‫الجامع لحكام القرآن‪ ،‬الصدار ‪1.

49‬‬
‫*للمام القرطبي‬
‫*وهبو كتاب الجامبع لحكام القرآن‪ ،‬المشهور ببب "تفسبير القرطببي"‪ ،‬تأليبف أببو عبدال محمبد ببن‬
‫أحمد النصاري القرطبي‪.‬‬
‫* الملفّ كامل ومدقق بشكل مبدئي‪ ،‬أما التدقيق النهائي فقد تم إلى نهاية الجزء الرابع‪.‬‬
‫*‪*1‬الجزء ‪ 1‬من الطبعة‬
‫*‪*2‬المقدمة‬
‫*‪*3‬القول في الستعاذة‬
‫أمببر ال تعالى بالسببتعاذة عنببد أول كببل قراءة فقال تعالى‪" :‬فإذا قرأت القرآن فاسببتعذ بال مببن‬
‫الشيطان الرجيببم" [النحببل‪ ]98:‬أي إذا أردت أن تقرأ؛ فأوقببع الماضببي موقببع المسببتقبل كمببا قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫وإني لتيكم لذكرى الذي مضى من الود واستئناف ما كان في غد‬
‫أراد ما يكون في غد؛ وقيل‪ :‬في الكلم تقديم وتأخير‪ ،‬وأن كل فعلين تقاربا في المعنى جاز تقديم‬
‫أيهمبا شئت؛ كمبا قال تعالى‪" :‬ثبم دنبا فتدلى" [النجبم‪ ]8:‬المعنبى فتدلى ثبم دنبا؛ ومثله‪" :‬اقترببت‬
‫الساعة وانشق القمر" [القمر‪ ]1:‬وهو كثير‪.‬‬
‫@ هذا المبر على الندب فبي قول الجمهور فبي كبل قراءة فبي غيبر الصبلة‪ .‬واختلفوا فيبه فبي‬
‫الصبلة‪ .‬حكبى النقاش عبن عطاء‪ :‬أن السبتعاذة واجببة‪ .‬وكان اببن سبيرين والنخعبي وقوم يتعوذون‬
‫في الصلة كل ركعة‪ ،‬ويمتثلون أمر ال في الستعاذة على العموم‪ ،‬وأبو حنيفة والشافعي يتعوذان‬
‫فبي الركعبة الولى مبن الصبلة ويريان قراءة الصبلة كلهبا قراءة واحدة؛ ومالك ل يرى التعوذ فبي‬
‫الصلة المفروضة ويراه في قيام رمضان‪.‬‬
‫@ أجمبع العلماء على أن التعوذ ليبس مبن القرآن ول آيبة منبه‪ ،‬وهبو قول القارئ‪ :‬أعوذ بال مبن‬
‫الشيطان الرجيببم‪ .‬وهذا اللفببظ هبو الذي عليبه الجمهور مبن العلماء فببي التعوذ لنبه لفبظ كتاب ال‬
‫تعالى‪ .‬وروي عبن اببن مسبعود أنبه قال‪ :‬قلت أعوذ بال السبميع العليبم مبن الشيطان الرجيبم؛ فقال‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬يا ابن أم عبد أعوذ بال من الشيطان الرجيم هكذا أقرأني جبريل عن‬
‫اللوح المحفوظ عن القلم)‪.‬‬
‫@ روى أبو داود وابن ماجة في سننهما عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسبلم يصبلي صبلة فقال عمرو‪ :‬ل أدري أي صبلة هبي؟ فقال‪( :‬ال أكببر كببيرًا ال أكببر كببيراً ‪-‬‬
‫ثلثاً ‪ -‬الحمد ل كثيراً الحمد ل كثيراً ‪ -‬ثلثاً ‪ -‬وسبحان ال بكرة وأصيل ‪ -‬ثلثاً ‪ -‬وأعوذ بال من‬
‫الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه)‪ .‬قال عمرو‪ :‬همزه المؤتة‪ ،‬ونفثه الشعر‪ ،‬ونفخه الكبر‪ .‬وقال ابن‬
‫ماجبة‪ :‬المؤتبة يعنبي الجنون‪ .‬والنفبث‪ :‬نفبخ الرجبل مبن فيبه مبن غيبر أن يخرج ريقبه‪ .‬والكببر‪ :‬التيبه‪.‬‬
‫وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا قام من الليل‬
‫كبر ثم يقول‪( :‬سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ول إله غيرك ‪ -‬ثم يقول‪ - :‬ل إله‬
‫إل ال ‪ -‬ثلثاً ثم يقول‪ - :‬ال أكبر كبيراً ‪ -‬ثلثاً ‪ -‬أعوذ بال السميع العليم من الشيطان الرجيم من‬
‫همزه ونفخه ونفثه)؛ ثم يقرأ‪ .‬وروى سليمان بن سالم عن أبي القاسم رحمه ال أن الستعاذة‪ :‬أعوذ‬
‫بال العظيم من الشيطان الرجيم إن ال هو السميع العليم بسم ال الرحمن الرحيم‪ .‬قال ابن عطية‪:‬‬
‫"وأمبا المقرئون فأكثروا فبي هذا مبن تبديبل الصبفة فبي اسبم ال تعالى وفبي الجهبة الخرى‪ ،‬كقول‬
‫بعضهبم‪ :‬أعوذ بال المجيبد‪ ،‬مبن الشيطان المريبد؛ ونحبو هذا ممبا ل أقول فيبه‪ :‬نعمبت البدعبة‪ ،‬ول‬
‫أقول‪ :‬إنه ل يجوز"‪.‬‬
‫@ قال المهدوي‪ :‬أجمبع القراء على إظهار السبتعاذة فبي أول سبورة "الحمبد" أل حمزة فإنبه‬
‫أسببرها‪ .‬وروى السبدي عبن أهبل المدينبة أنهبم كانوا يفتتحون القراءة بالبسبملة‪ .‬وذكبر أببو الليبث‬
‫السمرقندي عن بعض المفسرين أن التعوذ فرض‪ ،‬فإذا نسيه القارئ وذكره في بعض الحزب قطع‬

‫وتعوذ‪ ،‬ثبم ابتدأ مبن أوله‪ .‬وبعضهبم يقول‪ :‬يسبتعيذ ثبم يرجبع إلى موضعبه الذي وقبف فيبه؛ وبالول‬
‫قال أسانيد الحجاز والعراق؛ وبالثاني قال أسانيد الشام ومصر‪.‬‬
‫@ حكبى الزهراوي قال‪ :‬نزلت اليبة فبي الصبلة وندبنبا إلى السبتعاذة فبي غيبر الصبلة وليبس‬
‫بفرض‪ .‬قال غيره‪ :‬كانت فرضاً على النبي صلى ال عليه وسلم وحده‪ ،‬ثم تأسينا به‪.‬‬
‫روي عبن أببي هريرة أن السبتعاذة بعبد القراءة؛ وقاله داود‪ .‬قال أببو بكبر ببن العرببي‪" :‬انتهبى‬
‫العبي بقوم إلى أن قالوا‪ :‬إذا فرغ القارئ مبن قراءة القرآن يسبتعيذ بال مبن الشيطان الرجيبم"‪ .‬وقبد‬
‫روى أببو سبعيد الخدري أن النببي صبلى ال عليبه وسبلم كان يتعوذ فبي صبلته قببل القراءة؛ وهذا‬
‫نبص‪ .‬فإن قيبل‪ :‬فمبا الفائدة فبي السبتعاذة مبن الشيطان الرجيبم وقبت القراءة؟ قلنبا‪ :‬فائدتهبا امتثال‬
‫المر؛ وليس للشرعيات فائدة إل القيام بحق الوفاء لها في امتثالها أمرًا أو اجتنابها نهياً؛ وقد قيل‪:‬‬
‫فائدتها امتثال المر بالستعاذة من وسوسة الشيطان عند القراءة؛ كما قال تعالى‪" :‬وما أرسلنا من‬
‫قبلك مبن رسبول ول نببي إل إذا تمنبى ألقبى الشيطان فبي أمنيتبه" [الحبج‪ .]52:‬قال اببن العرببي‪:‬‬
‫"ومن أغرب ما وجدناه قول مالك في المجموعة في تفسير هذه الية‪" :‬فإذا قرأت القرآن فاستعذ‬
‫بال من الشيطان الرجيم" [النحل‪ ]98:‬قال‪ :‬ذلك بعد قراءة القرآن لمن قرأ في الصلة‪ ،‬وهذا قول‬
‫لم يرد به أثر‪ ،‬ول يعضده نظر؛ فإن كان هذا كما قال بعض الناس‪ :‬أن الستعاذة بعد القراءة‪ ،‬كان‬
‫تخصبيص ذلك بقراءة أم القرآن فبي الصبلة دعوى عريضبة‪ ،‬ول تشببه أصبل مالك ول فهمبه؛ فال‬
‫أعلم بسر هذه الرواية‪.‬‬
‫@ فبي فضبل التعوذ‪ :‬روى مسبلم عبن سبليمان ببن صبرد قال‪ :‬اسبتب رجلن عنبد النببي صبلى ال‬
‫عليبه وسبلم فجعبل أحدهمبا يغضبب ويحمبر وجهبه وتنتفبخ أوداجبه؛ فنظبر إليبه النببي صبلى ال عليبه‬
‫وسببلم فقال‪( :‬إنببي لعلم كلمببة لو قالهببا لذهببب ذا عنببه أعوذ بال مببن الشيطان الرجيببم)‪ .‬فقام إلى‬
‫الرجبل رجبل ممبن سبمع النببي صبلى ال عليبه وسبلم فقال‪ :‬هبل تدري مبا قال رسبول ال صبلى ال‬
‫عليه وسلم آنفاً؟ قال‪( :‬إني لعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بال من الشيطان الرجيم)‪ .‬فقال‬
‫له الرجبل‪ :‬أمجنوناً ترانبي! أخرجبه البخاري أيضاً‪ .‬وروى مسبلم أيضاً عبن عثمان ببن أببي العاص‬
‫الثقفبي أنبه أتبى النببي صبلى ال عليبه وسبلم فقال‪ :‬يبا رسبول ال‪ ،‬إن الشيطان قبد حال بينبي وبيبن‬
‫صببلتي وقراءتببي يلبسببها علي‪ ،‬فقال له رسببول ال صببلى ال عليببه وسببلم‪( :‬ذاك شيطان يقال له‬
‫خنزب فإذا أحسبسته فتعوذ بال منبه واتفبل عبن يسبارك ثلثاً) قال‪ :‬ففعلت فأذهببه ال عنبي‪ .‬وروى‬
‫أبو داود عن ابن عمر قال‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا سافر فأقبل عليه الليل قال‪( :‬يا‬
‫أرض ربي وربك ال أعوذ بال من شرك ومن شر ما خلق فيك ومن شر ما يدب عليك ومن أسد‬
‫وأسببود ومببن الحيببة والعقرب ومببن سبباكني البلد ووالد ومببا ولد)‪ .‬وروت خولة بنببت حكيببم قالت‪:‬‬
‫سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪( :‬ما نزل منزلً ثم قال أعوذ بكلمات ال التامات من‬
‫شبر مبا خلق لم يضره شيبء حتبى يرتحبل)‪ .‬أخرجبه الموطبأ ومسبلم والترمذي وقال‪ :‬حديبث حسبن‬
‫غريب صحيح‪ .‬وما يتعوذ منه كثير ثابت في الخبار‪ ،‬وال المستعان‪.‬‬
‫@ معنى الستعاذة في كلم العرب‪ :‬الستجارة والتحيز إلى الشيء‪ ،‬على معنى المتناع به من‬
‫المكروه؛ يقال‪ :‬عذت بفلن واسبتعذت ببه؛ أي لجأت إليبه‪ .‬وهبو عياذي‪ ،‬أي ملجأي‪ .‬وأعذت غيري‬
‫به وعوذته بمعنى‪ .‬ويقال‪ :‬أعوذ بال منك؛ أي أعوذ بال منك؛ قال الراجز‪:‬‬
‫قالت وفيها حيدة وذعر عوذ بربي منكم وحجر‬
‫والعرب تقول عنببد المببر تنكره‪ :‬حجراً له (بالضببم) أي دفعاً‪ ،‬وهببو اسببتعاذة مببن المببر‪ .‬والعوذة‬
‫والمعاذة والتعويببذ كله بمعنببى‪ .‬وأصببل أعوذ‪ :‬أعوذ نقلت الضمببة إلى العيببن لسببتثقالها على الواو‬
‫فسكنت‪.‬‬
‫@ الشيطان واحبد الشياطيبن؛ على التكسبير والنون أصبلية‪ ،‬لنبه مبن شطبن إذا بعبد عبن الخيبر‪.‬‬
‫وشطنت داره أي بعدت؛ قال الشاعر‪:‬‬
‫نأت بسعاد عنك نوىً شطون فبانت والفؤاد بها رهين‬

‫وبئر شطون أي بعيدة القعر‪ .‬والشطن‪ :‬الحبل؛ سمي لبعد طرفيه وامتداده‪ .‬ووصف أعرابي فرساً‬
‫ل يحفى فقال‪ :‬كأنه شيطان في أشطان‪ .‬وسمي الشيطان شيطاناً لبعده عن الحق وتمرده؛ وذلك أن‬
‫كل عات متمرد من الجن والنس والدواب شيطان؛ قال جرير‪:‬‬
‫أيام يدعونني الشيطان من غزل وهن يهوينني إذ كنت شيطاناً‬
‫وقيبل‪ :‬إن شيطانبا مأخوذ مبن شاط يشيبط إذا هلك‪ ،‬فالنون زائدة‪ .‬وشاط إذا احترق‪ .‬وشيطبت اللحبم‬
‫إذا دخنتببه ولم تنضجببه‪ .‬واشتاط الرجببل إذا احتببد غضباً‪ .‬وناقببة مشياط التببي يطيببر فيهببا السببمن‪.‬‬
‫واشتاط إذا هلك؛ قال العشى‪:‬‬
‫قد نخضب العير من مكنون فائله وقد يشيط على أرماحنا البطل‬
‫أي يهلك‪ .‬ويرد على هذه الفرقببة أن سببيبويه حكببى أن العرب تقول‪ :‬تشيطببن فلن إذا فعببل أفعال‬
‫الشياطيبن‪ ،‬فهذا بيبن أنبه تفعيبل مبن شطبن‪ ،‬ولو كان مبن شاط لقالوا‪ :‬تشيبط‪ ،‬ويرد عليهبم أيضاً بيبت‬
‫أمية بن أبي الصلت‪:‬‬
‫ورماه في السجن والغلل‬
‫أيما شاطن عصاه عكاه‬
‫فهذا شاطن من شطن ل شك فيه‪.‬‬
‫@ الرجيم أي المبعد من الخير المهان‪ .‬وأصل الرجم‪ :‬الرمي بالحجارة‪ ،‬وقد رجمته أرجمه‪ ،‬فهو‬
‫رجيبم ومرجوم‪ .‬والرجبم‪ :‬القتبل واللعبن والطرد والشتبم‪ ،‬وقبد قيبل هذا كله فبي قوله تعالى‪" :‬لئن لم‬
‫تنتببه يببا نوح لتكونببن مببن المرجوميببن" [الشعراء‪ .]116:‬وقول أبببي إبراهيببم‪" :‬لئن لم تنتببه‬
‫لرجمنك" [مريم‪ .]46:‬وسيأتي إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@ روى العمش عن أبي وائل عن عبدال قال قال علي بن أبي طالب عليه السلم‪ :‬رأيت النبي‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم عنبد الصبفا وهو مقببل على شخبص فبي صبورة الفيبل وهبو يلعنبه‪ ،‬قلت‪ :‬ومن‬
‫هذا الذي تلعنبببه يبببا رسبببول ال؟ قال‪( :‬هذا الشيطان الرجيبببم) فقلت‪ :‬يبببا عدو ال‪ ،‬وال لقتلنبببك‬
‫ولريحبن المبة منبك؛ قال‪ :‬مبا هذا جزائي منبك؛ قلت‪ :‬ومبا جزاؤك منبي يبا عدو ال؟ قال‪ :‬وال مبا‬
‫أبغضك أحد قط أل شركت أباه في رحم أمه‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في البسملة‬
‫@ قال العلماء‪" :‬بسم ال الرحمن الرحيم" قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة‪ ،‬يقسم لعباده‬
‫إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق‪ ،‬وإني أفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه‬
‫السورة من وعدي ولطفي وبري‪ .‬و"بسم ال الرحمن الرحيم" مما أنزله ال تعالى في كتابنا وعلى‬
‫هذه المة خصوصا بعد سليمان عليه السلم‪ .‬وقال بعض العلماء‪ " :‬إن "بسم ال الرحمن الرحيم"‬
‫تضمنت جميع الشرع‪ ،‬لنها تدل على الذات وعلى الصفات‪ ،‬وهذا صحيح‪.‬‬
‫@ قال بن أبي سكينة‪ :‬بلغني أن علي بن أبي طالب رضي ال عنه نظر إلي رجل يكتب "بسم ال‬
‫الرحمن الرحيم" فقال له‪ :‬جودها فإن رجل جودها فغفر له‪ .‬قال سعيد‪ :‬وبلغني أن رجل نظر إلى‬
‫قرطاس فيه "بسم ال الرحمن الرحيم" فقبله ووضعه على عينيه فغفر له‪ .‬ومن هذا المعنى قصة‬
‫بشبر الحافبي‪ ،‬فإنبه لمبا رفبع الرقعبة التبي فيهبا اسبم ال وطيبهبا طيبب اسبمه‪ ،‬ذكره القشيري‪ .‬وروى‬
‫النسبائي عبن أببي المليبح عبن ردف رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم قال‪ :‬إن رسبول ال صبلى ال‬
‫عليبه وسبلم قال‪( :‬إذا عثرت ببك الداببة فل تقبل تعبس الشيطان فإنبه يتعاظبم حتبى يصبير مثبل البيبت‬
‫ويقول بقوتبه صبنعته ولكبن قبل بسبم ال الرحمبن الرحيبم فإنبه يتصباغر حتبى يصبير مثبل الذباب)‪.‬‬
‫وقال علي بببن الحسببين فبببي تفسببير قوله تعالى‪" :‬وإذا ذكرت ربببك فببي القرآن وحده ولوا على‬
‫أدبارهم نفورا" [السراء‪ ]46:‬قال معناه‪ :‬إذا قلت "بسم ال الرحمن الرحيم"‪ .‬وروى وكيع عن‬
‫العمش عن أبي وائل عن عبدال بن مسعود قال‪ :‬من أراد أن ينجيه ال من الزبانية التسعة عشر‬
‫فليقرأ "بسم ال الرحمن الرحيم" ليجعل ال تعالى له بكل حرف منها جنة من كل واحد‪ .‬فالبسملة‬
‫تسبعة عشبر حرفبا على عدد ملئكبة أهبل النار الذيبن قال ال فيهبم‪" :‬عليهبا تسبعة عشبر" [المدثبر‪:‬‬
‫‪ ]30‬وهبم يقولون فبي كبل أفعالهبم‪" :‬بسبم ال الرحمبن الرحيبم" فمبن هنالك هبي قوتهبم‪ ،‬وببسبم ال‬
‫اسبتضلعوا‪ .‬قال اببن عطيبة‪ :‬ونظيبر هذا قولهبم فبي ليلة القدر‪ :‬إنهبا سببع وعشريبن‪ ،‬مراعاة للفظبة‬
‫"هبي" مبن كلمات سبورة "إنبا أنزلناه" [القدر‪ .]1 :‬ونظيره أيضبا قولهبم فبي عدد الملئكبة الذيبن‬

‫ابتدروا قول القائل‪ :‬ربنبا ولك الحمبد حمدا كثيرا طيببا مباركبا فيبه‪ ،‬فإنهبا بضعبة وثلثون حرفببا‪،‬‬
‫فلذلك قال النببي ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬لقبد رأيبت بضعبا وثلثيبن ملكبا يبتدرونهبا أيهبم يكتبهبا‬
‫أول)‪ .‬قال ابن عطية‪ :‬وهذا من ملح التفسير وليس من متين العلم‪.‬‬
‫@ روى الشعببي والعمبش أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم كان يكتبب "باسبمك اللهبم" حتبى‬
‫أمبر أن يكتبب "بسبم ال" فكتبهبا‪ ،‬فلمبا نزلت‪" :‬قبل ادعوا ال أو ادعوا الرحمبن" [السبراء‪]110:‬‬
‫كتبب "بسبم ال الرحمبن الرحيبم" فلمبا نزلت‪" :‬إنبه مبن سبليمان وإنبه بسبم ال الرحمبن الرحيبم"‬
‫[النمبل‪ ]30:‬كتبهبا‪ .‬وفبي مصبنف أببي داود قال الشعببي وأببو مالك وقتادة وثاببت ببن عمارة‪ :‬إن‬
‫النبي ال صلى ال عليه وسلم لم يكتب بسم ال الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة "النمل"‪.‬‬
‫@ روي عن جعفر الصادق رضي ال عنه أنه قال‪ :‬البسملة تيجان السور‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ول غيرها‪ .‬وقد اختلف العلماء في هذا المعنى‬
‫على ثلثة أقوال‪( :‬الول) ليست بآية من الفاتحة ول غيرها‪ ،‬وهو قول مالك‪( .‬الثاني) أنها آية من‬
‫كل سورة‪ ،‬وهو قول عبدال بن المبارك‪( .‬الثالث ) قال الشافعي‪ :‬هي آية في الفاتحة‪ ،‬وتردد قوله‬
‫فبي سائر السور‪ ،‬فمرة قال‪ :‬هي آية من كل سورة‪ ،‬ومرة قال‪ :‬ليست بآية إل في الفاتحة وحدها‪.‬‬
‫ول خلف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل‪.‬‬
‫واحتبج الشافعبي بمبا رواه الدارقطنبي مبن حديبث أببي بكبر الحنفبي عبن عبدالحميبد ببن جعفبر عبن‬
‫نوح ببن أببي بلل عبن سبعيد ببن أببي سبعيد المقببري عبن أببي هريرة عبن النببي ال صبلى ال عليبه‬
‫وسبلم قال‪( :‬إذا قرأتبم الحمبد ل رب العالميبن فاقرؤوا بسبم ال الرحمبن الرحيبم إنهبا أم القرآن وأم‬
‫الكتاب والسببع المثانبي وبسبم ال الرحمبن الرحيبم أحبد آياتهبا)‪ .‬رفبع هذا الحديبث عبدالحميبد ببن‬
‫جعفبر‪ ،‬وعبدالحميبد هذا وثقبه أحمبد ببن حنببل ويحيبى ببن سبعيد ويحيبى ببن معيبن‪ ،‬وأببو حاتبم يقول‬
‫فيه‪ :‬محله الصدق‪ ،‬وكان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه‪ .‬ونوح بن أبي بلل ثقة مشهور‪.‬‬
‫وحجة ابن المبارك وأحد قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أبي أنس قال‪ :‬بينا رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما‪ ،‬فقلنا‪ :‬ما أضحكك يا رسول‬
‫ال؟ قال‪( :‬نزلت علي آنفببا سببورة) فقرأ‪" :‬بسببم ال الرحمببن الرحيببم‪ :‬إنببا أعطيناك الكوثببر‪ .‬فصببل‬
‫لربك وانحر‪ .‬إن شانئك هو البتر" [الكوثر‪ :‬الية]‪ .‬وذكر الحديث‪ ،‬وسيأتي في سورة الكوثر إن‬
‫شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@ الصبحيح من هذه القوال قول مالك‪ ،‬لن القرآن ل يثبت بأخبار الحاد وإنمبا طريقه التواتر‬
‫القطعي الذي ل يختلف فيه‪ .‬قال ابن العربي‪" :‬ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلف الناس فيها‪،‬‬
‫والقرآن ل يختلف فيه"‪ .‬والخبار الصحاح التي ل مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من‬
‫الفاتحة ول غيرها إل في النمل وحدها‪ .‬روى مسلم عن أبي هريرة قال‪ :‬سمعت رسول ال صلى‬
‫ال عليبه وسبلم يقول‪( :‬قال ال عبز وجبل قسبمت الصبلة بينبي وبين عبدي نصبفين ولعبدي مبا سبأل‬
‫فإذا قال العبببد "الحمببد ل رب العالميببن" قال ال تعالى حمدنببي عبدي وإذا قال العبببد "الرحمببن‬
‫الرحيم" قال ال تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال العبد "مالك يوم الدين" قال مجدني عبدي ‪ -‬وقال‬
‫مرة فوض إلي عبدي ‪ -‬فإذا قال "إياك نعببد وإياك نسبتعين" قال هذا بينبي وبيبن عبدي ولعبدي مبا‬
‫سبأل فإذا قال "اهدنبا الصبراط المسبتقيم صبراط الذيبن أنعمبت عليهبم غيبر المغضوب عليهبم ول‬
‫الضالين" قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)‪ .‬فقوله سبحانه‪( :‬قسمت الصلة) يريد الفاتحة‪ ،‬وسماها‬
‫صبلة لن الصلة ل تصح إل بهبا‪ ،‬فجعبل الثلث اليات الول لنفسه‪ ،‬واختص بهبا تبارك اسبمه‪،‬‬
‫ولم يختلف المسلمون فيها‪ .‬ثم الية الرابعة جعلها بينه وبين عبده‪ ،‬لنها تضمنت تذلل العبد وطلب‬
‫الستعانة منه‪ ،‬وذلك يتضمن تعظيم ال تعالى‪ ،‬ثم ثلث آيات تتمة سبع آيات‪ .‬ومما يدل على أنها‬
‫ثلث قوله‪( :‬هؤلء لعبدي) أخرجبه مالك‪ ،‬ولم يقبل‪ :‬هاتان‪ ،‬فهذا يدل على أن "أنعمبت عليهبم" آيبة‪.‬‬
‫قال ابن بكير‪ :‬قال قال مالك‪" :‬أنعمت عليهم" آية‪ ،‬ثم الية السابعة إلى آخرها‪ .‬فثبت بهذه القسمة‬
‫التببي قسببمها ال تعالى وبقوله عليببه السببلم لبببي‪( :‬كيببف تقرأ إذا افتتحببت الصببلة) قال‪ :‬فقرأت‬
‫"الحمبد ل رب العالميبن" حتبى أتيبت على آخرهبا ‪ -‬أن البسبملة ليسبت بآيبة منهبا‪ ،‬وكذا عبد أهبل‬
‫المدينبة وأهبل الشام وأهبل البصبرة‪ ،‬وأكثبر القراء عدوا "أنعمبت عليهبم" آيبة‪ ،‬وكذا روى قتادة عبن‬

‫أبببي نضرة عببن أبببي هريرة قال‪ :‬اليببة السببادسة "أنعمببت عليهببم"‪ .‬وأمببا أهببل الكوفببة مببن القراء‬
‫والفقهاء فإنهم عدوا فيها "بسم ال الرحمن الرحيم" ولم يعدوا "أنعمت عليهم"‪.‬‬
‫فإن قيبل‪ :‬فإنهبا ثبتبت فبي المصبحف وهبي مكتوببة بخطبه ونقلت نقله‪ ،‬كمبا نقلت فبي النمبل‪ ،‬وذلك‬
‫متواتبر عنهبم‪ .‬قلنبا‪ :‬مبا ذكرتموه صبحيح‪ ،‬ولكبن لكونهبا قرآناً أو لكونهبا فاصبلة بيبن السبور ‪ -‬كمبا‬
‫روي عبن الصبحابة‪ :‬كنبا ل نعرف انقضاء السبورة حتبى تنزل "بسبم ال الرحمبن الرحيبم" أخرجبه‬
‫أببو داود ‪ -‬أو تبركبا بهبا‪ ،‬كمبا قبد اتفقبت المبة على كتبهبا فبي أوائل الكتبب والرسبائل؟ كبل ذلك‬
‫محتمل‪ .‬وقد قال الجريري‪ :‬سئل الحسن عن "بسم ال الرحمن الرحيم" قال‪ :‬في صدور الرسائل‪.‬‬
‫وقال الحسبن أيضبا‪ :‬لم تنزل "بسبم ال الرحمبن الرحيبم" فبي شيبء مبن القرآن إل فبي "طبس" "إنبه‬
‫مبن سبليمان وإنبه بسبم ال الرحمبن الرحيبم" [النمبل‪ .]30 :‬والفيصبل أن القرآن ل يثببن بالنظبر‬
‫والستدلل‪ ،‬وإنما يثبت بالنقل المتواتر القطعبي الضطراري‪ .‬ثم قد اضطرب قول الشافعبي فيهبا‬
‫في أول كل سورة فدل على أنها ليست بآية من كل سورة؛ والحمد ل‪.‬‬
‫فإن قيبل‪ :‬فقبد روى جماعة قرآنيتهبا‪ ،‬وقبد تولى الدارقطنبي جمبع ذلك فبي جزء صبححه‪ .‬قلنبا‪ :‬لسبنا‬
‫ننكبر الروايبة بذلك وقبد أشرنبا إليهبا‪ ،‬ولنبا أخبار ثابتبة فبي مقابلتهبا‪ ،‬رواهبا الئمبة الثقات والفقهاء‬
‫الثبات‪ .‬روت عائشة في صحيح مسلم قالت‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يستفتح الصلة‬
‫بالتكببير‪ ،‬والقراءة بالحمبد ل رب العالميبن‪ ،‬الحديبث‪ .‬وسبيأتي بكماله‪ .‬وروى مسبلم أيضبا عبن أنبس‬
‫بن مالك قال‪ :‬صليت خلف النبي صلى ال عليه وسلم وأبي بكر وعمر‪ ،‬فكانوا يستفتحون بالحمد‬
‫ل رب العالميبن؛ ل يذكرون "بسبم ال الرحمبن الرحيبم" ل فبي أول قراءة ول فبي آخرهبا‪ .‬ثبم إن‬
‫مذهبنبا يترجبح فبي ذلك بوجبه عظيبم‪ ،‬وهبو المعقول؛ وذلك أن مسبجد النببي صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫بالمدينة انقضت عليه العصور‪ ،‬ومرت عليه الزمنة والدهور‪ ،‬من لدن رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسبلم إلى زمان مالك‪ ،‬ولم يقرأ أحبد فيبه قبط "بسبم ال الرحمبن الرحيبم" اتباعبا للسبنة؛ وهذا يرد‬
‫أحاديثكبم‪ .‬بيبد أن أصبحابنا اسبتحبوا قراءتهبا فبي النفبل وعليبه تحمبل الثار الواردة فبي قراءتهبا أو‬
‫على السعة في ذلك‪ .‬قال مالك‪ :‬ول بأس أن يقرأ بها في النافلة ومن يعرض القرآن عرضاً‪.‬‬
‫وجملة مذهب مالك وأصحابه‪ :‬أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ول غيرها‪ ،‬ول يقرأ بها‬
‫المصببلي فببي المكتوبببة ول فببي غيرهببا سببرًا ول جهراً؛ ويجوز أن يقرأهببا فببي النوافببل‪ .‬هذا هببو‬
‫المشهور من مذهبه عند أصحابه‪ .‬وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السورة في النوافل‪ ،‬ول تقرأ‬
‫أول أم القرآن‪ .‬وروى عنه اببن نافع ابتداء القراءة بها في الصبلة الفرض والنفل ول تترك بحال‪.‬‬
‫ومبن أهبل المدينبة مبن يقول‪ :‬إنبه لببد فيهبا مبن "بسبم ال الرحمبن الرحيبم" منهبم اببن عمبر‪ ،‬واببن‬
‫شهاب؛ وببه قال الشافعبي وأحمبد وإسبحاق وأببو ثور وأببو عبيبد‪ .‬وهذا يدل على أن المسبألة مسبألة‬
‫اجتهاديبة ل قطعيبة‪ ،‬كمبا ظنبه بعبض الجهال مبن المتفقهبة الذي يلزم على قوله تكفيبر المسبلمين؛‬
‫وليس كما ظن لوجود الختلف المذكور؛ والحمد ل‪.‬‬
‫@ وقد ذهب جمع من العلماء إلى السرار بها مع الفاتحة؛ منهم‪ :‬أبو حنيفة والثوري؛ وروي ذلك‬
‫عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير؛ وهو قول الحكم وحماد؛ وبه قال أحمد بن حنبل‬
‫وأبو عبيد؛ وروي عن الوزاعي مثل ذلك؛ حكاه أبو عمر بن عبدالبر في (الستذكار)‪ .‬واحتجوا‬
‫مبن الثبر فبي ذلك بمبا رواه منصبور بن زاذان عن أنبس ببن مالك قال‪ :‬صبلى بنبا رسبول ال صبلى‬
‫ال عليه وسلم فلم سمعنا قراءة "بسم ال الرحمن الرحيم"‪ .‬وما رواه عمار بن رزيق عن العمش‬
‫عن شعبة عن ثابت عن أنس قال‪ :‬صليت خلف النبي صلى ال عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر‪،‬‬
‫فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم ال الرحمن الرحيم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا قول حسن‪ ،‬وعليه تتفق الثار عن أنس ول تتضاد ويخرج به من الخلف في قراءة‬
‫البسبملة‪ .‬وقبد روي عبن سبعيد ببن جببير قال‪ :‬هذا محمبد يذكبر رحمان اليمامبة ‪ -‬يعنون مسبيلمة ‪-‬‬
‫فأمر أن يخافت ببسم ال الرحمن الرحيم‪ ،‬ونزل‪" :‬ول تجهر بصلتك ول تخافت بها" [السراء‪:‬‬
‫‪ .]110‬قال الترمذي الحكيبم أببو عبدال‪ :‬فبقبي ذلك إلى يومنبا هذا على ذلك الرسبم وإن زالت‬
‫العلة‪ ،‬كمبا بقبي الرمبل فبي الطواف وإن زالت العلة‪ ،‬وبقيبت المخافتبة فبي صبلة النهار وإن زالت‬
‫العلة‪.‬‬

‫@ اتفقبت المبة على جواز كتبهبا فبي أول كبل كتاب مبن كتبب العلم والرسبائل؛ فإن كان الكتاب‬
‫ديوان شعبببر فروى مجالد عبببن الشعببببي قال‪ :‬أجمعوا أل يكتبوا أمام الشعبببر "بسبببم ال الرحمبببن‬
‫الرحيم"‪ .‬وقال الزهري‪ :‬مضت السنة أل يكتبوا في الشعر "بسم ال الرحمن الرحيم"‪ .‬وذهب إلى‬
‫رسم التسمية في أول كتب الشعر سعيد بن جبير‪ ،‬وتابعه على ذلك أكثر المتأخرين‪ .‬قال أبو بكر‬
‫الخطيب‪ :‬وهو الذي نختاره ونستحبه‪.‬‬
‫@ قال الماوردي ويقال لمن قال بسبم ال‪ :‬مبسمل‪ ،‬وهي لغة مولدة‪ ،‬وقد جاءت في الشعبر؛ قال‬
‫عمر بن أبي ربيعة‪:‬‬
‫لقد بسملت ليلى غداة لقيتها فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل‬
‫قلت‪ :‬المشهور عبن أهبل اللغبة بسبمل‪ .‬قال يعقوب ببن السبكيت والمطرز والثعالببي وغيرهبم مبن‬
‫أهبل اللغبة‪ :‬بسبمل الرجبل‪ .‬إذا قال‪ :‬بسبم ال‪ .‬يقال‪ :‬قبد أكثرت مبن البسبملة؛ أي مبن قول بسبم ال‪.‬‬
‫ومثله حوقببل الرجببل‪ ،‬إذا قال‪ :‬ل حول ول قوة إل بال‪ .‬وهلل‪ ،‬إذا قال‪ :‬ل إله إل ال‪ .‬وسبببحل‪ ،‬إذا‬
‫قال‪ :‬سبببحان ال‪ .‬وحمدل‪ ،‬إذا قال‪ :‬الحمببد ل‪ .‬وحيصببل‪ ،‬إذا قال‪ :‬حببي على الصببلة‪ .‬وجعفببل‪ ،‬إذا‬
‫قال‪ :‬جعلت فداك‪ .‬وطبقببل‪ ،‬إذا قال‪ :‬أطال ال بقاءك‪ .‬ودمعببز‪ ،‬إذا قال‪ :‬أدام ال عزك‪ .‬وحيفببل‪ ،‬إذا‬
‫قال‪ :‬حبي على الفلح‪ .‬ولم يذكبر المطرز‪ :‬الحيصبلة‪ ،‬إذا قال‪ :‬حبي على الصبلة‪ .‬وجعفبل‪ ،‬إذا قال‪:‬‬
‫جعلت فداك‪ .‬وطبقل‪ ،‬إذا قال‪ :‬أطال ال بقاءك‪ .‬ودمعز‪ ،‬إذا قال‪ :‬أدام ال عزك‪.‬‬
‫@ ندب الشرع إلى ذكر البسملة في أول كل فعل؛ كالكل والشرب والنحر؛ والجماع والطهارة‬
‫وركوب البحر‪ ،‬إلى غير ذلك من الفعال؛ قال ال تعالى‪" :‬فكلوا مما ذكر اسم ال عليه"‪[ .‬النعام‪:‬‬
‫‪" .]118‬وقال اركبوا فيهبا بسبم ال مجراهبا ومرسباها" [هود‪ .]41 :‬وقال رسبول ال صبلى ال‬
‫عليه وسلم‪( :‬أغلق بابك واذكر اسم ال وأطفئ مصباحك واذكر اسم ال وخمر إناءك واذكر اسم‬
‫ال وأوك سببقاءك واذكببر اسببم ال)‪ .‬وقال‪( :‬لو أن أحدكببم إذا أراد أن يأتببي أهله قال بسببم ال اللهببم‬
‫جنبنبا الشيطان وجنبب الشيطان مبا رزقتنبا فإنبه إن يقدر بينهمبا ولد فبي ذلك لم يضره شيطان أبداً)‪.‬‬
‫وقال لعمببر ببن أببي سبلمة‪( :‬يببا غلم سبم ال وكبل بيمينبك وكببل ممبا يليبك)‪ .‬وقال‪( :‬إن الشيطان‬
‫ليستحل الطعام أل يذكر اسم ال عليه) وقال‪( :‬من لم يذبح فليذبح باسم ال)‪ .‬وشكا إليه عثمان بن‬
‫أببي العاص وجعبا يجده فبي جسبده منبذ أسبلم‪ ،‬فقال له رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬ضبع يدك‬
‫على الذي تألم من جسدك وقل بسم ال ثلثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة ال وقدرته من شر ما أجد‬
‫وأحاذر)‪ .‬هذا كله ثاببت فبي الصبحيح‪ .‬وروى ابن ماجبة والترمذي عبن النببي صبلى ال عليه وسبلم‬
‫قال‪( :‬سبتر مبا بيبن الجبن وعورات بنبي آدم إذا دخبل الكنيبف أن يقول بسبم ال)‪ .‬وروى الدارقطنبي‬
‫عبن عائشبة قالت‪ :‬كان رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم إذا مبس طهوره سبمى ال تعالى‪ ،‬ثبم يفرغ‬
‫الماء على يديه‪.‬‬
‫@ قال علماؤنبا‪ :‬وفيهبا رد على القدريبة وغيرهبم ممبن يقول‪ :‬إن أفعالهبم مقدورة لهبم‪ .‬وموضبع‬
‫الحتجاج عليهم من ذلك أن ال سبحانه أمرنا عند البتداء بكل فعل أن نفتتح بذلك‪ ،‬كما ذكرنا‪.‬‬
‫فمعنبى "بسبم ال" أي بال‪ .‬ومعنبى "بال" أي بخلقبه وتقديره يوصبل إلى مبا يوصبل إليبه‪ .‬وسبيأتي‬
‫لهذا مزيببد بيان إن شاء ال‪ .‬وقال بعضهببم‪ :‬معنببى قوله "بسببم ال" يعنببي بدأت بعون ال وتوفيقببه‬
‫وبركتبه؛ وهذا تعليبم مبن ال تعالى عباده‪ ،‬ليذكروا اسبمه عنبد افتتاح القراءة وغيرهبا‪ ،‬حتبى يكون‬
‫الفتتاح ببركة ال جل وعز‪.‬‬
‫@ ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أن "اسم" صلة زائدة‪ ،‬واستشهد يقول لبيد‪:‬‬
‫إلى الحول ثم اسم السلم عليكما ومن يبك حول كامل فقد اعتذر‬
‫فذكر "اسم" زيادة‪ ،‬وإنما أراد‪ :‬ثم السلم عليكما‪.‬‬
‫وقبد اسبتدل علماؤنبا بقول لبيبد هذا على أن السبم هبو المسبمى‪ .‬وسبيأتي الكلم فيبه فبي هذا الباب‬
‫وغيره‪ ،‬إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@ اختلف فبي معنبى زيادة "اسبم"؛ فقال قطرب‪ :‬زيدت لجلل ذكره تعالى وتعظيمبه‪ .‬وقال‬
‫الخفبش‪ :‬زيدت ليخرج بذكرها من حكبم القسبم إلى قصبد التببرك؛ لن أصل الكلم‪ :‬بال‪ .‬واختلفوا‬
‫أيضبا فبي معنبى دخول الباء عليبه‪ ،‬هبل دخلت على معنبى المبر؟ والتقديبر‪ :‬ابدأ بسبم ال‪ .‬أو على‬

‫معنبى الخببر؟ والتقديبر‪ :‬ابتدأت بسبم ال؛ قولن‪ :‬الول للفراء‪ ،‬والثانبي للزجاج‪ .‬فبب "بسبم ال" فبي‬
‫موضببع رفببع خبببر البتداء‪ :‬وقيببل‪ :‬الخبببر محذوف؛ أي ابتدائي مسببتقر أو ثابببت باسببم ال؛ فإذا‬
‫أظهرته كان "بسم ال" في موضع نصب بثابت أو مستقر‪ ،‬وكان بمنزلة قولك‪ :‬زيد في الدار وفي‬
‫التنزيل "فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي" [النمل‪ ]40:‬فب "عنده" في وضع نصب؛‬
‫روي هذا عبن نحاة أهبل البصبرة‪ .‬وقيبل‪ :‬التقديبر ابتدائي ببسبم ال موجود أو ثاببت‪ ،‬فبب "بسبم" فبي‬
‫موضع نصب بالمصدر الذي هو ابتدائي‪.‬‬
‫@تكتبب "بسبم ال" بغيبر ألف اسبتغناء عنهبا بباء اللصباق فبي اللفبظ والخبط لكثرة السبتعمال؛‬
‫بخلف قوله‪" :‬اقرأ باسبم رببك" [العلق‪ ]1:‬فإنهبا لم تحذف لقلة السبتعمال‪ .‬واختلفوا فيحذفهبا مبع‬
‫الرحمن والقاهر؛ فقال الكسائي وسعيد الخفش‪ :‬تحذف اللف‪ .‬وقال يحيى بن وثاب‪ :‬ل تحذف إل‬
‫مبع "بسبم ال" فقبط‪ ،‬لن السبتعمال إنمبا كثبر فيبه‪ .‬واختلف فبي تخصبيص باء الجبر بالكسبر على‬
‫ثلثبة معان؛ فقيبل‪ :‬ليناسبب لفظهبا عملهبا‪ .‬وقيبل‪ :‬لمبا كانبت الباء ل تدخبل إل على السبماء خصبت‬
‫بالخفبض الذي ل يكون إل فبي السبماء‪ .‬الثالث‪ :‬ليفرق بينها وبيبن ما قبد يكون من الحروف اسما؛‬
‫نحو الكاف في قول الشاعر‪:‬‬
‫ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا‬
‫أي بمثل ابن الماء أو ما كان مثله‪.‬‬
‫@ اسبم‪ ،‬وزنبه إفبع‪ ،‬والذاهبب منبه الواو؛ لنبه مبن سبموت‪ ،‬وجمعبه أسبماء‪ ،‬وتصبغيره سبمي‪.‬‬
‫واختلف في تقدير أصله‪ ،‬فقيل‪ :‬فعل‪ ،‬وقيل‪ :‬فعل‪ .‬قال الجوهري‪ :‬وأسماء يكون جمعا لهذا الوزن‪،‬‬
‫وهبو مثبل جذع وأجذاع‪ ،‬وقفبل وأقفال؛ وهذا ل تدرك صبيغته إل بالسبماع‪ .‬وفيبه أرببع لغات‪ :‬اسبم‬
‫الكسر‪ ،‬واسم بالضم‪ .‬قال أحمد ين يحيى‪ :‬من ضم اللف أخذه من سموت أسمو‪ ،‬ومن كسر أخذه‬
‫من سميت أسمي‪ .‬ويقال‪ :‬سم وسم‪ ،‬وينشد‪:‬‬
‫وال أسماك سما مباركا آثرك ال به إيثاركا‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫وعامنا أعجبنا مقدمه يدعى أبا السمح وقرضاب سمه‬
‫مبتركا لكل عظم يلحمه‬
‫قرضب الرجل‪ :‬إذا أكل شيئا يابسا‪ ،‬فهو قرضاب‪" .‬سمه" بالضم والكسر جميعا‪.‬‬
‫ومنه قول الخر‪:‬‬
‫باسم الذي في كل سورة سمه‬
‫وسبكنت السين مبن "باسبم" اعتلل غيبر قياس‪ ،‬وألفه ألف وصبل‪ ،‬وربمبا جعلهبا الشاعبر ألف قطبع‬
‫للضرورة؛ كقول الحوص‪:‬‬
‫وما أنا بالمخسوس في جذم مالك ول من تسمى ثم يلتزم السما‬
‫@ تقول العرب في النسب إلي السم‪ :‬سموي‪ ،‬وإن شئت اسمي‪ ،‬تركته على حاله‪ ،‬وجمعه أسماء‬
‫وجمع السماء أسام‪ .‬وحكى الفراء‪ :‬أعيذك بأسماوات ال‪.‬‬
‫اختلفوا فببي اشتقاق السببم على وجهيببن؛ فقال البصببريون‪ :‬هببو مشتببق مببن السببمو وهببو العلو‬
‫والرفعة‪ ،‬فقيل‪ :‬اسم لن صاحبه بمنزلة المرتفع به‪ .‬وقيل‪ :‬لن السم يسبمو بالمسمى فيرفعه عن‬
‫غيره‪ .‬وقيبل‪ :‬إنمبا سبمي السبم اسبما لنبه عل بقوتبه على قسبمي الكلم‪ :‬الحرف والفعبل؛ والسبم‬
‫أقوى منهما بالجماع لنه الصل؛ فلعلوه عليهما سمي اسما؛ فهذه ثلثة أقوال‪.‬‬
‫وقال الكوفيون‪ :‬إنه مشتق من السمة وهي العلمة؛ لن السبم علمة لمن وضع له؛ فأصل اسم‬
‫على هذا "وسببم"‪ .‬والول أصببح؛ لنببه يقال فببي التصببغير سببمي وفببي الجمببع أسببماء؛ والجمببع‬
‫والتصبغير سبمي وفبي الجمبع أسبماء؛ والجمبع والتصبغير يردان الشياء إلى أصبولها؛ فل يقال‪:‬‬
‫وسيم ول أوسام‪ .‬ويدل على صحته أيضا فائدة الخلف وهي‪:‬‬
‫@ فإن من قال السم مشتق من العلو يقول‪ :‬لم يزل ال سبحانه موصوفا قبل وجود الخلق وبعد‬
‫وجودهم وعند فنائهم‪ ،‬ول تأثير لهم في أسمائه ول صفاته؛ وهذا قول أهل السنة‪ .‬ومن قال السم‬
‫مشتببق مببن السببمة يقول‪ :‬كان ال فببي الزل بل اسببم ول صببفة‪ ،‬فلمببا خلق الخلق جعلوا له أسببماء‬

‫وصببفات‪ ،‬فإذا أفناهببم بقببي بل اسببم ول صببفة؛ وهذا قول المعتزلة وهبو خلف مببا أجمعببت عليببه‬
‫المة‪ ،‬وهو أعظم في الخطأ من قولهم‪ :‬إن كلمه مخلوق‪ ،‬تعالى ال عن ذلك! وعلى هذا الخلف‬
‫وقع الكلم في السم والمسمى فذهب أهل الحق فيما نقل القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن السم‬
‫هبو المسبمى‪ ،‬وارتضاه اببن فورك؛ وهبو قول أببي عببيدة وسبيبويه‪ .‬فإذا قال قائل‪ :‬ال عالم؛ فقوله‬
‫دال على الذات الموصبوفة بكونبه عالمبا‪ ،‬فالسبم كونبه عالمبا وهبو المسبمى بعينبه‪ .‬وكذلك إذا قال‪:‬‬
‫ال خالق؛ فالخالق هو الرب‪ ،‬وهو بعينه السم‪ .‬فالسم عندهم هو المسمى بعينه من غير تفصيل‪.‬‬
‫قال اببن الحصبار‪ :‬مبن ينفبي الصبفات مبن المبتدعبة يزعبم أن ل مدلول للتسبميات إل الذات‪ ،‬ولذلك‬
‫يقولون‪ :‬السم غير المسمى‪ ،‬ومن يثبت الصفات يثبت للتسميات مدلول هي أوصاف الذات وهي‬
‫غيبر العبارات وهبي السبماء عندهبم‪ .‬وسبيأتي لهذه مزيبد بيان فبي "البقرة" و"العراف" إن شاء‬
‫ال تعالى‪.‬‬
‫@قوله‪" :‬ال" هذا السبم أكببر أسبمائه سببحانه وأجمعهبا‪ ،‬حتبى قال بعبض العلماء‪ :‬إنبه اسبم ال‬
‫العظبم ولم يتسبم ببه غيره؛ ولذلك لم يثبن ولم يجمبع؛ وهبو أحبد تأويلي قوله تعالى‪" :‬وهبل تعلم له‬
‫سبميا" [مريبم‪ ]65:‬أي تسبمى باسبمه الذي هبو "ال"‪ .‬فال اسبم للموجود الحبق الجامبع لصبفات‬
‫اللهيبة‪ ،‬المنعوت بنعوت الربوبيبة‪ ،‬المنفرد بالوجود الحقيقبي‪ ،‬ل إله إل هبو سببحانه‪ .‬وقيبل‪ :‬معناه‬
‫الذي يستحق أن يعبد‪ .‬وقيل‪ :‬معناه واجب الوجود الذي لم يزل ول يزال؛ والمعنى واحد‪.‬‬
‫@ واختلفوا في هذا السم هل هو مشتق أو موضوع للذات علم؟‪ .‬فذهب إلى الول كثير من أهل‬
‫العلم‪ .‬واختلفوا فبي اشتقاقبه وأصبله؛ فروى سبيبويه عبن الخليبل أن أصبله إله‪ ،‬مثبل فعال؛ فأدخلت‬
‫اللف واللم بدل عن الهمزة‪ .‬قال سيبويه‪ :‬مثل الناس أصله أناس‪ .‬وقيل‪ :‬أصل الكلمة "ل" وعليه‬
‫دخلت اللف واللم للتعظيم‪ ،‬وهذا اختيار سيبويه‪ .‬وأنشد‪:‬‬
‫له ابن عمك ل أفضلت في حسب عني ول أنت دياني فتخزوني‬
‫كذا الرواية‪ :‬فتخزوني‪ ،‬بالخاء المعجمة ومعناه‪ :‬تسوسني‪.‬‬
‫وقال الكسببائي والفراء‪ :‬معنببى "بسببم ال" بسببم الله؛ فحذفوا الهمزة وأدغموا اللم الولى فببي‬
‫الثانية فصارتا لما مشددة؛ كما قال عز وجل‪" :‬لكنا هو ال ربي" [الكهف‪ ]38:‬ومعناه‪ :‬لكن أنا‪،‬‬
‫كذلك قرأها الحسن‪ .‬ثم قيل‪ :‬هو مشتق من "وله" إذا تحير؛ والوله‪ :‬ذهاب العقل‪ .‬يقال‪ :‬رجل واله‬
‫وامرأة والهبة وواله‪ ،‬وماء موله‪ :‬أرسبل فبي الصبحارى‪ .‬فال سببحانه تتحيبر اللباب وتذهبب فبي‬
‫حقائق صبفاته والفكبر فبي معرفتبه‪ .‬فعلى هذا أصبل "إله" "وله" وأن الهمزة مبدلة مبن واو كمبا‬
‫أبدلت فبي إشاح ووشاح‪ ،‬وإسبادة ووسبادة؛ وروي عبن الخليبل‪ .‬وروي عبن الضحاك أنبه قال‪ :‬إنمبا‬
‫سمي "ال" إلها‪ ،‬لن الخلق يتألهون إليه في حوائجهم‪ ،‬ويتضرعون إليه عند شدائدهم‪ .‬وذكر عن‬
‫الخليبل ببن أحمبد أنبه قال‪ :‬لن الخلق يألهون إليبه (بنصبب اللم) ويألهون أيضبا (بكسبرها) وهمبا‬
‫لغتان‪ .‬وقيبل‪ :‬إنبه مشتبق مبن الرتفاع؛ فكانبت العرب تقول لكبل شيبء مرتفبع‪ :‬لهاً‪ ،‬فكانوا يقولون‬
‫إذا طلعت الشمس‪ :‬لهت‪ .‬وقيل‪ :‬هو مشتق من أله الرجل إذا تعبد‪ .‬وتأله إذا تنسك؛ ومن ذلك قوله‬
‫تعالى‪" :‬ويذرك وإلهتبك" [العراف‪ ]127:‬على هذه القراءة؛ فإن اببن عباس وغيره قالوا‪:‬‬
‫وعبادتبببك‪ .‬قالوا‪ :‬فاسبببم ال مشتبببق مبببن هذا‪ ،‬فال سببببحانه معناه المقصبببود بالعبادة‪ ،‬ومنبببه قول‬
‫الموحديببن‪ :‬إل إله إل ال‪ ،‬معناه ل معبود غيببر ال‪ .‬و"إل" فببي الكلمببة بمعنببى غيببر‪ ،‬ل بمعنببى‬
‫السبتثناء‪ .‬وزعبم بعضهبم أن الصبل فيبه "الهاء" التبي هبي الكنايبة عبن الغائب‪ ،‬وذلك أنهبم أثبتوه‬
‫موجودًا فبي فطبر عقولهبم فأشاروا إليبه بحرف الكنايبة عبن الغائب‪ ،‬وذلك أنهبم أثبتوه موجودًا فبي‬
‫فطبر عقولهبم فأشاروا إليبه بحرف الكنايبة ثبم زيدت فيبه لم الملك إذ قبد علموا أنبه خالق الشياء‬
‫ومالكها فصار "له" ثم زيدت فيه اللف واللم تعظيماً وتفخيماً‪.‬‬
‫القول الثانببي‪ :‬ذهببب إليببه جماعببة مببن العلماء أيضًا منهببم الشافعببي وأبببو المعالي والخطابببي‬
‫والغزالي والمفضببل وغيرهببم‪ ،‬وروي عببن الخليببل وسببيبويه‪ :‬أن اللف واللم لزمببة له ل يجوز‬
‫حذفهما منه‪ .‬قال الخطابي‪ :‬والدليل على أن اللف واللم من بنية هذا السم‪ ،‬ولم يدخل للتعريف‪:‬‬
‫دخول حرف النداء عليبه؛ كقولك‪ :‬يبا ال‪ ،‬وحروف النداء ل تجتمبع مبع اللف واللم للتعريبف؛ أل‬

‫ترى أنك ل تقول‪ :‬يا الرحمن ول يا الرحيم‪ ،‬كما تقول‪ :‬يا ال‪ ،‬فدل على أنهما من بنية السم‪ .‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫@ واختلفوا أيضًا فبي اشتقاق اسبمه الرحمبن‪ ،‬فقال بعضهبم‪ :‬ل اشتقاق له لنبه مبن السبماء‬
‫المختصة به سبحانه‪ ،‬ولنه لو كان مشتقاً من الرحمة ل تصل بذكر المرحوم‪ ،‬فجاز أن يقال‪ :‬ال‬
‫رحمببن بعباده‪ ،‬كمببا يقال‪ :‬رحيببم بعباده‪ .‬وأيضاً لو كان مشتقًا مببن الرحمببة لم تنكره العرب حيببن‬
‫سبمعوه‪ ،‬إذ كانوا ل ينكرون رحمبة ربهبم‪ ،‬وقبد قال ال عبز وجبل‪" :‬وإذ قيبل لهبم اسبجدوا للرحمبن‬
‫قالوا ومبا الرحمبن" [الفرقان‪ ]60:‬اليبة‪ .‬ولمبا كتبب علي رضبي ال عنه فبي صبلح الحديبيبة بأمبر‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪" :‬بسم ال الرحمن الرحيم" قال سهيل بن عمرو‪ :‬أما "بسم ال الرحمن‬
‫الرحيبم" فمبا ندري مبا "بسبم ال الرحمبن الرحيبم"! ولكبن اكتبب مبا نعرف‪ :‬باسبمك اللهبم‪ ،‬الحديبث‪.‬‬
‫قال ابن العربي‪ :‬إنما جهلوا الصفة دون الموصوف‪ ،‬واستدل على ذلك بقولهم‪ :‬وما الرحمن؟ ولم‬
‫يقولوا‪ :‬ومبن الرحمبن؟ قال اببن الحصبار‪ :‬وكأنبه رحمبه ال لم يقرأ اليبة الخرى‪" :‬وهبم يكفرون‬
‫بالرحمبن" [الرعبد‪ ]30:‬وذهبب الجمهور مبن الناس إلى أن "الرحمبن" مشتبق مبن الرحمبة مبنبي‬
‫على المبالغببة؛ ومعناه ذو الرحمببة الذي ل نظيببر له فيهببا‪ ،‬فلذلك ل يثنببى ول يجمببع كمببا يثنببى‬
‫"الرحيم" ويجمع‪.‬‬
‫قال اببن الحصبار‪ :‬وممبا يدل على الشتقاق مبا خرجبه الترمذي وصبححه عبن عبدالرحمبن ببن‬
‫عوف أنه سمع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬يقول‪( :‬قال ال عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم‬
‫وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته)‪ .‬وهذا نص من الشتقاق‪ ،‬فل‬
‫معنى للمخالفة والشقاق‪ ،‬وإنكار العرب له لجهلهم بال وبما وجب له‪.‬‬
‫@ زعبم المببرد فيمبا ذكبر اببن النباري فبي كتاب "الزاهبر" له‪ :‬أن "الرحمبن" اسبم عببراني جاء‬
‫معه بب "الرحيم"‪ .‬وأنشد‪:‬‬
‫لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا‬
‫أو تتركون إلى القسين هجرتكم ومسحكم صلبهم رحمان قربانا‬
‫قال أببو إسبحاق الزجاج فبي معانبي القرآن‪ :‬وقال أحمبد ببن يحيبى‪" :‬الرحيبم" عرببي و"الرحمبن"‬
‫عبراني‪ ،‬فلهذا جمع بينهما‪ .‬وهذا القول مرغوب عنه‪ .‬وقال أبو العباس‪ :‬النعت قد يقع للمدح‪ ،‬كما‬
‫تقول‪ :‬قال جريببر الشاعببر‪ :‬وروى مطرف عببن قتادة فببي قول ال عببز وجببل‪" :‬بسببم ال الرحمببن‬
‫الرحيببم" قال‪ :‬مدح نفسببه‪ .‬قال أبببو إسببحاق وهذا قول حسببن‪ .‬وقال قطرب‪ :‬يجوز أن يكون جمببع‬
‫بينهمبا للتوكيبد‪ .‬قال أببو إسبحاق‪ :‬وهذا قول حسبن‪ .‬وفبي التوكيبد أعظبم الفائدة‪ ،‬وهبو كثيبر فبي كلم‬
‫العرب‪ ،‬ويستغني عن الستشهاد‪ ،‬والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد‪ :‬إنه تفضل بعد تفضل‪،‬‬
‫وإنعام بعد إنعام‪ ،‬وتقوية لمطامع الراغبين‪ ،‬ووعد ل يخيب آمله‪.‬‬
‫@ واختلفوا هبل همبا بمعنبى واحبد أو بمعنييبن؟ فقيبل‪ :‬همبا بمعنبى واحبد؛ كندمان ونديبم‪ .‬قاله أببو‬
‫عببيدة‪ .‬وقيبل‪ :‬ليبس بناء فعلن كفعيبل‪ ،‬فإن فعلن ل يقبع أل على مبالغبة الفعبل‪ ،‬نحبو قولك‪ :‬رجبل‬
‫غضبان‪ ،‬للمتلىء غضباً‪ .‬وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول‪ .‬قال عملس‪:‬‬
‫فأما إذا عضت بك الحرب عضة فإنك معطوف عليك رحيم‬
‫فب "الرحمن" خاص السم عام الفعل‪ .‬و"الرحيم" عام السم خاص الفعل‪ .‬هذا قول الجمهور‪ .‬قال‬
‫أببو علي الفارسبي‪" :‬الرحمبن" اسبم عام فبي جميبع أنواع الرحمبة‪ ،‬يختصبر به ال‪" .‬والرحيبم" إنمبا‬
‫هببو فببي وجهببة المؤمنيببن؛ كمببا قال تعالى‪" :‬وكان بالمؤمنيببن رحيمببا" [الحزاب‪ .]43:‬وقال‬
‫العرزمي‪" :‬الرحمن" بجميع خلقه في المطار ونعم الحواس والنعم العامة‪" ،‬والرحيم" بالمؤمنين‬
‫فبي الهدايبة لهبم‪ ،‬واللطبف بهبم‪ .‬وقال اببن المبارك‪" :‬الرحمبن" إذا سبئل أعطبي‪ ،‬و"الرحيبم" إذا لم‬
‫يسأل غضب‪ .‬وروى ابن ماجة في سننه والترمذي في جامعه عن أبي صالح عن أبي هريرة قال‬
‫قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪" :‬مبن لم يسبأل ال يغضبب عليبه" لفبظ الترمذي‪ .‬وقال اببن‬
‫ماجبة‪" :‬مبن لم يدع ال سببحانه غضبب عليبه"‪ .‬وقال‪ :‬سبألت أببا زرعبة عبن أببي صبالح هذا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫هبو الذي يقال له‪ :‬الفارسبي وهبو خوزي ول أعرف اسبمه‪ .‬وقبد أخبذ بعبض الشعراء هذا المعنبى‬
‫فقال‪:‬‬

‫ال يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب‬
‫وقال ابن عباس‪ :‬هما اسمان رقيقان‪ ،‬أحدهما أرق من الخر‪ ،‬أي أكثر رحمة‪.‬‬
‫قال الخطابي‪ :‬وهذا مشكل؛ لن الرقة ل مدخل لها في شيء من صفات ال تعالى‪ .‬وقال الحسين‬
‫ببن الفضبل البجلي‪ :‬هذا وهبم مبن الراوي‪ ،‬لن الرقبة ليسبت مبن صبفات ال تعالى فبي شيبء‪ ،‬وإنمبا‬
‫هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الخر‪ ،‬والرفق من صفات ال عز وجل؛ قال النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم‪( :‬إن ال رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما ل يعطي على العنف)‪.‬‬
‫@ أكثر العلماء على أن "الرحمن" مختص بال عز وجل‪ ،‬ل يجوز أن يسمى به غيره‪ ،‬أل تراه‬
‫قال‪" :‬قبل ادعوا ال أو ادعوا الرحمبن" [السبراء‪ ]110:‬فعادل السبم الذي ل يشركبه فيبه غيره‪.‬‬
‫وقال‪" :‬واسبأل مبن أرسبلنا مبن قبلك مبن رسبلنا أجعلنبا مبن دون الرحمبن آلهبة يعبدون" [الزخرف‪:‬‬
‫‪ ]45‬فأخبر أن "الرحمن" هو المستحق للعبادة جل وعز‪ .‬وقد تجاسر مسيلمة الكذاب ‪ -‬لعنه ال ‪-‬‬
‫فتسببمى برحمان اليمامببة‪ ،‬ولم يتسببم بببه حتببى قرع مسببامعه نعببت الكذاب فألزمببه ال تعالى نعببت‬
‫الكذاب لذلك‪ ،‬وأن كان كبل كافبر كاذباً‪ ،‬فقبد صبار هذا الوصبف لمسبيلمة علمًا يعرف ببه‪ ،‬ألزمبه ال‬
‫إياه‪ .‬وقد قيل في اسمه الرحمن‪ :‬إنه اسم ال العظم؛ ذكره ابن العربي‪.‬‬
‫@ "الرحيببم" صببفة مطلقببة للمخلوقيببن‪ ،‬ولمببا فببي "الرحمببن" مببن العموم قدم فببي كلمنببا على‬
‫"الرحيم" مع موافقة التنزيل؛ وقيل‪ :‬إن معنى "الرحيم" أي بالرحيم وصلتم إلى ال وإلى الرحمن‪،‬‬
‫فبب "الرحيبم" نعبت محمبد صبلى ال عليبه وسبلم؛ أي وبمحمبد صبلى ال عليبه وسبلم وصبلتم إلي‪ ،‬أي‬
‫باتباعه وبما جاء به وصلتم إلى ثوابي وكرامتي والنظر إلى وجهي؛ وال أعلم‪.‬‬
‫@ روي عن علي بن أبي طالب كرم ال وجهه أنه قال في قوله "بسم ال"‪ :‬إنه شفاء من كل داء‪،‬‬
‫وعون على كل دواء‪ .‬وأما "الرحمن" هو عون لكل من آمن به‪ ،‬وهو اسم لم يسم به غيره‪ .‬وأما‬
‫"الرحيم"‪ ،‬فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحاً‪.‬‬
‫وقد فسره بعضهم على الحروف؛ فروي عن عثمان بن عفان أنه سأل رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسبلم عبن تفسبير "بسبم ال الرحمبن الرحيبم" فقال‪( :‬أمبا الباء فبلء ال وروحبه ونضرتبه وبهاؤه‬
‫وأمبا السبين فسبناء ال وأمبا الميبم فملك ال وأمبا ال فل إله غيره وأمبا الرحمبن فالعاطبف على البر‬
‫والفاجر من خلقه وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة)‪ .‬وروي عن كعب الحبار أنه قال‪ :‬الباء‬
‫بهاؤه والسين سناؤه فل شيء أعلى منه والميم ملكه وهو على كل شيء قدير فل شيء يعازه‪ .‬وقد‬
‫قيبل‪ :‬إن كبل حرف هبو افتتاح اسبم مبن أسبمائه؛ فالباء مفتاح اسبمه بصبير‪ ،‬والسبين مفتاح اسبمه‬
‫سميع‪ ،‬والميم مفتاح اسمه مليك‪ ،‬واللف مفتاح اسمه ال‪ ،‬واللم مفتاح اسمه لطيف‪ ،‬والهاء مفتاح‬
‫اسبببمه هادي‪ ،‬والراء مفتاح اسببمه رازق‪ ،‬والحاء مفتاح اسبببمه حليببم‪ ،‬والنون مفتاح اسبببمه نور؛‬
‫ومعنى هذا كله دعاء ال تعالى عند افتتاح كل شيء‪.‬‬
‫@ واختلف فبي وصبل "الرحيبم" ببب "الحمبد ل"؛ فروي عبن أم سبلمة عبن النببي صبلى ال عليبه‬
‫وسببلم‪" :‬الرحيببم‪ .‬الحمببد" يسببكن الميببم ويقببف عليهببا‪ ،‬ويبتدئ بألف مقطوعببة‪ .‬وقرأ بببه قوم مببن‬
‫الكوفييبن‪ .‬وقرأ جمهور الناس‪" :‬الرحيبم الحمبد"‪ ،‬تعرب "الرحيبم" بالخفبض وبوصبل اللف مبن‬
‫"الحمبد"‪ .‬وحكبى الكسبائي عبن بعبض العرب أنهبا تقرأ "الرحيمَب الحمبد" بفتبح الميبم وصبلة اللف؛‬
‫كأنه سكنت الميم وقطعت اللف ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت‪ .‬قال ابن عطية‪ :‬ولم ترو عن‬
‫هذه قراءة عن أحد فيما علمت‪ .‬وهذا نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى‪" :‬الَم ال"‪.‬‬
‫*‪ *2‬سورة الفاتحة‬
‫*‪ *3‬الباب الول في فضائلها وأسمائها‬
‫@ روى الترمذي عن أببي ببن كعبب قال قال رسبول ال صبلى ال عليه وسبلم‪( :‬مبا أنزل ال فبي‬
‫التوراة ول في النجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي‬
‫ما سأل)‪ .‬أخرج مالك عن العلء بن عبدالرحمن بن يعقوب‪ :‬أن أبا سعيد مولى (عبدال بن) عامر‬
‫بن كريز أخبره أن رسول ال صلى ال عليه سلم نادى أب يّ بن كعب وهو يصلي‪ ،‬فذكر الحديث‪.‬‬
‫قال اببن عبدالبر‪ :‬أببو سبعيد ل يوقبف له على اسبم وهبو معدود فبي أهبل المدينبة‪ .‬روايتبه عبن أببي‬

‫هريرة وحديثه هذا مرسل‪ ،‬وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد بن المعلى رجل من الصحابة ل‬
‫يوقف على اسمه أيضا‪ ،‬رواه عنه حفص بن عاصم وعبيد بن حنين‪.‬‬
‫قلت‪ :‬كذا قال في التمهيد‪" :‬ل يوقف له على اسم"‪ .‬وذكر في كتاب الصحابة الختلف في اسمه‪.‬‬
‫والحديبث خرجبه البخاري عبن أببي سبعيد ببن المعلى قال‪ :‬كنبت أصبلي فبي المسبجد فدعانبي رسبول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم فلم أجبه فقلت‪ :‬يا رسول ال إني كنت أصلي فقال‪ :‬ألم يقل ال "استجيبوا‬
‫ل وللرسبول إذا دعاكبم" [النفال‪ - ]24 :‬ثبم قال‪( - :‬إنبي لعلمنبك سبورة هبي أعظبم السبور فبي‬
‫القرآن قبل أن تخرج من المسجد ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له‪ :‬ألم تقل لعلمنك سورة‬
‫هبي أعظم سورة فبي القرآن؟ قال‪ :‬الحمد ل رب العالميبن هبي السبع الثمانبي والقرآن العظيبم الذي‬
‫أوتيته)‪ .‬قال ابن عبدالبر وغيره‪ :‬أبو سعيد بن المعلى من جلة النصار وسادات النصار تفرد به‬
‫البخاري واسبمه رافبع‪ ،‬ويقال‪ :‬الحارث ببن نفيبع ببن المعلى‪ ،‬ويقال‪ :‬أوس ببن المعلى‪ ،‬ويقال‪ :‬أببو‬
‫سعيد بن أوس بن المعلى‪ ،‬توفي سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وستين سنة وهو أول من صلى‬
‫إلى القبلة حين حوّلت وسيأتي‪ .‬وقد أسند حديث أبيّ يزيد بن زريع قال‪ :‬حدثنا روح بن القاسم عن‬
‫العلء ببن عبدالرحمبن عبن أبيبه عبن أببي هريرة قال‪ :‬خرج رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم على‬
‫أبي وهو يصلي فذكر الحديث بمعناه‪.‬‬
‫وذكبر اببن النباري فبي كتاب الرد له‪ :‬حدثنبي أببي حدثنبي أببو عببيدال الوراق حدثنبا أببو داود‬
‫ن أربع رنات‪ :‬حين لعن وحين‬
‫حدثنا شيبان عن منصور عن مجاهد قال‪ :‬إن إبليس ‪ -‬لعنه ال ‪ -‬ر ّ‬
‫أهببط مبن الجنبة وحيبن بعبث محمبد صبلى ال عليبه وسبلم وحيبن أنزلت فاتحبة الكتاب‪ ،‬وأنزلت‬
‫بالمدينة‪.‬‬
‫@ اختلف العلماء فبي تفضيل بعض السور والي على بعض‪ ،‬وتفضيل بعض أسماء ال تعالى‬
‫الحسبنى على بعبض فقال قوم‪ :‬ل فضبل لبعبض على بعبض لن الكبل كلم ال وكذلك أسبماؤه ل‬
‫مفاضلة بينهبا‪ .‬ذهبب إلى هذا الشيبخ أببو الحسبن الشعري والقاضبي أببو بكبر ببن الطيبب وأببو حاتبم‬
‫محمبد بن حبان البستي وجماعة من الفقهاء‪ .‬وروي معناه عن مالك‪ .‬قال يحيبى بن يحيى‪ :‬تفضيل‬
‫بعبض القرآن على بعبض خطبأ‪ ،‬وكذلك كره مالك أن تعاد سبورة أو تردد دون غيرهبا‪ .‬وقال عبن‬
‫مالك فبي قول ال تعالى‪" :‬نأت بخيبر منها أو مثلهبا" [البقرة‪ ]106 :‬قال‪ :‬محكمبة مكان منسوخة‪.‬‬
‫وروى ابببن كنانببة مثببل ذلك كله عببن مالك‪ .‬واحتببج هؤلء بأن قالوا‪ :‬إن الفضببل يشعببر بنقببص‬
‫المفضول والذاتية في الكل واحدة وهي كلم ال وكلم ال تعالى ل نقص فيه‪ .‬قال البستي‪ :‬ومعنى‬
‫هذه اللفظبة (مبا فبي التوراة ول فبي النجيبل مثبل أم القرآن)‪ :‬أن ال تعالى ل يعطبي لقارئ التوراة‬
‫والنجيل من الثواب مثل ما يعطي لقارئ أم القرآن إذ ال بفضله هذه المة على غيرها من المم‬
‫وأعطاها من الفضل على قراءة كلمه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلمه وهو‬
‫فضبل منبه لهذه المبة‪ .‬قال ومعنبى قوله‪( :‬أعظبم سبورة) أراد ببه فبي الجبر ل أن بعبض القرآن‬
‫أفضبل مبن بعبض‪ .‬وقال قوم بالتفضيبل وأن مبا تضمنبه قوله تعالى "إلهكبم إله واحبد ل إله إل هبو‬
‫الرحمببن الرحيببم" [البقرة‪ ]163 :‬وآيببة الكرسببي وآخببر سببورة الحشببر وسببورة الخلص مببن‬
‫الدللت على وحدانيتبه وصفاته ليبس موجودا مثل فبي "تببت يدا أببي لهبب" [المسبد‪ ]1 :‬ومبا كان‬
‫مثلها‪.‬‬
‫والتفضيبل إنمبا هبو بالمعانبي العجيببة وكثرتهبا ل مبن حيبث الصبفة وهذا هبو الحبق‪ .‬وممبن قال‬
‫بالتفضيبل إسبحاق ببن راهويبة وغيره مبن العلماء والمتكلميبن وهبو اختيار القاضبي أببي بكبر ببن‬
‫العربي وابن الحصار لحديث أبي سعيد بن المعلى وحديث أبي بن كعب أنه قال قال لي رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪( :‬يا أبي أي آية معك في كتاب ال أعظم) قال فقلت‪" :‬ال ل إله إل هو الحي‬
‫القيوم" [البقرة‪ .]255 :‬قال‪ :‬فضرب فبي صبدري وقال‪( :‬ليهنبك العلم يبا أببا المنذر) أخرجبه‬
‫البخاري ومسلم‪.‬‬
‫قال ابن الحصار‪ :‬عجبي ممن يذكر الختلف مع هذه النصوص‪.‬‬
‫وقال اببن العرببي‪ :‬قوله‪( :‬مبا أنزل ال فبي التوراة ول فبي النجيبل ول فبي القرآن مثلهبا) وسبكت‬
‫عبن سبائر الكتبب كالصبحف المنزلة والزبور وغيرهبا لن هذه المذكورة أفضلهبا وإذا كان الشيبء‬

‫أفضل الفضل صار أفضل الكل‪ .‬كقولك‪ :‬زيد أفضل العلماء فهو أفضل الناس‪ .‬وفي الفاتحة من‬
‫الصبفات مبا ليبس لغيرهبا حتبى قيبل‪ :‬إن جميبع القرآن فيهبا‪ .‬وهبي خمبس وعشرون كلمبة تضمنبت‬
‫جميع علوم القرآن‪ .‬ومن شرفها أن ال سبحانه قسمها بينه وبين عبده ول تصح القربة إل بها ول‬
‫يلحق عمل بثوابها وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم كما صارت "قل هو ال أحد" تعدل ثلث‬
‫القرآن إذ القرآن توحيبد وأحكام ووعبظ و"قبل هبو ال أحبد" فيهبا التوحيبد كله وبهذا المعنبى وقبع‬
‫البيان فبي قول عليبه السبلم لببي‪( .‬أي آيبة فبي القرآن أعظبم) قال‪" :‬ال ل إله إل هبو الحبي القيوم"‬
‫[البقرة‪ .]255 :‬وإنمبا كانبت أعظبم آيبة لنهبا توحيبد كلهبا كمبا صبار قوله‪( :‬أفضبل مبا قلتبه أنبا‬
‫والنببيون مبن قبلي ل إله إل ال وحده ل شريبك له) أفضبل الذكبر لنهبا كلمات حوت جميبع العلوم‬
‫فبي التوحيبد والفاتحبة تضمنبت التوحيبد والعبادة والوعبظ والتذكيبر ول يسبتبعد ذلك فبي قدرة ال‬
‫تعالى‪.‬‬
‫@ روى علي ببن أببي طالب رضبي ال عنبه قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬فاتحبة‬
‫الكتاب وآية الكرسي وشهد ال أنه ل إله إل هو وقل اللهم مالك الملك هذه اليات معلقات بالعرش‬
‫ليس بينهن وبين ال حجاب)‪ .‬أسنده أبو عمرو الداني في كتاب البيان له‪.‬‬
‫@ فبي أسبمائها ‪ -‬وهبي اثنبا عشبر اسبما‪( :‬الول)‪ :‬الصبلة‪ ،‬قال ال تعالى‪( :‬قسبمت الصبلة بينبي‬
‫وبيبن عبدي نصبفين) الحديبث‪ .‬وقبد تقدم‪( .‬الثانبي)‪[ :‬سبورة] الحمبد‪ ،‬لن فيهبا ذكبر الحمبد كمبا يقال‪:‬‬
‫سبورة العراف والنفال والتوببة ونحوهبا‪( .‬الثالث)‪ :‬فاتحبة الكتاب‪ ،‬مبن غيبر خلف بيبن العلماء‪،‬‬
‫وسبميت بذلك لنبه تفتتبح قراءة القرآن بهبا لفظبا وتفتتبح بهبا الكتاببة فبي المصبحف خطاً وتفتتبح بهبا‬
‫الصلوات‪( .‬الرابع)‪ :‬أم الكتاب‪ ،‬وفي هذا السم خلف جوزه الجمهور وكرهه أنس والحسن وابن‬
‫سبببيرين‪ .‬قال الحسبببن‪ :‬أم الكتاب الحلل والحرام‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬آيات محكمات هبببن أم الكتاب‬
‫وأخبر متشابهات" [آل عمران‪ .]7 :‬وقال أنبس واببن سبيرين‪ :‬أم الكتاب اسبم اللوح المحفوظ‪ .‬قال‬
‫ال تعالى‪" :‬وإنه في أم الكتاب"‪[ .‬الزخرف‪( .]4 :‬الخامس)‪ :‬أم القرآن‪ ،‬واختلف فيه أيضا فجوزه‬
‫الجمهور وكرهبه أنبس واببن سبيرين والحاديبث الثابتبة ترد هذيبن القوليبن‪ .‬روى الترمذي عبن أببي‬
‫هريرة قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬الحمبد ل أم القران وأم الكتاب والسببع المثانبي)‬
‫قال‪ :‬هذا حديببث حسببن صببحيح‪ .‬وفببي البخاري قال‪ :‬وسببميت أم الكتاب لنببه يبتدأ بكتابتهببا فببي‬
‫المصباحف ويبدأ بقراءتهبا فبي الصبلة‪ .‬وقال يحيبى ببن يعمبر‪ :‬أم القرى‪ :‬مكة‪ ،‬وأم خراسبان‪ :‬مرو‪،‬‬
‫وأم القرآن‪ :‬سبورة الحمبد‪ .‬وقيبل‪ :‬سبميت أم القرآن لنهبا أوله ومتضمنبة لجميبع علومبه‪ ،‬وببه سبميت‬
‫مكة أم القرى لنها أول الرض ومنها دحيت‪ ،‬ومنه سميت الم أما لنها أصل النسل‪ ،‬والرض‬
‫أما في قول أمية بن أبي الصلت‪:‬‬
‫فالرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا وفيها نولد‬
‫ويقال لراية الحرب‪ :‬أم‪ ،‬لتقدمها واتباع الجيبش لها‪ .‬وأصبل أم أمهبة‪ ،‬ولذلك تجمبع على أمهات قال‬
‫ال تعالى‪" :‬وأمهاتكم"‪ .‬ويقال أمات بغير هاء‪ .‬قال‪:‬‬
‫ت الظلم بأمّاتكا‬
‫فَ َرجْ َ‬
‫وقيل‪ :‬إن أمهات في الناس‪ ،‬وأمّات في البهائم‪ ،‬حكاه ابن فارس في المجمل‪.‬‬
‫(السادس)‪ :‬المثاني‪ ،‬سميت بذلك لنها تثنى في كل ركعة‪ ،‬وقيل‪ :‬سميت بذلك لنها استثنيت لهذه‬
‫المبة فلم تنزل على أحبد قبلهبا ذخرا لهبا‪( .‬السبابع)‪ :‬القرآن العظيبم‪ ،‬سبميت بذلك لتضمنهبا جميبع‬
‫علوم القرآن وذلك أنهبا تشتمبل على الثناء على ال عبز وجبل بأوصباف كماله وجلله وعلى المبر‬
‫بالعبادات والخلص فيهببا والعتراف بالعجببز عببن القيام بشيببء منهببا إل بإعانتببه تعالى وعلى‬
‫البتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم وكفاية أحوال الناكثين وعلى بيانه عاقبة الجاحدين‪.‬‬
‫(الثامن)‪ :‬الشفاء‪ ،‬روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫(فاتحة الكتاب شفاء من كل سم)‪( .‬التاسع)‪ :‬الرقية‪ ،‬ثبت ذلك من حديث أبى سعيد الخدري وفيه‪:‬‬
‫أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال للرجل الذي رقى سيد الحي‪( :‬ما أدراك أنها رقية) فقال‪ :‬يا‬
‫رسبول ال شيبء ألقبى فبي روعبي‪ ...‬الحديبث‪ .‬خرّجبه الئمبة وسبيأتي بتمامبه‪( .‬العاشبر)‪ :‬السباس‪،‬‬
‫شكبا رجبل إلى الشعببي وجبع الخاصبرة‪ ،‬فقال‪ :‬عليبك بأسباس القرآن فاتحبة الكتاب‪ ،‬سبمعت اببن‬

‫عباس يقول‪ :‬لكل شيء أساس وأساس الدنيا مكة لنها منها دحيت‪ ،‬وأساس السماوات عَريباً وهي‬
‫السبماء السبابعة‪ ،‬وأسباس الرض عجيباً وهبي الرض السبابعة السبفلى‪ ،‬وأسباس الجنان جنبة عدن‬
‫وهبي سبرة الجنان عليهبا أسبست الجنبة‪ ،‬وأسباس النار جهنبم وهبي الدركبة السبابعة السبفلى عليهبا‬
‫أسبست الدركات‪ ،‬وأسباس الخلق آدم وأسباس النببياء نوح وأسباس بنبي إسبرائيل يعقوب وأسباس‬
‫الكتببب القرآن وأسبباس القرآن الفاتحببة وأسبباس الفاتحببة بسببم ال الرحمببن الرحيببم فإذا اعتللت أو‬
‫اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى‪( .‬الحادي عشر)‪ :‬الوافية‪ ،‬قاله سفيان بن عيينة‪ ،‬لنها ل تتنصف ول‬
‫تحتمل الختزال‪ ،‬ولو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة ونصفها الخر في ركعة لجزأ ولو‬
‫نصبفت الفاتحبة فبي ركعتيبن لم يجبز‪( .‬الثانبي عشبر)‪ :‬الكافيبة‪ ،‬قال يحيبى ببن أببي كثيبر‪ :‬لنهبا تكفبي‬
‫عن سواها ول يكفي سواها عنها‪ .‬يدل عليه ما روى محمد بن خلد السكندراني قال‪ :‬قال النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم‪( :‬أم القرآن عوض من غيرها وليس غيرها منها عوضا)‪.‬‬
‫@ قال المهلب‪ :‬إن موضبع الرقيبة منهبا إنمبا هبو "إياك نعببد وإياك نسبتعين" [الفاتحبة‪ :‬اليبة ‪.]5‬‬
‫وقيل‪ :‬السورة كلها رقية لقول عليه السلم للرجل لما أخبره‪( :‬وما أدراك أنها رقية) ولم يقل‪ :‬أن‬
‫فيهبا رقيبة‪ ،‬فدل هذا على أن السبورة بأجمعهبا رقيبة لنهبا فاتحبة الكتاب ومبدؤه ومتضمنبة لجميبع‬
‫علومه كما تقدم وال أعلم‪.‬‬
‫@ ليس في تسميتها بالمثاني وأم الكتاب ما يمنع من تسمية غيرها بذلك‪ ،‬قال ال عز وجل‪" :‬كتابا‬
‫متشابها مثاني" [الزمر‪ ]23 :‬فأطلق على كتابه‪ :‬مثاني لن الخبار تثنى فيه‪ .‬وقد سميت السبع‬
‫الطول أيضا مثاني لن الفرائض والقصص تثنى فيها‪ .‬قال ابن عباس‪ :‬أوتى رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم سبعا من المثاني قال‪ :‬السبع الطول‪ .‬ذكره النسائي وهي من "البقرة" إلى "العراف"‬
‫سبت واختلفوا فبي السبابعة فقيبل‪ :‬يونبس وقيبل‪ :‬النفال والتوببة وهبو قول مجاهبد وسبعيد ببن جببير‪.‬‬
‫وقال أعشى همدان‪:‬‬
‫فلجوا المسجد وادعوا ربكم وادرسوا هذي المثاني والطّوَل‬
‫وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة "الحجر" إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@ المثاني جمع مثنى وهي التي جاءت بعد الولى والطول جمع أطول‪ .‬وقد سميت النفال من‬
‫المثاني لنها تتلو الطول في القدر‪ .‬وقيل‪ :‬هي التي تزيد آياتها على المفضل وتنقص عن المئين‪.‬‬
‫والمئون‪ :‬هي السور التي تزيد كل واحدة منها على مائة آية‪.‬‬
‫*‪ *3‬الباب الثاني ‪ -‬في نزولها وأحكامها‪:‬‬
‫@ أجمعت المة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات إل ما روي عن حسين الجعفي‪ :‬أنها ست وهذا‬
‫شاذ‪ .‬وإل ما روي عن عمرو بن عبيد أنه جعل "إياك نعبد" آية وهي على عدة ثماني آيات وهذا‬
‫شاذ‪ .‬وقوله تعالى‪" :‬ولقد آتيناك سبعا من المثاني" [الحجر‪ ]87 :‬قوله‪( :‬قسمت الصلة) الحديث‬
‫يرد هذين القولين‪.‬‬
‫وأجمعت المة أيضا على أنها من القرآن‪ .‬فإن قيل‪ :‬لو كانت قرآنا لثبتها عبدال بن مسعود في‬
‫مصحفه فلما لم يثبتها دل على أنها ليست من القرآن كالمعوذتين عنده‪.‬‬
‫فالجواب مبا ذكره أببو بكبر النباري قال‪ :‬حدثنبا الحسبن ببن الحباب حدثنبا سبليمان ببن الشعبث‬
‫حدثنا ابن أبي قدامة حدثنا جرير عن العمش قال‪ :‬أظنه عن إبراهيم قال‪ :‬قيل لعبدال بن مسعود‪:‬‬
‫لِ مَ لَ ْم تكتب فاتحة الكتاب في مصحفك قال لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬يعني أن‬
‫كل ركعة سبيلها أن تفتتح بأم القرآن قبل السورة المتلوة بعدها فقال‪ :‬اختصبرت بإسقاطها ووثقت‬
‫بحفبظ المسبلمين لهبا ولم أثبتهبا فبي موضبع فيلزمنبي أن أكتبهبا مبع كبل سبورة‪ ،‬إذ كانبت تتقدمهبا فبي‬
‫الصلة‪.‬‬
‫@ اختلفوا أهبي مكيبة أم مدنيبة؟ فقال اببن عباس وقتادة وأببو العاليبة الرياحبي ‪ -‬واسبمه رُفيبع ‪-‬‬
‫وغيرهبم‪ :‬هبي مكيبة‪ .‬وقال أببو هريرة ومجاهبد وعطاء ببن يسبار والزهري وغيرهبم‪ :‬هبي مدنيبة‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬نزل نصفها بمكة ونصفها بالمدينة‪ .‬حكاه أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي‬
‫فبي تفسبيره‪ .‬والول أصبح لقوله تعالى‪" :‬ولقبد آتيناك سببعا مبن المثانبي والقرآن العظيبم" [الحجبر‪:‬‬
‫‪ ]87‬والحجبر مكيبة بإجماع‪ .‬ول خلف أن فرض الصبلة كان بمكبة‪ .‬ومبا حفبظ أنبه كان فبي‬

‫السبلم قبط صبلة بغيبر "الحمبد ل رب العالميبن" يدل على هذا قوله عليبه السبلم‪( :‬ل صبلة إل‬
‫بفاتحة الكتاب)‪ .‬وهذا خبر عن الحكم ل عن البتداء‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقد ذكر القاضي ابن الطيب اختلف الناس في أول ما نزل من القرآن فقيل‪ :‬المدثر وقيل‪ :‬اقرأ‬
‫وقيبل‪ :‬الفاتحبة‪ .‬وذكبر البيهقبي فبي دلئل النبوة عبن أببي ميسبرة عمرو ببن شَرَحبيبل أن رسبول ال‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم قال لخديجبة‪( :‬إنبي إذا خلوت وحدي سبمعت نداء وقبد وال خشيبت أن يكون‬
‫هذا أمراً) قالت‪ :‬معاذ ال مبا كان ال ليفعبل ببك فوال إنبك لتؤدي المانبة وتصبل الرحبم وتصبدق‬
‫الحديث‪ .‬فلما دخل أبو بكر ‪ -‬وليس رسول ال صلى ال عليه وسلم ثم ‪ -‬ذكرت خديجة حديثه له‬
‫قالت‪ :‬يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل‪ .‬فلما دخل رسول ال صلى ال عليه وسلم أخذ‬
‫أبو بكر بيده فقال‪ :‬انطلق بنا إلى ورقة فقال‪( :‬ومن أخبرك)‪ .‬قال‪ :‬خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه‬
‫فقال‪( :‬إذا خلوت وحدي سبمعت نداء خلفبي يبا محمبد يبا محمبد فأنطلق هارببا فبي الرض) فقال‪ :‬ل‬
‫تفعل‪ ،‬إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني‪ .‬فلما خل ناداه‪ :‬يا محمد! قل "بسم ال‬
‫الرحمبن الرحيبم الحمبد ل رب العالميبن ‪ -‬حتبى بلغ ‪ -‬ول الضاليبن"‪ ،‬قبل‪ :‬ل إله إل ال‪ .‬فأتبى ورقبة‬
‫فذكبر ذلك له‪ ،‬فقال له ورقبة‪ :‬أبشبر ثبم أبشبر‪ ،‬فأنبا أشهبد أنبك الذي بشبر ببه عيسبى اببن مريبم وأنبك‬
‫على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا‪ ،‬وإن يدركني‬
‫ذلك لجاهدن معبك‪ .‬فلمبا توفبى ورقبة قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬لقبد رأيبت القَسّب فبي‬
‫الجنبة عليبه ثياب الحريبر لنبه آمبن ببي وصبدقني) يعنبي ورقبة‪ .‬قال البيهقبي رضبي ال عنبه‪ :‬هذا‬
‫منقطع‪ .‬يعني هذا الحديث‪ ،‬فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزل عليه‬
‫"اقرأ باسم ربك" [العلق‪ ]1 :‬و"يا أيها المدثر" [المدثر‪.]1 :‬‬
‫@ قال ابن عطية‪ :‬ظن بعض العلماء أن جبريل عليه السلم لم ينزل بسورة الحمد لما رواه مسلم‬
‫عن ابن عباس قال‪ :‬بينما جبريل قاعد عند النبي صلى ال عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع‬
‫رأسبه فقال‪ :‬هذا باب مبن السبماء فتبح اليوم لم يفتبح قبط إل اليوم فنزل منبه ملك فقال‪ :‬هذا ملك نزل‬
‫إلى الرض لم ينزل قبط إل اليوم‪ ،‬فسبلم وقال‪ :‬أبشبر بنوريبن أوتيتهمبا لم يؤتهمبا نببي قبلك‪ :‬فاتحبة‬
‫الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إل أعطيته‪ .‬قال ابن عطية‪ :‬وليس كما ظن فإن‬
‫هذا الحديبث يدل على أن جبريبل عليبه السبلم تقدم الملك إلى النببي صبلى ال عليبه وسبلم ُمعْلِمبا ببه‬
‫وبما ينزل معه‪ ،‬وعلى هذا يكون جبريل شارك في نزولها وال أعلم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬الظاهبر مبن الحديبث يدل على أن جبريبل عليبه السبلم لم يعلم النببي صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫بشيبء مبن ذلك‪ .‬وقبد بينبا أن نزولهبا كان بمكبة نزل بهبا جبريبل عليبه السبلم لقوله تعالى‪" :‬نزل ببه‬
‫الروح الميبن" [الشعراء‪ ]193 :‬وهذا يقتضبي جميبع القرآن فيكون جبريبل عليبه السبلم نزل‬
‫بتلوتهبا بمكبة ونزل الملك بثوابهبا بالمدينبة‪ .‬وال أعلم‪ .‬وقبد قيبل‪ :‬إنهبا مكيبة مدنيبة نزل بهبا جبريبل‬
‫مرتين حكاه الثعلبي‪ .‬وما ذكرناه أولى‪ .‬فانه جمع بين القرآن والسنة ول الحمد والمنة‪.‬‬
‫@ قد تقدم أن البسملة ليست بآية منها على القول الصحيح‪ ،‬وإذا ثبت ذلك فحكم المصلي إذا كبر‬
‫أن يصببله بالفاتحببة ول يسببكت‪ ،‬ول يذكببر توجيهببا ول تسبببيحا‪ ،‬لحديببث عائشببة وأنببس المتقدميببن‬
‫وغيرهما وقد جاءت أحاديث بالتوجيه والتسبيح والسكوت‪ ،‬قال بها جماعة من العلماء فروي عن‬
‫عمببر بببن الخطاب وعبدال بببن مسببعود رضببي ال عنهمببا أنهمببا كانببا يقولن إذا افتتحببا الصببلة‪:‬‬
‫سببحانك اللهبم وبحمدك تبارك اسبمك وتعالى جدك ول إله غيرك‪ .‬وببه قال سبفيان وأحمبد وإسبحاق‬
‫وأصبحاب الرأي‪ .‬وكان الشافعبي يقول بالذي روي عبن علي عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم‪ ،‬أنبه‬
‫كان إذا افتتح الصلة كبر ثم قال‪( :‬وجهت وجهي) الحديث‪ ،‬ذكره مسلم‪ ،‬وسيأتي بتمامه في آخر‬
‫سورة النعام‪ ،‬وهناك يأتي القول في هذه المسألة مستوفى إن شاء ال‪.‬‬
‫قال اببن المنذر‪ :‬ثببت أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم كان إذا كببر فبي الصبلة سبكت هنيهبة‬
‫قببل أن يقرأ‪ ،‬يقول‪( :‬اللهبم باعبد بينبي وبيبن خطاياي كمبا باعدت بيبن المشرق والمغرب اللهبم نقنبي‬
‫مبن خطاياي كمبا ينقبى الثوب البيبض مبن الدنبس اللهبم أغسبلني مبن خطاياي بالماء والثلج والبرد)‬
‫واسبتعمل ذلك أببو هريرة‪ .‬وقال أببو سبلمة ببن عبدالرحمبن‪ :‬للمام سبكتتان فاغتنموا فيهمبا القراءة‪.‬‬
‫وكان الوزاعي وسعيد بن عبدالعزيز وأحمد بن حنبل يميلون إلى حديث النبي في هذا الباب‪.‬‬

‫@ واختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلة فقال مالك وأصحابه‪ :‬هي متعينة للمام‬
‫والمنفرد في كل ركعة‪ .‬قال ابن خويز مَنداد البصري المالكي‪ :‬لم يختلف قول مالك أنه من نسيها‬
‫فبي صبلة ركعبة مبن صبلة ركعتيبن أن صبلته تبطبل ول تجزيبه‪ .‬واختلف قوله فيمبن تركهبا ناسبيا‬
‫فبي ركعبة مبن صبلة رباعيبة أو ثلثيبة فقال مرة‪ :‬يعيبد الصبلة وقال مرة أخرى‪ :‬يسبجد سبجدتي‬
‫السبهو‪ ،‬وهبي روايبة اببن عبدالحكبم وغيره عبن مالك‪ .‬قال اببن خويبز منداد وقبد قيبل‪ :‬إنبه يعيبد تلك‬
‫الركعبة ويسبجد للسبهو بعبد السبلم‪ .‬قال اببن عبدالبر‪ :‬الصبحيح مبن القول إلغاء تلك الركعبة ويأتبي‬
‫بركعبة بدل منهبا كمبن أسبقط سبجدة سبهوا‪ .‬وهبو اختيار اببن القاسبم‪ .‬وقال الحسبن البصبري وأكثبر‬
‫أهببل البصببرة والمغيرة بببن عبدالرحمببن المخزومببي المدنببي‪ :‬إذا قرأ بأم القرآن مرة واحدة فببي‬
‫الصلة أجزأه ولم تكن عليه إعادة لنها صلة قد قرأ فيها بأم القرآن وهي تامة لقوله عليه السلم‪:‬‬
‫(ل صلة لمن لم يقرأ بأم القرآن) وهذا قد قرأ بها‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ويحتمبل ل صبلة لمن لم يقرأ بها فبي كبل ركعة‪ ،‬وهو الصحيح على مبا يأتبي‪ .‬ويحتمبل ل‬
‫صلة لمن لم يقرأ بها في أكثر عدد الركعات‪ ،‬وهذا هو سبب الخلف وال أعلم‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة والثوري والوزاعي‪ :‬إن تركها عامدا في صلته كلها وقرأ غيرها أجزأه على‬
‫اختلف عن الوزاعي في ذلك‪ .‬وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن‪ :‬أقله ثلث آيات أو آية طويلة‬
‫كآيبة الديبن‪ .‬وعن محمبد بن الحسبن أيضبا قال‪ :‬أسبوغ الجتهاد فبي مقدار آيبة ومقدار كلمبة مفهومة‬
‫نحو‪" :‬الحمد ل" ول أسوغه في حرف ل يكون كلما‪.‬‬
‫وقال الطبببري‪ :‬يقرأ المصببلى بأم القرآن فببي كببل ركعببة فإن لم يقرأ بهببا لم يجزه إل مثلهببا مببن‬
‫القرآن عدد آيهبا وحروفهبا‪ .‬قال اببن عبدالبر‪ :‬وهذا ل معنبى له لن التعييبن لهبا والنبص عليهبا قبد‬
‫خصبها بهذا الحكبم دون غيرهبا ومحال أن يجيبء بالبدل منهبا مبن وجببت عليبه فتركهبا وهبو قادر‬
‫عليها وإنما عليه أن يجيء بها ويعود إليها كسائر المفروضات المتعينات في العبادات‪.‬‬
‫@ وأما المأموم فإن أدرك المام راكعا فالمام يحمل عنه القراءة لجماعهم على أنه إذا أدركه‬
‫راكعبا أنبه يكببر ويركبع ول يقرأ شيئا وإن أدركبه قائمبا فإنبه يقرأ ول ينبغبي لحبد أن يدع القراءة‬
‫خلف إمامه فبي صلة السبر فإن فعل فقد أساء ول شيبء عليه عند مالك وأصبحابه‪ .‬وأما إذا جهبر‬
‫المام فل قراءة بفاتحببة الكتاب ول غيرهببا فببي المشهور مببن مذهببب مالك لقول ال تعالى‪" :‬وإذا‬
‫قرئ القرآن فاسبتمعوا له وأنصبتوا" [العراف‪ ]204 :‬وقول رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪:‬‬
‫(ما لي أنازع القرآن) وقول في المام‪( :‬إذا قرأ فأنصتوا) وقول‪( :‬من كان له إمام فقراءة المام له‬
‫قراءة)‪.‬‬
‫وقال الشافعي فيما حكى عنه البويطي وأحمد بن حنبل‪ :‬ل تجزئ أحدا صلة حتى يقرأ بفاتحة‬
‫الكتاب في كل ركعة‪ ،‬إماما كان أو مأموما‪ ،‬جهر إمامه أو أسر‪ .‬وكان الشافعي بالعراق يقول في‬
‫المأموم‪ :‬يقرأ إذا أسر ول يقرأ إذا جهر كمشهور مذهب مالك‪ .‬وقال بمصر‪ :‬فيما يجهر فيه المام‬
‫بالقراءة قولن‪ :‬أحدهمببا أن يقرأ والخببر يجزئه أل يقرأ ويكتفببي بقراءة المام‪ .‬حكاه ابببن المنذر‪.‬‬
‫وقال ابن وهب وأشهب وابن عبدالحكم وابن حبيب والكوفيون‪ :‬ل يقرأ المأموم شيئا جهر إمامه أو‬
‫أسبر لقوله عليبه السبلم‪( :‬فقراءة المام له قراءة) وهذا عام ولقول جابر‪ :‬مبن صبلى ركعبة لم يقرأ‬
‫فيها بأم القرآن فلم يصل إل وراء المام‪.‬‬
‫@ الصحيح من هذه القوال قول الشافعي وأحمد ومالك في القول الخر وأن الفاتحة متعينة في‬
‫كبل ركعبة لكبل أحبد على العموم لقوله صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬ل صبلة لمبن لم يقرأ فيهبا بفاتحبة‬
‫الكتاب) وقوله‪( :‬مببن صببلى صببلة لم يقرأ فيهببا بأم القران فهببي خداج) ثلثببا‪ .‬وقال أبببو هريرة‪:‬‬
‫أمرنبي رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم أن أنادي أنبه‪( :‬ل صبلة إل بقراءة فاتحبة الكتاب فمبا زاد)‬
‫أخرجبه أببو داود‪ .‬كمبا ل ينوب سبجود ركعبة ول ركوعهبا عبن ركعبة أخرى فكذلك ل تنوب قراءة‬
‫ركعببة عببن غيرهببا‪ ،‬وبببه قال عبدال بببن عون وأيوب السببختياني وأبببو ثور وغيره مببن أصببحاب‬
‫الشافعي وداود بن علي‪ ،‬وروي مثله عن الوزاعي وبه قال مكحول‪.‬‬
‫وروي عببن عمببر بببن الخطاب وعبدال بببن عباس وأبببي هريرة وأبببي بببن كعببب وأبببي أيوب‬
‫النصاري وعبدال بن عمرو بن العاص وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وعثمان بن أبي‬

‫العاص وخوّات بن جُبير أنهم قالوا‪ :‬ل صلة إل بفاتحة الكتاب‪ .‬وهو قول ابن عمر والمشهور من‬
‫مذهب الوزاعي‪ ،‬فهؤلء الصحابة بهم القدوة وفيهم السوة كلهم يوجبون الفاتحة في كل ركعة‪.‬‬
‫وقد أخرج المام أبو عبدال محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه ما يرفع الخلف ويزيل‬
‫كبل احتمال فقال‪ :‬حدثنبا أببو ريبب حدثنبا محمبد ببن فضيبل وحدثنبا سبويد ببن سبعيد حدثنبا علي ببن‬
‫مسبهر جميعبا عبن أببي سبفيان السبعدي عبن أببي نضرة عبن أببي سبعيد الخدري قال قال رسبول ال‬
‫صببلى ال عليببه وسببلم (ل صببلة لمببن لم يقرأ فببي كببل ركعببة بالحمببد ل وسببورة فببي فريضببة أو‬
‫غيرها)‪ .‬وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه عليه السلم قال للذي علمه الصلة‪( :‬وأفعل ذلك‬
‫فبي صبلتك كلهبا) وسبيأتي‪ .‬ومبن الحجبة فبي ذلك أيضبا مبا رواه أببو داود عبن نافبع ببن محمود ببن‬
‫الربيبع النصباري قال‪ :‬أبطبأ عبادة ببن الصبامت عبن صبلة الصببح فأقام أببو نعيبم المؤذن الصبلة‬
‫فصبلى أببو نعيبم بالناس وأقببل عبادة ببن الصبامت وأنبا معبه حتبى صبففنا خلف أببي نعيبم وأببو نعيبم‬
‫يجهر بالقراءة فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن‪ ،‬فلما انصرف قلت لعبادة‪ :‬سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو‬
‫نعيم يجهر؟ قال‪ :‬أجل! صلى بنا رسول ال صلى ال عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها‬
‫بالقراءة فالتبسبت عليبه فلمبا انصبرف أقببل علينبا بوجهبه فقال‪( :‬هبل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة)‬
‫فقال بعضنببا‪ :‬إنببا نصببنع ذلك قال‪( :‬فل‪ .‬وأنببا أقول مببا لي ينازعنببي القرآن فل تقرؤوا بشيببء مببن‬
‫القرآن إذا جهرت إل بأم القرآن)‪ .‬وهذا نص صريح في المأموم‪ .‬وأخرجه أبو عيسى الترمذي من‬
‫حديبث محمبد ببن إسبحاق بمعناه وقال‪ :‬حديبث حسبن‪ .‬والعمبل على هذا الحديبث فبي القراءة خلف‬
‫المام عنبد أكثبر أهبل العلم مبن أصبحاب النببي والتابعيبن وهبو قول مالك ببن أنبس واببن المبارك‬
‫والشافعبي وأحمبد وإسبحاق يرون القراءة خلف المام‪ .‬وأخرجبه أيضبا الدارقطنبي قال‪ :‬هذا إسبناد‬
‫حسن‪ ،‬ورجاله كلهم ثقات‪ ،‬وذكر أن محمود بن الربيع كان يسكن إيلياء‪ ،‬وأن أبا نعيم أول من أذن‬
‫في بيت المقدس‪ .‬وقال أبو محمد عبدالحق‪ :‬ونافع بن محمود لم يذكره البخاري في تاريخه ول ابن‬
‫أببي حاتبم ول أخرج له البخاري ومسبلم شيئا‪ .‬وقال فيبه أببو عمبر‪ :‬مجهول‪ .‬وذكبر الدارقطنبي عبن‬
‫يزيبد ببن شريبك قال‪ :‬سبألت عمبر عبن القراءة خلف المام فأمرنبي أن اقرأ قلت‪ :‬وإن كنبت أنبت؟‬
‫قال‪ :‬وإن كنبببت أنبببا‪ ،‬قلت‪ :‬وإن جهرت‪ ،‬قال‪ :‬وإن جهرت‪ .‬قال الدارقطنبببي‪ :‬هذا إسبببناد صبببحيح‪.‬‬
‫وروي عبن جابر ببن عبدال قال‪ :‬قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬المام ضامبن فمبا صبنع‬
‫فاصبنعوا)‪ .‬قال أببو حاتبم‪ :‬هذا يصبح لمبن قال بالقراءة خلف المام وبهذا أفتبى أببو هريرة الفارسبي‬
‫أن يقرأ بهبا فبي نفسبه حيبن قال له‪ :‬إنبي أحيانبا أكون وراء المام‪ ،‬ثبم اسبتدل بقوله تعالى‪( :‬قسبمت‬
‫الصبلة بينبي وبيبن عبدي نصبفين فنصبفها لي ونصبفها لعبدي ولعبدي مبا سبأل)‪ .‬قال رسبول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪( :‬اقرؤوا يقول العبد الحمد ل رب العالمين) الحديث‪.‬‬
‫@ أما ما استدل به الولون بقول عليه السلم‪( :‬وإذا قرأ فأنصتوا) أخرجه مسلم من حديث أبي‬
‫موسبى الشعري وقال‪ :‬وفبي حديبث جريبر عبن سبليمان عبن قتادة مبن الزيادة (وإذا قرأ فأنصبتوا)‬
‫قال الدارقطنبي‪ :‬هذه اللفظبة لم يتاببع سبليمان التيمبي فيهبا عبن قتادة‪ ،‬وخالفبه الحفاظ مبن أصبحاب‬
‫قتادة فلم يذكروها‪ ،‬منهم شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة وهمام وأبو عوانة ومعمر وعدي بن‬
‫أببي عمارة‪ .‬قال الدارقطنبي‪ :‬فإجماعهبم يدل على وَ َهمِه‪ .‬وقبد روي عبن عبدال ببن عامبر عبن قتادة‬
‫متابعة التيمي ولكن ليس هو بالقوي تركه القطّعان‪ .‬وأخرج أيضا هذه الزيادة أبو داود من حديث‬
‫أببي هريرة وقال‪ :‬هذه الزيادة (إذا قرأ فأنصبتوا) ليسبت بمحفوظبة‪ .‬وذكبر أببو محمبد عبدالحبق‪ :‬أن‬
‫مسلما صحح حديث أبي هريرة وقال‪ :‬هو عندي صحيح‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وممبا يدل على صبحتها عنده إدخالهبا فبي كتاببه مبن حديبث أببي موسبى وإن كانبت ممبا لم‬
‫يجمعوا عليهببا‪ .‬وقببد صببححها المام أحمببد بببن حنبببل وابببن المنذر‪ .‬وأمببا قوله تعالى‪" :‬وإذا قرئ‬
‫القرآن فاستمعوا له وأنصتوا" [العراف‪ ]204 :‬فإنه نزل بمكة وتحريم الكلم في الصلة نزل‬
‫بالمدينبة ‪ -‬كمبا قال زيبد ببن أرقبم فل حجبة فيهبا فإن المقصبود كان المشركيبن على مبا قال سبعيد بن‬
‫المسيب‪ .‬وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة أنها نزلت في رفع الصوت خلف رسول ال‪ .‬وقال‪:‬‬
‫عبدال ببن عامبر ضعيبف‪ .‬وأمبا قوله عليبه السبلم‪( :‬مبا لي أنازع القرآن) فأخرجبه مالك عبن اببن‬
‫شهاب عبن اببن أكيمبة الليثبي‪ ،‬واسبمه فيمبا قال مالك‪ :‬عمرو وغيره يقول عامبر وقيبل يزيبد وقيبل‬

‫عمارة وقيل عباد‪ ،‬يكنى أبا الوليد توفي سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وسبعين سنة‪ ،‬لم يرو عنه‬
‫الزهري إل هذا الحديث الواحد وهو ثقة وروى عنه محمد بن عمرو وغيره‪ .‬والمعنى في حديثه‪:‬‬
‫ل تجهروا إذا جهرت فإن ذلك تنازع وتجاذب وتخالج اقرؤوا في أنفسكم‪ .‬يبينه حديث عبادة وفتيا‬
‫الفاروق وأببي هريرة الراوي للحديثيبن‪ .‬فلو فهبم المنبع جملة مبن قوله‪( :‬مبا لي أنازع القرآن) لمبا‬
‫أفتبى بخلفبه‪ ،‬وقول الزهري فبي حديبث اببن أكيمبة‪ :‬فانتهبى الناس عبن القراءة مبع رسبول ال فيمبا‬
‫جهبر فيبه رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم بالقراءة حيبن سبمعوا ذلك مبن رسبول ال يريبد بالحمبد‬
‫على ما بينا وبال توفيقنا‪.‬‬
‫وأما قوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬من كان له إمام فقراءة المام له قراءة) فحديث ضعيف أسنده‬
‫الحسن بن عمارة وهو متروك‪ ،‬وأبو حنيفة وهو ضعيف‪ ،‬كلهما عن موسى بن أبي عائشة عن‬
‫عبدال ببن شداد عبن جابر‪ .‬أخرجبه الدارقطنبي وقال‪ :‬رواه سبفيان الثوري وشعببة وإسبرائيل ببن‬
‫يونس وشريك وأبو خالد الدالني وأبو الحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبدالحميد وغيرهم‬
‫عبن موسبى ببن أببي عائشبة عبن عبدال ببن شداد مرسبل عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم وهبو‬
‫الصواب‪ .‬وأما قول جابر‪ :‬من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إل وراء المام‪ ،‬فرواه‬
‫مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قوله‪ .‬قال ابن عبدالبر‪ :‬ورواه يحيى بن سلم صاحب التفسير‬
‫عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر عن النبي صلى ال عليه وسلم وصوابه موقوف‬
‫على جابر كمبا فبي الموطبأ‪ .‬وفيبه مبن الفقبه إبطال الركعبة التبي ل يقرأ فيهبا بأم القرآن‪ ،‬وهبو يشهبد‬
‫لصبحة مبا ذهبب إليبه اببن القاسبم ورواه عبن مالك فبي إلغاء الركعبة والبناء على غيرهبا ول يعتبد‬
‫المصبلي بركعبة ل يقرأ فيهبا بفاتحبة الكتاب‪ .‬وفيبه أيضبا أن المام قراءتبه لمبن خلفبه قراءة‪ ،‬وهذا‬
‫مذهب جابر وقد خالفه فيه غيره‪.‬‬
‫@ قال ابن العربي‪ :‬لما قال‪( :‬ل صلة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) واختلف الناس في هذا الصل‬
‫هببل يحمببل هذا النفببي على التمام والكمال أو على الجزاء؟ اختلفببت الفتوى بحسببب اختلف حال‬
‫الناظبر‪ ،‬ولمبا كان الشهبر فبي هذا الصبل والقوى أن النفبي على العموم كان القوى مبن روايبة‬
‫مالك أن من لم يقرأ الفاتحة في صلته بطلت‪ .‬ثم نظرنا في تكرارها في كل ركعة‪ ،‬فمن تأول قول‬
‫النببي صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬افعبل ذلك فبي صبلتك كلهبا) لزمبه أن يعيبد القراءة كمبا يعيبد الركوع‬
‫والسجود‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫@ ما ذكرناه في هذا الباب من الحاديث والمعاني في تعيين الفاتحة يرد على الكوفيين قولهم في‬
‫أن الفاتحبة ل تتعيبن‪ ،‬وأنهبا وغيرهبا مبن آي القرآن سبواء‪ .‬وقبد عينهبا النببي صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫بقوله كمبا ذكرناه‪ ،‬وهبو المببين عبن ال تعالى مراده فبي قوله‪" :‬وأقيموا الصبلة"‪ .‬وقبد روى أببو‬
‫داود عن أبي سعيد الخدري قال‪ :‬أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر‪ .‬فدل هذا الحديث على أن‬
‫قوله عليه السلم للعرابي‪( :‬اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ما زاد على الفاتحة‪ ،‬وهو تفسير قوله‬
‫تعالى‪" :‬فاقرؤوا ما تيسر منه" [المزمل‪ ]20 :‬وقد روى مسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬ل صلة لمن لم يقرأ بأم القران ‪ -‬زاد في رواية ‪ -‬فصاعدا"‪ .‬وقوله‬
‫عليبه السبلم‪( :‬هبي خداج ‪ -‬ثلثبا ‪ -‬غيبر تمام) أي غيبر مجزئة بالدلة المذكورة‪ .‬والخداج‪ :‬النقبص‬
‫والفسباد‪ .‬قال الخفبش‪ :‬خدجبت الناقبة إذا ألقبت ولدهبا لغيبر تمام‪ ،‬وأخدجبت إذا قذفبت ببه قببل وقبت‬
‫الولدة وإن كان تام الخلق‪.‬‬
‫والنظبر يوجبب فبي النقصبان أل تجوز معبه الصبلة‪ ،‬لنهبا صبلة لم تتبم ومبن خرج مبن صبلته‬
‫وهي لم تتم فعليه إعادتها كما أمر‪ ،‬على حسب حكمها‪ .‬ومن أدعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها‬
‫فعليه الدليل‪ ،‬ول سبيل إليه من وجه يلزم وال أعلم‪.‬‬
‫@ روي عن مالك أن القراءة ل تجب فبي شيء فبي الصبلة وكذلك كان الشافعبي يقول بالعراق‬
‫فيمبن نسبيها‪ ،‬ثبم رجبع عبن هذا بمصبر فقال‪ :‬ل تجزئ صبلة مبن يحسبن فاتحبة الكتاب إل بهبا ول‬
‫يجزئه أن ينقص حرفا منها فإن لم يقرأها أو نقص منها حرفا أعاد صلته وإن قرأ بغيرها‪ .‬وهذا‬
‫هو الصحيح في المسألة‪ ،‬وأما ما روي عن عمر رحمه ال أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيها فذكر‬
‫ذلك له فقال‪ :‬كيبف كان الركوع والسجود قالوا‪ :‬حسن قال‪ :‬ل بأس إذاً‪ ،‬فحديث منكبر اللفظ منقطع‬

