‫المقدمة‬

‫المد ل القائل ف مكم التنـزيل‪ :‬إنا يشى الَ من عباده العلماء ‪ ،‬والصلة والسلم على نبينا ممد‬
‫سيد النبياء والرسلي‪ ،‬وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بـهديه ودعا بدعوته إل يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فلما كان العلماء ورثة النبياء‪ ،‬فقد أوجب ال عليهم بيان الق للناس‪ ،‬وحرّم عليهم كتمانه‪ ،‬قال‬
‫تعال‪ :‬وإذ أ خذ ال ميثاق الذ ين أوتوا الكتاب ل تبيننه للناس ول تكتمو نه‪ ،‬فنبذوه وراء ظهور هم واشتروا به‬
‫ل فبئس ما يشترون [آل عمران‪ .]187:‬وقال‪ :‬إن الذ ين يكتمون ما أنزل نا من البينات والدى من‬
‫ثنا قلي ً‬
‫بعد ما بيّناه للناس ف الكتاب أولئك يلعنهم ال وبلعنهم اللعنون [البقرة‪ .]159:‬والعن بـهاتي اليتي كل‬
‫من ك تم علما من د ين ال يعل مه‪ ،‬وكان الناس با جة إل يه‪ ،‬يقول صلى ال عل يه و سلم‪ " :‬من سئل عن علم‬
‫فكتمه ألم يوم القيامة بلجام من نار" رواه أبو داود والترمذي وقال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬
‫وك ما أو جب سبحانه وتعال على العلماء أن يبيّنوا ال ق للناس ول يكتمو نه‪ ،‬ف قد أو جب على الناس أن‬
‫يعودوا إل علمائ هم في ستفتوهم ف ال سائل الشائ كة‪ ،‬قال تعال‪ :‬فا سألوا أ هل الذ كر إن كن تم ل تعلمون‬
‫[ال نبياء‪ ،]7:‬ولبد لل سائل أن يتار العال التمكن ف عل مه‪ ،‬والبعيد عن مواطن الشبهات‪ ،‬ويذر من الهلة‬
‫الذ ين يدّعون العلم‪ .‬قال صلى ال عل يه و سلم‪" :‬إن ال ل يق بض العلم انتزاعا ينتز عه من الناس‪ ،‬ولكن يق بض‬
‫العلم بق بض العلماء ح ت إذا ل ي بق عالا ات ذ الناس رؤ ساء جهالً‪ ،‬ف سئلوا فأفتوا بغ ي علم‪ ،‬فضلوا وأضلوا"‪،‬‬
‫متفق عليه‪.‬‬
‫ل ل ا‪،‬‬
‫ول إخال أحدا ي هل أ مر هؤلء الرؤ ساء الهلة الذ ين أ سند الظالون ل م وظائف علم ية لي سوا أه ً‬
‫فأسرفوا ف التاجرة بدين ال إرضا ًء لسادتـهم‪ ،‬وطمعا بزيد من البات والعطايا الت يقدمونـها لم ‪ ..‬كما‬
‫ل إخال أحدا يهل فتاوى الغلة الذين أخطأوا ف فهم أقوال أئمة السلم الت يستدلون بـها‪ ،‬وأخطأوا ف‬
‫إسقاطها على واقعنا العاصر‪ ،‬وأخطأوا مرة ثالثة عندما تصدوا لهمة ليسوا أهلً لا‪.‬‬
‫العلماء الدعاة وحدهـم هـم القادرون على حسـم هذه الفوضـى العارمـة‪ ،‬وتديـد السـار الصـحيح لمـة‬
‫السلم‪ ،‬يقول صلى ال عليه وسلم‪" :‬صنفان من أمت إذا صلحا صلحت ال مة‪ ،‬وإذا فسدوا ف سدت المة‪:‬‬
‫السلطان والعلماء" ‪.1‬‬
‫‪1‬‬

‫ أخرجه أبو نعيم ف اللية ‪ 4/96‬وابن عبد الب ف جامع بيان العلم ‪ ،1/184‬وسنده ضعيف كما قال الافظ العراقي‪،‬‬‫وقال الشيخ ناصر اللبان بعد ذكر سنده‪ :‬موضوع‪ .‬انظر ضعيف الامع الصغي‪ ،‬الديث رقم (‪ )3493‬وسلسلة الحاديث‬
‫الضعي فة والوضو عة‪ ،‬الد يث ر قم (‪ ،)16‬وذكره ش يخ ال سلم ا بن تيم ية على أ نه أ ثر‪ ،‬ان ظر الفتاوى‪ 10/354 :‬ومعناه‬
‫‪1‬‬

‫هذا وإن العلماء الصالي الصلحي ل يلو منهم عصر من العصار ول مصر من المصار والمد ل‪ ،‬ولن‬
‫يد الناس صعوبة ف الهتداء إليهم‪ ،‬لن ال سبحانه وتعال قد خصهم بكثي من الصفات الت كان يتاز بـها‬
‫الداة الهديون من أئمة هذا الدين‪.‬‬
‫إن مسؤولية هؤلء العلماء كبية وكبية جدا‪ ،‬والمل فيهم بعد ال يتضاعف‪ ،‬لن الطلوب منهم إصلح‬
‫الناس والمراء‪ ،‬ومطلوب من هم عدم تأخ ي البيان ع ند الا جة… و من أ جل إبراز مه مة هؤلء العلماء الدعاة‪،‬‬
‫ودحض شبهات التخاذلي قمت بتأليف هذا الكتاب وأسيته "العلماء وأمانة الكلمة"‪ ،‬وهو عبارة عن حلقات‬
‫اجتزأتـها من سلسلة حلقات "الوحدة السلمية" الت بدأت بنشرها ف العدد الول من ملة "ال سّنة" الصادر‬
‫ف شهر جادى الول ‪ 1410‬هـ الوافق كانون الول ‪1989‬م‪ ،‬وما زلت مهتما بـهذا الوضوع الذي ل‬
‫يكاد عدد من أعداد الجلة يلو من حلقة من حلقاته إل ف حالت نادرة‪ ،‬حريصا على إتامه‪ ،‬عاملً بميع ما‬
‫رزقن ال من طاقات على ترجة هذا الهد إل واقع عملي من خلل الوار الادف البناء‪.‬‬
‫ولا كان الوضوع حلقات متسلسلة لذا سيجد القارئ العبارات التالية ف أماكن متفرقة‪:‬‬
‫ "تدثت فيما مضى من هذا البحث عن موقف علماء المة من الروج على أئمة الور…"‪.‬‬‫ "وهذا ما سنبيّنه ف موضع آخر من هذا البحث"‪.‬‬‫ث ل يد الوضوعات الشار إليها ف هذا الكتاب‪ ،‬لكنه سيجدها إن شاء ال ف الكتب الخرى الت ستلي هذا‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫ب ل سانا ي ب ع نك‪ ،‬ول عينا تن ظر إل علوم تدل‬
‫وأخ تم هذه القد مة بدعوة الع بد ال صال‪ :‬اللّهُم ل تُعذّ ْ‬
‫عليك‪ ،‬ول قدما تشي إل خدمتك‪ ،‬ول يدا تكتب ف سبيلك‪ ،‬فبعزتك ل تدخلن النار‪ ،‬اللهم آمي‪ .‬وصلى‬
‫ال على نبينا ممد وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫لندن‪ 19 :‬ربيع الول ‪ 1419‬هـ‬

‫صحيح‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫عندما يكون الحكم لغير شريعة ال‬
‫لوْر مع وجوب‬
‫إذا كان جهور علماء المة قد اتفقوا [كما رأينا فيما مضى] على عدم الروج على أئمة ا َ‬
‫أمرهم بالعروف ونـهيهم عن النكر؛ فإن إجاعهم قد انعقد على أنه ل تصح ولية الكافر على السلمي‪ ،‬وإذا‬
‫طرأ عليه كفر أو تغيي للشرع سقطت وليته‪ ،‬ووجب على السلمي القيام عليه وخلعه‪ ،‬ومن الدلة على ذلك‪:‬‬
‫‪ - 1‬قوله تعال‪ :‬ولن يعل ال للكافرين على الؤمني سبيل‪[ ‬النساء‪ ،]141 :‬وكلمة "سبيل" هنا نكرة‬
‫ف سياق النفي تفيد العموم‪ ،‬وأي سبيل أعظم من سبيل المامة؟!‪.‬‬
‫وعن عبادة بن الصامت رضي ال عنه قال‪ :‬دعانا النب صلى ال عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن‬
‫بايعنا على السمع والطاعة ف منشطنا ومكرهنا‪ ،‬وعسرنا ويسرنا‪ ،‬وأثرة علينا‪ ،‬وأن ل ننازع المر أهله إل أن‬
‫تروا كفرا بواحا"‪ ،‬وف رواية مسلم زيادة "إل أن تروا كفرا بواحا عندكم من ال فيه برهان"‪. 1‬‬
‫ "قوله وأثرة علينا"‪ :‬الراد أن طواعيتهم لن يتول عليهم ل يتوقف على إيصالم حقوقهم بل عليهم الطاعة‬‫ولو منعهم حقهم‪.‬‬
‫ "قوله إل أن تروا كفرا بواحا"‪ :‬قال الطا ب‪ :‬ظاهرا باديا من قول م باح بالش يء يبوح به بوحا وبواحا‬‫إذا أذاعه وأظهره‪.‬‬
‫ "عندكم من ال فيه برهان"‪ :‬أي نص آية أو خب صحيح ل يتمل التأويل‪ 2،‬قاله الافظ ابن حجر‪.‬‬‫والقصود من هذا الديث أنه يب الروج على الاكم الكافر إذا وقع بالكفر الصريح الواضح كإنكاره‬
‫معلوما من الدين بالضرورة‪ ،‬والعلماء الذين فسروا الكفر البواح بالعاصي كالنووي أرادوا معاصي معينة فيها‬
‫مالفة لقواعد السلم‪ ،‬أما العاصي العامة الت ترتبط بشخص الاكم فقد نقلنا فيما مضى قول النووي بعدم‬
‫جواز الروج على الاكم بسببها بل ادعاؤه الجاع على ذلك‪.‬‬
‫‪ - 2‬و عن عوف بن مالك ر ضي ال ع نه عن رسول ال صلى ال عل يه و سلم قال‪" :‬خيار أئمت كم الذ ين‬
‫تبونــهم ويبونكـم ويصـلون عليكـم وتصـلون عليهـم‪ ،‬وشرار أئمتكـم الذيـن تبغضونــهم ويبغضونكـم‪،‬‬
‫وتلعنونـهم ويلعنونكم‪ ،‬قيل‪ :‬يا رسول ال أفل ننابذهم بالسيف؟ فقال‪ :‬ل ما أقاموا فيكم الصلة‪ ،‬وإذا رأيتم‬
‫من ولتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ول تنـزعوا يدا من طاعة" ‪. 3‬‬
‫‪ - 1‬حديث عبادة بن الصامت متفق عليه‪.‬‬
‫‪ - 2‬أنظر فتح الباري ‪ 16/113 :‬اللب‪ ،‬صحيح مسلم بشرح النووي‪.12/229 :‬‬
‫‪ - 3‬مسلم‪ ،‬كتاب المارة‪ ،‬باب خيار الئمة وشرارهم‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫وإقا مة ال صلة بالن سبة إل الا كم تع ن شهود صلة الما عة ف ال ساجد‪ ،‬والدعوة إلي ها‪ ،‬وإقا مة الدود‬
‫التعلقة بـها‪.‬‬
‫‪ 3‬ذ و عن أ نس بن مالك ر ضي ال ع نه أن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم قال‪" :‬ا سعوا وأطيعوا وإن‬
‫استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب ال" ‪. 1‬‬
‫وهذا الد يث وا ضح الدللة على وجوب ال سمع والطا عة للحا كم إذا ط بق شرع ال على رعي ته‪ ،‬ول يس‬
‫مهما بعد ذلك من يكون هذا الاكم‪ ،‬وما هي الطبقة الجتماعية الت ينتمي إليها؟!‪.‬‬
‫‪ - 4‬من أقوال العلماء‪:‬‬
‫ قال القاضي عياض‪" :‬أجع العلماء على أن المامة ل تنعقد لكافر‪ ،‬وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل‪...‬‬‫وكذلك لو ترك إقا مة ال صلوات والدعاء إلي ها‪ ، "...‬وقال أيضا‪" :‬فلو طرأ عل يه ك فر وتغي ي للشرع أو بد عة‬
‫خرج عن حكم الولية وسقطت طاعته ووجب على السلمي القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم‬
‫ذلك‪ ،‬فإن ل يقع ذلك إل لطائفة وجب عليهم القيام بلع الكافر ول يب ف البتدع إل إذا ظنوا القدرة عليه‬
‫فإن تققوا العجز ل يب القيام وليهاجر السلم عن أرضه إل غيها ويفر بدينه" ‪. 2‬‬
‫ وقال ابن حجر العسقلن‪" :‬إنه ينعزل بالكفر إجاعا فيجب على كل مسلم القيام ف ذلك‪ ،‬فمن قوي‬‫على ذلك فله الثواب‪ ،‬ومن داهن فعليه الث‪ ،‬ومن عجز وجبت عليه الجرة من تلك الرض" ‪.3‬‬
‫ عند الديث عن الروج على أئمة الور ذكرنا ناذج من أقوال جهور العلماء الذين ل ييزون الروج‪،‬‬‫لكنهم يضيفون قائلي‪" :‬إل أن يكفر فيجب الروج عليه"‪.‬‬
‫ وقال رشيد رضا‪" :‬ومن السائل الجمع عليها قولً واعتقادا‪ :‬أنه ل طاعة لخلوق ف معصية الالق‪ ،‬وإنا‬‫الطا عة ف العروف‪ ،‬وأن الروج على الا كم ال سلم إذا ار تد عن ال سلم وا جب‪ ،‬وأن إبا حة الج مع على‬
‫تري ه‪ :‬كالز نا وال سكر وا ستباحة إبطال الدود وشرع ما ل يأذن به ال ك فر وردة‪ ،‬وأ نه إذا و جد ف الدن يا‬
‫حكو مة عادلة تق يم الشرع‪ ،‬وحكو مة جائرة تعطله و جب على كل م سلم ن صر الول ما ا ستطاع‪ .‬وأ نه إذا‬
‫بغت طائفة من السلمي على أخرى وجردت عليها السيف وتعذر الصلح بينهما فالواجب على السلمي قتال‬

‫‪ - 1‬البخاري‪ ،‬الحكام‪ ،‬باب السمع والطاعة للمام ما ل تكن معصية‪.‬‬
‫‪ - 2‬صحيح مسلم بشرح النووي‪.12/229 :‬‬
‫‪ - 3‬فتح الباري‪.16/241 :‬‬
‫‪4‬‬

‫الباغية العتدية حت تفيء إل أمر ال‪ .‬وما ورد ف الصب على أئمة الور إل إذا كفروا معارض بنصوص أخرى‪،‬‬
‫والراد به اتقاء الفتنة وتفريق الكلمة الجتمعة" ‪.1‬‬
‫وإذن‪ :‬فإن الدلة من الكتاب وال سنة وإجاع ال مة متواترة على أن ول ية الا كم ت سقط برد ته‪ ،‬وي صبح‬
‫الروج عليه واجبا إذا كانوا يلكون القدرة على ذلك‪.‬‬
‫تغ ي الال ب عد هدم الل فة ال سلمية‪ ،‬ف قد وال الطغاة ف بلد نا أعداء ال‪ ،‬وعادوا أولياءه‪ ،‬وا ستبدلوا‬
‫القواني الوربية الاهلية بأحكام الشريعة السلمية ‪ 2‬ما تتعارض جلة وتفصيلً مع أحكام ديننا ومع العادات‬
‫والتقاليد الت اشتهر بـها العرب وتيزوا بـها عن غيهم من المم والجناس‪ ،‬وفضلً عن ذلك فقد كمموا‬
‫أفواه الرعية‪ ،‬ونشروا الظلم والفساد والنلل ف كل واد‪ ،‬وأصبح المر بالعروف والنهي عن النكر ف ظل‬
‫هذه النظمة إرهابا وتطرفا وخروجا على ولة المـور‪.‬‬
‫ل ي كن هذا الال ب ـهذه ال صورة الطية معروفا من ق بل ف ج يع ح قب تاري نا ال سلمي‪ ،‬ف قد كان‬
‫الارجون على الولة يسـلون سـيوفهم طمعا بالسـلطة أو إنكارا لبدع ومفاسـد يرون عدم جواز السـكوت‬
‫علي ها‪ ،‬ولو أن حاكما ف العهود ال سلمية الاض ية أل غى حكما واحدا من أحكام الشري عة ال سلمية وو ضع‬
‫بد ًل م نه قانونا جاهليا م ستوردا ل ا ترددت ال مة بقيادة علمائ ها ف الروج عل يه‪ ،‬ول ا وجد نا من يرؤ على‬
‫الدفاع عنه ونفي ردته‪.‬‬
‫كان مـن بيـ الرتديـن بعـد وفاة رسـول ال صـلى ال عليـه وسـلم صـنف امتنعوا عـن دفـع الزكاة مـع‬
‫إقرارهبالسلم‪ ،‬ومع ذلك فقد أجع الصحابة رضوان ال عليهم بعد أن استبان لم الدليل على قتالم‪ ،‬وقال‬
‫أبو بكر رضي ال عنه قولته الشهية‪ :‬وال لقاتلن من فرق بي الصلة والزكاة‪.‬‬
‫فكيف بن عطّل الدود كلها‪ ،‬وعطّل غيها‪ ،‬واتذ من نفسه ندا ل ف الكم والتشريع؟!‪ ،‬بل كيف بن‬
‫ادعى بأن العلماء والدعاة ليس من حقهم التدخل ف الشؤون السياسية حيث ل سياسة ف الدين ول دين ف‬
‫السياسة؟!‪ ،‬بل كيف بن ل يلتزم بـهذا القانون الظال الذي فرضه وأدخل سياسته الغاشة ف الدين أعن ل‬
‫يترك عباد ال أحرارا ف مساجدهم وصلتـهم وصيامهم وزكاتـهم وحجهم؟!‪.‬‬

‫‪ - 1‬تفسي النار‪.6/367 :‬‬
‫‪ - 2‬إن جذور النراف والفسـاد سـبقت هدم اللفـة السـلمية‪ ،‬كمـا أن اسـتبدال القوانيـ الوربيـة بأحكام الشريعـة‬
‫السلمية بدأت منذ عهد الليفة العثمان سليمان القانون‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫والذي يثي الدهشة أن أثر هذا الزلزال العظيم ‪ -‬هدم اللفة ‪ -‬أخذ يف تدرييا‪ ،‬ول يد الطغاة صعوبة‬
‫بال غة اله ية ف شراء ضمائر ب عض العلماء بأب س الثان‪ ،‬ولذا أ صبحنا ن سمع من هؤلء الذ ين طلبوا ر ضى‬
‫السلطان بسخط ال منكرات ل حصر لا‪ ،‬ومن ذلك قولم‪ :‬إن التقني والحتكام إل غي شرع ال كفر دون‬
‫كفر ‪ -‬كما قال ابن عباس ‪ ،-‬ومن ذلك رميهم كل من ينكر النكر بختلف التـهامات‪ :‬كالروج‪ ،‬والروق‬
‫من الد ين‪ ،‬وإثارة الف ت‪ ،‬وإثارة الفر قة ب ي أبناء ال مة‪ ...‬وأمام هذا الرهاب توارت الفتاوى والكتابات ال ت‬
‫تسخط السلطي‪ ،‬وف مقدمة هذه السائل‪ :‬شرعية النظمة العاصرة‪ ،‬وكيف نتعامل مع هذه النظمة العلمانية‬
‫الت أصبحت بديلً لنظام اللفة‪.‬‬
‫انتبه الشيخ رشيد رضا رحه ال إل أهية هذه السألة‪ ،‬فكتب يقول‪ ..." :‬ول أر قولً لحد جع به بي‬
‫ل من ها ف الو ضع الذي يقتض يه سبب وروده‬
‫كل ما ورد من اليات والحاد يث ف هذا الباب‪ ،‬وو ضع ك ً‬
‫مراعيا اختلف الالت ف ذلك‪ ،‬مبينا مفهومات اللفاظ بسب ما كانت تستعمل به ف زمن التنـزيل دون‬
‫ما بعده‪ .‬مثال هذا لفظ (الماعة) إنا كان يراد بـها جاعة السلمي الت تقيم أمر السلم بإقامة كتابه وسنة‬
‫نبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولكن صارت كل دولة أو إمارة من دول السلمي تمل كلمة الماعة على نفسها‪،‬‬
‫وإن هد مت ال سنة‪ ،‬وأقا مت البد عة‪ ،‬وعطلت الدود‪ ،‬وأبا حت المور‪ .‬ومثال اختلف الحوال تعدد الدول‪،‬‬
‫فأيها تب طاعته والوفاء ببيعته؟ وإذا قاتل أحدها الخر فأيها يعد الباغي الذي يب على سائر السلمي قتاله‬
‫حت يفيء إل أمر ال؟ كل قوم يطبقون النصوص على أهوائهم مهما كانت ظاهرة" ‪.1‬‬
‫وبعد مضي أكثر من سبعي عاما على هذه الصيحة الت أعلنها رشيد رضا ف تفسيه‪ ،‬ل تزال الاجة ملحة‬
‫إل صدور مثل هذه الدراسات لسيما بعد جراءة الكام على إصدار قرارات ما كانوا قادرين على إصدارها‬
‫فـ مرحلة الثلثينيات مـن هذا القرن لنــهم كانوا يتدرجون فـ نبذهـم للحكام والداب السـلمية مراعاة‬
‫لشاعر المة وخوفا من النفجار‪ ،‬أما اليوم فلم تعد بـهم حاجة لذا التدرج‪ ،‬وما عادت مشاعر المة تستحق‬
‫الراعاة‪.‬‬
‫ومن جهة أخرى فقد أصدر بعض العلماء ف عهد رشيد رضا فتاوى جريئة‪ ،‬ودراسات مفيدة لنـهم ما‬
‫كانوا يعرفون عبودية هذه الوظائف الت سلبت الذين يقبلون بـها [وبشكل أخص الوظائف القيادية الكبية]‬
‫أبسط معان الرية‪ ،‬ولن الكام ف ظل الستعمار (النكلو فرنسي) كانوا يسمحون بقسط من الرية يتيح‬
‫‪1‬‬

‫ تفسي النار‪ ،6/367 :‬قاله ف معرض تفسيه لقول ال تعال‪ :‬إنا جزاء الذين ياربون ال ورسوله‪ ...‬اليتان‪ 36 :‬و‬‫‪ 37‬من سورة الائدة‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫ل كل عال أو مف كر الت عبي عن رأ يه ف الي أو ف الشر‪ ،‬وما زلنا كلما ك تب أحدنا بثا لبد أن يذكر ف يه‬
‫شواهد من أقوال‪ :‬جال الد ين القاسي‪ ،‬رش يد ر ضا‪ ،‬أحد شا كر‪ ،‬ممد بن إبراه يم آل الش يخ‪ ،‬وغيهم من‬
‫كبار علماء هذه الرحلة‪.‬‬
‫أما اليوم فلم يعد العلماء والدعاة أحرارا فيما يكتبون ويطبون ويفتون‪ ،‬ول يعد مسموحا بصدور دراسات‬
‫وفتاوى تس الطواغيت وشرائعهم‪ ،‬ومن ذا الذي يهل ما يلقاه الدعاة ف أوكار الطغاة من إهانة وتعذيب؟!‪..‬‬
‫وبعد هذا الظلم الفظيع ل يعطي الطغاة التهمي فرصة للدفاع عن أنفسهم‪ ،‬ليثبتوا براءتـهم ما نسب إليهم‬
‫أمام مكمة عادلة‪ ،‬وقد أحسن من وصف هذه السجون بقوله‪" :‬الداخل إليها مفقود‪ ،‬والارج منها مولود"‪.‬‬
‫ول كن هذا الرهاب الشد يد التنوع الو سائل وال ساليب ل ي نع الدعاة الذ ين يبغون ال والدار الخرة من‬
‫تقرير القيقة التالية‪:‬‬
‫إن رايات الكفر البواح ف عالنا السلمي الكبي ترفرف خفاقة عالية فوق مبان البنوك الربوية الت يكاد ل‬
‫يلو منها ح يّ أو قرية‪ ،‬وفوق مبان الؤسسات التشريعية والقضائية الت ل يسمح فيها لن يشاء من القضاة أن‬
‫ل عن تفضيله لشريعة ال‪ ،‬وترفرف رايات الكفر‬
‫يساوي بي شريعة ال والشريعة الت سنّها زعيم الدولة فض ً‬
‫البواح أيضا فوق مبانـ التلفاز ودور السـينما وأوكار الرذيلة‪ ،‬وفوق مصـانع وملت بيـع المور‪ ،‬وليسـت‬
‫الشكلة هنا فيمن يشرب المر أو يرتاد دور السينما ويشاهد مناظر العرايا من النساء والرجال‪ ،‬ولكن الشكلة‬
‫فيمن سنّ القواني الت تبيح هذه النكرات‪ ،‬وأعيد للذهان قول رشيد رضا وغيه من العلماء الذي استشهدت‬
‫به قبل قليل وخلصته‪:‬‬
‫من ال سائل الجمع عليها قولً واعتقادا‪ :‬إن إباحة الجمع على تريه‪ :‬كالز نا‪ ،‬والسكر‪ ،‬واستباحة إبطال‬
‫الدود وشرع ما ل يأذن به ال كفـر وردة‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫مواقف العلماء‬
‫لقد كثر النفاق والتزلف للطواغيت ف العقود الربعة الاضية من قبل أناس يتسربلون بسربال العلم والعرفة‪،‬‬
‫ويتدثرون بدثار التقوى والـورع‪:‬‬
‫ فمنهم من أباح العاملت الربوية‪ ،‬وشن حلت ظالة ضد البنوك السـلمية‪.‬‬‫ ومن هم من ز عم أن أحكام الشري عة ال سلمية مطب قة ف م صر‪ ،‬لن القانون الد ن م ستمد من أحكام‬‫الشريعة‪ ،‬وهو أول من يعلم بأنه يكذب ف هذا الدعاء‪.‬‬
‫ ومنهم من زعم أن أهل النة يعيشون حالة من الفرح ليس لا مثيل من قبل لنـهم يستعدون لستقبال‬‫أحد أبناء الطغاة الذي أهلكه ال سبحانه وتعال‪ ،‬والولد سر أبيه‪.‬‬
‫ ومن هم من سعته أذناي‪ ،‬ك ما سعه مثلي مئات ال صلي الذ ين كانوا ي صغون إل يه و هو ي طب الم عة‪،‬‬‫وينسب إل رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ف حديث حبكه ‪ -‬قوله‪:‬‬
‫"‪ ...‬ث يأت جال الدين فينتصر كما انتصر صلح الدين" يريد من وراء هذا الكذب على رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم التزلف إل نظام جال عبد الناصر إبان حكمه وطغيانه‪.‬‬
‫ ومنهم من وضع شروحا وحواشي لطبة من خطب ول أمره مع أن مثل هذه الطب تعتب مادة لنوادر‬‫وطرائف يتناقلها الناس ويشبعون ضحكا منها وسخرية بـها‪.‬‬
‫ وأكثر هؤلء أفتوا بإباحة دماء العلماء والدعاة الذين أقدم اللدون على سفك دمائهم من غي حق‪.‬‬‫وق صارى القول‪ :‬فإن هؤلء الح سوبي على زمرة العلماء يؤثرون الدن يا على الخرة‪ ،‬ويأكلون بأل سنتهم‪،‬‬
‫ويأمرون الناس بالعروف وينسون أنفسهم‪ ،‬ومن كان منهم عالا فإنه من ل ينتفعوا بعلمهم‪ ...‬وهذه الصفات‬
‫تدفعهم إل الفتاء بكل ما يطلبه الظلمة منهم‪.‬‬
‫هناك صنف آخر من العلماء اشتهروا بي الناس بالعلم والصلح والورع‪ ،‬وتنبوا ف حياتـهم الاصة‬
‫والعامة مواطن الشبهات‪ ،‬مثل التسكع على أعتاب السلطي‪ ،‬وتزيي قبائحهم‪ ،‬والنفاق لم‪ ،‬وقد أكسبتهم‬
‫هذه ال صفات شعب ية وا سعة‪ ،‬ومكا نة مرمو قة دا خل بلدان ـهم وخارج ها‪ ،‬ولذا يتطلع الناس إلي هم ف‬
‫اللمات ينتظرون ماذا سيقولون‪ ،‬وإذا حددوا مواقفهم تبعهم ف ذلك خلق كثي‪.‬‬
‫السلطان بب ثه ودهائه‪ ،‬ث بكر مابراته وكبار مستشاريه من شياطي العلمان ية‪ ،‬يسعى إل هؤلء العلماء‪،‬‬
‫ويطلب منهم بإلاح قبول الوظائف الدينية الكبية‪ ،‬ويعدهم بالتعاون معهم من أجل إجراء إصلحات واسعة‬
‫ف سائر مرافق الدولة‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫وبعد وقوع هؤلء العلماء ف شراكه‪ ،‬يرتب كيفية عملهم‪ ،‬ويضعهم ف موضع من يتأثر ول يؤثر‪ ،‬بيث لو‬
‫أرادوا الروج على قوا عد اللع بة الر سومة ل م ل ا وجدوا إل ذلك سبيلً‪ ،‬لن الذي اختار هم هو الذي اختار‬
‫مساعديهم وحت صغار الوظفي ف مكاتبهم‪ ،‬وماذا يفعل الرء إذا أراد أن يسي ف اتاه ل يساعده على السي‬
‫فيه أقرب الناس إليه؟!‪.‬‬
‫يؤثّر مرور الزمن على هؤلء الشيوخ‪ ،‬فيألفون النكرات اليومية الت يرونـها‪ ،‬والت كانوا من قبل يقيمون‬
‫النك ي على فاعلي ها‪ ،‬وتتضا عف عند هم الرغ بة ف التماس العذار‪ ،‬ولو أراد با حث ج ع فتاوي هم ب ي القد ي‬
‫والديث لوجد تناقضات مجلة‪ :‬فالستحيل أصبح مكنا‪ ،‬والقطوع بأمره صار يتمل عدة وجوه‪ ،‬والكم بغي‬
‫ما أنزل ال أخرجوه من أق سام التوح يد‪ ،‬و من خالف هم أضافوا ا سه إل قوائم الوارج والبتد عة والتطرف ي‬
‫الرهابيي‪.‬‬
‫وإن م ا ل ينق ضي م نه الع جب أن هؤلء الشيوخ يعرفون حقي قة ما يري من انرافات خطية‪ ،‬وأعمال‬
‫مكفرة لنـهم على صلة قوية بالنظام وبعامة أهل الي ف متلف مرافق الدولة‪ ،‬وينقلون إليهم المور بالوثائق‬
‫والرقام‪ ،‬وت ر ب ـهم أحيانا حالت إحباط فيقولون لاصـة جل سائهم كلما شـبيها بالكلم الذي يقوله من‬
‫يرمون ـهم بالتطرف والبتداع‪ ،‬غ ي أن ولة المور ي سارعون إل ا سترضاء الشيوخ‪ ،‬وامت صاص الشكلة ال ت‬
‫أغضبتهم‪ ،‬فيعودون بعد هذا السترضاء إل سيتـهم السابقة ف الثناء على ولة أمورهم‪ ،‬وف التماس العذار‬
‫ل م‪ ،‬ول ا كان أ ثر هذا ال صنف من الشيوخ ل يقارن بأ ثر ال صنف الول الذ ين مردوا على النفاق‪ ،‬وبالغوا ف‬
‫تقديس السلطي والتقيد بتعليماتـهم وأوامرهم‪ ،‬لذا فقد رأينا مناقشة أهم الشبهات الت يثيونـها لعل ف‬
‫ذلك خيا ً لنا ولم‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫الشبهة الولى‬
‫كلما طلب الناس من هؤلء إنكار منكرات السلطي وبطانتهم قالوا‪ :‬تنبوا طرح هذه السائل لنـها تثي‬
‫الفتنة‪ .‬مع أن هذه النكرات قد تصل إل حد الكفر البواح‪ ..‬فما هو الفهوم الشرعي لصطلح الفتنة‪ ،‬وما هو‬
‫موقف أئمة السلف من هذا الفهوم؟!‪ ،‬هذا ما سنبينه فيما يلي‪:‬‬
‫قال تعال‪ :‬ومنهم من يقول ائذن ل ول تفتن‪ ،‬أل ف الفتنة سقطوا‪ ،‬وإن جهنم لحيطة بالكافرين‪[ ‬التوبة‪:‬‬
‫‪ ،]50‬وقال تعال‪ :‬وقاتلوهم حت ل تكون فتنة ويكون الدين كله ل‪[ ‬النفال‪.]39 :‬‬
‫لدّ بن قيس لا أمره‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية عن الية الول‪" :‬وقد ذكر ف التفسي أنـها نزلت ف ا َ‬
‫النب صلى ال عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم‪ ..‬فقال يا رسول ال‪ :‬إن رجل ل أصب عن النساء؛ وإن أخاف‬
‫لدّ هو الذي تلف عن بيعة الرضوان تت الشجرة‪ ،‬واستتر‬
‫الفتنة بنساء بن الصفر فائذن ل ول تفتن‪ .‬وهذا ا َ‬
‫بمل أحر؛ وجاء فيه الديث‪[ :‬إن كلهم مغفور له إل صاحب المل الحر] فأنزل ال تعال فيه‪ :‬ومنهم‬
‫من يقول‪ :‬ائذن ل ول تفتن! أل ف الفتنة سقطوا‪ .‬أي‪" :‬نفس إعراضه عن الهاد الواجب ونكوله عنه وضعف‬
‫إيانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الهاد‪ :‬فتنة عظيمة قد سقط فيها‪ ،‬فكيف يطلب التخلص من فتنة صغية ل‬
‫تصبه بوقوعه ف فتنة عظيمة قد أصابته؟ وال يقول‪ :‬وقاتلوهم حت ل تكون فتنة ويكون الدين كله ل‪ .‬فمن‬
‫ترك القتال الذي أمر ال به لئل تكون فتنة‪ :‬فهو ف الفتنة ساقط با وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده‪ ،‬وترك‬
‫ما أمر ال به من الهاد" ‪. 1‬‬
‫ الفتنة إذن‪ :‬أن يكون الدين ‪ -‬كله أو بعضه ‪ -‬لغي ال تعال‪ ،‬سواء قلّ هذا البعض أو كثر‪ ،2‬ث يسكت‬‫ب عض العلماء عن مواج هة هذا الك فر البواح رغ بة ف منا صب ال سلطان وأمواله‪ ،‬أو ره بة من بط شه و جبوته‬
‫وطغيانه‪.‬‬
‫ والفتنة ف تراجع بعض العلماء عن فتاويهم ومواقفهم السابقة‪ ،‬وهذا التراجع يوقعهم ف تناقضات يعرف‬‫البتدئون ف طلب العلم خطأها‪ ،‬وذلك كقولم‪ :‬ل يوز المر بالعروف والنهي عن النكر إل بإذن السلطان‪،‬‬
‫وإذا كان المر يتعلق بول المر فل يصح إل أن يكون سرا‪ ...‬وقولم إن "الاكمية" ل تعد قسما من أقسام‬
‫التوحيد‪ ،‬ث يقام النكي على من يالفهم القول ف ذلك‪.‬‬
‫‪ - 1‬فتاوى شيخ السلم ابن تيمية‪.28/166 :‬‬
‫‪ - 2‬إذا كان معلوما من الدين بالضرورة‪.‬‬
‫‪10‬‬

