‫تابع تفسير سورة العراف‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪88‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ش َعيْ بُ‬
‫جنّ كَ َي ُ‬
‫خ ِر َ‬
‫س َتكْ َبرُو ْا مِن قَ ْومِ هِ َل ُن ْ‬
‫{قَالَ ا ْلمَلُ اّلذِي نَ ا ْ‬

‫ن فِي مِّل ِتنَا قَالَ َأوَلَ ْو ُكنّا كَارِهِينَ }‪..‬‬
‫ن آ َمنُو ْا َم َعكَ مِن قَ ْر َي ِتنَآ أَ ْو َل َتعُودُ ّ‬
‫وَاّلذِي َ‬
‫س َت ْك َبرُوا يعنـي بـالـمل‪ :‬الـجماعة من الرجال‪,‬‬
‫نا ْ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬قالَ الـمَلُ اّلذِي َ‬
‫ويعنـي بـالذين استكبروا‪ :‬الذين تكبروا عن اليـمان بـال والنتهاء إلـى أمره واتبـاع‬
‫جنّك‬
‫خ ِر َ‬
‫رسوله شعيب لـما حذّرهم شعيب بأس ال علـى خلفهم أمر ربهم‪ ,‬وكفرهم به‪َ .‬لنُـ ْ‬
‫ن فـي مِّلتِنا‬
‫ش َعيْبُ ومن تبعك وصدّقك وآمن بك‪ ,‬وبـما جئت به معك من قريتنا‪ .‬أو َل َتعُودُ ّ‬
‫يا ُ‬
‫يقول‪ :‬لترجعَ نّ أنت وهم فـي ديننا وما نـحن علـيه‪ .‬قال شعيب مـجيبـا لهم‪ :‬أَ َو لَ ْو ُكنّا‬
‫كارِهِين؟‪.‬‬
‫ومعنى الكلم‪ :‬أن شعيبـا قال لقومه‪ :‬أتـخرجوننا من قريتكم‪ ,‬وتصدّوننا عن سبـيـل ال‪,‬‬
‫ولو كنا كارهين لذلك؟ ثم أدخـلت ألف الستفهام علـى واو «أ َو لَوْ»‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪89‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ع ْدنَا فِي مِّل ِتكُمْ َب ْعدَ ِإ ْذ َنجّانَا‬
‫{ َقدِ ا ْفتَ َر ْينَا عَلَى الّل ِه َكذِبا ِإنْ ُ‬

‫شيْءٍ عِلْما عَلَى اللّ هِ‬
‫ن َلنَآ أَن ّنعُودَ فِيهَآ ِإلّ أَن َيشَآ َء اللّ هُ َر ّبنَا وَ سِ َع رَ ّبنَا كُلّ َ‬
‫اللّ هُ ِم ْنهَا َومَا َيكُو ُ‬
‫خ ْيرُ الْفَا ِتحِينَ }‪..‬‬
‫ت َ‬
‫حقّ وَأَن َ‬
‫ن قَ ْو ِمنَا بِا ْل َ‬
‫تَ َوكّ ْلنَا َر ّبنَا ا ْفتَحْ َب ْي َننَا َو َبيْ َ‬
‫يقول جلّ ثناؤه‪ :‬قال شعيـب لقومـه‪ ,‬إذ دعوه إلــى العود إلــى ملتهـم والدخول فــيها‪,‬‬
‫وتوعدوه بطرده ومن اتبعه من قريتهم إن لـم يفعل ذلك هو وهم‪ :‬قَدِ ا ْف َت َريْنا علـى اللّ ِه َكذِبـا‬
‫يقول‪ :‬قد اختلقنا علـى ال كذبـا‪ ,‬وتـخرّصنا علـيه من القول بـاطلً إن نـحن عدنا فـي‬
‫ملت كم‪ ,‬فرجع نا ف ـيها ب عد إذ أنقذ نا ال من ها‪ ,‬بأن ب صّرنا خطأ ها و صواب الهدى الذي ن ـحن‬
‫ن ب ها ونترك ال ـحقّ الذي ن ـحن عل ـيه‪ .‬إل أ نْ‬
‫عل ـيه‪ ,‬و ما يكون ل نا أن نر جع ف ـيها فندي َ‬
‫يَشاءَ اللّ هُ َربّنا‪ :‬إل أن يكون سبق لنا فـي علـم ال أنا نعود فـيها‪ ,‬فـيـمضيَ فـينا حينئذ‬
‫ل شَيْءٍ عِلْـما يقول‪ :‬فإن علْـمَ ربنا وسع كل‬
‫قضاء ال‪ ,‬فـينفذ مشيئته علـينا‪ .‬وَ سِعَ َربّنا كُ ّ‬
‫ش يء فأحاط به‪ ,‬فل يخف ـى عل ـيه ش يء كان ول ش يء هو كائن فإن ي كن سبق ل نا ف ـي‬
‫علـمه أنا نعود فـي ملتكم ول يخفـى علـيه شيء كان ول شيء هو كائن‪ ,‬فل بد من أن‬
‫يكون ما قد سبق فـي علـمه‪ ,‬وإل فإنا غير عائدين فـي ملتكم‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك‪ ,‬قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11605‬ــ حدثنــي مــحمد بـن الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أحمـد بـن الــمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا‬
‫عدْنا فِـي مِّل ِتكُمْ َب ْعدَ إذْ نَـجّانا الّل ُه ِمنْها‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪َ :‬قدِ افْتَريْنا علـى اللّ ِه َكذِبـا إنْ ُ‬

‫شيْءٍ عِلْ ـما عل ـى اللّ هِ‬
‫ل َ‬
‫ن يَشاءَ الّل ُه َربّ نا وَ سِعَ َربّ نا كُ ّ‬
‫لأ ْ‬
‫ن َنعُودَ فِ ـيها إ ّ‬
‫ن لَ نا أ ْ‬
‫وَ ما َيكُو ُ‬
‫حقّ يقول‪ :‬ما ينب غي لنا أن نعود ف ـي شرك كم‬
‫ن قَ ْومِ نا ب ـالـ َ‬
‫تَ َوكّلْنا َربّنا ا ْفتَ ـحْ بَـيْنَنا وب ـي َ‬
‫ب عد إذ ن ـجانا ال من ها إل أن يشاء ال رب نا‪ ,‬ف ـال ل يشاء الشرك‪ ,‬ول كن يقول‪ :‬إل أن يكون‬
‫ال قد علـم شيئا‪ ,‬فإنه وسع كلّ شيء علـما‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬عل ـى الّل هِ َت َوكّلْ نا يقول‪ :‬علــى ال نعتــمد ف ـي أمور نا وإل ـيه ن ستند ف ـيـما‬
‫َتعِدوننا به من شرككم أيها القوم‪ ,‬فإنه الكافـي من توكل علـيه‪ .‬ثم فزع صلوات ال علـيه‬
‫إلــى ربـه بــالدعاء علــى قومـه‪ ,‬إذ أيـس مـن فلحهـم‪ ,‬وانقطـع رجاؤه مـن إذعانهـم ل‬
‫بـالطاعة والقرار له ب ـالرسالة‪ ,‬وخاف علـى نف سه وعل ـى من اتبعه من مؤمنـي قو مه‬
‫من فَ سَقِتهم العطب والهلكة بتعجيـل النقمة‪ ,‬فقال‪َ :‬ربّنا ا ْفتَـحْ بَـ ْينَنا وبـينَ قَ ْومِنا بـالـحَقّ‬
‫يقول‪ :‬اح كم ب ـيننا وب ـينهم بحك مك ال ـحقّ الذي ل جور ف ـيه ول ح يف ول ظل ـم‪ ,‬ولك نه‬
‫ن يعنــي‪ :‬خيـر الــحاكمين‪ .‬ذكـر الفراء أن أهـل عمان‬
‫خ ْيرُ الفــاتِـحِي َ‬
‫ْتـ َ‬
‫وحقـ وأن َ‬
‫ّ‬
‫عدل‬
‫ي سمون القا ضي‪ :‬الف ـاتـح والفتّاح‪ .‬وذ كر غيره من أ هل العل ـم بكلم العرب أ نه من ل غة‬
‫مراد‪ ,‬وأنشد لبعضهم بـيتا وهو‪:‬‬
‫غنِـيّ‬
‫ح ِت ُكمْ َ‬
‫ن فُتا َ‬
‫صمٍ َرسُولًفإنّـي عَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫أل أبْلِغْ َبنِـي ُ‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك‪ ,‬قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11606‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن مسعر‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬ما‬
‫كنت أدري ما قوله‪َ :‬ربّنا افْتَـحْ بَـ ْينَنا وبـينَ قَ ْومِنا بـالـحَقّ حتـى سمعت ابنة ذي يزن‬
‫حكَ‪ ,‬يعنـي‪ :‬أقاضيك‪.‬‬
‫تقول‪ :‬تعال أُفـاتِـ ْ‬
‫‪11607‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫حقّ يقول‪ :‬اقض بـيننا وبـين‬
‫ن قَ ْومِنا بـالـ َ‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪َ :‬ربّنا ا ْفتَـحْ بَـ ْينَنا وبـي َ‬
‫قومنا‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو دك ين‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا مِ سعر‪ ,‬قال‪ :‬سمعت قتادة يقول‪ :‬قال‬
‫حقّ حت ـى‬
‫ح بَ ـيْنَنا وب ـينَ قَ ْومِ نا ب ـالـ َ‬
‫ا بن عب ـاس‪ :‬ما ك نت أدري ما قوله‪َ :‬ربّ نا ا ْفتَ ـ ْ‬
‫سمعت ابنة ذي يزن تقول‪ :‬تعال أفـاتـحك‪.‬‬
‫‪ 11608‬ـ حدث نا ب شر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا يز يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬ا ْفتَ ـحْ‬
‫حقّ‪ :‬أي اقض بـيننا وبـين قومنا بـالـحقّ‪.‬‬
‫ن قَ ْومِنا بـالـ َ‬
‫بَـيْنَنا وبـي َ‬
‫حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫حقّ‪ :‬اقض بـيننا وبـين قومنا بـالـحقّ‪.‬‬
‫ن قَ ْومِنا بـالـ َ‬
‫ح بَـيْنَنا وبـي َ‬
‫ا ْفتَـ ْ‬
‫‪11609‬ــ حدثنــي مــحمد بـن الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أحمـد بـن الــمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا‬
‫ح بَـ ْينَنا فـيقول‪ :‬احكم بـيننا‪.‬‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬أما قوله‪ :‬افْتَـ ْ‬

‫‪ 11610‬ـ حدث نا القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي حجاج‪ ,‬عن ا بن جر يج‪ ,‬قال‪ :‬قال‬
‫حنَا لَ كَ َفتْـحا ُمبِـينا‪ :‬حكمنا‬
‫الـحسن البصري‪ :‬افتـح‪ :‬احكم بـيننا وبـين قومنا‪ ,‬وإنّا َفتَـ ْ‬
‫لك حكما مبـينا‪.‬‬
‫حدثنـا القاسـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي حجاج‪ ,‬عـن ابـن جريـج‪ ,‬قال‪ :‬قال ابـن‬
‫عبـاس‪ :‬افتـح‪ :‬اقض‪.‬‬
‫حدثنا ابن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو أحمد مـحمد بن عبد ال بن الزبـير‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مسعر‪,‬‬
‫حقّ‬
‫ن قَ ْومِ نا ب ـالـ َ‬
‫ح بَ ـ ْينَنا وب ـي َ‬
‫عن قتادة‪ ,‬عن ا بن عب ـاس‪ ,‬قال‪ :‬ل ـم أ كن أدري ما ا ْفتَ ـ ْ‬
‫حتـى سمعت ابنة ذي يِزن تقول لزوجها‪ :‬انطلق أفـاتـحك‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪90‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ش َعيْبا ِإ ّنكُ مْ‬
‫ن ا ّت َب ْعتُ مْ ُ‬
‫ل اّلذِي نَ كَ َفرُواْ مِن قَ ْومِ ِه َلئِ ِ‬
‫{ َوقَالَ ا ْلمَ ُ‬

‫إِذا ّلخَاسِرُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬وقالت الــجماعة مـن كَ َفرَ ِة رجال قوم شعيـب‪ ,‬وهـم الــمل الذيـن‬
‫جحدوا آيات ال وكذّبوا رسـوله وتــمادوا فــي غيهـم‪ ,‬لَخريـن منهـم‪ :‬لئن أنتــم اتبعتــم‬
‫شعيبـا علـى ما يقول وأجبتـموه إلـى ما يدعوكم إلـيه من توحيد ال والنتهاء إلـى أمره‬
‫ونه يه وأقررت ـم بنبوّ ته‪ ,‬أ ّنكُ ْم إذًا ل ـخَاسِرُونَ يقول‪ :‬ل ـمغبونون ف ـي فعل كم‪ ,‬وترك كم ملت كم‬
‫التـي أنتـم علـيها مقـيـمون إلـى دينه الذي يدعوكم إلـيه‪ ,‬وهالكون بذلك من فعلكم‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪91‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ص َبحُواْ فِي دَارِهِمْ جَا ِثمِينَ }‪..‬‬
‫{ َفَأخَ َذ ْت ُهمُ ال ّرجْفَ ُة فََأ ْ‬

‫يقول‪ :‬فأخذت الذ ين كفروا من قوم شع يب الرج فة‪ ,‬و قد ب ـينت مع نى الرج فة ق بل‪ ,‬وأن ها‬
‫صبَحُوا فِـي دَارِ ِهمْ جا ِثمِينَ علـى ركبهم موتـى هلكى‪.‬‬
‫الزلزلة الـمـحرّكة لعذاب ال‪ .‬فأ ْ‬
‫وكانت صفة العذاب الذي أهلكهم ال به كما‪:‬‬
‫‪11611‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪,‬‬
‫ش َعيْبــا قال‪ :‬إن ال بعـث شعيبــا إلــى َمدْينـَ‪ ,‬وإلــى‬
‫عـن السـديّ‪ :‬وَإلــى َم ْديَن َـ أخاهُم ْـ ُ‬
‫أصـحاب اليكـة واليكـة‪ :‬هـي الغيضـة مـن الشجـر وكانوا مـع كفرهـم يبخَسـُون الكيــل‬
‫والـميزان‪ ,‬فدعاهم فكذّبوه‪ ,‬فقال لهم ما ذكر ال فـي القرآن‪ ,‬وما ردّوا علـيه‪ ,‬فلـما عتوا‬
‫وكذّبوه‪ ,‬سألوه العذاب‪ ,‬ففت ـح ال عل ـيهم ب ـابـا من أبواب جهن ـم‪ ,‬فأهلك هم ال ـحرّ م نه‪,‬‬
‫فل ـم ينفع هم ظلّ ول ماء‪ ,‬ثم إ نه ب عث سحابة ف ـيها ر يح طي بة‪ ,‬فوجدوا برد الر يح وطيب ها‪,‬‬
‫فتنادوا‪ :‬الظلة‪ ,‬عل ـيكم ب ها فل ـما اجت ـمعوا ت ـحت ال سحابة رجال هم ون ساؤهم و صبـيانهم‪,‬‬
‫ب يَ ْو َم الظّلّةِ‪.‬‬
‫عذَا ُ‬
‫انطبقت علـيهم‪ ,‬فأهلكتهم‪ ,‬فهو قوله‪ :‬فَأخَذَ ُهمْ َ‬

‫‪ 11612‬ـ حدث نا ا بن حم يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سلـمة‪ ,‬عن ا بن إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬كان من خبر ق صة‬
‫ل بخ ْس للناس فــي مكايــيـلهم‬
‫شعيـب وخـبر قومـه‪ ,‬مـا ذكـر ال فــي القرآن‪ ,‬كانوا أه َ‬
‫وموازينهم‪ ,‬مع كفرهم بـال وتكذيبهم نبـيهم وكان يدعوهم إلـى ال وعبـادته وترك ظلـم‬
‫الناس وبخسهم فـي مكايـيـلهم وموازينهم فقال نُصْحا لهم وكان صادقا‪ :‬ما ُأرِيدُ أ نْ أُخالِ َفكُمْ‬
‫طعْتُ وَ ما تَ ْوفِ ـيقـي إل ب ـاللّهِ عَلَ ـيْهِ‬
‫س َت َ‬
‫ن ُأرِي ُد إلّ ال صْلحَ ما ا ْ‬
‫عنْ ُه إ ْ‬
‫إل ـى ما أنهاكُ مْ َ‬
‫تَ َوكّلْ تُ وَإلَ ـيْ ِه ُأنِ ـيبُ قال ا بن إ سحاق‪ :‬وكان ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ف ـيـما ذ كر‬
‫ِيبـ ال ْنبِــياءِ» لــحسن‬
‫خط ُ‬
‫َاكـ َ‬
‫لــي يعقوب بـن أبــي سـلـمة إذا ذكـر شعيبــا‪ ,‬قال‪« :‬ذ َ‬
‫مراجعته قومه فـيـما يراد بهم‪ ,‬فلـما كذبوه وتوعدوه بـالرجم والنفـي من بلدهم‪ ,‬وعتوا‬
‫عل ـى ال‪ ,‬أخذ هم عذاب يوم الظلة إ نه كان عذاب يوم عظي ـم‪ ,‬فبلغن ـي أن رجلً من أ هل‬
‫مدين يقال له عمرو بن جلهاء لـما رآها قال‪:‬‬
‫شدّادِ‬
‫ع ْمرَانَ ْبنَ َ‬
‫سمِيرا و ِ‬
‫ع ْنكُمْ َ‬
‫ش َعيْبـا ُم ْرسَلٌ َفذَرُوا َ‬
‫ن ُ‬
‫يا قَ ْومِ إ ّ‬
‫صمّانَة الوَادِي‬
‫ت علـى َ‬
‫غيْـمَ ًة يا قومِ قد طََل َع ْتتَدْعُو بصَوْ ٍ‬
‫إنّـي أرَى َ‬
‫غدٍإلّ ال ّرقِـيـمَ يُـمَشّي بـينَ أنـجادِ‬
‫ن َترَوْا فِـيها ضَحاةَ َ‬
‫وإنّكم إ ْ‬
‫وسمير وعمران‪ :‬كاهناهم‪ ,‬والرقـيـم‪ :‬كلبهم‪.‬‬
‫‪ 11613‬ـ حدث نا ا بن حم يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سلـمة‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي ا بن إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬فبلغن ـي وال‬
‫أعل ـم أن ال سلط عل ـيهم ال ـحرّ حت ـى أنضج هم‪ ,‬ثم أن شأ ل هم الظلة كال سحابة ال سوداء‪,‬‬
‫فل ـما رأو ها ابتدرو ها يسـتغيثون ببرد ها م ـما هم ف ـيه من ال ـحرّ‪ ,‬حتــى إذا دخ ـلوا‬
‫تـحتها أُطبقت علـيهم‪ ,‬فهلكوا جميعا‪ ,‬ونـجى ال شعيبـا والذين آمنوا معه برحمته‪.‬‬
‫‪ 11614‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـي أبو عبد ال البجلـي‪ ,‬قال‪ :‬أبو‬
‫جاد‪ ,‬وهوّز‪ ,‬وحُطـي‪ ,‬وسـعفص‪ ,‬وقرشـت‪ :‬أسـماء ملوك مديـن‪ ,‬وكان ملكهـم يوم الظلة فــي‬
‫زمان شعيب كلـمون‪ ,‬فقالت أخت كلـمون تبكيه‪:‬‬
‫سطَ الـمَـحِلّهْ‬
‫كَلَـمُونُ َهدّ ُر ْكنِـيهُلْكُهُ َو ْ‬
‫سطَ ظُلّ ُه‬
‫ح ْتفُ‪ :‬نارا َو ْ‬
‫س ّيدُ ال َق ْومِ أتا ُه ا ْل َ‬
‫َ‬
‫ضمَـحِلّهْ‬
‫ت نارا عَلَـ ْي ِهمْدَارُ ُهمْ كالـ ُم ْ‬
‫جعِلَ ْ‬
‫ُ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪92‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ش َعيْبا‬
‫ن َك ّذبُواْ ُ‬
‫ش َعيْبا َكأَن لّ مْ َي ْغنَوْ ْا فِيهَا اّلذِي َ‬
‫ن َكذّبُو ْا ُ‬
‫{اّلذِي َ‬

‫سرِينَ }‪..‬‬
‫كَانُواْ ُه ُم ا ْلخَا ِ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فأهلك الذين كذّبوا شعيبـا فلـم يؤمنوا به‪ ,‬فأبـادهم‪ ,‬فصارت قريتهم‬
‫من هم خاو ية خلء كأ نْ لَ ـمْ َي ْغنَوْا فِ ـيها يقول‪ :‬كأن ل ـم ينزلوا ق طّ‪ ,‬ول ـم يعيشوا ب ها ح ين‬

‫غنِ ـيّا‪ :‬إذا نزل به وكان به‪ ,‬ك ما‬
‫غنِ ـيَ فلن ب ـمكان كذا ف هو َيغْنَى به غِنًى و ُ‬
‫هلكوا‪ ,‬يقال‪َ :‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫ك ب َعهْدٍ وَ ِوصَالِ‬
‫سكُو ِم ْن ِ‬
‫ك ا ْلمُـ ِم ْ‬
‫وَلَ َقدْ َي ْغنَى بِ ِه جِيرانُ ِ‬
‫وقال رُؤْبة‪:‬‬
‫ع ْهدُ َم ْغنَى ِدمْنَ ٍة ِبضَلْفَعا‬
‫َو َ‬
‫غنِـي‪ .‬وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال‬
‫إنـما هو مَ ْفعَل من َ‬
‫ذلك‪:‬‬
‫‪11615‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا معمر‪ ,‬عن‬
‫ن لَـمْ َي ْغنَوْا فِـيها‪ :‬كأن لـم يعيشوا‪ ,‬كأن لـم ينعموا‪.‬‬
‫قتادة‪ :‬كأ ْ‬
‫‪11616‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ :‬كأنْ لَـمْ َي ْغنَوْا فِـيها يقول‪ :‬كأن لـم يعيشوا فـيها‪.‬‬
‫‪ 11617‬ـ حدثن ـي يو نس‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا ا بن و هب‪ ,‬قال‪ :‬قال ا بن ز يد‪ ,‬ف ـي قوله‪ :‬كأ نْ لَ ـمْ‬
‫َي ْغنَوْا فِـيها كأن لـم يكونوا فـيها قطّ‪.‬‬
‫سرِينَ يقول تعالـى ذكره‪ :‬لـم يكن الذين اتبعوا‬
‫ش َعيْبـا كانُوا هُ مُ الـخا ِ‬
‫ن َك ّذبُوا ُ‬
‫وقوله‪ :‬اّلذِي َ‬
‫شعيبـا الـخاسرين‪ ,‬بل الذين كذبوه كانوا هم الـخاسرين الهالكين‪ ,‬لنه أخبر عنهم جلّ ثناؤه‬
‫ـ إذًا‬
‫ش َعيْبــا إ ّنكُم ْ‬
‫ـ ا ّت َب ْعتُــمْ ُ‬
‫أن الذيـن كذّبوا شعيبــا قالوا للذيـن أرادوا اتبــاعه‪َ« :‬لئِن ِ‬
‫ل بهم من عاجل نكاله‪ ,‬ثم قال لنبـيه مـحمد صلى ال عليه‬
‫سرُونَ» فكذّبهم ال بـما أح ّ‬
‫لـخَا ِ‬
‫وسـلم‪ :‬مـا خسـر ُتبّــاع شعيـب‪ ,‬بـل كان الذيـن كذّبوا شعيبــا لــما جاءت عقوبـة ال هـم‬
‫الـخاسرين دون الذين صدّقوا وآمنوا به‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪93‬‬

‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪:‬‬

‫ت رَبّي‬
‫ُمـ رِسـَالَ ِ‬
‫ْمـ لَ َقدْ َأبَْل ْغ ُتك ْ‬
‫ُمـ َوقَالَ يَقَو ِ‬
‫ع ْنه ْ‬
‫{ َفتَوَّلىَ َ‬

‫سىَ عََلىَ قَ ْو ٍم كَا ِفرِينَ }‪..‬‬
‫فآَ‬
‫صحْتُ َل ُكمْ َف َكيْ َ‬
‫َو َن َ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬فأدبر شع يب عن هم شاخ صا من ب ـين أظهر هم ح ين أتا هم عذاب ال‪,‬‬
‫وقال لـما أيقن بنزول نقمة ال بقومه الذين كذّبوه حزنا علـيهم‪ :‬يا قوم لَ َقدْ أبَْل ْغ ُتكُ مْ رِسالتِ‬
‫َربّـي وأدّيت إلـيكم ما بعثنـي به إلـيكم من تـحذيركم غضبه علـى إقامتكم علـى الكفر‬
‫صحْتُ َلكُ مْ بأمري إياكم بطاعة ال ونهيكم عن معصيته‪َ .‬ف َكيْ فَ‬
‫به وظلـم الناس أشياءهم‪َ .‬ونَ َ‬
‫آ سَى يقول‪ :‬فك يف أحزن عل ـى قوم جحدوا وحدان ـية ال وكذّبوا ر سوله وأتو جع لهلك هم؟‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬

‫‪ 11618‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‬
‫بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪َ :‬ف َك ْيفَ آسَى يعنـي‪ :‬فكيف أحزن‪.‬‬
‫‪11619‬ــ حدثنــي مــحمد بـن الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أحمـد بـن الــمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪َ :‬ف َك ْيفَ آسَى يقول‪ :‬فكيف أحزن‪.‬‬
‫‪ 11620‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬أصاب شعيبـا علـى‬
‫قومه حزن لـما يرى بهم من نقمة ال‪ ,‬ثم قال يعزّي نفسه فـيـما ذكر ال عنه‪ :‬يا قَوْ مِ َل َقدْ‬
‫ت َل ُكمْ َفكَ ْيفَ آسَى عَلـى قَ ْومٍ كا ِفرِينَ‪.‬‬
‫أبَْل ْغ ُتكُمْ رِسالتِ َربّـي َو َنصَحْ ُ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪94‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫خ ْذنَا أَهَْلهَا بِا ْل َبأْ سَآءِ‬
‫ل َأ َ‬
‫{ َومَآ َأرْ سَ ْلنَا فِي قَ ْريَ ٍة مّن ّنبِ يّ ِإ ّ‬

‫ن }‪..‬‬
‫ضرّعُو َ‬
‫ضرّآءِ َلعَّل ُهمْ َي ّ‬
‫وَال ّ‬
‫يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم معرّفه سنته فـي المـم التـي قد‬
‫خـلت من قبل أمته‪ ,‬ومذ ّكرَ من كفر به من قريش لـينزجروا عما كانوا علـيه مقـيـمين‬
‫من الشرك بـال والتكذيب لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬وَما أرْ سَلْنا فِـي َقرْيَ ٍة مِ نْ‬
‫خذْنـا أهْلَهـا بــال َبأْساءِ والضّراءِ وهـو البؤس وشظـف الــمعيشة وضيقهـا‬
‫َنبِــيّ قبلك‪ ,‬إلّ أ َ‬
‫والضرّاء‪ :‬وهي الضر وسوء الـحال فـي أسبـاب دنـياهم‪َ .‬لعَّلهُ مْ َيضّرّعُو نَ‪ :‬يقول‪ :‬فعلنا‬
‫ذلك لـيتضرّعوا إلـى ربهم‪ ,‬ويستكينوا إلـيه‪ ,‬وينـيبوا بـالقلع عن كفرهم‪ ,‬والتوبة من‬
‫تكذيب أنبـيائهم‪ .‬وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪.‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 11621‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن مفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪,‬‬
‫ضرّاءِ يقول‪ :‬بـالفقر والـجوع‪.‬‬
‫خذْنا أهْلَها بـال َبأْسا ِء وال ّ‬
‫عن السديّ‪ :‬أ َ‬
‫وقـد ذكرنـا فــيـما مضـى الشواهـد علــى صـحة القول بــما قلنـا فــي معنـى البأسـاء‬
‫والضرّاء بــما أغنـى عـن إعادتـه فــي هذا الــموضع‪ .‬وقــيـل‪ :‬يضرّعون‪ ,‬والــمعنى‪:‬‬
‫يتضرّعون‪ ,‬ولكن أدغمت التاء فـي الضاد‪ ,‬لتقارب مخرجهما‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪95‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫حّتىَ عَفَوْاْ ّوقَالُو ْا َقدْ مَ سّ‬
‫سنَةَ َ‬
‫س ّيئَ ِة ا ْلحَ َ‬
‫{ثُ مّ َبدّ ْلنَا َمكَا نَ ال ّ‬

‫ش ُعرُونَ }‪..‬‬
‫ضرّآءُ وَالسّرّآ ُء َفَأخَ ْذنَا ُهمْ َب ْغتَةً وَ ُهمْ لَ َي ْ‬
‫آبَا َءنَا ال ّ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬ثـم بدّلنـا أهـل القريـة التــي أخذنـا أهلهـا بــالبأساء والضرّاء‪ ,‬مكان‬
‫السيئة‪ ,‬وهي البأساء والضرّاء‪ .‬وإنـما جعل ذلك سيئة‪ ,‬لنه مـما يسوء الناس‪ ,‬ول تسوؤهم‬
‫ال ـحسنة‪ ,‬و هي الرخاء والنع مة وال سعة ف ـي ال ـمعيشة‪ .‬حت ـى عَ َفوْا يقول‪ :‬حت ـى كثروا‪,‬‬
‫وكذلك ك ّل شيء كثر‪ ,‬فإنه يقال فـيه‪ :‬قد عفـا‪ ,‬كما قال الشاعر‪:‬‬

‫حمِ كُوم‬
‫شْ‬
‫س ْيفَ منْهابأسْ ُوقٍ عافِـياتِ ال ّ‬
‫ول ِكنّا ُنعِضّ ال ّ‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11622‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫سنَ َة قال‪ :‬مكان الشدّة رخاء حتـى عَ َفوْا‪.‬‬
‫س ّيئَ ِة الـحَ َ‬
‫مَكانَ ال ّ‬
‫‪ 11623‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫سنَةَ قال‪ :‬السـيئة‪ :‬الشرّ‪,‬‬
‫حَ‬
‫السـّيئَ ِة الــ َ‬
‫َكانـ ّ‬
‫أبــي نــجيح‪ ,‬عـن مــجاهد‪ ,‬فــي قول ال‪ :‬م َ‬
‫والـحسنة‪ :‬الرخاء والـمال والولد‪.‬‬
‫حدثنـا الــمثنى‪ ,‬قالَ‪ :‬حدثنـا أبـو حذيفـة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا شبـل‪ ,‬عـن ابـن أبــي نــجيح‪ ,‬عـن‬
‫سنَ َة قال‪ :‬السيئة‪ :‬الشرّ‪ ,‬والـحسنة‪ :‬الـخير‪.‬‬
‫حَ‬
‫سيّئةِ الـ َ‬
‫مـجاهد‪ :‬مَكانَ ال ّ‬
‫‪11624‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫سنَةَ يقول‪ :‬مكان الشدة الرخاء‪.‬‬
‫س ّيئَ ِة الـحَ َ‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ُ :‬ثمّ َبدّلْنا مَكانَ ال ّ‬
‫‪11625‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬ثُمّ بدلْنا مَكانَ‬
‫سنَةَ حت ـى عَفَوْا قال‪ :‬بدل نا مكان ما كرهوا ما أحبوا ف ـي الدن ـيا‪ ,‬حت ـى عفوا‬
‫حَ‬
‫س ّيئَ ِة ال ـ َ‬
‫ال ّ‬
‫ضرّاءُ وَالسّرّاءُ‪.‬‬
‫من ذلك العذاب وَقالُوا َقدْ مَسّ آبـاءَنا ال ّ‬
‫واختلفوا فـي تأويـل قوله حتـى عَ َفوْا فقال بعضهم ن ـحو الذي قلنا فـيه‪ .‬ذ كر من قال‬
‫ذلك‪.‬‬
‫‪11626‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬حتـى عَفَوْا يقول‪ :‬حتـى كثروا وكثرت أموالهم‪.‬‬
‫حدثن ـي القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي حجاج‪ ,‬عن ا بن جر يج‪ ,‬قال‪ :‬قال ا بن‬
‫عفَوْا قال‪ :‬جمّوا‪.‬‬
‫عبـاس‪ :‬حتـى َ‬
‫‪ 11627‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬حتـى عَ َفوْا قال‪ :‬كثرت أموالهم وأولدهم‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪ 11628‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن مفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪,‬‬
‫عن السديّ‪ :‬حتـى عَ َفوْا حتـى كثروا‪.‬‬
‫‪ 11629‬ـ حدثنا ا بن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن مغيرة‪ ,‬عن إبراهيـم‪ :‬حتـى عَ َفوْا قال‪:‬‬
‫حتـى جموا وكثروا‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثنا جابر بن نوح‪ ,‬عن أبـي روق‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬حتـى عَ َفوْا قال‪:‬‬
‫حتـى جموا‪.‬‬

‫‪ 11630‬ـ قال‪ :‬ث نا ال ـمـحاربـي‪ ,‬عن جو يبر‪ ,‬عن الضحاك‪ :‬حت ـى عَ َفوْا يعن ـي جموا‬
‫وكثروا‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثنا عبد ال بن رجاء‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬حتـى عَ َفوْا قال‪ :‬حتـى كثرت‬
‫أموالهم وأولدهم‪.‬‬
‫‪ 11631‬ـ حدث نا يو نس‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا ا بن و هب‪ ,‬قال‪ :‬قال ا بن ز يد‪ ,‬ف ـي قوله‪ :‬حت ـى عَفَوْا‬
‫كثروا كما يكثر النبـات والريش‪ ,‬ثم أخذهم عند ذلك بغتة وهم ل يشعرون‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬حتـى سُرّوا‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11632‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫حتـى عَفَوْا يقول‪ :‬حتـى سرّوا بذلك‪.‬‬
‫وهذا الذي قاله قتادة ف ـي مع نى عفوا تأوي ـل ل و جه له ف ـي كلم العرب‪ ,‬ل نه ل يعرف‬
‫سرّوا بكثرتهم وكثرة‬
‫ل أن يكون أراد حتـى ُ‬
‫العفو بـمعنى السرور فـي شيء من كلمها إ ّ‬
‫أموالهم‪ ,‬فـيكون ذلك وجها وإن بعُد‪.‬‬
‫ضرّاءُ وال سّرّا ُء فإنه خبر من ال عن هؤلء القوم الذين‬
‫وأما قوله‪ :‬وَقالُوا َقدْ مَ سّ آبـاءَنا ال ّ‬
‫أبدل هم ال ـحسنة ال سيئة الت ـي كانوا ف ـيها ا ستدراجا وابتلءً أن هم قالوا إذ ف عل ذلك ب هم‪ :‬هذه‬
‫أحوال قد أصابت مَن قبلنا من آبـائنا ونالت أسلفنا‪ ,‬ونـحن ل نعدو أن نكون أمثالهم يصيبنا‬
‫ما أصابهم من الشدّة فـي الـمعايش والرخاء فـيها‪ ,‬وهي ال سّراء‪ ,‬لنها تسرّ أهلها‪ .‬وجهل‬
‫الــمساكين شكـر نعمـة ال‪ ,‬وأغفلوا مـن جهلهـم اسـتدامة فضله بــالنابة إلــى طاعتـه‪,‬‬
‫وال ـمسارعة إل ـى القلع ع ما يكر هه ب ـالتوبة‪ ,‬حت ـى أتا هم أمره و هم ل يشعرون‪ .‬يقول‬
‫ُونـ يقول‪ :‬فأخذناهـم بــالهلك والعذاب فجأة‪ ,‬أتاهـم‬
‫شعُر َ‬
‫ُمـ ل َي ْ‬
‫ُمـ َب ْغتَةً وَه ْ‬
‫خذْناه ْ‬
‫جلّ جلله‪ :‬فَأ َ‬
‫عل ـى غرّة من هم ب ـمـجيئه‪ ,‬و هم ل يدرون‪ ,‬ول يعل ـمون أ نه يجيئ هم‪ ,‬بل هم بأ نه آت ـيهم‬
‫مكذّبون حتـى يعاينوه ويروه‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪99-96‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ن أَهْلَ الْ ُق َرىَ آ َمنُواْ وَاتّقَو ْا لَ َف َتحْنَا عََل ْيهِ مْ َب َركَا تٍ‬
‫{وَلَ ْو أَ ّ‬

‫ل الْ ُق َرىَ أَن َي ْأتِ َيهُ مْ‬
‫ن أَهْ ُ‬
‫ن * َأ َفَأمِ َ‬
‫سبُو َ‬
‫سمَآءِ وَالرْ ضِ وَلَـكِن َك ّذبُو ْا َفَأخَ ْذنَاهُ مْ ِبمَا كَانُواْ َيكْ ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫مّ َ‬
‫ن * َأ َفَأ ِمنُواْ‬
‫سنَا ضُحًى وَهُ مْ يَ ْل َعبُو َ‬
‫ل الْ ُق َرىَ أَن َي ْأ ِت َيهُ مْ َبأْ ُ‬
‫سنَا َبيَاتا وَهُ مْ نَآ ِئمُو نَ * أَ َو َأمِ نَ أَهْ ُ‬
‫َبأْ ُ‬
‫سرُونَ }‪..‬‬
‫َمكْ َر اللّ ِه فَلَ َي ْأمَنُ َم ْكرَ اللّ ِه ِإلّ ا ْلقَ ْومُ ا ْلخَا ِ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬أفأمـن يـا مــحمد هؤلء الذيـن يكذّبون ال ور سوله ويجحدون آيا ته‪,‬‬
‫استدراج ال إياهم بـما أنعم به علـيهم فـي دنـياهم من صحة البدان ورخاء العيش‪ ,‬كما‬
‫استدرج الذين ق صّ علـيهم قصصهم من المـم قبلهم‪ ,‬فإن مكر ال ل يأمنه‪ ,‬يقول‪ :‬ل يأمن‬

‫ذلك أن يكون اسـتدراجا مـع مقامهـم علــى كفرهـم وإصـرارهم علــى معصـيتهم إلّ القوم‬
‫الـخاسرون وهم الهالكون‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪100‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ن الرْ ضَ مِن َب ْعدِ أَهْلِهَآ أَن ّلوْ‬
‫{أَوَلَ ْم َي ْهدِ لِّلذِي نَ َي ِرثُو َ‬

‫س َمعُونَ }‪..‬‬
‫ل َي ْ‬
‫طبَعُ عََلىَ قُلُو ِب ِهمْ َفهُمْ َ‬
‫ص ْبنَا ُهمْ ِب ُذنُو ِب ِهمْ َو َن ْ‬
‫َنشَآءُ َأ َ‬
‫يقول‪ :‬أو لـم يبـين للذين يستـخـلفون فـي الرض بعد هلك آخرين قبلهم كانوا أهلها‪,‬‬
‫صبْنا ُهمْ ِب ُذنُوبهِ مْ يقول‪ :‬إن‬
‫ن لَ ْو نَشاءُ أ َ‬
‫فساروا سيرتهم وعملوا أعمالهم‪ ,‬وعتوا عن أمر ربهم أ ْ‬
‫لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بـمن قبلهم‪ ,‬فأخذناهم بذنوبهم‪ ,‬وعجّلنا لهم بأسنا كما عجلناه لـمن‬
‫ِمـ يقول‪:‬‬
‫َعـ علــى قُلُو ِبه ْ‬
‫طب ُ‬
‫كان قبلهـم مــمن ورثوا عنـه الرض‪ ,‬فأهلكناهـم بذنوبهـم‪َ .‬و َن ْ‬
‫ونـختـم علـى قلوبهم فهم ل َيسْمَعونَ موعظة ول تذكيرا سماع منتفع بهما‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 11633‬ـ حدثنا مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن أبـي‬
‫نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬أوَ لـمْ َي ْهدِ قال‪ :‬يبّـين‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪ 11634‬ـ قال‪ :‬ثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن ابن عبـاس‪,‬‬
‫قوله‪ :‬أوَ لَـمْ َي ْهدِ أو لـم يبـين‪.‬‬
‫حدثن ـي م ـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي أب ـي‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي ع مي‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي أب ـي‪ ,‬عن‬
‫ن َبعْ ِد أهْلِها يقول‪ :‬أو لـم‬
‫ض مِ ْ‬
‫ن َيرِثُو نَ الرْ َ‬
‫أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس قوله‪ :‬أو لَـمْ َي ْهدِ لّلذِي َ‬
‫يبـين لهم‪.‬‬
‫‪ 11635‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن مفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪,‬‬
‫ن َب ْعدِ أهْلِها يقول‪ :‬أو لـم يتبـين للذين يرثون‬
‫ض مِ ْ‬
‫ن الرْ َ‬
‫ن َيرِثُو َ‬
‫عن السديّ‪ :‬أوَ لَـمْ َي ْهدِ لّلذِي َ‬
‫الرض من بعد أهلها هم الـمشركون‪.‬‬
‫‪ 11636‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬أوَ لَـمْ َي ْهدِ‬
‫صبْنا ُهمْ ِب ُذنُو ِبهِ مْ قالوا‪:‬‬
‫ن لَ ْو نَشاءُ أ َ‬
‫ن الرْ ضَ ِم نْ َب ْعدِ أهْلِ ها أو ل ـم نب ـين ل هم‪ ,‬أ ْ‬
‫لّلذِي نَ َي ِرثُو َ‬
‫والهدى‪ :‬البـيان الذي بعث هاديا لهم مبـينا لهم‪ ,‬حتـى يعرفوا‪ ,‬ولول البـيان لـم يعرفوا‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪101‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫{تِلْ كَ الْ ُق َرىَ نَ ُق صّ عََليْ كَ مِ نْ أَنبَآ ِئهَا وَلَ َقدْ جَآ َء ْتهُ مْ رُ سُُلهُم‬

‫ب ا ْلكَا ِفرِينَ }‪..‬‬
‫طبَعُ الّلهُ عََلىَ قُلُو ِ‬
‫بِا ْل َبيّنَاتِ َفمَا كَانُو ْا ِليُ ْؤ ِمنُو ْا ِبمَا َك ّذبُواْ مِن َقبْلُ َكذَِلكَ َي ْ‬

‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬هذه القرى الت ـي ذكرت لك يا م ـحمد أمر ها وأ مر أهل ها‪ ,‬يعن ـي‪:‬‬
‫قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيـب نَقُصّـ عَلَــْيكَ مِن ْـ أ ْنبَــائِها فنــخبرك عنهـا وعـن‬
‫أخبـار أهلها‪ ,‬وما كان من أمرهم‪ ,‬وأمر رسل ال التـي أرسلت إلـيهم‪ ,‬لتعلـم أنا ننصر‬
‫رسلنا والذين آمنوا فـي الـحياة الدنـيا علـى أعدائنا وأهل الكفر بنا‪ ,‬ويعلـم مكذّبوك من‬
‫قو مك ما عاق بة أ مر من كذّب ر سل ال‪ ,‬ف ـيرتدعوا عن تكذي بك‪ ,‬وين ـيبوا إل ـى توح يد ال‬
‫ُسـلُهم بــالبـيّناتِ يقول‪ :‬ولقـد جاءت أهـل القرى التــي قصـصت‬
‫ُمـ ر ُ‬
‫وطاعتـه‪ .‬وَلَ َقدْ جا َء ْته ْ‬
‫عل ـيك نبأ ها ر سلهم ب ـالبـينات يعن ـي ب ـالـحجج‪ :‬الب ـينات‪ .‬فَمَا كانُوا لِ ـيُ ْؤ ِمنُوا بِ ـمَا‬
‫ن َقبْلُ‪.‬‬
‫َك ّذبُوا مِ ْ‬
‫اختلف أ هل التأوي ـل ف ـي تأوي ـل ذلك‪ ,‬فقال بعض هم‪ :‬معناه‪ :‬ف ما كان هؤلء ال ـمشركون‬
‫الذ ين أهلكنا هم من أ هل القرى ل ـيؤمنوا ع ند إر سالنا إل ـيهم ب ـما كذّبوا من ق بل ذلك‪ ,‬وذلك‬
‫يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم علـيه السلم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫حدثن ـي م ـحمد بن ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أح مد بن ال ـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن‬
‫ن َقبْلُ قال‪ :‬ذلك يوم أخذ منهم الـميثاق فآمنوا ُكرْها‪.‬‬
‫السديّ‪َ :‬فمَا كانُوا لِـيُ ْؤ ِمنُوا بِـمَا َكذّبُوا مِ ْ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬فما كانوا لـيؤمنوا عند مـجيء الرسل بـما سبق فـي علـم‬
‫ال أنهم يكذّبون به يوم أخرجهم من صلب آدم علـيه السلم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11637‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن أبـي‬
‫جعفر‪ ,‬عن الربـيع‪ ,‬عن أبـي العالـية‪ ,‬عن أبـيّ بن كعب‪َ :‬فمَا كانُوا لِـيُ ْؤ ِمنُوا بِـمَا َك ّذبُوا‬
‫ل قال‪ :‬كان فـي علـمه يوم أقرّوا له بـالـميثاق‪.‬‬
‫ن قَبْ ُ‬
‫مِ ْ‬
‫‪ 11638‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد ال بن أب ـي جع فر‪ ,‬عن‬
‫أب ـيه‪ ,‬عن الرب ـيع بن أ نس‪ ,‬قال‪ :‬يح قّ عل ـى العب ـاد أن يأخذوا من العل ـم ما أبدى ل هم‬
‫ربهم والنبـياء ويدَعوا علـم ما أخفـى ال علـيهم‪ ,‬فإن علـمه نافذ فـيـما كان وفـيـما‬
‫ت فَمَا كانُوا لِ ـيُ ْؤ ِمنُوا بِ ـمَا َكذّبوُا ِم نْ‬
‫يكون‪ ,‬وف ـي ذلك قال‪ :‬وََل َقدْ جاء ْتهُ مْ رُ سُلُهمْ ب ـالبَـيّنا ِ‬
‫طبَ ُع اللّ هُ علـى قُلُو بِ الكافِرِي نَ قال‪ :‬نفذ علـمه فـيهم أيهم الـمطيع من العاصي‬
‫َقبْلُ كذل كَ َي ْ‬
‫حيث خـلقهم فـي زمان آدم‪ ,‬وتصديق ذلك حيث قال لنوح ا ْهبِ طْ بِ سَلمٍ ِمنّا َو َبرَكا تٍ عَلَـيْكَ‬
‫ب ألِـيـمٌ‪ ,‬وقال فـي ذلك‪:‬‬
‫س ُهمْ ِمنّا عَذا ٌ‬
‫سنُـ َم ّت ُع ُهمْ ثُمّ يَـمَ ّ‬
‫ن َمعَكَ وُأمَـمٌ َ‬
‫وَعلـى ُأمَـمٍ مِـمّ ْ‬
‫عنْهُ وَإ ّنهُمْ لَكا ِذبُونَ‪ ,‬وفـي ذلك قال وَما ُكنّا ُم َع ّذبِـينَ حتـى َن ْبعَثَ‬
‫وََلوْ ُردّوا لَعادُوا لِـمَا ُنهُوا َ‬
‫جةٌ َب ْعدَ الرّ سُل‪ ,‬ول حجة لحد علـى‬
‫حّ‬
‫ل َيكُو نَ للنّا سِ علـى اللّ هِ ُ‬
‫رَ سُولً وفـي ذلك قال‪ِ :‬لئَ ّ‬
‫ال‪.‬‬

‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬فما كانوا لو أحيـيناهم بعد هلكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب‬
‫ع ْنهُ‪.‬‬
‫ال لـيؤمنوا بـما كذّبوا من قبل هلكهم‪ ,‬كما قال جلّ ثناؤه‪ :‬وََلوْ ُردّوا لَعادُوا لِـمَا ُنهُوا َ‬
‫ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11639‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪ :‬بِـمَا َكذّبوا مِ نْ َقبْلُ قال‪ :‬كقوله‪ :‬وََلوْ ُردّوا لَعادُوا‬
‫عنْهُ‪.‬‬
‫لِـمَا ُنهُوا َ‬
‫قال أ بو جع فر‪ :‬وأش به هذه القوال بتأوي ـل الَ ية وأول ها ب ـالصواب‪ ,‬القول الذي ذكرناه‬
‫عن أب ـيّ بن ك عب والرب ـيع‪ ,‬وذلك أن من سبق ف ـي عل ـم ال تب ـارك وتعال ـى أ نه ل‬
‫يؤمن به‪ ,‬فلن يؤمن أبدا‪ ,‬وقد كان سبق فـي علـم ال تعالـى لـمن هلك من المـم التـي‬
‫قصـ نبأهـم فــي هذه السـورة أنـه ل يؤمـن أبدا‪ ,‬فأخـبر جلّ ثناؤه عنهـم‪ ,‬أنهـم لــم يكونوا‬
‫ّ‬
‫لـيؤمنوا بـما هم به مكذّبون فـي سابق علـمه قبل مـجيء الرسل وعند مـجيئهم إلـيهم‪.‬‬
‫ولو قـيـل تأويـله‪ :‬فما كان هؤلء الذين ورثوا الرض يا مـحمد من مشركي قومك من‬
‫ب عد أهل ها الذ ين كانوا ب ها من عاد وثمود‪ ,‬ل ـيؤمنوا ب ـما كذّب به الذ ين ورثو ها عن هم من‬
‫توح يد ال ووعده ووعيده‪ ,‬كان وج ها ومذهب ـا‪ ,‬غ ير أن ل أعل ـم قائلً قاله م ـمن يعت ـمد‬
‫علــى علــمه بتأويــل القرآن‪ .‬وأمـا الذي قاله مــجاهد مـن أن معناه‪ :‬لو ردّوا مـا كانوا‬
‫ل ـيؤمنوا‪ ,‬فتأوي ـل ل دللة عل ـيه من ظا هر التنزي ـل‪ ,‬ول من خبر عن الر سول صحيح‪.‬‬
‫وإذا كان ذلك كذلك‪ ,‬فأولـى منه بـالصواب ما كان علـيه من ظاهر التنزيـل دلـيـل‪.‬‬
‫ب الكافِرِي نَ فإ نه يقول تعال ـى ذكره‪ :‬ك ما ط بع ال‬
‫طبَ عُ الّل هُ عل ـى قُلُو ِ‬
‫وأ ما قوله‪ :‬كذل كَ َي ْ‬
‫علـى قلوب هؤلء الذين كفروا بربهم وعصوا رسله من هذه المـم التـي قصصنا علـيك‬
‫نبأ هم يا م ـحمد ف ـي هذه ال سورة حت ـى جاء هم بأس ال فهلكوا به‪ ,‬كذلك يط بع ال عل ـى‬
‫قلوب الكافرين الذين كُتب علـيهم أنهم ل يؤمنون أبدا من قومك‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪102‬‬

‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪:‬‬

‫ُمـ‬
‫جدْنَآ َأ ْكثَرَه ْ‬
‫ع ْهدٍ وَإِن َو َ‬
‫ّنـ َ‬
‫جدْنَا ل ْك َثرِهِم م ْ‬
‫{وَمَا َو َ‬

‫لَفَاسِقِينَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ولـم نـجد لكثر أهل هذه القرى التـي أهلكناها واقتصصنا علـيك‬
‫يا مـحمد نبأها من عهد‪ ,‬يقول‪ :‬من وفـاء بـما وصيناهم به من توحيد ال‪ ,‬واتبـاع رسله‪,‬‬
‫والعمل بطاعته‪ ,‬واجتناب معاصيه وهجر عبـادة الوثان والصنام‪ .‬والعهد‪ :‬هو الوصية‪ ,‬وقد‬
‫جدْنا أ ْكثَرَهُ مْ لَفَـاسِقِـينَ يقول‪ :‬وما‬
‫بـينا ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته‪ .‬وَإ نْ َو َ‬
‫وجدنا أكثرهم إل فسقة عن طاعة ربهم‪ ,‬تاركين عهده ووصيته‪ .‬وقد بـيّنا معنى الفسق قبل‪.‬‬

‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11640‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫جدْ نا أ ْكثَرَهُ مْ لَفَ ـاسِقِـينَ قال‪:‬‬
‫أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن م ـجاهد‪ ,‬ف ـي قول ال تعال ـى‪ :‬وَإ نْ َو َ‬
‫القرون الـماضية‪.‬‬
‫‪11641‬ــ حدثنـا القاسـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي حجاج‪ ,‬عـن ابـن جريـج‪ ,‬عـن‬
‫ع ْهدٍ‪ ...‬الَ ية‪ ,‬قال‪ :‬القرون ال ـماضية وعهده الذي‬
‫جدْ نا لِ َء ْك َثرِهِ مْ ِم نْ َ‬
‫م ـجاهد‪ ,‬قوله‪ :‬وَ ما َو َ‬
‫أخذه من بنـي آدم فـي ظهر آدم ولـم يفوا به‪.‬‬
‫‪ 11642‬ـ حدث نا القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي حجاج‪ ,‬عن أب ـي جع فر‪ ,‬عن‬
‫ع ْهدٍ قال‪ :‬فـي‬
‫ل َء ْكثَرِهِ ْم مِ نْ َ‬
‫جدْنا ِ‬
‫الربـيع‪ ,‬عن أبـي العالـية‪ ,‬عن أُبـيّ بن كعب‪ :‬وَما َو َ‬
‫الـميثاق الذي أخذه فـي ظهر آدم علـيه السلم‪.‬‬
‫‪ 11643‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫جدْنا أ ْك َثرَهُ مْ لَفَـاسِقِـينَ‬
‫ن َو َ‬
‫ع ْهدٍ وَإ ْ‬
‫جدْنا لِ َء ْكثَرِهِ مْ مِ نْ َ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬وَما َو َ‬
‫وذلك أن ال إنـما أهلك القُرى لنهم لـم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪103‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ى بِآيَا ِتنَآ إَِلىَ ِفرْعَ ْو نَ‬
‫{ثُ مّ َب َع ْثنَا مِن َب ْعدِهِم مّو سَ َ‬

‫سدِينَ }‪..‬‬
‫ظرْ َك ْيفَ كَانَ عَا ِقبَةُ ا ْلمُ ْف ِ‬
‫َومََلئِ ِه َفظَلَمُو ْا ِبهَا فَانْ ُ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬ثـم بعثنـا مـن بعـد نوح وهود وصـالـح ولوط وشعيـب موسـى بـن‬
‫عمران‪ .‬والهاء والــميـم اللتان فــي قوله‪ :‬مِن ْـ َب ْعدِهِم ْـ هـي كنايـة ذكـر النبــياء علــيهم‬
‫السلم التـي ذكرت من أوّل هذه السورة إلـى هذا الـموضع‪ .‬بآيَا ِتنَا يقول‪ :‬بحججنا وأدلتنا‬
‫إل ـى فرعون وملئه‪ ,‬يعن ـي‪ :‬إل ـى جما عة فرعون من الرجال‪َ .‬فظَلَ ـمُوا بِ ها يقول‪ :‬فكفروا‬
‫بهـا‪ .‬والهاء واللف اللتان فــي قوله «بهـا» عائدتان علــى الَيات‪ .‬ومعنـى ذلك‪ :‬فظلــموا‬
‫بآيات نا الت ـي بعث نا ب ها مو سى إل ـيهم‪ .‬وإن ـما جاز أن يقال‪ :‬فظل ـموا ب ها‪ ,‬ب ـمعنى‪ :‬كفروا‬
‫بها‪ ,‬لن الظلـم‪ :‬وضع الشيء فـي غير موضعه‪ ,‬وقد دللت فـيـما مضى علـى أن ذلك‬
‫معناه بـما أغنى عن إعادته‪ .‬والكفر بآيات ال‪ :‬وضع لها فـي غير موضعها‪ ,‬وصرف لها‬
‫سدِينَ يقول جلّ ثناؤه‬
‫ظرْ كَيْف كانَـ عاقِبَ ُة الــمُ ْف ِ‬
‫إلــى غيـر وجههـا الذي عنــيت بـه‪ .‬فــانْ ُ‬
‫لنب ـيه م ـحمد صلى ال عل يه و سلم‪ :‬ف ـانظر يا م ـحمد بع ين قل بك ك يف كان عاق بة هؤلء‬
‫الذ ين أف سدوا ف ـي الرض‪ ,‬يعن ـي فرعون ومله‪ ,‬إذ ظل ـموا بآيات ال الت ـي جاء هم ب ها‬
‫موسى علـيه السلم‪ ,‬وكان عاقبتهم أنهم أغرقوا جميعا فـي البحر‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪104‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ل مّن رّبّ ا ْلعَاَلمِينَ }‪..‬‬
‫سىَ يَ ِفرْعَ ْونُ ِإنّي َرسُو ٌ‬
‫{ َوقَالَ مُو َ‬

‫يقول جلّ ثناؤه‪ :‬وقال موسى لفرعون‪ :‬يا فرعون إنـي رسول من ربّ العالـمين‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪106-105‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ج ْئ ُتكُ مْ‬
‫ن لّ َأقُولَ عَلَى الّل ِه ِإلّ ا ْلحَ قّ َقدْ ِ‬
‫{حَقِي قٌ عَلَى أَ ْ‬

‫ت بِهَآ إِن كُن تَ مِ نَ‬
‫ت بِآيَةٍ َفأْ ِ‬
‫جئْ َ‬
‫ت ِ‬
‫ِب َب ّينَةٍ مّن ّر ّبكُ مْ َفَأرْ سِلْ َمعِ يَ َبنِ يَ إِ سْرَائِيلَ * قَالَ إِن كُن َ‬
‫الصّا ِدقِينَ }‪..‬‬
‫اختل فت القرّاء ف ـي قراءة قوله‪ :‬حَقِ ـيقٌ عَل ـى أن ل أقُولَ عل ـى الّل ِه إلّ ال ـحَقّ فقرأه‬
‫جما عة من قرّاء ال ـمكيـين وال ـمدنـيـين والب صرة والكو فة‪ :‬حَقِ ـيقٌ عل ـى أن ل أقُولَ‬
‫بإرسال الـياء من «علـى» وترك تشديدها‪ ,‬بـمعنى‪ :‬أنا حقـيق بأن ل أقول علـى ال إل‬
‫الـحقّ‪ ,‬فوجهوا معنى علـى إلـى معنى البـاء‪ ,‬كما يقال‪ :‬رميت بـالقوس وعلـى القوس‪,‬‬
‫وجئت علــى حال حسـنة‪ ,‬وبحال حسـنة‪ .‬وكان بعـض أهـل العلــم بكلم العرب يقول‪ :‬إذا‬
‫قرىء ذلك كذلك‪ ,‬فمعناه‪ :‬حريـص علــى أن ل أقول إل بحقـّ‪ .‬وقرأ ذلك جماعـة مـن أهـل‬
‫الـمدينة‪« :‬حَقِـيقٌ عَلـىّ أ نْ ل أقُولَ» بـمعنى‪ :‬واجب علـيّ أن ل أقول‪ ,‬وحُ قّ علـيّ أن‬
‫ل أقول‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى‪,‬‬
‫ل واحدة منهما أئمة من القرّاء‪ ,‬فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب فـي قراءته الصواب‪.‬‬
‫قد قرأ بك ّ‬
‫ج ْئتُكُ مْ ِببَ ـ ّينَةٍ ِم نْ َر ّبكُ مْ يقول‪ :‬قال مو سى لفرعون وملئه‪ :‬قد جئت كم ببرهان من‬
‫وقوله‪َ :‬قدْ ِ‬
‫ربكم يشهد أيها القوم علـى صحة ما أقول وصدق ما أذكر لكم من إرسال ال إياي إلـيكم‬
‫رسولً‪ ,‬فأرسل يا فرعون معي بنـي إسرائيـل‪ ,‬فقال له فرعون‪ :‬إن كنت جئت بآية‪ ,‬يقول‪:‬‬
‫بحجة وعلمة شاهدة علـى صدق ما تقول‪ .‬فأت بها إن كنت من الصادقـين‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪108-107‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ن * َو َنزَ عَ َيدَ هُ َفِإذَا‬
‫ن ّمبِي ٌ‬
‫{ َفأَلْ َقىَ عَ صَا ُه فَِإذَا هِ يَ ُث ْعبَا ٌ‬

‫ِهيَ َب ْيضَآ ُء لِلنّاظِرِينَ }‪..‬‬
‫يقول جلّ ثناؤه‪ :‬فَألْقَــى مُوسـَى عَصـَاهُ فإذَا هِيَـ ُثعْبــانٌ ُمبِــينٌ قال حيـة‪ُ ,‬مبِــينٌ يقول‪:‬‬
‫تتبـين لـمن يراها أنها حية‪.‬‬
‫وبـما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11644‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫ن قال‪ :‬تـحوّلت حية عظيـمة‪ .‬وقال غيره‪ :‬مثل الـمدينة‪.‬‬
‫ن ُمبِـي ٌ‬
‫ي ُثعْبـا ٌ‬
‫فإذَا ِه َ‬

‫‪ 11645‬ـ حدث نا ب شر‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا يز يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬فإذَا هِ يَ ُثعْب ـانٌ‬
‫ن يقول‪ :‬فإذا هي حية كادت تتسوّره‪ ,‬يعنـي كادت تثب علـيه‪.‬‬
‫ُمبِـي ٌ‬
‫‪ 11646‬ـ حدثن ـي مو سى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪:‬‬
‫ن والثعب ـان‪ :‬الذ كر من ال ـحيات‪ ,‬ف ـاتـحة ف ـاها‪ ,‬واض عة ل ـحيها‬
‫ن ُمبِ ـي ٌ‬
‫ي ُثعْب ـا ٌ‬
‫فإذَا هِ َ‬
‫السفل فـي الرض‪ ,‬والعلـى علـى سور القصر‪ .‬ثم توجهت نـحو فرعون لتأخذه‪ ,‬فلـما‬
‫رآها ذعر منها‪ ,‬ووثب فأحدث‪ ,‬ولـم يكن يُحدث قبل ذلك‪ ,‬وصاح‪ :‬يا موسى خذها وأنا مؤمن‬
‫بك وأرسل معك بنـي إسرائيـل فأخذها موسى فعادت عصا‪.‬‬
‫‪11647‬ـ حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إبراهيـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‬
‫ن ُمبِـينٌ قال‪:‬‬
‫بن عيـينة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬فإذَا هِيَ ُثعْبـا ٌ‬
‫ألق ـى الع صا ف صارت ح ية‪ ,‬فوض عت فَقْ ما ل ها أ سفل الق بة‪ ,‬وفق ما ل ها أعل ـى الق بة قال ع بد‬
‫الكري ـم‪ :‬قال إبراهي ـم‪ :‬وأشار سفـيان بأ صبعه البهام وال سبـابة هكذا ش به الطاق فل ـما‬
‫أرادت أن تأخذه‪ ,‬قال فرعون‪ :‬يا مو سى خذ ها فأخذ ها مو سى ب ـيده‪ ,‬فعادت ع صا ك ما كا نت‬
‫أوّل مرّة‪.‬‬
‫‪ 11648‬ـ حدثنا العبـاس بن الولـيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا الصبغ بن‬
‫زيد‪ ,‬عن القاسم بن أبـي أيوب‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي سعيد بن جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬ألقـى‬
‫ع صاه‪ ,‬فت ـحوّلت حيّة عظي ـمة ف ـاغرة ف ـاها‪ ,‬م سرعة إل ـى فرعون فل ـما رأى فرعون‬
‫أنها قاصدة إلـيه‪ ,‬اقتـحم عن سريره‪ ,‬فـاستغاث بـموسى أن يكفها عنه‪ ,‬ففعل‪.‬‬
‫‪11649‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫ن قال‪ :‬الـحية الذكر‪.‬‬
‫ن ُمبِـي ٌ‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ُ :‬ثعْبـا ٌ‬
‫‪11650‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ثنـي عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول‪ :‬لـما دخـل موسى علـى فرعون‪,‬‬
‫قال له مو سى‪ :‬أعر فك؟ قال‪ :‬ن عم‪ ,‬قال‪ :‬ألَ ـمْ ُنرَ بّ كَ فِ ـينا وَلِ ـيدا؟ قال‪ :‬فر ّد إل ـيه مو سى‬
‫الذي ردّ‪ ,‬فقال فرعون‪ :‬خذوه فبـادره موسى فألقـى عصاه‪ ,‬فإذا هي ثعبـان مبـين‪ ,‬فحملت‬
‫علـى الناس فـانهزموا‪ ,‬فمات منهم خمسة وعشرون ألفـا‪ ,‬قتل بعضهم بعضا‪ ,‬وقام فرعون‬
‫منهزما حتـى دخـل البـيت‪.‬‬
‫‪ 11651‬ـ حدثن ـي ال ـحارث‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد العز يز‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو سعد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫ن قال‪ :‬ما بـين لَـحيـيها‬
‫ن ُمبِ ـي ٌ‬
‫ي ُثعْب ـا ٌ‬
‫مـجاهدا يقول فـي قوله‪ :‬فَألْقَـى عَ صَا ُه فإذَا هِ َ‬
‫أربعون ذراعا‪.‬‬
‫‪ 11652‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبدة بن سلـيـمان‪ ,‬عن جويبر‪ ,‬عن الضحاك‪ :‬فإذَا‬
‫ن ُمبِـينٌ قال‪ :‬الـحية الذكر‪.‬‬
‫ِهيَ ُثعْبـا ٌ‬

‫ظرِينَ فإنه يقول‪ :‬وأخرج يده فإذا‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬وأما قوله‪َ :‬و َنزَعَ َيدَ ُه فإذَا هِيَ بَـيْضَاءُ للنّا ِ‬
‫هي بـيضاء تلوح لـمن نظر إلـيها من الناس‪ ,‬وكان موسى فـيـما ذكر لنا آدم‪ ,‬فجعل ال‬
‫ل مِن ْـ رَب ّـ‬
‫تــحوّل يده بــيضاء مـن غيـر برص له آيـة وعلــى صـدق قوله إنّــي رَسـُو ٌ‬
‫حجّة‪.‬‬
‫ن ُ‬
‫العالَـمِي َ‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11653‬ـ حدثنا العبـاس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الصبغ بن زيد‪ ,‬عن القاسم بن أبـي‬
‫أيوب‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي سعيد بن جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬أخرج يده من جيبه فرآها بـيضاء‬
‫من غير سوء يعنـي‪ :‬من غير برص ثم أعادها إلـى كمه‪ ,‬فعادت إلـى لونها الوّل‪.‬‬
‫‪ 11654‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬قال‪ :‬عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‬
‫بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬بَـ ْيضَاءُ للنّاظِرِينَ يقول‪ :‬من غير برص‪.‬‬
‫‪ 11655‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫ظرِي نَ قال‪ :‬نزع‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪َ :‬و َنزَ عَ َيدَ هُ فإذَا هِ يَ بَـ ْيضَا ُء للنّا ِ‬
‫يده من جيبه بـيضاء من غير برص‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪ 11656‬ـ حدثن ـي مو سى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪:‬‬
‫ي بَـ ْيضَاءُ للنّاظِرِينَ‪.‬‬
‫َو َن َزعَ َيدَ ُه أخرجها من جيبه‪ ,‬فإذَا ِه َ‬
‫‪ 11657‬ـ حدثن ـي ال ـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد العز يز‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو سعد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫م ـجاهدا يقول ف ـي قوله‪َ :‬و َنزَ عَ َيدَ هُ قال‪ :‬نزع يده من جي به‪ ,‬فإذَا هِ يَ بَ ـ ْيضَاءُ للنّاظِرِي نَ‬
‫غ ْيرِ سُوءٍ‪,‬‬
‫وكان مو سى رجل آدم‪ ,‬فأخرج يده‪ ,‬فإذا هي ب ـيضاء أشدّ ب ـياضا من الل بن مِ نْ َ‬
‫قال‪ :‬من غير برص آية لفرعون‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪110-109‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ن هَ ـذَا لَ سَاحِرٌ عَلِي مٌ *‬
‫عوْ نَ ِإ ّ‬
‫ل مِن قَوْ مِ فِرْ َ‬
‫{قَالَ ا ْلمَ ُ‬

‫ضكُمْ َفمَاذَا َت ْأ ُمرُونَ }‪..‬‬
‫جكُمْ ّمنْ َأ ْر ِ‬
‫خ ِر َ‬
‫ُيرِيدُ أَن ُي ْ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬قالت الــجماعة مـن رجال قوم فرعون والشراف منهـم‪ :‬إن هذا‪,‬‬
‫يعنون موسى صلوات ال علـيه‪ ,‬لَساحِرٌ عَلِـيـمٌ يعنون‪ :‬أنه يأخذ بأعين الناس بخداعه إياهم‬
‫حتـى يخيـل إلـيهم العصا حية والَدم‪ :‬أبـيض‪ ,‬والشيء بخلف ما هو به‪ .‬ومنه قـيـل‪:‬‬
‫سحر الـمطر الرض‪ :‬إذا جادها فقطع نبـاتها من أصوله‪ ,‬وقلب الرض ظهرا لبطن‪ ,‬فهو‬

‫ي سحرها سحرا‪ ,‬والرض م سحورة إذا أ صابها ذلك‪ .‬فش به سحر ال ساحر بذلك لت ـخيـيـله‬
‫إلـى من سحره أنه يرى الشيء بخلف ما هو به ومنه قول ذي الرمّة فـي صفة السراب‪:‬‬
‫لرُومُ‬
‫شزِها ا ُ‬
‫ن الـمَوَاميتَ َرقّصُ فـي نَوَا ِ‬
‫نمَ‬
‫وَساحِرَ ُة ال ُعيُو ِ‬
‫وقوله عَلـيـمٌ يقول‪ :‬ساحر علـيـم بـالسحر‪ ,‬يريد أن يخرجكم من أرضكم أرض مصر‬
‫ن يقول‪ :‬فأ يّ ش يء تأمرون أن نف عل‬
‫مع شر الق بط ال سحرة‪ .‬وقال فرعون لل ـمل‪َ :‬فمَاذَا َت ْأ ُمرُو َ‬
‫ي ش يء تشيرون ف ـيه‪ .‬وق ـيـل‪ :‬فماذا تأمرون وال ـخبر بذلك عن فرعون‪,‬‬
‫ف ـي أمره‪ ,‬بأ ّ‬
‫ولـم يذكر فرعون‪ ,‬وقلّـما يجيء مثل ذلك فـي الكلم‪ ,‬وذلك نظير قوله‪ :‬قالَتِ امْرأ ُة ال َعزِيزِ‬
‫ن ال صّادِقـينَ ذل كَ لِـيَعْلَـمُ أنْـي لَـمْ‬
‫ن نَفْ سِهِ وَإّن ُه لَـم َ‬
‫ع ْ‬
‫حقّ أنا رَا َو ْدتُ هُ َ‬
‫ص الـ َ‬
‫صحَ َ‬
‫ن حَ ْ‬
‫الَ َ‬
‫خ ْن ُه بـال َغيْبِ من قول يوسف‪ ,‬ولـم يذكر‬
‫خنْ ُه بـال َغيْبِ فقـيـلَ ذل كَ لَـ ْيعَلَـم أنّـي لـم َأ ُ‬
‫أُ‬
‫يوسف‪ .‬ومن ذلك أن يقول‪ :‬قلت لزيد‪ :‬قم فإنـي قائم‪ ,‬وهو يريد‪ :‬فقال زيد‪ :‬إنـي قائم‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪111‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن حَاشِرِينَ }‪..‬‬
‫ل فِي ا ْل َمدَآئِ ِ‬
‫{قَالُوَاْ َأ ْرجِهْ وََأخَاهُ وََأرْسِ ْ‬

‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬قال الـمل من قوم فرعون لفرعون‪ :‬أرجئه‪ :‬أي أخره‪ .‬وقال بعضهم‪:‬‬
‫معناه‪ :‬احبس‪ .‬والرجاء فـي كلم العرب‪ :‬التأخير‪ ,‬يقال منه‪ :‬أرجيت هذا المر وأرجأته إذا‬
‫ن تَشاءُ مِنهُنّ‪ :‬تؤخر‪ ,‬فـالهمز من كلم بعض قبـائل‬
‫أخرته‪ ,‬ومنه قول ال تعالـى‪ :‬تُرْجي مَ ْ‬
‫قـيس يقولون‪ :‬أرجأت هذا المر‪ ,‬وترك الهمز من لغة تـميـم وأسد يقولون‪ :‬أرجيته‪.‬‬
‫واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك‪ ,‬فقرأته عامة قرّاء الـمدينة وبعض العراقـيـين‪« :‬أ ْرجِهِ»‬
‫ِهـ بترك الهمـز وتسـكين الهاء‬
‫بغيـر الهمـز وبجرّ الهاء‪ .‬وقرأه بعـض قرّاء الكوفــيـين‪ :‬أ ْرج ْ‬
‫علـى لغة من يقـف علـى الهاء فـي الـمكنّـي فـي الوصل إذا تـحرّك ما قبلها‪ ,‬كما‬
‫قال الراجز‪:‬‬
‫غدَا‬
‫سدُهُ َ‬
‫ح إلّ أ ْفسَدَافَـ ُيصْلِـحُ الَـيْومَ ويُ ْف ِ‬
‫سمُ ل يُصْلِـ ُ‬
‫أنْـحَى علـيّ الدّ ْهرُ ِرجْل َو َيدَايُ ْق ِ‬
‫وقد يفعلون مثل هذا بهاء التأنـيث فـيقولون‪ :‬هذه طلـحه قد أقبلت‪ ,‬كما قال الراجز‪:‬‬
‫طجَعْ‬
‫ضَ‬
‫شبَعْمالَ إلـى أرْطاةِ حِقْـفٍ فـا ْ‬
‫ن ل َدعَهْ وَل ِ‬
‫لَـمّا رأى أ ْ‬
‫جئْهُ» بـالهمز وضمّ الهاء‪ ,‬علـى لغة من ذكرت من قـيس‪.‬‬
‫وقرأه بعض البصريـين‪« :‬أ ْر ِ‬
‫وأول ـى القراءات ف ـي ذلك ب ـالصواب أشهر ها وأف صحها ف ـي كلم العرب‪ ,‬وذلك ترك‬
‫الهمـز وجرّ الهاء‪ ,‬وإن كانـت الخرى جائزة‪ ,‬غيـر أن الذي اخترنـا أفصـح اللغات وأكثرهـا‬
‫علـى ألسن فصحاء العرب‪.‬‬
‫واختلف أ هل التأوي ـل ف ـي تأوي ـل قوله‪ :‬أ ْرجِ ْه فقال بعض هم‪ :‬معناه‪ :‬أخره‪ .‬ذ كر من قال‬
‫ذلك‪:‬‬

‫‪11658‬ــ حدثنـا القاسـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي حجاج‪ ,‬قال‪ :‬قال ابـن جريـج‪:‬‬
‫أخبرنـي عطاء الـخراسانـي عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬أ ْرجِهْ وأخاهُ قال‪ :‬أخره‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬معناه احبسه‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11659‬ـ حدث نا ب شر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا يز يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬أرْجِ هْ‬
‫وأخاهُ‪ :‬أي احبسه وأخاه‪.‬‬
‫ن حاشِرِي نَ يقول‪ :‬من يح شر ال سحرة ف ـيجمعهم إل ـيك‪,‬‬
‫وأ ما قوله‪ :‬وأرْ سِلْ فِ ـي ال ـ َمدَائِ ِ‬
‫شرَط‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫وقـيـل‪ :‬هم ال ّ‬
‫‪ 11660‬ـ حدثن ـي عب ـاس بن أب ـي طالب‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا م سلـم بن إبراهي ـم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا‬
‫شرِي نَ قال‪:‬‬
‫ال ـحكم بن ظهيـر‪ ,‬عن ال سديّ‪ ,‬عن ا بن عب ـاس‪ :‬وأرْ سِلْ فِــي ال ـ َمدَائِنِ حا ِ‬
‫الشّرط‪.‬‬
‫‪ 11661‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن إسماعيـل بن إبراهيـم بن مهاجر‪ ,‬عن‬
‫شرِينَ قال‪ :‬الشرط‪.‬‬
‫أبـيه‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬وأ ْرسِلْ فِـي الـ َمدَائِنِ حا ِ‬
‫شرِي نَ قال‪:‬‬
‫‪ 11662‬ـ قال ث نا حم يد‪ ,‬عن ق ـيس‪ ,‬عن ال سديّ‪ :‬وأرْ سِلْ فِ ـي ال ـ َمدَائِنِ حا ِ‬
‫الشرط‪.‬‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو نعيـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسماعيـل بن إبراهيـم بن مهاجر‪,‬‬
‫شرِينَ قال‪ :‬الشرط‪.‬‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬فـي قوله‪ :‬فِـي الـ َمدَائِنِ حا ِ‬
‫حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إبراهيـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ن قال‪ :‬الشرط‪.‬‬
‫شرِي َ‬
‫ل فِـي الـ َمدَائِنِ حا ِ‬
‫حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬وأرْسِ ْ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪113-112‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫سحَرَ ُة ِفرْعَوْ نَ قَالْوَاْ‬
‫حرٍ عَلِي مٍ * َوجَآءَ ال ّ‬
‫ل سَا ِ‬
‫{ َيأْتُو كَ ِبكُ ّ‬

‫ن ا ْلغَاِلبِينَ }‪..‬‬
‫ن َلنَا لجْرا إِن ُكنّا َنحْ ُ‬
‫إِ ّ‬
‫ل ثناؤه عن َمشْ َورَةِ الـمل من قوم فرعون علـى فرعون‪ ,‬أن يرسل‬
‫وهذا خبر من ال ج ّ‬
‫ل سـاحر علــيـم‪ .‬وفــي الكلم مــحذوف اكتفــي‬
‫فــي الــمدائن حاشريـن‪ ,‬يحشرون ك ّ‬
‫بدللة الظاهـر مـن إظهاره‪ ,‬وهـو‪ :‬فأرسـل فــي الــمدائن حاشريـن يحشرون السـحرة‪ ,‬فجاء‬
‫ن ُكنّا يا‬
‫السحرة فرعون قالُوا إ نّ َلنَا لجْرا يقول‪ :‬إن لنا لثوابـا علـى غلبتنا موسى عندك‪ ,‬إ ْ‬
‫فرعون نَـحْنُ الغَالِبـينَ‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11663‬ـ حدث نا العب ـاس‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا يز يد‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا ال صبغ بن ز يد‪ ,‬عن القا سم بن‬
‫أب ـي أيوب‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي سعيد بن جب ـير‪ ,‬عن ا بن عب ـاس‪ ,‬قال‪ :‬فأر سل ف ـي ال ـمدائن‬

‫حاشريـن‪ ,‬فحشـر له كلّ سـاحر متعالــم فلــما أتوا فرعون‪ ,‬قالوا‪ :‬بــم يعمـل هذا السـاحر؟‬
‫قالوا‪ :‬يعمـل بــالـحيات‪ ,‬قالوا‪ :‬وال مـا فــي الرض قوم يعملون بــالسحر والــحيات‬
‫وال ـحبـال والع صيّ أعل ـم منّا‪ ,‬ف ما أجر نا إن غلب نا؟ فقال ل هم‪ :‬أنت ـم قرابت ـي وحامّت ـي‪,‬‬
‫وأنا صانع إلـيكم كلّ شيء أحببتـم‪.‬‬
‫‪11664‬ـ حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم قال‪ :‬حدثنا إبراهيـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪,‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬قال فرعون‪ :‬ل نغالبه يعنـي موسى‬
‫إل بـمن هو منه‪ .‬فأعدّ علـماء من بنـي إسرائيـل‪ ,‬فبعث بهم إلـى قرية بـمصر يقال لها‬
‫الفرما‪ ,‬يعلّـمونهم السحر‪ ,‬كما يعلّـم الصبـيان الكتاب فـي الكتاب‪ .‬قال‪ :‬فعلـموهم سحرا‬
‫كثـيرا‪ .‬قال‪ :‬وواعد موسى فرعون موعدا فلـما كان فـي ذلك الـموعد بعث فرعون‪ ,‬فجاء‬
‫ب هم وجاء ب ـمعلـمهم مع هم‪ ,‬فقال له‪ :‬ماذا صنعت؟ قال‪ :‬قد عل ـمتهم من ال سحر سحرا ل‬
‫يطيقه سحر أهل الرض‪ ,‬إل أن يكون أمرا من السماء‪ ,‬فإنه ل طاقة لهم به‪ ,‬فأما سحر أهل‬
‫إنـ كُنّا نَــحْنُ‬
‫إنـ لَنَا لجْرا ْ‬
‫الرض فإنـه لن يغلبهـم فلــما جاءت السـحرة قالوا لفرعون‪ّ :‬‬
‫ن الـمُقَ ّربِـينَ‪.‬‬
‫ن قال‪ :‬نعم وَإ ّن ُكمْ إ َذنْ لَـمِ َ‬
‫الغاِلبِـي َ‬
‫‪ 11665‬ـ حدثن ـي مو سى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪:‬‬
‫شرِي نَ فحشروا علـيه السحرة‪ ,‬فلـما جاء السحرة فرعون‬
‫ن فِـي الـ َمدَائِنِ حا ِ‬
‫فَأرْ سِلَ ِفرْعَوْ ُ‬
‫ن قالَ‬
‫ن ُكنّا نَـحْنُ الغالِبـي َ‬
‫ن ُكنّا نَـحْنُ الغاِلبِـينَ يقول‪ :‬عطية تعطينا إ ْ‬
‫ن َلنَا لجْرا إ ْ‬
‫قالُوا إ ّ‬
‫ن الـمُقَ ّربِـينَ‪.‬‬
‫َن َعمْ وَإ ّن ُكمْ لَـمِ َ‬
‫‪ 11666‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ :‬أ ْرجِ هْ وأخا ُه وأرْ سِلْ فِـي‬
‫حرٍ عَلِــيـمٌ‪ :‬أي كاثره بــالسحرة لعلك أن تــجد فــي‬
‫ن حاشِرِين َـ َي ْأتُوك َـ ِبكُلّ سـا ِ‬
‫الــمَدَائِ ِ‬
‫السحرة من يأتـي بـمثل ما جاء به‪ ,‬وقد كان موسى وهارون خرجا من عنده حين أراهم من‬
‫سلطانه‪ ,‬وب عث فرعون ف ـي م ـملكته‪ ,‬فل ـم يترك ف ـي سلطانه ساحر إل أت ـي به‪ .‬فذ كر‬
‫ل ـي وال أعل ـم أ نه ج مع له خم سة ع شر ألف ساحر فل ـما اجت ـمعوا إل ـيه أمر هم أمره‪,‬‬
‫وقال لهم‪ :‬قد جاءنا ساحر ما رأينا مثله ق طّ‪ ,‬وإنكم إن غلبتـموه أكرمتكم وفضلتكم‪ ,‬وقرّبتكم‬
‫علـى أهل مـملكتـي‪ ,‬قالوا‪ :‬وإن لنا ذلك إن غلبناه؟ قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫‪ 11667‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن واضح‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬عن يزيد‪ ,‬عن‬
‫عكرمة‪ ,‬قال‪ :‬السحرة كانوا سبعين‪ .‬قال أبو جعفر‪ :‬أحسبه أنه قال‪ :‬ألفـا‪.‬‬
‫‪11668‬ـ قال ثنا يحيى بن واضح‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا موسى بن عبـيدة‪ ,‬عن ابن الـمنذر‪ ,‬قال‪ :‬كان‬
‫السحرة ثمانـين ألفـا‪.‬‬
‫‪ 11669‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن عبد العزيز بن رفـيع‪ ,‬عن خيثمة‪ ,‬عن‬
‫أبـي سودة‪ ,‬عن كعب‪ ,‬قال‪ :‬كان سحرة فرعون اثنـي عشر ألفـا‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪115-114‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ى إِمّآ أَن‬
‫{قَالَ َنعَ مْ وَِإ ّنكُ مْ َل ِم نَ ا ْلمُ َق ّربِي نَ * قَالُواْ َيمُو سَ َ‬

‫ن ا ْلمُلْقِينَ }‪..‬‬
‫ن َنحْ ُ‬
‫تُلْ ِقيَ وَِإمّآ أَن ّنكُو َ‬
‫يقول جلّ ثناؤه‪ :‬قال فرعون للسـحرة إذ قالوا له‪ :‬إن لنـا عندك ثوابــا إن نــحن غلبنـا‬
‫موسى قال‪ :‬نعم‪ ,‬لكم ذلك‪ ,‬وإنكم لـمـمن أقرّبه وأدنـيه منـي‪ .‬قَالُوا يَا مُو سَى يقول‪ :‬قالت‬
‫السحرة لـموسى‪ :‬يا موسى اختر أن تلقـي عصاك‪ ,‬أو نلقـي نـحن عصينا ولذلك أدخـلت‬
‫«أن» مع «إما» فـي الكلم لنها ف ـي موضع أمر بـالختـيار‪ ,‬فإن «أ نْ» فـي موضع‬
‫نصب لـما وصفت من الـمعنى‪ ,‬لن معنى الكلم‪ :‬اختر أن تلقـي أنت‪ ,‬أو نلقـي نـحن‪,‬‬
‫والكلم مع «إ ما» إذا كان عل ـى و جه ال مر‪ ,‬فل بدّ من أن يكون ف ـيه «أن» كقولك للر جل‬
‫إما أن تـمضيَ‪ ,‬وإما أن تقعد‪ ,‬بـمعنى المر‪ :‬امض أو اقعد‪ ,‬فإذا كان علـى وجه الـخبر‬
‫ن لِ َء ْمرِ اللّ ِه إمّا ُي َع ّذ ُبهُمْ وإمّا َيتُوبُ عَلَـيْ ِهمْ وهذا هو‬
‫ن ُم ْرجَوْ َ‬
‫خرُو َ‬
‫لـم يكن فـيه أن كقوله‪ :‬وآ َ‬
‫الذي ي سمى الت ـخيـير‪ ,‬وكذلك كلّ ما كان عل ـى و جه ال ـخبر‪ ,‬و«إ ما» ف ـي جم يع ذلك‬
‫مكسورة‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪116‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ستَرْ َهبُو ُهمْ‬
‫ن النّا سِ وَا ْ‬
‫عيُ َ‬
‫حرُوَ ْا أَ ْ‬
‫سَ‬
‫{قَالَ أَلْ َقوْاْ فَلَمّآ أَلْ ُقوْاْ َ‬

‫عظِيمٍ }‪..‬‬
‫حرٍ َ‬
‫سْ‬
‫َوجَآءُوا ِب ِ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬قال مو سى لل سحرة‪ :‬أ ْلقُوا ما أنت ـم ملقون‪ ,‬فأل قت ال سحرة ما مع هم‪.‬‬
‫ن النّا سِ خيـلوا إلـى أعين الناس بـما أحدثوا من التـخيـيـل‬
‫عيُ َ‬
‫سحَرُوا أ ْ‬
‫فَلَـمّا ألْقَوْا ذلك َ‬
‫س َترْ َهبُو ُهمْ يقول‪ :‬واسترهبوا الناس بـما سحروا فـي أعينهم‪ ,‬حتـى‬
‫والـخدع أنها تسعى‪ .‬وَا ْ‬
‫عظِي ـمٍ‪:‬‬
‫سحْرٍ َ‬
‫خافوا من الع صيّ وال ـحبـال‪ ,‬ظ نا من هم أن ها حيات‪ .‬وَجاءُوا ك ما قاله ال بِ ِ‬
‫بتـخيـيـل عظيـم كثـير‪ ,‬من التـخيـيـل والـخداع‪.‬‬
‫وذلك كالذي‪11670 :‬ـ حدثنا موسى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن‬
‫ال سديّ‪ ,‬قال‪ :‬قال ل هم مو سى‪ :‬ألقوا ما أنت ـم ملقون فألقوا حب ـالهم وع صيهم‪ ,‬وكانوا بض عة‬
‫ن النّا سِ‬
‫عُي َ‬
‫سحَرُوا أ ْ‬
‫وثلثـين ألف رجل‪ ,‬لـيس منهم رجل إل معه حبل وعصا‪ .‬فَلَـمّا ألْ َقوْا َ‬
‫س َترْ َهبُو ُهمْ يقول‪َ :‬فرّقوهم فأوجس فـي نفسه خيفة موسى‪.‬‬
‫وَا ْ‬
‫‪ 11671‬ـ حدثن ـي ع بد الكري ـم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إبراهي ـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سفـيان‪ ,‬قال‪:‬‬
‫حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬ألقوا حبـالً غلظا وخشبـا طوالً‪ ,‬قال‪:‬‬
‫فأقبلت تـخيـل إلـيه من سحرهم أنها تسعى‪.‬‬

‫‪ 11672‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬صفّ خمسة عشر ألف‬
‫ساحر‪ ,‬مع كلّ ساحر حبـاله وعصيه‪ ,‬وخرج موسى معه أخوه يتكىء علـى عصاه حتـى‬
‫أتـى الـجمع وفرعون فـي مـجلسه مع أشراف مـملكته‪ ,‬ثم قالت السحرة‪ :‬يا مُو سَى إمّا‬
‫ص ّيهُمْ فكان أوّل ما‬
‫حبَ ـاُلهُمْ وعِ ِ‬
‫ل ألْقُوا فإذا ِ‬
‫ن ألق ـى قَالَ بَ ْ‬
‫أ نْ تُلْقِ ـيَ وَإمّا أ نْ نكو نَ أوّلَ م ْ‬
‫ل رجل منهم‬
‫اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون‪ ,‬ثم أبصار الناس بعد‪ ,‬ثم ألقـى ك ّ‬
‫مـا فــي يده مـن العصـيّ والــحبـال‪ ,‬فإذا هـي حيات كأمثال الــحبـال‪ ,‬قـد ملت الوادي‬
‫يركـب بعضهـا بعضـا‪ .‬فأَ ْوجَسَـ فــي نَفْسِـِه خِيفَ ًة مُوسـَى وقال‪ :‬وال إن كانـت لعصـيّا فــي‬
‫أيديهم‪ ,‬ولقد عادت حيات‪ ,‬وما تعدو هذا أو كما حدّث نفسه‪.‬‬
‫‪ 11673‬ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن علـية‪ ,‬عن هشام الدستوائي‪ ,‬قال‪:‬‬
‫حدث نا القاسـم بن أب ـي بزّة‪ ,‬قال‪ :‬ج مع فرعون سبعين ألف ساحر‪ ,‬وألقوا سبعين ألف ح بل‬
‫وسبعين ألف عصا‪ ,‬حتـى جعل يخيـل إلـيه من سحرهم أنها تسعى‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪117‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ي تَلْقَ فُ مَا‬
‫سىَ َأ نْ أَلْ قِ عَ صَاكَ َفإِذَا هِ َ‬
‫ح ْينَآ إَِلىَ مُو َ‬
‫{وََأ ْو َ‬

‫َيأْ ِفكُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬وأوحي نا إل ـى مو سى أن ألق ع صاك‪ ,‬فألقا ها فإذا هي تل قم وتبتلع ما‬
‫ي سحرون كذب ـا وب ـاطلً‪ ,‬يقال م نه‪ :‬لق ـفت الش يء فأ نا ألْقُ ـفُه لَقْ ـفـا ولَقَ ـفـانا‪ .‬وذلك‬
‫كالذي‪:‬‬
‫‪11674‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫وأوحينا إلـى موسى أن ألق عصاك‪ ,‬فألقـى موسى عصاه‪ ,‬فتـحولت حية‪ ,‬فأكلت سحرهم‬
‫كله‪.‬‬
‫‪ 11675‬ـ حدثنا عبد الكريـم بن الهيثم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إبراهيـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪,‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬فألقـى عصاه فإذا هي حية تلقـف ما‬
‫يأفكون‪ ,‬ل تـمرّ بشيء من حبـالهم وخشبهم التـي ألقوها إل التقمته‪ ,‬فعرفت السحرة أن هذا‬
‫ب العالَ ـمِينَ رَ بّ مُو سَى‬
‫أ مر من ال سماء‪ ,‬ول ـيس هذا ب سحر‪ ,‬فخرّوا سجدا وقالوا‪ :‬آمَنّا ِبرَ ّ‬
‫وهارُونَ‪.‬‬
‫‪ 11676‬ـ حدثن ـي مو سى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪,‬‬
‫قال‪ :‬أوحى ال إلـى موسى‪ :‬ل تـخَف‪ ,‬وألْ قِ ما فـيَ يـمِينِك تَلْقَـفْ ما يَأفِكو نَ‪ .‬فألْقَـى‬
‫ل حية لهم‪ ,‬فلـما رأوا ذلك سجدوا‪ ,‬وقالوا‪ :‬آ َمنّا ِبرَ بّ العالَـمِينَ رَ بّ مُو سَى‬
‫عَ صَا ُه فأكلت ك ّ‬
‫وهارُونَ‪.‬‬

‫‪11677‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ ,‬قال‪ ::‬أوحى ال إلـيه أن ألق‬
‫ما فـي يـمينك فألقـى عصاه من يده‪ ,‬فـاستعرضت ما ألقوا من حبـالهم وعصيهم‪ ,‬وهي‬
‫حيات‪ ,‬ف ـي ع ين فرعون وأع ين الناس ت سعى‪ ,‬فجعلت تلق ـفها‪ :‬تبتلع ها ح ية ح ية‪ ,‬حت ـى ما‬
‫يرى بـالوادي قلـيـل ول كثـير مـما ألقوه‪ .‬ثم أخذها موسى فإذا هي عصاه فـي يده كما‬
‫ب مُوسَى وهارُونَ لو كان هذا سحرا‬
‫كانت‪ ,‬ووقع السحرة سجدا‪ ,‬قالوا‪ :‬آ َمنّا ِبرَبّ العالَـمِينَ رَ ّ‬
‫ما غلبنا‪.‬‬
‫‪ 11678‬ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن علـية‪ ,‬عن هشام الدستوائي‪ ,‬قال‪:‬‬
‫حدث نا القا سم بن أب ـي بزّة‪ ,‬قال‪ :‬أو حى ال إل ـيه أن ألق ع صاك‪ ,‬فألق ـى ع صاه فإذا هي‬
‫ثعبـان فـاغرٌ فـاه‪ ,‬فـابتلع حبـالهم وعصيهم‪ ,‬فألقـي السحرة عند ذلك سجدا‪ ,‬فما رفعوا‬
‫رءوسهم حتـى رأوا الـجنة والنار وثواب أهلها‪.‬‬
‫‪ 11679‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫ن قال‪ :‬يكذبون‪.‬‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪َ :‬ي ْأ ِفكُو َ‬
‫حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬فإذَا‬
‫ن قال‪ :‬يكذبون‪.‬‬
‫ِهيَ تَلْقَـفُ مَا َي ْأ ِفكُو َ‬
‫‪ 11680‬ـ حدث نا إبراهي ـم بن ال ـمستـمر‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عثمان بن ع مر‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا قرة بن‬
‫خالد السدوسيّ‪ ,‬عن الـحسن‪ :‬تَ ْلقَـفُ مَا َيأْ ِفكُونَ قال‪ :‬حبـالهم وعصيهم تسترطها استراطا‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪118‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ل مَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ }‪..‬‬
‫حقّ َوبَطَ َ‬
‫{فَ َوقَعَ ا ْل َ‬

‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فظهر الـحقّ وتبـين لـمن شهده وحضره فـي أمر موسى‪ ,‬وأنه ل‬
‫رسول يدعو إلـى الـحقّ َو َبطَلَ ما كانُوا َي ْعمَلُونَ من إفك السحر وكذبه ومخايـله‪.‬‬
‫وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11681‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫حقّ قال‪ :‬ظهر‪.‬‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬فَ َوقَعَ الـ َ‬
‫‪11682‬ـ حدثنـي الـحارث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسماعيـل بن إبراهيـم بن‬
‫ن قال‪ :‬ظهر‬
‫مهاجر‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن مـجاهد فـي قوله‪ :‬فَ َوقَ عَ الـحَقّ َو َبطَلَ ما كانُوا َي ْعمَلُو َ‬
‫الـحقّ وذهب الفك الذي كانوا يعملون‪.‬‬
‫حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي‬
‫حقّ قال‪ :‬ظهر الـحقّ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فَ َوقَعَ الـ َ‬

‫حدثنـا الــمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أبـو حذيفـة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا شبـل‪ ,‬عـن ابـن أبــي نــجيح‪ ,‬عـن‬
‫مـجاهد‪ :‬فَ َوقَعَ الـحَقّ ظهر موسى‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪119‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن }‪..‬‬
‫غرِي َ‬
‫{ َفغُِلبُواْ ُهنَاِلكَ وَانقََلبُو ْا صَا ِ‬

‫ِكـ عنـد ذلك‪ ,‬وَانْقََلبُوا صـَاغرِينَ‬
‫فرعونـ وجموعـه هُنال َ‬
‫َ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬فغَلَب موسـى‬
‫صغْرا‬
‫صغُر الر جل ي صغُر ِ‬
‫يقول‪ :‬وان صرفوا عن موطن هم ذلك ب صُغرْ مقهور ين‪ ,‬يقال م نه‪َ :‬‬
‫صغَارا‪.‬‬
‫صغْرا و َ‬
‫و ُ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪122-120‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن * قَالُوَ ْا آ َمنّا ِبرَ بّ ا ْلعَاَلمِي نَ *‬
‫جدِي َ‬
‫حرَ ُة سَا ِ‬
‫سَ‬
‫{وَأُلْقِ يَ ال ّ‬

‫سىَ وَهَارُونَ }‪..‬‬
‫رَبّ مُو َ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬وألق ـي ال سحرة عند ما عاينوا من عظي ـم قدرة ال‪ ,‬ساقطين عل ـى‬
‫وجوه هم‪ ,‬سجدا لرب هم‪ ,‬يقولون‪ :‬آم نا بر بّ العال ـمين‪ ,‬يقولون صدّقنا ب ـما جاء نا به مو سى‪,‬‬
‫وأن الذي علـينا عبـادته هو الذي يـملك الـجنّ والنس وجميع الشياء‪ ,‬وغير ذلك‪ ,‬ويدبّر‬
‫ذلك كله‪ ,‬رب موسى وهارون‪ ,‬ل فرعونُ‪ .‬كالذي‪:‬‬
‫‪ 11683‬ـ حدثن ـي ع بد الكري ـم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إبراهي ـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سفـيان‪ ,‬قال‪:‬‬
‫سحَرة ما رأت‪ ,‬عر فت أن‬
‫حدثنا أ بو سعد‪ ,‬عن عكر مة‪ ,‬عن ا بن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬لـما رأت ال ّ‬
‫ذلك أ مر من ال سماء ول ـيس ب سحر‪ ,‬خرّوا سجدا‪ ,‬وقالوا‪ :‬آم نا بر بّ العال ـمين ر بّ مو سى‬
‫وهارون‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪123‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫{قَالَ ِفرْعَ ْو نُ آمَنتُ مْ ِب هِ َقبْلَ أَن آ َذ نَ َلكُ مْ ِإ نّ هَ ـذَا َل َم ْكرٌ‬

‫خ ِرجُواْ ِم ْنهَآ أَهَْلهَا فَسَ ْوفَ َتعَْلمُونَ }‪..‬‬
‫ّمكَ ْر ُتمُوهُ فِي ا ْل َمدِينَةِ ِل ُت ْ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬قال فرعون للسـحرة إذ آمنوا بــال‪ ,‬يعنــي صـدّقوا رسـوله موسـى‬
‫علـيه السلم لـما عاينوا من عظيـم قدرة ال وسلطانه‪ :‬آمنتـم يقول‪ :‬أصدقتـم بـموسى‬
‫وأقررتــم بنبوّتـه‪ ,‬قبـل أن أذن لكـم بــاليـمان بـه‪ .‬إن هذا يقول‪ :‬تصـديقكم إياه‪ ,‬وإقراركـم‬
‫خدْعة خدعتــم بهـا مـن فــي مدينتنـا‬
‫بنبوّتـه‪ ,‬لــمكرٌ مكرتــمُو ُه فــي الــمَدينةِ يقول لــ ُ‬
‫ن ما أفعل بكم‪ ,‬وتلقون من عقابـي إياكم علـى صنـيعهم‬
‫لتـخرجوهم منها‪ .‬فَسَ ْوفَ َتعْلَـمو َ‬
‫هذا‪ .‬وكان مكرهم ذلك فـيـما‪:‬‬
‫‪ 11684‬ـ حدثن ـي مو سى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪,‬‬
‫فـي حد يث ذكره عن أبـي مالك وعلـيّ بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬وعن ُمرّة‪,‬‬

‫عن ابن مسعود‪ ,‬وعن ناس من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬التقـي موسى وأمير‬
‫السّـحَرة‪ ,‬فقال له موسـى‪ :‬أرأيتـك إن غلبتـك أتؤمـن بــي وتشهـد أن مـا جئتُـ بـه حقـّ؟ قال‬
‫ن بك ولشهد نّ أنك ح قّ‬
‫ن غدا بسحر ل يغلبه سحر‪ ,‬فوال لئن غلبتنـي لومن ّ‬
‫ال سّاحر‪ :‬لَتـي ّ‬
‫إنـ َهذَا لــ َمكْرٌ َم َك ْرتُــمُو ُه فِــي الــ َمدِينَ ِة إذ‬
‫وفرعون ينظـر إلــيهم فهـو قول فرعون‪ّ :‬‬
‫التقـيتـما لتظاهرا فتـخرجا منها أهلها‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪124‬‬

‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪:‬‬

‫طعَنّـ َأ ْي ِديَكُم ْـ وََأ ْرجُلَكُم ْـ مّن ْـ خِلَف ٍـ ثُمّـ لُص َـّل َبنّ ُكمْ‬
‫لقَ ّ‬
‫{ُ‬

‫ج َمعِينَ }‪..‬‬
‫َأ ْ‬
‫يقول تعال ـى ذكره م خبرا عن قِ ـيـل فرعون لل سحرة إذ آمنوا ب ـال و صدّقوا ر سوله‬
‫طعَ نّ أ ْي ِد َيكُ ْم وأ ْرجَُلكُ ْم مِ نْ خِل فٍ وذلك أن يق طع من أحد هم يده ال ـيـمنى ورجله‬
‫ل َق ّ‬
‫مو سى‪ُ :‬‬
‫الـيسرى‪ ,‬أو يقطع يده الـيسرى ورجله الـيـمنى‪ ,‬فـيخالف بـين العضوين فـي القطع‪,‬‬
‫فمخالفته فـي ذلك بـينهما هو القطع من خلف‪.‬‬
‫ن هذا الق طع فرعون‪ .‬ثُم لُ صَّل َبنّ ُكمْ أج َمعِي نَ وإن ـما قال هذا فرعون‪,‬‬
‫ويقال‪ :‬إن أوّل من س ّ‬
‫لـما رأى من خذلن ال إياه وغلبة موسى علـيه السلم وقهره له‪.‬‬
‫حبّوية الرازيّ‪ ,‬عن يعقوب القميّ‪,‬‬
‫‪11685‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو داود الـحَفَريّ و َ‬
‫طعَ نّ أ ْي ِد َيكُ مّ‬
‫لقَ ّ‬
‫عن جع فر بن أب ـي ال ـمغيرة‪ ,‬عن سعيد بن جب ـير‪ ,‬عن ا بن عب ـاس‪ُ :‬‬
‫ن قال‪ :‬أوّل من صلب وأوّل من قطع اليدي والرجل‬
‫ن خِلف ثُ ّم لُ صَّل َب ّن ُكمْ أج َمعِي َ‬
‫وأ ْرجَُلكُ مْ مِ ْ‬
‫من خلف فرعونُ‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪126-125‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن آ َمنّا‬
‫ل أَ ْ‬
‫ن * َومَا تَنقِ مُ ِمنّآ ِإ ّ‬
‫{قَالُوَاْ ِإنّآ إَِلىَ َر ّبنَا مُنقَِلبُو َ‬

‫صبْرا َو َت َو ّفنَا ُمسِْلمِينَ }‪..‬‬
‫بِآيَاتِ َر ّبنَا َلمّا جَآ َء ْتنَا َربّنَآ َأ ْف ِرغْ عََل ْينَا َ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬قال ال سحرة م ـجيبة لفرعون‪ ,‬إذ توعد هم بق طع اليدي والر جل من‬
‫ُونـ يعنــي بــالنقلب إلــى ال الرجوع إلــيه‬
‫خلف‪ ,‬والصـلب‪ :‬إن ّا إلــى َربّنـا ُمنْقَِلب َ‬
‫ن آمَنّا بآيا تِ َربّ نا يقول‪ :‬ما تن كر م نا يا فرعون و ما‬
‫لأ ْ‬
‫وال ـمصير‪ .‬وقوله‪ :‬وَ ما َتنْقِ مُ مِنّا إ ّ‬
‫تـجد علـينا‪ ,‬إل من أجل أن آمنا‪ :‬أي صدّقنا بآيات ربنا‪ ,‬يقول‪ :‬بحجج ربنا وأعلمه وأدلته‬
‫التــي ل يقدر علــى مثلهـا أنـت‪ ,‬ول أحـد سـوى ال‪ ,‬الذي له ملك السـموات والرض‪ .‬ثـم‬
‫فزعوا إل ـى ال‪ ,‬ب ـمسئلته ال صبر عل ـى عذاب فرعون‪ ,‬وق بض أرواح هم عل ـى ال سلم‪,‬‬
‫صبْرا يعنون بقولهم‪ :‬أفرغ‪ :‬أنزل علـينا حبسا يحبسنا عن الكفر بك‬
‫فقالوا‪َ :‬ربّنا أفْرغْ عَلَـيْنا َ‬

‫ُسـلِـمِينَ يقول‪ :‬واقبضنـا إلــيك علــى السـلم‪ ,‬ديـن‬
‫عنـد تعذيـب فرعون إيانـا‪َ .‬وتَ َوفّنـا م ْ‬
‫خـلـيـلك إبراهيـم صلى ال عليه وسلم‪ ,‬ل علـى الشرك بك‪.‬‬
‫‪ 11686‬ـ فحدثنـي موسى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو بن حماد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط عن‬
‫ن خِل فٍ فقتلهم و صَلَبهم‪ ,‬كما قال عبد ال بن عبـاس حين‬
‫طعَ نّ أ ْي ِد َيكُ مْ وأ ْرجَُلكُ مْ مِ ْ‬
‫لقَ ّ‬
‫السديّ‪ُ :‬‬
‫ن قال‪ :‬كانوا ف ـي أوّل النهار سحرة‪ ,‬وف ـي‬
‫صبْرا َوتَ َوفّ نا مُ سْلِـمِي َ‬
‫قالوا‪َ :‬ربّ نا أفْر غْ عَلَ ـيْنا َ‬
‫آخر النهار شهداء‪.‬‬
‫‪11687‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن إسرائيـل‪ ,‬عن عبد العزيز بن رفـيع‪ ,‬عن‬
‫عبـيد بن عمير‪ ,‬قال‪ :‬كانت السحرة أوّل النهار سحرة‪ ,‬وآخر النهار شهداء‪.‬‬
‫‪ 11688‬ـ حدثنا ب شر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يز يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬وأُلْقِـيَ‬
‫ن قال‪ :‬ذكر لنا أنهم كانوا فـي أوّل النهار سحرة‪ ,‬وآخره شهداء‪.‬‬
‫سحَرَ ُة ساجِدِي َ‬
‫ال ّ‬
‫‪11689‬ــ حدثنـا القاسـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي حجاج‪ ,‬عـن ابـن جريـج‪ ,‬عـن‬
‫ن قال‪ :‬كانوا أوّل النهار سـحرة‪ ,‬وآخره‬
‫ـِـمِي َ‬
‫مــجاهد‪ :‬رَبّنـا أ ْفرِغ ْـ عَلَــيْنا صَـبْرا َوتَ َوفّنـا مُس ْل‬
‫شهداء‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪127‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫سدُواْ‬
‫سىَ َوقَ ْو َمهُ ِليُفْ ِ‬
‫ن َأ َت َذرُ مُو َ‬
‫ل مِن قَوْمِ فِرْعَو َ‬
‫{ َوقَالَ ا ْلمَ ُ‬

‫حيِـي ِنسَآءَ ُهمْ وَِإنّا فَ ْو َقهُمْ قَا ِهرُونَ }‪..‬‬
‫س َت ْ‬
‫سنُ َقتّلُ َأ ْبنَآءَ ُهمْ َو َن ْ‬
‫ل َ‬
‫ك قَا َ‬
‫فِي الرْضِ َو َي َذ َركَ وَآِل َه َت َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬وقالت جماعة رجال من قوم فرعون لفرعون‪ :‬أتدع موسى وقومه من‬
‫بن ـي إ سرائيـل ل ـيفسدوا ف ـي الرض‪ ,‬يقول‪ :‬كي يف سدوا خد مك وعب ـيدك عل ـيك ف ـي‬
‫أرضك من م صر‪َ ,‬و َي َذرَ كَ وآِل َهتَ كَ يقول‪ :‬ويذرك‪ :‬ويدع خدم تك موسى‪ ,‬وعبـادتك وعبـادة‬
‫آلهتك‪.‬‬
‫ك وجهان من التأوي ـل‪ :‬أحده ما أتذر مو سى وقو مه ل ـيفسدوا‬
‫وف ـي قوله‪َ :‬و َي َذرَ كَ وآِل َهتَ َ‬
‫فـي الرض وقد تركك وترك عبـادتك وعبـادة آلهتك؟ وإذا وجه الكلم إل ـى هذا الو جه‬
‫من التأوي ـل كان الن صب ف ـي قوله‪َ :‬و َي َذرَ كَ عل ـى ال صرف‪ ,‬ل عل ـى الع طف به عل ـى‬
‫قوله «ل ـيفسدوا»‪ .‬والثان ـي‪ :‬أتذر مو سى وقو مه ل ـيفسدوا ف ـي الرض ول ـيذرك وآله تك‬
‫كالتوبـيخ منهم لفرعون علـى ترك موسى لـيفعل هذ ين الفعل ـين‪ .‬وإذا وجه الكلم إلـى‬
‫سدُوا‪.‬‬
‫هذا الوجه كان نصب‪َ :‬و َي َذ َركَ علـى العطف علـى لـيُ ْف ِ‬
‫والوجه الوّل أولـى الوجهين بـالصواب‪ ,‬وهو أن يكون نصب‪َ :‬و َي َذرَ كَ علـى الصرف‪,‬‬
‫لن التأويـل من أهل التأويـل به جاء‪.‬‬
‫وبعد‪ ,‬فإن فـي قراءة أُبـيّ بن كعب الذي‪:‬‬

‫‪11690‬ـ حدثنا أحمد بن يوسف‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حجاج عن هارون‪ ,‬قال‪ :‬فـي‬
‫حرف أبـيّ بن كعب‪ :‬وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك‪.‬‬
‫دللة واضحة علـى أن نصب ذلك علـى الصرف‪.‬‬
‫و قد روى عن ال ـحسن البصريّ أ نه كان يقرأ ذلك‪َ :‬و َيذَرَ كَ وآِل َهتَ كَ عطفـا بقوله‪َ :‬و َي َذرَ كَ‬
‫علــى قوله‪ :‬أ َت َذرُ مُوسـَى كأنـه وجّه تأويــله إلــى‪ :‬أتذرُ موسـى وقومـه ويذرك وآلهتـك‬
‫ل ـيفسدوا ف ـي الرض؟ و قد ت ـحتـمل قراءة ال ـحسن هذه أن يكون معنا ها‪ :‬أتذرُ مو سى‬
‫وقو مه ل ـيفسدوا ف ـي الرض و هو يذرُك وآله تك؟ ف ـيكون «يذرُك» مرفو عا عل ـى ابتداء‬
‫الكلم‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬وآِل َهتَ كَ فإن قرّاء المصار علـى فتـح اللف منها ومدّها‪ ,‬بـمعنى‪ :‬وقد ترك‬
‫مو سى عب ـادتك وعب ـادة آله تك الت ـي تعبد ها‪ .‬و قد ذ كر عن ا بن عب ـاس أ نه كان له بقرةٌ‬
‫يعبدوها‪ .‬وقد رُوى عن ابن عبـاس ومـجاهد أنهما كانا يقرآنها‪َ « :‬و َي َذرَ كَ وإل َهتَ كَ» بكسر‬
‫اللف‪ ,‬بـمعنى‪ :‬ويذرك وعبُودتك‪.‬‬
‫والقراءة الت ـي ل نرى القراءة بغير ها‪ ,‬هي القراءة الت ـي عل ـيها قرّاء الم صار لجماع‬
‫الـحجة من القراء علـيها‪.‬‬
‫ذكر من قال‪ :‬كان فرعون يعبُد آلهة علـى قراءة من قرأ‪َ :‬و َي َذ َركَ وآِل َه َتكَ‪:‬‬
‫‪ 11691‬ـ حدثن ـي مو سى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪:‬‬
‫َو َي َذرَ كَ وآِل َهتَ كَ وآله ته فــيـما ز عم ا بن عب ـاس‪ ,‬كا نت البقرة كانوا إذا رأوا بقرة حسـناء‬
‫أمرهم أن يعبدوها‪ ,‬فلذلك أخرج لهم عجلً وبقرة‪.‬‬
‫‪ 11692‬ـ حدث نا القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو سفـيان‪ ,‬عن عمرو‪ ,‬عن‬
‫جمَانة معلقة فـي نـحره يعبدها ويسجد لها‪.‬‬
‫الـحسن‪ ,‬قال‪ :‬كان لفرعون ُ‬
‫‪ 11693‬ـ حدثنا مـحمد بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن مهدي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـان بن‬
‫خالد‪ ,‬قال‪ :‬سـمعت الــحسن يقول‪ :‬بلغنــي أن فرعون كان يعبـد إلهـا فــي السـرّ‪ .‬وقرأ‪:‬‬
‫« َو َيذَ َركَ وآِل َه َتكَ»‪.‬‬
‫حدث نا م ـحمد بن سنان‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬عن أب ـي ب كر‪ ,‬عن ال ـحسن‪ ,‬قال‪ :‬كان‬
‫لفرعون إله يعبده فـي السرّ‪.‬‬
‫ذكر من قال معنى ذلك‪ :‬ويذرك وعبـادتك‪ ,‬علـى قراءة من قرأ‪« :‬وإلهتك»‪:‬‬
‫‪ 11694‬ـ حدث نا ا بن وك يع‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ا بن عي ـينة‪ ,‬عن عمرو بن دينار‪ ,‬عن م ـحمد بن‬
‫عمرو‪ ,‬عن الـحسن‪ ,‬عن ابن عبـاس‪َ « :‬و َي َذرَ كَ وإل َهتَ كَ» قال‪ :‬إنـما كان فرعون يُعبد ول‬
‫يعَبد‪.‬‬

‫قال ث نا أب ـي‪ ,‬عن نا فع‪ ,‬عن ا بن ع مر‪ ,‬عن عمرو بن دينار‪ ,‬عن ا بن عب ـاس أ نه قرأ‪:‬‬
‫« َو َيذَ َركَ وإل َه َتكَ» قال‪ :‬وعبـادتك‪ ,‬ويقول إنه كان يُعبد ول يَعبد‪.‬‬
‫‪11695‬ـ حدثنا الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ بن‬
‫أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪َ « :‬و َي َذ َركَ وإل َه َتكَ» قال‪ :‬يترك عبـادتك‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل عن عمرو بن دينار‪ ,‬عن ا بن‬
‫عبـاس أنه كان يقرأ‪« :‬وإل َه َتكَ» يقول‪ :‬وعبـادتك‪.‬‬
‫‪ 11696‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪َ « :‬و َيذَ َركَ وإل َه َتكَ» قال‪ :‬عبـادتك‪.‬‬
‫حدثنا سعيد بن الربـيع الرازي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬عن عمرو بن دينار‪ ,‬عن مـحمد بن‬
‫َكـ وإل َهتَكـَ» وقال‪ :‬إنــما كان‬
‫عمرو بـن حسـين‪ ,‬عـن ابـن عبــاس‪ ,‬أنـه كان يقرأ‪َ « :‬و َي َذر َ‬
‫فرعون يُعبد ول يَعبد‪.‬‬
‫وقد زعم بعضهم‪ :‬أن من قرأ‪« :‬وإل َهتَ كَ» إنـما يقصد إلـى نـحو معنى قراءة من قرأ‪:‬‬
‫وآِل َهتَ كَ غ ير أ نه أ نث و هو ير يد إل ها واحدا‪ ,‬كأ نه ير يد « َو َي َذرَ كَ وإلهَ كَ» ثم أ نث الله فقال‪:‬‬
‫«وإلهتك»‪.‬‬
‫سئِل عن اللهة فقال‪« :‬هي عَلَـمة» يريد علـما‪,‬‬
‫وذكر بعض البصريـين أن أعرابـيا ُ‬
‫فأنـث «العلــم»‪ ,‬فكأنـه شيـء نصـب للعبــادة يُعبـد‪ .‬وقـد قالت بنـت عتــيبة بـن الــحارث‬
‫الـيربوعي‪:‬‬
‫عجَلْنا اللهَةَ أنْ َتئُوبـا‬
‫عصْراوأ ْ‬
‫َترَ ّوحْنا منَ الّلعْبـاءِ َ‬
‫يعن ـي ب ـاللهة ف ـي هذا ال ـموضع‪ :‬الش مس‪ .‬وكأن هذا ال ـمتأوّل هذا التأوي ـل‪ ,‬وجّه‬
‫اللهة إذا أدخـلت فـيها هاء التأنـيث‪ ,‬وهو يريد واحد الَلهة‪ ,‬إلـى نـحو إدخالهم الهاء‬
‫فـي وِ ْل َدتِـي و َك ْو َك َبتِـي ومَاءَتـي‪ ,‬وهو أهْلَة ذاك‪ ,‬وكما قال الراجز‪:‬‬
‫ظ ْهرَتـي‬
‫ت َ‬
‫ت مَلْـجاتِـي وأنْ ِ‬
‫س َرتِـيوَأنْ ِ‬
‫حمْرَا ِء أنْتِ ُأ ْ‬
‫ضرُ الـ َ‬
‫يا مُ َ‬
‫يريد‪ :‬ظهري‪ .‬وقد بـين ابن عبـاس ومـجاهد ما أرادا من الـمعنى فـي قراءتهما ذلك‬
‫علـى ما قرآ‪ ,‬فل وجه لقول هذا القائل ما قال مع بـيانهما عن أنفسهما ما ذهبـا إلـيه من‬
‫معنى ذلك‪.‬‬
‫ـ يقول‪ :‬قال فرعون‪ :‬سـنقتل أبناءهـم الذكور مـن أولد بنــي‬
‫ل أبْناءَهُم ْ‬
‫ـنُ َقتّ ُ‬
‫وقوله‪ :‬قالَ س َ‬
‫ستَـحِيـي ن ساءَ ُهمْ يقول‪ :‬ون ستبقـي إناث هم‪ .‬وَإنّا فَ ْو َقهُ مْ قاهِرُو نَ يقول‪ :‬وإ نا‬
‫إ سرائيـل‪َ .‬ونَ ْ‬
‫ل ش يء عال بق هر‬
‫عالون عل ـيهم ب ـالقهر‪ ,‬يعن ـي بق هر ال ـملك وال سلطان‪ .‬و قد ب ـينا أن ك ّ‬
‫وغلبة علـى شيء‪ ,‬فإن العرب تقول‪ :‬هو فوقه‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪128‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ص ِبرُوَاْ ِإ نّ الرْ ضَ‬
‫س َتعِينُوا بِاللّ هِ وَا ْ‬
‫سىَ لِ َق ْومِ ِه ا ْ‬
‫{قَالَ مُو َ‬

‫عبَادِهِ وَا ْلعَا ِقبَةُ لِ ْل ُمتّقِينَ }‪..‬‬
‫للّ ِه يُو ِر ُثهَا مَن َيشَآ ُء مِنْ ِ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬قال مو سى لقو مه من بن ـي إ سرائيـل ل ـما قال فرعون لل ـمل من‬
‫س َتعِينُوا بَــاللّهِ عل ـى فرعون‬
‫قو مه سنقتل أبناء بنــي إ سرائيـل ون ستـحيـي نسـاءهم‪ :‬ا ْ‬
‫وقو مه ف ـيـما ينوب كم من أمر كم‪ ,‬وا صبروا عل ـى ما نال كم من ال ـمكاره ف ـي أنف سكم‬
‫وأبنائكم من فرعون‪.‬‬
‫وكان قد تبع موسى من بنـي إسرائيـل علـى ما‪:‬‬
‫‪ 11697‬ـ حدثن ـي ع بد الكري ـم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إبراهي ـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سفـيان‪ ,‬قال‪:‬‬
‫حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬لـما آمنت السحرة‪ ,‬اتبع موسى ستـمائة‬
‫ألف من بنـي إسرائيـل‪.‬‬
‫ن يَشاءُ مِنْ عِبـاده يقول‪ :‬إن الرض ل‪ ,‬لعلّ ال أن يُو ِرثَكم‬
‫ن الرْضَ لِّلهِ يُ ِورُثها مَ ْ‬
‫وقوله‪ :‬إ ّ‬
‫صبَرتـم علـى ما نالكم من مكروه فـي أنفسكم وأولدكم من فرعون‪ ,‬واحتسبتـم ذلك‪,‬‬
‫إن َ‬
‫وا ستقمتـم عل ـى ال سداد أر ضَ فرعون وقو مه‪ ,‬بأن يهلك هم وي ستـخـلفكم ف ـيها‪ ,‬فإن ال‬
‫ن يقول‪ :‬والعاق بة ال ـمـحمودة ل ـمن‬
‫يورث أر ضه من يشاء من عب ـاده‪ .‬والعا ِقبَ ُة للْ ـ ُمتّقِـي َ‬
‫اتقـى ال وراقبه‪ ,‬فخافه بـاجتناب معاصيه وأدّى فرائضه‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪129‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ج ْئتَنَا قَالَ‬
‫ل أَن َت ْأتِينَا وَمِن َب ْعدِ مَا ِ‬
‫{قَالُوَاْ أُوذِينَا مِن قَبْ ِ‬