‫السناد‪ ،‬لنه يرويه إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر‪ ،‬ومرة يرويه إبراهيم عن أبي سلمة بن‬
‫عبدالرحمبن عبن عمبر‪ ،‬وكلهمبا منقطبع ل حجبة فيبه وقبد ذكره مالك فبي الموطبأ وهبو عنبد بعبض‬
‫الرواة وليس عند يحيى وطائفة معه‪ ،‬لنه رماه مالك من كتابه بأخرة‪ ،‬وقال ليس عليه العمل لن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم قال‪( :‬كل صلة ل يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج) وقد روي عن عمر‬
‫أنه أعاد تلك الصلة وهو الصحيح عنه‪ .‬روى يحيى بن يحيى النيسابوري قال‪ :‬حدثنا أبو معاوية‬
‫عبن العمبش عبن إبراهيبم النخعبي عبن همام ببن الحارث أن عمبر نسبي القراءة فبي المغرب فأعاد‬
‫بهبم الصبلة‪ .‬قال اببن عبدالبر‪ :‬وهذا حديبث متصبل شهده همام مبن عمبر‪ ،‬روي ذلك مبن وجوه‪.‬‬
‫وروى أشهبب عبن مالك قال‪ :‬سبئل مالك عبن الذي نسبي القراءة‪ ،‬أيعجببك مبا قال عمبر؟ فقال‪ :‬أنبا‬
‫أنكبر أن يكون عمبر فعله ‪ -‬وأنكبر الحديبث ‪ -‬وقال‪ :‬يرى الناس عمبر يصبنع هذا فبي المغرب ول‬
‫يسبحون به! أرى أن يعيد الصلة من فعل هذا‪.‬‬
‫@ أجمع العلماء على أن ل صلة إل بقراءة‪ ،‬على ما تقدم من أصولهم في ذلك‪ .‬وأجمعوا على‬
‫أن ل توقيببت فببي ذلك بعببد فاتحببة الكتاب إل أنهببم يسببتحبون أل يقرأ مببع فاتحببة الكتاب إل سببورة‬
‫واحدة لنبه الكثبر ممبا جاء عبن النببي‪ .‬قال مالك‪ :‬وسبنة القراءة أن يقرأ فبي الركعتيبن الولييبن بأم‬
‫القرآن وسببورة‪ ،‬وفببي الخرييببن بفاتحببة الكتاب‪ .‬وقال الوزاعببي‪ :‬يقرأ بأم القرآن فإن لم يقرأ بأم‬
‫القران وقرأ بغيرهببا أجزأه‪ ،‬وقال‪ :‬وإن نسببي أن يقرأ فببي ثلث ركعات أعاد‪ .‬وقال الثوري‪ :‬يقرأ‬
‫فبي الركعتيبن الولييبن بفاتحبة الكتاب وسبورة ويسببح فبي الخرييبن إن شاء‪ ،‬وإن شاء قرأ وإن لم‬
‫يقرأ ولم يسببح جازت صبلته‪ ،‬وهبو قول أببي حنيفبة وسبائر الكوفييبن‪ .‬قال اببن المنذر‪ :‬وقبد روينبا‬
‫عبن علي ببن أببى طالب رضبي ال عنبه أنبه قال‪ :‬اقرأ فبي الولييبن وسببح فبي الخرييبن وببه قال‬
‫النخعبي‪ .‬قال سبفيان‪ :‬فإن لم يقرأ فبي ثلث ركعات أعاد الصبلة لنبه ل تجزئه قراءة ركعبة‪ .‬قال‪:‬‬
‫وكذلك إن نسبي أن يقرأ ركعبة فبي صبلة الفجبر‪ .‬وقال أببو ثور‪ :‬ل تجزئ صبلة إل بقراءة فاتحبة‬
‫الكتاب فبي كبل ركعبة‪ ،‬كقول الشافعبي المصبري وعليبه جماعبة أصبحاب الشافعبي‪ ،‬وكذلك قال اببن‬
‫خويز منداد المالكي قال‪ :‬قراءة الفاتحة واجبة عندنا في كل ركعة‪ ،‬وهذا هو الصحيح في المسألة‪.‬‬
‫روى مسبلم عبن أببي قتادة قال‪ :‬كان رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم يصبلي بنبا فيقرأ فبي الظهبر‬
‫والعصبر فبي الركعتيبن الولييبن بفاتحبة الكتاب وسبورتين‪ ،‬ويسبمعنا اليبة أحيانبا‪ ،‬وكان يطول فبي‬
‫الركعبة الولى مبن الظهبر ويقصبر الثانيبة وكذلك فبي الصببح‪ .‬وفبي روايبة‪ :‬ويقرأ فبي الركعتيبن‬
‫الخرييبن بفاتحبة الكتاب وهذا نبص صبريح وحديبث صبحيح لمبا ذهبب إليبه مالك‪ .‬ونبص فبي تعيّن‬
‫الفاتحة في كل ركعة خلفا لمن أبى ذلك‪ ،‬والحجة في السنة ل فيما خالفها‪.‬‬
‫@ ذهب الجمهور إلى أن ما زاد على الفاتحة من القراءة ليس بواجب‪ ،‬لما رواه مسلم عن أبي‬
‫هريرة قال‪ :‬فبي كبل صبلة قراءة فمبا أسبمعنا النببي صبلى ال عليبه وسبلم أسبمعناكم‪ ،‬ومبا أخفبى منبا‬
‫أخفينبا منكبم‪ ،‬فمبن قرأ بأم القرآن فقبد أجزأت عنبه ومبن زاد فهبو أفضبل‪ .‬وفبي البخاري‪ :‬وإن زدت‬
‫فهبو خيبر‪ .‬وقبد أببى كثيبر مبن أهبل العلم ترك السبورة لضرورة أو لغيبر ضرورة‪ ،‬منهبم عمران ببن‬
‫حصين وأبو سعيد الخدري وخوات بن جبير ومجاهد وأبو وائل وابن عمر وابن عباس وغيرهم‬
‫قالوا‪ :‬ل صلة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها من القرآن‪ ،‬فمنهم من حد آيتين‪ ،‬ومنهم‬
‫مبن حبد آيبة‪ ،‬ومنهبم مبن لم يحبد‪ ،‬وقال‪ :‬شيبء مبن القرآن معهبا وكبل هذا موجبب لتعلم مبا تيسبر مبن‬
‫القرآن على كل حال مع فاتحة الكتاب‪ ،‬لحديث عبادة وأبي سعيد الخدري وغيرهما‪ .‬وفي المدونة‪:‬‬
‫وكيع عن العمش عن خيثمة قال‪ :‬حدثنبي من سمع عمر بن الخطاب يقول‪ :‬ل تجزئ صلة من‬
‫لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها‪ .‬واختلف المذهب في قراءة السورة على ثلثة أقوال‪ :‬سنة‬
‫فضيلة واجبة‪.‬‬
‫@ من تعذر ذلك عليه بعد بلوغ مجهوده فلم يقدر على تعلم الفاتحة أو شيء من القرآن ول علق‬
‫منه بشيء‪ ،‬لزمه أن يذكر ال في موضع القراءة بما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح‬
‫أو تمجيد أو ل حول ول قوة إل بال‪ ،‬إذا صلى وحده أو مع إمام فيما أسر فيه المام‪ ،‬فقد روى أبو‬
‫داود وغيره عن عبدال بن أبي أوفى قال‪ :‬جاء رجل إلى النبي صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬إني ل‬
‫أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال‪( :‬قل سبحان ال والحمد ل ول إله إل‬

‫ال وال أكببببر ول حول ول قوة إل بال) قال‪ :‬يبببا رسبببول ال هذا ل‪ ،‬فمبببا لي؟ قال‪( :‬قبببل اللهبببم‬
‫ارحمني وعافني واهدني وارزقني)‪.‬‬
‫فإن عجز عن إصابة شيء من هذا اللفظ فل يدع الصلة مع المام جهده فالمام يحمل ذلك عنه‬
‫إن شاء ال‪ ،‬وعليببه أبدا أن يجهببد نفسببه فببي تعلم فاتحببة الكتاب فمببا زاد إلى أن يحول الموت دون‬
‫ذلك وهو بحال الجتهاد فيعذره ال‪.‬‬
‫مبن لم يواتبه لسبانه إلى التكلم بالعربيبة مبن العجمييبن وغيرهبم ترجبم له الدعاء العرببي بلسبانه‬
‫الذي يفقه لقامة صلته‪ ،‬فإن ذلك يجزئه إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫ل تجزئ صبلة مبن قرأ بالفارسبية وهبو يحسبن العربيبة فبي قول الجمهور‪ .‬وقال أببو حنيفبة‪:‬‬
‫تجزئه القراءة بالفارسببية وإن أحسببن العربيببة لن المقصببود إصببابة المعنببى‪ .‬قال ابببن المنذر‪ :‬ل‬
‫يجزئه ذلك‪ ،‬لنببه خلف مببا أمببر ال بببه وخلف مببا علم النبببي صببلى ال عليببه وسببلم وخلف‬
‫جماعات المسلمين‪ .‬ول نعلم أحدا وافقه على ما قال‪.‬‬
‫@ مبن افتتبح الصبلة كمبا أمبر وهبو غيبر عالم بالقراءة‪ ،‬فطرأ عليبه العلم بهبا فبي أثناء الصبلة‬
‫ويتصور ذلك بأن يكون سمع من قرأها فعلقت بحفظه من مجرد السماع فل يستأنف الصلة‪ ،‬لنه‬
‫أدى ما مضى على حسب ما أمر به فل وجه لبطاله‪ .‬قاله في كتاب ابن سحنون‪.‬‬
‫*‪ *3‬الباب الثالث‪ :‬في التأمين‪:‬‬
‫@ ويسن لقارئ القرآن أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة بعد سكتة على نون "ول الضالين"‪ :‬آمين‬
‫ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن‪.‬‬
‫@ ثببت فبي المهات مبن حديبث أببي هريرة أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬إذا أمبن‬
‫المام فأمنوا‪ ،‬فإنه من وافق تأمينه تأمين الملئكة غفر له ما تقدم من ذنبه)‪ .‬قال علماؤنا رحمة ال‬
‫عليهببم‪ :‬فترتبببت المغفرة للذنببب على مقدمات أربببع تضمنهببا هذا الحديببث‪ :‬الولى‪ :‬تأميببن المام‪،‬‬
‫الثانية‪ :‬تأمين من خلفه‪ ،‬الثالثة‪ :‬تأمين الملئكة‪ ،‬الرابعة‪ :‬موافقة التأمين‪ ،‬قيل في الجابة وقيل في‬
‫الزمبن وقيبل فبي الصبفة مبن إخلص الدعاء لقوله عليبه السبلم‪( :‬ادعوا ال وأنتبم موقنون بالجاببة‬
‫واعلموا أن ال ل يستجيب دعاء من قلب غافل له)‪.‬‬
‫@ روى أببو داود عبن أببي مصّببّح المَقرانبي قال‪ :‬كنبا نجلس إلى أببي زهيبر النميري وكان مبن‬
‫الصبحابة‪ ،‬فيحدث أحسبن الحديبث فإذا دعبا الرجبل منبا بدعاء قال‪ :‬اختمبه بآميبن‪ .‬فإن آميبن مثبل‬
‫الطاببع على الصبحيفة‪ .‬قال أببو زهيبر أل أخببركم عبن ذلك‪ ،‬خرجنبا مبع رسبول ال صبلى ال عليبه‬
‫وسبلم ذات ليلة‪ ،‬فأتينبا على رجبل قبد ألح فبي المسبألة فوقبف النببي صبلى ال عليبه وسبلم يسبمع منبه‬
‫فقال النببي صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬أوجبب إن ختبم) فقال له رجبل مبن القوم‪ :‬بأي شيبء يختبم؟ قال‪:‬‬
‫(بآمين فإنه ختم بآمين فقد أوجب) فانصرف الرجل الذي سأل النبي فأتى الرجل فقال له‪ :‬اختم يا‬
‫فلن وأبشبر‪ .‬قال اببن عبدالبر‪ :‬أببو زهيبر النميري اسبمه يحيبى ببن نفيبر روى عبن النببي صبلى ال‬
‫عليه وسلم (ل تقتلوا الجراد فإنه جند ال العظم)‪ .‬وقال وهب بن منبه‪ :‬آمين أربعة أحرف يخلق‬
‫ال مبن كبل حرف ملكبا يقول‪ :‬اللهبم اغفبر مبن قال آميبن [فبي النسبخة‪ :‬آمنبي]‪ .‬وفبي الخببر (لقننبي‬
‫جبريل آمين عند فراغي من فاتحة الكتاب‪ ،‬وقال إنه كالخاتم على الكتاب) وفي حديث آخر‪( :‬آمين‬
‫خاتبم رب العالمين)‪ .‬قال الهروي قال أبو بكبر‪ :‬معناه أنه طابع ال على عباده‪ ،‬لنه يدفع به عنهم‬
‫الفات والبليبا‪ ،‬فكان كخاتبم الكتاب الذي يصبونه ويمنبع مبن إفسباده وإظهار مبا فيبه‪ .‬وفبي حديبث‬
‫آخر (آمين درجة في الجنة)‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬معناه أنه حرف يكتسب به قائله درجة في الجنة‪.‬‬
‫@ معنى آمين عند أكثر أهل العلم‪ :‬اللهم استجب لنا‪ُ ،‬وضِع موضع الدعاء‪ .‬وقال قوم‪ :‬هو اسم من‬
‫أسبماء ال‪ ،‬روي عبن جعفبر ببن محمبد ومجاهبد وهلل ببن يسباف‪ ،‬ورواه اببن عباس عبن النببي‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم ولم يصبح‪ ،‬قاله ابن العرببي‪ .‬وقيبل معنبى آميبن‪ :‬كذلك فليكبن‪ ،‬قاله الجوهري‪.‬‬
‫وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال‪ :‬سألت رسول ال صلى ال عليه وسلم ما معنى‬
‫آميبن؟ قال‪( :‬رب افعبل)‪ .‬وقال مقاتبل‪ :‬هبو قوة للدعاء واسبتنزال للبركبة‪ .‬وقال الترمذي‪ :‬معناه ل‬
‫تخيب رجاءنا‪.‬‬

‫@ وفبي آميبن لغتان‪ :‬المبد على وزن فاعيبل كياسبين‪ .‬والقصبر على وزن يميبن‪ .‬قال الشاعبر فبي‬
‫المد‪:‬‬
‫يا رب ل تسلبني حبها أبدا ويرحم ال عبدا قال آمينا‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫آمين آمين ل أرضى بواحدة حتى أبلغها ألفين آمينا‬
‫وقال آخر في القصر‪:‬‬
‫تباعد مني فطحل إذ سألته أمين فزاد ال ما بيننا بعدا‬
‫وتشديبد الميبم خطبأ‪ ،‬قاله الجوهري‪ .‬وقبد روي عبن الحسبن وجعفبر الصبادق التشديبد‪ ،‬وهبو قول‬
‫الحسببين بببن الفضببل‪ ،‬مببن أمّب إذا قصببد‪ ،‬أي نحببن قاصببدون نحوك ومنببه قوله‪" :‬ول آميببن البيببت‬
‫الحرام" [المائدة‪ .]2 :‬حكاه أببو نصبر عبدالرحيبم ببن عبدالكريبم القشيري‪ .‬قال الجوهري‪ :‬وهبو‬
‫مبني على الفتح مثل أين وكيف لجتماع الساكنين‪ .‬وتقول منه‪ :‬أمن فلن تأمينا‪.‬‬
‫@ اختلف العلماء هل يقولها المام وهل يجهر بها‪ ،‬فذهب الشافعي ومالك في رواية المدنيين إلى‬
‫ذلك‪ .‬وقال الكوفيون وبعبض المدنييبن‪ :‬ل يجهبر بهبا‪ .‬وهبو قول الطببري وببه قال اببن حببيب مبن‬
‫علمائنا‪ .‬وقال ابن بكير‪ :‬هو مخير‪ .‬وروى ابن القاسم عن مالك أن المام ل يقول آمين وإنما يقول‬
‫ذلك مبن خلفبه‪ ،‬وهبو قول اببن القاسبم والمصبريين مبن أصبحاب مالك‪ .‬وحجتهبم حديبث أببي موسبى‬
‫الشعري أن رسول ال صلى ال عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلتنا فقال‪( :‬إذا صليتم‬
‫فأقيموا صبفوفكم ثبم ليؤمكبم أحدكبم فإذا كببر فكببروا وإذا قال غيبر المغضوب عليهبم ول الضاليبن‬
‫س َميّ عن أبي هريرة وأخرجه‬
‫فقولوا آمين يجبكم ال) وذكر الحديث‪ ،‬أخرجه مسلم‪ .‬ومثله حديث ُ‬
‫مالك‪ .‬والصبحيح الول لحديبث وائل ببن حجبر قال‪ :‬كان رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم إذا قرأ‬
‫"ول الضالين" قال‪" :‬آمين" يرفع بها صوته‪ ،‬أخرجه أبو داود والدارقطني وزاد "قال أبو بكر‪:‬‬
‫هذه سببنة تفرد بهببا أهببل الكوفببة هذا صببحيح والذي بعده"‪ .‬وترجببم البخاري "باب جهببر المام‬
‫بالتأمين"‪.‬‬
‫وقال عطاء‪" :‬آميبن" دعاء‪ ،‬أمبن اببن الزبيبر ومبن وراءه حتبى إن للمسبجد للجّة‪ .‬قال الترمذي‪:‬‬
‫وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم ومن بعدهم‪ ،‬يرون أن‬
‫يرفببع الرجببل صببوته بالتأميببن ول يخفيهببا‪ .‬وبببه يقول الشافعببي وأحمببد وإسببحاق‪ .‬وفببي الموطببأ‬
‫والصبحيحين قال اببن شهاب‪ :‬وكان رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم يقول "آميبن"‪ .‬وفبي سبنن اببن‬
‫ماجبه عبن أببي هريرة قال‪ :‬ترك الناس آميبن وكان رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم إذا قال‪" :‬غيبر‬
‫المغضوب عليهم ول الضالين" قال‪" :‬آمين" حتى يسبمعها أهل الصبف الول فيرتج بها المسجد‪.‬‬
‫وأمبا حديبث أببي موسبى وسبمي فمعناهمبا التعريبف بالموضبع الذي يقال فيبه آميبن‪ ،‬وهبو إذا قال‬
‫المام‪" :‬ول الضاليببن" ليكون قولهمببا معببا ول يتقدموه بقول‪ :‬آميببن لمببا ذكرناه وال أعلم‪ .‬ولقوله‬
‫عليبه السبلم‪( :‬إذا أمبن المام فأمنوا)‪ .‬وقال اببن نافبع فبي كتاب اببن الحارث‪ :‬ل يقولهبا المأموم إل‬
‫أن يسببمع المام يقول‪" :‬ول الضاليببن"‪ .‬وإذا كان ببعببد ل يسببمعه فل يقببل‪ .‬وقال ابببن عبدوس‪:‬‬
‫يتحرى قدر القراءة ويقول‪ :‬آمين‪.‬‬
‫@ قال أصبحاب أببي حنيفبة‪ :‬الخفاء بآميبن أولى مبن الجهبر بهبا لنبه دعاء وقبد قال ال تعالى‪:‬‬
‫"ادعوا ربكم تضرعا وخفية" [العراف‪ .]5 :‬قالوا‪ :‬والدليل عليه ما روي في تأويل قوله تعالى‪:‬‬
‫"قد أجيبت دعوتكما" [يونس‪ .]89 :‬قال‪ :‬كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما ال داعيين‪.‬‬
‫الجواب‪ :‬أن إخفاء الدعاء إنمبا كان أفضبل لمبا يدخله مبن الرياء‪ .‬وأمبا مبا يتعلق بصبلة الجماعبة‬
‫فشهودهببا إشهار شعار ظاهببر وإظهار حببق يندب العباد إلى إظهاره‪ ،‬وقببد ندب المام إلى إشهار‬
‫قراءة الفاتحببة المشتملة على الدعاء والتأميببن فببي آخرهببا فإذا كان الدعاء ممببا يسببن الجهببر فيببه‬
‫فالتأمين على الدعاء تابع له وجار مجراه وهذا بيّن‪.‬‬
‫@ كلمبة آميبن لم تكبن قبلنبا إل لموسبى وهارون عليهمبا السبلم‪ .‬ذكبر الترمذي الحكيبم فبي (نوادر‬
‫الصول)‪ :‬حدثنا عبدالوارث بن عبدالصمد قال حدثنا أبي قال حدثنا رزين مؤذن مسجد هشام بن‬
‫حسان قال حدثنا أنس بن مالك قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬إن ال أعطى أمتي ثلثا‬

‫لم تعبط أحدا قبلهبم السبلم وهبو تحيبة أهبل الجنبة وصبفوف الملئكبة وآميبن إل مبا كان مبن موسبى‬
‫وهارون) قال أببو عبدال‪ :‬معناه أن موسبى دعبا على فرعون وأمبن هارون فقال ال تبارك اسبمه‬
‫عندما ذكر دعاء موسى في تنزيله‪" :‬قد أجيبت دعوتكما" [يونس‪ ]89 :‬ولم يذكر مقالة هارون‪،‬‬
‫وقال موسى‪ :‬ربنا‪ ،‬فكان من هارون التأمين‪ ،‬فسماه داعيا في تنزيله‪ ،‬إذ صير ذلك منه دعوة‪ .‬وقد‬
‫قيبل‪ :‬إن آميبن خاص لهذه المبة لمبا روي عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم أنبه قال‪( :‬مبا حسبدتكم‬
‫اليهود على شيبء مبا حسبدتكم على السبلم والتأميبن) أخرجبه اببن ماجبة مبن حديبث حماد ببن سبلمة‬
‫عبن سبهيل ببن أببي صبالح عبن أبيبه عبن عائشبة أن النببي صبلى ال عليبه وسبلم قال‪ ،.. .‬الحديبث‪.‬‬
‫وأخرج أيضبا من حديث ابن عباس عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪( :‬ما حسدتكم اليهود على‬
‫شي ما حسدتكم على آمين فأكثروا من قول آمين)‪ .‬قال علماؤنا رحمة ال عليهم‪ :‬إنما حسدنا أهل‬
‫الكتاب لن أولهبا حمبد ل وثناء عليبه ثبم خضوع له واسبتكانة‪ ،‬ثبم دعاء لنبا بالهدايبة إلى الصبراط‬
‫المستقيم ثم الدعاء عليهم مع قولنا آمين‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الرابع ‪ -‬فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والعراب وفضل الحامدين‪:‬‬
‫@قوله سببحانه وتعالى‪" :‬الحمبد ل" روى أببو محمبد عبدالغنبي ببن سبعيد الحافبظ مبن حديبث أببي‬
‫هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪( :‬إذا قال العبد الحمد ل قال صدق‬
‫عبدي الحمد لي)‪ .‬وروى مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬إن ال‬
‫ليرضى عن العبد أن يأكل الكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها)‪ .‬وقال الحسن‪ :‬ما‬
‫من نعمة إل والحمد ل أفضل منها‪ .‬وروى ابن ماجة عن أنس بن مالك قال قال رسول ال صلى‬
‫ال عليبه وسبلم‪( :‬مبا أنعبم ال على عببد نعمبة فقال الحمبد ل إل كان الذي أعطاه أفضبل ممبا أخبذ)‪.‬‬
‫وفبي (نوادر الصبول) عبن أنبس ببن مالك قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬لو أن الدنيبا‬
‫كلهبا بحذافيرهبا بيبد رجبل مبن أمتبي ثبم قال الحمبد ل لكانبت الحمبد ل أفضبل مبن ذلك)‪ .‬قال أببو‬
‫عبدال‪ :‬معناه عندنا أنه قد أعطي الدنيا ثم أعطي على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها‪ ،‬فكانت هذه‬
‫الكلمبة أفضبل مبن الدنيبا كلهبا لن الدنيبا فانيبة والكلمبة باقيبة‪ ،‬هبي مبن الباقيات الصبالحات قال ال‬
‫تعالى‪" :‬والباقيات الصبالحات خيبر عنبد رببك ثواببا وخيبر أمل" [مريبم‪ .]76 :‬وقيبل فبي بعبض‬
‫الروايات‪ :‬لكان مبا أعطى أكثبر ممبا أخبذ‪ .‬فصير الكلمة إعطاء مبن العبد‪ ،‬والدنيبا أخذا من ال فهذا‬
‫فبي التدبيبر‪ .‬كذاك يجري فبي الكلم أن هذه الكلمبة مبن العببد والدنيبا مبن ال وكلهمبا مبن ال فبي‬
‫الصل الدنيا منه والكلمة منه أعطاه الدنيا فأغناه وأعطاه الكلمة فشرفه بها في الخرة‪ .‬وروى ابن‬
‫ماجبة عبن اببن عمبر أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم حدثهبم‪( :‬أن عبدا مبن عباد ال قال يبا رب‬
‫لك الحمبد كمبا ينبغبي لجلل وجهبك وعظيبم سبلطانك فعَضَلت بالملكيبن فلم يدريبا كيبف يكتبانهبا‬
‫فصبعدا إلى السبماء وقال يبا ربنبا إن عبدك قبد قال مقالة ل ندري كيبف نكتبهبا‪ ،‬قال ال عبز وجبل‬
‫وهو أعلم بما قال عبده‪ ،‬ماذا قال عبدي؟ قال يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلل‬
‫وجهك وعظيم سلطانك‪ ،‬فقال ال لهما اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها)‪.‬‬
‫قال أهبل اللغبة‪ :‬أعضبل المبر‪ :‬اشتبد واسبتغلق‪ ،‬والمعضّلت [بتشديبد الضاد)‪ :‬الشدائد‪ .‬وعضّلت‬
‫المرأة والشاة‪ :‬إذا نشِب ولدهبا فلم يسبهل مخرجبه‪ ،‬بتشديبد الضاد أيضبا فعلى هذا يكون‪ :‬أعضلت‬
‫الملكين أو عضلت الملكين بغير باء‪ .‬وال أعلم‪ .‬وروي عن مسلم عن أبي مالك الشعري قال قال‬
‫رسببول ال صببلى ال عليببه وسببلم‪[ :‬الطهور شطببر اليمان والحمببد ل تمل الميزان وسبببحان ال‬
‫والحمد ل تملن أو تمل ما بين السماء والرض) وذكر الحديث‪.‬‬
‫@ اختلف العلماء أيمبا أفضبل قول العببد‪ :‬الحمبد ل رب العالميبن‪ ،‬أو قول ل إله إل ال؟ فقالت‬
‫طائفة‪ :‬قوله الحمد ل رب العالمين أفضل لن في ضمنه التوحيد الذي هو ل إله إل ال‪ ،‬ففي قوله‬
‫توحيبد وحمبد‪ ،‬وفبي قوله ل إله إل ال توحيبد فقبط‪ .‬وقالت طائفبة‪ :‬ل إله إل ال أفضبل لنهبا تدفبع‬
‫الكفر والشراك وعليها يقاتل الخلق‪ ،‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬أمرت أن أقاتل الناس‬
‫حتبى يقولوا ل إله إل ال)‪ .‬واختار هذا القول اببن عطيبة قال‪ :‬والحاكبم بذلك قول النببي صبلى ال‬
‫عليه وسلم‪( :‬أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي ل إله إل ال وحده ل شريك له)‪.‬‬

‫@ أجمع المسلمون على أن ال محمود على سائر نعمه وأن مما أنعم ال به اليمان فدل على أن‬
‫اليمان فعله وخلقببه والدليببل على ذلك قوله‪" :‬رب العالميببن"‪ .‬والعالمون جملة المخلوقات ومببن‬
‫جملتهبا اليمان ل كمبا قال القدريبة‪ :‬إنبه خلق لهبم على مبا يأتبي بيانبه‪ .‬الحمبد فبي كلم العرب معناه‬
‫الثناء الكامل‪ ،‬واللف واللم لستغراق الجنس من المحامد فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ‬
‫له السماء الحسنى والصفات العل وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر‪:‬‬
‫وأبلج محمود الثناء خصصته بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي‬
‫فالحمد نقيض الذم‪ ،‬تقول‪ :‬حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد‪.‬‬
‫والحد أعم من الشكر والحمد‪ :‬الذي كثرت خصال المحمودة‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫إلى الماجد القرم الجواد المحمد‬
‫وبذلك سمي رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫فشقّ له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد‬
‫والمحمدة‪ :‬خلف المذمبة‪ .‬وأحمبد الرجلُ‪ :‬صبار أمره إلى الحمبد‪ .‬وأحمدتبه‪ :‬وجدتبه محمودا‪ ،‬تقول‪:‬‬
‫أتيت موضع كذا فأحمدته‪ ،‬أي صادفته محمودا موافقا‪ ،‬وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه‪ .‬ورجل‬
‫حمَدة النار ‪ -‬بالتحريبك ‪: -‬‬
‫ح َمدَة ‪ -‬مثبل ُهمَزة ‪ -‬يكثبر حمبد الشياء ويقول فيهبا أكثبر ممبا فيهبا‪ .‬و َ‬
‫ُ‬
‫صوت التهابها‪.‬‬
‫@ ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء وليس‬
‫بمرضبي‪ .‬وحكاه أبو عبدالرحمبن السلمي فبي كتاب "الحقائق" له عن جعفبر الصبادق واببن عطاء‪.‬‬
‫قال ابن عطاء‪ :‬معناه الشكر ل إذ كان منه المتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه‪ .‬واستدل الطبري‬
‫على أنهما بمعنى بصحة قولك‪ :‬الحمد ل شكرا‪ .‬قال ابن عطية‪ :‬وهو في الحقيقة دليل على خلف‬
‫مبا ذهبب إليبه لن قولك شكرا إنمبا خصبصت ببه الحمبد لنبه على نعمبة مبن النعبم‪ .‬وقال بعبض‬
‫العلماء‪ :‬إن الشكببر أعببم مببن الحمببد لنببه باللسببان وبالجوارح والقلب والحمببد إنمببا يكون باللسببان‬
‫خاصبة‪ .‬وقيبل‪ :‬الحمبد أعبم لن فيبه معنبى الشكبر ومعنبى المدح‪ ،‬وهبو أعبم مبن الشكبر لن الحمبد‬
‫يوضبع موضبع الشكبر ول يوضبع الشكبر موضبع الحمبد‪ .‬وروي عبن اببن عباس أنبه قال‪ :‬الحمبد ل‬
‫كلمة كل شاكر‪ ،‬وإن آدم عليه السلم قال حين عطس‪ :‬الحمد ل‪ .‬وقال ال لنوح عليه السلم‪" :‬فقل‬
‫الحمبد ل الذي نجانبا مبن القوم الظالميبن" [المؤمنون‪ ]28 :‬وقال إبراهيبم عليبه السبلم‪" :‬الحمبد ل‬
‫الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق" [إبراهيم‪ .]3 :‬وقال في قصة داود وسليمان‪" :‬وقال‬
‫الحمبد ل الذي فضلنبا على كثيبر مبن عباده المؤمنيبن" [النمبل‪ .]15 :‬وقال لنببيه صبلى ال عليبه‬
‫وسبلم‪" :‬وقبل الحمبد ل الذي لم يتخبذ ولدا" [السبراء‪ .]111 :‬وقال أهبل الجنبة‪" :‬الحمبد ل الذي‬
‫أذهب عنا الحزن" [فاطر‪" .]34 :‬وآخر دعواهم أن الحمد ل رب العالمين" [يونس‪ .]10 :‬فهي‬
‫كلمة كل شاكر‪.‬‬
‫قلت‪ :‬الصبحيح أن الحمبد ثناء على الممدوح بصبفاته مبن غيبر سببق إحسبان‪ ،‬والشكبر ثناء على‬
‫المشكور بمبا أولى مبن الحسبان‪ .‬وعلى هذا الحبد قال علماؤنبا‪ :‬الحمبد أعبم مبن الشكبر‪ ،‬لن الحمبد‬
‫يقببع على الثناء وعلى التحميببد وعلى الشكببر‪ ،‬والجزاء مخصببوص إنمببا يكون مكافأة لمببن أولك‬
‫معروفا فصار الحمد أعم في الية لنه يزيد على الشكر‪ .‬ويذكر الحمد بمعنى الرضا يقال‪ :‬بلوته‬
‫فحمدتببه‪ ،‬أي رضيتببه‪ .‬ومنببه قوله تعالى‪" :‬مقامببا محمودا" [السببراء‪ .]79 :‬وقال عليببه السببلم‪:‬‬
‫(أحمد إليكبم غسل الحليبل) أي أرضاه لكم‪ .‬ويذكر عن جعفر الصادق فبي قوله "الحمبد ل"‪ :‬من‬
‫حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد‪ ،‬لن الحمد حاء وميم ودال‪ ،‬فالحاء من الوحدانية‪ ،‬والميم‬
‫مبن الملك‪ ،‬والدال مبن الديموميبة‪ ،‬فمبن عرفبه بالوحدانيبة والديموميبة والملك فقبد عرفبه‪ ،‬وهذا هبو‬
‫حقيقة الحمد ل‪ .‬وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير "الحمد ل" قال‪ :‬هو على ثلثة أوجه‪ :‬أولها إذا‬
‫أعطاك ال شيئا تعرف مبن أعطاك‪ .‬والثانبي أن ترضبى بمبا أعطاك‪ .‬والثالث مبا دامبت قوتبه فبي‬
‫جسدك أل تعصيه‪ ،‬فهذه شرائط الحمد‪.‬‬
‫@ أثنى ال سبحانه بالحمد على نفسه وافتتح كتابه بحمده‪ ،‬ولم يأذن في ذلك لغيره بل نهاهم عن‬
‫ذلك فبي كتاببه وعلى لسبان نببيه عليبه السبلم فقال‪" :‬فل تزكوا أنفسبكم هبو أعلم بمبن اتقبى" [النجبم‪:‬‬

‫‪ .]32‬وقال عليه السلم‪( :‬احثوا في وجوه المداحين التراب) رواه المقداد‪ .‬وسيأتي القول فيه في‬
‫"النساء" إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫فمعنبى "الحمبد ل رب العالميبن" أي سببق الحمبد منبي لنفسبي أن يحمبد نفسبه أحبد مبن العالميبن‪،‬‬
‫وحمدي نفسبي لنفسبي فبي الزل لم يكبن بعلة‪ ،‬وحمدي الخلق مشوب بالعلل‪ .‬قال علماؤنبا‪ :‬فيسبتقبح‬
‫مبن المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمبد نفسه ليسبتجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار‪ .‬وقيل‪:‬‬
‫لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده حمد نفسه بنفسه لنفسه في الزل فاستفراغ طوق عباده هو‬
‫محمل العجز عن حمده‪ .‬أل ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله‪( :‬ل أحصي ثناء عليك)‪.‬‬
‫وأنشدوا‪:‬‬
‫إذا نحن أثنينا عليك بصالح فأنت كما نُثني وفوق الذي نثني‬
‫حمِد نفسبه فبي الزل لمبا علم مبن كثره نعمبه على عباده وعجزهبم على القيام بواجبب حمده‬
‫وقيبل‪َ :‬‬
‫فحمد نفسه عنهم‪ ،‬لتكون النعمة أهنأ لديهم‪ ،‬حيث أسقط به ثقل المنة‪.‬‬
‫@ وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من "الحمد ل"‪ .‬وروي عن سفيان بن‬
‫عيينبة ورؤببة ببن العجّاج‪" :‬الحمبد ل" بنصبب الدال وهذا على إضمار فعبل‪ .‬ويقال‪" :‬الحمبد ل"‬
‫بالرفببع مبتدأ وخبببر وسبببيل الخبببر أن يفيببد فمببا الفائدة فببي هذا؟ فالجواب أن سببيبويه قال‪ :‬إذا قال‬
‫الرجبل الحمبد ل بالرفبع ففيبه مبن المعنبى مثبل مبا فبي قولك‪ :‬حمدت ال حمدا‪ ،‬إل أن الذي يرفبع‬
‫الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق ل‪ ،‬والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده ل‪.‬‬
‫وقال غيببر سببيبويه‪ .‬إنمببا يتكلم بهذا تعرضببا لعفبو ال ومغفرتببه وتعظيمببا له وتمجيدا‪ ،‬فهببو خلف‬
‫معنبى الخببر وفيبه معنبى السبؤال‪ .‬وفبي الحديبث‪( :‬مبن شغبل بذكري عبن مسبألتي أعطيتبه أفضبل مبا‬
‫أعطي السائلين)‪ .‬وقيل‪ :‬إن مدحه عز وجل لنفسه وثناءه عليها ليعلم ذلك عباده فالمعنى على هذا‪:‬‬
‫قولوا الحمبد ل‪ .‬قال الطببري‪" :‬الحمبد ل" ثناء أثنبى ببه على نفسبه وفبي ضمنبه أمبر عباده أن يثنوا‬
‫عليه فكأنه قال‪ :‬قولوا الحمد ل‪ ،‬وعلى هذا يجيء قولوا إياك‪ .‬وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر‬
‫الكلم عليه كما قال الشاعر‪:‬‬
‫وأعلم أنني سأكون رمسا إذا سار النواعج ل يسير‬
‫فقال السائلون لمن حفرتم فقال القائلون لهم وزير‬
‫المعنى‪ :‬المحفور له وزير‪ ،‬فحذف لدلك ظاهر الكلم عليه وهذا كثير‪ .‬وروي عن ابن أبي عبَلة‪:‬‬
‫"الحمبد ل" بضبم الدال واللم على إتباع الثانبي الول وليتجانبس اللفبظ وطلب التجانبس فبي اللفبظ‬
‫كثير في كلمهم نحو‪ :‬أجودك وهو منحدر من الجبل بضم الدال والجيم‪ .‬قال‪:‬‬
‫‪ ...‬اضرب الساقينُ ُأمّك هابل‬
‫بضبم النون لجبل ضبم الهمزة‪ .‬وفبي قراءة لهبل مكبة "مُرُدفيبن" بضبم الراء إتباعبا للميبم‪ ،‬وعلى‬
‫ذلك "مُقُتلين" بضم القاف‪ .‬وقالوا‪ :‬لمّك‪ ،‬فكسروا الهمزة اتباعا للّم‪ ،‬وأنشد للنعمان بن بشير‪:‬‬
‫ل امّها في هواء الجو طالبة ول كهذا الذي في الرض مطلوب‬
‫وي ِ‬
‫ل لمها‪ ،‬فحذفت اللم الولى واستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة فنقلها للم ثم أتبع اللم‬
‫الصل‪ :‬وي ٌ‬
‫الميم‪ .‬وروي عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن علي‪" :‬الحمدِ ل" بكسر الدال على اتباع الول‬
‫الثاني‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬رب العالميبن" أي مالكهبم‪ ،‬وكبل مبن ملك شيئا فهبو رببه‪ ،‬فالرب‪ :‬المالك‪ .‬وفبي‬
‫الصحاح‪ :‬والرب اسم من أسماء ال تعالى ول يقال في غيره إل بالضافة‪ ،‬وقد قالوه في الجاهلية‬
‫للملك قال الحارث بن حِلّزة‪:‬‬
‫وهو الرب والشهيد على يوم الحيارين والبلء بلء‬
‫والرب‪ :‬السيد‪ :‬ومن قوله تعالى‪" :‬اذكرني عند ربك" [يوسف‪ .]42 :‬وفي الحديث‪( :‬أن تلد المة‬
‫ربتهببا) أي سببيدتها وقببد بيناه فببي كتاب (التذكرة)‪ .‬والرب‪ :‬المصببلح والمدبر والجابر والقائم‪ .‬قال‬
‫الهروي وغيره‪ :‬يقال لمن قام بإصلح شيء وإتمامه‪ :‬قد ربه يربه فهو رب له وراب‪ ،‬ومنه سمي‬
‫الربانيون لقيامهبم بالكتبب‪ .‬وفبي الحديبث‪( :‬هبل لك مبن نعمبة تربّهبا عليبه) أي تقوم بهبا وتصبلحها‪.‬‬
‫والرب‪ :‬المعبود ومنه قول الشاعر‪:‬‬

‫أربّ يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب‬
‫ويقال على التكثيبر‪ :‬رباه وربببه وربتبه‪ ،‬حكاه النحاس‪ .‬وفبي الصبحاح‪ :‬ورب فلن ولده يرببه رببا‬
‫ورببه وترببه بمعنىً‪ ،‬أي رباه‪ .‬والمربوب‪ :‬المربى‪.‬‬
‫@ قال بعض العلماء‪ :‬إن هذا السم هو اسم ال العظم لكثرة دعوة الداعين به‪ ،‬وتأمل ذلك في‬
‫القرآن كمبا فبي آخبر "آل عمران" وسبورة "إبراهيبم" وغيرهمبا‪ ،‬ولمبا يشعبر ببه هذا الوصبف مبن‬
‫الصلة بين الرب والمربوب مع ما يتضمنه من العطف والرحمة والفتقار في كل حال‪.‬‬
‫واختلف في اشتقاقه فقيل‪ :‬إنه مشتق من التربية‪ ،‬فال سبحانه وتعالى مدبر لخلقه ومربيهم ومنه‬
‫قوله تعالى‪" :‬وربائبكبم اللتبي فبي حجوركبم" [النسباء‪ .]23 :‬فسبمى بنبت الزوجبة ربيببة لتربيبة‬
‫الزوج لها‪.‬‬
‫فعلى أنببه مدبر لخلقببه ومربيهببم يكون صببفة فعببل‪ ،‬وعلى أن الرب بمعنببى المالك والسببيد يكون‬
‫صفة ذات‪.‬‬
‫@ متى أدخلت اللف واللم على "رب" اختص ال تعالى به‪ ،‬لنها للعهد وإن حذفنا منه صار‬
‫مشتركا بين ال وبين عباده‪ ،‬فيقال‪ :‬ال رب العباد وزيد رب الدار فال سبحانه رب الرباب يملك‬
‫المالك والمملوك‪ ،‬وهببو خالق ذلك ورازقببه وكببل رب سببواه غيببر خالق ول رازق‪ ،‬وكببل مملوك‬
‫فمُمَلّك بعبد أن لم يكبن‪ ،‬ومنتزع ذلك مبن يده وإنمبا يملك شيئا دون شيبء وصبفة ال تعالى مخالفبة‬
‫لهذه المعاني فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬العالمين" اختلف أهل التأويل في "العالمين" اختلفا كثيراً‪ ،‬فقال قتادة‪ :‬العالمون‬
‫جمع عالم وهو كل موجود سوى ال تعالى ول واحد له من لفظه مثل رهط وقوم‪ .‬وقيل‪ :‬أهل كل‬
‫زمان عالم قاله الحسبببين ببببن الفضبببل‪ ،‬لقوله تعالى‪" :‬أتأتون الذكران مبببن العالميبببن" [الشعراء‪:‬‬
‫‪ ]165‬أي من الناس‪ .‬وقال العجاج‪:‬‬
‫فخِ ْن ِدفٌ هامة هذا العأَْلمِ‬
‫خطَفي‪:‬‬
‫وقال جرير بن ال َ‬
‫َتنَصّفُه البرية وهو سامٍ ويُضحي العالَمون له عيال‬
‫وقال اببن عباس‪ :‬العالمون الجبن والنبس‪ ،‬دليله قوله تعالى‪" :‬ليكون للعالميبن نذيرا" [الفرقان‪:‬‬
‫‪ ]1‬ولم يكبن نذيرا للبهائم‪ .‬وقال الفراء وأببو عببيدة‪ :‬العالم عبارة عمبن يعقبل‪ ،‬وهبم أربعبة أمبم‪:‬‬
‫النس والجن والملئكة والشياطين‪ .‬ول يقال للبهائم‪ :‬عالم‪ ،‬لن هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل‬
‫خاصة‪.‬‬
‫قال العشى‪:‬‬
‫ما إن سمعت بمثلهم في العالمينا‬
‫وقال زيببد ببن أسبلم‪ :‬هببم المرتزقون‪ ،‬ونحوه قول أبببي عمرو ببن العلء‪ :‬هبم الروحانيون‪ .‬وهبو‬
‫معنى قول ابن عباس أيضا‪ :‬كل ذي روح دب على وجه الرض‪ .‬وقال وهب بن منبه‪ :‬إن ل عز‬
‫وجبل ثمانيبة عشبر ألف عالم‪ ،‬الدنيبا عالم منهبا‪ .‬وقال أببو سبعيد الخدري‪ :‬إن ل أربعيبن ألف عالم‪،‬‬
‫الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد‪ .‬وقال مقاتل‪ :‬العالمون ثمانون ألف عالم‪ ،‬أربعون ألف عالم‬
‫فبي البر وأربعون ألف عالم فبي البحبر‪ .‬وروى الربيبع ببن أنبس عبن أببي العاليبة قال‪ :‬الجبن عالم‬
‫والنس عالم وسوى ذلك للرض أربع زوايا في كل زاوية ألف وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته‪.‬‬
‫قلت‪ :‬والقول الول أصبح هذه القوال‪ ،‬لنبه شامبل لكبل مخلوق وموجود دليله قوله تعالى‪" :‬قال‬
‫فرعون ومببا رب العالميببن‪ .‬قال رب السببماوات والرض ومببا بينهمببا" [الشعراء‪ ]23 :‬ثببم هببو‬
‫مأخوذ مبن العلم والعلمبة لنبه يدل على موجده‪ .‬كذا قال الزجاج قال‪ :‬العالم كبل مبا خلقبه ال فبي‬
‫الدنيببا والخرة‪ .‬وقال الخليببل‪ :‬العلم والعلمبة والمعلم‪ :‬مبا دل على الشيبء‪ ،‬فالعالم دال على أن له‬
‫خالقا ومدبرا وهذا واضح‪ .‬وقد ذكر أن رجل قال بين يدي الجنيد‪ :‬الحمد ل فقال له‪ :‬أتمها كما قال‬
‫ال قبل رب العالميبن فقال الرجبل‪ :‬ومبن العالميبن حتبى تذكبر مبع الحبق؟ قال‪ :‬قبل يبا أخبي؟ فإن‬
‫المحدث إذا قرن مع القديم ل يبقى له أثر‪.‬‬

‫@ يجوز الرفبع والنصبب فبي "رب" فالنصبب على المدح والرفبع على القطبع‪ ،‬أي هبو رب‬
‫العالمين‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬الرحمن الرحيم" وصف نفسه تعالى بعد "رب العالمين" بأنه "الرحمن الرحيم"‬
‫لنبه لمبا كان فبي اتصبافه ببب "رب العالميبن" ترهيبب قرنبه ببب "الرحمبن الرحيبم" لمبا تضمبن مبن‬
‫الترغيبب‪ ،‬ليجمبع فبي صبفاته بيبن الرهببة منبه والرغببة إليبه‪ ،‬فيكون أعون على طاعتبه وأمنبع كمبا‬
‫قال‪" :‬نببئ عبادي أنبي أنبا الغفور الرحيبم‪ .‬وأن عذاببي هبو العذاب الليبم" [الحجبر‪.]50 ،49 :‬‬
‫وقال‪" :‬غافبر الذنبب وقاببل التوب شديبد العقاب ذي الطول" [غافبر‪ .]3 :‬وفبي صبحيح مسبلم عبن‬
‫أببي هريرة أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬لو يعلم المؤمبن مبا عنبد ال مبن العقوببة مبا‬
‫طمبع بجنتبه أحبد‪ ،‬ولو يعلم الكافبر مبا عنبد ال مبن الرحمبة مبا قنبط مبن جنتبه أحبد)‪ .‬وقبد تقدم مبا فبي‬
‫هذين السمين من المعاني فل معنى لعادته‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬مالك يوم الديبن" قرأ محمبد ببن السّبمَيقع بنصبب مالك‪ ،‬وفيبه أرببع لغات‪ :‬مالك‬
‫ومَلِك ومَلْك ‪ -‬مخففة من مَلِك ‪ -‬ومَليك‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وأيام لنا غر طوال عصينا الملك فيها أن ندينا‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫فاقنع بما قسم المليك فإنما قسم الخلئق بيننا علمها‬
‫الخلئق‪ :‬الطبائع التببي جبببل النسببان عليهببا‪ .‬وروي عببن نافببع إشباع الكسببرة فببي "مَلِكبِ" فيقرأ‬
‫"ملكي" على لغة من يشبع الحركات وهي لغة للعرب ذكرها المهدوي وغيره‪.‬‬
‫@ اختلف العلماء أيمبا أبلغ‪ :‬ملك أو مالك؟ والقراءتان مرويتان عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫وأبي بكر وعمر‪ .‬ذكرهما الترمذي فقيل‪" :‬ملك" أعم وأبلغ من "مالك" إذ كل ملك مالك وليس كل‬
‫مالك ملكبا ولن الملك نافبذ على المالك فبي ملكبه حتبى ل يتصبرف إل عبن تدبيبر الملك قال أببو‬
‫عبيدة والمبرد‪ .‬وقيل‪" :‬مالك" أبلغ لنه يكون مالكا للناس وغيرهم فالمالك أبلغ تصبرفا وأعظم إذ‬
‫إليبه إجراء قوانيبن الشرع‪ ،‬ثبم عنده زيادة التملك‪ .‬وقال أببو علي‪ :‬حكبى أببو بكبر ببن السبراج عبن‬
‫بعض من اختار القراءة بب "مالك" أن ال سبحانه قد وصف نفسه بأنه مالك كل شيء بقول‪" :‬رب‬
‫العالمين" فل فائدة في قراءة من قرأ "مالك" لنها تكرار‪ .‬قال أبو علي‪ :‬ول حجة في هذا لن في‬
‫التنزيبببل أشياء على هذه الصبببورة تقدم العام ثبببم ذكبببر الخاص كقوله‪" :‬هبببو ال الخالق البارئ‬
‫المصبور" فالخالق يعبم‪ .‬وذكر المصبور لمبا فيبه من التنبيه على الصبنعة ووجود الحكمبة وكمبا قال‬
‫تعالى‪" :‬وبالخرة هبم يوقنون" بعبد قوله‪" :‬الذيبن يؤمنون بالغيبب"‪ .‬والغيبب يعبم الخرة وغيرهبا‬
‫ولكبن ذكرهبا لعظمهبا والتنببيه على وجوب اعتقادهبا والرد على الكفرة الجاحديبن لهبا وكمبا قال‪:‬‬
‫"الرحمن الرحيم" فذكر "الرحمن" الذي هو عام وذكر "الرحيم" بعده لتخصيص المؤمنين به في‬
‫قوله‪" :‬وكان بالمؤمنين رحيما"‪ .‬وقال أبو حاتم‪ :‬إن مالكا أبلغ في مدح الخالق من "ملك" و"ملك"‬
‫أبلغ في مدح المخلوقين من مالك‪ ،‬والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك‪ ،‬وإذا‬
‫كان ال تعالى مالكبا كان ملكبا‪ ،‬واختار هذا القول القاضبي أببو بكبر ببن العرببي وذكبر ثلثبة أوجبه‪،‬‬
‫الول‪ :‬أنببببك تضيفببببه إلى الخاص والعام فتقول‪ :‬مالك الدار والرض والثوب كمببببا تقول‪ :‬مالك‬
‫الملوك‪ .‬الثانببي‪ :‬أنببه يطلق على مالك القليببل والكثيببر وإذا تأملت هذيببن القوليببن وجدتهمببا واحدا‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أنبك تقول‪ :‬مالك الملك ول تقول‪ :‬ملك الملك‪ .‬قال اببن الحصبار‪ :‬إنمبا كان ذلك لن المراد‬
‫مبن "مالك" الدللة على الملك ‪ -‬بكسبر الميبم ‪ -‬وهبو ل يتضمبن "الملك" ‪ -‬بضبم الميبم ‪ -‬و"ملك"‬
‫يتضمبن المريبن جميعبا فهبو أولى بالمبالغبة‪ .‬ويتضمبن أيضبا الكمال ولذلك اسبتحق الملك على مبن‬
‫دونبه‪ ،‬أل ترى إلى قوله تعالى‪" :‬إن ال اصبطفاه عليكبم وزاده بسبطة فبي العلم والجسبم" [البقرة‪:‬‬
‫‪ ]247‬ولهذا قال عليه السلم‪( :‬المامة في قريش) وقريش أفضل قبائل العرب والعرب أفضل‬
‫من العجم وأشرف‪ .‬ويتضمن القتدار والختيار‪ ،‬وذلك أمر ضروري في الملك‪ ،‬إن لم يكن قادرا‬
‫مختارا نافذا حكمببه وأمره‪ ،‬قهره عدوه وغلبببه غيره وازدرتببه رعيتببه‪ ،‬ويتضمببن البطببش والمببر‬
‫والنهي والوعد والوعيد‪ ،‬أل ترى إلى قول سليمان عليه السلم‪" :‬ما لي ل أرى الهدهد أم كان من‬

‫الغائبيبن‪ .‬لعذبنبه عذاببا شديدا" [النمبل‪ ]21 ،20 :‬إلى غيبر ذلك مبن المور العجيببة والمعانبي‬
‫الشريفة التي ل توجد في المالك‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقببد احتببج بعضهببم على أن مالكببا أبلغ لن فيببه زيادة حرف فلقارئه عشببر حسببنات زيادة‬
‫عمن قرأ ملك‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا نظر إلى الصيغة ل إلى المعنى‪ ،‬وقد ثبتت القراءة بملك وفيه من المعنى ما ليس في‬
‫مالك على ما بينا وال أعلم‪.‬‬
‫@ ل يجوز أن يتسمى أحد بهذا السم ول يدعى به إل ال تعالى‪ ،‬روى البخاري ومسلم عن أبي‬
‫هريرة قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬يقببض ال الرض يوم القيامبة ويطوي السبماء‬
‫بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الرض) وعنه أيضا عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪( :‬إن‬
‫أخنبع اسبم عنبد ال رجبل تسبمى ملك الملك ‪ -‬زاد مسبلم ‪ -‬ل مالك إل ال عبز وجبل) قال سبفيان‪:‬‬
‫مثبل‪ :‬شاهان شاه‪ .‬وقال أحمبد ببن حنببل‪ :‬سبألت أببا عمرو الشيبانبي عبن أخنبع فقال‪ :‬أوضبع‪ .‬وعنبه‬
‫قال‪ :‬قال رسول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬أغيبظ رجل على ال يوم القيامبة وأخبثبه رجل ل[كان]‬
‫يسبمى ملك الملك ل ملك إل ال سببحانه)‪ .‬قال اببن الحصبار‪ :‬وكذلك "ملك يوم الديبن" و"مالك‬
‫الملك" ل ينبغبي أن يختلف فبي أن هذا محرم على جميبع المخلوقيبن كتحريبم ملك الملك سبواء‪،‬‬
‫وأما الوصف بمالك وملك فيجوز أن يوصف بهما من اتصف بمفهومهما‪ ،‬قال ال العظيم‪" :‬إن ال‬
‫قبد بعث لكبم طالوت ملكبا" [البقرة‪ .]247 :‬وقال صلى ال عليه وسلم‪( :‬ناس مبن أمتي عرضوا‬
‫علي غزاة في سبيل ال يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على السرة أو مثل الملوك على السرة)‪.‬‬
‫@ إن قال قائل‪ :‬كيف قال "مالك يوم الدين" ويوم الدين لم يوجد بعد‪ ،‬فكيف وصف نفسه بملك ما‬
‫لم يوجده؟ قيل له‪ :‬اعلم أن مالكا اسم فاعل من ملك يملك‪ ،‬واسم الفاعل في كلم العرب قد يضاف‬
‫إلى ما بعده وهو بمعنى الفعل المستقبل‪ ،‬ويكون ذلك عندهم كلما سديدا معقول صحيحا‪ ،‬كقولك‪:‬‬
‫هذا ضارب زيد غدا‪ ،‬أي سيضرب زيدا‪ .‬وكذلك‪ :‬هذا حاج بيت ال في العام المقبل‪ ،‬تأويله سيحج‬
‫في العام المقبل أفل ترى أن الفعل قد ينسب إليه وهو لم يفعله بعد‪ ،‬وإنما أريد به الستقبال‪ ،‬فكذلك‬
‫قول عز وجل‪" :‬مالك يوم الدين" على تأويل الستقبال‪ ،‬أي سيملك يوم الدين أو في يوم الدين إذا‬
‫حضر‪.‬‬
‫ووجببه ثان‪ :‬أن يكون تأويببل المالك راجببع إلى القدرة‪ ،‬أي إنببه قادر فببي يوم الديببن‪ ،‬أو على يوم‬
‫الديبن وإحداثبه‪ ،‬لن المالك للشيبء هبو المتصبرف فبي الشيبء والقادر عليبه وال عبز وجبل مالك‬
‫الشياء كلها ومصرفها على إرادته‪ ،‬ل يمتنع عليه منها شيء‪.‬‬
‫والوجه الول أمس بالعربية وأنفذ في طريقها‪ ،‬قاله أبو القاسم الزجاجي‪.‬‬
‫ووجه ثالث‪ :‬فيقال لم خصص يوم الدين وهو مالك يوم الدين وغيره؟ قيل له‪ :‬لن في الدنيا كانوا‬
‫منازعين في الملك مثل فرعون ونمروذ وغيرهما وفي ذلك اليوم ل ينازعه أحد في ملكه‪ ،‬وكلهم‬
‫خضعوا له كمببا قال تعالى‪" :‬لمببن الملك اليوم" [غافببر‪ ]16 :‬فأجاب جميببع الخلق‪" :‬ل الواحببد‬
‫القهار" [غافر‪ ]16 :‬فلذلك قال‪ :‬مالك يوم الدين‪ ،‬أي في ذلك اليوم ل يكون مالك ول قاض ول‬
‫مجاز غيره سببحانه ل إله إل هبو‪ .‬إن وُصبِف ال سببحانه بأنبه ملك كان ذلك مبن صبفات ذاتبه‪ ،‬وإن‬
‫وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله‪.‬‬
‫@ اليوم‪ :‬عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس‪ ،‬فاستعير فيما بين مبتدأ القيامة‬
‫إلى وقبت اسبتقرار أهبل الداريبن فيهمبا‪ .‬وقبد يطلق اليوم على السباعة منبه‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬اليوم‬
‫أكملت لكم دينكم" [المائدة‪ ]3 :‬وجمع يوم أيام وأصله أيوام فأدغم‪،‬‬
‫وربما عبروا عن الشدة باليوم يقال‪ :‬يوم أيوم كما يقال‪ :‬ليله ليلء‪ .‬قال الراجز‪:‬‬
‫نعم أخو الهيجاء في اليوم اليمي‬
‫وهو مقلوب منه أخر الواو وقدم الميم ثم قلبت الواو ياء حيث صارت طرفا‪ ،‬كما قالوا‪ :‬أدْلٍ في‬
‫جمع دلو‪.‬‬
‫@ الديبن‪ :‬الجزاء على العمال والحسباب بهبا‪ ،‬كذلك قال اببن عباس واببن مسبعود واببن جريبج‬
‫وقتادة وغيرهم‪ ،‬وروي عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويدل عليه قوله تعالى‪" :‬يومئذ يوفيهم ال‬

‫دينهبم الحبق" [النور‪ ]25 :‬أي حسبابهم‪ .‬وقال‪" :‬اليوم تجزى كبل نفبس بمبا كسببت" [غافبر‪]17 :‬‬
‫و"اليوم تجزون مبا كنتبم تعملون" [الجاثيبة‪ ]28 :‬وقال‪" :‬أئنبا لمدينون" [الصبافات‪ ]53 :‬أي‬
‫مجزيون محاسبون‪ .‬وقال لبيد‪:‬‬
‫حصادك يوما ما زرعت وإنما يدان الفتى يوما كما هو دائن‬
‫آخر‪:‬‬
‫إذا رمونا رميناهم ودناهم مثل ما يقرضونا‬
‫آخر‪:‬‬
‫ن كما تدين تدان‬
‫وأعلم يقينا أن ملكك زائل وأعلم بأ ّ‬
‫وحكبى أهبل اللغبة‪ :‬دِنتبه بفعله دينبا (بفتبح الدال) ودينبا (بكسبرها) جزيتبه‪ ،‬ومنبه الديان فبي صبفة‬
‫الرب تعالى أي المجازي‪ ،‬وفببي الحديببث‪( :‬الكيببس مببن دان نفسببه) أي حاسببب‪ .‬وقيببل‪ :‬القضاء‪،‬‬
‫وروي عن ابن عباس أيضا ومنه قول طرفة‪:‬‬
‫لعمرك ما كانت حمولة معبد على جدها حربا لدينِك من مضر‬
‫ومعاني هذه الثلثة متقاربة‪ .‬والدين أيضا‪ :‬الطاعة‪ ،‬ومنه قول عمرو بن كلثوم‪:‬‬
‫وأيام لنا غر طوال عصينا المَلْك فيها أن ندينا‬
‫فعلى هذا هو لفظ مشترك وهي‪:‬‬
‫@ قال ثعلب‪ :‬دان الرجل إذا أطاع‪ ،‬ودان إذا عصى‪ ،‬ودان إذا عز‪ ،‬ودان إذا ذل‪ ،‬ودان إذا قهر‪،‬‬
‫فهو من الضداد‪ .‬ويطلق الدين على العادة والشأن كما قال‪:‬‬
‫كدينك من أم الحويرث قبلها‬
‫وقال المثقب [يذكر ناقته]‪:‬‬
‫ت لها وضيني أهذا دينُه أبدا وديني‬
‫تقول إذا درأ ُ‬
‫والدين‪ :‬سيرة الملك‪ .‬قال زهير‪:‬‬
‫لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدَك‬
‫أراد في موضع طاعة عمرو‪ .‬والدين‪ :‬الداء عن اللحياني‪ .‬وأنشد‪:‬‬
‫يا دين قلبك من سلمى وقد دينا‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إياك نعبد" رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين‪ ،‬لن من أول السورة إلى‬
‫ههنا خبرا عن ال تعالى وثناء عليه كقوله "وسقاهم ربهم شرابا طهورا" [النسان‪ .]21 :‬ثم قال‪:‬‬
‫"إن هذا كان لكم جزاء"‪ .‬وعكسه‪" :‬حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم" [يونس‪ ]22 :‬على ما‬
‫يأتببي‪ .‬و"نعبببد" معناه نطيببع والعبادة الطاعببة والتذلل‪ .‬وطريببق معبببد إذا كان مذلل للسببالكين قال‬
‫الهروي‪ .‬ونطق المكلف به إقرار بالربوبية وتحقيق لعبادة ال تعالى‪ ،‬إذ سائر الناس يعبدون سواه‬
‫من أصنام وغير ذلك‪" .‬وإياك نستعين" أي نطلب العون والتأييد والتوفيق‪.‬‬
‫قال السبلمي فبي حقائقبه‪ :‬سبمعت محمبد ببن عبدال ببن شاذان يقول‪ :‬سبمعت أببا حفبص الفرغانبي‬
‫يقول‪ :‬من أق ّر بب "إياك نعبد وإياك نستعين" فقد برئ من الجبر والقدر‪.‬‬
‫@ إن قيبل‪ :‬لم قدم المفعول على الفعبل؟ قيبل له‪ :‬قدم اهتمامبا‪ ،‬وشأن العرب تقديبم الهبم‪ .‬يذكبر أن‬
‫ب آخببر فأعرض المسبببوب عنبه‪ ،‬فقال له السبباب‪ :‬إياك أعنببي‪ :‬فقال له الخببر‪ :‬وعنببك‬
‫أعرابيببا سب ّ‬
‫أعرض‪ ،‬فقدما الهم‪ .‬وأيضا لئل يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود فل يجوز نعبدك ونستعينك‬
‫ول نعبد إياك ونستعين إياك‪ ،‬فيقدم الفعل على كناية المفعول وإنما يتبع لفظ القرآن‪ .‬وقال العجاج‪:‬‬
‫إياك أدعو فتقبل مَلَقي واغفر خطاياي وكثّر ورقي‬
‫ويروى‪ :‬و َثمّر‪ .‬وأما قول الشاعر‪:‬‬
‫ت إياكا‬
‫إليك حتى بََلغَ ْ‬
‫فشاذ ل يقاس عليه‪ .‬والورق بكسر الراء من الدراهم‪ ،‬وبفتحها المال‪ .‬وكرر السم لئل يتوهم إياك‬
‫نعبد ونستعين غيرك‪.‬‬
‫@ الجمهور من القراء والعلماء على شد الياء من "إياك" في الموضعين‪ .‬وقرأ عمرو بن قائد‪:‬‬
‫"إياك" بكسر الهمزة وتخفيف الياء‪ ،‬وذلك أنه كره تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها‪ .‬وهذه‬

‫قراءة مرغوب عنهبا‪ ،‬فإن المعنبى يصبير‪ :‬شمسبك نعببد أو ضوءك وإياة الشمبس (بكسبر الهمزة)‪:‬‬
‫ضوءها وقد تفتح‪ .‬وقال‪:‬‬
‫ف فلم تَكدِم عليه بإثمد‬
‫س ّ‬
‫سقته إياة الشمس إل لِثاتِه ُأ ِ‬
‫فإن أسبقطت الهاء مددت‪ .‬ويقال‪ :‬الياة للشمبس كالهالة للقمبر وهبي الدارة حولهبا‪ .‬وقرأ الفضبل‬
‫الرقاشببي‪" :‬أياك" (بفتببح الهمزة) وهببي لغببة مشهورة‪ .‬وقرأ أبببو السببّوار ال َغنَوي‪" :‬هياك" فببي‬
‫الموضعين وهي لغة قال‪:‬‬
‫فهِيّاك والمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وإياك نسببتعين" عطببف جملة على جملة‪ .‬وقرأ يحيببى بببن وثاب والعمببش‪:‬‬
‫"نِسبتعين" بكسبر النون وهبي لغبة تميبم وأسبد وقيبس وربيعبة ليدل على أنبه مبن اسبتعان‪ ،‬فكسبرت‬
‫النون كمبا تكسبر ألف الوصبل‪ .‬وأصبل "نسبتعين" نسبتعون قلببت حركبة الواو إلى العيبن فصبارت‬
‫ياء‪ ،‬والمصبدر اسبتعانة والصبل اسبتعوان‪ ،‬قلببت حركبة الواو إلى العيبن فانقلببت ألفبا ول يلتقبي‬
‫ساكنان فحذفت اللف الثانية لنها زائدة‪ ،‬وقيل الولى لن الثانية للمعنى ولزمت الهاء عوضا‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬اهدنبا الصبراط المسبتقيم" اهدنبا دعاء ورغببة مبن المربوب إلى الرب‪ ،‬والمعنبى‪:‬‬
‫دلنبا على الصبراط المسبتقيم وأرشدنبا إليبه وأرنبا طريبق هدايتبك الموصبلة إلى أنسبك وقرببك‪ .‬قال‬
‫بعبض العلماء‪ :‬فجعبل ال جبل وعبز عظبم الدعاء وجملتبه موضوعبا فبي هذه السبورة‪ ،‬نصبفها فيبه‬
‫مجمع الثناء ونصفها فيه مجمع الحاجات‪ ،‬وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي‬
‫يدعبو به [الداعبي] لن هذا الكلم قبد تكلم ببه رب العالميبن فأنبت تدعو بدعاء هبو كلمبه الذي تكلم‬
‫ببه‪ ،‬وفبي الحديبث‪( :‬ليبس شيبء أكرم على ال مبن الدعاء)‪ .‬وقيبل المعنبى‪ :‬أرشدنبا باسبتعمال السبنن‬
‫في أداء فرائضك وقيل‪ :‬الصل فيه المالة ومنه قوله تعالى‪" :‬إنا هُدنا إليك" [العراف‪]156 :‬‬
‫أي ملنا‪ ،‬وخرج عليه السلم في مرضه يتهادى بين اثنين‪ ،‬أي يتمايل‪ .‬ومنه الهدية لنها تمال من‬
‫مِلك إلى مِلك‪ .‬ومنببه الهدي للحيوان الذي يسبباق إلى الحرم‪ ،‬فالمعنببى مببل بقلوبنببا إلى الحببق‪ .‬وقال‬
‫الفضيبل ببن عياض‪" :‬الصبراط المسبتقيم" طريبق الحبج‪ ،‬وهذا خاص والعموم أولى‪ .‬قال محمبد ببن‬
‫الحنفيبة فبي قوله عبز وجبل "اهدنبا الصبراط المسبتقيم"‪ :‬هبو ديبن ال الذي ل يقببل مبن العبادة غيره‪.‬‬
‫وقال عاصببم الحول عببن أبببي العاليببة‪" :‬الصببراط المسببتقيم" رسببول ال صببلى ال عليببه وسببلم‬
‫وصباحباه مبن بعده‪ .‬قال عاصبم فقلت للحسبن‪ :‬إن أببا العاليبة يقول‪" :‬الصبراط المسبتقيم" رسبول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم وصاحباه قال‪ :‬صدق ونصح‪.‬‬
‫@ أصل الصراط في كلم العرب الطريق‪ ،‬قال عامر بن الطفيل‪:‬‬
‫شحنّا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذل من الصراط‬
‫وقال جرير‪:‬‬
‫أمير المؤمنين على صراط إذا أعوج الموارد مستقيم‬
‫وقال آخر‪ :‬فصدّ عن نهج الصراط الواضح‬
‫حكبى النقّاش‪ :‬الصبراط الطريبق بلغبة الروم‪ ،‬فقال اببن عطيبة‪ :‬وهذا ضعيبف جدا‪ .‬وقرئ‪ :‬السبراط‬
‫(بالسببين) مببن السببتراط بمعنببى البتلع‪ ،‬كأن الطريببق يسببترط مببن يسببلكه‪ .‬وقرئ بيببن الزاي‬
‫والصبباد‪ .‬وقرئ بزاي خالصببة والسببين الصببل‪ .‬وحكببى سببلمة عببن الفراء قال‪ :‬الزراط بإخلص‬
‫الزاي لغببة لعُذرة وكلب وبنببي القَيْبن قال‪ :‬وهؤلء يقولون [فببي أصببدق]‪ :‬أزدق‪ .‬وقببد قالوا‪ :‬الزْد‬
‫والسْد‪ ،‬ولسق به ولصق به‪ .‬و"الصراط" نصب على المفعول الثاني لن الفعل من الهداية يتعدى‬
‫إلى المفعول الثاني بحرف جر‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬فاهدوهم إلى صراط الجحيم"‪[ .‬الصافات‪.]23 :‬‬
‫وبغيبر حرف كمبا فبي هذه اليبة‪" .‬المسبتقيم" صبفة لبب "الصبراط" وهبو الذي ل اعوجاج فيبه ول‬
‫انحراف ومنه قوله تعالى‪" :‬وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه" [النعام‪ ]153 :‬وأصله مستقوم‪،‬‬
‫نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ياء لنكسار ما قبلها‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬صبراط الذيبن أنعمبت عليهبم" صبراط بدل مبن الول بدل الشيبء مبن الشيبء‪،‬‬
‫كقولك‪ :‬جاءنبي زيبد أبوك‪ .‬ومعناه‪ :‬أدم هدايتنبا‪ ،‬فإن النسبان قبد يهدى إلى الطريبق ثبم يقطبع ببه‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬هو صراط آخر‪ ،‬ومعناه العلم بال جل وعز والفهم عنه‪ ،‬قاله جعفر بن محمد‪ .‬ولغة القرآن‬

‫"الذين" في الرفع والنصب والجر وهذيل تقول‪ :‬اللذون في الرفع‪ ،‬ومن العرب من يقول‪ :‬اللذو‪،‬‬
‫ومنهم من يقول الذي‪ ،‬وسيأتي‪.‬‬
‫وفبي "عليهبم" عشبر لغات‪ ،‬قرئ بعامتهبا‪" :‬عليهُم" بضبم الهاء وإسبكان الميبم‪" .‬وعليهِم" بكسبر‬
‫الهاء وإسبكان الميبم‪ .‬و"عليهمبي" بكسبر الهاء والميبم وإلحاق ياء بعبد الكسبرة‪ .‬و"عليهمبو" بكسبر‬
‫الهاء وضبم الميبم وزيادة واو بعبد الضمبة‪ .‬و"عليهمبو" بضبم الهاء والميبم كلتيهمبا وإدخال واو بعبد‬
‫الميم‪ .‬و"عليهم" بضم الهاء والميم من غير زيادة واو‪ .‬وهذه الوجه الستة مأثورة عن الئمة من‬
‫القراء‪ .‬وأوجبه أربعبة منقولة عبن العرب غيبر محكيبة عبن القراء‪" :‬عليهمبي" بضبم الهاء وكسبر‬
‫الميم وإدخال ياء بعد الميم‪ ،‬حكاها الحسن البصري عن العرب‪ .‬و"عليهُمِ" بضم الهاء وكسر الميم‬
‫من غير زيادة ياء‪ .‬و"عليهِ مُ" بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو‪ .‬و"عليهم" بكسر الهاء‬
‫والميم ول ياء بعد الميم‪ .‬وكلها صواب‪ ،‬قاله ابن النباري‪.‬‬
‫@ قرأ عمبر ببن الخطاب واببن الزبيبر رضبي ال عنهمبا "صبراط مبن أنعمبت عليهبم"‪ .‬واختلف‬
‫الناس فببي المنعببم عليهببم‪ ،‬فقال الجمهور مببن المفسببرين‪ :‬إنببه أراد صببراط النبببيين والصببديقين‬
‫والشهداء والصبالحين‪ .‬وانتزعوا ذلك مبن قوله تعالى‪" :‬ومبن يطبع ال والرسبول فأولئك الذيبن أنعبم‬
‫ال عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" [النساء‪ .]69 :‬فالية‬
‫تقتضببي أن هؤلء على صببراط مسببتقيم‪ ،‬وهببو المطلوب فببي آيببة الحمببد وجميببع مببا قيببل إلى هذا‬
‫يرجع‪ ،‬فل معنى لتعديد القوال وال المستعان‪.‬‬
‫@ في هذه الية رد على القدرية والمعتزلة والمامية‪ ،‬لنهم يعتقدون أن إرادة النسان كافية في‬
‫صبدور أفعال منبه طاعة كانت أو معصبية‪ ،‬لن النسان عندهبم خالق لفعاله فهو غير محتاج فبي‬
‫صدورها عنه إلى ربه‪ ،‬وقد أكذبهم ال تعالى في هذه الية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم‬
‫فلو كان المبر إليهبم والختيار بيدهبم دون ربهبم لمبا سبألوه الهدايبة‪ ،‬ول كرروا السبؤال فبي كبل‬
‫صبلة وكذلك تضرعهبم إليبه فبي دفبع المكروه وهبو مبا يناقبض الهدايبة حيبث قالوا‪" :‬صبراط الذيبن‬
‫أنعمبت عليهبم غيبر المغضوب عليهبم ول الضاليبن" [الفاتحبة‪ :‬اليبة]‪ .‬فكمبا سبألوه أن يهديهبم سبألوه‬
‫أل يضلهم‪ ،‬وكذلك يدعون فيقولون‪" :‬ربنا ل تزغ قلوبنا بعد إن هديتنا" [آل عمران‪ ]8 :‬الية‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬غير المغضوب عليهم ول الضالين" اختلف في "المغضوب عليهم" و"الضالين"‬
‫مبن هبم؟ فالجمهور أن المغضوب عليهبم اليهود والضاليبن النصبارى‪ ،‬وجاء ذلك مفسبرا عبن النببي‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم فبي حديبث عدي ببن حاتبم وقصبة إسبلمه‪ ،‬أخرجبه أببو داود الطيالسبي فبي‬
‫مسبنده والترمذي فبي جامعبه‪ .‬وشهبد لهذا التفسبير أيضبا قوله سببحانه فبي اليهود‪" :‬وباؤوا بغضبب‬
‫مبن ال" [البقرة‪ 61 :‬وآل عمران‪ .]112 :‬وقال‪" :‬وغضبب ال عليهبم" [الفتبح‪ ]6 :‬وقال فبي‬
‫النصبارى‪" :‬قبد ضلوا مبن قببل وأضلوا كثيرا وضلوا عبن سبواء السببيل" [المائدة‪ .]77 :‬وقيبل‪:‬‬
‫"المغضوب عليهم" المشركون‪ .‬و"الضالين" المنافقون‪ .‬وقيل‪" :‬المغضوب عليهم" هو من أسقط‬
‫فرض هذه السببورة فببي الصببلة و"الضاليببن" عببن بركببة قراءتهببا‪ .‬حكاه السببلمي فببي حقائقببه‬
‫والماوردي فبي تفسبيره وليبس بشيبء‪ .‬قال الماوردي‪ :‬وهذا وجبه مردود‪ ،‬لن مبا تعارضبت فيبه‬
‫الخبار وتقابلت فيبببه الثار وانتشبببر فيبببه الخلف لم يجبببز أن يطلق عليبببه هذا الحكبببم‪ .‬وقيبببل‪:‬‬
‫"المغضوب عليهم" باتباع البدع و"الضالين" عن سنن الهدى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا حسن‪ ،‬وتفسير النبي صلى ال عليه وسلم أولى وأعلى وأحسن‪ .‬و"عليهم" في موضع‬
‫رفببع لن المعنببى غضببب عليهببم‪ .‬والغضببب فببي اللغببة الشدة‪ .‬ورجببل غضوب أي شديببد الخلق‪.‬‬
‫والغضوب‪ :‬الحيبة الخبيثبة لشدتهبا‪ .‬والغضببة‪ :‬الدرقبة مبن جلد البعيبر‪ ،‬يطوى بعضهبا على بعبض‪،‬‬
‫سبميت بذلك لشدتهبا‪ .‬ومعنبى الغضبب فبي صفة ال تعالى إرادة العقوبة‪ ،‬فهو صبفة ذات وإرادة ال‬
‫تعالى من صفات ذاته أو نفس العقوبة ومنه الحديث‪( :‬إن الصدقة لتطفئ غضب الرب) فهو صفة‬
‫فعل‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ول الضاليبن" الضلل فبي كلم العرب هبو الذهاب عبن سبنن القصبد وطريبق‬
‫الحبق‪ ،‬ومنبه‪ :‬ضبل اللببن فبي الماء أي غاب‪ .‬ومنبه‪" :‬أئذا ضللنبا فبي الرض" [السبجدة‪ ]10 :‬أي‬
‫غبنا بالموت وصرنا ترابا‪ ،‬قال‪:‬‬

‫ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلّل أين ساروا‬
‫والضَّلضِلَة‪ :‬حجبر أملس يردده الماء فبي الوادي‪ .‬وكذلك الغضببة‪ :‬صبخرة فبي الجببل مخالفبة لونبه‬
‫قال‪ :‬أو غضبة في هضبة ما أمنعا‬
‫@ قرأ عمر بن الخطاب وأببي بن كعبب "غير المغضوب عليهم وغيبر الضاليبن" وروي عنهما‬
‫في الراء النصب والخفض في الحرفين‪ ،‬فالخفض على البدل من "الذين" أو من الهاء والميم في‬
‫"عليهم" أو صفة للذين والذين معرفة ول توصف المعارف بالنكرات ول النكرات بالمعارف‪ ،‬إل‬
‫أن الذيبن ليبس بمقصبود قصبدهم فهبو عام فالكلم بمنزلة قولك‪ :‬إنبي لمبر بمثلك فأكرمبه أو لن‬
‫"غيبر" تعرفبت لكونهبا بيبن شيئيبن ل وسبط بينهمبا كمبا تقول‪ :‬الحبي غيبر الميبت والسباكن غيبر‬
‫المتحرك والقائم غير القاعد‪ ،‬قولن‪ :‬الول للفارسي والثاني للزمخشري‪ .‬والنصب في الراء على‬
‫وجهين‪ :‬على الحال من الذين أو من الهاء والميم فبي عليهم كأنك قلت‪ :‬أنعمت عليهم ل مغضوبا‬
‫عليهبم‪ .‬أو على السبتثناء كأنبك قلت‪ :‬إل المغضوب عليهبم‪ .‬ويجوز النصبب بأعنبي‪ ،‬وحكبي عبن‬
‫الخليل‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ل" فبي "ول الضاليبن" اختلف فيهبا فقيبل هبي زائدة‪ ،‬قاله الطببري‪ .‬ومنبه قوله‬
‫تعالى‪" :‬مبا منعبك أل تسبجد" [العراف‪ .]12 :‬وقيبل‪ :‬هبي تأكيبد دخلت لئل يتوهبم أن الضاليبن‬
‫معطوف على الذيبن‪ ،‬حكاه مكبي والمهدوي‪ .‬وقال الكوفيون‪" :‬ل" بمعنبى غيبر وهبي قراءة عمبر‬
‫وأبي وقد تقدم‪.‬‬
‫@ الصل في "الضالين"‪ :‬الضاللين حذفت حركة اللم الولى ثم أدغمت اللم في اللم فاجتمع‬
‫سبباكنان مدة اللف واللم المدغمببة‪ .‬وقرأ أيوب السببختياني‪" :‬ول الضاليببن" بهمزة غيببر ممدودة‬
‫كأنه فر من التقاء الساكنين‪ ،‬وهي لغة‪ .‬حكى أبو زيد قال‪ :‬سمعت عمرو بن عبيد ‪ -‬يقرأ‪" :‬فيومئذ‬
‫ل يسبأل عبن ذنببه إنبس ول جأَنبّ" [الرحمبن‪ ]39 :‬فظننتبه قبد لحبن حتبى سبمعت مبن العرب‪ :‬دأببة‬
‫وشأبة‪ .‬قال أبو الفتح‪ :‬وعلى هذه اللغة قول ُك َثيّر‪ :‬إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت‬
‫نُجز تفسير سورة الحمد‪ ،‬ول الحمد والمنة‪.‬‬
‫*‪*2‬سورة البقرة‬
‫*‪*3‬مقدمة السورة‬
‫@وأول مبدوء به الكلم في نزولها وفضلها وما جاء فيها‪ ،‬وهكذا كل سورة إن وجدنا لها ذلك‪،‬‬
‫فنقول‪ :‬سبورة البقرة مدنيبة‪ ،‬نزلت فبي ُم َددٍ شتبى‪ .‬وقيبل‪ :‬هبي أول سبورة نزلت بالمدينبة‪ ،‬إل قوله‬
‫تعالى‪" :‬واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ال" [البقرة‪ ]281 :‬فإنه آخر آية نزلت من السماء‪ ،‬ونزلت‬
‫يوم النحر في حجة الوداع بمنى‪ ،‬وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن‪.‬‬
‫وهذه السورة فضلها عظيم وثوابها جسيم‪ .‬ويقال لها‪ :‬فسطاط القرآن‪ ،‬قاله خالد بن معدان‪ .‬وذلك‬
‫لعظمها وبهائها‪ ،‬وكثرة أحكامها ومواعظها‪ .‬وتعلمها عمر رضي ال عنه بفقهها وما تحتوي عليه‬
‫في اثنتي عشرة سنة‪ ،‬وابنه عبدال في ثماني سنين كما تقدم‪.‬‬
‫قال اببن العرببي‪ :‬سبمعت بعبض أشياخبي يقول‪ :‬فيهبا ألف أمبر وألف نهبي وألف حكبم وألف خببر‪.‬‬
‫وبعبث رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم بعثبا وهبم ذوو عدد وقدم عليهبم أحدثهبم سبنا لحفظبه سبورة‬
‫البقرة‪ ،‬وقال له‪( :‬اذهبب فأنبت أميرهبم) أخرجبه الترمذي عبن أببي هريرة وصبححه‪ .‬وروى مسبلم‬
‫عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪( :‬اقرؤوا سورة البقرة فإن‬
‫أخذها بركة وتركها حسرة ول يستطيعها البطلة)‪ ،‬قال معاوية‪ :‬بلغني أن البطلة‪ :‬السحرة‪ .‬وروي‬
‫أيضا عن أبي هريرة أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪( :‬ل تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان‬
‫ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)‪ .‬وروى الدارمي عن عبدال قال‪ :‬ما من بيت يقرأ فيه‬
‫سورة البقرة إل خرج منه الشيطان وله صراط‪ .‬وقال‪ :‬إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة‬
‫البقرة‪ ،‬وإن لكبل شيبء لباباً وإن لباب القرآن المفصبل‪ .‬قال أببو محمبد الدارمبي‪ .‬اللباب‪ :‬الخالص‪.‬‬
‫وفبي صبحيح البسبتي عبن سبهل ببن سبعد قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬إن لكبل شيبء‬
‫سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة ومن قرأها في بيته ليل لم يدخل الشيطان بيته ثلث ليال ومن‬
‫قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلثة أيام)‪ .‬قال أبو حاتم البستي‪ :‬قوله صلى ال عليه وسلم‪( :‬لم‬

‫يدخبل الشيطان بيتبه ثلثبة أيام) أراد‪ :‬مردة الشياطيبن‪ .‬وروى الدارمبي فبي مسبنده عبن الشعببي قال‬
‫قال عبدال‪ :‬مببن قرأ عشببر آيات مببن سببورة البقرة فببي ليلة لم يدخببل ذلك البيببت شيطان تلك الليلة‬
‫حتبى يصببح‪ ،‬أربعبا مبن أولهبا وآيبة الكرسبي وآيتيبن بعدهبا وثلثبا خواتيمهبا‪ ،‬أولهبا‪" :‬ل مبا فبي‬
‫السموات" [البقرة‪ .]284 :‬وعن الشعبي عنه‪ :‬لم يقربه ول أهله يومئذ شيطان ول شيء يكرهه‪،‬‬
‫ول يقرأن على مجنون إل أفاق‪ .‬وقال المغيرة بببن سبببيع ‪ -‬وكان مبن أصببحاب عبدال ‪ : -‬لم ينببس‬
‫القرآن‪ .‬وقال إسبحاق ببن عيسبى‪ :‬لم ينبس مبا قبد حفبظ‪ .‬قال أببو محمبد الدارمبي‪ :‬منهبم مبن يقول‪:‬‬
‫المغيرة ببن سبميع‪ .‬وفبي كتاب السبتيعاب لببن عبدالبر‪ :‬وكان لبيبد ببن ربيعبة ببن عام ببن مالك ببن‬
‫جعفبر ببن كلب ببن ربيعبة ببن عامبر ببن صبعصعة مبن شعراء الجاهليبة‪ ،‬أدرك السبلم فحسبن‬
‫إسبلمه وترك قول الشعبر فبي السبلم‪ ،‬سبأل عمبر فبي خلفتبه عبن شعره واسبتنشده‪ ،‬فقرأ سبورة‬
‫البقرة‪ ،‬فقال‪ :‬إنما سألتك عن شعرك‪ ،‬فقال‪ :‬ما كنت لقول بيتا من الشعر بعد إذ علمني ال البقرة‬
‫وآل عمران‪ ،‬فأعجببب عمببر قوله‪ ،‬وكان عطاؤه ألفيببن فزاده خمسببمائة‪ .‬وقببد قال كثيببر مببن أهببل‬
‫الخبار‪ :‬إن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬لم يقل في السلم إل قوله‪:‬‬
‫الحمد ل إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من السلم سربال‬
‫قال ابن عبدالبر‪ :‬وقد قيل إن هذا البيت لقردة بن نفاثة السلولي‪ ،‬وهو أصح عندي‪ .‬وقال غيره‪ :‬بل‬
‫البيت الذي قال في السلم‪:‬‬
‫ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه القرين الصالح‬
‫وسببيأتي مببا ورد فببي آيببة الكرسببي وخواتيببم البقرة‪ ،‬ويأتببي فببي أول سببورة آل عمران زيادة بيان‬
‫لفضل هذه السورة‪ ،‬إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫*‪*3‬الية ‪{ 1:‬الم}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬الم" اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السورة‪ ،‬فقال عامر الشعبي‬
‫وسبفيان الثوري وجماعبة مبن المحدثيبن‪ :‬هبي سبر ال فبي القرآن‪ ،‬ول فبي كبل كتاب مبن كتببه سبر‪.‬‬
‫فهبي من المتشابه الذي انفرد ال تعالى بعلمبه‪ ،‬ول يجبب أن يتكلم فيها‪ ،‬ولكن نؤمن بهبا ونقرأ كما‬
‫جاءت‪ .‬وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي ال عنهما‪ .‬وذكر‬
‫أببو الليبث السبمرقندي عبن عمبر وعثمان واببن مسبعود أنهبم قالوا‪ :‬الحروف المقطعبة مبن المكتوم‬
‫الذي ل يفسر‪ .‬وقال أبو حاتم‪ :‬لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إل في أوائل السور‪ ،‬ول ندري‬
‫ما أراد ال جل وعز بها‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر النباري‪ :‬حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي‬
‫طالب حدثنبا أببو المنذر الواسبطي عبن مالك ببن مغول عبن سبعيد ببن مسبروق عبن الربيبع ببن خثيبم‬
‫قال‪ :‬إن ال تعالى أنزل هذا القران فاستأثر منه بعلم ما شاء‪ ،‬وأطلعكم على ما شاء‪ ،‬فأما ما استأثر‬
‫به لنفسه فلستم بنائليه فل تسألوا عنه‪ ،‬وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به‪،‬‬
‫ومبا بكبل القرآن تعلمون‪ ،‬ول بكبل مبا تعلمون تعملون‪ .‬قال أببو بكبر‪ :‬فهذا يوضبح أن حروفبا مبن‬
‫القرآن سبترت معانيهبا عبن جميبع العالم‪ ،‬اختبارا مبن ال عبز وجبل وامتحانبا‪ ،‬فمبن آمبن بهبا أثيبب‬
‫وسبعد‪ ،‬ومبن كفبر وشبك أثبم وبعبد‪ .‬حدثنبا أببو يوسبف ببن يعقوب القاضبي حدثنبا محمبد ببن أببي بكبر‬
‫حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان عن العمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبدال‬
‫قال‪ :‬ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب‪ ،‬ثم قرأ‪" :‬الذين يؤمنون بالغيب" [البقرة‪.]3 :‬‬
‫قلت‪ :‬هذا القول فبي المتشابه وحكمه‪ ،‬وهو الصبحيح على مبا يأتبي بيانه فبي (آل عمران) إن شاء‬
‫ال تعالى‪ .‬وقال جمببع مببن العلماء كبببير‪ :‬بببل يجببب أن نتكلم فيهببا‪ ،‬ويلتمببس الفوائد التببي تحتهببا‪،‬‬
‫والمعانببي التببي تتخرج عليهببا‪ ،‬واختلفوا فببي ذلك على أقوال عديدة‪ ،‬فروي عببن ابببن عباس وعلي‬
‫أيضا‪ :‬أن الحروف المقطعة في القرآن اسم ال العظم‪ ،‬إل أنا ل نعرف تأليفه منها‪ .‬وقال قطرب‬
‫والفراء وغيرهمببا‪ :‬هببي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم ال بهببا العرب حيببن تحداهببم بالقرآن أنببه‬
‫مؤتلف مبن حروف هبي التبي منهبا بناء كلمهبم‪ ،‬ليكون عجزهبم عنبه أبلغ فبي الحجبة عليهبم إذ لم‬
‫يخرج عبن كلمهبم‪ .‬قال قطرب‪ :‬كانوا ينفرون عنبد اسبتماع القرآن‪ ،‬فلمبا سبمعوا‪" :‬الم" و"المبص"‬
‫اسبتنكروا هذا اللفبظ‪ ،‬فلمبا أنصبتوا له صبلى ال عليبه وسبلم أقببل عليهبم بالقرآن المؤتلف ليثبتبه فبي‬

‫أسببماعهم وآذانهببم ويقيببم الحجببة عليهببم‪ .‬وقال قوم‪ :‬روي أن المشركيببن لمببا أعرضوا عببن سببماع‬
‫القرآن بمكبببة وقالوا‪" :‬ل تسبببمعوا لهذا القرآن والغوا فيبببه" [فصبببلت‪ ]26 :‬نزلت ليسبببتغربوها‬
‫فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة‪ .‬وقال جماعة‪ :‬هي حروف دالة‬
‫على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها‪ ،‬كقول ابن عباس وغيره‪ :‬اللف من ال‪ ،‬واللم من جبريل‪،‬‬
‫والميبم مبن محمبد صبلى ال عليبه وسبلم‪ .‬وقيبل‪ :‬اللف مفتاح اسبمه ال‪ ،‬واللم مفتاح اسبمه لطيبف‪،‬‬
‫والميبم مفتاح اسبمه مجيبد‪ .‬وروى أببو الضحبى عبن اببن عباس فبي قوله‪" :‬الم" قال‪ :‬أنبا ال أعلم‪،‬‬
‫"الر" أنا ال أرى‪" ،‬المص" أنا ال أفضل‪ .‬فاللف تؤدي عن معنى أنا‪ ،‬واللم تؤدي عن اسم ال‪،‬‬
‫والميم تؤدي عن معنى أعلم‪ .‬واختار هذا القول الزجاج وقال‪ :‬اذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي‬
‫عبن معنبى‪ ،‬وقبد تكلمبت العرب بالحروف المقطعبة نظمبا لهبا ووضعبا بدل الكلمات التبي الحروف‬
‫منها‪ ،‬كقوله‪:‬‬
‫فقلت لها قفي فقالت قاف‬
‫أراد‪ :‬قالت وقفت‪ .‬وقال زهير‪:‬‬
‫بالخير خيرات وإن شرا فا ول أريد الشر إل أن تا‬
‫أراد‪ :‬وإن شرا فشر‪ .‬وأراد‪ :‬إل أن تشاء‪.‬‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫نادوهم أل الجموا أل تا قالوا جميعا كلهم أل فا‬
‫أراد‪ :‬أل تركبون‪ ،‬قالوا‪ :‬أل فاركبوا‪ .‬وفبي الحديبث‪( :‬مبن أعان على قتبل مسبلم بشطبر كلمبة) قال‬
‫شقيق‪ :‬هو أن يقول في أقتل‪ :‬أقْ‪ ،‬كما قال عليه السلم (كفى بالسيف شا) معناه‪ :‬شافيا‪.‬‬
‫وقال زيببد بببن أسببلم‪ :‬هببي أسببماء للسببور‪ .‬وقال الكلبببي‪ :‬هببي أقسببام أقسببم ال تعالى بهببا لشرفهببا‬
‫وفضلهبا‪ ،‬وهبي مبن أسبمائه‪ ،‬عبن اببن عباس أيضبا ورد بعبض العلماء هذا القول فقال‪ :‬ل يصبح أن‬
‫يكون قسبما لن القسبم معقود على حروف مثبل‪ :‬إن وقبد ولقبد ومبا‪ ،‬ولم يوجبد ههنبا حرف مبن هذه‬
‫الحروف‪ ،‬فل يجوز أن يكون يمينبا‪ .‬والجواب أن يقال‪ :‬موضبع القسبم قوله تعالى‪" :‬ل ريبب فيبه"‬
‫فلو أن إنسببانا حلف فقال‪ :‬وال هذا الكتاب ل ريببب فيببه‪ ،‬لكان الكلم سببديدا‪ ،‬وتكون "ل" جواب‬
‫القسم‪ .‬فثبت أن قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح‪.‬‬
‫فإن قيبل‪ :‬مبا الحكمبة فبي القسبم مبن ال تعالى‪ ،‬وكان القوم فبي ذلك الزمان على صبنفين‪ :‬مصبدق‪،‬‬
‫ومكذب‪ ،‬فالمصبدق يصبدق بغيبر قسبم‪ ،‬والمكذب ل يصبدق مبع القسبم؟‪ .‬قيبل له‪ :‬القرآن نزل بلغبة‬
‫العرب‪ ،‬والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلمه أقسم على كلمه‪ ،‬وال تعالى أراد أن يؤكد عليهم‬
‫الحجببة فأقسببم أن القرآن مببن عنده‪ .‬وقال بعضهببم‪" :‬الم" أي أنزلت عليببك هذا الكتاب مببن اللوح‬
‫المحفوظ‪ .‬وقال قتادة فببي قوله‪" :‬الم" قال اسببم مببن أسببماء القرآن‪ .‬وروي عببن محمببد بببن علي‬
‫الترمذي أنه قال‪ :‬إن ال تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الحكام والقصص في الحروف‬
‫التبي ذكرها فبي أول السورة‪ ،‬ول يعرف ذلك إل نبي أو ولي‪ ،‬ثبم بين ذلك فبي جميبع السبورة ليفقّه‬
‫الناس‪ .‬وقيل غير هذا من القوال‪ ،‬فال أعلم‪.‬‬
‫والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إل إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها‪.‬‬
‫واختلف‪ :‬هبل لهبا محبل مبن العراب؟ فقيبل‪ :‬ل‪ ،‬لنهبا ليسبت أسبماء متمكنبة‪ ،‬ول أفعال مضارعبة‪،‬‬
‫وإنمبا هبي بمنزلة حروف التهجبي فهبي محكيبة‪ .‬هذا مذهبب الخليبل وسبيبويه‪ .‬ومبن قال‪ :‬إنهبا أسبماء‬
‫السبور فموضعهبا عنده الرفبع على أنهبا عنده خببر ابتداء مضمبر‪ ،‬أي هذه "الم"‪ ،‬كمبا تقول‪ :‬هذه‬
‫سببورة البقرة‪ .‬أو تكون رفعببا على البتداء والخبببر ذلك‪ ،‬كمببا تقول‪ :‬زيببد ذلك الرجببل‪ .‬وقال ابببن‬
‫كَيسان النحوي‪" :‬الم" في موضع نصب‪ ،‬كما تقول‪ :‬اقرأ "الم" أو عليك "الم"‪ .‬وقيل‪ :‬في موضع‬
‫خفض بالقسم‪ ،‬لقول ابن عباس‪ :‬إنها أقسام أقسم ال بها‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 2 :‬ذلك الكتاب ل ريب فيه هدى للمتقين}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ذلك الكتاب" قيبل‪ :‬المعنبى هذا الكتاب‪ .‬و"ذلك" قبد تسبتعمل فبي الشارة إلى‬
‫حاضبر‪ ،‬وإن كان موضوعبا للشارة إلى غائب‪ ،‬كمبا قال تعالى فبي الخبار عبن نفسبه جبل وعبز‪:‬‬
‫"ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم" [السجدة‪ ،]6 :‬ومنه قول خُفاف بن نُدبة‪:‬‬

‫أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلكا‬
‫أي أنبا هذا‪ .‬فبب "ذلك" إشارة إلى القرآن‪ ،‬موضوع موضبع هذا‪ ،‬تلخيصبه‪ :‬الم هذا الكتاب ل ريبب‬
‫فيبه‪ .‬وهذا قول أببي عببيدة وعكرمبة وغيرهمبا‪ ،‬ومنبه قوله تعالى‪" :‬وتلك حجتنبا آتيناهبا إبراهيبم"‬
‫[النعام‪" ]83 :‬تلك آيات ال نتلوهبا عليبك بالحبق" [البقرة‪ ]252 :‬أي هذه‪ ،‬لكنهبا لمبا انقضبت‬
‫صبببارت كأنهبببا بعدت فقيبببل تلك‪ .‬وفبببي البخاري "وقال معمبببر ذلك الكتاب هذا القرآن"‪" .‬هدى‬
‫للمتقين" بيان ودللة‪ ،‬كقوله‪" :‬ذلكم حكم ال يحكم بينكم" [الممتحنة‪ ]10 :‬هذا حكم ال‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقبد جاء "هذا" بمعنبى "ذلك"‪ ،‬ومنبه قوله عليبه السبلم فبي حديبث أم حرام‪( :‬يركبون ثببج‬
‫هذا البحر) أي ذلك البحر‪ ،‬وال أعلم‪ .‬وقيل‪ :‬هو على بابه إشارة إلى غائب‪.‬‬
‫واختلف فببي ذلك الغائب على أقوال عشرة‪ ،‬فقيببل‪" :‬ذلك الكتاب" أي الكتاب الذي كتبتببُ على‬
‫الخلئق بالسبعادة والشقاوة والجبل والرزق ل ريبب فيبه‪ ،‬أي ل مبدل له‪ .‬وقيبل‪ :‬ذلك الكتاب‪ ،‬أي‬
‫الذي كتب تُ على نفسي في الزل (أن رحمتي سبقت غضبي)‪ .‬وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة‬
‫قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬لمبا قضبى ال الخلق كتبب فبي كتاببه على نفسبه فهبو‬
‫موضوع عنده أن رحمتبي تغلب غضببي) فبي روايبة‪( :‬سببقت)‪ .‬وقيبل‪ :‬إن ال تعالى قبد كان وعبد‬
‫نببيه عليبه السبلم أن ينزل عليبه كتاببا ل يمحوه الماء‪ ،‬فأشار إلى ذلك الوعبد كمبا فبي صبحيح مسبلم‬
‫مبن حديبث عياض ببن حِمار المجاشعبي أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬إن ال نظبر إلى‬
‫أهبل الرض فمقتهبم عربهم وعجمهبم إل بقايبا مبن أهل الكتاب وقال إنمبا بعثتك لبتليبك وأبتلي ببك‬
‫وأنزلت عليك كتابا ل يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان) الحديث‪ .‬وقيل‪ :‬الشارة إلى ما قد نزل من‬
‫القرآن بمكة‪ .‬وقيل‪ :‬إن ال تبارك وتعالى لما أنزل على نبيه صلى ال عليه وسلم بمكة‪" :‬إنا سنلقي‬
‫عليبك قول ثقيل" [المزمبل‪ ]5 :‬لم يزل رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم مسبتشرفا (وفبي النسبخة‪:‬‬
‫مستسرفا) لنجاز هذا الوعد من ربه عز وجل‪ ،‬فلما أنزل عليه بالمدينة‪" :‬الم‪ .‬ذلك الكتاب ل ريب‬
‫فيبه" [البقرة‪ ]2 - 1 :‬كان فيبه معنبى هذا القرآن الذي أنزلتبه عليبك بالمدينبة‪ ،‬ذلك الكتاب الذي‬
‫وعدتبك أن أوحيبه إليبك بمكبة‪ .‬وقيبل‪ :‬إن "ذلك" إشارة إلى مبا فبي التوراة والنجيبل‪ .‬و"الم" اسبم‬
‫للقرآن‪ ،‬والتقديبر هذا القرآن ذلك الكتاب المفسبر فبي التوراة والنجيبل‪ ،‬يعنبي أن التوراة والنجيبل‬
‫يشهدان بصبحته ويسبتغرق مبا فيهمبا ويزيبد عليهمبا مبا ليبس فيهمبا‪ .‬وقيبل‪ :‬إن "ذلك الكتاب" إشارة‬
‫إلى التوراة والنجيبل كليهمببا‪ ،‬والمعنببى‪ :‬الم ذانبك الكتابان أو مثبل ذينبك الكتابيبن‪ ،‬أي هذا القرآن‬
‫جامع لما في ذينك الكتابين‪ ،‬فعبر بب "بذلك" عن الثنين بشاهد من القرآن‪ ،‬قال ال تبارك وتعالى‪:‬‬
‫"إنها بقرة ل فارض ول بكر عوان بين ذلك" [البقرة‪ ]68 :‬أي عوان بين تينك‪ :‬الفارض والبكر‪،‬‬
‫وسبببيأتي‪ .‬وقيبببل‪ :‬إن "ذلك" إشارة إلى اللوح المحفوظ‪ .‬وقال الكسبببائي‪" :‬ذلك" إشارة إلى القرآن‬
‫الذي فبي السبماء لم ينزل بعبد‪ .‬وقيبل‪ :‬إن ال تعالى قبد كان وعبد أهبل الكتاب أن ينزل على محمبد‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم كتاببا‪ ،‬فالشارة إلى ذلك الوعبد‪ .‬قال المببرد‪ :‬المعنبى هذا القرآن ذلك الكتاب‬
‫الذي كنتببم تسببتفتحون بببه على الذيببن كفروا‪ .‬وقيببل‪ :‬إلى حروف المعجببم فببي قول مببن قال‪" :‬الم"‬
‫الحروف التي تحديتكم بالنظم منها‪.‬‬
‫والكتاب مصبدر مبن كتبب يكتبب إذا جمبع‪ ،‬ومنبه قيبل‪ :‬كتيببة‪ ،‬لجتماعهبا‪ .‬وتكتّببت الخيبل صبارت‬
‫حمِها بحلقة أو سير‪ ،‬قال‪:‬‬
‫كتائب‪ .‬وكتبتُ البغلة‪ :‬إذا جمعت بين شُفْري َر ِ‬
‫ل تأمنن فَزاريا حللت به على قَلوصك واكتبها بأسيار‬
‫والكتبة (بضم الكاف)‪ :‬الخرزة‪ ،‬والجمع كتب‪ .‬والكتب‪ :‬الخزر‪ .‬قال ذو الرمة‪:‬‬
‫وفراء غرفية أثأى خوارزها ُمشَلشِل ضيّعتْه بينها الكتبُ‬
‫والكتاب‪ :‬هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة‪ ،‬وسمي كتابا وإن كان مكتوبا‪ ،‬كما‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫تؤمّل رجعة مني وفيها كتاب مثل ما لصق الغراء‬
‫والكتاب‪ :‬الفرض والحكم والقدر‪ ،‬قال الجَعدِي‪:‬‬
‫ن ال ما فعل‬
‫يا ابنة عمي كتاب ال أخرجني عنكم وهل أمنع ّ‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ل ريب" نفي عام‪ ،‬ولذلك نصب الريب به‪ .‬وفي الريب ثلثة معان‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬الشك‪ ،‬قال عبدال بن الزبعرى‪:‬‬
‫ليس في الحق يا أميمة ريب إنما الريب ما يقول الجهول‬
‫وثانيها‪ :‬التهمة‪ ،‬قال جميل‪:‬‬
‫بثينة قالت يا جميل أربتني فقلت كلنا يا بثين مريب‬
‫وثالثها‪ :‬الحاجة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا‬
‫فكتاب ال تعالى ل شك فيه ول ارتياب‪ ،‬والمعنى‪ :‬أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند ال‪ ،‬وصفة‬
‫مبن صبفاته‪ ،‬غيبر مخلوق ول محدث‪ ،‬وإن وقبع ريبب للكفار‪ .‬وقيبل‪ :‬هبو خببر ومعناه النهبي‪ ،‬أي ل‬
‫ترتابوا‪ ،‬وتم الكلم كأنه قال ذلك الكتاب حقا‪ .‬وتقول‪ :‬رابني هذا المر إذا أدخل عليك شكا وخوفا‪.‬‬
‫وأراب‪ :‬صار ذا ريبة‪ ،‬فهو مريب‪ .‬ورابني أمره‪ .‬وريب الدهر‪ :‬صروفه‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فيبه هدى للمتقيبن" الهاء فبي "فيبه" فبي موضبع خفبض بفبي‪ ،‬وفيبه خمسبة أوجبه‪،‬‬
‫أجودها‪ :‬في هِ هدى‪ .‬ويليه في ُه هدى (بضم الهاء بغير واو) وهي قراءة الزهري وسلم أبي المنذر‪.‬‬
‫ويليببه فيهببي هدى (بإثبات الياء) وهببي قراءة ابببن كثيببر‪ .‬ويجوز فيهببو هدى (بالواو)‪ .‬ويجوز فيببه‬
‫هدى (مدغمبا) وارتفبع "هدى" على البتداء والخببر "فيبه"‪ .‬والهدى فبي كلم العرب معناه الرشبد‬
‫والبيان‪ ،‬أي فيه كشف لهل المعرفة ورشد وزيادة بيان وهدى‪.‬‬
‫@ الهدى هُديان‪ :‬هدى دللة‪ ،‬وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬ولكل قوم‬
‫هاد" [الرعبد‪ .]7 :‬وقال‪" :‬وإنبك لتهدي إلى صبراط مسبتقيم" [الشورى‪ ]52 :‬فأثببت لهبم الهدى‬
‫الذي معناه الدللة والدعوة والتنببيه‪ ،‬وتفرد هبو سببحانه بالهدى الذي معناه التأييبد والتوفيبق‪ ،‬فقال‬
‫لنببيه صبلى ال عليبه وسبلم‪" :‬إنبك ل تهدي مبن أحبببت" [القصبص‪ ]56 :‬فالهدى على هذا يجيبء‬
‫بمعنى خلق اليمان في القلب‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪" :‬أولئك على هدى من ربهم" [البقرة‪ ]5 :‬وقوله‪:‬‬
‫"ويهدي مببن يشاء" [فاطببر‪ ]8 :‬والهدى‪ :‬الهتداء‪ ،‬ومعناه راجببع إلى معنببى الرشاد كيفمببا‬
‫تصببرفت‪ .‬قال أبببو المعالي‪ :‬وقببد ترد الهدايببة والمراد بهببا إرشاد المؤمنيببن إلى مسببالك الجنان‬
‫والطرق المفضية إليها‪ ،‬من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين‪" :‬فلن يضل أعمالهبم‪ .‬سيهديهم"‬
‫[محمبد‪ ]5 - 4 :‬ومنبه قوله تعالى‪" :‬فاهدوهبم إلى صبراط الجحيبم" [الصبافات‪ ]23 :‬معناه‬
‫فاسلكوهم إليها‪.‬‬
‫@ الهدى لفبظ مؤنبث‪ .‬قال الفراء‪ :‬بعبض بنبي أسبد تؤنبث الهدى فتقول‪ :‬هذه هدى حسبنة‪ .‬وقال‬
‫اللحياني‪ :‬هو مذكر‪ ،‬ولم يعرب لنه مقصور واللف ل تتحرك‪ ،‬ويتعدى بحرف وبغير حرف وقد‬
‫مضبى فبي "الفاتحبة"‪ ،‬تقول‪ :‬هديتبه الطريبق وإلى الطريبق والدار وإلى الدار‪ ،‬أي عرفتبه‪ .‬الولى‬
‫لغبة أهبل الحجاز‪ ،‬والثانيبة حكاهبا الخفبش‪ .‬وفبي التنزيبل‪" :‬اهدنبا الصبراط المسبتقيم" و"الحمبد ل‬
‫الذي هدانا لهذا" [العراف‪ ]43 :‬وقيل‪ :‬إن الهدى اسم من أسماء النهار‪ ،‬لن الناس يهتدون فيه‬
‫لمعايشهم وجميع مأربهم‪ ،‬ومنه قول ابن مُقبل‪:‬‬
‫حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة يخشعن في الل غلفا أو يصلينا‬
‫@قوله تعالى‪" :‬للمتقيبن" خبص ال تعالى المتقيبن بهدايتبه وإن كان هدى للخلق أجمعيبن تشريفبا‬
‫لهبم‪ ،‬لنهبم آمنوا وصبدقوا بمبا فيبه‪ .‬وروي عبن أببى رَوق أنبه قال‪" :‬هدى للمتقيبن" أي كرامبة لهبم‪،‬‬
‫يعني إنما أضاف إليهم إجلل لهم وكرامة لهم وبيانا لفضلهم‪ .‬وأصل "للمتقين"‪ :‬للموتقيين بياءين‬
‫مخففتيبن‪ ،‬حذفبت الكسبرة مبن الياء الولى لثقلهبا ثبم حذفبت الياء للتقاء السباكنين وأبدلت الواو تاء‬
‫على أصلهم في اجتماع الواو والتاء وأدغمت التاء في التاء فصار للمتقين‪.‬‬
‫الخامسة‪ :‬التقوى يقال أصلها في اللغة قلة الكلم‪ ،‬حكاه ابن فارس‪ .‬قلت ومنه الحديث (التقي مُ ْلجَم‬
‫والمتقببي فوق المؤمببن والطائع) وهببو الذي يتقببي بصببالح عمله وخالص دعائه عذاب ال تعالى‪،‬‬
‫مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه‪ ،‬كما قال النابغة‪:‬‬
‫سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫فألقت قناعا دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم‬

‫وخرج أبو محمد عبدالغني الحافظ من حديث سعيد بن زَربي أبي عبيدة عن عاصم بن بهدلة عن‬
‫زر ببن حببيش عبن ابن مسبعود قال قال يومبا لببن أخيبه‪ :‬يبا اببن أخبي ترى الناس مبا أكثرهبم؟ قال‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬قال‪ :‬ل خير فيهم إل تائب أو تقي ثم قال‪ :‬يا ابن أخي ترى الناس ما أكثرهم؟ قلت‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ل خير فيهم إل عالم أو متعلم‪ .‬وقال أبو يزيد البسطامي‪ :‬المتقي من إذا قال قال ل‪ ،‬ومن إذا عمل‬
‫عمبل ل‪ .‬وقال أببو سبليمان الدارانببي‪ :‬المتقون الذيبن نزع ال عبن قلوبهبم حبب الشهوات‪ .‬وقيببل‪:‬‬
‫المتقبي الذي اتقبى الشرك وبرئ مبن النفاق‪ .‬قال اببن عطيبة‪ :‬وهذا فاسبد‪ ،‬لنبه قبد يكون كذلك وهبو‬
‫فاسبق‪ .‬وسبأل عمبر ببن الخطاب رضبي ال عنبه أُبيبا عبن التقوى‪ ،‬فقال‪ :‬هبل أخذت طريقبا ذا شوك؟‬
‫قال‪ :‬نعببم‪ :‬قال فمببا عملت فيببه؟ قال‪ :‬تشمرت وحذرت‪ ،‬قال‪ :‬فذاك التقوى‪ .‬وأخببذ هذا المعنببى ابببن‬
‫المعتز فنظمه‪:‬‬
‫خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى‬
‫واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى‬
‫ل تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى‬
‫السبادسة‪ :‬التقوى فيهبا جماع الخيبر كله‪ ،‬وهبي وصبية ال فبي الوليبن والخريبن‪ ،‬وهبي خيبر مبا‬
‫يستفيده النسان‪ ،‬كما قال أبو الدرداء وقد قيل له‪ :‬إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حفظ عنك‬
‫شيء‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫يريد المرء أن يؤتى مناه ويأبى ال إل ما أرادا‬
‫يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى ال أفضل ما استفادا‬
‫وروى اببن ماجبة فبي سبننه عبن أببى أمامبة عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم أنبه كان يقول‪( :‬مبا‬
‫استفاد المؤمن بعد تقوى ال خير له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن‬
‫أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله)‪.‬‬
‫والصبل فبي التقوى‪َ :‬وقْوَى على وزن فعلى فقلببت الواو تاء مبن وقيتبه أقيبه أي منعتبه‪ ،‬ورجبل‬
‫تقبي أي خائف‪ ،‬أصبله وقبي‪ ،‬وكذلك تقاة كانبت فبي الصبل وقاة‪ ،‬كمبا قالوا‪ :‬تجاه وتراث‪ ،‬والصبل‬
‫وجاه ووراث‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية‪{3 :‬الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلة ومما رزقناهم ينفقون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬الذيبن" فبي موضبع خفبض نعبت "للمتقيبن"‪ ،‬ويجوز الرفبع على القطبع أي هبم‬
‫الذيببن‪ ،‬ويجوز النصببب على المدح‪" .‬يؤمنون" يصببدقون‪ .‬واليمان فببي اللغببة‪ :‬التصببديق‪ ،‬وفببي‬
‫التنزيل‪" :‬وما أنت بمؤمن لنا" [يوسف‪ ]17 :‬أي بمصدق‪ ،‬ويتعدى بالباء واللم‪ ،‬كما قال‪" :‬ول‬
‫تؤمنوا إل لمن تبع دينكم" [آل عمران‪" ]73 :‬فما آمن لموسى" [يونس‪ ]83 :‬وروى حجاج بن‬
‫ق العسل ‪ -‬قال سمعت قتادة يقول‪ :‬يا ابن آدم‪ ،‬إن كنت ل تريد أن تأتي‬
‫حجاج الحول ‪ -‬ويلقب بز ّ‬
‫الخيببر إل عببن نشاط فإن نفسببك مائلة إلى السببأمة والفترة والملة‪ ،‬ولكببن المؤمببن هببو المتحامببل‪،‬‬
‫والمؤمبن هبو المتقوي‪ ،‬والمؤمبن هبو المتشدد‪ ،‬وإن المؤمنيبن هبم العجاجون إلى ال الليبل والنهار‪،‬‬
‫وال ما يزال المؤمن يقول‪ :‬ربنا في السر والعلنية حتى استجاب لهم في السر والعلنية‪.‬‬
‫@قوله تعالى "بالغيب" الغيب في كلم العرب‪ :‬كل ما غاب عنك‪ ،‬وهو من ذوات الياء يقال منه‪:‬‬
‫غاببت الشمبس تغيبب‪ ،‬والغيببة معروفبة‪ .‬وأغاببت المرأة فهبي مغيببة إذا غاب عنهبا زوجهبا‪ ،‬ووقعنبا‬
‫في غيبة وغيابة‪ ،‬أي هبطة من الرض‪ ،‬والغيابة‪ :‬الجمة‪ ،‬وهي جماع الشجر يغاب فيها‪ ،‬ويسمى‬
‫المطمئن من الرض‪ :‬الغيب‪ ،‬لنه غاب عن البصر‪.‬‬
‫واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا‪ ،‬فقالت فرقة‪ :‬الغيب في هذه الية‪ :‬ال سبحانه‪ .‬وضعفه‬
‫اببببن العرببببي‪ .‬وقال آخرون‪ :‬القضاء والقدر‪ .‬وقال آخرون‪ :‬القرآن ومبببا فيبببه مبببن الغيوب‪ .‬وقال‬
‫آخرون‪ :‬الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه السلم مما ل تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة‬
‫وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار‪ .‬قال ابن عطية‪ :‬وهذه القوال ل‬
‫تتعارض بل يقع الغيب على جميعها‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا اليمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل عليه السلم حين قال للنبي صلى ال‬
‫عليببه وسببلم‪ :‬فأخبببرني عببن اليمان‪ .‬قال‪( :‬أن تؤمببن بال وملئكتببه وكتبببه ورسببله واليوم الخببر‬