‫ والفتنة ف مسارعة هذا البعض من العلماء إل إصدار الفتاوى الت ترضي السلطان‪ ،‬وتـهيئ له الفرصة‬‫للبطش بالعلماء والدعاة المرين بالعروف الناهي عن النكر‪ ،‬وتكنه من شق صف العلماء وزعزعة موقفهم‬
‫أمام عدوهم‪.‬‬
‫ والفت نة أيضا ف اقتتال ال سلمي في ما بين هم‪ ،‬و قد وردت آيات وأحاد يث كثية ف هذا الشأن من ها ما‬‫رواه البخاري عن سعيد بن جبي قال‪" :‬خرج علي نا ع بد ال بن ع مر فرجو نا أن يدث نا حديثا ح سنا‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فبادرنا إليه رجل فقال‪ :‬يا أبا عبد الرحن! حدثنا عن القتال ف الفتنة وال يقول ‪‬وقاتلوهم حت ل تكون فتنة‪‬‬
‫فقال‪ :‬هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ وإنا كان ممد صلى ال عليه وسلم يقاتل الشركي‪ ،‬وكان الدخول‬
‫ف دينهم فتنة وليس كقتالكم" ‪.1‬‬
‫إن ما يطل به الناس من العلماء هو بيان ح كم الشرع في من ا ستبدل شري عة الطاغوت بشري عة ال‪ ،‬ول يس‬
‫الطلوب منهم حل السلح أو دعوة الناس إل ذلك‪ ...‬ول يوز لم كتمان ما ائتمنهم ال عليه‪ ،‬قال تعال‪ :‬‬
‫وإذ أ خذ ال ميثاق الذ ين أوتوا الكتاب ل تبيننه للناس ول تكتمو نه‪ ،‬فنبذوه وراء ظهور هم واشتروا به ثنا قليلً‬
‫فبئس ما يشترون‪[ ‬آل عمران‪.]187 :‬‬
‫ولعن ال الذين كفروا من بن إسرائيل لنـهم كانوا ل يتناهون عن منكر فعلوه‪ ،‬قال تعال‪ :‬لعن الذين‬
‫كفروا من بن إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مري ذلك با عصوا وكانوا يعتدون‪ ،‬كانوا ل يتناهون عن‬
‫يفعلون [الائدة‪ 78 :‬و ‪.]79‬‬
‫‪‬‬
‫منكر فعلوه لبئس ما كانوا‬
‫وكل من يفعل فعل الذين كفروا من بن إسرائيل يستحق اللعنة‪ ،‬قال تعال‪ :‬إن الذين يكتمون ما أنزلنا‬
‫مـن البينات والدى مـن بعـد مـا بيناه للناس فـ الكتاب أولئك يلعنهـم ال ويلعنهـم اللعنون‪[ ‬البقرة‪]159 :‬‬
‫وللمفسرين أقوال مهمة ف تفسي هذه الية‪ :‬قال الطبي‪:‬‬
‫ص من الناس‪ ،‬فإنـها معنّ بـها كل كات علما فرض ال تعال بيانه‬
‫"وهذه الية وإن كانت نزلت ف خا ّ‬
‫للناس‪ ،‬وذلك نظ ي ال ب الذي روي عن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم أ نه قال‪ [ :‬من سئل عن علم يعل مه‬
‫ل َم يوم القيامة بلجام من نار]" ‪.2‬‬
‫فكتمه‪ ،‬أُ ِ‬
‫‪ - 1‬رواه البخاري ف الامع الصحيح‪ ،‬كتاب الفت ‪.8/95‬‬
‫‪ - 2‬تفسي الطبي‪ ،‬دار العارف بصر‪ ،3/252 :‬وخرج أحد شاكر الديث فقال‪ :‬هذا حديث صحيح رواه أحد ف السند‬
‫من حديث أب هريرة‪ ،‬وخرجناه ف شرح السند‪ ،‬وف صحيح ابن حبان بتحقيقنا‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫وقال صاحب النار‪:‬‬
‫"إن العبة ف الية هي أن حكمها عام وإن كان سببها خاصا‪ ،‬فكل من يكتم آيات ال وهدايته عن الناس‬
‫ف هو م ستحق لذه اللع نة‪ .‬ول ا كان هذا الوع يد وأشبا هه ح جة على الذ ين لب سوا لباس الد ين من ال سلمي‬
‫وانتحلوا الرئاسة لنفسهم بعلمه‪ ،‬حاولوا التفصي منه‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬إن الكتمان ل يتحقق إل إذا سئل العال‬
‫عن حكم ال تعال فكتمه‪ ،‬وأخذوا من هذا التأويل قاعدة هي أن العلماء ل يب عليهم نشر ما أنزل ال تعال‬
‫ودعوة الناس إليه وبيانه لم‪ ،‬وإنا يب على العال أن ييب إذا سئل عما يعلمه وزاد بعضهم‪ :‬إذا ل يكن هناك‬
‫عال غيه وإل كان له أن ييل على غيه‪.‬‬
‫وهذه القاعدة مسلمة عند أكثر النتسبي إل العلم اليوم وقبل اليوم بقرون‪ ،‬وقد رد ها أهل العلم الصحيح‬
‫فقالوا‪ :‬إن القرآن الكر ي ل يك تف بالوع يد على الكتمان‪ ،‬بل أ مر ببيان هذا للناس‪ ،‬وبالدعوة إل ال ي وال مر‬
‫بالعروف والنهي عن النكر‪ ،‬وأوعد من يترك هذه الفريضة‪ ،‬وذكر لم العب فيما حكاه عن الذين قصروا فيها‬
‫من قبل‪ ...‬وختم كلمه بقوله‪:‬‬
‫ما ورد عن تدافع علماء السلف ف الفتوى فإنا هو ف الوقائع العملية الجتهادية‪ ،‬الت تعرض للناس‪ ،‬ل ف‬
‫الدعوة إل مقاصد الدين الثابتة بالنصوص وسياجها من المر بالعروف والنهي عن النكر" ‪.1‬‬
‫إن العلماء العنييـ ل يهلون هذه الحكام التـ عرضناهـا‪ ،‬ومـع ذلك فقـد سـئلوا وأل عليهـم السـائلون‬
‫فكتموا ما أوجب ال عليهم بيانه والصدع به‪ ،‬وسكتوا عن بيان قواعد الدين وإسقاطها على الواقع خوفا من‬
‫السلطان‪ ،‬وال جلّ وعل أحق بالوف والشية من أعت سلطي أهل الرض‪ ،‬وهذه وال هي الفتنة!!‪.‬‬
‫وإذا ك نا نت فق مع الخالف ي ف القتداء بأئ مة ال سلف‪ ،‬فل بأس من التذك ي بش يء من فهم هم للن صوص‬
‫النفة الذكر‪ ،‬مع الشارة إل بعض مواقفهم ف إنكار النكر وعدم كتمان العلم‪:‬‬
‫‪ - 1‬أ بو حني فة النعمان‪ :‬ر فض العطيات ال ت كان يعرض ها عل يه أ بو جع فر الن صور‪ ،‬وقال لر سول‬
‫الليفة‪" :‬ما وصلن أمي الؤمني ف ماله بشيء فرددته‪ ،‬ولو وصلن بذلك لقبلته إنا أوصلن أمي الؤمني من‬
‫بيت مال السلمي ول حق ل ف بيت مالم‪ ،‬إن لست من يقاتل من ورائهم‪ ،‬فآخذ ما يأخذه القاتل‪ ،‬ولست‬
‫من ولدانـهم فآخذ ما يأخذه الولدان‪ ،‬ولست من فقرائهم فآخذ ما يأخذه الفقراء"‪.‬‬

‫‪ - 1‬تفسي النار‪.2/51 :‬‬
‫‪12‬‬

‫ورفض رئاسة القضاء‪ ،‬وعُذب من أجل ذلك‪ ،‬فكان رده على النصور‪ ..." :‬إن هذا دعان للقضاء فأعلمته‬
‫أن ل أصلح‪ ،‬ول يصلح للقضاء إل رجل يكون له نفس يكم بـها عليك‪ ،‬وعلى ولدك وقوادك‪ ،‬وليس تلك‬
‫النفس ل‪ ،‬إنك لتدعون فما ترجع نفسي حت أفارقـك"‪.1‬‬
‫‪ - 2‬مالك بن أنس‪ :‬بدأت منة المام مالك ف درس من دروسه الت كان يقررها ف السجد النبوي‬
‫بالدي نة‪ ،‬وذلك عند ما شرح حد يث رسـول ال صـلى ال عل يه و سلم‪" :‬ليـس على م ستكره طلق" ووجـد‬
‫الناوئون لكم أب جعفر النصور ف هذا الديث مستندا قويا على التحلل من بيعته لنـها جاءت عن طريق‬
‫الكراه‪ ،‬إذ قاسوا البيعة على الطلق‪ ،‬فقالوا‪" :‬وليس على مستكره بيعة"‪.‬‬
‫ووجد النصور وولته خطرا عليهم ف نشر هذا الديث‪ ،‬فحاولوا منع المام مالك من التحدث به‪ ،‬فما‬
‫استجاب لم رغم تعرضه للضرب والهانة وأب كتم العلم‪. 2‬‬
‫‪ - 3‬سفيان الثوري‪ :‬عن سفيان الثوري قال‪ :‬دخلت على أ ب جع فر ب ن‪ ،‬فقال ل‪ :‬ار فع حاج تك‪.‬‬
‫فقلت له‪ :‬اتق ال! فإنك قد ملت الرض جورا وظلما‪ ،‬قال‪ :‬فطأطأ رأسه‪ ،‬ث رفع وقال‪ :‬ارفع لنا حاجتك‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬إنا أنزلت هذه النـزلة بسيوف الهاجرين والنصار‪ ،‬وأبناؤهم يوتون جوعا‪ ،‬فاتق ال وأوصل إليهم‬
‫حقوقهم‪ .‬قال‪ :‬فطأطأ رأسه ث رفع وقال‪ :‬ارفع إلينا حاجتك‪ .‬قلت‪ :‬حج عمر بن الطاب رضي ال عنه فقال‬
‫لازنه‪ :‬كم أنفقت؟ قال‪ :‬بضعة عشر درها‪ ،‬وأرى هاهنا أمورا ل تطيق المال حلها‪.‬‬
‫وكانت له مواقف قوية مع الهدي الذي عهد إليه بقضاء الكوفة‪ ،‬فأخذ العهد ومزقه بعد أن غادر ديوان‬
‫اللفة‪ ،‬وغاب عن أنظار الناس‪ ،‬فطلب ف كل بلد‪ ،‬ومات عام ‪ 161‬هـ مستخفيا بالبصرة‪.‬‬
‫و عن ي ي بن يان قال‪ :‬سعت سفيان يقول‪ :‬العال طبيب الد ين‪ ،‬والدر هم داء الد ين‪ ،‬فإذا اج تر ال طبيب‬
‫الداء إليه مت يداوي غيه‪ .‬هذا هو سفيان الثوري الذي قال عنه شعبة‪ :‬أصحاب الذاهب الثلثة‪ :‬ابن عباس ف‬
‫زمانه‪ ،‬والشعب ف زمانه‪ ،‬والثوري ف زمانه‪ ،‬وقال عنه المام أحد‪ :‬ل يتقدمه ف قلب أحد‪ .‬ث قال‪ :‬تدري من‬
‫المام؟ المام سفيان الثـوري‪.3‬‬
‫‪ - 1‬انظر تاريخ بغداد‪ ،13/328 :‬والناقب للمكي‪.1/215 :‬‬
‫‪ - 2‬البداية والنهاية‪ 10/174 :‬و ‪ ،10/84‬وكتاب السلم بي العلماء والكام للشيخ عبد العزيز البدري‪ ،‬ص‪.155 :‬‬
‫‪ - 3‬البداية والنهاية‪ ،10/134 :‬وتذكرة الفاظ‪ ،1/204 :‬وما رواه ال ساطي ف عدم الج يء إل ال سلطي‪ ،‬لل سيوطي‪ ،‬دار‬
‫ابن حزم‪ ،‬ص‪.83 :‬‬
‫‪13‬‬

‫‪ - 4‬أحمد بن حنبل‪ :‬أصدر الليفة الأمون أمره لواليه على بغداد ‪ -‬إسحاق بن إبراهيم ‪ -‬بضرب عنق‬
‫كل من يالف اعتقاده بلق القرآن الكري‪ ،‬وأخذ العلماء بالرخص إل أربعة منهم‪ :‬أحد بن حنبل وممد بن‬
‫نوح وعبيـد ال القواريري وسـجادة‪ ،‬فأدخلوا السـجن مصـفدين بالغلل‪ ،‬وفـ اليوم التال جيـء بــهم إل‬
‫حا كم بغداد لعادة ال سؤال علي هم‪ ...‬فأجاب سجادة ب ا ينج يه ول ق القواريري ب صاحبه‪ ،‬فأطلق سراحهما‪،‬‬
‫وبقي ابن حنبل وابن نوح‪.‬‬
‫أما ابن نوح فمات سجينا ف [عانة] ‪ -‬وهي بلدة عراقية ‪ ،-‬وأما المام أحد فنقلوه من سجن لخر حت‬
‫انتهى الطاف به ف سجن الياسرية ببغداد‪ ،‬ث نقلوه إل حبس العامة ف درب الوصلية‪ ،‬وف هذا السجن طرح‬
‫ثانية وعشرين شهرا‪ ،‬وجلد أكثر من ألف سوط‪ ،‬وسالت دماؤه وأشرف على الوت دون أن ينتزع منه الطغاة‬
‫أي اعتراف ببدعتهم‪ ،‬ومن أقواله الأثورة‪:‬‬
‫"ياعم [عمه إسحاق بن حنبل] إذا أجاب العال تقية والاهل يهل‪ ،‬مت يتبي الق؟"‪ .‬ولا دخل عليه يي‬
‫بن معي يعوده ف مرضه‪ ،‬ل يرد عليه السلم‪ ،‬فمازال ابن معي يعتذر بقوله ال تعال ‪‬إل من أكره وقلبه مطمئن‬
‫باليان [النحل‪ ،]106 :‬وبديث عمار‪ ،‬فقلب أحد وجهه إل الانب الخر‪ ،‬فقال يي‪ :‬ل يقبل عـذرا‪.‬‬
‫‪‬‬
‫فل ما خرج ي ي قال أح د‪ :‬ي تج بد يث عمار‪ ،‬وحد يث عمار‪ :‬مررت ب ـهم و هم ي سبونك فنهيت هم‬
‫فضربو ن‪ ،‬وأن تم ق يل ل كم‪ :‬نر يد أن نضرب كم‪ ،‬فقال ي ي‪ :‬وال ما رأ يت ت ت أد ي ال سماء أف قه ف د ين ال‬
‫منـك‪.‬‬
‫شهد المام أحد رحه ال هلك الأمون ث العتصم ث الواثق الذي خشي من قوة شعبية ابن حنبل فمنعه من‬
‫التدريس‪ ،‬وفرض عليه القامة البية ف منـزله‪ ،‬ث جاء التوكل فأزال الغمة‪ ،‬وفك أسر السجوني‪ .‬ونصر ال‬
‫أهل السنة والماعة ‪.1‬‬
‫‪ - 5‬البخاري‪ :‬طلب خالد بن أح د الذهلي ‪ -‬أم ي خرا سان ‪ -‬من المام البخاري أن ي ضر إل يه من‬
‫بلده بارى ليسمع أولده منه [أي ليعلمهم وهذا ما يتمناه ويسعى إليه كثي من العلماء ف هذا العصر وغيه]‪،‬‬
‫فأب أن يذهب‪ ،‬وقال لرسول المي‪" :‬ف بيت يؤتى العلم"‪ ،‬وكان ذلك سببا ف حقد المي عليه‪ ،‬وف نفيه من‬
‫بلده بارى إل بلدة [خرتنـك] على بعـد فرسـخي مـن سـرقند‪ .‬وعندمـا توفاه ال فـ هذا النفـى عـم بغداد‬
‫‪1‬‬

‫ البداية والنهاية ‪ ،12/168‬وطبقات الشافعية ‪ ،2/37‬وسي أعلم النبلء ‪ ،11/177‬ومموعة التوحيد ص‪ ،343 :‬والسلم‬‫بي العلماء والكام للبدري‪.‬‬
‫‪14‬‬

‫ال ستياء‪ ،‬وطالبوا بالثأر للمام البخاري من أم ي خرا سان‪ ،‬وكان ل م ما أرادوا ف قد انت قم ال من هذا الظال‪،‬‬
‫ومات ف سجن بغداد‪.1‬‬
‫‪ - 6‬النووي‪ :‬يقول علء الدين بن العطار تلميذ المام النـووي‪:‬‬
‫"وكان ذ النووي ذ مواجها للملوك والبابرة‪ ،‬ول تأخذه ف ال لو مة لئم‪ ،‬وكان إذا ع جز عن الواج هة؛‬
‫كتب الرسائل‪ ،‬وتوصل إل إبلغها‪ ،‬فمما كتبه وأرسلن ف السعي فيه وهو يتضمن العدل ف الرعية‪ ،‬وإزالة‬
‫الكوس عنهم‪ … 2‬فكان جواب السلطان بالنكار والتوب يخ والتهديد‪ ،‬فك تب رح ه ال جوابا لذلك الواب‪،‬‬
‫وما جاء فيـه‪:‬‬
‫"… وقـد أوجـب ال إيضاح الحكام عنـد الاجـة إليهـا‪ ،‬فقال تعال‪ :‬وإذ أخـذ ال ميثاق الذيـن أتوا‬
‫الكتاب لتبيننه للناس ول تكتمونه‪ ،‬فوجب علينا حينئذ بيانه‪ ،‬وحُرّم علينا السكوت" ‪.3‬‬
‫وقال أيضا ما موجزه‪:‬‬
‫"ول َيحِلّ أن ُيؤْ خذ من الرع ية ش يء ما دام ف ب يت الال ش يء‪ ،‬من ن قد‪ ،‬أو متاع‪ ،‬أو أرض‪ ،‬أو ضياع‬
‫تباع‪ ،‬أو غ ي ذلك‪ ...‬وهؤلء علماء السلمي ف بلد السلطان ‪ -‬أ عز ال أنصاره ‪ -‬متفقون على هذا‪ ،‬وبيت‬
‫الال بمد ال معمور"‪.‬‬
‫وقال ف رده على تـهديد السلطان‪:‬‬
‫"وأما تـهديد الرعية بسبب نصيحتنا‪ ،‬وتـهديد طائفة؛ فليس هو الرجو من عدل السلطان وحلمه! وأي‬
‫حيلة لضعفاء ال سلمي الفرق ي ف أقطار ول ية ال سلطان ف كتاب كت به ب عض ال سلمي النا صحي ن صيحة‬
‫للسلطان ولم‪ ،‬ول علم لم به؟ وكيف يؤاخذون به لو كان فيه ما يلم عليه؟!"‪.‬‬
‫"وأما أنا ف نفسي؛ فل يضرّن التهديد‪ ،‬ول أكب منه‪ ،‬ول ينعن ذلك من نصيحة السلطان‪ ،‬فإن أعتقد أن‬
‫هذا واجب علي وعلى غيي‪ ،‬و ما ترتب على الواجب؛ فهو خ ي وزيادة عند ال تعال؛ ‪‬إنا هذه الياة الدن يا‬
‫‪ - 1‬وفيات العيان‪ ،3/329 :‬والبداية والنهاية‪.11/24 :‬‬
‫‪ - 2‬كتب معه ف ذلك‪ :‬شيخ السلم عبد الرحن بن أب عمر شيخ النابلة‪ ،‬والشيخ العلمة عبد السلم بن عمر الزواوي‬
‫شيخ الالكية‪ ،‬والشيخ الفت ممد بن عبد الكري الرستان خطيب دمشق وابن خطيبها‪ ،‬وجاعة آخرون‪.‬‬
‫‪ 3‬يضاف قول النووي هذا إل الدلة السابقة الت ذكرناها قبل صفحات قليلة عن وجوب إيضاح الحكام عند الاجة إليها‪.‬‬
‫‪15‬‬

‫القرار ‪،‬وأفوض أمري إل ال إن ال بصي بالعباد‪ ،‬وقد أمرنا رسول ال صلى ال عليه‬
‫‪‬‬
‫متاع وإن الخرة هي دار‬
‫وسلم أن نقول بالق حيث ما كنا‪ ،‬وأن ل ناف ف ال لومة لئم"‪.‬‬
‫وما كتبه لا احتيط على أملك دمشق ‪ -‬حرسها ال تعال ‪ -‬بعد إنكاره مواجهة السلطان الظاهر‪ ،‬وعدم‬
‫إفادته وقبوله‪:‬‬
‫"ولقد لق السلمي بسبب هذه الوطة على أملكهم أنواع من الضرر‪ ،‬ل يكن التعبي عنها‪ ،‬وطلب منهم‬
‫ت ل يلزمهم‪ ،‬فهذه الوطة ل َتحِ ّل عند أحد من علماء السلمي‪ ،‬بل من ف يده شيء فهو ملكه ل يل‬
‫إثبا ٌ‬
‫العتراض عليه‪ ،‬ول يكلف بإثباته" ‪.1‬‬
‫إنـه ل شيـء كان ينـع المام النووي رحهـ ال مـن وقوف هذه الواقـف الريئة‪ ،‬لنـه رفـض اللقاب‬
‫والوظائف‪ ،‬ونأى بنف سه عن مالس المراء وال سلطي‪ ،‬وكان طعا مه خشنا‪ ،‬ويكت في بأكلة واحدة ف اليوم‪،‬‬
‫وينام ف غرفة بدرسة الرواحية‪ ،‬ول يكن له أبناء ول زوجة‪ ،‬فأي شيء يشده ‪ -‬رحه ال ‪ -‬إل مفاتن الدنيا‬
‫وشهواتـها؟!‪.‬‬
‫‪ - 7‬العز بن عبد السلم‪ :‬استعان اللك إساعيل بن العادل بالصليبيي ضد أخيه نم الدين سلطان‬
‫مصر‪ ،‬وأعطاهم مقابل ذلك صيدا [حسب رواية السبكي] وقلعة صفد وغيها [حسب رواية القريزي]‪ ،‬ث‬
‫سح للصليبيي بدخول دمشق بقصد شراء السلح وسائر آلت الرب‪.‬‬
‫وقف سلطان العلماء العز بن عبد السلم بوجه هذه اليانة ‪ 2‬وأفت بتحري بيع السلح‪ ،‬ث صعد منب الامع‬
‫الموي حيث كان خطيبه الرسي وأعلن فتواه الشهورة بتحري بيع السلح للصليبيي ث قطع من الطبة الدعاء‬
‫لل سلطان إ ساعيل‪ ،‬وهذا يع ن نزع البي عة له ث راح يد عو الدعاء التال والناس يضجون بالتأم ي على دعائه‪:‬‬
‫"الل هم أبرم لذه ال مة إبرام ر شد يُعزُ ف يه أولياءك‪ ،‬وتذل ف يه أعداءك‪ ،‬ويع مل ف يه بطاع تك‪ ،‬وين هى ف يه عن‬
‫معصيتك"‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫ تفة الطالبي ف ترجة المام مي الدين‪ ،‬لتلميذه علء الدين علي بن إبراهيم بن العطار التوف عام ‪ ،724‬دار الصميعي‪،‬‬‫الرياض‪.‬‬
‫ أكثر من هذا يدث اليوم ف كل بلد إسلمي‪ ،‬ول ند عالا واحدا من كبار علماء السلطي يقفون الوقف الذي وقفه العز‬‫بن عبد السلم فإنا ل وإنا إليه راجعون‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫كان السلطان الصال إساعيل خارج دمشق‪ ،‬وعندما جاءه الب أمر بعزل الشيخ ابن عبد السلم من خطبة‬
‫المعة ومن سائر وظائفه‪ ،‬واعتقاله مع صاحبه الشيخ ابن الاجب الالكي لشتراكه معه ف هذا النكار‪ ،‬ث لا‬
‫قدم دمشق أمر بالفراج عنهما‪ ،‬وفرض القامة البية على العز بن عبد السلم‪.‬‬
‫إذا شئنا الديث عن وظائف العز بن عبد السلم الت عزل عنها بلغة هذا العصر‪ ،‬فهي‪ :‬وزارة العارف‪،‬‬
‫ووزارة الوقاف والشؤون السلمية‪ ،‬ووزارة العلم‪ ،‬أو معظم أقسام هذه الوزارات‪ ،‬وهذا ما ل يطمع به أي‬
‫عال من علماء السلطي اليوم‪ ،‬ومع ذلك فهو ل يتردد ف التخلي عنها إرضاء ل سبحانه وتعال‪ .‬يقول تلميذه‬
‫القرا ف أن ب عض أرباب الدولة ك تب إل يه ي ضه على الجتماع بلك وقت هم‪ ،‬والتردد إل يه ليكون ذلك مقيما‬
‫لاهه وكابتا لعدوه‪ ،‬فقال‪" :‬قرأت العلم لكون سفيا بي ال وبي خلقه وأتردد إل أبواب هؤلء؟!"‪.‬‬
‫ولا كان التطبيق العملي يبي معادن الرجال‪ ،‬ويكشف ما تكنه الصدور‪ ،‬فإن رد العز بن السلم على بعض‬
‫خواص السلطان الذين جاؤوه يعرضون عليه العتذار مقابل العودة إل وظائفه الغرية خي دليل على أنه يتبع‬
‫القول العمل‪.‬‬
‫قالوا له‪ :‬بينك وبي أن تعود إل مناصبك وما كنت عليه أن تنكسر للسلطان وتقبل يده ل غي‪.‬‬
‫قال‪ :‬وال ما أرضاه أن يقبل يدي فضلً عن أن أقبل يده‪ .‬يا قوم أنتم ف واد وأنا ف واد‪ ،‬المد ل الذي‬
‫عافان ما ابتلكم به‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬يا شيخ قد رسم لنا أن توافق على ما يطلب منك‪ ،‬وإل اعتقلنـاك‪.‬‬
‫ل ف خيمة ماورة ليمة السـلطان‪.‬‬
‫قال‪ :‬افعلوا ما بدا لكم‪ ،‬ث أخذوه معتق ً‬
‫وقعت الرب بي الخوين‪ ،‬وأسفرت عن انتصار السلطان نم الدين أيوب على السلطان إساعيل وحلفائه‬
‫الصليبيي‪ .‬ونا الشيخ ابن عبد السلم من السر‪ ،‬ث دخل مصر معززا مكرما‪ ،‬وتول منصب قاضي القضاة‬
‫فيها‪ ...‬ولكن‪ :‬هل أخلد الشيخ إل الراحة‪ ،‬وشغله منصبه الرفيع عن المر بالعروف والنهي عن النكر؟‪ ،‬وعنده‬
‫مسوغات كثية لو شاء اتاذ مثل هذا القرار‪.‬‬
‫يقول السبكي‪ :‬ل يثبت عند الشيخ أن أمراء الدولة التراك أحرار‪ ،‬ولذا فإن حكم الرق مستصحب عليهم‬
‫لبيت مال السلمي‪ ،‬وقام الشيخ بإبلغهم ذلك‪.‬‬
‫استشاط نائب السلطنة غضبا‪ ،‬وركب بنفسه ف جاعته‪ ،‬وجاء إل بيت الشيخ‪ ،‬ث طرق بابه وسيفه مسلول‬
‫بيده‪ ،‬فخرج ولد الشيـخ‪ ،‬وهاله مـا رأى‪ ،‬فعاد إل أبيـه وشرح له الال‪ ،‬فمـا اكترث الشيـخ لذلك ول تغيـ‪،‬‬
‫‪17‬‬

‫وقال‪ :‬يا ولدي أبوك أقل من أن يقتل ف سبيل ال‪ ،‬ث خرج‪ ،‬فسقط السيف من يد نائب السلطنة عندما وقع‬
‫بصر الشيخ عليه‪ ،‬وأرعدت مفاصله‪ ،‬فبكى النائب‪ ،‬وسأل الشيخ أن يدعو له‪ ،‬ث قال‪ :‬يا سيدي خي‪ ،‬أي شي‬
‫تع مل؟‪ .‬قال‪ :‬أنادي عليكم وأبيع كم‪ ،‬قال‪ :‬ففي مَ تصرف ثن نا؟‪ .‬قال‪ :‬ف م صال ال سلمي‪ ،‬قال‪ :‬من يقب ضه؟‪.‬‬
‫قال‪ :‬أنـا‪.‬‬
‫وأخيا ف قد ت للش يخ ما أراد ح يث نادى على المراء واحدا واحدا‪ ،‬وغال ف ثنهم‪ ،‬وقبضه و صرفه ف‬
‫وجوه الي‪ ،‬رحم ال سلطان العلماء‪ ،‬وجزاه عن السلم والسلمي كل خي‬

‫‪1‬‬

‫‪1‬‬

‫ اختصرت الروايات الت تدثت عن بيع الشيخ لماليك مصر‪ ،‬والصادر الت اعتمدت عليها هي‪ :‬ما رواه الساطي ف عدم‬‫الج يء إل ال سلطي لل سيوطي‪ ،‬وطبقات الشافع ية لل سبكي‪ ،5/84 :‬وال سلوك للمقريزي‪ ،1/303 :‬وفوات الوفيات‪،1/596 :‬‬
‫والسلم بي العلماء والكام‪.‬‬
‫‪18‬‬