‫س َتخْلِ َفكُمْ فِي الرْضِ َفيَنظُرَ َك ْيفَ َت ْعمَلُونَ }‪..‬‬
‫عدُ ّو ُكمْ َو َي ْ‬
‫سىَ َر ّبكُ ْم أَن ُيهِْلكَ َ‬
‫عَ‬
‫َ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬قال قوم موسـى لــموسى حيـن قال لهـم اسـتعينوا بــال واصـبروا‪:‬‬
‫ن ت ْأتِـيَنا يقول‪ :‬من قبل أن تأتـينا برسالة ال إلـينا لن فرعون‬
‫ن قبلِ أ ْ‬
‫أُوذِينا بقتل أبنائنا مِ ْ‬
‫كان يق تل أولد هم الذكور ح ين أظله زمان مو سى عل ـى ما قد ب ـينت ف ـيـما م ضى من‬
‫ج ْئتَ نا يقول‪ :‬و من ب عد ما جئت نا بر سالة ال‪ ,‬لن فرعون ل ـما‬
‫كتاب نا هذا‪ .‬وقوله‪َ :‬و ِم نْ َب ْعدِ ما ِ‬
‫غُلبـت سـحرته وقال للــمل مـن قومـه مـا قال‪ ,‬أراد تــجديد العذاب علــيهم بقتـل أبنائهـم‬
‫واسـتـحياء نسـائهم‪ .‬وقــيـل‪ :‬إن قوم موسـى قالوا لــموسى ذلك حيـن خافوا أن يدركهـم‬
‫ن قَبْلِ أن ْـ‬
‫فرعون و هم م نه هاربون‪ ,‬وقـد تراءى الــجمعان‪ ,‬ف قالوا له يـا موسـى أُوذِينـا مِ ْ‬
‫ج ْئتَ نا ال ـيوم يدرك نا فرعون‬
‫َتأْت ـيَنا كانوا يذبحون أبناء نا وي ستـحيون ن ساءنا‪َ ,‬و ِم نْ َب ْعدِ ما ِ‬
‫فـيقتلنا‪.‬‬
‫وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل االتأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬

‫‪ 11698‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫أبــي نــجيح‪ ,‬عن مــجاهد‪ ,‬فــي قول ال‪ :‬مِ نْ َقبْلِ أن ْـ َت ْأتِ ـيَنا من قبـل إرسـال ال إياك‬
‫وبعده‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪ 11699‬ـ حدثنـي موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬فلـما تراءى‬
‫الـجمعان فنظرت بنو إسرائيـل إلـى فرعون قد ردفهم‪ ,‬قالوا‪ :‬إنّا لـمُ ْد َركُونَ وقالوا‪ :‬أو ِذيَنا‬
‫ج ْئ َتنَا الـيوم يدركنا‬
‫ن َت ْأتِـيَنَا‪ .‬كانوا يذبحون أبناءنا ويستـحيون نساءنا‪ .‬ومِنْ َب ْعدِ ما ِ‬
‫ن َقبْلِ أ ْ‬
‫مِ ْ‬
‫فرعون فـيقتلنا‪ ,‬إنّا لَـ ُم ْدرَكُونَ‪.‬‬
‫‪ 11700‬ـ حدثنـي عبد الكريـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إبراهيـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو‬
‫سعد‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬سار موسى ببنـي إسرائيـل حتـى هجموا علـى‬
‫البحر‪ ,‬فـالتفتوا فإذا هم برَهْج دوابّ فرعون‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا موسى أوذينا من قبل أن تأتـينا ومن‬
‫عدْ ّوكُ مْ‬
‫ب عد ما جئت نا‪ ,‬هذا الب حر أمام نا وهذا فرعون ب ـمن م عه قال عَ سَى رَبكُ مْ أ نْ َيهْلِ كَ َ‬
‫ض فَـ َي ْنظُرَ َك ْيفَ َت ْعمَلُونَ‪.‬‬
‫ستَـخْـلِ َف ُكمْ فـي الرْ ِ‬
‫َو َي ْ‬
‫عدُ ّوكُ مْ يقول جلّ ثناؤه‪ :‬قال مو سى لقو مه‪ :‬لعلّ رب كم أن‬
‫ن ُيهْل كَ َ‬
‫وقوله‪ :‬قالَ عَ سَى َر ّبكُ مْ أ ْ‬
‫ستَـخْـلِ َف ُكمْ يقول‪ :‬يجعل كم ت ـخـلفونهم ف ـي أرض هم ب عد‬
‫يهلك عدوّ كم‪ :‬فرعون وقو مه‪ ,‬ويَ ْ‬
‫ظرَ َكيْ فَ َت ْعمَلُو نَ يقول‪ :‬فـيرى ربكم‬
‫هلكهم‪ ,‬ل تـخافونهم ول أحدا من الناس غيرهم فَـ َينْ ُ‬
‫ما تعملون بعدهم من مسارعتكم فـي طاعته وتثاقلكم عنها‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪130‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ن بِال سّنِينَ َونَ ْق صٍ مّن ال ّث َمرَا تِ‬
‫ل فِرْعَو َ‬
‫خذْنَآ آ َ‬
‫{وََل َقدْ َأ َ‬

‫َلعَّل ُهمْ َي ّذكّرُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ولقد اختبرنا قوم فرعون وأتبـاعه علـى ما هم علـيه من الضللة‬
‫سنَتَ القوم‪ :‬إذا أجدبوا‪.‬‬
‫ب ـالسنّـين‪ ,‬يقول‪ :‬ب ـالـجدوب سنة ب عد سنة والقحوط‪ .‬يقال م نه‪ :‬أ ْ‬
‫ن الثّمرا تِ يقول‪ :‬واخ تبرناهم مع ال ـجدوب بذهاب ثمار هم وغلت هم إل القل ـيـل‪.‬‬
‫َونَ ْق صٍ مِ َ‬
‫َلعَّلهُ مْ َي ّذكّرُو نَ يقول‪ :‬ع ظة ل هم وتذكيرا ل هم‪ ,‬ل ـينزجروا عن ضللت هم ويفزعوا إل ـى رب هم‬
‫بـالتوبة‪.‬‬
‫وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11701‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن آدم‪ ,‬عن شريك‪ ,‬عن أبـي إسحاق‪ ,‬عن أبـي‬
‫سنِـينَ قال‪ :‬سنـي الـجوع‪.‬‬
‫ن بـال ّ‬
‫عوْ َ‬
‫ل فِرْ َ‬
‫خذْنا آ َ‬
‫عبـيدة‪ ,‬عن عبد ال‪ :‬وََل َقدْ أ َ‬

‫‪ 11702‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫ن الـجائحة‪َ .‬ونَقْ صٍ ِم نَ ال ّث َمرَا تِ دون‬
‫سنِـي َ‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪ :‬بـال ّ‬
‫ذلك‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪11703‬ـ حدثنـي القاسم بن دينار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبـيد ال بن موسى‪ ,‬عن شيبـان‪ ,‬عن أبـي‬
‫ن ال ّث َمرَا تِ قال‪ :‬حيث ل تـحمل النـخـلة‬
‫ص مِ َ‬
‫إسحاق‪ ,‬عن رجاء بن حيوة فـي قوله‪َ :‬ونَقْ ٍ‬
‫إل تـمرة واحدة‪.‬‬
‫‪11704‬ـ حدثنـي ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن إسرائيـل‪ ,‬عن أبـي إسحاق‪ ,‬عن رجاء‬
‫بن حيوة‪ ,‬عن كعب قال‪ :‬يأتـي علـى الناس زمان ل تـحمل النـخـلة إل تـمرة‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحمانـي‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا شر يك‪ ,‬عن أب ـي إ سحاق‪ ,‬عن‬
‫ن ال ّث َمرَا تِ قال‪ :‬يأتـي علـى الناس زمان ل تـحمل النـخـلة إل‬
‫ص مِ َ‬
‫رجاء بن حيوة‪َ :‬ونَ ْق ٍ‬
‫تـمرة‪.‬‬
‫خذْنا‬
‫‪ 11705‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬وَلَ َقدْ أ َ‬
‫ن ال ّث َمرَا تِ‬
‫سنِـينَ‪ :‬أخذ هم ال ب ـالسنـين ب ـالـجوع عا ما فعا ما‪َ .‬ونَ ْق صٍ مِ َ‬
‫ن ب ـال ّ‬
‫عوْ َ‬
‫ل فِرْ َ‬
‫آَ‬
‫فأ ما ال سنـين فكان ذلك ف ـي ب ـاديتهم وأ هل مواشي هم‪ ,‬وأ ما بن قص من الثمرات فكان ذلك‬
‫فـي أمصارهم وقراهم‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪131‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫س ّيئَةٌ‬
‫ص ْب ُهمْ َ‬
‫سنَةُ قَالُو ْا لَنَا هَ ـذِهِ وَإِن تُ ِ‬
‫{ َفِإذَا جَآ َء ْتهُ مُ ا ْلحَ َ‬

‫ن }‪..‬‬
‫سىَ َومَن ّمعَ ُه أَل ِإ ّنمَا طَا ِئرُهُمْ عِندَ اللّ ُه وَلَـكِنّ َأ ْك َثرَهُ ْم لَ َيعَْلمُو َ‬
‫َيطّ ّيرُو ْا ِبمُو َ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬فإذا جاءت آل فرعون العافــية والــخصب والرخاء وكثرة الثمار‪,‬‬
‫سيّئَ ٌة يعن ـي‬
‫صبْ ُهمْ َ‬
‫ورأوا ما يحبون ف ـي دن ـياهم قالُوا لَ نا َه ِذ ِه ن ـحن أول ـى ب ها‪ .‬وَإ نْ تُ ِ‬
‫طيّرُوا بِــمُوسَى َومَن ْـ َمعَهُـ يقول‪ :‬يتشاءموا ويقولوا‪ :‬ذهبـت حظوظنـا‬
‫جدوب وقُحوط وبلء‪َ ,‬ي ّ‬
‫وأنصبـاؤنا من الرخاء والـخصب والعافـية‪ ,‬مذ جاءنا موسى علـيه السلم‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11706‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫سنَةُ العافـية والرخاء‪ ,‬قالُوا لَنا َه ِذهِ‬
‫حَ‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬فإذَا جا َء ْتهُمُ الـ َ‬
‫طيّرُوا يتشاءموا بِـمُوسَى‪.‬‬
‫س ّيئَ ٌة بلء وعقوبة‪َ ,‬ي ّ‬
‫صبْ ُهمْ َ‬
‫نـحن أحقّ بها‪ .‬وَإن ُت ِ‬

‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد بنـحوه‪.‬‬
‫‪ 11707‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬فإذَا جا َء ْتهُ مُ‬
‫طّيرُوا بِـمُوسَى َومَ نْ َم َع هُ قالوا‪ :‬ما أصابنا هذا إل‬
‫س ّيئَةٌ َي ّ‬
‫سنَ ُة قالُوا لَنا َه ِذ هِ وَإن تُ صِ ْب ُهمْ َ‬
‫الـحَ َ‬
‫بـك يـا موسـى وبــمن معـك‪ ,‬مـا رأينـا شرّا ول أصـابنا حتــى رأيناك‪ .‬وقوله‪ :‬فإذَا جا َء ْتهُمُـ‬
‫سنَ ُة قالُوا لَنا َه ِذهِ قال‪ :‬الـحسنة‪ :‬ما يحبون وإذا كان ما يكرهون‪ ,‬قالوا‪ :‬ما أصابنا هذا إل‬
‫الـحَ َ‬
‫ن َمعَكَ فقال ال‪ :‬إنّـمَا طا ِئ ُركُمْ‬
‫طيّ ْرنَا بِكَ َوبِـمَ ْ‬
‫بشؤم هؤلء الذين ظلـموا قال قوم صالـح‪ :‬ا ّ‬
‫ل أ ْنتُـمْ قَ ْو ٌم تُ ْف َتنُونَ‪.‬‬
‫ع ْندَ الّلهِ بَ ْ‬
‫ِ‬
‫ن أ ْكثَرَ ُهمْ ل َيعْلَـمُونَ‪.‬‬
‫ل أنّـما طا ِئرُ ُهمْ ع ْندَ الّلهِ وََلكِ ّ‬
‫القول فـي تأويـل قوله‪ :‬أ ّ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬أل مـا طائر آل فرعون وغيرهـم‪ ,‬وذلك أنصـبـاؤهم مـن الرخاء‬
‫والـخصب وغير ذلك من أنصبـاء الـخير والشرّ إل عند ال‪ .‬ولكن أكثرهم ل يعلـمون أن‬
‫ذلك كذلك‪ ,‬فلـجهلهم بذلك كانوا يطّيرون بـموسى ومن معه‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11708‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫ن أ ْك َثرَهُ مْ‬
‫ع ْندَ الّل هِ يقول‪ :‬مصائبهم عند ال‪ ,‬قال ال‪ :‬وََلكِ ّ‬
‫عن ابن عبـاس‪ :‬ألّ أنّـمَا طائِرُهُ مْ ِ‬
‫ل َيعْلَـمُونَ‪.‬‬
‫حدثن ـي القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي حجاج‪ ,‬عن ا بن جر يج قال‪ :‬قال ا بن‬
‫ع ْندَ الّلهِ قال‪ :‬المر من ِقبَل ال‪.‬‬
‫ل أنّـمَا طا ِئرُ ُهمْ ِ‬
‫عبـاس‪ :‬أ َ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪132‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن لَ كَ‬
‫ح َرنَا ِبهَا َفمَا َنحْ ُ‬
‫سَ‬
‫{ َوقَالُواْ َم ْهمَا َت ْأ ِتنَا بِ هِ مِن آيَ ٍة ّلتَ ْ‬

‫ِبمُ ْؤ ِمنِينَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬وقال آل فرعون لـموسى‪ :‬يا موسى مهما تأتنا به من علمة ودللة‬
‫ك بِ ـمُ ْؤ ِمنِـينَ‬
‫لت سحرنا‪ ,‬يقول‪ :‬لتلفت نا ب ها ع ما ن ـحن عل ـيه من د ين فرعون‪ ,‬فَمَا نَ ـحْنُ لَ َ‬
‫ق فـيـما تدعونا إلـيه‪ .‬وقد‬
‫يقول‪ :‬فما نـحن لك فـي ذلك بـمصدّقـين علـى أنك مـح ّ‬
‫دللنا فـيـما مضى علـى معنى السحر بـما أغنى عن إعادته‪.‬‬
‫ن آيَ ٍة ما‪:‬‬
‫وكان ابن زيد يقول فـي معنى‪َ :‬م ْهمَا َت ْأ ِتنَا بِ ِه مِ ْ‬
‫ن آيَ ٍة قال‪ :‬إن ما تأتنا‬
‫‪11709‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد فـي قوله‪َ :‬م ْهمَا َت ْأ ِتنَا بِ ِه مِ ْ‬
‫به من آية‪ ,‬وهذه فـيها زيادة «ما»‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪133‬‬

‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪:‬‬

‫ِعـ‬
‫جرَادَ وَا ْل ُقمّلَ وَالضّفَاد َ‬
‫َانـ وَا ْل َ‬
‫ِمـ الطّوف َ‬
‫ْسـْلنَا عََل ْيه ُ‬
‫{ َفأَر َ‬

‫ت مّ َفصّلَتٍ فَاسْ َت ْك َبرُواْ َوكَانُواْ قَوْما ّمجْ ِرمِينَ }‪..‬‬
‫وَال ّدمَ آيَا ٍ‬
‫اختلف أهل التأويـل فـي معنى الطوفـان‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬هو الـماء‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫حبَوية الرازي‪ ,‬عن يعقوب القُمي‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن‬
‫‪ 11710‬ـ حدثنـي ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا َ‬
‫سـعيد بـن جبــير‪ ,‬عـن ابـن عبــاس‪ ,‬قال‪ :‬لــما جاء موسـى بــالَيات‪ ,‬كان أوّل الَيات‬
‫الطوفـان‪ ,‬فأرسل ال علـيهم السماء‪.‬‬
‫‪11711‬ــ حدثنـا أبـو هشام الرفــاعي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا ابـن يــمان‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا سـفـيان‪ ,‬عـن‬
‫إسماعيـل‪ ,‬عن أبـي مالك‪ ,‬قال‪ :‬الطوفـان‪ :‬الـماء‪.‬‬
‫‪11712‬ــ حدثنـا ابـن وكيـع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا الــمـحاربـي‪ ,‬عـن جويـبر‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬قال‪:‬‬
‫الطّوفـان‪ :‬الـماء‪.‬‬
‫‪ 11713‬ـ قال‪ :‬ث نا جابر بن نوح‪ ,‬عن أب ـي روق‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬عن ا بن عب ـاس‪ ,‬قال‪:‬‬
‫الطوفـان‪ :‬الغرق‪.‬‬
‫‪ 11714‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬عن عي سى‪ ,‬عن ا بن أب ـي‬
‫نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد قال‪ :‬الطوفـان الـماء والطاعون علـى كلّ حال‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬الطوفـان الـموت علـى كلّ حال‪.‬‬
‫حدثنا مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬عن أبـيه‪,‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬الطوفـان‪ :‬الـماء‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل هو الـموت‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11715‬ـ حدثنا أبو هشام الرفـاعي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن يـمان‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـمنهال بن‬
‫حكَم بن ميناء‪ ,‬عن عائشة‪ ,‬قالت‪ :‬قال رسول ال صلى ال‬
‫خـلـيفة‪ ,‬عن الـحجاج‪ ,‬عن الـ َ‬
‫ن الـمَوْتُ»‪.‬‬
‫عليه وسلم «الطّوفـا ُ‬
‫‪11716‬ـ حدثنـي عبـاس بن مـحمد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬سألت عطاء‬
‫ما الطوفـان؟ قال‪ :‬الـموت‪.‬‬
‫‪ 11717‬ـ حدث نا ا بن وك يع‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد ال بن رجاء‪ ,‬عن ا بن جر يج‪ ,‬عن عطاء ع من‬
‫حدّثه‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬الطوفـان‪ :‬الـموت‪.‬‬
‫‪ 11718‬ـ حدث نا القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي حجاج‪ ,‬عن ع بد ال بن كث ـير‪:‬‬
‫ن قالَ‪ :‬الـموت‪ .‬قال ابن جريج‪ :‬وسألت عطاء عن الطوفـان‪ ,‬قال‪:‬‬
‫فَأرْ سَلْنا عَلْـيهِ ُم الطوفـا َ‬
‫الـموت‪ .‬قال ابن جريج‪ :‬وقال مـجاهد‪ :‬الـموت علـى كلّ حال‪.‬‬

‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن يـمان‪ ,‬عن الـمنهال بن خـلـيفة‪ ,‬عن حجاج‪ ,‬عن‬
‫ن الـمَوْتُ»‪.‬‬
‫رجل‪ ,‬عن عائشة‪ ,‬عن النبـيّ صلى ال عليه وسلم قال‪« :‬الطوفـا ُ‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل ذلك كان أمرا من ال طاف بهم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫ظبْـيان‪,‬‬
‫‪11719‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪,‬عن قابوس بن أبـي َ‬
‫عن أب ـيه‪ ,‬عن ا بن عب ـاس‪ :‬فَأرْ سَلْنا عَلْ ـيهِمْ الطوف ـانَ قال‪ :‬أ مر ال الطوف ـان‪ ,‬ثم قال‪:‬‬
‫فَطافَ عَلَـيْها طائفٌ مِن َر ّبكَ وَ ُهمْ نائمُونَ‪.‬‬
‫وكان بعض أهل الـمعرفة بكلم العرب من أهل البصرة‪ ,‬يزعم أن الطوفـان من السيـل‬
‫البُعاق والدّب ـاش‪ ,‬و هو الشد يد‪ ,‬و من ال ـموت ال ـمتتابع الذر يع ال سريع‪ .‬وقال بعض هم‪ :‬هو‬
‫كثرة ال ـمطر والر يح‪ .‬وكان ب عض ن ـحويّـي الكوف ـيـين يقول‪ :‬الطوف ـان م صدر م ثل‬
‫ال ّرجْحان والنّقْصان ل يجمع‪ .‬وكان بعض نـحويـي الب صرة يقول‪ :‬هو جمع‪ ,‬واحدها فـي‬
‫القـياس‪ :‬الطوفـانة‪.‬‬
‫ظبْـيان‬
‫والصواب من القول فـي ذلك عندي‪ ,‬ما قاله ابن عبـاس علـى ما رواه عنه أبو َ‬
‫أ نه أ مر من ال طاف ب هم‪ ,‬وأ نه م صدر من قول القائل‪ :‬طاف ب هم أ مر ال يطوف طوف ـانا‪,‬‬
‫كما يقال‪ :‬نقص هذا الشيء ينقص نُقْصانا‪ .‬وإذا كان ذلك كذلك‪ ,‬جاز أن يكون الذي طاف بهم‬
‫ال ـمطر الشد يد‪ ,‬وجاز أن يكون ال ـموت الذر يع‪ .‬و من الدللة عل ـى أن ال ـمطر الشد يد قد‬
‫يسمى طوفـانا قول الـحسن بن عرفطة‪:‬‬
‫طرْ‬
‫ن الـمَ َ‬
‫ن آيا ِتهَاخُ ُرقُ الرّيحِ َوطُوفـا ُ‬
‫غّيرَ الـجِدّ َة مِ ْ‬
‫َ‬
‫خرُق الريح بطوفـان الـمطر» وقول الراعي‪:‬‬
‫ويروى‪ُ « :‬‬
‫ن والزّ ُؤ ُد‬
‫ضحِي إذا العِيسُ أ ْدرَكنا نَكائِثَهاخَرْقاءَ يعْتادُها الطوفـا ُ‬
‫ُت ْ‬
‫وقول أبـي النـجم‪:‬‬
‫شهْرا َب َردَا‬
‫شهْرا شَآبِـيبَ و َ‬
‫َقدْ َمدّ طُوْفـانٌ َفبَثّ َم َددَا َ‬
‫وأما ال ُقمّل‪ ,‬فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي معنا‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬هو السوس الذي يخرج من‬
‫الـحنطة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11720‬ـ حدث نا ا بن وك يع‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا جر ير‪ ,‬عن يعقوب القُمّي‪ ,‬عن جع فر‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬ال ُقمّل‪ :‬هو السوس الذي يخرج من الـحنطة‪.‬‬
‫‪11721‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يعقوب‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن سعيد بنـحوه‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل هو الّدبَـي‪ ,‬وهو صغار الـجراد الذي ل أجنـحة له‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11722‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‬
‫بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬القمل‪ :‬الدّبـي‪.‬‬

‫‪ 11723‬ـ حدثنـي موسى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو بن حماد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن‬
‫السديّ‪ ,‬قال‪ :‬الدّبـي‪ :‬ال ُقمّل‪.‬‬
‫‪11724‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قال‪ :‬القمل‪ :‬هو الدبـي‪.‬‬
‫‪ 11725‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬عن عي سى‪ ,‬عن ا بن أب ـي‬
‫نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬القمل‪ :‬الدبـي‪.‬‬
‫حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا معمر‪ ,‬عن قتادة‪,‬‬
‫قال‪ :‬القمل‪ :‬هي ال ّدبَـي‪ ,‬وهي أولد الـجراد‪.‬‬
‫‪ 11726‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جابر بن نوح‪ ,‬عن أبـي روق‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬عن ابن‬
‫عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬القمل‪ :‬الدبـي‪.‬‬
‫‪11727‬ــ قال ث نا يحيـى بن آدم‪ ,‬عن ق ـيس ع من ذكره‪ ,‬عن عكرمـة‪ ,‬قال‪ :‬القمـل‪ :‬بنات‬
‫الـجراد‪.‬‬
‫حدثن ـي م ـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي أب ـي‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي ع مي‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي أب ـي عن‬
‫أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬القمل‪ :‬الدّبـي‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل القمل‪ :‬البراغيث‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11728‬ـ حدثن ـي يو نس‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا ا بن و هب‪ ,‬قال‪ :‬قال ا بن ز يد‪ ,‬ف ـي قوله‪ :‬فَأرْ سَلْنا‬
‫ل قال‪ :‬زعم بعض الناس فـي القمل أنها البراغيث‪.‬‬
‫جرَادَ وال ُقمّ َ‬
‫ن والـ َ‬
‫عَلْـي ِهمْ الطوفـا َ‬
‫وقال بعضهم‪ :‬هي دوابّ سود صغار‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11729‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن أبـي بكر‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫سعيد بن جبـير والـحسن قال‪ :‬القمل‪ :‬دوابّ سود صغار‪.‬‬
‫وكان بعض أهل العلـم بكلم العرب من أهل البصرة يزعم اغيث‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬هي دوابّ سود صغار‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11730‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن أبـي بكر‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫سعيد بن جبـير والـحسن قال‪ :‬القمل‪ :‬دوابّ سود صغار‪.‬‬
‫وكان بعض أهل العلـم بكلم العرب من أهل البصرة يزعم بـابـا مُؤْ صَدَا وكان الفرّاء‬
‫يقول‪ :‬ل ـم أ سمع ف ـيه شيئا‪ ,‬فإن ل ـم ي كن جم عا فواحده قا مل‪ ,‬م ثل ساجد ورا كع‪ ,‬وإن ي كن‬
‫اسما علـى معنى جمع‪ ,‬فواحدته‪ :‬قمّلة‪.‬‬
‫ذكر الـمعانـي التـي حدثت فـي قوم فرعون بحدوث هذه الَيات‬
‫والسبب الذي من أجله أحدثها ال فـيهم‬
‫‪ 11731‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يعقوب القُمي‪ ,‬عن جعفر بن الـمغيرة‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫جبـير‪ ,‬قال‪ :‬لـما أتـى موسى فرعون‪ ,‬قال له‪ :‬أرسل معي بنـي إسرائيـل فأبى علـيه‪,‬‬

‫فأرسـل ال علــيهم الطوفــان‪ ,‬وهـو الــمطر‪ ,‬فصـبّ علــيهم منـه شيئا‪ ,‬فخافوا أن يكون‬
‫ن معك بنـي‬
‫ن لك‪ ,‬ولنرسل ّ‬
‫عذابـا‪ ,‬فقالوا لـموسى‪ :‬ادع لنا ربك‪ ,‬لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن ّ‬
‫إسرائيـل فدعا ربه‪ ,‬فلـم يؤمنوا‪ ,‬ولـم يرسلوا معه بنـي إسرائيـل‪ .‬فأنبت لهم فـي تلك‬
‫السنة شيئا لـم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكل‪ ,‬فقالوا‪ :‬هذا ما كنا نتـمنى فأرسل ال‬
‫علــيهم الــجراد‪ ,‬فسـلّطه علــى الكل‪ .‬فلــما رأوا أثره فــي الكل عرفوا أنـه ل يبقــى‬
‫الزرع‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا موسى ادع لنا ربك فـيكشف عنا الـجراد‪ ,‬فنؤمن لك‪ ,‬ونرسل معك بنـي‬
‫إسرائيـل فدعا ربه‪ ,‬فكشف عنهم الـجراد‪ ,‬فلـم يؤمنوا‪ ,‬ولـم يرسلوا معه بنـي إسرائيـل‪,‬‬
‫فدا سوا وأحرزوا ف ـي الب ـيوت‪ ,‬فقالوا‪ :‬قد أحرز نا‪ .‬فأر سل ال عل ـيهم الق مل‪ ,‬و هو ال سوس‬
‫الذي يخرج م نه‪ ,‬فكان الر جل يخرج عشرة أجر بة إل ـى الر حى‪ ,‬فل يردّ من ها ثل ثة أق ـفزة‪,‬‬
‫فقالوا‪ :‬يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل‪ ,‬فنؤمَن لك‪ ,‬ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا‬
‫ر به‪ ,‬فك شف عن هم‪ ,‬فأبوا أن ير سلوا م عه بن ـي إ سرائيـل‪ .‬فب ـينا هو جالس ع ند فرعون إذ‬
‫سمع نقـيق ضفدع‪ ,‬فقال لفرعون‪ :‬ما تلقـي أنت وقومك من هذا؟ فقال‪ :‬وما عسى أن يكون‬
‫ك يد هذا؟ ف ما أم سوا حت ـى كان الر جل يجلس إل ـى ذق نه ف ـي الضف ـادع‪ ,‬ويه مّ أن يتكل ـم‬
‫فتثب الضفـادع فـي فـيه‪ ,‬فقالوا لـموسى‪ :‬ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفـادع‪ ,‬فنؤمن‬
‫لك‪ ,‬ونرسل معك بنـي إسرائيـل فكشف عنهم فلـم يؤمنوا فأرسل ال علـيهم الدم‪ ,‬فكان ما‬
‫اسـتقوا مـن النهار والَبــار‪ ,‬أو مـا كان فــي أوعيتهـم وجدوه دمـا عبــيطا‪ ,‬فشكوا إلــى‬
‫فرعون فقالوا‪ :‬إنا قد ابتلـينا بـالدم‪ ,‬ولـيس لنا شراب‪ .‬فقال‪ :‬إنه قد سحركم‪ .‬فقالوا‪ :‬من أين‬
‫ل وجدناه دما عبـيطا؟ فأتوه فقالوا‪:‬‬
‫سحرنا ونـحن ل نـجد فـي أوعيتنا شيئا من الـماء إ ّ‬
‫يا مو سى ادع ل نا ر بك يك شف ع نا هذا الدم‪ ,‬فنؤ من لك‪ ,‬ونر سل م عك بن ـي إ سرائيـل فد عا‬
‫ربه‪ ,‬فكشِف عنهم‪ ,‬فلـم يؤمنوا‪ ,‬ولـم يرسلوا معه بنـي إسرائيـل‪.‬‬
‫‪ 11732‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حبوية الرازي‪ ,‬عن يعقوب القمي‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن ابن‬
‫عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬لـما خافوا الغرق‪ ,‬قال فرعون‪ :‬يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الـمطر‬
‫فنؤمن لك‪ ,‬ثم ذكر نـحو حديث ابن حميد‪ ,‬عن يعقوب‪.‬‬
‫‪ 11733‬ـ حدث نا مو سى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عمرو بن حماد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن‬
‫السديّ‪ ,‬قال‪ :‬ثم إن ال أرسل علـيهم‪ ,‬يعنـي علـى قوم فرعون الطوفـان‪ ,‬وهو الـمطر‪,‬‬
‫فغرق كلّ ش يء ل هم‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا مو سى ادع ل نا ر بك يك شف ع نا‪ ,‬ون ـحن نؤ من لك‪ ,‬ونر سل‬
‫معك بنـي إسرائيـل فكشف ال عنهم ونبتت به زروعهم‪ ,‬فقالوا‪ :‬ما يسرّنا أنا لـم نـمطرَ‪.‬‬
‫فبعث ال علـيهم الـجراد‪ ,‬فأكل حروثهم‪ ,‬فسألوا موسى أن يدعوَ ربه فـيكشفه ويؤمنوا به‪.‬‬
‫فدعا فكشفه‪ ,‬وقد بقـي من زروعهم بقـية‪ ,‬فقالوا‪ :‬لـم تؤمنون وقد بقـي من زرعنا بقـيّة‬
‫تكفـينا؟ فبعث ال علـيهم ال ّدبَى‪ ,‬وهو القمل‪ ,‬فلـحس الرض كلها‪ ,‬وكان يدخـل بـين ثوب‬

‫أحدهـم وبــين جلده فــيعضّه‪ ,‬وكان لحدهـم الطعام فــيـمتلـىء دبـى‪ ,‬حتــى إن أحدهـم‬
‫ص فـيزلقها‪ ,‬حتـى ل يرتقـي فوقها شيء‪ ,‬يرفع فوقها الطعام‪,‬‬
‫لـيبنى السطوانة بـالـج ّ‬
‫فإذا صعد إل ـيه ل ـيأكله وجده ملَن د بى‪ ,‬فل ـم ي صابوا ببلء كان أشدّ عل ـيهم من الد بى‪,‬‬
‫وهـو الرجـز الذي ذكـر ال فــي القرآن أنـه وقـع علــيهم‪ .‬فسـألوا موسـى أن يدعـو ربـه‪,‬‬
‫فـيكشف عنهم‪ ,‬ويؤمنوا به‪ .‬فلـما كشف عنهم أبوا أن يؤمنوا‪ ,‬فأرسل ال علـيهم الدم‪ ,‬فكان‬
‫ال سرائيـلـي يأت ـي هو والقب طي ي ستقـيان من ماء وا حد‪ ,‬ف ـيخرج ماء هذا القب طي د ما‪,‬‬
‫ويخرج للسـرائيـلـي ماء‪ .‬فلــما اشتدّ ذلك علــيهم سـألوا موسـى أن يكشفـه ويؤمنوا بـه‪,‬‬
‫ب إذَا ُهمْ َي ْن ُكثُونَ‪.‬‬
‫ع ْن ُهمُ ال َعذَا َ‬
‫فكشف ذلك‪ ,‬فأبوا أن يؤمنوا‪ ,‬وذلك حين يقول ال‪ :‬فَلَـمّا َكشَفْنا َ‬
‫‪11734‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫ن قال‪ :‬أر سل ال عل ـيهم ال ـماء حت ـى قاموا ف ـيه ق ـياما‪ .‬ثم‬
‫فَأرْ سَلْنا عَلَ ـ ْيهِ ُم الطّوف ـا َ‬
‫كشف عنهم‪ ,‬فلـم يؤمنوا‪ ,‬وأخصبت بلدهم خصبـا لـم تـخصب مثله‪ .‬فأرسل ال علـيه‬
‫الــجراد فأكله إلّ قلــيلً‪ ,‬فلــم يؤمنوا أيضـا‪ .‬فأرسـل ال القُمّل وهـي الدبـى‪ ,‬وهـو أولد‬
‫الـجراد‪ ,‬فأكلت ما بقـي من زروعهم‪ ,‬فلـم يؤمنوا‪ .‬فأرسل علـيهم الضفـادع‪ ,‬فدخـلت‬
‫عل ـيهم ب ـيوتهم‪ ,‬ووق عت ف ـي آن ـيتهم وفرش هم‪ ,‬فل ـم يؤمنوا‪ .‬ثم أر سل ال عل ـيهم الدم‪,‬‬
‫ت مُ َفصّلتٍ‪.‬‬
‫فكان أحدهم إذا أراد أن يشرب تـحوّل ذلك الـماء دما‪ ,‬قال ال‪ :‬آيا ٍ‬
‫‪ 11735‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد بن زريع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪:‬‬
‫ج ِرمِينَ قال‪ :‬أر سل ال عل ـيهم ال ـماء حت ـى‬
‫َفأَرْ سَلْنا عَلَ ـ ْيهِ ُم الطّوف ـانَ حت ـى بلغ‪ :‬مُ ـ ْ‬
‫قاموا ف ـيه ق ـياما‪ ,‬فدعوا مو سى فد عا ر به‪ ,‬فك شف عن هم‪ ,‬ثم عادوا بشرّ ما يح ضر ب هم‪ ,‬ثم‬
‫أنبتت أرضهم‪ .‬ثم أرسل ال علـيهم الـجراد‪ ,‬فأكل عامة حروثهم وثمارهم‪ ,‬ثم دعوا موسى‬
‫فد عا ر به فك شف عن هم‪ .‬ثم عادوا بشرّ ما يح ضر ب هم‪ ,‬فأر سل ال عل ـيهم القُمّل‪ ,‬هذا الد بى‬
‫الذي رأيتـم‪ ,‬فأكل ما أبقـى الـجراد من حروثهم‪ ,‬فلـحسه‪ .‬فدعوا موسى‪ ,‬فدعا ربه‪ ,‬فكشفه‬
‫عنهم‪ ,‬ثم عادوا بشرّ ما يحضر بهم‪ .‬ثم أرسل ال علـيهم الضفـادع‪ ,‬حتـى ملت بـيوتهم‬
‫وأفن ـيتهم‪ ,‬فدعوا مو سى‪ ,‬فد عا ر به فك شف عن هم‪ .‬ثم عادوا بشرّ ما يح ضر ب هم‪ ,‬فأر سل ال‬
‫علـيهم الدم‪ ,‬فكانوا ل يغترفون من مائهم إلّ دما أحمر‪ ,‬حتـى لقد ذكر أن عدوّ ال فرعون‬
‫كان يج مع ب ـين الرجل ـين عل ـى الناء الوا حد‪ ,‬القب طي وال سرائيـلـي‪ ,‬ف ـيكون م ـما‬
‫ي ـلـي ال سرائيـلـي ماء‪ ,‬وم ـما ي ـلـي القب طي د ما‪ .‬فدعوا مو سى‪ ,‬فد عا ر به‪ ,‬فكش فه‬
‫عنهـم فــي تسـع آيات‪ :‬السـنـين‪ ,‬ونقـص مـن الثمرات‪ ,‬وأراهـم يـد موسـى علــيه السـلم‬
‫وعصاه‪.‬‬
‫‪11736‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ :‬فأرْسَلْنا عَلَـ ْيهِمُ الطّوفـانَ وهو الـمطر حتـى خافوا الهلك‪ ,‬فأتوْا موسى‪,‬‬

‫فقالوا‪ :‬يا مو سى ادع ل نا ر بك أن يك شف ع نا ال ـمطر‪ ,‬فإ نا نؤ من لك‪ ,‬ونر سل م عك بن ـي‬
‫إسرائيـل فدعا ربه‪ ,‬فكشف عنهم الـمطر‪ ,‬فأنبت ال به حرثهم‪ ,‬وأخصب به بلدهم‪ ,‬فقالوا‪:‬‬
‫ما نـحبّ أنا لـم نـمطر بترك ديننا‪ ,‬فلن نؤمن لك ولن نرسل معك بنـي إسرائيـل فأرسل‬
‫ال علـيهم الـجراد‪ ,‬فأسرع فـي فساد ثمارهم وزروعهم‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا موسى ادع لنا ربك أن‬
‫يكشف عنا الـجراد‪ ,‬فإنا سنؤمن لك ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا ربه‪ ,‬فكشف عنهم‬
‫الـجراد‪ ,‬وكان قد بقـي من زروعهم ومعاشهم بقايا‪ ,‬فقالوا‪ :‬قد بقـي لنا ما هو كافـينا‪ ,‬فلن‬
‫نؤ من لك ولن نر سل م عك بن ـي إ سرائيـل فأر سل ال عل ـيهم القُمّل‪ ,‬و هو الد بى‪ ,‬فتت بع ما‬
‫كان ترك ال ـجراد‪ ,‬فجزعوا وأح سوا ب ـالهلك‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا مو سى ادع ل نا ر بك يك شف ع نا‬
‫الدبى‪ ,‬فإنا سنؤمن لك‪ ,‬ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا ربه‪ ,‬فكشف عنهم الدبى‪ ,‬فقالوا‪ :‬ما‬
‫نـحن لك بـمؤمنـين ول مرسلـين معك بنـي إسرائيـل‪ .‬فأرسل ال علـيهم الضفـادع‪,‬‬
‫فمل بـيوتهم منها‪ ,‬ولقوا منها أذى شديدا لـم يـلقوا مثله فـيـما كان قبله‪ ,‬إنها كانت تثب‬
‫فـي قدورهم‪ ,‬فتفسد علـيهم طعامهم‪ ,‬وتطفـىء نـيرانهم‪ ,‬قالوا‪ :‬يا موسى ادع لنا ربك أن‬
‫يكشـف عنـا الضفــادع‪ ,‬فقـد لقــينا منهـا بلء وأذى‪ ,‬فإنـا سـنؤمن لك‪ ,‬ونرسـل معـك بنــي‬
‫إ سرائيـل فد عا ر به‪ ,‬فك شف عن هم الضف ـادع‪ ,‬فقالوا‪ :‬ل نؤ من لك‪ ,‬ول نر سل م عك بن ـي‬
‫ل الدم‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا‬
‫إسرائيـل‪ .‬فأرسل ال علـيهم الدم‪ ,‬فجعلوا ل يأكلون إلّ الدم‪ ,‬ول يشربون إ ّ‬
‫موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الدم‪ ,‬فإنا سنؤمن لك‪ ,‬ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا‬
‫ربه فكشف عنهم الدم‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا موسى لن نؤمن لك ولن نرسل معك بنـي إسرائيـل‪ ,‬فكانت‬
‫آيات مف صّلت بعضها علـى إثر بعض‪ ,‬لـيكون ل علـيهم ال ـحجة‪ ,‬فأخذ هم ال بذنوبهم‪,‬‬
‫فأغرقهم فـي الـيـم‪.‬‬
‫‪ 11737‬ـ حدثنـي عبد الكريـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إبراهيـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو‬
‫سعد‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس قال‪ :‬أرسل علـى قوم فرعون الَيات‪ :‬الـجراد‪ ,‬وال ُقمّل‪,‬‬
‫ت مُفَ صّلتٍ‪ .‬قال‪ :‬فكان الرجل من بنـي إسرائيـل يركب مع الرجل‬
‫والضفـادع‪ ,‬والدم آيا ٍ‬
‫مـن قوم فرعون فــي ال سفـينة‪ ,‬فــيغترف السـرائيـلـي ماء‪ ,‬ويغترف الفرعونــي دمـا‪.‬‬
‫قال‪ :‬وكان الرجل من قوم فرعون ينام فـي جانب‪ ,‬فـيكثر علـيه ال ُقمّل والضفـادع حتـى‬
‫ل يقدر أن ينقلب علـى الـجانب الَخر‪ .‬فلـم يزالوا كذلك‪ ,‬حتـى أوحى ال إلـى موسى‪:‬‬
‫ن أسْ ِر بِعبـادِي إ ّنكُمْ ُم ّت َبعُونَ‪.‬‬
‫أْ‬
‫حدثن ـي م ـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي أب ـي‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي ع مي‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي أب ـي‪ ,‬عن‬
‫أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس قال‪ :‬لـما أتـى موسى فرعون بـالرسالة أبى أن يؤمن وأن يرسل‬
‫م عه بن ـي إ سرائيـل‪ ,‬ف ـاستكبر‪ ,‬قال‪ :‬لن نر سل م عك بن ـي إ سرائيـل فأر سل ال عل ـيهم‬
‫ل ش يء‪,‬‬
‫الطوف ـان‪ ,‬و هو الـماء‪ ,‬أم طر عل ـيهم ال سماء حت ـى كادوا يهلكون وامتنع من هم ك ّ‬

‫ن معك‬
‫ن لك‪ ,‬ولنرسل ّ‬
‫فقالوا‪ :‬يا موسى ادع لنا ربك بـما عهد عندك لئن كشفت عنا هذا لنؤمن ّ‬
‫بنـي إسرائيـل‪ ,‬فدعا ال فكشف عنهم الـمطر‪ ,‬فأنبت ال لهم حروثهم‪ ,‬وأحيا بذلك الـمطر‬
‫ب أنا لـم نكن أمطرنا هذا الـمطر‪ ,‬ولقد كان خيرا‬
‫كلّ شيء من بلدهم‪ ,‬فقالوا‪ :‬وال ما نـح ّ‬
‫ل نا‪ ,‬فلن نر سل معك بن ـي إ سرائيـل‪ ,‬ولن نؤمن لك يا موسى‪ .‬فب عث ال علـيهم الـجراد‪,‬‬
‫فأكل عامّة حروثهم‪ ,‬فأسرع الـجراد فـي فسادها‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا‬
‫الـجراد‪ ,‬فإنا مؤمنون لك‪ ,‬ومرسلون معك بنـي إسرائيـل فكشف ال عنهم الـجراد‪ ,‬وكان‬
‫الـجراد قد أبقـى لهم من حروثهم بقـية‪ ,‬فقالوا‪ :‬قد بقـي لنا من حروثنا ما كان كافـينا‪,‬‬
‫فما نـحن بتاركي ديننا‪ ,‬ولن نؤمن لك‪ ,‬ولن نرسل معك بنـي إسرائيـل فأرسل ال علـيهم‬
‫القُمّل‪ ,‬والق مل‪ :‬الد بى‪ ,‬و هو ال ـجراد الذي ل ـيست له أجن ـحة‪ ,‬فتت بع ما بق ـي من حروث هم‬
‫ل نبـات كان لهم‪ ,‬فكان القمل أشدّ علـيهم من الـجراد‪ .‬فلـم يستطيعوا للقمل‬
‫وشجرهم وك ّ‬
‫حيـلة‪ ,‬وجزعوا من ذلك وأتوا موسى‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل‪ ,‬فإنه‬
‫لـم ُيبْق لنا شيئا‪ ,‬قد أكل ما بقـي من حروثنا‪ ,‬ولئن كشفت عنا ال ُقمّل لنؤمن نّ لك‪ ,‬ولنرسلنّ‬
‫م عك بن ـي إ سرائيـل فك شف ال عن هم القُمّل فنكثوا‪ ,‬وقالوا‪ :‬لن نؤ من لك‪ ,‬ولن نر سل م عك‬
‫بن ـي إ سرائيـل‪ .‬فأر سل ال عل ـيهم الضف ـادع‪ ,‬ف ـامتلت من ها الب ـيوت‪ ,‬فل ـم ي بق ل هم‬
‫ل وفـيه الضفـادع‪ ,‬فلقوا منها شيئا لـم يـلقوه فـيـما مضى‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا‬
‫طعام ول شراب إ ّ‬
‫ن م عك بن ـي إسرائيـل قال‪:‬‬
‫مو سى ادع ل نا ربك لئن كش فت ع نا الر جز لنؤمن نّ لك‪ ,‬ولنر سل ّ‬
‫ل هُ مْ بـاِلغُو ُه إذَا‬
‫ع ْنهُ مُ ال ّرجْزَ إلـى أجَ ٍ‬
‫فكشف ال عنهم فلـم يفعلوا‪ ,‬فأنزل ال‪ :‬فَلَـمّا َكشَفْنا َ‬
‫عنْها غافِلـينَ‪.‬‬
‫ُهمْ َي ْن ُكثُونَ‪ ...‬إلـى‪ :‬وكانُوا َ‬
‫‪ 11738‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو تـميـلة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسن بن واقد‪ ,‬عن زيد‪,‬‬
‫عـن عكرمـة‪ ,‬عـن ابـن عبــاس قال‪ :‬كانـت الضفــادع برّيـة‪ ,‬فلــما أرسـلها ال علــى آل‬
‫فرعون سمعت وأطا عت‪ ,‬فجعلت تغرق أنف سها ف ـي القدور و هي تغل ـي‪ ,‬وف ـي التنان ـير‬
‫وهي تفور‪ ,‬فأثابها ال بحسن طاعتها بردَ الـماء‪.‬‬
‫‪ 11739‬ـ قال‪ :‬ثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬فرجع عدوّ ال‪ ,‬يعنـي فرعون‪ ,‬حين آمنت‬
‫ال سحرة مغلوب ـا مفلولً‪ ,‬ثم أ بى إل القا مة عل ـى الك فر والت ـماديَ ف ـي الشرّ‪ ,‬فتا بع ال‬
‫عل ـيه ب ـالَيات‪ ,‬وأخذه ب ـالسنـين‪ ,‬فأر سل عل ـيه الطّوف ـان‪ ,‬ثم ال ـجراد‪ ,‬ثم القُمّل‪ ,‬ثم‬
‫ت مُفَ صّلتٍ‪ ,‬فأر سل الطوف ـان‪ ,‬و هو ال ـماء‪ ,‬فف ـاض عل ـى و جه‬
‫الضف ـادع‪ ,‬ثم الدم آيا ٍ‬
‫الرض‪ ,‬ثم ر كد‪ ,‬ل يقدرون عل ـى أن يحرثوا‪ ,‬ول يعملوا شيئا‪ ,‬حت ـى جهدوا جو عا فل ـما‬
‫ن م عك‬
‫ن لك‪ ,‬ولنر سل ّ‬
‫بلغ هم ذلك‪ ,‬قالوا‪ :‬يا مو سى ادع ل نا ر بك لئن كش فت ع نا الر جز لنؤمن ّ‬
‫بن ـي إ سرائيـل فد عا موسى ر به‪ ,‬فكش فه عنهم‪ ,‬فل ـم ي فو له بش يء م ـما قالوا‪ .‬فأر سل ال‬

‫علـيهم الـجراد‪ ,‬فأكل الشجر فـيـما بلغنـي‪ ,‬حتـى إن كان لـيؤكل مسامير البواب من‬
‫الـحديد حتـى تقع دورهم ومساكنهم‪ ,‬فقالوا مثل ما قالوا‪ ,‬فدعا ربه‪ ,‬فكشفه عنهم‪ ,‬فلـم يفوا‬
‫له بشيء مـما قالوا‪ .‬فأرسل ال علـيهم ال ُقمّل‪ ,‬فذكر لـي أن موسى أمر أن يـمشي إلـى‬
‫كث ـيب حتـى يضربه بع صاه‪ ,‬فمضى إلـى كثـيب أهيـل عظيـم‪ ,‬فضر به بها‪ ,‬فـانثال‬
‫عل ـيهم قملً حت ـى غلب عل ـى الب ـيوت والطع مة‪ ,‬ومنع هم النوم والقرار فل ـما جهد هم‬
‫قالوا له م ثل ما قالوا‪ ,‬فدعـا ربـه فكش فه عنهـم‪ ,‬فلــم يفوا له بش يء مــما قالوا‪ .‬فأر سل ال‬
‫عل ـيهم الضف ـادع‪ ,‬فملت الب ـيوت والطع مة والَن ـية‪ ,‬فل يك شف أ حد ثوب ـا ول طعا ما‬
‫ول إناءً إلّ وجد فـيه الضفـادع قد غلبت علـيه‪ .‬فلـما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا‪,‬‬
‫فدعا ربه فكشفه عنهم‪ ,‬فلـم يفوا له بشيء مـما قالوا‪ ,‬فأرسل ال علـيهم الدم‪ ,‬فصارت مياه‬
‫آل فرعون دما‪ ,‬ل يستقون من بئر ول نهر‪ ,‬ول يغترفون من إناء إلّ عاد دما عبـيطا‪.‬‬
‫‪11740‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن إسحاق‪ ,‬عن مـحمد بن‬
‫كعـب القرظـي‪ ,‬أنـه حدّث‪ :‬أن الــمرأة مـن آل فرعون كانـت تأتــي الــمرأة مـن بنــي‬
‫إسرائيـل حين جهدهم العطش‪ ,‬فتقول‪ :‬اسقـينـي من مائك فتغرف لها من جرتها‪ ,‬أو تصبّ‬
‫لها من قربتها‪ ,‬فـيعود فـي الناء دما‪ ,‬حتـى إن كانت لتقول لها‪ :‬اجعلـيه فـي فـيك ثم‬
‫مـجّيه فـي فـيّ فتأخذ فـي فـيها ماء‪ ,‬فإذا مـجّته فـي فـيها صار دما‪ ,‬فمكثوا فـي‬
‫ذلك سبعة أيام‪.‬‬
‫‪ 11741‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو حذيفة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شبل‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‪,‬‬
‫عن مـجاهد‪ :‬الـجراد يأكل زروعهم ونبـاتهم‪ ,‬والضفـادع تسقط علـى فرشهم وأطعمتهم‪,‬‬
‫والدم يكون فـي بـيوتهم وثـيابهم ومائهم وطعامهم‪.‬‬
‫‪11742‬ـ قال‪ :‬ثنا شبل‪ ,‬عن عبد ال بن كثـير‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬لـما سال النـيـل دما‪,‬‬
‫فكان السـرائيـلـي يسـتقـي ماء طيبــا‪ ,‬ويسـتقـي الفرعونــي دمـا ويشتركان فــي إناء‬
‫واحد‪ ,‬فـيكون ما يـلـي السرائيـلـي ماء طيبـا وما يـلـي الفرعونـي دما‪.‬‬
‫‪ 11743‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن أبـي بكر‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي‬
‫سعيد بن جبـير‪ :‬أن موسى لـما عالـج فرعون بـالَيات الربع‪ :‬العصا‪ ,‬والـيد‪ ,‬ونقص‬
‫من الثمرات‪ ,‬والسنـين‪ ,‬قال‪ :‬يا ربّ إن عبدك هذا قد عل فـي الرض‪ ,‬وعتا فـي الرض‪,‬‬
‫ب خذ عبدك بعقوبة تـجعلها له ولقومه نقمة‪,‬‬
‫وبغى علـيّ‪ ,‬وعل علـيك‪ ,‬وعالـى بقومه‪ ,‬ر ّ‬
‫وتــجعلها لقومـي عظـة ولــمن بعدي آيـة فــي المــم البــاقـية فبعـث ال علــيهم‬
‫الطوف ـان‪ ,‬و هو ال ـماء‪ ,‬وب ـيوت بن ـي إ سرائيـل وب ـيوت الق بط مشتب كة مختل طة بعض ها‬
‫ف ـي ب عض‪ ,‬ف ـامتلت ب ـيوت الق بط ماء‪ ,‬حت ـى قاموا ف ـي ال ـماء إل ـى تراق ـيهم‪ ,‬من‬
‫ح بس من هم غرق‪ ,‬ول ـم يدخ ـل ف ـي ب ـيوت بن ـي إ سرائيـل قطرة‪ ,‬فجعلت الق بط تنادي‪:‬‬

‫ن معك بنـي‬
‫ن لك‪ ,‬ولنرسل ّ‬
‫موسى ادع لنا ربك بـما عهد عندك‪ ,‬لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن ّ‬
‫إسرائيـل قال‪ :‬فواثقوا موسى ميثاقا أخذ علـيهم به عهودهم‪ ,‬وكان الـماء أخذهم يوم السبت‪,‬‬
‫فأقام علـيهم سبعة أيام إل ـى السبت الَ خر‪ ,‬فد عا موسى ر به‪ ,‬فر فع عن هم الـماء‪ ,‬فأعش بت‬
‫بلدهم من ذلك الـماء‪ ,‬فأقاموا شهرا فـي عافـية‪ ,‬ثم جحدوا وقالوا‪ :‬ما كان هذا الـماء إلّ‬
‫نعمة علـينا وخصبـا لبلدنا‪ ,‬ما نـحبّ أنه لـم يكن قال‪ :‬وقد قال قائل لبن عبـاس‪ :‬إنـي‬
‫سألت ابن عمر عن الطّوفـان‪ ,‬فقال‪ :‬ما أدري موتا كان أو ماء‪ .‬فقال ابن عبـاس‪ :‬أما يقرأ‬
‫خذَهُمُـ الطوفــانُ وَهُ مْ ظالِــمُونَ‬
‫ابـن ع مر سورة العنكبوت حيـن ذكـر ال قوم نوح فقال‪ :‬فَأ َ‬
‫أرأ يت لو ماتوا إل ـى من جاء مو سى عل ـيه ال سلم ب ـالَيات الر بع ب عد الطوف ـان؟ قال‪:‬‬
‫ربـ خذهـم بعقوبـة‬
‫ّ‬
‫ربـ إن عبــادك قـد نقضوا عهدك‪ ,‬وأخــلفوا وعدي‪,‬‬
‫ّ‬
‫فقال موسـى‪ :‬يـا‬
‫تـجعلها لهم نقمة‪ ,‬ولقومي عظة‪ ,‬ولـمن بعدهم آية فـي المـم البـاقـية قال‪ :‬فبعث ال‬
‫ل أكل ها‪ ,‬حت ـى ل ـم‬
‫عل ـيهم ال ـجراد فل ـم يدع ل هم ور قة ول شجرة ول زهرة ول ثمرة إ ّ‬
‫يُبـق جَنًى‪ .‬حتــى إذا أفنـى الــخضر كلهـا أكـل الــخشب‪ ,‬حتــى أكـل البواب‪ ,‬وسـقوف‬
‫الب ـيوت وابتل ـى ال ـجراد ب ـالـجوع‪ ,‬فج عل ل يش بع‪ ,‬غ ير أ نه ل يدخ ـل ب ـيوت بن ـي‬
‫إ سرائيـل‪ .‬فعجوا و صاحوا إل ـى مو سى‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا مو سى هذه ال ـمرّة ادع ل نا ر بك ب ـما‬
‫ن لك‪ ,‬ولنر سلنّ معك بن ـي إسرائيـل فأعطوه ع هد‬
‫ع هد عندك لئن كش فت عنا الر جز‪ ,‬لنؤمن ّ‬
‫ال وميثاقه‪ ,‬فدعا لهم ربه‪ ,‬فكشف ال عنهم الـجراد بعد ما أقام علـيهم سبعة أيام‪ ,‬من السبت‬
‫إل ـى ال سبت‪ .‬ثم أقاموا شهرا ف ـي عاف ـية‪ ,‬ثم عادوا لتكذيب هم ولنكار هم‪ ,‬ولعمال هم أعمال‬
‫السوء‪ ,‬قال‪ :‬فقال موسى‪ :‬يا ر بّ عبـادك قد نقضوا عهدي وأخـلفوا موعدي‪ ,‬فخذهم بعقوبة‬
‫تــجعلها لهـم نقمـة‪ ,‬ولقومـي عظـة‪ ,‬ولــمن بعدي آيـة فــي المــم البــاقـية فأرسـل ال‬
‫عل ـيهم القُمّل قال أ بو ب كر‪ :‬سمعت سعيد بن جب ـير وال ـحسن يقولن‪ :‬كان إل ـى جنب هم‬
‫كث ـيب أع فر بقر ية من قُرى م صر تد عى ع ين ش مس‪ ,‬فم شى مو سى إل ـى ذلك الكث ـيب‪,‬‬
‫فضربه بعصاه ضربة صار قملً تد بّ إلـيهم‪ ,‬وهي دوا بّ سود صغار‪ ,‬فد بّ إلـيهم ال ُقمّل‪,‬‬
‫فأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفـار عيونهم وحواجبهم‪ ,‬ولزم جلودهم‪ ,‬كأنه الـجدريّ علـيهم‪,‬‬
‫ف صرخوا و صاحوا إل ـى مو سى‪ :‬إ نا نتوب ول نعود‪ ,‬ف ـادع ل نا ر بك فد عا ر به فر فع عن هم‬
‫ال ُقمّل بعد ما أقام علـيهم سبعة أيام من السبت إلـى السبت‪ ,‬فأقاموا شهرا فـي عافـية‪ ,‬ثم‬
‫عادوا وقالوا‪ :‬ما ك نا ق طّ أح قّ أن ن ستـيقن أ نه ساحر م نا ال ـيوم‪ ,‬ج عل الر مل دوا بّ‪ ,‬وعزّة‬
‫فرعون ل نصدّقه أبدا ول نتبعه فعادوا لتكذيبهم وإنكارهم‪ ,‬فدعا موسى علـيهم‪ ,‬فقال‪ :‬يا ر بّ‬
‫إن عبـادك نقضوا عهدي‪ ,‬وأخـلفوا وعدي‪ ,‬فخذهم بعقوبة تـجعلها لهم نقمة‪ ,‬ولقومي عظة‪,‬‬
‫ولــمن بعدي آيـة فــي المــم البــاقـية فأرسـل ال علــيهم الضفــادع‪ ,‬فكان أحدهـم‬
‫يضطجع‪ ,‬فتركبه الضفـادع‪ ,‬فتكون علـيه ركاما‪ ,‬حتـى ما يستطيع أن ينصرف إلـى الشقّ‬

‫ل تسدّختْ‬
‫الَخر‪ ,‬ويفتـح فـاه لكلته‪ ,‬فـيسبق الضفدع أكلته إلـى فـيه‪ ,‬ول يعجن عجينا إ ّ‬
‫ل امتلت ضفــادع‪ .‬فعذّبوا بهـا أشدّ العذاب‪ ,‬فشكوا إلــى موسـى‬
‫فــيه‪ ,‬ول يطبـخ قدرا إ ّ‬
‫علـيه السلم‪ ,‬وقالوا‪ :‬هذه الـمرّة نتوب ول نعود‪ .‬فأخذ عهدهم وميثاقهم‪ ,‬ثم دعا ربه‪ ,‬فكشف‬
‫ال عن هم الضف ـادع ب عد ما أقام عل ـيهم سبعا من ال سبت إل ـى ال سبت‪ ,‬فأقاموا شهرا ف ـي‬
‫عافــية ثم عادوا لتكذيبهـم وإنكار هم‪ ,‬وقالوا‪ :‬قد تب ـين ل كم سحره‪ ,‬ويج عل التراب دوا بّ‪,‬‬
‫ويج يء ب ـالضفـادع ف ـي غ ير ماء فآذوا مو سى عل ـيه ال سلم‪ ,‬فقال مو سى‪ :‬يا ر بّ إن‬
‫عبـادك نقضوا عهدي‪ ,‬وأخـلفوا وعدي‪ ,‬فخذهم بعقوبة تـجعلها لهم عقوبة‪ ,‬ولقومي عظة‪,‬‬
‫ولـمن بعدي آية فـي المـم البـاقـية فـابتلهم ال بـالدم‪ ,‬فأفسد علـيهم معايشهم‪ ,‬فكان‬
‫السرائيـلـي والقبطي يأتـيان النـيـل فـيستقـيان‪ ,‬فـيخرج للسرائيـلـي ماء‪ ,‬ويخرج‬
‫ب ف ـيه ال ـماء‪ ,‬ف ـيخرج لل سرائيـلـي ف ـي إنائه ماء‪,‬‬
‫للقب طي د ما‪ ,‬ويقومان إل ـى ال ـحُ ّ‬
‫وللقبطي دما‪.‬‬
‫‪ 11744‬ـ حدثن ـي ال ـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد العز يز‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ا بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫ن قال‪ :‬ال ـموت وال ـجراد‪ .‬قال‪ :‬ال ـجراد‬
‫م ـجاهدا‪ ,‬ف ـي قوله‪ :‬فأرْ سَلْنا عَلَ ـ ْي ِهمُ الطوف ـا َ‬
‫يأكل أمتعتهم وثـيابهم ومسامير أبوابهم‪ ,‬وال ُقمّل هو الدبى‪ ,‬سلطه ال علـيهم بعد الـجراد‪.‬‬
‫قال‪ :‬والضفـادع تسقط فـي أطعمتهم التـي فـي بـيوتهم وفـي أشربتهم‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬الدم الذي أرسله ال علـيهم كان رُعافـا‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 11745‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن خالد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن أبـي بكير‪ ,‬قال‪:‬‬
‫حدثنا زهير‪ ,‬قال‪ :‬قال زيد بن أسلـم‪ :‬أما ال ُقمّل فـال َقمْل وأما الدم‪ :‬فسلط علـيهم الرعاف‪.‬‬
‫ت مُفَ صّلتٍ فإن معناه‪ :‬علمات ودللت علـى صحة نبوّة موسى‪ ,‬وحقـية‬
‫وأما قوله‪ :‬آيا ٍ‬
‫ما دعا هم إل ـيه مف صلت‪ ,‬قد فُ صِل ب ـينها‪ ,‬فج عل بعض ها يتلو بع ضا‪ ,‬وبعض ها ف ـي إ ثر‬
‫بعض‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11746‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية بن صالـح‪,‬‬
‫عن علـيّ بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬فكانت آيات مفصلت بعضها فـي إثر‬
‫بعض‪ ,‬لـيكون ل الـحجة علـيهم‪ ,‬فأخذهم ال بذنوبهم فأغرقهم فـي الـيـم‪.‬‬
‫‪ 11747‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قوله‪ :‬آيا تٍ‬
‫مُفَصّلتٍ قال‪ :‬يتبع بعضها بعضا لـيكون ل الـحجة علـيهم‪ ,‬فـينتقم منهم بعد ذلك‪ .‬وكانت‬
‫الَية تـمكث فـيهم من السبت إلـى السبت‪ ,‬وترتفع عنه شهرا‪ ,‬قال ال عزّ وجلّ‪ :‬فـا ْنتَ َقمْنا‬
‫غ َرقْنا ُهمْ فِـي الـيَـمّ‪ ...‬الَية‪.‬‬
‫ِم ْنهُمْ فَأ ْ‬

‫ت مُفَ صّلتٍ‪ :‬أي آية‬
‫‪ 11748‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن إسحاق‪ :‬آيا ٍ‬
‫بعد آية يتبع بعضها بعضا‪.‬‬
‫وكان مـجاهد يقول فـيـما ذكر عنه فـي معنى الـمفصّلت‪ ,‬ما‪:‬‬
‫‪ 11749‬ـ حدثن ـي ال ـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد العز يز‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو سعد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫مـجاهدا يقول فـي «آيات مفصلت»‪ ,‬قال‪ :‬معلومات‪.‬‬
‫س َت ْكبَرُوا وكانُوا قَوْما مُـجْ ِرمِينَ‪.‬‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬فـا ْ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فـاستكبر هؤلء الذين أرسل ال علـيهم ما ذكر فـي هذه الَيات من‬
‫الَيات والــحجج عـن اليــمان بــال‪ ,‬وتصـديق رسـوله موسـى صـلى ال عليـه وسـلم‪,‬‬
‫واتبـاعه علـى ما دعاهم إلـيه‪ ,‬وتعظموا علـى ال وعتوا علـيه وكانُوا قَوْما مُـجْ ِرمِينَ‬
‫يقول‪ :‬كانوا قوما يعملون بـما يكرهه ال من الـمعاصي والفسق عتوّا وتـمرّدا‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪134‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫سىَ ادْ عُ َلنَا َربّ كَ ِبمَا‬
‫{وََلمّا َوقَ عَ عََل ْيهِ مُ ال ّرجْزُ قَالُو ْا َيمُو َ‬

‫سرَآئِيلَ }‪..‬‬
‫عنّا ال ّرجْزَ َلُن ْؤ ِمنَنّ َلكَ وََل ُن ْرسِلَنّ َم َعكَ َب ِنيَ ِإ ْ‬
‫ع ِهدَ عِن َدكَ َلئِن َكشَفْتَ َ‬
‫َ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬ولــما وقـع علــيهم الرجـز‪ ,‬ولــما نزل بهـم عذاب ال‪ ,‬وحلّ بهـم‬
‫سخطه‪.‬‬
‫ثم اختلف أهل التأويـل فـي ذلك الرجز الذي أخبر ال أنه وقع بهؤلء القوم‪ ,‬فقال بعضهم‪:‬‬
‫كان ذلك طاعونا‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 11750‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يعقوب القمي‪ ,‬عن جعفر بن الـمغيرة‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫جبـير‪ ,‬قال‪ :‬وأمر موسى قومه من بنـي إسرائيـل‪ ,‬وذلك بعد ما جاء قومَ فرعون بـالَيات‬
‫ال ـخمس الطوف ـان‪ ,‬و ما ذ كر ال ف ـي هذه الَ ية‪ ,‬فل ـم يؤمنوا ول ـم ير سلوا م عه بن ـي‬
‫إسرائيـل‪ ,‬فقال‪ :‬لـيذبح كلّ رجل منكم كبشا‪ ,‬ثم لـيخضب كفه فـي دمه‪ ,‬ثم لـيضرب به‬
‫علـى بـابه‪ ,‬فقالت القبط لبنـي إسرائيـل‪ :‬لـم تـجعلون هذا الدم علـى أبوابكم؟ فقالوا‪:‬‬
‫إن ال يرسـل علــيكم عذابــا فنسـلـم وتهلكون‪ ,‬فقالت القبـط‪ :‬فمـا يعرفكـم ال إلّ بهذه‬
‫العلمات؟ فقالوا‪ :‬هكذا أمر نا به نب ـينا‪ .‬فأ صبحوا و قد ط عن من قوم فرعون سبعون ألف ـا‪,‬‬
‫عنّا‬
‫ع ْندَ كَ َل ِئ نْ َكشَفْ تَ َ‬
‫ع ِهدَ ِ‬
‫ع لَنا َربّ كَ بِـما َ‬
‫فأمسوا وهم ل يتدافنون‪ ,‬فقال فرعون عند ذلك‪ :‬ادْ ُ‬
‫ل فدعا ربه فكشفه عنهم‪ ,‬فكان‬
‫سرَائِيـ َ‬
‫الرّجزَ وهو الطاعون‪َ ,‬لنُ ْؤ ِمنَنّ لَكَ وََل ُنرْسِلَنّ َمعَكَ َبنِـي إ ْ‬
‫أوفـاهم كلهم فرعون‪ ,‬فقال لـموسى‪ :‬اذهب ببنـي إسرائيـل حيث شئت‬

‫‪ 11751‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حبّويه الرازي‪ ,‬وأبو داود الـحفري‪ ,‬عن يعقوب‪ ,‬عن‬
‫جزَ قال‪:‬‬
‫جعفـر‪ ,‬عـن سـعيد بـن جبــير قال حبويـه‪ :‬عـن ابـن عبــاس‪َ :‬لئِن ْـ َكشَفْتَـ عَنّا ال ّر ْ‬
‫الطاعون‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬هو العذاب‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 11752‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬الرجز العذاب‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪ 11753‬ـ حدثنـي بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬فَلَـمّا‬
‫جزَ أي العذاب‪.‬‬
‫ع ْن ُهمُ ال ّر ْ‬
‫َكشَفْنا َ‬
‫حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫وَلـمّا َوقَع عَلَـ ْي ِهمُ ال ّرجْزُ يقول‪ :‬العذاب‪.‬‬
‫‪ 11754‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَلـمّا َوقَ عَ‬
‫عَلَـ ْي ِهمُ ال ّرجْزُ قال‪ :‬الرجز‪ :‬العذاب الذي سلّطه ال علـيهم من الـجراد وال ُقمّل وغير ذلك‪,‬‬
‫ل ذلك يعاهدونه ثم ينكثون‪.‬‬
‫وك ّ‬
‫وقد بـيّنا معنى الرّجز فـيـما مضى من كتابنا هذا بشواهده الـمغنـية عن إعادتها‪.‬‬
‫وأولـى القولـين بـالصواب فـي هذا الـموضع أن يقال‪ :‬إن ال تعالـى ذكره أخبر عن‬
‫فرعون وقومه أنهم لـما وقع علـيهم الرجز‪ ,‬وهو العذاب والسخط من ال علـيهم‪ ,‬فزعوا‬
‫إلــى موسـى بــمسألته ربـه كشـف ذلك عنهـم وجائز أن يكون ذلك الرجـز كان الطوفــان‬
‫والـجراد والقمل والضفـادع والدم‪ ,‬لن كل ذلك كان عذابـا علـيهم‪ ,‬وجائز أن يكون ذلك‬
‫الر جز كان طاعو نا‪ .‬ول ـم يخبر نا ال أ يّ ذلك كان‪ ,‬ول صحّ عن ر سول ال صلى ال عل يه‬
‫وسلم بأيّ ذلك كان خبر فنسلـم له‪.‬‬
‫َعـ عَلَــْي ِهمُ ال ّرجْزُ ول نتعدّاه إلّ‬
‫فــالصواب أن نقول فــيه كمـا قال جلّ ثناؤه‪ :‬وَلــمّا َوق َ‬
‫ل بهم عذاب ال وسخطه‪,‬‬
‫بـالبـيان الذي ل تـمانع فـيه بـين أهل التأويـل‪ ,‬وهو لـما ح ّ‬
‫ع ْندَكَ يقول‪ :‬بـما أوصاك وأمرك به‪ ,‬وقد بـينا معنى‬
‫ع ِهدَ ِ‬
‫قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا َربّكَ بـمَا َ‬
‫جزَ يقول‪ :‬لئن رفعت عنا العذاب الذي نـحن فـيه‪,‬‬
‫عنّا ال ّر ْ‬
‫ن َكشَفْ تَ َ‬
‫العهد فـيـما مضى َلئِ ْ‬
‫ن َمعَ كَ َبنِـي‬
‫ن به لك‪ ,‬وَل ُنرْ سِلَ ّ‬
‫ن لَ كَ يقول‪ :‬لنصدقنّ بـما جئت به ودعوت إلـيه ولنقرّ ّ‬
‫َلنُ ْؤ ِمنَ ّ‬
‫ن معك بنـي إسرائيـل فل نـمنعهم أن يذهبوا حيث شاءوا‪.‬‬
‫إسْرَائِيـلَ يقول‪ :‬ولنـخـلـي ّ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪135‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫جزَ إَِلىَ َأجَلٍ هُم بَاِلغُو ُه ِإذَا هُ مْ‬
‫ع ْنهُ مُ ال ّر ْ‬
‫{فَلَماّ َكشَفْنَا َ‬

‫يَن ُكثُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فدعا موسى ربه‪ ,‬فأجابه‪ ,‬فلـما رفع ال عنهم العذاب الذي أنزله بهم‬
‫ل هُ مْ بـاِلغُو ُه لـيستوفوا عذاب أيامهم التـي جعلها ال لهم من الـحياة أجلً إلـى‬
‫إلـى أجَ ٍ‬
‫و قت هلك هم‪ ,‬إذَا هُ مْ َي ْن ُكثُو نَ يقول‪ :‬إذا هم ينقضون عهود هم الت ـي عاهدوا رب هم ومو سى‪,‬‬
‫ويقـيـمون علـى كفرهم وضللهم‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 11755‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫ل هُ مْ بـاِلغُو ُه قال‪ :‬عدد مسمى‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال تعالـى‪ :‬إلـى أجَ ٍ‬
‫لهم من أيامهم‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬نـحوه‪.‬‬
‫‪ 11756‬ـ حدثنـي موسى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو بن حماد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن‬
‫ل هُ ْم ب ـاِلغُو ُه إذَا هُ مْ َي ْن ُكثُو نَ قال‪ :‬ما أُعطُوا من‬
‫جزَ إل ـى أجَ ٍ‬
‫ع ْنهُ مُ ال ّر ْ‬
‫ال سديّ‪ :‬فَلَ ـمّا َكشَفْ نا َ‬
‫ص مِ نَ‬
‫خذْ نا آلَ ِفرْعَ ْو نَ ب ـالسّنِـينَ و هو ال ـجوع‪َ ,‬ونَقْ ٍ‬
‫العهود‪ ,‬و هو ح ين يقول ال‪ :‬وَلَ َقدْ أ َ‬
‫ت َلعَّل ُهمْ َي ّذكّرُونَ‪.‬‬
‫ال ّثمَرَا ِ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪136‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫غرَ ْقنَاهُ مْ فِي ا ْليَ مّ ِبَأنّهُ مْ َك ّذبُو ْا بِآيَاتِنَا‬
‫{فَانْتَ َقمْنَا ِم ْنهُ مْ َفأَ ْ‬

‫ع ْنهَا غَافِلِينَ }‪..‬‬
‫َوكَانُواْ َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فلـما نكثوا عهودهم‪ ,‬انتقمنا منهم‪ ,‬يقول‪ :‬انتصرنا منهم بإحلل نقمتنا‬
‫بهم وذلك عذابه فأغرقناهم فـي الـيـمّ‪ ,‬وهو البحر‪ ,‬كما قال ذو ال ّرمّة‪:‬‬
‫ل كأنّهُمايَـمّ تَراطَنُ فِـي حافـاتِهِ الرّو ُم‬
‫دا ِويّةٌ َو ُدجَى لَـيْـ ٍ‬
‫وكما قال الراجز‪:‬‬
‫خ الْـيَـمّ سَقا ُه الْـيَـمّ )‬
‫(كبـاذِ ِ‬
‫بأ ّنهُمْ َك ّذبُوا بآياتِنا يقول‪ :‬فعلنا ذلك بهم‪ ,‬بتكذيبهم بحججنا وأعلمنا التـي أريناهموها‪ .‬وكانُوا‬
‫عنْها غافِلِـينَ يقول‪ :‬وكانوا عن النقمة التـي أحللناها بهم غافلـين قبل حلولها بهم أنها بهم‬
‫َ‬
‫عنْ ها» كنا ية من ذ كر النق مة‪ ,‬فلو قال قائل‪ :‬هي كنا ية من‬
‫حالة‪ .‬والهاء واللف ف ـي قوله‪َ « :‬‬
‫ذكر الَيات‪ ,‬ووجه تأويـل الكلم إلـى‪ :‬وكانوا عنها معرضين فجعل إعراضهم عنها غفولً‬

‫منهم إذ لـم يقبلوها‪ ,‬كان مذهبـا يقال من الغفلة‪ ,‬غَفَل الرجل عن كذا َيغْفُل عنه غَفْلة وغُفُولً‬
‫وغَفْلً‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪137‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن َمشَارِ قَ الرْ ضِ‬
‫س َتضْعَفُو َ‬
‫{وَأَ ْو َر ْثنَا الْقَوْ مَ اّلذِي نَ كَانُو ْا يُ ْ‬

‫ص َبرُواْ َو َد ّمرْنَا مَا‬
‫ى َبنِ يَ إِ سْرَآئِيلَ ِبمَا َ‬
‫س َنىَ عََل َ‬
‫ت كَِلمَ ُة رَبّ كَ ا ْلحُ ْ‬
‫َو َمغَا ِربَهَا اّلتِي بَا َر ْكنَا فِيهَا َو َتمّ ْ‬
‫صنَعُ ِفرْعَ ْونُ َوقَ ْومُهُ َومَا كَانُو ْا َي ْعرِشُونَ }‪..‬‬
‫كَانَ َي ْ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬وأورثنـا القوم الذيـن كان فرعون وقومـه يسـتضعفونهم‪ ,‬فــيذبحون‬
‫أبناءهـم ويسـتـحيون نسـاءهم‪ ,‬ويسـتـخدمونهم تسـخيرا واسـتعبـادا مـن بنــي إسـرائيـل‪,‬‬
‫مشارق الرض الشأم‪ ,‬وذلك ما يـلـي الشرق منها‪ ,‬ومغاربها التـي بـاركنا فـيها‪ ,‬يقول‪:‬‬
‫ل ثناؤه‪ :‬وأ ْو َرثْنا لنه أورث ذلك‬
‫التـي جعلنا فـيها الـخير ثابتا دائما لهلها‪ .‬وإنـما قال ج ّ‬
‫بنـي إسرائيـل‪ ,‬بـمهلك من كان فـيها من العمالقة‪.‬‬
‫وب ـمثل الذي قل نا ف ـي قوله‪ :‬مَشارِ قَ الرْ ضِ َومَغا ِربَ ها قال أ هل التأوي ـل‪ .‬ذ كر من قال‬
‫ذلك‪.‬‬
‫‪11757‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن يـمان‪ ,‬عن إسرائيـل‪ ,‬عن فُرات القزّاز‪ ,‬عن‬
‫ق الرْ ضِ ومَغا ِربَها التـي‬
‫ن مَشارِ َ‬
‫ضعَفُو َ‬
‫الـحسن‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وأ ْو َرثَنا ال َقوْ مَ اّلذِي نَ كانُوا يُ سْ َت ْ‬
‫بـاركْنا فِـيها قال‪ :‬الشأم‪.‬‬
‫حدثنـا الــحسن بن يحيـى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنـا عبـد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنـا إسـرائيـل‪ ,‬عـن فُرات‬
‫القزاز‪ ,‬قال‪ :‬سمعت الـحسن يقول‪ ,‬فذكر نـحوه‪.‬‬
‫حدثنـا ابـن وكيـع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا قبــيصة‪ ,‬عـن سـفـيان‪ ,‬عـن فُرات القزاز‪ ,‬عـن الــحسن‪:‬‬
‫الرض التـي بـاركنا فـيها‪ ,‬قال‪ :‬الشأم‪.‬‬
‫‪ 11758‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد بن زريع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪:‬‬
‫ق الرْ ضِ ومَغا ِربَ ها الت ـي ب ـاركْنا فِ ـيها هي‬
‫ن مَشارِ َ‬
‫ضعَفُو َ‬
‫وأ ْو َرثْ نا ال َقوْ مَ اّلذِي نَ كانُوا يُ س َت ْ‬
‫أرض الشأم‪.‬‬
‫حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪:‬‬
‫مَشا ِرقَ الرْضِ َومَغا ِربَها التـي بـاركْنا فـيها قال‪ :‬التـي بـارك فَـيها‪ :‬الشأم‪.‬‬
‫وكان ب عض أ هل العرب ـية يز عم أن مشارق الرض ومغارب ها ن صب عل ـى ال ـمـحلّ‪,‬‬
‫يعنــي‪ :‬وأورثنـا القوم الذيـن كانوا يسـتضعفون فــي مشارق الرض ومغاربهـا‪ ,‬وأن قوله‪:‬‬
‫وأ ْورَث نا إن ـما و قع عل ـى قوله‪ :‬الت ـي ب ـاركْنا فِ ـيها وذلك قول ل مع نى له‪ ,‬لن بن ـي‬

‫إ سرائيـل ل ـم ي كن ي ستضعفهم أيام فرعون غ ير فرعون وقو مه‪ ,‬ول ـم ي كن له سلطان إلّ‬
‫بـمصر‪ ,‬فغير جائز والمر كذلك أن يقال‪ :‬الذين يستضعفون فـي مشارق الرض ومغاربها‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فإن معناه‪ :‬ف ـي مشارق أرض م صر ومغارب ها فإن ذلك بع يد من ال ـمفهوم‬
‫فـي الـخطاب‪ :‬مع خروجه عن أقوال أهل التأويـل والعلـماء بـالتفسير‪.‬‬
‫حسْنَى فإ نه يقول‪ :‬وف ـي و عد ال الذي و عد بن ـي‬
‫ت كَلِ ـمَ ُة َربّ كَ ال ـ ُ‬
‫وأ ما قوله‪ :‬وَت ـمّ ْ‬
‫إ سرائيـل بت ـمامه‪ ,‬عل ـى ما وعد هم من ت ـمكينهم ف ـي الرض‪ ,‬ون صره إيا هم عل ـى‬
‫ضعِفُوا‬
‫ستُ ْ‬
‫ن نَـمُنّ علـى اّلذِي نَ ا ْ‬
‫عدوّهم فرعو نَ‪ .‬وكلـمته الـحسنى قوله جلّ ثناؤه‪ :‬ونُريدُ أ ْ‬
‫عوْنَ‬
‫ن َلهُمْ فِـي الرْضِ َو ُنرِيَ فِرْ َ‬
‫ن ونُـ َمكّ َ‬
‫جعََل ُهمُ الوَارِثـي َ‬
‫جعََل ُهمْ أئمّةً وَنـ ْ‬
‫فِـي الرْضِ َونَـ ْ‬
‫حذَرُونَ‪.‬‬
‫جنُودَهُما ِم ْن ُهمْ ما كانُوا َي ْ‬
‫وَهامانَ َو ُ‬
‫وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 11759‬ـ حدثنا مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن أبـي‬
‫سنَى عَلـى َبنِـي إسْرائِيـلَ‬
‫حْ‬
‫نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪ :‬وَتـمّتْ كَلِـمَ ُة رَبّكَ الـ ُ‬
‫قال‪ :‬ظهور قوم موسى علـى فرعون‪ .‬و «تـمكين ال لهم فـي الرض»‪ :‬وما ورّثهم منها‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد بنـحوه‪.‬‬
‫صنَعُ ِفرْعَ ْو نُ َوقَ ْومُ ُه فإنه يقول‪ :‬وأهلكنا ما كان فرعون وقومه‬
‫ن يَ ْ‬
‫وأما قوله‪َ :‬و َد ّم ْرنَا ما كا َ‬
‫ن يقول‪ :‬وما كانوا يبنون من البنـية‬
‫يصنعونه من العمارات والـمزارع‪ .‬وما كانُوا َي ْعرِشُو َ‬
‫والق صور‪ ,‬وأخرجنا هم من ذلك كله‪ ,‬وخرّب نا جم يع ذلك‪ .‬و قد ب ـيّنا مع نى التعر يش ف ـيـما‬
‫مضى بشواهده‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 11760‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‬
‫بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَما كانُوا َي ْعرِشُونَ يقول‪ :‬يبنون‪.‬‬
‫‪ 11761‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬عن عي سى‪ ,‬عن ا بن أب ـي‬
‫نــجيح‪ ,‬عـن مــجاهد‪َ :‬ي ْع ِرشُونَـ يبنون البــيوت والــمساكن مـا بلغـت‪ ,‬وكان عنبهـم غيـر‬
‫معروش‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫واختلفت القرأة فـي قراءة ذلك‪ ,‬فقرأته عامّة قرّاء الـحجاز والعراق َي ْع ِرشُو نَ بكسر الراء‪,‬‬
‫سوى عاصم بن أبـي النـجود‪ ,‬فإنه قرأه بضمها‪ .‬وهما لغتان مشهورتان فـي العرب‪ ,‬يقال‪:‬‬
‫عرَش يعرِش ويعرُش‪ ,‬فإذا كان ذلك كذلك‪ ,‬فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب لتفـاق معنى ذلك‪,‬‬

‫وأنهما معروفـان من كلم العرب‪ ,‬وكذلك تفعل العرب فـي فعَل إذا ردّته إلـى الستقبـال‪,‬‬
‫ب القراءت ـين إل ـيّ كسر الراء لشهرتها‬
‫تض مّ الع ين م نه أحيا نا‪ ,‬وتك سره أحيانا‪ .‬غير أن أح ّ‬
‫ح اللغتـين‪.‬‬
‫فـي العامّة وكثرة القراءة بها وأنها أص ّ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪138‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ى قَوْ مٍ َي ْعكُفُو نَ‬
‫حرَ َفأَتَوْاْ عََل َ‬
‫سرَآئِيلَ ا ْل َب ْ‬
‫{ َوجَا َوزْنَا ِب َبنِ يَ إِ ْ‬

‫جهَلُونَ }‪..‬‬
‫ل ّلنَآ إِلَـها َكمَا َل ُهمْ آِل َهةٌ قَالَ ِإ ّن ُكمْ قَ ْومٌ َت ْ‬
‫جعَ ْ‬
‫سىَ ا ْ‬
‫صنَامٍ ّل ُهمْ قَالُواْ َيمُو َ‬
‫عََلىَ َأ ْ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬وقطعنا ببنـي إسرائيـل البحر بعد الَيات التـي أريناهموها والعبر‬
‫الت ـي عاينو ها عل ـى يدي نب ـيّ ال مو سى‪ ,‬فل ـم تزجر هم تلك الَيات ول ـم تعظ هم تلك‬
‫العبر والبـينات حتـى قالوا مع معاينتهم من الـحجج ما يحقّ أن يذكر معها البهائم‪ ,‬إذ مرّوا‬
‫علـى قوم يعكفون علـى أصنام لهم‪ ,‬يقومون علـى مثل لهم يعبدونها من دون ال‪ ,‬اجعل لنا‬
‫يا موسى إلها‪ ,‬يقول‪ :‬مثالً نعبده وصنـما نتـخذه إلها‪ ,‬كما لهؤلء القوم أصنام يعبدونها‪ ,‬ول‬
‫تنبغي العبـادة لشيء سوى ال الواحد القهار‪ .‬وقال موسى صلوات ال علـيه‪ :‬إنكم أيها القوم‬
‫قوم تـجهلون عظمة ال وواجب حقه علـيكم‪ ,‬ول تعلـمون أنه ل تـجوز العبـادة لشيء‬
‫سوى ال الذي له ملك السموات والرض‪.‬‬
‫وذكر عن ابن جريج فـي ذلك ما‪:‬‬
‫سرَائِيـلَ‬
‫‪ 11762‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ :‬وَجا َوزْنا ِب َبنِـي إ ْ‬
‫ال َبحْ َر فأتَوْا عل ـى قَوْ مٍ َي ْعكُفُو نَ عل ـى أ صْنامٍ َلهُ مْ قال ا بن جر يج‪ :‬عل ـى أ صنام ل هم‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ت ـماثـيـل ب قر‪ ,‬فل ـما كان ع جل ال سامريّ ش به ل هم أ نه من تلك الب قر‪ ,‬فذلك كان أوّل شأن‬
‫جهَلُونَ‪.‬‬
‫جعَلْ لَنا إلَها كمَا َل ُهمْ آِلهَ ٌة قال إ ّن ُكمْ قَ ْومٌ تَـ ْ‬
‫العجل قالُوا يا مُوسَى ا ْ‬
‫وقـيـل‪ :‬إن القوم الذين كانوا عكوفـا علـى أصنام لهم‪ ,‬الذين ذكرهم ال فـي هذه الَية‪,‬‬
‫قوم كانوا من لـخم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11763‬ــ حدثنـا مــحمد بـن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا بشـر بـن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا العبــاس بـن‬
‫ال ـمفضل‪ ,‬عن أب ـي العوّام‪ ,‬عن قتادة‪ :‬فَأتَوْا عَل ـى قَوْ مٍ َي ْعكُفُو نَ عل ـى أ صْنامٍ َلهُ مْ قال‪:‬‬
‫علـى لـخم‪ ,‬وقـيـل إنهم كانوا من الكنعانـيـين الذين أُمر موسى علـيه السلم بقتالهم‪.‬‬
‫‪ 11764‬ـ وقد حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن‬
‫الزهري أن أبـا واقد اللـيثـي‪ ,‬قال‪ :‬خرجنا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم ِقبَل حنـين‪,‬‬
‫فمررنـا بِسـْدرَة‪ ,‬قلت‪ :‬يـا نبــيّ ال اجعـل لنـا هذه ذات أنواط كمـا للكفــار ذات أنواط وكان‬
‫الكفـار ينوطون سلحهم بسدرة يعكفون حولها‪ .‬فقال النبـيّ صلى ال عليه وسلم‪« :‬اللّهُ أ ْك َبرُ‬

‫سنَنَ اّلذِي نَ‬
‫جعَلْ لَنا إلَها كمَا لَه مْ آلهَةٌ‪ ,‬إ ّنكُ مْ سَترْ َكبُونَ ُ‬
‫سرَائِيـلَ لِـمُوسَى‪ :‬ا ْ‬
‫َهذَا كمَا قالَ تْ َبنُو إ ْ‬
‫ن قَبِْل ُكمْ»‪.‬‬
‫مِ ْ‬
‫حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا معمر‪ ,‬عن الزهر يّ‪ ,‬عن‬
‫سنان ابن أبـي سنان‪ ,‬عن واقد اللـيثـي‪ ,‬قال‪ :‬خرجنا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫قبل حنـين‪ ,‬فمررنا بسدرة‪ ,‬فقلنا‪ :‬يا نبـيّ ال اجعل لنا هذه ذات أنواط‪ ,‬فذكر نـحوه‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحجاج‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا حماد‪ ,‬عن م ـحمد بن إ سحاق‪ ,‬عن‬
‫الزهري‪ ,‬عن سنان ابن أبـي سنان‪ ,‬عن أبـي واقد اللـيثـي‪ ,‬عن رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ,‬نـحوه‪.‬‬
‫حدثنـا ابـن صـالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي اللــيث‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي عقــيـل‪ ,‬عـن ابـن شهاب‪ ,‬قال‪:‬‬
‫أخبرنـي سنان بن أبـي سنان الديـلـي‪ ,‬عن أبـي واقد اللـيثـي‪ :‬أنهم خرجوا من مكة‬
‫مع ر سول ال صلى ال عل يه و سلم إل ـى حن ـين‪ ,‬قال‪ :‬وكان للكف ـار سدرة يعكفون عند ها‬
‫ويعلقون بها أسلـحتهم‪ ,‬يقال لها ذات أنواط قال‪ :‬فمررنا بسدرة خضراء عظيـمة‪ ,‬قال‪ :‬فقلنا‬
‫جعَلْ‬
‫يا رسول ال‪ :‬اجعل لنا ذات أنواط قال‪« :‬قُ ْلتُـمْ وَاّلذِي نَفْ سِي بِـ َيدِهِ ما قالَ قَوْ ُم مِو سَى‪ :‬ا ْ‬
‫ن َقبَْلكُمْ»‪.‬‬
‫ن سُننَ َمنْ كا َ‬
‫ن لَت ْركَبُ ّ‬
‫سنَ ُ‬
‫جهَلُونَ أنّها ال ّ‬
‫لَنا إلَها كمَا َل ُهمْ آِلهَةٌ‪ ,‬قالَ إ ّن ُكمْ قَ ْو ٌم تَـ ْ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪139‬‬

‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪:‬‬

‫ِيهـ َوبَاطِلٌ م ّا كَانُواْ‬
‫ُمـ ف ِ‬
‫ِنـ هَــؤُلءِ ُم َتّبرٌ م ّا ه ْ‬
‫{إ ّ‬

‫َي ْعمَلُونَ }‪..‬‬
‫وهذا خبر من ال تعال ـى ذكره عن ق ـيـل مو سى لقو مه من بن ـي إ سرائيـل‪ ,‬يقول‬
‫تعالـى ذكره قال ل هم مو سى‪ :‬إن هؤلء العكوف علـى هذه ال صنام‪ ,‬ال مهلك ما هم ف ـيه‬
‫من العمل ومفسده‪ ,‬ومخسرهم فـيه بإثابته إياهم علـيه العذاب الـمهين‪ ,‬وبـاطل ما كانوا‬
‫يعملون من عبـادتهم إياها فمضمـحلّ لنه غير نافع عند مـجيء أمر ال وحلوله بساحتهم‪,‬‬
‫ول مدا فع عن هم بأس ال إذا نزل ب هم‪ ,‬ول منقذ هم من عذا به إذا عذّب هم ف ـي الق ـيامة‪ ,‬ف هو‬
‫فـي معنى ما لـم يكن‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 11765‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬وحدثنـي موسى‬
‫ن هَؤُلءِ‬
‫بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عمرو بن حماد‪ ,‬قال جمي عا‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪ :‬إ ّ‬
‫ُم َتبّرٌ ما ُهمْ فِـي ِه يقول‪ :‬مهلك ما هم فـيه‪.‬‬
‫‪ 11766‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‬
‫بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬إنّ َهؤُل ِء ُم َتبّرٌ ما ُهمْ فِـي ِه يقول‪ :‬خسران‪.‬‬

‫ن هَؤُلءِ‬
‫‪ 11767‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ا بن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬إ ّ‬
‫ن قال‪ :‬هذا كله واحد‪ ,‬كهيئة «غفور رحيـم»‪« ,‬عفوّ‬
‫ُم َتبّرٌ ما هُمْ فِـيهِ وبَـاطِلٌ ما كانُوا َي ْعمَلُو َ‬
‫غفور»‪ .‬قال‪ :‬والعرب تقول‪ :‬إنه البـائس الـمتبر‪ ,‬وإنه البـائس الـمخسر‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪140‬‬

‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪:‬‬

‫ـ عَلَى‬
‫ـ إِلَــها وَ ُه َو فَضَّلكُم ْ‬
‫ـ َأ ْبغِيكُم ْ‬
‫غ ْيرَ اللّه ِ‬
‫{قَالَ َأ َ‬

‫ا ْلعَاَلمِينَ }‪..‬‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬قال موسـى لقومـه‪ :‬أسـوى ال ألتــمسكم إلهـا وأجعـل لكـم معبودا‬
‫تعبدونه‪ ,‬وال الذي هو خالقكم‪ ,‬فضّلكم علـى عالـمي دهركم وزمانكم يقول‪ :‬أفأبغيكم معبودا‬
‫ل ينفع كم ول يضرّ كم تعبدو نه وتتركون عب ـادة من فضل كم عل ـى ال ـخـلق؟ إن هذا من كم‬
‫لـجهل‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪141‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ن يَ سُومُو َنكُمْ سُوَ َء ا ْل َعذَا بِ‬
‫ج ْينَاكُ مْ مّ نْ آلِ ِفرْعَو َ‬
‫{وَِإذْ َأ ْن َ‬

‫عظِيمٌ }‪..‬‬
‫ن ِنسَآ َء ُكمْ َوفِي ذَِل ُكمْ بَلءٌ مّن ّر ّب ُكمْ َ‬
‫حيُو َ‬
‫س َت ْ‬
‫يُ َقتّلُونَ َأ ْبنَآ َء ُكمْ َو َي ْ‬
‫يقول تعالــى ذكره للــيهود مـن بنــي إسـرائيـل الذيـن كانوا بــين ظهرانــي مهاجَر‬
‫رسـول ال صـلى ال عليـه وسـلم‪ :‬واذكروا مـع قــيـلكم هذا الذي قلتــموه لــموسى بعـد‬
‫رؤيت كم من الَيات وال عبر‪ ,‬وب عد الن عم الت ـي سلفت من ـي إل ـيكم‪ ,‬واليادي الت ـي تقد مت‬
‫جيْنا ُكمْ مِ نْ آلِ ِفرْعَ ْو نَ وهم الذين كانوا علـى منهاجه وطريقته فـي‬
‫فعلكم ما فعلتـم‪ .‬إ ْذ أنْـ َ‬
‫الك فر ب ـال من قو مه‪ .‬يَ سُومُو َن ُكمْ سُو َء ال َعذَا بِ يقول‪ :‬إذ يحملون كم أق بح العذاب و سيئه‪ .‬و قد‬
‫ن أبْنا َءكُ مْ‬
‫ب ـينا ف ـيـما م ضى من كتاب نا هذا ما كان العذاب الذي كان ي سومهم سيئه‪ .‬يُ َقتّلُو َ‬
‫ن رَ ّبكُ مْ‬
‫حيُونَ نِ سا َءكُمْ يقول‪ :‬ي ستبقون إناث هم‪ .‬وفِ ـي ذَِلكُ مْ بَلءٌ مِ ْ‬
‫ستَـ ْ‬
‫الذكور من أولد هم‪َ ,‬ويَ ْ‬
‫عظِيـمٌ يقول‪ :‬وفـي سومهم إياكم سوء العذاب‪ ,‬اختبـار من ال لكم وتعمد عظيـم‪.‬‬
‫َ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪142‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫شرٍ َفتَ مّ مِيقَا تُ‬
‫لثِي نَ َليْلَةً وََأ ْت َم ْمنَاهَا ِبعَ ْ‬
‫سىَ ثَ َ‬
‫ع ْدنَا مُو َ‬
‫{وَوَا َ‬

‫سـبِيلَ‬
‫ِعـ َ‬
‫َصـلِحْ َولَ َت ّتب ْ‬
‫ُونـ اخُْلفْن ِي ف ِي قَوْم ِي وَأ ْ‬
‫ِيهـ هَار َ‬
‫ُوسـىَ لخ ِ‬
‫ِينـ َليَْلةً َوقَالَ م َ‬
‫ّهـ َأ ْر َبع َ‬
‫َرب ِ‬
‫سدِينَ }‪..‬‬
‫ا ْلمُ ْف ِ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬وواعد نا مو سى ل ـمناجاتنا ثلث ـين ل ـيـلة وق ـيـل‪ :‬إن ها ثلثون‬
‫لــيـلة مـن ذي القعدة‪ .‬وأتــمَـمْناها ِب َعشْرٍ يقول‪ :‬وأتــمـمنا الثلثــين اللــيـلة بعشـر‬

‫ل ـيال تتــمة أربع ين ل ـيـلة‪ .‬وق ـيـل‪ :‬إن العشـر الت ـي أت ـمها به أربع ين‪ ,‬ع شر ذي‬
‫الـحجة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫عدْنا‬
‫‪11768‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن لـيث‪ ,‬عن مـجاهد‪َ :‬ووَا َ‬
‫مُوسَى ثَلثِـينَ لَـيْـلَةً وأتـمَـمْناها ِب َعشْرٍ قال‪ :‬ذو القعدة وعشر ذي الـحجة‪.‬‬
‫ن لَـيْـلَةً وأتـمَـمْناها‬
‫عدْنا مُو سَى ثَلثِـي َ‬
‫قال‪ :‬ثنا جرير‪ ,‬عن لـيث‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬وَوَا َ‬
‫ِب َعشْرٍ قال‪ :‬ذو القعدة وعشر ذي الـحجة‪ ,‬ففـي ذلك اختلفوا‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫عدْنا مُو سَى ثَلثِـينَ لَـيْـلَ ًة هو ذو القعدة وعشر من ذي الـحجة‪ ,‬فذلك قوله‪:‬‬
‫مـجاهد‪َ :‬ووَا َ‬
‫َفتَـمّ مِيقاتُ َربّ ِه أ ْر َبعِينَ لَـيْـلَةً‪.‬‬
‫‪ 11769‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن ع بد العل ـى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـمعتـمر بن سلـيـمان‪ ,‬عن‬
‫أبـيه‪ ,‬قال‪ :‬زعم حضرم يّ أن الثلثـين التـي كان واعد موسى ربه كانت ذا القعدة والعشر‬
‫من ذي الـحجة التـي تـمـم ال بها الربعين‪.‬‬
‫‪11770‬ــ حدثنـا القاسـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي حجاج‪ ,‬عـن ابـن جريـج‪ ,‬عـن‬
‫شرٍ قال‪ :‬عشر ذي‬
‫عدْنا مُوسَى ثَلثِـينَ لَـيْـلَ ًة قال‪ :‬ذو القعدة‪ .‬وأتـمَـمْناها ِب َع ْ‬
‫مـجاهد‪ :‬وَوَا َ‬
‫الـحجة‪ .‬قال ابن جريج‪ :‬قال ابن عبـاس‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد العز يز‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو سعد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت م ـجاهدا‬
‫شرٍ قال‪ :‬ذو القعدة‪ ,‬والعشر‬
‫ن لَـيْـلَةً وأتْـمَـمْناها ِب َع ْ‬
‫عدْنا مِوسَى ثَلثِـي َ‬
‫يقول فـي قوله‪َ :‬ووَا َ‬
‫الوّل من ذي الـحجة‪.‬‬
‫‪ 11771‬ـ قال‪ :‬ث نا ع بد العز يز‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إ سرائيـل‪ ,‬عن أب ـي إ سحاق‪ ,‬عن م سروق‪:‬‬
‫شرٍ قال‪ :‬عشر الضحى‪.‬‬
‫وأتـمَـمْناها ِب َع ْ‬
‫ت َربّهِ أ ْر َبعِينَ لَـيْـلَ ًة فإنه يعنـي‪ :‬فكمل الوقت الذي واعد ال موسى‬
‫وأما قوله‪َ :‬فتَـمّ مِيقا ُ‬
‫أربعين لـيـلة وبلغها‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪11772‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ :‬فَتَـمّ مِيقاتُ‬
‫َربّهِ قال‪ :‬فبلغ ميقات ربه أربعين لـيـلة‪.‬‬
‫لخِيهِـ هارُو نَ اخْ ـلُ ْفنِـي فــي قَوْ مي‬
‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪ :‬وَقالَ مُو سَى َ‬
‫سبِـيـلَ الـمُ ْفسِدِينَ‪.‬‬
‫وأصْلِـحْ وَل َت ّتبِعْ َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬لـما مضى لـموعد ربه‪ ,‬قال لخيه هارون‪ :‬اخْـلُ ْفنِـي فِـي قَوْمي‬
‫يقول‪ :‬كن خ ـلـيفتـي ف ـيهم إل ـى أن أر جع‪ ,‬يقال م نه‪ :‬خَ ـلَفه يخ ـلُفُه خل فة‪ .‬وأَ صْلِـحْ‬
‫يقول‪ :‬وأصلـحهم بحملك إياهم علـى طاعة ال وعبـادته‪ .‬كما‪:‬‬

‫‪ 11773‬ـ حدث نا القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي حجاج‪ ,‬عن ا بن جر يج‪ ,‬قال‪ :‬قال‬
‫موسى لخيه هارون‪ :‬اخْـلُ ْفنِـي فِـي قَومي وأ صْلِـحْ وكان من إصلحه أن ل يدع العجل‬
‫يُعبد‪.‬‬
‫سدِينَ يقول‪ :‬ول ت سلك طر يق الذ ين يف سدون ف ـي الرض‬
‫سبِـيـلَ ال ـمُ ْف ِ‬
‫وقوله‪ :‬وَل َت ّتبِ عْ َ‬
‫بـمعصيتهم ربهم‪ ,‬ومعونتهم أهل الـمعاصي علـى عصيانهم ربهم‪ ,‬ولكن اسلك سبـيـل‬
‫الـمطيعين رب هم‪ .‬فكا نت مواعدة ال موسى علـيه السلم بعد أن أهلك فرعون ونـجى من‬
‫بنـي إسرائيـل فـيـما قال أهل العلـم‪ ,‬كما‪:‬‬
‫‪ 11774‬ـ حدث نا القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي ال ـحجاج‪ ,‬عن ا بن جر يج‪ ,‬قوله‪:‬‬
‫ن لَـيْـلَةً‪ ...‬الَية‪ ,‬قال‪ :‬يقول‪ :‬إن ذلك بعد ما فرغ من فرعون‪ ,‬وقبل‬
‫عدْنا مُو سَى ثَلثِـي َ‬
‫َووَا َ‬
‫الطور ل ـما ن ـجى ال مو سى عل ـيه ال سلم من الب حر وغرق آل فرعون وخ ـلص إل ـى‬
‫الرض الطي بة‪ ,‬أنزل ال عل ـيهم ف ـيها ال ـمنّ وال سلوى وأمره ر به أن ي ـلقاه‪ ,‬فل ـما أراد‬
‫لقاء ربه استـخـلف هارون علـى قومه‪ ,‬وواعدهم أن يأتـيهم إلـى ثلثـين لـيـلة ميعادا‬
‫من قِبله من غير أمر ربه ول ميعاده فتوجّه لـيـلقـى ربه‪ ,‬فلـما تـمت ثلثون لـيـلة‪,‬‬
‫قال عد ّو ال ال سّامريّ‪ :‬لـيس يأتـيكم موسى‪ ,‬وما يصلـحكم إلّ إله تعبدونه فناشدهم هارون‬
‫ل فعلتــم مـا بدا لكـم فقالوا‪:‬‬
‫وقال‪ :‬ل تفعلوا انظروا لــيـلتكم هذه ويومكـم هذا‪ ,‬فإن جاء وإ ّ‬
‫ن عم‪ .‬فل ـما أ صبحوا من غد ول ـم يروا مو سى عاد ال سامريّ ل ـمثل قوله ب ـالمس‪ ,‬قال‪:‬‬
‫وأحدث ال الجل بعد الجل الذي جعله بـينهم عشرا‪ ,‬فتـمّ ميقات ربه أربعين لـيـلة‪ ,‬فعاد‬
‫هارون فناشدهـم‪ ,‬إل مـا نظروا يومهـم ذلك أيضـا‪ ,‬فإن جاء وإلّ فعلتــم مـا بدا لكـم‪ .‬ثـم عاد‬
‫السامريّ الثالثة لـمثل قوله لهم‪ ,‬وعاد هارون فناشدهم أن ينتظروا‪ .‬فلـما لـم يروه‪....‬‬
‫‪11775‬ــ قال القاسـم‪ :‬قال الــحسن‪ :‬حدثنــي حجاج‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي أبـو بكـر بـن عبـد ال‬
‫الهذلـيّ‪ ,‬قال‪ :‬قام السامريّ إلـى هارون حين انطلق موسى‪ ,‬فقال‪ :‬يا نبـيّ ال إنا استعرنا‬
‫يوم خرجنا من القبط حلـيّا كثـيرا من زينتهم‪ ,‬وإن الذين معك قد أسرعوا فـي الـحلـيّ‬
‫يب ـيعونه وينفقو نه‪ ,‬وإن ـما كان عاريَة من آل فرعون فل ـيسوا بأحياء فنردّ ها عل ـيهم‪ ,‬ول‬
‫ل أخاك نبــيّ ال موسـى إذا جاء يكون له فــيها رأي‪ ,‬إمـا يقربهـا قربــانا فتأكلهـا‬
‫ندري لع ّ‬
‫النار‪ ,‬وإما يجعلها للفقراء دون الغنـياء‪ .‬فقال له هارون‪ :‬نعم ما رأيت وما قلت فأمر مناديا‬
‫فنادى‪ :‬مـن كان عنده شيـء مـن حلــيّ آل فرعون فلــيأتنا بـه فأتوه بـه‪ ,‬فقال هارون‪ :‬يـا‬
‫سامريّ أنت أحقّ من كانت عنده هذه الـخزانة‪ .‬فقبضها السامريّ‪ ,‬وكان عد ّو ال الـخبـيث‬
‫صائغا‪ ,‬ف صاغ م نه عجلً جسدا‪ ,‬ثم قذف فـي جو فه تر بة من القب ضة التـي ق بض من أ ثر‬
‫ل مرّة واحدة‪,‬‬
‫فرس جبري ـل عل ـيه ال سلم إذ رآه ف ـي الب حر‪ ,‬فج عل يخور‪ ,‬ول ـم يخـر إ ّ‬

‫وقال لبن ـي إ سرائيـل‪ :‬إن ـما ت ـخـلف مو سى ب عد الثلث ـين ل ـيـلة ي ـلتـمس هذا َهذَا‬
‫سيَ يقول‪ :‬إن موسى علـيه السلم نسي ربه‪.‬‬
‫إل ُهكُم وإلهُ مُوسَى ف َن ِ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪143‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫{وَلَمّا جَآءَ مُو سَىَ ِلمِيقَاتِنَا َوكَّلمَ ُه رَبّ ُه قَالَ رَ بّ َأ ِرنِ يَ‬

‫ستَ َقرّ َمكَانَ ُه فَ سَ ْوفَ َترَانِي فَلَمّا َتجَّلىَ‬
‫نا ْ‬
‫ل َفإِ ِ‬
‫جبَ ِ‬
‫ظرْ إِلَى ا ْل َ‬
‫ن انْ ُ‬
‫أَنظُرْ إَِليْ كَ قَالَ لَن َترَانِي وَلَ ـكِ ِ‬
‫س ْبحَا َنكَ ُتبْتُ إَِل ْيكَ وََأ َناْ َأوّلُ ا ْل ُم ْؤ ِمنِينَ }‪..‬‬
‫صعِقا فََلمّآ َأفَاقَ قَالَ ُ‬
‫سىَ َ‬
‫خرّ مو َ‬
‫جعَلَهُ َدكّا َو َ‬
‫ل َ‬
‫جبَ ِ‬
‫َربّهُ لِ ْل َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ولـما جاء موسى للوقت الذي وعدنا أن ي ـلقانا ف ـيه‪ ,‬وكلّ ـمه ر به‬
‫ن ا ْنظُرْ‬
‫ك قال ال له م ـجيبـا‪َ :‬ل نْ َترَانِ ـي وََلكِ ِ‬
‫ظرْ إلَ ـيْ َ‬
‫وناجاه‪ ,‬قال مو سى لر به‪ :‬أرِن ـي أ ْن ُ‬
‫إلـى الـجَبَلِ‪.‬‬
‫وكان سبب مسألة موسى ربه النظر إلـيه‪ ,‬ما‪:‬‬
‫‪11776‬ـ حدثنـي به موسى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪,‬‬
‫ظرْ‬
‫ل رَ بّ أرِنـي أ ْن ُ‬
‫ب أن ينظر إلـيه‪ ,‬قا َ‬
‫قال‪ :‬إن موسى علـيه السلم لـما كلّـمه ربه أح ّ‬
‫ستَ َقرّ مَكانَ هُ فَ سَ ْوفَ َترَانِ ـي‪ .‬فح فّ‬
‫نا ْ‬
‫ل فإ ِ‬
‫ظرْ إل ـى ال ـجَبَ ِ‬
‫ن َترَانِ ـي وََل ِك نِ ا ْن ُ‬
‫ل لَ ْ‬
‫إلَ ـ ْيكَ قا َ‬
‫ف حول النار بـملئكة‪ ,‬وحفّ حول الـملئكة‬
‫حول الـجبل‪ ,‬وحفّ حول الـملئكة بنار‪ ,‬وح ّ‬
‫بنار‪ ,‬ثم تـجلـى ربه للـجبل‪.‬‬
‫‪ 11777‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد ال بن أب ـي جع فر‪ ,‬عن‬
‫ي صلى‬
‫جيّا قال‪ :‬ثنـي من لقـي أصحاب النبـ ّ‬
‫أبـيه‪ ,‬عن الربـيع‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬و َق ّربْنا ُه نَـ ِ‬
‫ب حتـى سمع صريف القلـم‪ ,‬فقال عند ذلك من الشوق إل ـيه‪:‬‬
‫ال عليه وسلم أنه قرّبه الر ّ‬
‫جبَلِ‪.‬‬
‫ظرْ إلـى الـ َ‬
‫ن َت َرنِـي وََلكِنِ ا ْن ُ‬
‫ظرْ إلَـ ْيكَ قالَ لَ ْ‬
‫رَبّ أ ِرنِـي أ ْن ُ‬
‫‪ 11778‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن أب ـي بكر الهذلـيّ‪,‬‬
‫قال‪ :‬لـما تـخـلف موسى علـيه السلم بعد الثلثـين‪ ,‬حتـى سمع كلم ال اشتاق إلـى‬
‫ن َترَانِـي ولـيس لبشر أن يطيق أن ينظر‬
‫ل لَ ْ‬
‫ظرْ إلَـ ْيكَ قا َ‬
‫ب أرِنـي أ ْن ُ‬
‫النظر إلـيه‪ ,‬فقال‪ :‬رَ ّ‬
‫إل ـيّ ف ـي الدن ـيا‪ ,‬من ن ظر إل ـيّ مات‪ .‬قال‪ :‬إل هي سمعت منط قك واشت قت إل ـى الن ظر‬
‫إل ـيك‪ ,‬ولن أن ظر إل ـيك ثم أموت أح بّ إل ـيّ من أن أع يش ول أراك قال‪ :‬ف ـانظر إل ـى‬
‫الـجبل‪ ,‬فإن استقرّ مكانه فسوف ترانـي‪.‬‬
‫‪ 11779‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد ال‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي معاو ية‪ ,‬عن عل ـيّ‪ ,‬عن ا بن‬
‫عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬أرِنـي أ ْنظُرْ إلَـ ْيكَ قال‪ :‬أعطنـي‪.‬‬
‫‪ 11780‬ـ حدث نا ا بن حم يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سلـمة‪ ,‬عن ا بن إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬ا ستـخـلف مو سى‬
‫هارون علـى بنـي إسرائيـل‪ ,‬وقال‪ :‬إنـي متعجل إلـى ربـي‪ ,‬فـاخـلفنـي فـي قومي‪,‬‬

‫ول تتبـع سـبـيـل الــمفسدين فخرج موسـى إلــى ربـه متعجلً للقــيّه شوقـا إلــيه‪ ,‬وأقام‬
‫هارون فـي بنـي إسرائيـل‪ ,‬ومعه السامريّ يسير بهم علـى أثر موسى لـيـلـحقهم به‪.‬‬
‫فلـما كلـم ال موسى‪ ,‬طمع فـي رؤيته‪ ,‬فسأل ربه أن ينظر إلـيه‪ ,‬فقال ال لـموسى‪ :‬إنّ كَ‬
‫ستَ َقرّ مَكانَ هُ فَ سَوفَ تَرانِ ـي‪ ...‬الَ ية‪ :‬قال ا بن‬
‫جبَلِ فإ نِ ا ْ‬
‫ن َترَانِ ـي ول كن انْ ظر إل ـى ال ـ َ‬
‫لَ ْ‬
‫إسحاق‪ :‬فهذا ما وصل إلـينا فـي كتاب ال عن خبر موسى لـما طلب النظر إلـى ر به‪.‬‬
‫وأ هل الكتاب يزعمون وأ هل التوراة‪ ,‬أن قد كان لذلك تف سير وق صة وأمور كث ـيرة ومراج عة‬
‫لـم تأتنا فـي كتاب ال‪ ,‬وال أعلـم‪ .‬قال ابن إسحاق عن بعض أهل العلـم الوّل بأحاديث‬
‫أهل الكتاب‪ :‬إنهم يجدون فـي تفسير ما عندهم من خبر موسى حين طلب ذلك إلـى ربه أنه‬
‫كان من كلمه إياه حين طمع فـي رؤيته‪ ,‬وطلب ذلك منه‪ ,‬وردّ علـيه ربه منه ما ردّ‪ ,‬أن‬
‫مو سى كان تطهّر وطهّر ث ـيابه و صام للقاء ر به فل ـما أت ـى طور سينا‪ ,‬ود نا ال له ف ـي‬
‫الغمام فكل ـمه‪ ,‬سبحه وحمده و كبره وقدّ سه‪ ,‬مع تضرّع وبكاء حز ين‪ ,‬ثم أ خذ ف ـي مدح ته‪,‬‬
‫ب ما أعظمك وأعظم شأنك كله‪ ,‬من عظمتك أنه لـم يكن شيء من قبلك‪ ,‬فأنت الواحد‬
‫فقال‪ :‬ر ّ‬
‫القهار‪ ,‬كان عرشك ت ـحت عظمتك نار توقد لك‪ ,‬وجعلت سرادق من دونه سرادق من نور‪,‬‬
‫ف ما أعظ مك ر بّ‪ ,‬وأع ظم مل كك‪ ,‬جعلت ب ـينك وب ـين ملئك تك م سيرة خم سمائة عام‪ ,‬ف ما‬
‫أعظ مك ر بّ وأع ظم مل كك ف ـي سلطانك‪ ,‬فإذا أردت شيئا تقض يه ف ـي جنودك الذ ين ف ـي‬
‫ال سماء‪ ,‬أو الذ ين ف ـي الرض‪ ,‬وجنودك الذ ين ف ـي الب حر‪ ,‬بع ثت الر يح من عندك ل يرا ها‬
‫شيء من خـلقك إلّ أنت إن شئت‪ ,‬فدخـلت فـي جوف من شئت من أنبـيائك‪ ,‬فبلغوا لـما‬
‫أردت من عبـادك‪ ,‬ولـيس أحد من ملئكتك يستطيع شيئا من عظمتك‪ ,‬ول من عرشك‪ ,‬ول‬
‫يسمع صوتك‪ ,‬فقد أنعمت علـيّ‪ ,‬وأعظمت علـيّ فـي الفضل‪ ,‬وأحسنت إلـيّ كلّ الحسان‪,‬‬
‫عظمتنـي فـي أمـم الرض‪ ,‬وعظمتنـي عند ملئكتك‪ ,‬وأسمعتنـي صوتك‪ ,‬وبذلت لـي‬
‫كلمـك‪ ,‬وآتــيتنـي حكمتـك‪ ,‬فإن أعدّ نعماك ل أحصـيها‪ ,‬وإن أردت شكرك ل أسـتطيعها‪.‬‬
‫دعوتك ر بّ علـى فرعون بـالَيات العظام‪ ,‬والعقوبة الشديدة‪ ,‬فضربت بعصاي التـي فـي‬
‫يدي البحر‪ ,‬فـانفلق لـي ولـمن معي‪ ,‬ودعوتك حين جزت البحر‪ ,‬فأغرقت عدوّك وعدوّي‪,‬‬
‫وسألتك الـماء لـي ولمتـي‪ ,‬فضربت بعصاي التـي فـي يدي الـحجر‪ ,‬فمنه أرويتنـي‬
‫وأمت ـي‪ ,‬و سألتك لمت ـي طعا ما ل ـم يأكله أ حد كان قبل هم‪ ,‬فأمرتن ـي أن أدعوك من قِبَل‬
‫ن من مشرقـي‬
‫الـمشرق‪ ,‬ومن ِقبَل الـمغرب‪ .‬فناديتك من شرقـي أمتـي‪ ,‬فأعطيتهم الـم ّ‬
‫لنف سي‪ ,‬وآت ـيتهم ال سلوى من غرب ـيهم من قِبَل الب حر‪ ,‬واشتك يت ال ـحرّ فنادي تك‪ ,‬فظللت‬
‫علــيهم بــالغمام‪ ,‬فمـا أطيـق نعماك علــيّ أن أعدّهـا ول أحصـيها‪ ,‬وإن أردت شكرهـا ل‬
‫أستطيعها‪ .‬فجئتك الـيوم راغبـا طالبـا سائلً متضرّعا‪ ,‬لتعطينـي ما منعت غيري‪ ,‬أطلب‬
‫إلـيك وأسألك يا ذا العظمة والعزّة والسلطان أن ترينـي أنظر إلـيك‪ ,‬فإنـي قد أحببت أن‬

