‬وبأي لغة يفهمها المتعاقدان‪ ،‬بشرط أن تكون الكتابة‬
‫مستبينة (بأن تبقى صورتها بعد النتهاء منها) ومرسومة (مسطرة بالطريقة المعتادة بين الناس بذكر‬
‫المرسل إليه وتوقيع المرسل) فإذا كانت غير مستبينة كالكتابة على الماء أو في الهواء‪ ،‬أو غير‬

‫مرسومة كالرسالة الخالية من التوقيع مثلً‪ ،‬لم ينعقد بها العقد (‪ ، )2‬وعليه نصت القاعدة الفقهية‪:‬‬
‫( الكتاب كالخطاب ) (المجلة‪ :‬م ‪ .)96‬مثل أن يرسل شخص خطابا لخر يقول فيه‪ ( :‬بعتك سيارتي‬
‫بكذا ) فإذا وصله الكتاب‪ ،‬وقال في مجلس قراءة الكتاب‪ :‬قبلت‪ ،‬انعقد البيع‪ .‬أما إن ترك المجلس أو‬
‫صدر منه ما يدل على العراض عن اليجاب‪ ،‬كان قبوله غير معتبر‪.‬‬
‫وإرسال رسول إلى آخر حامل مضمون اليجاب مثل إرسال الكتاب‪ ،‬ويعتبر مجلس وصول الرسول‬
‫هو مجلس العقد‪ ،‬فيلتزم أن يقبل فيه‪ ،‬فإن قام من المجلس قبل أن يقبل‪ ،‬انتهى مفعول اليجاب‪ ،‬ويكون‬
‫المعول عليه هو مجلس بلوغ الرسالة أو الكتابة‪ ،‬كأن يقول شخص‪ :‬بعت لفلن كذا‪ ،‬فاذهب يا فلن‬
‫وقل له هذا‪ ،‬فذهب فأخبره‪ ،‬فقبل المشتري في مجلسه ذلك‪ ،‬صح العقد‪.‬‬
‫ومهمة الرسول أضعف من مهمة الوكيل‪ ،‬لن الرسول مجرد مفوض بنقل تعبير المرسل دون زيادة‬
‫أو نقصان‪ ،‬أما الوكيل فإنه يتولى إبرام العقد بعبارته‪ ،‬ول‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير للدردير‪ ،3/3 :‬المغني‪.562/5 :‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار ورد المحتار لبن عابدين‪ 10/4 :‬وما بعدها‪ ،‬فتح القدير‪ ،79/5 :‬البدائع‪،137/5 :‬‬
‫الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي‪.3/3 :‬‬

‫( ‪)4/462‬‬
‫يتقيد في الوكالة المطلقة إل بالمعتاد المتعارف عليه‪ ،‬أما في الوكالة المقيدة بمكان أو زمان أو شخص‬
‫أو محل معقود عليه أو بدل عقدي فيتم التعاقد بين الوكيل والقابل بعبارة الوكيل المقيدة بقيود الوكالة‪،‬‬
‫وتعود حقوق العقد أي اللتزامات إلى الوكيل بعكس الرسول ل يتحمل شيئا منها‪ ،‬أما حكم العقد‬
‫الصلي أي نقل الملكية فيعود إلى الموكل والمرسل على السواء‪.‬‬
‫ول ينعقد عقد الزواج بالكتابة إذا كان العاقدان حاضرين في مجلس واحد‪ ،‬إل في حال العجز عن‬
‫النطق كالخرس‪ ،‬لن الزواج يشترط لصحته حضور الشهود العدول وسماعهم كلم العاقدين‪ ،‬وهذا ل‬
‫يتيسر في حال الكتابة‪.‬‬
‫وقيد الشافعية والحنابلة صحة التعاقد مطلقا بالكتابة أو الرسالة فيما إذا كان العاقدان غائبين‪ ،‬أما في‬
‫حال الحضور فل حاجة إلى الكتابة‪ ،‬لن العاقد قادر على النطق‪ ،‬فل ينعقد العقد بغيره (‪. )1‬‬
‫كيفية إبرام التعاقد بالهاتف واللسلكي ونحوهما من وسائل التصال الحديثة ‪:‬‬
‫ليس المراد من اتحاد المجلس المطلوب في كل عقد كما بينا كون المتعاقدين في مكان واحد‪ ،‬لنه قد‬

‫يكون مكان أحدهما غير مكان الخر‪ ،‬إذا وجد بينهما واسطة اتصال‪ ،‬كالتعاقد بالهاتف أو اللسلكي أو‬
‫بالمراسلة (الكتابة) وإنما المراد باتحاد المجلس‪ :‬اتحاد الزمن أو الوقت الذي يكون المتعاقدان مشتغلين‬
‫فيه بالتعاقد ‪ ،‬فمجلس العقد‪ :‬هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد (‪، )2‬‬
‫وعن هذا قال الفقهاء «إن المجلس يجمع المتفرقات» (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المهذب‪ ،257/1 :‬غاية المنتهى‪.4/2 :‬‬
‫(‪ )2‬المدخل الفقهي العام للستاذ مصطفى الزرقاء‪ :‬ف ‪.171‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪.137/5 :‬‬

‫( ‪)4/463‬‬
‫وعلى هذا يكون مجلس العقد في المكالمة الهاتفية أو اللسلكية‪ :‬هو زمن التصال ما دام الكلم في‬
‫شأن العقد‪ ،‬فإن انتقل المتحدثان إلى حديث آخر انتهى المجلس‪.‬‬
‫ومجلس التعاقد بإرسال رسول أو بتوجيه خطاب أو بالبرقية أو التلكس أو الفاكس ونحوها‪ :‬هو مجلس‬
‫تبليغ الرسالة‪ ،‬أو وصول الخطاب أو البرقية أو إشعار التلكس والفاكس‪ ،‬لن الرسول سفير ومعبر‬
‫عن كلم المرسل‪ ،‬فكأنه حضر بنفسه وخوطب باليجاب فقبل‪ ،‬في المجلس‪ .‬فإن تأخر القبول إلى‬
‫مجلس ثان‪ ،‬لم ينعقد العقد‪ .‬وبه تبين أن مجلس التعاقد بين حاضرين‪ :‬هو محل صدور اليجاب‪،‬‬
‫ومجلس التعاقد بين غائبين‪ :‬هو محل وصول الكتاب أو تبليغ الرسالة‪ ،‬أو المحادثة الهاتفية‪.‬‬
‫لكن للمرسل أو للكاتب أن يرجع عن إيجابه أمام شهود‪ ،‬بشرط أن يكون قبل قبول الخر ووصول‬
‫الرسالة أو الخطاب ونحوه من البراق والتلكس والفاكس‪ .‬ويرى جمهور المالكية أنه ليس للموجب‬
‫الرجوع قبل أن يترك فرصة للقابل يقرر العرف مداها‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫هذا وإن بقية شروط اليجاب والقبول عدا اتحاد المجلس ل بد من توافرها في وسائط التصال‬
‫الحديثة‪.‬‬
‫زمن إتمام العقد في التعاقد بين غائبين ‪:‬‬
‫أجمع الفقهاء على أن العقد ينعقد بين الغائبين كما في آلت التصال الحديثة بمجرد إعلن القبول‪ ،‬ول‬
‫يشترط العلم بالقبول بالنسبة للطرف الموجب الذي وجه اليجاب (‪. )1‬‬
‫فلو كان المتعاقدان يتحدثان بالهاتف أو بالسلكي‪ ،‬وقال أحدهما للخر‪ :‬بعتك الدار أو السيارة الفلنية‪،‬‬
‫وقال الخر‪ :‬قبلت‪ ،‬انعقد العقد‪ ،‬بمجرد إعلن القبول‪ ،‬ولو لم يعلم الموجب بالقبول‪ ،‬بأن انقطع‬

‫التصال بينهما‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬التعبير عن الرادة في الفقه السلمي للدكتور وحيد سوار‪ :‬ص ‪ ،118‬طبع الجزائر‪.‬‬

‫( ‪)4/464‬‬
‫ولو وجهّ أحد العاقدين خطابا أو برقية إلى آخر أو تلكسا أو فاكسا‪ ،‬وفيها إيجاب ببيع شيء‪ ،‬أو بإبرام‬
‫عقد زواج‪ ،‬انعقد العقد بعد وصول البرقية أو الخطاب ونحوهما‪ ،‬وإعلن الخر قبوله‪ ،‬دون حاجة إلى‬
‫علم الموجب أو سماعه بالقبول‪.‬‬
‫لكن إبعادا لكل لبس أو غموض‪ ،‬وتمكينا من إثبات العقد‪ ،‬وتأكيدا لبرامه‪ ،‬جرى العرف الحاضر في‬
‫التلكس مثلً ونحوه على إرسال تلكس العرض‪ ،‬ثم تلكس القبول‪ ،‬ثم تلكس البيع‪ ،‬وساعد على ترسيخ‬
‫هذا العرف ما تنص عليه بعض القوانين الوضعية كالقانون المدني المصري‪ ،‬فإنه نص على ما يلي‪:‬‬
‫في التعاقد بين حاضرين‪ :‬تنص المادة (‪ )91‬على أن «التعبير عن الرادة ينتج أثره في الوقت الذي‬
‫يتصل فيه بعلم من وجه إليه‪ ،‬ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به‪ ،‬ما لم يقم الدليل على عكس‬
‫ذلك» واشتراط السماع أو العلم بالقبول حتى بين الحاضرين أخذ به بعض فقهاء الحنفية مثل النسفي‬
‫وابن كمال باشا‪.‬‬
‫وفي التعاقد بين غائبين‪ :‬تنص المادة (‪ )97‬على ما يلي‪« :‬يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في‬
‫المكان وفي الزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول‪ ،‬مالم يوجد اتفاق أو نص قانوني بغير ذلك‪،‬‬
‫ويفترض أن الموجب قد علم بالقبول في المكان والزمان اللذين وصل إليه فيهما هذا القبول» ‪.‬‬
‫وأرى الخذ بضرورة العلم بالقبول بالنسبة للموجب في التعاقد بين غائبين بسبب تقدم وسائل التصال‬
‫الحديثة وتعقد المعاملت‪ ،‬وتحقيقا لستقرار التعامل ومنعا ليقاع الموجب في القلق‪ ،‬وتمكينا من إثبات‬
‫العقد وإلزام القابل‪ ،‬فإن جهل الموجب بالقبول يوقعه في حرج شديد‪ ،‬وهذا‬

‫( ‪)4/465‬‬
‫رأي الستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري (‪. )1‬‬
‫التعاقد حالة المشي أو الركوب ‪:‬‬
‫إذا تعاقد شخصان على ظهر سفينة أو متن طائرة‪ ،‬أو في قطار أو سيارة‪ ،‬انعقد العقد‪ ،‬سواء أكانت‬
‫هذه الوسائل واقفة أم ماشية؛ لن الشخص ل يستطيع إيقاف تلك الوسائل‪ ،‬فاعتبر مجلس العقد فيها‬

‫مجلسا واحدا‪ ،‬مما يؤكد أن المقصود من اتحاد المجلس اتحاد الزمان وليس التحاد المكاني المادي‪.‬‬
‫لكن إذا كان العاقدان ماشيين على القدام‪ ،‬أو راكبين دابة واحدة أو دابتين‪ ،‬فقد تشدد الحنفية في‬
‫تصور المجلس‪ ،‬فقال‪ :‬إذا تم القبول متصلً باليجاب‪ ،‬انعقد العقد‪ ،‬حتى ولو مشيا خطوة واحدة‪ ،‬أو‬
‫خطوتين‪ .‬فإن مشيا خطوات ثلثا فأكثر‪ ،‬ثم حدث القبول‪ ،‬لم ينعقد العقد؛ لن العاقدين يستطيعان‬
‫الوقوف‪ ،‬أو إيقاف الدابة لمداولة العقد‪ ،‬فإن سارا فقد تبدل المجلس قبل القبول‪ .‬ويجعل السير دليلً‬
‫على العراض عن العقد (‪. )2‬‬
‫وهذا ما حدا بالدكتور السنهوري إلى القول بأن نصوص المذهب الحنفي أغرقت في تصوير مجلس‬
‫العقد تصويرا ماديا ل سبيل إلى مجاراتها فيه (‪. )3‬‬
‫الشرط الثاني ـ أل يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه عن العقد‪:‬‬
‫بأن يكون الكلم في موضوع العقد‪ ،‬وأل يتخلله فصل بكلم أجنبي يعد قرينة على العراض عن‬
‫العقد‪.‬‬
‫فإن ترك الموجب مجلس العقد قبل قبول الخر‪ ،‬أو ترك الطرف الخر المجلس بعد صدور اليجاب‪،‬‬
‫أو انشغل الطرفان في موضوع آخر ل صلة له بالعقد‪ ،‬بطل اليجاب‪ .‬ولو قبل الخر حينئذ ل يعتبر‬
‫قبوله متمما للعقد؛ لن اليجاب ذهب ولم يبق له وجود‪ ،‬إذا لم يتعانق مع القبول‪ ،‬وسبب ذهابه أنه‬
‫كلم اعتباري ل بقاء له إذا لم يتصل بالقبول‪ ،‬ويجعل باقيا مدة المجلس من باب التيسير على الطرفين‬
‫ودفع العسر عنهما ليمكن تلقي القبول به‪ ،‬وانعقاد العقد‪.‬‬
‫متى يصير المجلس قد تغير؟‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مصادر الحق‪.57/2 :‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،232/2 :‬و ‪ ،137/5‬فتح القدير‪.80-78/5 :‬‬
‫(‪ )3‬مصادر الحق للسنهوري‪.7/2 :‬‬

‫( ‪)4/466‬‬
‫العرف الشائع بين الناس هو المحكم في بيان اتحاد المجلس أو تغيره‪ ،‬فإذا صدر القبول في حال اتحاد‬
‫المجلس‪ ،‬نشأ العقد‪ ،‬وإذا صدر القبول بعد تغير المجلس لم يعتبر ولم ينشأ به العقد‪ .‬وضابط ذلك أن‬
‫القبول يكون معتبرا ما دام لم يتخلل بينه وبين اليجاب ما يعد إعراضا عن العقد من أحد الطرفين‪،‬‬
‫وما دام المجلس قائما (‪. )1‬‬

‫وتحقيق هذا المبدأ عند الحنفية (‪ : )2‬أنه لو أوجب أحد الطرفين البيع‪ ،‬فقام الخر عن المجلس قبل‬
‫القبول‪ ،‬أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلف المجلس‪ ،‬ثم قبل‪ ،‬ل ينعقد العقد؛ لن القيام دليل‬
‫العراض والرجوع عن العقد‪.‬‬
‫والحتكام إلى العرف في بيان ما يغير المجلس متفق عليه بين المذاهب (‪ )3‬حتى‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى‪ :‬ص ‪.259‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،137/5 :‬فتح القدير والهداية‪ 78/5 :‬و ‪.80‬‬
‫(‪ )3‬مواهب الجليل للحطاب‪ 240/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المجموع للنووي‪ ،201/9 :‬مغني المحتاج‪،45/2 :‬‬
‫المحلي على المنهاج‪ ،191/2 :‬الباجوري على ابن قاسم‪ ،360/1:‬غاية المنتهى‪.4/2 :‬‬

‫( ‪)4/467‬‬
‫عند بعض الشافعية القائلين بفورية القبول؛ لن الفورية شيء‪ ،‬والحكم بتغير المجلس شيء آخر‪ ،‬فإنهم‬
‫قالوا‪ :‬يعتبر العرف في تفرق العاقدين عن المجلس‪ ،‬فما يعده الناس تفرقا يلزم به العقد‪ ،‬وما ل فل؛‬
‫لن ما ليس له حد في اللغة ول في الشرع‪ ،‬يرجع فيه إلى العرف‪ ،‬فلو كان العاقدان في دار كبيرة‬
‫يتغير المجلس بالخروج من البيت إلى صحن الدار‪ ،‬أو بالعكس‪ ،‬وإن كانا في دار صغيرة أو في‬
‫سفينة أو مسجد صغير يتغير المجلس بخروج أحدهما منه‪ ،‬أوبصعود السطح‪ ،‬وإن كانا في سوق‬
‫أوصحراء يتغير المجلس بأن يولي أحدهما ظهره ويمشي قليلً كثلث خطوات‪ .‬ولو تناديا بالعقد من‬
‫مكان بعيد‪ ،‬بقي المجلس ما لم يفارق أحدهما مكانه‪ ،‬فإن مشى كل منهما ولو إلى صاحبه‪ ،‬تغير‬
‫المجلس‪ .‬ولو تماشى الطرفان مسافة دام المجلس‪ ،‬وإن زادت المدة على ثلثة أيام ما لم يعرضا عما‬
‫يتعلق بالعقد‪.‬‬
‫الشرط الثالث ـ أل يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل‪:‬‬
‫ل بد لنعقاد العقد من استمرار الموجب على إيجابه الذي وجهه للقابل‪ ،‬فإن عدل عن إيجابه‪ ،‬لم يصح‬
‫القبول‪.‬‬
‫وهل يصح العدول عن اليجاب في مجلس العقد؟‬
‫أجاب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) (‪ )1‬بأنه للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل صدور‬
‫القبول من الطرف الخر‪ ،‬ويبطل اليجاب حينئذ؛ لن اللتزام بالعقد لم ينشأ بعد‪ ،‬ول ينشأ إل بارتباط‬
‫القبول باليجاب‪ ،‬ولن الموجب حر التصرف بملكه وحقوقه‪ ،‬وبإيجابه أثبت للطرف الخر حق‬

‫التملك‪ ،‬وحق الملك أقوى من حق التملك‪ ،‬فيقدم عليه عند التعارض؛ لن الول ثابت‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،134/5 :‬مغني المحتاج‪ ،43/2 :‬غاية المنتهى‪.29/2 :‬‬

‫( ‪)4/468‬‬
‫لصاحبه أصالة والثاني ل يثبت إل برضا الطرف الول‪ ،‬والتراضي بين الجانبين أساسي لصحة‬
‫العقود‪.‬‬
‫والقانون المدني في المادة (‪ )95‬يتفق مع هذا الرأي‪ ،‬فإنه إذا لم يتعين ميعاد للقبول يجوز للموجب‬
‫التحلل من إيجابه إذا لم يصدر القبول فورا‪.‬‬
‫وقال أكثرية المالكية (‪ : )1‬ليس للموجب الرجوع عن إيجابه‪ ،‬وإنما يلتزم بالبقاء على إيجابه حتى‬
‫يعرض الطرف الخر عنه‪ ،‬أو ينتهي المجلس؛ لن الموجب قد أثبت للطرف الخر حق القبول‬
‫والتملك‪ ،‬فله استعماله وله رفضه‪ ،‬فإذا قبل ثبت العقد‪ ،‬وإذا أعرض عن اليجاب لم ينشأ العقد‪ .‬وعليه‬
‫ل يكون الرجوع مبطلً لليجاب‪.‬‬
‫تعيين مدة للقبول‪ :‬إذا حدد الموجب للطرف الخر مدة للقبول‪ ،‬فيلتزم بها عند فقهاء المالكية؛ لنهم‬
‫قالوا كما تقدم‪ :‬ليس للموجب الرجوع عن إيجابه قبل قبول الخر‪ ،‬فيكون من باب أولى ملتزما بالبقاء‬
‫على إيجابه إذا عين ميعادا للقبول كأن يقول‪ :‬أنا على إيجابي مدة يومين مثلً‪ ،‬فيلزمه هذا التقييد ولو‬
‫انتهى المجلس‪ .‬وهذا يتفق مع المبدأ العام في الشريعة وهو «المسلمون على شروطهم» (‪ ، )2‬ومثل‬
‫هذا الشرط ل ينافي مقتضى العقد‪.‬‬
‫والقانون المدني في المادة (‪ )94‬يقرر ذلك‪« :‬إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه‬
‫إلى أن ينقضي هذا الميعاد‪ .‬وقد يستخلص الميعاد من ظروف الحال‪ ،‬أو من طبيعة التعامل» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مواهب الجليل للحطاب‪.241/4 :‬‬
‫(‪ )2‬هو حديث نبوي رواه الترمذي عن عمرو بن عوف‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حديث حسن صحيح (نيل‬
‫الوطار‪.)254/5 :‬‬

‫( ‪)4/469‬‬

‫العقود التي ل يشترط فيها اتحاد المجلس ‪:‬‬
‫اتحاد المجلس شرط في جميع العقود ما عدا ثلثة‪ :‬الوصية‪ ،‬واليصاء‪ ،‬والوكالة‪.‬‬
‫أما الوصية (وهي تصرف مضاف إلى مابعد الموت)‪ :‬فيستحيل فيها تحقق اتحاد المجلس؛ لن القبول‬
‫ل يصح من الموصى له في حال حياة الموصي‪ ،‬وإنما يكون بعد وفاته مصرا على الوصية‪.‬‬
‫وأما اليصاء (وهو جعل الغير وصيا على أولده ليرعى شؤونهم بعد وفاته)‪ :‬فل يلزم صدور القبول‬
‫في حياة الموصي‪ ،‬وإنما يصح بعد وفاته‪ ،‬وعلى كل حال ل يصبح وصيا إل بعد وفاة الموصي‪ ،‬وإن‬
‫قبل في حياته‪.‬‬
‫وأما الوكالة (وهي تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل في أثناء الحياة) فمبنية على التوسعة واليسر‬
‫والسماحة‪ ،‬فل يشترط فيها اتحاد المجلس؛ لن قبولها قد يكون باللفظ (القول)‪ ،‬أو بالفعل بأن يشرع‬
‫الوكيل في فعل ما وكل فيه‪ ،‬ويصح فيها توكيل الغائب (أي غير الموجود في مجلس العقد)‪ ،‬فبمجرد‬
‫علمه بالتوكيل له القيام بالعمل الموكل فيه (‪. )1‬‬
‫وكالوكالة عند الحنابلة‪ :‬كل عقد جائز غير لزم يصح القبول فيه على التراخي‪ ،‬مثل الشركة‬
‫والمضاربة والمزارعة والمساقاة‪ ،‬والوديعة والجعالة‪.‬‬
‫مبطلت اليجاب‪ :‬يبطل اليجاب بالمور التالية (‪: )2‬‬
‫‪ - 1‬رجوع الموجب عنه قبل القبول في المجلس‪ ،‬على رأي الجمهور‪.‬‬
‫‪ - 2‬رفض اليجاب من الطرف الخر‪ ،‬إما صراحة كأن يقول‪ :‬ل أقبل‪ ،‬أو ضمنا كأن يعرض عنه‬
‫إما بالقيام عن المجلس بعد القعود‪ ،‬أو بالشتغال بعمل آخر كأكل‪ ،‬أو سماع حديث آخر‪ ،‬أو قراءة‬
‫خبر صحفي ونحوه‪.‬‬
‫‪ - 3‬انتهاء مجلس العقد‪ ،‬بتفرق العاقدين عرفا؛ لن اليجاب يظل قائما في المجلس‪ ،‬فلما انتهى بطل‬
‫مفعوله‪ ،‬لن المجلس يجمع المتفرقات‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 20/6 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،328‬نهاية المحتاج‪ ،21/4 :‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،222/2‬غاية المنتهى‪.147/2 :‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار وحاشية ابن عابدين‪ ،21/4 :‬فتح القدير‪ 80/5 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪،5/3 :‬‬
‫مغني المحتاج‪ ،6/2 :‬غاية المنتهى‪.5/2 :‬‬

‫( ‪)4/470‬‬

‫‪ - 4‬خروج الموجب عن أهليته قبل القبول بالموت أو بالجنون أو بالغماء ونحوه وكذا فقد القابل‬
‫أهليته بهذه السباب؛ لن انعقاد العقد يتوقف على توافر الهلية‪ ،‬فإذا فقدت لم ينعقد العقد‪ ،‬لحتمال‬
‫وجود الرجوع عن اليجاب‪ ،‬أو لعدم فهم القبول‪ ،‬أو لعدم صدور قبول معتبر شرعا‪.‬‬
‫‪ - 5‬هلك محل العقد قبل القبول‪ ،‬أو تغيره بما يصيره شيئا آخر‪ ،‬مثل قلع عين حيوان‪ ،‬أو انقلب‬
‫عصير العنب خمرا‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫العنصر الثاني ـ العاقد ‪:‬‬
‫اليجاب والقبول اللذان يكونان ركن العقد كما تقدم‪ ،‬ل يتصور وجودهما من غير عاقد‪ ،‬فالعاقد ركيزة‬
‫التعاقد الصلية‪ .‬لكن ليس كل واحد صالحا لبرام العقود‪ ،‬فبعض الناس ل يصلح لي عقد‪ ،‬وبعضهم‬
‫يصلح لنشاء بعض العقود‪ ،‬وآخرون صالحون لكل عقد‪.‬‬
‫وهذا يعني أن العاقد ل بد له من أهلية للتعاقد بالصالة عن نفسه‪ ،‬أو ولية شرعية للتعاقد بالنيابة عن‬
‫غيره‪ .‬ويستلزم ذلك بحث الهلية والولية‪ ،‬لكن بقدر إجمالي‪ ،‬وأما تفصيل أحكام الهلية والولية‬
‫فمتروك لكتب الفقه والصول (‪ )1‬المطولة‪ ،‬ولمادة الحوال الشخصية ومدخل القانون‪ ،‬إذ إن‬
‫نصوص الهلية والولية موزعة بين قانون الحوال الشخصية والقانون المدني السوريين‪.‬‬
‫والذي يهمنا من بحث الهلية أن العاقد يشترط فيه عند الحنفية والمالكية (‪ : )2‬أن يكون عاقلً أي‬
‫مميزا أتم سن السابعة (‪ ، )3‬فل ينعقد تصرف غير المميز لصغر أو إغماء أو جنون‪ ،‬وتصح‬
‫تصرفات الصبي المميز (‪ )4‬المالية على التفصيل التي (راجع المادة (‪ 967‬من المجلة)‪:‬‬
‫أ ـ التصرفات النافعة نفعا محضا‪ :‬وهي التي يترتب عليها دخول شيء في ملكه من غير مقابل‪،‬‬
‫كالحتطاب‪ ،‬والحتشاش والصطياد‪ ،‬وقبول الهبة والصدقة والوصية والكفالة بالدين‪ ،‬تصح من‬
‫الصبي المميز دون إذن ول إجازة من الولي‪ ،‬لنها لنفعه التام‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع كتب الصول وكتابي أصول الفقه السلمي‪ 163/1 :‬ومابعدها‪ ،‬ط دار الفكر‪.‬‬
‫(‪ )2‬حاشية ابن عابدين‪ ،5/4 :‬الشرح الكبير‪.5/3 :‬‬
‫(‪ )3‬المميز‪ :‬هو الذي إذا كلم بشيء من مقاصد العقلء فهمه وأحسن الجواب عنه‪.‬‬
‫(‪ )4‬اشترط الشافعية والحنابلة لنعقاد العقود‪ :‬الرشد وهو البلوغ مع العقل‪ ،‬وصلح الدين والمال‪ ،‬فل‬
‫يصح التصرف من صبي ول مجنون ول من محجور عليه بسفه أي تبذير المال‪ .‬واستثنى الحنابلة‬
‫شراء الشيء اليسير وتصرف الصبي بإذن وليه (مغني المحتاج‪ ،7/2 :‬غاية المنتهى‪.)5/2 :‬‬