‫شيخ السلم ابن تيمية‬
‫ل ف عرض أهم مواقف شيخ السلم ابن تيمية للسببي التاليي‪:‬‬
‫توسعت قلي ً‬
‫الول‪ :‬نن وكثي من الخالفي الذين يتمسكون بالنهج السلفي متفقون على أنه ل يبز ف القرون الت‬
‫تلت عصـر ابـن تيميـة إمام مثله‪ ،‬ول نقرأ لخالفينـا هؤلء ردا علميا ينقـض هذه الواقـف‪ ،‬وكـل الذي نعرفـه‬
‫إعجابـهم بـها وتقديرهم لا‪ ،‬والستشهاد بـها فيما يكتبون ويدرّسون‪.‬‬
‫الثان‪ :‬هناك تشابه بي عصرنا وعصر شيخ السلم‪ ،‬ففي العصرين تعرضت بلدان العال السلمي لجمات‬
‫صليبية ووثنية وباطنية‪ ،‬وأسفرت هذه الجمات عن احتلل بعض بلداننا‪.‬‬
‫‪ - 1‬موق فه من قازان‪ :‬أ سلم قازان‪ ،‬وت سمى بحمود‪ ،‬وكان يش هد الم عة‪ ،‬وأ سلم م عه خلق كث ي من‬
‫التتار‪ ،‬وكان ف جي شه وعاظ وم صلحون‪ ،‬وكان لل صالي من ال سلمي عند هم قدر‪ .‬قال صاحب خ طط‬
‫الشام‪ …" :‬قال صـاحب التتـر‪ :‬إنـه حارب حكام مصـر والشام لنــهم خارجون عـن طريـق الديـن غيـ‬
‫متمسكي بأحكام السلم… هذا هو قازان‪ 1‬الذي أصدر بقه وحق جيشه فتواه الشهورة‪ ،‬أما عن لقائه مع‬
‫قازان وماذا قال له؟‪ ،‬يقول الشيخ عمر ابن أب بكر البالسي وهو أحد أعضاء الوفد‪:‬‬
‫"قال شيخ السلم للترجان قل لقازان‪ :‬أنت تزعم أنك مسلم ومعك مؤذنون وقاضي وإمام وشيخ على ما‬
‫بلغنا فغزوتنا وبلغت بلدنا على ماذا؟ وأبوك وجدك هلكو كانا كافرين وما غزوا بلد السلم‪ ،‬بل عاهدوا‬
‫قومنا‪ ،‬وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت‪.‬‬
‫قال ‪ -‬أي البالسي ‪ : -‬وقرب إل الماعة طعاما فأكلوا منه إل ابن تيمية‪ ،‬فقيل له‪ :‬أل تأكل؟ قال‪ :‬كيف‬
‫آكل من طعامكم وكله ما نـهبتم من أغنام الناس وطبختموه با قطعتم من أشجار الناس‪ ،‬قال‪ :‬ث إن قازان‬
‫طلب منه الدعاء‪ ،‬فقال ف دعائه‪ :‬اللهم إن كان هذا عبدك ممود إنا يقاتل لتكون كلمتك هي العليا وليكون‬
‫الدين كله ل فانصره وأيده وملكه البلد والعباد‪ ،‬وإن كان إنا قام ريا ًء وسعة وطلبا للدنيا ولتكون كلمته هي‬
‫العليا وليذل السلم وأهله فاخذله وزلزله ودمره واقطع دابره‪.‬‬
‫قال البالسي‪ :‬وقازان يؤمن على دعائه‪ ،‬ويرفع يديه‪ .‬قال‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫ذ قازان بـهذه الصفات الت توفرت فيه أحسن دينا من أكثر الكام العاصرين‪ ،‬وبشكل أخص الذين منعوا الجاب الشرعي ف‬
‫العاهد والامعات وسائر مؤسسات الدولة‪ ،‬أو الذين ينعون بعض الظاهر الشرعية‪ ،‬أو الذين يضطهدون كل من يطالب بتحكيم‬
‫شرع ال‪ ،‬وغي ذلك كثي وكثي جدا‪.‬‬
‫‪19‬‬

‫فجعلنا نمع ثيابنا خوفا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فلما خرجنا من عنده قال له قاضي القضاة نم الدين بن صصري وغيه‪:‬‬
‫كدت أن تـهلكنا وتـهلك نفسك‪ ،‬وال ل نصحبك من هنا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫وأنا وال ل أصحبكم‪ ،‬قال‪ :‬فانطلقنا عصبة وتأخر هو ف خاصة نفسه ومعه جاعة من أصحابه‪ ،‬فتسامعت‬
‫به الواقي والمراء من أصحاب قازان فأتوه يتبكون بدعائه‪ ،‬وهو سائر إل دمشق‪ ،‬وينظرون إليه‪ ،‬قال‪ :‬وال‬
‫ما وصل دمشق إل ف نو ثلثمائة فارس ف ركابه‪ ،‬وكنت أنا من جلة من كان معه‪ ،‬وأما أولئك الذين أبوا أن‬
‫يصحبوه فخرج عليهم جاعة من التتر فشلحوهم عن آخرهم‪. 1‬‬
‫‪ -2‬جهاده‪ :‬كان رح ه ال عالا ماهدا شجاعا ل ي شى الوت‪ ،‬يقول المام م مد ا بن ع بد الادي عن قتال‬
‫الشيخ ف معركة " َشقْحب" الشهورة‪:‬‬
‫"وبقي الشيخ رضي ال عنه هو وأخوه وأصحابه ومن معه من الغزاة قائما بظهوره وجهاده وَلمّةِ حربه‪ ،‬يوص‬
‫الناس بالثبات ويعدهـم بالنصـر‪ ،‬ويبشرهـم بالغنيمـة‪ ،‬والفوز بإحدى السـنيي إل أن صـدق ال وعده‪ ،‬وأعـز‬
‫جنده‪ ،‬وهزم التتار وحده‪ ،‬ونصر الؤمني…‬
‫ل معهم‪ ،‬عالية‬
‫"ودخل جيش السلم النصور إل دمشق الحروسة والشيخ ف أصحابه شاكيا ف سلحه‪ ،‬داخ ً‬
‫كلم ته‪ ،‬قائ مة حج ته‪ ،‬ظاهرة ولي ته‪ ،‬مقبولة شفاع ته… و هو مع ذلك يقول للمداح ي له‪ :‬أ نا ر جل ِملّة‪ ،‬ل‬
‫رجل دولة‪.‬‬
‫"ولقد أخبن حاجب من الجاب الشاميي [ل يزال الكلم لبن عبد الادي]‪ ،‬أمي من أمرائهم‪ ،‬ذو دين‬
‫متي‪ ،‬وصدق لجة معروفة ف الدولة‪ ،‬قال‪ :‬قال ل الشيخ يوم اللقاء‪ ،‬ونن برج الصّفّر‪ ،‬وقد تراءى المعان‪:‬‬
‫يا فلن‪ ،‬أوقفن موقف الوت‪.‬‬
‫قال‪ :‬ف سقته إل مقابلة العدو‪ ،‬و هم منحدرون كال سيل تلوح أ سلحتهم من ت ت الغبار النع قد علي هم‪ .‬ث‬
‫قلت له‪ :‬يا سيدي‪ ،‬هذا موقف الوت‪ ،‬وهذا العدو‪ ،‬قد أقبل تت هذه الغَبَر ِة النعقدة‪ ،‬فدونك وما تريد‪.‬‬
‫قال‪ :‬فرفع طرفه إل السماء‪ ،‬وأشخص بصره‪ ،‬وحرّك شفتيه طويلً‪ ،‬ث انبعث وأقدم على القتال‪ .‬وأما أنا‬
‫فخيل إل أنه دعا عليهم وأن دعاءه استجيب منه ف تلك الساعة‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫ البداية والنهاية‪ ،14/89 :‬كما روى هذا الب الش يخ كمال الد ين بن أن ا ف "الكواكب الدر ية"‪ ،‬وكان من صحب ش يخ‬‫السلم ف لقائه مع قازان‪ ،‬وقال ابن كثي بعد أن ساق رواية البالسي‪" :‬وقد سعت هذه الكاية من جاعة غيه"‪.‬‬
‫‪20‬‬

‫قال‪ :‬ث حال القتال بين نا واللتحام‪ ،‬و ما عدت رأي ته‪ ،‬ح ت ف تح ال ون صر‪ ،‬واناز التتار إل ج بل صغي‪،‬‬
‫عصموا نفوسهم به من سيوف السلمي تلك الساعة وكان آخر النهار‪.‬‬
‫قال‪ :‬وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما‪ ،‬تريضا على القتال‪ ،‬وتويفا للناس من الفرار‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬يا سيدي‪ ،‬لك البشارة بالنصر‪ .‬فإنه قد فتح ال ونصر‪ ،‬وهاهم التتار مصورون بـهذا السفح‪ .‬وف‬
‫غد إن شاء ال تعال‪ ،‬يؤخذون عن آخرهم‪.‬‬
‫قال‪ :‬فحمد ال تعال‪ ،‬وأثن عليه با هو أهله‪ ،‬ودعا ل ف ذلك الوطن دعاء وجدت بركته ف ذلك الوقت‬
‫وبعده‪.‬‬
‫ب عد هذا النت صار الفا صل كان ل بد للم سلمي الجاهد ين من تأد يب‪ :‬الن صارى‪ ،‬والن صييي‪ ،‬والراف ضة‪،‬‬
‫والساعيليي الذين غدروا بالسلمي‪ ،‬وقدّموا جيع أنواع الدعم للغزاة‪ ،‬كما تعاونوا من قبل مع جحافل الغزاة‬
‫الصليبيي‪ ،‬وسوف تب قى الب هة الداخلية ضعيفة ومفككة إذا ترك ال بل على غاربيه لؤلء الونة العملء‪ .‬ل‬
‫سيما وأن شيخ السلم ابن تيمية ‪ -‬وهو البي بأساليب الباطنيي ‪ -‬يعلم حق العلم أن الرافضي البيث ابن‬
‫العلقمي ‪ -‬وزير الستعصم بال الستنصر آخر اللفاء العباسيي ‪ -‬استغل ثقة الليفة به‪ ،‬فقام بدور ل مثيل له‬
‫ف تارينا السلمي‪ :‬فهو من جهة كان يراسل "هولكو" الوثن قائد جيش التتار بعد احتلله ليران ويرّضه‬
‫على احتلل بغداد‪ ،‬ومن جهة أخرى فقد أشار على الستعصم الثول بي يدي هولكو عندما اقتربت جيوشه‬
‫من عاصمة السلم‪ ،‬ومن جهة ثالثة فقد أقنع القائد التتري بقتل الليفة‪ ،‬ففعل وقتل معه سبعمائة راكب من‬
‫القضاة والفقهاء و سائر أعيان الدولة وأركان ـها عند ما مثلوا ب ي يد يه‪ .‬ث د خل طاغ ية التتار بغداد يتقدم هم‬
‫الراف ضي ا بن العلق مي‪ .‬وزميله الراف ضي ن صي الد ين الطو سي الذي اتذه هول كو ليكون ف خدم ته كالوز ير‬
‫الشي… وف بغداد قتل التتار كل من قدروا عليه‪ :‬من الرجال والنساء والولدان والشايخ والكهول والشبان‪،‬‬
‫ود خل كث ي من الناس ف البار‪ ،‬وق ن الو سخ‪ ،‬وكمنوا كذلك أياما ل يظهرون‪ ،‬وكان الما عة من الناس‬
‫يتمعون إل الانات ويغلقون عليهـم البواب‪ ،‬فيفتحهـا التتار إمـا بالكسـر وإمـا بالنار‪ ،‬ثـ يدخلون عليهـم‬
‫فيهربون منهم إل أعال المكنة فيقتلونـهم بالسطحة حت يري اليازيب من الدماء بالزقة‪. 1‬‬
‫وق عت هذه الذب ة عام ‪ 656‬ه ـ‪ ،‬ولذا ف قد قدم والد ش يخ ال سلم إل دم شق وم عه ولداه عام ‪667‬‬
‫هـ … فكيف ينتظر من عال مثل ابن تيمية أن ل يستفيد من هذا الدرس الرير؟!‪.‬‬
‫وهاهنا يبز أمام الباحث الذي يستعرض النصوص التاريية سؤال يدعو إل الية والدهشة‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫ البداية والنهاية‪ ،‬أحداث سنة ‪ 656‬هـ‪ 13/200 :‬مع الختصار والتصرف اليسي‪.‬‬‫‪21‬‬

‫هل شيخ السلم ابن تيمية سلطان حاكم ف بلد الشام‪ ،‬أم هو عال اعتزل الوظائف ول يتقلد أي منصب‬
‫طوال سن عمره؟!‪.‬‬
‫ينقل ابن عبد الادي عن المي الاجب قوله‪:‬‬
‫" ث ل يزل الش يخ ب عد ذلك على زيادة ف الال والقال والاه‪ ،‬والتحق يق ف العلم‪ ،‬ح ت حرّك ال عزمات‬
‫نفوس ولة ال مر لقتال أ هل ج بل ك سروان‪ .‬و هم الذ ين بغوا وخرجوا على المام‪ ،‬وأخافوا ال سّبلُ وعارضوا‬
‫الارّين بـهم من اليش بكل سواء"‪.‬‬
‫"فقام الش يخ ف ذلك أ ت قيام‪ ،‬وك تب إل أطراف الشام ف الثّ على قتال الذكور ين‪ ،‬وأن ـها غزاة ف‬
‫سبيل ال"‪.‬‬
‫" ث ت هز هو ب ن م عه لغزو هم بال بل‪ ،‬صحبه ول ال مر نائب المل كة العظ مة‪ ،‬أ عز ال ن صره‪ ،‬واليوش‬
‫الشآمية‪ ،‬النصورة‪ ،‬وما زال مع ول المر ف حصارهم وقتالم‪ ،‬حت فتح ال البل‪ ،‬وأجلى أهله‪ .‬وكان من‬
‫أصعب البال‪ ،‬وأشقها ساحة‪ .‬وكانت اللوك التقدمة ل تقدم على حصاره‪ ،‬مع علمها با عليه أهله من البغي‬
‫والروج على المام والعصيان‪ ،‬وليس إل لصعوبة السلك‪ ،‬ومشقة النـزول عليهم"‪.‬‬
‫"وكان فتحه أحد الكرمات والكرامات العدودة للشيخ‪ ،‬لسببي على ما يقوله الناس‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬لكون أهل هذا البل بغاة رافضة سبّابةً تعيّن قتالم‪.‬‬
‫والثا ن‪ :‬لن ج بل ال صالية ل ا ا ستولت الراف ضة عل يه ‪ -‬ف حال ا ستيلء الطاغ ية قازان ‪ -‬أشار ب عض‬
‫كبائهم بن هب ال بل‪ ،‬و سب أهله وقتل هم‪ ،‬وتر يق م ساكنهم‪ ،‬انتقاما من هم لكون ـهم سنّيّة‪ ،‬و ساهم ذلك‬
‫الشي‪ :‬نواصب‪ ،‬فكان ما كان من أمر جبل الصالية بذلك القول‪ ،‬وتلك الشارة"‪.‬‬
‫"قالوا‪ :‬فكوفئ الرافضة بثل ذلك‪ ،‬بإشارة كبي من كباء أهل السنة وزنا بوز نٍ‪ ،‬جزا ًء على يد ول المر‪،‬‬
‫وجيوش السلم‪.‬‬
‫والشي الذكور‪ :‬هو الشيخ‪ 1‬الشار إليه"‪.‬‬
‫"ول ا ف تح ال بل‪ ،‬و صار ال يش ب عد الف تح إل دم شق الحرو سة ع كف خاص الناس وعام هم على الش يخ‬
‫بالزيارة والتسليم عليه‪ ،‬والتهنئة بسلمته‪ ،‬والسألة له منهم عن كيفية الصار للجبل‪ ،‬وصورة قتال أهله‪ ،‬وعما‬
‫وقع بينهم وبي اليوش من الراسلت‪ ،‬وغيها‪ ،‬فحكى الشيخ ذلك"‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫ أي الرافضي نصي الدين الطوسي‪.‬‬‫‪22‬‬

‫"وكان توجه الشيخ تقي الدين رضي ال عنه إل الكسروانيي ف مستهل ذي الجة من سنة أربع وسبعمائة‬
‫وصحبه المي قراقوش‪ ،‬وتوجه نائب السلطنة‪ ،‬المي جال الد ين الفرم‪ ،‬بن تأخر من عسكر دمشق إليهم‪،‬‬
‫لغزوهم واستئصالم ف ثان شهر الحرم من سنة خس وسبعمائة‪ ،‬وكان قد توجه قبله العسكر‪ ،‬طائفة بعد‬
‫طائفة ف ذي الجة"‪.‬‬
‫"و ف يوم الم يس سابع ع شر و صل النائب والع سكري م عه إل دم شق‪ ،‬ب عد أن ن صرهم ال تعال على‬
‫حزب الضلل من الروا فض والن صيية وأ صحاب العقائد الفا سدة‪ ،‬وأباد هم ال من تلك الرض‪ ،‬وال مد ل‬
‫رب العالي"اهـ‪.1‬‬
‫‪ -3‬أمره بالعروف ونـهيه عن النكر‪ :‬يتحدث ابن كثي عن هزية السلمي أمام قازان‪ ،‬وجيشه ف سنة‬
‫تسع وتسعي وستمائة فيقول‪:‬‬
‫"ول السلطان هاربا فإ نا ل وإ نا إليه راجعون‪ ،‬وق تل جا عة من المراء وغي هم… وكان أ هل دمشق ف‬
‫خوف شد يد على أنف سهم وأهلي هم وأموال م… وهرب جا عة من أعيان البلد وغي هم إل م صر‪ ،‬كالقا ضي‬
‫إمام الد ين الشاف عي‪ ،‬وقا ضي الالك ية الزواوي‪ ،‬وتاج الد ين الشيازي‪ ،‬وعلم الد ين ال صواب وال الب‪ ،‬وجال‬
‫الد ين بن النحاس وال الدي نة‪ ،‬والحت سب وغي هم من التجار والعوام‪ ،‬وب قي البلد شاغرا ل يس في هم حا كم‬
‫سوى نائب القلعة"‪.‬‬
‫"و ف ليلة ال حد ثا ن رب يع الول ك سر الحبو سون ب بس باب ال صغي ال بس وخرجوا م نه على حيّة‪،‬‬
‫وتفرقوا ف البلد‪ ،‬وكانوا قريبا من مائت رجل‪ ،‬فنهبوا ما قدروا عليه‪ ،‬وجاؤوا إل باب الابية فكسروا أقفال‬
‫الباب البان وخرجوا منه إل بر البلد… ث يتحدث عن كسر أبواب البساتي‪ ،‬وقلع البواب والشبابيك‪ ،‬وعن‬
‫غلء السعار وغي ذلك"‪. 2‬‬
‫تلفتت دمشق ف هذه اليام العصيبة‪ ،‬فلم تد إل عالها الشجاع ابن تيمية‪ ،‬الذي أرسل إل نائب القلعة من‬
‫يقول له‪ :‬لو ل يبق فيها إل حجر واحد فل تسلمهم ذلك إن استطعت‪ ،‬وعندما أقبل علماء السوء نو قازان‬
‫يطبون له على النابر‪ ،‬ويظون بشيء من ذهبه وفضته‪ ،‬كان شيخ السلم مشغول با يدخل المان على قلوب‬
‫الناس الائف ي‪ ،‬و ما كان يف كر با صة نف سه‪ ،‬ف هو من ج هة ياول مقابلة قازان مرة أخرى ل خذ المان م نه‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ الكواكب الدرية‪ ،‬ص‪ ،182 :‬ومنه نقلت ما كتبته عن جهاد شيخ السلم ف موقعة "شقحب"‪.‬‬‫ البداية والنهاية‪ 14/6 :‬مع الختصار‪.‬‬‫‪23‬‬

‫وعندمـا يجبـه عنـه وزيره‪ ،‬يكرر الحاولة بعـد ارتال قازان عـن بلد الشام‪ ،‬وينجـح فـ مقابلة نائبـه "أميـ‬
‫بولئي" وت كن من ا ستنقاذ كث ي من أسرى ال سلمي‪ ،‬وكان من بي الذ ين ا ستنقذهم ال سرى من الشاميي‬
‫الذميي‪.‬‬
‫و من ج هة أخرى يدور كل ليلة على ال سوار يرض الناس على ال صب والقتال‪ ،‬ويتلو علي هم آيات الهاد‬
‫والرباط‪.‬‬
‫وفـ جيـع أحواله [سـواء كانـت دمشـق تضـع لسـيطرة التتار أم لسـيطرة سـلطان السـلمي] كان آمرا‬
‫بالعروف ناهيا عن النكر‪:‬‬
‫ففي سنة تسع وتسعي وستمائة وقبل قدوم العساكر الصرية بأيام دار الشيخ تقي الدين ابن تيمية وأصحابه‬
‫على المارات والانات فكسـروا آنيـة المور وشققوا الظروف وأراقوا المور‪ ،‬وعزروا جاعـة مـن أهـل‬
‫الانات التخذة لذه الفواحش‪ ،‬ففرح الناس بذلك‪.‬‬
‫و ف سنة إحدى و سبعمائة ثار جا عة من ال سدة على الش يخ ت قي الد ين ا بن تيم ية وشكوا م نه أ نه يق يم‬
‫الدود ويعزر ويلق رؤوس الصبيان‪ ،‬وتكلم هو أيضا فيمن يشكو منه ذلك‪ ،‬وبي خطأهم‪ ،‬ث سكنت المور‪.‬‬
‫وف سنة أربع و سبعمائة أحضر إل الش يخ تقي الد ين ا بن تيمية ش يخ كان يل بس دلقا كبيا مت سعا جدا‬
‫يسمى الجا هد إبراهيم القطان‪ ،‬فأمر الش يخ بتقط يع ذلك الدلق فتناه به الناس من كل جانب وقطعوه حت ل‬
‫يدعوا ف يه شيئا وأ مر بلق رأ سه‪ ،‬وكان ذا ش عر‪ ،‬وقلم أظفاره وكانوا طوالً جدا‪ ،‬و حف شار به ال سبل على‬
‫فمه الخالف للسنة‪ ،‬واستتابه من كلم الفحش وأكل ما يغي العقل من الشيشة وما ل يوز من الحرمات‬
‫وغيها‪.‬‬
‫وبعده استحضر ممد الباز البلسي فا ستتابه أيضا عن أ كل الحرمات ومال طة أهل الذ مة‪ ،‬وكتب عل يه‬
‫مكتوبا أن ل يتكلم ف ت عبي النامات ول ف غي ها ب ا ل علم له به‪ .‬و ف هذا الشهر‪ 1‬بعي نه راح الش يخ ت قي‬
‫الدين بن تيمية إل مسجد التاريخ وأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت هناك بنهر قلوط تزار‬
‫وينذر ل ا‪ ،‬فقطع ها وأراح ال سلمي من ها و من الشرك ب ـها‪ ،‬فأزاح عن ال سلمي شب هة كان شر ها عظيما‪،‬‬
‫وب ـهذا وأمثاله حسدوه وأبرزوا له العداوة‪ ،‬وكذلك بكل مه بابن العرب وأتبا عه‪ ،‬فحسد على ذلك وعودي‪،‬‬
‫و مع هذا ل تأخذه ف ال لو مة لئم‪ ،‬ول بال‪ ،‬ول ي صلوا إل يه بكروه‪ ،‬وأك ثر ما نالوا م نه ال بش مع أ نه ل‬

‫‪1‬‬

‫ شهر رجب من عام‪ 704 :‬هـ‪.‬‬‫‪24‬‬

‫ينقطع ف بث ل بصر ول بالشام‪ ،‬ول يتوجه لم عليه ما يشي وإنا أخذوه وحبسوه بالاه كما سيأت‪ ،‬وإل‬
‫ال إياب اللق وعليه حسابـهم"‪.‬‬
‫أما الحن الت ابتلي بـها الشيخ رحه ال بسبب مواقفه واجتهاداته‪ ،‬فنشي فيما يلي لهها‪:‬‬
‫ف عام ‪ 705‬هـ حبس أياما ف برج بصر‪ ،‬ث نقل منه ليلة العيد إل البس العروف بالب‪ ،‬هو وأخوه‬
‫شرف الد ين ع بد ال‪ ،‬وخرج من هذا ال سجن عام ‪ 707‬ه ـ‪ ،‬ث أع يد إل ال سجن ‪ -‬ح بس القضاة ‪ -‬ف‬
‫شوال عام ‪ 707‬هـ‪ ،‬وانتهت هذه الحنة بعودة السلطان ناصر بن قلؤون إل الكم ف ‪ 13‬من شعبان عام‬
‫‪ 709‬هـ‪ ،‬وكان الفراج عن ابن تيمية ف ‪ 8‬شوال ‪ 709‬هـ‪ ،‬وعندما استفتاه السلطان ف قتل بعض القضاة‬
‫ب سبب ما كانوا تكلموا ف يه‪ ،‬فقال له‪ :‬إذا قتلت هؤلء ل ت د بعد هم مثل هم‪ ،‬فقال‪ :‬إن ـهم قد آذوك وأرادوا‬
‫قتلك مرارا‪ ،‬فقال‪ :‬من آذان فهو ف حل‪.‬‬
‫وف يوم الميس ثان عشرين رجب من سنة عشرين وسبعمائة عقد ملس بدار السعادة للشيخ تقي الدين‬
‫ابن تيمية بضرة نائب السلطنة‪ ،‬وحضر فيه القضاة والفتون من الذاهب‪ ،‬وحضر الشيخ وعاتبوه على العود إل‬
‫الفتاء بسألة الطلق ث حبس ف القلعة فبقي فيها خسة أشهر وثانية عشر يوما‪ ،‬ث ورد مرسوم من السلطان‬
‫بإخراجه يوم الثني ‪ -‬يوم عاشوراء ‪ -‬من سنة إحدى وعشرين وسبعمائة‪.‬‬
‫"وف السابعة من شعبان ‪ 726‬هـ صدر مرسوم ببسه بسبب فتواه بعدم جواز شد الرحال لزيارة قبور‬
‫ال نبياء عليهم ال صلة وال سلم‪ ،‬وقبور ال صالي‪ ،‬وب عد أيام أ مر قا ضي القضاة الشاف عي ف ح بس جا عة من‬
‫أصحاب الشيخ تقي الدين"‪.‬‬
‫وف ليلة الثني العشرين من ذي القعدة سنة ثان وعشرين وسبعمائة‪ ،‬توف شيخ السلم ابن تيمية بقلعة‬
‫دمشق بالقاعة الت كان مبوسا بـها"‪.1‬‬
‫عجز كيد الرجفي وعداوة الاسدين وخشونة سجون الظالي‪ ،‬عن النيل من شوخ ش يخ السلم ابن‬
‫تيمية وعلو هته‪ ،‬وأشهد بأن ما وجدت ف أقوال العلماء الئمة مثل تفسيه للمحن والبتلءات‪ ،‬يقول رحه‬
‫ال‪:‬‬
‫"ما يصنع أعدائي ب‪ ،‬أنا جنت وبستان ف صدري أين رحت فهي معي ل تفارقن‪ ،‬أنا حبسي خلوة‪ ،‬وقتلي‬
‫شهادة‪ ،‬وإخراجي من بلدي سياحة‪ ،‬وكان يقول ف ملسه ف القلعة‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫ البداية والنهاية‪ ،135 - 14/1 :‬والكواكب الدرية‪.‬‬‫‪25‬‬

‫لو بذلت ملء الرض ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة‪ ،‬أو قال‪ :‬ما جزيتهم على ما تسببوا إل فيه من‬
‫الي ونو هذا‪ .‬وكان يقول ف سجوده وهو مبوس‪:‬‬
‫"اللهم أعن على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ماشاء ال‪ .‬وقال ل مرة ‪ : 1‬الحبوس من حبس قلبه عن‬
‫ربه‪ ،‬والأسور من أسره هواه‪ ،‬ولا أدخل ووصل إل القلعة وصار داخل سورها‪ ،‬نظر إليه وقال‪:‬‬
‫[فضرب بين هم ب سور له باب‪ ،‬باط نه ف يه الرح ة وظاهره من قبله العذاب]‪ .‬وعلم ال ما رأ يت [ ما يزال‬
‫الكلم لبن القيم] أحدا أطيب عيشا منه قط‪ ،‬مع ما كان فيه من ضيق الع يش وخلف الرفاهية والنعيم بل‬
‫ضدها‪ ،‬ومع ما كان فيه من البس والتهديد والرجاف‪ ،‬وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا‪ ،‬وأشرحهم صدرا‪،‬‬
‫وأقوا هم قلبا‪ ،‬وأ سرهم نف سا‪ ،‬تلوح نضرة النع يم على وج هه‪ ،‬وك نا إذا اش تد ب نا الوف و ساءت ب نا الظنون‪،‬‬
‫وضا قت ب نا الرض‪ ،‬أتيناه ف ما هو إل أن نراه ون سمع كل مه فيذ هب ذلك كله‪ ،‬فينقلب انشراحا وقوة ويقينا‬
‫وطمأنينة"‪. 2‬‬
‫ومن شجاعته وترفعه عن التقرب إل أول النهي والسلطان ما حكاه ف الكواكب قال‪:‬‬
‫"ل ا وشوا به إل ال سلطان الع ظم اللك النا صر لد ين ال‪ ،‬وأحضره ب ي يد يه قال من جلة كل مه‪ :‬إن ن‬
‫أ خبت أ نك قد أطا عك الناس‪ ،‬وأن ف نف سك أ خذ اللك‪ ،‬فلم يكترث به‪ ،‬بل قال له بن فس مطمئ نة وقلب‬
‫ثابت‪ ،‬وصوت عال سعه كثي من حضر‪:‬‬
‫أ نا أف عل ذلك؟ وال إن مل كك وملك الغول ل ي ساوي عندي فل سا‪ ،‬فتب سم ال سلطان لذلك وأجا به ف‬
‫مقابلة با أوقع ال له ف قلبه من اليبة العظيمة‪ :‬إنك وال لصادق‪ ،‬وإن الذي وشى بك إل لكاذب‪ ،‬واستقر له‬
‫ف قلبه من الحبة الدينية ما لوله لكان قد فتك به منذ دهر طويل من كثرة ما يلقى إليه ف حقه من أقاويل‬
‫الزور والبهتان‪ ،‬من ظاهر حاله العدالة‪ ،‬وباطنه مشحون بالفسق والهالة" ‪.3‬‬
‫لقد كان السلطان يعلم من سية هذا الشيخ ومن مواقفه الجردة من الهواء والنافع أن ملكه وملك الغول‬
‫ل يساوي عند ابن تيمية فلسا‪ ،‬فكيف با هو أدن من ذلك كمنصب وزير أو قاضي القضاة أو غي ذلك؟‪ ،‬أما‬
‫شيخ السلم فما كان يبال با سيفعله السلطان عندما رد عليه هذا الرد الاسم‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫ هذا النص كله يرويه عنه تلميذه ابن قيم الوزية الذي كان مبوسا معه ف سجن القلعة‪.‬‬‫ الكلم الطيب والعمل الصال‪ ،‬لبن القيم [عن كتاب حياة شيخ السلم ابن تيمية لؤلفه ممد بـهجت البيطار]‪.‬‬‫ حياة شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬للشيخ ممد بـهجت البيطار‪ ،‬ص‪.15 :‬‬‫‪26‬‬

‫إن أ مة يبز في ها أمثال ا بن تيم ية ل بد وأن تتبوأ مكانت ها القياد ية الرمو قة‪ ،‬وإذا تعر ضت لنتكا سة ك ما‬
‫حدث ف غزوة التتار‪ ،‬فإن فشلها إل ناح وهزيتها إل نصر بإذن ال‪ ،‬فليتق ال الذين يبرون تاذلم بشواهد‬
‫ي ستدلون ب ـها من أقوال ش يخ ال سلم‪ ،‬أو ل يبينوا ل نا ك يف يقرأون ويفهمون هذه الوا قف ال ت عرضنا ها؟‬