‫أرى وج هك الذي ل ـم يره ش يء من خ ـلقك‪ .‬قال له ر بّ العزّة‪ :‬فل ترى يا ا بن عمران ما‬
‫تقول؟ تكل ـمت بكلم هو أع ظم من سائر ال ـخـلق‪ ,‬ل يران ـي أ حد ف ـيحيا‪ ,‬أل ـيس ف ـي‬
‫السموات معمري‪ ,‬فإنهن قد ضعفن أن يحملن عظمتـي‪ ,‬ولـيس فـي الرض معمري‪ ,‬فإنها‬
‫قد ضعفت أن تسع بجندي‪ ,‬فلست فـي مكان واحد فأتـجلـى لعين تنظر إلـيّ‪ .‬قال موسى‪:‬‬
‫ربـ العزّة‪ :‬يـا ابـن‬
‫ّ‬
‫أحبـ إلــيّ مـن أن ل أراك ول أحيـا‪ ,‬قال له‬
‫ّ‬
‫يـا رب ّـ أن أراك وأموت‪,‬‬
‫عمران تكلّ ـمت بكلم هو أع ظم من سائر ال ـخـلق‪ ,‬ل يران ـي أ حد ف ـيحيا‪ .‬قال‪ :‬ر بّ‬
‫تــمـم علــيّ نعماك‪ ,‬وتــمـم علــيّ فضلك‪ ,‬وتــمـم علــيّ إحسـانك هذا الذي سـألتك‬
‫لـيس لـي أن أراك فأقبض‪ ,‬ولكن أحبّ أن أراك فـيطمئن قلبـي‪ .‬قال له‪ :‬يا ابن عمران لن‬
‫ربـ تــمـم علــيّ نعماك وفضلك‪ ,‬وتــمـم علــيّ‬
‫ّ‬
‫يرانــي أحـد فــيحيا‪ .‬قال‪ :‬موسـى‬
‫ب إلـيّ من الـحياة‪,‬‬
‫إحسانك هذا الذي سألتك لـيس لـي أن أراك فأموت علـى أثر ذلك أح ّ‬
‫فقال الرحمن الـمترحم علـى خـلقه‪ :‬قد طلبت يا موسى‪ ,‬وأعطيتك سؤلك إن استطعت أن‬
‫تنظر إلـيّ‪ ,‬فـاذهب فـاتـخذ لوحين‪ ,‬ثم انظر إلـى الـحجر الكبر فـي رأس الـجبل‪,‬‬
‫فإن ما وراءه و ما دو نه مض يق ل ي سع إلّ م ـجلسك يا ا بن عمران‪ ,‬ثم ان ظر فإن ـي أه بط‬
‫إل ـيك وجنودي من قل ـيـل وكث ـير‪ .‬فف عل مو سى ك ما أمره ر به‪ ,‬ن ـحت لوح ين ثم صعد‬
‫بهما إلـى الـجبل‪ ,‬فجلس علـى الـحجر‪ :‬فلـما استوى علـيه‪ ,‬أمر ال جنوده الذين فـي‬
‫السماء الدنـيا‪ ,‬فقال‪ :‬ضعي أكنافك حول الـجبل‪ ,‬فسمعت ما قال الربّ ففعلت أمره‪ ,‬ثم أرسل‬
‫ال ال صواعق والظل ـمة والضب ـاب عل ـى ما كان ي ـلـي ال ـجبل الذي ي ـلـي مو سى‬
‫أرب عة فرا سخ من كل ناح ية‪ ,‬ثم أ مر ال ملئ كة الدن ـيا أن ي ـمرّوا ب ـموسى‪ ,‬ف ـاعترضوا‬
‫علـيه‪ ,‬فمروا به طيران النعَر تنبع أفواههم بـالتقديس والتسبـيح بأصوات عظيـمة كصوت‬
‫ب إنـي كنت عن هذا غنـيا‪ ,‬ما ترى‬
‫الرعد الشديد‪ ,‬فقال موسى بن عمران علـيه السلم‪ :‬ر ّ‬
‫عيناي شيئا قد ذهب بصرهما من شعاع النور الـمتصفف علـى ملئكة ربـي‪ .‬ثم أمر ال‬
‫ملئ كة ال سماء الثان ـية أن اهبطوا عل ـى مو سى‪ ,‬ف ـاعترضوا عل ـيه‪ ,‬فهبطوا أمثال ال سْد‪,‬‬
‫لهم لَـجَبٌ بـالتسبـيح والتقديس‪ ,‬ففزع العبد الضعيف ابن عمران مـما رأى ومـما سمع‪,‬‬
‫ل شعرة فــي رأسـه وجلده‪ ,‬ثـم قال‪ :‬ندمـت علــى مسـئلتـي إياك‪ ,‬فهـل‬
‫فــاقشعرّت ك ّ‬
‫ين ـجينـي من مكان ـي الذي أ نا ف ـيه ش يء؟ فقال له خ ير ال ـملئكة ورأ سهم‪ :‬يا مو سى‬
‫اصبر لـما سألت‪ ,‬فقلـيـل من كثـير ما رأيت ثم أمر ال ملئكة السماء الثالثة أن اهبطوا‬
‫عل ـى مو سى‪ ,‬ف ـاعترضوا عل ـيه‪ ,‬فأقبلوا أمثال الن سور لهم ق صْف ور جف ول ـجب شد يد‪,‬‬
‫وأفواههم تنبع بـالتسبـيح والتقديس كلـجب الـجيش العظيـم أو كلهب النار‪ ,‬ففزع موسى‪,‬‬
‫وأيست نفسه‪ ,‬وأساء ظنه‪ ,‬وأيس من الـحياة‪ ,‬فقال له خير الـملئكة ورأسهم‪ :‬مكانك يا ابن‬
‫عمران‪ ,‬حتــى ترى مـا ل تصـير علــيه؟ ثـم أمـر ال ملئكـة السـماء الرابعـة أن اهبطوا‬

‫فـاعترِضوا علـى موسى بن عمران‪ .‬فأقبلوا وهبطوا علـيه ل يشبههم شيء من الذين مرّوا‬
‫بـه قبلهـم‪ ,‬ألوانهـم كلهـب النار‪ ,‬وسـائر خــلقهم كالثلــج البــيض‪ ,‬أصـواتهم عالــية‬
‫بـالتسبـيح والتقديس‪ ,‬ل يقاربهم شيء من أصوات الذين مرّوا به قبلهم‪ .‬فـاصطكت ركبتاه‪,‬‬
‫وأر عد قل به‪ ,‬واشتدّ بكاؤه‪ ,‬فقال خ ير ال ـملئكة ورأ سهم‪ :‬يا ا بن عمران ا صبر ل ـما سألت‪,‬‬
‫فقل ـيـل من كث ـير ما رأ يت ثم أ مر ال ملئ كة ال سماء ال ـخامسة أن اهبطوا ف ـاعترِضوا‬
‫عل ـى مو سى‪ ,‬فهبطوا عل ـيه سبعة ألوان‪ ,‬فل ـم ي ستطع مو سى أن يتبع هم طر فه‪ ,‬ول ـم ير‬
‫مثلهم ولـم يسمع مثل أصواتهم‪ ,‬وامتل جوفه خوفـا‪ ,‬واشتدّ حزنه‪ ,‬وكثر بكاؤه‪ ,‬فقال له خير‬
‫الـملئكة ورأسهم‪ :‬يا ابن عمران مكانك حتـى ترى ما ل تصبر علـيه ثم أمر ال ملئكة‬
‫السماء السادسة أن اهبطوا علـى عبدي الذي طلب أن يرانـي موسى بن عمران واعترِضوا‬
‫ل ملك مثل النـخـلة الطويـلة نارا أشدّ ضوءا من الشمس‪,‬‬
‫علـيه‪ .‬فهبطوا علـيه فـي يد ك ّ‬
‫ولب ـاسهم كل هب النار‪ ,‬إذا سبحوا وقدّ سوا جاوب هم من كان قبل هم من ملئ كة ال سموات كل هم‪,‬‬
‫ل ملك منهـم‬
‫ربـ العزّة أبدا ل يــموت‪ ,‬فــي رأس ك ّ‬
‫ّ‬
‫يقولون بشدة أصـواتهم‪ :‬سـبوح قدّوس‬
‫أربعة أوجه‪ .‬فلـما رآهم موسى رفع صوته يسبّح معهم حين سبحوا‪ ,‬وهو يبكي ويقول‪ :‬ر بّ‬
‫اذكرنــي‪ ,‬ول تنـس عبدك ل أدري أنقلب مــما أنـا فــيه أم ل؟ إن خرجـت أحرقـت‪ ,‬وإن‬
‫مك ثت م تّ‪ .‬فقال له كب ـير ال ـملئكة ورئي سهم‪ :‬قد أوش كت يا ا بن عمران أن ي ـمتلـىء‬
‫جوفك‪ ,‬وينـخـلع قلبك‪ ,‬ويشتدّ بكاؤك فـاصبر للذي جلست لتنظر إلـيه يا ابن عمران وكان‬
‫جبـل موسـى جبلً عظيــما‪ ,‬فأمـر ال أن يحمـل عرشـه‪ ,‬ثـم قال‪ :‬مرّوا بــي علــى عبدي‬
‫ل ـيرانـي‪ ,‬فقل ـيـل من كث ـير ما رأى ف ـانفرج ال ـجبل من عظ مة الر بّ‪ ,‬وغ شي ضوء‬
‫عرش الرح من ج بل مو سى‪ ,‬ورف عت ملئ كة ال سموات أ صواتها جمي عا‪ ,‬ف ـارتـجّ ال ـجبل‬
‫ل شجرة كانت فـيه‪ ,‬وخرّ العبد الضعيف موسى بن عمران صعقا علـى وجهه‬
‫فـاندكّ‪ ,‬وك ّ‬
‫لــيس معـه روحـه‪ ,‬فأرسـل ال الــحياة برحمتـه‪ ,‬فتغشاه برحمتـه وقلب الــحجر الذي كان‬
‫علــيه وجعله كالــمعدة‪ ,‬كهيئة القبـة لئل يحترق موسـى‪ ,‬فأقامـه الروح مثـل الم أقامـت‬
‫جن ـينها ح ين ي صرع‪ ,‬قال‪ :‬فقام مو سى ي سبح ال ويقول‪ :‬آم نت أ نك رب ـي‪ ,‬و صدّقت أ نه ل‬
‫يراك أحد فـيحيا‪ ,‬ومن نظر إلـى ملئكتك انـخـلع قلبه‪ ,‬فما أعظمك ربّ وأعظم ملئكتك‪,‬‬
‫ب الربـاب وإله الَلهة وملك الـملوك‪ ,‬تأمر الـجنود الذين عندك فـيطيعونك‪ ,‬وتأمر‬
‫أنت ر ّ‬
‫ب تبت‬
‫السماء وما فـيها فتطيعك‪ ,‬ل تستنكف من ذلك‪ ,‬ول يعدلك شيء ول يقوم لك شيء‪ ,‬ر ّ‬
‫إلـيك‪ ,‬الـحمد ل الذي ل شريك له‪ ,‬ما أعظمك وأجلك ربّ العالـمين‬
‫خرّ مِو سَى‬
‫جعَلَ ُه دَكّا َو َ‬
‫جبَلِ َ‬
‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪ :‬فَلَ ـمّا تَ ـجَلّـى رَبّ ُه للْ ـ َ‬
‫صعِقا‪.‬‬
‫َ‬

‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فما اطلع الر بّ للـجبل جعل ال الـجبل دكّا‪ :‬أي مستويا بـالرض‪.‬‬
‫صعِقا أي مغشيّا علـيه‪.‬‬
‫خرّ مُوسَى َ‬
‫وَ‬
‫وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 11781‬ـ حدثنـي الـحسين بن مـحمد بن عمرو العنقزي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪ ,‬عن عكر مة‪ ,‬عن ا بن عب ـاس‪ ,‬ف ـي قول ال‪ :‬فَلَ ـمّا تَ ـجَلّـى َربّ هُ‬
‫خرّ‬
‫جعَلَ ُه دَكّا قال‪ :‬تراب ـا‪َ .‬و َ‬
‫جعَلَ هُ دَكّا قال‪ :‬ما ت ـجلـى م نه إل قدر ال ـخنصر‪َ .‬‬
‫جبَلِ َ‬
‫للْ ـ َ‬
‫صعِقا قال‪ :‬مغشيّا علـيه‪.‬‬
‫مُوسَى َ‬
‫‪11782‬ــ حدثنـا موسـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أسـبـاط‪ ,‬قال‪ :‬زعـم السـديّ‪ ,‬عـن‬
‫عكر مة‪ ,‬عن ا بن عب ـاس أ نه قال‪ :‬ت ـجلـى م نه م ثل ال ـخنصر‪ ,‬فج عل ال ـجبل دكّا‪ ,‬وخرّ‬
‫موسى صعقا‪ ,‬فلـم يزل صعقا ما شاء ال‪.‬‬
‫خرّ مُو سَى‬
‫‪ 11783‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد فـي قوله‪َ :‬و َ‬
‫صعِقا قال‪ :‬مغشيّا علـيه‪.‬‬
‫َ‬
‫‪ 11784‬ـ حدث نا ب شر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا يز يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬فَلَ ـمّا‬
‫صعِقا‪ :‬أي‬
‫خرّ مُو سَى َ‬
‫جعَلَ هُ دَكّا قال‪ :‬انق عر بع ضه عل ـى ب عض‪َ .‬و َ‬
‫جبَلِ َ‬
‫تَ ـجَلّـى َربّ هُ للْ ـ َ‬
‫ميتا‪.‬‬
‫خرّ مُوسَى‬
‫‪11785‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪َ :‬و َ‬
‫صعِقا‪ :‬أي ميتا‪.‬‬
‫َ‬
‫‪11786‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪,‬‬
‫فـي قوله‪َ :‬دكّا قال‪ :‬دكّ َب ْعضُه بعضا‪.‬‬
‫‪ 11787‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سويد‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا ا بن ال ـمبـارك‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫جعَلَ ُه دَكّا قال‪ :‬ساخ ال ـجبل ف ـي‬
‫جبَلِ َ‬
‫سفـيان يقول ف ـي قوله‪ :‬فَلَ ـمّا تَ ـجَلّـى َربّ هُ للْ ـ َ‬
‫الرض حتـى وقع فـي البحر‪ ,‬فهو يذهب معه‪.‬‬
‫‪ 11788‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬عن الـحجاج‪ ,‬عن أبـي بكر الهذلـيّ‪ :‬فَلَـمّا‬
‫جعََلهُ َدكّا‪ :‬انقعر فدخـل تـحت الرض فل يظهر إلـى يوم القـيامة‪.‬‬
‫جبَلِ َ‬
‫تَـجَلّـى َربّهُ للْـ َ‬
‫‪ 11789‬ـ حدثنا أحمد بن سهيـل الواسطي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا قرة بن عيسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا العمش‪,‬‬
‫جبَلِ‬
‫عن ر جل‪ ,‬عن أ نس عن النب ـيّ صلى ال عل يه و سلم‪ ,‬قال‪« :‬لَ ـمّا تَ ـجَلّـى َربّ هُ للْ ـ َ‬
‫جعَلَهُ َدكّا»‪ .‬وأرانا أبو إسماعيـل بأصبعه السبّـابة‪.‬‬
‫ص ُب َعيْهِ َف َ‬
‫أشارَ بُأ ْ‬
‫‪11790‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي الـحجاج بن الـمنهال‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حماد‪ ,‬عن ثابت‪,‬‬
‫جعَلَ هُ‬
‫ل َ‬
‫عن أنس‪ :‬أن النبـيّ صلى ال عليه وسلم قرأ هذه الَية‪ :‬فَلَـمّا تَـجَلّـى َربّ ُه للْـجَبَ ِ‬

‫دَكّا قال‪« :‬هكذا» بأصـبعه ووضـع النبــيّ صـلى ال عليـه وسـلم البهام علــى الــمفصل‬
‫جبَلُ»‪.‬‬
‫العلـى من الـخنصر‪« ,‬فسَاخَ الـ َ‬
‫‪ 11791‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا هد بة بن خالد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا حماد بن سلـمة‪ ,‬عن‬
‫ثا بت‪ ,‬عن أ نس بن مالك‪ ,‬قال‪ :‬قرأ ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ :‬فَلَ ـمّا تَ ـجَلّـى َربّ هُ‬
‫جبَلُ» فقال‬
‫جعَلَ هُ َدكّا قال‪ :‬وضع البهام قريبـا من طرف خنصره‪ ,‬قال‪« :‬فَساخَ الـ َ‬
‫جبَلِ َ‬
‫للْـ َ‬
‫حميد لثابت‪ :‬تقول هذا؟ قال‪ :‬فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد‪ ,‬وقال‪ :‬يقوله رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ويقوله أنس وأنا أكتـمه‬
‫‪ 11792‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد ال بن أب ـي جع فر‪ ,‬عن‬
‫صعِقا وذلك أن‬
‫خرّ مُو سَى َ‬
‫جعَلَ ُه دَكّا َو َ‬
‫جبَلِ َ‬
‫أب ـيه‪ ,‬عن الرب ـيع فَلَ ـمّا تَ ـجَلّـى َربّ هُ للْ ـ َ‬
‫الـجبل حين كشف الغطاء ورأى النور صار مثل دك من الدكات‪.‬‬
‫‪11793‬ـ حدثنا الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬وَلـمّا‬
‫ظرْ‬
‫ن ا ْن ُ‬
‫ن تَرَانِـي وََلكِ ِ‬
‫ظرْ إلَـ ْيكَ قالَ لَ ْ‬
‫جاءَ مُو سَى لِـميقاتِنا وكَلّـمَهُ َربّ هُ قالَ رَ بّ أرِنـي أ ْن ُ‬
‫ستَ َقرّ مَكانَ هُ فإ نه أ كبر م نك وأ شد خ ـلقا‪ .‬فَلَ ـمّا تَ ـجَلّـى َربّ ُه للْ ـجَبَلِ‬
‫ل فإن ا ْ‬
‫إل ـى ال ـجَبَ ِ‬
‫فنظر إلـى الـجبل ل يتـمالك‪ ,‬وأقبل الـجبل يندّك علـى أوّله فلـما رأى موسى ما يصنع‬
‫الـجبل خرّ صعقا‪.‬‬
‫واختلفـت القرّاء فــي قراءة قوله‪ :‬دَكّا‪ .‬فقرأتـه عامّة قرّاء أهـل الــمدينة والبصـرة‪ :‬دَكّا‬
‫مقصورا بـالتنوين‪ ,‬بـمعنى‪ :‬دك ال الـجبل دكّا أي فَ ّتتَه‪ ,‬واعتبـارا بقول ال‪ :‬كَلّ إذَا ُدكّتِ‬
‫حدَةً‪ .‬وا ستشهد بعض هم‬
‫ت الرْ ضُ وال ـجِبـالُ َف ُدكّ تا َدكّ ًة وَا ِ‬
‫حمِلَ ِ‬
‫الرْ ضِ دَكّا دَكّا‪ ,‬وقوله‪ :‬و ُ‬
‫علـى ذلك بقول حميد‪:‬‬
‫خطِرُ بـالبِـيضِ الرّقاقُ ُب َهمُ ْه‬
‫ن الـجِبـالِ َه َز ُم ْهتَـ ْ‬
‫َي ُدكّ أرْكا َ‬
‫جعََل ُه َدكّاءَ» بـالـمدّ وترك الـجرّ والتنوين‪ ,‬مثل حمراء‬
‫وقرأته عامّة قرّاء الكوفـيـين‪َ « :‬‬
‫وسوداء‪ .‬وكان مـمن يقرؤه كذلك عكرمة‪ ,‬ويقول فـيه ما‪:‬‬
‫‪ 11794‬ـ حدثن ـي به أح مد بن يو سف‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا القا سم بن سلم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عب ـاد بن‬
‫عبــاد‪ ,‬عـن يزيـد بـن حازم‪ ,‬عـن عكرمـة‪ ,‬قال‪ :‬دكّاء مـن الدكّاوات‪ .‬وقال‪ :‬لــما نظـر ال‬
‫تبـارك وتعالـى إلـى الـجبل صار صخره ترابـا‪.‬‬
‫واختلف أهل العربـية فـي معناه إذا قرىء كذلك‪ .‬فقال بعض نـحويـي البصرة‪ :‬العرب‬
‫تقول‪ :‬نا قة دكاء‪ :‬ل ـيس ل ها سنام‪ ,‬وقال‪ :‬ال ـجبل مذ كر‪ ,‬فل يش به أن يكون م نه إل أن يكون‬
‫جعله م ثل دكاء حذف م ثل وأجراه م ـجرى‪ :‬وا سألِ ال َقرْيَةِ‪ .‬وكان ب عض ن ـحويـي الكو فة‬
‫يقول‪ :‬مع نى ذلك‪ :‬ج عل ال ـجبل أر ضا دكّاء‪ ,‬ثم حذ فت الرض وأق ـيـمت الدكاء مقام ها إذ‬
‫أدّت عنها‪.‬‬

‫وأول ـى القراءت ـين ف ـي ذلك ب ـالصواب عندي قراءة من قرأ‪« :‬جعله دكاء» ب ـالـمدّ‪,‬‬
‫وترك ال ـجرّ لدللة ال ـخبر الذي رويناه عن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم عل ـى صحته‬
‫جبَلُ» ول ـم ي قل‪ :‬فتفتّت‪ ,‬ول‬
‫خ ال ـ َ‬
‫وذلك أ نه رُوي ع نه صلى ال عل يه و سلم أ نه قال‪« :‬فَ سا َ‬
‫تـحوّل ترابـا‪ .‬ول ش كّ أنه إذا ساخ فذهب ظهر وجه الرض‪ ,‬فصار بـمنزلة الناقة التـي‬
‫قد ذ هب سنامها‪ ,‬و صارت دكاء بل سنام‪ .‬وأ ما إذا د كّ بع ضه فإن ـما يك سر بع ضه بع ضا‬
‫ويتفتّت ول ي سوخ‪ .‬وأ ما الدكاء فإن ها خَ ـلَفٌ من الرض‪ ,‬فلذلك أُن ثت عل ـى ما قد ب ـينت‪.‬‬
‫فمعنى الكلم إذن‪ :‬فلـما تـجلـى ربه للـجبل ساخ‪ ,‬فجعل مكانه أرضا دكاء‪.‬‬
‫وقـد بــيّنا معنـى الصـعِق بشواهده فــيـما مضـى بــما أغنـى عـن إعادتـه فــي هذا‬
‫الـموضع‪.‬‬
‫ْتـ إلَــْيكَ وأنـا أوّلُ‬
‫سـبْحا َنكَ ُتب ُ‬
‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪ :‬فَلَــمّا أفــاقَ قالَ ُ‬
‫الـمُ ْؤ ِمنِـينَ‪.‬‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬فل ـما ثاب إل ـى مو سى عل ـيه ال سلم فه مه من غشي ته‪ ,‬وذلك هو‬
‫سبْحانَكَ تنزيها لك يا‬
‫الفـاقة من الصعقة التـي خرّ لها موسى صلى ال عليه وسلم‪ ,‬قال‪ُ :‬‬
‫ت إلَـيْكَ من مسألتـي إياك ما سألتك من‬
‫ربّ وتبرئة أن يراك أحد فـي الدنـيا ثم يعيش‪ُ .‬تبْ ُ‬
‫ل الـمُ ْؤ ِمنِـينَ بك من قومي أن ل يراك فـي الدنـيا أحد إل هلك‪.‬‬
‫الرؤية‪ .‬وأنا أوّ ُ‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11795‬ـ حدث نا ا بن وك يع‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد ال بن مو سى‪ ,‬عن أب ـي جع فر الرازي‪ ,‬عن‬
‫ن قال‪ :‬كان‬
‫ل الـمُ ْؤ ِمنِـي َ‬
‫الربـيع بن أنس‪ ,‬عن أبـي العالـية‪ ,‬فـي قوله‪ُ :‬تبْتُ إلَـيْكَ وأنا أوّ ُ‬
‫قبله مؤمنون‪ ,‬ولكن يقول‪ :‬أنا أوّل من آمن بأنه ل يراك أحد من خـلقك إلـى يوم القـيامة‪.‬‬
‫‪ 11796‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد ال بن أب ـي جع فر‪ ,‬عن‬
‫أبـيه‪ ,‬عن الربـيع‪ ,‬قال‪ :‬لـما رأى موسى ذلك وأفـاق‪ ,‬عرف أنه قد سأل أمرا ل ينبغي له‪,‬‬
‫ن قال أبو العالـية‪ :‬عنى أنى أوّل من آمن بك‬
‫ل الـمُ ْؤ ِمنِـي َ‬
‫سبْحا َنكَ ُتبْ تُ إلَـيْكَ وأنا أوّ ُ‬
‫فقال‪ُ :‬‬
‫أنه لن يراك أحد قبل يوم القـيامة‪.‬‬
‫‪11797‬ـ حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إبراهيـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬قال سفـيان‪:‬‬
‫صعِقا فمرّت به ال ـملئكة و قد‬
‫خرّ مُو سَى َ‬
‫قال أ بو سعد‪ ,‬عن عكر مة عن ا بن عب ـاس‪َ :‬و َ‬
‫صعق‪ ,‬فقالت‪ :‬يا ا بن الن ساء ال ـحيض ل قد سألت ر بك أمرا عظي ـما‪ .‬فل ـما أف ـاق قال‪:‬‬
‫سبحانك ل إله إل أنت‪ ,‬تبت إلـيك‪ ,‬وأنا أوّل الـمؤمنـين قال‪ :‬أنا أوّل من آمن أنه ل يراك‬
‫أحد من خـلقك‪ ,‬يعنـي فـي الدنـيا‪.‬‬

‫‪11798‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫ل ال ـمُ ْؤ ِمنِـينَ يقول‪ :‬أ نا أوّل من‬
‫سبْحا َنكَ ُتبْ تُ إلَ ـيْكَ وأ نا أوّ ُ‬
‫عن ا بن عب ـاس‪ ,‬قوله‪ :‬قالَ ُ‬
‫يؤمن أنه ل يراك شيء من خـلقك‪.‬‬
‫سبْحا َنكَ‬
‫‪11799‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن رجل‪ ,‬عن مـجاهد‪ُ :‬‬
‫ُتبْتُ إلَـ ْيكَ قال‪ :‬من مسألتـي الرؤية‪.‬‬
‫سبْحا َنكَ‬
‫حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬قالَ ُ‬
‫ُتبْتُ إلَـ ْيكَ أن أسألك الرؤية‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو نعيـم‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن عيسى بن ميـمون‪ ,‬عن رجل‪,‬‬
‫ت إلَـ ْيكَ أن أسألك الرؤية‪.‬‬
‫سبْحا َنكَ ُتبْ ُ‬
‫عن مـجاهد‪ُ :‬‬
‫حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن عيـينة‪ ,‬عن عيسى بن‬
‫ك ُتبْتُـ إلَــْيكَ قال‪ :‬تبـت إلــيك مـن أن أسـألك‬
‫ميــمون‪ ,‬عن مــجاهد‪ ,‬فــي قوله‪ :‬سُـبْحانَ َ‬
‫الرؤية‪.‬‬
‫ن بك من بن ـي إ سرائيـل‪ .‬ذ كر من قال‬
‫ل ال ـمُ ْؤ ِمنِـي َ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معناه قوله‪ :‬وأ نا أوّ ُ‬
‫ذلك‪:‬‬
‫‪ 11800‬ـ حدثن ـي ال ـحسين بن عمرو بن م ـحمد العنقزي‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أب ـي‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا‬
‫ل الـمُ ْؤ ِمنِـينَ قال‪ :‬أوّل من آمن‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬وأنا أوّ ُ‬
‫بك من بنـي إسرائيـل‪.‬‬
‫حدثنـي موسى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو بن حماد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪,‬‬
‫ن يعن ـي‪ :‬أوّل ال ـمؤمنـين من بن ـي‬
‫ل ال ـمُ ْؤ ِمنِـي َ‬
‫عن عكر مة‪ ,‬عن ا بن عب ـاس‪ :‬وأ نا أوّ ُ‬
‫إسرائيـل‪.‬‬
‫‪ 11801‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪ :‬وأنا أوّلُ الـمُ ْؤ ِمنِـينَ أنا أوّل قومي إيـمانا‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع والـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو نعيـم‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن عيسى بن ميـمون‪,‬‬
‫عن رجل‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬وأنا أوّلُ الـمُ ْؤ ِمنِـينَ يقول‪ :‬أوّل قومي إيـمانا‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫ن قال‪ :‬أنا أوّل قومي إيـمانا‪.‬‬
‫مـجاهد‪ :‬وأنا أوّلُ الـمُ ْؤ ِمنِـي َ‬
‫حدثن ـي ال ـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد العز يز‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو سعد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت م ـجاهدا‬
‫ن قال‪ :‬أوّل قومي آمن‪.‬‬
‫ل الـمُ ْؤ ِمنِـي َ‬
‫يقول فـي قوله‪ :‬وأنا أوّ ُ‬
‫ل ال ـمُ ْؤ ِمنِـينَ عل ـى قول من قال‪:‬‬
‫وإن ـما اختر نا القول الذي اخترناه ف ـي قوله‪ :‬وأ نا أوّ ُ‬
‫معناه‪ :‬أ نا أوّل ال ـمؤمنـين من بن ـي إ سرائيـل ل نه قد كان قبله ف ـي بن ـي إ سرائيـل‬

‫مؤمنون وأنبـياء‪ ,‬منهم ولد إسرائيـل لصلبه‪ ,‬وكانوا مؤمنـين وأنبـياء‪ ,‬فلذلك اخترنا القول‬
‫الذي قلناه قبل‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪144‬‬

‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪:‬‬

‫لتِي‬
‫ّاسـ ِبرِسـَا َ‬
‫اصـطَ َف ْيتُكَ عَلَى الن ِ‬
‫ُوسـىَ إِنّي ْ‬
‫{قَالَ َيم َ‬

‫ن الشّاكِرِينَ }‪..‬‬
‫لمِي َفخُ ْذ مَآ آ َت ْي ُتكَ َو ُكنْ مّ َ‬
‫َو ِبكَ َ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬قال ال ل ـموسى‪ :‬يا مُو سَى إنّ ـي ا صْطَفَـ ْي ُتكَ عل ـى النّا سِ يقول‪:‬‬
‫اختر تك عل ـى الناس ِبرَ سالتِـي إل ـى خ ـلقـي‪ ,‬أر سلتك ب ها إل ـيهم‪َ .‬و ِبكَل مي كل ـمتك‬
‫خذْ ما آتَ ـ ْي ُتكَ يقول‪ :‬ف خذ ما أعطي تك من أمري ون هي‬
‫وناجي تك دون غيرك من خ ـلقـي‪َ .‬ف ُ‬
‫ن الشّا ِكرِي نَ ل علـى ما آتاك من رسالته‪ ,‬وحصل به‬
‫ن مِ َ‬
‫وتـمسك به‪ ,‬واعمل به‪ ,‬يريد وكُ ْ‬
‫من النـجوى بطاعته فـي أمره ونهيه والـمسارعة إلـى رضاه‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪145‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫عظَ ًة َوتَفْ صِيلً‬
‫شيْ ٍء مّوْ ِ‬
‫{ َو َك َتبْنَا َل هُ فِي اللْوَا حِ مِن كُلّ َ‬

‫سأُ ْورِيكُمْ دَارَ ا ْلفَاسِقِينَ }‪..‬‬
‫س ِنهَا َ‬
‫خذُو ْا ِبَأحْ َ‬
‫خذْهَا بِقُ ّوةٍ وَ ْأ ُمرْ قَ ْو َمكَ َي ْأ ُ‬
‫شيْءٍ َف ُ‬
‫ّلكُلّ َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬وكتبنا لـموسى فـي ألواحه‪ .‬وأدخـلت اللف واللم فـي «اللواح»‬
‫بدلً من الضافة‪ ,‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫عوَازِبُ )‬
‫(والحْلمُ غيرُ َ‬
‫جنّ َة ِهيَ الـ َمأْوَى يعنـي‪ :‬هي مأواه‪.‬‬
‫ل ثناؤه فإنّ الـ َ‬
‫وكما قال ج ّ‬
‫عظَةً‬
‫ل شَيْءٍ يقول من التذك ير والتنب ـيه عل ـى عظ مة ال وع ّز سلطانه‪ .‬مَ ْو ِ‬
‫وقوله‪ :‬مِ نْ كُ ّ‬
‫شيْءٍ يقول‪ :‬وتبـيـينا لكلّ‬
‫لقومه ومن أمر بـالعمل بـما كتب فـي اللواح‪َ .‬وتَفْ صِيلً ِلكُلّ َ‬
‫شيء من أمر ال ونهيه‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11802‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن م ـجاهد أو سعيد بن جب ـير و هو ف ـي أ صل كتاب ـي‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫شيْءٍ قال‪ :‬ما أمروا به ونهوا عنه‪.‬‬
‫ل َ‬
‫جبـير فـي قول ال‪َ :‬وتَ ْفصِيلً ِلكُ ّ‬
‫‪ 11803‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو حذيفة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شبل‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‪,‬‬
‫عن مـجاهد‪ ,‬بنـحوه‪.‬‬
‫حدثن ـي م ـحمد بن ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أح مد بن ال ـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن‬
‫شيْءٍ مـن الــحلل‬
‫ل َ‬
‫عظَةً َوتَفْصـِيلً ِلكُ ّ‬
‫شيْءٍ مَ ْو ِ‬
‫ل َ‬
‫ِنـ كُ ّ‬
‫َاحـ م ْ‬
‫َهـ فِــي ال ْلو ِ‬
‫السـديّ‪ :‬و َك َتبْنـا ل ُ‬
‫والـحرام‪.‬‬

‫حدثن ـي ال ـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد العز يز‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو سعد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت م ـجاهدا‬
‫شيْءٍ قال‪ :‬ما أمروا به ونُهوا عنه‪.‬‬
‫ل َ‬
‫يقول فـي قوله‪َ :‬وتَ ْفصِيلً ِلكُ ّ‬
‫‪ 11804‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫عظَةً َوتَفْ صِيلً ِلكُلّ‬
‫شيْءٍ مَ ْو ِ‬
‫ل َ‬
‫ح مِ نْ كُ ّ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس قوله‪ :‬و َك َتبْنا لَ هُ فِـي ال ْلوَا ِ‬
‫شيْءٍ قال عطية‪ :‬أخبرنـي ابن عبـاس أن موسى صلى ال عليه وسلم لـما كربه الـموت‬
‫َ‬
‫قال‪ :‬هذا من أ جل آدم‪ ,‬قد كان ال جعل نا ف ـي دار مثوى ل ن ـموت‪ ,‬فخ طأ آدم أنزل نا هه نا‬
‫فقال ال لـموسى‪ :‬أبعث إلـيك آدم فتـخاصمه؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬فلـما بعث ال آدم‪ ,‬سأله موسى‪,‬‬
‫فقال أبونا آدم علـيهما السلم‪ :‬يا موسى سألت ال أن يبعثنـي لك قال موسى‪ :‬لول أنت لـم‬
‫ل شيء موعظة وتفصيلً؟ أفلست تعلـم أنه‬
‫نكن ههنا‪ .‬قال له آدم‪ :‬ألـيس قد أتاك ال من ك ّ‬
‫ن َنبْرَأَهَا؟ قال‬
‫ن َقبْل أ ْ‬
‫س ُكمْ إل فـي ِكتَا بٍ مِ ْ‬
‫صيَب ٍة ول فـي أنْفُ ِ‬
‫ض من مُ ِ‬
‫ما أ صَابَ فـي الرْ ِ‬
‫موسى‪ :‬بلـى‪ .‬فخصمه آدم صلـى ال علـيهما‪.‬‬
‫‪ 11805‬ـ حدث نا ال ـحسن بن يح يى‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا ع بد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا مع مر‪ ,‬عن ع بد‬
‫شيْءٍ‬
‫ن كُلّ َ‬
‫ح مِ ْ‬
‫ال صمد بن مع قل‪ ,‬أ نه سمع وهب ـا يقول ف ـي قوله‪ :‬و َك َتبْ نا لَ هُ فِ ـي اللْوَا ِ‬
‫شيْءٍ قال‪ :‬ك تب له ل تشرك ب ـي شيئا من أ هل ال سماء ول من أ هل‬
‫ل ِلكُلّ َ‬
‫ظةً َوتَفْ صِي ً‬
‫عَ‬
‫مَوْ ِ‬
‫ل ذلك خـلقـي‪ ,‬ول تـحلف بـاسمي كاذبـا‪ ,‬فإن من حلف بـاسمي كاذبـا‬
‫الرض فإن ك ّ‬
‫فل أزكيه‪ ,‬ووقّر والديك‪.‬‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪َ :‬فخُذْهَا بِ ُقوّةٍ‪.‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬وقلنا لـموسى إذ كتبنا له فـي اللواح من كلّ شيء موعظة وتفصيلً‬
‫لكلّ شيء‪ :‬خذ اللواح بقوّة‪ .‬وأخرج الـخبر عن اللواح والـمراد ما فـيها‪.‬‬
‫واختلف أ هل التأوي ـل ف ـي مع نى القوّة ف ـي هذا ال ـموضع‪ ,‬فقال بعض هم‪ :‬معنا ها بجدّ‪.‬‬
‫ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11806‬ـ حدثنـي عبد الكريـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إبراهيـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن عيـينة‪ ,‬قال‪:‬‬
‫خذْهَا بِ ُقوّ ٍة قال‪ :‬بجدّ‪.‬‬
‫قال أبو سعد‪ ,‬عن عكرمة عن ابن عبـاس‪ :‬فَ ُ‬
‫‪ 11807‬ـ حدثن ـي مو سى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عمرو بن حماد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪:‬‬
‫َفخُذْهَا بِ ُقوّ ٍة قال‪ :‬بجدّ واجتهاد‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬فخذها بـالطاعة ل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11808‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد الرح من بن سعد‪ ,‬قال‪:‬‬
‫خذْهَا بِقُ ّوةٍ قال‪ :‬بـالطاعة‪.‬‬
‫أخبرنا أبو جعفر‪ ,‬عن الربـيع بن أنس‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬ف ُ‬
‫و قد ب ـيّنا مع نى ذلك بشواهده واختلف أ هل التأوي ـل ف ـيه ف ـي سورة البقرة ع ند قوله‪:‬‬
‫خذُوا ما آتَـيْنا ُكمْ بِقُ ّو ٍة فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع‪.‬‬
‫ُ‬

‫حسَنِها‪.‬‬
‫ك َي ْأخُذُوا بأ ْ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬و ْأ ُمرْ قَ ْو َم َ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬قل نا ل ـموسى‪ :‬وأ مر قو مك بن ـي إ سرائيـل يأخذوا بأح سنها‪ .‬يقول‪:‬‬
‫يعملوا بأحسن ما يجدون فـيها كما‪:‬‬
‫‪ 11809‬ـ حدثنـي موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬و ْأ ُمرْ قَ ْومَ كَ‬
‫سنِها بأحسن ما يجدون فـيها‪.‬‬
‫حَ‬
‫َي ْأخُذُوا بأ ْ‬
‫‪ 11810‬ـ حدثنـي عبد الكريـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إبراهيـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو‬
‫سنِها قال‪ :‬أمر موسى أن يأخذها‬
‫خذُوا بأحْ َ‬
‫سعد‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬و ْأ ُمرْ قَ ْومَ كَ َي ْأ ُ‬
‫بأشدّ مـما أمر به قومه‪.‬‬
‫سنِها أكان من خصالهم ترك بعض ما‬
‫ك َي ْأخُذُوا بأحْ َ‬
‫فإن قال قائل‪ :‬وما معنى قوله‪ :‬و ْأ ُمرْ قَ ْومَ َ‬
‫ف ـيها من ال ـحسن؟ ق ـيـل‪ :‬ل ول كن كان ف ـيها أ مر ون هي‪ ,‬فأمر هم ال أن يعملوا ب ـما‬
‫أمرهم بعمله ويتركوا ما نهاهم عنه‪ ,‬فـالعمل بـالـمأمور به أحسن من العمل بـالـ َمنْهيّ‬
‫عنه‪.‬‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬سأُرِي ُكمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ‪.‬‬
‫ل ش يء‪ :‬خذ ها بجدّ ف ـي الع مل‬
‫يقول تعال ـى ذكره ل ـموسى إذ ك تب ف ـي اللواح من ك ّ‬
‫بـما فـيها واجتهاد‪ ,‬وأمر قومك يأخذوا بأحسن ما فـيها‪ ,‬وانههم عن تضيـيعها وتضيـيع‬
‫العمل بـما فـيها والشرك بـي‪ ,‬فإن من أشرك بـي منهم ومن غيرهم‪ ,‬فإنـي سأريه فـي‬
‫الَخرة عند مصيره إلـيّ دار الفـاسقـين‪ ,‬وهي نار ال التـي أعدّها لعدائه‪ .‬وإنـما قال‪:‬‬
‫ن ك ما يقول القائل ل ـمن يخاط به‪ :‬سأريك غدا إلم ي صير إل ـيه حال‬
‫سأُرِي ُكمْ دَارَ الف ـاسِقِـي َ‬
‫من خالف أمري علـى وجه التهديد والوعيد لـمن عصاه وخالف أمره‪.‬‬
‫وقد اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك‪ ,‬فقال بعضهم بنـحو ما قلنا فـي ذلك‪ .‬ذكر من‬
‫قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11811‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫أبــي نــجيح‪ ,‬عـن مــجاهد‪ ,‬فــي قوله‪ :‬سـُأرِيكُمْ دَارَ الفــاسِقِـينَ قال‪ :‬مصـيرهم فــي‬
‫الَخرة‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد مثله‪.‬‬
‫‪ 11812‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا م سلـم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا مب ـارك‪ ,‬عن ال ـحسن‪ ,‬ف ـي‬
‫قوله‪ :‬سُأرِي ُكمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ قال‪ :‬جهنـم‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬سأدخـلكم أرض الشأم‪ ,‬فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها‬
‫من الـجبـابرة والعمالقة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬

‫‪ 11813‬ـ حدث نا ب شر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا يز يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬سُأرِي ُكمْ دَارَ‬
‫الفـاسِقِـينَ‪ :‬منازلهم‪.‬‬
‫حدث نا م ـحمد بن ع بد العل ـى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا م ـحمد بن ثور‪ ,‬عن مع مر‪ ,‬عن قتادة‪ :‬دَارَ‬
‫ن قال‪ :‬منازلهم‪.‬‬
‫الفـاسِقِـي َ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنــى ذلك‪ :‬ســأريكم دار قوم فرعون‪ ,‬وهــي مصــر‪ .‬ذكــر مــن قال‬
‫ذلك‪............:‬‬
‫وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي تأويـل ذلك‪ ,‬لن الذي قبل قوله جلّ ثناؤه‪ :‬سأُرِي ُكمْ‬
‫دَارَ الف ـاسِقِـينَ أ مر من ال ل ـموسى وقو مه ب ـالعمل ب ـما ف ـي التوراة‪ ,‬فأول ـى المور‬
‫بحكمة ال تعالـى أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى من ضيعه وفرّط فـي العمل ل وحاد عن‬
‫سبـيـله‪ ,‬دون الـخبر عما قد انقطع الـخبر عنه أو عما لـم يجر له ذكر‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪146‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن فِي الرْ ضِ ِب َغ ْيرِ‬
‫ن آيَاتِي اّلذِي نَ َي َت َكّبرُو َ‬
‫ع ْ‬
‫ص ِرفُ َ‬
‫سأَ ْ‬
‫{ َ‬

‫سبِيلَ‬
‫سبِيلً وَإِن َيرَوْ ْا َ‬
‫خذُو ُه َ‬
‫ل َي ّت ِ‬
‫سبِيلَ ال ّرشْدِ َ‬
‫ل يُ ْؤ ِمنُو ْا بِهَا وَإِن َيرَوْ ْا َ‬
‫ا ْلحَ قّ وَإِن َيرَوْ ْا كُلّ آ َيةٍ ّ‬
‫ع ْنهَا غَافِلِينَ }‪..‬‬
‫ك ِبَأنّ ُهمْ َك ّذبُو ْا بِآيَا ِتنَا َوكَانُواْ َ‬
‫سبِيلً ذَِل َ‬
‫خذُو ُه َ‬
‫ا ْل َغيّ َي ّت ِ‬
‫اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬معناه‪ :‬سأنزع عنهم فهم الكتاب‪ .‬ذكر‬
‫من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11814‬ـ حدثنا أحمد بن منصور الـمروزي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي مـحمد بن عبد ال بن بكر‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ن فِـي الرْ ضِ‬
‫ن َي َتكَ ّبرُو َ‬
‫ي اّلذِي َ‬
‫صرِفُ عَ نْ آياتِـ َ‬
‫سمعت ابن عيـينة يقول فـي قول ال‪ :‬سأ ْ‬
‫حقّ قال‪ :‬يقول‪ :‬أنزع عنهم فهم القرآن‪ ,‬وأصرفهم عن أياتـي‪.‬‬
‫بغيرِ الـ َ‬
‫وتأويــل ابـن عيــينة هذا يدلّ علــى أن هذا الكلم كان عنده مـن ال وعيدا لهـل الكفـر‬
‫بـال مـمن بعث إلـيه نبـينا صلى ال عليه وسلم دون قوم موسى‪ ,‬لن القرآن إنـما أنزل‬
‫علـى نبـينا مـحمد صلى ال عليه وسلم دون موسى علـيه السلم‪.‬‬
‫وقال آخرون فـي ذلك‪ :‬معناه‪ :‬سأصرفهم عن العتبـار بـالـحجج‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫صرِفُ‬
‫‪ 11815‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ :‬سأ ْ‬
‫ي عن خـلق السموات والرض والَيات فـيها‪ ,‬سأصرفهم عن أن يتفكروا فـيها‬
‫ع نْ أياتِـ َ‬
‫َ‬
‫ويعتبروا‪.‬‬
‫وأولـى القوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال‪ :‬إن ال أخبر أنه سيصرف عن آياته‪ ,‬وهي‬
‫أدل ته وأعل مه عل ـى حق ـية ما أ مر به عب ـاده وفرض عل ـيهم من طاع ته ف ـي توحيده‬
‫ل موجود مـن خــلقه فمـن آياتـه‪,‬‬
‫وعدله وغيـر ذلك مـن فرائضـه‪ ,‬والسـموات والرض‪ ,‬وك ّ‬

‫والقرآن أيضا من آياته‪ .‬وقد ع مّ بـالـخبر أنه يصرف عن آياته الـمتكبرين فـي الرض‬
‫بغ ير ال ـحقّ‪ ,‬و هم الذ ين حقّت عل ـيهم كل ـمة ال أن هم ل يؤْمنون‪ ,‬ف هم عن ف هم جم يع آيا ته‬
‫والعتبــار والدّكار بهـا مصـروفون لنهـم لو وفقوا لفهـم بعـض ذلك فهدوا للعتبــار بـه‬
‫اتعظوا وأنابوا إل ـى ال ـحقّ‪ ,‬وذلك غ ير كائن من هم‪ ,‬ل نه جلّ ثناؤه قال‪ :‬وَإ نْ َيرَوْا كُلّ آ َيةٍ ل‬
‫يُ ْؤ ِمنُوا بِها فل تبديـل لكلـمات ال‪.‬‬
‫سبِـيـلَ ال ّرشْدِ‬
‫ن يَرَوْا َ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬وَإنْ َيرَوْا كُلّ آ َيةٍ ل يُؤ ِمنُوا بِها وَإ ْ‬
‫ل ذل كَ بأ ّنهُ مْ َك ّذبُوا بآياتِنا وكانُوا‬
‫سبِـي ً‬
‫خذُو ُه َ‬
‫ي َيتّـ ِ‬
‫سبِـيـلَ الغَ ّ‬
‫ن َيرَوْا َ‬
‫سبِـيلً وَإ ْ‬
‫خذُو ُه َ‬
‫ل َيتّـ ِ‬
‫عنْها غَافِلِـينَ‪.‬‬
‫َ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬وإن ير هؤلء يت كبرون ف ـي الرض بغ ير ال ـحقّ‪ .‬وت كبرهم ف ـيها‬
‫بغ ير ال ـحقّ‪ :‬تـجبرهم ف ـيها‪ ,‬واستكبـارهم عن الي ـمان ب ـال ور سوله والذعان لمره‬
‫ونه يه‪ ,‬و هم ل عب ـيد يغذو هم بنعم ته وير يح عل ـيهم رز قه بكرة وعش يا‪ .‬كلّ آ َيةٍ يقول‪ :‬كلّ‬
‫حجة ل علـى وحدانـيته وربوبـيته‪ ,‬وكلّ دللة علـى أنه ل تنبغي العبـادة إل له خالصة‬
‫دون غيره‪ .‬ل يُ ْؤ ِمنُوا بِ ها يقول‪ :‬ل ي صدّقوا بتلك الَ ية أن ها دالة عل ـى ما هي ف ـيه ح جة‪,‬‬
‫سبِـيلً يقول‪ :‬وإن‬
‫خذُوهُ َ‬
‫شدِ ل َيتّ ـ ِ‬
‫سبِـيـلَ ال ّر ْ‬
‫ن َيرَوْا َ‬
‫ولكن هم يقولون‪ :‬هي سحر وكذب‪ .‬وَإ ْ‬
‫يـر هؤلء الذيـن وصـف صـفتهم طريـق الهدى والسـداد الذي إن سـلكوه نــجوا مـن الهلكـة‬
‫والعطـب وصـاروا إلــى نعيــم البـد ل يسـلكوه ول يتــخذوه لنفسـهم طريقـا‪ ,‬جهلً منهـم‬
‫ـ يقول‪ :‬وإن يروا طريـق الهلك الذي إن سـلكوه ضلوا‬
‫ـبِـيـلَ الغَي ّ‬
‫ـ َيرَوْا س َ‬
‫وحيرة‪ .‬وإن ْ‬
‫سبِـيلً‬
‫خذُوهُ َ‬
‫وهلكوا‪ .‬وقد بـيّنا معنى الغ يّ فـيـما مضى قبل بِـما أغنى عن إعادته‪َ .‬يتّـ ِ‬
‫يقول‪ :‬يسلكوه ويجعلوه لنفسهم طريقا لصرف ال إياهم عن آياته وطبعه علـى قلوبهم‪ ,‬فهم ل‬
‫عنْ ها غَافِلِ ـينَ يقول تعال ـى ذكره‪:‬‬
‫يفل ـحون ول ين ـجحون‪ .‬ذل كَ بأ ّنهُ مْ َك ّذبُوا بآياتِ نا وكانُوا َ‬
‫صرفناهم عن آياتنا أن يعقلوها ويفهموها‪ ,‬فـيعتبروا بها ويذكروا فـينـيبوا عقوبة منا لهم‬
‫ن يقول‪ :‬وكانوا عن آيات نا وأدلت نا الشاهدة عل ـى‬
‫عنْ ها غَافِلِ ـي َ‬
‫عل ـى تكذيب هم بآيات نا‪ ,‬وكَانُوا َ‬
‫حقـية ما أمرناهم به ونهيناهم عنه‪ ,‬غافلـين ل يتفكّرون فـيها‪ ,‬لهين عنها ل يعتبرون بها‪,‬‬
‫فحقّ علـيهم حينئذ قول ربنا‪ ,‬فعطبوا‪.‬‬
‫واختلف القرّاء ف ـي قراءة قوله‪ :‬الرّشْد فقرأ ذلك عا مة قرّاء ال ـمدينة وب عض ال ـمكيـين‬
‫وبعـض البصـريـين‪ :‬الرّشْد بضـم الراء وتسـكين الشيـن‪ .‬وقرأ ذلك عامـة قرّاء أهـل الكوفـة‬
‫وبعض الـمكيـين‪« :‬ال ّرشَد» بفتـح الراء والشين‪.‬‬
‫ثم اختلف أهل الـمعرفة بكلم العرب فـي معنى ذلك إذا ضمت راؤه وسكنت شينه‪ ,‬وفـيه‬
‫إذا فتــحتا جميعـا‪ .‬فذُكـر عـن أبــي عمرو بـن العلء أنـه كان يقول‪ :‬معناه إذا ضمـت راؤه‬
‫ستُـمْ ِم ْنهُ مْ ُرشْدا ب ـمعنى‪ :‬صلحا وكذلك كان‬
‫ن آنَ ْ‬
‫و سكنت شي نه‪ :‬ال صلح‪ ,‬ك ما قال ال‪ :‬فإ ْ‬

‫يقرؤه هو ومعناه إذا فتـحت راؤه وشينه‪ :‬ال ّرشَد فـي الدين‪ ,‬كما قال جلّ ثناؤه‪ُ :‬تعَلّـمَنِـي‬
‫مِـمّا عَلّـمْتَ َرشَدا بـمعنى الستقامة والصواب فـي الدين‪ .‬وكان الكسائي يقول‪ :‬هما لغتان‬
‫حزَن‪ ,‬وكذلك ال ّرشْد وال ّرشَد‪.‬‬
‫بـمعنى واحد‪ ,‬مثل‪ :‬السّقم والسّقَم‪ ,‬والـحُزْن والـ َ‬
‫والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال‪ :‬إنهما قراءتان مستفـيضة القراءة بهما فـي‬
‫قراءة المصار متفقتا الـمعنى‪ ,‬فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب بها‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪147‬‬

‫ُمـ هَلْ‬
‫عمَاُله ْ‬
‫َتـ أَ ْ‬
‫ح ِبط ْ‬
‫خرَةِ َ‬
‫لَ ِ‬
‫ِينـ َك ّذبُو ْا بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ا ُ‬
‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪{ :‬وَاّلذ َ‬

‫ل مَا كَانُو ْا َي ْعمَلُونَ }‪..‬‬
‫ُيجْزَ ْونَ ِإ ّ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬هؤلء ال ـمستكبرون ف ـي الرض بغ ير ال ـحقّ‪ ,‬وكلّ مكذّب ح جج‬
‫ال ورسله وآياته‪ ,‬وجاحد أنه يوم القـيامة مبعوث بعد مـماته‪ ,‬ومنكر لقاء ال فـي آخرته‪,‬‬
‫ذهبت أعمالهم فبطلت‪ ,‬وحصلت لهم أوزارها فثبتت‪ ,‬لنهم عملوا لغير ال وأتعبوا أنفسهم فـي‬
‫ل ما‬
‫ل ُيجْزَ ْو نَ إ ّ‬
‫غير ما يرضى ال‪ ,‬فصارت أعمالهم علـيهم وبـالً‪ ,‬يقول ال جلّ ثناؤه‪ :‬هَ ْ‬
‫كانُوا َي ْعمَلُونَـ يقول‪ :‬هـل ينالون إل ثواب مـا كانوا يعملون‪ ,‬فصـار ثواب أعمالهـم الــخـلود‬
‫فـي نار أحاط بهم سرادقها‪ ,‬إذ كانت أعمالهم فـي طاعة الشيطان دون طاعة الرحمن نعوذ‬
‫بـال من غضبه‪ .‬وقد بـيّنا معنى الـحبوط والـجزاء والَخرة فـيـما مضى بـما أغنى‬
‫عن إعادته‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪148‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ل جَ سَدا ّل هُ‬
‫عجْ ً‬
‫سىَ مِن َب ْعدِ هِ ِم نْ حُِل ّيهِ مْ ِ‬
‫خذَ قَوْ ُم مُو َ‬
‫{وَا ّت َ‬

‫خذُوهُ َوكَانُو ْا ظَاِلمِينَ }‪..‬‬
‫سبِيلً ا ّت َ‬
‫ل َي ْهدِي ِهمْ َ‬
‫خُوَارٌ أََلمْ َيرَوْ ْا َأنّ ُه لَ ُيكَّل ُم ُهمْ َو َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬واتـخذ بنو إسرائيـل قوم موسى من بعد ما فـارقهم موسى ماضيا‬
‫إلـى ربه لـمناجاته ووفـاء للوعد الذي كان ربه وعده من حلـيهم عجلً‪ ,‬وهو ولد البقرة‪,‬‬
‫خوَارٌ والـخوار‪ :‬صوت البقر‪.‬‬
‫فعبدوه‪ .‬ثم بـين تعالـى ذكره ما ذلك العجل فقال‪ :‬جَ سَدا لَ هُ ُ‬
‫ب جلّ جلله‬
‫ل ذكره عنهم أنهم ضلوا بـما ل يضلّ بـمثله أهل العقل‪ ,‬وذلك أن الر ّ‬
‫يخبر ج ّ‬
‫الذي له ملك ال سموات والرض ومدبّر ذلك‪ ,‬ل يجوز أن يكون ج سدا له خوار‪ ,‬ل يكل ـم أحدا‬
‫ص ال قصصهم لذلك هذا إلهنا وإله موسى‪ ,‬فعكفوا‬
‫ول يرشد إلـى خير‪ .‬وقال هؤلء الذين ق ّ‬
‫ل من هم وذهاب ـا عن ال وضللً‪ .‬و قد ب ـيّنا سبب عب ـادتهم إياه وك يف‬
‫عل ـيه يعبدو نه جه ً‬
‫كان اتـخاذ من اتـخذ منهم العجل فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته‪.‬‬

‫وفـي الـحُلـيّ لغتان‪ :‬ض مّ الـحاء وهو الصل‪ ,‬وكسرها‪ ,‬وكذلك ذلك فـي كلّ ما شاكله‬
‫مـن مثـل صـلـيّ وجثــيّ وعتــيّ‪ .‬وبأيتهمـا قرأ القارىء فمصـيب الصـواب‪ ,‬لسـتفـاضة‬
‫القراءة بهما فـي القرأة‪ ,‬ل تفـارق بـين معنـيـيهما‪.‬‬
‫سبِـيلً يقول‪ :‬أل ـم ير الذ ين عكفوا عل ـى‬
‫وقوله‪ :‬ألَ ـمْ َيرَوْا أّن هُ ل ُيكَلّ ـ ُم ُهمْ وَل َي ْهدِيهِ مْ َ‬
‫سبِـيلً يقول‪ :‬ول‬
‫العجل الذي اتـخذوه من حلـيهم يعبدونه أن العجل ل ُيكَلّـمُ ُهمْ ول َي ْهدِيهِمْ َ‬
‫يرشدهم إلـى طريق‪ .‬ولـيس ذلك من صفة ربهم الذي له العبـادة حقا‪ ,‬بل صفته أنه يكلـم‬
‫أنب ـياءه ور سله‪ ,‬وير شد خ ـلقه إل ـى سبـيـل ال ـخير وينها هم عن سبـيـل ال ـمهالك‬
‫خذُوهُ‪ :‬أي اتــخذوا العجـل إلهـا‪ .‬وكانُوا بــاتـخاذهم إياه‬
‫والردى‪ .‬يقول ال جلّ ثناؤه‪ :‬اتّــ َ‬
‫ربـا معبودا ظالِـمِينَ لنفسهم‪ ,‬لعبـادتهم غير من له العبـادة‪ ,‬وإضافتهم اللوهة إلـى غير‬
‫الذي له اللوهة‪ .‬وقد بـيّنا معنى الظلـم فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪149‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ي َأ ْيدِيهِ مْ َورَأَوْاْ َأ ّنهُ مْ َقدْ ضَلّو ْا قَالُو ْا َلئِن لّ مْ‬
‫{وََلمّا سُ ِقطَ فَ َ‬

‫سرِينَ }‪..‬‬
‫ن مِنَ ا ْلخَا ِ‬
‫ح ْمنَا َر ّبنَا َو َيغْ ِفرْ َلنَا َل َنكُونَ ّ‬
‫َيرْ َ‬
‫يعنـي تعالـى ذكره بقوله‪ :‬ولَـمّا سُ ِقطَ فِـي أ ْيدِيه مْ‪ :‬ولـما ندم الذين عبدوا العجل الذي‬
‫ل ثناؤه صفته ع ند رجوع مو سى إل ـيهم‪ ,‬وا ستسلـموا ل ـموسى وحك مه ف ـيهم‪.‬‬
‫و صف ج ّ‬
‫وكذلك تقول العرب لكلّ نادم عل ـى أ مر ف ـات م نه أو سلف وعا جز عن ش يء‪ « :‬قد سقط‬
‫فـي يديه» و«أسقط» لغتان فصيحتان‪ ,‬وأصله من الستئسار‪ ,‬وذلك أن يضرب الرجل الرجل‬
‫أو ي صرعه‪ ,‬ف ـيرمي به من يد يه إل ـى الرض ل ـيأسره ف ـيكتفه‪ ,‬ف ـالـمرميّ به م سقوط‬
‫فـي يدي الساقط به‪ ,‬فقـيـل لكلّ عاجز عن شيء ومصارع لعجزه متندم علـى ما فـاته‪:‬‬
‫سقط ف ـي يد يه وأ سقط‪ .‬وع نى بقوله‪َ :‬ورَأَوْا أ ّنهُ مْ قَ ْد ضَلّوا ورأوا أن هم قد جاروا عن ق صد‬
‫السبـيـل وذهبوا عن دين ال‪ ,‬وكفروا بربهم‪ ,‬قالوا تائبـين إلـى ال منـيبـين إلـيه من‬
‫حمْنا َربّنا َو َيغْ ِفرْ لَنا َلنَنكُو َننّ ِمنَ الـخاسِرِينَ‪.‬‬
‫ن لَـمْ َيرْ َ‬
‫كفرهم به‪َ :‬لئِ ْ‬
‫ثم اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك‪ ,‬فقرأه بعض قرّاء أهل الـمدينة ومكة والكوفة والبصرة‪:‬‬
‫حمْنا َربّنا بـالرفع علـى وجه الـخبر‪ .‬وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة‪َ« :‬لئِ نْ‬
‫ن لَـمْ َي ْر َ‬
‫َلئِ ْ‬
‫حمْنا َربّنا» بـالنصب بتأويـل لئن لـم ترحمنا يا ربنا‪ ,‬علـى وجه الـخطاب منهم‬
‫لَـمْ َت ْر َ‬
‫حمْنـا َربّنـا‬
‫لربهـم‪ .‬واعتلّ قارئو ذلك كذلك بأنـه فــي إحدى القراءتــين‪« :‬قالوا َلئِن ْـ لَــمْ َت ْر َ‬
‫َو َتغْ ِفرْ لَنا»‪ ,‬وذلك دلـيـل علـى الـخطاب‪.‬‬
‫والذي هو أولـى بـالصواب من القراءة فـي ذلك القراءة علـى وجه الـخبر بـالـياء‬
‫فـي «يرحمنا» وبـالرفع فـي قوله «ربّنا»‪ ,‬لنه لـم يتقدّم ذلك ما يوجب أن يكون موجها‬

‫حمْنا‬
‫إلـى الـخطاب‪ .‬والقراءة التـي حكيت علـى ما ذكرنا من قراءتها‪« :‬قالوا َلئِ نْ لَـمْ َت ْر َ‬
‫ن لَـمْ َي ْرحَمْنا‬
‫َربّنا» ل نعرف صحتها من الوجه الذي يجب التسلـيـم إلـيه‪ .‬ومعنى قوله‪َ :‬لئِ ْ‬
‫َربّنا َو َيغْ ِفرْ لَنا‪ :‬لئن لـم يتعطف علـينا ربنا بـالتوبة برحمته‪ ,‬ويتغمد بها ذنوبنا‪ ,‬لنكون نّ من‬
‫الهالكين الذين حبطت أعمالهم‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪150‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫سمَا‬
‫ل ِبئْ َ‬
‫ن أَ سِفا قَا َ‬
‫ضبَا َ‬
‫غ ْ‬
‫سىَ إَِلىَ قَ ْو ِم هِ َ‬
‫{وَلَمّا َرجَ عَ مُو َ‬

‫ن أُمّ ِإنّ‬
‫جرّهُ إَِل ْيهِ قَالَ ابْ َ‬
‫خذَ ِبرَأْسِ َأخِي ِه َي ُ‬
‫عجِ ْلتُمْ َأ ْمرَ َر ّبكُمْ وَأَلْقَى ال ْلوَاحَ وََأ َ‬
‫ي أَ َ‬
‫خَلَ ْف ُتمُونِي مِن َب ْعدِ َ‬
‫جعَ ْلنِي مَ َع الْ َق ْومِ الظّاِلمِينَ }‪..‬‬
‫ل َت ْ‬
‫عدَآءَ َو َ‬
‫شمِتْ ِبيَ ال ْ‬
‫ضعَفُونِي َوكَادُواْ يَ ْقتُلُو َننِي فَلَ ُت ْ‬
‫ستَ ْ‬
‫الْقَ ْو َم ا ْ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ولـما رجع موسى إلـى قومه من بنـي إسرائيـل‪ ,‬رجع غضبـان‬
‫أسـفـا‪ ,‬لن ال كان قـد أخـبره أنـه قـد فتـن قومُه‪ ,‬وأن السـامريّ قـد أضلهـم‪ ,‬فكان رجوعـه‬
‫غضبـان أسفـا لذلك‪ .‬والسف‪ :‬شدّة الغضب والتغيظ به علـى من أغضبه‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪11816‬ـ حدثنـي عمران بن بكار الكُلعي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد السلم بن مـحمد الـحضرمي‪,‬‬
‫قال‪ :‬ثن ـي شر يح بن يز يد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت ن صر بن علق مة‪ ,‬يقول‪ :‬قال أ بو الدرداء‪ :‬قول ال‪:‬‬
‫ن أ سِفـا‪ ,‬قال‪ :‬ال سف‪ :‬منزلة وراء الغ ضب أشدّ من ذلك‪ ,‬وتف سير ذلك ف ـي كتاب‬
‫غضْب ـا َ‬
‫َ‬
‫ال‪ :‬ذهب إلـى قومه غضبـان‪ ,‬وذهب أسفـا‪.‬‬
‫وقال آخرون فـي ذلك ما‪:‬‬
‫‪ 11817‬ـ حدثن ـي مو سى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪:‬‬
‫َأسِفـا قال‪ :‬حزينا‪.‬‬
‫‪ 11818‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫ن أ سِفـا يقول‪ :‬أسفـا‬
‫غضْبـا َ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬وَلـمّا َرجَ عَ مُو سَى إلـى قَ ْومِ هِ َ‬
‫حزينا‪ .‬وقال فـي الزخرف فلـمّا آسفُونَا يقول‪ :‬أغضبونا‪ .‬والسف علـى وجهين‪ :‬الغضب‬
‫والـحزن‪.‬‬
‫‪ 11819‬ـ حدثنا نصر بن علـيّ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـيـمان بن سلـيـمان‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مالك بن‬
‫غضْبــانَ‬
‫دينار‪ ,‬قال‪ :‬سـمعت الــحسن يقول فــي قوله‪ :‬وَلــمّا َرجَع َـ مُوسـَى إلــى قَ ْومِهِـ َ‬
‫أسِفـا قال‪ :‬غضبـان حزينا‪.‬‬
‫ن َبعْدِي يقول‪ :‬بئس الف عل فعلت ـم ب عد فراق ـي إيا كم‬
‫وقوله قال‪ِ :‬بئْ سَما خَ ـلَ ْفتُـمُونِـي مِ ْ‬
‫وأول ـيتـمونـي ف ـيـمن خ ـلفت من ورائي من قو مي ف ـيكم ودين ـي الذي أمر كم به‬
‫ربكـم‪ .‬يقال منـه‪ :‬خــلفه بخيـر وخــلفه بشرّ إذا أوله فــي أهله أو قومـه ومـن كان منـه‬
‫عجِ ْلتُ ـمْ أ ْمرَ َربّكُ مْ يقول‪ :‬أ سبقتـم‬
‫ب سبـيـل من ب عد شخو صه عن هم خيرا أو شرّا‪ .‬وقوله‪ :‬أ َ‬

‫أ مر رب كم ف ـي نفو سكم‪ ,‬وذهبت ـم ع نه؟ يقال م نه‪ :‬ع جل فلن هذا ال مر‪ :‬إذا سبقه‪ ,‬وع جل‬
‫فلنٌ فلنا إذا سبقه‪ ,‬ول تعجَلنـي يا فلن‪ :‬ل تذهب عنـي وتدعنـي‪ ,‬وأعجلته‪ :‬استـحثثته‪.‬‬
‫ن أُ مّ‬
‫جرّ هُ إلَـيْ ِه قالَ ابْ َ‬
‫خذَ بِرأ سِ أخِي ِه َي ُ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬وأ ْلقَـى اللْوَا حَ وأ َ‬
‫ضعَفُونِـي وكادُوا يَ ْقتُلُو َننِـي‪.‬‬
‫ستَ ْ‬
‫ن القَ ْو َم ا ْ‬
‫إّ‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬وألق ـى مو سى اللواح‪ .‬ثم اختلف أ هل العل ـم ف ـي سبب إلقائه إياه‪,‬‬
‫فقال بعضهم‪ :‬ألقاها غضبـا علـى قومه الذي عبدوا العجل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 11820‬ـ حدثنا تـميـم بن الـمنتصر‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا الصبغ بن زيد‪ ,‬عن‬
‫القا سم بن أب ـي أيوب قال‪ :‬ثن ـي سعيد بن جب ـير‪ ,‬قال‪ :‬قال ا بن عب ـاس‪ :‬وَل ـمّا َرجَ عَ‬
‫غضْبــانَ أسـِفـا فأخـذ برأس أخيـه يجرّه إلــيه‪ ,‬وألقــى اللواح مـن‬
‫ِهـ َ‬
‫مُوسـَى إلــى قَ ْوم ِ‬
‫الغضب‪.‬‬
‫‪ 11821‬ـ وحدثن ـي ع بد الكري ـم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إبراهي ـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ا بن عي ـينة‪,‬‬
‫قال‪ :‬قال أبو سعد‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬لـما رجع موسى إلـى قومه‪ ,‬وكان‬
‫قريبـا منهم‪ ,‬سمع أصواتهم فقال‪ :‬إنـي لسمع أصوات قوم لهين‪ .‬فلـما عاينهم وقد عكفوا‬
‫علـى العجل ألقـى اللواح فكسرها‪ ,‬وأخذ برأس أخيه يجرّه إلـيه‪.‬‬
‫‪ 11822‬ـ حدثنا موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬قال‪ :‬أخذ موسى‬
‫اللواح ثم ر جع مو سى إل ـى قو مه غضب ـان أ سفـا‪ ,‬فقال‪ :‬يا قَوْ مِ أَلَ ـمْ َي ِع ْدكُ مْ َربّكُ مْ وَعْدا‬
‫جرّ هُ‬
‫خذَ برأَ سِ أخِي ِه َي ُ‬
‫حَ سَنا‪ .‬إلـى قوله‪ :‬فكذَل كَ ألْقَـى ال سّا ِمرِيّ ف ألْقَـى مُو سَى اللْوَا حَ وأ َ‬
‫حيَتِـي وَل بِرأسِي‪.‬‬
‫خذْ بِلِـ ْ‬
‫إلَـيْهِ قال يا ابْنَ ُأ ّم ل َت ْأ ُ‬
‫‪11823‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬لـما انتهى موسى إلـى‬
‫قو مه فرأى ما هم عل ـيه من عب ـادة الع جل‪ ,‬ألق ـى اللواح من يده‪ ,‬ثم أ خذ برأس أخ يه‬
‫ت أ ْمرِي؟‪.‬‬
‫ل َت ّت ِبعَنِ أ َف َعصَيْ َ‬
‫ولـحيته يقول‪ :‬ما َم َن َعكَ إ ْذ رأ ْي َت ُهمْ ضَلّوا أ ّ‬
‫وقال آخرون‪ :‬إن ـما ألقـى مو سى اللواح لفضائل أ صابها فـيها لغير قو مه‪ ,‬ف ـاشتدّ ذلك‬
‫علـيه‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫خذَ اللْوَاحَ‬
‫‪11824‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيدُ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬أ َ‬
‫َبـ إنــي أجـد فــي اللواح أمـة خيـر أمـة أخرجـت للناس‪ ,‬يأمرون بــالـمعروف‬
‫قال‪ :‬ر ّ‬
‫وينهون عـن الــمنكر‪ ,‬فــاجعلهم أمتــي قال‪ :‬تلك أمـة أحمـد‪ .‬قال‪ :‬ربّـ إنــي أجـد فــي‬
‫اللواح أمة هم الَخرون السابقون‪ :‬أي آخرون فـي الـخـلق‪ ,‬سابقون فـي دخول الـجنة‪,‬‬
‫ب اجعل هم أمت ـي قال‪ :‬تلك أ مة أح مد‪ .‬قال‪ :‬ر بّ إن ـي أ جد ف ـي اللواح أ مة أناجي ـلهم‬
‫ر ّ‬
‫فـي صدورهم يقرءونها‪ ,‬وكان مَن قبلَهم يقرءون كتابهم نظرا حتـى إذا رفعوها لـم يحفظوا‬
‫شيئا ولـم يعرفوه قال قتادة‪ :‬وإن ال أعطاكم أيتها المة من الـحفظ شيئا لـم يعطه أحدا من‬

‫المـم قال‪ :‬ر بّ اجعلهم أمتـي قال‪ :‬تلك أمة أحمد‪ .‬قال‪ :‬ر بّ إنـي أجد فـي اللواح أمة‬
‫يؤمنون بــالكتاب الوّل وبــالكتاب الَخِر‪ ,‬ويقاتلون فصـول الضللة حتــى يقاتلوا العور‬
‫الكذاب‪ ,‬فـاجعلهم أمتـي قال‪ :‬تلك أمة أحمد‪ .‬قال‪ :‬ربّ إنـي أجد فـي اللواح أمة صدقاتهم‬
‫يأكلون ها ف ـي بطون هم ثم يؤجرون عل ـيها‪ ,‬وكان مَن قبل هم من الم ـم إذا ت صدّق ب صدقة‬
‫فقبلت م نه‪ ,‬ب عث ال عل ـيهم نارا فأكلت ها‪ ,‬وإن ردّت عل ـيه تر كت تأكل ها الط ير وال سبـاع‪,‬‬
‫ب اجعل هم أمت ـي قال‪ :‬تلك أ مة‬
‫قال‪ :‬وإن ال أ خذ صدقاتكم من غن ـيكم لفق ـيركم‪ ,‬قال‪ :‬ر ّ‬
‫ب إن ـي أ جد ف ـي اللواح أ مة إذا ه مّ أحد هم بح سنة ثم ل ـم يعمل ها كت بت له‬
‫أح مد‪ .‬قال‪ :‬ر ّ‬
‫ح سنة‪ ,‬فإن عمل ها كت بت له ع شر أمثال ها إل ـى سبعمائة‪ ,‬ر بّ اجعل هم أمت ـي قال‪ :‬تلك أ مة‬
‫ب إن ـي أ جد ف ـي اللواح أ مة إذا هم أحد هم ب سيئة ل ـم تك تب عل ـيه حت ـى‬
‫أح مد‪ .‬قال‪ :‬ر ّ‬
‫يعملها‪ ,‬فإذا عملها كتبت علـيه سيئة واحدة‪ ,‬فـاجعلهم أمتـي قال‪ :‬تلك أمة أحمد‪ .‬قال‪ :‬ر بّ‬
‫إن ـي أ جد ف ـي اللواح أ مة هم ال ـمستـجيبون وال ـمستـجاب ل هم ف ـاجعلهم أمت ـي قال‪:‬‬
‫تلك أمـة أحمـد‪ .‬قال‪ :‬ربّـ إنــي أجـد فــي اللواح أمـة هـم الــمشفّعون والــمشفوع لهـم‪,‬‬
‫فـاجعلهم أمتـي قال‪ :‬تلك أمة أح مد‪ .‬قال‪ :‬وذكر لنا أن نب ـيّ ال موسى علـيه السلم نبذ‬
‫اللواح وقال‪ :‬اللهمّـ اجعلنــي مـن أمـة أحمـد قال‪ :‬فأُعطـي نبــيّ ال موسـى علــيه السـلم‬
‫صطَفَـ ْيتُكَ عَل ـى النّا سِ برِ سالتـي‬
‫ثنت ـين ل ـم يعطه ما نب ـيّ‪ ,‬قال ال‪ :‬يا مُو سَى إنّ ـي ا ْ‬
‫ن بـالـحَقّ‬
‫ن قَوْ ِم مُو سَى ُأ ّمةٌ َي ْهدُو َ‬
‫و ِبكَلمي قال‪ :‬فرضي نبـي ال‪ .‬ثم أُعطي الثانـية‪َ :‬ومِ ْ‬
‫ن قال‪ :‬فرضي نبـيّ ال صلى ال عليه وسلم كلّ الرضا‪.‬‬
‫َو ِبهِ َي ْعدِلُو َ‬
‫حدثنـي مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قال‪:‬‬
‫لـما أخذ موسى اللواح‪ ,‬قال‪ :‬يا ر بّ إنـي أجد فـي اللواح أمة هم خير المـم‪ ,‬يأمرون‬
‫ب ـالـمعروف‪ ,‬وينهون عن ال ـمنكر‪ ,‬ف ـاجعلهم أمت ـي قال‪ :‬تلك أ مة أح مد‪ .‬قال‪ :‬يا ر بّ‬
‫إنـي أجد فـي اللواح أمة هم الَخرون السابقون يوم القـيامة‪ ,‬فـاجعلهم أمتـي قال‪ :‬تلك‬
‫أمة أحمد‪ ,‬ثم ذكر نـحو حديث بشر بن معاذ‪ ,‬إل أنه قال فـي حديثه‪ :‬فألقـى موسى علـيه‬
‫السلم اللواح وقال‪ :‬الله ّم اجعلنـي من أمة مـحمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫والذي هو أولـى ب ـالصواب من القول ف ـي ذلك أن يكون سبب إلقاء موسى اللواح كان‬
‫ل ثناؤه بذلك أخبر فـي كتابه‪ ,‬فقال‪:‬‬
‫من أجل غضبه علـى قومه لعبـادتهم العجلَ لن ال ج ّ‬
‫عجِ ْلتُ ـمْ‬
‫غضْب ـانَ أ سِفـا ِبئْ سَما خَ ـلَ ْفتُـمُونِـي ِم نْ َب ْعدِي أ َ‬
‫وَل ـمّا َرجَ عَ مُو سَى إل ـى قَ ْو ِم هِ َ‬
‫جرّ ُه إلَ ـيْهِ وذلك أن ال ل ـما ك تب ل ـموسى‬
‫خ َذ بِرأ سِ أخِي هِ َي ُ‬
‫أ ْمرَ َربّكُ مْ وألْقَ ـى اللْوَا حَ وأ َ‬
‫علـيه السلم فـي اللواح التوراة‪ ,‬أدناه منه حتـى سمع صريف القلـم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬

‫‪11825‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسرائيـل‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬عن‬
‫أب ـي عمارة‪ ,‬عن عل ـيّ عل ـيه ال سلم قال‪ :‬ك تب ال اللواح ل ـموسى عل ـيه ال سلم و هو‬
‫يسمع صريف القلم فـي اللواح‪.‬‬
‫‪ 11826‬ـ قال‪ :‬ثنا إسرائيـل‪ ,‬عن عطاء بن السائب‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ ,‬قال‪ :‬أدناه حتـى‬
‫سمع صريف القلم‪.‬‬
‫وقـيـل‪ :‬إن التوراة كانت سبعة أسبـاع فلـما ألقـى موسى اللواح تكسرت‪ ,‬فرفع منها‬
‫ل شيء الذي قال ال‪ :‬و َك َتبْنا َل هُ فِـي اللْوَا حِ‬
‫ستة أسبـاعها‪ ,‬وكان فـيـما رفع تفصيـل ك ّ‬
‫ل شَيْءٍ وبقـي الهدى والرحمة فـي السبع البـاقـي‪ ,‬وهو‬
‫عظَ ًة وتَفْ صِيلً ِلكُ ّ‬
‫شيْءٍ َموْ ِ‬
‫ن كُلّ َ‬
‫مِ ْ‬
‫ِمـ َيرْهَبونـَ‪ .‬وكانـت‬
‫ُمـ ِل َر ّبه ْ‬
‫ِينـ ه ْ‬
‫حمَةٌ لّلذ َ‬
‫ْواحـ وفــي نُسـخِتها ُهدًى َو َر ْ‬
‫الذي قال ال‪ :‬أخ َذ الل َ‬
‫التوراة فـيـما ذكر سبعين وِقر بعير يقرأ منها الـجزء فـي سنة كما‪:‬‬
‫‪11827‬ــ حدثنــي الــمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا مــحمد بـن خالد الــمكفوف‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا عبـد‬
‫الرحمن‪ ,‬عن أبـي جعفر‪ ,‬عن الربـيع بن أنس‪ ,‬قال‪ :‬أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير‪,‬‬
‫يقرأ منها الـجزء فـي سنة‪ ,‬لـم يقرأها إل أربعة نفر‪ :‬موسى بن عمران‪ ,‬وعيسى‪ ,‬وعُزير‪,‬‬
‫ويوشع بن نون صلوات ال علـيهم‪.‬‬
‫واختلفوا فــي اللواح‪ ,‬فقال بعضهـم‪ :‬كانـت مـن زمرّد أخضـر‪ .‬وقال بعضهـم‪ :‬كانـت مـن‬
‫ياقوت‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬كانت من برَد‪ .‬ذكر الرواية بـما ذكرنا من ذلك‪:‬‬
‫‪ 11828‬ـ حدثن ـي أح مد بن إبراهي ـم الدورق ـي‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا حجاج بن م ـحمد‪ ,‬عن ا بن‬
‫جريج‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنـي يعلـى بن مسلـم‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬ألقـى‬
‫موسـى اللواح فتكسـرت‪ ,‬فرفعـت إل سـدسها‪ .‬قال‪ :‬ابـن جريـج‪ :‬وأخبرنــي أن اللواح مـن‬
‫زبرجد وزمرّد من الـجنة‪.‬‬
‫ي بن داود وعبد ال بن أحمد بن شبويه‬
‫‪ 11829‬ـ وحدثنـي موسى بن سهل الرملـي وعلـ ّ‬
‫وأحمـد بـن الــحسن الترمذي‪ ,‬قالوا‪ :‬أخبرنـا آدم العسـقلنـي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أبـو جعفـر‪ ,‬عـن‬
‫الربـيع‪ ,‬عن أبـي العالـية‪ ,‬قال‪ :‬كانت ألواح موسى علـيه السلم من َبرَد‪.‬‬
‫‪ 11830‬ـ حدث نا ا بن حم يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا حكام‪ ,‬عن أب ـي ال ـجنـيد‪ ,‬عن جع فر بن أب ـي‬
‫ي شيء كانت؟ قال‪ :‬كانت من ياقوتة‬
‫الـمغيرة‪ ,‬قال‪ :‬سألت سعيد بن جبـير عن اللواح من أ ّ‬
‫كتابة الذهب كتبها الرحمن بـيده‪ ,‬فسمع أهل السموات صريف القلـم وهو يكتبها‪.‬‬
‫‪ 11831‬ـ حدثن ـي ال ـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد الرح من‪ ,‬عن م ـحمد بن‬
‫أب ـي الوضاح‪ ,‬عن خ صِيف‪ ,‬عن م ـجاهد أو سعيد بن جب ـير قال‪ :‬كا نت اللواح زمرّدا‪,‬‬
‫فلـما ألقـى موسى اللواح بقـي الهدى والرحمة‪ ,‬وذهب التفصيـل‪.‬‬

‫‪11832‬ـ قال‪ :‬حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الشجعي‪ ,‬عن مـحمد بن مسلـم‪ ,‬عن خَصيف‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬كانت اللواح من زمرّد أخضر‪.‬‬
‫وزعم بعضهم أن اللواح كانت لوحين‪ ,‬فإن كان الذي قال كما قال‪ ,‬فإنه قـيـل‪ :‬و َك َتبْنا لَ هُ‬
‫ن لَ ُه إخْ َوةٌ وهما أخوان‪.‬‬
‫فِـي اللْوَاحِ وهما لوحان‪ ,‬كما قـيـل‪ :‬فإنْ كا َ‬
‫جرّ ُه إلَـيْهِ فإن ذلك من فعل نب ـيّ ال صلى ال عل يه وسلم‬
‫خذَ بِرأ سِ أخِي هِ َي ُ‬
‫وأ ما قوله‪ :‬وأ َ‬
‫كان ل ـموجدته عل ـى أخ يه هارون ف ـي تر كه اتب ـاعه وإقام ته مع بن ـي إ سرائيـل ف ـي‬
‫ل ثناؤه مخبرا عن قـيـل موسى علـيه السلم له‪:‬‬
‫الـموضع الذي تركهم فـيه‪ ,‬كما قال ج ّ‬
‫صيْتَ أ ْمرِي؟ حين أخبره هارون بعذره‪ ,‬فقبل عذره‪,‬‬
‫ل َت ّتبِ َعنِـي أفَعَ َ‬
‫ما َم َنعَ كَ إذْ رأ ْي َتهُ ْم ضَلّوا أ ّ‬
‫ل فَ ّرقْ تَ ب ـينَ‬
‫ن تَقُو َ‬
‫تأ ْ‬
‫خشِي ُ‬
‫ح َيتِـي وَل بِرأ سِي إنّ ـي َ‬
‫خذْ بِلِ ـ ْ‬
‫وذلك ق ـيـله ل ـموسى‪ :‬ل َت ْأ ُ‬
‫ضعَفُونِـي وكادُوا‬
‫اسـَت ْ‬
‫ْمـ ْ‬
‫إنـ ال َقو َ‬
‫ُمـ ّ‬
‫ْنـ أ ّ‬
‫ُبـ قَوْلــي وقال‪ :‬يـا اب َ‬
‫إسـرَائِيـلَ وَلــمْ َت ْرق ْ‬
‫َبنِــي ْ‬
‫عدَاء‪ ...‬الَية‪.‬‬
‫شمِتْ بِـيَ ال ْ‬
‫يَ ْقتُلُونِنـي فَل ُت ْ‬
‫ن أُ مّ» فقرأ ذلك عامّة قرّاء ال ـمدينة وب عض أ هل‬
‫واختل فت القرّاء ف ـي قراء ة قوله « يا ا ْب َ‬
‫ن أُمّ»‬
‫البصرة‪« :‬يا ابْ نَ أُمّ» بفتـح الـميـم من المّ‪ .‬وقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الكوفة‪« :‬يا ابْ َ‬
‫بكسر الـميـم من الم‪.‬‬
‫واختلف أهـل العربــية فــي فتــح ذلك وكسـره‪ ,‬مـع إجماع جميعهـم علــى أنهمـا لغتان‬
‫مستعملتان فـي العرب‪ .‬فقال بعض نـحويـي البصرة‪ :‬قـيـل ذلك بـالفتـح علـى أنهما‬
‫اسمان جعل اسما واحدا‪ ,‬كما قـيـل‪ :‬يا ابن ع مّ‪ ,‬وقال‪ :‬هذا شاذّ ل يقاس علـيه‪ ,‬وقال‪ :‬من‬
‫قرأ ذلك‪« :‬يا ابن أمّ»‪ ,‬فهو علـى لغة الذين يقولون‪ :‬هذا غلم قد جاء‪ ,‬جعله اسما واحدا آخره‬
‫مكسور‪ ,‬مثل قوله خازِ بـازِ‪ .‬وقال بعض نـحويـي الكوفة‪ :‬قـيـل‪ :‬يا ابن أ مّ ويا ابن ع مّ‪,‬‬
‫فن صب ك ما ين صب ال ـمعرب ف ـي ب عض ال ـحالت‪ ,‬ف ـيقال‪ :‬يا ح سرتا‪ ,‬يا وي ـلتا‪ ,‬قال‪:‬‬
‫فكأنهـم قالوا‪ :‬يـا أماه ويـا عماه ولــم يقولوا ذلك فــي أخ‪ ,‬ولو قــيـل ذلك لكان صـوابـا‪.‬‬
‫قال‪ :‬والذ ين خفضوا ذلك فإ نه ك ثر ف ـي كلم هم حت ـى حذفوا ال ـياء‪ .‬قال‪ :‬ول تكاد العرب‬
‫تـحذف الـياء إل من السم الـمنادى يضيفه الـمنادِي إلـى نفسه‪ ,‬إل قولهم‪ :‬يا ابن أمّ‪ ,‬ويا‬
‫ابن عمّ وذلك أنهما يكثر استعمالهما فـي كلمهم‪ ,‬فإذا جاء ما ل يستعمل أثبتوا الـياء‪ ,‬فقالوا‪:‬‬
‫يا ابن أبـي‪ ,‬ويا ابن أختـي وأخي‪ ,‬ويا ابن خالتـي‪ ,‬ويا ابن خالـي‪.‬‬
‫والصواب من القول فـي ذلك أن يقال‪ :‬إذا فُتـحت الـميـم من «ابن أمّ»‪ ,‬فمراد به الندبة‪:‬‬
‫يا ابن أماه‪ ,‬وكذلك من ابن ع ّم فإذا كُسرت‪ ,‬فمراد به الضافة‪ ,‬ثم حذفت الـياء التـي هي‬
‫كناية اسم الـمخِبر عن نفسه‪ .‬وكأن بعض من أنكر نسبته كسر ذلك إذا كسر‪ ,‬ككسر الزاي‬
‫من خازِ بـازِ‪ ,‬لن خا ِز بـا ِز ل يعرف الثانـي إل بـالوّل ول الوّل إل بـالثانـي‪ ,‬فصار‬
‫كالصوات‪ .‬وحُكي عن يونس النـحوي تأنـيث أ مّ وتأنـيث ع مّ‪ ,‬وقال‪ :‬ل يجعل اسما واحدا‬

‫إل مع ا بن ال ـمذكر‪ .‬قالوا‪ :‬وأ ما الل غة ال ـجيدة والق ـياس ال صحيح فل غة من قال‪ « :‬يا ا بن‬
‫أمي» بإثبـات الـياء‪ ,‬كما قال أبو زَبـيد‪:‬‬
‫شدِيدِ‬
‫يا بْنَ ُأمّي ويا شُقَـ ّيقَ نَ ْفسِيأنْتَ خَـلّ ْف َتنِـي ِلدَ ْهرٍ َ‬
‫وكما قال الَخر‪:‬‬
‫ك إذْ َتدْعُو تَـمِيـما وأنْتَ غي ُر مُـجَابِ‬
‫ش ِه ْدتُ َ‬
‫يا بْنَ ُأمّي وَلَ ْو َ‬
‫وإنـما أثبت هؤلء الـياء فـي الم لنها غير مناداة‪ ,‬وإنـما الـمنادي هو البن دونها‪,‬‬
‫وإنـما تسقط العرب الـياء من الـمنادى إذا أضافته إلـى نفسها‪ ,‬ل إذا أضافته إلـى غير‬
‫نفسها‪ ,‬كما قد بـينا‪ .‬وقـيـل‪ :‬إن هارون إنـما قال لـموسى علـيه السلم‪« :‬يا ابن أ مّ»‪,‬‬
‫ولـم يقل‪« :‬يا ابن أبـي»‪ ,‬وهما لب واحد وأم واحدة‪ ,‬استعطافـا له علـى نفسه برحِم الم‪.‬‬
‫س َتضْعَفُونِـي وكادُوا َي ْقتُلُو َننِـي يعنـي بـالقوم الذين عكفوا علـى عبـادة‬
‫وقوله‪ :‬إ نّ ال َقوْ َم ا ْ‬
‫العجـل‪ ,‬وقالوا هذا إلهنـا وإله موسـى‪ ,‬وخالفوا هارون‪ .‬وكان اسـتضعافهم إياه‪ ,‬تركهـم طاعتـه‬
‫واتبـاع أمره‪ .‬وكَادُوا يَ ْقتُلُونَنـي يقول‪ :‬قاربوا ولـم يفعلوا‪.‬‬
‫ِتـ بِــيَ‬
‫ل ُتشْم ْ‬
‫ِتـ فقرأ قرّاء المصـار ذلك‪ :‬فَ َ‬
‫شم ْ‬
‫واختلفـت القراء فــي قراءة قوله‪ :‬فَل ُت ْ‬
‫عدَا َء بض مّ التاء من تُش مت وك سر ال ـميـم من ها‪ ,‬من قول هم‪ :‬أش مت فلن فل نا بفلن‪ ,‬إذا‬
‫ال ْ‬
‫شمُ تْ بِ ـيَ‬
‫سرّه ف ـيه ب ـما يكر هه ال ـمُشمَت به‪ .‬ورُوي عن م ـجاهد أ نه قرأ ذلك‪« :‬فل َت ْ‬
‫عدَاءُ»‪.‬‬
‫ال ْ‬
‫‪ 11833‬ـ حدثنـي بذلك ع بد الكري ـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إبراهي ـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪,‬‬
‫عدَاءَ»‪.‬‬
‫شمُتْ بِـيَ ال ْ‬
‫قال‪ :‬قال حميد بن قـيس قرأ مـجاهد‪« :‬فَل َت ْ‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن الزبـير‪ ,‬عن ابن عيـينة‪,‬‬
‫عدَاءُ»‪.‬‬
‫شمُتْ بِـيَ ال ْ‬
‫عن حميد‪ ,‬قال‪ :‬قرأ مـجاهد‪« :‬فَل َت ْ‬
‫حُدثت عن يحيى بن زياد الفرّاء‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان بن عيـينة‪ ,‬عن رجل‪ ,‬عن مـجاهد‬
‫شمُتْ‪.‬‬
‫أنه قال‪ :‬ل َت ْ‬
‫عدَا َء فإن تكـن‬
‫ِتـ بِــيَ ال ْ‬
‫شم ْ‬
‫وقال الفرّاء‪ :‬قال الكسـائي‪ :‬مـا أدري‪ ,‬فلعلهـم أرادوا‪ :‬فَلَ ُت ْ‬
‫ت قال‪ :‬أنا أفْرَغُ‪ ,‬ومن قال‪:‬‬
‫غتُ َو َفرَغْتُ‪ ,‬فمن قال‪َ :‬فرِغْ ُ‬
‫صحيحة فلها نظائر‪ .‬العرب تقول‪ :‬فَرِ ْ‬
‫شمَلَ هم‪ ,‬ف ـي كث ـير من الكلم‪.‬‬
‫شمِلَ هم أ مر و َ‬
‫ت قال‪ :‬أ نا أفْرُ غُ‪ ,‬وكذلك رَكِبْت َو َر َكنْ تُ و َ‬
‫فَرَغْ َ‬
‫شمُت‪.‬‬
‫شمَتُ أو َت ْ‬
‫قال‪« :‬والعداء» َرفْع لن الفعل لهم لـمن قال َت ْ‬
‫والقراءة الت ـي ل أ ستـجيز القراءة إل ب ها قراءة من قرأ‪ :‬فَل ُتشْمِ تْ ب ضم التاء الول ـى‬
‫شمِ ته به‪ ,‬ون صب العداء لجماع ال ـحجة من قراء‬
‫وك سر ال ـميـم من أشم تّ به عدوّه أ ْ‬
‫المصار علـيها وشذوذ ما خالفها من القراءة‪ ,‬وكفـى بذلك شاهدا علـى ما خالفها‪ .‬هذا مع‬
‫ّتـ فلن فلنـا بفلن‪ ,‬وشم َت فلن بفلن‬
‫إنكار معرفـة عامـة أهـل العلــم بكلم العرب‪ :‬شم َ‬

‫ت به بكسر‬
‫شمِ َ‬
‫يشمُت به‪ ,‬وإنـما الـمعروف من كلمهم إذا أخبروا عن شماتة الرجل بعدوّه َ‬
‫شمَتُ به بفتـحها فـي الستقبـال‪.‬‬
‫الـميـم َي ْ‬
‫ن فإ نه قول هارون لخ يه مو سى‪ ,‬يقول‪ :‬ل‬
‫جعَلْنِـي مَ َع ال َقوْ مِ الظّالِ ـمِي َ‬
‫وأ ما قوله‪ :‬وَل تَ ـ ْ‬
‫ت ـجعلنـي ف ـي موجد تك عل ـيّ وعقوب تك ل ـي ول ـم أخالف أمرك م ـحلّ من ع صاك‬
‫فخالف أمرك وعبد العجل بعدك فظلـم نفسه وعبد غير من له العبـادة‪ ,‬ولـم أشايعهم علـى‬
‫شيء من ذلك‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪ 11834‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫ن قال‪ :‬أصحاب العجل‪.‬‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬وَل تَـجْعَ ْلنِـي مَعَ ال َق ْومِ الظّالِـمِي َ‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ .‬بـمثله‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪151‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫حمَ ِتكَ وَأَنتَ‬
‫{قَالَ رَبّ اغْ ِفرْ لِي وَلخِي وََأ ْدخِ ْلنَا فِي َر ْ‬

‫حمِينَ }‪..‬‬
‫َأ ْرحَمُ الرّا ِ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬قال موسى لـما تبـين له عذر أخيه‪ ,‬وعلـم أنه لـم يفرّط فـي‬
‫الواجب الذي كان علـيه من أمر ال فـي ارتكاب ما فعله الـجهلة من عبدة العجل‪ :‬رَبّ‬
‫اغْ ِف ْر لـي مستغفرا من فعله بأخيه‪ ,‬ولخيه من سالف له بـينه وبـين ال‪ ,‬تغمد ذنوبنا بستر‬
‫حمَ ِتكَ يقول‪ :‬وارحمنا برحمتك الواسعة عبـادك‬
‫منك تسترها به‪ .‬وأ ْدخِـلْنا فِـي َر ْ‬
‫الـمؤمنـين‪ ,‬فإنك أنت أرحم بعبـادك من كلّ من رحم شيئا‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪152‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫غضَبٌ مّن ّر ّب ِهمْ َوذِلّةٌ‬
‫س َينَاُل ُهمْ َ‬
‫ن ا ّتخَذُو ْا ا ْل ِعجْلَ َ‬
‫ن اّلذِي َ‬
‫{إِ ّ‬

‫جزِي ا ْلمُ ْف َترِينَ }‪..‬‬
‫فِي ا ْلحَيا ِة ال ّد ْنيَا َو َكذَِلكَ َن ْ‬
‫ن َر ّبهِمْ بتعجيـل ال‬
‫غضَبٌ مِ ْ‬
‫سيَناُلهُمْ َ‬
‫ل إلها‪َ ,‬‬
‫خذُوا ال ِعجْ َ‬
‫ن اّلذِينَ اتّـ َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬إ ّ‬
‫لهم ذلك‪َ ,‬وذِّلةٌ وهي الهوان‪ ,‬لعقوبة ال إياهم علـى كفرهم بربهم فـي الـحَياةِ ال ّدنْـيا فـي‬
‫عاجل الدنـيا قبل آجل الَخرة‪ .‬وكان ابن جريج يقول فـي ذلك بـما‪:‬‬
‫‪11835‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قوله‪ :‬إنّ‬
‫ن رَ ّب ِهمْ َوذِلّةٌ فِـي الـحَيا ِة ال ّدنْـيا وكذلكَ نَـجْزِي‬
‫ب مِ ْ‬
‫غضَ ٌ‬
‫سيَناُل ُهمْ َ‬
‫ل َ‬
‫خذُوا ال ِعجْ َ‬
‫اّلذِينَ اتّـ َ‬
‫ن قال‪ :‬هذا لـمن مات مـمن اتـخذ العجل قبل أن يرجع موسى علـيه السلم‪,‬‬
‫الـمُ ْفتَرِي َ‬
‫ومن فرّ منهم حين أمرهم موسى أن يقتل بعضهم بعضا‪.‬‬

‫وهذا الذي قاله ابن جريج‪ ,‬وإن كان قولً له وجه‪ ,‬فإن ظاهر كتاب ال مع تأويـل أكثر أهل‬
‫التأويـل بخلفه وذلك أن ال ع ّم بـالـخبر عمن اتـخذ العجل أنه سينالهم غضب من ربهم‬
‫وذلة فـي الـحياة الدنـيا‪ .‬وتظاهرت الخبـار عن أهل التأويـل من الصحابة والتابعين بأن‬
‫عبَدة العجل من فعلهم‪,‬‬
‫ال‪ ,‬إذ رجع إلـى بنـي إسرائيـل موسى علـيه السلم‪ ,‬تاب علـى َ‬
‫بـما أخبر به عن قـيـل موسى علـيه السلم فـي كتابه‪ ,‬وذلك قوله‪ :‬وَإ ْذ قالَ مُوسَى لِ َق ْومِهِ‬
‫س ُكمْ فَفعلوا‬
‫س ُكمْ بـاتّـخاذِ ُكمُ ال ِعجْلَ َفتُوبُوا إلـى بـارِ ِئ ُكمْ فـا ْقتُلُوا أنْ ُف َ‬
‫يا قَ ْومِ إ ّن ُكمْ ظَلَـ ْمتُـمْ أنْ ُف َ‬
‫ما أمرهم به نبـيهم صلى ال عليه وسلم‪ ,‬فكان أمر ال إياهم بـما أمرهم به من قتل بعضهم‬
‫أنفس بعض‪ ,‬عن غضب منه علـيهم بعبـادتهم العجل‪ ,‬فكان قتل بعضهم بعضا هوانا لهم‬
‫وذلة أذّلهم ال بها فـي الـحياة الدنـيا‪ ,‬وتوبة منهم إلـى ال ِقبَلها‪ .‬ولـيس لحد أن يجعل‬
‫خبرا جاء الكتاب بعمومه فـي خاصّ مـما عمه الظاهر بغير برهان من حجة خبر أو عقل‪,‬‬
‫ب مِنْ‬
‫غضَ ٌ‬
‫سيَناُل ُهمْ َ‬
‫ل َ‬
‫خذُوا ال ِعجْ َ‬
‫ن اّلذِينَ اتّـ َ‬
‫ول نعلـم خبرا جاء بوجوب نقل ظاهر قوله‪ :‬إ ّ‬
‫َربّ ِهمْ إلـى بـاطن خاصّ‪ ,‬ول من العقل علـيه دلـيـل‪ ,‬فـيجب إحالة ظاهره إلـى‬
‫بـاطنه‪.‬‬
‫جزِي الـمُ ْف َترِينَ وكما جزيتُ هؤلء الذين اتـخذوا العجل إلها‬
‫ويعنـي بقوله‪ :‬وكذلكَ نَـ ْ‬
‫من إحلل الغضب بهم‪ ,‬والذلل فـي الـحياة الدنـيا علـى كفرهم ربهم‪ ,‬وردتهم عن دينهم‬
‫ل من افترى علـى ال فكذب علـيه وأقرّ بألوهية‬
‫بعد إيـمانهم بـال‪ ,‬وكذلك نـجزي ك ّ‬
‫غيره وعبد شيئا سواه من الوثان بعد إقراره بوحدانـية ال‪ ,‬وبعد إيـمانه به وبأنبـيائه‬
‫ورسله وقِـيـلِ ذلك‪ ,‬إذا لـم يتب من كفره قبل قتله‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11836‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن أيوب‪,‬‬
‫ن َربّ ِهمْ َوذِلّ ٌة فِـي الـحَياةِ ال ّدنْـيا‪ ...‬الَية‪ ,‬قال‪ :‬فهو‬
‫غضَبٌ مِ ْ‬
‫سيَنالُ ُهمْ َ‬
‫قال‪ :‬تل أبو قِلبة‪َ :‬‬
‫جزاء كلّ مفتر يكون إلـى يوم القـيامة‪ ,‬أن يذله ال عزّ وجلّ‪.‬‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو النعمان عارم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حماد بن زيد‪ ,‬عن أيوب‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ن َر ّبهِمْ َوذِلّ ٌة فِـي‬
‫غضَبٌ مِ ْ‬
‫سيَناُلهُمْ َ‬
‫ن اتّـخَذُوا ال ِعجْلَ َ‬
‫قرأ أبو قلبة يوما هذه الَية‪ :‬إنّ اّلذِي َ‬
‫الـحَيا ِة ال ّدنْـيا وكذلكَ نَـجْزِي الـمُ ْف َترِينَ قال‪ :‬هي وال لكلّ مفتر إلـى يوم القـيامة‪.‬‬
‫‪11837‬ـ قال‪ :‬حدثنا حجاج‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حماد‪ ,‬عن ثابت وحميد‪ :‬أن قـيس بن عبـاد وجارية‬
‫بن قدامة دخل علـى علـيّ بن أبـي طالب رضي ال عنه‪ ,‬فقال‪ :‬أرأيت هذا المر الذي‬
‫أنت فـيه وتدعو إلـيه‪ ,‬أعهد عهده إلـيك رسول ال صلى ال عليه وسلم أم رأى رأيته؟‬
‫قال‪ :‬مالكما ولهذا؟ أعرضا عن هذا فقال‪ :‬وال ل نعرض عنه حتـى تـخبرنا‪ .‬فقال‪ :‬ما عهد‬
‫إلـيّ رسول ال صلى ال عليه وسلم إل كتابـا فـي قراب سيفـي هذا‪ .‬فـاستلّه فأخرج‬

‫ت الـمَدِينَةَ‬
‫حرَمٌ‪ ,‬وإنّـي حَ ّرمْ ُ‬
‫ل لَ ُه َ‬
‫ن َنبِـيّ إ ّ‬
‫الكتاب من قراب سيفه‪ ,‬وإذا فـيه‪« :‬إنّ ُه لَـمْ َيكُ ْ‬
‫حدَثا أ ْو آوَى‬
‫حدَثَ َ‬
‫نأْ‬
‫حمَلُ فِـيها السّلحُ ِلقِتالٍ‪ ,‬مَ ْ‬
‫حرّمَ إ ْبرَاهِيـمُ عَلَـيْ ِه السّلمُ َم ّكةَ‪ ,‬ل ُي ْ‬
‫كمَا َ‬
‫عدْلٌ» فلـما‬
‫صرْفٌ وَل َ‬
‫ل ِمنْهُ َ‬
‫مُـحْدِثا فعَلَـيْ ِه َل ْعنَ ُة اللّهِ وَالـمَل ِئكَةِ وَالنّاسِ أجَمعِينَ‪ ,‬ل يُ ْقبَ ُ‬
‫خرجا قال أحدهما لصاحبه‪ :‬أما ترى هذا الكتاب؟ فرجعا وتركاه‪ ,‬وقال‪ :‬إنا سمعنا ال يقول‪:‬‬
‫ن رَ ّب ِهمْ‪ ...‬الَية‪ ,‬وإن القوم قد افتروا فرية‪ ,‬ول‬
‫ب مِ ْ‬
‫غضَ ٌ‬
‫سيَناُل ُهمْ َ‬
‫ل َ‬
‫خذُوا ال ِعجْ َ‬
‫ن اّلذِينَ اتّـ َ‬
‫إّ‬
‫أدري إل سينزل بهم ذلة‪.‬‬
‫‪11838‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن الزبـير‪ ,‬عن ابن‬
‫عيـينة‪ :‬فـي قوله‪ :‬وكذلكَ نَـجْزِي الـمُ ْف َترِينَ‪ .‬قال‪ :‬كل صاحب بدعة ذلـيـل‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪153‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫س ّيئَاتِ ُثمّ تَابُو ْا مِن َب ْعدِهَا وَآ َمنُوَ ْا إِنّ‬
‫عمِلُواْ ال ّ‬
‫{وَاّلذِينَ َ‬

‫ك مِن َب ْعدِهَا َلغَفُورٌ ّرحِيمٌ }‪..‬‬
‫َربّ َ‬
‫وهذا خبر من ال تعالـى ذكره أنه قابل من كلّ تائب إلـيه من ذنب أتاه صغيرة كانت‬
‫معصيته أو كبـيرة‪ ,‬كفرا كانت أو غير كفر‪ ,‬كما قبل من عَبدة العجل توبتهم بعد كفرهم به‬
‫بعبـادتهم العجل وارتدادهم عن دينهم‪ .‬يقول جلّ ثناؤه‪ :‬والذين عملوا العمال السيئة ثم‬
‫ب مـما يكره وإلـى ما يرضى مـما‬
‫رجعوا إلـى طلب رضا ال بإنابتهم إلـى ما يح ّ‬
‫يسخط من بعد سيىء أعمالهم‪ ,‬وصدّقوا بأن ال قابل توبة الـمذنبـين وتائب علـى‬
‫الـمنـيبـين بإخلص قلوبهم ويقـين منهم بذلك‪َ ,‬لغَفُو ٌر لهم‪ ,‬يقول‪ :‬لساتر علـيهم أعمالهم‬
‫السيئة‪ ,‬وغير فـاضحهم بها‪ ,‬رحيـم بهم‪ ,‬وبكلّ من كان مثلهم من التائبـين‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪154‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫خذَ اللْوَاحَ َوفِي‬
‫ب َأ َ‬
‫سكَتَ عَن مّوسَى ا ْلغَضَ ُ‬
‫{وَلَمّا َ‬

‫ن }‪..‬‬
‫ن ُهمْ ِل َر ّبهِمْ َيرْ َهبُو َ‬
‫سخَ ِتهَا ُهدًى َو َرحْمَ ٌة لّّلذِي َ‬
‫ُن ْ‬
‫ن مُوسَى ال َغضَبُ ولـما كفّ موسى عن‬
‫سكَتَ عَ ْ‬
‫يعنـي تعالـى ذكره بقوله‪ :‬وَلـمّا َ‬
‫الغضب‪ ,‬وكذلك ك ّل كافَ عن شيء ساكت عنه‪ .‬وإنـما قـيـل للساكت عن الكلم ساكت‪:‬‬
‫لكفه عنه‪ .‬وقد ذكر عن يونس النـحويّ أنه قال‪ :‬يقال سكت عنه الـحزن وكلّ شيء فـيـما‬
‫زعم ومنه قول أبـي النـجم‪:‬‬
‫سكَتَ الـ ُمكّاءُ أنْ َيصِيحَا‬
‫وَهمّتِ ال ْفعَى بِأنْ َتسِيحَا َو َ‬
‫ختِها ُهدًى‬
‫سَ‬
‫خذَا الَلْوَاحَ يقول‪ :‬أخذها بعد ما ألقاها‪ ,‬وقد ذهب منها ما ذهب‪ .‬وفِـي ُن ْ‬
‫أَ‬
‫حمَةٌ يقول‪ :‬وفـيـما نسخ فـيها‪ :‬أي منها هدى بـيان للـحقّ ورحمة‪ .‬لّلذِينَ ُه ْم ِل َربّ ِهمْ‬
‫َو َر ْ‬
‫َيرْهَبُونَ يقول‪ :‬للذين يخافون ال‪ ,‬ويخشون عقابه علـى معاصيه‪.‬‬

‫ن مع استقبـاح‬
‫واختلف أهل العربـية فـي وجه دخول اللم فـي قوله‪ِ :‬ل َر ّب ِهمْ َيرْ َهبُو َ‬
‫العرب أن يقال فـي الكلم‪ :‬رهبت لك‪ :‬بـمعنى رهبتك‪ ,‬وأكرمت لك‪ :‬بـمعنى أكرمتك‪ ,‬فقال‬
‫ن أوصل الفعل بـاللم‪ .‬وقال‬
‫بعضهم‪ :‬ذلك كما قال جلّ ثناؤه‪ :‬إنْ ُك ْنتُـمْ للرّؤْيا َت ْع ُبرُو َ‬
‫بعضهم‪ :‬من أجل ربهم يرهبون‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬إنـما دخـلت عقب الضافة الذين هم‬
‫راهبون لربهم وراهبو ربهم ثم أدخـلت اللم علـى هذا الـمعنى لنها عقـيب الضافة ل‬
‫علـى التعلـيق‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬إنـما فعل ذلك لن السم تقدّم الفعل‪ ,‬فحسن إدخال اللم‪.‬‬
‫س َت ْعجِلُونَ‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬قد جاء مثله فـي تأخير السم فـي قوله‪َ :‬ر ِدفَ َل ُكمْ َبعْضُ اّلذِي َت ْ‬
‫وذكر عن عيسى بن عمر أنه قال‪ :‬سمعت الفرزدق يقول‪ :‬نقدت له مائة درهم‪ ,‬يريد نقدته مائة‬
‫درهم‪ .‬قال‪ :‬والكلم واسع‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪155‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫خ َذ ْتهُمُ‬
‫س ْبعِينَ َرجُلً ّلمِيقَا ِتنَا فََلمّا َأ َ‬
‫سىَ قَ ْو َمهُ َ‬
‫ختَارَ مُو َ‬
‫{وَا ْ‬

‫ي ِإلّ ِف ْت َنتُكَ‬
‫شئْتَ أَهَْل ْك َت ُهمْ مّن َقبْلُ وَِإيّايَ َأ ُتهِْل ُكنَا ِبمَا َفعَلَ السّ َفهَآءُ ِمنّآ ِإنْ ِه َ‬
‫ب لَ ْو ِ‬
‫ال ّرجْفَةُ قَالَ رَ ّ‬
‫خيْرُ ا ْلغَا ِفرِينَ }‪..‬‬
‫ت َ‬
‫ح ْمنَا وَأَن َ‬
‫ُتضِلّ ِبهَا مَن َتشَآءُ َو َت ْهدِي مَن َتشَآءُ أَنتَ وَِل ّينَا فَاغْ ِفرْ َلنَا وَا ْر َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬واختار موسى من قومه سبعين رجلً للوقت والجل الذي وعده ال أن‬
‫يـلقاه فـيه بهم للتوبة مـما كان من فعل سفهائهم فـي أمر العجل‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪11839‬ـ حدثنـي موسى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو بن حماد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن‬
‫السديّ‪ ,‬قال‪ :‬إن ال أمر موسى علـيه السلم أن يأتـيه فـي ناس من بنـي إسرائيـل‬
‫يعتذرون إلـيه من عبـادة العجل‪ ,‬ووعدهم موعدا‪ .‬فـاختار موسى قومه سبعين رجلً‬
‫علـى عينه‪ ,‬ثم ذهب بهم لـيعتذروا‪ ,‬فلـما أتوا ذلك الـمكان‪ ,‬قالوا‪ :‬لن نؤمن لك يا موسى‬
‫حتـى نرى ال جهرة‪ ,‬فإنك قد كلـمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا‪ .‬فقام موسى يبكي‬
‫ويدعو ال ويقول‪ :‬ربّ ماذا أقول لبنـي إسرائيـل إذا أتـيتهم وقد أهلكت خيارهم‪ ,‬لو شئت‬
‫أهلكتهم من قبل وإياي‬
‫‪11840‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬اختار موسى من بنـي‬
‫إسرائيـل سبعين رجلً الـخّير فـالـخير‪ ,‬وقال‪ :‬انطلقوا إلـى ال فتوبوا إلـيه مـما‬
‫صنعتـم‪ ,‬واسألوه التوبة علـى من تركتـم وراءكم من قومكم‪ ,‬صوموا‪ ,‬وتطهّروا‪ ,‬وطهّروا‬
‫ثـيابكم فخرج بهم إلـى طور سينا لـميقات وقّته له ربه‪ ,‬وكان ل يأتـيه إل بإذن منه‬
‫وعلـم‪ ,‬فقال السبعون فـيـما ذكر لـي حين صنعوا ما أمرهم به‪ ,‬وخرجوا معه للقاء ربه‬
‫لـموسى‪ :‬اطلب لنا نسمع كلم ربنا فقال‪ :‬أفعل‪ .‬فلـما دنا موسى من الـجبل‪ ,‬وقع علـيه‬
‫عمود الغمام حتـى تغشى الـجبل كله‪ ,‬ودنا موسى فدخـل فـيه‪ ,‬وقال للقوم‪ :‬ادنوا وكان‬

‫موسى إذا كلـمه ال‪ ,‬وقع علـى جبهته نور ساطع‪ ,‬ل يستطيع أحد من بنـي آدم أن ينظر‬
‫إلـيه‪ .‬فضُرب دونه بـالـحجاب‪ ,‬ودنا القوم حتـى إذا دخـلوا فـي الغمام وقعوا سجودا‪,‬‬
‫فسمعوه وهو يكلـم موسى‪ ,‬يأمره وينهاه‪ :‬افعل ول تفعل فلـما فرغ ال من أمره‪ ,‬وانكشف‬
‫جهْرَةً‪ ,‬فَأخَذ ْت ُهمُ‬
‫ن َلكَ حتـى َنرَى الّل َه َ‬
‫ن نُ ْؤمِ َ‬
‫عن موسى الغمام‪ ,‬أقبل إلـيهم‪ ,‬فقالوا لـموسى‪ :‬لَ ْ‬
‫ال ّرجْفَةُ وهي الصاعقة‪ ,‬فـالتقت أرواحهم فماتوا جميعا‪ ,‬وقام موسى علـيه السلم يناشد ربه‬
‫ويدعوه ويرغب إلـيه‪ ,‬ويقول‪ :‬ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي‪ ,‬قد سفهوا أفتهلك من‬
‫ورائي من بنـي إسرائيـل؟‬
‫‪11841‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‬
‫ن َرجُلً لِـمِيقاتِنا قال‪:‬‬
‫س ْبعِي َ‬
‫بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَاخْتارَ مُوسَى قَ ْومَ ُه َ‬
‫كان ال أمره أن يختار من قومه سبعين رجلً‪ ,‬فـاختار سبعين رجلً‪ ,‬فبرز بهم لـيدعوا‬
‫ربهم‪ ,‬فكان فـيـما دعوا ال أن قالوا‪ :‬اللهمّ أعطنا ما لـم تعط أحدا بعدنا فكره ال ذلك من‬
‫شئْتَ أهَْل ْك َتهُ ْم مِنْ َقبْلُ وإيّايَ‪.‬‬
‫دعائهم‪ ,‬فأخذتهم الرجفة‪ .‬قال موسى‪ :‬رَبّ َل ْو ِ‬
‫‪11842‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا خالد بن حيان‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن ميـمون‪ :‬وَاخْتارَ مُوسَى‬
‫ن َرجُلً لِـمِيقاتِنا قال‪ :‬لـموعدهم الذي وعدهم‪.‬‬
‫سبْعِي َ‬
‫قَ ْومَ ُه َ‬
‫‪11843‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو حذيفة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شبل‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‪,‬‬
‫س ْبعِينَ َرجُلً لِـمِيقاتِنا قال‪ :‬اختارهم لتـمام الوعد‪.‬‬
‫عن مـجاهد‪َ :‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬إنـما أخذتهم الرجفة من أجل دعواهم علـى موسى قتل هارون‪ .‬ذكر من‬
‫قال ذلك‪:‬‬
‫‪11844‬ـ حدثنا ابن بشار وابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن يـمان‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ثنـي أبو إسحاق‪ ,‬عن عمارة بن عبد السلولـي‪ ,‬عن علـيّ رضي ال عنه‪ ,‬قال‪ :‬انطلق‬
‫شبِـير‪ ,‬فـانطلقوا إلـى سفح جبل‪ ,‬فنام هارون علـى سرير‪,‬‬
‫شبّر و َ‬
‫موسى وهارون و َ‬
‫فتوفـاه ال‪ .‬فلـما رجع موسى إلـى بنـي إسرائيـل قالوا له‪ :‬أين هارون؟ قال‪ :‬توفـاه‬
‫ال‪ .‬قالوا‪ :‬أنت قتلته‪ ,‬حسدتنا علـى خـلقه ولـينه أو كلـمة نـحوها قال‪ :‬فـاختاروا من‬
‫ن َرجُلً‬
‫سبْعِي َ‬
‫شئتـم قال‪ :‬فـاختاروا سبعين رجلً‪ .‬قال‪ :‬فذلك قوله‪ :‬وَاخْتارَ مُوسَى قَ ْومَ ُه َ‬
‫لِـمِيقاتِنا‪ .‬قال‪ :‬فلـما انتهوا إلـيه قالوا‪ :‬يا هارون من قتلك؟ قال‪ :‬ما قتلنـي أحد‪ ,‬ولكننـي‬
‫توفـانـي ال‪ .‬قالوا‪ :‬يا موسى لن نعصيَ بعد الـيوم قال‪ :‬فأخذتهم الرجفة‪ .‬قال‪ :‬فجعل‬
‫ن َقبْلُ وإيّايَ أُتهِْلكُنا بِـمَا َفعَلَ‬
‫شئْتَ أهَْل ْك َت ُهمْ مِ ْ‬
‫موسى يرجع يـمينا وشمالً‪ ,‬وقال‪ :‬يا رَبّ لَ ْو ِ‬
‫ل ِف ْتنَ ُتكَ ُتضِلّ بِها َمنْ تَشاءُ وَت ْهدِي مَنْ تَشا ُء قال‪ :‬فأحياهم ال وجعلهم‬
‫السّفَهاءُ ِمنّا إنْ ِهيّ إ ّ‬
‫أنبـياء كلهم‪.‬‬