‫( ‪)4/471‬‬

‫ب ـ التصرفات الضارة ضررا محضا‪ :‬وهي التي يترتب عليها خروج شيء من ملكه دون مقابل‪،‬‬
‫كالطلق والهبة والصدقة والقراض وكفالته لغيره بالدين أو بالنفس ل تصح من الصبي العاقل ول‬
‫تنفذ‪ ،‬ولو أجازها وليه؛ لن الولي ل يملك إجازة هذه التصرفات لما فيها من الضرر‪.‬‬
‫ج ـ التصرفات المترددة بين الضرر والنفع‪ :‬وهي التي تحتمل الربح والخسارة كالبيع والشراء‬
‫واليجار والستئجار والزواج والمزارعة والمساقاة والشركات ونحوها‪ ،‬تصح من الصبي المميز‪،‬‬
‫ولكنها تكون موقوفة على إذن الولي أو إجازته مادام صغيرا أو على إجازته لنفسه بعد البلوغ؛ لن‬
‫للمميز جانبا من الدراك غير قليل (‪ . )1‬فإن أجيزت نفذت‪ ،‬وإل بطلت‪ ،‬والجازة تجبر نقص‬
‫الهلية‪.‬‬
‫والشخاص بالنسبة للهلية‪ :‬إما عديم الهلية وغير المميز فتعد تصرفاتهما باطلة‪ ،‬أو ناقص الهلية‬
‫كالصبي المميز فيصح بعض تصرفاته‪ ،‬ويبطل بعضها الخر‪ ،‬ويتوقف بعضها على الجازة على‬
‫التفصيل السابق‪ ،‬أو كامل الهلية وهو الراشد الذي تصح منه كل التصرفات وتنفذ ما لم يكن محجورا‬
‫عليه بسبب السفه أو الدين‪ ،‬أو كان ممنوعا من التصرف بسبب مرض الموت أو الفقد أو الغياب‪.‬‬
‫وكل ذلك يضطرنا إلى بحث الهلية والولية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬التلويح على التوضيح‪ 165/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/472‬‬
‫وبه تعرف أحكام الهلية إجمالً علما بأن القانون المدني استمد أحكامها من الفقه السلمي وذلك في‬
‫المواد (‪ )50-46‬وقد اعتبر القانون أحكام الهلية من قواعد النظام العام التي ل يجوز للفراد التفاق‬
‫على خلفها‪ ،‬فكل اتفاق مخالف لحكامها باطل‪ ،‬ول يجوز للشخص التنازل عن أهليته ول التعديل في‬
‫أحكامها (المادة ‪.)50‬‬
‫أولً ـ الهلية ‪:‬‬
‫الهلية في اللغة‪ :‬الصلحية‪ ،‬وفي اصطلح الفقهاء‪ :‬هي صلحية الشخص لثبوت الحقوق المشروعة‬
‫له ووجوبها عليه‪ ،‬وصحة التصرفات منه‪ .‬وهي نوعان‪ :‬أهلية وجوب‪ ،‬وأهلية أداء (‪. )1‬‬
‫أ ـ أهلية الوجوب‪ :‬هي صلحية الشخص لللزام واللتزام‪ ،‬أو هي صلحية الشخص لثبوت الحقوق‬
‫له كاستحقاق قيمة المتلف من ماله‪ ،‬أو وجوبها عليه كالتزامه بثمن المبيع وعوض القرض‪ ،‬أي أن‬
‫لهذه الهلية عنصرين‪:‬‬

‫عنصر إيجابي‪ :‬وهو صلحية كسب الحقوق بأن يكون دائنا‪ ،‬وهو عنصر اللزام أو الدائنية‪.‬‬
‫وعنصر سلبي‪ :‬وهو صلحية تحمل الواجبات أو اللتزامات بأن يكون مدينا‪ ،‬وهو عنصر اللتزام أو‬
‫المديونية‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مرآة الصول‪ ،435/2 :‬التقرير والتحبير‪ ،164/2 :‬كشف السرار على أصول البزدوي ص‬
‫‪ ،1357‬حاشية نسمات السحار‪ :‬ص ‪.272‬‬

‫( ‪)4/473‬‬
‫ومناط هذه الهلية‪ :‬هو الحياة أو الصفة النسانية (‪ ، )1‬فكل إنسان حتى الجنين في بطن أمه له أهلية‬
‫وجوب‪ ،‬والهلية تبدأ في الفقه مع بدء الشخصية‪ ،‬فهي ملزمة للشخصية‪ ،‬وصفة من صفات‬
‫الشخصية‪ .‬والشخصية تبدأ في فقهنا منذ بدء تكون الجنين في الرحم وتنتهي بالموت‪.‬‬
‫وفي القانون المدني تبدأ بتمام ولدة النسان حيا‪ ،‬وتنتهي بموته (م ‪.)31‬‬
‫والعنصر السلبي للهلية (أي المديونية) يتطلب وجود شيء آخر في الشخصية وهو الذمة‪ :‬وهي‬
‫وصف شرعي مقدر كوعاء اعتباري في الشخص تثبت فيه الديون واللتزامات المترتبة عليه‪.‬‬
‫وبناء عليه‪ :‬يتوقف ثبوت الحق للشخص على وجود أهلية فيه‪ .‬وأما ثبوت الديون عليه فيتوقف على‬
‫وجود ظرف اعتباري مفترض في كل شخص هو الذمة‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬لفلن في ذمة فلن مبلغ مالي كذا (‪. )2‬‬
‫وأهلية الوجوب نوعان‪ :‬ناقصة وكاملة‪.‬‬
‫أهلية الوجوب الناقصة‪ :‬هي صلحية الشخص لثبوت الحقوق له فقط أي تؤهله لللزام ليكون دائنا ل‬
‫مدينا‪ .‬وتثبت للجنين في بطن أمه قبل الولدة‪ .‬وسبب نقص أهليته أمران‪ :‬فهو من جهة يعد جزءا من‬
‫أمه‪ ،‬ومن جهة أخرى يعد إنسانا مستقلً عن أمه‪ ،‬متهيئا للنفصال عنها بعد تمام تكوينه‪ .‬لذا فإنه‬
‫تثبت له بعض الحقوق الضرورية النافعة له‪ :‬وهي التي ل تحتاج إلى قبول‪ ،‬وهي أربعة أنواع (‪: )3‬‬
‫‪ - 1‬النسب من أبويه‪.‬‬
‫‪ - 2‬الميراث من قريبه المورث‪ ،‬فيوقف له أكبر النصيبين على تقدير كونه ذكرا أو أنثى‪.‬‬
‫‪ - 3‬استحقاق الوصية الموصى له بها‪.‬‬
‫‪ - 4‬استحقاقه حصته من غلت الوقف الموقوفة عليه‪.‬‬
‫لكن الحقوق المالية الثلثة الخيرة ليست للجنين فيهاملكية نافذة في الحال بل تتوقف على ولدته حيا‪.‬‬

‫فإن ولد حيا ثبتت له ملكية مستندة إلى وقت وجود سببها أي بأثر رجعي‪ .‬وإن ولد ميتا رد نصيبه إلى‬
‫أصحابه المستحقين له‪ .‬فغلة الوقف تعطى لبقية المستحقين‪ ،‬والموصى به يرد إلى ورثة الموصي‪،‬‬
‫وحصة الميراث المجمدة له توزع لبقية الورثة‪ .‬وثبوت الحق للجنين في الوقف هو رأي الحنفية‬
‫والمالكية‪ ،‬أما رأي الشافعية والحنابلة فل يثبت له حق التملك إل بالرث والوصية‪ ،‬فل يصح عندهم‬
‫الوقف على الجنين‪ ،‬لنه يشترط إمكان التملك في الحال وهو ل يتملك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المدخل الفقهي العام للستاذ الزرقاء‪ :‬ف ‪.408‬‬
‫(‪ )2‬المرجع السابق‪ :‬ف ‪،410‬مدخل نظرية اللتزام في الفقه للستاذ الزرقاء أيضا‪ :‬ف ‪118‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬كشف السرار على أصول البزدوي‪ :‬ص ‪ 1359‬ومابعدها‪ ،‬القواعد لبن رجب الحنبلي‪ :‬ص‬
‫‪ 178‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/474‬‬
‫أما الحقوق التي تحتاج إلى قبول كالشراء والهبة فل تثبت له‪ ،‬ولو مارسها عنه وليه (الب أو الجد)‬
‫إذ ليس له ضرورة بها‪ ،‬ولن الشراء له يلزمه بالثمن وهو ليس أهلً لللتزام‪.‬‬
‫وأما الواجبات أو اللتزامات لغيره فل تلزمه‪ ،‬كنفقة أقاربه المحتاجين (‪. )1‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن الجنين له ذمة ناقصة تؤهله لكتساب بعض الحقوق فقط‪ ،‬وليست له ذمة كاملة صالحة‬
‫لكتساب الحقوق واللتزام بالواجبات‪.‬‬
‫أهلية الوجوب الكاملة‪ :‬هي صلحية الشخص لثبوت الحقوق له‪ ،‬وتحمل الواجبات (أو اللتزامات)‪.‬‬
‫وتثبت للشخص منذ ولدته حيا‪ ،‬دون أن تفارقه في جميع أدوار حياته‪ ،‬فيصلح لكتساب الحقوق‬
‫واللتزام بالواجبات‪ .‬ول يوجد إنسان فاقد لهذه الهلية‪.‬‬
‫وتحديد وجود الولدة‪ :‬فيه رأيان للفقهاء‪ ،‬قال الحنفية (‪ : )2‬تثبت أهلية الوجوب بمجرد ظهور أكثر‬
‫الجنين حيا‪ .‬وقال غير الحنفية (‪ : )3‬ل تثبت هذه الهلية إل بتمام ولدة الجنين حيا‪ .‬وبهذا الرأي أخذ‬
‫القانون المدني السوري (م ‪ )13‬وقانون الحوال الشخصية السوري (م ‪.)1/236،2/260‬‬
‫وأما الحقوق الثابتة للطفل بعد الولدة‪ :‬فهي التي تحصل له نتيجة التصرف الذي يمكن للولي أو‬
‫الوصي أن يمارسه بالنيابة عنه‪ ،‬كتملك ما يشترى له أو يوهب له‪.‬‬
‫وأما اللتزامات الواجبة على الطفل فهي كل ما يستطاع أداؤه عنه من ماله‪ ،‬سواء من حقوق العباد أو‬

‫من حقوق ال ‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫(‪ )1‬العواض المالية في الفعال المدنية كثمن المشتريات وأجرة الدار‪ ،‬أو في الفعال الجنائية‬
‫كتعويض المتلفات التي يتلفها من أموال الخرين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬قرر فقهاء الحنابلة إيجاب نفقة القارب على الحمل من ماله (القواعد لبن رجب‪ :‬ص ‪.)181‬‬
‫(‪ )2‬شرح السراجية‪ :‬ص ‪ 216‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬المغني‪ 316/6 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/475‬‬
‫(‪ )2‬والضرائب المالية للدولة كعشر الزرع وخراج الرض (ضريبة الراضي الزراعية) وضريبة‬
‫ورسوم الجمارك والمباني وضريبة الدخل ونحوها‪.‬‬
‫(‪ )3‬والصلت الجتماعية المنوطة بالغنى كنفقة القارب والمعسرين وزكاة الفطر في رأي أبي حنيفة‬
‫وأبي يوسف (‪ . )1‬وزكاة المال في رأي جمهور الفقهاء غير الحنفية (‪ ، )2‬رعاية لمصلحة الفقراء‬
‫والمحتاجين والمجتمع بصفة عامة‪ ،‬وهو رأي أقوم وأفضل وأحق بالعمل‪ ،‬لسيما في ظروفنا‬
‫الحاضرة‪.‬‬
‫وأما الحنفية فلم يوجبوا الزكاة في مال الصبي لنهم اعتبروها عبادة مالية‪ ،‬والطفل ل يكلف بالتكاليف‬
‫الدينية إل بعد البلوغ‪.‬‬
‫ويلحظ أن أهلية الوجوب‪ ،‬ولو كانت كاملة ليس لها أثر في إنشاء العقود‪ ،‬فكل تصرف من الطفل‬
‫غير المميز‪ ،‬حتى ولو كان نافعا نفعا محضا له كقبول الهبة أو الوصية‪ ،‬يعد باطلً‪ ،‬لن عبارته‬
‫ملغاة‪.‬‬
‫كذلك ل يجب على الطفل غير المميز شيء من العبادات الدينية كالصلة والصوم والحج‪.‬‬
‫وأما الذمة المالية فتثبت للطفل كاملة بمجرد الولدة وتلزمه طوال الحياة‪.‬‬
‫‪ - 2‬أهلية الداء‪ :‬هي صلحية الشخص لصدور التصرفات منه (أو لممارستها ومباشرتها) على وجه‬
‫يعتد به شرعا‪ ،‬وهي ترادف المسؤولية‪ ،‬وتشمل حقوق ال من صلة وصوم وحج وسواها‪،‬‬
‫والتصرفات القولية أو الفعلية الصادرة عن الشخص‪ .‬فالصلة ونحوها التي يؤديها النسان تسقط عنه‬
‫الواجب‪ ،‬والجناية على مال الغير توجب المسؤولية‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬التلويح على التوضيح‪ 163/2 :‬ومابعدها‪ ،‬ط صبيح‪ ،‬كشف السرار‪ :‬ص ‪136‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ 236/1 :‬ومابعدها‪ ،‬ط الستقامة‪.‬‬

‫( ‪)4/476‬‬
‫وأساس ثبوتها أو مناط هذه الهلية هو التمييز أو العقل والدراك‪ ،‬فمن ثبتت له أهلية الداء صحت‬
‫عباداته الدينية كالصلة والصوم‪ ،‬وتصرفاته المدنية كالعقود (‪. )1‬‬
‫ول وجود لهذه الهلية للجنين أصلً‪ ،‬ول للطفل قبل بلوغ سن التمييز وهو تمام سن السابعة‪ .‬فقبل‬
‫التمييز تكون هذه الهلية منعدمة‪ ،‬والمجنون مثل غير المميز ل تترتب على تصرفاتهما آثار شرعية‪،‬‬
‫وتكون عقودهما باطلة‪ ،‬إل أنهما يؤاخذان ماليا بالجناية أو العتداء على نفس الغير أو على ماله‪.‬‬
‫ويقوم الولي (الب أو الجد) أو الوصي بمباشرة العقود والتصرفات التي يحتاجها الطفل غير المميز‬
‫أو المجنون‪.‬‬
‫وأهلية الداء نوعان‪ :‬ناقصة وكاملة‪.‬‬
‫أهلية الداء الناقصة‪ :‬هي صلحية الشخص لصدور بعض التصرفات منه دون البعض الخر‪ ،‬وهي‬
‫التي يتوقف نفاذها على رأي غيره‪ ،‬وهذه الهلية تثبت للشخص في دور التمييز بعد تمام سن السابعة‬
‫إلى البلوغ‪ .‬ويعد في حكم المميز‪ :‬الشخص المعتوه الذي لم يصل به العته إلى درجة اختلل العقل‬
‫وفقده‪ ،‬وإنما يكون ضعيف الدراك والتمييز‪.‬‬
‫ويفرق بالنسبة للمميز والمعتوه بين حقوق ال وحقوق العباد‪:‬‬
‫أما حقوق ال تعالى‪ :‬فتصح من الصبي المميز كاليمان والكفر (‪ )2‬والصلة والصيام والحج‪ ،‬ولكن‬
‫ل يكون ملزما بأداء العبادات إل على جهة التأديب والتهذيب‪ ،‬ول يستتبع فعله عهدة في ذمته‪ ،‬فلو‬
‫شرع في صلة ل يلزمه المضي فيها‪ ،‬ولو أفسدها ل يجب عليه قضاؤها‪.‬‬
‫وأما حقوق العباد فعند الشافعي وأحمد‪ :‬تعد عقود الصبي وتصرفاته باطلة‪.‬‬
‫وأما عند الحنفية‪ :‬فإن تصرفاته المالية أقسام ثلثة‪ :‬نافعة نفعا محضا وضارة ضررا محضا‪ ،‬ودائرة‬
‫بين النفع والضرر‪ ،‬على النحو السابق الذي تقدم‪.‬‬
‫وأهلية الداء الكاملة‪ :‬هي صلحية الشخص لمباشرة التصرفات على وجه يعتد به شرعا دون توقف‬
‫على رأي غيره‪ .‬وتثبت لمن بلغ الحلم عاقلً أي للبالغ الرشيد‪ ،‬فله بموجبها ممارسة كل العقود‪ ،‬من‬
‫غير توقف على إجازة أحد‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬التلويح على التوضيح‪ 164/2 :‬ومابعدها‪ ،‬كشف السرار‪ :‬ص ‪ 1368‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬اختلف الفقهاء في صحة الكفر من الصبي بالنسبة لحكام الدنيا مع اتفاقهم على اعتبار الكفر منه‬
‫في أحكام الخرة‪ .‬فعند أبي حنيفة ومحمد‪ :‬تعتبر منه ردته‪ ،‬فيحرم من الميراث وتبين امرأته‪ .‬وعند‬
‫أبي يوسف والشافعي‪ :‬ل يحكم بصحة ردته في أحكام الدنيا‪ ،‬لن الرتداد ضرر محض ل يشوبه‬
‫منفعة‪ ،‬فل يصح من الصبي ول يحرم من الرث ول تبين منه امرأته بالردة‪.‬‬

‫( ‪)4/477‬‬
‫والبلوغ يحصل إما بظهور علمة من علماته الطبيعية كاحتلم الولد (أي النزال) ومجيء العادة‬
‫الشهرية (الحيض) عند النثى‪ ،‬أو بتمام الخامسة عشرة عند جمهور الفقهاء غير أبي حنيفة لكل من‬
‫الفتى والفتاة‪ ،‬وعليه الفتوى والعمل‪ ،‬جاء في المادة (‪ 985‬مجلة)‪« :‬يثبت حد البلوغ بالحتلم‬
‫والحبال والحيض والحبل» ونصت المادة (‪ 986‬مجلة)‪« :‬على أن منتهى البلوغ خمس عشرة سنة»‬
‫‪.‬‬
‫وقدر أبو حنيفة سن البلوغ بثماني عشرة سنة للفتى وسبع عشرة سنة للفتاة‪.‬‬
‫وقدره المام مالك لهما بتمام ثماني عشرة سنة‪ ،‬وقيل بتمام السابعة عشرة سنة والدخول في الثامنة‬
‫عشرة (‪. )1‬‬
‫والسبب في ارتباط هذه الهلية بالبلوغ‪ :‬هو أن الصل فيها أن تتحقق بتوافر العقل‪ ،‬ولما كان العقل‬
‫من المور الخفية ارتبط بالبلوغ‪ ،‬لنه مظنة العقل‪ ،‬والحكام ترتبط بعلل ظاهرة منضبطة‪ ،‬فيصبح‬
‫الشخص عاقلً بمجرد البلوغ‪ ،‬وتثبت له حينئذ أهلية أداءٍ كاملة ما لم يعترضه عارض من عوارض‬
‫الهلية‪ .‬وعندها يصبح النسان أهلً للتكاليف الشرعية‪ ،‬ويجب عليه أداؤها‪ ،‬ويأثم بتركها‪ ،‬وتصح منه‬
‫جميع العقود والتصرفات‪ ،‬وتترتب عليه مختلف آثارها ويؤاخذ شرعا على جميع العمال أو الفعال‬
‫الجنائية الصادرة عنه‪.‬‬
‫أدوار الهلية ‪:‬‬
‫يفهم مما سبق أن أهلية النسان من مبدأ حياته في بطن أمه إلى اكتمال رجولته تمر في مراحل خمس‬
‫أو أدوار خمسة هي‪:‬‬
‫دور الجنين‪ ،‬ودور الطفولة (عدم التمييز)‪ ،‬ودور التمييز‪ ،‬ودور البلوغ‪ ،‬ودور الرشد (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تفسير القرطبي‪ ،37/5 :‬الشرح الكبير‪.393/3 :‬‬

‫(‪ )2‬راجع التقرير والتحبير‪ 166/2 :‬ومابعدها‪ ،‬مرآة الصول‪ 452/2 :‬ومابعدها‪ ،‬فواتح الرحموت‪:‬‬
‫‪ 156/1‬وما بعدها‪ ،‬حاشية نسمات السحار‪ :‬ص ‪ ،273‬التلويح على التوضيح‪ ،‬كشف السرار‪،‬‬
‫المرجعان السابقان‪.‬‬

‫( ‪)4/478‬‬
‫الدور الول ـ دور الجنين‪ :‬يبدأ من بدء الحمل وينتهى بالولدة‪ ،‬وفيه تثبت للجنين أهلية وجوب‬
‫ناقصة تمكنه من ثبوت أربعة حقوق ضرورية له ذكرت سابقا‪ ،‬وليست له أهلية أداء ول ذمة مالية‪.‬‬
‫الدور الثاني ـ دور الطفولة‪ :‬ويبدأ من وقت الولدة ويستمر إلى وقت التمييز وهو بلوغ السابعة من‬
‫العمر‪ .‬وفيه تثبت للطفل غير المميز أهلية وجوب كاملة‪ ،‬فيستحق الحقوق ويلتزم بالواجبات التي‬
‫تكون نتيجة ممارسة وليه بعض التصرفات نيابة عنه‪ ،‬فإذا اشتري له أو وهب له ملك‪ ،‬وجب عليه‬
‫العوض في المعاوضات المالية‪ ،‬وتكون له ذمة كاملة‪.‬‬
‫وليست له أهلية أداء‪ ،‬فتكون أقواله كلها هدرا‪ ،‬وعقوده باطلة‪ ،‬حتى ولو كانت نافعة نفعا محضا له‬
‫كقبول الهبة أو الوصية‪ ،‬وينوب عنه فيها وليه الشرعي أو وصيه‪ .‬جاء في المادة (‪ 966‬مجلة)‪« :‬ل‬
‫يصح تصرفات الصغير غير المميز وإن أذن له وليه» ‪.‬‬
‫كذلك تكون أفعاله هدرا سواء أكانت دينية كالصلة والصيام فل تصح منه‪ ،‬أو مدنية كقبض المبيع أو‬
‫الوديعة أو القرض‪ ،‬فل تصح‪.‬‬
‫وأما جناياته كالقتل والضرب والقطع فل تستوجب العقوبة البدنية‪ ،‬كالقصاص والحبس‪ ،‬ول يحرم من‬
‫الميراث بقتل مورثه لسقوط المؤاخذة عنه‪ ،‬وإنما يلزم في ماله بدفع التعويض أو ضمان ما أتلفه من‬
‫النفس والموال حفاظا عليها‪.‬‬
‫الدور الثالث ـ دور التمييز‪ :‬يبدأ بعد سن السابعة ويستمر إلى البلوغ عاقلً‪.‬‬
‫ومعنى التمييز‪ :‬أن يصبح الولد بحالة يميز فيها بين الخير والشر‪ ،‬والنفع والضرر‪ ،‬ويعرف معاني‬
‫اللفاظ إجمالً‪ ،‬فيدرك أن البيع مثلً سالب للمال وأن الشراء جالب للملك‪.‬‬

‫( ‪)4/479‬‬
‫وفيه تثبت للمميز أهلية أداء ناقصة‪ :‬دينية‪ ،‬ومدنية‪ ،‬فتصح منه العبادات البدنية كالصلة والصيام‪،‬‬
‫ويثاب عليها‪ ،‬وإن لم تكن مفروضة عليه‪ .‬كما تصح منه مباشرة التصرفات المالية‪ ،‬مثل قبول الهبة‬
‫أو الصدقة مطلقا‪ ،‬والبيع والشراء موقوفا على إجازة وليه‪ .‬ول يصح منه التصرف الضار بمصلحته‬

‫كالتبرع بشيء من أمواله‪ ،‬على ما سبق بيانه‪.‬‬
‫الدور الرابع ـ دور البلوغ‪ :‬يبدأ من البلوغ إلى وقت الرشد‪ .‬وقد اتفق الفقهاء عملً باليات القرآنية (‬
‫‪ )1‬والحاديث النبوية (‪ )2‬على أن البالغ يصبح مكلفا بجميع التكاليف الشرعية‪ .‬وتكتمل لديه أهلية‬
‫الداء الدينية‪ ،‬فيطالب باليمان بعناصره الستة (بال وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر وبالقدر‬
‫خيره وشره) وبالسلم بأركانه الخمسة (شهادة أن ل إله إل ال وأن محمد ا رسول ال ‪ ،‬وإقام‬
‫الصلة وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصوم رمضان‪ ،‬وحج البيت من استطاع إليه سبيلً)‪ .‬وبتطبيق أحكام الشريعة‬
‫من المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬والجهاد في سبيل ال‪ ،‬واحترام الموال والنفس‬
‫والعراض‪ ،‬واجتناب المحظورات الشرعية والمعاصي والمنكرات التي تضر بمصلحة الفرد‬
‫والجماعة‪.‬‬
‫وأما أهلية الداء المدنية‪:‬فتكتمل عند الفقهاء‪ ،‬خلفا للقانون‪ ،‬بسن البلوغ إذا بلغ الولد راشدا‪ ،‬فتنفذ‬
‫تصرفاته المالية وتسلم إليه أمواله‪ .‬فإن لم يؤنس منه الرشد‪ ،‬فل تنفذ تصرفاته‪ ،‬ول تسلم إليه أمواله؛‬
‫لن الشرع جعل البلوغ أمارة على كمال العقل‪ ،‬فإن ثبت العكس عمل به‪ .‬وسن الرشد في القانون‬
‫السوري ‪ 81‬سنة‪ ،‬و ‪ 12‬سنة في القانون المصري‪.‬‬
‫الدور الخامس ـ دور الرشد‪ :‬الرشد أكمل مراحل الهلية‪ ،‬ومعناه عند‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مثل قوله تعالى‪ { :‬وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح‪[ }...‬النساء‪.]6/4:‬‬
‫(‪ )2‬مثل قول النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ « :‬رفع القلم عن ثلثة‪ :‬عن المجنون المغلوب على عقله‬
‫حتى يبرأ‪ ،‬وعن النائم حتى يستيقظ‪ ،‬وعن الصبي حتى يحتلم» رواه أحمد في مسنده وأبو داود‬
‫والحاكم عن علي وعمر‪.‬‬

‫( ‪)4/480‬‬
‫الفقهاء (‪ : )1‬حسن التصرف في المال من الوجهة الدنيوية‪ ،‬ولو كان فاسقا من الوجهة الدينية (م‬
‫‪ 947‬مجلة) ويتوافر بتحقق الخبرة المالية بتدبير الموال وحسن استثمارها‪ .‬وهو أمر يختلف باختلف‬
‫الشخاص والبيئة والثقافة‪.‬‬
‫فقد يرافق البلوغ‪ ،‬وقد يتأخر عنه قليلً أو كثيرا‪ ،‬وقد يتقدمه‪ ،‬لكن ل اعتبار له قبل البلوغ‪ ،‬ومرجعه‬
‫إلى الختبار والتجربة عملً بالية القرآنية‪{ :‬وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح‪ ،‬فإن آنستم منهم‬
‫رشدا‪ ،‬فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء‪.]6/4:‬‬