‫‪27‬‬

‫الشبهة الثانية‬

‫يقولون‪ :‬إن الوضاع العا مة ف بلد نا ‪ -‬ر غم وجود ب عض الخطاء والنرافات ‪ -‬أف ضل م ا هي عل يه ف‬
‫البلدان الجاورة‪ ،‬بل من الظلم مقارنة هذا بذاك‪ ،‬والواجب شكر ال على نعمه الكثية الت أنعم بـها علينا‪،‬‬
‫ونسأله جل وعل أن ينبنا اللفات والفت والروب الت تشهدها البلدان الخرى‪.‬‬
‫وقولم هذا عائم وغي منضبط بالضوابط الشرعية‪ ،‬وفيه حيدة ظاهرة عن الق‪ ،‬ومن الدلئل على ذلك أن‬
‫بعـض العلماء والدعاة فـ كـل بلد يسـتطيعون ترديـد مثـل هذا الدعاء‪ ،‬ول يعدمون ميزة يتازون بــها عـن‬
‫غيهم‪ ،‬وتدفعهم إل الفتخار بـها‪.‬‬
‫ومن ج هة أخرى فقد يكون ف البلد الفضول قدر من الر ية يسمح بنقد السؤولي وبيان أخطائهم‪ ،‬ث‬
‫تنتشر هذه الخطاء والفاسد ف وسائل العلم ويتحدث بـها القاصي والدان‪ ،‬ف حي تنعدم هذه الرية ف‬
‫البلد الفا ضل [ح سب ادعائ هم] ول ترؤ و سائل العلم على ن قد أ حد كبار ال سؤولي‪ ،‬و من يف عل ويقترف‬
‫م ثل هذه الري ة فإ نه معرض ل ية عقو بة‪ ،‬و قد تبلغ حد الوت‪ .‬أ ما إذا اطمأن الواطنون ف مال سهم الا صة‪،‬‬
‫وداخل البواب الغلقة‪ ،‬وأمنوا شر الواسيس‪ ،‬فيتحدثون عن أضعاف الفاسد الت تشهدها البلدان الخرى‪ ،‬ث‬
‫لبد بعد ذلك أن تبقى بعض النرافات الجهولة الت ل يعرف الناس شيئا عنها‪.‬‬
‫و من ج هة ثال ثة ف قد يكون ن قد البلدان الخرى و سيلة من و سائل تن يد الدولة لذا النوع من الدعاة ف‬
‫حلتها الدعائية العادية لذه الدولة‪ ،‬وليس للدعوة السلمية أية فائدة من هذه الهاترات الشخصية الفاجرة‪.‬‬
‫ومن جهة رابعة فقد يكون الال ف بلد من البلدان أفضل حا ًل ما هو عليه ف البلدان الخرى‪ ،‬ومع ذلك‬
‫فإن هذه القي قة ل تع في العلماء والدعاة من وجوب إنكار الن كر ف بلد هم‪ ،‬وبيان حكم ها الشر عي‪ ،‬و هم‬
‫آثون إذا ل ينهضوا با أوجبه ال عليهم‪ ،‬ولندلل على ذلك بالثال الت‪:‬‬
‫لنفترض أن ال سلطان ف البلد الفا ضل أ صدر مر سوما تشريعيا ي سمح بإقا مة بنوك ربو ية‪ ،‬وين ظم مقدار‬
‫الفائدة‪ ،‬وبو جب هذا القانون أ صبحت هذه البنوك بأبنيت ها الشاه قة معلما من معال الدن دا خل البلد الشار‬
‫إل يه‪ ،‬وي ستطيع أي با حث لذه ال سألة أن يتو صل لعلومات دقي قة عن تعا مل هذه الدولة‪ :‬مع صندوق الن قد‬
‫الدول‪ ،‬ومع البنوك العالية والحلية‪ ،‬وعن مقدار الستثمارات الربوية ف البنوك الغربية وغيها‪.‬‬
‫ولنفترض أن العلماء قابلوا السلطان‪ ،‬وتدثوا معه بطريقة مهذبة عن عيوب هذا الرسوم ومالفته لشرع ال‪،‬‬
‫ث وعدهم كعادته خيا‪ ،‬ومرت اليام والعوام دون أن يروا بصيصا من هذا الي الذي وعدهم به‪ ،‬وهم يرون‬
‫‪28‬‬

‫أ نه ل يس من اللئق أن يكلموه مرةً أخرى بال سألة نف سها لن ـهم يشون الفت نة(!!)‪ ،‬و ما يع جز غي هم عن‬
‫أخذه بالقوة هم قادرون على أخذه بالسن… غي أنـهم عادوا إليه مرة أخرى يطلبون ما هو أقل من ذلك‬
‫بكث ي… عادوا يطلبون إ صدار مر سوم ي سمح بإقا مة بنوك إ سلمية‪ ،‬ك ما هو الال ف ب عض البلدان العرب ية‬
‫الخرى ال ت يكثرون من الد يث ع ما في ها من الف ت والف ساد‪ ،‬أو ك ما هو الال ف ب عض الدول الورب ية‬
‫الكافرة الت سحت بقيام هذا النوع من البنوك‪ ،‬ووعدهم سلطانـهم خيا‪ ،‬ولكن هذا الوعد كسراب بقيعة‬
‫يسبه الظمآن ماء‪.‬‬
‫وزيادة على إخلفه بالوعد فقد وردت العلماء معلومات وفية تؤكد عداوة هذا السلطان للبنوك السلمية‪،‬‬
‫و سعيه الث يث من أ جل و صول هذه الشار يع ال سلمية إل طر يق م سدود‪ ،‬ولذا ف هو يرك أشباه الثقف ي‬
‫إعلميا ضد هذه البنوك‪ ،‬ويذر أكثر الكام الذين يلتقي بـهم من الصولية (!!) الت تقف وراء هذه البنوك‪.‬‬
‫والسؤال الطروح‪:‬‬
‫ما هو الكم الشرعي ف هذه السألة؟ وما الذي يب على العلماء فعله؟‪.‬‬
‫الواب‪ :‬فصّل علماؤنا القول ف أمثال هذه السألة‪ ،‬ولندع الواب فيما يلي لشيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬يقول‬
‫رحه ال‪:‬‬
‫"كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع السلم الظاهرة التواترة فإنه يب قتالا باتفاق أئمة السلمي؛‬
‫وإن تكلمت بالشهادتي‪ .‬فإذا أقروا بالشهادتي وامتنعوا عن الصلوات المس وجب قتالم حت يصلوا‪ .‬وإن‬
‫امتنعوا عن الزكاة و جب قتال م ح ت يؤدوا الزكاة‪ ،‬وكذلك إن امتنعوا عن صيام ش هر رمضان أو حج الب يت‬
‫العتيـق‪ .‬وكذلك إن امتنعوا عـن تريـ الفواحـش‪ ،‬أو الربـا‪ ،‬أو اليسـر‪ ،‬أو المـر‪ ،‬أو غيـ ذلك مـن مرمات‬
‫الشريعة‪ .‬وكذلك إن امتنعوا عن الكم ف الدماء والموال والعراض والبضاع ونوها بكم الكتاب والسنة‪.‬‬
‫وكذلك إن امتنعوا عن المر بالعروف والنهي عن النكر‪ ،‬وجهاد الكفار إل أن يسلموا ويؤدوا الزية عن يد‬
‫وهم صاغرون‪.‬‬
‫وكذلك إن أظهروا البدع الخال فة للكتاب وال سنة واتباع سلف ال مة وأئمت ها؛ م ثل أن يظهروا اللاد ف‬
‫أساء ال وآياته‪ ،‬أو التكذيب بأساء ال وصفاته‪ ،‬أو التكذيب بقدره وقضائه‪ ،‬أو التكذيب با كان عليه جاعة‬
‫السلمي حت يدخلوا ف طاعتهم الت توجب الروج عن شريعة السلم‪ ،‬وأمثال هذه المور‪ ،‬قال تعال‪:‬‬
‫وقاتلوهم حت ل تكون فتنة‪ ،‬ويكون الدين كله ل ‪ ،‬فإذا كان بعض الدين ل وبعضه لغي ال وجب القتال‬
‫حت يكون الدين كله ل‪ .‬قال تعال‪ :‬يا أيها الذين آمنوا اتقوا ال وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمني‪.‬‬
‫‪29‬‬

‫فإن ل تفعلوا فأذنوا برب من ال ور سوله ‪ ،‬وهذه ال ية نزلت ف أ هل الطائف‪ ،‬وكانوا قد أ سلموا و صلوا‬
‫وصاموا‪ ،‬لكن كانوا يتعاملون بالربا‪ ،‬فأنزل ال هذه الية‪ ،‬وأمر الؤمني فيها بترك ما بقي من الربا‪ .‬وقال‪:‬‬
‫فإن ل تفعلوا فأذنوا برب من ال ورسوله وقد قرئ فأذنوا و آذنوا وكل العنيي صحيح‪ .‬والربا آخر‬
‫الحرمات ف القرآن‪ ،‬وهو ما ل يؤخذ بتراضي التعاملي‪ ،‬فإذا كان من ل ينته عنه ماربا ل ورسوله‪ ،‬فكيف‬
‫بن ل ينته عن غيه من الحرمات الت هي أسبق تريا وأعظم تريا" ‪.1‬‬
‫قلت‪ :‬هذا هو ال كم الشر عي ف هذه ال سألة ال ت سقناها على ش كل افتراض‪ ،‬مع أن ـها حقي قة نا صعة‬
‫البيان‪ ،‬ولذا ف قد قا تل ال صحابة رضوان ال علي هم القبائل ال ت امتن عت عن د فع الزكاة ل ب ب كر قتال ردة ل‬
‫قتال بغي‪ ،‬وهذا مع إقرارهم بالصلة وغيها من أركان السلم ‪ -‬سوى الزكاة ‪. -‬‬
‫أما عن واجب العلماء‪ ،‬فليس الطلوب منهم القتال أو الفتاء بالروج‪ ،2‬لن الروج ل يكون إل عند توفر‬
‫شروط‪ :‬منها‪ :‬استفراغ النصح‪ ،‬ومنها‪ :‬الستطاعة‪ ،‬بل الطلوب منهم بيان الكم الشرعي ف مثل هذه السألة‪،‬‬
‫وهذا الذي ذهب إليه المام النووي رحه ال ف قوله الذي رد به على السلطان‪:‬‬
‫"وأما أنا ف نفسي؛ فل يضرن التهديد‪ ،‬ول أكثر منه‪ ،‬ول ينعن ذلك من نصيحة السلطان‪ ،‬فإن أعتقد أن‬
‫هذا واجب علي وعلى غيي‪ ،‬وما ترتب على الواجب؛ فهو خي وزيادة عند ال تعال؛ إنا هذه الياة متاع‬
‫وإن الخرة هي دار القرار ‪ ،‬وأفوض أمري إل ال إن ال بصي بالعباد ‪ ،‬وقد أمرنا رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم أن نقول بالق حيث ما كنا‪ ،‬وأن ل ناف ف ال لومة لئم"‪.‬‬
‫وقوله رحه ال‪" :‬وقد أوجب ال إيضاح الحكام عند الاجة إليها"‪.‬‬
‫وإيضاح الحكام لبـد أن يطلّع عليـه الناس‪ ،‬لن السـلطان ل يفتـأ يردد عـب أجهزة إعلمـه أن مراسـيمه‬
‫وقواني نه كل ها شرع ية باتفاق العلماء‪ ،‬و من ج هة أخرى فإن ب عض الن سوبي إل العلم بدأوا يفتون ويكررون‬
‫أقوالً شاذة سبقهم إلي ها ب عض العلماء‪ ،‬وخل صتها أن ي سي الر با حلل ول شب هة ف يه‪ ،‬أو يقولون إن البنوك‬
‫الربوية وصندوق النقد الدول من الضرورات ف هذا العصر والضرورات تبيح الحظورات‪ ،‬وحاجة الناس ملحة‬
‫إل معرفة الكم الشرعي ف هذه السألة حت ل يسقطوا ف الفتنة فيتعرضوا لرب ال ورسوله‪ ،‬ومن العبث أن‬
‫ينش غل العلماء ف هذه الالة بشؤون البلدان الخرى ال ت ير تع في ها الف ساد أضعافا مضاع فة‪ ،‬وي سكتوا ع ما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ مموع فتاوى شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬مطابع الرياض‪.28/510 :‬‬‫ سـوف نعود ‪ -‬إن شاء ال ‪ -‬إل الديـث عـن مواقـف شيـخ السـلم ابـن تيميـة وفتواه فـ قتال التتار عنـد الديـث عـن‬‫الستطاعة‪.‬‬
‫‪30‬‬

‫يري ف بلدهم‪ ،‬وهو بالتأكيد ليس قاصرا على مرسوم تنظيم أعمال البنوك الربوية‪ ،‬وهم يعرفون ذلك جيدا‪،‬‬
‫ول يوز لحد منهم العتذار بالهل‪ ،‬وسكوتـهم ل يبئ ذمتهم أمام ال تعال‪.‬‬
‫وإذا كانوا يشون من د فع هذا الن كر بن كر أ شد‪ ،‬فل يبينوا ذلك وليحذروا من الفو ضى والتخ بط والغلو‪،‬‬
‫وسوف يطيعهم الناس ف الول والثانية‬

‫‪31‬‬

‫قيمة ما يصدر عنهم من فتاوى‬
‫في المسائل المتعلقة بالسلطان ونظامه‬

‫جاء ف كتاب أعلم الوقعي ما يلي‪:‬‬
‫"ذكر أبو عبد ال بن بطة ف كتابه ف اللع عن المام أحد أنه قال‪:‬‬
‫ل ينبغي للرجل أن ينصّب نفسه للفتيا حت يكون فيه خس خصال‪ :‬أولا‪ :‬أن تكون له نية‪ ،‬فإن ل يكن له‬
‫نية ل يكن عليه نور ول على كلمه نور‪ .‬والثانية‪ :‬أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة‪ .‬والثالثة‪ :‬أن يكون‬
‫قويا على ما هو فيه وعلى معرفته‪ .‬الرابعة‪ :‬الكفاية وإل مضغه الناس‪ .‬الامسة‪ :‬معرفة الناس‪ .‬وهذا ما يدل على‬
‫جللة أحد ومله من العلم والعرفة؛ فإن هذه المسة هي دعائم الفتوى‪ ،‬وأي نقص منها ظهر اللل ف الفت‬
‫بسبه" ‪.1‬‬
‫وعلماء ال سلطان ل تتو فر في هم هذه ال صال ال مس‪ ،‬وأ نا أن قل في ما يلي كلم ا بن الق يم ف شر حه لذه‬
‫الصال‪ ،‬ث أعلق عليها‪:‬‬
‫‪ - 1‬يقول عن النية‪" :‬فكم بي مريد بالفتوى وجه ال ورضاه والقرب منه وما عنده‪ ،‬ومريد بـها وجه‬
‫الخلوق ورجاء منفعته وما يناله منه تويفا أو طمعا!"‪.‬‬
‫‪ 2‬و ‪" - 3‬فليس صاحب العلم والفتيا إل شيء أحوج منه إل اللم والسكينة والوقار… فبالعلم تنكشف‬
‫له مواقع الي والشر والصلح والفساد‪ ،‬وباللم يتمكن من تثبيت نفسه عند الي فيؤثره ويصب عليه"‪.‬‬
‫ويقول عن ال سكينة‪" :‬و هي طمأني نة القلب وا ستقراره وأ صلها ف القلب‪ ،‬ويظ هر أثر ها على الوارح‪...‬‬
‫وهذه السكينة هي الت حصلت لبراهيم الليل وقد ألقي ف النجنيق مسافرا إل ما أضرم أعداء ال من النار‪...‬‬
‫وكذلك السكينة الت حصلت لنبينا وقد أشرف عليه وعلى صاحبه عدوها وها ف الغار فلو نظر أحدهم إل‬
‫تت قدميه لرآها"‪.‬‬
‫وعن السباب الؤدية إل السكينة يقول‪:‬‬
‫"ا ستيلء مراق بة الع بد لر به جل جلله ح ت كأ نه يراه‪ ،‬وكل ما اشتدت هذه الراق بة أوج بت له من الياء‬
‫والسكينة والحبة والضوع والشوع والوف والرجاء ما ل يصل بدونـها"‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫ أعلم الوقعي عن رب العالي‪ ،‬ابن قيم الوزية‪.4/199 ،‬‬‫‪32‬‬

‫و عن العلم يقول‪" :‬أن يكون م ستظهرا بالعلم متمكنا م نه‪ ،‬وغ ي ضع يف ف يه؛ فإ نه إذا كان ضعيفا قل يل‬
‫البضاعة غي مضطلع به أحجم عن الق ف موضع ينبغي فيه القدام لقلة علمه بواضع القدام والحجام‪ ،‬فهو‬
‫يقدم ف غي موضعه‪ ،‬ويجم ف غي موضعه"‪.‬‬
‫‪ - 4‬ويقول عن الكفاية‪" :‬فإنه إذا ل يكن له كفاية احتاج إل الناس وإل الخذ ما ف أيديهم‪ ،‬فل يأكل‬
‫من هم شيئا إل أكلوا من ل مه وعر ضه أضعا فه‪ ،‬و قد كان ل سفيان الثوري ش يء من مال‪ ،‬وكان ل يتروى ف‬
‫بذله ويقول‪ :‬لول ذلك لتمندل‪ 1‬بنا هؤلء"‪.‬‬
‫‪ - 5‬ويقول عـن معرفـة الناس‪ " :‬ينبغـي أن يكون فقيها فـ معرفـة مكـر الناس وخداعهـم واحتيالمـ‬
‫وعوائدهم وعُرفياتـهم‪ ،‬فإن الفتوى تتغي بتغي الزمان والكان والعوائد والحوال" ‪.2‬‬
‫قلت‪ :‬منذ حوال نصف قرن كان للعلماء شيء من الستقللية‪ ،‬وكانوا يشاركون السلطان ف اختيار الفت‬
‫وكبار القضاة‪ ،‬أما اليوم فقد أصبحت حالنا غي تلك الال‪ :‬لقد انفرد السلطان ف تعيي الفت وكبار وصغار‬
‫السؤولي ف شؤون الفتاء والقضاء والوقاف‪ ،‬ولبد أن يوي قرار التعيي الصيغة التالية‪:‬‬
‫"نن [يذكر اسم الرئيس أو اللك] بناء على الادة (…) من الدستور نرسم أو نأمر با هو آت"‪.‬‬
‫فالختار‪ :‬هـو نفسـه الذي اسـتبدل شريعـة الطاغوت بشريعـة ال‪ ،‬وهـو نفسـه الذي يطارد الدعاة إل ال‬
‫سبحانه وتعال‪ ،‬وهو نفسه الذي يوال أعداء ال‪ ،‬والدستور الذي استند إليه الزعيم ف الرسوم الذي أصدره‬
‫هو الذي يضمن حرية العتقاد‪ ،‬مهما كان هذا العتقاد‪ ،‬وتدخل العلمانية والشيوعية وغيها ف هذا الطار‪،‬‬
‫وب عد هذا التعي ي تدد صلحيات الف ت‪ ،‬ول يوز له تاوز هذه ال صلحيات با سم إنكار الن كر وغ ي ذلك‪،‬‬
‫وإن خرج عن الدود الرسومة له لبد أن تصدر بقه العقوبة والت تتراوح بي النذار والطرد من وظيفته أو‬
‫نقله لوظيفة مردة من أي مضمون‪.‬‬
‫والذ ين و قع علي هم الختيار‪ ،‬إ ما أن يكونوا من الذ ين أراقوا ماء وجوه هم من أ جل ال صول على هذه‬
‫الوظيفة‪ ،‬وهؤلء لن يترددوا ف الستجابة لكل ما يأمرهم به سلطانـهم أو وزير هذا السلطان‪ ،‬وإما أن يكونوا‬
‫م ن سعى إليهم السلطان‪ ،‬وقبلوا أخيا هذه الناصب بعجر ها وبر ها‪ ،‬والنتيجة ف الال ي واحدة بالنسبة إل‬
‫السلطان‪ ،‬ودليلنا على ذلك أننا ل نسمع أن واحدا من هؤلء الفتي أصدر فتوى ضد رغبة السلطان أو ضد‬
‫نظامه‪ ،‬ول نسمع أن قاضيا أصر على استدعاء السلطان [أو نائبه أو وزيرا من وزرائه أو قريبا من أقربائه] إل‬
‫قا عة الحك مة وح كم عل يه بالر جم أو اللد أو ق طع ال يد أو التعز ير مع ا ستحقاقهم لذه العقوبات كل ها أو‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ تندل‪ :‬أي استخدمونا كما يستخدمون الناديل الت يسحون با أوساخهم‪.‬‬‫ أعلم الوقعي‪.205 - 4/199 :‬‬‫‪33‬‬

‫بعضها لو أراد القاضي وجه ال تعال‪ ،‬وعلى نقيض ذلك فما من موقف يتخذه السلطان ف الصد عن سبيل ال‬
‫إل ويراف قه تأي يد من ب عض هؤلء وال مر ل من ق بل و من ب عد‪ ،‬وال سوأ من ذلك قول هذا الظال ف ب عض‬
‫الحيان‪ :‬نن ف كل أمورنا نستفت علماءنا وننفذ ما يفتون به‪.‬‬
‫إن ال سلطان يشترط في من يتار هم من العلماء شروطا تتلف عن الشروط ال ت أشار إلي ها المام أح د‬
‫ل عن‬
‫وغيه من الئمة؛ فهو [السلطان] لبد أن يستفت أجهزة أمنه أولً‪ ،‬وهذه الجهزة تقدم له تقريرا كام ً‬
‫الشيخ ومدى استعداده لطاعة السلطة‪ ،‬ث تبيّن له نقاط الضعف الت يسهل اختراقه من خللا‪ ...‬وإذا جاء هذا‬
‫التقرير موافقا لرغبة السلطان‪ ،‬فغي مهم أمر العلم‪ ،1‬ويكفي الشكل‪ ،‬والقدرة على الطابة‪ ،‬وأن يكون معروفا‬
‫بي العامة أنه من زمرة العلماء‪ ،‬أما الديث عن اللم والسكينة والوقار فتتعارض مع وقوف الشيخ الساعات‬
‫الطوال على أعتاب السلطان ينتظر الذن بالدخول‪ ،‬وأما معرفة الناس فيتم معظمها عن طريق مؤسسات الدولة‪،‬‬
‫والقائمون على هذه الؤسسات يعرفون كيف يددون مناط الفتوى للشيخ‪.‬‬
‫رحم ال المام أب حنيفة كم كان مصيبا ف قوله للمنصور‪:‬‬
‫"إن هذا دعانـ للقضاء فأعلمتـه أنـ ل أصـلح‪ ،‬ول يصـلح للقضاء إل رجـل يكون له نفـس يكـم بــها‬
‫عليك‪ ،‬وعلى ولدك‪ ،‬وقوادك‪ ،‬وليس تلك النفس ل‪ ،‬إنك لتدعون فما ترجع نفسي حت أفارقك" ‪.2‬‬
‫اللصة‪ :‬واجه علماؤنا الذين نعتز بـهم الظالي بظلمهم وانرافاتـهم‪ ،‬وكانوا ل يشون ف صدعهم‬
‫بالق أحدا إل ال تعال‪ ،‬وفيما يلي تلخيص لهم مواقفهم الت أوضحناها ف الصفحات الاضية‪:‬‬
‫كانوا ينأون بأنف سهم عن مال سة الظال ي والتزلف ل م وقبول وظائف هم وأعطيات ـهم‪ ،‬والذ ين كانوا‬‫ـ تتعارض مـع مواقفهـم الثابتـة فـ المـر‬
‫يقبلون الوظائف منهـم مـا كانوا يترددون فـ التنازل عنهـا عندم ا‬
‫بالعروف والنهي عن النكر‪.‬‬
‫كانوا يعتقدون وجوب إيضاح الحكام عنـد الاجـة إليهـا عملً بقوله تعال‪ :‬وإذ أخـذ ال ميثاق‬‫الذ ين أوتوا الكتاب ل تبيننه للناس ول تكتمو نه ‪ ،‬ويؤمنون بر مة ال سكوت عن بيان الحكام‪ ،‬فك يف إذا‬
‫كان المر يتعلق بليّ أعناق النصوص أو تريف الكلم عن مواضعه كما يفعله البعض ف هذا العصر؟!‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫ اطلعت قبل أشهر على أقوال لشيخ الزهر ومفت مصر ف الرافضة وف أمور أخرى تنم عن جهل يترفع عنه حت البتدئ ف‬‫طلب العلم‪.‬‬
‫ مر معنا هذا القول فيما ذكرناه عن المام أب حنيفة‪.‬‬‫‪34‬‬

‫ علماؤ نا كانوا يقولون – وال طر مدق ب ـهم من كل جا نب ‪" : -‬إذا أجاب العال تق ية‪ ،‬والا هل‬‫يهل‪ ،‬مت يتبي الق؟"‪ ،‬وهذا يعن أن بعضهم كان يفضل الوت على التقية‪.‬‬
‫ علماؤنا كانوا يرون أن المة تفت إذا كان الدين لغي ال أو إذا كان بعضه ل وبعضه لغي ال‪.‬‬‫ ز جّ بعض الظالي ببعض كبار علمائنا ف السجون ليتراجعوا عن فتاوى أفتوا بـها على مل من الناس‬‫فما زادهم ذلك إل ثباتا وقوة واستعلء‪ ،‬ولم ف ذلك كلمات سجلها التاريخ بأحرف من نور‪:‬‬
‫فالمام أحد بن حنبل كان وهو يلد مشغو ًل بشد حزام سرواله خوفا من أن تظهر عورته‪ ،‬والعز بن عبد‬
‫ال سلم قال ل ن جاء يفاو ضه ويطلب م نه تقب يل يد ال سلطان والعتذار م نه ث تعاد له ج يع وظائ فه‪ :‬وال ما‬
‫ل عن أن أقبّل يده‪ .‬يا قوم أنتم ف واد وأنا ف واد‪ ،‬المد ل الذي عافان ما ابتلكم‬
‫أرضاه أن يقبّل يدي فض ً‬
‫به‪ ،‬وشيخ السلم ابن تيمية كان يقول‪:‬‬
‫أنا حبسي خلوة‪ ،‬وقتلي شهادة‪ ،‬وإخراجي من بلدي سياحة‪.‬‬
‫ كان علماؤنا يعتقدون أن النكر إذا كان عاما فإن النهي عنه يكون عاما كذلك‪ :‬ففتوى المام مالك‬‫التعلقة بطلق الكره كانت عامة‪ ،‬وموقف المام أحد من فتنة خلق القرآن كانت عامة‪ ،‬وإنكار العز بن‬
‫عبد السلم على السلطان إساعيل الذي استعان بالنصارى ضد أخيه سلطان مصر كانت عامة‪ ،‬وف خطبة‬
‫ج عة ف ال سجد الموي بدم شق‪ ...‬ولقاء ش يخ ال سلم ا بن تيم ية مع ممود قازان كان على مرأى وم سمع‬
‫و فد علماء دم شق الذ ين كانوا يرافقون ا بن تيم ية‪ ،‬وأمام كبار قادة ج يش قازان‪ ،‬ث طارت أخبار هذا اللقاء‬
‫فسمع بـها الواقي والمراء الذين أحاطوا بـهذا العال الليل عند عودته إل دمشق يتبكون به ويسألونه‬
‫الدعاء ل م‪ ...‬ور سائل المام النووي ال ت كان ير سلها إل سلطي ع صره كا نت عا مة لن عددا من كبار‬
‫العلماء كانوا يوقعون عليها من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى فقد كانت هذه الرسائل تتعلق بقضايا عموم الواطني‬
‫"كالو طة" وغي ها‪ ،‬وإذا ا ستعرنا الل غة ال ستعملة اليوم‪ :‬فل قد كان النووي ناطقا با سم الماه ي ومدافعا عن‬
‫حقوقهم الغتصبة‪.‬‬
‫ وكان علماؤنا ل ينكرون النكر بنكر أشد‪ ،‬ول ييزون اقتتال السلمي فيما بينهم‪.‬‬‫ وكان علماؤنـا يرون وجوب السـمع والطاعـة لمرائهـم‪ ،‬ول يرون الروج عليهم‪ 1‬وإن ظلموا وضربوا‬‫الظهور وأخذوا الموال لكنهم كانوا يلتزمون حديث رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ل طاعة ف معصية ال‪،‬‬
‫إنا الطاعة ف العروف" ‪ ،2‬كما أن عدم الروج عليهم مشروط ف المر بالعروف والنهي عن النكر‪ ،‬والطاعة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ ليس هذا موضع إجاع أهل السنة‪ ،‬كما بينت ذلك فيما مضى‪.‬‬‫ صحيح مسلم‪ ،‬الديث رقم‪ ،1225 :‬كتاب المارة‪.‬‬‫‪35‬‬

‫أيضا ل تعن الذعان والستعباد والقهر‪ ،‬قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬خي الشهداء حزة بن عبد الطلب‪ ،‬ورجل‬
‫قام إل رجل فأمره ونـهاه ف ذات ال فقتله على ذلك" ‪.1‬‬
‫هذه هي فتاوى علمائنا‪ ،‬وهذه هي مواقفهم الت نعتز بـها وننسج على منوالا‪:‬‬
‫أولئك آبائي فجئن بثلهم‬

‫‪1‬‬

‫إذا جعتنا يا جرير الجامع‬

‫ أخرجه الاكم ف الستدرك وقال‪ :‬صحيح السناد ول يرجاه‪ ،‬وذكره اللبان ف السلسلة الصحيحة ‪.1/374‬‬‫‪36‬‬

‫ليس لحدٍ منهم عذر‬

‫سنمضي ت ت هذا العنوان‪" :‬ل يس لحدٍ من هم عذر" ف الد يث عن رد فتوى هؤلء العلماء ال ت تتعلق‬
‫بالسلطان ونظام حكمه‪ ،‬وف دحض شبهاتـهم الت يدافعون بـها عن قبولم الناصب والعطيات‪ ،‬فنقول‪:‬‬
‫للعلماء دور كبي ف استقرار الكم والاكم‪ ،‬وف إضفاء الشرعية عليه‪ ،‬لن الناس يترمونـهم‪ ،‬وينتظرون‬
‫مواقفهم وفتاويهم ف الحداث الهمة‪ ،‬وإن قالوا أصغت الغالبية لقولم‪ ،‬وتلقته على أنه دين وحكم شرعي‪.‬‬
‫ولا كان الكام ل يهتمون بشيء كما يهتمون بناصبهم وبطاعة الناس لم‪ ،‬ولا كان العلماء خيا لم من‬
‫أ سطول إعل مي ض خم‪ ،‬لذا وذاك ف قد سعوا م نذ القد ي إل ك سب ود العلماء‪ ،‬وا ستخدموا مع هم سلح‬
‫الترغيب تارة‪ ،‬وسلح الترهيب تارة أخرى‪ ،‬ووجدوا ب عد خبة طويلة أن الترغ يب أع ظم نفعا وأك ثر جدوى‬
‫من الترهيب‪ ،‬وهذا الذي كان يذّر منه أئمة السلف رحهم ال‪ ،‬يقول سفيان الثوري‪" :‬ما أخاف من إهانتهم‬
‫ل إنا أخاف من إكرامهم فيميل قلب إليهم‪.1‬‬
‫وكان أبو حامد الغزال رحه ال يفت بعدم جواز أخذ أعطيات الظالي وقبول ولياتـهم‪ ،‬فقال له بعض‬
‫الذين يالفونه فيما أفت به‪ :‬إن بعض الصحابة والتابعي كانوا يأخذون أعطيات وجوائز الظالي‪ ،‬فكان له هذا‬
‫القول الميل ف الرد عليهم‪:‬‬
‫"إن الظلمة ف العصر الول لقرب عهدهم بزمان اللفاء الراشدين كانوا مستشعرين من ظلمهم ومتشوفي‬
‫إل استمالة قلوب الصحابة والتابعي وحريصي على قبولم عطاياهم وجوائزهم‪ ،‬وكانوا يبعثون إليهم من غي‬
‫سـؤال وإذلل‪ .‬بـل كانوا يتقلدون النـة بقبولمـ ويفرحون بـه‪ ،‬وكانوا يأخذون منهـم ويفرقون ول يطيعون‬
‫السلطي ف أغراضهم ول يغشون مالسهم ول يكثرون جعهم ول يبون بقاءهم بل يدعون عليهم ويطلقون‬
‫اللسان فيهم وينكرون النكرات منهم عليهم‪ ،‬فما كان يذر أن يصيبوا من دينهم بقدر ما أصابوا من دنياهم‬
‫ول ي كن بأخذ هم بأس‪ ،‬فأ ما الن فل ت سمح نفوس ال سلطي بعط ية إل ل ن طمعوا ف ا ستخدامهم والتك ثر‬
‫بــهم والسـتعانة بــهم على أغراضهـم والتجمـل بغشيان مالسـهم وتكليفهـم الواظبـة على الدعاء والثناء‬
‫والتزكيـة والطراء فـ حضورهـم ومغيبهـم‪ ،‬فلو ل يذل الخـذ نفسـه بالسـؤال أولً‪ ،‬وبالتردد بالدمـة ثانيا‪،‬‬
‫وبالثناء والدعاء ثالثا‪ ،‬وبالساعدة له على أغراضه عند الستعانة رابعا‪ ،‬وبتكثي جعه ف ملسه وموكبه خامسا‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫ تلبيس إبليس‪ ،‬ابن الوزي‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬ص‪.122 :‬‬‫‪37‬‬