‫‪11845‬ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن جعفر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شعبة‪ ,‬عن‬
‫أبـي إسحاق‪ ,‬عن رجل من بنـي سلول‪ ,‬أنه سمع علـيّا رضي ال عنه يقول فـي هذه‬
‫س ْبعِينَ َرجُلً لِـمِيقاتِنا قال‪ :‬كان هارون حسن الـخـلق مـحببـا‬
‫الَية‪ :‬وَاخْتارَ مُوسَى قَ ْو َمهُ َ‬
‫فـي بنـي إسرائيـل‪ .‬قال‪ :‬فلـما مات دفنه موسى‪ .‬قال‪ :‬فلـما أتـى بنـي إسرائيـل‪,‬‬
‫قالوا له‪ :‬أين هاون؟ قال‪ :‬مات‪ .‬فقالوا‪ :‬قتلته قال‪ :‬فـاختار منهم سبعين رجلً‪ .‬قال‪ :‬فلـما أتوا‬
‫القبر‪ ,‬قال موسى‪ :‬أُقتلت أو متّ؟ قال‪ :‬متّ‪ .‬قال‪ :‬فأصعقوا‪ ,‬فقال موسى‪ :‬ربّ ما أقول لبنـي‬
‫إسرائيـل إذا رجعت؟ يقولون‪ :‬أنت قتلتهم قال‪ :‬فأحيوا وجعلوا أنبـياء‪.‬‬
‫‪11846‬ـ حدثنـي عبد ال بن الـحجاج بن الـمنهال‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الربـيع‬
‫بن حبـيب‪ ,‬قال‪ :‬سمعت أبـا سعيد‪ ,‬يعنـي الرقاشيّ‪ ,‬وقرأ هذه الَية‪ :‬وَاخْتارَ مُوسَى قَ ْو َمهُ‬
‫ن َرجُلً لِـمِيقاتِنا فقال‪ :‬كانوا أبناء ما عدا عشرين ولـم يتـجاوزوا الربعين‪ ,‬وذلك أن‬
‫س ْبعِي َ‬
‫َ‬
‫ابن عشرين قد ذهب جهله وصبـاه‪ ,‬وأن من لـم يتـجاوز الربعين لـم يفقد من عقله شيئا‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬إنـما أخذت القوم الرجفة لتركهم فراق عبدة العجل‪ ,‬ل لنهم كانوا من‬
‫عبَدته‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11847‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬وَاخْتارَ‬
‫س ْبعِينَ َرجُلً لِـمِيقاتِنا فقرأ حتـى بلغ‪ :‬السّفَهاءُ مِنا ذكر لنا أن ابن عبـاس كان‬
‫مُوسَى قَ ْومَ ُه َ‬
‫يقول‪ :‬إنـما تناولتهم الرجفة لنهم لـم يزايـلوا القوم حين نصبوا العجل‪ ,‬وقد كرهوا أن‬
‫يجامعوهم علـيه‪.‬‬
‫‪11848‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قوله‪:‬‬
‫س ْبعِينَ َرجُلً لِـمِيقاتِنا مـمن لـم يكن قال ذلك القول علـى أنهم لـم‬
‫وَاخْتارَ مُوسَى قَ ْومَ ُه َ‬
‫يجامعوهم علـيه‪ ,‬فأخذتهم الرجفة من أجل أنهم لـم يكونوا بـاينوا قومهم حين اتـخذوا‬
‫شئْتَ‬
‫ل رَبّ لَ ْو ِ‬
‫خ َذ ْت ُهمُ ال ّرجْفَ ُة قا َ‬
‫العجل‪ .‬فلـما خرجوا ودعوا‪ ,‬أماتهم ال ثم أحياهم‪ .‬فَلَـمّا أ َ‬
‫أهَْل ْك َتهُمْ ِمنْ َقبْلُ وأيّايَ أُتهِْلكُنا بِـمَا َفعَلَ السّفَها ُء ِمنّا‪.‬‬
‫‪11849‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬قال‪ :‬قال مـجاهد‪:‬‬
‫س ْبعِينَ َرجُلً لِـمِيقاتِنا والـميقات‪ :‬الـموعد‪ .‬فلـما أخذتهم الرجفة بعد‬
‫وَاخْتارَ مُوسَى قَ ْومَ ُه َ‬
‫أن خرج موسى بـالسبعين من قومه يدعون ال ويسألونه أن يكشف عنهم البلء‪ ,‬فلـم‬
‫يستـجب لهم علـم موسى أنهم قد أصابوا من الـمعصية ما أصابه قومهم‪ .‬قال ابن سعد‪:‬‬
‫فحدثنـي مـحمد بن كعب القرظي‪ ,‬قال‪ :‬لـم يستـجب لهم من أجل أنهم لـم ينهوهم عن‬
‫الـمنكر ويأمروهم بـالـمعروف‪ .‬قال‪ :‬فأخذتهم الرجفة فماتوا‪ ,‬ثم أحياهم ال‪.‬‬

‫‪11850‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو أسامة‪ ,‬عن عون‪ ,‬عن سعيد بن حيان‪ ,‬عن ابن‬
‫عبـاس‪ :‬إن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه‪ ,‬إنـما أخذتهم الرجفة أنهم لـم يرضوا‬
‫ولـم ينهوا عن العجل‪.‬‬
‫حدثنا ابن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن جعفر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد بن حيان‪,‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬بنـحوه‪.‬‬
‫س ْبعِينَ َرجُلً لِـمِيقاتِنا فقال بعض‬
‫واختلف أهل العربـية فـي وجه نصب قوله‪ :‬قَ ْومَ ُه َ‬
‫نـحويـي البصرة‪ :‬معناه‪ :‬واختار موسى من قومه سبعين رجلً‪ ,‬فلـما نزع «مِن» أعمل‬
‫الفعل‪ ,‬كما قال الفرزدق‪:‬‬
‫ب الرّياحُ الزّعا ِزعُ‬
‫ختِـيرَ الرّجالَ سمَاحَة َوجُودا إذَا هَ ّ‬
‫َو ِمنّا اّلذِي ا ْ‬
‫وكما قال الَخر‪:‬‬
‫ب‬
‫خيْرَ فـا ْفعَلْ ما ُأ ِمرْتَ بِهفَ َقدْ َت َر ْك ُتكَ ذَا مالٍ َوذَا نَش ِ‬
‫أ َم ْر ُتكَ الـ َ‬
‫وقال الراعي‪:‬‬
‫ن ُي ْرجَى عندَهُ السّولُ‬
‫عتَلّ مَن كا َ‬
‫غثّتْ خَلئِ ُق ُهمْوا ْ‬
‫خ َت ْر ُتكَ النّاسَ إذْ َ‬
‫اْ‬
‫وقال بعض نـحوّيـي الكوفة‪ :‬إنـما استـجيز وقوع الفعل علـيهم إذا طرحت مِن‪ ,‬لنه‬
‫مأخوذ من قولك‪ :‬هؤلء خير القوم‪ ,‬وخير من القوم‪ ,‬فإذا جازت الضافة مكان «من» ولـم‬
‫يتغير الـمعنى‪ ,‬استـجازوا أن يقولوا‪ :‬اخترتكم رجلً‪ ,‬واخترت منكم رجلً وقد قال الشاعر‪:‬‬
‫سمِينَةً )‬
‫خ َترْها قَلُوصا َ‬
‫(َلهُ ا ْ‬
‫وقال الراجز‪:‬‬
‫شجَرْ )‬
‫(تَـحْتَ التـي اخْتا َر لَ ُه اللّ ُه ال ّ‬
‫بـمعنى‪ :‬اختارها له ال من الشجر‪.‬‬
‫وهذا القول الثانـي أولـى عندي فـي ذلك بـالصواب لدللة الختـيار علـى طلب‬
‫«من» التـي بـمعنى التبعيض‪ ,‬ومن شأن العرب أن تـحذف الشيء من حشو الكلم إذا‬
‫عرف موضعه‪ ,‬وكان فـيـما أظهرت دللة علـى ما حذفت‪ ,‬فهذا من ذلك إن شاء ال‪.‬‬
‫وقد بـيّنا معنى الرجفة فـيـما مضى بشواهدها‪ ,‬وأنها ما رجف بـالقوم وأرعبهم وحرّكهم‬
‫وأهلكهم بعد‪ ,‬فأماتهم أو أصعقهم‪ ,‬فسلب أفهامهم‪ .‬وقد ذكرنا الرواية فـي غير هذا الـموضع‪,‬‬
‫وقول من قال‪ :‬إنها كانت صاعقة أماتتهم‪.‬‬
‫‪11851‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫خ َذ ْت ُهمُ ال ّرجْفَ ُة ماتوا ثم أحياهم‪.‬‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬فَلَـمّا أ َ‬

‫‪11852‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو حذيفة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شبل‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‪,‬‬
‫خ َذ ْتهُ ُم الرّجْ َفةُ‬
‫س ْبعِينَ َرجُلً لِـمِيقاتِنا اختارهم موسى لتـمام الـموعد‪ .‬فَلَـمّا أ َ‬
‫عن مـجاهد‪َ :‬‬
‫ماتوا ثم أحياهم ال‪.‬‬
‫‪11853‬ـ حدثنـي عبد الكريـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إبراهيـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬قال‪ :‬قال أبو‬
‫خ َذ ْتهُ ُم الرّجْ َفةُ قال‪ :‬رجف بهم‪.‬‬
‫سعد‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬فَلَـمّا أ َ‬
‫ل فِ ْت َن ُتكَ ُتضِلّ بِها‬
‫ن ِهيَ إ ّ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬أُتهِْلكُنا بِـمَا َفعَلَ السّفَها ُء ِمنّا إ ْ‬
‫خ ْيرُ الغا ِفرِينَ‪.‬‬
‫ت َ‬
‫حمْنا وأنْ َ‬
‫ن تَشاءُ أنْتَ وَلِـيّنا فـاغْ ِف ْر لَنا وَا ْر َ‬
‫ن تَشاءُ وَت ْهدِي مَ ْ‬
‫مَ ْ‬
‫اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬معنى ذلك‪ :‬أتهلك هؤلء الذين‬
‫أهلكتهم بـما فعل السفهاء منا‪ :‬أي بعبـادة من عبد العجل‪ .‬قالوا‪ :‬وكان ال إنـما أهلكهم‬
‫لنهم كانوا مـمن يعبد العجل‪ ,‬وقال موسى ما قال ول علـم عنده بـما كان منهم من ذلك‪.‬‬
‫ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11854‬ـ حدثنا موسى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬أُتهِْلكُنا‬
‫بِـمَا َفعَلَ السّفَها ُء ِمنّا فأوحى ال إلـى موسى‪ :‬إن هؤلء السبعين مـمن اتـخذ العجل‪ ,‬فذلك‬
‫ل ِف ْتنَ ُتكَ ُتضِلّ بِها َمنْ تَشاءُ وَتهْدى مَنْ تَشاءُ‪.‬‬
‫حين يقول موسى‪ :‬إنْ ِهيَ إ ّ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬أن إهلكك هؤلء الذين أهلكتهم هلك لـمن وراءهم من بنـي‬
‫إسرائيـل إذا انصرفتُ إلـيهم‪ ,‬ولـيسوا معي‪ ,‬والسفهاء علـى هذا القول كانوا الـمهلكين‬
‫الذين سألوا موسى أن يريهم ربهم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11855‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬لـما أخذت الرجفة‬
‫السبعين فماتوا جميعا‪ ,‬قام موسى يناشد ربه ويدعوه‪ ,‬ويرغب إلـيه يقول‪ :‬ربّ لو شئت‬
‫أهلكتهم من قبل وإياي قد سفهوا أفتهلك من ورائي من بنـي إسرائيـل بـما فعل السفهاء‬
‫ل الـخير فـالـخير‪ ,‬أرجع إلـيهم‬
‫منا؟ أي إن هذا لهم هلك‪ ,‬قد اخترت منهم سبعين رج ً‬
‫ولـيس معي رجل واحد؟ فما الذي يصدّقوننـي به أو يأمنوننـي علـيه بعد هذا؟‬
‫وقال آخرون فـي ذلك بـما‪:‬‬
‫‪11856‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬أُتهِْلكُنا بِـمَا‬
‫َفعَلَ السّفَهاءُ ِمنّا‪ :‬أتؤاخذنا ولـيس منا رجل واحد ترك عبـادتك ول استبدل بك غيرك؟‬
‫وأولـى القولـين بتأويـل الَية‪ ,‬قول من قال‪ :‬إن موسى إنـما حزن علـى هلك السبعين‬
‫بقوله‪ :‬أُتهِْلكُنا بِـمَا َفعَلَ السّفَها ُء ِمنّا وأنه إنـما عنى بـالسفهاء‪ :‬عبدة العجل وذلك أنه‬
‫مـحال أن يكون موسى صلى ال عليه وسلم كان تـخير من قومه لـمسألة ربه ما أراه أن‬
‫يسأل لهم إل الفضل فـالفضل منهم‪ ,‬ومـحال أن يكون الفضل كان عنده من أشرك فـي‬
‫عبـادة العجل واتـخذه دون ال إلها‪.‬‬

‫قال‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬فجائز أن يكون موسى علـيه السلم كان معتقدا أن ال سبحانه يعاقب‬
‫قوما بذنوب غيرهم‪ ,‬فـيقول‪ :‬أتهلكنا بذنوب من عبد العجل‪ ,‬ونـحن من ذلك برآء؟ قـيـل‪:‬‬
‫ل ثناؤه‪ :‬إنِ‬
‫جائز أن يكون معنى الهلك‪ :‬قبض الرواح علـى غير وجه العقوبة‪ ,‬كما قال ج ّ‬
‫ك يعنـي‪ :‬مات‪ ,‬فـيقول‪ :‬أتـميتنا بـما فعل السفهاء منا‪.‬‬
‫ا ْمرُؤٌ هََل َ‬
‫ل ِفتْ َن ُتكَ فإنه يقول جلّ ثناؤه‪ :‬ما هذه الفعلة التـي فعلها قومي من‬
‫ن ِهيَ إ ّ‬
‫وأما قوله‪ :‬إ ْ‬
‫عبـادتهم ما عبدوا دونك‪ ,‬إل فتنة منك أصابتهم‪ .‬ويعنـي بـالفتنة‪ :‬البتلء والختبـار‪.‬‬
‫يقول‪ :‬ابتلـيتهم بها لـيتبـين الذي يضلّ عن الـحقّ بعبـادته إياه والذي يهتدي بترك‬
‫عبـادته‪ .‬وأضاف إضللهم وهدايتهم إلـى ال‪ ,‬إذ كان ما كان منهم من ذلك عن سبب منه‬
‫جلّ ثناؤه‪.‬‬
‫وبنـحو ما قلنا فـي الفتنة قال جماعة من أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11857‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن أبـي جعفر‪ ,‬عن الربـيع‪ ,‬عن أبـي‬
‫ي إلّ ِف ْتنَ ُتكَ قال‪ :‬بلـيتك‪.‬‬
‫العالـية‪ :‬إنْ ِه َ‬
‫‪11858‬ـ قال‪ :‬ثنا حبويه الرازي‪ ,‬عن يعقوب‪ ,‬عن جعفر بن أبـي الـمغيرة‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫ل ِفتْ َن ُتكَ‪ :‬إل بلـيتك‪.‬‬
‫جبـير‪ :‬إ ّ‬
‫‪11859‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن سعد‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ن ِهيَ إلّ ِف ْت َن ُتكَ قال‪ :‬بلـيتك‪.‬‬
‫أخبرنا ابن جعفر‪ ,‬عن الربـيع بن أنس‪ :‬إ ْ‬
‫‪11860‬ـ قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية بن صالـح‪ ,‬عن علـي بن‬
‫ن تَشا ُء إن هو إل عذابك‬
‫ل بِها مَ ْ‬
‫ن ِهيَ إلّ ِف ْت َن ُتكَ تُضِ ّ‬
‫أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬إ ْ‬
‫تصيب به من تشاء‪ ,‬وتصرفه عمن تشاء‪.‬‬
‫ن ِهيَ إلّ‬
‫‪11861‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬إ ْ‬
‫ِفتْ َن ُتكَ أنت فتنتهم‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬أنْتَ وَلِـيّنا يقول‪ :‬أنت ناصرنا‪ .‬فـاغْ ِفرْ لَنا يقول‪ :‬فـاستر علـينا ذنوبنا بتركك‬
‫ن يقول‪ :‬خير من صفح‬
‫خ ْيرُ الغا ِفرِي َ‬
‫حمْنا‪ :‬تعطّف علـينا برحمتك‪ .‬وأنْتَ َ‬
‫عقابنا علـيها‪ .‬وَا ْر َ‬
‫عن جُرم وستر علـى ذنب‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪156‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫خرَةِ ِإنّا ُه ْدنَـآ‬
‫لِ‬
‫سنَةً َوفِي ا َ‬
‫حَ‬
‫ب َلنَا فِي هَـذِهِ ال ّد ْنيَا َ‬
‫{وَا ْكتُ ْ‬

‫ن َيتّقُونَ َويُ ْؤتُونَ‬
‫سَأ ْك ُتبُهَا لِّلذِي َ‬
‫شيْ ٍء فَ َ‬
‫سعَتْ كُلّ َ‬
‫حمَتِي َو ِ‬
‫ن َأشَآءُ َو َر ْ‬
‫عذَا ِبيَ ُأصِيبُ ِبهِ مَ ْ‬
‫إَِل ْيكَ قَالَ َ‬
‫ن }‪..‬‬
‫ن هُم بِآيَا ِتنَا ُي ْؤ ِمنُو َ‬
‫ال ّزكَـاةَ وَاّلذِي َ‬

‫ب لَنا‪:‬‬
‫يقول تعالـى ذكره مخبرا عن دعاء نبـيه موسى علـيه السلم أنه قال فـيه‪ :‬وَا ْكتُ ْ‬
‫سنَ ًة وهي الصالـحات من العمال‪ ,‬وَفـي‬
‫حَ‬
‫أي اجعلنا مـمن كتبت له فِـي َهذِ ِه ال ّدنْـيا َ‬
‫لخِرَ ِة مـمن كتبت له الـمغفرة لذنوبه‪ .‬كما‪:‬‬
‫اَ‬
‫‪11862‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قوله‪ :‬وَا ْكتُبْ‬
‫سنَةً قال‪ :‬مغفرة‪.‬‬
‫حَ‬
‫لَنا فِـي َه ِذهِ ال ّدنْـيا َ‬
‫وقوله‪ :‬إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ يقول‪ :‬إنا تبنا إلـيك‪.‬‬
‫وبنـحو ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11863‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير وابن فضيـل وعمران بن عيـينة‪ ,‬عن عطاء‪,‬‬
‫عن سعيد بن جبـير وقال عمران‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ قال‪ :‬إنا تبنا إلـيك‪.‬‬
‫‪11864‬ـ قال‪ :‬حدثنا زيد بن حبـاب‪ ,‬عن حماد بن سلـمة‪ ,‬عن عطاء‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪,‬‬
‫قال‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫‪11865‬ـ قال‪ :‬حدثنا جابر بن نوح‪ ,‬عن أبـي رَوْق عن الضحاك‪ ,‬عن ابن عبـاس قال‪ :‬تبنا‬
‫إلـيك‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن بكر‪ ,‬عن حاتـم بن أبـي مغيرة‪ ,‬عن سِماك‪ :‬أن ابن عبـاس قال‬
‫فـي هذه الَية‪ :‬إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ قال‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحجاج‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حماد‪ ,‬عن عطاء بن السائب‪ ,‬عن سعيد‬
‫بن جبـير‪ ,‬قال‪ :‬أحسبه عن ابن عبـاس‪ :‬إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ قال‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬عن‬
‫أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ يقول‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫حدثنا مـحمد بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي يحيى بن سعيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد‬
‫الرحمن بن الصبهانـيّ عن سعيد بن جبـير‪ ,‬فـي قوله‪ :‬إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ قال‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا عبد الرحمن ووكيع بن الـجراح‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان عن عبد الرحمن بن‬
‫الصبهانـيّ‪ ,‬عن سعيد بن جبـير بـمثله‪.‬‬
‫‪11866‬ـ حدثنـي ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن ابن الصبهانـي‪ ,‬عن‬
‫سعيد بن جبـير‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪11867‬ـ قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن مغيرة‪ ,‬عن إبراهيـم‪ ,‬قال‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن زيد‪ ,‬عن العوام‪ ,‬عن إبراهيـم التـيـميّ‪ ,‬قال‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو بن عون‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا هشيـم‪ ,‬عن العوّام‪ ,‬عن‬
‫إبراهيـم التـيـمي مثله‪.‬‬

‫‪11868‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ‬
‫أي إنا تبنا إلـيك‪.‬‬
‫حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬فـي‬
‫قوله‪ُ :‬هدْنا إلَـ ْيكَ قال‪ :‬تبنا‪.‬‬
‫‪11869‬ـ حدثنا موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ‬
‫يقول‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫‪11870‬ـ قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ يقول‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو حذيفة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شبل‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪11871‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن أبـي جعفر الرازي‪ ,‬عن الربـيع بن أنس‪,‬‬
‫عن أبـي العالـية‪ ,‬قال‪ُ :‬ه ْدنَا إلَـ ْيكَ قال‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثنا أبـي‪ ,‬عن أبـي جحير‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬قال‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫‪11872‬ـ قال‪ :‬ثنا الـمـحاربـي‪ ,‬عن جويـير‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬قال‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫وحُدثت عن الـحسين بن الفرج‪ ,‬قال‪ :‬سمعت أبـا معاذ يقول‪ :‬أخبرنا عبـيد بن‬
‫سلـيـمان‪ ,‬قال‪ :‬سمعت الضحاك يقول‪ ,‬فذكر مثله‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثنا أبـي وعبـيد ال‪ ,‬عن شريك‪ ,‬عن جابر‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫‪11873‬ـ قال‪ :‬ثنا حبوية أبو يزيد‪ ,‬عن يعقوب‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪11874‬ـ قال‪ :‬ثنا أبـي‪ ,‬عن شريك‪ ,‬عن جابر‪ ,‬عن عبد ال بن يحيى‪ ,‬عن علـيّ علـيه‬
‫السلم‪ ,‬قال‪ :‬إنـما سميت الـيهود لنهم قالوا ُهدْنا إلَـ ْيكَ‪.‬‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن‬
‫ابن عبـاس‪ :‬إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ يعنـي‪ :‬تبنا إلـيك‪.‬‬
‫حدثنا ابن البرقـي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬سمعت رجلً يسأل سعيدا‪ :‬إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ قال‪:‬‬
‫إنا تبنا إلـيك‪.‬‬
‫وقد بـيّنا معنى ذلك بشواهده فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته‪.‬‬
‫سعَتْ كُلّ‬
‫حمَتـي َو ِ‬
‫ن أشاءُ َو َر ْ‬
‫عذَابِـي ُأصِيبُ بِ ِه مَ ْ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬قالَ َ‬
‫ن الزّكاةَ واّلذِينَ ُهمْ بِآياتِنا يُ ْؤ ِمنُونَ‪.‬‬
‫شيْءٍ فَسَأ ْك ُتبُها لِّلذِينَ َيتّقُونَ َويُ ْؤتُو َ‬
‫َ‬
‫عذَابِـي‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬قالَ ال لـموسى‪ :‬هذا الذي أصبت به قومك من الرجفة َ‬
‫ن أشاءُ من خـلقـي‪ ,‬كما أصيب به هؤلء الذين أصبتهم به من قومك‪.‬‬
‫ُأصِيبُ بِ ِه مَ ْ‬
‫شيْءٍ يقول‪ :‬ورحمتـي عمت خـلقـي كلهم‪.‬‬
‫سعَتْ كُلّ َ‬
‫ح َمتِـي َو ِ‬
‫َو َر ْ‬

‫وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك‪ ,‬فقال بعضهم مخرجه عامّ ومعناه خاصّ‪,‬‬
‫والـمراد به‪ :‬ورحمتـي وسعت الـمؤمنـين بـي من أمة مـحمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ن َيتّقُونَ‪ ...‬الَية‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫واستشهد بـالذي بعده من الكلم‪ ,‬وهو قوله‪ :‬فَسَأكْ ُتبُها لّلذِي َ‬
‫‪11875‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سلـمة الـمنقري‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حماد بن سلـمة‪,‬‬
‫ح َمتِـي‬
‫قال‪ :‬أخبرنا عطاء بن السائب‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس أنه قرأ‪َ :‬و َر ْ‬
‫ن قال‪ :‬جعلها ال لهذه المة‪.‬‬
‫شيْءٍ فَسأَ ْك ُتبُها لّلذِينَ َيتّقُو َ‬
‫ل َ‬
‫سعَتْ كُ ّ‬
‫َو ِ‬
‫‪11876‬ـ حدثنـي عبد الكريـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إبراهيـم بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬قال سفـيان‪ ,‬قال أبو‬
‫شيْءٍ قال إبلـيس‪ :‬أنا من الشيء‪ .‬فنزعها‬
‫ت كُلّ َ‬
‫سعَ ْ‬
‫حمَتِـي َو ِ‬
‫بكر الهذلـيّ‪ :‬فلـما نزلت‪َ :‬و َر ْ‬
‫ن فقال‬
‫ن الزّكاةَ وَاّلذِينَ ُه ْم بآياتِنا يُ ْؤ ِمنُو َ‬
‫ال من إبلـيس‪ ,‬قال‪ :‬فَسأَ ْك ُتبُها لّلذِينَ َيتّقُونَ َو ُي ْؤتُو َ‬
‫الـيهود‪ :‬نـحن نتقـي ونؤتـي الزكاة‪ ,‬ونؤمن بآيات ربنا‪ .‬فنزعها ال من الـيهود‪ ,‬فقال‪:‬‬
‫ل ّميّ‪ ...‬الَيات كلها‪ .‬قال‪ :‬فنزعها ال من إبلـيس ومن‬
‫ل ال ّنبِـيّ ا ُ‬
‫اّلذِينَ َي ّت ِبعُونَ ال ّرسُو َ‬
‫الـيهود وجعلها لهذه المة‪.‬‬
‫‪11877‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬لـما‬
‫ل شيء‪ ,‬قال ال‪ :‬فَسَأ ْك ُتبُها لّلذِينَ‬
‫شيْءٍ قال إبلـيس‪ :‬أنا من ك ّ‬
‫ل َ‬
‫سعَتْ كُ ّ‬
‫نزلت‪َ :‬و َرحْ َمتِـي َو ِ‬
‫ن ُهمْ بآياتِنا ُي ْؤ ِمنُونَ‪ ...‬الَية‪ .‬فقالت الـيهود‪ :‬ونـحن نتقـي‬
‫َيتّقُونَ َويُ ْؤتَونَ الزّكاةَ وَاّلذِي َ‬
‫ل ّميّ قال‪ :‬نزعها ال عن إبلـيس‬
‫ل ال ّنبِـيّ ا ُ‬
‫ن َي ّتبِعُونَ ال ّرسُو َ‬
‫ونؤتـي الزكاة‪ .‬فأنزل ال‪ :‬اّلذِي َ‬
‫وعن الـيهود‪ ,‬وجعلها لمة مـحمد‪ ,‬سأكتبها للذين يتقون من قومك‪.‬‬
‫عذَابـي‬
‫‪11878‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪َ :‬‬
‫ل شَيْ ٍء فقال إبلـيس‪ :‬أنا من ذلك الشيء‪ ,‬فأنزل ال‪:‬‬
‫سعَتْ كُ ّ‬
‫ح َمتِـي َو ِ‬
‫ن أشاءُ َو َر ْ‬
‫ُأصِيبُ بِ ِه مَ ْ‬
‫ن َيتّقُونَ معاصي ال‪ ,‬واّلذِينَ ُهمْ بآياتِنا يُ ْؤ ِمنُونَ‪ .‬فتـمنتها الـيهود والنصارى‪.‬‬
‫فَسَأ ْك ُتبُها لّلذِي َ‬
‫ل ّميّ فهو نبـيكم كان أميا‬
‫ن ال ّرسُولَ ال ّنبِـيّ ا ُ‬
‫ن َي ّت ِبعُو َ‬
‫فأنزل ال شرطا وثـيقا بـينا‪ ,‬فقال‪ :‬اّلذِي َ‬
‫ل يكتب‪ ,‬صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪11879‬ـ حدثنـي يعقوب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن علـية‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا خالد الـحذّاء‪ ,‬عن أنـيس بن‬
‫خرَ ِة إنّا‬
‫لِ‬
‫سنَةً وفِـي ا َ‬
‫حَ‬
‫ب لَنا فِـي ال ّدنْـيا َ‬
‫أبـي العريان‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَا ْكتُ ْ‬
‫شيْءٍ‬
‫سعَتْ كُلّ َ‬
‫ح َمتِـي َو ِ‬
‫عذَابِـي ُأصِيبُ ِبهِ َمنْ أشاءُ َو َر ْ‬
‫ُهدْنا إلَـ ْيكَ قال‪ :‬فلـم يعطها‪ ,‬فقال‪َ :‬‬
‫ل ّميّ‪.‬‬
‫ن َيتّقُونَ إلـى قوله‪ :‬ال ّرسُولَ ال ّنبِـيّ ا ُ‬
‫فَسأ ْك ُتبُها لّلذِي َ‬
‫حدثنـي ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن علـية وعبد العلـى‪ ,‬عن خالد‪ ,‬عن أنـيس بن أبـي‬
‫العربـان قال عبد العلـى‪ :‬عن أنـيس أبـي العريان وقال‪ :‬قال ابن عبـاس‪ :‬وَا ْكتُبْ لَنا‬
‫عذَابِـي‬
‫خرَةِ إنّا ُهدْنا إلَـ ْيكَ قال‪ :‬فلـم يعطها موسى‪ .‬قالَ َ‬
‫لِ‬
‫سنَ ًة وفِـي ا َ‬
‫حَ‬
‫فِـي َهذِ ِه ال ّدنْـيا َ‬
‫ل شَيْ ٍء فَسأ ْك ُتبُها‪ ...‬إلـى آخر الَية‪.‬‬
‫سعَتْ كُ ّ‬
‫ح َمتِـي َو ِ‬
‫ن أشاءُ َو َر ْ‬
‫أُصيبُ بِ ِه مَ ْ‬

‫‪11880‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬كان ال كتب فـي اللواح ذكر مـحمد وذكر أمته وما ادخر لهم عنده‬
‫ب بِهِ‬
‫عذَابِـي ُأصِي ُ‬
‫ل لهم‪ ,‬فقال‪َ :‬‬
‫وما يسّر علـيهم فـي دينهم وما وسّع علـيهم فـيـما أح ّ‬
‫ن يعنـي الشرك‪ ,‬الَية‪.‬‬
‫ل شَيْ ٍء فَسأ ْك ُتبُها لّلذِينَ َيتّقُو َ‬
‫سعَتْ كُ ّ‬
‫ح َمتِـي َو ِ‬
‫ن أشاءُ َو َر ْ‬
‫مَ ْ‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل ذلك علـى العموم فـي الدنـيا وعلـى الـخصوص فـي الَخرة‪ .‬ذكر‬
‫من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11881‬ـ حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا معمر‪ ,‬عن‬
‫شيْءٍ قال‪ :‬وسعت فـي الدنـيا البرّ‬
‫ل َ‬
‫سعَتْ كُ ّ‬
‫الـحسن وقتادة‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬و َرحْ َمتِـي َو ِ‬
‫والفـاجر‪ ,‬وهي يوم القـيامة للذين اتقوا خاصة‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬هي علـى العموم‪ ,‬وهي التوبة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11882‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬أنْتَ وَلِـيّنا‬
‫لخِرَ ِة إنّا‬
‫سنَ ًة وفِـي ا َ‬
‫حَ‬
‫خ ْيرُ الغا ِفرِينَ وَا ْكتُبْ لَنا فِـي َهذِ ِه ال ّدنْـيا َ‬
‫ت َ‬
‫حمْنا وأنْ َ‬
‫فـاغْ ِف ْر لَنا وَا ْر َ‬
‫ن َأشَاءُ العذاب الذي ذكر‬
‫عذَابـي ُأصِيبُ به مَ ْ‬
‫ُهدْنا إلَـ ْيكَ فقال‪ :‬سأل موسى هذا‪ ,‬فقال ال‪َ :‬‬
‫ل شَيءٍ فَسَأ ْك ُتبُها لّلذِينَ َيتّقُونَ‪ .‬قال‪ :‬فرحمته‪ :‬التوبة التـي سأل‬
‫سعَتْ كُ ّ‬
‫و َرحْمتـي التوبةُ َو ِ‬
‫موسى علـيه السلم كتبها ال لنا‪.‬‬
‫ن فإنه يقول‪ :‬فسأكتب رحمتـي التـي وسعت كلّ شيء‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬فَسأَ ْك ُتبُها لّلذِينَ َيتّقُو َ‬
‫ومعنى «أكتب» فـي هذا الـموضع‪ :‬أكتب فـي اللوح الذي كتب فـيه التوراة للّذين َيتّقُونَ‬
‫يقول‪ :‬للقوم الذين يخافون ال ويخشون عقابه علـى الكفر به والـمعصية له فـي أمره‬
‫ونهيه‪ ,‬فـيؤدون فرائضه‪ ,‬ويجتنبون معاصيه‪.‬‬
‫وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي وصف ال هؤلء القوم بأنهم يتقونه‪ ,‬فقال‬
‫بعضهم‪ :‬هو الشرك‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11883‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫ن َيتّقُونَ يعنـي الشرك‪.‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ :‬فَسَأ ْك ُتبُها لّلذِي َ‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل هو الـمعاصي كلها‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11884‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬فَسَأ ْك ُتبُها لّلذِينَ َيتّقُونَ‬
‫معاصي ال‪.‬‬
‫وأما الزكاة وإيتاؤها‪ ,‬فقد بـيّنا صفتها فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته‪.‬‬
‫وقد ذُكر عن ابن عبـاس فـي هذا الـموضع أنه قال فـي ذلك ما‪:‬‬
‫‪11885‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال‪ ,‬قال ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن ابن‬
‫ن الزّكا َة قال‪ :‬يطيعون ال ورسوله‪.‬‬
‫عبـاس‪َ :‬ويُ ْؤتُو َ‬

‫فكأن ابن عبـاس تأوّل ذلك بـمعنى أنه العمل بـما يزكي النفس ويطهّرها من صالـحات‬
‫العمال‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬وَاّلذِينَ ُهمْ بآياتِنا يُ ْؤ ِمنُونَ فإنه يقول‪ :‬وللقوم الذين هم بأعلمنا وأدلتنا يصدّقون‬
‫ويقرّون‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪157‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫جدُونَهُ َم ْكتُوبا‬
‫ل ّميّ اّلذِي َي ِ‬
‫ل ال ّن ِبيّ ا ُ‬
‫ن َي ّتبِعُونَ ال ّرسُو َ‬
‫{اّلذِي َ‬

‫ط ّيبَاتِ َو ُيحَ ّرمُ‬
‫ن ا ْل ُم ْنكَرِ َو ُيحِلّ َل ُهمُ ال ّ‬
‫ل ْنجِيلِ َي ْأ ُمرُهُم بِا ْلمَ ْعرُوفِ َو َي ْنهَا ُهمْ عَ ِ‬
‫عِندَ ُهمْ فِي التّ ْورَاةِ وَا ِ‬
‫ع ّزرُوهُ‬
‫ل اّلتِي كَانَتْ عََل ْي ِهمْ فَاّلذِينَ آ َمنُو ْا بِهِ َو َ‬
‫ع ْن ُهمْ ِإصْرَ ُهمْ وَالغْلَ َ‬
‫خبَآئِثَ َويَضَعُ َ‬
‫عََل ْي ِهمُ ا ْل َ‬
‫ك ُهمُ ا ْلمُفِْلحُونَ }‪..‬‬
‫صرُوهُ وَا ّت َبعُو ْا النّورَ اّل ِذيَ أُنزِلَ َم َعهُ ُأوْلَـئِ َ‬
‫َو َن َ‬
‫وهذا القول إبـانة من ال جلّ ثناؤه عن أن الذين وعد موسى نبـيه علـيه السلم أن‬
‫شيْءٍ هم أمة مـحمد‬
‫ل َ‬
‫سعَتْ كُ ّ‬
‫يكتب لهم الرحمة التـي وصفها جلّ ثناؤه بقوله‪َ :‬و َرحْ َمتِـي َو ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ,‬لنه ل يعلـم ل رسول وصف بهذه الصفة أعنـي الميّ غير نبـينا‬
‫مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وبذلك جاءت الروايات عن أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11886‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمران بن عيـينة‪ ,‬عن عطاء‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪,‬‬
‫ن َيتّقُونَ قال‪ :‬أمة مـحمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ :‬فَسَأ ْك ُتبُها لّلذِي َ‬
‫قال‪ :‬ثنا زيد بن حُبـاب‪ ,‬عن حماد بن سلـمة‪ ,‬عن عطاء‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬أمة‬
‫مـحمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪11887‬ـ حدثنا أبو كريب وابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن يـمان‪ ,‬عن أشعث‪ ,‬عن جعفر‪,‬‬
‫ن َيتّقُونَ قال‪ :‬أمة مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ ,‬فقال‬
‫عن سعيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬فَسَأ ْك ُتبُها لّلذِي َ‬
‫موسى علـيه السلم‪ :‬لـيتنـي خُـلقت فـي أمة مـحمد‬
‫‪11888‬ـ حدثنا ابن حميد وابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن عطاء‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪:‬‬
‫ن َيتّقُونَ قال‪ :‬الذين يتبعون مـحمدا صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫فَسَأ ْك ُتبُها لّلذِي َ‬
‫‪11889‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن لـيث‪ ,‬عن شهر بن حَ ْوشَب‪ ,‬عن نَوْف‬
‫الـحميريّ‪ ,‬قال‪ :‬لـما اختار موسى قومه سبعين رجلً لـميقات ربه قال ال لـموسى‪ :‬أجعل‬
‫طهُورا‪ ,‬وأجعل السكينة معكم فـي بـيوتكم‪ ,‬وأجعلكم تقرءون التوراة‬
‫لكم الرض مسجدا و َ‬
‫عن ظهور قلوبكم‪ ,‬يقرؤها الرجل منكم والـمرأة والـحرّ والعبد والصغير والكبـير‪ .‬فقال‬
‫طهُورا ومسجدا‪ .‬قالوا‪ :‬ل نريد أن نصلـي إلّ‬
‫موسى لقومه‪ :‬إن ال قد يجعل لكم الرض َ‬
‫فـي الكنائس‪ .‬قال‪ :‬ويجعل السكينة معكم فـي بـيوتكم‪ .‬قالوا‪ :‬ل نريد إلّ أن تكون كما كانت‬
‫فـي التابوت‪ .‬قال‪ :‬ويجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم‪ ,‬ويقرؤها الرجل منكم‬

‫ل نظرا‪ .‬فقال ال‪:‬‬
‫والـمرأة والـح َر والعبد الصغير والكبـير‪ .‬قالوا‪ :‬ل نريد أن نقرأها إ ّ‬
‫ن الزّكاةَ‪ ...‬إلـى قوله‪ :‬أُوَل ِئكَ ُهمُ الـمُفْلِـحُونَ‪.‬‬
‫ن َيتّقُونَ َويُ ْؤتَو َ‬
‫فَسَأ ْك ُتبُها لّلذِي َ‬
‫‪11890‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن يحيى‬
‫بن أبـي كثـير‪ ,‬عن نوف البِكالـيّ‪ ,‬قال‪ :‬لـما انطلق موسى بوفد بنـي إسرائيـل كلـمه‬
‫ال‪ ,‬فقال‪ :‬إنـي قد بسطت لهم الرض طَهورا ومساجد يصلون فـيها حيث أدركتهم الصلة‬
‫إلّ عند مرحاض أو قبر أو حمام‪ ,‬وجعلت السكينة فـي قلوبهم‪ ,‬وجعلتهم يقرءون التوراة عن‬
‫ظهر ألسنتهم‪ .‬قال‪ :‬فذكر ذلك موسى لبنـي إسرائيـل‪ ,‬فقالوا‪ :‬ل نستطيع حمل السكينة فـي‬
‫ل فـي الكنـيسة‬
‫ل نظرا‪ ,‬ول نصلـي إ ّ‬
‫قلوبنا‪ ,‬فـاجعلها لنا فـي تابوت‪ ,‬ول نقرأ التوراة إ ّ‬
‫ن الزّكاةَ‪ ...‬حتـى بلغ‪ :‬أُوَل ِئكَ ُهمُ الـمُفْلِـحُونَ‪ .‬قال‪:‬‬
‫ن َيتّقُونَ َويُ ْؤتَو َ‬
‫فقال ال‪ :‬فَسَأ ْك ُتبُها لّلذِي َ‬
‫فقال موسى علـيه السلم‪ :‬يا رب اجعلنـي نبـيهم قال‪ :‬نبـيهم منهم‪ .‬قال‪ :‬ربّ اجعلنـي‬
‫منهم قال‪ :‬لن تدركهم‪ .‬قال‪ :‬يا ربّ أتـيتك بوفد بنـي إسرائيـل‪ ,‬فجعلت وفـادتنا لغيرنا‬
‫فأنزل ال‪َ :‬و ِمنْ قَ ْومِ مُوسَى ُأمّ ٌة ُيهْدُونَ بـالـحَقّ وبِ ِه َي ْعدِلُونَ‪ .‬قال نوف البِكالـي‪ :‬فـاحمدوا‬
‫ال الذي حفظ غيبتكم‪ ,‬وأخذ لكم بسهمكم‪ ,‬وجعل وفـادة بنـي إسرائيـل لكم‪.‬‬
‫حدثنا مـحمد بن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا معاذ بن هشام‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬عن يحيى بن‬
‫أبـي كثـير‪ ,‬عن نوف البِكالـي بنـحوه‪ ,‬إلّ أنه قال‪ :‬فإنـي أنزل علـيكم التوراة تقرءونها‬
‫عن ظهر ألسنتكم‪ ,‬رجالكم ونساؤكم وصبـيانكم‪ .‬قالوا‪ :‬ل نصلـي إلّ فـي كنـيسة‪ ,‬ثم ذكر‬
‫سائر الـحديث نـحوه‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق بن إسماعيـل‪ ,‬عن يعقوب‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫ن َيتّقُونَ قال‪ :‬أمة مـحمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫جبـير‪ :‬فَسَأ ْكتُبُها لّلذِي َ‬
‫‪11891‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫ن قال‪ :‬هؤلء أمة مـحمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ن َيتّقُو َ‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬فَسَأكْ ُتبُها لّلذِي َ‬
‫‪11892‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قال‪ :‬لـما‬
‫ن تـمنتها الـيهود‬
‫ن ُهمْ بآياتِنا ُي ْؤ ِمنُو َ‬
‫ن َيتّقُونَ َويُ ْؤتَونَ الزّكاةَ وَاّلذِي َ‬
‫قـيـل‪ :‬فَسَأ ْكتُبُها لّلذِي َ‬
‫ل ّميّ وهو‬
‫ل ال ّنبِـيّ ا ُ‬
‫والنصارى‪ ,‬فأنزل ال شرطا بَـيّنا وثـيقا‪ ,‬فقال‪ :‬اّلذِينَ َي ّت ِبعُونَ ال ّرسُو َ‬
‫نبـيكم صلى ال عليه وسلم كان أميّا ل يكتب‪.‬‬
‫وقد بـيّنا معنى الميّ فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬اّلذِي يَجدُونَ ُه َم ْكتُوبـا ع ْندَ ُهمْ فِـي الّت ْورَاةِ والنْـجِيـل فإن الهاء فـي قوله‪:‬‬
‫جدُونَهُ عائدة علـى الرسول‪ ,‬وهو مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬كالذي‪:‬‬
‫َي ِ‬

‫‪11893‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫ل ّميّ هذا مـحمد صلى ال عليه‬
‫ن ال ّرسُولَ ال ّنبِـيّ ا ُ‬
‫ن َي ّت ِبعُو َ‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬قوله‪ :‬اّلذِي َ‬
‫وسلم‪.‬‬
‫‪11894‬ـ حدثنـي ابن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عثمان بن عمر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا فلـيح عن هلل بن‬
‫علـيّ‪ ,‬عن عطاء بن يسار‪ ,‬قال‪ :‬لقـيت عبد ال بن عمرو‪ ,‬فقلت‪ :‬أخبرنـي عن صفة‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم فـي التوراة قال‪ :‬أجل وال إنه لـموصوف فـي التوراة‬
‫كصفته فـي القرآن‪ :‬يا أ ّيهَا النّبـيّ إنّا أرْسلناكَ شاهِدا ومبشّرا ونذِيرا وحرزا للميـين‪ ,‬أنت‬
‫عبدي ورسولـي‪ ,‬سميتك الـمتوكل‪ ,‬لـيس بفظّ ول غلـيظ ول صخّاب فـي السواق‪ ,‬ول‬
‫َيجْزِي بـالسيئة السيئة‪ ,‬ولكن يعفو ويصفح ولن نقبضه حتـى نقـيـم به الـملة العوجاء‪,‬‬
‫عمْيا‪ .‬قال عطاء‪ :‬ثم‬
‫صمّا‪ ,‬وأعينا ُ‬
‫بأن يقولوا‪ :‬ل إله إلّ ال‪ ,‬فنفتـح به قلوبـا غُلْفـا وآذانا ُ‬
‫لقـيت كعبـا فسألته عن ذلك‪ ,‬فما اختلفـا حرفـا‪ ,‬إلّ أن كعبـا قال بلغته‪ :‬قلوبـا غُلُوفِـيَا‪.‬‬
‫وآذانا صموميا‪ ,‬وأعينا عموميَا‪.‬‬
‫حدثنـي أبو كريب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا موسى بن داود‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا فلـيح بن سلـيـمان‪ ,‬عن‬
‫هلل بن علـيّ‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عطاء‪ ,‬قال‪ :‬لقـيت عبد ال بن عمرو بن العاص‪ ,‬فذكر نـحوه‪.‬‬
‫صمُومَا‪ ,‬وقلوبـا غُلُوفَـا‪.‬‬
‫عمُومَا‪ ,‬وآذانا ُ‬
‫إلّ أنه قال فـي كلم كعب‪ :‬أعينا ُ‬
‫قال‪ :‬ثنا موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز بن سلـمة‪ ,‬عن هلل بن علـيّ‪ ,‬عن عطاء بن‬
‫يسار‪ ,‬عن عبد ال بنـحوه‪ ,‬ولـيس فـيه كلم كعب‪.‬‬
‫جدُونَهُ‬
‫‪11895‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قال ال‪ :‬اّلذِي َي ِ‬
‫ع ْندَ ُهمْ يقول‪ :‬يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوبـا عندهم‪.‬‬
‫َم ْكتُوبـا ِ‬
‫ل َل ُهمُ‬
‫ن الـمُ ْن َكرِ و ُيحِ ّ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪َ :‬ي ْأمُرُ ُهمْ بـالـمَ ْعرُوفِ و َينْها ُهمْ عَ ِ‬
‫ل التـي كانَتْ عَلَـ ْي ِهمْ‪.‬‬
‫صرَ ُهمْ والَغْل َ‬
‫ع ْن ُهمْ إ ْ‬
‫طيِبـاتِ و ُيحَ ّرمُ عَلَـيْ ِهمُ الـخَبـائِثَ َو َيضَعُ َ‬
‫ال ّ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬يأمر هذا النبـيّ الميّ أتبـاعه بـالـمعروف‪ ,‬وهو اليـمان بـال‬
‫ولزوم طاعته فـيـما أمر ونهى‪ ,‬فذلك الـمعروف الذي يأمرهم به‪ ,‬وينهاهم عن الـمنكر‬
‫وهو الشرك بـال‪ ,‬والنتهاء عما نهاهم ال عنه‪.‬‬
‫طيّبـاتِ وذلك ما كانت الـجاهلـية تـحرّمه من البحائر والسوائب‬
‫ل َل ُهمُ ال ّ‬
‫وقوله‪ :‬و ُيحِ ّ‬
‫حرّمُ عَلَـيهِمُ الـخبَـائِثَ وذلك لـحم الـخنزير والربـا‪ ,‬وما‬
‫والوصائل والـحوامي‪ .‬و ُي َ‬
‫كانوا يستـحلونه من الـمطاعم والـمشارب التـي حرّمها ال‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪11896‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫ح ّرمُ عَلَـ ْي ِهمُ الـخَبـائِثَ وهو لـحم الـخنزير والربـا‪ ,‬وما كانوا‬
‫عن ابن عبـاس‪ :‬و ُي َ‬
‫يستـحلونه من الـمـحرّمات من الـمآكل التـي حرّمها ال‪.‬‬

‫ع ْن ُهمْ إصْرَ ُهمْ والغْللَ اّلتِـي كانَتْ عَلَـ ْيهِمْ فإن أهل التأويـل اختلفوا‬
‫وأما قوله‪َ :‬ويَضَعُ َ‬
‫فـي تأويـله‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬يعنـي بـالصر‪ :‬العده والـميثاق الذي كان أخذه علـى بنـي‬
‫إسرائيـل بـالعمل بـما فـي التوراة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11897‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جابر بن نوح‪ ,‬عن أبـي َروْق‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬عن ابن‬
‫صرَهُمْ قال‪ :‬عهدهم‪.‬‬
‫ع ْن ُهمْ إ ْ‬
‫عبـاس‪َ :‬و َيضَعُ َ‬
‫‪11898‬ـ قال‪ :‬ثنا الـمـحاربـي‪ ,‬عن جويبر‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬قال‪ :‬عهدهم‪.‬‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو بن علـيّ‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا هشيـم‪ ,‬عن جويبر‪ ,‬عن‬
‫الضحاك‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪11899‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن يـمان‪ ,‬عن مبـارك‪ ,‬عن الـحسن‪َ :‬و َيضَعُ‬
‫صرَهُمْ قال‪ :‬العهود التـي أعطوها من أنفسهم‪.‬‬
‫ع ْن ُهمْ إ ْ‬
‫َ‬
‫صرَهُمْ‬
‫ع ْن ُهمْ إ ْ‬
‫‪11900‬ـ قال‪ :‬ثنا ابن نـمير‪ ,‬عن موسى بن قـيس‪ ,‬عن مـجاهد‪َ :‬و َيضَعُ َ‬
‫قال‪ :‬عهدهم‪.‬‬
‫‪11901‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫ل التـي كانَتْ عَلَـ ْي ِهمْ يقول‪ :‬يضع عنهم‬
‫صرَهُمْ والغْل َ‬
‫ع ْن ُهمْ إ ْ‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪َ :‬و َيضَعُ َ‬
‫عهودهم ومواثـيقهم التـي أخذت علـيهم فـي التوراة والنـجيـل‪.‬‬
‫‪11902‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـي‪,‬‬
‫ل التـي كانَتْ عَلَـ ْي ِهمْ ما كان ال أخذ‬
‫صرَ ُهمْ والغْل َ‬
‫ع ْن ُهمْ إ ْ‬
‫عن ابن عبـاس‪َ :‬و َيضَعُ َ‬
‫علـيهم من الـميثاق فـيـما حرّم علـيهم‪ ,‬يقول‪ :‬يضع ذلك عنهم‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬عنـي بذلك أنه يضع عمن اتبع نبـيّ ال صلى ال عليه وسلم التشديد الذي‬
‫كان علـى بنـي إسرائيـل فـي دينهم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫ع ْن ُهمْ‬
‫‪11903‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪َ :‬و َيضَعُ َ‬
‫إصْرَ ُهمْ والغْللَ التـي كانَتْ عَلَـ ْيهِمْ فجاء مـحمد صلى ال عليه وسلم بإقالة منه‬
‫وتـجاوز عنه‪.‬‬
‫‪11904‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحمانـي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شريك‪ ,‬عن سالـم‪ ,‬عن‬
‫صرَ ُهمْ قال‪ :‬البول ونـحوه مـما غلظ علـى بنـي إسرائيـل‪.‬‬
‫ع ْنهُمْ إ ْ‬
‫سعيد‪َ :‬و َيضَعُ َ‬
‫حمّانـي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يعقوب‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن سعيد‪ ,‬قال‪ :‬شدّة العمل‪.‬‬
‫‪11905‬ـ قال‪ :‬ثنا الـ ِ‬
‫‪11906‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬قال‬
‫ل التـي كانَتْ عَلَـ ْي ِهمْ قال‪ :‬من اتبع مـحمدا‬
‫صرَ ُهمْ والغْل َ‬
‫ع ْن ُهمْ إ ْ‬
‫مـجاهد‪ ,‬قوله‪َ :‬و َيضَعُ َ‬
‫ودينه من أهل الكتاب‪ ,‬وضع عنهم ما كان علـيهم من التشديد فـي دينهم‪.‬‬

‫‪11907‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن فضيـل‪ ,‬عن أشعث‪ ,‬عن ابن سيرين‪ ,‬قال‪ :‬قال أبو‬
‫هريرة لبن عبـاس‪ :‬ما علـينا فـي الدين من حرج أن نزنـي ونسرق؟ قال‪ :‬بلـى‪ ,‬ولكن‬
‫الصر الذي كان علـى بنـي إسرائيـل وُضع عنكم‪.‬‬
‫ع ْن ُهمْ‬
‫‪11908‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬ويَضَعُ َ‬
‫إصْرَ ُهمْ قال‪ ,:‬قال‪ :‬قال أبو هريرة لبن عبـاس‪ :‬ما علـينا فـي الدين من حرج أن نزنـي‬
‫ونسرق؟ قال‪ :‬بلـى‪ ,‬ولكن الصر الذي كان علـى بنـي إسرائيـل وُضع عنكم‪.‬‬
‫ع ْن ُهمْ‬
‫‪11909‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬ويَضَعُ َ‬
‫إصْرَ ُهمْ قال‪ :‬ها من العمال الشديدة كقطع الـجلد من البول‪ ,‬وتـحريـم الغنائم‪ ,‬ونـحو ذلك‬
‫من العمال التـي كانت علـيهم مفروضة‪ ,‬فنسخها حكم القرآن‪.‬‬
‫وأما الغلل التـي كانت علـيهم‪ ,‬فكان ابن زيد يقول بـما‪:‬‬
‫ل التـي كانَتْ‬
‫‪11910‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب عنه فـي قوله‪ :‬والغْل َ‬
‫ت أ ْيدِي ِهمْ قال‪ :‬تلك الغلل‪ ,‬قال‪ :‬ودعاهم إلـى أن يؤمنوا‬
‫عَلَـ ْي ِهمْ قال‪ :‬الغلل‪ .‬وقرأ غُلّ ْ‬
‫بـالنبـيّ‪ ,‬فـيضع ذلك عنهم‪.‬‬
‫صرُوهُ وَا ّت َبعُوا النّو َر اّلذِي‬
‫ع ّزرُوهُ َو َن َ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬فـاّلذِينَ آ َمنُوا ِبهِ وَ َ‬
‫ُأ ْنزِلَ َمعَ ُه أُوَل ِئكَ ُه ُم الـمُفْلِـحُونَ‪.‬‬
‫ع ّزرُوهُ يقول‪َ :‬وقّروه‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فـالذين صدّقوا بـالنبـيّ الميّ‪ ,‬وأقرّوا بنبوّته‪ ,‬و َ‬
‫وعظموه وحموه من الناس‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪11911‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫عزّروه يقول‪ :‬حَموه ووقروه‪.‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ :‬و َ‬
‫‪11912‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي موسى بن قـيس‪ ,‬عن‬
‫ع ّزرُوهُ َو َنصَرُوهُ قال‪ :‬عزّروه‪ :‬سدّدوا أمره‪ ,‬وأعانوا رسوله ونصروه‪.‬‬
‫مـجاهد‪ :‬وَ َ‬
‫صرُو ُه يقول‪ :‬وأعانوه علـى أعداء ال وأعدائه بجهادهم ونصب الـحرب لهم‪.‬‬
‫وقوله َن َ‬
‫وَا ّت َبعُوا النّورَ اّلذِي ُأ ْنزِلَ َم َعهُ يعنـي القرآن والسلم‪ .‬أُوَل ِئكَ ُهمُ الـمُفْلِـحُونَ يقول‪ :‬الذين‬
‫يفعلون هذه الفعال التـي وصف بها جلّ ثناؤه أتبـاع مـحمد صلى ال عليه وسلم هم‬
‫الـمنـجحون‪ .‬الـمدركون ما طلبوا ورجوا بفعلهم ذلك‪.‬‬
‫‪11913‬ـ حدثنـي بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قال‪ :‬فما‬
‫صرُوهُ‬
‫ع ّزرُوهُ َو َن َ‬
‫ل أن حسدوا نبـيّ ال‪ ,‬فقال ال‪ :‬اّلذِينَ آ َمنُوا ِبهِ وَ َ‬
‫نقموا‪ ,‬يعنـي الـيهود إ ّ‬
‫فأما نصره وتعزيره فقد سُبقتـم به‪ ,‬ولكن خياركم من آمن بـال واتبع النور الذي أنزل معه‪.‬‬
‫يريد قتادة بقوله‪« :‬فما نقموا إلّ أن حسدوا نبـيّ ال» أن الـيهود كان مـحمد صلى ال‬
‫عليه وسلم بـما جاء به من عند ال رحمة علـيهم لو اتبعوه‪ ,‬لنه جاء بوضع الصر‬

‫والغلل عنهم‪ ,‬فحملهم الـحسد علـى الكفر به وترك قبول التـخفـيف لغلبة خذلن ال‬
‫علـيهم‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪158‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫جمِيعا اّلذِي َلهُ‬
‫ل اللّ ِه إَِل ْي ُكمْ َ‬
‫{قُلْ َيَأ ّيهَا النّاسُ ِإنّي َرسُو ُ‬

‫ل ّميّ اّلذِي‬
‫حيِـي َو ُيمِيتُ فَآ ِمنُواْ بِاللّهِ َو َرسُوِلهِ ال ّن ِبيّ ا ُ‬
‫ل هُ َو ُي ْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالرْضِ ل إِلَـهَ ِإ ّ‬
‫مُ ْلكُ ال ّ‬
‫ن بِاللّهِ َوكَِلمَاتِهِ وَا ّت ِبعُوهُ َلعَّل ُكمْ َت ْه َتدُونَ }‪..‬‬
‫يُ ْؤمِ ُ‬
‫يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬قل يا مـحمد للناس كلهم‪ :‬إنّـي‬
‫جمِيعا ل إلـى بعضكم دون بعض‪ ,‬كما كان من قبلـي من الرسل‪ ,‬مرسلً‬
‫رَسولُ ال إلـيْكمْ َ‬
‫إلـى بعض الناس دون بعض‪ ,‬فمن كان منهم أرسل كذلك‪ ,‬فإن رسالتـي لـيست إلـى‬
‫بعضكم دون بعض ولكنها إلـى جميعكم‪ .‬وقوله‪ :‬اّلذِي من نعت اسم ال‪ .‬وإنـما معنى الكلم‪:‬‬
‫قا يا أيها الناس‪ ,‬إنـي رسول ال الذي له ملك السموات والرض إلـيكم‪.‬‬
‫سمَوَاتِ والرْضِ‪ :‬الذي له سلطان السموات‬
‫ك ال ّ‬
‫ويعنـي جل ثناؤه بقوله‪ :‬اّلذِي لَه مُ ْل ُ‬
‫ل هُ َو يقول‪ :‬ل ينبغي أن تكون اللوهة‬
‫والرض وما فـيهما‪ ,‬وتدبـير ذلك وتصريفه‪ .‬ل إَلهَ إ ّ‬
‫ل له جلّ ثناؤه دون سائر الشياء غيره من النداد والوثان‪ ,‬إلّ لـمن له سلطان‬
‫والعبـادة إ ّ‬
‫كلّ شيء والقادر علـى إنشاء خـلق كل ما شاء وإحيائه وإفنائه إذا شاء إماتته‪ .‬فآ ِمنُوا بـاللّهِ‬
‫ل ثناؤه‪ :‬قل لهم‪ :‬فصدّقوا بآيات ال الذي هذه صفته‪ ,‬وأقرّوا بوحدانـيته‪ ,‬وأنه‬
‫َو َرسُولِ ِه يقول ج ّ‬
‫الذي له اللوهة والعبـادة‪ ,‬وصدّقوا برسوله مـحمد صلى ال عليه وسلم أنه مبعوث إلـى‬
‫خـلقه داع إلـى توحيده وطاعته‪.‬‬
‫ن بـاللّ ِه وكَلِـماتِهِ وَا ّت ِبعُوهُ َلعَّل ُكمْ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬ال ّنبِـيّ ال ّميّ اّلذِي ُي ْؤمِ ُ‬
‫َت ْهتَدُونَ‪.‬‬
‫ي فإنه من نعت رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وقد بـينت معنى‬
‫وأما قوله‪ :‬ال ّنبِـيّ المّ ّ‬
‫النبـيّ فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته‪ .‬ومعنى قوله‪ :‬ال ّميّ الذِي يؤْمنُ بـاللّ ِه يقول‪:‬‬
‫الذي يصدّق بـال وكلـماته‪ .‬ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله‪ :‬وكَلِـماتِهِ فقال‬
‫بعضهم‪ :‬معناه‪ :‬وآياته‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11914‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬اّلذِي يُ ْؤمِنُ‬
‫بـاللّهِ وكَلِـماتِهِ يقول‪ :‬آياته‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل عنـي بذلك عيسى ابن مريـم علـيه السلم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11915‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬قال‬
‫ن بـاللّهِ وكَلِـماتِ ِه قال‪ :‬عيسى ابن مريـم‪.‬‬
‫مـجاهد‪ ,‬قوله‪ :‬الّذي يُ ْؤمِ ُ‬

‫‪11916‬ـ وحدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪:‬‬
‫ن بـاللّهِ وكَلِـماتِ ِه فهو عيسى ابن مريـم‪.‬‬
‫اّلذِي يُ ْؤمِ ُ‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن ال تعالـى ذكره أمر عبـاده أن‬
‫يصدّقوا بنبوّة النبـيّ الميّ الذي يؤمن بـال وكلـماته‪ .‬ولـم يخصص الـخبر جلّ ثناؤه‬
‫عن إيـمانه من كلـمات ال ببعض دون بعض‪ ,‬بل أخبرهم عن جميع الكلـمات‪ ,‬فـالـحقّ‬
‫فـي ذلك أن يعمّ القول‪ ,‬فإن رسول ال صلى ال عليه وسلم كان يؤمن بكلـمات ال كلها‬
‫علـى ما جاء به ظاهر كتاب ال‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬وَاتّبعُو ُه َلعَّلكُ ْم َت ْهتَدُونَ فـاهتدوا به أيها الناس‪ ,‬واعملوا بـما أمركم أن تعملوا به‬
‫من طاعة ال َلعَّل ُكمْ َت ْهتَدُونَ يقول‪ :‬لكي تهتدوا َفتَرشُدوا‪ ,‬وتصيبوا الـحقّ فـي اتبـاعكم إياه‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪159‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن بِا ْلحَقّ َوبِ ِه َي ْعدِلُونَ }‪..‬‬
‫سىَ ُأمّ ٌة َي ْهدُو َ‬
‫{ َومِن قَ ْو ِم مُو َ‬

‫ن قَ ْومِ مُوسَى يعنـي بنـي إسرائيـل‪ُ ,‬أمّةٌ يقول‪ :‬جماعة‪َ ,‬ي ْهدُونَ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪َ :‬ومِ ْ‬
‫حقّ يقول‪ :‬يهتدون بـالـحقّ‪ :‬أي يستقـيـمون علـيه ويعملون‪َ ,‬وبِ ِه َي ْعدِلونَ‪ :‬أي‬
‫بـالـ َ‬
‫وبـالـحقّ يعطون ويأخذون‪ ,‬وينصفون من أنفسهم فل يجورون‪ .‬وقد قال فـي صفة هذه‬
‫ضرَنا منها‪:‬‬
‫ل نـحن ذاكرو ما ح َ‬
‫المة التـي ذكرها ال فـي الَية جماعة أقوا ً‬
‫‪11917‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن الزبـير‪ ,‬عن ابن‬
‫ن قَ ْومِ مُوسَى ُأ ّمةٌ َي ْهدُونَ بـالـحَقّ َوبِهِ‬
‫عيـينة‪ ,‬عن صدقة أبـي الهذيـل‪ ,‬عن السديّ‪َ :‬ومِ ْ‬
‫ن قال‪ :‬قوم بـينكم وبـينهم نهر من شهد‪.‬‬
‫َي ْعدِلُو َ‬
‫‪ 11918‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قوله‪َ :‬ومِ نْ‬
‫حقّ َوبِ ِه َي ْعدِلُو نَ قال‪ :‬بلغن ـي أن بن ـي إ سرائيـل ل ـما قتلوا‬
‫ن ب ـالـ َ‬
‫قَوْ مِ مُو سَى ُأ ّمةٌ َي ْهدُو َ‬
‫أنبـياءهم كفروا‪ ,‬وكانوا اثنـي عشر سبطا‪ ,‬تبرأ سبط منهم مـما صنعوا‪ ,‬واعتذروا‪ ,‬وسألوا‬
‫ال أن يفرّق بـينهم وبـينهم‪ ,‬ففتـح ال لهم نَفَقا فـي الرض‪ ,‬فساروا فـيه حتـى خرجوا‬
‫من وراء ال صين‪ ,‬ف هم هنالك حنف ـاء م سلـمون‪ ,‬ي ستقبلون قبلت نا‪ .‬قال ا بن جر يج‪ :‬قال ا بن‬
‫خرَةِ‬
‫لِ‬
‫عدُ ا َ‬
‫ض فإذَا جاءَ َو ْ‬
‫س ُكنُوا الرْ َ‬
‫ن َب ْعدِ ِه ِل َبنِ ـي إ سْرَائِيـلَ ا ْ‬
‫عب ـاس‪ :‬فذلك قوله‪َ :‬وقُلْ نا مِ ْ‬
‫جئْ نا ِبكُ ْم لَفِ ـيفـا وو عد الَخرة عي سى ا بن مري ـم يخرجون م عه‪ .‬قال ا بن جر يج‪ :‬قال ا بن‬
‫ِ‬
‫سرَب سنة ونصفـا‪.‬‬
‫عبـاس‪ :‬ساروا فـي ال ّ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪160‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫سىَ‬
‫ح ْينَآ إَِلىَ مُو َ‬
‫سبَاطا ُأمَما وَأَ ْو َ‬
‫شرَ َة َأ ْ‬
‫عْ‬
‫ط ْعنَاهُمُ ا ْث َن َتيْ َ‬
‫{ َو َق ّ‬

‫ل ُأنَاسٍ‬
‫عيْنا قَدْ عَِلمَ كُ ّ‬
‫عشْرَةَ َ‬
‫ت ِمنْهُ ا ْث َنتَا َ‬
‫حجَرَ فَان َبجَسَ ْ‬
‫ك ا ْل َ‬
‫ضرِب ّب َعصَا َ‬
‫س َتسْقَاهُ قَ ْو ُمهُ َأنِ ا ْ‬
‫ِإذِ ا ْ‬

‫ط ّيبَاتِ مَا َرزَ ْقنَا ُكمْ َومَا‬
‫ّمشْ َر َب ُهمْ َوظَلّ ْلنَا عََل ْي ِهمُ ا ْل َغمَامَ وََأ ْنزَلْنَا عََل ْي ِهمُ ا ْلمَنّ وَالسّلْ َوىَ كُلُواْ مِن َ‬
‫ن }‪..‬‬
‫سهُمْ َيظِْلمُو َ‬
‫ظََلمُونَا وَلَـكِن كَانُوَاْ َأ ْن ُف َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فرقناهم‪ ,‬يعنـي قوم موسى من بنـي إسرائيـل‪ ,‬فرّقهم ال فجعلهم‬
‫قبـائل شتـى‪ ,‬اثنتـي عشرة قبـيـلة‪ .‬وقد بـيّنا معنى السبـاط فـيـما مضى ومن هم‪.‬‬
‫واختلف أهل العربـية فـي وجه تأنـيث الثنتـي عشرة والسبـاط جمع مذكر‪ ,‬فقال‬
‫بعض نـحويـي البصرة‪ :‬أراد اثنتـي عشرة فرقة‪ ,‬ثم أخبر أن ال ِفرَق أسبـاط‪ ,‬ولـم يجعل‬
‫ستَـخِـلّ هذا التأويـل ويقول‪ :‬ل يخرج العدد علـى‬
‫العدد علـى أسبـاط‪ .‬وكان بعضهم َي ْ‬
‫عين الثانـي‪ ,‬ولكن الفِرق قبل الثنتـي عشرة حتـى تكون الثنتا عشرة مؤنثة علـى ما‬
‫قبلها‪ ,‬ويكون الكلم‪ :‬وقطعناهم فِرَقا اثنتـي عشرة أسبـاطا‪ ,‬فـيصحّ التأنـيث لـما تقدّم‪.‬‬
‫وقال بعض نـحويـي الكوفة‪ ,‬إنـما قال اثنتـي عشرة بـالتأنـيث والسبط مذكر‪ ,‬لن الكلم‬
‫ذهب إلـى المـم فغلّب التأنـيث وإن كان السبط ذكرا‪ ,‬وهو مثل قول الشاعر‪:‬‬
‫شرِ‬
‫ن قَبـائِلِهاال َع ْ‬
‫ت َبرِي ٌء مِ ْ‬
‫طنٍوأنْ َ‬
‫عشْ ٌر أبْ ُ‬
‫ن كِلبـا َه ِذهِ َ‬
‫وَإ ّ‬
‫ذهب بـالبطن إلـى القبـيـلة والفصيـلة‪ ,‬فلذلك جمع البطن بـالتأنـيث‪.‬‬
‫وكان آخرون من نـحويـي الكوفة يقولون‪ :‬إنـما أنثت «الثنتا عشرة» و «السبط» ذَكر‪,‬‬
‫لذكر «المـم»‪.‬‬
‫والصواب من القول فـي ذلك عندي أن الثنتـي عشرة أنثت لتأنـيث القطعة‪ .‬ومعنى‬
‫الكلم‪ :‬وقطعناهم قطعا اثنتـي عشرة‪ ,‬ثم ترجم عن القطع بـالسبـاط‪ .‬وغير جائز أن تكون‬
‫السبـاط مفسرة عن الثنتـي عشرة وهي جمع‪ ,‬لن التفسير فـيـما فوق العشر إلـى‬
‫العشرين بـالتوحيد ل بـالـجمع‪ ,‬والسبـاط جمع ل واحد‪ ,‬وذلك كقولهم‪ :‬عندي اثنتا عشرة‬
‫امرأة‪ ,‬ول يقال‪ :‬عندي اثنتا عشرة نسوة‪ ,‬ففـي ذلك أن السبـاط لـيست بتفسير للثنتـي‬
‫عشرة‪ ,‬وإن القول فـي ذلك علـى ما قلنا‪ .‬وأما المـم فـالـجماعات‪ ,‬والسبط فـي بنـي‬
‫إسرائيـل نـحو القرن‪ .‬وقـيـل‪ :‬إنـما فرّقوا أسبـاطا لختلفهم فـي دينهم‪.‬‬
‫ن اضْرِبْ ب َعصَاكَ‬
‫س َتسْقا ُه قَ ْومُهُ أ ِ‬
‫حيْنا إلـى مُوسَى إذِ ا ْ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬وأ ْو َ‬
‫شرَب ُهمْ َوظَلّلْنا عَلَـ ْيهِمُ الغَمامَ‬
‫ل أُناسٍ َم ْ‬
‫عيْنا َقدْ عَلِـمَ كُ ّ‬
‫شرَةَ َ‬
‫عْ‬
‫جسَتْ ِمنْ ُه ا ْثنَتا َ‬
‫حجَرَ فـانْ َب َ‬
‫الـ َ‬
‫ت ما رَ َزقْنا ُكمْ وَما ظَلَـمُونا وََل ِكنْ كانُوا‬
‫طيّبـا ِ‬
‫ن َ‬
‫وأ ْنزَلْنا عَلَـ ْي ِهمُ الـمَنّ والسّلْوَى كُلُوا مِ ْ‬
‫سهُ ْم يَظْلِـمونَ‪.‬‬
‫أنْ ُف َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬وأوحينا إلـى موسى إذ فرّقنا بنـي إسرائيـل قومه اثنتـي عشرة‬
‫ضرِبْ‬
‫نا ْ‬
‫فرقة‪ ,‬وتـيهناهم فـي التـيه فـاستسقوا موسى من العطش وغئور الـماء أ ِ‬
‫جرَ وقد بـينا السبب الذي كان قومه استسقوه‪ ,‬وبـيّنا معنى الوحي بشواهده‪.‬‬
‫حَ‬
‫بعَصَاكَ الـ َ‬
‫عيْنا من الـماء‪َ ,‬قدْ عَلِـمَ كُلّ أُناسٍ‬
‫شرَةَ َ‬
‫عْ‬
‫ت فـانصبت وانفجرت من الـحجر ا ْثنَتا َ‬
‫فـا ْن َبجَسَ ْ‬

‫ل أناس من السبـاط الثنتـي عشرة مَشرَ َب ُهمْ ل يدخـل سبط علـى غيره فـي‬
‫يعنـي‪ :‬ك ّ‬
‫شربه‪َ .‬وظَلّلْنا عَلَـ ْيهِ ُم الغَمامَ ُي ِكنّهم من حرّ الشمس وأذاها‪ .‬وقد بـيّنا معنى الغمام فـيـما‬
‫مضى قبل‪ ,‬وكذلك الـمنّ والسلوى‪ .‬وأ ْنزَلْنا عَلَـ ْي ِهمُ الـمَنّ والسّلْوَى طعاما لهم‪ .‬كُلُوا مِنْ‬
‫طيّبـاتِ ما َر َزقْنا ُكمْ يقول‪ :‬وقلنا لهم‪ :‬كلوا من حلل ما رزقناكم أيها الناس وطيّبناه لكم‪ .‬وَما‬
‫َ‬
‫سهُمْ َيظْلِـمُونَ‪ ,‬وفـي الكلم مـحذوف ترك ذكره استغناء بـما‬
‫ن كانُوا أ ْن ُف َ‬
‫ظَلَـمُونَا وََلكِ ْ‬
‫ظهر عما ترك‪ ,‬وهو‪ :‬فأجمعوا ذلك وقالوا‪ :‬لن نصبر علـى طعام واحد‪ ,‬فـاستبدلوا الذي هو‬
‫أدنى بـالذي هو خير‪ .‬وَما ظَلَـمُونا يقول‪ :‬وما أدخـلوا علـينا نقصا فـي ملكنا وسلطاننا‬
‫س ُهمْ َيظْلِـمُونَ‪ :‬أي ينقصونها حظوظها‬
‫ن كانُوا أنْ ُف َ‬
‫بـمسألتهم ما سألوا‪ ,‬وفعلهم ما فعلوا‪ .‬وََلكِ ْ‬
‫بـاستبدالهم الدنى بـالـخير والرذل بـالفضل‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪161‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ش ْئ ُتمْ‬
‫حيْثُ ِ‬
‫س ُكنُواْ هَـذِ ِه الْ َق ْريَةَ َوكُلُو ْا ِم ْنهَا َ‬
‫{وَِإ ْذ قِيلَ َل ُهمُ ا ْ‬

‫سنِينَ }‪..‬‬
‫حِ‬
‫س َنزِيدُ ا ْل ُم ْ‬
‫ط َيئَاتِ ُكمْ َ‬
‫خِ‬
‫سجّدا ّنغْ ِفرْ َل ُكمْ َ‬
‫حطّةٌ وَا ْدخُلُو ْا ا ْلبَابَ ُ‬
‫َوقُولُواْ ِ‬
‫يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬واذكر أيضا يا مـحمد من خطإ‬
‫فعل هؤلء القوم وخلفهم علـى ربهم وعصيانهم نبـيهم موسى علـيه السلم وتبديـلهم‬
‫س ُكنُوا َهذِهِ ال َق ْريَةَ وهي قرية بـيت الـمقدس‪,‬‬
‫القول الذي أمروا أن يقولوه حين قال ال لهم‪ :‬ا ْ‬
‫ش ْئتُـمْ منها يقول‪ :‬أنى شئتـم منها‪,‬‬
‫ث ِ‬
‫حيْ ُ‬
‫وكُلُوا ِمنْها يقول‪ :‬من ثمارها وحبوبها ونبـاتها‪َ ,‬‬
‫حطّةٌ يقول‪ :‬وقولوا‪ :‬هذه الفعلة حطة تـحطّ ذنوبنا‪َ ,‬نغْ ِف ْر َل ُكمْ‪ :‬يتغمد لكم ربكم ذنوبكم‬
‫َوقُولُوا ِ‬
‫سنِـينَ منكم‪ ,‬وهم‬
‫التـي سلفت منكم‪ ,‬فـيعفو لكم عنها‪ ,‬فل يؤاخذكم بها‪ .‬سَنزِيدُ الـمُـحْ ِ‬
‫الـمطيعون ل‪ ,‬علـى ما وعدتكم من غفران الـخطايا‪ .‬وقد ذكرنا الروايات فـي كل ذلك‬
‫بـاختلف الـمختلفـين والصحيح من القول لدينا فـيه فـيـما مضى بـما أغنـي عن‬
‫إعادته‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪162‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫غ ْيرَ اّلذِي قِيلَ َل ُهمْ َفَأ ْرسَلْنَا‬
‫{ َف َبدّلَ اّلذِينَ ظََلمُو ْا ِم ْنهُ ْم قَ ْولً َ‬

‫سمَآ ِء ِبمَا كَانُواْ َيظِْلمُونَ }‪.‬‬
‫عََل ْي ِهمْ ِرجْزا مّنَ ال ّ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فغير الذين كفروا بـال منهم ما أمرهم ال به من القول‪ ,‬فقالوا‪ :‬وقد‬
‫قـيـل لهم قولوا هذه حطة‪ :‬حنطة فـي شعيرة وقولهم ذلك كذلك هو غير القول الذي‬
‫ن السّماءِ‪ :‬بعثنا علـيهم عذابـا‬
‫قـيـل لهم قولوه‪ .‬يقول ال تعالـى‪ :‬فَأرْسَلْنا عَلَـيْ ِهمْ ِرجْزا مِ َ‬
‫أهلكناهم بـما كانوا يغيّرون ما يُؤمرون به‪ ,‬فـيفعلون خلف ما أمرهم ال بفعله ويقولون‬
‫غير الذي أمرهم ال بقـيـله‪ .‬وقد بـيّنا معنى الرجز فـيـما مضى‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪163‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫حرِ ِإ ْذ َيعْدُونَ‬
‫ضرَةَ ا ْل َب ْ‬
‫ت حَا ِ‬
‫عنِ ا ْل َق ْريَةِ اّلتِي كَانَ ْ‬
‫سئَ ْل ُهمْ َ‬
‫{ َو ْ‬

‫ن لَ َت ْأتِي ِهمْ َكذَِلكَ َنبْلُوهُم ِبمَا كَانُوا‬
‫س ِبتُو َ‬
‫س ْب ِت ِهمْ شُرّعا َو َي ْومَ لَ َي ْ‬
‫ت ِإذْ َت ْأتِيهِمْ حِيتَا ُن ُهمْ يَ ْومَ َ‬
‫سبْ ِ‬
‫فِي ال ّ‬
‫يَ ْفسُقُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬واسأل يا مـحمد هؤلء الـيهود وهم مـجاوروك‪ ,‬عن أمر القرية‬
‫التـي كانت حاضرة البحر‪ ,‬يقول‪ :‬كانت بحضرة البحر أي بقرب البحر وعلـى شاطئه‪.‬‬
‫واختلف أهل التأويـل فـيها‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬هي أيـلة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11919‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن إدريس‪ ,‬عن مـحمد بن إسحاق‪ ,‬عن داود بن‬
‫حرِ قال‪:‬‬
‫عنِ ال َق ْريَةِ التـي كانَتْ حاضِرَ َة ال َب ْ‬
‫سئَ ْل ُهمْ َ‬
‫حصين‪ ,‬عن عكرمة عن ابن عبـاس‪ :‬وَا ْ‬
‫هي قرية يقال لها أيـلة‪ ,‬بـين مدين والطور‪.‬‬
‫‪11920‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن عبد ال‬
‫حرِ قال‪ :‬سمعنا أنها أيـلة‪.‬‬
‫عنِ ال َق ْريَ ِة التـي كانَتْ حاضِرَ َة ال َب ْ‬
‫سئَ ْل ُهمْ َ‬
‫بن كثـير‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَا ْ‬
‫‪11921‬ـ حدثنـي سلم بن سالـم الـخزاعيّ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن سلـيـم الطائفـيّ‪ ,‬قال‪:‬‬
‫حدثنا ابن جريج‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬قال‪ :‬دخـلت علـى ابن عبـاس والـمصحف فـي حجره‪,‬‬
‫وهو يبكي‪ ,‬فقلت‪ :‬ما يبكيك جعلنـي ال فداك؟ فقال‪ :‬ويـلك‪ ,‬وتعرف القرية التـي كانت‬
‫حاضرة البحر؟ فقلت‪ :‬تلك أيـلة‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن أبـي بكر الهذلـيّ‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪:‬‬
‫عنِ ال َق ْريَ ِة التـي كانَتْ حاضِرَ َة قال‪ :‬هي أيـلة‪.‬‬
‫سئَ ْل ُهمْ َ‬
‫وَا ْ‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ بن‬
‫أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬هي قرية علـى شاطىء البحر بـين مصر والـمدينة‬
‫يقال لها أيـلة‪.‬‬
‫‪11922‬ـ حدثنا موسى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬قال‪:‬‬
‫هم أهل أيـلة‪ ,‬القرية التـي كانت حاضرة البحر‪.‬‬
‫عنِ‬
‫سئَ ْل ُهمْ َ‬
‫‪11923‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَا ْ‬
‫حرِ قال أيـلة‪.‬‬
‫ضرَةَ ال َب ْ‬
‫ال َق ْريَةِ التـي كانَتْ حا ِ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معناه‪ :‬ساحل مدين‪.‬‬
‫سئَ ْلهُمْ عَنِ‬
‫‪11924‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬وَا ْ‬
‫حرِ‪ ...‬الَية‪ ,‬ذكر لنا أنها كانت قرية علـى ساحل البحر يقال‬
‫ضرَةَ ال َب ْ‬
‫ال َق ْريَةِ التـي كانَتْ حا ِ‬
‫لها أيـلة‪.‬‬

‫وقال آخرون‪ :‬هي مقنا‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫عنِ‬
‫سئَ ْل ُهمْ َ‬
‫‪11925‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن يزيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَا ْ‬
‫حرِ قال‪ :‬هي قرية يقال لها مقنا بـين مدين وعينونَى‪.‬‬
‫ضرَةَ ال َب ْ‬
‫ال َق ْريَةِ التـي كانَتْ حا ِ‬
‫وقال آخرون‪ :‬هي مدين‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11926‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي مـحمد بن إسحاق‪ ,‬عن داود بن‬
‫الـحصين‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬هي قرية بـين أيـلة والطور يقال لها مدين‪.‬‬
‫والصواب من القول فـي ذلك أن يقال‪ :‬هي قرية حاضرة البحر‪ ,‬وجائز أن يكون أيـلة‪,‬‬
‫وجائز أن تكون مدين‪ ,‬وجائز أن تكون مقنا لن كلّ ذلك حاضرة البحر‪ .‬ول خبر عن رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم يقطع العذر بأن ذلك من أيّ‪ ,‬والختلف فـيه علـى ما وصفت‪ ,‬ول‬
‫ل بخبر يوجب العلـم ول خبر‬
‫يوصل إلـى علـم ما قد كان فمضى مـما لـم نعاينه‪ ,‬إ ّ‬
‫كذلك فـي ذلك‪.‬‬
‫ت يعنـي به أهله‪ :‬إذ يعتدون فـي السبت أمر ال‪,‬‬
‫سبْ ِ‬
‫ن فـي ال ّ‬
‫وقوله‪ :‬إذْ َي ْعدُو َ‬
‫ويتـجاوزونه إلـى ما حرّمه ال علـيهم‪ ,‬يقال منه‪ :‬عدا فلن أمرى واعتدى‪ :‬إذا تـجاوزه‪.‬‬
‫وكان اعتداؤهم فـي السبت أن ال كان حرّم علـيهم السبت‪ ,‬فكانوا يصطادون فـيه السمك‪.‬‬
‫شرّعا‪ :‬يقول‪ :‬إذ تأتـيهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهوا فـيه عن‬
‫س ْب ِتهِمْ ُ‬
‫إذْ تَأتِـي ِهمْ حيتا ُنهُمْ َي ْومَ َ‬
‫العمل شرّعا‪ ,‬يقول‪ :‬شارعة ظاهرة علـى الـماء من كلّ طريق وناحية كشوارع الطوق‪.‬‬
‫كالذي‪:‬‬
‫‪11927‬ـ حدثنا أبو كريب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عثمان بن سعد‪ ,‬عن بشر بن عمارة‪ ,‬عن أبـي روق‪,‬‬
‫شرّعا يقول‪ :‬ظاهرة علـى‬
‫س ْب ِتهِمْ ُ‬
‫عن الضحاك عن ابن عبـاس‪ :‬إذْ تأتِـي ِهمْ حِيتا ُنهُمْ َي ْومَ َ‬
‫الـماء‪.‬‬
‫‪11928‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫شرّعا يقول‪ :‬من كلّ مكان‪.‬‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس ُ‬
‫ن يقول‪ :‬ويوم ل يعظمونه تعظيـمهم السبت‪ ,‬وذلك سائر اليام غير‬
‫س ِبتُو َ‬
‫وقوله‪َ :‬و َي ْومَ ل َي ْ‬
‫يوم السبت‪ ,‬ل تأتـيهم الـحيتان‪ .‬كذلكَ َنبْلُو ُهمْ بِـمَا كانُوا يَ ْفسُقُونَ يقول‪ :‬كما وصفنا لكم من‬
‫الختبـار والبتلء الذي ذكرنا بإظهار السمك لهم علـى ظهر الـماء فـي الـيوم‬
‫الـمـحرّم علـيهم صيده‪ ,‬وإخفـائها عنه فـي الـيوم الـمـحلل صيده‪ ,‬كذلك نبلوهم‬
‫ن يقول‪ :‬بفسقهم عن طاعة ال وخروجهم عنها‪.‬‬
‫ونـختبرهم بـما كَانُوا يَ ْفسُقُو َ‬
‫س ِبتُونَ فقُرىء بفتـح الـياء من «يسبتون» من‬
‫واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله‪َ :‬و َي ْومَ ل َي ْ‬
‫سبُوتا‪ :‬إذا عظّم السبت‪ .‬وذُكر عن الـحسن البصري أنه‬
‫سبْتا و ُ‬
‫سبِتُ َ‬
‫ت فلن َي ْ‬
‫سبَ َ‬
‫قول القائل‪َ :‬‬
‫ت القوم يسبتون‪ :‬إذا دخـلوا فـي‬
‫سبَ َ‬
‫سبِتُونَ» بضم الـياء‪ ,‬من أ ْ‬
‫كان يقرؤه‪َ « :‬ويَ ْومَ ل ُي ْ‬

‫السبت‪ ,‬كما يقال‪ :‬أجمعنا مرّت بنا جمعة‪ ,‬وأشهرنا مرّ بنا شهر‪ ,‬وأسبتنا مرّ بنا سبت‪ .‬ونصب‬
‫سبِتُونَ بقوله‪ :‬ل تَأتِـي ِهمْ‪ ,‬لن معنى الكلم‪ :‬ل تأتـيهم يوم ل‬
‫«يوم» من قوله‪َ :‬ويَ ْومَ ل َي ْ‬
‫يسبتون‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪164‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن قَوْما اللّ ُه ُمهِْل ُكهُمْ َأوْ‬
‫{وَِإذَا قَالَتْ ُأمّ ٌة ّم ْنهُ ْم ِلمَ َت ِعظُو َ‬

‫شدِيدا قَالُواْ َم ْع ِذرَ ًة إَِلىَ َر ّبكُمْ وََلعَّل ُهمْ َيتّقُونَ }‪..‬‬
‫عذَابا َ‬
‫ُم َعذّ ُب ُهمْ َ‬
‫يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬واذكر أيضا يا مـحمد‪ ,‬إذ قالت‬
‫أمة منهم‪ ,‬جماعة منهم لـجماعة كانت تعظ الـمعتدين فـي السبت وتنهاهم عن معصية ال‬
‫ن قَوْما الّلهُ ُمهْلِك ُهمْ فـي الدنـيا بـمعصيتهم إياه‪ ,‬وخلفهم أمره‪,‬‬
‫فـيه‪ :‬لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫شدِيدا فـي الَخرة‪ ,‬قال الذين كانوا ينهونهم‬
‫عذَابـا َ‬
‫واستـحللهم ما حرّم علـيهم‪ .‬أ ْو ُمعَ ّذ ُب ُهمْ َ‬
‫عن معصية ال مـجيبـيهم عن قولهم‪ :‬عظتنا إياهم َم ْعذِرَ ًة إلـى َر ّبكُمْ نؤدّي فرضه علـينا‬
‫فـي المر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر‪ .‬وََلعَّل ُهمْ َيتّقونَ يقول‪ :‬ولعلهم أن يتقوا ال‬
‫فـيخافوه‪ ,‬فـينـيبوا إلـى طاعته ويتوبوا من معصيتهم إياه وتعدّيه علـى ما حرّم علـيهم‬
‫من اعتدائهم فـي السبت‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪11929‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ ,‬عن داود بن الـحصين‪ ,‬عن‬
‫عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬قالُوا َم ْعذِرَ ًة إلـى َر ّبكُمْ لسخطنا أعمالهم‪ .‬وََلعَّلهُ ْم َيتّقُونَ‪ :‬أي‬
‫ينزعون عما هم علـيه‪.‬‬
‫‪11930‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَلَعّلهُمْ َيتّقُونَ‬
‫قال‪ :‬يتركون هذا العمل الذي هم علـيه‪.‬‬
‫واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله‪ :‬قالُوا َم ْع ِذرَةً فقرأ ذلك عامة قرّاء الـحجاز والكوفة‬
‫والبصرة‪َ « :‬م ْعذِرَةٌ» بـالرفع علـى ما وصفت من معناها‪ .‬وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة‪:‬‬
‫َم ْعذِرَ ًة نصبـا‪ ,‬بـمعنى‪ :‬إعذارا وعظناهم وفعلنا ذلك‪.‬‬
‫واختلف أهل العلـم فـي هذه الفرقة التـي قالت‪ :‬لِـمَ َت ِعظُونَ قَوْما الّلهُ ُمهِْل ُك ُهمْ هل كانت‬
‫من الناجية‪ ,‬أم من الهالكة؟ فقال بعضهم‪ :‬كانت من الناجية‪ ,‬لنها كانت من الناهية الفرقةَ‬
‫الهالكة عن العتداء فـي السبت‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪11931‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫عذَابـا‬
‫ن قَوْما الّلهُ ُمهِْل ُك ُهمْ أ ْو ُم َع ّذ ُبهُمْ َ‬
‫ت ُأمّ ٌة ِم ْنهُمْ لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَإ ْذ قالَ ْ‬
‫شدِيدا هي قرية علـى شاطىء البحر بـين مكة والـمدينة يقال لها أيـلة‪ ,‬فحرّم ال علـيهم‬
‫َ‬
‫الـحيتان يوم سبتهم‪ ,‬فكانت الـحيتان تأتـيهم يوم سبتهم شرّعا فـي ساحل البحر‪ ,‬فإذا مضى‬

‫يوم السبت لـم يقدروا علـيها‪ ,‬فمكثوا بذلك ما شاء ال‪ .‬ثم إن طائفة منهم أخذوا الـحيتان‬
‫يوم سبتهم‪ ,‬فنهتهم طائفة وقالوا‪ :‬تأخذونها وقد حرّمها ال علـيكم يوم سبتكم فلـم يزدادوا إلّ‬
‫غيّا وعتوّا‪ ,‬وجعلت طائفة أخرى تنهاهم‪ .‬فلـما طال ذلك علـيهم قالت طائفة من النهاة‪:‬‬
‫ن قَوْما اللّ ُه ُمهْلِكهُمْ؟ وكانوا أشدّ‬
‫تعلـمون أن هؤلء قوم قد حقّ علـيهم العذاب لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫غضبـا ل من الطائفة الخرى‪ ,‬فقالوا‪ :‬معذِرَ ًة إلـى َر ّبكُمْ وَلَعّل ُهمْ َيتّقُونَ وكلّ قد كانوا ينهون‪.‬‬
‫ن قَوْما الّلهُ ُمهِْل ُك ُهمْ‪,‬‬
‫فلـما وقع علـيهم غضب ال‪ ,‬نـجت الطائفتان اللتان قالوا‪ :‬لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫والذين قالوا‪َ :‬معْ ِذرَ ًة إلـى رَ ّب ُكمْ‪ ,‬وأهلك ال أهل معصيته الذين أخذوا الـحيتان‪ ,‬فجعلهم قردة‬
‫وخنازير‪.‬‬
‫‪11932‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫ضرَ َة ال َبحْرِ‪ ...‬إلـى قوله‪:‬‬
‫ت حا ِ‬
‫ن ال َق ْريَ ِة التـي كانَ ْ‬
‫سئَ ْلهُمْ عَ ِ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬وَا ْ‬
‫ن ل تَأتِـيهِم وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر كانت تأتـيهم حيتانهم يوم‬
‫س ِبتُو َ‬
‫َو َي ْومَ ل َي ْ‬
‫سبِتُونَ ل‬
‫ل مكان‪ ,‬ويَ ْومَ ل َي ْ‬
‫سبتهم‪ ,‬يقول‪ :‬إذا كانوا يوم يسبتون تأتـيهم شرّعا‪ ,‬يعنـي من ك ّ‬
‫تَأتِـي ِهمْ‪ .‬وأنهم قالوا‪ :‬لو أنا أخذنا من هذه الـحيتان يوم تـجيء ما يكفـينا فـيـما سوى‬
‫ذلك من اليام‪ .‬فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم‪ .‬وقالت طائفة من الـمؤمنـين‪ :‬إن هؤلء قوم‬
‫قد هموا بأمر لـيسوا بـمنتهين دونه‪ ,‬وال مخزيهم ومعذّبهم عذابـا شديدا‪ .‬قال الـمؤمنون‬
‫بعضهم لبعض‪َ :‬م ْعذِرَ ًة إلـى َر ّبكُمْ وََلعَّل ُهمْ َيتّقُونَ إن كان هلك فلعلنا ننـجو وإما أن ينتهوا‬
‫فـيكون لنا أجرا‪ .‬وقد كان ال جعل علـى بنـي إسرائيـل يوما يعبدونه ويتفرّغون له فـيه‪,‬‬
‫وهو يوم الثنـين‪ ,‬فتعدّى الـخبثاء من الثنـين إلـى السبت‪ ,‬وقالوا‪ :‬هو يوم السبت‪ .‬فنهاهم‬
‫موسى‪ ,‬فـاختلفوا فـيه‪ ,‬فجعل علـيهم السبت‪ ,‬ونهاهم أن يعملوا فـيه وأن يعتدوا فـيه‪ .‬وإن‬
‫رجلً منهم ذهب لـيحتطب‪ ,‬فأخذه موسى علـيه السلم‪ ,‬فسأله‪ :‬هل أمرك بهذا أحد؟ فلـم‬
‫يجد أحدا أمره‪ ,‬فرجمه أصحابه‪.‬‬
‫‪11933‬ـ حدثنـي موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬قال بعض‬
‫شدِيدا؟ يقول‪ :‬لـم‬
‫عذَابـا َ‬
‫الذين نهوهم لبعض‪ :‬لِـمَ َت ِعظُونَ قَوْما الّل ُه ُمهِْلكُ ُهمْ أوْ َم َع ّذ ُبهُمْ َ‬
‫تعظونهم وقد وعظتـموهم فلـم يطيعوكم؟ فقال بعضهم‪َ :‬م ْع ِذرَةً إلـى َر ّب ُكمْ وََلعَّل ُهمْ َيتّقُونَ‪.‬‬
‫‪11934‬ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا معاذ بن هانىء‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حماد‪ ,‬عن داود‪,‬‬
‫ن قَوْما الّلهُ ُمهِْل ُك ُهمْ أ ْو َم َع ّذ ُبهُمْ‬
‫ت ُأمّ ٌة ِم ْنهُمْ لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬وَإ ْذ قالَ ْ‬
‫شدِيدا قال‪ :‬ما أدري أنـجا الذين قالوا‪ :‬لِـ َم َتعِظُونَ قَوْما اللّ ُه ُمهِْلكُ ُهمْ أم ل؟ قال‪ :‬فلـم‬
‫عذَابـا َ‬
‫َ‬
‫أزل به حتـى عرّفته أنهم قد نـجوا‪ ,‬فكسانـي حُلّة‪.‬‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حماد‪ ,‬عن داود‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬قال‪ :‬قرأ ابن عبـاس هذه‬
‫الَية‪ ,‬فذكر نـحوه‪ ,‬إل أنه قال فـي حديثه‪ :‬فما زلت أبصّره حتـى عرف أنهم قد نـجوا‪.‬‬

‫حدثنـي سلم بن سالـم الـخزاعي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن سلـيـم الطائفـي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫ابن جريج‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬قال‪ :‬دخـلت علـى ابن عبـاس والـمصحف فـي حجره وهو‬
‫عنِ ال َق ْريَ ِة التـي كانَتْ‬
‫سئَ ْل ُهمْ َ‬
‫يبكي‪ ,‬فقلت‪ :‬ما يبكيك جعلنـي ال فداءك؟ قال‪ :‬فقرأ‪ :‬وَا ْ‬
‫ن قال ابن عبـاس‪ :‬ل أسمع الفرقة الثالثة‬
‫ضرَ َة ال َبحْرِ‪ ...‬إلـى قوله‪ :‬بِـمَا كانُوا يَ ْفسُقُو َ‬
‫حا ِ‬
‫عنْه؟ فسرّي‬
‫عمّا نُهوا َ‬
‫عتَوْا َ‬
‫ذكرت نـخاف أن نكون مثلهم‪ .‬فقلت‪ :‬أما تسمع ال يقول‪ :‬فَلَـمّا َ‬
‫عنه وكسانـي حُلّة‪.‬‬
‫‪11935‬ـ حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن جريج‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ثنـي رجل‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬قال‪ :‬جئت ابن عبـاس يوما وهو يبكي‪ ,‬وإذا الـمصحف فـي‬
‫حجره‪ ,‬فأعظمت أن أدنو‪ ,‬ثم لـم أزل علـى ذلك حتـى تقدمت فجلست‪ ,‬فقلت‪ :‬ما يبكيك يا‬
‫ابن عبـاس جعلنـي ال فداءك؟ فقال‪ :‬هؤلء الورقات‪ .‬قال‪ :‬وإذا هو فـي سورة العراف‪.‬‬
‫قال‪ :‬تعرف أيـلة؟ قلت‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬فإنه كان حيّ من يهود سيقت الـحيتان إلـيهم يوم السبت‬
‫ثم غاصت ل يقدرون علـيها حتـى يغوصوا بعد كدّ ومؤنة شديدة‪ ,‬كانت تأتـيهم يوم السبت‬
‫شرّعا بـيضا سمانا كأنها الـماخض‪ ,‬تنتطح ظهورها لبطونها بأفنـيتهم وأبنـيتهم‪ .‬فكانوا‬
‫كذلك برهة من الدهر‪ ,‬ثم إن الشيطان أوحى إلـيهم‪ ,‬فقال‪ :‬إنـما نهيتـم عن أكلها يوم السبت‪,‬‬
‫فخذوها فـيه وكلوها فـي غيره من اليام فقالت ذلك طائفة منهم‪ ,‬وقالت طائفة منهم‪ :‬بل‬
‫نهيتـم عن أكلها وأخذها وصيدها فـي يوم السبت‪ .‬وكانوا كذلك حتـى جاءت الـجمعة‬
‫الـمقبلة‪ ,‬فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها‪ ,‬واعتزلت طائفة ذات الـيـمين وتنـحت‪,‬‬
‫واعتزلت طائفة ذات الـيسار وسكتت‪ ,‬وقال اليـمنون‪ :‬ال ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة‬
‫شدِيدا؟ قال اليـمنون‪:‬‬
‫عذَابـا َ‬
‫ن قَوْما الّلهُ ُمهِْل ُك ُهمْ أ ْو َم َع ّذ ُبهُمْ َ‬
‫ال‪ ,‬وقال اليسرون‪ :‬لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫ن أي ينتهون‪ ,‬فهو أحبّ إلـينا أن ل يصابوا ول يهلكوا‪ ,‬وإن‬
‫َم ْعذِرَ ًة إلـى َربّ ُكمْ وََلعَّل ُهمْ َيتّقُو َ‬
‫لـم ينتهوا فمعذرة إلـى ربكم‪ .‬فمضوا علـى الـخطيئة‪ ,‬فقال اليـمنون‪ :‬قد فعلتـم يا‬
‫أعداء ال‪ ,‬وال ل نبـايتكم اللـيـلة فـي مدينتكم‪ ,‬وال ما نراكم تصبحون حتـى يصيبكم‬
‫ال بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بـالعذاب فلـما أصبحوا ضربوا علـيهم البـاب‬
‫ونادوا‪ ,‬فلـم يجابوا‪ ,‬فوضعوا سلـما وأعلوا سور الـمدينة رجلً‪ ,‬فـالتفت إلـيهم فقال‪ :‬أي‬
‫عبـاد ال قردة وال تعاوى لها أذناب قال‪ :‬ففتـحوا فدخـلوا علـيهم‪ ,‬فعرفت القردة أنسابها‬
‫من النس‪ ,‬ول تعرف النس أنسابها من القردة‪ ,‬فجعلت القرود تأتـي نسيبها من النس‪ ,‬فتشمّ‬
‫ثـيابه وتبكي‪ ,‬فتقول لهم‪ :‬ألـم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها نعم‪ .‬ثم قرأ ابن عبـاس‪ :‬فَلَـمّا‬
‫ن ظَلَـمُوا ِب َعذَابٍ َبئِيسٍ بِـمَا‬
‫خذْنا اّلذِي َ‬
‫عنِ السّوءِ وأ َ‬
‫ن َي ْنهَوْنَ َ‬
‫َنسُوا ما ُذكّرُوا بِ ِه أنْـجَيْنا اّلذِي َ‬
‫ن قال‪ :‬فأرى الـيهود الذين نهوا قد نـجوا‪ ,‬ول أرى الَخرين ذكروا‪ ,‬ونـحن‬
‫كانُوا يَ ْفسُقُو َ‬
‫نرى أشياء ننكرها‪ ,‬فل نقول فـيها‪ ,‬قال‪ :‬قلت‪ :‬أي جعلنـي ال فداك‪ ,‬أل ترى أنهم قد كرهوا‬

‫ما هم علـيه وخالفوهم وقالوا‪ :‬لِـ َم َتعِظُونَ قَوْما اللّ ُه ُمهِْلكُ ُهمْ أوْ َم َع ّذ ُب ُهمْ؟ قال‪ :‬فأمر بـي‬
‫فكسيت بردين غلـيظين‪.‬‬
‫سئَ ْلهُمْ عَنِ‬
‫‪11936‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬وَا ْ‬
‫ضرَةَ البَحرِ ذكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الـحيتان حتـى‬
‫ال َق ْريَةِ التـي كانَتْ حا ِ‬
‫تنتطح علـى سواحلهم وأفنـيتهم لـما بلغها من أمر ال فـي الـماء‪ ,‬فإذا كان فـي غير‬
‫يوم السبت بعُدت فـي الـماء حتـى يطلبها طالبهم‪ ,‬فأتاهم الشيطان‪ ,‬فقال‪ :‬إنـما حرم‬
‫علـيكم أكلها يوم السبت‪ ,‬فـاصطادوها يوم السبت وكلوها فـيـما بعد‪ ...‬قوله‪ :‬وَإذْ قالَتْ‬
‫شدِيدا قالُوا َم ْع ِذرَ ًة إلـى َر ّب ُكمْ‬
‫عذَابـا َ‬
‫ن قَوْما الّلهُ ُمهِْل ُك ُهمْ أ ْو َم َع ّذ ُبهُمْ َ‬
‫ُأمّ ٌة ِم ْنهُمْ لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫ن فصار القوم ثلثة أصناف‪ :‬أما صنف‪ ,‬فأمسكوا عن حرمة ال ونهوا عن معصية‬
‫وََلعَّل ُهمْ َيتّقُو َ‬
‫ال‪ .‬وأما صنف فأمسك عن حرمة ال هيبة ل‪ .‬وأما صنف فـانتهك الـحرمة ووقع فـي‬
‫الـخطيئة‪.‬‬
‫‪11937‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬عن ابن عبـاس فـي قول ال‪ :‬حاضِرَ َة ال َبحْ ِر قال‪ :‬حرمت‬
‫علـيهم الـحيتان يوم السبت‪ ,‬وكانت تأتـيهم يوم السبت شرّعا‪ ,‬بلء ابتلوا به‪ ,‬ول تأتـيهم‬
‫فـي غيره إل أن يطلبوها‪ ,‬بلء أيضا بـما كانوا يفسقون‪ .‬فأخذوها يوم السبت استـحللً‬
‫سئِينَ إل طائفة منهم لـم يعتدوا ونهوهم‪ ,‬فقال بعضهم‬
‫ومعصية‪ ,‬فقال ال لهم‪ :‬كُونُوا قِ َردَةً خَا ِ‬
‫لبعض‪ :‬لِـمَ َت ِعظُونَ قَوْما‪.‬‬
‫‪11938‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَإذْ قالَتْ ُأمّةٌ‬
‫ِم ْنهُمْ لِـمَ َت ِعظُونَ قَوْما الّلهُ ُمهِْل ُك ُهمْ‪ ...‬حتـى بلغ‪ :‬وََلعَّل ُهمْ َيتّقُونَ لعلهم يتركون ما هم علـيه‪.‬‬
‫قال‪ :‬كانوا قد بلوا بكفّ الـحيتان عنهم‪ ,‬وكانوا يسبتون فـي يوم السبت‪ ,‬ول يعملون فـيه‬
‫شيئا‪ ,‬فإذا كان يوم السبت أتتهم الـحيتان شرّعا‪ ,‬وإذا كان غير يوم السبت لـم يأت حوت‬
‫ب الـحيتان‪ ,‬ولقوا منه بلء‪ ,‬فأخذ رجل منهم حوتا‪ ,‬فربط‬
‫واحد‪ .‬قال‪ :‬وكانوا قوما قد قرنوا بح ّ‬
‫خشَفَة‪ ,‬ثم تركه فـي الـماء‪ ,‬حتـى إذا غربت الشمس من‬
‫فـي ذنبه خيطا‪ ,‬ثم ربطه إلـى َ‬
‫يوم الحد اجترّه بـالـخيط‪ ,‬ثم شواه‪ .‬فوجد جار له ريح حوت‪ ,‬فقال‪ :‬يا فلن إنـي أجد فـي‬
‫بـيتك ريح نون فقال‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬فتطلع فـي تنوره فإذا هو فـيه فأخبره حينئذ الـخبر‪ ,‬فقال‪:‬‬
‫إنـي أرى ال سيعذّبك‪ .‬قال‪ :‬فلـما لـم يره عجل عذابـا‪ ,‬فلـما أتـى السبت الَخر أخذ‬
‫اثنـين فربطهما‪ ,‬ثم اطلع جار له علـيه‪ .‬فلـما رآه لـم يعجل عذابـا جعلوا يصيدونه‪,‬‬
‫فـاطلع أهل القرية علـيهم‪ ,‬فنهاهم الذين ينهون عن الـمنكر‪ ,‬فكانوا فرقتـين‪ :‬فرقة تنهاهم‬
‫وتكفّ‪ ,‬وفرقة تنهاهم ول تكفّ‪ ,‬فقال الذين نهوا وكفوا للذين ينهون ول يكفون‪ :‬لِـمَ َت ِعظُونَ‬
‫شدِيدا فقال الَخرون‪َ :‬م ْع ِذرَةً إلـى َر ّبكُمْ وََلعَّل ُهمْ َيتّقُونَ‬
‫عذَابـا َ‬
‫قَوْما اللّ ُه ُمهِْل ُك ُهمْ أ ْو َم َعذّ ُب ُهمْ َ‬

‫عنِ السّوءِ‪ ...‬إلـى قوله‪ :‬بِـمَا كانُوا‬
‫ن َي ْنهَوْنَ َ‬
‫جيْنا اّلذِي َ‬
‫فقال ال‪ :‬فَلَـمّا َنسُوا ما ُذ ّكرُوا بِ ِه أنْـ َ‬
‫سئِينَ وقال لهم أهل تلك‬
‫ع ْنهُ قُلْنا َل ُهمْ كُونُوا ِق َردَةً خا ِ‬
‫عمّا ُنهُوا َ‬
‫عتَوْا َ‬
‫يَ ْفسُقُونَ قال ال‪ :‬فَلَـمّا َ‬
‫القرية‪ :‬عملتـم بعمل سوّء‪ ,‬من كان يريد يعتزل ويتطهر فلـيعتزل هؤلء قال‪ :‬فـاعتزل‬
‫هؤلء وهؤلء فـي مدينتهم‪ ,‬وضربوا بـينهم سورا‪ ,‬فجعلوا فـي ذلك السور أبوابـا يخرج‬
‫بعضهم إلـى بعض‪ .‬قال‪ :‬فلـما كان اللـيـل طرقهم ال بعذابه‪ ,‬فأصبح أولئك الـمؤمنون‬
‫ل يرون منهم أحدا‪ ,‬فدخـلوا علـيهم‪ ,‬فإذا هم قردة‪ ,‬الرجل وأزواجه وأولده‪ .‬فجعلوا‬
‫يدخـلون علـى الرجل يعرفونه‪ ,‬فـيقولون‪ :‬يا فلن ألـم نـحذّرك سطوات ال؟ ألـم‬
‫نـحذرك نقِمات ال؟ ونـحذّرك ونـحذرك؟ قال‪ :‬فلـيس إل بكاء‪ .‬قال‪ :‬وأنـما عذّب ال‬
‫الذين ظلـموا الذين أقاموا علـى ذلك‪ .‬قال‪ :‬وأما الذين نهوا فكلهم قد َنهَى‪ ,‬ولكن بعضهم‬
‫ب َبئِيسٍ‬
‫خذْنا اّلذِين ظَلَـمُوا ِب َعذَا ٍ‬
‫عنِ السّوءِ وأ َ‬
‫ن َي ْنهَوْنَ َ‬
‫جيْنا الّذي َ‬
‫أفضل من بعض فقرأ‪ :‬أنْـ َ‬
‫بِـمَا كانُوا يَ ْفسُقُونَ‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـمـحاربـي‪ ,‬عن داود‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬قال‪ :‬قرأ ابن عبـاس‬
‫شدِيدا قال‪ :‬ل أدري أنـجا القوم‬
‫عذَابـا َ‬
‫هذه الَية‪ :‬لِـ َم َتعِظُونَ قَوْما اللّ ُه ُمهِْلكُ ُهمْ أوْ َم َع ّذ ُب ُهمْ َ‬
‫أو هلكوا؟ فما زلت أبصّره حتـى عرف أنهم نـجوا‪ ,‬وكسانـي حُلّة‪.‬‬
‫‪11939‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنـي أشهب بن عبد العزيز‪ ,‬عن مالك‪ ,‬قال‪ :‬زعم ابن‬
‫سبِتُونَ ل َت ْأتِـي ِهمْ قال‪ :‬كانت‬
‫شرّعا َويَ ْومَ ل َي ْ‬
‫س ْبتِ ِهمْ ُ‬
‫رومان أن قوله‪ :‬تَأتِـي ِهمْ حِيتانُ ُهمْ َي ْومَ َ‬
‫تأتـيهم يوم السبت‪ ,‬فإذا كان الـمساء ذهبت فل يرى منها شيء إلـى السبت‪ ,‬فـاتـخذ لذلك‬
‫رجل منهم خيطا ووتدا‪ ,‬فربط حوتا منها فـي الـماء يوم السبت‪ ,‬حتـى إذا أمسوا لـيـلة‬
‫الحد أخذه فـاشتواه‪ ,‬فوجد الناس ريحه‪ ,‬فأتوه فسألوه عن ذلك‪ ,‬فجحدهم‪ ,‬فلـم يزالوا به‬
‫حتـى قال لهم‪ :‬فإنه جلد حوت وجدناه فلـما كان السبت الَخر فعل مثل ذلك‪ ,‬ول أدري لعله‬
‫قال‪ :‬ربط حوتـين‪ ,‬فلـما أمسى من لـيـلة الحد أخذه فـاشتواه‪ ,‬فوجدوا ريحه‪ ,‬فجاءوا‬
‫فسألوه‪ ,‬فقال لهم‪ :‬لو شئتـم صنعتـم كما أصنع‪ ,‬فقالوا له‪ :‬وما صنعت؟ فأخبرهم‪ ,‬ففعلوا مثل‬
‫ما فعل‪ ,‬حتـى كثر ذلك‪ .‬وكانت لهم مدينة لها ربَض‪ ,‬فغلّقوها علـيهم‪ ,‬فأصابهم من الـمسخ‬
‫ما أصابهم‪ ,‬فغدا إلـيهم جيرانهم مـمن كان يكون حولهم‪ ,‬يطلبون منهم ما يطلب الناس‪,‬‬
‫فوجدوا الـمدينة مغلقة علـيهم‪ ,‬فنادوا فلـم يجيبوهم‪ ,‬فتسوّروا علـيهم‪ ,‬فإذا هم قردة‪ ,‬فجعل‬
‫القرد يدنو يتـمسح بـمن كان يعرف قبل ذلك ويدنو منه ويتـمسح به‪.‬‬
‫ن قَوْما اللّ ُه ُمهِْل ُكهُمْ كانت من الفرقة‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل الفرقة التـي قالت‪ :‬لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫الهالكة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬

‫‪11940‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن إدريس‪ ,‬عن مـحمد بن إسحاق‪ ,‬عن داود بن‬
‫حرِ‪...‬‬
‫عنِ ال َق ْريَةِ التـي كانَتْ حاضِرَ َة ال َب ْ‬
‫سئَ ْل ُهمْ َ‬
‫حصين‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬وَا ْ‬
‫شرّعا قال‪ :‬قال ابن عبـاس‪ :‬ابتدعوا السبت‪ ,‬فـابتلوا فـيه‪ ,‬فحرّمت علـيهم‬
‫إلـى قوله‪ُ :‬‬
‫فـيه الـحيتان‪ ,‬فكانوا إذا كان يوم السبت شرَعت لهم الـحيتان ينظرون إلـيها فـي البحر‪,‬‬
‫فإذا انقضى السبت ذهبت‪ ,‬فلـم تر حتـى السبت الـمقبل‪ ,‬فإذا جاء السبت جاءت شرّعا‪.‬‬
‫فمكثوا ما شاء ال أن يـمكثوا كذلك‪ ,‬ثم إن رجلً منهم أخذ حوتا فخزم أنفه‪ ,‬ثم ضرب له وتدا‬
‫فـي الساحل وربطه وتركه فـي الـماء‪ ,‬فلـما كان الغد أخذه فشواه فأكله‪ .‬ففعل ذلك وهم‬
‫ينظرون ول ينكرون‪ ,‬ول ينهاه منهم أحد إل عصبة منهم نهوه‪ ,‬حتـى ظهر ذلك فـي‬
‫ن قَوْما الّلهُ ُمهِْل ُك ُهمْ أوْ‬
‫السواق وفعل علنـية‪ ,‬قال‪ :‬فقالت طائفة للذين ينهون‪ :‬لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫شدِيدا قالُوا َمعْذرَةً إلـى َر ّب ُكمْ فـي سخطنا أعمالهم وََلعَّل ُهمْ َيتّقُونَ فَلَـمّا َنسُوا‬
‫عذَابـا َ‬
‫َم َعذّ ُب ُهمْ َ‬
‫سئِينَ‪ .‬قال ابن عبـاس‪ :‬كانوا أثلثا‪ :‬ثلث‬
‫ما ُذ ّكرُوا ِبهِ‪ ...‬إلـى قوله‪ :‬قُلْنا َل ُهمْ كُونُوا قِ َردَةً خا ِ‬
‫ن قَوْما الّلهُ ُمهِْل ُك ُهمْ‪ ,‬وثلث أصحاب الـخطيئة‪ .‬فلـما نـجا إل‬
‫نهوا‪ ,‬وثلث قالوا‪ :‬لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫الذين نهوا‪ ,‬وهلك سائرهم‪ ,‬فأصبح الذين نهوا عن السوء ذات يوم فـي مـجالسهم يتفقدون‬
‫الناس ل يرونهم‪ ,‬فغلقوا علـيهم دورهم‪ ,‬فجعلوا يقولون‪ :‬إن للناس لشأنا‪ ,‬فـانظروا ما شأنهم‬
‫فـاطلعوا فـي دورهم‪ ,‬فإذا القوم قد مسخوا فـي ديارهم قردة‪ ,‬يعرفون الرجل بعينه وإنه‬
‫ن َي َديْها وما‬
‫جعَلْناها نَكالً لِـمَا بـي َ‬
‫لقرد‪ ,‬ويعرفون الـمرأة بعينها وإنها لقردة‪ ,‬قال ال‪ :‬ف َ‬
‫عظَ ًة للْـمُتّقِـينَ‪.‬‬
‫خَـلْفَها َو َموْ ِ‬
‫‪11941‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن أبـي بكر الهذلـيّ‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن‬
‫ن السّوءِ‪ ...‬الَية‪ ,‬قال ابن عبـاس‪ :‬نـجا الناهون‪ ,‬وهلك‬
‫جيْنا اّلذِينَ َي ْنهَ ْونَ عَ ِ‬
‫عبـاس‪ :‬أنْـ َ‬
‫الفـاعلون‪ ,‬ول أدري ما صنع بـالساكتـين‪.‬‬
‫‪11942‬ـ حدثنا ابن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬عن ابن‬
‫ن قَوْما الّلهُ ُمهِْل ُك ُهمْ قال‪ :‬هم ثلث فرق‪ :‬الفرقة التـي وعظت‪,‬‬
‫عبـاس‪ :‬لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫والـموعوظة التـي وُعِظت‪ ,‬وال أعلـم ما فعلت الفرقة الثالثة‪ ,‬وهم الذين قالوا‪ :‬لِـمَ َت ِعظُونَ‬
‫قَوْما اللّ ُه ُمهِْل ُك ُهمْ‪.‬‬
‫وقال الكلبـي‪ :‬هما فرقتان‪ :‬الفرقة التـي وعظت‪ ,‬والفرقة التـي قالت‪ :‬لِـ َم َتعِظُونَ قَوْما‬
‫اللّ ُه ُمهِْل ُكهُمْ قال‪ :‬هي الـموعوظة‪.‬‬
‫‪11943‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمران بن عيـينة‪ ,‬عن عطاء بن السائب‪ ,‬عن سعيد‬
‫ت مَنْ هؤلء الذين قالوا‪ :‬لِـمَ َت ِعظُونَ‬
‫بن جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬لن أكون علـم ُ‬
‫شدِيدا أحبّ إلـيّ مـما عدل به‪.‬‬
‫عذَابـا َ‬
‫قَوْما اللّ ُه ُمهِْل ُك ُهمْ أ ْو َم َعذّ ُب ُهمْ َ‬

‫حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن عطاء‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن عبـاس‪ :‬وَإذْ قالَتْ ُأمّ ٌة ِم ْن ُهمْ‬
‫خذْنا‬
‫ن السّو ِء وأ َ‬
‫ن َي ْنهَوْنَ عَ ِ‬
‫جيْنا اّلذِي َ‬
‫لِـمَ َتعِظُونَ قَوْما اللّ ُه ُمهِْل ُكهُمْ قال‪ :‬أسمع ال يقول‪ :‬أنْـ َ‬
‫ن قَوْما الّلهُ‬
‫ب َبئِيسٍ فلـيت شعري ما فعل بهؤلء الذين قالوا‪ :‬لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫اّلذِينَ ظَلَـمُوا ِب َعذَا ٍ‬
‫ُمهِْل ُكهُمْ‪.‬‬
‫‪11944‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يعقوب‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن ماهان الـحنفـيّ أبـي‬
‫س ِبتُونَ ل َت ْأتِـي ِهمْ قال‪ :‬كانوا‬
‫شرّعا َو َي ْومَ ل َي ْ‬
‫س ْب ِت ِهمْ ُ‬
‫صالـح‪ ,‬فـي قوله‪ :‬تَأتِـي ِهمْ حِيتا ُن ُهمْ يَ ْومَ َ‬
‫فـي الـمدينة التـي علـى ساحل البحر‪ ,‬وكانت اليام ستة‪ ,‬الحد إلـى الـجمعة‪ ,‬فوضعت‬
‫سبَتوه علـى أنفسهم‪ ,‬فسبته ال علـيهم‪ ,‬ولـم يكن السبت قبل ذلك‪,‬‬
‫الـيهود يوم السبت‪ ,‬و َ‬
‫فوكّده ال علـيهم‪ ,‬وابتلهم فـيه بـالـحيتان‪ ,‬فجعلت تشرع يوم السبت‪ ,‬فـيتقون أن يصيبوا‬
‫منها‪ ,‬حتـى قال رجل منهم‪ :‬وال ما السبت بـيوم وكّده ال علـينا‪ ,‬ونـحن وكدناه علـى‬
‫أنفسنا‪ ,‬فلو تناولت من هذا السمك فتناول حوتا من الـحيتان‪ ,‬فسمع بذلك جاره‪ ,‬فخاف العقوبة‬
‫فهرب من منزله‪ .‬فلـما مكث ما شاء ال ولـم تصبه عقوبة تناول غيره أيضا فـي يوم‬
‫السبت‪ .‬فلـما لـم تصبهم العقوبة كثر من تناول فـي يوم السبت‪ ,‬واتـخذوا يوم السبت‬
‫ولـيـلة السبت عيدا يشربون فـيه الـخمور ويـلعبون فـيه بـالـمعازف‪ ,‬فقال لهم‬
‫خيارهم وصلـحاؤهم‪ :‬ويحكم‪ ,‬انتهوا عما تفعلون‪ ,‬إن ال مهلككم أو معذّبكم عذابـا شديدا أفل‬
‫تعقلون؟ ول تعدوا فـي السبت فأبوا‪ ,‬فقال خيارهم‪ :‬نضرب بـيننا وبـينهم حائطا ففعلوا‪.‬‬
‫وكان إذا كان لـيـلة السبت تأذّوا بـما يسمعون من أصواتهم وأصوات الـمعازف‪ .‬حتـى‬
‫إذا كانت اللـيـلة التـي مسخوا فـيها‪ ,‬سكنت أصواتهم أوّل اللـيـل‪ ,‬فقال خيارهم‪ :‬ما شأن‬
‫قومكم قد سكنت أصواتهم اللـيـلة؟ فقال بعضهم‪ :‬لعلّ الـخمر غلبتهم فناموا‪ .‬فلـما أصبحوا‬
‫لـم يسمعوا لهم حسّا‪ ,‬فقال بعضهم لبعض‪ :‬ما لنا ل نسمع من قومكم حسّا؟ فقالوا لرجل‪:‬‬
‫اصعد الـحائط وانظر ما شأنهم فصعد الـحائط فرآهم يـموج بعضهم فـي بعض‪ ,‬قد‬
‫مسخوا قردة‪ ,‬فقال لقومه‪ :‬تعالوا فـانظروا إلـى قومكم ما لقوا فصعدوا‪ ,‬فجعلوا ينظرون‬
‫إلـى الرجل‪ ,‬فـيتوسمون فـيه‪ ,‬فـيقولون‪ :‬أي فلن أنت فلن؟ فـيومىء بـيده إلـى‬
‫صدره‪ :‬أي نعم بـما كسبت يداي‪.‬‬
‫‪11945‬ـ حدثنـي يعقوب وابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن علـية‪ ,‬عن أيوب قال‪ :‬تل الـحسن‬
‫سبْتِ إذْ تَأتِـيهِمْ‬
‫حرِ إذْ َي ْعدُونَ فِـي ال ّ‬
‫ضرَةَ ال َب ْ‬
‫ن ال َق ْريَةِ التـي كانَتْ حا ِ‬
‫سئَلْ ُهمْ عَ ِ‬
‫ذات يوم‪ :‬وَا ْ‬
‫شرّعا َويَ ْومَ ل َيسْ ِبتُونَ ل َت ْأتِـي ِهمْ كذلكَ َنبْلُو ُهمْ بِـمَا كانُوا َي ْفسُقُونَ فقال‪:‬‬
‫سبْ ِت ِهمْ ُ‬
‫حِيتا ُن ُهمْ يَ ْو َم َ‬
‫كان حوتا حرّمه ال علـيهم فـي يوم وأحله لهم فـيـما سوى ذلك‪ ,‬فكان يأتـيهم فـي‬
‫الـيوم الذي حرّمه ال علـيهم كأنه الـمخاض ل يـمتنع من أحد‪ ,‬وقلّـما رأيت أحدا يكثر‬
‫الهتـمام بـالذنب إل واقعه‪ .‬قال‪ :‬فجعلوا يهمون ويـمسكون حتـى أخذوه‪ ,‬فأكلوا أوخم أكلة‬

‫أكلها قوم قطّ‪ ,‬أثقله خزيا فـي الدنـيا وأشدّه عقوبة فـي الَخرة‪ ,‬وايـ ُم ال ما حوت أخذه‬
‫قوم فأكلوه أعظم عند ال من قتل رجل مؤمن‪ ,‬وللـمؤمن أعظم حرمة عند ال من حوت‪,‬‬
‫ولكن ال جعل موعد قوم الساعة والسّاعَ ُة أدْهَى وَأ َمرّ‪.‬‬
‫‪11946‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا سفـيان‪ ,‬عن أبـي موسى‪ ,‬عن الـحسن‪ ,‬قال‪:‬‬
‫جاءتهم الـحيتان تشرع فـي حياضهم كأنها الـمخاض‪ ,‬فأكلوا وال أوخم أكلة أكلها قوم قطّ‪,‬‬
‫أسوأه عقوبة فـي الدنـيا وأشدّه عذابـا فـي الَخرة‪ .‬وقال الـحسن‪ :‬وقتل الـمؤمن وال‬
‫أعظم من أكل الـحيتان‪.‬‬
‫‪11947‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن عطاء‪ ,‬قال‪ :‬كنت جالسا فـي الـمسجد‪,‬‬
‫فإذا شيخ قد جاء وجلس الناس إلـيه‪ ,‬فقالوا‪ :‬هذا من أصحاب عبد ال بن مسعود‪ ,‬فقال‪ :‬قال‬
‫حرِ‪ ...‬الَية‪ ,‬قال‪ :‬لـما حرّم علـيهم‬
‫ضرَةَ ال َب ْ‬
‫ن ال َق ْريَةِ التـي كانَتْ حا ِ‬
‫سئَلْ ُهمْ عَ ِ‬
‫ابن مسعود‪ :‬وَا ْ‬
‫السبت كانت الـحيتان تأتـي يوم السبت‪ ,‬وتأمن وتـجيء فل يستطيعون أن يـمسّوها‪ ,‬وكان‬
‫إذا ذهب السبت ذهبت‪ ,‬فكانوا يتصيّدُونَ كما يتصيّد الناس‪ .‬فلـما أرادوا أن يعدوا فـي‬
‫السبت‪ ,‬اصطادوا‪ ,‬فنهاهم قوم من صالـحيهم‪ ,‬فأبوا‪ ,‬وكثّرهم الفجار‪ ,‬فأراد الفجار قتالهم‪ ,‬فكان‬
‫فـيهم من ل يشتهون قتاله‪ ,‬أبو أحدهم وأخوه أو قريبه‪ .‬فلـما نهوهم وأبوا‪ ,‬قال الصالـحون‪:‬‬
‫إنا نبـاينهم‪ ,‬وإنا نـجعل بـيننا وبـينهم حائطا ففعلوا‪ ,‬فلـما فقدوا أصواتهم‪ ,‬قالوا‪ :‬لو‬
‫نظرتـم إلـى إخوانكم ما فعلوا فنظروا فإذا هم قد مسخوا قردة‪ ,‬يعرفون الكبـير بكبره‬
‫والصغير بصغره‪ ,‬فجعلوا يبكون إلـيهم‪ .‬وكان هذا بعد موسى صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪165‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫سوَءِ‬
‫عنِ ال ُ‬
‫ن َي ْنهَوْنَ َ‬
‫ج ْينَا اّلذِي َ‬
‫{فَلَماّ َنسُواْ مَا ُذكّرُو ْا بِ ِه أَن َ‬

‫ن ظََلمُواْ ِب َعذَابٍ َبئِيسٍ ِبمَا كَانُو ْا يَ ْفسُقُونَ }‪..‬‬
‫خ ْذنَا اّلذِي َ‬
‫وََأ َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فلـما تركت الطائفة التـي اعتدت فـي السبت ما أمرها ال به من‬
‫ترك العتداء فـيه وضيعت ما وعظتها الطائفة الواعظة وذكرتها ما ذكرتها به من‬
‫تـحذيرها عقوبة ال علـى معصيتها فتقدمت علـى استـحلل ما حرّم ال علـيها‪ ,‬أنـجى‬
‫خذْنا اّلذِينَ‬
‫ال الذين ينهون منهم عن السوء‪ ,‬يعنـي عن معصية ال‪ ,‬واستـحلل حرمه‪ .‬وأ َ‬
‫ظَلَـمُوا يقول‪ :‬وأخذ ال الذين اعتدوا فـي السبت فـاستـحلوا فـيه ما حرّم ال من صيد‬
‫السمك وأكله‪ ,‬فأحلّ بهم بأسه وأهلكهم‪ِ .‬ب َعذَابٍ شديد ِبئِيسٍ بِـمَا كانُوا يَ ْفسُقونَ يخالفون أمر ال‪,‬‬
‫فـيخرجون من طاعته إلـى معصيته‪ ,‬وذلك هو الفسق‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬

‫‪11948‬ـ حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن جريج‪ ,‬فـي‬
‫ن السّو ِء قال‪ :‬فلـما نسوا موعظة‬
‫ن َي ْنهَوْنَ عَ ِ‬
‫جيْنا اّلذِي َ‬
‫قوله‪ :‬فَلـمّا َنسُوا ما ُذ ّكرُوا بِ ِه أنْـ َ‬
‫ن قَوْما‪.‬‬
‫الـمؤمنـين إياهم‪ ,‬الذين قالوا‪ :‬لِـمَ َت ِعظُو َ‬
‫‪11949‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حرميّ‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي شعبة‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنـي‬
‫ن السّو ِء قال‪ :‬يا لـيت شعري‬
‫ن َي ْنهَوْنَ عَ ِ‬
‫جيْنا اّلذِي َ‬
‫عمارة‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬أنْـ َ‬
‫ما السوء الذي نهوا عنه‪.‬‬
‫وأما قوله‪ِ :‬ب َعذَابٍ َبئِيسٍ فإن القرّاء اختلفت فـي قراءته‪ ,‬فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة‪:‬‬
‫« ِب َعذَابٍ بِـيسٍ» بكسر البـاء وتـخفـيف الـياء بغير همز‪ ,‬علـى مثال « ِفعْل»‪ .‬وقرأ ذلك‬
‫بعض قرّاء الكوفة والبصرة‪ِ :‬ب َعذَابِ َبئِيسٍ علـى مثل «فعيـل» من البؤس‪ ,‬بنصب البـاء‬
‫وكسر الهمزة ومدّها‪ .‬وقرأ ذلك كذلك بعض الـمكيـين‪ ,‬غير أنه كسر بـار‪ِ « :‬بئِيسٍ» علـى‬
‫مثال « ِفعِيـل»‪ .‬وقرأه بعض الكوفـيـين‪« :‬بَـ ْيئِسٍ» بفتـح البـاء‪ ,‬وتسكين الـياء‪ ,‬وهمزة‬
‫بعدها مكسورة علـى مثال «فَـ ْيعِلٍ»‪ .‬وذلك شا ّذ عند أهل العربـية‪ ,‬لن «فـيعل» إذا لـم‬
‫يكن من ذوات الـياء والواو‪ ,‬فـالفتـح فـي عينه الفصيح فـي كلم العرب‪ ,‬وذلك مثل‬
‫قولهم فـي نظيره من السالـم‪ :‬صيقل‪ ,‬ونـيرب‪ ,‬وإنـما تكسر العين من ذلك فـي ذوات‬
‫الـياء والواو‪ ,‬كقولهم‪ :‬سيد‪ ,‬وميت‪ .‬وقد أنشد بعضهم قول امرىء القـيس بن عابس الكنديّ‪:‬‬
‫ب فِـي يَ ْو ِم الهِياجِ ال َق ْونَسا‬
‫ن َرئِيسا بَـ ْي ِئسَا َيضْرِ ُ‬
‫كِلهُما كا َ‬
‫بكسر العين من «فَـ ْيعِل»‪ ,‬وهي الهمزة من بـيئِس‪ .‬فلعلّ الذي قرأ ذلك كذلك قرأه علـى‬
‫هذه‪ .‬وذكر عن آخر من الكوفـيـين أيضا أنه قرأه‪ :‬بَـ ْيئَس نـحو القراءة التـي ذكرناها‬
‫قبل هذه‪ ,‬وذلك بفتـح البـاء وتسكين الـياء وفتـح الهمزة بعد الـياء علـى مثال «فَـ ْيعَل»‬
‫صيْقَل»‪ .‬وروي عن بعض البصريـين أنه قرأه‪َ « :‬بئِس» بفتـح البـاء وكسر الهمزة‬
‫مثل « َ‬
‫علـى مثال « َفعِل»‪ ,‬كما قال ابن قـيس الرقـيات‪:‬‬
‫لَـ ْي َتنِـي أ ْلقَـي رُقَـيّةَ فِـيخَـلْ َوةٍ ِمنْ غي ِر ما َبئِسِ‬
‫وروى عن آخر منهم أنه قرأ‪ِ « :‬بئْسَ» بكسر البـاء وفتـح السين علـى معنى بئس‬
‫العذاب‪.‬‬
‫وأولـى هذه القراءات عندي بـالصواب قراءة من قرأه‪َ :‬بئِيس بفتـح البـاء وكسر الهمزة‬
‫ومدّها علـى مثال َفعِيـل‪ ,‬كما قال ذو الصبع العدوانـي‪:‬‬
‫حنَقا عَلـيّ وََلنْ َترَىلـي فِـيهِ ُم أثَرا َبئِيسا‬
‫َ‬
‫ل ذلك علـى صحة ما اخترنا‪ .‬ذكر من‬
‫لن أهل التأويـل أجمعوا علـى أن معناه شديد‪ ,‬فد ّ‬
‫قال ذلك‪:‬‬

‫‪11950‬ـ حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن جريج‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ب َبئِيسٍ‪:‬‬
‫خذْنا اّلذِينَ ظَلَـمُوا ِب َعذَا ٍ‬
‫أخبرنـي رجل عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وأ َ‬
‫ألـيـم وجيع‪.‬‬
‫‪11951‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ِ :‬ب َعذَابٍ َبئِيسٍ قال‪ :‬شديد‪.‬‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو حذيفة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شبل‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‪ ,‬عن‬
‫ب َبئِيسٍ‪ :‬ألـيـم شديد‪.‬‬
‫مـجاهد‪ِ :‬بعَذَا ٍ‬
‫‪11952‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫ِب َعذَابٍ َبئِيسٍ قال‪ :‬موجع‪.‬‬
‫ب َبئِيسٍ قال‪ :‬بعذاب‬
‫‪11953‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ِ :‬بعَذَا ٍ‬
‫شديد‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪166‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫عنْ ُه قُ ْلنَا َل ُهمْ كُونُو ْا قِ َردَ ًة خَاسِئِينَ‬
‫عتَوْاْ عَن مّا ُنهُواْ َ‬
‫{فَلَماّ َ‬

‫}‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فلـما تـمرّدوا فـيـما نهوا عنه من اعتدائهم فـي السبت‪,‬‬
‫واستـحللهم ما حرّم ال علـيهم من صيد السمك وأكله وتـمادوا فـيه قُلْنا َل ُهمْ كُونُوا ِقرَدَةً‬
‫خاسِئِينَ‪ :‬أي بُعداء من الـخير‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫عمّا‬
‫ع َتوْا َ‬
‫‪11954‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬فَلَـمّا َ‬
‫سئِينَ فصاروا قردة‬
‫عنْهُ يقول‪ :‬لـما مرد القوم علـى الـمعصية‪ .‬قُلْنا َل ُهمْ كُونُوا قِ َردَةً خا ِ‬
‫ُنهُوا َ‬
‫لها أذناب َتعَاوَى بعد ما كانوا رجالً ونساء‪.‬‬
‫‪11955‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫سئِينَ‬
‫عنْ ُه قُلْنا َل ُهمْ كُونُوا ِقرَدَ ًة خا ِ‬
‫عمّا ُنهُوا َ‬
‫ع َتوْا َ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬فَلَـمّا َ‬
‫فجعل ال منهم القردة والـخنازير‪ .‬فزعم أن شبـاب القوم صاروا قردة‪ ,‬وأن الـمشيخة‬
‫صاروا خنازير‪.‬‬
‫‪11956‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحمانـيّ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شريك‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬عن‬
‫أبـي مالك أو سعيد بن جبـير‪ ,‬قال‪ :‬رأى موسى علـيه السلم رجلً يحمل قصبـا يوم‬
‫السبت‪ ,‬فضرب عنقه‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪167‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫{وَِإ ْذ َتَأذّنَ َر ّبكَ َل َي ْب َعثَنّ عََل ْي ِهمْ إَِلىَ يَ ْو ِم الْ ِقيَامَةِ مَن‬

‫سرِيعُ ا ْل ِعقَابِ وَِإنّ ُه َلغَفُورٌ ّرحِيمٌ }‪..‬‬
‫ن َر ّبكَ َل َ‬
‫َيسُو ُم ُهمْ سُوَ َء ا ْل َعذَابِ إِ ّ‬
‫ن واذكر يا مـحمد إذ آذن ربك فأعلـم‪ .‬وهو تفعل من‬
‫يعنـي جلّ ثناؤه بقوله‪ :‬وَإذْ تَأذّ َ‬
‫اليذان‪ ,‬كما قال العشى ميـمون بن قـيس‪:‬‬
‫ل آِلفٍ َمأْلُوفِ‬
‫حبْ َ‬
‫ص َرمُوا َ‬
‫آ َذنَ الـيَ ْومَ جِي َرتِـي ِبخُفُوفِ َ‬
‫يعنـي بقوله آذن‪ :‬أعلـم‪ ,‬وقد بـينا ذلك بشواهده فـي غير هذا الـموضع‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11957‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫ن رَ ّبكَ قال‪ :‬أمر ربك‪.‬‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪ :‬وَإذْ تَأذّ َ‬
‫ن رَ ّبكَ‬
‫حدثنا الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ .‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬وَإذْ تَأذّ َ‬
‫قال‪ :‬أمر ربك‪.‬‬
‫ن علـى الـيهود من يسومهم سوء‬
‫وقوله‪ :‬لَـ َيبْ َعثَنّ عَلَـ ْي ِهمْ يعنـي‪ :‬أعلـم ربك لـيبعث ّ‬
‫العذاب‪ ,‬قـيـل‪ :‬إن ذلك العرب بعثهم ال علـى الـيهود يقاتلون من لـم يسلـم منهم ولـم‬
‫صغَارا وذلة‪.‬‬
‫يعط الـجزية‪ ,‬ومن أعطى منهم الـجزية كان ذلك له َ‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11958‬ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم وعلـيّ بن داود قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪,‬‬
‫ن رَ ّبكَ لَـ َي ْب َعثَنّ عَلَـ ْيهِمْ إلـى‬
‫قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذْ تَأذّ َ‬
‫ن َيسُومهُ ْم سُو َء ال َعذَابِ قال‪ :‬هي الـجزية‪ ,‬والذين يسومونهم‪ :‬مـحمد صلى‬
‫يَ ْومِ القِـيامَ ِة مَ ْ‬
‫ال عليه وسلم وأمته إلـى يوم القـيامة‪.‬‬
‫‪11959‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫ن َر ّبكَ لَـيَ ْب َعثَنّ عَلَـ ْي ِهمْ إلـى يَ ْومِ القِـيامَ ِة مَنْ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذْ تَأذّ َ‬
‫َيسُو ُم ُهمْ سُو َء ال َعذَابِ فهي الـمسكنة‪ ,‬وأخذ الـجزية منهم‪.‬‬
‫حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن جريج‪ ,‬قال ابن‬
‫ب قال‪:‬‬
‫ن َربّكَ لَـ َي ْب َعثَنّ عَلَـ ْيهِمْ إلـى َي ْومِ القِـيامَةِ َمنْ َيسُو ُم ُهمْ سُوءَ ال َعذَا ِ‬
‫عبـاس‪ :‬وَإذْ تَأذّ َ‬
‫يهود‪ ,‬وما ضرب علـيهم من الذلة والـمسكنة‪.‬‬
‫‪11960‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬وَإ ْذ تَأذّنَ َر ّبكَ لَـ َي ْبعَثَنّ‬
‫ب قال‪ :‬فبعث ال علـيهم هذا الـحيّ من‬
‫ن َيسُو ُمهُمْ سُوءَ ال َعذَا ِ‬
‫عَلَـ ْي ِهمْ إلـى يَ ْومِ القِـيامَ ِة مَ ْ‬
‫العرب‪ ,‬فهم فـي عذاب منهم إلـى يوم القـيامة‪.‬‬
‫‪11961‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫ن َيسُو ُمهُمْ قال‪ :‬بعث علـيهم هذا الـحيّ من العرب‪,‬‬
‫لَـ َيبْ َعثَنّ عَلَـ ْي ِهمْ إلـى يَ ْومِ القِـيامَ ِة مَ ْ‬

‫فهم فـي عذاب منهم إلـى يوم القـيامة‪ .‬وقال عبد الكريـم الـجزري‪ :‬يُستـحبّ أن تبعث‬
‫النبـاط فـي الـجزية‪.‬‬
‫‪11962‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق بن إسماعيـل‪ ,‬عن يعقوب‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن‬
‫ن َيسُو ُمهُ ْم قال‪ :‬العرب‪ .‬سُوءَ‬
‫ن َر ّبكَ لَـ َيبْ َعثَنّ عَلَـ ْي ِهمْ إلـى يَ ْومِ القِـيامَ ِة مَ ْ‬
‫سعيد‪ :‬وَإ ْذ تَأذّ َ‬
‫ال َعذَابِ قال‪ :‬الـخراج‪ .‬وأوّل من وضع الـخراج موسى علـيه السلم‪ ,‬فجبى الـخراج سبع‬
‫سنـين‪.‬‬
‫حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يعقوب‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن سعيد‪ :‬وَإ ْذ تَأذّنَ َر ّبكَ لَـ َي ْبعَثَنّ عَلَـ ْي ِهمْ‬
‫ب قال‪ :‬الـخراج‪ .‬قال‪ :‬وأوّل من‬
‫ن َيسُو ُمهُمْ قال‪ :‬العرب‪ .‬سُوءَ ال َعذَا ِ‬
‫إلـى يَ ْومِ القِـيامَ ِة مَ ْ‬
‫وضع الـخراج موسى‪ ,‬فجبى الـخراج سبع سنـين‪.‬‬
‫حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يعقوب‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن سعيد‪ :‬وَإ ْذ تَأذّنَ َر ّبكَ لَـ َي ْبعَثَنّ عَلَـ ْي ِهمْ‬
‫ب قال‪ :‬هم أهل الكتاب‪ ,‬بعث ال علـيهم العرب‬
‫ن َيسُو ُمهُمْ سُوءَ ال َعذَا ِ‬
‫إلـى يَ ْومِ القِـيامَ ِة مَ ْ‬
‫يجبونهم الـخراج إلـى يوم القـيامة‪ ,‬فهو سوء العذاب‪ ,‬ولـم يجب نبـيّ الـخراج قطّ إل‬
‫موسى صلى ال عليه وسلم ثلث عشرة سنة ثم أمسك‪ ,‬وإل النبـيّ صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪11963‬ـ حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا معمر‪ ,‬عن قتادة‪,‬‬
‫ب قال‪:‬‬
‫ن َر ّبكَ لَـيَ ْب َعثَنّ عَلَـ ْي ِهمْ إلـى يَ ْومِ القِـيامَ ِة مَنْ َيسُو ُم ُهمْ سُوءَ ال َعذَا ِ‬
‫فـي قوله‪ :‬وَإذْ تَأذّ َ‬
‫يبعث علـيهم هذا الـحيّ من العرب‪ ,‬فهم فـي عذاب منهم إلـى يوم القـيامة‪.‬‬
‫‪11964‬ـ قال‪ :‬أخبرنا معمر‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنـي عبد الكريـم‪ ,‬عن ابن الـمسيب‪ ,‬قال‪ :‬يستـحبّ‬
‫أن تبعث النبـاط فـي الـجزية‪.‬‬
‫‪11965‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫ن رَ ّبكَ لَـ َي ْب َعثَنّ عَلَـ ْيهِمْ إلـى َي ْومِ القِـيامَةِ َمنْ َيسُو ُم ُهمْ سُوءَ‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬وَإذْ تَأذّ َ‬
‫ال َعذَابِ يقول‪ :‬إن ربك يبعث علـى بنـي إسرائيـل العرب‪ ,‬فـيسومونهم سوء العذاب‪:‬‬
‫يأخذون منهم الـجزية ويقتلونهم‪.‬‬
‫‪11966‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَإذْ تَأذّنَ‬
‫ن علـى يهود‪.‬‬
‫ك لَـيَ ْب َعثَنّ عَلَـ ْيهِ ْم إلـى َي ْومِ القِـيامَ ِة لـيبعث ّ‬
‫َربّ َ‬
‫ب وَإنّهُ َل َغفُورٌ َرحِيـمٌ‪.‬‬
‫ن َر ّبكَ َلسَرَيعُ العِقا ِ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬إ ّ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬إن ربك يا مـحمد لسريع عقابه إلـى من استوجب منه العقوبة علـى‬
‫كفره به ومعصيته له‪ .‬وإنّ ُه َلغَفُورٌ َرحِيـمٌ يقول‪ :‬وإنه لذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه‬
‫فأناب وراجع طاعته‪ ,‬يستر علـيها بعفوه عنها‪ ,‬رحيـم له أن يعاقبه علـى جرمه بعد توبته‬
‫منها‪ ,‬لنه يقبل التوبة ويُقـيـل العثرة‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪168‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ط ْعنَاهُمْ فِي الرْضِ ُأمَما ّم ْن ُهمُ الصّاِلحُونَ َو ِم ْن ُهمْ‬
‫{ َو َق ّ‬

‫س ّيئَاتِ َلعَّل ُهمْ َي ْرجِعُونَ }‪..‬‬
‫حسَنَاتِ وَال ّ‬
‫ن ذَِلكَ َوبَلَ ْونَا ُهمْ بِا ْل َ‬
‫دُو َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬وفرّقنا بنـي إسرائيـل فـي الرض أمـما‪ ,‬يعنـي جماعات شتـى‬
‫متفرّقـين‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪11967‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق بن إسماعيـل‪ ,‬عن يعقوب‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن‬
‫سعيد بن حبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪َ :‬و َقطّعنا ُهمْ فِـي الرْضِ ُأمَـما قال‪ :‬فـي كلّ أرض‬
‫يدخـلها قوم من الـيهود‪.‬‬
‫‪11968‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪َ :‬و َقطّعنا ُهمْ فِـي الرْضِ ُأمَـما قال‪ :‬يهود‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬من هؤلء القوم الذين وصفهم ال من بنـي إسرائيـل‬
‫وقوله‪ِ :‬م ْنهُ ُم الصّالِـحُو َ‬
‫الصالـحون‪ ,‬يعنـي‪ :‬من يؤمن بـال ورسله‪َ .‬و ِم ْن ُهمْ دُونَ ذلكَ يعنـي‪ :‬دون الصالـح‪.‬‬
‫وإنـما وصفهم ال جلّ ثناؤه بأنهم كانوا كذلك قبل ارتدادهم عن دينهم وقبل كفرهم بربهم‪,‬‬
‫وذلك قبل أن يُبعث فـيهم عيسى ابن مريـم صلوات ال علـيه‪.‬‬
‫سيّئاتِ َلعَّل ُهمْ َي ْرجِعُونَ يقول‪ :‬واختبرناهم بـالرخاء فـي‬
‫حسَناتِ وَال ّ‬
‫وقوله‪َ :‬وبََلوْناهُ ْم بـالـ َ‬
‫العيش‪ ,‬والـخفض فـي الدنـيا‪ ,‬والدعة والسعة فـي الرزق‪ ,‬وهي الـحسنات التـي ذكرها‬
‫جلّ ثناؤه‪ .‬ويعنـي بـالسيئات‪ :‬الشدّة فـي العيش‪ ,‬والشظف فـيه‪ ,‬والـمصائب والرزايا‬
‫جعُونَ يقول‪ :‬لـيرجعوا إلـى طاعة ربهم‪ ,‬وينـيبوا إلـيها‪ ,‬ويتوبوا‬
‫فـي الموال‪ .‬لَعّل ُهمْ َي ْر ِ‬
‫من معاصيه‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪169‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫عرَضَ‬
‫خذُونَ َ‬
‫{ َفخَلَفَ مِن َب ْعدِ ِهمْ خَ ْلفٌ َو ِرثُو ْا ا ْل ِكتَابَ َي ْأ ُ‬

‫خذْ عََل ْيهِ ْم مّيثَاقُ ا ْل ِكتَابِ‬
‫ض ّمثْلُ ُه َي ْأخُذُوهُ أََل ْم يُ ْؤ َ‬
‫عرَ ٌ‬
‫س ُيغْ َفرُ َلنَا وَإِن َي ْأ ِت ِهمْ َ‬
‫ن َ‬
‫هَـذَا ال ْدنَىَ َويَقُولُو َ‬
‫ن َأفَلَ َتعْقِلُونَ }‪..‬‬
‫خ ْيرٌ لّّلذِينَ َيتّقُو َ‬
‫لخِرَ ُة َ‬
‫حقّ َو َد َرسُو ْا مَا فِيهِ وَالدّارُ ا َ‬
‫أَن لّ يِقُولُواْ عَلَى الّل ِه ِإلّ ا ْل َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فخـلف من بعد هؤلء القوم الذين وصف صفتهم خـلْف يعنـي‬
‫سوْء‪ ,‬يقول‪ :‬حدث بعدهم وخلفهم‪ ,‬وتبدّل منهم بدل سوء‪ ,‬يقال منه‪ :‬هو خَـَلفُ صدق‪,‬‬
‫خـلف َ‬
‫وخَـ ْلفُ سَوْءٍ‪ ,‬وأكثر ما جاء فـي الـمدح بفتـح اللم وفـي الذ ّم بتسكينها‪ ,‬وقد تـحرّك‬
‫فـي الذمّ وتسكن فـي الـمدح‪ ,‬ومن ذلك فـي تسكينها فـي الـمدح قول حسان‪:‬‬
‫لنا ال َق َدمُ الُولـى إلـيكَ وخَـلْفُنالِءَوّلِنا فـي طاعَ ِة الّلهِ تابِعُ‬

‫وأحسب أنه إذا وجه إلـى الفساد مأخوذ من قولهم‪ :‬خـلف اللبن‪ :‬إذا حمض من طول تركه‬
‫ن الرجل الفـاسد مشبّه به‪ ,‬وقد يجوز أن يكون منه قولهم‪:‬‬
‫فـي السقاء حتـى يفسد‪ ,‬فكأ ّ‬
‫خَـلَف فم الصائم‪ :‬إذا تغيرت ريحه‪ .‬وأما فـي تسكين اللم فـي الذمّ‪ ,‬فقول لبـيد‪:‬‬
‫جرَبِ‬
‫ب اّلذِينَ يُعاشُ فِـي أكْنا ِف ِهمْ َوبَقِـيتُ فِـي خَـلْفِ َكجِ ْلدِ ال ْ‬
‫ذَهَ َ‬
‫وقـيـل‪ :‬إن الـخـلْف الذي ذكر ال فـي هذه الَية أنهم خـلَفوا من قبلهم هم النصارى‪.‬‬
‫ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11969‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪َ :‬فخَـلَفَ ِمنْ َب ْعدِ ِهمْ خَـ ْلفٌ قال‪ :‬النصارى‪.‬‬
‫والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال‪ :‬إن ال تعالـى إنـما وصف أنه خـلَف‬
‫القوم الذي قصّ قصصهم فـي الَيات التـي مضت خـلف سوْء رديء‪ ,‬ولـم يذكر لنا أنهم‬
‫نصارى فـي كتابه‪ ,‬وقصتهم بقصص الـيهود أشبه منها بقصص النصارى‪ .‬وبعدُ‪ ,‬فإن ما‬
‫قبل ذلك خبر عن بنـي إسرائيـل وما بعده كذلك‪ ,‬فما بـينهما بأن يكون خبرا عنهم أشبه‪ ,‬إذ‬
‫لـم يكن فـي الَية دلـيـل علـى صرف الـخبر عنهم إلـى غيرهم‪ ,‬ول جاء بذلك‬
‫دلـيـل يوجب صحة القول به‪.‬‬
‫فتأويـل الكلم إذن‪ :‬فتبدّل من بعدهم َبدَلُ سوْء‪ ,‬ورثوا كتاب ال‪ :‬تعلـموه‪ ,‬وضيعوا العمل‬
‫به فخالفوا حكمه‪ُ ,‬يرْشَ ْونَ فـي حكم ال‪ ,‬فـيأخذون الرشوة فـيه من عرض هذا العاجل‬
‫الدنى‪ ,‬يعنـي بـالدنى‪ :‬القرب من الَجل البعد‪ ,‬ويقولون إذا فعلوا ذلك‪ :‬إن ال سيغفر لنا‬
‫ذنوبنا تـمنـيا علـى ال البـاطيـل‪ ,‬كما قال جلّ ثناؤه فـيهم‪ :‬فَ َويْـلٌ لّلذِينَ َي ْك ُتبُونَ‬
‫شتَرُوا بِ ِه َثمَنا قَلِـيلً فَ َويْـلٌ َل ُهمْ مِـمّا َك َتبَتْ‬
‫ع ْندِ الّلهِ لِـ َي ْ‬
‫الكِتابَ بِأ ْيدِي ِهمْ ثّم يَقُولُونَ َهذَا مِنْ ِ‬
‫خذُوهُ يقول‪ :‬وإن شرع لهم ذنب‬
‫عرَضٌ ِمثْلُه يأ ُ‬
‫ن َي ْأ ِتهِمْ َ‬
‫أ ْيدِي ِهمْ وَ َويْـلٌ َل ُهمْ مِـمّا َي ْكسِبونَ‪ .‬وَإ ْ‬
‫ل ثناؤه عنهم‬
‫حرام مثله من الرشوة بعد ذلك أخذوه واستـحلوه‪ ,‬ولـم يرتدعوا عنه‪ .‬يخبر ج ّ‬
‫أنهم أهل إصرار علـى ذنوبهم‪ ,‬ولـيسوا بأهل إنابة ول توبة‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل وإن اختلفت عنه عبـاراتهم‪ .‬ذكر من قال‬
‫ذلك‪:‬‬
‫‪11970‬ـ حدثنا أحمد بن الـمقدام‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا فضيـل بن عياض‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن سعيد‬
‫ض ِمثْلُه‬
‫عرَ ٌ‬
‫س ُيغْ َفرُ لَنا وَإنْ َي ْأ ِت ِهمْ َ‬
‫ن َ‬
‫عرَضَ َهذَا ال ْدنَى َويَقُولُو َ‬
‫بن جبـير‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬ي ْأخُذُونَ َ‬
‫يأخُذُوهُ‪ .‬قال‪ :‬يعملون الذنب ثم يستغفرون ال‪ ,‬فإن عرض ذلك الذنب أخذوه‪.‬‬
‫‪11971‬ـ حدثنا ابن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الرحمن‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن‬
‫ض ِمثْلُه يأخُذُوهُ قال‪ :‬من الذنوب‪.‬‬
‫عرَ ٌ‬
‫سعيد بن جبـير‪ :‬وَإنْ َي ْأ ِت ِهمْ َ‬

‫ض َهذَا‬
‫عرَ َ‬
‫خذُونَ َ‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪َ :‬ي ْأ ُ‬
‫خذُوهُ‪ :‬قال‪ :‬ذنب‬
‫ض ِمثْلُه يأ ُ‬
‫عرَ ٌ‬
‫س ُيغْ َفرُ لَنا قال‪ :‬يعملون بـالذنوب‪ .‬وَإنْ َي ْأ ِت ِهمْ َ‬
‫ن َ‬
‫ال ْدنَى َويَقُولُو َ‬
‫آخر يعملون به‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪:‬‬
‫خذُوهُ قال‪ :‬الذنوب‪.‬‬
‫ض ِمثْلُه يأ ُ‬
‫عرَ ٌ‬
‫عرَضَ َهذَا ال ْدنَى قال‪ :‬الذنوب‪ .‬وَإنْ َي ْأ ِت ِهمْ َ‬
‫َي ْأخُذُونَ َ‬
‫‪11972‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫عرَضَ َهذَا ال ْدنَى قال‪ :‬ما أشرف لهم من شيء فـي‬
‫خذُونَ َ‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪َ :‬ي ْأ ُ‬
‫الـيوم من الدنـيا حلل أو حرام يشتهونه أخذوه‪ ,‬ويبتغون الـمغفرة‪ ,‬فإن يجدوا الغد مثله‬
‫يأخذوه‪.‬‬
‫حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن مـجاهد‪,‬‬
‫بنـحوه‪ ,‬إل أنه قال‪ :‬يتـمنون الـمغفرة‪.‬‬
‫عرَضَ‬
‫خذُونَ َ‬
‫حدثنا الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن مـجاهد‪َ :‬ي ْأ ُ‬
‫َهذَا ال ْدنَى قال‪ :‬ل يشرف لهم شيء من الدنـيا إل أخذوه حللً كان أو حراما‪ ,‬ويتـمنون‬
‫سيُغْ َفرُ لَنا وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه‪.‬‬
‫ن َ‬
‫الـمغفرة‪َ ,‬و َيقُولُو َ‬
‫‪11973‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬فَخَـَلفَ‬
‫ن َبعْد ِهمْ خَـ ْلفٌ‪ :‬أي وال لـخـلْف سَوْء ورثوا الكتاب بعد أنبـيائهم ورسلهم‪ ,‬ورّثهم ال‬
‫مِ ْ‬
‫ن َبعْدهِمْ خَـ ْلفٌ أضَاعُوا الصّلةَ وَا ّت َبعُوا‬
‫وعهد إلـيهم‪ ,‬وقال ال فـي آية أخرى‪َ :‬فخَـَلفَ مِ ْ‬
‫س ُيغْ َفرُ لَنا تـمنوا علـى ال أمانـي وغرّة‬
‫ن َ‬
‫عرَضَ َهذَا ال ْدنَى َويَقُولُو َ‬
‫خذُونَ َ‬
‫شهَوَاتِ قال‪َ :‬ي ْأ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ض ِمثْلُه ل يشغلهم شيء عن شيء ول ينهاهم عن ذلك‪ ,‬كلـما‬
‫عرَ ٌ‬
‫يغترّون بها‪ .‬وَإنْ َي ْأ ِت ِهمْ َ‬
‫أشرف لهم شيء من الدنـيا أكلوه ل يبـالون حللً كان أو حراما‪.‬‬
‫‪11974‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫عرَضٌ‬
‫ن َي ْأ ِتهِمْ َ‬
‫عرَضَ َهذَا ال ْدنَى قال‪ :‬يأخذونه إن كان حللً وإن كان حراما‪ .‬وَإ ْ‬
‫َي ْأخُذُونَ َ‬
‫ِمثْلُه قال‪ :‬إن جاءهم حلل أو حرام أخذوه‪.‬‬
‫‪11975‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫ف مِنْ َبعْد ِهمْ خَـ ْلفٌ‪ ...‬إلـى قوله‪َ :‬ودَ َرسُوا ما فِـي ِه قال‪:‬‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬قوله‪َ :‬فخَـلَ َ‬
‫كانت بنو إسرائيـل ل يستقضون قاضيا إل ارتشى فـي الـحكم‪ .‬وإن خيارهم اجتـمعوا‬
‫فأخذ بعضهم علـى بعض العهود أن ل يفعلوا ول يرتشوا‪ ,‬فجعل الرجل منهم إذا استُ ْقضِي‬
‫ارتشى‪ ,‬فقال له‪ :‬ما شأنك ترتشي فـي الـحكم؟ فـيقول‪ :‬سيغفر لـي فـيطعن علـيه‬
‫البقـية الَخرون من بنـي إسرائيـل فـيـما صنع‪ .‬فإذا مات أو ُنزِع‪ ,‬وجُعل مكانه رجل‬

‫مـمن كان يطعن علـيه فـيرتشي‪ ,‬يقول‪ :‬وإن يأت الَخرين عرض الدنـيا يأخذوه‪ .‬وأما‬
‫عرَض الدنى‪ ,‬فعرض الدنـيا من الـمال‪.‬‬
‫َ‬
‫‪11976‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫عرَضَ‬
‫خذُونَ َ‬
‫ن َبعْد ِهمْ خَـ ْلفٌ َو ِرثُوا الكِتابَ َي ْأ ُ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬فَخَـَلفَ مِ ْ‬
‫س ُيغْ َفرُ لَنا يقول‪ :‬يأخذون ما أصابوا‪ ,‬ويتركون ما شاءوا من حلل أو‬
‫َهذَا ال ْدنَى َويَقُولُونَ َ‬
‫حرام‪ ,‬ويقولون‪ :‬سيغفر لنا‪.‬‬
‫‪11977‬ـ وحدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬ي ْأخُذُونَ‬
‫س ُيغْ َفرُ لَنا ل نشرك بـال شيئا‪ .‬وَإنْ‬
‫ض َهذَا ال ْدنَى قال‪ :‬الكتاب الذي كتبوه‪ ,‬ويقولون‪َ :‬‬
‫عرَ َ‬
‫َ‬
‫خذُو ُه يأتهم الـمـحقّ برشوه‪ ,‬فـيخرجوا له كتاب ال ثم يحكموا له‬
‫عرَضٌ ِمثْلُه يأ ُ‬
‫َي ْأ ِتهِمْ َ‬
‫بـالرشوة‪ .‬وكان الظالـم إذا جاءهم برشوة أخرجوا له الـمثناة‪ ,‬وهو الكتاب الذي كتبوه‪,‬‬
‫فحكموا له بـما فـي الـمثناة بـالرشوة‪ ,‬فهو فـيها مـحقّ‪ ,‬وهو فـي التوراة ظالـم‪ ,‬فقال‬
‫حقّ َودَرَسوا ما فِـيهِ‪.‬‬
‫ب ألّ يَقُولُوا عَلـى اللّ ِه إلّ الـ َ‬
‫خذْ عَلَـ ْي ِهمْ مِيثاقُ الكِتا ِ‬
‫ال‪ :‬ألَـمْ يُؤ َ‬
‫حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ ,‬قوله‪َ :‬فخَـلَفَ ِمنْ‬
‫ض َهذَا ال ْدنَى قال‪ :‬يعملون الذنوب‪.‬‬
‫عرَ َ‬
‫خذُونَ َ‬
‫َبعْدهِمْ خَـ ْلفٌ و ِرثُوا الكِتابَ َي ْأ ُ‬
‫خذْ عَلَـ ْيهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ ألّ َيقُولُوا علـى الّل ِه إلّ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬ألَـمْ يُؤ َ‬
‫ن أفَل َتعْقِلُونَ‪.‬‬
‫خ ْيرٌ لّلذِينَ َيتّقُو َ‬
‫لخِرَ ُة َ‬
‫الـحَقّ َو َدرَسُوا ما فِـيهِ والدّارُ ا َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ألـم يؤخذ علـى هؤلء الـمرتشين فـي أحكامهم‪ ,‬القائلـين‪ :‬سيغفر‬
‫ال لنا فعلنا هذا‪ ,‬إذا عوتبوا علـى ذلك ميثاقُ الكتاب‪ ,‬وهو أخذ ال العهود علـى بنـي‬
‫ص قصتهم فـي‬
‫إسرائيـل بإقامة التوراة والعمل بـما فـيها‪ .‬فقال جلّ ثناؤه لهؤلء الذين ق ّ‬
‫هذه الَية موبخا لهم علـى خلفهم أمره ونقضهم عهده وميثاقه‪ :‬ألـم يأخذ ال علـيهم ميثاق‬
‫حقّ ول يضيفوا إلـيه إل ما أنزله علـى رسوله موسى‬
‫ل يَقُولُوا علـى اللّ ِه إلّ الـ َ‬
‫كتابه أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم فـي التوراة‪ ,‬وأن ل يكذبوا علـيه؟ كما‪:‬‬
‫‪11978‬ـ حدثنا القاسم‪,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن‬
‫حقّ قال‪ :‬فـيـما‬
‫ب ألّ يَقُولُوا علـى اللّ ِه إلّ الـ َ‬
‫خذْ عَلَـ ْي ِهمْ مِيثاقُ الكِتا ِ‬
‫عبـاس‪ :‬ألَـمْ يُؤ َ‬
‫يوجبون علـى ال من غفران ذنوبهم التـي ل يزالون يعودون فـيها ول يتوبون منها‪.‬‬
‫وأما قوله‪َ :‬ودَ َرسُوا ما فِـي ِه فإنه معطوف علـى قوله‪َ :‬و ِرثُوا الكِتابَ ومعناه‪ :‬فخـلف من‬
‫بعدهم خـلف ورثوا الكتاب‪ ,‬ودرسوا ما فـيه‪ .‬ويعنـي بقوله‪َ :‬و َدرَسُوا ما فِـيهِ قرءوا ما‬
‫فـيه‪ .‬يقول‪ :‬ورثوا الكتاب فعلـموا ما فـيه ودرسوه‪ ,‬فضيعوه وتركوا العمل به‪ ,‬وخالفوا‬
‫عهد ال إلـيهم فـي ذلك‪ .‬كما‪:‬‬

‫‪11979‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬ودَ َرسُوا ما‬
‫فِـي ِه قال‪ :‬علـموه وعلـموا ما فـي الكتاب الذي ذكر ال وقرأ‪ :‬بِـمَا ُك ْنتُـمْ ُتعَلّـمُونَ‬
‫الكِتابَ َوبِـمَا ُك ْنتُـمْ َتدْ ُرسُونَ‪.‬‬
‫ن َيتّقُونَ يقول جلّ ثناؤه‪ :‬وما فـي الدار الَخرة‪ ,‬وهو ما فـي‬
‫خيْرٌ لّلذِي َ‬
‫خرَ ُة َ‬
‫لِ‬
‫والدّارُ ا َ‬
‫الـمعاد عند ال مـما أع ّد لولـيائه والعاملـين بـما أنزل فـي كتابه الـمـحافظين علـى‬
‫حدوده‪ ,‬خير للذين يتقون ال ويخافون عقابه‪ ,‬فـيراقبونه فـي أمره ونهيه‪ ,‬ويطيعونه فـي‬
‫ذلك كله فـي دنـياهم‪ .‬أفَل َتعْقِلونَ يقول‪ :‬أفل يعقل هؤلء الذين يأخذون عرض هذا الدنى‬
‫علـى أحكامهم‪ ,‬ويقولون سيغفر لنا‪ ,‬أن ما عند ال فـي الدار الَخرة للـمتقـين العادلـين‬
‫بـين الناس فـي أحكامهم‪ ,‬خير من هذا العرض القلـيـل الذي يستعجلونه فـي الدنـيا‬
‫علـى خلف أمر ال والقضاء بـين الناس بـالـجوار؟‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪170‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ل نُضِيعُ‬
‫ن بِا ْل ِكتَابِ وََأقَامُواْ الصّلَ َة ِإنّا َ‬
‫سكُو َ‬
‫ن ُي َم ّ‬
‫{وَاّلذِي َ‬

‫جرَ ا ْل ُمصْلِحِينَ }‪..‬‬
‫َأ ْ‬
‫سكُونَ» بتـخفـيف الـميـم‬
‫واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك‪ ,‬فقرأه بعضهم‪« :‬يُـ ْم ِ‬
‫وتسكينها‪ ,‬من أمسك يـمسك‪ .‬وقرأه آخرون‪ :‬يُـ َمسّكُونَ بفتـح الـميـم وتشديد السين‪ ,‬من‬
‫مسّك يـمسّك‪ .‬ويعنـي بذلك‪ :‬والذين يعملون بـما فـي كتاب ال‪ ,‬وأقاموا الصلة بحدودها‪,‬‬
‫ن يقول تعالـى ذكره‪ :‬فمن فعل ذلك من‬
‫ولـم يضيعوا أوقاتها إنّا ل ُنضِي ُع أجْ َر الـمُصْلِـحِي َ‬
‫خـلقـي‪ ,‬فإنـي ل أضيع أجر عمله الصالـح‪ .‬كما‪:‬‬
‫سكُونَ‬
‫ن يُـ َم ّ‬
‫‪11980‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ :‬وَاّلذِي َ‬
‫بـالكِتابِ قال‪ :‬كتاب ال الذي جاء به موسى صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪11981‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬قال‬
‫جرَ‬
‫ب من يهود أو نصارى إنّا ل ُنضِيعُ أ ْ‬
‫ن بـالكِتا ِ‬
‫سكُو َ‬
‫ن يُـمَ ّ‬
‫مـجاهد‪ ,‬قوله‪ :‬واّلذِي َ‬
‫الـمُصْلِـحِينَ‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪171‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ظنّوَاْ َأنّ ُه وَاقِعٌ ِبهِمْ‬
‫جبَلَ فَ ْو َق ُهمْ َكَأنّهُ ظُّلةٌ َو َ‬
‫{وَإِذ َنتَ ْقنَا ا ْل َ‬

‫خذُواْ مَآ آ َت ْينَاكُم بِ ُقوّةٍ وَا ْذ ُكرُو ْا مَا فِيهِ َلعَّل ُكمْ َتتّقُونَ }‪..‬‬
‫ُ‬
‫يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬واذكر يا مـحمد إذ اقتلعنا‬
‫الـجبل‪ ,‬فرفعناه فوق بنـي إسرائيـل‪ ,‬كأنه ظلة غمام من الظلم‪ ,‬وقلنا لهم‪ :‬خذوا ما‬
‫آتـيناكم بقوّة من فرائضنا‪ ,‬وألزمناكم من أحكام كتابنا‪ ,‬فـاقبلوه‪ ,‬واعملوا بـاجتهاد منكم فـي‬

‫أدائه من غير تقصير ول توان‪ .‬وا ْذ ُكرُوا ما فِـي ِه يقول ما فـي كتابنا من العهود‬
‫والـمواثـيق التـي أخذنا علـيكم بـالعمل بـما فـيه‪َ .‬لعَّل ُكمْ َتتّقُونَ يقول‪ :‬كي تتقوا ربكم‪,‬‬
‫فتـخافوا عقابه بترككم العمل به إذا ذكرتـم ما أخذ علـيكم فـيه من الـمواثـيق‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪11982‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫ل فَ ْوقَ ُهمْ كأنّ ُه ظُلّةٌ فقال لهم موسى‪ :‬خذوا‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذْ َنتَقْنا الـجَبَ َ‬
‫ما آتـيناكم بقوّة يقول‪ :‬من العمل بـالكتاب وإل خرّ علـيكم الـجبل‪ ,‬فأهلككم فقالوا‪ :‬بل نأخذ‬
‫ما آتانا ال بقوّة ثم نكثوا بعد ذلك‪.‬‬
‫‪11983‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‬
‫جبَلَ فَ ْو َقهُمْ كأنّ ُه ظُلّ ٌة فهو قوله‪َ :‬ورَ َفعْنا فَ ْو َق ُهمُ الطّورَ‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَإ ْذ َنتَقْنا الـ َ‬
‫خذُوا مَا آتَـيْنَا ُكمْ بِقُ ّوةٍ‪ ,‬وإل أرسلته علـيكم‪.‬‬
‫بِـمِيثاقِ ِهمْ فقال‪ُ :‬‬
‫‪11984‬ـ حدثنـي إسحاق بن شاهين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا خالد بن عبد ال‪ ,‬عن داود‪ ,‬عن عامر‪ ,‬عن‬
‫ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬إنـي لعلـمُ خـلق ال ليّ شيء سجدت الـيهود علـى حرف‬
‫وجوههم‪ ,‬لـما رفع الـجبل فوقهم سجدوا وجعلوا ينظرون إلـى الـجبل مخافة أن يقع‬
‫علـيهم‪ ,‬قال‪ :‬فكانت سجدة رضيها ال‪ ,‬فـاتـخذوها سنة‪.‬‬
‫حدثنا مـحمد بن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا داود‪ ,‬عن عامر‪ ,‬عن ابن‬
‫عبـاس‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪11985‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذْ َنتَقْنا‬
‫خذُوا ما آتَـيْنا ُكمْ بِ ُقوّةٍ‪ :‬أي بجدّ‪ .‬وا ْذ ُكرُوا ما‬
‫ظنّوا أنّهُ وَاقِعٌ ِب ِهمْ ُ‬
‫جبَلَ فَ ْو َقهُمْ كأنّ ُه ظُلّةٌ َو َ‬
‫الـ َ‬
‫ن أمري‪ ,‬أو‬
‫فِـي ِه َلعَّل ُكمْ َتتّقُونَ جبل نزعه ال من أصله ثم جعله فوق رءوسهم‪ ,‬فقال‪ :‬لتأخذ ّ‬
‫لرمينّكم به‬
‫‪11986‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن جريج‪ ,‬قال‬
‫ل قال‪ :‬كما تنتق الزّبدة‪ .‬قال ابن جريج‪ :‬كانوا أبوا التوراة أن يقبلوها‬
‫مـجاهد‪ :‬وَإذْ َنتَقْنا الـجَبَ َ‬
‫ن بـالتوراة ولتقبلنها‪ ,‬أو لـيقعن‬
‫خذُوا ما آتَـيْناكُمْ ِبقُ ّوةٍ قال‪ :‬يقول‪ :‬لتؤمن ّ‬
‫أو يؤمنوا بها‪ُ .‬‬
‫علـيكم‬
‫‪11987‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن أبـي بكر بن عبد ال‪,‬‬
‫قال‪ :‬هذا كتاب ال أتقبلونه بـما فـيه‪ ,‬فإن فـيه بـيان ما أحلّ لكم وما حرّم علـيكم وما‬
‫أمركم وما نهاكم‪ .‬قالوا‪ :‬انشر علـينا ما فـيها‪ ,‬فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها خفـيفة‬
‫قبلناها قال‪ :‬اقبلوها بـما فـيها قالوا‪ :‬ل‪ ,‬حتـى نعلـم ما فـيها كيف حدودها وفرائضها‪.‬‬
‫فراجعوا موسى مرارا‪ ,‬فأوحى ال إلـى الـجبل‪ ,‬فـانقلع فـارتفع فـي السماء حتـى إذا‬

‫كان بـين رءوسهم وبـين السماء قال لهم موسى‪ :‬أل ترون ما يقول ربـي؟ لئن لـم تقبلوا‬
‫التوراة بـما فـيها لرمينكم بهذا الـجبل قال‪ :‬فحدثنـي الـحسن البصري‪ ,‬قال‪ :‬لـما‬
‫نظروا إلـى الـجبل خرّ كلّ رجل ساجدا علـى حاجبه اليسر‪ ,‬ونظر بعينه الـيـمنى إلـى‬
‫الـجبل‪ ,‬فرَقا من أن يسقط علـيه فلذلك لـيس فـي الرض يهوديّ يسجد إل علـى حاجبه‬
‫شرَ اللواح‬
‫اليسر‪ ,‬يقولون‪ :‬هذه السجدة التـي رفُعت عنا بها العقوبة‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬فلـما ن َ‬
‫فـيها كتاب ال كتبه بـيده‪ ,‬لـم يبق علـى وجه الرض جبل ول شجر ول حجر إل اهتزّ‪,‬‬
‫فلـيس الـيوم يهوديّ علـى وجه الرض صغير ول كبـير تقرأ علـيه التوراة إل اهتزّ‬
‫ونغض لها رأسه‪.‬‬
‫واختلف أهل العلـم بكلم العرب فـي معنى قوله‪َ :‬نتَقْنا فقال بعض البصريـين‪ :‬معنى‬
‫نتقنا‪ :‬رفعنا واستشهد بقول العجّاج‪:‬‬
‫َي ْنتُقُ أقْتادَ الشّلِـيـلِ َنتْقا‬
‫وقال‪ :‬يعنـي بقوله‪« :‬ينتق» يرفعها عن ظهره‪ .‬وبقول الَخر‪:‬‬
‫َو َنتَقُوا أحْلمَنا الثاقِل‬
‫ل شيء قلعته من‬
‫وقد حُكي عن قائل هذه الـمقالة قول آخر‪ ,‬وهو أن أصل النتق والنتوق ك ّ‬
‫موضعه فرميت به‪ ,‬يقال منه‪ :‬نتقت نتقا‪ .‬قال‪ :‬ولهذا قـيـل للـمرأة الكبـيرة ناتق لنها‬
‫ترمي بأولدها رميا‪ ,‬واستشهد ببـيت النابغة‪:‬‬
‫ن ال ِغذَاءِ وُأ ّم ُه ْمدَحَقَتْ عَلَـ ْيكَ بِناتقٍ ِمذْكارِ‬
‫حسْ َ‬
‫ح َرمُوا ُ‬
‫لَـمْ ُي ْ‬
‫وقال آخر‪ :‬معناه فـي هذا الـموضع‪ :‬رفعناه‪ .‬وقال‪ :‬قالوا‪ :‬نتقنـي السير‪ :‬حرّكنـي‪.‬‬
‫وقال‪ :‬قالوا‪ :‬ما نتق برجله ل يركض‪ ,‬والنتق‪ :‬نتق الدابة صاحبها حين تعدو به وتتعبه حتـى‬
‫يربو‪ ,‬فذلك النتق والنتوق‪ ,‬ونتقتنـي الدابة‪ ,‬ونتقت الـمرأة تنتق نتوقا‪ :‬كثر ولدها‪ .‬وقال بعض‬
‫الكوفـيـين‪ :‬نتقنا الـجبل‪ :‬علقنا الـجبل فوقهم فرفعناه ننتقه نتقا‪ ,‬وامرأة منتاق‪ :‬كثـيرة‬
‫الولد‪ ,‬قال‪ :‬وسمعت أخذ الـجراب و َن َتقَ ما فـيه‪ :‬إذا نثر ما فـيه‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪172‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ي آ َدمَ مِن ظُهُورِ ِهمْ ُذ ّر ّي َتهُمْ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِن َبنِ َ‬
‫{وَِإ ْذ َأ َ‬

‫ن هَـذَا‬
‫ش ِه ْدنَآ أَن تَقُولُو ْا يَ ْومَ الْ ِقيَامَ ِة ِإنّا ُكنّا عَ ْ‬
‫ت ِبرَ ّب ُكمْ قَالُواْ بََلىَ َ‬
‫س ِهمْ أََلسْ َ‬
‫ش َهدَ ُهمْ عََلىَ أَن ُف ِ‬
‫وََأ ْ‬
‫غَافِلِينَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬واذكر يا مـحمد ربك إذ‬
‫استـخرج ولد آدم من أصلب آبـائهم‪ ,‬فقرّرهم بتوحيده‪ ,‬وأشهد بعضهم علـى بعض‬
‫شهادتهم بذلك‪ ,‬وإقرارهم به‪ .‬كما‪:‬‬

‫‪11988‬ـ حدثنـي أحمد بن مـحمد الطوسي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين بن مـحمد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫جرير بن حازم‪ ,‬عن كلثوم بن جبـير‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬عن النبـيّ‬
‫ظ ْهرِ آ َدمَ ِب َنعْمانَ» يعنـي عرفة «فَأخْرَجَ‬
‫خذَ الّلهُ الـمِيثاقَ مِنْ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ,‬قال‪« :‬أ َ‬
‫ن َي َديْهِ كال ّذرّ‪ُ ,‬ثمّ كَلّـ َمهُمْ َفتَل فَقالَ‪ :‬أَلسْتُ ِب َر ّبكُمْ؟ قالُوا‬
‫ن صُلْبِ ِه كُلّ ُذ ّريّ ٍة ذَرأها‪َ ,‬فنَثرَهُمْ بَـي َ‬
‫مِ ْ‬
‫ل الـم ْبطِلونَ»‪.‬‬
‫ن تَقُولُوا‪ ...‬الَية إلـى ما فَعَ َ‬
‫ش ِهدْنا أ ْ‬
‫بَلـى َ‬
‫‪11989‬ـ حدثنا عمران بن موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الوارث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا كلثوم بن جبر‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ظهُورِ ِهمْ ذُ ّريّا ِتهِ ْم قال‪ :‬سألت‬
‫ن ُ‬
‫خ َذ َربّكَ ِمنْ َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫سألت سعيد بن جبـير عن قوله‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫عنها ابن عبـاس‪ ,‬فقال‪ :‬مسح ربك ظهر آدم‪ ,‬فخرجت كلّ نسمة هو خالقها إلـى يوم‬
‫القـيامة بنعمان هذا‪ ,‬وأشار بـيده‪ ,‬فأخذ مواثـيقهم‪ ,‬وأشهدهم علـى أنفسهم أَلسْتُ ِب َر ّبكُمْ قالُوا‬
‫بَلـى‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع ويعقوب قال‪ :‬حدثنا ابن علـية‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا كلثوم بن جبر‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫ظهُورِهِمْ ُذ ّريّا ِتهِمْ‬
‫ن ُ‬
‫خذَ َر ّبكَ ِمنْ َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫ش ِهدْنا قال‪ :‬مسح ربك ظهر آدم‪ ,‬فخرجت كلّ‬
‫س ِهمْ أَلسْتُ ِب َر ّب ُكمْ قالُوا بَلـى َ‬
‫ش َهدَ ُهمْ علـى أنْ ُف ِ‬
‫وأ ْ‬
‫نسمة هو خالقها إلـى يوم القـيامة بنعمان هذا الذي وراء عرفة‪ ,‬وأخذ ميثاقهم أَلسْتُ ِب َر ّب ُكمْ‬
‫ش ِهدْنا اللفظ لـحديث يعقوب‪.‬‬
‫قالُوا بَلـى َ‬
‫‪11990‬ـ وحدثنـي يعقوب قال‪ :‬حدثنا ابن علـية‪ ,‬قال ربـيعة بن كلثوم‪ ,‬عن أبـيه فـي‬
‫عنْ َهذَا غافِلِـينَ‪.‬‬
‫ن تَقُولُوا يَ ْومَ القِـيامَ ِة إنّا ُكنّا َ‬
‫ش ِهدْنا أ ْ‬
‫هذا الـحديث‪ :‬قالُوا بَلـى َ‬
‫حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمران بن عيـينة‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عطاء بن السائب‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬أوّل ما أهبط ال آدم‪ ,‬أهبطه بدجنـي‪ ,‬أرض بـالهند‪ ,‬فمسح‬
‫ل نسمة هو بـارئها إلـى أن تقوم الساعة‪ ,‬ثم أخذ علـيهم الـميثاق‪:‬‬
‫ال ظهره‪ ,‬فأخرج منه ك ّ‬
‫ن َهذَا‬
‫ش ِهدْنا أنْ تَقُولُوا يَ ْو َم القِـيامَ ِة إنّا ُكنّا عَ ْ‬
‫س ِهمْ أَلسْتُ ِب َر ّب ُكمْ قالُوا بَلـى َ‬
‫ش َهدَ ُهمْ علـى أنْ ُف ِ‬
‫وأ ْ‬
‫غافِلِـينَ‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمران بن عيـينة‪ ,‬عن عطاء‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ ,‬عن ابن‬
‫عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬أُهبِط آدم حين أهبط‪ ,‬فمسح ال ظهره‪ ,‬فأخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلـى‬
‫خ َذ رَ ّبكَ ِمنْ َبنِـي آ َدمَ مِنْ‬
‫يوم القـيامة‪ ,‬ثم قال أَلسْتُ ِب َر ّب ُكمْ قالُوا بَلـى‪ ,‬ثم تل‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫ظهُورِهِمْ ُذ ّريّا ِتهِمْ فجفّ القلـم من يومئذ بـما هو كائن إلـى يوم القـيامة‪.‬‬
‫ُ‬
‫‪11991‬ـ حدثنا أبو كريب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن عيسى‪ ,‬عن العمش‪ ,‬عن حبـيب بن أبـي‬
‫ظهُورِ ِهمْ‬
‫ن َبنِـي آ َد َم مِنْ ُ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫ثابت‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫ُذرّيّا ِت ِهمْ قال‪ :‬لـما خـلق ال آدم‪ ,‬أخذ ذرّيته من ظهره مثل الذرّ‪ ,‬فقبض قبضتـين‪ ,‬فقال‬
‫لصحاب الـيـمين ادخـلوا الـجنة بسلم‪ ,‬وقال للَخرين‪ :‬ادخـلوا النار ول أبـالـي‪.‬‬

‫‪11992‬ـ حدثنا ابن وكيع‪,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن العمش‪ ,‬عن حبـيب‪ ,‬عن ابن عبـاس‪,‬‬
‫قال‪ :‬مسح ال ظهر آدم‪ ,‬فأخرج ك ّل طيب فـي يـمينه‪ ,‬وأخرج كلّ خبـيث فـي الخرى‪.‬‬
‫حدثنا أبو كريب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن علـية‪ ,‬عن شريك‪ ,‬عن عطاء‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ ,‬عن‬
‫ابن عبـاس قال‪ :‬مسح ال ظهر آدم‪ ,‬فـاستـخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلـى يوم‬
‫القـيامة‪.‬‬
‫حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حكام‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو بن أبـي قـيس‪ ,‬عن عطاء‪ ,‬عن‬
‫ن ظُهُورِ ِهمْ ُذ ّريّاتِ ِهمْ قال‪ :‬لـما خـلق‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫سعيد‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫ال آدم مسح ظهره بدجنـي‪ ,‬وأخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلـى يوم القـيامة‪ ,‬فقال‪:‬‬
‫أَلسْتُ ِب َر ّبكُمْ قالُوا بَلـى قال‪ :‬فـيرون يومئذ جفّ القلـم بـما هو كائن إلـى يوم القـيامة‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن الـمسعودي‪ ,‬عن علـيّ بن بذيـمة‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬لـما خـلق ال آدم علـيه السلم أخذ ميثاقه‪ ,‬فمسح ظهره‪,‬‬
‫فأخذ ذرّيته كهيئة الذرّ‪ ,‬فكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم‪ ,‬وأشهدهم علـى أنفسهم أَلسْتُ‬
‫ِبرَ ّب ُكمْ قالُوا بَلـى‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا يزيد بن هارون‪ ,‬عن الـمسعودي‪ ,‬عن علـيّ بن بذيـمة‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫ظهُورِ ِهمْ ُذ ّريّا ِت ِهمْ قال‪ :‬لـما خـلق‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ ِمنْ ُ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬وَإ ْذ أ َ‬
‫ال آدم‪ ,‬أخذ ميثاقه أنه ربه‪ ,‬وكتب أجله ومصائبه‪ ,‬واستـخرج ذرّيته كالذرّ‪ ,‬وأخذ ميثاقهم‪,‬‬
‫وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن ربـيعة بن كلثوم بن جبر‪ ,‬عن أبـيه سعيد بن‬
‫ظهُورِهِمْ ُذ ّريّا ِتهِمْ‬
‫ن ُ‬
‫خذَ َر ّبكَ ِمنْ َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫ش َهدَ ُهمْ عَلـى أنْفُس ِهمْ قال‪ :‬مسح ال ظهر آدم علـيه السلم وهو ببطن نعمان‪ ,‬واد إلـى‬
‫وأ ْ‬
‫ت ِب َربّ ُكمْ قالُوا‬
‫جنب عرفة‪ ,‬وأخرج ذرّيته من ظهره كهيئة الذرّ‪ ,‬ثم أشهدهم علـى أنفسهم أَلسْ ُ‬
‫ش ِهدْنا‪.‬‬
‫بَلـى َ‬
‫ضبَعي‪ ,‬عن ابن عبـاس‪,‬‬
‫‪11993‬ـ قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن أبـي هلل‪ ,‬عن أبـي حمزة ال ّ‬
‫قال‪ :‬أخرج ال ذرّية آدم علـيه السلم من ظهره كهيئة الذرّ‪ ,‬وهو فـي آذيّ من الـماء‪.‬‬
‫‪11994‬ـ حدثنـي علـيّ بن سهل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ضمرة بن ربـيعة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو مسعود‪,‬‬
‫عن جويبر‪ ,‬قال‪ :‬مات ابن للضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام‪ ,‬قال‪ :‬فقال‪ :‬يا جابر إذا أنت‬
‫وضعت ابنـي فـي لـحده‪ ,‬فأبرز وجهه‪ ,‬وحلّ عنه عقْده‪ ,‬فإن ابنـي مُـجْلَس ومسؤول‬
‫ففعلت به الذي أمرنـي‪ ,‬فلـما فرغت‪ ,‬قلت‪ :‬يرحمك ال‪ ,‬ع ّم يُسئل ابنك؟ قال‪ :‬يُسأل عن‬
‫الـميثاق الذي أق ّر به فـي صلب آدم علـيه السلم‪ .‬قلت‪ :‬يا أبـا القاسم‪ ,‬وما هذا الـميثاق‬
‫الذي أقرّ به فـي صلب آدم؟ قال‪ :‬ثنـي ابن عبـاس أن ال مسح صلب آدم‪ ,‬فـاستـخرج‬

‫ل نسمة هو خالقها إلـى يوم القـيامة‪ ,‬وأخذ منهم الـميثاق أن يعبدوه‪ ,‬ول يشركوا به‬
‫منه ك ّ‬
‫شيئا‪ ,‬فلن تقوم الساعة حتـى يولد من أعطَى الـميثاق يومئذ‪ ,‬فمن أدرك منهم الـميثاق‬
‫الَخر فوفـى به نفعه الـميثاق الوّل‪ ,‬ومن أدرك الـميثاق الَخر فلـم يف به لـم ينفعه‬
‫الـميثاق الوّل‪ ,‬ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الـميثاق الَخر مات علـى الـميثاق الوّل‬
‫علـى الفطرة‪.‬‬
‫‪11995‬ـ حدثنـي يونس بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنـي السريّ بن‬
‫يحيى‪ ,‬أن الـحسن بن أبـي الـحسن‪ ,‬حدثهم عن السود بن سريع من بنـي سعد‪ ,‬قال‪:‬‬
‫غزوت مع رسول ال صلى ال عليه وسلم أربع غزوات‪ ,‬قال‪ :‬فتناول القوم الذرية بعد ما‬
‫قتلوا الـمقاتلة‪ ,‬فبلغ ذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬فـاشتدّ علـيه‪ ,‬ثم قال‪« :‬ما بـالُ‬
‫أقْوَامٍ َيتَناوَلُونَ ال ّذ ّريّة؟» فقال رجل‪ :‬يا رسول ال‪ ,‬ألـيسوا أبناء الـمشركين؟ فقال‪« :‬إنّ‬
‫طرَة‪َ ,‬فمَا َتزَالُ‬
‫ت علـى ال ِف ْ‬
‫سمَ ٌة تُوَلدُ إلّ وُِلدَ ْ‬
‫خِيا َر ُكمْ أوْل ُد الـمُشْركِينَ‪ ,‬ألّ إنّها لَـ ْيسَتْ َن َ‬
‫عنْها لِسانُها‪ ,‬فأبَوَاها ُيهَ ّودَانِها أ ْو ُي َنصّرَانِها»‪ .‬قال الـحسن‪ :‬وال لقد قال‬
‫عَلَـيْها حتـى َيبِـينَ َ‬
‫ظهُورِهِمْ ُذ ّريّا ِتهِمْ‪.‬‬
‫ن ُ‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫ال ذلك فـي كتابه‪ ,‬قال‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫‪11996‬ـ حدثنا عبد الرحمن بن الولـيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن أبـي طيبة‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن‬
‫سعيد‪ ,‬عن الجلـح‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬وعن منصور‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬عن عبد ال بن عمرو‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ظهُورِ ِهمْ ذُ ّريّا ِتهِ ْم قال‪:‬‬
‫ن ُ‬
‫خ َذ َربّكَ ِمنْ َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫ت ِبرَ ّب ُكمْ؟ قالُوا بَلـى‪ ,‬قالَتِ‬
‫ن الرأس‪ ,‬فَقالَ َل ُهمْ أَلسْ ُ‬
‫شطِ مِ َ‬
‫خذُ بـالـمِ ْ‬
‫ن ظَهْره كمَا يُ ْؤ َ‬
‫خذُوا مِ ْ‬
‫«أ ِ‬
‫عنْ َهذَا غافِلِـينَ»‪.‬‬
‫ن تَقُولُوا َي ْومَ القِـيامَةِ إنّا ُكنّا َ‬
‫ش ِهدْنا أ ْ‬
‫الـمَل ِئكَةُ‪َ :‬‬
‫‪11997‬ـ حدثنا ابن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن سعيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن‬
‫ظهُورِ ِهمْ‬
‫ن َبنِـي آ َد َم مِنْ ُ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫مـجاهد‪ ,‬عن عبد ال بن عمرو‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫ُذرّيّا ِت ِهمْ قال‪ :‬أخذهم كما يأخذ الـمشط من الرأس‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع وابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬عن عبد ال بن‬
‫ظهُورِ ِهمْ ُذ ّريّا ِت ِهمْ قال‪ :‬أخذهم كما يأخذ الـمشط عن‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ ِمنْ ُ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫عمرو‪ :‬وَإ ْذ أ َ‬
‫الرأس‪ .‬قال ابن حميد‪ :‬كما يؤخذ بـالـمشط‪.‬‬
‫‪11998‬ـ حدثنا إبراهيـم بن سعيد الـجوهري‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا روح بن عبـادة‪ ,‬وسعد بن عبد‬
‫الـحميد بن جعفر بن مالك بن أنس‪ ,‬عن زيد بن أبـي أنـيسة‪ ,‬عن عبد الـحميد بن عبد‬
‫الرحمن بن زيد بن الـخطاب‪ ,‬عن مسلـم بن يسار الـجهنـي‪ :‬أن عمر بن الـخطاب سئل‬
‫ظهُورِ ِهمْ فقال عمر‪ :‬سمعت رسول ال صلى‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ ِمنْ ُ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫عن هذه الَية‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫خرَجَ ِمنْ ُه ُذ ّريّةً‪,‬‬
‫ستَـ ْ‬
‫ظ ْهرَهُ بِـيَـمينِ ِه فـا ْ‬
‫ن اللّ َه خَـلَقَ آ َد َم ُثمّ َمسَحَ َ‬
‫ال عليه وسلم يقول‪« :‬إ ّ‬
‫ستَـخْرَجَ ِم ْنهُ‬
‫ظ ْهرَهُ فـا ْ‬
‫جنّةِ َي ْعمَلُونَ‪ُ .‬ث ّم َمسَحَ َ‬
‫جنّة‪َ ,‬و ِب َعمَل أهْل الـ َ‬
‫ت هَؤُل ِء للْـ َ‬
‫فَقالَ‪ :‬خَـلَقْ ُ‬

‫ُذرّيّةً‪ ,‬فَقالَ‪ :‬خَـلَقْتُ َهؤُلءِ للنّارِ‪َ ,‬و ِب َعمَلِ أهْلِ النّارِ َي ْعمَلُونَ»‪ .‬فقال رجل‪ :‬يا رسول ال‬
‫ل الـجَنّ ِة حتـى‬
‫س َت ْعمَلَ ُه َبعَملِ أهْ ِ‬
‫جنّةَ ا ْ‬
‫ن اللّ َه إذَا خَـَلقَ ال َع ْبدَ للْـ َ‬
‫ففـيـم العمل؟ قال‪« :‬إ ّ‬
‫س َت ْعمَلَهُ‬
‫جنّةَ وإذَا خَـَلقَ ال َع ْبدَ للنّارِ ا ْ‬
‫جنّة فَـ ُيدْخِـلَ ُه الـ َ‬
‫ل الـ َ‬
‫عمَلِ أهْ ِ‬
‫ل مِنْ َ‬
‫عمَ ٍ‬
‫يَـمُوتَ علـى َ‬
‫ل أهْلِ النّارِ فَـيُ ْدخِـلَهُ النّار»‪.‬‬
‫عمَ ِ‬
‫ل مِنْ َ‬
‫عمَ ٍ‬
‫ت علـى َ‬
‫ل النّارِ حتـى يَـمُو َ‬
‫ِب َعمَلِ أهْ ِ‬
‫حدثنا إبراهيـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن الـمصفـي‪ ,‬عن بقـية عن عمرو بن جعثم‬
‫القرشي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي زيد بن أبـي أنـيسة‪ ,‬عن عبد الـحميد بن عبد الرحمن‪ ,‬عن مسلـم بن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‪ ,‬بنـحوه‪.‬‬
‫يسار‪ ,‬عن نعيـم بن ربـيعة‪ ,‬عن عمر‪ ,‬عن النبـ ّ‬
‫‪11999‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حكام‪ ,‬عن عنبسة‪ ,‬عن عمارة‪ ,‬عن أبـي مـحمد رجل‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ ِمنْ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫من الـمدينة‪ ,‬قال‪ :‬سألت عمر بن الـخطاب عن قوله‪ :‬وَإ ْذ أ َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم عنه كما سألتنـي‪ ,‬فقال‪« :‬خَـلَقَ‬
‫ظهُورِهِمْ ُذ ّريّا ِتهِمْ قال‪ :‬سألت النبـ ّ‬
‫ُ‬
‫خرَجَ َذرْأً‪,‬‬
‫ظ ْهرَهُ بِـ َيدِ ِه الـيُـ ْمنَى‪ ,‬فَأ ْ‬
‫ن رُوحِهِ‪ُ ,‬ثمّ أجَْلسَهُ َف َمسَحَ َ‬
‫خ فِـي ِه مِ ْ‬
‫اللّ ُه آ َدمَ بِـ َيدِهِ‪َ ,‬ونَفَ َ‬
‫خرَى‪ ,‬وكِلْتا َي َديْ ِه يَـمِينٌ‪ ,‬فَقالَ‪َ :‬ذرْءٌ‬
‫لْ‬
‫ظهْرَ ُه بِـيَدِ ِه ا ُ‬
‫ح َ‬
‫جنّةِ‪ُ ,‬ثمّ َمسَ َ‬
‫فقال‪َ :‬ذرْءٌ ذَر ْأ ُت ُهمْ للْـ َ‬
‫ختِـمُ َل ُهمْ بِأسْوإ أعْماِل ِهمْ َفُأدْخِـُل ُهمْ النّارِ»‪.‬‬
‫عمَلٍ‪ُ ,‬ثمّ أ ْ‬
‫شئْتَ مِنْ َ‬
‫ن فِـيـما ِ‬
‫َذرَأ ُت ُهمْ للنّارِ‪َ ,‬ي ْعمَلُو َ‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن‬
‫ن ظُهُورِ ِهمْ ُذ ّريّاتِ ِهمْ قال‪ :‬إن ال خـلق آدم‪,‬‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫ثم أخرج ذرّيته من صلبه مثل الذرّ‪ ,‬فقال لهم‪ :‬من ربكم؟ قالوا‪ :‬ال ربنا‪ ,‬ثم أعادهم فـي‬
‫ل من أخذ ميثاقه ل يزاد فـيهم ول ينقص منهم إلـى أن تقوم الساعة‪.‬‬
‫صلبه‪ ,‬حتـى يولد ك ّ‬
‫‪12000‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫ظهُورِهِ ْم ذُ ّريّا ِتهِمْ‪ ...‬إلـى‬
‫ن ُ‬
‫خ َذ رَ ّبكَ ِمنْ َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫ش ِهدْنا قال ابن عبـاس‪ :‬إن ال لـمّا خـلق آدم مسح ظهره‪ ,‬وأخرج ذرّيته‬
‫قوله‪ :‬قالُوا بَلـى َ‬
‫كلهم كهيئة الذرّ‪ ,‬فأنطقهم فتكلـموا‪ ,‬وأشهدهم علـى أنفسهم‪ ,‬وجعل مع بعضهم النور‪ ,‬وإنه‬
‫قال لَدم‪ :‬هؤلء ذرّيتك آخذ علـيهم الـميثاق‪ ,‬أنا ربهم‪ ,‬لئل يشركوا بـي شيئا‪ ,‬وعلـيّ‬
‫ب كم كتبت له من‬
‫رزقهم‪ .‬قال آدم‪ :‬فمن هذا الذي معه النور؟ قال‪ :‬هو داود‪ .‬قال‪ :‬يا ر ّ‬
‫الجل؟ قال‪ :‬ستـين سنة‪ .‬قال‪ :‬كم كتبت لـي؟ قال‪ :‬ألف سنة‪ ,‬وقد كتبت لكلّ إنسان منهم كم‬
‫يعمّر وكم يـلبث‪ .‬قال‪ :‬يا ربّ زده قال‪ :‬هذا الكتاب موضوع فأعطه إن شئت من عمرك‪.‬‬
‫قال‪ :‬نعم‪ .‬وقد جفّ القلـم عن أجل سائر بنـي آدم‪ ,‬فكتب له من أجَل آدم أربعين سنة‪ ,‬فصار‬
‫أجله مائة سنة‪ .‬فلـما عمر تسع مئة سنة وستـين جاءه ملك الـموت فلـما رآه آدم‪ ,‬قال‪ :‬ما‬
‫لك؟ قال له‪ :‬قد استوفـيت أجلك‪ .‬قال له آدم‪ :‬إنـما عمرت تسع مائة وستـين سنة‪ ,‬وبقـي‬
‫أربعون سنة‪ .‬قال‪ :‬فلـما قال ذلك للـمَلك‪ ,‬قال الـملك‪ :‬قد أخبرنـي بها ربـي‪ .‬قال‪:‬‬
‫فـارجع إلـى ربك فـاسأله فرجع الـملك إلـى ربه‪ ,‬فقال‪ :‬ما لك؟ قال‪ :‬يا ربّ رجعت‬

‫إلـيك لـما كنت أعلـم من تكرمتك إياه‪ .‬قال ال‪ :‬ارجع فأخبره أنه قد أعطى ابنه داود‬
‫أربعين سنة‬
‫‪12001‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن الزبـير‬
‫بن موسى‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬إن ال تبـارك وتعالـى ضرب‬
‫منكبه اليـمن‪ ,‬فخرجت كلّ نفس مخـلوقة للـجنة بـيضاء نقـية‪ ,‬فقال‪ :‬هؤلء أهل‬
‫الـجنة‪ .‬ثم ضرب منكبه اليسر‪ ,‬فخرجت كلّ نفس مخـلوقة للنار سوداء‪ ,‬فقال‪ :‬هؤلء أهل‬
‫النار‪ .‬ثم أخذ عهودهم علـى اليـمان والـمعرفة له ولمره‪ ,‬والتصديق به وبأمره بنـي آدم‬
‫كلهم‪ ,‬فأشهدهم علـى أنفسهم‪ ,‬فآمنوا وصدّقوا وعرفوا وأقرّوا‪ .‬وبلغنـي أنه أخرجهم علـى‬
‫كفه أمثال الـخردل‪ .‬قال ابن جريج عن مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬إن ال لـما أخرجهم قال‪ :‬يا عبـاد‬
‫ال أجيبوا ال والجابة‪ :‬الطاعة فقالوا‪ :‬أطعنا‪ ,‬اللهمّ أطعنا‪ ,‬اللهمّ أطعنا‪ ,‬اللهمّ لبـيك قال‪:‬‬
‫فأعطاها إبراهيـم علـيه السلم فـي الـمناسك‪ :‬لبـيك اللهمّ لبـيك‪ .‬قال‪ :‬ضرب متن آدم‬
‫حين خـلقه‪ .‬قال‪ :‬وقال ابن عبـاس‪ :‬خـلق آدم‪ ,‬ثم أخرج ذرّيته من ظهره مثل الذرّ‪,‬‬
‫فكلـمهم‪ ,‬ثم أعادهم فـي صلبه‪ ,‬فلـيس أحد إل وقد تكلـم فقال‪ :‬ربـي ال‪ .‬فقال‪ :‬وكلّ‬
‫خـلق خـلق فهو كائن إلـى يوم القـيامة وهي الفطرة التـي فطر الناس علـيها‪ .‬قال ابن‬
‫جريج‪ ,‬قال سعيد بن جبـير‪ :‬أخذ الـميثاق علـيهم بنعَمان ونَعمان من وراء عرفة أن يقولوا‬
‫ن َهذَا غافِلِـينَ عن الـميثاق الذي أخذ علـيهم‪.‬‬
‫يوم القـيامة إنّا ُكنّا عَ ْ‬
‫‪12002‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن أبـي جعفر‪ ,‬عن‬
‫الربـيع‪ ,‬عن أبـي العالـية‪ ,‬عن أبـيّ بن كعب‪ ,‬قال‪ :‬جمعهم يومئذ جميعا ما هو كائن إلـى‬
‫ت بِ َر ّب ُكمْ قالُوا‬
‫س ِهمْ أَلسْ ُ‬
‫ش َهدَ ُهمْ علـى أنْ ُف ِ‬
‫يوم القـيامة‪ ,‬ثم استنطقهم‪ ,‬وأخذ علـيهم الـميثاق وأ ْ‬
‫عنْ َهذَا غافِلِـينَ أوْ تَقُولُوا إنّـمَا أشْ َركَ آبـاؤُنا‬
‫ن تَقُولُوا يَ ْومَ القِـيامَ ِة إنّا ُكنّا َ‬
‫ش ِهدْنا أ ْ‬
‫بَلـى َ‬
‫ل و ُكنّا ُذ ّريّةً ِمنْ َب ْعدِ ِهمْ أ َف ُتهْلِكُنا بِـمَا َفعَلَ الـ ُمبْطِلُونَ؟ قال‪ :‬فإنـي أشهد علـيكم‬
‫ن قَبْ ُ‬
‫مِ ْ‬
‫السموات السبع والرضين السبع‪ ,‬وأشهد علـيكم أبـاكم آدم أن تقولوا يوم القـيامة لـم‬
‫نعلـم بهذا‪ ,‬اعلـموا أنه ل إله غيري‪ ,‬ول ربّ غيري‪ ,‬ول تشركوا بـي شيئا‪ ,‬وسأرسل‬
‫إلـيكم رسلً يذكرونكم عهدي وميثاقـي‪ ,‬وسأنزل علـيكم كتبـي قالوا‪ :‬شهدنا أنك ربنا‬
‫وإلهنا‪ ,‬ل ربّ لنا غيرك‪ ,‬ول إله لنا غيرك‪ .‬فأقرّوا له يومئذ بـالطاعة‪ ,‬ورفع علـيهم أبـاهم‬
‫آدم‪ ,‬فنظر إلـيهم‪ ,‬فرأى منهم الغنـيّ والفقـير‪ ,‬وحسن الصورة‪ ,‬ودون ذلك‪ ,‬فقال‪ :‬ربّ لول‬
‫ب أن أشكر‪ .‬قال‪ :‬وفـيهم النبـياء علـيهم السلم يومئذ مثل‬
‫ساويت بـينهم قال‪ :‬فإنـي أح ّ‬
‫ن مِيثَا َق ُهمْ َو ِم ْنكَ َومِنْ‬
‫خذْنا ِمنَ ال ّنبِـيّـي َ‬
‫السرج‪ .‬وخصّ النبـياء بـميثاق آخر‪ ,‬قال ال‪ :‬وَإ ْذ أ َ‬
‫خذْنا ِم ْن ُهمْ ميثاقا غَلـيظا وهو الذي يقول‬
‫ن َمرْيَـمَ وأ َ‬
‫نُوحٍ وَإ ْبرَاهِيـمَ َومُوسَى وَعِيسَى ابْ ِ‬
‫طرَةَ الّلهِ التـي َفطَرَ النّاسَ عَلَـيْها ل َت ْبدِيـلَ‬
‫حنِـيفـا ف ْ‬
‫ن َ‬
‫ج َهكَ للدّي ِ‬
‫تعالـى ذكره‪ :‬فأ ِقمْ َو ْ‬

‫لِـخَـ ْلقِ الّلهِ وفـي ذلك قال‪َ :‬هذَا َنذِيرٌ ِمنَ ال ّن ُذرِ الولـىَ يقول‪ :‬أخذنا ميثاقه مع النذر‬
‫جدْنا أ ْكثَرَ ُهمْ لَفـاسِقِـينَ‪ُ .‬ثمّ‬
‫ع ْهدٍ وَإنْ َو َ‬
‫ل ْكثَرهِمْ ِمنْ َ‬
‫جدْنا َ‬
‫الولـى‪ ,‬ومن ذلك قوله‪ :‬وَما َو َ‬
‫ن َقبْلُ‬
‫ل إلـى قَ ْو ِم ِهمْ فَجاءُو ُه ْم بـالبَـيّنات فَمَا كانُوا لِـيُ ْؤ ِمنُوا بـمَا َك ّذبُوا مِ ْ‬
‫َب َعثْنا ِمنْ َب ْعدِ ِه ُرسُ ً‬
‫قال‪ :‬كان فـي علـمه يوم أقرّوا به من يصدّق ومن يكذّب‪.‬‬
‫‪12003‬ـ حدثنا ابن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن جعفر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شعبة‪ ,‬عن أبـي بشر‪,‬‬
‫ن ظُهُورِ ِهمْ ُذ ّريّاتِ ِهمْ‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫عن سعيد بن جبـير فـي هذه الَية‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫س ِهمْ أَلسْتُ ِب َر ّب ُكمْ قال‪ :‬أخرجهم من ظهر آدم‪ ,‬وجعل لَدم عمرَ ألف سنة‪,‬‬
‫ش َهدَ ُهمْ علـى أنْ ُف ِ‬
‫وأ ْ‬
‫قال‪ :‬فعُرِضوا علـى آدم‪ ,‬فرأى رجلً من ذرّيته له نور فأعجبه‪ ,‬فسأل عنه‪ ,‬فقال‪ :‬هو داود‪,‬‬
‫قد جعل عمره ستـين سنة‪ ,‬فجعل له من عمره أربعين سنة فلـما احتضر آدم‪ ,‬جعل‬
‫يخاصمهم فـي الربعين سنة‪ ,‬فقـيـل له‪ :‬إنك أعطيتها داود‪ ,‬قال‪ :‬فجعل يخاصمهم‪.‬‬
‫خذَ َر ّبكَ مِنْ‬
‫حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يعقوب‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن سعيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫ظهُورِ ِهمْ ُذ ّريّا ِت ِهمْ قال‪ :‬أخرج ذرّيته من ظهره كهيئة الذرّ‪ ,‬فعرضهم علـى آدم‬
‫َبنِـي آ َدمَ ِمنْ ُ‬
‫بأسمائهم وأسماء آبـائهم وآجالهم‪ ,‬قال‪ :‬فعرض علـيه روح داود فـي نور ساطع‪ ,‬فقال‪ :‬من‬
‫هذا؟ قال‪ :‬هذا من ذرّيتك نبـيّ خـلـيفة‪ ,‬قال‪ :‬كم عمره؟ قال‪ :‬ستون سنة‪ ,‬قال‪ :‬زيدوه من‬
‫عمري أربعين سنة قال‪ :‬والقلم رطبة تـجري‪ .‬فأثبت لداود الربعون‪ ,‬وكان عمر آدم‬
‫علـيه السلم ألف سنة فلـما استكملها إل الربعين سنة‪ ,‬بعث إلـيه ملك الـموت‪ ,‬فقال‪ :‬يا‬
‫آدم أمرت أن أقبضك‪ ,‬قال‪ :‬ألـم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال‪ :‬فرجع ملك الـموت‬
‫إلـى ربه‪ ,‬فقال‪ :‬إن آدم يدّعي من عمره أربعين سنة‪ ,‬قال‪ :‬أخبر آدم أنه جعلها لبنه داود‬
‫والقلم رطبة فأثبتت لداود‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو داود‪ ,‬عن يعقوب‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن سعيد بنـحوه‪.‬‬
‫خذَ َر ّبكَ‬
‫‪12004‬ـ قال‪ :‬حدثنا ابن فضيـل وابن نـمير‪ ,‬عن عبد الـملك‪ ,‬عن عطاء‪ :‬وَإ ْذ أ َ‬
‫ظهُورِ ِهمْ ُذ ّريّا ِت ِهمْ قال‪ :‬أخرجهم من ظهر آدم حتـى أخذ علـيهم الـميثاق‪,‬‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ ِمنْ ُ‬
‫مِ ْ‬
‫ثم ردّهم فـي صلبه‪.‬‬
‫خذَ َر ّبكَ مِنْ‬
‫‪12005‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن نـمير‪ ,‬عن نضر بن عربـي‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫ظهُورِ ِهمْ ُذ ّريّا ِت ِهمْ قال‪ :‬أخرجهم من ظهر آدم حتـى أخذ علـيهم الـميثاق‪ ,‬ثم‬
‫َبنِـي آ َدمَ ِمنْ ُ‬
‫ردّهم فـي صلبه‪.‬‬
‫‪12006‬ـ قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن عبـيد‪ ,‬عن أبـي بسطام‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬قال‪ :‬حيث ذرأ ال‬
‫خـلقه لَدم‪ ,‬قال‪ :‬خـلقهم وأشهدهم علـى أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا‪ :‬بلـى‪.‬‬
‫حُدثت عن الـحسين بن الفرج‪ ,‬قال‪ :‬سمعت أبـا معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبـيد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫ظهُورِهِمْ ُذ ّريّا ِتهِمْ قال‪ :‬قال ابن‬
‫ن ُ‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫الضحاك يقول فـي قوله‪ :‬وَإذْ أ َ‬

‫عبـاس‪ :‬خـلق ال آدم‪ ,‬ثم أخرج ذرّيته من ظهره‪ ,‬فكلـمهم ال وأنطقهم‪ ,‬فقال‪ :‬ألست بربكم؟‬
‫قالوا‪ :‬بلـى‪ ,‬ثم أعادهم فـي صلبه‪ ,‬فلـيس أحد من الـخـلق إل قد تكلـم فقال ربـي ال‪,‬‬
‫وإن القـيامة لن تقوم حتـى يولد من كان يومئذ أشهد علـى نفسه‪.‬‬
‫خذَ‬
‫‪12007‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمر بن طلـحة‪ ,‬عن أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬وَإذْ أ َ‬
‫س ِهمْ أَلسْتُ ِب َر ّبكُ ْم قالُوا بَلـى‬
‫ش َهدَ ُهمْ علـى أنْ ُف ِ‬
‫ظهُورِ ِهمْ ُذرّيّا ِت ِهمْ وأ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ك مِنْ َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫َربّ َ‬
‫سمَوَات والرْض طَوْعا َو َكرْها وذلك‬
‫وذلك حين يقول تعالـى ذكره‪ :‬وَلَ ُه أسْلَـمَ َمنْ فِـي ال ّ‬
‫حين يقول‪ :‬فللّ ِه الـحُجّ ُة البـاِلغَةُ فَلَ ْو شاءَ َل َهدَا ُكمْ أج َمعِينَ يعنـي‪ :‬يوم أخذ منهم الـميثاق‪ ,‬ثم‬
‫عرضهم علـى آدم علـيه السلم‪.‬‬
‫‪12008‬ـ قال‪ :‬حدثنا عمر‪ ,‬عن أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬قال‪ :‬أخرج ال آدم من الـجنة‪ ,‬ولـم‬
‫يهبط من السماء‪ ,‬ثم مسح صفحة ظهره الـيـمنى‪ ,‬فأخرج منه ذرّية بـيضاء مثل اللؤلؤ‬
‫كهيئة الذرّ‪ ,‬فقال لهم‪ :‬ادخـلوا الـجنة برحمتـي ومسح صفحة ظهره الـيسرى‪ ,‬فأخرج منه‬
‫ذرّية سوداء كهيئة الذرّ‪ ,‬فقال‪ :‬ادخـلوا النار ول أبـالـي فذلك حين يقول‪« :‬وأصْحابُ‬
‫الـيَـمِين وأصْحابُ الشّمال» ثم أخذ منهم الـميثاق‪ ,‬فقال‪ :‬أَلسْتُ ِب َر ّب ُكمْ قالُوا بَلـى‪ ,‬فأطاعه‬
‫طائفة طائعين‪ ,‬وطائفة كارهين علـى وجه التقـيّة‪.‬‬
‫‪12009‬ـ حدثنـي موسى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرُ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‬
‫بنـحوه‪ ,‬وزاد فـيه بعد قوله‪ :‬وطائفة علـى وجه التقـية‪ ,‬فقال هو والـملئكة‪ :‬شه ْدنَا أن‬
‫يقولوا يوم القـيامة إنا كنا عن هذا غافلـين أو يقولوا إنـما أشرك آبـاؤنا من قبل وكنا ذرّية‬
‫من بعدهم‪ .‬فلذلك لـيس فـي الرض أحد من ولد آدم إل وهو يعرف أن ربه ال‪ ,‬ول مشرك‬
‫جدْنا آبـاءَنا علـى ُأمّ ٍة والمّة‪ :‬الدين وإنّا علـى آثار ِهمْ مُ ْق َتدُونَ‪,‬‬
‫إل وهو يقول لبنه‪ :‬إنّا َو َ‬
‫ش َهدَ ُهمْ علـى‬
‫ظهُورِ ِهمْ ُذ ّريّا ِت ِهمْ وأ ْ‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ ِمنْ ُ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫وذلك حين يقول ال‪ :‬وَإ ْذ أ َ‬
‫سمَوَات والرْض‬
‫سهِ ْم أَلسْتُ ِب َر ّبكُمْ قالُوا بَلـى وذلك حين يقول‪ :‬وَلَ ُه أسْلَـ َم مَنْ فِـي ال ّ‬
‫أنْ ُف ِ‬
‫حجّ ُة البـاِلغَةُ فَلَ ْو شاءَ َل َهدَا ُكمْ أج َمعِينَ يعنـي يوم أخذ‬
‫طَوْعا و َكرْها وذلك حين يقول‪ :‬فللّه الـ ُ‬
‫منهم الـميثاق‪.‬‬
‫‪12010‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن‬
‫ظهُور ِهمْ ُذ ّريّاتِ ِهمْ قال‪ :‬مسح ال علـى صلب آدم‪ ,‬فأخرج من صلبه من ذرّيته‬
‫الكلبـي‪ :‬مِنْ ُ‬
‫ما يكون إلـى يوم القـيامة‪ ,‬وأخذ ميثاقهم أنه ربهم‪ ,‬فأعطوه ذلك‪ ,‬ول يُسأل أحد كافر ول‬
‫غيره‪ :‬من ربك؟ إل قال‪ :‬ال‪ .‬وقال الـحسن مثل ذلك أيضا‪.‬‬
‫‪12011‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حفص بن غياث‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن علـيّ بن‬
‫ظهُورِ ِهمْ ذُ ّريّا ِتهِمْ‪.‬‬
‫ن ُ‬
‫خ َذ َربّكَ ِمنْ َبنِـي آ َدمَ مِ ْ‬
‫حسين أنه كان يعزل‪ ,‬ويتأوّل هذه الَية‪ :‬وَإذْ أ َ‬

‫‪12012‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن واضح‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا موسى بن عبـيدة‪ ,‬عن‬
‫ظهُورِ ِهمْ ُذ ّريّا ِت ِهمْ قال‪:‬‬
‫ن َبنِـي آ َدمَ ِمنْ ُ‬
‫خذَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫مـحمد بن كعب القرظي فـي قوله‪ :‬وَإ ْذ أ َ‬
‫أقرّت الرواح قبل أن تـخـلق أجسادها‪.‬‬
‫‪12013‬ـ حدثنا أحمد بن الفرج الـحمصي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا بقـية بن الولـيد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي‬
‫الزبـيدي‪ ,‬عن راشد بن سعد‪ ,‬عن عبد الرحمن بن قتادة النضري‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن هشام بن‬
‫حكيـم‪ :‬أن رجلً أتـى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ,‬أتُبدأ العمال أم‬
‫ظهُور ِهمْ‪,‬‬
‫خذَ ُذ ّريّةَ آ َدمَ ِمنْ ُ‬
‫ن اللّ َه أ َ‬
‫قد قضي القضاء؟ فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪« :‬إ ّ‬
‫جنّة وَ َهؤُلء‬
‫ش َهدَهُمْ علـى أنْفُسهِمْ‪ُ ,‬ث ّم أفـاضَ ب ِهمْ فِـي كَفّـيْه ُثمّ قالَ‪ :‬هَؤُلء فِـي الـ َ‬
‫ُثمّ أ ْ‬
‫ل النّارِ»‪.‬‬
‫ن ل َعمَلِ أهْ ِ‬
‫سرُو َ‬
‫ن ِل َعمَلِ أهْ ِل الـجنّةِ‪ ,‬وأهْلُ النّارِ ُم َي ّ‬
‫سرُو َ‬
‫جنّةِ ُم َي ّ‬
‫فِـي النّار‪ ,‬فأهْلُ الـ َ‬
‫حدثنـي مـحمد بن عوف الطائي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حيوة ويزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا بقـية‪ ,‬عن‬
‫الزبـيديّ‪ ,‬عن راشد بن سعد‪ ,‬عن عبد الرحمن بن قتادة النضري‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن هشام بن‬
‫حكيـم‪ ,‬عن النبـيّ صلى ال عليه وسلم مثله‪.‬‬
‫حدثنـي أحمد بن شبويه‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق بن إبراهيـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو بن الـحرث‪,‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن مسلـم‪ ,‬عن الزبـيدي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا راشد بن سعد أن عبد الرحمن بن‬
‫قتادة‪ ,‬حدثه أن أبـاه حدثه أن هشام بن حكيـم حدثه أنه قال‪ :‬أتـى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم رجل‪ ...‬فذكر مثله‪.‬‬
‫حدثنا مـحمد بن عوف‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبو صالـح‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا معاوية‪ ,‬عن راشد بن سعد‪,‬‬
‫عن عبد الرحمن بن قتادة‪ ,‬عن هشام بن حكيـم‪ ,‬عن النبـيّ صلى ال عليه وسلم‪ ,‬بنـحوه‪.‬‬
‫ن فقال السديّ‪ :‬هو‬
‫ن َهذَا غافِلِـي َ‬
‫ن تَقُولُوا َي ْومَ القِـيامَةِ إنّا ُكنّا عَ ْ‬
‫ش ِهدْنا أ ْ‬
‫واختلف فـي قوله‪َ :‬‬
‫خبر من ال عن نفسه وملئكته أنه جلّ ثناؤه قال هو وملئكته إذ أقرّ بنو آدم بربوبـيته حين‬
‫قال لهم‪ :‬ألست بربكم؟ قالوا‪ :‬بلـى‪.‬‬
‫فتأويـل الكلم علـى هذا التأويـل‪ :‬وإذ أخذ ربك من بنـي آدم من ظهورهم ذرّياتهم‪,‬‬
‫وأشهدهم علـى أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا‪ :‬بلـى‪ .‬فقال ال وملئكته‪ :‬شهدنا علـيكم‬
‫بـاقراركم بأن ال ربكم كيل تقولوا يوم القـيامة إنا كنا عن هذا غافلـين‪ .‬وقد ذكرت الرواية‬
‫عنه بذلك فـيـما مضى والـخبر الَخر الذي رُوي عن عبد ال بن عمرو عن النبـيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم بـمثل ذلك‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬ذلك خبر من ال عن قـيـل بعض بنـي آدم لبعض‪ ,‬حين أشهد ال بعضهم‬
‫سهِمْ وأشهد بعضهم علـى بعض‬
‫ش َهدَهُمْ علـى أنْ ُف ِ‬
‫علـى بعض‪ .‬وقالوا‪ :‬معنى قوله‪ :‬وأ ْ‬
‫بإقرارهم بذلك‪ ,‬وقد ذكرت الرواية بذلك أيضا عمن قاله قبل‪.‬‬

‫قال أبو جعفر‪ :‬وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب‪ ,‬ما رُوي عن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم إن كان صحيحا‪ ,‬ول أعلـمه صحيحا لن الثقات الذين يعتـمد علـى حفظهم‬
‫وإتقانهم حدّثوا بهذا الـحديث عن الثوري‪ ,‬فوقـفوه علـى عبد ال بن عمرو ولـم يرفعوه‪,‬‬
‫ولـم يذكروا فـي الـحديث هذا الـحرف الذي ذكره أحمد بن أبـي طيبة عنه‪ .‬وإن لـم‬
‫يكن ذلك عنه صحيحا‪ ,‬فـالظاهر يدلّ علـى أنه خبر من ال عن قـيـل بنـي آدم بعضهم‬
‫ش ِهدْنا فكأنه‬
‫س ِهمْ أَلسْتُ ِب َر ّب ُكمْ قالُوا بَلـى َ‬
‫ش َهدَ ُهمْ علـى أنْ ُف ِ‬
‫لبعض‪ ,‬لنه جلّ ثناؤه قال‪ :‬وأ ْ‬
‫قـيـل‪ :‬فقال الذين شهدوا علـى الـمقرّين حين أقرّوا‪ ,‬فقالوا‪ :‬بلـى شهدنا علـيكم بـما‬
‫أقررتـم به علـى أنفسكم كيل تقولوا يوم القـيامة إنا كنا عن هذا غافلـين‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪173‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫شرَكَ آبَا ُؤنَا مِن َقبْلُ َو ُكنّا ُذ ّريّ ًة مّن‬
‫{أَ ْو تَقُولُوَ ْا ِإ ّنمَآ َأ ْ‬

‫َب ْعدِهِمْ َأ َف ُتهِْل ُكنَا ِبمَا َفعَلَ ا ْل ُمبْطِلُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬شهدنا علـيكم أيها الـمقرّون بأن ال ربكم‪ ,‬كيل تقولوا يوم القـيامة‪:‬‬
‫شرَكَ‬
‫إنا كنا عن هذا غافلـين‪ ,‬إنا كنا ل نعلـم ذلك وكنا فـي غفلة منه‪ ,‬أو تقولوا‪ :‬إنّـمَا أ ْ‬
‫ن َقبْلُ و ُكنّا ُذ ّريّ ًة مِنْ َب ْعدِ ِهمْ اتبعنا منهاجهم أ َف ُتهِْلكُنا بإشراك من أشرك من آبـائنا‪,‬‬
‫آبـاؤُنا مِ ْ‬
‫واتبـاعنا منهاجهم علـى جهل منا بـالـحقّ؟‬
‫ويعنـي بقوله بـمَا َفعَلَ الـ ُم ْبطِلُونَ‪ :‬بـما فعل الذين أبطلوا فـي دعواهم إلها غير ال‪.‬‬
‫واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك‪ ,‬فقرأه بعض الـمكيـين والبصريـين‪« :‬أن يقولوا»‬
‫بـالـياء‪ ,‬بـمعنى‪ :‬شهدنا لئل يقولوا علـى وجه الـخبر عن الغيب‪ .‬وقرأ ذلك عامّة قرّاء‬
‫أهل الـمدينة والكوفة‪ :‬أن تَقُولوا بـالتاء علـى وجه الـخطاب من الشهود للـمشهود‬
‫علـيهم‪.‬‬
‫والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان صحيحتا الـمعنى متفقتا التأويـل وإن اختلفت‬
‫ألفـاظهما‪ ,‬لن العرب تفعل ذلك فـي الـحكاية‪ ,‬كما قال ال‪َ :‬ل ُتبَـ ّينُنّ ُه للنّاس و«لـيبـيننه»‪,‬‬
‫وقد بـينا نظائر ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪174‬‬

‫جعُونَ }‪..‬‬
‫ليَاتِ وََلعَّل ُهمْ َيرْ ِ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪َ { :‬و َكذَِلكَ نُ َفصّلُ ا َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬وكما فصلنا يا مـحمد لقومك آيات هذه السورة‪ ,‬وبـيّنا فـيها ما فعلنا‬

‫بـالمـم السالفة قبل قومك‪ ,‬وأحللنا بهم من الـمثلت بكفرهم وإشراكهم فـي عبـادتـي‬
‫غيري‪ ,‬كذلك نفصل الَيات غيرها ونبـينها لقومك‪ ,‬لـينزجروا ويرتدعوا‪ ,‬فـينـيبوا إلـى‬

‫طاعتـي ويتوبوا من شركهم وكفرهم‪ ,‬فـيرجعوا إلـى اليـمان والقرار بتوحيدي وإفراد‬
‫الطاعة لـي وترك عبـادة ما سواي‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪175‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫خ ِم ْنهَا فََأ ْت َبعَهُ‬
‫{وَاتْلُ عََل ْي ِهمْ َن َبأَ اّل ِذيَ آ َت ْينَا ُه آيَا ِتنَا فَانْسَلَ َ‬

‫ن ا ْلغَاوِينَ }‪..‬‬
‫ن مِ َ‬
‫ن فَكَا َ‬
‫شيْطَا ُ‬
‫ال ّ‬
‫يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬واتل يا مـحمد علـى قومك نبأ‬
‫الذي آتـيناه آياتنا‪ ,‬يعنـي خبره وقصته‪ .‬وكانت آيات ال للذي آتاه ال إياها فـيـما يقال‬
‫اسم ال العظم‪ ,‬وقـيـل النبوّة‪.‬‬
‫واختلف أهل التأويـل فـيه‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬هو رجل من بنـي إسرائيـل‪ .‬ذكر من قال‬
‫ذلك‪:‬‬
‫‪12014‬ـ حدثنا حميد بن مسعدة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا بشر بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شعبة‪ ,‬عن‬
‫منصور‪ ,‬عن أبـي الضحى‪ ,‬عن مسروق‪ ,‬عن عبد ال فـي هذه الَية‪ :‬وَاتْلُ عَلَـيْ ِهمْ نَبأَ اّلذِي‬
‫آتَـيْنا ُه آياتِنا فـا ْنسَلَـخَ ِمنْها قال‪ :‬هو بلعم‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن أبـي الضحى‪ ,‬عن مسروق‪ ,‬عن عبد‬
‫ال‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن أبـي الضحى‪ ,‬عن مسروق‪ ,‬عن عبد‬
‫ال‪ ,‬قال‪ :‬هو بلعم بن أَبر‪.‬‬
‫حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن أبـي الضحى‪ ,‬عن مسروق‪ ,‬عن ابن‬
‫مسعود‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْي ِهمْ نَبأَ اّلذِي آتَـيْنا ُه آياتِنا قال‪ :‬رجل من بنـي إسرائيـل يقال‬
‫له‪ :‬بلعم بن أبر‪.‬‬
‫حدثنا مـحمد بن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن جعفر وابن مهدي وابن أبـي عديّ‪,‬‬
‫قالوا‪ :‬حدثنا شعبة‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن أبـي الضحى‪ ,‬عن مسروق‪ ,‬عن عبد ال‪ ,‬أنه قال فـي‬
‫هذه الَية‪ ,‬فذكر مثله‪ ,‬ولـم يقل ابن أبر‪.‬‬
‫حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حكام‪ ,‬عن عمرو‪ ,‬عن منصور‪ ,‬عن أبـي الضحى‪ ,‬عن‬
‫خ ِمنْها قال‪ :‬رجل من‬
‫مسروق‪ ,‬عن ابن مسعود‪ :‬وَاتْلُ عَلَـيْ ِهمْ نَبأَ اّلذِي آتَـيْنا ُه آياتِنا فـانْسَلَـ َ‬
‫بنـي إسرائيـل يقال له‪ :‬بلعم بن أبر‪.‬‬
‫‪12015‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمران بن عيـينة‪ ,‬عن حصين‪ ,‬عن عمران بن‬
‫الـحرث‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬هو بلعم بن بـاعرا‪.‬‬

‫حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬عن العمش‪ ,‬عن أبـي‬
‫الضحى‪ ,‬عن مسروق‪ ,‬عن ابن مسعود‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْي ِهمْ نَبأَ اّلذِي آتَـيْنا ُه آياتِنا‪...‬‬
‫ن هو بلعم بن أبر‪.‬‬
‫إلـى‪ :‬فَكانَ مِنَ الغاوي َ‬
‫حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا الثوريّ‪ ,‬عن العمش‪ ,‬عن‬
‫منصور عن أبـي الضحى‪ ,‬عن مسروق‪ ,‬عن ابن مسعود‪ ,‬مثله‪ ,‬إلّ أنه قال ابن أبُر‪ ,‬بضم‬
‫البـاء‪.‬‬
‫‪12016‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْي ِهمْ نَبأَ الّذي آتَـيْنا ُه آياتِنا فـا ْنسَلَـخَ ِمنْها قال‪ :‬هو رجل‬
‫من مدينة الـجبـارين يقال له بلعم‪.‬‬
‫‪12017‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬عن عيسى‪ ,‬عن ابن أبـي‬
‫نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬فـا ْنسَلَـخَ ِمنْها قال‪ :‬بَلعام بن بـاعرا‪ ,‬من بنـي إسرائيـل‪.‬‬
‫حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت مـجاهدا‬
‫يقول‪ ,‬فذكر مثله‪.‬‬
‫حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنـي عبد‬
‫ال بن كثـير‪ ,‬أنه سمع مـجاهدا يقول‪ ,‬فذكر مثله‪.‬‬
‫‪12018‬ـ حدثنا ابن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الرحمن وابن أبـي عديّ‪ ,‬عن شعبة‪ ,‬عن‬
‫خ ِمنْها قال‪ :‬هو بلعام‪.‬‬
‫حصين‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬قال فـي الذي آتَـيْنا ُه آياتِنا فـا ْنسَلَـ َ‬
‫‪12019‬ـ وحدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا غندر‪ ,‬عن شعبة‪ ,‬عن حصين‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬قال‪ :‬هو‬
‫بلعم‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا عمران بن عيـينة‪ ,‬عن حصين‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬قال‪ :‬هو بلعم‪.‬‬
‫حدثنا حميد بن مسعدة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شعبة‪ ,‬عن حصين‪ ,‬قال‪ :‬سمعت عكرمة‬
‫يقول‪ :‬هو بَلعام‪.‬‬
‫حدثنا قال‪ :‬حدثنا عبد العزيزي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسرائيـل‪ ,‬عن حصين‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬هو‬
‫بلعم‪.‬‬
‫حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسرائيـل‪ ,‬عن مغيرة‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬عن ابن عبـاس قال‪ :‬هو بلعم‪( .‬وقالت ثقـيف‪ :‬هو أمية بن أبـي الصلت)‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬كان بلعم هذا من أهل الـيـمن‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12020‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫خ ِمنْها قال‪:‬‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْيهِ ْم نَبأَ اّلذِي آتَـيْنا ُه آياتِنا فـا ْنسَلَـ َ‬
‫هو رجل يدعى بلعم من أهل الـيـمن‪.‬‬

‫وقال آخرون‪ :‬كان من الكنعانـيـين‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12021‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْي ِهمْ نَبأَ اّلذِي آتَـيْنا ُه آياتِنا فـا ْنسَلَـخَ ِمنْها قال‪ :‬هو رجل‬
‫من مدينة الـجبـارين يقال له بلعم‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬هو أمية بن أبـي الصلت‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12022‬ـ حدثنا ابن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن مهدي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد بن السائب‪,‬‬
‫عن غضيف بن أبـي سفـيان‪ ,‬عن يعقوب ونافع بن عاصم‪ ,‬عن عبد ال بن عمرو‪ ,‬قال‬
‫فـي هذه الَية‪ :‬الّذي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ ِمنْها قال‪ :‬هو أمية بن أبـي الصلت‪.‬‬
‫حدثنا ابن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن أبـي عديّ‪ ,‬قال‪ :‬أنبأنا شعبة‪ ,‬عن يعلـى بن عطاء‪,‬‬
‫عن نافع بن عاصم‪ ,‬قال‪ :‬قال عبد ال بن عمرو‪ :‬هو صاحبكم أمية بن أبـي الصلت‪.‬‬
‫حدثنا ابن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الرحمن ووهب بن جرير‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شعبة‪ ,‬عن‬
‫يعلـى بن عطاء‪ ,‬عن نافع بن عاصم‪ ,‬عن عبد ال بن عمرو بـمثله‪.‬‬
‫حدثنا مـحمد بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن سعيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬عن حبـيب بن‬
‫أبـي ثابت‪ ,‬عن رجل‪ ,‬عن عبد ال بن عمرو‪ :‬وَل ِكنّ ُه أخْـَلدَ إلـى الرْض وَا ّتبَ َع هَوَاهُ قال‪:‬‬
‫هو أمية بن أبـي الصلت‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا غندر‪ ,‬عن شعبة‪ ,‬عن يعلـى بن عطاء‪ ,‬قال‪ :‬سمعت نافع بن‬
‫عاصم بن عروة بن مسعود‪ ,‬قال‪ :‬سمعت عبد ال بن عمرو‪ ,‬قال فـي هذه الَية‪ :‬اّلذِي آتَـيْناهُ‬
‫خ ِمنْها قال‪ :‬هو صاحبكم‪ ,‬يعنـي أمية بن أبـي الصلت‪.‬‬
‫آياتِنا فـا ْنسَلَـ َ‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان عن حبـيب‪ ,‬عن رجل عن عبد ال بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬هو‬
‫أمية بن أبـي الصلت‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬عن شريك‪ ,‬عن عبد الـملك‪ ,‬عن فضالة‪ ,‬أو ابن فضالة‪ ,‬عن عبد ال بن‬
‫عمرو‪ ,‬قال‪ :‬هو أمية‪.‬‬
‫‪12023‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حكام‪ ,‬عن عنبسة‪ ,‬عن عبد الـملك بن عمير‪ ,‬قال‪:‬‬
‫خ ِمنْها فقال بعضهم‪ :‬نزلت فـي بلعم بن‬
‫تذاكروا فـي جامع دمشق هذه الَية‪ :‬فـا ْنسَلَـ َ‬
‫بـاعوراء‪ ,‬وقال بعضهم‪ :‬نزلت فـي الراهب‪ .‬فخرج علـيهم عبد ال بن عمرو بن العاص‪,‬‬
‫فقالوا‪ :‬فـيـمن نزلت هذه؟ قال‪ :‬نزلت فـي أمية بن أبـي الصلت الثقـفـي‪.‬‬
‫‪12024‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن‬
‫خ ِمنْها قال‪ :‬هو أمية بن أبـي الصلت‪ ,‬وقال قتادة‪ :‬يشكّ‬
‫الكلبـي‪ :‬اّلذِي آتَـيْنا ُه آياتِنا فـا ْنسَلَـ َ‬
‫فـيه‪ ,‬يقول بعضهم‪ :‬بلعم‪ ,‬ويقول بعضهم‪ :‬أمية بن أبـي الصلت‪.‬‬

‫واختلف أهل التأويـل فـي الَيات التـي كان أوتـيها التـي قال جلّ ثناؤه‪ :‬آتَـيْناهُ آياتِنا‬
‫فقال بعضهم‪ :‬كانت اسم ال العظم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12025‬ـ حدثنـي موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬قال‪ :‬إن ال‬
‫سنَةً‬
‫ح ّرمَةٌ عَلَـيْ ِهمْ أ ْر َبعِينَ َ‬
‫لـما انقضت الربعون سنة‪ ,‬يعنـي التـي قال ال فـيها‪ :‬إنّها مُـ َ‬
‫بعث يُوشَ َع بن نون نبـيا‪ ,‬فدعا بنـي إسرائيـل فأخبرهم أنه نبـيّ وأن ال قد أمره أن يقاتل‬
‫الـجبـارين‪ ,‬فبـايعوه وصدّقوه‪ .‬وانطلق رجل من بنـي إسرائيـل يقال له بلعم‪ ,‬وكان‬
‫عالـما يعلـم السم العظم الـمكتوم‪ ,‬فكفر وأتـى الـجبـارين‪ ,‬فقال‪ :‬ل ترهبوا بنـي‬
‫إسرائيـل‪ ,‬فـانـي إذا خرجتـم تقاتلونهم أدعو علـيهم دعوة فـيهلكون وكان عندهم‬
‫فـيـما شاء من الدنـيا‪ ,‬غير أنه كان ل يستطيع أن يأتـي النساء يعظمهن‪ ,‬فكان ينكح أتانا‬
‫خ ِمنْها‪ :‬أي تنصل‬
‫له‪ ,‬وهو الذي يقول ال‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْيهِمْ نَبأَ الّذي آتَـيْنا ُه آياتِنا فـا ْنسَلَـ َ‬
‫فـانسلـخ منها‪ ,‬إلـى قوله‪ :‬وََل ِكنّهُ أخْـَلدَ إلـى الرْضِ‪.‬‬
‫‪12026‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْي ِهمْ َن َبأَ اّلذِي آتَـيْنا ُه آياتِنا قال‪ :‬هو رجل يقال له‪ :‬بلعم‪ ,‬وكان‬
‫يعلـم اسم ال العظم‪.‬‬
‫‪12027‬ـ حدثنـي يونس قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْيهِمْ‬
‫نَبأَ الّذي آتَـيْنا ُه آياتِنا فـا ْنسَلَـخَ ِمنْها قال‪ :‬كان ل يسأل ال شيئا إلّ أعطاه‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل الَيات التـي كان أوتـيها كتاب من كتب ال‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12028‬ـ حدثنا القاسم قال‪ :‬حدثنا الـحسين قال‪ :‬حدثنا أبو تُـمَيـلة‪ ,‬عن أبـي حمزة‪ ,‬عن‬
‫جابر‪ ,‬عن مـجاهد وعكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬كان فـي بنـي إسرائيـل بَلعام بن‬
‫بـاعر أوتـي كتابـا‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل كان أوتـي النبوّة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12029‬ـ حدثنـي الـحارث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن غيره‪ ,‬قال‪:‬‬
‫الـحارث قال‪ :‬عبد العزيز يعنـي عن غير نفسه عن مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬هو نبـيّ فـي بنـي‬
‫إسرائيـل‪ ,‬يعنـي بَلعم‪ ,‬أوتـي النبوّة‪ ,‬فرشاه قومه علـى أن يسكت‪ ,‬ففعل وتركهم علـى ما‬
‫هم علـيه‪.‬‬
‫‪12030‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان‪ ,‬عن أبـيه‪,‬‬
‫خ ِمنْها فحدّث عن سيّار أنه‬
‫أنه سئل عن الَية‪ :‬وَاتْلُ عَلَـيهِمْ نَبأَ الّذي آتَـيْنا ُه آياتنا فـا ْنسَلَـ َ‬
‫كان رجلً يقال له بَ ْلعَام‪ ,‬وكان قد أوتـي النبوّة‪ ,‬وكان مـجاب الدعوة‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬والصواب من القول فـي ذلك أن يقال‪ :‬إن ال تعالـى ذكره أمر نبـيه‬
‫صلى ال عليه وسلم أن يتلو علـى قومه خبر رجل كان ال آتاه حججه وأدلته‪ ,‬وهي الَيات‪.‬‬

‫وقد دللنا علـى أن معنى الَيات الدلة والعلم فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته‪,‬‬
‫وجائز أن يكون الذي كان ال آتاه ذلك بلعم‪ ,‬وجائز أن يكون أمية‪ ,‬وكذلك الَيات إن كانت‬
‫بـمعنى الـحجة التـي هي بعض كتب ال التـي أنزلها علـى بعض أنبـيائه‪ ,‬فتعلـمها‬
‫الذي ذكره ال فـي هذه الَية‪ ,‬وعناه بها فجائز أن يكون الذي كان أوتـيها بلعم‪ ,‬وجائز أن‬
‫يكون أمية‪ ,‬لن أمية كان فـيـما يقال قد قرأ من كتب أهل الكتاب‪ ,‬وإن كانت بـمعنى كتاب‬
‫أنزله ال علـى من أمر نبـيّ ال علـيه الصلة والسلم أن يتلو علـى قومه نبأه أو‬
‫بـمعنى اسم ال العظم أو بـمعنى النبوّة‪ ,‬فغير جائز أن يكون معنـيا به أمية لن أمية ل‬
‫تـختلف المة فـي أنه لـم يكن أوتـي شيئا من ذلك‪ .‬ول خبر بأيّ ذلك الـمراد وأيّ‬
‫الرجلـين الـمعنـيّ يوجب الـحجة ول فـي العقل دللة علـى أن ذلك الـمعنـيّ به من‬
‫أيّ‪ .‬فـالصواب أن يقال فـيه ما قال ال‪ ,‬ويقرّ بظاهر التنزيـل علـى ما جاء به الوحي من‬
‫ال‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬فـا ْنسَلَـخَ ِمنْها فإنه يعنـي‪ :‬خرج من الَيات التـي كان ال آتاها إياه‪ ,‬فتبرأ‬
‫منها‪.‬‬
‫وبنـحو ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12031‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬لـما نزل موسى علـيه السلم يعنـي بـالـجبـارين ومن معه آتاه‬
‫يعنـي بلعم بنو عمه وقومه فقالوا‪ :‬إن موسى رجل حديد‪ ,‬ومعه جنود كثـيرة‪ ,‬وإنه إن يظهر‬
‫علـينا يهلكنا‪ .‬فـادع ال أن يردّ عنا موسى ومن معه قال‪ :‬إنـي إن دعوت ال أن يردّ‬
‫موسى ومن معه ذهبت دنـياي وآخرتـي‪ .‬فلـم يزالوا به حتـى دعا علـيهم‪ ,‬فسلـخه ال‬
‫شيْطانُ فَكانَ ِمنَ الغاوِينَ‪.‬‬
‫مـما كان علـيه‪ ,‬فذلك قوله‪ :‬فـانْسَلَـخَ ِمنْها فَأ ْت َبعَهُ ال ّ‬
‫‪12032‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬كان ال آتاه آياته فتركها‪.‬‬
‫‪12033‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن جريج‪ :‬قال‬
‫ابن عبـاس‪ :‬فـانْسَلَـخَ ِمنْها قال‪ :‬نزع منه العلـم‪.‬‬
‫شيْطانُ يقول‪ :‬فصيره لنفسه تابعا ينتهي إلـى أمره فـي معصية ال‪,‬‬
‫وقوله‪ :‬فَأ ْت َبعَ ُه ال ّ‬
‫ن مِنَ الغاوينَ يقول‪ :‬فكان‬
‫ويخالف أمر ربه فـي معصية الشيطان وطاعة الرحمن‪ .‬وقوله‪ :‬فَكا َ‬
‫من الهالكين لضلله وخلفه أمرَ ربه وطاعة الشيطان‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪176‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫شئْنَا َل َر َف ْعنَا ُه ِبهَا وَلَـكِنّ ُه َأخَْلدَ إِلَى الرْضِ وَا ّتبَعَ‬
‫{وََل ْو ِ‬

‫ن َك ّذبُواْ بِآيَا ِتنَا‬
‫حمِلْ عََليْ ِه يَ ْلهَثْ َأوْ َت ْت ُركْهُ يَ ْلهَث ذِّلكَ َمثَلُ ا ْلقَ ْومِ اّلذِي َ‬
‫هَوَاهُ َف َمثَلُ ُه َك َمثَلِ ا ْلكَلْبِ إِن َت ْ‬
‫فَا ْقصُصِ الْ َقصَصَ َلعَّل ُهمْ َيتَ َف ّكرُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ولو شئنا لرفعنا هذا الذي آتـيناه آياتنا بآياتنا التـي آتـيناه‪ ,‬وَل ِكنّهُ‬
‫لرْضِ يقول‪ :‬سكن إلـى الـحياة الدنـيا فـي الرض ومال إلـيها‪ ,‬وآثر‬
‫أخْـلَ َد إلـى ا َ‬
‫لذتها وشهواتها علـى الَخرة‪ ,‬واتبع هواه‪ ,‬ورفض طاعة ال وخالف أمره‪.‬‬
‫وكانت قصة هذا الذي وصف ال خبره فـي هذه الَية‪ ,‬علـى اختلف من أهل العلـم‬
‫فـي خبره وأمره‪ ,‬ما‪:‬‬
‫‪12034‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـمعتـمر‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬أنه سئل عن‬
‫الَية‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْي ِهمْ نَبأَ اّلذِي آتَـيْناهُ آياتِنا فـا ْنسَلَـخَ ِمنْها فحدّث عن سيار أنه كان رجلً يقال‬
‫له بَلْعام‪ ,‬وكان قد أوتـي النبوّة‪ ,‬وكان مـجاب الدعوة‪ .‬قال‪ :‬وإن موسى أقبل فـي بنـي‬
‫إسرائيـل يريد الرض التـي فـيها بلعام أو قال الشام قال‪ :‬فرعب الناس منه رعبـا شديدا‪,‬‬
‫قال‪ :‬فأتوا بَلْعاما‪ ,‬فقالوا ادع ال علـى هذا الرجل وجيشه قال‪ :‬حتـى أؤامر ربـي أو حتـى‬
‫أؤامر قال‪ :‬فآمر فـي الدعاء علـيهم‪ ,‬فقـيـل له‪ :‬ل تدع علـيهم فإنهم عبـادي وفـيهم‬
‫نبـيهم قال‪ :‬فقال لقومه‪ :‬إنـي آمرت ربـي فـي الدعاء علـيهم‪ ,‬وإنـي قد نُهيت‪ .‬قال‪:‬‬
‫فأهدوا إلـيه هدية فَقبِلها‪ .‬ثم راجعوه فقالوا‪ :‬ادع علـيهم فقال‪ :‬حتـى أؤامر ربـي‪ .‬فآمر‬
‫فلـم يأمره بشيء‪ .‬قال‪ :‬فقال‪ :‬قد وامرت فلـم يأمرنـي بشيء‪ ,‬فقالوا‪ :‬لو كره ربك أن تدعو‬
‫علـيهم لنهاك كما نهاك فـي الـمرّة الولـى‪ .‬قال‪ :‬فأخذ يدعو علـيهم‪ ,‬فإذا دعا علـيهم‬
‫جرى علـى لسانه الدعاء علـى قومه وإذا أراد أن يدعو أن يُ ْفتَـح لقومه‪ ,‬دعا أن يُ ْفتَـح‬
‫لـموسى علـيه السلم وجيشه أو نـحوا من ذلك إن شاء ال‪ .‬قال‪ :‬فقالوا ما نراك تدعو إلّ‬
‫علـينا‪ .‬قال‪ :‬ما يجري علـى لسانـي إلّ هكذا‪ ,‬ولو دعوتُ علـيه ما استـجيب لـي‪ ,‬ولكن‬
‫سأدلكم علـى أمر عسى أن يكون فـيه هلكهم إن ال يبغض الزنا‪ ,‬وإنهم إن وقعوا بـالزنا‬
‫هلكوا‪ ,‬ورجوت أن يهلكهم ال‪ ,‬فأخرِجوا النساء لتستقبلهم وإنهم قوم مسافرون‪ ,‬فعسى أن يزنوا‬
‫فـيهلكوا‪ .‬قال‪ :‬ففعلوا وأخرجوا النساء تستقبلهم‪ .‬قال‪ :‬وكان للـملك ابنة‪ ,‬فذكر من عظمها ما‬
‫ل من موسى قال‪ :‬ووقعوا فـي‬
‫ال أعلـم به‪ ,‬قال‪ :‬فقال أبوها أو بَلْعام‪ :‬ل تـمكنـي نفسك إ ّ‬
‫الزنا‪ .‬قال‪ :‬وأتاها رأس سبط من أسبـاط بنـي إسرائيـل‪ ,‬فأرادها علـى نفسه‪ ,‬قال‪ :‬فقالت‪:‬‬
‫ما أنا بـمـمكنة نفسي إلّ من موسى‪ ,‬قال‪ :‬فقال‪ :‬إن من منزلتـي كذا وكذا‪ ,‬وإن من حالـى‬
‫كذا وكذا‪ .‬قال‪ :‬فأرسلت إلـى أبـيها تستأمره‪ ,‬قال‪ :‬فقال لها‪َ :‬م ّكنِـي ِه قال‪ :‬ويأتـيهما رجل‬
‫من بنـي هارون ومعه الرمـح فـيطعنهما‪ ,‬قال‪ :‬وأيّده ال بقوّة فـانتظمهما جميعا‪ ,‬ورفعهما‬
‫علـى رمـحه‪ .‬قال‪ :‬فرآهما الناس‪ ,‬أو كما حدّث‪ .‬قال‪ :‬وسلط ال علـيهم الطاعون‪ ,‬قال‪:‬‬

‫فمات منهم سبعون ألفـا‪ .‬قال‪ :‬فقال أبو الـمعتـمر‪ :‬فحدثنـي سيار أن بلعاما ركب حمارة‬
‫له‪ ,‬حتـى إذا أتـى الـ ُمعْلَوْلـي أو قال‪ :‬طريقا من الـمعلولـي جعل يضربها ول تتقدّم‪.‬‬
‫قال‪ :‬وقامت علـيه‪ ,‬فقالت‪ :‬علم تضربنـي؟ أما ترى هذا الذي بـين يديك؟ قال‪ :‬فإذا‬
‫الشيطان بـين يديه‪ ,‬قال‪ :‬فنزل فسجد له‪ .‬قال ال‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْي ِهمْ نَبأَ الّذي آتَـيْناهُ آياتِنا‬
‫ن الغاوِينَ‪ ...‬إلـى قوله‪َ :‬لعَّل ُهمْ َيتَ َف ّكرُونَ‪ .‬قال‪:‬‬
‫ن مِ َ‬
‫ن فَكا َ‬
‫شيْطا ُ‬
‫خ ِمنْها فَأ ْت َبعَ ُه ال ّ‬
‫فـا ْنسَلَـ َ‬
‫فحدثنـي بهذا سيّار‪ ,‬ول أدري لعله قد دخـل فـيه شيء من حديث غيره‪.‬‬
‫‪12035‬ـ حدثنا ابن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـمعتـمر‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬قال‪ :‬فبلغنـي حديث‬
‫رجل من أهل الكتاب يحدّث أن موسى سأل ال أن يطبعه وأن يجعله من أهل النار‪ .‬قال‪ :‬ففعل‬
‫ال‪ .‬قال‪ :‬أنبئت أن موسى قتله بعد‪.‬‬
‫‪12036‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن مـحمد بن إسحاق‪ ,‬عن سالـم أبـي‬
‫النضر‪ ,‬أنه حدث‪ :‬أن موسى لـما نزل فـي أرض بنـي كنعان من أرض الشام أتـى قومُ‬
‫بَلْعم إلـى بَلْعم‪ ,‬فقالوا له‪ :‬يا بلعم إن هذا موسى بن عمران فـي بنـي إسرائيـل‪ ,‬قد جاء‬
‫يخرجنا من بلدنا ويقتلنا و ُيحِلها بنـي إسرائيـل ويسكنها‪ ,‬وإنا قومك‪ ,‬ولـيس لنا منزل‪,‬‬
‫وأنت رجل مـجاب الدعوة‪ ,‬فـاخرج وادع ال علـيهم فقال‪ :‬ويـلكم نبـيّ ال معه‬
‫الـملئكة والـمؤمنون‪ ,‬كيف أذهب أدعو علـيهم وأنا أعلـم من ال ما أعلـم؟ قالوا‪ :‬ما لنا‬
‫من منزل‪ .‬فلـم يزالوا به يرفعونه ويتضرّعون إلـيه حتـى فتنوه فـافتتن‪ .‬فركب حمارة له‬
‫متوجها إلـى الـجبل الذي يطلعه علـى عسكر بنـي إسرائيـل‪ ,‬وهو جبل حسان فلـما‬
‫سار علـيها غير كثـير ربضت به‪ ,‬فنزل عنها‪ ,‬فضربها‪ ,‬حتـى إذا أذلقها قامت فركبها‬
‫فلـم تَسر به كثـيرا حتـى ربضت به‪ .‬ففعل بها مثل ذلك‪ ,‬فقامت فركبها فلـم تسر به‬
‫كثـيرا حتـى ربضت به‪ .‬فضربها حتـى إذا أذلقها أذن ال لها‪ ,‬فكلـمته حجة علـيه‪,‬‬
‫فقالت‪ :‬ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الـملئكة تردنـي عن وجهي هذا؟ أتذهب إلـى‬
‫نبـيّ ال والـمؤمنـين تدعو علـيهم فلـم ينزع عنها فضربها فخـلـى ال سبـيـلها حين‬
‫فعل بها ذلك‪ .‬قال‪ :‬فـانطلقت به حتـى إذا أشرفت علـى رأس جبل حسان علـى عسكر‬
‫ل صرف به لسانه‬
‫موسى وبنـي إسرائيـل جعل يدعو علـيهم ول يدعو علـيهم بشرّ إ ّ‬
‫إلـى قومه‪ ,‬ول يدعو لقومه بخير إلّ صرف لسانه إلـى بنـي إسرائيـل‪ .‬قال‪ :‬فقال له‬
‫قومه‪ :‬أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنـما تدعو لهم وتدعو علـينا قال‪ :‬فهذا ما ل أملك‪ ,‬هذا شيء‬
‫قد غلب ال علـيه‪ .‬قال‪ :‬واندلع لسانه فوقع علـى صدره‪ ,‬فقال لهم‪ :‬قد ذهبت منـي الَن‬
‫ل الـمكر والـحيـلة‪ ,‬فسأمكر لكم وأحتال‪ ,‬حمّلوا النساء‬
‫الدنـيا والَخرة‪ ,‬فلـم يبق إ ّ‬
‫ن إلـى العسكر يبعنها فـيه‪ ,‬ومروهنّ فل تـمنع امرأة نفسها‬
‫ن السّلَع‪ ,‬ثم أرسلوه ّ‬
‫وأعطوه ّ‬
‫من رجل أرادها‪ ,‬فإنهم إن زنـي منهم واحد كُفـيتـموهم ففعلوا فلـما دخـل النساء العسكر‬

‫مرّت امرأة من الكنعانـيـين اسمها كستـى ابنة صور رأس أمته برجل من عظماء بنـي‬
‫إسرائيـل‪ ,‬وهو زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيـم‪ ,‬فقام‬
‫إلـيها فأخذ بـيدها حين أعجبه جمالها‪ ,‬ثم أقبل بها حتـى وقـف بها علـى موسى علـيه‬
‫ل هي حرام علـيك ل تق َربْها‬
‫السلم فقال‪ :‬إنـي أظنك ستقول هذه حرام علـيك؟ فقال‪ :‬أجَ ْ‬
‫قال‪ :‬فوال ل أطيعك فـي هذا‪ ,‬فدخـل بها قبته فوقع علـيها‪ .‬وأرسل ال الطاعون فـي‬
‫بنـي إسرائيـل‪ ,‬وكان فنـحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى‪ ,‬وكان رجلً قد‬
‫عطِي بسطة فـي الـخـلق وقوّة فـي البطش‪ ,‬وكان غائبـا حين صنع زمري بن شلوم ما‬
‫أُ ْ‬
‫صنع‪ .‬فجاء والطاعون يجوس فـي بنـي إسرائيـل‪ ,‬فأخبر الـخبر‪ ,‬فأخذ حربته‪ ,‬وكانت من‬
‫حديد كلها‪ ,‬ثم دخـل علـيه القبة وهما متضاجعان‪ ,‬فـانتظمهما بحربته‪ ,‬ثم خرج بهما‬
‫رافعهما إلـى السماء‪ ,‬والـحربة قد أخذها بذراعه‪ ,‬واعتـمد بـمرفقه علـى خاصرته‪,‬‬
‫وأسند الـحربة إلـى لَـحيـيه‪ ,‬وكان بكر العيزار‪ ,‬وجعل يقول‪ :‬اللهمّ هكذا نفعل بـمن‬
‫يعصيك ورُفع الطاعون‪ ,‬فحُسب من هلك من بنـي إسرائيـل فـي الطاعون‪ ,‬فـيـما بـين‬
‫أن أصاب زمري الـمرأة إلـى أن قتله فنـحاص‪ ,‬فوُجدوا قد هلك منهم سبعون ألفـا‪,‬‬
‫والـمقلل يقول‪ :‬عشرون ألفـا فـي ساعة من النهار‪ .‬فمن هنالك يعطى بنو إسرائيـل ولد‬
‫ل ذبـيحة ذبحوها الفشة والذراع واللّـحْي‪ ,‬لعتـماده‬
‫فنـحاص بن العيزار بن هارون من ك ّ‬
‫بـالـحربة علـى خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها إلـى لـحيـيه‪ ,‬والبكر من كلّ‬
‫أموالهم وأنفسهم‪ ,‬لنه كان بكر العيزار‪ .‬ففـي بلعم بن بـاعورا أنزل ال علـى مـحمد‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْي ِهمْ نَبأَ اّلذِي آتَـيْناهُ آياتِنا فـا ْنسَلَـخَ ِمنْها يعنـي بلعم‪ ,‬فأ ْت َبعَهُ‬
‫ن الغاوِينَ‪ ...‬إلـى قوله‪َ :‬لعَّل ُهمْ َيتَ َف ّكرُونَ‪.‬‬
‫ن مِ َ‬
‫ن فَكا َ‬
‫شيْطا ُ‬
‫ال ّ‬
‫‪12037‬ـ حدثنـي موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬قال‪ :‬انطلق‬
‫رجل من بنـي إسرائيـل يقال له بَلْعم‪ ,‬فأتـى الـجبـارين فقال‪ :‬ل ترهبوا من بنـي‬
‫إسرائيـل‪ ,‬فإنـي إذا خرجتـم تقاتلونهم أدعو علـيهم فخرج يوشع يقاتل الـجبـارين فـي‬
‫الناس‪ .‬وخرج بلعم مع الـجبـارين علـى أتانه وهو يريد أن يـلعن بنـي إسرائيـل‪,‬‬
‫فكلـما أراد أن يدعو علـى بنـي إسرائيـل دعا علـى الـجبـارين‪ ,‬فقال الـجبـارون‪:‬‬
‫إنك إنـما تدعو علـينا فـيقول‪ :‬إنـما أردت بنـي إسرائيـل‪ .‬فلـما بلغ بـاب الـمدينة‬
‫أخذ ملك بذنب التان‪ ,‬فأمسكها فجعل يحرّكها فل تتـحرّك‪ ,‬فلـما أكثر ضربها تكلـمت‬
‫فقالت‪ :‬أنت تنكحنـي بـاللـيـل وتركبنـي بـالنهار؟ ويـلـي منك ولو أنـي أطقت‬
‫الـخرج لـخرجت‪ ,‬ولكن هذا الـملك يحبسنـي‪ .‬وفـي بَلْعم يقول ال‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْي ِهمْ نَبأَ‬
‫اّلذِي آتَـيْنا ُه آياتِنا‪ ...‬الَية‪.‬‬

‫‪12038‬ـ حدثنـي الـحارث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي رجل سمع عكرمة‪ ,‬يقول‪:‬‬
‫قالت امرأة منهم‪ :‬أرونـي موسى‪ ,‬فأنا أفتنه قال‪ :‬فتطيبتْ‪ ,‬فمرّت علـى رجل يشبه موسى‪,‬‬
‫فواقعها‪ ,‬فأتـى ابن هارون فأُخبر‪ ,‬فأخذ سيفـا‪ ,‬فطعن به فـي إحلـيـله حتـى أخرجه من‬
‫قبلها‪ ,‬ثم رفعهما حتـى رآهما الناس‪ ,‬فعلـم أنه لـيس موسى‪ ,‬ففُضّل آل هارون فـي‬
‫القربـان علـى آل موسى بـال َكتِف وال َعضُد والفخذ‪ ,‬قال‪ :‬فهو الذي آتـيناه آياتنا فـانسلـخ‬
‫منها‪ ,‬يعنـي بلعم‪.‬‬
‫شئْنا َلرَ َفعْناهُ بها فقال بعضهم‪ :‬معناه‪ :‬لرفعناه‬
‫واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله‪ :‬وَلَ ْو ِ‬
‫بعلـمه بها‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12039‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬قال‬
‫شئْنا َلرَ َفعْناهُ بها لرفعه ال تعالـى بعلـمه‪.‬‬
‫ابن عبـاس‪ :‬وَلَ ْو ِ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معناه لرفعنا عنه الـحال التـي صار إلـيها من الكفر بـال بآياتنا‪ .‬ذكر من‬
‫قال ذلك‪.‬‬
‫‪12040‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬عن عيسى‪ ,‬عن ابن أبـي‬
‫شئْنا َلرَ َفعْنا ُه بها‪ :‬لرفعنا عنه بها‪.‬‬
‫نُـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪ :‬وََلوْ ِ‬
‫حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬وَلَوْ‬
‫شئْنا َل َر َفعْناهُ بها‪ :‬لرفعناه عنه‪.‬‬
‫ِ‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬وأولـى القوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب أن يقال‪ :‬إن ال ع ّم الـخبر‬
‫شئْنا َل َرفَعْنا ُه بها أنه لو شاء رفعه بآياته التـي آتاه إياها‪ .‬والرفع يع ّم معانـي‬
‫بقوله‪ :‬وََلوْ ِ‬
‫كثـيرة‪ ,‬منها الرفع فـي الـمنزلة عنده‪ ,‬ومنها الرفع فـي شرف الدنـيا ومكارمها‪ .‬ومنها‬
‫الرفع فـي الذكر الـجميـل والثناء الرفـيع‪ .‬وجائز أن يكون ال عنى كلّ ذلك أنه لو شاء‬
‫لرفعه‪ ,‬فأعطاه كلّ ذلك بتوفـيقه للعمل بآياته التـي كان آتاها إياه‪.‬‬
‫وإذ كان ذلك جائزا‪ ,‬فـالصواب من القول فـيه أن ل ُيخَصّ منه شيء‪ ,‬إذ كان ل دللة‬
‫علـى خصوصه من خبر ول عقل‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬بِها فإن ابن زيد قال فـي ذلك كالذي قلنا‪.‬‬
‫شئْنا‬
‫‪12041‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وََلوْ ِ‬
‫َلرَ َفعْناهُ بها بتلك الَيات‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬وََل ِكنّهُ أخْـَلدَ إلـى الرْض فإن أهل التأويـل قالوا فـيه نـحو قولنا فـيه‪ .‬ذكر‬
‫من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12042‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن إسرائيـل‪ ,‬عن أبـي الهيثم‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫ض يعنـي‪ :‬ركن إلـى الرض‪.‬‬
‫جبـير‪ :‬وَلَكنّ ُه أخْـلَدَ إلـى الرْ ِ‬

‫قال‪ :‬ثنا يحيى بن آدم‪ ,‬عن شريك‪ ,‬عن سالـم‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ :‬وََل ِكّنهُ أخْـَلدَ إلـى‬
‫الرْض قال‪ :‬نزع إلـى الرض‪.‬‬
‫‪12043‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬أخـلد‪ :‬سكن‪.‬‬
‫‪12044‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو تُـمَيـلة‪ ,‬عن أبـي حمزة‪ ,‬عن‬
‫جابر‪ ,‬عن مـجاهد وعكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬كان فـي بنـي إسرائيـل بلعام بن‬
‫بـاعر أوتـي كتابـا‪ ,‬فأخـلد إلـى شهوات الرض ولذتها وأموالها‪ ,‬لـم ينتفع بـما جاء به‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫‪12045‬ـ حدثنا موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬وََل ِكنّ ُه أخْـلَدَ‬
‫إلـى الرْض وَا ّتبَع هَوَاهُ أما أخـلد إلـى الرض‪ :‬فـاتبع الدنـيا‪ ,‬وركن إلـيها‪.‬‬
‫وأصل الخلد فـي كلم العرب‪ :‬البطاء والقامة‪ ,‬يقال منه‪ :‬أخـلد فلن بـالـمكان إذا‬
‫أقام به وأخـلد نفسه إلـى الـمكان إذا أتاه من مكان آخر‪ ,‬ومنه قول زهير‪:‬‬
‫حجَر الـ َمسِيـل الـ ُمخْـلِ ِد‬
‫غشِيتُها بـال َغرْقَدكال َوحْي فـي َ‬
‫لَـمن الدّيارُ َ‬
‫يعنـي الـمقـيـم‪ ,‬ومنه قول مالك بن ُن َويْرة‪:‬‬
‫ل ماِلكٍوَع ْمرِو بن َي ْربُوعٍ أقامُوا فأخْـلَدوا‬
‫حيَ ِمنْ قَبـائِ ِ‬
‫بأبْناءِ َ‬
‫وكان بعض البصريـين يقول‪ :‬معنى قوله‪ :‬أخـلد‪ :‬لزم وتقاعس وأبطأ‪ ,‬والـمخـلد أيضا‪:‬‬
‫هو الذي يبطىء شيبه من الرجال‪ ,‬وهو من الدوابّ الذي تبقـى ثناياه حتـى تـخرج‬
‫ربـاعيتاه‪.‬‬
‫وأما قوله وَا ّتبَعَ َهوَا ُه فإن ابن زيد قال فـي تأويـله ما‪:‬‬
‫‪12046‬ـ حدثنـي به يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَا ّتبَعَ َهوَاهُ‬
‫قال‪ :‬كان هواه مع القوم‪.‬‬
‫حمِلْ عَلَـيْ ِه يَـ ْلهَثْ أ ْو تَترُكْهُ‬
‫ن تـ ْ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪َ :‬ف َمثَلُهُ ك َمثَلِ الكَلْبِ إ ْ‬
‫يَـ ْلهَثْ‪.‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فمثل هذا الذي آتـيناه آياتنا فـانسلـخ منها‪ ,‬مثل الكلب الذي يـلهث‪,‬‬
‫طردته أو تركته‪.‬‬
‫ثم اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله جعل ال مثله كمثل الكلب فقال بعضهم‪:‬‬
‫مثّله به فـي اللهث لتركه العمل بكتاب ال وآياته التـي آتاها إياه وإعراضه عن مواعظ ال‬
‫التـي فـيها إعراض من لـم يؤته ال شيئا من ذلك‪ ,‬فقال جلّ ثناؤه فـيه‪ :‬إذا كان سواء‬
‫أمره وعظ بآيات ال التـي آتاها إياه‪ ,‬أو لـم يوعظ فـي أنه ل يتعظ بها‪ ,‬ول يترك الكفر به‪,‬‬

‫فمثله مثل الكلب الذي سواء أمره فـي لهثه‪ ,‬طرد أو لـم يطرد‪ ,‬إذ كان ل يترك اللهث بحال‪.‬‬
‫ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12047‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫ث قال‪ :‬تطرده‪ ,‬هو مثل‬
‫حمِلْ عَلَـيْهِ يَـ ْلهَ ْ‬
‫ن تَـ ْ‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬ك َمثَلِ الكَلْبِ إ ْ‬
‫الذي يقرأ الكتاب ول يعمل به‪.‬‬
‫حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن جريج‪ ,‬قال مـجاهد‪:‬‬
‫ث قال‪ :‬تطرده بدابتك ورجلك يـلهث‪ ,‬قال‪ :‬مثل‬
‫ن تَـحْمِلْ عَلَـيْ ِه يَـلْهَ ْ‬
‫َفمَثَلُ ُه ك َمثَلِ الكَلْبِ إ ْ‬
‫الذي يقرأ الكتاب ول يعمل بـما فـيه‪.‬‬
‫قال ابن جريج‪ :‬الكلب منقطع الفؤاد‪ ,‬ل فؤاد له‪ ,‬إن حملت علـيه يـلهث‪ ,‬أو تتركه يـلهث‪.‬‬
‫قال‪ :‬مثل الذي يترك الهدى ل فؤاد له‪ ,‬إنـما فؤاده منقطع‪.‬‬
‫‪12048‬ـ حدثنـي ابن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن توبة‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن بعضهم‪َ :‬ف َمثَلُهُ‬
‫ث فذلك هو الكافر‪ ,‬هو ضالّ إن وعظته‬
‫حمِلْ عَلَـيْهِ يَـ ْلهَثْ أوْ َت ْت ُركْ ُه يَـلْهَ ْ‬
‫ك َمثَلِ الكَلْبِ إنْ تَـ ْ‬
‫وإن لـم تعظه‪.‬‬
‫‪12049‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫ن تَـحْمِلْ عَلَـيْ ِه الـحكمة لـم يحملها‪ ,‬وإن ترك‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪َ :‬فمَثَلُ ُه ك َمثَلِ الكَلْبِ إ ْ‬
‫لـم يهتد لـخير‪ ,‬كالكلب إن كان رابضا لهث وإن طُرد لهث‪.‬‬
‫حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬عن‬
‫أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس قال‪ :‬آتاه ال آياته فتركها‪ ,‬فجعل ال مثله كمثل الكلب‪ ,‬إن تـحمل‬
‫علـيه يـلهث‪ ,‬أو تتركه يـلهث‪.‬‬
‫‪12050‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قِتادة‪ :‬وَاتْلُ عَلَـ ْيهِمْ نَبأَ اّلذِي‬
‫شيْطانُ‪ ...‬الَية‪ ,‬هذا مثل ضربه ال لـمن عرض‬
‫آتَـيْنا ُه آياتِنا فـا ْنسَلَـخَ ِمنْها فأتْ َبعَ ُه ال ّ‬
‫شئْنا‬
‫علـيه الهدى‪ ,‬فأبى أن يقبله وتركه‪ .‬قال‪ :‬وكان الـحسن يقول‪ :‬هو الـمنافق‪ .‬وََلوْ ِ‬
‫حمِلْ عَلَـيْهِ‬
‫ن تَـ ْ‬
‫َلرَ َفعْناهُ بِها وََل ِكنّ ُه أخْـلَ َد إلـى الرْض وَا ّتبَعَ َهوَا ُه َف َمثَلُهُ ك َمثَل الكَلْب إ ْ‬
‫يَـ ْلهَثْ أ ْو َت ْترُكْ ُه يَـ ْلهَثْ قال‪ :‬هذا مثل الكافر ميت الفؤاد‪.‬‬
‫ل ثناؤه بـالكلب لنه كان يـلهث كما يـلهث الكلب‪ .‬ذكر من‬
‫وقال آخرون‪ :‬إنـما مثّله ج ّ‬
‫قال ذلك‪.‬‬
‫‪12051‬ـ حدثنا موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪َ :‬ف َمثَلُ ُه ك َمثَلِ الكَلْبِ‬
‫ن تَـحْمِلْ عَلَـيْ ِه يَـلْهَثْ أ ْو َتتْ ُركْ ُه يَـ ْلهَثْ وكان بلعم يـلهث كما يـلهث الكلب‪ .‬وأما‬
‫إْ‬
‫تـحمل علـيه‪ :‬فتشدّ علـيه‪.‬‬

‫قال‪ :‬أبو جعفر‪ :‬وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال‪ :‬إنـما هو‬
‫مثل لتركه العمل بآيات ال التـي آتاها إياه‪ ,‬وأن معناه‪ :‬سواء وعظ أو لـم يوعظ فـي أنه ل‬
‫يترك ما هو علـيه من خلفه أمر ربه‪ ,‬كما سواء حمل علـى الكلب وطرد أو ترك فلـم‬
‫يطرد فـي أنه ل يدع اللهث فـي كلتا حالتـيه‪.‬‬
‫ل القَوم الّذينَ‬
‫وإنـما قلنا ذلك أولـى القولـين بـالصواب لدللة قوله تعالـى ذلك‪َ :‬مثَ ُ‬
‫َك ّذبُوا بآياتِنا فجعل ذلك مثل الـمكذّبـين بآياته‪ .‬وقد علـمنا أن اللهاث لـيس فـي خـلقة‬
‫كلّ مكذّب كتب علـيه ترك النابة من تكذيب بآيات ال‪ ,‬وأن ذلك إنـما هو مثل ضربه ال‬
‫لهم‪ ,‬فكان معلوما بذلك أنه للذي وصف ال صفته فـي هذه الَية‪ ,‬كما هو لسائر الـمكذّبـين‬
‫بآيات ال َمثَل‪.‬‬
‫ص ال َقصَصَ‬
‫ن َك ّذبُوا بآياتِنا فـاقْصُ ِ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬ذلكَ َمثَلُ القَوْم الّذي َ‬
‫َلعَّل ُهمْ َيتَ َفكّرُونَ‪.‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬هذا الـمثل الذي ضربته لهذا الذي آتـيناه آياتنا فـانسلـخ منها‪ ,‬مثل‬
‫القوم الذين كذّبوا بحججنا وأعلمنا وأدلتنا‪ ,‬فسلكوا فـي ذلك سبـيـل هذا الـمنسلـخ من‬
‫آياتنا الذي آتـيناها إياه فـي تركه العمل بـما آتـيناه من ذلك‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬فـا ْقصُصِ ال َقصَصَ فإنه يقول لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬فـاقصص‬
‫يا مـحمد هذا القصص الذي قصصته علـيك من نبإ الذي آتـيناه آياتنا‪ ,‬وأخبـار المـم‬
‫التـي أخبرتك أخبـارهم فـي هذه السورة وقصصت علـيك نبأهم ونبأ أشبـاههم‪ ,‬وما حلّ‬
‫ن ِقبَلَك من‬
‫بهم من عقوبتنا ونزل بهم‪ ,‬حين كذّبوا رسلنا من نقمتنا علـى قومك من قريش ومَ ْ‬
‫يهود بنـي إسرائيـل‪ ,‬لـيتفكروا فـي ذلك فـيعتبروا وينـيبوا إلـى طاعتنا‪ ,‬لئل يحل بهم‬
‫ل بـمن قبلهم من النقم والـمثلت‪ ,‬ويتدبره الـيهود من بنـي إسرائيـل‬
‫مثل الذي ح ّ‬
‫فـيعلـموا حقـيقة أمرك وصحة نبوّتك‪ ,‬إذ كان نبأ الذي آتـيناه آياتنا من خفـيّ علومهم‬
‫ومكنون أخبـارهم ل يعلـمه إلّ أحبـارهم ومن قرأ الكتب ودرسها منهم‪ ,‬وفـي علـمك‬
‫بذلك وأنت أمي ل تكتب ول تقرأ ول تدرس الكتب ولـم تـجالس أهل العلـم الـحجةُ‬
‫البـينة لك علـيهم بأنك ل رسول‪ ,‬وأنك لـم تعلـم ما علـمت من ذلك‪ ,‬وحالك الـحال‬
‫ل بوحي من السماء‪.‬‬
‫التـي أنت بها إ ّ‬
‫وبنـحو ذلك كان أبو النضر يقول‪.‬‬
‫‪12052‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن مـحمد‪ ,‬عن سالـم أبـي النضر‪:‬‬
‫ن يعنـي‪ :‬بنـي إسرائيـل‪ ,‬إذ قد جئتهم بخبر ما كان‬
‫ص ال َقصَصَ َلعَّل ُهمْ َيتَ َف ّكرُو َ‬
‫فـاقْصُ ِ‬
‫فـيهم مـما يخفون علـيك‪ ,‬لعلهم يتفكرون‪ ,‬فـيعرفون أنه لـم يأت بهذا الـخبر عما مضى‬
‫فـيهم إلّ نبـيّ يأتـيه خبر السماء‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪177‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫سهُمْ كَانُواْ‬
‫ن َك ّذبُو ْا بِآيَا ِتنَا وَأَن ُف َ‬
‫{سَآءَ َمثَلً ا ْلقَ ْومُ اّلذِي َ‬

‫َيظْلِمُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ساء مثلً القوم الذين كذّبوا بحجج ال وأدلته فجحدوها‪ ,‬وأنفسهم كانوا‬
‫ينقصون حظوظها‪ ,‬ويبخسونها منافعها بتكذيبهم بها ل غيرها‪ .‬وقـيـل‪ :‬ساء مثلً من الشرّ‪,‬‬
‫بـمعنى‪ :‬بئس مثلً‪ .‬وأقـيـم القوم مقام الـمثل‪ ,‬وحذف الـمثل‪ ,‬إذ كان الكلم مفهوما معناه‪,‬‬
‫ن بـال فإن معناه‪ :‬ولكن البرّ برّ من آمن بـال‪ .‬وقد‬
‫ن آمَ َ‬
‫ن ال ِبرّ مَ ْ‬
‫كما قال جلّ ثناؤه‪ :‬وََلكِ ّ‬
‫بـيّنا نظائر ذلك فـي مواضع غير هذا بـما أغنى عن إعادته‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪178‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫{مَن َي ْهدِ اللّ ُه َفهُوَ ا ْل ُم ْه َتدِي َومَن ُيضْلِلْ َفأُوْلَـ ِئكَ ُهمُ‬

‫ا ْلخَاسِرُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬الهداية والضلل بـيد ال والـمهتدى وهو السالك سبـيـل الـحقّ‬
‫الراكب قصد الـمـحجة فـي دينه من هداه ال لذلك‪ ,‬فوفقه لصابته‪ .‬والضالّ من خذله ال‬
‫فلـم يوفقه لطاعته‪ ,‬ومن فعل ال ذلك به فهو الـخاسر‪ :‬يعنـي الهالك‪ .‬وقد بـيّنا معنى‬
‫الـخسارة والهداية والضللة فـي غير موضع من كتابنا هذا بـما أغنى عن إعادته فـي‬
‫هذا الـموضع‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪179‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫لنْسِ َل ُه ْم قُلُوبٌ لّ‬
‫ن ا ْلجِنّ وَا ِ‬
‫ج َهنّمَ َكثِيرا مّ َ‬
‫{وََل َقدْ َذرَ ْأنَا ِل َ‬

‫ل ُهمْ َأضَلّ‬
‫ن ِبهَآ أُوْلَـ ِئكَ كَال ْنعَامِ بَ ْ‬
‫س َمعُو َ‬
‫ن لّ َي ْ‬
‫ن ِبهَا وََل ُهمْ آذَا ٌ‬
‫صرُو َ‬
‫ل ُيبْ ِ‬
‫ع ُينٌ ّ‬
‫يَفْ َقهُونَ ِبهَا وََل ُهمْ أَ ْ‬
‫ن }‪..‬‬
‫أُوْلَـ ِئكَ ُهمُ ا ْلغَافِلُو َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ولقد خـلقنا لـجهنـم كثـيرا من الـجنّ والنس‪ ,‬يقال منه‪ :‬ذرأ ال‬
‫خـلقه يذرؤهم َذرْءا‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12053‬ـ حدثنـي علـيّ بن الـحسين الزديّ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن يـمان‪ ,‬عن مبـارك‬
‫ن الـجِنّ والنْسِ قال‪:‬‬
‫بن فضالة‪ ,‬عن الـحسن‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وََل َقدْ َذرَأْنا لـجَ َهنّـمَ َكثِـيرا مِ َ‬
‫مـما خـلقنا‪.‬‬
‫حدثنا أبو كريب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن أبـي زائدة‪ ,‬عن مبـارك‪ ,‬عن الـحسن‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وََل َقدْ‬
‫ج َهنّـمَ قال‪ :‬خـلقنا‪.‬‬
‫َذرَأْنا لـ َ‬

‫عتّاب بن بشير‪ ,‬عن علـيّ بن ِبذَيـمة‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪,‬‬
‫‪12054‬ـ قال‪ :‬ثنا زكريا‪ ,‬عن َ‬
‫قال‪ :‬أولد الزنا مـما ذرأ ال لـجهنـم‪.‬‬
‫‪12055‬ـ قال‪ :‬ثنا زكريا بن عديّ وعثمان الحول‪ ,‬عن مروان بن معاوية‪ ,‬عن الـحسن بن‬
‫عمرو‪ ,‬عن معاوية ابن إسحاق‪ ,‬عن جلـيس له بـالطائف‪ ,‬عن عبد ال بن عمرو‪ ,‬عن‬
‫جهَنّـمَ ما َذرَأ‪ ,‬كانَ وََلدُ الزّنا مِـمّنْ‬
‫ن اللّ َه لَـمّا َذرَأَ لـ َ‬
‫النبـيّ صلى ال عليه وسلم‪ ,‬قال‪« :‬إ ّ‬
‫َذرَأ لـجَ َهنّـمَ»‪.‬‬
‫‪12056‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫ج َهنّـمَ يقول‪ :‬خـلقنا‪.‬‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬وَلَ َقدْ َذرَأْنا لـ َ‬
‫‪12057‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫ج َهنّـمَ قال‪ :‬لقد خـلقنا لـجهنـم كثـيرا من‬
‫مـجاهدا يقول فـي قوله‪ :‬وَلَ َقدْ َذرَأْنا لـ َ‬
‫الـجنّ والنس‪.‬‬
‫‪12058‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن ابن‬
‫ج َهنّـمَ خـلقنا‪.‬‬
‫عبـاس‪ :‬وَلَ َقدْ َذرَأْنا لـ َ‬
‫ن والنْس لنفـاذ علـمه فـيهم بأنهم‬
‫ج َهنّـمَ َكثِـيرا ِمنَ الـجِ ّ‬
‫ل ثناؤه‪ :‬وَلَ َقدْ َذرَأْنا لـ َ‬
‫وقال ج ّ‬
‫يصيرون إلـيها بكفرهم بربهم‪.‬‬
‫ن بها فإن معناه‪ :‬لهؤلء الذين ذرأهم ال لـجهنـم من خـلقه‬
‫ب ل يَ ْف َقهُو َ‬
‫وأما قوله‪َ :‬ل ُهمْ قُلُو ٌ‬
‫قلوب ل يتفكرون بها فـي آيات ال‪ ,‬ول يتدبرون بها أدلته علـى وحدانـيته‪ ,‬ول يعتبرون‬
‫بها حججه لرسله‪ ,‬فـيعلـموا توحيد ربهم‪ ,‬ويعرفوا حقـيقة نبوّة أنبـيائهم‪ .‬فوصفهم ربنا جلّ‬
‫ثناؤه بأنهم ل يفقهون بها لعراضهم عن الـحقّ وتركهم تدبر صحة الرشد وبطول الكفر‪.‬‬
‫وكذلك قوله‪ :‬وَل ُهمْ أعيُنٌ ل ُي ْبصِرُونَ بها معناه‪ :‬ولهم أعين ل ينظرون بها إلـى آيات ال‬
‫وأدلته‪ ,‬فـيتأملوها ويتفكروا فـيها‪ ,‬فـيعلـموا بها صحة ما تدعوهم إلـيه رسلهم‪ ,‬وفساد ما‬
‫هم علـيه مقـيـمون من الشرك بـال وتكذيب رسله فوصفهم ال بتركهم إعمالها فـي‬
‫ن بها آيات كتاب ال‬
‫س َمعُو َ‬
‫الـحق بأنهم ل يبصرون بها‪ .‬وكذلك قوله‪ :‬وَل ُه ْم آذَانٌ ل َي ْ‬
‫س َمعُوا لهذا ال ُقرْآنِ والْغوا‬
‫فـيعتبروها ويتفكروا فـيها‪ ,‬ولكنهم يعرضون عنها‪ ,‬ويقولون‪ :‬ل َت ْ‬
‫ع ْميٌ َفهُمْ‬
‫فِـي ِه َلعَّل ُكمْ َتغِْلبُونَ‪ .‬وذلك نظير وصف ال إياهم فـي موضع آخر بقوله‪ :‬صُمّ ُب ْكمٌ ُ‬
‫ن والعرب تقول ذلك للتارك استعمال بعض جوارحه فـيـما يصلـح له‪ ,‬ومنه قول‬
‫ل َيعْقلُو َ‬
‫مسكين الدارمي‪:‬‬
‫س ْترُ‬
‫خ َرجَتحتـى يُوَاريَ جارَتـي ال ّ‬
‫عمَى إذَا ما جارَتـي َ‬
‫أْ‬
‫سمْع ِمنْ َوقْرِ‬
‫سمْعي وَما بـال ّ‬
‫ن بَـ ْينَهُما َ‬
‫عمّا كا َ‬
‫وأصَمّ َ‬
‫فوصف نفسه لتركه النظر والستـماع بـالعمى والصمـم‪ .‬ومنه قول الَخر‪:‬‬

‫سمِيعُ‬
‫عنْهاوإنّـي لَ ْو أشاءُ بِها َ‬
‫صمَـمْتُ َ‬
‫ع ْورَاءِ اللّئامِ َ‬
‫وَ َ‬
‫ن ال َعصَبِ الضّلوعُ‬
‫عنْهاوَلَ ْو بِـينَتْ مِ َ‬
‫ت النّفْسَ َ‬
‫وبَـا ِدرَةٍ َوزَعْ ُ‬
‫وذلك كثـير فـي كلم العرب وأشعارها‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12059‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫مـجاهدا يقول فـي قوله‪َ :‬ل ُهمْ قُلُوبٌ ل يَفْ َقهُونَ بِها قال‪ :‬ل يفقهون بها شيئا من أمر الَخرة‪.‬‬
‫حقّ ثم جعلهم كالنعام‪ ,‬ثم‬
‫ن بِها الـ َ‬
‫س َمعُو َ‬
‫ن ل َي ْ‬
‫ن ل ُي ْبصِرُونَ بِها الهدى‪ .‬وَل ُهمْ آذَا ٌ‬
‫عيُ ٌ‬
‫وَل ُهمْ أ ْ‬
‫ل ُهمْ أضَلّ ثم أخبر أنهم هم الغافلون‪.‬‬
‫جعلهم شرّا من النعام‪ ,‬فقال‪ :‬بَ ْ‬
‫ك ُهمُ الغَافِلُونَ‪.‬‬
‫ك كالَ ْنعَامِ بَلْ ُه ْم أضَلّ أول ِئ َ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬أوَل ِئ َ‬
‫ك كالنْعامِ هؤلء الذين ذرأهم لـجهنـم هم كالنعام‪ ,‬وهي‬
‫يعنـي جلّ ثناؤه بقوله‪ :‬أُوَل ِئ َ‬
‫البهائم التـي ل تفقه ما يقال لها ول تفهم ما أبصرته مـما يصلـح وما ل يصلـح ول تعقل‬
‫بقلوبها الـخير من الش ّر فتـميز بـينهما‪ ,‬فشبههم ال بها‪ ,‬إذ كانوا ل يتذكرون ما يرون‬
‫بأبصارهم من حججه‪ ,‬ول يتفكرون فـيـما يسمعون من آي كتابه‪ .‬ثم قال‪ :‬بَلْ ُهمْ أضَلّ‬
‫يقول‪ :‬هؤلء الكفرة الذين ذرأهم لـجهنـم أشدّ ذهابـا عن الـحقّ وألزم لطريق البـاطل من‬
‫البهائم‪ ,‬لن البهائم ل اختـيار لها ول تـميـيز فتـختار وتـميّز‪ ,‬وإنـما هي مسخرة ومع‬
‫ذلك تهرب من الـمضارّ وتطلب لنفسها من الغذاء الصلـح‪ .‬والذين وصف ال صفتهم‬
‫فـي هذه الَية‪ ,‬مع ما أُعطوا من الفهام والعقول الـمـميزة بـين الـمصالـح والـمضارّ‪,‬‬
‫تترك ما فـيه صلح دنـياها وآخرتها وتطلب ما فـيه مضارّها‪ ,‬فـالبهائم منها أسد وهي‬
‫منها أضلّ‪ ,‬كما وصفها به ربنا جلّ ثناؤه‪.‬‬
‫ك ُهمُ الغافِلُونَ يقول تعالـى ذكره‪ :‬هؤلء الذين وصفت صفتهم‪ ,‬القوم الذين‬
‫وقوله‪ :‬أُوَل ِئ َ‬
‫غفلوا‪ ,‬يعنـي سهوا عن آياتـي وحججي‪ ,‬وتركوا تدبرها والعتبـار بها والستدلل علـى‬
‫ما دلت علـيه من توحيد ربها‪ ,‬ل البهائم التـي قد عرّفها ربها ما سخرها له‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪180‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫حدُونَ‬
‫ن يُ ْل ِ‬
‫حسْ َنىَ فَادْعُوهُ ِبهَا َو َذرُواْ اّلذِي َ‬
‫{وَلّل ِه السْمَآ ُء ا ْل ُ‬

‫ن }‪..‬‬
‫س ُيجْزَ ْونَ مَا كَانُو ْا َي ْعمَلُو َ‬
‫سمَآئِ ِه َ‬
‫فِيَ َأ ْ‬
‫حسْنَى‪ ,‬وهي كما قال ابن عبـاس‪.‬‬
‫يقول تعالـى ذكره ولِلّ ِه السْماءُ الـ ُ‬
‫‪12060‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬ولِّلهِ‬
‫سنَى فـادْعُو ُه بِها ومن أسمائه‪ :‬العزيز الـجبـار‪ ,‬وكلّ أسماء ال حسن‪.‬‬
‫السْما ُء الـحُ ْ‬

‫‪12061‬ـ حدثنـي يعقوب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن علـية‪ ,‬عن هشام بن حسان‪ ,‬عن ابن سيرين‪ ,‬عن‬
‫سعِينَ اسْما‪ِ ,‬مئَ ًة إلّ‬
‫سعَةً َو ِت ْ‬
‫أبـي هريرة عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬قال‪« :‬إنّ لِّلهِ ِت ْ‬
‫جنّةَ»‪.‬‬
‫حصَاها كُلّها َدخَـلَ الـ َ‬
‫وَاحِدا‪َ ,‬منْ أ ْ‬
‫ن فِـي أسْمائِهِ فإنه يعنـي به الـمشركين‪ .‬وكان‬
‫حدُو َ‬
‫ن يُـلْـ ِ‬
‫وأما قوله‪َ :‬وذَرُوا اّلذِي َ‬
‫إلـحادهم فـي أسماء ال أنهم عدلوا بها عما هي علـيه‪ ,‬فسموا بها آلهتهم وأوثانهم‪ ,‬وزادوا‬
‫فـيها ونقصوا منها‪ ,‬فسموا بعضها اللت اشتقاقا منهم لها من اسم ال الذي هو ال‪ ,‬وسموا‬
‫بعضها العزّى اشتقاقا لها من اسم ال الذي هو العزيز‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12062‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫حدُونَ فِـي أسْمائِ ِه قال‪ :‬إلـحاد الـملـحدين‬
‫ن يُـلْـ ِ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪َ :‬و َذرُوا اّلذِي َ‬
‫أن دعوا اللت فـي أسماء ال‪.‬‬
‫‪12063‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن‬
‫ن يُـلْـحِدُونَ فِـي أسْمائِ ِه قال‪ :‬اشتقوا ال ُعزّى من العزيز‪ ,‬واشتقوا اللت‬
‫مـجاهد‪َ :‬و َذرُوا الّذي َ‬
‫من ال‪.‬‬
‫واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله يُـلْـحِدُونَ فقال بعضهم‪ :‬يكذّبون‪ .‬ذكر من قال‬
‫ذلك‪.‬‬
‫‪12064‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن ابن‬
‫حدُونَ فِـي أسْمائِ ِه قال‪ :‬اللـحاد‪ :‬التكذيب‪.‬‬
‫ن يُـلْـ ِ‬
‫عبـاس‪ ,‬قوله‪َ :‬و َذرُوا اّلذِي َ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬يشركون‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12065‬ـ حدثنـي مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫ن قال‪ :‬يشركون‪.‬‬
‫حدُو َ‬
‫يُـلْـ ِ‬
‫وأصل اللـحاد فـي كلم العرب‪ :‬العدول عن القصد‪ ,‬والـجور عنه‪ ,‬والعراض‪ ,‬ثم‬
‫يستعمل فـي كلّ معوجّ غير مستقـيـم‪ ,‬ولذلك قـيـل للـحد القبر لـحد‪ ,‬لنه فـي ناحية‬
‫حدُ لَـحْدا‬
‫منه ولـيس فـي وسطه‪ ,‬يقال منه‪ :‬ألـحد فلن يُـلْـحِد إلـحادا‪ ,‬ولَـحد يَـلْـ َ‬
‫ولُـحُودا‪ .‬وقد ذكر عن الكسائي أنه كان يفرّق بـين اللـحاد واللـحد‪ ,‬فـيقول فـي‬
‫اللـحاد‪ :‬إنه العدول عن القصد‪ ,‬وفـي اللـحد إنه الركون إلـى الشيء‪ ,‬وكان يقرأ جميع ما‬
‫ل التـي فـي النـحل‪ ,‬فإنه كان‬
‫فـي القرآن «يُـلـحدون» بضمّ الـياء وكسر الـحاء‪ ,‬إ ّ‬
‫يقرؤها‪« :‬يَـلـحَدون» بفتـح الـياء والـحاء‪ ,‬ويزعم أنه بـمعنى الركون‪ .‬وأما سائر أهل‬
‫الـمعرفة بكلم العرب فـيرون أن معناهما واحد‪ ,‬وأنهما لغتان جاءتا فـي حرف واحد‬
‫بـمعنى واحد‪.‬‬

‫واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك‪ ,‬فقرأته عامّة قرّاء أهل الـمدينة وبعض البصريـين‬
‫والكوفـيـين‪ :‬يُـلْـحِدون بضمّ الـياء وكسر الـحاء من ألـحد يُـلـحِد فـي جميع‬
‫القرآن‪ .‬وقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الكوفة‪« :‬يَـلْـحَدون» بفتـح الـياء والـحاء من لـحد‬
‫يـلـحد‪.‬‬
‫والصواب من القول فـي ذلك أنهما لغتان بـمعنى واحد‪ ,‬فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب‬
‫الصواب فـي ذلك‪ .‬غير أنـي أختار القراءة بضمّ الـياء علـى لغة من قال‪« :‬ألـحد»‪,‬‬
‫حدُونَ‬
‫ن يُـلْـ ِ‬
‫لنها أشهر اللغتـين وأفصحهما‪ .‬وكان ابن زيد يقول فـي قوله‪ :‬وَذرُوا اّلذِي َ‬
‫فِـي أسْمائِهِ إنه منسوخ‪.‬‬
‫‪12066‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬و َذرُوا اّلذِينَ‬
‫ن فِـي أسْمائِ ِه قال‪ :‬هؤلء أهل الكفر‪ ,‬وقد نسخ‪ ,‬نسخه القتال‪.‬‬
‫يُـلْـحِدو َ‬
‫ن يُـلْـحِدونَ‬
‫ول معنى لـما قال ابن زيد فـي ذلك من أنه منسوخ‪ ,‬لن قوله‪َ :‬و َذرُوا اّلذِي َ‬
‫فِـي أسْمائِهِ لـيس بأمر من ال لنبـيه صلى ال عليه وسلم بترك الـمشركين أن يقولوا ذلك‬
‫حتـى يأذن له فـي قتالهم‪ ,‬وإنـما هو تهديد من ال للـملـحدين فـي أسمائه ووعيد منه‬
‫لهم‪ ,‬كما قال فـي موضع آخر‪َ :‬ذرْ ُهمْ َي ْأكُلُوا َو َيتَـمَ ّتعُوا َويُـ ْل ِه ِهمُ المَلُ‪ ...‬الَية‪ ,‬وكقوله‪:‬‬
‫لِـ َيكْفُرُوا بِـمَا آتَـيْنا ُهمْ وَلِـيَتَـ َم ّتعُوا َفسَ ْوفَ َيعْلَـمُونَ وهو كلم خرج مخرج المر‬
‫بـمعنى الوعيد والتهديد‪ ,‬ومعناه‪ :‬إن تُـمهل الذين يُـلـحدون يا مـحمد فـي أسماء ال‬
‫إلـى أجل هم بـالغوه‪ ,‬فسوف يجزون إذا جاءهم أجل ال الذي أجّله إلـيهم جزاء أعمالهم‬
‫التـي كانوا يعملونها قبل ذلك من الكفر بـال واللـحاد فـي أسمائه وتكذيب رسوله‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪181‬‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫حقّ َو ِبهِ‬
‫{ َو ِم ّمنْ خَلَ ْقنَآ ُأ ّمةٌ َي ْهدُونَ بِا ْل َ‬

‫َي ْعدِلُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ومن الـخـلق الذين خـلقنا أمة‪ ,‬يعنـي جماعة يهدون‪ ,‬يقول‪:‬‬
‫يهتدون بـالـحقّ وبِ ِه َي ْعدِلُونَ يقول‪ :‬وبـالـحقّ يقضون وينصفون الناس‪ ,‬كما قال ابن‬
‫جريج‪.‬‬
‫‪12067‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قوله‪ُ :‬أمّةٌ‬
‫ن قال ابن جريج‪ :‬ذكر لنا أن نبـيّ ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬قال‪:‬‬
‫حقّ َوبِ ِه َي ْعدِلُو َ‬
‫ن بـالـ َ‬
‫َي ْهدُو َ‬
‫خذُونَ َو ُيعْطُونَ َويَ ْقضُونَ»‪.‬‬
‫«هذِ ِه ُأمّتـي» قالَ‪« :‬بـالـحَقّ َي ْأ ُ‬
‫‪12068‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪َ :‬ومِـمّنْ‬
‫ن بـالـحَقّ َوبِ ِه َي ْعدِلُونَ‪.‬‬
‫خَـلَقْنا ُأمّ ٌة َي ْهدُو َ‬

‫‪12069‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪َ :‬ومِـمّنْ خَـلَقْنا ُأ ّمةٌ‬
‫ن بلغنا أن نبـيّ ال صلى ال عليه وسلم يقول إذا قرأها‪« :‬هَذهِ‬
‫حقّ َوبِ ِه َي ْعدِلُو َ‬
‫ن بـالـ َ‬
‫َي ْهدُو َ‬
‫حقّ َو ِبهِ َي ْعدِلُونَ»‪.‬‬
‫ن بـالـ َ‬
‫ن أ ْيدِي ُكمْ ِمثْلَها‪َ ,‬ومِنْ قَوْم مُوسَى ُأمّ ٌة َي ْهدُو َ‬
‫عطِيَ القَ ْومُ بـي َ‬
‫َل ُكمْ‪َ ,‬و َقدْ ُأ ْ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪182‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫حيْثُ لَ‬
‫ن َ‬
‫س َنسْ َت ْد ِرجُ ُهمْ مّ ْ‬
‫ن َك ّذبُو ْا بِآيَا ِتنَا َ‬
‫{وَاّلذِي َ‬

‫َيعَْلمُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬والذين كذّبوا بأدلتنا وأعلمنا‪ ,‬فجحدوها ولـم يتذكروا بها‪ ,‬سنـمهله‬
‫بغرّته ونزين له سوء عمله‪ ,‬حتـى يحسب أنه هو فـيـما علـيه من تكذيبه بآيات ال إلـى‬
‫نفسه مـحسن‪ ,‬وحتـى يبلغ الغاية التـي كتب له من الـمهل‪ ,‬ثم يأخذه بأعماله السيئة‪,‬‬
‫فـيجازيه بها من العقوبة ما قد أعدّ له‪ .‬وذلك استدراج ال إياه‪ .‬وأصل الستدراج اغترار‬
‫الـمستدرج بلطف من حيث يرى الـمستدرج أن الـمستدرج إلـيه مـحسن حتـى يورّطه‬
‫مكروها‪ .‬وقد بـيّنا وجه فعل ال ذلك بأهل الكفر به فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته‬
‫فـي هذا الـموضع‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪183‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن َك ْيدِي َمتِينٌ }‪..‬‬
‫{وَُأمْلِي َل ُهمْ إِ ّ‬

‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬وأؤخر هؤلء الذين كذّبوا بآياتنا مُلءة بـالكسر والضمّ والفتـح من‬
‫الدهر‪ ,‬وهي الـحين‪ ,‬ومنه قـيـل‪ :‬انتظرتك ملّـيا‪ ,‬لـيبلغوا بـمعصيتهم ربهم الـمقدار‬
‫ن َك ْيدِي والكيد‪ :‬هو الـمكر‪ .‬وقوله‬
‫الذي قد كتبه لهم من العقاب والعذاب ثم يقبضهم إلـيه‪ .‬إ ّ‬
‫ن يعنـي‪ :‬قويّ شديد‪ ,‬ومنه قول الشاعر‪:‬‬
‫َمتِـي ٌ‬
‫شدّ مـمَاتِنُ‬
‫ن ال ُهرّابِ َ‬
‫ل النّاسِ وَاقْبح ُي ْبتَلـىأفـاسٌ مِ َ‬
‫عدُو َ‬
‫عدَلْنَ ُ‬
‫َ‬
‫يعنـي‪ :‬سيرا شديدا بـاقـيا ل ينقطع‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪184‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن هُ َو ِإلّ َنذِيرٌ‬
‫جنّ ٍة إِ ْ‬
‫ح ِبهِمْ مّن ِ‬
‫{أَوََل ْم َيتَ َف ّكرُواْ مَا ِبصَا ِ‬

‫ّمبِينٌ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬أو لـم يتفكر هؤلء الذين كذّبوا بآياتنا فـيتدبّروا بعقولهم‪ ,‬ويعلـموا‬
‫جنّة به ول خبْل‪ ,‬وأن الذي دعاهم إلـيه هو الدين‬
‫أن رسولنا الذي أرسلناه إلـيهم‪ ,‬ل ِ‬
‫ق الـمبـين‪ .‬ولذا نزلت هذه الَية فـيـما قبل‪ ,‬كما‪:‬‬
‫الصحيح القويـم والـح ّ‬
‫‪12070‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قال‪ :‬ذكر لنا أن‬
‫نبـيّ ال صلى ال عليه وسلم كان علـى الصفـا‪ ,‬فدعا قريشا‪ ,‬فجعل يفخّذهم فخذا فخذا‪ :‬يا‬

‫بنـي فلن يا بنـي فلن فحذّرهم بأس ال‪ ,‬ووقائع ال‪ ,‬فقال قائلهم‪ :‬إن صاحبكم هذا‬
‫لـمـجنون بـات يصوّت إلـى الصبـاح‪ ,‬أو حتـى أصبح‪ .‬فأنزل ال تبـارك وتعالـى‪:‬‬
‫ن هُ َو إلّ َنذِيرٌ ُمبِـينٌ‪.‬‬
‫جنّةٍ إ ْ‬
‫أ َو لَـمْ َيتَ َف ّكرُوا ما ِبصَاحِبهِمْ ِمنْ ِ‬
‫ن هُ َو إلّ َنذِيرٌ ُمبِـينٌ‪ :‬ما هو إلّ نذير منذركم عقاب ال علـى كفركم به‬
‫ويعنـي بقوله‪ :‬إ ْ‬
‫ن قد أبـان لكم أيها الناس إنذاره ما‬
‫إن لـم تنـيبوا إلـى اليـمان به‪ ,‬ويعنـي بقوله‪ُ :‬مبِـي ٌ‬
‫أنذركم به من بأس ال علـى كفركم به‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪185‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫سمَاوَاتِ وَالرْضِ َومَا خََلقَ‬
‫ظرُو ْا فِي مََلكُوتِ ال ّ‬
‫{أَوََل ْم َينْ ُ‬

‫حدِيثٍ َب ْعدَهُ ُي ْؤ ِمنُونَ }‪..‬‬
‫ن َقدِ اقْ َترَبَ َأجَُل ُهمْ َف ِبَأيّ َ‬
‫سىَ أَن َيكُو َ‬
‫عَ‬
‫اللّ ُه مِن شَيْءٍ وََأنْ َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬أو لـم ينظر هؤلء الـمكذّبون بآيات ال فـي مُلك ال وسلطانه فـي‬
‫السموات وفـي الرض وفـيـما خـلق جلّ ثناؤه من شيء فـيهما‪ ,‬فـيتدبروا ذلك‬
‫ويعتبروا به ويعلـموا أن ذلك مـمن ل نظير له ول شبـيه‪ ,‬ومن فعل من ل ينبغي أن تكون‬
‫العبـادة والدين الـخالص إلّ له‪ ,‬فـيؤمنوا به ويصدّقوا رسوله وينـيبوا إلـى طاعته‬
‫ويخـلعوا النداد والوثان ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فـيهلكوا علـى كفرهم‬
‫ويصيروا إلـى عذاب ال وألـيـم عقابه‪.‬‬
‫حدِيثٍ َب ْعدَ ُه يُ ْؤ ِمنُونَ يقول‪ :‬فبأيّ تـجويف وتـحذير وترهيب بعد تـحذير‬
‫وقوله‪َ :‬فبِأيّ َ‬
‫مـحمد صلى ال عليه وسلم وترهيبه الذي أتاهم به من عند ال فـي آي كتابه يصدّقون‪ ,‬إن‬
‫لـم يصدّقوا بهذا الكتاب الذي جاءهم به مـحمد صلى ال عليه وسلم من عند ال تعالـى‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪186‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ط ْغيَا ِنهِمْ‬
‫{مَن ُيضْلِلِ اللّ ُه فَلَ هَا ِديَ لَهُ َو َي َذرُ ُهمْ فِي ُ‬

‫َي ْع َمهُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬إن إعراض هؤلء الذين كذّبوا بآياتنا‪ ,‬التاركي النظر فـي حجج ال‬
‫والفكر فـيها‪ ,‬لضلل ال إياهم‪ ,‬ولو هداهم ال لعتبروا وتدبّروا فأبصروا رشدهم ولكن ال‬
‫أضلهم فل يبصرون رشَدا ول يهتدون سبـيلً‪ ,‬ومن أضله عن الرشاد فل هادي له‪ .‬ولكن ال‬
‫يدعهم فـي تـماديهم فـي كفرهم وتـمرّدهم فـي شركهم يتردّدون‪ ,‬لـيستوجبوا الغاية‬
‫التـي كتبها ال لهم من عقوبته وألـيـم نكاله‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪187‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ع ْندَ‬
‫ل ِإ ّنمَا عِ ْل ُمهَا ِ‬
‫عةِ َأيّانَ ُم ْرسَاهَا قُ ْ‬
‫عنِ السّا َ‬
‫سأَلُو َنكَ َ‬
‫{ َي ْ‬

‫سأَلُو َنكَ َكَأ ّنكَ‬
‫سمَاوَاتِ وَالرْضِ لَ َت ْأتِي ُكمْ ِإلّ َب ْغتَ ًة َي ْ‬
‫ت فِي ال ّ‬
‫ل ُيجَلّيهَا لِ َو ْق ِتهَآ ِإلّ ُهوَ ثَقُلَ ْ‬
‫َربّي َ‬
‫ن َأ ْك َثرَ النّاسِ لَ َيعَْلمُونَ }‪..‬‬
‫ع ْنهَا قُلْ ِإ ّنمَا عِ ْل ُمهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِ ّ‬
‫حَ ِفيّ َ‬
‫عةِ فقال بعضهم‪ :‬عنـي‬
‫عنِ السّا َ‬
‫اختلف أهل التأويـل فـي الذين عنُوا بقوله‪َ :‬يسْئَلُو َنكَ َ‬
‫بذلك قوم رسول ال صلى ال عليه وسلم من قُريش‪ ,‬وكانوا سألوا عن ذلك رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12071‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪,‬‬
‫قال‪ :‬قالت قريش لـمـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬إن بـيننا وبـينك قرابة‪ ,‬فأسرّ إلـينا‬
‫عنْها‪.‬‬
‫سئَلُو َنكَ كأنّك حَفِـيّ َ‬
‫متـى الساعة فقال ال‪َ :‬ي ْ‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل عنـي به قوم من الـيهود‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12072‬ـ حدثنا أبو كريب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يونس بن بكير‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن إسحاق‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي سعيد بن جبـير أو‬
‫عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬قال حمل بن أبـي قُشير وسمْول بن زيد لرسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ :‬يا مـحمد أخبرنا متـى الساعة إن كنت نبـيّا كما تقول‪ ,‬فإنا نعلـم متـى هي‬
‫ع ْندَ ربّـي‪ ...‬إلـى‬
‫ن السّاعَ ِة أيّان ُمرْساها قَلْ إنّـما عِلْـمُها ِ‬
‫سئَلَونَك عَ ِ‬
‫فأنزل ال تعالـى‪َ :‬ي ْ‬
‫س ل َيعْلَـمُون‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وَلكِنّ أ ْكثَر النّا ِ‬
‫‪12073‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن إسماعيـل بن أبـي خالد‪ ,‬عن طارق بن‬
‫شهاب‪ ,‬قال‪ :‬كان النبـيّ صلى ال عليه وسلم ل يزال يذكر من شأن الساعة حتـى نزلت‪:‬‬
‫عةِ أيّان ُمرْساها‪.‬‬
‫عنِ السّا َ‬
‫سئَلُونَك َ‬
‫َي ْ‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬والصواب من القول فـي ذلك أن يقال‪ :‬إن قوما سألوا رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم عن الساعة‪ ,‬فأنزل ال هذه الَية‪ ,‬وجائز أن يكون كانوا من قريش‪ ,‬وجائز أن‬
‫يكونوا كانوا من الـيهود ول خبر بذلك عندنا يجوّز قطع القول علـى أيّ ذلك كان‪.‬‬
‫فتأويـل الَية إذن‪ :‬يسئلك القوم الذين يسئلونك عن الساعة أيّان مرساها‪ ,‬يقول‪ :‬متـى‬
‫قـيامها‪ .‬ومعنى «أيّان»‪« :‬متـى» فـي كلم العرب‪ ,‬ومنه قول الراجز‪:‬‬
‫جحِها إبّـانَا‬
‫جتِـي أيّانَاأمَا تَرى ِلنُـ ْ‬
‫أيّان تَ ْقضِي حا َ‬
‫ومعنى قوله‪ :‬مُرْساها‪ :‬قـيامها‪ ,‬من قول القائل‪ :‬أرساها ال فهي مرساة‪ ,‬وأرساها القوم‪ :‬إذا‬
‫حبسوها‪ ,‬ورست هي ترسو ُرسُوّا‪ .‬وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من‬
‫قال ذلك‪.‬‬
‫‪12074‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫ن السّاعَ ِة أيّان ُمرْساها‪ :‬يقول متـى قـيامها‪.‬‬
‫سئَلُونَك عَ ِ‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪َ :‬ي ْ‬

‫سئَلُو َنكَ‬
‫‪12075‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة قوله‪َ :‬ي ْ‬
‫عةِ أيّان ُمرْساها‪ :‬متـى قـيامها‪.‬‬
‫عنِ السّا َ‬
‫َ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬منتهاها‪ .‬وذلك قريب الـمعنى من معنى من قال‪ :‬معناه‪ :‬قـيامها‪,‬‬
‫لن انتهاءها‪ :‬بلوغها وقتها‪ .‬وقد بـيّنا أن أصل ذلك الـحبس والوقوف‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12076‬ـ حدثنا الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫عةِ أيّان ُمرْساها يعنـي‪ :‬منتهاها‪.‬‬
‫عنِ السّا َ‬
‫سئَلُونَك َ‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪َ :‬ي ْ‬
‫عنْد ربّـي ل ُيجَلّـيها لِو ْقتِها إلّ هُو فإنه أمر من ال نبـيه‬
‫وأما قوله‪ :‬قُلْ إنّـما عِلْـمُها ِ‬
‫مـحمدا صلى ال عليه وسلم بأن يجيب سائلـيه عن الساعة بأنه ل يعلـم وقت قـيامها إلّ‬
‫ل ذكره‪ .‬كما‪:‬‬
‫ال الذي يعلـم الغيب‪ ,‬وأنه ل يظهرها لوقتها ول يعلـمها غيره ج ّ‬
‫‪12077‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬قُلْ إنّـمَا‬
‫عنْد ربّـي ل ُيجَلّـيها لِو ْقتِها إلّ ُهوَ يقول‪ :‬علـمها عند ال‪ ,‬هو يجلـيها لوقتها‪ ,‬ل‬
‫عِلْـمُها ِ‬
‫ل ال‪.‬‬
‫يعلـم ذلك إ ّ‬
‫‪12078‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬ل ُيجَلّـيها‪ :‬يأتـي بها‪.‬‬
‫حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬قال مـجاهد‪:‬‬
‫ل هُو‪.‬‬
‫ل ُيجَلّـيها ل يأتـي بها إ ّ‬
‫‪12079‬ـ حدثنـي مـحمدبن الـحسين قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪,‬‬
‫عن السديّ‪ :‬ل ُيجَلّـيها لِ َو ْق ِتهَا إلّ هُو يقول‪ :‬ل يرسلها لوقتها إلّ هو‪.‬‬
‫ل َب ْغتَةً‪.‬‬
‫ض ل ت ْأتِـي ُكمْ إ ّ‬
‫ت والرْ ِ‬
‫سمَوا ِ‬
‫ت فـي ال ّ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬ثَقُلَ ْ‬
‫اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬معنى ذلك‪ :‬ثقلت الساعة علـى أهل‬
‫السموات والرض أن يعرفوا وقتها ومـجيئها لـخفـائها عنهم واستئثار ال بعلـمها‪ .‬ذكر‬
‫من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12080‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫سمَواتِ والرْضِ يقول‪ :‬خفـيت فـي السموات‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬قوله‪ :‬ثَقَُلتْ فـي ال ّ‬
‫والرض‪ ,‬فلـم يعلـم قـيامها متـى تقوم مَلك مقرّب ول نبـيّ مرسل‪.‬‬
‫‪12081‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬وحدثنا الـحسن بن‬
‫يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزّاق جميعا‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن بعض أهل التأويـل‪ :‬ثَقَُلتْ فـي‬
‫سمَواتِ والرْضِ قال‪ :‬ثقل علـمها علـى أهل السموات وأهل الرض أنهم ل يعلـمون‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬أنها كبرت عند مـجيئها علـى أهل السموات والرض‪ .‬ذكر من‬
‫قال ذلك‪.‬‬

‫‪12082‬ـ حدثنـي مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬وحدثنا الـحسن‬
‫بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق جميعا‪ ,‬عن معمر‪ ,‬قال‪ :‬قال الـحسن‪ ,‬فـي قوله‪ :‬ثَقُلَتْ‬
‫ض يعنـي‪ :‬إذا جاءت ثَقُلت علـى أهل السماء وأهل الرض‪ .‬يقول‪:‬‬
‫ت والرْ ِ‬
‫سمَوَا ِ‬
‫فـي ال ّ‬
‫كبُرت علـيهم‪.‬‬
‫‪12083‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ :‬ثَقُلَتْ فِـي‬
‫سمَوَاتِ والرْضِ قال‪ :‬إذا جاءت انشقّت السماء‪ ,‬وانتثرت النـجوم‪ ,‬وكُ ّورَت الشمس‪,‬‬
‫ال ّ‬
‫وسُيرت الـجبـال‪ ,‬وكان ما قال ال فذلك ثقلها‪.‬‬
‫‪12084‬ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪,‬‬
‫عن السديّ‪ ,‬قال‪ :‬قال بعض الناس فـي «ثقلت»‪ :‬عظمت‪.‬‬
‫سمَوَاتِ والرْضِ‪ :‬علـى السموات والرض‪ .‬ذكر من‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى قوله‪ :‬فـي ال ّ‬
‫قال ذلك‪.‬‬
‫سمَوَاتِ‬
‫‪12085‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬ثَقَُلتْ فِـي ال ّ‬
‫والرْضِ‪ :‬أي علـى السموات والرض‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬وأولـى ذلك عندي بـالصواب‪ ,‬قول من قال‪ :‬معنى ذلك‪ :‬ثقلت الساعة فـي‬
‫السموات والرض علـى أهلها أن يعرفوا وقتها وقـيامها لن ال أخفـى ذلك عن خـلقه‪,‬‬
‫ع ْندَ َربّـي‬
‫فلـم يطلع علـيه منهم أحدا‪ .‬وذلك أن ال أخبر بذلك بعد قوله‪ :‬قُلْ إنّـمَا عِلْـمُها ِ‬
‫ل ُيجَلِـيها لِ َو ْقتِها إلّ ُهوَ وأخبر بعده أنها ل تأتـي إلّ بغتة‪ ,‬فـالذي هو أولـى أن يكون ما‬
‫بـين ذلك أيضا خبرا عن خفـاء علـمها عن الـخـلق‪ ,‬إذ كان ما قبله وما بعده كذلك‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬ل َت ْأتِـيكُ ْم إلّ َب ْغتَ ًة فإنه يقول‪ :‬ل تـجيء الساعة إلّ فجأة‪ ,‬ل تشعرون‬
‫بـمـجيئها‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪12086‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬ل تَأتِـي ُكمْ إلّ َب ْغتَةً يقول‪ :‬يبغتهم قـيامها‪ ,‬تأتـيهم علـى غفلة‪.‬‬
‫‪12087‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬ل َت ْأتِـي ُكمْ إلّ َب ْغتَ ًة قضى‬
‫ال أنها ل تأتـيكم إلّ بغتة‪ .‬قال‪ :‬وذكر لنا أن نبـيّ ال صلى ال عليه وسلم كان يقول‪« :‬إنّ‬
‫ش َيتَ ُه وال ّرجُلُ يُقِـيـمُ‬
‫حوْضهُ وال ّرجُلُ ُيسْقِـي ما ِ‬
‫السّاعَ َة َتهِيجُ بـالنّاسِ وال ّرجُلُ ُيصْلِـحُ َ‬
‫سِ ْل َعتَهُ فـي السّوقِ وَال ّرجُلُ َيخْ ِفضُ مِيزَانَهُ َو َيرْ َفعُهُ»‪.‬‬
‫ع ْندَ الّلهِ‬
‫ل إنّـمَا عِلْـمُها ِ‬
‫عنْها قُ ْ‬
‫سئَلُو َنكَ كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪َ :‬ي ْ‬
‫ن أ ْك َثرَ النّاسِ ل َيعْلَـمُونَ‪.‬‬
‫وَلكِ ّ‬

‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬يسألك هؤلء القوم عن الساعة‪ ,‬كأنك حفـيّ عنها‪ .‬فقال بعضهم‪:‬‬
‫يسألونك عنها كأنك حفـيّ بهم‪ .‬وقالوا‪ :‬معنى قوله‪« :‬عنها» التقديـم وإن كان مؤخرا‪ .‬ذكر‬
‫من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12088‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫عنْها يقول‪ :‬كأن بـينك وبـينهم‬
‫ك حَفِـيّ َ‬
‫ك كأنّ َ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪َ :‬يسْئَلُو َن َ‬
‫مودّة‪ ,‬كأنك صديق لهم‪ .‬قال ابن عبـاس‪ :‬لـما سأل الناس مـحمدا صلى ال عليه وسلم عن‬
‫الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن مـحمدا حفـي بهم‪ ,‬فأوحى ال إلـيه‪ :‬إنـما علـمها‬
‫عنده‪ ,‬استأثر بعلـمها‪ ,‬فلـم ُيطْلِع علـيها ملَكا ول رسولً‪.‬‬
‫‪12089‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬قال‪ :‬قال‬
‫قتادة‪ :‬قالت قريش لـمـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬إن بـيننا وبـينك قرابة‪ ,‬فأسرّ إلـينا‬
‫عنْها‪.‬‬
‫سئَلُو َنكَ كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬
‫متـى الساعة فقال ال‪َ :‬ي ْ‬
‫عنْها‪ :‬أي‬
‫سئَلُو َنكَ كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬
‫حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪َ :‬ي ْ‬
‫حفـيّ بهم‪ .‬قال‪ :‬قالت قريش‪ :‬يا مـحمد أسرّ إلـينا علـم الساعة لـما بـيننا وبـينك من‬
‫القرابة لقرابتنا منك‪.‬‬
‫‪12090‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو خالد الحمر وهانىء بن سعيد‪ ,‬عن حجاج‪ ,‬عن‬
‫عنْها قال‪ :‬حفـيّ بهم حين يسألونك‪.‬‬
‫ك حَفِـيّ َ‬
‫ك كأنّ َ‬
‫خصِيف‪ ,‬عن مـجاهد وعكرمة‪َ :‬يسْئَلُو َن َ‬
‫َ‬
‫‪12091‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسرائيـل‪ ,‬عن سماك‪ ,‬عن‬
‫عنْها قال‪ :‬قربت منهم‪ ,‬وتـحفّـى علـيهم‪.‬‬
‫سئَلُو َنكَ كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬
‫عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪َ :‬ي ْ‬
‫قال‪ :‬وقال أبو مالك‪ :‬كأنك حفـيّ بهم‪ ,‬قال‪ :‬قريب منهم‪ ,‬وتـحفّـى علـيهم‪ .‬قال‪ :‬وقال أبو‬
‫مالك‪ :‬كأنك حفـيّ بهم فتـحدثهم‪.‬‬
‫‪12092‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫عنْها كأنك صديق لهم‪.‬‬
‫سئَلُو َنكَ كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪َ :‬ي ْ‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل معنى ذلك‪ :‬كأنك قد استـحفـيت الـمسألة عنها فغلـمتها‪ .‬ذكر من قال‬
‫ذلك‪.‬‬
‫‪12093‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫عنْها استـحفـيت عنها السؤال حتـى علـمتها‪.‬‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬كأنّك حَفِـيّ َ‬
‫حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬عن مـجاهد فـي قوله‪:‬‬
‫عنْها قال‪ :‬استـحفـيت عنها السؤال حتـى علـمت وقتها‪.‬‬
‫كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬
‫سئَلُو َنكَ‬
‫‪12094‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـمـحاربـي‪ ,‬عن جويبر‪ ,‬عن الضحاك‪َ :‬ي ْ‬
‫عنْها قال‪ :‬كأنك عالـم بها‪.‬‬
‫كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬

‫عنْها قال‪:‬‬
‫سئَلُو َنكَ كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬
‫قال‪ :‬حدثنا حامد بن نوح‪ ,‬عن أبـي روق‪ ,‬عن الضحاك‪َ :‬ي ْ‬
‫كأنك تعلـمها‪.‬‬
‫حُدثت عن الـحسين بن الفرج‪ ,‬قال‪ :‬سمعت أبـا معاذ‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عبـيد بن سلـيـمان‪,‬‬
‫عنْها يقول‪ :‬يسألونك عن الساعة‪ ,‬كأنك عندك‬
‫سئَلُو َنكَ كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬
‫عن الضحاك‪ ,‬قوله‪َ :‬ي ْ‬
‫ع ْندَ رَبـي‪.‬‬
‫علـما منها‪ .‬قُلْ إنّـمَا عِلْـمُها ِ‬
‫‪12095‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن‬
‫عنْها‪ :‬كأنك عالـم بها‪.‬‬
‫بعضهم‪ :‬كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬
‫حفِـيّ‬
‫‪12096‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬كأنّكَ َ‬
‫ع ْندَه عِلْـم‬
‫ن الّلهَ ِ‬
‫عنْها قال‪ :‬كأنك عالـم بها‪ .‬وقال‪ :‬أخفـى علـمها علـى خـلقه‪ .‬وقرأ‪ :‬إ ّ‬
‫َ‬
‫السّاعَةِ‪ ,‬حتـى ختـم السورة‪.‬‬
‫‪12097‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‬
‫عنْها يقول‪ :‬كأنك يعجبك‬
‫حفِـيّ َ‬
‫ك كأنّكَ َ‬
‫سئَلُو َن َ‬
‫بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪َ :‬ي ْ‬
‫ع ْندَ الّلهَ‪.‬‬
‫ل إنّـمَا عِلْـمُها ِ‬
‫سؤالهم إياك‪ .‬قُ ْ‬
‫عنْها يقول‪ :‬لطيف بها‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬
‫عنْها إلـى حفـيّ بها‪ ,‬وقالوا‪ :‬تقول العرب‪:‬‬
‫فوجه هؤلء تأويـل قوله‪ :‬كأ ّنكَ حَفِـيّ َ‬
‫تـحفـيت له فـي الـمسئلة‪ ,‬وتـحفـيت عنه‪ .‬قالوا‪ :‬ولذلك قـيـل‪ :‬أتـينا فلنا نسأل به‪,‬‬
‫بـمعنى نسأل عنه‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال‪ :‬معناه‪ :‬كأنك حفـيّ‬
‫بـالـمسئلة عنها فتعلـمها‪.‬‬
‫عنْها ولـم يقل حفـيّ بها‪ ,‬إن كان ذلك تأويـل‬
‫فإن قال قائل‪ :‬وكيف قـيـل‪ :‬حَفِـيّ َ‬
‫الكلم؟ قـيـل‪ :‬إن ذلك قـيـل كذلك‪ ,‬لن الـحفـاوة إنـما تكون فـي الـمسئلة‪ ,‬وهي‬
‫البشاشة للـمسؤول عند الـمسئلة‪ ,‬والكثار من السؤال عنه‪ ,‬والسؤال يوصل ب «عن» مرّة‬
‫وبـالبـاء مرّة‪ ,‬فـيقال‪ :‬سألت عنه‪ ,‬وسألت به فلـما وضع قوله «حفـي» موضع السؤال‪,‬‬
‫وصل بأغلب الـحرفـين اللذين يوصل بهما السؤال‪ ,‬وهو «عن»‪ ,‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫ن أخِيهِ كأنّه ُي َذكّرُهُ َوسْنانُ أ ْو ُمتَوَاسِنُ‬
‫سُؤَالَ حَفِـيَ عَ ْ‬
‫ع ْندَ اللّ ِه فإن معناه‪ :‬قل يا مـحمد لسائلـيك عن وقت الساعة‬
‫وأما قوله‪ :‬قُلْ إنّـمَا عِلْـمُها ِ‬
‫وحين مـجيئها‪ :‬ل علـم لـي بذلك‪ ,‬ول يعلـم به إلّ ال الذي يعلـم غيب السموات‬
‫والرض‪ .‬وَل ِكنّ أ ْك َثرَ النّاسِ ل َيعْلَـمونَ يقول‪ :‬ولكن أكثر الناس ل يعلـمون أن ذلك ل‬
‫يعلـمه إلّ ال‪ ,‬بل يحسبون أن علـم ذلك يوجد عند بعض خـلقه‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪188‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ضرّا ِإلّ مَا شَآ َء اللّهُ وََلوْ‬
‫ل َأمِْلكُ ِلنَ ْفسِي نَفْعا َولَ َ‬
‫{قُل ّ‬

‫ن َأ َناْ ِإلّ َنذِيرٌ َو َبشِيرٌ لّ َق ْومٍ‬
‫ي السّوَ ُء إِ ْ‬
‫سنِ َ‬
‫خ ْيرِ َومَا َم ّ‬
‫ت مِنَ ا ْل َ‬
‫س َت ْكثَرْ ُ‬
‫لْ‬
‫كُنتُ َأعَْلمُ ا ْل َغيْبَ َ‬
‫يُ ْؤ ِمنُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬قل يا مـحمد لسائلـيك عن‬
‫الساعة أيّان مرساها‪ :‬ل أمْلِك ِلنَ ْفسِي نَفْعا وَة ضَرّا يقول‪ :‬ل أقدر علـى اجتلب نفع إلـى‬
‫نفسي‪ ,‬ول دفع ضرّ يحلّ بها عنها إلّ ما شاء ال أن أملكه من ذلك بأن يقوّينـي علـيه‬
‫ويعيننـي‪ .‬وََلوْ ُكنْتُ أعْلَـمُ ال َغيْبَ يقول‪ :‬لو كنت أعلـم ما هو كائن مـما لـم يكن بعد‬
‫خيْرِ يقول‪ :‬لعددت الكثـير من الـخير‪.‬‬
‫ن الـ َ‬
‫ستَ ْك َثرْتُ مِ َ‬
‫لْ‬
‫خ ْيرِ‬
‫س َتكْ َثرْتُ ِمنَ الـ َ‬
‫ثم اختلف أهل التأويـل فـي معنى الـخير الذي عناه ال بقوله‪ :‬ل ْ‬
‫فقال بعضهم‪ :‬معنى ذلك‪ :‬لستكثرت من العمل الصالـح‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12098‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن جريج‪ :‬قوله‪:‬‬
‫ت مِنَ‬
‫س َت ْكثَرْ ُ‬
‫قُلْ ل أمْلِك ِلنَ ْفسِي نَفْعا وَل ضَرّا قال‪ :‬الهدى والضللة‪ .‬لَ ْو ُكنْتُ أعْلَـمُ ال َغيْبَ ل ْ‬
‫خيْرِ قال‪ :‬أعلـم الغيب متـى أموت لستكثرت من العمل الصالـح‪.‬‬
‫الـ َ‬
‫‪12099‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو حذيفة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شبل‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‪,‬‬
‫عن مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪12100‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وََلوْ ُكنْتُ‬
‫سنِـيَ السّوءُ‪ :‬قال‪ :‬لجتنبت ما يكون من الشرّ‬
‫ن الـخَ ْيرِ وَما َم ّ‬
‫س َت ْك َثرْتُ مِ َ‬
‫أعْلَـمُ ال َغيْبَ ل ْ‬
‫واتقـيته‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬ولو كنت أعلـم الغيب لعددت للسنّة الـمـجدبة من‬
‫الـمخصبة‪ ,‬ولعرفت الغلء من الرخص‪ ,‬واستعددت له فـي الرخص‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وَما َمسّنِـيَ السّوءُ يقول‪ :‬وما مسنـي الضرّ‪ .‬إنْ أنا إلّ َنذِيرٌ َو َبشِيرٌ يقول‪ :‬ما أنا إلّ‬
‫رسول ال أرسلنـي إلـيكم‪ ,‬أنذر عقابه من عصاه منكم وخالف أمره‪ ,‬وأبشر بثوابه وكرامته‬
‫من آمن به وأطاعة منكم‪ .‬قولوه‪ :‬لِ َق ْومٍ يُ ْؤ ِمنُونَ يقول‪ :‬يصدّقون بأنـي ل رسول‪ ,‬ويقرّون‬
‫بحقـية ما جئتهم به من عنده‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪189‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫جهَا‬
‫ل ِم ْنهَا زَ ْو َ‬
‫جعَ َ‬
‫حدَةٍ َو َ‬
‫{هُ َو اّلذِي خَلَ َق ُكمْ مّن نّفْسٍ وَا ِ‬

‫ت دّعَوَا الّلهَ َر ّب ُهمَا َلئِنْ آ َت ْي َتنَا‬
‫حمْلً خَفِيفا فَ َمرّتْ ِبهِ فََلمّآ َأثْقَلَ ْ‬
‫ت َ‬
‫حمَلَ ْ‬
‫سكُنَ إَِل ْيهَا فَلَماّ َت َغشّاهَا َ‬
‫ِل َي ْ‬
‫صَالِحا ّل َنكُو َننّ ِمنَ الشّا ِكرِينَ }‪..‬‬

‫حدَةٍ‪ .‬يعنـي بـالنفس الواحدة‪ :‬آدم كما‪:‬‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬هُ َو اّلذِي خَـلَ َق ُكمْ مِنْ َنفْسٍ وَا ِ‬
‫‪12101‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن رجل‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬خَـلَ َق ُكمْ‬
‫حدَةٍ قال‪ :‬آدم علـيه السلم‪.‬‬
‫ن نَفْسٍ وَا ِ‬
‫مِ ْ‬
‫‪12102‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ُ :‬هوَ اّلذِي خَـلَ َق ُكمْ‬
‫حدَةٍ من آدم‪.‬‬
‫ن نَفْسٍ وَا ِ‬
‫مِ ْ‬
‫ل ِمنْها زَ ْوجَها‪ :‬وجعل من النفس الواحدة‪ ,‬وهو آدم‪ ,‬زوجها حوّاء كما‪:‬‬
‫جعَ َ‬
‫ويعنـي بقوله‪َ :‬و َ‬
‫ل ِمنْها زَ ْوجَها‪:‬‬
‫جعَ َ‬
‫‪12103‬ـ حدثنـي بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪َ :‬و َ‬
‫حوّاء‪ ,‬فجُعلت من ضِلَع من أضلعه لـيسكن إلـيها‪.‬‬
‫ن إلَـيْها‪ :‬لـيأوى إلـيها لقضاء الـحاجة ولذّته‪ .‬ويعنـي بقوله‪:‬‬
‫سكُ َ‬
‫ويعنـي بقوله‪ :‬لِـيَ ْ‬
‫حمْلً خَفِـيفـا‬
‫ت َ‬
‫حمَلَ ْ‬
‫فَلَـمّا َت َغشّاها فلـما تدثرها لقضاء حاجته منها فقضى حاجته منها‪َ ,‬‬
‫وفـي الكلم مـحذوف ترك ذكره استغناء بـما ظهر عما حذف‪ ,‬وذلك قوله‪ :‬فَلَـمّا َتغَشّاها‬
‫حمْلً خَفِـيفـا‬
‫ت َ‬
‫حمَلَ ْ‬
‫حمَلَتْ وإنـما الكلم‪ :‬فلـما تغشاها فقضى حاجته منها حملت‪ .‬وقوله‪َ :‬‬
‫َ‬
‫يعنـي بخفة الـحمل‪ :‬الـماء الذي حملته حوّاء فـي رحمها من آدم أنه كان حملً خفـيفـا‪,‬‬
‫وكذلك هو حمل الـمرأة ماء الرجل خفـيف علـيها‪ .‬وأما قوله‪َ :‬فمَرّتْ ِبهِ فإنه يعنـي‪:‬‬
‫استـمرّت بـالـماء‪ :‬قامت به وقعدت‪ ,‬وأتـمت الـحمل‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪12104‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو أسامة‪ ,‬عن أبـي عمير‪ ,‬عن أيوب‪ ,‬قال‪ :‬سألت‬
‫حمْلً خَفِـيفـا َف َمرّتْ بِ ِه قال‪ :‬لو كنت امرأً عربـيّا لعرفت ما‬
‫حمَلَتْ َ‬
‫الـحسن عن قوله‪َ :‬‬
‫هي‪ ,‬إنـما هي‪ :‬فـاستـمرّت به‪.‬‬
‫حمْلً‬
‫ت َ‬
‫حمَلَ ْ‬
‫‪12105‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬فَلَـمّا َت َغشّاها َ‬
‫خَفِـيفـا فَ َمرّتْ ِبهِ استبـان حملها‪.‬‬
‫‪12106‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫ت بِهِ قال‪ :‬استـمرّ حملها‪.‬‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪َ :‬فمَر ْ‬
‫حمَلَتْ‬
‫‪12107‬ـ حدثنـي موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬قوله‪َ :‬‬
‫ت بِهِ يقول‪ :‬استـمرّت به‪.‬‬
‫حمْلً خَفِـيفـا قال‪ :‬هي النطفة‪ .‬وقوله َفمَر ْ‬
‫َ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬فشكّت فـيه‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12108‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫ت بِ ِه قال‪ :‬فشكت أحملت أم ل‪.‬‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬فمَرّ ْ‬
‫ت فلـما صار ما فـي بطنها من الـحمل الذي كان خفـيفـا‬
‫ويعنـي بقوله‪ :‬فَلَـمّا أثْقَلَ ْ‬
‫ثقـيلً ودنت ولدتها‪ ,‬يقال منه‪ :‬أثقلت فلنة إذا صارت ذات ثقل بحملها كما يقال‪ :‬أتـمر‬
‫فلن‪ :‬إذا صار ذا تـمر‪ .‬كما‪:‬‬

‫‪12109‬ـ حدثنـي موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬فَلَـمّا أثْقََلتْ‪:‬‬
‫كبر الولد فـي بطنها‪.‬‬
‫عوَا الّل َه رَ ّبهُما‪ ,‬يقول‪ :‬نادى آدم وحوّاء ربهما وقال‪ :‬يا ربنا لئن آتـيتنا‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬دَ َ‬
‫ن من الشاكرين‪.‬‬
‫صالـحا لنكون ّ‬
‫واختلف أهل التأويـل فـي معنى الصلح الذي أقسم آدم وحوّاء علـيهما السلم أنه إن‬
‫ن من الشاكرين‪ .‬فقال بعضهم‪ :‬ذلك هو أن يكون‬
‫آتاهما صالـحا فـي حمل حوّاء لنكون ّ‬
‫الـحمل غلما‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12110‬ـ حدثنـي مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ن آتَـيْتَنا صَالِـحا قال‪ :‬غلما‪.‬‬
‫قال الـحسن‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬لئِ ْ‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل هو أن يكون الـمولود بشرا سويّا مثلهما‪ ,‬ول يكون بهيـمة‪ .‬ذكر من قال‬
‫ذلك‪.‬‬
‫‪12111‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن زيد بن جبـير الـحسمي‪,‬‬
‫ن مِن الشّا ِكرِينَ قال‪ :‬أشفقا أن‬
‫ن آتَـ ْيتَنا صَالِـحا َل َنكُونَ ّ‬
‫عن أبـي ال َبخْتري‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬لئِ ْ‬
‫يكون شيئا دون النسان‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا يحيى بن يـمان‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن زيد بن جبـير‪ ,‬عن أبـي ال َبخْتري‪ ,‬قال‪:‬‬
‫أشفقا أن ل يكون إنسانا‪.‬‬
‫‪12112‬ـ قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن عبـيد‪ ,‬عن إسماعيـل‪ ,‬عن أبـي صالـح‪ ,‬قال‪ :‬لـما‬
‫ن آتَـ ْيتَنا صَالِـحا‪...‬‬
‫عوَا َر ّبهُما لَئ ْ‬
‫حملت امرأة آدم فأثقلت‪ ,‬كان يشفقان أن يكون بهيـمة‪ ,‬فَدَ َ‬
‫الَية‪.‬‬
‫‪12113‬ـ قال‪ :‬حدثنا جابر بن نوح‪ ,‬عن أبـي روق‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪:‬‬
‫أشفقا أن يكون بهيـمة‪.‬‬
‫‪12114‬ـ حدثنـي القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬قال‬
‫سعيد بن جبـير‪ :‬لـما هبط آدم وحوّاء‪ ,‬أُلقـيت الشهوة فـي نفسه فأصابها‪ ,‬فلـيس إلّ أن‬
‫ل أن حملت تـحرّك فـي بطنها ولدها‪ ,‬قالت‪ :‬ما هذا؟ فجاءها‬
‫أصابها حملت‪ ,‬فلـيس إ ّ‬
‫ل ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة؟ هو بعض ذلك‪.‬‬
‫إبلـيس‪ ,‬فقال‪ :‬أترين فـي الرض إ ّ‬
‫قالت‪ :‬وال ما منى شيء إلّ وهو يضيق عن ذلك‪ .‬قال‪ :‬فأطيعينـي وسميه عبد الـحرث‬
‫شبْهكما مثلكما قال‪ :‬فذكرت ذلك لَدم علـيه السلم‪ ,‬فقال‪ :‬هو صاحبنا الذي قد أخرجنا‬
‫تلدي ِ‬
‫من الـجنة‪ .‬فمات‪ ,‬ثم حملت بآخر‪ ,‬فجاءها فقال‪ :‬أطيعينـي وسميه عبد الـحرث وكان اسمه‬
‫ت ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة‪ ,‬أو قتلتُه‪ ,‬فإنـي أنا‬
‫فـي الـملئكة الـحارث وإلّ ولد ِ‬

‫قتلت الول قال‪ :‬فذكرت ذلك لَدم‪ ,‬فكأنه لـم يكرهه‪ ,‬فسمّته عبد الـحرث‪ ,‬فذلك قوله‪َ :‬ل ِئنْ‬
‫شبْههما مثلهما‪.‬‬
‫آتَـ ْيتَنا صَالِـحا يقول‪ :‬شبهنا مثلنا‪ ,‬فلـما آتَا ُهمَا صَالِـحا قال‪ِ :‬‬
‫‪12115‬ـ حدثنـي موسى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬فَلَـمّا أثْقَلَتْ‬
‫كبر الولد فـي بطنها جاءها إبلـيس‪ ,‬فخوّفها وقال لها‪ :‬ما يدريك ما فـي بطنك‪ ,‬لعله كلب‬
‫أو خنزير أو حمار؟ وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك قـيقتلك‪ ,‬أو من قُبلك‪ ,‬أو ينشقّ‬
‫ن آتَـ ْيتَنا صَالِـحا يقول‪ :‬مثلنا‪َ ,‬ل َنكُو َننّ ِمنَ‬
‫عوَا اللّ َه َربّهُما َلئِ ْ‬
‫بطنك فـيقتلك؟ فذلك حين دَ َ‬
‫الشّاكِرِينَ‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬والصواب من القول فـي ذلك أن يقال‪ :‬إن ال أخبر عن آدم وحوّاء أنهما‬
‫دعوا ال ربهما بحمل حَوّاء‪ ,‬وأقسما لئن أعطاهما فـي بطن حوّاء صالـحا لـيكونان ل من‬
‫الشاكرين‪ .‬والصلح قد يشمل معانـي كثـيرة‪ :‬منها الصلح فـي استواء الـخـلق‪ .‬ومنها‬
‫الصلح فـي الدين‪ ,‬والصلح فـي العقل والتدبـير‪ .‬وإذ كان ذلك كذلك‪ ,‬ول خبر عن‬
‫الرسول يوجب الـحجة بأن ذلك علـى بعض معانـي الصلح دون بعض‪ ,‬ول فـيه من‬
‫العقل دلـيـل وجب أن َي ُعمّ كما عمه ال‪ ,‬فـيقال إنهما قال لئن آتـيتنا صالـحا بجميع‬
‫معانـي الصلح‪.‬‬
‫ن مـمن يشكرك علـى ما وهبت له من‬
‫ن الشا ِكرِينَ فإنه لنكون ّ‬
‫ن مِ َ‬
‫وأما معنى قوله‪َ :‬ل َنكُونَ ّ‬
‫الولد صالـحا‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪190‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ل لَ ُه شُ َركَآءَ فِيمَآ آتَا ُهمَا َف َتعَالَى‬
‫جعَ َ‬
‫{فََلمّآ آتَا ُهمَا صَالِحا َ‬

‫ش ِركُونَ }‪..‬‬
‫عمّا ُي ْ‬
‫اللّهُ َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬فلـما رزقهما ال ولدا صالـحا كما سأل جعل له شركاء فـيـما‬
‫آتاهما ورزقهما‪.‬‬
‫ثم اختلف أهل التأويـل فـي الشركاء التـي جعلها فـيـما أوتـيا من الـمولود‪ ,‬فقال‬
‫بعضهم‪ :‬جعل له شركاء فـي السم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12116‬ـ حدثنا مـحمد بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الصمد‪ ,‬قال حدثنا عمر بن إبراهيـم‪ ,‬عن‬
‫ت حَوّاءُ‬
‫قتادة‪ ,‬عن الـحسن‪ ,‬عن سمرة بن جندب‪ ,‬عن النبـيّ صلى ال عليه وسلم‪ ,‬قال‪« :‬كانَ ْ‬
‫ع ْبدَ‬
‫س ّمتْهُ َ‬
‫حرْثِ‪ ,‬فعاشَ َلهَا وََلدٌ‪ ,‬فَ َ‬
‫ع ْبدَ الـ َ‬
‫س ّميَنه َ‬
‫ت َلئِنْ عاشَ َلهَا وََلدٌ َل ُت َ‬
‫ل َيعِيشُ َلهَا وََلدٌ‪َ ,‬ف َنذَرَ ْ‬
‫شيْطانِ»‪.‬‬
‫حيِ ال ّ‬
‫ك مِنْ َو ْ‬
‫الـحَرْثِ‪ ,‬وإنّـمَا كانَ ذل َ‬
‫‪12117‬ـ حدثنـي مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا معتـمر‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو‬
‫سمُرة بن جندب‪ :‬أنه حدث أن آدم علـيه السلم سمى ابنه عبد الـحرث‪.‬‬
‫العلء‪ ,‬عن َ‬

‫قال‪ :‬حدثنا الـمعتـمر‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن عُلَـية‪ ,‬عن سلـيـمان التـيـمي‪ ,‬عن‬
‫أبـي العلء بن الشّخيّر‪ ,‬عن سمرة بن جندب‪ ,‬قال‪ :‬سمى آدم ابنه‪ :‬عبد الـحرث‪.‬‬
‫‪12118‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ ,‬عن داود بن الـحصين‪ ,‬عن‬
‫عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬كانت حوّاء تلد لَدم‪ ,‬فتعبّدهم ل‪ ,‬وتسميه عبد ال وعُبـيد ال‬
‫ونـحو ذلك‪ ,‬فـيصيبهم الـموت‪ ,‬فأتاها إبلـيسُ وآدمَ‪ ,‬فقال‪ :‬إنكما لو تسميانه بغير الذي‬
‫تسميانه لعاش فولدت له رجلً‪ ,‬فسماه عبد الـحرث‪ ,‬ففـيه أنزل ال تبـارك وتعالـى‪ :‬هُوَ‬
‫شرَكا َء فِـيـما آتا ُهمَا‪ ...‬إلـى آخر‬
‫جعَل لَ ُه ُ‬
‫حدَةٍ‪ ...‬إلـى قوله‪َ :‬‬
‫س وَا ِ‬
‫اّلذِي خَـلَ َقكُ ْم مِنْ نَفْ ٍ‬
‫الَية‪.‬‬
‫‪12119‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫حدَةٍ‪ ...‬إلـى قوله‪:‬‬
‫ن نَفْسٍ وَا ِ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس قوله فـي آدم‪ُ :‬هوَ الذِي خَـلَ َق ُكمْ مِ ْ‬
‫َفمَرّتْ ِبهِ فشكّت أحبلت أم ل؟ فَلَـمّا أثْقَلَتْ َدعَوَا اللّ َه َر ّبهُما َل ِئنْ آتَـ ْيتَنا صَالِـحا‪ ...‬الَية‪,‬‬
‫فأتاهما الشيطان فقال‪ :‬هل تدريان ما يولد لكما أم هل تدريان ما يكون أبهيـمة تكون أم ل؟‬
‫وزين لهما البـاطل إنه غويّ مبـين‪ .‬وقد كانت قبل ذلك ولد ولدين فماتا‪ ,‬فقال لهما الشيطان‪:‬‬
‫إنكما إن لـم تسمياه بـي لـم يخرج سويّا ومات كما مات الوّلن فسميا ولديهما عبد‬
‫جعَل لَ ُه شُرَكاءَ فِـيـما آتا ُهمَا‪ ...‬الَية‪.‬‬
‫الـحرث فذلك قوله‪ :‬فَلَـمّا آتا ُهمَا صَالِـحا َ‬
‫‪12120‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن‬
‫عبـاس‪ :‬لـما وُلد له أوّل ولد‪ ,‬أتاه إبلـيس فقال‪ :‬إنـي سأنصح لك فـي شأن ولدك هذا‬
‫تسميه عبد الـحرث فقال آدم‪ :‬أعوذ بـال من طاعتك قال ابن عبـاس‪ :‬وكان اسمه فـي‬
‫السماء الـحارث‪ .‬قال آدم‪ :‬أعوذ بـال من طاعتك إنـي أطعتك فـي أكل الشجرة‪,‬‬
‫فأخرجتنـي من الـجنة‪ ,‬فلن أطيعك‪ .‬فمات ولده‪ ,‬ثم وُلد له بعد ذلك ولد آخر‪ ,‬فقال‪ :‬أطعنـي‬
‫ل مات كما مات الوّل فعصاه‪ ,‬فمات‪ ,‬فقال‪ :‬ل أزال أقتلهم حتـى تسميه عبد الـحرث‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫شرَكا َء فِـيـما آتا ُهمَا‪ :‬أشركه‬
‫جعَل لَ ُه ُ‬
‫فلـم يزل به حتـى سماه عبد الـحرث‪ ,‬فذلك قوله‪َ :‬‬
‫فـي طاعته فـي غير عبـادة‪ ,‬ولـم يُشرك بـال‪ ,‬ولكن أطاعه‪.‬‬
‫‪12121‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن هارون‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا الزبـير بن‬
‫الـخريت‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬قال‪ :‬ما أشرك آدمُ ول حوّاء‪ ,‬وكان ل يعيش لهما ولد‪ ,‬فأتاهما‬
‫شرَكاءَ‬
‫جعَل لَ ُه ُ‬
‫الشيطان فقال‪ :‬إن سرّكما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الـحرث فهو قوله‪َ :‬‬
‫فِـيـما آتا ُهمَا‪.‬‬
‫‪12122‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫ل مات‪,‬‬
‫حمْلً خَفِـيفـا قال‪ :‬كان آدم علـيه السلم ل يولد له ولد إ ّ‬
‫حمَلَتْ َ‬
‫فَلَـمّا َت َغشّاها َ‬

‫فجاءه الشيطان‪ ,‬فقال‪ :‬إن سرّك أن يعيش ولدك هذا‪ ,‬فسميه عبد الـحرث ففعل‪ ,‬قال‪ :‬فأشركا‬
‫فـي السم ولـم يُشركا فـي العبـادة‪.‬‬
‫جعَل لَهُ‬
‫حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬فَلَـمّا آتا ُهمَا صَالـحا َ‬
‫شُرَكاءَ فِـيـما آتا ُهمَا ذُكر لنا أنه كان ل يعيش لهما ولد‪ ,‬فأتاهما الشيطان‪ ,‬فقال لهما‪ :‬سمياه‬
‫عبد الـحرث وكان من وحي الشيطان وأمره‪ ,‬وكان شركا فـي طاعته‪ ,‬ولـم يكن شركا‬
‫فـي عبـادته‪.‬‬
‫‪12123‬ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن‬
‫شرَكا َء فِـيـما آتا ُهمَا فَتَعالـى‬
‫جعَل لَ ُه ُ‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬فَلَـمّا آتا ُهمَا صَالِـحا َ‬
‫ن قال‪ :‬كان ل يعيش لَدم وامرأته ولد‪ ,‬فقال لهما الشيطان‪ :‬إذا ولد لكما ولد‪,‬‬
‫ش ِركُو َ‬
‫عمّا ُي ْ‬
‫اللّهُ َ‬
‫شرَكاءَ‪...‬‬
‫جعَل َلهُ ُ‬
‫فسمياه عبد الـحرث ففعل وأطاعاه‪ ,‬فذلك قول ال‪ :‬فَلَـمّا آتا ُهمَا صَالِـحا َ‬
‫الَية‪.‬‬
‫‪12124‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن فضيـل‪ ,‬عن سالـم بن أبـي حفصة‪ ,‬عن سعيد‬
‫ش ِركُونَ‬
‫عمّا ُي ْ‬
‫عوَا الّلهَ َر ّبهُما‪ ...‬إلـى قوله تعالـى‪َ :‬فتَعالـى اللّهُ َ‬
‫بن جبـير‪ ,‬قوله‪ :‬أثْقََلتْ دَ َ‬
‫قال‪ :‬لـما حملت حوّاء فـي أوّل ولد ولدته حين أثقلت‪ ,‬أتاها إبلـيس قبل أن تلد‪ ,‬فقال‪ :‬يا‬
‫حوّاء ما هذا الذي بطنك؟ فقالت‪ :‬ما أدري‪ .‬فقال‪ :‬من أين يخرج؟ من أنفك‪ ,‬أو من عينك‪ ,‬أو‬
‫من أذنك؟ قالت‪ :‬ل أدري‪ .‬قال‪ :‬أرأيت إن خرج سلـيـما أتطيعينـي أنت فـيـما آمرك به؟‬
‫قالت‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬سميه عبد الـحرث وقد كان يسمى إبلـيس الـحرث‪ ,‬فقالت‪ :‬نعم‪ .‬ثم قالت‬
‫بعد ذلك لَدم‪ :‬أتانـي آت فـي النوم فقال لـي كذا وكذا‪ ,‬فقال‪ :‬إن ذلك الشيطان فـاحذريه‪,‬‬
‫فإنه عدوّنا الذي أخرجنا من الـجنة ثم أتاها إبلـيس‪ ,‬فأعاد علـيها‪ ,‬فقالت‪ :‬نعم‪ .‬فلـما‬
‫جعَل لَ ُه شُرَكاءَ فِـيـما آتا ُهمَا‬
‫وضعته أخرجه ال سلـيـما‪ ,‬فسمته عبد الـحرث‪ ,‬فهو قوله‪َ :‬‬
‫ش ِركُونَ‪.‬‬
‫عمّا ُي ْ‬
‫َفتَعالـى اللّهُ َ‬
‫‪12125‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير وابن فضيـل‪ ,‬عن عبد الـملك‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫جبـير‪ ,‬قال‪ :‬قـيـل له‪ :‬أشرك آدم؟ قال‪ :‬أعوذ بـال أن أزعم أن آدم أشرك ولكن حوّاء‬
‫لـما أثقلت‪ ,‬أتاها إبلـيس فقال لها‪ :‬من أين يخرج هذا‪ ,‬من أنفك أو من عينك أو من فـيك؟‬
‫فقنطها‪ ,‬ثم قال‪ :‬أرأيت إن خرج سويّا زاد ابن فضيـل لـم يضرّك ولـم يقتلك أتطيعينـي؟‬
‫قالت‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬فسميه عبد الـحرث ففعلت‪ .‬زاد جرير‪ :‬فإنـما كان شركه فـي السم‪.‬‬
‫‪12126‬ـ حدثنـي موسى بن هارون‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪,‬‬
‫ل قتلته قال له آدم‬
‫قال‪ :‬فولدت غلما‪ ,‬يعنـي حوّاء‪ ,‬فأتاهما إبلـيس فقال‪ :‬سموه عبدي وإ ّ‬
‫علـيه السلم‪ :‬قد أطعتك وأخرجتنـي من الـجنة‪ ,‬فأبى أن يطيعه‪ ,‬فسماه عبد الرحمن‪ ,‬فسلط‬
‫ال علـيه إبلـيس فقتله‪ .‬فحملت بآخر فلـما ولدته قال لها‪ :‬سميه عبدي وإلّ قتلته قال له آدم‪:‬‬

‫قد أطعتك فأخرجتنـي من الـجنة‪ .‬فأبى‪ ,‬فسماه صالـحا فقتله‪ .‬فلـما أن كان الثالث‪ ,‬قال‬
‫لهما‪ :‬فإذا غُلبتـم فسموه عبد الـحرث وكان اسمَ إبلـيس وإنـما سمي إبلـيس حين أُبلس‪.‬‬
‫شرَكا َء فِـيـما آتا ُهمَا يعنـي فـي التسمية‪.‬‬
‫جعَل لَ ُه ُ‬
‫ففعلوا‪ ,‬فذلك حين يقول ال‪َ :‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل الـمعنـيّ بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بنـي آدم جعل ل‬
‫شركاء من الَلهة والوثان حين رزقهما فـارزقهما من الولد‪ .‬وقالوا‪ :‬معنى الكلم‪ :‬هو الذي‬
‫خـلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها لـيسكن إلـيها‪ ,‬فلـما تغشاها‪ :‬أي هذا الرجل‬
‫ل خفـيفـا‪ ,‬فلـما أثقلت دعوتـما ال ربكما‪ .‬قالوا‪ :‬وهذا مـما ابتدىء به‬
‫الكافر‪ ,‬حملت حم ً‬
‫سيّ ُر ُكمْ‬
‫الكلم علـى وجه الـخطاب‪ ,‬ثم ردّ إلـى الـخبر عن الغائب‪ ,‬كما قـيـل‪ :‬هُ َو اّلذِي ُي َ‬
‫ط ّيبَةٍ‪ .‬وقد بـيّنا نظائر ذلك‬
‫ح َ‬
‫ن ِبهِ ْم بِرِي ٍ‬
‫ج َريْ َ‬
‫فِـي ال َبرّ وال َبحْرِ حتـى إذَا ُك ْنتُـمْ فِـي الفُ ْلكِ َو َ‬
‫بشواهده فـيـما مضى قبل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫جعَل لَهُ‬
‫‪12127‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سهل بن يوسف‪ ,‬عن عمرو‪ ,‬عن الـحسن‪َ :‬‬
‫شُرَكاءَ فِـيـما آتا ُهمَا قال‪ :‬كان هذا فـي بعض أهل الـملل‪ ,‬ولـم يكن بآدم‪.‬‬
‫‪12128‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬قال‪ :‬قال‬
‫الـحسن‪ :‬عنـي بهذا ذرية آدم‪ ,‬من أشرك منهم بعده‪ .‬يعنـي بقوله‪ :‬فَلَـمّا آتا ُهمَا صَالِـحا‬
‫شرَكا َء فِـيـما آتا ُهمَا‪.‬‬
‫جعَل لَ ُه ُ‬
‫َ‬
‫‪12129‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قال‪ :‬كان‬
‫الـحسن يقول‪ :‬هم الـيهود والنصارى‪ ,‬رزقهم ال أولدا فهوّدوا ونصروا‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬وأولـى القولـين بـالصواب قول من قال‪ :‬عنـي بقوله‪ :‬فَلَـمّا آتا ُهمَا‬
‫ي بذلك آدم وحوّاء‬
‫شرَكاءَ فـي السم ل فـي العبـادة‪ ,‬وأن الـمعنـ ّ‬
‫جعَل َلهُ ُ‬
‫صَالِـحا َ‬
‫لجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى ذلك‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فما أنت قائل إذ كان المر علـى ما وصفت فـي تأويـل هذه الَية‪ ,‬وأن‬
‫ش ِركُونَ؟ أهو استنكاف من ال أن‬
‫عمّا ُي ْ‬
‫الـمعنـيّ بها آدم وحوّاء فـي قوله‪ :‬فَتَعالـى الّلهُ َ‬
‫ل علـى فساده‬
‫يكون له فـي السماء شريك أو فـي العبـادة؟ فإن قلت فـي السماء د ّ‬
‫شيْئا وَ ُهمْ ُيخْـلَقُونَ وإن قلت فـي العبـادة‪ ,‬قـيـل لك‪ :‬أفكان‬
‫ن ما ل َيخْـُلقُ َ‬
‫ش ِركُو َ‬
‫قوله‪ :‬أ ُي ْ‬
‫عمّا‬
‫آدم أشرك فـي عبـادة ال غيره؟ قـيـل له‪ :‬إن القول فـي تأويـل قوله‪َ :‬فتَعالـى الّلهُ َ‬
‫ُيشْ ِركُونَ لـيس بـالذي ظننت‪ ,‬وإنـما القول فـيه‪ :‬فتعالـى ال عما يشرك به مشركو‬
‫جعَل لَ ُه شُرَكاءَ‬
‫العرب من عبدة الوثان‪ .‬فأما الـخبر عن آدم وحوّاء فقد انقضى عند قوله‪َ :‬‬
‫عمّا ُيشْ ِركُونَ‪ .‬كما‪:‬‬
‫فِـيـما آتا ُهمَا ثم استؤنف قوله‪َ :‬فتَعالـى الّلهُ َ‬

‫‪12130‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫شرِكُونَ يقول‪ :‬هذه فصل من آية آدم خاصة‬
‫عمّا ُي ْ‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬قوله‪َ :‬فتَعالـى الّلهُ َ‬
‫فـي آلهة العرب‪.‬‬
‫شرَكا َء فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض‬
‫واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله‪ُ :‬‬
‫جعَل لَ ُه شِرْكا» بكسر الشين‪ ,‬بـمعنى الشركة‪ .‬وقرأه بعض‬
‫الـمكيـين والكوفـيـين‪َ « :‬‬
‫جعَل لَ ُه شُرَكاءَ بضمّ الشين‪,‬‬
‫الـمكيـين وعامة قرّاء الكوفـيـين وبعض البصريـين‪َ :‬‬
‫بـمعنى جمع شريك‪.‬‬
‫وهذه القراءة أولـى القراءتـين بـالصواب‪ ,‬لن القراءة لو صحت بكسر الشين لوجب أن‬
‫يكون الكلم‪ :‬فلـما آتاهما صالـحا جعل لغيره فـيه شركا لن آدم وحوّاء لـم يَدينا بأن‬
‫ولدهما من عطية إبلـيس ثم يجعل ل فـيه شركا لتسميتهما إياه بعبد ال‪ ,‬وإنـما كانا يدينان‬
‫ل شكّ بأن ولدهما من رزق ال وعطيته‪ ,‬ثم سمياه عبد الـحرث‪ ,‬فجعل لبلـيس فـيه شركا‬
‫شرْكا» صحيحة وجب ما قلنا أن يكون الكلم‪ :‬جعل‬
‫بـالسم‪ ,‬فلو كانت قراءة من قرأ‪ِ « :‬‬
‫جعَل َلهُ ما يوضح عن أن الصحيح من‬
‫لغيره فـيه شركا‪ ,‬وفـي نزول وحي ال بقوله‪َ :‬‬
‫شرَكاءَ بضم الشين علـى ما بـينت قبل‪.‬‬
‫القراءة‪ُ :‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬فإن آدم وحوّاء إنـما سميا ابنهما عبد الـحرث‪ ,‬والـحرث واحد‪ ,‬وقوله‪:‬‬
‫ل ثناؤه بأنهما جعل له شركاء‪ ,‬وإنـما أشركا واحدا؟‬
‫شُرَكاءَ جماعة‪ ,‬فكيف وصفهما ج ّ‬
‫قـيـل‪ :‬قد دللنا فـيـما مضى علـى أن العرب تـخرج الـخبر عن الواحد مخرج الـخبر‬
‫ن النّاسَ‬
‫عن الـجماعة إذا لـم تقصد واحدا بعينه ولـم تسمه‪ ,‬كقوله‪ :‬اّلذِينَ قالَ َل ُه ُم النّاسُ إ ّ‬
‫ج َمعُوا َل ُكمْ وإنـما كان القائل ذلك واحدا‪ ,‬فأخرج الـخبر مخرج الـخبر عن الـجماعة‪ ,‬إذ‬
‫قَ ْد َ‬
‫لـم يقصد قصده‪ ,‬وذلك مستفـيض فـي كلم العرب وأشعارها‪.‬‬
‫عمّا ُيشْ ِركُونَ فتنزيه من ال تبـارك وتعالـى نفسه‪ ,‬وتعظيـم لها‬
‫وأما قوله‪َ :‬فتَعالـى اللّهُ َ‬
‫عما يقول فـيه الـمبطلون ويدعون معه من الَلهة والوثان‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪12131‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ :‬فَتَعالـى‬
‫ن قال‪ :‬هو النكاف‪ ,‬أنكف نفسه جلّ وعزّ‪ ,‬يقول‪ :‬عظم نفسه‪ ,‬وأنكفته‬
‫ش ِركُو َ‬
‫عمّا ُي ْ‬
‫اللّهُ َ‬
‫الـملئكة وما سبح له‪.‬‬
‫‪12132‬ـ حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن عيـينة‪ ,‬قال‪:‬‬
‫جعَل لَ ُه شُرَكاءَ‬
‫سمعت صدقة يحدّث عن السديّ‪ ,‬قال‪ :‬هذا من الـموصول والـمفصول قوله‪َ :‬‬
‫عمّا‬
‫فِـيـما آتا ُهمَا فـي شأن آدم وحوّاء‪ ,‬ثم قال ال تبـارك وتعالـى‪َ :‬فتَعالـى الّلهُ َ‬
‫ُيشْ ِركُونَ قال‪ :‬عما يشرك الـمشركون‪ ,‬ولـم يعنهما‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪191‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫شيْئا وَ ُهمْ ُيخْلَقُونَ }‪..‬‬
‫شرِكُونَ مَا لَ َيخُْلقُ َ‬
‫{َأ ُي ْ‬

‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬أيشركون فـي عبـادة ال‪ ,‬فـيعبدون معه ما ل يخـلق شيئا وال‬
‫يخـلقها وينشئها‪ ,‬وإنـما العبـادة الـخالصة للـخالق ل للـمخـلوق؟‬
‫وكان ابن زيد يقول فـي ذلك بـما‪12133 :‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪:‬‬
‫قال ابن زيد‪ ,‬قال‪ :‬وُلد لَدم وحوّاء ولد‪ ,‬فسمّياه عبد ال‪ ,‬فأتاهما إبلـيس فقال‪ :‬ما سميتـما يا‬
‫آدم ويا حوّاء ابنكما؟ قال‪ :‬وكان وُلد لهما قبل ذلك ولد‪ ,‬فسمياه عبد ال‪ ,‬فمات فقال‪ :‬سميناه‬
‫عبد ال‪ .‬فقال إبلـيس‪ :‬أتظنان أن ال تارك عبده عندكما؟ ل وال لـيذهبن به كما ذهب‬
‫بـالَخر ولكن أدلكما علـى اسم يبقـى لكما ما بقـيتـما؟ فسمياه عبد شمس قال‪ :‬فذلك قول‬
‫ن الشمس تـخـلق شيئا‬
‫شيْئا وَ ُه ْم ُيخْـلَقُو َ‬
‫ن ما ل َيخْـُلقُ َ‬
‫ش ِركُو َ‬
‫ال تبـارك وتعالـى‪ :‬أ ُي ْ‬
‫حتـى يكون لها عبد؟ إنـما هي مخـلوقة‪ .‬وقد قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫عهُما فِـي الرْضِ»‪.‬‬
‫خدَ َ‬
‫جنّةِ‪َ ,‬و َ‬
‫عهُما فِـي الـ َ‬
‫خدَ َ‬
‫عهُما َم ّرتَـيْنِ‪َ :‬‬
‫خدَ َ‬
‫«َ‬
‫ن ما‬
‫وقـيـل‪ :‬وَ ُهمْ ُيخْـلَقُونَ‪ ,‬فأخرج مكنـيهم مخرج مكنّى بنـي آدم‪ ,‬وقد قال‪ :‬أ ُيشْ ِركُو َ‬
‫فأخرج ذكرهم ب «ما» ل ب «من» مخرج الـخبر عن غير بنـي آدم‪ ,‬لن الذي كانوا‬
‫يعبدونه إنـما كان حجرا أو خشبـا أو نـجاسا‪ ,‬أو بعض الشياء التـي يخبر عنها ب «ما»‬
‫ل ب «من»‪ ,‬فقـيـل لذلك «ما»‪ ,‬ثم قـيـل‪« :‬وهم»‪ ,‬فأخرجت كنايتهم مخرج كناية بنـي‬
‫آدم‪ ,‬لن الـخبر عنها بتعظيـم الـمشركين إياها نظير الـخبر عن تعظيـم الناس بعضهم‬
‫بعضا‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪192‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫صرُونَ }‪..‬‬
‫سهُمْ يَن ُ‬
‫ن َل ُهمْ َنصْرا َولَ َأ ْن ُف َ‬
‫ستَطِيعُو َ‬
‫ل َي ْ‬
‫{ َو َ‬

‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬أيشرك هؤلء الـمشركون فـي عبـادة ال ما ل يخـلق شيئا من‬
‫ل بهم عقوبة‪ ,‬ول هو قادر إن‬
‫خـلق ال‪ ,‬ول يستطيع أن ينصرهم إن أراد ال بهم سوءا أو أح ّ‬
‫أراد به سوءا نصر نفسه ول دفع ضرّ عنها‪ ,‬وإنـما العابد يعبد ما يعبده لجتلب نفع منه أو‬
‫لدفع ضرّ منه عن نفسه‪ ,‬وآلهتهم التـي يعبدونها ويشركونها فـي عبـادة ال ل تنفعهم ول‬
‫تضرّهم‪ ,‬بل ل تـجتلب إلـى نفسها نفعا ول تدفع عنها ضرّا‪ ,‬فهي من نفع غير أنفسها أو‬
‫دفع الضرّ عنها أبعد‪ .‬يعجّب تبـارك وتعالـى خـلقه من عظيـم خطإ هؤلء الذين يشركون‬
‫فـي عبـادتهم ال غيره‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪193‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ل َي ّت ِبعُو ُكمْ سَوَآءٌ عََل ْي ُكمْ‬
‫{وَإِن َتدْعُو ُهمْ إِلَى ا ْل ُه َدىَ َ‬

‫َأدَعَ ْو ُتمُو ُهمْ َأمْ َأ ْن ُتمْ صَامِتُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره فـي وصفه وعيبه ما يشرك هؤلء الـمشركون فـي عبـادتهم ربهم‬
‫إياه‪ :‬ومن صفته أنكم أيها الناس إن تدعوهم إلـى الطريق الـمستقـيـم‪ ,‬والمر الصحيح‬
‫السديد ل َي ّت ِبعُو ُكمْ لنها لـيست تعقل شيئا‪ ,‬فتترك من الطرق ما كان عن القصد منعدلً جائرا‪,‬‬
‫وتركب ما كان مستقـيـما سديدا‪ .‬وإنـما أراد ال جلّ ثناؤه بوصف آلهتهم بذلك من صفتها‬
‫تنبـيههم علـى عظيـم خطئهم‪ ,‬وقُبح اختـيارهم‪ ,‬يقول جلّ ثناؤه‪ :‬فكيف يهديكم إلـى‬
‫الرشاد من إن دعي إلـى الرشاد وعرفه لـم يعرفه‪ ,‬ولـم يفهم رشادا من ضلل‪ ,‬وكان‬
‫سواءً دعاء داعيه إلـى الرشاد وسكوته‪ ,‬لنه ل يفهم دعاءه‪ ,‬ول يسمع صوته‪ ,‬ول يعقل ما‬
‫يقال له؟ يقول‪ :‬فكيف يُعبد من كانت هذه صفته‪ ,‬أم كيف يشكل عظيـم جهل من اتـخذ ما‬
‫هذه صفته إلها؟ وإنـما الربّ الـمعبود هو النافع من يعبده‪ ,‬الضارّ من يعصيه‪ ,‬الناصر‬
‫ولـيه‪ ,‬الـخاذل عدوّه‪ ,‬الهادي إلـى الرشاد من أطاعه‪ ,‬السامع دعاء من دعاه‪ .‬وقـيـل‪:‬‬
‫ن فعطف بقوله‪« :‬صامتون»‪ ,‬وهو اسم علـى‬
‫سَوَاءٌ عَلَـ ْي ُكمْ أدَعَ ْوتُـمو ُهمْ أ ْم أ ْنتُـمْ صَا ِمتُو َ‬
‫ص َمتّـم‪ ,‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫قوله‪« :‬أدعوتـموهم»‪ ,‬وهو فعل ماض‪ ,‬ولـم يقل‪ :‬أم َ‬
‫ن نُـ َميْرِ ْبنِ عا ِمرِ‬
‫ل القِبـابِ مِ ْ‬
‫ت لَـيْـلَةًبأهْ ِ‬
‫سَوَاءٌ عَلَـ ْيكَ القَـ ْفرُ أمْ بِ ّ‬
‫وقد ينشد‪« :‬أم أنت بـائت»‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪194‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫عبَادٌ َأ ْمثَالُ ُكمْ فَادْعُو ُهمْ‬
‫ن مِن دُونِ الّلهِ ِ‬
‫ن َتدْعُو َ‬
‫ن اّلذِي َ‬
‫{إِ ّ‬

‫س َتجِيبُواْ َل ُكمْ إِن كُن ُتمْ صَادِقِينَ }‪..‬‬
‫فَ ْليَ ْ‬
‫يقول جلّ ثناؤه لهؤلء الـمشركين من عبدة الوثان موبخهم علـى عبـادتهم ما ل‬
‫يضرّهم ول ينفعهم من الصنام‪ :‬إن الذين تدعون أيها الـمشركون آلهة من دون ال‪,‬‬
‫عبَـادٌ أ ْمثَاُلكُمْ يقول‪ :‬هم أملك لربكم‪ ,‬كما أنتـم له‬
‫وتعبدونها شركا منكم وكفرا بـال‪ِ ,‬‬
‫مـمالـيك‪ .‬فإن كنتـم صادقـين أنها تض ّر وتنفع وأنها تستوجب منكم العبـادة لنفعها إياكم‪,‬‬
‫فلـيستـجيبوا لدعائكم إذا دعوتـموهم‪ ,‬فإن لـم يستـجيبوا لكم لنها ل تسمع دعاءكم‪,‬‬
‫فأيقنوا بأنها ل تنفع ول تضرّ لن الضرّ والنفع إنـما يكونان مـمن إذا سئل سمع مسألة سائل‬
‫ش ِكيَ إلـيه من شيء سمع فضرّ من استـحقّ العقوبة ونفع من ل‬
‫وأعطى وأفضل ومن إذا ُ‬
‫يستوجب الضرّ‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪195‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن ِبهَآ َأمْ َل ُهمْ‬
‫طشُو َ‬
‫ن ِبهَآ َأمْ َل ُهمْ َأ ْي ٍد َيبْ ِ‬
‫{أََل ُهمْ َأ ْرجُلٌ َي ْمشُو َ‬

‫ن فَلَ تُنظِرُونِ }‪..‬‬
‫ن َيسْ َمعُونَ ِبهَا قُلِ ا ْدعُو ْا شُ َركَآ َء ُكمْ ُثمّ كِيدُو ِ‬
‫ن ُي ْبصِرُونَ ِبهَآ َأ ْم َل ُهمْ آذَا ٌ‬
‫عيُ ٌ‬
‫أَ ْ‬
‫يقول تعالـى ذكره لهؤلء الذين عبدوا الصنام من دونه معرّفهم جهل ما هم علـيه‬
‫ن بِها فـيسعون معكم ولكم فـي‬
‫ل يَـ ْمشُو َ‬
‫مقـيـمون‪ :‬ألصنامكم هذه أيها القوم أ ْرجُ ٌ‬
‫حوائجكم ويتصرّفون بها فـي منافعكم‪ ,‬أ ْم َل ُهمْ أ ْيدٍ َي ْبطِشُونَ بِها فـيدفعون عنكم وينصرونكم‬
‫ن بِها فـيعرّفوكم ما عاينوا‬
‫صرُو َ‬
‫ن ُيبْ ِ‬
‫عيُ ٌ‬
‫بها عند قصد من يقصدكم بشرّ ومكروه‪ ,‬أمْ َل ُهمْ أ ْ‬
‫ن بِها فـيخبروكم بـما سمعوا‬
‫س َمعُو َ‬
‫وأبصروا مـما تغيبون عنه فل ترونه‪ ,‬أمْ َل ُهمْ آذَانٌ َي ْ‬
‫دونكم مـما لـم تسمعوه؟ يقول جلّ ثناؤه‪ :‬فإن كانت آلهتكم التـي تعبدونها لـيس فـيها‬
‫شيء من هذه الَلت التـي ذكرتها‪ ,‬والـمعظّم من الشياء إنـما يعظّم لـما يرجى منه من‬
‫الـمنافع التـي توصل إلـيه بعض هذه الـمعانـي عندكم‪ ,‬فما وجه عبـادتكم أصنامكم‬
‫ل هذه الشياء التـي بها يوصل إلـى اجتلب النفع ودفع‬
‫التـي تعبدونها‪ ,‬وهي خالـية من ك ّ‬
‫الضرّ؟‬
‫ن يقول‪ :‬فل تؤخرون بـالكيد‬
‫ظرُو ِ‬
‫شرَكا َءكُمْ ُث ّم كِيدُونِ أنتـم وهن‪ ,‬فَل ُتنْ ِ‬
‫وقوله‪ :‬قُلْ ادْعُوا ُ‬
‫والـمكر‪ ,‬ولكن عجلوا بذلك‪ .‬يُعلـمه جلّ ثناؤه بذلك أنهم لـم يضرّوه‪ ,‬وأنه قد عصمه منهم‪,‬‬
‫ويعرّف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولـياءهم بسوء‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪196‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫{إِنّ وَِليّـيَ الّلهُ اّلذِي َنزّلَ ا ْل ِكتَابَ وَ ُهوَ َيتَوَلّى الصّاِلحِينَ‬

‫}‪..‬‬
‫يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬قل يا مـحمد للـمشركين من‬
‫عبدة الوثان‪ :‬إنّ ولـي نصيري ومعينـي وظهيري علـيكم ال الذي نزّل الكتاب علـيّ‬
‫بـالـحقّ‪ ,‬وهو الذي يتولـى من صلـح عمله بطاعته من خـلقه‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪197‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن َنصْ َر ُكمْ وَل‬
‫ستَطِيعُو َ‬
‫ن مِن دُونِ ِه لَ َي ْ‬
‫ن َتدْعُو َ‬
‫{وَاّلذِي َ‬

‫صرُونَ }‪..‬‬
‫سهُ ْم َينْ ُ‬
‫َأنْ ُف َ‬
‫ل ثناؤه لنبـيه أن يقوله للـمشركين بقوله تعالـى‪ :‬قل لهم‪ ,‬إن‬
‫وهذا أيضا أمر من ال ج ّ‬
‫ال نصيري وظهيري‪ ,‬والذين تدعون أنتـم أيها الـمشركون من دون ال من الَلهة‪ ,‬ل‬
‫يستطيعون نصركم‪ ,‬ول هم مع عجزهم عن نصرتكم يقدرون علـى نصرة أنفسهم‪ ,‬فأيّ هذين‬
‫أولـى بـالعبـادة وأحقّ بـاللوهة‪ ,‬أمن ينصر ولـيه ويـمنع نفسه مـمن أراده‪ ,‬أم من ل‬
‫يستطيع نصر ولـيه ويعجز عن منع نفسه مـمن أراده وبغاه بـمكروه؟‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪198‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫سمَعُواْ َو َترَا ُهمْ يَنظُرُونَ‬
‫ل َي ْ‬
‫{وَإِن َتدْعُو ُهمْ إِلَى ا ْل ُه َدىَ َ‬

‫إَِل ْيكَ وَ ُه ْم لَ ُي ْبصِرُونَ }‪..‬‬
‫يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬قل للـمشركين‪ :‬وإن تدعوا أيها‬
‫س َمعُوا يقول‪ :‬ل يسمعوا‬
‫الـمشركون آلهتكم إلـى الهدى‪ ,‬وهو الستقامة إلـى السداد‪ ,‬ل َي ْ‬
‫ن إلَـ ْيكَ و ُه ْم ل ُي ْبصِرُونَ وهذا خطاب من ال لنبـيه صلى ال عليه‬
‫ظرُو َ‬
‫دعاءكم‪ .‬و َترَاهُ ْم َينْ ُ‬
‫وسلم‪ ,‬يقول‪ :‬وترى يا مـحمد آلهتهم ينظرون إلـيك وهم ل يبصرون‪ .‬ولذلك وحد‪ ,‬ولو كان‬
‫أمر النبـيّ صلى ال عليه وسلم بخطاب الـمشركين لقال‪ :‬وترونهم ينظرون إلـيكم‪.‬‬
‫وقد رُوي عن السديّ فـي ذلك ما‪:‬‬
‫‪12134‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫سمَعوا َو َترَاهمْ َينْظرُونَ إلَـيكَ وَ ُهمْ ل‬
‫ن َتدْعُو ُه ْم إلـى ال ُهدَى ل َي ْ‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬وَإ ْ‬
‫ن قال‪ :‬هؤلء الـمشركين‪.‬‬
‫صرُو َ‬
‫ُيبْ ِ‬
‫وقد يحتـمل قول السديّ هذا أن يكون أراد بقوله‪ :‬هؤلء الـمشركون قول ال‪ :‬وَإنْ‬
‫َتدْعُو ُهمْ إلـى الهدَى ل َيسْمَعوا‪.‬‬
‫وقد كان مـجاهد يقول فـي ذلك ما‪:‬‬
‫‪12135‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو حذيفة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شبل‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‬
‫ن ما تدعوهم إلـى الهدى‪.‬‬
‫صرُو َ‬
‫عن مـجاهد‪َ :‬و َترَا ُهمْ َينْظرُونَ إلَـ ْيكَ وَهمْ ل ُيبْ ِ‬
‫وكأن مـجاهدا وجه معنى الكلم إلـى أن معناه‪ :‬وترى الـمشركين ينظرون إلـيك وهم‬
‫ل يبصرون‪ .‬فهو وجه‪ ,‬ولكن الكلم فـي سياق الـخبر عن الَلهة فهو بوصفها أشبه‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬فما معنى قوله‪َ :‬و َترَا ُهمْ َي ْنظُرُونَ إلَـ ْيكَ وَهمْ ل ُي ْبصِرُونَ؟‬
‫وهل يجوز أن يكون شيء ينظر إلـى شيء ول يراه؟ قـيـل‪ :‬إن العرب تقول للشيء إذا‬
‫قابل شيئا أو حاذاه هو ينظر إلـى كذا‪ ,‬ويقال‪ :‬منزل فلن ينظر إلـى منزلـي إذا قابله‪.‬‬
‫وحُكي عنها‪ :‬إذا أتـيت موضع كذا وكذا‪ ,‬فنظر إلـيك الـجبل‪ ,‬فخذ يـمينا أو شمالً‪.‬‬
‫وحدثت عن أبـي عُبـيد‪ ,‬قال‪ :‬قال الكسائي‪ :‬الـحائط ينظر إلـيك إذا كان قريبـا منك حيث‬
‫تراه‪ ,‬ومنه قول الشاعر‪:‬‬
‫ح‬
‫إذَا َنظَرَتْ بِلدَ َبنِـي تَـمِيـم ِب َعيْنٍ أوْ بِلدَ َبنِـي صُبـا ِ‬
‫يريد‪ :‬تقابل نبتُها وعشبُها وتـحاذَى‪.‬‬

‫فمعنى الكلم‪ :‬وترى يا مـحمد آلهة هؤلء الـمشركين من عبدة الوثان يقابلونك‬
‫ويحاذونك‪ ,‬وهم ل يبصرونك‪ ,‬لنه ل أبصار لهم‪ .‬وقـيـل‪« :‬وتراهم»‪ ,‬ولـم يقل‪:‬‬
‫«وتراها»‪ ,‬لنها صور مصوّرة علـى صور بنـي آدم‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪199‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫عنِ ا ْلجَاهِلِينَ }‪..‬‬
‫عرِضْ َ‬
‫خذِ ا ْلعَفْوَ وَ ْأ ُمرْ بِا ْل ُع ْرفِ وََأ ْ‬
‫{ُ‬

‫اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬تأويـله‪ :‬خذ العفوَ من أخلق‬
‫الناس‪ ,‬وهو الفضل وما ل يجهدهم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12136‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حكام‪ ,‬عن عنبسة‪ ,‬عن مـحمد بن عبد الرحمن‪ ,‬عن‬
‫القاسم‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬خ ِذ العَفْ َو قال‪ :‬من أخلق الناس وأعمالهم بغير تـحسس‪.‬‬
‫حدثنا يعقوب وابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن علـية‪ ,‬عن لـيث‪ ,‬عن مـجاهد فـي قوله‪ :‬خذِ‬
‫العَفْ َو قال‪ :‬عفو أخلق الناس‪ ,‬وعفو أمورهم‪.‬‬
‫‪12137‬ـ حدثنا يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي ابن أبـي الزناد‪ ,‬عن هشام بن‬
‫عرْوة‪ ,‬عن أبـيه فـي قوله‪ :‬خذِ العَ ْفوَ‪ ...‬الَية‪ .‬قال عروة‪ :‬أمر ال رسوله صلى ال عليه‬
‫ُ‬
‫وسلم أن يأخذ العفو من أخلق الناس‪.‬‬
‫‪12138‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن هشام‬
‫بن عروة‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن ابن الزّبـير‪ ,‬قال‪ :‬ما أنزل ال هذه الَية إلّ فـي أخلق الناس‪:‬‬
‫خذِ العَفْ َو وأُم ْر بـالعرْفِ الَية‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن بكر‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قال‪ :‬بلغنـي عن مـجاهد‪:‬‬
‫خذِ العَفْ َو من أخلق الناس وأعمالهم بغير تـحسس‪.‬‬
‫ُ‬
‫خذِ‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبو معاوية‪ ,‬عن هشام بن عروة‪ ,‬عن وهب بن كيسان‪ ,‬عن ابن الزبـير‪ُ :‬‬
‫العَفْ َو قال‪ :‬من أخلق الناس‪ ,‬وال لَخذنه منهم ما صحبتهم‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا عبدة بن سلـيـمان‪ ,‬عن هشام بن عروة‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن ابن الزبـير‪ ,‬قال‪:‬‬
‫خذِ العَ ْفوَ من أخلق الناس‪.‬‬
‫إنـما أنزل ال ُ‬
‫حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن أبـي‬
‫خذِ العَ ْفوَ قال‪ :‬من أخلق الناس وأعمالهم من غير تـجسس أو‬
‫نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ُ :‬‬
‫تـحسس‪ ,‬شكّ أبو عاصم‪.‬‬
‫خذِ العَفْ َو من أموال الناس‪ ,‬وهو الفضل‪ .‬قالوا‪ :‬وأمر بذلك قبل‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل معنى ذلك‪ُ :‬‬
‫نزول الزكاة‪ ,‬فلـما نزلت الزكاة نسخ‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬

‫‪12139‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫خ ِذ العَفْ َو يعنـي‪ :‬خذ ما عفـا لك من أموالهم‪ ,‬وما أتوك به من شيء‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله ُ‬
‫فخذه‪ .‬فكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيـلها وما انتهت الصدقات إلـيه‪.‬‬
‫‪12140‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫خذِ ال َعفْ َو أما العفو‪ :‬فـالفضل من الـمال‪ ,‬نسختها الزكاة‪.‬‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ُ :‬‬
‫‪12141‬ـ حُدثت عن الـحسين بن الفرج‪ ,‬قال‪ :‬سمعت أبـا معاذ يقول‪ :‬حدثنا عبـيد بن‬
‫خذِ ال َعفْوَ يقول‪ :‬خذ ما عفـا من أموالهم‪,‬‬
‫سلـيـمان‪ ,‬قال‪ :‬سمعت الضحاك‪ ,‬يقول فـي قوله‪ُ :‬‬
‫وهذا قبل أن تنزل الصدقة الـمفروضة‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل ذلك أمر من ال نبـيه صلى ال عليه وسلم بـالعفو عن الـمشركين‬
‫وترك الغلظة علـيهم قبل أن يُفرض قتالهم علـيه‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫خذِ العَفْوَ‬
‫‪12142‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ُ :‬‬
‫قال‪ :‬أمره فأعرض عنهم عشر سنـين بـمكة‪ .‬قال‪ :‬ثم أمره بـالغلظة علـيهم وأن يقعد لهم‬
‫ن تابُوا وأقامُوا الصّل َة الَية كلها‪ ,‬وقرأ‪ :‬يا أيّها ال ّنبِـيّ‬
‫كلّ مرصد وأن يحصرهم‪ ,‬ثم قال‪ :‬فإ ْ‬
‫جا ِهدِ الكُفّـارَ وَالـمُنافَقِـينَ وَاغُْلظْ عَلَـ ْيهِمْ‪ .‬قال‪ :‬وأمر الـمؤمنـين بـالغلظة علـيهم‪,‬‬
‫جدُوا فِـي ُكمْ غِ ْلظَةً بعدما كان‬
‫ن الكُفّـارِ وَلْـ َي ِ‬
‫ن يَـلُو َن ُكمْ مِ َ‬
‫فقال‪ :‬يا أ ّيهَا اّلذِينَ آ َمنُوا قاتِلُوا اّلذِي َ‬
‫ل لّلذِينَ آ َمنُوا َيغْ ِفرُوا لّلذِينَ ل َيرْجُونَ أيّامَ الّلهِ ثم لـم يقبل‬
‫أمرهم بـالعفو‪ ,‬وقرأ قول ال‪ :‬قُ ْ‬
‫منهم بعد ذلك إلّ السلم أو القتل‪ ,‬فنسخت هذه الَية العفو‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬وأولـى هذه القوال بـالصواب قول من قال‪ :‬معناه‪ :‬خذ العفو من أخلق‬
‫الناس‪ ,‬واترك الغلظة علـيهم‪ ,‬وقال‪ :‬أُمر بذلك نبـيّ ال صلى ال عليه وسلم فـي‬
‫الـمشركين‪.‬‬
‫وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب‪ ,‬لن ال جلّ ثناؤه اتبع ذلك تعلـيـمه نبـيه صلى ال‬
‫ن فَل‬
‫عليه وسلم مـحاجته الـمشركين فـي الكلم‪ ,‬وذلك قوله‪ :‬قُلِ ا ْدعُوا شُرَكا َء ُكمْ ُثمّ كِيدُو ِ‬
‫ن وإذَا لَـمْ َت ْأ ِتهِمْ بآيَةٍ‬
‫صرُو َ‬
‫ظرُونَ‪ ,‬وعقبه بقوله‪ :‬وإخْوَا ُن ُهمْ يَـمُدو َن ُهمْ فِـي ال َغيّ ُثمّ ل يُ ْق ِ‬
‫ُتنْ ِ‬
‫ج َتبَـيْتَها فما بـين ذلك بأن يكون من تأديبه نبـيه صلى ال عليه وسلم فـي‬
‫قالُوا َلوْل ا ْ‬
‫عشرتهم به أشبه وأولـى من العتراض بأمره بأخذ الصدقة من الـمسلـمين‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬أفمنسوخ ذلك؟ قـيـل‪ :‬ل دللة عندنا علـى أنه منسوخ‪ ,‬إذ كان جائزا أن‬
‫يكون‪ ,‬وإن كان ال أنزله علـى نبـيه علـيه الصلة والسلم فـي تعريفه عشر َة من لـم‬
‫يؤمر بقتاله من الـمشركين مرادا به تأديب نبـيّ ال والـمسلـمين جميعا فـي عشرة الناس‬
‫وأمرهم بأخذ عفو أخلقهم‪ ,‬فـيكون وإن كان من أجلهم نزل تعلـيـما من ال خـلقه صفة‬
‫عشرة بعضهم بعضا‪ ,‬لـم يجب استعمال الغلظة والشدّة فـي بعضهم‪ ,‬فإذا وجب استعمال ذلك‬

‫خ ِذ العَفْ َو أمرا بأخذه ما لـم يجب غير العفو‪ ,‬فإذا‬
‫فـيهم استعمل الواجب‪ ,‬فـيكون قوله‪ُ :‬‬
‫وجب غيره أخذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك فل يحكم علـى الَية بأنها منسوخة‬
‫لـما قد بـينا ذلك فـي نظائره فـي غير موضع من كتبنا‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬وأمُ ْر بـال ُعرْفِ فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله‪ ,‬فقال بعضهم بـما‪:‬‬
‫‪12143‬ـ حدثنـي الـحسن بن الزبرقان النـخعي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حسين الـجعفـي‪ ,‬عن‬
‫خذِ العَفْوَ و ْأ ُمرْ بـال ُعرْفِ‬
‫سفـيان بن عيـينة‪ ,‬عن رجل قد سماه‪ ,‬قال‪ :‬لـما نزلت هذه الَية‪ُ :‬‬
‫ج ْبرِيـلُ ما َهذَا»؟ قال‪:‬‬
‫عنِ الـجاهِلِـينَ قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪« :‬يا ِ‬
‫عرِضْ َ‬
‫وأ ْ‬
‫ما أدري حتـى أسأل العالِـم‪ .‬قال‪ :‬ثم قال جبريـل‪ :‬يا مـحمد إن ال يأمرك أن تصل من‬
‫قطعك‪ ,‬وتعطي من حرمك‪ ,‬وتعفو عمن ظلـمك‪.‬‬
‫‪12144‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا سفـيان‪ ,‬عن أبـيّ‪ ,‬قال‪ :‬لـما أنزل ال علـى نبـيه‬
‫عنِ الـجاهِلِـينَ قال النبـيّ صلى‬
‫عرِضْ َ‬
‫خذِ العَ ْفوَ و ْأ ُمرْ بـال ُع ْرفِ وأ ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ُ :‬‬
‫ج ْبرِيـلُ»؟ قال‪ :‬إن ال يأمرك أن تعفو عمن ظلـمك‪ ,‬وتعطي من‬
‫ال عليه وسلم‪« :‬ما َهذَا يا ِ‬
‫حرمك‪ ,‬وتصلَ من قطعك‪.‬‬
‫وقال آخرون بـما‪:‬‬
‫‪12145‬ـ حدثنـي مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن‬
‫هشام بن عروة‪ ,‬عن أبـيه‪ :‬و ْأمُ ْر بـال ُعرْفِ يقول‪ :‬بـالـمعروف‪.‬‬
‫‪12146‬ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪,‬‬
‫ف قال‪ :‬أما العرف‪ :‬فـالـمعروف‪.‬‬
‫عن السديّ‪ :‬و ْأ ُمرْ بـال ُعرْ ِ‬
‫‪12147‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬و ْأ ُمرْ بـال ُع ْرفِ أي‬
‫بـالـمعروف‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬والصواب من القول فـي ذلك أن يقال‪ :‬إن ال أمر نبـيه صلى ال عليه‬
‫وسلم أن يأمر الناس بـالعُرْف‪ ,‬وهو الـمعروف فـي كلم العرب‪ ,‬مصدر فـي معنى‬
‫عرْفـا وعارفـا وعارفةً كل ذلك بـمعنى الـمعروف‪ .‬فإذا كان‬
‫الـمعروف‪ ,‬يقال أولـيته ُ‬
‫حرِم‪ ,‬والعفو عمن‬
‫معنى العرف ذلك‪ ,‬فمن الـمعروف صلة رحم من ُقطِع‪ ,‬وإعطاء من ُ‬
‫ل ما أمر ال به من العمال أو ندب إلـيه فهو من العرف‪ .‬ولـم يخصص ال من‬
‫ظَلَـم‪ .‬وك ّ‬
‫ذلك معنى دون معنى فـالـحقّ فـيه أن يقال‪ :‬قد أمر ال نبـيه صلى ال عليه وسلم أن‬
‫يأمر عبـاده بـالـمعروف كله ل ببعض معانـيه دون بعض‪.‬‬
‫ن فإنه أمر من ال تعالـى نبـيه صلى ال عليه وسلم‬
‫ن الـجاهِلِـي َ‬
‫عرِضْ عَ ِ‬
‫وأما قوله‪ :‬وأ ْ‬
‫أن يعرض عمن جهل‪ .‬وذلك وإن كان أمرا من ال لنبـيه‪ ,‬فإنه تأديب منه ع ّز ذكره لـخـلقه‬

‫بـاحتـمال من ظلـمهم أو اعتدى علـيهم‪ ,‬ل بـالعراض عمن جهل الواجب علـيه من‬
‫حرْبٌ‪.‬‬
‫حقّ ال ول بـالصفح عمن كفر بـال وجهل وحدانـيته‪ ,‬وهو للـمسلـمين َ‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫خ ِذ العَفْوَ و ْأ ُمرْ‬
‫‪12148‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ُ :‬‬
‫عنِ الـجاهِلِـينَ قال‪ :‬أخلقٌ أمر ال بها نبـيه صلى ال عليه وسلم‪,‬‬
‫عرِضْ َ‬
‫بـال ُع ْرفِ وأ ْ‬
‫ودله علـيها‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪200‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫سمِيعٌ‬
‫ستَ ِعذْ بِاللّ ِه ِإنّ ُه َ‬
‫ش ْيطَانِ َن ْزغٌ فَا ْ‬
‫ك مِنَ ال ّ‬
‫غ ّن َ‬
‫{وَإِمّا َينَزَ َ‬

‫عَلِيمٌ }‪..‬‬
‫ن َن ْزغٌ وإما يغضبنك من الشيطان غضب‬
‫شيْطا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫غ ّنكَ مِ َ‬
‫يعنـي جلّ ثناؤه بقوله‪ :‬وَإمّا َي ْنزَ َ‬
‫س َت ِعذْ بـاللّهِ يقول‪:‬‬
‫يصدّك عن العراض عن الـجاهلـين ويحملك علـى مـجازاتهم‪ .‬فـا ْ‬
‫سمِيعٌ عَلِـيـمٌ يقول‪ :‬إن ال الذي تستعيذ به من نزع‬
‫فـاستـجر بـال من نزغه‪ .‬إنّ ُه َ‬
‫الشيطان سميع لـجهل الـجاهل علـيك ولستعاذتك به من نزغه ولغير ذلك من كلم‬
‫خـلقه‪ ,‬ل يخفـى علـيه منه شيء‪ ,‬علـيـم بـما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من‬
‫أمور خـلقه‪ .‬كما‪:‬‬
‫خذِ العَفْوَ‬
‫‪12149‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ُ :‬‬
‫ن قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬فَ َك ْيفَ‬
‫ن الـجاهِلِـي َ‬
‫عرِضْ عَ ِ‬
‫و ْأ ُمرْ بـالعُ ْرفِ وأ ْ‬
‫سمِيعٌ عَلِـيـمٌ‪.‬‬
‫س َتعِذْ بـاللّ ِه إنّ ُه َ‬
‫ن َن ْزغٌ فـا ْ‬
‫شيْطا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫غ ّنكَ مِ َ‬
‫بـال َغضَبِ يا رَبّ»؟ قال‪ :‬وَإمّا َي ْنزَ َ‬
‫‪12150‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬وَإمّا‬
‫سمِيعٌ عَلِـيـمٌ قال‪ :‬علـم ال أن هذا العدوّ‬
‫س َت ِعذْ بـاللّهِ إّنهُ َ‬
‫شيْطانِ َن ْزغٌ فـا ْ‬
‫ك مِنَ ال ّ‬
‫غ ّن َ‬
‫َينْزَ َ‬
‫منـيع ومَريد‪.‬‬
‫وأصل النزغ‪ :‬الفساد‪ ,‬يقول‪ :‬نزغ الشيطان بـين القوم إذا أفسد بـينهم وحمل بعضَهم‬
‫علـى بعض‪ ,‬ويقال منه‪ :‬نزغ ينزغ‪ ,‬ونغَز ينغُز‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪201‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن َت َذكّرُواْ‬
‫شيْطَا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫س ُهمْ طَا ِئفٌ مّ َ‬
‫ن اتّقَو ْا ِإذَا َم ّ‬
‫ن اّلذِي َ‬
‫{إِ ّ‬

‫صرُونَ }‪..‬‬
‫َفإِذَا هُم ّمبْ ِ‬
‫ن اّلذِينَ اتّ َقوْا ال من خـلقه‪ ,‬فخافوا عقابه بأداء فرائضه‪ ,‬واجتناب‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬إ ّ‬
‫ن َت َذكّرُوا يقول‪ :‬إذا ألـمّ بهم طيف من الشيطان من‬
‫شيْطا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫سهُ ْم طا ِئفٌ مِ َ‬
‫معاصيه إذَا َم ّ‬
‫غضب أو غيره مـما يصدّ عن واجب حقّ ال علـيهم‪ ,‬تذكّروا عقاب ال وثوابه ووعده‬

‫ووعيده‪ ,‬وأبصروا الـحقّ فعملوا به‪ ,‬وانتهوا إلـى طاعة ال فـيـما فرض علـيهم وتركوا‬
‫فـيه طاعة الشيطان‪.‬‬
‫ط ْيفٌ» فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والكوفة‪ :‬طائِفٌ‬
‫واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله‪َ « :‬‬
‫طيْفٌ ِمنَ‬
‫علـى مثال فـاعل‪ ,‬وقرأه بعض الـمكيـين والبصريـين والكوفـيـين‪َ « :‬‬
‫شيْطانِ»‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫واختلف أهل العلـم بكلم العرب فـي فرق ما بـين الطائف والطيف‪ .‬قال بعض‬
‫البصريـين‪ :‬الطائف والطيف سواء‪ ,‬وهو ما كان كالـخيال والشيء يـلـمّ بك‪ .‬قال‪ :‬ويجوز‬
‫أن يكون الطيف مخففـا عن طيّف مثل ميّت و َميْت‪ .‬وقال بعض الكوفـيـين‪ :‬الطائف‪ :‬ما‬
‫طاف بك من وسوسة الشيطان‪ ,‬وأما الطيف‪ :‬فإنـما هو من اللـمـم والـمـمس‪ .‬وقال آخر‬
‫منهم‪ :‬الطيف‪ :‬اللـمـم‪ ,‬والطائف‪ :‬ك ّل شيء طاف بـالنسان‪ .‬وذُكر عن أبـي عمرو بن‬
‫العلء أنه كان يقول‪ :‬الطيف‪ :‬الوسوسة‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأ‪ :‬طا ِئفٌ مِنَ‬
‫شيْطانِ لن أهل التأويـل تأوّلوا ذلك بـمعنى الغضب والزلة تكون من الـمطيف به‪ .‬وإذا‬
‫ال ّ‬
‫كان ذلك معناه كان معلوما إذ كان الطيف إنـما هو مصدر من قول القائل‪ :‬طاف يطيف‪ ,‬أن‬
‫ذلك خبر من ال عما يـمسّ الذين اتقوا من الشيطان‪ ,‬وإنـما يـمسهم ما طاف بهم من‬
‫أسبـابه‪ ,‬وذلك كالغضب والوسوسة‪ .‬وإنـما يطوف الشيطان بـابن آدم لـيستزله عن طاعة‬
‫ربه أو لـيوسوس له‪ ,‬والوسوسة والستزلل هو الطائف من الشيطان‪ ,‬وأما الطيف فإنـما‬
‫هو الـخيال‪ ,‬وهو مصدر من طاف يطيف‪ ,‬ويقول‪ :‬لـم أسمع فـي ذلك طاف يَطيف‪ ,‬ويتأوّله‬
‫بأنه بـمعنى الـميت وهو من الواو‪ .‬وحكى البصريون وبعض الكوفـيـين سماعا من‬
‫العرب‪ :‬طاف يطيف‪ ,‬وطفت أطيف‪ ,‬وأنشدوا فـي ذلك‪:‬‬
‫ف‬
‫شعُو ُ‬
‫ك ِذكْرَةٌ َو ُ‬
‫ك الـخَيالُ َيطِيفُومَطافُه َل َ‬
‫أنّى ألَـمّ ِب َ‬
‫وأما أهل التأويـل‪ ,‬فإنهم اختلفوا فـي تأويـله‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬ذلك الطائف هو الغضب‪.‬‬
‫ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12151‬ـ حدثنا أبو كريب وابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن يـمان‪ ,‬عن أشعث‪ ,‬عن جعفر‪ ,‬عن‬
‫س ُهمْ طا ِئفٌ قال‪ :‬الطيف‪ :‬الغضب‪.‬‬
‫سعيد‪ :‬إذَا َم ّ‬
‫‪12152‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حكام‪ ,‬عن عنبسة‪ ,‬عن مـحمد بن عبد الرحمن‪ ,‬عن‬
‫شيْطانِ» قال‪ :‬هو‬
‫طيْفٌ ِمنَ ال ّ‬
‫القاسم بن أبـي بزّة‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قوله‪« :‬إذَا مَس ُهمْ َ‬
‫الغضب‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن رجاء‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن عبد ال بن كثـير‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬الغضب‪.‬‬

‫حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن أبـي‬
‫ن َت َذكّرُوا قال‪ :‬هو الغضب‪.‬‬
‫شيْطا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫سهُ ْم طَ ْيفٌ مِ َ‬
‫نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬إذَا م ّ‬
‫حدثنـي مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن أبـي‬
‫ن قال‪ :‬الغضب‪.‬‬
‫شيْطا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪ :‬طا ِئفٌ مِ َ‬
‫وقال آخرون‪ :‬هو اللّـمة والزلة من الشيطان‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12153‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‬
‫شيْطانِ َت َذ ّكرُوا‬
‫ف مِنَ ال ّ‬
‫ن اتّ َقوْا إذَا مَس ُهمْ طائِ ٌ‬
‫بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬إنّ اّلذِي َ‬
‫الطائف‪ :‬اللـمة من الشيطان‪ .‬فإذَا ُهمْ ُم ْبصِرُونَ‪.‬‬
‫‪12154‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫شيْطانِ يقول‪ :‬نزغ‬
‫ن اّلذِينَ اتّ َقوْا إذَا َمسّ ُهمْ طا ِئفٌ مِنَ ال ّ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬إ ّ‬
‫من الشيطان‪َ .‬ت َذكّرُوا‪.‬‬
‫‪12155‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫شيْطانِ َت َذ ّكرُوا يقول‪ :‬إذا زلوا‬
‫س ُهمْ طائِفٌ ِمنَ ال ّ‬
‫ن اتّقَوْا إذَا َم ّ‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬إنّ اّلذِي َ‬
‫تابوا‪..‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬وهذان التأويلن متقاربـا الـمعنى‪ ,‬لن الغضب من استزلل الشيطان‪.‬‬
‫واللـمة من الـخطيئة أيضا منه‪ ,‬وكان ذلك من طائف الشيطان‪ .‬وإذ كان ذلك كذلك‪ ,‬فل وجه‬
‫ل ثناؤه‪ ,‬فـيقال‪ :‬إن الذين‬
‫لـخصوص معنى منه دون معنى‪ ,‬بل الصواب أن ي ُعمّ كما عمه ج ّ‬
‫اتقوا إذا عرض لهم عارض من أسبـاب الشيطان ما كان ذلك العارض‪ ,‬تذكروا أمر ال‬
‫وانتهوا إلـى أمره‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬فإذَا ُهمْ ُم ْبصِرُونَ فإنه يعنـي‪ :‬فإذا هم مبصرون هدى ال وبـيانه وطاعته‬
‫فـيه‪ ,‬فمنتهون عما دعاهم إلـيه طائف الشيطان‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪12156‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫صرُونَ يقول‪ :‬إذا هم منتهون عن الـمعصية‪ ,‬آخذون‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬فإذَا ُهمْ ُم ْب ِ‬
‫بأمر ال‪ ,‬عاصون للشيطان‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪202‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫صرُونَ }‪..‬‬
‫ل يُ ْق ِ‬
‫خوَا ُن ُهمْ َي ُمدّو َنهُ ْم فِي ا ْل َغيّ ُثمّ َ‬
‫{وَِإ ْ‬

‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬وإخوان الشياطين تـمدّهم الشياطين فـي الغيّ‪ .‬يعنـي بقوله‪:‬‬
‫يـمُدّو َن ُهمْ يزيدونهم‪ُ .‬ثمّ ل ُي ْقصِرُونَ عما قصر عنه الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان‪.‬‬
‫وإنـما هذا خبر من ال عن فريقـي اليـمان والكفر‪ ,‬بأن فريق اليـمان وأهل تقوى ال إذا‬

‫استزلهم الشيطان تذكروا عظمة ال وعقابه‪ ,‬فكفتهم رهبته عن معاصيه وردتهم إلـى التوبة‬
‫والنابة إلـى ال مـما كان منهم من زلة‪ ,‬وأن فريق الكافرين يزيدهم الشيطان غيّا إلـى‬
‫غيهم إذا ركبوا معصية من معاصي ال‪ ,‬ول يحجزُهم تقوى ال ول خوف الـمعاد إلـيه عن‬
‫التـمادي فـيها والزيادة منها‪ ,‬فهو أبدا فـي زيادة من ركوب الثم‪ ,‬والشيطان يزيده أبدا‪ ,‬ل‬
‫يُقصر النسيّ عن شيء من ركوب الفواحش ول الشيطان من مدّه منه‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪12157‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪,‬‬
‫ن قال‪ :‬ل النس يقصرون عما‬
‫صرُو َ‬
‫عن ابن عبـاس‪ :‬وإخْوَا ُن ُهمْ يَـ ُمدّو َن ُهمْ فِـي ال َغيّ ُثمّ ل يُ ْق ِ‬
‫يعملون من السيئات‪ ,‬ول الشياطين تـمسك عنهم‪.‬‬
‫حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬عن‬
‫ن يقول‪ :‬هم‬
‫صرُو َ‬
‫أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وإخْوَا ُن ُهمْ يَـمُدّو َن ُهمْ فِـي ال َغيّ ثُم ل يُ ْق ِ‬
‫الـجنّ يوحون إلـى أولـيائهم من النس‪ ,‬ثم ل يقصرون‪ ,‬يقول‪ :‬ل يسأمون‪.‬‬
‫‪12158‬ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪,‬‬
‫عن السديّ‪ :‬وإخْوَا ُن ُهمْ يَـمُدّو َن ُهمْ فِـي ال َغيّ إخوان الشياطين من الـمشركين‪ ,‬يـمدّهم‬
‫صرُونَ‪.‬‬
‫الشيطان فـي الغيّ‪ُ .‬ث ّم ل يُ ْق ِ‬
‫‪12159‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن جريج‪ ,‬قال‬
‫عبد ال بن كثـير‪ :‬وإخوانهم من الـجنّ‪ ,‬يـمدّون إخوانهم من النس‪ ,‬ثم ل يقصرون‪ ,‬ثم‬
‫يقول ل يقصر النسانُ‪ .‬قال‪ :‬والـمدّ الزيادة‪ ,‬يعنـي‪ :‬أهل الشرك‪ ,‬يقول‪ :‬ل يقصر أهل‬
‫الشرك‪ ,‬كما يقصر الذين اتقوا لنهم ل يحجزهم اليـمان‪ .‬قال ابن جريج‪ ,‬قال مـجاهد‬
‫خوَا ُنهُمْ من الشياطين يَـ ُمدّو َنهُ ْم فِـي ال َغيّ ُثمّ ل يُ ْقصِرُونَ استـجهالً يـمدّون أهل الشرك‪.‬‬
‫وإ ْ‬
‫ن الـجِنّ وَالنْسِ قال‪ :‬فهؤلء النس‪ .‬يقول‬
‫جهَنّـمَ َكثِـيرا مِ َ‬
‫قال ابن جريج‪ :‬وَلَ َقدْ َذرَأْنا لِـ َ‬
‫ال‪ :‬وَإخْوَا ُن ُهمْ يَـ ُمدّو َن ُهمْ فِـي ال َغيّ‪.‬‬
‫‪12160‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫ن قال‪ :‬إخوان الشياطين يـمدّهم الشياطين فـي‬
‫صرُو َ‬
‫خوَا ُنهُمْ يَـ ُمدّو َن ُهمْ فِـي ال َغيّ ُث ّم ل يُ ْق ِ‬
‫وإ ْ‬
‫الغيّ ثم ل يقصرون‪.‬‬
‫‪12161‬ـ حدثنا مـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عيسى‪ ,‬عن ابن أبـي‬
‫نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬وإخْوَا ُن ُهمْ من الشياطين‪ .‬يَـمُدّو َن ُهمْ فِـي ال َغيّ استـجهالً‪.‬‬
‫ن بـمعنى‪ :‬ول الشياطين يُ ْقصِرون فـي مدّهم‬
‫صرُو َ‬
‫وكان بعضهم يتأوّل قوله‪ُ :‬ثمّ ل يُ ْق ِ‬
‫إخوانهم من الغيّ‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12162‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬وإخْوَا ُن ُهمْ‬
‫ن عنهم‪ ,‬ول يرحمونهم‪.‬‬
‫صرُو َ‬
‫يَـمُدّو َن ُهمْ فِـي ال َغيّ ُثمّ ل يُ ْق ِ‬

‫قال أبو جعفر‪ :‬وقد بـيّنا أولـى التأويـلـين عندنا بـالصواب‪ ,‬وإنـما اخترنا ما اخترنا‬
‫من القول فـي ذلك علـى ما بـيّناه لن ال وصف فـي الَية قبلها أهل اليـمان به‬
‫وارتداعهم عن معصيته وما يكرهه إلـى مـحبته عند تذكرهم عظمته‪ ,‬ثم أتبع ذلك الـخبر‬
‫عن إخوان الشياطين وركوبهم معاصيه‪ ,‬وكان الولـى وصفهم بتـماديهم فـيها‪ ,‬إذ كان‬
‫عقـيب الـخبر عن تقصير الـمؤمنـين عنها‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬يَـ ُمدّو َنهُ ْم فإن القرّاء اختلفت فـي قراءته‪ ,‬فقرأه بعض الـمدنـيـين‪:‬‬
‫«يُـ ِمدّو َنهُمْ» بضم الـياء من أمددت‪ .‬وقرأته عامة قرّاء الكوفـيـين والبصريـين‪:‬‬
‫يَـمُدّو َن ُهمْ بفتـح الـياء من مددت‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا‪ :‬يَـ ُمدّو َن ُهمْ بفتـح الـياء‪ ,‬لن الذي‬
‫يـمدّ الشياطينُ إخوانهم من الـمشركين إنـما هو زيادة من جنس الـمـمدود‪ ,‬وإذا كان‬
‫الذي مدّ من جنس الـمـمدود كان كلم العرب مددت ل أمددت‪.‬‬
‫ن فإن القرّاء علـى لغة من قال‪َ :‬أقْصرت أُقصِر‪ ,‬وللعرب فـيه لغتان‪:‬‬
‫صرُو َ‬
‫وأما قوله‪ :‬يُ ْق ِ‬
‫صرْت عن الشيء‪ ,‬وأ ْقصَرْت عنه‪.‬‬
‫قَ َ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪203‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ج َتبَ ْي َتهَا قُلْ ِإ ّنمَآ َأ ّتبِعُ مَا‬
‫لاْ‬
‫{وَِإذَا َلمْ َت ْأ ِت ِهمْ بِآيَةٍ قَالُو ْا لَ ْو َ‬

‫حمَ ًة لّقَ ْو ٍم يُ ْؤ ِمنُونَ }‪..‬‬
‫حىَ إَِليّ مِن ّربّي هَـذَا َبصَآ ِئرُ مِن ّر ّبكُمْ وَ ُهدًى َو َر ْ‬
‫يِو َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬وإذا لـم تأت يا مـحمد هؤلء الـمشركين بآية من ال قالُوا َلوْل‬
‫جتَبـي ِمنْ‬
‫ن اللّ َه َي ْ‬
‫ج َتبَـ ْيتَها يقول‪ :‬قالوا هل اخترتها واصطفـيتها‪ ,‬من قول ال تعالـى‪ :‬وََلكِ ّ‬
‫اْ‬
‫ن يَشاءُ يعنـي‪ :‬يختار ويصطفـي‪ .‬وقد بـيّنا ذلك فـي مواضعه بشواهده‪.‬‬
‫رُسُلِ ِه مَ ْ‬
‫ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬معناه‪ :‬هل افتعلتها من ِقبَل نفسك‬
‫واختلقتها بـمعنى‪ :‬هل اجتبـيتها اختلفـا كما تقول العرب‪ :‬لقد اختار فلن هذا المر‬
‫وتـخيره اختلفـا‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12163‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذَا لَـمْ َت ْأ ِت ِهمْ بآيَةٍ‬
‫ج َتبَـيْتَها أي لول أتـيتنا بها من قبل نفسك هذا قول كفـار قريش‪.‬‬
‫قالُوا َلوْل ا ْ‬
‫‪12164‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن عبد ال‬
‫ج َتبَـ ْيتَها قالوا‪ :‬لول اقتضبتها‬
‫بن كثـير‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذَا لَـمْ َت ْأ ِتهِ ْم بآيَةٍ قالُوا لَوْل ا ْ‬
‫قالوا‪ :‬تـخرجها من نفسك‪.‬‬
‫‪12165‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد فـي قوله‪ :‬وَإذَا لَـمْ‬
‫ج َتبَـ ْيتَها قالوا‪ :‬لول تقوّلتها‪ ,‬جئت بها من عندك‪.‬‬
‫َت ْأ ِتهِمْ بآيَ ٍة قالُوا َلوْل ا ْ‬

‫‪12166‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عبد ال‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن ابن‬
‫ج َتبَـ ْيتَها يقول‪ :‬لول تلقّـيتها‪ .‬وقال مرّة أخرى‪ :‬لول أحدثتها فأنشأتها‪.‬‬
‫عبـاس‪ ,‬قوله‪َ :‬لوْل ا ْ‬
‫‪12167‬ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫ج َتبَـ ْيتَها يقول‪ :‬لول أحدثتها‪.‬‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬قالُوا لَوْل ا ْ‬
‫حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا معمر‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪:‬‬
‫ج َتبَـ ْيتَها قال‪ :‬لول جئت بها من نفسك‪.‬‬
‫لَوْل ا ْ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬هل أخذتها من ربك وتقبلتها منه ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12168‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫ج َتبَـ ْيتَها يقول‪ :‬لول تقبلتها من ال‪.‬‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس قوله‪ :‬لَوْل ا ْ‬
‫‪12169‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫ج َتبَـ ْيتَها يقول‪ :‬لول تلقـيتها من ربك‪.‬‬
‫لَوْل ا ْ‬
‫‪12170‬ـ حُدثت عن الـحسين بن الفرج‪ ,‬قال‪ :‬سمعت أبـا معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبـيد بن‬
‫ج َتبَـ ْيتَها يقول‪ :‬لول أخذتها أنت‬
‫سلـيـمان‪ ,‬قال‪ :‬سمعت الضحاك يقول فـي قوله‪َ :‬لوْل ا ْ‬
‫فجئت بها من السماء‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك‪ ,‬تأويـل من قال تأويـله‪ :‬هل‬
‫ن َربّـي َهذَا َبصَا ِئرُ مِنْ‬
‫أحدثتها من نفسك لدللة قول ال‪ :‬قُلْ إنّـمَا أ ّتبِعُ ما يُوحَى إلـيّ مِ ْ‬
‫َربّ ُكمْ يبـين ذلك أن ال إنـما أمر نبـيه صلى ال عليه وسلم بأن يجيبهم بـالـخبر عن‬
‫نفسه أنه إنـما يتبع ما ينزل علـيه ربه ويوحيه إلـيه‪ ,‬ل أنه يحدث من ِقبَل نفسه قولً‬
‫وينشئه فـيدعو الناس إلـيه‪.‬‬
‫وحُكي عن الفراء أنه كان يقول‪ :‬اجتبـيت الكلم واختلقته وارتـجلته‪ :‬إذا افتعلته من قِبَل‬
‫نفسك‪.‬‬
‫‪12171‬ـ حدثنـي بذلك الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا القاسم عنه‪.‬‬
‫قال‪ :‬أبو عبـيد‪ ,‬وكان أبو زيد يقول‪ :‬إنـما تقول العرب ذلك للكلم يبديه الرجل لـم يكن‬
‫أعدّه قبل ذلك فـي نفسه‪ .‬قال أبو عبـيد‪ :‬واخترعه مثل ذلك‪.‬‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪ :‬قُلْ إنّـمَا أ ّتبِعُ ما يُوحَى إلـيّ مِنْ َربّـي َهذَا َبصَائِرُ ِمنْ‬
‫حمَ ٌة لِقَ ْو ٍم يِ ْؤ ِمنُونَ‪.‬‬
‫َربّكُم وَ ُهدًى َو َر ْ‬
‫يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬قل يا مـحمد للقائلـين لك إذا لـم‬
‫تأتهم بآية هلّ أحدثتها من ِقبَل نفسك‪ :‬إن ذلك لـيس لـي ول يجوز لـي فعله لن ال إنـما‬
‫أمرنـي بـاتبـاع ما يوحى إلـيّ من عنده‪ ,‬فإنـما أتبع ما يوحى إلـيّ من ربـي لنـي‬
‫عبده وإلـى أمره أنتهي وإياه أطيع‪َ .‬هذَا َبصَائِ ُر مِنْ َر ّب ُكمْ يقول‪ :‬هذا القرآن والوحي الذي‬

‫أتلوه علـيكم بصائر من ربكم‪ ,‬يقول‪ :‬حجج علـيكم‪ ,‬وبـيان لكم من ربكم‪ ,‬واحدتها‪ :‬بصيرة‪,‬‬
‫حمَ ٌة لِ َق ْومٍ يُ ْؤ ِمنُونَ‪ .‬وإنـما ذكر هذا ووحّد‬
‫كما قال جلّ ثناؤه‪َ :‬هذَا َبصَائِرُ للنّاسِ وَ ُهدًى َو َر ْ‬
‫ن َر ّبكُمْ لـما وصفت من أنه مراد به القرآن والوحي‪ .‬وقوله‪ :‬وَ ُهدًى‬
‫فـي قوله‪َ :‬هذَا َبصَا ِئرُ مِ ْ‬
‫يقول‪ :‬وبـيان يهدي الـمؤمنـين إلـى الطريق الـمستقـيـم‪ ,‬ورحمة رحم ال به عبـاده‬
‫الـمؤمنـين‪ ,‬فأنقذهم به من الضللة والهلكة‪ .‬لِ َق ْومٍ يُ ْؤ ِمنُونَ يقول‪ :‬هو بصائر من ال وهدى‬
‫ورحمة لـمن آمن‪ ,‬يقول‪ :‬لـمن صدق بـالقرآن أنه تنزيـل ال ووحيه‪ ,‬وعمل بـما فـيه‬
‫دون من كذب به وجحده وكفربه‪ ,‬بل هو علـى الذين ل يؤمنون به غمّ وخزي‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪204‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫صتُو ْا َلعَّل ُكمْ‬
‫س َتمِعُو ْا لَ ُه وَأَن ِ‬
‫{وَِإذَا قُرِىءَ ا ْل ُقرْآنُ فَا ْ‬

‫حمُونَ }‪..‬‬
‫ُترْ َ‬
‫يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين به الـمصدّقـين بكتابه الذين القرآن لهم هدى ورحمة‪:‬‬
‫ستَـ ِمعُوا لَ ُه يقول‪ :‬أصغوا له سمعكم لتتفهّموا‬
‫ن فـا ْ‬
‫إذَا ُقرِى َء علـيكم أيها الـمؤمنون‪ ,‬القُرآ ُ‬
‫آياته وتعتبروا بـمواعظه وأنصتوا إلـيه لتعقلوه وتتدبروه‪ ,‬ول تلغوا فـيه فل تعقلوه‪َ .‬لعَّل ُكمْ‬
‫حمُونَ يقول‪ :‬لـيرحمكم ربكم بـاتعاظكم بـمواعظه‪ ,‬واعتبـاركم بعبره‪ ,‬واستعمالكم ما‬
‫ُترْ َ‬
‫بـينه لكم ربكم من فرائضه فـي آية‪.‬‬
‫ثم اختلف أهل التأويـل فـي الـحال التـي أمر ال بـالستـماع لقارىء القرآن إذا قرأ‬
‫والنصات له‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬ذلك حال كون الـمصلـي فـي الصلة خـلف إمام يأتـ ّم به‪,‬‬
‫وهو يسمع قراءة المام علـيه أن يسمع لقراءته‪ .‬وقالوا‪ :‬فـي ذلك أنزلت هذه الَية‪ .‬ذكر من‬
‫قال ذلك‪.‬‬
‫‪12172‬ـ حدثنا أبو كريب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو بكر بن عياش‪ ,‬عن عاصم‪ ,‬عن الـمسيب بن‬
‫رافع‪ ,‬قال‪ :‬كان عبد ال يقول‪ :‬كنا يسلـم بعضنا علـى بعض فـي الصلة‪ ,‬سلم علـى‬
‫ستَـ ِمعُوا َلهُ وأ ْنصِتُوا‪.‬‬
‫فلن‪ ,‬وسلم علـى فلن‪ ,‬قال‪ :‬فجاء القرآن‪ :‬وَإذَا قرِىءَ القرآنُ فـا ْ‬
‫‪12173‬ـ قال‪ :‬حدثنا حفص بن غياث‪ ,‬عن إبراهيـم الهجَريّ عن أبـي عياض‪ ,‬عن أبـي‬
‫ن والَية‬
‫هريرة‪ ,‬قال‪ :‬كانوا يتكلـمون فـي الصلة‪ ,‬فلـما نزلت هذه الَية‪ :‬وَإذَا ُقرِىءَ القُرآ ُ‬
‫الخرى‪ ,‬أُمروا بـالنصات‪.‬‬
‫‪12174‬ـ حدثنـي أبو السائب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حفص‪ ,‬عن أشعث‪ ,‬عن الزهري‪ ,‬قال‪ :‬نزلت هذه‬
‫الَية فـي فتـى من النصار كان رسول ال صلى ال عليه وسلم كلـما قرأ شيئا قرأه‪,‬‬
‫صتُوا‪.‬‬
‫ستَـمِعُوا َلهُ وأنْ ِ‬
‫فنزلت‪ :‬وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـا ْ‬

‫‪12175‬ـ حدثنا أبو كريب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـمـحاربـي‪ ,‬عن داود بن أبـي هند‪ ,‬عن بشير بن‬
‫جابر‪ ,‬قال‪ :‬صلـى ابن مسعود‪ ,‬فسمع ناسا يقرءون مع المام‪ ,‬فلـما انصرف‪ ,‬قال‪ :‬أما آن‬
‫صتُوا كما أمركم‬
‫ستَـمِعُوا َلهُ وأنْ ِ‬
‫لكم أن تفقهوا؟ أما آن لكم أن تعقلوا؟ وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـا ْ‬
‫ال‪.‬‬
‫‪12176‬ـ حدثنا حميد بن مسعدة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا بشر بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـجريري‪ ,‬عن‬
‫طلـحة بن عبـيد ال بن كريز‪ ,‬قال‪ :‬رأيت عبـيد بن عمير وعطاء بن أبـي ربـاح‬
‫يتـحدثان والقاصّ يقصّ‪ ,‬فقلت‪ :‬أل تستـمعان إلـى الذكر وتستوجبـان الـموعود؟ قال‪:‬‬
‫فنظرا إلـيّ ثم أقبل علـى حديثهما‪ .‬قال‪ :‬فأعدت فنظرا إلـيّ‪ ,‬ثم أقبل علـى حديثهما‪ ,‬قال‪:‬‬
‫فأعدت الثالثة‪ ,‬قال‪ :‬فنظرا إلـيّ فقال‪ :‬إنـما ذلك فـي الصلة‪ :‬وَإذَا ُقرِى َء القُرآنُ‬
‫صتُوا‪.‬‬
‫ستَـ ِمعُوا لَهُ وأ ْن ِ‬
‫فـا ْ‬
‫‪12177‬ـ حدثنـي العبـاس بن الولـيد‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬سمعت الوزاعي‪ ,‬قال‪:‬‬
‫حدثنا عبد ال بن عامر قال‪ :‬ثنـي زيد بن أسلـم‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن أبـي هريرة‪ ,‬عن هذه‬
‫ستَـ ِمعُوا َلهُ وأ ْنصِتُوا قال‪ :‬نزلت فـي رفع الصوات وهم‬
‫الَية‪ :‬وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـا ْ‬
‫خـلف رسول ال صلى ال عليه وسلم فـي الصلة‪.‬‬
‫‪12178‬ـ حدثنا ابن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الرحمن‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان‪ ,‬عن أبـي هاشم‬
‫صتُوا‬
‫ستَـ ِمعُوا لَهُ وأ ْن ِ‬
‫ن فـا ْ‬
‫إسماعيـل بن كثـير‪ ,‬عن مـجاهد فـي قوله‪ :‬وَإذَا ُقرِىءَ القُرآ ُ‬
‫قال‪ :‬فـي الصلة‪.‬‬
‫‪12179‬ـ حدثنا ابن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الرحمن بن مهدي‪ ,‬عن رجل‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬عن‬
‫صتُوا قال‪ :‬فـي الصلة‪.‬‬
‫ستَـ ِمعُوا لَهُ وأ ْن ِ‬
‫ن فـا ْ‬
‫سعيد بن الـمسيب‪ :‬وَإذَا ُقرِى َء القُرآ ُ‬
‫حدثنا أبو كريب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن إدريس‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا لـيث‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬وَإذَا ُقرِىءَ‬
‫صتُوا قال‪ :‬فـي الصلة‪.‬‬
‫ستَـ ِمعُوا لَهُ وأ ْن ِ‬
‫ن فـا ْ‬
‫القُرآ ُ‬
‫حدثنا ابن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن جعفر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شعبة‪ ,‬قال‪ :‬سمعت حميدا‬
‫ستَـ ِمعُوا َلهُ‬
‫العرج‪ ,‬قال‪ :‬سمعت مـجاهدا يقول فـي هذه الَية‪ :‬وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـا ْ‬
‫صتُوا قال‪ :‬فـي الصلة‪.‬‬
‫وأ ْن ِ‬
‫قال‪ :‬ثنـي عبد الصمد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شعبة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حميد‪ ,‬عن مـجاهد بـمثله‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا جرير وابن إدريس‪ ,‬عن لـيث‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬وَإذَا ُقرِىءَ‬
‫صتُوا قال‪ :‬فـي الصلة الـمكتوبة‪.‬‬
‫ستَـ ِمعُوا لَهُ وأ ْن ِ‬
‫ن فـا ْ‬
‫القُرآ ُ‬
‫‪12180‬ـ قال‪ :‬حدثنا الـمـحاربـي‪ ,‬عن لـيث‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬وعن حجاج‪ ,‬عن القاسم بن‬
‫أبـي بزة‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬وعن ابن أبـي لـيـلـى‪ ,‬عن الـحكم‪ ,‬عن سعيد بن جبـير‪ :‬وَإذَا‬
‫ستَـ ِمعُوا َلهُ وأ ْنصِتُوا قال‪ :‬فـي الصلة الـمكتوبة‪.‬‬
‫قُرِىءَ القُرآنُ فـا ْ‬

‫قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن أبـي هاشم‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬فـي الصلة الـمكتوبة‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن لـيث‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪12181‬ـ قال‪ :‬حدثنا الـمـحاربـي وأبو خالد‪ ,‬عن جويبر‪ ,‬عن الضحاك قال‪ :‬فـي الصلة‬
‫الـمكتوبة‪.‬‬
‫‪12182‬ـ قال‪ :‬حدثنا جرير وابن فضيـل‪ ,‬عن مغيرة‪ ,‬عن إبراهيـم‪ ,‬قال‪ :‬فـي الصلة‬
‫الـمكتوبة‪.‬‬
‫‪12183‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذَا قُرِىءَ‬
‫صتُوا قال‪ :‬كانوا يتكلـمون فـي صلتهم بحوائجهم أوّل ما‬
‫ستَـ ِمعُوا لَهُ وأ ْن ِ‬
‫ن فـا ْ‬
‫القُرآ ُ‬
‫صتُوا‪.‬‬
‫فرضت علـيهم‪ ,‬فأنزل ال ما تسمعون‪ :‬وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـاسْتَـ ِمعُوا َلهُ وأ ْن ِ‬
‫‪12184‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫صتُوا قال‪ :‬كان الرجل يأتـي وهم فـي الصلة‬
‫ستَـمِعُوا َلهُ وأنْ ِ‬
‫وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـا ْ‬
‫ستَـ ِمعُوا َلهُ وأ ْنصِتُوا‪.‬‬
‫فـيسألهم‪ :‬كم صلـيتـم؟ كم بقـي؟ فأنزل ال‪ :‬وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـا ْ‬
‫وقال غيره‪ :‬كانوا يرفعون أصواتهم فـي الصلة حين يسمعون ذكر الـجنة والنار‪ ,‬فأنزل‬
‫ال‪ :‬وَإذَا ُقرِى َء القُرآنُ‪.‬‬
‫‪12185‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو خالد والـمـحاربـي‪ ,‬عن أشعث‪ ,‬عن الزهريّ‪,‬‬
‫قال‪ :‬كان النبـيّ صلى ال عليه وسلم يقرأ ورجل يقرأ‪ ,‬فنزلت‪ :‬وَإذَا ُقرِى َء القُرآنُ‬
‫صتُوا‪.‬‬
‫ستَـ ِمعُوا لَهُ وأ ْن ِ‬
‫فـا ْ‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبو خالد الحمر‪ ,‬عن ال َهجَريّ عن أبـي عياض‪ ,‬عن أبـي هريرة‪ ,‬قال‪ :‬كانوا‬
‫صتُوا قال‪ :‬هذا‬
‫يتكلـمون فـي الصلة‪ ,‬فلـما نزلت‪ :‬وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـاسْتَـ ِمعُوا َلهُ وأ ْن ِ‬
‫فـي الصلة‪.‬‬
‫‪12186‬ـ قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن حريث‪ ,‬عن عامر‪ ,‬قال‪ :‬فـي الصلة الـمكتوبة‪.‬‬
‫حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن‬
‫صتُوا قال‪ :‬إذا قرىء فـي الصلة‪.‬‬
‫ستَـمِعُوا َلهُ وأنْ ِ‬
‫السديّ‪ :‬وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـا ْ‬
‫‪12187‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو صالـح‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن ابن‬
‫ستَـ ِمعُوا لَ ُه يعنـي‪ :‬فـي الصلة الـمفروضة‪.‬‬
‫ن فـا ْ‬
‫عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذَا ُقرِىءَ القُرآ ُ‬
‫حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا الثوريّ‪ ,‬عن أبـي هاشم‪,‬‬
‫عن مـجاهد قال‪ :‬هذا فـي الصلة فـي قوله‪ :‬وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـاسْتَـ ِمعُوا َلهُ‪.‬‬
‫‪12188‬ـ قال‪ :‬أخبرنا الثوريّ‪ ,‬عن لـيث‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬أنه كره إذا مرّ المام بآية خوف أو‬
‫بآية رحمة أن يقول أحد مـمن خـلفه شيئا‪ ,‬قال‪ :‬السكوت‪.‬‬

‫‪12189‬ـ قال‪ :‬أخبرنا الثوري‪ ,‬عن لـيث‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬قال‪ :‬ل بأس إذا قرأ الرجل فـي‬
‫غير الصلة أن يتكلـم‪.‬‬
‫‪12190‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَإذَا ُقرِىءَ‬
‫ن قال‪ :‬هذا إذا قام المام للصلة فـاستـمعوا‬
‫حمُو َ‬
‫صتُوا َلعَّل ُكمْ ُت ْر َ‬
‫ستَـ ِمعُوا لَهُ وأ ْن ِ‬
‫ن فـا ْ‬
‫القُرآ ُ‬
‫له وأنصتوا‪.‬‬
‫‪12191‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سويد‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن الـمبـارك‪ ,‬عن يونس‪ ,‬عن‬
‫الزهريّ‪ ,‬قال‪ :‬ل يقرأ من وراء المام فـيـما يجهر به من القراءة‪ ,‬تكفـيهم قراءة المام‬
‫وإن لـم يسمعهم صوته‪ ,‬ولكنهم يقرءون فـيـما لـم يجهر به سرّا فـي نفسهم‪ ,‬ول يصلـح‬
‫لحد خـلفه أن يقرأ معه فـيـما يجهر به سرّا ول علنـية‪ ,‬قال ال‪ :‬وَإذَا ُقرِى َء القُرآنُ‬
‫صتُوا َلعَّل ُكمْ ُترْحمُونَ‪.‬‬
‫ستَـ ِمعُوا لَهُ وأ ْن ِ‬
‫فـا ْ‬
‫‪12192‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سويد‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن الـمبـارك‪ ,‬عن ابن لهيعة‪,‬‬
‫ضرّعا‬
‫سكَ تَ َ‬
‫عن ابن هبـيرة‪ ,‬عن ابن عبـاس أنه كان يقول فـي هذه‪ :‬وَا ْذ ُكرْ َر ّبكَ فِـي َن ْف ِ‬
‫َوخِي َفةً هذا فـي الـمكتوبة‪ .‬وأما ما كان من قصص أو قراءة بعد ذلك‪ ,‬فإنـما هي نافلة‪ .‬إن‬
‫نبـيّ ال صلى ال عليه وسلم قرأ فـي صلة مكتوبة‪ ,‬وقرأ وراءه أصحابه‪ ,‬فخـلطوا‬
‫ن فهذا‬
‫حمُو َ‬
‫صتُوا َلعَّل ُكمْ ُت ْر َ‬
‫علـيه‪ ,‬قال‪ :‬فنزل القرآن‪ :‬وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـاسْتَـ ِمعُوا َلهُ وأ ْن ِ‬
‫فـي الـمكتوبة‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل عُنـي بهذه الَية المر بـالنصات للمام فـي الـخطبة إذا قرىء‬
‫القرآن فـي خطبة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12193‬ـ حدثنا تـميـم بن الـمنتصر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق الزرق‪ ,‬عن شريك‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫صتُوا قال‪:‬‬
‫ستَـ ِمعُوا لَهُ وأ ْن ِ‬
‫ن فـا ْ‬
‫مسروق‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَإذَا ُقرِى َء القُرآ ُ‬
‫النصات للمام يوم الـجمعة‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو خالد وابن أبـي عتبة‪ ,‬عن العّوام‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬فـي‬
‫خطبة يوم الـجمعة‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬عُنـي بذلك‪ :‬النصات فـي الصلة وفـي الـخطبة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12194‬ـ حدثنـي ابن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن جعفر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شعبة‪ ,‬عن‬
‫منصور‪ ,‬قال‪ :‬سمعت إبراهيـم بن أبـي حمزة‪ ,‬يحدث أنه سمع مـجاهدا يقول فـي هذه‬
‫ستَـ ِمعُوا َلهُ وأ ْنصِتُوا قال‪ :‬فـي الصلة‪ ,‬والـخطبة يوم‬
‫الَية‪ :‬وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـا ْ‬
‫الـجمعة‪.‬‬
‫‪12195‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا هارون‪ ,‬عن عنبسة‪ ,‬عن جابر‪ ,‬عن عطاء‪ ,‬قال‪ :‬وجب‬
‫الصموت فـي اثنتـين‪ :‬عند الرجل يقرأ القرآن وهو يصلـي‪ ,‬وعند المام وهو يخطب‪.‬‬

‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن جابر‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬وَإذَا ُقرِىءَ‬
‫ن وجب النصات‪ ,‬قال‪ :‬وجب فـي اثنتـين‪ :‬فـي الصلة والمام يقرأ‪ ,‬والـجمعة‬
‫القُرآ ُ‬
‫والمام يخطب‪.‬‬
‫‪12196‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال هشيـم‪ ,‬أخبرنا من سمع الـحسن يقول‪:‬‬
‫فـي الصلة الـمكتوبة‪ ,‬وعند الذكر‪.‬‬
‫حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا الثوري‪ ,‬عن جابر‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬وجب النصات فـي اثنتـين‪ :‬فـي الصلة‪ ,‬ويوم الـجمعة‪.‬‬
‫‪12197‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سويد‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن الـمبـارك‪ ,‬عن بقـية بن‬
‫الولـيد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت ثابت بن عجلن يقول‪ :‬سمعت سعيد بن جبـير يقول فـي قوله‪ :‬وَإذَا‬
‫ستَـ ِمعُوا َلهُ وأ ْنصِتُوا قال‪ :‬النصات‪ :‬يوم الضحى‪ ,‬ويوم الفطر‪ ,‬ويوم‬
‫قُرِىءَ القُرآنُ فـا ْ‬
‫الـجمعة‪ ,‬وفـيـما يجهر به المام من الصلة‪.‬‬
‫‪12198‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عمرو بن حماد‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا هشيـم‪ ,‬عن الربـيع‬
‫بن صبـيح‪ ,‬عن الـحسن‪ ,‬قال‪ :‬فـي الصلة‪ ,‬وعند الذكر‪.‬‬
‫‪12199‬ـ حدثنا ابن البرقـي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن أبـي مريـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن أيوب‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ثنـي ابن جريج‪ ,‬عن عطاء بن أبـي ربـاح‪ ,‬قال‪ :‬أوجب النصات يوم الـجمعة‪ ,‬قول ال‬
‫حمُونَ وفـي الصلة مثل ذلك‪.‬‬
‫صتُوا َلعَّلكُ ْم تُ ْر َ‬
‫ستَـ ِمعُوا لَهُ وأ ْن ِ‬
‫ن فـا ْ‬
‫تعالـى‪ :‬وَإذَا ُقرِىءَ القُرآ ُ‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬وأولـى القوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال‪ :‬أمروا بـاستـماع‬
‫القرآن فـي الصلة إذا قرأ المام وكان من خـلفه مـمن يأتـمّ به يسمعه‪ ,‬وفـي الـخطبة‪.‬‬
‫وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب‪ ,‬لصحة الـخبر عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪,‬‬
‫أنه قال‪« :‬إذَا قَرأ المامُ فأنْصِتوا»‪ ,‬وإجماع الـجميع علـى أن من سمع خطبة المام مـمن‬
‫علـيه الـجمعة‪ ,‬الستـماع والنصات لها‪ ,‬مع تتابع الخبـار بـالمر بذلك‪ ,‬عن رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وأنه ل وقت يجب علـى أحد استـماع القرآن والنصات لسامعه من‬
‫قارئه إلّ فـي هاتـين الـحالتـين علـى اختلف فـي إحداهما‪ ,‬وهي حالة أن يكون‬
‫خـلف إمام مؤتـمّ به‪ .‬وقد صحّ الـخبر عن رسول ال صلى ال عليه وسلم بـما ذكرنا من‬
‫صتُوا» فـالنصات خـلفه لقراءته واجب علـى من كان به مؤتـما‬
‫قوله‪« :‬إذَا قَرأ المامُ فأنْ ِ‬
‫سامعا قراءته بعموم ظاهر القرآن والـخبر عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪205‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ج ْهرِ مِنَ‬
‫ن ا ْل َ‬
‫سكَ َتضَرّعا َوخِي َفةً َودُو َ‬
‫{وَا ْذكُر ّر ّبكَ فِي نَ ْف ِ‬

‫ل َتكُنْ ّمنَ ا ْلغَافِلِينَ }‪..‬‬
‫لصَالِ َو َ‬
‫الْقَ ْولِ بِا ْل ُغدُوّ وَا َ‬

‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬واذكر أيها الـمستـمع الـمنصت للقرآن إذا قرىء فـي صلة أو‬
‫سكَ يقول‪ :‬اتعظ بـما فـي آي القرآن‪ ,‬واعتبر به‪ ,‬وتذكّر معادك إلـيه‬
‫خطبة‪َ ,‬ر ّبكَ فِـي نَ ْف ِ‬
‫ضرّعا يقول‪ :‬افعل ذلك تـخشعا ل وتواضعا له‪َ .‬وخِيفَ ًة يقول‪ :‬وخوفـا من‬
‫عند سماعكه‪َ .‬ت َ‬
‫ال أن يعاقبك علـى تقصير يكون منك فـي التعاظ به والعتبـار‪ ,‬وغفلة عما بـين ال‬
‫ن ال َقوْلِ يقول‪ :‬ودعاء بـاللسان ل فـي خفـاء ل جهار‪,‬‬
‫ن الـجَ ْهرِ مِ َ‬
‫فـيه من حدوده‪ .‬ودُو َ‬
‫يقول‪ :‬لـيكن ذكر ال عند استـماعك القرآن فـي دعاء إن دعوت غير جهار‪ ,‬ولكن فـي‬
‫خفـاء من القول‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪12200‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَاذْكرْ َر ّبكَ‬
‫ل ل يجهر بذلك‪.‬‬
‫ن القَوْ ِ‬
‫ج ْهرِ مِ َ‬
‫ضرّعا َوخِيفَةً َودُونَ الـ َ‬
‫سكَ َت َ‬
‫فِـي نَ ْف ِ‬
‫‪12201‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو سعد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫جهْرِ ِمنَ القَوْلِ‪...‬‬
‫ن الـ َ‬
‫سكَ َتضَرّعا َوخِي َفةً َودُو َ‬
‫مـجاهدا يقول فـي قوله‪ :‬وَاذْك ْر رَ ّبكَ فِـي نَ ْف ِ‬
‫الَية‪ ,‬قال‪ :‬أمروا أن يذكروه فـي الصدور تضرّعا وخيفة‪.‬‬
‫‪12202‬ـ حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن التـيـمي‪ ,‬عن‬
‫سكَ قال‪:‬‬
‫أبـيه‪ ,‬عن حيان بن عمير‪ ,‬عن عبـيد بن عمير‪ ,‬فـي قوله‪ :‬وَا ْذ ُكرْ َر ّبكَ فِـي نَ ْف ِ‬
‫«يقول ال إذا ذكرنـي عبدي فـي نفسه‪ ,‬ذكرته فـي نفسي‪ ,‬وإذا ذكرنـي عبدي وحده‬
‫ذكرته وحدي‪ ,‬وإذا ذكرنـي فـي مل ذكرته فـي أحسن منهم وأكرم»‪.‬‬
‫‪12203‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬قوله‪ :‬واذْكرْ‬
‫ضرّعا وخِي َفةً قال‪ :‬يؤمر بـالتضرّع فـي الدعاء والستكانة‪ ,‬ويكره رفع‬
‫ربّك فـي نَ ْفسِك َت َ‬
‫الصوت والنداء والصياح بـالدعاء‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬بـالغدُ ّو والَصالِ فإنه يعنـي بـالبكر والعشيات‪ .‬وأما الَصال فجمع‪.‬‬
‫واختلف أهل العربـية فـيها فقال بعضهم‪ :‬هي جمع أصيـل‪ ,‬كما اليـمان جمع يـمين‪,‬‬
‫والسرار جمع سرير‪ .‬وقال آخرون منهم‪ :‬هي جمع أصل‪ ,‬والصل جمع أصيـل‪ .‬وقال‬
‫آخرون منهم‪ :‬هي جمع أصل وأصيـل‪ .‬قال‪ :‬وإن شئت جعلت الصل جمعا للصيـل‪ ,‬وإن‬
‫شئت جعلته واحدا‪ .‬قال‪ :‬والعرب تقول‪ :‬قد دنا الصل فـيجعلونه واحدا‪.‬‬
‫وهذا القول أولـى بـالصواب فـي ذلك‪ ,‬وهو أنه جائز أن يكون جمع أصيـل وأصل‪,‬‬
‫لنهما قد يجمعان علـى أفعال‪ .‬وأما الَصال فهي فـيـما يقال فـي كلم العرب ما بـين‬
‫العصر إلـى الـمغرب‪.‬‬
‫ن مِن الغافِلِـين فإنه يقول‪ :‬ول تكن من اللهين إذا قرىء القرآن عن‬
‫وأما قوله‪ :‬ول َتكُ ْ‬
‫عظاته وعبره‪ ,‬وما فـيه من عجائبه‪ ,‬ولكن تدبر ذلك وتفهّمه‪ ,‬وأشعره قلبك بذكر ال وخضوع‬
‫له وخوف من قدرة ال علـيك‪ ,‬إن أنت غفلت عن ذلك‪.‬‬

‫‪12204‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬بـالغدُوّ‬
‫ن مِن الغافِلِـين‪.‬‬
‫والَصالِ قال‪ :‬بـالبكر والعشيّ‪ .‬ول تَك ْ‬
‫‪12205‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا معرّف بن واصل السعديّ‪,‬‬
‫قال‪ :‬سمعت أبـا وائل يقول لغلمه عند مغيب الشمس‪ :‬آصَلْنا َب ْعدُ؟‬
‫‪12206‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن جريج‪ ,‬قال‬
‫مـجاهد‪ ,‬قوله‪ :‬بـالغدُوّ والَصالِ قال‪ :‬الغدوّ‪ :‬آخر الفجر صلة الصبح‪ ,‬والَصال‪ :‬آخر‬
‫العشيّ صلة العصر‪ .‬قال‪ :‬وكل ذلك لها وقت أوّل الفجر وآخره‪ ,‬وذلك مثل قوله فـي سورة‬
‫شيّ والبْكارِ‪ .‬وقـيـل‪ :‬العشيّ‪ :‬ميـل الشمس‬
‫آل عمران‪ :‬وا ْذ ُكرْ ربّك َكثِـيرا وَسبّحْ بـالعَ ِ‬
‫إلـى أن تغيب‪ ,‬والبكار‪ :‬أول الفجر‪.‬‬
‫‪12207‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن مـحمد بن شريك‪ ,‬عن ابن أبـي ملـيكة‪,‬‬
‫عن ابن عبـاس‪ ,‬سئل عن صلة الفجر‪ ,‬فقال‪ :‬إنها لفـي كتاب ال‪ ,‬ول يقوم علـيها‪ ,‬ثم قرأ‪:‬‬
‫ت أذِنَ الّل ُه أن تُ ْرفَعَ‪ ...‬الَية‪.‬‬
‫فـي بُـيُو ٍ‬
‫‪12208‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سويد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪:‬‬
‫لصَالِ أمر ال بذكره‪ ,‬ونهى‬
‫ضرّعا َوخِيفَةً‪ ...‬إلـى قوله‪ :‬بـالغُدُوّ وا َ‬
‫سكَ َت َ‬
‫وَا ْذ ُكرْ َر ّبكَ فِـي نَ ْف ِ‬
‫عن الغفلة‪ .‬أما بـالغدوّ‪ :‬فصلة الصبح‪ ,‬والَصال‪ :‬بـالعشيّ‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪206‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫س ّبحُونَهُ‬
‫عبَا َدتِهِ َو ُي َ‬
‫س َت ْكبِرُونَ عَنْ ِ‬
‫ن اّلذِينَ عِندَ َر ّبكَ لَ َي ْ‬
‫{إِ ّ‬

‫جدُونَ }‪..‬‬
‫سُ‬
‫وََلهُ َي ْ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ل تستكبر أيها الـمستـمع الـمنصت للقرآن عن عبـادة ربك‪,‬‬
‫واذكره إذا قرىء القرآن تضرّعا وخيفة ودون الـجهر من القول‪ ,‬فإن الذين عند ربك من‬
‫س ّبحُونَهُ يقول‪:‬‬
‫ملئكته ل يستكبرون عن التواضع له والتـخشع‪ ,‬وذلك هو العبـادة‪ .‬و ُي َ‬
‫سجُدُونَ يقول‪ :‬ول يصلون‪ ,‬وهو سجودهم‪,‬‬
‫ويعظمون ربهم بتواضعهم له وعبـادتهم‪ .‬وَل ُه َي ْ‬
‫فصلوا أنتـم أيضا له‪ ,‬وعظموه بـالعبـادة كما يفعله مَن عنده من ملئكته‪.‬‬

‫سورة النفال‬
‫سُورَة النفَـال مَدنـيّة‬
‫س ْبعُونَ‬
‫وآيَاتها خمس َو َ‬
‫ن ال ّرحِيـمِ‬
‫حمَ ِ‬
‫بِسمِ الّل ِه الرّ ْ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫القول فـي تفسير السورة التـي يذكر فـيها النفـال‬
‫ت ِب ْي ِنكُ مْ وََأطِيعُواْ الّل هَ‬
‫ل فَاتّقُواْ الّل هَ وَأَ صِْلحُواْ ذَا َ‬
‫ل للّ هِ وَالرّ سُو ِ‬
‫ن النْفَالِ قُلِ النفَا ُ‬
‫سأَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫{يَ ْ‬
‫َو َرسُولَ ُه إِن كُنتُم مّ ْؤ ِمنِينَ }‪..‬‬
‫اختلف أ هل التأوي ـل ف ـي مع نى النف ـال الت ـي ذكر ها ال ف ـي هذا ال ـموضع‪ ,‬فقال‬
‫بعضهـم‪ :‬هـي الغنائم‪ ,‬وقالوا‪ :‬معنـى الكلم‪ :‬يسـألك أصـحابك يـا مــحمد عـن الغنائم التــي‬
‫غنـمتها أنت وأصحابك يوم بدر لـمن هي‪ ,‬فقل هي ل ولرسوله‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12209‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سويد بن عمرو‪ ,‬عن حماد بن زيد‪,‬‬
‫ن النْفـالِ قال‪ :‬النفـال‪ :‬الغنائم‪.‬‬
‫سئَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫عن عكرمة‪َ :‬ي ْ‬
‫‪ 12210‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫ل قال‪ :‬النفـال‪ :‬الغنائم‪.‬‬
‫عنِ النْفـا ِ‬
‫سئَلُو َنكَ َ‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬قوله‪َ :‬ي ْ‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬قال‪ :‬النفـال‪ :‬الـمغنـم‪.‬‬
‫‪ 12211‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو خالد الحمر‪ ,‬عن جويبر‪ ,‬عن الضحاك‪ :‬يَ سْألُو َنكَ‬
‫عنِ النْفـالِ قال‪ :‬الغنائم‪.‬‬
‫َ‬
‫حُدثت عن الـحسين بن الفرج‪ ,‬قال‪ :‬سمعت أبـا معاذ يقول‪ :‬حدثنا عبـيد بن سلـيـمان‪,‬‬
‫قال‪ :‬سمعت الضحاك يقول فـي قوله‪ :‬النْفـال قال‪ :‬يعنـي الغنائم‪.‬‬
‫‪12212‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‬
‫ن النْفـالِ قال‪ :‬النفـال‪ :‬الغنائم‪.‬‬
‫بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪َ :‬يسْألُو َنكَ عَ ِ‬
‫حدثن ـي م ـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي أب ـي‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي ع مي‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي أب ـي‪ ,‬عن‬
‫ل النفـال‪ :‬الغنائم‪.‬‬
‫ن النْفـا ِ‬
‫أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪َ :‬يسْألُو َنكَ عَ ِ‬
‫‪ 12213‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬فـي قوله‪ :‬يَ سْألُو َنكَ عَ نِ‬
‫النْفـالِ قال‪ :‬النفـال‪ :‬الغنائم‪.‬‬
‫‪12214‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ :‬النفـال‪ :‬الغنائم‪.‬‬
‫‪ 12215‬ـ حدثنا أحمد بن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو أحمد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن الـمبـارك‪ ,‬عن ابن‬
‫ن النْفـالِ قال‪ :‬الغنائم‪.‬‬
‫جريج‪ ,‬عن عطاء‪َ :‬يسْألُو َنكَ عَ ِ‬
‫وقال آخرون‪ :‬هي أنفـال السرايا‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12216‬ـ حدثنـي الـحارث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا علـيّ بن صالـح بن حيّ‪,‬‬
‫ن النْفـالِ قال‪ :‬السرايا‪.‬‬
‫قال‪ :‬بلغنـي فـي قوله‪ :‬يَسأَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫وقال آخرون‪ :‬النفـال ما شذّ من الـمشركين إلـى الـمسلـمين من عبد أو دابّة وما أشبه‬
‫ذلك‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬

‫‪ 12217‬ـ حدث نا أ بو كر يب‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا جابر بن نوح‪ ,‬عن ع بد ال ـملك‪ ,‬عن عطاء‪ ,‬ف ـي‬
‫ل قال‪ :‬هو ما شذّ من الـمشركين إلـى‬
‫ن النْفـالِ قُلِ النْفـالِ لِلّ ِه وَالرّ سُو ِ‬
‫قوله‪ :‬يَ سْألُو َنكَ عَ ِ‬
‫الـمسلـمين بغير قتال دابّة أو عبد أو متاع‪ ,‬ذلك للنبـيّ صلى ال عليه وسلم يصنع فـيه ما‬
‫شاء‪.‬‬
‫حدثنـا ابـن وكيـع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا ابـن نــمير‪ ,‬عـن عبـد الــملك‪ ,‬عـن عطاء‪ :‬يَسـألُو َنكَ عَن ِـ‬
‫النْف ـالِ قال‪ :‬هي ما شذّ من ال ـمشركين إل ـى ال ـمسلـمين بغ ير قتال من ع بد أو أ مة أو‬
‫متاع أو نفل‪ ,‬فهو للنبـيّ صلى ال عليه وسلم يصنع فـيه ما شاء‪.‬‬
‫‪ 12218‬ـ قال‪ :‬حدث نا ع بد العل ـى‪ ,‬عن مع مر‪ ,‬عن الزهري‪ ,‬أن ا بن عب ـاس سئل عن‬
‫النفـال‪ ,‬فقال‪ :‬السلَب والفرس‪.‬‬
‫‪ 12219‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ا بن عبـاس‪ ,‬ويقال‪ :‬النف ـال‪ :‬ما أخذ مـما سقط من الـمتاع بعدما تقسم‬
‫الغنائم‪ ,‬فهي نفل ل ولرسوله‪.‬‬
‫‪ 12220‬ـ حدثن ـي القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي حجاج‪ ,‬قال‪ :‬قال ا بن جر يج‪:‬‬
‫أخبرنـي عثمان بن أبـي سلـيـمان‪ ,‬عن مـحمد بن شهاب أن رجلً قال لبن عبـاس‪ :‬ما‬
‫النفـال؟ قال‪ :‬الفرس والدرع والرمـح‪.‬‬
‫‪ 12221‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الوارث بن سعيد‪ ,‬قال‪:‬‬
‫قال ابن جريج‪ ,‬قال عطاء‪ :‬النفـال‪ :‬الفرس الشاذّ‪ ,‬والدرع‪ ,‬والثوب‪.‬‬
‫‪ 12222‬ـ حدث نا م ـحمد بن ع بد العل ـى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا م ـحمد بن ثور‪ ,‬عن مع مر‪ ,‬عن‬
‫الزهريّ‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬كان ينفّل الرجل فرس الرجل وسلبه‪.‬‬
‫‪ 12223‬ـ حدثن ـي يو نس‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا ا بن و هب‪ ,‬قال‪ :‬أخبرن ـي مالك بن أ نس‪ ,‬عن ا بن‬
‫شهاب‪ ,‬عن القاسم بن مـحمد‪ ,‬قال‪ :‬سمعت رجلً سأل ا بن عبـاس عن النفـال‪ ,‬فقال ا بن‬
‫عبـاس‪ :‬الفرس من النفل‪ ,‬وال سّلب من النفل‪ .‬ثم عاد لـمسألته‪ ,‬فقال ابن عبـاس ذلك أيضا‪,‬‬
‫ثم قال الرجل‪ :‬النفـال التـي قال ال فـي كتابه ما هي؟ قال القاسم‪ :‬فلـم يزل يسأله حتـى‬
‫كاد يحرجـه‪ ,‬فقال ابـن عبــاس‪ :‬أتدرون مـا مثـل هذا؟ مثـل ص َـبِـيغ الذي ضربـه عمـر بـن‬
‫الـخطاب رضي ال عنه‪.‬‬
‫حدثنا الـحسن بن يحيى‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا عبد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا معمر‪ ,‬عن الزهر يّ‪ ,‬عن‬
‫القاسم بن مـحمد‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن عبـاس‪ :‬كان عمر رضي ال عنه إذا سئل عن شيء قال‪ :‬ل‬
‫ل زاجرا آمرا‬
‫آمرك ول أنهاك‪ .‬ثم قال ا بن عب ـاس‪ :‬وال ما ب عث ال نب ـيه عل ـيه ال سلم إ ّ‬
‫ل مـحرّما‪ .‬قال القاسم‪ :‬فسلط علـى ابن عبـاس رجل يسأله عن النفـال‪ ,‬فقال ابن‬
‫مـحل ً‬
‫عب ـاس‪ :‬كان الر جل ينفّل فرس الر جل و سلحه‪ .‬فأعاد عل ـيه الر جل‪ ,‬فقال له م ثل ذلك‪ ,‬ثم‬

‫أعاد علـيه حتـى أغضبه‪ ,‬فقال ابن عبـاس‪ :‬أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبـيغ الذي ضربه‬
‫عمر حتـى سالت الدماء علـى عقبـيه‪ ,‬أو علـى رجلـيه‪ ,‬فقال الرجل‪ :‬أما أنت فقد انتقم‬
‫ال لعمر منك‪.‬‬
‫حدثنا أحمد بن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو أحمد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا ابن الـمبـارك‪ ,‬عن عبد الـملك‪,‬‬
‫َنـ النْفــالِ قال‪ :‬يسـألونك فــيـما شذّ مـن الــمشركين إلــى‬
‫عـن عطاء‪ :‬يَسـْألُو َنكَ ع ِ‬
‫الـمسلـمين فـي غير قتال من دابّة أو عبد‪ ,‬فهو نفل للنبـيّ صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬النفل‪ :‬الـخمس الذي جعله ال لهل الـخمس‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12224‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الوارث بن سعيد‪ ,‬عن‬
‫ـ النْفــالِ قال‪ :‬هـو الــخمس‪ .‬قال‬
‫ابـن أبــي نــجيح‪ ,‬عـن مــجاهد‪ :‬يَسـْألُو َنكَ عَن ِ‬
‫الـمهاجرون‪ :‬لـم يرفع عنا هذا الـخمس؟ لـم يخرج منا؟ فقال ال‪ :‬هو ل والرسول‪.‬‬
‫‪ 12225‬ـ حدث نا أح مد بن إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو أح مد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عب ـاد بن العوّام‪ ,‬عن‬
‫الـحجاج‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬أنهم سألوا النبـيّ صلى ال عليه وسلم عن‬
‫عنِ النْفـالِ‪.‬‬
‫الـخمس بعد الربعة الخماس‪ ,‬فنزلت‪َ :‬يسْألُو َنكَ َ‬
‫قال أ بو جع فر‪ :‬وأول ـى هذه القوال ب ـالصواب ف ـي مع نى النف ـال قول من قال‪ :‬هي‬
‫زيادات يزيدها المام بعض الـجيش أو جميعهم إما من سلبه علـى حقوقهم من القسمة‪ ,‬وإما‬
‫مـما وصل إلـيه بـالنفل‪ ,‬أو ببعض أسبـابه‪ ,‬ترغيبـا له وتـحريضا لـمن معه من جيشه‬
‫علـى ما فـيه صلحهم وصلح الـمسلـمين‪ ,‬أو صلح أحد الفريقـين‪ .‬وقد يدخـل فـي‬
‫ذلك ما قال ابن عبـاس من أنه الفرس والدرع ونـحو ذلك‪ ,‬ويدخـل فـيه ما قاله عطاء من‬
‫أن ذلك ما عاد من ال ـمشركين إل ـى ال ـمسلـمين من ع بد أو فرس لن ذلك أمره إل ـى‬
‫المام إذا ل ـم ي كن ما و صلوا إل ـيه لغل بة وق هر‪ ,‬يف عل ما ف ـيه صلح أ هل ال سلم‪ ,‬و قد‬
‫يدخـل فـيه ما غلب علـيه الـجيش بقهر‪.‬‬
‫وإنـما قلنا ذلك أولـى القوال بـالصواب‪ ,‬لن النّفَل فـي كلم العرب إنـما هو الزيادة‬
‫علـى الشيء‪ ,‬يقال منه‪ :‬نفلتك كذا‪ ,‬وأنفلتك‪ :‬إذا زدتك‪ ,‬والنفـال‪ :‬جمع نَفَل ومنه قول لبـيد‬
‫بن ربـيعة‪:‬‬
‫ل‬
‫عجَ ْ‬
‫خ ْيرُ نَفَلْوَبـاذْنِ الّلهِ َريْثـي وَ َ‬
‫إنّ تَ ْقوَى َربّنا َ‬
‫فإذ كان معناه ما ذكرنا‪ ,‬فكلّ من زيد من مقاتلة الـجيش علـى سهمه من الغنـيـمة‪ ,‬إن‬
‫كان ذلك لبلء أبله أو لغناء كان منـه عـن الــمسلـمين‪ ,‬بتنفــيـل الوالــي ذلك إياه‪,‬‬
‫ف ـيصير ح كم ذلك له كال سلب الذي ي سلبه القا تل‪ ,‬ف هو من فل ما ز يد من ذلك لن الزيادة وإن‬
‫كانت مستوجبة فـي بعض الحوال بح قّ‪ ,‬فلـيست من الغنـيـمة التـي تقع فـيها القسمة‪,‬‬
‫ل مـا رضـخ لــمن ل سـهم له فــي الغنــيـمة فهـو نفـل‪ ,‬لنـه وإن كان مغلوبــا‬
‫وكذلك ك ّ‬

‫علـيه فلـيس مـما وقعت علـيه القسمة‪ .‬فـالفصل إذ كان المر علـى ما وصفنا بـين‬
‫الغنــيـمة والنفـل‪ ,‬أن الغنــيـمة هـي مـا أفــاء ال علــى الــمسلـمين مـن أموال‬
‫الـمشركين بغلبة وقهر نفل منه منفل أو لـم ينفل والنفَل‪ :‬هو ما أعطيه الرجل علـى البلء‬
‫والغناء عن ال ـجيش عل ـى غ ير ق سمة‪ .‬وإذ كان ذلك مع نى الن فل‪ ,‬فتأوي ـل الكلم‪ :‬ي سألك‬
‫أ صحابك يا م ـحمد عن الف ضل من ال ـمال الذي ت قع ف ـيه الق سمة من غن ـيـمة كف ـار‬
‫قريش الذين قتلوا ببدر لـمن هو قل لهم يا مـحمد‪ :‬هو ل ولرسوله دونكم‪ ,‬يجعله حيث شاء‪.‬‬
‫واختلف ف ـي ال سبب الذي من أجله نزلت هذه الَ ية‪ ,‬فقال بعض هم‪ :‬نزلت ف ـي غنائم بدر‬
‫لن النبــيّ صـلى ال عليـه وسـلم كان نفّل أقوامـا علــى بلء‪ ,‬فأبلــى أقوام وتــخـلّف‬
‫آخرون مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬فـاختلفوا فـيها بعد انقضاء الـحرب‪ ,‬فأنزل ال‬
‫هذه الَية علـى رسوله‪ ,‬يعلـمهم أن ما فعل فـيها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬فماض‬
‫جائز‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12226‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا معتـمر بن سلـيـمان‪ ,‬قال‪ :‬سمعت‬
‫ي صلى ال عل يه و سلم‬
‫داود بن أب ـي ه ند يحدث‪ ,‬عن عكر مة‪ ,‬عن ا بن عب ـاس‪ ,‬أن النب ـ ّ‬
‫ن َكذَا و َكذَا‪ ,‬فَلَ ُه َكذَا و َكذَا‪ ,‬أ ْو َفعَلَ َكذَا و َكذَا‪ ,‬فَلَ ُه َكذَا و َكذَا»‪ .‬فتسارع إلـيه‬
‫ن أتَـى مَكا َ‬
‫قال‪َ « :‬م ْ‬
‫الشبـان‪ ,‬وبقـي الشيوخ عند الرايات‪ .‬فلـما فتـح ال علـيهم‪ ,‬جاءوا يطلبون ما جعل لهم‬
‫النب ـيّ صلى ال عل يه و سلم‪ ,‬فقال ل هم الشياخ‪ :‬ل تذهبوا به دون نا فأنزل ال عل ـيه الَ ية‪:‬‬
‫فـاتّقُوا اللّ َه وأصْلِـحُوا ذَاتَ بَـ ْي ِنكُمْ‪.‬‬
‫حدثنا الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العلـى‪ ,‬وحدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العلـى‪ ,‬قال‪:‬‬
‫حدثنا داود‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬لـما كان يوم بدر‪ ,‬قال رسول ال صلى ال‬
‫َهـ َكذَا و َكذَا» قال‪ :‬فتسـارع فــي ذلك شبــان الرجال‪,‬‬
‫صـنَ َع َكذَا و َكذَا‪ ,‬فَل ُ‬
‫َنـ َ‬
‫عليـه وسـلم‪ :‬م ْ‬
‫وبقــيت الشيوخ تــحت الرايات فلــما كانـت الغنائم‪ ,‬جاءوا يطلبون الذي جعـل لهـم‪ ,‬فقالت‬
‫الشيوخ‪ :‬ل ت ستأثروا عل ـينا‪ ,‬فإ نا ك نا ردءا ل كم‪ ,‬وك نا ت ـحت الرايات‪ ,‬ولو انكشفت ـم لفئت ـم‬
‫ع نِ النْف ـالِ قُلِ النْف ـالِ لِّل هِ وَالرّ سُولِ ف ـاتّقُوا اللّ هَ‬
‫إل ـينا فتنازعوا‪ ,‬فأنزل ال‪ :‬يَ سْألُو َنكَ َ‬
‫ت بَـيْ ِن ُكمْ وأطِيعُوا اللّهَ َو َرسُوَلهُ إنْ ُك ْنتُـمْ مُ ْؤ ِمنِـينَ‪.‬‬
‫وأصْلِـحُوا ذَا ِ‬
‫حدثنـي إسحاق بن شاهين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا خالد بن عبد ال‪ ,‬عن داود‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن‬
‫عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬لـما كان يوم بدر‪ ,‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪َ « :‬م نْ َفعَلَ َكذَا فَلَ هُ َكذَا‬
‫ِنـ النّفَلِ» قال‪ :‬فتقدّم الفتــيان ولزم الــمشيخة الرايات‪ ,‬فلــم يـبرحوا‪ ,‬فلــما فتــح‬
‫و َكذَا م َ‬
‫علــيهم‪ ,‬قالت الــمشيخة‪ :‬كنـا ردءا لكـم‪ ,‬فلو انهزمتــم انــحزتـم إلــينا‪ ,‬ل تذهبوا‬
‫بـالـمغنـم دوننا فأبى الفتـيان وقالوا‪ :‬جعله رسول ال صلى ال عليه وسلم لنا فأنزل ال‪:‬‬

‫ل قال‪ :‬فكان ذلك خيرا لهـم‪ ,‬وكذلك أيضـا‪:‬‬
‫ّهـ وَالرّسـُو ِ‬
‫ل لِل ِ‬
‫َنـ النْفــالِ قُلِ النْفــا ِ‬
‫يَسـألُو َنكَ ع ِ‬
‫أطيعونـي فإنـي أعلـم‪.‬‬
‫‪ 12227‬ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الوهاب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا داود‪ ,‬عن عكرمة‬
‫ل قال‪ :‬لـما كان يوم بدر قال‬
‫ل قُلِ النْفـالُ لِلّ هِ وَالرّ سُو ِ‬
‫ن النْفـا ِ‬
‫فـي هذه الَية‪ :‬يَسألُو َنكَ عَ ِ‬
‫ل َكذَا» فخرج شبـان من الرجال‬
‫صنَعَ َكذَا فَلَ هُ ِم نَ النّفَ ِ‬
‫ن َ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪« :‬مَ ْ‬
‫فجعلوا يصنعونه‪ ,‬فلـما كان عند القسمة‪ ,‬قال الشيوخ‪ :‬نـحن أصحاب الرايات‪ ,‬وقد كنا ردءا‬
‫ل ف ـاتّقُوا اللّ هَ وأ صْلِـحُوا ذَا تِ بَ ـ ْي ِنكُمْ‬
‫ل النْف ـالُ لِلّ هِ وَالرّ سُو ِ‬
‫ل كم فأنزل ال ف ـي ذلك‪ :‬قُ ِ‬
‫ن ُك ْنتُـمْ ُم ْؤ ِمنِـينَ‪.‬‬
‫وأطِيعُوا اللّهَ َو َرسُولَهُ إ ْ‬
‫‪ 12228‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا يعقوب الزب ـيري‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي‬
‫ال ـمغيرة بن ع بد الرح من‪ ,‬عن أبــيه‪ ,‬عن سلـيـمان بن مو سى‪ ,‬عن مكحول مول ـى‬
‫هذيـل‪ ,‬عن أبـي سلم‪ ,‬عن أبـي أُمامة البـاهلـي‪ ,‬عن عبـادة بن الصامت‪ ,‬قال‪ :‬أنزل‬
‫ن ُك ْنتُ ـمْ‬
‫ن النْف ـالِ‪ ...‬إل ـى قوله‪ :‬إ ْ‬
‫ع ِ‬
‫ال ح ين اختلف القوم ف ـي الغنائم يوم بدر‪ :‬يَ سْألُو َنكَ َ‬
‫مُ ْؤ ِمنِـينَ فقسمه رسول ال صلى ال عليه وسلم بـينهم عن سواء‪.‬‬
‫حدث نا ا بن حم يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سلـمة‪ ,‬عن م ـحمد‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي ع بد الرح من بن ال ـحرث‬
‫وغيره مـن أصـحابنا‪ ,‬عـن سـلـيـمان بـن موسـى السـدي‪ ,‬عـن مكحول‪ ,‬عـن أبــي أمامـة‬
‫البـاهلـي‪ ,‬قال‪ :‬سألت عبـادة بن الصامت عن النفـال‪ ,‬فقال‪ :‬ف ـينا معشر أصحاب بدر‬
‫نزلت حين اختلفنا فـي النفل‪ ,‬وساءت فـيه أخلقنا‪ ,‬فنزعه ال من أيدينا‪ ,‬فجعله إلـى رسول‬
‫ال صلى ال عل يه و سلم‪ ,‬وق سمه ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ب ـين ال ـمسلـمين عن‬
‫سواء‪ ,‬يقول‪ :‬عل ـى ال سواء‪ ,‬فكان ف ـي ذلك تقوى ال وطا عة ر سوله صلى ال عل يه و سلم‬
‫وصلح ذات البـين‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬إن ـما نزلت هذه الَ ية لن ب عض أ صحاب ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‬
‫سأله من الـمغنـم شيئا قبل قسمتها‪ ,‬فلـم يعطه إياه‪ ,‬إذ كان شركا بـين الـجيش‪ ,‬فجعل ال‬
‫جميع ذلك لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12229‬ـ حدثنـي إسماعيـل بن موسى السديّ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو الحوص‪ ,‬عن عاصم‪ ,‬عن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم يوم بدر بسيف‪ ,‬فقلت‪ :‬يا‬
‫مصعب بن سعد‪ ,‬عن سعد‪ ,‬قال‪ :‬أتـيت النبـ ّ‬
‫ر سول ال هذا ال سيف قد شف ـى ال به من ال ـمشركين ف سألته إياه‪ ,‬فقال‪« :‬لَ ـيْسَ هذا ل ـي‬
‫ول لَكَ»‪ .‬قال‪ :‬فلـما ولـيت‪ ,‬قلت‪ :‬أخاف أن يعطيه من لـم يبل بلئي‪ .‬فإذا رسول ال صلى‬
‫س ْيفَ قد‬
‫ن ال ّ‬
‫ال عل يه و سلم خ ـلفـي‪ ,‬قال‪ :‬فقلت‪ :‬أخاف أن يكون نزل ف ـيّ ش يء قال‪« :‬إ ّ‬
‫عنِ النْفـالِ‪.‬‬
‫سئَلُو َنكَ َ‬
‫صَارَ لـي»‪ .‬قال‪ :‬فأعطانـيه‪ ,‬ونزلت‪َ :‬ي ْ‬

‫‪12230‬ـ حدثنا أبو كريب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو بكر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عاصم‪ ,‬عن مصعب بن سعد‪ ,‬عن‬
‫سـعد بـن مالك‪ ,‬قال‪ :‬لــما كان يوم بدر‪ ,‬جئت بسـيف‪ ,‬قال‪ :‬فقلت‪ :‬يـا رسـول ال‪ ,‬إن ال قـد‬
‫شفـي صدري من الـمشركين أو نـحو هذا‪ ,‬فهب لـي هذا السيف فقال لـي‪َ « :‬هذَا لَـيْسَ‬
‫ل ـي وَل لَ كَ»‪ .‬فرج عت فقلت‪ :‬ع سى أن يع طى هذا من ل ـم ي بل بلئي فجاءن ـي الر سول‪,‬‬
‫سيْفَ وَلَ ـيْسَ ل ـي‪,‬‬
‫س ْعدُ إنّ كَ سأ ْل َتنِـي ال ّ‬
‫فقلت‪ :‬حدث ف ـيّ حدث‪ :‬فل ـما انته يت‪ ,‬قال‪ « :‬يا َ‬
‫ل النْفـالُ لِلّهِ وَال ّرسُولِ‪.‬‬
‫عنِ النْفـالِ قُ ِ‬
‫سئَلُو َنكَ َ‬
‫وَإّنهُ َقدْ صَارَ لـي َفهُ َو َلكَ»‪ .‬ونزلت‪َ :‬ي ْ‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن إسرائيـل‪ ,‬عن سماك بن حرب‪ ,‬عن مصعب بن‬
‫سعد‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬قال‪ :‬أصبت سيفـا يوم بدر‪ ,‬فأعجبنـي‪ ,‬فقلت‪ :‬يا رسول ال هبه لـي فأنزل‬
‫ن النْفـالِ قُلِ النْفـالُ لِّلهِ وَال ّرسُولِ‪.‬‬
‫سئَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫ال‪َ :‬ي ْ‬
‫حدثنا ابن الـمثنى وابن وكيع‪ ,‬قال ابن الـمثنى‪ ,‬ثنـي معاوية‪ ,‬وقال ابن وكيع‪ :‬حدثنا أبو‬
‫معاوية‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الشيبـانـي‪ ,‬عن مـحمد بن عبـيد ال‪ ,‬عن سعيد بن أبـي وقاص‪ ,‬قال‪:‬‬
‫لــما كان يوم بدر قتـل أخـي عميـر وقتلت سـعيد بـن العاص‪ ,‬وأخذت سـيفه‪ ,‬وكان يسـمى ذا‬
‫ب فـاطْ َرحَ ُه فـي القبَض»‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال‪« :‬اذْهَ ْ‬
‫الكُتـيفة‪ ,‬فجئت به إلـى النبـ ّ‬
‫ل ال من قتل أخي وأخذ سلبـي‪ ,‬قال‪ :‬فما جاوزت إلّ‬
‫فطرحته ورجعت وبـي ما ل يعلـمه إ ّ‬
‫سيْ َفكَ»‪ .‬ولفظ الـحديث لبن‬
‫خذُ َ‬
‫ب فَ ُ‬
‫قريبـا حتـى نزلت علـيه سورة النفـال‪ ,‬فقال‪« :‬اذْهَ ْ‬
‫الـمثنى‪.‬‬
‫‪ 12231‬ـ حدثنا أبو كريب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يونس بن بكير‪ ,‬وحدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‬
‫جميعا‪ ,‬عن مـحمد بن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عبد ال بن أبـي بكر‪ ,‬عن قـيس بن ساعدة‪ ,‬قال‪:‬‬
‫سمعت أب ـا أ سيد بن مالك بن رب ـيعة يقول‪ :‬أ صبت سيف ا بن عائد يوم بدر‪ ,‬وكان ال سيف‬
‫يدعى الـمرَزُبـان فلـما أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يردوا ما فـي أيديهم من‬
‫الن فل‪ ,‬أقبلت به فألق ـيته ف ـي الن فل‪ ,‬وكان ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ل ي ـمنع شيئا‬
‫يُ سأله‪ ,‬فرآه الر قم بن أب ـي الر قم ال ـمخزومي‪ ,‬ف سأله ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪,‬‬
‫فأعطاه إياه‪.‬‬
‫‪ 12232‬ـ حدثنـي يحيى بن جعفر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن أبـي بكر‪ ,‬عن يحيى بن عمران‪,‬‬
‫عن جده عثمان بن الرقم‪ ,‬عن عمه‪ ,‬عن جده‪ ,‬قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم يوم‬
‫ن النْف ـالِ» فو ضع أ بو أ سيد ال ساعدي سيف بن عائد ال ـمرزبـان‪,‬‬
‫بدر‪ُ « :‬ردّوا ما كا نَ ِم َ‬
‫فعرفه الرقم فقال‪ :‬هبه لـي يا رسول ال قال‪ :‬فأعطاه إياه‪.‬‬
‫‪ 12233‬ـ حدثنا م ـحمد بن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن جع فر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شب عة‪ ,‬عن‬
‫سماك بن حرب‪ ,‬عن مصعب بن سعد‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬قال‪ :‬أصبت سيفـا‪ .‬قال‪ :‬فأتـى به رسول‬
‫ضعْ هُ» ثم قام فقال‪ :‬يا رسول ال‬
‫ال صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬يا رسول ال نفلنـيه فقال‪َ « :‬‬

‫ضعْ هُ» قال‪ :‬ثم قام فقال‪ :‬يا ر سول ال نفلن ـيه اجُ عل ك من ل غناء له؟ فقال‬
‫نفلن ـيه قال‪َ « :‬‬
‫ن النْفـالِ‬
‫خ ْذتَهُ» فنزلت هذه الَية يَسْئَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫حيْثُ أ َ‬
‫ن َ‬
‫ض ْع ُه مِ ْ‬
‫النبـيّ صلى ال عليه وسلم‪َ « :‬‬
‫قُلِ النْفـالِ لِلّ ِه وَالرّسُولِ‪.‬‬
‫حدثنـا أحمـد بـن إسـحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أ بو أحمـد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا إسـرائيـل‪ ,‬عـن سـماك‪ ,‬عـن‬
‫مصعب بن سعد‪ ,‬عن سعد‪ ,‬قال‪ :‬أخذت سيفـا من الـمغنـم‪ ,‬فقلت‪ :‬يا رسول ال هب لـي‬
‫ن النْفـالِ‪.‬‬
‫سئَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫هذا فنزلت‪َ :‬ي ْ‬
‫‪12234‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسرائيـل‪ ,‬عن إبراهيـم بن‬
‫سئَلُو َنكَ عَ نِ النْف ـالِ قال‪ :‬قال سعد‪ :‬ك نت أخذت سيف‬
‫مها جر‪ ,‬عن م ـجاهد‪ ,‬ف ـي قوله‪ :‬يَ ْ‬
‫سعيد بن العاص بن أمية‪ ,‬فأتـيت رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬فقلت‪ :‬أعطنـي هذا السيف‬
‫ن النْفـالِ‪ ...‬إلـى قوله‪ :‬إ نْ ُك ْنتُـمْ مُ ْؤ ِمنِـينَ قال‪:‬‬
‫سئَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫يا رسول ال فسكت‪ ,‬فنزلت‪ :‬يَ ْ‬
‫فأعطانـيه رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬بـل نزلت لن أصـحاب رسـول ال صـلى ال عليـه وسـلم سـألوا قسـمة‬
‫الغنـيـمة بـينهم يوم بدر فأعلـمهم ال أن ذلك ل ولرسوله دونهم لـيس لهم فـيه شيء‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬معنى «عن» فـي هذا الـموضع «من» وإنـما معنى الكلم‪ :‬يسألونك من النفـال‪,‬‬
‫وقالوا‪ :‬قد كان ا بن م سعود يقرؤه‪« :‬يَ سْألُو َنكَ النْف ـالَ» عل ـى هذا التأوي ـل‪ .‬ذ كر من قال‬
‫ذلك‪.‬‬
‫‪ 12235‬ـ حدث نا ا بن بشار‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا مؤ مل‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سفـيان‪ ,‬عن الع مش‪ ,‬قال‪ :‬كان‬
‫أصحاب عبد ال يقرءونها‪« :‬يَسألُو َنكَ النْفـالَ»‪.‬‬
‫‪ 12236‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـمـحاربـي‪ ,‬عن جويبر‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬قال‪ :‬هي‬
‫فـي قراءة ابن مسعود «يَسألُو َنكَ النْفـالَ»‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12237‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن‬
‫ّهـ وَالرّسـُولِ قال‪ :‬النفــال‪:‬‬
‫ل النْفــالُ لِل ِ‬
‫َنـ النْفــالِ قُ ِ‬
‫ابـن عبــاس‪ ,‬قوله‪ :‬يَسـْألُو َنكَ ع ِ‬
‫الـمغانـم كانت لرسول ال صلى ال عليه وسلم خالصة لـيس لحد منها شيء‪ ,‬ما أصاب‬
‫سرايا الـمسلـمين من شيء أتوه به‪ ,‬فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول‪ .‬فسألوا رسول‬
‫ع نِ النْف ـالِ قُلِ النْفَ ـالُ ل ـي‬
‫ال صلى ال عل يه و سلم أن يعطي هم من ها‪ ,‬قال ال‪ :‬يَ سألو َنكَ َ‬
‫جعلتها لرسولـي لـيس لكم فـيها شيء فـاتّقُوا اللّ هَ وأ صْلِـحُوا ذَا تِ بَـ ْي ِنكُمْ وأطِيعُوا الّل هَ‬
‫ن لِلّ هِ‬
‫شيْ ٍء فَأ ّ‬
‫غنِ ـ ْمتُـ ْم مِ نْ َ‬
‫ن ُك ْنتُ ـمْ ُم ْؤ ِمنِ ـينَ‪ ,‬ثم أنزل ال‪ :‬واعْلَ ـمُوا أنّ ـمَا َ‬
‫َورَ سُولَ ُه إ ْ‬
‫ل ثم ق سم ذلك ال ـخمس لر سول ال صلى ال عل يه و سلم ول ـمن سمي ف ـي‬
‫خمُ سَهُ وللر سُو ِ‬
‫ُ‬
‫الَية‪.‬‬

‫عنِ‬
‫‪12238‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪َ :‬يسْألُو َنكَ َ‬
‫النْفــالِ قال‪ :‬نزلت فــي الــمهاجرين والنصـار مــمن شهـد بدرا‪ .‬قال‪ :‬واختلفوا فكانوا‬
‫ن النْفـالِ قُلِ النْفـالِ لِّلهِ وَالرسُولِ وملكه ال رسوله‪ ,‬فقسمه‬
‫أثلثا‪ .‬قال‪ :‬فنزلت‪ :‬يَسألُو َنكَ عَ ِ‬
‫كما أراه ال‪.‬‬
‫‪ 12239‬ـ حدث نا أح مد بن إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو أح مد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عب ـاد بن العوّام‪ ,‬عن‬
‫الـحجاج‪ ,‬عن عمرو بن شعيب‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن جدّه‪ :‬أن الناس سألوا النبـيّ صلى ال عليه‬
‫ن النْفـالِ‪.‬‬
‫وسلم الغنائم يوم بدر‪ ,‬فنزلت‪ :‬يَسألُو َنكَ عَ ِ‬
‫سئَلُو َنكَ عَنِ النْفـالِ قال‪:‬‬
‫‪12240‬ـ قال‪ :‬حدثنا عبـاد بن العوام‪ ,‬عن جويبر‪ ,‬عن الضحاك‪ :‬يَ ْ‬
‫يسألونك أن ُتنَفّل ُهمْ‪.‬‬
‫‪12241‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حماد بن زيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أيوب‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬فـي‬
‫ن النْفـالِ قال‪ :‬يسألونك النفـال‪.‬‬
‫قوله‪ :‬يَسألُو َنكَ عَ ِ‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬وأولـى القوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال‪ :‬إن ال تعالـى أخبر فـي‬
‫هذه الَية عن قوم سألوا رسول ال صلى ال عليه وسلم النفـال أن يعطيهموها‪ ,‬فأخبرهم ال‬
‫أن ها ل وأ نه جعل ها لر سوله‪ .‬وإذا كان ذلك معناه جاز أن يكون نزول ها كان من أ جل اختلف‬
‫أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم فـيها‪ ,‬وجائز أن يكون كان من أجل مسألة من سأله‬
‫السيف الذي ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه‪ ,‬وجائز أن يكون من أجل مسألة من سأله قسم ذلك‬
‫بـين الـجيش‪.‬‬
‫واختلفوا فـيها‪ ,‬أمنسوخة هي أم غير منسوخة؟ فقال بعضهم‪ :‬هي منسوخة‪ ,‬وقالوا‪ :‬نسخها‬
‫خمُ سَهُ وللرّ سُولِ‪ ...‬الَ ية‪ .‬ذ كر من قال‬
‫ن لِلّ هِ ُ‬
‫شيْءٍ فَأ ّ‬
‫ن َ‬
‫غنِ ـ ْمتُـمْ ِم ْ‬
‫قوله‪ :‬وَاعْلَ ـمُوا أنّ ـمَا َ‬
‫ذلك‪.‬‬
‫‪ 12242‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن جابر‪ ,‬عن مـجاهد وعكرمة‪ ,‬قال‪ :‬كانت‬
‫خ َمسَ ُه ولل ّرسُولِ‪.‬‬
‫شيْءٍ فَأنّ لِّلهِ ُ‬
‫ن َ‬
‫غنِـ ْمتُـمْ مِ ْ‬
‫النفـال ل وللرسول فنسختها‪ :‬وَاعْلَـمُوا أنّـمَا َ‬
‫‪12243‬ــ حدثنــي مــحمد بـن الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أحمـد بـن الــمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا‬
‫أسـبـاط‪ ,‬عـن السـديّ‪ :‬يَس ْـئَلُو َنكَ عَنِـ النْفــالِ قال‪ :‬أصـاب سـعد بـن أبــي وقاص يوم بدر‬
‫سيفـا‪ ,‬فـاختصم فـيه وناس معه‪ ,‬فسألوا النبـيّ صلى ال عليه وسلم‪ ,‬فأخذه النبـيّ صلى‬
‫ن النْف ـالِ قُلِ النْف ـالُ لِّل هِ والرّ سُولِ‪ ...‬الَ ية‪,‬‬
‫ال عل يه و سلم منهـم‪ ,‬فقال ال‪ :‬يَ سألُو َنكَ عَ ِ‬
‫فكانت الغنائم يومئذٍ للنبـيّ صلى ال عليه وسلم خاصة‪ ,‬فنسخها ال بـالـخمس‪.‬‬
‫‪12244‬ــ حدثنـا القاسـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي حجاج‪ ,‬عـن ابـن جريـج‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ن النْفـالِ قال‪:‬‬
‫أخبرنـي سلـيـم مولـى أم مـحمد‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬يَ سْئَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫خمُسَهُ‪.‬‬
‫ن لِلّ ِه ُ‬
‫شيْءٍ فَأ ّ‬
‫ن َ‬
‫غنِـ ْمتُـمْ مِ ْ‬
‫نسختها‪ :‬وَاعْلَـمُوا أنّـمَا َ‬

‫حدثنا أحمد بن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو أحمد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شريك‪ ,‬عن جابر‪ ,‬عن مـجاهد‬
‫شيْءٍ فَأنّ‬
‫غنِـمْتُـمْ مِنْ َ‬
‫وعكرمة‪ ,‬أو عكرمة وعامر‪ ,‬قال‪ :‬نسخت النفـال‪ :‬وَاعْلَـمُوا أنّـمَا َ‬
‫خ ُمسَهُ‪.‬‬
‫لِلّ ِه ُ‬
‫وقال آخرون‪ :‬هي مـحكمة ولـيست منسوخة‪ .‬وإنـما معنى ذلك‪ :‬قل النفـال ل‪ ,‬وهي ل‬
‫ش كّ ل مع الدن ـيا ب ـما ف ـيها والَخرة‪ ,‬وللر سول يضع ها ف ـي مواضع ها الت ـي أمره ال‬
‫بوضعها فـيه‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12245‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬يَسألُو َنكَ عَنِ‬
‫ن فسلـموا ل ولرسوله يحكمان فـيها بـما شاء‬
‫ن ُك ْنتُـمْ ُم ْؤ ِمنِـي َ‬
‫النْفـالِ فقرأ حتـى بلغ‪ :‬إ ْ‬
‫شيْءٍ‬
‫غنِـ ْمتُـمْ مِنْ َ‬
‫ويضعانها حيث أرادا‪ ,‬فقالوا‪ :‬نعم‪ .‬ثم جاء بعد الربعين‪ :‬وَاعْلَـمُوا أنّـمَا َ‬
‫خمُ سَ ُه وللرّ سُولِ‪ ...‬الَية‪ ,‬ولكم أربعة أخماس‪ ,‬وقال النبـيّ صلى ال عليه وسلم يوم‬
‫ن لِلّ هِ ُ‬
‫فَأ ّ‬
‫خمْسَ ما‬
‫ك ال ـ ُ‬
‫صنَعُ اللّ هُ َورَ سُولَ ُه فِ ـي ذل َ‬
‫خمُسُ َمرْدُودٌ عل ـى فُقَرا ِئكُ مْ يَ ْ‬
‫خَ يبر‪« :‬وَهَذا ال ـ ُ‬
‫حبّ ـا‪ ,‬ثم أخبر نا ال الذي ي جب من ذلك» ثم قرأ الَ ية‪ِ :‬لذِي ال ُقرْبَى‬
‫حيْ ثُ أ َ‬
‫حبّ ـا‪َ ,‬و َيضَعانِ ِه َ‬
‫أَ‬
‫غنِـيا ِء ِم ْنكُمْ‪.‬‬
‫ن دُولَ ًة بـينَ ال ْ‬
‫سبِـيـلِ َكيْل يَكو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫والـيَتامَى والـمَساكِينِ وَابْ ِ‬
‫ل ثناؤه أخـبر أنـه جعـل‬
‫قال أبـو جعفـر‪ :‬والصـواب مـن القول فــي ذلك أن يقال‪ :‬إن ال ج ّ‬
‫النفـال لنبـيه صلى ال عليه وسلم ينفل من شاء‪ ,‬فنفل القاتل السلب‪ ,‬وجعل للـجيش فـي‬
‫البداءة الر بع وف ـي الرج عة الثلث ب عد ال ـخمس‪ ,‬ون فل قو ما ب عد سهمانهم بعيرا بعيرا ف ـي‬
‫ب عض ال ـمغازي‪ .‬فج عل ال تعال ـى ذكره ح كم النف ـال إل ـى نب ـيه صلى ال عل يه و سلم‬
‫ينفل علـى ما يرى مـما فـيه صلح الـمسلـمين‪ ,‬وعلـى من بعده من الئمة أن يستنوا‬
‫بسنته فـي ذلك‪ ,‬ولـيس فـي الَية دلـيـل علـى أن حكمها منسوخ لحتـمالها ما ذكرت‬
‫ل بحجة‬
‫من الـمعنى الذي وصفت‪ ,‬وغير جائز أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ إ ّ‬
‫يجب التسلـيـم لها‪ ,‬فقد دللنا فـي غير موضع من كتبنا علـى أن ل منسوخ إلّ ما أبطل‬
‫حكمه حادث حكم بخلفه ينفـيه من كلّ معانـيه‪ ,‬أو يأتـي خبر يوجب الـحجة أن أحدهما‬
‫نا سخ الَ خر‪ .‬و قد ذُ كر عن سعيد بن ال ـمسيب أ نه كان ين كر أن يكون التنف ـيـل ل حد ب عد‬
‫ل منه لقول ال تعالـى‪ :‬قُلِ النْفـالُ لِّلهِ وَال ّرسُولِ‪.‬‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم تأوي ً‬
‫‪ 12246‬ـ حدث نا ا بن وك يع‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عبدة بن سلـيـمان‪ ,‬عن م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪:‬‬
‫أر سل سعيد بن ال ـمسيب غل مه إل ـى قوم سألوه عن ش يء‪ ,‬فقال‪ :‬إن كم أر سلتـم إل ـيّ‬
‫تسألونـي عن النفـال‪ ,‬فل نفل بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقـد بــيّنا أن للئمـة أن يتأسـوا برسـول ال صـلى ال عليـه وسـلم فــي مغازيهـم بفعله‪,‬‬
‫فـينفلوا علـى نـحو ما كان ينفل‪ ,‬إذا كان التنفـيـل صلحا للـمسلـمين‪.‬‬

‫ّهـ‬
‫َاتـ بَــْي ِنكُمْ وأطِيعُوا الل َ‬
‫وأصـلِـحُوا ذ َ‬
‫ْ‬
‫ّهـ‬
‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪ :‬فــاتّقُوا الل َ‬
‫ن ُك ْنتُـمْ ُم ْؤ ِمنِـينَ‪.‬‬
‫َو َرسُولَهُ إ ْ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬فخافوا ال أيهـا القوم‪ ,‬واتقوه بطاعتـه واجتناب معاصـيه‪ ,‬وأصـلـحوا‬
‫الـحال بـينكم‪.‬‬
‫ت بَـ ْي ِن ُكمْ فقال بعضهم‪ :‬هو‬
‫واختلف أهل التأويـل فـي الذي عنـي بقوله‪ :‬وأ صْلِـحُوا ذَا َ‬
‫أمر من ال الذ ين غن ـموا الغنـيـمة يوم بدر وشهدوا الوق عة مع رسول ال صلى ال عل يه‬
‫و سلم إذا اختلفوا ف ـي الغن ـيـمة أن يردّوا ما أ صابوا من ها بعض هم علـى ب عض‪ .‬ذ كر من‬
‫قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12247‬ـ حدث نا ب شر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا يز يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬ف ـاتّقُوا اللّ هَ‬
‫ت بَ ـ ْي ِنكُ ْم قال‪ :‬كان نب ـيّ ال ينفّل الر جل من ال ـمؤمنـين سلب الر جل من‬
‫وأ صْلِـحُوا ذَا َ‬
‫الكف ـار إذا قتله‪ ,‬ثم أنزل ال‪ :‬ف ـاتّقوا الّل هَ وأ صْلِـحُوا ذَا تَ بَ ـ ْي ِن ُكمْ أمر هم أن ير ّد بعضُ هم‬
‫علـى بعض‪.‬‬
‫‪12248‬ــ حدثنـا القاسـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي حجاج‪ ,‬عـن ابـن جريـج‪ ,‬قال‪:‬‬
‫جدّه وغَنائه عل ـى ما‬
‫بلغن ـي أن النب ـيّ صلى ال عل يه و سلم كان ين فل الر جل عل ـى قدر ِ‬
‫رأى‪ ,‬حتـى إذا كان يوم بدر ومل الناس أيديهم غنائم‪ ,‬قال أهل الضعف من الناس‪ :‬ذهب أهل‬
‫القوّة ب ـالغنائم فذكروا ذلك للنب ـيّ صلى ال عل يه و سلم‪ ,‬فنزلت‪ :‬قُلِ النْف ـالُ لِّل هِ وَالرّ سُولِ‬
‫فـاتّقُوا اللّ َه وأصْلِـحُوا ذَاتِ بَـ ْي ِنكُمْ لـيردّ أهل القوّة علـى أهل الضعف‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬هذا ت ـحريج من ال عل ـى القوم‪ ,‬ون هي ل هم عن الختلف ف ـيـما اختلفوا‬
‫فـيه من أمر الغنـيـمة وغيره‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12249‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمارة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا خالد بن يز يد‪ ,‬وحدث نا أح مد بن إ سحاق‪,‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبو أحمد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو إسرائيـل‪ ,‬عن فضيـل‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪:‬‬
‫فـاتّقُوا اللّ َه وأصْلِـحُوا ذَاتِ بَـ ْي ِنكُمْ قال‪ :‬حرّج علـيهم‪.‬‬
‫‪ 12250‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبـاد بن العوّام‪ ,‬عن سفـيان‬
‫ت بَ ـ ْي ِنكُمْ قال هذا‬
‫بن ح سين‪ ,‬عن م ـجاهد‪ ,‬عن ا بن عب ـاس‪ :‬ف ـاتّقُوا اللّ هَ وأ صْلِـحُوا ذَا َ‬
‫تــحريج مـن ال علــى الــمؤمنـين أن يتقوا ويصـلـحوا ذات بــينهم‪ .‬قال عبــاد‪ ,‬قال‬
‫سفـيان‪ :‬هذا حين اختلفوا فـي الغنائم يوم بدر‪.‬‬
‫‪12251‬ــ حدثنــي مــحمد بـن الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أحمـد بـن الــمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا‬
‫ت بَـ ْي ِن ُكمْ‪ :‬أي ل تستبوا‪.‬‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬فـاتّقُوا الّل َه وأصْلِـحُوا ذَا َ‬
‫واختلف أهل العربـية فـي وجه تأنـيث البـين‪ ,‬فقال بعض نـحويـي البصرة‪ :‬أضاف‬
‫ذات إل ـى الب ـين وجعله ذا تا‪ ,‬لن ب عض الشياء يو ضع عل ـيه ا سم مؤ نث‪ ,‬وبع ضا يذ كر‬

‫َاتـ‬
‫نــحو الدار‪ ,‬والــحائط أنـث الدار وذكـر الــحائط‪ .‬وقال بعضهـم‪ :‬إنــما أراد بقوله‪ :‬ذ َ‬
‫بَـيْ ِن ُكمْ‪ :‬الـحال التـي للبـين فقال‪ :‬وكذلك «ذات العشاء» يريد الساعة التـي فـيها العشاء‪.‬‬
‫ل لـمعنى‪.‬‬
‫قال‪ :‬ولـم يضعوا مذكرا لـمؤنث ول مؤنثا لـمذكر إ ّ‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬هذا القول أولـى القولـين بـالصواب للعلة التـي ذكرتها له‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬وأطِيعُوا اللّ هَ َورَ سُوَلهُ فإن معناه‪ :‬وانتهوا أيها القوم الطالبون النفـال إلـى أمر‬
‫ال وأمر رسوله فـيـما أفـاء ال علـيكم‪ ,‬فقد بـين لكم وجوهه وسبُله‪ .‬إنْ ُك ْنتُـمْ مُ ْؤ ِمنِـينَ‬
‫يقول‪ :‬إن كنتـم مصدّقـين رسول ال فـيـما آتاكم به من عند ربكم‪ .‬كما‪:‬‬
‫‪ 12252‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب قال‪ :‬قال ابن زيد‪ :‬فـاتّقُوا اللّ هَ وأ صْلِـحُوا‬
‫ن فسلـموا ل ولر سوله يحكمان فـيها‬
‫ن ُك ْنتُـمْ مُ ْؤ ِمنِ ـي َ‬
‫ذَا تَ بَـ ْي ِنكُمْ وأطِيعُوا الّل هَ ورَ سُولَ ُه إ ْ‬
‫بـما شاءا‪ ,‬ويضعانها حيث أرادا‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ن اّلذِي نَ ِإذَا ُذ ِكرَ الّل هُ َوجِلَ تْ قُلُو ُبهُ مْ وَِإذَا‬
‫{ِإنّمَا ا ْلمُ ْؤ ِمنُو َ‬

‫تُِليَتْ عََل ْيهِمْ آيَا ُتهُ زَا َد ْتهُمْ إِيمَانا وَعََلىَ َر ّب ِهمْ َيتَ َوكّلُونَ }‪..‬‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬ل ـيس ال ـمؤمن ب ـالذي يخالف ال ور سوله ويترك اتب ـاع ما أنزله‬
‫إلـيه فـي كتابه من حدوده وفرائضه والنقـياد لـحكمه‪ ,‬ولكن الـمؤمن هو الذي إذا ذكر‬
‫ال وجل قلبه وانقاد لمره وخضع لذكره خوفـا منه و َفرَقا من عقابه‪ ,‬وإذا قرئت علـيه آيات‬
‫كتابه صدّق بها وأيقن أنها من عند ال‪ ,‬فـازداد بتصديقه بذلك إلـى ت صديقه بـما كان قد‬
‫بلغـه منـه قبـل ذلك تصـديقا وذلك هـو زيادة مـا تلــى علــيهم مـن آيات ال إياهـم إيــمانا‪.‬‬
‫ن قضاءه فـيهم ماض فل يرجون غيره‬
‫ن يقول‪ :‬وبـال يوقنون فـي أ ّ‬
‫وَعلـى َر ّبهِ مْ َيتَ َوكّلُو َ‬
‫ول يرهبون سواه‪.‬‬
‫وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12253‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن‬
‫ت قُلُو ُبهُ مْ قال‪ :‬ال ـمنافقون ل‬
‫ا بن عب ـاس‪ ,‬قوله‪ :‬إنّ ـمَا ال ـمُ ْؤ ِمنُونَ اّلذِي نَ إذَا ُذكِرَ الّل هُ َوجِلَ ْ‬
‫يدخ ـل قلوب هم ش يء من ذ كر ال ع ند أداء فرائ ضه‪ ,‬ول يؤمنون بش يء من آيات ال‪ ,‬ول‬
‫يتوكلون عل ـى ال‪ ,‬ول ي صلّون إذا غابوا‪ ,‬ول يؤدّون زكاة أموال هم‪ .‬فأ خبر ال سبحانه أن هم‬
‫ن اّلذِينَـ إذَا ُذكِ َر اللّهُـ‬
‫لــيسوا بــمؤمنـين‪ ,‬ثـم وصـف الــمؤمنـين فقال‪ :‬إنّــمَا الــمُؤْمنُو َ‬
‫َوجِلَتْ قُلُو ُبهُمْ فأدّوا فرائضه‪ ,‬وَإذَا تُلِـيَتْ عَلَـ ْي ِهمْ آيات ُه زَا َد ْتهُمْ إيـمَانا يقول‪ :‬تصديقا‪ ,‬وَعلـى‬
‫َربّ ِهمْ َيتَ َوكّلُونَ يقول‪ :‬ل يرجون غيره‪.‬‬

‫‪ 12254‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال‪ ,‬عن ابن جريج‪ ,‬عن عبد ال بن كثـير‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ :‬اّلذِينَ إذَا ُذ ِكرَ الّلهُ َوجِلَتْ قُلُو ُب ُهمْ قال‪ :‬فرِقت‪.‬‬
‫ن إذَا ُذ ِكرَ اللّ هُ َوجِلَ تْ قُلُو ُبهُ ْم قال‪:‬‬
‫‪ 12255‬ـ قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن السديّ‪ :‬اّلذِي َ‬
‫إذا ذكر ال عند الشيء وجل قلبه‪.‬‬
‫حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن‬
‫ن اّلذِينَ إذَا ُذكِرَ الّلهُ َوجِلَتْ قُلُو ُب ُهمْ يقول‪ :‬إذا ذكر ال وجل قلبه‪.‬‬
‫السديّ‪ :‬إنّـمَا الـمُ ْؤمِنو َ‬
‫حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن أب ـي‬
‫ت قُلُو ُبهُ ْم قال‪ :‬فَ ِرقَت‪.‬‬
‫نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قول ال‪َ :‬وجِلَ ْ‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫ت قُلُو ُبهُ ْم فرقت‪.‬‬
‫مـجاهد‪َ :‬وجِلَ ْ‬
‫‪ 12256‬ـ قال‪ :‬حدثنا سويد‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن الـمبـارك‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬قال‪ :‬سمعت السديّ‬
‫ت قُلُو ُبهُ مْ قال‪ :‬هو الرجل يريد أن‬
‫ن اّلذِي نَ إذَا ُذكِرَ الّل هُ َوجِلَ ْ‬
‫يقول فـي قوله‪ :‬إنّـمَا الـمُ ْؤ ِمنُو َ‬
‫يظلـم أو قال‪ :‬يهمّ بـمعصية أحسبه قال‪ :‬فـينزع عنه‪.‬‬
‫‪ 12257‬ـ حدثنـي الـحرث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد العزيز‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سفـيان الثور يّ‪ ,‬عن عبد‬
‫ال بـن عثمان بـن خثــيـم‪ ,‬عـن شهـر بـن حوشـب‪ ,‬عن أبــي الدرداء‪ ,‬فــي قوله‪ :‬إنّــمَا‬
‫الــمُ ْؤ ِمنُونَ اّلذِينَـ إذَا ُذكِ َر اللّهُـ َوجِلَت ْـ قُلُو ُبهُم ْـ قال‪ :‬الوجـل فــي القلب كإحراق السـعفة‪ ,‬أمـا‬
‫تـجد له ُقشَ ْعرِيرَةً؟ قال‪ :‬بلـى‪ .‬قال‪ :‬إذا وجدت ذلك فـي القلب فـادع ال‪ ,‬فإن الدعاء يذهب‬
‫بذلك‪.‬‬
‫‪ 12258‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬إنّـمَا الـمُ ْؤ ِمنُونَ‬
‫ت قُلُو ُبهُ مْ قال‪ :‬فر قا من ال‪ ,‬ووجلً من ال‪ ,‬وخوفـا من ال تبـارك‬
‫ن إذَا ُذ ِكرَ اللّ هُ َوجِلَ ْ‬
‫اّلذِي َ‬
‫وتعالـى‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬زَا َد ْتهُمْ إيـمَانا فقد ذكرت قول ابن عبـاس فـيه‪ .‬وقال غيره فـيه‪ ,‬ما‪:‬‬
‫‪ 12259‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد ال بن أب ـي جع فر‪ ,‬عن‬
‫أبـيه‪ ,‬عن الربـيع‪ :‬وَإذَا تُلِـيَتْ عَلَـ ْيهِمْ آياتُه زَا َد ْتهُمْ إيـمَانا قال‪ :‬خشية‪.‬‬
‫‪12260‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬وَإذَا تُلِلـيَتْ عَلَـيْ ِهمْ آياتِهُ‬
‫زَادَ ْتهُ مْ إي ـمَانا وَعل ـى رَبهِ مْ َيتَ ّوكَلُو نَ قال‪ :‬هذا ن عت أ هل الي ـمان‪ ,‬فأث بت نعت هم‪ ,‬وو صفَهم‬
‫فأثبت صفتهم‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪4-3‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن * ُأوْلَـ ِئكَ‬
‫ن يُقِيمُونَ الصّلَةَ َو ِممّا َر َزقْنَاهُمْ يُن ِفقُو َ‬
‫{اّلذِي َ‬

‫حقّا ّل ُهمْ َد َرجَاتٌ عِندَ َر ّب ِهمْ َو َمغْ ِفرَةٌ َو ِر ْزقٌ َكرِيمٌ }‪..‬‬
‫ُهمُ ا ْلمُ ْؤ ِمنُونَ َ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬الذين يؤدّون الصلة الـمفروضة بحدودها‪ ,‬وينفقون مـما رزقهم ال‬
‫من الموال ف ـيـما أمر هم ال أن ينفقو ها ف ـيه من زكاة وجهاد وح جّ وعمرة ونف قة عل ـى‬
‫من ت ـجب عل ـيهم نفق ته‪ ,‬ف ـيؤدّون حقوق هم‪ .‬أوَلئِ كَ يقول‪ :‬هؤلء الذ ين يفعلون هذه الفعال‪.‬‬
‫هُ مُ ال ـمُ ْؤ ِمنُونَ ل الذ ين يقولون بأل سنتهم قد آم نا وقلوب هم منطو ية عل ـى خل فه نف ـاقا‪ ,‬ل‬
‫يقـيـمون صلة ول يؤدّون زكاة‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12261‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية بن صالـح‪ ,‬عن‬
‫ِينـ يُقِــيـمُونَ الصـّلةَ يقول‪ :‬الصـلوات الــخمس‪ .‬ومــمّا‬
‫علــيّ‪ ,‬عـن ابـن عبــاس‪ :‬اّلذ َ‬
‫ن حَقّا يقول‪ :‬برئوا من الك فر‪ .‬ثم‬
‫ن يقول‪ :‬زكاة أموال هم‪ .‬أُوَلئِ كَ هُ ُم ال ـمُ ْؤ ِمنُو َ‬
‫رَ َزقْناهُ مْ ُينْفِقُو َ‬
‫ن يُ َف ّرقُوا ب ـينَ‬
‫نأ ْ‬
‫ن ب ـاللّهِ َورُ سُلِهِ َو ُيرِيدُو َ‬
‫ن َيكْ ُفرُو َ‬
‫و صف ال النف ـاق وأهله‪ ,‬فقال‪ :‬إ نّ اّلذِي َ‬
‫ك هُ مُ الكافِرُو نَ حَقّا فج عل ال ال ـمؤمن مؤم نا حقّا‪ ,‬وج عل‬
‫اللّ هَ َورُ سُلِهِ‪ ...‬إل ـى قوله‪ :‬أُوَلئِ َ‬
‫الكافر كافرا حقّا‪ ,‬وهو قوله‪ :‬هُ َو اّلذِي خَـلَ َق ُكمْ َفمِ ْن ُكمْ كافِرٌ َو ِم ْن ُكمْ مُ ْؤمِنٌ‪.‬‬
‫حقّا‬
‫‪12262‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬أُوَلئِكَ هُمُ الـمُ ْؤ ِمنُونَ َ‬
‫قال‪ :‬استـحقوا اليـمان بحقّ‪ ,‬فأحقه ال لهم‪.‬‬
‫ع ْندَ َر ّب ِهمْ َو َمغْ ِفرَةٌ َو ِر ْزقٌ َكرِيـمٌ‪.‬‬
‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪َ :‬ل ُهمْ َدرَجاتٌ ِ‬
‫يعنــي جلّ ثناؤه بقوله‪َ :‬لهُم ْـ َدرَجاتٌـ لهؤلء الــمؤمنـين الذيـن وصـف جلّ ثناؤه صـفتهم‬
‫درجات‪ ,‬وهي مراتب رفـيعة‪.‬‬
‫ثم اختلف أ هل التأوي ـل ف ـي هذه الدرجات الت ـي ذ كر ال أن ها ل هم عنده ما هي‪ ,‬فقال‬
‫بعضهم‪ :‬هي أعمال رفـيعة وفضائل قدّموها فـي أيام حياتهم‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12263‬ـ حدثنـي أحمد بن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو أحمد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسرائيـل‪ ,‬عن أبـي‬
‫ع ْندَ َر ّبهِمْ قال‪ :‬أعمال رفـيعة‪.‬‬
‫يحيى القتات‪ ,‬عن مـجاهد‪َ :‬ل ُهمْ َدرَجاتٌ ِ‬
‫وقال آخرون‪ :‬بل ذلك مراتب فـي الـجنة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12264‬ـ حدث نا أح مد بن إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو أح مد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سفـيان‪ ,‬عن هشام بن‬
‫ع ْندَ َر ّبهِمْ قال‪ :‬الدرجات سبعون درجة‪ ,‬كل‬
‫جبلة‪ ,‬عن عطية‪ ,‬عن ابن مـحيريز‪َ :‬لهُ مْ َدرَجا تٌ ِ‬
‫درجة حضر الفرس الـجواد الـمضمّر سبعين سنة‪.‬‬
‫وقوله َو َمغْفرَةٌ يقول‪ :‬وع فو عن ذنوب هم وتغط ية عل ـيها‪َ .‬و ِرزْ قٌ َكرِي ـمٌ ق ـيـل‪ :‬ال ـجنة‪.‬‬
‫وهو عندي ما أع ّد ال فـي الـجنة لهم من مزيد الـمآكل والـمشارب وهنـيء العيش‪.‬‬

‫‪12265‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق‪ ,‬عن هشام‪ ,‬عن عمرو‪ ,‬عن سعيد‪ ,‬عن قتادة‪:‬‬
‫َو َمغْ ِفرَ ٌة قال‪ :‬لذنوبهم‪َ .‬و ِرزْقٌ َكرِيـمٌ قال‪ :‬الـجنة‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪6-5‬‬

‫القول فــي تأوي ـل قوله تعالــى‪:‬‬

‫خ َرجَكَـ َربّكَـ مِن َب ْيتِكَـ بِا ْلحَقّـ وَإِ نّ َفرِيقا مّ نَ‬
‫{كَمَآ َأ ْ‬

‫ُمـ‬
‫ْتـ وَه ْ‬
‫ّنـ َكَأنّم َا يُسـَاقُونَ إِلَى ا ْلمَو ِ‬
‫َقـ َب ْعدَم َا َت َبي َ‬
‫َكـ ف ِي ا ْلح ّ‬
‫ُونـ * ُيجَادِلُون َ‬
‫ِينـ َلكَارِه َ‬
‫ا ْلمُ ْؤ ِمن َ‬
‫ن }‪..‬‬
‫ظرُو َ‬
‫يَن ُ‬
‫خ َرجَ كَ وما الذي‬
‫اختلف أهل التأويـل فـي الـجالب لهذه الكاف التـي فـي قوله‪ :‬كما أ ْ‬
‫شبه بإخراج ال نبـيه صلى ال عليه وسلم من بـيته بـالـحقّ‪ .‬فقال بعضهم‪ :‬شبه به فـي‬
‫الصلح للـمؤمنـين‪ ,‬اتقاؤهم ربهم‪ ,‬وإصلحهم ذات بـينهم‪ ,‬وطاعتهم ال ورسوله‪ .‬وقالوا‪:‬‬
‫معنـى ذلك‪ :‬يقول ال‪ :‬وأصـلـحوا ذات بــينكم‪ ,‬فإن ذلك خيـر لكـم‪ ,‬كمـا أخرج ال مــحمدا‬
‫صلى ال عليه وسلم من بـيته بـالـحقّ كان خيرا له‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12266‬ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الوهاب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا داود‪ ,‬عن عكرمة‪:‬‬
‫خ َرجَ كَ‬
‫ن ُك ْنتُـمْ ُم ْؤ ِمنِـينَ كمَا أ ْ‬
‫فـاتّقُوا الّل هَ وأ صْلِـحوا ذَا تَ بَـ ْي ِن ُكمْ وأطِيعُوا اللّ هَ َورَ سُولَ ُه إ ْ‬
‫حقّ‪ ...‬الَيـة‪ :‬أي إن هذا خيـر لكـم‪ ,‬كمـا كان إخراجـك مـن بــيتك‬
‫َربّك َـ مِن ْـ بَــْيتِكَ بــالـ َ‬
‫بـالـحقّ خيرا لك‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬كما أخرجك ربك يا مـحمد من بـيتك بـالـحقّ علـى كره من‬
‫فريق من الـمؤمنـين كذلك هم يكرهون القتال‪ ,‬فهم يجادلونك فـيه بعد ما تبـين لهم‪ .‬ذكر‬
‫من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12267‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫حقّ قال‪ :‬كذلك يجادلو نك‬
‫خ َرجَ كَ َربّ كَ ِم نْ بَ ـ ْي ِتكَ ب ـالـ َ‬
‫أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن م ـجاهد‪ :‬كمَا أ ْ‬
‫فِـي الـحقّ‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫ق كذلك يجادلونك فـي الـحقّ‪ ,‬القتال‪.‬‬
‫ك بـالـحَ ّ‬
‫ن بَـ ْيتِ َ‬
‫خرَجَك َر ّبكَ مِ ْ‬
‫مـجاهد‪ :‬كمَا أ ْ‬
‫‪ 12268‬ـ قال‪ :‬حدثنا إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن أبـي جعفر‪ ,‬عن ورقاء‪ ,‬عن ابن أبـي‬
‫حقّ قال‪ :‬كذلك أخرجك‬
‫ن بَـ ْي ِتكَ بـالـ َ‬
‫خرَجَكَ َربّكَ مِ ْ‬
‫نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬كمَا أ ْ‬
‫ربك‪.‬‬
‫‪ 12269‬ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪,‬‬
‫عن ال سديّ‪ ,‬قال‪ :‬أنزل ال ف ـي خرو جه يعن ـي خروج النب ـيّ صلى ال عل يه و سلم إل ـى‬

‫ِنـ‬
‫َإنـ فَرِيقـا م َ‬
‫حقّ و ّ‬
‫ِنـ بَــْي ِتكَ بــالـ َ‬
‫ّكـ م ْ‬
‫َكـ َرب َ‬
‫خ َرج َ‬
‫بدر ومــجادلتهم إياه‪ ,‬فقال‪ :‬كم َا أ ْ‬
‫ن لطلب الـمشركين‪ ,‬يُجادِلُو َنكَ فـي الـحَقّ َب ْعدَما َتبَـيّنَ‪.‬‬
‫ن لَكارِهُو َ‬
‫الـمُ ْؤ ِمنِـي َ‬
‫اختلف أ هل العرب ـية ف ـي ذلك‪ ,‬فقال ب عض ن ـحويـي الكوف ـيـين‪ :‬ذلك أ مر من ال‬
‫لر سوله صلى ال عل يه و سلم أن ي ـمضي لمره ف ـي الغنائم‪ ,‬عل ـى كُره من أ صحابه‪ ,‬ك ما‬
‫م ضى لمره ف ـي خرو جه من ب ـيته لطلب الع ير و هم كارهون‪ .‬وقال آخرون من هم‪ :‬مع نى‬
‫ذلك‪ :‬يسـألونك عـن النفــال مــجادلة كمـا جادلوك يوم بدر‪ ,‬فقالوا‪ :‬أخرجتنـا للعيـر‪ ,‬ولــم‬
‫تعلــمنا قتالً فن ستعدّ له‪ .‬وقال ب عض ن ـحويـي البصـرة‪ :‬يجوز أن يكون هذا الكاف ف ـي‪:‬‬
‫حقّ‬
‫خ َرجَ كَ َربّ كَ ِم نْ بَـ ْي ِتكَ بـالـ َ‬
‫خ َرجَ كَ علـى قوله‪ :‬أُوَلئِ كَ هُ مُ الـمُ ْؤ ِمنُونَ حَقّا كمَا أ ْ‬
‫كمَا أ ْ‬
‫وقـيـل‪ :‬الكاف بـمعنى «علـى»‪.‬‬
‫وقال آخرون منهم‪ :‬هي بـمعنى القسم‪ .‬قال‪ :‬ومعنى الكلم‪ :‬والذي أخرجك ربك‪.‬‬
‫قال أبـو جعفـر‪ :‬وأولــى هذه القوال عندي بــالصواب قول مـن قال فــي ذلك بقول‬
‫م ـجاهد‪ ,‬وقال معناه‪ :‬ك ما أخر جك ر بك ب ـالـحقّ عل ـى كره من فر يق من ال ـمؤمنـين‪,‬‬
‫كذلك يجادلونك فـي الـحقّ بعدما تبـين‪ .‬لن كل المرين قد كان‪ ,‬أعنـي خروج بعض من‬
‫جدَالهم فـي لقاء العدوّ عند دن ّو القوم بعضهم من بعض‪ ,‬فتشبـيه‬
‫خرج من الـمدينة كارها‪ ,‬و ِ‬
‫ب عض ذلك بب عض مع قرب أحده ما من الَ خر أول ـى من تشب ـيهه ب ـما ب عد ع نه‪ .‬وقال‬
‫مــجاهد فــي الــحقّ الذي ذكـر أنهـم يجادلون فــيه النبــيّ صـلى ال عليـه وسـلم بعدمـا‬
‫تبـينوه‪ :‬هو القتال‪.‬‬
‫‪ 12270‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫حقّ قال‪ :‬القتال‪.‬‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬يُجادِلُو َنكَ فـي الـ َ‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫حدثنا إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال‪ ,‬عن ورقاء‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫ن بَـ ْيتِكَ فإن بعضهم قال‪ :‬معناه من الـمدينة‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬مِ ْ‬
‫‪ 12271‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو حذيفة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شبل‪ ,‬عن ابن أبـي بزة‪ :‬كمَا‬
‫ن بَـ ْي ِتكَ الـمدينة إلـى بدر‪.‬‬
‫خرَجكَ َر ّبكَ مِ ْ‬
‫أْ‬
‫‪12272‬ــ حدثنـا القاسـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي حجاج‪ ,‬عـن ابـن جريـج‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ن بَـ ْي ِتكَ بـالـحَقّ‬
‫خ َرجَ كَ َربّ كَ ِم ْ‬
‫أخبرنـي مـحمد بن عبـاد بن جعفر‪ ,‬فـي قوله‪ :‬كمَا أ ْ‬
‫قال‪ :‬من الـمدينة إلـى بدر‪.‬‬
‫ن فإن كرَاهتهم كانت كما‪:‬‬
‫ن الـمُ ْؤ ِمنِـينَ لَكارِهُو َ‬
‫ن فَرِيقا مِ َ‬
‫وأما قوله‪ :‬وإ ّ‬

‫‪ 12273‬ـ حدث نا ا بن حم يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سلـمة‪ ,‬عن ا بن إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي م ـحمد بن‬
‫م سلـم الزهري‪ ,‬وعا صم بن ع مر بن قتادة‪ ,‬وع بد ال بن أب ـي ب كر ويز يد بن رومان‪ ,‬عن‬
‫عروة بن الزبـير وغيرهم من علـمائنا‪ ,‬عن عبد ال بن عبـاس‪ ,‬قالوا‪ :‬لـما سمع رسول‬
‫ال صلى ال عل يه و سلم بأب ـي سفـيان مقبلً من الشأم‪ ,‬ندب إل ـيهم ال ـمسلـمين‪ ,‬وقال‪:‬‬
‫ن ُينَفَّل ُكمُوهَا» فـانتدب الناس‪,‬‬
‫خ ُرجُوا إلـيها لعَلّ ال أ ْ‬
‫« َهذِ هِ عِيرُ قُ َريْ شٍ فـيها أمْوَاُلهُ مْ‪ ,‬فـا ْ‬
‫فخفّ بعضهم وثقل بعضهم‪ ,‬وذلك أنهم لـم يظنوا أن رسول ال صلى ال عليه وسلم يـلقـى‬
‫حربـا‪.‬‬
‫‪12274‬ــ حدثنــي مــحمد بـن الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أحمـد بـن الــمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا‬
‫ن فَرِيقا ِمنَ الـمُ ْؤ ِمنِـينَ لَكارِهُونَ لطلب الـمشركين‪.‬‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ :‬وَإ ّ‬
‫ثم اختلف أهل التأويـل فـي الذين عنُوا بقوله‪ :‬يُجادِلُونَ كَ فِـي الـحَقّ َب ْعدَما َتبَـيّنَ فقال‬
‫بعضهم‪ :‬عُنـي بذلك‪ :‬أهل اليـمان من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم الذين كانوا‬
‫معه حين توجه إلـى بدر للقاء الـمشركين‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12275‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬لـما شاور النبـيّ صلى ال عليه وسلم فـي لقاء القوم‪,‬‬
‫وقال له سعد بن عبـادة ما قال‪ :‬وذلك يوم بدر‪ ,‬أمر الناس‪ ,‬فتعبوا للقتال‪ ,‬وأمرهم بـالشوكة‪,‬‬
‫ن فَرِي قا مِ نَ‬
‫حقّ وَإ ّ‬
‫ن بَ ـ ْي ِتكَ ب ـالـ َ‬
‫خ َرجَ كَ َربّ كَ مِ ْ‬
‫وكره ذلك أ هل الي ـمان‪ ,‬فأنزل ال‪ :‬كمَا أ ْ‬
‫ن كأنّ ـمَا يُ ساقُونَ إل ـى ال ـمَوْتِ‬
‫حقّ َب ْعدَ ما َتبَ ـيّ َ‬
‫ك فِ ـي ال ـ َ‬
‫ن يُجادِلُونَ َ‬
‫ن لَكارِهُو َ‬
‫ال ـمُ ْؤ ِمنِـي َ‬
‫ظرُونَ‪.‬‬
‫وَ ُهمْ َي ْن ُ‬
‫‪12276‬ـ حدثنـي ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬ثم ذكر القوم‪ ,‬يعنـي‬
‫أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬ومسيرهم مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬حين‬
‫عرف القوم أن قريشـا قـد سـارت إلــيهم‪ ,‬وأنهـم إنــما خرجوا يريدون العيـر طمعـا فــي‬
‫حقّ‪ ...‬إلـى قوله‪ :‬لَكارِهُونَ أي كراهية‬
‫خ َرجَكَ َربّكَ مِنْ بَـ ْي ِتكَ بـالـ َ‬
‫الغنـيـمة‪ ,‬فقال‪ :‬كمَا أ ْ‬
‫للقاء القوم‪ ,‬وإنكارا لـمسير قريش حين ذكروا لهم‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬عُنـي بذلك الـمشركون‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12277‬ـ حدثنـي يو نس‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا ا بن و هب‪ ,‬قال‪ :‬قال ا بن ز يد‪ ,‬ف ـي قوله‪ :‬يُجادِلُونَ كَ‬
‫ُونـ قال‪ :‬هؤلء‬
‫ُمـ َي ْنظُر َ‬
‫ت وَه ْ‬
‫ن كأنّــمَا يُسـاقُونَ إلــى الــمَوْ ِ‬
‫فِــي الــحقّ َب ْعدَمـا َتبَــيّ َ‬
‫الـمشركون جادلوك فـي الـحق كأنـما يساقون إلـى الـموت حين يُدعون إلـى السلم‪,‬‬
‫ن قال‪ :‬ولـيس هذا من صفة الَخرين‪ ,‬هذه صفة مبتدأة لهل الكفر‪.‬‬
‫ظرُو َ‬
‫وهم َي ْن ُ‬
‫‪ 12278‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يعقوب بن مـحمد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي‬
‫عبد العزيز بن مـحمد‪ ,‬عن ابن أخي الزهري‪ ,‬عن عمه‪ ,‬قال‪ :‬كان رجل من أصحاب رسول‬

‫ظرُونَ خروج رسول ال‬
‫ن إلـى الـمَوْتِ وَهُمْ َي ْن ُ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم يفسر‪ :‬كَأنّـمَا يُسَاقُو َ‬
‫صلى ال عليه وسلم إلـى العير‪.‬‬
‫قال أبو جعفر‪ :‬والصواب من القول فـي ذلك ما قاله ابن عبـاس وابن إسحاق‪ ,‬من أن ذلك‬
‫خبر من ال عن فريق من الـمؤمنـين أنهم كرهوا لقاء العدوّ‪ ,‬وكان جدالهم نبـيّ ال صلى‬
‫ال عل يه و سلم أن قالوا‪ :‬ل ـم يعل ـمنا أ نا نلق ـى العد ّو فن ستعدّ لقتال هم‪ ,‬وإن ـما خرج نا للع ير‪.‬‬
‫ن غيرَ‬
‫حدَى الطّائِ َفتَ ـيْنِ أنّ ها لَكُم َوتَ َودّو نَ أ ّ‬
‫وم ـما يدلّ عل ـى صحة قوله‪ :‬وَإ ْذ َيعِدكُ مُ اللّ هُ إ ْ‬
‫ذَا تِ الشّو َكةِ َتكُو نُ َلكُ ْم فف ـي ذلك الدل ـيـل الوا ضح ل ـمن ف هم عن ال أن القوم قد كانوا‬
‫للشوكة كارهين وأن جدالهم كان فـي القتال كما قال مـجاهد‪ ,‬كراهية منهم له‪ ,‬وأن ل معنى‬
‫ق خبر عن أهل اليـمان‪ ,‬والذي‬
‫لـما قال ابن زيد‪ ,‬لن الذي قبل قوله‪ :‬يُجادِلُونَكَ فـي الـحَ ّ‬
‫يتلوه خبر عنهم‪ ,‬فأن يكون خبرا عنهم أولـى منه بأن يكون خبرا عمن لـم يجر له ذكر‪.‬‬
‫وأما قوله‪َ :‬بعْدَما َتبَـيّنَ فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله‪ ,‬فقال بعضهم‪ :‬معناه‪ :‬بعدما‬
‫ل ما أمرك ال‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫تبـين لهم أنك ل تفعل إ ّ‬
‫‪ 12279‬ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن مفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن‬
‫ن أنك ل تصنع إلّ ما أمرك ال به‪.‬‬
‫السديّ‪َ :‬ب ْعدَما َتبَـيّ َ‬
‫وقال آخرون‪ :‬معناه يجادلونك فـي القتال بعدما أمرت به‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪12280‬ـ رواه الكلبـي‪ ,‬عن أبـي صالـح‪ ,‬عن ابن عبـاس‪.‬‬
‫ُونـ فإن معناه‪ :‬كأن هؤلء الذيـن‬
‫ُمـ َي ْنظُر َ‬
‫ن إلــى الــمَوْتِ وَه ْ‬
‫وأمـا قوله كأنّــما يُسـاقُو َ‬
‫يجادلونـك فــي لقاء العد ّو مـن كراهتهـم للقائهـم إذا دعوا إلــى لقائهـم للقتال يسـاقون إلــى‬
‫الـموت‪.‬‬
‫وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12281‬ـ حدث نا ا بن حم يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سلـمة‪ ,‬قال قال ا بن إ سحاق‪ :‬كأنّ ـما يُ ساقُونَ إل ـى‬
‫ظرُونَ‪ :‬أي كراهة للقاء القوم‪ ,‬وإنكارا لـمسير قريش حين ذكروا لهم‪.‬‬
‫الـمَوْتِ وَ ُهمْ َي ْن ُ‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫ن أَ نّ‬
‫حدَى الطّائِ َف ِتيْ نِ َأنّهَا َلكُ مْ َوتَ َودّو َ‬
‫{وَِإ ْذ َي ِع ُدكُ مُ الّل هُ ِإ ْ‬

‫حقّ ِبكَِلمَاتِهِ َويَ ْقطَعَ دَا ِبرَ ا ْلكَا ِفرِينَ }‪..‬‬
‫حقّ ال َ‬
‫ن َل ُكمْ َو ُيرِيدُ الّلهُ أَن ُي ِ‬
‫ت الشّ ْوكَ ِة َتكُو ُ‬
‫غ ْيرَ ذَا ِ‬
‫َ‬
‫ن يعنــي‪ :‬إحدى‬
‫حدَى الطّائِ َفتَــيْ ِ‬
‫ّهـ إ ْ‬
‫ُمـ الل ُ‬
‫يقول تعالــى ذكره‪ :‬واذكروا أيهـا القوم إذْ َي ِع ُدك ُ‬
‫الفرقت ـين‪ ,‬فر قة أب ـي سفـيان بن حرب والع ير‪ ,‬وفر قة ال ـمشركين الذ ين نفروا من م كة‬
‫ن غيرَ ذَا تِ‬
‫نأ ّ‬
‫ل ـمنع عير هم‪ .‬وقوله‪ :‬أنّ ها َلكُ مْ يقول‪ :‬إن ما مع هم غن ـيـمة ل كم‪َ .‬وتَ َودّو َ‬
‫ن َلكُ مْ يقول‪ :‬وت ـحبون أن تكون تلك الطائ فة الت ـي ل ـيست ل ها شو كة‪ ,‬يقول‪:‬‬
‫الشّوْكَة َتكُو ُ‬

‫ل ـيس ل ها حدّ ول ف ـيها قتال أن تكون ل كم‪ ,‬يقول‪ :‬تودّون أن تكون ل كم الع ير الت ـي ل ـيس‬
‫فــيها قتال لكـم دون جماعـة قريـش الذيـن جاءوا لــمنع عيرهـم الذيـن فــي لقائهـم القتال‬
‫والـحرب‪ .‬وأصل الشوكة من الشوك‪.‬‬
‫وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12282‬ـ حدثنا علـيّ بن نصر‪ ,‬وعبد الوارث بن عبد الصمد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد الصمد بن‬
‫عبـد الوارث‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أبــان العطار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا هشام بـن عروة‪ ,‬عـن عروة‪ :‬أن أبــا‬
‫سفـيان أقبل ومن معه من ركبـان قريش مقبلـين من الشأم‪ ,‬فسلكوا طريق الساحل فلـما‬
‫سمع ب هم النب ـيّ صلى ال عل يه و سلم ندب أ صحابه‪ ,‬وحدث هم ب ـما مع هم من الموال وبقلة‬
‫ل غن ـيـمة ل هم‪ ,‬ل‬
‫عدد هم‪ .‬فخرجوا ل يريدون إلّ أب ـا سفـيان‪ ,‬والر كب م عه ل يرون ها إ ّ‬
‫َاتـ الشّ ْو َكةِ‬
‫أنـ غيرَ ذ ِ‬
‫ّونـ ّ‬
‫يظنون أن يكون كبــير قتال إذا رأوهـم‪ .‬وهـي مـا أنزل ال‪ :‬وتَ َود َ‬
‫ن َل ُكمْ‪.‬‬
‫َتكُو ُ‬
‫‪ 12283‬ـ حدث نا ا بن حم يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سلـمة‪ ,‬عن م ـحمد بن إ سحاق‪ ,‬عن م ـحمد بن‬
‫مسلـم الزهري‪ ,‬وعاصم بن عمر بن قتادة‪ ,‬وعبد ال بن أبـي بكر‪ ,‬ويزيد بن رومان‪ ,‬عن‬
‫ل قد حدثنـي بعض هذا‬
‫عروة بن الزبـير وغيرهم من علـمائنا‪ ,‬عن عبد ال بن عبـاس‪ ,‬ك ّ‬
‫الـحديث فـاجتـمع حديثهم فـيـما سقت من حديث بدر‪ ,‬قالوا‪ :‬لـما سمع رسول ال صلى‬
‫ال عل يه و سلم بأب ـي سفـيان مقبلً من الشأم ندب ال ـمسلـمين إل ـيهم‪ ,‬وقال‪َ « :‬هذِ هِ عِيرُ‬
‫ن ُينَفَّل ُكمُوهَا» فـانتدب الناس‪ ,‬فخف بعضهم‬
‫خ ُرجُوا إلَـ ْيهَا لعلّ ال أ ْ‬
‫قُ َريْشٍ فـيها أ ْموَاُلهُمْ‪ ,‬فـا ْ‬
‫وثقل بعض‪ ,‬وذلك أنهم لـم يظنوا أن رسول ال صلى ال عليه وسلم يـلقـي حربـا‪ .‬وكان‬
‫أ بو سفـيان ح ين د نا من ال ـحجاز يت ـجسس الخب ـار وي سأل من لق ـي من الركب ـان‬
‫تـخوّفـا من الناس‪ ,‬حتـى أصاب خبرا من بعض الركبـان أن مـحمدا قد استنفر أصحابه‬
‫لك ولعيرك‪ ,‬فحذر عند ذلك‪ ,‬واستأجر ضمضم بن عمرو الغفـاري‪ ,‬فبعثه إلـى مكة‪ ,‬وأمره‬
‫أن يأتـي قريشا يستنفرهم إلـى أموالهم ويخبرهم أن مـحمدا قد عرض لها فـي أصحابه‪.‬‬
‫فخرج ضم ضم بن عمرو سريعا إل ـى م كة‪ ,‬وخرج ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ف ـي‬
‫أصـحابه‪ ,‬حتــى بلغ واديـا يقال له َذفِرَان‪ ,‬فخرج منـه‪ ,‬حتــى إذا كان ببعضـه نزل وأتاه‬
‫ال ـخبر عن قر يش ب ـمسيرهم ل ـيـمنعوا عير هم‪ ,‬ف ـاستشار النب ـيّ صلى ال عل يه و سلم‬
‫الناس‪ ,‬وأخبرهم عن قريش‪ ,‬فقام أبو بكر رضي ال عنه فقال فأحسن ثم قام عمر رضي ال‬
‫عنه فقال فأح سن‪ ,‬ثم قام الـمقداد بن عمرو فقال‪ :‬يا ر سول ال امض إل ـى حيث أمرك ال‬
‫ب أنْتَ َو َربّكَ فَقاتِل إنّا َههُنا‬
‫فنـحن معك‪ ,‬وال ل نقول كما قالت بنو إسرائيـل لـموسى‪ :‬اذْهَ ْ‬
‫عدُو نَ‪ ,‬ول كن اذهب أ نت وربك فقاتل إ نا معكما مقاتلون فوالذي بع ثك ب ـالـحقّ لئن سرت‬
‫قا ِ‬
‫ب نا إل ـى بِرك الغماد يعن ـي مدي نة ال ـحبشة ل ـجالدنا م عك من دو نه حت ـى تبل غه فقال له‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم خيرا‪ ,‬ثم دعا له بخير‪ ,‬ثم قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫«أشِيرُوا عَلـيّ أيّها النّا سُ» وإنـما يريد النصار‪ ,‬وذلك أنهم كانوا عدد الناس‪ ,‬وذلك أنهم‬
‫حين بـايعوه علـى العقبة‪ ,‬قالوا‪ :‬يا رسول ال إنا برآء من ذمامك حتـى تصل إلـى ديارنا‪,‬‬
‫فإذا وصلت إلـينا فأنت فـي ذمتنا‪ ,‬نـمنعك مـما نـمنع منه أبناءنا ونساءنا‪ .‬فكأ نّ رسول‬
‫ل مــمن ده مه‬
‫ال صلى ال عل يه وسـلم خاف أن ل تكون الن صار ترى علــيها نصـرته إ ّ‬
‫ب ـالـمدينة من عدّوه‪ ,‬وأن ل ـيس عل ـيهم أن ي سير ب هم إل ـى عد ّو من بلد هم‪ .‬قال‪ :‬فل ـما‬
‫قال ذلك ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ ,‬قال له سعد بن معاذ‪ :‬لكأ نك تريد نا يا ر سول ال؟‬
‫قال‪« :‬أجَلْ»‪ .‬قال‪ :‬فقـد آمنّا بـك وصـدقناك‪ ,‬وشهدنـا أن مـا جئت بـه هـو الــحقّ‪ ,‬وأعطيناك‬
‫عل ـى ذلك عهود نا ومواث ـيقنا عل ـى ال سمع والطا عة ف ـامض يا ر سول ال ل ـما أردت‪,‬‬
‫فوالذي بعثك بـالـحقّ إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لـخضناه معك ما تـخـلف منا‬
‫صدُق عند اللقاء‪ ,‬لعلّ‬
‫صبُر عند الـحرب‪ُ ,‬‬
‫رجل واحد‪ ,‬وما نكره أن يـلقانا عدوّنا غدا‪ ,‬إنا ل ُ‬
‫ال أن ير يك م نا ما تقرّ به عي نك‪ ,‬ف سر ب نا عل ـى بر كة ال ف سرّ ر سول ال صلى ال عل يه‬
‫ع َدنِـي‬
‫ن اللّهَ َقدْ وَ َ‬
‫وسلم بقول سعد ونشطه ذلك‪ ,‬ثم قال‪« :‬سِيرُوا علـى َب َركَ ِة اللّهِ وأ ْبشِرُوا‪ ,‬فإ ّ‬
‫ن إلـى َمصَا ِرعِ ال َق ْومِ غَدا»‪.‬‬
‫ظرُ الَ َ‬
‫حدَى الطّائِ َفتَـيْنِ‪ ,‬وَاللّ ِه لَكأنـي أ ْن ُ‬
‫إْ‬
‫‪12284‬ــ حدثنــي مــحمد بـن الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أحمـد بـن الــمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا‬
‫أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪ :‬أن أب ـا سفـيان أق بل ف ـي ع ير الشأم ف ـيها ت ـجارة قر يش‪ ,‬و هي‬
‫اللطي ـمة‪ ,‬فبلغ ر سول ال صلى ال عل يه و سلم أن ها قد أقبلت ف ـاستنفر الناس‪ ,‬فخرجوا م عه‬
‫ثلثمائة وبضعة عشر رجلً‪ ,‬فبعث عينا له من جهينة‪ ,‬حلـيفـا للنصار يُدعى ابن الريقط‪,‬‬
‫فأتاه ب خبر القوم‪ .‬وبلغ أب ـا سفـيان خروج م ـحمد صلى ال عل يه و سلم‪ ,‬فب عث إل ـى أ هل‬
‫مكة يستعينهم‪ ,‬فبعث رجلً من بنـي غفـار يُدعى ضمضم بن عمرو‪ ,‬فخرج النبـيّ صلى‬
‫ال عل يه و سلم ول يش عر بخروج قر يش‪ ,‬فأ خبره ال بخروج هم‪ ,‬فت ـخوّف من الن صار أن‬
‫يخذلوه ويقولوا‪ :‬إنـا عاهدنـا أن نــمنعك إن أرادك أحـد ببلدنـا‪ .‬فأقبـل علــى أصـحابه‬
‫فـاستشارهم فـي طلب العير‪ ,‬فقال له أبو بكر رضي ال عنه‪ :‬إنـي قد سلكت هذا الطريق‪,‬‬
‫فأنا أعلـم به‪ ,‬وقد فـارقهم الرجل بـمكان كذا وكذا‪ ,‬فسكت النبـيّ صلى ال عليه وسلم‪ ,‬ثم‬
‫عاد فشاورهم‪ ,‬فجعلوا يشيرون علـيه بـالعير‪ .‬فلـما أكثر الـمشورة‪ ,‬تكلـم سعد بن معاذ‬
‫فقال‪ :‬يـا رسـول ال‪ ,‬أراك تشاور أصـحابك فــيشيرون علــيك وتعود فتشاورهـم‪ ,‬فكأنـك ل‬
‫تر ضى ما يشيرون عل ـيك وكأ نك تت ـخوّف أن تت ـخـلف ع نك الن صار‪ ,‬أ نت ر سول ال‪,‬‬
‫وعلــيك أنزل الكتاب‪ ,‬وقـد أمرك ال بــالقتال ووعدك النصـر‪ ,‬وال ل يخــلف الــميعاد‪,‬‬
‫ا مض ل ـما أمرت به فوالذي بع ثك ب ـالـحقّ ل يت ـخـلف ع نك ر جل من الن صار ثم قام‬
‫الــمقداد بـن السـود الكندي‪ ,‬فقال‪ :‬يـا رسـول ال إنـا ل نقول لك كمـا قال بنـو إسـرائيـل‬

‫عدُو نَ ولك نا نقول‪ :‬أقدم فقا تل إ نا م عك مقاتلون‬
‫ل ـموسى‪ :‬اذْهَ بْ أنْ تَ َو َربّ كَ فَقاتِل إنّا َههُ نا قا ِ‬
‫خرَجُوا‬
‫ع َدنِــي القَوْمَـ َو َقدْ َ‬
‫ففرح رسـول ال صـلى ال عليـه وسـلم بذلك وقال‪« :‬إنّـ رَبّــي َو َ‬
‫فَسِيرُوا إلَـ ْي ِهمْ» فساروا‪.‬‬
‫‪ 12285‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذْ َي ِع ُدكُ مُ‬
‫ت الشّ ْوكَ ِة َتكُو نُ َلكُمْ قال‪ :‬الطائفتان إحداهما‬
‫حدَى الطّائِ َفتَـيْنِ أنّها َلكُمْ َوتَ َودّو نَ أ نّ غير ذَا ِ‬
‫اللّ هُ إ ْ‬
‫أ بو سفـيان بن حرب إذ أق بل ب ـالعير من الشأم‪ ,‬والطائ فة الخرى أ بو ج هل م عه ن فر من‬
‫قريش‪ .‬فكره الـمسلـمون الشوكة والقتال‪ ,‬وأحبوا أن يـلقوا العير‪ ,‬وأراد ال ما أراد‪.‬‬
‫‪12286‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‬
‫ن قال‪ :‬أقبلت عير‬
‫حدَى الطّائِ َفتَـيْ ِ‬
‫بن أبـي طلـحة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬قوله‪ :‬وَإذْ َي ِع ُدكُ مُ اللّ ُه إ ْ‬
‫أ هل م كة ير يد‪ :‬من الشام فبلغ أ هل ال ـمدينة ذلك‪ ,‬فخرجوا ومع هم ر سول ال صلى ال عل يه‬
‫وسلم يريدون العِير‪ .‬فبلغ ذلك أهل مكة‪ ,‬فسارعوا السير إلـيها ل يغلب علـيها النبـيّ صلى‬
‫ال عل يه و سلم وأ صحابه‪ ,‬ف سبقت الع ير ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ ,‬وكان ال وعد هم‬
‫ب إلـيهم وأيسر شوكة وأحضر مغنـما‪ .‬فلـما‬
‫إحدى الطائفتـين‪ ,‬فكانوا أن يـلقوا العير أح ّ‬
‫سبقت العير‪ ,‬وفـاتت رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬سار رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫بـالـمسلـمين يريد القوم‪ ,‬فكره القوم مسيرهم لشوكة فـي القوم‪.‬‬
‫‪ 12287‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫ن غيرَ‬
‫نأّ‬
‫ن أ ّنهَا َلكُ مْ َو َت َودّو َ‬
‫حدَى الطّائِ َفتَـيْ ِ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس قوله‪ :‬وَإذْ َي ِع ُدكُ مُ اللّ ُه إ ْ‬
‫ُمـ قال‪ :‬أرادوا العيـر‪ ,‬قال‪ :‬ودخــل رسـول ال صـلى ال عليـه وسـلم‬
‫ُونـ َلك ْ‬
‫َاتـ الشّ ْوكَ ِة َتك ُ‬
‫ذ ِ‬
‫الـمدينة فـي شهر ربـيع الوّل‪ ,‬فأغار كرز بن جابر الفهري يريد سرح الـمدينة حتـى‬
‫بلغ الصفراء‪ ,‬فبلغ النبـيّ صلى ال عليه وسلم فركب فـي أثره‪ ,‬فسبقه كرز بن جابر‪ ,‬فرجع‬
‫النبـيّ صلى ال عليه وسلم‪ ,‬فأقام سنته‪ .‬ثم إن أبـا سفـيان أقبل من الشأم فـي عير لقريش‪,‬‬
‫حت ـى إذا كان قريب ـا من بدر‪ ,‬نزل جبري ـل عل ـى النب ـيّ صلى ال عل يه و سلم‪ ,‬فأو حى‬
‫ت الشّ ْوكَ ِة َتكُو نُ َلكُ مْ فنفر‬
‫ن غيرَ ذَا ِ‬
‫نأّ‬
‫ن أ ّنهَا َلكُ مْ َو َت َودّو َ‬
‫حدَى الطّائِ َفتَـيْ ِ‬
‫إلـيه‪ :‬وَإذْ َي ِع ُدكُ مُ اللّ ُه إ ْ‬
‫النب ـيّ صلى ال عل يه و سلم بجم يع ال ـمسلـمين‪ ,‬و هو يومئذٍ ثلث مئة وثل ثة ع شر رجلً‪,‬‬
‫منهم سبعون ومئتان من النصار‪ ,‬وسائرهم من الـمهاجرين‪ .‬وبلغ أبـا سفـيان الـخبر وهو‬
‫بـالبطم‪ ,‬فبعث إلـى جميع قريش وهم بـمكة‪ ,‬فنفرت قريش وغضبت‪.‬‬
‫‪ 12288‬ـ حدثنا القاسم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي حجاج‪ ,‬عن ابن جريج‪ :‬وَإذْ َي ِع ُدكُ مُ‬
‫ن َلكُ مْ قال‪ :‬كان جبري ـل‬
‫ت الشّ ْوكَ ِة َتكُو ُ‬
‫ن غيرَ ذَا ِ‬
‫نأ ّ‬
‫حدَى الطّائِ َفتَ ـيْنِ أنّهَا َلكُ مْ َوتَ َودّو َ‬
‫اللّ ُه إ ْ‬
‫عل ـيه ال سلم قد نزل‪ ,‬فأ خبره ب ـمسير قر يش و هي تر يد عير ها‪ ,‬ووعده‪ :‬إ ما الع ير‪ ,‬وإ ما‬

‫ن غيرَ ذَا تِ‬
‫نأ ّ‬
‫قري شا وذلك كان ببدر‪ ,‬وأخذوا ال سقاة و سألوهم‪ ,‬فأ خبروهم‪ ,‬فذلك قوله‪َ :‬و َت َودّو َ‬
‫ن َل ُكمْ هم أهل مكة‪.‬‬
‫الشّ ْوكَ ِة َتكُو ُ‬
‫‪ 12289‬ـ حدثنـي يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬وتَ َودّو نَ أ نّ‬
‫ن َلكُ مْ‪ ...‬إلـى آخر الَية‪ :‬خرج النبـيّ صلى ال عليه وسلم إلـى بدر‬
‫ت الشّ ْوكَ ِة َتكُو ُ‬
‫غيرَ ذَا ِ‬
‫و هم يريدون يعترضون عيرا لقر يش‪ ,‬قال‪ :‬وخرج الشيطان ف ـي صورة سراقة بن جع شم‪,‬‬
‫حتـى أتـى أهل مكة‪ ,‬فـاستغواهم وقال‪ :‬إن مـحمدا وأصحابه قد عرضوا لعيركم‪ ,‬وقال‪:‬‬
‫ل غالب ل كم ال ـيوم من الناس مَن مثل كم‪ ,‬وإنــي جار ل كم أن تكونوا عل ـى ما يكره ال‪.‬‬
‫ل هدمنا داره واستبحناه وأخذ رسول ال صلى ال‬
‫فخرجوا ونادوا أن ل يتـخـلف منا أحد إ ّ‬
‫عليه وسلم وأصحابه بـالروحاء عينا للقوم‪ ,‬فأخبره بهم‪ ,‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ع َدكُمُ العِيرَ أ ِو القَوْمَ»‪ .‬فكانت العير أحبّ إلـى القوم من القوم‪ ,‬كان القتال فـي‬
‫ن الّلهَ َقدْ َو َ‬
‫«إ ّ‬
‫ن َلكُ مْ‬
‫ت الشّ ْوكَ ِة َتكُو ُ‬
‫ن أ نّ غيرَ ذَا ِ‬
‫الشو كة‪ ,‬والع ير ل ـيس ف ـيها قتال‪ ,‬وذلك قول ال‪َ :‬وتَ َودّو َ‬
‫قال‪ :‬الشوكة‪ :‬القتال‪ ,‬وغير الشوكة‪ :‬العير‪.‬‬
‫‪12290‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يعقوب بن مـحمد الزهري‪ ,‬قال‪:‬‬
‫حدثنا عبد ال بن وهب‪ ,‬عن ابن لهيعة‪ ,‬عن ابن أبـي حبـيب‪ ,‬عن أبـي عمران‪ ,‬عن أبـي‬
‫ن أ ّنهَا َلكُ مْ فلـما وعدنا إحدى‬
‫حدَى الطّائِ َفتَـيْ ِ‬
‫أيوب‪ ,‬قال‪ :‬أنزل ال جلّ وعزّ‪ :‬وَإذْ َي ِع ُدكُ مُ اللّ ُه إ ْ‬
‫الطائفتـين أنها لنا طابت أنفسنا‪ .‬والطائفتان‪ :‬عير أبـي سفـيان‪ ,‬أو قريش‪.‬‬
‫حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سويد بن نصر‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن الـمبـارك‪ ,‬عن ابن لهيعة‪,‬‬
‫عن يزيد بن أبـي حبـيب‪ ,‬عن أسلـم أبـي عمران النصاريّ‪ ,‬أحسبه قال‪ :‬قال أبو أيوب‪:‬‬
‫ن أنّهَا َلكُم ْـ َو َت َودّون َـ أنّـ غيرَ ذَات ِـ الشّ ْوكَ ِة َتكُون ُـ َلكُم ْـ قالوا‪:‬‬
‫حدَى الطّائِ َفتَــيْ ِ‬
‫وَإ ْذ َيعِ ُدكُم ُـ اللّه ُـ إ ْ‬
‫الشوكة‪ :‬القوم وغير الشوكة‪ :‬العير فلـما وعدنا ال إحدى الطائفتـين‪ :‬إما العير‪ ,‬وإما القوم‪,‬‬
‫طابت أنفسنا‪.‬‬
‫‪ 12291‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي يعقوب بن مـحمد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي‬
‫ن َل ُكمْ إن الشوكة قريش‪.‬‬
‫ت الشّ ْوكَ ِة َتكُو ُ‬
‫ن غيرَ ذَا ِ‬
‫غير واحد‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬وتَ َودّونَ أ ّ‬
‫‪ 12292‬ـ حُد ثت عن ال ـحسين بن الفرج‪ ,‬قال‪ :‬سمعت أب ـا معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عب ـيد بن‬
‫ن َلكُ مْ‬
‫ن غيرَ ذَا تِ الشّ ْو َكةِ َتكُو ُ‬
‫سلـيـمان‪ ,‬قال‪ :‬سمعت الضحاك يقول‪ ,‬فـي قوله‪َ :‬و َت َودّو نَ أ ّ‬
‫هي عير أبـي سفـيان‪ ,‬ودّ أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم أن العير كانت لهم وأن‬
‫صرِف عنهم‪.‬‬
‫القتال ُ‬
‫ت الشّ ْوكَةِ‬
‫ن غيرَ ذَا ِ‬
‫نأّ‬
‫‪12293‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪َ :‬وتَ َودّو َ‬
‫ن َل ُكمْ‪ :‬أي الغنـيـمة دون الـحرب‪.‬‬
‫َتكُو ُ‬

‫وأما قوله‪ :‬أ ّنهَا َلكُ مْ ففُتـحت علـى تكرير « َي ِعدُ»‪ ,‬وذلك أن قوله‪َ :‬ي ِع ُدكُ مُ الّل ُه قد عمل فـي‬
‫حدَى الطّائِ َفتَــيْنِ يعدكـم أن إحدى‬
‫ـإ ْ‬
‫ـ اللّه ُ‬
‫إحدى الطائفتــين‪ .‬فتأويــل الكلم‪ :‬وَإ ْذ َي ِعدُكُم ُ‬
‫ن غيرَ ذَاتِ‬
‫نأّ‬
‫عةَ أنْ َت ْأتِـ َيهُ ْم َب ْغتَةً‪ .‬قال‪َ :‬و َت َودّو َ‬
‫ن إلّ السّا َ‬
‫ظرُو َ‬
‫ل َينْ ُ‬
‫الطائفتـين لكم‪ ,‬كما قال‪ :‬هَ ْ‬
‫ن َل ُكمْ فأنث «ذات» لنه مراد بها الطائفة‪.‬‬
‫الشّ ْوكَ ِة َتكُو ُ‬
‫ومعنى الكلم‪ :‬وتودون أن الطائفة التـي هي غير ذات الشوكة تكون لكم‪ ,‬دون الطائفة ذات‬
‫الشوكة‪.‬‬
‫َعـ دَابِرَ‬
‫حقّ بكَلِــماتِهِ َويَ ْقط َ‬
‫ِقـ الــ َ‬
‫أنـ ُيح ّ‬
‫ّهـ ْ‬
‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪ :‬و ُيرِيدُ الل ُ‬
‫الكا ِفرِينَ‪.‬‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬وير يد ال أن يح قّ ال سلم ويعل ـيه بكل ـماته‪ ,‬يقول‪ :‬بأمره إيا كم أي ها‬
‫الـمؤمنون بقتال الكفـار‪ ,‬وأنتـم تريدون الغنـيـمة والـمال‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬ير يد أن يج بّ أ صل ال ـجاحدين توح يد ال‪ .‬و قد ب ـيّنا‬
‫وقوله‪َ :‬ويَ ْقطَ َع دَابِرَ الكا ِفرِي َ‬
‫فـيـما مضى معنى دابر‪ ,‬وأنه الـمتأخر‪ ,‬وأن معنى قطعه التـيان علـى الـجميع منهم‪.‬‬
‫وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫‪ 12294‬ـ حدثن ـي يو نس‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا ا بن و هب‪ ,‬قال‪ :‬قال ا بن ز يد‪ ,‬ف ـي قول ال‪َ :‬و ُيرِيدُ‬
‫ن ُيحِ قّ ال ـحَقّ بكَلِ ـماتِهِ أن يق تل هؤلء الذ ين أراد أن يق طع دابر هم‪ ,‬هذا خ ير ل كم من‬
‫اللّ َه أ ْ‬
‫العير‪.‬‬
‫حقّ‬
‫‪ 12295‬ـ حدثنا ابن حميد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سلـمة‪ ,‬عن ابن إسحاق‪َ :‬و ُيرِيدُ الّل هَ أ نْ ُيحِ قّ الـ َ‬
‫بكَلِـماتِهِ َويَ ْقطَعَ دَا ِبرَ الكافِرِينَ‪ :‬أي الوقعة التـي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ج ِرمُونَ }‪..‬‬
‫حقّ َو ُي ْبطِلَ ا ْلبَاطِلَ وَلَ ْو َكرِهَ ا ْل ُم ْ‬
‫حقّ ا ْل َ‬
‫{ِل ُي ِ‬

‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ويريد ال أن يقطع دابر الكافرين كيـما يح قّ الـحقّ‪ ,‬كيـما يعبد ال‬
‫وحده دون الَلهة والصنام‪ ,‬ويعزّ السلم‪ ,‬وذلك هو تـحقـيق الـحقّ و ُي ْبطِلَ البَـاطِلَ يقول‬
‫ِهـ ذلك الذيـن أجرموا‪ ,‬فــاكتسبوا الــمآثم‬
‫ويبطـل عبــادة الَلهـة والوثان والكفـر ولو َكر َ‬
‫والوزار من الكفـار‪.‬‬
‫حقّ َو ُي ْبطِلَ‬
‫‪ 12296‬ـ حدثنا بشر‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬لِـ ُيحِقّ الـ َ‬
‫البـاطِلَ وَلَ ْو َكرِهَ الـمُـجْ ِرمُونَ هم الـمشركون‪.‬‬
‫وقـيـل‪ :‬إن الـحقّ فـي هذا الـموضع‪ :‬ال عزّ وجلّ‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫القول فـي تأويـل قوله تعالـى‪:‬‬

‫ن َربّكُ مْ فَا سْ َتجَابَ َلكُ مْ َأنّي ُممِ ّدكُ ْم ِبأَلْ فٍ مّ نَ‬
‫س َتغِيثُو َ‬
‫{ِإذْ تَ ْ‬

‫ا ْلمَل ِئكَةِ ُم ْردِفِينَ }‪..‬‬
‫يقول تعال ـى ذكره‪ :‬ويب طل الب ـاطل ح ين ت ستغيثون رب كم‪ ,‬ف «إذا» من صلة «يب طل»‬
‫ن َربّكُمـْ‪ :‬تسـتـجيرون بـه مـن عدوّكـم‪ ,‬وتدعونـه للنصـر علــيهم‪.‬‬
‫تسـتَغيثو َ‬
‫ومعنـى قوله‪ْ :‬‬
‫ستَـجابَ َلكُ مْ يقول‪ :‬فأجاب دعاء كم بأن ـي م ـمدكم بألف من ال ـملئكة يُردف بعض هم‬
‫ف ـا ْ‬
‫بعضا ويتلو بعضهم بعضا‪.‬‬
‫وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل وجاءت الرواية عن أصحاب رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ .‬ذكر الخبـار بذلك‪.‬‬
‫‪ 12297‬ـ حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال بن الـمبـارك‪,‬‬
‫عن عكرمة بن عمار‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي سماك الـحنفـي‪ ,‬قال‪ :‬سمعت ا بن عبـاس يقول‪ :‬ثنـي‬
‫ع مر بن ال ـخطاب ر ضي ال ع نه قال‪ :‬لـما كان يوم بدر ون ظر ر سول ال صلى ال عل يه‬
‫و سلم إل ـى ال ـمشركين وعدت هم‪ ,‬ون ظر إل ـى أ صحابه ن ـيفـا عل ـى ثلث مئة‪ ,‬ف ـاستقبل‬
‫ن َتهْلِ كَ هَذ ِه العِ صَابَةُ ِم نْ‬
‫ع َدتْنـي الّلهُ مّ إ ْ‬
‫جزْ لـي ما َو َ‬
‫القبلة‪ ,‬فجعل يدعو ويقول‪« :‬الله مّ أنْـ ِ‬
‫أهْلِ السـْلمِ‪ ,‬ل ُت ْع َبدْ فِــي الرْضـِ» فلــم يزل كذلك حتــى سـقط رداؤه‪ ,‬وأخذه أبـو بكـر‬
‫الصديق رضي ال عنه‪ ,‬فوضع رداءه علـيه‪ ,‬ثم التزمه من ورائه‪ ,‬ثم قال‪ :‬كفـاك يا نبـيّ‬
‫ن َر ّبكُم ْـ‬
‫ال بأبــي وأمـي مناشدتـك ربـك‪ ,‬فإنـه سـينـجز لك مـا وعدك فأنزل ال‪ :‬إذْ تَس ْـَت ِغثُو َ‬
‫ن الـمَل ِئكَةِ ُم ْردِفِـينَ‪.‬‬
‫ستَـجابَ َل ُكمْ أنّـي مُـ ِم ّدكُمْ بأ ْلفٍ مِ َ‬
‫فـا ْ‬
‫‪ 12298‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو صالـح‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي معاوية‪ ,‬عن علـيّ‪ ,‬عن‬
‫ابن عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬لـما اصطفّ القوم‪ ,‬قال أبو جهل‪ :‬الله مّ أولنا بـالـحقّ فـانصره ورفع‬
‫ن ُت ْع َبدَ فِ ـي‬
‫ك َهذِ هِ العِ صَابَةُ فَلَ ْ‬
‫ر سول ال صلى ال عل يه و سلم يده‪ ,‬فقال‪ « :‬يا رَ بّ إ نْ َتهْلِ ْ‬
‫الرْضِ أبَدا»‪.‬‬
‫‪12299‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن ابن‬
‫ي الكِتابـَ‪,‬‬
‫ي صـلى ال عليـه وسـلم‪ ,‬فقال‪« :‬الّلهُمّـ َربّنـا أ ْنزَلْتَـ عَلــ ّ‬
‫عبــاس‪ ,‬قال‪ :‬قام النبــ ّ‬
‫صرِ‪ ,‬وَل تُ ـخْـلِفُ ال ـمِيعادَ» فأتا ُه جِبرِي ـل عل ـيه‬
‫ع ْدتَنِ ـي ب ـالنّ ْ‬
‫وأ َم ْر َتنِ ـي ب ـالقِتالِ‪ ,‬وَ َو َ‬
‫ن َيكْفِـ َي ُكمْ أ نْ يُـ ِم ّد ُكمْ َر ّبكُ مْ ِبثَلثَةِ آل فٍ مِ نَ الـمَلئِكَ ِة ُم ْنزَلِـينَ بَلـى‬
‫السلم‪ ,‬فأنزل ال‪ :‬أَل ْ‬
‫ِنـ الــمَل ِئكَةِ‬
‫آلفـ م َ‬
‫ٍ‬
‫ْسـةِ‬
‫خم َ‬
‫ُمـ ِب َ‬
‫ِمـ َهذَا يُــ ْم ِد ْدكُ ْم رَ ّبك ْ‬
‫ِنـ فَ ْورِه ْ‬
‫ُمـ م ْ‬
‫َصـِبرُوا َو َتتّقُوا وَيأتُوك ْ‬
‫إنـ ت ْ‬
‫ْ‬
‫ُمسَ ّومِينَ‪.‬‬
‫‪ 12300‬ـ حدثنـي أبو السائب‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو معاوية‪ ,‬عن العمش‪ ,‬عن ابن إسحاق‪ ,‬عن‬
‫زيد بن ُيثَـيْع قال‪ :‬كان أبو بكر الصدّيق رضي ال عنه مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫صرْ َهذِ ِه العِ صَابَةَ‪,‬‬
‫ف ـي العر يش‪ ,‬فج عل النب ـيّ صلى ال عل يه و سلم يد عو‪ ,‬يقول‪« :‬الّلهُ مّ انْ ُ‬

‫ض مناشد تك من ـجزك ما‬
‫ن ُت ْع َبدَ ف ـي الرْض» قال‪ :‬فقال أ بو ب كر‪َ :‬بعْ َ‬
‫فإنّ كَ إ نْ لَ ـمْ تَ ْفعَلْ َل ْ‬
‫وعدك‪.‬‬
‫‪12301‬ــ حدثنــي مــحمد بـن الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أحمـد بـن الــمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا‬
‫أسبـاط‪ ,‬عن السديّ‪ ,‬قال‪ :‬أقبل النبـيّ صلى ال عليه وسلم يدعو ال ويستغيثه ويستنصره‪,‬‬
‫فأنزل ال علـيه الـملئكة‪.‬‬
‫‪ 12302‬ـ حدث نا القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي حجاج‪ ,‬عن ا بن جر يج‪ ,‬قوله‪ :‬إذْ‬
‫ن َر ّبكُ ْم قال‪ :‬دعا النبـيّ صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ستَغِيثُو َ‬
‫َت ْ‬
‫ن َر ّبكُ مْ‪ :‬أي‬
‫س َتغِيثُو َ‬
‫‪ 12303‬ـ حدث نا ا بن حم يد‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سلـمة‪ ,‬عن ا بن إ سحاق‪ :‬إذْ تَ ْ‬
‫بدعائكم حين نظروا إلـى كثرة عدوّهم وقلة عددهم‪ ,‬فـاستـجاب لكم بدعاء رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ودعائكم معه‪.‬‬
‫‪ 12304‬ـ حدث نا القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو ب كر بن عياش‪ ,‬عن أب ـي‬
‫حصين‪ ,‬عن أبـي صالـح‪ ,‬قال‪ :‬لـما كان يوم بدر‪ ,‬جعل النبـيّ صلى ال عليه وسلم يناشد‬
‫ربـه أشدّ النشدة‪ ,‬يد عو فأتاه عمـر بـن الــخطاب رضـي ال ع نه فقال‪ :‬يـا ر سول ال بعـض‬
‫ن ال لك بـما وعدك‪.‬‬
‫نشدتك‪ ,‬فوال لـيفـي ّ‬
‫ن فقد بـينا معناه‪.‬‬
‫ن الـمَل ِئكَ ِة ُمرْ ِدفِـي َ‬
‫وأما قوله‪ :‬أنّـي مُـمِ ّد ُكمْ بأ ْلفٍ مِ َ‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫‪ 12305‬ـ حدثنـي مـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي عمي‪ ,‬قال‪ :‬ثنـي أبـي‪,‬‬
‫ن يقول‪ :‬الـمزيد‪,‬‬
‫ن الـمَل ِئكَةِ ُم ْردِفِـي َ‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬أنّـي مُـمِ ّد ُكمْ بألْ فٍ مِ َ‬
‫كما تقول‪ :‬ائت الرجل فزده كذا وكذا‪.‬‬
‫‪ 12306‬ـ حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن بشير‪ ,‬عن هارون بن عنترة‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن‬
‫ابن عبـاس‪ُ :‬م ْردِفِـينَ قال‪ :‬متتابعين‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثنـي أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن هارون بن عنترة‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ ,‬مثله‪.‬‬
‫‪12307‬ـ حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن الصلت‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫أبو كدينة‪ ,‬عن قابوس‪ ,‬عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ :‬مُـ ِم ّدكُ ْم بألْ فٍ ِم نَ الـمَل ِئكَةِ ُم ْر ِدفِـينَ‬
‫قال‪ :‬وراء كلّ ملك ملك‪.‬‬
‫حدثنـي ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو أسامة‪ ,‬عن أبـي كدينة يحيى بن الـمهلب‪ ,‬عن قابوس‪,‬‬
‫ن قال‪ :‬متتابعين‪.‬‬
‫عن أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس‪ُ :‬م ْر ِدفِـي َ‬
‫‪ 12308‬ـ قال‪ :‬حدث نا هانىء بن سعيد‪ ,‬عن حجاج بن أرطأة‪ ,‬عن قابوس‪ ,‬قال‪ :‬سمعت أبـا‬
‫ظبـيان يقول‪ُ :‬م ْردِفِـينَ قال‪ :‬الـملئكة بعضهم علـى إثر بعض‪.‬‬

‫ن قال‪ :‬بعضهم‬
‫‪12309‬ـ قال‪ :‬حدثنا الـمـحاربـي‪ ,‬عن جويبر‪ ,‬عن الضحاك‪ ,‬قال‪ :‬مُ ْر ِدفِـي َ‬
‫علـى إثر بعض‪.‬‬
‫‪ 12310‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد ال‪ ,‬عن ورقاء‪ ,‬عن ا بن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد مثله‪.‬‬
‫‪12311‬ــ حدثنـا القاسـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي حجاج‪ ,‬عـن ابـن جريـج‪ ,‬عـن‬
‫ن قال‪ :‬مــمدين‪ .‬قال ابـن جريـج‪ ,‬عـن عبـد ال بـن كثــير قال‪:‬‬
‫مــجاهد‪ ,‬قوله‪ُ :‬م ْردِفِــي َ‬
‫ن الرداف‪ :‬المداد بهم‪.‬‬
‫ُمرْ ِدفِـي َ‬
‫‪ 12312‬ـ حدثن ـي ب شر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا يز يد قال‪ :‬حدث نا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ :‬بألْ فٍ مِ نَ‬
‫الـمَل ِئكَ ِة ُم ْردِفِـينَ أي متتابعين‪.‬‬
‫‪ 12313‬ـ حدثنا مـحمد بن عبد العلـى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مـحمد بن ثور‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن‬
‫ن ال ـمَلئِكَ ِة ُم ْردِفِ ـينَ يت بع بعض هم‬
‫ال ـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ سبـاط‪ ,‬عن ال سديّ‪ :‬بألْ فٍ مِ َ‬
‫بعضا‪.‬‬
‫‪ 12314‬ـ حدثنا يونس‪ ,‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ,‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬مُ ْر ِدفِـينَ قال‪:‬‬
‫الـمردفـين بعضهم علـى إثر بعض‪ ,‬يتبع بعضهم بعضا‪.‬‬
‫‪ 12315‬ـ حُدثت عن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬سمعت أبـا معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبـيد بن سلـيـمان‪,‬‬
‫قال‪ :‬سـمعت الضحاك يقول فــي قوله‪ :‬بألْف ٍـ مِن َـ الــمَل ِئكَةِ ُم ْردِفِــينَ يقول‪ :‬متتابعيـن يوم‬
‫بدر‪.‬‬
‫واختلفـت القرّاء فــي قراءة ذلك‪ ,‬فقرأتـه عامـة قرّاء أهـل الــمدينة‪ُ « :‬م ْر َدفِــينَ» بنصـب‬
‫الدال‪ .‬وقرأه بعض الـمكيـين وعامّة قرّاء الكوفـيـين والبصريـين‪ُ :‬م ْردِفِـينَ‪ .‬وكان أبو‬
‫عمرو يقرؤه كذلك‪ ,‬ويقول فـيـما ذُكر عنه‪ :‬هو من أردف بعضهم بعضا‪ .‬وأنكر هذا القول‬
‫من قول أبـي عمرو بعض أهل العلـم بكلم العرب‪ ,‬وقال‪ :‬إنـما الرداف‪ :‬أن يحمل الرجل‬
‫صاحبه خـلفه‪ ,‬قال‪ :‬ولـم يسمع هذا فـي نعت الـملئكة يوم بدر‪.‬‬
‫واختلف أ هل العل ـم بكلم العرب ف ـي مع نى ذلك إذا قرىء بفت ـح الدال أو بك سرها‪ ,‬فقال‬
‫ب عض الب صريـين والكوف ـيـين‪ :‬مع نى ذلك إذا قرىء ب ـالكسر أن ال ـملئكة جاءت يت بع‬
‫بعض هم بع ضا عل ـى ل غة من قال‪ :‬أردف ته وقالوا‪ :‬العرب تقول‪ :‬أردف ته وردف ته‪ ,‬ب ـمعنى‪:‬‬
‫تبعته وأتبعته‪ .‬واستشهد لصحة قولهم ذلك بـما قال الشاعر‪:‬‬
‫طمَة الظّنُونا‬
‫ل فـا ِ‬
‫ت بِآ ِ‬
‫ظنَنْ ُ‬
‫ت ال ّثرَيّا َ‬
‫إذَا الـجَ ْوزَاءُ أ ْردَفَ ِ‬
‫قالوا‪ :‬فقال الشاعر‪« :‬أردفت»‪ ,‬وإنـما أراد «ردف تُ» جاءت بعدها‪ ,‬لن الـجوزاء تـجىء‬
‫ن أ نه مفعول ب هم‪ ,‬كأن معناه‪ :‬بألف من ال ـملئكة‬
‫ب عد الثر يا‪ .‬وقالوا معناه إذا قرىء ُم ْردَفِ ـي َ‬
‫يُردف ال بعضهم بعضا‪.‬‬

‫وقال آخرون‪ :‬معنـى ذلك إذا كسـرت الدال‪ :‬أردفـت الــملئكة بعضهـا بعضـا‪ ,‬وإذا قرىء‬
‫بفتـحها‪ :‬أردف ال الـمسلـمين بهم‪.‬‬
‫ن الـمَل ِئكَ ِة مُ ْر ِدفِـينَ بكسر‬
‫ف مِ َ‬
‫والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأ‪ :‬بألْ ٍ‬
‫الدال لجماع أهـل التأويــل علــى مـا ذكرت مـن تأويــلهم أن معناه‪ :‬يتبـع بعضهـم بعضـا‬
‫ومتتابع ين‪ .‬فف ـي إجماع هم عل ـى ذلك من التأوي ـل الدل ـيـل الوا ضح عل ـى أن ال صحيح‬
‫من القراءة ما اختر نا ف ـي ذلك من ك سر الدال‪ ,‬ب ـمعنى‪ :‬أردف ب عض ال ـملئكة بع ضا‪,‬‬
‫ومسموع من العرب‪ :‬جئت ِم ْردِفـا لفلن‪ :‬أي جئت بعده‪.‬‬
‫وأمــا قول مــن قال‪ :‬معنــى ذلك إذا قرىء « ُم ْردَفِـــينَ» بفتـــح الدال‪ :‬أن ال أردف‬
‫الــمسلـمين بهـم‪ ,‬فقول ل معنـى له إذ الذكـر الذي فــي مردفــين مـن الــملئكة دون‬
‫الـمؤمنـين‪.‬‬
‫وإنـما معنى الكلم‪ :‬أن يـمدّكم بألف من الـملئكة يردَف بعضهم ببعض‪ ,‬ثم حذف ذكر‬
‫ن ب ـمعنى‪ :‬مردَف بع ضُ‬
‫الف ـاعل‪ ,‬وأخرج ال ـخبر غ ير م سمى ف ـاعله‪ ,‬فق ـيـل‪ُ :‬م ْردَفِ ـي َ‬
‫الــملئكة ببعـض‪ ,‬ولو كان المـر علــى مـا قاله مـن ذكرنـا قوله وجـب أن يكون فــي‬
‫الـمردَفـين ذكر الـمسلـمين ل ذكر الـملئكة‪ ,‬وذلك خلف ما دلّ علـيه ظاهر القرآن‪.‬‬
‫وقد ذكر فـي ذلك قراءة أخرى‪ ,‬وهي ما‪:‬‬
‫‪ 12316‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬قال ع بد ال بن يز يد‪ُ « :‬م ْر ِدفِ ـينَ»‪,‬‬
‫و ُم ْردَفِـينَ و « ُمرْ ّدفِـينَ»‪ ,‬مثقل علـى معنى‪ُ :‬م ْر َتدِفـين‪.‬‬
‫‪ 12317‬ـ حدث نا ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا إ سحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا يعقوب بن م ـحمد الزهري‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ثنـي عبد العزيز بن عمران عن الربعي‪ ,‬عن أبـي الـحويرث‪ ,‬عن مـحمد بن جبـير‪ ,‬عن‬
‫ي صلى‬
‫ي رضي ال عنه‪ ,‬قال‪ :‬نزل جبريـل فـي ألف من الـملئكة عن ميـمنة النبـ ّ‬
‫علـ ّ‬
‫ال عليه وسلم‪ ,‬وفـيها أبو بكر رضي ال عنه‪ ,‬ونزل ميكائيـل علـيه السلم فـي ألف من‬
‫الـملئكة عن ميسرة النبـيّ صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وأنا فـيها‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫القول فــي تأويــل قوله تعالــى‪:‬‬

‫طمَئِنّـ بِهِـ قُلُو ُبكُم ْـ وَمَا‬
‫شرَىَ وَِل َت ْ‬
‫جعَلَهُـ اللّهُـ ِإلّ ُب ْ‬
‫{وَمَا َ‬

‫حكِيمٌ }‪..‬‬
‫عزِيزٌ َ‬
‫ل مِنْ عِندِ الّلهِ ِإنّ الّلهَ َ‬
‫الّنصْرُ ِإ ّ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬لـم يجعل ال إرداف الـملئكة بعضها بعضا وتتابعها بـالـمصير‬
‫إلـيكم أيها الـمؤمنون مددا لكم إلّ بشرى لكم‪ :‬أي بشارة لكم تبشركم بنصر ال إياكم علـى‬
‫ن بِ ِه قُلو ُبكُمْ يقول‪ :‬ولتسكن قلوبكم بـمـجيئها إلـيكم‪ ,‬وتوقن بنصرة ال لكم‪,‬‬
‫أعدائكم‪ .‬وَِل َتطْ َمئِ ّ‬
‫ع ْندِ اللّهـِ‪ :‬يقول‪ :‬ومـا تُنصـرون علــى عدوّكـم أيهـا الــمؤمنون إلّ أن‬
‫وَمـا النّص ْـرُ إلّ مِن ْـ ِ‬

‫ينصركم ال علـيهم‪ ,‬ل بشدة بأسكم وقواكم‪ ,‬بل بنصر ال لكم‪ ,‬لن ذلك بـيده وإلـيه‪ ,‬ينصر‬
‫حكِيـمٌ يقول‪ :‬إن ال الذي ينصركم وبـيده نصر من يشاء‬
‫عزِيزٌ َ‬
‫ن اللّهَ َ‬
‫من يشاء من خـلقه‪ .‬إ ّ‬
‫ل ش يء ويغل به‪ ,‬ل نه خ ـلقه‬
‫من خ ـلقه‪ ,‬عز يز ل يقهره ش يء‪ ,‬ول يغل به غالب‪ ,‬بل يق هر ك ّ‬
‫حكي ـم‪ ,‬يقول‪ :‬حكي ـم ف ـي تدب ـيره ون صره من ن صر‪ ,‬وخذل نه من خذل من خ ـلقه‪ ,‬ل‬
‫يدخـل تدبـيره وهن ول خـلل‪.‬‬
‫ورُوي عن عبد ال بن كثـير‪ ,‬عن مـجاهد فـي ذلك ما‪:‬‬
‫‪12318‬ــ حدثنـا القاسـم‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا الــحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثنــي حجاج عـن ابـن جريـج‪ ,‬قال‪:‬‬
‫أخبرنـي ابن كثـير أنه سمع مـجاهدا يقول‪ :‬ما ْمدّ النبـيّ صلى ال عليه وسلم مـما ذكر‬
‫ال غير ألف من الـملئكة مردفـين‪ ,‬وذكر الثلثة والـخمسة بشرى‪ ,‬ما مدّوا بأكثر من هذه‬
‫اللف الذي ذكر ال عزّ وجلّ فـي النفـال‪ .‬وأما الثلثة والـخمسة‪ ,‬فكانت بشرى‪.‬‬
‫وقد أتـينا علـى ذلك فـي سورة آل عمران بـما فـيه الكفـاية‪.‬‬

‫الية ‪:‬‬

‫‪12-11‬‬

‫القول ف ـي تأوي ـل قوله تعال ـى‪:‬‬

‫سمَآءِ‬
‫{ِإذْ ُي َغشّيكُ ُم ال ّنعَا سَ َأ َمنَةً ّم ْن هُ َو ُينَزّلُ عََليْكُم مّن ال ّ‬

‫شيْطَا نِ وَِل َي ْربِ طَ عََلىَ قُلُو ِبكُ مْ َو ُي َثبّ تَ بِ ِه القْدَا مَ * ِإذْ‬
‫جزَ ال ّ‬
‫ط ّهرَكُ مْ بِ ِه َو ُيذْهِ بَ عَنكُ مْ ِر ْ‬
‫مَآءً ّل ُي َ‬
‫ع بَ‬
‫ن كَ َفرُواْ الرّ ْ‬
‫ب اّلذِي َ‬
‫سأُلْقِي فِي قُلُو ِ‬
‫ن آ َمنُو ْا َ‬
‫يُوحِي َربّ كَ إِلَى ا ْلمَل ِئكَ ِة أَنّي َم َعكُ ْم فَ َث ّبتُو ْا اّلذِي َ‬
‫عنَاقِ وَاضْ ِربُو ْا ِم ْنهُ ْم كُلّ َبنَانٍ }‪..‬‬
‫ضرِبُو ْا فَ ْوقَ ال ْ‬
‫فَا ْ‬
‫يقول تعالـى ذكره‪ :‬ولتطمئن به قلوبكم إذ يعشيكم النعاس‪ .‬ويعنـي بقوله‪ُ :‬يغَشّيكُمُ النّعاسَ‪:‬‬
‫ي ـلقـي عل ـيكم النعاس‪ ,‬أ َم َنةً يقول‪ :‬أما نا من ال ل كم من عدوّ كم أن يغلب كم‪ ,‬وكذلك النعاس‬
‫فـي الـحرب أمنة من ال عزّ وجلّ‪.‬‬
‫‪ 12319‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو نعي ـم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا سفـيان‪ ,‬عن عا صم‪ ,‬عن‬
‫أبـي رزين‪ ,‬عن عبد ال‪ ,‬قال‪ :‬النعاس فـي القتال أمنة من ال عزّ وجلّ‪ ,‬وفـي الصلة من‬
‫الشيطان‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـحسن بن يح يى‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا ع بد الرزاق‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا الثور يّ‪ ,‬ف ـي قوله‪:‬‬
‫يغشاكم النعاس أمنة منه‪ ,‬عن عاصم‪ ,‬عن أبـي رزين‪ ,‬عن عبد ال‪ ,‬بنـحوه‪ ,‬قال‪ :‬قال عبد‬
‫ال‪ :‬فذكر مثله‪.‬‬
‫حدثنا ابن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبـي‪ ,‬عن سفـيان‪ ,‬عن عاصم‪ ,‬عن أبـي رزين‪ ,‬عن عبد ال‬
‫بنـحوه‪.‬‬
‫والمنة‪ :‬مصدر من قول القائل‪ :‬أمنت من كذا َأ َم َنةً وأمانا وأمنا‪ ,‬وكلّ ذلك بـمعنى واحد‪.‬‬
‫وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل‪ .‬ذكر من قال ذلك‪:‬‬

‫‪ 12320‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ :‬أ َمنَ ًة منْهُ‪ :‬أمانا من ال عزّ وجلّ‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا عبد ال‪ ,‬عن ورقاء‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪:‬‬
‫أ َمنَةً قال‪ :‬أمنا من ال‪.‬‬
‫‪ 12321‬ـ حدثن ـي يو نس‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ا بن و هب‪ ,‬قال‪ :‬قال ا بن ز يد‪ ,‬ف ـي قوله‪ :‬إذْ ُي َغشّيكُ مُ‬
‫ل النعاس أم نة من ال ـخوف الذي أ صابهم يوم أُ حد‪.‬‬
‫النّعا سَ أ َمنَ ًة ِمنْ هُ قال‪ :‬أنزل ال عزّ وج ّ‬
‫ن َب ْعدِ الغَم أ َمنَ ًة نُعاسا‪.‬‬
‫فقرأ‪ُ :‬ثمّ أ ْنزَلَ عَلَـيْ ُكمْ مِ ْ‬
‫واختل فت القراء ف ـي قراءة قوله‪« :‬إ ْذ ُيغَشاكُ مُ النّعا سُ أ َمنَ ًة ِمنْ هُ» فقرأ ذلك عامّة قراء أ هل‬
‫ال ـمدينة « ُي َغشِيكُ مُ النّعا سَ» ب ضم الـياء وتـخفـيف الش ين ون صب «النعاس»‪ ,‬من أغشا هم‬
‫ال النعاس‪ ,‬فهو يغشيهم‪ .‬وقرأته عامة قراء الكوفـيـين‪ُ :‬ي َغشّيكُم بضم الـياء وتشديد الشين‬
‫من غشّا هم ال النعاس‪ ,‬ف هو ُيغَشّي هم‪ .‬وقرأ ذلك ب عض ال ـمكيـين والب صريـين‪َ « :‬يغْشاكُم‬
‫النّعاسُ» بفتـح الـياء ورفع «النعاس»‪ ,‬بـمعنى غشيهم النعاس‪ ,‬فهو يغشاهم واستشهد هؤلء‬
‫لصحة قراءتهم كذلك بقوله فـي آل عمران‪َ :‬ي ْغشَى طائفَةً‪.‬‬
‫وأولـى ذلك بـالصواب‪ :‬إ ْذ ُي َغشّيكُم علـى ماذكرت من قراءة الكوفـيـين‪ ,‬لجماع جميع‬
‫ن ال سّماءِ ماءً بتوج يه ذلك إل ـى أ نه من ف عل ال‬
‫القرّاء عل ـى قراءة قوله‪ :‬و ُي َنزّلُ عَلَ ـ ْي ُكمْ مِ َ‬
‫ـى‬
‫ـا علــ‬
‫ـب أن يكون كذلك‪ُ :‬ي َغشّيكُـم إذ كان قوله‪ :‬و ُي َنزّلُ عطفــ‬
‫عزّ وجلّ‪ ,‬فكذلك الواجـ‬
‫« ُي َغشّي»‪ ,‬لـيكون الكلم متسقا علـى نـحو واحد‪.‬‬
‫طهّ َر ُكمْ بِ هِ فإن ذلك مطر أنزله ال من السماء‬
‫ن ال سّماءِ ما ًء لِـ ّي َ‬
‫وأما قوله‪ :‬و ُي َنزّلُ عَلَـ ْيكُمْ ِم َ‬
‫جنِبـين عل ـى‬
‫يوم بدر‪ ,‬ل ـيطهر به ال ـمؤمنـين ل صلتهم لن هم كانوا أ صبحوا يومئذٍ مُ ـ ْ‬
‫غير ماء فلـما أنزل ال علـيهم الـماء اغتسلوا وتطهروا‪ .‬وكان الشيطان وسوس لهم بـما‬
‫حزنهم به من إصبـاحهم مـجنبـين علـى غير ماء‪ ,‬فأذهب ال ذلك من قلوبهم بـالـمطر‬
‫فذلك ربطه علـى قلوبهم وتقويته أسبـابهم وتثبـيته بذلك الـمطر أقدامهم‪ ,‬لنهم كانوا التقوا‬
‫مع عدوّ هم عل ـى َرمْلة َهشّاء فل ّبدَ ها ال ـمطر حت ـى صارت القدام عل ـيها ثاب تة ل ت سوخ‬
‫ل لنب ـيه عل ـيه ال صلة وال سلم وأول ـيائه أ سبـاب الت ـمكن‬
‫ف ـيها‪ ,‬توطئة من ال عزّ وج ّ‬
‫من عدوهم والظفر بهم‪ .‬وبـمثل الذي قلنا‪ ,‬تتابعت الخبـار عن رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وغيره من أهل العلـم‪ .‬ذكر الخبـار الواردة بذلك‪:‬‬
‫‪ 12322‬ـ حدثنا هارون بن إسحاق‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا مصعب بن الـمقدام‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا إسرائيـل‪,‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبو إسحاق‪ ,‬عن حارثة‪ ,‬عن علـيّ رضي ال عنه‪ ,‬قال‪ :‬أصابنا من اللـيـل طشّ‬
‫من ال ـمطر يعن ـي الل ـيـلة الت ـي كا نت ف ـي صبـيحتها وق عة بدر ف ـانطلقنا ت ـحت‬
‫الشجر والـحجف‪ ,‬نستظلّ تـحتها من الـمطر‪ ,‬وبـات رسول ال صلى ال عليه وسلم يدعو‬

‫ن َتهْلِ كْ َه ِذ ِه العِ صَابَةُ ل ُت ْع َبدْ فـي الرْ ضِ» فلـما أن طلع الفجر نادى‪ :‬ال صّلةَ‬
‫به‪« :‬الّلهُ مّ إ ْ‬
‫عِبـادَ اللّ هِ‪ ,‬فجاء الناس من تـحت الشجر والـحجف‪ ,‬فصلـى بنا رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ,‬وحرّض علـى القتال‪.‬‬
‫‪ 12323‬ـ حدثنا ا بن وكيع‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حفص بن غياث وأبو خالد‪ ,‬عن داود‪ ,‬عن سعيد بن‬
‫طهّ َر ُكمْ بِ ِه قال‪ :‬طشّ يوم بدر‪.‬‬
‫الـمسيب‪ :‬ماءً لِـ ُي َ‬
‫حدثنـي الـحسن بن يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا حفص‪ ,‬عن داود‪ ,‬عن سعيد‪ ,‬بنـحوه‪.‬‬
‫‪ 12324‬ـ حدث نا ا بن وك يع‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا م ـحمد أب ـي عد يّ وع بد العل ـى‪ ,‬عن داود‪ ,‬عن‬
‫الشعبـيّ وسعيد بن الـمسيب‪ ,‬قال‪ :‬طش يوم بدر‪.‬‬
‫حدثنـا ابـن الــمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا ابـن أبــي عديـّ‪ ,‬عـن داود‪ ,‬عـن الشعبــي وسـعيد بـن‬
‫ع ْنكُ مْ ِرجْزَ‬
‫طهّ َر ُكمْ بِ هِ‪َ ,‬و ُيذْهِ بَ َ‬
‫ن ال سّما ِء ماءً لِ ـ ُي َ‬
‫ال ـمسيب ف ـي هذه الَ ية‪ُ :‬ي َنزّلُ عَلَ ـ ْي ُكمْ مِ َ‬
‫ن قال‪ :‬طش كان يوم بدر‪ ,‬فثبت ال به القدام‪.‬‬
‫شيْطا ِ‬
‫ال ّ‬
‫‪12325‬ـ حدثنا بشر بن معاذ‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا سعيد‪ ,‬عن قتادة‪ ,‬قوله‪« :‬إ ْذ َيغْشاكُمُ‬
‫النّعاسُ أ َمنَ ًة ِمنْهُ»‪ ...‬الَية‪ ,‬ذكر لنا أنهم مطروا يومئذٍ حتـى سال الوادي ماء‪ ,‬واقتتلوا علـى‬
‫كث ـيب أع فر‪ ,‬فلبده ال ب ـالـماء‪ ,‬وشرب ال ـمسلـمون وتوضئوا و سَ َقوْا‪ ,‬وأذ هب ال عن هم‬
‫وسواس الشيطان‪.‬‬
‫‪ 12326‬ـ حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ع بد ال‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي معاو ية‪ ,‬عن عل ـيّ‪ ,‬عن ا بن‬
‫عبـاس‪ ,‬قال‪ :‬نزل النبـيّ صلى ال عليه وسلم يعنـي حين سار إلـى بدر والـمسلـمون‬
‫ب ـينهم وب ـين ال ـماء رملة دع صة فأ صاب ال ـمسلـمين ض عف شد يد‪ ,‬وألق ـى الشيطان‬
‫ف ـي قلوب هم الغ يظ‪ ,‬فو سوس ب ـينهم‪ :‬تزعمون أن كم أول ـياء ال وف ـيكم ر سوله‪ ,‬و قد غلب كم‬
‫الــمشركون علــى الــماء وأنتــم تصـلون مــجنبـين فأمطـر ال علــيهم مطرا شديدا‪,‬‬
‫فشرب ال ـمسلـمون وتطهروا‪ ,‬وأذ هب ال عن هم ر جز الشيطان‪ .‬وث بت الر مل ح ين أ صابه‬
‫والدوابـ فسـاروا إلــى القوم‪ ,‬وأمدّ ال نبــيه بألف مـن‬
‫ّ‬
‫الــمطر‪ ,‬ومشـي الناس علــيه‬
‫ال ـملئكة‪ ,‬فكان جبري ـل عل ـيه ال سلم ف ـي خم سمائة من ال ـملئكة م ـجنبة‪ ,‬وميكائي ـل‬
‫فـي خمسمائة مـجنبة‪.‬‬
‫حدثن ـي م ـحمد بن سعد‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي أب ـي‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي ع مي‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي أب ـي‪ ,‬عن‬
‫أبـيه‪ ,‬عن ابن عبـاس قوله‪« :‬إ ْذ ُيغْشاكُ مُ النّعا سُ أ َمنَ ًة ِمنْ هُ»‪ ...‬إلـى قوله‪َ :‬و ُي َثبّ تَ بِ ِه ال ْقدَا مَ‬
‫وذلك أن ال ـمشركين من قر يش ل ـما خرجوا ل ـينصروا الع ير ويقاتلوا عن ها‪ ,‬نزلوا عل ـى‬
‫الــماء يوم بدر‪ ,‬فغلبوا الــمؤمنـين علــيه‪ ,‬فأصـاب الــمؤمنـين الظمـأ‪ ,‬فجعلوا يصـلون‬
‫مـجنبـين مـحدثـين‪ ,‬حتـى تعاظم ذلك فـي صدور أصحاب رسول ال صلى ال عليه‬
‫و سلم‪ .‬فأنزل ال من ال سماء ماء حت ـى سال الوادي‪ ,‬فشرب ال ـمسلـمون وملئوا ال سقـية‪,‬‬

‫و سقوا الركاب واغت سلوا من ال ـجنابة‪ ,‬فج عل ال ف ـي ذلك طُهورا‪ ,‬وث بت القدام‪ .‬وذلك أ نه‬
‫كا نت ب ـينهم وب ـين القوم رملة فب عث ال عل ـيها ال ـمطر‪ .‬فضرب ها حت ـى اشتدت‪ ,‬وثب تت‬
‫علـيها القدام‪.‬‬
‫حدثنـي مـحمد بن الـحسين‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أحمد بن الـمفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أسبـاط‪ ,‬عن‬
‫السديّ‪ ,‬قال‪ :‬بـينا رسول ال صلى ال عليه وسلم والـمسلـمون‪ ,‬فسبقهم الـمشركون إلـى‬
‫ماء بدر‪ ,‬فنزلوا علـيه‪ ,‬وانصرف أبو سفـيان وأصحابه تلقاء البحر‪ ,‬فـانطلقوا‪ .‬قال‪ :‬فنزلوا‬
‫علــى أعلــى الوادي‪ ,‬ونزل مــحمد صـلى ال عل يه وسـلم فــي أسـفله‪ .‬فكان الرجـل مـن‬
‫أ صحاب م ـحمد عل ـيه ال صلة وال سلم يُج نب فل يقدر عل ـى ال ـماء‪ ,‬ف ـيصلـي جنب ـا‪,‬‬
‫فألقــى الشيطان فــي قلوبهـم‪ ,‬فقال‪ :‬كيـف ترجون أن تظهروا علــيهم وأحدكـم يقوم إلــى‬
‫ال صلة جنب ـا عل ـى غ ير وضوء؟ قال‪ :‬فأر سل ال عل ـيهم ال ـمطر‪ ,‬ف ـاغتسلوا وتوضئوا‬
‫وشربوا‪ ,‬واشتدت لهـم الرض‪ ,‬وكانـت بطحاء تدخــل فــيها أرجلهـم‪ ,‬فــاشتدّت لهـم مـن‬
‫الـمطر واشتدّوا علـيها‪.‬‬
‫‪ 12327‬ـ حدث نا القا سم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ال ـحسين‪ ,‬قال‪ :‬ثن ـي حجاج‪ ,‬عن ا بن جر يج‪ ,‬قال‪ :‬قال‬
‫ابـن عبــاس‪ :‬غلب الــمشركون الــمسلـمين فــي أوّل أمرهـم علــى الــماء فظمىء‬
‫الـمسلـمون‪ ,‬وصلوا مـجنبـين مـحدثـين‪ ,‬وكانت ب ـينهم رمال‪ ,‬فألق ـى الشيطان فـي‬
‫قلوب الـمؤمنـين الـحزن‪ ,‬فقال‪ :‬تزعمون أن فـيكم نبـيّا وأنكم أولـياء ال‪ ,‬وقد غلبتـم‬
‫عل ـى ال ـماء وت صلون م ـجنبـين م ـحدثـين؟ قال‪ :‬فأنزل ال ماء من ال سماء‪ ,‬ف سال كلّ‬
‫واد‪ ,‬فشرب الـمسلـمون وتطهروا‪ ,‬وثبتت أقدامهم‪ ,‬وذهبت وسوسة الشيطان‪.‬‬
‫‪ 12328‬ـ حدثن ـي م ـحمد بن عمرو‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو عا صم‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا عي سى‪ ,‬عن ا بن‬
‫ط ّه َركُمْ ِب هِ قال‪ :‬الـمطر أنزله علـيهم قبل‬
‫أبـي نـجيح‪ ,‬عن مـجاهد‪ ,‬فـي قوله‪ :‬ما ًء لِـيُ َ‬
‫شيْطَا نِ قال‪ :‬و سوسته‪ .‬قال‪ :‬فأط فأ ب ـالـمطر الغب ـار‪ ,‬والتبدت به الرض‪,‬‬
‫جزَ ال ّ‬
‫النعاس‪ِ .‬ر ْ‬
‫وطابت به أنفسهم‪ ,‬وثبتت به أقدامهم‪.‬‬
‫حدثنـا الــمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا أبـو حذيفـة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنـا شبـل‪ ,‬عـن ابـن أبــي نــجيح‪ ,‬عـن‬
‫مــجاهد‪ :‬ما ًء لِــُيطَ ّه َر ُكمْ بِه ِـ أنزله علــيهم قبـل النعاس‪ ,‬طبـق الــمطر الغبــار‪ ,‬ولبـد بـه‬
‫الرض‪ ,‬وطابت به أنفسهم‪ ,‬وثبتت به القدام‪.‬‬
‫حدثن ـي ال ـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا أ بو حذي فة‪ ,‬قال‪ :‬حدث نا ش بل‪ ,‬عن ا بن أب ـي ن ـجيح‪ ,‬عن‬
‫َانـ وسـاوسه‪ .‬أطفـأ‬
‫شيْط ِ‬
‫جزَ ال ّ‬
‫ُمـ ِر ْ‬
‫ع ْنك ْ‬
‫ِبـ َ‬
‫ِهـ قال‪ :‬القطـر و ُيذْه َ‬
‫مــجاهد‪ :‬ماءً لِــُيطَ ّه َر ُكمْ ب ِ‬
‫بـالـمطر الغبـار‪ ,‬ولبد به الرض‪ ,‬وطابت به أنفسهم‪ ,‬وثبتت به أقدامهم‪.‬‬
‫‪ 12329‬ـ حدثنـي الـمثنى‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو حذيفة‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا شبل‪ ,‬عن ابن أبـي نـجيح‪,‬‬
‫عن مـجاهد‪ ,‬رجز الشيطان‪ :‬وسوسته‪.‬‬

‫‪ 12330‬ـ حدثن ـي يو نس‪ ,‬قال‪ :‬أخبر نا ا بن و هب‪ ,‬قال‪ :‬قال ا بن ز يد‪ ,‬ف ـي قوله‪َ :‬و ُي َنزّلُ‬
‫ع ْنكُ مْ‬
‫طهّ َر ُكمْ بِ ِه قال‪ :‬هذا يوم بدر أنزل عل ـيهم الق طر‪َ .‬و ُيذْهِ بَ َ‬
‫ن ال سّما ِء ماءً لِ ـ ُي َ‬
‫عَلَ ـ ْي ُكمْ مِ َ‬
‫ن الذي ألق ـى ف ـي قلوب كم ل ـيس ل كم بهؤلء طا قة‪ .‬وَلِ ـيَ ْر ِبطَ عل ـى قُلُو ِبكُ مْ‬
‫شيْطا ِ‬
‫ِرجْزَ ال ّ‬
‫َو ُي َثب