‫وتؤمبن بالقدر خيره وشره)‪ .‬قال‪ :‬صبدقت‪ .‬وذكبر الحديبث‪ .‬وقال عبدال ببن مسبعود‪ :‬مبا آمن مؤمبن‬
‫أفضل من إيمان بغيب‪ ،‬ثم قرأ‪" :‬الذين يؤمنون بالغيب" [البقرة‪.]3 :‬‬
‫قلت‪ :‬وفبي التنزيبل‪" :‬ومبا كنبا غائبيبن" [العراف‪ ]7 :‬وقال‪" :‬الذيبن يخشون ربهبم بالغيبب"‬
‫[النببياء‪ ]49 :‬فهبو سببحانه غائب عبن البصبار‪ ،‬غيبر مرئي فبي هذه الدار‪ ،‬غيبر غائب بالنظبر‬
‫والسببتدلل‪ ،‬فهببم يؤمنون أن لهببم ربببا قادرا يجازي على العمال‪ ،‬فهببم يخشونببه فببي سببرائرهم‬
‫وخلواتهببم التببي يغيبون فيهببا عببن الناس‪ ،‬لعلمهببم بإطلعببه عليهببم‪ ،‬وعلى هذا تتفببق الي ول‬
‫تتعارض‪ ،‬والحمد ل‪ .‬وقيل‪" :‬بالغيب" أي بضمائرهم وقلوبهم بخلف المنافقين‪ ،‬وهذا قول حسن‪.‬‬
‫وقال الشاعر‪:‬‬
‫وبالغيب أمنا وقد كان قومنا يصلّون للوثان قبل محمد‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ويقيمون الصبلة" معطوف جملة على جملة‪ .‬وإقامبة الصبلة أداؤهبا بأركانهبا‬
‫وسبننها وهيئاتهبا فبي أوقاتهبا‪ ،‬على مبا يأتبي بيانبه‪ .‬يقال‪ :‬قام الشيبء أي دام وثببت‪ ،‬وليبس مبن القيام‬
‫على الرجل‪ ،‬وإنما هو من قولك‪ :‬قام الحق أي ظهر وثبت‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وقامت الحرب بنا على ساق‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا حتى تقيم الخيل سوق طعان‬
‫وقيببل‪" :‬يقيمون" يديمون‪ ،‬وأقامببه أي أدامببه‪ ،‬وإلى هذا المعنببى أشار عمببر بقوله‪ :‬مببن حفظهببا‬
‫وحافظ عليها حفظ دينه‪ ،‬ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع‪.‬‬
‫@ إقامة الصلة معروفة‪ ،‬وهي سنة عند الجمهور‪ ،‬وأنه ل إعادة على تاركها‪ .‬وعند الوزاعي‬
‫وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى هي واجبة وعلى من تركها العادة‪ ،‬وبه قال أهل الظاهر‪ ،‬وروي‬
‫عبن مالك‪ ،‬واختاره اببن العرببي قال‪ :‬لن فبي حديبث العراببي (وأقبم) فأمره بالقامبة كمبا أمره‬
‫بالتكبير والستقبال والوضوء‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأمببا أنتببم الن وقببد وقفتببم على الحديببث فقببد تعيببن عليكببم أن تقولوا بإحدى روايتببي مالك‬
‫الموافقة للحديث وهي أن القامة فرض‪ .‬قال ابن عبدالبر قوله‪( :‬وتحريمها التكبير) دليل على أنه‬
‫لم يدخل في الصلة من لم يحرم‪ ،‬فما كان قبل الحرام فحكمه أل تعاد منه الصلة إل أن يجمعوا‬
‫على شيبء فيسبلم للجماع كالطهارة والقبلة والوقبت ونحبو ذلك‪ .‬وقال بعبض علمائنبا‪ :‬مبن تركهبا‬
‫عمدا أعاد الصببلة‪ ،‬وليببس ذلك لوجوبهببا إذ لو كان ذلك لسببتوى سببهوها وعمدهببا‪ ،‬وإنمببا ذلك‬
‫للستخفاف بالسنن‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫@ واختلف العلماء فيمن سمع القامة هل يسرع أو ل؟ فذهب الكثر إلى أنه ل يسرع وإن خاف‬
‫فوت الركعبة لقوله عليبه السبلم‪( :‬إذا أقيمبت الصبلة فل تأتوهبا تسبعون وأتوهبا تمشون وعليكبم‬
‫السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)‪ .‬رواه أبو هريرة أخرجه مسلم‪ .‬وعنه أيضا قال‪ :‬قال‬
‫رسببول ال صببلى ال عليببه وسببلم‪( :‬إذا ثوب بالصببلة فل يَسبْعَ إليهببا أحدكببم ولكببن ليمببش وعليببه‬
‫السبكينة والوقار صبل مبا أدركبت واقبض مبا سببقك)‪ .‬وهذا نبص‪ .‬ومبن جهبة المعنبى أنبه إذا أسبرع‬
‫انبهبر فشوش عليبه دخوله فبي الصبلة وقراءتهبا وخشوعهبا‪ .‬وذهبب جماعبة مبن السبلف منهبم اببن‬
‫عمبر واببن مسبعود على اختلف عنبه أنبه إذا خاف فواتهبا أسبرع‪ .‬وقال إسبحاق‪ :‬يسبرع إذا خاف‬
‫فوات الركعببببة‪ ،‬وروي عببببن مالك نحوه‪ ،‬وقال‪ :‬ل بأس لمببببن كان على فرس أن يحرك الفرس‪،‬‬
‫وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب‪ ،‬لن الراكب ل يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشي‪.‬‬
‫قلت‪ :‬واستعمال سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم في كل حال أولى‪ ،‬فيمشي كما جاء الحديث‬
‫وعليه السكينة والوقار‪ ،‬لنه في صلة ومحال أن يكون خبره صلى ال عليه وسلم على خلف ما‬
‫أخببر‪ ،‬فكما أن الداخبل فبي الصبلة يلزم الوقار والسبكون كذلك الماشبي‪ ،‬حتبى يحصبل له التشبه ببه‬
‫فيحصبل له ثوابه‪ .‬وممبا يدل على صبحة هذا مبا ذكرناه مبن السبنة‪ ،‬ومبا خرجبه الدارمبي فبي مسبنده‬
‫قال‪ :‬حدثنبا محمبد ببن يوسبف قال حدثنبا سبفيان عبن محمبد ببن عجلن عبن المقببري عبن كعبب ببن‬
‫عجْرة قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬إذا توضأت فعمدت إلى المسبجد فل تشبكبن بيبن‬
‫ُ‬
‫أصابعك فإنك في صلة)‪ .‬فمنع صلى ال عليه وسلم في هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من‬

‫السبراع وجعله كالمصبلي‪ ،‬وهذه السبنن تببين معنبى قوله تعالى‪" :‬فاسبعوا إلى ذكبر ال" [الجمعبة‪:‬‬
‫‪ ]9‬وأنبه ليبس المراد ببه الشتداد على القدام‪ ،‬وإنمبا عنبى العمبل والفعبل‪ ،‬هكذا فسبره مالك‪ .‬وهبو‬
‫الصواب في ذلك وال أعلم‪.‬‬
‫@ واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلم‪( :‬وما فاتكم فأتموا) وقوله‪( :‬واقض ما سبقك) هل‬
‫همبا بمعنبى واحبد أو ل؟ فقيبل‪ :‬همبا بمعنبى واحبد وأن القضاء قبد يطلق ويراد ببه التمام‪ ،‬قال ال‬
‫تعالى‪" :‬فإذا قضيبت الصبلة" [الجمعبة‪ ]10 :‬وقال‪" :‬فإذا قضيتبم مناسبككم" [البقرة‪.]200 :‬‬
‫وقيبل‪ :‬معناهمبا مختلف وهبو الصبحيح‪ ،‬ويترتبب على هذا الخلف خلف فيمبا يدركبه الداخبل هبل‬
‫هو أول صلته أو أخرها؟ فذهب إلى الول جماعة من أصحاب مالك ‪ -‬منهم ابن القاسم ‪ -‬ولكنه‬
‫يقضبي مبا فاتبه بالحمبد وسبورة‪ ،‬فيكون بانيبا فبي الفعال قاضيبا فبي القوال‪ .‬قال اببن عبدالبر‪ :‬وهبو‬
‫المشهور مببن المذهببب‪ .‬وقال ابببن خويببز منداد‪ :‬وهببو الذي عليببه أصببحابنا‪ ،‬وهببو قول الوزاعببي‬
‫والشافعبي ومحمبد ببن الحسبن وأحمبد ببن حنببل والطببري وداود ببن علي‪ .‬وروى أشهبب وهبو الذي‬
‫ذكره اببن عبدالحكبم عبن مالك‪ ،‬ورواه عيسبى عبن اببن القاسبم عبن مالك‪ ،‬أن مبا أدرك فهبو آخبر‬
‫صببلته‪ ،‬وأنببه يكون قاضيببا فببي الفعال والقوال‪ ،‬وهببو قول الكوفييببن‪ .‬قال القاضببي أبببو محمببد‬
‫عبدالوهاب‪ :‬وهبو مشهور مذهبب مالك‪ .‬قال اببن عبدالبر‪ :‬مبن جعبل مبا أدرك أول صبلته فأظنهبم‬
‫راعوا الحرام‪ ،‬لنبه ل يكون إل فبي أول الصبلة‪ ،‬والتشهبد والتسبليم ل يكون إل فبي أخرهبا‪ ،‬فمبن‬
‫ههنا قالوا‪ :‬إن ما أدرك فهو أول صلته‪ ،‬مع ما ورد في ذلك من السنة من قوله‪( :‬فأتموا) والتمام‬
‫هو الخر‪.‬‬
‫واحتببج الخرون بقوله‪( :‬فاقضوا) والذي يقضيببه هببو الفائت‪ ،‬إل أن روايببة مببن روى "فأتموا"‬
‫أكثر‪ ،‬وليس يستقيم على قول من قال‪ :‬إن ما أدرك أول صلته ويطرد‪ ،‬إل ما قاله عبدالعزيز بن‬
‫أبي سلمة الماجِشون والمزني وإسحاق وداود من أنه يقرأ مع المام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك‬
‫معببه‪ ،‬وإذا قام للقضاء قرأ بالحمببد وحدهببا‪ ،‬فهؤلء اطرد على أصببلهم قولهببم وفعلهببم‪ ،‬رضببي ال‬
‫عنهم‪.‬‬
‫@ القامة تمنع من ابتداء صلة نافلة‪ ،‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬إذا أقيمت الصلة‬
‫فل صلة إل المكتوبة) خرجه مسلم وغيره‪ ،‬فأما إذا شرع في نافلة فل يقطعها‪ ،‬لقوله تعالى‪" :‬ول‬
‫تبطلوا أعمالكبم" [محمبد‪ ]33 :‬وخاصبة إذا صبلى ركعبة منهبا‪ .‬وقيبل‪ :‬يقطعهبا لعموم الحديبث فبي‬
‫ذلك‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫@ واختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ثم أقيمت الصلة‪ ،‬فقال مالك‪:‬‬
‫يدخبل مبع المام ول يركعهمبا‪ ،‬وإن كان لم يدخبل المسبجد فإن لم يخبف فوات ركعبة فليركبع خارج‬
‫المسجد‪ ،‬ول يركعهما في شيء من أفنية المسجد ‪ -‬التي تصلى فيها الجمعة ‪ -‬اللصقة بالمسجد‪،‬‬
‫وإن خاف أن تفوته الركعة الولى فليدخل وليصل معه‪ ،‬ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب‪،‬‬
‫ولن يصبليهما إذا طلعبت الشمبس أحبب إلي وأفضبل مبن تركهمبا وقال أببو حنيفبة وأصبحابه‪ :‬إن‬
‫خشي أن تفوته الركعتان ول يدرك المام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه‪ ،‬وإن رجا أن‬
‫يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد‪ ،‬ثم يدخل مع المام وكذلك قال الوزاعي‪ ،‬إل أنه‬
‫يجوز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت الركعة الخيرة‪ .‬وقال الثوري‪ :‬إن خشي فوت ركعة‬
‫دخبل معهبم ولم يصبلهما وإل صبلهما وإن كان قبد دخبل المسبجد‪ .‬وقال الحسبن ببن حبي ويقال اببن‬
‫حيان‪ :‬إذا أخذ المقيم في القامة فل تطوع إل ركعتي الفجر‪ .‬وقال الشافعي‪ :‬من دخل المسجد وقد‬
‫أقيمت الصلة دخل مع المام ولم يركعهما ل خارج المسجد ول في المسجد‪ .‬وكذلك قال الطبري‬
‫وببه قال أحمبد ببن حنببل وحكبي عبن مالك‪ ،‬وهبو الصبحيح فبي ذلك‪ ،‬لقوله عليبه السبلم‪( .‬إذا أقيمبت‬
‫الصبلة فل صبلة إل المكتوببة)‪ .‬وركعتبا الفجبر إمبا سبنة‪ ،‬وإمبا فضيلة‪ ،‬وإمبا رغيببة‪ ،‬والحجبة عنبد‬
‫التنازع حجبة السبنة‪ .‬ومبن حجبة قول مالك المشهور وأببي حنيفبة مبا روي عبن اببن عمبر أنبه جاء‬
‫والمام يصبلي صبلة الصببح فصبلهما فبي حجرة حفصبة‪ ،‬ثبم إنبه صبلى مبع المام‪ .‬ومبن حجبة‬
‫الثوري والوزاعبي مبا روي عبن عبدال ببن مسبعود أنبه دخبل المسبجد‪ .‬وقبد أقيمبت الصبلة فصبلى‬
‫إلى أسطوانة في المسجد ركعتي الفجر‪ ،‬ثم دخل الصلة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضي‬

‫ال عنهمبببا‪ .‬قالوا‪( :‬وإذا جاز أن يشتغبببل بالنافلة عبببن المكتوببببة خارج المسبببجد جاز له ذلك فبببي‬
‫المسبجد)‪ ،‬روى مسبلم عبن عبدال ببن مالك اببن ُبحَينبة قال‪ :‬أقيمبت صبلة الصببح فرأى رسبول ال‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم رجل يصبلي والمؤذن يقيبم‪ ،‬فقال‪( :‬أتصبلي الصببح أربعبا) وهذا إنكار منبه‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم على الرجبل لصبلته ركعتبي الفجبر فبي المسبجد والمام يصبلي‪ ،‬ويمكبن أن‬
‫يستدل به أيضا على أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحت‪ ،‬لنه عليه السلم لم يقطع‬
‫عليه صلته مع تمكنه من ذلك‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫@ الصلة أصلها في اللغة الدعاء‪ ،‬مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا‪ ،‬ومنه قوله عليه السلم‪( :‬إذا‬
‫دعبي أحدكبم إلى طعام فليجبب فإن كان مفطرا فليطعبم وإن كان صبائما فليصبل) أي فليدع‪ .‬وقال‬
‫بعض العلماء‪ :‬إن المراد الصلة المعروفة‪ ،‬فيصلي ركعتين وينصرف‪ ،‬والول أشهر وعليه من‬
‫العلماء الكثبر‪ .‬ولمبا ولدت أسبماء عبدال ببن الزبيبر أرسبلته إلى النببي صبلى ال عليبه وسبلم‪ ،‬قالت‬
‫أسبماء‪ :‬ثبم مسبحه وصلى عليه‪ ،‬أي دعبا له‪ .‬وقال تعالى‪" :‬وصل عليهبم" [التوبة‪ ]103 :‬أي ادع‬
‫لهم‪ .‬وقال العشى‪:‬‬
‫تقول بِنتي وقد قرُبتُ مرتحل يا رب جنب أبي الوصاب والوجعا‬
‫ك مثلَ الذي صليتِ فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا‬
‫علي ِ‬
‫وقال العشى أيضا‪:‬‬
‫وقابلها الريح في ِدنّها وصلّى على دنها وارتسم‬
‫ارتسبم الرجبل‪ :‬كببر ودعبا‪ ،‬قال فبي الصبحاح‪ ،‬وقال قوم‪ :‬هبي مأخوذة مبن الصبل وهبو عرق فبي‬
‫وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه‪ ،‬ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل‪ ،‬لنه يأتي في الحلبة‬
‫ورأسه عند صَلْوَي السابق‪ ،‬فاشتقت الصلة منه‪ ،‬إما لنها جاءت ثانية لليمان فشبهت بالمصلي‬
‫مبن الخيبل‪ ،‬وإمبا لن الراكبع تثنبى صبلَواه‪ .‬والصبلة‪ :‬مغرز الذنبب مبن الفرس‪ ،‬والثنان صبلوان‪.‬‬
‫والمصلي‪ :‬تالي السابق‪ ،‬لن رأسبه عنبد صبله‪ .‬وقال علي رضبي ال عنه‪ :‬سببق رسبول ال صلى‬
‫ال عليبه وسبلم وصبلى أببو بكبر وثلّث عمبر‪ .‬وقيبل‪ :‬هبي مأخوذة مبن اللزوم‪ ،‬ومنبه صبلي بالنار إذا‬
‫لزمها‪ ،‬ومنه "تصلى نارا حامية" [الغاشية‪ .]4 :‬وقال الحارث بن عُباد‪:‬‬
‫به وإني بحرها اليوم صال‬
‫لم أكن من جُناتها علم اللب‬
‫أي ملزم لحرهببا‪ ،‬وكأن المعنببى على هذا ملزمببة العبادة على الحببد الذي أمببر ال تعالى بببه‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلء‪ .‬والصلء‪ :‬صلء النار بكسر‬
‫الصاد ممدود‪ ،‬فإن فتحت الصاد قصرت‪ ،‬فقلت صل النار‪ ،‬فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها‬
‫ويلين ويخشع‪ ،‬قال الخارزنجي‪:‬‬
‫فل تعجل بأمرك واستدمه فما صلى عصاك كمستديم‬
‫والصبلة‪ :‬الدعاء والصبلة‪ :‬الرحمبة‪ ،‬ومنبه‪( :‬اللهبم صبل على محمبد) الحديبث‪ .‬والصبلة‪ :‬العبادة‪،‬‬
‫ومنبه قوله تعالى‪" :‬ومبا كان صبلتهم عنبد البيبت" [النفال‪ ]35 :‬اليبة‪ ،‬أي عبادتهبم‪ .‬والصبلة‪:‬‬
‫النافلة‪ ،‬ومنببه قوله تعالى‪" :‬وأمببر أهلك بالصببلة" [طببه‪ .]132 :‬والصببلة التسبببيح‪ ،‬ومنببه قوله‬
‫تعالى‪" :‬فلول أنه كان من المسبحين" [الصافات‪ ]143 :‬أي من المصلين‪ .‬ومنه سبحة الضحى‪.‬‬
‫وقبد قيبل فبي تأويبل "نسببح بحمدك" [البقرة‪ ]30 :‬نصبلي‪ .‬والصبلة‪ :‬القراءة‪ ،‬ومنبه قوله تعالى‪:‬‬
‫"ول تجهبر بصبلتك" [السبراء‪ ]110 :‬فهبي لفبظ مشترك‪ .‬والصبلة‪ :‬بيبت يصبلّى فيبه‪ ،‬قاله اببن‬
‫فارس‪ .‬وقبد قيبل‪ :‬إن الصبلة اسبم علم وضبع لهذه العبادة‪ ،‬فإن ال تعالى لم يخبل زمانبا مبن شرع‪،‬‬
‫ولم يخل شرع من صلة‪ ،‬حكاه أبو نصر القشيري‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فعلى هذا القول ل اشتقاق لها‪ ،‬وعلى قول الجمهور وهي‪- :‬‬
‫@ اختلف الصبوليون هبل هبي مبقاة على أصبلها اللغوي الوضعبي البتدائي‪ ،‬وكذلك اليمان‬
‫والزكاة والصيام والحج‪ ،‬والشرع إنما تصرف بالشروط والحكام‪ ،‬أو هل تلك الزيادة من الشرع‬
‫تصبيرها موضوعبة كالوضبع البتدائي مبن قببل الشرع‪ .‬هنبا اختلفهبم والول أصبح‪ ،‬لن الشريعبة‬
‫ثبتبت بالعربيبة‪ ،‬والقرآن نزل بهبا بلسبان عرببي مببين‪ ،‬ولكبن للعرب تحكبم فبي السبماء‪ ،‬كالداببة‬

‫وضعبت لكل مبا يدب‪ ،‬ثبم خصبصها العرف بالبهائم‪ ،‬فكذلك لعرف الشرع تحكبم فبي السماء‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫واختلف في المراد بالصلة هنا‪ ،‬فقيل‪ :‬الفرائض‪ .‬وقيل‪ :‬الفرائض والنوافل معا‪ ،‬وهو الصحيح‪،‬‬
‫لن اللفظ عام والمتقي يأتي بهما‪.‬‬
‫@ الصلة سبب للرزق‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬وأمر أهلك بالصلة" [طه‪ ]132 :‬الية‪ ،‬على ما يأتي‬
‫بيانه في "طه" إن شاء ال تعالى‪ .‬وشفاء من وجع البطن وغيره‪ ،‬روى ابن ماجة عن أبي هريرة‬
‫قال‪ :‬هجّر النبي صلى ال عليه وسلم فهجّرت فصليت ثم جلست‪ ،‬فالتفت إلي النبي صلى ال عليه‬
‫وسبلم فقال‪( :‬أشكمبت درده) قلت‪ :‬نعبم يبا رسبول ال‪ ،‬قال‪( :‬قبم فصبل فإن فبي الصبلة شفاء)‪ .‬فبي‬
‫روايبة‪( :‬أشكمبت درد) يعنبي تشتكبي بطنبك بالفارسبية‪ ،‬وكان عليبه الصبلة والسبلم إذا حزببه أمبر‬
‫فزع إلى الصلة‪.‬‬
‫@ الصبلة ل تصبح إل بشروط وفروض‪ ،‬فمبن شروطهبا‪ :‬الطهارة‪ ،‬وسبيأتي بيان أحكامهبا فبي‬
‫سببورة النسبباء والمائدة‪ .‬وسببتر العورة‪ ،‬يأتببي فببي العراف القول فيهببا إن شاء ال تعالى‪ .‬وأمببا‬
‫فروضهببا‪ :‬فاسببتقبال القبلة‪ ،‬والنيببة‪ ،‬وتكبببيرة الحرام والقيام لهببا‪ ،‬وقراءة أم القرآن والقيام لهببا‪،‬‬
‫والركوع والطمأنينببة فيببه‪ ،‬ورفببع الرأس مببن الركوع والعتدال فيببه‪ ،‬والسببجود والطمأنينببة فيببه‪،‬‬
‫ورفبع الرأس مبن السبجود‪ ،‬والجلوس بيبن السبجدتين والطمأنينبة فيبه‪ ،‬والسبجود الثانبي والطمأنينبة‬
‫فيبه‪ .‬والصبل في هذه الجملة حديث أببي هريرة فبي الرجبل الذي علمبه النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫ل بها‪ ،‬فقال له‪( :‬إذا قمت إلى الصلة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ‬
‫الصلة لما أخ ّ‬
‫مبا تيسبر معبك مبن القرآن ثبم اركبع حتبى تطمئن راكعبا ثبم ارفبع حتبى تعتدل قائمبا ثبم اسبجد حتبى‬
‫تطمئن سباجدا ثبم ارفبع حتبى تطمئن جالسبا ثبم افعبل ذلك فبي صبلتك كلهبا) خرجبه مسبلم‪ .‬ومثله‬
‫حديبث رفاعبة ببن رافبع‪ ،‬أخرجبه الدارقطنبي وغيره‪ .‬قال علماؤنبا‪ :‬فببين قوله صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫أركان الصبلة‪ ،‬وسبكت عبن القامبة ورفبع اليديبن وعبن حبد القراءة وعبن تكببير النتقالت‪ ،‬وعبن‬
‫التسببيح فبي الركوع والسبجود‪ ،‬وعبن الجلسبة الوسبطى‪ ،‬وعبن التشهبد وعبن الجلسبة الخيرة وعبن‬
‫السبلم‪ .‬أمبا القامبة وتعييبن الفاتحبة فقبد مضبى الكلم فيهمبا‪ .‬وأمبا رفبع اليديبن فليبس بواجبب عنبد‬
‫جماعبة العلماء وعامبة الفقهاء‪ ،‬لحديبث أببي هريرة وحديبث رفاعبة ببن رافبع‪ .‬وقال داود وبعبض‬
‫أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة الحرام‪ .‬وقال بعض أصحابه‪ :‬الرفع عند الحرام وعند الركوع‬
‫وعند الرفع من الركوع واجب‪ ،‬وإن من لم يرفع يديه فصلته باطلة‪ ،‬وهو قول الحميدي‪ ،‬ورواية‬
‫عن الوزاعي‪ .‬واحتجوا بقوله عليه السلم‪( :‬صلوا كما رأيتموني أصلي) أخرجه البخاري‪ .‬قالوا‪:‬‬
‫فوجبب علينبا أن نفعبل كمبا رأيناه يفعبل‪ ،‬لنبه المبلغ عبن ال مراده‪ .‬وأمبا التكببير مبا عدا تكببيرة‬
‫الحرام فمسبنون عنبد الجمهور للحديبث المذكور‪ .‬وكان اببن قاسبم صباحب مالك يقول‪ :‬مبن أسبقط‬
‫مبن التكببيرة فبي الصبلة ثلث تكببيرات فمبا فوقهبا سبجد قببل السبلم‪ ،‬وإن لم يسبجد بطلت صبلته‪،‬‬
‫وإن نسبي تكببيرة واحدة أو اثنتيبن سبجد أيضبا للسبهو‪ ،‬فإن لم يفعبل فبي شيبء عليبه‪ ،‬وروي عنبه أن‬
‫التكببيرة الواحدة ل سبهو على مبن سبها فيهبا‪ .‬وهذا يدل على أن عظبم التكببير وجملتبه عنده فرض‪،‬‬
‫وأن اليسير منه متجاوز عنه‪ .‬وقال أصبغ بن الفرج وعبدال بن عبدالحكم‪ :‬ليس على من لم يكبر‬
‫في الصلة من أولها إلى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الحرام‪ ،‬فإن تركه ساهيا سجد للسهو‪ ،‬فإن‬
‫لم يسجد فل شيء عليه‪ ،‬ول ينبغي لحد أن يترك التكبير عامدا‪ ،‬لنه سنة من سنن الصلة‪ ،‬فإن‬
‫فعل فقد أساء ول شيء عليه وصلته ماضية‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا هببو الصببحيح‪ ،‬وهببو الذي عليببه جماعببة فقهاء المصببار مببن الشافعييببن والكوفييببن‬
‫وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب ابن القاسم‪ .‬وقد ترجم البخاري رحمه ال‬
‫(باب إتمام التكبير في الركوع والسجود) وساق حديث مُطرّف بن عبدال قال‪ :‬صليت خلف علي‬
‫ببن أببي طالب أنبا وعمران ببن حصبين‪ ،‬فكان إذا سبجد كببر‪ ،‬وإذا رفبع رأسبه كببر‪ ،‬وإذا نهبض مبن‬
‫الركعتين كبر‪ ،‬فلما قضى الصلة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال‪ :‬لقد ذكرني هذا صلة محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو قال‪ :‬لقد صلى بنا صلة محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬وحديث عكرمة قال‪:‬‬
‫رأيت رجل عند المقام يكبر في كل خفض ورفع‪ ،‬وإذا قام وإذا وضع‪ ،‬فأخبرت ابن عباس فقال‪:‬‬

‫أو ليس تلك صلة النبي صلى ال عليه وسلم ل أُمّ لك فدلّك البخاري رحمه ال بهذا الباب على أن‬
‫التكبير لم يكن معمول به عندهم‪ .‬روى أبو إسحاق السبيعي عن يزيد بن أبي مريم عن أبي موسى‬
‫الشعري قال‪ :‬صلى بنا علي يوم الجمل صلة أذكرنا بهذا صلة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫كان يكبر في كل خفض ورفع‪ ،‬وقيام وقعود‪ ،‬قال أبو موسى‪ :‬فإما نسيناها وإما تركناها عمدا‪.‬‬
‫قلت‪ :‬أتراهببم أعادوا الصببلة فكيببف يقال مببن ترك التكبببير بطلت صببلته ولو كان ذلك لم يكببن‬
‫فرق بين السنة والفرض‪ ،‬والشيء إذا لم يجب أفراده لم يجب جميعه‪ ،‬وبال التوفيق‪.‬‬
‫@ وأمبا التسببيح فبي الركوع والسبجود فغيبر واجبب عنبد الجمهور للحديبث المذكور‪ ،‬وأوجببه‬
‫إسبحاق ببن راهويبه‪ ،‬وأن مبن تركبه أعاد الصبلة‪ ،‬لقوله عليبه السبلم‪( :‬أمبا الركوع فعظموا فيبه‬
‫ن أن يستجاب لكم)‪.‬‬
‫الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء ف َقمِ ٌ‬
‫@ وأما الجلوس والتشهد فاختلف العلماء في ذلك‪ ،‬فقال مالك وأصحابه‪ :‬الجلوس الول والتشهد‬
‫له سببنتان‪ .‬وأوجببب جماعببة مببن العلماء الجلوس الول وقالوا‪ :‬هببو مخصببوص مببن بيببن سببائر‬
‫الفروض بأن ينوب عنبه السبجود كالعرايبا مبن المزابنبة‪ ،‬والقراض مبن الجارات‪ ،‬وكالوقوف بعبد‬
‫الحرام لمن وجد المام راكعا‪ .‬واحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان العامد لتركه تبطل صلته كما‬
‫ل تبطببل بترك سببنن الصببلة‪ .‬احتببج مببن لم يوجبببه بأن قال‪ :‬لو كان مببن فرائض الصببلة لرجببع‬
‫السباهي عنه إليبه حتى يأتبي به‪ ،‬كما لو ترك سبجدة أو ركعة‪ ،‬ويراعبى فيبه ما يراعى فبي الركوع‬
‫والسجود من الولء والرتبة‪ ،‬ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما‪ .‬وفي‬
‫حديث عبدال بن بُحينة‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قام من ركعتين ونسي أن يتشهد فسبح‬
‫الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائما فقاموا‪ ،‬فلما فرغ من صلته سجد سجدتي السهو قبل التسليم‪،‬‬
‫فلو كان الجلوس فرضبا لم يسبقطه النسبيان والسبهو‪ ،‬لن الفرائض فبي الصبلة يسبتوي فبي تركهبا‬
‫السهو والعمد إل في المؤتم‪.‬‬
‫واختلفوا فبي حكبم الجلوس الخيبر فبي الصبلة ومبا الغرض مبن ذلك على خمسبة أقوال‪ :‬أحدهبا‪:‬‬
‫أن الجلوس فرض والتشهيبد فرض والسبلم فرض‪ .‬وممبن قال ذلك الشافعبي وأحمبد ببن حنببل فبي‬
‫رواية‪ ،‬وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة‪ ،‬وبه قال داود‪ .‬قال الشافعي‪ :‬من‬
‫ترك التشهبد الول والصبلة على النببي صبلى ال عليبه وسبلم فل إعادة عليبه وعليبه سبجدتا السبهو‬
‫لتركه‪ .‬وإذا ترك التشهد الخير ساهيا أو عامدا أعاد‪ .‬واحتجوا بأن بيان النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫في الصلة فرض‪ ،‬لن أصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إل ما خرج بدليل وقد قال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪( :‬صلوا كما رأيتموني أصلي)‪.‬‬
‫القول الثانبي‪ :‬أن الجلوس والتشهبد والسبلم ليبس بواجبب‪ ،‬وإنمبا ذلك كله سبنة مسبنونة‪ ،‬هذا قول‬
‫بعببض البصببريين‪ ،‬وإليبه ذهبب إبراهيبم ببن عُليبة‪ ،‬وصبرح بقياس الجلسبة الخيرة على الولى‪،‬‬
‫فخالف الجمهور وشبذ‪ ،‬إل أنبه يرى العادة على مبن ترك شيئا مبن ذلك كله‪ .‬ومبن حجتهبم حديبث‬
‫عبدال ببن عمرو ببن العاص (وفبي النسبخة‪ :‬العاصبي) عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬إذا‬
‫رفع المام رأسه من آخر سجدة في صلته ثم أحدث فقد تمت صلته) وهو حديث ل يصح على‬
‫ما قاله أبو عمر‪ ،‬وقد بيناه في كتاب المقتبس‪ .‬وهذا اللفظ إنما يسقط السلم ل الجلوس‪.‬‬
‫القول الثالث‪ :‬إن الجلوس مقدار التشهد فرض‪ ،‬وليس التشهد ول السلم بواجب فرضا‪ .‬قاله أبو‬
‫حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين‪ .‬واحتجوا بحديث ابن المبارك عن الفريقي عبدالرحمن بن‬
‫زياد وهبو ضعيبف‪ ،‬وفيبه أن النببي صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬إذا جلس أحدكبم فبي آخبر صبلته‬
‫فأحدث قببل أن يسبلم فقبد تمبت صبلته)‪ .‬قال اببن العرببي‪ :‬وكان شيخنبا فخبر السبلم ينشدنبا فبي‬
‫الدرس‪:‬‬
‫ويرى الخروج من الصلة بضرطة أين الضراط من السلم عليكم‬
‫قال اببن العرببي‪ :‬وسبلك بعبض علمائنبا مبن هذه المسبألة فرعيبن ضعيفيبن‪ ،‬أمبا أحدهمبا‪ :‬فروى‬
‫عبدالملك عبن عبدالملك أن مبن سبلم مبن ركعتيبن متلعببا‪ ،‬فخرج البيان أنبه إن كان على أرببع أنبه‬
‫يجزئه‪ ،‬وهذا مذهبب أهبل العراق بعينبه‪ .‬وأمبا الثانبي‪ :‬فوقبع فبي الكتبب المنبوذة أن المام إذا أحدث‬

‫بعد التشهد متعمدا وقبل السلم أنه يجزئ من خلفه‪ ،‬وهذا مما ل ينبغي أن يلتفت إليه في الفتوى‪،‬‬
‫وإن عمرت به المجالس للذكرى‪.‬‬
‫القول الرابع‪ :‬إن الجلوس فرض والسلم فرض‪ ،‬وليس التشهد بواجب‪ .‬وممن قال هذا مالك بن‬
‫أنبس وأصبحابه وأحمبد ببن حنببل فبي روايبة‪ .‬واحتجوا بأن قالوا‪ :‬ليبس شيبء مبن الذكبر يجبب إل‬
‫تكبيرة الحرام وقراءة أم القرآن‪.‬‬
‫القول الخامس‪ :‬أن التشهد والجلوس واجبان‪ ،‬وليس السلم بواجب‪ ،‬قاله جماعة منهم إسحاق بن‬
‫راهويبه‪ ،‬واحتبج إسبحاق بحديبث اببن مسبعود حيبن علمبه رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم التشهبد‬
‫وقال له‪( :‬إذا فرغببت مببن هذا فقببد تمببت صببلتك وقضيببت مببا عليببك)‪ .‬قال الدارقطنببي‪ :‬قوله (إذا‬
‫فرغبت مبن هذا فقبد تمبت صبلتك) أدرجبه بعضهبم عبن زهيبر فبي الحديبث‪ ،‬ووصبله بكلم النببي‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلم ابن مسعود‪ ،‬وقوله أشبه بالصواب‬
‫من قول من أدرجه في حديث النبي صلى ال عليه وسلم‪ .‬وشبابة ثقة‪ .‬وقد تابعه غسان بن الربيع‬
‫على ذلك‪ ،‬جعل آخر الحديث من كلم ابن مسعود ولم يرفعه إلى النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫@ واختلف العلماء فبي السبلم‪ ،‬فقيبل‪ :‬واجبب‪ ،‬وقيبل‪ :‬ليبس بواجبب‪ .‬والصبحيح وجوببه لحديبث‬
‫عائشببة وحديببث علي الصببحيح خرجببه أببو داود والترمذي ورواه سببفيان الثوري عبن عبدال بببن‬
‫محمبد ببن عقيبل عبن محمبد ببن الحنفيبة عبن علي قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪" :‬مفتاح‬
‫الصببلة الطهور وتحريمهببا التكبببير وتحليلهببا التسببليم) وهذا الحديببث أصببل فببي إيجاب التكبببير‬
‫والتسليم‪ ،‬وأنه ل يجزئ عنهما غيرهما كما ل يجزئ عن الطهارة غيرها باتفاق‪ .‬قال عبدالرحمن‬
‫بن مهدي‪ :‬لو افتتح رجل صلته بسبعين اسما من أسماء ال عز وجل ولم يكبر تكبيرة الحرام لم‬
‫يجزه‪ ،‬وإن أحدث قببل أن يسبلم لم يجزه‪ ،‬وهذا تصبحيح مبن عبدالرحمبن ببن مهدي لحديبث علي‪،‬‬
‫وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه‪ .‬وحسبك به!‬
‫@ وقبد اختلف العلماء فبي وجوب التكببير عنبد الفتتاح فقال اببن شهاب الزهري وسبعيد ببن‬
‫المسيب والوزاعي وعبدالرحمن وطائفة‪ :‬تكبيرة الحرام ليست بواجبة‪ .‬وقد روي عن مالك في‬
‫المأموم مبا يدل على هذا القول‪ ،‬والصبحيح مبن مذهببه إيجاب تكببيرة الحرام وأنهبا فرض وركبن‬
‫من أركان الصلة‪ ،‬وهو الصواب وعليه الجمهور‪ ،‬وكل من خالف ذلك فمحجوج بالسنة‪.‬‬
‫@ واختلف العلماء في اللفظ الذي يدخل به في الصلة‪ ،‬فقال مالك وأصحابه وجمهور العلماء‪ :‬ل‬
‫يجزئ إل التكبببير‪ ،‬ل يجزئ منببه تهليببل ول تسبببيح ول تعظيببم ول تحميببد‪ .‬هذا قول الحجازييببن‬
‫وأكثببر العراقييببن‪ ،‬ول يجزئ عنببد مالك إل "ال أكبببر" ل غيببر ذلك‪ .‬وكذلك قال الشافعببي وزاد‪:‬‬
‫ويجزئ "ال الكببر" و"ال الكببير" والحجبة لمالك حديبث عائشبة قالت‪ :‬كان رسبول ال صبلى ال‬
‫عليه وسلم يستفتح الصلة بالتكبير‪ ،‬والقراءة بب "الحمد ل رب العالمين"‪ .‬وحديث علي‪ :‬وتحريمها‬
‫التكبير‪ .‬وحديث العرابي‪ :‬فكبر‪ .‬وفي سنن ابن ماجة حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعلي بن محمد‬
‫الطنافسبي قال‪ :‬حدثنبا أببو أسبامة قال حدثنبي عبدالحميبد ببن جعفبر قال حدثنبا محمبد اببن عمرو ببن‬
‫عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي يقول‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا قام إلى الصلة‬
‫اسبتقبل القبلة ورفبع يديبه وقال‪" :‬ال أكببر" وهذا نبص صبريح وحديبث صبحيح فبي تعييبن لفبظ‬
‫التكبير‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫رأيت ال أكبر كل شيء محاولة وأعظمه جنودا‬
‫ثم إنه يتضمن القدم‪ ،‬وليس يتضمنه كبير ول عظيم‪ ،‬فكان أبلغ في المعنى‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬إن افتتح بل إله إل ال يجزيه‪ ،‬وإن قال‪ :‬اللهم اغفر لي لم يجزه‪ ،‬وبه قال محمد‬
‫بن الحسن‪ .‬وقال أبو يوسف‪ :‬ل يجزئه إذا كان يحسن التكبير‪ .‬وكان الحكم بن عتيبة يقول‪ :‬إذا ذكر‬
‫ال مكان التكبير أجزأه‪ .‬قال ابن المنذر‪ :‬ول أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة فهلل وكبر ولم‬
‫يقرأ أن صبلته فاسبدة‪ ،‬فمبن كان هذا مذهببه فاللزم له أن يقول ل يجزيبه مكان التكببير غيره‪ ،‬كمبا‬
‫ل يجزئ مكان القراءة غيرها‪ .‬وقال أبو حنيفة‪ :‬يجزئه التكبير بالفارسية وإن كان يحسن العربية‪.‬‬
‫قال ابن المنذر‪ :‬ل يجزيه لنه خلف ما عليه جماعات المسلمين‪ ،‬وخلف ما علم النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم أمته‪ ،‬ول نعلم أحدا وافقه على ما قال‪ .‬وال أعلم‪.‬‬

‫@ واتفقبت المبة على وجوب النيبة عنبد تكببيرة الحرام إل شيئا روي عبن بعبض أصبحابنا يأتبي‬
‫الكلم عليببه فببي آيببة الطهارة‪ ،‬وحقيقتهببا قصببد التقرب إلى المببر بفعببل مببا أمببر بببه على الوجببه‬
‫المطلوب منه‪ .‬قال ابن العربي‪ :‬والصل في كل نية أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل المنوي بها‪،‬‬
‫أو قبل ذلك بشرط استصحابها‪ ،‬فإن تقدمت النية وطرأت غفلة فوقع التلبس بالعبادة في تلك الحالة‬
‫لم يعتبد بهبا‪ ،‬كمبا ل يعتبد بالنيبة إذا وقعبت بعبد التلببس بالفعبل‪ ،‬وقبد رخبص فبي تقديمهبا فبي الصبوم‬
‫لعظبم الحرج فبي اقترانهبا بأوله‪ .‬قال اببن العرببي‪ :‬وقال لنبا أببو الحسبن القروي بثغبر عسبقلن‪:‬‬
‫سمعت إمام الحرمين يقول‪ :‬يحضر النسان عند التلبس بالصلة النية‪ ،‬ويجرد النظر في الصانع‬
‫وحدوث العالم والنبوات حتى ينتهي نظره إلى نية الصلة‪ ،‬قال‪ :‬ول يحتاج ذلك إلى زمان طويل‪،‬‬
‫وإنما يكون ذلك في أوحى لحظة‪ ،‬لن تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل‪ ،‬وتذكارها يكون في‬
‫لحظة‪ ،‬ومن تمام النية أن تكون مستصحبة على الصلة كلها‪ ،‬إل أن ذلك لما كان أمرا يتعذر عليه‬
‫سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها‪ .‬سمعت شيخنا أبا بكر الفهري بالمسجد القصى يقول قال‬
‫محمبد ببن سبحنون‪ :‬رأيبت أببي سبحنونا ربمبا يكمبل الصبلة فيعيدهبا‪ ،‬فقلت له مبا هذا؟ فقال‪ :‬عزببت‬
‫نيتي في أثنائها فلجل ذلك أعدتها‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فهذه جملة مبن أحكام الصبلة‪ ،‬وسبائر أحكامهبا يأتبي بيانهبا فبي مواضعهبا مبن هذا الكتاب‬
‫بحول ال تعالى‪ ،‬فيأتببي ذكببر الركوع وصببلة الجماعببة والقبلة والمبادرة إلى الوقات‪ ،‬وبعببض‬
‫صلة الخوف في هذه السورة‪ ،‬ويأتي ذكر قصر الصلة وصلة الخوف‪ ،‬في "النساء" والوقات‬
‫فبي "هود وسببحان والروم" وصبلة الليبل فبي "المزمبل" وسبجود التلوة فبي "العراف" وسبجود‬
‫الشكر في "ص" كل في موضعه إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وممبا رزقناهبم ينفقون" رزقناهبم‪ :‬أعطيناهبم‪ ،‬والرزق عنبد أهبل السبنة مبا صبح‬
‫النتفاع ببه حلل كان أو حرامبا‪ ،‬خلفبا للمعتزلة فبي قولهبم‪ :‬إن الحرام ليبس برزق لنبه ل يصبح‬
‫تملكه‪ ،‬وإن ال ل يرزق الحرام وإنما يرزق الحلل‪ ،‬والرزق ل يكون إل بمعنى الملك‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬فلو نشبأ صببي مبع اللصبوص ولم يأكبل شيئا إل مبا أطعمبه اللصبوص إلى أن بلغ وقوي‬
‫وصبار لصبا‪ ،‬ثبم لم يزل يتلصبص ويأكبل مبا تلصبصه إلى أن مات‪ ،‬فإن ال لم يرزقبه شيئا إذ لم‬
‫يملكه‪ ،‬وإنه يموت ولم يأكل من رزق ال شيئا‪.‬‬
‫وهذا فاسد‪ ،‬والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب أل يكون الطفل مرزوقا‪ ،‬ول‬
‫البهائم التببي ترتببع فببي الصببحراء‪ ،‬ول السببخال مببن البهائم‪ ،‬لن لبببن أمهاتهببا ملك لصبباحبها دون‬
‫السخال‪.‬‬
‫ولمببا اجتمعببت المببة على أن الطفببل والسببخال والبهائم مرزوقون‪ ،‬وأن ال تعالى يرزقهببم مببع‬
‫كونهم غير مالكين علم أن الرزق هو الغذاء ولن المة مجمعة على أن العبيد والماء مرزوقون‪،‬‬
‫وأن ال تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين‪ ،‬فعلم أن الرزق ما قلناه ل ما قالوه‪ .‬والذي يدل على‬
‫أنه ل رازق سواه قول الحق‪" :‬هل من خالق غير ال يرزقكبم من السماء والرض" [فاطبر‪]3 :‬‬
‫وقال‪" :‬إن ال هو الرزاق ذو القوة المتين" [الذاريات‪ ]58 :‬وقال‪" :‬وما من دابة في الرض إل‬
‫على ال رزقها" [هود‪ ]6 :‬وهذا قاطع‪ ،‬فال تعالى رازق حقيقة وابن آدم تجوّزا‪ ،‬لنه يملك ملكا‬
‫منتزعا كما بيناه في الفاتحة‪ ،‬مرزوق حقيقة كالبهائم التي ل ملك لها‪ ،‬إل أن الشيء إذا كان مأذونا‬
‫له في تناوله فهو حلل حكما‪ ،‬وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكما‪ ،‬وجميع ذلك‬
‫رزق‪.‬‬
‫وقببد خرّج بعببض النبلء مببن قوله تعالى‪" :‬كلوا مببن رزق ربكببم واشكروا له بلدة طيبببة ورب‬
‫غفور" [سبأ‪ ]15 :‬فقال‪ :‬ذكر المغفرة يشير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وممببا رزقناهببم" الرزق مصببدر رزق يرزق رَزقببا ورِزقببا‪ ،‬فالرزق بالفتببح‬
‫المصبببدر‪ ،‬وبالكسبببر السبببم‪ ،‬وجمعبببه أرزاق‪ ،‬والرزق‪ :‬العطاء‪ .‬والرازقيبببة‪ :‬ثياب كتان بيبببض‪.‬‬
‫وارتزق الجنبد‪ :‬أخذوا أرزاقهبم‪ .‬والرزقبة‪ :‬المرة الواحدة‪ ،‬هكذا قال أهبل اللغبة‪ .‬وقال اببن السبكيت‪:‬‬
‫الرزق بلغبة أ ْز ِدشَنوءة‪ :‬الشكبر‪ ،‬وهبو قوله عبز وجبل‪" :‬وتجعلون رزقكبم أنكبم تكذبون" [الواقعبة‪:‬‬
‫‪ ]82‬أي شكركم التكذيب‪ .‬ويقول‪ :‬رزقني أي شكرني‪.‬‬

‫@قوله تعالى‪" :‬ينفقون" ينفقون‪ :‬يخرجون‪ .‬والنفاق‪ :‬إخراج المال من اليد‪ ،‬ومنه نفق البيع‪ :‬أي‬
‫جحْر اليربوع الذي‬
‫خرج من يد البائع إلى المشتري‪ .‬ونفقت الدابة‪ :‬خرجت روحها‪ ،‬ومنه النافقاء ل ُ‬
‫يخرج منبه إذا أخبذ مبن جهبة أخرى‪ .‬ومنبه المنافبق‪ ،‬لنبه يخرج مبن اليمان أو يخرج اليمان مبن‬
‫قلببه‪ .‬ونَيفبق السبراويل معروفبة وهبو مخرج الرجبل منهبا‪ .‬ونفِق الزاد‪ :‬فنبى وأنفقبه صباحبه‪ .‬وأنفبق‬
‫القوم‪ :‬فني زادهم‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪" :‬إذا لمسكتم خشية النفاق" [السراء‪.]100 :‬‬
‫@ واختلف العلماء فبي المراد بالنفقبة ههنبا‪ ،‬فقيبل‪ :‬الزكاة المفروضبة ‪ -‬روي عبن اببن عباس ‪-‬‬
‫لمقارنتهبا الصبلة‪ .‬وقيبل‪ :‬نفقبة الرجبل على أهله ‪ -‬روي عبن اببن مسبعود ‪ -‬لن ذلك أفضبل النفقبة‪.‬‬
‫روى مسبلم عبن أببي هريرة قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬دينارٌ أنفقتبه فبي سببيل ال‬
‫ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي‬
‫أنفقته على أهلك)‪ .‬وروي عن ثوبان قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬أفضل دينار ينفقه‬
‫الرجبل دينار ينفقبه على عياله ودينار ينفقبه الرجبل على دابتبه فبي سببيل ال عبز وجبل ودينار ينفقبه‬
‫على أصحابه في سبيل ال) قال أبو قِلبة‪ :‬وبدأ بالعيال [ثم] قال أبو قلبة‪ :‬وأي رجل أعظم أجرا‬
‫مبن رجبل ينفبق على عيال صبغار يعفهبم أو ينفعهبم ال ببه ويغنيهبم‪ .‬وقيبل‪ :‬المراد صبدقة التطوع ‪-‬‬
‫روي عبن الضحاك نظرا إلى أن الزكاة ل تأتبي إل بلفظهبا المختبص بهبا وهبو الزكاة‪ ،‬فإذا جاءت‬
‫بلفبببظ غيبببر الزكاة احتملت الفرض والتطوع‪ ،‬فإذا جاءت بلفبببظ النفاق لم تكبببن إل التطوع‪ .‬قال‬
‫جدَتهبم حتبى نزلت فرائض‬
‫الضحاك‪ :‬كانبت النفقبة قربانبا يتقربون بهبا إلى ال جبل وعبز على قدر ِ‬
‫الصدقات والناسخات في "براءة"‪ .‬وقيل‪ :‬إنه الحقوق الواجبة العارضة في الموال ما عدا الزكاة‪،‬‬
‫لن ال تعالى لمبا قرنبه بالصبلة كان فرضبا‪ ،‬ولمبا عدل عبن لفظهبا كان فرضبا سبواها‪ .‬وقيبل‪ :‬هبو‬
‫عام وهو الصحيح‪ ،‬لنه خرج مخرج المدح في النفاق مما رزقوا‪ ،‬وذلك ل يكون إل من الحلل‪،‬‬
‫أي يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وغيرها مما يعنّ في بعض الحوال مع ما ندبهم إليه‪ .‬وقيل‪:‬‬
‫اليمان بالغيب حظ القلب‪ .‬وإقام الصلة حظ البدن‪ .‬ومما رزقناهم ينفقون حظ المال‪ ،‬وهذا ظاهر‪.‬‬
‫وقال بعبض المتقدميبن فبي تأويبل قوله تعالى‪" :‬وممبا رزقناهبم ينفقون" أي ممبا علّمناهبم يعلّمون‪،‬‬
‫حكاه أبو نصر عبدالرحيم بن عبدالكريم القُشيري‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{4 :‬والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالخرة هم يوقنون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬والذين يؤمنون بما أنزل إليك" قيل‪ :‬المراد مؤمنو أهل الكتاب‪ ،‬كعبدال بن سلم‬
‫وفيه نزلت‪ ،‬ونزلت الولى في مؤمني العرب‪ .‬وقيل‪ :‬اليتان جميعا في المؤمنين‪ ،‬وعليه فإعراب‬
‫"الذيبن" خفبض على العطبف‪ ،‬ويصبح أن يكون رفعبا على السبتئناف أي وهبم الذيبن‪ .‬ومبن جعلهبا‬
‫في صنفين فإعراب "الذين" رفع بالبتداء‪ ،‬وخبره "أولئك على هدى" ويحتمل الخفض عطفا‪....‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬بما أنزل إليك" يعني القرآن "وما أنزل من قبلك" يعني الكتب السالفة‪ ،‬بخلف ما‬
‫فعله اليهود والنصبارى حسبب مبا أخببر ال عنهبم فبي قوله‪" :‬وإذا قيبل لهبم آمنوا بمبا أنزل ال قالوا‬
‫نؤمبن بمبا أنزل علينبا" [البقرة‪ ]91 :‬اليبة‪ .‬ويقال‪ :‬لمبا نزلت هذه اليبة‪" :‬الذيبن يؤمنون بالغيبب"‬
‫قالت اليهود والنصبارى‪ :‬نحبن آمنبا بالغيبب‪ ،‬فلمبا قال‪" :‬ويقيمون الصبلة" [البقرة‪ ]3 :‬قالوا‪ :‬نحبن‬
‫نقيبم الصبلة‪ ،‬فلمبا قال "وممبا رزقناهبم ينفقون" قالوا‪ :‬نحبن ننفبق ونتصبدق‪ ،‬فلمبا قال‪" :‬والذيبن‬
‫يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك" نفروا من ذلك‪ .‬وفي حديث أبي ذر قال قلت‪ :‬يا رسول‬
‫ال كبم كتاببا أنزل ال؟ قال‪( :‬مائة كتاب وأربعبة كتبب أنزل ال على شيبث خمسبين صبحيفة وعلى‬
‫أخنوخ ثلثيببن صببحيفة وعلى إبراهيببم عشببر صببحائف وأنزل على موسببى قبببل التوراة عشببر‬
‫صحائف وأنزل التوراة والنجيل والزبور والفرقان)‪ .‬الحديث أخرجه الحسين الجرّي وأبو حاتم‬
‫البستي‪.‬‬
‫وهنبا مسبألة‪ :‬إن قال قائل‪ :‬كيبف يمكبن اليمان بجميعهبا مبع تنافبي أحكامهبا؟ قيبل له فيبه جوابان‪:‬‬
‫أحدهمببا ‪ -‬أن اليمان بأن جميعهببا نزل مببن عنببد ال‪ ،‬وهببو قول مببن أسببقط التعبببد بمببا تقدم مببن‬
‫الشرائع‪ .‬الثاني ‪ -‬أن اليمان بما لم ينسخ منها‪ ،‬وهذا قول من أوجب التزام الشرائع المتقدمة‪ ،‬على‬
‫ما يأتي بيانه إن شاء ال تعالى‪.‬‬

‫@قوله تعالى‪" :‬وبالخرة هم يوقنون" أي وبالبعث والنشر هم عالمون‪ .‬واليقين‪ :‬العلم دون الشك‪،‬‬
‫يقال منبه‪ :‬يَ ِقنْتُب المبر (بالكسبر) يقنبا‪ ،‬وأيقنبت واسبتيقنت وتيقنبت كله بمعنبى‪ ،‬وأنبا على يقيبن منبه‪.‬‬
‫وإنمبا صبارت الياء واوا فبي قولك‪ :‬موقبن‪ ،‬للضمبة قبلهبا‪ ،‬وإذا صبغرته رددتبه إلى الصبل فقلت‬
‫مييقبن والتصبغير يرد الشياء إلى أصبولها وكذلك الجمبع‪ .‬وربمبا عببروا باليقيبن عبن الظبن‪ ،‬ومنبه‬
‫قول علمائنبا فبي اليميبن اللغبو‪ :‬هبو أن يحلف بال على أمبر يوقنبه ثبم يتببين له أنبه خلف ذلك فل‬
‫شيء عليه‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫تحسّب هوّاس وأيقن أنني بها مفتد من واحد ل أغامره‬
‫يقول‪ :‬تشمم السد ناقتي‪ ،‬يظن أنني مفتد بها منه‪ ،‬وأستحمي نفسي فأتركها له ول أقتحم المهالك‬
‫بمقاتلته فأما الظن بمعنى اليقين فورد في التنزيل وهو في الشعر كثير‪ ،‬وسيأتي‪ .‬والخرة مشتقة‬
‫من التأخر لتأخرها عنا وتأخرنا عنها‪ ،‬كما أن الدنيا مشتقة من الدنوّ‪ ،‬على ما يأتي‪.‬‬
‫*‪*3‬الية ‪{5‬أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬أولئك على هدى" قال النحاس أهبل نجبد يقولون‪ :‬أُلك‪ ،‬وبعضهبم يقول‪ :‬أُللك‪،‬‬
‫والكاف للخطاب‪ .‬قال الكسببائي‪ :‬مببن قال أولئك فواحده ذلك‪ ،‬ومببن قال ألك فواحدة ذاك‪ ،‬وأللك‬
‫مثل أولئك‪ ،‬وأنشد ابن السكيت‪:‬‬
‫أللك قومي لم يكونوا أُشابة وهل يعظ الضّلّيل إل أللكا‬
‫وربما قالوا‪ :‬أولئك في غير العقلء‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ش بعد أولئك اليام‬
‫والعي َ‬
‫ذُم المنازل بعد منزلة اللوى‬
‫وقال تعالى‪" :‬إن السببمع والبصببر والفؤاد كببل أولئك كان عنببه مسببؤول" [السببراء‪ ]36 :‬وقال‬
‫علماؤنبا‪ :‬إن فبي قوله تعالى‪" :‬مبن ربهبم" ردا على القدريبة فبي قولهبم‪ :‬يخلقون إيمانهبم وهداهبم‪،‬‬
‫تعالى ال عبن قولهبم ولو كان كمبا قالوا لقال‪" :‬مبن أنفسبهم"‪ ،‬وقبد تقدم الكلم فيبه وفبي الهدى فل‬
‫معنى لعادة ذلك‪.‬‬
‫@"وأولئك هبم المفلحون" "هبم" يجوز أن يكون مبتدأ ثانيبا وخببره "المفلحون"‪ ،‬والثانبي وخببره‬
‫خببببر الول‪ ،‬ويجوز أن تكون "هبببم" زائدة ‪ -‬يسبببميها البصبببريون فاصبببلة والكوفيون عمادا ‪-‬‬
‫و"المفلحون" خبر "أولئك"‪.‬‬
‫والفلح أصله في اللغة الشق والقطع‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫إن الحديد بالحديد يُفلَح‬
‫أي يشبق‪ ،‬ومنبه فلحبة الرضيبن إنمبا هبو شقهبا للحرث‪ ،‬قال أببو عبيبد‪ .‬ولذلك سبمي الكّار فلحبا‪.‬‬
‫ويقال للذي شقبت شفتبه السبفلى أفلح‪ ،‬وهبو بيّن الفلَحبة‪ ،‬فكأن المفلح قبد قطبع المصباعب حتبى نال‬
‫مطلوببه‪ .‬وقبد يسبتعمل فبي الفوز والبقاء‪ ،‬وهبو أصبله أيضبا فبي اللغبة‪ ،‬ومنبه قول الرجبل لمرأتبه‪:‬‬
‫استفلحي بأمرك‪ ،‬معناه فوزي بأمرك‪ ،‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫ي مدرك الفلح أدركه ملعب الرماح‬
‫لو كان ح ّ‬
‫وقال الضبط بن قُرَيع السعدي في الجاهلية الجهلء‪:‬‬
‫لكل هم من الهموم سعهْ والمُسيُ والصُبح ل فلح معهْ‬
‫يقول‪ :‬ليس مع كر الليل والنهار بقاء‪ .‬وقال آخر‪:‬‬
‫نحل بلدا كلها حل قبلنا ونرجو الفلح بعد عاد وحمير‬
‫أي البقاء‪ :‬وقال عبيد‪:‬‬
‫أفلح بما شئت فقد يدرك بالضب بعف وقد يُخدّع الريب‬
‫أي أبببق بمببا شئت مببن كيببس وحمببق فقببد يرزق الحمببق ويحرم العاقببل‪ .‬فمعنببى "وأولئك هببم‬
‫المفلحون"‪ :‬أي الفائزون بالجنبة والباقون فيهبا‪ .‬وقال اببن أببي إسبحاق‪ :‬المفلحون هبم الذيبن أدركوا‬
‫مبا طلبوا ونجوا مبن شبر مبا منبه هربوا‪ ،‬والمعنبى واحبد‪ .‬وقبد اسبتعمل الفلح فبي السبحور‪ ،‬ومنبه‬
‫الحديببث‪ :‬حتببى كاد يفوتنببا الفلح مببع رسببول ال صببلى ال عليببه وسببلم‪ .‬قلت‪ :‬ومببا الفلح؟ قال‪:‬‬
‫السبحور‪ .‬أخرجبه أببو داود‪ .‬فكأن معنبى الحديبث أن السبحور ببه بقاء الصبوم فلهذا سبماه فلحبا‪.‬‬
‫والفلح (بتشديد اللم)‪ :‬المُكاري في قول القائل‪:‬‬

‫لها رِطل تكيل الزيت فيه وفلح يسوق لها حمارا‬
‫ثم الفلح في العرف‪ :‬الظفر بالمطلوب‪ ،‬والنجاة من المرهوب‪.‬‬
‫مسبألة‪ :‬إن قال كيبف قرأ حمزة‪ :‬عليهُم وإليهُم ولديهُم‪ ،‬ولم يقرأ مبن ربهُم ول فيهُم ول جنتيهُم؟‬
‫فالجواب أن عليهم وإليهم ولديهم الياء فيه منقلبة من ألف‪ ،‬والصل علهم ولداهم وإلهم فأقرت‬
‫الهاء على ضمتهبا‪ ،‬وليبس ذلك فبي فيهبم ول مبن ربهبم ول جنتيهبم‪ ،‬ووافقبه الكسبائي فبي "عليهبم‬
‫الذلة" و"إليهم اثنين" على ما هو معروف من القراءة عنهما‪.‬‬
‫*‪*3‬الية ‪{6‬إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ل يؤمنون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إن الذين كفروا" لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم‪ .‬والكفر ضد‬
‫اليمان وهبو المراد فبي اليبة‪ .‬وقبد يكون بمعنبى جحود النعمبة والحسبان‪ ،‬ومنبه قوله عليبه السبلم‬
‫فبي النسباء فبي حديبث الكسبوف‪( :‬ورأيبت النار فلم أر منظرا كاليوم قبط أفظبع ورأيبت أكثبر أهلهبا‬
‫النسباء) قيبل‪ :‬ببم يبا رسبول ال؟ قال‪( :‬بكفرهبن)‪ ،‬قيبل أيكفرن بال؟ قال‪( :‬يكفرن العشيبر ويكفرن‬
‫الحسببان لو أحسببنت إلى إحداهببن الدهببر كله ثببم رأت منببك شيئا قالت مببا رأيببت منببك خيرا قببط)‬
‫أخرجه البخاري وغيره‪.‬‬
‫وأصل الكفر في كلم العرب‪ :‬الستر والتغطية‪ ،‬ومنه قول الشاعر‪:‬‬
‫في ليلة كفر النجومَ غمامُها‬
‫أي سترها‪ .‬ومنه سمي الليل كافرا‪ ،‬لنه يغطي كل شيء بسواده‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ألقت ذُكاء يمينها في كافر‬
‫فتذكرا ثَقل رثيدا بعدما‬
‫ذكاء (بضم الذال والمد)‪ :‬اسم للشمس‪ ،‬ومنه قول الخر‪:‬‬
‫فوردت قبل انبلج الفجر وابن ذكاء كامن في كَفر‬
‫أي فبي ليبل‪ .‬والكافبر أيضبا‪ :‬البحبر والنهبر العظيبم‪ .‬والكافبر‪ :‬الزارع‪ ،‬والجمبع كفار‪ ،‬قال ال تعالى‪:‬‬
‫"كمثبل غيبث أعجبب الكفار نباتبه" [الحديبد‪ .]20 :‬يعنبي الزراع لنهبم يغطون الحبب‪ .‬ورماد‬
‫مكفور‪ :‬سفت الريح عليه التراب‪ .‬والكافر من الرض‪ :‬ما بعد عن الناس ل يكاد ينزله ول يمر به‬
‫أحد‪ ،‬ومن حل بتلك المواضع فهم أهل الكفور‪ .‬ويقال الكفور‪ :‬القرى‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬سبواء عليهبم" معناه معتدل عندهبم النذار وتركبه‪ ،‬أي سبواء عليهبم هذا‪ .‬وجيبء‬
‫بالسبتفهام مبن أجبل التسبوية‪ ،‬ومثله قوله تعالى‪" :‬سبواء علينبا أوعظبت أم لم تكبن مبن الواعظيبن"‬
‫[الشعراء‪ .]136 :‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫وليل يقول الناس من ظلماته سواء صحيحات العيون وعورها‬
‫@قوله تعالى‪" :‬أأنذرتهبم أم لم تنذرهبم ل يؤمنون" النذار البلغ والعلم‪ ،‬ول يكاد يكون إل‬
‫فبي تخويبف يتسبع زمانبه للحتراز‪ ،‬فإن لم يتسبع زمانبه للحتراز كان إشعارا ولم يكبن إنذارا‪ ،‬قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫أنذرت عَمرا وهو في مهَل قبل الصباح فقد عصى عمرو‬
‫وتناذر بنو فلن هذا المر إذا خوفه بعضهم بعضا‬
‫واختلف العلماء في تأويل هذه الية‪ ،‬فقيل‪ :‬هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة‬
‫العذاب‪ ،‬وسبق في علم ال أنه يموت على كفره‪ .‬أراد ال تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله‬
‫دون أن يعيبن أحدا‪ .‬وقال اببن عباس والكلببي‪ :‬نزلت فبي رؤسباء اليهود‪ ،‬منهبم حيبي ببن أخطبب‬
‫وكعب بن الشرف ونظراؤهما‪ .‬وقال الربيع بن أنس‪ :‬نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الحزاب‪،‬‬
‫والول أصح‪ ،‬فإن من عين أحدا فإنمبا مثل بمن كشبف الغيب عنه بموته على الكفر‪ ،‬وذلك داخل‬
‫في ضمن الية‪.‬‬
‫@قوله تعالى "ل يؤمنون" موضعه رف عٌ خبر "إ نّ" أي إن الذين كفروا ل يؤمنون‪ .‬وقيل‪ :‬خبر‬
‫"إن" "سبواء" ومبا بعده يقوم مقام الصبلة‪ ،‬قاله اببن كيسبان‪ .‬وقال محمبد ببن يزيبد‪" :‬سبواء" رفبع‬
‫بالبتداء‪" ،‬أأنذرتهببم أم لم تنذرهببم" الخبببر‪ ،‬والجملة خبببر "إن"‪ .‬قال النحاس‪ :‬أي إنهببم تبالهوا فلم‬
‫تغبببن فيهبببم النذارة شيئا‪ .‬واختلف القراء فبببي قراءة "أأنذرتهبببم" فقرأ أهبببل المدينبببة وأببببو عمرو‬

‫والعمبش وعبدال ببن أببي إسبحاق‪" :‬آنذرتهبم" بتحقيبق الولى وتسبهيل الثانيبة‪ ،‬واختارهبا الخليبل‬
‫وسيبويه‪ ،‬وهي لغة قريش وسعد بن بكر‪ ،‬وعليها قول الشاعر‪:‬‬
‫أيا ظبية الوعساء بين جلجل وبين النقا آنت أ ْم أمّ سالم‬
‫هجاء "آنت" ألف واحدة‪ .‬وقال آخر‪:‬‬
‫تطاللت فاستشرفته فعرفته فقلت له آنت زيد الرانب‬
‫وروي عبن اببن ُمحَيصبِن أنبه قرأ‪" :‬أنذرتهبم أم لم تنذرهبم" بهمزة ل ألف بعدهبا‪ ،‬فحذف للتقاء‬
‫الهمزتين‪ ،‬أو لن أم تدل على الستفهام‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫تروح من الحي أم تبتكر وماذا يضيرك لو تنتظر‬
‫أراد‪ :‬أتروح‪ ،‬فاكتفبى بأم مبن اللف‪ .‬وروي عبن اببن أببي إسبحاق أنبه قرأ‪" :‬أأنذرتهبم" فحقبق‬
‫الهمزتيبن وأدخبل بينهمبا ألفبا لئل يجمبع بينهمبا‪ .‬قال أببو حاتبم‪ :‬ويجوز أن تدخبل بينهمبا ألفبا وتخفبف‬
‫الثانيبة‪ ،‬وأببو عمرو ونافبع يفعلن ذلك كثيرا‪ .‬وقرأ حمزة وعاصبم والكسبائي بتحقيبق الهمزتيبن‪:‬‬
‫ضنِنوا‪.‬‬
‫"أأنذرتهبم" وهبو اختيار أببي عبيبد‪ ،‬وذلك بعيبد عنبد الخليبل‪ .‬وقال سبيبويه‪ :‬يشببه فبي الثقبل َ‬
‫قال الخفش‪ :‬ويجوز تخفيف الولى من الهمزتين وذلك رديء‪ ،‬لنهم إنما يخففون بعد الستثقال‪،‬‬
‫وبعببد حصببول الواحدة‪ .‬قال أبببو حاتببم‪ :‬ويجوز تخفيببف الهمزتيببن جميعببا‪ .‬فهذه سبببعة أوجببه مببن‬
‫القراءات‪ ،‬ووجبه ثامبن يجوز فبي غيبر القرآن‪ ،‬لنبه مخالف للسبواد‪ .‬قال الخفبش سبعيد‪ :‬تبدل مبن‬
‫الهمزة هاء تقول‪ :‬هأنذرتهبم‪ ،‬كمبا يقال هياك وإياك‪ ،‬وقال الخفبش فبي قوله تعالى‪" :‬هبا أنتبم" [آل‬
‫عمران‪ ]66 :‬إنما هو أاأنتم‪.‬‬
‫*‪*3‬الية ‪{7‬ختم ال على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم }‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ختبم ال" َبيّنب سببحانه فبي هذه اليبة المانبع لهبم مبن اليمان بقوله‪" :‬ختبم ال"‪.‬‬
‫والختم مصدر ختمت الشيء ختما فهو مختوم ومختم‪ ،‬شدد للمبالغة‪ ،‬ومعناه التغطية على الشيء‬
‫والستيثاق منه حتى ل يدخله شيء‪ ،‬ومنه‪ :‬ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك‪ ،‬حتى ل يوصل إلى‬
‫ما فيه‪ ،‬ول يوضع فيه غير ما فيه‪.‬‬
‫وقال أهببل المعانببي‪ :‬وصببف ال تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصبباف‪ :‬بالختببم والطبببع والضيببق‬
‫حمِيببة والنكار‪ .‬فقال فببي النكار‪" :‬قلوبهببم‬
‫والمرض والرّيببن والموت والقسبباوة والنصببراف وال َ‬
‫منكرة وهببم مسببتكبرون" [النحببل‪ .]22 :‬وقال فببي الحميببة‪" :‬إذ جعببل الذيببن كفروا فببي قلوبهببم‬
‫الحميبة"‪[ .‬الفتبح‪ ]26 :‬وقال فبي النصبراف‪" :‬ثبم انصبرفوا صبرف ال قلوبهبم بأنهبم قوم ل‬
‫يفقهون" [التوببة‪ .]127 :‬وقال فبي القسباوة‪" :‬فويبل للقاسبية قلوبهبم مبن ذكبر ال" [الزمبر‪.]22 :‬‬
‫وقال‪" :‬ثم قست قلوبكم من بعد ذلك" [البقرة‪ .]74 :‬وقال في الموت‪" :‬أو من كان ميتا فأحييناه"‬
‫[النعام‪ .]122 :‬وقال‪" :‬إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم ال" [النعام‪ .]36 :‬وقال‬
‫فبي الريبن‪" :‬كل ببل ران على قلوبهبم مبا كانوا يكسببون"‪[ .‬المطففيبن‪ .]14 :‬وقال فبي المرض‪:‬‬
‫"فبي قلوبهبم مرض"‪[ .‬محمبد‪ ]29 :‬وقال فبي الضيبق‪" :‬ومبن يرد أن يضله يجعبل صبدره ضيقبا‬
‫حرجبا"‪[ .‬النعام‪ .]125 :‬وقال فبي الطببع‪" :‬وطببع على قلوبهبم فهبم ل يفقهون" [التوببة‪.]87 :‬‬
‫وقال‪" :‬ببل طببع ال عليهبا بكفرهبم" [النسباء‪ .]155 :‬وقال فبي الختبم‪" :‬ختبم ال على قلوبهبم"‪.‬‬
‫[البقرة‪ .]7 :‬وسيأتي بيانها كلها في مواضعها إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@الختم يكون محسوسا كما بينا‪ ،‬ومعنى كما في هذه الية‪ .‬فالختم على القلوب‪ :‬عدم الوعي عن‬
‫الحق ‪ -‬سبحانه ‪ -‬مفهوم مخاطباته والفكر في آياته‪ .‬وعلى السمع‪ :‬عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم‬
‫أو دعوا إلى وحدانيتبه‪ .‬وعلى البصبار‪ :‬عدم هدايتهبا للنظبر فبي مخلوقاتبه وعجائب مصبنوعاته‪،‬‬
‫هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم‪.‬‬
‫@ فبي هذه اليبة أدل دليبل وأوضبح سببيل على أن ال سببحانه خالق الهدى والضلل‪ ،‬والكفبر‬
‫واليمان‪ ،‬فاعتبببروا أيهببا السببامعون‪ ،‬وتعجبوا أيهببا المفكرون مببن عقول القدريببة القائليببن بخلق‬
‫إيمانهم وهداهم‪ ،‬فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم اليمان ولو جهدوا‪ ،‬وقد طبع على قلوبهم وعلى‬
‫سببمعهم وجعببل على أبصببارهم غشاوة‪ ،‬فمتببى يهتدون‪ ،‬أو مببن يهديهببم مببن بعببد ال إذا أضلهببم‬
‫وأصبمهم وأعمبى أبصبارهم "ومبن يضلل ال فمبا له مبن هاد" [الزمبر‪ ]23 :‬وكان فعبل ال ذلك‬

‫عدل فيمبن أضله وخذله‪ ،‬إذ لم يمنعبه حقبا وجبب له فتزول صبفة العدل‪ ،‬وإنمبا منعهبم مبا كان له أن‬
‫يتفضل به عليهم ل ما وجب لهم‪.‬‬
‫فإن قالوا‪ :‬إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسميه والحكم والخبار بأنهم ل يؤمنون‪ ،‬ل الفعل‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬هذا فاسد‪ ،‬لن حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعا مختوما‪ ،‬ل يجوز‬
‫أن تكون حقيقتبه التسبمية والحكبم‪ ،‬أل ترى أنبه إذا قيبل‪ :‬فلن طببع الكتاب وختمبه‪ ،‬كان حقيقبة أنبه‬
‫فعل ما صار به الكتاب مطبوعا ومختوما‪ ،‬ل التسمية والحكم‪ .‬هذا ما ل خلف فيه بين أهل اللغة‪،‬‬
‫ولن المبة مجمعبة على أن ال تعالى قبد وصبف نفسبه بالختبم والطببع على قلوب الكافريبن مجازاة‬
‫لكفرهبم‪ ،‬كمبا قال تعالى‪" :‬ببل طببع ال عليهبا بكفرهبم" [النسباء‪ .]155 :‬وأجمعبت المبة على أن‬
‫الطبع والختبم على قلوبهم من جهة النبي عليه السلم والملئكة والمؤمنين ممتنع‪ ،‬فلو كان الختم‬
‫والطبع هو التسمية والحكم لما امتنع من ذلك النبياء والمؤمنون‪ ،‬لنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم‬
‫مطبوع على قلوبهببم‪ ،‬وأنهببم مختوم عليهببا وأنهببم فببي ضلل ل يؤمنون‪ ،‬ويحكمون عليهببم بذلك‪.‬‬
‫فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم‪ ،‬وإنما هو معنى يخلقه ال في القلب يمنع من‬
‫اليمان ببه‪ ،‬دليله قوله تعالى‪" :‬كذلك نسبلكه فبي قلوب المجرميبن‪ .‬ل يؤمنون ببه" [الحجبر‪.]12 :‬‬
‫وقال‪" :‬وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه" [النعام‪ .]25 :‬أي يفقهوه‪ ،‬وما كان مثله‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬على قلوبهبم" فيبه دليبل على فضبل القلب على جميبع الجوارح‪ .‬والقلب للنسبان‬
‫وغيره‪ .‬وخالص كبل شيبء وأشرفبه قلببه‪ ،‬فالقلب موضبع الفكبر‪ .‬وهبو فبي الصبل مصبدر قلببت‬
‫الشيبء أقلببه قلببا إذا رددتبه على بداءتبه‪ .‬وقلبت الناء‪ :‬رددتبه على وجهه‪ .‬ثبم نقبل هذا اللفظ فسبمي‬
‫به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان‪ ،‬لسرعة الخواطر إليه‪ ،‬ولترددها عليه‪ ،‬كما قيل‪:‬‬
‫ما سمي القلب إل من تقلبه فاحذر على القلب من قلب وتحويل‬
‫ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قافه‪ ،‬تفريقا بينه وبين‬
‫أصبله‪ .‬روى اببن ماجبه عبن أببي موسبى الشعري عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم أنبه قال‪( :‬مثبل‬
‫القلب مثبل ريشبة تقلبهبا الرياح بفلة)‪ .‬ولهذا المعنبى كان عليبه الصبلة والسبلم يقول‪( :‬اللهبم يبا‬
‫مثببت القلوب ثببت قلوبنا على طاعتك)‪ .‬فإذا كان النببي صبلى ال عليه وسلم يقوله مبع عظيم قدره‬
‫وجلل منصببببه فنحبببن أولى بذلك اقتداء ببببه‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬واعلموا أن ال يحول بيبببن المرء‬
‫وقلبه" [النفال‪ .]24 :‬وسيأتي‪.‬‬
‫@ الجوارح وإن كانبت تابعبة للقلب فقبد يتأثبر القلب ‪ -‬وإن رئيسبها وملكهبا ‪ -‬بأعمالهبا للرتباط‬
‫الذي بيبن الظاهبر والباطبن‪ ،‬قال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬إن الرجبل ليصبدق فتنكبت فبي قلببه نكتبة‬
‫بيضاء وإن الرجببل ليكذب الكذبببة فيسببود قلبببه)‪ .‬وروى الترمذي وصببححه عببن أبببي هريرة‪( :‬أن‬
‫الرجبل ليصبيب الذنبب فيسبود قلببه فإن هبو تاب صبقل قلببه)‪ .‬قال‪ :‬وهبو الريبن الذي ذكره ال فبي‬
‫القرآن فبي قوله‪" :‬كل ببل ران على قلوبهبم مبا كانوا يكسببون" [المطففيبن‪ .]14 :‬وقال مجاهبد‪:‬‬
‫القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب إصبع‪ ،‬ثم يطبع‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وفي قول مجاهد هذا‪ ،‬وقوله عليه السلم‪( :‬إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد‬
‫كله وإذا فسبدت فسبد الجسبد كله أل وهبي القلب) دليبل على أن الختبم يكون حقيقيبا‪ ،‬وال أعلم‪ .‬وقبد‬
‫قيل‪ :‬إن القلب يشبه الصنوبرة‪ ،‬وهو يعضد قول مجاهد‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقد روى مسلم عن حذيفة قال حدثنا رسول ال صلى ال عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما‬
‫وأنببا أنتظببر الخببر‪ :‬حدثنببا أن (المانببة نزلت فببي جذر قلوب الرجال ثببم نزل القرآن فعلموا مببن‬
‫القرآن وعلموا من السبنة)‪ .‬ثبم حدثنبا عن رفع المانة قال‪( :‬ينام الرجبل النومة فتقببض المانبة من‬
‫قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام النومة فتقبض المانة من قلبه فيظل أثرها مثل ال َمجْل كجمر‬
‫دحرجتبه على رجلك فنَفطبَ فتراه منتببرا وليبس فيبه شيبء ‪ -‬ثبم أخبذ حصبى فدحرجبه على رجله‬
‫فيصبح الناس يتبايعون ل يكاد أحد يؤدي المانة حتى يقال إن في بني فلن رجل أمينا حتى يقال‬
‫للرجبل مبا أجلده مبا أظرفبه مبا أعقله ومبا فبي قلببه مثقال حببة مبن خردل مبن إيمان ولقبد أتبى علي‬
‫زمان ومبا أبالي أيكبم بايعبت لئن كان مسبلما ليردنبه علي دينبه ولئن كان نصبرانيا أو يهوديبا ليردنبه‬
‫علي ساعيه وأما اليوم فما كنت لبايع منكم إل فلنا وفلنا)‪.‬‬

‫ففي قوله‪( :‬الوكت) وهو الثر اليسير‪ .‬ويقال للبُسر إذا وقعت فيه نكتة من الرطاب‪ :‬قد وكّت‪،‬‬
‫فهو موكت‪ .‬وقوله‪( :‬ال َمجْل)‪ ،‬وهو أن يكون بين الجلد واللحم ماء‪ ،‬وقد فسره النبي صلى ال عليه‬
‫وسبلم بقوله‪( :‬كجمبر دحرجتبه) أي دورتبه على رجلك فنفبط‪( .‬فتراه منتببرا) أي مرتفعبا ‪ -‬مبا يدل‬
‫على أن ذلك كله محسوس في القلب يفعل فيه‪ ،‬وكذلك الختم والطبع‪ ،‬وال أعلم‪ .‬وفي حديث حذيفة‬
‫قال سببمعت رسببول ال صببلى ال عليببه وسببلم يقول‪( :‬تعرض الفتببن على القلوب كالحصببير عودا‬
‫شرِبهبا نُكبت فيبه نكتبة سبوداء وأي قلب أنكرهبا نكبت فيبه نكتبة بيضاء حتبى يصبير‬
‫عودا فأي قلب ُأ ْ‬
‫على قلبين على أبيض مثل الصفا فل تضره فتنة ما دامت السموات والرض والخر أسو ُد مُربادّ‬
‫جخّيببا ل يعرف معروفببا ول ينكببر منكرا إل مببا أشرب مببن هواه‪ )...‬وذكببر الحديببث‬
‫كالكوز ُم َ‬
‫(مجخيا)‪ :‬يعني مائل‪.‬‬
‫@ القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬كذلك لنثبت به فؤادك" [الفرقان‪]32 :‬‬
‫وقال‪" :‬ألم نشرح لك صبدرك" [الشرح‪ ]1 :‬يعنبي فبي الموضعيبن قلببك‪ .‬وقبد يعببر ببه عبن العقبل‪،‬‬
‫قال ال تعالى‪" :‬إن فبي ذلك لذكرى لمبن كان له قلب" [ق‪ ]37 :‬أي عقبل‪ ،‬لن القلب محبل العقبل‬
‫في قول الكثرين‪ .‬والفؤاد محل القلب‪ ،‬والصدر محل الفؤاد‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وعلى سمعهم" استدل بها من فضل السمع على البصر لتقدمه عليه‪ ،‬وقال تعالى‪:‬‬
‫"قبل أرأيتبم إن أخبذ ال سبمعكم وأبصباركم" [النعام‪ .]46 :‬وقال‪" :‬وجعبل لكبم السبمع والبصبار‬
‫والفئدة" [السجدة‪ .]9 :‬قال‪ :‬والسمع يدرك به من الجهات الست‪ ،‬وفي النور والظلمة‪ ،‬ول يدرك‬
‫بالبصر إل من الجهة المقابلة‪ ،‬وبواسطة من ضياء وشعاع‪ .‬وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر‬
‫على السبمع‪ ،‬لن السبمع ل يدرك ببه إل الصبوات والكلم‪ ،‬والبصبر يدرك ببه الجسبام واللوان‬
‫والهيئات كلهبا‪ .‬قالوا‪ :‬فلمبا كانبت تعلقاتبه أكثبر كان أفضبل‪ ،‬وأجازوا الدراك بالبصبر مبن الجهات‬
‫الست‪.‬‬
‫@ إن قال قائل‪ :‬لم جمبع البصبار ووحبد السبمع؟ قيبل له‪ :‬إنمبا وحده لنبه مصبدر يقبع للقليبل‬
‫والكثيبر‪ ،‬يقال‪ :‬سبمعت الشيبء أسبمعه سبمعا وسبماعا‪ ،‬فالسبمع مصبدر سبمعت‪ ،‬والسبمع أيضبا اسبم‬
‫للجارحبة المسبموع بهبا سبميت بالمصبدر‪ .‬وقيبل‪ :‬إنبه لمبا أضاف السبمع إلى الجماعبة دل على أنبه‬
‫يراد به أسماع الجماعة‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب‬
‫إنما يريد جلودها فوحد‪ ،‬لنه قد علم أنه ل يكون للجماعة جلد واحد‪ .‬وقال آخر في مثله‪:‬‬
‫ل تنكر القتل وقد سبينا في حلقكم عظم وقد شجينا‬
‫يريد في حلوقكم‪ ،‬ومثله قول الخر‪:‬‬
‫كأنه وجه تركيين قد غضبا مستهدف لطعان غير تذبيب‬
‫وإنما يريد وجهين‪ ،‬فقال وجه تركيين‪ ،‬لنه قد علم أنه ل يكون للثنين وجه واحد‪ ،‬ومثله كثير‬
‫جدا‪ .‬وقرئ‪" :‬وعلى أسبماعهم" ويحتمبل أن يكون المعنبى وعلى مواضبع سبمعهم‪ ،‬لن السبمع ل‬
‫يختبم وإنمبا يختبم موضبع السبمع‪ ،‬فحذف المضاف وأقيبم المضاف إليبه مقامبه‪ .‬وقبد يكون السبمع‬
‫س ْمعُك حديثي ‪ -‬أي استماعك إلى حديثي ‪ -‬يعجبني‪ ،‬ومنه قول ذي الرمة‬
‫بمعنبى الستماع‪ ،‬يقال‪َ :‬‬
‫يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلب‪:‬‬
‫وقد توجس رِكزا مقفر َندُسٌ بنبأة الصوت ما في سمعه كذب‬
‫أي مبا فبي اسبتماعه كذب‪ ،‬أي هبو صبادق السبتماع‪ .‬والندس‪ :‬الحاذق‪ .‬والنبأة‪ :‬الصبوت الخفبي‪،‬‬
‫وكذلك الركز‪ .‬وال سّمع (بكسر السين وإسكان الميم)‪ :‬ذكر النسان بالجميل‪ ،‬يقال‪ :‬ذهب سمعه في‬
‫الناس أي ذكره‪ .‬والسبمع أيضبا‪ :‬ولد الذئب مبن الضببع‪ .‬والوقبف هنبا‪" :‬وعلى سبمعهم"‪ .‬و"غشاوة"‬
‫رفع على البتداء وما قبله خبر‪ .‬والضمائر في "قلوبهم" وما عطف عليه لمن سبق في علم ال أنه‬
‫ل يؤمبن مبن كفار قريبش‪ ،‬وقيبل مبن المنافقيبن‪ ،‬وقيبل مبن اليهود‪ ،‬وقيبل مبن الجميبع‪ ،‬وهبو أصبوب‪،‬‬
‫لنبه يعبم‪ .‬فالختبم على القلوب والسبماع‪ .‬والغشاوة على البصبار‪ .‬والغشاء‪ :‬الغطاء‪ .‬ومنبه غاشيبة‬
‫السرج‪ ،‬وغشيت الشيء أغشيه‪ .‬قال النابغة‪:‬‬
‫هل سألت بنى ذبيان ما حسبي إذا الدخان تغشى الشمط ال َب َرمَا‬

‫وقال آخر‪:‬‬
‫صحبتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي ألومها‬
‫قال اببببن كيسبببان‪ :‬فإن جمعبببت غشاوة قلت‪ :‬غشاء بحذف الهاء‪ .‬وحكبببى الفراء‪ :‬غشاوى مثبببل‬
‫أداوى‪ .‬وقرئ‪" :‬غشاوة" بالنصب على معنى وجعل‪ ،‬فيكون من باب قوله‪:‬‬
‫علفتها تبنا وماء باردا‬
‫وقول الخر‪:‬‬
‫يا ليت زوجك قد غدا متقلدا سيفا ورمحا‬
‫المعنببى وأسببقيتها ماء‪ ،‬وحامل رمحببا‪ ،‬لن الرمببح ل يتقلد‪ .‬قال الفارسببي‪ :‬ول تكاد تجببد هذا‬
‫السببتعمال فببي حال سببعة واختيار‪ ،‬فقراءة الرفببع أحسببن‪ ،‬وتكون الواو عاطفببة جملة على جملة‪.‬‬
‫قال‪ :‬ولم أسبمع مبن الغشاوة فعل متصببرفا بالواو‪ .‬وقال بعببض المفسبرين‪ :‬الغشاوة على السببماع‬
‫والبصار‪ ،‬والوقف على "قلوبهم"‪ .‬وقال آخرون‪ :‬الختم في الجميع‪ ،‬والغشاوة هي الختم‪ ،‬فالوقف‬
‫حيْوة بفتحهبا‪ ،‬وروي عبن‬
‫على هذا على "غشاوة"‪ .‬وقرأ الحسبن "غشاوة" بضبم الغيبن‪ ،‬وقرأ أببو َ‬
‫أبببي عمرو‪ :‬غشوة‪ ،‬رده إلى أصببل المصببدر‪ .‬قال ابببن كيسببان‪ :‬ويجوز غَشوة وغِشوة وأجودهببا‬
‫غِشاوة‪ ،‬كذلك تسببتعمل العرب فببي كببل مببا كان مشتمل على الشيببء‪ ،‬نحببو عمامبة وكنانببة وقلدة‬
‫وعصابة وغير ذلك‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ولهم" أي للكافرين المكذبين "عذاب عظيم" نعته‪ .‬والعذاب مثل الضرب بالسوط‬
‫والحرق بالنار والقطبع بالحديبد‪ ،‬إلى غيبر ذلك ممبا يؤلم النسبان‪ .‬وفبي التنزيبل‪" :‬وليشهبد عذابهمبا‬
‫عذِبه عن كذا أي‬
‫طائفة من المؤمنين" [النور‪ ]2 :‬وهو مشتق من الحبس والمنع‪ ،‬يقال في اللغة‪ :‬أ ْ‬
‫أحبسبه وأمنعبه‪ ،‬ومنبه سبمي عذوببة الماء‪ ،‬لنهبا قبد أعذببت‪ .‬واسبتعذب بالحببس فبي الوعاء ليصبفو‬
‫ويفارقبه مبا خالطبه‪ ،‬ومنبه قول علي رضبي ال عنبه‪ :‬أعذبوا نسباءكم عبن الخروج‪ ،‬أي احبسبوهن‪.‬‬
‫وعنه رضي ال عنه وقد شيع سرية فقال‪ :‬أعذبوا عن ذكر النساء [أنفسكم] فإن ذلك يكسركم عن‬
‫الغزو‪ ،‬وكل من منعته شيئا فقد أعذبته‪ ،‬وفي المثل‪" :‬للجمنك لجاما معذِبا" أي مانعا عن ركوب‬
‫الناس‪ .‬ويقال‪ :‬أعذب أي امتنبع‪ .‬وأعذب غيره‪ ،‬فهبو لزم ومتعبد‪ ،‬فسبمي العذاب عذاببا لن صباحبه‬
‫يحبس ويمنع عنه جميع ما يلئم الجسد من الخير ويهال عليه أضدادها‪.‬‬
‫*‪*3‬الية ‪{8‬ومن الناس من يقول آمنا بال وباليوم الخر وما هم بمؤمنين}‬
‫@ روى ابن جريج عن مجاهد قال‪ :‬نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين‪ ،‬واثنتان في‬
‫نعت الكافرين‪ ،‬وثلث عشرة في المنافقين‪ .‬وروى أسباط عن السدي في قوله‪" :‬ومن الناس" قال‪:‬‬
‫هم المنافقون‪ .‬وقال علماء الصوفية‪ :‬الناس اسم جنس‪ ،‬واسم الجنس ل يخاطب به الولياء‪.‬‬
‫@ واختلف النحاة فبي لفبظ الناس‪ ،‬فقيبل‪ :‬هو اسبم مبن أسبماء الجموع‪ ،‬جمبع إنسبان وإنسبانة‪ ،‬على‬
‫غير اللفظ‪ ،‬وتصغيره نويس‪ .‬فالناس من النوس وهو الحركة‪ ،‬يقال‪ :‬ناس ينوس أي تحرك‪ ،‬ومنه‬
‫حديث أم زرع‪" :‬أنا سَ من حُليّ أذني"‪ .‬وقيل‪ :‬أصله من نسي‪ ،‬فأصل ناس نسي قلب فصار نيس‬
‫تحركبت الياء فانفتبح مبا قبلهبا فانقلببت ألفبا‪ ،‬ثبم دخلت اللف واللم فقيبل‪ :‬الناس‪ .‬قال اببن عباس‪:‬‬
‫نسي آدم عهد ال فسمي إنسانا‪ .‬وقال عليه السلم‪( :‬نسي آدم فنسيت ذريته)‪ .‬وفي التنزيل‪" :‬ولقد‬
‫عهدنا إلى آدم من قبل فنسي" [طه‪ ]115 :‬وسيأتي وعلى هذا فالهمزة زائدة‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ل تنسين تلك العهود فإنما سميت إنسانا لنك ناسي‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫فإن نسيت عهودا منك سالفة فاغفر فأول ناس أول الناس‬
‫وقيل‪ :‬سمي إنسانا لنسه بحواء‪ .‬وقيل‪ :‬لنسه بربه‪ ،‬فالهمزة أصلية‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وما سمي النسان إل لنسه ول القلب إل أنه يتقلب‬
‫@ لما ذكر ال جل وتعالى المؤمنين أول‪ ،‬وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم‪ ،‬ذكر الكافرين في مقابلتهم‪،‬‬
‫إذ الكفبر واليمان طرفان‪ .‬ثبم ذكبر المنافقيبن بعدهبم وألحقهبم بالكافريبن قبلهبم‪ ،‬لنفبي اليمان عنهبم‬
‫بقوله الحبق‪" :‬ومبا هبم بمؤمنيبن"‪ .‬ففبي هذا رد على الكرّاميبة حيبث قالوا‪ :‬إن اليمان قول باللسبان‬
‫وإن لم يعتقبد بالقلب‪ ،‬واحتجوا بقوله تعالى‪" :‬فأثابهبم ال بمبا قالوا" [المائدة‪ .]85 :‬ولم يقبل‪ :‬بمبا‬

‫قالوا وأضمروا‪ ،‬وبقوله عليبه السبلم‪( :‬أمرت أن أقاتبل الناس حتبى يقولوا ل إله إل ال فإذا قالوهبا‬
‫عصموا مني دمائهم وأموالهم)‪ .‬وهذا منهم قصور وجمود‪ ،‬وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة‬
‫مبن العمبل مبع القول والعتقاد‪ ،‬وقبد قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬اليمان معرفبة بالقلب‬
‫وقول باللسببان وعمببل بالركان)‪ .‬أخرجببه ابببن ماجببة فببي سببننه‪ .‬فمببا ذهببب إليببه محمببد بببن كرام‬
‫السجستاني وأصحابه هو النفاق وعين الشقاق‪ ،‬ونعوذ بال من الخذلن وسوء العتقاد‪.‬‬
‫@ قال علماؤنا رحمة ال عليهم‪ :‬المؤمن ضربان‪ :‬مؤمن يحبه ال ويواليه‪ ،‬ومؤمن ل يحبه ال‬
‫ول يواليبه‪ ،‬ببل يبغضبه ويعاديبه‪ ،‬فكبل مبن علم ال أنبه يوافبي باليمان‪ ،‬فال محبب له‪ ،‬موال له‪،‬‬
‫راض عنبه‪ .‬وكبل مبن علم ال أنبه يوافبي بالكفبر‪ ،‬فال مبغبض له‪ ،‬سباخط عليبه‪ ،‬معاد له‪ ،‬ل لجبل‬
‫إيمانبه‪ ،‬ولكبن لكفره وضلله الذي يوافبي ببه‪ .‬والكافبر ضربان‪ :‬كافبر يعاقبب ل محالة‪ ،‬وكافبر ل‬
‫يعاقببب‪ .‬فالذي يعاقببب هببو الذي يوافببي بالكفببر‪ ،‬فال سبباخط عليببه معاد له‪ .‬والذي ل يعاقببب هببو‬
‫الموافببي باليمان‪ ،‬فال غيببر سبباخط على هذا ول مبغببض له‪ ،‬بببل محببب له موال‪ ،‬ل لكفره لكببن‬
‫ليمانه الموافي به‪ .‬فل يجوز أن يطلق القول وهي‪- :‬‬
‫@ بأن المؤمن يستحق الثواب‪ ،‬والكافر يستحق العقاب‪ ،‬بل يجب تقييده بالموافاة‪ ،‬ولجل هذا قلنا‪:‬‬
‫إن ال راض عن عمر في الوقت الذي كان يعبد الصنام‪ ،‬ومريد لثوابه ودخوله الجنة‪ ،‬ل لعبادته‬
‫الصنم‪ ،‬لكن ليمانه الموافي به‪ .‬وإن ال تعالى ساخط على إبليس في حال عبادته‪ ،‬لكفره الموافي‬
‫به‪.‬‬
‫وخالفت القدرية في هذا وقالت‪ :‬إن ال لم يكن ساخطا على إبليس وقت عبادته‪ ،‬ول راضيا عن‬
‫عمبر وقبت عبادتبه للصبنم‪ .‬وهذا فاسبد‪ ،‬لمبا ثببت أن ال سببحانه عالم بمبا يوافبي ببه إبليبس لعنبه ال‪،‬‬
‫وبمبا يوافبي ببه عمبر رضبي ال عنبه فيمبا لم يزل‪ ،‬فثببت أنبه كان سباخطا على إبليبس محببا لعمبر‪.‬‬
‫ويدل عليه إجماع المة على أن ال سبحانه وتعالى غير محب لمن علم أنه من أهل النار‪ ،‬بل هو‬
‫سباخط عليبه‪ ،‬وأنبه محبب لمبن علم أنبه مبن أهبل الجنبة‪ ،‬وقبد قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪:‬‬
‫(وإنما العمال بالخواتيم) ولهذا قال علماء الصوفية‪ :‬ليس اليمان ما يتزين به العبد قول وفعل‪،‬‬
‫جرْيُ السعادة في سوابق الزل‪ ،‬وأما ظهوره على الهياكل فربما يكون عاريا‪ ،‬وربما‬
‫لكن اليمان َ‬
‫يكون حقيقة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا كمبا ثببت فبي صبحيح مسبلم وغيره عبن عبدال ببن مسبعود قال حدثنبا رسبول ال صبلى‬
‫ال عليه وسلم وهو الصادق المصدوق‪( :‬إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون‬
‫فبي ذلك علقبة مثبل ذلك ثبم يكون فبي ذلك مضغبة مثبل ذلك ثبم يرسبل ال الملك فينفبخ فيبه الروح‬
‫ويؤمببر بأربببع كلمات يكتببب رزقببه وأجله وعمله وشقببي أو سببعيد فوالذي ل إله غيره إن أحدكببم‬
‫ليعمبل بعمبل أهبل الجنبة حتبى مبا يكون بينبه وبينهبا إل ذراع فيسببق عليبه الكتاب فيعمبل بعمبل أهبل‬
‫النار فيدخلهبا وإن أحدكبم ليعمبل بعمبل أهبل النار حتبى مبا يكون بينبه وبينهبا إل ذراع فيسببق عليبه‬
‫الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)‪ .‬فإن قيل وهي‪- :‬‬
‫@ فقبد خرج المام الحافبظ أببو محمبد عبدالغنبي ببن سبعيد المصبري مبن حديبث محمبد ببن سبعيد‬
‫الشامي المصلوب في الزندقة‪ ،‬وهو محمد بن أبي قيس‪ ،‬عن سليمان بن موسى وهو الشدق‪ ،‬عن‬
‫مجاهبد ببن جببر عبن اببن عباس أخبرنبا أببو رَزيبن العقيلي قال قال لي رسبول ال صبلى ال عليبه‬
‫وسلم‪( :‬لشربن أنا وأنت يا أبا رزين من لبن لم يتغير طعمه) قال قلت‪ :‬كيف يحيي ال الموتى؟‬
‫قال‪( :‬أمبا مررت بأرض لك مجدببة ثبم مررت بهبا مخصببة ثبم مررت بهبا مجدببة ثبم مررت بهبا‬
‫مخصببة) قلت‪ :‬بلى‪ .‬قال‪( :‬كذلك النشور) قال قلت‪ :‬كيبف لي أن أعلم أنبي مؤمبن؟ قال‪( :‬ليبس أحبد‬
‫من هذه المة ‪ -‬قال ابن أبي قيس‪ :‬أو قال من أمتي ‪ -‬عمل حسنة وعلم أنها حسنة وأن ال جازيه‬
‫بها خيرا أو عمل سيئة وعلم أنها سيئة وأن ال جازيه بها شرا أو يغفرها إل مؤمن)‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا الحديبث وإن كان سبنده ليبس بالقوي فإن معناه صبحيح وليبس بمعارض لحديبث اببن‬
‫مسبعود‪ ،‬فإن ذلك موقوف على الخاتمبة‪ ،‬كمبا قال عليبه السبلم‪( :‬وإنمبا العمال بالخواتيبم)‪ .‬وهذا‬
‫إنما يدل على أنه مؤمن في الحال‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬

‫@ قال علماء اللغة‪ :‬إنما سمي المنافق منافقا لظهاره غير ما يضمر‪ ،‬تشبيها باليربوع‪ ،‬له جحر‬
‫يقال له‪ :‬النافقاء‪ ،‬وآخببر يقال له‪ :‬القاصببعاء‪ .‬وذلك أنببه يخرق الرض حتببى إذا كاد يبلغ ظاهببر‬
‫الرض أرق التراب‪ ،‬فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج‪ ،‬فظاهر جحره تراب‪ ،‬وباطنه‬
‫حفر‪ .‬وكذلك المنافق ظاهره إيمان‪ ،‬وباطنه كفر‪ ،‬وقد تقدم هذا المعنى‪.‬‬
‫*‪*3‬الية ‪{9‬يخادعون ال والذين آمنوا وما يخدعون إل أنفسهم وما يشعرون}‬
‫@قال علماؤنبا‪ :‬معنبى "يخادعون ال" أي يخادعونبه عنبد أنفسبهم وعلى ظنهبم‪ .‬وقيبل‪ :‬قال ذلك‬
‫لعملهم عمل المخادع‪ .‬وقيل‪ :‬في الكلم حذف‪ ،‬تقديره‪ :‬يخادعون رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫عبن الحسبن وغيره‪ .‬وجعبل خداعهبم لرسبوله خداعبا له‪ ،‬لنبه دعاهبم برسبالته‪ ،‬وكذلك إذا خادعوا‬
‫المؤمنين فقد خادعوا ال‪ .‬ومخادعتهم‪ :‬ما أظهروه من اليمان خلف ما أبطنوه من الكفر‪ ،‬ليحقنوا‬
‫دماءهبم وأموالهبم‪ ،‬ويظنون أنهبم قبد نجوا وخدعوا‪ ،‬قاله جماعبة مبن المتأوليبن‪ .‬وقال أهبل اللغبة‪:‬‬
‫أصل المخدع في كلم العرب الفساد‪ ،‬حكاه ثعلب عن ابن العرابي‪ .‬وأنشد‪:‬‬
‫أبيض اللون لذيذ طعمه طيب الريق إذا الريق خدع‬
‫قلت‪ :‬فب ب "يخادعون ال" على هذا‪ ،‬أي يفسببدون إيمانهببم وأعمالهببم فيمببا بينهببم وبيببن ال تعالى‬
‫بالرياء‪ .‬وكذا جاء مفسبر عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم على مبا يأتبي‪ .‬وفبي التنزيبل‪" :‬يراؤون‬
‫الناس"‪[ .‬النسباء‪ ]142 :‬وقيبل‪ :‬أصبله الخفاء‪ ،‬ومنبه مخدع البيبت الذي يحرز فيبه الشيبء‪ ،‬حكاه‬
‫ابن فارس وغيره‪ .‬وتقول العرب‪ :‬أنخدع الضب في جحره‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ومبا يخدعون إل أنفسبهم" نفبي وإيجاب‪ ،‬أي مبا تحبل عاقببة الخدع إل بهبم‪ .‬ومبن‬
‫كلمهبم‪ :‬مبن خدع مبن ل يخدع فإنمبا يخدع نفسبه‪ .‬وهذا صبحيح‪ ،‬لن الخداع إنمبا يكون مبع مبن ل‬
‫يعرف البواطبن‪ ،‬وأمبا مبن عرف البواطبن فمبن دخبل معبه فبي الخداع فإنمبا يخدع نفسبه‪ .‬ودل هذا‬
‫على أن المنافقيبن لم يعرفوا ال إذ لو عرفوه لعرفوا أنبه ل يخدع‪ ،‬وقبد تقدم مبن قوله عليبه السبلم‬
‫أنه قال‪( :‬ل تخادع ال فإنبه من يخادع ال يخدعه ال ونفسه يخدع لو يشعبر) قالوا‪ :‬يا رسول ال‪،‬‬
‫وكيببف يخادع ال؟ قال‪( :‬تعمببل بمببا أمرك ال بببه وتطلب بببه غيره)‪ .‬وسببيأتي بيان الخدع مببن ال‬
‫تعالى كيبف هبو عنبد قوله تعالى‪" :‬ال يسبتهزئ بهبم" [البقرة‪ .]15 :‬وقرأ نافبع واببن كثيبر وأببو‬
‫عمرو‪" :‬يخادعون" في الموضعين‪ ،‬ليتجانس اللفظان‪ .‬وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر‪:‬‬
‫"يخدعون" الثانبي‪ .‬والمصبدر خدع (بكسبر الخاء) وخديعبة‪ ،‬حكبى ذلك أببو زيبد‪ .‬وقرأ مورّق‬
‫العجلي‪" :‬يخدّعون ال" (بضببم الياء وفتببح الخاء وتشديببد الدال) على التكثيببر‪ .‬وقرأ أبببو طالوت‬
‫عبدالسبلم ببن شداد والجارود بضبم الياء وإسبكان الخاء وفتبح الدال‪ ،‬على معنبى ومبا يخدعون إل‬
‫عبن أنفسبهم‪ ،‬فحذف حرف الجبر‪ ،‬كمبا قال تعالى‪" :‬واختار موسبى قومبه" [العراف‪ ]155 :‬أي‬
‫من قومه‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وما يشعرون" أي يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم‪ ،‬فيظنون أنهبم قد نجوا‬
‫بخدعهبم وفازوا‪ ،‬وإنمبا ذلك فبي الدنيبا‪ ،‬وفبي الخرة يقال لهبم‪" :‬ارجعوا وراءكبم فالتمسبوا نورا"‬
‫[الحديد‪ ]13 :‬على ما يأتي‪ .‬قال أهل اللغة‪ :‬شعرت بالشيء أي فطنت له‪ ،‬ومنه الشاعر لفطنته‪،‬‬
‫لنه يفطن لما ل يفطن له غيره من غريب المعاني‪ .‬ومنه قولهم‪ :‬ليت شعري‪ ،‬أي ليتني علمت‪.‬‬
‫*‪*3‬الية ‪{10‬في قلوبهم مرض فزادهم ال مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فبي قلوبهبم مرض" ابتداء وخببر‪ .‬والمرض عبارة مسبتعارة للفسباد الذي فبي‬
‫عقائدهم‪ .‬وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا‪ ،‬وإما جحدا وتكذيبا‪ .‬والمعنى‪ :‬قلوبهم مرضى لخلوها عن‬
‫العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد‪ .‬قال ابن فارس اللغوي‪ :‬المرض كل ما خرج به النسان عن‬
‫حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر‪ .‬والقراء مجمعون على فتح الراء من "مرض" إل‬
‫ما روى الصمعي عن أبي عمرو أنه سكن الراء‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فزادهبم ال مرضبا" قيبل‪ :‬هبو دعاء عليهبم‪ .‬ويكون معنبى الكلم‪ :‬زادهبم ال شكبا‬
‫ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن النتصار وعجزا عن القدرة‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫يا مرسل الريح جنوبا وصبا إذ غضبت زيد فزدها غضبا‬

‫أي ل تهدها على النتصار فيما غضبت منه‪ .‬وعلى هذا يكون في الية دليل على جواز الدعاء‬
‫على المنافقين والطرد لهم‪ ،‬لنهم شر خلق ال‪ .‬وقيل‪ :‬هو إخبار من ال تعالى عن زيادة مرضهم‪،‬‬
‫أي فزادهم ال مرضا إلى مرضهم‪ ،‬كما قال في آية أخرى‪" :‬فزادتهم رجسا إلى رجسهم" [التوبة‪:‬‬
‫‪ .]125‬وقال أرباب المعاني‪" :‬في قلوبهم مرض" أي بسكونهم إلى الدنيا وحبهم لها وغفلتهم عن‬
‫الخرة وإعراضهبم عنهبا‪ .‬وقوله‪" :‬فزادهبم ال مرضبا" أي وكلهبم إلى أنفسهم‪ ،‬وجمبع عليهم هموم‬
‫الدنيا فلم يتفرغوا من ذلك إلى اهتمام بالدين‪" .‬ولهم عذاب أليم" بما يفنى عما يبقى‪ .‬وقال الجنيد‪:‬‬
‫علل القلوب من اتباع الهوى‪ ،‬كما أن علل الجوارح من مرض البدن‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ولهم عذاب أليم" (أليم) في كلم العرب معناه مؤلم أي موجع‪ ،‬مثل السميع بمعنى‬
‫المسمع‪ ،‬قال ذو الرمة يصف إبل‪:‬‬
‫ونرفع من صدور شمردلت يصُك وجوهها وهج أليم‬
‫وآلم إذا أوجبع‪ .‬واليلم‪ :‬اليجاع‪ .‬واللم‪ :‬الوجبع‪ ،‬وقبد ألِم يألم ألمبا‪ .‬والتألم‪ :‬التوجبع‪ .‬ويجمبع أليبم‬
‫على ألماء مثل كريم وكرماء‪ ،‬وآلم مثل أشراف‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬بمبا كانوا يكذبون" مبا مصبدرية‪ ،‬أي بتكذيبهبم الرسبل وردهبم على ال جبل وعبز‬
‫وتكذيبهبم بآياتبه‪ ،‬قاله أببو حاتبم‪ .‬وقرأ عاصبم وحمزة والكسبائي بالتخفيبف‪ ،‬ومعناه بكذبهبم وقولهبم‬
‫آمنا وليسوا بمؤمنين‪.‬‬
‫مسبألة‪ :‬واختلف العلماء فبي إمسباك النببي صبلى ال عليبه وسبلم عبن قتبل المنافقيبن مبع علمبه‬
‫بنفاقهم على أربعة أقوال‪:‬‬
‫القول الول‪ :‬قال بعبض العلماء‪ :‬إنمبا لم يقتلهبم لنبه لم يعلم حالهبم أحبد سبواه‪ .‬وقبد اتفبق العلماء‬
‫على بكرة أبيهم على أن القاضي ل يقتل بعلمه‪ ،‬وإنما اختلفوا في سائر الحكام‪ .‬قال ابن العربي‪:‬‬
‫وهذا منتقببض‪ ،‬فقببد ُقتِلَ بالمُجذّر بببن زياد الحارثُب بببن سببويد بببن الصببامت‪ ،‬لن المجذر قتببل أباه‬
‫سويدا يوم بُعاث‪ ،‬فأسلم الحارث وأغفله يوم أحد فقتله‪ ،‬فأخبر به جبريلُ النبيَ صلى ال عليه وسلم‬
‫فقتله به‪ ،‬لن قتله كان غيلة‪ ،‬وقتل الغيلة حد من حدود ال‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذه غفلة مبن هذا المام‪ ،‬لنبه إن ثببت الجماع المذكور فليبس بمنتقبض بمبا ذكبر‪ ،‬لن‬
‫الجماع ل ينعقبد ول يثببت إل بعبد موت النببي صبلى ال عليبه وسبلم وانقطاع الوحبي‪ ،‬وعلى هذا‬
‫فتكون تلك قضية في عين بوحي‪ ،‬فل يحتج بها أو منسوخة بالجماع‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫القول الثانبي‪ :‬قال أصبحاب الشافعبي‪ :‬إنمبا لم يقتلهبم لن الزنديبق وهبو الذي يسبر الكفبر ويظهبر‬
‫اليمان يسبتتاب ول يقتبل‪ .‬قال اببن العرببي‪ :‬وهذا وهبم‪ ،‬فإن النببي صبلى ال عليبه وسبلم لم يسبتتبهم‬
‫ول نقبل ذلك أحبد‪ ،‬ول يقول أحبد إن اسبتتابة الزنديبق واجببة وقبد كان النببي صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫معرضا عنهم علمه بهم‪ .‬فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال‪ :‬إن استتابة الزنديق جائزة‬
‫قال قول لم يصح لحد‪.‬‬
‫القول الثالث‪ :‬إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئل تنفر عنه‪ ،‬وقد أشار صلى ال عليه‬
‫وسلم إلى هذا المعنى بقوله لعمر‪( :‬معاذ ال أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي) أخرجه البخاري‬
‫ومسبلم‪ .‬وقبد كان يعطبي للمؤلفبة قلوبهبم مبع علمبه بسبوء اعتقادهبم تألفبا‪ ،‬وهذا هبو قول علمائنبا‬
‫وغيرهم‪ .‬قال ابن عطية‪ .‬وهي طريقة أصحاب مالك رحمه ال في كف رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم عن المنافقين‪ ،‬نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والبهري وابن الماجشون‪،‬‬
‫واحتج بقوله تعالى‪" :‬لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض" [الحزاب‪ ]60 :‬إلى قوله‪:‬‬
‫"وقتلوا تقتيل" [الحزاب‪ .]61 :‬قال قتادة‪ :‬معناه إذا هبم أعلنوا النفاق‪ .‬قال مالك رحمبه ال‪:‬‬
‫النفاق في عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم‪ ،‬فيقتل الزنديق إذا شهد عليه‬
‫بهبا دون اسبتتابة‪ ،‬وهبو أحبد قولي الشافعبي‪ .‬قال مالك‪ :‬وإنمبا كبف رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫عببن المنافقيببن ليبببين لمتببه أن الحاكببم ل يحكببم بعلمببه‪ ،‬إذ لم يشهببد على المنافقيببن‪ .‬قال القاضببي‬
‫إسبماعيل‪ :‬لم يشهبد على عبدال ببن أببي إل زيببد ببن أرقببم وحده‪ ،‬ول على الجُلس ببن سبويد إل‬
‫عمير بن سعد ربيبه‪ ،‬ولو شهد على أحد منهم رجلن بكفره ونفاقه لقتل‪ .‬وقال الشافعي رحمه ال‬
‫محتجا للقول الخر‪ :‬السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن باليمان وتبرأ من كل دين سوى‬

‫السببلم أن ذلك يمنببع مبن إراقببة دمببه‪ .‬وبببه قال أصببحاب الرأي وأحمببد والطبببري وغيرهببم‪ .‬قال‬
‫الشافعي وأصحابه‪ .‬وإنما منع رسول ال صلى ال عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه‬
‫مببن السببلم مببع العلم بنفاقهببم‪ ،‬لن مببا يظهرونببه يجُبّ مببا قبله‪ .‬وقال الطبببري‪ :‬جعببل ال تعالى‬
‫الحكام بيبن عباده على الظاهبر‪ ،‬وتولى الحكبم فبي سبرائرهم دون أحبد مبن خلقبه‪ ،‬فليبس لحبد أن‬
‫يحكم بخلف ما ظهر‪ ،‬لنه حكم بالظنون‪ ،‬ولو كان ذلك لحد كان أولى الناس به رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا‪ ،‬ووكل سرائرهم إلى ال‪ .‬وقد كذب‬
‫ال ظاهرهبم فبي قوله‪" :‬وال يشهبد إن المنافقيبن لكاذبون" [المنافقون‪ ]1 :‬قال اببن عطيبة‪ :‬ينفصبل‬
‫المالكيون عمببا لزموه مببن هذه اليببة بأنهببا لم تعيببن أشخاصببهم فيهببا وإنمببا جاء فيهببا توبيببخ لكببل‬
‫مغموص عليه بالنفاق‪ ،‬وبقي لكل واحد منهم أن يقول‪ :‬لم أرد بها وما أنا إل مؤمن‪ ،‬ولو عين أحد‬
‫لما جب كذبه شيئا‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا النفصببال فيببه نظببر‪ ،‬فإن النبببي صببلى ال عليببه وسببلم كان يعلمهببم أو كثيرا منهببم‬
‫بأسمائهم وأعيانهم بإعلم ال تعالى إياه‪ ،‬وكان حذيفة يعلم ذلك بإخبار النبي عليه السلم إياه حتى‬
‫كان عمر رضي ال عنه يقول له‪ :‬يا حذيفة هل أنا منهم؟ فيقول له‪ :‬ل‪.‬‬
‫القول الرابع‪ :‬وهو أن ال تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلم بكونه ثبتهم أن يفسدهم‬
‫المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر‪ ،‬وليس كذلك اليوم‪ ،‬لنا ل نأمن من الزنادقة‬
‫أن يفسدوا عامتنا وجهالنا‪.‬‬
‫*‪*3‬الية ‪{11‬وإذا قيل لهم ل تفسدوا في الرض قالوا إنما نحن مصلحون}‬
‫@قوله‪" :‬إذا" فبي موضبع نصبب على الظرف والعامبل فيهبا "قالوا"‪ ،‬وهبي تؤذن بوقوع الفعبل‬
‫المنتظببر‪ .‬قال الجوهري‪" :‬إذا" اسببم يدل على زمان مسببتقبل‪ ،‬ولم تسببتعمل إل مضافببة إلى جملة‪،‬‬
‫تقول‪ :‬أجيئك إذا أحمبر البسبر‪ ،‬وإذا قدم فلن‪ .‬والذي يدل على أنهبا اسبم وقوعهبا موقبع قولك‪ :‬آتيبك‬
‫يوم يقدم فلن‪ ،‬فهبي ظرف وفيهبا معنبى المجازاة‪ .‬وجزاء الشرط ثلثبة‪ :‬الفعبل والفاء وإذا‪ ،‬فالفعبل‬
‫قولك‪ :‬إن تأتنبي آتبك‪ .‬والفاء‪ :‬إن تأتنبي فأنبا أحسبن إليبك‪ .‬وإذا كقوله تعالى‪" :‬وإن تصببهم سبيئة بمبا‬
‫قدمت أيديهم إذا هم يقنطون" [الروم‪ .]36 :‬ومما جاء من المجازاة بإذا في الشعر قول قيس بن‬
‫الخطيم‪:‬‬
‫إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب‬
‫فعطببف "فنضارب" بالجزم على "كان" لنببه مجزوم‪ ،‬ولو لم يكببن مجزومببا لقال‪ :‬فنضارب‪،‬‬
‫بالنصب‪ .‬وقد تزاد على "إذا" "ما" تأكيدا‪ ،‬فيجزم بها أيضا‪ ،‬ومنه قول الفرزدق‪:‬‬
‫فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم وكان إذا ما يسلل السيف يضرب‬
‫قال سيبويه‪ :‬والجيد ما قال كعب بن زهير‪:‬‬
‫وإذا ما تشاء تبعث منها مغرب الشمس ناشطا مذعورا‬
‫يعنبي أن الجيبد أل يجزم بإذا‪ ،‬كمبا لم يجزم فبي هذا البيبت‪ .‬وحكبي عبن المببرد أنهبا فبي قولك فبي‬
‫المفاجأة‪ :‬خرجبت فإذا زيبد‪ ،‬ظرف مكان‪ ،‬لنهبا تضمنبت جُثبة‪ .‬وهذا مردود‪ ،‬لن المعنبى خرجبت‬
‫فإذا حضور زيبد‪ ،‬فإنمبا تضمنبت المصبدر كمبا يقتضيبه سبائر ظروف الزمان‪ ،‬ومنبه قولهبم‪" :‬اليوم‬
‫خمر وغدا أمر" فمعناه وجود خمر ووقوع أمر‪.‬‬
‫@قوله‪" :‬قيبل" مبن القول وأصبله قَوِل‪ ،‬نقلت كسبرة الواو إلى القاف فانقلببت الواو ياء‪ .‬ويجوز‪:‬‬
‫"قيلْ لّهم" بإدغام اللم في اللم وجاز الجمع بين ساكنين‪ ،‬لن الياء حرف مد ولين‪ .‬قال الخفش‪:‬‬
‫ويجوز "قيبل" بضبم القاف والياء‪ .‬وقال الكسبائي‪ :‬ويجوز إشمام القاف الضبم ليدل على أنبه لمبا لم‬
‫يسم فاعله‪ ،‬وهي لغة قيس وكذلك جيء وغيض وحيل وسيق وسيء وسيئت‪ .‬وكذلك روى هشام‬
‫عن ابن عباس‪ ،‬وروي عن يعقوب‪ .‬وأشم منها نافع سيء وسيئت خاصة‪ .‬وزاد ابن ذكوان‪ :‬حيل‬
‫وسبيق‪ ،‬وكسبر الباقون فبي الجميبع‪ .‬فأمبا هذيبل وبنود دبيبر مبن أسبد وبنبي فقعبس فيقولون‪" :‬قول"‬
‫بواو ساكنة‪.‬‬
‫@قوله‪" :‬ل تفسدوا" (ل) نهي‪ .‬والفساد ضد الصلح‪ ،‬وحقيقته العدول عن الستقامة إلى ضدها‪.‬‬
‫فسبد الشيبء فسبادا وفسبودا وهبو فاسبد وفسبيد‪ .‬والمعنبى فبي اليبة‪ :‬ل تفسبدوا فبي الرض بالكفبر‬

‫وموالة أهله‪ ،‬وتفريببق الناس عببن اليمان بمحمببد صببلى ال عليببه وسببلم والقران‪ .‬وقيببل‪ :‬كانببت‬
‫الرض قببل أن يبعبث النببي صبلى ال عليبه وسبلم فيهبا الفسباد‪ ،‬ويفعبل فيهبا بالمعاصبي‪ ،‬فلمبا بعبث‬
‫النببي صبلى ال عليبه وسبلم ارتفبع الفسباد وصبلحت الرض‪ .‬فإذا عملوا بالمعاصبي فقبد أفسبدوا فبي‬
‫الرض بعببد إصببلحها‪ ،‬كمببا قال فببي آيببة أخرى‪" :‬ول تفسببدوا فببي الرض بعببد إصببلحها"‬
‫[العراف‪.]56 :‬‬
‫@قوله‪" :‬في الرض" الرض مؤنثة‪ ،‬وهي اسم جنس‪ ،‬وكان حق الواحدة منها أن يقال أرضة‪،‬‬
‫ولكنهبم لم يقولوا‪ .‬والجمبع أرضات‪ ،‬لنهبم قبد يجمعون المؤنبث الذي ليسبت فيبه هاء التأنيبث بالتاء‬
‫كقولهم‪ :‬عرسات‪ .‬ثم قالوا أرضون فجمعوا بالواو والنون‪ ،‬والمؤنث ل يجمع بالواو والنون إل أن‬
‫يكون منقوصا كثبة وظبة‪ ،‬ولهم جعلوا الواو والنون عوضا من حذفهم اللف والتاء وتركوا فتحة‬
‫الراء على حالهبا‪ ،‬وربمبا سبكنت‪ .‬وقبد تجمع على أروض‪ .‬وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون‪ :‬أرض‬
‫وآراض‪ ،‬كمبا قالوا‪ :‬أهبل وآهال‪ .‬والراضبي أيضبا على غيبر قياس‪ ،‬كأنهبم جمعوا آرُضبا‪ .‬وكبل مبا‬
‫سفل فهو أرض‪ .‬وأرض أريضة‪ ،‬أي زكية بينة الراضة‪ .‬وقد أرِضت بالضم‪ ،‬أي زكت‪ .‬قال أبو‬
‫عمرو‪ :‬نزلنا أرضا أريضة‪ ،‬أي معجبة للعين‪ ،‬ويقال‪ :‬ل أرض لك‪ ،‬كما يقال‪ :‬ل أم لك‪ .‬والرض‪:‬‬
‫أسفل قوائم الدابة‪ ،‬قال حميد يصف فرسا‪:‬‬
‫ولم يقلب أرضها البَيطار ول لحبليه بها حبار‬
‫أي أثر والرض‪ :‬النفضة والرعدة‪ .‬روى حماد بن سلمة عن قتادة عن عبدال بن الحارث قال‪:‬‬
‫زلزلت الرض بالبصرة‪ ،‬فقال ابن عباس‪ :‬وال ما أدري أزلزلت الرض أم بي أرْض؟ أي أم بي‬
‫رعدة‪ ،‬وقال ذو الرمة يصف صائدا‪:‬‬
‫إذا توجس ركزا من سنابكها أو كان صاحب أرض أو به الموم‬
‫والرض‪ :‬الزكام‪ .‬وقبد آرضبه ال إيراضبا‪ ،‬أي أزكمبه فهبو مأروض‪ .‬وفسبيل مسبتأرض‪ ،‬ووديبة‬
‫مسبتأرضة (بكسبر الراء) وهبو أن يكون له عرق فبي الرض‪ ،‬فأمبا إذا نببت على جذع النخبل فهبو‬
‫الراكب‪ .‬والراض (بالكسر)‪ :‬بساط ضخم من صوف أو وبر‪ .‬ورجل أريض‪ ،‬أي متواضع خليق‬
‫للخيبر‪ .‬قال الصبمعي يقال‪ :‬هبو آرضهبم أن يفعبل ذلك‪ ،‬أي أخلقهبم‪ .‬وشيبء عريبض أريبض إتباع‬
‫له‪ ،‬وبعضهم يفرده ويقول‪ :‬جدي أريض أي سمين‪.‬‬
‫@قوله‪" :‬نحبن" أصبل " َنحْن" َنحُن قلببت حركبة الحاء على النون وأسبكنت الحاء‪ ،‬قاله هشام ببن‬
‫معاويبة النحوي‪ .‬وقال الزجاج‪" :‬نحبن" لجماعبة‪ ،‬ومبن علمبة الجماعبة الواو‪ ،‬والضمبة مبن جنبس‬
‫الواو‪ ،‬فلمبا اضطروا إلى حركبة "نحبن" للتقاء السباكنين حركوهبا بمبا يكون للجماعبة‪ .‬قال‪ :‬لهذا‬
‫ضموا واو الجمبع فبي قوله عبز وجبل‪" :‬أولئك الذيبن اشتروا الضللة" [البقرة‪ ]16 :‬وقال محمبد‬
‫ببن يزيبد‪" :‬نحبن" مثبل قببل وبعبد‪ ،‬لنهبا متعلقبة بالخبار عبن اثنيبن وأكثبر‪ ،‬فبب "أنبا" للواحبد "نحبن"‬
‫للتثنيبة والجمبع‪ ،‬وقبد يخببر ببه المتكلم عبن نفسبه فبي قوله‪ :‬نحبن قمنبا‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬نحبن قسبمنا‬
‫بينهم معيشتهم" [الزخرف‪ ]32 :‬والمؤنث في هذا إذا كانت متكلمة بمنزلة المذكر‪ ،‬تقول المرأة‪:‬‬
‫قمت وذهبت‪ ،‬وقمنا وذهبنا‪ ،‬وأنا فعلت ذاك‪ ،‬ونحن فعلنا‪ .‬هذا كلم العرب فاعلم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬مصبلحون" اسبم فاعبل مبن أصبلح‪ .‬والصبلح‪ :‬ضبد الفسباد‪ .‬وصبلح الشيبء (بضبم‬
‫اللم وفتحهبا) لغتان‪ ،‬قال اببن السبكيت‪ .‬والصبلوح (بضبم الصباد) مصبدر صبلح (بضبم اللم)‪ ،‬قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫فكيف بإطراقي إذا ما شتمتني وما بعد شتم الوالدين صلوح‬
‫وصلح من أسماء مكة‪ .‬والصلح (بكسر الصاد)‪ :‬نهر‪.‬‬
‫وإنمبا قالوا ذلك على ظنهبم‪ ،‬لن إفسبادهم عندهبم إصبلح‪ ،‬أي أن ممالتنبا للكفار إنمبا نريبد بهبا‬
‫الصلح بينهم وبين المؤمنين‪ .‬قال ابن عباس وغيره‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{12 :‬أل إنهم هم المفسدون ولكن ل يشعرون}‬
‫@قوله عبز وجبل‪" :‬أل إنهبم هبم المفسبدون" ردا عليهبم وتكذيببا لقولهبم‪ .‬قال أرباب المعانبي‪ :‬مبن‬
‫أظهببر الدعوى كذب‪ ،‬أل ترى أن ال عببز وجببل يقول‪ :‬أل إنهببم هببم المفسببدون وهذا صببحيح‪.‬‬
‫وكسبرت "إن" لنهبا مبتدأة‪ ،‬قال النحاس‪ .‬وقال علي ببن سبليمان‪ .‬يجوز فتحهبا‪ ،‬كمبا أجاز سبيبويه‪:‬‬

‫حقا أنك منطلق‪ ،‬بمعنى أل‪ .‬و"هم" يجوز أن يكون مبتدأ و"المفسدون" خبره والمبتدأ وخبره خبر‬
‫"إن"‪ .‬ويجوز أن تكون "هببببم" توكيدا للهاء والميببببم فببببي "إنهببببم"‪ .‬ويجوز أن تكون فاصببببلة ‪-‬‬
‫والكوفيون يقولون عمادا ‪ -‬و"المفسبدون" خببر "إن"‪ ،‬والتقديبر أل إنهبم المفسبدون‪ ،‬كمبا تقدم فبي‬
‫قوله‪" :‬وأولئك هم المفلحون" [لقمان‪.]5 :‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ولكن ل يشعرون" قال ابن كيسان يقال‪ :‬ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم‪،‬‬
‫إنما يذم إذا علم أنه مفسد ثم أفسد على علم‪ ،‬قال‪ :‬ففيه جوابان‪ :‬أحدهما ‪ -‬أنهم كانوا يعملون الفساد‬
‫سرا ويظهرون الصلح وهم ل يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي صلى ال عليه وسلم‪ .‬والوجه‬
‫الخبر‪ :‬أن يكون فسبادهم عندهبم صبلحا وهبم ل يشعرون أن ذلك فسباد‪ ،‬وقبد عصبوا ال ورسبوله‬
‫في تركهم تبيين الحق واتباعه "ولكن" حرف تأكيد واستدراك ول بد فيه من نفي وإثبات‪ ،‬إن كان‬
‫قبله نفبي كان بعده إيجاب‪ ،‬وإن كان قبله إيجاب كان بعده نفبي‪ .‬ول يجوز القتصبار بعده على اسبم‬
‫واحد إذا تقدم اليجاب‪ ،‬ولكنك تذكر جملة مضادة لما قبلها كما في هذه الية‪ ،‬وقولك‪ :‬جاءني زيد‬
‫لكن عمرو لم يجئ‪ ،‬ول يجوز جاءني زيد لكن عمرو ثم تسكت‪ ،‬لنهم قد استغنوا ببل في مثل هذا‬
‫الموضع عن لكن‪ ،‬وإنما يجوز ذلك إذا تقدم النفي كقولك‪ :‬ما جاءني زيد لكن عمرو‪.‬‬
‫*‪*3‬اليبة‪{13 :‬وإذا قيبل لهبم آمنوا كمبا آمبن الناس قالوا أنؤمبن كمبا آمبن السبفهاء أل إنهبم هبم‬
‫السفهاء ولكن ل يعلمون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وإذا قيل لهم" يعني المنافقين في قول مقاتل وغيره‪" .‬آمنوا كما آمن الناس" أي‬
‫صبدقوا بمحمبد صبلى ال عليبه وسبلم وشرعبه‪ ،‬كمبا صبدق المهاجرون والمحققون مبن أهبل يثرب‪.‬‬
‫وألف "آمنوا" ألف قطببع‪ ،‬لنببك تقول‪ :‬يؤمببن‪ ،‬والكاف فببي موضببع نصببب‪ ،‬لنهببا نعببت لمصببدر‬
‫محذوف‪ ،‬أي إيمانا كإيمان الناس‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء أل إنهم هم السفهاء" يعني أصحاب محمد صلى ال‬
‫عليبه وسبلم‪ ،‬عبن ابن عباس‪ .‬وعنبه أيضبا‪ :‬مؤمنبو أهبل الكتاب‪ .‬وهذا القول مبن المنافقيبن إنمبا كانوا‬
‫يقولونببه فببي خفاء واسببتهزاء فأطلع ال نبببيه والمؤمنيببن على ذلك‪ ،‬وقرر أن السببفه و ِرقّة ب الحُلوم‬
‫وفسباد البصبائر إنمبا هبي فبي حيزهبم وصبفة لهبم‪ ،‬وأخببر أنهبم هبم السبفهاء ولكبن ل يعلمون للريبن‬
‫الذي على قلوبهبم‪ .‬وروى الكلببي عبن أببي صبالح عبن اببن عباس أنهبا نزلت فبي شأن اليهود‪ ،‬أي‬
‫وإذا قيبل لهبم ‪ -‬يعنبي اليهود ‪ -‬آمنوا كمبا آمبن الناس‪ :‬عبدال ببن سبلم وأصبحابه‪ ،‬قالوا أنؤمبن كمبا‬
‫آمبن السبفهاء! يعنبي الجهال والخرقاء‪ .‬وأصبل السّبفَه فبي كلم العرب‪ :‬الخفبة والرقبة‪ ،‬يقال‪ :‬ثوب‬
‫سبفيه إذا كان رديبء النسبج خفيفبه‪ ،‬أو كان باليبا رقيقبا‪ .‬وتسبفهت الريبح الشجبر‪ :‬مالت ببه‪ ،‬قال ذو‬
‫الرمة‪:‬‬
‫مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم‬
‫وتسبفهت الشيبء‪ :‬اسبتحقرته‪ .‬والسبفه‪ :‬ضبد الحلم‪ .‬ويقال‪ :‬إن السبفه أن يكثبر الرجبل شرب الماء‬
‫فل يروى‪ .‬ويجوز فبي همزتبي السبفهاء أربعبة أوجبه‪ ،‬أجودهبا أن تحقبق الولى وتقلب الثانيبة واوا‬
‫خالصببة‪ ،‬وهببي قراءة أهببل المدينببة والمعروف مببن قراءة أبببي عمرو‪ .‬وإن شئت خففتهمببا جميعببا‬
‫فجعلت الولى بيببن الهمزة والواو وجعلت الثانيببة واوا خالصببة‪ .‬وإن شئت خففببت الولى وحققببت‬
‫الثانية‪ .‬وإن شئت حققتهما جميعا‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ولكن ل يعلمون" مثل "ولكن ل يشعرون"‪ ،‬وقد تقدم‪ .‬والعلم معرفة المعلوم على‬
‫مبا هبو ببه‪ ،‬تقول‪ :‬علمبت الشيبء أعلمبه علمبا عرفتبه‪ ،‬وعالمبت الرجبل فعلمتبه أعلمبه (بالضبم فبي‬
‫المستقبل)‪ .‬غلبته بالعلم‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية‪{ 14 :‬وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن‬
‫مستهزئون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وإذا لقوا الذيبن آمنوا قالوا آمنبا" أنزلت هذه اليبة فبي ذكبر المنافقيبن‪ .‬أصبل لقوا‪:‬‬
‫لقيوا‪ ،‬نقلت الضمببة إلى القاف وحذفببت الياء للتقاء السبباكنين‪ .‬وقرأ محمببد بببن السببميقع اليمانببي‪:‬‬
‫"لقوا الذين آمنوا"‪ .‬والصل لقيوا‪ ،‬تحركت الياء وقبلها فتحة انقلبت ألفا‪ ،‬اجتمع ساكنان اللف‬
‫والواو فحذفت اللف للتقاء الساكنين ثم حركت الواو بالضم‪.‬‬

‫وإن قيبل‪ :‬لم ضمبت الواو فبي لقوا فبي الدراج وحذفبت مبن لقوا؟ فالجواب‪ :‬أن قببل الواو التبي‬
‫فبي لقوا ضمبة فلو حركبت الواو بالضبم لثقبل على اللسبان النطبق بهبا فحذفبت لثقلهبا‪ ،‬وحركبت فبي‬
‫لقوا لن قبلها فتحة‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وإذا خلوا إلى شياطينهبم قالوا إنبا معكبم" إن قيبل‪ :‬لم وصبلت "خلوا" ببب "إلى"‬
‫وعرفها أن توصل بالباء؟ قيل له‪" :‬خلوا" هنا بمعنى ذهبوا وانصرفوا‪ ،‬ومنه قول الفرزدق‪:‬‬
‫كيف تراني قالبا مجني أضرب أمري ظهره لبطن‬
‫قد قتل ال زيادا عني‬
‫لمبا أنزل منزلة صبَرَف‪ .‬وقال قوم‪" :‬إلى" بمعنبى مبع‪ ،‬وفيبه ضعبف‪ .‬وقال قوم‪" :‬إلى" بمعنبى‬
‫الباء‪ ،‬وهذا يأباه الخليبل وسبيبويه‪ .‬وقيبل‪ :‬المعنبى وإذا خلوا مبن المؤمنيبن إلى شياطينهبم‪ ،‬فبب "إلى"‬
‫على بابهببا‪ .‬والشياطيببن جمببع شيطان على التكسببير‪ ،‬وقببد تقدم القول فببي اشتقاقببه ومعناه فببي‬
‫السبتعاذة‪ .‬واختلف المفسبرون فبي المراد بالشياطيبن هنبا‪ ،‬فقال اببن عباس والسبدي‪ :‬هبم رؤسباء‬
‫الكفبر‪ .‬وقال الكلببي‪ :‬هبم شياطيبن الجبن‪ .‬وقال جمبع من المفسبرين‪ :‬هبم الكهان‪ .‬ولفبظ الشيطنبة الذي‬
‫معناه البعد عن اليمان والخير يعم جميع من ذكر‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إنمبا نحبن مسبتهزئون" أي مكذبون بمبا ندعبى إليبه‪ .‬وقيبل‪ :‬سباخرون‪ .‬والهزء‪:‬‬
‫السخرية واللعب‪ ،‬يقال‪ :‬هزئ به واستهزأ‪ ،‬قال الراجز‪:‬‬
‫قد هزئت مني أم طيسلة قالت أراه معدِما ل مال له‬
‫وقيل‪ :‬أصل الستهزاء‪ :‬النتقام‪ ،‬كما قال الخر‪:‬‬
‫قد استهزؤوا منهم بألفي مدجج سراتهم وسط الصحاصح جثّم‬
‫*‪ *3‬الية ‪{ :15‬ال يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ال يسببتهزئ بهببم" أي ينتقببم منهببم ويعاقبهببم‪ ،‬ويسببخر بهببم ويجازيهببم على‬
‫استهزائهم‪ ،‬فسمى العقوبة باسم الذنب‪ .‬هذا قول الجمهور من العلماء‪ ،‬والعرب تستعمل ذلك كثيرا‬
‫في كلمهم‪ ،‬من ذلك قول عمرو بن كلثوم‪:‬‬
‫أل ل يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا‬
‫فسمى انتصاره جهل‪ ،‬والجهل ل يفتخر به ذو عقل‪ ،‬وإنما قال ليزدوج الكلم فيكون أخف على‬
‫اللسان من المخالفة بينهما‪ .‬وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل‬
‫لفظبه وإن كان مخالفبا له فبي معناه‪ ،‬وعلى ذلك جاء القرآن والسبنة‪ .‬وقال ال عبز وجبل‪" :‬وجزاء‬
‫سبيئة سبيئة مثلهبا" [الشورى‪ .]40 :‬وقال‪" :‬فمبن اعتدى عليكبم فاعتدوا عليبه بمثبل مبا اعتدى‬
‫عليكبم" [البقرة‪ ]194 :‬والجزاء ل يكون سبيئة‪ .‬والقصباص ل يكون اعتداء‪ ،‬لنبه حبق وجبب‪،‬‬
‫ومثله‪" :‬ومكروا ومكر ال" [آل عمران‪ .]54 :‬و"إنهم يكيدون كيدا‪ ،‬وأكيد كيدا" [الطارق‪15 :‬‬
‫ ‪ .]16‬و"إنمبا نحبن مسبتهزئون‪ ،‬ال يسبتهزئ بهبم" وليبس منبه سببحانه مكبر ول هزء إنمبا هبو‬‫جزاء لمكرهم واستهزائهم وجزاء كيدهم‪ ،‬وكذلك "يخادعون ال وهو خادعهم" [النساء‪.]142 :‬‬
‫"فيسخرون منهم سخر ال منهم" [التوبة‪ .]79 :‬وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬إن ال ل‬
‫يمبل حتبى تملوا ول يسبأم حتبى تسبأموا)‪ .‬قيبل‪ :‬حتبى بمعنبى الواو أي وتملوا‪ .‬وقيبل المعنبى وأنتبم‬
‫تملون‪ .‬وقيبل‪ :‬المعنبى ل يقطبع عنكبم ثواب أعمالكبم حتبى تقطعوا العمبل‪ .‬وقال قوم‪ :‬إن ال تعالى‬
‫يفعل بهم أفعال هي في تأمل البشر هزء وخدع ومكر‪ ،‬حسب ما روى‪( :‬إن النار تجمد كما تجمد‬
‫الهالة فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم)‪ .‬وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس‬
‫فبببي قوله تعالى‪" :‬وإذا لقوا الذيبببن آمنوا قالوا أمنبببا "هبببم منافقبببو أهبببل الكتاب‪ ،‬فذكرهبببم وذكبببر‬
‫استهزاءهم‪ ،‬وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم يعني رؤساءهم في الكفر ‪ -‬على ما تقدم قالوا‪ :‬إنا معكم‬
‫على دينكبم "إنما نحن مستهزئون" بأصحاب محمد صلى ال عليه وسلم‪" .‬ال يستهزئ بهم" في‬
‫الخرة‪ ،‬يفتح لهم باب جهنم من الجنة‪ ،‬ثم يقال لهم‪ :‬تعالوا‪ ،‬فيقبلون يسبحون في النار‪ ،‬والمؤمنون‬
‫على الرائك ‪ -‬وهي السرر ‪ -‬في الحجال ينظرون إليهم‪ ،‬فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم‪ ،‬فيضحك‬
‫المؤمنون منهبم‪ ،‬فذلك قول ال عبز وجبل‪" :‬ال يسبتهزئ بهبم" أي فبي الخرة‪ ،‬ويضحبك المؤمنون‬
‫منهم حين غلقت دونهم البواب‪ ،‬فذلك قوله تعالى‪" :‬فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون‪ .‬على‬

‫الرائك ينظرون" [المطففيبن‪ ]35 - 34 :‬إلى أهبل النار "هبل ثوب الكفار مبا كانوا يفعلون"‬
‫[المطففيبن‪ .]36 :‬وقال قوم‪ :‬الخداع مبن ال والسبتهزاء هبو اسبتدراجهم بدرور النعبم الدنيويبة‬
‫عليهم‪ ،‬فال سبحانه وتعالى يظهر لهم من الحسان في الدنيا خلف ما يغيب عنهم‪ ،‬ويستر عنهم‬
‫مبن عذاب الخرة‪ ،‬فيظنون أنبه راض عنهبم‪ ،‬وهبو تعالى قبد حتبم عذابهبم‪ ،‬فهذا على تأمبل البشبر‬
‫كأنبه اسبتهزاء ومكبر وخداع‪ ،‬ودل على هذا التأويبل قوله صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬إذا رأيتبم ال عبز‬
‫وجبل يعطبي العببد مبا يحبب وهبو مقيبم على معاصبيه فإنمبا ذلك منبه اسبتدراج)‪ .‬ثبم نزع بهذه اليبة‪:‬‬
‫"فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا‬
‫هبم مبلسبون فقطبع دابر القوم الذيبن ظلموا والحمبد ل رب العالميبن" [النعام‪ .]45 - 44 :‬وقال‬
‫بعببض العلماء فببي قوله تعالى‪" :‬سببنستدرجهم مببن حيببث ل يعلمون"‪[ :‬العراف‪ ]182 :‬كلمببا‬
‫أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ويمدهبم" أي يطيبل لهبم المدة ويمهلهبم ويملي لهبم‪ ،‬كمبا قال‪" :‬إنمبا نملي لهبم‬
‫ليزدادوا إثمبا" [آل عمران‪ ]178 :‬وأصبله الزيادة‪ .‬قال يونبس ببن حببيب‪ :‬يقال مبد لهبم فبي الشبر‪،‬‬
‫وأمبد فببي الخيبر‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬وأمددناكببم بأموال وبنيبن"‪[ .‬السببراء‪ .]6 :‬وقال‪" :‬وأمددناهبم‬
‫بفاكهة ولحم مما يشتهون" [الطور‪ .]22 :‬وحكي عن الخفش‪ :‬مددت له إذا تركته‪ ،‬وأمددته إذا‬
‫أعطيتبه‪ .‬وعبن الفراء واللحيانبي‪ :‬مددت‪ ،‬فيمبا كانبت زيادتبه مبن مثله‪ ،‬يقال‪ :‬مبد النهرُ النهرَ‪ ،‬وفبي‬
‫التنزيل‪" :‬والبحر يمده من بعده سبعة أبحر" [لقمان‪ .]27 :‬وأمددت‪ ،‬فيما كانت زيادته من غيره‪،‬‬
‫كقولك‪ :‬أمددت الجيببش بمدد‪ ،‬ومنببه‪" :‬يمددكببم ربكببم بخمسببة آلف مببن الملئكببة"‪[ .‬آل عمران‪:‬‬
‫‪ .]125‬وأمدّ الجرح‪ ،‬لن المدة من غيره‪ ،‬أي صارت فيه مدة‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬في طغيانهم" كفرهم وضللهم‪ .‬وأصل الطغيان مجاوزة الحد‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪:‬‬
‫"إنبا لمبا طغبى الماء" [الحاقبة‪ ]11 :‬أي ارتفبع وعل وتجاوز المقدار الذي قدرتبه الخُزان‪ .‬وقوله‬
‫فبي فرعون‪" :‬إنبه طغبى" [طبه‪ ]24 :‬أي أسبرف فبي الدعوى حيبث قال‪" :‬أنبا ربكبم العلى"‬
‫[النازعات‪ .]24 :‬والمعنبى فبي اليبة‪ :‬يمدهبم بطول العمبر حتبى يزيدوا فبي الطغيان فيزيدهبم فبي‬
‫عذابهم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬يعمهون" يعمون‪ .‬وقال مجاهبد‪ :‬أي يترددون متحيريبن فبي الكفبر‪ .‬وحكبى أهبل‬
‫عمِه الرجل يعمه عموها وعمها فهو عمه وعامه إذا حار‪ ،‬ويقال رجل عامه وعمه‪ :‬حائر‬
‫اللغة‪َ :‬‬
‫متردد‪ ،‬وجمعبه عُمّه‪ .‬وذهببت إبله ال ُعمّهبى إذا لم يدر أيبن ذهببت‪ .‬والعمبى فبي العيبن‪ ،‬والعمبه فبي‬
‫القلب‪ ،‬وفي التنزيل‪" :‬فإنها ل تعمى البصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" [الحج‪]46 :‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 16 :‬أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬أولئك الذيبن اشتروا الضللة بالهدى" قال سبيبويه‪ :‬ضمبت الواو فبي "اشتروا"‬
‫فرقبا بينهبا وبيبن الواو الصبلية‪ ،‬نحبو‪" :‬وأن لو اسبتقاموا على الطريقبة"‪[ .‬الجبن‪ .]16 :‬وقال اببن‬
‫كيسان‪ :‬الضمة في الواو أخف من غيرها لنها من جنسها‪ .‬وقال الزجاج‪ :‬حركت بالضم كما فعل‬
‫في "نحن"‪ .‬وقرأ ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين‪ .‬وروى‬
‫أبو زيد النصاري عن قعنب أبي السمال العدوي أنه قرأ بفتح الواو لخفة الفتحة وإن كان ما قبلها‬
‫مفتوحبا‪ .‬وأجاز الكسبائي همبز الواو وضمهبا كأدؤر‪ .‬واشتروا‪ :‬مبن الشراء‪ .‬والشراء هنبا مسبتعار‪.‬‬
‫والمعنببى اسببتحبوا الكفببر على اليمان‪ ،‬كمببا قال‪" :‬فاسببتحبوا العمببى على الهدى" [فصببلت‪]17 :‬‬
‫فعبر عنه بالشراء‪ ،‬لن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه‪ .‬فأما أن يكون معنى شراء المعاوضة‬
‫فل‪ ،‬لن المنافقيببن لم يكونوا مؤمنيببن فيبببيعون إيمانهببم‪ .‬وقال ابببن عباس‪ :‬أخذوا الضللة وتركوا‬
‫الهدى‪ .‬ومعناه اسببتبدلوا واختاروا الكفببر على اليمان‪ .‬وإنمببا أخرجببه بلفببظ الشراء توسببعا‪ ،‬لن‬
‫الشراء والتجارة راجعان إلى الستبدال‪ ،‬والعرب تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشيء‪ .‬قال‬
‫أبو ذؤيب‪:‬‬
‫فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل‬

‫وأصبل الضللة‪ :‬الحيرة‪ .‬ويسبمى النسبيان ضللة لمبا فيبه مبن الحيرة‪ ،‬قال له جبل وعبز‪" :‬فعلتهبا‬
‫إذا وأنبا مبن الضاليبن" [الشعراء‪ ]20 :‬أي الناسبين‪ .‬ويسبمى الهلك ضللة‪ ،‬كمبا قال عبز وجبل‪:‬‬
‫"وقالوا أإذا ضللنا في الرض" [السجدة‪.]10 :‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فما ربحت تجارتهم" أسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم‪:‬‬
‫رببح بيعبك‪ ،‬وخسبرت صبفقتك‪ ،‬وقولهبم‪ :‬ليبل قائم‪ ،‬ونهار صبائم‪ ،‬والمعنبى‪ :‬ربحبت وخسبرت فبي‬
‫بيعك‪ ،‬وقمت في ليلك وصمت في نهارك‪ ،‬أي فما ربحوا في تجارتهم‪ .‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫نهارك هائم وليلك نائم كذلك في الدنيا تعيش البهائم‬
‫ابن كيسان‪ :‬ويجوز تجارة وتجائر‪ ،‬وضللة وضلئل‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ومبا كانوا مهتديبن" فبي اشترائهبم الضللة‪ .‬وقيبل‪ :‬فبي سبابق علم ال‪ .‬والهتداء‬
‫ضد الضلل‪ ،‬وقد تقدم‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 17 :‬مثلهبم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب ال بنورهم وتركهبم‬
‫في ظلمات ل يبصرون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬مثلهم كمثل الذي استوقد نارا" فمثلهم رفع بالبتداء والخبر في الكاف‪ ،‬فهي اسم‪،‬‬
‫كما هي في قول العشى‪:‬‬
‫أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل‬
‫وقول امرئ القيس‪:‬‬
‫ورحنا بكابن الماء يُجنَب وسطنا َتصَوّبُ فيه العين طورا وترتقي‬
‫أراد مثل الطعن‪ ،‬وبمثل ابن الماء‪ .‬ويجوز أن يكون الخبر محذوفا‪ ،‬تقديره مثلهم مستقر كمثل‪،‬‬
‫فالكاف على هذا حرف‪ .‬والمثببل والمثببل والمثيببل واحببد ومعناه الشبببيه‪ .‬والمتماثلن‪ :‬المتشابهان‪،‬‬
‫هكذا قال أهل اللغة‪.‬‬
‫قوله "الذي" يقبع للواحبد والجمببع‪ .‬قال ابببن الشجري هببة ال بببن علي‪ :‬ومبن العرب مبن يأتببي‬
‫بالجمع بلفظ الواحد‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد‬
‫وقيل في قول ال تعالى "والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون" [الزمر‪ :]33 :‬إنه‬
‫بهذه اللغببة‪ ،‬وكذلك قوله‪" :‬مثلهببم كمثببل الذي" قيببل‪ :‬المعنببى كمثببل الذيببن اسببتوقدوا‪ ،‬ولذلك قال‪:‬‬
‫"ذهببب ال بنورهببم"‪ ،‬فحمببل أول الكلم على الواحببد‪ ،‬وآخره على الجمببع‪ .‬فأمببا قوله تعالى‪:‬‬
‫"وخضتم كالذي خاضوا" [التوبة‪ ]69 :‬فإن الذي ههنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم‬
‫كالخوض الذي خاضوا‪ .‬وقيبل‪ :‬إنمبا وحبد "الذي" و"اسبتوقد" لن المسبتوقد كان واحدا مبن جماعبة‬
‫تولي اليقاد لهم‪ ،‬فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعا فقال "بنورهم"‪ .‬واستوقد بمعنى أوقد‪ ،‬مثل‬
‫استجاب بمعنى أجاب‪ ،‬فالسين والتاء زائدتان‪ ،‬قاله الخفش‪ ،‬ومنه قول الشاعر‪:‬‬
‫وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب‬
‫أي يجبببه‪ .‬واختلف النحاة فببي جواب لمببا‪ ،‬وفببي عود الضميببر مببن "نورهببم"‪ ،‬فقيببل‪ :‬جواب لمببا‬
‫محذوف وهبو طفئت‪ ،‬والضميبر فبي "نورهبم" على هذا للمنافقيبن‪ ،‬والخبار بهذا عبن حال تكون‬
‫في الخرة‪ ،‬كما قال تعالى‪" :‬فضرب بينهم بسور له باب" [الحديد‪ .]13 :‬وقيل‪ :‬جوابه "ذهب"‪،‬‬
‫والضمير في "نورهم" عائد على "الذي"‪ ،‬وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد‪ ،‬لن بقاء‬
‫المستوقد في ظلمات ل يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده‪ .‬والمعنى المراد بالية ضرب مثل‬
‫للمنافقيببن‪ ،‬وذلك أن مببا يظهرونببه مببن اليمان الذي تثبببت لهببم بببه أحكام المسببلمين مببن المناكببح‬
‫والتوارث والغنائم والمبن على أنفسبهم وأولدهبم وأموالهبم بمثاببة مبن أوقبد نارا فبي ليلة مظلمبة‬
‫فاستضاء بها ورأى ما ينبغي أن يتقيه وأمن منه‪ ،‬فإذا طفئت عنه أو ذهبت وصل إليه الذى وبقي‬
‫متحيرا‪ ،‬فكذلك المنافقون لمببا آمنوا اغتروا بكلمببة السببلم‪ ،‬ثببم يصببيرون بعببد الموت إلى العذاب‬
‫الليبم ‪ -‬كمبا أخببر التنزيل‪" :‬إن المنافقين فبي الدرك السبفل من النار" [النسباء‪ - ]145 :‬ويذهب‬
‫نورهم‪ ،‬ولهذا يقولون‪" :‬انظرونا نقتبس من نوركم" [الحديد‪ .]13 :‬وقيل‪ :‬إن إقبال المنافقين إلى‬

‫المسبلمين وكلمهبم معهبم كالنار‪ ،‬وانصبرافهم عبن مودتهبم وارتكاسبهم عندهبم كذهابهبا‪ .‬وقيبل غيبر‬
‫هذا‪.‬‬
‫قوله‪" :‬نارا" النار مؤنثبة وهبي مبن النور وهبو أيضبا الشراق‪ .‬وهبي مبن الواو‪ ،‬لنبك تقول فبي‬
‫التصغير‪ :‬نويرة‪ ،‬وفي الجمع نور وأنوار ونيران‪ ،‬انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فلما أضاءت ما حوله" ضاءت وأضاءت لغتان‪ ،‬يقال‪ :‬ضاء القمر يضوء ضوءا‬
‫وأضاء يضيء‪ ،‬يكون لزما ومتعديا‪ .‬وقرأ محمد بن السميقع‪ :‬ضاءت بغير ألف‪ ،‬والعامة باللف‪،‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه‬
‫"مبا" زائدة مؤكدة‪ .‬وقيبل‪ :‬مفعولة بأضاءت‪ .‬و"حوله" ظرف مكان‪ ،‬والهاء فبي موضبع خفبض‬
‫بإضافته إليها‪" .‬ذهب" وأذهب لغتان من الذهاب‪ ،‬وهو زوال الشيء‪" .‬وتركهم" أي أبقاهم‪" .‬في‬
‫ظلمات" جمببع ظُلْمببة‪ .‬وقرأ العمببش‪" :‬ظلْمات" بإسببكان اللم على الصببل‪ .‬ومببن قرأهببا بالضببم‬
‫فللفرق بيبن السبم والنعبت‪ .‬وقرأ أشهبب العقيلي‪" :‬ظلَمات" بفتبح اللم‪ .‬قال البصبريون‪ :‬أبدل مبن‬
‫الضمبة فتحبة لنهبا أخبف‪ .‬وقال الكسبائي‪" :‬ظلمات" جمبع الجمبع‪ ،‬جمبع ظلم‪ ".‬ل يبصبرون" فعبل‪.‬‬
‫مستقبل في موضع الحال‪ ،‬كأنه قال‪ :‬غير مبصرين‪ ،‬فل يجوز الوقف على هذا على "ظلمات"‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية‪{ 18 :‬صم بكم عمي فهم ل يرجعون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬صم بكم عمي" (صمّ) أي هم صم‪ ،‬فهو خبر ابتداء مضمر‪ .‬وفي قراءة عبدال بن‬
‫مسعود وحفصة‪ :‬صماً بكماً عمياً‪ ،‬فيجوز النصب على الذم‪ ،‬كما قال تعالى‪" :‬ملعونين أينما ثقفوا"‬
‫[الحزاب‪ ،]61 :‬وكما قال‪" :‬وامرأته حمالة الحطب" [المسد‪ ،]4 :‬وكما قال الشاعر‪:‬‬
‫سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة ال من كذب وزور‬
‫فنصب "عداة ال" على الذم‪ .‬فالوقف على "يبصرون" على هذا المذهب صواب حسن‪ .‬ويجوز‬
‫أن ينصبب صبما ببب "تركهبم"‪ ،‬كأنبه قال‪ :‬وتركهبم صبما بكمبا عميبا‪ ،‬فعلى هذا المذهبب ل يحسبن‬
‫الوقف على "يبصرون"‪ .‬والصمم في كلم العرب‪ :‬النسداد‪ ،‬يقال‪ :‬قناة صماء إذا لم تكن مجوفة‪.‬‬
‫وصبممت القارورة إذا سبددتها‪ .‬فالصبم‪ :‬مبن انسبدت خروق مسبامعه‪ .‬والبكبم‪ :‬الذي ل ينطبق ول‬
‫يفهبم‪ ،‬فإذا فهبم فهبو الخرس‪ .‬وقيبل‪ :‬الخرس والبكبم واحبد‪ .‬ويقال‪ :‬رجبل أبكبم وبكيبم‪ ،‬أي أخرس‬
‫بين الخرس والبكم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫بكيم ونصف عند مجرى الكواكب‬
‫فليت لساني كان نصفين منهما‬
‫والعمى‪ :‬ذهاب البصر‪ ،‬وقد عمي فهو أعمى‪ ،‬وقوم عمي‪ ،‬وأعماه ال‪ .‬وتعامى الرجل‪ :‬أرى ذلك‬
‫مببن نفسببه‪ .‬وعمببي عليببه المببر إذا التبببس‪ ،‬ومنببه قوله تعالى‪" :‬فعميببت عليهببم النباء يومئذ"‬
‫[القصبص‪ .]66 :‬وليبس الغرض ممبا ذكرناه نفبي الدراكات عبن حواسبهم جملة‪ ،‬وإنمبا الغرض‬
‫نفيها من جهة ما‪ ،‬تقول‪ :‬فلن أصم عن الخنا‪ .‬ولقد أحسن الشاعر حيث قال‪:‬‬
‫أصم عما ساءه سميع‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫وعوراء الكلم صممت عنها ولو أني أشاء بها سميع‬
‫وقال الدارمي‪:‬‬
‫أعمى إذا ما جارتي خرجت حتى يواري جارتي الجدر‬
‫وقال بعضهم في وصاته لرجل يكثر الدخول على الملوك‪:‬‬
‫أدخل إذا ما دخلت أعمى واخرج إذا ما خرجت أخرس‬
‫وقال قتادة‪" :‬صم" عن استماع الحق‪" ،‬بكم" عن التكلم به‪" ،‬عمي" عن البصار له‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا المعنى هو المراد في وصف النبي صلى ال عليه وسلم ولة آخر الزمان في حديث‬
‫جبريل (وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الرض فذاك من أشراطها)‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فهبم ل يرجعون" أي إلى الحبق لسبابق علم ال تعالى فيهبم‪ .‬يقال‪ :‬رجبع بنفسبه‬
‫رجوعببا‪ ،‬و َرجَعَه غيره‪ ،‬وهذيببل تقول‪ :‬أرجعببه غيره‪ .‬وقوله تعالى‪" :‬يرجببع بعضهببم إلى بعببض‬
‫القول" [سبأ‪ ]31 :‬أي يتلومون فيما بينهم‪ ،‬حسب ما بينه التنزيل في سورة "سبأ"‪.‬‬

‫*‪*3‬الية‪{ 19 :‬أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من‬
‫الصواعق حذر الموت وال محيط بالكافرين}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬أو كصيب من السماء" قال الطبري‪" :‬أو" بمعنى الواو‪ ،‬وقاله الفراء‪.‬‬
‫وأنشد‪:‬‬
‫وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫نال الخلفة أو كانت له َقدَرا كما أتى ربه موسى على قدر‬
‫أي وكانبت‪ .‬وقيبل‪" :‬أو" للتخييبر أي مثّلوهبم بهذا أو بهذا‪ ،‬ل على القتصبار على أحبد المريبن‪،‬‬
‫والمعنى أو كأصحاب صيب‪ .‬والصيب‪ :‬المطر‪ .‬واشتقاقه من صاب يصوب إذا نزل‪ ،‬قال علقمة‪:‬‬
‫فل تعدلي بيني وبين مغمر سقتك روايا المزن حيث تصوب‬
‫وأصله‪ :‬صَيوب‪ ،‬اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت‪ ،‬كما‬
‫فعلوا فببي ميببت وسببيد وهيببن وليببن‪ .‬وقال بعببض الكوفييببن‪ :‬أصببله صببويب على مثال فعيببل‪ .‬قال‬
‫النحاس‪" :‬لو كان كمبا قالوا لمبا جاز إدغامبه‪ ،‬كمبا ل يجوز إدغام طويبل‪ .‬وجمبع صبيب صبيايب‪.‬‬
‫والتقدير في العربية‪ :‬مثلهم كمثل الذي استوقد نارا أو كمثل صيب"‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬مبن السبماء" السبماء تذكبر وتؤنبث‪ ،‬وتجمبع على أسبمية وسبموات وسبمي‪ ،‬على‬
‫سمِيّ‬
‫فُعول‪ ،‬قال العجاج‪ :‬تلفه الرياح وال ّ‬
‫والسماء‪ :‬كل ما علك فأظلك‪ ،‬ومنه قيل لسقف البيت‪ :‬سماء‪ .‬والسماء‪ :‬المطر‪ ،‬سمي به لنزوله‬
‫من السماء‪ .‬قال حسان بن ثابت‪:‬‬
‫ديارٌ من بني الحسحاس قفر تعفيها الروامس والسماء‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫رعيناه وإن كانوا غضابا‬
‫إذا سقط السماء بأرض قوم‬
‫ويسبمى الطيبن والكل أيضبا سبماء‪ ،‬يقال‪ :‬مبا زلنبا نطبأ السبماء حتبى أتيناكبم‪ .‬يريدون الكل والطيبن‪.‬‬
‫ويقال لظهر الفرس أيضا سماء لعلوه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فَ َريّا وأما أرضه فمحول‬
‫وأحمر كالديباج أما سماؤه‬
‫والسماء‪ :‬ما عل‪ .‬والرض‪ :‬ما سفل‪ ،‬على ما تقدم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فيه ظلمات" ابتداء وخبر‪" .‬ورعد وبرق" معطوف عليه‪ .‬وقال‪ :‬ظلمات بالجمع‬
‫إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة ال ّدجْن‪ ،‬وهو الغيم‪ ،‬ومن حيث تتراكب وتتزايد جمعت‪ .‬وقد مضى ما‬
‫فيه من اللغات فل معنى للعادة‪ ،‬وكذا كل ما تقدم إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫واختلف العلماء في الرعد‪ ،‬ففي الترمذي عن ابن عباس قال‪ :‬سألت اليهود النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم عن الرعد ما هو؟ قال‪( :‬ملك من الملئكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها‬
‫السببحاب حيببث شاء ال)‪ .‬فقالوا‪ :‬فمببا هذا الصببوت الذي نسببمع؟ قال‪( :‬زجره بالسببحاب إذا زجره‬
‫حتبى ينتهبي إلى حيبث أمبر ال) قالوا‪ :‬صبدقت‪ .‬الحديبث بطوله‪ .‬وعلى هذا التفسبير أكثبر العلماء‪.‬‬
‫فالرعد‪ :‬اسم الصوت المسموع‪ ،‬وقاله علي رضي ال عنه‪ ،‬وهو المعلوم في لغة العرب‪ ،‬وقد قال‬
‫لبيد في جاهليته‪:‬‬
‫َفجّعني الرعد والصواعق بال فارس يوم الكريهة النجد‬
‫وروي عبن اببن عباس أنبه قال‪ :‬الرعبد ريبح تختنبق بيبن السبحاب فتصبوت ذلك الصبوت‪ .‬واختلفوا‬
‫فبي البرق‪ ،‬فروي عن علي واببن مسبعود واببن عباس رضوان ال عليهبم‪ :‬البرق مخراق حديبد بيبد‬
‫الملك يسوق به السحاب‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهبو الظاهبر مبن حديبث الترمذي‪ .‬وعبن اببن عباس أيضبا هبو سبوط مبن نور بيبد الملك‬
‫يزجر به السحاب‪ .‬وعنه أيضا البرق ملك يتراءى‪.‬‬
‫وقالت الفلسبفة‪ :‬الرعبد صبوت اصبطكاك أجرام السبحاب‪ .‬والبرق مبا ينقدح مبن اصبطكاكها‪.‬‬
‫وهذا مردود ل يصبح ببه نقبل‪ ،‬وال أعلم‪ .‬ويقال‪ :‬أصبل الرعبد مبن الحركبة‪ ،‬ومنبه الرعديبد للجبان‪.‬‬
‫وارتعبد‪ :‬اضطرب‪ ،‬ومنبه الحديبث‪( :‬فجيبء بهمبا ترعبد فرائصبهما) الحديبث‪ .‬أخرجبه أببو داود‪.‬‬

‫والبرق أصله من البريق والضوء‪ ،‬ومنه البراق‪ :‬دابة ركبها رسول ال صلى ال عليه وسلم ليلة‬
‫أسبري ببه وركبهبا النببياء عليهبم السبلم قبله‪ .‬ورعدت السبماء مبن الرعبد‪ ،‬وبرقبت مبن البرق‪.‬‬
‫ورعدت المرأة وبرقت‪ :‬تحسنت وتزينت‪ .‬ورعد الرجل وبرق‪ :‬تهدد وأوعد‪ ،‬قال ابن أحمر‪:‬‬
‫عدِ‬
‫وطِلبُنا فابرُق بأرضك وار ُ‬
‫ل ما بعدت عليك بلدنا‬
‫يا جُ ّ‬
‫وأرعببد القوم وأبرقوا‪ :‬أصببابهم رعببد وبرق‪ .‬وحكببى أبببو عبببيدة وأبببو عمرو‪ :‬أرعدت السببماء‬
‫وأبرقت‪ ،‬وأرعد الرجل وأبرق إذا تهدد وأوعد‪ ،‬وأنكره الصمعي‪ .‬واحتج عليه بقول الكميت‪:‬‬
‫بد فما وعيدك لي بضائر‬
‫أبرق وأرعد يا يزيب‬
‫فقال‪ :‬ليس الكميت بحجة‪.‬‬
‫فائدة‪ :‬روى ابن عباس قال‪ :‬كنا مع عمر بن الخطاب في سفرة بين المدينة والشام ومعنا كعب‬
‫الحبار‪ ،‬قال‪ :‬فأصبابتنا ريبح وأصبابنا رعبد ومطبر شديبد وبرد‪ ،‬وفرق الناس‪ .‬قال فقال لي كعبب‪:‬‬
‫إنبه مبن قال حيبن يسبمع الرعبد‪ :‬سببحان مبن يسببح الرعبد بحمده والملئكبة مبن خيفتبه‪ ،‬عوفبي ممبا‬
‫يكون في ذلك السحاب والبرد والصواعق‪ .‬قال‪ :‬فقلتها أنا وكعب‪ ،‬فلما أصبحنا واجتمع الناس قلت‬
‫لعمبر‪ :‬يبا أميبر المؤمنيبن‪ ،‬كأنبا كنبا فبي غيبر مبا كان فيبه الناس قال‪ :‬ومبا ذاك؟ قال‪ :‬فحدثتبه حديبث‬
‫كعبب‪ .‬قال‪ :‬سببحان ال أفل قلتبم لنبا فنقول كمبا قلتبم! فبي روايبة فإذا بردة قبد أصبابت أنبف عمبر‬
‫فأثرت به‪ .‬وستأتي هذه الرواية في سورة "الرعد" إن شاء ال‪ .‬ذكر الروايتين أبو بكر بن علي بن‬
‫ثاببت الخطيبب فبي روايات الصبحابة عبن التابعيبن رحمبة ال عليهبم أجمعيبن‪ .‬وعبن اببن عمبر أن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال‪( :‬اللهم ل تقتلنا بغضبك ول تهلكنا‬
‫بعذابك وعافنا قبل ذلك)‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬يجعلون أصبابعهم فبي آذانهبم" جعلهبم أصبابعهم فبي آذانهبم لئل يسبمعوا القرآن‬
‫فيؤمنوا به وبمحمد عليه السلم‪ ،‬وذلك عندهم كفر والكفر موت‪ .‬وفي واحد الصابع خمس لغات‪:‬‬
‫إصبع بكسر الهمزة وفتح الباء‪ ،‬وأصبع بفتح الهمزة وكسر الباء‪ ،‬ويقال بفتحهما جميعا‪ ،‬وضمهما‬
‫جميعا‪ ،‬وبكسرهما جميعا‪ ،‬ومؤنثة‪ .‬وكذلك الذن وتخفف وتثقل وتصغر‪ ،‬فيقال‪ :‬أذينة‪ .‬ولو سميت‬
‫بها رجل ثم صغرته قلت‪ :‬أذين‪ ،‬فلم تؤنث لزوال التأنيث عنه بالنقل إلى المذكر فأما قولهم‪ :‬أذينة‬
‫فبي السبم العلم فإنمبا سبمي ببه مصبغرا‪ ،‬والجمبع آذان‪ .‬وتقول‪ :‬أذنتبه إذا ضرببت أذنبه‪ .‬ورجبل أذُن‪:‬‬
‫إذا كان يسبمع كلم كبل أحبد‪ ،‬يسبتوي فيبه الواحبد والجمبع‪ .‬وأذانبي‪ :‬عظيبم الذنيبن‪ .‬ونعجبة أذناء‪،‬‬
‫وكبش آذن‪ .‬وأذّنت النعل وغيرها تأذينا‪ :‬إذا جعلت لها أذنا‪ .‬وأذنت الصبي‪ :‬عركت أذنه‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬من الصواعق" أي من أجل الصواعق‪ .‬والصواعق جمع صاعقة‪ .‬قال ابن عباس‬
‫ومجاهد وغيرهما‪ :‬إذا اشتد غضب الرعد الذي هو الملك طار النار من فيه وهي الصواعق‪ .‬وكذا‬
‫قال الخليبل‪ ،‬قال‪ :‬هبي الواقعبة الشديدة مبن صبوت الرعبد‪ ،‬يكون معهبا أحيانبا قطعبة نار تحرق مبا‬
‫أتبت عليبه‪ .‬وقال أبو زيبد‪ :‬الصباعقة نار تسقط من السبماء فبي رعبد شديبد‪ .‬وحكبى الخليبل عن قوم‪:‬‬
‫السبباعقة (بالسببين)‪ .‬وقال أبببو بكببر النقاش‪ :‬يقال صبباعقة وصببعقة وصبباقعة بمعنببى واحببد‪ .‬وقرأ‬
‫الحسن‪ :‬من "الصواقع" (بتقديم القاف)‪ ،‬ومنه قول أبي النجم‪:‬‬
‫يحكون بالمصقولة القواطع َتشَقّق البرق عن الصواقع‬
‫قال النحاس‪ :‬وهببي لغببة تميببم وبعببض بنببي ربيعببة‪ .‬ويقال‪ :‬صببعقتهم السببماء إذا ألقببت عليهببم‪.‬‬
‫الصباعقة‪ .‬والصباعقة أيضبا صبيحة العذاب‪ ،‬قال ال عبز وجبل‪" :‬فأخذتهبم صباعقة العذاب الهون"‬
‫[فصبلت‪ ]17 :‬ويقال‪ :‬صبعق الرجبل صبعقة وتصبعاقا‪ ،‬أي غشبي عليبه‪ ،‬وفبي قوله تعالى‪" :‬وخبر‬
‫موسى صعقا" [العراف‪ ]143 :‬فأصعقه غيره‪ .‬قال ابن مقبل‪:‬‬
‫ق تحت لَبانه أُحادَ ومثنى أصعقتها صواهله‬
‫ترى ال ُنعَرات الزر َ‬
‫وقوله تعالى‪" :‬فصبعق مبن فبي السبموات ومبن فبي الرض" [الزمبر‪ ]68 :‬أي مات‪ .‬وشببه ال‬
‫تعالى فبي هذه اليبة أحوال المنافقيبن بمبا فبي الصبيب مبن الظلمات والرعبد والبرق والصبواعق‪.‬‬
‫فالظلمات مثل لمبا يعتقدونه مبن الكفبر‪ ،‬والرعد والبرق مثل لما يخوفون به‪ .‬وقيل‪ :‬مثبل ال تعالى‬
‫القرآن بالصيب لما فيه من الشكال عليهم‪ ،‬والعمى هو الظلمات‪ ،‬وما فيه من الوعيد والزجر هو‬
‫الرعد‪ ،‬وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا أن تبهرهم هو البرق‪ .‬والصواعق‪ ،‬مثل‬

‫لمبا فبي القرآن مبن الدعاء إلى القتال فبي العاجبل والوعيبد فبي الجبل‪ .‬وقيبل‪ :‬الصبواعق تكاليبف‬
‫الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما‪.‬‬
‫@قوله‪" :‬حذر الموت" حذر وحذار بمعنى‪ ،‬وقرئ بهما‪ .‬قال سيبويه‪ :‬هو منصوب‪ ،‬لنه موقوع‬
‫له أي مفعول من أجله‪ ،‬وحقيقته أنه مصدر‪ ،‬وأنشد سيبويه‪:‬‬
‫وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرما‬
‫وقال الفراء‪ :‬هبو منصبوب على التمييبز والموت‪ :‬ضبد الحياة‪ .‬وقبد مات يموت‪ ،‬ويمات أيضبا‪،‬‬
‫قال الراجز‪ :‬بنيتي سيدة البنات عيشي ول يؤمن أن تماتي‬
‫فهببو ميببت وميببت‪ ،‬وقوم موتببى وأموات وميتون وميتون‪ .‬والموات (بالضببم)‪ :‬الموت‪ .‬والموات‬
‫(بالفتح)‪ :‬ما ل روح فيه‪ .‬والموات أيضا‪ :‬الرض التي ل مالك لها من الدميين ول ينتفع بها أحد‪.‬‬
‫وال َموَتان (بالتحريببببك)‪ :‬خلف الحيوان‪ ،‬يقال‪ :‬اشتببببر الموتان‪ ،‬ول تشتببببر الحيوان‪ ،‬أي اشتببببر‬
‫الرضيبن والدور‪ ،‬ول تشتبر الرقيبق والدواب‪ .‬والمُوتان (بالضبم)‪ :‬موت يقبع فبي الماشيبة‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫وقع في المال موتان‪ .‬وأماته ال وموته‪ ،‬شدد للمبالغة‪ .‬وقال‪:‬‬
‫فهأنذا ُأمَوّتُ كل يوم‬
‫فعروة مات موتا مستريحا‬
‫وأماتببت الناقببة إذا مات ولدهببا‪ ،‬فهببي مميببت ومميتببة‪ .‬قال أبببو عبيببد‪ :‬وكذلك المرأة‪ ،‬وجمعهببا‬
‫مماويببت‪ .‬قال ابببن السببكيت‪ :‬أمات فلن إذا مات له ابببن أو بنون‪ .‬والمتماوت مببن صببفة الناسببك‬
‫المرائي‪ .‬وموت مائت‪ ،‬كقولك‪ :‬ليببل لئل‪ ،‬يؤخببذ مببن لفظببه مببا يؤكببد بببه‪ .‬والمسببتميت للمببر‪:‬‬
‫المسترسل له‪ ،‬قال رؤبة‪:‬‬
‫والليل فوق الماء مستميت‬
‫وزبد البحر له كتيت‬
‫المسببتميت أيضببا‪ :‬المسببتقتل الذي ل يبالي فببي الحرب مببن الموت‪ ،‬وفببي الحديببث‪( :‬أرى القوم‬
‫مسبتميتين) وهبم الذيبن يقاتلون على الموت‪ .‬والمُوتبة (بالضبم)‪ :‬جنبس مبن الجنون والصبرع يعتري‬
‫النسبان‪ ،‬فإذا أفاق عاد إليبه كمال عقله كالنائم والسبكران‪ .‬ومُؤتبة (بضبم الميبم وهمبز الواو)‪ :‬اسبم‬
‫أرض قتل بها جعفر بن أبي طالب عليه السلم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وال محيبط بالكافريبن" ابتداء وخبر‪ ،‬أي ل يفوتونه‪ .‬يقال‪ :‬أحاط السلطان بفلن‬
‫إذا أخذه أخذا حاصرا من كل جهة‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم‬
‫ومنبه قوله تعالى‪" :‬وأحيبط بثمره" [الكهبف‪ .]42 :‬وأصبله محيبط‪ ،‬نقلت حركبة الياء إلى الحاء‬
‫فسببكنت‪ .‬فال سبببحانه محيببط بجميببع المخلوقات‪ ،‬أي هببي فببي قبضتببه وتحببت قهره‪ ،‬كمببا قال‪:‬‬
‫"والرض جميعبا قبضتبه يوم القيامبة" [الزمبر‪ .]67 :‬وقيبل‪" :‬محيبط بالكافريبن" أي عالم بهبم‪.‬‬
‫دليله‪" :‬وأن ال قبد أحاط بكبل شيبء علمبا" [الطلق‪ .]12 :‬وقيبل‪ :‬مهلكهبم وجامعهبم‪ .‬دليله قوله‬
‫تعالى‪" :‬إل أن يحاط بكم" [يوسف‪ ]66 :‬أي إل أن تهلكوا جميعا‪ .‬وخص الكافرين بالذكر لتقدم‬
‫ذكرهم في الية‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫*‪*3‬اليبة‪{ 20 :‬يكاد البرق يخطبف أبصبارهم كلمبا أضاء لهبم مشوا فيبه وإذا أظلم عليهبم قاموا‬
‫ولو شاء ال لذهب بسمعهم وأبصارهم إن ال على كل شيء قدير}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬يكاد البرق يخطف أبصارهم" (يكاد) معناه يقارب‪ ،‬يقال‪ :‬كاد يفعل كذا إذا قارب‬
‫ولم يفعل‪ .‬ويجوز في غير القرآن‪ :‬يكاد أن يفعل‪ ،‬كما قال رؤبة‪:‬‬
‫قد كاد من طول البلى أن يمصحا‬
‫مشتببق مببن المصببح وهببو الدرس‪ .‬والجود أن تكون بغيببر "أن"‪ ،‬لنهببا لمقاربببة الحال‪ ،‬و"أن"‬
‫تصبرف الكلم إلى السبتقبال‪ ،‬وهذا متناف‪ ،‬قال ال عبز وجبل‪" :‬يكاد سبنا برقبه يذهبب بالبصبار"‬
‫[النور‪ .]43 :‬ومبن كلم العرب‪ :‬كاد النعام يطيبر‪ ،‬وكاد العروس يكون أميرا‪ ،‬لقربهمبا مبن تلك‬
‫الحال‪ .‬وكاد فعبل متصبرف على فعبل يفعبل‪ .‬وقبد جاء خببره بالسبم وهبو قليبل‪ ،‬قال‪" :‬ومبا كدت‬
‫آئببا"‪ .‬ويجري مجرى كاد كرب وجعبل وقارب وطفبق‪ ،‬فبي كون خبرهبا بغيبر "أن"‪ ،‬قال ال عبز‬
‫وجببل‪" :‬وطفقببا يخصببفان عليهمببا مببن ورق الجنببة" [العراف‪ ]22 :‬لنهببا كلهببا بمعنببى الحال‬
‫والمقاربة‪ ،‬والحال ل يكون معها "أن"‪ ،‬فاعلم‪.‬‬

‫@قوله تعالى‪" :‬يخطبف أبصبارهم" الخطبف‪ :‬الخبذ بسبرعة‪ ،‬ومنبه سبمي الطيبر خطافبا لسبرعته‪.‬‬
‫فمن جعل القرآن مثل للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم‪ .‬ومن جعله‬
‫مثل للبيان الذي فبي القرآن فالمعنبى أنهبم جاءهبم مبن البيان مبا بهرهبم‪ .‬ويخْطَف ويخْطِف لغتان‬
‫قرئ بهما‪ .‬وقد خطفه (بالكسر) يخطفه خطفا‪ ،‬وهي اللغة الجيدة‪ ،‬واللغة الخرى حكاها الخفش‪:‬‬
‫خطببف يخطببف‪ .‬الجوهري‪ :‬وهببي قليلة رديئة ل تكاد تعرف‪ .‬وقببد قرأ بهببا يونببس فببي قوله تعالى‬
‫"يكاد البرق يخطبف أبصبارهم" وقال النحاس‪ :‬فبي "يخطبف" سببعة أوجبه‪ ،‬القراءة الفصبيحة‪:‬‬
‫يخطَف‪ .‬وقرأ علي ببن الحسبين ويحيبى ببن وثاب‪ :‬يخطبف بكسبر الطاء‪ ،‬قال سبعيد الخفبش‪ :‬هبي‬
‫لغة‪ .‬وقرأ الحسن وقتادة وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي بفتح الياء وكسر الخاء والطاء‪.‬‬
‫وروي عبن الحسبن أيضبا أنبه قرأ بفتبح الخاء‪ .‬قال الفراء‪ :‬وقرأ بعبض أهبل المدينبة بإسبكان الخاء‬
‫وتشديبد الطاء‪ .‬قال الكسبائي والخفبش والفراء‪ :‬يجوز "يخطبف" بكسبر الياء والخاء والطاء‪ .‬فهذه‬
‫سببتة أوجبه موافقبة للخببط‪ .‬والسبابعة حكاهبا عبدالوارث قال‪ :‬رأيببت فببي مصبحف أبببي ببن كعببب‬
‫"يتخطبف"‪ ،‬وزعبم سبيبويه والكسبائي أن مبن قرأ "يخطبف" بكسبر الخاء والطاء فالصبل عنده‬
‫يختطف‪ ،‬ثم أدغم التاء في الطاء فالتقى ساكنان فكسرت الخاء للتقاء الساكنين‪ .‬قال سيبويه‪ :‬ومن‬
‫فتببح الخاء ألقببى حركببة التاء عليهببا‪ .‬وقال الكسببائي‪ :‬ومببن كسببر الياء فلن اللف فببي اختطببف‬
‫مكسبورة‪ .‬فأمبا مبا حكاه الفراء عبن أهبل المدينبة مبن إسبكان الخاء والدغام فل يعرف ول يجوز‪،‬‬
‫لنه جمع بين ساكنين‪ .‬قال النحاس وغيره‪.‬‬
‫خطّفب"‪ .‬قال اببن مجاهبد‪ :‬وأظنبه غلطبا‪ ،‬واسبتدل‬
‫قلت‪ :‬وروي عبن الحسبن أيضبا وأببي رجاء "ي ِ‬
‫على ذلك بأن "خطِف الخطفة" لم يقرأه أحد بالفتح‪.‬‬
‫"أبصبارهم" جمبع بصبر‪ ،‬وهبي حاسبة الرؤيبة‪ .‬والمعنبى‪ :‬تكاد حجبج القرآن وبراهينبه السباطعة‬
‫تبهرهم‪ .‬ومن جعل "البرق" مثل للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬كلما أضاء لهم مشوا فيه" "كلما" منصوب لنه ظرف‪ .‬وإذا كان "كلما" بمعنى‬
‫"إذا" فهي موصولة والعامل فيه "مشوا" وهو جوابه‪ ،‬ول يعمل فيه "أضاء"‪ ،‬لنه في صلة ما‪.‬‬
‫والمفعول فبي قول المببرد محذوف‪ ،‬التقديبر عنده‪ :‬كلمبا أضاء لهبم البرق الطريبق‪ .‬وقيبل‪ :‬يجوز أن‬
‫يكون فعبل وأفعبل بمعنبى‪ ،‬كسبكت وأسبكت‪ ،‬فيكون أضاء وضاء سبراء فل يحتاج إلى تقديبر حذف‬
‫مفعول‪ .‬قال الفراء‪ :‬يقال ضاء وأضاء‪ ،‬وقبد تقدم‪ .‬والمعنبى أنهبم كلمبا سبمعوا القرآن وظهرت لهبم‬
‫الحجبج أنسبوا ومشوا معبه‪ ،‬فإذا نزل مبن القرآن مبا يعمون فيبه ويضلون ببه أو يكلفونبه "قاموا" أي‬
‫ثبتوا على نفاقهبم‪ ،‬عبن اببن عباس‪ .‬وقيبل‪ :‬المعنبى كلمبا صبلحت أحوالهبم فبي زروعهبم ومواشيهبم‬
‫وتوالت النعبم قالوا‪ :‬ديبن محمبد ديبن مبارك‪ ،‬وإذا نزلت بهبم مصبيبة وأصبابتهم شدة سبخطوا وثبتوا‬
‫في نفاقهم‪ ،‬عن ابن مسعود وقتادة‪ .‬قال النحاس‪ :‬وهذا قول حسن‪ ،‬ويدل على صحته‪" :‬ومن الناس‬
‫مبن يعببد ال على حرف فإن أصبابه خيبر اطمأن ببه وإن أصبابته فتنبة انقلب على وجهبه" [الحبج‪:‬‬
‫‪ ]11‬وقال علماء الصبوفية‪ :‬هذا مثبل ضرببه ال تعالى لمبن لم تصبح له أحوال الرادة بدءا‪،‬‬
‫فارتقببببى مببببن تلك الحوال بالدعاوى إلى أحوال الكابر‪ ،‬كأن تضيببببء عليببببه أحوال الرادة لو‬
‫صببححها بملزمببة آدابهببا‪ ،‬فلمببا مزجهببا بالدعاوى أذهببب ال عنببه تلك النوار وبقببي فببي ظلمات‬
‫دعاويبه ل يبصبر طريبق الخروج منهبا‪ .‬وروي عبن اببن عباس أن المراد اليهود‪ ،‬لمبا نصبر النببي‬
‫صلى ال عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا‪ :‬هذا وال النبي الذي بشرنا به موسى ل ترد له راية‪ ،‬فلما‬
‫نكب بأحد ارتدوا وشكوا‪ ،‬وهذا ضعيف‪ .‬والية في المنافقين‪ ،‬وهذا أصح عن ابن عباس‪ ،‬والمعنى‬
‫يتناول الجميع‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ولو شاء ال لذهبب بسبمعهم وأبصبارهم" "لو" حرف تمبن وفيبه معنبى الجزاء‪،‬‬
‫وجواببه اللم‪ .‬والمعنبى‪ :‬ولو شاء ال لطلع المؤمنيبن عليهبم فذهبب منهبم عبز السبلم بالسبتيلء‬
‫عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم‪ .‬وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الية أول‪ ،‬أو لنهما‬
‫أشرف ما في النسان‪ .‬وقرئ "بأسماعهم" على الجمع‪ ،‬وقد تقدم الكلم في هذا‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إن ال على كبل شيبء قديبر" عموم‪ ،‬ومعناه عنبد المتكلميبن فيمبا يجوز وصبفه‬
‫تعالى بالقدرة عليبه‪ .‬وأجمعبت المبة على تسبمية ال تعالى بالقديبر‪ ،‬فهبو سببحانه قديبر قادر مقتدر‪.‬‬

‫والقديبر أبلغ فبي الوصبف مبن القادر‪ ،‬قاله الزجاجبي‪ .‬وقال الهروي‪ :‬والقديبر والقادر بمعنبى واحبد‪،‬‬
‫يقال‪ :‬قدرت على الشيبببببء أقدر قدْرا وقدَرا وم ْقدِرة وم ْقدُرة وقدرانبببببا‪ ،‬أي قدرة‪ .‬والقتدار على‬
‫الشيبء‪ :‬القدرة عليبه‪ .‬فال جبل وعبز قادر مقتدر قديبر على كبل ممكبن يقببل الوجود والعدم‪ .‬فيجبب‬
‫على كببل مكلف أن يعلم أن ال تعالى قادر‪ ،‬له قدرة بهببا فعببل ويفعببل مببا يشاء على وفببق علمببه‬
‫واختياره‪ .‬ويجببب عليببه أيضببا أن يعلم أن للعبببد قدرة يكتسببب بهببا مببا أقدره ال تعالى عليببه على‬
‫مجرى العادة‪ ،‬وأنه غير مستبد بقدرته‪ .‬وإنما خص هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذكر دون‬
‫غيرها‪ ،‬لنه تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والخافة‪ ،‬فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫فهذه عشرون آيبة على عدد الكوفييبن‪ ،‬أرببع آيات فبي وصبف المؤمنيبن‪ ،‬ثبم تليهبا آيتان فبي ذكبر‬
‫الكافرين‪ ،‬وبقيتها في المنافقين‪ .‬وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج‪ ،‬وقاله مجاهد أيضا‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 21 :‬يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}‬
‫@قوله سببحانه وتعالى‪" :‬يبا أيهبا الناس اعبدوا ربكبم" قال علقمبة ومجاهبد‪ :‬كبل آيبة أولهبا "يبا أيهبا‬
‫الناس" فإنما نزلت بمكة‪ ،‬وكل آية أولها "يا أيها الذين آمنوا" فإنما نزلت بالمدينة‪ .‬قلت‪ :‬وهذا يرده‬
‫أن هذه السببورة والنسبباء مدنيتان وفيهمببا يببا أيهببا الناس‪ .‬وأمببا قولهمببا فببي "يببا أيهببا الذيببن آمنوا"‬
‫[النساء‪ ]19 :‬الية فصحيح‪ .‬وقال عروة بن الزبير‪ :‬ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة‪،‬‬
‫وما كان من ذكر المم والعذاب فإنه نزل بمكة‪ .‬وهذا واضح‪.‬‬
‫و"يا" في قوله‪" :‬يا أيها" حرف نداء "أي" منادى مفرد مبني على الضم‪ ،‬لنه منادى في اللفظ‪،‬‬
‫و"هببا" للتنبببيه‪" .‬الناس" مرفوع صببفة لي عنببد جماعببة النحوييببن‪ ،‬مببا عدا المازنببي فإنببه أجاز‬
‫النصبب قياسبا على جوازه فبي‪ :‬يبا هذا الرجبل‪ .‬وقيبل‪ :‬ضمبت "أي" كمبا ضبم المقصبود المفرد‪،‬‬
‫وجاؤوا بب "ها" عوضا عن ياء أخرى‪ ،‬وإنما لم يأتوا بياء لئل ينقطع الكلم فجاؤوا بب "ها" حتى‬
‫يبقى الكلم متصل‪ .‬قال سيبويه‪ :‬كأنك كررت "يا" مرتين وصار السم بينهما‪ ،‬كما قالوا‪ :‬ها هو‬
‫ذا‪ .‬وقيبل لمبا تعذر عليهبم الجمبع بيبن حرفبي تعريبف أتوا فبي الصبورة بمنادي مجرد عبن حرف‬
‫تعريببف‪ ،‬وأجروا عليببه المعرف باللم المقصببود بالنداء‪ ،‬والتزموا رفعببه‪ ،‬لنببه المقصببود بالنداء‪،‬‬
‫فجعلوا إعرابه بالحركة التي كان يستحقها لو باشرها النداء تنبيها على أنه المنادي‪ ،‬فاعلمه‪.‬‬
‫واختلف مببن المراد بالناس هنببا على قوليببن‪ :‬أحدهمببا‪ :‬الكفار الذي لم يعبدوه‪ ،‬يدل عليببه قوله‪:‬‬
‫"وإن كنتبم فبي ريبب" [البقرة‪ ]23 :‬الثانبي‪ :‬أنبه عام فبي جميبع الناس‪ ،‬فيكون خطاببه للمؤمنيبن‬
‫باستدامة العبادة‪ ،‬وللكافرين بابتدائها‪ .‬وهذا حسن‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬اعبدوا" أمبر بالعبادة له‪ .‬والعبادة هنبا عبارة عبن توحيده والتزام شرائع دينبه‪.‬‬
‫وأصل العبادة الخضوع والتذلل‪ ،‬يقال‪ :‬طريق معبدة إذا كانت موطوءة بالقدام‪ .‬قال طرفة‪:‬‬
‫وظيفا وظيفا فوق َم ْورٍ معبّد‬
‫والعبادة‪ :‬الطاعة‪ .‬والتعبد‪ :‬التنسك‪ .‬وعبدت فلنا‪ :‬اتخذته عبدا‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬الذي خلقكم" خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن‬
‫ال خلقها‪ ،‬فذكر ذلك حجة عليهم وتقريعا لهم‪ .‬وقيل‪ :‬ليذكرهم بذلك نعمته عليهم‪ .‬وفي أصل الخلق‬
‫وجهان‪ :‬أحدهما‪ :‬التقدير‪ ،‬يقال‪ :‬خلقت الديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ولنت تفري ما خلقت وبعب بض القوم يخلق ثم ل يفري‬
‫وقال الحجاج‪ :‬ما خلقت إل فريت‪ ،‬ول وعدت إل وفيت‪ .‬الثاني‪ :‬النشاء والختراع والبداع‪ ،‬قال‬
‫ال تعالى‪" :‬وتخلقون إفكا" [العنكبوت‪.]17 :‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬والذين من قبلكم" فيقال إذا ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق غيرهم‪ ،‬فالجواب‪:‬‬
‫أنبه إنمبا يجري الكلم على التنببيه والتذكيبر ليكون أبلغ فبي العظبة‪ ،‬فذكرهبم مبن قبلهبم ليعلموا أن‬
‫الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم‪ ،‬وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا‪ ،‬وعلى أي المور‬
‫مضوا من إهلك من أهلك‪ ،‬وليعلموا أنهم يبتلون كما ابتلوا‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬لعلكم تتقون" "لعل" متصلة باعبدوا ل بخلقكم‪ ،‬لن من ذرأه ال لجهنم لم يخلقه‬
‫ليتقبي‪ .‬وهذا ومبا كان مثله فيمبا ورد فبي كلم ال تعالى مبن قوله‪" :‬لعلكبم تعقلون‪ ،‬لعلكبم تشكرون‪،‬‬
‫لعلكم تذكرون‪ ،‬لعلكم تهتدون" فيه ثلث تأويلت‪.‬‬

‫الول‪ :‬أن "لعبل" على بابهبا مبن الترجبي والتوقبع‪ ،‬والترجبي والتوقبع إنمبا هبو فبي حيبز البشبر‪،‬‬
‫فكأنببه قيببل لهببم‪ :‬افعلوا ذلك على الرجاء منكببم والطمببع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا‪ .‬هذا قول‬
‫سيبويه ورؤساء اللسان قال سيبويه في قوله عز وجل‪" :‬اذهبا إلى فرعون إنه طغى‪ ،‬فقول له قول‬
‫لينا لعله يتذكر أو يخشى" [طه‪ ]44 - 43 :‬قال معناه‪ :‬اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر‬
‫أو يخشى‪ .‬واختار هذا القول أبو المعالي‪.‬‬
‫الثانبي‪ :‬أن العرب اسبتعملت "لعبل" مجردة مبن الشبك بمعنبى لم كبي‪ .‬فالمعنبى لتعقلوا ولتذكروا‬
‫ولتتقوا‪ ،‬وعلى ذلك يدل قول الشاعر‪:‬‬
‫وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق‬
‫فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمع سراب في المل متألق‬
‫المعنى‪ :‬كفوا الحروب لنكف‪ ،‬ولو كانت "لعل" هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق‪ ،‬وهذا القول عن‬
‫قطرب والطبري‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن تكون "لعبل" بمعنبى التعرض للشيبء‪ ،‬كأنبه قيبل‪ :‬افعلوا متعرضيبن لن تعقلوا‪ ،‬أو‬
‫لن تذكروا أو لن تتقوا‪ .‬والمعنى في قوله "لعلكم تتقون" أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم ال‬
‫ببه وقايبة بينكبم وبيبن النار‪ .‬وهذا مبن قول العرب‪ :‬اتقاه بحقبه إذا اسبتقبله ببه‪ ،‬فكأنبه جعبل دفعبه حقبه‬
‫إليه وقاية له من المطالبة‪ ،‬ومنه قول علي رضي ال عنه‪ :‬كنا إذا احمر البأس اتقينا بالنبي صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬أي جعلناه وقاية لنا من العدو‪ .‬وقال عنترة‪:‬‬
‫ولقد كررت المهر يدمى نحره حتى اتقتني الخيل بابني حِذيم‬
‫*‪*3‬الية‪{ 22 :‬الذي جعل لكم الرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من‬
‫الثمرات رزقا لكم فل تجعلوا ل أندادا وأنتم تعلمون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬الذي جعل" معناه هنا صير لتعديه إلى مفعولين‪ :‬ويأتي بمعنى خلق‪ ،‬ومنه قوله‬
‫تعالى‪" :‬مبا جعبل ال مبن بحيرة ول سبائبة" [المائدة‪ ]103 :‬وقوله‪" :‬وجعبل الظلمات والنور"‬
‫[النعام‪ ]1 :‬ويأتي بمعنى سمى‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪" :‬حم‪ .‬والكتاب المبين‪ .‬إنا جعلناه قرآنا عربيا"‬
‫[الزخرف‪ .]3 - 1 :‬وقوله‪" :‬وجعلوا له مبن عباده جزءا" [الزخرف‪" .]15 :‬وجعلوا الملئكبة‬
‫الذين هم عباد الرحمن إناثا" [الزخرف‪ ]19 :‬أي سموهم‪ .‬ويأتي بمعنى أخذ‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة لضغمهما ها يقرع العظم نابها‬
‫وقد تأتي زائدة‪ ،‬كما قال الخر‪:‬‬
‫وقد جعلت أرى الثنين أربعة والواحد اثنين لما هدني الكبر‬
‫وقبد قيبل فبي قوله تعالى "وجعبل الظلمات والنور"‪ :‬إنهبا زائدة‪ .‬وجعبل واجتعبل بمعنبى واحبد‪ ،‬قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫ناط أمر الضعاف واجتعل اللي ل كحبل العاديّة الممدود‬
‫"فراشا" أي وطاء يفترشونها ويستقرون عليها‪ .‬وما ليس بفراش كالجبال والوعار والبحار فهي‬
‫مببن مصببالح مببا يفترش منهببا‪ ،‬لن الجبال كالوتاد كمببا قال‪" :‬ألم نجعببل الرض مهادا‪ .‬والجبال‬
‫أوتادا" [النبأ‪ .]7 - 6 :‬والبحار تركب إلى سائر منافعها كما قال‪" :‬والفلك التي تجري في البحر‬
‫بما ينفع الناس" [البقرة‪.]164 :‬‬
‫@ قال أصحاب الشافعي‪ :‬لو حلف رجل أل يبيت على فراش أو ل يستسرج بسراج فبات على‬
‫الرض وجلس فبي الشمبس لم يحنبث‪ ،‬لن اللفبظ ل يرجبع إليهمبا عرفبا‪ .‬وأمبا المالكيبة فبنوه على‬
‫أصبلهم فبي اليمان أنهبا محمولة على النيبة أو السببب أو البسباط الذي جرت عليبه اليميبن‪ ،‬فإن عدم‬
‫ذلك فالعرف‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬والسبماء بناء" السبماء للرض كالسبقف للبيبت‪ ،‬ولهذا قال وقوله الحبق "وجعلنبا‬
‫السماء سقفا محفوظا" [النبياء‪ ]32 :‬وكل ما عل فأظل قيل له سماء‪ ،‬وقد تقدم القول فيه والوقف‬
‫على "بناء" أحسببن منببه على "تتقون"‪ ،‬لن قوله‪" :‬الذي جعببل لكببم الرض فراشببا" نعببت للرب‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬بنبى فلن بيتبا‪ ،‬وبنبى على أهله ‪ -‬بناء فيهمبا ‪ -‬أي زفهبا‪ .‬والعامبة تقول‪ :‬بنببى بأهله‪ ،‬وهبو‬
‫خطبأ‪ ،‬وكأن الصبل فيبه أن الداخبل بأهله كان يضرب عليهبا قببة ليلة دخوله بهبا‪ ،‬فقيبل لكبل داخبل‬

‫بأهله‪ :‬بان‪ .‬وبنّى (مقصبورا) شدد للكثرة‪ ،‬وابتنبى دارا وبنبى بمعنبى‪ ،‬ومنبه بنيان الحائط‪ ،‬وأصبله‬
‫وضع لبنة على أخرى حتى تثبت‪.‬‬
‫وأصببل الماء موه‪ ،‬قلبببت الواو ألفببا لتحركهببا وتحرك مببا قبلهببا فقلت ماه‪ ،‬فالتقببى حرفان خفيان‬
‫فأبدلت مببن الهاء همزة‪ ،‬لنهببا أجلد‪ ،‬وهببي باللف أشبببه‪ ،‬فقلت‪ :‬ماء‪ ،‬اللف الولى عيببن الفعببل‪،‬‬
‫وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء‪ ،‬وبعد الهمزة بدل من التنوين‪ .‬قال أبو الحسن‪ :‬ل يجوز أن‬
‫يكتب إل بألفين عند البصريين‪ ،‬وإن شئت بثلث‪ ،‬فإذا جمعوا أو صغروا ردوا إلى الصل فقالوا‪:‬‬
‫مويه وأمواه ومياه‪ ،‬مثل جمال وأجمال‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فأخرج ببه مبن الثمرات رزقبا لكبم" الثمرات جمبع ثمرة‪ .‬ويقال‪ :‬ثمبر مثبل شجبر‪.‬‬
‫ويقال ثمر مثل خشب‪ .‬ويقال‪ :‬ثمر مثل بدن‪ .‬وثمار مثل إكام جمع ثمر‪ .‬وسيأتي لهذا مزيد بيان في‬
‫"النعام" إن شاء ال‪ .‬وثمار السياط‪ :‬عقد أطرافها‪.‬‬
‫والمعنبى فبي اليبة أخرجنبا لكبم ألوانبا مبن الثمرات‪ ،‬وأنواعبا مبن النبات‪" .‬رزقبا" طعامبا لكبم‪،‬‬
‫وعلفا لدوابكم‪ ،‬وقد بين هذا قوله تعالى‪" :‬إنا صببنا الماء صبا‪ .‬ثم شققنا الرض شقا‪ .‬فأنبتنا فيها‬
‫حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخل‪ .‬وحدائق غلبا‪ .‬وفاكهة وأبا‪ .‬متاعا لكم ولنعامكم" [عبس‪- 25 :‬‬
‫‪ ]32‬وقد مضى الكلم في الرزق مستوفى والحمد ل‪.‬‬
‫فإن قيبل‪ :‬كيبف أطلق اسبم الرزق على مبا يخرج مبن الثمرات قببل التملك؟ قيبل له‪ :‬لنهبا معدة‬
‫لن تملك ويصح بها النتفاع‪ ،‬فهي رزق‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ودلت هذه الية على أن ال تعالى أغنى النسان عن كل مخلوق‪ ،‬ولهذا قال عليه السلم‬
‫مشيرا إلى هذا المعنى‪( :‬وال لن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحدا‬
‫أعطاه أو منعه)‪ .‬أخرجه مسلم‪ .‬ويدخل في معنى الحتطاب جميع الشغال من الصنائع وغيرها‪،‬‬
‫فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف‬
‫من جعل ل ندا‪ .‬وقال علماء الصوفية‪ :‬أعلم ال عز وجل في هذه الية سبيل الفقر‪ ،‬وهو أن تجعل‬
‫الرض وطاء والسماء غطاء‪ ،‬والماء طيبا والكل طعاما‪ ،‬ول تعبد أحدا في الدنيا من الخلق بسبب‬
‫الدنيبا‪ ،‬فإن ال عبز وجبل قبد أتاح لك مبا ل ببد لك منبه‪ ،‬مبن غيبر منبة فيبه لحبد عليبك‪ .‬وقال نوف‬
‫البكالي‪ :‬رأيبت علي ببن أببي طالب خرج فنظبر إلى النجوم فقال‪ :‬يبا نوف‪ ،‬أراقبد أنبت أم رامبق؟‬
‫قلت‪ :‬بل رامق يا أمير المؤمنين‪ ،‬قال‪ :‬طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الخرة‪ ،‬أولئك قوم‬
‫اتخذوا الرض بسبباطا‪ ،‬وترابهببا فراشببا‪ ،‬وماءهببا طيبببا‪ ،‬والقرآن والدعاء دثارا وشعارا‪ ،‬فرفضوا‬
‫الدنيبا على منهاج المسبيح عليبه السبلم‪ ...‬وذكبر باقبي الخببر‪ ،‬وسبيأتي تمامبه فبي هذه السبورة عنبد‬
‫قوله تعالى‪" :‬أجيب دعوة الداع" [البقرة‪ ]186 :‬إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فل تجعلوا" نهي‪" .‬ل أندادا" أي أكفاء وأمثال ونظراء‪ ،‬واحدها ند‪ ،‬وكذلك قرأ‬
‫محمد بن السميقع "ندا"‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫نحمد ال ول ند له عنده الخير وما شاء فعل‬
‫وقال حسان‪:‬‬
‫أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفداء‬
‫ويقال‪ :‬ند ونديدة على المبالغة‪ ،‬قال لبيد‪:‬‬
‫ليكل يكون السندري نديدتي وأجعل أقواما عموما عماعما‬
‫وقال أببببو عببببيدة "أندادا" أضدادا‪ .‬النحاس‪" :‬أندادا" مفعول أول‪ ،‬و"ل" فبببي موضبببع الثانبببي‪.‬‬
‫الجوهري‪ :‬والند (بفتح النون)‪ :‬التل المرتفع في السماء‪ .‬والند من الطيب ليس بعربي‪ .‬وند البعير‬
‫ينبد ندا وندادا وندودا‪ :‬نفبر وذهبب على وجهبه‪ ،‬ومنبه قرأ بعضهبم "يوم التناد"‪ .‬وندد ببه أي شهره‬
‫وسمع به‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وأنتبم تعلمون" ابتداء وخببر‪ ،‬والجملة فبي موضبع الحال‪ ،‬والخطاب للكافريبن‬
‫والمنافقين‪ ،‬عن ابن عباس‪ .‬فإن قيل‪ :‬كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلف ذلك من الختم والطبع‬
‫والصببمم والعمببى‪ .‬فالجواب مببن وجهيببن‪ :‬أحدهمببا ‪" -‬وأنتببم تعلمون" يريببد العلم الخاص بأن ال‬
‫تعالى خلق الخلق وأنزل الماء وأنببت الرزق‪ ،‬فيعلمون أنبه المنعبم عليهبم دون النداد‪ .‬الثانبي ‪ -‬أن‬

‫يكون المعنى وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والمكان لو تدبرتم ونظرتم‪ ،‬وال أعلم‪ .‬وفي هذا دليل‬
‫على المببر باسببتعمال حجببج العقول وإبطال التقليببد‪ .‬وقال ابببن فورك‪ :‬يحتمببل أن تتناول اليببة‬
‫المؤمنين‪ ،‬فالمعنبى ل ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا ل أندادا بعبد علمكبم الذي هو نفي الجهل بأن‬
‫ال واحد‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 23 :‬وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم‬
‫من دون ال إن كنتم صادقين}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وإن كنتبم فبي ريبب" أي فبي شبك‪" .‬ممبا نزلنبا" يعنبي القرآن‪ ،‬والمراد المشركون‬
‫الذين تُحدوا‪ ،‬فإنهم لما سمعوا القرآن قالوا‪ :‬ما يشبه هذا كلم ال‪ ،‬وإنا لفي شك منه؛ فنزلت الية‪.‬‬
‫ووجه اتصالها بما قبلها أن ال سبحانه لما ذكر في الية الولى الدللة على وحدانيته وقدرته ذكر‬
‫بعدها الدللة على نبوة نبيه‪ ،‬وأن ما جاء به ليس مفترى من عنده‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬على عبدنبا" يعنبي محمبد صبلى ال عليبه وسبلم‪ .‬والعببد مأخوذ مبن التعببد وهبو‬
‫التذلل‪ ،‬فسمى المملوك ‪ -‬من جنس ما يفعله ‪ -‬عبدا لتذل لموله‪ ،‬قال طرفة‪:‬‬
‫إلى أن تحامتني العشيرة كلها وأفردت إفراد البعير المعبد‬
‫أي المذلل‪ .‬قال بعضهبم‪ :‬لمبا كانبت العبادة أشرف الخصبال والتسبمي بهبا أشرف الخطبط‪ ،‬سبمى‬
‫نبيه عبدا‪ ،‬وأنشدوا‪:‬‬
‫يا قوم قلبي عند زهراء يعرفه السامع والرائي‬
‫ل تدعني إل بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي‬
‫@قوله‪" :‬فأتوا بسبورة مبن مثله" الفاء جواب الشرط‪ ،‬ائتوا مقصبور لنبه مبن باب المجيبء‪ ،‬قاله‬
‫اببن كيسبان‪ .‬وهبو أمبر معناه التعجيبز‪ ،‬لنبه تعالى علم عجزهبم عنبه‪ .‬والسبورة واحدة السبور‪ .‬وقبد‬
‫تقدم الكلم فيها وفي إعجاز القرآن‪ ،‬فل معنى للعادة‪" .‬ومن" في قوله "من مثله" زائدة‪ ،‬كما قال‬
‫"فأتوا بسببورة مثله" والضميببر فببي "مثله" عائد على القرآن عنببد الجمهور مببن العلماء‪ ،‬كقتادة‬
‫ومجاهبد وغيرهمبا‪ .‬وقيبل‪ :‬يعود على التوراة والنجيبل‪ .‬فالمعنبى فأتوا بسبورة مبن كتاب مثله فإنهبا‬
‫تصبدق مبا فيبه‪ .‬وقيبل‪ :‬يعود على النببي صبلى ال عليبه وسبلم‪ .‬المعنبى‪ :‬مبن بشبر أمبي مثله ل يكتبب‬
‫ول يقرأ‪ .‬فمبن على هذيبن التأويليبن للتبعيبض والوقبف على "مثله" ليبس بتام‪ ،‬لن "وادعوا" نسبق‬
‫عليه‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وادعوا شهداءكبم" معناه أعوانكبم ونصبراءكم‪ .‬الفراء‪ :‬آلهتكبم‪ .‬وقال اببن كيسبان‪:‬‬
‫فإن قيبل كيبف ذكبر الشهداء هاهنبا‪ ،‬وإنمبا يكون الشهداء ليشهدوا أمرا‪ ،‬أو ليخببروا بأمبر شهدوه‪،‬‬
‫وإنما قيل لهم‪" :‬فأتوا بسورة من مثله"؟ فالجواب‪ :‬أن المعنى استعينوا بمن وجدتموه من علمائكم‪،‬‬
‫وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به‪ ،‬فيكون الرد على الجميع أوكد في الحجة عليهم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا هو معنى قول مجاهد‪ .‬قال مجاهد‪ :‬معنى‪" :‬وادعوا شهداءكم" أي ادعوا ناسا يشهدون‬
‫لكبم‪ ،‬أي يشهدون أنكبم عارضتموه‪ .‬النحاس‪" :‬شهداءكبم" نصبب بالفعبل جمبع شهيبد‪ ،‬يقال‪ :‬شاهبد‬
‫وشهيبد‪ ،‬مثبل قادر وقديبر‪ .‬وقوله" "مبن دون ال" أي مبن غيره‪ ،‬ودون نقيبض فوق‪ ،‬وهبو تقصبير‬
‫عن الغاية‪ ،‬ويكون ظرفا‪ .‬والدون‪ :‬الحقير الخسيس‪ ،‬قال‪:‬‬
‫إذا ما عل المرء رام العلء ويقنع بالدون من كان دونا‬
‫ول يشتبق منبه فعبل‪ ،‬وبعضهبم يقول منبه‪ :‬دان يدون دونبا‪ .‬ويقال‪ :‬هذا دون ذاك‪ ،‬أي أقرب منبه‪.‬‬
‫ويقال فبي الغراء بالشيبء‪ :‬دونكبه‪ .‬قالت تميبم للحجاج‪ :‬أقبرنبا صبالحا ‪ -‬وكان قبد صبلبه ‪ -‬فقال‪:‬‬
‫دونكموه‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إن كنتبم صبادقين" فيمبا قلتبم مبن أنكبم تقدرون على المعارضبة‪ ،‬لقولهبم فبي آيبة‬
‫أخرى‪" :‬لو نشاء لقلنا مثل هذا" [النفال‪ ]31 :‬والصدق‪ :‬خلف الكذب‪ ،‬وقد صدق في الحديث‪.‬‬
‫والصبدق‪ :‬الصبلب مبن الرماح‪ .‬ويقال‪ :‬صبدقوهم القتال‪ .‬والصبديق‪ :‬الملزم للصبدق‪ .‬ويقال‪ :‬رجبل‬
‫صدق‪ ،‬كما يقال‪ :‬نعم الرجل‪ .‬والصداقة مشتقة من الصدق في النصح والود‪.‬‬
‫*‪*3‬اليبة‪{ 24 :‬فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التبي وقودهبا الناس والحجارة أعدت‬
‫للكافرين}‬

‫@قوله تعالى‪" :‬فإن لم تفعلوا" يعني فيما مضى "ولن تفعلوا" أي تطيقوا ذلك فيما يأتي‪ .‬والوقف‬
‫على هذا على "صبادقين" تام‪ .‬وقال جماعبة مبن المفسبرين‪ :‬معنبى اليبة وادعوا شهداءكبم مبن دون‬
‫ال إن كنتببم صببادقين ولن تفعلوا‪ ،‬فإن لم تفعلوا فاتقوا النار فعلى هذا التفسببير ل يتببم الوقببف على‬
‫"صادقين"‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬كيف دخلت "إن" على "لم" ول يدخل عامل على عامل؟ فالجواب أن "إن" ههنا غير‬
‫عاملة فبي اللفبظ‪ ،‬فدخلت على "لم" كمبا تدخبل على الماضبي‪ ،‬لنهبا ل تعمبل فبي "لم" كمبا ل تعمبل‬
‫فببي الماضببي‪ ،‬فمعنببى إن لم تفعلوا إن تركتببم الفعببل‪ .‬قوله تعالى "ولن تفعلوا" نصببب بلن‪ ،‬ومببن‬
‫العرب من يجزم بها‪ ،‬ذكره أبو عبيدة‪ ،‬ومنه بيت النابغة‪:‬‬
‫فلن أعرض أبيت اللعن بالصفد‬
‫وفي حديث ابن عمر حين ذهب به إلى النار في منامه‪ :‬فقيل لي "لن ُترَع"‪ .‬هذا على تلك اللغة‪.‬‬
‫وفي قوله‪" :‬ولن تفعلوا" إثارة لهممهم‪ ،‬وتحريك لنفوسهم‪ ،‬ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع‪ ،‬وهذا من‬
‫الغيوب التبي أخببر بهبا القرآن قببل وقوعهبا وقال اببن كيسبان‪" :‬ولن تفعلوا" توقيفبا لهبم على أنبه‬
‫الحبق‪ ،‬وأنهبم ليسبوا صبادقين فيمبا زعموا مبن أنبه كذب‪ ،‬وأنبه مفترى وأنبه سبحر وأنبه شعبر‪ ،‬وأنبه‬
‫أساطير الولين‪ ،‬وهم يدعون العلم ول يأتون بسورة من مثله‪.‬‬
‫@وقوله "فاتقوا النار التبي وقودهبا الناس والحجارة" جواب "فإن لم تفعلوا" أي اتقوا النار‬
‫بتصديق النبي صلى ال عليه وسلم وطاعة ال تعالى‪ .‬وقد تقدم معنى التقوى فل معنبى لعادتها‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬إن لغبة تميبم وأسبد "فتقوا النار"‪ .‬وحكبى سبيبويه‪ :‬تقبى يتْقبي‪ ،‬مثبل قضبى يقضبي‪" .‬النار"‬
‫مفعولة‪" .‬التبي" مبن نعتهبا‪ .‬وفيهبا ثلث لغات‪ :‬التبي واللتِب (بكسبر التاء) واللتْب (بإسبكانها)‪ .‬وهبي‬
‫اسم مبهم للمؤنث وهي معرفة‪ ،‬ول يجوز نزع اللف واللم منها للتنكير‪ ،‬ول تتم إل بصلة‪ .‬وفي‬
‫تثنيتهبا ثلث لغات أيضبا‪ :‬اللتان واللتبا (بحذف النون) واللتان (بتشديبد النون) وفبي جمعهبا خمبس‬
‫لغات‪ :‬اللتي‪ ،‬وهي لغة القرآن‪ .‬واللت (بكسر التاء بل ياء)‪ .‬واللواتي‪ .‬واللوات (بل ياء)‪ ،‬وأنشد‬
‫أبو عبيدة‪:‬‬
‫من اللواتي واللتي واللتي زعمن أن قد كبرت لداتي‬
‫واللوا (بإسقاط التاء)‪ ،‬هذا ما حكاه الجوهري وزاد ابن الشجري‪ :‬اللئي (بالهمز وإثبات الياء)‪.‬‬
‫واللء (بكسببر الهمزة وحذف الياء)‪ .‬والل (بحذف الهمزة) فإن جمعببت الجمببع قلت فببي اللتببي‪:‬‬
‫اللواتبي وفبي اللئي‪ :‬اللوائي‪ .‬قال الجوهري‪ :‬وتصبغير التبي اللتيبا (بالفتبح والتشديبد)‪ ،‬قال الراجبز‪:‬‬
‫بعد اللتيا واللتيا والتي إذا علتها أنفس تردت‬
‫وبعببض الشعراء أدخببل على "التببي" حرف النداء‪ ،‬وحروف النداء ل تدخببل على مببا فيببه اللف‬
‫واللم إل في قولنا‪ :‬يا ال‪ ،‬وحده‪ .‬فكأنه شبهها به من حيث كانت اللف واللم غير مفارقتين لها‪،‬‬
‫وقال‪:‬‬
‫من أجلك يا التي تيمت قلبي وأنت بخيلة بالود عني‬
‫ويقال‪ :‬وقبع فلن فبي اللتيبا والتبي‪ ،‬وهمبا اسبمان مبن أسبماء الداهيبة‪ .‬والوقود (بالفتبح)‪ :‬الحطبب‪.‬‬
‫وبالضم‪ :‬التوقد‪ .‬و"الناس" عموم‪ ،‬ومعناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء أنه يكون حطبا لها‪،‬‬
‫أجارنبا ال منهبا‪" .‬والحجارة" هبي حجارة الكببريت السبود ‪ -‬عبن اببن مسبعود والفراء ‪ -‬وخصبت‬
‫بذلك لنهبا تزيبد على جميبع الحجار بخمسة أنواع من العذاب‪ :‬سرعة التقاد‪ ،‬نتبن الرائحة‪ ،‬كثرة‬
‫الدخان‪ ،‬شدة اللتصبباق بالبدان‪ ،‬قوة حرهببا إذا حميببت‪ .‬وليببس فببي قوله تعالى‪" :‬وقودهببا الناس‬
‫والحجارة" دليل على أن ليس فيها غير الناس والحجارة‪ ،‬بدليل ما ذكره في غير موضع من كون‬
‫الجبن والشياطيبن فيهبا‪ .‬وقيبل‪ :‬المراد بالحجارة الصبنام‪ ،‬لقوله تعالى‪" :‬إنكبم ومبا تعبدون مبن دون‬
‫ال حصبب جهنبم" [النببياء‪ ]98 :‬أي حطبب جهنبم‪ .‬وعليبه فتكون الحجارة والناس وقودا للنار‬
‫وذكببر ذلك تعظيمببا للنار أنهببا تحرق الحجارة مببع إحراقهببا للناس‪ .‬وعلى التأويببل الول يكونون‬
‫معذبيبن بالنار والحجارة‪ .‬وقبد جاء الحديبث عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم أنبه قال‪( :‬كبل مؤذ فبي‬
‫النار)‪ .‬وفبي تأويله وجهان‪ :‬أحدهمبا ‪ -‬أن كبل مبن آذى الناس فبي الدنيبا عذببه ال فبي الخرة بالنار‪.‬‬
‫الثانبي ‪ -‬أن كبل مبا يؤذي الناس فبي الدنيبا مبن السبباع والهوام وغيرهبا فبي النار معبد لعقوببة أهبل‬

‫النار‪ .‬وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة‪.‬‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫روى مسببلم عببن العباس بببن عبدالمطلب قال قلت‪ :‬يببا رسببول ال‪ ،‬إن أبببا طالب كان يحوطببك‬
‫وينصبرك‪ ،‬فهبل نفعبه ذلك؟ قال‪( :‬نعبم وجدتبه فبي غمرات مبن النار فأخرجتبه إلى ضحضاح ‪ -‬فبي‬
‫رواية ‪ -‬ولول أنا لكان في الدرك السفل من النار)‪" .‬وقودها" مبتدأ‪" .‬الناس" خبره‪" .‬والحجارة"‬
‫عطبف عليهبم‪ .‬وقرأ الحسبن ومجاهبد وطلحة ببن مصبرف‪" :‬وُقودهبا" (بضبم الواو)‪ .‬وقرأ عبيبد ببن‬
‫عمير‪" :‬وقيدها الناس"‪ .‬قال الكسائي والخفش‪ :‬الوقود (بفتح الواو)‪ :‬الحطب‪ ،‬و(بالضم)‪ :‬الفعل‪،‬‬
‫يقال‪ :‬وقدت النار تقببد وقودا (بالضببم) و َوقَدا وقِدة ووقيدا ووقْدا ووقدانببا‪ ،‬أي توقدت‪ .‬وأوقدتهببا أنببا‬
‫واسبتوقدتها أيضبا‪ .‬والتقاد مثبل التوقبد‪ ،‬والموضبع موقبد‪ ،‬مثبل مجلس‪ ،‬والنار م ْوقَدة‪ .‬والوقدة‪ :‬شدة‬
‫الحبر‪ ،‬وهبي عشرة أيام أو نصبف شهبر‪ .‬قال النحاس‪ :‬يجبب على هذا أل يقرأ إل "وقودهبا" بفتبح‬
‫الواو لن المعنببى حطبهببا‪ ،‬إل أن الخفببش قال‪ :‬وحكببي أن بعببض العرب يجعببل الوَقود والوُقود‬
‫بمعنبى الحطبب والمصبدر‪ .‬قال النحاس‪ :‬وذهبب إلى أن الول أكثبر‪ ،‬قال‪ :‬كمبا أن الوضوء الماء‪،‬‬
‫والوضوء المصدر‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬أعدت للكافرين" ظاهره أن غير الكافرين ل يدخلها وليس كذلك‪ ،‬بدليل ما ذكره‬
‫في غير موضع من الوعيد للمذنبين وبالحاديث الثابتة في الشفاعة‪ ،‬على ما يأتي‪ .‬وفيه دليل على‬
‫مبا يقوله أهبل الحبق مبن أن النار موجودة مخلوقبة‪ ،‬خلفبا للمبتدعبة فبي قولهبم إنهبا لم تخلق حتبى‬
‫الن‪ .‬وهو القول الذي سقط فيه القاضي منذر بن سعيد البلوطي الندلسي‪ .‬روى مسلم عن عبدال‬
‫بن مسعود قال كنا مع رسول ال إذ سمع وجبة‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬تدرون ما هذا)‬
‫قال قلنبا‪ :‬ال ورسبوله أعلم‪ ،‬قال‪( :‬هذا حجبر رمبي ببه فبي النار منبذ سببعين خريفبا فهبو يهوي فبي‬
‫النار الن حتبى انتهبى إلى قعرهبا)‪ .‬وروى البخاري عبن أببي هريرة قال قال رسبول ال صبلى ال‬
‫عليبه وسبلم‪( :‬احتجبت النار والجنبة فقالت هذه يدخلنبي الجبارون والمتكببرون وقالت هذه يدخلنبي‬
‫الضعفاء والمسبباكين فقال ال عببز وجببل لهذه‪ :‬أنببت عذابببي أعذب بببه مببن أشاء وقال لهذه‪ :‬أنببت‬
‫رحمتبي أرحبم ببك مبن أشاء‪ ،‬ولكبل واحدة منكمبا ملؤهبا)‪ .‬وأخرجبه مسبلم بمعناه‪ .‬يقال‪ :‬احتجبت‬
‫بمعنبى تحتبج‪ ،‬للحديبث المتقدم حديبث اببن مسبعود‪ ،‬ولن النببي صبلى ال عليبه وسبلم قبد أريهمبا فبي‬
‫صبلة الكسبوف‪ ،‬ورآهمبا أيضبا فبي إسبرائه ودخبل الجنة‪ ،‬فل معنبى لمبا خالف ذلك‪ .‬وبال التوفيبق‪.‬‬
‫و"أعدت" يجوز أن يكون حال للنار على معنبى معدة‪ ،‬وأضمرت معبه قبد‪ ،‬كمبا قال‪" :‬أو جاؤوكبم‬
‫حصبرت صبدورهم" [النسباء‪ ]90 :‬فمعناه قبد حصبرت صبدورهم‪ ،‬فمبع "حصبرت" قبد مضمرة‬
‫لن الماضبي ل يكون حال إل مبع قبد‪ ،‬فعلى هذا ل يتبم الوقبف على "الحجارة"‪ .‬ويجوز أن يكون‬
‫كلمبا منقطعبا عمبا قبله‪ ،‬كمبا قال‪" :‬وذلكبم ظنكبم الذي ظننتبم بربكبم أرداكبم" [فصبلت‪ .]23 :‬وقال‬
‫السجستاني‪" :‬أعدت للكافرين" من صلة "التي" كما قال في آل عمران‪" :‬واتقوا النار التي أعدت‬
‫للكافريبن" [آل عمران‪ .]131 :‬اببن النباري‪ :‬وهذا غلط‪ ،‬لن التبي فبي سبوره البقرة قبد وصبلت‬
‫بقوله‪" :‬وقودهبا الناس" فل يجوز أن توصبل بصبلة ثانيبة‪ ،‬وفبي آل عمران ليبس لهبا صبله غيبر‬
‫"أعدت"‪.‬‬
‫*‪*3‬اليبة‪{ 25 :‬وبشبر الذيبن آمنوا وعملوا الصبالحات أن لهبم جنات تجري مبن تحتهبا النهار‬
‫كلمبا رزقوا منهبا مبن ثمرة رزقبا قالوا هذا الذي رزقنبا مبن قببل وأتوا ببه متشابهبا ولهبم فيهبا أزواج‬
‫مطهرة وهم فيها خالدون}‬
‫@لمبا ذكبر ال عز وجل جزاء الكافريبن ذكبر جزاء المؤمنيبن أيضبا‪ .‬والتبشيبر الخبار بما يظهبر‬
‫أثره على البشرة ‪ -‬وهببي ظاهببر الجلد لتغيرهببا بأول خبببر يرد عليببك‪ ،‬ثببم الغالب أن يسببتعمل فببي‬
‫السرور مقيدا بالخير المبشر به‪ ،‬وغير مقيد أيضا‪ .‬ول يستعمل في الغم والشر إل مقيدا منصوصا‬
‫على الشببر المبشببر بببه‪ ،‬قال ال تعالى "فبشرهببم بعذاب أليببم" [النشقاق‪ ]24 :‬ويقال‪ :‬بشرتببه‬
‫وبشرته ‪ -‬مخفف ومشدد ‪ -‬بشارة (بكسر الباء) فأبشر واستبشر‪ .‬وبشر يبشر إذا فرح‪ .‬ووجه بشير‬
‫إذا كان حسنا بين البشارة (بفتح الباء)‪ .‬والبشرى‪ :‬ما يعطاه المبشر‪ .‬وتباشير الشيء‪ :‬أوله‪.‬‬

‫@أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال‪ :‬من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر‪ ،‬فبشره واحد من‬
‫عببيده فأكثبر فإن أولهبم يكون حرا دون الثانبي‪ .‬واختلفوا إذا قال‪ :‬مبن أخببرني مبن عببيدي بكذا فهبو‬
‫حبر فهبل يكون الثانبي مثبل الول‪ ،‬فقال أصبحاب الشافعبي‪ :‬نعبم‪ ،‬لن كبل واحبد منهبم مخببر‪ .‬وقال‬
‫علماؤنبا‪ :‬ل‪ ،‬لن المكلف إنمبا قصبد خببرا يكون بشارة‪ ،‬وذلك يختبص بالول‪ ،‬وهذا معلوم عرفبا‬
‫فوجبب صبرف القول إليبه‪ .‬وفرق محمبد ببن الحسبن بيبن قوله‪ :‬أخببرني‪ ،‬أو حدثنبي‪ ،‬فقال‪ :‬إذا قال‬
‫الرجبل أي غلم لي أخببرني بكذا‪ ،‬أو أعلمنبي بكذا وكذا فهبو حبر ‪ -‬ول نيبة له ‪ -‬فأخببره غلم له‬
‫بذلك بكتاب أو كلم أو رسبول فإن الغلم يعتبق‪ ،‬لن هذا خببر‪ .‬وإن أخببره بعبد ذلك غلم له عتبق‪،‬‬
‫لنه قال‪ :‬أي غلم أخبرني فهو حر‪ .‬ولو أخبروه كلهم عتقوا‪ ،‬وإن كان عنى ‪ -‬حين حلف ‪ -‬بالخبر‬
‫كلم مشافهبة لم يعتبق واحبد منهبم إل أن يخببره بكلم مشافهبة بذلك الخببر‪ .‬قال‪ :‬وإذا قال أي غلم‬
‫لي حدثني‪ ،‬فهذا على المشافهة‪ ،‬ل يعتق واحد منهم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وعملوا الصبالحات" رد على مبن يقول‪ :‬إن اليمان بمجرده يقتضبي الطاعات‪،‬‬
‫لنببه لو كان ذلك مببا أعادهببا فالجنببة تنال باليمان والعمببل الصببالح‪ .‬وقيببل‪ :‬الجنببة تنال باليمان‪،‬‬
‫والدرجات تستحق بالعمال الصالحات‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫"أن لهبم" فبي موضبع نصبب ببب "بشبر" والمعنبى وبشبر الذيبن آمنوا بأن لهبم‪ ،‬أو لن لهبم‪ ،‬فلمبا‬
‫سببقط الخافببض عمببل الفعببل‪ .‬وقال الكسببائي وجماعببة مببن البصببريين‪" :‬أن" فببي موضببع خفببض‬
‫بإضمار الباء‪" .‬جنات" فبي موضبع نصبب اسبم "أن"‪" ،‬وأن ومبا عملت فيبه فبي موضبع المفعول‬
‫الثانبي‪ .‬والجنات‪ :‬البسباتين‪ ،‬وإنمبا سبميت جنات لنهبا تجبن مبن فيهبا أي تسبتره بشجرهبا‪ ،‬ومنبه‪:‬‬
‫المجن والجنين والجنة‪" .‬تجري" في موضع النعت لجنات وهو مرفوع‪ ،‬لنه فعل مستقبل فحذفت‬
‫الضمة من الياء لثقلها معها‪" .‬من تحتها" أي من تحت أشجارها‪ ،‬ولم يجر لها ذكبر‪ ،‬لن الجنات‬
‫دالة عليها‪.‬‬
‫@"النهار" أي ماء النهار‪ ،‬فنسب الجري إلى النهار توسعا‪ ،‬وإنما يجري الماء وحده فحذف‬
‫اختصارا‪ ،‬كما قال تعالى‪" :‬واسأل القرية" [يوسف‪ ]82 :‬أي أهلها‪ .‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫نبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب المجلس‬
‫أراد‪ :‬أهل المجلس‪ ،‬فحذف‪ .‬والنهر‪ :‬مأخوذ من أنهرت‪ ،‬أي وسعت‪ ،‬ومنه قول قيس بن الخطيم‪:‬‬
‫ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها‬
‫أي وسبعتها‪ ،‬يصبف طعنبة‪ .‬ومنبه قول النببي صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬مبا أنهبر الدم وذكبر اسبم ال‬
‫عليه فكلوه)‪ .‬معناه‪ :‬ما وسع الذبح حتى يجري الدم كالنهر‪ .‬وجمع النهر‪ :‬نهر وأنهار‪ .‬ونهر نهر‪:‬‬
‫كثير الماء‪ ،‬قال أبو ذؤيب‪:‬‬
‫أقامت به فابتنت خيمة على قصب وفرات نهر‬
‫وروي‪ :‬أن أنهار الجنبة ليسبت فبي أخاديبد‪ ،‬إنمبا تجري على سبطح الجنبة منضبطبة بالقدرة حيبث‬
‫شاء أهلهبا‪ .‬والوقبف على "النهار" حسبن وليبس بتام‪ ،‬لن قوله‪" :‬كلمبا رزقوا منهبا مبن ثمرة" مبن‬
‫وصبف الجنات‪" .‬رزقاً" مصبدره‪ ،‬وقبد تقدم القول فبي الرزق‪ .‬ومعنبى "مبن قببل" يعنبي فبي الدنيبا‪،‬‬
‫وفيه وجهان‪ :‬أحدهما‪ :‬أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا‪ .‬والثاني‪ :‬هذا الذي رزقنا في الدنيا‪،‬‬
‫لن لونها يشبه لون ثمار الدنيا‪ ،‬فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك وقيل‪" :‬من قبل" يعني في الجنة‬
‫لنهم يرزقون ثم يرزقون‪ ،‬فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها‪ ،‬ثم أتوا منها في آخر‬
‫النهار قالوا‪ :‬هذا الذي رزقنا من قبل‪ ،‬يعني أطعمنا في أول النهار‪ ،‬لن لونه يشبه ذلك‪ ،‬فإذا أكلوا‬
‫منها وجدوا لها طعما غير طعم الول‪.‬‬
‫@قوله‪" :‬وأتوا" فعلوا مبن أتيبت‪ .‬وقرأه الجماعبة بضبم الهمزة والتاء‪ .‬وقرأ هارون العور‬
‫"وأتوا" بفتبح الهمزة والتاء‪ .‬فالضميبر فبي القراءة الولى لهبل الجنبة‪ ،‬وفبي الثانيبة للخدام‪" .‬ببه‬
‫متشابهاً" حال مبن الضميبر فبي "ببه"‪ ،‬أي يشببه بعضبه بعضبا فبي المنظبر ويختلف فبي الطعبم‪ .‬قاله‬
‫ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم‪ .‬وقال عكرمة‪ :‬يشبه ثمر الدنيا ويباينه في جل الصفات‪ .‬ابن‬
‫عباس‪ :‬هذا على وجه التعجب‪ ،‬وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى السماء‪ ،‬فكأنهم تعجبوا‬

‫لمببا رأوه مببن حسببن الثمرة وعظببم خلقهببا‪ .‬وقال قتادة‪ :‬خيارا ل رذل فيببه‪ ،‬كقوله تعالى‪" :‬كتابببا‬
‫متشابها" [الزمر‪ ]23 :‬وليس كثمار الدنيا التي ل تتشابه‪ ،‬لن فيها خيارا وغير خيار‪.‬‬
‫@قوله‪" :‬ولهبم فيهبا أزواج" ابتداء وخببر‪ .‬وأزواج‪ :‬جمبع زوج‪ .‬والمرأة‪ :‬زوج الرجبل‪ .‬والرجبل‬
‫زوج المرأة‪ .‬قال الصبمعي‪ :‬ول تكاد العرب تقول زوجبة‪ .‬وحكبى الفراء أنبه يقال‪ :‬زوجبة‪ ،‬وأنشبد‬
‫الفرزدق‪:‬‬
‫وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستبيلها‬
‫وقال عمار ببن ياسبر فبي شأن عائشبة أم المؤمنيبن رضبي ال عنهبا‪ :‬وال إنبي لعلم أنهبا زوجتبه‬
‫في الدنيا والخرة‪ ،‬ولكن ال ابتلكم‪ .‬ذكره البخاري‪ ،‬واختاره الكسائي‪.‬‬
‫"مطهرة" نعبت للزواج ومطهرة فبي اللغبة أجمبع مبن طاهرة وأبلغ‪ ،‬ومعنبى هذه الطهارة مبن‬
‫الحيض والبصاق وسائر أقذار الدميات‪ .‬ذكر عبدالرزاق قال أخبرني الثوري عن ابن أبي نجيح‬
‫عبن مجاهبد‪" :‬مطهرة" قال‪ :‬ل يبلن ول يتغوطبن ول يلدن ول يحضبن ول يمنيبن ول يبصبقن‪ .‬وقبد‬
‫أتينا على هذا كله في وصف أهل الجنة وصفة الجنة ونعيمها من كتاب التذكرة‪ .‬والحمد ل‪.‬‬
‫"وهبم فيهبا خالدون" "هبم" مبتدأ‪" .‬خالدون" خببره‪ ،‬والظرف ملغبى‪ .‬ويجوز فبي غيبر القرآن‬
‫نصبب خالديبن على الحال‪ .‬والخلود‪ :‬البقاء ومنبه جنبة الخلد‪ .‬وقبد تسبتعمل مجازا فيمبا يطول‪ ،‬ومنبه‬
‫قولهم في الدعاء‪ :‬خلد ال ملكه أي طوله‪ .‬قال زهير‪:‬‬
‫أل ل أرى على الحوادث باقيا ول خالدا إل الجبال الرواسيا‬
‫وأما الذي في الية فهو أبدي حقيقة‪.‬‬
‫*‪*3‬اليبة‪{ 26 :‬إن ال ل يسبتحيي أن يضرب مثل مبا بعوضبة فمبا فوقهبا فأمبا الذيبن آمنوا‬
‫فيعلمون أنببه الحببق مببن ربهببم وأمببا الذيببن كفروا فيقولون ماذا أراد ال بهذا مثل يضببل بببه كثيرا‬
‫ويهدي به كثيرا وما يضل به إل الفاسقين}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إن ال ل يسبتحيي أن يضرب مثل مبا بعوضبة" قال اببن عباس فبي روايبة أببي‬
‫صبالح‪ :‬لمبا ضرب ال سببحانه هذيبن المثليبن للمنافقيبن‪ :‬يعنبي "مثلهبم كمثبل الذي اسبتوقد نارا"‬
‫[البقرة‪ ]17 :‬وقوله‪" :‬أو كصبيب مبن السبماء" [البقرة‪ ]19 :‬قالوا‪ :‬ال أجبل وأعلى مبن أن‬
‫يضرب المثال‪ ،‬فأنزل ال هذه اليبة‪ .‬وفبي روايبة عطاء عبن ابببن عباس قال‪ :‬لمببا ذكببر ال آلهبة‬
‫المشركين فقال‪" :‬وإن يسلبهم الذباب شيئا ل يستنقذوه منه" [الحج‪ ]73 :‬وذكر كيد اللهة فجعله‬
‫كببيت العنكبوت‪ ،‬قالوا‪ :‬أرأيبت حيبث ذكبر ال الذباب والعنكبوت فيمبا أنزل مبن القرآن على محمبد‪،‬‬
‫أي شيبء يصبنع؟ فأنزل ال اليبة‪ .‬وقال الحسبن وقتادة‪ :‬لمبا ذكبر ال الذباب والعنكبوت فبي كتاببه‬
‫وضرب للمشركين به المثل‪ ،‬ضحكت اليهود وقالوا‪ :‬ما يشبه هذا كلم ال‪ ،‬فأنزل ال الية‪.‬‬
‫و"يسبتحيي" أصبله يسبتح ِييُ‪ ،‬عينبه ولمبه حرفبا علة‪ ،‬أعلت اللم منبه بأن اسبتثقلت الضمبة على‬
‫الياء فسبكنت‪ .‬واسبم الفاعبل فبي هذا‪ :‬مسبتحيٍ‪ ،‬والجمبع مسبتحيون ومسبتحيين‪ .‬وقرأ اببن محيصبن‬
‫"يستحي" بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة‪ ،‬وروى عن ابن كثير‪ ،‬وهي لغة تميم وبكر ابن وائل‪،‬‬
‫نقلت فيهبا حركبة الياء الولى إلى الحاء فسبكنت‪ ،‬ثبم اسبتثقلت الضمبة على الثانيبة فسبكنت‪ ،‬فحذفبت‬
‫إحداهمببا لللتقاء‪ ،‬واسببم الفاعببل مسببتح‪ ،‬والجمببع مسببتحون ومسببتحين‪ .‬قاله الجوهري‪ .‬واختلف‬
‫المتأولون فبي معنبى "يسبتحيي" فبي هذه اليبة فقيبل‪ :‬ل يخشبى‪ ،‬ورجحبه الطببري‪ ،‬وفبي التنزيبل‪:‬‬
‫"وتخشبى الناس وال أحبق أن تخشاه" [الحزاب‪ ]37 :‬بمعنبى تسبتحي‪ .‬وقال غيره‪ :‬ل يترك‪.‬‬
‫وقيبل‪ :‬ل يمتنبع‪ .‬وأصبل السبتحياء النقباض عبن الشيبء والمتناع منبه خوفبا مبن مواقعبة القبيبح‪،‬‬
‫وهذا محال على ال تعالى‪ .‬وفبي صبحيح مسبلم عبن أم سبلمة رضبي ال عنهبا قالت‪ :‬جاءت أم سبليم‬
‫إلى النبي صلى ال عليه وسلم فقالت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن ال ل يستحيي من الحق‪ .‬المعنى ل يأمر‬
‫بالحياء فيه‪ ،‬ول يمتنع من ذكره‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬أن يضرب مثل ما" "يضرب" معناه يبين‪ ،‬و"أن" مع الفعل في موضع نصب‬
‫بتقدير حذف من‪" .‬مثل" منصوب بيضرب "بعوضة" في نصبها أربعة أوجه‪:‬‬
‫الول‪ :‬تكون "ما" زائدة‪ ،‬و"بعوضة" بدل من "مثل"‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬تكون "ما" نكرة في موضع نصب على البدل من قوله‪" :‬مثل"‪ .‬و"بعوضة" نعت لما‪،‬‬
‫فوصفت "ما" بالجنس المنكر لبهامها لنها بمعنى قليل‪ ،‬قاله الفراء والزجاج وثعلب‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬نصبت على تقدير إسقاط الجار‪ ،‬المعنى أن يضرب مثل ما بين بعوضة‪ ،‬فحذفت "بين"‬
‫وأعربت بعوضة بإعرابها‪ ،‬والفاء بمعنى إلى‪ ،‬أي إلى ما فوقها‪ .‬وهذا قول الكسائي والفراء أيضا‪،‬‬
‫وأنشد أبو العباس‪:‬‬
‫يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم ول حبال محب واصل تصل‬
‫أراد ما بين قرن‪ ،‬فلما أسقط "بين" نصب‪.‬‬
‫الرابببع‪ :‬أن يكون "يضرب" بمعنببى يجعببل‪ ،‬فتكون "بعوضببة" المفعول الثانببي‪ .‬وقرأ الضحاك‬
‫وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج "بعوضة" بالرفع‪ ،‬وهي لغة تميم‪ .‬قال أبو الفتح‪ :‬ووجه‬
‫ذلك أن "مببا" اسببم بمنزلة الذي‪ ،‬و"بعوضببة" رفببع على إضمار المبتدأ‪ ،‬التقديببر‪ :‬ل يسببتحيي أن‬
‫يضرب الذي هببو بعوضببة مثل‪ ،‬فحذف العائد على الموصببول وهببو مبتدأ‪ .‬ومثله قراءة بعضهببم‪:‬‬
‫"تماما على الذي أحسن" أي على الذي هو أحسن‪ .‬وحكى سيبويه‪ :‬ما أنا بالذي قائل لك شيئا‪ ،‬أي‬
‫هبو قائل‪ .‬قال النحاس‪ :‬والحذف فبي "مبا" أقببح منبه فبي "الذي"‪ ،‬لن "الذي" إنمبا له وجبه واحبد‬
‫والسببم معببه أطول‪ .‬ويقال‪ :‬إن معنببى ضربببت له مثل‪ ،‬مثلت له مثل‪ .‬وهذه البنيببة على ضرب‬
‫واحد‪ ،‬وعلى مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع‪ .‬والبعوضة‪ :‬فعولة من َبعَض إذا قطع اللحم‪،‬‬
‫يقال‪ :‬بضبع وبعبض بمعنبى‪ ،‬وقبد بعضتبه تبعيضبا‪ ،‬أي جزأتبه فتبعبض‪ .‬والبعوض‪ :‬الببق‪ ،‬الواحدة‬
‫بعوضة‪ ،‬سميت بذلك لصغرها‪ .‬قال الجوهري وغيره‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فمبا فوقهبا" قبد تقدم أن الفاء بمعنبى إلى‪ ،‬ومبن جعبل "مبا" الولى صبلة زائدة فبب‬
‫"ما" الثانية عطف عليها‪ .‬وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما‪ :‬معنى "فما فوقها" ‪ -‬وال أعلم ‪ -‬ما‬
‫دونهببا‪ ،‬أي إنهببا فوقهببا فببي الصببغر‪ .‬قال الكسببائي‪ :‬وهذا كقولك فببي الكلم‪ :‬أتراه قصببيرا؟ فيقول‬
‫القائل‪ :‬أو فوق ذلك‪ ،‬أي هو أقصر مما ترى‪ .‬وقال قتادة وابن جريج‪ :‬المعنى في الكبر‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم" الضمير في "أنه" عائد على المثل‬
‫أي أن المثل حبق‪ .‬والحق خلف الباطل‪ .‬والحق‪ :‬واحد الحقوق‪ .‬والحقة (بفتح الحاء) أخص منه‪،‬‬
‫يقال‪ :‬هذه حقتبي‪ ،‬أي حقبي‪" .‬وأمبا الذيبن كفروا" لغبة بنبي تميبم وبنبي عامبر فبي "أمبا" أيمبا‪ ،‬يبدلون‬
‫من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف‪ ،‬وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة‪:‬‬
‫رأت رجل أيما إذا الشمس عارضت فيضحى وأيما بالعشي فيخصر‬
‫قوله تعالى‪" :‬فيقولون ماذا أراد ال بهذا مثل" اختلف النحويون فببي "ماذا"‪ ،‬فقيببل‪ :‬هببي بمنزلة‬
‫اسبم واحبد بمعنبى أي شيبء أراد ال‪ ،‬فيكون فبي موضبع نصبب ببب "أراد"‪ .‬قال اببن كيسبان‪ :‬وهبو‬
‫الجيببد‪ .‬وقيببل‪" :‬مببا" اسببم تام فببي موضببع رفببع بالبتداء‪ ،‬و"ذا" بمعنببى الذي وهببو خبببر البتداء‪،‬‬
‫ويكون التقديبر‪ :‬مبا الذي أراده ال بهذا مثل‪ ،‬ومعنبى كلمهبم هذا‪ :‬النكار بلفبظ السبتفهام‪ .‬و"مثل"‬
‫منصبوب على القطبع‪ ،‬التقديبر‪ :‬أراد مثل‪ ،‬قاله ثعلب‪ .‬وقال اببن كيسبان‪ :‬هبو منصبوب على التمييبز‬
‫الذي وقع موقع الحال‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا" قيل‪ :‬هو من قول الكافرين‪ ،‬أي ما مراد ال بهذا‬
‫المثل الذي يفرق به الناس إلى ضللة وإلى هدى‪ .‬وقيل‪ :‬بل هو خبر من ال عز وجل‪ ،‬وهو أشبه‪،‬‬
‫لنهبم يقرون بالهدى أنبه مبن عنده‪ ،‬فالمعنبى‪ :‬قبل يضبل ال ببه كثيرا ويهدي ببه كثيرا‪ ،‬أي يوفبق‬
‫ويحذل‪ ،‬وعليببه فيكون فيببه رد على مببن تقدم ذكرهببم مببن المعتزلة وغيرهببم فببي قولهببم‪ :‬إن ال ل‬
‫يخلق الضلل ول الهدى‪ .‬قالوا‪ :‬ومعنى "يضل به كثيرا" التسمية هنا‪ ،‬أي يسميه ضال‪ ،‬كما يقال‪:‬‬
‫فسبقت فلنبا‪ ،‬يعنبي سبميته فاسبقا‪ ،‬لن ال تعالى ل يضبل أحدا‪ .‬هذا طريقهبم فبي الضلل‪ ،‬وهبو‬
‫خلف أقاويبل المفسبرين‪ ،‬وهبو غيبر محتمبل فبي اللغبة‪ ،‬لنبه يقال‪ :‬ضلله إذا سبماه ضال‪ ،‬ول يقال‪:‬‬
‫أضله إذا سماه ضال‪ ،‬ولكن معناه ما ذكره المفسرون أهل التأويل من الحق أنه يخذل به كثيرا من‬
‫الناس مجازاة لكفرهم‪.‬‬
‫"وما يضل به إل الفاسقين" ول خلف أن قوله‪" :‬وما يضل به إل الفاسقين" أنه من قول ال‬
‫تعالى‪ .‬و"الفاسبقين" نصبب بوقوع الفعبل عليهبم‪ ،‬والتقديبر‪ :‬ومبا يضبل ببه أحدا إل الفاسبقين الذيبن‬

‫سببق فبي علمبه أنبه ل يهديهبم‪ .‬ول يجوز أن تنصببهم على السبتثناء لن السبتثناء ل يكون إل بعبد‬
‫تمام الكلم‪ .‬وقال نوف البكالي‪ :‬قال عزير فيما يناجي ربه عز وجل‪ :‬إلهي تخلق خلقا فتضل من‬
‫تشاء وتهدي مبن تشاء‪ .‬قال فقيبل‪ :‬يبا عزيبر اعرض عبن هذا! لتعرضبن عبن هذا أو لمحونبك مبن‬
‫النبوة‪ ،‬إني ل أسأل عما أفعل وهم يسألون‪ .‬والضلل أصله الهلك‪ ،‬يقال منه‪ :‬ضل الماء في اللبن‬
‫إذا اسببتهلك‪ ،‬ومنببه قوله تعالى‪" :‬أإذا ضللنببا فببي الرض" [السببجدة‪ ]10:‬وقببد تقدم فببي الفاتحببة‪.‬‬
‫والفسق أصله في كلم العرب الخروج عن الشيء‪ ،‬يقال‪ :‬فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها‪،‬‬
‫والفأرة من جحرها‪ .‬والفويسقة‪ :‬الفأرة‪ ،‬وفي الحديث‪( :‬خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية‬
‫والغراب البقبع والفأرة والكلب العقور والحديبا)‪ .‬روتبه عائشبة عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم‪،‬‬
‫أخرجه مسلم‪ .‬وفي رواية (العقرب) مكان (الحية)‪ .‬فأطلق صلى ال عليه وسلم عليها اسم الفسق‬
‫لذيتهبا‪ ،‬على مبا يأتبي بيانبه فبي هذا الكتاب إن شاء ال تعالى‪ .‬وفسبق الرجبل يفسبق ويفسبق أيضبا ‪-‬‬
‫فسقا وفسوقا‪ ،‬أي فجر‪ .‬فأما قوله تعالى‪" :‬ففسق عن أمر ربه" فمعناه خرج‪ .‬وزعم ابن العرابي‬
‫أنه لم يسمع قط في كلم الجاهلية ول في شعرهم فاسق‪ .‬قال‪ :‬وهذا عجب‪ ،‬وهو كلم عربي حكاه‬
‫عنه ابن فارس والجوهري‪.‬‬
‫قلت‪ :‬قد ذكر أبو بكر النباري في كتاب "الزاهر" له لما تكلم على معنى الفسق قول الشاعر‪:‬‬
‫يذهبن في نجد وغورا غائرا فواسقا عن قصدها جوائرا‬
‫والفِسبّيق‪ :‬الدائم الفسبق‪ .‬ويقال فبي النداء‪ :‬يبا فسبق ويبا خببث‪ ،‬يريبد‪ :‬يبا أيهبا الفاسبق‪ ،‬ويبا أيهبا‬
‫الخبيث‪ .‬والفسق في عرف الستعمال الشرعي‪ :‬الخروج من طاعة ال عز وجل‪ ،‬فقد يقع على من‬
‫خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان‪.‬‬
‫*‪*3‬اليبة‪{ 27 :‬الذيبن ينقضون عهبد ال مبن بعبد ميثاقبه ويقطعون مبا أمبر ال ببه أن يوصبل‬
‫ويفسدون في الرض أولئك هم الخاسرون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬الذيبن" (الذيبن) فبي موضبع نصبب على النعبت للفاسبقين‪ ،‬وإن شئت جعلتبه فبي‬
‫موضبع رفبع على أنبه خببر ابتداء محذوف‪ ،‬أي هبم الذيبن‪ .‬وقبد تقدم‪" .‬ينقضون عهبد ال" النقبض‪:‬‬
‫إفسباد مبا أبرمتبه مبن بناء أو حببل أو عهبد‪ .‬والنقاضبة‪ .‬مبا نقبض مبن حببل الشعبر‪ .‬والمناقضبة فبي‬
‫القول‪ :‬أن تتكلم بما تناقض معناه‪ .‬والنقيضة في الشعر‪ :‬ما ينقض به‪ .‬والنقض‪ :‬المنقوض‪ .‬واختلف‬
‫الناس فبي تعييبن هذا العهبد‪ ،‬فقيبل‪ :‬هبو الذي أخذه ال على بنبي آدم حيبن اسبتخرجهم مبن ظهره‪.‬‬
‫وقيبل‪ :‬هبو وصبية ال تعالى إلى خلقبه‪ ،‬وأمره إياهبم بمبا أمرهبم ببه مبن طاعتبه‪ ،‬ونهيبه إياهبم عمبا‬
‫نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله‪ ،‬ونقضهم ذلك ترك العمل به‪ .‬وقيل‪ :‬بل نصب‬
‫الدلة على وحدانيتبه بالسبماوات والرض وسبائر الصبنعة هبو بمنزلة العهبد‪ ،‬ونقضهبم ترك النظبر‬
‫فبي ذلك‪ .‬وقيبل‪ :‬هبو مبا عهده إلى مبن أوتبي الكتاب أن يببينوا نبوة محمبد صبلى ال عليبه وسبلم ول‬
‫يكتموا أمره‪ .‬فاليبة على هذا فبي أهبل الكتاب‪ .‬قال أببو إسبحاق الزجاج‪ :‬عهده جبل وعبز مبا أخذه‬
‫على النببيين ومبن اتبعهبم أل يكفروا بالنببي صبلى ال عليبه وسبلم‪ .‬ودليبل ذلك‪" :‬وإذ أخبذ ال ميثاق‬
‫النببيين" [آل عمران‪ ]81 :‬إلى قوله تعالى‪" :‬وأخذتبم على ذلكبم إصبري" [آل عمران‪ ]81 :‬أي‬
‫عهدي‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وظاهببر مببا قبببل ومببا بعببد يدل على أنهببا فببي الكفار‪ .‬فهذه خمسببة أقوال‪ ،‬والقول الثانببي‬
‫يجمعها‪.‬‬
‫قوله تعالى‪" :‬من بعد ميثاقه" الميثاق‪ :‬العهد المؤكد باليمين‪ ،‬مفعال من الوثاقة والمعاهدة‪ ،‬وهي‬
‫الشدة فبي العقبد والرببط ونحوه‪ .‬والجمبع المواثيبق على الصبل‪ ،‬لن أصبل ميثاق موثاق‪ ،‬صبارت‬
‫الواو ياء لنكسار ما قبلها ‪ -‬والمياثق والمياثيق أيضا‪ ،‬وأنشد ابن العرابي‪:‬‬
‫حمى ل يحل الدهر إل بإذننا ول نسأل القوام عهد المياثق‬
‫والموثق‪ :‬الميثاق‪ .‬والمواثقة‪ :‬المعاهدة‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪" :‬وميثاقه الذي واثقكم به"‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ويقطعون" القطع معروف‪ ،‬والمصدر ‪ -‬في الرحم ‪ -‬القطيعة‪ ،‬يقال‪ :‬قطع رحمه‬
‫قطيعة فهو رجل قطَع وقطعة‪ ،‬مثال همزة‪ .‬وقطعت الحبل قطعا‪ .‬وقطعت النهر قطوعا‪ .‬وقطعت‬

‫الطيبر قُطوعا وقُطاعا وقِطاعا إذا خرجت من بلد إلى بلد‪ .‬وأصباب الناس قطعة‪ :‬إذا قلت مياههبم‪.‬‬
‫ورجل به قطع‪ :‬أي انبهار‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ما أمر ال به أن يوصل" "ما" في موضع نصب بب "يقطعون"‪ .‬و"أن" إن شئت‬
‫كانبت بدل مبن "مبا" وإن شئت مبن الهاء فبي "ببه" وهبو أحسبن‪ .‬ويجوز أن يكون لئل يوصبل‪ ،‬أي‬
‫كراهببة أن يوصببل‪ .‬واختلف مببا الشيببء الذي أمببر بوصببله؟ فقيببل‪ :‬صببلة الرحام‪ .‬وقيببل‪ :‬أمببر أن‬
‫يوصبل القول بالعمبل‪ ،‬فقطعوا بينهمبا بأن قالوا ولم يعملوا‪ .‬وقيبل‪ :‬أمبر أن يوصبل التصبديق بجميبع‬
‫أنبببيائه‪ ،‬فقطعوه بتصببديق بعضهببم وتكذيببب بعضهببم‪ .‬وقيببل‪ :‬الشارة إلى ديببن ال وعبادتببه فببي‬
‫الرض‪ ،‬وإقامة شرائعه وحفظ حدوده‪ .‬فهي عامة في كل ما أمر ال تعالى به أن يوصل‪ .‬هذا قول‬
‫الجمهور‪ ،‬والرحم جزء من هذا‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ويفسدون في الرض" أي يعبدون غير ال تعالى ويجورون في الفعال‪ ،‬إذ هي‬
‫بحسب شهواتهم‪ ،‬وهذا غاية الفساد‪.‬‬
‫@قوله‪" :‬أولئك هبم الخاسبرون" ابتداء وخببر‪ .‬و"هبم" زائدة‪ ،‬ويجوز أن تكون "هبم" ابتداء ثان‪،‬‬
‫"الخاسبرون" خببره‪ ،‬والثانبي وخببره خببر الول كمبا تقدم‪ .‬والخاسبر‪ :‬الذي نقبص نفسبه حظهبا مبن‬
‫الفلح والفوز‪ .‬والخسران‪ :‬النقصان‪ ،‬كان في ميزان أو غيره‪ ،‬قال جرير‪:‬‬
‫إن سليطا في الخسار إنه أولد قوم خلقوا أقنّه‬
‫يعنببي بالخسببار مببا ينقببص مببن حظوظهببم وشرفهببم‪ .‬قال الجوهري‪ :‬وخسببرت الشيببء (بالفتببح)‬
‫وأخسبرته نقصبته‪ .‬والخسبار والخسبارة والخيسبرى‪ :‬الضلل والهلك‪ .‬فقيبل للهالك‪ :‬خاسبر‪ ،‬لنبه‬
‫خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله من الجنة‪.‬‬
‫@في هذه الية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه فل يحل له‬
‫نقضببه سببواء أكان بيببن مسببلم أم غيره‪ ،‬لذم ال تعالى مببن نقببض عهده‪ .‬وقببد قال‪" :‬أوفوا بالعقود"‬
‫[المائدة‪ ]1 :‬وقبد قال لنببيه عليبه السبلم‪" :‬وإمبا تخافبن مبن قوم خيانبة فانببذ إليهبم على سبواء"‬
‫[النفال‪ ]58 :‬فنهاه عن الغدر وذلك ل يكون إل بنقض العهد على ما يأتي بيانه في موضعه إن‬
‫شاء ال تعالى‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 28 :‬كيف تكفرون بال وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون}‬
‫@"كيبف" سبؤال عبن الحال‪ ،‬وهبي اسبم فبي موضبع نصبب ببب "تكفرون"‪ ،‬وهبي مبنيبة على الفتبح‬
‫وكان سببيلها أن تكون سباكنة‪ ،‬لن فيهبا معنبى السبتفهام الذي معناه التعجبب فأشبهبت الحروف‪،‬‬
‫واختير لها الفتح لخفته‪ ،‬أي هؤلء ممن يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة‪.‬‬
‫فإن قيبل‪ :‬كيبف يجوز أن يكون هذا الخطاب لهبل الكتاب وهبم لم يكفروا بال؟ فالجواب مبا سببق‬
‫مبن أنهبم لمبا لم يثبتوا أم محمبد عليبه السبلم ولم يصبدقوه فيمبا جاء ببه فقبد أشركوا‪ ،‬لنهبم لم يقروا‬
‫بأن القرآن مببن عنببد ال‪ .‬ومبن زعببم أن القرآن كلم البشببر فقببد أشرك بال وصببار ناقضببا للعهببد‪.‬‬
‫وقيل‪" :‬كيف" لفظه لفظ الستفهام وليس به‪ ،‬بل هو تقرير وتوبيخ‪ ،‬أي كيف تكفرون نعمه عليكم‬
‫وقدرتبه هذه قال الواسبطي‪ :‬وبخهبم بهذا غايبة التوبيبخ‪ ،‬لن الموات والجماد ل ينازع صبانعه فبي‬
‫شيء‪ ،‬وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وكنتم أمواتا" هذه الواو واو الحال‪ ،‬وقد مضمرة‪ .‬قال الزجاج‪ :‬التقدير وقد كنتم‪،‬‬
‫ثم حذفت قد‪ .‬وقال الفراء‪" :‬أمواتا" خبر "كنتم"‪" .‬فأحياكم ثم يميتكم" هذا وقف التمام‪ ،‬كذا قال أبو‬
‫حاتبم‪ .‬ثبم قال‪" :‬ثبم يحييكبم"‪ .‬واختلف أهبل التأويبل فبي ترتيبب هاتيبن الموتتيبن والحياتيبن‪ ،‬وكبم مبن‬
‫موتببة وحياة للنسببان؟ فقال ابببن عباس وابببن مسببعود‪ :‬أي كنتببم أمواتببا معدوميببن قبببل أن تخلقوا‬
‫فأحياكبم ‪ -‬أي خلقكبم ‪ -‬ثبم يميتكبم عنبد انقضاء آجالكبم‪ ،‬ثبم يحييكبم يوم القيامبة‪ .‬قال اببن عطيبة‪ :‬وهذا‬
‫القول هبو المراد باليبة‪ ،‬وهبو الذي ل محيبد للكفار عنبه لقرارهبم بهمبا‪ ،‬وإذا أذعنبت نفوس الكفار‬
‫لكونهبم أمواتبا معدوميبن‪ ،‬ثبم للحياء فبي الدنيبا‪ ،‬ثبم للماتبة فيهبا قوي عليهبم لزوم الحياء الخبر‬
‫وجاء جحدهبم له دعوى ل حجبة عليهبا‪ .‬قال غيره‪ :‬والحياة التبي تكون فبي القببر على هذا التأويبل‬
‫فبي حكبم حياة الدنيبا‪ .‬وقيبل‪ :‬لم يعتبد بهبا كمبا لم يعتبد بموت مبن أماتبه فبي الدنيبا ثبم أحياه فبي الدنيبا‪.‬‬
‫وقيبل‪ :‬كنتبم أمواتبا ‪ -‬أي نطفبا ‪ -‬فبي ثبم أخرجكبم من ظهره كالذر‪ ،‬ثبم يميتكبم موت الدنيبا ثبم يبعثكبم‪.‬‬

‫وقيل‪ :‬كنتم أمواتا ‪ -‬أي نطفا ‪ -‬في أصلب الرجال وأرحام النساء‪ ،‬ثم نقلكم من الرحام فأحياكم‪،‬‬
‫ثم يميتكم بعده هذه الحياة‪ ،‬ثم يحييكم في القبر للمسألة‪ ،‬ثم يميتكم في القبر‪ ،‬ثم يحييكم حياة النشر‬
‫إلى الحشر‪ ،‬وهي الحياة التي ليس بعدها موت‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فعلى هذا التأويبببل هبببي ثلث موتات‪ ،‬وثلث إحياءات‪ .‬وكونهبببم موتبببى فبببي ظهبببر آدم‪،‬‬
‫وإخراجهبم مبن ظهره والشهادة عليهبم غيبر كونهبم نطفبا فبي أصبلب الرجال وأرحام النسباء‪ ،‬فعلى‬
‫هذا تجيء أربع موتات وأربع إحياءات‪ .‬وقد قيل‪ :‬إن ال تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلم‬
‫كالهباء ثم أماتهم‪ ،‬فيكون على هذا خمس موتات‪ ،‬وخمس إحياءات‪ .‬وموتة سادسة للعصاة من أمة‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم إذا دخلوا النار‪ ،‬لحديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول ال صلى ال‬
‫عليبه وسبلم‪( :‬أمبا أهبل النار الذي هبم أهلهبا فإنهبم ل يموتون فيهبا ول يحيون ولكبن ناس أصبابتهم‬
‫النار بذنوبهبم ‪ -‬أو قال بخطاياهبم ‪ -‬فأماتهبم ال إماتبة حتبى إذا كانوا فحمبا أذِن فبي الشفاعبة فجيبء‬
‫بهبم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنبة ثبم قيبل يبا أهبل الجنبة أفيضوا عليهبم فينبتون نبات الحببة‬
‫تكون في حميل السيل)‪ .‬فقال رجل من القوم‪ :‬كأن رسول ال صلى ال عليه وسلم قد كان يرعى‬
‫بالبادية‪ .‬أخرجه مسلم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فقوله (فأماتهم ال) حقيقة في الموت‪ ،‬لنه أكده بالمصدر‪ ،‬وذلك تكريما لهم‪ .‬وقيل‪ :‬يجوز‬
‫أن يكون (أماتهبم) عبارة عن تغييبهبم عن آلمهبا بالنوم‪ ،‬ول يكون ذلك موتبا على الحقيقة‪ ،‬والول‬
‫أصببح‪ .‬وقببد أجمببع النحويون على أنببك إذا أكدت الفعببل بالمصببدر لم يكببن مجازا‪ ،‬وإنمببا هببو على‬
‫الحقيقبة‪ ،‬ومثله‪" :‬وكلم ال موسبى تكليمبا" [النسباء‪ ]164 :‬على مبا يأتبي بيانبه إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬المعنى وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم‪ ،‬ثم‬
‫يميتكم فيموت ذكركم‪ ،‬ثم يحييكم للبعث‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ثم إليه ترجعون" أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم‪ .‬وقيل‪ :‬إلى الحياة وإلى المسألة‪،‬‬
‫كمبا قال تعالى‪" :‬كمبا بدأنبا أول خلق نعيده" [النببياء‪ ]104 :‬فإعادتهبم كابتدائهبم‪ ،‬فهبو رجوع‪.‬‬
‫و"تُرجَعون" قراءة الجماعة‪ .‬ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ومجاهد وابن محيصن وسلم بن‬
‫يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت‪.‬‬
‫*‪*3‬اليبة‪{ 29 :‬هبو الذي خلق لكبم مبا فبي الرض جميعبا ثبم اسبتوى إلى السبماء فسبواهن سببع‬
‫سماوات وهو بكل شيء عليم}‬
‫@قوله‪" :‬خلق" معناه اخترع وأوجبد بعبد العدَم‪ .‬وقبد يقال فبي النسبان‪" :‬خلق" عنبد إنشائه شيئا‪،‬‬
‫ومنه قول الشاعر‪:‬‬
‫من كان يخلق ما يقو ل فحيلتي فيه قليلة‬
‫وقبد تقدم هذا المعنبى‪ .‬وقال اببن كيسبان‪" :‬خلق لكبم" أي مبن أجلكبم‪ .‬وقيبل‪ :‬المعنبى أن جميبع مبا فبي‬
‫الرض منعم به عليكم فهو لكم‪ .‬وقيل‪ :‬إنه دليل على التوحيد والعتبار‪.‬‬
‫قلت وهذا هو الصبحيح على مبا نببينه‪ .‬ويجوز أن يكون عنبي به مبا هبم إليه محتاجون من جميبع‬
‫الشياء‪.‬‬
‫@ اسبتدل مبن قال إن أصبل الشياء التبي ينتفبع بهبا الباحبة بهذه اليبة ومبا كان مثلهبا ‪ -‬كقوله‪:‬‬
‫"وسخر لكم ما في السموات وما في الرض جميعا منه" [الجاثية‪ ]13 :‬الية ‪ -‬حتى يقوم الدليل‬
‫على الحظبر‪ .‬وعضدوا هذا بأن قالوا‪ :‬إن المآكبل الشهيبة خلقبت مبع إمكان أل تخلق فلم تخلق عبثبا‪،‬‬
‫فل ببد لهبا مبن منفعبة‪ .‬وتلك المنفعبة ل يصبح رجوعهبا إلى ال تعالى لسبتغنائه بذاتبه‪ ،‬فهبي راجعبة‬
‫إلينا‪ .‬ومنفعتنا إما في نيل لذتها‪ ،‬أو في اجتنابها لنختبر بذلك‪ ،‬أو في اعتبارنا بها‪ .‬ول يحصل شيء‬
‫مبن تلك المور إل بذوقهبا‪ ،‬فلزم أن تكون مباحبة‪ .‬وهذا فاسبد‪ ،‬لنبا ل نسبلم لزوم العببث مبن خلقهبا‬
‫إل لمنفعبة‪ ،‬ببل خلقهبا كذلك لنبه ل يجبب عليبه أصبل المنفعبة‪ ،‬ببل هبو الموجبب‪ .‬ول نسبلم حصبر‬
‫المنفعبة فيمبا ذكروه‪ ،‬ول حصبول بعبض تلك المنافبع إل بالذوق‪ ،‬ببل قبد اسبتدل على الطعوم بأمور‬
‫أخببر كمببا هببو معروف عنببد الطبائعييببن‪ .‬ثببم هببو معارض بمببا يخاف أن تكون سببموما مهلكببة‪،‬‬
‫ومعارضون بشبهات أصحاب الحظر‪ .‬وتوقف آخرون وقالوا‪ :‬ما من فعل ل ندرك منه حسنا ول‬
‫قبحبا إل ويمكبن أن يكون حسبنا فبي نفسبه‪ ،‬ول معيبن قببل ورود الشرع‪ ،‬فتعيبن الوقبف إلى ورود‬

‫الشرع‪ .‬وهذه القاويبل الثلثبة للمعتزلة‪ .‬وقبد أطلق الشيبخ أببو الحسبن وأصبحابه وأكثبر المالكيبة‬
‫والصببيرفي فببي هذه المسببألة القول بالوقببف‪ .‬ومعناه عندهببم أن ل حكببم فيهببا فببي تلك الحال‪ ،‬وأن‬
‫للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء‪ ،‬وأن العقل ل يحكم بوجوب ول غيره وإنما حظه تعرف المور‬
‫على ما هي عليه‪ .‬قال ابن عطية‪ :‬وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال‪ :‬لم يخل العقل قط من‬
‫السبمع‪ ،‬ول نازلة إل وفيهبا سبمع‪ ،‬أو لهبا تعلق ببه‪ ،‬أو لهبا حال تسبتصحب‪ .‬قال‪ :‬فينبغبي أن يعتمبد‬
‫على هذا‪ ،‬ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف‪.‬‬
‫@ الصحيح في معنى قوله تعالى‪" :‬خلق لكم ما في الرض" العتبار‪ .‬يدل عليه ما قبله وما بعده‬
‫مبن نصبب العببر‪ :‬الحياء والماتبة والخلق والسبتواء إلى السبماء وتسبويتها‪ ،‬أي الذي قدر على‬
‫إحيائكبم وخلقكبم وخلق السبموات والرض‪ ،‬ل تبعبد منبه القدرة على العادة‪ .‬فإن قيبل‪ :‬إن معنبى‬
‫"لكبم" النتفاع‪ ،‬أي لتنفعوا بجميبع ذلك‪ ،‬قلنبا المراد بالنتفاع العتبار لمبا ذكرنبا‪ .‬فان قيبل‪ :‬وأي‬
‫اعتبار فبي العقارب والحيات‪ ،‬قلنبا‪ :‬قبد يتذكبر النسبان ببعبض مبا يرى مبن المؤذيات مبا أعبد ال‬
‫للكفار في النار من العقوبات فيكون سببا لليمان وترك المعاصي‪ ،‬وذلك أعظم العتبار‪ .‬قال ابن‬
‫العربي‪ :‬وليس في الخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرا ول إباحة ول وقفا‪ ،‬وإنما‬
‫جاء ذكر هذه الية في معرض الدللة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته‪ .‬وقال أرباب المعاني في‬
‫قوله‪" :‬خلق لكبم مبا فبي الرض جميعبا" لتتقووا ببه على طاعتبه‪ ،‬ل لتصبرفوه فبي وجوه معصبيته‪.‬‬
‫وقال أبو عثمان‪ :‬وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده‪ ،‬وتسكن إلى ما ضمن لك‬
‫مبن جزيبل عطائه فبي المعاد‪ ،‬ول تسبتكثر كثيبر بره على قليبل عملك‪ ،‬فقبد ابتدأك بعظيبم النعبم قببل‬
‫العمل وهو التوحيد‪.‬‬
‫@ روى زيبد ببن أسبلم عبن أبيبه عبن عمبر ببن الخطاب رضبي ال عنبه‪ ،‬أن رجل أتبى رسبول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم فسأله أن يعطيه‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم (ما عندي شيء ولكن‬
‫ابتع علي فإذا جاء شيء قضينا) فقال له عمر‪ :‬هذا أعطيت إذا كان عندك فما كلفك ال ما ل تقدر‪.‬‬
‫فكره رسول ال صلى ال عليه وسلم قول عمر‪ ،‬فقال رجل من النصار‪ :‬يا رسول ال‪:‬‬
‫أنفق ول تخش من ذي العرش إقلل‬
‫فتبسم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وعرف السرور في وجهه لقول النصاري‪ .‬ثم قال رسول‬
‫ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬بذلك أمرت)‪ .‬قال علماؤنبا رحمبة ال عليهبم‪ :‬فخوف القلل مبن سبوء‬
‫الظببن بال‪ ،‬لن ال تعالى خلق الرض بمببا فيهببا لولد آدم‪ ،‬وقال فببي تنزيله‪" :‬خلق لكببم مببا فببي‬
‫الرض جميعبا" "وسبخر لكبم مبا فبي السبموات ومبا فبي الرض جميعبا منه" [الجاثيبة‪ .]13 :‬فهذه‬
‫الشياء كلهبا مسبخرة للدمبي قطعبا لعذره وحجبة عليبه‪ ،‬ليكون له عبدا كمبا خلقبه عبدا‪ ،‬فإذا كان‬
‫العبد حسن الظن بال لم يخف القلل لنه يخلف عليه‪ ،‬كما قال تعالى‪" :‬وما أنفقتم من شيء فهو‬
‫يخلفه وهو خير الرازقين" [سبأ‪ ]39 :‬وقال‪" :‬فإن ربي غني كريم" [النمل‪ ،]40 :‬وقال رسول‬
‫ال صبلى ال عليبه وسبلم (قال ال تعالى‪ :‬سببقت رحمتبي غضببي يبا اببن آدم أنْفِق أنفبق عليبك يميبن‬
‫ال ملى سحّا ل يغيضها شيء الليل والنهار)‪ .‬وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬ما من يوم‬
‫يصببح العباد فيبه إل وملكان ينزلن فيقول أحدهمبا اللهبم أعبط منفقبا خلفبا ويقول الخبر اللهبم أعبط‬
‫ممسكا تلفا)‪ .‬وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضا‪ ،‬وهذا كله صحيح رواه الئمة والحمد ل‪.‬‬
‫فمن استنار صدره‪ ،‬وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف القلل‪ ،‬وكذلك من ماتت شهواته عن‬
‫الدنيبا واجتزأ باليسبير مبن القوت المقيبم لمهجتبه‪ ،‬وانقطعبت مشيئتبه لنفسبه‪ ،‬فهذا يعطبي مبن يسبره‬
‫وعسره ول يخاف إقلل‪ .‬وإنما يخاف القلل من له مشيئة في الشياء‪ ،‬فإذا أعطي اليوم وله غدا‬
‫مشيئه في شيء خاف أل يصيب غدا‪ ،‬فيضيق عليه المر في نفقة اليوم لمخافة إقلله‪ .‬روى مسلم‬
‫عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول ال صلى ال عليه وسلم (انفحي أو انضحي أو أنفقي‬
‫ول تحصبي فيحصبي ال عليبك ول توعبي فيوعبي عليبك)‪ .‬وروى النسبائي عبن عائشبة قالت‪ :‬دخبل‬
‫علي سبائل مرة وعندي رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪ ،‬فأمرت له بشيبء ثبم دعوت ببه فنظرت‬
‫إليه فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬أما تريدين أل يدخل بيتك شيء ول يخرج إل بعلمك)‬
‫قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪( :‬مهل يا عائشة ل تحصي فيحصي ال عز وجل عليك)‪.‬‬

‫@قوله تعالى‪" :‬ثم استوى" "ثم" لترتيب الخبار ل لترتيب المر في نفسه‪ .‬والستواء في اللغة‪:‬‬
‫الرتفاع والعلو على الشيء‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك" [المؤمنون‪:‬‬
‫‪ ،]28‬وقال "لتستووا على ظهوره" [الزخرف‪ ،]13 :‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى‬
‫أي ارتفع وعل‪ ،‬واستوت الشمس على رأسي واستوت الطير على قمة رأسي‪ ،‬بمعنى عل‪ .‬وهذه‬
‫الية من المشكلت‪ ،‬والناس فيها وفيما شاكلها على ثلثة أوجه‪ ،‬قال بعضهم‪ :‬نقرؤها ونؤمن بها‬
‫ول نفسرها‪ ،‬وذهب إليه كثير من الئمة‪ ،‬وهذا كما روى عن مالك رحمه ال أن رجل سأله عن‬
‫قوله تعالى‪" :‬الرحمن على العرش استوى" [طه‪ ]5 :‬قال مالك‪ :‬الستواء غير مجهول‪ ،‬والكيف‬
‫غير معقول‪ ،‬واليمان به واجب‪ ،‬والسؤال عنه بدعة‪ ،‬وأراك رجل سوء أخرجوه‪ .‬وقال بعضهم‪:‬‬
‫نقرؤهبا ونفسبرها على مبا يحتمله ظاهبر اللغبة‪ .‬وهذا قول المشبهبة‪ .‬وقال بعضهبم‪ :‬نقرؤهبا ونتأولهبا‬
‫ونحيبل حملهبا على ظاهرهبا‪ .‬وقال الفراء فبي قوله عبز وجبل‪" :‬ثبم اسبتوى إلى السبماء فسبواهن"‬
‫قال‪ :‬السبتواء فبي كلم العرب على وجهيبن‪ ،‬أحدهمبا‪ :‬أن يسبتوي الرجبل وينتهبي شباببه وقوتبه‪ ،‬أو‬
‫يسبتوي عبن اعوجاج‪ .‬فهذان وجهان‪ .‬ووجبه ثالث أن تقول‪ :‬كان فلن مقبل على فلن ثبم اسبتوى‬
‫علي وإلي يشاتمنبي‪ .‬على معنبى أقببل إلي وعلي‪ .‬فهذا معنبى قوله‪" :‬ثبم اسبتوى إلى السبماء" وال‬
‫أعلم‪ .‬قال وقد قال ابن عباس‪ :‬ثم استوى إلى السماء صعد‪ .‬وهذا كقولك‪ :‬كان قاعدا فاستوى قائما‪،‬‬
‫وكان قائمبا فاسبتوى قاعدا‪ ،‬وكبل ذلك فبي كلم العرب جائز‪ .‬وقال البيهقبي أببو بكبر أحمبد ببن علي‬
‫بن الحسين‪ :‬قوله‪" :‬استوى" بمعنى أقبل صحيح‪ ،‬لن القبال هو القصد إلى خلق السماء‪ ،‬والقصد‬
‫هو الرادة‪ ،‬وذلك جائز في صفات ال تعالى‪ .‬ولفظة "ثم" تتعلق بالخلق ل بالرادة‪ .‬وأما ما حكي‬
‫عن ابن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي‪ ،‬والكلبي ضعيف‪ .‬وقال سفيان بن عيينة وابن كيسان‬
‫فبي قوله "ثبم اسبتوى إلى السبماء"‪ :‬قصبد إليهبا‪ ،‬أي بخلقبه واختراعبه‪ ،‬فهذا قول‪ .‬وقيبل‪ :‬على دون‬
‫تكييبف ول تحديبد‪ ،‬واختاره الطببري‪ .‬ويذكبر عبن أببي العاليبة الرياحبي فبي هذه اليبة أنبه يقال‪:‬‬
‫استوى بمعنى أنه ارتفع‪ .‬قال البيهقي‪ :‬ومراده من ذلك ‪ -‬وال أعلم ‪ -‬ارتفاع أمره‪ ،‬وهو بخار الماء‬
‫الذي وقع منه خلق السماء‪ .‬وقيل‪ :‬إن المستوى الدخان‪ .‬وقال ابن عطية‪ :‬وهذا يأباه وصف الكلم‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬المعنى استولى‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق‬
‫قال ابن عطية‪ :‬وهذا إنما يجيء في قوله تعالى‪" :‬الرحمن على العرش استوى" [طه‪.]5 :‬‬
‫قلت‪ :‬قببد تقدم فببي قول الفراء علي وإلي بمعنببى‪ .‬وسببيأتي لهذا الباب مزيببد بيان فببي سببورة‬
‫"العراف" إن شاء ال تعالى‪ .‬والقاعدة في هذه الية ونحوها منع الحركة والنقلة‪.‬‬
‫@ يظهر من هذه الية أنه سبحانه خلق الرض قبل السماء‪ ،‬وكذلك في "حم السجدة"‪ .‬وقال في‬
‫النازعات‪" :‬أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها" [النازعات‪ ]27 :‬فوصف خلقها‪ ،‬ثم قال‪" :‬والرض‬
‫بعد ذلك دحاها" [النازعات‪ .]30 :‬فكأن السماء على هذا خلقت قبل الرض‪ ،‬وقال تعالى "الحمد‬
‫ل الذي خلق السموات والرض" [النعام‪ ]1 :‬وهذا قول قتادة‪ :‬إن السماء خلقت أول‪ ،‬حكاه عنه‬
‫الطببري‪ .‬وقال مجاهبد وغيره مبن المفسبرين‪ :‬إنبه تعالى أيببس الماء الذي كان عرشبه عليبه فجعله‬
‫أرضبا وثار منبه دخان فارتفبع‪ ،‬فجعله سبماء فصبار خلق الرض قببل خلق السبماء‪ ،‬ثبم قصبد أمره‬
‫إلى السماء فسواهن سبع سماوات‪ ،‬ثم دحا الرض بعد ذلك‪ ،‬وكانت إذ خلقها غير مدحوة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء ال تعالى‪ ،‬وهو أن ال تعالى خلق أول دخان‬
‫السماء ثم خلق الرض‪ ،‬ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواها‪ ،‬ثم دحا الرض بعد ذلك‪.‬‬
‫ومما يدل على أن الدخان خلق أول قبل الرض ما رواه السدي عن أبي مالك‪ ،‬وعن أبي صالح‬
‫عن ابن عباس‪ ،‬وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول ال صلى ال‬
‫عليبه وسبلم فبي قوله عبز وجبل‪" :‬هبو الذي خلق لكبم مبا فبي الرض جميعبا ثبم اسبتوى إلى السبماء‬
‫فسواهن سبع سماوات" [البقرة‪ ]29 :‬قال‪ :‬إن ال تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق‬
‫شيئا قببل الماء‪ ،‬فلمبا أراد أن يخلق الخلق أخرج مبن الماء دخانبا فارتفبع فوق الماء‪ ،‬فسبما عليبه‪،‬‬
‫فسبماه سبماء‪ ،‬ثبم أيببس الماء فجعله أرضبا واحدة‪ ،‬ثبم فتقهبا فجعلهبا سببع أرضيبن فبي يوميبن‪ ،‬فبي‬

‫الحبد والثنيبن‪ .‬فجعبل الرض على حوت ‪ -‬والحوت هبو النون الذي ذكبر ال تبارك وتعالى فبي‬
‫القرآن بقوله‪" :‬ن والقلم" [القلم‪ ]1 :‬والحوت فبي الماء و[الماء] على صبفاة‪ ،‬والصبفاة على ظهبر‬
‫ملك‪ ،‬والملك على الصبخرة‪ ،‬والصبخرة فبي الريبح ‪ -‬وهبي الصبخرة التبي ذكبر لقمان‪ :‬ليسبت فبي‬
‫السبببماء ول فبببي الرض ‪ -‬فتحرك الحوت فاضطرب‪ ،‬فتزلزلت الرض‪ ،‬فأرسبببل عليهبببا الجبال‬
‫فقرت‪ ،‬فالجبال تفخبر على الرض‪ ،‬وذلك قوله تعالى‪" :‬وألقبى فبي الرض رواسبي أن تميبد بكبم"‬
‫[النحل‪ ]15 :‬وخلق الجبال فيها‪ ،‬وأقوات أهلها وشجرها‪ ،‬وما ينبغي لها في يومين‪ ،‬في الثلثاء‬
‫والربعاء‪ ،‬وذلك حين يقول‪" :‬قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الرض في يومين وتجعلون له أندادا‬
‫ذلك رب العالميبن‪ .‬وجعبل فيهبا رواسبي مبن فوقهبا وبارك فيهبا وقدر فيهبا أقواتهبا فبي أربعبة أيام‬
‫سبواء للسبائلين" [فصبلت‪ ]10 ،9 :‬يقول‪ :‬مبن سبأل فهكذا المبر‪" ،‬ثبم اسبتوى إلى السبماء وهبي‬
‫دخان" وكان ذلك الدخان مبن تنفبس الماء حيبن تنفبس‪ ،‬فجعلهبا سبماء واحدة‪ ،‬ثبم فتقهبا فجعلهبا سببع‬
‫سبماوات فبي يوميبن‪ ،‬فبي الخميبس والجمعبة وإنمبا سبمي يوم الجمعبة لنبه جمبع فيبه خلق السبموات‬
‫والرض‪" ،‬وأوحبى فبي كبل سبماء أمرهبا" [فصبلت‪ ]12 :‬قال‪ :‬خلق فبي كبل سبماء خلقهبا مبن‬
‫الملئكبة والخلق الذي فيهبا مبن البحار وجبال البرد ومبا ل يعلم‪ ،‬ثبم زيبن السبماء الدنيبا بالكواكبب‪،‬‬
‫فجعلهبا زينبة وحفظبا تحفبظ مبن الشياطيبن‪ .‬فلمبا فرغ مبن خلق مبا أحبب اسبتوى على العرش‪ ،‬قال‬
‫فذلك حيببن يقول‪" :‬خلق السببموات والرض فببي سببتة أيام" [الحديببد‪ ]4 :‬ويقول‪" :‬كانتببا رتقببا‬
‫ففتقناهمبا" [النببياء‪ ]30 :‬وذكبر القصبة فبي خلق آدم عليبه السبلم‪ ،‬على مبا يأتبي بيانبه فبي هذه‬
‫السورة إن شاء ال تعالى‪ .‬وروى وكيع عن العمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال‪( :‬إن أول‬
‫مبا خلق ال عبز وجبل مبن شيبء "القلم" فقال له اكتبب‪ .‬فقال‪ :‬يبا رب ومبا اكتبب؟ قال‪ :‬اكتبب القدر‪.‬‬
‫فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة‪ .‬قال‪ :‬ثم خلق النون فدحا الرض عليها‪ ،‬فارتفع‬
‫بخار الماء ففتبببق منبببه السبببموات‪ ،‬واضطرب النون فمادت الرض فأثبتبببت بالجبال‪ ،‬فإن الجبال‬
‫تفخبر على الرض إلى يوم القيامبة‪ ).‬ففبي هذه الروايبة خلق الرض قببل ارتفاع بخار الماء الذي‬
‫هببببو الدخان‪ ،‬خلف الروايببببة الولى‪ .‬والروايببببة الولى عنببببه وعببببن غيره أولى‪ ،‬لقوله تعالى‪:‬‬
‫"والرض بعد ذلك دحاها" [النازعات‪ ]30 :‬وال أعلم بما فعل‪ ،‬فقد اختلفت فيه القاويل‪ ،‬وليس‬
‫للجتهاد فيه مدخل‪.‬‬
‫وذكبر أببو نعيبم عبن كعبب الحبار أن إبليبس تغلغبل إلى الحوت الذي على ظهره الرض كلهبا‪،‬‬
‫فألقببى فببي قلبببه‪ ،‬فقال‪ :‬هببل تدري مببا على ظهرك يببا لوثيببا مببن المببم والشجببر والدواب والناس‬
‫والجبال لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع‪ .‬قال‪ :‬فهم لوثيا بفعل ذلك‪ ،‬فبعث ال دابة فدخلت في‬
‫منخره‪ ،‬فعبج إلى ال فخرجبت‪ .‬قال كعبب‪ :‬والذي نفسبي بيده‪ ،‬إنبه لينظبر إليهبا بيبن يديبه وتنظبر إليبه‬
‫إن هم بشيء من ذلك عادت حيث كانت‪.‬‬
‫@ أصل خلق الشياء كلها من الماء لما رواه ابن ماجة في سننه‪ ،‬وأبو حاتم البستي في صحيح‬
‫مسنده عن أبى هريرة قال قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني‪ ،‬أنبئني عن كل‬
‫شيبء‪ .‬قال‪( :‬كبل شيبء خلق مبن الماء) فقلت‪ :‬أخببرني عبن شيبء إذا علمبت ببه دخلت الجنبة‪ .‬قال‪:‬‬
‫(أطعم الطعام وأفش السلم وصل الرحام وقم الليل والناس نيام تدخل الجنة بسلم)‪ .‬قال أبو حاتم‬
‫قول أبي هريرة‪" :‬أنبئني عن كل شيء" أراد به عن كل شيء خلق من الماء‪ .‬والدليل على صحة‬
‫هذا جواب المصبطفى عليبه السبلم إياه حيبث قال‪( :‬كبل شيبء خلق مبن الماء) وإن لم يكبن مخلوقبا‪.‬‬
‫وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪( :‬إن‬
‫أول شيبء خلقبه ال القلم وأمره فكتبب كبل شيبء يكون) ويروى ذلك أيضبا عبن عبادة ببن الصبامت‬
‫مرفوعبا‪ .‬قال البيهقبي‪ :‬وإنمبا أراد ‪ -‬وال أعلم ‪ -‬أول شيبء خلقبه بعبد خلق الماء والريبح والعرش‬
‫"القلم"‪ .‬وذلك بين فبي حديبث عمران بن حصبين‪ ،‬ثم خلق السبموات والرض‪ .‬وذكبر عبدالرزاق‬
‫بن عمر بن حبيب المكي عن حميد بن قيس العرج عن طاووس قال‪ :‬جاء رجل إلى عبدال بن‬
‫عمرو بببن العاص فسببأله‪ :‬مببم خلق الخلق؟ قال‪ :‬مببن الماء والنور والظلمببة والريببح والتراب‪ .‬قال‬
‫الرجبل‪ :‬فمبم خلق هؤلء؟ قال‪ :‬ل أدري‪ .‬قال‪ :‬ثبم أتبى الرجبل عبدال ببن الزبيبر فسبأله‪ ،‬فقال مثبل‬
‫قول عبدال ببن عمرو‪ .‬قال‪ :‬فأتبى الرجبل عبدال ببن عباس فسبأله‪ ،‬فقال‪ :‬مبم خلق الخلق؟ قال‪ :‬مبن‬

‫الماء والنور والظلمببة والريببح والتراب‪ .‬قال الرجببل‪ :‬فمببم خلق هؤلء؟ فتل عبدال بببن عباس‪:‬‬
‫"وسبخر لكبم مبا فبي السبموات ومبا فبي الرض جميعبا منبه" [الجاثيبة‪ ]13 :‬فقال الرجبل‪ :‬مبا كان‬
‫ليأتي بهذا إل رجل من أهل بيت النبي صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال البيهقي‪ :‬أراد أن مصدر الجميع‬
‫منه‪ ،‬أي من خلقه وإبداعه واختراعه‪ .‬خلق الماء أول‪ ،‬أو الماء وما شاء من خلقه ل عن أصل ول‬
‫على مثال سبق‪ ،‬ثم جعله أصل لما خلق بعد‪ ،‬فهو المبدع وهو البارئ ل إله غيره ول خالق سواه‪،‬‬
‫سبحانه جل وعز‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فسبواهن سببع سبماوات" ذكبر تعالى أن السبموات سببع‪ .‬ولم يأت للرض فبي‬
‫التنزيبل عدد صبريح ل يحتمبل التأويبل إل قوله تعالى‪" :‬ومن الرض مثلهبن" [الطلق‪ ]12 :‬وقبد‬
‫اختلف فيببه‪ ،‬فقيببل‪ :‬ومببن الرض مثلهببن أي فببي العدد‪ ،‬لن الكيفيببة والصببفة مختلفببة بالمشاهدة‬
‫والخبار‪ ،‬فتعيبن العدد‪ .‬وقيبل‪" :‬ومبن الرض مثلهبن" أي فبي غلظهبن ومبا بينهبن‪ .‬وقيبل‪ :‬هبي سببع‬
‫إل أنبه لم يفتبق بعضهبا مبن بعبض‪ ،‬قال الداودي‪ .‬والصبحيح الول‪ ،‬وأنهبا سببع كالسبماوات سببع‪.‬‬
‫روى مسلم عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪( :‬من أخذ شبرا من‬
‫الرض ظلمبا طوقبه إلى سببع أرضيبن)‪ .‬وعبن عائشبة رضبي ال عنهبا مثله‪ ،‬إل أن فيبه "مبن" بدل‬
‫"إلى"‪ .‬ومن حديث أبي هريرة‪( :‬ل يأخذ أحد شبرا من الرض بغير حقه إل طوقه ال إلى سبع‬
‫أرضيبن) وروى النسبائي عبن أببي سبعيد الخدري عبن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬قال‬
‫موسبى عليبه السبلم يبا رب علمنبي شيئا أذكرك ببه وأدعوك ببه قال يبا موسبى قبل ل إله إل ال قال‬
‫موسى يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل ل إله إل ال قال ل إله إل أنت إنما أريبد شيئا تخصني‬
‫به قال يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والرضين السبع في كفة ول إله إل ال‬
‫فبي كفبة مالت بهبن ل إله إل ال)‪ .‬وروى الترمذي عبن أببي هريرة قال‪ :‬بينمبا نببي ال صبلى ال‬
‫عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب‪ ،‬فقال نبي ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬هل تدرون‬
‫مبببا هذا) فقالوا‪ :‬ال ورسبببوله أعلم‪ ،‬قال‪( :‬هذا العنان هذه روايبببا الرض يسبببوقه ال إلى قوم ل‬
‫يشكرونبه ول يدعونبه ‪ -‬قال ‪ -‬هبل تدرون مبا فوقكبم) قالوا‪ :‬ال ورسبول أعلم‪ ،‬قال‪( :‬فإنهبا الرقيبع‬
‫سقف محفوظ وموج مكفوف ‪ -‬ثم قال ‪ -‬هل تدرون كم بينكم وبينها) قالوا‪ :‬ال ورسوله أعلم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫(بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام ‪ -‬ثم قال‪ - :‬هل تدرون ما فوق ذلك) قالوا‪ :‬ال ورسوله أعلم‪،‬‬
‫قال‪( :‬فإن فوق ذلك سبماءين بعبد مبا بينهمبا مسبيرة خمسبمائة سبنة) ثبم قال كذلك حتبى عبد سببع‬
‫سماوات ما بين كل سماءين ما بين السماء والرض‪ .‬ثم قال‪( :‬هل تدرون ما فوق ذلك) قالوا‪ :‬ال‬
‫ورسوله أعلم‪ ،‬قال (فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين ‪ -‬ثم قال‪ - :‬هل‬
‫تدرون مبا الذي تحتكبم) قالوا‪ :‬ال ورسبوله أعلم‪ ،‬قال‪( :‬فإنهبا الرض ‪ -‬ثبم قال‪ - :‬هبل تدرون مبا‬
‫تحببت ذلك) قالوا‪ :‬ال ورسببوله أعلم‪ ،‬قال‪( :‬فإن تحتهببا الرض الخرى بينهمببا مسببيرة خمسببمائة‬
‫سبنة) حتبى عد سببع أرضيبن‪ ،‬بيبن كبل أرضيبن مسبيرة خمسبمائة سبنة‪ ،‬ثبم قال‪( :‬والذي نفبس محمبد‬
‫بيده لو أنكبم دليتبم بحببل إلى الرض السبفلى لهببط على ال ‪ -‬ثبم قرأ ‪ -‬هبو الول والخبر والظاهبر‬
‫والباطبن وهبو بكبل شيبء عليبم)‪ .‬قال أببو عيسبى‪ :‬قراءة رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم اليبة تدل‬
‫على أنه أراد‪ :‬لهبط على علم ال وقدرته وسلطانه‪[ ،‬علم ال وقدرته وسلطانه] في كل مكان وهو‬
‫على عرشه كما وصف نفسه في كتابه‪ .‬قال‪ :‬هذا حديث غريب‪ ،‬والحسن لم يسمع من أبي هريرة‪.‬‬
‫والثار بأن الرضين سبع كثيرة‪ ،‬وفيما ذكرنا كفاية‪ .‬وقد روى أبو الضحى ‪ -‬واسمه مسلم ‪ -‬عن‬
‫اببن عباس أنبه قال‪" :‬ال الذي خلق سببع سبماوات ومن الرض مثلهبن" [الطلق‪ ]12 :‬قال‪ :‬سببع‬
‫أرضين في كل أرض نبي كنبيكم‪ ،‬وآدم كآدم‪ ،‬ونوح كنوح‪ ،‬وإبراهيم كإبراهيم‪ ،‬وعيسى كعيسى‪.‬‬
‫قال البيهقبي‪ :‬إسبناد هذا عبن اببن عباس صبحيح‪ ،‬وهبو شاذ بمرة ل أعلم لببي الضحبى عليبه دليل‪،‬‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬هو الذي خلق لكم ما في الرض" ابتداء وخبر‪" .‬ما" في موضع نصب "جميعا"‬
‫عند سيبويه نصب على الحال "ثم استوى" أهل نجد يميلون ليدلوا على أنه من ذوات الياء‪ ،‬وأهل‬
‫الحجاز يفخمون‪" .‬سببع" منصبوب على البدل مبن الهاء والنون‪ ،‬أي فسبوى سببع سبماوات‪ .‬ويجوز‬
‫أن يكون مفعول على تقديبر يسبوي بينهبن سببع سبماوات‪ ،‬كمبا قال ال جبل عبز‪" :‬واختار موسبى‬

‫قومه سبعين رجل" [العراف‪ ]155 :‬أي من قومه‪ ،‬قال النحاس‪ .‬وقال الخفش‪ :‬انتصب على‬
‫الحال‪" .‬وهو بكل شيء عليم" ابتداء وخبر والصل في "هو" تحريك الهاء‪ ،‬والسكان استخفاف‪.‬‬
‫والسماء تكون واحدة مؤنثة‪ ،‬مثل عنان‪ ،‬وتذكيرها شاذ‪ ،‬وتكون جمعا لسماوة في قول الخفش‪،‬‬
‫وسبماءة فبي قول الزجاج‪ ،‬وجمبع الجمبع سبماوات وسبماءات‪ .‬فجاء "سبواهن" إمبا على أن السبماء‬
‫جمبع وإمبا على أنهبا مفرد اسبم جنبس‪ .‬ومعنبى سبواهن سبوى سبطوحهن بالملس‪ .‬وقيبل‪ :‬جعلهبن‬
‫سواء‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وهو بكل شيء عليم" أي بما خلق وهو خالق كل شيء‪ ،‬فوجب أن يكون عالما‬
‫بكبل شيبء‪ ،‬وقبد قال‪" :‬أل يعلم مبن خلق" [الملك‪ ]14 :‬فهبو العالم والعليبم بجميبع المعلومات بعلم‬
‫قديم أزلي واحد قائم بذاته‪ ،‬ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلمية‪ .‬وقالت الجهمية‪ :‬عالم بعلم‬
‫قائم ل في محل‪ ،‬تعالى ال عن قول أهل الزيغ والضللت‪ ،‬والرد على هؤلء في كتب الديانات‪.‬‬
‫وقبد وصبف نفسبه سببحانه بالعلم فقال‪" :‬أنزله بعلمبه والملئكبة يشهدون" [النسباء‪ ،]166 :‬وقال‪:‬‬
‫"فاعلموا أنمبا أنزل بعلم ال" [هود‪ ،]14 :‬وقال‪" :‬فلنقصبن عليهبم بعلم" [العراف‪ ،]7 :‬وقال‪:‬‬
‫"وما تحمل من أنثى ول تضع إل بعلمه" [فاطر‪ ،]11 :‬وقال‪" :‬وعنده مفاتح الغيب ل يعلمها إل‬
‫هبو" [النعام‪ ]59 :‬اليبة‪ .‬وسبندل على ثبوت علمبه وسبائر صبفاته فبي هذه السبورة عنبد قوله‪:‬‬
‫"يريبد ال بكبم اليسبر ول يريبد بكبم العسبر" [البقرة‪ ]185 :‬إن شاء ال تعالى‪ .‬وقرأ الكسبائي‬
‫وقالون عبن نافبع بإسبكان الهاء مبن‪ :‬هبو وهبي‪ ،‬إذا كان قبلهبا فاء أو واو أو لم أو ثبم‪ ،‬وكذلك فعبل‬
‫أببو عمرو إل مبع ثبم‪ .‬وزاد أببو عون عبن الحلوانبي عبن قالون إسبكان الهاء مبن "أن يمبل هبو"‬
‫والباقون بالتحريك‪.‬‬
‫*‪*3‬اليبة‪{30 :‬وإذ قال رببك للملئكبة إنبي جاعبل فبي الرض خليفبة قالوا أتجعبل فيهبا مبن يفسبد‬
‫فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما ل تعلمون}‬
‫@قوله تعالى "وإذ قال رببك للملئكبة" إذ وإذا حرفبا توقيبت‪ ،‬فإذ للماضبي‪ ،‬وإذا للمسبتقبل‪ ،‬وقبد‬
‫توضع إحداهما موضع الخرى‪ .‬وقال المبرد‪ :‬إذا جاء "إذ" مع مستقبل كان معناه ماضيا‪،‬‬
‫نحو قوله‪" :‬وإذ يمكر بك" [النفال‪" ]30 :‬وإذ تقول للذي أنعم ال عليه" [الحزاب‪ ]37 :‬معناه‬
‫مكروا‪ ،‬وإذ قلت‪ .‬وإذا جاء "إذا" مببببع الماضببببي كان معناه مسببببتقبل‪ ،‬كقوله تعالى‪" :‬فإذا جاءت‬
‫الطامبة" [النازعات‪" ]34 :‬فإذا جاءت الصباخة" [عببس‪ ]33 :‬و"إذا جاء نصبر ال" [النصبر‪:‬‬
‫‪ ]1‬أي يجيء‪ .‬وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة‪" :‬إذ" زائدة‪ ،‬والتقدير‪ :‬وقال ربك‪ ،‬واستشهد بقول‬
‫السود بن يعفر‪:‬‬
‫والدهر يعقب صالحا بفساد‬
‫فإذ وذلك ل مهاة لذكره‬
‫وأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين‪ .‬قال النحاس‪ :‬وهذا خطأ‪ ،‬لن "إذ" اسم وهي‬
‫ظرف زمان ليبس ممبا تزاد‪ .‬وقال الزجاج‪ :‬هذا اجترام مبن أببي عببيدة‪ ،‬ذكبر ال عبز وجبل خلق‬
‫الناس وغيرهبم‪ ،‬فالتقديبر وابتدأ خلقكبم إذ قال‪ ،‬فكان هذا مبن المحذوف الذي دل عليبه الكلم‪ ،‬كمبا‬
‫قال‪:‬‬
‫فسوف تصادفه أينما‬
‫فإن المنية من يخشها‬
‫يريبد أينمبا ذهبب‪ .‬ويحتمبل أن تكون متعلقبة بفعبل مقدر تقديره واذكبر إذ قال‪ .‬وقيبل‪ :‬هبو مردود إلى‬
‫قوله تعالى‪" :‬اعبدوا ربكبم الذي خلقكبم" [البقرة‪ ]21 :‬فالمعنبى الذي خلقكبم إذ قال رببك للملئكبة‪.‬‬
‫وقول ال تعالى وخطابه للملئكة متقرر قديم في الزل بشرط وجودهم وفهمهم‪ .‬وهكذا الباب كله‬
‫فبي أوامبر ال تعالى ونواهيبه ومخاطباتبه‪ .‬وهذا مذهبب الشيبخ أببي الحسبن الشعري‪ ،‬وهبو الذي‬
‫ارتضاه أببو المعالي‪ .‬وقبد أتينبا عليبه فبي كتاب السبنى فبي شرح أسبماء ال الحسبنى وصبفات ال‬
‫العلى‪ .‬والرب‪ :‬المالك والسيد والمصلح والجابر‪ ،‬وقد تقدم بيانه‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬للملئكبة" الملئكبة واحدهبا ملك‪ .‬قال اببن كيسبان وغيره‪ :‬وزن ملك فعبل مبن‬
‫الملك‪ .‬وقال أببو عببيدة‪ ،‬هبو مفعبل مبن لك إذا أرسبل‪ .‬واللوكبة والمألَكبة والمألُكبة‪ :‬الرسبالة‪ ،‬قال‬
‫لبيد‪:‬‬
‫بألوك فبذلنا ما سأل‬
‫وغلم أرسلته أمه‬

‫وقال آخر‪:‬‬
‫إنني قد طال حبسي وانتظاري‬
‫أبلغ النعمان عني مألكا‬
‫ويقال‪ :‬ألكني أي أرسلني‪ ،‬فأصله على هذا مألك‪ ،‬الهمزة فاء الفعل فإنهم قلبوها إلى عينه فقالوا‪:‬‬
‫ملك‪ ،‬ثم سهلوه فقالوا ملك‪ .‬وقيل أصله ملك من ملك يملك‪ ،‬نحو شمأل من شمل‪ ،‬فالهمزة زائدة‬
‫عن ابن كيسان أيضا‪ ،‬وقد تأتي في الشعر على الصل‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫تنزل من جو السماء يصوب‬
‫فلست لنسي ولكن لملك‬
‫وقال النضبر ببن شميبل‪ .‬ل اشتقاق للملك عنبد العرب‪ .‬والهاء فبي الملئكبة تأكيبد لتأنيبث الجمبع‪،‬‬
‫ومثله الصبلدمة‪ .‬والصبلدم‪ :‬الخيبل الشداد‪ ،‬واحدهبا صبلدم‪ .‬وقيبل‪ :‬هبي للمبالغبة‪ ،‬كعلمبة ونسبابة‪.‬‬
‫وقال أرباب المعاني‪ :‬خاطب ال الملئكة ل للمشورة ولكن لستخراج ما فيهم من رؤية الحركات‬
‫والعبادة والتسبيح والتقديس‪ ،‬ثم ردهم إلى قيمتهم‪ ،‬فقال عز وجل‪" :‬اسجدوا لدم" [البقرة‪.]34 :‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إني جاعل في الرض خليفة" "جاعل" هنا بمعنى خالق‪ ،‬ذكره الطبري عن أبي‬
‫روق‪ ،‬ويقضبي بذلك تعديهبا إلى مفعول واحبد‪ ،‬وقبد تقدم‪ .‬والرض قيبل إنهبا مكبة‪ .‬روى اببن سبابط‬
‫عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪( :‬دحيت الرض من مكة) ولذلك سميت أم القرى‪ ،‬قال‪ :‬وقبر‬
‫نوح وهود وصبالح وشعيبب بيبن زمزم والركبن والمقام‪ .‬و"خليفبة" يكون بمعنبى فاعبل‪ ،‬أي يخلف‬
‫من كان قبله من الملئكة في الرض‪ ،‬أو من كان قبله من غير الملئكة على ما روي‪ .‬ويجوز أن‬
‫يكون "خليفة" بمعنى مفعول أي مخلف‪ ،‬كما يقال‪ :‬ذبيحة بمعنى مفعولة‪ .‬والخلف (بالتحريك) من‬
‫الصالحين‪ ،‬وبتسكينها من الطالحين‪ ،‬هذا هو المعروف‪ ،‬وسيأتي له مزيد بيان في "العراف" إن‬
‫شاء ال‪ .‬و"خليفبة" بالفاء قراءة الجماعبة‪ ،‬إل مبا روي عبن زيبد ببن علي فإنبه قرأ "خليقبة" بالقاف‪.‬‬
‫والمعنبي بالخليفبة هنبا ‪ -‬فبي قول اببن مسبعود واببن عباس وجميبع أهبل التأويبل ‪ -‬آدم عليبه السبلم‪،‬‬
‫وهو خليفة ال في إمضاء أحكامه وأوامره‪ ،‬لنه أول رسول إلى الرض‪ ،‬كما في حديث أبي ذر‪،‬‬
‫قال قلت‪ :‬يا رسول ال أنبيا كان مرسل؟ قال‪( :‬نعم) الحديث ويقال‪ :‬لمن كان رسول ولم يكن ‪ /‬في‬
‫الرض أحد؟ فيقال‪ :‬كان رسول إلى ولده‪ ،‬وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا في كل بطن ذكر‬
‫وأنثى‪ ،‬وتوالدوا حتى كثروا‪ ،‬كما قال ال تعالى‪" :‬خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث‬
‫منهمبا رجال كثيرا ونسباء" [النسباء‪ .]1 :‬وأنزل عليهبم تحريبم الميتبة والدم ولم الخنزيبر‪ .‬وعاش‬
‫تسعمائة وثلثين سنة‪ ،‬هكذا ذكر أهل التوراة وروي عن وهب بن منبه أنه عاش ألف سنة‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫@ هذه اليبة أصبل فبي نصبب إمام وخليفبة يسبمع له ويطاع‪ ،‬لتجتمبع ببه الكلمبة‪ ،‬وتنفبذ ببه أحكام‬
‫الخليفبة‪ .‬ول خلف فبي وجوب ذلك بيبن المبة ول بيبن الئمبة إل مبا روي عبن الصبم حيبث كان‬
‫عن الشريعة أصم‪ ،‬وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه‪ ،‬قال‪ :‬إنها غير واجبة فبي‬
‫الديبن ببل يسبوغ ذلك‪ ،‬وأن المبة متبى أقاموا حجهبم وجهادهبم‪ ،‬وتناصبفوا فيمبا بينهبم‪ ،‬وبذلوا الحبق‬
‫من أنفسهم‪ ،‬وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها‪ ،‬وأقاموا الحدود على من وجبت عليه‪،‬‬
‫أجزأهم ذلك‪ ،‬ول يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك‪ .‬ودليلنا قول ال تعالى‪" :‬إني جاعل في‬
‫الرض خليفبة" [البقرة‪ ،]30 :‬وقوله تعالى‪" :‬يبا داود إنبا جعلناك خليفبة فبي الرض" [ص‪:‬‬
‫‪ ،]26‬وقال‪" :‬وعبد ال الذيبن آمنوا منكبم وعملوا الصبالحات ليسبتخلفنهم فبي الرض" [النور‪:‬‬
‫‪ ]55‬أي يجعل منهم خلفاء‪ ،‬إلى غير ذلك من الي‪.‬‬
‫وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلف وقع بين المهاجرين والنصار في سقيفة بني‬
‫ساعدة في التعيين‪ ،‬حتى قالت النصار‪ :‬منا أمير ومنكم أمير‪ ،‬فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون‬
‫عبن ذلك‪ ،‬وقالوا لهبم‪ :‬إن العرب ل تديبن إل لهذا الحبي مبن قريبش‪ ،‬ورووا لهبم الخببر فبي ذلك‪،‬‬
‫فرجعوا وأطاعوا لقريببش‪ .‬فلو كان فرض المام غيببر واجببب ل فببي قريببش ول فببي غيرهببم لمببا‬
‫سبباغت هذه المناظرة والمحاورة عليهببا‪ ،‬ولقال قائل‪ :‬إنهببا ليسببت بواجبببة ل فببي قريببش ول فببي‬
‫غيرهبم‪ ،‬فمبا لتنازعكبم وجبه ول فائدة فبي أمبر ليبس بواجبب‪ .‬ثبم إن الصبديق رضبي ال عنبه لمبا‬
‫حضرتبه الوفاة عهبد إلى عمبر فبي المامبة‪ ،‬ولم يقبل له أحبد هذا أمبر غيبر واجبب علينبا ول عليبك‪،‬‬
‫فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين‪ ،‬والحمد ل رب العالمين‪.‬‬

‫وقالت الرافضبة‪ :‬يجبب نصببه عقل‪ ،‬وإن السبمع إنمبا ورد على جهبة التأكيبد لقضيبة العقبل‪ ،‬فأمبا‬
‫معرفببة المام فإن ذلك مدرك مبن جهببة السبمع دون العقبل‪ .‬وهذا فاسبد‪ ،‬لن العقببل ل يوجببب ول‬
‫يحظبر ول يقببح ول يحسبن‪ ،‬وإذا كان كذلك ثببت أنهبا واجببة مبن جهبة الشرع ل مبن جهبة العقبل‪،‬‬
‫وهذا واضح‪ .‬فإن قيل وهي‪:‬‬
‫@ إذا سبلم أن طريبق وجوب المامبة السبمع‪ ،‬فخبرونبا هبل يجبب مبن جهبة السبمع بالنبص على‬
‫المام مبن جهبة الرسبول صبلى ال عليبه وسبلم‪ ،‬أم مبن جهبة اختيار أهبل الحبل والعقبد له‪ ،‬أم بكمال‬
‫خصال الئمة فيه‪ ،‬ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه؟‪.‬‬
‫فالجواب أن يقال‪ :‬اختلف الناس فبي هذا الباب‪ ،‬فذهببت الماميبة وغيرهبا إلى أن الطريبق الذي‬
‫يعرف به المام هو النص من الرسول عليه السلم ول مدخل للختيار فيه‪ .‬وعندنا‪ :‬النظر طريق‬
‫إلى معرفبة المام‪ ،‬وإجماع أهبل الجتهاد طريبق أيضبا إليبه‪ ،‬وهؤلء الذيبن قالوا ل طريبق إليبه إل‬
‫النببص بنوه على أصببلهم أن القياس والرأي والجتهاد باطببل ل يعرف بببه شيببء أصببل‪ ،‬وأبطلوا‬
‫القياس أصبل وفرعبا‪ .‬ثبم اختلفوا على ثلث فرق‪ :‬فرقبة تدعبي النبص على أببي بكبر‪ ،‬وفرقبة تدعبي‬
‫النبص على العباس‪ ،‬وفرقبة تدعبي النبص على علي ببن أببي طالب رضبي ال عنهبم‪ .‬والدليبل على‬
‫فقبد النبص وعدمبه على إمام بعينبه هبو أنبه صبلى ال عليبه وسبلم لو فرض على المبة طاعبة إمام‬
‫بعينه بحيث ل يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك‪ ،‬لستحالة تكليف المة بأسرها طاعة ال في‬
‫غيبر معيبن‪ ،‬ول سببيل لهبم إلى العلم بذلك التكليبف‪ ،‬وإذا وجبب العلم ببه لم يخبل ذلك العلم مبن أن‬
‫يكون طريقبه أدلة العقول أو الخببر‪ ،‬وليبس فبي العقبل مبا يدل على ثبوت المامبة لشخبص معيبن‪،‬‬
‫وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين‪ ،‬لن ذلك الخبر إما أن يكون تواترا أوجب‬
‫العلم ضرورة أو استدلل‪ ،‬أو يكون من أخبار الحاد‪ ،‬ول يجوز أن يكون طريقه التواتر الموجب‬
‫للعلم ضرورة أو دللة‪ ،‬إذ لو كان كذلك لكان كبل مكلف يجبد مبن نفسبه العلم بوجوب الطاعبة لذلك‬
‫المعيبن وأن ذلك مبن ديبن ال عليبه‪ ،‬كمبا أن كبل مكلف علم أن مبن ديبن ال الواجبب عليبه خمبس‬
‫صلوات‪ ،‬وصوم رمضان‪ ،‬وحج البيت ونحوها‪ ،‬ول أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة‪ ،‬فبطلت هذه‬
‫الدعوى‪ ،‬وبطببل أن يكون معلومببا بأخبار الحاد لسببتحالة وقوع العلم بببه‪ .‬وأيضببا فإنببه لو وجببب‬
‫المصير إلى نقل النص على المام بأي وجه كان‪ ،‬وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس‪ ،‬لن لكل‬
‫واحد منهما قوما ينقلون النص صريحا في إمامته‪ ،‬وإذا بطل إثبات الثلثة بالنص في وقت واحد‬
‫ على ما يأتي بيانه ‪ -‬كذلك الواحد‪ ،‬إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الخر‪ .‬وإذا بطل ثبوت‬‫النبص لعدم الطريبق الموصبل إليبه ثببت الختيار والجتهاد‪ .‬فإن تعسبف متعسبف وادعبى التواتبر‬
‫والعلم الضروري بالنبص فينبغبي أن يقابلوا على الفور بنقيبض دعواهبم فبي النبص على أببي بكبر‬
‫وبأخبار فبي ذلك كثيرة تقوم أيضبا فبي جملتهبا مقام النبص‪ ،‬ثبم ل شبك فبي تصبميم مبن عدا الماميبة‬
‫على نفي النص‪ ،‬وهم الخلق الكثير والجم الغفير‪ .‬والعلم الضروري ل يجتمع على نفيه من ينحط‬
‫عبن معشار أعداد مخالفبي الماميبة‪ ،‬ولو جاز رد الضروري فبي ذلك لجاز أن ينكبر طائفبة بغداد‬
‫والصين القصى وغيرهما‪.‬‬
‫@ فبي رد الحاديبث التبي احتبج بهبا الماميبة فبي النبص على علي رضبي ال عنبه‪ ،‬وأن المبة‬
‫كفرت بهذا النص وارتدت‪ ،‬وخالفت أمبر الرسول عنادا‪ ،‬منها قوله عليه السبلم‪( :‬من كنبت موله‬
‫فعلي موله اللهبم وال مبن واله وعاد مبن عاداه)‪ .‬قالوا‪ :‬والمولى فبي اللغبة بمعنبى أولى‪ ،‬فلمبا قال‪:‬‬
‫(فعلي موله) بفاء التعقيبب علم أن المراد بقوله "مولى" أنبه أحبق وأولى‪ .‬فوجبب أن يكون أراد‬
‫بذلك المامة وأنه مفترض الطاعة‪ ،‬وقوله عليه السلم لعلي‪( :‬أنت مني بمنزلة هارون من موسى‬
‫إل أنبه ل نببي بعدي)‪ .‬قالوا‪ :‬ومنزلة هارون معروفبة‪ ،‬وهبو أنبه كان مشاركبا له فبي النبوة ولم يكبن‬
‫ذلك لعلي‪ ،‬وكان أخا له ولم يكن ذلك لعلي‪ ،‬وكان خليفة‪ ،‬فعلم أن المراد به الخلفة‪ ،‬إلى غير ذلك‬
‫مما احتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫والجواب عبن الحديبث الول‪ :‬أنبه ليبس بمتواتبر‪ ،‬وقبد اختلف فبي صبحته‪ ،‬وقبد طعبن فيبه أببو داود‬
‫السبجستاني وأببو حاتبم الرازي‪ ،‬واسبتدل على بطلنبه بأن النببي صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬مزينبة‬
‫وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ليس لهم مولى دون ال ورسوله)‪ .‬قالوا‪ :‬فلو كان قد‬

‫قال‪( :‬مبن كنبت موله فعلي موله) لكان أحبد الخببرين كذببا‪ .‬جواب ثان‪ :‬وهبو أن الخببر وإن كان‬
‫صحيحا رواه ثقة عن ثقة فليس فيه ما يدل على إمامته‪ ،‬وإنما يدل على فضيلته‪ ،‬وذلك أن المولى‬
‫بمعنبى الولي‪ ،‬فيكون معنبى الخببر‪ :‬مبن كنبت وليبه فعلي وليبه‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬فإن ال هبو موله"‬
‫[التحريبم‪ ]4 :‬أي وليبه‪ .‬وكان المقصبود مبن الخببر أن يعلم الناس أن ظاهبر علي كباطنبه‪ ،‬وذلك‬
‫فضيلة عظيمببة لعلي‪ .‬جواب ثالث‪ :‬وهببو أن هذا الخبببر ورد على سبببب‪ ،‬وذلك أن أسببامة وعليببا‬
‫اختصبما‪ ،‬فقال علي لسبامة‪ :‬أنبت مولي‪ .‬فقال‪ :‬لسبت مولك‪ ،‬ببل أنبا مولى رسبول ال صبلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فذكر للنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪( :‬من كنت موله فعلي موله)‪.‬‬
‫جواب راببع‪ :‬وهبو أن عليبا عليبه السبلم لمبا قال للنببي صبلى ال عليبه وسبلم فبي قصبة الفبك فبي‬
‫عائشة رضي ال عنها‪ :‬النساء سواها كثير‪ .‬شق ذلك عليها‪ ،‬فوجد أهل النفاق مجال فطعنوا عليه‬
‫وأظهروا البراءة منبه‪ ،‬فقال النببي صبلى ال عليبه وسبلم هذا المقال ردا لقولهبم‪ ،‬وتكذيببا لهبم فيمبا‬
‫قدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه‪ ،‬ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا‪ :‬ما كنا‬
‫نعرف المنافقيبن على عهبد رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم إل ببغضهبم لعلي عليبه السبلم‪ .‬وأمبا‬
‫الحديبث الثانبي فل خلف أن النببي صلى ال عليه وسلم لم يرد بمنزلة هارون من موسى الخلفبة‬
‫بعده‪ ،‬ول خلف أن هارون مات قببل موسبى عليهمبا السبلم ‪ -‬على مبا يأتبي مبن بيان وفاتيهمبا فبي‬
‫سورة "المائدة" ‪ -‬وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون‪ ،‬فلو أراد بقوله‪( :‬أنت مني‬
‫بمنزلة هارون مبن موسبى) الخلفبة لقال‪ :‬أنبت منبي بمنزلة يوشبع مبن موسبى‪ ،‬فلمبا لم يقبل هذا دل‬
‫على أنه لم يرد هذا‪ ،‬وإنما أراد أني استخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي‪ ،‬كما كان‬
‫هارون خليفبة موسبى على قومبه لمبا خرج إلى مناجاة رببه‪ .‬وقبد قيبل‪ :‬إن هذا الحديبث خرج على‬
‫سبب‪ ،‬وهو أن النبي صلى ال عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك استخلف عليا عليه السلم في‬
‫المدينبة على أهله وقومبه‪ ،‬فأرجبف ببه أهبل النفاق وقالوا‪ :‬إنمبا خلفبه بغضبا وقلى له‪ ،‬فخرج علي‬
‫فلحق بالنبي صلى ال عليه وسلم وقال له‪ :‬إن المنافقين قالوا كذا وكذا! فقال‪( :‬كذبوا بل خلفتك كما‬
‫خلف موسى هارون)‪ .‬وقال‪( :‬أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)‪ .‬وإذا ثبت أنه‬
‫أراد السبتخلف على زعمهبم فقبد شارك عليبا فبي هذه الفضيلة غيره‪ ،‬لن النببي صبلى ال عليبه‬
‫وسبلم اسبتخلف فبي كبل غزاة غزاهبا رجل مبن أصبحابه‪ ،‬منهبم‪ :‬اببن أم مكتوم‪ ،‬ومحمبد ببن مسبلمة‬
‫وغيرهما من أصحابه‪ ،‬على أن مدار هذا الخبر على سعد بن أبي وقاص وهو خبر واحد‪ .‬وروي‬
‫في مقابلته لبي بكر وعمر ما هو أولى منه‪ .‬وروي أن النبي صلى ال عليه وسلم لما أنفذ معاذ بن‬
‫جببل إلى اليمبن قيبل له‪ :‬أل تنفبذ أببا بكبر وعمبر؟ فقال‪( :‬إنهمبا ل غنبى ببي عنهمبا إن منزلتهمبا منبي‬
‫بمنزلة السببمع والبصببر مببن الرأس)‪ .‬وقال‪( :‬همببا وزيراي فببي أهببل الرض)‪ .‬وروي عنببه عليببه‬
‫السبلم أنبه قال‪( :‬أببو بكبر وعمبر بمنزلة هارون مبن موسبى)‪ .‬وهذا الخببر ورد ابتداء‪ ،‬وخببر علي‬
‫ورد على سبب‪ ،‬فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالمامة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫@ واختلف فيمبا يكون ببه المام إمامبا وذلك ثلث طرق‪ ،‬أحدهبا‪ :‬النبص‪ ،‬وقبد تقدم الخلف فيبه‪،‬‬
‫وقال به أيضا الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري وبكر ابن أخت عبدالواحد‬
‫وأصحابه وطائفة من الخوارج‪ .‬وذلك أن النبي صلى ال عليه وسلم نص على أبي بكر بالشارة‪،‬‬
‫وأبو بكر على عمر‪ .‬فإذا نص المستخلف على واحد معين كما فعل الصديق‪ ،‬أو على جماعة كما‬
‫فعبل عمبر‪ ،‬وهبو الطريبق الثانبي‪ ،‬ويكون التخييبر إليهبم فبي تعييبن واحبد منهبم كمبا فعبل الصبحابة‬
‫رضبي ال عنهبم فبي تعييبن عثمان ببن عفان رضبي ال عنبه‪ .‬الطريبق الثالث‪ :‬إجماع أهبل الحبل‬
‫والعقبد‪ ،‬وذلك أن الجماعبة فبي مصبر مبن أنصبار المسبلمين إذا مات إمامهبم ولم يكبن لهبم إمام ول‬
‫اسبتخلف فأقام أهبل ذلك المصبر الذي هبو حضرة المام وموضعبه إمامبا لنفسبهم اجتمعوا عليبه‬
‫ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك المام‪،‬‬
‫إذا لم يكن المام معلنا بالفسق والفساد‪ ،‬لنها دعوة محيطة بهم تجب إجابتها ول يسع أحد التخلف‬
‫عنهبا لمبا فبي إقامبة إماميبن مبن اختلف الكلمبة وفسباد ذات البيبن‪ ،‬قال رسبول ال صبلى ال عليبه‬
‫وسبلم‪( :‬ثلث ل يغبل عليهبن قلب مؤمبن إخلص العمبل ل ولزوم الجماعبة ومناصبحة ولة المبر‬
‫فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة)‪.‬‬

‫@ فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله‪ ،‬خلفا لبعض الناس حيث‬
‫قال‪ :‬ل تنعقبد إل بجماعبة مبن أهبل الحبل والعقبد‪ ،‬ودليلنبا أن عمبر رضبي ال عنبه عقبد البيعبة لببي‬
‫بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك‪ ،‬ولنه عقد فوجب أل يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود‪.‬‬
‫قال المام أببو المعالي‪ :‬مبن انعقدت له المامبة بعقبد واحبد فقبد لزمبت‪ ،‬ول يجوز خلعبه مبن غيبر‬
‫حدث وتغير أمر‪ ،‬قال‪ :‬وهذا مجمع عليه‪.‬‬
‫@ فإن تغلب من له أهلية المامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد قيل إن ذلك يكون طريقا رابعا‪ ،‬وقد‬
‫سئل سهل بن عبدال التستري‪ :‬ما يجب علينا لمن غلب على بلدنا وهو إمام؟ قال‪ :‬تجيبه وتؤدي‬
‫إليه ما يطالبك من حقه‪ ،‬ول تنكر فعاله ول تفر منه‪ ،‬وإذا ائتمنك على سر من أمر الدين لم تفشه‪.‬‬
‫وقال اببن خويبز منداد‪ :‬ولو وثبب على المبر مبن يصبلح له مبن غيبر مشورة ول اختيار وبايبع له‬
‫الناس تمت له البيعة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫@ واختلف فبي الشهادة على عقبد المامبة‪ ،‬فقال بعبض أصبحابنا‪ :‬إنبه ل يفتقبر إلى الشهود‪ ،‬لن‬
‫الشهادة ل تثببت إل بسبمع قاطبع‪ ،‬وليبس ههنبا سبمع قاطبع يدل على إثبات الشهادة‪ .‬ومنهبم مبن قال‪:‬‬
‫يفتقبر إلى شهود‪ ،‬فمبن قال بهذا احتبج بأن قال‪ :‬لو لم تعقبد فيبه الشهادة أدى إلى أن يدعبي كبل مدع‬
‫أنه عقد له سرا‪ ،‬وتؤدي إلى الهرج والفتنة‪ ،‬فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها شاهدان‪،‬‬
‫جبّائي حيث قال باعتبار أربعة شهود وعاقد ومعقود له‪ ،‬لن عمر حيث جعلها شورى في‬
‫خلفا لل ُ‬
‫سبتة دل على ذلك‪ .‬ودليلنبا أنبه ل خلف بيننبا وبينبه أن شهادة الثنيبن معتببرة‪ ،‬ومبا زاد مختلف فيبه‬
‫ولم يدل عليه الدليل فيجب أل يعتبر‪.‬‬
‫@شرائط المام‪ ،‬وهي أحد عشر‪ :‬الول‪ :‬أن يكون من صميم قريش‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫(الئمة من قريش)‪ .‬وقد اختلف في هذا‪ .‬الثاني‪ :‬أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة‬
‫المسببلمين مجتهدا ل يحتاج إلى غيره فببي السببتفتاء فببي الحوادث‪ ،‬وهذا متفببق عليببه‪ .‬الثالث‪ :‬أن‬
‫يكون ذا خببرة ورأي حصبيف بأمبر الحرب وتدبيبر الجيوش وسبد الثغور وحمايبة البيضبة وردع‬
‫المبة والنتقام مبن الظالم والخبذ للمظلوم‪ .‬الراببع‪ :‬أن يكون ممبن ل تلحقبه رقبة فبي إقامبة الحدود‬
‫ول فزع مببن ضرب الرقاب ول قطببع البشار والدليببل على هذا كله إجماع الصببحابة رضببي ال‬
‫عنهببم‪ ،‬لنببه ل خلف بينهببم أنببه ل بببد مببن أن يكون ذلك كله مجتمعببا فيببه‪ ،‬ولنببه هببو الذي يولي‬
‫القضاة والحكام‪ ،‬وله أن يباشبر الفصبل والحكبم‪ ،‬ويتفحبص أمور خلفائه وقضاتبه‪ ،‬ولن يصبلح لذلك‬
‫كله إل من كان عالما بذلك كله قيما به‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أن يكون حرا‪ ،‬ول خفاء باشتراط حرية المام وإسلمه وهو السادس‪.‬‬
‫السببابع‪ :‬أن يكون ذكرا‪ ،‬سببليم العضاء وهببو الثامببن‪ .‬وأجمعوا على أن المرأة ل يجوز أن تكون‬
‫إماما وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه‪ .‬التاسع والعاشر‪ :‬أن يكون بالغا‬
‫عاقل‪ ،‬ول خلف في ذلك‪ .‬الحادي عشر‪ :‬أن يكون عدل‪ ،‬لنه ل خلف بين المة أنه ل يجوز أن‬
‫تعقبد المامبة لفاسبق‪ ،‬ويجبب أن يكون مبن أفضلهبم فبي العلم‪ ،‬لقوله عليبه السبلم‪( :‬أئمتكبم شفعاؤكبم‬
‫فانظروا بمبن تسبتشفعون)‪ .‬وفبي التنزيبل فبي وصبف طالوت‪" :‬إن ال اصبطفاه عليكبم وزاده بسبطة‬
‫في العلم والجسم" [البقرة‪ ]247 :‬فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلمة العضاء‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫"اصبطفاه" معناه اختاره‪ ،‬وهذا يدل على شرط النسب‪ .‬وليبس من شرطه أن يكون معصوما مبن‬
‫الزلل والخطبأ‪ ،‬ول عالمبا بالغيبب‪ ،‬ول أفرس المبة ول أشجعهبم‪ ،‬ول أن يكون مبن بنبي هاشبم فقبط‬
‫دون غيرهم من قريش‪ ،‬فإن الجماع قد انعقد على إمامة أبي بكر وعثمان وليسوا من بني هاشم‪.‬‬
‫@ يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وأل يستقيم أمر المة‪ ،‬وذلك أن المام‬
‫إنمببا نصببب لدفببع العدو وحمايببة البيضببة وسببد الخلل واسببتخراج الحقوق وإقامببة الحدود وجبايببة‬
‫الموال لبيت المال وقسمتها على أهلها‪ .‬فإذا خيف بإقامة الفضل الهرج والفساد وتعطيل المور‬
‫التببي لجلهببا ينصببب المام كان ذلك عذرا ظاهرا فببي العدول عببن الفاضببل إلى المفضول‪ ،‬ويدل‬
‫على ذلك أيضبا علم عمبر وسبائر المبة وقبت الشورى بأن السبتة فيهبم فاضبل ومفضول‪ ،‬وقبد أجاز‬
‫العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك واجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم‪،‬‬
‫وال أعلم‪.‬‬

‫@ المام إذا نصبب ثبم فسبق بعبد انببرام العقبد فقال الجمهور‪ :‬إنبه تنفسبخ إمامتبه ويخلع بالفسبق‬
‫الظاهببر المعلوم‪ ،‬لنببه قببد ثبببت أن المام إنمببا يقام لقامببة الحدود واسببتيفاء الحقوق وحفببظ أموال‬
‫اليتام والمجانيبن والنظبر فبي أمورهبم إلى غيبر ذلك ممبا تقدم ذكره‪ ،‬ومبا فيبه مبن الفسبق يقعده عبن‬
‫القيام بهذه المور والنهوض بها‪ .‬فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لجله‪ ،‬أل ترى‬
‫فبي البتداء إنمبا لم يجبز أن يعقبد للفاسبق لجبل أنبه يؤدي إلى إبطال مبا أقيبم له‪ ،‬وكذلك هذا مثله‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬ل ينخلع إل بالكفبببر أو بترك إقامبببة الصبببلة أو الترك إلى دعائهبببا أو شيبببء مبببن‬
‫الشريعبة‪ ،‬لقوله عليبه السبلم فبي حديبث عبادة‪( :‬وأل ننازع المبر أهله قال إل أن تروا كفرا بواحبا‬
‫عندكببم مببن ال فيبه برهان)‪ .‬وفببي حديببث عوف ببن مالك‪( :‬ل مببا أقاموا فيكبم الصبلة) الحديببث‪.‬‬
‫أخرجهمبا مسبلم‪ .‬وعبن أم سبلمه عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬إنبه يسبتعمل عليكبم أمراء‬
‫فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع ‪ -‬قالوا‪ :‬يا رسول‬
‫ال أل نقاتلهم؟ قال‪ - :‬ل ما صلوا)‪ .‬أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه‪ .‬أخرجه أيضا مسلم‪.‬‬
‫ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصا يؤثر في المامة‪ .‬فأما إذا لم يجد نقصا فهل‬
‫له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره؟ اختلف الناس فيه‪ ،‬فمنهم من قال‪ :‬ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم‬
‫تنخلع إمامتبه‪ .‬ومنهبم مبن قال‪ :‬له أن يفعبل ذلك‪ .‬والدليبل على أن المام إذا عزل نفسبه انعزل قول‬
‫أببي بكبر الصبديق رضبي ال عنبه‪ :‬أقيلونبي أقيلونبي‪ .‬وقول الصبحابة‪ :‬ل نقيلك ول نسبتقيلك‪ ،‬قدمبك‬
‫رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم لديننبا فمبن ذا يؤخرك! رضيبك رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫لديننا فل نرضاك! فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له‪ :‬ليس لك أن‬
‫تقول هذا‪ ،‬وليببس لك أن تفعله‪ .‬فلمببا أقرتببه الصببحابة على ذلك علم أن للمام أن يفعببل ذلك‪ ،‬ولن‬
‫المام ناظبر للغيبب فيجبب أن يكون حكمبه حكبم الحاكبم‪ ،‬والوكيبل إذا عزل نفسبه‪ .‬فإن المام هبو‬
‫وكيل المة ونائب عنها‪ ،‬ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له‬
‫أن يعزل نفسه‪ ،‬وكذلك المام بجب أن يكون مثله‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫@ إذا انعقدت المامبة باتفاق أهبل الحبل والعقبد أو بواحبد على مبا تقدم وجبب على الناس كافبة‬
‫مبايعتبه على السبمع والطاعبة‪ ،‬وإقامبة كتاب ال وسبنة رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪ .‬ومبن تأببى‬
‫عبن البيعبة لعذر عذر‪ ،‬ومبن تأببى لغيبر عذر جببر وقهبر‪ ،‬لئل تفترق كلمبة المسبلمين‪ .‬وإذا بويبع‬
‫لخليفتين فالخليفة الول وقتل الخر‪ ،‬واختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله‬
‫وموتببه‪ .‬والول أظهببر‪ ،‬قال رسببول ال صببلى ال عليببه وسببلم‪( :‬إذا بويببع لخليفتيببن فاقتلوا الخببر‬
‫منهمبا)‪ .‬رواه أببو سبعيد الخدري أخرجبه مسبلم‪ .‬وفبي حديبث عبدال ببن عمرو عبن النببي صبلى ال‬
‫عليه وسلم أنه سمعه يقول‪( :‬ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه أن استطاع فإن‬
‫جاء آخببر ينازعببه فاضربوه عنببق الخببر)‪ .‬رواه مسببلم أيضببا‪ ،‬ومببن حديببث عرفجببة‪( :‬فاضربوه‬
‫بالسببيف كائنببا مببن كان)‪ .‬وهذا أدل دليببل على منببع إقامببة إماميببن‪ ،‬ولن ذلك يؤدي إلى النفاق‬
‫والمخالفبببة والشقاق وحدوث الفتبببن وزوال النعبببم‪ ،‬لكبببن إن تباعدت القطار وتباينبببت كالندلس‬
‫وخراسان جاز ذلك‪ ،‬على ما يأتي بيانه إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@ لو خرج خارجبي على إمام معروف العدالة وجبب على الناس جهاده‪ ،‬فإن كان المام فاسبقا‬
‫والخارجبي مظهبر للعدل لم ينببغ للناس أن يسبرعوا إلى نصبرة الخارجبي حتبى يتببين أمره فيمبا‬
‫يظهبر مبن العدل‪ ،‬أو تتفبق كلمبة الجماعبة على خلع الول‪ ،‬وذلك أن كبل مبن طلب مثبل هذا المبر‬
‫أظهر من نفسه الصلح حتى إذا تمكن رجع إلى عادته من خلف من ما أظهر‪.‬‬
‫@ فأما إقامة إمامين أو ثلثة في عصر واحد وبلد واحد فل يجوز إجماعا لما ذكرنا‪ .‬قال المام‬
‫أبو المعالي‪ :‬ذهب أصحابنا إلى منع عقد المامة لشخصين في طرفي العالم‪ ،‬ثم قالوا‪ :‬لو اتفق عقد‬
‫المامببة لشخصببين نزل ذلك منزلة تزويببج ولييببن امرأة واحدة مببن زوجيببن مببن غيببر أن يشعببر‬
‫أحدهمبا بعقبد الخبر‪ .‬قال‪ :‬والذي عندي فيبه أن عقبد المامبة لشخصبين فبي صبقع واحبد متضايبق‬
‫الخطبط والمخاليبف غيبر جائز وقبد حصبل الجماع عليبه‪ .‬فأمبا إذا بعبد المدى وتخلل بيبن الماميبن‬
‫شسبوع النوى فللحتمال فبي ذلك مجال وهبو خارج عبن القواطبع‪ .‬وكان السبتاذ أببو إسبحاق يجوز‬
‫ذلك فبي إقليميبن متباعديبن غايبة التباعبد لئل تتعطبل حقوق الناس وأحكامهبم‪ .‬وذهببت الكراميبة إلى‬

‫جواز نصبب إماميبن مبن غيبر تفصبيل‪ ،‬ويلزمهبم إجازة ذلك فبي بلد واحبد‪ ،‬وصباروا إلى أن عليبا‬
‫ومعاوية كانا إمامين‪ .‬قالوا‪ :‬وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في‬
‫يديبه وأضببط لمبا يليبه‪ ،‬ولنبه لمبا جاز بعثبة نببيين فبي عصبر واحبد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة‬
‫كانببت المامببة أولى‪ ،‬ول تؤدي ذلك إلى إبطال المامببة‪ .‬والجواب أن ذلك جائز لول منببع الشرع‬
‫منه‪ ،‬لقوله‪( :‬فاقتلوا الخر منهما) ولن المة عليه‪ .‬وأما معاوية فلم يدع المامة لنفسه وإنما ادعى‬
‫وليبة الشام بتوليبة مبن قبله مبن الئمبة‪ .‬وممبا يدل على هذا إجماع المبة فبي عصبرهما على أن‬
‫المام أحدهمبا‪ ،‬ول قال أحدهمبا إنبي إمام ومخالفبي إمام‪ .‬فإن قالوا‪ :‬العقبل ل يحيبل ذلك وليبس فبي‬
‫السمع ما يمنع منه‪ .‬وقلنا‪ :‬أقوى السمع الجماع‪ ،‬وقد وجد على المنع‪.‬‬
‫@ قبد علمنبا قطعبا أن الملئكبة ل تعلم إل مبا أعلمبت ول تسببق بالقول‪ ،‬وذلك عام فبي جميبع‬
‫الملئكة‪ ،‬لن قوله‪" :‬ل يسبقونه بالقول" خرج على جهة المدح لهم‪ ،‬فكيف قالوا‪" :‬أتجعل فيها من‬
‫يفسبد فيهبا"؟ فقيبل‪ :‬المعنبى أنهبم لمبا سبمعوا لفبظ خليفبة فهموا أن فبي بنبي آدم مبن يفسبد‪ ،‬إذ الخليفبة‬
‫المقصود منه الصلح وترك الفساد‪ ،‬لكن عمموا الحكم على الجميع بالمعصية‪ ،‬فبين الرب تعالى‬
‫أن فيهبم مبن يفسبد ومبن ل يفسبد فقال تطييببا لقلوبهبم‪" :‬إنبي أعلم" وحقبق ذلك بأن علم آدم السبماء‪،‬‬
‫وكشف لهم عن مكنون علمه‪ .‬وقيل‪ :‬إن الملئكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم‬
‫الدماء‪ .‬وذلك لن الرض كان فيهبا الجبن قببل خلق آدم فأفسبدوا وسبفكوا الدماء‪ ،‬فبعبث ال إليهبم‬
‫إبليس في جند من الملئكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورؤوس الجبال‪ ،‬فمن حينئذ دخلته العزة‪ .‬فجاء‬
‫قولهم‪" :‬أتجعل فيها" على جهة الستفهام المحض‪ :‬هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن‬
‫أم ل؟ قاله أحمد بن يحيى ثعلب‪ .‬وقال ابن زيد وغيره‪ .‬إن ال تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من‬
‫ذريته قوم يفسدون في الرض ويسفكون الدماء‪ ،‬فقالوا لذلك هذه المقالة‪ ،‬إما على طريق التعجب‬
‫مبن اسبتخلف ال مبن يعصبيه أو مبن عصبيان ال مبن يسبتخلفه فبي أرضبه وينعبم عليبه بذلك‪ ،‬وإمبا‬
‫على طريببق السببتعظام والكبار للفصببلين جميعببا‪ :‬السببتخلف والعصببيان‪ .‬وقال قتادة‪ :‬كان ال‬
‫أعلمهم أنه إذا جعل في الرض خلقا أفسبدوا وسفكوا الدماء‪ ،‬فسألوا حين قال تعالى‪" :‬إني جاعل‬
‫في الرض خليفة" أهو الذي أعلمهم أم غيره‪.‬‬
‫وهذا قول حسبن‪ ،‬رواه عبدالرزاق قال‪ :‬أخبرنبا معمبر عبن قتادة فبي قوله "أتجعبل فيهبا مبن يفسبد‬
‫فيهبا" قال‪ :‬كان ال أعلمهبم أنبه إذا كان فبي الرض خلق أفسبدوا فيهبا وسبفكوا الدماء‪ ،‬فلذلك قالوا‪:‬‬
‫"أتجعل فيها من يفسد فيها"‪ .‬وفي الكلم حذف على مذهبه‪ ،‬والمعنى إني جاعل في الرض خليفة‬
‫يفعبل كذا ويفعبل كذا‪ ،‬فقالوا‪ :‬أتجعبل فيهبا الذي أعلمتناه أم غيره؟ والقول الول أيضبا حسبن جدا‪،‬‬
‫لن فيبه اسبتخراج العلم واسبتنباطه مبن مقتضبى اللفاظ وذلك ل يكون إل مبن العلماء‪ ،‬ومبا بيبن‬
‫القوليبن حسبن‪ ،‬فتأمله‪ .‬وقبد قيبل‪ :‬إن سبؤاله تعالى للملئكبة بقوله‪( :‬كيبف تركتبم عبادي) ‪ -‬على مبا‬
‫ثبت في صحيح مسلم وغيره ‪ -‬إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال‪ :‬أتجعل فيها‪ ،‬وإظهار لما سبق‬
‫في معلومه إذ قال لهم‪" :‬إني أعلم ما ل تعلمون"‪.‬‬
‫@قوله‪" :‬مبن يفسبد فيهبا" "مبن" فبي موضبع نصبب على المفعول بتجعبل والمفعول الثانبي يقوم‬
‫مقامبه "فيهبا"‪" .‬يفسبد" على اللفبظ‪ ،‬ويجوز فبي غيبر القرآن يفسبدون على المعنبى‪ .‬وفبي التنزيبل‪:‬‬
‫"ومنهببم مببن يسببتمع إليببك" [النعام‪ ]25 :‬على اللفببظ‪" ،‬ومنهببم مببن يسببتمعون" على المعنببى‪.‬‬
‫"ويسفك" عطف عليه‪ ،‬ويجوز فيه الوجهان‪ .‬وروى أسيد عن العرج أنه قرأ‪" :‬ويسفك الدماء"‬
‫بالنصب‪ ،‬يجعله جواب الستفهام بالواو كما قال‪:‬‬
‫وبينكم المودة والخاء‬
‫ألم أك جاركم وتكون بيني‬
‫والسبفك‪ :‬الصبب‪ .‬سبفكت الدم أسبفكه سبفكا‪ :‬صبببته‪ ،‬وكذلك الدمبع‪ ،‬حكاه اببن فارس والجوهري‪.‬‬
‫والسببفاك‪ :‬السببفاح‪ ،‬وهببو القادر على الكلم‪ .‬قال المهدوي‪ :‬ول يسببتعمل السببفك إل فببي الدم‪ ،‬وقببد‬
‫يسبتعمل فبي نثبر الكلم يقال سبفك الكلم إذا نثره‪ .‬وواحبد الدماء دم‪ ،‬محذوف اللم‪ .‬وقيبل‪ :‬أصبله‬
‫دمي‪ .‬وقيل‪ :‬دمي‪ ،‬ول يكون اسم على حرفين إل وقد حذف منه‪ ،‬والمحذوف منه ياء وقد نطق به‬
‫على الصل‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫جرى الدميان بالخبر اليقين‬
‫فلو أنا على حجر ذبحنا‬