‫وبإظهار الب والوالة والناصرة على أعدائه سادسا‪ ،‬وبالستر على ظلمه ومقابه ومساوئ أعماله سابعا‪ ،‬ل‬
‫ل ‪ ، 1‬فإذا ل يوز أن يؤ خذ من هم ف هذا‬
‫ين عم عل يه بدر هم وا حد ولو كان ف ف ضل الشاف عي رح ه ال مث ً‬
‫الزمان ما يعلم أ نه حلل لفضائه إل هذه العا ن فك يف ما يعلم أ نه حرام أو ي شك ف يه؟ ف من ا ستجرأ على‬
‫أموالم وشبّه نفسه بالصحابة والتابعي فقد قاس اللئكة بالدادين" ‪ 2‬اهـ‪.‬‬
‫إن غشيان العلماء لجالس الئ مة العدول بق صد تذكي هم بيوم ال شر والعاد‪ ،‬وتذير هم من الركون إل‬
‫الدنيا‪ ،‬وتبليغهم بظال الرعية الت ل تبلغهم واجب شرعي لقوله صلى ال عليه وسلم‪" :‬الدين النصيحة‪ ،‬قلنا‪:‬‬
‫لن؟ قال‪ :‬ل ولكتابه ولرسوله ولئمة السلمي وعامتهم" ‪ ، 3‬بل هو [النصح] أصل عظيم من أصول السلم‪،‬‬
‫وقد كان النب صلى ال عليه وسلم عندما يبايع أحدا‪ ،‬يشترط عليه النصح لكل مسلم‪ .‬قال جرير بن عبد ال‬
‫رضي ال عنه‪" :‬بايعت النب صلى ال عليه وسلم على النصح لكل مسلم" ‪.4‬‬
‫أما إذا كان السلطان ظالا مفسدا كذابا‪ ،‬ل يقبل نصحا‪ ،‬ول يفي بوعد‪ ،‬فقد وردت الثار باعتزال ملسه‪،‬‬
‫ورفض أعطياته‪.‬‬
‫ عن ك عب بن عجرة ر ضي ال ع نه عن ال نب صلى ال عل يه وسلم‪" :‬سيكون بعدي أمراء‪ ،‬فمن د خل‬‫عليهم فصدّقهم بكذبـهم‪ ،‬وأعانـهم على ظلمهم فليس من ولست منه وليس بوارد علي الوض‪ ،‬ومن ل‬
‫يدخل عليهم ول يعنهم على ظلمهم ول يُصدّقهم بكذبـهم‪ ،‬فهو من وأنا منه وهو وارد عليّ الوض" ‪.5‬‬
‫قال أبو سليمان الطاب‪" :‬ليت شعري من الذي يدخل إليهم اليوم فل يصدقهم على كذبـهم‪ ،‬ومن الذي‬
‫يتكلم بالعدل إذا ش هد مال سهم‪ ،‬و من الذي ين صح و من الذي ينت صح من هم؟ إن أ سلم لك يا أ خي ف هذا‬
‫الزمان وأحوط لدينك أن تق ّل من مالطتهم وغشيان أبوابـهم ونسأل ال الغن عنهم والتوفيق لم" ‪.6‬‬
‫ وعن أب هريرة رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من بدا جفا‪ ،‬ومن اتبع الصيد‬‫غفل‪ ،‬ومن أتى أبواب السلطان افتت‪ ،‬وما ازداد عبد من السلطان قربا إل ازداد من ال بعدا" ‪.7‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫ للشافعي رحه ال فضائل كثية‪ ،‬ولكن إفراد أب حامد الغزال لسه ف هذا الوضع دليل على تعصبه الذهب‪.‬‬‫ إحياء علوم الدين‪ ،‬لب حامد الغزال‪.2/139 :‬‬‫ رواه مسلم ف كتاب اليان‪.‬‬‫ رواه مسلم ف كتاب اليان‪ ،‬وانظر كتاب المامة العظمى عند أهل السنة والماعة‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪. 408:‬‬‫ رواه الترمذي ف الفت‪ ،‬ورواه أحد عن ابن عمر‪ ،‬وقال أحد شاكر‪ :‬صحيح السناد‪ ،8/62 :‬من السند [عن المامة العظمى‪،‬‬‫ص‪.]400 :‬‬
‫ العزلة واللطة [عن المامة العظمى‪ ،‬ص‪.]401 :‬‬‫ أخرجه أحد ف السند‪ ،2/371 :‬وذكره الشيخ اللبان ف سلسلة الحاديث الصحيحة‪ ،3/267 :‬رقم‪.1272 :‬‬‫‪38‬‬

‫ عن أ ب هريرة ر ضي ال ع نه‪ ،‬قال‪ :‬قال ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪" :‬ليأت ي علي كم أمراء يقربون‬‫شرار الناس‪ ،‬ويؤخرون الصلة عن مواقيتها‪ ،‬فمن أدرك ذلك منكم فل يكونن عريفا‪ ،‬ول شرطيا‪ ،‬ول خازنا"‬
‫‪.1‬‬
‫وما يدر التذكي به هنا أننا قد بيّنا فيما مضى من هذا البحث أن الذين قبلوا الناصب من علماء السلف ما‬
‫كانوا يبيعون دين هم بدنيا هم‪ ،‬ول كانوا يترددون ف إنكار الن كر أو بيان الحكام الشرع ية ع ند الا جة إلي ها‬
‫متمثلي بقول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬خي الشهداء حزة بن عبد الطلب ث رجل قام إل إمام جائر‬
‫فأمره ونـهاه ف ذات ال فقتله على ذلك" ‪.2‬‬
‫ و عن أ ب أما مة ر ضي ال ع نه أن رجلً قال‪ :‬يا ر سول ال أي الهاد أفضل؟ ور سول ال ير مي المرة‬‫الول فأعرض عنه‪ ،‬ث قال له عند المرة الوسطى فأعرض عنه‪ ،‬فلما رمى جرة العقبة ووضع رجله ف الغرز‬
‫قال‪ :‬أين السائل؟ قال‪ :‬أنا يا رسول ال‪ .‬قال‪" :‬أفضل الهاد كلمة حق عند سلطان جائر" ‪.3‬‬
‫ـ فـ مالس السـلطان ومالس كبار مسـاعديه‬
‫فإن قال قائل‪ :‬إن هذه النكرات التـ تتحدثون عنهـا ل نراه ا‬
‫وإننا ل نسمع منهم عند جلوسنا وإياهم إل كل ما فيه خي للسلم والسلمي‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬يكفينا ف رد هذه القولة الشارة إل المثلة الثلثة التية‪:‬‬
‫الثال الول‪ :‬ما هو معلوم من الدين بالضرورة أن بعض هؤلء السلطي نوا شريعة ال كلها‪ ،‬وبعضهم‬
‫نوا بعض أحكام الشريعة‪ ،‬وأساءوا تطبيق البعض الخر الذي أبقوه‪.‬‬
‫الثال الثانـ‪ :‬لقـد تواترت أخبار ظلم السـلطي‪ ،‬وتدثـت حتـ منظمات العفـو الدوليـة عـن السـجون‬
‫والعتقلت التـ امتلت بالبرياء مـن خية العلماء والدعاة إل ال‪ ،‬وتقول أدق الحصـائيات الصـادرة عـن‬
‫ل عن عدد‬
‫الحام ي الذ ين يدافعون عن هؤلء الضحا يا أن عدد هم ف أ حد البلدان العرب ية يبلغ ستي ألفا فض ً‬
‫الذين يعدمون أو عن عدد الذين يقتلون دون أن ياكموا أو يسجنوا‪.‬‬
‫هذا ول يستطيع عال من العلماء الدعاء بأنه ل يسمع بأخبار الراضي الت اغتصبها إخوان اللوك والرؤساء‬
‫وأبناؤ هم من مالكي ها الذ ين ورثو ها عن آبائ هم أو ال ت أفنوا سن عمر هم ح ت جعوا ثن ها‪ ،‬وإن أي موا طن‬
‫يستطيع ضرب أمثلة على هذا الظلم الصارخ ما يدث ف مدينته أو ف منطقته‪.‬‬
‫ول يستطيع أي عال من العلماء ‪ -‬أيضا ‪ -‬الدعاء بأنه ل يسمع بأخبار أصحاب الشركات أو الؤسسات‬
‫التجارية الذين يذهبون مضطرين إل إخوان اللوك والرؤساء يعرضون عليهم مشاركتهم بنسبة تتراوح بي الربع‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫ رواه ابن حبان ف موارد الظمآن‪ ،‬كتاب المارة‪.‬‬‫ أخرجه الاكم ف الستدرك وقال‪ :‬صحيح السناد ول يرجاه‪ ،‬وذكره اللبان ف السلسلة الصحيحة ‪.1/374‬‬‫ أخرجه أحد ف السند‪ ،5/251 :‬وصححه اللبان ف السلسلة الصحيحة‪[ 1/62 :‬أنظر المامة العظمى‪ :‬ص‪.]410 :‬‬‫‪39‬‬

‫والنصف [دون أن يدفعوا قرشا واحدا] مقابل حايتهم من إخوانـهم أو أبناء عمومتهم‪ ،‬وكلما علت مكانة‬
‫السؤول كلما كان السعر باهظا‪.‬‬
‫وليس من العلماء من يهل أمر العصابات الت تتنافس على السلب والنهب‪ ،‬وكل عصابة يتول قيادتـها‬
‫وحايتها قطب من أقطاب النظام تبدأ به وتنتهي بأطراف متعددة داخل البلد وخارجه‪ ،‬وقد أطلقت الصحافة ف‬
‫بعض البلدان على هذه العصابات مصطلح (القطط السمان)‪ ،1‬وصدر ف أمريكا وأوربا عدد من الكتب ومئات‬
‫القالت عن هذه الفضائح مثل صفقات السلحة وغيها وغيها‪ ،‬والعملء الذين كان دورهم ثانويا أصبحوا‬
‫بعد عدد من هذه الصفقات يلكون الليارات من الدولرات فما بالكم با يلكه رئيس العصابة الذي ل يرضى‬
‫أحيانا إل أن يكون ما يدخل جيبه مساويا لثمن الصفقة الت ت شراؤها‪.‬‬
‫الثال الثالث‪ :‬كانت النكرات والفاسد الت يرتكبها أئمة الور شخصية ومدودة‪ ،‬فكتب التاريخ تدثنا‬
‫عن بعض اللفاء الذين كانوا يقتنون الواري ف قصورهم‪ ،‬وكان الليفة الذي رق دينه وأسرته شهوته يتمتع‬
‫بن شاء منهن‪ ،‬وقد تشاركه الاشية ف مشاهدتـهن وهن يرقصن ويغني‪ ،‬أما اليوم فقد أنشأت الكومات‬
‫دور الذاعة والتلفاز‪ ،‬ونظمت برامها وفق مراسيم صادرة عن الهات الرسية الختصة‪ ،‬وأصبح الغناء والرقص‬
‫والوسيقى عملً مشروعا عند هذه الكومات‪.‬‬
‫كنا بالمس وقبل بضعة عقود نستنكر فتح سينما ف مدينة من الدن‪ ،‬أما اليوم فقد دخلت هذه السينما بل‬
‫عدد كبي مـن دور السـينما إل كل ب يت‪ ،‬وأصـبحت الجيال الناشئة تتر ب على ألفاظ الغنيـة وحركاتــها‬
‫ومعان الغنيات الابطة‪ ،‬وعلى كل هذا الذي جاءوا به ما يدش الياء‪ ،‬ويض على الرذيلة‪ ...‬وزادوا الطي‬
‫بلة عندما أدخلوا ما أسوه ال بث البا شر‪ ،‬وكأن بلء ما أحدثوه من مفاسد ملية ل يكفى فعملوا على إدخال‬
‫كل فساد ف أوربا وغيها‪ ،‬ث دفعوا شركاءهم من أصحاب رؤوس الموال إل إنشاء أقنية فضائية ف البلدان‬
‫الوربية موجهة نو البلدان العربية تاطبهم بلغتهم‪ ،‬وتتمم مهمة إفساد الجيال لنـها خارج حدود الرقابة ذ‬
‫هكذا يعتذرون ‪. -‬‬
‫هذا عن دور الذا عة والتلفاز‪ :‬أ ما ال صحافة ف قد أ صبحت وقفا على العلماني ي من أ هل الك فر والزند قة‬
‫وعلى النافق ي الذ ين يبدّلون مواقف هم ك ما يبدل الرء ثو به‪ ،‬ون ح الشرفون‪ 2‬على هذه ال صحف الشهورة ف‬
‫تنيد الكتاب العروفي بعدائهم للسلم‪ :‬مثل النصارى [وخاصة الوارنة من نصارى لبنان]‪ ،‬وفلول الرافضة‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ أعن بعض البلدان الت تسمح بـهامش يسي من الرية‪.‬‬‫ إنـهم من أقطاب النظمة الاكمة‪ ،‬وينفقون أرقاما خيالية من أموال المة من أجل شراء ضمائر هؤلء الكتاب‪.‬‬‫‪40‬‬

‫الاقدين‪ ،‬وشياطي اليسار الذين يعملون اليوم ف معية من كانوا بالمس ألد أعدائهم‪ ،‬ودعاة القومية العلمانية‪،‬‬
‫ومنظري النظ مة الرأ سالية اليمين ية‪ ...‬كل هؤلء الكتاب الذ ين يتلفون ف الو سائل والعقائد جنود ف حزب‬
‫الشيطان‪ ،‬ويدركون جيدا أنـهم من خلل عملهم ف هذه الصحف يوضون معركة ضد حزب الرحن‪.‬‬
‫والناظر ف هذه الصحف ‪ -‬الرسية منها أو شبه الرسية ‪ -‬يقرأ فيها العجاب بالفلسفة الوجودية والسخرية‬
‫من الصحابة والتابعي وتابع التابعي‪ ،‬ويسلكون ف ذلك أساليب خبيثة ظاهرها ما يسمونه البحث العلمي‬
‫وحقيقت ها التشك يك والدس والفتراء‪ ،‬ك ما يقرأ في ها حلت إرهاب ية حاقدة ضد ال سلميي‪ ،‬و ضد ال سلم‬
‫السياسي [كما يدعون]‪ ،‬بجة عداوة دعاة السلم السياسي للنظمة الت تتلك هذه الصحف وتشرف عليها‪.‬‬
‫ويقرأ فيها اهتمام منقطع النظي بأخبار الرياضة والرياضيي مع إبراز صورهم‪ ،‬وأنباء بطولتـهم الزعومة‪،‬‬
‫ويقرأ فيهـا أخبار الراقصـات والغنيات يرافقهـا دعوة صـرية إل ترقـب ومشاهدة برامهـن فـ دور الذاعـة‬
‫وال سينما والتلفاز‪ ،‬ويقرأ أخبار ال سؤولي مع ن سائهم ف حل هم وترحال م‪ ،‬ويرى أشكال م ال ت ل تتلف عن‬
‫أشكال الكفار‪.‬‬
‫أما السلميون فقد حيل بينهم وبي إصدار الصحف الاصة بـهم‪ ،‬كما حيل بينهم وبي الدفاع عن‬
‫دينهـم فـ صـحافة القوم العلمانيـة إل فـ حدود ضيقـة جدا ومدودة‪ ،‬فحتـ السـاواة بيـ القوق المنوحـة‬
‫للعلمانيي والسلميي معدومة عند هؤلء السلطي‪ ،‬ول أعدو القيقة عندما أقول‪ :‬ل يتلك السلميون ف‬
‫طول البلد وعرض ها صحيفة إ سلمية يوم ية واحدة‪ ،‬ولو صدرت م ثل هذه ال صحيفة ف دولة أوربية‪ 1‬لفرض‬
‫عليها حصار يول بينها وبي الوصول إل معظم البلد العربية إن ل يكن إليها كلها‪.‬‬
‫قـد يقول قائل‪ :‬بـل هناك ملت إسـلمية تصـدر فـ بعـض البلدان العربية‍! فأقول‪ :‬هذا صـحيح‪ ،‬ولكـن‬
‫ال سلطي وأجهزة أمن هم يقفون وراء هذه الجلت ال ت تتخذ من ال سلم وال سلمي شعارا وا سا تت سمى به‬
‫و هي ف حقيقت ها لي ست أك ثر من م سجد من م ساجد الضرار‪ ،‬ولذا ف هي م سخرة للتشن يع على الدعاة‬
‫والماعات السلمية‪ ،‬كما أنـها مسخرة للتشكيك ببعض أصول السلم الت تغضب السلطان‪.‬‬
‫إذن‪ :‬كيـف يقول بعـض العلماء‪ :‬إننـا ل نرى هذه الفاسـد والعاصـي فـ مالس السـلطي التـ نتردد‬
‫عليها؟! نسألم بال أن يرهفوا سعهم‪ ،‬ويدققوا نظرهم‪ ،‬وأن ل ينظروا إل ما حولم بعي الرضى والنفعة‪،‬‬
‫بل بع ي الورع والتقوى والز هد‪ ،‬ولو ا ستجابوا ل سؤالنا هذا ليقنوا أن مفا سد ال سلطي قد ملت الب‬
‫والبحر وال و [نق صد بال و ما يدث من مفاسد على طائرات ـهم]‪ ،‬ولعلموا أن اعتزال مالس ال سلطي‬
‫من أضعف اليان‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫ إن التعاون من أجل إصدار هذه الصحيفة واجب على السلميي‪ ،‬كما أن خوض هذا اليدان بعمومه واجب‪.‬‬‫‪41‬‬

‫وبعد هذا الستطراد عن فساد السلطي وظلمهم وتنحيتهم لشريعة ال‪ ،‬نعود إل قول سفيان الثوري‪" :‬ما‬
‫أخاف من إهانتهم ل إنا أخاف من إكرامهم فيميل قلب إليهم"‪.‬‬
‫ر حم ال هذا المام الل يل‪ ،‬ل قد كان ين ظر بنور ال ج ّل وعل إل وا قع ع صرنا و ما سبقه من ع صور‬
‫ويصفها وصفا دقيقا‪ ،‬ولو فطن العلماء اليوم إل أبعاد قول سفيان لعادوا النظر ف كثي من مواقفهم الت‬
‫كانت ف بدايتها ليست أكثر من اجتهاد خاطئ فيه كثي من الغفلة وعدم التبصر بعواقب المور‪ ،‬ث انتهت‬
‫إل الراوغة والشقاق والنفاق عند كثي منهم والعياذ بال‪.‬‬
‫قلت غي مرة‪ :‬رأيت صنفي من الكام ف هذا العصر‪:‬‬
‫صنف منهم‪ :‬حاربوا ال سلميي عا مة دون أن يفرقوا ما ب ي داعية وداع ية آخر أو ب ي جا عة وجاعة‬
‫أخرى‪ ،‬وفضلً عـن ذلك فقـد دعوا إل الشرك واللاد والزندقـة‪ ،‬وسـخروا مـن الديـن وسـوا التدينييـ‬
‫رجعي ي‪ ...‬وهؤلء كا نت عاقبت هم وخي مة‪ ،‬و قد أذل م ال وجعل هم عبة لكل من يع تب ويت عظ‪ ،‬وانقلب‬
‫سحرهم على ال ساحر ب عد هلك هم‪ ،‬وأك سب صنيعهم هذا الد ين أعوانا وأن صارا‪ ،‬وأ صبحت أفكار هم‬
‫وقوميتهم وتقدميتهم مالً واسعا للتندر والسخرية‪.‬‬
‫و صنف آ خر‪ :‬قربوا إلي هم العلماء‪ ،‬وأ سندوا إلي هم وظائف كبية ولكن ها خاو ية من الضمون الفعال‪،‬‬
‫وأغدقوا عليهم الموال ومنحوهم الراضي الواسعة والنح الجزية‪ ،‬فاغتن هؤلء العلماء بعد فقر مدقع‪،‬‬
‫وتلذذوا بنعم الدنيا الت ما كانوا يسمعون بـها بعد خشونة العيش الت تربوا عليها وعاشوا ف كنفها أبا‬
‫عن جد‪ ،‬واعتادوا ركوب ال سيارات الفار هة‪ ،‬وملكوا مئات اللي ي من النيهات والدولرات… وباتوا‬
‫أسرى لا امتلكوه‪ ،‬وتناسوا أنـهم كانوا من قبل يذّرون الكام ما وقعوا هم فيه‪ ،‬وتعذّر عليهم التخلي‬
‫عن مكاسبهم ووظائفهم وأعوانـهم وجلسائهم‪.‬‬
‫وهكذا كانت سياسة هذا الصنف من الكام أكثر تدميا وأسوأ عاقبة من سياسة الصنف الول‪ ،‬وتكن‬
‫السلطي الذين يدّعون أنـهم حاة لدين ال من نقض العديد من عرى السلم بعد أن ضعفت نفوس كثي‬
‫من العلماء‪ ،‬ووقعوا ف تناقضات مؤسفة‪ ،‬وقعدوا عن المر بالعروف والنهي عن النكر‪.‬‬
‫وصدق أبو حامد الغزال رحه ال فالسلطي ل تسمح نفوسهم بعطية إل للذين يطمعون ف استخدامهم‪،‬‬
‫وال ستعانة ب ـهم على أغراض هم‪ ،‬ولو ل يذل ال خذ نف سه بال سؤال وبالت سكع على العتاب‪ ،‬وبإظهار ال ب‬
‫والوالة‪ ،‬وبالستر على ظلم السلطي وفسادهم وقبائح أفعالم‪ ،‬ل ينعم عليهم هؤلء بدرهم واحد‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫تذكير بمنهج الستدلل عند أهل السنة‬

‫يطيـ أعضاء حزب الولة فرحا بكـل فتوى شاذة إذا كانـت ماـ يرضاه ويريده السـلطان‪ ،‬ويبذلون جهدا‬
‫واسعا من أجل تدريسها وترسيخ معانيها‪ ،‬ث من أجل إشاعتها بي أكثر عدد مكن من الناس‪ ..‬وما فعلوه ف‬
‫هذا الجال‪ :‬جعـ هذه القوال والفتاوى وإصـدارها فـ كتيبات على شكـل متون‪ ،‬وتولوا هـم (!!) شرح هذه‬
‫التون بأساليبهم التعسفة العوجة وبألفاظهم البذيئة الشائنة‪.‬‬
‫وب جة شرح هذه التون أطلقوا أل سنتهم ف ش تم وتر يح من ن سبهم من خية العلماء والدعاة المر ين‬
‫بالعروف والناهي عن النكر‪ ،‬وما كان لؤلء من ذنب إل قيامهم بواجب بيان الكم الشرعي عندما دعت‬
‫الاجة إل بيانه‪.‬‬
‫وبجـة شرحهـم لذه التون قرروا أن العلماء الذيـن قالوا قولً يرضاه السـلطان الظال الغيّر لشرع ال هـم‬
‫الرجعية العتبة لهل السنة والماعة ف هذا العصر‪ ،‬ول يوز لحد أن يتقدم عليهم بقول أو فعل‪ ...‬ومن ترأ‬
‫على ذلك فهو عندهم‪ :‬مبتدع‪ ،‬متطرف‪ ،‬ضال‪ ،‬مضل‪ ،‬ويستعدون عليه ولة المر دون النظر إل ما عنده من‬
‫أدلة شرعية‪ ،‬ودون النظر إل ما ف هذه الدلة من صواب وخطأ‪ ،‬بل ولو أن أحدا من العلماء الكبار قال قولً‬
‫واحدا يغ ضب ول أمر هم لخرجوه من عضو ية هذه الرجع ية‪ ،‬وأطلقوا أل سنتهم بن هش عر ضه‪ ،‬ويتنا سون‬
‫أنـهم قبل أيام أو ساعات قلئل كانوا يعدونه من أولياء ال‪ ،‬ويتهمون كل من ينقده‪.‬‬
‫ل أر يد الطالة ف و صف تناقضات حزب الولة‪ ،‬وانتقال م ب سرعة فائ قة من النق يض إل ضده لن ن قد‬
‫فصلت القول بأمرهم فيما مضى من هذا البحث‪ ،‬وإنا أريد الوقوف قليلً عند مسألة الرجعية لنن رأيت أن‬
‫هذه السألة قد التبست على بعض طلب العلم الطيبي‪ ،‬فعندما تتحدث مع أحدهم‪ ،‬وتسرد له ما عندك من‬
‫أدلة شرعية يستمع إليك حت إذا فرغت من مسألة قد أشبعتها بثا ودراسة قال لك‪:‬‬
‫ولكن الشيخ ‪[ ...‬وهو من هو] قال بلف ذلك‪.‬‬
‫وتقول له‪ :‬يا أخي أنت طالب علم‪ ،‬وأنا قد عرضت عليك أدلة شرعية من كتاب ال وسنة رسوله وأقوال‬
‫العلماء أو إجاعهم‪ ،‬فكيف تعرض عن ذلك كله وتتمسك بقول للشيخ؟!‪.‬‬
‫فيكون رده‪ :‬ل أعتقد أن الشيخ قد غابت عنه هذه الدلة عندما أفت بغي ذلك‪ ،‬ث يغلق باب الوار معك‬
‫عند تسكه بقول الشيخ‪.‬‬
‫‪43‬‬

‫آخرون مـن طلب العلم يشون مـن إرهاب غوغاء حزب الولة لسـيما وهـم يرون بأعينهـم صـلتـهم‬
‫الوثي قة بأجهزة ال من‪ ،‬ويرون أيضا عاق بة من خالف هم وقال بغ ي قول م‪ ،‬ب سبب هذا وذاك يل جأ طلب العلم‬
‫هؤلء إل التقية فيقولون‪:‬‬
‫ـ مـا يقوله شيوخنـا‪ ،‬ثـ يذكرون أسـاء هؤلء الشيوخ التـ ل تتجاوز أصـابع اليـد الواحدة‪...‬‬
‫القول عندن ا‬
‫وهذه هي الرجعية السلمية عندهم ف العال كله!!‪.‬‬
‫لؤلء الطيبي من طلب العلم‪ ،‬أقول‪:‬‬
‫تعالوا أ ستعرض وإيا كم ما تعلمناه من علمائ نا وأئمت نا‪ ،‬والذي ل خلف ف يه ب ي أ هل ال سنة والما عة‬
‫التمسكي بنهج السلف الصال‪:‬‬
‫‪ - 1‬م ا ات فق عل يه ال سلمون أن ترد المور ال ت يتلفون في ها إل كتاب ال و سنة نبيه‪ .‬قال تعال‪ :‬فإن‬
‫تنازعتم ف شيء فردوه إل ال والرسول إن كنتم تؤمنون بال واليوم الخر‪ ،‬ذلك خي وأحسن تأويل ‪.‬‬
‫وقال ابن القيم رحه ال ف تعليق له على هذه الية‪:‬‬
‫"ولو ل يكن ف كتاب ال وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه‪ ،‬ول يكن كافيا‪ ،‬ل يأ مر بالرد إل يه‪ ،‬إذ‬
‫من المتنع أن يأمر تعال بالرد عند النـزاع‪ ،‬إل من ل يوجد عنده فصل النـزاع"‪. 1‬‬
‫‪ - 2‬ي قع اللف ب ي ال سلمي ف طري قة فهم هم للكتاب وال سنة لذا ف قد ن صت الثار ال صحيحة على‬
‫وجوب اتباع ال سلف‪ ،‬و قد ث بت ف ال سنن الد يث الذي صححه الترمذي‪ ،‬عن العرباض بن سارية‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وعظنا رسول ال صلى ال عليه وسلم موعظ ًة بليغةً‪ ،‬ذرفت منها العيون‪ ،‬ووجلت منها القلوب‪ ،‬فقال قائل‪ :‬يا‬
‫رسول ال‪ ،‬كأن هذه موعظة مودع؟ فماذا تعهد إلينا؟ فقال‪:‬‬
‫"أوصيكم بالسمع والطاعة‪ ،‬فإن من يعش منكم بعدي فسيى اختلفا كثيا‪ ،‬فعليكم بسنت وسنة اللفاء‬
‫الراشد ين الهدي ي من بعدي‪ ،‬ت سكوا ب ـها وعضوا علي ها بالنوا جذ‪ ،‬وإيا كم ومدثات المور فإن كل بد عة‬
‫ضللة" ‪.2‬‬
‫وقال المام أحد رحه ال‪" :‬أصول السنة عندنا التمسك با كان عليه أصحاب رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم والقتداء بـهم" ‪.3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫ إعلم الوقعي‪.1/49 :‬‬‫ صحيح‪ ،‬كما قال الترمذي‪ ،‬انظر "الرواء" (‪ )2521‬و "السنة" لبن أب عاصم رقم ‪[ 31/54‬عن حاشية شرح العقيدة الطحاوية‬‫‪.]431‬‬
‫ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والماعة لللكائي رقم (‪.)317‬‬‫‪44‬‬

‫‪ – 3‬قال ابن مسعود رضي ال عنه‪" :‬من كان منكم مُ سْتَـنّـا فليستنن بن قد مات‪ ،‬فإن الي ل تؤمن‬
‫عليه الفتنة‪ ،‬أولئك أصحاب ممد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كانوا أفضل هذه المة‪ ،‬وأبرها قلوبا‪ ،‬وأعمقها علما‪،‬‬
‫وأقلها تكلفا‪ ،‬قوم اختارهم ال لصحبة نبيه وإقامة دينه‪ ،‬فاعرفوا لم فضلهم‪ ،‬واتبعوهم ف آثارهم‪ ،‬وتسكوا با‬
‫استطعتم من أخلقهم ودينهم‪ ،‬فإنـهم كانوا على الدى الستقيم" ‪.1‬‬
‫‪ - 4‬كان ابـن عباس يرى أن التمتـع بالعمرة إل الجـ واجـب‪ ،‬وكان يسـتدل على ذلك بديـث نبوي‪،‬‬
‫وكان بعض الصحابة يردون عليه بأقوال لب بكر وعمر‪ ،‬فقال لم‪:‬‬
‫"أقول لكم قال ال وقال الرسول‪ ،‬وتقولون‪ :‬قال أبو بكر وقال عمر‪ :‬يوشك أن تنـزل عليكم حجارة من‬
‫السماء" ‪.2‬‬
‫‪ - 5‬وقال المام الشافعي رحه ال‪:‬‬
‫"أجع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم ل يكن له أن يدعها لقول أحد"‬
‫‪.3‬‬
‫‪ - 6‬قال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال‪:‬‬
‫"من نصب شخصا كائنا من كان فوال وعادى على موافقته ف القول والفعل‪ ،‬فهو من الذين فرقوا دينهم‬
‫وكانوا شيعا" ‪.4‬‬
‫فليتدبر إخواننـا طلب العلم هذه القوال‪ ،‬وليتقوا ال فـ دينهـم‪ ،‬وليحذروا أن يكونوا مـن الذيـن فرقوا‬
‫دين هم وكانوا شيعا‪ ،‬ول فرق عندي ب ي مواف قة الش يخ ف كل ما يقوله ويفعله‪ ،‬وب ي مواف قة طلب الش يخ‬
‫لن ـهم ف مموع هم يتبعون الش يخ‪ ،‬و قد تع جب المام أح د رح ه ال من قوم عرفوا ال سناد و صحته ث‬
‫يذهبون إل رأي سفيان‪ ،‬مع أن سفيان ل يقارن بأي عال من العلماء العاصرين الذين تتمسكون بآرائهم ث ل‬
‫تــهتمون بعـد ذلك بالدلة التـ تعرض أمامكـم‪ .‬قال المام أحدـ رحهـ ال‪ " :‬عجبـت لقوم عرفوا السـناد‬
‫وصـحته‪ ،‬ويذهبون إل رأي سـفيان‪ ،‬وال تعال يقول‪ [:‬فليحذر الذيـن يالفون عـن أمره أن تصـيبهم فتنـة أو‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫ جامع البيان‪ ،‬لبن عبد الب‪ ،1/97 :‬وشرح العقيدة الطحاوية [‪.]432‬‬‫ قول ابن عباس ف وجوب التمتع بالعمرة إل الج أخرجه البخاري ومسلم وغيها من الحدثي وكذلك قول الشافعي‪ ،‬انظر‬‫الكم بغي ما أنزل ال ‪.1/52‬‬
‫ الصدر السابق‪.‬‬‫ الفتاوى الكبى‪.2/239 :‬‬‫‪45‬‬