‫وبناء عليه‪ :‬إذا بلغ الشخص رشيدا كملت أهليته‪ ،‬وارتفعت الولية عنه‪ ،‬وسلمت إليه أمواله‪ ،‬ونفذت‬
‫تصرفاته وإقراراته‪.‬‬
‫وإن بلغ غير رشيد بقي ناقص أهلية الداء‪ ،‬واستمرت الولية المالية عليه عند جمهور الفقهاء‪ ،‬فل‬
‫تنفذ تصرفاته‪ ،‬ول تسلم إليه أمواله‪ .‬أما الولية على النفس كالتأديب والتطبيب والتعليم والتزويج‬
‫فترتفع عنه بمجرد بلوغه عاقلً‪ ،‬أي أن اشتراط الرشد محصور في التصرفات المالية‪ ،‬وأما غير ذلك‬
‫كالزواج والطلق فإنها نافذة منه بمجرد البلوغ عاقلً‪.‬‬
‫وخالف أبو حنيفة في هذا فقال‪ :‬إذا بلغ الشخص عاقلً غير رشيد كملت أهليته‪ ،‬وارتفعت الوليةعنه‪،‬‬
‫احتراما لدميته وحفاظا على كرامته‪ ،‬ولكن ل تسلم إليه أمواله على سبيل الحتياط والتأديب‪ .‬ل على‬
‫سبيل الحجر عليه‪ ،‬لنه ل‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هذا ما فسره ابن عباس‪ ،‬وهو مذهب الحنفية والمالكية‪ .‬ويرى الشافعية أن الرشد‪ :‬هو أن يتصف‬
‫بالبلوغ والصلح لدينه وماله (الدر المختار‪ ،105/5 :‬بداية المجتهد‪ ،278/2 :‬الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪ ،393/3‬المغني‪ ،467/4 :‬مغني المحتاج‪.)168 ،7/2 :‬‬

‫( ‪)4/481‬‬
‫يرى الحجر على السفيه (أي المبذر)‪ ،‬وأما منع أمواله عنه فينتهي‪ :‬إما بالرشد فعلً‪ ،‬أو ببلوغه خمسا‬
‫وعشرين سنة (‪. )1‬‬
‫وليس للرشد سن معينة عند جمهور الفقهاء‪ ،‬وإنما متروك لستعداد الشخص وتربيته وبيئته‪ ،‬وليس‬
‫في النصوص الشرعية تحديد له‪.‬‬
‫أما قانون الحوال الشخصية السوري ( م ‪ ) 16‬والقانون المدني السوري (م ‪ )46‬فقد حدد سن الرشد‬
‫فيها بـ (‪ )18‬سنة ميلدية كاملة‪ ،‬وفي القانون المصري (‪ )21‬سنة‪ .‬فما قبل هذه السن ل تسلم‬
‫للشخص أمواله‪ ،‬ول تنفذ تصرفاته‪ ،‬فإذا بلغ النسان هذه السن سلمت إليه أمواله إذا لم يكن محجورا‬
‫عليه‪.‬‬
‫ورفع سن الرشد إلى هذا الحد يتفق مع ظروف الحياة الحديثة‪ ،‬التي تعقّدت فيها المعاملت‪،‬‬
‫وتدهورت فيها الخلق‪ ،‬وشاع الخداع والحتيال‪ ،‬ول مانع في الشريعة من ذلك عملً بما تقتضيه‬
‫المصلحة في حماية الناشئة وصيانة أموالهم‪.‬‬
‫عوارض الهلية‬

‫أهلية الداء‪ :‬هي أساس التعامل والتعاقد كما عرفنا‪ ،‬إل أن هذه الهلية قد يعترضها بعض العوارض‬
‫فتؤثر فيها‪ ،‬والعوارض‪ :‬هي ما يطرأ على النسان فيزيل أهليته أو ينقصها أو يغير بعض أحكامها‪.‬‬
‫وهي نوعان عند علماء أصول الفقه‪:‬‬
‫‪ - 1‬عوارض سماوية‪ :‬وهي التي لم يكن للشخص في إيجادها اختيار واكتساب‪.‬‬
‫‪ - 2‬وعوارض مكتسبة‪ :‬وهي التي يكون للشخص دخل واختبار في تحصيلها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الدر المختار ورد المحتار‪ ،104/5 :‬بداية المجتهد‪ 276/2 :‬ومابعدها‪ .‬والعوارض السماوية أكثر‬
‫تغييرا وأشد تأثيرا‪ ،‬مثل الجنون والعته والغماء والنوم‪ ،‬ومرض الموت‪.‬‬
‫والعوارض المكتسبة‪ :‬مثل السكر والسفه والدين‪.‬‬

‫( ‪)4/482‬‬
‫وسأقتصر هنا على إعطاء فكرة موجزة عن هذه العوارض‪ ،‬ما عدا مرض الموت والدين فإنهما‬
‫يتطلبان مزيدا من البحث واليضاح‪.‬‬
‫‪ - 1‬الجنون‪ :‬اختلل في العقل ينشأ عنه اضطراب أو هيجان (‪ . )1‬وحكمه أنه سواء أكان مُطْبقا‬
‫(مستمرا) أم غير مطبق (متقطع) معدم للهلية حال وجوده‪ ،‬فتكون تصرفات المجنون القولية والفعلية‬
‫كغير المميز لغية باطلة ل أثر لها‪.‬‬
‫ولكنه يطالب بضمان أفعاله الجنائية على النفس أو المال (‪ . )2‬جاء في المادة (‪ 979‬مجلة)‪:‬‬
‫( المجنون المطبق هو في حكم الصغير غير المميز )‪.‬‬
‫‪ - 2‬العته‪ :‬ضعف في العقل ينشأ عنه ضعف في الوعي والدراك‪ ،‬يصير به المعتوه مختلط الكلم‪،‬‬
‫فيشبه مرة كلم العقلء‪ ،‬ومرة كلم المجانين‪ .‬ويتميز المعتوه عن المجنون بالهدوء في أوضاعه فل‬
‫يضرب ول يشتم كالمجنون‪ .‬فالمعتوه إذن‪ :‬هو من كان عليل الفهم مختلط الكلم فاسد التدبير‪ .‬وحكمه‬
‫حكم الصبي المميز كما سبق‪ ،‬أي أن لصاحبه أهلية أداء ناقصة (‪. )3‬‬
‫‪ - 3‬الغماء‪ :‬تعطل القوى المدركة المحركة حركة إرادية بسبب مرض يعرض للدماغ أو القلب‪.‬‬
‫وهو يشبه النوم في تعطيل العقل‪ ،‬إل أن النوم عارض طبيعي‪ ،‬والغماء غير طبيعي‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المدخل الفقهي للستاذ الزرقاء‪ :‬ف ‪.460‬‬
‫(‪ )2‬مرآة الصول‪ ،439/2 :‬التقرير والتحبير‪ ،173/2 :‬كشف السرار‪ :‬ص ‪ ،1083‬التلويح على‬

‫التوضيح‪.167/2 :‬‬
‫(‪ )3‬المراجع السابقة‪ :‬المرآة ‪ ،441/2‬التقرير والتحبير‪ ،176/2 :‬كشف السرار‪ 1394/2 :‬الدر‬
‫المختار ورد المحتار‪ ،100/5 :‬التلويح‪.168/2 :‬‬

‫( ‪)4/483‬‬
‫فيكون حكمهما واحدا في التصرفات‪ ،‬وهو إلغاؤها وبطلنها لنعدام القصد عند المغمى عليه (‪. )1‬‬
‫‪ - 4‬النوم‪ :‬فتور طبيعي يعتري النسان في فترات منتظمة أو غير منتظمة ل يزيل العقل‪ ،‬بل يمنعه‬
‫عن العمل‪ ،‬ول يزيل الحواس الظاهرة‪ ،‬بل يمنعها أيضا عن العمل‪ .‬وعبارات النائم كالمغمى عليه ل‬
‫اعتبار لها إطلقا (‪. )2‬‬
‫سكْر‪ :‬حالة تعرض للنسان بامتلء دماغه من البخرة المتصاعدة إليه‪ ،‬فيتعطل معه عقله‬
‫‪ - 5‬ال ّ‬
‫المميز بين المور الحسنة والقبيحة‪ .‬وهو نوعان‪ :‬سكر بطريق مباح كالحاصل من الدواء أو البنج‪ ،‬أو‬
‫حالة الضطرار أو الكراه‪ .‬وسكر بطريق حرام كالحاصل من الخمر أو أي مسكر آخر حتى البيرة‪.‬‬
‫والسكر بنوعيه ل يذهب العقل‪ ،‬بل يعطله فترة من الزمن‪ ،‬ويزيل الرادة والقصد‪.‬‬
‫وحكمه على المشهور عند المالكية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (‪ : )3‬أنه يبطل العبارة ول‬
‫يترتب عليها التزام‪ ،‬فتبطل عقوده وتصرفاته لعدم سلمة القصد أو الرادة‪ ،‬سواء أكان بطريق مباح‬
‫أو محظور‪ ،‬فل يصح يمينه وطلقه وإقراره ول بيعه وهبته ول سائر أقواله (‪ . )4‬إل أن المالكية‬
‫قالوا في الطلق‪ :‬لو سكر سكرا حراما صح طلقه‪ ،‬إل أن ل يميز فل طلق عليه لنه صار‬
‫كالمجنون‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المراجع السابقة‪.‬‬
‫(‪ )2‬المراجع السابقة‪.‬‬
‫(‪ )3‬الشرح الكبير‪ ،265/2 ،5/3 :‬أعلم الموقعين‪ ،48/4 :‬ط السعادة‪ ،‬زاد المعاد‪ 40/4 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫غاية المنتهى‪.113/3 :‬‬
‫(‪ )4‬وهذا رأي المام أحمد في رواية عنه اختارها جماعة من الحنابلة‪ ،‬والطحاوي والكرخي وأبو‬
‫يوسف وزفر من الحنفية‪ ،‬والمزني وابن سريج و غيرهما من الشافعية‪ .‬وبه أخذ قانون الحوال‬
‫الشخصية في سورية ومصر‪.‬‬

‫( ‪)4/484‬‬

‫وقال جمهور الفقهاء (غير المذكورين) (‪ : )1‬يفرق بين السكر بمباح فليس لعبارته أي اعتبار‪ ،‬وبين‬
‫السكر بمحرم‪ ،‬فتقبل عبارته زجرا له وعقابا على تسببه في تعطيل عقله‪ ،‬فتعد تصرفاته من قول أو‬
‫فعل صحيحة نافذة‪ ،‬عقابا وزجرا له ولمثاله‪ ،‬سواء في ذلك الزواج والطلق والبيع والشراء‬
‫والجارة‪ ،‬والرهن والكفالة ونحوها‪.‬‬
‫‪ - 6‬السفه‪ :‬خفة تعتري النسان‪ ،‬فتحمله على العمل بخلف موجب العقل والشرع مع قيام العقل‬
‫حقيقة‪ ،‬والمراد به هنا ما يقابل الرشد‪ :‬وهو تبذير المال وإنفاقه في غير حكمة‪ ،‬ولو في أمور الخير‬
‫عند الحنفية (‪( )2‬م ‪ 946‬مجلة) كبناء المساجد والمدارس والملجئ‪.‬‬
‫والسفه ل يؤثر في الهلية‪ ،‬فيظل السفيه كامل الهلية‪ ،‬لكنه يمنع من بعض التصرفات‪.‬‬
‫الحجر على السفيه (‪ : )3‬قد يبلغ الشخص سفيها‪ ،‬وقد يطرأ عليه السفه بعد بلوغه راشدا‪.‬‬
‫أ ـ من بلغ سفيها‪ :‬اتفق الفقهاء على أنّ الصبي إذا بلغ سفيها يمنع عنه ماله‪ ،‬ويظل تحت ولية وليه‪،‬‬
‫لقوله تعالى‪{ :‬ول تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل ال لكم قياما وارزقوهم فيها} [النساء‪.]5/4:‬‬
‫ويستمر هذا المنع أبدا عند جمهور الفقهاء والصاحبين‪ ،‬حتى يتحقق رشده لقوله تعالى ‪{ :‬فإن آنستم‬
‫منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء‪.]6/4:‬‬
‫جاء في المادة (‪ 982‬مجلة)‪« :‬إذا بلغ الصبي غير الرشيد لم تدفع إلىه أمواله‪ ،‬ما لم يتحقق رشده‪،‬‬
‫ويمنع من التصرف كما في السابق» ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬تنتهي فترة منع ماله عنه ببلوغه خمسا وعشرين سنة؛ لن هذه السن غالبا يتحقق‬
‫فيها الرشد‪ ،‬فإن لم يرشد ل ينتظر منه رشد بعدئذ‪ .‬وأما تصرفاته في فترة منع ماله عنه فل ينفذ منها‬
‫إل ما كان نافعا نفعا محضا له أو الوصية في حدود الثلث‪ ،‬أو كانت ل تقبل الفسخ‪ :‬وهي الزواج‬
‫والطلق والرجعة واليمين‪ .‬ويمنع من باقي التصرفات‪.‬‬
‫ب ـ من بلغ رشيدا ثم صار سفيها‪ :‬ل يجيز أبو حنيفة الحجر عليه‪ ،‬لنه حر في تصرفاته‪ ،‬والحجر‬
‫ينافي الحرية‪ ،‬وفيه إهدار لنسانيته وكرامته‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬كشف السرار‪ :‬ص ‪ ،1471‬التلويح‪ ،175/2 :‬التقرير والتحبير‪ ،193/2 :‬مرآة الصول‪:‬‬
‫‪.454/2‬‬
‫(‪ )2‬الدر المختار‪ ،102/5 :‬تبيين الحقائق‪ .192/5 :‬إل أن الشافعي لم يجعل السراف في وجوه البر‬
‫سفها (مغني المحتاج‪.)168/2 :‬‬
‫(‪ )3‬الحجر‪ :‬هو منع نفاذ التصرفات القولية‪.‬‬

‫( ‪)4/485‬‬
‫وقال جمهور الفقهاء‪ ،‬والصاحبان (أبو يوسف ومحمد) وبرأيهما يفتى في المذهب الحنفي‪ :‬يجوز‬
‫الحجر على السفيه‪ ،‬رعاية لمصلحته‪ ،‬ومحافظة على ماله‪ ،‬حتى ل يكون عالة على غيره‪ .‬ويكون‬
‫حكمه حينئذ حكم الصبي المميز في التصرفات (‪ )1‬؛ لقوله تعالى‪{ :‬ول تؤتوا السفهاء أموالكم}‬
‫[النساء‪ ]5/4:‬وقوله سبحانه‪{ :‬فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا‪ ،‬أو ل يستطيع أن يمل هو‪،‬‬
‫فليملل وليه بالعدل} [البقرة‪ ]282/2:‬مما يدل على ثبوت الولية على السفيه (‪ . )2‬إل أن الحجر على‬
‫السفيه في هذه الحالة يكون بحكم قضائي‪ ،‬بالتثبت من السفه أو التبذير‪ ،‬ومنعا من إلحاق الضرر بمن‬
‫يتعامل مع السفيه من غير بينة وتحقق من حاله‪ .‬وهذا رأي أبي يوسف والشافعي وأحمد ومالك‬
‫رحمهم ال تعالى‪.‬‬
‫والحجر في هذه الحالة محصور في التصرفات التي تحتمل الفسخ‪ ،‬ويبطلها الهزل كالبيع والجارة‬
‫والرهن‪ .‬أما التصرفات التي ل تحتمل الفسخ ول يبطلها الهزل كالزواج والطلق والرجعة والخلع‪،‬‬
‫فل يحجر عليه بالجماع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬وعليه نصت المادة (‪ 990‬مجلة)‪ :‬السفيه المحجور عليه هو في المعاملت كالصغير المميز‪»...‬‬
‫‪.‬‬
‫(‪ )2‬كشف السرار‪ :‬ص ‪ ،1489‬التلويح على التوضيح‪ ،191/2 :‬التقرير والتحبير‪ ،201/2 :‬مرآة‬
‫الصول‪ ،459/2 :‬الدر المختار‪ 102/5 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،279 ،276/2 :‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،170/2‬المغني‪ ،469/4 :‬الشرح الصغير‪ 382/3 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/486‬‬
‫الغفلة والسفه ‪:‬‬
‫الغفلة ملحقة بالسفه من ناحيةجواز الحجر عند جمهور الفقهاء وعدمه عند أبي حنيفة (‪ . )1‬وذو‬
‫الغفلة‪ :‬هو من ل يهتدي إلى أسباب الربح والخسارة‪ ،‬كما يهتدي غيره‪ ،‬وإنما يخدع بسهولة بسبب‬
‫البساطة وسلمة القلب‪ ،‬مما يؤدي إلى غبنه في المعاملت‪ .‬وحكم المغفل والسفيه سواء‪ .‬أما الفرق‬
‫بينهما فهو أن السفيه كامل الدراك‪ ،‬ويرجع سوء تصرفه إلى سوء اختياره‪ .‬وأما ذو الغفلة‪ :‬فهو‬
‫ضعيف الدراك‪ ،‬ويرجع سوء تصرفه إلى ضعف عقله وإدراكه للخير والشر‪.‬‬

‫‪ - 7‬الدين أو المديونية ‪:‬‬
‫الخلف الذي ذكرفي السفه والغفلة من ناحية الحجر وعدمه يجري في الدين‪ .‬فأبو حنيفة ل يجيز‬
‫الحجر على المدين‪ ،‬وإن استغرق دينه ماله‪ ،‬لنه كامل الهلية بالعقل‪ ،‬فل حجر عليه‪ ،‬حفاظا على‬
‫حريته في التصرف وإنسانيته‪ .‬وإنما يؤمر بسداد ديونه‪ ،‬فإن أبى يحبس ليبيع ماله بنفسه ويؤدي ما‬
‫عليه من الديون‪.‬‬
‫وقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد) والئمة الثلثة‪( :‬مالك والشافعي وأحمد) (‪ : )2‬يحجر القاضي‬
‫على المدين الذي ترتبت عليه ديون حالّة الجل‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تبيين الحقائق‪.198/5 :‬‬
‫(‪ )2‬تبيين الحقائق‪ ،199/5 :‬رد المحتار على الدر المختار‪ 105 ،102/5 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح‬
‫الصغير‪ ،346/2 :‬مغني المحتاج‪ ،146/2 :‬غاية المنتهى‪ ،129/2 :‬القواعد لبن رجب‪ :‬ص ‪،14‬‬
‫بداية المجتهد‪.280/2 :‬‬

‫( ‪)4/487‬‬
‫هذا مع العلم بأن أصل المذهب الحنفي عدم جواز الحجر بسبب الدين‪ .‬لكن المفتى به عند الحنفية هو‬
‫قول الصاحبين وهو جواز الحجر‪ .‬وكانت ديونه مستغرقة لماله (أي محيطة بها) وطلب الدائنون‬
‫الغرماء الحجر عليه (‪ )1‬وهذا هو المفلس‪ ،‬والمفلس لغة‪ :‬من ل مال له‪ ،‬وشرعا‪ ،‬من دينه أكثر من‬
‫ماله‪ .‬وأجاز المالكية الحجر على المدين المفلس دون حاجة لحكم قضائي‪ ،‬أي على الغريم نفسه‪ ،‬ولو‬
‫كان الدين المحيط بالمال مؤجلً‪.‬‬
‫وبالحجر على المدين تنتقص أهليته‪ ،‬ويصبح كالصغير المميز‪ ،‬ومتى وقع الحجر عليه صارت‬
‫تصرفاته المالية التي تضر بدائنيه موقوفة على إجازتهم‪ ،‬سواء أكانت تلك التصرفات تبرعات محضة‬
‫كالهبة أو الوقف‪ ،‬أم معاوضات مشتملة على المحاباة في الثمن‪ ،‬كالبيع بأقل من القيمة‪ ،‬أو الشراء‬
‫بأكثر من القيمة‪ ،‬فإن أجازوا التصرف نفذ‪ ،‬وإن رفضوه بطل‪.‬‬
‫وهذا يعني عند الحنفية‪ :‬أنه إذا صح الحجر على المدين‪ ،‬صار المحجور كمريض عليه ديون الصحة‪،‬‬
‫فكل تصرف أدى إلى إبطال حق الدائنين الغرماء‪ ،‬فالحجر (أي المنع من التصرف) يؤثر فيه كالهبة‬
‫والصدقة‪.‬‬
‫وأما البيع‪ :‬فإن كان بمثل القيمة جاز‪ ،‬وإن كان بغبن فل يجوز‪ ،‬ويتخير المشتري بين إزالة الغبن‪،‬‬

‫وبين الفسخ‪ ،‬كبيع المريض‪.‬‬
‫ويجوز له الزواج بمهر المثل والطلق والخلع ونحو ذلك‪ ،‬كما يجوز له قبول الهبات والتبرعات‪.‬‬
‫‪ - 8‬مرض الموت ‪:‬‬
‫البحث فيه يتناول تعريفه وما يلحق به‪ ،‬والحقوق المتعلقة به‪ ،‬وحقوق المريض‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نصت المادة (‪ 998‬مجلة) على ما يأتي «لو ظهر عند الحاكم مماطلة المديون في أداء دينه حال‬
‫كونه مقتدرا‪ ،‬وطلب الغرماء بيع ماله وتأدية دينه حجر الحاكم ماله‪ .‬وإذا امتنع عن بيعه وتأدية الدين‬
‫باعه الحاكم وأدى دينه‪ »..‬ونصت المادة (‪ )999‬على جواز حجر الحاكم المدين المفلس الذي دينه‬
‫مساوٍ لماله أو أزيد‪...‬‬

‫( ‪)4/488‬‬
‫نفسه‪ ،‬وحقوق الدائنين والموصى لهم والورثة‪ ،‬وتصرفات المريض نفسه‪ ،‬وإقراره (‪. )1‬‬
‫أ ـ تعريفه‪ :‬هو المرض الذي يعجز الرجل أو المرأة عن ممارسة أعمالها المعتادة ويتصل به الموت‬
‫قبل مضي سنة من بدئه‪ ،‬إذا لم يكن في حالة تزايد أو تغير‪ ،‬فإن كان يتزايد اعتبر مرض موت من‬
‫تاريخ اشتداده أو تغيره‪ ،‬ولو دام أكثر من سنة (م ‪ 1595‬مجلة)‪.‬‬
‫ويقال لصاحبه‪ :‬المريض؛ ويقابله‪ :‬الصحيح‪ .‬وهذا هو مراد فقهاء الحنفية عند إطلق كلمة ( المريض‬
‫) أي من هو في مرض الموت‪ .‬أو كلمة ( الصحيح ) أي من ليس في حال مرض الموت‪ ،‬ولو كان‬
‫مريضا بمرض آخر‪.‬‬
‫ول بد لتوافر معنى مرض الموت من أمرين‪ :‬أن يكون مما يغلب فيه الهلك عادة وأن يتصل به‬
‫الموت فعلً‪ ،‬ولو من حادث آخر كالقتل والحرق والغرق وغيرها‪.‬‬
‫وبناء عليه ألحق الفقهاء به حالت مثل (‪: )2‬‬
‫ركاب سفينة جاءتها ريح عاصف‪ ،‬وظنوا أن الموت نازل بهم‪.‬‬
‫السرى لدى دولة اعتادت قتلهم‪.‬‬
‫المجاهد الذي خرج للقاء العدو بائعا نفسه في سبيل ال والوطن‪.‬‬
‫ب ـ حكمه والحقوق المتعلقة به‪ :‬مرض الموت ل ينافي أهلية وجوب الحكام الشرعية في حقه‪،‬‬
‫سواء حقوق ال وحقوق العباد وأهلية العبادة‪ ،‬لنه لتأثير له على الذمة والعقل والنطق‪.‬‬
‫ول ينافي أيضا أهلية الداء؛ لنه ل يخل بالعقل‪ ،‬فتجب للمصاب به حقوق غيره‪ ،‬كما تجب على‬

‫الصحيح‪ .‬وتظل عباراته وأقواله معتبرة كالبيع والهبة والجارة والزواج والطلق وسائر التصرفات‪.‬‬
‫إل أنه يحجر عليه ويمنع من بعض التصرفات كالمديون حماية لحقوق الدائنين التي تصبح متعلقة‬
‫بماله بعد أن كانت متعلقة بذمته فقط‪ ،‬وحماية لحقوق الورثة أيضا التي تصبح متعلقة بأعيان‬
‫وموجودات التركة نفسها في رأي أبي حنيفة خلفا لصاحبيه‪.‬‬
‫ج ـ حقوق المريض الخاصة‪ :‬تصرفات المريض الضرورية الخاصة بشخصه وأسرته نافذة‪ ،‬ل‬
‫تتوقف على إجازة أحد‪ ،‬وهي ما يلي‪:‬‬
‫أولً ـ النفقات الضرورية اللزمة للطعام والكسوة والسكنى له ولمن تلزمه نفقته‪ ،‬أو اللزمة للعلج‬
‫كأجر الطبيب وثمن الدواء وأجور عملية جراحية ونحوها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع التلويح على التوضيح‪ ،177/2 :‬كشف السرار‪ :‬ص ‪ ،1427‬التقرير والتحبير‪،186/2 :‬‬
‫مرآة الصول‪ ،447/2 :‬البدائع‪ 224/7 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪ 481/4 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى‪ :‬ص ‪.340‬‬

‫( ‪)4/489‬‬
‫ثانيا ـ الزواج‪ :‬للمريض إبرام عقد زواج‪ ،‬لنه قد يحتاج إلى من يخدمه أو يؤنسه‪ ،‬بشرط أل يزيد‬
‫المهر الذي يحدده على مهر المثل‪ ،‬فإن زاد عليه كانت الزيادة تبرعا وصية موقوفة على إجازة‬
‫الورثة إن زادت على ثلث التركة‪ ،‬فإن كانت في حدود هذا الثلث نفذت بدون إجازتهم‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬الطلق‪ :‬الطلق نافذ أثناء مرض الموت باتفاق الفقهاء‪ ،‬لكنه إذا كان بائنا بغير رضا المرأة‬
‫ومات الرجل في أثناء العدة‪ ،‬استحقت الميراث منه‪ ،‬لنه بطلقها يعتبر فارّ ا (هاربا) من ميراثها‪،‬‬
‫فيعامل بنقيض مقصوده‪ .‬وهذا رأي الحنفية‪ ،‬وعليه العمل في المحاكم الحالية (‪ . )1‬والخلع جائز‬
‫أيضا كالطلق لكن الرجل ل يستحق من بدل الخلع الذي تدفعه المرأة له إذا ماتت في العدة إل القل‬
‫من ثلثة (بدل الخلع‪ ،‬وثلث تركة الزوجة‪ ،‬ونصيب الزوج من ميراثه منها)‪ .‬وإن ماتت بعد العدة‬
‫استحق القل من اثنين (بدل الخلع‪ ،‬وثلث التركة)‪.‬‬
‫رابعا ـ العقود الواردة على المنافع‪ ،‬سواء أكانت بعوض أم بغير عوض كالجارة والعارة‬
‫والمزارعة والمساقاة ونحوها‪ .‬للمريض مباشرة هذه العقود ولو كان العقد بأقل من عوض المثل‪ ،‬دون‬
‫أن يحق لحد من الورثة أو الدائنين العتراض عليه؛ لن المنافع ليست أموالً في مذهب الحنفية‪ ،‬فل‬
‫يتعلق بها حق لحد الورثة أو الدائنين‪ ،‬ولن التصرف في المنافع ينتهي بمجرد موت أحد العاقدين‪،‬‬

‫فل يكون هناك حاجة لعتراض الدائنين أو الورثة‪ .‬وأما غير الحنفية الذين يعدون المنافع أموالً‪ ،‬فإن‬
‫التصرف فيها خاضع لجازة أصحاب الحق‪.‬‬
‫خامسا ـ العقود المتعقلة بالربح ول تمس رأس المال كالشركة والمضاربة تصحان من المريض‪ ،‬ولو‬
‫بغبن؛ لن الربح كالمنافع ل حق لحد فيه‪ ،‬ولن الشركة تبطل بموت المريض‪ ،‬فل ضرر فيها على‬
‫أحد؛ لن حقوق الورثة أو الدائنين تتعلق بأعيان التركة أو بماليتها‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬هناك آراء أخرى‪ :‬يرى الحنابلة أنها تستحق الميراث ولو انقضت عدتها مالم تتزوج قبل موته‪.‬‬
‫ويرى المالكية‪ :‬أنها تستحق الميراث ولو تزوجت غيره قبل الموت‪ .‬وقال الشافعية‪ :‬لتستحق الميراث‬
‫أصلً‪ ،‬ولو مات زوجها وهي في العدة‪.‬‬

‫( ‪)4/490‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن كل تصرف يضطر إليه المريض‪ ،‬أو ل يمس حقوق الدائنين أو الورثة هو نافذ ل‬
‫يتوقف على إجازة أحد‪.‬‬
‫د ـ حقوق الدائنين‪ :‬تأتي بعد حقوق المريض الخاصة‪ .‬فإذا كان المريض مدينا منع من التصرف‬
‫الضار بمصلحة الدائنين‪ .‬وعليه إذا كان المريض مدينا بدين مستغرق (محيط بكل ماله) منع من‬
‫التبرعات أو ما في حكمها‪ ،‬كالهبة والوقف والوصية بشيء من أمواله‪ ،‬والبيع أو الشراء بالمحاباة‪.‬‬
‫ويكون تصرفه موقوفا على إجازة الدائنين بعد وفاة المريض‪.‬‬
‫وإن كان المريض مدينا بدين غير مستغرق‪ ،‬اعتبر تصرفه مع غير الوارث نافذا إذا لم يشتمل على‬
‫غبن فاحش‪ .‬أما إذا حدث التصرف مع وارث‪ ،‬فله حكم الوصية‪ :‬ينفذ من الثلث بعد وفاء الديون‪.‬‬
‫ويتوقف على إجازة الورثة فيما يزيد عن الثلث‪.‬‬
‫هـ ـ حقوق الموصى له‪ :‬للمريض أن يوصي بقدر ثلث التركة‪ ،‬فإذا مات مدينا بدين مستغرق‬
‫للتركة بطلت الوصية‪ ،‬إل إذا أجازها الدائنون‪ .‬وإذا لم يكن مدينا أو مدينا بدين غير مستغرق نفذت‬
‫الوصية لجنبي في حدود ثلث التركة‪ .‬وإن كانت الوصية لوارث صارت موقوفة على إجازة الورثة‪،‬‬
‫مهما كان الموصى به‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم‪« :‬ل وصية لوارث» ‪.‬‬

‫( ‪)4/491‬‬

‫و ـ حقوق الورثة‪ :‬تتعلق حقوق الورثة بثلث تركة المريض بعد وفاء الديون وتنفيذ الوصايا‪ .‬فإن لم‬
‫يكن هناك ديون ول وصايا استحقوا التركة كلها‪ .‬و تأتي حقوقهم بعد حقوق الدائنين والموصى لهم‪.‬‬
‫وبناء عليه‪ :‬كل تصرف من المريض ليضر بحقوق الورثة يكون صحيحا نافذا ل اعتراض لحد‬
‫عليه‪ .‬وإن كان التصرف ضارا بحقوقهم‪ ،‬كان لهم مع نفاذه حال الحياة حق إبطاله بعد الموت إن كان‬
‫مما يقبل الفسخ كالتبرعات‪ .‬لكن ما نوع حق الورثة بالتركة‪ :‬هل هو حق شخصي أو حق عيني (‬
‫‪ )1‬؟‬
‫قال أبو حنيفة‪ :‬يتعلق حق الورثة بمالية التركة إن تصرف المريض لجنبي غير وارث‪ ،‬ويتعلق حقهم‬
‫بأعيان التركة وذاتها نفسها إن تصرف المريض لوارث‪ ،‬أي أن حقهم في الحالة الثانية حق عيني‪،‬‬
‫وفي الولى حق شخصي‪ .‬ويترتب عليه‪ :‬يصح تصرف المريض لغير الوارث ببعض أموال التركة‬
‫بمثل القيمة‪ ،‬دون اعتراض من أحد الورثة‪ .‬ول يصح تصرف المريض لوارث ببعض أموال التركة‬
‫ولو بقيمته بل أي غبن‪ .‬ويحق لباقي الورثة نقض هذا التصرف لما فيه من ضرر بمصلحتهم؛ لن‬
‫حقهم تعلق بأعيان التركة‪ ،‬وإيثار بعض الورثة على بعض ل يجوز‪ .‬أما في حال تصرف المريض‬
‫مع غير الورثة فإن حقهم تعلق بقيمة التركة أو ماليتها‪.‬‬
‫وقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد)‪ :‬يتعلق حق الورثة كحق الدائنين العاديين بمالية التركة‪ ،‬أي‬
‫بقيمتها‪ ،‬ل بأعيانها‪ ،‬سواء أكان تصرف المريض مع وارث أم غير وارث‪ .‬فيصح تصرف المريض‬
‫بمال مطلقا (لوارث أو لغير وارث) إذا كان بثمن المثل أي بدون غبن‪ ،‬إذ ليس فيه ضرر بباقي‬
‫الورثة؛ لن حقوقهم في التركة متعلقة بناحية أنها مال فقط‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الحق الشخصي‪ :‬هو علقة بين شخصين يكون أحدهما مكلفا تجاه الخر بعمل أو بالمتناع عن‬
‫عمل كحق الدائن في ذمة المدين‪ ،‬أو حق المودع على الوديع في أل يستعمل الوديعة‪ .‬والحق العيني‪:‬‬
‫علقة مباشرة بين شخص وشيء معين بذاته مثل حق الملكية على الموال وحق الرتفاق المقرر‬
‫على عقار معين مثل حق المرور أو المسيل‪.‬‬

‫( ‪)4/492‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن هناك ـ على الرأي الراجح وهو رأي أبي حنيفة ـ فرقا بين حق الدائنين وحق‬
‫الورثة‪ :‬وهو أن حق الدائنين يتعلق بمال المدين فقط‪ ،‬ل بأعيان التركة نفسها‪ .‬حتى جاز للمريض‬
‫مبادلة مال بيعا أو شراءً دون حاجة لذن الدائن‪ ،‬ويجوز للورثة إعطاء الدائن دينه نقدا‪ ،‬ثم يتصرفون‬

‫بأعيان التركة كما يشاؤون‪.‬‬
‫ز ـ تصرفات المريض‪ :‬إذا كان التصرف الصادر من المريض ل يقبل الفسخ أو البطال كالزواج‬
‫والطلق والرجعة والعفو عن القصاص‪ ،‬نفذ بعد الموت في حدود ثلث التركة‪ .‬وإن كان التصرف‬
‫قابلً للفسخ‪ ،‬كان موقوفا على إجازة أصحاب الحق بعد الوفاة إذا كان ضارا بمصلحتهم كالتبرع‬
‫والهبة والوقف وبيع المحاباة‪ ،‬وكالبيع المشتمل على غبن‪ .‬فإن كان التصرف ل غبن فيه‪ ،‬ومع أجنبي‬
‫غير وارث‪ ،‬نفذ ولم يتوقف على إجازة أحد‪.‬‬
‫ح ـ إقرار المريض‪ :‬للمريض أن يقر بدين عليه لجنبي أو لوارث‪ .‬فإن كان لجنبي غير وارث فهو‬
‫صحيح نافذ دون حاجة لجازة الورثة‪ ،‬ولو أحاط القرار بجميع ماله (م ‪ 1601‬مجلة)‪ ،‬لكن تقدم عليه‬
‫عند الحنفية ديون الصحة (‪. )1‬‬
‫وإن كان القرار لوارث فل ينفذ إل بإجازة باقي الورثة‪ ،‬فإن أجازوه نفذ‪ ،‬وإل بطل‪ .‬لكن يصح‬
‫القرار لوارث استثناء كما في حال القرار بقبض أمانته الموجودة عند وارث‪ ،‬أو باستهلك المانة‬
‫أو الوديعة الموجودة عنده لوارث (م ‪ 1598‬مجلة)‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬ديون الصحة‪ :‬هي الديون التي تثبت قبل مرض الموت‪ ،‬ولو بالقرار وحده حينئذ‪ .‬وقال غير‬
‫الحنفية‪ :‬دين الصحة ودين المرض يتساويان‪ ،‬فل يقدم دين الصحة على دين المرض‪ ،‬لنهما حقان‬
‫ثابتان‪.‬‬

‫( ‪)4/493‬‬
‫ثانيا ـ الولية ‪:‬‬
‫معناها والفرق بينها وبين الهلية‪ ،‬صلتها بالعقد‪ ،‬أنواعها‪ ،‬الولياء ودرجاتهم‪ ،‬محتاجو الولية‪ ،‬مبدأ‬
‫الولية‪ ،‬شروط الولية‪ ،‬تصرفات الولي (مدى صلحياته)‪.‬‬
‫تعريف الولية‪ :‬الولية في اللغة‪ :‬هي تولي المر والقيام به أو عليه‪ .‬وفي اصطلح الشرع‪ :‬هي‬
‫سلطة شرعية يتمكن بها صاحبها من إنشاء العقود‬
‫والتصرفات وتنفيذها‪ ،‬أي ترتيب الثار الشرعية عليها‪ .‬والولية على القاصر‪ :‬هي إشراف الراشد‬
‫على شؤون القاصر الشخصية والمالية‪.‬‬
‫صلتها بالعقد والفرق بينها وبين الهلية‪ :‬يتطلب العقد لوجوده ونفاذه وترتيب آثاره الشرعية أن يكون‬
‫العاقد ذا أهلية أداء‪ ،‬وذا ولية على العقد بأن يكون أصيلً عن نفسه أو وليا أو وصيا على غيره‪ .‬فإن‬

‫لم يكن أصيلً أو وليا أو وصيا كان فضوليا‪.‬‬
‫وأهلية الداء شرط انعقاد العقد ووجوده‪ ،‬فإن لم تتوافر كان العقد باطلً‪ .‬أما الولية فهي شرط لنفاذ‬
‫العقد (‪ )1‬وترتب الثار الشرعية عليه‪ .‬وهي ل تثبت إل لكامل أهلية الداء‪ .‬أما ناقص أهلية الداء‬
‫فل ولية له على نفسه ول على غيره‪.‬‬
‫وأهلية الداء‪ :‬صلحية الشخص لمباشرة العقود‪ .‬والولية‪ :‬صلحية الشخص لنفاذ العقود‪.‬‬
‫وبناء عليه يكون للعقد بالنظر للهلية والولية أحوال ثلث (‪: )2‬‬
‫‪ - 1‬إذا كان العاقد كامل الهلية وصاحب ولية‪ :‬اعتبر العقد صحيحا نافذا إل إذا كان فيه ضرر‬
‫بآخر فيصبح موقوفا على الجازة‪ ،‬كالتصرف بالمأجور أو المرهون قبل انتهاء مدة الجازة أو قبل‬
‫أداء الدين‪ ،‬وتصرف المدين الذي يضر الدائنين‪ ،‬وتصرف المريض مرض الموت‪ ،‬على ما سبق‬
‫بيانه‪.‬‬
‫‪ - 2‬إذا صدر العقد من عديم الهلية وفاقد الولية‪ ،‬كالمجنون والصبي غير‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬النفاذ في الصل‪ :‬المضي والجواز‪ ،‬ثم أطلق عند الفقهاء على مضي العقد دون توقف على‬
‫الجازة أو الذن‪.‬‬
‫(‪ )2‬الموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى‪ :‬ص ‪.351‬‬

‫( ‪)4/494‬‬
‫المميز‪ ،‬كان باطلً‪ .‬فإن كان العاقد ناقص الهلية كالصبي المميز‪ ،‬توقف عقده المتردد بين الضرر‬
‫والنفع كالبيع على إجازة وليه أو وصيه‪ ،‬على ما سبق بيانه‪.‬‬
‫‪ - 3‬إذا صدر العقد من صاحب أهلية أداء كاملة‪ ،‬ولكنه فاقد الولية‪ ،‬وهو الفضولي‪ ،‬كان موقوفا‬
‫على إجازة المعقود له‪ ،‬على ما سيتضح في بحث لحق‪ ،‬أي أنني سأخصص مبحثا مستقلً لكل من‬
‫الوكالةوالفضالة باعتبارهما من أنواع النيابة عن الغير حال الحياة‪.‬‬
‫أنواع الولية‪ :‬الولية إما أن تكون أصلية‪ :‬بأن يتولى الشخص عقدا أوتصرفا لنفسه‪ ،‬بأن يكون كامل‬
‫أهلية الداء (بالغا عاقلً راشدا)‪ ،‬أو نيابية‪ :‬بأن يتولى الشخص أمور غيره‪.‬‬
‫والولية النيابية أو النيابة الشرعية عن الغير‪ :‬إما أن تكون اختيارية أو إجبارية (‪: )1‬‬
‫الختيارية‪ :‬هي الوكالة أي تفويض التصرف والحفظ إلى الغيرعلى ماسيأتي‪.‬‬
‫والجبارية‪ :‬هي تفويض الشرع أو القضاء التصرف لمصلحة القاصر‪ ،‬كولية الب أو الجد أو‬

‫الوصي على الصغير‪ ،‬وولية القاضي على القاصر‪ .‬فمصدر ولية الب أو الجد أو القاضي هو‬
‫الشرع‪ .‬ومصدر ولية الوصي إما اختيار الب أو الجد‪ ،‬أو تعيين القاضي‪.‬‬
‫والولية النيابية الجبارية‪ :‬إما أن يكون ولية على النفس أو ولية على المال‪.‬‬
‫الولية على النفس‪ :‬هي الشراف على شؤون القاصر الشخصية كالتزويج والتعليم والتأديب والتطبيب‬
‫والتشغيل في حرفة ونحو ذلك‪ .‬وليس هنا محل بحثها‪.‬‬
‫والولية على المال‪ :‬هي الشراف على شؤون القاصر المالية من حفظ المال واستثماره وإبرام العقود‬
‫والتصرفات المتعلقة بالمال‪ .‬وهي محل البحث هنا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.152/5 :‬‬

‫( ‪)4/495‬‬
‫الولياء ودرجاتهم‪:‬‬
‫الولية على النفس‪ :‬تثبت للقرب فالقرب من العصبات (‪ )1‬على الترتيب التالي‪:‬‬
‫‪ - 1‬البنوة (البناء ثم أبناء البناء) فابن المجنون والمجنونة مثلً يتولى شؤونهما الشخصية‪.‬‬
‫‪ - 2‬البوة (الباء ثم الجداد)‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ الخوة (الخوة ثم أبناء الخوة)‪.‬‬
‫‪ - 4‬العمومة (العمام ثم أبناء العمام)‪.‬‬
‫وهذا هو ترتيب الرث والولية في الزواج‪ ،‬وقد نصت على ذلك المادة (‪ )21‬من قانون الحوال‬
‫الشخصية السوري‪.‬‬
‫والولية على المال‪ :‬بالنسبة للصغير القاصر‪ :‬تثبت عند الحنفية على الترتيب التالي‪ :‬الب‪ ،‬ثم وصي‬
‫الب‪ ،‬ثم الجد‪ ،‬ثم القاضي‪ ،‬ثم وصي القاضي‪ :‬وهو من يعينه القاضي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬العصبات‪ :‬قرابة الشخص الذكور من جهة الب‪ ،‬كالخ والعم وابن العم‪.‬‬

‫( ‪)4/496‬‬
‫والسبب في هذا الترتيب (‪ : )1‬أن الب أوفر الناس شفقة على ولده‪ .‬ويعقبه وصيه الذي اختاره ليقوم‬
‫مقامه‪ ،‬والظاهر أنه ما اختاره من بين سائر الناس إل لعلمه بأن شفقته على الصغير مثل شفقته عليه‪.‬‬

‫والجد يأتي بعدئذ لن شفقته دون شفقة الب‪ .‬ووصيه يليه ويقوم مقامه‪ ،‬لنه وثقه وارتضاه‪ .‬والقاضي‬
‫أمين على مصالح المة وبخاصة اليتامى فصلح أن يكون وليا‪ ،‬لقوله صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬السلطان‬
‫ولي من ل ولي له» ‪.‬‬
‫يتبين من ذلك أن الب‪ ،‬والجد أب الب لهما ولية تامة على النفس وعلى المال معا‪ .‬وقد نصت على‬
‫ذلك المادة (‪ )170‬من قانون الحوال الشخصية السوري‪« :‬للب ثم للجد العصبي ولية على نفس‬
‫القاصر وماله‪ ،‬وهما ملتزمان بالقيام بها» ‪.‬‬
‫كما نصت المادة ‪ )1/172‬على من تثبت له الولية على المال‪« :‬للب وللجد العصبي عند عدمه دون‬
‫غيرهما ولية على مال القاصر حفظا وتصرفا واستثمارا» ‪ .‬ونصت المادة (‪ )177‬على الوصي‬
‫المختار‪ :‬وهو من يختاره الب أو الجد قبل موته‪« :‬يجوز للب وللجد عند فقدان الب أن يقيم وصيا‬
‫مختارا لولده القاصر‪ ،‬أو الحمل‪ ،‬وله أن يرجع عن إيصائه» ‪ .‬ونصت المادة (‪ )771‬على وصي‬
‫القاضي‪ :‬وهو من يعينه القاضي‪« :‬إذا لم يكن للقاصر أو الحمل وصي مختار تعين المحكمة وصيا» ‪.‬‬
‫من يحتاج إلى الولية ‪:‬‬
‫تثبت الولية على الصغير القاصر والمجنون والمعتوه‪ ،‬والمغفل‪ ،‬والسفيه‪ ،‬وقد اصطلح قانون الحوال‬
‫الشخصية السوري في المادة (‪ )163‬على تسميات لنواع الولية على هؤلء كما يبدو من النص‬
‫التالي‪:‬‬
‫« ‪ - 1‬النيابة الشرعية عن الغير تكون إما ولية‪ ،‬أو وصاية أو قوامة‪ ،‬أو وكالة قضائية‪.‬‬
‫‪ - 2‬الولية للقارب للب أو غيره‪ ،‬والوصاية على اليتام‪ ،‬والقوامة على المجانين والمعتوهين‪،‬‬
‫والمغفلين والسفهاء‪ .‬والوكالة القضائية عن المفقودين » ‪.‬‬
‫والحقيقة أن حالت النيابة الشرعية الربع هذه كلها داخلة تحت كلمة (الولية) عند فقهائنا كما تبين‬
‫لدينا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.155 ،152/5 :‬‬

‫( ‪)4/497‬‬
‫أما الولية على مال الصغير القاصر‪ :‬فتكون لحد الولياء الستة الذين ذكروا سابقا وهم (الب‬
‫ووصيه‪ ،‬والجد ووصيه‪ ،‬والقاضي ووصيه) (‪. )1‬‬
‫وأما الولية على المجنون أو المعتوه‪ :‬إذا بلغ على هذه الحالة‪ ،‬فإنها تكون لمن كان وليه قبل البلوغ‬

‫من أب أو جد أو وصي‪ ،‬باتفاق المذاهب الربعة‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫فإن بلغ الشخص رشيدا ثم طرأ عليه الجنون أو العته‪ ،‬عادت إلىه ولية من كان وليه قبل البلوغ‪،‬‬
‫على الرأي الراجح عند الحنفية‪ ،‬والشافعية (‪. )2‬‬
‫وقال المالكية والحنابلة‪ :‬تكون الولية عليه حينئذ للقاضي‪ ،‬ول تعود لمن كانت له من أب أو جد؛ لن‬
‫الولية سقطت ببلوغ الصغير رشيدا‪ ،‬والساقط ليعود (‪. )3‬‬
‫وقانون الحوال الشخصية السوري أخذ بالرأي الثاني في المادة (‪ )002‬وهي‪ - 1ً« :‬المجنون‬
‫والمعتوه محجوران لذاتهما‪ ،‬ويقام على كل منهما قيم بوثيقة» ومعنى المادة أن تصرفات المجنون‬
‫والمعتوه تعد باطلة‪ ،‬ولو قبل شهر قرار الحجر عليهما‪ ،‬حماية لمصالحهما‪.‬‬
‫وأما القانون المدني السوري في المادة (‪ )115‬فلم يعتبر تصرفات المجنون والمعتوه باطلة إل بعد‬
‫شهر قرار الحجر عليهما حماية لستقرار المعاملت إل في حالتين استثناهما نص المادة وهي‪:‬‬
‫‪ - 1‬يقع باطلً تصرف المجنون والمعتوه‪ ،‬إذا صدر التصرف بعد شهر قرار الحجر‪.‬‬
‫‪ - 2‬أما إذا صدر التصرف قبل شهر قرار الحجر‪ ،‬فل يكون باطلً إل إذا كانت حالة الجنون أو‬
‫العته شائعة وقت التعاقد‪ ،‬أو كان الطرف الخر على بينة منها‪.‬‬
‫وأما الولية على السفيه وذي الغفلة‪ :‬فإنها تكون للقاضي باتفاق المذاهب الربعة (‪ )4‬؛ لن الحجر‬
‫عليهما متوقف على قضاء القاضي‪ ،‬حفاظا على مالهما ومراعاة لمصلحتهما‪.‬‬
‫وعلى هذا تكون تصرفاتهما صحيحة نافذة قبل إيقاع الحجر عليهما‪ .‬نصت المادة (‪ )2/200‬من قانون‬
‫الحوال الشخصية السوري على ذلك فيما يأتي‪« :‬السفيه والمغفل يحجران قضاء‪ ،‬وتصرفاتهما قبل‬
‫القضاء نافذة‪ ،‬ويقام على كل منهما قيم بقرار الحجر نفسه‪ ،‬أو بوثيقة على حدة» ‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الولية في مذهبي المالكية والحنابلة تكون أولً للب ثم لوصيه‪ ،‬ثم للحاكم‪ ،‬ثم لمن يقيمه أمينا‬
‫عنه ول ولية للجد وغيره من القرابة (الشرح الكبير للدردير‪ ،292/3 :‬غاية المنتهى‪ )140/2 :‬وعند‬
‫الشافعية‪ :‬الولية للب أولً ثم للجد أبي الب‪ ،‬ثم لوصيهما ثم القاضي أي العدل المين (نهاية‬
‫المحتاج‪.)355/3 :‬‬
‫(‪ )2‬تبيين الحقائق‪ 195/5 :‬وما بعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،171/2 :‬نهاية المحتاج‪.356/3 :‬‬
‫(‪ )3‬غاية المنتهى‪ ،142/2 :‬الشرح الكبير للدردير‪.292/3 :‬‬
‫(‪ )4‬المراجع السابقة‪ :‬مغني المحتاج‪.170/2 :‬‬

‫( ‪)4/498‬‬

‫واشترط القانون المدني السوري لبطال تصرف المغفل والسفيه شهر قرار الحجر إل في حالتين‬
‫نصت المادة (‪ )116‬منه على ما يأتي‪:‬‬
‫« ‪ -1‬إذا صدر تصرف من ذي الغفلة أو من السفيه بعد شهر قرار الحجر‪ ،‬سرى على هذا التصرف‬
‫ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام‪.‬‬
‫‪ - 2‬أما التصرف الصادر قبل شهر قرار الحجر‪ ،‬فل يكون باطلً أو قابلً للبطال‪ ،‬إل إذا كان نتيجة‬
‫استغلل أو تواطؤ» ‪.‬‬
‫وأما الوكالة القضائية‪ :‬فهي نوع من الولية قررتها القوانين النافذة في أحوال ثلث‪:‬‬
‫‪ - 1‬المفقود والغائب‪ :‬نص قانون الحوال الشخصية السوري في المواد (‪ )206 - 202‬على‬
‫أصولهما والحكام المتعلقة بهما‪ ،‬ومنها أن المفقود‪ :‬هو كل شخص ل تعرف حياته أو مماته‪ ،‬أو‬
‫تكون حياته محققة‪ ،‬ولكن ل يعرف له مكان (م ‪ )202‬ومنها أنه يعتبر كالمفقود‪ :‬الغائب الذي منعته‬
‫ظروف قاهرة من الرجوع إلى مقامه أو إدارة شؤونه بنفسه‪ ،‬أو بوكيل عنه‪ ،‬مدة أكثر من سنة‪،‬‬
‫وتعطلت بذلك مصالحه أو مصالح غيره‪.‬‬
‫أما حكم زوجة المفقود فقد نصت المادة (‪ )109‬من هذا القانون على أنه‪« :‬إذا غاب الزوج بل عذر‬
‫مقبول‪ ،‬أو حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلث سنوات‪ ،‬جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن‬
‫تطلب إلى القاضي التفريق‪ ،‬ولو كان له مال تستطيع النفاق منه» ‪.‬‬
‫والتفريق للغيبة بعد سنة في هذه المادة مأخوذ من القول المعتمد في مذهب المالكية‪ .‬وأما أموال‬
‫المفقود‪ :‬فقد نصت المادة (‪ )302‬من هذا القانون على حكمها فيما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬يوقف للمفقود من تركة مورثه نصيبه فيها‪ ،‬فإن ظهر حيا أخذه‪ ،‬وإن حكم بموته رد نصيبه إلى‬
‫من يستحقه من الورثة وقت موت مورثه‪.‬‬
‫‪ - 2‬إن ظهر حيا بعد الحكم بموته‪ ،‬أخذ ما بقي من نصيبه في أيدي الورثة ول توزع تركة المفقود‬
‫قبل موته أو الحكم باعتباره ميتا عند بلوغه الثمانين من العمر (م ‪.)205‬‬
‫‪- 2‬المصاب بعاهتين من ثلث عاهات هي الصمم والبكم والعمى‪.‬‬

‫( ‪)4/499‬‬
‫نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة (‪ - 1« :)118‬إذا كان الشخص أصم أبكم‪ ،‬أو أعمى‬
‫أصم‪ ،‬أو أعمى أبكم‪ ،‬وتعذر عليه بسبب ذلك التعبير عن إرادته‪ ،‬جاز للمحكمة أن تعين له مساعدا‬
‫قضائيا يعاونه في التصرفات التي تقتضي مصلحته فيها ذلك» ‪.‬‬

‫‪ - 3‬المحكوم عليه بالشغال الشاقة أو بالعتقال‪:‬‬
‫نص قانون العقوبات السوري في المادة ‪ 50‬على عقوبة تبعية لهذا الشخص بالضافة إلى السجن‪،‬‬
‫وهي الحجر عليه‪ ،‬أو منعه من التصرف بماله‪ ،‬وتعيين وصي يشرف على أمواله‪ ،‬ونص هذه المادة‬
‫ما يأتي‪:‬‬
‫« ‪ - 1‬كل محكوم عليه بالشغال الشاقة أو بالعتقال يكون في خلل تنفيذ عقوبته في حالة الحجر‪،‬‬
‫وتنقل ممارسة حقوقه على أملكه‪ ،‬ما خل الحقوق الملزمة للشخص (أي كالطلق) إلى وصي وفقا‬
‫لحكام قانون الحوال الشخصية المتعلقة بتعيين الوصياء على المحجور عليهم‪ ،‬وكل عمل وإدارة أو‬
‫تصرف يقوم به المحكوم عليه يعتبر باطلً بطلنا مطلقا مع الحتفاظ بحقوق الغير من ذوي النية‬
‫الحسنة‪ ،‬ول يمكن أن يسلم إلى المحكوم عليه أي مبلغ من دخله ما خل المبالغ التي يجيزها القانون‬
‫وأنظمة السجون» ‪.‬‬
‫مبدأ الولية ‪:‬‬
‫تبدأ الولية على الشخاص منذ ولدتهم‪ ،‬وتستمر حتى سن الرشد‪ ،‬أما الجنين فل ولية لحد عليه‬
‫قبل الولدة عند غالبية الفقهاء‪ ،‬فلو اشترى له شخص شيئا أو وهب له شيء‪ ،‬فل يتملكه‪ ،‬حتى ولو‬
‫ولد حيا‪ ،‬وإنما تثبت له الحقوق الضرورية الربعة التي ذكرت سابقا‪.‬‬

‫( ‪)4/500‬‬
‫لكن قانون الحوال الشخصية السوري في المادة (‪ )176‬الذي أخذ بالمقرر في فقه الشريعة الزيدية‪،‬‬
‫وقانون الولية على المال الصادر بمصر سنة ‪1952‬م أجازا للب أو للجد تعيين وصي للحمل‬
‫المستكن‪ .‬والوصي المقصود هنا في تقديري ليس مجرد أمين لحفظ المال حتى الولدة كما فهم كثير‬
‫من الشراح‪ ،‬وإنما الذي له صلحيات الوصياء عادة‪ ،‬عملً بإطلق النص‪ ،‬وبالمفهوم من التسوية في‬
‫الحكم بين وصي الحمل‪ ،‬ووصي القاصر في مادة واحدة‪ ،‬وتحقيقا للهدف المنشود من تعيين الوصي‬
‫وهو رعاية مصلحة الجنين وتثمير ماله وتنميته فضلً عن حفظه‪.‬‬
‫شروط الولي ‪:‬‬
‫الولية مسؤولية كبرى في إدارة أموال وأعمال الغير‪ ،‬ويترتب عليها نفاذ التصرفات غالبا‪ ،‬لذا يشترط‬
‫في الولي الخاص كالب أو ا لجد أو الولي العام كالقاضي وناظر الوقف ومدير المؤسسة الخيرية‬
‫شروط إما في شخصه أو في تصرفاته (‪. )1‬‬
‫‪ - 1‬كمال أهلية الداء بالبلوغ والعقل‪ ،‬فل ولية للمجنون ول للصغير‪ ،‬لنه ل ولية لهما على‬

‫أنفسهما‪ ،‬فل تكون لهما ولية على غيرهما‪ ،‬إذ فاقد الشيء ليعطيه‪.‬‬
‫‪ - 2‬اتحاد الدين بين الولي والمولى عليه‪ ،‬فل تثبت ولية لغير المسلم على المسلم‪ ،‬كما ل ولية‬
‫للمسلم على غير المسلم؛ لن اتحاد الدين باعث غالبا على الشفقة ورعاية المصلحة‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬مختصر الطحاوي‪ :‬ص ‪ 160‬ومابعدها‪ ،‬البدائع‪ ،153/5 :‬الدر المختار ورد المحتار‪.495/5 :‬‬

‫( ‪)4/501‬‬
‫‪ - 3‬العدالة‪ :‬أي الستقامة على أمور الدين والخلق والمروءات (‪ ، )1‬فل ولية للفاسق؛ لن فسقه‬
‫يجعله متهما في رعاية مصالح غيره‪.‬‬
‫‪ - 4‬القدرة على التصرف مع المانة‪ :‬لن المقصود من الولية تحقيق مصلحة المولى عليه‪ ،‬وهي ل‬
‫تتحقق مع العجز وعدم المانة (‪. )2‬‬
‫‪ - 5‬رعاية مصلحة المولى عليه في التصرفات‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ول تقربوا مال اليتيم إل بالتي هي‬
‫أحسن} [السراء‪ ]34/17:‬فليس للولي سلطة في مباشرة التصرفات الضارة بالمولى عليه ضررا‬
‫محضا‪ ،‬كالتبرع من مال القاصر بالهبة أو الصدقة‪ ،‬أو البيع أو الشراء بغبن فاحش‪ ،‬أو الطلق‪ .‬فإن‬
‫أمكن تنفيذها على الولي نفسه نفذت وإل كانت باطلة‪.‬‬
‫أما التصرفات النافعة نفعا محضا كقبول الهبة والوصية والكفالة بالمال‪ ،‬والتصرفات المترددة بين‬
‫الضرر والنفع كالبيع والشراء بغبن يسير أو بمثل القيمة‪ ،‬فتكون صحيحة نافذة‪.‬‬
‫إذا أخل الولي بأحد هذه الشروط‪ ،‬جاز للقاضي تبديله بسبب نقص الهلية أو الكفر أو الفسق‪ .‬فإن‬
‫صار الولي غير أمين ضم القاضي إليه مساعدا آخر يعينه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نصت المادة ‪1/178‬على ما يلي‪« : :‬يجب أن يكون الوصي عدلً قادرا على القيام بالوصاية ذا‬
‫أهلية كاملة‪ ،‬وأن يكون من ملة القاصر» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬منع قانون الحوال الشخصية السوري في المادة ‪2/178‬الوصي من الولية في حالت‪،‬ونصها‬
‫هو‪:‬‬
‫ل يجوز أن يكون وصيا‪:‬‬
‫أ ـ المحكوم عليه في جريمة سرقة أو إساءة الئتمان‪ ،‬أو تزوير أو في جريمة من الجرائم المخلة‬
‫بالخلق والداب العامة‪.‬‬

‫ب ـ المحكوم بإفلسه إلى أن يعاد إليه اعتباره‪.‬‬
‫ج ـ من قرر الب أو الجد عند عدمه حرمانه من التعيين قبل وفاته إذا ثبت ذلك ببينة خطية‪.‬‬
‫د ـ من كان بينه هو أو أحد أصوله أو فروعه أو زوجه وبين القاصر نزاع قضائي‪ ،‬أو خلف‬
‫عائلي يخشى منه على مصلحة القاصر‪.‬‬

‫( ‪)4/502‬‬
‫تصرفات الولي ومدى صلحياته ‪:‬‬
‫يتبين من شروط الولي أنه ليس له مباشرة أي تصرف يلحق ضررا محضا بالمولى عليه كالتبرع من‬
‫ماله‪ ،‬وله أن يتصرف فيما يحقق مصلحة القاصر‪ ،‬كحفظ أمواله وإدارتها واستثمارها‪ ،‬والنفاق‬
‫الضروري عليه‪ ،‬وشراء ما ل بد له منه‪ ،‬وبيع المنقولت‪ ،‬وعلى الب النفاق على الصغير إن لم‬
‫يكن له مال‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة‪.]233/2:‬‬
‫فإن كان للصغير مال أنفق عليه من ماله‪ .‬وجاز للب المحتاج أن يأخذ نفقته الضرورية من مال‬
‫الصغير‪ ،‬لقوله تعالى‪{ :‬ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء‪.]6/4:‬‬
‫وأما بيع عقار القاصر‪ :‬فالمفتى به في مذهب الحنفية‪ :‬أنه يجوز للب بيع عقار القاصر مثل القيمة‬
‫فأكثر‪ ،‬ول يجوز ذلك للوصي عند متأخري الحنفية إل للضرورة كبيعه لتسديد دين ل وفاء له إل بهذا‬
‫المبيع (‪. )1‬‬
‫ثم قرر قانون الحوال الشخصية السوري في المادة (‪ )2/172‬أنه ل يجوز للب (أي ول للوصي) (‬
‫‪ )2‬بيع عقار القاصر أو رهنه إل بإذن القاضي بعد تحقق المسوغ‪ ،‬كبيعه للنفقة أو لوفاء الدين‪.‬‬
‫هذا مجمل صلحيات أو سلطات الولي في التصرفات‪ ،‬وتفصيل أحكام تصرفات كل ولي على حدة‬
‫محله كتب الفقه (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تكملة فتح القدير مع العناية‪ 499/8 :‬وما بعدها‪ ،‬مجمع الضمانات للبغدادي‪ :‬ص ‪.408‬‬
‫(‪ )2‬وقد نصت المادة (‪ )182‬من قانوننا السوري على ذلك‪ ،‬فلم تجز للوصي التصرفات الناقلة للملكية‬
‫في مال القاصر إل بإذن المحكمة مباشرة‪.‬‬
‫(‪ )3‬انظر الدر المختار ورد المحتار‪ 494/5 :‬ومابعدها‪ ،‬تكملة الفتح‪ 498/8 :‬ومابعدها‪ ،‬مجمع‬
‫الضمانات‪ :‬ص ‪ 407‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/503‬‬

‫الوكالة‬
‫الوكالة‪ :‬نيابة شرعية عن الغير حال الحياة‪ ،‬وهي نوع من الولية كما تقدم‪ ،‬وأبحث فيها ما يأتي‪:‬‬
‫تعريفها‪ ،‬ركنها ‪ ،‬شروطها‪ ،‬أنواعها وتصرفات الوكيل‪ ،‬هل للوكيل توكيل غيره؟ تعدد الوكلء‪ ،‬الفرق‬
‫بين الرسول والوكيل‪ ،‬حكم العقد وحقوقه في حال التوكيل‪ ،‬انتهاء الوكالة‪.‬‬
‫تعريف الوكالة ومشروعيتها ‪:‬‬
‫الوكالة في اللغة تطلق ويراد بها إما ا لحفظ‪ ،‬كما في قوله تعالى‪{ :‬وقالوا‪ :‬حسبنا ال ونعم الوكيل} [آل‬
‫عمران‪ ]173/3:‬أي الحافظ‪ .‬وإما التفويض‪ ،‬كما في قوله سبحانه‪{ :‬وعلى ال فليتوكل المتوكلون}‬
‫[إبراهيم‪{ ]12/14:‬إني توكلت على ال ربي وربكم} [هود‪ ]56/11:‬ويقال‪ :‬وكل أمره إلى فلن‪ :‬أي‬
‫فوضه إليه واكتفى به‪.‬‬
‫وعند الفقهاء يراد بها المعنيان‪ ،‬وإن كان المعنى الول تبعيا والثاني هو‬
‫الصل‪ .‬وعبارة الحنفية (‪ )1‬في تعريفها‪ :‬هي إقامة الشخص غيره مقام نفسه في تصرف جائز‬
‫معلوم‪ .‬أو هي‪ :‬تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل‪.‬‬
‫وعبارة المالكية والشافعية والحنابلة (‪ )2‬في تعريفها‪ :‬هي تفويض شخص ماله فعله مما يقبل النيابة‬
‫إلى غيره ليفعله في حياته‪ .‬وضابط ما يقبل النيابة هو ما يأتي‪:‬‬
‫هو كل تصرف جاز للشخص مباشرته بنفسه ولو من حيث المبدأ جاز له التوكيل فيه‪.‬‬
‫والناس قديما وحديثا بحاجة يومية إلى الوكالة في كثير من أحوالهم وأمورهم‪ ،‬إما أنفة أو عدم لياقة‬
‫بمباشرة الشيء بالذات كتوكيل المير أو الوزير‪ ،‬وإما عجزا عن المر كتوكيل المحامين في‬
‫الخصومات‪ ،‬والخبراء بالبيع والشراء في التجارات‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تبيين الحقائق‪ ،254/4 :‬البدائع‪ ،19/6 :‬رد المحتار‪.417/4 :‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،217/2 :‬الشرح الكبير للدردير‪ ،377/3 ،‬غاية المنتهى‪.147/2 :‬‬

‫( ‪)4/504‬‬
‫لذا أقرتها الشرائع السماوية‪ ،‬قال تعالى في القرآن الكريم حكاية عن أصحاب الكهف‪{ :‬فابعثوا أحدكم‬
‫بورقكم هذه إلى المدينة‪ ،‬فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه‪[ }..‬الكهف‪ ]19/18:‬الية‪ .‬وفي‬
‫السنة النبوية‪ :‬وكل النبي صلّى ال عليه وسلم حكيم بن حزام (أو عروة البارقي) بشراء شاة أضحية (‬
‫‪ . )1‬ووكل عمرو ابن أمية الضمري في زواج أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي بالحبشة (‪ . )2‬ووكل‬

‫في القيام بأعمال الدولة كجباية الزكاة وإدارة الجيش وولية القاليم‪.‬‬
‫الوكالة بأجر‪ :‬تصح الوكالة بأجر‪ ،‬وبغير أجر‪ ،‬لن النبي صلّى ال عليه وسلم كان يبعث عماله لقبض‬
‫الصدقات‪ ،‬ويجعل لهم عمولة (‪ . )3‬فإذا تمت الوكالة بأجر‪ ،‬لزم العقد‪ ،‬ويكون للوكيل حكم الجير‪،‬‬
‫أي أنه يلزم الوكيل بتنفيذ العمل‪ ،‬وليس له التخلي عنه بدون عذر يبيح له ذلك‪ ،‬وإذا لم يذكر الجر‬
‫صراحة حكم العرف‪ :‬فإن كانت مأجورة عادة كتوكيل المحامين وسماسرة البيع والشراء‪ ،‬لزم أجر‬
‫المثل‪ ،‬ويدفعه أحد العاقدين بحسب العرف‪ .‬وإن كانت غير مأجورة عرفا‪ ،‬كانت مجانا‪ ،‬أو تبرعا‪،‬‬
‫ل بالصل في الوكالت‪ :‬وهو أن تكون بغير أجر على سبيل التعاون في الخير‪ .‬وهذا النوع ل‬
‫عم ً‬
‫يلزم فيه المضي في العمل‪ ،‬بل للوكيل التخلي عنه في أي وقت‪ .‬وهذا مذهب الحنفية والمالكية‬
‫والحنابلة (‪ . )4‬وقال الشافعية‪ :‬الوكالة ولو بجُعل جائزة أي غير لزمة من الجانبين (‪. )5‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬توكيل حكيم رواه أبو داود والترمذي عن حكيم بن حزام نفسه‪ ،‬وتوكيل البارقي رواه أحمد‬
‫والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن عروة نفسه (نيل الوطار‪.)270/5 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود في سننه ( ‪.)468/1‬‬
‫(‪ )3‬التلخيص الحبير‪.275 ،251 ،176/1 :‬‬
‫(‪ )2‬تكملة فتح القدير‪ ،123/6 :‬المغني‪ ،85/5 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،329‬الشرح الكبير‪396/3 :‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )5‬نهاية المحتاج‪ 38/4 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/505‬‬
‫ركن الوكالة‪ :‬ركن الوكالة‪ :‬اليجاب والقبول‪ ،‬اليجاب من الموكل كأن يقول‪ :‬وكلتك بكذا‪ ،‬أو افعل‬
‫كذا‪ ،‬أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه‪ .‬والقبول من الوكيل كأن يقول‪ :‬قبلت ونحوه‪ .‬ول يشترط في‬
‫القبول كونه لفظا أو قولً‪ ،‬وإنما يصح أن يكون بالفعل‪ .‬فإذا علم الوكيل بالتوكيل‪ ،‬فباشر التصرف‬
‫الموكل فيه‪ ،‬اعتبر ذلك قبولً‪ ،‬ول يشترط في الوكالة (كما عرفنا في بحث مجلس العقد) اتحاد مجلس‬
‫اليجاب والقبول‪ ،‬وإنما يكفي العلم بالوكالة ومباشرة التصرف‪.‬‬
‫والوكالة بغير أجر عقد جائز غير لزم (‪ )1‬أي يجوز لحد العاقدين فسخه متى شاء‪.‬‬
‫والوكالة باعتبارها إطلقا في التصرف يصح أن تكون منجزة في الحال‪ ،‬كأنت وكيلي من الن في‬
‫كذا‪ ،‬كما يصح عند الحنفية والحنابلة (‪ : )2‬أن تكون مضافة إلى وقت في المستقبل‪ ،‬كأنت وكيلي في‬

‫الدعوى الفلنية في الشهر القادم‪ ،‬أو معلقة على شرط‪ ،‬مثل‪ :‬إن قدم فأنت وكيلي في بيع هذا الكتاب‪،‬‬
‫لحاجة الناس إلى ذلك‪.‬‬
‫وقال الشافعية في الصح‪ :‬ل يصح تعليق الوكالة بشرط من صفة أو وقت‪ ،‬مثل‪ :‬إن قدم زيد أو رأس‬
‫الشهر فقد وكلتك بكذا‪ ،‬لما في التعليق من غرر (أي احتمال)‪ ،‬لكن يصح عندهم جعل الوكالة منجزة‬
‫في الحال‪ ،‬واشتراط بدء التصرف معلقا على شرط‪ ،‬مثل أنت وكيلي الن في بيع هذه الرض‪ ،‬ولكن‬
‫ل تبعها إل بعد شهر‪ ،‬أو إل إذا تركت وظيفتي‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬بداية المجتهد‪ ،297/2 :‬المغني‪ ،113/5 :‬غاية المنتهى‪ ،154/2 :‬مغني المحتاج‪231/2 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪.433/4 :‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،20/6 :‬غاية المنتهى‪ ،147/2 :‬المغني‪.85/5 :‬‬

‫( ‪)4/506‬‬
‫شروط الوكالة ‪:‬‬
‫يشترط لصحة الوكالة شروط في الموكل وفي الوكيل وفي المحل الموكل فيه‪.‬‬
‫أما الموكل‪ :‬فيشترط فيه أن يكون مالكا للتصرف الذي يوكل فيه أي أهلً لممارسته؛ لن من لم يملك‬
‫التصرف ل يملك تمليكه لغيره‪ .‬فل يصح التوكيل أصلً من فاقد الهلية كالمجنون أو الصبي غير‬
‫المميز‪ ،‬ول من ناقص الهلية أي المميز في التصرفات الضارة به كالطلق والهبة‪ .‬ويصح التوكيل‬
‫من المميز في التصرف النافع له كقبول الهبة‪ ،‬كما يصح منه التوكيل بإجازة وليه في التصرفات‬
‫المترددة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء واليجار‪ .‬ويصح التوكيل من المحجور عليه للسفه أو‬
‫الغفلة فيما يباح له من التصرفات‪ .‬ويصح للمرأة التوكيل في مباشرة عقد زواجها‪ .‬وهذا عند الحنفية (‬
‫‪. )1‬‬
‫وقال غير الحنفية (المالكية والشافعية والحنابلة) (‪ : )2‬ل يصح التوكيل من الصبي مطلقا؛ إذ ل يصح‬
‫عندهم مباشرته لي تصرف‪ .‬كما ل يصح للمرأة توكيل امرأة أخرى في إبرام عقد زواجها‪ .‬ويصح‬
‫لها عند المالكية توكيل الرجل في ذلك‪.‬‬
‫وأما الوكيل‪ :‬فيشترط فيه أن يكون عاقلً‪ ،‬فيصح أن يكون المميز وكيلً‪ ،‬سواء أكان مأذونا في‬
‫التجارة أم محجورا‪ .‬ول يصح جعل المجنون والمعتوه وغير المميز وكيلً في التصرفات لعدم اعتبار‬
‫عبارتهم‪ .‬هذا عند الحنفية (‪. )3‬‬

‫وقال غير الحنفية (‪ : )4‬وكالة الصبي غير صحيحة‪ ،‬لنه غير مكلف بالحكام الشرعية‪ ،‬فل تصح‬
‫مباشرة التصرف لنفسه‪ ،‬فل يصح توكيله عن غيره‪ .‬ول يصح أن تكون المرأة وكيلة عن غيرها في‬
‫مباشرة عقد الزواج؛ لنها ل تملك مباشرة عقدها بنفسها فل تملك مباشرة عقد غيرها‪.‬‬
‫وأما الموكل فيه (محل الوكالة ) ‪ :‬فيشترط فيه ما يأتي (‪: )5‬‬
‫‪ - 1‬أن يكون معلوما للوكيل‪ :‬فل يصح التوكيل بالمجهول جهالة فاحشة‪ ،‬مثل‪ :‬اشتر لي أرضا أو‬
‫جوهرا أو دارا‪ ،‬ويصح مع الجهالة اليسيرة مثل‪ :‬اشتر لي صوفا انكليزيا‪ ،‬أو اشتر لي صوفا بسعر‬
‫كذا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،20/6 :‬تكملة فتح القدير‪.12/6 :‬‬
‫(‪ )2‬الفقه على المذاهب الربعة‪ 236/3 :‬وما بعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،217/2 :‬المهذب‪.349/1 :‬‬
‫(‪ )3‬المبسوط‪ ،158/19 :‬البدائع‪ ،20/6 :‬رد المحتار‪.417/4 :‬‬
‫(‪ )4‬بداية المجتهد‪.297/2 :‬‬
‫(‪ )5‬البدائع‪ 12/6 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪ ،297/2 :‬الشرح الكبير‪ 377/3 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني‬
‫المحتاج‪ 219/2 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪.83/5 :‬‬

‫( ‪)4/507‬‬
‫‪ - 2‬أن يكون التصرف مباحا شرعا‪ :‬فل يجوز التوكيل في فعل محرم شرعا‪ ،‬كالغصب أو العتداء‬
‫على الغير‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن يكون مما يقبل النيابة‪ ،‬كالبيع والشراء والجارة والتبرع‪ ،‬ورد الودائع وقضاء الديون‬
‫ونحوها‪.‬‬
‫وذلك لن التصرفات بالنظر لقبولها النيابة وعدم قبولها أنواع ثلثة‪:‬‬
‫نوع يقبل النيابة اتفاقا‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫ونوع ل يقبل النيابة اتفاقا‪ ،‬كاليمين‪ ،‬والعبادات الشخصية المحضة كالصلة والصيام والطهارة من‬
‫الحدث‪.‬‬
‫ونوع مختلف فيه كاستيفاء القصاص والحدود الشرعية‪ .‬فقال الحنفية (‪ : )1‬ليجوز التوكيل فيها‪ ،‬بل‬
‫ل بد من حضور الموكل وقت الستيفاء (أي التنفيذ)‪ ،‬ولن غيبته شبهة‪ ،‬والحدود تدرأ بالشبهات‪.‬‬
‫وقال غير الحنفية (‪ : )2‬يجوز التوكيل باستيفاء الحدود والقصاص‪ ،‬سواء أحضر الموكل أم غاب؛‬

‫لن الحاجة قد تدعو لذلك‪ ،‬ولن الوكيل كالصيل‪.‬‬
‫أنواع الوكالة‪ :‬للوكالة أنواع منها ما يأتي‪:‬‬
‫أولً ـ الوكالة الخاصة والعامة‪ :‬قد تكون الوكالة خاصة وقد تكون عامة (‪. )3‬‬
‫الوكالة الخاصة‪ :‬هي النابة في تصرف معين‪ ،‬كبيع أرض أو سيارة معينة‪ ،‬وإجارة عقار محدد‪،‬‬
‫وتوكيل في دعوى معينة‪ .‬وحكمها‪ :‬أن الوكيل مقيد بما وكل فيه‪ ،‬وإل كان فضوليا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ ،106 ،9/19 :‬فتح القدير‪ ،104/6 :‬البدائع‪ ،21/6 :‬رد المحتار والدر المختار‪:‬‬
‫‪.418/4‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ ،297/2 :‬الشرح الكبير‪ ،378/3 :‬المغني‪ ،84/5 :‬مغني المحتاج‪،221/2 :‬‬
‫المهذب‪.349/1 :‬‬
‫(‪ )3‬الدر المختار وحاشية ابن عابدين‪ ،416/4 :‬بداية المجتهد‪.297/2 :‬‬

‫( ‪)4/508‬‬
‫والوكالة العامة‪ :‬هي النابة العامة في كل تصرف أو شيء ‪ ،‬مثل أنت وكيلي في كل التصرفات‪ ،‬أو‬
‫في كل شيء‪ ،‬أو اشتر لي ما شئت أو ما رأيت‪ ،‬وحكمها أن الوكيل يملك كل تصرف يملكه الموكل‬
‫وتجوز النيابة فيه‪ ،‬ما عدا التصرفات الضارة بالموكل كالتبرعات من هبة ووقف ونحوهما‪،‬‬
‫والسقاطات من طلق وإبراء ونحوهما‪ .‬فل يملك الوكيل هبة شيء من أموال الموكل‪ ،‬ول طلق‬
‫زوجة الموكل‪ ،‬إل بالنص على ذلك صراحة‪.‬‬
‫ثانيا ـ الوكالة المقيدة والمطلقة‪ :‬قد تكون الوكالة أيضا مقيدة أو مطلقة (‪. )1‬‬
‫الوكالة المقيدة‪ :‬هي التي يقيد فيها تصرف الوكيل بشروط معينة‪ ،‬مثل وكلتك في بيع أرضي بثمن‬
‫حال قدره كذا‪ ،‬أو مؤجل إلى مدة كذا‪ ،‬أو مقسّط على أقساط معينة‪ .‬وحكمها‪ :‬أن الوكيل يتقيد بما قيده‬
‫به الموكل‪ ،‬أي أنه يراعي القيد ما أمكن‪ ،‬سواء بالنسبة للشخص المتعاقد معه أو لمحل العقد‪ ،‬أو بدل‬
‫المعقود عليه‪ .‬فإذا خالف الوكيل ل يلزم الموكل بالتصرف إل إذا كان خلفا إلى خير‪ ،‬فيلزمه‪ ،‬كأن‬
‫يبيع الشيء الموكل ببيعه بأكثر من الثمن المحدد له‪ ،‬أو بثمن حال بدلً من الثمن المؤجل أو المقسط‪.‬‬
‫وإذا لم يلزم الموكل بالتصرف بسبب المخالفة‪ ،‬كان الوكيل فضوليا‪ ،‬ولزمه التصرف إن كان وكيلً‬
‫بالشراء لنه متهم بالشراء لنفسه‪ .‬أما الوكيل بالبيع إذا خالف أمر الموكل فيتوقف على إجازة الموكل‪،‬‬
‫ول يلزم الوكيل بالعقد‪ ،‬لتعذر تنفيذه عليه‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 27/6 :‬ومابعدها‪ ،‬مختصر الطحاوي‪ :‬ص ‪ 110‬ومابعدها‪ ،‬المبسوط‪ ،39/19 :‬الدر‬
‫المختار‪ 421/4 :‬ومابعدها‪ ،‬مجمع الضمانات‪ :‬ص ‪ ،249‬تكملة فتح القدير‪ 70/6 :‬وما بعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/509‬‬
‫والوكالة المطلقة‪ :‬هي التي ل يقيد فيها الوكيل بشيء مثل‪ :‬وكلتك في بيع هذه الرض‪ ،‬من غير تحديد‬
‫ثمن معين‪ ،‬أو كيفية معينة لوفاء الثمن‪ .‬وحكمها عند أبي حنفية‪ :‬أن المطلق يجري على إطلقه‪،‬‬
‫فللوكيل التصرف بأي ثمن قليلً أو كثيرا‪ ،‬ولو بغبن فاحش‪ ،‬معجلً أو مؤجلً‪ ،‬صحيحا أو مريضا؛‬
‫لن الصل في اللفظ المطلق أن يجري على إطلقه‪ ،‬ول يجوز تقييده إل بدليل‪ ،‬كوجود تهمة‪ ،‬ول‬
‫يعتمد على العرف‪ ،‬لن العرف في البلد متعارض‪.‬‬
‫وقال الصاحبان‪ ،‬وعلى رأيهما الفتوى‪ ،‬ورأيهما هو الراجح وبه قال الشافعية والحنابلة والمالكية (‪)1‬‬
‫‪ :‬يتقيد الوكيل بما تعارفه الناس‪ ،‬فإذا خالف المتعارف كان فضوليا في تصرفه‪ ،‬وتوقف نفاذه على‬
‫رضا الموكل‪ .‬فليس للوكيل بالبيع مثلً أن يبيع بغبن فاحش‪ :‬وهو ما ل يتساهل فيه الناس عادة‪ ،‬ول‬
‫أن يبيع بغير النقد الغالب في البلد‪ ،‬ول أن يبيع بثمن مؤجل أو مقسط إل إذا جرى العرف في مثله؛‬
‫لن الوكيل منهي عن ال ضرار بالموكل‪ ،‬مأمور بالنصح له‪.‬‬
‫وفي الزواج‪ :‬ليس للوكيل أن يزوج الموكل بامرأة ل تكافئه‪ ،‬أو بمهر فيه غبن فاحش‪ ،‬فإن فعل ذلك‬
‫كان تصرفا موقوفا على إجازة الموكل‪ ،‬فإن أجازه نفذ‪ ،‬وإل بطل‪.‬‬
‫حكم تصرفات الوكيل ‪:‬‬
‫يترتب على الوكالة ثبوت ولية التصرف الذي تناوله التوكيل‪ ،‬وسأذكر أهم التصرفات في أهم أنواع‬
‫الوكالت‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ ،382/3 :‬المهذب‪ 353/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،229 -223/2 :‬بداية‬
‫المجتهد‪ ،298/2 :‬المغني‪ ،124/5 :‬قواعد الحكام لبن عبد السلم‪ ،107/2 :‬ط الستقامة‪.‬‬

‫( ‪)4/510‬‬
‫‪ - 1‬الوكيل بالخصومة‪ :‬أي بالمرافعة أمام القضاء كالمحامي اليوم‪ ،‬يملك كل ما يتعلق بالدعوى وما‬
‫ل بد منه فيها‪ ،‬ومن ذلك القرار على موكله عند الحنفية ما عدا زفر (‪ )1‬؛ لن مهمة الوكيل بيان‬

‫الحق وإثباته‪ ،‬ل المنازعة فيه فقط‪ ،‬وبيان الحق قد يكون إنكارا لدعوى الخصم‪ ،‬وقد يكون إقرارا‪.‬‬
‫وقال زفر وأئمة المذاهب الثلثة الخرى (‪ : )2‬ل يقبل إقرار الوكيل بالخصومة على موكله بقبض‬
‫الحق وغيره‪ ،‬لن التوكيل بالخصومة معناه التوكيل بالمنازعة‪ ،‬والقرار مسالمة‪ ،‬لنه يترتب عليه‬
‫إنهاء الخصومة‪ ،‬فل يملكه الوكيل كالبراء‪ .‬كذلك يملك الوكيل بالخصومة قبض المال المحكوم به‬
‫لموكله عند الحنفية ما عدا زفر (‪ )3‬؛ لن هذا من تمام الخصومة‪ ،‬والخصومة ل تنتهي إل بالقبض‪،‬‬
‫والوكيل أمين على مصالح موكله (‪. )4‬‬
‫وقال زفر والشافعية والحنابلة (‪ : )5‬ليملك القبض‪ ،‬لن الرجل الثقة بالتقاضي والمخاصمة قد ليكون‬
‫أمينا في قبض الحقوق‪.‬‬
‫‪ - 2‬الوكيل بالبيع‪ :‬إذا كان مقيد التصرف يتقيد بالقيد الذي حدده له الموكل بالتفاق بين الفقهاء‪ ،‬فإذا‬
‫خالف القيد‪ ،‬لينفذ تصرفه على الموكل‪ ،‬ولكن يتوقف على إجازته‪ ،‬إل إذا كانت مخالفته إلى خير؛‬
‫لنه محقق لمقصود الموكل ضمنا‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،24/6 :‬تكملة الفتح‪ ،10/6 :‬المبسوط‪ ،4/19 :‬الدر المختار‪ ،430/4 :‬الكتاب مع شرحه‬
‫اللباب‪.151/2 :‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ ،297/2 :‬الشرح الكبير‪ ،379/3 :‬المهذب‪ ،351/1 :‬المغني‪.91/5 :‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ 24/6 :‬ومابعدها‪ ،‬تكملة فتح القدير‪ ،96/6 :‬المبسوط‪ ،19/19 :‬مجمع الضمانات‪ :‬ص‬
‫‪.261‬‬
‫(‪ )4‬قال المرغيناني صاحب الهداية‪ :‬والفتوى اليوم على قول زفر رحمه ال ‪ ،‬لظهور الخيانة في‬
‫الوكلء‪ ،‬وقد يؤتمن على الخصومة من ل يؤتمن على المال‪.‬‬
‫(‪ )5‬المهذب‪ ،351/1 :‬المغني‪.91/5 :‬‬

‫( ‪)4/511‬‬
‫فإذا كان وكيلً بالبيع بثمن ما‪ ،‬فباع بأقل‪ ،‬ل ينفذ‪ ،‬لنه خلف إلى شر‪ ،‬وإن باع بأكثر‪ ،‬نفذ‪ ،‬لنه‬
‫خلف إلى خير‪ ،‬وإذا وكل بالبيع نقدا فباع مؤجلً لم ينفذ إل بإجازة الموكل‪ ،‬وإذا وكل بالبيع مؤجلً‬
‫فباع نقدا‪ ،‬نفذ‪.‬‬
‫وإن كان الوكيل مطلق التصرف‪ :‬فيعمل عند أبي حنيفة بمقتضى الطلق‪ ،‬فله أن يبيع بأي ثمن كان‪،‬‬
‫قليلً أو كثيرا‪ ،‬حتى بالغبن الفاحش‪ ،‬عاجلً أو آجلً‪ ،‬كما أوضحت سابقا‪ ،‬عملً بإطلق الحرية للوكيل‬

‫بالتصرف‪.‬‬
‫وقال الصاحبان وبرأيهما يفتى‪ ،‬وبقية الئمة الثلث‪ :‬يتقيد الوكيل المطلق بالمتعارف‪ ،‬فل يبيع إل‬
‫بالنقود المتداولة‪ ،‬وبمثل القيمة‪ ،‬وبالمعجل‪ ،‬فل يبيع بالعيان‪ ،‬ول بما ل يتغابن الناس فيه عادة‪ ،‬أي‬
‫بالغبن اليسير‪ ،‬ول بالنسيئة المؤجلة (‪. )1‬‬
‫وفي حال المخالفة يكون العقد موقوفا على إجازة الموكل عند الحنفية‪ ،‬باطلً عند الشافعية‪.‬‬
‫وليس للوكيل بالبيع عند أبي حنيفة أن يبيع لنفسه ول لزوجته وأبيه وجده وولده وسائر من ل تقبل‬
‫شهادته له؛ لنه متهم في ذلك بمراعاة مصلحته أو إيثار العين المبيعة لقاربه‪.‬‬
‫وقال الصاحبان‪ :‬يجوز له أن يبيع لهؤلء ل لنفسه بمثل القيمة أو أكثر؛ لن التوكيل مطلق‪ ،‬والبيع‬
‫لحد من هؤلء أو غيرهم سواء‪ ،‬ول تهمة هنا؛ لن ملكه وأملكهم متباينة‪ ،‬فالمنافع منقطعة فيما‬
‫بينهم (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المراجع السابقة في بحث الوكالة المقيدة والمطلقة‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،28/6 :‬تكملة فتح القدير‪ 67/6 :‬ومابعدها‪ ،‬رد المحتار‪ ،424/4 :‬مجمع الضمانات‪ :‬ص‬
‫‪.261‬‬

‫( ‪)4/512‬‬
‫وتوسط غير الحنفية بين الرأيين‪ ،‬فأجاز المالكية للوكيل بالبيع أن يبيع لزوجته ووالده الرشيد إذا لم‬
‫يحابهما‪ ،‬ولم يجيزوا له البيع لنفسه أو من في رعايته من صغير أو سفيه أو مجنون (‪. )1‬‬
‫وأجاز الشافعية في الصح وفي رواية عن أحمد له البيع بمثل القيمة لبيه وجده وابنه البالغ وسائر‬
‫فروعه المستقلين عنه لعدم التهمة‪ ،‬ولم يجيزوا له أن يبيع لنفسه وولده الصغير أو المجنون أو السفيه‬
‫( ‪. )2‬‬
‫‪ - 3‬الوكيل بالشراء‪ :‬مثل الوكيل بالبيع من التقيد بما قيده به الموكل‪ ،‬في الثمن وفي جنس المشترى‬
‫ونوعه وصفته‪ ،‬أو إطلق الحرية في التصرف إذا كانت الوكالة مطلقة‪ .‬فإذا خالف الوكيل أحد القيود‬
‫ل يلزم الموكل بالشراء‪ ،‬إل إذا كان خلفا إلى خير‪ ،‬فيلزمه‪ .‬ووقع الشراء للوكيل نفسه باتفاق الفقهاء‬
‫(‪ ، )3‬بعكس الوكيل بالبيع؛ لن المشتري قد يتهم بأنه كان يريد الشراء لنفسه‪ ،‬فلما تبين أنه غبن غبنا‬
‫فاحشا أظهر أنه يشتري باسم موكله‪.‬‬
‫كذلك ل يملك الوكيل بالشراء عند أبي حنيفة كالوكيل بالبيع أن يشتري من نفسه‪ ،‬أو زوجته أو أبيه أو‬

‫جده‪ ،‬أو ولده وولد ولده‪ ،‬وكل من ل تقبل شهادته له للتهمة في ذلك‪.‬‬
‫وقال الصاحبان‪ :‬يجوز إذا اشترى بمثل القيمة أو بأقل أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها عادة (‪. )4‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الشرح الكبير‪ 387/3 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ 224/2 :‬ومابعدها‪ ،‬نهاية المحتاج‪ 26/4 :‬ومابعدها‪ ،‬المغني‪ 107/5 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬البدائع‪ 29/6 :‬ومابعدها‪ ،‬مختصر الطحاوي‪ :‬ص ‪ 110‬ومابعدها‪ ،‬المبسوط‪ ،39/19 :‬تكملة فتح‬
‫القدير‪ .75/6 :‬الدر المختار‪ ،421/4 :‬مغني المحتاج‪ ،229/2 :‬المهذب‪ ،354/1 :‬بداية المجتهد‪:‬‬
‫‪ ،298/2‬الشرح الكبير‪ ،382/3 :‬المغني‪.107 ،124/5 :‬‬
‫(‪ )4‬المراجع السابقة‪.‬‬

‫( ‪)4/513‬‬
‫‪ - 4‬الوكالة في الزواج والطلق‪ ،‬والجارة والرهن ونحوها من إدارة الموال‪ :‬يتقيد الوكيل في ذلك‬
‫بما يقيده به الموكل‪ ،‬وليس له أن يتصرف بما فيه ضرر‪.‬‬
‫‪ - 5‬هل للوكيل توكيل غيره؟‬
‫إذا كانت الوكالة خاصة أو مقيدة بأن يعمل الوكيل بنفسه‪ ،‬لم يجز له توكيل غيره فيما وكل فيه‪.‬‬
‫وإن كانت الوكالة مطلقة أو عامة بأن قال له‪ :‬اصنع ما شئت‪ ،‬جاز له توكيل الغير‪ ،‬ويكون هذا الغير‬
‫ل مع الول عن الموكل‪ .‬هذا عند الحنفية (‪. )1‬‬
‫وكي ً‬
‫وقال المالكية (‪ : )2‬ليس للوكيل أن يوكل غيره إل أن يكون الوكيل ل يليق به تولي ما وكل فيه‬
‫بنفسه‪ ،‬كأن يكون وجيها‪ ،‬والموكل به حقير فله التوكيل حينئذ‪.‬‬
‫وقال الشافعية والحنابلة (‪ : )3‬ليس للوكيل أن يوكل غيره بل إذن الموكل متى كان قادرا على ما‬
‫وكل فيه‪ .‬أما إذا لم يكن قادرا على القيام بكل ما وكل فيه‪ ،‬فله أن يوكل غيره ويكون الوكيل الثاني‬
‫ل مع الول عن الموكل‪.‬‬
‫وكي ً‬
‫‪ - 6‬تعدد الوكلء ‪:‬‬
‫قد يتعدد الوكلء عن الشخص الواحد في التصرفات والخصومات‪ ،‬أو المرافعة أمام القضاء‪ ،‬كما‬
‫يحدث عادة في كثير من ا لحيان‪ ،‬فيكون هناك وكيلن أو أكثر في القضايا الخطيرة‪ .‬ويعرف تفصيل‬
‫حكم تصرفات الوكلء مما يأتي (‪. )4‬‬
‫فإن تعدد الوكلء كلً في عقد خاص وأعمال خاصة‪ ،‬كان لكل منهم أن ينفرد في مباشرة ما وكل فيه‬

‫دون استشارة غيره‪ .‬وإن كان العمل واحدا‪ ،‬فلكل واحد القيام به وحده أيضا‪ ،‬فتنتهي حينئذ وكالة‬
‫الخرين‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،25/6 :‬تكملة فتح القدير‪ 89/6 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير للدردير‪.388/3 :‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج‪ ،226/2 :‬المغني‪.88/5 :‬‬
‫(‪ )4‬البدائع‪ ،32/6 :‬تكملة فتح القدير‪.88-86/6 :‬‬

‫( ‪)4/514‬‬
‫وإن كان التوكيل للجميع في عقد واحد‪ ،‬فليس لحدهم ـ دون إذن الموكل ـ النفراد بالتصرف بما‬
‫وكلوا فيه؛ لن تعددهم كان بقصد تحقيق التعاون والتشاور فيما بينهم ضمانا لصالح الموكل‪ ،‬ويستثنى‬
‫من ذلك ما ل يحتاج من التصرفات لتبادل الرأي كرد الودائع ووفاء الديون‪ ،‬أو ما ل يمكن فيه‬
‫الجتماع كالمرافعة أمام القضاء‪ ،‬بشرط إعداد مذكرات الدفاع بالشتراك بين جميع الوكلء‪.‬‬
‫الفرق بين الوكالة والرسالة ‪:‬‬
‫يحسن بيان الفرق بين الوكيل والرسول تمهيدا لمعرفة من يلتزم بحقوق العقد‪ ،‬إذ يختلف الوكيل عن‬
‫الرسول (‪. )1‬‬
‫فالوكيل‪ :‬هو الذي يتصرف برأيه وعبارته وتقديره‪ ،‬فيساوم ويعقد العقود حسبما يرى من المصلحة‪،‬‬
‫ويتحمل تبعات تصرفاته‪ ،‬ويستغني غالبا عن إضافة العقد إلى موكله‪ ،‬فيقول‪ :‬بعت أو اشتريت كذا‪،‬‬
‫ل‪ :‬باع أو اشترى فلن‪ ،‬فإذا أسند العقد لموكله‪ ،‬صار مجرد سفير ومعبر عن كلم الصيل‪ ،‬فيصبح‬
‫عندئذ كالرسول‪.‬‬
‫والرسول‪ :‬هو الذي يقتصر على نقل عبارة مرسله‪ ،‬دون أن يتصرف برأيه وإرادته‪ ،‬وإنما يبلّغ عبارة‬
‫المرسل‪ ،‬وينقل رغبته وإرادته في التصرف‪ ،‬فيقول للمرسل إليه‪ :‬أرسلني فلن لبلغك كذا‪ ،‬فيضيف‬
‫عبارته دائما للمرسل‪ ،‬ول يتحمل شيئا من التزامات التعاقد‪.‬‬
‫حكم العقد وحقوقه في الوكالة ‪:‬‬
‫حكم العقد‪ :‬هو الغرض والغاية منه‪ .‬ويراد به هنا الثر الذي يترتب على العقد شرعا‪ .‬ففي عقد البيع‪:‬‬
‫يكون الحكم‪ :‬هو ثبوت ملكية المبيع للمشتري واستحقاق الثمن للبائع‪ ،‬وفي عقد الجارة‪ :‬الحكم هو‬
‫تملك المستأجر المنفعة‪ ،‬واستحقاق الجرة للمؤجر‪.‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬راجع مختصر أحكام المعاملت الشرعية لستاذنا علي الخفيف‪ :‬ص ‪ 117‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/515‬‬
‫واتفق الفقهاء على أن حكم العقد الذي يتم بواسطة وكيل‪ :‬يقع مباشرة للموكل نفسه‪ ،‬ل للوكيل؛ لن‬
‫الوكيل يعمل في الحقيقة لموكله وبأمره‪ ،‬فهو قد استمد وليته منه (‪ . )1‬ويترتب عليه أن المسلم لو‬
‫وكل غير مسلم في شراء خمر أو خنزير‪ ،‬لم يصح الشراء؛ لن المسلم ليس له أن يتملك شيئا من‬
‫هذين‪.‬‬
‫حقوق العقد‪ :‬هي العمال واللتزامات التي ل بد منها للحصول على حكمه أو على الغاية والغرض‬
‫منه‪ ،‬مثل تسليم المبيع‪ ،‬وقبض الثمن‪ ،‬والرد بالعيب أو بسبب خيار الشرط أو الرؤية‪ ،‬وضمان رد‬
‫الثمن‪ ،‬إذ استحق (‪ )2‬المبيع مثلً‪.‬‬
‫فإذا باشر المرء العقد بنفسه ولمصلحته عاد إليه حكم العقد وحقوقه‪ .‬وأما إن توسط وكيل في إجراء‬
‫العقد وإبرامه‪ ،‬عاد حكم العقد إلى الموكل كما عرفنا‪ ،‬وأما حقوق العقد فتارة ترجع إلى الموكل‪ ،‬وتارة‬
‫ترجع إلى الوكيل بحسب نوع التصرف الذي يتوله الوكيل‪.‬‬
‫والتصرفات التي يمارسها الوكيل نوعان ‪:‬‬
‫النوع الول ـ ما يلزم أن يضيفه الوكيل إلى الموكل‪ ،‬ول يجوز له إضافته إلى نفسه‪ ،‬فإن أضافه إلى‬
‫نفسه وقع العقد له ل للموكل‪ ،‬مثل الزواج والطلق والخلع‪ ،‬والعقود العينية أي التي ل تتم إل بالقبض‬
‫وهي خمسة (الهبة والعارة واليداع والقرض والرهن)‪ .‬يلزم الوكيل أن يقول حين إبرام العقد‪ :‬قبلت‬
‫زواج فلنة لفلن‪ ،‬وطلقت امرأة فلن‪ ،‬ووهبتك من مال فلن‪ ،‬ول يصح أن يقول‪ :‬تزوجت أو طلقت‬
‫على كذا و وهبت؛ فينصرف أثر التصرف إليه‪ ،‬أي أن الزواج يكون للوكيل حينئذ ل للموكل‪ ،‬ويقع‬
‫الطلق عنه‪ ،‬ل عن الموكل‪ ،‬ويلزم الهبة من ماله ل من مال الموكل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬تبيين الحقائق ‪ ،256/4‬الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة‪ :‬ص ‪ ،137‬المغني‬
‫لبن قدامة‪ ،130/5 :‬مغني المحتاج‪ 229/2 :‬ومابعدها‪ ،‬بداية المجتهد‪.298/2 :‬‬
‫(‪ )2‬الستحقاق‪ :‬هو أن يدعي أحد ملكية شيء موجود في يد غيره ويثبتها بالبينة‪ ،‬ويقضى له بها‪.‬‬

‫( ‪)4/516‬‬

‫وحكم هذا النوع أن حقوق التصرف ترجع إلى الموكل‪ ،‬ول يطالب الوكيل منها بشيء أصلً؛ لن‬
‫الوكيل في هذه التصرفات يكون سفيرا ومعبرا محضا عن الموكل‪ .‬فإذا كان الشخص وكيلً عن‬
‫الزوج ل يطالب بالمهر‪ ،‬وإنما يطالب الزوج‪ ،‬وإذا كان وكيلً عن المرأة ل يطالب بإزفافها إلى بيت‬
‫زوجها‪ ،‬وإنما تطالب المرأة أو وليها‪ .‬ولو كان وكيلً عن الواهب ليلزم الوكيل بتسليم العين‬
‫الموهوبة‪ ،‬وإنما يطالب الموكل نفسه‪ ،‬ول يلزم الوكيل بتسليم الموهوب إذا كان وكيلً عن الموهوب‬
‫له‪.‬‬
‫النوع الثاني‪ :‬ما ل يلزم أن يضيفه الوكيل إلى الموكل‪ ،‬وإنما يصح إضافته له أو لنفسه كالمعاوضات‬
‫المالية‪ ،‬مثل البيع والشراء والجارة والصلح الذي هو في معنى البيع (أي الصلح بعوض عن إقرار)‬
‫فيصح أن يقول الوكيل‪ :‬بعت أو اشتريت‪ ،‬كما يصح أن يقول‪ :‬بعت مال فلن‪ ،‬واشتريت لفلن‪.‬‬
‫وحكم هذا النوع‪ :‬أن الوكيل إذا أضاف التصرف للموكل‪ ،‬مثل‪ :‬اشتريت لفلن‪ ،‬رجعت الحقوق‬
‫للموكل‪ ،‬ولزمته هو‪ ،‬ول يطالب الوكيل بشيء‪ ،‬لنه في هذه الحالة مجرد سفير ومعبر عن الصيل‪.‬‬
‫وإن أضاف الوكيل التصرف لنفسه رجعت إليه الحقوق دون الموكل؛ لنه هو الذي باشر العقد ول‬
‫يعرف الطرف الخر سواه‪ .‬فإذا كان وكيلً عن البائع لزمه تسليم المبيع للمشتري‪ ،‬وقبض الثمن‪ .‬وإذا‬
‫كان وكيلً عن المشتري واطلع على عيب المبيع‪ ،‬أو أظهر أن المبيع مستحق لغير البائع‪ ،‬كان هو‬
‫المكلف بمقاضاة البائع وخصومته‪ ،‬ويلزمه ضمان الثمن للمشتري حال استحقاق المبيع‪ ،‬كما يلزمه‬
‫دفع الثمن للبائع إذا كان المبيع سليما من العيوب‪.‬‬
‫ويستثنى من ذلك ما إذا كان العاقد ليس من أهل لزوم العهدة (أي ليس أهلً للمسؤولية والتزام‬
‫الحقوق) إما لنقص أهليته كالصبي المحجور عن التصرف‪ ،‬أو لنشغاله كالقاضي وأمين القاضي‪،‬‬
‫فترجع الحقوق حينئذ للموكل نفسه‪ ،‬ل إلى الوكيل‪.‬‬

‫( ‪)4/517‬‬
‫هذا هو مذهب الحنفية (‪ . )1‬ويوافقهم المالكية والشافعية (‪ )2‬في ذلك أي في أن حقوق العقد تتعلق‬
‫بالوكيل دون الموكل‪.‬‬
‫وقال الحنابلة (‪ : )3‬إن حقوق العقد ترجع للموكل دون الوكيل؛ لن الوكيل عندهم مجرد سفير ومعبر‬
‫عن العاقد الصيل‪ .‬لكن في هذا الرأي إضاعة للغرض من الوكالة؛ لن الموكل يوكل غيره في‬
‫أموره ليخفف عن نفسه عناء مباشرته لها‪ ،‬أو لنه ل يليق به أن يباشرها‪ ،‬أو لعدم قدرته على القيام‬
‫بها‪ ،‬فإذا عادت الحقوق للموكل نفسه لم يتحقق له الغرض من الوكالة (‪. )4‬‬

‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 33/6 :‬ومابعدها‪ ،‬تكملة فتح القدير‪ 16/6 :‬ومابعدها‪ ،‬تبيين الحقائق‪ ،256/4 :‬رد المحتار‪:‬‬
‫‪ ،419/4‬الكتاب مع اللباب‪. 141/2 :‬‬
‫(‪ )2‬المدونة الكبرى‪ ،186 ،83/10 :‬الشرح الصغير‪ 506/3 :‬ومابعدها‪ ،‬نهاية المحتاج‪ ،47/4 :‬مغني‬
‫المحتاج‪.230/2 :‬‬
‫(‪ )3‬كشاف القناع‪ ،238/2 :‬المغني‪ ،97/5 :‬مطالب أولي النهي شرح غاية المنتهى‪. 462/3 :‬‬
‫(‪ )4‬الموال ونظرية العقد للمرحوم محمد يوسف موسى‪ :‬ص ‪.376‬‬

‫( ‪)4/518‬‬
‫انتهاء الوكالة ‪:‬‬
‫تنتهي الوكالة بأحد المور التالية (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬انتهاء الغرض من الوكالة‪ :‬بأن يتم تنفيذ التصرف الذي وكل فيه الوكيل‪ ،‬إذ يصبح العقد غير‬
‫ذي موضوع‪.‬‬
‫‪ - 2‬قيام الموكل بالعمل الذي وكل فيه غيره‪ :‬كأن يبرم البيع الذي وكل فيه غيره‪.‬‬
‫‪ - 3‬خروج الموكل أو الوكيل عن الهلية‪ :‬بموت‪ ،‬أو جنون استمر شهرا‪ ،‬أوحجر لسفه؛ لن الوكالة‬
‫تتطلب استمرار الهلية للتصرفات‪ ،‬فإذا زالت الهلية بطلت الوكالة‪ .‬والوكيل يستمد وليته من‬
‫الموكل‪.‬‬
‫ول يشترط عند الحنفية والشافعية والحنابلة أن يعلم العاقد بخروج الطرف الخرعن الهلية بهذه‬
‫العوارض‪ .‬وقال المالكية‪ :‬الرجح أن الوكيل ل ينعزل بموت الموكل حتى يعلم به‪.‬‬
‫‪ - 4‬استقالة الوكيل‪ :‬إذا تنازل الوكيل عن الوكالة أو استقال‪ ،‬أو رفض الستمرار في العمل‪ ،‬انتهت‬
‫الوكالة؛ لن الوكالة بغير أجر كما تقدم عقد غير لزم‪ ،‬يجوز للوكيل أن يتنازل عنها في أي وقت‪.‬‬
‫لكن يشترط عند الحنفية في هذه الحالة أن يعلم الموكل بهذا التنازل‪ ،‬حتى ل يتضرر بما فعل الوكيل‪،‬‬
‫ولم يشترط الشافعي علم الموكل بعزل الوكيل نفسه‪.‬‬
‫‪ - 5‬هلك العين الموكل بالتصرف فيها‪ ،‬بيعا أو شراءً أو إيجارا؛ لن العقد يصبح غير ذي‬
‫موضوع‪ .‬فإذا انهدمت الدار الموكل في شرائها‪ ،‬أو ماتت المرأة الموكل في تزوجها‪ ،‬بطلت الوكالة‪،‬‬
‫لعدم تصور التصرف في المحل المعقود عليه بعد هلكه‪.‬‬
‫‪ - 6‬عزل الموكل وكيله‪ :‬لن الوكالة كما عرفنا عقد غير لزم‪ ،‬فللموكل إنهاء الوكالة في أي وقت‬

‫شاء‪ .‬لكن يشترط لصحة العزل عند الحنفية شرطان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬علم الوكيل بالعزل‪ ،‬حتى ل يلحقه ضرر بإبطال وليته فيما إذا تصرف تصرفا يوجب عليه‬
‫الضمان‪ ،‬بدفع الثمن مثلً‪ ،‬وتملك المبيع‪.‬‬
‫وهذا شرط أيضا في الرجح عند المالكية‪.‬‬
‫وقال الشافعية في الصح عندهم‪ ،‬والحنابلة في الرجح لديهم‪ :‬ل يشترط علم الوكيل بالعزل؛ لنه رفع‬
‫عقد ل يفتقر إلى رضا صاحبه‪ ،‬فل يحتاج إلى علمه كالطلق‪.‬‬
‫ثانيهما‪ :‬أل يتعلق بالوكالة حق لغير الموكل‪ :‬فإن تعلق بها حق لغيره لم يصح العزل إل برضا‬
‫صاحب الحق‪ ،‬كأن يوكل المدين الراهن شخصا (هو الدائن أو غيره) ببيع الرهن وسداد الدين منه إذا‬
‫حل الجل‪ ،‬فل يصح عزل الوكيل حينئذ بغير رضا الدائن صاحب الحق‪ ،‬لتعلق حقه بالموضوع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر عند الحنفية‪ :‬البدائع‪ 37/6 :‬ومابعدها‪ ،‬تكملة فتح القدير‪ 123/6 :‬ومابعدها‪ ،‬الدر المختار‪:‬‬
‫‪ ،434/4‬تبيين الحقائق‪ 286/4 :‬ومابعدها‪ ،‬وعند المالكية‪ :‬بداية المجتهد‪ ،298/2 :‬الشرح الكبير‪:‬‬
‫‪ ،396/3‬وعند الشافعية‪ :‬مغني المحتاج‪ ،232/2 :‬المهذب‪ ،1/357 :‬وعند الحنابلة‪ :‬المغني‪،113/5 :‬‬
‫غاية المنتهى‪ 154/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/519‬‬
‫وإذا وكل الزوج شخصا بطلق زوجته متى شاء‪ ،‬فل يملك الزوج الموكل الرجوع عن الوكالة إل‬
‫برضا المرأة‪.‬‬
‫ولو أراد المدين السفر إلى بلد‪ ،‬فطلب منه دائنه أن يوكل عنه شخصا ليخاصمه في طلب الدين وقت‬
‫الحاجة‪ ،‬فوكل وكيلً إجابة لطلبه وسافر‪ ،‬فليس له أن يعزل الوكيل إل برضا الدائن‪ .‬الفضالة‬
‫قد ينعقد العقد بالفضالة التي تتخذ بالجازة حكم الوكالة‪ .‬فمن الفضولي‪ ،‬وما حكم تصرفاته عند‬
‫الفقهاء‪ ،‬وما أثر إجازة تصرفاته‪ ،‬وما شروط صحة الجازة‪ ،‬وهل يملك فسخ العقد الصادر منه قبل‬
‫الجازة؟‬
‫تعريف الفضولي‪ :‬الفضولي في اللغة‪ :‬هو من يشتغل بما ل يعنيه أو بما ليس له‪ .‬وعمله هذا يسمى‬
‫فضالة‪ .‬وعند الفقهاء له معنى قريب من هذا‪ .‬وهو من يتصرف في شؤون غيره‪ ،‬دون أن يكون له‬
‫ولية على التصرف‪ .‬أو من يتصرف في حق غيره بغير إذن شرعي كأن يزوج من لم يأذن له في‬
‫الزواج‪ ،‬أو يبيع أو يشتري ملك الغير بدون تفويض‪ ،‬أو يؤجر أو يستأجر لغيره دون ولية أو توكيل‪.‬‬

‫فهذا التصرف يسمى فضالة‪.‬‬
‫حكم تصرفاته عند الفقهاء ‪ :‬للفقهاء رأيان في تصرف الفضولي‪:‬‬
‫أولهما ـ للحنفية والمالكية (‪ : )1‬تصرفات الفضولي تقع منعقدة صحيحة‪ ،‬لكنها موقوفة على إجازة‬
‫صاحب الشأن‪ :‬وهو من صدر التصرف لجله‪ ،‬إن أجازه نفذ‪ ،‬وإن رده بطل (‪ . )2‬واستدلوا على‬
‫رأيهم بما يأتي‪:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 148/5 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير مع العناية‪ 309/5 :‬ومابعدها‪ ،‬رد المحتار‪،142 ،6/4 :‬‬
‫بداية المجتهد‪ ،171/2 :‬الشرح الكبير مع الدسوقي‪ ،12/3 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪.245‬‬
‫(‪ )2‬فرق الحنفية بين بيع الفضولي وشراء الفضولي‪ .‬أما بيع الفضولي فينعقد صحيحا موقوفا على‬
‫الجازة‪ ،‬سواء أضاف الفضولي العقد لنفسه أم إلى المالك‪ ،‬وأما شراء الفضولي ففيه تفصيل‪:‬‬
‫إن أضاف الفضولي الشراء لنفسه نفذ العقد عليه‪ ،‬لن الصل أن يكون تصرف النسان لنفسه ل‬
‫لغيره‪ ،‬وإذا وجد العقد نفاذا على العاقد نفذ عليه ول يتوقف‪ .‬وإن أضاف الفضولي الشراء لغيره‪ ،‬أو‬
‫لم يجد نفاذا عليه لعدم الهلية‪ ،‬كأن يكون العاقد صبيا أو محجورا‪ ،‬انعقد الشراء صحيحا موقوفا على‬
‫إجازة هذا الغير الذي تم الشراء له‪ ،‬فإن أجازه نفذ عليه‪ ،‬واعتبر الفضولي وكيلً ترجع إلىه حقوق‬
‫العقد من حين نشوء العقد (البدائع‪ ،150 -148/5 :‬مختصر الطحاوي‪ :‬ص ‪ ،83‬الدر المختار ورد‬
‫المحتار‪.)143/4 :‬‬
‫تعليق المستخدم ‪:‬انظر أيضا آراء العلماء في تصرف الفضولي‪:‬‬
‫‪5/33‬‬
‫* أبو أكرم الحلبي‬

‫( ‪)4/520‬‬
‫ل ـ بعموم اليات القرآنية الدال على مشروعية البيع‪ ،‬مثل قوله تعالى‪{ :‬وأحل ال البيع} [البقرة‪:‬‬
‫أو ً‬
‫‪ ]275/2‬والفضولي كامل الهلية‪ ،‬فإعمال عقده أولى من إهماله‪ ،‬وربما كان في العقد مصلحة للمالك‪،‬‬
‫وليس فيه أي ضرر بأحد؛ لن المالك له أل يجيز العقد‪ ،‬إن لم يجد فيه فائدة‪.‬‬
‫ثانيا ـ بما ثبت ـ في الحديث المتقدم في الوكالة ـ أن النبي صلّى ال عليه وسلم أعطى عروة‬
‫البارقي ـ أحد أصحابه ـ دينارا ليشتري له به شاة‪ ،‬فاشترى شاتين بالدينار‪ ،‬وباع إحداهما بدينار‪،‬‬
‫وجاء للنبي صلّى ال عليه وسلم بدينار وشاة‪ ،‬فقال له «بارك ال لك في صفقة يمينك» فشراء الشاة‬

‫الثانية وبيعها لم يكن بإذن النبي عليه السلم‪ ،‬وهو عمل فضولي جائز بدليل إقرار الرسول له‪.‬‬
‫وخلصة هذا الرأي‪ :‬أن الملكية أو الولية هي من شروط نفاذ التصرف‪ ،‬فإذا لم يكن العاقد مالكا ول‬
‫ولية له‪ ،‬كان العقد موقوفا‪.‬‬
‫الرأي الثاني ـ للشافعية والحنابلة والظاهرية (‪ : )1‬تصرف الفضولي باطل‪ ،‬ل يصح ولو أجازه‬
‫صاحب الشأن؛ لن الجازة تؤثر في عقد موجود‪ ،‬وهذا العقد ل وجود له منذ نشأته‪ ،‬فل تصيره‬
‫الجازة موجودا‪ .‬واستدلوا بما يأتي‪:‬‬
‫أولً ـ بأن تصرف الفضولي تصرف فيما ل يملك‪ ،‬وتصرف النسان فيما ل يملكه منهي عنه‬
‫شرعا‪ ،‬والنهي يقتضي عدم مشروعية المنهي عنه عندهم‪ ،‬وذلك في قوله صلّى ال عليه وسلم لحكيم‬
‫بن حزام‪« :‬ل تبع ما ليس عندك» (‪ )2‬أي ما ليس مملوكا لك‪،‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المجموع للنووي‪ 284 ،281/9 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،15/2 :‬كشاف القناع‪11/2 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬القواعد لبن رجب‪ :‬ص ‪ ،417‬غاية المنتهى‪ ،8/2 :‬المحلى‪ ،503/8 :‬م ‪.1460‬‬
‫(‪ )2‬نص الحديث كما رواه أحمد‪« :‬إذا اشتريت شيئا فل تبعه حتى تقبضه» ‪ .‬وجاء في حديث عمرو‬
‫بن شعيب عن أبيه عن جده فيما رواه الخمسة‪« :‬ل يحل سلف ول بيع‪ ،‬ول شرطان في بيع‪ ،‬ول ربح‬
‫ما لم َيضْمن‪ ،‬ول بيع ما ليس عندك» (نيل الوطار‪ ،157/5 :‬سبل السلم‪.)16/3 :‬‬

‫( ‪)4/521‬‬
‫وسبب النهي اشتمال العقد على الغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم وقت العقد‪ ،‬وما يترتب‬
‫عليه من النزاع‪.‬‬
‫وقالوا عن حديث عروة البارقي‪ :‬إنه كان وكيلً مطلقا عن النبي صلّى ال عليه وسلم ‪ ،‬وتصرفاته‬
‫التي قام بها تنفذ‪ ،‬لنها تمت بمقتضى وكالة خالف فيها الوكيل إلى خير‪ ،‬فينفذ تصرفه‪.‬‬
‫ثانيا ـ إن أي تصرف ل يوجد شرعا إل بتوافر الولية والهلية عند العاقد‪ ،‬وهذه الولية ل تكون إل‬
‫بالملك أو بالذن من المالك‪ ،‬والفضولي ليس مالكا لما يتصرف فيه ول مأذونا له من المالك‬
‫بالتصرف‪ ،‬فل يكون لتصرفه وجود شرعا‪ ،‬ول يترتب عليه أي أثر‪.‬‬
‫وخلصة هذا الرأي‪ :‬أن الملكية أو الولية من شروط انعقاد التصرف‪ ،‬فإذا لم يتوفر شرط النعقاد‬
‫كان التصرف باطلً‪.‬‬

‫( ‪)4/522‬‬

‫وقد أخذ القانون المدني السوري في مواد عشر (‪ )198-189‬برأي الحنفية والمالكية‪ ،‬وطبق عليها‬
‫قواعد الوكالة إذا أقر رب العمل ما قام به الفضولي (م ‪ ،)191‬لكنه حصر الفضالة بقيام الفضولي‬
‫بشأن عاجل لشخص آخر‪ ،‬كما يفهم من تعريفها (م ‪« :)189‬الفضالة‪ :‬هي أن يتولى شخص عن قصد‬
‫القيام بشأن عاجل لحساب شخص آخر‪ ،‬دون أن يكون ملزما بذلك» ‪.‬‬
‫شروط إجازة تصرف الفضولي ‪:‬‬
‫اشترط الحنفية القائلون بصحة تصرف الفضولي شروطا ثلثة‪ :‬أحدها في المجيز‪ ،‬وثانيها في‬
‫الجازة‪ ،‬وثالثها في نفس التصرف (‪: )1‬‬
‫‪ - 1‬أن يكون للعقد مجيز (‪ )2‬حالة إنشاء العقد‪ :‬أي أن يكون صاحب الشأن مستطيعا إصدار العقد‬
‫بنفسه‪ ،‬فإن لم يكن كذلك وقع العقد باطلً من مبدأ المر‪ ،‬وعلى هذا إذا طلق فضولي امرأة زوج بالغ‬
‫عاقل‪ ،‬أو وهب ماله‪ ،‬أو باعه بغبن فاحش‪ ،‬انعقد التصرف موقوفا على الجازة؛ لن صاحب الشأن‬
‫كان يستطيع أن يصدر هذه التصرفات بنفسه‪ ،‬فيستطيع إجازتها بعد وقوعها‪ ،‬فكان للتصرف مجيز‬
‫حالة إنشائه‪.‬‬
‫أما لو فعل فضولي شيئا من هذه التصرفات بالنسبة لصغير‪ ،‬فل ينعقد التصرف أصلً؛ لن الصغير‬
‫ليس أهلً لهذه التصرفات الضارة‪ ،‬فل يكون أهلً لجازتها‪ ،‬فلم يكن لها مجيز حين نشوء التصرف‪.‬‬
‫فإن كان التصرف قابلً لجازة ولي الصغير كالبيع بمثل القيمة أو أكثر‪ ،‬وكان للصغير ولي‪ ،‬انعقد‬
‫موقوفا على إجازته‪ ،‬أو على إجازة الصغير بعد البلوغ‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن تكون الجازة حين وجود العاقدين (الفضولي والطرف الخر) والمعقود عليه وصاحب‬
‫الشأن‪ :‬فلو حصلت الجازة بعد هلك واحد من هؤلء الربعة‪ ،‬بطل التصرف‪ ،‬ولم تفد الجازة شيئا؛‬
‫لن الجازة تؤثر في التصرف‪ ،‬فلبد من قيام التصرف‪ ،‬وقيامه بقيام العاقدين والمعقود عليه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،151-149/5 :‬فتح القدير‪ ،311/5 :‬الدر المختار ورد المحتار‪ 141/4 :‬ومابعدها‪.146 ،‬‬
‫(‪ )2‬المجيز‪ :‬هو صاحب المصلحة والشأن في التصرف‪ ،‬والذي له حق تقرير وإمضاء التصرف أو‬
‫رفضه‪.‬‬

‫( ‪)4/523‬‬
‫‪ - 3‬أل يمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند رفض صاحب الشأن‪ :‬مثل بيع ملك الغير أو إجارته‪،‬‬
‫سواء أضاف العقد لنفسه أم لصاحب المال‪ ،‬ومثل شراء شيء لغيره أو استئجار شيء لغيره وأضاف‬

‫العقد لذلك الغير‪ .‬ففي كل هذه الحالت يكون العقد موقوفا‪.‬‬
‫أما إذا أمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند عدم إجازته‪ ،‬فينفذ على الفضولي كشراء شيء أو‬
‫استئجاره مضيفا العقد لنفسه‪ ،‬فيلزمه هو‪.‬‬
‫أثر إجازة تصرف الفضولي ‪:‬‬
‫يترتب على الجازة من صاحب الشأن أثران‪ :‬أحدهما ـ جعل التصرف نافذا‪ .‬ثانيهما ـ جعل‬
‫الفضولي وكيلً يلتزم بحقوق التصرف؛ لن «الجازة اللحقة كالوكالة السابقة» (‪. )1‬‬
‫أما تاريخ نفاذ التصرف بالجازة فيختلف بحسب نوع التصرف‪:‬‬
‫إن كان من التصرفات التي ل تقبل التعليق بالشرط كعقود المعاوضات المالية (البيع واليجار‬
‫ونحوهما) فإنها تنفذ من وقت إنشائها أي أن للجازة أثرا رجعيا؛ لن آثارها ل تتراخى عنها‪ ،‬وتكون‬
‫زوائد الشيء وغلته كالجرة مملوكة لمن وقع العقد له‪ ،‬أي للمشتري في عقد البيع؛ لن الجازة‬
‫اللحقة كالوكالة السابقة‪.‬‬
‫وإن كان التصرف مما يصح تعليقه بالشرط كالكفالة والحوالة والوكالة والطلق‪ ،‬فإنه ينفذ من وقت‬
‫الجازة؛ لن هذه التصرفات معلقة في المعنى على الجازة‪.‬‬
‫وإن كان التصرف يتطلب التسليم الفعلي كالهبة‪ ،‬فينفذ من وقت تسليم الموهوب له‪.‬‬
‫فسخ تصرف الفضولي ‪:‬‬
‫تصرف الفضولي غير ملزم لصاحب الشأن‪ ،‬فيجوز حينئذ فسخه‪ .‬والفسخ قد يكون من صاحب الشأن‬
‫(البائع أو المشتري مثلً)؛ لن التصرف موقوف على رضاه وإجازته‪ ،‬فما لم يجزه لم يتم التصرف‪.‬‬
‫وقد يكون الفسخ من الفضولي نفسه في عقد البيع قبل إجازة المالك صاحب الشأن حتى يدفع عن نفسه‬
‫الحقوق التي تلزمه لو أجاز المالك‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪.151/5 :‬‬

‫( ‪)4/524‬‬
‫أما عقد الزواج فليس للفضولي فسخه؛ لنه عقد ترجع فيه الحقوق إلى الصيل صاحب الشأن (‪. )1‬‬
‫هل لفضولي واحد أن يعقد العقد عن الطرفين؟‬
‫عرفنا سابقا أن تعدد العاقد شرط في انعقاد العقد‪ ،‬فليس للفضولي الواحد إبرام العقد سواء في البيع أو‬
‫الزواج وغيرهما‪ ،‬بل يبطل اليجاب ول تلحقه الجازة (‪ ، )2‬سواء أكان فضوليا من الجانبين‪ ،‬أم من‬

‫جانب واحد ومن الجانب الخر أصيلً عن نفسه‪ ،‬أو وكيلً‪ ،‬أو وليا عن القاصر‪ .‬فلو قال‪ :‬بعت دار‬
‫فلن‪ ،‬وقبلت الشراء عن فلن‪ ،‬أو زوجت فلنا فتاة اسمها كذا‪ ،‬وقبلت هذه الفتاة لفلن‪ ،‬لم ينعقد‬
‫العقد‪.‬‬
‫العنصر الثالث ـ محل العقد ‪:‬‬
‫محل العقد أو المعقود عليه‪ :‬هو ما وقع عليه التعاقد‪ ،‬وظهرت فيه أحكامه وآثاره‪ .‬وهو قد يكون عينا‬
‫مالية كالمبيع والمرهون والموهوب‪ ،‬وقد يكون عينا غير مالية كالمرأة في عقد الزواج‪ ،‬وقد يكون‬
‫منفعة كمنفعة الشيء المأجور في إجارة‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،151/5 :‬فتح القدير‪.312 -309/5 :‬‬
‫(‪ )2‬حاشية ابن عابدين‪.448/2 :‬‬

‫( ‪)4/525‬‬
‫الشياء من الدور والعقارات ومنفعة الشخص في إجارة العمال (‪. )1‬‬
‫وليس كل شيء صالحا ليكون معقودا عليه‪ ،‬فقد يمتنع إبرام العقد على شيء شرعا أو عرفا‪ ،‬كالخمر‬
‫ل تصلح أن تكون معقودا عليها بين المسلمين‪ ،‬والمرأة المحرم بسب رابطة النسب أو الرضاع‪ ،‬ل‬
‫تصلح أن تكون زوجة لقريبها‪.‬‬
‫لذا اشترط الفقهاء أربعة شروط في محل العقد‪ ،‬وهي ما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يكون موجودا وقت التعاقد ‪:‬‬
‫فل يصح التعاقد على معدوم كبيع الزرع قبل ظهوره لحتمال عدم نباته‪ ،‬ول على ماله خطر العدم‪،‬‬
‫أي احتمال عدم الوجود كبيع الحمل في بطن أمه‪ ،‬لحتمال ولدته ميتا‪،‬وكبيع اللبن في الضرع‪،‬‬
‫لحتمال عدمه بكونه انتفاخا‪ ،‬وكبيع اللؤلؤ في الصدف‪ ،‬ول يصح التعاقد على مستحيل الوجود في‬
‫المستقبل‪ ،‬كالتعاقد مع طبيب على علج مريض توفي‪ ،‬فإن الميت ل يصلح محلً للعلج‪ ،‬وكالتعاقد‬
‫مع عامل على حصاد زرع احترق‪ ،‬فكل هذه العقود باطلة‪.‬‬
‫وهذا الشرط مطلوب عند الحنفية والشافعية (‪ ، )2‬سواء أكان التصرف من عقود المعاوضات أم‬
‫عقود التبرعات‪ ،‬فالتصرف بالمعدوم فيها باطل‪ ،‬سواء بالبيع أو الهبة أو الرهن‪ ،‬بدليل نهي النبي‬
‫صلّى ال عليه وسلم عن بيع حبَل الحبلة (‪ )3‬ونهيه عن بيع‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬الجارة نوعان‪ :‬إجارة المنافع‪ :‬وهي أن يكون المعقود عليه منفعة كإجارة الدور والمنازل‬
‫والحوانيت والراضي‪ ،‬وإجارة العمال‪ :‬وهي التي تعقد على عمل معلوم كبناء وخياطة وحمل إلى‬
‫موضع معين‪ ،‬وصباغة وإصلح شيء‪ ،‬وتقديم خبرة كخبرة الطباء والمهندسين‪.‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ 138/5 :‬ومابعدها‪ ،‬المبسوط‪ 194/12 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ ،192/5 :‬مغني المحتاج‪:‬‬
‫‪ ،30/2‬المهذب‪. 262/1 :‬‬
‫(‪ )3‬أي بيع ولد ولد الناقة‪ ،‬أو بيع ولد الناقة‪ .‬والحديث رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن عمر (نيل‬
‫الوطار‪.)147/5 :‬‬

‫( ‪)4/526‬‬
‫المضامين والملقيح (‪ ، )1‬وعن بيع ما ليس عند النسان (‪ )2‬؛ لن المبيع فيها وقت التعاقد معدوم‪.‬‬
‫واستثنى هؤلء الفقهاء من هذه القاعدة العامة في منع التصرف بالمعدوم عقود السلَم والجارة‬
‫والمساقاة والستصناع (‪ )3‬مع عدم وجود المحل المعقود عليه حين إنشاء العقد ‪ ،‬استحسانا مراعاة‬
‫لحاجة الناس إليها‪ ،‬وتعارفهم عليها‪ ،‬وإقرار الشرع صحة السلم والجارة‪ ،‬والمساقاة (‪ )4‬ونحوها‪.‬‬
‫واكتفى المالكية (‪ )5‬باشتراط هذا الشرط في المعاوضات المالية‪ ،‬أما في عقود التبرعات كالهبة‬
‫والوقف والرهن فأجازوا أل يكون محل العقد موجودا حين التعاقد‪ ،‬وإنما يكفي أن يكون محتمل‬
‫الوجود في المستقبل‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المضامين‪ :‬ما في أصلب البل‪ ،‬والملقيح‪ :‬ما في بطون النوق‪ .‬وهذه البيوع كانت متعارفة في‬
‫الجاهلية‪ .‬والحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر (نصب الراية‪.)10/4 :‬‬
‫(‪ )2‬رواه أحمد وأصحاب السنن الربعة‪ ،‬وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم عن عمرو بن‬
‫شعيب عن أبيه عن جده بلفظ‪ « :‬ل يحل سلف وبيع‪ ،‬ول شرطان في بيع‪ ،‬ول ربح ما لم يضمن‪ ،‬ول‬
‫بيع ما ليس عندك » ‪( .‬سبل السلم‪.)16/3 :‬‬
‫(‪ )3‬السلم‪ :‬هو بيع آجل بعاجل أي بيع شيء غير موجود بثمن حال‪ ،‬كما يفعل الزراع مع التجار في‬
‫بيعهم المحصولت الزراعية قبل الحصاد‪ .‬وقد أجازه الشرع في السنة‪ « :‬من أسلف فليسلف في كيل‬
‫معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم » والجارة هي عقد على المنافع بعوض‪ .‬وقد ثبتت مشروعيتها‬
‫بالقرآن والسنة وإجماع العلماء‪ ،‬والستصناع‪ :‬هو التفاق على عمل الصانع بأن يصنع شيئا نظير‬
‫عوض معين‪ ،‬بخامات من عنده‪ ،‬كما نفعل مع الخياطين والنجارين والحدادين مثلً‪ .‬وقد أجيز‬

‫بالجماع لحاجة الناس إلى التعامل به في كل زمان ومكان‪.‬‬
‫(‪ )4‬المساقاة‪ :‬هي تعهد العمل على سقاية وتربية الشجار بنسبة من الناتج‪ .‬وقد ثبت تشريعها في‬
‫السنة‪ .‬ومثلها المزارعة‪ :‬هي العمل على استثمار الراضي الزراعية بنسبة من المحصول‪.‬‬
‫(‪ )5‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،367‬الشرح الصغير‪ ،305/3 :‬ط دار المعارف بمصر‪ .‬قال ابن رشد في‬
‫بداية المجتهد‪« :324/2 :‬ول خلف في جواز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود‪ ،‬وبالجملة‪ :‬كل‬
‫ما ل يصح بيعه في الشرع من جهة الغرر » ‪.‬‬

‫( ‪)4/527‬‬
‫وأما الحنابلة (‪ : )1‬فلم يشترطوا هذا الشرط‪ ،‬واكتفوا بمنع البيع المشتمل على الغرر (‪ )2‬الذي نهى‬
‫حمْل في البطن دون الم‪ ،‬وبيع اللبن في الضرع‪ ،‬والصوف على ظهر الغنم‪.‬‬
‫عنه الشرع‪ ،‬مثل بيع ال َ‬
‫وأجازوا فيما عدا ذلك ـ كما قرر ابن تيمية وابن القيم ـ بيع المعدوم عند العقد إذا كان محقق‬
‫الوجود في المستقبل بحسب العادة‪ ،‬كبيع الدار على الهيكل أو الخريطة؛ لنه لم يثبت النهي عن بيع‬
‫المعدوم ل في الكتاب ول في السنة ول في كلم الصحابة‪ ،‬وإنما ورد في السنة النهي عن بيع الغرر‪:‬‬
‫وهو ما ل يقدر على تسليمه‪ ،‬سواء أكان موجودا أم معدوما كبيع الفرس والجمل الشارد‪ ،‬فليست العلة‬
‫في المنع ل العدم ول الوجود‪ ،‬فبيع المعدوم إذا كان مجهول الوجود في المستقبل باطل للغرر‪ ،‬ل‬
‫للعدم‪.‬‬
‫بل إن الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع‪ ،‬فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدء صلحه‪ ،‬والحب‬
‫بعد اشتداده‪ ،‬والعقد في هذه الحالة ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد‪.‬‬
‫وأما حديث النهي عن بيع ما ليس عند النسان فالسبب فيه‪ :‬هو الغرر لعدم القدرة على التسليم‪ ،‬ل أنه‬
‫معدوم‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬أعلم الموقعين‪ 8/2 :‬ومابعدها‪ ،‬نظرية العقد لبن تيمية‪ :‬ص ‪ ،224‬المغني‪.208 ،200/4 :‬‬
‫(‪ )2‬روى الجماعة إل البخاري عن أبي هريرة «نهى النبي صلّى ال عليه وسلم عن بيع الحصاة‬
‫وعن بيع الغرر» أي نهى عن بيع المبيع المشتمل على غرر‪ ،‬فالمبيع نفسه ل البيع هو الغرر‪،‬‬
‫كالثمرة قبل بدو صلحها‪ .‬والغرر‪ :‬ماتردد بين السلمة والعطب‪ .‬أو ما ل يقدر المتعاقد على تسليمه‬
‫موجودا كان أو معدوما‪ .‬وبيع الحصاة‪ :‬أي ماوقعت عليه الحصاة من عدة أشياء (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)147/5‬‬

‫( ‪)4/528‬‬
‫بيع الثمار أو الخضار أو الزروع ‪:‬‬
‫يترتب على اشتراط وجود المعقود عليه أو قابليته للوجود في المستقبل حكم بيع الثمر أو الخضر أو‬
‫الزرع في الرض قبل ظهوره أو بعد ظهوره وقبل نضجه (‪. )1‬‬
‫أ ـ اتفق الفقهاء على بطلن بيع الثمار والزروع قبل أن تخلق‪ ،‬لنهي النبي صلّى ال عليه وسلم عن‬
‫بيع ما لم يخلق‪ ،‬ونهيه عليه السلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلحها‪ .‬وعلل النهي عن البيع بقوله‬
‫صلّى ال عليه وسلم ‪« :‬أرأيت إذا منع ال الثمرة‪ ،‬بم يأخذ أحدكم مال أخيه» (‪. )2‬‬
‫ب ـ إذا أصبح الزرع والثمر بحالة ينتفع بهما انتفاعا كاملً‪ ،‬صح التعاقد عليه؛ لن محل العقد‬
‫موجود‪ .‬ويجوز إبقاؤه في الرض أو على الشجر إلى وقت الحصاد أو القطاف عند غير أبي حنيفة‬
‫وأبي يوسف؛ لن العرف يقتضيه ويتعامل به الناس عادة‪.‬‬
‫ج ـ إذا أصبح الزرع والثمر بحالة ل ينتفع بهما انتفاعا كاملً‪ ،‬كأن صار العنب حصرما‪ ،‬والبلح‬
‫بسرا‪ ،‬والزرع سنبلً أخضر لم ييبس‪ ،‬جاز بيعه عند المامين مالك ومحمد بن الحسن استحسانا‬
‫لتعارف الناس وتعاملهم به‪ .‬ولم يجز بيعه عند أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي‪ ،‬لن إبقاءه أمر‬
‫مطلوب‪ ،‬وفي إبقائه منفعة للمشتري ل يقتضيها العقد ول يلئمه‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬انظر عند الحنفية‪ :‬البدائع‪ ،173/5 :‬المبسوط‪ 195/12 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪ 102/5 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫تبيين الحقائق‪ ،12/4 :‬الدر المختار‪ ،40/4 :‬وعند المالكية‪ :‬المنتقى على الموطأ‪ 217/4 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫بداية المجتهد‪ 148/2 :‬ومابعدها‪ ،‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ .261‬وعند الشافعية‪ :‬تكملة المجموع‪:‬‬
‫‪ ،360 ،351/11‬مغني المحتاج‪ 91 ،89 ،86/2 :‬ومابعدها‪ ،‬وعند الحنابلة‪ :‬المغني‪89 ،87 ،80/4 :‬‬
‫ومابعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪ 68/2 :‬ومابعدها‪ ،‬وعند الظاهرية‪ :‬المحلى‪ 471/8 :‬وعند الزيدية‪ :‬البحر‬
‫الزخار‪ ،317/3 :‬وعند المامية‪ :‬المختصر النافع‪ :‬ص ‪ ،154‬وعند الباضية‪ :‬شرح النيل‪72/4 :‬‬
‫ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه البخاري ومسلم عن أنس «أن النبي صلّى ال عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تَزْهى‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬وما تزهى؟ قال‪ :‬تحمرّ‪ ،‬وقال‪ :‬إذا منع ال الثمرة فبم تستحل مال أخيك» (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)173/5‬‬

‫( ‪)4/529‬‬

‫د ـ إذا بدا صلح بعض الشجار المثمرة في بستان أو في بساتين متجاورة يجوز بيع ما ظهر‬
‫صلحه وما لم يظهر عند المالكية والشيعة المامية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة‪ ،‬عملً بحسن‬
‫الظن بال تعالى وبمسامحة النسان لخيه‪ ،‬وتعارف الناس عليه‪ ،‬إلحاقا لما لم يظهر صلحه بما‬
‫ظهر‪ ،‬ودفعا للمشقة على الناس في تعاملهم‪.‬‬
‫ولم يجز ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية والظاهرية والباضية؛ لن العقد اشتمل على معلوم‬
‫ومجهول قد ل يخرجه ال تعالى من الشجرة ‪ ،‬ولعدم القدرة على تسليم المبيع كله‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬إن من منع البيع في هذه الصور أراد الحتياط في أخذ مال الغير‪ ،‬ومن أجاز البيع أراد‬
‫التيسير على الناس ومراعاة العراف‪.‬‬

‫( ‪)4/530‬‬
‫هذا ويتفق القانون المدني السوري (م ‪ )132،133‬مع الفقه السلمي في هذا الشرط‪ ،‬فقد شرط فقهاء‬
‫القانون في محل اللتزام أن يكون شيئا موجودا وقت نشوء اللتزام‪ ،‬أو قابلً للوجود في المستقبل (‪)1‬‬
‫‪ ،‬لكن ل يجوز قانونا ول شرعا بيع التركة المستقبلة‪ ،‬فل يجوز للوارث بيع حصته من تركة مورثه‬
‫وهو على قيد الحياة‪ .‬ويجوز قانونا ل شرعا بيع المؤلف مؤلفه قبل إتمامه‪ ،‬وبيع المحصولت‬
‫المستقبلة قبل أن تنبت بثمن مقدر‪ ،‬وبيع النتاج الذي لم يولد‪ ،‬ويمكن تصحيح هذه العقود على رأي ابن‬
‫تيمية الذي يجيز العقد على ا لشيء الذي يمكن وجوده في المستقبل إذا امتنع الغرر‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن يكون المعقود عليه مشروعاً‪:‬‬
‫يشترط أن يكون محل العقد قابلً لحكمه شرعا‪ ،‬باتفاق الفقهاء (‪ ، )2‬بأن يكون مالً مملوكا متقوما‪،‬‬
‫فإن لم يكن كذلك‪ ،‬كان العقد عليه باطلً‪ ،‬فبيع غير المال كالميتة والدم (‪ ، )3‬أو هبتها أو رهنها أو‬
‫وقفها أو الوصية بها باطل؛ لن غير المال ل يقبل التمليك أصلً‪ ،‬وذبيحة الوثني والملحد والمجوسي‬
‫والمرتد كالميتة‪.‬‬
‫ويبطل بيع غير المملوك أو هبته‪ :‬وهو المباح للناس غير المحرز كالسمك في الماء والطير في الهواء‬
‫والكل والحطب والتراب والحيوانات البرية أو الشيء المخصص للنفع العام كالطرقات والنهار‬
‫والجسور والقناطر العامة؛ لنها غير مملوكة لشخص أو ل تقبل التملك الشخصي‪.‬‬
‫والتصرف بغير المتقوم باطل أيضا‪ :‬وهو ما ل يمكن ادخاره ول النتفاع به شرعا‪ ،‬كالخمر‬
‫والخنزير بين المسلمين‪.‬‬
‫‪-------------------------------‬‬

‫(‪ )1‬النظرية العامة لللتزام للدكتور عبد الحي حجازي‪ :‬ص ‪.65‬‬
‫(‪ )2‬البدائع‪ ،140/5 :‬حاشية ابن عابدين‪ ،3/4 :‬مغني المحتاج‪ 11/2 :‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الصغير‪:‬‬
‫‪ 22/3‬ومابعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪ 6/2 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬أجاز الشافعية والحنابلة خلفا لبي حنيفة ومالك بيع حليب المرأة المرضع للحاجة إليه وتحقيق‬
‫النفع به‪ ،‬وأجاز الحنابلة بيع أعضاء النسان كالعين وقطعة الجلد إذا كان ينتفع بها ليرقع بها جسم‬
‫الخر لضرورة الحياء‪ ،‬وبناء عليه يجوز بيع الدم الن للعمليات الجراحية للضرورة (راجع المغني‪:‬‬
‫‪.)260/4‬‬

‫( ‪)4/531‬‬
‫وأما آلت الملهي كأدوات الموسيقا المختلفة فيجوز بيعها عند أبي حنيفة لمكان النتفاع بالدوات‬
‫المركبة منها‪ ،‬ولنها مال في ذاتها‪ ،‬ول ينعقد بيعها عند الصاحبين وبقية الئمة؛ لنها معدة للفساد‬
‫واللهو‪ .‬وبناء عليه يضمن قيمتها من يتلف شيئا منها عند أبي حنيفة‪ ،‬ول يضمن عند غيره من‬
‫الفقهاء‪.‬‬
‫ويبطل التصرف بكل شيء‪ ،‬ل يقبل بطبيعته حكم العقد الوارد عليه‪ ،‬فالموال التي يتسارع إلىها‬
‫الفساد كالخضروات والفواكه ل تصلح محلً للرهن؛ لن حكمه‪ :‬وهو حبس المرهون لمكان استيفاء‬
‫الدين منه عند عدم الداء في وقته‪ ،‬ل تقبله هذه الموال‪ .‬والمرأة من المحارم كالخت والعمة بالنسبة‬
‫لقريبها المحرم ل تصلح محلً لعقد الزواج‪ .‬والعمل الممنوع شرعا كالقتل والغصب والسرقة‬
‫والتلف ل يصح الجارة عليه‪.‬‬
‫ويتفق القانون مع الفقه السلمي في اشتراط هذا الشرط‪ ،‬فقد شرط القانونيون أن يكون الشيء داخلً‬
‫في دائرة التعامل‪ .‬وأن يكون في بعض الحوال مملوكا للملتزم بنقل ملكيته‪ ،‬وذلك في الحقوق العينية‬
‫المنصبة على شيء معين بالذات (‪ ، )1‬إل أن فقهاء الشرع يجعلون تحريم الشرع وعدمه هو المحكم‬
‫في جعل محل اللتزام مشروعا أم غير مشروع‪ ،‬والقانون يحكّم في ذلك قواعد النظام العام والداب‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬نظرية اللتزام للدكتور حجازي‪ :‬ص ‪.71 ،65‬‬

‫( ‪)4/532‬‬

‫‪ - 3‬أن يكون مقدور التسليم وقت التعاقد ‪:‬‬
‫يشترط باتفاق الفقهاء توافر القدرة على التسليم وقت التعاقد‪ ،‬فل ينعقد العقد إذا لم يكن العاقد قادرا‬
‫على تسليم المعقود عليه‪ ،‬وإن كان موجودا ومملوكا للعاقد‪.‬ويكون العقد باطلً‪.‬‬
‫وهذا الشرط مطلوب في المعاوضات المالية باتفاق العلماء وفي التبرعات (‪ )1‬عند غير المام مالك‪،‬‬
‫فل يصح بيع الحيوان الشارد ول إجارته ورهنه وهبته ووقفه ونحوها‪ ،‬ول يصح التعاقد بيعا أو‬
‫إجارة أو هبة على الطير في الهواء والسمك في البحر والصيد بعد فراره والمغصوب في يد الغاصب‬
‫والدار في الرض المحتلة من العدو‪ ،‬لعدم القدرة على التسليم‪.‬‬
‫وأجاز المام مالك أن يكون معجوز التسليم حال التعاقد محلً لعقد الهبة وغيره من التبرعات (‪. )2‬‬
‫فيصح عنده هبة الحيوان الفارّ وإعارته والوصية به‪ ،‬لنه في التبرع ل يثور شيء من النزاع حول‬
‫تسليم المعقود عليه؛ لن المتبرع فاعل خير ومحسن‪ ،‬والمتبرع له ل يلحقه ضرر من عدم التنفيذ‪،‬لنه‬
‫ل ول كثيرا‪ ،‬فل يكون هناك ما يؤدي إلى النزاع والخصام الذي يوجد في المعاوضات‬
‫لم يبذل قلي ً‬
‫المالية‪.‬‬
‫وهذا الشرط لم يذكر عند القانونيين‪ ،‬ويظهر أنهم ل يشترطونه‪.‬‬
‫‪ - 4‬أن يكون معينا معروفا للعاقدين ‪:‬‬
‫لبد عند الفقهاء أن يكون محل العقد معلوما علما يمنع من النزاع؛ للنهي الوارد في السنة عن بيع‬
‫الغرر وعن بيع المجهول (‪. )3‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ ،119/6 ،147/5 ،187/4 :‬بداية المجتهد‪ ،156/2 :‬الشرح الكبير‪ ،11/3 :‬الشرح‬
‫الصغير‪ ،22/3 :‬المهذب‪ ،262/1 :‬مغني المحتاج‪ ،12/2 :‬المغني‪ 200/4 :‬ومابعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪:‬‬
‫‪.10/2‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الصغير‪.142/4 :‬‬
‫(‪ )3‬سبق تخريج الحديث‪ ،‬رواه الجماعة إل البخاري عن أبي هريرة «أن النبي صلّى ال عليه وسلم‬
‫نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر» وبيع الحصاة‪ :‬أن يقول‪ :‬بعتك من هذه الثواب ما وقعت عليه‬
‫هذه الحصاة‪ ،‬ويرمي الحصاة‪ .‬أو يقول‪ :‬من هذه الرض ما انتهت إليه في الرمي (نيل الوطار‪:‬‬
‫‪.)147/5‬‬

‫( ‪)4/533‬‬

‫والعلم يتحقق إما بالشارة إليه إذا كان موجودا‪ ،‬أو بالرؤية عند العقد أو قبله بوقت ل يحتمل تغيره‬
‫فيه‪ ،‬ورؤية بعضه كافية إذا كانت أجزاؤه متماثلة‪ ،‬أو بالوصف المانع للجهالة الفاحشة‪ ،‬وذلك ببيان‬
‫الجنس والنوع والمقدار‪ ،‬كأن يكون المبيع حديدا من الصلب أو الفولذ من حجم معين‪.‬‬
‫فل يصح التصرف بالمجهول جهالة فاحشة‪ :‬وهي التي تفضي إلى المنازعة‪.‬‬
‫ويكون العقد فاسدا عند الحنفية‪ ،‬باطلً عند غير الحنفية‪ ،‬وتغتفر الجهالة اليسيرة‪ ،‬وهي التي ل تؤدي‬
‫إلى المنازعة ويتسامح الناس فيها عادة‪.‬‬
‫كما ل يصح التصرف بما يشتمل على الغرر‪ .‬ويلحظ أن الغرر أعم من الجهالة فكل مجهول غرر‪،‬‬
‫وليس كل غرر مجهولً‪ ،‬فقد يوجد الغرر بدون الجهالة كما في شراء الشيء الهارب المعلوم الصفة‪،‬‬
‫ولكن ل توجد الجهالة بدون الغرر (‪. )1‬‬
‫وهذا الشرط مطلوب في المعاوضات المالية كالبيع واليجار باتفاق الفقهاء‪ ،‬أما اشتراطه في غيرها‬
‫فمحل اختلف‪:‬‬
‫فالشافعية والحنابلة (‪ )2‬يشترطونه في عقود المعاوضات المالية وفي غير المالية كعقد الزواج‪ ،‬وفي‬
‫عقود التبرعات كالهبة والوصية والوقف‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬الفروق للقرافي المالكي‪ ،265/3 :‬تهذيب الفروق بهامشه‪ 170/3 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج‪ ،16/2:‬المهذب‪ ،263/1،266 :‬المغني‪ ،234 ،209/4 :‬غاية المنتهى‪،11/2 :‬‬
‫‪ 332‬وما بعدها‪.60 ،18/3 ،‬‬

‫( ‪)4/534‬‬
‫وقصره الحنفية (‪ )3‬على المعاوضات المالية وغير المالية‪ ،‬ول يشترطونه في عقود التبرعات‬
‫كالوصية والكفالة‪ ،‬فيصح التبرع مع جهالة المحل؛ لن الجهالة فيه ل تؤدي إلى النزاع‪ ،‬كأن يوصي‬
‫شخص بجزء من ماله‪ ،‬ويكون البيان متروكا للورثة‪ .‬وكأن يقول الكفيل‪ :‬أنا ضامن ما على فلن من‬
‫مال‪.‬‬
‫واكتفى المالكية (‪ )4‬باشتراطه في عقود المعاوضات المالية فقط‪ ،‬فأبطلوا كل عقد بيع مثلً إذا كان‬
‫مشتملً على جهالة المبيع أو الثمن‪ .‬ولم يشترطوا هذا الشرط في عقود المعاوضات غير المالية‪ ،‬وفي‬
‫عقود التبرعات‪ ،‬فأجازوا الزواج المشتمل على غرر قليل ل كثير كأثاث بيت‪ ،‬ل على شيء شارد أو‬
‫ضائع؛ لن القصد من المهر هو المودة واللفة فأشبه التبرع فاغتفرت فيه الجهالة اليسيرة‪ ،‬ل‬

‫الفاحشة؛ لن في الزواج شبها بالمعاوضات‪ ،‬وصححوا التبرع بالمجهول جهالة فاحشة؛ لن القصد‬
‫منه الحسان بالصرف والتوسعة على الناس‪ ،‬ول يترتب على ذلك نزاع‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المبسوط‪ ،49 ،26/13 :‬البدائع‪ ،158/5 :‬فتح القدير‪ ،222 ،113/5 :‬الدر المختار‪،30/4 :‬‬
‫‪.125‬‬
‫(‪ )2‬الشرح الكبير‪ ،106/3 :‬القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،269‬المنتقى على الموطأ‪ ،298/4 :‬الفروق‪:‬‬
‫‪ 150/1‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/535‬‬
‫والقانون المدني في المادة (‪ )134‬اشترط هذا الشرط أيضا‪ ،‬متجاوزا عن الجهالة اليسيرة إذا كان‬
‫المحل غير معين بالذات‪ ،‬أي معينا بنوعه فقط‪ .‬فقال فقهاء القانون‪ :‬يشترط أن يكون الشيء معينا أو‬
‫قابلً للتعيين بشرط بيان طرق التعيين اللحق‪ .‬فإذا كان الشيء محل اللتزام مما يعين بذاته وجب أن‬
‫تكون ذاتيته معروفة‪ .‬وإذا كان الشيء مما يعيّن بنوعه لزم أن يذكر جنسه ونوعه ومقداره (‪. )1‬‬
‫والشرع والقانون وإن اتفقا على هذا الشرط من حيث المبدأ‪ ،‬لكنهما يختلفان في التطبيق‪ ،‬فالشرعيون‬
‫يوجبون تعيين محل العقد تعيينا تاما ل يتطرق إليه أي احتمال‪ ،‬وإل كان العقد فاسدا عند الحنفية‬
‫باطلً عند غيرهم‪ ،‬ول يجيزون كون المحل قابلً للتعيين‪ ،‬والقانون يكتفي بكون المحل قابلً للتعيين‪،‬‬
‫وإن لم يكن معينا وقت التعاقد‪ ،‬كالتعهد بتوريد أغذية معينة النوع لمدرسة أو مشفى‪.‬‬
‫وأخيرا اشترط غير الحنفية (‪ )2‬شرطا خامسا‪ :‬وهو أن يكون المبيع طاهرا لنجسا ول متنجسا؛ لن‬
‫جواز البيع يتبع الطهارة‪ ،‬فكل ما كان طاهرا أي ما يباح‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬موجز النظرية العامة لللتزام لستاذنا الدكتور عبد الحي حجازي‪ :‬ص ‪ 66‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬مواهب الجليل‪ 258/4:‬ومابعدها‪ ،‬الشرح الكبير‪ ،10/3 :‬بداية المجتهد‪ 125/2 :‬ومابعدها‪،‬‬
‫القوانين الفقهية‪ :‬ص ‪ ،246‬المهذب‪ 261/1 :‬ومابعدها‪ ،‬مغني المحتاج‪ ،11/2 :‬المغني‪251/4،255 :‬‬
‫وما بعدها‪ ،‬غاية المنتهى‪ 6/2 :‬ومابعدها‪.‬‬

‫( ‪)4/536‬‬

‫النتفاع به شرعا يجوز بيعه عندهم‪ .‬وأما النجس والمتنجس فيبطل بيعه‪ ،‬والنجس‪ :‬مثل الكلب ولو‬
‫كان معلما للنهي عن بيعه‪ ،‬والخنزير والميتة والدم والزبل والحشرات والبهائم الكاسرة التي ل يؤكل‬
‫لحمها كالسد والذئب‪ ،‬والطيور الجارحة كالنسر والغراب والحدأة‪ ،‬والمتنجس الذي ل يمكن تطهيره‬
‫كالخل والدبس واللبن‪ .‬لكن أجاز هؤلء الفقهاء بيع المختلف في نجاسته كالبغل والحمار‪ ،‬وبيع الهر‬
‫وطيور الصيد كالصقر والعقاب المعلم‪ ،‬والطير المقصود صوته كالهزار والبلبل والببغاء‪.‬‬
‫ولم يشترط الحنفية (‪ )1‬هذا الشرط‪ ،‬فأجازوا بيع النجاسات كشعر الخنزير وجلد الميتة للنتفاع بها إل‬
‫ما ورد النهي عن بيعه منها كالخمر والخنزير والميتة والدم (‪ ، )2‬كما أجازوا بيع الحيوانات‬
‫المتوحشة‪ ،‬والمتنجس الذي يمكن النتفاع به في غير الكل‪ .‬والضابط عندهم‪ :‬أن كل ما فيه منفعة‬
‫تحل شرعا‪ ،‬فإن بيعه يجوز‪ ،‬لن العيان خلقت لمنفعة النسان بدليل قوله تعالى‪{ :‬خلق لكم ما في‬
‫الرض جميعا} [البقرة‪]29/2:‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬البدائع‪ 142/5 :‬ومابعدها‪ ،‬فتح القدير‪.122/8 ،188/5 :‬‬
‫(‪ )2‬روى أحمد والشيخان عن جابر بن عبد ال أنه سمع رسول ال صلّى ال عليه وسلم يقول عام‬
‫الفتح ـ فتح مكة في رمضان سنة ثمان من الهجرة ـ وهو بمكة‪« :‬إن ال ورسوله حرّم بيع الخمر‬
‫والميتة والخنزير والصنام‪( »..‬سبل السلم‪ )5/3 :‬وروى أحمد وأبو داود عن ابن عباس‪ …« :‬وإن‬
‫ال إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه» (نيل الوطار‪.)142-141/5 :‬‬

‫( ‪)4/537‬‬
‫العنصر الرابع ـ موضوع العقد ‪:‬‬
‫إن موضوع العقد‪ :‬هو أحد مقوماته الربعة التي ل بد من وجودها في كل عقد‪.‬‬
‫وموضوع العقد‪ :‬هو المقصد الصلي الذي شرع العقد من أجله‪ .‬وإذا كان القانون عند القانونيين هو‬
‫الذي يحدد مقصد العقد أو آثاره‪ ،‬ل إرادة العاقد‪ ،‬فإن المشرع في الشريعة السلمية هو الذي يحدد‬
‫الثار الخاصة لكل عقد‪ ،‬وبهذا التحديد وفي نطاقه المقرر تتحقق الغراض الصحيحة التي يقصدها‬
‫العاقدان من إنشاء العقد‪.‬‬
‫وموضوع العقد واحد ثابت في كل فئة أو نوع من أنواع العقود‪ ،‬ويختلف باختلف فئات العقود أو‬
‫أنواعها‪ ،‬فهو في عقود البيع واحد‪ :‬وهو نقل ملكية المبيع للمشتري بعوض‪ .‬وفي الجارات‪ :‬هو تمليك‬
‫المنفعة بعوض‪ ،‬وفي الهبات‪ :‬هو تمليك العين الموهوبة‪ ،‬بل عوض‪ ،‬وفي العارات‪ :‬هو تمليك‬

‫المنفعة بل عوض‪ ،‬وفي الزواج‪ :‬هو حل الستمتاع المشترك بين الزوجين‪.‬‬
‫وموضوع العقد يتحد في الحقيقة مع عبارتي‪ :‬المقصد الصلي للعقد (أو الغاية النوعية من العقد)‪،‬‬
‫وحكم العقد‪ ،‬فهذه المصطلحات الثلثة مترادفة يمثل كل واحد منها وجها لحقيقة واحدة‪ .‬فإذا نظر إلى‬
‫هذه الحقيقة من وجهة نظر الشارع قبل إيجاد العقد سميت مقصدا أصليا للعقد أي مآل العقد‪ .‬وإذا نظر‬
‫إلى هذه الحقيقة من وجهة نظر الشارع بعد وجود العقد سميت حكم العقد أي الثر المترتب عليه‪.‬‬
‫وإذا لحظنا المرحلة المتوسطة التي تقع إبان التعاقد أي بين مرحلة إيجاده وتمامه فتسمى هذه الحقيقة‬
‫موضوع العقد (‪ . )1‬فهذه العبارات الثلث تطلق على حقيقة واحدة مثلثة الوجوه (‪. )2‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫(‪ )1‬المدخل الفقهي للستاذ الزرقاء‪ :‬ف ‪ ،149‬التعبير عن الرادة في الفقه السلمي للدكتور وحيد‬
‫سوار‪ :‬ف ‪ ،531‬ص ‪ 501‬ومابعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬يلحظ أن هناك فرقا بين موضوع العقد ومحل العقد‪ ،‬أما موضوع العقد فهو المقصد الصلي‬
‫للعقد منظورا إليه إبان تكوين العقد‪ ،‬وأما محل العقد فهو المعقود عليه الذي يثبت فيه حكم العقد‬
‫كالمبيع والثمن‪.‬‬

‫( ‪)4/538‬‬