‫@قوله تعالى‪" :‬ونحبن نسببح بحمدك" أي ننزهبك عمبا ل يليبق بصبفاتك‪ .‬والتسببيح فبي كلمهبم‬
‫التنزيه من السوء على وجه التعظيم‪ ،‬ومنه قول أعشى بني ثعلبة‪:‬‬
‫سبحان من علقمة الفاخر‬
‫أقول لما جاءني فخره‬
‫أي براءة مبن علقمبة‪ .‬وروى طلحبة ببن عببيدال قال‪ :‬سبألت رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم عبن‬
‫تفسير سبحان ال فقال‪( :‬هو تنزيه ال عز وجل عن كل سوء)‪ .‬وهو مشتق من السبح وهو الجري‬
‫والذهاب‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬إن لك فبي النهار سببحا طويل" [المزمبل‪ ]7 :‬فالمسببح جار فبي تنزيبه‬
‫ال تعالى وتببرئته مبن السبوء‪ .‬وقبد تقدم الكلم فبي "نحبن"‪ ،‬ول يجوز إدغام النون فبي النون لئل‬
‫يلتقي ساكنان‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬واختلف أهل التأويل في تسبيح الملئكة‪ ،‬فقال ابن مسعود وابن عباس‪ :‬تسبيحهم صلتهم‪،‬‬
‫ومنببه قول ال تعالى‪" :‬فلول أنببه كان مببن المسبببحين" [الصببافات‪ ]143 :‬أي المصببلين‪ .‬وقيببل‪:‬‬
‫تسبيحهم رفع الصوت بالذكر‪ ،‬قاله المفضل‪ ،‬واستشهد بقول جرير‪:‬‬
‫سبح الحجيج وكبروا إهلل‬
‫قبح الله وجوه تغلب كلما‬
‫وقال قتادة‪ :‬تسبيحهم‪ :‬سبحان ال‪ ،‬على عرفه في اللغة‪ ،‬وهو الصحيح لما رواه أبو ذر أن رسول‬
‫ال صبلى ال عليبه وسبلم سبئل‪ :‬أي الكلم أفضبل؟ قال‪( :‬مبا اصبطفى ال لملئكتبه أو لعباده سببحان‬
‫ال وبحمده)‪ .‬أخرجبه مسبلم‪ .‬وعبن عبدالرحمبن ببن قرط أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم ليلة‬
‫أسري به سمع تسبيحا في السموات العل‪ :‬سبحان العلي العلى سبحانه وتعالى‪ ،‬ذكره البيهقي‪.‬‬
‫قوله تعالى‪" :‬بحمدك" أي وبحمدك نخلط التسببيح بالحمبد ونصبله ببه‪ .‬والحمبد‪ :‬الثناء‪ ،‬وقبد تقدم‪.‬‬
‫ويحتمبل أن يكون قولهبم‪" :‬بحمدك" اعتراضبا بيبن الكلميبن‪ ،‬كأنهبم قالوا‪ :‬ونحبن نسببح ونقدس‪ ،‬ثبم‬
‫اعترضوا على جهة التسليم‪ ،‬أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ونقدس لك" أي نعظمبك ونمجدك ونطهبر ذكرك عما ل يليق بك مما نسبك إليه‬
‫الملحدون‪ ،‬قاله مجاهببد وأبببو صببالح وغيرهمببا‪ .‬وقال الضحاك وغيره‪ :‬المعنببى نطهببر أنفسببنا لك‬
‫ابتغاء مرضاتببك‪ .‬وقال قوم منهببم قتادة‪" :‬نقدس لك" معناه نصببلي‪ .‬والتقديببس‪ :‬الصببلة‪ .‬قال ابببن‬
‫عطية‪ :‬وهذا ضعيف‪.‬‬
‫قلت‪ :‬بل معناه صحيح‪ ،‬فإن الصلة تشتمل على التعظيم والتقديس والتسبيح‪ ،‬وكان رسول ال‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم يقول فبي ركوعبه وسبجوده‪( :‬سببوح قدوس رب الملئكبة والروح)‪ .‬روتبه‬
‫عائشبة أخرجبه مسبلم‪ .‬وبناء "قدس" كيفمبا تصبرف فإن معناه التطهيبر‪ ،‬ومنبه قوله تعالى‪" :‬ادخلوا‬
‫‪ ]23‬يعنببي‬
‫الرض المقدسببة" [المائدة‪ ]21 :‬أي المطهرة‪ .‬وقال‪" :‬الملك القدوس" [الحشببر‪:‬‬
‫الطاهببر‪ ،‬ومثله‪" :‬بالواد المقدس طوى" [طببه‪ ]12 :‬وبيببت المقدس سببمي بببه لنببه المكان الذي‬
‫يتقدس فيببه مببن الذنوب أي يتطهببر‪ ،‬ومنببه قيببل للسببطل‪َ :‬قدَس‪ ،‬لنببه يتوضببأ فيببه ويتطهببر‪ ،‬ومنببه‬
‫القادوس‪ .‬وفي الحديث‪( :‬ل قدست أمة ل يؤخذ لضعيفها من قويها)‪ .‬يريد ل طهرها ال‪ ،‬أخرجه‬
‫ابن ماجة في سننه‪ .‬فالقدس‪ :‬الطهر من غير خلف‪ ،‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫كما شبرق الولدان ثوب المقدس‬
‫فأدركنه يأخذن بالساق والنسا‬
‫أي المطهر‪ .‬فالصلة طهرة للعبد من الذنوب‪ ،‬والمصلي يدخلها على أكمل الحوال لكونها أفضل‬
‫العمال‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إنبي أعلم" فيه تأويلن‪ ،‬قيل‪ :‬إنه فعبل مسبتقبل‪ .‬وقيل‪ :‬إنبه اسم بمعنبى فاعبل‪ ،‬كما‬
‫يقال‪ :‬ال أكبر‪ ،‬بمعنى كبير‪ ،‬وكما قال‪:‬‬
‫على أينا تعدو المنية أول‬
‫لعمرك ما أدري وإني لوجل‬
‫فعلى أنه فعل تكون "ما" في موضع نصب بأعلم‪ ،‬ويجوز إدغام الميم في الميم‪ .‬وإن جعلته اسما‬
‫بمعنبى عالم تكون "مبا" فبي موضبع خفبض بالضافبة‪ .‬قال اببن عطيبة‪ :‬ول يصبح فيبه الصبرف‬
‫بإجماع مببن النحاة‪ ،‬وإنمببا الخلف فببي "أفعببل" إذا سببمي بببه وكان نكرة‪ ،‬فسببيبويه والخليببل ل‬
‫يصبرفانه‪ ،‬والخفبش يصبرفه‪ .‬قال المهدوي‪ :‬يجوز أن تقدر التنويبن فبي "أعلم" إذا قدرتبه بمعنبى‬
‫عالم‪ ،‬وتنصببب "مببا" بببه‪ ،‬فيكون مثببل حواج بيببت ال‪ .‬قال الجوهري‪ :‬ونسببوة حواج بيببت ال‪،‬‬

‫بالضافة إذا كن قبد حججن‪ ،‬وإن لم يكن حججن قلت‪ :‬حواج بيت ال‪ ،‬فتنصب البيت‪ ،‬لنك تريد‬
‫التنوين في حواج‪.‬‬
‫@قوله تعالى "ما ل تعلمون" اختلف علماء التأويل في المراد بقوله تعالى‪" :‬ما ل تعلمون"‪ .‬فقال‬
‫ابن عباس‪ :‬كان إبليس ‪ -‬لعنه ال ‪ -‬قد أعجب ودخله الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه‪ ،‬فاعتقد‬
‫أن ذلك لمزيبة له‪ ،‬فاسبتخف الكفبر والمعصبية فبي جانبب آدم عليبه السبلم‪ .‬وقالت الملئكبة‪" :‬ونحبن‬
‫نسببح بحمدك ونقدس لك" [البقرة‪ ]30 :‬وهبي ل تعلم أن فبي نفبس إبليبس خلف ذلك‪ ،‬فقال ال‬
‫تعالى لهم‪" :‬إني أعلم ما ل تعلمون"‪[ .‬البقرة‪ .]30 :‬وقال قتادة‪ :‬لما قالت الملئكة "أتجعل فيها"‬
‫[البقرة‪ ]30 :‬وقد علم ال أن فيمن يستخلف في الرض أنبياء وفضلء وأهل طاعة قال لهم "إني‬
‫أعلم ما ل تعلمون"‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما ل تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن‪ ،‬فهو‬
‫عام‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية‪{ 31 :‬وعلم آدم السماء كلها ثم عرضهم على الملئكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلء‬
‫إن كنتم صادقين}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وعلم آدم السماء كلها" (علّم) عرّف‪ .‬وتعليمه هنا إلهام علمه ضرورة‪ .‬ويحتمل‬
‫أن يكون بواسببطة ملك وهببو جبريببل عليببه السببلم ‪ ،‬على مببا يأتببي‪ .‬وقرئ‪" :‬وعُلّم" غيببر مسببمى‬
‫الفاعل‪ .‬والول أظهر‪ ،‬على ما يأتي‪ .‬قال علماء الصوفية‪ :‬علمها بتعليم الحق إياه وحفظها بحفظه‬
‫عليه ونسي ما عهد إليه‪ ،‬لن وكله فيه إلى نفسه فقال‪" :‬ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد‬
‫له عزمبا"‪[ .‬طبه‪ .]115 :‬وقال اببن عطاء‪ :‬لو لم يكشبف لدم علم تلك السبماء لكان أعجبز مبن‬
‫الملئكة في الخبار عنها‪ .‬وهذا واضح‪.‬‬
‫وآدم عليه السلم يكنى أبا البشر‪ .‬وقيل‪ :‬أبا محمد‪ ،‬كني بمحمد خاتم النبياء صلوات ال عليهم‪،‬‬
‫قاله السبهيلي‪ .‬وقيبل‪ :‬كنيتبه فبي الجنبة أببو محمبد‪ ،‬وفبي الرض أببو البشبر‪ .‬وأصبله بهمزتيبن‪ ،‬لنبه‬
‫أفعل إل أنهم لينوا الثانية‪ ،‬فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها واوا فقلت‪ :‬أوادم في الجمع‪ ،‬لنه ليس‬
‫لها أصل في الياء معروف‪ ،‬فجعلت الغالب عليها الواو‪ ،‬عن الخفش‪.‬‬
‫واختلف فبي اشتقاقبه‪ ،‬فقيبل‪ :‬هبو مشتبق مبن أدمبة الرض وأديمهبا وهبو وجههبا‪ ،‬فسبمي بمبا خلق‬
‫منببه‪ ،‬قال ابببن عباس‪ .‬وقيببل‪ :‬إنببه مشتببق مببن الدمببة وهببي السببمرة‪ .‬واختلفوا فببي الدمببة‪ ،‬فزعببم‬
‫الضحاك أنهبا السبمرة‪ ،‬وزعبم النضبر أنهبا البياض‪ ،‬وأن آدم عليبه السبلم كان أبيبض‪ ،‬مأخوذ مبن‬
‫قولهبم‪ :‬ناقبة أدماء‪ ،‬إذا كانبت بيضاء‪ .‬وعلى هذا الشتقاق جمعبه أدم وأوادم‪ ،‬كحمبر وأحامبر‪ ،‬ول‬
‫ينصرف بوجه‪ .‬وعلى أنه مشتق من الدمة جمعه آدمون‪ ،‬ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬الصحيح أنه مشتق من أديم الرض‪ .‬قال سعيد بن جبير‪ :‬إنما سمي آدم لنه خلق من أديم‬
‫الرض‪ ،‬وإنمبا سبمي إنسبانا لنبه نسبي‪ ،‬ذكره اببن سبعد فبي الطبقات‪ .‬وروى السبدي عبن أببي مالك‬
‫وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود في قصة خلق آدم عليه السلم‬
‫قال‪ :‬فبعبث ال جبريبل عليبه السبلم إلى الرض ليأتيبه بطيبن منهبا‪ ،‬فقالت الرض‪ :‬أعوذ بال منبك‬
‫أن تنقبص منبي أو تشيننبي‪ ،‬فرجبع ولم يأخبذ وقال‪ :‬يبا رب إنهبا عاذت ببك فأعذتهبا‪ .‬فبعبث ميكائيبل‬
‫فعاذت منبه فأعاذهبا‪ ،‬فرجبع فقال كمبا قال جبريبل‪ ،‬فبعبث ملك الموت فعاذت منبه فقال‪ :‬وأنبا أعوذ‬
‫بال أن أرجبع ولم أنفبذ أمره‪ .‬فأخبذ مبن وجبه الرض وخلط‪ ،‬ولم يأخبذ مبن مكان واحبد‪ ،‬وأخبذ مبن‬
‫ترببة حمراء وبيضاء وسبوداء‪ ،‬فلذلك خرج بنبو آدم مختلفيبن ‪ -‬ولذلك سبمي آدم لنبه أخبذ مبن أديبم‬
‫الرض ‪ -‬فصبعد ببه‪ ،‬فقال ال تعالى له‪( :‬أمبا رحمبت الرض حيبن تضرعبت إليبك) فقال‪ :‬رأيبت‬
‫أمرك أوجبب مبن قولهبا‪ .‬فقال‪( :‬أنبت تصبلح لقببض أرواح ولده) فببل التراب حتبى عاد طينبا لزببا‪،‬‬
‫اللزب‪ :‬هو الذي يلتصق بعضه ببعض‪ ،‬ثم ترك حتى أنتن‪ ،‬فذلك حيث يقول‪" :‬من حمأ مسنون"‬
‫[الحجر‪ ]26 :‬قال‪ :‬منتن‪ .‬ثم قال للملئكة‪" :‬إني خالق بشرا من طين‪ .‬فإذا سويته ونفخت فيه من‬
‫روحبي فقعوا له سباجدين" [ص‪ .]71 :‬فخلقبه ال بيده لكيل يتكببر إبليبس عنبه‪ .‬يقول‪ :‬أتتكببر عمبا‬
‫خلقببت بيدي ولم أتكبببر أنببا عنببه! فخلقببه بشرا فكان جسببدا مببن طيببن أربعيببن سببنة مببن مقدار يوم‬
‫الجمعبة‪ ،‬فمرت ببه الملئكبة ففزعوا منبه لمبا رأوه وكان أشدهببم منبه فزعبا إبليبس فكان يمبر ببه‬

‫فيضرببه فيصبوت الجسبد كمبا يصبوت الفخار تكون له صبلصلة‪ ،‬فذلك حيبن يقول‪" :‬مبن صبلصال‬
‫كالفخار" [الرحمبن‪ .]14 :‬ويقول لمبر مبا خلقبت!‪ .‬ودخبل مبن فمبه وخرج مبن دبره‪ ،‬فقال إبليبس‬
‫للملئكة‪ :‬ل ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن سلطت عليه لهلكنه‪ .‬ويقال‪ :‬إنه كان إذا مر عليه مع‬
‫الملئكة يقول‪ :‬أرأيتم هذا الذي لم تروا من الخلئق يشبهه إن فضل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم‬
‫فاعلون! قالوا‪ :‬نطيع أمر ربنا‪ ،‬فأسر إبليس في نفسه لئن فضل علي فل أطيعه‪ ،‬ولئن فضلت عليه‬
‫لهلكنبه‪ ،‬فلمبا بلغ الحيبن الذي أريبد أن ينفبخ فيبه الروح قال للملئكبة‪ :‬إذا نفخبت فيبه مبن روحبي‬
‫فاسجدوا له‪ ،‬فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح فبي رأسه عطس‪ ،‬فقالت له الملئكة‪ :‬قل الحمد ل‪،‬‬
‫فقال‪ :‬الحمبد ل‪ ،‬فقال ال له‪ :‬رحمبك رببك‪ ،‬فلمبا دخبل الروح فبي عينيبه نظبر إلى ثمار الجنبة‪ ،‬فلمبا‬
‫دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلن إلى ثمار الجنة‪ ،‬فذلك حين‬
‫يقول‪" :‬خلق النسان من عجل" [النبياء‪" ]37 :‬فسجد الملئكة كلهم أجمعون‪ ،‬إل إبليس أبي أن‬
‫يكون مبع السباجدين" [العراف‪ ]11 :‬وذكبر القصبة‪ .‬وروى الترمذي عبن أببي موسبى الشعري‬
‫قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪( :‬إن ال عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من‬
‫جميبع الرض فجاء بنبو آدم على قدر الرض فجاء منهبم الحمبر والبيبض والسبود وبيبن ذلك‬
‫والسهل والحزن والخبيث والطيب)‪ .‬قال أبو عيسى‪ :‬هذا حديث حسن صحيح‪ .‬أديم‪ :‬جمع أدم‪ ،‬قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫وكلهم يجمعهم وجه الدم‬
‫الناس أخياف وشتى في الشيم‬
‫فآدم مشتق من الديم والدم ل من الدمة‪ ،‬وال أعلم‪ .‬ويحتمل أن يكون منهما جميعا‪ .‬وسيأتي لهذا‬
‫الباب مزيد بيان في خلق آدم في "النعام" وغيرها إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫و"آدم" ل ينصبرف‪ .‬قال أببو جعفبر النحاس‪" :‬آدم ل ينصبرف فبي المعرفبة بإجماع النحوييبن‪،‬‬
‫لنه على أفعل وهو معرفة‪ ،‬ول يمتنع شي من الصرف عند البصريين إل لعلتين‪ .‬فإن نكرته ولم‬
‫يكن نعتا لم يصرفه الخليل وسيبويه‪ ،‬وصرفه الخفش سعيد‪ ،‬لنه كان نعتا وهو على وزن الفعل‪،‬‬
‫فإذا لم يكن نعتبا صبرفه‪ .‬قال أبو إسبحاق الزجاج‪ :‬القول قول سبيبويه‪ ،‬ول يفرق بيبن النعبت وغيره‬
‫لنه هو ذاك بعينه"‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬السبماء كلهبا" "السبماء" هنبا بمعنبى العبارات‪ ،‬فإن السبم قبد يطلق ويراد ببه‬
‫المسبمى‪ ،‬كقولك‪ :‬زيبد قائم‪ ،‬والسبد شجاع‪ .‬وقبد يراد ببه التسبمية ذاتهبا‪ ،‬كقولك‪ :‬أسبد ثلثبة أحرف‪،‬‬
‫ففبي الول يقال‪ :‬السبم هبو المسبمى بمعنبى يراد ببه المسبمى‪ ،‬وفبي الثانبي ل يراد المسبمى‪ ،‬وقبد‬
‫يجرى اسبم فبي اللغبة مجرى ذات العبارة وهبو الكثبر مبن اسبتعمالها‪ ،‬ومنبه قوله تعالى‪" :‬وعلم آدم‬
‫السماء كلها" [البقرة‪ ]31 :‬على أشهر التأويلت‪ ،‬ومنه قول النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬إن ل‬
‫تسببعة وتسبعين اسببما)‪ .‬ويجري مجرى الذات‪ ،‬يقال‪ :‬ذات ونفبس وعيبن واسببم بمعنبى‪ ،‬وعلى هذا‬
‫حمببل أكثببر أهببل العلم قوله تعالى‪" :‬سبببح اسببم ربببك العلى" [العلى‪" ]1 :‬تبارك اسببم ربببك"‬
‫[الرحمن‪" ]78 :‬إن هي إل أسماء سميتموها" [النجم‪.]23 :‬‬
‫@ واختلف أهل التأويل في معنى السماء التي علمها لدم عليه السلم‪ ،‬فقال ابن عباس وعكرمة‬
‫وقتادة ومجاهبد واببن جببير‪ :‬علمبه أسبماء جميبع الشياء كلهبا جليلهبا وحقيرهبا‪ .‬وروى عاصبم ببن‬
‫كليبب عبن سبعد مولى الحسبن ببن علي قال‪ :‬كنبت جالسبا عنبد اببن عباس فذكروا اسبم النيبة واسبم‬
‫السوط‪ ،‬قال ابن عباس‪" :‬وعلم آدم السماء كلها"‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقبد روي هذا المعنبى مرفوعبا على مبا يأتبي‪ ،‬وهبو الذي يقتضيبه لفبظ "كلهبا" إذ هبو اسبم‬
‫موضوع للحاطبة والعموم‪ ،‬وفبي البخاري مبن حديبث أنبس عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم قال‪:‬‬
‫(ويجتمع المؤمنون يوم القيامبة فيقولون لو اسبتشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنبت أبو الناس‬
‫خلقك ال بيده وأسجد لك ملئكته وعلمك أسماء كل شيء) الحديث‪ .‬قال ابن خويز منداد‪ :‬في هذه‬
‫اليببة دليبل على أن اللغبة مأخوذة توقيفبا‪ ،‬وأن ال تعالى علمهببا آدم عليبه السببلم جملة وتفصببيل‪.‬‬
‫وكذلك قال ابن عباس‪ :‬علمه أسماء كل شيبء حتبى الجفنة والمحلب‪ .‬وروى شيبان عن قتادة قال‪:‬‬
‫علم آدم مبن السبماء أسبماء خلقبه مبا لم يعلم الملئكبة‪ ،‬وسبمي كبل شيبء باسبمه وأنحبى منفعبة كبل‬
‫شيء إلى جنسه‪ .‬قال النحاس‪ :‬وهذا أحسن ما روي في هذا‪ .‬والمعنى علمه أسماء الجناس وعرفه‬

‫منافعهببا‪ ،‬هذا كذا‪ ،‬وهببو يصببلح لكذا‪ .‬وقال الطبببري‪ :‬علمببه أسببماء الملئكببة وذريتببه‪ ،‬واختار هذا‬
‫ورجحبه بقوله‪" :‬ثبم عرضهبم على الملئكبة" قال اببن زيبد‪ :‬علمبه أسبماء ذريتبه‪ ،‬كلهبم‪ .‬الربيبع اببن‬
‫خثيم‪ :‬أسماء الملئكة خاصة‪ .‬القتبي‪ :‬أسماء ما خلق في الرض‪ .‬وقيل‪ :‬أسماء الجناس والنواع‪.‬‬
‫قلت‪ :‬القول الول أصح‪ ،‬لما ذكرناه آنفا ولما نبينه إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@ واختلف المتأولون أيضببا هببل عرض على الملئكببة أسببماء الشخاص أو السببماء دون‬
‫الشخاص‪ ،‬فقال ابن مسعود وغيره‪ :‬عرض الشخاص لقوله تعالى‪" :‬عرضهم" وقوله‪" :‬أنبئوني‬
‫بأسبماء هؤلء"‪ .‬وتقول العرب‪ :‬عرضبت الشيبء فأعرض‪ ،‬أي أظهرتبه فظهبر‪ .‬ومنبه‪ :‬عرضبت‬
‫الشيبء للبيبع‪ .‬وفبي الحديبث (إنبه عرضهبم أمثال الذر)‪ .‬وقال اببن عباس وغيره‪ :‬عرض السبماء‬
‫وفببي حرف ابببن مسببعود‪" :‬عرضهببن"‪ ،‬فأعاد على السببماء دون الشخاص‪ ،‬لن الهاء والنون‬
‫أخص بالمؤنث‪ .‬وفي حرف أبي‪" :‬عرضها"‪ .‬مجاهد‪ :‬أصحاب السماء‪ .‬فمن قال في السماء إنها‬
‫التسببميات فاسببتقام على قراءة أبببي "عرضهببا"‪ .‬وتقول فببي قراءة مببن قرأ "عرضهببم"‪ :‬إن لفببظ‬
‫السبماء يدل على أشخاص‪ ،‬فلذلك سباغ أن يقال للسبماء‪" :‬عرضهبم"‪ .‬وقال فبي "هؤلء" المراد‬
‫بالشارة‪ :‬إلى أشخاص السببماء‪ ،‬لكببن وإن كانببت غائبببة فقببد حضببر مببا هببو منهببا بسبببب وذلك‬
‫أسببماؤها‪ .‬قال ابببن عطيببة‪ :‬والذي يظهببر أن ال تعالى علم آدم السببماء وعرضهببن عليببه مببع تلك‬
‫الجناس بأشخاصها‪ ،‬ثم عرض تلك على الملئكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها‪ ،‬ثم إن آدم‬
‫قال لهبببم‪ :‬هذا اسبببمه كذا‪ ،‬وهذا اسبببمه كذا‪ .‬وقال الماوردي‪ :‬وكان الصبببح توجبببه العرض إلى‬
‫المسبمين‪ .‬ثبم فبي زمبن عرضهبم قولن‪ :‬أحدهمبا أنبه عرضهبم بعبد أن خلقهبم‪ .‬الثانبي ‪ -‬أنبه صبورهم‬
‫لقلوب الملئكة ثم عرضهم‪.‬‬
‫@ واختلف في أول من تكلم باللسان العربي‪ ،‬فروي عن كعب الحبار‪ :‬أن أول من وضع الكتاب‬
‫العربي والسرياني والكتب كلها باللسنة كلها آدم عليه السلم‪ .‬وقاله غير كعب الحبار‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬قد روي عن كعب الحبار من وجه حسن قال‪ :‬أول من تكلم بالعربية جبريل عليه السلم‬
‫وهو الذي ألقاها على لسان نوح عليه السلم وألقاها نوح على لسان ابنه سام‪ ،‬ورواه ثور ابن زيد‬
‫عن خالد بن معدان عن كعب‪ .‬وروي عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪( :‬أول من فتق لسانه‬
‫بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن عشر سنين)‪ .‬وقد روي أيضا‪ :‬أن أول من تكلم بالعربية يعرب‬
‫ببن قحطان‪ ،‬وقبد روي غيبر ذلك‪ .‬قلنبا‪ :‬الصبحيح أن أول مبن تكلم باللغات كلهبا مبن البشبر آدم عليبه‬
‫السبلم‪ ،‬والقرآن يشهبد له‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬وعلم آدم السبماء كلهبا" [البقرة‪ ]31 :‬واللغات كلهبا‬
‫أسبماء فهبي داخلة تحتبه وبهذا جاءت السبنة‪ ،‬قال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬وعلم آدم السبماء كلهبا‬
‫حتبى القصبعة والقصبيعة) ومبا ذكروه يحتمبل أن يكون المراد ببه أول مبن تكلم بالعربيبة مبن ولد‬
‫إبراهيبم عليبه السبلم إسبماعيل عليبه السبلم‪ .‬وكذلك إن صبح مبا سبواه فإنبه يكون محمول على أن‬
‫المذكور أول مبن تكلم مبن قببيلته بالعربيبة بدليبل مبا ذكرنبا‪ ،‬وال أعلم‪ .‬وكذلك جبريبل أول مبن تكلم‬
‫بها من الملئكة وألقاها على لسان نوح بعد أن علمها ال آدم أو جبريل‪ ،‬على ما تقدم‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬هؤلء" لفبظ مبنبي على الكسبر‪ .‬ولغبة تميبم وبعبض قيبس وأسبد فيبه القصبر‪ ،‬قال‬
‫العشى‪:‬‬
‫هؤل ثم هؤل كل أعطيب بت نعال محذوة بمثال‬
‫ومن العرب من يقول‪ :‬هولء‪ ،‬فيحذف اللف والهمزة‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إن كنتم صادقين" شرط‪ ،‬والجواب محذوف تقديره‪ :‬إن كنتم صادقين أن بني آدم‬
‫يفسبدون فبي الرض فأنبئونبي‪ ،‬قاله المببرد‪ .‬ومعنبى "صبادقين" عالميبن‪ ،‬ولذلك لم يسبغ للملئكبة‬
‫الجتهاد وقالوا‪" :‬سبببحانك"! حكاه النقاش قال‪ :‬ولو لم يشترط عليهببم إل الصببدق فببي النباء لجاز‬
‫لهبم الجتهاد كمبا جاز للذي أماتبه ال مائة عام حيبن قال له‪" :‬كبم لبثبت" فلم يشترط عليبه الصبابة‪،‬‬
‫فقال ولم يصب ولم يعنف‪ ،‬وهذا بين ل خفاء فيه‪ .‬وحكى الطبري وأبو عبيد‪ :‬أن بعض المفسرين‬
‫قال إن معنبى "إن كنتبم"‪ :‬إذ كنتبم‪ ،‬وقال‪ :‬هذا خطبأ‪ .‬و"أنبئونبي" معناه أخببروني‪ .‬والنببأ‪ :‬الخببر‪،‬‬
‫ومنه النبيء بالهمزة‪ ،‬وسيأتي بيانه إن شاء ال تعالى‪.‬‬

‫@ قال بعض العلماء‪ :‬يخرج من هذا المر بالنباء تكليف ما ل يطاق لنه علم أنهم ل يعلمون‪.‬‬
‫وقال المحققون مببن أهببل التأويببل‪ :‬ليببس هذا على جهببة التكليببف وإنمببا هببو على جهببة التقريببر‬
‫والتوقيف‪ .‬وسيأتي القول في تكليف ما ل يطاق ‪ -‬هل وقع التكليف به أم ل ‪ -‬في آخر السورة‪ ،‬إن‬
‫شاء ال تعالى‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية‪ {32 :‬قالوا سبحانك ل علم لنا إل ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬سببحانك" أي تنزيهبا لك عن أن يعلم الغيب أحبد سبواك‪ .‬وهذا جوابهبم عن قوله‪:‬‬
‫"أنبئوني" فأجابوا أنهم ل يعلمون إل ما أعلمهم به ولم يتعاطوا ما ل علم لهم به كما يفعله الجهال‬
‫منا‪ .‬و"ما" في "ما علمتنا" بمعنى الذي‪ ،‬أي إل الذي علمتنا‪ ،‬ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إل‬
‫تعليمك إيانا‪.‬‬
‫@ الواجبب على مبن سبئل عبن علم أن يقول إن لم يعلم‪ :‬ال أعلم ول أدري‪ ،‬اقتداء بالملئكبة‬
‫والنببياء والفضلء مبن العلماء‪ ،‬لكبن قبد أخببر الصبادق أن بموت العلماء يقببض العلم‪ ،‬فيبقبى ناس‬
‫جهال يسبتفتون فيفتون برأيهبم فيضلون ويضلون‪ .‬وأمبا مبا ورد مبن الخبار عبن النببي صبلى ال‬
‫عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم في معنى الية فروى البستي في المسند الصحيح له عن ابن‬
‫عمبر أن رجل سبأل رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪ :‬أي البقاع شبر؟ قال‪( :‬ل أدري حتبى أسبأل‬
‫جبريببل) فسببأل جبريببل‪ ،‬فقال‪ :‬ل أدري حتببى أسببأل ميكائيببل‪ ،‬فجاء فقال‪ :‬خيببر البقاع المسبباجد‪،‬‬
‫وشرهبا السبواق‪ .‬وقال الصبديق للجدة‪ :‬ارجعبي حتبى أسأل الناس‪ .‬وكان علي يقول‪ :‬وأبردهبا على‬
‫الكببد‪ ،‬ثلث مرات‪ .‬قالوا ومبا ذلك يبا أميبر المؤمنيبن؟ قال‪ :‬أن يسبأل الرجبل عمبا ل يعلم فيقول‪ :‬ال‬
‫أعلم‪ .‬وسأل ابن عمر رجل عن مسألة فقال‪ :‬ل علم لي بها‪ ،‬فلما أدبر الرجل‪ .‬قال ابن عمر‪ :‬نعم ما‬
‫قال اببن عمبر‪ ،‬سبئل عمبا ل يعلم فقال ل علم لي ببه! ذكره الدارمبي فبي مسبنده‪ .‬وفبي صبحيح مسبلم‬
‫عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل صاحب بهية قال‪ :‬كنت جالسا عند القاسم بن عبيدال ويحيى بن‬
‫سبعيد‪ ،‬فقال يحيبى للقاسبم‪ :‬يبا أببا محمبد إنبه قبيبح على مثلك عظيبم أن يسبأل عبن شيبء مبن أمبر هذا‬
‫الديبن فل يوجبد عندك منبه علم ول فرج‪ ،‬أو علم ول مخرج؟ فقال له القاسبم‪ :‬وعبم ذاك؟ قال‪ :‬لنبك‬
‫ابن إمامي هدى‪ :‬ابن أبي بكر وعمر‪ .‬قال يقول له القاسبم‪ :‬أقبح من ذاك عند من عقل عن ال أن‬
‫أقول بغيبر علم أو آخبذ عبن غيبر ثقبة‪ .‬فسبكت فمبا أجاببه‪ .‬وقال مالك ببن أنبس‪ :‬سبمعت اببن هرمبز‬
‫يقول‪ :‬ينبغبي للعالم أن يورث جلسباءه مبن بعده ل أدري حتبى يكون أصبل فبي أيديهبم‪ ،‬فإذا سبئل‬
‫أحدهبم عمبا ل يدري قال‪ :‬ل أدري‪ .‬وذكبر الهيثبم ببن جميبل قال‪ :‬شهدت مالك ببن أنبس سبئل عبن‬
‫ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلثين منها‪ :‬ل أدري‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومثله كثير عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين‪ .‬وإنما يحمل على ترك ذلك الرياسة‬
‫وعدم النصباف فبي العلم‪ .‬قال اببن عبدالبر‪ :‬مبن بركبة العلم وآداببه النصباف فيبه‪ ،‬ومبن لم ينصبف‬
‫لم يفهبم ولم يتفهبم‪ .‬روى يونبس ببن عبدالعلى قال‪ :‬سبمعت اببن وهبب يقول‪ :‬سبمعت مالك ببن أنبس‬
‫يقول‪ :‬ما في زماننا شيء أقل من النصاف‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا فبي زمبن مالك فكيبف فبي زماننبا اليوم الذي عبم فينبا الفسباد وكثبر فيبه الطغام! وطلب‬
‫فيبه العلم للرياسبة ل للدرايبة‪ ،‬ببل للظهور فببي الدنيبا وغلببة القران بالمراء والجدال الذي يقسبي‬
‫القلب ويورث الضغببن‪ ،‬وذلك ممببا يحمببل على عدم التقوى وترك الخوف مببن ال تعالى‪ .‬أيببن هذا‬
‫ممبا روي عبن عمبر رضبي ال عنبه وقبد قال‪ :‬ل تزيدوا فبي مهور النسباء على أربعيبن أوقيبة ولو‬
‫كانت بنت ذي العصبة ‪ -‬يعني يزيد بن الحصين الحارثي ‪ -‬فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال‪،‬‬
‫فقامبت امرأة مبن صبوب النسباء طويلة فيهبا فطبس فقالت‪ :‬مبا ذلك لك! قال‪ :‬ولم؟ قالت لن ال عبز‬
‫وجل يقول‪" :‬وآتيتم إحداهن قنطارا فل تأخذوا منه شيئا" [النساء‪ ]20 :‬فقال عمر‪ :‬امرأة أصابت‬
‫ورجبل أخطبأ! وروى وكيبع عبن أببي معشبر عبن محمبد ببن كعبب القرظبي قال‪ :‬سبأل رجبل عليبا‬
‫رضبي ال عنبه عبن مسبألة فقال فيهبا‪ ،‬فقال الرجبل‪ :‬ليبس كذلك يبا أميبر المؤمنيبن‪ ،‬ولكبن كذا وكذا‪،‬‬
‫فقال علي‪ :‬أصببت وأخطأت‪ ،‬وفوق كبل ذي علم عليبم‪ .‬وذكبر أببو محمبد قاسبم ببن أصببغ قال‪ :‬لمبا‬
‫رحلت إلى المشرق نزلت القيروان فأخذت على بكبر ببن حماد حديبث مسبدد‪ ،‬ثبم رحلت إلى بغداد‬
‫ولقيبت الناس‪ ،‬فلمبا انصبرفت عدت إليبه لتمام حديبث مسبدد‪ ،‬فقرأت عليبه فيبه يومبا حديبث النببي‬

‫صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬أنبه قدم عليبه قوم مبن مضبر مبن مجتاببي النمار) فقال‪ :‬إنمبا هبو مجتاببي‬
‫الثمار‪ ،‬فقلت إنما هو مجتابي النمار‪ ،‬هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالندلس والعراق‪ ،‬فقال‬
‫لي‪ :‬بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا! أو نحو هذا‪ .‬ثم قال لي‪ :‬قم بنا إلى ذلك الشيخ ‪ -‬لشيخ‬
‫كان في المسجد ‪ -‬فإن له بمثل هذا علما‪ ،‬فقمنا إليه فسألناه عن ذلك فقال‪ :‬إنما هو مجتابي النمار‪،‬‬
‫كمبا قلت‪ .‬وهبم قوم كانوا يلبسبون الثياب مشققبة‪ ،‬جيوبهبم أمامهبم‪ .‬والنمار جمبع نمرة‪ .‬فقال بكبر ببن‬
‫حماد وأخذ بأنفه‪ :‬رغم أنفي للحق‪ ،‬رغم أنفي للحق‪ .‬وانصرف‪ .‬وقال يزيد بن الوليد بن عبدالملك‬
‫فأحسن‪:‬‬
‫إذا ما تحدثت في مجلس تناهى حديثي إلى ما علمت‬
‫وكان إذا ما تناهى سكت‬
‫ولم أعد علمي إلى غيره‬
‫@قوله تعالى‪" :‬سبحانك" (سبحان) منصوب على المصدر عند الخليل وسيبويه‪ ،‬يؤدي عن معنى‬
‫نسبببحك تسبببيحا‪ .‬وقال الكسببائي‪ :‬هببو منصببوب على أنببه نداء مضاف‪ .‬و"العليببم" فعيببل للمبالغببة‬
‫والتكبير في المعلومات في خلق ال تعالى‪ .‬و"الحكيم" معناه الحاكم‪ ،‬وبينهما مزيد المبالغة‪ .‬وقيل‬
‫معناه المحكم ويجيء الحكيم على هذا من صفات الفعل‪ ،‬صرف عن مفعل إلى فعيل‪ ،‬كما صرف‬
‫عن مسمع إلى سميع ومؤلم إلى أليم‪ ،‬قاله ابن النباري‪ .‬وقال قوم‪ :‬الحكيم المانع من الفساد‪ ،‬ومنه‬
‫سميت حكمة اللجام‪ ،‬لنها تمنع الفرس من الجري والذهاب في غير قصد‪ .‬قال جرير‪:‬‬
‫أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا‬
‫أي امنعوهم من الفساد‪ .‬وقال زهير‪:‬‬
‫القائد الخيل منكوبا دوابرها قد أحكمت حكمات القد والبقا‬
‫القببد‪ :‬الجلد‪ .‬والبببق‪ :‬القنببب‪ .‬والعرب تقول‪ :‬أحكببم اليتيببم عببن كذا وكذا‪ ،‬يريدون منعببه‪ .‬والسببورة‬
‫المحكمة‪ :‬الممنوعة من التغيير وكل التبديل‪ ،‬وأن يلحق بها ما يخرج عنها‪ ،‬ويزاد عليها ما ليس‬
‫منهبا‪ ،‬والحكمبة مبن هذا‪ ،‬لنهبا تمنبع صباحبها مبن الجهبل‪ .‬ويقال‪ :‬أحكبم الشيبء إذا أتقنبه ومنعبه مبن‬
‫الخروج عما يريد‪ .‬فهو محكم وحكيم على التكثير‪.‬‬
‫*‪ *3‬اليبة‪{33 :‬قال يبا آدم أنبئهم بأسبمائهم فلمبا أنبأهبم بأسبمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيبب‬
‫السماوات والرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬أنبئهبم بأسبمائهم" أمره ال أن يعلمهبم بأسبمائهم بعبد أن عرضهبم على الملئكبة‬
‫ليعلموا أنبه أعلم بمبا سبألهم عنبه تنبيهبا على فضله وعلو شأنبه‪ ،‬فكان أفضبل منهبم بأن قدمبه عليهبم‬
‫وأسبجدهم له وجعلهبم تلمذتبه وأمرهبم بأن يتعلموا منبه‪ .‬فحصبلت له رتببة الجلل والعظمبة بأن‬
‫جعله مسجودا له‪ ،‬مختصا بالعلم‪.‬‬
‫فبي هذه اليبة دليبل على فضبل العلم وأهله‪ ،‬وفبي الحديبث‪( :‬وإن الملئكبة لتضبع أجنحتهبا رضبا‬
‫لطالب العلم) أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك لهل العلم خاصة من بين سائر عيال ال‪ ،‬لن‬
‫ال تعالى ألزمهببا ذلك فببي آدم عليببه السببلم فتأدبببت بذلك الدب‪ .‬فكلمببا ظهببر لهببا علم فببي بشببر‬
‫خضعبت له وتواضعبت وتذللت إعظامبا للعلم وأهله‪ ،‬ورضبا منهبم بالطلب له والشغبل ببه‪ .‬هذا فبي‬
‫الطلب منهم فكيف بالحبار فيهم والربانيين منهم جعلنا ال منهم وفيهم‪ ،‬إنه ذو فضل عظيم‪.‬‬
‫@ اختلف العلماء من هذا الباب‪ ،‬أيما أفضل الملئكة أو بنو آدم على قولين‪ :‬فذهب قوم إلى أن‬
‫الرسبل مبن البشبر أفضبل مبن الرسبل مبن الملئكبة‪ ،‬والولياء مبن البشبر أفضبل مبن الولياء مبن‬
‫الملئكببة‪ .‬وذهببب آخرون إلى أن المل العلى أفضببل‪ .‬احتببج مببن فضببل الملئكببة بأنهببم "عباد‬
‫مكرمون‪ .‬ل يسبببقونه بالقول وهببم بأمره يعملون" [النبببياء‪" ]27 :‬ل يعصببون ال مببا أمرهببم‬
‫ويفعلون ما يؤمرون" [التحريم‪ .]6 :‬وقوله‪" :‬لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ل ول الملئكة‬
‫المقربون" [النسباء‪ ]172 :‬وقوله‪" :‬قبل ل أقول لكبم عندي خزائن ال ول أعلم الغيبب ول أقول‬
‫لكم إني ملك" [النعام‪ .]50 :‬وفي البخاري‪( :‬يقول ال عز وجل‪" :‬من ذكرني في مل ذكرته في‬
‫مل خيببر منهببم)‪ .‬وهذا نببص‪ .‬احتببج مببن فضببل بنببي آدم بقوله تعالى‪" :‬إن الذيببن آمنوا وعملوا‬
‫الصالحات أولئك هم خير البريئة" [النعام‪ ]50 :‬بالهمز‪ ،‬من برأ ال الخلق‪ .‬وقوله عليه السلم‪:‬‬
‫(وإن الملئكبة لتضبع أجنحتهبا رضبي لطالب العلم) الحديبث‪ .‬أخرجبه أببو داود‪ ،‬وبمبا جاء فبي‬

‫أحاديبث مبن أن ال تعالى يباهبي بأهبل عرفات الملئكبة‪ ،‬ول يباهبي إل بالفضبل‪ ،‬وال أعلم‪ .‬وقال‬
‫بعض العلماء‪ :‬ول طريق إلى القطع بأن النبياء أفضل من الملئكة‪ ،‬ول القطع بأن الملئكة خير‬
‫منهبم‪ ،‬لن طريبق ذلك خببر ال تعالى وخببر رسبوله أو إجماع المبة‪ ،‬وليبس ههنبا شيبء مبن ذلك‬
‫خلفبا للقدريبة والقاضبي أببي بكبر رحمبه ال حيبث قالوا‪ :‬الملئكبة أفضبل‪ .‬قال‪ :‬وأمبا مبن قال مبن‬
‫أصببحابنا والشيعببة‪ :‬إن النبببياء أفضببل لن ال تعالى أمببر الملئكببة بالسببجود لدم‪ ،‬فيقال لهببم‪:‬‬
‫المسجود له ل يكون أفضل من الساجد‪ ،‬أل ترى أن الكعبة مسجود لها والنبياء والخلق يسجدون‬
‫نحوهبا‪ ،‬ثبم إن النببياء خيبر مبن الكعببة باتفاق المبة‪ .‬ول خلف أن السبجود ل يكون إل ل تعالى‪،‬‬
‫لن السجود عبادة‪ ،‬والعبادة ل تكون إل ل‪ ،‬فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة ل يدل على أن‬
‫الجهة خير من الساجد العابد‪ ،‬وهذا واضح‪ .‬وسيأتي له مزيد بيان في الية بعد هذا‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إني أعلم غيب السماوات والرض" دليل على أن أحدا ل يعلم من الغيب إل ما‬
‫أعلمبه ال كالنببياء أو مبن أعلمبه مبن أعلمبه ال تعالى فالمنجمون والكهان وغيرهبم كذببة‪ .‬وسبيأتي‬
‫بيان هذا فبي "النعام" إن شاء ال تعالى عنبد قوله تعالى‪" :‬وعنده مفاتبح الغيبب ل يعلمهبا إل هبو"‬
‫‪0‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وأعلم مببا تبدون "أي مببن قولهببم‪" :‬أتجعببل فيهببا مببن يفسببد فيهببا" حكاه مكببي‬
‫والماوردي‪ .‬وقال الزهراوي‪ :‬مببا أبدوه هببو بدارهببم بالسببجود لدم‪" .‬ومببا كنتببم تكتمون" قال ابببن‬
‫عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير‪ :‬المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية‪ .‬قال ابن‬
‫عطيبة‪ :‬وجاء "تكتمون" للجماعبة‪ ،‬والكاتبم واحبد فبي هذا القول على تجوز العرب واتسباعها‪ ،‬كمبا‬
‫يقال لقوم قبد جنبى سبفيه منهبم‪ :‬أنتبم فعلتبم كذا‪ .‬أي منكبم فاعله‪ ،‬وهذا مبع قصبد تعنيبف‪ ،‬ومنبه قوله‬
‫تعالى‪" :‬إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم ل يعقلون" [الحجرات‪ ]4 :‬وإنما ناداه منهم‬
‫عيينبة‪ ،‬وقيبل القرع‪ .‬وقالت طائفبة‪ :‬البداء والمكتوم ذلك على معنبى العموم فبي معرفبة أسبرارهم‬
‫وظواهرهبم أجمبع‪ .‬وقال مهدي ببن ميمون‪ :‬كنبا عنبد الحسبن فسبأله الحسبن ببن دينار مبا الذي كتمبت‬
‫الملئكبة؟ قال‪ :‬إن ال عبز وجبل لمبا خلق آدم رأت الملئكبة خلقبا عجببا‪ ،‬وكأنهبم دخلهبم مبن ذلك‬
‫شيء‪ ،‬قال‪ :‬ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك بينهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬وما يهمكم من هذا المخلوق إن‬
‫ال لم يخلق خلقا إل كنا أكرم عليه منه‪ .‬و"ما" في قوله‪" :‬ما تبدون" يجوز أن ينتصب بب "أعلم"‬
‫على أنه فعل‪ ،‬ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به "ما" فيكون مثل حواج بيت ال‪ ،‬وقد تقدم‪.‬‬
‫*‪ *3‬اليبة‪{ 34 :‬وإذ قلنبا للملئكبة اسبجدوا لدم فسبجدوا إل إبليبس أببي واسبتكبر وكان مبن‬
‫الكافرين}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وإذ قلنبا" أي واذكبر‪ .‬وأمبا قول أببي عببيدة‪ :‬إن "إذ" زائدة فليبس بجائز‪ ،‬لن إذ‬
‫ظرف‪ .‬وقال‪" :‬قلنا" ولم يقل قلت لن الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيما وإشادة‬
‫بذكره‪ .‬والملئكبة جمبع ملك‪ ،‬وروي عبن اببن جعفبر ببن القعقاع أنبه ضبم تاء التأنيبث مبن الملئكبة‬
‫إتباعا لضم الجيم في "اسجدوا"‪ .‬ونظيره "الحمد ل"‪0 .‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬اسجدوا" السجود معناه في كلم العرب التذلل والخضوع‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ترى الكم فيها سجدا للحوافر‬
‫يجمع تضل البلق في حجراته‬
‫الكبم‪ :‬الجبال الصبغار‪ .‬جعلهبا سبجدا للحوافبر لقهبر الحوافبر إياهبا وأنهبا ل تمتنبع عليهبا‪ .‬وعيبن‬
‫سباجدة‪ ،‬أي فاترة عبن النظبر‪ ،‬وغايتبه وضبع الوجبه بالرض‪ .‬قال اببن فارس‪ :‬سبجد إذا تطامبن‪،‬‬
‫وكل ما سجد فقد ذل‪ .‬والسجاد‪ :‬إدامة النظر‪ .‬قال أبو عمرو‪ :‬وأسجد إذا طأطأ رأسه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫سجود النصارى لحبارها‬
‫فضول أزمتها أسجدت‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬وأنشدني أعرابي من بني أسد‪:‬‬
‫وقلن له أسجد لليلى فأسجدا‬
‫يعني البعير إذا طأطأ رأسه‪ .‬ودراهم السجاد‪ :‬دراهم كانت عليها صور كانوا يسجدون لها‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وافى بها كدراهم السجاد‬
‫@ اسبتدل مبن فضبل آدم وبنيبه بقوله تعالى للملئكبة‪" :‬اسبجدوا لدم"‪ .‬قالوا‪ :‬وذلك يدل على أنبه‬
‫كان أفضبل منهبم‪ .‬والجواب أن معنبى "اسبجدوا لدم" اسبجدوا لي مسبتقبلين وجبه آدم‪ .‬وهبو كقوله‬

‫تعالى‪" :‬أقم الصلة لدلوك الشمس" [السراء‪ ]78 :‬أي عند دلوك الشمس وكقوله‪" :‬ونفخت فيه‬
‫من روحي فقعوا له ساجدين" [ص‪ ]72 :‬أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين‪.‬‬
‫وقد بينا أن المسجود له ل يكون أفضل من الساجد بدليل القبلة‪.‬‬
‫فإن قيبل‪ :‬فإذا لم يكبن أفضبل منهبم فمبا الحكمبة فبي المبر بالسبجود له؟ قيبل له‪ :‬إن الملئكبة لمبا‬
‫اسبتعظموا بتسببيحهم وتقديسبهم أمرهبم بالسبجود لغيره ليريهبم اسبتغناءه عنهبم وعبن عبادتهبم‪ .‬وقال‬
‫بعضهببم‪ :‬عيروا آدم واسببتصغروه ولم يعرفوا خصببائص الصببنع بببه فأمروا بالسببجود له تكريمببا‪.‬‬
‫ويحتمل أن يكون ال تعالى أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم‪" :‬أتجعل فيها من يفسد فيها"‬
‫لمبا قال لهبم‪" :‬إنبي جاعبل فبي الرض خليفبة" [البقرة‪ ]30 :‬وكان علم منهبم أنبه إن خاطبهبم أنهبم‬
‫قائلون هذا‪ ،‬فقال لهم‪" :‬إني خالق بشرا من طين" [ص‪ ]71 :‬وجاعله خليفة‪ ،‬فإذا نفخت فيه من‬
‫روحبي فقعوا له سباجدين‪ .‬والمعنبى‪ :‬ليكون ذلك عقوببة لكبم فبي ذلك الوقبت على مبا أنتبم قائلون لي‬
‫الن‪ .‬فإن قيل‪ :‬فقد استدل ابن عباس على فضل البشبر بأن ال تعالى أقسم بحياة رسوله صلى ال‬
‫عليبه وسبلم فقال‪" :‬لعمرك إنهبم لفبي سبكرتهم يعمهون" [الحجبر‪ .]72 :‬وأمنبه مبن العذاب بقوله‪:‬‬
‫"ليغفر لك ال ما تقدم من ذنبك وما تأخر" [الفتح‪ .]2 :‬وقال للملئكة‪" :‬و من يقل منهم إني إله‬
‫من دونه فذلك نجزيه جهنم" [النبياء‪ .]29 :‬قيل له‪ :‬إنما لم يقسم بحياة الملئكة كما لم يقسم بحياة‬
‫نفسببه سبببحانه‪ ،‬فلم يقببل‪ :‬لعمري‪ .‬وأقسببم بالسببماء والرض‪ ،‬ولم يدل على أنهمببا أرفببع قدرا مببن‬
‫العرش والجنان السببع‪ .‬وأقسبم بالتيبن والزيتون‪ .‬وأمبا قول سببحانه‪" :‬ومبن يقبل منهبم إنبي إله مبن‬
‫دونه" [النبياء‪ ]29 :‬فهو نظير قوله لنبيه عليه السلم‪" :‬لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من‬
‫الخاسرين" [الزمر‪ ]65 :‬فليس فيه إذا دللة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫@ واختلف الناس في كيفية سجود الملئكة لدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة‪ ،‬فقال‬
‫الجمهور‪ :‬كان هذا أمرا للملئكبة بوضبع الجباه على الرض‪ ،‬كالسبجود المعتاد فبي الصبلة‪ ،‬لنبه‬
‫الظاهبر مبن السبجود فبي العرف والشرع‪ ،‬وعلى هذا قيبل‪ :‬كان ذلك السبجود تكريمبا لدم وإظهارا‬
‫لفضله‪ ،‬وطاعة ل تعالى‪ ،‬وكان آدم كالقبلة لنا‪ .‬ومعنى "لدم"‪ :‬إلى آدم‪ ،‬كما يقال صلى للقبلة‪ ،‬أي‬
‫إلى القبلة‪ .‬وقال قوم‪ :‬لم يكبن هذا السبجود المعتاد اليوم الذي هبو وضبع الجبهبة على الرض ولكنبه‬
‫مبقبى على أصبل اللغبة‪ ،‬فهبو مبن التذلل والنقياد‪ ،‬أي اخضعوا لدم وأقروا له بالفضبل‪" .‬فسبجدوا"‬
‫أي امتثلوا ما أمروا به‪.‬‬
‫واختلف أيضبا هبل كان ذلك السبجود خاصبا بآدم عليبه السبلم فل يجوز السبجود لغيره مبن جميبع‬
‫العالم إل ل تعالى‪ ،‬أم كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب عليبه السببلم‪ ،‬لقوله تعالى‪" :‬ورفببع أبويبه‬
‫على العرش وخروا له سجدا" [يوسف‪ ]100 :‬فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين؟ والذي‬
‫عليه الكثر أنه كان مباحا إلى عصر رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأن أصحابه قالوا له حين‬
‫سببجدت له الشجرة والجمبل‪ :‬نحببن أولى بالسببجود لك مبن الشجرة والجمببل الشارد‪ ،‬فقال لهببم‪( :‬ل‬
‫ينبغي أن يسجد لحد إل ل رب العالمين)‪ .‬روى ابن ماجة في سننه والبستي في صحيحه عن أبي‬
‫واقبد قال‪ :‬لمبا قدم معاذ ببن جببل مبن الشام سبجد لرسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪ ،‬فقال رسبول ال‬
‫صببلى ال عليببه وسببلم‪( :‬مببا هذا) فقال‪ :‬يببا رسببول ال‪ ،‬قدمببت الشام فرأيتهببم يسببجدون لبطارقتهببم‬
‫وأسباقفتهم‪ ،‬فأردت أن أفعبل ذلك ببك‪ ،‬قال‪( :‬فل تفعبل فإنبي لو أمرت شيئا أن يسبجد لشيبء لمرت‬
‫المرأة أن تسبجد لزوجهبا ل تؤدي المرأة حبق ربهبا حتبى تؤدي حبق زوجهبا حتبى لو سبألها نفسبها‬
‫وهي على قتب لم تمنعه)‪ .‬لفظ البستي‪ .‬ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولدة‬
‫فيحملون نساءهم على القتب عند الولدة‪ .‬وفي بعض طرق معاذ‪ :‬ونهى عن السجود للبشر وأمر‬
‫بالمصافحة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على‬
‫مشايخهبم واسبتغفارهم‪ ،‬فيرى الواحبد منهبم إذا أخذه الحال بزعمبه يسبجد للقدام لجهله سبواء أكان‬
‫للقبلة أم غيرها جهالة منه‪ ،‬ضل سعيهم وخاب عملهم‪.‬‬
‫@ قوله‪" :‬إل إبليس" نصب على الستثناء المتصل‪ ،‬لنه كان من الملئكة على قول الجمهور‪:‬‬
‫ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وابن المسيب وقتادة وغيرهم‪ ،‬وهو اختيار الشيخ أبي الحسن‪،‬‬

‫ورجحببه الطبببري‪ ،‬وهببو ظاهببر اليببة‪ .‬قال ابببن عباس‪ :‬وكان اسببمه عزازيببل وكان مببن أشراف‬
‫الملئكبة وكان مبن الجنحبة الربعبة ثبم أبلس بعبد‪ .‬روى سبماك ببن حرب عبن عكرمبة عبن اببن‬
‫عباس قال‪ :‬كان إبليبس مبن الملئكبة فلمبا عصبى ال غضبب عليبه فلعنبه فصبار شيطانبا‪ .‬وحكبى‬
‫الماوردي عن قتادة‪ :‬أنه كان من أفضل صنف من الملئكة يقال لهم الجنة‪ .‬وقال سعيد بن جبير‪:‬‬
‫إن الجبن سببط مبن الملئكبة خلقوا مبن نار وإبليبس منهبم‪ ،‬وخلق سبائر الملئكبة مبن نور‪ .‬وقال اببن‬
‫زيبد والحسبن وقتادة أيضبا‪ :‬إبليبس أبو الجن كمبا أن آدم أببو البشبر ولم يكن ملكبا‪ ،‬وروى نحوه عن‬
‫اببن عباس وقال‪ :‬اسبمه الحارث‪ .‬وقال شهبر ببن حوشبب وبعبض الصبوليين‪ :‬كان مبن الجبن الذيبن‬
‫كانوا فبي الرض وقاتلتهبم الملئكبة فسببوه صبغيرا وتعببد مبع الملئكبة وخوطبب‪ ،‬وحكاه الطببري‬
‫عن ابن مسعود‪ .‬والستثناء على هذا منقطع‪ ،‬مثل قوله تعالى‪" :‬ما لهم به من علم إل اتباع الظن"‬
‫[النساء‪ ]175 :‬وقوله‪" :‬إل ما ذكيتم" [المائدة‪ ]3 :‬في أحد القولين‪ ،‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫ليس عليك عطش ول جوع إل الرقاد والرقاد ممنوع‬
‫واحتبج بعببض أصبحاب هذا القول بأن ال جبل وعبز وصببف الملئكببة فقال‪" :‬ل يعصبون ال مبا‬
‫أمرهبم ويفعلون مبا يؤمرون" [التحريبم‪ ،]6 :‬وقوله تعالى‪" :‬إل إبليبس كان مبن الجبن" [الكهبف‪:‬‬
‫‪ ]50‬والجبن غيبر الملئكبة‪ .‬أجاب أهبل المقالة الولى بأنبه ل يمتنبع أن يخرج إبليبس مبن جملة‬
‫الملئكة لما سبق في علم ال بشقائه عدل منه‪ ،‬ل يسأل عما يفعل‪ ،‬وليس في خلقه من نار ول في‬
‫تركيب الشهوة حين غضب عليه ما يدفع أنه من الملئكة‪ .‬وقول من قال‪ :‬إنه كان من جن الرض‬
‫فسبي‪ ،‬فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الرض مع جند من الملئكة‪ ،‬حكاه‬
‫المهدوي وغيره‪ .‬وحكبى الثعلببي عبن اببن عباس‪ :‬أن إبليبس كان مبن حبي مبن أحياء الملئكبة يقال‬
‫لهببم الجببن خلقوا مببن نار السببموم‪ ،‬وخلقببت الملئكببة مببن نور‪ ،‬وكان اسببمه بالسببريانية عزازيببل‪،‬‬
‫وبالعربيبة الحارث‪ ،‬وكان مبن خزان الجنبة وكان رئيبس ملئكبة السبماء الدنيبا وكان له سبلطانها‬
‫وسبلطان الرض‪ ،‬وكان مبن أشبد الملئكبة اجتهادا وأكثرهبم علمبا‪ ،‬وكان يسبوس مبا بيبن السبماء‬
‫والرض‪ ،‬فرأى لنفسبه بذلك شرفبا وعظمبة‪ ،‬فذلك الذي دعاه إلى الكفبر فعصبى ال فمسبخه شيطانبا‬
‫رجيما‪ .‬فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فل ترجه‪ ،‬وإن كانت خطيئته في معصية فارجه‪ ،‬وكانت‬
‫خطيئة آدم عليبه السبلم معصبية‪ ،‬وخطيئة إبليبس كببرا‪ .‬والملئكبة قبد تسبمى جنبا لسبتتارها‪ ،‬وفبي‬
‫التنزيل‪" :‬وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا" [الصافات‪ ،]158 :‬وقال الشاعر في ذكر سليمان عليه‬
‫السلم‪:‬‬
‫قياما لديه يعملون بل أجر‬
‫وسخر من جن الملئك تسعة‬
‫وأيضبا لمبا كان مبن خزان الجنبة نسبب إليهبا فاشتبق اسبمه مبن اسبمها‪ ،‬وال أعلم‪ .‬وإبليبس وزنبه‬
‫إفعيل‪ ،‬مشتق من البلس وهو اليأس من رحمة ال تعالى‪ .‬ولم ينصرف‪ ،‬لنه معرفة ول نظير له‬
‫فبي السماء فشببه بالعجمية‪ ،‬قال أبو عبيدة وغيره‪ .‬وقيبل‪ :‬هو أعجمبي ل اشتقاق له فلم ينصبرف‬
‫للعجمة والتعريف‪ ،‬قاله الزجاج وغيره‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬أبى" معناه امتنع من فعل ما أمر به‪ ،‬ومنه الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن‬
‫النببي صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬إذا قرأ اببن آدم السبجدة فسبجد اعتزل الشيطان يبكبي يقول يبا ويله ‪-‬‬
‫وفبي راويبة‪ :‬يبا ويلي ‪ -‬أمبر اببن آدم بالسبجود فسبجد فله الجنبة وأمرت بالسبجود فأبيبت فلي النار)‪.‬‬
‫خرجببه مسببلم‪ .‬يقال‪ :‬أبببي يأبببى إباء‪ ،‬وهببو حرف نادر جاء على فعببل يفعببل ليببس فيببه حرف مببن‬
‫حروف الحلق‪ ،‬وقبد قيبل‪ :‬إن اللف مضارعبة لحروف الحلق‪ .‬قال الزجاج‪ :‬سبمعت إسبماعيل ببن‬
‫إسبحاق القاضبي يقول‪ :‬القول عندي أن اللف مضارعبة لحروف الحلق‪ .‬قال النحاس‪ :‬ول أعلم أن‬
‫أبا إسحاق روى إسماعيل نحوا غير هذا الحرف‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬واستكبر "الستكبار‪ :‬الستعظام‪ ،‬فكأنه كره السجود في حقه واستعظمه في حق‬
‫آدم‪ ،‬فكان ترك السجود لدم تسفيها لمر ال وحكمته‪ .‬وعن هذا الكبر عبر عليه السلم بقوله‪( :‬ل‬
‫يدخبل الجنبة مبن كان فبي قلببه مثقال حببة مبن خردل مبن كببر)‪ .‬فبي روايبة فقال رجبل‪ :‬إن الرجبل‬
‫يحبب أن يكون ثوببه حسبنا ونعله حسبنة‪ .‬قال‪( :‬إن ال جميبل يحبب الجمال الكببر بطبر الحبق وغمبط‬
‫الناس)‪ .‬أخرجه مسلم‪ .‬ومعنى بطر الحق‪ :‬تسفيهه وإبطاله‪ .‬وغمط الناس‪ :‬الحتقار لهم والزدراء‬

‫بهبببم‪ .‬ويروى‪" :‬وغمببص" بالصببباد المهملة‪ ،‬والمعنبببى واحببد‪ ،‬يقال‪ :‬غمصبببه يغمصبببه غمصبببا‬
‫واغتمصه‪ ،‬أي استصغره ولم يره شيئا‪ .‬وغمص فلن النعمة إذا لم يشكرها‪ .‬وغمصت عليه قول‬
‫قاله‪ ،‬أي عبته عليه‪ .‬وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال‪" :‬أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من‬
‫طيبن" [ص‪" .]76 :‬أأسبجد لمبن خلقبت طينبا" [السبراء‪" .]61 :‬لم أكبن لسبجد لبشبر خلقتبه مبن‬
‫صلصال من حمأ مسنون" [الحجر‪ ]26 :‬فكفره ال بذلك‪ .‬فكل من سفه شيئا من أوامر ال تعالى‬
‫أو أمر رسوله عليه السلم كان حكمه حكمه‪ ،‬وهذا ما ل خلف فيه‪ .‬وروى ابن القاسم عن مالك‬
‫أنببه قال بلغنببي أن أول معصببية كانببت الحسببد والكبببر‪ ،‬حسببد إبليببس آدم‪ ،‬وشببح آدم فببي أكله مببن‬
‫الشجرة‪ .‬وقال قتادة‪ :‬حسبد إبليبس آدم‪ ،‬على مبا أعطاه ال مبن الكرامبة فقال‪ :‬أنبا ناري وهذا طينبي‪.‬‬
‫وكان بدء الذنوب الكبر‪ ،‬ثم الحرص حتى أكل آدم من الشجرة‪ ،‬ثم الحسد إذ حسد ابن آدم أخاه‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وكان مبن الكافريبن "قيبل‪ :‬كان هنبا بمعنبى صبار‪ ،‬ومنبه قوله تعالى‪" :‬فكان مبن‬
‫المغرقين"‪ .‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها‬
‫بتيهاء قفر والمطي كأنها‬
‫أي صبببارت‪ .‬وقال اببببن فورك‪" .‬كان" هنبببا بمعنبببى صبببار خطبببأ ترده الصبببول‪ .‬وقال جمهور‬
‫المتأولين‪ :‬المعنى أي كان في علم ال تعالى أنه سيكفر‪ ،‬لن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي‬
‫قد علم ال منه الموافاة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا صبببحيح‪ ،‬لقوله صبببلى ال عليبببه وسبببلم فبببي صبببحيح البخاري‪( :‬وإنمبببا العمال‬
‫بالخواتيبم)‪ .‬وقيبل‪ :‬إن إبليبس عبدال تعالى ثمانيبن ألف سبنة‪ ،‬وأعطبي الرياسبة والخزانبة فبي الجنبة‬
‫على السبتدراج‪ ،‬كمبا أعطبي المنافقون شهادة أن ل إله إل ال على أطراف ألسبنتهم‪ ،‬وكمبا أعطبي‬
‫بلعام السبم العظبم على طرف لسانه‪ ،‬فكان فبي رياسبته والكببر فبي نفسه متمكبن‪ .‬قال ابن عباس‪:‬‬
‫كان يرى لنفسبه أن له فضيلة على الملئكبة بمبا عنده‪ ،‬فلذلك قال‪ :‬أنبا خيبر منبه‪ ،‬ولذلك قال ال عبز‬
‫وجببل‪" :‬مببا منعببك أن تسببجد لمببا خلقببت بيدي أسببتكبرت أم كنببت مببن العاليببن" [ص‪ ]75 :‬أي‬
‫استكبرت ول كبر لك‪ ،‬ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي والكبر لي فلذلك قال‪" :‬وكان من الكافرين"‪.‬‬
‫[ص‪ .]74 :‬وكان أصبل خلقتبه مبن نار العزة‪ ،‬ولذلك حلف بالعزة فقال‪" :‬فبعزتبك لغوينهبم‬
‫أجمعيبن" [ص‪ ]82 :‬فالعزة أورثته الكببر حتى رأى الفضبل له على آدم عليه السبلم‪ .‬وعن أببي‬
‫صالح قال‪ :‬خلقت الملئكة من نور العزة وخلق إبليس من نار العزة‪.‬‬
‫@ قال علماؤنبا ‪ -‬رحمبة ال عليهبم ‪ : -‬ومبن أظهبر ال تعالى على يديبه ممبن ليبس بنببي كرامات‬
‫وخوارق للعادات فليبس ذلك دال على وليتبه‪ ،‬خلفبا لبعبض الصبوفية والرافضبة حيبث قالوا‪ :‬إن‬
‫ذلك يدل على أنبه ولي‪ ،‬إذ لو لم يكبن وليبا مبا أظهبر ال على يديبه مبا أظهبر‪ .‬ودليلنبا أن العلم بأن‬
‫الواحبد منبا ولي ل تعالى ل يصبح إل بعبد العلم بأنبه يموت مؤمنبا‪ ،‬وإذا لم يعلم أنبه يموت مؤمنبا لم‬
‫يمكنببا أن نقطببع على أنببه ولي ل تعالى‪ ،‬لن الولي ل تعالى مببن علم ال تعالى أنببه ل يوافببي إل‬
‫باليمان‪ .‬ولمبا اتفقنبا على أننبا ل يمكننبا أن نقطبع على أن ذلك الرجبل يوافبي باليمان‪ ،‬ول الرجبل‬
‫نفسه يقطع على أنه يوافي باليمان‪ ،‬علم أن ذلك ليس يدل على وليته ل‪ .‬قالوا‪ :‬ول نمنع أن يطلع‬
‫بعببض أوليائه على حسببن عاقبتببه وخاتمببة عمله وغيره معببه‪ ،‬قال الشيببخ أبببو الحسببن الشعري‬
‫وغيره‪ .‬وذهب الطبري إلى أن ال تعالى أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم‪ ،‬وهم اليهود‬
‫الذين كفروا بمحمد عليه السلم مع علمهم بنبوته‪ ،‬ومع قدم نعم ال عليهم وعلى أسلفهم‪.‬‬
‫@ واختلف هل كان قبل إبليس كافر أو ل؟ فقيل‪ :‬ل‪ ،‬وإن إبليس أول من كفر‪ .‬وقيل‪ :‬كان قبله قوم‬
‫كفار وهبم الجبن وهبم الذيبن كانوا فبي الرض‪ .‬واختلف أيضبا هبل كفبر إبليبس جهل أو عنادا على‬
‫قولين بين أهل السنة‪ ،‬ول خلف أنه كان عالما بال تعالى قبل كفره‪ .‬فمن قال إنه كفر جهل قال‪:‬‬
‫إنه سلب العلم عند كفره‪ .‬ومن قال كفر عنادا قال‪ :‬كفر ومعه علمه‪ .‬قال ابن عطية‪ :‬والكفر عنادا‬
‫مع بقاء العلم مستبعد‪ ،‬إل أنه عندي جائز ل يستحيل مع خذل ال لمن يشاء‪.‬‬
‫*‪ *3‬اليبة‪{ 35 :‬وقلنبا يبا آدم اسبكن أنبت وزوجبك الجنبة وكل منهبا رغدا حيبث شئتمبا ول تقرببا‬
‫هذه الشجرة فتكونا من الظالمين }‬

‫@قوله تعالى‪" :‬وقلنبا يبا آدم اسبكن" ل خلف أن ال تعالى أخرج إبليبس عنبد كفره وأبعده عبن‬
‫الجنة‪ ،‬وبعد إخراجه قال لدم‪ :‬اسكن‪ ،‬أي لزم القامة واتخذها مسكنا‪ ،‬وهو محل السكون‪ .‬وسكن‬
‫إليه يسكن سكونا‪ .‬والسكن‪ :‬النار‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫قد قومت بسكن وأدهان‬
‫والسكن‪ :‬كل ما سكن إليه‪ .‬والسكين معروف سمي به لنه يسكن حركة المذبوح‪ ،‬ومنه المسكين‬
‫لقلة تصرفه وحركته‪ .‬وسكان السفينة عربي‪ ،‬لنه يسكنها عن الضطراب‪.‬‬
‫@ فبي قوله تعالى‪" :‬اسبكن" تنببيه على الخروج‪ ،‬لن السبكنى ل تكون ملكبا‪ ،‬ولهذا قال بعبض‬
‫العارفين‪ :‬السكنى تكون إلى مدة ثم تنقطع‪ ،‬فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى ل دخول إقامة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وإذا كان هذا فيكون فيببه دللة على مببا يقول الجمهور مببن العلماء‪ :‬إن مببن أسببكن رجل‬
‫مسبكنا له أنبه ل يملكبه بالسبكنى‪ ،‬وأن له أن يخرجبه إذا انقضبت مدة السبكان‪ .‬وكان الشعببي يقول‪:‬‬
‫إذا قال الرجل داري لك سكنى حتى تموت فهي له حياته وموته‪ ،‬وإذا قال‪ :‬داري هذه اسكنها حتى‬
‫تموت فإنهبا ترجبع إلى صباحبها إذا مات‪ .‬ونحبو مبن السبكنى العمرى‪ ،‬إل أن الخلف فبي العمرى‬
‫أقوى منببه فببي السببكنى‪ .‬وسببيأتي الكلم فببي العمرى فببي "هود" إن شاء ال تعالى‪ .‬قال الحربببي‪:‬‬
‫سبمعت اببن العراببي يقول‪ :‬لم يختلف العرب فبي أن هذه الشياء على ملك أربابهبا ومنافعهبا لمبن‬
‫جعلت له العمرى والرقبببى والفقار والخبال والمنحببة والعريببة والسببكنى والطراق‪ .‬وهذا حجببة‬
‫مالك وأصحابه في أنه ل يملك شيء من العطايا إل المنافع دون الرقاب‪ ،‬وهو قول الليث بن سعد‬
‫والقاسم بن محمد‪ ،‬ويزيد بن قسيط‪.‬‬
‫والعمرى‪ :‬هبو إسبكانك الرجبل فبي دار لك مدة عمرك أو عمره‪ .‬ومثله الرقببى‪ :‬وهبو أن يقول‪ :‬إن‬
‫مبت قبلي رجعبت إلي وإن مبت قبلك فهبي لك‪ ،‬وهبي مبن المراقببة‪ .‬والمراقببة‪ :‬أن يرقبب كبل واحبد‬
‫منهمبا موت صباحبه‪ ،‬ولذلك اختلفوا فبي إجازتهبا ومنعهبا‪ ،‬فأجازهبا أببو يوسبف والشافعبي‪ ،‬وكأنهبا‬
‫وصببية عندهببم‪ .‬ومنعهببا مالك والكوفيون‪ ،‬لن كببل واحببد منهببم يقصببد إلى عوض ل يدري هببل‬
‫يحصببل له‪ ،‬ويتمنببى كببل واحببد منهمببا موت صبباحبه‪ .‬وفببي الباب حديثان أيضببا بالجازة والمنببع‬
‫ذكرهما ابن ماجة في سننه‪ ،‬الول رواه جابر بن عبدال قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫(العمرى جائزة لمبن أعمرهبا والرقببى جائزة لمبن أرقبهبا) ففبي هذا الحديبث التسبوية بيبن العمرى‬
‫والرقبى في الحكم‪ .‬الثاني رواه ابن عمر قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬ل رقبى فمن‬
‫أرقبب شيئا فهبو له حياتبه ومماتبه)‪ .‬قال‪ :‬والرقببى أن يقول هبو للخبر‪ :‬منبي ومنبك موتبا‪ .‬فقوله‪( :‬ل‬
‫رقببى) نهبي يدل على المنبع‪ ،‬وقوله‪( :‬مبن أرقبب شيئا فهبو له) يدل على الجواز‪ ،‬وأخرجهمبا أيضبا‬
‫النسبائي‪ .‬وذكبر عبن اببن عباس قال‪ :‬العمرى والرقببى سبواء‪ .‬وقال اببن المنذر‪ :‬ثببت أن رسبول ال‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬العمرى جائزة لمبن أعمرهبا والرقببى جائزة لمبن أرقبهبا)‪ .‬فقبد صبحح‬
‫الحديبث اببن المنذر‪ ،‬وهبو حجبة لمبن قال بأن العمرى والرقببى سبواء‪ .‬وروي عبن علي وببه قال‬
‫الثوري وأحمد‪ ،‬وأنها ل ترجع إلى الول أبدا‪ ،‬وبه قال إسحاق‪ .‬وقال طاوس‪ :‬من أرقب شيئا فهو‬
‫سببيل الميراث‪ .‬والفقار مأخوذ مبن فقار الظهبر‪ .‬أفقرتبك ناقتبي‪ :‬أعرتبك فقارهبا لتركبهبا‪ .‬وأفقرك‬
‫الصيد إذا أمكنك من فقاره حتى ترميه‪ .‬ومثله الخبال‪ ،‬يقال‪ :‬أخبلت فلنا إذا أعرته ناقة يركبها أو‬
‫فرسا يغزو عليه‪ ،‬قال زهير‪:‬‬
‫يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا‬
‫هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا وإن‬
‫والمنحبة‪ :‬العطيبة‪ .‬والمنحبة‪ :‬منحبة اللببن‪ .‬والمنيحبة‪ :‬الناقبه أو الشاة يعطيهبا الرجبل آخبر يحتلبهبا ثبم‬
‫يردهببا‪ ،‬قال رسببول ال صببلى ال عليببه وسببلم‪( :‬العاريببة مؤداة والمنحببة مردودة والديببن مقضببي‬
‫والزعيببم غارم)‪ .‬رواه أبببو أمامبببة‪ ،‬أخرجببه الترمذي والدارقطنبببي وغيرهمبببا‪ ،‬وهببو صبببحيح‪.‬‬
‫والطراق‪ :‬إعارة الفحببل‪ ،‬اسببتطرق فلن فلنببا فحله‪ :‬إذا طلبببه ليضرب فببي إبله‪ ،‬فأطرقببه إياه‪،‬‬
‫ويقال‪ :‬أطرقنبي فحلك أي أعرنبي فحلك ليضرب فبي إبلي‪ .‬وطرق الفحبل الناقبة يطرق طروقبا أي‬
‫قعا عليها‪ .‬وطروقة الفحل‪ :‬أنثاه‪ ،‬يقال‪ :‬ناقة طروقة الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬أنت وزوجك" "أنت" تأكيد للمضمر الذي في الفعل‪ ،‬ومثله "فاذهب أنت وربك"‪.‬‬
‫ول يجوز اسكن وزوجك‪ ،‬ول اذهب وربك‪ ،‬إل في ضرورة الشعر‪ ،‬كما قال‪:‬‬

‫كنعاج المل تعسفن رمل‬
‫قلت إذ أقبلت وزهر تهادى‬
‫ف "زهبر" معطوف على المضمبر فبي "أقبلت" ولم يؤكبد ذلك المضمبر‪ .‬ويجوز فبي غيبر القرآن‬
‫على بعد‪ :‬قم وزيد‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وزوجبك" لغبة القرآن "زوج" بغيبر هاء‪ ،‬وقبد جاء فبي صبحيح مسبلم‪" :‬زوجبة"‬
‫حدثنبا عبدال ببن مسبلمة ببن قعنبب قال حدثنبا حماد ببن سبلمة عبن ثاببت البنانبي عبن أنبس أن النببي‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم كان مبع إحدى نسبائه فمبر ببه رجبل فدعاه فجاء فقال‪( :‬يبا فلن هذه زوجتبي‬
‫فلنبة)‪ :‬فقال يبا رسبول ال‪ ،‬مبن كنبت أظبن ببه فلم أكبن أظبن ببك‪ ،‬فقال رسبول ال صبلى ال عليبه‬
‫وسببلم‪( :‬إن الشيطان يجري مببن النسببان مجرى الدم)‪ .‬وزوج آدم عليببه السببلم هببي حواء عليهببا‬
‫السلم‪ ،‬وهو أول من سماها بذلك حين خلقت من ضلعه من غير أن يحس آدم عليه السلم بذلك‪،‬‬
‫ولو ألم بذلك لم يعطف رجل على امرأته‪ ،‬فلما انتبه قيل له‪ :‬من هذه؟ قال‪ :‬امرأة قيل‪ :‬وما اسمها؟‬
‫قال‪ :‬حواء‪ ،‬قيل‪ :‬ولم سميت امرأة؟ قال‪ :‬لنها من المرء أخذت‪ ،‬قيل‪ :‬ولم سميت حواء؟ قال‪ :‬لنها‬
‫خلقت من حي‪ .‬روي أن الملئكة سألته عن ذلك لتجرب علمه‪ ،‬وأنهم قالوا له‪ :‬أتحبها يا آدم؟ قال‪:‬‬
‫نعبم‪ ،‬قالوا لحواء‪ :‬أتحببينه يبا حواء؟ قالت‪ :‬ل‪ ،‬وفبي قلبهبا أضعاف مبا فبي قلببه مبن حببه‪ .‬قالوا‪ :‬فلو‬
‫صدقت امرأة في حبها لزوجها لصدقت حواء‪ .‬وقال ابن مسعود وابن عباس‪ :‬لما أسكن آدم الجنة‬
‫مشى فيها مستوحشا‪ ،‬فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصرى من شقه اليسر ليسكن إليها ويأنس‬
‫بهبا‪ ،‬فلمبا انتببه رآهبا فقال‪ :‬مبن أنبت؟ قالت‪ :‬امرأة خلقبت مبن ضلعبك لتسبكن إلي‪ ،‬وهبو معنبى قوله‬
‫تعالى‪" :‬هببو الذي خلقكببم مبن نفببس واحدة وجعببل منهببا زوجهببا ليسببكن إليهببا" [الزمببر‪ .]6 :‬قال‬
‫العلماء‪ :‬ولهذا كانبت المرأة عوجاء‪ ،‬لنهبا خلقبت مبن أعوج وهبو الضلع‪ .‬وفبي صبحيح مسبلم عبن‬
‫أبي هريرة قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬إن المرأة خلقت من ضلع ‪ -‬في رواية‪ :‬وإن‬
‫أعوج شيبء فبي الضلع أعله ‪ -‬لن تسبتقيم لك على طريقبة واحدة فإن اسبتمتعت بهبا اسبتمتعت بهبا‬
‫وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلقها)‪ .‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫هي الضلع العوجاء ليست تقيمها أل إن تقويم الضلوع انكسارها‬
‫أليس عجيبا ضعفها واقتدارها‬
‫أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى‬
‫ومن هذا الباب استدل العلماء على ميراث الخنثى المشكل إذا تساوت فيه علمات النساء والرجال‬
‫في اللحية والثدي والمبال بنقص العضاء‪ .‬فإن نقصت أضلعه عن أضلع المرأة أعطي نصيب‬
‫رجل ‪ -‬روي ذلك عن علي رضي ال عنه ‪ -‬لخلق حواء من أحد أضلعه‪ ،‬وسيأتي في المواريث‬
‫بيان هذا إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬الجنبة "الجنبة‪ :‬البسبتان‪ ،‬وقبد تقدم القول فيهبا‪ .‬ول التفات لمبا ذهببت إليبه المعتزلة‬
‫والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد وإنما كان في جنة بأرض عدن‪ .‬واستدلوا على بدعتهم بأنها‬
‫لو كانبت جنبة الخلد لمبا وصبل إليبه إبليبس‪ ،‬فإن ال يقول‪" :‬ل لغبو فيهبا ول تأثيبم" [الطور‪]23 :‬‬
‫وقال "ل يسبمعون فيهبا لغوا ول كذاببا" [النببأ‪ ]35 :‬وقال‪" :‬ل يسبمعون فيهبا لغوا ول تأثيمبا‪ .‬إل‬
‫قيل سلما" [الواقعة‪ .]25 :‬وأنه ل يخرج منها أهلها لقوله‪" :‬وما هم منها بمخرجين" [الحجر‪:‬‬
‫‪ .]48‬وأيضا فإن جنة الخلد هي دار القدس‪ ،‬قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها‪ .‬وقد لغا‬
‫فيها إبليس وكذب‪ ،‬وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما‪ .‬قالوا‪ :‬وكيف يجوز على آدم مع مكانه من‬
‫ال وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهببو فببي دار الخلد والملك الذي ل يبلى؟ فالجواب‪ :‬أن ال‬
‫تعالى عرف الجنبة باللف واللم‪ ،‬ومبن قال‪ :‬أسبأل ال الجنبة‪ ،‬لم يفهبم منبه فبي تعارف الخلق إل‬
‫طلب جنة الخلد‪ .‬ول يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم‪ ،‬وقد لقي موسى آدم عليهما‬
‫السبلم فقال له موسبى‪ :‬أنبت أشقيبت ذريتبك وأخرجتهبم مبن الجنبة‪ ،‬فأدخبل اللف واللم ليدل على‬
‫أنهبا جنبة الخلد المعروفبة‪ ،‬فلم ينكبر ذلك آدم‪ ،‬ولو كانبت غيرهبا لرد على موسبى‪ ،‬فلمبا سبكت آدم‬
‫على مبا قرره موسبى صبح أن الدار التبي أخرجهبم ال عبز وجبل منهبا بخلف الدار التبي أخرجوا‬
‫إليهبا‪ .‬وأمبا مبا احتجوا ببه مبن الي فذلك إنمبا جعله ال فيهبا بعبد دخول أهلهبا فيهبا يوم القيامبة‪ ،‬ول‬
‫يمتنبع أن تكون دار الخلد لمبن أراد ال تخليده فيهبا وقبد يخرج منهبا مبن قضبي عليبه بالفناء‪ .‬وقبد‬
‫أجمببع أهببل التأويببل على أن الملئكببة يدخلون الجنببة على أهببل الجنببة ويخرجون منهببا‪ ،‬وقببد كان‬

‫مفاتيحهبا بيبد إبليبس ثبم انتزعبت منبه بعبد المعصبية‪ ،‬وقبد دخلهبا النببي صبلى ال عليبه وسبلم ليلة‬
‫السبراء ثبم خرج منهبا وأخبر بما فيهبا وأنها هي جنة الخلد حقبا‪ .‬وأمبا قولهبم‪ :‬إن الجنة دار القدس‬
‫وقبد طهرهبا ال تعالى مبن الخطايبا فجهبل منهبم‪ ،‬وذلك أن ال تعالى أمبر بنبي إسبرائيل أن يدخلوا‬
‫الرض المقدسببة وهببي الشام‪ ،‬وأجمببع أهببل الشرائع على أن ال تعالى قدسببها وقببد شوهببد فيهببا‬
‫المعاصبي والكفبر والكذب ولم يكبن تقديسبها ممبا يمنبع فيهبا المعاصبي‪ ،‬وكذلك دار القدس‪ .‬قال أببو‬
‫الحسبن ببن بطال‪ :‬وقبد حكبى بعبض المشايبخ أن أهبل السبنة مجمعون على أن جنبة الخلد هبي التبي‬
‫أهببط منهبا آدم عليبه السبلم‪ ،‬فل معنبى لقول مبن خالفهبم‪ .‬وقولهبم‪ :‬كيبف يجوز على آدم فبي كمال‬
‫عقله أن يطلب شجرة الخلد وهبو فبي دار الخلد‪ ،‬فيعكبس عليهبم ويقال‪ :‬كيبف يجوز على آدم وهبو‬
‫فبي كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد فبي دار الفناء هذا مبا ل يجوز على مبن له أدنبى مسبكة مبن‬
‫عقل‪ ،‬فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقل‪ ،‬على ما قال أبو أمامة على ما يأتي‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وكل منها رغدا حيث شئتما" قراءة الجمهور "رغدا" بفتح الغين‪ .‬وقرأ النخعي‬
‫وابن وثاب بسكونها‪ .‬والرغد‪ :‬العيش الدار الهني الذي ل عناء فيه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫يأمن الحداث في عيش رغد‬
‫بينما المرء تراه ناعما‬
‫ويقال‪ :‬رغبد عيشهبم ورغبد (بضبم الغيبن وكسبرها)‪ .‬وأرغبد القوم‪ :‬أخصببوا وصباروا فبي رغبد مبن‬
‫العيببش‪ .‬وهببو منصببوب على الصببفة لمصببدر محذوف‪ ،‬وحيثبُ وحيثبَ وحيثبِ‪ ،‬وحوثبَ وحوثبِ‬
‫وحاث‪ ،‬كلها لغات‪ ،‬ذكرها النحاس وغيره‪.‬‬
‫قوله تعالى "وكل منهبببا رغدا" حذفبببت النون مبببن "كل" لنبببه أمبببر‪ ،‬وحذفبببت الهمزة لكثرة‬
‫الستعمال‪ ،‬وحذفها شاذ‪ .‬قال سيبويه‪ :‬من العرب من يقول أأكل‪ ،‬فيتم‪ .‬يقال منه‪ :‬أكلت الطعام أكل‬
‫ومأكل‪ .‬والكلة (بالفتببح)‪ :‬المرة الواحدة حتببى تشبببع‪ .‬والكلة (بالضببم)‪ :‬اللقمببة‪ ،‬تقول‪ :‬أكلت أكلة‬
‫واحدة‪ ،‬أي لقمة‪ ،‬وهي القرصة أيضا‪ .‬وهذا الشيء أكلة لك‪ ،‬أي طعمة لك‪ .‬والكل أيضا ما أكل‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬فلن ذو أكبل إذا كان ذا حبظ مبن الدنيبا ورزق واسبع‪" .‬رغدا" نعبت لمصبدر محذوف‪ ،‬أي‬
‫أكل رغدا‪ .‬قال ابن كيسان‪ :‬ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال‪ .‬وقال مجاهد‪" :‬رغدا" أي‬
‫ل حسبباب عليهببم‪ .‬والرغببد فببي اللغببة‪ .‬الكثيببر الذي ل يعنيببك‪ ،‬ويقال‪ :‬أرغببد القوم‪ ،‬إذا وقعوا فببي‬
‫خصب وسعة‪ .‬وقد تقدم هذا المعنى‪" .‬حيث" مبنية على الضم‪ ،‬لنها خالفت أخواتها الظروف في‬
‫أنهبا ل تضاف‪ ،‬فأشبهبت قببل وبعد إذا أفردتا فضمت‪ .‬قال الكسبائي‪ :‬لغة قيس وكنانة الضبم‪ ،‬ولغة‬
‫تميببم الفتببح‪ .‬قال الكسببائي‪ :‬وبنببو أسبد يخفضونهبا فببي موضبع الخفبض‪ ،‬وينصبببونها فبي موضبع‬
‫النصببب‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬سببنستدرجهم مببن حيببث ل يعلمون" [العراف‪ ]182 :‬وتضببم وتفتببح‪.‬‬
‫"ول تقربا هذه الشجرة "الهاء من "هذه" بدل من ياء الصل‪ ،‬لن الصل هذي‪ .‬قال النحاس‪ :‬ول‬
‫أعلم فبي العربيبة هاء تأنيبث مكسبورا مبا قبلهبا إل هاء "هذه" ومبن العرب مبن يقول‪ :‬هاتبا هنبد‪،‬‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬هاتي هند‪ .‬وحكى سيبويه‪ :‬هذه هند‪ ،‬بإسكان الهاء‪ .‬وحكى الكسائي عن العرب‪:‬‬
‫ول تقرببا هذي الشجرة‪ .‬وعبن شببل ابن عباد قال‪ :‬كان اببن كثيبر واببن محيصبن ل يثبتان الهاء فبي‬
‫"هذه" فبي جميبع القرآن‪ .‬وقراءة الجماعبة "رغدا" بفتبح الغيبن‪ .‬وروي عبن اببن وثاب والنخعبي‬
‫أنهما سكّنا الغين‪ .‬وحكى سلمة عن الفراء قال يقال‪ :‬هذه فعلت وهذي فعلت‪ ،‬بإثبات ياء بعد الذال‪.‬‬
‫وه ِذ فعلت‪ ،‬بكسر الذال من غير إلحاق ياء ول هاء‪ .‬وتا فعلت‪ .‬قال هشام ويقال‪ :‬تا فعلت‪ .‬وأنشد‪:‬‬
‫خليلي لول ساكن الدار لم أقم بتا الدار إل عابر ابن سبيل‬
‫قال ابن النباري‪ :‬وتا بإسقاط ها بمنزلة ذي بإسقاط ها من هذي‪ ،‬وبمنزلة ذه بإسقاط ها من هذه‪.‬‬
‫وقد قال الفراء‪ :‬من قال هذ قامت ل يسقط ها‪ ،‬لن السم ل يكون على ذال واحدة‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ول تقرببا هذه الشجرة" أي ل تقرباهبا بأكبل‪ ،‬لن الباحبة فيبه وقعبت‪ .‬قال اببن‬
‫العرببي‪ :‬سبمعت الشاشبي فبي مجلس النضبر [ببن شميبل] يقول‪ :‬إذا قيبل ل تقرب (بفتبح الراء) كان‬
‫معناه ل تلببس بالفعبل‪ ،‬وإذا كان (بضبم الراء) فإن معناه ل تدن منبه‪ .‬وفبي الصبحاح‪ :‬قرب الشيبء‬
‫يقرب قربا أي دنا‪ .‬وقربته (بالكسر) أقربه قربانا أي دنوت منه‪ .‬وقربت أقرب قرابة ‪ -‬مثل كتبت‬
‫أكتب كتابة ‪ -‬إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة‪ ،‬والسم القرب‪ .‬قال الصمعي‪ :‬قلت لعرابي‪:‬‬
‫مبا القرب؟ فقال‪ :‬سبير الليبل لورد الغبد‪ .‬وقال اببن عطيبة‪ :‬قال بعبض الحذاق‪ :‬إن ال تعالى لمبا أراد‬

‫النهبي عبن أكبل الشجرة نهبى عنبه بلفبظ يقتضبي الكبل ومبا يدعبو إليبه العرب وهبو القرب‪ .‬قال اببن‬
‫عطيببة‪ :‬وهذا مثال بيببن فببي سببد الذرائع‪ .‬وقال بعببض أرباب المعانببي قوله‪" :‬ول تقربببا" إشعار‬
‫بالوقوع فببي الخطيئة والخروج مببن الجنببة‪ ،‬وأن سببكناه فيهببا ل يدوم‪ ،‬لن المخلد ل يحظببر عليببه‬
‫شيبء ول يؤمبر ول ينهبى‪ .‬والدليبل على هذا قوله تعالى "إنبي جاعبل فبي الرض خليفبة" [البقرة‪:‬‬
‫‪ ]30‬فدل على خروجه منها‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬هذه الشجرة" السبم المبهبم ينعبت بمبا فيبه اللف واللم ل غيبر‪ ،‬كقولك‪ :‬مررت‬
‫بهذا الرجبل وبهذه المرأة وهذه الشجرة‪ .‬وقرأ اببن محيصبن‪" :‬هذي الشجرة" بالياء وهبو الصبل‪،‬‬
‫لن الهاء فبي هذه بدل مبن ياء ولذلك انكسبر مبا قبلهبا‪ ،‬وليبس فبي الكلم هاء تأنيبث قبلهبا كسبرة‬
‫سواها‪ ،‬وذلك لن أصلها الياء‪.‬‬
‫والشجرة والشجرة والشيرة‪ ،‬ثلث لغات وقرئ "الشجرة" بكسببر الشيببن‪ .‬والشَجرة والشِجرة‪ :‬مببا‬
‫كان على سبباق مببن نبات الرض‪ .‬وأرض شجيرة وشجراء أي كثيرة الشجار‪ ،‬وواد شجيببر‪ ،‬ول‬
‫يقال‪ :‬واد أشجبر‪ .‬وواحبد الشجراء شجرة‪ ،‬ولم يأت مبن الجمبع على هذا المثال إل أحرف يسبيرة‪:‬‬
‫شجرة وشجراء‪ ،‬وقصبببة وقصببباء‪ ،‬وطرفببة وطرفاء‪ ،‬وحلفببة وحلفاء‪ .‬وكان الصببمعي يقول فببي‬
‫واحبد الحلفاء‪ :‬حلفبة‪ ،‬بكسبر اللم مخالفبة لخواتهبا‪ .‬وقال سبيبويه‪ :‬الشجراء واحبد وجمبع‪ ،‬وكذلك‬
‫القصبباء والطرفاء والحلفاء‪ .‬والمشجرة‪ :‬موضبع الشجار‪ .‬وأرض مشجرة‪ ،‬وهذه الرض أشجبر‬
‫من هذه أي أكثر شجرا‪ ،‬قال الجوهري‪.‬‬
‫@التاسبعة‪ :‬واختلف أهبل التأويبل فبي تعييبن هذه الشجرة التبي نهبي عنهبا فأكبل منهبا‪ ،‬فقال اببن‬
‫مسبعود واببن عباس وسبعيد ببن جببير وجعدة ببن هببيرة‪ :‬هبي الكرم‪ ،‬ولذلك حرمبت علينبا الخمبر‪.‬‬
‫وقال اببن عباس أيضبا وأببو مالك وقتادة‪ :‬هبي السبنبلة‪ ،‬والحببة منهبا ككلى البقبر‪ ،‬أحلى مبن العسبل‬
‫وألين من الزبد‪ ،‬قاله وهب بن منبه‪ .‬ولما تاب ال على آدم جعلها غذاء لبنيه‪ .‬وقال ابن جريج عن‬
‫بعبض الصبحابة‪ :‬هبي شجرة التيبن‪ ،‬وكذا روى سبعيد عبن قتادة‪ ،‬ولذلك تعببر فبي الرؤيبا بالندامبة‬
‫لكلها من أجل ندم آدم عليه السلم على أكلها‪ ،‬ذكره السهيلي‪ .‬قال ابن عطية‪ :‬وليس في شيء من‬
‫هذا التعيين ما يعضده خبر‪ ،‬وإنما الصواب أن يعتقد أن ال تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو‬
‫إليهبا وعصبى فبي الكبل منهبا‪ .‬وقال القشيري أببو نصبر‪ :‬وكان المام والدي رحمبه ال يقول‪ :‬يعلم‬
‫على الجملة أنها كانت شجرة المحنة‪.‬‬
‫@ واختلفوا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب وهو قوله تعالى‪" :‬فتكونا من الظالمين"‪،‬‬
‫فقال قوم أكل من غيبر التبي أشيبر إليها فلم يتأول النهي واقعبا على جميبع جنسها‪ ،‬كأن إبليس غره‬
‫بالخبذ بالظاهبر قال اببن العرببي‪ :‬وهبي أول معصبية عصبي ال بهبا على هذا القول‪ .‬قال‪" :‬وفيبه‬
‫دليل على أن من حلف أل يأكل من هذا الخبز فأكل من جنسه حنث‪ .‬وتحقيق المذاهب فيه أن أكثر‬
‫العلماء قالوا‪ :‬ل حنبث فيبه‪ .‬وقال مالك وأصبحابه‪ :‬إن اقتضبى بسباط اليميبن تعييبن المشار إليبه لم‬
‫يحنبث بأكبل جنسبه‪ ،‬وإن اقتضبى بسباط اليميبن أو سبببها أو نيتهبا الجنبس حمبل عليبه وحنبث بأكبل‬
‫غيره‪ ،‬وعليه حملت قصة آدم عليه السلم فإنه نهي عن شجرة عينت له وأريد بها جنسها‪ ،‬فحمل‬
‫القول على اللفظ دون المعنى‪.‬‬
‫وقد اختلف علماؤنا في فرع من هذا‪ ،‬وهو أنه إذا حلف أل يأكل هذه الحنطة فأكل خبزا منها على‬
‫قوليبن‪ ،‬قال فبي الكتاب‪ :‬يحنبث‪ ،‬لنهبا هكذا تؤكبل‪ .‬وقال اببن المواز‪ :‬ل شيبء عليبه‪ ،‬لنبه لم يأكبل‬
‫حنطبة وإنمبا أكبل خبزا فراعبى السبم والصبفة‪ .‬ولو قال فبي يمينبه‪ :‬ل آكبل مبن هذه الحنطبة لحنبث‬
‫بأكبل الخببز المعمول منهبا وفيمبا اشترى بثمنهبا مبن طعام وفيمبا أنبتبت خلف‪ .‬قال آخرون‪ :‬تأول‬
‫النهبي على الندب‪ .‬قال اببن العرببي‪ :‬وهذا وإن كان مسبألة مبن أصبول الفقبه فقبد سبقط ذلك ههنبا‪،‬‬
‫لقوله‪" :‬فتكونببا مببن الظالميببن" [البقرة‪ ]35 :‬فقرن النهببي بالوعيببد‪ ،‬وكذلك قوله سبببحانه‪" :‬فل‬
‫يخرجنكمبا مبن الجنبة فتشقبى" [طبه‪ .]117 :‬وقال اببن المسبيب‪ :‬إنمبا أكبل آدم بعبد أن سبقته حواء‬
‫الخمر فسكر وكان في غير عقله‪ .‬وكذلك قال يزيد بن قسيط‪ ،‬وكانا يحلفان بال أنه ما أكل من هذه‬
‫الشجرة وهو يعقل‪ .‬قال ابن العربي‪ :‬وهذا فاسد نقل وعقل‪ ،‬أما النقل فلم يصح بحال‪ ،‬وقد وصف‬

‫ال عز وجل خمر الجنة فقال‪" :‬ل فيها غول"‪ .‬وأما العقل فلن النبياء بعد النبوة معصومون عما‬
‫يؤدي إلى الخلل بالفرائض واقتحام الجرائم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬قبد اسبتنبط بعبض العلماء نبوة آدم عليبه السبلم قببل إسبكانه الجنبة مبن قوله تعالى‪" :‬فلمبا‬
‫أنبأهم بأسمائهم" [البقرة‪ ]33 :‬فأمره ال تعالى أن ينبئ الملئكة بما ليس عندهم من علم ال جل‬
‫وعز‪ .‬وقيل‪ :‬أكلها ناسيا‪ ،‬ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهبو الصبحيح لخبار ال تعالى فبي كتاببه بذلك حتمبا وجزمبا فقال‪" :‬ولقبد عهدنبا إلى آدم‬
‫مبن قببل فنسبي ولم نجبد له عزمبا" [طبه‪ .]115 :‬ولكبن لمبا كان النببياء عليهبم السبلم يلزمهبم مبن‬
‫التحفببظ والتيقببظ لكثرة معارفهببم وعلو منازلهببم مببا ل يلزم غيرهببم كان تشاغله عببن تذكببر النهببي‬
‫تضييعبا صبار ببه عاصبيا‪ ،‬أي مخالفبا‪ .‬قال أببو أمامبة‪ :‬لو أن أحلم بنبي آدم منبذ خلق ال الخلق إلى‬
‫يوم القيامبة وضعبت فبي كفبة ميزان ووضبع حلم آدم فبي كفبة أخرى لرجحهبم‪ ،‬وقبد قال ال تعالى‪:‬‬
‫"ولم نجد له عزما"‪.‬‬
‫قلت‪ :‬قول أببي أمامبة هذا عموم فبي جميبع بنبي آدم‪ .‬وقبد يحتمبل أن يخبص مبن ذلك نبينبا محمبد‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فإنه كان أوفبر الناس حلما وعقل‪ .‬وقد يحتمل أن يكون المعنى لو أن أحلم‬
‫بني آدم من غير النبياء‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬والقول الول أيضبا حسبن‪ ،‬فظنبا أن المراد العيبن وكان المراد الجنبس‪ ،‬كقول النببي صبلى‬
‫ال عليه وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال‪( :‬هذان حرامان على ذكور أمتي)‪ .‬وقال في خبر آخر‪:‬‬
‫(هذان مهلكان أمتي)‪ .‬وإنما أراد الجنس ل العين‪.‬‬
‫@ يقال‪ :‬إن أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها ‪ -‬على ما يأتي بيانه ‪ -‬وإن أول‬
‫كلمبه كان معهبا لنهبا وسبواس المخدة‪ ،‬وهبي أول فتنبة دخلت على الرجال مبن النسباء‪ ،‬فقال‪ :‬مبا‬
‫منعتما هذه الشجرة إل أنها شجرة الخلد‪ ،‬لنه علم منهما أنهما كانا يحبان الخلد‪ ،‬فأتاهما من حيث‬
‫أحبا ‪" -‬حبك الشيء يعمي ويصم" ‪ -‬فلما قالت حواء لدم أنكر عليها وذكر العهد‪ ،‬فألح على حواء‬
‫وألحبت حواء على آدم‪ ،‬إلى أن قالت‪ :‬أنبا آكبل قبلك حتبى إن أصبابني شيبء سبلمت أنبت‪ ،‬فأكلت فلم‬
‫يضرهبا‪ ،‬فأتبت آدم فقالت‪ :‬كبل فإنبي قبد أكلت فلم يضرنبي‪ ،‬فأكبل فبدت لهمبا سبوآتهما وحصبل فبي‬
‫حكببم الذنببب‪ ،‬لقول ال تعالى‪" :‬ول تقربببا هذه الشجرة" فجمعهمببا فببي النهببي‪ ،‬فلذلك لم تنزل بهببا‬
‫العقوبببة حتببى وجببد المنهببي عنببه منهمببا جميعببا‪ ،‬وخفيببت على آدم هذه المسببألة‪ ،‬ولهذا قال بعببض‬
‫العلماء‪ :‬إن مبببن قال لزوجتيبببه أو أمتيبببه‪ :‬إن دخلتمبببا الدار فأنتمبببا طالقتان أو حرتان‪ ،‬إن الطلق‬
‫والعتبق ل يقبع بدخول إحداهمبا‪ .‬وقبد اختلف علماؤنبا فبي ذلك على ثلثبة أقوال‪ ،‬قال اببن القاسبم‪ :‬ل‬
‫تطلقان ول تعتقان إل باجتماعهمبببا فبببي الدخول‪ ،‬حمل على هذا الصبببل وأخذا بمقتضبببى مطلق‬
‫اللفبظ‪ .‬وقاله سبحنون‪ .‬وقال اببن القاسبم مرة أخرى‪ :‬تطلقان جميعبا وتعتقان جميعبا بوجود الدخول‬
‫مبن إحداهمبا‪ ،‬لن بعبض الحنبث حنبث‪ ،‬كمبا لو حلف أل يأكبل هذيبن الرغيفيبن فإنبه بحنبث بأكبل‬
‫أحدهما بل بأكل لقمة منهما‪ .‬وقال أشهب‪ :‬تعتق وتطلق التي دخلت وحدها‪ ،‬لن دخول كل واحدة‬
‫منهما شرطا في طلقها أو عتقها‪ .‬قال ابن العربي‪ :‬وهذا بعيد‪ ،‬لن بعض الشرط ل يكون شرطا‬
‫إجماعا‪.‬‬
‫قلت‪ :‬الصحيح الول‪ ،‬وإن النهي إذا كان معلقا على فعلين ل تتحقق المخالفة إل بهما‪ ،‬لنك إذا‬
‫قلت‪ :‬ل تدخل الدار‪ ،‬فدخبل أحدهمبا مبا وجدت المخالفبة منهمبا‪ ،‬لن قول ال تعالى "ول تقرببا هذه‬
‫الشجرة" [البقرة‪ ]35 :‬نهبي لهمبا "فتكونبا مبن الظالميبن" [البقرة‪ ]35 :‬جواببه‪ ،‬فل يكونبا مبن‬
‫الظالمين حتى يفعل‪ ،‬فلما أكلت لم يصبها شيء‪ ،‬لن المنهي عنه ما وجد كامل‪ .‬وخفي هذا المعنى‬
‫على آدم فطمبع ونسبي هذا الحكبم‪ ،‬وهبو معنبى قوله تعالى‪" :‬ولقبد عهدنبا إلى آدم مبن قببل فنسبي"‬
‫[طه‪ ]115 :‬وقيل‪ :‬نسي قوله‪" :‬إن هذا عدو لك ولزوجك فل يخرجنكما من الجنة فتشقى" [طه‪:‬‬
‫‪ .]115‬وال أعلم‪.‬‬
‫@ واختلف العلماء في هذا الباب هل وقع من النبياء ‪ -‬صلوات ال عليهم أجمعين ‪ -‬صغائر من‬
‫الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم ل ‪ -‬بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن كل‬
‫رزيلة فيها شين ونقص إجماعا عند القاضي أبي بكر‪ ،‬وعند الستاذ أبي إسحاق أن ذلك مقتضى‬

‫دليبل المعجزة‪ ،‬وعنبد المعتزلة أن ذلك مقتضبى دليبل العقبل على أصبولهم ‪ ، -‬فقال الطببري وغيره‬
‫مببن الفقهاء والمتكلميببن والمحدثيببن‪ :‬تقببع الصببغائر منهببم‪ .‬خلفببا للرافضببة حيببث قالوا‪ :‬إنهببم‬
‫معصومون من جميع ذلك‪ ،‬واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في‬
‫الحديببث‪ ،‬وهذا ظاهببر ل خفاء فيببه‪ .‬وقال جمهور مببن الفقهاء مببن أصببحاب مالك وأبببي حنيفببة‬
‫والشافعي‪ :‬إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها‪ ،‬لنا أمرنا باتباعهم‬
‫في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة‪ ،‬فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن‬
‫القتداء بهم‪ ،‬إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والباحة أو الحظر أو المعصية‪،‬‬
‫ول يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية‪ ،‬ل سيما على من يرى تقديم الفعل على القول‬
‫إذا تعارضبا مبن الصبوليين‪ .‬قال السبتاذ أببو إسبحاق السبفرايني‪ :‬واختلفوا فبي الصبغائر‪ ،‬والذي‬
‫عليه الكثبر أن ذلك غيبر جائز عليهم‪ ،‬وصبار بعضهبم إلى تجويزها‪ ،‬ول أصبل لهذه المقالة‪ .‬وقال‬
‫بعبض المتأخريبن ممبن ذهبب إلى القول الول‪ :‬الذي ينبغبي أن يقال إن ال تعالى قبد أخببر بوقوع‬
‫ذنوب مبن بعضهبم ونسببها إليهبم وعاتبهبم عليهبا‪ ،‬وأخببروا بهبا عبن نفوسبهم وتنصبلوا منهبا وأشفقوا‬
‫منهبا وتابوا‪ ،‬وكبل ذلك ورد فبي مواضبع كثيرة ل يقببل التأويبل جملتهبا وإن قببل ذلك أحادهبا‪ ،‬وكبل‬
‫ذلك ممبا ل يزري بمناصببهم‪ ،‬وإنمبا تلك المور التبي وقعبت منهبم على جهبة الندور وعلى جهبة‬
‫الخطبأ والنسبيان‪ ،‬أو تأويبل دعبا إلى ذلك فهبي بالنسببة إلى غيرهبم حسبنات وفبي حقهبم سبيئات‪،‬‬
‫[بالنسببة] إلى مناصببهم وعلو أقدارهبم‪ ،‬إذ قبد يؤاخبذ الوزيبر بمبا يثاب عليبه السبائس‪ ،‬فأشفقوا مبن‬
‫ذلك فبي موقبف القيامبة مبع علمهبم بالمبن والمان والسبلمة‪ .‬قال‪ :‬وهذا هبو الحبق‪ .‬ولقبد أحسبن‬
‫الجنيد حيث قال‪ :‬حسنات البرار سيئات المقربين‪ .‬فهم ‪ -‬صلوات ال وسلمه عليهم ‪ -‬وإن كان قد‬
‫شهدت النصبوص بوقوع ذنوب منهبم فلم يخبل ذلك بمناصببهم ول قدح فبي رتبهبم‪ ،‬ببل قبد تلفاهبم‬
‫واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم‪ ،‬صلوات ال عليهم وسلمه‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فتكونبا مبن الظالميبن" (فتكونبا) عطبف على "تقرببا" فلذلك حذفبت النون‪ .‬وزعبم‬
‫الجرمي أن الفاء هي الناصبة‪ ،‬وكلهما جائز‪.‬‬
‫الظلم أصبله وضبع الشيبء فبي غيبر موضعبه‪ .‬والرض المظلومبة‪ :‬التبي لم تحفبر قبط ثبم حفرت‪.‬‬
‫قال النابغة‪:‬‬
‫عيت جوابا وما بالربع من أحد‬
‫وقفت فيها أصيل ل وأسائلها‬
‫والنؤيَ كالحوض بالمظلومة الجلد‬
‫إل الواري ليا ما أبينها‬
‫ويسمى ذلك التراب الظليم‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫العيش مردود عليها ظليمها‬
‫فأصبح في غبراء بعد إشاحة على‬
‫وإذا نحر البعير من غير داء به فقد ظلم‪ ،‬ومنه‪ ..:‬ظلمون للجزر‬
‫ويقال‪ :‬سبقانا ظليمبة طيببة‪ ،‬إذا سبقاهم اللببن قببل إدراكبه‪ .‬وقبد ظلم وطببه‪ ،‬إذا سبقى منبه قببل أن‬
‫يروب ويخرج زبده‪ .‬واللبن مظلوم وظليم‪ .‬قال‪:‬‬
‫وهل يخفى على العكد الظليم‬
‫وقائلة ظلمت لكم سقائي‬
‫ورجل ظليم‪ :‬شديد الظلم‪ .‬والظلم‪ :‬الشرك‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬إن الشرك لظلم عظيم"‪[ .‬لقمان‪]13 :‬‬
‫*‪ *3‬الية‪{36 :‬فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو‬
‫ولكم في الرض مستقر ومتاع إلى حين}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فأزلهمبا الشيطان عنهبا" قرأ الجماعبة "فأزلهمبا" بغيبر ألف‪ ،‬مبن الزلة وهبي‬
‫الخطيئة‪ ،‬أي استزلهما وأوقهما فيها‪ .‬وقرأ حمزة "فأزالهما" بألف‪ ،‬من التنحية‪ ،‬أي نحاهما‪ .‬يقال‪:‬‬
‫أزلتبه فزال‪ .‬قال اببن كيسبان‪ :‬فأزالهمبا مبن الزوال‪ ،‬أي صبرفهما عمبا كانبا عليبه مبن الطاعبة إلى‬
‫المعصية‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وعلى هذا تكون القراءتان بمعنببى‪ ،‬إل أن قراءة الجماعببة أمكببن فببي المعنببى‪ .‬يقال منببه‪:‬‬
‫أزللتببه فزل‪ .‬ودل على هذا قوله تعالى‪" :‬إنمببا اسببتزلهم الشيطان ببعببض مببا كسبببوا" [آل عمران‪:‬‬
‫‪ ،]155‬وقوله‪" :‬فوسبوس لهمبا الشيطان" والوسبوسة إنمبا هبي إدخالهمبا فبي الزلل بالمعصبية‪،‬‬
‫وليببس للشيطان قدرة على زوال أحببد مببن مكان إلى مكان‪ ،‬إنمببا قدرتببه [على] إدخاله فببي الزلل‪،‬‬

‫فيكون ذلك سببببا إلى زواله مببن مكان إلى مكان يذنبببه‪ .‬وقببد قيببل‪ :‬إن معنببى أزلهمببا مببن زل عببن‬
‫المكان إذا تنحى‪ ،‬فيكون في المعنى كقراءة حمزة من الزوال‪ .‬قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫ويلوي بأثواب العنيف المثقل‬
‫يزل الغلم الخف عن صهواته‬
‫وقال أيضا‪:‬‬
‫كما زلت الصفواء بالمتنزل‬
‫كميت يزل اللبد عن حال متنه‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فأخرجهما مما كانا فيه" إذا جعل أزال من زال عن المكان فقوله‪" :‬فأخرجهما"‬
‫تأكيبد وبيان للزوال‪ ،‬إذ قبد يمكبن أن يزول عبن مكان كانبا فيبه إلى مكان آخبر مبن الجنبة‪ ،‬وليبس‬
‫كذلك‪ ،‬وإنمببا كان إخراجهمببا مببن الجنببة إلى الرض‪ ،‬لنهمببا خلقببا منهببا‪ ،‬وليكون آدم خليفببة فببي‬
‫الرض‪ .‬ولم يقصبد إبليبس ‪ -‬لعنبه ال ‪ -‬إخراجبه منهبا وإنمبا قصبد إسبقاطه مبن مرتبتبه وإبعاده كمبا‬
‫أبعبد هبو‪ ،‬فلم يبلغ مقصبده ول أدرك مراده‪ ،‬ببل ازداد سبخنة عيبن وغيبظ نفبس وخيببة ظبن‪ .‬قال ال‬
‫جبل ثناؤه‪" :‬ثبم اجتباه رببه فتاب عليبه وهدى" [طبه‪ ]122 :‬فصبار عليبه السبلم خليفبة ال فبي‬
‫أرضه بعد أن كان جارا له في داره‪ ،‬فكم بين الخليفة والجار صلى ال عليه وسلم‪ .‬ونسب ذلك إلى‬
‫إبليس‪ ،‬لنه كان بسببه وإغوائه‪ .‬ول خلف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولي إغواء‬
‫آدم‪ ،‬واختلف فبي الكيفيبة‪ ،‬فقال اببن مسبعود واببن عباس وجمهور العلماء أغواهمبا مشافهبة‪ ،‬ودليبل‬
‫ذلك قوله تعالى‪" :‬وقاسببمهما إنببي لكمببا لمببن الناصببحين" والمقاسببمة ظاهرهببا المشافهببة‪ .‬وقال‬
‫بعضهم‪ ،‬وذكره عبدالرزاق عن وهب بن منبه‪ :،‬دخل الجنة في فم الحية وهى ذات أربع كالبختية‬
‫مبن أحسبن داببة خلقهبا ال تعالى بعبد أن عرض نفسبه على كثيبر مبن الحيوان فلم يدخله إل الحيبة‪،‬‬
‫فلما دخلت به الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى ال آدم وزوجه عنها فجاء‬
‫بهبا إلى حواء فقال‪ :‬انظري إلى هذه الشجرة‪ ،‬مبا أطيبب ريحهبا وأطيبب طعمهبا وأحسبن لونهبا فلم‬
‫يزل يغويهببا حتببى أخذتهببا حواء فأكلتهببا‪ .‬ثببم أغوى آدم‪ ،‬وقالت له حواء‪ :‬كببل فإنببي قببد أكلت فلم‬
‫يضرنبي‪ ،‬فأكبل منهبا فبدت لهمبا سبوآتهما وحصبل فبي حكبم الذنبب‪ ،‬فدخبل آدم فبي جوف الشجرة‪،‬‬
‫فناداه رببه‪ :‬أيبن أنبت؟ فقال‪ :‬أنبا هذا يبا رب‪ ،‬قال‪ :‬أل تخرج؟ قال أسبتحي منبك يبا رب‪ ،‬قال‪ :‬أهببط‬
‫إلى الرض التبي خلقبت منهبا‪ .‬ولعنبت الحيبة وردت قوائمهبا فبي جوفهبا وجعلت العداوة بينهبا وبيبن‬
‫بنبي آدم‪ ،‬ولذلك أمرنبا بقتلهبا‪ ،‬على مبا يأتبي بيانبه‪ .‬وقيبل لحواء‪ :‬كمبا أدميبت الشجرة فكذلك يصبيبك‬
‫الدم كببل شهببر وتحمليببن وتضعيببن كرهببا تشرفيببن بببه على الموت مرارا‪ .‬زاد الطبببري والنقاش‪:‬‬
‫وتكوني سفيهة وقد كنت حليمة‪ .‬وقالت طائفة‪ :‬إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها‬
‫وإنما أغوى بشيطانه وسلطانه ووسواسه التي أعطاه ال تعالى‪ ،‬كما قال صلى ال عليه وسلم‪( :‬إن‬
‫الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)‪ .‬وال أعلم‪ .‬وسيأتي في العراف أنه لما أكل بقي عريانا‬
‫وطلب مبا يسبتتر ببه فتباعدت عنبه الشجار وبكتوه بالمعصبية‪ ،‬فرحمتبه شجرة التيبن‪ ،‬فأخبذ مبن‬
‫ورقه فاستتر به‪ ،‬فبلي بالعري دون الشجر‪ .‬وال أعلم‪ .‬وقيل‪ :‬إن الحكمة في إخراج آدم من الجنة‬
‫عمارة الدنيا‪.‬‬
‫@يذكبر أن الحيبة كانبت خادم آدم عليبه السبلم فبي الجنبة فخانتبه بأن مكنبت عدو ال مبن نفسبها‬
‫وأظهرت العداوة له هناك‪ ،‬فلمبا أهبطوا تأكدت العداوة وجعبل رزقهبا التراب‪ ،‬وقيبل لهبا‪ :‬أنبت عدو‬
‫بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك‪ .‬روى ابن عمر عن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم قال‪( :‬خمس يقتلهن المحرم) فذكر الحية فيهن‪ .‬وروى أن إبليس قال لها‪ :‬أدخليني الجنة‬
‫وأنبت فبي ذمتبي‪ ،‬فكان اببن عباس يقول‪ :‬أخفروا ذمبة إبليبس‪ .‬وروت سباكنه بنبت الجعبد عبن سبراء‬
‫بنبت نبهان الغنويبة قالت‪ :‬سبمعت رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم يقول‪( :‬اقتلوا) الحيات صبغيرها‬
‫وكبيرهببا وأسببودها وأبيضهببا فإن مببن قتلهببا كانببت له فداء مببن النار ومببن قتلتببه كان شهيدا)‪ .‬قال‬
‫علماؤنا‪ :‬وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتهبا إبليبس وإعانته على ضرر آدم وولده‪ ،‬فذلك كان‬
‫من قتل حية فكأنما قتل كافرا‪ .‬وقد قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬ل يجتمع كافر وقاتله في‬
‫النار أبدا)‪ .‬أخرجه مسلم وغيره‪.‬‬
‫@روى اببن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة بن عبدال بن مسبعود قال‪ :‬كنبا مبع النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬بمنى فمرت حية فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬اقتلوها) فسبقتنا إلى‬

‫حجبر فدخلتبه‪ ،‬فقال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬هاتوا بسبعفة ونار فأضرموهبا عليبه نارا)‪.‬‬
‫قال علماؤنببا‪ :‬وهذا الحديببث يخببص نهيببه عليببه السببلم عبن المثلة وعببن أن يعذب أحببد بعذاب ال‬
‫تعالى‪ ،‬قالوا‪ :‬فلم يبق لهذا العدو حرمة حيث فاته حتى أوصل إليه الهلك من حيث قدر‪.‬‬
‫فإن قيبل‪ :‬قبد روي عبن إبراهيبم النخعبي أنبه كره أن تحرق العقرب بالنار‪ ،‬وقال‪ :‬هبو مثلة‪ .‬قيبل له‪:‬‬
‫يحتمبل أن يكون لم يبلغبه هذا الثبر عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم‪ ،‬وعمبل على الثبر الذي جاء‪:‬‬
‫(ل تعذبوا بعذاب ال) فكان على هذا سبيل العمل عنده‪.‬‬
‫فإن قيبل‪ :‬فقبد روى مسبلم عبن عبدال ببن مسبعود قال‪ :‬كنبا مبع النببي صبلى ال عليبه وسبلم فبي غار‬
‫وقبد أنزلت عليبه‪" :‬والمرسبلت عرفبا" [المرسبلت‪ ]1 :‬فنحبن نأخذهبا مبن فيبه رطببة‪ ،‬إذ خرجبت‬
‫علينببا حيببة‪ ،‬فقال‪( :‬اقتلوهببا)‪ ،‬فابتدرناهببا لنقتلهببا فسبببقتنا‪ ،‬فقال رسببول ال صببلى ال عليببه وسببلم‪:‬‬
‫(وقاها ال شركم كما وقاكم شرها)‪ .‬فلم يضرم نارا ول احتال في قتلها‪ .‬قيل له‪ :‬يحتمل أن يكون‬
‫لم يجد نارا فتركها‪ ،‬أو لم يكن الحجر بهيئة ينتفع بالنار هناك مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى‬
‫الحيوان‪ .‬وال أعلم‪ .‬وقوله‪( :‬وقاها ال شركم) أي قتلكم إياها (كما وقاكم شرها) أي لسعها‪.‬‬
‫@المبر بقتبل الحيات مبن باب الرشاد إلى دفبع المضرة المخوفبة مبن الحيات‪ ،‬فمبا كان منهبا‬
‫متحقبق الضرر وجببت المبادرة إلى قتله‪ ،‬لقوله‪( :‬اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتيبن والبتبر فإنهمبا‬
‫يخطفان البصر ويسقطان الحبل)‪ .‬فخصهما بالذكر مع أنهما دخل في العموم ونبه على ذلك بسبب‬
‫عظم ضررهما‪ .‬وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضا لظاهر المر العام‪،‬‬
‫ولن نوع الحيات غالبه الضرر‪ ،‬فيستصحب ذلك فيه‪ ،‬ولنه كله مروع بصورته وبما في النفوس‬
‫من النفرة عنه‪ ،‬ولذلك قال صلى ال عليه وسلم‪( :‬إن ال يحب الشجاعة ولو على قتل حية)‪ .‬فشجع‬
‫على قتلها‪ .‬وقال فيما خرجه أبو داود من حديث عبدال بن مسعود مرفوعا‪( :‬اقتلوا الحيات كلهن‬
‫فمن خاف ثأرهن فليس مني)‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫@ما كان من الحيات في البيوت فل يقتل حتى يؤذن ثلثة أيام‪ ،‬لقوله عليه السلم‪( :‬إن بالمدينة‬
‫جنبا قبد أسبلموا فإذا رأيتبم منهبم شيئا فآذنوه ثلثبة أيام)‪ .‬وقبد حمبل بعبض العلماء هذا الحديبث على‬
‫المدينة وحدها لسلم الجن بها‪ ،‬قالوا‪ :‬ول نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو ل‪ ،‬قاله ابن‬
‫نافبع‪ .‬وقال مالك‪ :‬نهبى عبن قتبل جنان البيوت فبي جميبع البلد‪ .‬وهبو الصبحيح‪ ،‬لن ال عبز وجبل‬
‫قال‪" :‬وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن" [الحقاف‪ ]29 :‬الية‪ .‬وفي صحيح مسلم‬
‫عن عبدال بن مسعود عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪( :‬أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت‬
‫عليهبم القرآن) وفيبه‪ :‬وسبألوه الزاد وكانوا مبن جبن الجزيرة‪ ،‬الحديبث‪ .‬وسبيأتي بكماله فبي سبورة‬
‫"الجن" إن شاء ال تعالى‪ .‬وإذا ثبت هذا فل يقتل شيء منها حتى يحرج عليه وينذر‪ ،‬على ما يأتي‬
‫بيانه إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@روى الئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته‪،‬‬
‫قال‪ :‬فوجدتبه يصبلي‪ ،‬فجلسبت انتظره حتبى يقضبي صبلته‪ ،‬فسبمعت تحريكبا فبي عراجيبن ناحيبة‬
‫البيت‪ ،‬فالتفت فإذا حية‪ ،‬فوثبت لقتلها‪ ،‬فأشار إلي أن أجلس فجلست‪ ،‬فلما انصرف أشار إلى بيت‬
‫فببي الدار فقال‪ :‬أترى هذا البيببت؟ فقلت نعببم‪ ،‬فقال‪ :‬كان فيببه فتببى منببا حديببث عهببد بعرس‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فخرجنا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى الخندق‪ ،‬فكان ذلك الفتى يستأذن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله‪ ،‬فاستأذنه يوما‪ ،‬فقال له رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم (خذ عليك سلحك فإني أخشى عليك قريظة)‪ .‬فأخذ الرجل سلحه ثم رجع‪ ،‬فإذا امرأته بين‬
‫البابيببن قائمببة فأهوى إليهببا بالرمببح ليطعنهببا ببه وأصببابته غيرة‪ ،‬فقالت له‪ :‬اكفببف عليببك رمحببك‪،‬‬
‫وادخل البيت حتبى تنظبر مبا الذي أخرجنبي فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش‪ ،‬فأهوى‬
‫إليها بالرمح فانتظمها به‪ ،‬ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه‪ ،‬فما يدرى أيهما كان أسرع‬
‫موتا‪ ،‬الحية أم الفتى قال‪ :‬فجئنا إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فذكرنا ذلك له‪ ،‬وقلنا‪ :‬ادع ال‬
‫يحييبه لنبا‪ ،‬فقال‪( :‬اسبتغفروا لخيكبم ‪ -‬ثبم قال‪ - :‬إن بالمدينبة جنبا قبد أسبلموا فإذا رأيتبم منهبم شيئا‬
‫فآذنوه ثلثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان)‪ .‬وفي طريق أخرى فقال رسول ال‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬إن لهذه البيوت عوامبر فإذا رأيتبم شيئا منهبا فحرجوا عليهبا ثلثبا فإن ذهبب‬

‫وإل فاقتلوه فإنبه كافبر ‪ -‬وقال لهبم‪ - :‬اذهبوا فادفنوا صباحبكم)‪ .‬قال علماؤنبا رحمبة ال عليهبم‪ :‬ل‬
‫يفهبم مبن هذا الحديبث أن هذا الجان الذي قتله هذا الفتبى كان مسبلما وأن الجبن قتلتبه ببه قصباصا‪،‬‬
‫لنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض‪ ،‬وهذا الفتى‬
‫لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة‪ ،‬إذ لم يكن عنده علم من ذلك‪ ،‬وإنما قصد إلى قتل ما سوغ قتل‬
‫نوعبه شرعببا‪ ،‬فهذا قتببل خطببأ ول قصبباص فيببه‪ .‬فالولى أن يقال‪ :‬إن كفار الجببن أو فسببقتهم قتلوا‬
‫بصاحبهم عدوا وانتقاما‪ .‬وقد قتلت سعد بن عبادة رضي ال عنه‪ ،‬وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله‬
‫وقد اخضر جسده‪ ،‬ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائل يقول ول يرون أحدا‪:‬‬
‫قد قتلنا سيد الخز رج سعد بن عباده‬
‫ورميناه بسهمي ن فلم نخط فؤاده‬
‫وإنما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬إن بالمدينة جنا قد أسلموا) ليبين طريقا يحصل به التحرز‬
‫من قتل المسلم منهم ويتسلط به على قتل الكافر منهم‪ .‬روي من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى‬
‫ال عليببه وسببلم قتلت جانببا فأريببت فببي المنام أن قائل يقول لهببا‪ :‬لقببد قتلت مسببلما‪ ،‬فقالت‪ :‬لو كان‬
‫مسبلما لم يدخبل على أزواج النببي صبلى ال عليبه وسبلم‪ ،‬قال‪ :‬مبا دخبل عليبك إل وعليبك ثياببك‪.‬‬
‫فأصبحت فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلت في سبيل ال‪ .‬وفي رواية‪ :‬ما دخل عليك إل وأنت‬
‫مستترة‪ ،‬فتصدقت وأعتقت رقابا‪ .‬وقال الربيع بن بدر‪ :‬الجان من الحيات التي نهى النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ول تلتوي‪ ،‬وعن علقمة نحوه‪.‬‬
‫@في صفة النذار‪ ،‬قال مالك‪ :‬أحب إلي أن ينذروا ثلثة أيام‪ .‬وقاله عيسى بن دينار‪ ،‬وإن ظهر‬
‫في اليوم مرارا‪ .‬ول يقتصر على إنذاره ثلث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلثة أيام‪ .‬وقيل‪:‬‬
‫يكفببي ثلث مرار‪ ،‬لقوله عليبه السببلم‪( :‬فليؤذنببه ثلثببا)‪ ،‬وقوله‪( :‬حرجوا عليببه ثلثببا) ولن ثلثببا‬
‫للعدد المؤنبث‪ ،‬فظهبر أن المراد ثلث مرات‪ .‬وقول مالك أولى‪ ،‬لقوله عليبه السبلم‪( :‬ثلثبة أيام)‪.‬‬
‫وهبو نبص صبحيح مقيبد لتلك المطلقات‪ ،‬ويحمبل ثلثبا على إرادة ليالي اليام الثلث‪ ،‬فغلب الليلة‬
‫على عادة العرب في باب التاريخ فإنها تغلب فيها التأنيث‪ .‬قال مالك‪ :‬ويكفي في النذار أن يقول‪:‬‬
‫أحرج عليك بال واليوم الخر أل تبدوا لنا ول تؤذونا‪ .‬وذكر ثابت البناني عن عبدالرحمن بن أبي‬
‫ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال‪ :‬إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا‪ :‬أنشدكم بالعهد الذي‬
‫أخذ عليكم نوح عليه السلم‪ ،‬وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلم‪ ،‬فإذا رأيتم منهن‬
‫شيئا بعد فاقتلوه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا يدل بظاهره أنبه يكفبي فبي الذن مرة واحدة‪ ،‬والحديبث يرده‪ .‬وال أعلم‪ .‬وقبد حكبى‬
‫اببن حببيب عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم أنبه يقول‪( :‬أنشدكبن بالعهبد الذي أخبذ عليكبن سبليمان ‪-‬‬
‫عليه السلم ‪ -‬أل تؤذينا وأل تظهرن علينا)‪0‬‬
‫@روى جببير عبن نفيبر عبن أببي ثعلببة الخشنبي ‪ -‬واسبمه جرثوم ‪ -‬أن رسبول ال صبلى ال عليبه‬
‫وسلم قال‪( :‬الجن على ثلثة أثلث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات وكلب وثلث‬
‫يحلون ويظعنون)‪ .‬وروى أبو الدرداء ‪ -‬واسمه عويمر ‪ -‬قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫(خلق الجن ثلثة أثلث فثلث كلب وحيات وخشاش الرض وثلث ريح هفافة وثلث كبني آدم لهم‬
‫الثواب وعليهببم العقاب وخلق ال النببس ثلثببة أثلث فثلث لهببم قلوب ل يفقهون بهببا وأعيببن ل‬
‫يبصرون بها وآذان ل يسمعون بها إن هم إل كالنعام بل هم أضل سبيل وثلث أجسادهم كأجساد‬
‫بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث في ظل ال يوم ل ظل إل ظله)‪.‬‬
‫@مبا كان مبن الحيوان أصبله الذايبة فإنبه يقتبل ابتداء‪ ،‬لجبل إذايتبه مبن غيبر خلف‪ ،‬كالحيبة‬
‫والعقرب والفأر والوزغ‪ ،‬وشبهبه‪ .‬وقبد قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬خمبس فواسبق يقتلن‬
‫في الحل والحرم‪ .)...‬وذكر الحديث‪.‬‬
‫فالحية أبدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بأن أدخلت إبليس الجنة بين فكيها‪ ،‬ولو كانت تبرزه‬
‫ما تركها رضوان تدخل به‪ .‬وقال لها إبليس أنت في ذمتي‪ ،‬فأمر رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫بقتلها وقال‪( :‬اقتلوها ولو كنتم في الصلة) يعني الحية والعقرب‪ .‬والوزغة نفخت على نار إبراهيم‬
‫عليه السلم من بين سائر الدواب فلعنت‪ .‬وهذا من نوع ما يروى في الحية‪ .‬وروي عن رسول ال‬

‫صبلى ال عليبه وسبلم أنبه قال‪( :‬مبن قتبل وزغبة فكأنمبا قتبل كافرا)‪ .‬وفبي صبحيح مسبلم عبن أببي‬
‫هريرة عن النبي صلى ال عليه وسلم‪( :‬من قتل وزغة في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي‬
‫الثانيببة دون ذلك وفبي الثالثبة دون ذلك) وفببي راويبة أنبه قال‪( :‬فبي أول ضرببة سبببعون حسبنة)‪.‬‬
‫والفأرة أبدت جوهرهبا بأن عمدت إلى حبال سبفينة نوح عليبه السبلم فقطعتهبا‪ .‬وروى عبدالرحمبن‬
‫ببن أببي نعبم عبن أببي سبعيد الخدري أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬يقتبل المحرم الحيبة‬
‫والعقرب والحدأة والسببع العادي والكلب العقور والفويسبقة)‪ .‬واسبتيقظ رسبول ال صبلى ال عليبه‬
‫وسبلم وقبد أخذت فتيلة لتحرق البيبت فأمبر رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم بقتلهبا‪ .‬والغراب أبدى‬
‫جوهره حيث بعثه نبي ال نوح عليه السلم من السفينة ليأتيه بخبر الرض فترك أمره وأقبل على‬
‫جيفببة‪ .‬هذا كله فببي معنببى الحيببة‪ ،‬فلذلك ذكرناه‪ .‬وسببيأتي لهذا الباب مزيببد بيان فببي التعليببل فببي‬
‫"المائدة" وغيرها إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@قوله تعالى "وقلنبا اهبطوا" حذفبت اللف مبن "اهبطوا" فبي اللفبظ لنهبا ألف وصبل‪ .‬وحذفبت‬
‫اللف مبن "قلنبا" فبي اللفبظ لسبكونها وسبكون الهاء بعدهبا‪ .‬وروى محمبد ببن مصبفى عبن أببي حيوة‬
‫ضبم الباء فبي "اهبطوا"‪ ،‬وهبي لغبة يقويهبا أنبه غيبر متعبد والكثبر فبي غيبر المتعدي أن يأتبي على‬
‫يفعببل‪ .‬والخطاب لدم وحواء والحيببة والشيطان‪ ،‬فببي قول ابببن عباس‪ .‬وقال الحسببن‪ :‬آدم وحواء‬
‫والوسوسة‪ .‬وقال مجاهد والحسن أيضا‪ :‬بنو آدم وبنو إبليس‪ .‬والهبوط‪ :‬النزول من فوق إلى أسفل‪،‬‬
‫فأهبط آدم بسرنديب في الهند بجبل يقال له "بوذ" ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فامتل‬
‫ما هناك طيبا‪ ،‬فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم عليه السلم‪ .‬وكان السحاب يمسح رأسه فأصلع‪،‬‬
‫فأورث ولده الصلع‪ .‬وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪( :‬خلق ال‬
‫آدم وطوله سبتون ذراعبا) الحديبث‪ .‬وأخرجبه مسبلم وسبيأتي‪ .‬وأهبطبت حواء بجدة وإبليبس بالبلة‪،‬‬
‫والحية ببيسان‪ ،‬وقيل‪ :‬بسجستان‪ .‬وسجستان أكثر بلد ال حيات‪ ،‬ولول العربد الذي يأكلها ويفني‬
‫كثيرا منها لخليت سجستان من أجل الحيات‪ ،‬ذكره أبو الحسن المسعودي‪.‬‬
‫@قوله تعالى "بعضكبم لبعبض عدو" "بعضكبم" مبتدأ‪" ،‬عدو" خببره والجملة فبي موضبع نصبب‬
‫على الحال‪ ،‬والتقديبر وهذه حالكبم‪ .‬وحذفبت الواو مبن و"بعضكبم" لن فبي الكلم عائدا‪ ،‬كمبا يقال‪:‬‬
‫رأيتبك السبماء تمطبر عليبك‪ .‬والعدو‪ :‬خلف الصبديق‪ ،‬وهبو مبن عدا إذا ظلم‪ .‬وذئب عدوان‪ :‬يعدو‬
‫على الناس‪ .‬والعدوان‪ :‬الظلم الصبراح‪ .‬وقيبل‪ :‬هبو مأخوذ مبن المجاوزة‪ ،‬مبن قولك‪ :‬ل يعدوك هذا‬
‫المبر‪ ،‬أي ل يتجاوزك‪ .‬وعداه إذا جاوزه‪ ،‬فسبمي عدوا لمجاوزة الحبد فبي مكروه صباحبه‪ ،‬ومنبه‬
‫العدو بالقدم لمجاوزة الشيء‪ ،‬والمعنيان متقاربان‪ ،‬فإن من ظلم فقد تجاوز‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقبد حمبل بعبض العلماء قوله تعالى‪" :‬بعضكبم لبعبض عدو" [البقرة‪ ]36 :‬على النسبان‬
‫نفسبه‪ ،‬وفيبه بعبد وإن كان صبحيحا معنبى‪ .‬يدل عليبه قوله عليبه السبلم‪( :‬إن العببد إذا أصببح تقول‬
‫جوارحه للسانه اتق ال فينا فإنك إذا استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا)‪ .‬فإن قيل‪ :‬كيف قال‬
‫"عدو" ولم يقل أعداء‪ ،‬ففيه جوابان أحدهما‪ :‬أن بعضا وكل يخبر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى‬
‫المعنى‪ ،‬وذلك في القرآن‪ ،‬قال ال تعالى‪" :‬وكلهم آتيه يوم القيامة فردا" [مريم‪ ]95 :‬على اللفظ‪،‬‬
‫وقال تعالى‪" :‬وكل أتوه داخرين" [النمل‪ ]87 :‬على المعنى‪ .‬والجواب الخر‪ :‬أن عدوا يفرد في‬
‫موضببع الجمببع‪ ،‬قال ال عببز وجببل‪" :‬وهببم لكببم عدو بئس للظالميببن بدل" [الكهببف‪ ]50 :‬بمعنببى‬
‫أعداء‪ ،‬وقال تعالى‪" :‬يحسببون كبل صبيحة عليهبم هبم العدو" [المنافقون‪ .]4 :‬وقال اببن فارس‪:‬‬
‫العدو اسم جامع للواحد والثنين والثلثة والتأنيث‪ ،‬وقد يجمع‪.‬‬
‫@لم يكبن إخراج ال تعالى آدم مبن الجنبة وإهباطبه منهبا عقوببة له لنبه أهبطبه بعبد أن تاب عليبه‬
‫وقبل توبته وإنما أهبطه إما تأديبا وإما تغليظا للمحنة والصحيح في إهباطه وسكناه في الرض ما‬
‫قبد ظهبر مبن الحكمبة الزليبة فبي ذلك وهبي نشبر نسبله فيهبا ليكلفهبم ويمتحنهبم ويرتبب على ذلك‬
‫ثوابهبم وعقابهبم الخروي إذ الجنبة والنار ليسبتا بدار تكليبف فكانبت تلك الكلة سببب إهباطبه مبن‬
‫الجنبة ول أن يفعبل مبا يشاء وقبد قال "إنبي جاعبل فبي الرض خليفبة" وهذه منقببة عظيمبة وفضيلة‬
‫كريمة شريفة وقد تقدمت الشارة إليها مع أنه خلق من الرض وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب‬
‫عليه لقول ثانية "قلنا أهبطوا" وسيأتي‪.‬‬

‫@قوله تعالى‪" :‬ولكم في الرض مستقر" ابتداء وخبر‪ ،‬أي موضع استقرار‪ .‬قاله أبو العالية وابن‬
‫زيببد‪ .‬وقال السببدي‪" :‬مسببتقر" يعنببي القبور‪ .‬قلت‪ :‬وقول ال تعالى‪" :‬جعببل لكببم الرض قرارا"‬
‫[النمبل‪ ]61 :‬يحتمبل المعنييبن‪ .‬وال أعلم‪ .‬قوله تعالى‪" :‬ومتاع "المتاع مبا يسبتمتع ببه مبن أكبل‬
‫ولبس وحياة وحديث وأنس وغير ذلك‪ ،‬ومنه سميت متعة النكاح لنها يتمتع بها وأنشد سليمان بن‬
‫عبدالملك حين وقف على قبر ابنه أيوب إثر دفنه‪:‬‬
‫متاع قليل من حبيب مفارق‬
‫وقفت على قبر غريب بقفرة‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إلى حين "اختلف المتأولون في الحين على أقوال‪ ،‬فقالت فرقة إلى الموت وهذا‬
‫قول من يقول المستقر هو المقام في الدنيا وقيل إلى قيام الساعة‪ ،‬وهذا قول من يقول المستقر هو‬
‫القبور وقال الربيببع "إلى حيببن" إلى أجببل والحيببن الوقببت البعيببد فحينئذ تبعيببد مببن قولك الن قال‬
‫خويلد ‪:‬‬
‫حين الشتاء كحوض المنهل اللقف‬
‫كأبي الرماد عظيم القدر جفنته‬
‫لقف الحوض لقفا‪ ،‬أي تهور من أسفله واتسع‪ .‬وربما أدخلوا عليه التاء قال أبو وجزة‪:‬‬
‫والمطعمون زمان أين المطعم‬
‫العاطفون تحين ما من عاطف‬
‫والحيبن أيضبا‪ :‬المدة ومنبه قوله تعالى‪" :‬هبل أتبى على النسبان حيبن مبن الدهبر" [النسبان‪]1 :‬‬
‫والحيبن السباعة قال ال تعالى "أو تقول حيبن ترى العذاب" [الزمبر‪ ]58 :‬قال اببن عرفبة الحيبن‬
‫القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها وقوله "فذرهم في غمرتهم حتى حين" [المؤمنون‪ ]54 :‬أي‬
‫حتبى تفنبى آجالهبم وقوله تعالى "تؤتبي أكلهبا كبل حيبن" [إبراهيبم‪ ]25 :‬أي كبل سبنة وقيبل ببل كبل‬
‫سبتة أشهبر وقيبل ببل غدوة وعشيبا قال الزهري الحيبن اسبم كالوقبت يصبلح لجميبع الزمان كلهبا‬
‫طالت أو قصبرت‪ .‬والمعنبى أنبه ينتفبع بهبا فبي كبل وقبت ول ينقطبع نفعهبا البتبة قال والحيبن يوم‬
‫القيامة‪ .‬والحين الغدوة والعشية قال ال تعالى "فسبحان ال حين تمسون وحين تصبحون" [الروم‪:‬‬
‫‪ ]17‬ويقال عاملته محاينة من الحين وأحينت بالمكان إذا أقمت به حينا وحان حين كذا أي قرب‪.‬‬
‫قالت بثينة‪:‬‬
‫الدهر ما حانت ول حان حينها‬
‫وإن سُلُوّي عن جميل لساعة من‬
‫@لما اختلف أهل اللسان في الحين اختلف فيه أيضا علماؤنا وغيرهم في فقال الفراء الحين حينان‬
‫حيببن ل يوقببف على حده والحيببن الذي ذكببر ال جببل ثناؤه "تؤتببي أكلهببا كببل حيببن بإذن ربهببا"‬
‫[إبراهيم‪ ]25 :‬ستة أشهر‪ :‬قال ابن العربي الحين المجهول ل يتعلق به حكم والحين المعلوم هو‬
‫الذي تتعلق ببه الحكام ويرتببط ببه التكليبف وأكثبر المعلوم سبنة‪ .‬ومالك يرى فبي الحكام واليمان‬
‫أعبم السبماء والزمنبة والشافعبي يرى القبل وأببو حنيفبة توسبط فقال سبتة أشهبر‪ .‬ول معنبى لقوله‬
‫لن المقدرات عنده ل تثبت قياسا وليس فيه نص عن صاحب الشريعة وإنما المعول على المعنى‬
‫بعبد معرفبة مقتضبى اللفبظ لغبة فمبن نذر أن يصبلي حينبا فيحمبل على ركعبة عنبد الشافعبي لنبه أقبل‬
‫النافلة قياسبا على ركعبة الوتبر‪ .‬وقال مالك وأصبحابه أقبل النافلة ركعتان فيقدر الزمان بقدر الفعبل‬
‫وذكر ابن خويز منداد في أحكامه أن من حلف أل يكلم فلنا حينا أول يفعل كذا حينا أن الحين سنة‬
‫قال واتفقوا فبي الحكام أن مبن حلف أل يفعبل كذا حينبا أول يكلم فلنبا حينبا أن الزيادة على سبنة لم‬
‫تدخل في يمينه‪.‬‬
‫قلت هذا التفاق إنمبا هبو فبي المذهبب‪ .‬قال مالك رحمبه ال‪ :‬مبن حلف أل يفعبل شيئا إلى حيبن أو‬
‫زمان أو دهبر‪ ،‬فذلك كله سبنة‪ .‬وقال عنبه اببن وهبب‪ :‬إنبه شبك فبي الدهبر أن يكون سبنة‪ .‬وحكبى اببن‬
‫المنذر عبن يعقوب واببن الحسبن أن الدهبر سبتة أشهبر‪ .‬وعن اببن عباس وأصبحاب الرأي وعكرمبة‬
‫وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبيدة في قوله تعالى "تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها" [إبراهيم‪:‬‬
‫‪ ]25‬أنبه سبتة أشهبر وقال الوزاعبي وأببو عببيدالحين سبتة أشهبر وليبس عنبد الشافعبي فبي الحيبن‬
‫وقت معلوم ول للحين غاية قد يكون الحين عنده مدة الدنيا وقال ل نحنثه أبدا‪ ،‬والورع أن يقضيه‬
‫قببل انقضاء يوم وقال أببو ثور وغيره الحيبن والزمان على مبا تحتمله اللغبة يقال قبد جئت مبن حيبن‬
‫ولعله لم يجببئ مببن نصببف يوم قال الكيببا الطبببري الشافعببي وبالجملة الحيببن له مصببارف ولم يببر‬
‫الشافعبي تعييبن محمبل مبن هذه المحامبل لنبه مجمبل لم يوضبع فبي اللغبة لمعنبى معيبن وقال بعبض‬

‫العلماء في قوله تعالى "إلى حين" قائدة بشارة إلى آدم عليه السلم ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل‬
‫إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب وال أعلم‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 37 :‬فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم}‬
‫@قوله تعالى "فتلقى آدم من ربه كلمات" تلقى قيل معناه فهم وفطن‪ .‬وقيل‪ :‬قبل وأخذ وكان عليه‬
‫السبلم يتلقبى الوحبي أي يسبتقبله ويأخذه ويتلقفبه‪ .‬تقول خرجنبا نتلقبى الحجيبج أي نسبتقبلهم‪ .‬وقيبل‬
‫معنبى تلقى تلقن هذا في المعنى صحيح ولكن ل يجوز أن يكون التلقي من التلقن فبي الصل لن‬
‫أحبد الحرفيبن إنمبا يقلب ياء إذا تجانسبا‪ ،‬مثبل تظنوا مبن تظنبن وتقصبى مبن تقصبص ومثله تسبريت‬
‫مبن تسبررت‪ ،‬وأمليبت من أمللت وشببه ذلك ولهذا ل يقال‪ :‬تقببل مبن تقببل ول تلقبى مبن تلقن فاعلم‪.‬‬
‫وحكى مكي أنه ألهمها فانتفع بها‪ .‬وقال الحسن قبولها تعلمه لها وعمله بها‬
‫@ واختلف أهبل التأويبل فبي الكلمات‪ ،‬فقال اببن عباس والحسبن وسبعيد ببن جببير والضحاك‬
‫ومجاهد هي قوله "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" [العراف‪:‬‬
‫‪ ]23‬وعبن مجاهبد أيضبا‪ :‬سببحانك اللهبم ل إله إل أنبت رببي ظلمبت نفسبي فاغفبر لي إنبك أنبت‬
‫الغفور الرحيم‪ :‬وقالت طائفة رأى مكتوبا على ساق العرش "محمد رسول ال" فتشفع بذلك‪ ،‬فهي‬
‫الكلمات‪ .‬وقالت طائفببة‪ :‬المراد بالكلمات البكاء والحياء والدعاء وقيببل‪ :‬الندم والسببتغفار والحزن‪.‬‬
‫قال اببن عطيبة‪ :‬وهذا يقتضبي أن آدم عليبه السبلم لم يقبل شيئا إل السبتغفار المعهود‪ .‬وسبئل بعبض‬
‫السلف عما ينبغي أن يقول المذنب فقال يقول ما قاله أبواه "ربنا ظلمنا أنفسنا" الية وقال موسى‬
‫"رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي" [القصص‪ ]16 :‬وقال يونس "ل إله إل أنت سبحانك إني كنت‬
‫مبن الظالميبن" [النببياء‪ ]87 :‬وعبن اببن عباس ووهبب ببن منببه‪ :‬أن الكلمات "سببحانك اللهبم‬
‫وبحمدك ل إله إل أنبت عملت سبوءا وظلمبت نفسبي اغفبر لي إنبك خيبر الغافريبن سببحانك اللهبم‬
‫وبحمدك ل إله إل أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم" وقال محمد‬
‫ببن كعبب هبي قوله‪" :‬ل إله إل أنبت سببحانك وبحمدك عملت سبوءا وظلمبت نفسبي فتبب علي إنبك‬
‫أنبت التواب الرحيبم‪ .‬ل إله إل أنبت سببحانك وبحمدك عملت سبوءا وظلمبت نفسبي فارحمنبي إنبك‬
‫أنبت الغفور الرحيبم‪ .‬ل إله إل أنبت سببحانك وبحمدك عملت سبوءا وظلمبت نفسبي فارحمنبي إنبك‬
‫أرحبم الراحميبن" وقيبل‪ :‬الكلمات قوله حيبن عطبس "الحمبد ل" والكلمات‪ :‬جمبع كلمبة والكلمبة تقبع‬
‫على القليل والكثير وقد تقدم‪:‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فتاب عليه" أي قبل توبته‪ ،‬أو وفقه للتوبة‪ .‬وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم‬
‫جمعبة على مبا يأتبي بيانبه إن شاء ال تعالى‪ .‬وتاب العببد‪ :‬رجبع إلى طاعبة رببه وعببد تواب‪ :‬كثيبر‬
‫الرجوع إلى الطاعة وأصل التوبة الرجوع يقال‪ :‬تاب وثاب وأب وأناب‪ :‬رجع‪.‬‬
‫@ إن قيل‪ :‬لم قال "عليه" لم يقل عليهما وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع وقد قال "ول تقربا‬
‫هذه الشجرة" [البقرة‪ ]35 :‬و"قال ربنبا ظلمنبا أنفسبنا" [العراف‪ ]23 :‬فالجواب‪ :‬أن آدم عليبه‬
‫السلم لما خاطب في أول القصة بقوله "اسكن" خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره‬
‫وحده وأيضبا فلن المرأة حرمبة ومسبتورة فأراد ال السبتر لهبا ولذلك لم يذكرهبا فبي المعصبية فبي‬
‫قوله "وعصى آدم ربه فغوى" [طه‪ ]121 :‬وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب المر‬
‫لم تذكبر كمبا لم يذكبر فتبى موسبى مبع موسبى فبي قوله "ألم أقبل لك" [الكهبف‪ ]75 :‬وقيبل‪ :‬إنبه دل‬
‫بذكبر التوببة عليبه أنبه تاب عليهبا إذ أمرهمبا سبواء‪ ،‬قاله الحسبن‪ .‬وقيبل‪ :‬إنبه مثبل قوله تعالى "وإذا‬
‫رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليهبا" [الجمعبة‪ ]11 :‬أي التجارة لنهبا كانبت مقصبود القوم فأعاد‬
‫الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب‪ .‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫بريئا ومن فوق الطوي رماني‬
‫رماني بأمر كنت منه ووالدي‬
‫وفي التنزيل "وال ورسوله أحق أن يرضوه" [التوبة‪ ]62 :‬فحذف إيجازا واختصارا‬
‫@قوله تعالى‪" :‬إنبه هبو التواب الرحيبم" وصبف نفسبه سببحانه وتعالى بأنبه التواب وتكرر فبي‬
‫القرآن معرفبا ومنكرا واسبما وفعل‪ ،‬وقبد يطلق على العببد أيضبا تواب قال ال تعالى "إن ال يحبب‬
‫التوابيبن ويحبب المتطهريبن" [البقرة‪ .]222 :‬قال اببن العرببي‪ :‬ولعلمائنبا فبي وصبف الرب بأنبه‬
‫تواب ثلثة أقوال أحدها‪ :‬أنه يجوز في حق الرب سبحانه وتعالى فيدعى به كما في الكتاب والسنة‬

‫ول يتأول وقال آخرون‪ :‬هبو وصبف حقيقبي ل سببحانه وتعالى وتوببة ال على العببد رجوعبه مبن‬
‫حال المعصبية إلى حال الطاعبة وقال آخرون‪ :‬توببة ال على العبببد قبوله توبتبه‪ ،‬وذلك يحتمبل أن‬
‫يرجع إلى قوله سبحانه وتعالى قبلت توبتك وأن يرجع إلى خلقه النابة والرجوع في قلب المسيء‬
‫وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة‪.‬‬
‫@ ل يجوز أن يقال فبي حبق ال تعالى‪ :‬تائب اسبم فاعبل مبن تاب يتوب لنبا أن نطلق عليبه مبن‬
‫السبماء والصبفات إل مبا أطلقبه هو على نفسبه أو نببيه عليبه السبلم أو جماعبة المسبلمين‪ ،‬وإن كان‬
‫في اللغة محتمل جائزا‪ .‬هذا هو الصحيح في هذا الباب على ما بيناه في (الكتاب السنى في شرح‬
‫أسببماء ال الحسببنى) قال ال تعالى "لقببد تاب ال على النبببي والمهاجريببن والنصببار" [التوبببة‪:‬‬
‫‪ ]117‬وقال‪" :‬وهو الذي يقبل التوبة عن عباده" [التوبة‪ ]104 :‬وإنما قيل ل عز وجل تواب‪،‬‬
‫لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه‪.‬‬
‫@ اعلم أنه ليس لحد قدرة على خلق التوبة‪ ،‬لن ال سبحانه وتعالى هو المنفرد بخلق العمال‪،‬‬
‫خلفا للمعتزلة ومن قال بقولهم‪ .‬وكذلك ليس لحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه ول أن يعفو‬
‫عنبه قال علماؤنبا‪ :‬وقبد كفرت اليهود والنصبارى بهذا الصبل العظيبم فبي الديبن "اتخذوا أحبارهبم‬
‫ورهبانهبم أرباببا مبن دون ال" [التوببة‪ ]31 :‬جبل وعبز‪ ،‬وجعلوا لمبن أذنبب أن يأتبي الحببر أو‬
‫الراهبب فيعطيبه شيئا ويحبط عنبه ذنوببه "افتراء على ال قبد ضلوا ومبا كانوا مهتديبن" [النعام‪:‬‬
‫‪]140‬‬
‫@ قرأ ابن كثير "فتلقى آدم من ربه كلمات" والباقون برفع "آدم" ونصب "كلمات" والقراءتان‬
‫ترجعان إلى معنبى‪ ،‬لن آدم إذا تلقبي الكلمات فقبد تلقتبه‪ .‬وقيبل لمبا كانبت الكلمات هبي المنقذة لدم‬
‫بتوفيببق ال تعالى له لقبوله إياهبا ودعائه بهبا كانبت الكلمات فاعله وكأن الصبل على هذه القراءة‬
‫"فتلقت آدم من ربه كلمات" ولكن لما بعد ما بين المؤنث وفعله حسن حذف علمة التأنيث‪ .‬وهذا‬
‫أصل يجري في كل القرآن والكلم إذ ا جاء فعل المؤنث بغير علمة ومنه قولهم‪ :‬حضر القاضي‬
‫اليوم امرأة‪ .‬وقيل‪ :‬إن الكلمات لما لم يكن تأنيثه حقيقيا حمل على معنى الكلم فذكر‪ .‬وقرأ العمش‬
‫"آدم مبن رببه" مدغمبا‪ .‬وقرأ أببو نوفبل ببن أببي عقرب "أنبه" بفتبح الهمزة على معنبى لنبه وكسبر‬
‫الباقون على السبتئناف‪ .‬وأدغبم الهاء فبي الهاء عمرو وعيسبى وطلحبة فيمبا حكبى أببو حاتبم عنهبم‬
‫وقيببل ل يجوز لن بينهمببا واوا فببي اللفببظ ل فببي الخببط‪ .‬قال النحاس أجاز سببيبويه أن تحذف هذه‬
‫الواو وأنشد‪:‬‬
‫إذا طلب الوسيقة أو زمير‬
‫له زجل كأنه صوت حاد‬
‫فعلى هذا يجوز الدغام وهبو رفببع بالبتداء "التواب" خبببره والجملة خبببر "إن" ويجوز أن يكون‬
‫"هو" توكيدا للهاء ويجوز أن تكون فاصلة‪ ،‬على ما تقدم‪.‬‬
‫وقال سبعيد ببن جببير لمبا أهببط آدم إلى الرض لم يكبن فيهبا شيبء غيبر النسبر فبي البر والحوت‬
‫فبي البحبر فكان النسبر يأوي إلى الحوت فيببيت عنده فلمبا رأى النسبر آدم قال‪ :‬يبا حوت لقبد أهببط‬
‫اليوم إلى الرض شيء يمشى على رجليه ويبطش بيديه فقال الحوت‪ :‬لئن كنت صادقا لي منه في‬
‫البحر منجى ول لك في البر منه مخلص‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية‪{ 38 :‬قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فل خوف عليهم‬
‫ول هم يحزنون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬قلنا اهبطوا" كرر المر على جهة التغليظ وتأكيده‪ ،‬كما تقول لرجل‪ :‬قم قم‪ .‬وقيل‪:‬‬
‫كرر المبر لمبا علق بكبل أمبر منهمبا حكمبا غيبر حكبم الخبر فعلق بالول العداوة وبالثانبي إتيان‬
‫الهدى‪ .‬وقيل‪ :‬الهبوط الول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الرض وعلى هذا يكون‬
‫فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة كما دل عليه حديث السراء على ما يأتي‬
‫@"جميعبا" نصبب على الحال وقال وهبب ببن منببه‪ :‬لمبا هببط آدم عليبه السبلم إلى الرض قال‬
‫إبليببس للسببباع إن هذا عدو لكببم فأهلكوه فاجتمعوا وولوا أمرهببم إلى الكلب وقالوا أنببت أشجعنببا‬
‫وجعلوه رئيسبا فلمبا رأى ذلك آدم عليبه السبلم تحيبر فبي ذلك فجاءه جبريبل عليبه السبلم وقال له‬
‫امسح يدك على رأس الكلب ففعل فلما رأت السباع أن الكلب ألف آدم تفرقوا واستأمنه الكلب فأمنه‬

‫آدم فبقببى معببه ومببع أولده وقال الترمذي الحكيببم نحببو هذا وأن آدم عليببه السببلم لمببا أهبببط إلى‬
‫الرض جاء إبليببس إلى السببباع فأشلهببم على آدم ليؤذوه وكان أشدهببم عليببه الكلب فأميببت فؤاده‬
‫فروي في الخبر أن جبريل عليه السلم أمره أن يضع يده على رأسه فوضعها فاطمأن إليه وألفه‬
‫فصبار ممبن يحرسبه ويحرس ولده ويألفهبم وبموت فؤاده يفزع مبن الدمييبن فلو رمبي بمدر ولى‬
‫هاربا ثم يعود آلفا لهم ففيه شعبة من إبليس وفيه شعبة من مسحة آدم عليه السلم فهو بشعبة إبليس‬
‫ينببح ويهبر ويعدو على الدمبي وبمسبحة آدم مات فؤاده حتبى ذل وانقاد وألف ببه وبولده يحرسبهم‬
‫ولهثه على كل أحواله من موت فؤاده ولذلك شبه ال سبحانه وتعالى العلماء السوء بالكلب على ما‬
‫يأتبي بيانبه فبي "العراف" إن شاء ال تعالى ونزلت عليبه تلك العصبا التبي جعلهبا ال آيبة لموسبى‬
‫فكان يطرد بها السباع عن نفسه‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فإما يأتينكم مني هدى" اختلف في معنى قوله "هدى" فقيل‪ :‬كتاب ال قاله السدي‬
‫وقيل التوفيق للهداية‪ ،‬وقالت فرقة‪ :‬الهدى الرسل‪ ،‬وهي إلى آدم من الملئكة وإلى بنيه من البشر‬
‫كمبا جاء فبي حديبث أببي ذر وخرجبه الجري وفبي قوله "منبي" إشارة إلى أن أفعال العباد خلق ل‬
‫تعالى خلفببا للقدريببة وغيرهببم كمببا تقدم‪ .‬وقرأ الجحدري "هديبّ" وهببو لغببة هذيببل يقولون‪ :‬هدي‬
‫وعصي ومحيي وأنشد النحويون لبي ذؤيب يرثي بنيه‬
‫سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع‬
‫قال النحاس‪ :‬وعلة هذه اللغبة عنبد الخليبل وسبيبويه أن سببيل ياء الضافبة أن يكسبر مبا قبلهبا فلمبا لم‬
‫يجببز أن تتحرك اللف أبدلت ياء وأدغمببت و"مببا" فببي قوله "إمببا" زائدة على "إن" التببي للشرط‬
‫وجواب الشرط الفاء مببع الشرط الثانببي فببي قوله "فمببن تبببع" و"مببن" فببي موضببع رفببع بالبتداء‬
‫و"تبع" في موضع جزم بالشرط "فل خوف" جوابه قال سيبويه الشرط الثاني وجوابه هما جواب‬
‫الول وقال الكسائي "فل خوف عليهم" جواب الشرطين جميعا‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فل خوف عليهم ول هم يحزنون" الخوف هو الذعر ول يكون إل في المستقبل‬
‫وخاوفني فلن فخفته أي كنت أشد خوفا منه والتخوف التنقص ومنه قوله تعالى "أو يأخذهم على‬
‫تخوف" [النحبل‪ ]47 :‬وقرأ الزهري والحسبن وعيسبى ببن عمبر واببن أببي إسبحاق ويعقوب "فل‬
‫خوف" بفتبح الفاء على التببرئة والختيار عنبد النحوييبن الرفبع والتنويبن على البتداء لن الثانبي‬
‫معرفبة ل يكون فيبه إل الرفبع لن "ل" ل تعمبل فبي معرفبة فاختاروا فبي الول الرفبع أيضبا ليكون‬
‫الكلم من وجه واحد ويجوز أن تكون "ل" في قولك فل خوف بمعنى ليس‪.‬‬
‫والحُزن والحَزَن ضببد السببرور ول يكون إل على ماض‪ ،‬وحزن الرجببل (بالكسببر) فهببو حزن‬
‫وحزين وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ومحزون بني عليه‪ .‬قال اليزيدي حزنه لغة‬
‫قريبش وأحزنبه لغبة تميبم وقبد قرئ بهمبا‪ .‬واحتزن وتحزن بمعنىً‪ ،‬والمعنبى فبي اليبة فل خوف‬
‫عليهبم فيمبا بيبن أيديهبم مبن الخرة ول هبم يحزنون على مبا فاتهبم مبن الدنيبا‪ .‬وقيبل‪ :‬ليبس فيبه دليبل‬
‫على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه ال تعالى ورسوله من شدائد القيامة‬
‫إل أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا وال أعلم‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية‪{ 39 :‬والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬والذيببن كفروا" أي أشركوا‪ ،‬لقوله‪" :‬وكذبوا بآياتنببا أولئك أصببحاب النار"‬
‫الصببحبة‪ :‬القتران بالشيببء فببي حالة مببا فببي زمان مببا فإن كانببت الملزمببة والخلطببة فهببي كمال‬
‫الصحبة وهكذا هي صحبة أهل النار لها‪ .‬وبهذا القول ينفك الخلف في تسمية الصحابة رضي ال‬
‫عنهببم إذ مراتبهببم متباينببة على مببا نبببينه فببي "براءة" إن شاء ال‪ .‬وباقببي ألفاظ اليببة تقدم معناهببا‬
‫والحمد ل‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية‪{ 40 :‬يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم‬
‫وإياي فارهبون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬يببا بنببي إسببرائيل" نداء مضاف علمببة النصببب فيببه الياء وحذفببت منبه النون‬
‫للضافبة‪ .‬الواحبد اببن والصبل فيبه بنبي وقيبل بنبو فمبن قال المحذوف منبه واو احتبج بقولهبم البنوة‬
‫وهذا ل حجبة فيبه لنهبم قبد قالوا الفتوة وأصبله الياء‪ .‬وقال الزجاج‪ :‬المحذوف منبه عندي ياء كأنبه‬

‫من بنيت‪ .‬الخفش اختار أن يكون المحذوف منه الواو لن حذفها أكثر لثقلها ويقال ابن بين البنوة‬
‫والتصغير بني‪ .‬قال الفراء يقال يا بنيّ ويا بنيّ لغتان‪ ،‬مثل يا أبت ويا أبت وقرئ بهما وهو مشتق‬
‫مبن البناء وهبو وضبع الشيبء على الشيبء والببن فرع للب وهبو موضوع عليبه‪ .‬وإسبرائيل هبو‬
‫يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلم قال أبو الفرج الجوزي وليس في النبياء من له اسمان‬
‫غيره إل نبينا محمد صلى ال عليه وسلم فإن له أسماء كثيرة ذكره في كتاب "فهوم الثار" له‬
‫قلت‪ :‬وقبد قيبل فبي المسبيح أنبه اسبم علم لعيسبى عليبه السبلم غيبر مشتبق وقبد سبماه ال روحبا‬
‫وكلمة‪ ،‬وكانوا يسمونه أبيل البيلين‪ ،‬ذكره الجوهري في الصحاح‪ .‬وذكر البيهقي في دلئل النبوة‬
‫عبن الخليبل ببن أحمبد‪ :‬خمسبة مبن النببياء ذوو اسبمين محمبد وأحمبد نبينبا صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫وعيسى والمسيح وإسرائيل ويعقوب ويونس وذو النون وإلياس وذو الكفل صلى ال عليهم وسلم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ذكرنبا أن لعيسبى أربعبة أسبماء وأمبا نبينبا صبلى ال عليبه وسبلم فله أسبماء كثيرة بيانهبا فبي‬
‫مواضعها‪ .‬وإسرائيل‪ :‬اسم أعجمي ولذلك لم ينصرف وهو في موضع خفض بالضافة وفيه سبع‬
‫لغات إسرائيل وهي لغة القرآن وإسرائيل بمدة مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ عن ورش وإسراييل‬
‫بمدة بعبد الياء من غير همبز وهبي قراءة العمش وعيسى بن عمر‪ ،‬وقرأ الحسن والزهري بغيبر‬
‫همز ول مد وإسرائِل بغير ياء بهمزة مكسورة‪ ،‬وإسراءَل بهمزة مفتوحة‪ ،‬وتميم يقولون إسرائين‬
‫بالنون‪ .‬ومعنى إسرائيل عبدال قال ابن عباس‪ :‬إسرا بالعبرانية هو عبد وإيل هو ال‪ ،‬وقيل إسرا‬
‫هبو صبفوة ال وإيبل هبو ال وقيبل إسبرا مبن الشبد فكأن إسبرائيل الذي شده ال وأتقبن خلقبه‪ ،‬ذكره‬
‫المهدوي‪ .‬وقال السبهيلي‪ :‬سبمي إسبرائيل لنبه أسببرى ذات ليلة حيبن هاجبر إلى ال تعالى فسبمي‬
‫إسبرائيل أي أسبرى إلى ال‪ ،‬ونحبو هذا فيكون بعبض السبم عبرانيبا وبعضبه موافقبا للعرب وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم" الذكر اسم مشترك‪ ،‬فالذكر بالقلب ضد النسيان‬
‫والذكبر باللسبان ضبد النصبات وذكرت الشيبء بلسباني وقلببي ذكرا واجعله منبك على ذكبر (بضبم‬
‫الذال) أي ل تنسه‪ .‬قال الكسائي‪ :‬ما كان بالضمير فهو مضموم الذال وما كان باللسان فهو مكسور‬
‫الذال‪ .‬وقال غيره همبا لغتان يقال ذِكبر وذُكبر‪ ،‬ومعناهما واحبد والذكبر (بفتح الذال) خلف النثبى‪،‬‬
‫والذكببر أيضببا الشرف ومنببه قوله "وإنببه لذكببر لك ولقومببك" [الزخرف ‪ ]44‬قال ابببن النباري‬
‫والمعنبى فبي اليبة‪ :‬اذكروا شكبر نعمتبي فحذف الشكبر اكتفاء بذكبر النعمبة‪ .‬وقيبل إنبه أراد الذكبر‬
‫بالقلب وهو المطلوب أي ل تغفلوا عن نعمتي التي أنعمت عليكم ول تناسوها وهو حسن‪ .‬والنعمة‬
‫هنا اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع قال ال تعالى "وإن تعدوا نعمة ال ل تحصوها" [إبراهيم‪:‬‬
‫‪ ]34‬أي نعمه ومن نعمه عليهم أن أنجاهم من آل فرعون وجعل منهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب‬
‫والمبن والسبلوى وفجبر لهبم فبي الحجبر الماء إلى مبا اسبتودعهم مبن التوراة التبي فيهبا صبفة محمبد‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم ونعتبه ورسبالته والنعبم على الباء نعبم على البناء لنهبم يشرفون بشرف‬
‫آبائهم‪.‬‬
‫تنبيه‪ :‬قال أرباب المعاني ربط سبحانه وتعالى بني إسرائيل بذكر النعمة وأسقطه عن أمة محمد‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم ودعاهبم إلى ذكره فقال "اذكرونبي أذكركبم" [البقرة‪ ]152 :‬ليكون نظبر‬
‫المم من النعمة إلى المنعم ونظر أمة محمد صلى ال عليه وسلم من المنعم إلى النعمة‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وأوفوا بعهدي أوف بعهدكبم" أمبر وجواببه‪ .‬وقرأ الزهري "أوَفّ" (بفتبح الواو‬
‫وشد الفاء) للتكثير‪ .‬واختلف في هذا العهد ما هو فقال الحسن‪ :‬عهده قوله‪" :‬خذوا ما آتيناكم بقوة"‬
‫[البقرة‪ ]63 :‬وقوله "ولقبد أخبذ ال ميثاق بنبي إسبرائيل وبعثنبا منهبم اثنبي عشبر نقيببا" [المائدة‪:‬‬
‫‪ ]12‬وقيبل هبو قوله "وإذ أخبذ ال ميثاق الذيبن أوتوا الكتاب لتببيننه للناس ول تكتمونبه" [آل‬
‫عمران‪ ]187 :‬وقال الزجاج "أوفوا بعهدي" الذي عهدت إليكم في التوراة من اتباع محمد صلى‬
‫ال عليبه وسبلم "أوف بعهدكبم" بمبا ضمنبت لكبم على ذلك إن أوفيتبم ببه فلكبم الجنبة وقيبل "أوفوا‬
‫بعهدي" فبي أداء الفرائض على السبنة والخلص "أوف" بقبولهبا منكبم ومجازاتكبم [فبي النسبخة‪:‬‬
‫مجاراتكببم] عليهببا‪ .‬وقال بعضهببم "أوفوا بعهدي" فببي العبادات "أوف بعهدكببم" أي أوصببلكم إلى‬
‫منازل الرعايات‪ .‬وقيبل "أوفوا بعهدي" فبي حفبظ آداب الظواهبر "أوف بعهدكبم" بتزييبن سبرائركم‬

‫وقيل هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى ال عليه وسلم‬
‫الذي فبي التوراة وغيره‪ .‬هذا قول الجمهور مبن العلماء وهبو الصبحيح‪ .‬وعهده سببحانه وتعالى هبو‬
‫أن يدخلهم الجنة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومببا طلب مببن هؤلء مببن الوفاء بالعهببد هببو مطلوب منببا قال ال تعالى "أوفوا بالعقود"‬
‫[المائدة‪" ]1 :‬أوفوا بعهد ال" [النحل‪ ،]91 :‬وهو كثير ووفاؤهم بعهد ال أمارة لوفاء ال تعالى‬
‫لهم ل علة له بل ذلك تفضل منه عليهم‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وإياي فارهبون" أي خافون والرهبب والرهبب والرهببة الخوف ويتضمبن المبر‬
‫به معنى التهديد وسقطت الياء بعد النون لنها رأس آية‪ .‬وقرأ ابن أبي إسحاق "فارهبوني" بالياء‬
‫وكذا "فاتقونببي" على الصببل "وإياي" منصببوب بإضمار فعببل وكذا الختيار فببي المببر والنهببي‬
‫والستفهام‪ ،‬التقدير‪ :‬وإياي ارهبوا فارهبون‪ .‬ويجوز في الكلم وأنا فارهبون على البتداء والخبر‬
‫وكون "فارهبون" الخبر على تقدير الحذف‪ ،‬المعنى وأنا ربكم فارهبون‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية‪{ 41 :‬وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ول تكونوا أول كافر به ول تشتروا بآياتي‬
‫ثمنا قليل وإياي فاتقون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وآمنوا بمبا أنزلت" أي صبدقوا‪ ،‬يعنبي بالقرآن‪" .‬مصبدقا" حال مبن الضميبر فبي‬
‫"أنزلت"‪ ،‬التقديبر بمبا أنزلتبه مصبدقا‪ ،‬والعامبل فيبه أنزلت‪ .‬ويجوز أن يكون حال مبن مبا والعامبل‬
‫فيببه آمنوا التقديببر آمنوا بالقران مصببدقا‪ .‬ويجوز أن تكون مصببدرية التقديببر آمنوا بإنزال‪" .‬لمببا‬
‫معكم" يعني من التوراة‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ول تكونوا أول كافبر ببه" الضميبر فبي "ببه" قيبل هبو عائد على محمبد صبلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬قاله أبو العالية‪ .‬وقال ابن جريج‪ :‬هو عائد على القرآن‪ ،‬إذ تضمنه قوله "بما أنزلت"‪.‬‬
‫وقيبل‪ :‬على التوراة‪ ،‬إذ تضمنهبا قوله‪" :‬لمبا معكبم" فإن قيبل كيبف قال "كافبر" ولم يقبل كافريبن قيبل‬
‫التقديبر ول تكونوا أول فريبق كافبر ببه وزعبم الخفبش والفراء أنبه محمول على معنبى الفعبل لن‬
‫المعنبى أول مبن كفبر ببه‪ .‬وحكبى سبيبويه هبو أظرف الفتيان وأجمله وكان ظاهبر الكلم هبو أظرف‬
‫فتى وأجمله وقال "أول كافر به" وقد كان قد كفر قبلهم كفار قريش فإنما معناه من أهل الكتاب إذ‬
‫هبم منظور إليهبم فبي مثبل هذا لنهبم حجبة مظنون بهبم علم‪ .‬و"أول" عنبد سبيبويه نصبب على خببر‬
‫كان وهو مما لم ينطق منه بفعل وهو على أفعل عينه وفاؤه واو وإنما لم ينطق منه بفعل لئل يعتل‬
‫من جهتين العين والفاء‪ ،‬وهذا مذهب البصريين‪ .‬وقال الكوفيون‪ :‬هو من وأل إذا نجا فأصله أوأل‬
‫ثم خففت الهمزة وأبدلت واوا وأدغمت فقيل أول كما تخفف همزة خطيئة‪ ،‬قال الجوهري‪ :‬والجمع‬
‫الوائل والوالي أيضببا على القلب وقال قوم أصببله وولّ على فوعببل فقلبببت الواو الولى همزة‬
‫وإنمبا لم يجمبع على أواول لسبتثقالهم اجتماع الواويبن بينهمبا ألف الجمبع وقيبل هبو أفعبل مبن آل‬
‫يؤول فأصله أأول قلب فجاء أعفل مقلوبا من أفعل فسهل وأبدل وأدغم‪.‬‬
‫مسبألة‪ :‬ل حجبة فبي هذه اليبة لمبن يمنبع القول بدليبل الخطاب‪ ،‬وهبم الكوفيون ومبن وافقهبم‪ ،‬لن‬
‫المقصود من الكلم النهي عن الكفر أول وآخرا‪ ،‬وخص الول بالذكر لن التقدم فيه أغلظ‪ ،‬فكان‬
‫حكم المذكور والمسكوت عنه واحدا‪ ،‬وهذا واضح‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ول تشتروا" معطوف على قوله "ول تكونوا" نهاهم عن أن يكونوا أول من كفر‬
‫وأل يأخذوا على آيات ال ثمنببا أي على تغييببر صببفة محمببد صببلى ال عليببه وسببلم رشببى‪ .‬وكان‬
‫الحبار يفعلون ذلك فنهوا عنه قال قوم من أهل التأويل منهم الحسن وغيره‪ .‬وقيل كانت لهم مأكل‬
‫يأكلونها على العلم كالراتب فنهوا عن ذلك وقيل إن الحبار كانوا يعلمون دينهم بالجرة فنهوا عن‬
‫ذلك وفي كتبهم يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا أي باطل بغير أجرة‪ ،‬قاله أبو العالية وقيل‬
‫المعنى ول تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي ثمنا قليل يعني الدنيا ومدتها والثمن الذي هو نزر ل‬
‫خطر له‪ ،‬فسمي ما اعتاضوه عن ذلك ثمنا لنهم جعلوه عوضا فانطلق عليه اسم الثمن وإن لم يكن‬
‫ثمنا وقد تقدم هذا المعنى وقال الشاعر‪:‬‬
‫إن كنت حاولت ذنبا أو ظفرت به فما أصبت بترك الحج من ثمن‬

‫قلت‪ :‬وهذه اليبة وإن كانبت خاصبة ببنبي إسبرائيل فهبي تتناول مبن فعبل فعلهبم فمبن أخبذ رشوة‬
‫على تغييبر حبق أو إبطاله أو امتنبع مبن تعليبم مبا وجبب عليبه أو أداء مبا علمبه وقبد تعيبن عليبه حتبى‬
‫يأخبذ عليبه أجرا فقبد دخبل فبي مقتضبى اليبة وال أعلم وقبد روى أببو داود عبن أببي هريرة قال قال‬
‫رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم (مبن تعلم علمبا ممبا يبتغبى ببه وجبه ال عبز وجبل ل يتعلمبه إل‬
‫ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) يعني ريحها‬
‫@وقبد اختلف العلماء فبي أخبذ الجرة على تعليبم القرآن والعلم ‪ -‬لهذه اليبة ومبا كان فبي معناهبا‬
‫فمنببع ذلك الزهري وأصببحاب الرأي وقالوا ل يجوز أخببذ الجرة على تعليببم القرآن لن تعليمببه‬
‫واجبب مبن الواجبات التبي يحتاج فيهبا إلى نيبة التقرب والخلص فل يؤخبذ عليهبا أجرة كالصبلة‬
‫والصيام وقد قال تعالى "ول تشتروا بآياتي ثمنا قليل"‪ .‬وروى ابن عباس أن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم قال (معلمو صبيانكم شراركم أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين‪ .‬روى أبو هريرة‬
‫قال قلت يبا رسبول ال مبا تقول فبي المعلميبن قال (درهمهبم حرام وثوبهبم سبحت وكلمهبم رياء)‬
‫وروى عبادة بن الصامت قال‪ :‬علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة‪ ،‬فأهدى إلي رجل منهم‬
‫قوسبا فقلت ليسبت بمال وأرمبي عنهبا فبي سببيل ال فسبألت عنهبا رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫فقال‪( :‬إن سبرك أن تطوق بهبا طوقبا مبن نار فاقبلهبا)‪ .‬وأجاز أخبذ الجرة على تعليبم القرآن مالك‬
‫والشافعبي وأحمبد وأببو ثور وأكثبر العلماء لقوله عليبه السبلم حديبث اببن عباس حديبث الرقيبة (إن‬
‫أحبق مبا أخذتبم عليبه أجرا كتاب ال) أخرجبه البخاري وهبو نبص يرفبع الخلف فينبغبي أن يعول‬
‫عليه‪.‬‬
‫وأمبا مبا احتبج ببه المخالف مبن القياس على الصبلة والصبيام فاسبد لنبه فبي مقابلة النبص ثبم إن‬
‫بينهمبا فرقانبا وهو أن الصبلة والصبوم عبادات مختصبة بالفاعبل وتعليبم القرآن عبادة متعديبة لغيبر‬
‫المعلم فتجوز الجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن قال ابن المنذر وأبو حنيفة يكره تعليم‬
‫القرآن بأجرة ويجوز أن يسببتأجر الرجببل يكتببب له لوحببا أو شعرا أو غناء معلومببا بأجببر معلوم‪،‬‬
‫فيجوز الجارة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة‪.‬‬
‫وأما الجواب عن الية ‪ -‬فالمراد بها بنو إسرائيل‪ ،‬وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا‪ ،‬فيه خلف‪،‬‬
‫وهو ل يقول به‪.‬‬
‫جواب ثان‪ :‬وهبو أن تكون اليبة فيمبن تعيبن عليبه التعليبم فأببى حتبى يأخبذ عليبه أجرا فأمبا إذا لم‬
‫يتعيبن فيجوز له أخبذ الجرة بدليبل السبنة فبي ذلك وقبد يتعيبن عليبه إل أنبه ليبس عنده مبا ينفقبه على‬
‫نفسبه ول على عياله فل يجبب عليبه التعليبم وله أن يقببل على صبنعته وحرفتبه‪ .‬ويجبب على المام‬
‫أن يعيبن لقامبة الديبن إعانتبه وإل فعلى المسبلمين لن الصبديق رضبي ال عنبه لمبا ولي الخلفبة‬
‫وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك فقال ومن أين‬
‫أنفبق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايتبه‪ .‬وأمبا الحاديبث فليبس شيبء منهبا يقوم على سباق ول‬
‫يصبح منهبا شيبء عنبد أهبل العلم بالنقبل أمبا حديبث اببن عباس فرواه سبعيد ببن طريبف عبن عكرمبة‬
‫عنبه وسبعيد متروك‪ .‬وأمبا حديبث أببي هريرة فرواه علي ببن عاصبم عبن حماد ببن سبلمة عبن أببي‬
‫جرهم عنه وأبو جرهم مجهول ل يعرف ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له أبو جرهم وإنما‬
‫رواه عبن أببي المهزم وهبو متروك الحديبث أيضبا وهبو حديبث ل أصبل له‪ .‬وأمبا حديبث عبادة ببن‬
‫الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصلي عن عبادة بن نسي عن السود بن‬
‫ثعلبة عنه‪ ،‬والمغيرة معروف عند أهل العلم ولكنه له مناكير هذا منها‪ ،‬قاله أبو عمر‪ .‬ثم قال وأما‬
‫حديث القوس فمعروف عند أهل العلم لنه روي عن عبادة من وجهين‪ ،‬وروي عن أبي بن كعب‬
‫من حديث موسى بن علي عن أبيه عن أبي‪ ،‬وهو منقطع‪ .‬وليس في الباب حديث يجب العمل به‬
‫من جهة النقل‪ ،‬وحديث عبادة وأبي يحتمل التأويل لنه جائز أن يكون علمه ل ثم أخذ عليه أجرا‪.‬‬
‫وروي عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم أنبه قال (خيبر الناس وخيبر مبن يمشبي على جديبد الرض‬
‫المعلمون كلمبا خلق الديبن جددوه‪ ،‬أعطوهبم ول تسبتأجروهم فتحرجوهبم فإن المعلم إذا قال للصببي‬
‫قبل بسبم ال الرحمبن الرحيبم فقال الصببي بسبم ال الرحمبن الرحيبم كتبب ال براءة للصببي وبراءة‬
‫للمعلم وبراءة لبويه من النار)‬

‫@واختلف العلماء فبي حكبم المصبلي بأجرة‪ ،‬فروى أشهبب عبن مالك أنبه سبئل عبن الصبلة خلف‬
‫مببن اسببتؤجر فببي رمضان يقوم للناس‪ ،‬فقال‪ :‬أرجببو أل يكون بببه بأس‪ ،‬وهببو أشببد كراهببة له فببي‬
‫الفريضبة‪ .‬وقال الشافعبي وأصبحابه وأببو ثور‪ :‬ل بأس بذلك ول بالصبلة خلفبه‪ .‬وقال الوزاعبي ل‬
‫صلة له‪ .‬وكرهه أبو حنيفة وأصحابه على ما تقدم‪ :‬قال ابن عبدالبر وهذه المسألة معلقة من التي‬
‫قبلها وأصلهما واحد‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ويأتببي لهذا أصببل آخببر مببن الكتاب فببي "براءة" إن شاء ال تعالى‪ .‬وكره ابببن القاسببم أخببذ‬
‫الجرة على تعليبم الشعبر والنحبو‪ .‬وقال اببن حببيب ل بأس بالجارة على تعليبم ا لشعبر والرسبائل‬
‫وأيام العرب ويكره مبن الشعبر مبا فيبه الخمبر والخنبا والهجاء‪ ،‬قال أببو الحسبن اللخمبي ويلزم على‬
‫قوله أن يجيز الجارة على كتبه‪ .‬وأما الغناء والنوح فممنوع على كل حال‪.‬‬
‫@روى الدارمبي أببو محمبد فبي مسبنده أخبرنبا يعقوب ببن إبراهيبم قال حدثنبا محمبد ببن عمبر ببن‬
‫الكميبت قال حدثنبا علي ببن وهبب الهمدانبي قال أخبرنبا الضحاك ببن موسبى قال مبر سبليمان ببن‬
‫عبدالملك بالمدينبة وهبو يريبد مكبة فأقام بهبا أيامبا فقال هبل بالمدينبة أحبد أدرك أحدا مبن أصبحاب‬
‫النبي قالوا له أبو حازم فأرسل إليه فلما دخل عليه قال له‪ :‬يا أبا حازم ما هذا الجفاء قال أبو حازم‬
‫يببا أميببر المؤمنيببن وأي جفاء رأيببت منببي‪ ،‬قال أتانببي وجوه أهببل المدينببة ولم تأتنببي قال يببا أميببر‬
‫المؤمنيبن أعيذك بال أن تقول مبا لم يكبن مبا عرفتنبي قببل هذا اليوم ول أنبا رأيتبك‪ .‬قال فالتفبت إلى‬
‫محمد بن شهاب الزهري فقال أصاب الشيخ وأخطأت‪ ،‬قال سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت‬
‫قال لنكم أخربتم الخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب‪ ،‬قال أصبت يا‬
‫أببا حازم فكيبف القدوم غدا على ال تعالى‪ ،‬قال أمبا المحسبن فكالغائب يقدم على أهله وأمبا المسبيء‬
‫فكالببق يقدم على موله فبكبى سبليمان وقال ليبت شعري مبا لنبا عنبد ال قال اعرض عملك على‬
‫كتاب ال قال وأي مكان أجده قال "إن البرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم" [النفطار‪- 13 :‬‬
‫‪ ]14‬قال سليمان فأين رحمة ال يا أبا حازم؟ قال أبو حازم رحمة ال قريب من المحسنين قال له‬
‫سببليمان يببا أبببا حازم فأي عباد ال أكرم؟ قال أولو المروءة والنهببى قال له سببليمان فأي العمال‬
‫أفضبل قال أببو حازم أداء الفرائض مبع اجتناب المحارم قال سبليمان‪ :‬فأي الدعاء أسبمع قال دعاء‬
‫المحسبن إليبه للمحسبن‪ ،‬فقال أي الصبدقة أفضبل قال للسبائل البائس وجهبد المقبل ليبس فيهبا منٌب ول‬
‫أذى قال‪ :‬فأي القول أعدل قال‪ :‬قول الحبق عنبد مبن تخافبه أو ترجوه قال فأي المؤمنيبن أكيبس قال‬
‫رجل عمل بطاعة ال ودل الناس عليها‪ ،‬قال‪ :‬فأي المؤمنين أحمق قال رجل انحط في هوى أخيه‬
‫وهببو ظالم فباع آخرتببه بدنيببا غيره قال له سببليمان أصبببت فمببا قولك فيمببا نحببن فيببه قال يببا أميببر‬
‫المؤمنيبن أوتعفينبي قال له سبليمان ل ولكبن نصبيحة تلقيهبا إلي‪ ،‬قال يبا أميبر المؤمنيبن إن آباءك‬
‫قهروا الناس بالسبيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غيبر مشورة مبن المسبلمين ول رضاهبم حتبى‬
‫قتلوا منهببم مقتلة عظيمببة فقبد ارتحلوا عنهبا فلو شعرت مببا قالوه ومببا قيببل لهببم فقال له رجببل مبن‬
‫جلسبائه بئس مبا قلت يبا أببا حازم‪ ،‬قال أببو حازم كذببت إن ال أخبذ ميثاق العلماء ليببينه للناس ول‬
‫يكتمونبه قال له سبليمان فكيبف لنبا أن نصبلح قال‪ :‬تدعون الصبلف وتتمسبكون بالمروءة وتقسبمون‬
‫بالسبوية قال له سبليمان فكيبف لنبا بالمأخبذ ببه قال أببو حازم تأخذه مبن حله وتضعبه فبي أهله قال له‬
‫سليمان هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك‪ .‬قال أعوذ بال قال له سليمان ولم‬
‫ذاك قال أخشى أن أركن إليكم شيئا قليل فيذيقني ال ضعف الحياة وضعف الممات‪ .‬قال له سليمان‬
‫ارفع إلينا حوائجك قال تنجيني من النار وتدخلني الجنة قال له سليمان ليس ذاك إلي قال أبو حازم‬
‫فما لي إليك حاجة غيرها قال فادع لي قال أبو حازم اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا‬
‫والخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى‪ .‬قال له سليمان قط قال أبو حازم قد‬
‫أوجزت وأكثرت إن كنبت مبن أهله وإن لم تكبن مبن أهله فمبا ينبغبي أن أرمبي عبن قوس ليبس لهبا‬
‫وتبر‪ .‬قال له سبليمان أوصبني قال سبأوصيك وأوجبز‪ :‬عظبم رببك ونزهبه أن يراك حيبث نهاك أو‬
‫يفقدك حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها‬
‫كثيبر‪ ،‬قال‪ :‬فردهبا عليبه وكتبب إليبه يبا أميبر المؤمنيبن أعيذك بال أن يكون سبؤالك إياي هزل أو‬
‫ردي عليك بذل وما أرضاها لك فكيبف أرضاها لنفسبي‪ ،‬إن موسى بن عمران لما ورد ماء مدين‬

‫وجبد عليبه رعاء يسبقون ووجبد مبن دونهبم جاريتيبن تذودان فسبألهما فقالتبا ل نسبقي حتبى يصبدر‬
‫الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل‪ ،‬فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير‬
‫وذلك أنه كان جائعا خائفا ل يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان‬
‫فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة وبقوله فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلم هذا رجل جائع‬
‫فقالت إحداهما اذهبي فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر‬
‫ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت "أجر ما سقيت لنا" ولم يجد بدا من أن يتبعها لنه كان‬
‫بيبن الجبال جائعبا مسبتوحشا فلمبا تبعهبا هببت الريبح فجعلت تصبفق ثيابهبا على ظهرهبا فتصبف له‬
‫عجيزتهبا وكانبت ذات عجبز وجعبل موسبى يعرض مرة ويغبض أخرى فلمبا عيبل صببره ناداهبا يبا‬
‫أمة ال كوني خلفي وأريني السمت بقولك فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب‬
‫اجلس يبا شاب فتعشبى فقال له موسبى عليبه السبلم‪ :‬أعوذ بال فقال له شعيبب لم؟ أمبا أنبت جائع؟‬
‫قال‪ :‬بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت ل نبيع شيئا من ديننا‬
‫بملء الرض ذهببا فقال له شعيبب ل يبا شاب ولكنهبا عادتببي وعادة آبائي نقري الضيبف ونطعببم‬
‫الطعام فجلس موسى فأكل فإن كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت فالميتة‬
‫قلت‪ :‬هكذا يكون القتداء بالكتاب والنببياء‪ .‬انظروا إلى هذا المام الفاضبل والحببر العالم كيبف‬
‫لم يأخذ على عمله عوضا ول على وصيته بدل ول على نصيحته قصدا بل بين الحق وصدع ولم‬
‫يلحقه في ذلك خوف ول فزع‪ .‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم (ل يمنعن أحدكم هيبة أحد أن‬
‫يقول بالحببق حيببث كان) وفببي التنزيببل "يجاهدون فببي سبببيل ال ول يخافون لومببة لئم" [المائدة‬
‫‪]54‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وإياي فاتقون" قد تقدم معنى التقوى‪ .‬وقرئ "فاتقوني" بالياء وقد تقدم وقال سهل‬
‫ببن عبدال قوله "وإياي فاتقون" قال موضبع علمبي السبابق فيكبم‪" .‬وإياي فارهبون" قال موضبع‬
‫المكبر والسبتدراج لقول ال تعالى "سبنستدرجهم مبن حيبث ل يعلمون" [العراف‪" ]182 :‬فل‬
‫يأمن مكر ال إل القوم الخاسرون" [العراف‪ ]99 :‬فما استثنى نبيا ول صديقاً‬
‫*‪ *3‬الية ‪{42‬ول تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ول تلبسوا الحق بالباطل" اللبس‪ :‬الخلط‪ ،‬لبست عليه المر ألبسه‪ ،‬إذا مزجت بينه‬
‫بمشكله وحقبه بباطله قال ال تعالى "وللبسبنا عليهبم مبا يلبسبون" [النعام‪ ]9 :‬وفبي المبر لبسبة أي‬
‫ليبس بواضبح ومبن هذا المعنبى قول علي رضبي ال عنبه للحارث ببن حوط يبا حارث (إنبه ملبوس‬
‫عليك‪ ،‬إن الحق ل يعرف بالرجال‪ ،‬اعرف الحق تعرف أهله) وقالت الخنساء‪:‬‬
‫ترى الجليس يقول الحق تحسبه رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا‬
‫والبس عليه أمورا مثل ما لبسا‬
‫صدق مقالته واحذر عداوته‬
‫وقال العجاج‪:‬‬
‫غنين واستبدلن زيدا مني‬
‫لما لبسن الحق بالتجني‬
‫روى سببعيد عببن قتادة فببي قوله‪" :‬ول تلبسببوا الحببق بالباطببل" [البقرة‪ ،]42 :‬يقول‪ :‬ل تلبسببوا‬
‫اليهوديببة والنصببرانية بالسببلم وقببد علمتببم أن ديببن ال ‪ -‬الذي ل يقبببل غيره ول يجزئ إل بببه ‪-‬‬
‫السلم‪ ،‬وأن اليهودية والنصرانية بدعة وليست من ال‪ .‬والظاهر من قول عنترة‪:‬‬
‫وكتيبة لبستها بكتيبة‬
‫أنبه مبن هذا المعنبى‪ ،‬ويحتمبل أن يكون مبن اللباس‪ .‬وقبد قيبل هذا فبي معنبى اليبة‪ ،‬أي ل تغطوا‪.‬‬
‫ومنه لبس الثوب يقال لبست الثوب ألبسه ولباس الرجل زوجته وزوجها لباسها‪ .‬قال الجعدي‬
‫إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنت عليه فكانت لباسا‬
‫وقال الخطل‪:‬‬
‫وقد لبست لهذا المر أعصره حتى تجلل رأسي الشيب فاشتعل‬
‫واللبوس‪ :‬كل ما يلبس من ثياب ودرع‪ ،‬قال ال تعالى "وعلمناه صنعة لبوس لكم" [النبياء‪]80 :‬‬
‫ولبست فلنا حتى عرفت باطنه‪ .‬وفي فلن ملبس أي مستمتع قال‪:‬‬
‫أل إن بعد العدم للمرء قنوة وبعد المشيب طول عمر وملبسا‬

‫ولببس الكعببة والهودج مبا عليهمبا مبن لباس (بكسبر اللم)‪ .‬قوله تعالى "بالباطبل" الباطبل فبي كلم‬
‫العرب خلف الحبق‪ ،‬ومعناه الزائل قال لبيبد‪ :‬أل كبل شيبء مبا خل ال باطبل‪ .‬وبطبل الشيبء يبطبل‬
‫بطل وبطول وبطلنا ذهب ضياعا وخسرا وأبطله غيره ويقال ذهب دمه بطل أي هدرا والباطل‬
‫الشيطان والبطل الشجاع سمي بذلك لنه يبطل شجاعة صاحبه‪ ،‬قال النابغة‪:‬‬
‫ل يقطع الخرق إل طرفه سامي‬
‫لهم لواء بأيدي ماجد بطل‬
‫والمرأة بطلة‪ .‬وقبد بطبل الرجبل (أي بالضبم) يبطبل بطولة وبطالة أي صبار شجاعبا وبطبل الجيبر‬
‫(بالفتح) بطالة أي تعطل فهو بطال‪ .‬واختلف أهل التأويل في المراد بقوله‪" :‬الحق بالباطل" فروي‬
‫عبن اببن عباس وغيره ل تخلطوا مبا عندكبم مبن الحبق فبي الكتاب بالباطبل وهبو التغييبر والتبديبل‪.‬‬
‫وقال أببو العاليبة قالت اليهود محمبد مبعوث ولكبن إلى غيرنبا‪ .‬فإقرارهبم ببعثبه حبق وجحدهبم أنبه‬
‫بعث إليهم باطل‪ .‬وقال ابن زيد‪ :‬المراد بالحق التوراة‪ ،‬والباطل ما بدلوا فيها من ذكر محمد عليه‬
‫السلم وغيره‪ .‬وقال مجاهد‪ :‬ل تخلطوا اليهودية والنصرانية بالسلم‪ .‬وقاله قتادة وقد تقدم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقول ابن عباس أصوب‪ ،‬لنه عام فيدخل فيه جميع القوال وال المستعان‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وتكتموا الحق" يجوز أن يكون معطوفا على "تلبسوا" فيكون مجزوما ويجوز أن‬
‫يكون منصببوبا بإضمار أن‪ ،‬التقديببر ل يكببن منكببم لبببس الحببق وكتمانببه أي وأن تكتموه قال ابببن‬
‫عباس‪( :‬يعني كتمانهم أمر النبي صلى ال عليه وسلم وهم يعرفونه) وقال محمد بن سيرين‪:‬‬
‫نزل عصبابة مبن ولد هارون يثرب لمبا أصباب بنبي إسبرائيل مبا أصبابهم مبن ظهور العدو عليهبم‬
‫والذلة‪ ،‬وتلك العصببابة هببم حملة التوراة يومئذ فأقاموا بيثرب يرجون أن يخرج محمببد صببلى ال‬
‫عليه وسلم بين ظهرانيهم‪ ،‬وهم مؤمنون مصدقون بنبوته فمضى أولئك الباء وهم مؤمنون وخلف‬
‫البناء وأبناء البناء فأدركوا محمدا صبلى ال عليبه وسبلم فكفروا ببه وهبم يعرفونبه‪ ،‬وهبو معنبى‬
‫قوله تعالى "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به" [البقرة‪]89 :‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وأنتبم تعلمون" جملة فبي موضبع الحال أي أن محمدا عليبه السبلم حبق‪ ،‬فكفرهبم‬
‫كان كفبر عناد ولم يشهبد تعالى لهبم بعلم وإنمبا نهاهبم عبن كتمان مبا علموا‪ .‬ودل هذا على تغليبظ‬
‫الذنببب على مببن واقعببه على علم وأنببه أعصببى مببن الجاهببل‪ .‬وسببيأتي بيان هذا عنببد قوله تعالى‪:‬‬
‫"أتأمرون الناس بالبر" [البقرة‪ ]44 :‬الية‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 43 :‬وأقيموا الصلة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} (فيه أربع وثلثين مسألة)‬
‫@الولى‪ :‬قوله تعالى‪" :‬وأقيموا الصلة" أمر معناه الوجوب ول خلف فيه‪ ،‬وقد تقدم القول في‬
‫معنى إقامة الصلة واشتقاقها وفي جملة من أحكامها‪ ،‬والحمد ل‪.‬‬
‫@الثانيبة‪ :‬قوله تعالى‪" :‬وآتوا الزكاة" أمبر أيضبا يقتضبي الوجوب‪ .‬واليتاء‪ :‬العطاء‪ ،‬آتيتبه‪:‬‬
‫أعطيته‪ .‬قال ال تعالى "لئن آتانا من فضله لنصدقن" [التوبة‪ ]75 :‬وأتيته ‪ -‬بالقصر من غير مد‬
‫ جئته‪ ،‬فإذا كان المجيبء بمعنبى السبتقبال ُمدّ‪ ،‬ومنه الحديبث (ولتين رسبول ال صلى ال عليه‬‫وسلم فلخبرنه) وسيأتي‪.‬‬
‫@الثالثبة‪ :‬الزكاة مأخوذة مبن زكبا الشيبء إذا نمبا وزاد‪ .‬يقال زكبا الزرع والمال يزكبو‪ ،‬إذا كثبر‬
‫وزاد ورجبل زكبي أي زائد الخيبر وسبمي الخراج مبن المال زكاة وهبو نقبص منبه مبن حيبث ينمبو‬
‫بالبركة أو بالجر الذي يثاب به المزكي ويقال‪ :‬زرع زاك بين الزكاء‪ .‬وزكأت الناقة بولدها تزكأ‬
‫ببه إذا رمبت ببه مبن بيبن رجليهبا وزكبا الفرد‪ :‬إذا صبار زوجبا بزيادة الزائد عليبه حتبى صبار شفعبا‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫كانوا خسا أو زكا من دون أربعة لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج‬
‫جمبع جبد وهبو الحبظ والبخبت‪ .‬تعتلج‪ :‬أي ترتفبع اعتلجبت الرض طال نباتهبا‪ .‬فخسبا‪ :‬الفرد وزكبا‪:‬‬
‫الزوج‬
‫وقيل‪ :‬أصلها الثناء الجميل ومنه زكّى القاضي الشاهد‪ .‬فكأن من يخرج الزكاة يحصل لنفسه الثناء‬
‫الجميل وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير‪ ،‬كما يقال زكا فلن أي طهر من دنس الجرحة والغفال‪.‬‬
‫فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل ال فيه للمساكين‪ ،‬أل ترى أن النبي صلى‬

‫ال عليبه وسبلم سبمى مبا يخرج مبن الزكاة أوسباخ الناس‪ ،‬وقبد قال تعالى "خبذ مبن أموالهبم صبدقه‬
‫تطهرهم وتزكيهم بها" [التوبة‪]103 :‬‬
‫@الرابعة‪ :‬واختلف في المراد بالزكاة هنا فقيل‪ :‬الزكاة المفروضة لمقارنتها الصلة وقيل‪ :‬صدقة‬
‫الفطر قاله مالك في سماع ابن القاسم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فعلى الول ‪ -‬وهبو قول أكثبر العلماء ‪ -‬فالزكاة فبي الكتاب مجملة بينهبا النببي صبلى ال عليبه‬
‫وسبلم فروى الئمبة عبن أببي سبعيد الخدري أن النببي صبلى ال عليبه وسبلم قال (ليبس فبي حبب ول‬
‫تمبر صبدقة حتبى تبلغ خمسبة أوسبق ول فيمبا دون خمبس ذود صبدقة ول فيمبا دون خمبس أواق‬
‫صبدقة) وقال البخاري‪( :‬خمبس أواق مبن الورق) وروى البخاري عبن اببن عمبر عبن النببي صبلى‬
‫ال عليبه وسبلم قال (فيمبا سبقت السبماء والعيون أو كان عثريبا العشبر ومبا سبقي بالنضبح نصبف‬
‫العشببر) وسببيأتي بيان هذا الباب فببي "النعام" إن شاء ال تعالى‪ .‬ويأتببي فببي "براءة" زكاة العيببن‬
‫والماشيبة وبيان المال الذي ل يؤخبذ منبه زكاة عنبد قوله تعالى "خبذ مبن أموالهبم صبدقة" [التوببة‪:‬‬
‫‪ ]103‬وأما زكاة الفطر فليس لها في الكتاب نص عليها إل ما تأوله مالك هنا‪ ،‬وقوله تعالى "قد‬
‫أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى" [العلى‪ ]15 :‬والمفسرون يذكرون الكلم عليها في سورة‬
‫"العلى"‪ ،‬ورأيت الكلم عليها في هذه السورة عند كلمنا على آي الصيام لن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم فرض زكاة الفطر في رمضان‪ ،‬الحديث‪ .‬وسيأتي‪ ،‬فأضافها إلى رمضان‪.‬‬
‫@الخامسبة‪ :‬قوله تعالى‪" :‬واركعوا" الركوع فبي اللغبة النحناء بالشخبص وكبل منحبن راكبع قال‬
‫لبيد‬
‫أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع‬
‫وقال ابن دريد‪ :‬الركعة الهوة في الرض لغة يمانية وقيل النحناء يعم الركوع والسجود ويستعار‬
‫أيضا في النحطاط في المنزلة‪ .‬قال‪:‬‬
‫ول تعاد الضعيف علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه‬
‫@السبادسة‪ :‬واختلف الناس فبي تخصبيص الركوع بالذكبر فقال قوم جعبل الركوع لمبا كان مبن‬
‫أركان الصلة عبارة عن الصلة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا ليبس مختصبا بالركوع وحده فقبد جعبل الشرع القراءة عبارة عبن الصبلة والسبجود‬
‫عبارة عن الركعة بكمالها فقال‪" :‬وقرآن الفجر" أي صلة الفجر‪ .‬وقال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسبلم (مبن أدرك سبجدة مبن الصبلة فقبد أدرك الصبلة) وأهبل الحجاز يطلقون على الركعبة سبجدة‬
‫وقيبل إنمبا خبص الركوع بالذكبر لن بنبي إسبرائيل لم يكبن فبي صبلتهم ركوع وقيبل لنبه كان أثقبل‬
‫على القوم في الجاهلية حتى لقد قال بعض من أسلم أظنه عمران بن حصين للنبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ :‬وعلى أل أخر إل قائما فمن تأويله على أل أركع فلما تمكن السلم من قلبه اطمأنت بذلك‬
‫نفسه وأمتثل ما أمر به من الركوع‪.‬‬
‫@السبابعة‪ :‬الركوع الشرعبي هبو أن يحنبي الرجبل صبلبه ويمبد ظهره وعنقبه ويفتبح أصبابع يديبه‬
‫ويقبض على ركبتيه ثم يطمئن راكعا يقول سبحان ربي العظيم ثلثا وذلك أدناه (روى مسلم عن‬
‫عائشة قالت‪(:‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يستفتح الصلة بالتكبير والقراءة بالحمد ل رب‬
‫العالميبن وكان إذا ركبع لم يشخبص رأسبه ولم يصبوبه ولكبن بيبن ذلك) وروى البخاري عبن أببي‬
‫حميبد السباعدي قال‪ :‬رأيبت رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم إذا كببر جعبل يديبه حذو منكببيه وإذا‬
‫ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره الحديث‪.‬‬
‫@الثامنبة‪ :‬الركوع فرض‪ ،‬قرآنبا وسبنة‪ ،‬وكذلك السبجود لقوله تعالى فبي آخبر الحبج "اركعوا‬
‫واسبجدوا" [الحبج‪ .]77 :‬وزادت السبنة الطمأنينبة فيهمبا والفصبل بينهمبا‪ ،‬وقبد تقدم القول فبي ذلك‬
‫وبينا صفة الركوع آنفا وأما السجود فقد جاء مبينا من حديث أبي حميد الساعدي أن النبي صلى‬
‫ال عليبه وسبلم كان (إذا سبجد مكبن جبهتبه وأنفبه مبن الرض ونحبى يديبه عبن جنببيه ووضبع كفيبه‬
‫حذو منكبيه)‪ .‬خرجه الترمذي وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ .‬وروى مسلم عن أنس قال‪ :‬قال رسول‬
‫ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬اعتدلوا فبي السبجود ول يبسبط أحدكبم ذراعيبه انبسباط الكلب)‪ .‬وعبن‬
‫البراء قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم (إذا سبجدت فضبع كفيبك وارفبع مرفقيبك)‪ .‬وعبن‬

‫ميمونة زوج النبي صلى ال عليه وسلم قالت‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا سجد خوّى‬
‫بيديه ‪ -‬يعني جنح حتى يرى وضح إبطيه من ورائه ‪ -‬وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى‪.‬‬
‫@التاسبعة‪ :‬واختلف العلماء فيمبن وضبع جبهتبه فبي السبجود دون أنفبه أو أنفبه دون جبهتبه‪ ،‬فقال‬
‫مالك‪ :‬يسبجد على جبهتبه وأنفبه‪ ،‬وببه قال الثوري وأحمبد‪ ،‬وهبو قول النخعبي‪ .‬قال أحمبد‪ :‬ل يجزئه‬
‫السبجود على أحدهمبا دون الخبر‪ ،‬وببه قال أببو خيثمبة واببن أببي شيببة‪ .‬قال إسبحاق‪ :‬إن سبجد على‬
‫أحدهما دون الخر فصلته فاسدة‪ .‬وقال الوزاعي وسعيد بن عبدالعزيز‪ ،‬وروي عن ابن عباس‬
‫وسعيد بن جبير وعكرمة وعبدالرحمن بن أبي ليلى كلهم أمر بالسجود على النف‪ .‬وقالت طائفة‪:‬‬
‫يجزئ أن يسبجد على جبهتبه دون أنفبه‪ ،‬هذا قول عطاء وطاوس وعكرمبة واببن سبيرين والحسبن‬
‫البصببري‪ ،‬وبببه قال الشافعببي وأبببو ثور ويعقوب ومحمببد‪ .‬قال ابببن المنذر‪ :‬وقال قائل‪ :‬إن وضببع‬
‫جبهته ولم يضع أنفه أو وضع أنفه ولم يضع جبهته فقد أساء وصلته تامة‪ ،‬هذا قول النعمان‪ .‬قال‬
‫ابن المنذر‪ :‬ول أعلم أحدا سبقه إلى هذا القول ول تابعه عليه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬الصحيح في السجود وضع الجبهة والنف‪ ،‬لحديث أبي حميد‪ ،‬وقد تقدم‪ .‬وروى البخاري‬
‫عبن اببن عباس قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬أمرت أن أسبجد على سببعة أعظبم على‬
‫الجبهبة ‪ -‬وأشار بيده إلى أنفبه ‪ -‬واليديبن والركبتيبن وأطراف القدميبن ول نكفبت الثياب والشعبر)‪.‬‬
‫وهذا كله بيان لمجمل الصلة فتعين القول به‪ .‬وال أعلم وروي عن مالك أنه يجزيه أن يسجد على‬
‫جبهتببه دون أنفببه‪ ،‬كقول عطاء والشافعببي والمختار عندنببا قول الول ول يجزئ عنببد مالك إذا لم‬
‫يسجد على جبهته‪.‬‬
‫@العاشرة‪ :‬ويكره السبجود على كور العمامبة‪ ،‬وإن كان طاقبة أو طاقتيبن مثبل الثياب التبي تسبتر‬
‫الركبب والقدميبن فل بأس‪ ،‬والفضبل مباشرة الرض أو مبا يسبجد عليبه فإن كان هناك مبا يؤذيبه‬
‫أزاله قببل دخول فل الصبلة‪ ،‬فإن لم يفعبل فليمسبحه مسبحة واحدة‪ .‬وروى مسبلم عبن معيقيبب أن‬
‫رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم قال فبي الرجبل يسبوي التراب حيبث يسبجد قال (إن كنبت فاعل‬
‫فواحدة) وروي عبن أنبس ببن مالك قال‪( :‬كنبا نصبلي مبع رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم فبي شدة‬
‫الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الرض بسط ثوبه فسجد عليه)‪.‬‬
‫@الحاديبة عشرة‪ :‬لمبا قال تعالى‪" :‬اركعوا واسبجدوا" [الحبج‪ ]77 :‬قال بعبض علمائنبا وغيرهبم‬
‫يكفبي منهبا مبا يسبمى ركوعبا وسبجودا‪ ،‬وكذلك مبن القيام ولم يشترطوا الطمأنينبة فبي ذلك فأخذوا‬
‫بأقبل السبم فبي ذلك وكأنهبم لم يسبمعوا الحاديبث الثابتبة فبي إلغاء الصبلة قال اببن عبدالبر‪ :‬ول‬
‫يجزي ركوع ول سببجود ول وقوف بعببد الركوع ول جلوس بيببن السببجدتين حتببى يعتدل راكعببا‬
‫وواقفبا وسباجدا وجالسبا‪ .‬وهبو الصبحيح فبي الثبر وعليبه جمهور العلماء وأهبل النظبر وهبى روايبة‬
‫ابن وهب وأبي مصعب عن مالك‪ .‬وقال القاضي أبو بكر بن العربي‪ :‬وقد تكاثرت الرواية عن ابن‬
‫القاسبم وغيره بوجوب الصبل وسبقوط الطمأنينبة وهبو وهبم عظيبم لن النببي صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫فعلهبا وأمبر بهبا وعلمهبا‪ .‬فإن كان لببن القاسبم عذر أن كان لم يطلع عليهبا فمبا لكبم أنتبم وقبد انتهبى‬
‫العلم إليكم وقامت الحجة به عليكم روى النسائي والدارقطني وعلي بن عبدالعزيز عن رفاعة بن‬
‫رافبع قال‪ :‬كنبت جالسبا عنبد رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم إذ جاءه رجبل فدخبل المسبجد فصبلى‪،‬‬
‫فلمبا قضبى الصبلة جاء فسبلم على رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم وعلى القوم فقال رسبول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم (ارجع فصل فإنك لم تصل) وجعل يصلي وجعلنا نرمق صلته ل ندري ما‬
‫يعيب منها فلما جاء فسلم على النبي صلى ال عليه وسلم وعلى القوم فقال له النبي صلى ال عليه‬
‫وسبلم (وعليبك ارجبع فصبل فانبك لم تصبل) قال همام فل ندري أمره بذلك مرتيبن أو ثلثبا فقال له‬
‫الرجبل مبا ألوت فل ادري مبا عببت علي مبن صبلتي فقال صبلى ال عليبه وسبلم (إنبه ل تتبم صبلة‬
‫أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره ال فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه‬
‫إلى الكعبين ثم يكبر ال تعالى ويثني عليه ثم يقرأ أم القرآن وما أذن له فيه وتيسر ثم يكبر فيركع‬
‫فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ثم يقول سمع ال لمن حمده ويستوي قائما‬
‫حتى يقيم صلبه ويأخذ كل عظم مأخوذه ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه‪ .‬قال همام وربما قال جبهته‬
‫مببن الرض حتببى تطمئن مفاصببله ويسببترخي ثببم يكبببر فيسببتوي قاعدا على مقعده ويقيببم صببلبه‬

‫فوصبف الصبلة هكذا أرببع ركعات حتبى فرغ ثبم قال ل تتبم صبلة أحدكبم حتبى يفعبل ذلك) ومثله‬
‫حديث أبي هريرة خرجه مسلم وقد تقدم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فهذا بيان الصبلة المجملة فبي الكتاب بتعليبم النببي عليبه السبلم وتبليغبه إياهبا جميبع النام‬
‫فمن لم يقف عند هذا البيان وأخل بما فرض عليه الرحمن ولم يمتثل ما بلغه عن نبيه عليه السلم‬
‫كان مبببن جملة مبببن دخبببل فبببي قوله تعالى‪" :‬فخلف مبببن بعدهبببم خلف أضاعوا الصبببلة واتبعوا‬
‫الشهوات" [مريبم‪ ]59 :‬على مبا يأتبي بيانبه هناك إن شاء ال تعالى‪ .‬روى البخاري عبن زيبد ببن‬
‫وهبب قال رأى حذيفبة رجل ل يتبم الركوع ول السبجود فقال (مبا صبلت ولو مبت لمبت على غيبر‬
‫الفطرة التي فطر ال عليها محمدا صلى ال عليه وسلم)‬
‫@الثانية عشرة‪ :‬قوله تعالى‪" :‬مع الراكعين" (مع) تقتضي المعية والجمعية ولهذا قال جماعة من‬
‫أهبل التأويبل بالقرآن إن المبر بالصبلة أول لم يقتبض شهود الجماعبة فأمرهبم بقوله "مبع" شهود‬
‫الجماعة وقد اختلف العلماء في شهود الجماعة على قولين فالذي عليه الجمهور أن ذلك من السنن‬
‫المؤكدة ويجبب على مبن أدمبن التخلف عنهبا مبن غيبر عذر العقوببة وقبد أوجبهبا بعبض أهبل العلم‬
‫فرضا على الكفاية قال ابن عبدالبر وهذا قول صحيح لجماعهم على أنه ل يجوز أن يجتمع على‬
‫تعطيل المساجد كلها من الجماعات فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلة المنفرد في بيته جائزة‬
‫لقوله عليه السلم (صلة الجماعة أفضل من صلة الفذ بسبع وعشرين درجة) أخرجه مسلم من‬
‫حديبث اببن عمبر‪ .‬وروي عبن أببي هريرة رضبي ال عنبه أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم قال‪:‬‬
‫(صبلة الجماعبة أفضبل مبن صبلة أحدكبم وحده بخمسبة وعشريبن جزءا)‪ .‬وقال داود الصبلة فبي‬
‫الجماعبة فرض على كبل أحبد فبي خاصبته كالجمعبة واحتبج بقوله عليبه السبلم‪( :‬ل صبلة لجار‬
‫المسبجد إل فبي المسبجد) خرجبه أببو داود وصبححه أببو محمبد عبدالحبق‪ ،‬وهبو قول عطاء ببن أببي‬
‫رباح وأحمبد ببن حنببل وأببي ثور وغيرهبم‪ .‬وقال الشافعبي‪ :‬ل أرخبص لمبن قدر على الجماعبة فبي‬
‫ترك إتيانهبا إل مبن عذر‪ .‬حكاه اببن المنذر وروى مسبلم عبن أببي هريرة قال أتبى النببي صبلى ال‬
‫عليبه وسبلم رجبل أعمبى فقال يبا رسبول ال إنبه ليبس لي قائد يقودنبي إلى المسبجد فسبأل رسبول ال‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم أن يرخبص له فيصبلي فبي بيتبه فرخبص له فلمبا ولى دعاه فقال (هبل تسبمع‬
‫النداء بالصبلة) قال نعبم قال (فأجبب) وقال أببو داود فبي هذا الحديبث (ل أجبد لك رخصبة)‪ .‬خرجبه‬
‫من حديث ابن أم مكتوم وذكر أنه كان هو السائل وروي عن ابن عباس رضي ال عنهما قال قال‬
‫رسبول ال (مبن سبمع النداء فلم يمنعبه مبن إتيانبه عذر قالوا ومبا العذر قال خوف أو مرض لم تقببل‬
‫منبه الصبلة التبي صبلى) قال أببو محمبد عبدالحبق‪ :‬هذا يرويبه مغراء العبدي والصبحيح موقوف‬
‫على اببن عباس (مبن سبمع النداء فلم يأت فل صبلة له) على أن قاسبم ببن أصببغ ذكره فبي كتاببه‬
‫فقال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي‬
‫ثابت عن سعيد جبير عن ابن عباس أن النبي صلى ال عليه وسلم قال (من سمع النداء فلم يجب‬
‫فل صلة له إل من عذر) وحسبك بهذا السناد صحة ومغراء العبدي روى عنه أبو إسحاق وقال‬
‫اببن مسبعود ولقبد رأيتنبا ومبا يتخلف عنهبا إل منافبق معلوم النفاق وقال عليبه السبلم (بيننبا وبيبن‬
‫المنافقيبن شهود العتمبة والصببح ل يسبتطيعونهما) قال اببن المنذر ولقبد روينبا عبن غيبر واحبد مبن‬
‫أصبحاب النببي صبلى ال عليبه وسبلم أنهبم قالوا (من سبمع النداء فلم يجبب مبن غيبر عذر فل صبلة‬
‫له) منهبم اببن مسبعود وأببو موسبى الشعري وروى أببو داود عبن أببي هريرة قال قال رسبول ال‬
‫(لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزما من حطب ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليست لهم علة‬
‫فأحرقها عليهم) هذا ما احتج به من أوجب الصلة في الجماعة فرضا وهى ظاهرة في الوجوب‬
‫وحملها الجمهور على تأكيد أمر شهود الصلوات في الجماعة بدليل حديث ابن عمر وأبي هريرة‬
‫وحملوا قول الصحابة وما جاء في الحديث من أنه (ل صلة له) على الكمال والفضل وكذلك قول‬
‫عليببه السببلم لبببن أم مكتوم (فأجببب) على الندب وقوله عليببه السببلم (لقببد هممببت) ل يدل على‬
‫الوجوب الحتببم لنببه هببم ولم يفعببل وإنمببا مخرجببه مخرج التهديببد والوعيببد للمنافقيببن الذيببن كانوا‬
‫يتخلفون عن الجماعة والجمعة يبين هذا المعنى ما رواه مسلم عن عبدال قال‪( :‬من سره أن يلقى‬
‫ال غدا مسلما فليحافظ على هؤلء الصلوات حيث ينادى بهن‪ ،‬فإن ال شرع لنبيكم صلى ال عليه‬

‫وسلم سنن الهدى‪ ،‬وإنهن من سنن الهدى‪ ،‬ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في‬
‫بيتبه لتركتبم سبنة نببيكم صبلى ال عليبه وسبلم‪ ،‬ولو تركتبم سبنة نببيكم صبلى ال عليبه وسبلم لضللتبم‪،‬‬
‫ومبا مبن رجبل يتطهبر فيحسبن الطهور ثبم يعمبد إلى مسبجد مبن هذه المسباجد إل كتبب ال له بكبل‬
‫خطوة يخطوهبا حسبنة ويرفعبه بهبا درجبة ويحبط عنبه بهبا سبيئة ولقبد رأيتنبا ومبا يتخلف عنهبا إل‬
‫منافبق معلوم النفاق ولقبد كان الرجبل يؤتبى ببه يهادى بيبن الرجليبن حتبى يقام فبي الصبف‪ .‬فببين‬
‫رضي ال عنه في حديثه أن الجتماع سنة من سنن الهدى وتركه ضلل‪ ،‬ولهذا قال القاضي أبو‬
‫الفضببل عياض‪ :‬اختلف فببي التمالؤ على ترك ظاهببر السببنن‪ ،‬هببل يقاتببل عليهببا أو ل‪ ،‬والصببحيح‬
‫قتالهم‪ ،‬لن في التمالؤ عليها إماتتها‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فعلى هذا إذا أقيمببت السببنة وظهرت جازت صببلة المنفرد وصببحت روى مسببلم عبن أبببي‬
‫هريرة قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم (صبلة الرجبل فبي جماعبة تزيبد على صبلته فبي‬
‫بيته وصلته في سوقه بضعا وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى‬
‫المسجد ل ينهزه إل الصلة ل يريد إل الصلة فلم يخط خطوة إل رفع له بها درجة وحط عنه بها‬
‫خطيئة حتببى يدخببل المسببجد فإذا دخببل المسببجد كان فببي الصببلة مببا كانببت الصببلة هببي تحبسببه‬
‫والملئكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون اللهم أرحمه اللهم اغفر له‬
‫اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه)‪ .‬قيل لبي هريرة‪ :‬ما يحدث؟ قال‪ :‬يفسو أو يضرط‪.‬‬
‫@الثالثة عشرة‪ :‬واختلف العلماء في هذا الفضل المضاف للجماعة هل لجل الجماعة فقط حيث‬
‫كانبت أو إنمبا يكون ذلك الفضبل للجماعبة التبي تكون فبي المسبجد لمبا يلزم ذلك مبن أفعال تختبص‬
‫بالمسباجد كمبا جاء فبي الحديبث قولن‪ .‬والول أظهبر لن الجماعبة هبو الوصبف الذي علق عليبه‬
‫الحكبم‪ .‬وال أعلم ومبا كان مبن إكثار الخطبى إلى المسباجد وقصبد التيان إليهبا والمكبث فيهبا فذلك‬
‫زيادة ثواب خارج عن فضل الجماعة وال أعلم‪.‬‬
‫@الرابعة عشرة‪ :‬واختلفوا أيضا هل تفضل جماعة جماعة بالكثرة وفضيلة المام؟ فقال مالك ل‬
‫وقال اببن حببيب نعبم لن النببي صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬صبلة الرجبل مبع الرجبل أزكبى مبن‬
‫صلته وحده وصلته مع الرجلين أزكى من صلته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى ال) رواية‬
‫أبي بن كعب وأخرجه أبو داود وفي إسناده لين‪.‬‬
‫@الخامسة عشرة‪ :‬واختلفوا أيضا فمن صلى في جماعة هل يعيد صلته تلك في جماعة أخرى‬
‫فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم إنما يعيد الصلة في جماعة مع المام من صلى وحده‬
‫في بيته وأهله أو في غير بيته‪ ،‬وأما من صلى في جماعة وإن قلت فإنه ل يعيد في جماعة أكثر‬
‫منها ول أقل‪ .‬وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي جائز لمن صلى في جماعة‬
‫ووجد أخرى في تلك الصلة أن يعيدها معهم إن شاء لنها نافلة وسنة‪ .‬وروي ذلك عن حذيفة بن‬
‫اليمان وأبي موسى الشعري وأنس بن مالك وصلة بن زفر والشعبي والنخعي‪ ،‬وبه قال حماد بن‬
‫زيبد وسبليمان ببن حرب احتبج مالك بقوله صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬ل تصبلى صبلة فبي يوم مرتيبن)‬
‫ومنهم من يقول ل تصلوا رواه سليمان بن يسار عن ابن عمر واتفق أحمد وإسحاق على أن معنى‬
‫هذا الحديبث أن يصبلي النسبان الفريضبة ثبم يقوم فيصبليها ثانيبة ينوي بهبا الفرض مرة أخرى فأمبا‬
‫إذا صبلها مبع المام على أنهبا سبنة أو تطوع فليبس بإعادة الصبلة‪ ،‬وقبد قال رسبول ال صبلى ال‬
‫عليه وسلم للذين أمرهم بإعادة الصلة في جماعة (إنها لكم نافلة) من حديث أبي ذر وغيره‪.‬‬
‫@السبادسة عشرة‪ :‬روى مسبلم عبن أببي مسبعود عبن النببي صبلى ال عليبه وسبلم قال‪( :‬يؤم القوم‬
‫أقرؤهبم لكتاب ال فإن كانوا فبي القراءة سبواء فأعلمهبم بالسبنة فإن كانوا فبي السبنة سبواء فأقدمهبم‬
‫هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِلْما‪ ،‬ول يؤمّن الرجلُ الرجلَ في سلطانه ول يقعد في‬
‫بيتبه على تكرمتبه إل بإذنبه) وفبي روايبة (سبناً) مكان (سبلما)‪ ،‬وأخرجبه أببو داود وقال‪ :‬قال شعببة‬
‫فقلت لسماعيل‪ :‬ما تكرمته؟ قال‪ :‬فراشه‪ .‬وأخرجه الترمذي وقال حديث أبي مسعود حديث حسن‬
‫صحيح والعمل عليه عند أهل العلم‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬أحببق الناس بالمامببة أقرؤهببم لكتاب ال وأعلمهببم بالسببنة وقالوا صبباحب المنزل أحببق‬
‫بالمامة‪ .‬وقال بعضهم إذا أذن صاحب المنزل لغيره فل بأس أن يصلي به‪ .‬وكرهه بعضهم وقالوا‬

‫السنة أن يصلي صاحب البيت‪ .‬قال ابن المنذر‪ :‬روينا عن الشعث بن قيس أنه قّدم غلما‪ ،‬وقال‬
‫إنما أقّدم القرآن‪ .‬وممن قال يؤم القوم أقرؤهم ابن سيرين والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي‪ .‬قال‬
‫ابن المنذر‪ :‬بهذا نقول لنه موافق للسنة‪ .‬وقال مالك‪ :‬يتقدم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة وإن‬
‫للسن حقا‪ .‬وقال الوزاعي‪ :‬يؤمهم أفقههم وكذلك قال الشافعي وأبو ثور إذا كان يقرأ القرآن وذلك‬
‫لن الفقيه أعرف بما ينوبه من الحوادث في الصلة‪ .‬وتأولوا الحديث بأن القرأ من الصحابة كان‬
‫الفقببه لنهببم كانوا يتفقهون فببي القرآن‪ ،‬وقببد كان مببن عرفهببم الغالب تسببميتهم الفقهاء بالقراء‪،‬‬
‫واسبتدلوا بتقديبم النببي صبلى ال عليبه وسبلم فبي مرضبه الذي مات فيبه أببا بكبر لفضله وعلمبه وقال‬
‫إسحاق‪ :‬إنما قدمه النبي صلى ال عليه وسلم ليدل على أنه خليفته بعده‪ .‬ذكره أبو عمر في التمهيد‬
‫وروى أببو بكبر البزار بإسبناد حسبن عبن أببي هريرة قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم (إذا‬
‫سبافرتم فليؤمكبم أقرؤكبم وإن كان أصبغركم وإذا أمّكبم فهبو أميركبم) قال ل نعلمبه يروى عبن النببي‬
‫صلى ال عليه وسلم إل من رواية أبي هريرة بهذا السناد‪.‬‬
‫قلت‪ :‬إمامة الصبغير جائزة إذا كان قارئا‪ .‬ثبت فبي صحيح البخاري عن عمبر ببن سلمة قال‪ :‬كنا‬
‫بماء ممبر الناس وكان يمبر بنبا الركبان فنسبألهم مبا للناس؟ مبا هذا الرجبل؟ فيقولون‪ :‬يزعبم أن ال‬
‫أرسله أوحى إليه كذا أوحى إليه كذا فكنت أحفظ ذلك الكلم فكأنما يقر في صدري‪ ،‬وكانت العرب‬
‫تلوم بإسلمها فيقولون‪ :‬اتركوه وقومه‪ ،‬فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة الفتح‬
‫بادر كبل قوم بإسبلمهم وبدر أببي قومبي بإسبلمهم فلمبا قدم قال‪ :‬جئتكبم وال مبن عنبد نببي ال حقبا‪،‬‬
‫قال‪( :‬صبلوا صبلة كذا فبي حيبن كذا فإذا حضرت الصبلة فليؤذن أحدكبم وليؤمكبم أكثركبم قرآنبا)‪.‬‬
‫فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنا لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني ببن أيديهم وأنا ابن ست‬
‫أو سببع سبنين‪ ،‬وكانبت علي بردة إذا سبجدت تقلصبت عنبي فقالت امرأة مبن الحبي‪ :‬أل تغطون عنبا‬
‫است قارئكم فاشتروا فقطعوا لي قميصا فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص‪ .‬وممن أجاز إمامة‬
‫الصبي غير البالغ الحسن البصري وإسحاق بن راهويه واختاره ابن المنذر إذا عقل الصلة وقام‬
‫بها لدخوله في جملة قوله صلى ال عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم) ولم يستثن‪ ،‬ولحديث عمرو بن‬
‫سلمة وقال الشافعي في أحد قوليه يؤم في سائر الصلوات ول يؤم فبي الجمعة وقد كان قبل يقول‬
‫ومن أجزأت إمامته فبي المكتوببة أجزأت إمامتبه فبي العياد غيبر أنبي أكره فيهبا إمامة غير الوالي‬
‫وقال الوزاعبي‪ :‬ل يؤم الغلم فبي الصبلة المكتوببة حتبى يحتلم إل أن يكون قوم ليبس معهبم مبن‬
‫القرآن شيبء فإنبه يؤمهبم الغلم المراهبق‪ .‬وقال الزهري إن اضطروا إليبه أمهبم ومنبع ذلك جملة‬
‫مالك والثوري وأصحاب الرأي‪.‬‬
‫@السابعة عشرة‪ :‬الئتمام بكل إمام بالغ مسلم حر على استقامة جائز من غير خلف إذا كان يعلم‬
‫حدود الصلة ولم يكن يلحن في أم القرآن لحنا يخل بالمعنى مثل أن يكسر الكاف من "إياك نعبد"‬
‫[الفاتحبة‪ ]5 :‬ويضبم التاء فبي "أنعمبت" ومنهبم مبن راعبى تفريبق الطاء مبن الضاد وإن لم يفرق‬
‫بينهما ل تصح إمامته‪ ،‬لن معناهما يختلف ومنهم من رخص في ذلك كله إذا كان جاهل بالقراءة‬
‫وأم مثله ول يجوز الئتمام بامرأة ول خنثبى مشكبل ول كافبر ول مجنون ول أميّب ول يكون واحبد‬
‫مببن هؤلء إمامببا بحال مببن الحوال عنببد أكثببر العلماء على مببا يأتببي ذكره إل المببي لمثله‪ ،‬قال‬
‫علماؤنبا ل تصبح إمامبة المبي الذي ل يحسبن القراءة مبع حضور القارئ له ول لغيره وكذلك قال‬
‫الشافعبي فإن أم أميبا مثله صبحت صبلتهم عندنبا وعنبد الشافعبي‪ .‬وقال أببو حنيفبة إذا صبلى المبي‬
‫بقوم يقرؤون وبقوم أميين فصلتهم كلهم فاسدة‪ .‬وخالفه أبو يوسف فقال صلة المام ومن ل يقرأ‬
‫تامة‪ .‬وقالت فرقة‪ :‬صلتهم كلهم جائزة لن كل مؤد فرضه وذلك مثل المتيمم يصلي بالمتطهرين‬
‫بالماء والمصبلي قاعدا يصبلي بقوم قيام صبلتهم مجزئة فبي قول مبن خالفنبا‪ ،‬لن كل مؤد فرض‬
‫نفسه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقبد يحتبج لهذا القول بقول عليبه السبلم (أل ينظبر المصبلي إذا صبلى كيبف يصبلي فإنمبا‬
‫يصبلي لنفسبه) أخرجبه مسبلم وإن صبلة المأموم ليسبت مرتبطبة بصبلة المام‪ ،‬وال أعلم‪ .‬وكان‬
‫عطاء ببن أببي رباح يقول إذا كانبت امرأتبه تقرأ كببر هبو‪ ،‬وتقرأ هبي فإذا فرغبت مبن القراءة كببر‬
‫وركع وسجد وهى خلفه تصلي‪ ،‬وروي هذا المعنى عن قتادة‪.‬‬

‫@الثامنة عشرة‪ :‬ول بأس بإمامة العمى والعرج والشل والقطع والخصي والعبد إذا كان كل‬
‫واحد منهم عالما بالصلة‪ .‬وقال ابن وهب ل أرى أن يؤم القطع والشل لنه منتقص عن درجة‬
‫الكمال وكرهبت إمامتبه لجبل النقبص‪ .‬وخالفبه جمهور أصبحابه وهبو الصبحيح لنبه عضبو ل يمنبع‬
‫فقده فرضا من فروض الصلة فجازت المامة الراتبة مع فقده كالعين‪ ،‬وقد روى أنس (أن النبي‬
‫صببلى ال عليببه وسببلم اسببتخلف ابببن أم مكتوم يؤم الناس وهببو أعمببى‪ )،‬وكذا العرج والقطببع‬
‫والشبل والحصبى قياسبا ونظرا وال أعلم‪ .‬وقبد روي عبن أنبس ببن مالك أنبه قال فبي العمبى‪ :‬ومبا‬
‫حاجتهم إليه وكان ابن عباس وعتبان بن مالك يؤمان وكلهما أعمى‪ ،‬وعليه عامة العلماء‪.‬‬
‫@التاسبعة عشرة‪ :‬واختلفوا فبي إمامة ولد الزنى فقال مالك أكره أن يكون إماما راتبا وكره ذلك‬
‫عمر بن عبدالعزيز‪ ،‬وكان عطاء بن أبي رباح يقول له أن يؤم إذا كان مرضيا‪ ،‬وهو قول الحسن‬
‫البصبري والزهري والنخعبي وسبفيان الثوري والوزاعبي وأحمبد وإسبحاق وتجزئ الصبلة خلفبه‬
‫عنبد أصبحاب الرأي وغيره أحبب إليهبم‪ .‬وقال الشافعبي أكره أن ينصبب إمامبا راتببا مبن ل يعرف‬
‫أبوه ومبن صبلى خلفبه أجزأه وقال عيسبى ببن دينار ل أقول بقول مالك فبي إمامبة ولد الزنبى وليبس‬
‫عليه من ذنب أبويه شيء‪ .‬ونحوه قال ابن عبدالحكم إذا كان في نفسه أهل للمامة قال ابن المنذر‬
‫يؤم لدخوله جملة قول رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم (يؤم القوم أقرؤوهبم) وقال أببو عمبر‪ :‬ليبس‬
‫في شيء من الثار الواردة في شرط المامة ما يدل على مراعاة نسب وإنما فيها دللة على الفقه‬
‫والقراءة والصلح في الدين‪.‬‬
‫@الموفيبة عشريبن‪ :‬وأمبا العببد فروى البخاري عبن اببن عمبر قال‪ :‬لمبا قدم المهاجرون الولون‬
‫العصببة ‪ -‬موضبع بقباء ‪ -‬قببل مقدم النببي صبلى ال عليبه وسبلم كان يؤمهبم سبالم مولى أببي حذيفبة‬
‫وكان أكثرهم قرآناً‪ .‬وعنه قال‪ :‬كان سالم مولى أبي حذيفة يوم المهاجرين الولين وأصحاب النبي‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم فبي مسبجد قباء فهبم أببو بكبر وعمبر وزيبد وعامبر ببن ربيعبة وكانبت عائشبة‬
‫يؤمها عبدها ذكوان من المصحف‪ .‬قال ابن المنذر وأم أبو سعيد مولى أبي أسيد ‪ -‬وهو عبد ‪ -‬نفرا‬
‫من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم منهم حذيفة وأبو مسعود‪.‬‬
‫ورخص في إمامة العبد النخعي والشعبي والحسن البصري والحكم والثوري والشافعي وأحمد‬
‫وإسحاق وأصبحاب الرأي وكره ذلك أبو مجلز‪ ،‬وقال مالك ل يؤمهم إل أن يكون العبد قارئا ومن‬
‫معبه مبن الحرار ل يقرؤون إل أن يكون فبي عيبد أو جمعبة فإن العببد ل يؤمهبم فيهبا ويجزئ عنبد‬
‫الوزاعبي إن صبلوا وراءه‪ .‬قال اببن المنذر العببد داخبل فبي جمله قول النببي صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫(يؤم القوم أقرؤهم )‪.‬‬
‫@الحادية والعشرون‪ :‬وأما المرأة فروى البخاري عن أبي بكرة قال‪ :‬لما بلغ رسول ال صلى ال‬
‫عليبه وسبلم أن أهبل فارس قبد ملكوا بنبت كسبرى قال (لن يفلح قوم ولوا أمرهبم امرأة) وذكبر أببو‬
‫داود عبن عبدالرحمبن ببن خلد عبن أم ورقبه بنبت عبدال قال‪( :‬وكان رسبول ال صبلى ال عليبه‬
‫وسلم يزورها في بيتها قال‪ :‬وجعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها) قال عبدالرحمن‬
‫(فأنبا رأيبت مؤذنهبا شيخبا كببيرا) قال اببن المنذر‪ :‬والشافعبي يوجبب العادة على مبن صبلى مبن‬
‫الرجال خلف المرأة‪ .‬قال أبو ثور ل إعادة عليهم‪ .‬وهذا قياس قول المزني‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقال علماؤنبا ل تصبح إمامتهبا للرجال ول للنسباء وروى اببن أيمبن جواز إمامتهبا للنسباء‪.‬‬
‫وأمبا الخنثبى المشكبل فقال الشافعبي‪ :‬ل يؤم الرجال ويؤم النسباء‪ .‬وقال مالك‪ :‬ل يكون إمامبا بحال‪،‬‬
‫وهو قول أكثر الفقهاء‪..‬‬
‫@الثانية والعشرون‪ :‬الكافر المخالف للشرع كاليهودي والنصراني يؤم المسلمين وهم ل يعلمون‬
‫بكفره‪ .‬وكان الشافعبي وأحمبد يقولن ل يجزئهبم ويعيدون وقاله مالك وأصبحابه لنبه ليبس مبن أهبل‬
‫القرببة‪ .‬وقال الوزاعبي‪ :‬يعاقبب‪ .‬وقال أببو ثور والمزنبي ل إعادة على مبن صبلى خلفبه ول يكون‬
‫بصلته مسلما عند الشافعي وأبي ثور‪ .‬وقال أحمد‪ :‬يجبر على السلم‪.‬‬
‫@الثالثببة والعشرون‪ :‬وأمببا أهببل البدع مببن أهببل الهواء كالمعتزلة والجهميببة وغيرهمببا فذكببر‬
‫البخاري عن الحسن‪ :‬صل وعليه بدعته‪ .‬وقال أحمد ل يصلى خلف أحد من أهل الهواء إذا كان‬
‫داعيببة إلى هواه وقال مالك ويصببلى خلف أئمببة الجور ول يصببلى خلف أهببل البدع مببن القدريببة‬

‫وغيرهم وقال ابن المنذر كل من أخرجته بدعته إلى الكفر لم تجز الصلة خلفه ومن لم يكن كذلك‬
‫فالصلة خلفه جائزة ول يجوز تقديم من هذه صفته‪.‬‬
‫@الرابعة والعشرون‪ :‬وأما الفاسق بجوارحه كالزاني وشارب الخمر ونحو ذلك فاختلف المذهب‬
‫فيه فقال ابن حبيب من صلى وراء من شرب الخمر فإنه يعيد أبدا إل أن يكون الوالي الذي تؤدى‬
‫إليبه الطاعبة فل إعادة على مبن صبلى خلفبه إل أن يكون حينئذ سبكران قال مبن لقيبت مبن أصبحاب‬
‫مالك وروي مبن حديبث جابر ببن عبدال أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم قال على المنببر (ل‬
‫تؤمن امرأة رجل ول يؤمن أعرابي مهاجرا ول يؤمن فاجر برا إل أن يكون ذلك ذا سلطان) قال‬
‫أببو محمبد عبدالحبق‪ :‬هذا يرويبه علي ببن زيبد ببن جدعان عبن سبعيد ببن المسبيب والكثبر يضعبف‬
‫علي بن زيد وروى الدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم (إن سركم‬
‫أن تزكوا صلتكم فقدموا خياركم) في إسناده أبو الوليد خالد بن إسماعيل المخزومي وهو ضعيف‬
‫قاله الدارقطنبي‪ .‬وقال فيبه أبو أحمبد ببن عدي‪ :‬كان يضبع الحديبث على ثقات المسبلمين وحديثبه هذا‬
‫يرويه عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة وذكر الدارقطني عن سلم بن سليمان عن عمر‬
‫عبن محمبد ببن واسبع عبن سبعيد ببن جببير عبن اببن عمبر قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫(اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفد فيما بينكم وبين ال) قال الدارقطني عمر هذا هو عندي عمر بن‬
‫يزيد قاضي وسلم بن سليمان أيضا مدائني ليس بالقوي قاله عبدالحق‪.‬‬
‫@الخامسبة والعشرون‪ :‬روى الئمبة أن رسبول ال صبلى قال (إنمبا جعبل المام ليؤتبم ببه فل‬
‫تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع ال لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك‬
‫الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون)‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء فيمن ركع أو خفض قبل المام عامدا على قولين‪ :‬أحدهما‪ :‬أن صلته فاسدة‬
‫إن فعل ذلك فيها كلها أو في أكثرها وهو قول أهل الظاهر وروي عن ابن عمر‪ .‬ذكبر سنيد قال‪:‬‬
‫حدثنا ابن علية عن أيوب عن أبي قلبة عن أبي الورد النصاري قال صليت إلى جنب ابن عمر‬
‫فجعلت أرفع قبل المام وأضع قبله فلما سلم المام أخذ ابن عمر بيدي فلواني وجذبني فقلت مالك‬
‫قال مبن أنبت؟ قلت فلن ببن فلن قال أنبت مبن أهبل بيبت صبدق فمبا يمنعبك أن تصبلي قلت أومبا‬
‫رأيتنبي إلى جنببك قال قبد رأيتبك ترفبع قببل المام وتضبع قبله وإنبه (ل صبلة لمبن خالف المام)‪.‬‬
‫وقال الحسبن ببن حبي فيمبن ركبع أو سبجد قببل المام ثبم رفبع مبن ركوعبه أو سبجوده قببل أن يركبع‬
‫المام أو يسجد لم يعتد بذلك ولم يجزه‪ .‬وقال أكثبر الفقهاء من فعل ذلك فقد أساء ولم تفسد صلته‬
‫لن الصبل فبي صبلة الجماعبة والئتمام فيهبا بالئمبة سبنه حسبنة فمبن خالفهبا بعبد أن أدى فرض‬
‫صلته بطهارتها وركوعها وسجودها وفرائضها فليس عليه إعادتها وإن أسقط بعض سننها لنه‬
‫لو شاء أن ينفرد فصلى قبل إمامه تلك الصلة أجزأت عنه وبئس ما فعل في تركه الجماعة قالوا‬
‫ومن دخل في صلة المام فركع بركوعه وسجد بسجوده ولم يكن في ركعة وإمامه في أخرى فقد‬
‫افتدى وإن كان يرفبع قبله ويخفبض قبله لنبه بركوعبه يركبع وبسبجوده يسبجد ويرفبع وهبو فبي ذلك‬
‫تبع له إل أنه مسيء في فعله ذلك لخلفه سنة المأموم المجتمع عليها‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ما حكاه ابن عبدالبر عن الجمهور ينبئ على أن صلة المأموم عندهم غير مرتبطة بصلة‬
‫المام لن التباع الحسببي والشرعببي مفقود وليببس الم هكذا عنببد أكثرهببم والصببحيح فببي الثببر‬
‫والنظر القول الول فإن المام إنما جعل ليؤتم به ويقتدى به بأفعاله ومنه قوله تعالى "إني جاعلك‬
‫للناس إماما" [البقرة‪ ]124 :‬أي يأتمون بك على ما يأتي بيانه‪.‬‬
‫هذا حقيقة المام لغة وشرعا فمن خالف إمامه لم يتبعه ثم أن النبي صلى ال عليه وسلم بين فقال‬
‫(إذا كبر فكبروا) الحديث‪ .‬فأتى بالفاء التي توجب التعقيب وهو المبين عن ال مراده‪ .‬ثم أوعد من‬
‫رفبع أو ركبع قببل وعيدا شديدا فقال (أمبا يخشبى الذي يرفبع رأسبه قببل المام أن يحول ال رأسبه‬
‫رأس حمار أو صبورته صبورة حمار) أخرجبه الموطبأ والبخاري ومسبلم وأببو داود وغيرهبم وقال‬
‫أببو هريرة إنمبا ناصبيته بيبد شيطان وقال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم (كبل عمبل ليبس عليبه‬
‫أمرنبا فهبو رد) يعنبي مردود فمبن تعمبد خلف إمامبه عالمبا بأنبه مأمور باتباعبه منهبي عبن مخالفتبه‬
‫فقد استخف بصلته وخالف ما أمر به فواجب أل تجزي عنه صلته تلك وال أعلم‪.‬‬

‫@السبادسة والعشرون‪ :‬فإن رفبع رأسبه سباهيا قببل المام فقال مالك رحمبه ال‪ :‬السبنة فيمبن سبها‬
‫ففعبل ذلك فبي ركوع أو فبي سبجود أن يرجبع راكعبا أو سباجدا وينتظبر المام وذلك خطبأ ممبن فعله‬
‫لن النببي صبلى ال عليبه وسبلم قال (إنمبا جعبل المام ليؤتم به فل تختلفوا عليه) قال ابن عبدالبر‪:‬‬
‫ظاهبر قول مالك هذا ل يوجبب العادة على فعله عامدا لقوله "وذلك خطبأ ممبن فعله" لن السباهي‬
‫الثم عنه موضوع‪.‬‬
‫@السابعة والعشرون‪ :‬وهذا الخلف إنما هو فيما عدا تكبيرة الحرام والسلم أما السلم فقد تقدم‬
‫القول فيه وأما تكبيرة الحرام فالجمهور على أن تكبير المأموم ل يكون إل بعد تكبير المام إل ما‬
‫روي عبن الشافعبي فبي أحبد قوليبه‪ :‬أنبه إن كببر قببل إمامبه تكببيرة الحرام أجزأت عنبه لحديبث أببي‬
‫هريرة أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم جاء إلى الصبلة فلمبا كببر انصبرف وأومبأ إليهبم ‪ -‬أي‬
‫كما أنتم ‪ -‬ثم خرج ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم فلما انصرف قال‪( :‬إني كنت جنبا فنسيت أن‬
‫أغتسبل) ومبن حديبث أنبس (فكببر وكبرنبا معبه) وسبيأتي بيان هذا عنبد قوله تعالى‪" :‬ول جنببا" فبي‬
‫"النساء" [النساء‪ ]43 :‬إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫@الثامنبة والعشرون‪ :‬وروى مسبلم عبن أببي مسبعود قال‪ :‬كان رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫يمسببح مناكبنببا فببي الصببلة ويقول (اسببتووا ول تختلفوا فتختلف قلوبكببم ليلنببي منكببم أولو الحلم‬
‫والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) قال أبو مسعود (فأنتم اليوم أشد اختلفا)‪ .‬زاد من حديث‬
‫عبدال (وإياكبم وهيشات السبواق)‪ .‬وقوله (اسبتووا) أمبر بتسبوية الصبفوف وخاصبة الصبف الول‬
‫وهبو الذي يلي المام على مبا يأتبي بيانبه فبي سبورة "الحجبر" إن شاء ال تعالى وهناك يأتبي الكلم‬
‫على معنى هذا الحديث بحول ال تعالى‪.‬‬
‫@التاسبعة والعشرون‪ :‬واختلف العلماء فبي كيفيبة الجلوس فبي الصبلة لختلف الثار فبي ذلك‬
‫فقال مالك وأصببحابه‪ :‬يفضببي المصببلي بأليتيببه إلى الرض وينصببب رجله اليمنببى ويثنببي رجله‬
‫اليسرى‪ ،‬لما رواه في موطئه عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد (أراهم الجلوس في التشهد‬
‫فنصبب رجله اليمنبى وثنبى رجله اليسبرى وجلس على وركبه اليسبر ولم يجلس على قدمبه)‪ ،‬ثبم‬
‫قال‪ :‬أراني هذا عبدال بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك‪..‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا المعنى قد جاء في صحيح مسلم عن عائشة قالت كان رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫(يسبتفتح الصبلة بالتكببير والقراءة بالحمبد ل رب العالميبن‪ ،‬وكان إذا ركبع لم يشخبص رأسبه ولم‬
‫يصوبه ولكن بين ذلك‪ ،‬وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما وكان إذا رفع‬
‫رأسبه مبن السبجدة لم يسبجد حتبى يسبتوي جالسبا وكان يقول فبي كبل ركعتيبن التحيبة‪ ،‬وكان يفرش‬
‫رجله اليسببرى وينصببب رجله اليمنببى وكان ينهببى عببن عقبببة الشيطان وينهببى أن يفترش الرجببل‬
‫ذراعيه افتراش السبع‪ ،‬وكان يختم الصلة بالتسليم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ولهذا الحديث ‪ -‬وال أعلم ‪ -‬قال ابن عمر‪ :‬إنما سنة الصلة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني‬
‫اليسرى وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حي (ينصب اليمنى ويعقد على‬
‫اليسرى)‪ ،‬لحديث وائل بن حجر‪ ،‬وكذلك قال الشافعي وأحمد وإسحاق في الجلسة الوسطى‪ .‬وقالوا‬
‫فبي الخرة مبن الظهبر أو العصبر أو المغرب أو العشاء كقول مالك لحديبث أببي حميبد السباعدي‬
‫رواه البخاري قال‪ :‬رأيبت النببي صبلى ال عليبه وسبلم (إذا كببر جعبل يديبه حذو منكببيه وإذا ركبع‬
‫أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره فإذا رفع استوى حتى يعود كل فقار مكانه فإذا سجد وضع‬
‫يديبه غيبر مفترش ول قابضهمبا واسبتقبل بأطراف أصبابع رجليبه القبلة وإذا جلس فبي الركعتيبن‬
‫جلس على رجله اليسبببرى ونصبببب الخرى وإذا جلس فبببي الركعبببة الخرة قدم رجله اليسبببرى‬
‫ونصبب اليمنبى وقعبد على مقعدتبه)‪ .‬قال الطببري إن فعبل هذا فحسبن كبل ذلك قبد ثببت عبن النببي‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫@الثلثين الموفية‪ :‬مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبدالرحمن المعاوي أنه قال‪ :‬رآني‬
‫عبدال بن عمر وأنا أعبث بالحصباء في الصلة‪ ،‬فلما انصرف نهاني فقال اصنع كما كان رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم يصنع قلت وكيف كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يصنع ؟ قال‪ :‬كان‬
‫(إذا جلس فبي الصبلة وضبع كفبه اليمنبى على فخذه اليمنبى وقببض أصبابعه كلهبا وأشار بأصببعه‬

‫التي تلي البهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى وقال‪ :‬هكذا كان يفعل)‪ .‬قال ابن عبدالبر‪:‬‬
‫(ومبا وصبفه اببن عمبر مبن وضعبه كفبه اليمنبى على فخذه اليمنبى وقببض أصبابع يده تلك كلهبا إل‬
‫السبابة منها فإنه يشير بها ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى مفتوحة مفروجة الصابع‪ ،‬كل‬
‫ذلك سنة في الجلوس في الصلة مجمع عليه ول خلف علمته بين العلماء فيها وحسبك بهذا‪ .‬إل‬
‫أنهم اختلفوا في تحريك أصبعه السبابة فمنهم من رأى تحريكها ومنهم من لم يره وكل ذلك مروي‬
‫في الثار الصحاح المسندة عن النبي صلى ال عليه وسلم وجميعه مباح والحمد ل‪ .‬وروى سفيان‬
‫بن عيينة هذا الحديث عن مسلم بن أبي مريم بمعنى ما رواه مالك وزاد فيه قال سفيان وكان يحيى‬
‫بن سعيد حدثناه عن مسلم ثم لقيته فسمعته منه وزادني فيه قال (هي مذبة الشيطان ل يسهو أحدكم‬
‫ما دام يشير بإصبعه ويقول هكذا)‪.‬‬
‫قلت‪ :‬روى أببو داود فبي حديبث اببن الزبيبر أنبه عليبه السبلم (كان يشيبر بإصببعه إذا دعبا ول‬
‫يحركهبا) وإلى هذا ذهبب بعبض العراقييبن فمنبع مبن تحريكهبا وبعبض علمائنبا رأوا أن مدهبا إشارة‬
‫إلى دوام التوحيد وذهب أكثر العلماء من أصحاب مالك وغيرهم إلى تحريكها إل أنهم اختلفوا في‬
‫الموالة بالتحريبك على قوليبن تأول مبن واله بأن قال إن ذلك يذكبر بموالة الحضور فبي الصبلة‬
‫وبأنها مقمعة ومدفعة للشيطان على ما روى سفيان ومن لم يوال رأى تحريكها عند التلفظ بكلمتي‬
‫الشهادة وتأول في الحركة كأنها نطق بتلك الجارحة بالتوحيد وال أعلم‪.‬‬
‫@الحاديبة والثلثون‪ :‬واختلفوا فبي جلوس المرأة فبي الصبلة فقال مالك هبي كالرجبل ول تخالفبه‬
‫فيما بعد الحرام إل في اللباس والجهر وقال الثوري تسدل المرأة جلبابها من جانب واحد ورواه‬
‫عن إبراهيم النخعي وقال أبو حنيفة وأصحابه تجلس المرأة كأيسر ما يكون لها وهو قول الشعبي‬
‫تقعد كيف تيسر لها وقال الشافعي تجلس بأستر ما يكون لها‪.‬‬
‫@الثانية والثلثون‪ :‬روى مسلم عن طاوس قال قلنا لبن عباس في القعاء على القدمين‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫(هي السنة فقلنا له إنا لنراه جفاء بالرجل فقال ابن عباس بل هي سنة نبيك صلى ال عليه وسلم)‬
‫وقببد اختلف العلماء فببي صببفة القعاء فقال أبببو عبيببد‪( :‬القعاء جلوس الرجببل على أليتيببه ناصبببا‬
‫فخذيبه مثبل إقعاء الكلب والسببع) قال اببن عبدالبر وهذا إقعاء مجتمبع عليبه ل يختلف العلماء فيبه‪.‬‬
‫وهذا تفسبير أهبل اللغبة وطائفبة مبن أهبل الفقبه‪ .‬وقال أببو عبيبد‪ :‬وأمبا أهبل الحديبث فانهبم يجعلون‬
‫القعاء أن يجعبل أليتيبه على عقببيه بيبن السبجدتين قال القاضبي عياض‪ :‬والشببه عندي فبي تأويبل‬
‫القعاء الذي قال فيه ابن عباس إنه من السنة‪ ،‬الذي فسر به الفقهاء من وضع الليتين على العقبين‬
‫بين السجدتين‪ ،‬وكذا جاء مفسرا عن ابن عباس‪ :‬من السنة أن تمس عقبك أليتك‪ .‬رواه إبراهيم بن‬
‫ميسرة عن طاوس عنه‪ ،‬ذكره أبو عمر قال القاضي‪ :‬وقد روي عن جماعة من السلف والصحابة‬
‫أنهبم كانوا يفعلونبه‪ ،‬ولم يقبل بذلك عامبة فقهاء المصبار وسبموه إقعاء‪ .‬ذكبر عبدالرزاق عبن معمبر‬
‫عن ابن طاوس عن أبيه أنه رأى ابن عمر وابن عباس وابن الزبير يقعون بين السجدتين‪.‬‬
‫@الثالثبة والثلثون‪ :‬لم يختلف مبن قال مبن العلماء بوجوب التسبليم وبعدم وجوببه أن التسبليمة‬
‫الثانيبة ليسبت بفرض إل مبا روي عبن الحسبن ببن حبي أنبه أوجبب التسبليمتين معبا‪ .‬قال أببو جعفبر‬
‫الطحاوي‪ :‬لم نجد عن أحد من أهل العلم الذين ذهبوا إلى التسليمتين أن الثانية من فرائضها غيره‪.‬‬
‫قال ابن عبدالبر من حجة الحسبن بن صبالح فبي إيجاببه التسليمتين جميعبا وقوله إن من أحدث بعد‬
‫الولى وقببل الثانيبة فسبدت صبلته ‪ -‬قوله صبلى ال عليبه وسبلم (تحليلهبا التسبليم) ثبم بيبن كيبف‬
‫التسليم فكان يسلم عن يمينه وعن يساره ومن حجة من أوجب التسليمة الواحدة دون الثانية قوله‬
‫صلى ال عليه وسلم (تحليلها التسليم) قالوا‪ :‬والتسليمة الواحدة يقع عليها اسم تسليم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذه المسبألة مبنيبة على الخبذ بأقبل السبم أو بآخره ولمبا كان الدخول فبي الصبلة بتكببيرة‬
‫واحدة بإجماع فكذلك الخروج منهبا بتسبليمة واحدة إل أنبه تواردت السبنن الثابتبة مبن حديبث اببن‬
‫مسبعود ‪ -‬وهبو أكثرهبا تواترا ‪ -‬ومبن حديبث وائل ببن حجبر الحضرمبي وحديبث عمار وحديبث‬
‫البراء بن عازب وحديث بن عمر وحديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى ال عليه وسلم كان‬
‫يسبلم تسبليمتين‪ .‬روى اببن جريبج وسبليمان ببن بلل وعبدالعزيبز ببن محمبد الدرداوردي كلهبم عبن‬
‫عمرو ابن يحيى المازني‪ .‬عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال ‪ :‬قلت لبن‬

‫عمبر ‪ :‬حدثنبي عبن صبلة رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم كيبف كانبت؟ فذكبر التكببير كلمبا رفبع‬
‫رأسه وكلما خفضه وذكر السلم عليكم ورحمة ال عن يمينه السلم عليكم ورحمة ال عن يساره‬
‫قال اببن عبدالبر وهذا إسبناد مدنبي صبحيح‪ ،‬والعمبل المشهور بالمدينبة التسبليمة الواحدة وهبو عمبل‬
‫قد توارثه أهل المدينة كابرا عن كابر‪ ،‬ومثله يصح فيه الحتجاج بالعمل في كل بلد لنه ل يخفى‬
‫لوقوعبه فبي كبل يوم مرارا وكذلك العمبل بالكوفبة وغيرهبا مسبتفيض عندهبم بالتسبليمتين ومتوارث‬
‫عنهم أيضا وكل ما جرى هذا المجرى فهو اختلف في المباح كالذان‪ ،‬وكذلك ل يروى عن عالم‬
‫بالحجاز ول بالعراق ول بالشام ول بمصببر إنكار التسببليمة الواحدة ول إنكار التسببليمتين بببل ذلك‬
‫عندهم معروف وحديث التسليمة الواحدة رواه سعد بن أبي وقاص وعائشة وأنس إل أنها معلولة‬
‫ل يصححها أهل العلم بالحديث‪.‬‬
‫@الرابعبة والثلثون‪ :‬روى الدارقطنبي عبن اببن مسبعود أنبه قال‪ :‬مبن السبنة أن يخفبى التشهبد‪.‬‬
‫واختار مالك تشهبببد عمبببر ببببن الخطاب رضبببي ال عنبببه وهبببو التحيات ل الزكيات ل الطيبات‬
‫الصلوات ل‪ ،‬السلم عليك أيها النبي ورحمة ال وبركاته السلم علينا وعلى عباد ال الصالحين‪،‬‬
‫أشهد أن ل اله إل ال وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪ .‬واختار الشافعي وأصحابه والليث بن سعد‬
‫تشهبد اببن عباس‪ ،‬قال‪ :‬كان رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم يعلمنبا التشهبد كمبا يعلمنبا السبورة مبن‬
‫القرآن فكان يقول‪ ( :‬التحيات المباركات الصلوات الطيبات ل‪ ،‬السلم عليك أيها النبي ورحمة ال‬
‫وبركاتبه‪ ،‬السبلم علينبا وعلى عباد ال الصبالحين‪ ،‬أشهبد أن ل اله إل ال وأشهبد أن محمدا رسبول‬
‫ال)‪.‬‬
‫واختار الثوري والكوفيون وأكثبر أهبل الحديبث تشهبد ابن مسبعود الذي رواه مسبلم أيضبا‪ ،‬قال‪ :‬كنبا‬
‫نقول فبي الصبلة خلف رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم السبلم على ال السبلم على فلن‪ ،‬فقال‬
‫رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم ذات يوم (إن ال هبو السبلم فإذا قعبد أحدكبم فبي الصبلة فليقبل‬
‫التحيات ل والصبلوات والطيبات السبلم عليبك أيهبا النببي ورحمبة ال وبركاتبه السبلم علينبا وعلى‬
‫عباد ال الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبد ل صالح في السماء والرض أشهد أن ل إله إل ال‬
‫وأشهد أن محمدا عبده ورسول ثم يتخير من المسألة ما شاء) وبه قال أحمد وإسحاق وداود‪ .‬وكان‬
‫أحمد بن خالد بالندلس يختاره ويميل إليه وروي عن أبي موسى الشعري مرفوعا وموقوفا نحو‬
‫تشهبد ابن مسعود‪ .‬وهذا كله اختلف في مباح ليس شيء منه على الوجوب والحمد ل وحده فهذه‬
‫جملة مبن أحكام المام والمأموم تضمنهبا قوله جبل وعبز "واركعوا مبع الراكعيبن" [البقرة‪]43 :‬‬
‫وسبيأتي القول فبي القيام فبي الصبلة عنبد قوله تعالى "وقوموا ل قانتيبن" [البقرة‪ .]238 :‬ويأتبي‬
‫هناك حكم المام المريض وغيره من أحكام الصلة ويأتي في "آل عمران" حكم صلة المريض‬
‫غيبر المام ويأتبي فبي "النسباء" فبي صبلة الخوف حكبم المفترض خلف المتنفبل ويأتبي فبي سبورة‬
‫"مريبم" حكبم المام يصبلي أرفبع مبن المأموم إلى غيبر ذلك مبن الوقات والذان والمسباجد وهذا‬
‫كله بيان لقوله تعالى "وأقيموا الصببلة" وقببد تقدم فببي أول السببورة جملة مببن أحكامهببا والحمببد ل‬
‫على ذلك‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية ‪{ 44‬أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفل تعقلون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬أتأمرون الناس بالبر" هذا اسبتفهام التوبيبخ والمراد فبي قول أهبل التأويبل علماء‬
‫اليهود‪ .‬قال ابن عباس (كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه‬
‫رضاع من المسلمين اثبت على الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل يريدون محمد صلى ال‬
‫عليببه وسببلم فإن أمره حببق فكانوا يأمرون الناس بذلك ول يفعلونببه) وعببن ابببن عباس أيضببا (كان‬
‫الحبار يأمرون مقلديهبم وأتباعهبم باتباع التوراة وكانوا يخالفونهبا فبي جحدهبم صبفة محمبد صبلى‬
‫ال عليبببه وسبببلم) وقال اببببن جريبببج‪ :‬كان الحبار يحضون على طاعبببة ال وكانوا هبببم يواقعون‬
‫المعاصبي وقالت فرقبة‪ :‬كانوا يحضون على الصبدقة ويبخلون والمعنبى متقارب وقال بعبض أهبل‬
‫الشارات المعنى أتطالبون الناس بحقائق المعاني وأنتم تخالقون عن ظواهر رسومها‪.‬‬
‫@ في شدة عذاب من هذه صفته روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس قال قال رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم (ليلة أسري بي مررت على ناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت‬

‫يا جبريل من هؤلء؟ قال هؤلء الخطباء من أهل الدنيا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم‬
‫يتلون الكتاب أفل يعقلون) وروى أببو أمامبة قال قال رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم (إن الذيبن‬
‫يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم فيقال لهم من أنتم فيقولون نحن‬
‫الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا)‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا الحديببث وإن كان فيببه ليببن‪ ،‬لن فببي سببنده الخصببيب بببن جحدر كان المام أحمببد‬
‫يسبتضعفه وكذلك اببن معيبن يرويبه عبن أببي غالب عبن أببي أمامبة صبدي ببن عجلن الباهلي وأببو‬
‫غالب هو ‪ -‬فيما حكى يحيى بن معين ‪ -‬حزور القرشي مولى خالد بن عبدال بن أسيد وقيل مولى‬
‫باهلة‪ .‬وقيبل مولى عبدالرحمبن الحضرمبي‪ .‬كان يختلف إلى الشام فبي تجارتبه قال يحيبى ببن معيبن‬
‫هبو صبالح الحديبث فقبد رواه مسبلم فبي صبحيحه بمعناه عبن أسبامة ببن زيبد قال سبمعت رسبول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم يقول (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها‬
‫كمبا يدور الحمار بالرحبى فيجتمبع إليبه أهبل النار فيقولون يبا فلن مبا لك ألم تكبن تأمبر بالمعروف‬
‫وتنهبى عبن المنكبر فيقول بلى قبد كنبت آمبر بالمعروف ول آتيبه وأنهبى عبن المنكبر وآتيبه) القصبب‬
‫(بضبم القاف) المعبى وجمعبه أقصباب والقتاب المعاء واحدهبا قتبب ومعنبى "فتندلق"‪ :‬فتخرج‬
‫بسرعة‪ .‬وروينا "فتنفلق"‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكبر‬
‫وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه وإنما ذلك لنه كالمستهين بحرمات ال‬
‫تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن ل ينتفع بعلمه قال رسول ال صلى ال عليه وسلم (اشد‬
‫الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه ال بعلمه ) أخرجه ابن ماجه في سننه‪.‬‬
‫@ اعلم وفقك ال تعالى أن التوبيخ في الية بسبب ترك فعل البر ل بسبب المر بالبر ولهذا ذم‬
‫ال تعالى فبي كتاببه قومبا كانوا يأمرون بأعمال البر ول يعملون بهبا وبخهبم ببه توبيخبا يتلى على‬
‫طول الدهر إلى يوم القيامة فقال "أتأمرون الناس بالبر" الية وقال منصور الفقيه فأحسن‪:‬‬
‫بالذي ل يفعلونا‬
‫إن قوما يأمرونا‬
‫لم يكونوا يصرعونا‬
‫لمجانين وإن هم‬
‫وقال أبو العتاهية‪:‬‬
‫وريح الخطايا من ثيابك تسطع‬
‫وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى‬
‫وقال أبو السود الدؤلي‪:‬‬
‫عار عليك إذا فعلت عظيم‬
‫ل تنه عن خلق وتأتي مثله‬
‫فإن انتهت عنه فأنت حكيم‬
‫وابدأ بنفسك فانهها عن غيها‬
‫بالقول منك وينفع التعليم‬
‫فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى‬
‫وقال أببو عمرو ببن مطبر‪ :‬حضرت مجلس أببي عثمان الحيري الزاهبد فخرج وقعبد على موضعبه‬
‫الذي كان يقعد عليه للتذكير‪ ،‬فسكت حتى طال سكوته‪ ،‬فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس‪ :‬ترى‬
‫أن تقول في سكوتك شيئا؟ فأنشأ يقول‪:‬‬
‫طبيب يداوي والطبيب مريض‬
‫وغير تقي يأمر الناس بالتقى‬
‫قال‪ :‬فارتفعت الصوات بالبكاء والضجيج‪.‬‬
‫@ قال إبراهيبم النخعبي‪ :‬إنبي لكره القصبص لثلث آيات‪ ،‬قوله تعالى‪" :‬أتأمرون الناس بالبر"‬
‫[البقرة‪ ]44 :‬الية‪ ،‬وقوله‪" :‬لم تقولون ما ل تفعلون" [الصف‪ ،]2 :‬وقوله‪" :‬وما أريد أن أخالفكم‬
‫إلى ما أنهاكم عنه" [هود‪ .]88 :‬وقال سلم بن عمرو‪:‬‬
‫يزهد الناس ول يزهد‬
‫ما أقبح التزهيد من واعظ‬
‫أضحى وأمسى بيته المسجد‬
‫لو كان في تزهيده صادقا‬
‫يستمنح الناس ويسترفد‬
‫إن رفض الدنيا فما باله‬
‫يناله البيض والسود‬
‫والرزق مقسوم على من ترى‬
‫وقال الحسن لمطرف بن عبدال‪ :‬عظ أصحابك‪ ،‬فقال إني أخاف أن أقول ما ل أفعل‪ ،‬قال‪ :‬يرحمك‬
‫ال وأينا يفعل ما يقول ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا‪ ،‬فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر‪.‬‬

‫وقال مالك عبن ربيعبة ببن أببي عبدالرحمبن سبمعت سبعيد ببن جببير يقول‪ :‬لو كان المرء ل يأمبر‬
‫بالمعروف ول ينهى عن المنكر حتى ل يكون فيه شيء‪ ،‬ما أمر أحد بمعروف ول نهى عن منكر‪.‬‬
‫قال مالك‪ :‬وصدق‪ ،‬من ذا الذي ليس فيه شيء‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬البر" البر هنا الطاعة والعمل الصالح‪ .‬والبر‪ :‬الصدق‪ .‬والبر‪ :‬ولد الثعلب‪ .‬والبر‪:‬‬
‫سببوق الغنببم‪ ،‬ومنببه قولهببم‪" :‬ل يعرف هرا مببن بر" أي ل يعرف دعاء الغنببم مببن سببوقها‪ .‬فهببو‬
‫مشترك‪ ،‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫يبرك الناس ويفجرونكا‬
‫ل هم رب إن بكرا دونكا‬
‫أراد بقوله "يبرك الناس"‪ :‬أي يطيعونك‪ .‬ويقال‪ :‬إن البر الفؤاد في قوله‪:‬‬
‫واجعل ما لي دونه وأوامره‬
‫أكون مكان البر منه ودونه‬
‫والبر (بضبم الباء) معروف‪ ،‬و(بفتحهبا) الجلل والتعظيبم‪ ،‬ومنبه ولد بر وبار‪ ،‬أي يعظبم والديبه‬
‫ويكرمهما‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وتنسون أنفسكم" أي تتركون‪ .‬والنسيان (بكسر النون) يكون بمعنى الترك‪ ،‬وهو‬
‫المراد هنا‪ ،‬وفي قوله تعالى‪" :‬نسوا ال فنسيهم" [التوبة‪ ،]67 :‬وقوله‪" :‬فلما نسوا ما ذكروا به"‬
‫[النعام‪ ،]44 :‬وقوله‪" :‬ول تنسوا الفضل بينكم" [البقرة‪ .]237 :‬ويكون خلف الذكر والحفظ‪،‬‬
‫ومنبه الحديبث‪( :‬نسبي آدم فنسبيت ذريتبه)‪ .‬وسبيأتي‪ .‬يقال‪ :‬رجبل نسبيان (بفتبح النون)‪ :‬كثيبر النسبيان‬
‫للشيبء‪ .‬وقبد نسبيت الشيبء نسبيانا‪ ،‬ول تقبل نَسبَيانا (بالتحريبك)‪ ،‬لن النسبَيان إنمبا هبو تثنيبة نسبا‬
‫العرق‪ .‬وأنفس‪ :‬جمع نفس‪ ،‬جمع قلة‪ .‬والنفس‪ :‬الروح‪ ،‬يقال‪ :‬خرجت نفسه‪ ،‬قال أبو خراش‪:‬‬
‫ولم ينج إل جفن سيف ومئزرا‬
‫نجا سالم والنفس منه بشدقه‬
‫أي بجفبن سبيف ومئزر‪ .‬ومبن الدليبل على أن النفبس الروح قوله تعالى‪" :‬ال يتوفبى النفبس حيبن‬
‫موتها" [الزمر‪ ]42 :‬يريد الرواح في قول جماعة من أهل التأويل على ما يأتي‪ ،‬وذلك بين في‬
‫قول بلل للنببي صبلى ال عليبه وسبلم فبي حديبث اببن شهاب‪ :‬أخبذ بنفسبي يبا رسبول ال الذي أخبذ‬
‫بنفسك‪ .‬وقوله عليه السلم في حديث زيد بن أسلم (إن ال قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في‬
‫حيببن غيببر هذا) رواهمببا مالك‪ .‬وهببو أولى مببا يقال بببه‪ .‬والنفببس أيضببا الدم يقال سببالت نفسببه قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫وليست على غير الظبات تسيل‬
‫تسيل على حد السيوف نفوسنا‬
‫وقال إبراهيم النخعبي ما ليس له نفس سائلة فإنه ل ينجس الماء إذا مات فيه والنفس أيضا الجسبد‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫أبياتهم تامور نفس المنذر‬
‫نبئت أن بني سحيم أدخلوا‬
‫والتامور أيضا‪ :‬الدم‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وأنتم تتلون الكتاب" توبيخ عظيم لمن فهم‪" .‬وتتلون"‪ :‬تقرؤون "الكتاب" التوراة‪.‬‬
‫وكذا مبن فعبل فعلهبم كان مثلهبم وأصبل التلوة التباع‪ ،‬ولذلك اسبتعمل فبي القراءة لنبه يتببع بعبض‬
‫الكلم ببعبض فبي حروفبه حتبى يأتبي على نسبقه‪ :‬يقال‪ :‬تلوتبه إذا تبعتبه تلوا وتلوت القرآن تلوة‪.‬‬
‫وتلوت الرجبل تلوا إذا خذلتبه‪ .‬والتليبة والتلوة (بضبم التاء) البقيبة يقال تليبت لي مبن حقبي تلوة‬
‫وتليبة أي بقيبت‪ .‬وأتليبت أبقيبت وتتّليبت حقبي إذا تتبعتبه حتبى تسبتوفيه‪ .‬قال أببو زيبد تلى الرجبل إذا‬
‫كان بآخر رمق‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬أفل تعقلون" أي أفل تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم‪ .‬والعقل‬
‫المنع‪ ،‬ومنه عقال البعير لنه يمنع عن الحركة ومنه العقل للدية لنه يمنع ولي المقتول عن قتل‬
‫الجاني‪ ،‬ومنه اعتقال البطن واللسان‪ ،‬ومنه يقال للحصن معقل والعقل نقيض الجهل والعقل ثوب‬
‫أحمر تتخذه نساء العرب تغشي به الهوادج‪ .‬قال علقمة‪:‬‬
‫كأنه من دم الجواف مدموم‬
‫عقل ورقما تكاد الطير تخطفه‬
‫المدموم (بالدال المهملة) الحمر وهو المراد هنا والمدموم الممتلئ شحما من البعير وغيره‪ .‬ويقال‬
‫هما ضربان من البرود قال ابن فارس‪ :‬والعقل من شيات الثياب ما كان نقشه طول وما كان نقشه‬
‫مستديرا فهو الرقم‪ .‬وقال الزجاج‪ :‬العاقل من عمل بما أوجب ال عليه فمن لم يعمل فهو جاهل‪.‬‬

‫@ اتفبق أهبل الحبق على أن العقبل كائن موجود ليبس بقديبم ول معدوم لنبه لو كان معدومبا لمبا‬
‫اختبص بالتصباف ببه بعبض الذوات دون بعبض وإذا ثببت وجوده فيسبتحيل القول بقدمبه‪ ،‬إذ الدليبل‬
‫قبد قام على أن ل قديم إل ال تعالى على ما يأتبي بيانه فبي هذه السورة وغيرها إن شاء ال تعالى‪.‬‬
‫وقبد صبارت الفلسبفة إلى أن العقبل قديبم ثبم منهبم مبن صبار إلى أنبه جوهبر لطيبف فبي البدن ينببث‬
‫شعاعبه منبه بمنزلة السبراج فبي البيبت يفصبل ببه بيبن حقائق المعلومات ومنهبم مبن قال إنبه جوهبر‬
‫بسيط أي غير مركب‪ .‬ثم اختلفوا في محله فقالت طائفة منهم محله الدماغ لن الدماغ محل الحس‪،‬‬
‫وقالت طائفبة أخرى محله القلب لن القلب معدن الحياة ومادة الحواس وهذا القول فبي العقبل بأنبه‬
‫جوهبر فاسبد مبن حيبث إن الجواهبر متماثلة فلو كان جوهبر عقل لكان كبل جوهبر عقل وقيبل إن‬
‫العقبل هبو المدرك للشياء على مبا هبي عليبه مبن حقائق المعانبي وهذا القول وإن كان أقرب ممبا‬
‫قبله فيبعبد عبن الصبواب مبن جهبة أن الدراك مبن صبفات الحبي والعقبل عرض يسبتحيل ذلك منبه‬
‫كمببا يسببتحيل أن يكون ملتذا ومشتهيببا‪ .‬وقال الشيببخ أبببو الحسببن الشعري والسببتاذ أبببو إسببحاق‬
‫السبفرايني وغيرهمبا مبن المحققيبن العقبل هبو العلم بدليبل أنبه ل يقال عقلت ومبا علمبت أو علمبت‬
‫ومببا عقلت‪ .‬وقال القاضببي أبببو بكببر العقببل علوم ضروريببة بوجوب الواجبات وجواز الجائزات‬
‫واستحالة المستحيلت‪ ،‬وهو اختيار أبي المعالي في الرشاد‪ .‬واختار في البرهان أنه صفة يتأتى‬
‫بها درك العلوم واعترض على مذهب القاضي واستدل على فسباد مذهبه وحكي في البرهان عن‬
‫المحاسبي أنه قال العقل غريزة‪ .‬وحكى الستاذ أبو بكر عن الشافعي وأبي عبدال بن مجاهد أنهما‬
‫قال‪ :‬العقبل آلة التمييبز‪ .‬وحكبى عبن أببي العباس القلنسبي أنبه قال العقبل قوة التمييبز‪ .‬وحكبي عبن‬
‫المحاسببي أنبه قال العقبل أنوار وبصبائر ثبم رتبب هذه القوال وحملهبا على محامبل فقال‪ :‬والولى‬
‫أل يصببح هذا النقببل عببن الشافعببي ول عببن ابببن مجاهببد فإن اللة إنمببا تسببتعمل فببي اللة المثبتببة‬
‫واسببتعمالها فببي العراض مجاز وكذلك قول مببن قال إنببه قوة فإنببه ل يعقببل مببن القوة إل القدرة‪.‬‬
‫والقلنسبي أطلق مبا أطلقبه توسبعا فبي العبارات وكذلك المحاسببي‪ .‬والعقبل ليبس بصبورة ول نور‬
‫ولكن تستفاد به النوار والبصائر‪ ،‬وسيأتي في هذه السورة بيان فائدته في آية التوحيد إن شاء ال‬
‫تعالى‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 45 :‬واستعينوا بالصبر والصلة وإنها لكبيرة إل على الخاشعين}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬واسبتعينوا بالصببر والصبلة" الصببر الحببس فبي اللغبة‪ :‬وقتبل فلن صببرا أي‬
‫أمسبك وحببس حتبى أتلف‪ .‬وصببرت نفسبي على الشيبء‪ :‬حبسبتها‪ .‬والمصببورة التبي نهبي عنهبا فبي‬
‫الحديث هي المحبوسة على الموت‪ ،‬وهي المجثّمة‪ .‬وقال عنترة‪:‬‬
‫ترسو إذا نفس الجبان تطلع‬
‫فصبرتُ عارف ًة لذلك حرة‬
‫أمر تعالى بالصبر على الطاعة وعن المخالفة في كتابه فقال "واصبروا" يقال فلن صابر عن‬
‫المعاصبي‪ ،‬وإذا صببر عبن المعاصبي فقبد صببر على الطاعبة‪ ،‬هذا أصبح مبا قيبل‪ .‬قال النحاس ول‬
‫يقال لمبن صببر على المصبيبة‪ :‬صبابر‪ ،‬إنمبا يقال صبابر على كذا‪ .‬فإذا قلت صبابر مطلقبا فهبو على‬
‫ما ذكرنا‪ ،‬قال ال تعالى "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" [الزمر‪.]10 :‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬والصلة" خص الصلة بالذكر من بين سائر العبادات تنويها بذكرها‪ ،‬وكان عليه‬
‫السلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلة‪ .‬ومنه ما روي أن عبدال بن عباس نعي له أخوه قثم ‪ -‬وقيل‬
‫بنت له ‪ -‬وهو في سفر فاسترجع وقال‪( :‬عورة سترها ال‪ ،‬ومؤونة كفاها ال‪ ،‬وأجر ساقه ال‪ .‬ثم‬
‫تنحبى عبن الطريبق وصبلى ثبم انصبرف إلى راحلتبه وهبو يقرأ‪" :‬واسبتعينوا بالصببر والصبلة"‬
‫فالصلة على هذا التأويل هي الشرعية‪ ،‬وقال قوم‪ :‬هي الدعاء على عرفها في اللغة‪ ،‬فتكون الية‬
‫على هذا التأويبل مشبهبة لقوله تعالى‪" :‬إذا لقيتبم فئة فاثبتوا واذكروا ال" [النفال ‪ ]45‬لن الثبات‬
‫هبو الصببر‪ ،‬والذكبر هبو الدعاء‪ .‬وقول ثالث قال مجاهبد الصببر فبي هذه اليبة الصبوم ومنبه قيبل‬
‫لرمضان شهر الصبر فجاء الصوم والصلة على هذا القول في الية متناسبا في أن الصيام يمنع‬
‫من الشهوات ويزهد في الدنيا والصلة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع ويقرأ فيها القرآن الذي‬
‫يذكر الخرة وال أعلم‪.‬‬

‫@ الصبر على الذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها‬
‫وهو من أخلق النبياء والصالحين‪ ،‬قال يحيى بن اليمان‪ :‬الصبر أل تتمنى حال سوى ما رزقك‬
‫ال والرضا بما قضى ال من أمر دنياك وآخرتك‪ .‬وقال الشعبي قال علي رضي ال عنه‪ :‬الصبر‬
‫مبن اليمان بمنزلة الرأس مبن الجسبد‪ .‬قال الطببري‪ :‬وصبدق علي رضبي ال منبه وذلك أن اليمان‬
‫معرفبة بالقلب وإقرار باللسبان وعمبل بالجوارح فمبن لم يصببر على العمبل بجوارحبه لم يسبتحق‬
‫اليمان بالطلق‪ .‬فالصببر على العمبل بالشرائع نظيبر الرأس مبن الجسبد للنسبان الذي ل تمام له‬
‫إل به‪.‬‬
‫@ وصبف ال تعالى جزاء العمال وجعبل لهبا نهايبة وحدا فقال‪" :‬مبن جاء بالحسبنة فله عشبر‬
‫أمثالهبا" [النعام ‪ ]160‬وجعبل جزاء الصبدقة فبي سببيل ال فوق هذا فقال‪" :‬مثبل الذيبن ينفقون‬
‫أموالهم في سبيل ال كمثل حبة" [البقرة‪ ]261 :‬الية‪ .‬وجعل أجر الصابرين بغير حساب ومدح‬
‫أهله فقال "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" [الزمر‪ ]10 :‬وقال "ولمن صبر وغفر إن‬
‫ذلك لمبن عزم المور" [الشورى‪ .]43 :‬وقبد قيبل أن المراد بالصبابرين فبي قوله "إنمبا يوفبى‬
‫الصابرون" [الزمر‪ ]10 :‬أي الصائمون‪ ،‬لقوله تعالى في صحيح السنة عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ :‬الصيام لي وأنا أجزي به‪ .‬فلم يذكر ثوابا مقدرا كما لم يذكره في الصبر وال اعلم‪.‬‬
‫@ من فضل الصبر وصف ال تعالى نفسه به كما في حديث أبي موسى عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم قال‪( :‬ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من ال تعالى‪ ،‬إنهم ليدعون له ولدا وإنه‬
‫ليعافيهم ويرزقهم)‪ .‬أخرجه البخاري‪ .‬قال علماؤنا‪ :‬وصف ال تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم‬
‫ومعنبى وصبفه تعالى بالحلم هبو تأخيبر العقوببة عبن المسبتحقين لهبا‪ ،‬ووصبفه تعالى بالصببر لم يرد‬
‫فبي التنزيبل وإنمبا ورد فبي حديبث أببي موسبى وتأوله أهبل السبنة على تأويبل الحلم قال اببن فورك‬
‫وغيره‪ :‬وجاء في أسمائه "الصبور" للمبالغة في الحلم عمن عصاه‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وإنها لكبيرة" اختلف المتأولون في عود الضمير من قوله‪" :‬وإنها"‪ ،‬فقيل‪ :‬على‬
‫الصبلة وحدها خاصة‪ ،‬لنهبا تكببر على النفوس ما ل يكبر الصبوم‪ .‬والصبر هنبا الصبوم فالصلة‬
‫فيها سجن النفوس والصبوم إنمبا فيبه منع الشهوة فليبس مبن منع شهوة واحدة أو شهوتين كمبن منع‬
‫جميع الشهوات‪ .‬فالصائم إنما منع شهوة النساء والطعام والشراب ثم ينبسط في سائر الشهوات من‬
‫الكلم والمشبي والنظبر إلى غيبر ذلك مبن ملقاة الخلق‪ ،‬فيتسبلى بتلك الشياء عمبا منبع والمصبلي‬
‫يمتنببع مببن جميببع ذلك فجوارحببه كلهببا مقيدة بالصببلة عببن جميببع الشهوات‪ .‬وإذا كان ذلك كانببت‬
‫الصلة أصعب على النفس ومكابدتها أشد فلذلك قال "وإنها لكبيرة" وقيل عليهما‪ ،‬ولكنه كنى عن‬
‫الغلب وهو الصبلة‪ ،‬كقوله "والذيبن يكنزون الذهب والفضة ول ينفقونهبا فبي سببيل ال" [التوبة‪:‬‬
‫‪ ]34‬وقوله "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها" [الجمعة‪ .]11 :‬فرد الكناية إلى الفضة لنها‬
‫الغلب والعبم وإلى التجارة لنهبا الفضبل والهبم‪ .‬وقيبل إن الصببر لمبا كان داخل فبي الصبلة‬
‫أعاد عليها كما قال‪" :‬وال ورسوله أحق أن يرضوه" [التوبة‪ ]62 :‬ولم يقل يرضوهما لن رضا‬
‫الرسول داخل في رضا ال جل وعز ومنه قول الشاعر‪:‬‬
‫إن شرخ الشباب والشعر السب بود ما لم يعاص كان جنونا‬
‫ولم يقبل يعاصبيا‪ ،‬رد إلى الشباب لن الشعبر داخبل فيبه وقيبل رد الكنايبة إلى كبل واحبد منهبم لكبن‬
‫حذف اختصارا‪ ،‬قال ال تعالى "وجعلنا ابن مريم وأمه آية" [المؤمنون‪ ]50 :‬ولم يقل آيتين ومنه‬
‫قول الشاعر‪:‬‬
‫فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫لكل هم من الهموم سعه والصبح والمسي ل فلح معه‬
‫أراد‪ :‬لغريبان‪ ،‬ل فلح معهمبا‪ ،‬وقيبل على العبادة التبي يتضمنهبا بالمعنبى ذكبر الصببر والصبلة‬
‫وقيل على المصدر وهى الستعانة التي يقتضيها قوله‪" :‬واستعينوا" وقيل على أجابه محمد عليه‬
‫السبلم‪ ،‬لن الصببر والصبلة ممبا كان يدعبو إليبه‪ .‬وقيبل على الكعببة لن المبر بالصبلة إنمبا هبو‬
‫إليهببا‪" .‬وكبببيرة" معناه ثقيلة شاقببة‪ ،‬خبببر "إن" ويجوز فببي غيببر القرآن‪" :‬وإنببه لكبببيرة إل على‬

‫الخاشعيبن" فإنهبا خفيفبة عليهبم‪ .‬قال أرباب المعانبي إل على مبن أيبد فبي الزل بخصبائص الجتباء‬
‫والهدى‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬على الخاشعين" الخاشعون جمع خاشع وهو المتواضع والخشوع هيئة في النفس‬
‫يظهببر منهببا فببي الجوارح سببكون وتواضببع‪ .‬وقال قتادة الخشوع فببي القلب وهببو الخوف وغببض‬
‫البصببر فببي الصببلة‪ .‬قال الزجاج الخاشببع الذي يرى أثبر الذل والخشوع عليبه كخشوع الدار بعببد‬
‫القوان؟؟ هذا هو الصل قال النابغة‪:‬‬
‫رماد ككحل العين ليا أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع‬
‫ومكان خاشبع‪ :‬ل يهتدى له‪ .‬وخشعبت الصبوات أي سبكنت‪ ،‬وخشعبت خراشبي صبدره إذا ألقبى‬
‫بصباقا لزجبا‪ .‬وخشبع ببصبره إذا غضبه‪ .‬والخشعبة قطعبة مبن الرض رخوة‪ .‬وفبي الحديبث (كانبت‬
‫خشعببة على الماء ثببم دحيببت بعببد)‪ .‬وبلدة خاشعببة مغبببرة ل منزل بهببا‪ .‬قال سببفيان الثوري سببألت‬
‫العمبش عبن الخشوع فقال يبا ثوري أنبت تريبد أن تكون إمامبا للناس ول تعرف الخشوع سبألت‬
‫إبراهيبم النخعبي عبن الخشوع فقال أعيمبش تريبد أن تكون إمامبا للناس ول تعرف الخشوع ليبس‬
‫الخشوع بأكبل الخشبن ولببس الخشبن وتطأطبؤ الرأس‪ ،‬لكبن الخشوع أن ترى الشريبف والدنيبء فبي‬
‫الحبق سبواء‪ ،‬وتخشع ل فبي كبل فرض افترض عليبك‪ .‬ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قبد نكبس‬
‫رأسبه فقال يبا هذا! ارفبع رأسبك فإن الخشوع ل يزيبد على مبا فبي القلب‪ .‬وقال علي ببن أببي طالب‪:‬‬
‫الخشوع فببي القلب‪ ،‬وأن تليببن كفيببك للمرء المسبلم وأل تلتفبت فببي صببلتك‪ .‬وسبيأتي هذا المعنببى‬
‫مجودا عنبد قوله تعالى "قبد أفلح المؤمنون الذيبن هبم فبي صبلتهم خاشعون" [المؤمنون‪]2 - 1 :‬‬
‫فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق‪ .‬قال سهل بن عبدال ل يكون‬
‫خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقول ال تبارك وتعالى‪" :‬تقشعر منه جلود الذين يخشون‬
‫ربهم" [الزمر‪.]23 :‬‬
‫قلت‪ :‬هذا هببو الخشوع المحمود لن الخوف إذا سبببكن القلب أوجبببب خشوع الظاهبببر فل يملك‬
‫صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذلل‪ .‬وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك وأما‬
‫المذموم فتكلفبه والتباكبي ومطأطأة الرأس كمبا يفعله الجهال ليروا بعيبن البر والجلل وذلك خدع‬
‫مبن الشيطان وتسبويل مبن نفبس النسبان‪ .‬روى الحسبن أن رجل تنفبس عنبد عمبر ببن الخطاب كأنبه‬
‫يتحازن فلكزه عمبر أو قال لكمبه‪ .‬وكان عمبر رضبي ال عنبه إذا تكلم أسبمع وإذا مشبى أسبرع وإذا‬
‫ضرب أوجع وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا‪ .‬وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال‪ :‬الخاشعون هم‬
‫المؤمنون حقا‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 46 :‬الذين يظنون أنهم ملقو ربهم وأنهم إليه راجعون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬الذيبن يظنون" (الذيبن) فبي موضبع خفبض على النعبت للخاشعيبن‪ ،‬ويجوز الرفبع‬
‫على القطبع‪ .‬والظبن هنبا فبي قول الجمهور بمعنبى اليقيبن ومنبه قوله تعالى "إنبي ظننبت أنبي ملق‬
‫حسابيه" [الحاقة‪ ]20 :‬وقوله‪" :‬فظنوا أنهم مواقعوها" [الكهف‪ .]53 :‬قال دريد بن الصمة‪:‬‬
‫سراتهم في الفارسي المسرد‬
‫فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج‬
‫وقال أبو داود‪:‬‬
‫وغيوب كشفتها بظنون‬
‫رب هم فرجته بغريم‬
‫وقبد قيبل‪ :‬إن الظبن فبي اليبة يصبح أن يكون على باببه ويضمبر فبي الكلم بذنوبهبم فكأنهبم يتوقعون‬
‫لقاءه مذنبين ذكر المهدوي والماوردي قال ابن عطية‪ :‬وهذا تعسف‪ .‬وزعم الفراء أن الظن قد يقع‬
‫بمعنبى الكذب ول يعرف ذلك البصبريون‪ .‬وأصبل الظبن وقاعدتبه الشبك مبع ميبل إلى أحبد معتقديبه‬
‫وقبد يوقبع موقبع اليقيبن‪ ،‬كمبا فبي هذه اليبة وغيرهبا لكنبه ل يوقبع فيمبا قبد خرج إلى الحبس ل تقول‬
‫العرب فبي رجبل مرئي حاضبر‪ :‬أظبن هذا إنسبانا‪ .‬وإنمبا تجبد السبتعمال فيمبا لم يخرج إلى الحبس‬
‫بمعنبى كهذه اليبة والشعبر‪ ،‬وكقوله تعالى "فظنوا أنهبم مواقعوهبا"‪ .‬وقبد يجيبء اليقيبن بمعنبى الظبن‬
‫وقد تقدم بيانه أول السورة وتقول‪ :‬سؤت به ظنا وأسأت به الظن‪ .‬يدخلون اللف إذا جاؤوا باللف‬
‫واللم‪ .‬ومعنى "ملقو ربهم" جزاء ربهم‪ .‬وقيل‪ :‬إذا جاء على المفاعلة وهو من واحد‪ ،‬مثل عافاه‬

‫ال‪" .‬وأنهبم" بفتبح الهمزة عطبف على الول ويجوز "وإنهبم" بكسبرها على القطبع‪" .‬إليبه" أي إلى‬
‫ربهم‪ ،‬وقيل إلى جزائه‪" .‬راجعون" إقرار بالبعث والجزاء والعرض على الملك العلى‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية‪{ 47 :‬يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬يبا بنبي إسبرائيل اذكروا نعمتبي التبي أنعمبت عليكبم" تقدم‪" .‬وأنبي فضلتكبم على‬
‫العالمين" يريد على عالمي زمانهم‪ ،‬وأهل كل زمان عالم‪ .‬وقيل‪ :‬على كل العالمين بما جعل فيهم‬
‫من النبياء‪ .‬وهذا خاصة لهم وليست لغيرهم‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 48 :‬واتقوا يوما ل تجزي نفس عن نفس شيئا ول يقبل منها شفاعة ول يؤخذ منها‬
‫عدل ول هم ينصرون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬واتقوا يوما ل تجزي نفس عن نفس شيئا" أمر معناه الوعيد‪ ،‬وقد مضى الكلم‬
‫في التقوى‪" .‬يوماً" يريد عذابه وهوله وهو يوم القيامة‪ .‬وتنصب على المفعول بب "اتقوا"‪ .‬ويجوز‬
‫فببي غيببر القرآن يوم ل تجزي على الضافببة‪ .‬وفببي الكلم حذف بيببن النحوييببن فيببه اختلف‪ .‬قال‬
‫البصريون‪ :‬التقدير يوما ل تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ثم حذف فيه كما قال‪:‬‬
‫ويوما شهدناه سليما وعامرا‬
‫أي شهدنا فيه‪ .‬وقال الكسائي‪ :‬هذا خطأ ل يجوز حذف "فيه" ولكن التقدير‪ :‬واتقوا يوما ل تجزيه‬
‫نفس‪ ،‬ثم حذف الهاء‪ .‬وإنما يجوز حذف الهاء لن الظروف عنده ل يجوز حذفها قال‪ :‬ل يجوز أن‬
‫تقول هذا رجل قصبدت‪ ،‬ول رأيبت رجل أرغبب‪ ،‬وأنبت تريبد قصبدت إليبه وأرغبب فيبه قال‪ :‬ولو‬
‫جاز ذلك لجاز الذي تكلمبت زيبد بمعنبى تكلمبت فيبه زيبد‪ .‬وقال الفراء يجوز أن تحذف الهاء وفيبه‪.‬‬
‫وحكى المهدوي أن الوجهين جائزان عند سيبويه والخفش والزجاج‪ .‬ومعنى "ل تجزي نفس عن‬
‫نفس شيئا" أي ل تؤاخذ نفس بذنب أخرى ول تدفع عنها شيئا تقول‪ :‬جزى عني هذا المر يجزي‪،‬‬
‫كما تقول قضى عني واجتزأت بالشيء اجتزاء إذا اكتفيت به‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وأن الحر يجزأ بالكراع‬
‫فإن الغدر في القوام عار‬
‫أي يكتفبي بهبا وفبي حديبث عمبر (إذا أجريبت الماء على الماء جزى عنبك) يريبد إذا صبببت الماء‬
‫على البول فبي الرض فجرى عليبه طهبر المكان ول حاجبة ببك إلى غسبل ذلك الموضبع وتنشيبف‬
‫الماء بخرقة أو غيرها كما يفعل كثيبر من الناس‪ .‬وفي صحيح الحديث عن أبي بردة بن نيار فبي‬
‫الضحيبة (لن تجزي عبن أحبد بعدك) أي لن تغنبي‪ .‬فمعنبى ل تجزي ل تقضبي ول تغنبي ول تكفبي‬
‫إن لم يكن عليها شيء‪ ،‬فإن كان فإنها تجزي وتقضي وتغني‪ ،‬بغير اختيارها من حسناتها ما عليها‬
‫مبن الحقوق‪ ،‬كمبا فبي حديبث أببي هريرة أن رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم قال (مبن كانبت عنده‬
‫مظلمة لخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أل يكون دينار ول درهم إن كان له عمل‬
‫صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)‪ .‬خرجه‬
‫البخاري‪ .‬ومثله حديثبه الخبر فبي المفلس وقبد ذكرناه فبي التذكرة خرجبه مسبلم‪ .‬وقرئ "تجزئ"‬
‫بضببم التاء والهمببز‪ .‬ويقال جزى وأجزى بمعنببى واحببد وقببد فرق بينهمببا قوم فقالوا جزى بمعنببى‬
‫قضى وكافأ‪ ،‬وأجزى بمعنى أغنى وكفى‪ .‬أجزأني الشيء يجزئني‪ :‬أي كفاني قال الشاعر‬
‫ليجزئ إل كامل وابن كامل‬
‫وأجزأت أمر العالمين ولم يكن‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ول يقبل منها شفاعة" الشفاعة مأخوذة من الشفع وهما الثنان‪ ،‬تقول كان وترا‬
‫فشفعتبه شفعبا والشفعبة منبه لنبك تضبم ملك شريكبك إلى ملكبك‪ .‬والشفيبع صباحب الشفعبة وصباحب‬
‫الشفاعبة وناقبة شافبع‪ :‬إذا اجتمبع لهبا حمبل وولد يتبعهبا‪ ،‬تقول منبه‪ :‬شفعبت الناقبة شفعبا وناقبة شفوع‬
‫وهي التي تجمع بين محلبين في حلبة واحدة واستشفعته إلى فلن سألته أن يشفع لي إليه‪ .‬وتشفعت‬
‫إليبه فبي فلن فشفعنبي فيبه فالشفاعبة إذا ضبم غيرك إلى جاهبك ووسبيلتك فهبي على التحقيبق إظهار‬
‫لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعته للمشفوع‪.‬‬
‫@ مذهبب أهبل الحبق أن الشفاعبة حبق‪ ،‬وأنكرهبا المعتزلة وخلدوا المؤمنيبن مبن المذنببين الذيبن‬
‫دخلوا النار فبي العذاب والخبار متظاهرة بأن مبن كان مبن العصباة المذنببين الموحديبن مبن أمبم‬
‫النببيين هبم الذيبن تنالهبم شفاعبة الشافعيبن مبن الملئكبة والنببيين والشهداء والصبالحين‪ .‬وقبد تمسبك‬
‫القاضي عليهم في الرد بشيئين أحدهما‪ :‬الخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى والثاني الجماع‬

‫مبن السبلف على تلقبي هذه الخبار بالقبول ولم يببد مبن أحبد منهبم فبي عصبر مبن العصبار نكيبر‬
‫فظهور روايتها وإطباقهم على صحتها وقبولهم لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل الحق وفساد‬
‫دين المعتزلة‪.‬‬
‫فإن قالوا قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب رد هذه الخبار مثل قوله "ما للظالمين من‬
‫حميم ول شفيع يطاع" [غافر‪ ]18 :‬قالوا‪ :‬وأصحاب الكبائر ظالمون وقال "من يعمل سوءا يجز‬
‫به" [النساء‪" ]123 :‬ول يقبل منها شفاعة" [البقرة‪ ]48 :‬قلنا‪ :‬ليست هذه اليات عامة في كل‬
‫ظالم والعموم ل صبيغة له فل تعبم هذه اليات كبل مبن يعمبل سبوءا وكبل نفبس‪ ،‬وإنمبا المراد بهبا‬
‫الكافرون دون المؤمنيبن بدليبل الخبار الواردة فبي ذلك وأيضبا فإن ال تعالى أثببت شفاعبة لقوام‬
‫ونفاها عن أقوام فقال في صفة الكافرين "فما تنفعهم شفاعة الشافعين" [المدثر‪ ]48 :‬وقال "ول‬
‫يشفعون إل لمبن ارتضبى" [النببياء‪ ]28 :‬وقال "ول تنفبع الشفاعبة عنده إل لمبن أذن له" [سببأ‪:‬‬
‫‪ ]23‬فعلمنا بهذه الجملة أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين‪ .‬وقد أجمع المفسرون على‬
‫أن المراد بقوله تعالى "واتقوا يومبا ل تجزى نفبس عبن نفبس شيئا ول يقببل منهبا شفاعبة" النفبس‬
‫الكافرة ل كببل نفبس‪ .‬ونحبن وإن قلنببا بعموم العذاب لكببل ظالم عاص فل نقول إنهببم مخلدون فيهببا‬
‫بدليل الخبار التي رويناها وبدليل قوله "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء‪ ]48 :‬وقوله "انه‬
‫ل ييأس من روح ال إل القوم الكافرون" [يوسف‪.]87 :‬‬
‫فإن قالوا‪ :‬فقد قال تعالى‪" :‬ول يشفعون إل لمن ارتضى" والفاسق غير مرتضى قلنا لم يقل لمن‬
‫ل يرضببى وإنمببا قال "لمببن ارتضببى" ومببن ارتضاه ال للشفاعببة هببم الموحدون‪ ،‬بدليببل قوله "ل‬
‫يملكون الشفاعة إل من اتخذ عند الرحمن عهدا" [مريم ‪ ]87‬وقيل للنبي صلى ال عليه وسلم ما‬
‫عهد ال مع خلقه قال (أن يؤمنوا ول يشركوا به شيئا) وقال المفسرون إل من قال ل إله إل ال‬
‫فإن قالوا المرتضبى هو التائب الذي اتخذ عند ال عهدا بالناببة إليه بدليل أن الملئكبة استغفروا‬
‫لهم‪ ،‬وقال "فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك" [غافر‪ ]7 :‬وكذلك شفاعة النبياء عليهم السلم إنما‬
‫هبي لهبل التوببة دون أهبل الكبائر‪ .‬قلنبا‪ :‬عندكبم يجبب على ال تعالى قبول التوبة فإذا قببل ال توبة‬
‫المذنببب فل يحتاج إلى الشفاعببة ول إلى السببتغفار‪ .‬وأجمببع أهببل التفسببير على أن المراد بقوله‬
‫"فاغفر للذين تابوا" أي من الشرك "واتبعوا سبيلك" أي سبيل المؤمنين‪ .‬سألوا ال تعالى أن يغفر‬
‫لهم ما دون الشرك من ذنوبهم كما قال تعالى "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء‪.]48 :‬‬
‫فإن قالوا جميبع المبة يرغبون فبي شفاعبة النببي صبلى ال عليبه وسبلم فلو كانبت لهبل الكبائر‬
‫خاصة بطل سؤالهم‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول ويرغب إلى ال في أن تناله لعتقاده انه غير سالم من‬
‫الذنوب ول قائم ل سبحانه بكل ما افترض عليه بل كل واحد معترف على نفسه بالنقص فهو لذلك‬
‫يخاف العقاب ويرجبو النجاة وقال صبلى ال عليبه وسبلم (ل ينجبو أحبد إل برحمبة ال تعالى فقيبل‪:‬‬
‫ول أنت يا رسول ال فقال ول أنا إل أن يتغمدني ال برحمته)‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ول يقبل" قرأ ابن كثير وأبو عمرو "تقبل" بالتاء لن الشفاعة مؤنثة وقرأ الباقون‬
‫بالياء على التذكيبر لنهبا بمعنبى الشفيبع وقال الخفبش حسبن التذكيبر لنبك قبد فرقبت‪ ،‬كمبا تقدم فبي‬
‫قوله "فتلقى آدم من ربه كلمات" [البقرة‪.]37 :‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ول يؤخذ منها عدل "أي فداء‪ .‬والعدل (بفتح العين) الفداء و(بكسرها) المثل يقال‬
‫عدل وعديبل للذي يماثلك فبي الوزن والقدر‪ .‬ويقال‪ :‬عدل الشيبء هبو الذي يسباويه قيمبة وقدرا وإن‬
‫لم يكن من جنسه والعدل (بالكسر) هو الذي يساوي الشيء من جنسه وفي جرمه وحكى الطبري‬
‫أن من العرب من يكسر العين من معنى الفدية فأما واحد العدال فبالكسر ل غير‬
‫@قوله تعالى‪" :‬ول هم ينصرون "أي يعانون والنصر العون والنصار العوان ومنه قوله "من‬
‫أنصباري إلى ال" [آل عمران‪ ]52 :‬أي مبن يضبم نصبرته إلى نصبرتي وانتصبر الرجبل أنتقبم‬
‫والنصر التيان يقال نصرت أرض بني فلن أتيتها قال الشاعر ‪:‬‬
‫بلد تميم وانصري أرض عامر‬
‫إذا دخل الشهر الحرام فودعي‬
‫والنصر المطر يقال نصرت الرض مطرت والنصر العطاء قال ‪:‬‬

‫لقائل يا نصر نصرا نصرا‬
‫إني وأسطار سطرن سطرا‬
‫وكان سبببب هذه اليببة فيمببا ذكروا أن بنببي إسببرائيل قالوا‪ :‬نحببن أبناء ال وأحباؤه وأبناء أنبببيائه‬
‫وسبيشفع لنا آباؤنا فأعلمهم ال تعالى عن يوم القيامبة أنه ل تقببل فيه الشفاعات ول يؤخبذ فيه فديبة‬
‫وإنما خص الشفاعة والفدية والنصر بالذكر‪ ،‬لنها هي المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا فإن‬
‫الواقع في الشدة ل يتخلص إل بأن يشفع له أو ينصر أو يفتدي‪.‬‬
‫*‪*3‬الية‪{ 49 :‬وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون‬
‫نساءكم وفي ذلكم بلء من ربكم عظيم} (فيها ثلثة عشرة مسألة)‪:‬‬
‫@الولى‪ :‬قوله تعالى‪" :‬وإذ نجيناك" "إذ" في موضع نصب عطف على "اذكروا نعمتي" وهذا‬
‫ومبا بعده تذكيبر ببعبض النعبم التبي كانبت له عليهبم أي اذكروا نعمتبي بإنجائكبم مبن عدوكبم وجعبل‬
‫النببياء فيكببم‪ .‬والخطاب للموجوديبن والمراد مبن سبلف مبن الباء كمبا قال "إنبا لمبا طغببى الماء‬
‫حملناكبم فبي الجاريبة" [الحاقبة‪ ]11 :‬أي حملنبا آباءكبم وقيبل إنمبا قال "نجيناكبم" لن نجاة الباء‬
‫كانبت سبببا لنجاة هؤلء الموجوديبن‪ .‬ومعنبى "نجيناكبم" ألقيناكبم على نجوة مبن الرض وهبي مبا‬
‫ارتفبع منهبا هذا هو الصل ثم سمى كل فائز ناجيبا فالناجبي من خرج من ضيبق إلى سعة وقرىء‬
‫"وإذ نجيتكم" على التوحيد‪.‬‬
‫@الثانيبة‪ :‬قوله تعالى‪" :‬مبن آل فرعون ""آل فرعون" قومبه وأتباعبه وأهبل دينبه وكذلك آل‬
‫الرسبول صبلى ال عليبه وسبلم مبن هبو على دينبه وملتبه فبي عصبره وسبائر العصبار سبواء كان‬
‫نسبيبا له أو لم يكبن‪ .‬ومبن لم يكبن على دينبه وملتبه فليبس مبن آله ول أهله وإن كان نسبيبه وقريببه‪.‬‬
‫خلفا للرافضة حيث قالت‪ :‬إن آل الرسول ال صلى ال عليه وسلم فاطمة والحسن والحسين فقط‪.‬‬
‫دليلنبا قوله تعالى "وأغرقنبا آل فرعون" [البقرة‪" ]50 :‬أدخلوا آل فرعون أشبد العذاب" [غافبر‪:‬‬
‫‪ ]46‬أي آل دينه إذ لم يكن له ابن ول بنت ول أب ول عم ول أخ ول عصبة ولنه ل خلف أن‬
‫مبن ليبس بمؤمبن ول موحبد فإنبه ليبس مبن آل محمبد وإن كان قريببا له ولجبل هذا يقال إن أببا لهبب‬
‫وأبا جهل ليسا من آله ول من أهله وإن كان بينهما وبين النبي صلى ال عليه وسلم قرابة ولجل‬
‫هذا قال ال تعالى في ابن نوح "إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح" [هود‪ ]46 :‬وفي صحيح‬
‫مسلم عن عمرو بن العاص قال سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم جهارا غير سر يقول (أل‬
‫إن آل أبي ‪ -‬يعني فلنا ‪ -‬ليسوا لي بأولياء إنما وليي ال وصالح المؤمنين) وقالت طائفة آل محمد‬
‫أزواجه وذريته خاصة لحديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسول ال كيف نصلي عليك؟ قال‬
‫(قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صلت على آل إبراهيم وبارك على محمد‬
‫وعلى أزواجه وذريته كمبا باركت على آل إبراهيم إنك حميبد مجيبد) رواه مسبلم وقالت طائفة من‬
‫أهبل العلم الهبل معلوم والل التباع والول أصبح لمبا ذكرناه ولحديبث عبدال ببن أببي أوفبى أن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال (اللهم صل عليهم) فأتاه أبي بصدقته‬
‫فقال (اللهم صل على آل أبي أوفى)‬
‫@الثالثة‪ :‬اختلف النحاة هل يضاف الل إلى البلدان أو ل؟ فقال الكسائي‪ :‬إنما يقال آل فلن وآل‬
‫فلنبة ول يقال فبي البلدان هو من آل حمبص ول مبن آل المدينة قال الخفش إنما يقال في الرئيبس‬
‫العظم نحو آل محمد صلى ال عليه وسلم وآل فرعون لنه رئيسهم في الضللة قال وقد سمعناه‬
‫في البلدان قالوا‪ :‬أهل المدينة وآل المدينة‪.‬‬
‫@الرابعبة‪ :‬واختلف النحاة أيضبا هبل يضاف الل إلى المضمبر أو ل؟ فمنبع مبن ذلك النحاس‬
‫والزبيدي والكسائي فل يقال إل اللهم صل على محمد وآل محمد ول يقال وآله والصواب أن يقال‬
‫أهله وذهببت طائفبة أخرى إلى أن ذلك يقال منهبم اببن السبيد وهبو الصبواب لن السبماع الصبحيح‬
‫يعضده فإنه قد جاء في قول عبدالمطلب‪:‬‬
‫بنع رحله فامنع حللك‬
‫ل هم إن العبد يمب‬
‫بب وعابديه اليوم آلك‬
‫وانصر على آل الصليب‬
‫وقال ندبة‪:‬‬
‫وآلي كما تحمي حقيقة آلكا‬
‫أنا الفارس الحامي حقيقة والدي‬

‫الحقيقة [بقافين] ما يحق على النسان أن يحميه أي تجب عليه حمايته‬
‫@الخامسبة‪ :‬واختلفوا أيضبا فبي أصبل آل فقال النحاس أصبله أهبل ثبم أبدل مبن الهاء ألفبا فإن‬
‫صبغرته رددتبه إلى أصبله فقلت‪ :‬أهيبل وقال المهدوي‪ :‬أصبله أول وقيبل‪ :‬أهبل‪ ،‬قبلت الهاء همزة ثبم‬
‫أبدلت الهمزة ألفبا وجمعبه آلون وتصبغيره أويبل فيمبا حكبى الكسبائي‪ .‬وحكبى غيره أهيبل وقبد ذكرنبا‬
‫عن النحاس وقال أبو الحسن بن كيسان‪ :‬إذا جمعت آل قلت آلون فإن جمعت آل الذي هو السراب‬
‫قلت آوال مثل مال وأموال‪.‬‬
‫@السادسة‪ :‬قوله تعالى‪" :‬فرعون" قيل‪ :‬إنه اسم ذلك الملك بعينه وقيل إنه اسم كل ملك من ملوك‬
‫العمالقبة مثبل كسبرى للفرس وقيصبر للروم والنجاشبي للحبشبة وأن اسبم فرعون موسبى قابوس فبي‬
‫قول أهبل الكتاب‪ .‬وقال وهبب اسبمه الوليبد ببن مصبعب ببن الريان ويكنبى أببا مرة وهبو مبن بنبي‬
‫عمليق بن لوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلم‪ .‬قال السهيلي‪ :‬وكل من ولى القبط ومصر فهو‬
‫فرعون وكان فارسببيا مببن أهببل اصببطخر قال المسببعودي ل يعرف لفرعون تفسببير بالعربيببة قال‬
‫الجوهري فرعون لقببب الوليببد بببن مصببعب ملك مصببر وكببل عات فرعون والعتاة الفراعنببة وقببد‬
‫تفرعبن وهبو ذو فرعنبة أي دهاء ونكبر‪ .‬وفبي الحديبث (أخذنبا فرعون هذه المبة) "وفرعون" فبي‬
‫موضع خفض إل أنه ل ينصرف لعجمته‬
‫@السابعة‪ :‬قوله تعالى‪" :‬يسومونكم "قيل معناه يذيقونكم ويلزمونكبم إياه وقال أبو عبيدة يولونكبم‬
‫يقال سامه خطة خسف إذا أوله إياها ومنه قول عمرو بن كلثوم‬
‫أبينا أن نقر الخسف فينا‬
‫إذا ما الملك سام الناس خسفا‬
‫وقيبل يديمون تعذيبكبم والسبوم الدوام ومنبه سبائمة الغنبم لمداومتهبا الرعبي قال الخفبش‪ :‬وهبو فبي‬
‫موضع رفع على البتداء وإن شئت كان في موضع نصب على الحال أي سائمين لكم‬
‫@الثامنة‪ :‬قوله تعالى‪" :‬سوء العذاب "مفعول ثان لب "يسومونكم" ومعناه أشد العذاب ويجوز أن‬
‫يكون بمعنبى سبوم العذاب وقبد يجوز أن يكون نعتبا بمعنبى سبوما سبيئا فروي أن فرعون جعبل بنبي‬
‫إسببرائيل خدمببا وخول وصببنفهم فببي أعماله فصببنف يبنون وصببنف يحرثون ويزرعون وصببنف‬
‫يتخدمون وكان قومه جندا ملوكا ومن لم يكن منهم في عمل من هذه العمال ضربت عليه الجزية‬
‫فذلك سوء العذاب‪.‬‬
‫@التاسعة‪ :‬قوله تعالى‪" :‬يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ""يذبحون" بغير واو على البدل من‬
‫قومه "يسومونكم" كما قال أنشده سيبويه‪:‬‬
‫تجد حطبا جزل ونارا تأججا‬
‫متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا‬
‫قال الفراء وغيره "يذبحون" بغيبببر واو على التفسبببير لقوله "يسبببومونكم سبببوء العذاب" [البقرة‪:‬‬
‫‪ ]49‬كما تقول أتاني القوم زيد وعمرو فل تحتاج إلى الواو في زيد ونظيره‪" :‬ومن يفعل ذلك يلق‬
‫أثامبا يضاعبف له العذاب" [الفرقان‪ ]69 - 68 :‬وفبي سبورة إبراهيبم "ويذبحون" بالواو لن‬
‫المعنى يعذبونكم بالذبح وبغير الذبح فقوله "ويذبحون أبناءكم" جنس آخر من العذاب ل تفسير لما‬
‫قبله وال أعلم‬
‫قلت قد يحتمل أن يقال إن الواو زائدة بدليل سورة "البقرة" والواو قد تزاد كما قال‪:‬‬
‫فلما اجزنا ساحة الحي وانتحى‬
‫أي قد انتحى وقال آخر‪:‬‬
‫وليث الكتيبة في المزدحم‬
‫إلى الملك القرم وابن الهمام‬
‫أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة وهو كثير‬
‫@العاشرة‪ :‬قوله تعالى‪" :‬يذبحون" قراءة الجماعبة بالتشديبد على التكثيبر وقرأ اببن محيصبن‬
‫"يذبحون" بفتح الباء والذبح الشق والذبح المذبوح والذباح تشقق في أصول الصابع وذبحت الدن‬
‫بزلتبه أي كشفتبه وسبعد الذاببح أحبد السبعود والمذاببح المحاريبب والمذاببح جمبع مذببح وهبو إذا جاء‬
‫السبيل فخبد فبي الرض فمبا كان كالشببر ونحوه سبمي مذبحبا فكان فرعون يذببح الطفال ويبقبي‬
‫البنات وعببر عنهبم باسبم النسباء بالمآل وقالت طائفبة "يذبحون أبناءكبم" يعنبي الرجال وسبموا أبناء‬
‫لما كانوا كذلك واستدل هذا القائل بقوله "نساءكم" والول أصح لنه الظهر وال أعلم‬

‫@الحاديبة عشرة‪ :‬نسبب ال تعالى الفعبل إلى آل فرعون وهبم إنمبا كانوا يفعلون بأمره وسبلطانه‬
‫لتوليهم ذلك بأنفسهم وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله قال الطبري‪ :‬ويقتضي أن من أمره ظالم بقتل‬
‫أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقببد اختلف العلماء فببي هذه المسببألة على ثلثببة أقوال يقتلن جميعببا هذا بأمره والمأمور‬
‫بمباشرتبه هكذا قال النخعبي وقال الشافعبي ومالك فبي تفصبيل لهمبا قال الشافعبي إذا أمبر السبلطان‬
‫رجل بقتبل رجبل والمأمور يعلم أنبه أمبر بقتله ظلمبا كان عليبه وعلى المام القود كقاتليبن معبا وإن‬
‫أكرهه المام عليه وعلم أنه يقتله ظلما كان على المام القود وفي المأمور قولن أحدهما أن عليه‬
‫القود والخبر ل قود عليبه وعليبه نصبف الديبة حكاه اببن المنذر وقال علماؤنبا ل يخلو المأمور أن‬
‫يكون ممبن تلزمبه طاعبة المبر ويخاف شره كالسبلطان والسبيد لعبده فالقود فبي ذلك لزم لهمبا أو‬
‫يكون ممبن ل يلزمبه ذلك فيقتبل المباشبر وحده دون المبر وذلك كالب يأمبر ولده أو المعلم بعبض‬
‫صببيانه أو الصبانع بعبض متعلميبه إذا كان محتلمبا فان كان غيبر محتلم فالقتبل على المبر وعلى‬
‫عاقلة الصببي نصبف الديبة وقال اببن نافبع ل يقتبل السبيد إذا أمبر عبده وإن كان أعجميبا بقتبل إنسبان‬
‫قال اببن حببيب وبقول اببن القاسبم أقول إن القتبل عليهمبا فأمبا أمبر مبن ل خوف على المأمور فبي‬
‫مخالفته فإنه ل يلحق بالكراه بل يقتل المأمور دون المر ويضرب المر ويحبس وقال أحمد في‬
‫السبيد يأمبر عبده أن يقتبل رجل يقتبل السبيد وروي هذا القول عبن علي ببن أببي طالب وأببي هريرة‬
‫رضبي ال عنهمبا وقال علي ويسبتودع العببد السبجن وقال أحمبد ويحببس العببد ويضرب ويؤدب‬
‫وقال الثوري يعزر السيد وقال الحكم وحماد يقتل العبد وقال قتادة يقتلن جميعا وقال الشافعي إن‬
‫كان العببد فصبيحا يعقبل قتبل العببد وعوقبب السبيد وإن كان العببد أعجميبا فعلى السبيد القود وقال‬
‫سبليمان ببن موسبى ل يقتبل المبر ولكبن تقطبع يديبه ثبم يعاقبب ويحببس وهبو القول الثانبي ويقتبل‬
‫المأمور للمباشرة وكذلك قال عطاء والحكببم وحماد والشافعببي وأحمببد وإسببحاق فببي الرجببل يأمببر‬
‫الرجبل بقتبل الرجبل وذكره اببن المنذر وقال زفبر ل يقتبل واحبد منهمبا وهبو القول الثالث حكاه أببو‬
‫المعالي في البرهان ورأى أن المر والمباشر ليس كل واحد منهما مستقل في القود فلذلك يقتل ل‬
‫واحد منهما عنده وال أعلم‬
‫@الثانيبة عشرة‪ :‬قرأ الجمهور "يذبحون" بالتشديبد على المبالغبة وقرأ اببن محيصبن "يذبحون"‬
‫بالتخفيببف والولى أرجببح إذ الذبببح متكرر وكان فرعون على مببا روي قببد رآه فببي منامببه نارا‬
‫خرجبت مبن بيبت المقدس فأحرقبت بيوت مصبر فأولت له رؤياه أن مولودا مبن بنبي إسبرائيل ينشبأ‬
‫فيكون خراب ملكه على يديه وقيل غير هذا والمعنى متقارب‬
‫@الثالثة عشرة‪ :‬قوله تعالى‪" :‬وفي ذلكم بلء من ربكم عظيم "إشارة إلى جملة المر إذ هو خبر‬
‫فهببو كمفرد حاضببر أي وفببي فعلهببم ذلك بكببم بلء أي امتحان واختبار و"بلء" نعمببة ومنببه قوله‬
‫تعالى "وليبلي المؤمنيبن منبه بلء حسبنا" [النفال‪ ]17 :‬قال أببو الهيثبم البلء يكون حسبنا ويكون‬
‫سبيئا وأصبله المحنبة وال عبز وجبل يبلو عبده بالصبنع الجميبل ليمتحبن شكره ويبلوه بالبلوى التبي‬
‫يكرههبا ليمتحبن صببره فقيبل للحسبن بلء وللسبيئ بلء حكاه الهروي وقال قوم الشارة ببب "ذلكبم"‬
‫إلى التنجيببة فيكون البلء على هذا فببي الخيببر أي تنجيتكببم نعمببة مببن ال عليكببم وقال الجمهور‬
‫الشارة إلى الذبببح ونحوه والبلء هنببا فببي الشببر والمعنببى وفببي الذبببح مكروه وامتحان وقال ابببن‬
‫كيسان ويقال في الخير أبله ال وبله وأنشد‬
‫وأبلهما خير البلء الذي يبلو‬
‫جزى ال بالحسان ما فعل بكم‬
‫فجمبع بيبن اللغتيبن والكثبر فبي الخيبر أبليتبه وفبي الشبر بلوتبه وفبي الختبار أبتليتبه وبلوتبه قاله‬
‫النحاس‪..‬‬
‫*‪ *3‬الية ‪{ 50‬وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وإذ فرقنا ""إذا" في موضع نصب و"فرقنا" فلقنا فكان كل فرق كالطود العظيم‬
‫أي الجبببل العظيببم وأصببل الفرق الفصببل ومنببه فرق الشعببر ومنببه الفرقان لنببه يفرق بيببن الحببق‬
‫والباطبل أي يفصبل ومنبه‪" :‬فالفارقات فرقبا" [المرسبلت‪ ]4 :‬يعنبي الملئكبة تنزل بالفرق بببن‬
‫الحق والباطل ومنه "يوم الفرقان" [النفال‪ ]41 :‬يعني يوم بدر كان‪ ،‬فيه فرق بين الحق والباطل‬

‫ومنبه "وقرآنبا فرقناه" [السبراء‪ ]106 :‬أي فصبلناه وأحكمناه‪ .‬وقرأ الزهري "فرقنبا" بتشديبد‬
‫الراء أي جعلناه فرقبا ومعنبى "بكبم" أي لكبم فالباء بمعنبى اللم وقيبل الباء فبي مكانهبا أي فرقنبا‬
‫البحر بدخولكم إياه أي صاروا بين الماءين فصار الفرق بهم وهذا أولى يبينه "فانفلق"‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬بكبم البحبر "البحبر معروف سبمي بذلك لتسباعه ويقال فرس بحبر إذا كان واسع‬
‫الجري أي كثيره‪ ،‬ومبن ذلك قول رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم فبي مندوب فرس أببي طلحبة‬
‫(وإن وجدناه لبحرا) والبحر الماء الملح ويقال أبحر الماء ملح قال نصيب وقد عاد ماء الرض‬
‫بحرا فزادنبي إلى مرضبي أن أبحبر المشرب العذب والبحبر البلدة يقال هذه بحرتنبا أي بلدتنبا‪ .‬قال‬
‫الموي والبحببر السببلل يصببيب النسببان‪ .‬ويقولون لقيتببه صببحرة بحرة أي بارزا مكشوفببا‪ .‬وفببي‬
‫الخببر عبن كعبب الحبار قال إن ل ملكبا يقال له صبندفاييل البحار كلهبا فبي نقرة إبهامبه‪ .‬ذكره أببو‬
‫نعيم في ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن كعب‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬فأنجيناكبم "أي أخرجناكبم منبه يقال نجوت مبن كذا نجاء ممدود ونجاة مقصبور‬
‫والصدق منجاة‪ .‬وأنجيت غيري ونجيته وقرئ بهما "وإذ نجيناكم" "فأنجيناكم"‪.‬‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وأغرقنبا آل فرعون "يقال غرق فبي الماء غرقبا فهبو غرق وغارق أيضبا ومنبه‬
‫قول أبي النجم ‪:‬‬
‫من بين مقتول وطاف غارق‬
‫وأغرقبه غيره وغرقبه فهبو مغرق وغريبق‪ .‬ولجام مغرق بالفضبة أي محلى والتغريبق‪ :‬القتبل قال‬
‫العشى ‪:‬‬
‫أل ليت قيسا غرقته القوابل‬
‫وذلك أن القابلة كانبت تغرق المولود فبي ماء السبلى عام القحبط ذكرا كان أو أنثبى حتبى يموت ثبم‬
‫جعل كل قتل تغريقا ومنه قول ذي الرمة‪:‬‬
‫بتيهاء لم تصبح رؤوما سلوبها‬
‫إذا غرقت أرباضها ثني بكرة‬
‫والرباض الحبال والبكرة الناقة الفتية وثنيها بطنها الثاني‪ ،‬وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها‬
‫من التعب‪.‬‬
‫القول في اختلف العلماء في كيفية إنجاء بني إسرائيل‬
‫فذكر الطبري أن موسى عليه السلم أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى‬
‫أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط وأحل ال ذلك لبني إسرائيل فسرى بهم موسى من أول الليل‬
‫فأعلم فرعون فقال‪ :‬ل يتبعهبم أحبد حتبى تصبيح الديكبة فلم يصبح تلك الليلة بمصبر ديبك وأمات ال‬
‫تلك الليلة كثيرا مببن أبناء القبببط فاشتغلوا فببي الدفببن وخرجوا فببي التباع مشرقيببن كمببا قال تعالى‬
‫"فأتبعوهم مشرقين" [الشعراء‪ ]60 :‬وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه‪ .‬وكانت عدة بني‬
‫إسرائيل نيفا على ستمائة ألف‪ .‬وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف وقيل‪ :‬إن فرعون اتبعه‬
‫في ألف ألف حصان سوى الناث وقيل دخل إسرائيل ‪ -‬وهو يعقوب عليه السلم ‪ -‬مصر في ستة‬
‫وسببعين نفسبا مبن ولده وولد ولده فأنمبى ال عددهبم وبارك فبي ذريتبه حتبى خرجوا إلى البحبر يوم‬
‫فرعون وهبم سبتمائة ألف مبن المقاتلة سبوى الشيوخ والذريبة والنسباء وذكبر أببو بكبر عبدال ببن‬
‫محمبد ببن أببي شيببة قال‪ :‬حدثنبا شباببة ببن سبوار عبن يونبس ببن أببي إسبحاق عبن أببي إسبحاق عبن‬
‫عمرو ببن ميمون عبن عبدال ببن مسبعود أن موسبى عليبه السبلم حيبن أسبرى ببنبي إسبرائيل بلغ‬
‫فرعون فأمبر بشاة فذبحبت‪ ،‬ثبم قال‪ :‬ل وال ل يفرغ مبن سبلخها حتبى تجتمبع لي سبتمائة ألف مبن‬
‫القببط‪ ،‬قال‪ :‬فانطلق موسبى حتبى انتهبى إلى البحبر فقال له أفرق فقال له البحبر لقبد اسبتكبرت يبا‬
‫موسى وهل فرقت لحد من ولد آدم فأفرق لك قال‪ :‬ومع موسى رجل على حصان له قال‪ :‬فقال له‬
‫ذلك الرجبل‪ :‬أيبن أمرت يبا نببي ال؟ قال‪ :‬مبا أمرت إل بهذا الوجبه قال فأقحبم فرسبه فسببح فخرج‪.‬‬
‫فقال أيبن أمرت يبا نببي ال قال مبا أمرت إل بهذا الوجبه قال وال مبا كذببت ول كذببت ثبم أقتحبم‬
‫الثانية فسبح به حتى خرج فقال أين أمر ت يا نبي ال؟ فقال ما أمرت إل بهذا الوجه قال وال ما‬
‫كذبببت ول كذبببت قال فأوحببى ال إليببه "أن اضرب بعصبباك البحببر" [العراف ‪ ]160‬فضربببه‬
‫موسبى بعصباه "فانفلق فكان كبل فرق كالطود العظيبم" [الشعراء ‪ ]63‬فكان فيبه اثنبا عشبر فرقبا‬

‫لثنبي عشبر سببطا‪ ،‬لكبل سببط طريبق يتراءون‪ ،‬وذلك أن أطواد الماء صبار فيهبا طيقانبا وشبابيبك‬
‫يرى منهبا بعضهبم بعضبا فلمبا خرج أصبحاب موسبى وقام أصبحاب فرعون التطبم البحبر عليهبم‬
‫فأغرقهبم ويذكبر أن البحبر هبو بحبر القلزم وأن الرجبل الذي كان مبع موسبى على الفرس هبو فتاه‬
‫يوشبع ببن نون وأن ال تعالى أوحبى إلى البحبر أن انفلق لموسبى إذا ضرببك فبات البحبر تلك الليلة‬
‫يضطرب فحين أصبح ضرب البحر وكناه أبا خالد ذكره ابن أبي شيبة أيضا وقد أكثر المفسرون‬
‫في قصص هذا المعنى وما ذكرناه كاف وسيأتي في سورة "يونس والشعراء" زيادة بيان أن شاء‬
‫ال تعالى‪.‬‬
‫فصبل‪ :‬ذكبر ال تعالى النجاء والغراق ولم يذكبر اليوم الذي كان ذلك فيبه فروى مسبلم عبن اببن‬
‫عباس أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم‬
‫رسبول ال صبلى صبلى ال عليبه وسبلم (مبا هذا اليوم الذي تصبومونه) فقالوا‪ :‬هذا يوم عظيبم أنجبى‬
‫ال فيه موسبى وقومه وغرق فرعون وقومه فصبامه موسبى شكرا فنحن نصومه‪ .‬فقال رسول ال‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم‪( :‬فنحبن أحبق وأولى بموسبى منكبم) فصبامه رسبول ال صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫وأمببر بصببيامه‪ .‬وأخرجببه البخاري أيضببا عببن ابببن عباس وأن النبببي صببلى ال عليببه وسببلم قال‬
‫لصحابه (أنتم أحق بموسى منهم فصوموا)‪.‬‬
‫مسبألة‪ :‬ظاهبر هذه الحاديبث تدل على أن النببي صبلى ال عليبه وسبلم إنمبا صبام عاشوراء وأمبر‬
‫بصيامه اقتداء بموسى عليه السلم على ما أخبره به اليهود‪ .‬وليس كذلك لما روته عائشة رضي‬
‫ال عنها قالت‪ :‬كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول ال صلى يصومه في‬
‫الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن‬
‫شاء صامه ومن شاء تركه أخرجه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫فإن قيبل‪ :‬يحتمبل أن تكون قريبش إنمبا صبامته بإخبار اليهود لهبا لنهبم كانوا يسبمعون منهبم لنهبم‬
‫كانوا عندهم أهل علم فصامه النبي عليه السلم كذلك في الجاهلية أي بمكة فلما قدم المدينة ووجد‬
‫اليهود يصومونه قال (نحن أحق وأولى بموسى منكم) فصامه اتباعا لموسى‪( .‬وأمر بصيامه) أي‬
‫أوجبه وأكد أمره حتى كانوا يصومونه الصغار قلنا‪ :‬هذه شبهة من قال‪ :‬إن النبي صلى لعله كان‬
‫متعبدا بشريعببة موسببى وليببس كذلك على مببا يأتببي بيانببه فببي "النعام" عنببد قوله تعالى "فبهداهببم‬
‫اقتده" [النعام‪]90 :‬‬
‫مسبألة‪ :‬اختلف فبي يوم عاشوراء هبل هبو التاسبع مبن المحرم أو العاشبر؟ فذهبب الشافعبي إلى أنبه‬
‫التاسع لحديث الحكم بن العرج قال‪ :‬انتهيت إلى ابن عباس رضي ال عنهما وهو متوسد رداءه‬
‫فبي زمزم فقلت له‪ :‬أخببرني عبن صبوم عاشوراء فقال إذا رأيبت هلل المحرم فاعدد وأصببح يوم‬
‫التاسبع صبائما قلت هكذا كان محمبد صبلى ال عليبه وسبلم يصبومه؟ قال نعبم خرجبه مسبلم‪ .‬وذهبب‬
‫سبعيد ببن المسبيب والحسبن البصبري ومالك وجماعبة مبن السبلف إلى أنبه العاشبر‪ .‬وذكبر الترمذي‬
‫حديبث الحكبم ولم يصبفه بصبحة ول حسبن‪ .‬ثبم أردفبه‪ :‬أنبأنبا قتيببة أنبأنبا عبدالوارث عبن يونبس عبن‬
‫الحسن عن ابن عباس قال‪ :‬أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر‪ .‬قال‬
‫أببو عيسبى حديبث اببن عباس حديبث حسبن صبحيح‪ .‬قال الترمذي‪ :‬وروي عبن اببن عباس أنبه قال‪:‬‬
‫صبوموا التاسبع والعاشبر وخالفوا اليهود‪ .‬وبهذا الحديبث يقول الشافعبي وأحمبد ببن حنببل وإسبحاق‪.‬‬
‫قال غيره‪ :‬وقول اببن عباس للسبائل (فاعدد وأصببح يوم التاسبع صبائما) ليبس فيبه دليبل على ترك‬
‫صبوم العاشبر ببل وعبد أن يصبوم التاسبع مضافبا إلى العاشبر‪ .‬قالوا‪ :‬فصببيام اليوميبن جمبع بيبن‬
‫الحاديث‪ .‬وقول ابن عباس للحكبم لمبا قال له‪ :‬هكذا كان محمبد صلى ال عليه وسلم يصومه؟ قال‬
‫نعم معناه أن لو عاش وإل فما كان النبي صلى ال عليه وسلم صام التاسع قط يبينه ما خرجه ابن‬
‫ماجة فبي سننه ومسلم في صبحيحه عن ابن عباس قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم (لئن‬
‫بقيت إلى قابل لصومن اليوم التاسع)‪.‬‬
‫فضيلة‪ :‬روى أبو قتادة أن النبي صلى ال عليه وسلم قال (صيام يوم عاشوراء أحتسب على ال‬
‫أن يكفبر السبنة التبي قبله) أخرجبه مسبلم والترمذي وقال‪ :‬ل نعلم فبي شيبء مبن الروايات أنبه قال‪:‬‬
‫(صيام يوم عاشوراء كفارة سنة) إل في حديث أبي قتادة‪.‬‬

‫@قوله تعالى‪" :‬وأنتبم تنظرون "جملة فبي موضبع الحال ومعناه بأبصباركم فيقال إن آل فرعون‬
‫طفوا على الماء فنظروا إليهبم يغرقون وإلى أنفسبهم ينجون ففبي هذا أعظبم المنبة‪ .‬وقبد قيبل‪ :‬إنهبم‬
‫أخرجوا لهم حتى رأوهم فهذه منة بعد منة وقيل‪ :‬المعنى "وأنتم تنظرون" أي ببصائركم العتبار‬
‫لنهبم كانوا فبي شغبل عبن الوقوف والنظبر بالبصبار وقيبل‪ :‬المعنبى وأنتبم بحال مبن ينظبر لو نظبر‬
‫كما تقول هذا المر منك بمرأى ومسمع أي بحال تراه وتسمعه إن شئت‪ .‬وهذا القول والول أشبه‬
‫بأحوال بنبي إسبرائيل لتوالى عدم العتبار فيمبا صبدر مبن بنبي إسبرائيل بعبد خروجهبم مبن البحبر‬
‫وذلك أن ال تعالى لمبا أنجاهبم وغرق عدوهبم قالوا‪ :‬يبا موسبى إن قلوبنبا ل تطمئن إن فرعون قبد‬
‫غرق حتى أمر ال البحر فلفظه فنظروا إليه‪.‬‬
‫ذكبر أببو بكبر ببن أببي شيببة عبن قيبس ببن عباد أن بنبي إسبرائيل قالت‪ :‬مبا مات فرعون ومبا كان‬
‫ليموت أبدا قال‪ :‬فلمبا أن سبمع ال تكذيبهبم نببيه عليبه السبلم رمبى ببه على سباحل البحبر كأنبه ثور‬
‫أحمر يتراءاه بنو إسرائيل فلما اطمأنوا وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه‬
‫وغرقوا فبي النعمبة رأوا قومبا يعكفون على أصبنام لهبم قالوا يبا موسبى اجعبل لنبا إلهبا كمبا لهبم آلهبة‬
‫حتبى زجرهبم موسبى وقال‪ :‬أغيبر ال أبغيكبم إلهبا وهبو فضلكبم على العالميبن أي عالمبي زمانبه ثبم‬
‫أمرهبم أن يسبيروا إلى الرض المقدسبة التبي كانبت مسباكن آبائهبم ويتطهروا مبن أرض فرعون‬
‫وكانت الرض المقدسة في أيدي الجبارين قد غلبوا عليها فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال فقالوا‬
‫أتريبد أن تجعلنبا لحمبة للجباريبن فلو أنبك تركتنبا فبي يبد فرعون كان خيرا لنبا قال‪" :‬يبا قوم ادخلوا‬
‫الرض المقدسة التي كتب ال لكم" [المائدة‪ ]21 :‬إلى قول "قاعدون" حتى دعا عليهم وسماهم‬
‫فاسقين‪ .‬فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة ثم رحمهم فمن عليهم بالسلوى وبالغمام ‪ -‬على ما يأتي‬
‫بيانبه ‪ -‬ثبم سبار موسبى إلى طور سبيناء ليجيئهبم بالتوراة فاتخذوا العجبل ‪ -‬على مبا يأتبي بيانبه ‪ -‬ثبم‬
‫قيبل لهبم‪ :‬قبد وصبلتم إلى بيبت المقدس فادخلوا الباب سبجدا وقولوا حطبة ‪ -‬على مبا يأتبي ‪ -‬وكان‬
‫موسبى عليبه السبلم شديبد الحياء سبتيرا فقالوا إنبه آدر‪ .‬فلمبا أغتسبل وضبع على الحجبر ثوببه فعدا‬
‫الحجبر بثوببه إلى مجالس بنبي إسبرائيل وموسبى على أثره عريان وهبو يقول‪ :‬يبا حجبر ثوببي فذلك‬
‫قوله تعالى "يا أيها الذين أمنوا ل تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه ال مما قالوا" [الحزاب‪]69 :‬‬
‫ على ما يأتي بيانه ‪ -‬ثم لما مات هارون قالوا له‪ :‬أنت قتلت هارون وحسدته حتى نزلت الملئكة‬‫بسببريره وهارون ميببت عليببه ‪ -‬وسببيأتي فببي المائدة ‪ -‬ثببم سببألوه أن يعلموا آيببة فببي قبول قربانهببم‬
‫فجعلت نار تجيء من السماء فتقبل قربانهم ثم سألوه أن بين لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا فكان من‬
‫أذنب ذنبا أصبح على بابه مكتوب (عملت كذا وكفارته قطع عضو من أعضائك) يسميه له ومن‬
‫أصابه بول لم يطهر حتى يقرضه ويزيل جلدته من بدنه ثم بدلوا التوراة وافتروا على ال وكتبوا‬
‫بأيديهم واشتروا به عرضا ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم‪ .‬فهذه معاملتهم مع ربهم‬
‫وسيرتهم في دينهم وسوء أخلقهم وسيأتي بيان كل فصل من هذه الفصول مستوفى في موضعه‬
‫إن شاء ال تعالى وقال الطببري‪ :‬وفبي أخبار القرآن على لسبان محمبد عليبه السبلم بهذه المغيبات‬
‫التي لم تكن من علم العرب ول وقعت إل في حق بني إسرائيل دليل واضح عند بن إسرائيل قائم‬
‫عليهم بنبوة محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫*‪ *3‬الية‪{ 51 :‬وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون}‬
‫@قوله تعالى‪" :‬وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة" قرأ أبو عمرو "وعدنا" بغير ألف‪ ،‬واختاره أبو‬
‫عبيد ورجحه وأنكر "واعدنا" قال‪ :‬لن المواعدة إنما تكون من البشر فأما ال جل وعز فإنما هو‬
‫المنفرد بالوعد والوعيد‪ .‬على هذا وجدنا القرآن‪ ،‬كقوله عز وجل‪" :‬وعدكم وعد الحق" (إبراهيم‪:‬‬
‫‪ )22‬وقوله‪" :‬وعد ال الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات" (الفتح‪ )29 :‬وقوله‪" :‬وإذ يعدكم ال‬
‫إحدى الطائفتين أنها لكم" [النفال‪ ]7 :‬قال مكي‪ :‬وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه وعد من ال تعالى‬
‫لموسى‪ ،‬وليس فيه وعد من موسى‪ ،‬فوجب حمله على الواحد‪ ،‬لظاهر النص أن الفعل مضاف إلى‬
‫ال تعالى وحده‪ ،‬وهبي قراءة الحسبن وأببي رجاء وأببي جعفبر وشيببة وعيسبى ببن عمبر‪ ،‬وببه قرأ‬
‫قتادة واببن أببي إسبحاق‪ .‬قال أببو حاتبم‪ :‬قراءة العامبة عندنبا "وعدنبا" بغيبر ألف‪ ،‬لن المواعدة أكثبر‬
‫مببا تكون بيببن المخلوقيببن والمتكافئيببن‪ ،‬كببل واحببد منهمببا يَعِبد صبباحبه‪ .‬قال الجوهري‪ :‬الميعاد‪:‬‬

‫المواعدة والوقت والموضع‪ .‬قال مكي‪ :‬المواعدة أصلها من اثنين‪ ،‬وقد تأتي المفاعلة من واحد في‬
‫كلم العرب‪ ،‬قالوا‪ :‬طارقت النعل‪ ،‬وداويت العليل‪ ،‬وعاقبت اللص‪ ،‬والفعل من واحد‪ .‬فيكون لفظ‬
‫المواعدة من ال خاصة لموسى كمعنى وعدنا‪ ،‬فتكون القراءتان بمعنى واحد‪ .‬والختبار "واعدنا"‬
‫باللف لنه بمعنى "وعدنا" في أحد معنييه‪ ،‬ولنه ل بدّ لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد‬
‫فتصبببح المفاعلة‪ .‬قال النحاس‪ :‬وقراءة "واعدنبببا" باللف أجود وأحسبببن‪ ،‬وهبببي قراءة مجاهبببد‬
‫والعرج واببن كثيبر ونافبع والعمبش وحمزة والكسبائي‪ ،‬وليبس قوله ع