‫ي صيبهم عذاب أل يم] أتدري ما الفت نة؟ الفت نة‪ :‬الشرك‪ .‬لعله إذا ر ّد ب عض قوله أن ي قع ف قل به ش يء من الز يغ‬
‫فيهلك" ‪.1‬‬
‫‪ - 7‬قال الطحاوي رح ه ال‪ " :‬ونت بع السنة والما عة ونتج نب الشذوذ واللف والفر قة "‪ ،‬وقال شارح‬
‫الطحاوية‪ " :‬والماعة‪ :‬جاعة السلمي‪ ،‬وهم الصحابة والتابعون لم بإحسان إل يوم الدين‪ .‬فاتباعهم هدى‪،‬‬
‫وخلفهم ضلل " ‪ .2‬وقال سليمان التيمي‪ " :‬لو أخذت برخصة كل عال وزلة كل عال اجتمع فيك الشر كله‬
‫"‪.‬‬
‫يا إخواننا من طلب العلم الذين ما زلنا نسن الظن بـهم‪:‬‬
‫ل أعتقـد أن فـ هذا القول الختصـر الذي عرضناه جديدا عليكـم‪ ،‬ول أعتقـد أن هناك واحدا بينكـم ل‬
‫يسـرد هذه الشواهـد والدلة فـ معرض رده على القلديـن التعصـبي الذيـن ل يرون حللً ول حراما إل مـن‬
‫خلل ما يقرره شيوخ هم‪ ،‬ف ما بال كم غ فر ال ل نا ول كم وقع تم في ما وقعوا به؟!‪ ،‬ألن كم وثق تم من من هج‬
‫شيوخكم‪ ،‬وهذا أيضا ما تأخذونه على غيكم‪ ،‬فللشيخ مهما كان فاضلً زلت‪ ،‬وأهواء‪ ،‬وسقطات ول يوز‬
‫اتباعه فيها‪.‬‬
‫يا قوم‪ :‬م ا تاججون به القلد ين التع صبي أ نه ل يوز تقد ي قول أ ب ب كر وع مر على قول ال ور سوله‪،‬‬
‫وتتجون أيضا بقول ا بن عباس الذي رواه ع نه المام أح د‪ " :‬ل يس م نا أ حد إل يؤ خذ من وقوله ويدع‪ ،‬غ ي‬
‫النب صلى ال عليه وسلم "‪.‬‬
‫أي ليس من الصحابة والتابعي ومن تبعهم من الئمة العلم إل يؤخذ من قوله ويدع‪ ،‬وهذا الذي ندع‬
‫ل مشهودا له بالصلح والصدق‪ ،‬ولكن ل نتبعه ف زلته أو ف اجتهاد قد أخطأ فيه‪ ..‬فما‬
‫قوله يبقى عالا فاض ً‬
‫الذي أ صابكم ح ت وضع تم شيوخ كم ف مرت بة دون ـها مرت بة أ ب ب كر وع مر وغيه ا من رجال الرع يل‬
‫الول‪ 3‬؟!‪.‬‬
‫يـا قوم‪ :‬أعيدوا النظـر بواقفكـم‪ ،‬ول تزنوا القوال بقيمـة قائليهـا فـ نفوسـكم‪ ،‬وإناـ بقدار قربــها مـن‬
‫الصواب‪ ،‬وراجعوا ما نعرضه عليكم من أقوال ف هذه السألة الت اختلفنا فيها مع شيوخكم‪ ،‬وستعلمون حينئذ‬
‫أن عند نا على ذلك أدلة من كتاب ال و من سنة نبيه‪ ،‬و من أقوال ال صحابة‪ ،‬بل و من إجاع هم ف ب عض‬
‫الالت‪ ،‬وعندنا شواهد من أقوال أئمة السلم وقد عرضنا ناذج منها فيما مضى من هذا البحث‪ ،‬كما أن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫ فتح الجيد شرح كتاب التوحيد‪ ،‬للشيخ عبد الرحن بن حسن بن ممد بن عبد الوهاب‪ ،‬مكتبة دار البيان‪،‬‬‫ شرح العقيدة الطحاوية‪ ،‬الكتب السلمي‪ ،‬ص‪430 :‬‬‫ كان ذلك عن تسرع منهم يالف ما هم عليه من تسك بنهج أهل الق‪.‬‬‫‪46‬‬

‫ص‪459:‬‬

‫عندنا شواهد من أقوال ومواقف شيوخ شيوخكم‪ ،‬ومن أقوال شيوخكم قبل أن يغيوا مواقفهم‪ ،‬واعلموا بعد‬
‫ذلك كله أن هذا الذي نتبناه وندعو إليه ليس حالة شاذة ل نسبق إليها‪.‬‬
‫وأن تم يا دعاة حزب الولة‪ :‬لن ت ستطيعوا ح جب الش مس ال ساطعة بغربال كم الهترئ‪ ،‬ولن تفلحوا ف‬
‫فرض أباطيل كم على الناس لن لل حق جنودا ل يشون ت ـهديد سادتكم ول وعيد هم‪ ،‬و قد عقدوا العزم‬
‫على المر بالعروف والنهي عن النكر مهما غلت التضحيات‪ ...‬وقد تنجحون بعض الوقت ف إثارة الفتنة‪،‬‬
‫ولكن الناس سيعرفون نفاقكم وينفضون عنكم‪.‬‬
‫تتحدثون أيها النتهازيون الرتزقة عن مرجعية أهل السنة‪ ،‬ونيبكم‪ :‬ن عم نن نر يد هذه الرجعية ال ت‬
‫تضم كبار العلماء العاملي الجاهدين الستقلي الذين يتثلون عقيدة أهل السنة والماعة ف كل موقف من‬
‫الواقـف‪ ،‬ول يقبلون مـن طاغوت مـن الطواغيـت أن يفرض أوامره وتعليماتـه عليهـم‪ ...‬إننـا نريـد هذه‬
‫الرجع ية لتنقذ نا من نفاق كم و من هذه البلبلة ال ت تثيون ـها‪ ،‬مرجع ية تذكر نا بوا قف‪ :‬أ ب حني فة‪ ،‬وا بن‬
‫حنبل‪ ،‬والنووي‪ ،‬وابن تيمية‪ ،‬وغيهم من هذه الكوكبة الطاهرة الية‪ ،‬وسوف أعود إل الديث عن هذه‬
‫الرجعية ف موضع آخر من هذا البحث إن شاء ال‪.‬‬
‫أما أنتم يا دعاة الق ويا أمل هذه المة بعد ال سبحانه وتعال‪ ،‬فللحديث معكم مذاق عذب‪ ،‬ونكهة‬
‫خاصة ل يعرفها ول يتذوقها الذين مردوا على النفاق‪ ،‬وتعلقوا بطام هذه الدنيا الفانية‪.‬‬
‫يا إخواننا‪ :‬إن قيل لكم أين علماؤكم؟!‪.‬‬
‫ فقولوا لم‪ :‬علماؤنا قابعون كالسود ف سجون الطغاة البدلي لشريعة الرحن ولسان حالم يقول‪:‬‬‫إن السجن خلوة‪ ،‬ولن تستيطعوا أيها الستبدون التأثي على عقيدتنا وقلوبنا الطافحة بالمل القريب إن شاء‬
‫ال‪.‬‬
‫ وعلماؤنا الذين سلموا من السجن أو النفي مرابطون ف مواقعهم‪ ،‬ويؤدون دورهم الطلوب بـهمة‬‫عالية ل تعرف الكلل ول اللل‪.‬‬
‫ وعلماؤ نا أيضا هم ب عض العلماء الذ ين صدرت من هم فتاوى شاذة م ستغربة إل أن نا ل نقلد هم ول‬‫نتبع هم ف زلت ـهم‪ ،‬و ف غ ي هذه الزلت نترم هم ونقدر هم ونعترف بفضل هم‪ ،‬و قد تعلم نا من سلفنا‬
‫الصال أن ل نكم على علماء المة من خلل خطأ وقعوا به ث نتجاهل فضلهم وعلمهم‪ ،‬ولؤلء العلماء‬

‫‪47‬‬

‫الكبار زملء صامتون ل يصرحون بواقفهم إل إذا اطمأنوا للسائهم‪ ،‬ومنهم من توفاهم ال وهم على هذه‬
‫الواقف الطيبة الت قد سعها منهم عشرات الشخاص‪ ،‬ولول الحراج لذكرنا الساء‪.‬‬
‫ علماؤنـا ‪ -‬أيهـا الرجفون ‪ -‬قـد رزقهـم ال سـبحانه وتعال القدرة على فهـم مشكلت المـة‬‫السلمية‪ ،‬كما رزقهم الستقامة والبعد عن مواطن الشبهات‪ ،‬ولم جهود مشكورة ف بيان الدواء الشاف‬
‫لعلل أمتنا‪ ،‬ومهما فعل الظالون لن يستطيعوا حجب الشمس عن الشروق‪.‬‬
‫وعلماؤنا الذين يصدق فيهم قول الشاعر‪:‬‬
‫يقولون ل فيــك انقباضــٌ وإناــ‬

‫ـ الذلّ أحجمــا‬
‫رأوا ر ُجلً عــن موقفـِ‬

‫ـ‬
‫ـ هان عندهُم ْ‬
‫ـ مَـن داناهُم ُ‬
‫أرى الناس َ‬

‫ـا‬
‫ومــن أكرمتْهــُ ِعزّةُ النفــس ُأ ْكرِمَـ‬

‫ومــا ك ّل َبرْقــٍ لح ل يســتفزّنِي‬

‫ول كلّ مــن لقَيْتــُ أرضاه ُمنْعِمَــا‬

‫وإنـ إذا مـا فاتنـ المـر ل أبِتـْ‬

‫ـ كَفّيـــ إِْثرَهـــُ مَُتنَدّمَــا‬
‫أُ َقلّبــ ُ‬

‫ـ حَقّـ ال ِعلْم إن كان كلّمَـا‬
‫ول أَقض ِ‬

‫ـ ّلمَا‬
‫ـ صــَّيرْته لِيــَ سـ ُ‬
‫بدا َطمَعـ ٌ‬

‫إذا قيــل هذا مَ ْن َهلٌ قلتــُ قــد أرى‬

‫ـ نفســَ الرّ تتمــل الظّمَــا‬
‫ولكنّـ‬

‫ول أبت ِذلْ فــ خدمــة العلم ُم ْهجَتــ‬

‫ـ ُلخْدَمَـا‬
‫ـن لقَيْت ـُ لكن ْ‬
‫لَخدُم ـَ مـ‬

‫أ أشقــى بــه َغرْســَا وأجنيــه ذِلّةّ‬

‫ل ْهلِ قــد كان أ ْحزَمَــا‬
‫إذا فاتّباعــُ ا َ‬

‫ـ أهلَ ال ِعلْم صـانوه صـانـهُم‬
‫ولو أن ّ‬

‫ـــ النفوس لَ ُعظّمَـــا‬
‫ولو عظّموه فـ‬

‫ولكن أهـانوه فهـا َن ودنّسـوُا‬

‫جهّـمَا‬
‫ع حت َت َ‬
‫مُـحيّاه بالطمـا ِ‬

‫‪1‬‬

‫يا دعاة ال ق‪ :‬ل تيأ سوا من ن صر ال تعال‪ ،‬واعلموا بأن الطغاة إذا أغلقوا بابا واحدا ف وجوه نا ف تح‬
‫ال ل نا أبوابا‪ ،‬وكل ما ازداد عدو نا شرا سة وحقدا وا ستبدادا ي ب أن تتضا عف و سائلنا وتتعدد‪ ،‬و سيبقى‬
‫كيد الشيطان وحزبه ضعيفا وهزيلً أمام كيد ال جل وعل ث أمام حسن تطيط وتنظيم جند ال‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫ للقاضي أبو السن علي بن عبد العزيز الرجان‪ ،‬طبقات الشافعية الكبى‪.3/460:‬‬‫‪48‬‬

49

‫‪ ..‬لكنهم ل يتعظون‬
‫إن واقع حال العلماء الذين ساروا ف ركاب السلطي الظلمة‪ ،‬ومذكراتـهم الت كتبوها قبل مغادرتـهم‬
‫لذه الدنيا الفانية [رغم ندرتـها] تؤكد بأن السلطي ما كانوا يبونـهم رغم الدمات الهمة الت قدموها‬
‫لم ف أيامهم الرجة‪ ،‬وذلك لن هؤلء العلماء مهما بلغوا من رقة الدين‪ ،‬ومن القدرة الفائقة على النفاق ل‬
‫يستطيعون تاوز خط معي ف هذا التعامل‪ ،‬فلم ينقل إلينا عن أحد منهم أنه كان يتعاطى الخدرات‪ ،‬أو يشرب‬
‫ال مر‪ ،‬أو يد عو إل الشرك والزند قة‪ ،‬أو يوال أعداء ال من اليهود والن صارى‪ ،‬أو يتب ن عن قنا عة حرب ال‬
‫ورسوله والذين آمنوا‪.‬‬
‫هذا وسوف نتار المثلة التالية على ذلك‪:‬‬
‫‪ - 1‬يقول الشيخ أحد حسن الباقوري وزير الوقاف ف حكومة الثورة الصرية عام ‪" :1952‬وقد كانت‬
‫ل من عصم ال‪ ،‬فكانوا يرصون على استغلل قربـهم‬
‫بطانة عبد الناصر من أسوأ البطانات ف الرض إل قلي ً‬
‫م نه‪ :‬إ ما رجاء ليه‪ ،‬وإ ما اتقاء لشره‪ ،‬و هم مع ذلك قل يل جدا‪ .‬ول قد كان من أ شد ما ابتله ال به‪ ،‬أخذه‬
‫بالنظام التلري ف ح كم الش عب‪ ،‬وا ستعانته برجال الخابرات الناز ية الذ ين حاولوا أن ي صنعوا ب صر ما كانوا‬
‫يصنعونه بألانيا ف عهد هتلر"‪.‬‬
‫ويقول أيضا‪" :‬وليس يرتاب الذين يؤرخون لذه الثورة ف أنـها كانت كسائر الثورات‪ ،‬تستند إل أمرين‪:‬‬
‫أحدها التوسع ف نشر الاسوسية‪ ،‬وثانيهما اصطناع أنصار يستغلون صلتـهم بالثوار‪ .‬فأما التوسع ف نشر‬
‫الاسوسية‪ ،‬فقد اقترن ف أذهان الناس بأنه كلما استطاع الاسوس أن ينصب شركا لحد خصوم الثورة‪ ،‬كان‬
‫أول بالرعاية والثقة به‪ .‬وكان بعض هؤلء يصطنعون ف كل بيت‪ ،‬وكل مكتب أصدقاء لم يأتونـهم بأخبار‬
‫ صـادقة أو كاذبـة ‪ -‬لقاء أجـر معلوم‪ ،‬وقـد نشـأ عـن ذلك أن أصـبح الوالد يتجسـس على ابنـه‪ ،‬والميـع‬‫ينتظرون مـن الدولة حسـن الثوبـة وجزل العطاء فـ منصـب يسـند إليهـم أو مغنـم يدر عليهـم أخلف الرزق‬
‫الوسيع"‪. 1‬‬
‫إن أجهزة التجسس تتلف من حيث القوة والضعف من بلد لخر‪ ،‬ولكن لبد ف النهاية من فرض الراقبة‬
‫على كبار السؤولي من العلماء‪ ،‬وقد تناط هذه الهمة بالشرطي الذي يرس الشيخ أو بسائق سيارته أو بدير‬
‫‪1‬‬

‫ بقايا ذكريات‪ ،‬للشيخ أحد حسن الباقوري‪ ،‬ص‪ 205 :‬و ‪ ،237‬وقد طرد الشيخ من الوزارة‪ ،‬بسبب وشاية كاذبة‪ ،‬ول تشفع‬‫له الدمات النادرة الت قدمها لعبد الناصر ونظام حكمه‪.‬‬
‫‪50‬‬

‫مكتبه‪ ،‬وهذا كله غ ي أجهزة التصنت ذات التقنية العالية‪ ،‬وإذا كانت ظروف الشيخ الباقوري قد مكنته من‬
‫نشر مذكراته بعد هلك عبد الناصر‪ ،‬فغيه غي قادر على ذلك‪ ،‬أو ل يريد أن يقدم على عمل يفضح فيه نفسه‪.‬‬
‫وأكاد أقرر أنه ما من شيخ أسندت إليه مسؤولية كبية قد سلم ف النهاية من بطش السلطان خاصة إذا‬
‫تاوز الطوط المراء الر سومة له‪ ،‬وعند ما يدث م ثل هذا التجاوز ت صدر الوا مر الفور ية بعزله‪ ،‬و قد ي سمع‬
‫خب هذا العزل ف الذاعة كغيه من الناس‪ ،‬وقد تفرض عليه القامة البية ف منـزله‪ ،‬ث تبدأ السلطة بطريقة‬
‫خبيثة بتسريب وثائق تفضح سية الشيخ‪ ،‬وتكشف سوء استخدامه للسلطة‪:‬‬
‫ فهذه صورة "شيك" مهور بتوقيع الرجل الول ف الدولة تش ي إل استلم الشيخ مبلغا كبيا من الال‬‫مقابل فتوى شاذة أفت بـها أو مقابل خدمة مشبوهة قدمها للنظام‪.‬‬
‫ وتلك وثي قة أخرى تتحدث عن اختلس الش يخ لعقار كبي من أملك الدولة العا مة ال ت كا نت تت بع‬‫وزارته قبل عزله‪.‬‬
‫وفـ غيـ هذا وتلك قـد يتحدث الناس عـن مؤامرة مزعومـة‪ ،‬وقـد يعترف التآمرون تتـ وطأة التعذيـب‬
‫بأن ـهم كانوا ين سقون أمور هم مع الش يخ‪ ،‬و قد يكون مع ظم هذه الوثائق متلقا ول أ صل له‪ ،‬والق صود من‬
‫ذلك تشويه سعة الشيخ‪.‬‬
‫يتحدث الشيخ أحد حسن الباقوري عن عدد من الشائعات الت روجها النظام ضده بعد طرده من الوزارة‪،‬‬
‫ومن ذلك قوله‪:‬‬
‫"ول ست أن سى اب ن ع بد العز يز ع بد الوارث الد سوقي‪ ،‬الذي جاء ف صباح اليوم التال ل ستقالت مغيظا‬
‫منقا‪ ،‬ث أ خبن أن من الشاعات ال ت أطلقو ها ضدي إشا عة غب ية بقدر ما هي مضح كة‪ ،‬وو جه الضحاك‬
‫والغباء ف هذه الشائعة أنن كنت ف رحلت العالية أحل معي ف حقيبة يدي عملت متلف البلد الت كنت‬
‫أزور ها‪ ،‬من فرنكات سنغالية‪ ،‬وأخرى فرن سية‪ ،‬وجنيهات ا سترلينية‪ ،‬وكانت هذه القيبة تأخذ مكانـها ف‬
‫مكتب بالوزارة مع مذكرات ومقالت الت كنت أريد أن أحتفظ بـها‪ ،‬وقد استول القوم على هذا كله‪ ،‬ظاني‬
‫أنه يمل أسرارا تثبت أنن أدبر مؤامرة ضد عبد الناصر‪.‬‬
‫وكان كل ما ف تلك القي بة ل ياوز ثلثائة جن يه ف عملت متل فة‪ .‬فقالت الشاعات‪ :‬إن ع بد النا صر‬
‫صادر منذ أيام بنك موصيي‪ ،‬ول يعلم أن بنك موصيي موجود ف حقيبة الشيخ الباقوري"‪. 1‬‬
‫‪1‬‬

‫ بقايا ذكريات‪ ،‬الباقوري‪ ،‬ص‪.248 :‬‬‫‪51‬‬

‫فهل عاد الشيخ إل رشده بعد هذه الهانات الت تلقاها من عبد الناصر ونظامه‪ ..‬وهل اقتنع بأنه كان يلّقُ‬
‫ف غي سربه؟!‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ل يعد إل رشده‪ ،‬وسارع إل قبول أول عرض يعرضه عبد الناصر عليه‪ ،‬مع أنه كان أقل من منصب‬
‫وزير‪ ،‬وبعد هلك عبد الناصر انضم إل الوقة الت تصفق لنور السادات‪ ،‬ومن المثلة على ذلك الكلمة الت‬
‫ألقاها ف مؤتر نظمته الكومة لتأييد السادات والتنديد بعارضيه‪ ،‬وكان ما قال فيه‪:‬‬
‫"إن السلطان هو ظل ال ف الرض‪ ..‬وظل ال ف الرض له حرمة ومهابة فل يوز الساس بالسلطان أو‬
‫ال ساءة إل يه بكل مة‪ ..‬ح ت أن الفقهاء قالوا إذا كان ال سلطان ير كب بغلة‪ ،‬وذ يل بغلة ال سلطان مقطوع‪ ..‬فل‬
‫يوز التهكم على ذيل بغلة السلطان‪ ..‬فكيف بالتهكم على السلطان"‪.1‬‬
‫هذا والباقوري يعرف السادات جيدا‪ ،‬ويعرف الكثي عن حياته الاصة قبل انقلب يوليو ‪ ،1952‬ويعرف‬
‫ما أثي ضده من قضايا سلوكية داخل ملس قيادة الثورة ما جعل نيب يتبن قرار فصله من الجلس‪ ،‬وقد عطّل‬
‫هذا القرار تدخل عبد الناصر ليكسب صوتا ضد نيب‪ ،‬ومن ث فإن هذا الدفاع عن السلطان وذيل بغلته جاء‬
‫ب عد ا ستسلم ال سادات ل سرائيل وزيار ته الذليلة ل م ف القدس‪ ،‬وكان من النت ظر أن يقول الباقوري ف هذه‬
‫الناسبة كلمة يتقرب بـها من ربه‪ ،‬ل سيما وأنه قد بلغ من الكب عتيا‪.‬‬
‫‪ – 2‬ف ش هر جادى الول من عام ‪1398‬ه ـ و قف الش يخ م مد متول شعراوي ف ملس الش عب‬
‫الصري يرد على العارضة‪ ،‬ويعدد فضائل رئيسه أنور السادات‪ ،‬وكان ما قاله‪:‬‬
‫" لو كان المر بيد لعتبت السيد رئيس المهورية ف مقام الذي ل يسأل عما يفعل" وقال أيضا‪:‬‬
‫" لو كان ال مر بيدي ل صدرت أمرا ب نع أذان الف جر باليكرفون ف ج يع أناء المهور ية والقت صار ف‬
‫النداء على الصلة بالصوت الطبيعي"‪.‬‬
‫وكان الشيخ ممد عاشور[عضو ملس الشعب الصري] من أبرز الذين تولوا الرد على الشيخ الشعراوي‪،‬‬
‫ولذا السبب فقد استغل حزب السادات أكثريته ف الجلس وأقدم على إسقاط عضوية الشيخ عاشور‪ ،2‬نسأل‬
‫ال أن يرزقه الجر والثواب على إنكاره لذا النكر‪.‬‬
‫و من الؤ سف حقا أن الش يخ الشعراوي قد ا ستمر على إ صدار م ثل هذه الت صريات ر غم خرو جه من‬
‫الوزارة‪ ،‬وتقدمه ف السن‪ ،‬وشدة وطأة المراض عليه‪ ،‬ومن المثلة على ذلك قوله ماطبا الماعات والدعاة ف‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ذ ملة الجتمع‪ ،‬العدد‪ 476 :‬تاريخ‪9/5/1400 :‬هـ عن الصحف الصرية الصادرة ف هذا التاريخ‪.‬‬
‫ أقوال متول شعراوي ورد عاشور عليه أسفرت عن معركة إعلمية ف الصحف الصرية‪ ،‬فكان من الصحفيي من ينتصر‬‫للول‪ ،‬وهؤلء يركهم النظام ف الصحف الكثية التابعة له‪ ،‬ومنهم‪-‬وهم قلة‪ -‬من ينتصر للشيخ عاشور‪ ،‬ولينظر من شاء ما‬
‫كتب ف الصحف الصرية ف شهر جادى الول من عام ‪1398‬هـ‪ ،‬وما صدر من مؤلفات تضمن بعضها مضر هذه اللسة‪.‬‬
‫‪52‬‬

‫صحن الزهر‪":‬إن من يثي هذا الضجيج هم دخلء على السلم‪ ،‬ومدسوسون بي الشباب حت يفسدوا عليهم‬
‫مالسهم ولقاءهم بالعلماء"‪.1‬‬
‫تأمـل‪-‬أخـي القارئ‪ -‬قوله "دخلء على السـلم ومدسـوسون بيـ الشباب‪ "..‬وهؤلء مـن صـفوة الدعاة‬
‫اليين من أبناء مصر فكيف يتجن عليهم انتصارا للسلطان وحزبه؟!‪.‬‬
‫‪ – 3‬أما الدكتور عبد العزيز كامل فقد كان أحد السابقي الولي ف جاعة الخوان السلمي‪ ،‬وتول فيها‬
‫مسؤوليات مهمة نـهض بـها بدارة‪ ،‬وكان من خلل مسؤوليته عن قسم السر ف الخوان يندد بالسطحية‬
‫وثقافة الحاضرات والندوات العامة‪ ،‬ويدعو إل الدراسة والبحث والتعمق ف فهم المور‪ ،‬كما كان بعيدا عن‬
‫اللفات وسياسة الحاور‪.‬‬
‫وعند ما وق عت الح نة عام ‪1954‬م وأد خل الخوان إل ال سجون‪ ،‬وكان ع بد العز يز كا مل من بين هم ل‬
‫يستطع الصب على حياة السجون وما فيها من تعذيب واضطهاد وتنكيل‪ ،‬لذا فقد استجاب لكل ما يطلبه نظام‬
‫عبد الناصر منه‪ ،‬ومقابل هذه الستجابة فقد أفرج عنه‪ ،‬وأسندت إليه حقيبة وزارة الوقاف‪ ،‬وانتقل من النقيض‬
‫إل ضده‪ ،‬ول ف خلقه شؤون‪.‬‬
‫وعندما ابتل يَ السلم والسلمون ف مصر عام ‪1965‬م ساهم عبد العزيز كامل ووزارته ف إحدى جرائم‬
‫العصر الهمة‪ ،‬وكان بعض شيوخ هذه الوزارة يعملون داخل السجون جنبا إل جنب مع رجال المن‪ ،‬أما عبد‬
‫العزيز كامل فقد كان يكتب القالت الت يدافع فيها عن عبد الناصر ويشبه نظامه بدولة رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ف الدينة‪ ،‬كما يشبه الخوان السلمي وسيد قطب بالنافقي واليهود ف الدينة‪ ،‬وهؤلء النافقون‬
‫واليهود كانوا على اتصال دائم بالشركي خارج الدينة ‪.2‬‬
‫واستمر عبد العزيز كامل ف الشاركة بالرية طوال عهد عبد الناصر‪ ،‬وف مرحلة من عهد خليفته ذأنور‬
‫ال سادات‪ -‬ح يث اض طر إل ترك الوزارة أمام ض غط نائب رئ يس الوزراء وز ير الارج ية عل يه الذي كان يكره‬
‫كل من له خلفية إسلمية‪.3‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫ كان ذلك ف أول يناير سنة ‪1989‬م ومن العلماء الذين شاركوا شعراوي ف التوقيع على هذا البيان‪ :‬الشيخ ممد الغزال‪،‬‬‫والشيخ ممد الطيب النجار‪ ،‬والشيخ عبد ال الشد‪ ،‬والشيخ عطية صقر‪ ،‬والشيخ عبد النعم النمر‪ ،‬والشيخ يوسف القرضاوي‪.‬‬
‫ كان ينشر مقالته ف ملة الشتراكي‪ ،‬العداد‪ 18،90،29 :‬عام ‪1965‬م‪ ،‬ومن العناوين الت كان يتارها " عندما تتفي‬‫اليانة وراء الدين"‪[ .‬عن العتصام الصرية يناير ‪1980‬م]‬
‫ هذا ما سعته من كانت لم صلة بعبد العزيز كامل‪ ،‬أما هو فكان يرفض الديث أو الكتابة عن سية حياته سواءً ف الخوان‬‫أو ف الكم‪.‬‬
‫‪53‬‬

‫وانتقل عبد العزيز كامل بعد تركه الوزارة إل العمل مستشارا لرئيس دولة عربية خارج مصر!!‪ ،‬وبقي ف‬
‫هذا النصب إل أن توفاه ال‪ ،‬نسأل ال السلمة من مضلت الفت‪.‬‬
‫إن هؤلء وغي هم كث ي عند ما انزلقوا ف هذا الطر يق الو حش‪ ،‬وألفوا هذه الياة‪ ،‬أدركوا ر غم كل ما‬
‫قدموه لل سلطان أن ـهم لن ي ستطيعوا إرضاءه‪ ،‬وأن ـهم لن يبلغوا ما بل غه زملؤ هم العلمانيون‪ ،‬و ما ذلك إل‬
‫لبقايا من د ين ف قلوبـهم‪ ،‬ور غم ذلك فقد أصروا على ال ضي ف هذا الطريق و عز عليهم التو بة ال صادقة‪،‬‬
‫وهذه عاقبة من طلب رضى الناس بسخط ال‪.‬‬
‫نصيحة‪:‬إن هذه الياة الدنيا ل تساوي عند ال سبحانه وتعال جناح بعوضة‪ ،‬لنـها متاع زائل ل مالة‬
‫مه ما طال أ جل الرء‪ ،‬وعل شأ نه‪ ،‬وك ثر ماله‪ ،‬وعند ما تبلغ الروح اللقوم تتراءى العمال أمام ناظري التو ف‬
‫فيتم ن أن يرج من هذه الدن يا ل له ول عل يه‪ .‬قال ال جلّ وعل على لسان مؤمن آل فرعون الذي كان يعظ‬
‫قومه ويذرهم من سوء العاقبة‪:‬‬
‫يا قوم إن ا هذه الياة الدن يا متاع‪ ،‬وإن الخرة هي دار القرار‪ ،‬من عمل سيئة فل يزى إل مثل ها‪ ،‬ومن‬
‫ع مل صالا من ذ كر أو أن ثى و هو مؤ من فأولئك يدخلون ال نة يرزقون في ها بغ ي ح ساب [غا فر‪- 39 :‬‬
‫‪.]40‬‬
‫إن هؤلء العلماء التأخر ين الذ ين نعني هم ف هذا الب حث‪ :‬يشرحون هذه ال ية ومثيلت ـها ف درو سهم‬
‫ومواعظهـم وخطبهـم شرحا وافيا‪ ،‬ويسـتخرجون منهـا العـب والعظات‪ ،‬ويسـتدلون بأمثلة مـن أحوال المـم‬
‫الغابرة‪ ،‬فكيف بال ل يتعظون با يقولون‪:‬‬
‫يا أيها الذين آمنوا ل تقولون ما ل تفعلون‪ ،‬كب مقتا عند ال أن تقولوا مال تفعلون ‪.‬‬
‫إن ال صغي في هم قد أ صبح على مشارف ال ستي‪ ،‬و من بلغ هذا ال سن ف قد صار م ثل الزرع ف أوان‬
‫حصاده‪ ،‬قال ابن البارك‪:‬‬
‫يــا طــــالب العلم بادر الورعــا‬

‫وهاجــر النوم واهجــر الشبعــا‬

‫يـا أيهــا النــاس أنتـم عشــب‬

‫ــا‬
‫ــا طلعـ‬
‫ـــده الوت كلمـ‬
‫يصـ‬

‫ل يصـد الــرء عند فاقته‬

‫إل الذي ف حياته زرعــا‬

‫‪1‬‬

‫ومن ل يتعظ وهو ف الستي أو السبعي من عمره ل تنفعه الواعظ‪ ...‬فهل سألوا أنفسهم ماذا تنفعهم‬
‫هذه الناصب الرفيعة واللقاب الفضفاضة يوم الشر والندامة؟!‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫ جامع بيان العلم وفضله‪ ،‬لبن عب الب‪.1/193 :‬‬‫‪54‬‬

‫وهل فكروا بأ مر هذه الليي الت جعوها‪ ...‬هل جاءت عن طريق مشروع؟!‪ ،‬وهل سينفقها ورثتهم‬
‫من بعدهم بطرق مشروعة ل سيما وأن ال سبحانه وتعال قد ابتلى كثيا من العلماء بأبنائهم؟!‪.‬‬
‫وهل حاسبوا أنفسهم قبل أن ياسبوا على فتاويهم الت أفتوا بـها‪ ،‬والت كانت تتعارض مع أقوال لم‬
‫قد سبقتها‪ ...‬وهل تتحمل أعناقهم إث اللئق الت قد ضلت بسبب اقتدائها بـهم وتقليدها لم؟!‪.‬‬
‫قال أحد الصالي‪:‬‬
‫"وإنك لو رأيت اليت بعد ثلثة ف قبه لستوحشت من قربه بعد طول النس منك به! ولرأيت بيتا‬
‫تول فيه الوام‪ ،‬ويري فيه الصديد‪ ،‬وتترقه الديدان مع تغي الريح وبلى الكفان"‪.‬‬
‫تدث ابن كثي رح ه ال عن علماء عصره حديث العال الربا ن العارف‪ ،‬فقال عن أهل الصلح والورع‬
‫والتقوى منهم‪:‬‬
‫ أحداثُسنةِ ثان عشرة وسبعمائة‪ :‬ومن توف فيها من العيان بقية السلف وقدوة اللف أبو عبد ال ممد‬‫بن ع مر البال سي‪ ...‬ول يكن للش يخ ممد مر تب على الدولة ول غي هم‪ ،‬ول لزاوي ته مر تب ول و قف‪ ،‬و قد‬
‫عرض عليه ذلك غي مرة فلم يقبل‪.‬‬
‫ أحداث سنة ت سع عشرة و سبعمائة‪ :‬وم ن تو ف في ها من العيان الش يخ المام تاج الد ين ع بد الرح ن‬‫التبيزي الشافعي العروف بالفضلي‪ ،‬وكان ينكر على رشيد الدولة ويط عليه‪ ،...‬وكان رشيد الدولة يريد أن‬
‫يترضاه‪ ،‬فلم يقبل‪ ،‬وكان ل يقبل من أحد شيئا‪.‬‬
‫بل كان ابن كثي يعتب قبول الوليات ف أنظمة ظالة من الدنس الذي ينبغي أن يذره العلماء الصالون‬
‫منه وينأو بأنفسهم وأموالم عنه‪ ،‬قال رحه ال‪:‬‬
‫ أحداث سنة ثلث وعشر ين و سبعمائة‪ :‬وم ن تو ف في ها من العيان ش س الد ين أ بو ن صر الشيازي‪،‬‬‫وكان شيخا حسـنا خيا مباركا متواضعا‪ ،‬ول يتدنـس بشيـء مـن الوليات‪ ،‬ول تدنـس بشيـء مـن وظائف‬
‫الدارس ول الشهادات‪ ،‬إل أن توف ف يوم عرفة ببستانه من الزة‪ ،‬وصلي عليه بامعها ودفن بتربتها رحه ال‪.‬‬
‫ أحداث سنة ثلث وعشرين وسبعمائة‪ :‬ومن توف فيها من العيان قاضي القضاة نم الدين بن صصرى‪،‬‬‫ومع القضاء أضيفت إليه مشيخة الشيوخ مع تدريس العادلية والغزالية والتابكية‪ ،‬وكلها مناصب دنيوية انسلخ‬
‫منها وانسلخت منه‪ ،‬ومضى عنها وتركها لغيه‪ ،‬وأكب أمنيته بعد وفاته أنه ل يكن تولها‪ ،‬وهي متاع قليل من‬
‫حبيب مفارق‪ ،‬وقد كان رئيسا متشما وقورا كريا جيل الخلق‪.1‬‬
‫‪1‬‬

‫ فلياجع من شاء البداية والنهاية‪ ،‬الزء الرابع عشر‪ ،‬وما يقتضي التنبيه ف هذا القام أن عصر ابن كثي غي عصرنا‪ ،‬ول يستوي‬‫ف التشبيه سلطان ظال ولكنه يكم شرع ال‪ ،‬وآخر اتذ من نفسه ندا ل‪.‬‬
‫‪55‬‬

‫ومن عدل وإنصاف ابن كثي أنه ذكر الصفات السنة الت كان يتاز قاضي القضاة نم الدين بن صصرى‬
‫مع الشارة إل الوظائف الرفيعة الت انسلخ منها وانسلخت منه‪ .‬ومع أنه كان ينقد الذين تولوا هذه الوظائف‬
‫بشكل عام فقد كان يتجنب التصريح ويكتفي بالتلميح‪ ،‬اللهم إل إذا كان التوف الذي يؤرخ له مبتدعا نشيطا‬
‫ف الدعوة لبدعته‪ ،‬مؤمنا بوجوب نشرها والذود عنها‪ ،‬أو منافقا زنديقا‪.‬‬
‫إن هذا الذي قاله ابن كثي ومن سبقه أو تله من علماء السلف مؤيد بقوله تعالت أساؤه وصفاته‪ :‬تلك‬
‫الدار الخرة نعلها للذين ل يريدون علوا ف الرض ول فسادا والعاقبة للمتقي ‪.‬‬
‫ومؤيد بقوله صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ما ذئبان جائعان أرسل ف غنم بأفسد لا من حرص الرء على الال‬
‫والشرف لدينه" ‪.1‬‬
‫ويقول وهب بن منبه ف شرح هذا الديث‪" :‬إن جع الال وغشيان السلطان ل يبقيان من حسنات الرء إل‬
‫كما يبقي ذئبان جائعان ضاريان سقطا ف حظار فيه غنم فباتا يوسان حت أصبحا" ‪‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ أخرجه أحد والنسائي والترمذي وابن حبان ف صحيحه‪.‬‬‫ جامع بيان العلم وفضله‪.1/167 :‬‬‫‪56‬‬

‫‪2‬‬

57

‫سؤال وجوابه‬

‫ل ف نقدك لنهج حزب الغلة‪ ،‬ولطريقة تعاملهم مع مالفيهم‪ ،‬ث وجدناك تنتقل فجأة ‪-‬‬
‫قيل ل‪ :‬كُنتَ مسترس ً‬
‫ومن غي مقدمات ‪ -‬إل موضوع آخر يتلف عما كنت ف صدده‪ ،‬بل رحت وربا كان ذلك عن غي قصد‬
‫تقدم أدلة سوف يكون الغلة أول من يستفيد من ها ف الدفاع عن أنفسهم‪ ،‬و ف تبير وجود حزب ـهم‪ ،‬وف‬
‫الرد بـها عليك‪ ،‬أل تظن أن هذا الستطراد أقحم إقحاما ف بثك؟!‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا الذي سيته أنت استطرادا ل يقحم إقحاما ف بثي‪ ،‬وكنت قد كتبته قبل حوال سبعة عشر عاما‪ ،‬ث‬
‫ت عليه غي واحد من أهل العلم والفضل واستفدت من ملحوظاتـهم‪ ،‬وعندما جاء دور نشره رأيت‬
‫أَطـلَع ُ‬
‫أن ذلك غ ي م كن إل إذا كان الؤلف ا سا وهيا‪ ،‬وم ثل هذه الوضوعات اله مة لن تُع طي حق ها من العنا ية‬
‫والهتمام إل إذا ذُيلت بأساء معروفة ف أوساط الدعاة‪ ،‬ول بد أن يكون الكاتب مستعدا لكل ما يترتب على‬
‫ما يكتبه من تبعات وأعباء‪ ،‬ولا كان ذلك غي متيسر حينئذٍ‪ ،‬فقد وضعت هذا البحث ف خزانة الحفوظات‬
‫بكتبت‪ ،‬الت أحافظ عليها كما أحافظ على سلمة ابن من أبنائي‪ ،‬ول أهتم بغيها من أثاث النـزل عندما‬
‫ننتقل من بيت إل بيت آخر أو من بلد إل بلد آخر‪.‬‬
‫وبين ما ك نت م ستغرقا ‪ -‬ك ما قال ال سائل ‪ -‬بن قد من هج حزب الغلة رأ يت أن علماء ال سلف قد أشبعوا‬
‫موضوع الروج على أئمة الور بثا ف حي يتهيب معظم الفضلء من علماء عصرنا من بيان الكم الشرعي‬
‫ف الكام البدلي لشريعة ال‪ ،‬أما غي الفضلء من النسوبي إل العلم وأهله فلم يعد نفاقهم وتزلفهم للطواغيت‬
‫يتمل‪ ،‬وهنا فقد رأيت أن الواجب الشرعي يتم عليّ أن أساهم ف سد هذه الثغرة‪ ،‬ولذا فقد أخرجت هذا‬
‫البحث من خزانة الحفوظات‪ ،‬ث نفضت الغبار عنه‪ ،‬وقرأته غي مرة‪ ،‬ث قمت باختصاره لنن كنت أرى من‬
‫ق بل إخرا جه ف كتاب م ستقل‪ ،‬و مع الخت صار كان ل بد من ت ـهذيب عبارا ته لن لل سّن دورا ف اختيار‬
‫الكلمات الادفة الفيدة‪ ،‬واستبعاد كل ما ل فائدة أكيدة فيه‪ ،‬وجلة القول‪ :‬ل يكن هذا البحث وليد الرتال‪،‬‬
‫وقد جاء والمد ل ف موضعه الناسب‪.‬‬
‫أما قول القائل‪ :‬إنك قدمت أدلة سوف يكون الغلة أول من يستفيد منها‪...‬ال‪ ،‬فمعاذ ال أن أحجب ما‬
‫أعتقد أنه حق فيما أكتب كي ل تستفيد منه الهة الت أخالفها‪ ،‬ول أقبل إن شاء ال أن يكون هدف ما أكتب‬
‫إفحام الصم والجهاز عليه بشت الوسائل والطرق الشروعة منها وغي الشروعة‪.‬‬
‫‪58‬‬

‫وإن القـ الذي أديـن ال بـه أن انراف كثيـ مـن أدعياء العلم وتقديهـم الفتاوى الباطلة للظاليـ مقابـل‬
‫ح صولم على عرض من أعراض الدن يا الفان ية هو سبب من أ سباب انراف دعاة الغلو‪ ،‬وعند ما ي د هؤلء‬
‫الرجع ية ال صادقة ال ستقلة من العلماء المر ين بالعروف والناه ي عن الن كر فل سوف يتراجعون [أو يترا جع‬
‫معظمهم] عن تنطعهم وغلوهم‪ ،‬وهذا ما نرجوه ونأمله ونعمل من أجله‪.‬‬
‫أعود بعد ذلك إل الفقرة الت سبقت هذا الستطراد فأقول‪:‬‬
‫"إن رايات الكفر البواح ف عالنا السلمي الكبي ترفرف خفاقة عالية فوق مبان البنوك الربوية الت يكاد ل‬
‫يلو منها حي أو قرية‪ ،‬وفوق مبان الؤسسات التشريعية والقضائية الت ل يسمح فيها لن يشاء من القضاة أن‬
‫ل عن تفضيله لشريعة ال‪ ،‬وترفرف رايات الكفر‬
‫يساوي بي شريعة ال والشريعة الت سنّها زعيم الدولة فض ً‬
‫البواح أيضا فوق مبانـ التلفاز ودور السـينما وأوكار الرذيلة‪ ،‬وفوق مصـانع وملت بيـع المور‪ ،‬وليسـت‬
‫الشكلة هنا فيمن يشرب المر أو يرتاد دور السينما ويشاهد مناظر العرايا من النساء والرجال‪ ،‬ولكن الشكلة‬
‫في من سنّ القوان ي ال ت تب يح هذه النكرات‪ ،‬وأع يد للذهان قول رش يد ر ضا الذي ا ستشهدت به ق بل قل يل‬
‫وخلصته‪:‬‬
‫من ال سائل الجمع علي ها قولً واعتقادا‪ :‬إن إبا حة الج مع على تري ه‪ :‬كالز نا وال سكر‪ ،‬وا ستباحة إبطال‬
‫الدود وشرع ما ل يأذن به ال كفر وردة"‪. 1‬‬
‫ل ن ستطيع أن ن قف صما بكما أمام هذه ال سألة الطية لن ال سبحانه وتعال قد أو جب علي نا إيضاح‬
‫الحكام عنـد الاجـة إليهـا‪ ،‬وحرّم علينـا السـكوت‪ ،‬فقال جـل مـن قائل‪ :‬وإذا أخـذ ال ميثاق الذيـن أوتوا‬
‫الكتاب لتبيننه للناس ول تكتمونه ‪.‬‬
‫والاجة هنا ملحة لبيان مت تب طاعة الاكم ومناصرته‪ ،‬ومت يب خلعه والروج عليه؟! وليس المر‬
‫متروكا لنا لنجتهد فنصيب أو نطئ فيه لنه ل اجتهاد ف موضع النص‪ ،‬فعندما تدث علماؤنا عن المام ف‬
‫كتب السياسات الشرعية وغيها اشترطوا أن تتوفر فيه الصفات التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يكون ذكرا‪ ،‬وأجعوا على أن الرأة ل يوز أن تكون إماما‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن يكون بالغا عاقلً‪ ،‬ول خلف ف ذلك‪ ،‬ول تنعقد إمامة ذاهب العقل بنون أو غيه‪ ،‬كما أنه ل تنعقد‬
‫إمامة الصب‪.‬‬
‫‪ - 3‬الرية‪ :‬فل إمامة لرقيق لن أموره تصدر عن رأي غيه‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫ سبق ل تقرير هذه الفقرة فيما سبق من هذا البحث‪ ،‬وجدير بالذكر أن كثيا من العلماء قالوا بثل ما قاله رشيد رضا‪.‬‬‫‪59‬‬

‫‪ - 4‬أن يكون منـ يصـلح أن يكون قاضيا مـن قضاة السـلمي متهدا ل يتاج إل غيه فـ السـتفتاء فـ‬
‫الوادث؛ وهذا متفق عليه‪.‬‬
‫‪ - 5‬السلم‪ :‬فل تنعقد إمامة الكافر على أي أنواع الكفر أصليا كان أو مرتدا‪ ،‬لن القصود من المام مراعاة‬
‫أمور السلمي والقيام بنصرة الدين‪ ،‬ومن ل يكون مسلما ل يراعي مصلحة السلم والسلمي‪.1‬‬
‫وإذا توفرت هذه الشروط النفة الذكر ف ا لاكم‪ ،‬أصبح ملزما با يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬حفظ الدين على أصوله الستقرة وما أجع عليه سلف المة‪.‬‬
‫‪ - 2‬حاية بيضة السلم والذب عن الوزة ليتصرف الناس ف العاش وينتشروا ف السفار آمني‪.‬‬
‫‪ - 3‬إقامة الدود لتصان مارم ال تعال عن النتهاك‪.‬‬
‫‪ - 4‬تنفيذ الحكام بي التشاجرين‪ ،‬حت تظهر النصفة‪ ،‬فل يتعدى ظال ول يضعف مظلوم‪.‬‬
‫‪ - 5‬تصي الثغور بالعدة الانعة والقوة الدافعة‪.‬‬
‫‪ - 6‬جهاد من عاند السلم بعد الدعوة حت يسلم أو يدخل ف الذمة‪.‬‬
‫‪ - 7‬جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غي عسف‪.‬‬
‫‪ - 8‬تقدير العطاء وما يستحق ف بيت الال من غي سرف ول تقصي فيه‪.‬‬
‫‪ - 9‬اختيار المناء والكفاء وتقليد الوليات للثقات النصحاء لتنضبط العمال وتفظ الموال‪.‬‬
‫‪ - 10‬مشارفة المور العامة بنفسه‪ ،‬غي معتمد على ولته وعماله‪.‬‬
‫إن صلحية الاكم للمن صب الذي أ سند إل يه مرتب طة بتنفيذه للشروط واللتزامات ال ت تضمن ها ع قد‬
‫البيعة‪ ،‬ونصه كما يلي‪:‬‬
‫"بايعناك على بيعة رضى‪ ،‬على إقامة العدل والنصاف‪ ،‬والقيام بفروض المامة"‪.‬‬
‫فإذا أخلّ بفروض المامة عن عمد وإصرار منه أو أصبح غي قادر وجب على السلمي خلعه‪ ،‬واللع‬
‫أنواع نذكر منها ما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يلع المام نفسه من اللفة لعجز من القيام بأمور الناس‪ ،‬من هرم أو مرض ونوها‪.‬‬
‫‪ - 2‬زوال العقل‪ ،‬فينعزل بالنون الطبق‪ ،‬وهو الدائم الذي ل ينفك‪.‬‬
‫‪ - 3‬ذهاب الواس الؤثرة ف الرأي أو العمل‪ ،‬كالعمى‪ ،‬والرس‪ ،‬والصمم‪.‬‬
‫‪ - 4‬بطلن تصرف المام للستيلء عليه وحجره‪ ،‬ويدخل تت ذلك صور‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫ اكتفيت بذكر أهم هذه الشروط‪.‬‬‫‪60‬‬

‫منها أن يأسر الكفار المام ويقع اليأس بذلك من خلصه من أيديهم‪.‬‬
‫ومن ها أن يأ سره أ هل الب غي‪ ،‬أو تكون الما مة قد ثب تت له بالق هر وال ستيلء فيج يء آ خر ويقهره‬
‫ويستول على المر‪ ،‬فينعزل الول ويصي المام هو الثان‪.‬‬
‫‪ - 5‬ل يوز عقـد الوليـة لفاسـق ابتداء‪ ،‬فإن أحدث جورا بعـد أن كان عدلً اختلف علماؤنـا فـ مسـالة ا‬
‫لروج عليه‪.‬‬
‫‪" - 6‬انع قد إجاع ال مة على أ نه ل ت صح ول ية الكا فر على ال سلمي‪ ،‬وإذا طرأ عل يه ك فر أو تغي ي للشرع‬
‫سقطت وليته‪ ،‬ووجب على السلمي القيام عليه وخلعه"‪.1‬‬
‫إنن أعلم أنن عندما نقلت من كتب التراث هذه الفقرات عن فرائض المامة وغيها ل أقدم لطلب‬
‫العلم جديدا‪ ،‬ولكن ن أردت تذكي هم جيعا بأن الذ ين يطرحون هذه ال سألة الطية للب حث لي سوا هواة‬
‫سياسة‪ ،‬ول يتطلعون من وراء ذلك إل أطماع وم صال دنيو ية كما يقول عن هم خ صومهم‪ ،‬وإن ا يتعبدون‬
‫ربـهم ف أمر دين قبل أن يكون دنيويا‪ ،‬وكل شرط أو فرض من فروض المامة عليه أدلة من كتاب ال‬
‫جل وعل‪ ،‬ومن سنة رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ث من أقوال أئمة السلم‪ ،‬بل ومن إجاعهم ف كثي من‬
‫ذلك‪.‬‬
‫وكثيا ما نسمع أن أول النهي والسلطان يكرهون طرح هذه الوضوعات على بساط البحث والدراسة‪،‬‬
‫وقد تاوزوا التلويح بالتهديد إل التصريح به‪ ،‬وقام شيوخهم بالدور الطلوب منهم جنبا إل جنب مع رجال‬
‫المن ف تشويه سعة الدعاة الذين يالفون هذه التعليمات وتـهيئة الجواء العلمية الناسبة لقبول الناس مبدأ‬
‫فرض العقوبة الزاجرة عليهم كالسجن وغيه‪.‬‬
‫إننا ل نهل ظلم الطغاة وجبوتـهم وتعسفهم‪ ،‬ورغم ذلك فإننا نقول لم‪ :‬مهما فعلتم بنا فلن نسمح لكم‬
‫أن تددوا ل نا ك يف نع بد ال وحده لشر يك له‪ ،‬و ما هو ال سموح ف ذلك والمنوع؟!‪ ،‬فك ما أن نا نتع بد ال‬
‫تعالت أساؤه وصفاته بالصلة والصيام والزكاة والج‪ ،‬فإننا نتعبده بالمر بالعروف والنهي عن النكر‪ ،‬والهاد‬
‫ف سبيل ال‪ ،‬والع مل من أ جل أن يكون الد ين كله ل‪ .‬و من هذا النطلق جاء طرح نا لفرائض الما مة‪ ،‬ليعلم‬
‫ل عن الطريقة الشرعية‪ ،‬فليس هناك شيء اسه‬
‫السلمون جيعا أن طريقة اختيار الكام اليوم تتلف جلة وتفصي ً‬

‫‪1‬‬

‫ مآ ثر النا فة ف معال الل فة‪ ،‬للقلقشندي‪ ،‬والحكام ال سلطانية للماوردي‪ ،‬والحكام ال سلطانية ل ب يعلى م مد بن ال سي‬‫الفراء‪ ،‬والقرطب ف تفسيه لقوله تعال‪ :‬إن جاعلك ف الرض خليفة ‪....‬‬
‫‪61‬‬

‫أهل الل والعقد‪ ،‬وبالتال ليس هناك أية حاجة لبحث الشروط الت يب أن تتوفر ف أهل الل والعقد‪ ،‬وليس‬
‫هناك شيء أيضا اسه البيعة‪.‬‬
‫أما الا كم فل يلزمه أحد بفظ الد ين‪ ،‬وحاية بيضة السلم‪ ،‬وإقامة الدود‪ ،‬وتنف يذ الحكام‪ ،‬وتصي‬
‫الثغور‪ ،‬وجهاد من عاند السلم‪ ،‬وجباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع‪ ،‬أجل ل يلزمه أحد بذلك‬
‫ول بغيه‪ ،‬ول يلزم نفسه‪ ،‬والسألة كلها غي مطروحة وغي قابلة للبحث‪.‬‬
‫و ف غياب أ هل ال ل والع قد‪ ،‬ومشاركت هم الفعالة ف شؤون ال كم‪ ،‬و ف اختيار الا كم وخل عه إذا أخلّ‬
‫بفروض الما مة‪ ،‬يبز ا ستبداد الا كم وبط شه وطغيا نه‪ ،‬وي صبح الد يث عن خل عه لنف سه نوعا من افتراض‬
‫الستحيل‪.‬‬
‫ولنفترض أ نه أ صيب بالنون الط بق‪ ،‬ف من يقن عه بذلك؟‪ ،‬إن مع ظم الجانيـ يرمون الناس جيعا ب ـهذا‬
‫الرض ف حي يعتقدون بأنـهم أسوياء أصحاء‪ ،‬والاشية سوف تزعم أن عبقرية الزعيم تفتقت عن إشراقات‬
‫جديدة ل يستطع الشعب استيعابـها من فرط جهله وغبائه وتلفه‪ ،‬بل ومن الؤسف أن النون قد أصبح عند‬
‫بعضهم وكأنه لزم من لوازم الكم‪.‬‬
‫أ ما إذا أ صبح الا كم غ ي قادر على القيام بأعباء ال كم ب سبب مرض مز من أو غيه‪ ،‬فتراه يكلف ب عض‬
‫أقربائه ‪ -‬أو أعوانـه مـن غيـ أقربائه ‪ ،-‬ويعبـث هؤلء بشؤون الكـم كمـا يشاءون‪ ،‬ثـ تصـدر جيـع هذه‬
‫الجراءات باسم الزعيم الذي ل حول له ول قوة‪ ،‬ومثله بي أيديهم كسجي مرفه‪ ،‬ومن وسائل الترفيه ‪ -‬عفوا‬
‫التضليل ‪ -‬عرض صورته عن بعد وهو يرأس اجتماعا من الجتماعات الرسية العهودة حت يعلم الناس أنه ل‬
‫يزال حيا يرزق‪.‬‬
‫إن الطريقة الوحيدة لعزل الاكم اليوم هي "النقلب" سواء قام به اليش أو بعض أفراد السرة الاكمة‬
‫كإخوان الزعيم أو أبنائه‪ ،‬وف الالي لبد أن يتزعم النقلب ناس من بطانة الاكم الذين كانوا قبل قيامهم‬
‫ب ـهذه الر كة مو ضع ثق ته وأمناء سره‪ ،‬وجد ير بالذ كر أن هذه النقلبات أ صبحت نادرة ف العقود القليلة‬
‫الاضية بسبب زيادة أنشطة أجهزة الخابرات‪ ،‬وأخذ الناس بالشك وغي ذلك من أسباب ل أحسبها خافية على‬
‫الذين يرصدون هذه الظاهرة‪.‬‬
‫خلصة القول‪ :‬إن النظمة العاصرة ف ديار السلمي علمانية ف دساتيها وقوانينها ومراسيمها الدارية‬
‫و سائر شؤون ال كم في ها‪ ،‬و سدنتها ل ينكرون ذلك ف ت صرياتـهم ومواقف هم ال ت ل تنق طع‪ :‬كقول م‪ :‬ل‬
‫سياسة ف الدين ول دين ف السياسة‪ ،‬ومنعهم منح ترخيص للحزاب على أساس دين وغي ذلك‪.‬‬
‫‪62‬‬

‫فإذا قيل‪ :‬هذه الساجد الزدحة بالصلي تشهد على بطلن قولكم‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬بل قولكم هذا فيه جهل عظيم لن العلمانية تعن أن ل دين ف السياسة ول سياسة ف الدين‪ ،‬والشطر‬
‫الثان من هذه القولة يعن أنه ل يق لهل السياسة أن يتدخلوا بشؤون الؤسسات الدينية‪ ،‬وللقائمي على هذه‬
‫الؤسسات حق اختيار الطباء والوعاظ فيها‪ ،‬ووضع البامج التعليمية‪ ،‬وإنشاء دور جديدة للعبادة عند الاجة‬
‫إليها‪ ،‬وجع التبعات‪ ،‬ورعاية الوقاف الت تقق لذه الؤسسات كل تقدم وازدهار‪.‬‬
‫لو التزم الكام ف بلد نا بالنظام العلما ن التزاما صحيحا ل سلمت ل نا أوقاف نا ال ت ت عد مفخرة من مفا خر‬
‫تارينـا السـلمي‪ ...‬ومـن ريـع هذه الوقاف كانـت‪ :‬تبنـ البيوت للفقراء الذيـن ل يدون مـا يشترون أو‬
‫يستأجرون بيتا‪ ،‬وتفر البار‪ ،‬وتبن الدارس والستشفيات والكتبات‪ ،‬وتنسخ الكتب‪ ،‬وغي ذلك من العمال‬
‫اليية الت يستفيد الناس منها‪.‬‬
‫هذه الوقاف الت ل تكاد تلو منها مدينة ول حي أو قرية‪ ،‬اغتصبها ‪ -‬ظلما وعدوانا ‪ -‬الكام العلمانيون‬
‫ف بلد نا خلل العقود الم سة الاض ية‪ ،‬وحرموا ال ستفيدين من ها‪ ،‬ث زعموا أن ـهم فعلوا هذا وغيه إن صافا‬
‫للفقراء والحتاج ي‪ ،‬ول أدري ك يف ين صفون هذا الفق ي و هم الذ ين ينعون ع نه الطعام الذي كان يقدم له‪،‬‬
‫والأوى الذي كان يأوي إليه‪ ،‬والدرسة الت كان يتعلم فيها؟!‪.‬‬
‫ولو التزم الكام ف بلدنا بالنظام العلمان التزاما صحيحا لكنا أحرارا ف مساجدنا ندعو فيها إل ال على‬
‫ب صية‪ ،‬ول ن سمح لظال جا هل أن يفرض علي نا برا مج ما أنزل ال ب ـها من سلطان‪ ،‬وخطباء ل يتقنون إل‬
‫فنون النفاق والداهنة والتجسس‪.‬‬
‫لكن الكام ف بلدنا طبقوا العلمانية تطبيقا مشوها ومالفا لا هو عليه الال ف الدول الوربية وبشكل‬
‫خاص ف الش طر الثان من القولة النفة الذ كر‪" :‬ل سياسة ف الد ين" فأدخلوا سياستهم البي ثة إل م ساجدنا‬
‫ومعاهدنا الشرعية‪ ،‬واستأثروا بكل شيء‪ ،‬ومنعونا من مارسة أبسط القوق الت يتمتع بـها الواطن ف الدول‬
‫اللتزمة بالنظام العلمان‪.‬‬
‫وإذا قيل‪ :‬أنتم تبدأون بثل هذه القدمات لتنتهوا إل القول بتكفي الكام‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬ال سألة ذات شقي‪ :‬الشق الول‪ :‬ما هو الوقف من هذه النظمة‪ :‬كدساتي‪ ،‬وقوان ي‪ ،‬وأحكام‪،‬‬
‫هل هي إ سلمية أو علمان ية؟!‪ .‬وال شق الثا ن‪ :‬ما هو الو قف من الكام الذ ين يضعون هذه الد ساتي‬
‫والقواني؟!‪.‬‬
‫‪63‬‬

‫والق فز على ال شق الول من هذه ال سألة ظلم وهروب من أ صل الن ـزاع‪ ،‬ك ما أن الذ ين يت سرعون‬
‫ويدخلون ف نقاش حول إسقاط حكم الردة على الكام ل ينتبهون إل الستدراج الذي أوقعهم الخالفون‬
‫فيه!!‪.‬‬
‫ليس للدعاة الذين يطرحون هذه السألة موقف شخصي من الكام‪ ،‬وليست السألة صراعا سياسيا حول‬
‫كرسي الكم والستئثار به كما يصورها أصحاب الهواء‪ ،‬أو كما يدعيه الكام وأجهزة إعلمهم وأمنهم‪.‬‬
‫وإذا أراد الخالفون امتحان الدعاة فليطلبوا من سادتـهم الكام التو بة إل ال‪ ،‬والعودة بالناس إل تك يم‬
‫شري عة ال الوا حد القهار‪ ،‬ون بذ الشرائع الاهل ية ال ت ابتدعو ها‪ ،‬ولو ا ستجاب الكام إل هذا الطلب لوجدوا‬
‫الدعاة إل ال خي بطانة لم‪ ،‬وأشجع من يدافع عنهم ويفديهم بأرواحهم‪.‬‬
‫إذن ال سألة ال ت ي ب أن يدور حول ا النقاش‪ :‬ما هو الو قف من هذه النظ مة‪ :‬كد ساتي‪ ،‬وقوان ي‪،‬‬
‫وأحكام‪ ،‬هل هي إسلمية أو علمانية؟!‪.‬‬
‫وليأذن لنا الخالفون ف طرح السئلة التالية عليهم‪:‬‬
‫‪ -‬يقول الق جل وعل‪:‬‬

‫فل وربك ل يؤمنون حت يكموك فيما شجر بينهم ث ل يدوا ف أنفسهم‬

‫حرجا ما قضيت ويسلموا تسليما ‪ ،‬فهل يُحكّ ُم شرع ال بيننا ف ماكمنا وسائر أمور حياتنا؟!‪.‬‬
‫ويقول صلى ال عليه وسلم‪" :‬اسعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام‬
‫فيكم كتاب ال"‪ ،‬فهل أقام الكام ‪ -‬اليوم ‪ -‬فينا كتاب ال؟!‪.‬‬
‫ أمرنا صلى ال عليه وسلم [كما جاء ف حديث عبادة بن الصامت]‪ 1‬أن ل ننازع المر أهله إل أن‬‫نرى كفرا بواحا‪ .‬أولسنا نرى اليوم كفرا بواحا عندنا من ال فيه برهان؟!‪.‬‬
‫رغم وضوح هذه السئلة سوف ند بعض الخالفي يراوغون‪ ،‬ويفرون من الجابة عليها ذات اليمي‬
‫وذات الشمال‪ ،‬ويتمسكون بأقوال أوهى من بيت العنكبوت؛ كقولم‪ :‬كيف تكفرون من يقول ل إله إل‬
‫ال‪ ...‬وكيف تعمدون إل تـهييج الناس ضد ولة المر‪ ،‬وتعيدون سية الوارج وصنيعهم؟!‪.‬‬
‫وهؤلء ل ينب غي إضا عة الوقت ف مناقشت هم لن ـهم ل يريدون اتاذ موقف يغ ضب سادتـهم‪ ،‬ويفوّت‬
‫عليهم بعض الصال الت يلهثون وراءها‪.‬‬
‫أما البعض الخر فلسوف يوافقوننا على كثي ما نقوله إذا كان يتعلق بالشق الول من السؤال‪ ،‬وسيلمس‬
‫كل من يتحدث إليهم ف هذه السألة حسن إصغائهم وصدق لجتهم‪ ..‬وهؤلء هم الذين يدي معهم الوار‪،‬‬
‫ولبد أن نلخص إطار الوار با يلي‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫ سبق تريج وشرح حديث عبادة بن الصامت والديث الذي قبله‪.‬‬‫‪64‬‬

‫إن الفر قة عذاب واللف شر ل ي ستفيد م نه إل عدو نا الذي ا ستباح بيضت نا‪ ،‬وعطّل ح كم ال تعال‬
‫فينا‪ ،‬وجعلنا شيعا وأحزابا‪ ،‬ولذا فهو يعمل دائما على إذكاء نار البغضاء والشحناء بيننا‪ ...‬فقولوا لنا بال‬
‫عليكم كيف نوحد صفنا‪ ،‬ونتخذ مواقف جادة من قضية تُع ّد من أهم قضايا عصرنا الت تس عقيدة المة‬
‫وكيانـها… قولوا لنا كيف نتجنب الغلو والتنطع ف مواقفنا كما نتجنب اليوعة والتسيب وأرباع اللول‬
‫بل وأقل من ذلك‪ ،‬كيف يسكت بعضنا عمن بدّل شريعة ال ووال أعداءه‪ ،‬ويريشون سهام غضبهم إل‬
‫الذين ينكرون هذا النكر ويعملون طاقتهم على تغييه؟!‪.‬‬
‫أل يس من الوا جب علي نا التعاون في ما بين نا من أ جل و ضع حد لذه الفو ضى العار مة ال ت اجتاحت نا‬
‫وجعلتنا أضحوكة بي المم؟! ‪ ‬‬

‫‪65‬‬

66

‫كلمة حق‬

‫رأيت أن أختم هذا الكتاب بقال كان قد كتبه الشيخ ممود عبد الوهاب فايد رحه ال‪ ،‬وذلك للسباب‬
‫التالية‪:‬‬
‫الول‪ :‬كاتب القال مدرس بكلية الدعوة وأصول الدين‪ ،‬وعضو لنة السنة بجمع البحوث‪ ،‬والوكيل العام‬
‫للجمعية الشرعية‪.‬‬
‫فهو أولً عال من كبار علماء الزهر وهو ثانيا أحد أهم السؤولي عن جعية حائزة على ترخيص من قبل‬
‫ج يع الكومات ال صرية‪ :‬ملك ية كا نت أم جهور ية‪ ،‬وهذا يع ن أن ـها لي ست [‪-‬المع ية الشرع ية‪ ]-‬مته مة‬
‫بالرهاب وغيه من الصفات الظالة الت اعتاد الرجفون على إلصاقهابالماعات واليئات السلمية‪.‬‬
‫الثان‪ :‬يتحدث الشيخ ف هذا القال عن قضايا ومشكلت الناس جيعا ف مصر‪ ،‬وياطب زملءه العلماء‬
‫مذكرا إياهم بوجوب إنكار النكرات الكثية والتنوعة‪ ،‬وطالبا منهم التعاون على ذلك كما كان يفعل شيوخ‬
‫الزهر من قبل‪.‬‬
‫غي أن علقته الوثيقة بشيخ الزهر ومموعة العلماء الخاطبي بـهذا القال ومبته العميقة لم ل تنعه من‬
‫نقدهم وبيان ما وقعوا فيه من تقصي وتساهل على حساب المانة الشرعية الت أنيطت بـهم‪ .‬وقصارى القول‬
‫فإن للمقال صلة قوية بوضوع هذا الكتاب‪ ،‬وليس لكاتبه مشكلة مع النظام‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬الشيـخ ممود عبـد الوهاب فايـد مـن العلماء الذيـن ل يسـكتون عـن إنكار النكـر مهمـا غلت‬
‫التضحيات‪ ،‬وفـ جيـع العهود السـابقة أمثلة على ذلك‪ ،‬ومـن شاء الطلع على هذه الواقـف فلياجـع كتابـه‬
‫"صيحة الق"‪ ،‬ولذا فقد تعرض رحه ال للسجن‪ ،‬والنقل لماكن نائية‪ ،‬فما زاده ذلك إل ثباتا وإصرارا على‬
‫الق ‪-‬نقول ذلك ول نزكي على ال أحد ‪ ..-‬هذا وقد حرصت على نشر مقاله‪ 1‬الذي يصف من خلله داء‬
‫المة‪ ،‬ودور العلماء ف وصف الدواء الشاف دون التعليق عليه‪ ،‬وعدم التعليق ل يعن موافقت له ف كل ما ورد‬
‫ف القال‪ ،‬فجزاه ال عن السلم والسلمي كل خي‪ ،‬ونسأل ال له الرحة والجر والثواب‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫ حذفت منه أخبار الصحف الت استدل بـها‪ ،‬واكتفيت بالشارة إل موضوعها‪.‬‬‫‪67‬‬

‫كلمة من القلب أرجو أن يفسح العلماء لها صدورهم‬

‫"المـن هـو النعمـة الكـبى… فـ ظله يعيـش الناس فـ سـلم‪ ،‬وييون فـ هناءة وسـعادة‪ ،‬وعليـه تقوم‬
‫مصالهم‪ ،‬وتقضي حوائجهم‪ ،‬ول يقبل الخلل به إل من ساء خلقه‪ ،‬وفسدت فطرته‪ ،‬وليس لديه وازع من‬
‫دين أو ضمي‪ ،‬وهو مسؤولية الشعب والكومة… ومن اللزم أن يتعاونا معا ف تقيق المن والستقرار وعلى‬
‫جيع أجهزة الدولة أن تمي الرواح والمتلكات‪ ،‬وتتجنب كل ما يثي النفوس ويقلق الواطر‪.‬‬
‫والعج يب أن ب عض ال صحف تن شر أخبارا كاذ بة مثية‪ ،‬وي سارع ب عض أ هل العلم والد ين إل ت صديقها‬
‫والتعليق عليها دون تثبت… مع أن ال سبحانه وتعال يقول ف كتابه‪ :‬يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق‬
‫بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمي ‪.‬‬
‫ويترتب على ذلك تأجج نار الفتنة‪ ،‬وضعف مراكز أهل العلم الذين يرجى على أيديهم الي‪ ،‬فل يبقى لم‬
‫قبول لدى الناس… خصوصا الذين اتـهموا منهم بغي حق!!‪.‬‬
‫فـ جريدة أخبار السـبت ‪ 14‬جادى الول ‪ 1409‬هــ‪ 24 ،‬ديسـمب ‪ ،1988‬ص ‪ 5 ، 4‬مقال مثيـ‬
‫بعنوان‪( :‬الأساة والضحايا)‪( ،‬التطرف الدين يرتدي جلبابا أبيض ويمل سكينا وكرباجا)‪( ،‬التطرفون أقاموا‬
‫لانا للتفتيش‪ ،‬ومنعوا الواطني من دخول الساجد‪ ،‬وصنعوا الفرقعات لضرب رجال الشرطة!!)‪.‬‬
‫والقال كله يتعلق بالماعات ال سلمية ف ع ي ش س‪ ،‬وم سجد آدم… وق بل أن يتث بت ش يخ الز هر من‬
‫هذه الوقائع بادر بإدانة هذه الماعات بأسلوب شديد اللهجة‪ ،‬ونشر بيانه يوم الثني ‪ 16‬جادى الول‪26 ،‬‬
‫ديسمب‪ ،‬واستنكر كثي من الكتاب الحرار موقف المام الكب‪ ،‬ونفت الماعات السلمية ما نسب إليها من‬
‫تـهم‪ ،‬وأجرت جريدة الشعب تقيقا أثبت براءتـها‪ ،‬وقد نشرته ف صفحة ‪ 3‬يوم ‪ 24‬جادى الول سنة‬
‫‪ 1409‬هـ‪ 3 ،‬يناير سنة ‪ ،1989‬وكذلك صنعت جريدة الوفد‪.‬‬
‫وكان الطلوب إطفاء نار الفتنة… لكنها ازدادت توقدا وسعيا‪ ،‬وأصبحت الدولة ف حاجة إل عون من‬
‫جديد… فاتهت إل نبة من العلماء الجلء‪ ،‬ومنحتهم كل المكانيات اللزمة ليصدروا بيانا آخر‪ ،‬وصدر‬
‫بيان مصحوب بزفة إعلمية ل يسبق لا مثيل اشتركت فيها الصحافة والذاعة السموعة والذاعة الرئية (الراديو‬
‫والتلفزيون) واشترك ف إعداد هذا البيان الش يخ ممود متول الشعراوي‪ ،‬و الش يخ ممد الغزال‪ ،‬والش يخ ممد‬
‫الطيـب النجار‪ ،‬والش يخ ع بد ال الشـد‪ ،‬والش يخ عط ية صقر‪ ،‬والشيـخ ع بد النعـم الن مر‪ ،‬والشيـخ يوسـف‬
‫القرضاوي‪ ،‬وتله ف صحن الزهر بي آلف الستمعي الشيخ الشعراوي يوم الحد أول يناير سنة ‪ 1989‬م‬
‫‪68‬‬

‫قالت جريدة المهورية يوم الثني ‪ 2‬يناير ف الصفحة الثانية‪" :‬وقد حدث صخب وضجيج ف السجد استمر‬
‫قرابـة السـاعة… وقام الشيـخ الغزال خطيبا فـ الناس ثلث مرات يزجرهـم‪ ،‬ويذكرهـم بآداب السـلم فـ‬
‫الستماع والد يث حت سكن الضور‪ ،‬وبدأ ف إلقاء كلم ته … ود عا هذا الوقف فضيلة الش يخ الشعراوي‬
‫إل أن يوجه كلمة للناس قبل البيان قال فيها‪" :‬إن من يثي هذا الضجيج هم دخلء على السلم‪ ،‬ومدسوسون‬
‫بي الشباب حت يفسدوا عليهم مالسهم ولقاءهم بالعلماء"‪ ،‬ونلحظ أن الشيخ ف انفعاله أخرجهم من السلم‬
‫وهو ما يعيبه على الشباب ف بيانه… لقد صدر بيانان‪ :‬بيان من المام الكب‪ ،‬وبيان من العلماء الجلء…‬
‫وبين وبي إمامنا الكب وإخوان العلماء صلت وثيقة‪ ،‬ومبة عميقة تعلن آمل ف أن يفسحوا صدورهم لذا‬
‫التعليق‪:‬‬
‫إن هدفنا جيعا هو إطفاء الفتنة‪ ،‬وتـهدئة الواطر‪ ،‬وإعادة الصفاء واللفة والثقة بي الشباب والكومة‪،‬‬
‫والعلج ف ال ستمساك بالشرع‪ ،‬والتحا كم إل يه… و قد نبه نا ال تعال لذا و هو أ صدق القائل ي فقال‪:‬‬
‫فليحذر الذين يالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [سورة النور‪ ،‬الية‪.]63 :‬‬
‫إن لوء الكومة إل الزهر وعلمائه أعاد إل الذاكرة مواقف قدية كان الزهر فيها قاعدة للنطلق ضد‬
‫الف سدين والظال ي‪ ،‬و ضد اللحد ين والارق ي‪ ،‬و ضد الو نة وال ستعمرين… وكان علماء الز هر هم القادة‬
‫الذ ين ير جى على يد هم اللص… كانوا سفراء ب ي الش عب والكو مة‪ ،‬ول م الكل مة الفا صلة‪ ،‬والو ساطة‬
‫القبولة… ول ننسى موقف "الشيخ أحد الدردير" رحه ال تعال حي لأ الهال إليه شاكي ما ح ّل بـهم‬
‫من جور… فانت فض الش يخ لل مر‪ ،‬وتز عم ثورة ضد الظال ي أفزعت هم‪ ،‬وحلت هم على أن ي ستجيبوا للش يخ‬
‫ون صائحه‪ ،‬ويكفوا عن الظال‪ ،‬وي سنوا إل الش عب… وكذلك و قف الش يخ الشرقاوي ش يخ الز هر وم عه‬
‫العلماء ضد الولة يدافعون عن حقوق الشعب حت أذعن الكام لم وكان من القرارات الت وافقوا عليها‪:‬‬
‫‪–1‬‬

‫أل تفرض ضريبة إل إذا أقرها الشعب‪.‬‬

‫‪–2‬‬

‫أن ينـزل الكام على مقتضى أحكام الحاكم‪.‬‬

‫‪–3‬‬

‫أل تتد يد ذي سلطان إل فرد إل بالق والشرع… انظر "الزهر ف ‪ 12‬عاما‪ ،‬صفحة ‪، 20‬‬
‫‪."21‬‬

‫نعم إن ما جرى من الكومة يعرب عن تقديرها له‪ ،‬واعترافها بكانته‪ ،‬ومكانة علمائه‪ ،‬وفضلهم‪ ،‬وأثرهم‬
‫فـ الحيـط الصـري… والعربـ… والسـلمي… والعاليـ… ولذا لذوا بشيوخـه‪ ،‬وهرعوا إل جنباتـه‪،‬‬
‫وارتضوا حكم رجاله… ويرحم ال شوقي إذ يقول‪:‬‬
‫‪69‬‬

‫ـة‬
‫ـق أئمـ‬
‫ـض حـ‬
‫ـع مليا واقـ‬
‫واخشــ‬

‫طلعوا بــــــه زهرا وماجوا أبرا‬

‫كانوا أجــل مــن اللوك جـــللة‬

‫وأعــز ســــلطانا وأفخــم مظهرا‬

‫ـهم‬
‫ـه جنابــ‬
‫ـن الخاوف كان فيـ‬
‫زمـ‬

‫حرمـــُ المان وكان ظلهـــم الذرا‬

‫من كـل برٍ ف الشـريعة ذاخر‬

‫ويريكـه اللق العظيم غضنفرا‬

‫نعم هكذا كان الزهر… وهكذا ينبغي أن يكون‪.‬‬
‫لقد ا ستبشرت خيا وقلت ف نفسي‪ :‬إن هؤلء وافت هم فر صة ذهب ية تاري ية قل أن يود الزمان بثل ها…‬
‫فالشعب والكومة كلها ينتظر منهم الكل مة الفاصلة‪ ،‬فيما توج فيه الدولة من أحداث‪ ،‬وما يقع فيها من‬
‫جرائم‪ ،‬وما يدث فيها من فت‪ ،‬وما تتعرض له من أخطار… فواجب عليهم أن يدرسوا كل قضايا الساعة‪،‬‬
‫و كل أوزار ال كم‪ ،‬ويفح صوا أمور الدولة من ج يع الوا نب ‪...‬وب عد الدرا سة التأن ية العمي قة ال ت تش خص‬
‫المراض يضعون العلج ف كلمة فاصلة مفصلة‪ ،‬واضحة موضحة ف كل ما أل بالدولة والمة… حدث هذا‬
‫و صدر البيان… و ف رأ يي أ نه ل ي كن مشبعا ول مقنعا‪ ،‬وأ نه اكت فى ب فض الشتباك ب ي الشباب والكو مة‬
‫دون أن يتو غل ف معر فة السباب‪ ،‬ويعمل على إزالت ها ضمانا للمستقبل… لقد صيغ البيان بأسلوب مو جز‬
‫اختيت كلماته‪ ،‬وروجعت بدقة وعناية قبل قراءته… بل قبل العلن عنه… وهو يذكرنا با كنا ندرسه ف‬
‫الزهر من (متون) ل يستوعب الطالب معانيها إل بعد مطالعة ما كتب عليها من (شروح)‪ ،‬وما كتب على‬
‫الشروح من (حواشي) وما كتب على الواشي من (تقريرات)… مثال ذلك ف البيان‪:‬‬
‫(وثقتنا كبية ف دولتنا أن تزداد حرصا على إحقاق الق‪ ،‬وإبطال الباطل‪ ،‬وتدعيم الفضائل والقيم الدينية‬
‫واللقية)‪.‬‬
‫فهؤلء الذين كتبوا البيان يشهدون للدولة (أي رجالا) بأنـها حريصة على إحقاق الق… ال‪ ،‬ولكنهم‬
‫يطالبون منها زيادة الرص… وهذه شهادة سجلها للدولة سبعة من كبار الشيوخ وخيارهم‪ ،‬وهم يؤمنون بأن‬
‫ال سائلهم عنها… وشهادة اثني تكفي ف نظر الشرع… فكيف بسبعة من جلة العلماء؟!!!‪.‬‬
‫ومن العروف أن كلمة(الق)كلمة جامعة لكل ما يستحسنه الشرع‪ ،‬ويعود بالي على الفرد‪ ،‬أو المة‪،‬‬
‫أو الدولة… بعكس (الباطل) فهو يعن ما ينكره الشرع‪ ،‬ويسيء إل الفرد‪ ،‬أو المة‪ ،‬أو الدولة… ومشاينا‬
‫الكابر ذ حفظ هم ال ذ ا ستغنوا بالجال عن التف صيل إبراء للذ مة أمام ال‪ ،‬وأمام ال مة… ول أدري ك يف‬
‫نصنف هذه الوقائع‪ ،‬وف أي خانة نضعها… أف خانة الق… أم ف خانة الباطل؟!!‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫ل أدري… هل إقا مة تاث يل للحكام الذ ين طغوا ف البلد فأكثروا في ها الف ساد‪ ،‬وظلموا العباد ول تزال‬
‫الدولة والمة تقاسي العناء والغلء والبلء نتيجة سياستهم الرقاء… أهذا من الق الذي يب أن تزداد الدولة‬
‫حرصا عليه… أم من الباطل الذي يب إبطاله والقلع عنه‪ ،‬والتوبة منه؟!‪.‬‬
‫ل أدري أيكون اعتقال الن ساء والطفال والبرياء على الرغم من تبئتهم ف ساحة القضاء أيكون هذا من‬
‫الق أم من الباطل؟!‪.‬‬
‫ل أدري أيكون عرض الفلم الاب طة‪ ،‬وإذا عة الروايات الساقطة الت تعلم الشباب الع نف والنس والرذيلة‬
‫وتفسد أخلقهم… أيكون ذلك من الق أم من الباطل؟!‪.‬‬
‫ل أدري أيكون مكاف حة الماعات ال سلمية الذ ين برأ هم القضاء م ا ن سب إلي هم من ع نف بعادل إمام‬
‫ومسرحية الواد سيد الشغال أيكون ذلك من الق أم من الباطل‪ ،‬لقد فاز عادل إمام بزفة إعلمية ل مثيل لا‪،‬‬
‫فاقت الزفة الت ظفرت ف الزهر بـها‪ ،‬ودامت زفته أياما وليال ف حى السلطة وترفها وسرفها وصلفها مع‬
‫العتذار للخزا نة الدي نة ل أدري أيكون تكر ي ن يب مفوظ لفوزه بائزة نو بل على ال ستوى الر سي والش عب‬
‫بإيعاز من أجهزة الدولة على الر غم م ا ف رواي ته ال ت فاز ب ـها من ت ـهجم على ال ور سله وكت به ث إهال‬
‫الشيخ الغزال بعد فوزه بائزة فيصل ف خدمة السلم أيكون ذلك من الق أم من الباطل؟!‪.‬‬
‫أ سئلة كثية وكثية جدا يتع طش شعب نا إل معر فة إجابت ها ول ن د ف البيان ما يع ي الشباب على ف هم‬
‫الواب؟!‪.‬‬
‫وبصـراحة أقول‪ :‬إن البيان يتاج إل شرح وحواش وتقريرات‪ ،‬وعلى الذيـن صـاغوه أن يسـارعوا بذلك‬
‫ليكون بيانـهم مشبعا مقنعا‪ ،‬كافيا شافيا تنتفع به الكومة‪ ،‬وينتفع به الشعب!!‪.‬‬
‫ومه مة الطباء أن ي صفوا دواء ل كل داء‪ ،‬وأن يرشدوا الر ضى إل ما يتعاطو نه‪ ،‬وإل ما يتحاشو نه‪ ،‬و ف‬
‫اعتقادي أن الذيـن وضعوا البيان أحسـوا أيضا بقصـوره‪ ،‬وأنـه يتاج إل إضافـة ليكون مسـتساغ الطعـم لدى‬
‫الشعب… فطالب الشيخ الشعراوي قبل أن يقرأ البيان من الصحيفة الت ف يده… طالب باعتماد مشروعات‬
‫القواني السلمية الت وضعت على الرفوف… وطالب الشيخ ممد الطيب النجار بأن تتجنب الدولة العنف‬
‫ف تعاملها مع الشباب‪ ،‬وتسارع بالفراج عن العتقلي‪.‬‬
‫وأرى أن هذه الطالب هي أ هم الطالب‪ ،‬وب ـها تنت هي الفت نة‪ ،‬وي ستتب ال من‪ ،‬وت سعد ال مة والدولة…‬
‫وكان من الواجب أن توضع ف صلب البيان لتبز ف صورة مطالب أجع عليها العلماء… ل صورة مطالب‬
‫‪71‬‬

‫فردية‪ ،‬وليكون لا من القوة ما يمل الكومة على سرعة الستجابة لا‪ ،‬وما يمل الشباب على حسن الظن‬
‫بعلمائهم‪ ،‬والثقة بـهم‪ ،‬والنقياد لم‪ ،‬وأيضا ليغلقوا الباب ف وجه أجهزة العلم الغرضة الت تاول أن تشوه‬
‫صورتـهم أمام المة‪ ،‬وتبزهم بأنـهم مع الكومة‪ ،‬وضد الشباب على طول الط!!‪.‬‬
‫لقد تضمن البيان أمورا ثلثة على جانب كبي من الهية‪:‬‬
‫‪ – 1‬ا ستنكار تكف ي الدولة وأفراد ال مة… ول يتلف حك يم من صف مع الشيوخ ف أن ال سارعة إل‬
‫ل مسـتنكرا شرعا ويؤدي إل فسـاد عظيـم… ودولتنـا والمـد ل تسـجل فـ‬
‫التكفيـ دون تثبـت يعتـب عم ً‬
‫دستورها هذا البدأ العظيم‪( :‬السلم دين الدولة الرسي‪ ،‬ومبادئ الشريعة السلمية هي الصدر لقوانينها)…‬
‫والشعب كذلك أكد هذا وأجع عليه ف الستفتاء وطالب ول يزال يطالب ف إلاح بالسراع ف التطبيق‪.‬‬
‫‪ - 2‬الدفاع الار عن ولة المور‪ ،‬والديح الوافر‪ ،‬والثناء العاطر على السؤولي‪ ،‬والعتذار عن إرجائهم‬
‫للقواني السلمية الت أنزت بأنـهم ف انتظار الوقت الناسب… وف هذا يقول البيان بالرف‪:‬‬
‫"وننـ نعتقـد فـ إيان السـؤولي بصـر بأنــهم ل يردون على ال حكما‪ ،‬ول ينكرون للسـلم مبدأ‪،‬‬
‫وأنـهم يعملون على أن تبلغ الدعوة السلمية مداها تقيقا وتطبيقا… لكن انتظار الوقت الناسب هو الذي‬
‫يدعو إل التريث"‪.‬‬
‫وهذا ذ فيما أظن ذ هو الذي دعا الشيخ الشعراوي ورفاقه إل أن ينفوا عن أنفسهم أن يكونوا من علماء‬
‫السلطة أو ف خدمة الشرطة!!‪.‬‬
‫ومعنـ مـا قاله أصـحاب الفضيلة أن الشباب مطالب بأن يذو حذو العلماء الثقاة فيعطـى للحكومـة ثقتـه‬
‫وولءه ذ ك ما فعلوا ذ وعل يه أل ي ستعجل ت طبيق الشري عة ال سلمية‪ ،‬ويطمئن إل أ نه إذا جاء الو قت النا سب‬
‫فستبادر الكومة بتطبيقها فورا!!‪.‬‬
‫وهنا أجدن مضطرا إل أن أوجه هذا السؤال إل مشاينا الكابر خصوصا إل الشيخ الشعراوي‪ :‬لاذا دعا‬
‫الكومة إل إخراج مشروعات القواني السلمية الوضوعة على الرفوف (أليس الول ذ وهو يتبن هذا البدأ ذ‬
‫أن يترك الكومة ذ وهو واثق فيها مُثْ نِ عليها ذ اختيار الوقت الناسب… أم أنه يتلف معها ف الوقت ويرى‬
‫بأنه قد حان الن؟‍‍!!‪.‬‬
‫إذن فليعذر الشباب ال سلم إذا طالب ذ ك ما يطالب فضيل ته ذ بال سراع ف تطبيق ها ليض من لنف سه عي شة‬
‫راضية مرضية‪ ،‬وحياة طيبة آمنة مستقرة ف ظلل شريعة ال الامعة لكل خي‪ ،‬الانعة لكل شر… ومن حق‬
‫‪72‬‬

‫الشباب عليه أن يساندهم‪ ،‬ويشكر لم حرصهم‪ ،‬ورغبتهم ف الحتكام إل السلم‪ ،‬والتزام الدولة بتعاليمه‪،‬‬
‫ويمد لم ما يتحملونه ف سبيل الدعوة من أذى مادي ومعنوي ف أنفسهم وأهليهم‪ ،‬وأموالم‪ ،‬وأعراضهم‪،‬‬
‫وتشويه سعتهم‪ ،‬فنالوا من الدعوة كل غرم‪ ،‬ول ينالوا منا أي غنم إل رضا ال عز وجل… وكفى به مغنما‪،‬‬
‫وكفى بال وليا ونصيا‪.‬‬
‫‪ – 3‬المر الثالث‪ :‬الذي تضمنه البيان هو أن مسؤولية تغيي النكر باليد تقع على عاتق من له ولية ف‬
‫حدود وليته حت ل يؤدي إل شيوع الفوضى‪ ،‬أو الوقوع فيما هو أشد ضررا‪ ،‬وأعظم خطرا… وهذا كلم‬
‫سليم يتفق عليه الفقهاء الكماء ول يتلف أحد فيه… وال تعال يقول‪ :‬والؤمنون والؤمنات بعضهم أولياء‬
‫بعـض يأمرون بالعروف وينهون عـن النكـر ويقيمون الصـلة ويؤتون الزكاة ويطيعون ال ورسـوله أولئك‬
‫سيحهم ال إن ال عزيز حكيم [سورة التوبة‪ ،‬آية‪.]71 :‬‬
‫وتطبيقا لذا يب فتح البواب للدعاة ليقاوموا الشر بالوعظ ف الساجد‪ ،‬والنوادي‪ ،‬والماكن العامة…‬
‫وهذا يسـتلزم إلغاء القوانيـ التـ تعترض الدعاة‪ ،‬وتــهددهم بالعقاب‪ ،‬وتول دون هذا الواجـب ومهمـة‬
‫العلماء ل تقتصـر على وعـظ الحكوميـ… بـل تتطلب وعظهـم ووعـظ الاكميـ معهـم… بـل إن وعـظ‬
‫الاكم ي أن فع وأقوى أثرا… ول يطلب ال من العلماء أن يدحوا… بل طلب من هم أن ين صحوا… وذلك‬
‫باب من أبواب الهاد… بل هو أفضل الهاد‪ ..‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬أفضل الهاد كلمة حق‬
‫عند سلطان جائر" أخرجه ابن ماجة عن أب سعيد‪.‬‬
‫وبعـد‪ :‬فإنـ أرى البيانيـ‪ :‬بيان المام الكـب وبيان الشيوخ الكابر كان يبـ أن يسـبقهما معاينـة مـن‬
‫أصحاب الفضيلة لذه الناطق الت ينسب إل الشباب السلم التطرف فيها للتثبت‪ ،‬واستكشاف القائق‪ ،‬وتفهم‬
‫الوضاع‪ ،‬وليكون لكم هم و قع حسن مقبول لدى ج يع الطراف‪ ..‬كذلك أرى أن البيان ي فات ـهما الكث ي‬
‫من قضايا الساعة الت كان يب أن يثبت العلماء حضورهم فيها‪ ،‬واهتمامهم بعالتها… ومن ذلك على سبيل‬
‫الثال‪:‬‬
‫وه نا يذ كر الشيخ رح ه ال عن أجهزة العلم الر سية جرائم ومنكرات مذهلة ل يوز السكوت عنها ث‬
‫يعقب بقوله‪:‬‬
‫مشكلت كثية‪ ..‬وجرائم خطية متنوعـة‪ ..‬منهـا مـا يتعلق بنظام الكـم القائم‪ ..‬وكلهـا تتاج إل بثـ‬
‫ومراجعة ومعالة‪ ..‬ول يوز أن نغلق أعيننا‪ ..‬أو نتهرب منها!!‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫يب أن يثبت العلماء حضورهم ف الساحة‪ ،‬ويبذلوا جهودهم الصادقة والتواصلة ف علج ما يعرض من‬
‫مشكلت‪ ،‬ويتعرفوا على أ سبابـها‪ ،‬لي ستأصلوا جذور ها‪ ،‬ويتثوا بذور ها‪ ،‬ول يك في سبعة من العلماء ول‬
‫سبعون‪ ..‬بل لبد أن نند كل العلماء الصادقي الغيورين‪ ،‬ونضع كل إمكانيات الدولة ف خدمتهم‪ ..‬لبد من‬
‫إقامة ملس دائم‪ ،‬نشيط يقظ‪ ..‬ل ينتظر دعوة من أحد‪ ..‬بل يقوم بواجبه على الفور نو ما يقع‪ ،‬وما يد من‬
‫أحداث تعرض سلمة الوطن والواطني للخطار‪ ،‬يتعمق ف البحث والفحص والعلج على ضوء شريعة ال‪،‬‬
‫ويتخذ القرارات‪ ،‬ويتابع التنفيذ‪ ،‬وتبدو عليه مظاهر الياة والركة‪.‬‬
‫لقد كان من اللزم على العلماء الذين طلب منهم أن يبدو رأيهم أن يثبتوا حضورهم ف كل ما يري على‬
‫أرض الوطـن‪ ،‬ويوضحوا حكـم ال فـ كـل هذه الحداث ولو ل يطلب منهـم‪ ..‬فالعلماء مطالبون بتغييـ‬
‫النكرات‪ ..‬إن ل ي كن بال يد فبالل سان والبيان‪ ..‬كان من اللزم أن يطالبوا بإعدام جال ب الخدرات‪ ،‬ومغت صب‬
‫الفتيات‪ ،‬وإنزال عقوبة قطاع الطريق على من يسرقون بالكراه‪ ..‬ول أظن الفرصة قد أفلتت من أيديهم‪ ..‬فل‬
‫يزال الطر قائما‪ ..‬والمر موكول إل ضمائرهم‪ ..‬فلينهضوا با أوجبه ال تعال عليهم‪ ،‬وما تنتظره المة منهم‪،‬‬
‫وليصلوا حاضرهم بالزهر باضيه العريق!!‪.‬‬
‫أيها العلماء‪:‬‬
‫لو قمتم بواجبكم ف الدعوة على الوجه الكمل‪ ،‬وصدعتم بالق‪ ،‬وتملتم كما كان يتحمل الرسول صلى‬
‫ال عل يه و سلم ف التبل يغ ما و جد الشباب ذ الذ ين تتهمو نه بال هل والتطرف ذ سبيلً إل ما يقوم به‪ ،‬أو ما‬
‫ينسب إليه‪ ،‬ولغلقتم باب الفتنة‪ ،‬ونلتم رضا ال والكومة والمة‪ ،‬وإل فماذا يصنع الطالب الامعي إذا رأى‬
‫أمه ذ تغتصب أمامه وأمام أبيه‪ ..‬هل يصب حت يغيثه بوليس النجدة‪ ،‬أو حت يتداركه أصحاب الفضيلة وورثة‬
‫النبياء بوعظة بليغة مؤثرة‪ ..‬إن ما يتكون لديه من عقد نفسية تعله يسارع بالنضمام إل من يبشره بأن لديه‬
‫علج كل داء!!‪.‬‬
‫إن الف ساد تعا ظم وتفا قم‪ ،‬ول كي نق ضي عل يه ي ب أن ت ـهتم الدولة بن شر الثقا فة والترب ية ال سلمية ف‬
‫الدارس‪ ،‬وف جيع أجهزة العلم ويب أن نبادر بتطبيق شريعة ال وقوانينه‪ ،‬ويب أن يرص العلماء والكام‬
‫ل عليا تذب إليهم كل من‬
‫على النضباط ف القول والفعل‪ ،‬وعلى أن يكونوا صورة طيبة‪ ،‬وقدوة صالة‪ ،‬ومث ً‬
‫رآهم‪ ،‬أو سع عنهم‪ ،‬ويب أن يتعاون العلماء والكام والشعب وجيع الجهزة السؤولة على الب والتقوى ل‬
‫على ال ث والعدوان‪ ،‬وي ب عند ما نتلف ف الرأي أن نلتزم بآداب الوار‪ ،‬ونتجادل بال ت هي أح سن‪ ..‬فبهذا‬
‫نعمل على نشر الي والفضيلة وإزالة الشر والفساد والهل والرذيلة وبـهذا ندعم الدولة‪ ،‬ونقوي الصلة بي‬
‫أفراد المة‪ ،‬ونوثق الروابط بي الشعب والكومة‪ ،‬ونعيش ف سعادة وأمن واستقرار‪.‬‬
‫‪74‬‬

‫أيها العلماء‪:‬‬
‫إن ال مر جد‪ ..‬ول يس بالزال‪ ..‬فعلي نا أن نرت فع إل م ستوى الحداث‪ ،‬ونتك تل لدرء الخطار عن الو طن‬
‫والمة‪ ،‬بطة مدروسة‪ ..‬وليس يكفي أن نلقي بيانا خاطفا ف مظاهرة إعلمية موجهة‪ ..‬بل لبد من علج‬
‫حاسم نستمده من شرع ال ولينصرن ال من ينصره إن ال لقوي عزيز‪ .‬الذين إن مكناهم ف الرض أقاموا‬
‫الصلة وآتوا الزكاة وأمروا بالعروف ونـهوا عن النكر ول عاقبة المور ‪.‬‬
‫وفقنا ال جيعا لدمة الدين والوطن‪ ..‬وال تعال يقول الق وهو يهدي السبيل‪.1‬‬

‫‪1‬‬

‫ ملة العتصام‪ ،‬العدد ‪ ،10‬يناير ‪1989‬م‪ ،‬وكتاب صيحة الق‪ ،‬للمؤلف‪ ،‬ص‪.411 :‬‬‫‪75‬‬

‫فهرس الكتاب‬

‫الصفحة‬

‫الوضوع‬
‫•القدمة ………………………………‪5 ....‬‬
‫•عندما يكون الكم لغي شريعة ال ……………… ‪4‬‬
‫•مواقف العلماء ………………………‪12 .…...‬‬
‫•الشبهة الول …………………………‪15 .....‬‬
‫•أبو حنيفة النعمان …………………………‪19 .‬‬
‫•مالك بن أنس ……………………‪19 …..…..‬‬
‫•سفيان الثوري ………………………‪20 …....‬‬
‫•أحد بن حنبل …………………‪21 ……..…..‬‬
‫•البخاري ……………………‪22 .……..…..‬‬
‫•النووي …………………………‪23 ..…….‬‬
‫•العز بن عبد السلم …………………‪25 ....…..‬‬
‫•شيخ السلم ابن تيمية …………………‪28 ..….‬‬

‫الصفحة‬

‫الوضوع‬
‫•موقفه من قازان ………………………‪28 .….‬‬
‫•جهاده ………………………………‪30 ...‬‬
‫•أمره بالعروف ونـهيه عن النكر ……………… ‪33‬‬
‫•الشبهة الثانية ………………………‪41 ……..‬‬
‫•قيمة ما يصدر عنهم من فتاوى …………‪47 ….…..‬‬
‫ف السائل التعلقة بالسلطان ونظامه‬
‫‪76‬‬

‫•ليس لحد منهم عذر …………………‪54 ..…..‬‬
‫•تذكي بنهج الستدلل عند أهل السنة ………‪65 ..….‬‬
‫•لكنهم ل يتعظون …………………………‪74 .‬‬
‫•أحد حسن الباقوري ………………‪74 ..……...‬‬
‫•ممد متول شعراوي ………………………‪78 .‬‬
‫•د‪ .‬عبد العزيز كامل ………………‪79 .….…...‬‬
‫•نصيحة ……………………‪81 ….……….‬‬
‫•سؤال وجوابه …………………………‪85 ...‬‬
‫الصفحة‬

‫الوضوع‬
‫•خلصة القول …………………………‪93 ...‬‬
‫•كلمة حق ……………………………‪97 ...‬‬
‫•كلمة من القلب أرجو أن يفسح العلماء لا صدورهم ‪99 ...‬‬
‫•الفهرس ………………………………‪111 .‬‬

‫‪77‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful