‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪1‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬

‫بشرح كتاب التوحيد‬

‫تأليف‬
‫المام عبد الرحمن بن حسن بن شيخ‬
‫السلم محمد بن عبد الوهاب‬
‫رحمهم الله تعالى‬
‫) حقوق النشر لكل مسلم (‬

‫مقدمة الشارح‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫وبه نستعين وعليه التكلن‬
‫الحمد لللله رب العللالمين‪ ،‬والعاقبللة للمتقيللن‪ ،‬ول عللدوان إل علللى‬
‫الظالمين‪ ،‬كالمبتدعة والمشركين‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل الللله وحللده‬
‫ول شريك له‪ ،‬إله ً الولين والخرين‪ ،‬وقيوم السللماوات والرضللين‪.‬‬
‫وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪ ،‬وخيرته من خلقه أجمعين‪.‬‬
‫محمللد ًوأصللحابه ومللن تبعهللم‬
‫اللهللم صللل علللى محمللد وعلللى آل‬
‫بإحسان إلى يوم الدين‪ ،‬وسلم تسليما ً كثيرا‪.‬‬
‫أما بعد‪:‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪2‬‬

‫فإن كتاب التوحيد الذى ألفه المام شليخ السللم محمللد بلن عبللد‬
‫الوهاب أجزل الله له الجر والثواب‪ً ،‬وغفر له ولمن أجللاب دعللوته‬
‫التوحيلد‬
‫إلى يوم يقوم الحساب‪ ،‬قد جاء بديعا فى معناه ملن بيللان‬
‫فصللار علم لا ً‬
‫بللبراهينه‪ ،‬وجمللع جمل مللن أدلتلله ليضللاحه وتللبيينه‪.‬‬
‫للموحدين‪ ،‬وحجة على الملحدين‪ .‬فانتفع به الخللق الكلثير‪ ،‬والجلم‬
‫الغفير‪ .‬فإن هذا المام رحمه الله فى مبدأ منشللئه قللد شللرح الللله‬
‫صدره للحق المبين‪ ،‬الللذى بعللث الللله بلله المرسلللين‪ :‬مللن إخلص‬
‫العبادة بجميع أنواعها لله رب العالمين‪ ،‬وإنكار ما كان عليه الكللثير‬
‫من شرك المشركين‪ ،‬فأعلى الله همتله‪ ،‬وقلوى عزيمتله‪ ،‬وتصلدى‬
‫لدعوة أهل نجد إلى التوحيد‪ ،‬الذى هللو أسللاس السلللم واليمللان‪،‬‬
‫ونهاهم عن عبادة الشجار والحجار والقبور‪ ،‬والطواغيت والوثان‪،‬‬
‫وعن اليمان بالسحرة والمنجمين والكهان‪.‬‬
‫فأبطل الله بدعوته كل بدعة وضللة يدعو إليها كل شيطان‪ ،‬وأقام‬
‫الله به علم الجهاد‪ ،‬وأدحض به شبه المعارضين مللن أهللل الشللرك‬
‫والعناد‪ ،‬ودان بالسلم أكثر أهللل تلللك البلد‪ ،‬الحاضللر منهللم والبللاد‬
‫وانتشرت دعوته ومؤلفاته فى الفاق‪ ،‬حلتى أقلر اللله لله بالفضللل‬
‫من كان من أهل الشقاق‪ .‬إل من استحوذ عليلله الشلليطان‪ .‬وكللره‬
‫إليه اليمان‪ ،‬فأصر على العناد والطغيان‪ .‬وقللد أصللبح أهللل جزيللرة‬
‫العرب بدعوته‪ ،‬كما قال قتادة رحمه الله عن حال أول هللذه المللة‬
‫إن المسللمين لملا قلالوا ) ل إلله إل اللله( أنكلر ذللك المشلركون‬
‫وكبرت عليهم‪ ،‬وضاق بها إبليس‪ ،‬وجنوده‪ .‬فأبى الله إل أن يمضيها‬
‫ويظهرها‪ ،‬ويفلجها وينصرها على من ناوأها‪ ،‬إنها كلمة مللن خاصللم‬
‫بها فلج‪ ،‬ومن قاتل بها نصر‪ ،‬إنما يعرفها أهللل هللذه الجزيللرة الللتى‬
‫يقطعها الراكب فى ليال قلئل‪ ،‬ويسير مللن الللدهر‪ ،‬فللي فئام مللن‬
‫الناس‪ ،‬ل يعرفونها ول يقرون بها ‪.‬‬
‫كثير من ًالعلماء لدعوته‪ ،‬وسروا واستبشللروا‬
‫وقد شرح الله صدور‬
‫بطلعته‪ ،‬وأثنوا عليه نثرا ً ونظما‪.‬‬
‫فمن ذلك ما قاله عالم صنعاء‪ :‬محمد بن إسماعيل المير فى هللذا‬
‫الشيخ رحمه الله تعالى‪:‬‬
‫يعد لنا الشرع الشريف‬
‫وقد جاءت الخبار عنه بأنه‬
‫بما يبدى‬
‫ومبتدع منه‪ ،‬فوافق‬
‫وينشر جهرا ً ما طوى كل جاهل‬
‫ما عندى‬
‫ويعمر أركان الشريعة هادما ً‬
‫مشاهد‪ ،‬ضل الناس فيها‬
‫عن الرشد‬
‫يغوث وود‪ ،‬بئس‬
‫أعادوا بها معنى سواع ومثله‬
‫ذلك من ود‬
‫كما يهتف المضطر‬
‫وقد هتفوا عند الشدائد باسمها‬
‫بالصمد الفرد‬
‫أهلت لغير الله‬
‫وكم عقروا فى سوحها من عقيرة‬
‫جهرا ً على عمد‬
‫ومستلم الركان منهن‬
‫وكم طائف حول القبور مقبل‬
‫باليدى‬
‫وقال شيخنا عالم الحساء أبو بكر حسين بن غنام رحمه الله‬
‫تعالى فيه‪:‬‬
‫بوقت به يعلى‬
‫لقد رفع المولى به رتبة الهدى‬
‫الضلل ويرفع‬
‫وعام بتيار‬
‫سقاه نمير الفهم موله فارتوى‬
‫المعارف يقطع‬
‫وأوهى به من مطلع‬
‫فأحيا به التوحيد بعد اندراسه‬
‫الشرك مهيع‬
‫سواه ول حاذى‬
‫سما ذروة المجد التى ما ارتقى لها‬
‫فناها سميذع‬
‫يشيد ويحيى ما‬
‫وشمرفى منهاج سنة أحمد‬
‫تعفى‪ ،‬ويرفع‬
‫أمرنا إليها فى التنازع‬
‫يناظر باليات والسنة التى‬
‫نرجع‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪3‬‬

‫ثغرها وأمسى محياها يضىء‬
‫فأضحت به السمحاء يبسم‬
‫ويلمع‬
‫كان مسلوكا ً به‬
‫وعاد به نهج الغواية طامسا ً وقد‬
‫الناس ترتع‬
‫وحق لها باللمعى‬
‫وجرت به نجد ذبول افتخارها‬
‫ترفع‬
‫وأنواره فيها تضىء‬
‫فأثاره فيها سوام سوافر‬
‫وتلمع‬
‫وأما كتابه المذكور فموضوعه فى بيان ما بعث به الله رسله‪ :‬مللن‬
‫توحيد العبادة‪ ،‬وبيانه بالدلة من الكتللاب والسللنة‪ ،‬وذكللر مللا ينللافيه‬
‫من الشرك الكبر أو ينللافى كملاله اللواجب‪ ،‬ملن الشللرك الصلغر‬
‫ونحوه‪ ،‬وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه‪.‬‬
‫وقد تصدى لشرحه حفيد المصنف‪ ،‬وهلو الشليخ سلليمان بلن عبلد‬
‫الله رحمه الله تعالى فوضع عليه شرحا ً أجاد فيه وأفاد‪ ،‬وأبرز فيلله‬
‫من البيان ما يجللب أن يطلللب منلله ويللراد‪ ،‬وسللماه تيسللير العزيللز‬
‫الحميد‪ ،‬فى شرح كتاب التوحيد ‪.‬‬
‫وحيث أطلق شيخ السلم فالمراد به أبللو العبللاس أحمللد بللن عبللد‬
‫الحليم بن عبد السلم بن تيمية‪ ،‬و الحللافظ فللالمراد بلله أحمللد بللن‬
‫حجر العسقلنى‪.‬‬
‫ولما قرأت شرحه رأيتلله أطنلب فلى مواضلع‪ ،‬وفلى بعضلها تكللرار‬
‫يستغنى بالبعض منه عن الكللل‪ ،‬ولللم يكمللله‪ .‬فأخللذت فللى تهللذيبه‬
‫وتقريبه وتكميللله‪ ،‬وربمللا أدخلللت فيلله بعللض النقللول المستحسللنة‬
‫تتميما ً للفائدة وسميته فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد ‪.‬‬
‫وأسأل الله أن ينفللع بلله كللل طللالب للعلللم ومسللتفيد‪ ،‬وأن يجعللله‬
‫خالصا ً لوجهه الكريم وموصل ً من سعى فيه إلى جنللات النعيللم‪ ،‬ول‬
‫حول ول قوة إل بالله العلى العظيم‪.‬‬

‫قال المصممنف رحمممه اللممه تعممالى‪) :‬بسممم اللممه الرحمممن‬
‫الرحيم( ‪:‬‬
‫ابتدأ كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز وعمل ً بحديث " كل أمر‬
‫ذى بال ل يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهللو أقطللع" أخرجلله‬
‫ابن حبان من طريقين‪ .‬قللال ابللن صلللح‪ :‬والحللديث حسللن‪ .‬ولبللى‬
‫دواد وابن ماجه " كل أمر ذى بال ل يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمللد‬
‫فهو أقطع " ولحمد " كل أمر ذى بال ل يفتتح بذكر الله فهللو أبللتر‬
‫أو أقطع " وللدارقطني عن أبى هريرة مرفوعا ً " كل أمر ذى بللال‬
‫ل يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع "‪.‬‬
‫والمصنف قد اقتصر فى بعض نسخه على البسملة‪ ،‬لنها من أبلللغ‬
‫الثناء والذكر للحديث المتقدم‪ .‬وكان النبى صلى الله عليلله وسلللم‬
‫يقتصر عليها فى مراسلته‪ ،‬كمللا فللى كتللابه لهرقللل عظيللم الللروم‬
‫ووقع لى نسخة بخطه رحمه الله تعالى بدأ فيهللا بالبسللملة‪ ،‬وثنللى‬
‫بالحمد والصلة على النبى صلى الله عليه وسلم وآله‪ .‬وعلللى هللذا‬
‫وبالحمدلة نسللبى إضللافى‪ ،‬أى بالنسللبة‬
‫فالبتداء بالبسملة حقيقى‪،‬‬
‫إلى ما بعد الحمد يكون مبدوءا ً به‪.‬‬
‫متعلقة بمحذوف‪ ،‬واختار كثير مللن المتللأخرين‬
‫والباء فى بسم الله‬
‫كونه فعل ً خاصا ً متأخرًا‪.‬‬
‫أما كونه فعل‪ ،‬فلن الصل فى العمل للفعال‪.‬‬
‫وأما كونه خاصًا‪ ،‬فلن كلل مبتلدىء بالبسلملة فلى أملر يضلمر ملا‬
‫جعل البسملة مبدأ له‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪4‬‬

‫وأما كونه متأخرًا‪ ،‬فلدللته على الختصاص‪ ،‬وأدخل فللى التعظيللم‪،‬‬
‫وأوفق للوجود‪ ،‬ولن أهم ما يبدأ به ذكر الله تعالى‪.‬‬
‫وذكر العلمة ابن القيم رحمه الله تعالى لحذف العامل فوائد‪ ،‬منها‬
‫أنه موطن ل ينبغى أن يتقدم فيه غير ذكر الللله‪ .‬ومنهللا‪ :‬أن الفعللل‬
‫بالبسملة في كل عمل وقللول حركللة‪ .‬فكللان‬
‫إذا حذف صح البتداء‬
‫الحذف أعم‪ .‬إنتهى ملخصًا‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬للستعانة‪ً .‬فيكللون التقللدير‪ :‬بسللم‬
‫وباء بسم الله للمصاحبة‪.‬‬
‫الله أؤلف حال كونى مستعينا ً بذكره‪ ،‬متبركا به‪ .‬وأما ظهللوره فللى‬
‫" اقرأ باسم ربك " وفي " بسم الله مجريها " فلن المقام يقتضى‬
‫ذلك كما ل يخفى‪.‬‬
‫والسم مشلتق ملن السلمو وهلو العللو‪ .‬وقيلل‪ :‬ملن الوسلم وهلو‬
‫العلمة‪ ،‬لن كل ما سمى فقد نوه باسمه ووسم‪.‬‬
‫قوله ) الله ( ‪ :‬قال الكسائي والفراء‪ :‬أصله الله‪ ،‬حللذفوا الهمللزة‪،‬‬
‫وأدغموا اللم فى اللم‪ ،‬فصارتا لما ً واحدة مشللددة مفخمللة‪ .‬قللال‬
‫العلمة ابن القيم رحمه الله‪ :‬الصحيح‪ :‬أنه مشتق‪ ،‬وأن أصله الله‪،‬‬
‫كما هو قول سلليبويه وجمهللور أصللحابه إل مللن شللذ‪ .‬وهللو الجللامع‬
‫لمعانى السماء الحسنى والصفات العلى‪ .‬والذين قالوا بالشللتقاق‬
‫إنمللا أرادوا أنلله دال علللى صللفة للله تعللالى‪ .‬وهللى اللهيللة كسللائر‬
‫أسمائه الحسنى‪ ،‬كالعليم والقدير‪ ،‬والسميع‪ ،‬والبصير‪ ،‬ونحللو ذلللك‪.‬‬
‫فإن هذه السللماء مشللتقة مللن مصللادرها بل ريللب‪ ،‬وهللى قديمللة‪،‬‬
‫ونحللن ل نعنللي بالشللتقاق إل أنهللا ملقيللة لمصللادرها فللى اللفللظ‬
‫والمعنى‪ ،‬ل أنها متولدة منه تولد ً الفرع ًمن أصله‪ .‬وتسللمية النحللاة‬
‫للمصللدر والمشللتقق منلله‪ :‬أصلل وفرعلا‪ .‬ليللس معنللاه أن أحللدهما‬
‫متولد من الخر‪ .‬وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الخر وزيادة‪.‬‬
‫قال أبو جعفر بن جرير الله أصله الله أسقطت الهمزة الللتى هللى‬
‫اللزائدة وهلى‬
‫فاء السم‪ .‬فالتقت اللم التى هى عين السم واللم‬
‫سللاكنة فللأدغمت فللى الخللرى‪ ،‬فصللارتا فللى اللفللظ لم لا ً واحللدة‬
‫مشددة‪ .‬وأما تأويللله فإنه على معنى ما روى لنا عن عبد الله بن‬
‫عباس قال‪ :‬هو الذى يألهه كل شئ ويعبده كل خلق وساق بسلنده‬
‫عللن الضللحاك عللن عبللد الللله بللن عبللاس قللال‪ :‬الللله ذو اللوهيللة‬
‫دل علللى أن‬
‫والعبودية على خلقه أجمعين فإن قال لنا قللائل‪ :‬ومللا‬
‫اللوهية هى العبادة وأن الله هو المعبود‪ ،‬وأن للله أصلل ً فللى فعللل‬
‫ويفعل‪ ،‬وذكر بيت رؤية بن العجاج‪.‬‬
‫لله در الغانيات المده‬

‫سبحن واسترجعن من تألهى‬

‫يعنى من تعبدى وطلبى الله بعملى‪ .‬ول شك أن التأله التفعل‪ ،‬من‬
‫أله يأله وأن معنى أله إذا نطق به‪ :‬عبد الله‪ .‬وقد جللاء منلله مصللدر‬
‫يدل على أن العرب قد نطقت منه بفعل يفعل بغيللر زيللادة‪ .‬وذلللك‬
‫ما حدثنا به سفيان بن وكيع ‪ -‬وساق السند إلى ابن عباس أنه قللرأ‬
‫" ويذرك وآلهتك " قال‪ :‬عبادتللك‪ .‬ويقللول‪ :‬إنلله كللان يعبللد ول يعبللد‬
‫وساق بسند آخر عن ابن عباس ويللذرك وإلهتللك‪ .‬قلال‪ :‬إنملا كلان‬
‫فرعون يعبد ول يعبد وذكر مثله عن مجاهد‪ ،‬ثم قال‪ :‬فقد بين قول‬
‫أن أللله عبللد وأن اللهللة مصللدره وسللاق‬
‫ابن عباس ومجاهللد هللذا‪:‬‬
‫حديثا ً عن أبى سعيد مرفوعا ً أن عيسى أسلللمته أملله إلللى الكتللاب‬
‫ليعلمه‪ .‬فقال له المعلم‪ :‬اكتب بسم الله‪ .‬فقال عيسى‪ :‬أتللدرى مللا‬
‫الله ؟ الله إله اللهة ‪.‬‬
‫قال العلمة ابن القيللم رحملله الللله‪ :‬لهللذا السللم الثسللريف عشللر‬
‫خصائص لفظية وساقها‪ .‬ثم قال‪ :‬وأما خصائصه المعنوية فقد قللال‬
‫أعلم الخلق صلى الله عليه وسلم‪ " :‬ل أحصى ثناء عليك أنت كمللا‬
‫أثنيت على نفسللك " وكيللف نحصللى خصللائص اسللم لمسللماه كللل‬
‫كمال على الطلق‪ ،‬وكل مدح وحمد‪ ،‬وكلل ثنلاء وكلل مجلد‪ ،‬وكلل‬
‫جلل وكل كمال‪ ،‬وكل عز وكل جمال‪ ،‬وكل خيللر وإحسللان‪ ،‬وجللود‬
‫وفضل وبر فله ومنه‪ ،‬فما ذكر هذا السللم فللى قليللل إل كللثره‪ ،‬ول‬
‫عند خوف إل أزاله‪ ،‬ول عند كرب إل كشللفه‪ ،‬ول عنللد هللم وغللم إل‬
‫فرجه‪ ،‬ول عند ضيق إل وسعه‪ ،‬ول تعلق به ضعيف إل أفاده القوة‪،‬‬
‫ول ذليل إل أناله العز‪ ،‬ول فقيللر إل أصللاره غنيلًا‪ ،‬ول مستوحشلا ً إل‬
‫آنسه‪ ،‬ول مغلوب إل أيده ونصره‪ ،‬ول مضطر إل كشللف ضللره‪ ،‬ول‬
‫شريد إل آواه‪ .‬فهو السم الذى تكشف به الكربللات‪ ،‬وتسللتنزل بلله‬
‫البركات‪ ،‬وتجاب بلله الللدعوات‪ ،‬وتقللال بلله العللثرات‪ ،‬وتسللتدفع بلله‬
‫السيئات‪ ،‬وتسللتجلب بلله الحسللنات‪ .‬وهللو السللم الللذى قللامت بلله‬
‫الرض والسماوات‪ ،‬وبه أنزلت الكتب‪ ،‬وبلله أرسلللت الرسللل‪ ،‬وبلله‬
‫شللرعت الشللرائع‪ .‬وبلله قللامت الحللدود‪ ،‬وبلله شللرع الجهللاد‪ ،‬وبلله‬
‫انقسللمت الخليقللة إلللى السللعداء والشللقياء‪ ،‬وبلله حقللت الحاقللة‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪5‬‬

‫ووقعت الواقعة‪ .‬وبه وضعت المللوازين القسللط ونصللب الصللراط‪،‬‬
‫وقام سوق الجنة والنار‪ .‬وبه عبد رب العالمين وحمد‪ ،‬وبحقه بعثت‬
‫الرسل‪ ،‬وعنه السؤال في القبر ويوم البعث والنشور وبه الخصللام‬
‫وإليه المحاكمة‪ ،‬وفيه الموالة والمعاداة‪ ،‬وبه سعد من عرفه وقام‬
‫بحقه‪ ،‬وبه شقى من جهله وترك حقه‪ ،‬فهو سر الخلق والمر‪ .‬وبلله‬
‫ولجله‪ .‬فما وجللد خلللق ول‬
‫به وإليه‬
‫قاما وثبتا‪ ،‬وإليه انتهيا‪ ،‬فالخلق‬
‫مبتدئا ً‬
‫له ومنتهيلا ً إليلله‪ ،‬وذلللك مللوجبه‬
‫ل‬
‫من‬
‫أمر ول ثواب ول عقاب إل‬
‫ومقتضاه ‪ " :‬ربنا ما خلقت هذا باطل ً سبحانك فقنللا عللذاب النللار "‬
‫إلى آخر كلمه رحمه الله‪.‬‬
‫قوله )الرحمن الرحيم(‪ :‬قال ابن جرير‪ :‬حدثنى السللري بللن يحيللى‬
‫حدثنا عثمللان بللن زفللر سللمعت العزرمللى يقللول‪ :‬الرحمللن بجميللع‬
‫الخلق‪ ،‬والرحيم بالمؤمنين‪ .‬وساق بسنده عللن أبللى سللعيد ‪ -‬يعنللى‬
‫الخدرى ‪" -‬قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬إن عيسى‬
‫ابن مريم قال‪ :‬الرحملن‪ :‬رحملن الخلرة واللدنيا‪ .‬والرحيلم‪ :‬رحيلم‬
‫الخرة"‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله تعالى‪ :‬فاسمه الله دل على كونه مألوها ً‬
‫معبودًا‪ .‬يألهه الخلئق‪ :‬محبة وتعظيما ً وخضوعًا‪ ،‬ومفزع لا ً إليلله فللى‬
‫الحللوائج والنللوائب‪ .‬وذلللك مسللتلزم لكمللال ربللوبيته ورحمتلله‪،‬‬
‫المتضللمنين لكمللال الملللك والحمللد‪ ،‬وإلهيتلله وربللوبيته ورحمللانيته‬
‫وملكه‪ ،‬مستلزم لجميع صفات كماله‪ .‬إذ يستحيل ثبوت ذلللك لمللن‬
‫ليس بحى‪ ،‬ول سميع‪ ،‬ول بصير‪ ،‬ول قادر‪ ،‬ول متكلم‪ ،‬ولفعللال لمللا‬
‫يريد‪ ،‬ول حكيم فى أقواله وأفعاله‪ .‬فصفات الجلل والجمال أخللص‬
‫باسم الله‪ ،‬وصفات الفعل والقدرة والتفرد بالضر والنفللع )العطللاء‬
‫والمنع ونفوذ المشلليئة وكمللال القللوة وتللدبر أمللر الخليقللة‪ :‬أخللص‬
‫باسللم الللرب(‪ ،‬وصللفات الحسللان والجللود والللبر والحنللان والمنللة‬
‫والرأفة والعطف أخص باسم الرحمن‪.‬‬
‫وقال رحمه الله أيضًا‪ :‬الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه‬
‫لالمرحوم‪ .‬واذا أردت فهللم هللذا فتأمللل‬
‫والرحيم دال على تعلقهللا بل‬
‫قوله تعالى‪" :‬وكان بالمؤمنين رحيم لا ً " ‪" :‬إنلله بهللم رؤوف رحيللم"‬
‫ولم يجيء قط رحمان بهم‪.‬‬
‫وقال‪ :‬إن أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت‪ ،‬فإنهللا دالللة علللى‬
‫لفية‪ ،‬فللالرحمن‬
‫صفات كماله‪ .‬فل تنللافي فيهللا بيللن العلميللة والوصل‬
‫اسمه تعالى ووصفه‪ ،‬فمن حيث هو صفة جللرى تابع لا ً لسللم الللله‪،‬‬
‫ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع‪ ،‬بل ورد السم ً العلللم‪،‬‬
‫كقوله تعالى "الرحمن على العرش استوى " انتهى ملخصا‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله تعالى‪) :‬الحمد لله( ‪:‬‬
‫ومعناه الثناء بالكلم على الجميل الختيللاري علللى وجلله التعظيللم‪،‬‬
‫باللسللان والجنللان‬
‫فمللورده‪ :‬اللسللان والقلللب‪ ،‬والشللكر يكللون‬
‫سببًا‪ ،‬لنه يكللون‬
‫والركان‪ ،‬فهو أعم من الحمد متعلق ًًا‪ ،‬وأخص منه‬
‫ً‬
‫في مقابلة النعمة‪ ،‬والحمد أعم سببا وأخص متعلقا‪،‬لنه يكلون فلى‬
‫مقابلة النعمة وغيرها‪ .‬فبينهما عمللوم وخصللوص وجهللى‪ ،‬يجتمعللان‬
‫فى مادة وينفرد كل واحد عن الخر فى مادة‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله‪) :‬وصلى الله على محمد وعلمى‬
‫آله وسلم( ‪:‬‬
‫أصح ما قيل فى معنى صلة الللله علللى عبللده‪ :‬ملا ذكللره البخللارى‬
‫رحمه الله تعالى عن أبى العالية قال‪" :‬صلة الله على عبده ثنللاؤه‬
‫عليه عند الملئكة" وقرره ابن القيم رحمه الله ونصره فلى كتلابيه‬
‫جلء الفهام وبدائع الفوائد ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقد يراد بها الدعاء‪ ،‬كما فللى المسللند عللن علللى مرفوع لا ً "‬
‫الملئكة تصلى على أحللدكم مللا دام فللى مصللله‪ :‬اللهللم اغفللر للله‬
‫اللهم ارحمه "‪.‬‬
‫قوله )وعلى آله( ‪:‬‬
‫أى أتبللاعه علللى دينلله‪ ،‬نللص عليلله المللام أحمللد هنللا‪ .‬وعليلله أكللثر‬
‫الصحاب‪ .‬وعلى هذا فيشمل الصحابة وغيرهم من المؤمنين‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪6‬‬

‫قال المصنف رحمه الله تعالى‪) :‬كتاب التوحيد( ‪:‬‬
‫كتاب‪ :‬مصدر كتب يكتللب كتابلا ً وكتابلة وكتبلًا‪ ،‬ومللدار الملادة عللى‬
‫الجمع‪ .‬ومنه‪ :‬تكتب بنو فلن‪ ،‬إذا اجتمعوا‪ .‬والكتيبة لجماعة الخيل‪،‬‬
‫والكتابة بالقلم لجتماع الكلمات والحروف‪ .‬وسللمى الكتللاب كتابلًا‪:‬‬
‫لجمعه ما وضع له‪.‬‬
‫والتوحيد نوعان‪ :‬توحيد فى المعرفة والثبات‪ .‬وهو توحيللد الربوبيللة‬
‫والسللماء والصللفات‪ .‬وتوحيللد فللى الطلللب والقصللد‪ .‬وهللو توحيللد‬
‫اللهية والعبادة‪.‬‬
‫قال العلمة ابن القيم رحمه الله‪ :‬وأمللا التوحيللد الللذى دعللت إليلله‬
‫الرسل ونزلت به الكتب فهو نوعان‪ :‬توحيد فى المعرفة والثبللات‪،‬‬
‫وتوحيد فى الطلب والقصد‪.‬‬
‫فللالول هللو‪ :‬إثبللات حقيقللة ذات الللرب تعللالى وصللفاته وأفعللاله‬
‫وأسمائه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده‪ ،‬وإثبات عمللوم‬
‫قضائه وقللدره وحكمتلله‪ ،‬وقللد أفصللح القللرآن عللن هللذا النللوع جللد‬
‫الفصاح‪ ،‬كما فى أول سورة الحديد‪ ،‬وسلورة طله‪ ،‬وآخلر الحشلر‪،‬‬
‫وأول تنزيل السجدة‪ ،‬وأول آل عملران‪ ،‬وسلورة الخلص بكمالهلا‪،‬‬
‫وغير ذلك‪.‬‬
‫النوع الثانى‪ :‬ما تضلمنته سلورة " قلل يلا أيهلا الكلافرون " وقلوله‬
‫تعالى‪ " :‬قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننللا وبينكللم أن‬
‫ل نعبد إل الله ول نشرك به شيئا ول يتخذ بعضللنا بعضللا أربابللا مللن‬
‫دون الله فإن تولوا فقولللوا اشللهدوا بأنللا مسلللمون " وأول سللورة‬
‫تنزيل الكتللاب وآخرهللا‪ .‬وأول سللورة المللؤمن‪ :‬ووسللطها وآخرهللا‪،‬‬
‫وأول سورة العراف وآخرها‪ .‬وجملة سورة النعام‪ ،‬وغللالب سللور‬
‫القرآن‪ .‬بل كل سورة في القرآن فهللي متضللمنة لنللوعى التوحيللد‪،‬‬
‫شاهدة به داعية إليه‪.‬‬
‫فإن القران إما خبر عن الللله وأسللمائه وصللفاته وأفعللاله وأقللواله‪،‬‬
‫فهو التوحيد العلمى الخبرى وإما دعوة إلى عبادته وحده ل شللريك‬
‫له وخلع ما يعبد من دونه‪ ،‬فهو التوحيد الرادي الطلللبي‪ .‬وإمللا أمللر‬
‫ونهى‪ ،‬وإلزام بطاعته وأمره ونهيه‪ ،‬فهو حقللوق التوحيللد ومكملتلله‬
‫وإما خللبر علن إكللرام أهللل التوحيللد ومللا فعلل بلله فلى الللدنيا وملا‬
‫يكرمهم به فلى الخلرة‪ ،‬فهلو جلزاء توحيلده‪ ،‬وإملا خلبر علن أهلل‬
‫الشرك وما فعل بهللم فللى الللدنيا مللن النكللال ومللا يحللل بهللم فللي‬
‫العقبى من العذاب‪ .‬فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد‪ .‬فالقرآن‬
‫كللله فللى التوحيللد‪ ،‬وحقللوقه وجللزائه‪ ،‬وفللى شللأن الشللرك وأهللله‬
‫وجزائهم‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬التوحيللد اللذى جلاءت بله الرسللل إنملا يتضللمن‬
‫إثبات اللهية لله وحده بأن يشهد أن ل إله إل الله‪ :‬ل يعبد إل إيللاه‪،‬‬
‫ول يتوكل إل عليه‪ ،‬ول يوالى إل له‪ ،‬ول يعادى إل فيه‪ ،‬ول يعمللل إل‬
‫لجله‪ .‬وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من السللماء والصللفات‪.‬‬
‫قال تعالى‪" :‬وإلهكم إله واحد ل إله إل هلو الرحملن الرحيلم" قلال‬
‫تعالى‪ " :‬وقال الله ل تتخذوا إلهين اثنين إنما هللو إللله واحللد فإيللاي‬
‫فارهبون " وقال تعالى‪" :‬ومن يدع مع الله إلها آخر ل برهان له به‬
‫فإنما حسابه عند ربه إنه ل يفلح الكافرون" وقال تعللالى‪" :‬واسللأل‬
‫من أرسلنا مللن قبلللك مللن رسلللنا أجعلنللا مللن دون الرحمللن آلهللة‬
‫يعبدون" وأخبر عن كللل نللبى مللن النبيللاء أنهللم دعللوا النللاس إلللى‬
‫عبادة الله وحده ل شريك له‪ .‬وقال‪ " :‬قد كانت لكم أسللوة حسللنة‬
‫في إبراهيللم والللذين معلله إذ قللالوا لقللومهم إنللا بللرآء منكللم وممللا‬
‫تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضللاء‬
‫أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده " وقال عن المشركين‪ " ،:‬إنهللم كللانوا‬
‫إذا قيل لهم ل إله إل الله يستكبرون * ويقولون أإنا لتللاركوا آلهتنللا‬
‫لشاعر مجنون " وهذا فى القرآن كثير‪.‬‬
‫وليس المراد بالتوحيد‪ :‬مجرد توحيد الربوبية‪ .‬وهللو اعتقللاد أن الللله‬
‫وحللده خلللق العللالم‪ ،‬كمللا يظللن ذلللك مللن يظنلله مللن أهللل الكلم‬
‫والتصوف‪ .‬ويظن هؤلء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غايللة‬
‫التوحيد‪ .‬وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا فى غاية التوحيللد‬
‫فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الللرب تعللالى مللن الصللفات ونزهلله‬
‫عن كل ما ينزه عنه‪ .‬وأقللر بللأنه وحللده خللالق كللل شللئ‪ ،‬لللم يكللن‬
‫موحدا ً حتى يشهد بأن ل إله إل الله وحده‪ .‬فيقر بأن الله وحده هو‬
‫الله المستحق للعبادة‪ .‬ويلتزم بعبادة الللله وحللده ل شللريك للله‪ .‬و‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪7‬‬

‫الله هو المألوه المعبللود الللذى يسللتحق العبللادة‪ .‬وليللس هللو الللله‬
‫بمعنى القادر على الختراع‪ .‬فإذا فسر المفسر الله بمعنى القللادر‬
‫على الختراع واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الله‪ .‬وجعللل‬
‫إثبات هذا هو الغاية فى التوحيد ‪ -‬كما يفعللل ذلللك مللن يفعللله مللن‬
‫متكلمة الصفاتية‪ .‬وهو الذى يقولونه عن أبلى الحسللن وأتبلاعه لللم‬
‫يعرفوا حقيقة التوحيد الذى بعث الله به رسللوله صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم‪ .‬فإن مشركى العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كللل‬
‫شئ‪ .‬وكانوا مع هذا مشركين‪ .‬قال تعالى‪" :‬وما يؤمن أكثرهم بالله‬
‫إل وهم مشركون" قالت طائفللة مللن السلللف تسلألهم‪ :‬مللن خلللق‬
‫السموات والرض ؟ فيقولون‪ :‬الله وهم مع هذا يعبدون غيره قللال‬
‫تعالى‪ " - :‬قل لمن الرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سلليقولون‬
‫لله قل أفل تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العللرش‬
‫العظيم * سيقولون لله قل أفل تتقون * قل من بيده ملكوت كللل‬
‫شيء وهو يجير ول يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل‬
‫لئ‬
‫فليس كل من أقر بأن الله تعللالى رب كللل شل‬
‫فأنى تسحرون "‬
‫راجيا ً‬
‫وخالقه ًيكون عابدا ً له‪ ،‬دون ما سواه‪ .‬داعيا له دون ما سواه‬
‫له خائفا منه دون ما سواه‪ .‬يوالى فيه ويعادى فيلله‪ .‬ويطيللع رسللله‬
‫ويأمر بما أمر به‪ .‬وينهى عما نهلى عنلله‪ .‬وعامللة المشللركين أقللروا‬
‫بأن اللله خلالق كلل شلئ‪ .‬وأثبتلوا الشلفعاء اللذين يشلركونهم بله‬
‫وجعلوا له أندادًا‪ .‬قال تعالى‪ " ، :‬أم اتخللذوا مللن دون الللله شللفعاء‬
‫قل أو لو كللانوا ل يملكللون شلليئا ول يعقلللون * قللل لللله الشللفاعة‬
‫جميعا له ملك السماوات والرض " وقلال تعلالى‪ " :‬ويعبلدون ملن‬
‫دون الله ما ل يضرهم ول ينفعهم ويقولون هؤلء شفعاؤنا عند الله‬
‫قل أتنبئون الله بما ل يعلم في السماوات ول فللي الرض سللبحانه‬
‫وتعالى عما يشركون " وقللال تعلالى‪" :‬ولقلد جئتمونللا فللرادى كملا‬
‫خلقناكم أول مللرة وتركتللم مللا خولنللاكم وراء ظهللوركم ومللا نللرى‬
‫معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطللع بينكللم‬
‫وضل عنكم ما كنتم تزعمون" وقال تعالى‪" :‬ومن الناس من يتخللذ‬
‫من دون الله أندادا ً يحبونهم كحب الله" ولهذا كان أتباع هؤلء مللن‬
‫يسجد للشمس والقمر والكللواكب ويللدعوها‪ .‬ويصللوم وينسللك لهللا‬
‫لرك‪ .‬إنمللا الشللرك إذا‬
‫ويتقللرأ إليهللا‪ .‬ثللم يقللول‪ :‬إن هللذا ليللس بشل‬
‫اعتقدت أنهللا المللدبرة لللى‪ .‬فللإذا جعلتهللا سللببا ً وواسللطة لللم أكللن‬
‫مشركًا‪ .‬ومن المعلوم بالضطرار من دين السلم أن هللذا شللرك‪.‬‬
‫انتهى كلمه رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫قال المصنف رحمممه اللممه تعممالى ‪) :‬وقممول اللممه تعممالى‪:‬‬
‫"وما خلقت الجن والنس إل ليعبدون"( ‪:‬‬
‫بالجر عطف على التوحيد‪ .‬ويجوز الرفع على البتداء‪.‬‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬العبادة هى طاعة الله بامتثال مللا أمللر الللله بلله‬
‫على ألسنة الرسل‪.‬‬
‫وقال أيضًا‪ :‬العبللادة اسللم جللامع لكللل مللا يحبلله الللله ويرضلاه مللن‬
‫القوال والعمال الظاهرة والباطنة‪.‬‬
‫قال ابن القيم‪ :‬ومللدارها علللى خمللس عشللرة قاعللدة‪ .‬مللن كملهلا‬
‫كمل مراتب العبودية‪.‬‬
‫وبيان ذلك‪ :‬أن العبادة منقسمة علللى القلللب واللسللان والجللوارح‪.‬‬
‫والحكام التى للعبودية خمسة‪ :‬واجب ومسللتحب وحللرام ومكللروه‬
‫ومباح‪ .‬وهن لكل واحد من القلب واللسان والجوارح‪.‬‬
‫وقال القرطبى‪ :‬أصل العبادة التذلل والخضللوع‪ .‬وسللميت وظللائف‬
‫الشرع على المكلفين عبادات‪ .‬لنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضللعين‬
‫متذللين لله تعالى‪.‬‬
‫ومعنى الية‪ :‬أن الله تعللالى أخللبر أنلله مللا خلللق الجللن والنللس إل‬
‫لعبادته‪ .‬فهذا هو الحكمة في خلقهم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهي الحكمة الشرعية الدينية‪.‬‬
‫قال العماد ابن كللثير‪ :‬وعبللادته هللى طللاعته بفعللل المللأمور وتللرك‬
‫المحظللور‪ .‬وذلللك هللو حقيقللة ديللن السلللم‪ .‬لن معنللى السلللم‪:‬‬
‫الستسلم لله تعللالى‪ ،‬المتضللمن غايللة النقيللاد والللذل والخضللوع‪.‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وقال أيضا فى تفسير هذه الية‪ :‬ومعنى الية أن الله خلللق الخلللق‬
‫ليعبدوه وحده ل شريك له‪ .‬فمن أطاعه جللازاه أتللم الجللزاء‪ .‬ومللن‬
‫عصاه عذبه أشد العللذاب‪ .‬وأخللبر أنلله غيللر محتللاج إليهللم‪ .‬بللل هللم‬
‫الفقراء فى جميع أحوالهم وهو خالقهم ورازقهللم‪ .‬وقللال علللي بللن‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪8‬‬

‫أبللى طللالب رضللى الللله عنلله فللى اليللة إل لمرهللم أن يعبللدونى‬
‫وأدعوهم إلى عبللادتى وقللال مجاهللد‪ :‬إل لمرهللم وأنهللاهم اختللاره‬
‫الزجاج وشلليخ السلللم‪ .‬قللال‪ :‬ويللدل علللى هللذا قللوله ‪" :‬أيحسللب‬
‫النسان أن يترك سدى" قال الشافعى‪ :‬ل يؤمر ول ينهى وقال فى‬
‫القرآن فى غير موضع "اعبدوا ربكم" "اتقوا ربكم" فقد أمرهم بما‬
‫خلقوا له‪ .‬وأرسل الرسل بذلك‪ .‬وهذا المعنى هو الذى قصد باليللة‬
‫قطعًا‪ ،‬وهو الذى يفهمه جماهير المسلمين ويحتجون بالية عليه‪.‬‬
‫قال وهذه اليللة تشللبه قللوله تعللالى‪" :‬ومللا أرسلللنا مللن رسللول إل‬
‫ليطاع بإذن الله" ثم قد يطاع وقللد يعصللى‪ .‬وكللذلك مللا خلقهللم إل‬
‫لعبادته‪ .‬ثم قد يعبدون وقد ل يعبدون‪ .‬وهللو سللبحانه لللم يقللل‪ :‬إنلله‬
‫فعل الول‪ .‬وهو خلقهم ليفعل بهم كلهم‪ .‬الثانى‪ :‬وهو عبادته ولكن‬
‫ذكر أنه فعل الول ليفعلوا هم الثللانى‪ .‬فيكونللوا هللم الفللاعلين للله‪.‬‬
‫فيحصل لهم بفعله سعادتهم ويحصل ما يحبه ويرضللاه منلله ولهللم‪.‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫ويشهد لهذا المعنى‪ :‬ما تواترت به الحاديث‪.‬‬
‫فمنها ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك رضللي الللله‬
‫عنه عن النبي ًصلى الله عليه وسلم قال‪" :‬يقول الله تعالى لهون‬
‫أهل النار عذابا‪ :‬لو كانت لللك الللدنيا ومللا فيهللا ومثلهللا معهللا أكنللت‬
‫مفتديا ً بها ؟ فيقول‪ :‬نعم‪ .‬فيقللول‪ :‬قللد أردت منللك أهللون مللن هللذا‬
‫وأنت فى صلب آدم‪ .‬أن ل تشرك ‪ -‬أحسبه قال‪ :‬ول أدخلك النللار ‪-‬‬
‫فأبيت إل الشرك" فهذا المشرك قللد ًخللالف مللا أراده الللله تعللالى‬
‫منه‪ :‬من توحيده وأن ل يشرك به شيئا‪ .‬فخالف ما أراده الللله منلله‬
‫فأشرك به غيره‪ .‬وهذه هى الرادة الشرعية الدينية كما تقدم‪.‬‬
‫فللبين الرادة الشللرعية الدينيللة والرادة الكونيللة القدريللة عمللوم‬
‫وخصوص مطلق‪.‬‬
‫يجتمعان فى حق المخلص المطيع‪ .‬وتنفرد الرادة الكونية القدريللة‬
‫فللى حللق العاصللى‪ .‬فللافهم ذلللك تنللج مللن جهللالت أربللاب الكلم‬
‫وتابعيهم‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله تعالى‪) :‬وقمموله ‪ " :‬ولقممد بعثنمما‬
‫في كل أمة رسمول أن اعبمدوا اللمه واجتنبموا الطماغوت‬
‫"( ‪:‬‬
‫الطاغوت‪ :‬مشتق من الطغيان‪ ،‬وهو مجاوزة الحلد‪ .‬قلال عملر بلن‬
‫الخطاب رضى الله عنه‪ :‬الطللاغوت الشلليطان‪ .‬وقللال جللابر رضللى‬
‫الله عنه الطاغوت كهان كانت تنزل عليهم الشياطين رواهمللا ابللن‬
‫أبى حاتم‪ .‬وقال مالك‪ :‬الطاغوت كل ما عبد من دون الله‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وذلك المذكور بعض أفراده‪ ،‬وقد حده العلمة ابن القيم حدا ً‬
‫جامعا ً فقال الطاغوت كل ما تجاوز بلله العبللد حللده‪ :‬مللن معبللود أو‬
‫متبوع أو مطاع‪ .‬فطاغوت كل قوم‪ :‬من يتحللاكمون إليلله غيللر الللله‬
‫ورسوله‪ ،‬أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصلليرة مللن‬
‫الله أو يطيعلونه فيملا ل يعلملون أنله طاعلة للله‪ .‬فهلذه طلواغيت‬
‫العللالم‪ .‬إذا تأملتهللا وتللأملت أحللوال النللاس معهللا‪ .‬رأيللت أكللثرههم‬
‫أعرض عن عبادة الللله تعللالى إلللى عبللادة الطللاغوت وعللن طاعللة‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته‪.‬‬
‫معنى الية‪ :‬فأخبر تعالى أنه بعث فى كل طائفللة مللن النللاس‬
‫وأما‬
‫رسول ً بهذه الكلمة "أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" أي اعبللدوا‬
‫الله وحده واتركوا عبادة ما سواه‪ ،‬كمللا قللال تعللالى‪" :‬فمللن يكفللر‬
‫بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بللالعروة الللوثقى ل انفصللام‬
‫لها" وهذا معنى ل إله إل الله فإنها هي العروة الوثقى‪.‬‬
‫قال العماد ابن كثير فى هذه الية‪ :‬كلهم ‪ -‬أى الرسل ‪ -‬يللدعو إلللى‬
‫عبادة الله‪ ،‬وينهى عن عبادة ما سللواه‪ ،‬فلللم يللزل سللبحانه يرسللل‬
‫إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك فى بنللى آدم فللى قللوم‬
‫نوح الذين أرسل إليهم‪ ،‬وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل‬
‫الرض إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليلله وسلللم‪ ،‬الللذى طبللق‬
‫دعوته النس والجن فى المشارق والمغارب‪ ،‬وكلهم كما قال الللله‬
‫تعالى‪" :‬وما أرسلنا من قبلك من رسول إل نوحي إليه أنه ل إله إل‬
‫أنا فاعبدون" وقال تعالى فى هذه الية الكريمة‪ " :‬ولقد بعثنللا فللي‬
‫كل أمة رسول أن اعبدوا الله واجتنبللوا الطللاغوت " فكيللف يسللوغ‬
‫لحد من المشركين بعد هذا أن يقول‪ " :‬لو شاء الله ما عبدنا مللن‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪9‬‬

‫دونه من شيء "‪ ،‬فمشيئة الله تعالى الشرعية عنهللم منفيللة‪ ،‬لنلله‬
‫نهاههم عن ذلك على ألسن رسللله‪ ،‬وأمللا مشلليئته الكونيللة ‪ -‬وهللى‬
‫تمكينهم من ذلك قدرا ً ‪ -‬فل حجة لهم فيها‪ ،‬لنه تعللالى خلللق النللار‬
‫وأهلها من الشياطين والكفرة‪ ،‬وهللو ل يرضللى لعبلادة الكفللر‪ ،‬وللله‬
‫فى ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة‪ ،‬ثم إنه تعالى قد أخبر أنه‬
‫أنكر عليهللم بالعقوبللة فللى الللدنيا بعللد إنللذار الرسللل‪ ،‬فلهللذا قللال‪:‬‬
‫"فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضللة" انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذه الية تفسير الية التي قبلها‪ .‬وذلك قوله‪" :‬فمنهللم مللن‬
‫هدى الله ومنهم من حقت عليه الضللة" فتدبر‪.‬‬
‫ودلت هلذه اليللة عللى أن الحكملة فلي ارسللال الرسلل‪ ،‬دعللوتهم‬
‫أممهم إلى عبادة الله وحده‪ ،‬والنهي عن عبادة ما سواه‪ ،‬وأن هللذا‬
‫هو دين النبياء والمرسلين‪ ،‬وإن ًاختلفت شريعتهم كما قال تعللالى‬
‫"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" وأنه ل بد في اليمان من عمللل‬
‫القلب والجوارح‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله تعالى‪) :‬قوله تعالى‪ " :‬وقضممى‬
‫ربك أن ل تعبدوا إل إياه وبالوالدين إحسانا "(‪:‬‬
‫قال مجاهد قضى يعني وصى‪ ،‬وكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود‬
‫وغيرهم ولبن جرير عن ابن عباس وقضى ربك يعني أمر‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ " :‬أن ل تعبللدوا إل إيللاه " المعنللى‪ ،‬أن تعبللدوه وحللده‬
‫دون ما سواه‪ ،‬وهذا معنى ل إله إل الله‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الللله تعللالى‪ ،‬والنفللي المحللض ليللس توحيللدًا‪،‬‬
‫وكذلك الثبات بدون النفللي‪ ،‬فل يكللون التوحيللد إل متضللمنا ً للنفللي‬
‫والثبات‪ ،‬وهذا هو حقيقة التوحيد‪.‬‬
‫وقللوله‪ ":‬وبالوالللدين إحسللانا "أي وقضللى أن تحسللنوا بالوالللدين‬
‫إحسانًا‪ ،‬كما قضى بعبادته وحده ل شريك له‪ .‬كما قلال تعلالى فلي‬
‫الية الخرى ‪" :‬أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير"‬
‫أحدهما ً أو كلهما فل تقل لهمللا أف‬
‫وقوله‪" :‬إما يبلغن عندك الكبر‬
‫ول تنهرهما" أى أل تسمعهما قول ً سيئا‪ ،‬حتى ول التأفيف الذي هللو‬
‫أدنى مراتب القول السيء "ول تنهرهما" أي‪ :‬ل يصدر منك إليهمللا‬
‫فعل قبيح‪ ،‬كما قال عطاء بن أبي رباح ل تنفض يديك عليهما‪.‬‬
‫الحسللن‬
‫ولما نهاه عن الفعل القبيح والقللول القبيللح أمللره بالفعللل‬
‫والقول الحسن فقال‪" :‬وقل لهما قول ً كريمًا" أي لين لا ً طيب لا ً بللأدب‬
‫وتوقير وقوله "واخفض لهما جنلاح اللذل ملن الرحملة" أى تواضلع‬
‫لهمللا "وقللل رب ارحمهمللا" أي فلي كبرهمللا وعنللد وفاتهمللا " كملا‬
‫ربياني صغيرا " وقللد ورد فللي بللر الوالللدين أحللاديث كللثيرة‪ ،‬منهللا‪:‬‬
‫الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره "أن رسول الللله صلللى‬
‫الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال‪ :‬آمين‪ ،‬آمين‪ ،‬آمين‪ ،‬فقالوا يللا‬
‫رسول الله‪ ،‬على ما أمنت ؟ قال أتاني جبريل فقال‪ :‬يا محمد رغم‬
‫أنف امرىء ذكرت عنده فلم يصل عليك قل‪ :‬آمين‪ ،‬فقلللت‪ :‬آميللن‬
‫ثم قال‪ :‬رغم أنف امرىء دخل عليه شللهر رمضللان ثللم خللرج ولللم‬
‫يغفر له‪ ،‬قل آمين‪ :‬فقلت آمين‪ ،‬ثم قلال‪ :‬رغللم أنللف امرىلء أدرك‬
‫أبويه أو أحدهما فلم يدخله الجنة قل‪ :‬آميللن‪ ،‬فقلللت آميللن" وروى‬
‫المام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلللى‬
‫الله عليه وسلم "رغم أنف‪ ،‬ثم رغم أنف‪ ،‬ثم رغم أنف رجللل أدرك‬
‫والديه‪ ،‬أحدهما أو كلهما لم يدخل الجنة " قال العمللاد ابللن كللثير‪:‬‬
‫صحيح من هذا الوجه عللن أبللى بكللرة رضللى الللله عنلله قللال‪ :‬قللال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ " :‬أل أنبئكم بللأكبر الكبللائر قلنللا‪:‬‬
‫بلى يا رسول الله‪ ،‬قال‪ :‬الشراك بللالله‪ ،‬وعقللوق الوالللدين‪ .‬وكللان‬
‫متكئا ً فجلس‪ ،‬فقال أل وقول الللزور‪ ،‬أل وشللهادة الللزور‪ ،‬فمللا زال‬
‫يكررها حتى قلنا‪ :‬ليته سللكت" رواه البخللارى ومسلللم‪ .‬وعللن عبللد‬
‫الله بن عمرو رضي الله عنهما قال‪ :‬قال رسللول الللله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم‪" :‬رضى الرب فى رضى الوالدين‪ ،‬وسخطه فى سخط‬
‫الوالدين "‪ ،‬عن أسيد الساعدى رضللى الللله عنلله قللال‪" :‬بينللا نحللن‬
‫جلوس عند النبى صلى الله عليلله وسلللم إذ جللاءه رجللل مللن بنللى‬
‫سلمة فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬هل بقى من بر أبوي شللئ أبرهمللا بلله‬
‫بعد موتهما ؟ فقال‪ :‬نعم‪ ،‬الصلة عليهمللا والسللتغفار لهمللا‪ ،‬وإنفللاذ‬
‫عهدهما من بعدهما‪ ،‬وصلة الرحم التى ل توصللل إل بهمللا‪ ،‬وإكللرام‬
‫صديقهما ً" رواه أبو داود وابن ماجة‪ .‬والحلاديث فلى هللذا المعنلى‬
‫كثيرة جدا‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪10‬‬

‫قال المصنف رحمه ً الله تعالى‪) :‬وقوله‪" :‬واعبممدوا اللممه‬
‫ول تشركوا به شيئا"( ‪:‬‬
‫قال العماد ابن كثير رحمه اللله فلى هلذه اليللة‪ :‬يللأمر اللله تعلالى‬
‫عباده بعبادته وحده ل شريك للله‪ ،‬فللإنه الخللالق الللرازق المتفضللل‬
‫على خلقه فى ًجميع الحالت‪ ،‬وهو المستحق منهم أن يوحللدوه ول‬
‫يشركوا به شيئا من مخلوقاته‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وهذه الية هى التى تسمى آية الحقوق العشرة‪ ،‬وفى بعض النسخ‬
‫المعتمدة من نسخ هذا الكتاب تقديم هذه اليللة علللى آيللة النعللام‪،‬‬
‫ولهذا قدمتها لمناسبة كلم ابن مسعود التي ليللة النعللام‪ ،‬ليكللون‬
‫ذكره بعدها أنسب‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه اللممه تعمالى‪) :‬وقموله تعمالى‪ " :‬قمل‬
‫تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكممم أن ل تشممركوا بممه شمميئا‬
‫وبالوالدين إحسانا " اليات( ‪:‬‬
‫قال العماد ابن كثير رحمه الله‪ :‬يقول تعالى لنبيه ورسللوله محمللد‬
‫صلى الله عليه وسلم )قل( لهللؤلء المشللركين الللذين عبللدوا غيللر‬
‫أقللص‬
‫)تعالوا( أي هلموا وأقبلوا )أتل(‬
‫الله‪ ،‬وحرموا ما رزقهم الله‬
‫ل تخرصا ً ول ظنًا‪ ،‬بل وحي لا ً ًمنلله‬
‫عليكم )ماحرم ربكم عليكم( حقًا‪،‬‬
‫ً‬
‫وأمرا ً من عنده )أل تشركوا به شيئا( وكأن في ًالكلم محللذوفا دل‬
‫عليه السياق تقديره‪ :‬وصاكم أل تشركوا به شيئا‪ ،‬ولهللذا قللال فللي‬
‫آخر الية )ذلكم وصاكم به( ا هل‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فيكون المعنى‪ :‬حرم عليكم ما وصاكم بللتركه مللن الشللراك‬
‫به‪ ،‬وفي المغني لبن هشام فللى قللوله تعللالى " أن ل تشللركوا بلله‬
‫شيئا " سبعة أقوال‪ ،‬أحسنها‪ :‬هذا الذى ذكره ابن كثير‪ ،‬ويليه‪ :‬بيللن‬
‫لكم ذلك لئل تشركوا‪ ،‬فحذفت الجملة من أحدهما‪ ،‬وهى )وصاكم(‬
‫وحرف الجر وما قبله من الخرى‪ .‬ولهذا إذا سئلوا عما يقللول لهللم‬
‫للى اللله عليلله وسلللم قلالوا‪ :‬يقللول اعبلدوا اللله ول‬
‫رسول الله صل‬
‫تشركوا به شيئًا‪ ،‬واتركوا ملا يقللول آبللاؤكم كمللا قلال أبللو سللفيان‪،‬‬
‫لهرقل وهذا هو الذى فهمه أبو سفيان وغيره من قول رسول الللله‬
‫صلى الله عليه وسلم لهم قولوا ل اله إل الله تفلحوا‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪" :‬وبالوالدين إحسانًا" قللال القرطللبى‪ :‬الحسللان إلللى‬
‫وامتثال أمرهما‪ ،‬وإزالللة الللرق‬
‫الوالدين برهما وحفظهما وصيانتهما‬
‫المصللدرية‪،‬‬
‫عنهما‪ ،‬وترك السلطنة عليهما‪ ،‬و)إحسانًا( نصللب علللى‬
‫إحسانا‪ً.‬‬
‫وناصبه فعل من لفظه تقديره‪ :‬وأحسنوا بالوالدين‬
‫وقوله "ول تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم" إلملق‪:‬‬
‫الفقللر‪ ،‬أى ل تئدوا بنللاتكم خشللية العيلللة والفقللر‪ ،‬فللإنى رازقكللم‬
‫وإياهم‪ ،‬وكان منهم من يفعللل ذلللك بالللذكور خشللية الفقللر‪ ،‬ذكللره‬
‫)قلت‪:‬‬
‫القرطبى‪ .‬وفى الصحيحين "عن ابن مسعود رضى الله عنه‬
‫لللله نللدا ً‬
‫يا رسول الله‪ ،‬أى الذنب أعظم عند الله ؟ قال‪ :‬أن تجعل‬
‫وهو خلقك‪ .‬قلت‪ :‬ثم أى ؟ قال‪ :‬أن تقتللل ولللدك خشللية أن يطعللم‬
‫معك‪ .‬قلت‪ :‬ثم أي ؟ قال‪ :‬أن تزاني بحليلللة جللارك‪ .‬ثللم تل رسللول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ‪ " - :‬والذين ل يدعون مع الله إلها آخللر‬
‫ول يقتلون النفس التي حرم الله إل بالحق ول يزنللون ومللن يفعللل‬
‫ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانللا *‬
‫إل من تاب وآمن وعمل عمل صللالحا فللأولئك يبللدل الللله سلليئاتهم‬
‫حسنات وكان الله غفورا رحيما " "‪.‬‬
‫وقوله‪" :‬ول تقربوا الفواحش ملا ظهلر منهلا وملا بطلن" قلال ابلن‬
‫عطية‪ :‬نهي عام عن جميع أنواع الفواحش‪ ،‬وهى المعاصى‪.‬‬
‫و)ظهر( و )بطن( حالتان تستوفيان أقسام ما جلتا له من الشللياء‪.‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫بللالحق " فللى‬
‫وقللوله‪ " :‬ول تقتلللوا النفللس الللتي حللرم الللله إل‬
‫مرفوع لًا‪ :‬ل يحللل دم‬
‫الصحيحين‪" :‬عن ابن عباس رضى الللله عنلله‬
‫امرىء مسلم يشهد أن ل إله إل الللله وأن محمللدا ً رسللول الللله إل‬
‫بإحللدى ثلث‪ :‬الللثيب الزانللى‪ ،‬والنفللس بللالنفس‪ ،‬والتللارك لللدينه‬
‫المفارق للجماعة"‪.‬‬
‫وقوله‪" :‬ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون" قال ابللن عطيللة‪) :‬ذلكللم(‬
‫إشارة إلى هذه المحرمات والوصية المر المؤكللد المقللرر‪ .‬وقللوله‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪11‬‬

‫)لعلكللم تعقلللون( )لعللل( للتعليللل أى إن الللله تعللالى وصللانا بهللذه‬
‫الوصايا لنعقلها عنه ونعمل بها‪ ،‬وفى تفسير الطبرى الحنفى‪ :‬ذكللر‬
‫أو ل )تعقلون( في )تذكرون( ثم )تتقلون( لنهللم إذا عقلللوا تلذكروا‬
‫وخافوا واتقوا‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬ول تقربوا مال اليتيم إل بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده‬
‫" قال ابللن عطيللة‪ :‬هللذا نهللى عللام عللن القللرب الللذى يعللم وجللوه‬
‫التصرف وفيه سد الذريعة‪ ،‬ثم استثنى ما يحسن وهو السلعى فلى‬
‫نمائه‪ ،‬قال مجاهد‪ :‬التي هي أحسن‪ ،‬إشارة فيه‪ ،‬وفي قوله‪) :‬حللتى‬
‫يبلغ أشده( قال مالك وغيره‪ :‬هو الرشد وزوال السفه مللع البلللوغ‪،‬‬
‫روى نحو هذا عن زيد بن أسلم والشعبى وربيعة وغيرهم‪.‬‬
‫وقوله‪" :‬وأوفوا الكيل والميللزان بالقسللط " قللال ابللن ًكللثير‪ :‬يللأمر‬
‫تعالى بإقامة العدل فى الخذ والعطاء " ل نكلف نفسا إل وسللعها‬
‫" أي من اجتهاد بأداء الحق وأخذه‪ ،‬فإن أخطأ بعد استفراغ الوسللع‬
‫وبذل جهده فل حرج عليه‪.‬‬
‫وقوله‪" :‬وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" هذا أمر بالعللدل فللى‬
‫القلول والفعلل عللى القريلب والبعيلد‪ .‬قلال الحنفلي‪ :‬العلدل فلى‬
‫القول فى حق الللولى والعللدو ل يتغيللر فللى الرضللى والغضللب بللل‬
‫يكللون علللى الحللق وإن كللان ذا قربللى فل يميللل إلللى الحللبيب‬
‫والقريب ‪ " :‬ول يجرمنكم شنآن قوم على أن ل تعدلوا اعللدلوا هللو‬
‫أقرب للتقوى "‪.‬‬
‫وقوله "وبعهد الله أوفوا" قال ابن جرير‪ :‬وبوصية الله تعللالى الللتي‬
‫وصاكم بها فأوفوا‪ .‬وإيفاء ذلك بأن يطيعوه بما أمرهللم بلله ونهللاهم‬
‫عنه‪ .‬وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الللله عليلله وسلللم ذلللك‬
‫هو الوفاء بعهد الللله‪ .‬وكلذا قلال غيللره‪ ،‬وقللوله "ذلكللم وصلاكم بلله‬
‫لعلكم تذكرون" تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه‪.‬‬
‫وقللوله‪" :‬وأن هللذا صللراطي مسللتقيما ً فللاتبعوه ول تتبعللوا السللبل‬
‫فتفرق بكم عن سبيله" قال القرطللبي‪ :‬هللذه آيللة عظيمللة عطفهللا‬
‫على ما تقدم‪ .‬فإنه نهي وأمر وحذر عن اتباع غير سللبيله علللى مللا‬
‫بينتلله الحللاديث الصللحيحة وأقاويللل السلللف‪ .‬و )أن( فللى موضللع‬
‫أتلو أن هذا صراطي‪ ،‬عن الفراء و الكسائي‪ .‬ويجللوز أن‬
‫نصب‪ .‬أي‬
‫خفض ً‬
‫لراطي‪ .‬قللال‪ :‬والصللراط‬
‫ل‬
‫ص‬
‫لذا‬
‫ل‬
‫ه‬
‫لأن‬
‫ل‬
‫وب‬
‫له‬
‫ل‬
‫ب‬
‫وصاكم‬
‫أي‬
‫ا‪.‬‬
‫يكون‬
‫الطريللق الللذي ًهللو دي ًللن السلللم‪) .‬مسللتقيمًا( نصللب علللى الحللال‬
‫ومعنللاه مسلتويا قيملا ل اعوجلاج فيلله‪ .‬فلأمر باتبللاع طريقله الللذي‬
‫طرقه على لسان محمد صلى الللله عليلله وسلللم وشللرعه ونهللايته‬
‫الجنة وتشعبت منه طرق‪ ،‬فمن سلك الجادة نجا‪ ،‬ومللن خللرج إلللى‬
‫تلك الطرق أفضت به إلى النار‪ .‬قال الله تعالى‪" :‬ول تتبعوا السبل‬
‫فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم بلله لعلكللم تتقللون" أي يميللل‪.‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وروى المام أحمد والنسائي و الدارمي و ابن أبي حللاتم و الحللاكم‬
‫ وصححه ‪" -‬عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‪ :‬خط رسول الله‬‫صلى الله عليه ًوسلم خطا ً بيده‪ ،‬ثم قال هذا سبيل الله مسللتقيمًا‪،‬‬
‫ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثللم قللال‪ :‬وهللذه‬
‫سبل ليس منها سبيل ً إل وعليه شيطان يللدعو إليلله‪ ،‬ثللم قللرأ "وأن‬
‫هذا صراطي مستقيما فللاتبعوه ول تتبعللوا السللبل " اليللة "‪ .‬وعللن‬
‫مجاهد‪ :‬ول تتبعوا السبل‪ ،‬قال‪ :‬البدع والشهوات‪.‬‬
‫ابن القيم رحمه الللله‪ :‬ولنللذكر فللي الصللراط المسللتقيم قللول ً‬
‫قال‬
‫وجيللزا ً فللإن النللاس قللد تنللوعت عبللاراتهم عنلله بحسللب صللفاته‬
‫ومتعلقاته‪ ،‬وحقيقته شئ واحد‪ ،‬وهو طريق الله الذي نصبه لعبللاده‬
‫موصل ً لهم إليه ول طريق إليه سللواه‪ ،‬بللل الطللرق كلهللا مسل‬
‫لدودة ً‬
‫على الخلق إل طريقه الذي نصبه على ألسن رسله‪ ،‬وجعله موصل‬
‫وهللو إفللراده بالعبللادات‪ ،‬وإفللراد رسللله بالطاعللة‪ ،‬فل‬
‫لعبللادة الللله‬
‫يشرك به ًأحللدا ً فللي عبللادته ول يشللرك برسللوله صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم أحدا في طللاعته‪ .‬فيجللرد التوحيللد‪ ،‬ويجللرد متابعللة الرسللول‬
‫صلى الله ًعليه وسلم‪ ،‬وهذا كله مضمون شهادة أن ل إله إل الللله‪،‬‬
‫وأن محمدا رسول الله فأي شئ فسر به الصراط المسللتقيم فهللو‬
‫داخل فللي هللذين الصلللين‪ .‬ونكتللة ذلللك‪ ،‬أن تحبلله بقلبللك وترضلليه‬
‫بجهدك كله‪ ،‬فل يكون في قلبك موضع إل معمورا ً بحبلله‪ ،‬ول يكللون‬
‫بتحقيق شهادة أن ل إللله‬
‫لك إرادة متعلقة بمرضاته‪ .‬فالول يحصل‬
‫إل الله‪ ،‬والثاني يحصل بتحقيق شهادة أن محمدا ً رسول الله‪ .‬وهذا‬
‫هو الهدى ودين الحق‪ ،‬وهو معرفة الحق والعمل بلله‪ ،‬وهللو معرفللة‬
‫ما بعث الله به رسوله والقيام بلله‪ ،‬وقللل مللا شللئت مللن العبللارات‬
‫التى هذا آخيتها وقطلب رحاهلا‪ .‬قلال‪ :‬وقلال سلهل بلن عبلد اللله‪:‬‬
‫عليكم بالثر والسنة‪ ،‬فإنى أخاف‪ ،‬إنه سلليأتي عللن قليللل زملان إذا‬
‫ذكر إنسان النبى صلى الللله عليلله وسللم والقتللداء بله فلى جميلع‬
‫أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرأوا منه‪ ،‬وأذلوه وأهانوه‪ .‬ا هل‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪12‬‬

‫قال المصنف رحمه الله تعالى‪) :‬قال ابن مسممعود‪ :‬مممن‬
‫أراد أن ينظر إلى وصية محمممد صمملى اللممه عليممه وسمملم‬
‫التى عليها خاتمه فليقرأ‪" :‬قل تعالوا أتل ما حرم ربكممم‬
‫عليكممم "‪ -‬إلممى قمموله ‪ " -‬وأن هممذا صممراطي مسممتقيما‬
‫فاتبعوه " الية( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬ابن مسعود هو عبد الله بن مسعود بن غافل ‪ -‬بمعجمة وفاء‬
‫ ابن حبيب الهذلى أبو عبد الرحمن‪ ،‬صحابى جليل مللن السللابقين‬‫الولين‪ ،‬وأهل بدر وأحد والخندق وبيعة الرضوان مللن كبللار علمللاء‬
‫الصحابة‪ ،‬أمر عمر على الكوفة‪ ،‬ومات سنة اثنللتين وثلثيللن رضللى‬
‫الله عنه‪.‬‬
‫وهذا الثللر رواه الترمللذي وحسللنه‪ ،‬وابللن المنللذر وابللن أبللى حللاتم‬
‫والطلبرانى بنحلوه‪ .‬وقلال بعضلهم‪ :‬معنلاه ملن أراد أن ينظلر إللى‬
‫الوصية التى كأنها كتب وختم عليهللا فلللم تغيللر ولللم تبللدل فليقللرأ‪:‬‬
‫)قل تعالوا ‪-‬إلى آخر اليات( شبهها بالكتاب الذى كتب ثم ختم فلم‬
‫يزد فيه ولم ينقص‪ .‬فإن النبى صلى الله عليه وسلللم لللم يللوص إل‬
‫بكتاب الله‪ ،‬كما قال فيما رواه مسلللم‪" :‬وإنللى تللارك فيكللم مللا إن‬
‫تمسكتم به لن تضلوا‪ :‬كتاب الللله" وقللد روى عبللادة بللن الصللامت‬
‫قال‪" :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬أيكللم يبللايعنى علللى‬
‫هؤلء اليات الثلث ؟ ثم تل قوله تعالى‪" :‬قل تعالوا أتللل مللا حللرم‬
‫اليات‪ .‬ثم قال مللن وفللى بهللن‬
‫ربكم عليكم" حتى فرغ من الثلث‬
‫فأجره على الله‪ ،‬ومن انتقص منهن شيئا ً فأدركه الله به فى الللدنيا‬
‫كانت عقوبته‪ ،‬ومن أخره إلى الخرة كان أمره إلللى الللله إن شللاء‬
‫آخذه وإن شاء عفا عنه " رواه ابن أبي حاتم و الحللاكم وصللححه و‬
‫محمد بن نصر فى العتصام‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ولن النللبى صلللى الللله عليلله وسلللم لللم يللوص أمتلله إل بملا‬
‫وصاهم الله تعالى به على لسانه‪ .‬وفى كتابه الذى أنزللله ‪ " :‬تبيانللا‬
‫لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " وهذه اليات وصللية‬
‫الله تعالى ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه اللممه تعممالى‪) :‬وعممن معمماذ بممن جبممل‬
‫قال‪ :‬كنت رديف النبى صلى الله عليه وسلم على حمار‬
‫فقال لى‪ :‬يا معاذ أتدري ما حممق اللممه علممى العبمماد‪ ،‬وممما‬
‫حق العباد على الله ؟‪ .‬قلت‪ :‬الله ورسمموله أعلممم‪ً .‬قممال‪:‬‬
‫حق الله على العباد أن يعبدوه ول يشركوا به شيئا وحق‬
‫العباد على الله أن ل يعذب من ل يشرك به شيئا ً ‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫يمما رسممول اللممه أفل أبشممر النمماس ؟ قممال‪ :‬ل تبشممرهم‬
‫فيتكلوا "‪ .‬أخرجاه فى الصحيحين( ‪:‬‬
‫هذا الحديث فى الصحيحين من طرق‪ .‬وفى بعض رواياته نحو ممللا‬
‫ذكره المصنف‪.‬‬
‫ومعاذ بن جبل رضى الله عنه هللو ابللن عمللرو بللن أوس النصللارى‬
‫الخزرجى أبو عبد الرحمن صللحابى مشللهور مللن أعيللان الصللحابة‪،‬‬
‫شللهد بللدرا ً ومللا بعللدها‪ .‬وكللان إليلله المنتهللى فللى العلللم والحكللام‬
‫والقرآن رضي الله عنه‪ .‬وقال النبى صلى الللله عليلله وسلللم معللاذ‬
‫يحشللر يللوم القيامللة أمللام العلمللاء برتللوة أي بخطللوة‪ ،‬قللال فللى‬
‫القللاموس والرتللوة الخطللوة وشللرف مللن الرض‪ ،‬وسللويعة مللن‬
‫الزمان‪ ،‬واللدعوة‪ ،‬والفطلرة‪ ،‬ورميلة بسلهم أو نحلو ميلل أو ملدى‬
‫البصر‪ .‬والراتي العالم الربانى‪ .‬انتهى‬
‫وقال فى النهاية أنه يتقدم العلماء برتللوة أي برميللة سللهم‪ .‬وقيللل‪:‬‬
‫بميل‪ ،‬وقيل‪ :‬مد البصر‪ .‬وهذه الثلثة أشللبه بمعنللى الحللديث‪ .‬مللات‬
‫معللاذ سللنة ثمللانى عشللرة بالشللام فللى طللاعون عمللواس‪ .‬وقللد‬
‫استخلفه صلى الله عليه وسلم على أهل مكة يللوم الفتللح يعلمهللم‬
‫دينهم‪.‬‬
‫قوله‪) :‬كنت رديف النبى صلى الله عليه وسلم( فيه جللواز الرداف‬
‫على الدابة‪ ،‬وفضيلة معاذ رضى الله عنه‪.‬‬
‫قللوله‪) :‬علللى حمللار( فللى روايللة اسللمه عفيللر‪ ،‬قلللت‪ :‬أهللداه إليلله‬
‫المقوقس صاحب مصر‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬تواض ًللعه صلللى الللله عليلله وسلللم لركللوب الحمللار والرادف‬
‫عليه‪ ،‬خلفا لما عليه أهل الكبر‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪13‬‬

‫قللوله‪) :‬أتلدرى ملا حلق الللله علللى العبللاد( أخلرج السلؤال بصليغة‬
‫الستفهام ليكون أوقع في النفس وأبلللغ فللي فهللم المتعلللم وحللق‬
‫الله على العباد وهو ما يستحقه عليهم وحق العباد على الله معناه‬
‫أنه متحقق ل محالة‪ ،‬لنه وعدهم ذلللك جللزاء لهللم علللى توحيللده ‪:‬‬
‫"وعد الله ل يخلف الله وعده"‪.‬‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام‬
‫وفضل‪ ،‬ليس هو اسللتحقاق مقابلللة‪ ،‬كمللا يسللتحق المخلللوق علللى‬
‫المخلوق‪ ،‬فمن الناس من يقول‪ :‬ل معنى للستحقاق‪ً ،‬إل أنه ً أخللبر‬
‫بذلك ووعده صدق‪ ،‬ولكن أكثر الناس يثبتون اسللتحقاقا زائداً علللى‬
‫هذا‪ ،‬كما دل عليه الكتاب والسنة قللال تعللالى ‪" :‬وكللان حق لا علينللا‬
‫نصر المؤمنين" لكن أهل السنة يقولون‪ :‬هو الذي كتب على نفسه‬
‫الرحمللة وأوجللب علللى نفسلله الحللق‪ ،‬ولللم يللوجبه عليلله مخلللوق‪،‬‬
‫والمعتزلة يللدعون أنلله واجللب عليلله بالقيللاس علللى المخلللوق وأن‬
‫العباد هللم الللذين أطللاعوه بللدون أن يجعلهللم مطيعيللن للله‪ ،‬وأنهللم‬
‫يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب‪ ،‬وغلطللوا فللي ذلللك‪،‬‬
‫وهلذا البلاب غلطللت فيلله الجبريللة والقدريللة أتبللاع جهلم والقدريلة‬
‫النافية‪.‬‬
‫قوله )قلت الله ورسوله أعلم( فيه حسن الدب من المتعلم‪ ،‬وأنله‬
‫ينبغللي لمللن سللئل عمللا ل يعلللم أن يقللول ذلللك‪ ،‬بخلف أكللثر‬
‫المتكلفين‪.‬‬
‫قوله‪) :‬أن يعبدوه ول يشركوا به شيئًا( أي يوحللدوه بالعبللادة‪ .‬ولقللد‬
‫أحسن العلمة ابن القيم رحمه اللله حيلث عللرف العبللادة بتعريلف‬
‫جامع فقال‪:‬‬
‫مع ذل عابده هما قطبان‬
‫ل بالهوى والنفس والشيطان‬

‫وعبادة الرحمن غاية حبه‬
‫ومداره بالمر أمر رسوله‬
‫التجرد‬
‫قوله‪) :‬ول يشركوا به شيئًا( أى يوحدوه بالعبادة‪ ،‬فلبد من‬
‫يكن آتيا ً‬
‫من الشرك فى العبادة‪ ،‬ومن لم يتجرد من الشرك لم‬
‫بعبادة الله وحده‪ ،‬بل هو مشرك قد جعل لله ندًا‪ .‬وهذا معنى قول‬
‫المصنف رحمه الله‪) :‬وفيه أن العبادة هى التوحيد‪ ،‬لن الخصومة‬
‫فيه‪ ،‬وفى بعض الثار اللهية‪ :‬إنى والجن والنس فى نبأ عظيم‪،‬‬
‫أخلق ويعبد غيرى‪ ،‬وأرزق ويشكر سواى‪ ،‬خيري إنى العباد نازل‪،‬‬
‫وشرهم إلى صاعد‪ ،‬أتحبب إليهم بالنعم‪ ،‬ويتبغضون إلى‬
‫بالمعاصى(‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وحق العباد على الله أل يعذب من ل يشرك به شلليئًا( قللال‬
‫الحللافظ‪ :‬اقتصللر علللى نفللي الشللراك لنلله يسللتدعي التوحيللد‬
‫بالقتضاء‪ ،‬ويستدعى إثبات الرسالة باللزوم‪ ،‬إذ مللن كللذب رسللول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم فقد كللذب الللله‪ ،‬ومللن كللذب الللله فهللو‬
‫مشرك وهو مثل قول القللائل‪ :‬ومللن توضللأ صللحت صللته‪ ،‬أى مللع‬
‫سائر الشروط‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫قوله‪) :‬أفل أبشر الناس( فيه استحباب بشارة المسلم بما يسللره‪،‬‬
‫وفيه ما كان عليه الصحابة من الستبشار بمثل هذا‪ .‬قال المصللنف‬
‫رحمه الله‪.‬‬
‫التنللافس‬
‫قوله )ل تبشرهم فيتكلوا( أى يعتمدوا على ذلك‬
‫فيللتركوا أى تحرجا ً‬
‫موته تأثما ً‬
‫فى العمال‪ .‬وفى رواية‪ :‬فأخبر بها معاذ عند‬
‫من الثم‪ .‬قال الوزير أبو المظفر‪ :‬لللم يكللن يكتمهللا إل عللن جاهللل‬
‫يحمله جهللله علللى سللوء الدب بللترك الخدمللة فللى الطاعللة‪ ،‬فأمللا‬
‫الكياس الذين إذا سمعوا بمثللل هللذا زادوا فللى الطاعللة‪ ،‬ورأوا أن‬
‫زيادة النعم تستدعى زيادة الطاعة‪ ،‬فل وجه لكتمانها عنهم‪.‬‬
‫وفى الباب من الفوائد غير ما تقللدم‪ ،‬الحللث علللى إخلص العبللادة‬
‫لله وأنها ل تنفع مللع الشللرك‪ ،‬بللل ل تسللمى عبللادة‪ .‬والتنللبيه علللى‬
‫عظمة حق الوالدين‪ .‬وتحريم عقوقهما‪ .‬والتنبيه على عظمة اليات‬
‫المحكمات فى سورة النعام‪ .‬وجواز كتمان العلم للمصلحة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬أخرجاه( أى البخللارى ومسلللم‪ .‬و البخللارى رحملله الللله هللو‬
‫المللام محمللد ابللن إسللماعيل بللن إبراهيللم بللن بردزبلله الجعفللي‬
‫مولهم‪،‬الحلافظ الكلبير صلاحب الصلحيح والتاريلخ والدب المفلرد‬
‫وغير ذلك من مصنفاته‪ .‬روى عن المام أحمد بن حنبل والحميللدى‬
‫وابن المللدينى وطبقتهللم‪ .‬وروى عنلله مسلللم والنسللائي والترمللذي‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪14‬‬

‫والفربرى رواى الصحيح‪ .‬ولد سنة أربع وتسعين ومائة ومات سللنة‬
‫ست وخمسين ومائتين‪.‬‬
‫ومسلم رحمه الله هو ابن حجاج بن مسلم أبو الحسللين القشلليرى‬
‫النيسابورى صاحب الصحيح والعلل والوجدان وغير ذلللك روى عللن‬
‫أحمد بللن حنبللل ويحيللى بللن معيللن وأبللى خيثمللة وابللن أبللى شلليبة‬
‫وطبقتهللم‪ .‬وروى عللن البخللاري‪ .‬وروى عنهالترمللذي وإبراهيللم بللن‬
‫محمد بن سفيان راوى الصحيح وغيرهما‪ .‬ولد سللنة أربللع ومللائتين‪.‬‬
‫ومات سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور رحمهما الله‪.‬‬

‫باب‬
‫بيان فضل التوحيد وما يكفر من‬
‫الذنوب‬
‫قوله‪) :‬باب بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب( ‪:‬‬
‫باب خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا )قلت( ويجللوز أن يكللون مبتللدأ‬
‫خبره محذوف تقديره هذا‪ .‬و ما يجللوز أن تكللون موصللولة والعللائد‬
‫محللذوف‪ ،‬أي وبيللان الللذي يكفللره مللن الللذنوب‪ ،‬ويجللوز أن تكللون‬
‫مصدرية‪ ،‬أي وتكفيره الذنوب‪ ،‬وهذا الثانى أظهر‪.‬‬
‫قموله‪) :‬وقمول اللمه تعمالى‪" :‬المذين آمنموا ولمم يلبسموا‬
‫إيمانهم بظلم أولئك لهم المن وهم مهتدون"( ‪:‬‬
‫قال ابن جرير‪ :‬حدثنى المثنللى ‪ -‬وسللاق بسللنده ‪ -‬عللن الربيللع ابللن‬
‫أنس قال‪ :‬اليمان الخلص لله وحده‪.‬‬
‫الية‪ :‬أى هؤلء الذين أخلصوا العبادة لله وحللده‬
‫وقال ابن كثير فى‬
‫ولم يشركوا به شيئا ً هم المنون يوم القيامة‪ ،‬المهتدون فى الللدنيا‬
‫والخرة‪ .‬وقال زيد بن أسلم وابن إسحاق‪ :‬هذا من الله على فصل‬
‫القضاء بين إبراهيم وقومه‪.‬‬
‫وعن ابن مسللعود‪) :‬لمللا نزلللت هللذه اليللة قللالوا‪ :‬فأينللا لللم يظلللم‬
‫نفسه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬ليس بذلكم‪ ،‬ألللم‬
‫تسمعوا إلى قول لقمان‪" :‬إن الشرك لظلم عظيم" (‪.‬‬
‫وساقه البخارى بسنده فقال "حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا‬
‫أبي حدثنا العمش حدثنى إبراهيم عن علقمة عن عبد الللله رضللي‬
‫الله عنه قال‪ :‬لما نزلت‪" :‬الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمللانهم بظلللم"‬
‫قلنا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أينا ل يظلم نفسه ؟ قال‪ :‬ليللس كمللا تقولللون‪،‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪15‬‬

‫لم يلبسوا إيمانهم بظلم‪ ،‬بشرك‪ .‬أو لم تسمعوا إلللى قللول لقمللان‬
‫لبنه‪ " :‬يا بني ل تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " "‪.‬‬
‫ولحمد بنحوه عن "عبد الله قال‪ ) :‬لمللا نزلللت "الللذين آمنللوا ولللم‬
‫يلبسوا إيمانهم بظلم" شق ذلك على أصللحاب رسللول الللله صلللى‬
‫الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله‪ :‬فأينا ل يظلم نفسلله ؟ قللال‪:‬‬
‫إنه ليس الذى تعنون‪ .‬ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح‪ " :‬يا بني ل‬
‫تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " إنمللا هللو الشللرك( "‪ .‬وعللن‬
‫عمر أنه فسره بالللذنب‪ .‬فيكللون المعنللى‪ :‬المللن مللن كللل عللذاب‪.‬‬
‫وقال الحسن والكلبي‪ :‬أولئك لهم المن‪ ،‬فى الخرة‪ ،‬وهم مهتدون‬
‫فى الدنيا‪.‬‬
‫قللال شلليخ السلللم‪ :‬والللذى شللق عليهللم أنهللم ظنللوا أن الظللالم‬
‫المشروط عدمه هو ظلم العبد نفسلله‪ ،‬وأنلله ل أمللن ول اهتللداء إل‬
‫لمن لم يظلم نفسه‪ ،‬فبين لهم النللبى صلللى الللله عليلله وسلللم مللا‬
‫دلهللم علللى أن الشللرك ظلللم فللى كتللاب الللله‪ ،‬فل يحصللل المللن‬
‫وإلهتداء إل لمن يلبللس إيمللانه بهللذا الظلللم‪ ،‬فللإن مللن لللم يلبللس‬
‫إيمانه بهذا الظلم كان من أهل المن والهتداء‪ ،‬كما كان مللن أهللل‬
‫الصطفاء فى قوله‪" :‬ثم أورثنا الكتاب الذين اصللطفينا مللن عبادنللا‬
‫فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهللم سللابق بللالخيرات بللإذن‬
‫الله ذلك هو الفضل الكبير" وهذا ل ينفى أن يؤاخذ أحدهم بظلملله‬
‫لنفسه بذنب إذا لم يتب كما قال تعالى‪ " ، :‬فمن يعمل مثقال ذرة‬
‫خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " وقد " سأل أبللو بكللر‬
‫الصديق رضى الله عنلله النللبى صلللى الللله عليلله وسلللم فقللال‪ :‬يللا‬
‫رسول الله‪ ،‬أينا لم يعمل سوءا ً ؟ فقال‪ :‬يا أبا بكر ألست تنصللب ؟‬
‫ألست تحزن ؟ أليس يصيبك اللواء ؟ فذلك ما تجللزون بلله" فللبين‬
‫أن المللؤمن إذا مللات دخللل الجنللة قللد يجللزى بسلليئاته فللى الللدنيا‬
‫بالمصائب‪ .‬فمن سلم من أجناس الظلللم الثلثللة‪ :‬الشللرك‪ ،‬وظلللم‬
‫العبللاد‪ .‬وظلملله لنفسلله بمللا دون الشللرك‪ .‬كللان للله المللن التللام‬
‫والهتداء التام‪ .‬ومن لم يسللم ملن ظلمله لنفسلله كلان للله الملن‬
‫والهتداء المطلق‪ .‬بمعنى أنه لبد أن يدخل الجنة كمللا وعللد بللذلك‬
‫فى الية الخرى‪ :‬وقللد هللداه الللله إلللى الصللراط المسللتقيم الللذى‬
‫تكون عاقبته فيه إلى الجنة‪ .‬ويحصل له من نقص المللن والهتللداء‬
‫بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه وليس مراد النللبى صلللى‬
‫الله عليه وسلم بقوله إنما هو الشرك أن من لللم يشللرك الشللرك‬
‫الكبر يكون له المن التام والهتداء التام‪ .‬فإن أحاديثه الكثيرة مللع‬
‫نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف‪ ،‬لللم يحصللل‬
‫لهم المن التام والهتداء التام اللللذين يكونللون بهمللا مهتللدين إلللى‬
‫الصراط المستقيم‪ ،‬صراط الذين أنعم الله عليهم‪ ،‬من غير عللذاب‬
‫يحصل لهم‪ .‬بل معهم أصل الهتداء إلى هذا الصراط‪ ،‬ومعهم أصل‬
‫نعمة الله عليهم ولبد لهم من دخول الجنة‪ .‬وقوله إنما هو الشرك‬
‫إن أراد الكبر‪ ،‬فمقصوده أن من لم يكن من أهللله فهللو آمللن ممللا‬
‫وعد بلله المشلركون ملن علذاب اللدنيا والخللرة‪ .‬وإن كلان مللراده‬
‫جنس الشرك‪ .‬يقال ظلم العبد نفسلله‪،‬كبخللله لحللب المللال ببعللض‬
‫الواجب ‪ -‬هو شرك أصغر‪ .‬وحبه ما يبغضه الله تعللالى حللتى يقللدم‬
‫هواه على محبة الله الشرك أصغر ونحو ذلك‪ .‬فهذا فاته من المن‬
‫والهتداء بحسللبه‪ .‬ولهللذا كل ًلان السلللف يللدخلون الللذنوب فللى هللذا‬
‫الشرك بهذا العتبار ملخصا‪.‬‬
‫وقال ابن القيم رحمه الله‪ :‬قوله‪" :‬الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم‬
‫بظلم أولئك لهم المن وهم مهتدون" قال الصحابة‪ :‬وأينا يا رسول‬
‫الله لم يلبس إيمانه بظلم ؟ قال‪ :‬ذلك الشرك‪ .‬ألم تسللمعوا قللول‬
‫العبد الصالح "إن الشرك لظلم عظيم" لملا أشلكل عليهلم الملراد‬
‫بالظلم فظنوا أن ظلم النفس داخل فيه‪.‬‬
‫وأن من ظلم نفسه أى ظلم كان لم يكن آمن لا ً ول مهتللديًا‪ .‬أجللابهم‬
‫صلوات الله وسلمه عليه بأن الظلم الرافع للمللن والهدايللة علللى‬
‫الطلق هو الشرك‪ .‬وهذا والله هو الجللواب‪ ،‬الللذى يشللفي العليللل‬
‫ويروي الغليل‪ .‬فإن الظللم المطللق التللام هلو الشلرك‪ .‬الللذى هللو‬
‫وضع العبادة فى غير موضعها‪ .‬والمن والهدى المطلق‪ :‬هما الملن‬
‫فى الدنيا والخرة‪.‬‬
‫والهدى إلى الصراط المستقيم‪ .‬فالظلم المطلق التام ً رافع للمللن‬
‫والهتداء المطلق التام‪ .‬ول يمنع أن يكون الظلم مانعا من مطلللق‬
‫ومطلق الهدى‪ .‬فتأمله‪ .‬فالمطلق للمطلق‪ ،‬والحصة للحصللة‬
‫المن‬
‫ا ه ملخصًا‪.‬‬
‫وقوله‪") :‬عن عبادة بن الصممامت رضممي اللممه عنممه قممال‪:‬‬
‫مهد أن ل‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسمملم‪ :‬ممن شم‬
‫إلممه إل اللممه وحممده ل شممريك لممه‪ ،‬وأن محمممدا ً عبممده‬
‫ورسوله‪ ،‬وأن عيسى عبد اللممه ورسمموله وكلمتممه ألقاهمما‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪16‬‬

‫إلى مريم وروح منه‪ .‬والجنة حق‪ ،‬أدخله الله الجنة علممى‬
‫ما كان من العمل "‪ .‬أخرجاه(‪:‬‬
‫عبادة بن الصامت بن قيس النصارى الخزرجللى‪ ،‬أبللو الوليللد‪ ،‬أحللد‬
‫النقباء بدرى مشهور مات بالرملللة سللنة أربللع وثلثيللن وللله اثنتللان‬
‫وسبعون سنة‪ ،‬وقيل‪ :‬عاش إلى خلفة معاوية رضى الله عنه‪.‬‬
‫الله( أى من تكلم بهللا عارفلا ً لمعناهللا‪،‬‬
‫قوله )من شهد أن ل إله إل‬
‫عامل ً بمقتضاها‪ ،‬باطنا ً وظللاهرًا‪ ،‬فلبللد فللى الشللهادتين مللن العلللم‬
‫واليقين والعمل بمدلولها‪ ،‬كما قال الله تعالى‪" :‬فاعلم أنه ل إله إل‬
‫الله" وقوله ‪" :‬إل من شهد بالحق وهم يعلمون" أما النطق بها من‬
‫غير معرفة لمعناها ول يقين ول عمل بما تقتضيه‪ :‬من البراءة مللن‬
‫الشللرك‪ ،‬وإخلص القللول والعمللل‪ :‬قللول القلللب واللسللان وعمللل‬
‫القلب والجوارح ‪ -‬فغير نافع بالجماع‪.‬‬
‫قال القرطبى فى المفهم على صحيح مسلم‪ :‬باب ل يكفى مجللرد‬
‫التلفظ بالشهادتين بل لبللد مللن اسللتيقان القلللب ‪ -‬هللذه الترجمللة‬
‫تنللبيه علللى فسللاد مللذهب غلة المللرجئة‪ ،‬القللائلين بللأن التلفللظ‬
‫بالشللهادتين كللاف فللى اليمللان‪ .‬وأحللاديث هللذا البللاب تللدل علللى‬
‫فساده‪ .‬بل هلو مللذهب معلللوم الفسلاد ملن الشللريعة لملن وقلف‬
‫عليها‪ .‬ولنه يلزم منلله تس ًللويغ النفللاق‪ ،‬والحكللم للمنللافق باليمللان‬
‫الصحيح‪ .‬وهو باطل قطعا ا هل‪.‬‬
‫وفى هذا الحديث ما يللدل علللى هللذا‪ .‬وهللو قللوله‪ :‬مللن شللهد فللإن‬
‫الشهادة ل تصح إل إذا كانت عن علم ويقين وإخلص وصدق‪.‬‬
‫قال النووي‪ :‬هذا حديث عظيم جليل الموقللع‪ ،‬وهللو أجمللع ‪ -‬أو مللن‬
‫أجمع ‪ -‬الحاديث المشللتملة علللى العقللائد‪ .‬فللإنه صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم جمع فيه ما يخرج من ملللل الكفللر علللى اختلف عقللائدههم‬
‫وتباعدها‪ .‬فاقتصر صلى الله عليه وسلم فى هذه الحرف على مللا‬
‫يباين جميعهم ا هل‪.‬‬
‫ومعنى ل إله إل الله ل معبود بحق إل الله‪ .‬وهو فى غير موضع من‬
‫القللرآن‪ ،‬ويأتيللك فللى قللول البقللاعى صللريحا قللوله )وحللده( تأكيللد‬
‫للثبات )ل شريك له( تأكيد للنفى‪ .‬قال الحافظ‪ :‬كمللا قللال تعللالى‪:‬‬
‫"وإلهكم إللله واحللد ل إللله إل هللو الرحمللن الرحيللم" وقللال‪ " :‬ومللا‬
‫أرسلنا من قبلك من رسول إل ًنوحي إليه أنه ل إله إل أنا فاعبدون‬
‫" وقال‪" :‬وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من‬
‫إله غيره" فأجابوه ردا ً عليه بقولهم‪ " :‬أجئتنا لنعبد الله وحده ونللذر‬
‫ما كان يعبد آباؤنا " وقال تعالى‪ " :‬ذلك بأن الله هو الحللق وأن مللا‬
‫يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير "‪.‬‬
‫فتضمن ذلك نفى اللهية عما سوى الله‪ ،‬وهي العبادة‪ .‬وإثباتها لللله‬
‫وحده ل شريك له‪ ،‬والقرآن من أوله إلى آخللره يللبين هللذا ويقللرره‬
‫ويرشد إليه‪.‬‬
‫فالعبادة بجميع أنواعها إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع‬
‫والتذلل رغبا ً ورهبًا‪ ،‬وهذا كله ل يستحقه إل الله تعالى‪ً ،‬كمللا تقللدم‬
‫الباب وما قبله‪ .‬فمن صرف من ذلك شلليئا لغيللر الللله‬
‫فى أدلة هذا‬
‫فقد جعله لله ندًا‪ ،‬فل ينفعه مع ذلك قول ول عمل‪.‬‬
‫الفصللاح‪:‬‬
‫قد تقدم كلم ابن عباس‪ ،‬وقال الوزير أبو المظفللر فللى‬
‫قوله‪ :‬شهادة أن ل إله إل الله يقتضى أن يكون الشاهد عالما ً بللأنه‬
‫ل إله إل الله‪ ،‬كما قللال تعللالى‪" :‬فللاعلم أنلله ل إللله إل الللله" قللال‪:‬‬
‫واسم )الله( بعد )إل( من حيث أنه الواجب له اللهية‪ ،‬فل يستحقها‬
‫غيره سبحانه‪ .‬قللال‪ :‬وجملللة الفللائدة فللى ذلللك‪ :‬أن تعلللم أن هللذه‬
‫الكلمة مشتملة على الكفر بالطللاغوت واليمللان بللالله‪ ،‬فإنللك لمللا‬
‫نفيت اللهية وأثبت اليجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطللاغوت‬
‫وآمن بالله‪.‬‬
‫وقال ابن القيم فى البدائع ردا ً لقول من قال‪ :‬إن المستثنى مخرج‬
‫من المستثنى منه‪ .‬قال ابن ً القيم‪ :‬بللل هللو مخللرج مللن المسللتثنى‬
‫منه وحكمه‪ ،‬فل يكون داخل فى المسللتثنى‪ ،‬إذ لللو كللان كللذلك لللم‬
‫يدخل الرجل فى السلم بقوله‪ :‬ل إله إل الله لنه لم يثبت اللهيللة‬
‫لله تعالى‪ .‬وهذه أعظللم كلمللة تضلمنت بالوضلع نفلى اللهيللة عملا‬
‫سوى الله وإثباتها له بوصف الختصاص‪ .‬فدللتها على إثبات إلهيته‬
‫أعظم من دللة قولنا‪) :‬الله إله( ول يستريب أحللد فللى هللذا البتللة‪.‬‬
‫انتهى بمعناه‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪17‬‬

‫وقال أبو عبللد الللله القرطللبي فللى تفسلليره )ل إللله إل الللله( أى ل‬
‫معبود إل هو‪ .‬وقال الزمخشرى‪ :‬الله من أسماء الجناس‪ .‬كالرجل‬
‫والفرس‪ ،‬يقع على كل معبود بحق أو باطل‪ ،‬ثم غلب على المعبود‬
‫بحق‪.‬‬
‫وقللال شلليخ السلللم‪ :‬الللله هللو المعبللود المطللاع‪ ،‬فللإن الللله هللو‬
‫المألوه‪ ،‬والمألوه هو الذى يستحق أن يعبد‪ .‬وكونه يستحق أن يعبد‬
‫هو بما اتصف به من الصفات التى تستلزم أن يكون هو المحبللوب‬
‫غايللة الحللب‪ ،‬المخضللوع للله غايللة الخضللوع‪ ،‬قللال‪ :‬فللإن الللله هللو‬
‫المحبوب المعبود الذى تألهه القلوب بحبها‪ ،‬وتخضللع لله وتللذل للله‪،‬‬
‫وتخافه وترجوه‪ ،‬وتنيب إليه فللى شللدائدها‪ ،‬وتللدعوه فللى مهماتهللا‪،‬‬
‫وتتوكل عليه فى مصالحها‪ ،‬وتلجأ إليه وتطمئن بذكره‪ ،‬وتسكن إلى‬
‫حبه‪ ،‬وليس ذلك إل لله وحده‪ ،‬ولهذا كانت )ل إللله إل الللله( أصللدق‬
‫الكلم‪ ،‬وكان أهلها أهل الله وحزبه‪ ،‬والمنكرون لهللا أعللداءه وأهللل‬
‫غضبه ونقمته‪ ،‬فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق‪ ،‬وإذا لم‬
‫يصححها العبد فالفساد لزم له فى علومه وأعماله‪.‬‬
‫محبة وإجلل ً وإنابة‪،‬‬
‫تألهه القلوب‬
‫وقال ابن القيم‪) :‬الله( هو الذى‬
‫وتوك ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وإكراما ً وتعظيما ً وذل ً وخضوعا ً وخوفا ً ورجاء‬
‫وقال ابن رجب‪) :‬الله( هو الذى يطاع فل يعصى‪ ،‬هيبة للله وإجل ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ومحبة وخوفا ً ورجاء‪ ،‬وتوكل ً عليه‪ ،‬وسؤال ً منه ً ودعاء له‪ ،‬ول يصلللح‬
‫شللئ مللن هللذه‬
‫هذا كله إل الله عز وجل‪ ،‬فمن أشرك مخلوقا فللى‬
‫المور التي هي من خصائص اللهية كان ذلللك قللدحا ً فللي إخلصلله‬
‫فى قول )ل إله إل الله( وكان فيلله مللن عبوديللة المخلللوق بحسللب‬
‫مافيه من ذلك‪.‬‬
‫وقال البقاعي‪ :‬ل إللله إل الللله‪ ،‬أى انتفللاء عظيملا ً أن يكللون معبللود‬
‫بحق غير الملك العظم‪ ،‬فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية‬
‫أهوال الساعة‪ ،‬وإنما يكلون علملا ً إذا كلان نافعلًا‪ ،‬وإنملا يكللون‬
‫من‬
‫نافع لا ً إذا كللان مللع الذعللان والعمللل بمللا تقتضلليه‪ ،‬وإل فهللو جهللل‬
‫صرف‪.‬‬
‫وقللال الطيللبي‪) :‬الللله( فعللال بمعنللى مفعللول‪ ،‬كالكتللاب بمعنللى‬
‫المكتوب‪ ،‬من أله إلهة أى عبد عبادة‪ .‬قال الشارح‪ :‬وهذا كثير فللى‬
‫كلم العلماء وإجماع منهم‪.‬‬
‫فدلت )ل إله إل الله( على نفي اللهية عن كل ما سوى الله تعالى‬
‫كائنا ً ما كان‪ ،‬وإثبات اللهية لله وحده دون كل ما سواه‪ ،‬و هذا هللو‬
‫التوحيد الذى دعت إليه الرسللل ودل عليلله القللرآن مللن أوللله إلللى‬
‫آخره‪ ،‬كما قال تعالى عن الجن‪ " :‬قل أوحي إللي أنله اسلتمع نفلر‬
‫من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا بلله‬
‫ولللن نشللرك بربنللا أحللدا " فل إللله إل الللله ل تنفللع إل مللن عللرف‬
‫مدلولها نفيا ً وإثباتًا‪ ،‬واعتقد ذلك وقبله وعمللل بلله‪ .‬وأمللا مللن قالهللا‬
‫من غير علم واعتقاد وعمل‪ ،‬فقد تقللدم فللى كلم العلمللاء أن هللذا‬
‫جهل صرف‪ ،‬فهى حجة عليه بل ريب‪.‬‬
‫فقوله فى الحديث وحده ل شريك له تأكيد وبيان لمضمون معناها‪.‬‬
‫وقد أوضح الله ذلك وبينه فى قصص النبياء والمرسلين في كتللابه‬
‫المبين‪ ،‬فما أجهل عباد القبور بحالهم ! وما أعظللم مللا وقعللوا فيلله‬
‫الله ! فللإن مشللركي‬
‫من الشرك المنافى لكلمة الخلص ل إله إل‬
‫العللرب ونحللوهم جحللدوا ً ل إللله إل الللله لفظللا ً ومعنللى‪ .‬وهللؤلء‬
‫المشركون أقروا بها لفظا وجحدوها معنللى‪ ،‬فتجللد أحللدهم يقولهللا‬
‫وهللو يللأله غيللر الللله بللأنواع العبللادة‪ ،‬كللالحب والتعظيللم‪ ،‬والخللوف‬
‫والرجاء والتوكل والللدعاء‪ ،‬وغيللر ذلللك مللن أنللواع العبللادة‪ .‬بللل زاد‬
‫شركهم على شرك العرب بمراتب‪ ،‬فإن أحدهم إذا وقع فى شللدة‬
‫أخلص الدعاء لغير الله تعالى‪ ،‬ويعتقدون أنه أسرع فرجا ً من الللله‪،‬‬
‫بخلف حال المشركين الولين‪ ،‬فإنهم يشركون فللي الرخللاء‪ ،‬وأمللا‬
‫في الشدائد فإنما يخلصلون لللله وحلده‪ ،‬كملا قلال تعلالى ‪ " :‬فلإذا‬
‫ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى الللبر‬
‫إذا هم يشركون " الية‪ .‬فبهذا يتبين أن مشركي أهل هذه الزمللان‬
‫أجهل بالله وبتوحيده من مشركي العرب ومن قبلهم‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬وأن محمدا ً عبده ورسوله( أي وشهد بذلك‪ ،‬وهو معطللوف‬
‫على ما قبله على نية تكللرار العامللل‪ ،‬ومعنللى العبللد هنللا المملللوك‬
‫العابد‪ ،‬أي أنه مملوك لله تعللالى‪ .‬والعبوديللة الخاصللة وصللفه‪ ،‬كمللا‬
‫قال تعالى‪" :‬أليس الله بكاف عبده" فأعلى مراتب العبد العبوديللة‬
‫الخاصة والرسالة فالنبى صلى الله عليه وسلم أكمللل الخلللق فللى‬
‫هاتين الصفتين الشريفتين‪ .‬وأما الربوبيللة واللهيلة فهملا حلق الللله‬
‫تعالى‪ ،‬ل يشللركه فللى شللئ منهمللا ملللك مقللرب ول نللبى مرسللل‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪18‬‬

‫وقوله‪ :‬عبده ورسوله أتى بهاتين الصفتين وجمعهما دفعا ً‬
‫للفللراطً‬
‫والتفريط‪ ،‬فإن كثيرا ً ممن يدعى أنه من أمتلله أفللرط بللالغلو قللول‬
‫وعم ً‬
‫ل‪ ،‬وفرط بترك متابعته‪ ،‬واعتمد على الراء المخالفة لمللا جللاء‬
‫بله‪ ،‬وتعسلف فلى تأويلل أخبلاره وأحكلامه‪ ،‬بصلرفها علن‬
‫ملدلولهاً‬
‫والصدوف عن النقيللاد لهللا مللع إطراحهللا فللإن شللهادة أن محمللدا‬
‫رسول الله تقتضى اليمان به وتصديقه فيمللا أخللبر‪ ،‬وطللاعته فيمللا‬
‫أمر‪ ،‬والنتهاء عما ًعنه نهى وزجر‪ ،‬وأن يعظم أمره ونهيه‪ ،‬ول يقدم‬
‫عليه قول أحد كائنا من كان‪ .‬والواقع اليوم وقبللله ‪ -‬ممللن يتنسللب‬
‫إلى العلم من القضللاة والمفللتين ‪ -‬خلف ذلللك‪ ،‬والللله المسللتعان‪.‬‬
‫وروى الدارمى فى مسنده عن "عبد الله بن سلم رضى الله عنلله‬
‫أنه كان يقول‪ :‬إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬إنا‬
‫أرسلللناك شللاهدا ً ومبشللرا ً ونللذيرا ً وحللرزا ً للمييللن‪ ،‬أنللت عبللدي‬
‫ورسللولي‪ ،‬سللميته المتوكللل‪ ،‬ليللس بفللظ ول غليللظ‪ ،‬ول صللخاب‬
‫بالسللواق‪ ،‬ول يجللزى بالسلليئة مثلهللا‪ ،‬ولكللن يعفللو ويتجللاوز‪ ،‬ولللن‬
‫يشهد أن ل إله إل الله‪ ،‬يفتللح‬
‫أقبضه حتى يقيم الملة المتعوجة بأن‬
‫به أعينلا ً عميلا ً وآذانلا ً صللما ً وقلوبلا ً غلفلا ً ً " قللال عطللاء بللن يسللار‪:‬‬
‫وأخبرنى أبو واقد الليثى أنله سلمع كعبلا يقللول مثلل ملا قللال ابلن‬
‫سلم‪.‬‬
‫قللوله‪) :‬وأن عيسللى عبللد الللله ورسللوله( أى خلفللا ً لمللا يعتقللده‬
‫النصارى أنه الله أو ابن الله‪ ،‬أو ثالث ثلثة‪ .‬تعالى الله عما يقولون‬
‫علوا ً كبيرا ً ‪" :‬ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله" فل بللد أن‬
‫يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله على علللم ويقيللن بللأنه مملللوك‬
‫لله‪ ،‬خلقه من أنثى بل ذكر‪ ،‬كما قال تعالى‪" :‬إن مثل عيسللى‬
‫عنللدً‬
‫الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكللون" فليللس رب لا‬
‫ول إلهًا‪ .‬سبحان الله عما يشركون‪ .‬قال تعالى ‪ " - :‬فأشللارت إليلله‬
‫قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتللاني‬
‫الكتللاب وجعلنللي نبيللا * وجعلنللي مباركللا أيللن مللا كنللت وأوصللاني‬
‫بالصلة والزكاة ما دمت حيللا * وبللرا بوالللدتي ولللم يجعلنللي جبللارا‬
‫شقيا * والسلم علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا * ذلك‬
‫عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيلله يمللترون * مللا كللان لللله أن‬
‫يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقللول للله كللن فيكللون *‬
‫هلذا صلراط مسلتقيم " وقلال‪" :‬للن‬
‫وإن الله ربي وربكم فاعبدوه‬
‫يستنكف المسيح أن يكون عبدا ً لللله ول الملئكللة المقرب ًللون ومللن‬
‫يستنكف عن عبادته ويسلتكبر فسيحشلرهم إليله جميعلا " ويشلهد‬
‫المؤمن أيضا ً ببطلن قول أعدائه اليهود‪ :‬أنه ولد بغى‪ ،‬لعنهللم الللله‬
‫إسلم أحد علم مللا كللانوا يقولللونه حللتى يللبرأ مللن‬
‫تعالى‪ .‬فل يصح‬
‫قول الطائفتين جميعا ً في عيسى عليه السلم‪ ،‬ويعتقد ما قاله الله‬
‫تعالى فيه‪ :‬أنه عبد الله ورسوله‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وكلمته( إنما سمى عيسى عليه السلم كلمة لوجوده بقوله‬
‫تعالى‪ :‬كن كما قاله السلف من المفسرين‪ .‬قال المام أحمللد فللى‬
‫الرد على الجهمية بالكلمة التى ألقاها إلى مريم حين قال للله كللن‬
‫كن ولكن بكن كان‪ .‬فكللن مللن‬
‫فكان عيسى بكن وليس عيسى هو‬
‫الله تعالى قول‪ ،‬وليللس كللن مخلوق لًا‪ ،‬وكللذب النصللارى والجهميللة‬
‫على الله فى أمر عيسى انتهى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ألقاها إلى مريم( قال ابن كثير‪ :‬خلقه بالكلمة الللتى أرسللل‬
‫بها جبريل إلى مريم فنفخ فيها من روحه بأمر ربه عز وجل‪ :‬فكان‬
‫عيسى بإذن الله عز وجل‪ ،‬فهو ناشىء علن الكلملة اللتي قلال لله‬
‫كن فكان والروح التى أرسل بها‪ :‬هو جبريل عليه السلم‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬وروح منه( قال أبللى بللن كعللب‪ :‬عيسللى روح مللن الرواح‬
‫التى خلقها الله تعالى واستنطقها بقوله‪" :‬ألست بربكم قالوا بلى"‬
‫بعثه الله إلى مريم فدخل فيها رواه عبد بن حميللد وعبللد الللله بللن‬
‫أحمد فى زوائد المسند‪ ،‬وابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهللم‪ .‬قللال‬
‫الحافظ‪ :‬ووصفه بأنه منه‪ ،‬فالمعنى أنه كلائن منله‪ ،‬كملا فلى قلوله‬
‫تعالى‪ " :‬وسخر لكم ما في السماوات وما في الرض جميعللا منلله‬
‫" فالمعنى أنه كائن منه‪ ،‬كما أن معنى الية الخرى أنه سخر هللذه‬
‫الشياء كائنة منه أي أنه مكون ذلك وموجده بقدرته وحكمته‪.‬‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنللى ل يقللوم‬
‫بنفسه ول بغيره من المخلوقات وجب أن يكللون صللفة لللله تعللالى‬
‫قائمة به‪ ،‬وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب‪ .‬وإذا كان‬
‫المضاف عينا ً قائمة بنفسها كعيسى وجبريل عليهما السلم وأرواح‬
‫بني آدم امتنع أن تكون صفة لله تعالى‪ ،‬لن ما قام بنفسه ل يكون‬
‫صفة لغيره‪.‬‬
‫لكن العيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن تضاف إليه لكونه خلقها وأبلدعها‪ ،‬فهلذا شلامل لجميلع‬
‫المخلوقات‪ ،‬كقولهم‪ :‬سماء الللله‪ ،‬وأرض الللله‪ .‬فجميللع المخلللوقين‬
‫عبيد الله‪ ،‬وجميع المال مال الله‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪19‬‬

‫الوجه الثانى‪ :‬أن يضاف إليه لما خصه به من معنى يحبه ويأمر بلله‬
‫ويرضاه‪ ،‬كما خص الللبيت العللتيق بعبللادة فيلله ل تكللون فلى غيللره‪.‬‬
‫وكما يقال فى مال الخمس والفىء‪ :‬هو مال الللله ورسللوله‪ .‬ومللن‬
‫هذا الوجه‪ :‬فعباد الله هم الذين عبدوه وأطاعوا أمره‪ .‬فهذه إضافة‬
‫ألوهيته وشرعه ودينه‪ ،‬وتلك إضافة تتضمن ربوبيته وخلقه‪.‬‬
‫تتضمن‬
‫ا‪ .‬ه ملخصًا‪.‬‬
‫قوله‪) :‬والجنة حق والنار حق( أى وشهد أن الجنللة الللتى أخللبر بهللا‬
‫الله تعالى فى كتابه أنه أعدها للمتقين حق‪ ،‬أى ثابتة ل شك فيهللا‪،‬‬
‫وشهد أن النار التى أخبر بها تعالى فى كتابه أنلله أعللدها للكللافرين‬
‫حق كذلك ثابتة‪ ،‬كما قال تعالى‪ " :‬سابقوا إلللى مغفللرة مللن ربكللم‬
‫وجنة عرضللها كعللرض السللماء والرض أعللدت للللذين آمنللوا بللالله‬
‫ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والللله ذو الفضللل العظيللم "‬
‫وقال تعالى‪ " :‬فاتقوا النار الللتي وقودهللا النللاس والحجللارة أعللدت‬
‫للكافرين " وفللى اليللتين ونظائرهمللا دليللل علللى أن الجنللة والنللار‬
‫مخلوقتان الن‪ ،‬خلفا للمبتدعة‪ .‬وفيهما اليمان بالمعاد‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬أدخله الله الجنة على مللا كللان مللن العمللل( هللذه الجملللة‬
‫جواب الشرط وفى رواية‪ :‬أدخله الله من أى أبواب الجنة الثمانيللة‬
‫شاء‪ .‬قال الحافظ‪ :‬معنى قوله‪ :‬على مللا كللان مللن العمللل أى مللن‬
‫صلللح أو فسللاد‪ ،‬لن أهللل التوحيللد لبللد لهللم مللن دخللول الجنللة‪،‬‬
‫ويحتمل أن يكون معنى قوله‪ :‬على ما كللان مللن العمللل أن يللدخله‬
‫الجنه على حسب أعمال كل منهم فى الدرجات‪.‬‬
‫قال القاضى عياض‪ :‬ما ورد فى حديث عبادة يكون مخصوصا ً لمن‬
‫قال ما ذكللره صلللى الللله عليلله وسلللم وقللرن بالشللهادتين حقيقللة‬
‫اليمان والتوحيد الذي ورد في حديثه فيكون له من الجر ما يرجح‬
‫على سيئاته ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لول وهلة‪.‬‬
‫قال‪) :‬ولهما في حديث عتبان فإن الله حرم علممى النممار‬
‫من قال ل إله إل الله يبتغي بذلك وجه الله( ‪:‬‬
‫قوله‪) :‬ولهما( أي البخاري ومسلللم فللي صللحيحيهما بكمللاله‪ .‬وهللذا‬
‫طرف من حديث طويل أخرجه الشيخان‪.‬‬
‫وعتبان بكسر المهملة بعدها مثناة فوقية ثم موحدة‪ ،‬ابن مالك بللن‬
‫عمرو بن العجلن النصاري‪ ،‬مللن بنللى سللالم بللن عللوف‪ ،‬صللحابي‬
‫مشهور‪ ،‬مات فى خلفة معاوية‪.‬‬
‫وأخرج البخاري فى صحيحه بسنده "عن قتادة قال‪ :‬حدثنا أنس بن‬
‫مالك أن النبي صلى الله عليلله وسلللم ومعللاذ رديفلله علللى الرحللل‬
‫قال‪ :‬يا معاذ‪ ،‬قال‪ :‬لبيك يا رسللول الللله وسللعديك‪ .‬قللال‪ :‬يللا معللاذ‪،‬‬
‫وسللعديك‪ .‬قللال‪ :‬يللا معللاذ‪ ،‬قللال‪ :‬لبيللك يللا‬
‫قال لبيك يا رسول الللله‬
‫قال‪ :‬ما من أحللد يشللهد أن ل إللله إل‬
‫وسعديك ‪ -‬ثلثا ً ‪-‬‬
‫رسول الله‬
‫ً‬
‫الله وأن محمدا ً رسول الله صدقا من قلبلله إل حرملله الللله تعللالى‬
‫النللاس فيستبشللروا ؟‬
‫على النار‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول الله أفل أخللبر بلله‬
‫وساق بسند آخر‪:‬‬
‫قال‪ :‬إذا ً يتكلوا‪ ،‬فأخبر بها معاذ عند موته تأثما ً "‪.‬‬
‫ً‬
‫"حدثنا معتمر قال‪ :‬سمعت أبي‪ ،‬قال‪ :‬سمعت أنسا قال‪ :‬ذكللر لللي‬
‫أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ ابن جبل‪ :‬من لقى الللله‬
‫ل يشرك به شيئا دخل الجنة‪ .‬قال‪ :‬أل أبشر الناس ؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬إنللى‬
‫أخاف أن يتكلوا "‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فتبين بهللذا السللياق معنللى شللهادة أن ل إللله إل الللله‪ ،‬وأنهللا‬
‫تتضمن ترك الشرك لمن قالها بصدق ويقين وإخلص‪.‬‬
‫ونحوه أنها فيمللن قالهللا‬
‫قال شيخ السلم وغيره‪ :‬فى هذا الحديث‬
‫ومات عليها‪ ،‬كما جاءت مقيدة بقوله‪ :‬خالصا ً مللن قلبلله غيللر شللاك‬
‫فيها بصدق ويقين فللإن حقيقللة التوحيللد انجللذاب ًالللروح إلللى الللله‬
‫تعالى جملة‪ ،‬فمن شللهد أن ل إللله إل الللله خالصلا ملن قلبلله دخللل‬
‫الجنة‪ ،‬لن الخلص هو ًانجذاب القلب إلى الللله تعللالى بللأن يتللوب‬
‫من الذنوب توبة نصوحا‪ ،‬فإذا مات على تلك الحال نلال ذلللك فللإنه‬
‫قد تواترت الحاديث بأنه "يخرج من النار من قللال ل إللله إل الللله‪،‬‬
‫وكان فى قلبه من الخير ما يزن شعيرة‪ ،‬وما يزن خردلة‪ ،‬وما يزن‬
‫ذرة" وتواترت بأن كثيرا ً ممن يقول ل إله إل الللله يللدخل النللار ثللم‬
‫يخرج منها‪ ،‬وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السللجود‬
‫من ابن آدم‪ ،‬فهؤلء كللانوا يصلللون ويسللجدون لللله‪ ،‬وتللواترت بللأنه‬
‫يحرم على ًالنار من قال ل إله إل الله‪ ،‬ومن شهد أن ل إله إل الللله‬
‫وأن محمدا رسول الله‪ ،‬لكن جاءت مقيللدة بللالقيود الثقللال‪ ،‬وأك ًللثر‬
‫من يقولها ل يعرف الخلص‪ ،‬وأكثر من يقولها إنما يقولها تقليدا أو‬
‫عادة‪ ،‬ولم تخالط حلوة اليمان بشاشة قلبه‪ .‬وغالب من يفتن عند‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪20‬‬

‫الموت وفي ًالقبور أمثال هؤلء‪ ،‬كما فى الحديث "سللمعت النللاس‬
‫يقولون شيئا فقلته" وغالب أعمال هللؤلء إنمللا هللى تقليللد واقتللداء‬
‫بأمثالهم‪ ،‬وهم من أقرب الناس من قوله تعالى‪" :‬إنللا وجللدنا آباءنللا‬
‫على أمة وإنا على آثارهم مقتدون"‪.‬‬
‫قالها بللإخلص ويقيللن تللام‬
‫وحينئذ فل منافاة بين الحاديث‪ ،‬فإنه‬
‫إذا أص ً‬
‫ل‪ ،‬فلإن كملال ً إخلصله‬
‫لم يكن فى هذه الحال مصرا ً على ذنب‬
‫ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كللل شللئ‪ ،‬فللإذا ل يبقللى‬
‫فى قلبه إرادة لما حرم الللله‪ ،‬ول كراهللة لمللا أمللر الللله‪ .‬وهللذا هللو‬
‫الذي يحرم على النللار وإن كللانت للله ذنللوب قبللل ذلللك‪ ،‬فللإن هللذا‬
‫اليمان وهذاً الخلص‪ ،‬وهذه التوبة وهلذه المحبلة وهلذا اليقيلن‪ ،‬ل‬
‫تترك له ذنبا إل محي عنه كما يمحو الليل النهار‪ ،‬فللإذا قالهللا علللى‬
‫المانع من الشللرك الكللبر والصللغر‪ ،‬فهللذا غيللر مصللر‬
‫وجه الكمال‬
‫أص ً‬
‫ل‪ ،‬فيغفر له ويحرم على النار‪ ،‬وإن قالهللا علللى وجلله‬
‫على ذنب‬
‫خلص بلله مللن الشللرك الكللبر دون الصللغر‪ ،‬ولللم يللأت بعللدها بمللا‬
‫يناقض ذلك‪ ،‬فهذه الحسنة ل يقاومها شئ من السيئات فيرجح بهللا‬
‫ميزان الحسنات‪ ،‬كما فى حديث البطاقة فيحرم على النار‪ ،‬ولكللن‬
‫تنقللص درجتلله فللى الجنللة بقللدر ذنللوبه‪ ،‬وهللذا بخلف مللن رجحللت‬
‫سيئاته بحسناته ومات مصرا ً على ذلك‪ ،‬فإنه يسللتوجب النللار‪ .‬وإن‬
‫قال ل إله إل الله وخلص بها مللن الشللرك الكللبر ولكنلله لللم يمللت‬
‫بسيئات رجحت على حسنة توحيده‪ ،‬فللإنه‬
‫على ذلك‪ ،‬بل أتى بعدها‬
‫فى حال قولها كان مخلصا ً لكنه أتى بللذنوب أوهنللت ذلللك التوحيللد‬
‫والخلص فأضعفته‪ ،‬وقويت نار الذنوب حتى أحرقللت ذلللك بخلف‬
‫المستيقن‪ ،‬فإن حسناته ل تكون إل راجحللة علللى سلليئاته‬
‫المخلص‬
‫ول يكون مصرا ً على سيئات‪ ،‬فإن مات على ذلك دخل الجنة‪.‬‬
‫وإنما يخاف على المخلص أن يأتى بسيئة راجحللة فيضللعف إيمللانه‬
‫فل يقولها بإخلص ويقين مانع من جميع السلليئات‪ ،‬ويخشللى عليلله‬
‫من الشرك الكبر والصغر‪ ،‬فإن سلللم مللن الكللبر بقللي معلله مللن‬
‫الصغر فيضيف إلى ذلك سيئات تنضللم إلللى هللذا الشللرك فيرجللح‬
‫جانب السيئات فللإن السلليئات تضللعف اليمللان واليقيللن‪ ،‬فيضللعف‬
‫قول ل إله إل اللله‪ ،‬فيمتنلع الخلص بلالقلب‪ ،‬فيصلير المتكللم بهلا‬
‫كالهاذى أو النائم‪ ،‬أو من يحسن صوته بالية من القللرآن مللن غيللر‬
‫ذوق طعم وحلوة‪ ،‬فهؤلء لم يقولوها بكمال الصلدق واليقيلن‪ ،‬بلل‬
‫يأتون بعدها بسيئات تنقض ذلك بل يقولونها من غير يقيللن وصللدق‬
‫ويحيون على ذلك‪ ،‬ويموتون على ذلك‪ ،‬ولهم سيئات كثيرة تمنعهم‬
‫من دخول الجنة‪ .‬فإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها وقسا‬
‫القلب عن قولها‪ ،‬وكره العمل الصالح وثقل عليلله سللماع القللرآن‪،‬‬
‫واستبشر بذكر غير الله‪ ،‬واطمأن إلى الباطل‪ ،‬واسللتحلى الرفللث‪،‬‬
‫ومخالطة أهل الغفلة‪ ،‬وكللره مخالطللة أهللل الحللق‪ ،‬فمثللل هللذا إذا‬
‫قالها قال بلسانه ما ليس فى قلبه‪ ،‬وبفيه ما ل يصدقه عمله‪.‬‬
‫ما وقللر فللى‬
‫قال الحسن‪ :‬ليس اليمان بالتحلي ول بالتمني‪ ،‬ولكن‬
‫وصدقته العمال‪ً .‬فمن قال خيللرا ً وعمللل خيللرا ً قبللل منلله‪،‬‬
‫القلوب‬
‫ومن قال خيرا ً وعمل شرا لم يقبل منه‪.‬‬
‫وقال بكر بن عبد الله المزنى‪ :‬ما سبقهم أبو بكر بكللثرة صلليام ول‬
‫صلة ولكن بشئ وقر في قلبه‪.‬‬
‫فمن قال‪ :‬ل إله إل الله ولللم يقللم بموجبهللا بللل اكتسللب مللع ذلللك‬
‫ذنوبًا‪ ،‬وكان صادقا ً فى قولها موقن لا ً بهللا‪ ،‬لكللن للله ذنللوب أضللعفت‬
‫العملي‪ ،‬فرجحللت‬
‫صدقه ويقينه‪ ،‬وانضاف إلى ذلك الشرك الصغر‬
‫لذنوب‪،‬‬
‫هللذه السلليئات علللى هللذه الحسللنة‪ ،‬ومللات مصللرا ً علللى الل‬
‫ً‬
‫بخلف منً يقولها بيقين وصدق‪ ،‬فإنه إما أن ل يكللون مصللرا علللى‬
‫ل‪ ،‬ويكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجللح حسللناته‪.‬‬
‫سيئة أص‬
‫والذين يدخلون النار ممن يقولهلا‪ :‬إملا أنهلم للم يقولوهلا بالصلدق‬
‫واليقين التام المنافيين للسيئات أو لرجحانها‪ ،‬أو قالوهللا واكتسللبوا‬
‫بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم‪ ،‬ثللم ضللعف لللذلك صللدقهم‬
‫ويقينهم‪ ،‬ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام‪ ،‬لن الذنوب قللد‬
‫أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم‪ ،‬فقولها من مثل هللؤلء ل‬
‫يقوي ًعلى محو السيئات فترجح سلليئاتهم علللى حسللناتهم‪ .‬انتهللى‬
‫ملخصا‪.‬‬
‫وقد ذكر هذا كثير من العلماء كابن القيم و ابن رجب وغيرهم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وبما قرره شيخ السلم تجتمع الحاديث‪.‬‬
‫قال‪ :‬وفي الحديث دليل على أنه ل يكفي في اليمان النطللق مللن‬
‫غير اعتقاد وبالعكس‪ ،‬وفي تحريم النار على أهل التوحيللد الكامللل‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪21‬‬

‫وفيه إن العمل ل ينفع إل إذا كان خالصا ً لوجه الله تعالى علللى مللا‬
‫شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫)تنبيه( قال القرطبي في تذكرته‪ :‬قوله فللي الحللديث مللن إيمللان‬
‫أي من أعمال اليمان التي هي من أعمللال الجللوارح‪ ،‬فيكللون فيلله‬
‫دللة على أن العمال الصالحة من اليمان‪ ،‬والدليل على أنلله أراد‬
‫باليمان ما قلناه‪ ،‬ولم يرد مجرد اليمان الللذي هللو التوحيللد ونفللي‬
‫الشركاء والخلص بقول ل إله إل الله ما في الحللديث نفسلله ًمللن‬
‫لم‬
‫أخرجوا ‪ -‬ثم بعد ذلك يقبض سبحانه قبضة فيخللرج قوم لا لل‬
‫قوله‬
‫ملخصا ً‬
‫يعملوا خيرا ً قط يريد بذلك التوحيد المجرد من العمال ا ه‬
‫من شرح سنن ابن ماجة‪.‬‬
‫قال المصنف رحمممه اللممه‪") :‬وعممن أبممي سممعيد الخممدري‬
‫ملم‬
‫رضي الله عنه عن رسول اللممه صمملى اللممه عليممه‬
‫وسممميئا ً‬
‫قال‪ :‬قممال موسممى عليممه السمملم‪ :‬يمما رب علمنممي ش‬
‫أذكرك وأدعوك به‪ ،‬قال‪ :‬قل يمما موسممى ل إلممه إل اللممه‪.‬‬
‫قال‪ :‬كل عبمادك يقولممون هممذا‪ ،‬قمال‪ :‬يمما موسممى لمو أن‬
‫السموات السبع وعامرهن غيري والرضين السممبع فممي‬
‫كفة‪ ،‬ول إله إل الله في كفة‪ ،‬مالت بهممن ل إلممه إل اللممه‬
‫رواه ابن حبان والحاكم وصححه"( ‪:‬‬
‫أبو سلعيد‪ :‬اسلمه سلعد بلن ماللك بلن سلنان بلن عبيلد النصلاري‬
‫الخزرجي‪ ،‬صحابي جليل وأبللوه كللذلك‪ ،‬استصللغر أبللو سللعيد بأحللد‬
‫وشهد ما بعدها‪ ،‬مات بالمدينة سنة ثلث أو أربع أو خمللس وسللتين‬
‫وقيل سنة أربع وستين‪.‬‬
‫قوله )أذكرك( أي أثني عليك به )وأدعوك( أي اسألك به‪.‬‬
‫قوله )قل يا موسى ل إله إل الله( فيه أن الذاكر بهللا يقولهللا كلهللا‪،‬‬
‫ول يقتصر على لفظ الجللة‪ ،‬ول علللى هللو كمللا يفعللله غلة جهللال‬
‫المتصوفة‪ ،‬فإن ذلك بدعة وضلل‪.‬‬
‫قوله‪) :‬كل عبادك يقولون هذا( ثبت بخط المصنف بالجمع‪ ،‬والللذى‬
‫فى الصول يقول بالفراد مراعاة للفظة كل وهو فى المسند مللن‬
‫لى‬
‫حديث عبد الله بن عمللر بلفللظ الجمللع كمللا ذكللره المصللنف‬
‫علللليئا ً‬
‫معنى كل ومعنى قوله كل عبادك يقولون هذا أي إنمللا أريللد ش‬
‫تخصني به من بين عموم عبادك‪ ،‬وفى رواية بعد قوله كللل عبللادك‬
‫يقولون هذا ‪ -‬قل ل إله إل الله‪ ،‬قال ل إله إل أنت يارب‪،‬إنمللا أريللد‬
‫شيئا ً تخصنى به‪.‬‬
‫الله‬
‫الضرورة إلى ل إله إل‬
‫ولما كان بالناس ‪ -‬بل بالعالم كله ‪ -‬من‬
‫حصللو ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ما ل نهاية له‪ ،‬كللانت مللن أكللثر الذكللار وجللودًا‪ ،‬وأيسللرها‬
‫وأعظمهللا معنللى‪ .‬والعللوام والجهللال يعللدلون عنهللا إلللى الللدعوات‬
‫المبتدعة التى ليست في الكتاب ول في السنة‪.‬‬
‫قوله )وعامرهن غيري( هو بالنصب عطف على السللموات‪ ،‬أي لللو‬
‫أن السللموات السللبع ومللن فيهللن مللن العمللار غيللر الللله تعللالى‪،‬‬
‫والرضين السبع ومن فيهن‪ ،‬وضللعوا فللى كفللة الميللزان ول إللله إل‬
‫الله في الكفة الخرى‪ ،‬مالت بهن ل إله إل الله‪.‬‬
‫وروى المام أحمد ًعن "عبد الله بن عمللرو عللن النللبى صلللى الللله‬
‫عليه وسلم أن نوحا عليه السلم قال لبنه عند موته‪ :‬آمرك بل إله‬
‫إل الله‪ ،‬فإن السموات السبع والرضين السبع لو وضعت في كفة‪،‬‬
‫ول إللله إل الللله فللى كفللة رجحللت بهللن ل إللله إل الللله‪ ،‬ولللو أن‬
‫السموات السبع والرضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهن ل إله‬
‫إل الله "‪.‬‬
‫قوله‪) :‬في كفة( هو بكسر الكاف وتشديد الفاء‪ ،‬أي كفة الميزان‪.‬‬
‫قوله‪) :‬مالت بهن( أي رجحت‪ .‬وذلك لما اشللتملت عليلله مللن نفللي‬
‫الشرك‪ ،‬وتوحيللد الللله الللذي هللو أفضللل العمللال‪ .‬وأسللاس الملللة‬
‫واللدين‪ ،‬فملن قالهلا بلإخلص ويقيلن‪ ،‬وعملل بمقتضلاها ولوازمهلا‬
‫وحقوقها‪ ،‬واستقام على ذلك‪ ،‬فهذه الحسللنة ل يوازنهللا شللئ‪ ،‬كمللا‬
‫قال الله تعالى‪" :‬إن الذين قالوا ربنا الللله ثللم اسللتقاموا فل خللوف‬
‫عليهم ول هم يحزنون"‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪22‬‬

‫على أن ل إله إل الله أفضل الذكر‪ .‬كحديث عبد الللله‬
‫ودل الحديث‬
‫بن عمرو مرفوعًا‪ :‬خير الدعاء دعاء يوم عرفلة وخيلر ملا قللت أنلا‬
‫والنبيون من قبلى‪ :‬ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬له الملك وللله‬
‫الحمد ًوهو على كل شئ قدير رواه أحمللد والترمللذي‪ ،‬وعنلله أيضللا‬
‫علللى رؤوس الخلئق يللوم القيامللة‬
‫مرفوعا يصاح برجل من أمللتى‬
‫لج ً‬
‫ل‪ ،‬كللل سللجل منهللا مللد البصللر ثللم‬
‫فينشر له تسعة وتسللعون سل‬
‫يقال‪ :‬أتنكر من هذا شلليئا ؟ أظلمللك كتبللتى الحللافظون فيقللول‪ :‬ل‬
‫يارب‪ .‬فيقللال‪ :‬أفلللك عللذر أو حسللنة ؟ فيهللاب الرجللل فيقللول‪ :‬ل‪،‬‬
‫فيقال‪ :‬بلى إن لك عندنا حسنة وإنه ل ظلم عليك اليوم‪ ،‬فيخرج له‬
‫بطاقة فيها‪ :‬أشللهد أن ل إللله إل الللله وأن محمللدا ً عبللده ورسللوله‪.‬‬
‫فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السللجلت ؟ فيقللال‪ :‬إنللك ل‬
‫تظلم‪ ،‬فتوضع السللجلت فللي كفللة‪ ،‬والبطاقللة فللي كفللة فطاشللت‬
‫السجلت وثقلت البطاقة رواه الترمذي وحسنه‪.‬‬
‫والنسائى وابن حبان والحاكم‪ .‬وقال‪ :‬صللحيح علللى شللرط مسلللم‪،‬‬
‫وقال الذهبي في تلخيصه‪ :‬صحيح‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله‪ :‬فالعمللال ل تتفاضللل بصللورها وعللددها‪،‬‬
‫وإنما تتفاضللل بتفاضللل مللا فللي القلللوب‪ ،‬فتكللون صللورة العمليللن‬
‫لل‬
‫واحدة وبينهما من التفاضل كما بين السماء والرض‪ .‬قللال‪ :‬وتأمل‬
‫سللجل ً‬
‫حديث البطاقة التى توضع فى كفة ويقابلها تسعة وتسعون‬
‫كل سجل منها مدى البصر‪ ،‬فتثقل البطاقة وتطيش السللجلت‪ ،‬فل‬
‫يعذب‪ .‬ومعلوم أن كل موحد له هلذه البطاقلة وكللثير منهللم يلدخل‬
‫النار بذنوبه‪.‬‬
‫قوله‪) :‬رواه ابن حبان والحاكم( ابن حبان اسمه محمد بن حبللان ‪-‬‬
‫بكسر المهملة وتشديد الموحدة ‪ -‬ابن أحمد بن حبان بن معاذ‪ ،‬أبو‬
‫حللاتم التميمللي البسللتي الحللافظ صللاحب التصللانيف‪ :‬كالصللحيح‪،‬‬
‫والتاريخ‪ ،‬والضعفاء‪ ،‬والثقللات وغيللر ذلللك‪ .‬قللال الحللاكم‪ :‬كللان مللن‬
‫أوعيللة العلللم فللي الفقلله واللغللة والحللديث والللوعظ‪ ،‬ومللن عقلء‬
‫الرجال‪ .‬مات سنة أربع وخمسللين وثلثمللائة بمدينللة بسللت ‪ -‬بضللم‬
‫الموحدة وسكون المهملة‪.‬‬
‫وأما الحاكم فاسللمه محمللد بللن عبللد الللله بللن محمللد النيسللابورى‬
‫أبوعبد الله الحافظ ويعرف بابن الللبيع ولللد سللنة إحللدى وعشللرين‬
‫وثلثمائة‪،‬وصنف التصانيف‪ ،‬كالمستدرك وتاريخ نيسللابور وغيرهمللا‪،‬‬
‫ومات سنة خمس وأربعمائة‪.‬‬
‫قال المصنف رحمممه اللممه )وللترمممذي ‪ -‬وحسممنه ‪" -‬عممن‬
‫أنس‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسمملم يقممول‪:‬‬
‫قال الله تعالى يا بن آدم لو ًأتيتني بقراب الرض خطايا‬
‫ثم لقيتني ل تشرك بي شيئا لتيتك بقرابها مغفرة"( ‪:‬‬
‫ذكر المصنف رحمه الله الجملللة الخيللرة مللن الحللديث‪ ،‬وقللد رواه‬
‫الترمذي بتمامه فقال‪" :‬عن أنس قال سللمعت رسللول الللله صلللى‬
‫الله عليه وسلم يقول‪ :‬قال الله تبارك وتعالى‪ :‬يللا بللن آدم إنللك مللا‬
‫دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ول أبالي‪ ،‬يا بن آدم‬
‫لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ول أبالى يا‬
‫بن آدم‪ ،‬إنك لو أتيتني ‪ -‬الحديث "‪.‬‬
‫الترمذي‪ :‬اسمه محمد بن عيسى بن سورة ‪ -‬بفتللح المهملللة ‪ -‬بللن‬
‫موسى بن الضللحاك السلللمي أبللو عيسللى‪ ،‬صللاحب الجللامع وأحللد‬
‫الحفاظ‪ ،‬كان ضرير البصر‪ ،‬روى عن قتيبة وهناد والبخاري وخلللق‪.‬‬
‫مات سنة تسع وسبعين ومائتين‪.‬‬
‫وأنس‪ :‬هو ابن مالك بن النضر النصللاري الخللزرج[‪ ،‬خللادم رسللول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم خدمه عشر سنين‪ ،‬وقال له‪ :‬اللهم أكثر‬
‫ماله وولده وأدخله الجنة مات سللنة اثنللتين وقيللل‪ :‬ثلث وتسللعين‪،‬‬
‫وقد جاوز المائة‪.‬‬
‫والحديث قد رواه المام أحمللد مللن حللديث أبللي ذر بمعنللاه‪ ،‬وهللذا‬
‫لفظه "ومن عمللل قللراب الرض خطيئة ثللم لقينللي ل يشللرك بللي‬
‫جعلللت للله مثلهللا مغفللرة" ورواه مسلللم‪ ،‬وأخرجلله الطللبرانى مللن‬
‫حديث ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قللوله‪) :‬لللو أتيتنللي بقللراب الرض( بضللم القللاف‪ :‬وقيللل بكسللرها‬
‫والضم أشهر وهو ملؤها أو ما يقارب ملئها‪.‬‬
‫قللوله‪) :‬ثللم لقيتنللي ل تشللرك بللي شلليئًا( شللرط ثقيللل فللى الوعللد‬
‫بحصول المغفرة‪ ،‬وهو السلمة من الشرك‪ :‬كثيره وقليله‪ ،‬صللغيره‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪23‬‬

‫وكبيره‪ .‬ول يسلللم ملن ذللك إل ملن سلللم اللله تعلالى‪ ،‬وذلللك هللو‬
‫القلب السليم كما قال تعالى‪ " :‬يوم ل ينفع مال ول بنون * إل من‬
‫أتى الله بقلب سليم "‪.‬‬
‫قال ابن رجب‪ :‬من جاء مع التوحيد بقراب الرض خطايا لقيه الللله‬
‫بقرابها مغفرة ‪-‬إلى أن قال ‪ -‬فإن كمل توحيد العبللد وإخلصلله لللله‬
‫تعالى فيه‪ ،‬وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه‪ ،‬أو بقلبه ولسانه‬
‫عند الموت‪ ،‬أعقب ذلللك مغفللرة مللا قللد سلللف مللن الللذنوب كلهللا‬
‫ومنعه من دخول النلار بالكليلة‪ .‬فملن تحقلق بكلملة التوحيلد قلبله‬
‫أخرجت منه ك ًللل مللا سللوى الللله‪ :‬محبللة وتعظيم لًا‪ ،‬وإجلل ً ومهابللة‬
‫وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها‪ ،‬وإن كللانت مثللل‬
‫وخشية وتوكل‪،‬‬
‫زبد البحر ا ه ملخصًا‪.‬‬
‫قال العلمة ابن القيم رحمه الله تعالى فى معنى الحديث‪ :‬ويعفى‬
‫لهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشللرك مللا ل ًيعفللى لمللن‬
‫ليس كذلك‪ .‬فلو لقى الموحد الذي لم يشرك بالله شيئا ألبتلله ربلله‬
‫بقراب الرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة‪ ،‬ول يحصل هذا لمن نقص‬
‫توحيده‪ .‬فإن التوحيد الخالص الذى ل يشللوبه شللرك ل يبقللى معلله‬
‫ذنب‪ ،‬لنه يتضمن من محبة الله وإجلله وتعظيمه‪ ،‬وخوفه ورجللائه‬
‫وحده ما يوجب غسل الذنوب ولو كلانت قلراب الرض‪ ،‬فالنجاسلة‬
‫عارضة والدافع لها قوى‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫وفى هذا الحديث‪ :‬كثرة ثللواب التوحيللد‪ ،‬وسللعة كللرم الللله وجللوده‬
‫ورحمتله واللرد عللى الخلوارج اللذين يكفلرون المسللم باللذنوب‪،‬‬
‫وعلى المعتزلة القائلين بالمنزلللة بيللن المنزلللتين‪ ،‬وهلي الفسللوق‪،‬‬
‫ويقولون ليس بمؤمن ول كافر‪ ،‬ويخلد فللي النللار‪ .‬والصللواب قللول‬
‫أهللل السللنه‪ :‬أنلله ل يسلللب عنلله اسللم اليمللان‪ ،‬و ل يعطللاه علللى‬
‫الطلق‪ ،‬بللل يقللال هللو مللؤمن عللاص‪ ،‬أو مللؤمن بإيمللانه‪ ،‬فاسللق‬
‫بكبيرته‪ .‬وعلى هذا يللدل الكتللاب والسللنة وإجمللاع سلللف المللة‪ .‬و‬
‫"عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال‪ :‬لما أسللرى برسللول‬
‫الله ً صلى الله عليه وسلم انتهي به إلى سللدرة المنتهللى‪ ،‬فللأعطي‬
‫الخمس‪ ،‬وخواتيم سورة البقرة‪ ،‬وغفر لمللن‬
‫ثلثا‪ :‬أعطى الصلوات‬
‫ل يشرك بالله من أمته شيئًا‪ :‬المقحمات " رواه مسلم‪.‬‬
‫قال ابن كثير فى تفسلليره‪ :‬وأخللرج المللام أحمللد والترمللذي وابللن‬
‫ماجه والنسائى "عن أنس ابن مالك قال‪ :‬قللرأ رسللول الللله صلللى‬
‫الله عليبه وسلم هللذه اليللة ‪" :‬هللو أهللل التقللوى وأهللل المغفللرة"‬
‫أن أتقى فل يجعل معي إله‪ ،‬فمللن اتقللى‬
‫وقال‪ :‬قال ربكم‪ :‬أنا أهل‬
‫أن يجعل معي إلها ً كان أهل ً أن أغفر له "‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله‪) :‬تأمل الخمس اللواتي فى حديث عبللادة‬
‫فإنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان تبين لك معنى قوله‪ :‬ل إله‬
‫إل الله وتبين لك خطأ المغرورين‪.‬‬
‫وفيه أن النبياء يحتاجون للتنبيه على فضل ل ًإللله إل الللله والتنللبيه‬
‫لرجحانهللا بجميللع المخلوقللات‪ ،‬مللع أن كللثيرا ممللن يقولهللا يخللف‬
‫ميزانه‪ .‬وفيه إثبات الصفات خلفا ً للمعطلة‪ .‬وفيلله أنللك إذا عرفللت‬
‫حديث أنس وقوله فى "حديث عتبان إن الله حرم على النللار مللن‬
‫قللال ل إللله إل الللله يبتغللى بللذلك وجله الللله " تللبينت لللك أن تللرك‬
‫الشرك في قولها باللسان فقط‪.‬‬

‫باب‬
‫من حقق التوحيد دخل الجنة بغير‬
‫حساب‬
‫قوله‪) :‬باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب( ‪:‬‬
‫أي ول عذاب‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪24‬‬

‫قلللت‪ :‬تحقيقلله تخليصلله وتصللفيته مللن شللوائب الشللرك والبللدع‬
‫والمعاصى‪.‬‬
‫قال الله تعالى‪" :‬إن إبراهيم كان أمة قانتا ً لله حنيفا ً ولللم يللك مللن‬
‫المشركين" وصف إبراهيم عليه السلم بهللذه الصللفات الللتي هللي‬
‫الغاية فى تحقيق التوحيد‪.‬‬
‫الولى‪ :‬أنه كان أمللة‪ ،‬أي قللدوة وإماملا ً معلملا ً للخيللر‪ .‬ومللا ذاك إل‬
‫لتكميله مقام الصبر واليقين الذين تنال بهما المامة فى الدين‪.‬‬
‫الثانيللة‪ :‬قللوله قانتللا ً قللال شلليخ السلللم‪ :‬القنللوت دوام الطاعللة‪،‬‬
‫لجوده فهللو قلانت‪ .‬قلال‬
‫والمصلي إذا أطال قيللامه أو ركلوعه أو سل‬
‫تعالى‪" :‬أمن هو قانت ًآناء الليل ساجدا ً وقائما ً يحذر الخرة ويرجو‬
‫رحمة ربه" ا هل‪ .‬ملخصا‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬أنه كان حنيفا ً ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬قال العلمة ابن القيم الحنيف المقبللل عللى اللله‪ ،‬المعللرض‬
‫عن كل ما سواه ا‪ .‬ه‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬أنه كان من المشركين‪ ،‬أي لصحة إخلصه وكمال صللدقه‪،‬‬
‫وبعده عن الشرك‪.‬‬
‫قلت‪ :‬يوضح هذا قوله تعللالى‪" :‬قللد كللانت لكللم أسللوة حسللنة فللي‬
‫إبراهيم والذين معه" أي على دينه من إخوانه المرسلين‪ ،‬قاله ابن‬
‫جرير رحمه الله تعللالى‪ " :‬إذ قللالوا لقللومهم إنللا بللرآء منكللم وممللا‬
‫تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضللاء‬
‫أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إل قول إبراهيللم لبيلله لسللتغفرن لللك‬
‫وما أملك لك من الله من شلليء " وذكللر تعللالى عللن خليللله عليلله‬
‫السلم أنه قال لبيه آزر‪ " ، :‬وأعتزلكم وما تللدعون مللن دون الللله‬
‫وأدعو ربي عسى أن ل أكون بدعاء ربي شقيا * فلما اعتزلهم وما‬
‫يعبدون من دون الله وهبنا للله إسللحاق ويعقللوب وكل جعلنللا نبيللا "‬
‫فهذا هو تحقيق التوحيد‪ .‬وهو البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم‪،‬‬
‫والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم‪ .‬فالله المستعان‪.‬‬
‫إبراهيم كان أمللة" لئل‬
‫قال المصنف رحمه الله في هذه الية‪" :‬إن‬
‫السالكين )قانتا ً ًلللله( ل للملللوك‬
‫يستوحش سالك الطريق من قلة‬
‫ول للتجار المترفين )حنيفًا( ل يميل يمينا ً ول شمال‪ ،‬كفعل العلمللاء‬
‫المفتونين )ولم يك من المشركين( خلفا لمن كثر سوادهم وزعللم‬
‫أنه من المسلمين‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫وقد روى ابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله‪" :‬إن إبراهيم كان‬
‫أمة" على السلم‪ .‬ولم يك فى زمانه أحد على السلم غيره‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ول منافاة بين هذا وبين ما تقدم‪ :‬من أنه كللان إمام لا ً يقتللدى‬
‫به فى الخير‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقوله تعالى‪ " - :‬إن الذين هم مممن خشممية ربهممم‬
‫مشفقون * والذين هم بآيممات ربهممم يؤمنممون * والممذين‬
‫هم بربهم ل يشركون "( ‪:‬‬
‫وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهللم بالصللفات الللتى‬
‫أعظمها‪ :‬أنهم بربهم ل يشركون‪ .‬ولما كان المرء قد يعرض للله مللا‬
‫يقدح فى إسلمه‪ :‬من شرك جلي أو خفي‪ ،‬نفى ذلك عنهللم‪ ،‬وهللذا‬
‫هو تحقيق التوحيد‪ ،‬الذي حسنت بهم أعمالهم وكملت ونفعتهم‪.‬‬
‫قلللت‪ :‬قللوله حسللنت وكملللت هللذا باعتبللار سللمتهم ملن الشللرك‬
‫الصغر‪ ،‬وأما الشرك الكبر فل يقال فللى تركلله ذلللك‪ ،‬فتللدبر‪ .‬ولللو‬
‫قال الشارح‪ :‬صحت لكان أقوم‪.‬‬
‫قال ابن كثير‪" :‬والذين هللم بربهللم ل يشللركون" أي ل يعبللدون مللع‬
‫يوحدونه ويعلمون أنه ل إله إل الللله أحللد صللمد‪ ،‬لللم‬
‫الله غيره‪ ،‬بل‬
‫يتخذ صاحبة ول ولدا ً وأنه ل نظير له‪.‬‬
‫قال المصنف‪") :‬عن حصين بن عبد الله بن عبد الرحمن‬
‫قال‪ :‬كنت عند سعيد بن جبير فقال‪ :‬أيكممم رأى الكمموكب‬
‫الذي انقض البارحة ؟ فقلت‪ :‬أنا‪ ،‬ثم قلت‪ :‬أممما إنممي لممم‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪25‬‬

‫أكن فى صلتي ولكني لدغت‪ ،‬قال‪ :‬فما صنعت ؟ قلممت‪:‬‬
‫ارتقيممت‪ .‬قممال‪ :‬فممما حملممك علممى ذلممك ؟ قلممت‪ :‬حممديث‬
‫حدثناه الشعبي‪ ،‬قممال‪ :‬وممما حممدثكم ؟ قلممت‪ :‬حممدثنا عممن‬
‫بريدة بن الحصيب أنه قال‪ :‬ل رقية إل من عين أو حمة‪.‬‬
‫قال‪ :‬قد أحسن من انتهى إلى ممما سمممع‪، ،‬ولكممن حممدثنا‬
‫ابن عباس عن النبي صلى اللممه عليممه وسمملم أنممه قممال‪:‬‬
‫عرضت على المم‪ ،‬فرأيت النبى ومعه الرهممط‪ ،‬والنممبى‬
‫ومعه الرجل والرجلن‪ ،‬والنبى وليس معه أحممد‪ .‬إذ رفممع‬
‫لى سواد عظيم‪ ،‬فظننت أنهم أمتي‪ ،‬فقيل‪ :‬هذا موسى‬
‫وقومه‪ ،‬فنظرت فإذا ًسواد عظيم‪ ،‬فقيل لي‪ :‬هذه أمتك‬
‫ومعهممم سممبعون ألف ما يممدخلون الجنممة بغيممر حسمماب ول‬
‫عذاب‪ .‬ثم نهض فدخل منزله‪ ،‬فخاض الناس فممى أولئك‪،‬‬
‫فقال بعضهم‪ :‬فلعلهم اللذين صحبوا رسول اللممه صمملى‬
‫فلعلهم الذين ولممدوا فممى‬
‫اله عليه وسلم وقال بعضهم‪:‬‬
‫السلم‪ ،‬فلم يشركوا بالله شيئًا‪ ،‬وذكروا أشممياء‪ ،‬فخممرج‬
‫عليهمم رسمول اللمه صملى اللمه عليمه وسملم فمأخبروه‪،‬‬
‫فقمممال‪ :‬همممم المممذين ل يسمممترقون‪ ،‬ول يكتممموون‪ ،‬ول‬
‫يتطيممرون‪ ،‬وعلممى ربهممم يتوكلممون‪ .‬فقممام عكاشممة بممن‬
‫محصن فقال‪ :‬يا رسول الله ادع الله أن يجعلنى منهممم‪.‬‬
‫قال‪ :‬أنت منهم ثم قممام رجممل آخممر فقممال‪ :‬ادع اللممه أن‬
‫يجعلني منهم‪ .‬فقال‪ :‬سبقك بها عكاشة "(‪.‬‬
‫هكللذا أورده المصللنف غيللر معللزو‪ ،‬وقللد رواه البخللارى مختصللرا ً‬
‫ومطو ً‬
‫ل‪ ،‬ومسلم‪ ،‬واللفظ له‪ ،‬والترمذي والنسائي‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عللن )حصللين بللن عبللد الرحمللن( هللو السلللمي‪ ،‬أبللو الهللذيل‬
‫الكوفى‪ .‬ثقة‪ ،‬مات سنة سللت وثلثيللن ومللائة‪ ،‬وللله ثلث وتسللعون‬
‫سنة‪.‬‬
‫وسعيد بن جبير‪ :‬هو المام الفقيه مللن جلللة أصللحاب ابللن عبللاس‪،‬‬
‫روايته عن عائشة وأبى موسى مرسلللة‪ .‬وهللو كللوفى مللولى لبنللي‬
‫أسللد‪ ،‬قتللل بيللن يللدى الحجللاج سللنة خمللس وتسللعين ولللم يكمللل‬
‫الخمسين‪.‬‬
‫قوله‪) :‬انقض( هو بالقاف والضاد المعجمة أى سقط‪ .‬والبارحة هى‬
‫أقرب ليله مضت‪ .‬قال أبو العباس ثعلب‪ :‬يقال قبل الزوال‪ :‬رأيللت‬
‫الليلة‪ ،‬وبعد الزوال‪ :‬رأيت البارحة‪ ،‬وكذا قال غيللره‪ ،‬وهللى مشللتقة‬
‫من برح إذا زال‪.‬‬
‫قال‪) :‬أما إني لم أكن فى صلة( قال فى مغنى اللبيب‪ :‬أما بالفتللح‬
‫والتخفيف على وجهين‪ :‬أحدهما أن تكون حرف استفتاح بمنزلة أل‬
‫فإذا وقعت أن بعدها كسرت‪ .‬الثانى أن تكون بمعنى حقا ً أو أحللق‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬هى كلمتان الهمزة للستفهام‪ ،‬ما اسم بمعنى شللئ‪،‬‬
‫أى أذلك الشئ حق‪ ،‬فالمعنى أحق هذا ؟ وهو الصواب و ما نصللب‬
‫على الظرفية‪ ،‬وهذه تفتح أن بعدها‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫والنسب هنا هو الوجه الول والقللائل هللو حصللين‪ ،‬خللاف أن يظللن‬
‫الحاضرون أنه رآه وهو يصلي‪ ،‬فنفى عن نفسه إبهام العبادة‪ ،‬وهذا‬
‫يدل علللى فضللل السلللف وحرصللهم علللى الخلص وبعللدهم علللى‬
‫الرياء والتزين بما ليس فيهم‪.‬‬
‫وقوله )ولكني لدغت( بضم أوله وكسر ثانيه‪ ،‬قال أهل اللغة‪ :‬يقال‬
‫لدغته العقرب وذوات السموم‪ ،‬إذا أصابته بسمها‪ ،‬وذلك بأن تللأبره‬
‫بشوكتها‪.‬‬
‫قللوله‪) :‬قلللت وارتقيللت( لفللظ مسلللم اسللترتقيت أي طلبللت مللن‬
‫يرقيني‪.‬‬
‫قوله )فما حملك على ذلك( فيه طلب الحجة على صحة المذهب‪.‬‬
‫وقوله )حديث حدثناه الشعبي( اسمه‪ :‬عامر بن شراحيل الهمداني‬
‫ولد في خلفة عمر‪ ،‬وهو من ثقات التللابعين وفقهللائهم مللات سللنة‬
‫ثلث ومائة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬عن بريدة( بضم أوله وفتح ثانيه تصغير بردة‪ .‬ابن الحصلليب‬
‫ بضللم الحللاء وفتللح الصللاد المهملللتين ‪ -‬ابللن الحللارث السلللمى‪،‬‬‫صحابى شهير‪ .‬مات سنة ثلث وستين‪ .‬قاله ابن سعد‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪26‬‬

‫قوله‪) :‬ل رقية إل من عين أو حمة( وقد رواه أحمد وابن ماجة عنه‬
‫مرفوع ًًا‪ .‬ورواه أحمد وأبو داود والترمذى عن عمران بن حصين به‬
‫مرفوعا قال الهيثمى‪ :‬رجال أحمد ثقات‪.‬‬
‫والعيلن هلى إصلابة العلائن غيلره بعينله‪ .‬والحملة ‪ -‬بضلم المهمللة‬
‫وتخفيلف الميلم ‪ -‬سلم العقلرب وشلبهها‪ .‬قلال الخطلابى‪ :‬ومعنلى‬
‫الحديث‪ :‬ل رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمللة‪ .‬وقللد رقللى‬
‫النبى صلى الله عليه وسلم ورقي‪.‬‬
‫قوله‪) :‬قد أحسن من انتهى إلى ما سمع( أى من أخذ بما بلغه من‬
‫العلم وعمل به فقد أحسن بخلف من يعمل بجهل‪ ،‬أو ل يعمل بما‬
‫يعلم فإنه مسىء آثم‪ .‬وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ولكن حدثنا ابن عباس( هللو عبللد الللله بللن عبللاس بللن عبللد‬
‫المطلب‪ ،‬ابن عم النللبي صلللى الللله عليلله وسلللم‪ .‬دعللا للله فقللال‪:‬‬
‫"اللهللم فقهلله فللى الللدين‪ ،‬وعلملله التأويللل " فكللان كللذلك‪ .‬مللات‬
‫بالطائف سنة ثمان وستين‪.‬‬
‫قال المصنف رحملله الللله‪) :‬وفيلله عمللق علللم السلللف لقللوله‪ :‬قللد‬
‫أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن كلذا وكلذا‪ .‬فعللم أن الحلديث‬
‫الول ل يخالف الثانى(‪.‬‬
‫قوله‪) :‬عرضت على المللم( وفللى الترمللذي والنسللائي مللن روايللة‬
‫الرحملن أن ذللك كلان ليللة‬
‫عبثر بن القاسم عن حصلين بلن عبلد‬
‫السراء قال الحافظ‪ :‬فإن كان ذلك محفوظا ً ك ًللان فيلله قللوة لمللن‬
‫ذهب إلى تعدد السراء‪ ،‬وأنه وقع بالمدينة أيضا )قلللت( وفللي هللذا‬
‫نظر‪.‬‬
‫قللوله‪) :‬فرأيللت النللبي ومعلله الرهللط( والللذي فللى صللحيح مسلللم‬
‫الرهيط بالتصغير ل غير‪ ،‬وهم الجماعة دون العشرة‪ ،‬قاله النووي‪.‬‬
‫قوله‪) :‬والنبى ومعه الرجل والرجلن‪ ،‬والنبى وليس معه أحد( فيلله‬
‫الرد على من احتج بالكثرة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬إذ رفع لي سواد عظيم( المراد هنا الشخص الذى يرى مللن‬
‫بعيد‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فظننت أنهم أمتى( لن الشخاص التى تللرى فللى الفللق ل‬
‫يدرك منها إل الصورة وفى صحيح مسلم ولكللن انظللر إلللى الفللق‬
‫ولم يذكره المصنف‪ ،‬فلعله سقط فى الصللل الللذى نقللل الحللديث‬
‫منه‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فقيل له‪ :‬هذا موسى وقومه( أي موسى بللن عمللران كليللم‬
‫الرحمن‪ ،‬وقومه‪ :‬أتباعه على دينه من بنى إسرائيل‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فنظرت فللإذا سللواد عظيللم فقيللل لللى هللذه أمتللك ومعهللم‬
‫سبعين ألفا يدخلون الجنة بغيللر حسللاب ول عللذاب( أي لتحقيقهللم‬
‫التوحيد‪،‬وفى رواية ابن فضيل ويدخل الجنة مللن هللؤلء مللن أمتللك‬
‫سبعون ألفا ً و"فى حديث أبي هريرة فى الصللحيحين أنهللم تضلليء‬
‫وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر " وروى المام أحمد والبيهقي فى‬
‫"حديث أبى هريرةفاسللتزدت ربللى فزادنللى مللع كللل ألللف سللبعين‬
‫ألفًا" قال الحافظ‪ :‬وسنده جيد‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ثم نهض( أي قام‪ ،‬قوله‪) :‬فخاض الناس فللى أولئك( خللاض‬
‫بالخاء والضاد المعجمتين وفى هذا إباحة المناظرة والمباحثللة فللي‬
‫نصوص الشرع على وجه الستفادة وبيان الحق‪ ،‬وفيلله عمللق علللم‬
‫السلف لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إل بعمل‪ ،‬وفيه حرصهم على‬
‫الخير‪ ،‬ذكره المصنف‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فقال هم الذين ل يسترقون( هكذا ثبت فى الصحيحين وهو‬
‫كذلك فى حديث ابن مسعود فى مسند أحمد‪ .‬وفى رواية لمسلللم‬
‫ول يرقون قال شلليخ السلللم ابللن تيميللة‪ :‬هللذه الزيللادة وهللم مللن‬
‫الراوي‪ ،‬لم يقل النبى صلى الله عليه وسلم و ل يرقون وقد "قللال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل علللى الرقللى‪ :‬مللن اسللتطاع‬
‫منكم أن ينفع أخاه فلينفعه"‪ .‬و"قال‪ :‬ل بأس بللالرقى مللا لللم تكللن‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪27‬‬

‫شركًا" قال‪ :‬وأيضا ً فقد "رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم"‬
‫و "رقى النبي صلى الله عليه وسلللم أصللحابه" قللال والفللرق بيللن‬
‫الراقي والمسترقي‪ :‬أن المسللترقى سللائل مسللتعط ملتفللت إلللى‬
‫بقلللب‪ ،‬والراقللى محسللن‪ .‬قللال‪ :‬وإنمللا المللراد وصللف‬
‫غيللر الللله‬
‫السللبعين ألفلا ً بتمللام التوكللل‪ ،‬فل يسللألون غيرهللم أن يرقيهللم ول‬
‫يكويهم‪ .‬وكذا قال ابن القيم‪.‬‬
‫يكللويهم كمللا ل‬
‫قللوله‪) :‬ول يكتللوون( أي ل يسللألون غيرهللم أن‬
‫يسألون غيرهم أن يرقيهم‪ ،‬استسلما ً للقضاء‪ ،‬وتلذذا ً بالبلء‪.‬‬
‫قلت‪ :‬والظاهر أن قوله ل يكتوون أعم من أن يسألوا ذلك أو يفعل‬
‫ذلك باختيارهم‪ .‬أما الكي فى نفسه فجائز‪ ،‬كما فى الصللحيح "عللن‬
‫عبد الله أن النبى ً صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبى بللن‬
‫جابر بن‬
‫كعب طبيبا ً فقطع له عرقا وكواه"‪.‬‬
‫وفى صحيح البخارى "عن أنس أنه كللوى مللن ذات الجنللب والنللبى‬
‫صلى الله عليه وسلم حى" وروى الترمذى وغيللره "عللن أنللس أن‬
‫النبى صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة"‪.‬‬
‫وفي صحيح البخارى "عن ابن عبللاس مرفوع لا ً الشللفاء فللى ثلث‪:‬‬
‫شربة عسل‪ ،‬وشرطة محجم‪ ،‬وكية نار‪ ،‬وأنا أنهى أمتى عللن الكللى‬
‫وفى لفظ‪:‬وما أحب أن أكتوى"‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله‪ :‬قد تضمنت أحللاديث الكللى أربعللة أنللواع‬
‫)أحدها( فعله‪) .‬والثانى( عللدم محبتلله‪) .‬والثللالث( الثنللاء علللى مللن‬
‫تركه‪) .‬والرابع( النهي عنه‪ .‬ول تعارض بينها بحمد الللله‪ ،‬فللإن فعللله‬
‫يدل على جوازه‪ ،‬وعدم محبتلله للله ل يللدل علللى المنللع منلله‪ ،‬وأمللا‬
‫الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل‪ ،‬وأما النهي عنه‬
‫فعلى سبيل الختيار والكراهة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ول يتطيرون( أي ل يتشاءمون بالطيور ونحوها‪ .‬وسيأتي إن‬
‫شاء الله تعالى بيان الطيرة وما يتعلق بها فى بابها‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعلى ربهم يتوكلون( ذكر الصل الجامع الذى تنللوعت عنلله‬
‫هذه الفعال والخصال وهو التوكل على الله‪ ،‬وصدق اللتجاء إليلله‪،‬‬
‫لر‬
‫والعتماد بالقلب عليه‪ ،‬الذي هو نهاية تحقيللق التوحيللد الللذي يثم‬
‫ربللا ً‬
‫كل ًمقام شريف‪ :‬من المحبللة والرجللاء والخللوف‪ ،‬والرضللا بلله‬
‫وإلها‪ ،‬والرضا بقضائه‪.‬‬
‫واعلم أن الحديث ل يدل على أنهم ل يباشرون السباب أص ً‬
‫ل‪ ،‬فإن‬
‫مباشرة السباب فى الجملة أمر فطري ضروري‪ ،‬ل انفكللاك لحللد‬
‫عنه‪ ،‬بل نفس التوكل‪ :‬مباشرة لعظم السللباب كمللا قللال تعللالى‪:‬‬
‫"ومن يتوكل على الله فهللو حسللبه" أي كللافيه ًوإنمللا المللراد أنهللم‬
‫الللله تعللالى‪،‬‬
‫يتركون المور المكروهة مع حاجتهم إليها‪ ،‬توكل على‬
‫له لكللونه سللببا ً مكروهلًا‪ ،‬ل سلليما‬
‫كالكتواء والسللترقاء‪ ،‬فللتركهم لل‬
‫والمريض يتشبث ‪-‬فيما يظنه سببا ً لشفائه ‪ -‬بخيط العنكبوت‪.‬‬
‫وأما مباشرة السباب والتداوي على وجه ل كراهة فيه‪ ،‬فغير قادح‬
‫فل يكون تركه مشروعًا‪ ،‬لما فى الصحيحين "عن أبللي‬
‫فى التوكل‪،‬‬
‫هريرة مرفوعا ً ما أنزل الله من داء إل أنزل له شللفاء‪ ،‬علملله مللن‬
‫علمه‪ ،‬وجهله من جهله"‪" .‬وعن أسامة بن شريك قللال‪ :‬كنللت عنللد‬
‫النبى صلى الله عليه وسلم وجاءت العراب‪ ،‬فقالوا يا رسول الله‬
‫أنتداوى ؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬يا عباد الله تداووا‪ ،‬فإن الله عز وجل لم يضع‬
‫داء إل وضع له شفاء‪ ،‬غير داء واحد‪ .‬قالوا‪ :‬وما هو ؟ قال‪ :‬الهللرم"‬
‫رواه أحمد‪.‬‬
‫وقال ابن القيلم رحمله اللله تعلالى‪ :‬وقلد تضلمنت هلذه الحلاديث‬
‫إثبللات السللباب والمسللببات‪ ،‬وإبطللال قللول مللن أنكرهللا‪ ،‬والمللر‬
‫بالتللداوى‪ ،‬وأنلله ل ينللافى التوكللل‪ ،‬كمللا ل ينللافيه دفللع ألللم الجللوع‬
‫والعطش‪ ،‬والحر والللبرد‪ :‬بأضللدادها بللل ل تتللم حقيقللة التوحيللد‬
‫إلً‬
‫بمباشرة السباب التى نصبها الله تعالى مقتضللية لمسللبباتها قللدرا‬
‫وشرعًا‪ ،‬وأن تعطيلها يقدح فى نفس التوكل‪ ،‬كما يقدح فللى المللر‬
‫والحكمة‪ .‬ويضعفه مللن حيللث يظللن معطلهللا أن تركهللا أقللوى فللى‬
‫التوكل‪ ،‬فإن تركها عجز ينافى التوكل الذى حقيقته اعتمللاد القلللب‬
‫على الله تعالى في حصول ما ينفع العبد فى دينه ودنياه‪ ،‬ودفع مللا‬
‫يضللره فللى دينلله ودنيللاه‪ .‬ول بللد مللع هللذا العتمللاد مللن مباشللرة‬
‫معطل ً للحكمة والشرع‪ ،‬فل يجعل العبللد عجللزه‬
‫السباب‪ ،‬وإل كان‬
‫توكل ً ول توكله عجزًا‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪28‬‬

‫وقد اختلف العلماء فى التللداوى هللل هللو مبللاح‪ ،‬وتركلله أفضللل‪ ،‬أو‬
‫مستحب أو واجب ؟‬
‫فالمشللهور عنللد أحمللد‪ :‬الول لهللذا الحللديث ومللا فللي معنللاه‪،‬‬
‫والمشللهور عنللد الشللافعية الثللاني‪ ،‬حللتى ذكللر النللووى فللى شللرح‬
‫مسلللم‪ :‬أنلله مللذهبهم ومللذهب جمهللور السلللف وعامللة الخلللف‪،‬‬
‫واختاره الوزير أبو الظفر‪ .‬قال‪ :‬ومذهب أبي حنيفة أنه مؤكد حللتى‬
‫يدانى به الوجوب‪ .‬قال‪ :‬ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه فإنه‬
‫قال‪ :‬ل بأس بالتداوي ول بأس بتركه‪.‬‬
‫وقان شيخ السلم‪ :‬ليس بواجب عند جملاهير الئملة وإنملا أوجبلله‬
‫طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد‪.‬‬
‫فقوله‪) :‬فقام عكاشة بن محصن( هو بضم العين وتشللديد الكللاف‪،‬‬
‫ومحصن بكسر الميم وسكون الحللاء وفتللح الصللاد المهملللتين ابللن‬
‫حرثان ‪ -‬بضبم المهملة وسكون الراء بعدها مثلثللة ‪ -‬السللدي‪ :‬مللن‬
‫بني أسد بن خزيمة‪ .‬كان ً من السابقين إلللى السلللم ومللن أجمللل‬
‫الرجال‪ ،‬هاجر وشهد بدرا وقاتل فيها‪ ،‬واستشللهد فللى قتللال الللردة‬
‫مع خالد بن الوليد بيد طليحة السدي سنة اثنتى عشرة‪ ،‬ثم أسلللم‬
‫طليحة بعد ذلك وجاهد الفرس يلوم القادسلية ملع سلعيد بلن أبلي‬
‫وقاص‪ ،‬واستشهد في وقعة الجسر المشهورة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهللم‪ ،‬فقللال أنللت‬
‫منهم( وللبخاري فى رواية‪ :‬فقال اللهم اجعللله منهللم وفيلله‪ :‬طلللب‬
‫الدعاء من الفاضل‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ثم قام رجل آخر( ذكر مبهما ً ول حاجة بنا إلللى البحللث عللن‬
‫اسمه‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فقال سبقك بها عكاشة( قال القرطبي‪ :‬لم يكن عند الثانى‬
‫فلذلك لم يجبه‪ ،‬إذ لو أجابه لجللاز‬
‫من الحوال ما كان عند عكاشة‪،‬‬
‫أن يقلب ذلك كل من كان حاضللرا ً فيتسلسللل المللر‪ ،‬فسللد البللاب‬
‫بقوله ذلك ا هل‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله تعالى‪ :‬وفيه استعمال المعللاريض وحسللن‬
‫خلقه صلى الله عليه وسلم‪.‬‬

‫باب‬
‫الخوف من الشرك‬
‫قوله‪) :‬باب الخوف من الشرك‪ ،‬وقول الله عممز وجممل‪ :‬و‬
‫"إن الله ل يغفر أن يشرك به ويغفر ممما دون ذلممك لمممن‬
‫يشاء"(‪.‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬أخبر تعالى أنه )ل يغفللر أن يشللرك بلله( أي ل يغفللر‬
‫لعبد لقيه وهو مشللرك )ويغفللر ملا دون ذلللك لمللن يشللاء( أي ملن‬
‫الذنوب لمن يشاء من عباده‪ .‬انتهى‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪29‬‬

‫فتبين بهذه الية أن الشرك أعظم الذنوب‪ ،‬لن الله تعالى أخبر أنه‬
‫ل يغفره لمن لم يتب منه‪ ،‬وما دونه من الذنوب فهللو داخللل تحللت‬
‫المشيئة إن شاء غفره لمللن لقيلله بلله‪ ،‬وإن شللاء عللذبه بلله‪ ،‬وذلللك‬
‫يوجب للعبد شدة الخوف من الشرك الللذي هللذا شللأنه عنللد الللله‪،‬‬
‫لنه أقبح القبيح وأظلللم الظلللم‪ ،‬وتنقللص لللرب العللالمين‪ ،‬وصللرف‬
‫خالص حقه لغيره وعللدل غيللره بلله‪ ،‬كمللا قللال تعللالى‪" :‬ثللم الللذين‬
‫كفروا بربهم يعدلون" ولنه مناقض للمقصود بالخلق والمر منللاف‬
‫له من كل وجه‪ ،‬وذلك غايللة المعانللدة لللرب العللالمين‪ ،‬والسللتكبار‬
‫عن طاعته‪ ،‬والذل له‪ ،‬والنقيللاد لوامللره الللذي ل صلللح للعللالم إل‬
‫بذلك‪ ،‬فمتى خل منه خرب وقامت القيامة‪ ،‬كمللا "قللال صلللى الللله‬
‫عليه وسلللم ل تقللوم السللاعة حللتى ل يقللال فللى الرض الللله الللله‬
‫"رواه مسلللم‪ .‬ولن الشللرك تشللبيه للمخلللوق بالخللالق تعللالى‬
‫ومشاركة فى خصائص اللهيلة‪ :‬مللن ملللك الضلر والنفلع‪ ،‬والعطلاء‬
‫والمنع‪ ،‬الذى يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء‪ ،‬والتوكل وأنواع‬
‫لوق فقللد شللبهه‬
‫العبللادة كلهللا بللالله وحللده‪ ،‬فمللن علللق ذلللك بمخلل‬
‫لالق وجع ًللل مللن ل يملللك لنفسلله ضللرا ً ول موت لا ً ول حيللاة ول‬
‫بالخل‬
‫نشورًا‪ ،‬شبيها بمن له الحمد كله‪ ،‬وله الخلق كله‪ ،‬وله الملللك كللله‪،‬‬
‫وإليه يرجع المر كله‪ ،‬وبيده الخيللر كللله‪ ،‬فأزمللة المللور كلهللا بيللده‬
‫سبحانه ومرجعها إليه‪ ،‬فما شاء كان وما لم يشأ لللم يكللن‪ .‬ل مللانع‬
‫لما أعطللى ول معطللي لمللا منللع‪ ،‬الللذي إذا فتللح للنللاس رحمللة فل‬
‫ممسللك لهللا‪ ،‬ومللا يمسللك فل مرسللل للله مللن بعللده وهللو العزيللز‬
‫الحكيم‪ .‬فأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات‪ :‬بالقادر الغنللي‬
‫بالذات‪ .‬ومن خصائص اللهية‪ :‬الكمال المطلق من جميللع الوجللوه‪،‬‬
‫الذى ل نقص فيه بوجه من الوجوه‪ .‬وذلك يوجب أن تكون العبللادة‬
‫كلهللا للله وحللده‪ ،‬والتعظيللم والجلل‪ ،‬والخشللية والللدعاء‪ ،‬والرجللاء‬
‫كل‬
‫والنابة والتوكل والتوبة والستعانة‪ ،‬وغاية الحب مع غاية‬
‫الذل‪:‬عقل ً‬
‫يجب عقل ً وشرعا ً وفطرة أن يكللون لللله وح ًللده‪ ،‬ويمتنللع‬
‫ذلك‬
‫وشرعا ً وفطرة أن يكون لغيره‪ .‬فمن فعللل شلليئا مللن ذلللك لغيللره‬
‫فقد شبه ذلك الغير بمن ل شبيه له ول مثيل له‪ ،‬ول نللد للله‪ ،‬وذلللك‬
‫أقبح التشبيه وأبطله‪ .‬فلهذه المور وغيرهللا أخللبر سللبحانه وتعللالى‬
‫أنه ل يغفره‪،‬مع أنه كتب على نفسه الرحمة‪ .‬هللذا معنللى كلم ابللن‬
‫القيم رحمه الله‪.‬‬
‫وفى الية رد على الخللوارج المكفريللن بالللذنوب‪ .‬وعلللى المعتزلللة‬
‫القائلين بأن أصللحاب الكبللائر يخلللدون فلى النلار‪ ،‬وليسللوا عنللدهم‬
‫بمؤمنين ول كفار‪.‬‬
‫ول يجوز أن يحمل قوله‪" :‬ويغفر مللا دون ذلللك لمللن يشللاء" علللى‬
‫التائب‪ ،‬فإن التائب من الشرك مغفور له كما قال تعالى‪ " :‬قل يللا‬
‫عبادي الذين أسرفوا على أنفسللهم ل تقنطللوا مللن رحمللة الللله إن‬
‫الله يغفر الذنوب جميعا " فهنا عمم وأطلق‪ ،‬لن المراد به التائب‪،‬‬
‫وهناك خص وعلق‪ ،‬لن المراد به من لللم يتللب‪ .‬هللذا ملخلص قلول‬
‫شيخ السلم‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقال الخليل عليه السمملم‪" :‬واجنبنممي وبنممي أن‬
‫نعبد الصنام"( ‪:‬‬
‫الصنم ما كان منحوتا ً على صورة‪ ،‬والوثن مللا كللان موضللوعا ً علللى‬
‫غير ذلك‪ .‬ذكره الطبري عن مجاهد‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقد يسمى الصنم وثنا ً كما قال الخليل عليه السلم ‪ " :‬إنمللا‬
‫تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا " الية ويقللال‪ :‬إن الللوثن‬
‫أعم‪ ،‬وهو قوى‪ ،‬فالصنام أوثان‪ ،‬كما أن القبور أوثان‪.‬‬
‫قوله‪" :‬واجنبني وبني أن نعبد الصنام" أي اجعلني وبني فى جانب‬
‫عن عبادة الصنام‪ ،‬وباعللد بيننللا وبينهلا‪ .‬وقللد اسللتجاب الللله تعلالى‬
‫الصنام‪ .‬وقد بين ما يوجب‬
‫دعاءه‪ ،‬وجعل بنيه أنبياء‪ ،‬وجنبهم عبادة‬
‫النللاس" فللإنه‬
‫الخوف من ذلك بقوله‪" :‬رب إنهن أضللن كثيرا ً مللن‬
‫ً‬
‫هو الواقع فى كل زمان‪ .‬فإذا عرف النسللان أن كللثيرا وقعللوا فللى‬
‫الشرك الكبر وضلوا بعبادة الصنام‪ :‬أوجب ذلك خوفه من أن يقللع‬
‫فيما وقع فيه الكثير من الشرك الذي ل يغفره الله‪.‬‬
‫قال إبراهيم التيمي‪ :‬من يأمن البلء بعد إبراهيم ؟ رواه إبلن جريلر‬
‫وابن أبي حاتم‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫فل يأمن الوقوع فى الشرك إل من هو جاهل به وبما يخلصه منلله‪:‬‬
‫من العلم بللالله وبمللا بعللث بلله رسللوله مللن توحيللده‪ ،‬والنهللي عللن‬
‫الشرك به‪.‬‬
‫قال المصنف‪) :‬وفى الحديث‪" :‬أخوف ممما أخمماف عليكممم‬
‫الشرك الصغر‪ ،‬فسئل عنه فقال‪ :‬الرياء"( ‪:‬‬
‫أورد المصنف هذا الحديث مختصللرا ً غيللر معللزو‪ .‬وقللد رواه المللام‬
‫أحمد والطبراني والبيهقي‪ ،‬وهذا لفللظ أحمللد‪ :‬حللدثنا يللونس حللدثنا‬
‫ليث عن يزيد ‪ -‬يعنى ابن الهاد ‪ -‬عن عمرو عن محمود بن لبيللد أن‬
‫رسول الله صلللى الللله عليلله وسلللم قلال‪ " :‬إن أخللوف مللا أخللاف‬
‫عليكم الشرك الصغر‪ .‬قالوا وما الشرك الصغر يلا رسلول اللله ؟‬
‫قللال‪ :‬الريللاء‪ .‬يقللول الللله تعللالى يللوم القيامللة‪ ،‬إذا جللازى النللاس‬
‫بأعمالهم‪ :‬اذهبوا إلى الذين كنتللم تللراءوا فللى الللدنيا فللانظروا هللل‬
‫تجدون عندهم جزاء "‪.‬‬
‫قال المنذري‪ :‬ومحمود بن لبيد رأى النبى صلللى الللله عليلله وسلللم‬
‫ولم يصح له منه سماع فيما أرى‪ .‬وذكر ابن أبى حاتم أن البخللارى‬
‫قال‪ :‬له صحبة‪ ،‬ورجحه ابن عبد البر والحافظ‪ .‬وقد رواه الطبرانى‬
‫بأسانيد جيدة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج‪ .‬مات محمللود‬
‫سنة ست وتسعين‪ .‬وقيل سنة سلبع وتسلعين ولله تسلع وتسلعون‬
‫سنة‪.‬‬
‫قول‪) :‬إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الصغر( هذا من شللفقته‬
‫صلى الله عليه وسلم بأمته ورحمته ورأفته بهم‪ ،‬فل خيللر إل دلهللم‬
‫عليهم وأمرهم به‪ ،‬ول شر إل بينه لهم وأخللبرهم بلله ونهللاهم عنلله‪،‬‬
‫كما قال صلى ًالله عليه وسلم فيما صح عنه‪ " :‬ما بعللث الللله مللن‬
‫نبي إل كان حقا عليه أن يدل أمتلله علللى ً خيللر مللا يعلملله لهللم‪" ...‬‬
‫الحديث‪ ،‬فإذا كان الشرك الصغر مخوفا على أصحاب رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم مع كمللال علمهللم وقللوة إيمللانهم‪ ،‬فكيللف ل‬
‫يخافه ومللا فللوقه مللن هللو دونهللم فللى العلللم واليمللان بمراتللب ؟‬
‫خصوصا ً إذا عرف أن أكللثر علمللاء المصللار اليللوم ل يعرفللون مللن‬
‫التوحيد إل ما أقر به المشلركون‪ ،‬وملا عرفلوا معنلى اللهيلة اللتى‬
‫نفتها كلمة الخلص عن كل ما سوى الله‪.‬‬
‫وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عن حذيفة بلن اليمللان علن أبلي بكلر‬
‫عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪ " :‬الشللرك أخفلى ملن دبيللب‬
‫النمل‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬وهللل الشللرك إل مللا عبللد مللن‬
‫دون الله أو ما دعى مع الللله ؟ قللال‪ :‬ثكلتللك أمللك‪ ،‬الشللرك فيكللم‬
‫أخفى من دبيللب النمللل" الحللديث‪ .‬وفيلله‪ :‬أن تقللول أعطللاني الللله‬
‫وفلن‪ ،‬والند أن يقللول النسللان‪ :‬لللول فلن قتلنللى فلن ا هللل‪ .‬مللن‬
‫الدر‪.‬‬
‫قال المصنف‪) :‬وعمن ابمن مسمعود رضمى اللمه عنمه‪ :‬أن‬
‫رسول الله ًصلى الله عليه وسلم قال‪" :‬مممن مممات وهممو‬
‫يدعو لله ندا دخل النار" رواه البخارى( ‪:‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله‪ :‬الند الشللبيه‪ ،‬يقللال‪ :‬فلن نللد فلن‪ ،‬ونللد‬
‫يده‪ ،‬أى مثله وشبيهه ا هل‪ .‬قال تعالى‪" :‬فل تجعلوا لله أندادا ً وأنتللم‬
‫تعلمون"‪.‬‬
‫قوله‪) :‬من مات وهو يدعو لله ندًا( أي يجعل لللله نللدا ً فللى العبللادة‬
‫يدعوه ويسأله ويستغيث بلله دخللل النللار‪ .‬قللال العلمللة ابللن القيللم‬
‫رحمه الله‪:‬‬
‫والشرك فاحذره فشرك ظاهر‬
‫وهو اتخاذ الند للرحمن أيا ً كان‬
‫يدعوه أو يرجوه ثم يخافه‬

‫ذا القسم يقابل الغفران‬
‫من حجر ومن إنسان‬
‫ويحبه كمحبة الديان‬

‫واعلم أن اتخاذ الند على قسمين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن يجعله لله شريكا ً فى أنواع العبادة أو بعضها كمللا تقللدم‪،‬‬
‫وهو شرك أكبر‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬ما كان من نوع الشرك الصغر كقول الرجل‪ :‬ما شاء الله‬
‫وشئت‪ ،‬ولول الله وأنت‪ .‬وكيسير الرياء‪ ،‬فقد ثبللت أن النللبى صلللى‬
‫الله عليه وسلم لما قللال للله رجلل‪" :‬مللا شللاء الللله وشللئت‪ ،‬قلال‪:‬‬
‫أجعلتنى لله ندا ً ؟ بل ملا شلاء اللله وحلده" رواه أحملد وابلن أبلي‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪31‬‬

‫شيبة والبخارى في الدب المفرد والنسائي وابن ماجه‪ .‬وقد تقللدم‬
‫حكمه فى باب فضل التوحيد‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬بيان أن دعوة غير الله فيما ل يقدر عليه إل الله شرك جلي‪،‬‬
‫كطلب الشفاعة من الموات‪ ،‬فإنها ملك لله تعالى وبيده‪ ،‬ليس بيد‬
‫غيره منها شئ‪ ،‬وهو الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيملن لقلى للله‬
‫بالخلص والتوحيد من أهللل الكبللائر‪ ،‬كمللا يللأتي تقريللره فللى بللاب‬
‫الشفاعة إن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله تعالى‪) :‬ولمسملم عممن جمابر أن‬
‫ل‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬من لقي الله‬
‫رسول الله‬
‫شميئا ً‬
‫يشرك به شيئا ً دخل الجنة‪ .‬وممن لقيمه يشمرك بمه‬
‫دخل النار" ( ‪:‬‬
‫جابر‪ :‬هو ابن عبد الله بن عمرو بن حللرام ‪ -‬بمهملللتين ‪ -‬النصللاري‬
‫ثم السلمي ‪ -‬بفتحتين ‪ -‬صللحابي جليللل هللو وأبللوه‪ ،‬ولبيلله منللاقب‬
‫مشهورة رضى الله عنهما مات بالمدينة بعللد السللبعين‪ ،‬وقللد كللف‬
‫بصره‪ ،‬وله أربع وتسعون سنة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬من لقي الله ل يشرك به شيئًا( قال القرطبي‪ :‬أى لم يتخذ‬
‫معلله شللريكا ً فللى اللهيللة‪ ،‬ول فللى الخلللق‪ ،‬ول فللى العبللادة‪ ،‬ومللن‬
‫المعلوم من الشرع المجمع عليه عنللد أهللل السللنة‪ :‬أن مللن مللات‬
‫على ذلك فل بد له من دخللول الجنللة‪ ،‬وإن جللرت عليلله قبللل ذلللك‬
‫أنواع من العذاب والمحنة‪ .‬وأن مللن مللات علللى الشللرك ل يللدخل‬
‫الجنة ول يناله من الله رحمة‪ ،‬ويخلد فى النار أبلد البلاد‪ ،‬ملن غيلر‬
‫انقطاع عذاب ول تصرم آماد‪.‬‬
‫وقال النووي‪ :‬أما دخول المشرك النار فهو على عمللومه‪ ،‬فيللدخلها‬
‫ويخلد فيها‪،‬ول فللرق فيلله بيللن الكتللابي اليهللودي والنصللراني‪،‬وبيللن‬
‫عبدة الوثان وسائر الكفرة‪ ،‬ول فرق عند أهللل الحللق بيللن الكللافر‬
‫عنادا ً وغيره‪ ،‬ول بين من خالف ملة السلم وبين من انتسب إليهللا‬
‫ثم حكم بكفره بجحده وغير ذلك‪ .‬وأما دخول من مات غير مشرك‬
‫لات‬
‫الجنة ً فهو مقطوع للله بلله‪ .‬لكللن إن لللم يكللن صللاحب كللبيرة م‬
‫مصلللرا ً‬
‫مصرا عليها دخل الجنة أول‪ ،‬وإن كان صللاحب كللبيرة مل‬
‫لاتأو ً‬
‫ل‪ ،‬وإل‬
‫عليها فهو تحت المشيئة‪ .‬فإن عفا الللله عنلله دخللل الجنللة‬
‫عذب فى النار ثم أخرج من النار وأدخل الجنة‪.‬‬
‫وقال غيره‪ :‬اقتصر على نفي الشرك لستدعائه التوحيد بالقتضللاء‬
‫واستدعائه إثبات الرسالة بللاللزوم‪ .‬إذ مللن كللذب رسللل الللله فقللد‬
‫كذب الله‪ ،‬ومن كذب الله فهللو مشللرك‪ ،‬وهللو كقولللك‪ :‬مللن توضللأ‬
‫صحت صلته‪ .‬أي مع سائر الشروط‪ً ،‬فالمراد‪ :‬من مات حال ًكللونه‬
‫مؤمنا ً بجميع ما يجب اليمان به إجمال فى الجمالي وتفصلليل فللى‬
‫التفصيلي‪ .‬انتهى‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪32‬‬

‫باب‬
‫الدعاء إلى شهادة أن ل إله إل الله‬
‫قوله‪) :‬باب الدعاء إلى شهادة أن ل إله إل الله( ‪:‬‬
‫لما ذكر المصنف رحمه الله التوحيد وفضللله‪ ،‬ومللا يللوجب الخللوف‬
‫من ضده‪ ،‬نبه بهذه الترجمة على أنه ل ينبغى لمن عللرف ذلللك أن‬
‫يقتصر على نفسه‪ ،‬بل يجب عليه أن يدعو إلى الله تعالى بالحكمة‬
‫والموعظة الحسنة‪ .‬كما هو سللبيل المرسلللين وأتبللاعهم كمللا قللال‬
‫الحسن البصري لما تل قوله تعالى‪ " :‬ومن أحسن قول ممللن دعللا‬
‫إلى الله وعمل صللالحا وقللال إننللي مللن المسلللمين " فقللال‪ :‬هللذا‬
‫حبيب الله‪ ،‬هذا ولي الله‪ ،‬هللذا صللفوة الللله‪ ،‬هللذا خيللرة الللله‪ ،‬هللذا‬
‫أحب أهل الرض إلى الله‪ ،‬أجاب الله فى ًدعوته‪ .‬ودعا الناس إلللى‬
‫ما أجاب الله فيه من دعوته‪ ،‬وعمل صالحا فللى إجللابته‪ :‬إننللي مللن‬
‫المسلمين‪ .‬هذا خليفة الله‪.‬‬
‫قال رحمه الله‪) :‬وقوله ‪" :‬قممل هممذه سممبيلي أدعممو إلممى‬
‫الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسممبحان اللممه وممما أنمما‬
‫من المشركين"( ‪:‬‬
‫قال أبو جعفر ابن جرير‪ :‬يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلللى الللله‬
‫عليلله وسلللم )قللل( يللا محمللد )هللذه( الللدعوة الللتى أدعللو إليهللا‪،‬‬
‫والطريقة الللتي أنللا عليهلا‪ ،‬مللن الللدعاء إلللى توحيللد الللله‪ ،‬وإخلص‬
‫العبادة له دون اللهة والوثان‪ .‬والنتهاء إلى طاعته وترك معصلليته‬
‫)سبيلي( طريقتي‪ ،‬ودعوتي )أدعو إلى الله( تعالى وحده ل شللريك‬
‫له )على بصيرة( بذلك‪ ،‬ويقين علم مني به )أنا( ويللدعو إليلله علللى‬
‫بصيرة أيضا ً من اتبعني ًوصدقني وآمن بي ً)وسبحان الله( يقول له‬
‫تعالى ذكره‪ :‬وقل‪ .‬تنزيها لله تعالى وتعظيما للله مللن أن يكللون للله‬
‫شللريك فللى ملكلله أو معبللود سللواه فللى سلللطانه )ومللا أنللا مللن‬
‫المشركين( يقول‪ :‬وأنا برىللء مللن أهللل الشللرك بلله‪ .‬لسللت منهللم‬
‫ولهم منى انتهى‪.‬‬
‫قال فى شرح المنازل‪ :‬يريد أن تصل باستدللك إلى أعلى درجات‬
‫العلم وهى البصيرة الللتى تكللون نسللبة المعلللوم فيهللا إلللى القلللب‬
‫كنسبة المائي إلى البصر‪ ،‬وهللذه هللي الخصيصللة الللتى اختللص بهللا‬
‫الصحابة عن سائر المة وهي أعلى درجلات العلمللاء‪ .‬قللال تعلالى‪:‬‬
‫"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" أي أنا‬
‫وأتباعي على بصيرة‪ .‬وقيل )من اتبعنى( عطف على المرفوع فللى‬
‫)أدعو( أى أنا أدعو إلى الله على بصيرة‪ ،‬ومن اتبعنى كللذلك يللدعو‬
‫إلى الله تعالى على بصيرة‪ ،‬وعلى القللولين‪ :‬فاليللة تللدل علللى أن‬
‫أتباعه هم أهل البصائر الداعون إلى الله تعالى‪ ،‬ومللن ليللس منهللم‬
‫فليس من أتباعه عللى الحقيقلة والموافقلة‪ ،‬وإن كلان ملن أتبلاعه‬
‫على النتساب والدعوى‪.‬‬
‫المصنف رحمه الله‪) :‬فيه مسائل‪ :‬منها التنللبيه علللى الخلص‬
‫قال‬
‫لن كثيرا ً ولللو دعللا إلللى الحللق فهللو يللدعو إلللى نفسلله‪ ،‬ومنهللا‪ :‬أن‬
‫البصيرة من الفرائض‪ .‬ومنها‪ :‬أن من دلئل حسن التوحيد أنه تنزيه‬
‫لله تعالى عن المسبة‪ .‬ومنها أن من قبح الشرك كللونه مسللبة لللله‬
‫تعالى‪ .‬ومنها إبعاد المسلم عن المشركين ل يصللير منهللم ولللو لللم‬
‫يشرك( ا هل‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪33‬‬

‫وقال العلمة ابن القيم رحمه الله تعالى فى معنى قوله تعللالى‪" :‬‬
‫ادع إلللى سللبيل ربللك بالحكمللة والموعظللة الحسللنة " اليللة‪ .‬ذكللر‬
‫بحسللب حللال المللدعو‪،‬‬
‫سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلثة أقسام‬
‫فإنه إما أن يكون طالبا ً للحق محب لا ً للله‪ .‬مللؤثرا ً للله علللى غيللره إذا‬
‫يدعى بالحكمة‪ .‬ول يحتاج إلللى موعظللة وجللدال‪ .‬وإمللا‬
‫عرفه‪ .‬فهذا‬
‫يحتاج‬
‫أن يكون مشتغل ً بضد الحق‪ .‬لكن لو عرفه آثره واتبعه‪ً .‬فهذا‬
‫معارض لا‪ً،‬‬
‫إلى الموعظة بالترغيب والترهيب‪ .‬وإما أن يكون معانللدا‬
‫فهذا يجادل بالتي هى أحسن‪ .‬فإن رجع وإل انتقل معله إللى الجلد‬
‫إن أمكن‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫عنهما أن رسمول اللمه‬
‫قال‪) :‬وعن ابن عباس رضى الله‬
‫صلى الله عليه ًوسلم لما بعث معمماذا ً إلممى اليمممن قممال‪:‬‬
‫"إنك تأتي قوما من أهل الكتاب‪ .‬فليكن أول ما تدعوهم‬
‫إليممه شممهادة أن ل إلممه ال اللممه ‪ -‬وفممى روايممة‪ :‬إلممى أن‬
‫يوحدوا الله ‪ -‬فإن هم أطاعوك لممذلك فممأعلمهم أن اللممه‬
‫افترض عليهم خمس صلوات فى كممل يمموم وليلممة‪ .‬فممإن‬
‫هممم أطمماعوك لممذلك فممأعلمهم أن اللممه افممترض عليهممم‬
‫صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم‪ .‬فممإن هممم‬
‫أطمماعوك لممذلك فإيمماك وكممرائم أممموالهم‪ .‬واتممق دعمموة‬
‫المظلوم‪ .‬فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه( ‪:‬‬
‫قال الحافظ‪ :‬كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر‪ .‬قبل حج النللبى‬
‫صلى الله عليه وسلللم كمللا ذكللره المصللنف ‪ -‬يعنللى البخللارى فللى‬
‫أواخر المغازي ‪ -‬وقيل‪ :‬كان ذلك فى آخر سنة تسع عنللد منصللرفه‬
‫صلى الله عليه وسلم من تبوك‪ .‬رواه الواقللدي بإسللناد إلللى كعللب‬
‫بن مالك‪ .‬وأخرجه ابن سعد في لطبقات عنه واتفقوا على أنلله لللم‬
‫يزل على اليمن إلى أن قدم فى خلفة أبى بكر رضى الله عنه ثم‬
‫توجه إلى الشام فمات بها‪.‬‬
‫أنه صلى ً الللله‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬ومن فضائل معاذ رضى الله عنه‬
‫عليه وسلم بعثه إلى اليمن مبلغا ً عنه‪ .‬ومفقها ً ومعلما ً وحاكما‪.‬‬
‫قوله )إنك تأتي قوما ً من أهل الكتاب( قال القرطبي‪ :‬يعني اليهللود‬
‫والنصارى‪ ،‬لنهللم كللانوا فللي اليمللن أكللثر مللن مشللركي العللرب أو‬
‫أغلب‪ ،‬وإنما نبه على ذلك ليتهيأ لمناظرتهم‪.‬‬
‫وقال الحافظ‪ :‬هو كالتوطئة للوصية لجمع همته عليها‪.‬‬
‫قوله )فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن ل إله إل الللله شللهادة‬
‫رفع على أنه اسم يكن مؤخر‪ .‬و أول خبرها مقدم‪ .‬ويجوز العكس‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وفى رواية إلى أن يوحدوا الله( هذه الرواية ثابتة فى كتاب‬
‫التوحيد من صحيح البخارى‪ .‬وأشار المصنف بذكر هذه الرواية إلى‬
‫التنبية على معنى شهادة أن ل إله إل الله فإن معناهللا توحيللد الللله‬
‫بالعبادة ونفي عبادة ما سواه‪ .‬وفى رواية فليكلن أول ملا تلدعوهم‬
‫إليه عبادة الله وذلك هو الكفر بالطاغوت واليمان بالله‪ ،‬كمللا قللال‬
‫تعالى‪ " :‬فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة‬
‫الوثقى ل انفصام لها " والعروة الوثقى هى )ل إللله إل الللله( وفللى‬
‫رواية للبخارى فقال‪ :‬ادعهللم إلللى شللهادة أن ل إللله إل الللله وأنللي‬
‫رسول الله‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ل بد فى شهادة أن ل إله إل الله من سبعة شللروط‪ ،‬ل تنفللع‬
‫قائلها إل باجتماعها‪ ،‬أحدها‪ :‬العلم المنافي للجهللل‪ .‬الثللانى‪ :‬اليقيللن‬
‫المنللافي للشللك‪ .‬الثللالث‪ :‬القبللول المنللافي للللرد‪ .‬الرابللع‪ :‬النقيللاد‬
‫المنافي للللترك‪ .‬الخللامس‪ :‬الخلص المنللافي للشللرك‪ .‬السللادس‪:‬‬
‫الصدق المنافي للكذب‪ .‬السابع‪ :‬المحبة المنافية لضدها‪.‬‬
‫وفيه دليل على أن التوحيد ‪ -‬الذي هو إخلص العبادة لللله وحللده ل‬
‫شريك له وترك عبادة ما سواه ‪ -‬هو أول واجب‪ .‬ولهذا كان أول ما‬
‫دعت إليه الرسل عليهم السلم‪" :‬أن اعبدوا الله ما لكللم مللن إللله‬
‫غيره" وقال نوح‪" :‬أن ل تعبدوا إل الله" وفيه معنى )ل إله إل الله(‬
‫مطابقة‪.‬‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬وقد علم بالضللطرار مللن ديللن الرسللول صلللى‬
‫السلم وأول ما يؤمر‬
‫الله عليه وسلم واتفقت عليه المة أن أصل‬
‫الله‪ ،‬وأن محمدا ً رسول الله‪ ،‬فبذلك‬
‫به الخلق‪ :‬شهادة أن ل إله إل‬
‫يصير الكافر مسلمًا‪ ،‬والعدو وليًا‪ ،‬والمباح دمه وماله‪ :‬معصوم الدم‬
‫والمال‪ .‬ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل فللى اليمللان وإن قللاله‬
‫بلسانه دون قلبه فهو فى ظاهر السلم دون باطن اليمللان‪ .‬قللال‪:‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪34‬‬

‫وأما إذا لم يتكلم بها مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين باطنللا ً‬
‫وظاهرًا‪ ،‬عند سلف المة وأئمتها وجماهير العلماء ا هل‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله تعالى‪) :‬وفيه أن النسان قد يكون عالمللا ً‬
‫وهو ل يعرف معنى ل إله إل الله أو يعرفه ول يعمل به( ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فما أكثر هؤلء ‪ -‬ل كثرهم الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فإن هم أطاعوك لذلك( أي شهدوا وانقادوا لذلك )فأعلمهم‬
‫أن الللله افللترض عليهللم خمللس صلللوات( فيلله‪ :‬أن الصلللة أعظللم‬
‫واجب بعد الشهادتين‪ .‬قللال النللووى مللا معنللاه‪ :‬أنلله يللدل علللى أن‬
‫المطالبة بالفرائض فى الدنيا ل تكون إل بعد السلم‪ .‬ول يلزم من‬
‫ذلللك أن ل يكونللا مخللاطبين بهللا‪ ،‬ويللزاد فللى عللذابهم بسللببها فللى‬
‫الخرة‪ .‬والصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور بلله‬
‫والمنهى عنه‪ .‬وهذا قول الكثرين ا هل‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخللذ مللن أغنيللائهم‬
‫فترد على فقرائهم(‪.‬‬
‫فيه دليل على أن الزكاة أوجب الركان بعد الصلوات‪ ،‬وأنهللا تؤخللذ‬
‫من الغنياء وتصرف إلى الفقراء‪ ،‬وإنما خص النبى صلى الله عليه‬
‫وسلم الفقراء لن حقهم في الزكاة آكللد مللن حللق بقيللة الصللناف‬
‫الثمانية‪.‬‬
‫لرفها‪ :‬إمللا بنفسلله‬
‫وفيه‪ :‬أن المام هو الذى يتولى قبض الزكاة وصل‬
‫أو نائبه‪ ،‬فمن امتنع عن آدائها إليه أخذت منه قهرًا‪.‬‬
‫في الحديث دليل على أنه يكفي إخراج الزكللاة فللى صللنف واحللد‪،‬‬
‫كما هو مذهب مالك وأحمد‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬أنه ل يجوز دفعها إلى غني ول إلى كللافر غيللر المؤلللف‪ ،‬وإن‬
‫الزكاة واجبة فى مال الصبى والمجنلون‪ ،‬كملا هلو قلول الجمهلور‪،‬‬
‫لعموم الحديث‪.‬‬
‫قلللت‪ :‬والفقيللر إذا أفللرد فللى اللفللظ تنللاول المسللكين وبللالعكس‪،‬‬
‫كنظائره‪ .‬كما قرره شيخ السلم‪.‬‬
‫قوله )إياك وكرائم أمللوالهم( بنصللب كللرائم علللى التحللذير‪ ،‬وجمللع‬
‫كريمة قلال صلاحب المطلالع هلي الجامعلة للكملال الممكلن فلي‬
‫لم وصللوف‪ .‬ذكللر‬
‫حقها‪ ،‬من غزارة لبن‪ ،‬وجمللال صللورة‪ ،‬وكللثرة لحل‬
‫النووي )قلت( وهي خيار المال وأنفسه وأكثره ثمنًا‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬أنه يحرم على العامل فى الزكاة أخذ كلرائم الملال‪ ،‬ويحلرم‬
‫على صاحب المال إخراج شللرار المللال‪ .‬بللل يخللرج الوسللط‪ ،‬فللإن‬
‫طابت نفسه بالكريمة جاز‪.‬‬
‫قوله‪) :‬واتق دعوة المظلوم( أي اجعل بينللك وبينهللا وقايللة بالعللدل‬
‫وترك الظلم‪ ،‬وهذان المران يقيان من رزقهما من جميع الشللرور‬
‫دنيا وأخرى‪.‬‬
‫وفيه تنبيه على التحذير من جميع أنواع الظلم‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فإنه( أي الشأن )ليس بينها وبين الله حجاب( هللذه الجملللة‬
‫مفسرة لضمير الشأن‪ ،‬أي فإنها ل تحجب عن الله فيقبلها‪.‬‬
‫وفى الحديث أيضا ً قبول خبر الواحللد العللدل‪ ،‬ووجللوب العمللل بلله‪.‬‬
‫وبعللث المللام العمللال لجبايللة الزكللاة‪ .‬وأنلله يعللظ عمللاله وولتلله‪،‬‬
‫ويأمرهم بتقوى الله تعالى‪ ،‬ويعلمهم‪ ،‬وينهاهم عن الظلم ويعرفهم‬
‫سوء عاقبته‪ .‬والتنبيه على التعليم بالتدريج‪ .‬قاله المصنف‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ويبدأ بالهم فالهم‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪35‬‬

‫واعلم أنه لم يذكر فى الحديث الصوم والحج‪ ،‬فأشللكل ذلللك علللى‬
‫كثير من العلماء‪ .‬قال شيخ السلم‪ :‬أجاب بعض النللاس‪ :‬أن بعللض‬
‫الرواة اختصر الحديث وليس كذلك‪ .‬فإن هذا طعن فى الرواة‪ .‬لن‬
‫ذلك إنما يقع فى الحلديث الواحلد‪ ،‬مثلل حلديث وفلد عبلد القيلس‬
‫حيللث ذكللر بعضللهم الصلليام وبعضللهم لللم يللذكره‪ ،‬فأمللا الحللديثان‬
‫المنفصلن فليس المر فيها كذلك‪ ،‬ولكن عن هذا جوابان‪:‬‬
‫أحللدهما‪ :‬أن ذلللك بحسللب نللزول الفللرائض‪ ،‬وأول مللا فللرض الللله‬
‫الشهادتين ثم الصلة‪ .‬فإنه أمللر بالصلللة فللى أول أوقللات الللوحي‪،‬‬
‫ولهللذا لللم يللذكر وجللوب الحللج‪ ،‬كعامللة الحللاديث‪ ،‬إنمللا جللاء فللى‬
‫الحاديث المتأخرة‪.‬‬
‫الجواب الثانى‪ :‬أنه كان يذكر فى كل مقام ما يناسبه‪ .‬فيللذكر تللارة‬
‫الفرائض التى يقاتل عليها‪ :‬كالصلة والزكللاة‪ .‬ويللذكر تللارة الصلللة‬
‫والصيام لمللن لللم يكللن عليلله زكللاة‪ ،‬ويللذكر تللارة الصلللة والزكللاة‬
‫والصوم‪ .‬فإما أن يكون قبل فرض الحج‪ ،‬وإما أن يكون المخللاطب‬
‫بذلك ل حج عليه‪ ،‬وأما الصلللة والزكللاة فلهمللا شللأن ليللس لسللائر‬
‫الفرائض ولهذا ذكر الللله تعللالى فللى كتللابه القتللال عليهمللا‪ ،‬لنهمللا‬
‫عبادتان ظاهرتان‪ ،‬بخلف الصوم بأنه أمر باطن من جنس الوضوء‬
‫والغتسال من الجنابللة‪ ،‬ونحللو ذلللك ممللا يللؤتمن ًعليلله العبللد فللإن‬
‫النسان يمكنه أن ل ينوي الصللوم وأن يأكللل سللرا‪ ،‬كمللا يمكنلله أن‬
‫يكتم حدثه وجنابته‪ ،‬وهو يذاكر فى العمللال الظللاهرة الللتى يقاتللل‬
‫الناس عليها ويصيرون مسلمين بفعلها‪ .‬فلهللذا علللق ذلللك بالصلللة‬
‫والزكاة دون الصوم‪ ،‬وإن كان واجبا ً كما في آيتي ًبراءة نزلت بعللد‬
‫فرض الصيام باتفاق الناس‪ .‬وكذلك لما بعث معاذا إلى اليمللن لللم‬
‫يذكر فى حديث الصللوم‪ ،‬لنلله تبللع وهللو بللاطن‪ ،‬ول ذكللر الحللج لن‬
‫وجللوبه خللاص ليللس بعللام‪ ،‬و ل يجللب فللى العمللر إل مللرة‪ .‬انتهللى‬
‫بمعناه‪.‬‬
‫قوله )أخرجاه( أي البخارى ومسلم‪ ،‬وأخرجه أيضا ً أحمد وأبللو داود‬
‫والترمذي والنسائي وابن ماجة‪.‬‬
‫قال‪) :‬ولهممما عممن سممهل بممن سممعد رضممي اللممه عنممه أن‬
‫رسول الله صمملى اللممه عليممه وسمملم قممال يمموم خيممبر‪" :‬‬
‫لعطين الراية غدا ً رجل ً يحب الله ورسمموله ويحبممه اللممه‬
‫ورسموله‪ ،‬يفتمح اللمه علمى يمديه فبمات النماس يمدوكون‬
‫ليلتهم‪ ،‬أيهم يعطاها‪ .‬فلما أصممبحوا غممدوا علممى رسممول‬
‫اللممه صمملى اللممه عليممه وسمملم كلهممم يرجممو أن يعطاهمما‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أين علي بممن أبممي طممالب ؟ فقيممل‪ :‬هممو يشممتكي‬
‫عينيه قال فأرسلوا إليممه‪ ،‬فممأتي بممه‪ ،‬فبصممق فممى عينيممه‬
‫ودعا له‪ ،‬فبرأ كأن لم يكن به وجع‪ ،‬فأعطاه الراية‪ ،‬قممال‬
‫انفذ على رسلك حتى تنزل بسمماحتهم‪ ،‬ثممم ادعهممم إلممى‬
‫السلم‪ ،‬وأخبرهم بما يجب عليهم ًمن حم ًمق اللممه تعممالى‬
‫فيه‪،‬فو الله لن يهدي الله بك رجل واحدا خيممر لممك مممن‬
‫حمر النعم"( ‪:‬‬
‫يدوكون أي يخوضون‪.‬‬
‫قللوله‪) :‬عللن سللهل بللن سللعد( أي ابللن مالللك بللن خالللد النصللارى‬
‫الخزرجى الساعدى‪ ،‬أبي العبللاس صللحابي شللهير‪ ،‬وأبللوه صللحابي‬
‫أيضًا‪ ،‬مات سنة ثمان وثمانين وقد جاوز المائة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬قال يوم خيبر( وفى الصحيحين عن سلمة بن الكللوع قللال‪:‬‬
‫"كان علي رضي الله عنه قللد تخلللف عللن النللبي صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم فى خيبر‪ ،‬وكان أرمللد‪ ،‬فقللال‪ :‬أنللا أتخلللف عللن رسللول الللله‬
‫صلى الله عليه وسلم فخرج علللي رضللى الللله عنلله فلحللق بللالنبى‬
‫صلى الله عليه وسلم فلما كان مساء الليلة الللتى فتحهللا الللله عللز‬
‫قال صلى الله عليه وسلللم‪ :‬لعطيللن الرايللة ‪ -‬أو‬
‫وجل فى صباحها‬
‫ليأخذن الراية ‪ -‬غدا ً رجل يحبه الللله ورسللوله‪ ،‬أو قللال‪ :‬يحللب الللله‬
‫ورسوله‪ ،‬يفتح الله على يديه‪ .‬فإذا نحن بعلي وما نرجللوه‪ ،‬فقللالوا‪:‬‬
‫هذا علي‪ ،‬فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلللم الرايللة ففتللح‬
‫الله عليه"‪.‬‬
‫قوله‪) :‬لعطين الراية( قال الحافظ‪ :‬فى رواية بريللدة‪" :‬إنللى دافللع‬
‫اللواء إلى رجل يحبه الله ورسللوله" وقللد صللرح جماعللة مللن أهللل‬
‫اللغة بترادفها‪ ،‬ولكن روى أحمد والترمذي من حللديث ابللن عبللاس‬
‫"كانت راية رسلول اللله صللى اللله عليله وسللم سلوداء‪ ،‬وللواؤه‬
‫أبيض" ومثله عند الطبرانى عن بريدة‪ .‬وعللن ابللن عللدي عللن أبللى‬
‫هريرة وزاد مكتوب فيه‪ :‬ل إله إل الله محمد رسول الله‪.‬‬
‫قوله‪) :‬يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله( فيه فضيلة عظيمللة‬
‫لعلي رضى الله عنه‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪36‬‬

‫قال شيخ السلم‪ :‬ليس هذا الوصف مختصا ً بعلي ول بالئمة‪ ،‬فللإن‬
‫الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي‪ ،‬يحب الللله ورسللوله‪ ،‬لكللن هللذا‬
‫الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الللذين ل يتولللونه‪ ،‬أو‬
‫يكفرونه أو يفسقونه‪ ،‬كلالخوارج‪ .‬لكللن هللذا الحتجللاج ل يتللم علللى‬
‫قول الرافضة الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة‬
‫كانت قبل ردتهم‪ ،‬فإن الخوارج تقول فللي علللي مثللل ذلللك‪ ،‬ولكللن‬
‫ورسوله ل يطلق مثل هذا المللدح علللى‬
‫هذا باطل‪ ،‬فإن الله تعالى‬
‫من يعلم الله أنه يموت كافرًا‪.‬‬
‫وفيه إثبات صفة المحبة خلفا ً للجهمية ومن أخذ عنهم‪.‬‬
‫قوله‪) :‬يفتح الله على يديه( صريح فى البشارة بحصول الفتح‪ ،‬فهو‬
‫علم من أعلم النبوة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فبات الناس يدوكون ليلتهم( بنصب )ليلتهم( و يدوكون قال‬
‫المصنف‪ :‬يخوضون‪ .‬أي فيمن يدفعها إليلله‪ .‬وفيلله حللرص الصللحابة‬
‫على الخير واهتمامهم به‪ ،‬وعلو مرتبتهم فى العلم واليمان‪.‬‬
‫قوله‪) :‬أيهم( هو برفع أي على البناء لضافتها وحذف صدر صلتها‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى اللله عليلله وسلللم‬
‫كلهم يرجو أن يعطاها( وفى رواية أبي هريرة عند مسلم أن عمللر‬
‫قال‪" :‬ما أحببت المارة إل يومئذ"‪.‬‬
‫شهادة النبى صلى الله عليه وسلم‬
‫قال شيخ إلسلم‪ :‬إن فى ذلك‬
‫لعلي بإيمللانه باطنلا ً وظللاهرا ً وإثباتلا ً لمللوالته لللله تعللالى ورسللوله‬
‫ووجوب موالة المؤمنين له‪ ،‬وإذا شهد النبى صلى الله عليه وسلم‬
‫لمعين بشهادة‪ ،‬أو دعا له أحب كثير من الناس أن يكللون للله مثللل‬
‫تلك الشهادة ومثل ذلك الدعاء‪ ،‬وإن كان النبى يشهد بللذلك لخلللق‬
‫كثير ويدعو لخلق كثير‪ ،‬وهذا كالشهادة بالجنة لثابت بن قيس‪.‬‬
‫وعبد الله بن سلم وإن كان شهد بالجنة لخرين‪ ،‬والشهادة بمحبللة‬
‫الله ورسوله للذي ضرب فى الخمر‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فقال أين علي بن أبى طالب( فيه سؤال المام عن رعيته‪،‬‬
‫وتفقد أحوالهم‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فقيل هو يشللتكي عينيلله( أي مللن الرمللد‪ ،‬كمللا فللى صللحيح‬
‫مسلم عن سعد بن أبي وقاص فقال‪ :‬ادعوا لي عليا ً فأتي به أرمللد‬
‫الحديث‪ ،‬وفى نسخة صللحيحة بخللط المصللنف‪ :‬فقيلل هلو يشلتكي‬
‫الفعللل‬
‫عينيه‪ ،‬فأرسل إليه مبني للفاعل‪ ،‬وهللو ضللمير مسللتتر فللي‬
‫راجع إلى النبى صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون مبنيللا ً لمللا‬
‫لم يسم فاعله‪ .‬ولمسلم من طريق إياس بن سلمة بن الكوع عن‬
‫أبيه قال‪ :‬فأرسلنى إلى علي فجئت به أقوده أرمد‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فبصق( بفتح الصاد‪ ،‬أي تفل‪.‬‬
‫وقوله )ودعللا للله فللبرأ( هللو بفتللح الللراء والهمللزة‪ ،‬أي عللوفي فللي‬
‫الحال‪ ،‬عافية كاملة كأن لم يكن به وجع من رمد ول ضعف بصر‪.‬‬
‫وعند الطبراني من حديث علي فما رمللدت ول صللدعت منللذ دفللع‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم إلي الراية وفيه دليل على الشهادتين‪.‬‬
‫قوله )فأعطاه الراية( قال المصنف‪ :‬فيه اليمان بالقللدر لحصللولها‬
‫لمن لم يسع ومنعها عمن سعى‪.‬‬
‫وفيه إن فعل السلباب المباحلة أو الواجبللة أو المسلتحبة ل ينللافي‬
‫التوكل‪.‬‬
‫قوله )وقال انفذ على رسلك( بضم الفاء‪ ،‬اي امض ورسلك بكسللر‬
‫الراء وسكون السين‪ ،‬أي على رفقللك مللن غيللر عجلللة‪ .‬وسللاحتهم‬
‫فناء أرضهم وهو ما حولها‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪37‬‬

‫وفيه‪ :‬الدب عند القتال وترك العجلة والطيش‪ ،‬والصوات الللتى ل‬
‫حاجة إليها‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬أمر المام عماله بالرفق من غير ضعف ول انتقاض عزيمللة‪،‬‬
‫لى السلللم أي الللذي هللو معنللى‬
‫كما يشير إليه قوله ثللم ادعهللم إلل‬
‫الللله‪ ،‬وإن شللئت قلللت‬
‫شهادة أن ل إله إل الله وأن محمدا ً رسول‬
‫ً‬
‫السلم‪ :‬شهادة أن ل إله إل الله وأن محمللدا عبللده ورسللوله‪ ،‬ومللا‬
‫اقتضته الشهادتان من إخلص العبادة لله وحللده‪ ،‬وإخلص الطاعللة‬
‫لرسوله صلى الله عليه وسلم‪ .‬ومن هنللا طللابق الحللديث الترجمللة‬
‫كما قال تعالى لنبيه ورسوله‪ " :‬قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة‬
‫سواء بيننا وبينكم أن ل نعبد إل الللله ول نشللرك بلله شلليئا ول يتخللذ‬
‫بعضنا بعضا أربابللا مللن دون الللله فللإن تولللوا فقولللوا اشللهدوا بأنللا‬
‫مسلمون "‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله‪ :‬والسلللم هللو الستسلللم لللله‪ ،‬وهللو‬
‫الخضوع له والعبودية له‪ .‬كذا قال أهل اللغة‪.‬‬
‫وقال رحمه الله تعالى‪ :‬ودين السلم الذي ارتضاه الللله وبعللث بلله‬
‫لوع للله‬
‫رسله‪ :‬هو الستسلم له وحده‪ ،‬فأصله فللى القلللب‪ .‬والخضل‬
‫وحده دون ما سواه‪ .‬فمن عبده وعبد معلله إلهًلا ً آخللر‬
‫وحده بعبادته‬
‫لم يكن مسلمًا‪ .‬ومن استكبر عللن عبللادته لللم يكللن مسلللما‪ ،‬وفللى‬
‫الصل‪ :‬هو من باب العمل‪ ،‬عمل القلللب والجللوارح‪ .‬وأمللا اليمللان‬
‫فأصله تصديق القلب‪ ،‬وإقراره ومعرفته‪ ،‬فهو من باب قول القلب‬
‫المتضمن عمل القلب‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫فتبين أن أصل السلم هو التوحيد ونفي الشرك فلى العبلادة وهلو‬
‫دعللوة جميللع المرسلللين‪ ،‬وهللو الستسلللم لللله تعللالى بالتوحيللد‪،‬‬
‫والنقياد له بالطاعة فيما أمرهم به علللى ألسللن رسللله‪ ،‬كمللا قللال‬
‫تعللالى عللن نللوح أول رسللول أرسللله‪" :‬أن اعبللدوا الللله واتقللوه‬
‫وأطيعون"‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬مشلروعية اللدعوة قبلل القتللال‪ ،‬لكلن إن كلانوا قللد بلغتهللم‬
‫الدعوة جاز قتالهم ابتداء لن النللبى صلللى الللله عليلله وسلللم أغللار‬
‫على بنللى المصللطلق وهللم غللارون وإن كللانوا لللم تبلغهللم الللدعوة‬
‫وجبت دعوتهم‪.‬‬
‫قوله وأخبرهم بما يجب عليهلم ملن حلق اللله تعلالى فيله أي فلي‬
‫السلم إذا أجابوك إليه فأخبرهم بما يجب مللن حقللوقه الللتى لبللد‬
‫لهم من فعلها‪ :‬كالصلة والزكاة‪ ،‬كما فى حديث أبى هريرة‪" :‬فللإذا‬
‫فعلوا ذلك فقد منعوا مني دماءهم وأموالهم إل بحقها " ولمللا قللال‬
‫عمر لبي بكر فى قتاله مانعي الزكلاة‪ ":‬كيلف تقاتلل النسلاء وقلد‬
‫قال رسول الله صلى اله عليه وسلم‪ :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى‬
‫إل‬
‫يقولوا‪ :‬ل إله إل الله‪ .‬فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم‬
‫عناقا ً‬
‫بحقها‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬فإن الزكاة حق المال‪ ،‬والله لو منعوني‬
‫كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬لقاتلتهم علللى‬
‫منعها "‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬بعث إلمام الدعاة إلى الله تعالى‪ ،‬كما كان النبي صلى الللله‬
‫عليه وسلم وخلفائه الراشدون يفعلون‪ ،‬كما فى المسند عن عمللر‬
‫بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال فى خطبته‪ " :‬أل إني والله مللا‬
‫أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ول ليأخذوا أمللوالكم‪ .‬ولكللن‬
‫أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسننكم "‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فو الله لن يهدى الله بللك رجل ً واحللدا ً خيللر لللك مللن حمللر‬
‫النعللم( أن مصللدرية واللم قبلهللا مفتوحللة لنهللا لم القسللم‪ .‬وأن‬
‫والفعل بعدها فى تأويل مصدر‪ ،‬رفللع علللى البتللداء والخللبر خيللر و‬
‫حمر بضم المهملة وسكون الميم‪ ،‬جمع أحمر‪ .‬و النعم بفتح النللون‬
‫والعين المهملة‪ ،‬أي خير لك من البل الحمر‪ .‬وهللي أنفللس أمللوال‬
‫العرب‪.‬‬
‫قال النووي‪ :‬وتشبيه أمور الخرة بأمور الدنيا إنما هو للتقريب إلى‬
‫الفهام‪ ،‬وإل فللذرة مللن الخللرة خيللر مللن الرض بأسللرها وأمثالهللا‬
‫معها‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬فضيلة من اهتدى على يديه رجل واحد‪ ،‬وجواز الحلف علللى‬
‫الخبر والفتيا ولو لم يستحلف‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪38‬‬

‫باب‬
‫تفسير التوحيد وشهادة أن ل إله إل‬
‫الله‬
‫قوله‪) :‬باب‪ :‬تفسير التوحيد وشهادة أن ل إله إل الله( ‪:‬‬
‫قلت‪ :‬هذا من عطف الدال على المدلول‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬قد تقدم في أول الكتاب من اليات ما يبين معنى ل إللله‬
‫ال الله وما تضمنته من التوحيد كقوله تعالى ‪ " :‬وقضى ربللك أن ل‬
‫تعبدوا إل إياه " وسابقها ولحقهللا‪ ،‬وكللذلك مللا ذكللره فللي البللواب‬
‫بعدها‪ ،‬فما فائدة هذه الترجمة ؟‬
‫قيللل‪ :‬هللذه اليللات المللذكورات فللي هللذا البللاب فيهللا مزيللد بيللان‬
‫بخصوصها لمعنى كلمة الخلص وما دلت عليه‪ :‬من توحيد العبادة‪.‬‬
‫فيهللا‪ :‬الحجللة علللى مللن تعلللق مللن النبيللاء والصللالحين يللدعوهم‬
‫ويسألهم‪ .‬لن ذلك هو سبب نزول بعض هذه اليات‪ ،‬كالية الولى‪:‬‬
‫"قل ادعوا الذين زعمتم من دونه" أكثر المفسرين على أنها نزلت‬
‫فيمن يعبد المسيح وأمه‪ ،‬والعزيللر والملئكللة‪ ،‬وقللد نهللى الللله عللن‬
‫ذلك أشد النهى‪ ،‬كما فى هذه الية من التهديد والوعيد على ذلللك‪.‬‬
‫وهللذا يللدل علللى أن دعللاءهم مللن دون الللله شللرك بللالله‪ ،‬ينللافي‬
‫التوحيد وينافي شهادة أن ل إله إل الله‪ ،‬فللإن التوحيللد أن ل يللدعى‬
‫إل الله وحده‪ .‬وكلمة الخلص نفللت هللذا الشللرك‪ ،‬لن دعللوة غيللر‬
‫الله تأليه وعبادة له‪ .‬و الدعاء مخ العبادة‪.‬‬
‫تحللويله‬
‫وفى هذه الية‪ :‬أن المدعو ل يملك لداعيه كشف ضرر ول‬
‫المدعو نبيللا ً‬
‫من مكان إلى مكان‪ ،‬ول من صفة إلى صفة‪ .‬ولو كان‬
‫ً‬
‫أو ملكًا‪ .‬وهذا يقرر بطلن دعوة كل مدعو من دون الله كائن لا مللن‬
‫كان‪ ،‬لن دعوته تخون داعيه أحوج ما كللان إليهللا‪ ،‬لنلله أشللرك مللع‬
‫الله من ل ينفعه ول يضره‪ .‬وهذه الية تقرر التوحيد‪ ،‬ومعنى ل إللله‬
‫إل الله‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪" :‬أولئك الذين يممدعون يبتغممون إلممى ربهممم‬
‫الوسيلة"‪:‬‬
‫يبين أن هذا سبيل النبياء والمرسلين وملن تبعهلم ملن الملؤمنين‪.‬‬
‫قال قتادة‪ :‬تقربوا إليه بطاعته والعمل فيما يرضيه وقرأ ابن زيللد‪":‬‬
‫أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسلليلة أيهللم أقللرب " قللال‬
‫العماد ابن كثير‪ :‬وهللذا ل خلف فيلله بيللن المفسللرين‪ .‬وذكللره عللن‬
‫عدة من أئمة التفسير‪.‬‬
‫قلال العلمللة ابلن القيللم رحمله الللله تعلالى‪ :‬فللي هللذه اليللة ذكلر‬
‫المقامات الثلث‪ :‬الحب‪ ،‬وهو ابتغللاء التقللرب إليلله‪ .‬والتوسللل إليلله‬
‫بالعمللال الصللالحة‪ .‬والرجللاء والخللوف‪ .‬وهللذا هللو حقيقللة التوحيللد‬
‫وحقيقة دين السلم كما في المسند عن بهز بللن حكيللم عللن أبيلله‬
‫عن جده أنه قال للنبى صلى الله عليلله وسلللم " والللله يللا رسللول‬
‫الله ملا أتيتللك إل بعلد ملا حلقلت عللدد أصلابعي هللذه‪ :‬أن ل آتيللك‪.‬‬
‫فبالذي بعثك بالحق‪ ،‬ما بعثك به ؟ قال‪ :‬السلم‪ .‬قال‪ :‬وما السلللم‬
‫؟ قللال‪ :‬أن تسلللم قلبللك وأن تللوجه وجهللك إلللى الللله‪ ،‬وأن تصلللي‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪39‬‬

‫الصلوات المكتوبة‪ ،‬وتؤدي الزكللاة المفروضللة" وأخللرج محمللد بللن‬
‫قال‪ :‬قال‬
‫نصر المروزى من حديث خالد بن معدان عن أبي هريرة‬
‫صوى ومنارا ً كمنار‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن للسلم‬
‫الطريق‪ .‬من ذلك أن تعبد الله ول تشللرك بلله شلليئا ً وتقيللم الصلللة‬
‫وتللؤتي الزكللاة وتصللوم رمضللان‪ ،‬والمللر بللالمعروف والنهللي عللن‬
‫المنكر" وهذا معنى قوله تعالى‪" :‬ومن يسلم وجهه إلى الللله وهللو‬
‫محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة المور"‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ " :‬وإذ قال إبراهيم لبيه وقومه إنني بممراء‬
‫مما تعبدون * إل الذي فطرني فإنه سمميهدين * وجعلهمما‬
‫كلمة باقية في عقبه "‪:‬‬
‫أي ل إله إل الله‪.‬‬
‫فتدبر كيف عبر الخليللل عليلله السلللم عللن هللذه الكلمللة العظيمللة‬
‫بمعناها الذي دلت عليه‪ .‬ووضعت له من البراءة مللن كللل مللا يعبللد‬
‫من دون الله مللن المعبللودات الموجللودة فللي الخللارج‪ :‬كللالكواكب‬
‫والهياكل والصنام التى صورها قوم نوح على صلور الصللالحين‪ :‬ود‬
‫وسواع ويغوث ويعوق ونسر‪ ،‬وغيرها من الوثان والنداد التى كان‬
‫يعبدها المشركون بأعيانها‪ .‬ولللم يسللتثن مللن جميللع المعبللودات إل‬
‫الذي فطره‪ ،‬وهو الله وحده ل شريك له‪ ،‬فهذا هو الذي دلت عليلله‬
‫كلمة الخلص‪ .‬كما قال تعالى‪" :‬ذلك بللأن الللله هللو الحللق وأن مللا‬
‫يدعون من دونه هو الباطل" فكل عبادة يقصد بهللا غيللر الللله‪ :‬مللن‬
‫دعاء وغيره فهي باطلة‪ ،‬وهللي الشللرك الللذي ل يغفللره الللله‪ ،‬قللال‬
‫تعالى‪ " ، :‬ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * من دون الله قللالوا‬
‫ضلللوا عنللا بللل لللم نكللن نللدعوا مللن قبللل شلليئا كللذلك يضللل الللله‬
‫الكافرين "‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪" :‬اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ً من دون‬
‫الله والمسيح ابن مريم"‪:‬‬
‫وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تل هذه الية‬
‫على عدي بن حاتم الطائي فقال‪" :‬يارسللول الللله‪ ،‬لسللنا نعبللدهم‪.‬‬
‫قال‪ :‬أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلللونه‪ ،‬ويحرمللون مللا أحللل‬
‫الله فتحرمونه ؟ قال‪ :‬بلى‪ .‬قال النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬فتلك‬
‫عبادتهم "‪.‬‬
‫فصارت طاعتهم في المعصية عبادة لغير الله وبها اتخذوهم أربابًا‪،‬‬
‫كما هو الواقع في هذه المللة‪ ،‬وهللذا مللن الشللرك الكللبر المنللافي‬
‫للتوحيد الذي هو مدلول شهادة ل إله إل الله‪.‬‬
‫فتبين بهذه الية أن كلمة الخلص نفت هذا كله لمنافللاته لمللدلول‬
‫هذه الكلمة‪ .‬فللأثبتوا مللا نفتلله مللن الشللرك وتركللوا مللا أثبتتلله مللن‬
‫التوحيد‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪" :‬ومن الناس من يتخذ من دون الللله أنللدادا ً يحبللونهم‬
‫كحب الله" فكل من اتخذ ندا ً لله يدعوه من دون الله ويرغب إليلله‬
‫ويرجوه لما يؤمله منه من قضللاء حاجللاته وتفريللج كربللاته ‪ -‬كحللال‬
‫عباد القبور والطواغيت والصنام ‪ -‬فل بللد أن يعظمللوهم ويحبللوهم‬
‫لذلك‪ ،‬فإنهم أحبوهم مع الله وإن كانوا يحبون الله تعالى‪.‬‬
‫ويقولون ل إله إل الله ويصلون ويصومون‪ ،‬فقد أشركوا بللالله فللى‬
‫المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره فاتخاذهم النللداد يحبللونهم كحللب‬
‫الله يبطل كل قول يقولونه وكللل عمللل يعملللونه‪ .‬لن المشللرك ل‬
‫يقبل منه عمل‪ ،‬ول يصح منه‪ .‬وهؤلء وإن قالوا ل إله إل الللله فقللد‬
‫لدلولها‪.‬‬
‫تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة‪ :‬من العلللم‬
‫بملشللريكا ً‬
‫لن المشرك جاهل بمعناها‪ ،‬ومن جهله بمعناها جعللل الللله‬
‫في المحبة وغيرها‪ ،‬وهذا هو ًالجهل المنافي للعلم بمللا دلللت عليلله‬
‫نفتلله مللن‬
‫من الخلص‪ :‬ولم يكن صادقا في قولها‪ :‬لنه لم ينف ما‬
‫الشرك‪ ،‬ولم يثبت ما أثبتته من الخلص وترك اليقين أيضًا‪ ،‬لنه لو‬
‫عرف معناها وما دلت عليه لنكللره أو شللك فيلله‪ ،‬ولللم يقبللله وهللو‬
‫الحق‪ ،‬ولم يكفر بما يعبد من دون الله‪ ،‬كما في الحديث‪ ،‬بللل آمللن‬
‫بما يعبد من دون الله باتخاذه الند ومحبته ً له وعبادته إياه من دون‬
‫الله كما قال تعالى "والذين آمنوا أشد حبا لله" لنهللم اخلصللوا للله‬
‫الحب فلم يحبللوا إل إيللاه‪،‬ويحبللون مللن أحللب ويخلصللون أعمللالهم‬
‫جميعا ً لله‪ ،‬ويكفرون بما عبد من دون الله‪ .‬فبهذا يتبين لمن وفقلله‬
‫الله تعالى لمعرفة الحق وقبوله دللة هللذه اليللات العظيمللة علللى‬
‫معنى شهادة أن ل إله إل الله‪ ،‬وعلى التوحيد الذي هو معناها الذي‬
‫دعا إليه جميع المرسلين‪ .‬فتدبر‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪40‬‬

‫قال‪) :‬قوله تعالى ‪ " :‬أولئك الذين يممدعون يبتغممون إلممى‬
‫ربهم الوسيلة أيهم أقرب " الية‪،‬يتبين معنى هذه اليممة‬
‫بممذكر ممما قبلهمما‪ ،‬وهممو قمموله تعممالى "قممل ادعمموا الممذين‬
‫مم مممن دونممه فل يملكممون كشممف الضممر عنكممم ول‬
‫زعمتم ً‬
‫ل"(‪.‬‬
‫تحوي‬
‫قال ابن كثير رحمه الله‪ :‬يقول تعالى )قللل( يللا محمللد للمشللركين‬
‫الذين عبدوا غير الله "ادعوا الذين زعمتم من دونلله" مللن الصللنام‬
‫والنداد وارغبلوا إليهللم‪ ،‬فلإنهم ل يملكلون كشللف الضلر عنكللم أي‬
‫بالكلية )ول تحويل( أي ول يحولوه إلى غيركم‪.‬‬
‫والمعنى‪ :‬أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده ل شريك له‪ ،‬الذي‬
‫له الخلق والمر‪ .‬قال العوفي عن ابن عباس فى الي ًللة‪ :‬كللان أهللل‬
‫والمسلليح وعزيللرا‪ ،‬وهللم الللذين‬
‫الشللرك يقولللون‪ :‬نعبللد الملئكللة‬
‫يدعون‪ .‬يعنى الملئكة والمسيح وعزيرا ً ‪.‬‬
‫وروى البخاري فى اليللة علن ابلن مسلعود رضلى اللله عنلله قلال‪:‬‬
‫يعبدون فأسلموا " وفلى روايلة‪" :‬كلان نلاس‬
‫"ناس من الجن كانوا‬
‫من النس يعبدون ناسلا ً مللن الجللن فأسلللم الجللن وتمسللك هللؤلء‬
‫بدينهم"‪.‬‬
‫وقول ابن مسعود هذا يللدل علللى أن الوسلليلة هللى السلللم‪ ،‬وهللو‬
‫كذلك على كل القولين‪.‬‬
‫وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس فى الية قللال‪ :‬عيسللى‬
‫وأمه وعزير وقال مغيرة عن إبراهيم‪ :‬كان ابللن عبللاس يقللول فللى‬
‫هذه اليللة‪ :‬هللم عيسللى وعزيللر والشللمس والقمللر وقللال مجاهللد‪:‬‬
‫عيسى وعزير والملئكة‪.‬‬
‫وقوله‪" :‬يرجون رحمته ويخافون عذابه "ل تتم العبللادة إل بللالخوف‬
‫لتغاثة ل بللد للله مللن ذلللك‪،‬‬
‫والرجاء‪ ،‬فكل داع دعا دعاء عبادة أو اسل‬
‫فإمللا أن يكللون خائفلا ً وإمللا أن يكللون راجيلًا‪ ،‬وإمللا أن يجتمللع فيلله‬
‫الوصفان‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله تعالى‪ ،‬فللي هللذه اليللة الكريمللة‪ ،‬لمللا‬
‫المفسرين‪ :‬وهذه القوال كلها حق‪ ،‬فإن الية تعللم مللن‬
‫ذكر أقوال‬
‫كان معبوده عابدا ً لله‪ ،‬سواء كان من الملئكة أو من الجن أو مللن‬
‫البشر‪ ،‬والسلف في تفسيرهم يذكرون تفسير جنس الملراد باليلة‬
‫علللى نللوع التمثيللل‪ ً ،‬كمللا يقللول الترجمللان لمللن سللأله‪ :‬مللا معنللى‬
‫الخبز ؟ فيريه رغيفا‪ ،‬فيقول هذا‪ ،‬فالشارة إلى نوعه ل إلى عينلله‪،‬‬
‫وليس مرادهلم ملن هلذا تخصليص نلوع ًملن شلمول اليلة‪ ،‬فاليلة‬
‫خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوا‪ ،‬وذلك المدعو يبتغي الى‬
‫الله ًالوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عللذابه‪ ،‬فكللل مللن دعللا ميت لا ً أو‬
‫غائبا من الولياء والصالحين سواء كللان بلفللظ السللتغاثة أو غيرهللا‬
‫فقد تناولته هذه الية الكريمة‪ ،‬كما تتناول من دعا الملئكة والجن‪،‬‬
‫فقد نهى الله تعالى من دعائهم‪ ،‬وبين أنهم ل يملكون كشف الضر‬
‫عن الداعين ول تحويله‪ ،‬ول يرفعونه بالكلية ول يحولونه من موضع‬
‫تحلويل( فلذكر‬
‫إلى موضع‪ ،‬كتغيير صفته أو قدره‪ ،‬ولهلذا قلال‪) :‬ول‬
‫نكرة تعم أنواع التحويل‪ ،‬فكل ملن دعللا ميتلا ً أو غائبلا ً ملن الوليلاء‬
‫والصالحين أو دعا الملئكة فقد دعا مللن ل يغيثلله ول يملللك كشللف‬
‫الضر عنه ول تحويله اه‪.‬‬
‫وفى ً هذه الية رد على من يدعو صالحا ً ويقول‪ :‬أنا ل أشللرك بللالله‬
‫شيئا‪ ،‬الشرك عبادة الصنام‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقوله " وإذ قال إبراهيم لبيه وقومه إننممي بممراء‬
‫مما تعبدون * إل الذي فطرني " الية( ‪:‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬يقول تعالى مخبرا ً عن عبده ورسللوله وخليللله إمللام‬
‫الحنفاء‪ ،‬ووالد من بعث بعده من النبياء‪ ،‬الذي تنتسب إليه قريللش‬
‫فى نسبها ومذهبها‪ :‬أنه تبرأ من أبيه وقللومه فللى عبللادتهم الوثللان‬
‫فقال‪ " :‬إنني براء مما تعبدون * إل الذي فطرني فللإنه سلليهدين *‬
‫وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون " أي هذه الكلمة وهي‬
‫عبادة الله وحده ل شريك له‪ .‬وخلع ما سواه من الوثللان‪ ،‬وهللي ل‬
‫إله إل الله جعلها فى ذريته يقتدى به فيها من هداه الله مللن ذريللة‬
‫إبراهيم عليه السلم )لعلهم يرجعون( أي إليها‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪41‬‬

‫قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم فى قللوله‪:‬‬
‫" وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون " يعنى ل إله إل لللله‬
‫ل يزال في ذريته من يقولها‪.‬‬
‫وروى ابن جريلر علن قتلادة " إننلي بلراء مملا تعبلدون * إل اللذي‬
‫فطرني " قال‪ :‬كانوا يقولون‪ :‬الله ربنا ‪" :‬ولئن سألتهم من خلقهم‬
‫ليقولن الله" فلم يبرأ من ربه رواه عبد بن حميد‪ .‬وروى ابن جريللر‬
‫وابن المنذر عللن قتللادة " وجعلهللا كلمللة باقيللة فللي عقبلله " قللال‪:‬‬
‫الخلص والتوحيد ل يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فتبين أن معنى ل إله إل الله توحيد العبادة بللإخلص العبللادة‬
‫له والبراءة من كل ما سواه‪.‬‬
‫قال المصنف رحملله الللله )وذكللر سللبحانه أن هللذه الللبراءة وهللذه‬
‫الموالة‪ ،‬هي شهادة أن ل إله إل الله(‪.‬‬
‫وفى هذا المعنى يقول العلمة الحافظ ابن القيم رحملله الللله فللى‬
‫الكلمة الشافية‪:‬‬
‫وإذا توله امرؤ دون الورى طرا توله العظيم الشان‬
‫قال‪) :‬وقوله تعالى "اتخممذوا أحبممارهم ورهبممانهم أربابما ً‬
‫من دون الله"‪ ...‬الية( ‪:‬‬
‫الحبار‪ :‬هم العلماء والرهبان هللم العبللاد‪ .‬وهللذه اليللة قللد فسللرها‬
‫رسول الله ً صلى الله عليه وسلم لعدي بللن حللاتم‪ ،‬وذلللك أنلله لمللا‬
‫جاء مسلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه‬
‫هذه الية‪ .‬قال‪ :‬فقلت‪ :‬إنهم لم يعبدوهم‪ .‬فقال‪ :‬بلى‪ :‬إنهم حرمللوا‬
‫عليهم الحلل وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم‪ ،‬فللذلك عبللادتهم إيللاهم‬
‫رواه أحمللد والترمللذي وحسللنه‪ ،‬وعبللد بللن حميللد وابللن أبللي حللاتم‬
‫والطبراني من طرق‪.‬‬
‫وراء ظهللورهم‪.‬‬
‫قال السدي‪ :‬استنصحوا الرجال ونبذوا كتللاب الللله‬
‫ولهذا قال تعالى‪" :‬وما أمللروا إل ليعبللدوا إلهلا ً واحللدا ً ل إللله إل هللو‬
‫سبحانه عما يشركون" فإن الحلل ما أحله الله‪ ،‬والحرام ما حرمه‬
‫الله‪ ،‬والدين ما شرعه الله‪.‬‬
‫فظهر بهذا أن الية دلللت علللى أن مللن أطللاع غيللر الللله ورسللوله‪،‬‬
‫وأعرض عن الخذ بالكتللاب والسللنة فللى تحليللل ملا حللرم الللله‪ ،‬أو‬
‫واتبعه فيما لم يللأذن‬
‫تحريم ما أحله الله‪ ،‬وأطاعه فى معصية الله‪،‬‬
‫به الله‪ ،‬فقد اتخذه ربا ً ومعبودا ً وجعله لله شريكًا‪ ،‬وذلك ينافي‬
‫التوحيد الذي هو دين الله الذي دلت عليه كلمة الخلص )ل إله إل‬
‫المعبود‪ ،‬وقد سمى الله تعللالى طللاعتهم عبللادة‬
‫الله( فإن الله هو‬
‫أرباب لا ً‬
‫كمللا قللال تعللالى ‪" :‬ول يللأمركم أن تتخللذوا‬
‫لهللم‪ ،‬وسللماهم‬
‫ً‬
‫الملئكللة والنللبيين أرباب لا " أي شللركاء لللله تعللالى فللي العبللادة "‬
‫أيأمركم بالكفر بعللد إذ أنتللم مسلللمون " وهللذا هللو الشللرك‪ .‬فكللل‬
‫على غير ما شرعه الله ورسوله فقد‬
‫معبود رب‪ ،‬وكل مطاع ومتبع‬
‫اتخذا المطيع المتبع ربا ً ومعبودًا‪ ،‬كما قال تعللالى فللي آيللة النعللام‪:‬‬
‫"وإن أطعتموهم إنكللم لمشللركون" وهللذا هللو وجلله مطابقللة اليللة‬
‫للترجمة‪ ،‬ويشللبه هللذه اليللة فللي المعنللى قللوله تعللالى ‪" :‬أم لهللم‬
‫شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" والله أعلم‪.‬‬
‫قال شيخ السلم في معنى قوله "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابلا ً‬
‫من دون الله" وهؤلء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابللا ً حيللث‬
‫أطاعوهم في تحليل ما حرم الللله وتحريللم مللا أحللل الللله يكونللون‬
‫على وجهين‪ :‬أحدهما‪ :‬أن يعلمللوا أنهللم بللدلوا ديلن الللله فيتبعلونهم‬
‫التبديل‪ ،‬فيعتقدون تحليل ما حرم الله أو تحريم مللا أحللل‬
‫على هذا‬
‫أنهم خللالفوا ديللن الرسللل‪ .‬فهللذا‬
‫الله‪ ،‬اتباعا ً لرؤسائهم‪ ،‬مع علمهم‬
‫ً‬
‫كفر‪ ،‬وقد جعله الله ورسوله شللركا‪ ،‬وإن لللم يكونللوا يصلللون لهللم‬
‫ويسجدون لهم‪ .‬فكان من اتبع غيره في خلف الدين مع علمه أنلله‬
‫خلف ًللدين‪ ،‬واعتقللد مللا قللاله ذلللك دون مللا قللاله الللله ورسللوله‪،‬‬
‫مشركا مثل هؤلء‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليللل الحلل‬
‫ثابتًا‪ ،‬لكنهم أطاعوهم في معصية الله‪ ،‬كما يفعل المسلم ما يفعله‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪42‬‬

‫من المعاصي التي يعتقد أنها معاص‪ ،‬فهؤلء لهم حكم أمثالهم مللن‬
‫أهل الذنوب‪ ،‬كما قد ثبت "عن النبي صلللى الللله عليلله وسلللم أنلله‬
‫قال‪ :‬إنما الطاعة في المعروف"‪.‬‬
‫ثم ذلك المحرم للحلل والمحلللل للحللرام إن كللان مجتهللدا ً قصللده‬
‫اتباع الرسل لكن خفى عليه الحق في نفس المر وقد اتقللى الللله‬
‫ما استطاع‪ ،‬فهذا ل يؤاخذه الله بخطئه بل يثيبه على اجتهاده الذي‬
‫أطاع به ربه‪ .‬ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول ثللم‬
‫اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول‪ .‬فهذا له نصيب من هللذا‬
‫الشرك الذي ذمه الله‪ ،‬ل سلليما إن اتبللع ذلللك هللواه ونصللره باليللد‬
‫واللسللان مللع علملله أنلله مخللالف للرسللول‪ .‬فهللذا شللرك يسللتحق‬
‫صاحبه العقوبة عليه‪ ،‬ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عللرف الحللق‬
‫ل يجوز له تقليد أحد في خلفلله‪ ،‬وإنمللا تنللازعوا فللي جللواز التقليللد‬
‫للقادر علللى السللتدلل‪ .‬وإن كللان عللاجز عللن إظهللار الحللق الللذي‬
‫يعلمه‪ .‬فهذا يكللون كمللن عللرف أن الللدين السلللم حلق وهللو بيللن‬
‫النصارى‪ ،‬فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق ل يؤاخذ بما عجز عنلله‪،‬‬
‫وهؤلء كالنجاشي وغيره‪ .‬وقد أنزل الله في هؤلء اليات من كتابه‬
‫كقوله تعالى‪" :‬وإن من أهللل الكتللاب لملن يللؤمن بللالله ومللا أنللزل‬
‫إليكم وما أنزل إليهم" وقوله‪" :‬وإذا سمعوا ما أنزل إلللى الرسللول‬
‫ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق " الية وقللوله ‪:‬‬
‫أمة يهدون بالحق وبه يعللدلون "‪ .‬وأمللا إن كللان‬
‫"ومن قوم موسى‬
‫المتبع للمجتهد عاجزا ً عن معرفة الحق على التفضيل وقد فعل ما‬
‫التقليللد فهللذا ل يؤاخللذ إن أخطللأ‬
‫يقدر عليه مثله‪ :‬من الجتهاد فللي‬
‫كما في القبلة‪ .‬وأمللا مللن قلللد شخصلا ً دون نظيللره بمجللرد هللواه‪،‬‬
‫لذا مللن أهللل‬
‫ونصره بيده ولسانه من غير علللم أن معلله الحللق‪ ،‬فهل‬
‫متبوعه مصيبا ً لم يكن عمللله صللالحًا‪ ،‬وإن كللان‬
‫الجاهلية‪ ،‬وإن كان‬
‫متبوعه مخطئا ً كان آثمًا‪ .‬كمن قال فى القرآن برأيلله‪ ،‬فللإن أصللاب‬
‫فقد أخطأ‪ ،‬وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النللار‪ ،‬وهللؤلء مللن جنللس‬
‫مللانع الزكللاة الللذي تقللدم فيلله الوعيللد‪ ،‬ومللن جنللس عبللد الللدينار‬
‫والخميصة‪ ،‬فإن ذلك لما أحب المال منعلله مللن‬
‫والدرهم والقطيفة‬
‫عبادة الله وطاعته وصار عبدا ً له‪،‬وكذلك هؤلء فيكون فيهم شللرك‬
‫أصغر‪ ،‬ولهم من الوعيللد بحسللب ذلللك‪ ،‬وفللي الحللديث‪" :‬إن يسللير‬
‫الرياء شرك" وهذا مبسوط عند النصوص التى فيهللا إطلق الكفللر‬
‫والشرك على كثير الذنوب‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وقال أبو جعفر بن جرير فى معنى قول الله تعللالى "وتجعلللون للله‬
‫أندادًا" أي وتجعلون لمن خلق ذلك أندادا ً وهم الكفاء مللن الرجللال‬
‫تطيعونهم فى معاصى الله‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬كما هو الواقع من كثير ومن عباد القبور‪.‬‬
‫قمال‪) :‬وقموله ‪" :‬وممن النماس ممن يتخمذ ممن دون اللمه‬
‫أندادا ً يحبونهم كحب الله "‪ ...‬الية( ‪:‬‬
‫لى‬
‫المشركين بلله‬
‫قال العماد ابن كثير رحمه الله‪ :‬يذكر الله حال‬
‫أمثفلللال ً‬
‫الدنيا ومآلهم فى الدار الخرة‪ ،‬حيث جعلللوا لللله أنللدادًا‪ ،‬أي‬
‫ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه‪ ،‬وهو الللله ل إللله إل هللو‪ ،‬ول‬
‫ضد له ول ند له‪ ،‬ول شريك معه‪ .‬وفى لصحيحين عن "عبد الله بن‬
‫مسعود رضى الللله عنلله قلال‪ ً :‬قللت‪ :‬يلا رسللول الللله ؟ أي اللذنب‬
‫أعظم ؟ قال‪ :‬أن تجعل لله ندا وهو خلقك"‪.‬‬
‫وقوله‪" :‬والللذين آمنللوا أشللد حبلا ً لللله" ولحبهللم لللله ًتعللالى وتمللام‬
‫معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم ل يشركون به شيئا‪ .‬بللل يعبللدونه‬
‫وحده ويتوكلون عليه‪ ،‬ويلجأون فى جميع أمللورهم إليلله‪ .‬ثللم توعللد‬
‫لالى‪" :‬ولللو‬
‫تعالى المشركين به‪ ،‬الظالمين لنفسهم بذلك‪ .‬فقال تعل‬
‫يللرى الللذين ظلمللوا إذ يللرون العللذاب أن القللوة لللله جميعلًا" قللال‬
‫بعضهم تقدير الكلم‪ ،‬لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القللوة لللله‬
‫جميعًا‪ ،‬أي أن الحكم للله وحللده ل شللريك للله‪ ،‬فللإن جميللع الشللياء‬
‫تحت قهره وغلبته وسلطانه " وأن الله شديد العللذاب " كمللا قللال‬
‫تعلالى‪ " ، :‬فيلومئذ ل يعلذب علذابه أحلد * ول يوثلق وثلاقه أحلد "‬
‫يقول‪ :‬لو علموا ما يعانون هناك وما يحللل بهللم مللن المللر الفظيللع‬
‫المنكر الهللائل علللى شللركهم وكفرهللم لنتهللوا عمللا هللم فيلله مللن‬
‫الضلللل‪ .‬ثللم أخللبر عللن كفرهللم بللأعوانهم وتللبرؤ المتبللوعين مللن‬
‫التابعين‪ .‬فقال تعالى‪" :‬إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا" ترأت‬
‫منهم الملئكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم فى الدار الللدنيا‪،‬‬
‫فتقول الملئكة ‪" :‬تبرأنا إليللك مللا كللانوا إيانللا يعبللدون" ويقولللون ‪:‬‬
‫"سبحانك أنت ولينا ًمن دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكللثرهم بهللم‬
‫مؤمنون" الجن أيضا يتبرأون منهللم ويتنصلللون مللن عبللادتهم لهللم‪،‬‬
‫كما قال تعالى‪ " ، :‬ومللن أضللل ممللن يللدعو مللن دون الللله مللن ل‬
‫يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر‬
‫الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين "‪ .‬انتهى كلمه‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪43‬‬

‫روى ابن جرير عن كلمه في قللوله تعللالى "يحبللونهم كحللب ًالللله"‬
‫مباهاة ومضاهاة للحق سبحانه بالنداد "والذين آمنوا أشد حبا لله"‬
‫من الكفار لوثانهم‪.‬‬
‫قللال المصللنف رحملله الللله تعللالى )ومللن المللور المبينللة لتفسللير‬
‫التوحيد وشهادة أن ل إله إل الله‪ :‬آية البقرة في الكفار الذين قللال‬
‫تعالى فيهم "وما هم بخارجين من النار" ذكر أنهم يحبللون أنللدادهم‬
‫كحب الله‪ ،‬فدل على أنهم يحبون الله حبا ً عظيمًا‪ ،‬فلم يدخلوا فللي‬
‫السلم‪ ،‬فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله ؟ فكيف بمن لللم‬
‫يحب إل الند وحده ؟( ا هل‪.‬‬
‫تعالى غيره فى المحبة فقللد‬
‫ففى الية بيان أن من أشرك مع الله‬
‫جعله شريكا ً لله فى العبادة واتخذه ندا ً من دون الله‪ ،‬وأن ذلك هو‬
‫الشرك الذى ل يغفره الله‪ ،‬كمللا قللال تعللالى فللى أولئك "ومللا هللم‬
‫بخللارجين مللن النللار" وقللوله‪" :‬ولللو يللرى الللذين ظلمللوا إذ يللرون‬
‫العذاب" المراد بالظلم هنا الشرك‪ .‬كقوله‪" :‬ولللم يلبسللوا إيمللانهم‬
‫بظلم" كما تقللدم‪ .‬فمللن أحللب الللله وحللده‪ ،‬وأحللب فيلله وللله فهللو‬
‫مخلللص‪ ،‬ومللن أحبلله وأحللب معلله غيللره‪ ،‬فهللو مشللرك‪ ،‬كمللا قللال‬
‫تعالى‪ " ، :‬يا أيها النللاس اعبللدوا ربكللم الللذي خلقكللم والللذين مللن‬
‫قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الرض فراشا والسللماء بنللاء‬
‫وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فل تجعلوا‬
‫لله أندادا وأنتم تعلمون "‪.‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله ما معناه‪ :‬فمللن رغللب ًإلللى‬
‫غير الله فى قضاء حاجة أو تفريلج كربلة‪ :‬للزم أن يكلون محبلا لله‬
‫ومحبته هى الصل فى ذلك‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫فكلمة الخلص ل إله إل الله تنفى كل شرك‪ .‬فى أى نوع كان من‬
‫أنواع العبادة‪ ،‬وتثبت العبادة بجميع أفرادها لللله تعللالى‪ .‬وقللد تقللدم‬
‫بيان أن الله هو المألوه الذى تألهه القلللوب بالمحبللة وغيرهللا مللن‬
‫أنواع العبادة فل إله إل الله‪ ،‬نفت ذلك كله عللن غيللر الللله‪ ،‬وأثبتتلله‬
‫فلبد مللن‬
‫لله وحده‪ .‬فهذا هو ما دلت عليه كلمة الخلص مطابقة‪،‬‬
‫معرفة معناها واعتقاده‪ ،‬وقبوله‪ ،‬والعمل به باطن لا ً وظللاهرًا‪ .‬والللله‬
‫أعلم‪.‬‬
‫قال العلمة ابن القيم رحمه الللله تعللالى‪ :‬فتوحيللد المحبللوب أن ل‬
‫يتعدد محبوبه‪ ،‬أى مع الله تعالى بعبللادته للله‪ ،‬وتوحيللد الحللب‪ :‬أن ل‬
‫يبقى ًفى قلبه بقية حب حتى يبذلها للله‪ ،‬فهللذا الحللب ‪ -‬وإن سللمى‬
‫عشقا ‪ -‬فهو غاية صلللح العبللد ونعيملله وقللرة عينلله‪ ،‬وليللس لقلبلله‬
‫صلح ول نعيم إل بأن يكون الللله ورسللوله أحللب إليلله ملن كلل مللا‬
‫سواهما‪ ،‬وأن تكون محبته لغير اللله تابعلة لمحبللة الللله تعللالى‪ ،‬فل‬
‫يحب إل الله‪ ،‬ول يحب إل الله‪ ،‬كما فى الحديث الصحيح ثلث مللن‬
‫كن فيه الحديث ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم هى مللن‬
‫محبة الله‪ ،‬ومحبة المرء إن كانت لله فهى من محبتلله‪ ،‬وإن كللانت‬
‫لغير الله فهى منقصة لمحبة الله مضعفة لها‪ ،‬ويصدق هذه المحبة‬
‫بأن تكون كراهيته لبغض الشياء إلللى الللله محبللوبه وهللو الكفللر ‪-‬‬
‫ملن‬
‫بمنزللة كراهيتله للقلائه فلى النلار أو أشلد‪ ،‬ول ريلب أن هلذا‬
‫أعظم المحبة‪ ،‬فإك النسان ل يقدم على محبة نفسه وحياته شيئًا‪،‬‬
‫فإذا قدم محبة اليمان بالله على نفسه بحيث لو خيللر بيللن الكفللر‬
‫وبين إلقائه فى النار لختار أن يلقى فى النار ول يكفر‪ ،‬كللان أحللب‬
‫إليه من نفسه‪ ،‬وهذه المحبة هى فوق ما يجده العشللاق المحبللون‬
‫من محبة محبوبيهم‪ ،‬بل ل نظيللر لهللذه المحبللة‪ .‬كمللا ل مثللل لمللن‬
‫تعلقت به‪ ،‬وهى محبة تقتضى تقديم المحبللوب فيهللا علللى النفللس‬
‫لذل والخضللوع والتعظيللم والجلل‬
‫والمال والولد‪ .‬وتقتضى كمال الل‬
‫والطاعللة والنقيللاد ظللاهرا ً وباطن لًا‪ .‬وهللذا ل نظيللر للله فللى محبللة‬
‫المخلوق‪ ،‬ولو كان المخلوق من كان‪ .‬ولهذا مللن ًأشللرك ًبيللن الللله‬
‫لره‬
‫وبين غيره فى هذه المحبة الخاصللة كللان مشللركا شللركا ل يغفل‬
‫لدادا ً‬
‫الله‪ .‬كما قال تعالى‪" :‬ومن الناس من يتخللذ مللن دون الللله أنل‬
‫آمنوا أشد حبا ً لله" والصحيح‪ :‬أن معنللى‬
‫يحبونهم كحب الله والذين‬
‫لدادهم‪ .‬كمللا‬
‫الية‪ :‬أن الذين آمنوا أشد حبا ً من الله أهللل النللداد لنل‬
‫ً‬
‫تقدم أن محبة المؤمنين لربهم ل يماثلها محبة مخلوق أصل‪ ،‬كما ل‬
‫يماثل محبوبهم غيللره‪ ،‬وكلل أذى فلى محبلة غيلره فهللو نعيلم فلى‬
‫محبته‪ .‬وكل مكروه فى محبة غيللره فهللو قللرة عيللن محبتلله‪ .‬ومللن‬
‫ضرب لمحبته المثال التى فى محبة المخلوق للمخلوق‪ :‬كالوصل‪،‬‬
‫والهجر والتجنى بل سبب من المحب‪ ،‬وأمثال ذلك مما يتعالى الله‬
‫عنه علوا ً كبيرًا‪ .‬فهو مخطىللء أقبللح الخطللأ وأفحشلله‪ ،‬وهللو حقيللق‬
‫بالبعاد والمقت‪ .‬انتهى‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪44‬‬

‫)وفى "الصحيح عن النممبى صمملى اللممه عليممه وسمملم أنممه‬
‫قال‪ :‬من قال ل إله إل الله وكفر بما يعبد من دون اللممه‬
‫حرم ماله ودمه وحسابه على الله" ( ‪:‬‬
‫قوله فى الصحيح‪ :‬أى صحيح مسلم عن أبى مالللك الشللجعى عللن‬
‫أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم فذكره‪.‬‬
‫وأبو مالللك اسللمه سللعد بللن طللارق‪ ،‬كللوفى ثقللة ملات فلى حللدود‬
‫الربعين ومائة‪ .‬وأبوه طارق بن أشيم ‪ -‬بالمعجمة والمثناة التحتيللة‬
‫وزن أحمللر ‪ -‬ابللن مسللعود الشللجعى‪ ،‬صللحابى للله أحللاديث‪ .‬قللال‬
‫مسلم‪ :‬لم يرو عنه غير ابنلله‪ .‬وفللى مسللند المللام أحمللد عللن أبللى‬
‫مالك قال‪ :‬وسمعته يقول للقوم‪":‬من وحد الله وكفر بما يعبد مللن‬
‫دون الله حللرم مللاله ودملله وحسللابه علللى الللله عللز وجللل" ورواه‬
‫المام أحمللد ملن طريللق يزيلد بلن هلارون قلال أخبرنللا أبلو مالللك‬
‫الشجعى عن أبيه‪ .‬ورواه أحمللد عللن عبللد الللله بللن إدريللس قللال‪:‬‬
‫سمعت أبا مالك قال‪ :‬قلت لبى ‪ -‬الحللديث‪ .‬وروايللة الحللديث بهللذا‬
‫اللفظ تفسر‪ :‬ل إله إل الله‪.‬‬
‫قوله‪) :‬من قال ل إله إل الله وكفر يما يعبد من دون الله( اعلم أن‬
‫النبى صلى الله عليه وسلللم علللق عصللمة المللال والللدم فللى هللذا‬
‫الحديث بأمرين‪.‬‬
‫الول‪ :‬قول ل إله إل الله عن علم ويقين‪ ،‬كما هللو قيللد فللى قولهللا‬
‫فى غير ما حديث كما تقدم‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬الكفر بما يعبد من دون الله‪ ،‬فلللم يكتللف بللاللفظ المجللرد‬
‫عن المعنى‪ ،‬بل لبد من قولها والعمل بها‪.‬‬
‫قلللت‪ :‬وفيلله معنللى ‪" :‬فمللن يكفللر بالطللاغوت ويللؤمن بللالله فقللد‬
‫استمسك بالعروة الوثقى ل انفصام لها"‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله تعالى‪) :‬وهذا من ًأعظم ما يللبين معنللى ل‬
‫إله إل الله‪ ،‬فإنه لم يجعل اللفظ بها عاصما للللدم والمللال‪ ،‬بللل ول‬
‫معرفة معناها مع لفظها‪ ،‬بل ول القرار بذلك‪ ،‬بل ول كونه ل يلدعو‬
‫إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬بل ل يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلللى‬
‫ذلك الكفر بما يعبد من دون الله‪ ،‬فإن شك أو تردد لم يحرم مللاله‬
‫ودمه‪ .‬فيا لها من مسألة مللا أجلهللا ويللا للله مللن بيللان مللا أوضللحه‪،‬‬
‫وحجة ما أقطعها للمنازع( انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا هللو الشللرط المصللحح لقللوله‪ :‬ل إللله إل الللله فل ًيصللح‬
‫ل‪ .‬قال‬
‫قولها بدون هذا الخمس التى ذكرها المصنف رحمه الله أص‬
‫تعالى‪" :‬وقاتلوهم حتى ل تكون فتنة ويكون الدين كله لله" وقللال‪:‬‬
‫" فللاقتلوا المشللركين حيللث وجللدتموهم وخللذوهم واحصللروهم‬
‫واقعدوا لهم كللل مرصللد فللإن تللابوا وأقللاموا الصلللة وآتللوا الزكللاة‬
‫فخلوا سبيلهم " أمللر بقتللالهم حللتى يتوبللوا مللن الشللرك ويخلصللوا‬
‫أعمالهم لله تعالى‪،‬ويقيموا ًالصلة‪ ،‬ويؤتللوا الزكللاة‪ ،‬فللإن أبللوا عللن‬
‫ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعا‪.‬‬
‫وفى صحيح مسلم عن "أبى هريرة مرفوعا ً أمرت أن أقاتل الناس‬
‫حتى يشهدوا أن ل إله إل الله‪ ،‬ويؤمنوا بى وبما جئت به‪،‬فإذا فعلوا‬
‫ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إل بحقها وحسابهم على الللله"‬
‫وفى "الصحيحين عن ابن عمر قللال‪:‬قللال رسللول الللله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم ً أمرت أن أقاتل الناس حتى يشللهدوا أن ل إللله إل الللله‬
‫وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلة ويؤتلوا الزكلاة‪ .‬فلإذا فعللوا‬
‫ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إل بحقها وحسابهم على الللله"‬
‫وهذان الحديثان تفسير اليتين‪ :‬آية النفال‪ ،‬وآية براءة‪ .‬وقللد أجمللع‬
‫العلماء على أن ملن قللال‪ :‬ل إلله إل اللله وللم يعتقللد معناهلا ولللم‬
‫يعمل بمقتضاها‪ .‬أنه يقاتل حتى يعمللل بمللا دلللت عليلله مللن النفلى‬
‫والثبات‪.‬‬
‫قال أبو سليمان الخطابى رحمه الله فللى قللوله‪ :‬أمللرت أن أقاتللل‬
‫الناس حتى يقولوا‪ :‬ل إله إل الله معلوم أن المراد بهذا أهل عبللادة‬
‫الوثان‪ ،‬دون أهل الكتاب‪ ،‬لنهم يقولون‪ :‬ل إله إل الله ثم يقللاتلون‬
‫ول يرفع عنهم السيف‪.‬‬
‫وقال القاضى عياض‪ :‬اختصاص عصمة المال والنفس بمن قللال ل‬
‫إله إل الله تعبير عن الجابة إلى اليمان‪ ،‬وأن المراد بذلك مشركو‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪45‬‬

‫العرب وأهل الوثان‪ ،‬فأما غيرهم ممللن يقللر بالتوحيللد‪ ،‬فل يكتفللى‬
‫عصمته بقول ل إله إل الللله إذ كللان يقولهللا فللى كفللره‪ .‬انتهللى‬
‫فى‬
‫ملخصًا‪.‬‬
‫وقال النووى‪ :‬لبد مع هذا من اليمان بجميع مللا جللاء بلله الرسللول‬
‫صلى الله عليه وسلم كما جاء فى الرواية ويؤمنللوا بللى وبمللا جئت‬
‫به‪.‬‬
‫وقال شيخ السلم‪ ،‬لما سئل عللن قتللال التتللار فقللال‪ :‬كللل طائفللة‬
‫ممتنعة عن التزام شللرائع السلللم الظللاهرة مللن هللؤلء القللوم أو‬
‫غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه‪ ،‬وإن كانوا مللع ذلللك‬
‫ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعلض شللرائعه‪ .‬كملا قاتلل أبلو بكللر‬
‫والصحابة رضى الله عنهم مانعى الزكاة‪ .‬وعلى هذا اتفللق الفقهللاء‬
‫بعدهم‪ .‬قال‪ :‬فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات‬
‫أو الصلليام‪ ،‬أو الحللج أو عللن الللتزام تحريللم الللدماء‪ ،‬أو المللوال أو‬
‫الخمللر‪ ،‬أو الميسللر أو نكللاح ذوات المحللارم‪ ،‬أو عللن الللتزام جهللاد‬
‫الكفار‪ .‬أو غير ذلك مللن الللتزام واجبللات الللدين ومحرمللاته الللتى ل‬
‫عذر لحد فى جحودها أو تركها‪ ،‬التى يكفر الواحللد بجحودهللا‪ .‬فللإن‬
‫الممتنعة تقاتل عليهللا وإن كللانت مقللرة بهللا‪ ،‬وهللذا مملا ل‬
‫الطائفة‬
‫أعلم فيه خلفا ً بين العلمللاء‪ .‬قللال‪ :‬وهللؤلء عنللد المحققيللن ليسللوا‬
‫بمنزلة البغاة‪ ،‬بل هم خارجون عن السلم‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وحسابه على الله( أي الله تبارك وتعللالى هللو الللذى يتللولى‬
‫بهذه الشهادة‪ ،‬فإن كللان صللادقا ً جللازاه‬
‫حساب الذي يشهد بلسانه‬
‫الللدنيا‬
‫بجنات النعيم‪ ،‬وإن كان منافقا ً عذبه العذاب الليم‪ .‬وأما‬
‫فى ظاهرا ً‬
‫فالحكم على الظاهر‪ ،‬فمن أتى بالتوحيد ولم يأت بما ينافيه‬
‫والتزم شرائع السلم وجب الكف عنه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وأفاد الحديث أن النسان قد يقللول ل إللله إل الللله ول يكفللر‬
‫بما يعبدون من دون الله فلم يأت بملا يعصلم دمله وملاله كملا دل‬
‫على ذلك اليات المحكمات والحاديث‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وشرح هذه الترجمة ما بعدها من البواب( ‪:‬‬
‫قلت‪ :‬وأن ما بعدها من ًالبواب فيه ما يبين التوحيد ويوضح معنللى‬
‫ل إله إل الله وفيه أيضلا‪ :‬بيللان أشللياء كللثيرة مللن الشللرك الصللغر‬
‫والكبر ومللا يوصللل إلللى ذلللك مللن الغلللو والبللدع‪ ،‬ممللا تركلله مللن‬
‫مضمون ل إله إل الله فمن عرف ذلك وتحققه تبين له معنى ل إله‬
‫إل الله وما دلت عليه من الخلص ونفللى الشللرك‪ ،‬وبضللدها تتللبين‬
‫الشياء‪ ،‬فبمعرفة الصغر من الشرك يعرف ما هو أعظم منه مللن‬
‫للتوحيد‪ ،‬وأما الصللغر فإنمللا ينللافى كمللاله‪،‬‬
‫الشرك الكبر المنافى‬
‫فمن اجتنبه فهو الموحد حقًا‪ ،‬وبمعرفة وسائل الشرك والنهى عنها‬
‫لتجتنب تعرف الغايات التى نهى عن الوسائل لجلها‪ ،‬فإن ً اجتنللاب‬
‫ذلك كله يستلزم التوحيد والخلص بل يقتضيه‪ .‬وفيه أيضا من أدلة‬
‫التوحيد إثبات الصفات وتنزيه الرب تعالى عما ل يليق بجلله وكللل‬
‫ما يعرف بالله من صفات كماله وأدلة ربللوبيته يللدل علللى أنلله هللو‬
‫المعبللود وحللده‪ ،‬وأن العبللادة ل تصلللح إل للله‪ ،‬وهللذا هللو التوحيللد‪،‬‬
‫ومعنى شهادة أن ل إله إل الله‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪46‬‬

‫باب‬
‫من الشرك لبس الحلقة والخيط‬
‫ونحوهما‪ ،‬لرفع البلء أو دفعه‬
‫قوله‪) :‬باب من الشرك لبس الحلقة والخيممط ونحوهممما‪،‬‬
‫لرفع البلء أو دفعه( ‪:‬‬
‫رفعه‪ :‬إزالته بعد نزوله‪ .‬دفعه‪ :‬منعه قبل نزوله‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقول الله تعالى‪ " :‬قل أفرأيتممم ممما تممدعون مممن‬
‫دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضممره أو‬
‫أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته "( ‪:‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬أي ل تستطيع شيئا ً من المر )قل حسللبى الللله( أي‬
‫الله كافى من توكل عليه )عليه يتوكل المتوكلللون( كمللا قللال هللود‬
‫عليه السلم حين قال قومه ‪ " - :‬إن نقول إل اعتراك بعللض آلهتنللا‬
‫بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشللركون * مللن‬
‫دونه فكيدوني جميعا ثم ل تنظرون * إني تللوكلت علللى الللله ربللي‬
‫وربكللم مللا مللن دابللة إل هللو آخللذ بناصلليتها إن ربللي علللى صللراط‬
‫مستقيم " قال مقاتل فى معنللى اليللة‪ :‬فسللألهم النللبى صلللى اللله‬
‫عليه وسلم فسكتوا‪ .‬أي لنهم ل يعتقدون ذلك فيها‪.‬‬
‫وإنما كانوا يدعونها على معنى أنهلا وسلائط وشلفعاء عنلد اللله‪ ،‬ل‬
‫على أنهم يكشفون الضر‪ ،‬ويجيبون دعاء المضطر‪،‬فهم يعلمون أن‬
‫ذلك لله وحللده‪ .‬كمللا قللال تعللالى‪ " ، :‬ثللم إذا مسللكم الضللر فللإليه‬
‫تجأرون * ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون‬
‫"‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فهذه الية وأمثالها تبطل تعلق القلب بغير الله فى جلللب أو‬
‫دفع ضر‪ ،‬وأن ذلك شرك بالله‪ .‬وفى الية بيان أن الله تعالى وسم‬
‫أهل الشرك بدعوة غير الله والرغبة إليه مللن دون الللله‪ .‬والتوحيللد‬
‫ضد ذلك‪ .‬وهو أن ل يدعو إل الله‪ ،‬ول يرغب إل إليلله‪ ،‬ول يتوكللل إل‬
‫عليه‪ ،‬وكذا جميع أنواع العبادة ل يصلح منها شئ لغير الله‪ .‬كما دل‬
‫على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف المة وأئمتها كما تقدم‪.‬‬
‫عمران بن حصين أن النبى صلى الله عليه‬
‫قال‪") :‬وعن‬
‫وسمملم رأى رجل ً فممى يممده حلقممة مممن صممفر فقممال‪ :‬ممما‬
‫هذه ؟ قال‪ :‬من الواهنة‪ .‬قال‪ :‬انزعها فإنها ل تزيدك إل‬
‫وهنًا‪ ،‬فإنك لو مممت وهمى عليممك ممما أفلحممت أبممدا ً " رواه‬
‫أحمد بسند ل بأس به( ‪:‬‬
‫قللال المللام أحمللد‪ :‬حللدثنا خلللف بللن الوليللد حللدثنا المبللارك عللن‬
‫"الحسن قال‪ :‬أخبرنى عمران بن حصين أن النبى صلى الله عليلله‬
‫لال‪:‬‬
‫وسلم أبصر على عضد رجل حلقة ‪ -‬قال أراها مللن صللفر ‪ -‬فقل‬
‫لدك إل وهن لًا‪.‬‬
‫ويحك ما هذه ؟ قال‪ :‬من الواهنة‪ .‬قال‪ :‬أما إنها ل تزيل‬
‫انبذها عنك فإنك لو مت وهللي عليللك مللا أفلحللت أبللدا ً " رواه ابللن‬
‫حبان في صحيحه فقال‪ :‬فإنك لو مت وكلت إليهلا والحلاكم وقلال‪:‬‬
‫صحيح السناد‪ ،‬وأقره الذهبي‪ ،‬وقال الحللاكم‪ :‬أكللثر مشللايخنا علللى‬
‫أن الحسن سمع من عمران‪ ،‬وقوله في السللناد‪ :‬أخللبرني عمللران‬
‫يدل على ذلك‪.‬‬
‫قوله )عن عمران بن حصللين( أي ابللن عبيللد خلللف الخللذاعي‪ ،‬أبللو‬
‫نجيللد ‪-‬بنللون وجيللم‪ -‬مصللغر‪ ،‬صللحابي عللن صللحابي‪ ،‬أسلللم عللام‬
‫خيبر‪،‬ومات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة‪.‬‬
‫قوله )رأى رج ً‬
‫ل( في رواية الحاكم دخلت على رسللول الللله صلللى‬
‫الله عليه وسلم وفي عضدي حلقة صفر‪ ،‬فقال‪ :‬مللا هللذه الحللديث‬
‫فالمبهم في رواية أحمد هو عمران راوي الحديث‪.‬‬
‫قوله )ما هذه( يحتمل أن الستفهام للستفسار عن سللبب لبسللها‪،‬‬
‫ويحتمل أن يكون للنكار وهو أشهر‪.‬‬
‫قوله‪) :‬من الواهنة( قال أبللو السللعادات‪ :‬الواهنللة عللرق يأخللذ فللي‬
‫المنكب واليد كلها‪ ،‬فيرقى منها‪ ،‬وقيل هو مرض يأخذ فللي العضللد‪،‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪47‬‬

‫وهي تأخذ الرجال دون النساء وإنمللا نهللى عنهللا لنلله إنمللا اتخللذها‬
‫على أنها تعصمه من اللم‪ ،‬وفيه اعتبار المقاصد‪.‬‬
‫قوله)انزعها فإنها ل تزيدك إل وهنًا( النزع هو الجللذب بقللوة‪ ،‬أخللبر‬
‫أنها ل تنفعه ً بل تضره وتزيده ضعفًا‪ ،‬وكذلك كل أمر نهى عنه فللإنه‬
‫ل ينفع غالبا وإن نفع بعضه فضره أكبر من نفعه‪.‬‬
‫قوله )فإنك لو مت وهو عليك ما أفلحت أبدًا( لنلله شللرك‪ ،‬والفلح‬
‫هو الفوز والظفر والسعادة‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الللله تعللالى‪ ) :‬فيلله شللاهد لكلم الصللحابة‪ :‬إن‬
‫الشرك الصغر أكبر الكبائر‪ ،‬وأنه لم يعللذر بالجهالللة‪ .‬وفيلله النكللار‬
‫بالتغليظ على من فعل مثل ذلك (‪.‬‬
‫قوله‪ ) :‬رواه أحمد بسند ل بأس به ( هو المام أحمد بن حنبل بللن‬
‫هلل ابن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حسان بن عبللد الللله بللن‬
‫أنس بن عوف بن قاسط بن مازن ابن شيبان بللن ذهللل بللن ثعلبللة‬
‫بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسللط بللن هنللب‬
‫بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسعد بن ربيعة بن نزار بن معللد‬
‫بللن عللدنان _ المللام العللالم أبللو عبللد الللله الللذهلي ثللم الشلليباني‬
‫المروزي ثم البغدادي‪ ،‬إمام أهل عصره وأعلمهم بالفقه والحديث‪،‬‬
‫وأشدهم ورعا ً ومتابعلة للسلنة‪ ،‬وهلو اللذي يقلول فيله بعلض أهلل‬
‫السنة‪ :‬عن الدنيا ما كان أصبره‪ ،‬وبالماضين مللا كللان أشللبهه‪ ،‬أتتلله‬
‫الدنيا فأباها‪ ،‬والشبه فنفاها‪ ،‬خللرج بلله مللن مللرو وهللو حمللل فولللد‬
‫ببغداد سنة أربع وستين ومائة في شهر ربيع الول‪.‬‬
‫وطلب أحملد العللم سلنة وفلاة ماللك‪ ،‬وهلي سلنة تسلع وسلبعين‬
‫فسمع من هشيم وجرير بن عبد الحميد وسفيان بن عيينة ومعتمر‬
‫بن سليمان ويحيى بن سعيد القطان ومحمد بن إدريس الشللافعي‬
‫ويزيد بن هرون وعبد الللرزاق وعبللد الرحمللن بللن مهللدي وخلللق ل‬
‫يحصون بمكة والبصرة والكوفة وبغداد واليمللن وغيرهللا ملن البلد‪.‬‬
‫روى عنلله ابنللاه صللالح وعبللد الللله‪ ،‬والبخللاري ومسلللم وأبللو داود‬
‫وإبراهيم الحربي وأبو زرعلة اللرازي وأبلو زرعلة الدمشلقي وعبلد‬
‫الله بن أبي الدنيا وأبو بكر الثرم وعثمان بن سعيد الللدارمي وأبللو‬
‫القاسم البغوى‪ ،‬وهو آخر من حدث عنلله‪ ،‬وروى عنلله مللن شلليوخه‬
‫عبللد الرحمللن بللن مهللدي والسللود بللن عللامر‪ ،‬ومللن أقرانلله علللي‬
‫المديني ويحيى بن معين‪ .‬قال البخاري‪ :‬مرض أحمللد لليلللتين خلتللا‬
‫من ربيع الول ومات يوم الجمعة لثنتي عشللرة خلللت منلله‪ ،‬وقللال‬
‫حنبللل‪ :‬مللات يللوم الجمعللة فللي ربيللع الول سللنة إحللدى وأربعيللن‬
‫ومائتين وله سبع وسبعون سنة‪ .‬وقال ابنه عبللد الللله والفضللل بللن‬
‫زياد‪ :‬مات في ثاني عشر ربيع الخر رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪ ) :‬وله عن عقبة بن عامر مرفوعا ً من تعلق تميمممة‬
‫فل أتم الله له‪ ،‬ومن تعلق ودعممة فل ودع اللممه لممه وفممي‬
‫رواية‪ :‬من تعلق تميمة فقد أشرك ( ‪:‬‬
‫الحديث الول رواه المام أحمد كما قال المصنف‪ ،‬ورواه أيضا ً أبللو‬
‫يعلى والحاكم وقال‪ :‬صحيح السناد وأقره الذهبى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وفى رواية( أي من حديث آخر رواه أحمد فقال‪ :‬حدثنا عبد‬
‫الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد العزيز بن مسلم حللدثنا يزيللد بللن‬
‫أبي منصور عن دجين الحجرى عللن عقبللة بللن عللامر الجهنللى "أن‬
‫رسول الله صلى الله عليلله وسلللم أقبللل إليلله رهللط فبللايع تسللعة‬
‫وأمسك عن واحد‪ ،‬فقالوا يا رسول الللله‪ ،‬بللايعت تسللعة وأمسللكت‬
‫عن هذا ؟ فقال‪ :‬إن عليه تميمة فأدخل يده فقطعها‪ ،‬فبايعه وقال‪:‬‬
‫من تعلق تميمة فقد أشرك" ورواه الحاكم ونحوه‪ .‬ورواته ثقات‪.‬‬
‫لهور فقيلله فاضللل‪ ،‬ولللى‬
‫قوله‪) :‬عن عقبة بللن عللامر( صللحابى مشل‬
‫إمارة مصر لمعاوية ثلث سنين ومات قريبا ً من الستين‪.‬‬
‫قوله‪) :‬من تعلق تميمة( أي علقها متعلقا ً بها قلبه فللى طلللب خيللر‬
‫أو دفع شر‪ ،‬قال المنذري‪ :‬خرزة كللانوا يعلقونهللا يللرون أنهللا تللدفع‬
‫عنهم الفللات‪ ،‬وهللذا جهللل وضللللة‪ ،‬إذ ل مللانع ول دافللع غيللر الللله‬
‫تعالى‪.‬‬
‫وقال أبو السعادات‪ :‬التمائم جمع تميمة وهى خرزات كانت العرب‬
‫تعلقهللا علللى أولدهللم يتقللون بهللا العيللن‪ ،‬فللى زعمهللم‪ ،‬فأبطلهللا‬
‫السلم‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪48‬‬

‫قوله‪) :‬فل أتم الله له( دعاء عليه‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ومن تعلق ودعة( بفتللح الللواو وسللكون المهملللة‪ .‬قللال فللى‬
‫مسند الفردوس‪ :‬شئ يخرج من البحللر يشللبه الصللدف يتقللون بلله‬
‫العين‪.‬‬
‫قللوله‪) :‬فل ودع الللله للله( بتخفيللف الللدال‪ ،‬أي ل جعللله فللي دعللة‬
‫وسكون‪ ،‬قال أبو السعادات وهذا دعاء عليه‪.‬‬
‫قللوله‪ ) :‬وفللي روايللة‪ :‬مللن تعلللق تميمللة فعللد أشللرك ( قللال أبللو‬
‫السعادات‪ :‬إنما جعلها شركا ً لنهللم أرادوا دفللع المقللادير المكتوبللة‬
‫عليهم‪ ،‬وطلبوا دفع الذى من غير الله الذي هو دافعه‪.‬‬
‫المصنف رحمه الله )ولبن أبي حمماتم عممن حذيفممة‪:‬‬
‫قال‬
‫أنه رأى رجل ً في يممده خيممط مممن الحمممى‪ ،‬فقطعممه‪ ،‬وتل‬
‫قوله تعالى‪ " :‬وما يؤمن أكثرهم بالله إل وهم مشركون‬
‫"( ‪:‬‬
‫قلال ابلن أبلي حلاتم‪ :‬حلدثنا محملد بلن الحسلين بلن إبراهيلم بلن‬
‫أشكاب حدثنا يونس بن محمد حدثنا حماد بللن سلللمة عللن عاصللم‬
‫الحول عن عروة قال‪ :‬دخل حذيفة على مريض‪ ،‬فرأى في عضده‬
‫سيرا ً فقطعه أو انتزعه‪ .‬ثم قال‪ " :‬وما يؤمن أكثرهم بالله إل وهللم‬
‫مشركون "‪.‬‬
‫وابن أبي حاتم هو المام أبللو محمللد عبللد الرحمللن بللن أبللي حللاتم‬
‫محمللد بللن إدريللس الللرازي التميمللي الحنظلللي الحللافظ‪ ،‬صللاحب‬
‫الجللرح والتعللديل والتفسللير وغيرهمللا مللات سللنة سللبع وعشللرين‬
‫وثلثمائة‪.‬‬
‫وحذيفة هو ابن اليمان‪ .‬واسم اليمللان‪ :‬حسلليل بمهملللتين مصللغرًا‪،‬‬
‫ويقللال حسللل ‪ -‬بكسللر ثللم سللكون ‪ -‬العبسللي بالموحللدة‪ ،‬حليللف‬
‫النصار‪ ،‬صحابي جليل من السابقين ويقال له صاحب السر وأبللوه‬
‫أيضا ً صحابي‪ ،‬مات حذيفة في أول خلفة علي رضي الله عنه سنة‬
‫ست وثلثين‪.‬‬
‫قوله‪ ) :‬رأى رجل ً في يده خيط من الحمى ( أي عن الحمى‪ .‬وكان‬
‫الجهال يعلقون التمائم والخيوط ونحوها لدفع الحمللى وروى وكيللع‬
‫عن حذيفة‪ :‬أنه دخل على مريض يعوده فلمس عضللده‪ ،‬فللإذا فيلله‬
‫خيط‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا ؟ قال‪ :‬شئ رقى لي فيلله‪ ،‬فقطعلله وقللال‪ :‬لللو‬
‫مت وهو عليك ملا صلليت عليلك وفيلله إنكلار مثللل هللذا‪ ،‬وإن كلان‬
‫يعتقد أنه سبب‪ ،‬فالسباب ل يجللوز منهللا إل مللا أبللاحه الللله تعللالى‬
‫ورسوله مع عدم العتماد عليها‪ .‬وأمللا التمللائم والخيللوط والحللروز‬
‫والطلسم ونحو ذلك مما يعلقه الجهللال فهللو شللرك يجللب إنكللاره‬
‫وازالته بالقول والفعل‪ ،‬وإن لم يأذن فيه صاحبه‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وتل قللوله‪" :‬ومللا يللؤمن أكللثرهم بللالله إل وهللم مشللركون"‬
‫استدل حذيفة رضي الله عنه بالية على أن هذا شرك‪ .‬ففيه صحة‬
‫الستدلل على الشرك الصغر بما أنزله الله فللى الشللرك الكللبر‪،‬‬
‫لشمول الية ودخوله فى مسمى الشرك‪ ،‬وتقدم معنى هللذه اليللة‬
‫عن ابن عباس وغيره فى كلم شيخ السلم وغيره‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫وفى هذه الثار عن الصحابة‪ :‬ما يبين كمللال علمهللم بالتوحيللد ومللا‬
‫ينافيه أو ينافى كماله‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪49‬‬

‫باب‬
‫ما جاء في الرقي والتمائم‬
‫قوله‪) :‬باب ما جاء فى الرقى والتمائم( ‪:‬‬
‫أي من النهي وما ورد عن السلف في ذلك‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وفي الصحيح عن أبي بشمير النصماري أنمه كمان‬
‫صملى اللمه عليمه وسملم فمي بعمض أسمفاره‬
‫ممع النمبي‬
‫رسو ً‬
‫ل‪ :‬أن ل يبقين فممى رقبممة بعيممر قلدة مممن‬
‫فأرسل‬
‫وتر أو قلدة إل قطعت( ‪:‬‬
‫هذا الحديث فى الصحيحين‪.‬‬
‫قوله‪) :‬عن أبى بشير( بفتح أوله وكسر المعجمة‪ ،‬قيل اسمه قيس‬
‫بن عبيد قاله ابن سعد‪ .‬وقال ابن عبد البر‪ :‬ل يوقف له على اسللم‬
‫صحيح‪ ،‬هو صحابى شهد الخندق ومللات بعللد السللتين‪ .‬ويقللال‪ :‬إنلله‬
‫جاوز المائة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فى بعض أسفاره( قال الحافظ‪ :‬لم أقف على تعيينه‪.‬‬
‫قوله‪) :‬فأرسل رسو ً‬
‫ل( هو زيد بللن حارثللة‪ .‬روى ذلللك الحللارث بللن‬
‫أبى أسامة فى مسنده قاله الحافظ‪.‬‬
‫قوله‪) :‬أن ل يبقيللن( بالمثنللاة التحتيللة والقللاف المفتوحللتين وقلدة‬
‫مرفوع على أنه فاعل و الوتر بفتحتين‪ ،‬وأحد أوتار القللوس‪ .‬وكللان‬
‫الجاهلية إذا اخلولللق اللوتر أبللدلوه بغيلره وقلللدوا بلله الللدواب‬
‫أهل‬
‫إعتقادا ً منهم أنه يدفع عن الدابة العين‪.‬‬
‫قوله‪) :‬أو قلدة إل قطعت( معناه‪ :‬أن الراوى شك هل قال شيخه‪:‬‬
‫قلدة من وتر أو قال‪ :‬قلدة وأطلق ولللم يقيللده ؟ ويؤيللد الول مللا‬
‫روى عن مالك أنه سئل عن القلدة ؟ فقال‪ :‬ما سللمعت بكراهتهللا‬
‫إل فى الوتر‪ .‬ولبى داود ول قلدة بغير شك‪.‬‬
‫قللال البغللوى فللى شللرح السللنة‪ :‬تللأول مالللك أمللره عليلله الصلللة‬
‫والسلم بقطع القلئد على أنه مللن أجللل العيللن وذلللك أنهللم كلانوا‬
‫يشدون الوتار والتمائم ويعلقون عليها العوذ‪ ،‬يظنون أنها تعصلمهم‬
‫النبى صلى الله عليه وسلم عنها وأعلمهم أنها‬
‫من الفات‪ .‬فنهاهم‬
‫ل ترد من أمر الله شيئًا‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪50‬‬

‫قللال أبللو عبيللد‪ :‬كللانوا يقلللدون البللل الوتللار‪ ،‬لئل تصلليبها العيللن‪،‬‬
‫النبى صلى الله عليه وسلم بإزالتها إعلما ً لهم بأن الوتللار‬
‫فأمرهم‬
‫ل ترد شيئًا‪ .‬وكذا قال إبن الجوزى وغيره‪.‬‬
‫قال الحافظ‪ :‬ويؤيده حديث عقبة بن عامر‪ ،‬رفعه من تعلق تميمللة‬
‫فل أتم الله له رواه أبو داود‪ .‬وهى ما علق من القلئد خشية العين‬
‫ونحو ذلك‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫قال المصنف‪) :‬وعن ابن مسممعود‪ :‬سمممعت رسممول اللممه‬
‫صلى الله عليه وسلم يقول‪ :‬إن الرقى والتمائم والتولة‬
‫شرك رواه أحمد وأبو داود( ‪:‬‬
‫امرأة عبد الله بن مسللعود‬
‫وفيه قصة‪ ،‬ولفظ أبى داود‪ :‬عن "زينب‬
‫قالت‪ :‬إن عبد الله رأى فى عنقللى خيطلا ً فقللال‪ :‬مللا هللذا ؟ قلللت‪:‬‬
‫خيط رقى لى فيه‪ .‬قالت‪ :‬فأخذه ثم قطعه‪ ،‬ثم قلال‪ :‬أنتلم آل عبللد‬
‫الله لغنياء عن الشرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلللم‬
‫يقول‪ :‬إن الرقى والتمائم والتولة شرك‪ .‬فقلت‪ :‬لقللد كللانت عينللى‬
‫تقذف‪ ،‬وكنت أختلف إلىفلن اليهودي‪ ،‬فاذا رقى في سكنت‪ .‬فقال‬
‫عبد الله‪ :‬إنما ذلك عمل الشيطان‪ ،‬كللان ينخسللها بيللده‪ ،‬فللإذا كللف‬
‫عنها‪ .‬إنما كان يكفيك أن تقولي كما كللان رسللول الللله صلللى الللله‬
‫البأس‪ ،‬واشف أنت الشللافى‪،‬‬
‫عليه وسلم يقول‪ :‬أذهب البأس‪ ،‬رب‬
‫ل شفاء إل شفاؤك شفاء ل يغللادر سللقمًا" ورواه ابللن مللاجه وابللن‬
‫حبان والحاكم وقال‪ :‬صحيح‪ ،‬وأقره الذهبى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬إن الرقى( قال المصنف‪) :‬هى التى تسمى العزائم‪ ،‬وخللص‬
‫منه الدليل ما خل من الشرك‪ ،‬ففد رخص فيلله رسللول الللله صلللى‬
‫وسلم من العين والحمة( يشير إلى أن الرقى الموصوفة‬
‫الله عليه‬
‫بكونها شركا ً هى التى يستعان فيهللا بغيللر الللله‪ ،‬وأمللا إذا لللم يللذكر‬
‫فيها إل بأسماء الله وصفاته وآياته‪ ،‬والمأثور عن النللبى صلللى الللله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فهذا حسن جائز أو مستحب‪.‬‬
‫قوله )فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العيللن‬
‫والحمة( كما تقدم ذلك فى باب من حقق التوحيد‪ .‬وكذا رخص فى‬
‫الرقى من غيرها‪ ،‬كما فى صحيح مسلم عن "عوف بن مالللك‪ :‬كنلا‬
‫نرقى فى الجاهلية‪ ،‬فقلنللا يللا رسللول الللله كيللف تللرى فللى ذلللك ؟‬
‫فقال‪ :‬اعرضوا علي رقلاكم‪ .‬ل بلأس بلالرقى ملا للم تكلن شللركًا"‬
‫وفى الباب أحاديث كثيرة‪.‬‬
‫قللال الخطللابى‪ :‬وكللان عليلله السلللم قللد رقللى ورقللى‪ ،‬وأمللر بهللا‬
‫وأجازها‪ ،‬فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله فهى مباحة أو مأمور بها‪،‬‬
‫الكراهة ًوالمنع فيما كان منها بغير لسان العرب‪ ،‬فإنه‬
‫وإنما جاءت‬
‫ربما كان كفرا ً أو قول يدخله شرك‪.‬‬
‫قلت‪ :‬من ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التى يتعاطونها‪ ،‬وأنهللا‬
‫تدفع عنهم الفات ويعتقللدون أن ذللك ملن قبللل الجلن ومعلونتهم‪.‬‬
‫وبنحو هذا ذكر الخطابى‪.‬‬
‫وقال ًشيخ السلم‪ :‬كللل اسللم مجهللول فليللس لحللد أن يرقللى بلله‬
‫فض لل أن يللدعو بلله‪ ،‬ولللو عللرف معنللاه‪ :‬لنلله يكللره الللدعاء بغيللر‬
‫يرخص لمللن ل يحسللن العربيللة‪ ،‬فأمللا جعللل اللفللاظ‬
‫العربية‪،‬وإنما‬
‫العجمية شعارا ً فليس من دين السلم‪.‬‬
‫وقال السيوطى‪ :‬قد أجمع العلماء على جللواز الرقللى عنللد اجتمللاع‬
‫ثلث شروط‪ :‬أن تكون بكلم الله أو بأسللمائه وصللفاته‪ ،‬وباللسللان‬
‫العربى‪ :‬ما يعرف معناه‪ ،‬وأن يعتقللد أن الرقيللة ل تللؤثر بللذاتها بللل‬
‫بتقدير الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬والتمائم( قال المصنف‪) :‬شئ يعلق على الولد من العين(‬
‫وقال الخلخالى‪ :‬التمائم جمع تميمة وهى ما يعلق بأعناق الصللبيان‬
‫من خرزات وعظام لدفع العين‪ ،‬وهذا منهللى عنلله‪ .‬لنلله ل دافللع إل‬
‫الله‪ ،‬ول يطلب دفع المؤذيات ال بالله وبأسمائه وصفاته‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪51‬‬

‫قال المصنف‪) :‬لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخممص‬
‫فيه بعض السلف‪ .‬وبعضهم لم يرخص فيممه ويجعلممه مممن‬
‫المنهى عنه‪ .‬منهم ابن مسعود( ‪:‬‬
‫اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمللن بعللدهم اختلفللوا فللى‬
‫جواز تعليق التمائم التى من القرآن أسلماء اللله وصلفاته‪ ،‬فقلالت‬
‫طائفة يجوز ذلك‪ ،‬وهو قول عبلد اللله بلن عملرو بلن العلاص وهلو‬
‫ظاهر ما روى عن عائشة‪ .‬وبه قال أبللو جعفللر البللاقر وأحمللد فللى‬
‫رواية‪ .‬وحملوا الحديث على التمائم التى فيها شرك‪.‬‬
‫وقالت طائفة ل يجوز ذلك‪ .‬وبه قال ابن مسعود وابن عباس‪ .‬وهللو‬
‫ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم‪ ،‬وبه قال جماعة من‬
‫التابعين‪ ،‬منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد فى رواية اختارهللا كللثير‬
‫من أصحابه‪ ،‬وحزم بها المتأخرون‪ ،‬واحتجوا بهذا الحديث ومللا فللى‬
‫معناه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا هو الصحيح لوجوه ثلثة تظهر للمتأمل‪:‬‬
‫الول‪ :‬عموم النهى ول مخصص للعموم‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬سد الذريعة‪ ،‬فإنه يفضى إلى تعليق ما ليس كذلك‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه إذا علق فلبد أن يمتهنه المتعلق بحمله معه فللى حللال‬
‫قضاء الحاجة والستنجاء ونحو ذلك‪.‬‬
‫السلف رضى الله تعالى عنهللم‬
‫وتأمل هذه الحاديث وما كان عليه‬
‫يتبين لك بذلك غربة السلم‪ ،‬خصوصلا ً إن عرفلت عظيلم ملا وقلع‬
‫فيه الكثير بعد القرون المفضلة من تعظيم القبور واتخاذ المساجد‬
‫عليهللا والقبللال إليهللا بللالقلب والللوجه‪ ،‬وصللرف جللل الللدعوات‬
‫والرغبات والرهبات وأنواع العبادات التى هى حق الله تعالى إليهللا‬
‫من دونه‪ ،‬كما قال تعالى ‪ " ، :‬ول تدع مللن دون الللله مللا ل ينفعللك‬
‫ول يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين * وإن يمسسللك الللله‬
‫بضر فل كاشف له إل هو وإن يردك بخير فل راد لفضله يصليب بله‬
‫من يشاء من عباده وهو الغفللور الرحيللم " ونظائرهللا فللى القللرآن‬
‫أكثر من أن تحصر‪.‬‬
‫قوله‪) :‬التولة(‪ ،‬قال المصللنف‪) :‬هللى شللئ يصللنعونه يزعمللون أنلله‬
‫يحبب المرأة إلى زوجها والرجللل إلللى امرأتلله وبهللذا فسللرها ابللن‬
‫مسعود راوي الحديث‪ :‬كما فى صحيح ابن حبان والحاكم قالوا‪ :‬يللا‬
‫أبا عبد الرحمن‪،‬هذه الرقى والتمائم قد عرفناها فما التولة؟ قللال‪:‬‬
‫شئ نصنعه للنساء يتحببن به إلى أزواجهن‪.‬‬
‫قال الحافظ‪ :‬التولة‪ :‬بكسر المثناة وفتح الواو واللم مخففا ً ‪ -‬شيئا ً‬
‫كانت المرأة تجلب به محبة زوجها‪ ،‬وهو ضرب من السللحر‪ ،‬والللله‬
‫أعلم‪.‬‬
‫وكان من الشرك لما يراد به من دفع المضار وجلللب المنللافع مللن‬
‫غير الله تعالى‪.‬‬
‫المصنف‪) :‬وعن عبممد اللممه بممن عكيممم مرفوع ما ً مممن‬
‫قال‬
‫تعلق شيئا ً وكل إليه رواه أحمد والترمذي( ‪:‬‬
‫ورواه ًابو داود والحاكم‪ ،‬وعبللد الللله بللن عكيللم هللو بضللم المهملللة‬
‫مصغرا‪ ،‬ويكنى أبا معبد‪ ،‬الجهني الكوفي‪ .‬قال البخاري‪ :‬أدرك زمن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم ول يعرف له سماع صللحيح وكللذا قللال‬
‫أبو حاتم‪ .‬قللال الخطيللب سللكن الكوفللة وقللدم الملدائن فلي حيللاة‬
‫حذيفة وكان ثقة‪ ،‬وذكر ابلن سلعد ملن غيلره أنله ملات فلي وليلة‬
‫الحجاج‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ومن تعلق شيئا ً وكل إليلله( التعلللق يكللون بللالقلب‪ ،‬ويكللون‬
‫بالفعل‪ ،‬ويكون بهما وكل إليه أي وكله الله إلى ذلللك الشللئ الللذي‬
‫تعلقه فمن تعلق بالله وأنزل حوائجه إليه والتجأ إليه‪ ،‬وفوض أمره‬
‫إليه‪ ،‬وكفاه وقرب إليه كل بعيد ويسر له كللل عسللير‪ ،‬ومللن تعلللق‬
‫بغيره أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمللائمه ونحللو ذلللك‪ ،‬وكللله‬
‫الله إلى ذلللك وخللذله‪ ،‬وهللذا معللروف بالنصللوص والتجللارب‪ .‬قللال‬
‫تعالى ‪" :‬ومن يتوكل على الله فهو حسبه"‪.‬‬
‫قال المام أحمد‪ :‬حدثنا هشام بن القاسم حدثنا أبو سعيد المللؤدب‬
‫حدثنا من سمع عطاء الخرساني قال‪ :‬لقيلت وهلب بلن منبله وهلو‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪52‬‬

‫يطوف بالبيت فقلت‪ :‬حدثني حديثا ً أحفظه عنللك فللي مقللامي هللذا‬
‫وأوجز‪ .‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬اوحى الله تبارك وتعالى إلى داود‪ :‬يللا داود‪،‬وأمللا‬
‫عزتي وعظمتي ل يعتصم بي عبد مللن عبللادي دون خلقللي أعللرف‬
‫ومن فيهن والرضون السبع‬
‫ذلك من نيته‪ ،‬فتكيده السموات السبع‬
‫ومن فيهلن إل جعلللت للله بينهلن مخرجلا ً وأملا عزتللي وعصللمتي ل‬
‫يعتصم عبد من عبللادي بمخلللوق دونللي أعللرف ذلللك مللن نيتلله‪ ،‬إل‬
‫قطعت أسباب السماء من يده وأسللخت الرض مللن تحللت قللدميه‬
‫ثم ل أبالى بأي أوديتها هلك‪.‬‬
‫قال المصنف‪) :‬وروى المام أحمد عن رويفع قال‪ :‬قال‬
‫رسول اللممه صمملى اللممه عليممه وسمملم " يمما رويفممع‪ ،‬لعممل‬
‫أو‬
‫ستطول بك‪ ،‬فأخبر الناس أن من عقممد لحيتممه‬
‫الحياة‬
‫محمممدا ً‬
‫تقلد وترا ً أو استنجى برجيع دابة أو عظم‪ ،‬فممإن‬
‫بريء منه "( ‪:‬‬
‫الحلديث رواه الملام أحملد علن يحيللى بللن إسللحاق والحسلن بلن‬
‫موسللى الشلليب كلهمللا عللن ابللن لهيعللة‪ .‬وفيلله قصللة اختصللرها‬
‫المصنف‪ .‬وهلذا لفلظ حسلن‪ :‬حلدثنا ابلن لهيعللة حللدثنا عيلاش بلن‬
‫عباس عن شييم بن بيتان قال‪ :‬حدثنا رويفللع بللن ثللابت قللال‪ :‬كللان‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ جمل أخيه علللى أن يعطيلله‬
‫النصف مما غنللم وللله النصللف‪ ،‬حللتى إن أحللدنا ليصللير للله النصللل‬
‫والريش وللخر القدح‪ .‬ثم قال لللي رسللول الللله صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم‪ ...‬الحديث‪.‬‬
‫ثم رواه أحمد بن يحيى بن غبلن حدثنى الفضل عياش بللن عبللاس‬
‫أن شييم بن بيتان أخبره أنه سمع شييان القتباني ‪ -‬الحللديث‪ .‬ابللن‬
‫لهيعة فيه مقال‪ .‬وفلي السلناد الثلاني شليبان القتبلانى‪ ،‬قيلل فيله‬
‫مجهول‪ .‬وبقية رجالهما ثقات‪.‬‬
‫قوله‪)ً :‬فأخبر الناس( دليل على وجوب إخبللار النللاس‪ ،‬وليللس هللذا‬
‫مختصا برويفع‪ ،‬بل كل من كان عنللده علللم ليللس عنللد غيللره ممللا‬
‫يحتاج إليه الناس وجب إعلمهم به‪ ،‬فللإن إشللترك هللو وغيللره فللي‬
‫علم ذلك فالتبليغ فرض كفاية‪ .‬قاله أبو زرعة في شرح سللنن أبللي‬
‫داود‪.‬‬
‫قوله‪) :‬لعل الحياة ستطول بك( فيلله علللم مللن أعلم النبللوة‪ ،‬فللإن‬
‫رويفعا ً طالت حيا ًته إلى سللنة سللت وخمسللين فمللات ببرقللة مللن‬
‫أعمال مصر أميرا عليها‪ ،‬وهو من النصللار‪ .‬وقيللل مللات سللنة ثلث‬
‫وخمسين‪.‬‬
‫قوله‪) :‬إن من عقد لحيته( بكسر اللم ل غير‪ ،‬والجمع لحى بالكسر‬
‫والضم قاله الجوهري‪.‬‬
‫قال الخطابي‪ :‬أما نهيه عن عقد اللحية فيفسر على وجهين‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬ما كانوا يفعلونه في الحرب‪ ،‬كانوا يعقدون لحلاهم‪ ،‬وذلللك‬
‫لض العللاجم يفتلونهللا ويعقللدونها‪ .‬قللال أبللو السللعادات‪:‬‬
‫من زى بعل‬
‫تكبرا ً وعجبًا‪.‬‬
‫ثانيهما‪ :‬أن معناه معالجة الشعر ليتعقللد ويتجعللد‪ ،‬وذلللك مللن فعللل‬
‫أهل التأنيث وقال أبو زرعة بن العراقى‪ :‬والولى حمله علللى عقللد‬
‫اللحية في الصلة‪ ،‬كما دلت عليه رواية محمد بن الربيللع‪ .‬وفيلله أن‬
‫من عقد لحيته في الصلة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أو تقلد وترا ً أي جعله قلدة ًفللي عنقلله أو عنللق دابتلله‪ .‬وفللي‬
‫رواية محمد بن الربيع أو تقلد وترا يريد تميمة ‪.‬‬
‫فإذا كان هذا فيمن تقلد وترا ً فكيف بمن تعلللق بللالموات وسللألهم‬
‫قضاء الحاجات‪ ،‬وتفريج الكربات‪ ،‬الللذي جللاء النهللى عنلله وتغليظلله‬
‫في اليات المحكمات ؟‬
‫قوله‪ :‬أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا ً بريللء منلله قللال‬
‫لنووي‪ :‬أي بريء من فعله‪ ،‬وهذا خلف الظاهر‪ .‬والنووي كللثيرا ً مللا‬
‫يتأول الحاديث بصرفها عن ظاهرها فيغفر الله تعالى له‪.‬‬
‫وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضللي الللله عنلله مرفوعلًا‪ " :‬ل‬
‫تستنجوا بالروث ول العظام فإنه زاد إخوانكم من الجن " وعليلله ل‬
‫يجزى الستنجاء بهما كما هللو ظللاهر مللذهب أحمللد‪ ،‬لمللا روى ابللن‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪53‬‬

‫خزيمة والدارقطني عن أبي هريللرة‪ " :‬أن النللبي صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم نهى أن يستنجي بعظم أو روث‪ ،‬وقال‪ :‬إنهما ل يطهران "‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعن سعيد بن جبير قال‪ " :‬من قطع تميمة مممن‬
‫إنسان كان كعدل رقبة " رواه وكيع( ‪:‬‬
‫الرفللع‪ ،‬لن مثللل ذلللك ل يقللال بللالرأي‬
‫هذا عند أهل العلم له حكم‬
‫ويكون هذا مرسل ً لن سعيدا ً تابعى‪ .‬وفيه فضل قطع التمائم لنهللا‬
‫شرك‪ .‬ووكيع هو ابن الجراح ابن وكيع الكوفى‪ ،‬ثقة إمللام‪ ،‬صللاحب‬
‫تصانيف منها الجامع وغيره‪ .‬روى عنه المام أحمللد وطبقتلله‪ .‬مللات‬
‫سنة سبع وتسعين ومائة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وله عممن إبراهيممم قممال‪ :‬كممانوا يكرهممون التمممائم‬
‫كلها من القرآن وغير القرآن( ‪:‬‬
‫وإبراهيم هو المام بن يزيد النخعى الكوفي‪ ،‬يكنى أبا عمللران ثقللة‬
‫من كبار الفقهاء‪ .‬قال المللزى‪ :‬دخللل علللى عائشللة‪ ،‬ولللم يثبللت للله‬
‫سماع منها‪ .‬مات سنة ست وتسعين‪ ،‬وله خمسون سنة أو نحوها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬كانوا يكرهون التمائم إلى آخره‪ ،‬مراده بللذلك أصللحاب عبللد‬
‫الله بن مسعود‪ ،‬كعلقمة والسود وأبي وائل والحللارث بللن سللويد‪،‬‬
‫وعبيد السلللمانى ومسللروق والربيللع بللن خللثيم‪ ،‬وسللويد بللن غفلللة‬
‫وغيرهم‪ ،‬وهو من سادات التابعين وهذه الصيغة يستعملها إبراهيللم‬
‫من حكاية أقوالهم كما بين ذلك الحفاظ العراقى وغيره‪.‬‬

‫باب‬
‫من تبرك بشجرة ونحوهها‬
‫قوله‪ ) :‬باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما( ‪:‬‬
‫كبقعة وقبر ونحو ذلك‪ ،‬أي فهو مشرك‪.‬‬
‫قمموله‪) :‬وقمموله اللممه تعممالى‪ " :‬أفرأيتممم اللت والعممزى *‬
‫ومناة الثالثة الخرى‪...‬اليات( ‪:‬‬
‫وكانت اللت لثقيف‪ ،‬والعزى لقريش وبنى كنانة‪ ،‬ومناة لبنى هلل‪.‬‬
‫وقال ابن هشام‪ :‬كانت لهذيل وخزاعة‪.‬‬
‫فأما اللت فقرأ الجمهللور بتخفيللف التللاء‪ ،‬وقللرأ ابللن عبللاس وابللن‬
‫الزبير ومجاهد وحمدي وأبو صالح ورويس بتشديد التاء‪.‬‬
‫فعلى الولى قال العمللش‪ :‬سللموا اللت مللن الللله‪ ،‬والعللزى مللن‬
‫العزيز‪ .‬قال ابن جرير‪ :‬وكانوا قد اشتقوا اسللمها مللن ًالللله ًتعللالى‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬اللت مؤنثة منه‪ ،‬تعالى الللله عللن قللولهم علللوا كللبيرا قللال‪:‬‬
‫وكذا العزى من العزيز‪.‬‬
‫وقال ابللن كللثير‪ :‬اللت كللانت صللخرة بيضللاء منقوشللة عليهللا بيللت‬
‫الطائف له أستار وسدنة وحللوله فنللاء معظللم عنللد أهللل الطللائف‪،‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪54‬‬

‫وهم ثقيف ومن تبعهللا يفتخللرون بلله علللى مللن عللداهم مللن أحيللاء‬
‫العرب بعد قريش‪ ،‬قال ابن هشام‪ :‬فبعث رسول الللله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار‪.‬‬
‫وعلى الثانية قال ابن عباس‪ :‬كان رجل ً يللت السلويق للحلاج‪ ،‬فملا‬
‫مات عكفوا على قبره ذكره البخاري قللال ابللن عبللاس‪ :‬كللان يللبيع‬
‫ويسلؤه عليها‪ ،‬فلما مات ذلك الرجل‬
‫السويق والسمن عند صخرة‬
‫عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما ً لصللاحب السللويق وعللن مجاهللد‬
‫نحوه وقال‪ :‬فلما مات عبدوه رواه سللعيد بللن منصللور‪ .‬وكللذا روى‬
‫ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنهم عبدوه وبنحللو هللذا قللال جماعللة‬
‫من أهل العلم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ل منافاة بين القولين‪ .‬فللإنهم عبللدوا الصللخرة والقللبر تأليه لا ً‬
‫وتظيمًا‪.‬‬
‫ولمثل هذا بنيلت المشللاهد والقبللاب عللى القبللور واتخلذت أوثانلًا‪.‬‬
‫وفيه بيان أن أهل الجاهلية كانوا يعبدون الصالحين والصنام‪.‬‬
‫وأما العزى فقال ابن جرير‪ :‬كانت شجرة عليها بناء وأسللتار بنخلللة‬
‫بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها‪ ...‬كما قللال أبللو سللفيان‬
‫يوم أحذ‪ :‬لنا العزى ولعزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليلله‬
‫وسلم " قولوا‪ :‬الله مولنللا ول مللولى لكللم " وروى النسللائي وابللن‬
‫مردوية عن أبي الطفيل قال‪ :‬لما فتح رسول الله صلى الله عليلله‬
‫وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى‪ ،‬وكانت‬
‫على ثلث سمرات فقطع السمرات‪ ،‬وهدم البيت الذي كان عليها‪.‬‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره‪ .‬فقال ارجللع فإنللك لللم‬
‫ثم أتى‬
‫تصنع شيئًا‪ ،‬فرجع خالد‪ ،‬فلمللا أبصللرته السللدنة أمعنللوا فللي الجبللل‬
‫وهم يقولون‪ :‬يللا عللزى يللا عللزى‪ ،‬فأتاهللا خالللد فللإذا امللرأة عريانللة‬
‫ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها فعمها بالسيف فقتلها ثللم‬
‫رجع إلى رسول الله صلى الله عليلله وسلللم فللأخبره‪ .‬فقللال‪ :‬تلللك‬
‫العزى قلت‪ :‬وكل هذا وما هو أعظم منه يقع في هذه الزمنة عنللد‬
‫ضرائح الموات وفي المشاهد‪.‬‬
‫وأما مناة فكانت بالمشلل عند قديللد‪ ،‬بيللن مكللة والمدينللة‪ ،‬وكللانت‬
‫خزاعللة والوس والخللزرج يعظمونهللا ويهلللون منهللا للحللج‪ ،‬وأصللل‬
‫اشتقاقها‪ :‬من إسم الله المنان‪ ،‬وقيللل‪ :‬لكللثرة مللا يمنللى أي يللراق‬
‫عندها من الدماء للتبرك بها‪.‬‬
‫قال البخاري رحمه الله‪ ،‬في حديث عروة عن عائشللة رضللي الللله‬
‫عنها‪ :‬إنها صنم بين مكة والمدينة قال ابللن هشللام‪ :‬فبعللث رسللول‬
‫عليا ً فهدمها عام الفتح فمعنى الية كما‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‬
‫قال القرطبي‪ :‬أن فيها حذفا ً تقديره‪ :‬أفرأيتم هذه اللهة‪ ،‬أنفعت أو‬
‫ضرت‪ ،‬حتى تكون شركاء لله تعالى ؟‬
‫وقوله‪ " :‬ألكم الذكر وله النثى " قال ابن كثير‪ :‬تجعلللون للله ولللدا ً‬
‫وتجعلللون ولللده أنللثى وتختللارون لكللم الللذكور ؟ قللوله‪ " :‬تلللك إذا‬
‫قسللمة ضلليزى " أي جللور وباطلللة‪ .‬فكيللف تقاسللمون ربكللم هللذه‬
‫القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جللورا ً وسللفها ً فتنزهللون‬
‫أنفسكم عن النللاث وتجعلللونهن لللله تعللالى‪ .‬وقللوله‪ " :‬إن هللي إل‬
‫أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم " أي من تلقاء أنفسللكم " مللا أنللزل‬
‫الله بها مللن سلللطان " أي مللن حجللة " إن يتبعللون إل الظللن " أي‬
‫ليس لهم مستند إل حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك‬
‫الباطل قبلهم " وما تهوى النفس " وإل حظ أنفسهم في رياستهم‬
‫وتعظيم آبائهم القدمين‪ .‬قوله‪ " :‬ولقد جاءهم مللن ربهللم الهللدى "‬
‫قال ابن كثير‪ :‬ولقد أرسل الله تعالى إليهم الرسللل بللالحق المنيللر‬
‫والحجة القاطعة‪ ،‬ومع هذا ما اتبعوا ما جاءوهم به ول انقللادوا للله ا‬
‫هل‪.‬‬
‫ومطابقة اليات للترجمة من جهة أن عباد هذه الوثان إنهللم كللانوا‬
‫يعتقللدون حصللول البركللة منهللا بتعظيمهللا ودعائهللا والسللتعانة بهللا‬
‫والعتمللاد عليهللا فللي حصللول مللا يرجللونه منهللا ويؤملللونه ببركتهللا‬
‫وشفاعتها وغير ذلك‪ ،‬فالتبرك بقبور الصالحين كللاللت‪ ،‬وبالشللجار‬
‫كالعزى ومناة من ضمن فعل أولئك المشللركين مللع تلللك الوثللان‪،‬‬
‫فمن فعل مثل ذلك واعتقد في قبر أو حجر أو شللجر فقللد ضللاهى‬
‫عباد هذه الوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك‪ ،‬على أن‬
‫الواقع من هؤلء المشللركين مللع معبللوديهم أعظللم ممللا وقللع مللن‬
‫أولئك‪ .‬فالله المستعان‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪55‬‬

‫قوله‪) :‬عن أبي واقد الليثي قممال‪ " :‬خرجنمما مممع رسممول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين‪ ،‬ونحن حممدثاء عهممد‬
‫بكفر‪ ،‬وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطممون بهمما‬
‫أسلحتهم‪ ،‬يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة‪ ،‬فقلنا يمما‬
‫رسول الله‪ ،‬اجعل لنا ذات أنواط كممما لهممم ذات أنممواط‪،‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬الله أكممبر إنهمما‬
‫السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنممو إسممرائيل‬
‫لموسى " اجعل لنا إلها ً كما لهممم آلهممة قممال إنكممم قمموم‬
‫تجهلون " لتركبن سنن من كان قبلكممم " رواه الترمممذي‬
‫وصححه( ‪:‬‬
‫أبو واقد إسمه الحارث بن عوف‪ ،‬وفي الباب عن أبي سلعيد وأبلي‬
‫هريرة قاله الترمذي وقد رواه أحمللد وأبللو يعلللى وابللن أبللي شلليبة‬
‫والنسللائي وابللن جريللر وابللن المنللذر وابللن أبللي حللاتم والطللبراني‬
‫بنحوه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عن أبي واقد قد تقدم ذكر إسللمه فللي قللول الترمللذي وهللو‬
‫صحابي مشهور مات سنة ثمان وستين وثمانون سنة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين وفللي‬
‫حديث عمللرو بللن عللوف وهللو عنللد ابللن أبللي حللاتم وابللن مردويلله‬
‫والطبراني‪ .‬قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليلله وسلللم يللوم‬
‫الفتح‪ ،‬ونحن ألف ونيف حتى إذا كنا بين حنين والطائف الحديث‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ونحن حدثاء عهد بكفر أي قريب عهدنا بللالكفر‪ ،‬ففيلله دليللل‬
‫على أن غيرهم ممن تقدم إسلمه من الصحابة ل يجهللل هللذا وأن‬
‫المنتقل من الباطل الذي اعتاده قبله ل يللأمن أن يكللون فللي قلبلله‬
‫بقية من تلك العادة‪ .‬ذكره المصنف رحمه الله‪.‬‬
‫قول‪ :‬وللمشركين سدرة يعكفون عندها العكوف هو القامللة علللى‬
‫الشئ في المكللان‪ ،‬ومنلله قللول الخليللل عليلله السلللم‪ " :‬مللا هللذه‬
‫عاكفون " وكان عكوف المشركين عند تلللك‬
‫التماثيل التي أنتم لها‬
‫السدرة تبركا ً بها وتعظيما ً لهلا وفلي حلديث عمللرو كلان ينلاط بهلا‬
‫السلح فسميت ذات أنواط وكانت تعبد من دون الله‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وينوطون بها أسلحتهم أي يعلقونها عليها للبركة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ففي هذا بيان أن عبادتهم لها بللالتعظيم والعكللوف والتللبرك‪،‬‬
‫وبهذه المور الثلثة عبدت الشجار ونحوها‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬فقلنللا‪ :‬يللا رسللول الللله اجعللل لنللا ذات أنللواط قللال أبللو‬
‫السعادات‪ :‬سألوه أن يجعل لهم مثلها فنهللاهم عللن ذلللك‪ .‬وأنللواط‬
‫جمع نوط وهو مصدر سمى بها المنوط‪ .‬ظنوا أن ً هذا أمر محبللوب‬
‫عند الله وقصدوا التقرب به‪ ،‬وإل فهم أجللل قللدرا مللن أن يقصللدوا‬
‫مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر وفي رواية‬
‫سبحان الله والمراد تعظيم الله تعالى وتنزييه عن هذا الشرك بأي‬
‫نوع كان‪ ،‬مما ل يجوز أن يطلب أو يقصد به غير الللله وكللان النللبي‬
‫وسلم يستعمل التكبير والتسبيح في حال التعجللب‬
‫صلى الله عليه‬
‫تعظيما ً لله وتنزيها ً له إذا سمع من أحد ما ل يليللق بللالله ممللا فيلله‬
‫هضم للربوبية أو اللهية‪.‬‬
‫قوله‪ :‬إنها السنن بضم السين أي الطرق‪.‬‬
‫والذي نفسي بيده كما قللالت بنللو إسللرائيل لموسللى "‬
‫قوله‪ :‬قلتم‬
‫لهللم آلهللة " شللبه مقللالتهم هللذه بقللول بنللي‬
‫اجعللل لنللا إله لا ً كمللا‬
‫ً‬
‫إسرائيل‪ ،‬بجامع أن كل طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون‬
‫الله‪ ،‬وإن اختلف اللفظان‪ .‬فللالمعنى واحللد‪ ،‬فتغييللر السللم ل يغيللر‬
‫الحقيقة‪.‬‬
‫ففيه الخوف من الشرك‪ ،‬وأن النسان قد يستحسن شيئا ً يظن أنه‬
‫يقربلله إللى الللله‪ ،‬وهللو أبعللد مللا يبعللده مللن رحمتلله ويقرهللب ملن‬
‫سخطه‪ ،‬ول يعرف هذا على الحقيقة إلى مللن عللرف مللا وقللع فللي‬
‫هذه الزمان من كثير من العلماء والعبللاد مللع أربللاب القبللور‪ ،‬مللن‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪56‬‬

‫الغلو فيها وصرف جل العبادة لها‪ ،‬ويحسبون أنهم على شللئ وهللو‬
‫الذنب الذي ل يغفره الله‪.‬‬
‫قللال الحللافظ أبللو محمللد عبللد الرحمللن بللن إسللماعيل الشللافعي‬
‫المعروف بابن أبي شامة فللي كتللاب البللدع والحللوادث‪ :‬ومللن هللذا‬
‫القسم أيضا ً ما قد عم البتلء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق‬
‫الحيطان والعمد وإسراج مواضع مخصوصللة فللي كللل بلللد‪ ،‬يحكللى‬
‫لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ً ممن شهر بالصلللح والوليللة‪،‬‬
‫فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مللع تضللييعهم لفللرائض الللله تعللالى‬
‫وسننه‪ ،‬ويظنون أنهم متقربون بللذلك‪ ،‬ثللم يتجللاوزون هللذا إلللى أن‬
‫يعظم وقع تلك الماكن في قلللوبهم فيعظمونهللا ويرجللون الشللفاء‬
‫لمرضاهم وقضللاء حللوائجهم بالنللذر لهللا‪ ،‬وهللي مللن عيللون وشللجر‬
‫وحائط وحجر‪ .‬وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة كعوينللة‬
‫الحمللى خللارج بللاب تومللا والعمللود المخلللق داخللل بللاب الصللغير‪،‬‬
‫والشجرة الملعونة خارج باب النصر نفللس قارعللة الطريللق سللهل‬
‫الله قطعها واجتثاثها من أصلها‪ ،‬فما أشبهها بللذات أنللواط الللواردة‬
‫في الحديث‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وذكر ابن القيم رحمه الله نحو ما ذكره أبلو شلامة‪ ،‬ثلم قلال‪ :‬فملا‬
‫أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الوثان مللن دون الللله ولللو كللانت مللا‬
‫كانت‪ ،‬ويقولون‪ :‬إن هذا الحجر وهذه الشللجرة وهللذه العيللن تقبللل‬
‫النللذر‪ ،‬أي تقبللل العبللادة مللن دون الللله‪ ،‬فللإن النللذر عبللادة وقربللة‬
‫بهذا الباب عنللد‬
‫يتقرب بها الناذر إلى المنذور له‪ ،‬وسيأتي ما يتعلق‬
‫قوله صلى الله عليه وسلم‪ " :‬اللهم ل تجعل قبري وثنا ً يعبد"‪.‬‬
‫وفي هذه الجملة من الفوائد‪ :‬أن ما يفعله من يعتقد فللي الشللجار‬
‫والقبور والحجار من التللبرك بهللا العكللوف عنللدها والذبللح لهللا هللو‬
‫لالله‬
‫الشرك‪ ،‬ول يغتر بالعوام والطغام‪ ،‬ول يستبعد كللون الشللرك بل‬
‫حسنا ً‬
‫تعالى يقع في هذه المة‪ ،‬فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك‬
‫وطلبوه من النبي صلى الله عليلله ًوسلللم حللتى بيللن لهللم أن ذلللك‬
‫كقول بني إسرائيل‪ " :‬اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " فكيف ل يخفى‬
‫على من دونهم فللي العلللم والفضللل بأضللعاف مضللاعفة مللع غلبللة‬
‫الجهل وبعد العهد بآثار النبوة ؟ ! بل خفى عليهلم عظلائم الشلرك‬
‫في اللهية والربوبية‪ ،‬فأكبروا فعله واتخذوه قربة‪.‬‬
‫وفيها أن العتبار فللي الحكللام بالمعلاني ل بالسللماء‪ ،‬ولهللذا جعللل‬
‫النبي صلى الله عليلله وسلللم طلبتهللم كطلبللة بنللي إسللرائيل‪ ،‬ولللم‬
‫يلتفللت إلللى كللوفهم سللموها ذات أنللواط‪ .‬فالمشللرك مشللرك وإن‬
‫سمى شركه ما سماه‪ .‬كمن يسمى دعلاء الملوات والذبلح والنلذر‬
‫لهم ونحو ذلك تعظيما ً ومحبة‪ ،‬فإن ذلك هو الشرك‪ ،‬وإن سماه مللا‬
‫سماه‪ .‬وقس على ذلك‪.‬‬
‫قوله‪ :‬لتركبن سنن من كان قبلكم بضم الموحدة وضم السللين أي‬
‫طرقهم ومناهجهم وقد يجوز فتح السين على الفراد أي طريقهم‪.‬‬
‫وهذا خبر صحيح‪ .‬والواقع من كثير من هذه المة يشهد له‪.‬‬
‫وفيه علم من أعلم النبوة من حيث إنه وقع كما أخبر به صلى الله‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫وفي الحديث‪ :‬النهى عن التشبه بأهل الجاهلية وأهل الكتللاب فيمللا‬
‫كانوا يفعلونه‪ ،‬إل ما دل الدليل على أنه مللن شللريعة محمللد صلللى‬
‫الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قال المصنف رحمممه اللممه‪) :‬وفيممه التنممبيه علممى مسممائل‬
‫القبر( ‪:‬‬
‫أما‪ :‬من ربك ؟ فواضح‪ .‬وأما‪ :‬من نبيك ؟ ًفمن إخباره أنباء الغيللب‪.‬‬
‫وأما‪ :‬ما دينك ؟ فمن قولهم اجعل لنا إلها إلخ‪ .‬وفيه‪ :‬أن الشرك ل‬
‫بللد أن يقللع فللي هللذه المللة خلفلا ً لمللن ادعللى خلف ذلللك‪ ،‬وفيلله‬
‫الغضب عند التعليم‪ ،‬وإن ما ذم الله به اليهود والنصارى فللإنه قللال‬
‫لنا لنحذره قاله المصنف رحمه الله‪.‬‬
‫وأما ما ادعاه بعض المتأخرين من أنه يجوز التبرك بآثار الصلالحين‬
‫فممنوع من وجوه‪:‬‬
‫منها‪ :‬أن السابقين الولين مللن الصللحابة ومللن بعللدهم لللم يكونللوا‬
‫يفعلون ذلك مع غير النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ل فللى حيللاته ول‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪57‬‬

‫بعد موته‪ .‬ولو كان خيرا ً لسبقونا إليلله‪ ،‬وأفضللل الصللحابة أبللو بكللر‬
‫وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم‪ .‬وقد شهد لهللم رسللول الللله‬
‫صلى الله عليه وسلم فيمن شهد للله بالجنللة‪ ،‬ومللا فعللله أحللد مللن‬
‫الصحابة والتابعين مع أحد من هؤلء السادة‪ ،‬ول فعله التابعون مللع‬
‫ساداتهم في العلم والدين وأهل السوة‪ .‬فل يجوز أن يقللاس علللى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من المة‪ ،‬وللنبي صلى الله‬
‫عليه وسلم في حال الحيللاة خصللائص كللثيرة ل يصلللح أن يشللاركه‬
‫فيها غيره‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن في المنع عن ذلك سدا ً لذريعة الشرك كما ل يخفى‪.‬‬

‫باب‬
‫ما جاء في الذبح لغير الله‬
‫قوله‪ ) :‬باب ما جاء في الذبح لغير الله ( ‪:‬‬
‫من الوعيد وأنه شرك بالله‪.‬‬
‫قوله‪ " ) :‬قل إن صلتي ونسكي ومحيمماي ومممماتي للممه‬
‫رب العالمين * ل شريك له " الية( ‪:‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬يأمره تعالى أن يخبر المشركين الللذي يعبللدون غيللر‬
‫الله ويذبحون له‪ :‬بأنه أخلص لللله صلللته وذبيحتلله‪ .‬لن المشللركين‬
‫يعبللدون الصللنام ويللذبحون لهللا‪ ،‬فللأمره الللله تعللالى بمخللالفتهم‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪58‬‬

‫والنحللراف عمللا هللم فيلله والقبللال بالقصللد والنيللة والعللزم علللى‬
‫الخلص لله تعالى‪ .‬قال مجاهد‪ :‬النسك الذبح في الحللج والعمللرة‪.‬‬
‫وقال الثورى عن السدى عن سعيد ابن جبير‪ :‬ونسكى ذبحى‪ .‬وكذا‬
‫قال الضحاك‪ .‬وقال غيللره " ومحيللاي وممللاتي " أي ومللا آتيلله فللي‬
‫حيللاتى ومللا أمللوت عليلله مللن اليمللان والعمللل الصللالح " لللله رب‬
‫العالمين " خالصا ً لوجهه " ل شريك له وبذلك " الخلص " أمللرت‬
‫وأنا أول المسلمين " أى من هذه المة لن إسلم كل نبى متقدم‪.‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬وهو كما قال‪ ،‬فإن جميع النبياء قبله كللانت دعللوتهم‬
‫إلى السلم‪ ،‬وهو عبادة الله وحده ل شريك له‪ .‬كما قال تعللالى‪" :‬‬
‫وما أرسلنا من قبلك مللن رسللول إل نللوحي إليلله أنلله ل إللله إل أنللا‬
‫فاعبدون " وذكر آيات في هذا المعنى‪.‬‬
‫ووجه مطابقة الية للترجمة‪ :‬أن الله تعالى تعبد عباده بأن يتقربللوا‬
‫إليه بالنسك‪ ،‬كما تعبدهم بالصلة وغيرها من أنواع العبللادات‪ ،‬فللإن‬
‫الله تعالى أمرهم أن يخلصوا جميع أنللواع العبلادة لله دون كلل ملا‬
‫إلى غير الله بالذبح أو غيللره مللن أنللواع العبللادة‬
‫سواه‪ ،‬فإذا تقربوا‬
‫فقد جعلوا لله شريكا ً في عبادته‪ ،‬ظاهر في قوله‪ " :‬ل شريك له "‬
‫نفى أن يكون لله تعالى شريك في هذه العبادات‪ ،‬وهو بحمللد الللله‬
‫واضح‪.‬‬
‫قوله‪ ") :‬فصل لربك وانحر "( ‪:‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله تعالى‪ :‬أمر الله أن يجمللع بيللن هللاتين‬
‫العبادتين‪ ،‬وهما الصلة والنسللك‪ ،‬الللدالتان عللى القللرب والتواضللع‬
‫والفتقار وحسن الظن‪ ،‬وقوة اليقيللن‪ ،‬وطمأنينللة القلللب إلللى الللله‬
‫وإلى عدته‪ ،‬عكس حال أهل الكبر والنفرة‪ ،‬وأهل الغنللى عللن الللله‬
‫الذين ل حاجة لهم في صللتهم إللى ربهلم‪ ،‬واللذين ل ينحلرون لله‬
‫خوفا ً من الفقلر‪ ،‬ولهللذا جملع بينهملا فلي قللوله‪ " :‬قللل إن صللتي‬
‫ونسكي " الية والنسك الذبيحة لله تعالى إبتغاء وجهه‪ .‬فإنهما أجل‬
‫ما يتقرب به إلى الله‪ ،‬فإنه أتى فيهما بالفاء الدالللة علللى السللبب‪،‬‬
‫لن فعل ذلك سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله تعالى من الكللوثر‪.‬‬
‫وأجل العبادات البدنية‪ :‬الصلة‪ ،‬وأجل العبادات المالية‪ :‬النحر‪ .‬ومللا‬
‫يجتمع للعبد في الصلة ل يجتمع له في غيرهللا‪ ،‬كمللا عرفلله أربللاب‬
‫القلوب الحية‪ ،‬وما يجتمع له في النحر إذا قارنه اليمان والخلص‪،‬‬
‫من قوة اليقين وحسن الظن‪ :‬أمر عجيب‪ ،‬وكان النللبي صلللى الللله‬
‫عليه وسلم كثير الصلة‪ ،‬كثير النحر‪.‬ا ه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقد تضمنت الصلة مللن أنللواع العبللادات كللثيرًا‪ ،‬فمللن ذلللك‬
‫اللدعاء والتكلبير‪ ،‬والتسللبيح والقللراءة‪ ،‬والتسلميع والثنلاء‪ ،‬والقيلام‬
‫والركوع‪ ،‬والسجود والعتدال‪ ،‬وإقامة الللوجه لللله تعللالى‪ ،‬والقبللال‬
‫عليه بالقلب‪ ،‬وغير ذلك مما هللو مشللروع فللي الصلللة‪ ،‬وكللل هللذه‬
‫يجللوز أن يصللرف منهللا شللئ لغيللر‬
‫المور من أنواع العبادة التي ل‬
‫الله‪ :‬وكذلك النسك يتضمن أمورا ً من العبادة كمللا تقللدم فللي كلم‬
‫شيخ السلم رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعن علي بن أبي طالب قمال‪ " :‬حمدثني رسمول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمممات‪ :‬لعممن اللممه مممن‬
‫الله‪ ،‬ولعن الله من لعن والديه‪ ،‬ولعن الله مممن‬
‫ذبح لغير‬
‫آوى محممدثًا‪ ،‬ولعممن اللممه مممن غيممر منممار الرض " رواه‬
‫مسلم(‪:‬‬
‫من طرق وفيه قصة‪ ،‬ورواه المام أحمد كذلك عن أبي طفيل قال‬
‫قلنا لعلى‪ :‬أخبرنا بشئ أسره إليللك رسللول الللله صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم فقال‪ :‬ما أسر إلى شيئا ً كتمه الناس‪ ،‬ولكللن س ًللمعته يقللول‪:‬‬
‫لعن الله من ذبح لغير الله‪ ،‬ولعن الله من آوى محللدثا‪ ،‬ولعللن الللله‬
‫من لعن والديه‪ ،‬ولعن الله من غير تخوم الرض‪ ،‬يعنى المنار ‪.‬‬
‫وعلللى بللن أبللي طللالب‪ :‬هللو المللام أميللر المللؤمنين أبللو الحسللن‬
‫الهاشمي ابن عم النبي صلى الله عليه وسلللم وزوج ابنتلله فاطمللة‬
‫الزهراء‪ ،‬كان من أسللبق السلابقين الوليللن وملن أهللل بللدر وبيعلة‬
‫الرضللوان‪ ،‬وأحللد العشللرة المشللهود لهللم بالجنللة‪ ،‬ورابللع الخلفللاء‬
‫الراشللدين‪ ،‬ومنللاقبه مشللهورة رضللي الللله عنلله‪ ،‬قتللله ابللن ملجللم‬
‫الخارجي في رمضان سنة أربعين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬لعن الله اللعن‪ :‬البعد عن مظللان الرحمللة ومواطنهللا‪ .‬قيللل‪:‬‬
‫واللعين والملعون من حقت عليه اللعنة‪ ،‬أو دعى عليه بها‪ .‬قال أبو‬
‫السلعادات‪ :‬أصلل اللعلن‪ :‬الطلرد والبعلاد ملن اللله‪ ،‬وملن الخللق‬
‫السب والدعاء‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪59‬‬

‫قال شيخ السلم رحمه الله مللا معنللاه‪ :‬إن الللله تعللالى يلعللن مللن‬
‫استحق اللعنة بالقول كما يصلي سبحانه على من اسللتحق الصلللة‬
‫مللن عبللاده قللال تعللالى‪ " ، :‬هللو الللذي يصلللي عليكللم وملئكتلله‬
‫ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما * تحيتهل‬
‫لم ً‬
‫الكافرين وأعد لهم سعيرا‬
‫يوم يلقونه سلم " وقال‪ " :‬إن الله لعن‬
‫" وقال‪" :‬ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيل ً " والقرآن ًكلملله‬
‫تعالى أوحاه إلى جبريل عليه السلم وبلغلله رسللوله محمللدا صلللى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬وجبريل سمعه منلله كمللا سلليأتي فللي الصلللة إن‬
‫شاء الله تعالى‪ ،‬فالصلة ثناء الله تعالى كما تقدم‪ .‬فالله تعالى هللو‬
‫وعليلله‬
‫المصلى وهو المثيب‪ ،‬كما دل علللى ذلللك الكتللاب والسللنة‪،‬‬
‫سلف المة‪ .‬قال المام أحمد رحمه الله‪ :‬لم يللزل الللله متكلم لا ً إذا‬
‫شاء ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬من ذبح لغير الله قال شيخ السلم رحمه الله تعالى‪ " :‬ومللا‬
‫أهل به لغير الله " ظاهره‪ :‬أنه ما ذبللح لغيللر الللله‪ ،‬مثللل أن يقللول‪:‬‬
‫هذا ذبيحة لكذا‪ .‬وإذا كان هذا هو المقصود فسلواء لفلظ بله أو للم‬
‫يلفظ‪ ،‬وتحريم هذا أظهر من تحريللم مللا ذبحلله للصللنم وقللال فيلله‪:‬‬
‫باسم المسيح أو نحوه‪ .‬كما أن ماذبحناه متقربين به إلى الله كللان‬
‫أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم‪ ،‬وقلنا عليه‪ :‬بسم الللله‪ .‬فللإذا حللرم‬
‫ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة‪ ،‬فلن يحرم ما قيل فيه لجللل‬
‫المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلللك أولللى‪ ،‬فللإن العبللادة لغيللر الللله‬
‫أعظم ً كفرا ً من الستعانة بغير الله‪ .‬وعلى هذا فلو ذبللح لغيللر الللله‬
‫متقربا إليه يحرم‪ ،‬وإن قال فيه باسم الله‪ ،‬كمللا قللد يفعللله طائفللة‬
‫من منافقى هذه المة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور‬
‫ونحو ذلك وإن هؤلء مرتدين ل تباح ذبيحتهم بحال‪ .‬لكن يجتمع في‬
‫الذبيحة مانعان‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنه مما أهل به لغير الله‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنها ذبيحة مرتد‪.‬‬
‫ومن هذا الباب‪ :‬ما يفعله الجاهلون بمكة مللن الذبللح للجللن‪ ،‬ولهللذا‬
‫روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبائح الجن‪ .‬اه‪.‬‬
‫قال الزمخشري‪ :‬كانوا إذا اشتروا دارا ً أو بنوها أو اسلتخرجوا عينلا ً‬
‫ذبحوا ذبيحة خوفا ً أن تصيبهم الجن‪ ،‬فأضيفت إليهم الذبائح لذلك‪.‬‬
‫وذكر إبراهيم المروزي‪ :‬أن ما ذبح عنللد اسللتقبال السلللطان تقربلا ً‬
‫إليه‪ ،‬أفتى أهل بخارى بتحريمه‪ ،‬لنه مما أهل به لغير الله‪.‬‬
‫قوله‪ :‬لعن الله من لعن والديه ‪ :‬يعنللي أبلاه وأمله وإن عليلا‪ .‬وفللي‬
‫الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قللال‪ " :‬مللن الكبللائر‬
‫شللتم الرجللل والللديه‪ ،‬قللالوا‪ :‬يللا رسللول الللله وهللل يشللتم الرجللل‬
‫والديه ؟ قال‪ :‬نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه‪ ،‬ويسب أمه فيسب‬
‫أمه "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬لعن الله من آوى محدثا ً ‪ :‬أى منعه من أن يؤخللذ منلله الحللق‬
‫الذى وجب عليه آوى بفتح الهمزة ممدوده أي ضمه إليه وحماه‪.‬‬
‫قال أبو السعادات‪ :‬أويت إلى المنزل‪ ،‬وأويت غيرى‪ ،‬وآويته‪ .‬وأنكللر‬
‫بعضهم المقصور المتعدى‪.‬‬
‫لدال وفتحهللا علللى‬
‫وأما محدثا ً فقال أبو السعادات‪ :‬يروى بكسللر الل‬
‫الفاعل والمفعول‪ ،‬فمعنى الكسر‪ :‬من نصر جانبا ً وآواه وأجاره من‬
‫خصمه‪ ،‬وحال بينه وبين أن يقتص منه‪ .‬وبالفتح‪ :‬هو المللر المبتللدع‬
‫نفسه‪ ،‬ويكون معنى اليواء فيه الرضى به والصللبر عليلله‪ ،‬فللإنه إذا‬
‫رضى بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه‪.‬‬
‫قال ابلن القيللم رحمله الللله تعلالى‪ :‬هللذه الكلبيرة تختللف مراتبهلا‬
‫باختلف مراتب الحدث في نفسه فكلمللا كلان الحللدث فللي نفسلله‬
‫أكبر كانت الكبيرة أعظم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ولعن الله من غير منار الرض بفتح الميم علملات حلدودها‪.‬‬
‫قال أبو السعادات في النهاية في مادة تخم ملعون من غير تخللوم‬
‫الرض أي معالمها وحدودها‪ ،‬وحدها تخللم قيللل‪ :‬أراد حللدود الحللرم‬
‫خاصة‪ :‬وقيل هو عام في جميع الرض‪ ،‬وأراد المعالم الللتي يهتللدى‬
‫بهللا فللي الطريللق‪ .‬وقيللل هللو أن يللدخل الرجللل فللي ملللك غيللره‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪60‬‬

‫فيقتطعه ظلمًا‪ .‬قال ويروى تخوم بفتح التاء علللى الفللراد وجمعلله‬
‫تخم بضم التاء والخاء‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫وتغييرها‪ :‬أن يقدمها أو يؤخرها‪ ،‬فيكون هذا من ظلللم ًالرض الللذي‬
‫قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم‪ " :‬من ظلم شبرا مللن الرض‬
‫طوقه يوم القيامة من سبع أرضين " ففيه جواز لعللن أهللل الظلللم‬
‫من غير تعيين‪.‬‬
‫وأما لعن الفاسق المعين ففيه قولن‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنه جائز‪ .‬اختاره ابن الجوزى وغيره‪.‬‬
‫ثانيهما‪ :‬ل يجوز‪ ،‬اختاره‪ ،‬أبو بكر عبد العزيز وشيخ السلم‪.‬‬
‫قوله‪ ") :‬وعن طارق بممن شممهاب أن رسممول اللممه صمملى‬
‫الله عليه وسلم قال‪ :‬دخل الجنة رجل في ذباب‪ .‬ودخممل‬
‫النار رجل في ذباب‪ .‬قالوا كيف يا رسممول اللممه ؟ قممال‪:‬‬
‫رجلن على قوم لهم صنم‪ ،‬ل يجوزه أحد حتى يقرب‬
‫مر شيئ ً‬
‫مدي شممئ‬
‫م‬
‫عن‬
‫مس‬
‫م‬
‫لي‬
‫قال‪:‬‬
‫قرب‪.‬‬
‫لحدهما‪:‬‬
‫فقالوا‬
‫ا‪،‬‬
‫له‬
‫أقرب‪ .‬قالوا له‪ :‬قممرب ولممو ذباب مًا‪ .‬فقممرب ذباب مًا‪ .‬فخلمموا‬
‫النار‪ ،‬وقالوا للخر‪ :‬قرب‪ ،‬فقال‪ :‬ما كنممت‬
‫سبيله‪ ،‬فدخل‬
‫لقرب لحد شمميئا ً دون اللممه عممز وجممل‪ .‬فضممربوا عنقممه‪،‬‬
‫فدخل الجنة " رواه أحمد( ‪.:‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله‪ :‬قال المام أحمد رحملله الللله حللدثنا أبللو‬
‫معاوية حدثنا العمللش عللن سللليمان بللن ميسللرة عللن طللارق بللن‬
‫شهاب يرفعه قال‪ :‬دخل الجنة في رجل في ذباب الحديث‪.‬‬
‫وطارق بن شهاب‪ :‬هو البجلى الحمس‪ ،‬أبلو عبلد اللله‪ .‬رأى النلبي‬
‫صلى الله عليه وسلم وهو رجل‪.‬‬
‫قال البغوي‪ :‬نزل الكوفللة‪ .‬وقللال أبللو داود‪ :‬رأى النللبي صلللى الللله‬
‫عليه وسلم ولم يسمع منه شيئًا‪ .‬قلال الحلافظ‪ :‬إذا ثبلت أنله لقلى‬
‫النبي فهو صحابي‪ .‬وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فروايته عنه مرسللل‬
‫صحابي وهو مقبول على الراجح‪ ،‬وكانت وفللاته علللى مللا جللزم بلله‬
‫ابن حبان سنة ثلث وثمانين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬دخل الجنة رجل في ذباب أي من أجله‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قالوا‪ :‬وكيف ذلك يا رسول الله كأنهم تقللالوا ذلللك‪ ،‬وتعجبللوا‬
‫منه‪ .‬فبين لهم النبي صلللى الللله عليلله وسلللم مللا صللير هللذا المللر‬
‫الحقير عندهم عظيما ً يستحق هذا عليلله الجنللة‪ ،‬ويسللتوجب الخللر‬
‫عليه النار‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فقال‪ :‬مر رجلن على قوم لهم صنم الصنم ما كللان منحوت لا ً‬
‫على صورة ويطلق عليه الوثن كما مر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ل يجاوزه أي ل يمر به ول يتعداه أحد حتى يقرب إليلله شلليئا ً‬
‫وإن قل‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قالوا له قرب ولو ذبابا ً فقرب ذبابا ً فخلوا سبيله‪ ،‬فدخل النار‬
‫في هذا بيان عظمة الشرك‪ ،‬ولو في شئ قليل‪ ،‬وأنه يوجب النللار‪.‬‬
‫كما قال تعالى‪ " :‬إنه من يشرك بالله فقد حللرم الللله عليلله الجنللة‬
‫ومأواه النار وما للظالمين من أنصار "‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث‪ :‬التحذير من الوقوع فللي الشللرك‪ ،‬وأن النسللان‬
‫قد يقع فيه وهو ل يدرى أنه من الشرك الذي يوجب النار‪.‬‬
‫وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده ابتداء‪ ،‬وإنما فعله تخلصا ً مللن‬
‫شر أهل الصنم‪.‬‬
‫وفيه أن ذلك الرجل كان مسلما ً قبل ذلك‪ ،‬وإل فلو لم يكن مسلما ً‬
‫لم يقل دخل النار في ذباب‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪61‬‬

‫وفيه أن عمل القلب هو المقصود العظم حتى عند عبدة الوثللان‪،‬‬
‫ذكره المصنف بمعناه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وقالوا للخر‪ :‬قرب‪ .‬قال‪ :‬ما كنت لقرب شيئا ً دون الللله علز‬
‫وجل ‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الللله‪ :‬وفيلله معرفللة قللدر الشللرك فللي قلللوب‬
‫المؤمنين كيف صبر علللى القتللل ولللم يللوافقهم علللى طلبتهللم مللع‬
‫كونهم لم يطلبوا منه إلى العمل الظاهر ‪.‬‬

‫باب‬
‫ل يذبح مكان يذبح فيه لغير الله‬
‫قوله‪) :‬باب‪ :‬ل يذبح بمكان يذبح فيه لغير الله تعالى ( ‪:‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪62‬‬

‫ل نافية ويحتمل أنها للنهى وهو أظهر‪ ،‬قوله‪ :‬وقول الللله تعللالى ‪" :‬‬
‫ل تقم فيه أبدا " الية قال المفسرون إن الله تعللالى نهللى رسللوله‬
‫عن الصلة في مسجد الضرار‪ ،‬والمللة تبللع للله فللي ذلللك‪ ،‬ثللم إنلله‬
‫تعالى حثه على الصلة في مسجد قباء الذي أسلس مللن أول يلوم‬
‫ورسوله صلى الله عليلله وسلللم‪،‬‬
‫بنى على التقوى‪،‬وهي طاعة الله‬
‫وجمعا ً لكلمة المؤمنين ومعقل ً ومنللزل ً للسلللم وأهللله‪ ،‬ولهللذا جلاء‬
‫في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قللال‪" :‬‬
‫صلة في مسجد قباء كعمرة " وفي الصحيح‪ :‬أن رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم كان يزور قباء راكبا ً وماشيا ً وقد صرح أن المسجد‬
‫المذكور في الية هو مسجد قباء جماعة مللن السلللف‪ ،‬منهللم ابللن‬
‫عباس‪ ،‬وعروة‪ ،‬والشعبي‪ ،‬والحسن وغيرهم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ويؤيده قوله في اليللة " فيلله رجللال يحبللون أن يتطهللروا " ‪.‬‬
‫وقيل هو مسجد رسول الله صلللى اللله عليلله وسلللم لحلديث أبلي‬
‫سعيد قال‪ " :‬تمارى رجلن في المسجد الذي أسس على التقللوى‬
‫من أول يوم‪ ،‬فقال رجل‪ :‬هو مسجد قباء‪ .‬وقال الخر‪ :‬هلو مسلجد‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسللم‪ ،‬فقلال رسلول اللله صللى اللله‬
‫عليه وسلم‪ :‬هو مسجدي هذا " رواه مسلم‪ ،‬وهو قول عمللر وابنلله‬
‫وزيد ابن ثابت وغيرهم‪.‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬وهذا صحيح‪ .‬ول منافاة بين الية والحللديث‪ .‬لنلله إذا‬
‫كان مسجد قباء قد أسللس علللى التقللوى مللن أول يللوم‪ ،‬فمسللجد‬
‫رسول الله صلى الللله عليلله وسلللم بطريللق الولللى‪ ،‬وهللذا بخلف‬
‫مسجد الضرار الذي أسس على معصللية الللله كمللا قللال تعللالى‪" :‬‬
‫والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا‬
‫لمن حارب الله ورسوله ملن قبلل وليحلفلن إن أردنلا إل الحسلنى‬
‫والله يشهد إنهم لكاذبون "‪ .‬فلهذه المور نهى الله نبيه عن القيللام‬
‫فيه للصلة‪ .‬وكان الللذي بنللوه جللاءوا إلللى النللبي صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم قبل خروجه إلى غزوة تبوك فسألوه أن يصلللي فيلله‪ ،‬وأنهللم‬
‫إنما بنوه للضعفاء وأهل العلقللة فللي الليلللة الشللاتية‪ ،‬فقللال‪ " :‬إنللا‬
‫على ًسفر‪ ،‬ولكن إذا رجعنا إن شاء الله " فلما قفل عليلله السلللم‬
‫راجعا إلى المدينة‪ ،‬ولم يبق بينه وبينها إل يوم أو بعضه نزل الوحي‬
‫بخبر المسجد‪ ،‬فبعث إليه فهدمه قبللل قللدومه إلللى المدينللة‪ .‬وجلله‬
‫مناسبة الية للترجمة‪ :‬أن المواضع المعدة للذبللح لغيللر الللله يجللب‬
‫اجتناب الذبح فيها لله‪ ،‬كما أن هذا المسجد لما أعللد لمعصللية الللله‬
‫صار محل غضب لجل ذلك‪ ،‬فل تجوز الصلة فيه لله‪ .‬وهذا قيللاس‬
‫صحيح يؤيده حديث ثابت الضحاك التى‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬فيه رجال يحبون أن يتطهللروا "‪ :‬روى المللام أحمللد وابللن‬
‫خزيمة وغيرهما عن عويم بن ساعدة النصللاري " أن النللبي صلللى‬
‫الله عليه وسلم آتاهم في مسجد قباء فقللال‪ :‬إن الللله قللد أحسللن‬
‫عليكم الثناء بالطهور في قصة مسجدكم‪ ،‬فملا هلذا الطهلور اللذي‬
‫تطهرون به ؟ فقالوا‪ :‬والله يا رسول الله ما نعلم شيئا ً إل أنه كللان‬
‫لنا جيران من اليهود كانوا يغسلون أدبللارهم مللن الغللائط‪ ،‬فغسلللنا‬
‫كما غسلوا " وفي رواية عن جابر وأنللس هللو ذاك فعليكمللوه رواه‬
‫ابن ماجه وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬والله يحب المطهرين " قال أبو العالية‪ :‬إن الطهور بالمللاء‬
‫ولكنهللم المتطهللرون مللن الللذنوب‪ .‬وفيلله إثبللات صللفة‬
‫لحسللن‬
‫المحبة‪،‬خلفا ً للشاعرة ونحوهم‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعن ثابت بن الضحاك قال‪ " :‬نذر رجل أن ينحممر‬
‫إبل ً ببوانة‪ ،‬فسأل النبي صلى اللممه عليممه وسمملم فقممال‪:‬‬
‫هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبممد ؟ قممالوا‪ :‬ل‪.‬‬
‫قال‪ :‬فهل كان فيها عيد من أعيادهم‪ .‬قممالوا‪ :‬ل‪ .‬فقممال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬أوف بنممذرك‪ ،‬فممإنه ل‬
‫وفاء لنذر في معصية اللممه ول فيممما ل يملممك ابممن آدم "‬
‫رواه أبو داود‪ ،‬وإسناده على شرطهما ( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬عللن ثللابت بللن الضللحاك أي ابللن خليفللة الشللهلى‪ ،‬صللحابي‬
‫مشهور‪ ،‬روى عنه أبو قلبة وغيره‪ .‬مات سنة أربع وستين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ببوانة بضللم البللاء وقيللل بفتحهللا‪ .‬قللال البغللوي‪ :‬موضللع فللي‬
‫أسفل مكة دون يلملم‪ .‬قال أبو السعادات‪ :‬هضبة من وراء ينبع‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فهل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ فيه المنللع مللن‬
‫الوفللاء بالنللذر إذا كللان فللي المكللان وثللن‪ ،‬ولللو بعللد زواللله‪ .‬قللال‬
‫المصنف رحمه الله‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪63‬‬

‫قوله‪ :‬فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قال شلليخ السلللم رحملله‬
‫الله‪ :‬العيد اسم لما يعود من الجتماع العام على وجه معتاد عللائد‪،‬‬
‫إما بعود السنة أو السبوع أو الشهر أو نحللو ذلللك والمللراد بلله هنللا‬
‫الجماع المعتاد من اجتماع أهل الجاهلية‪ .‬فالعيد يجمع أمللورا ً منهللا‬
‫يوم عائد‪ ،‬كيوم الفطللر ويللوم الجمعللة‪ ،‬ومنهللا اجتمللاع فيلله‪ ،‬ومنهلا‬
‫لان‬
‫أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات‪ ،‬وقللد يختللص العيللد بمكل‬
‫بعينه‪ ،‬وقد يكون مطلقًا‪ ،‬وكل مللن هللذه المللور قللد يسللمى عيللدًا‪.‬‬
‫فالزمان كقول النبي صلى الله عليه ًوسلم فللي يللوم الجمعللة "إن‬
‫هذا يوم قد جعله الله للمسلمين عيدا " والجتماع والعمال كقول‬
‫ابن عباس شهدت العيد مللع رسللول الللله صلللى الللله عليلله وسل‬
‫للمً‬
‫والمكان كقول النبي صلى الله ً عليه وسلم " ل تتخذوا قبرى عيللدا‬
‫" وقد يكون لفللظ العيللد إسللما لمجمللوع اليللوم والعمللل فيلله وهللو‬
‫الغالب‪ ،‬كقول ً النبي صلى الله عليه وسلم‪ " :‬دعهما يا أبا بكر فإن‬
‫لكل قوم عيدا " انتهى‪.‬‬
‫قال المصنف‪ :‬وفيه استفصللال المفللتى والمنلع مللن الوفللاء بالنللذر‬
‫بمكان عيد الجاهلية ولو بعد زواله ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وفيه سد الذريعة وترك مشابهة المشركين‪ ،‬والمنع ممللا هللو‬
‫وسيلة إلى ذلك‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فأوف بنذرك هذا يدل على أن الذبح لله فللي المكللان الللذي‬
‫يذبح فيه المشركون لغير الله‪ .‬أي في محل أعيادهم‪ ،‬معصية‪ ،‬لن‬
‫قوله فأوف بنذرك تعقيب للوصف بالحكم بالفاء‪ ،‬وذلك يللدل علللى‬
‫أن الوصف سبب الحكم‪ .‬فيكللون سللبب المللر بالوفللاء خلللوه مللن‬
‫هذين الوصفين‪ً .‬فلما قللالوا ل قللال أوف بنللذرك وهللذا يقتضللى أن‬
‫كون البقعة مكانا لعيدهم‪ ،‬أو بها وثن من أوثانهم‪ :‬ملانع ملن الذبللح‬
‫بها ولو نذره‪ .‬قال شيخ السلم‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬فإنه ل وفاء لنذر في معصية الللله دليللل علللى أن هللذا نللذر‬
‫معصية لو قد وجد في المكللان بعلض الموانلع‪ .‬ومللا كلان ملن نلذر‬
‫المعصية فل يجوز الوفاء به بإجماع العلماء‪ .‬واختلفوا هل تجب فيه‬
‫كفارة يمين ؟ هما روايتان عن أحمد‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬يجب وهو المذهب‪ .‬وروى عن ابن مسللعود وابللن عبللاس‪.‬‬
‫وبله قلال أبللو حنيفللة وأصلحابه‪ ،‬لحللديث عائشللة رضلي الللله عنهلا‬
‫مرفوعًا‪ " :‬ل نذر في معصية‪ ،‬وكفللارته كفللارة يميللن " رواه أحمللد‬
‫وأهل السنن واحتج به أحمد واسحق‪.‬‬
‫ثانيهمللا‪ :‬ل كفللارة عليلله‪ .‬وروى ذلللك عللن مسللروق والشللعبي‬
‫والشافعي‪ ،‬لحديث الباب‪ .‬ولم يذكر فيه كفارة‪ .‬وجللوابه‪ :‬أنلله ذكللر‬
‫الكفارة في الحديث المتقدم‪ .‬والمطلق يحمل على المقيد‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ول فيما ل يملك ابن آدم قال في شرح المصللابيح‪ :‬يعنللى إذا‬
‫أضاف النذر إلى معين ل يملكه بأن قللال‪ :‬إن شللفى الللله مريضللي‬
‫فلله ً على أن أعتق عبد فلن ونحو ذلك‪ .‬فأما إذا التزم فللي الذمللة‬
‫شيئا‪ ،‬بأن قال إن شفى الله مريضللي فلللله علللى أن أعتللق رقبللة‪،‬‬
‫وهو في تلك الحال ل يملكها ول قيمتها‪ ،‬فللإذا شللفى مريضلله ثبللت‬
‫ذلك في ذمته‪.‬‬
‫قوله‪ :‬رواه أبو داود وإسناده على شرطهما أي البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وأبو داود‪ :‬اسمه سليمان ابلن الشلعث بلن اسلحق بلن بشلير بلن‬
‫شداد الزدى السجستانى صللاحب المللام أحمللد‪ ،‬ومصللنف السللنن‬
‫والمراسيل وغيرها‪ ،‬ثقة إمام حافظ مللن كبللار العلمللاء مللات سللنة‬
‫خمس وسبعين ومائتين‪ .‬رحمه الله تعالى‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪64‬‬

‫باب‬
‫من الشرك النذر لغير الله‬
‫قوله‪ ) :‬باب من الشرك النذر لغير الله تعالى ( ‪:‬‬
‫عبادة يجب الوفاء به إذا نذره لله‪ .‬فيكون النذر لغير الله‬
‫أي لكونه‬
‫تعالى شركا ً في العبادة‪.‬‬
‫تعالى‪ " :‬يوفون بالنذر ويخافون يوما ً كان شممره‬
‫)وقوله‬
‫مستطيرا ً "( ‪:‬‬
‫فالية دلت على وجوب الوفاء بالنذر ومدح مللن فعللل ذلللك طاعللة‬
‫لله ووفاء بما تقرب به إليه‪.‬‬
‫)وقوله تعالى‪ " :‬وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر‬
‫فإن الله يعلمه "(‪:‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬يخبر تعالى أنه عالم بجميلع ملا يعلله العلاملون ملن‬
‫الخيرات‪ ،‬من النفقات والمنللذورات‪ ،‬وتضللمن ذلللك مجللازاته علللى‬
‫ذلك أوفر الجزاء للعاملين إبتغاء وجهه‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫إذا علمت ذلك‪ :‬فهذه النذور الواقعللة مللن عبللاد القبللور‪ ،‬تقربلا ً بهللا‬
‫إليهم ليقضوا لهم حوائجهم وليشللفعوا لهللم‪ ،‬كللل ذلللك شللرك فللي‬
‫العبادة بل ريب‪ .‬كما قال تعالى‪ " :‬وجعلوا لله مما ذرأ من الحللرث‬
‫والنعام نصيبا فقالوا هللذا لللله بزعمهللم وهللذا لشللركائنا فمللا كللان‬
‫لشركائهم فل يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلللى شللركائهم‬
‫ساء ما يحكمون "‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله‪ :‬وأما ما نذر لغير الله كالنذر للصللنام‬
‫والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك‪ ،‬فهللو بمنزلللة أن يحلللف بغيللر‬
‫الله من المخلوقات‪ .‬والحالف بالمخلوقات ل وفاء عليه ول كفارة‪،‬‬
‫وكذلك الناذر للمخلوقات‪ .‬فإن كلهمللا شللرك‪ .‬والشللرك ليللس للله‬
‫حرمة‪ ،‬بل عليه أن يستغفر الله من هذا ويقول ما قال النبي صلى‬
‫الله عليلله وسلللم‪ " :‬مللن حلللف وقللال فللي حلفلله‪ :‬واللت والعللزى‬
‫فليقل ل إله إل الله "‪.‬‬
‫وقال فيمن نذر سمعة أو نحوها دهنا ً لتنللور بلله ويقللول‪ :‬إنهللا تقبللل‬
‫معصللية باتفللاق‬
‫النللذر كمللا يقللوله بعللض الضللالين ‪ :‬وهللذا النللذر‬
‫المسلللمين ل يجللوز الوفللاء بلله وكللذلك إذا نللذر ً مللال ً للسللدنة أو‬
‫المجاورين العاكفين بتلك البقعة‪ .‬فإن فيهم شبها من السدنة التي‬
‫كللانت عنللد اللت والعللزى ومنللاة‪ ،‬يللأكلون أمللوال النللاس بالباطللل‬
‫ويصدون عن سبيل الله‪ .‬والمجاورون هناك فيهم شللبه مللن الللذين‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪65‬‬

‫قال فيهم الخليل عليه السلم‪ " :‬ما هللذه التماثيللل الللتي أنتللم لهللا‬
‫عاكفون " والذين اجتللاز بهللم موسللى عليلله السلللم وقللومه‪ ،‬قللال‬
‫تعالى‪ " :‬وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على‬
‫أصنام لهم " فالنذر لولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع نذر‬
‫معصية‪ .‬وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها‪ ،‬أو‬
‫لسدنة البداد في الهند والمجاورين عندها‪.‬‬
‫وقال الرافعى في شرح المنهاج‪ :‬وأما النللذر للمشللاهد الللتي علللى‬
‫قبر ولى أو شيخ أو على إسم من حلها مللن الوليللاء‪ ،‬أو تللردد فللي‬
‫تلك البقعة ملن الوليلاء والصلالحين فلإن قصلد النلاذر بلذلك وهلو‬
‫الغالب أو الواقع مللن قصللود العامللة تعظيللم البقعللة والمشللهد‪ ،‬أو‬
‫الزاوية‪ ،‬أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه‪ ،‬أو بنيت على اسللمه‬
‫فهللذا النللذر باطللل غيللر منعقللد‪ ،‬فللإن معتقللدهم أن لهللذه المللاكن‬
‫خصوصيات‪ ،‬ويرون أنها مما يدفع بها البلء ويستجلب بهللا النعمللاء‪،‬‬
‫ويستشفى بالنذر لها من الدواء حتى إنهم ينذرون لبعللض الحجللار‬
‫لما قيل لهم‪ :‬إنه اسللتند إليهللا عبللد صللالح وينللذرون لبعللض القبللور‬
‫السرج والشلموع والزيلت‪ ،‬ويقوللون إنهلا تقبلل النلذر كملا يقلوله‬
‫البعض يعنلون بلذلك أنله يحصلل بله الغلرض الملأمول ملن شلفاء‬
‫مريللض‪ ،‬أو قللدوم غللائب أو سلللمة مللال‪ ،‬وغيللر ذلللك مللن أنللواع‬
‫المجازاة‪ ،‬فهذا النذر على الوجه باطل ًل شك فيه‪ ،‬بل نللذر الزيللت‬
‫والشمع ونحوهما للقبللور باطللل مطلقلا‪ .‬ومللن ذلللك نللذر الشللموع‬
‫الكثيرة العظيمة وغيرها لقبر الخليل عليه السلم ولقبر غيره مللن‬
‫فإن النللاذر ل يقصللد بللذلك اليقللاد علللى القللبر إل‬
‫النبياء والولياء‪،‬‬
‫تبركا ً وتعظيمًا‪ ،‬ظانا ً أن ذلك قربة‪ ،‬فهذا ممللا ل ريللب فللي بطلنلله‪،‬‬
‫واليقاد المذكور محرم‪ ،‬سواء انتفع به هناك منتفع أم ل‪.‬‬
‫قال الشيخ قاسم الحنفى في شرح درر البحار‪ :‬النذر الللذي ينللذره‬
‫أكثر العللوام علللى مللا هللو مشللاهد‪ ،‬كللأن يكللون للنسللان غللائب أو‬
‫مريض أو له حاجة‪ ،‬فيأتي إلى بعض الصلللحاء ويجعللل علللى رأسلله‬
‫ستره‪ ،‬ويقول‪ :‬يا سيدي فلن إن رد الله غائبي أو عوفى مريضللي‪،‬‬
‫أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا‪ ،‬أو من الفضللة كللذا‪ ،‬أو مللن‬
‫الطعام كذا‪ ،‬أو من الماء كذا‪ ،‬أو من الشللمع والزيللت‪ .‬فهللذا النللذر‬
‫باطل بالجماع لوجوه‪ ،‬منها‪ :‬أنه نذر لمخلللوق‪ ،‬والنللذر للمخلللوق ل‬
‫يجوز‪ ،‬لنه عبادة والعبادة ل تكون لمخللوق‪ ،‬ومنهلا أن المنللذور للله‬
‫ميت‪ ،‬والميللت ل يملللك‪ ،‬ومنهللا أنلله ظللن أن الميللت يتصللرف فللي‬
‫المور دون الله‪ ،‬واعتقاد ذلك كفر إلى أن قال‪ :‬إذا علمت هذا فما‬
‫يؤخذ مللن اللًلدراهم والشللمع والزيللت وغيرهللا وينقللل إلللى ضللرائح‬
‫الولياء تقربا إليها فحرام بإجماع المسلمين‪.‬‬
‫نقله عنه ابن نجيم في البحر الرائق‪ ،‬ونقله المرشدى فللي تللذكرته‬
‫وغيرهما عنه وزاد‪ :‬قد ابتلى الناس بهذا ل سيما في مولد البدوى‪.‬‬
‫وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في الرد على من أجاز الذبح‬
‫فهذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلن فهو لغير‬
‫والنذر للولياء‪:‬‬
‫باط ً‬
‫ل‪ .‬وفي التنزيل ‪ " :‬ول تأكلوا ممللا لللم يللذكر اسللم‬
‫الله‪ ،‬فيكون‬
‫الله عليه " ‪ " :‬قل إن صلللتي ونسللكي ومحيللاي وممللاتي لللله رب‬
‫العالمين * ل شريك له " والنذر لغير الله إشراك مع الللله‪ ،‬كالذبللح‬
‫لغيره‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عن عائشة هللي أم المللؤمنين‪ ،‬زوج النللبي صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم‪ ،‬وابنة الصديق رضي الللله عنهملا تزوجهللا النللبي صلللى الللله‬
‫وهي ابنة سبع سنين‪ ،‬ودخل بها ابنللة تسللع وهللي أفقلله‬
‫عليه وسلم‬
‫النساء مطلقًا‪ ،‬وهي أفضل أزواج النبي صلى الللله عليلله وسلللم إل‬
‫خديجة ففيها خلف‪ .‬ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح رضي‬
‫الله عنها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬من نذر أن يطيع الله فليطعه أي فليفعل ما نذره من طاعللة‬
‫الله وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة لشرط يرجوه‪ ،‬كللإن‬
‫شفى الله مريضى فعلى أن أتصدق بكذا ونحللو ذلللك وجللب عليلله‪،‬‬
‫إن حصل له ما علق نذره على حصوله‪ .‬وحكى عن أبي حنيفة‪ :‬أنه‬
‫ل يلزم الوفاء إل بما جنسه واجب بأصل الشرع كالصللوم وأمللا مللا‬
‫ليس كذلك كالعتكاف فل يجب عليه الوفاء به‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ومن نذر أن يعصى الله فل يعصه زاد الطحاوى‪ :‬وليكفر عن‬
‫يمينه وقد أجمع العلماء على أنه ل يجوز الوفاء بنذر المعصية‪.‬‬
‫الحافظ‪ :‬اتفقوا على تحريم النذر في المعصية‪ ،‬وتنازعوا‪ :‬هللل‬
‫قال‬
‫ينعقد موجبا ً للكفارة أم ل ؟ وتقللدم‪ .‬وقللد يسللتدل بالحللديث علللى‬
‫صحة النذر في المباح‪ ،‬كما هو مذهب أحمد وغيره‪ ،‬يؤيده مللا رواه‬
‫أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪ ،‬وأحمد والترمللذي‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪66‬‬

‫عن بريدة‪ :‬أن امرأة قالت‪" :‬يا رسول الله إنللي نللذرت أن أضللرب‬
‫على رأسك بالدف‪ ،‬فقال أوفي بنذرك" وأما نذر اللجللاج والغضللب‬
‫أحمد‪ ،‬فيخير بين فعله وكفارة يمين‪ ،‬لحديث عمران‬
‫فهو يمين عند‬
‫يميللن " رواه‬
‫بن حصين مرفوعا ً " ل نذر في غضب‪،‬وكفارته كفارة‬
‫ً‬
‫سعيد بلن منصلور وأحملد والنسللائي‪ ،‬فلإن نللذر مكروهلا كلالطلق‬
‫استحب أن يكفر ول يفعله‪.‬‬

‫باب‬
‫من الشرك الستعاذة بغير الله‬
‫قوله‪) :‬باب‪ :‬من الشرك الستعاذة بغير الله( ‪:‬‬
‫الستعاذة اللتجاء والعتصام‪ ،‬ولهللذا يسللمى المسللتعاذ بلله‪ :‬معللاذا ً‬
‫وملجأ فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه‪ ،‬إلى ربلله ومللالكه‪،‬‬
‫واعتصم واستجار به والتجأ إليه‪ ،‬وهذا تمثيل‪ ،‬وإل فما يقوم بالقلب‬
‫من اللتجاء إلى الله‪ ،‬والعتصام بلله‪ ،‬والنطللراح بيللن يللدى الللرب‪،‬‬
‫والفتقار‪ ،‬والتذليل له‪ ،‬أمللر ل تحيلط بلله العبللارة‪ .‬قلاله ابلن القيللم‬
‫رحمه الله‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪67‬‬

‫وقال ابن كثير‪ :‬الستعاذة هي اللتجاء إلى الللله واللتصللاق بجنللابه‬
‫من شر كللل ذى شللر‪ .‬والعيللاذ يكللون لللدفع الشللر‪ .‬والليللاذ لطلللب‬
‫الخير‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهي من العبادات التي أمر الله تعالى بها عبللاده‪ ،‬كمللا قللال‬
‫تعالى‪ " :‬وإما ينزغنللك مللن الشلليطان نللزغ فاسللتعذ بللالله إنلله هللو‬
‫السميع العليم " وأمثال ذلك في القرآن كثير كقللوله‪ " :‬قللل أعللوذ‬
‫برب الفلللق " و " قللل أعللوذ بللرب النللاس " فمللا كللان عبللادة لللله‬
‫العبلادة‪ ،‬فملن صلرف شلليئا ً ملن هللذه‬
‫فصرفه لغير الله شرك في‬
‫العبادات لغير الله جعله شريكا ً لله فللي عبللادته ونل ًلازع الللرب فللي‬
‫صلى لغيره يكون عابدا لغيللر الللله‪ ،‬ول‬
‫إلهيته كما أن من صلى لله‬
‫فرق‪ ،‬كما سيأتي تقريره قريبا ً إن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقول الله تعالى‪ " :‬وأنه كان رج ًممال مممن النممس‬
‫يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا "( ‪:‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬أي كنا نللرى أن لنلا فضلل ً عللى النللس لنهلم كلانوا‬
‫يعوذون بنا‪ ،‬أي إذا نزلوا واديا ً أو مكانا ً موحشا ً من البراري وغيرهللا‬
‫كما كانت عادة العرب في جاهليتها يعللوذون بعظيللم ذلللك المكللان‬
‫من الجان أن يصيبهم بشئ يسوءهم‪ ،‬كما كللان أحللدهم يللدخل بلد‬
‫أن‬
‫رأت الجلن‬
‫أعدائه في جوار رجل كبير وذملامه وخفلارته‪ ،‬فلمللا‬
‫خوفلا ً‬
‫رهق ل ً‬
‫ا‪ ،‬أي‬
‫النس يعللوذون بهللم مللن خللوفهم منهللم زادوهللم‬
‫ً‬
‫لم إلللى‬
‫وإرهابا ً وذعرًا‪ ،‬حتى يبقوا أشد منهم مخافة وأكثر ًتعللوذا بهل‬
‫ً‬
‫بن أسلم ً رهقا أي خوفا‪ .‬وقال‬
‫أن قال قال أبو العالية والربيع وزيد‬
‫العوفي عن ابن عباس فزادوهم رهقا ً أي إثما‪ ،‬وكذا قللال قتللادة‪ .‬ا‬
‫هل‪.‬‬
‫وذاك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى بواد قفللر وخللاف علللى‬
‫نفسه قال‪ :‬أعوذ بسيد هذا اللوادي ملن سللفهاء قلومه‪ ،‬يريللد كلبير‬
‫الجن‪ ،‬وقد أجمع العلماء على أنه ل يجوز الستعاذة بغير الله‪.‬‬
‫وقال مل على قاري الحنفللي‪ :‬ل يجللوز السللتعاذة بللالجن‪ .‬فقللد ذم‬
‫الله الكافرين على ذلللك وذكللر اليللة وقللال‪ :‬قللال تعللالى ‪ " :‬ويللوم‬
‫يحشرهم جميعا يا معشللر الجللن قللد اسللتكثرتم مللن النللس وقللال‬
‫أولياؤهم من النس ربنا اسللتمتع بعضلنا ببعلض وبلغنلا أجلنللا الللذي‬
‫أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيهللا إل مللا شللاء الللله إن ربللك‬
‫حكيم عليم " فاستمتاع النسى بالجني في قضاء حوائجه وامتثللال‬
‫أوامره وإخبللاره بشللئ مللن المغيبللات‪ ،‬واسللتمتاع الجنًللى بالنسللى‬
‫تعظيمه إياه‪ ،‬وإستعاذته به وخضوعه له‪ .‬انتهى ملخصا‪.‬‬
‫قال المصنف‪ :‬وفيه أن كون الشئ يحصل به منفعة دنيوية ل يللدل‬
‫على أنه ليس من الشرك ‪.‬‬
‫رسول اللممه‬
‫قوله‪) :‬وعن خولة بنت حكيم قالت‪ :‬سمعت‬
‫صلى الله عليه وسلم يقممول‪ " :‬مممن نممزل منممزل ً فقممال‪:‬‬
‫أعوذ بكلمات الله التامات ممن شممر مما خلممق‪ ،‬لمم يضممره‬
‫شئ حتى يرتحل من منزله ذلك " رواه مسلم ( ‪:‬‬
‫هي خولة بنت حكيم بن أمية السلمية‪ ،‬يقال لها أم شللريك‪ ،‬ويقللال‬
‫إنها هي الواهبة وكانت قبل تحت عثمان بن مظعون‪.‬‬
‫قال ابن عبد البر‪ :‬وكانت صالحة فاضلة‪.‬‬
‫بكلمللات الللله التامللات شللرع الللله لهللل السلللم أن‬
‫قللوله‪ :‬أعللوذ‬
‫يستعيذوا به بدل ً عما يفعله أهللل الجاهليللة مللن السللتعاذة بللالجن‪،‬‬
‫فشرع الله للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته‪.‬‬
‫قال القرطللبي ‪ :‬قيللل‪ :‬معنللاه الكللاملت الللتي ل يلحقهللا نقللص ول‬
‫عيب‪ ،‬كما يلحق كلم البشر‪ .‬وقيل معناه‪ :‬معناه الشللافية الكافيللة‪.‬‬
‫وقيل الكلمات هنا هي القرآن‪ .‬فإن الله أخللبر عنلله بللأنه‪ :‬و ‪ :‬و ‪" :‬‬
‫هدى وشفاء " وهذا المر على جهة الرشاد إلى ما يدفع به الذى‪.‬‬
‫ولما كان ذلك استعاذة بصفات الله تعالى كان ملن بلاب المنلدوب‬
‫إليه المرغلب فيله‪ ،‬وعللى هلذا فحلق المسلتعيذ بلالله أو بأسلمائه‬
‫وصفاته أن يصدق الله في إلتجلائه إليله‪ ،‬ويتوكلل فلي ذللك عليله‪،‬‬
‫ويحضر ذلك في قلبه‪ ،‬فمتى فعللل ذلللك وصللل إلللى منتهللى طلبلله‬
‫ومغفرة ذنبه‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪68‬‬

‫قال شيخ السلم رحمه الله‪ :‬وقد نص الئمة كأحمللد وغيللره علللى‬
‫أنه ل يجوز الستعاذة بمخلوق‪ .‬وهذا مما استدلوا به علللى أن كلم‬
‫الله غير مخلوق‪ .‬قالوا‪ :‬لنه ثبت عن النبي صلى الله عليلله وسلللم‬
‫أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك‪ ،‬ولهذا نهى العلماء عن التعازيم‬
‫والتعاويذ التي ل يعرف معناها خشية أن يكون فيها شرك‪.‬‬
‫وقال ابن القيم‪ :‬ومن ذبح للشلليطان ودعللاه‪ ،‬واسللتعاذ بلله وتقللرب‬
‫إليلله بمللا يجللب فقللد عبللده‪ ،‬وإن لللم يسللم ذلللك عبللادة ويسللميه‬
‫استخدامًا‪ ،‬وصدق‪ ،‬هو استخدام من الشيطان له‪ ،‬فيصير من خدم‬
‫الشيطان وعابديه‪ ،‬وبذلك يخدمه الشيطان‪ ،‬لكن خدمللة الشلليطان‬
‫له ليست خدمة عباده‪ ،‬فإن الشيطان ل يخضللع للله ول يعبللده كمللا‬
‫يفعل هو به ا هل‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬من شر ما خلق " قال ابن القيم رحمه الللله‪ :‬أي مللن ك ًللل‬
‫الشللر مللن حيللوان أو غيللره‪ ،‬إنسلليا أو‬
‫شر في أي مخلوق قام بللن‬
‫جنيًا‪ ،‬أو هامللة أو دابللة‪ ،‬أو ريح لا ً أو صللاعقة‪ ،‬أو أي نللوع مللن أنللواع‬
‫البلء في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وما ههنا موصولة وليس المراد بها العمللوم الطلقللي‪ ،‬بللل المللراد‬
‫التقييدي الوصفي‪ ،‬والمعنى‪ :‬من كل شر كللل مخلللوق فيلله شللر‪،‬ل‬
‫من شر كل ما خلقه الله‪ ،‬فإن الجنة والملئكة والنبياء ليس فيهللم‬
‫شر‪ ،‬والشر يقال على شيئين‪ :‬على اللم‪ ،‬وعلى ما يفضى إليه‪.‬‬
‫ذلللك قللال القرطللبي‪:‬‬
‫قوله‪ :‬لم يضره شئ حتى يرتحل من منزللله‬
‫هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليل ً وتجربة‪ ،‬فللإني منللذ‬
‫عليه فلللم يضللرني شللئ إلللى أن تركتلله‪،‬‬
‫سمعت هذا الخبر عملت‬
‫بالمهدية لي ً‬
‫ل‪ ،‬فتفكللرت فللي نفسللي فللإذا بللي قللد‬
‫فلدغتني عقرب‬
‫نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات‪.‬‬

‫باب‬
‫من الشرك الستعانة بغير الله ودعاء‬
‫غير الله‬
‫قوله‪) :‬باب من الشرك أن يسممتغيث بغيممر اللممه أو يممدعو‬
‫غيره( ‪:‬‬
‫قال شيخ السلم رحملله الللله‪ :‬السللتغاثة والللدعاء أن السللتغاثة ل‬
‫تكون إل من المكروب‪ ،‬والدعاء أعم من الستغاثة‪ ،‬لنه يكون مللن‬
‫المكروب وغيره‪ .‬فعطف الدعاء على الستغاثة مللن عطللف العللام‬
‫على الخاص‪ .‬فبينهما عموم وخصوص مطلق‪ ،‬يجتمعللان فللي مللادة‬
‫وينفرد الدعاء عنها في مادة‪ ،‬فكل استغاثة دعاء‪ ،‬وليس كللل دعللاء‬
‫استغاثة‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬أو يدعو غيره‪ :‬اعلم أن الدعاء نوعان‪ :‬دعاء عبللادة‪ ،‬ودعللاء‬
‫مسللألة‪ ،‬ويللراد بلله فللي القللرآن هللذا تللارة‪ ،‬وهللذا تللارة‪ ،‬ويللراد بلله‬
‫الداعي من جلب نفللع‬
‫مجموعهما فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع‬
‫ضر‪ ،‬ولهذا ًأنكر الله على من يدعو أحدا ً من دونلله ممللن‬
‫أو كشف‬
‫كقوله تعالى‪ " :‬قل أتعبدون من دون الله ما‬
‫ل يملك ضرا ً ول ًنفعا‪،‬‬
‫ً‬
‫ل يملك لكم ضرا ول نفعا والله هو السميع العليم " وقللوله‪ " :‬قللل‬
‫أندعوا من دون الله ما ل ينفعنا ول يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ‬
‫هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الرض حيران له أصللحاب‬
‫يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهللدى وأمرنللا لنسلللم‬
‫لرب العلالمين " وقلال‪ً " :‬ول تلدع ملن دون اللله مللا ل ينفعلك ول‬
‫يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين "‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمله اللله‪ :‬فكلل دعلاء عبلادة مسلتلزم للدعاء‬
‫المسألة‪ ،‬وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة‪ ،‬قال الله تعالى‪:‬‬
‫" ادعوا ربكم تضرعا ً وخفية إنه ل يحب المعتدين " وقال تعللالى‪" :‬‬
‫قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تللدعون‬
‫إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء‬
‫وتنسون مللا تشللركون " وقللال تعللالى‪ " :‬للله دعللوة الحللق والللذين‬
‫يدعون من دونله ل يسلتجيبون لهلم بشليء إل كباسلط كفيله إللى‬
‫الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وملا دعلاء الكلافرين إل فلي ضللل "‬
‫وأمثال هذا في القرآن في دعاء المسألة أكثر من أن يحصر‪ ،‬وهللو‬
‫يتضمن دعاء العبادة‪ ،‬لن السللائل أخلللص سللؤاله لللله‪ ،‬وذلللك مللن‬
‫لله والتل ًلالي لكتللابه ونحللوه‪ ،‬طللالب‬
‫أفضل العبادات‪ ،‬وكذلك الذاكر‬
‫من الله في المعنى‪ ،‬فيكون داعيا ً عابدا‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪69‬‬

‫فتبين بهذا من قول شيخ السلم أن دعاء العبادة مسللتلزم لللدعاء‬
‫المسألة كما أن دعاء المسألة متضللمن لللدعاء العبللادة‪ ،‬وقللد قللال‬
‫الله تعالى عن خليللله‪ " ، ، :‬وأعللتزلكم وملا تللدعون مللن دون الللله‬
‫وأدعو ربي عسى أن ل أكون بدعاء ربي شقيا * فلما اعتزلهم وما‬
‫يعبدون من دون الله وهبنا للله إسللحاق ويعقللوب وكل جعلنللا نبيللا "‬
‫فصار الدعاء من أنواع العبادة‪ ،‬فإن قوله‪ " :‬وأدعو ربللي عسللى أن‬
‫ل أكون بدعاء ربي شقيا " كقول زكريا‪ " :‬إنللي وهللن العظللم منللي‬
‫واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا "‪ .‬وقللد أمللر الللله‬
‫تعالى به فللي مواضللع مللن كتللابه كقللوله‪ " ، :‬ادعللوا ربكللم تضللرعا‬
‫وخفية إنه ل يحب المعتدين * ول تفسدوا في الرض بعد إصلللحها‬
‫وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب مللن المحسللنين " وهللذا‬
‫هللو دعللاء المسللألة المتضللمن للعبللادة‪ ،‬فللإن الللداعي يرغللب إلللى‬
‫المدعو ويخضع له ويتذلل‪.‬‬
‫لعباده وأمرهم بلله ففعللله لللله‬
‫وضابط هذا‪ :‬أن كل أمر شرعه الله‬
‫عبادة‪ ،‬فإذا صرف من تلللك العبللادة شلليئا ً لغيللر الللله فهللو مشل ًلرك‬
‫مصادم لما بعث به رسوله من قوله‪ " :‬قلل اللله أعبلد مخلصلا لله‬
‫ديني " وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله في الرسالة السنية‪ :‬فللإذا كللان علللى‬
‫عهد النبي صلى الله عليه وسللم مملن انتسلب إللى السللم ملن‬
‫مرق منه مع عبادته العظيمللة‪ ،‬فليعلللم ًأن المنتسللب إلللى السلللم‬
‫والسنة في هذه الزمان قد يمرق أيضا من السلم لسباب منهللا‪:‬‬
‫الغلو في بعض المشايخ‪ ،‬بل الغلو فللي علللي بللن أبللي طللالب‪ ،‬بللل‬
‫الغلو في المسيح‪ ،‬فكل من غل في نبي أو رجل صالح‪ ،‬وجعل فيلله‬
‫نوعا ً من اللهية مثل أن يقول‪ :‬يا سيدي فلن انصرني أو أغثني‪ ،‬أو‬
‫ارزقني‪ ،‬أو أنا في حسلبك‪ ،‬ونحلو هلذه القلوال‪ .‬فكلل هلذا شلرك‬
‫وضلللل يسللتتاب صللاحبه‪ ،‬فللإن تللاب وإل قتللل‪ .‬فللإن الللله سللبحانه‬
‫وتعالى إنما أرسل الرسل‪ ،‬وأنزل الكتب‪ ،‬ليعبد وحده ل شريك له‪،‬‬
‫ول يدعى معه إله آخر‪ .‬والللذي يللدعون مللع الللله آلهللة آخللرى مثللل‬
‫المسيح والملئكة والصنام‪ ،‬لم يكونوا يعتقدون أنها تخلللق الخلئق‬
‫أو تنزل المطر أو تنبت النبلات‪ ،‬وإنملا كلانوا يعبلدونهم‪ ،‬أو يعبلدون‬
‫قبورهم‪ ،‬أو يعبدون صورهم‪ ،‬يقولون‪ " :‬ما نعبدهم إل ليقربونا إلللى‬
‫الله زلفى " ‪ " :‬ويقولون هللؤلء شللفعاؤنا عنللد الللله " فبعللث الللله‬
‫سبحانه رسله تنهى عن أن يدعى أحد من دونه‪ ،‬ل دعاء عبللادة ول‬
‫دعاء استغاثة‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫وقال أيضًا‪ :‬من جعل ً بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم‬
‫ويسألهم كفر إجماعا‪.‬‬
‫نقللله عنلله صللاحب الفللروع وصللاحب النصللاف وصللاحب القنللاع‬
‫وغيرهللم‪ .‬وذكللره شلليخ السلللم ونقلتلله عنلله فللي الللرد علللى ابللن‬
‫جرجيس في مسألة الوسائط‪.‬‬
‫وقلال ابلن القيللم رحمله الللله‪ :‬ومللن أنلواعه يعنللي الشلرك طلللب‬
‫الحوائج من الموتى‪ ،‬والسللتغاثة بهللم والتللوجه إليهللم‪ .‬وهللذا أصللل‬
‫العالم‪ .‬فإن ًالميت قللد انقطللع عمللله‪ ،‬وهللو ل يملللك لنفسلله‬
‫شرك‬
‫نفعا ً ول ضرًا‪ ،‬فضل عمن اسللتغاث بلله أو سللأله أن يشللفع للله إلللى‬
‫الله‪ ،‬وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده‪ ،‬وسيأتي تتمة كلمه‬
‫في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫وقال الحللافظ محمللد بلن عبللد الهلادي رحملله الللله فلي رده عللى‬
‫السبكى في قوله‪ :‬إن المبالغة في تعظيمه أي الرسول صلى الللله‬
‫وسلم واجبة ‪ .‬إن أريد به المبالغة بحسللب ملا يلراه كلل أحللد‬
‫عليه‬
‫تعظميًا‪ ،‬حتى الحج إلى قبره والسجود له‪ ،‬والطللواف بلله‪ ،‬واعتقللاد‬
‫أنه يعلم الغيب‪ ،‬وأنه يعطى ويمنع لمن استغاث بلله مللن دون الللله‬
‫الضللر والنفللع‪ ،‬وأنلله يقضللى حللوائج السللائلين ويفللرج كربللات‬
‫المكروبين‪ ،‬وأنه يشفع فيمن يشاء‪ ،‬ويدخل الجنة من يشاء فدعوى‬
‫المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك‪ ،‬وانسلللخ مللن جملللة‬
‫الدين‪.‬‬
‫وفي الفتاوى البزازية من كتب الحنفيللة ‪ :‬قللال علماؤنللا‪ :‬مللن قللال‬
‫أرواح المشائخ حاضرة تعلم‪ :‬يكفر‪.‬‬
‫وقال الشيخ صنع الله الحنفي رحمه الله في كتابه الللرد عللى ملن‬
‫ادعى أن للولياء تصرفات في الحيللاة وبعللد الممللات علللى سللبيل‬
‫الكرامة‪ :‬هللذا وأنلله قللد ظهللر الن فيملا بيللن المسلللمين جماعللات‬
‫يدعون أن للولياء تصرفات بحياتهم وبعد ممللاتهم‪ ،‬ويسللتغاث بهللم‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪70‬‬

‫في الشدائد والبليات وبهممهم تكشف المهمات‪ ،‬فيللأتون قبللورهم‬
‫وينادونهم في قضاء الحاجللات‪ ،‬مسللتدلين أن ذلللك منهللم كرامللات‬
‫وقالوا‪ :‬منهم أبدان ونقباء‪ ،‬وأوتاد ونجباء وسبعون وسبعة‪ ،‬وأربعون‬
‫وأربعللة‪ ،‬والقطللب هللو الغللوث للنللاس‪ ،‬وعليلله المللدار بل التبللاس‪،‬‬
‫وجوزوا لهم الذبائح والنذور‪ ،‬وأثبتوا فيهما الجور‪ ،‬قللال‪ :‬وهللذا كلم‬
‫فيه تفريط وإفراد‪ ،‬بل فيه الهلك البدى والعللذاب السللرمدى‪،‬لمللا‬
‫فيه من روائح الشرك المحقق‪ ،‬ومصادمة الكتاب العزيز المصدق‪،‬‬
‫ومخالفة لعقائد الئمة وما اجتمعللت عليلله المللة‪ .‬وفللي التنزيللل‪" :‬‬
‫ويتبللع غيللر سللبيل‬
‫ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهللدى‬
‫المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ً "‪.‬‬
‫ثللم قللال‪ :‬فأمللا قللولهم‪ :‬إن للوليللاء تصللرفات فللي حيللاتهم وبعللد‬
‫الممات‪ ،‬فيرده قللوله تعللالى‪ " :‬أإللله مللع الللله " ‪ " ،‬أل للله الخلللق‬
‫والمر "‪ " ،‬لله ملك السموات والرض " ونحوها من اليات الدالللة‬
‫على أنلله المنفللرد بللالخلق والتللدبير والتصللرف والتقللدير‪ ،‬ول شللئ‬
‫لغيره في شئ مللا بللوجه ملن الوجللوه فالكللل تحللت ملكلله وقهلره‬
‫تصرفا ً وملكًا‪ ،‬وإماتة وخلق لًا‪ .‬وتمللدح الللرب تبللار وتعللالى بللانفراده‬
‫بملكه في آيات من كتابه كقوله‪ " :‬هل من خالق غير الللله ؟ " ‪" :‬‬
‫والذين تدعون من دونه ما يملكللون مللن قطميللر * إن تللدعوهم ل‬
‫يسللمعوا دعللاءكم ولللو سللمعوا مللا اسللتجابوا لكللم ويللوم القيامللة‬
‫يكفللرون بشللرككم ول ينللبئك مثللل خللبير " وذكللر آيللات فللي هللذا‬
‫المعنى‪.‬‬
‫ثم قوله‪ :‬فقوله في اليات كلها من دونه أي من غيللره‪ .‬فللإنه هللام‬
‫يدخل فيه من اعتقدته‪ ،‬ومن ولى وشيطان تستمده‪ ،‬فللإن مللن لللم‬
‫يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره ؟ إلى أن قال‪ :‬إن هذا لقللول‬
‫وخيللم‪،‬وشللرك عظيللم‪ ،‬إلللى أن قللال‪ :‬وأمللا القللول بالتصللرف بعللد‬
‫الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة‪ .‬قال جللل‬
‫ذكره‪ " :‬إنك ميللت وإنهللم ميتللون " ‪ " :‬الللله يتللوفى النفللس حيللن‬
‫موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليهللا المللوت‬
‫ويرسل الخرى إلللى أجللل مسللمى " ‪ :‬و ‪ :‬و ‪ " :‬كللل نفللس ذائقللة‬
‫الموت " ‪ " :‬كل نفللس بمللا كسللبت رهينللة " وفللي الحللديث‪ " :‬إذا‬
‫مات ابن آدم انقطع عمله إل من ثلث " الحديث فجميع ذلللك ومللا‬
‫هللو نحللوه دال علللى انقطللاع الحللس والحركللة مللن الميللت‪ ،‬وأن‬
‫لادة ونقصللان‪ ،‬فللدل‬
‫أرواحهم ممسكة وأن أعمالهم منقطعة عن زيل‬
‫ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فض لل ً عللن غيللره‪ .‬فللإذا‬
‫عجز عن حركة نفسه‪ .‬فكيف يتصللرف فللي غيللره ؟ فلللله سللبحانه‬
‫يخللبر أن الرواح عنللده‪،‬وهللؤلء الملحللدون يقولللون‪ :‬إن الرواح‬
‫مطلقة متصرفة ‪ " :‬قل أأنتم أعلم أم الله ؟ "‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما اعتقادهم أن هذه التصللرفات لهللم مللن الكرامللات‪ ،‬فهللو‬
‫من المغالطة‪ ،‬لن الكرامة شئ من عند الله يكللرم بلله أوليللاءه‪ ،‬ل‬
‫قصد لهم فيه ول تحدى‪ ،‬ول قدرة ول علللم‪ ،‬كمللا فللي قصللة مريللم‬
‫بنت عمران‪ ،‬وأسيد بن حضير‪ ،‬وأبي مسلم الخولني‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما قولهم فيستغاث بهم في الشدائد‪ ،‬فهذا أقبللح ممللا قبللله‬
‫وأبدع لمصادمته قوله جل ذكره‪ " :‬أمن يجيللب المضللطر إذا دعللاه‬
‫ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الرض أإله مللع الللله ؟ " ‪ " ، :‬قللل‬
‫من ينجيكم من ظلمللات الللبر والبحللر تللدعونه تضللرعا وخفيللة لئن‬
‫أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين * قل الله ينجيكم منهللا ومللن‬
‫كل كرب ثم أنتم تشركون " وذكر آيات في هذا المعنى‪ ،‬ثللم قللال‪:‬‬
‫فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر ل غيره‪ ،‬وأنه المنفرد بإجابة‬
‫المضطرين‪ ،‬وأنلله المسللتغاث لللذلك كللله‪ ،‬وأنلله القللادر علللى دفللع‬
‫الضر‪ ،‬القادر على إيصال الخير‪ .‬فهو المنفرد بذلك‪ ،‬فإذا تعيللن هللو‬
‫جل ذكره خرج غيره من ملك ونبى وولي‪.‬‬
‫قال‪ :‬والستغاثة تجوز فلي السلباب الظلاهرة العاديلة ملن الملور‬
‫الحسية في قتال‪ ،‬أو إدراك عدو أو سبع أو نحوه‪ ،‬كقولهم‪ :‬يا لزيد‪،‬‬
‫يا للمسلمين‪ ،‬بحسب الفعال الظاهرة‪.‬‬
‫وأما الستغاثة بالقوة والتأثير أو في المور المعنوية ملن الشلدائد‪،‬‬
‫كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه فمللن‬
‫خصائص الله ل يطلب فيها غيره‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما كونهم معتقدين التللأثير منهللم فللي قضللاء حاجللاتهم كمللا‬
‫تفعله جاهلية العلرب والصلوفية والجهلال‪ .‬وينلادونهم ويسلتنجدون‬
‫بهم‪ .‬فهذا من المنكرات‪ .‬فمن اعتقد أن لغير الله من نبى أو ولللى‬
‫أو روح أو غير ذلك في كشف كربة وغيره على وجه المللداد منلله‪:‬‬
‫أشرك مع الله‪ ،‬إذ ل قادر على الدفع غيره ول خير إل خيره‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪71‬‬

‫قال‪ :‬وأما ما قالوا إن منهم أبللدال ً ونقبللاء وأوتللادا ً ونجبللاء وسللبعين‬
‫وسللبعة وأربعيللن وأربعللة والقطللب هللو الغللوث للنللاس‪ .‬فهللذا مللن‬
‫موضللوعات إفكهللم‪ .‬كمللا ذكللره القاضللي المحللدث فللي سللراج‬
‫المريدين‪ ،‬وابن الجوزى وابن تيمية‪ .‬انتهى باختصار‪.‬‬
‫والمقصود أن أهل العلم مللا زالللوا ينكللرون هللذه المللور الشللركية‬
‫الللتي عمللت بهللا البلللوى واعتقللدها أهللل الهللواء‪ .‬فلللو تتبعنللا كلم‬
‫العلماء المنكرين لهللذه المللور الشللركية لطللال ًالكتللاب‪ .‬والبصللير‬
‫النبيل يدرك الحق من أول دليل‪،‬ومن قللال قللول بل برهللان فقللوله‬
‫ظاهر البطلن‪،‬مخالف ما عليلله أهللل الحللق واليمللان المتمسللكون‬
‫بمحكللم القللرآن‪ ،‬المتسللجيون لللداعى الحللق واليمللان‪ .‬والللله‬
‫المستعان وعليه التكلن‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقوله تعالى‪ " :‬ول تدع ً من دون الله ما ل ينفعك‬
‫ول يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين "( ‪:‬‬
‫قال ابن عطية‪ :‬معناه قيل لي ول تدع فهو عطف علللى أقللم وهللذا‬
‫المر والمخاطبللة للنللبي صلللى الللله عليلله وسلللم‪ .‬إذا كللانت هكللذا‬
‫فأحرى أن يحذر من ذلك غيره‪ .‬والخطاب خلرج مخلرج الخصلوص‬
‫وهو عام للمة‪.‬‬
‫قال أبو جعفر ابن جرير في هذه الية‪ً :‬يقول تعالى ذكره‪ :‬ول تللدع‬
‫يا محمد من دون معبودك وخالقك شيئا ل ينفعك في الدنيا ول في‬
‫دنيلا‪ ،‬يعنلى بلذلك اللهلة والصلنام‪،‬‬
‫الخرة‪ ،‬ول يضرك في دين ول‬
‫يقول ل تعبدها راجيا ً نفعها أو خائفا ً ضللرها فإنهللا ل ً تنفللع ول تضللر‪.‬‬
‫فإن فعلت ذلللك فللدعوتها مللن دون الللله فإنللك إذا مللن الظللالمين‬
‫يكون من المشركين بالله الظالم لنفسه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذه الية لهللا نظللائر كقللوله‪ " :‬فل تللدع مللع ًالللله إلهلا ً آخللر‬
‫فتكون من المعذبين " وقوله‪ " :‬ول تدع مع الله إله ًا آخللر ل إللله إل‬
‫هو " ففي هذه اليات بيان أن كل مدعو يكون إله لا‪ ،‬واللهيللة حللق‬
‫لله ل يصلح منها شئ لغيره‪ .‬ولهذا قال‪ " :‬ل إله إل هو " كمللا قللال‬
‫تعالى‪ " :‬ذلللك بللأن الللله هلو الحلق وأن ملا يللدعون ملن دونله هلو‬
‫الباطل وأن الله هو العلي الكبير " وهذا هو التوحيد الذي بعث الله‬
‫به رسله‪ ،‬وأنزل به كتبه‪ ،‬كما قال تعللالى‪ " :‬ومللا أمللروا إل ليعبللدوا‬
‫الله مخلصين له الدين " والدين‪ :‬كل ما يدان الله به من العبللادات‬
‫الظاهرة والباطنة‪ .‬وفسره ابن جريللر فللي تفسلليره بالللدعاء‪ ،‬وهللو‬
‫التفسللير‪ ،‬يفسللرون‬
‫فرد من أفراد العبادة‪ ،‬على عادة السلف فللي‬
‫صرف منهللا شلليئا ً ً لقللبر أو صللنم أو‬
‫الية ببعض أفراد معناها‪ ،‬فمن‬
‫لة‬
‫وثن أو غير ذلك فقد اتخذه معبودا ً وجعله شللريكا لللله فللي اللهي‬
‫إلهللا ً‬
‫التي ل يستحقها إل هو‪ ،‬كما قال تعالى‪ " :‬ومن يللدع مللع الللله‬
‫آخر ل برهان له به فإنما حسابه عند ربلله إنلله ل يفلللح الكللافرون "‬
‫فتبين بهذه الية ونحوها أن دعوة غير الله كفر وشرك وضلل‪.‬‬
‫وقوله‪ ") :‬وإن يمسسك الله بضر فل كاشف له إل هللو وإن يللردك‬
‫بخير فل راد لفضله "( ‪:‬‬
‫فإنه المنفرد بالملك والقهر‪ ،‬والعطاء والمنع‪ ،‬والضللر والنفللع‪ ،‬دون‬
‫كل ما سواه‪ .‬فيلزم من ذلك أن يكون هو المدعو وحللده‪ ،‬المعبللود‬
‫وحده‪ ،‬فإن العبادة ل تصلح إل لمالك الضر والنفللع‪ .‬ول يملللك ذلللك‬
‫ول شيئا ً منه غيره تعالى‪ ،‬فهو المستحق للعبادة وحده‪ ،‬دون من ل‬
‫يضر ول ينفع‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ " :‬قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله‬
‫بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمللة هللل هللن ممسللكات‬
‫رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون " ‪ ،‬وقال‪ " :‬ما يفتللح‬
‫الله للناس من رحمة فل ممسك لها وما يمسك فل مرسل له من‬
‫بعده وهو العزيز الحكيم " ‪.‬‬
‫فهذا ما أخبر به الله تعالى في كتابه من تفرده باللهيللة والربوبيللة‪،‬‬
‫ونصب الدلة على ذلك‪ .‬فاعتقد عباد القبللور والمشللاهد نقيللض مللا‬
‫أخبر به الله تعالى‪ ،‬واتخذوهم شللركاء لللله فللي اسللتجلب المنللافع‬
‫ودفع المكاره‪ ،‬بسؤالهم واللتجاء بالرغبة والرهبة والتضللرع‪ ،‬وغيللر‬
‫ذلللك مللن العبللادات الللتي ل يسللتحقها إل الللله تعللالى‪ ،‬واتخللذوهم‬
‫شركاء لله فللي ربللوبيته وإلهيتلله‪ .‬وهللذا فللوق شللرك كفللار العللرب‬
‫القللائلين‪ " :‬مللا نعبللدهم إل ليقربونللا إلللى الللله زلفللى " " هللؤلء‬
‫شفعاؤنا عند الله " فإن أولئك يللدعونهم ليشللفعوا لهللم ويقربللوهم‬
‫الللله‪ .‬وكللانوا يقولللون فللي تلللبيتهم‪ :‬لبيللك‪ ،‬ل شللريك لللك* إل‬
‫إلللى‬
‫شريكا ً هو لك * تملكه وما ملك *‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪72‬‬

‫في أهل القبور والمشللاهد مللا هللو‬
‫وأما هؤلء المشركون فاعتقدوا‬
‫فجعلوا لهم نصيبا ً من التصرف والتدبير‪ ،‬وجعلوهم‬
‫أعظم من ذلك‪.‬‬
‫معللاذا ً لهللم وملذا ً فللي الرغبللات والرهبللات " سللبحان الللله عمللا‬
‫يشركون "‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬وهو الغفور الرحيم " أي لمن تاب إليه‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقوله تعالى‪ " :‬فابتغوا عند الله الممرزق واعبممدوه‬
‫واشكروا له إليه ترجعون"( ‪:‬‬
‫عباده بابتغاء الرزق منه وحللده دونً مللا سللواه ممللن ل‬
‫يأمر تعالى‬
‫يملك لهم رزقلا ً مللن السللماوات والرض شلليئا"‪ .‬فتقللديم الظللرف‬
‫يفيد الختصاص‪ .‬وقوله‪" :‬واعبدوه من عطف العام علللى الخللاص‪،‬‬
‫فإن ابتغاء الرزق عنده من العبادة التي أمر الله بها"‪.‬‬
‫قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى‪ :‬فابتغوا أي فاطلبوا عند الله‬
‫الرزق أي ل عند غيره‪ .‬لنه المالك للله‪ ،‬وغيللره ل يملللك شلليئا ً مللن‬
‫ذلك واعبدوه أي أخلصوا له العبادة وحده ل شريك له واشكروا له‬
‫أي على ما أنعم عليكم إليه ترجعون أي يوم القيامللة فيجللازى كللل‬
‫عامل بعمله‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقوله‪ " :‬ومن أضل ممن يدعو من دون اللممه مممن‬
‫ل يسممتجيب لممه إلممى يمموم القيامممة وهممم عممن دعممائهم‬
‫غممافلون * وإذا حشممر النمماس كممانوا لهممم أعممداء وكممانوا‬
‫بعبادتهم كافرين "( ‪:‬‬
‫نفى سبحانه أن يكون أحد أضللل ممللن يللدعو غيللره‪ .‬وأخللبر أنلله ل‬
‫يستجيب له ما طلب منه إلى يوم القيامة‪ .‬والية تعم على كل من‬
‫يدعى من دون الله‪ ،‬كما قال تعالى‪ " :‬قل ادعوا الذين زعمتم من‬
‫دونه فل يملكون كشف الضر عنكللم ول تحللويل ً " وفللي هللذه اليللة‬
‫أخبر أنه ل يستجيب وأنه غافل عن داعيه " وإذا حشر الناس كانوا‬
‫لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كللافرين " فتنللاولت اليللة كللل داع وكللل‬
‫مدعو من دون الله‪.‬‬
‫قال أبو جعفر بن جرير في قللوله‪ " :‬وإذا حشللر النللاس كللانوا لهللم‬
‫أعداًء " يقللول تعللالى ذكللره‪ :‬وإذا جمللع النللاس ليللوم القيامللة فللي‬
‫موقف الحساب كلانت هلذه اللهلة اللتي يلدعونها فلي اللدنيا لهلم‬
‫أعداء‪ ،‬لنهم يتبرأون منهم " وكانوا بعبادتهم كافرين " يقول تعالى‬
‫ذكره‪ :‬وكانت آلهتهم التي يعبللدونها فللي الللدنيا بعبللادتهم جاحللدين‪،‬‬
‫لنهم يقولون يوم القيامللة‪ :‬مللا أمرنللاهم ول شللعرنا بعبادتهللا إيانللا‪.‬‬
‫تبرأنا منهم يا ربنا‪ .‬كما قال تعالى‪ " ، :‬ويوم يحشرهم وما يعبللدون‬
‫مللن دون الللله فيقللول أأنتللم أضللللتم عبللادي هللؤلء أم هللم ضلللوا‬
‫السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخللذ مللن دونللك ملن‬
‫أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا "‪.‬‬
‫قال ابن جرير ‪ " :‬ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الللله " مللن‬
‫الملئكة والنس والجن وسللاق بسللنده عللن مجاهللد قللال‪ :‬عيسللى‬
‫وعزير والملئكة‪.‬‬
‫ثللم قللال‪ :‬يقللول تعللالى ذكللره قللالت الملئكللة الللذين ً كللان هللؤلء‬
‫المشركون يعبللدونهم مللن دون الللله وعيسللى‪ :‬تنزيهلا لللك يللا ربنللا‬
‫ة مما أضاف إليك هؤلء المشركون " مللا كللان ينبغللي لنللا أن‬
‫وتبرئ ً‬
‫نتخذ من دونك من أولياء " نواليهم " أنت ولينا من دونهم " انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وأكثر ما يستعمل الدعاء في الكتاب والسنة واللغللة ولسللان‬
‫الصحابة ومن بعدهم من العلماء‪ :‬في السؤال والطلللب‪ ،‬كملا قللال‬
‫العلماء مللن أهللل اللغللة وغيرهللم‪ :‬الصلللة لغللة الللدعاء‪ ،‬وقللد قللال‬
‫تعالى‪ " ، :‬والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير "‬
‫اليتينً‬
‫لرعا‬
‫ل‬
‫تض‬
‫وقال‪ " :‬قل من ينجيكم من ظلمات الللبر والبحللر تللدعونه‬
‫وخفية " وقال‪ " :‬وإذا مس النسان الضر دعانا لجنبلله أو قاعللدا ً أو‬
‫قائما ً " وقلال‪ " :‬وإذا مسله الشلر فلذو دعلاء عريلض " وقلال‪" :‬ل‬
‫يسأم النسان من دعاء الخير " الية‪ .‬وقال‪ " :‬إذ تسللتغيثون ربكللم‬
‫فاستجاب لكم " الية‪.‬‬
‫وفي حديث أنس مرفوعلًا‪ " :‬اللدعاء ملخ العبلادة " وفلي الحلديث‬
‫الصحيح‪ " :‬ادعوا الله وأنتم موقنللون بالجابللة " وفللي آخللر‪ " :‬مللن‬
‫يسأل الله يغضب عليه " وحديث‪ " :‬ليس شئ أكرم على الله مللن‬
‫الدعاء " رواه أحمللد والترمللذي وابللن مللاجه وابللن حبللان والحللاكم‬
‫وصللححه‪ .‬وقللوله‪ " :‬الللدعاء سلللح المللؤمن وعمللاد الللدين ونللور‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪73‬‬

‫السماوات والرض " رواه الحلاكم وصلححه‪ .‬وقلوله‪ " :‬سللوا اللله‬
‫كل شئ حتى الشسع إذا انقطع " الحديث‪ .‬وقال ابن عباس رضي‬
‫الللله عنهمللا‪ :‬أفضللل العبللادة الللدعاء وقللرأ‪" :‬وقللال ربكللم ادعللوني‬
‫أستجب لكم " الية‪ .‬رواه ابن المنذر والحاكم وصححه‪ .‬وحديث‪" :‬‬
‫اللهم إني أسألك بأن لله الحمد ل إله إل أنللت المنللان‪ "...‬الحللديث‬
‫وحديث‪ " :‬اللهم إني أسلألك بأنلك أنلت اللله ل إلله إل أنلت الحلد‬
‫الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ً أحللد " وأمثللال هللذا‬
‫فللي الكتللاب والسللنة أكللثر مللن أن يحصللر‪ ،‬فللي الللدعاء الللذي هللو‬
‫عبلادة فقلد‬
‫السؤال والطلب‪ ،‬فملن جحلد كلون السلؤال والطللب‬
‫صادم النصوص وخالف اللغة واستعمال المة سلفا ً وخلفًا‪.‬‬
‫وأما ما تقللدم مللن كلم شلليخ السلللم‪ ،‬وتبعلله العلمللة ابللن القيللم‬
‫رحمهما الللله تعللالى مللن أن الللدعاء نوعللان‪ :‬دعللاء مسللألة ودعللاء‬
‫عبادة‪ .‬وما ذكر بينهما مللن التلزم وتضللمن أحللدهما للخللر‪ .‬فللذلك‬
‫باعتبار كون الذاكر والتللالي والمصلللى والمتقللرب بالنسللك وغيللره‬
‫طالبا ً في المعنى‪ .‬فيدخل في مسللمى الللدعاء بهللذا العتبللار‪ ،‬وقللد‬
‫شرح الله تعالى في الصلة الشرعية من دعاء المسألة ما ل تصح‬
‫الصلة إل به‪ ،‬كما فللي الفاتحللة والسللجدتين وفللي التشللهد‪ ،‬وذلللك‬
‫عبللادة كللالركوع والسللجود‪ .‬فتللدبر هللذا المقللام يتللبين لللك جهللل‬
‫الجاهلين بالتوحيد‪.‬‬
‫ومما يتبين هذا المقام ويزيد إيضاحًا‪ .‬قوله العلمة ابن القيم رحمه‬
‫الله تعالى في قوله تعالى‪ " :‬قل ادعوا الله أو ادعللوا الرحمللن أيللا‬
‫ما تدعوا فله السماء الحسنى " وهذا الللدعاء المشللهور أنلله دعللاء‬
‫المسألة‪ .‬قالوا‪ :‬كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربلله ويقللول‬
‫مرة يا الله ومرة يا رحمن فظن المشركون أنه يدعو إلهين فأنزل‬
‫الله هذه الية‪ .‬ذكر هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما‪ .‬وقيل‪ :‬إن‬
‫هذا الدعاء هنلا بمعنللى التسللمية‪ ،‬والمعنللى‪ :‬أي سللميتموه بلله مللن‬
‫أسماء الله تعالى‪ ،‬إما اللله وإملا الرحملن فللله السللماء الحسلنى‪.‬‬
‫وهذا من لوازم المعنى في الية‪ .‬وليس هو عين المراد‪ .‬بل المراد‬
‫بالدعاء معناه المعهللود المطللرد فللي القللرآن‪ .‬وهللو دعللاء السللؤال‬
‫ودعاء الثناء‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬إذا عرف هذا فقوله‪ " :‬ادعوا ربكم تضرعا وخفية " يتناول‬
‫نوعي الدعاء لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن لدعاء العبللادة‪،‬‬
‫بإخفائه‪ .‬قال الحسللن‪ :‬بيللن دعللاء السللر ودعللاء العلنيللة‬
‫ولهذا أمر‬
‫سبعون ضعيفًا‪ .‬ولقد كللان المسلللمون ً يجتهللدون فللي الللدعاء ولللم‬
‫يسللمع لهللم صللوت إن كللان إل همسلا بينهللم وبيللن ربهللم ‪ .‬وقللوله‬
‫تعالى‪ " :‬وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الللداع إذا‬
‫دعللان " يتنللاول نللوعى الللدعاء‪ ،‬وبكللل منهمللا فسللرت اليللة قيللل‪:‬‬
‫أعطيه إذا سألني‪ ،‬وقيل أثيبه إذا عبدني‪ ،‬وليس هذا مللن اسللتعمال‬
‫اللفظ في حقيقته ومجازه‪ ،‬بل هذا استعمال في حقيقتلله الواحللدة‬
‫المتضمنة للمرين جمعيًا‪ .‬وهذا يأتي في مسألة الصلة وإنهللا نقللل‬
‫عن مسماها في اللغلة وصلارت حقيقلة شلرعية‪ ،‬واسلتعملت فلي‬
‫هذه العبادة مجازا ً للعلقة بينهما وبين المسمى اللغوي وهي باقيللة‬
‫على الوضع اللغوي‪ ،‬وضم إليها أركان وشرائط‪ .‬فعلى ما قررناه ل‬
‫حاجة إلى شئ من ذلك‪ ،‬فإن المصلى من أول صلته إلى آخرها ل‬
‫ينفك عن دعاء‪ :‬إما عبادة ًوثناء‪ ،‬أو دعاء طلب ومسللألة‪ ،‬وهللو فللي‬
‫الحالتين داع‪ .‬ا هل‪ .‬ملخصا من البدائع‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقوله‪ " :‬أمن يجيممب المضممطر إذا دعمماه ويكشممف‬
‫السمموء ويجعلكممم خلفمماء الرض أإلممه مممع اللممه قليل ً ممما‬
‫تذكرون"( ‪:‬‬
‫بين تعللالى أن المشللركين مللن العللرب ونحللوهم قللد علمللوا أنلله ل‬
‫يجيب ًالمضطر ويكشف السوء إلى الله وحده فذكر ذلللك سللبحانه‬
‫محتجا عليهم في اتخاذهم الشفعاء من دونه‪ ،‬ولهذا قال " أإله مللع‬
‫الله ؟ " يعنى يفعل ذلك‪ .‬فللإذا كللانت آلهتهللم ل تجيبهللم فللي حللال‬
‫الضطرار فل يصلح أن يجعلوها شركاء لله الللذي يجيللب المضللطر‬
‫إذا دعاه ويكشف السوء وحللده‪ .‬وهللذا أصللح مللا فسللرت بلله اليللة‬
‫كسابقتها من قوله " أمن خلق السماوات والرض وأنزل لكم مللن‬
‫السماء ماء فأنبتنللا بلله حللدائق ذات بهجللة مللا كللان لكللم أن تنبتللوا‬
‫شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون * أمن جعل الرض قللرارا‬
‫وجعل خللها أنهارا وجعل لها رواسي وجعللل بيللن البحريللن حللاجزا‬
‫أإله مع الله بل أكثرهم ل يعلمللون " ول حقتهللا إلللى قللوله‪ " :‬أمللن‬
‫يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بيللن يللدي‬
‫رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون * أمن يبدأ الخلللق ثللم‬
‫يعيده ومن يرزقكم من السللماء والرض أإللله مللع الللله قللل هللاتوا‬
‫برهانكم إن كنتم صادقين "‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪74‬‬

‫فتأمل هذه اليات يتبين لك أن الله تعللالى احتللج علللى المشللركين‬
‫بما أقروا به على ما جحدوه‪ :‬من قصر العبادة جمعيهللا عليلله‪ ،‬كمللا‬
‫في فاتحة الكتاب‪ " :‬إياك نعبد وإياك نستعين "‪.‬‬
‫قال أبو جعفر بن جريللر‪ :‬قللوله‪ " :‬أمللن يجيللب المضللطر إذا دعللاه‬
‫ويكشف السوء " إلى قوله "قليل ً ما تذكرون " يقول تعالى ذكللره‪:‬‬
‫أم مللا تشللركون بللالله خيللر‪ ،‬أم الللذي يجيللب المضللطر إذا دعللاء‬
‫ويكشف السوء النازل به عنه ؟ وقوله‪ " :‬ويجعلكم خلفاء الرض "‬
‫يقللول‪ :‬يسللتخلف بعللد أمللواتكم فللي الرض منكللم خلفللاء أحيللاء‬
‫سواه يفعل هذه الشللياء‬
‫يخلفونهم‪ ،‬وقوله‪ " :‬أإله مع الله ؟ " أإله‬
‫بكم ًوينعم ً عليكم هذه النعم ؟ وقوله‪ " :‬قليل ً مللا تللذكرون " يقللول‬
‫عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون‪ ،‬وتعتبرون ححللج‬
‫تذكرا قليل من‬
‫الله عليكم يسيرًا‪ .‬فلذلك أشركوا بالله وغيره في عبادته‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وروى الطبراني "أنه كان في زمن النممبي صمملى‬
‫الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين‪ .‬فقممال بعضممهم‪:‬‬
‫قوموا بنا نستغيث برسول الله صمملى اللممه عليممه وسمملم‬
‫من هذا المنافق‪ ،‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬إنه‬
‫ل يستغاث بي‪ ،‬وإنما يستغاث بالله "( ‪:‬‬
‫الطبراني‪ :‬هو المام الحافظ سليمان بن أحمد بللن أيللوب اللخمللي‬
‫الطللبراني‪ ،‬صللاحب المعللاجم الثلثللة وغيرهللا‪ .‬روى عللن النسللائي‬
‫وإسحاق بن إبراهيم الديرى وخلق كثير‪ .‬مات سنة ستين وثلثمائة‪.‬‬
‫روى هذا الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلللم منللافق يللؤذي‬
‫المؤمنين لم أقف على اسم هذا المنافق‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هو عبد الله بن أبي كما صرح به ابن أبي حاتم في روايته‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فقال بعضللهم أي الصللحابة رضللي الللله عنهللم‪ ،‬هللو أبللو بكللر‬
‫رضي الله عنه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الللله عليلله وسلللم مللن‬
‫هذا المنافق لنه صلى الله عليه وسلم يقدر على كف أذاه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬إنه ل يستغاث بي‪ ،‬وإنما يستغاث بالله فيه النص على أنلله ل‬
‫يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم ول بمن دونه‪ .‬كره صلى الله‬
‫لدر‬
‫له‪ ،‬وإن كللان ممللا يقل‬
‫عليه وسلم أن يستعمل هذا اللفظ في حقل‬
‫وأدب لا ً‬
‫لجناب التوحيد‪ ،‬وسدا ً لذرائع الشللرك‬
‫عليه في حياته‪ ،‬حماية‬
‫وتواضعا ً لربلله‪ ،‬وتحللذيرا ً للمللة مللن وسللائل الشللرك فللي القللوال‬
‫والفعال‪ .‬فإذا كان فيمللا يقللدر عليلله صلللى الللله عليلله وسلللم فل ًلي‬
‫حياته‪ ،‬فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته ويطلب منلله أمللورا ل‬
‫يقدر عليها إل الله عللز وجللل ؟ كمللا جللرى علللى ألسللنة كللثير مللن‬
‫الستغاثة بمن ل يملللك‬
‫الشعراء كالبوصيري والبرعي وغيرهم‪ ،‬من‬
‫لنفسه ضرا ً ول نفعا ً ول موتا ً ول حيللاة ول نشللورًا‪ ،‬ويعرضللون عللن‬
‫الستغاثة بالرب العظيم القلادر عللى كلل شليء اللذي لله الخللق‬
‫له غيللره ًول رب سللواه‪ .‬قللال‬
‫والمر وحده‪ ،‬وله الملك وحللده‪ ،‬ل إلل‬
‫شللاء الللله ً"‬
‫تعالى‪ " ( : ) :‬قل ل أملك لنفسي نفعا ً ول ضرا إل مللا‬
‫ً‬
‫في مواضع من القرآن ) ‪ " ( :‬قل إني ل أملك لكم ضرا ول رشللدا‬
‫" فأعرض هؤلء عن القرآن واعتقلدوا نقيلض ملا دللت عليله هلذه‬
‫ذلك الضلل الخلل ًلق الكللثير والجللم‬
‫اليات المحكمات‪ ،‬وتبعهم على‬
‫الغفير‪ .‬فاعتقدوا الشرك بالله دينًا‪ ،‬والهدى ضلل‪ ،‬فإنا لله وإنا إليه‬
‫راجعون‪ .‬فما أعظمها من مصيبة عمت بهللا البلللوى‪ ،‬فعانللدوا أهللل‬
‫التوحيد وبدعوا أهل التجريد‪ ،‬فالله المستعان‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪75‬‬

‫باب‬
‫ً‬
‫أيشركون ما ل يخلق شيئا وهم‬
‫يخلقون‬
‫قوله‪) :‬باب قممول اللممه تعممالى‪ " :‬أيشممركون ممما ل يخلممق‬
‫شمميئا وهممم يخلقممون * ول يسممتطيعون لهممم نصممرا ول‬
‫أنفسهم ينصرون "( ‪:‬‬
‫قوله " أيشركون " أي في العبادة‪ .‬قال المفسرون‪ :‬في هذه الية‬
‫توبيخ وتعنيف للمشركين في عبادتهم مع اللل ًله تعللالى مللا ل يخلللق‬
‫شيئا ً وهو مخلوق‪ ،‬والمخلوق ل يكون شللريكا للخللالق فللي العبللادة‬
‫التي خلقهم لها‪ ،‬وبين أنهللم ل يسللتطيعون لهللم نصللرا ً ول أنفسلهم‬
‫ينصرون‪ ،‬فكيف يشركون به من ل يستطيع نصللر عابللديه ول نصللر‬
‫نفسه ؟ وهذا برهان ظاهر على بطلن ما كللانوا يعبللدونه مللن دون‬
‫الله‪ ،‬وهذا وصف كل مخلوق‪ ،‬حتى الملئكللة والنبيللاء والصللالحين‪.‬‬
‫وأشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم قد كان يستنصللر ربلله‬
‫على المشركين ويقول " اللهم أنت عضللدي ونصلليري‪ ،‬بللك أحللول‬
‫وبك أصول‪ ،‬وبك أقاتل " وهذا كقوله ‪ " :‬واتخذوا من دونلله آلهللة ل‬
‫يخلقون شيئا وهم يخلقون ول يملكون لنفسللهم ضللرا ول نفعللا ول‬
‫يملكون موتا ول حياة ول نشورا " وقوله ‪ " :‬قللل ل أملللك لنفسللي‬
‫نفعا ول ضرا إل ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لسللتكثرت مللن‬
‫الخير وما مسللني السللوء إن أنللا إل نللذير وبشللير لقللوم يؤمنللون "‬
‫وقللوله ‪ " :‬قللل إنللي ل أملللك لكللم ضللرا ول رشللدا * قللل إنللي للن‬
‫يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا * إل بلغا مللن الللله‬
‫ورسالته "‪.‬‬
‫فكفى بهذه ًاليات برهانا ً على بطلن دعوة غير الله كائنا ً من كان‪.‬‬
‫أو صالحا ً ًفقد شرفه الله تعالى بللإخلص العبللادة ً للله‪،‬‬
‫فإن كان نبيا‬
‫والرضاء به ربا ً ومعبودا‪ ،‬فكيف يجوز أن يجعللل العابللد معبللودا مللع‬
‫توجيه الخطاب إليه بالنهي عن هذا الشرك كمللا قللال تعللالى‪ " :‬ول‬
‫تدع مع الله إلها آخللر ل إللله إل هللو كللل شلليء هالللك إل وجهلله للله‬
‫الحكم وإليه ترجعون " وقال ‪ " :‬إن الحكم إل لله أمر أن ل تعبللدوا‬
‫إل إياه " فقد أمر عباده من النبيللاء والصللالحين وغيرهللم بللإخلص‬
‫العبادة له وحده‪ ،‬ونهاهم أن يعبدوا معه غيره‪ ،‬وهذا هو دينلله الللذي‬
‫بعث به رسله‪ ،‬وأنزل به كتبه‪ ،‬ورضيه لعبللاده‪ ،‬وهللو ديللن السلللم‪،‬‬
‫كما روى البخاري عن أبي هريرة في سؤال جبريللل عليلله السلللم‬
‫رسول الله‪ ،‬ما السلللم ؟ قللال السلللم أن تعبللد الللله ول‬
‫قال " يا‬
‫تشرك به شيئًا‪ ،‬وتقيم الصلة‪ ،‬وتللؤتي الزكللاة المفروضللة‪ ،‬وتصللوم‬
‫رمضان " الحديث‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ " :‬والذين تدعون من دونه ما يملكممون مممن‬
‫قطمير * إن تدعوهم ل يسمعوا دعاءكم ولو سمممعوا ممما‬
‫استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ول ينممبئك‬
‫مثل خبير " ‪:‬‬
‫يخبر تعالى عن حللال المللدعوين مللن دونلله مللن الملئكللة والنبيللاء‬
‫والصنام وغيرها بما يدل على عجزهم وضعفهم وأنهللم قللد انتفللت‬
‫عنهللم السللباب الللتي تكللون فللي المللدعو‪ ،‬وهللي الملللك‪ ،‬وسللماع‬
‫الدعاء‪ ،‬والقدرة على استجابته‪ ،‬فمتى لم توجد هذه الشروط تامة‬
‫بطلت دعوته فكيف إذا عدمت بالكلية ؟ فنفى عنهم المللك بقلوله‬
‫" ما يملكللون مللن قطميللر " قللال ابللن عبللاس ومجاهللد وعكرمللة‪،‬‬
‫وعطاء والحسن وقتادة‪ :‬القطمير‪ :‬اللفافة الللتي تكللون علللى نللواة‬
‫التمر كما قال تعلالى‪ " :‬ويعبلدون ملن دون اللله ملا ل يمللك لهلم‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪76‬‬

‫رزقا ً من السموات والرض شيئا ً ول يستطيعون " وقللال ‪ " ، :‬قللل‬
‫ادعللوا الللذين زعمتللم مللن دون الللله ل يملكللون مثقللال ذرة فللي‬
‫السماوات ول في الرض وما لهم فيهما من شللرك ومللا للله منهللم‬
‫من ظهير * ول تنفع الشفاعة عنده إل لمن أذن له " ونفللى عنهللم‬
‫سماع الدعاء بقوله " إن تدعوهم ل يسللمعوا " لنلله مللا بيللن ميللت‬
‫وغائب عنهم‪ ،‬مشتغل بما خلق له‪ ،‬مسخر بمللا أمللر بلله كالملئكللة‪،‬‬
‫لإن‬
‫ثم قال " ولو سمعوا ما استجابوا لكم " لن ذلك ليللس لهللم‪ ،‬فل‬
‫استقلل ً‬
‫الله تعالى لم يأذن لحد من عباده في دعاء أحد منهم‪ ،‬ل‬
‫ول واسطة‪ ،‬كمللا تقللدم بعللض أدلللة ذلللك‪ .‬وقللوله " ويللوم القيامللة‬
‫يكفرون بشرككم " فتبين بهللذا أن دعللوة غيللر الللله شللرك‪ .‬وقللال‬
‫تعللالى‪ " ، :‬واتخللذوا مللن دون الللله آلهللة ليكونللوا لهللم عللزا * كل‬
‫سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضللدا " وقللوله تعللالى‪ " :‬ويللوم‬
‫القيامة يكفرون بشرككم " قال ابن كثير‪ :‬يتبرأون منكم‪ ،‬كما قللال‬
‫تعالى‪ " ، :‬ومن أضل ممن يدعو من دون الله ملن ل يسلتجيب لله‬
‫إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا‬
‫لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين "‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقوله " ول ينبئك مثل خبير " أي ول يخبرك بعواقب المللور‬
‫ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها‪ .‬قال قتادة‪ :‬يعني نفسلله تبللارك‬
‫وتعالى‪ .‬فإنه أخبر بالواقع ل محالة( ‪.‬‬
‫قلللت‪ :‬والمشللركون لللم يسلللموا للعليللم الخللبير مللا أخللبر بلله عللن‬
‫معبوداتهم فقالوا‪ :‬تملك وتسمع وتستجيب وتشفع لمن دعاها‪ ،‬ولم‬
‫يلتفتوا إلى ما أخبر به الخبير من أن كل معبود يعللادى عابللده يللوم‬
‫القيامة ويتبرأ منه‪ ،‬كما قللال تعللالى‪ " :‬ويللوم نحشللرهم جميعللا ثللم‬
‫نقول للذين أشركوا مكانكم أنتللم وشللركاؤكم فزيلنللا بينهللم وقللال‬
‫شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون * فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن‬
‫كنا عن عبادتكم لغافلين * هنالك تبلو كل نفس مللا أسلللفت وردوا‬
‫إلى الله مولهم الحق وضل عنهم مللا كللانوا يفللترون " أخللرج ابللن‬
‫جريللر عللن ابللن جريللح قللال‪ :‬قللال مجاهللد " إن كنللا عللن عبللادتكم‬
‫لغافلين " قال يقول ذلك كل شئ كان يعبد من دون الله‪.‬‬
‫فالكيس يستقبل هللذه اليللات الللتي هللي الحجللة والنللور والبرهللان‬
‫لللله وحللده دون كللل‬
‫باليمللان والقبللول والعمللل‪ ،‬فيجللرد أعمللاله‬
‫ماسواه ممن ل يملك لنفسه نفعا ً ول دفعًا‪ ،‬فضل ً عن غيره‪.‬‬
‫قوله‪) :‬في الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال " شممج‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسممرت ربمماعيته‪.‬‬
‫فقال‪ :‬كيف يفلح قوم شمجوا نمبيهم ؟ فنزلممت اليممة ‪" :‬‬
‫ليس لك من المر شيء "( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬في الصحيح أي الصحيحين‪ .‬علقه البخاري‪ .‬قال وقال حميللد‬
‫وثابت عن أنس‪ .‬ووصله أحمد والترمذي والنسائي عن حميللد عللن‬
‫أنس‪ .‬ووصله مسلم عن ثابت عن أنللس‪ .‬وقللال ابللن إسللحاق فللي‬
‫المغازي‪ .‬حدثنا حميد الطويل عن أنس قال كسرت رباعيللة النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم يلوم أحلد وشلج وجهله‪ ،‬فجعلل اللدم يسليل‬
‫على وجهه‪ ،‬وجعل يمسح الدم وهو يقول‪ :‬كيف يفلح قللوم خضللبوا‬
‫وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ فأنزل الله الية ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬شج النبي صلى الله عليه وسلم قال أبللو السللعادات‪ :‬الشللج‬
‫في الرأس خاصة في الصل‪ ،‬وهو أن يضللربه بشللئ فيجرحلله فيلله‬
‫ويشقه‪ ،‬ثم استعمل في غيره من العضاء‪ ،‬وذكر ابللن هشللام مللن‬
‫حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقللاص هللو الللذي كسللر‬
‫رباعية النبي صلى الله عليله وسللم السلفلى وجلرح شلفته العليلا‬
‫وأن عبد الله بن شهاب الزهري هللو الللذي شللجه فللي وجهلله‪ ،‬وأن‬
‫عبد الله بن قمئة جرحلله فللي وجنتلله‪ ،‬فللدخلت حلقتللان مللن حلللق‬
‫المغفر في وجنته وأن مالك ابن سنان مص الدم من وجلله رسللول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم وازدرده‪ .‬فقال له‪ :‬لن تمسك النار ‪.‬‬
‫قال القرطبي‪ :‬والرباعية بفتح الراء وتخفيف اليللاء وهللي كللل سللن‬
‫بعد ثنية‪.‬‬
‫قال النووي رحمه الله‪ :‬وللنسان أربع رباعيات‪.‬‬
‫قال الحافظ ‪ :‬والمراد أنها كسرت‪ ،‬فذهب منها فلقة ولم تقلع من‬
‫أصلها‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪77‬‬

‫قال النووي ‪ :‬وفي هذا وقوع السقام والبتلء بالنبياء صلوات الله‬
‫وسلمه عليهم لينالوا بذلك جزيل الجر والثواب‪ .‬ولتعرف المم ما‬
‫أصابهم ويأتسوا بهم‪.‬‬
‫قال القاضي ‪ :‬وليعلم أنهم من البشر تصيبهم محن الللدنيا‪ ،‬ويطللرأ‬
‫على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر ليتيقن أنهم مخلوقللون‬
‫مربوبون‪ .‬ول يفتن بما ظهر علللى أيللديهم مللن المعجللزات ويلبللس‬
‫الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬يعني من الغلو والعبادة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬يوم أحد هو شرقي المدينة‪ .‬قال صلللى الللله عليلله وسلللم "‬
‫أحد جبل يحبنلا ونحبله " وهلو جبلل معلروف كلانت عنلده الواقعلة‬
‫المشهورة‪ .‬فأضيفت إليه‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬كيللف يفلللح قللوم شللجوا نللبيهم زاد مسلللم مسلللم كسللروا‬
‫رباعيته وأدموا وجهه ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فأنزل الله‪ " :‬ليس لك من الملر شليء " قلال ابلن عطيلة‪:‬‬
‫كأن النبي صلى الله عليه وسلم لحقه فللي تلللك الحللال يللأس مللن‬
‫فلح كفار قريش‪ ،‬فقيل له بسبب ذلك " ليس لك من المر شلليء‬
‫" أي عواقب المور بيد الله‪ ،‬فامض أنت لشأنك‪ ،‬ودم على الللدعاء‬
‫لربك‪.‬‬
‫وقال ابن إسحاق‪ " :‬ليس لك من المر شيء " فللي عبللادي إل مللا‬
‫أمرتك به فيهم‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وفيه عن ابن عمر رضممي اللممه عنهممما أنممه سمممع‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يقممول إذا رفممع رأسممه‬
‫من ًالركوع ً في الركعة الخيرة من الفجممر‪ :‬اللهممم العممن‬
‫فلنا وفلنا بعد ما يقول‪ :‬سمممع اللممه لمممن حمممده‪ ،‬ربنمما‬
‫ولك الحمد‪ .‬فأنزل اللممه " ليممس لممك مممن المممر شمميء "‬
‫وفي رواية يدعو علممى صممفوان بممن أميممة‪ ،‬وسممهيل بممن‬
‫عمرو‪ ،‬والحارث بن هشام فنزلت " ليس لممك مممن المممر‬
‫شيء "( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬وفيه أي في صحيح البخاري‪ .‬رواه النسائي‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عن ابن عمر هو عبد الللله بللن عمللر بللن الخطللاب‪ ،‬صللحابي‬
‫جليل‪ ،‬شهد له رسول الله صلى الللله عليلله وسللم بالصللح‪ ،‬ملات‬
‫سنة ثلث وسبعين في آخرها أو في أول التي تليها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أنه سمع رسول الله هذا القنللوت علللى هللؤلء بعللد مللا شللج‬
‫وكسرت رباعيته يوم أحد‪.‬‬
‫قوله‪ :‬اللهللم العللن فلنلا ً وفلنلا ً قللال أبللو السللعادات‪ :‬أصللل اللعللن‬
‫والطرد والبعاد من الله‪ .‬ومن الخلق السللب والللدعاء وتقللدم كلم‬
‫شيخ السلم رحمه الله‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فلنا ً وفلنا ً يعني صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث‬
‫بن هشام‪ ،‬كما بينه في الرواية التية‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬جواز الدعاء على المشركين بأعيانهم في الصلة‪ ،‬وأن ذلللك‬
‫ل يضر في الصلة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬بعد ما يقول؛ سمع الله لمن حمده قللال أبللو السللعادات‪ :‬أي‬
‫أجاب حمده وتقبيله‪ .‬وقال السللهيلي‪ :‬مفعللول سللمع محللذوف‪،‬لن‬
‫السمع متعلق بالقوال والصوات دون غيرها فللاللم تللؤذن بمعنللى‬
‫زائد وهو الستجابة للسمع‪ ،‬فللاجتمع فللي الكلمللة اليجللاز والدللللة‬
‫على الزائد‪ ،‬وهو الستجابة لمن حمده‪.‬‬
‫وقال ابن القيم رحمه الله ما معناه‪ :‬سمع الله لمللن حمللده بللاللم‬
‫المتضمنة معنى استجاب له‪ .‬ول حذف وإنما هو مضمن‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪78‬‬

‫قوله‪ :‬ربنا لك الحمد‪ ،‬في بعللض روايللات البخللاري بإسللقاط الللواو‪.‬‬
‫قال ابن دقيق العيد‪ :‬كأن إثباتها دال علللى معنللى زائد‪ ،‬لنلله يكللون‬
‫التقدير‪ :‬ربنا اسللتجب ولللك الحمللد‪ .‬فيشللتمل علللى معنللى الللدعاء‬
‫ومعنى الخبر‪.‬‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬والحمد ضد الذم‪ ،‬والحمد يكللون علللى محاسللن‬
‫المحمود مللع المحبللة للله‪ .‬كمللا أن الللذم يكللون علللى مسللاويه مللع‬
‫البغض له‪.‬‬
‫وكذا قللال ابللن القيللم‪ :‬وفللرق بينلله وبيللن المللدح بللأن الخبللار عللن‬
‫محاسن الغير إما أن يكون إخبار مجردا ً عن حب وإرادة‪ ،‬أو يكللون‬
‫مقرونا ً بحبه وإرادته‪ .‬فإن كان الول فهو المللدح‪ ،‬وإن كللان الثللاني‬
‫فهو الحمد‪ .‬فالحمد إخبار عن محاسن المحمللود مللع حبلله وإجلللله‬
‫وتعظيمه‪ .‬ولهذا كان خبرا ً يتضمن النشاء بخلف المدح‪ ،‬فإنه خللبر‬
‫مجرد‪ .‬فالقائل إذا قال‪ :‬الحمد لله أو قال ربنا ولللك الحمللد تضللمن‬
‫كلمه الخلبر علن كلل ملا يحملد عليلله تعلالى بإسلم جلامع محيللط‬
‫متضمن لكل فللرد مللن أفللراد الجملللة المحققللة والمقللدرة‪ ،‬وذلللك‬
‫يستلزم إثبات كل كمال يحمد عليلله الللرب تعللالى‪ ،‬ولهللذا ل تصلللح‬
‫هذه اللفظة على هللذا الللوجه ول تنبغللي إل لمللن هللذا شللأنه‪ ،‬وهللو‬
‫الحميد المجيد‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬التصريح بأن المام يجمع بين التسميع والتحميللد‪ ،‬وهللو قللول‬
‫الشافعي وأحمد وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفللة‪ ،‬وقللال‪ :‬يقتصللر‬
‫على سمع الله لمن حمده ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وفي رواية يدعو على صلفوان بلن أميلة وسلهيل بلن عملرو‬
‫والحارث بن هشام ‪.‬‬
‫وذلك لنهم رؤوس المشركين يوم أحد‪ ،‬هم وأبو سفيان بن حرب‪،‬‬
‫فما استجيب له صلى الله عليه وسلم فيهم بل أنزل الللله " ليللس‬
‫لللك مللن المللر شلليء أو يتللوب عليهللم أو يعللذبهم " فتللاب عليهللم‬
‫فأسلموا وحسن إسلمهم‪ .‬وفي كله معنى شهادة أن ل إله إل الله‬
‫الذي له المر كله‪ ،‬يهدي مللن يشللاء بفضللله ورحمتلله‪ ،‬ويضللل مللن‬
‫يشاء بعدله وحكمته‪.‬‬
‫وفي هذا ملن الحجلج والللبراهين ملا يلبين بطلن ملا يعتقلده عبللاد‬
‫القبور في الولياء والصالحين‪ .‬بل في الواغيت من أنهللم ينتفعللون‬
‫من دعاهم‪ ،‬ويمنعون مللن لذ بحمللاهم‪ .‬فسللبحان مللن حللال بينهللم‬
‫وبين فهم الكتاب‪ .‬وذلك عدله سبحانه‪ ،‬وهو الذي يحول بين المللرء‬
‫وقلبه‪ ،‬وبه الحول والقوة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وفيه عن أبي هريرة رضي اللمه عنمه قمال‪ :‬قمال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عليممه ‪:‬‬
‫" وأنذر عشيرتك القربين " قال " يمما معشممر قريممش أو‬
‫كلمة نحوهما اشممتروا أنفسممكم ل أغنمى عنكمم ممن اللممه‬
‫شيئ ًًا‪ .‬يا عباس بن عبد المطلب ل أغنممى عنممك مممن اللممه‬
‫شيئ ًا‪ .‬يا صفية عمة رسول الله‪ ،‬ل أغنى عنممك مممن اللممه‬
‫محمد‪ ،‬سليني من مالي ممما شممئت‪،‬‬
‫شيئا‪ .‬يا فاطمة بنت‬
‫ل أغنى عنك من الله شيئا ً "( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬وفيه أي وفي صحيح البخاري‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عن أبي هريرة اختلف في اسمه‪ .‬وصحيح النووي أن اسللمه‬
‫عبد الرحمن ابن صخر‪ ،‬كما رواه الحاكم في المسلتدرك علن أبللي‬
‫هريرة قال‪ :‬كان اسمي في الجاهلية عبد الرحمن وروى الللدولبى‬
‫بإسناده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه عبللد‬
‫الله وهو دوسي من فضلء الصحابة وحفللاظهم‪ ،‬حفللظ عللن النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم أكثر ممللا حفظلله غيللره مللات سللنة سللبع أو‬
‫ثمان أو تسع وخمسين‪ ،‬وهو ابن ثمان وسبعين سنة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قام رسول اللله صللى اللله عليله وسللم فلي الصلحيح ملن‬
‫رواية ابن عباس صعد رسللول الللله صلللى الللله عليلله وسلللم علللى‬
‫الصفا ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬حين أنزل عليه " وأنذر عشيرتك القربين " عشيرة الرجللل‪:‬‬
‫هم بنو أبيه الدنون أو قبيلته‪ .‬لنهللم أحللق النللاس بللبرك وإحسللانك‬
‫الديني والدنيوي‪ ،‬كما قال تعالى‪ " :‬يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪79‬‬

‫وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة " وقد أمره الله تعالى أيضللا ً‬
‫بالنللذارة العامللة‪ ،‬كمللا قللال ‪ " :‬لتنللذر قوملا ً مللا أنللذر آبللاؤهم فهللم‬
‫غافلون " ‪ " ( :‬وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬يا معشر قريش المعشر الجماعة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أو كلمة نحوها هو بنصب كلمة عطف على ما قبله‪.‬‬
‫قوله‪ :‬اشتروا أنفسكم أي بتوحيد الله وإخلص العبادة للله وحللده ل‬
‫شريك له وطاعته فيما أمر به والنتهاء عما نهى عنه‪ .‬فإن ذلك هو‬
‫الذي ينجي من عذاب الله ل العتمللاد علللى النسللاب والحسللاب‪،‬‬
‫فإن ذلك غير نافع عند رب الرباب‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬ما أغني عنكم من الله مللن شلليء " فيلله حجللة علللى مللن‬
‫تعلق على النبياء والصالحين‪ ،‬ورغب إليهم ليشللفعوا للله وينفعللوه‪،‬‬
‫أو يدفعوا عنه‪ ،‬فإن ذلك هو الشرك الذي حرمه الله تعالى‪ ،‬وأقللام‬
‫نبيه صلللى الللله عليلله وسلللم بالنللذار عنلله‪ ،‬كمللا أخللبر تعللالى علن‬
‫المشركين في قوله ‪ " :‬والذين اتخذوا من دونه أولياء مللا نعبللدهم‬
‫إل ليقربونا إلى الله زلفى " ‪ " :‬هؤلء شفعاؤنا عند الللله " فأبطللل‬
‫الله ذلك ونزه نفسه عن هذا الشرك‪ ،‬وسيأتي تقريللر هللذا المقللام‬
‫إن شاء الله تعالى‪ ً .‬وفي صحيح البخاري يا بني عبد مناف ل أغنللى‬
‫عنكم من الله شيئا ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬يا عباس بن عبد المطلب بنصب بن ويجوز في عباس الرفع‬
‫النصب‪ .‬وكذا في قوله يا صفية عمة رسول الله‪ ،‬ويا فاطمللة بنللت‬
‫محمد‪.‬‬
‫قوله‪ :‬سليني من مالي ما شئت بين رسول الللله صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم أنه ل ينجي من عذاب الله إل اليمان والعمل الصالح‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬أنه ل يجوز أن يسأل العبد إل ما يقدر عليه من أمللور الللدنيا‪.‬‬
‫وأما الرحمة والمغفرة والجنة والنجاة من النار ونحو ذلك من كللل‬
‫ما ل يقدر عليه إل الله تعالى‪ ،‬فل يجللوز أن يطلللب إل منلله تعللالى‪،‬‬
‫فإن ما عند الله ل ينال إل بتجريد التوحيد‪ ،‬والخلص له بما شرعه‬
‫ورضيه لعباده أن يتقربوا إليه به‪ ،‬فإذا كان ل ينفع بنته ول عملله ول‬
‫عمته ول قرابته إل ذلك‪ ،‬فغيرهم أولللى وأحللرى‪ .‬وفللي قصللة عملله‬
‫أبي طالب معتبر‪.‬‬
‫فانظر إلى الواقع الن من كثير من النللاس اللتجللاء إلللى المللوات‬
‫والتللوجه إليهللم بالرغبللات والرهبللات‪ ،‬وهللم عللاجزون ل يملكللون‬
‫لنفسهم ضرا ً ول نفعًا‪ ،‬فضل ً عن غيرهللم _ يتللبين لللك أنهللم ليسللو‬
‫على شئ ‪ " :‬إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون‬
‫أنهللم مهتللدون " أظهللر لهللم الشلليطان الشللرك فللي قللالب محبللة‬
‫الصالحين‪ ،‬وكل صالح يبرأ إلللى الللله مللن هللذا الشللرك فللي الللدنيا‬
‫ويللوم يقللوم الشللهاد‪ .‬ول ريللب أن محبللة الصللالحين إنمللا تحصللل‬
‫العللالمين‪ ،‬ل‬
‫بمللوافقتهم فللي الللدين‪ ،‬ومتللابعتهم فللي طاعللة رب‬
‫باتخاذهم أندادا ً من دون الللله يحبللونهم كحللب الللله إشللراكا ً بللالله‪،‬‬
‫وعبادة لغير الله‪ ،‬وعداوة لله ورسوله والصالحين من عبللاده‪ ،‬كمللا‬
‫قال تعالى‪ " ، :‬وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنللاس‬
‫اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك مللا يكللون لللي أن‬
‫أقول ما ليس للي بحللق إن كنللت قلتلله فقللد علمتلله تعلللم مللا فللي‬
‫نفسي ول أعلم ما في نفسك إنللك أنللت علم الغيللوب * مللا قلللت‬
‫لهم إل ما أمرتنللي بلله أن اعبللدوا الللله ربللي وربكللم وكنللت عليهللم‬
‫شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهللم وأنللت‬
‫على كل شيء شهيد "‪.‬‬
‫قال العلمة ابن القيم رحمه الله في هذه الية بعد كلم سبق‪ :‬ثللم‬
‫نفى أن يكون قال لهم غير ما أمر به وهو محلض التوحيلد فقلال "‬
‫ما قلت لهم إل ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم " ثم أخللبر‬
‫أن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم‪ ،‬وأنلله بعللد الوفللاة ل إطلع للله‬
‫عليهم‪ ،‬وأن الله عز وجل المنفرد بعد الوفاة بالطلع عليهم فقللال‬
‫" وكنلت عليهلم شلهيدا مللا دمللت فيهلم فلملا تلوفيتني كنللت أنلت‬
‫الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شللهيد " وصللف الللله سللبحانه‬
‫بأن شهادته فوق كل شهادة وأعم ا هل‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ففي هذا بيان أن المشركين خالفوا مللا أمللر الللله بلله رسللله‬
‫من توحيده الذي هو دينهم الذي اتفقوا عليله‪ ،‬ودعلوا النلاس إليله‪،‬‬
‫وفارقوا فيه إل من آمن‪ ،‬فكيف يقال لمللن دان بللدينهم‪ ،‬وأطللاعهم‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪80‬‬

‫فيما أمروا به من إخلص العبادة لله وحده‪ :‬إنلله قللد تنقصللهم بهللذا‬
‫التوحيد الذي أطاع به ربه‪ ،‬واتبع فيه رسله عليهم السلم‪ ،‬ونزه به‬
‫ربه عن الشرك الذي هو هضم للربوبية‪ .‬وتنقص لللهية وسوء ظن‬
‫برب العالمين ؟‪.‬‬
‫والمشركون هم أعداء الرسل وخصماؤهم في الدنيا والخرة‪ ،‬وقد‬
‫شرعوا لتباعهم أن يتبرأوا من كل مشرك ويكفللروا بلله‪ ،‬ويبغضللوه‬
‫ويعادوه في ربهم ومعبودهم ‪ " :‬قل فلله الحجة البالغللة فلللو شللاء‬
‫لهداكم أجمعين "‪.‬‬

‫باب‬
‫قول الله " حتى إذا فزع عن قلوبهم "‬
‫قوله‪) :‬باب قول الله تعالى‪ " :‬حتى إذا فزع عن قلوبهم‬
‫قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير "( ‪:‬‬
‫قوله‪ " :‬حتى إذا فزع عن قلوبهم " أي زال الفزع عنهللا‪ .‬قللاله ابللن‬
‫عباس وابن عمر وأبو عبللد الرحمللن السلللمى والشللعبي والحسللن‬
‫وغيرهم‪.‬‬
‫وقال ابن جرير‪ :‬قال بعضللهم‪ :‬الللذين فللزع عللن قلللوبهم‪ :‬الملئكللة‬
‫قالوا‪ :‬وإنما فزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سللماعهم كلم‬
‫اللله بلالوحي وقلال ابلن عطيلة‪ :‬فلي الكلم حلذف ملا يلدل عليله‬
‫الظاهر‪ .‬كأنه قال‪ً :‬ول هم شفعاء كما تزعمون أنتم‪ ،‬بل هللم عبللدة‬
‫مسلللمون لللله أبللدا‪ ،‬يعنللي منقلادون‪ ،‬حللتى إذا فللزع علن قلللوبهم‪.‬‬
‫والمراد الملئكة على ما اختاره ابن جرير وغيره‪.‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬وهو الحق الذي ل مرية فيلله‪ ،‬لصللحة الحللاديث فيلله‬
‫والثار‪.‬‬
‫وقال أبو حيان‪ :‬تظاهرت الحاديث عن رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم أن قوله‪ " :‬حتى إذا فزع عن قلوبهم " إنما هي الملئكللة إذا‬
‫سمعت الوحي إلى جبريللل يللأمره الللله بلله سللمعت كجللر سلسلللة‬
‫الحديد على الصفوان‪ ،‬فتفزع عند ذلك تعظيما ً وهيبة‪ .‬قللال‪ :‬وبهللذا‬
‫المعنى من ذكر الملئكة فللي صللدر اليللة تتسللق هللذه اليللة علللى‬
‫الولى‪ ،‬ومن لم يشعر أن الملئكة مشللار إليهللم مللن أول قللوله‪" :‬‬
‫الذين زعمتم " لم تتصل له هذه الية بما قبلها‪.‬‬
‫قال ربكم ؟ " ولم يقولوا ماذا خلللق ربنللا ؟ ولللو‬
‫قوله‪ " :‬قالوا ماذا‬
‫كان كلم الله مخلوقا ً لقالوا‪ :‬ماذا خلق ؟ ؟ انتهى من شللرح سللنن‬
‫ابن ماجة‪.‬‬
‫ومثله الحديث ماذا قللال ربنللا يللا جبريللل وأمثللال هللذا فللي الكتللاب‬
‫والسنة كثير‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬قالوا الحق " أي قال الله الحللق‪ .‬وذلللك لنهللم إذا سللمعوا‬
‫كلم الله صعقوا ثم إذا أفاقوا أخذوا يسألون‪ ،‬فيقولون‪ :‬مللاذا قللال‬
‫ربكم ؟ فيقولون‪ :‬قال الحق‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪81‬‬

‫قوله‪ " :‬وهو العلي الكبير " علو القللدر وعلللو القهللر وعلللو الللذات‪،‬‬
‫فله العلو الكامل من جميع الوجوه‪ ،‬كما قال عبللدالله بلن المبلارك‬
‫قيل له‪ :‬بما نعرف ربنا ؟ قال بأنه على عرشه بائن مللن خلقلله‬
‫لما‬
‫تمسكا ً منه بالقرآن لقوله تعالى‪ " :‬الرحمن على العرش استوى "‬
‫‪ " :‬ثللم اسللتوى علللى العللرش الرحمللن " فللي سللبعة مواضللع مللن‬
‫القرآن ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الكبير أي الذي ل أكبر منه ول أعظم منه تبارك وتعالى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬في الصحيح عن أبي هريرة رضي اللممه عنممه عممن‬
‫الله المممر‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم قال‪ " :‬إذا قضى‬
‫في السماء ضممربت الملئكممة بأجنحتهمما خضممعانا ً لقمموله‪،‬‬
‫كأنه سلسلة على صفوان‪ ،‬ينفذهم ذلممك‪ ،‬حممتى إذا فممزع‬
‫عن قلوبهم قالوا‪ :‬ماذا قال ربكممم ؟ قممالوا‪ :‬الحممق وهممو‬
‫العلي الكبير‪ ،‬فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع‬
‫هكذا بعضه فموق بعمض‪ .‬وصمفة سمفيان بكفمه فحرفهما‬
‫وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى مممن تحتممه‪،‬‬
‫ثم يلقيها الخر إلى أن تحته‪ ،‬حممتى يلقيهمما علممى لسممان‬
‫السمماحر أو الكمماهن‪،‬فربممما أدركممه الشممهاب قبممل مممن‬
‫يلقيها‪ ،‬وربما ألقاها قبل أن يدركه‪ ،‬فيكمذب معهما ممائة‬
‫كذبة‪ ،‬فيقال‪ :‬أليس قد قال لنا اليوم كذا وكممذا‪ :‬وكممذا و‬
‫كذا ؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء "( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬في الصحيح أي صحيح البخاري‪.‬‬
‫قوله‪ :‬إذا قضي الله المر في السماء أي إذا تكلم الله بالمر الذي‬
‫يوحيه إلى جبريل بما أراد‪ ،‬كما صرح به فللي الحللديث التللي‪،‬وكمللا‬
‫روى سعيد بن منصور وأبو داود وابن جرير عن ابللن مسللعود " إذا‬
‫تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصة كجر السلسلة علللى‬
‫الصفوان "‪.‬‬
‫وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قللال‪ :‬لمللا أوحللي‬
‫الجبار إلى محمد صلى الله عليه وسلم دعا الرسول مللن الملئكللة‬
‫ليبعثه بالوحي‪ ،‬فسمعت الملئكة صوت الجبار يتكلم بالوحي‪ .‬فمللا‬
‫كشف عن قلوبهم ًسألوا عما قال الله‪ .‬فقالوا‪ :‬الحللق‪ .‬وعلمللوا أن‬
‫الله ل يقول إل حقا ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ضربت الملئكة بأجنحتها خضعانا ً لقوله أي لقول الله تعالى‪.‬‬
‫قال الحافظ‪ :‬خضعانا ً بفتحتين من الخضوع‪ .‬وفي رواية بضللم أوللله‬
‫وسكون ثانيه‪ .‬وهو مصدر بمعنى خاضعين‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬كللأنه سلسلللة علللى صللفوان أي كللأن الصللوت المسللموع‬
‫سلسلة على صفوان وهو الحجر الملس‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ينفذهم ذلك هللو بفتللح التحتيللة وسللكون النللون وضللم الفللاء‬
‫والذال المعجمة ذلك أي القول‪ ،‬والضمير في ينفذهم للملئكللة‪،‬أي‬
‫ينفذ ذلك القول الملئكة أي يخلص ذلك القول ويمضي فيهم حللتى‬
‫يفزعوا منه‪ .‬وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس فل ينزل على‬
‫أهل سماء إل صعقوا وعند أبي داود وغيره مرفوعا ً "إذا تكلم الللله‬
‫بالوحي سمع أهل السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة على الصفا‬
‫فيصعقون‪ ،‬فل يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل " الحديث‪.‬‬
‫قوله‪ :‬حتى إذا فزع عن قلوبهم تقدم معناه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق أي قالوا‪ :‬قال الله الحللق‪،‬‬
‫علموا أن الله ل يقول إل الحق‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فيسمعها مسترق السمع أي يسمع الكلمة التي قضاها الله‪،‬‬
‫وهم الشياطين ًيركللب بعضللهم بعضلًا‪ .‬وفللي صللحيح البخللاري عللن‬
‫عائشللة مرفوعلا‪ " :‬إن الملئكللة تنللزل فللي العنللان وهللو السللحاب‬
‫فتذكر المر قضى في السماء‪ ،‬فتسترق الشياطين السمع‪ ،‬فتوجه‬
‫إلى الكهان"‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ومسترق السمع هكذا وصفه سفيان بكفه أي وصف ركللوب‬
‫بعضهم فوق بعض‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪82‬‬

‫وسفيان هو ابن عيينة أبو محمد الهللي الكللوفي ثللم المكللي‪ ،‬ثقللة‬
‫حافظ‪ ،‬فقيه‪ ،‬إمام حجة‪ ،‬مات سنة ثمان وتسعين ومائة وله إحدى‬
‫وتسعون سنة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فحرفها بحاء مهملة وراء مشددة وفاء‪ .‬قوله‪ :‬وبدد أي فللرق‬
‫بين أصابعه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فيسمع الكلمة فيلقيهللا إلللى مللن تحتلله أي يسللمع الفوقللاني‬
‫الكلمة فيلقيها إلى آخر تحته‪ ،‬ثم يلقيها إلى من تحتلله حللتى يلقيهللا‬
‫على لسان الساحر أو الكاهن‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها الشهاب هو النجم الللذي‬
‫يرمي به‪ ،‬أي ربملا أدرك الشلهاب المسلترق‪ ،‬وهلذا يلدل عللى أن‬
‫الرمي بالشهب قبل المبعث‪ .‬لما روى أحمللد وغيللره والسللياق للله‬
‫لين‬
‫في المسند من طريق معمر ‪ :‬أنبأنا الزهري عن علي بن الحسل‬
‫جالسلا ً‬
‫عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلللم‬
‫في نفر من أصحابه قال عبللد الللرزاق‪ :‬مللن النصللار قللال‪ :‬فرمللى‬
‫بنجم عظيم‪ ،‬فاستنار‪ ،‬قال‪ :‬ما كنتم تقولون إذا كان مثل هللذا فللي‬
‫الجاهليللة ؟ قللال‪ :‬كنللا نقللول‪ :‬لعللله يولللد عظيللم أو يمللوت‪ ،‬قلللت‬
‫للزهري‪ :‬أكان يرمى بها في الجاهليللة ؟ قللال نعللم‪ ،‬ولكللن غلظللت‬
‫يرملى بهلا‬
‫حين بعث النبي صللى اللله عليله وسللم قلال‪ :‬فإنهلا ل‬
‫لموت أحد ول لحياته‪ ،‬ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمللرا ً سللبح‬
‫حملة العرش‪ ،‬ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم ثم الذين يلونهم‪،‬‬
‫حتى يبلغ التسبيح هللذه السللماء الللدنيا‪ .‬ثللم يسللتخبر أهللل السللماء‬
‫الذين يلون حملة العرش‪ ،‬فيقول الذين يلون حملة العرش لحملللة‬
‫العرش‪ :‬ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم‪ ،‬ويخبر أهل كلل سلماء حللتى‬
‫ينتهي الخبر إلى هذه السماء‪ ،‬وتخطف الجن السمع فيرمون‪ ،‬فمللا‬
‫جاءوا به على وجهه فهو حق‪ ،‬ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون ‪ .‬قللال‬
‫عبد الله‪ :‬قال أبي‪ :‬قال عبد الرزاق ويخطف الجللن ويرمللون وفللي‬
‫رواية له لكنهم يزيدون فيه ويقرفون وينقصون ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فيكذب معها مائة كذبة أي الكاهن أو الساحر‪.‬‬
‫وكذبة بفتح الكاف وسكون الذال المعجمة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا‪ :‬وكذا وكذا ؟ هكذا في نسخة‬
‫بخط المصنف‪ ،‬وكالذي في صحيح البخاري سواء‪.‬‬
‫قال المصنف‪ :‬وفيه قبول النفوس للباطل‪ ،‬كيف يتعلقللون بواحللدة‬
‫ول يعتبرون بمائة كذبة ؟ ‪.‬‬
‫الشئ إذا كان فيه شئ من الحق فل يدل علللى أنلله حللق‬
‫وفيه‪ :‬أن‬
‫كله‪ ،‬فكثيرا ً مللا يلبللس أهللل الضلللل الحللق بالباطللل ليكللون أقبللل‬
‫لباطلهم‪ ،‬قال تعللالى‪" :‬ول تلبسللوا الحللق بالباطللل وتكتمللوا الحللق‬
‫وأنتم تعلمون "‪.‬‬
‫وفي هذه الحاديث ومللا بعللدها ومللا فللي معناهللا‪ :‬إثبللات علللو الللله‬
‫تعالى ًعلى خلقه على ما يليق بجلله وعظمته‪ ،‬وأنه تعالى لم يزل‬
‫بكلم يس ًللمعه الملئكللة‪ ،‬وهللذا قللول أهللل السللنة‬
‫متكلم لا إذا شللاء‬
‫قاطبة سلفا ً وخلفلًا‪ .‬خلفلا للشلاعرة والجهميلة‪ ،‬ونفلاة المعتزللة‪.‬‬
‫فإياك أن تلتفت إلى مازخرفه أهللل التعطيللل‪ ،‬وحسللبنا الللله ونعللم‬
‫الوكيل‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعن النواس بن سمعان قال‪ :‬قمال رسمول اللمه‬
‫صلى الله عليممه وسمملم " إذا أراد اللممه تعممالى أن يمموحي‬
‫بالوحي أخذت السموات منه رجفممة أو قممال‬
‫بالمر تكلم‬
‫رعدة شديدة خوفا ً من اللمه عمز وجمل‪ ً .‬فمإذا سممع ذلمك‬
‫أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول مممن‬
‫يرفع رأسه جبريل‪ ،‬فيكلمه الله من وحيممه بممما أراد‪ ،‬ثممم‬
‫يمممر جبريممل علممى الملئكممة‪ ،‬كلممما مممر بسممماء سممأله‬
‫ملئكتها‪ :‬ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل‪ :‬قممال‬
‫الحق‪ ،‬وهو العلي الكبير‪ .‬فيقولون كلهممم مثممل ممما قممال‬
‫جبريل‪ ،‬فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره اللممه عممز‬
‫وجل"( ‪:‬‬
‫هذا الحديث رواه ابن أبي حاتم بسنده كما ذكره العمللاد ابللن كللثير‬
‫في تفسيره‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪83‬‬

‫النللواس بللن سللمعان‪ ،‬بكسللر السللين‪ ،‬بللن خال ًللد الكلبللي‪ ،‬ويقللال‪:‬‬
‫النصاري صحابي‪ .‬ويقال‪ :‬إن أباه صحابي أيضا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬إذا أراد الله أن يوحي بالمر إلى آخره‪ .‬فيلله النللص علللى أن‬
‫بالوحي‪ .‬وهذا من حجة أهل السللنة علللى النفللاة‪:‬‬
‫الله تعالى يتكلم‬
‫لم يزل الله متكلما ً إذا شاء‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬أخللذت السللموات منلله رجفللة السللموات مفعللول مقللدم‪،‬‬
‫والفاعل رجفة أي أصاب السللموات مللن كلملله تعللالى رجفللة‪ ،‬أي‬
‫تعالى‪ ،‬كما روى ابن أبي‬
‫ارتجفت‪ .‬وهو صريح في أنها تسمع كلمه‬
‫حاتم عن عكرمة‪ .‬قللال إذا قضللى الللله أمللرا ً تكلللم تبللارك وتعل ًلالى‬
‫رجفت السموات والرض والجبال‪ ،‬وخرت الملئكة كلهم سجدا ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أو قال رعدة شديدة شك من الراوي‪ .‬هل قال النللبي صلللى‬
‫الله عليه وسلم رجفة‪ ،‬أو قال رعدة‪ .‬والراء مفتوحة فيهما‪.‬‬
‫قوله‪ :‬خوفا ً من الله عز وجل وهذا ظاهر في أن السللموات تخللاف‬
‫الله‪ ،‬بما يجعل تعالى فيها من الحساس ومعرفة من خلقهللا‪ .‬وقللد‬
‫أخبر تعالى أن هذه المخلوقات العظيمة تسبحه كما قال تعللالى‪" :‬‬
‫تسبح له السماوات السبع والرض ومللن فيهللن وإن مللن شلليء إل‬
‫يسبح بحمده ولكن ل تفقهون تسللبيحهم إنلله كللان حليمللا غفللورا "‬
‫تعالى‪ " :‬تكاد السموات يتفطللرن منلله وتنشللق الرض وتخللر‬
‫وقال‬
‫الجبال هدا ً " وقال تعالى‪ " :‬وإن منها لما يهبط مللن خشللية الللله "‬
‫رحمه الللله أن هللذه المخلوقللات تسللبح‬
‫وقد قرر العلمة ابن القيم‬
‫الله وتخشاه حقيقة‪ ،‬مستدل ً بهذه اليات وما في معناها‪.‬‬
‫وفي البخاري عن ابن مسعود قال كنا نسمع تسللبيح الطعللام وهللو‬
‫يؤكل وفي حديث أبي ذر " أن النبي صلللى الللله عليلله وسلللم أخللذ‬
‫في يده حصيات‪ ،‬فسمع لهن تسللبيح‪ "...‬الحللديث ‪ .‬وفللي الصللحيح‬
‫قصة حنين الجذع الذي كان يخطلب عليلله النللبي صلللى اللله عليله‬
‫وسلم قبل اتخاذ المنبر‪ .‬ومثل هذا كثير‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬صللعقوا وخللروا لللله سللجدا ً الصللعوق هللو الغشللي‪ ،‬ومعلله‬
‫السجود‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فيكون أول من يرفع رأسلله جبريللل بنصللب أول خللبر يكللون‬
‫مقدم على اسمها‪ .‬ويجوز العكس‪ .‬ومعنى جبريللل‪ :‬عبللد الللله‪،‬كمللا‬
‫روى ابلن جريلر وغيلره علن عللى ابلن الحسلين قلال‪ :‬كلان اسلم‬
‫جبريللل‪ :‬عبللد الللله‪ ،‬واسللم ميكائيللل عبيللد الللله‪ ،‬وإسللرافيل عبللد‬
‫الرحمن‪ .‬وكل شئ رجع إلى ايلل فهلو معبلد للله علز وجلل‪ .‬وفيله‬
‫فضيلة جبريل عليه السلم‪ .‬كما قال تعالى‪ " - :‬إنلله لقللول رسللول‬
‫كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين "‪.‬‬
‫رسول كريم‪.‬‬
‫قال ابن كثير رحمه الله تعالى‪ :‬إن هذا القرآن لتبليغ‬
‫وقال أبو صالح في الية جبريل يدخل في سللبعين حجابلا ً مللن نللور‬
‫بغير إذن ‪.‬‬
‫ولحمد بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال رأى رسول الللله صلللى‬
‫الله عليه وسلم جبريل في صورته وللله سللتمائة جنللاح‪ ،‬كللل جنللاح‬
‫منها قد سد الفق‪ ،‬يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت‬
‫ما الله به عليم فإذا كان هذا عظم هذه المخلوقات فخالفها أعظم‬
‫وأجل ًوأكبر‪ .‬فكيف يسوى به غيره في العبادة‪ :‬دعاء وخوفا ً ورجاء‬
‫وتوكل وغير ذلك من العبادات التي ل يستحقها غيره ؟ فانظر إلللى‬
‫حال الملئكة وشدة خوفهم من الله تعلالى‪ ،‬وقلد قلال تعلالى‪" _ :‬‬
‫بل عباد مكرمون * ل يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملللون * يعلللم‬
‫ما بين أيديهم وما خلفهم ول يشللفعون إل لمللن ارتضللى وهللم مللن‬
‫خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فللذلك نجزيلله‬
‫جهنم كذلك نجزي الظالمين "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ثم ينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الللله عللز وجلل ملن‬
‫السماء والرض وهذا تمام الحديث‪.‬‬
‫واليات المذكورة في هذا الباب والحاديث تقرر التوحيد اللذي هلو‬
‫مدلول شهادة أن ل إله إل الله‪ ،‬فإن الملللك العظيللم الللذي تصللعق‬
‫الملك مللن كلملله خوف لا ً منلله ومهابللة وترجللف منلله المخلوقللات‪،‬‬
‫وعلمه وقدرته وملكه وعلزه‪ ،‬وغنلاه علن‬
‫الكامل في ذاته وصفاته‪،‬‬
‫جميع خلقه‪ ،‬وافتقارهم جميع لا ً إليلله‪ ،‬ونفللوذ تصللرفه وقللدره فيهللم‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪84‬‬

‫لعلمه وحكمته‪ ،‬ل يجللوز شللرعا ً ول عقل ً أن يجعللل للله شللريك مللن‬
‫عبادته التي هي حقه عليهم‪ ،‬فكيف يجعل المربلوب ربلًا‪،‬‬
‫خلقه في‬
‫والعبد معبودا ً ؟ أين ذهبت عقول المشللركين ؟ سللبحان الللله عمللا‬
‫يشركون‪.‬‬
‫وقال تعالى‪ " :‬إن كل من في السموات والرض إل آتللي الرحمللن‬
‫عبدا ً " من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عللن ذلللك الشللرك وتنهللاهم‬
‫عن عبادة ما سوى الله‪ .‬انتهى من شرح سنن ابن ماجه‪.‬‬

‫باب‬
‫الشفاعة‬

‫قوله‪ ) :‬باب الشفاعة ( ‪:‬‬

‫أي بيان ما أثبته القرآن منها وما نفاه‪ .‬وحقيقة ما دل القرآن علللى‬
‫إثباته‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقول الله عز وجل‪ " :‬وأنممذر بممه الممذين يخممافون‬
‫أن يحشروا " ( ‪:‬‬
‫المخافة والتحذير منها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬به قال ابن عباس بالقرآن " الذين يخافون أن يحشروا إلللى‬
‫ربهم " وهم المؤمنون وعن الفضلليل بللن عيللاض ليللس كللل خلقلله‬
‫عاتب‪ ،‬إنما عاتب الذين يعقلون‪ ،‬فقال‪ " :‬وأنذر بلله الللذين يخللافون‬
‫أن يحشروا إلى ربهم " وهم المؤمنون أصحاب العقول الواعية ‪.‬‬
‫قوله‪ ") :‬ليس لهم من دونه ولي ول شفيع "( ‪:‬‬
‫قال الزجاج‪ :‬موضع ليس نصب على الحال‪ ،‬كأنه قال‪ :‬متخلين من‬
‫كل ولي وشفيع‪ .‬والعامل فيه يخافون‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪85‬‬

‫قوله‪ :‬لعلهم يتقون؛ أي فيعملون في هذه الللدار عمل ً ينجيهللم الللله‬
‫به من عذاب يوم القيامة‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬قل لله الشللفاعة جميع لا ً " وقبلهللا " أم اتخللذوا مللن دون‬
‫الله شفعاء قلل أو للو كلانوا ل يملكلون شليئا ول يعقللون " وهلذه‬
‫كقوله تعالى‪ " :‬ويعبدون مللن دون الللله مللا ل يضللرهم ول ينفعهللم‬
‫ويقولون هؤلء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بمللا ل يعلللم فللي‬
‫السموات ول فللي الرض سللبحانه وتعللالى عمللا يشللركون " فللبين‬
‫تعالى في هذه اليات وأمثالها أن وقوع الشفاعة على هللذا الللوجه‬
‫عنلله‪.‬‬
‫منتف وممتنع‪ ،‬وأن اتخاذهم شفعاء شرك‪ ،‬يتنزه الرب‬
‫تعالىقربان لا ً‬
‫وقد قال تعالى‪ " :‬فلول نصرهم الذين اتخذوا من دون الللله‬
‫آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفللترون " فللبين تعللالى‬
‫أن دعللواهم أنهللم يشللفعون لهللم بتللأليههم‪ .‬إن ذلللك منهللم إفللك‬
‫وافتراء‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ " :‬قل لله الشللفاعة جميع لا ً " أي هللو مالكهللا‪ ،‬فليللس‬
‫لمن تطلب منه شئ منها‪ ،‬وإنما تطلب ممن يملكهللا دون كلل ملن‬
‫سواه‪ ،‬لن ذلك عبادة وتأليه ل يصلح إلى لله‪.‬‬
‫قال البيضاوي‪ :‬لعله رد لما عسى أن يجيبوا بلله‪ ،‬وهللو أن الشللفعاء‬
‫أشخاص مقربون‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ " :‬له ملك السللموات والرض " تقريللر لبطلن اتخللاذ‬
‫الشللفعاء مللن دونلله‪ ،‬لنلله مالللك الملللك‪،‬فانللدرج فللي ذلللك ملللك‬
‫الشفاعة‪،‬فإذا كان هو مالكهللا بطللل أن تطلللب ممللن ل يملكهللا ‪" :‬‬
‫من ذا الذي يشفع عنده إل بإذنه " ‪ " :‬ول يشفعون إل لمن ارتضى‬
‫"‪.‬‬
‫قال ابن جرير ‪ :‬نزلت لما قللال الكفللار‪ :‬ملا نعبللد أوثاننللا هللذه إللى‬
‫ليقربونا إلللى الللله زلفللى قللال الللله تعللالى‪ " :‬للله ملللك السللموات‬
‫والرض ثم إليه ترجعون "‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقوله ‪ " :‬من ذا الذي يشفع عنده إل بإذنه "( ‪:‬‬
‫قد تبين مما تقدم من اليات أن الشفاعة التي نفاهللا القللرآن هللي‬
‫التي تطلب من غير الله‪ .‬وفي هذه الية بيان أن الشفاعة إنما تقع‬
‫في الدار الخرة بإذنه‪ ،‬كما قال تعالى‪ " :‬يومئذ ل تنفع الشفاعة إل‬
‫من أذن له الرحمللن ورضللي للله قللول " فللبين أنلله ل تقللع لحللد إل‬
‫بشرطين‪ :‬إذن الرب تعالى للشافع أن يشفع‪ ،‬ورضاه عن المأذون‬
‫والعمال الظلاهرة‬
‫بالشفاعة فيه‪ ،‬وهو تعالى ل يرضى من القوال‬
‫ربه مخلصا ً‬
‫شللاك‬
‫غير‬
‫والباطنة إل ما أريد به وجهه‪ ،‬ولقى العبد به‬
‫الصحيح‪ .‬وسيأتي ذلك مقللررا ً‬
‫في ذلك‪ ،‬كما دل على ذلك الحديث‬
‫أيضا ً في كلم شيخ السلم رحمه الله‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬وكم من ملك في السللموات ل تغنللي شللفاعتهم شلليئا ً إل‬
‫من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى " قال ابن كثير رحمه الله‬
‫" وكم من ملك في السموات ل تغني شفاعتهم شلليئا ً إل مللن بعللد‬
‫أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى " كقوله " من ذا الذي يشفع عنده‬
‫إل بإذنه " " ول تنفع الشفاعة عنده إل لمن أذن له " فإذا كان هللذا‬
‫في حق الملئكة المقربين‪ ،‬فكيف ترجلون أيهلا الجلاهلون شللفاعة‬
‫هذه النداد عند الله‪ ،‬وهو لم يشرع عبادتهللا ول أذن فيهللا‪ ،‬بللل قللد‬
‫نهى عنها على ألسنة جميع رسله‪ ،‬وأنللزل بللالنهي علن ذلللك جميللع‬
‫كتبه ؟‬
‫قال‪ ) :‬وقوله تعالى‪ " :‬قل ادعوا الذين زعمتم من دون‬
‫الله ل يملكون مثقال ذرة في السماوات ول في الرض‬
‫وما لهم فيهما من شرك وما له منهممم مممن ظهيممر * ول‬
‫تنفع الشفاعة عنده إل لمن أذن له "( ‪:‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلم على هلذه اليلات‪ :‬وقلد‬
‫قطع الله السباب التي يتعلق بها المشللركون جميعهللا‪ .‬فالمشللرك‬
‫إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع‪ ،‬والنفع ل يكللون إل ممللن‬
‫عابلده منله‪،‬فلإن ًللم‬
‫الربع‪ :‬إما مالك لما يريلد‬
‫فيه خصلة ً من هذه‬
‫شريكا ً‬
‫شريكا ً له كان معينا له‬
‫لم يكن‬
‫للمالك‪ ،‬فإن‬
‫مالكا كان‬
‫يكن‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وظهير ً‬
‫كان شفيعا عنده‪ .‬فنفى الللله‬
‫ا‬
‫ظهير‬
‫ول‬
‫ا‬
‫معني‬
‫يكن‬
‫لم‬
‫فإن‬
‫ا‪،‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫سبحانه المراتب الربع نفيا مرتبا‪ ،‬متنقل ً ملن العللى إللى الدنلى‪،‬‬
‫فنفللى الملللك والشللركة والمظللاهرة والشللفاعة الللتي يطلبهللا‬
‫المشرك‪ ،‬وأثبت شفاعة ل نصلليب فيهللا لمشللرك‪ ،‬وهللي الشللفاعة‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪86‬‬

‫بإذنه‪ .‬فكفللى بهللذه اليللة نللورا ً وبرهان لا ً وتجريللدا ً للتوحيللد‪ ،‬وقطعلا ً‬
‫لصول الشرك ومواده لمللن عقلهللا‪ .‬والقللرآن مملللوء مللن أمثالهللا‬
‫ونظائرهللا‪ ،‬ولكللن أكللثر النللاس ل يشللعرون بللدخول الواقللع تحتلله‬
‫وتضمنه له‪ ،‬ويظنونها في نوع وقوم قد خلوا من قبللل ولللم يعقبللوا‬
‫وارثًا‪ ،‬فهذا هو الذي يحول بين القلللب وبيللن فهللم القللرآن‪ .‬ولعمللر‬
‫الله‪ ،‬إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهللم‬
‫أو دونهم‪ ،‬وتناول القرآن لهم كتناوله لولئك‪.‬‬
‫ثللم قللال‪ :‬ومللن أنللواعه أي الشللرك طلللب الحللوائج مللن المللوتى‬
‫والستغاثة بهم‪ ،‬وهذا أصل شرك العللالم‪ .‬فللإن الميللت قللد انقطللع‬
‫عمله وهو ل يملك لنفسه نفعا ً ول ضللرًا‪ ،‬فض لل ً عمللن اسللتغاث بلله‬
‫وسأله أن يشفع له إلى الله‪ .‬وهذا من جهللله بالشللافع والمشللفوع‬
‫عنده‪ .‬فإنه ل يقدر أن ً يشفع له عند الله إل بإذنه‪ ،‬والللله لللم يجعللل‬
‫استغاثته وسؤاله سببا لذنه‪ ،‬فإنه ل يقدر أن ً يشفع له عنلد اللله إل‬
‫بإذنه‪ ،‬والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سللببا لذنلله‪ ،‬وإنمللا السللبب‬
‫كمال التوحيد‪ ،‬فجاء هذا الشللرك بسللبب يمنللع الذن‪ ،‬وهللو بمنزلللة‬
‫من استعان في حاجته بما يمنع حصولها‪ .‬وهذه حالة كللل مشللرك‪،‬‬
‫فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينلله‪ ،‬ومعللاداة أهللل التوحيللد‪،‬‬
‫ونسللبة أهللله إلللى التنقللص بللالموات‪ ،‬وهللم قللد تنقصللوا الخللالق‬
‫بالشرك‪ ،‬وأولياءه الموحدين بذمهم وعيبهللم ومعللاداتهم‪ ،‬وتنقصللوا‬
‫من أشركوا به غاية التنقللص‪ ،‬إذا ظنللوا أنهللم راضللون منهللم بهللذا‪،‬‬
‫وأنهم أمروهم به‪ ،‬وأنهم يوالونهم عليه‪ ،‬وهؤلء هللم أعللداء الرسللل‬
‫في كل زمان ومكان‪ ،‬وما أكللثر المسللتجيبين لهللم‪ ،‬ومللا نجللى مللن‬
‫شللرك هللذا الشللرك الكللبر إل مللن جللرد توحيللده لللله‪ ،‬وعللادى‬
‫المشركين في الله‪ ،‬وتقرب بمقتهم إلللى الللله‪ ،‬واتخللذ الللله وحللده‬
‫وليه وإلهه ومعبوده‪ .‬فجرد حبه لله وخوفه لله‪ ،‬ورجاءه لللله‪ ،‬وذللله‬
‫والتجللاءه إلللى الللله‪،‬‬
‫لللله‪ ،‬وتللوكله علللى الللله‪ ،‬واسللتعانته بللالله‪،‬‬
‫واستغاثته بللالله‪ ،‬وقصلده لللله‪ ،‬متبعلا ً لملره متطلبلا ً لمرضللاته‪ ،‬إذا‬
‫سأل سأل الله‪ ،‬وإذا استعان استعان بللالله‪ ،‬وإذا عمللل عمللل لللله‪.‬‬
‫فهو لله وبالله ومع الله‪ .‬انتهى كلمه رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫معنى الية هو حقيقة دين السلم‪،‬‬
‫وهذا الذي ذكره هذا المام في‬
‫لن دينلا ً‬
‫له لللله وهللو‬
‫ل‬
‫وجه‬
‫للم‬
‫ل‬
‫أس‬
‫لن‬
‫ل‬
‫مم‬
‫كما قال تعالى‪ " :‬ومللن أحسل‬
‫ً‬
‫محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليل ً "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قال أبو العباس هذه كنية شيخ السلم أحمد بن عبد الحليللم‬
‫بن عبد السلم ابن تيمية الحراني إمام المسلمين رحمه الله‪.‬‬
‫لركون‪ ،‬فنفللى أن يكللون‬
‫نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشل‬
‫لغيللره ملللك أو قسللط منلله‪ ،‬أو يكللون عون لا ً لللله‪ .‬فلللم يبللق إلللى‬
‫الشفاعة‪ .‬فبين أنها ل تنفع إل لمن أذن له الرب‪ ،‬كما قال تعالى‪" :‬‬
‫ول يشللفعون إل لمللن ارتضللى " فهللذه الشللفاعة الللتي يظنهللا‬
‫المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن‪ ،‬وأخللبر النللبي‬
‫عليلله وسلللم أنله يلأتي فيسللجد لربله ويحملده‪ ،‬ل يبللدأ‬
‫صلللى‬
‫الللهأو ً‬
‫ل‪ .‬ثم يقال له‪ :‬ارفع رأسك وقل يسمع‪ ،‬وسللل تعطلله‪،‬‬
‫بالشفاعة‬
‫هريرة "من أسعد النللاس بشللفاعتك ؟‬
‫واشفع تشفع ‪ .‬وقال له أبو‬
‫قال‪ :‬من قال ل إله إل الله خالصا ً من قلبه " فتلك الشفاعة لهللل‬
‫الخلص بإذن الله‪ ،‬ول تكون لمن أشرك بالله‪ ،‬وحقيقتهللا‪ :‬أن الللله‬
‫سبحانه وتعالى هو الذي يتفضللل علللى أهللل الخلص‪ ،‬فيغفللر لهللم‬
‫بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود‪.‬‬
‫فالشفاعة الللتي نفاهللا القللرآن مللا كللان فيهللا شللرك‪ ،‬ولهللذا أثبللت‬
‫الشفاعة بإذنه في مواضع‪ ،‬وقد بين النبي صلى الللله عليلله وسلللم‬
‫أنها ل تكون إل لهل التوحيد والخلص انتهى ‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقال أبمو هريمرة إلمى آخمره‪ .‬همذا الحمديث رواه‬
‫البخاري والنسائي عن أبي هريرة ورواه أحمممد وصممححه‬
‫ابن حبان وفيه " وشفاعتي لمممن قممال ل إلممه إلممى اللممه‬
‫مخلصًا‪ ،‬يصدق قلبه لسانه‪ ،‬ولسانه قلبه" وشمماهده فممي‬
‫صحيح مسلم عممن أبممي هريممرة قممال‪ :‬قممال رسممول اللممه‬
‫صمملى اللممه عليممه وسمملم " لكممل نممبي دعمموة مسممتجابة‪،‬‬
‫فتجعل كل نبي دعمموته‪ ،‬وإنممي اختبممأت دعمموتي شممفاعة‬
‫القيامة‪ .‬فهي نائلة إن شاء الله مممن مممات ل‬
‫لمتي يوم‬
‫يشرك بالله شيئا ً "( ‪:‬‬
‫وقد ساق المصنف رحمه الله كلم شيخ السلم هنللا‪ ،‬فقللام مقللام‬
‫الشرح والتفسير لما في هلذا البلاب ملن اليلات‪ ،‬وهلو كلاف واف‬
‫بتحقيق مع اليجاز‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫وقد عرف الخلص بتعريف حسن فقال‪ :‬الخلص محبة الله وحده‬
‫وإرادة وجهه‪ .‬ا هل‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪87‬‬

‫وقال ابن القيم رحمه الله في معنى حديث أبي هريرة‪ :‬تأمل هللذا‬
‫الحديث كيف جعل أعظم السباب التي تنللال بهللا شللفاعته تجريللد‬
‫التوحيد‪ ،‬عكللس مللا عنللد المشللركين أن الشللفاعة تنللال باتخللاذهم‬
‫شفعاء وعبادتهم وموالتهم‪ ،‬فقلب النبي صلى الله عليه وسلم مللا‬
‫في زعمهللم الكللاذب‪ ،‬وأخللبر أن سللبب الشللفاعة تجريللد التوحيللد‪،‬‬
‫للشافع أن يشفع ومن جهل المشرك اعتقلاده أن‬
‫فحينئذ يأذن الله‬
‫من اتخذه وليا ً أو شفيعا ً أنه يشفع له وينفعه عند الللله‪ ،‬كمللا يكللون‬
‫خواص الولة والملوك تنفع ملن والهلم وللم يعلمللوا أنلله ل يشلفع‬
‫عنده أحد إل بإذنه في الشللفاعة‪ ،‬ول يللأذن فللي الشللفاعة إل لمللن‬
‫رضى قوله وعمله‪ ،‬كمللا قللال فللي الفصللل الول ‪ " :‬مللن ذا الللذي‬
‫يشفع عنده إل بإذنه " وفي الفصل الثاني ‪ " :‬ول يشفعون إل لمللن‬
‫ارتضى " وبقى فصل ثالث‪ ،‬وهو أنه ل يرضى مللن القللول والعمللل‬
‫إل توحيده واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم‪ .‬فهذه ثلثة فصللول‬
‫تقطع شجرة الشرك من قلب من عقلها ووعاها‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫وذكر أيضا ً رحمه الله تعالى أن الشفاعة ستة أنواع‪:‬‬
‫الول‪ :‬الشفاعة الكبرى التي يتأخر عنها أولو العزم عليهللم الصلللة‬
‫والسلم حتى تنتهي إليه صلللى الللله عليلله وسلللم فيقللول‪ :‬أنللا لهللا‬
‫وذلك حين يرغب الخلئق إلى النبياء ليشفعوا لهم إلى ربهم حللتى‬
‫يريحهم مللن مقللامهم فللي الموقللف‪ .‬وهللذه شللفاعة يختللص بهللا ل‬
‫يشركه فيها أحد‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬شفاعته لهل الجنة في دخولها‪ .‬وقد ذكرها أبو هريللرة فللي‬
‫حديثه الطويل المتفق عليه‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬شفاعته لقوم مللن العصللاة مللن أمتلله قللد اسللتوجبوا النللار‬
‫بذنوبهم‪ ،‬فيشفع لهم أن ل يدخلوها‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬شفاعته في العصاة من أهلل التوحيلد اللذي يلدخلون النلار‬
‫بذنوبهم‪ .‬والحاديث بها متواترة عن النبي صلى الللله عليلله وسلللم‪.‬‬
‫وقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبللة وبلدعوا ملن أنكرهللا‪،‬‬
‫وصاحوا به من كل جانب ونادوا عليه بالضلل‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬شفاعته لقوم من أهل الجنللة فللي زيللادة ثللوابهم ورفعللة‬
‫درجللاتهم‪ ،‬وهللذه ممللا لللم ينللازع فيهللا أحللد‪ .‬وكلهللا مختصللة بأهللل‬
‫الخلص الذين لم يتخذوا من دون الله ولي لا ً ول شللفيعًا‪ ،‬كمللا قللال‬
‫تعالى‪ " :‬وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهللم ليللس لهللم‬
‫من دونه ولي ول شفيع "‪.‬‬
‫السادس‪ :‬شفاعته في بعض أهل الكفار من أهل النار حتى يخفف‬
‫عذابه وهذه خاصة بأبي طالب وحده‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪88‬‬

‫باب‬
‫إنك ل تهدي من أحببت‬
‫قوله‪) :‬باب قول الله تعالى‪ " :‬إنك ل تهممدي مممن أحببممت‬
‫ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين "( ‪:‬‬
‫سبب نزول هذه الية‪ ،‬موت أبي طالب علللى ملللة عبللد المطلللب‪،‬‬
‫كما سيأتي بيان ذلك في حديث الباب‪.‬‬
‫قال ابن كثير رحمه الله تعالى‪ :‬يقول تعالى لرسوله‪ :‬إنك يا محمد‬
‫ل تهدي من أحببت‪ ،‬أي ليللس إليللك ذلللك‪ ،‬إنمللا عليللك البلغ والللله‬
‫يهدي من يشاء‪ .‬وله الحكملة البالغلة‪ ،‬والحجلة الدامغلة‪ ،‬كملا قلال‬
‫تعالى‪ " :‬ليس عليك هلداهم ولكلن اللله يهلدي ملن يشلاء " وقلال‬
‫تعالى‪ " :‬وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين "‪.‬‬
‫قلت‪ :‬والمنفى هنا هداية التوفيق والقبول‪ ،‬فإن أمر ذلك إلى الللله‪،‬‬
‫وهو القادر عليه‪ .‬وأما الهدايلة الملذكورة فلي قلول اللله تعللالى‪" :‬‬
‫وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " فإنها هداية الدللة والبيان‪ ،‬فهو‬
‫المبين عن الله والدال على دينه وشرعه‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيممه قممال‪" :‬‬
‫لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى اللممه‬
‫عليه وسلم وعنده عبد اللممه بممن أبممي أميممة وأبممو جهممل‪،‬‬
‫فقال له‪ :‬يا عم قل ل إله إلى الله‪ ،‬كلمة أحاج بهمما عنممد‬
‫الله‪ .‬فقال له‪ :‬أترغممب عممن ملممة عبممد المطلممب ؟ فأعمماد‬
‫عليه النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فأعاد‪ .‬فكان أخممر ممما‬
‫قال‪ :‬هو على ملة عبد المطلمب‪ .‬وأبمي أن يقمول ل إلممه‬
‫إلى الله‪ .‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسممتغفرن‬
‫لك مالم أنه عنممك "‪ .‬فممأنزل اللممه عممز وجممل ‪ " :‬ممما كممان‬
‫للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولممو كممانوا‬
‫أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيممم "‬
‫وأنزل الله في أبي طممالب‪ " :‬إنممك ل تهممدي مممن أحببممت‬
‫ولكن الله يهدي من يشاء "( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬في الصحيح أي في الصحيحين‪ .‬وابن المسيب هو سعيد بللن‬
‫المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمر بلن علائذ بلن عملران بلن‬
‫مخزوم القرشي المخزومي‪ ،‬أحد العلماء والفقهللاء الكبللار السللبعة‬
‫من التابعين‪ .‬اتفق أهل الحديث على أن مراسيله أصح المراسيل‪.‬‬
‫وقال ابن المديني‪ :‬ل أعلم في التابعين أوسع علما ً منه‪ .‬مللات بعللد‬
‫التسعين وقد ناهز الثمانين‪.‬‬
‫وأبو المسيب صحابي‪ ،‬بقللى إلللى خلفللة عثمللان رضللي الللله عنلله‪،‬‬
‫وكذلك جده حزن‪ ،‬صحابي استشهد باليمامة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬لما حضرت أبا طالب الوفاة أي علماتها ومقدماتها‪.‬‬
‫يكلون‬
‫قوله‪ :‬جاء رسلول اللله صللى اللله عليله وسللم يحتملل أن‬
‫لو أيضلا ً‬
‫المسيب حضللر مللع الثنيللن فإنهمللا مللن بنللي مخللزوم‪ ،‬وهل‬
‫مخزومي‪ ،‬وكان الثلثة إذ ذاك كفارًا‪ ،‬فقتللل أبللو جهللل علللى كفللره‬
‫وأسلم الخران‪.‬‬
‫يجوز فيه إثبللات اليللاء وحللذفها‪ ،‬حللذفت‬
‫قوله‪ :‬يا عم منادي مضاف‬
‫الياء هنا‪ ،‬وبقيت الكسرة دليل ً عليها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قل ل إله إل الله أمره أن يقولها لعلم أبي طللالب بمللا دلللت‬
‫عليه من نفى الشرك بللالله وإخلص العبللادة للله وحللده‪ ،‬فللإن مللن‬
‫قالها عن علم ويقين فقد برىء من الشرك والمشركين ودخل في‬
‫السلم‪ .‬لنهم يعلمون ما دلت عليلله‪ ،‬وفللي ذلللك الللوقت لللم يكللن‬
‫بمكة إل مسلم أو كافر‪ .‬فل يقولها إل من ترك الشرك وبرىء منه‪.‬‬
‫ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينللة كللان‬
‫فيها المسلمون الموحدون والمنللافقون الللذين يقولونهللا بألسللنتهم‬
‫وهم يعرفون معناها‪ ،‬لكن ل يعتقدونها‪ ،‬لما في قلوبهم من العداوة‬
‫والشك والريب‪ ،‬فهم مع المسلمين بظاهر العمللال دون البللاطن‪،‬‬
‫وفيها اليهود‪ ،‬وقد أقرهم رسول الله صلللى الللله عليلله وسلللم لمللا‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪89‬‬

‫هاجر‪ ،‬ووادعهم بأن ل يظاهروا عليه عدوا ً كما هو مذكور في كتللب‬
‫الحديث والسير‪.‬‬
‫قوله‪ :‬كلمة‪ :‬قال القرطبي‪ :‬بالنصب على أنه بدل مللن ل إللله إلللى‬
‫الله ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أحللاج لللك بهللا عنللد الللله هللو بتشللديد الجيللم مللن المحاجللة‪،‬‬
‫والمراد بها بيان الحجة بها لو قالها في تلك الحال‪ .‬وفيه ًدليل على‬
‫أن العمال بالخواتيم‪ ،‬لنه لو قالها في تلك الحال معتقدا ما دلللت‬
‫عليه مطابقة من النفي والثبات لنفعته‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬فقللال للله‪ :‬أترغللب عللن ملللة عبللد المطلللب ذكللراه الحجللة‬
‫الملعونة التي يحتج بها المشركون على المرسلين‪ ،‬كقول فرعللون‬
‫لموسى‪ " :‬فما بال القرون الولى " وكقللوله تعلالى‪ " :‬وكللذلك مللا‬
‫أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إل قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا‬
‫على أمة وإنا على آثارهم مقتدون "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فأعاد النبي صلللى الللله عليلله وسلللم فأعللادا فيلله معرفتهمللا‬
‫لمعنى ل إله إل الله لنهما عرفا أن أبا طالب لو قالهللا لللبرىء مللن‬
‫ملة عبد المطلب‪ .‬فإن ملة عبلد المطللب هلي الشللرك بلالله فلي‬
‫إلهيتلله‪ .‬وأمللا الربوبيللة فقللد أقللروا بهللا كمللا تقللدم‪ .‬وقللد قللال عبللد‬
‫المطلب لبرهة‪ :‬أنا رب البل‪ ،‬والللبيت للله رب يمنعلله منللك وهللذه‬
‫قول النبي صلى الله عليه وسلللم لعملله‪ :‬قللل ل‬
‫المقالة منهما عند‬
‫إله إلى الله استكبارا ً عن العمللل بمللدلولها‪ .‬كمللا قللال الللله تعللالى‬
‫عنهما وعن أمثالهما من أولئك المشركين‪ " ، :‬إنهم كللانوا إذا قيللل‬
‫لهم ل إله إل الله يستكبرون * ويقولون أإنا لتللاركوا آلهتنللا لشللاعر‬
‫مجنون " فرد عليهم بقوله‪ " :‬بل جاء بللالحق وصللدق المرسلللين "‬
‫فبين تعالى أن استكبارهم علن قللوله ل إللله إل الللله لللدللتها عللى‬
‫نفي عبادتهم اللهة التي كانوا يعبللدونها مللن دون الللله‪ .‬فللإن دللللة‬
‫هذه الكلمللة علللى نفللي ذلللك دللللة تضللمن‪ ،‬ودللتهللا عليلله وعلللى‬
‫الخلص دللة مطابقة‪.‬‬
‫ومن حكمة الرب تعالى في عدم هدايللة أبلي طللالب إلللى السلللم‬
‫ليبين لعباده أن ذلك إليه‪ ،‬وهلو القلادر عليله دون ملن سلواه‪ ،‬فللو‬
‫كان عند النبي صلى الله عليه وسلم الللذي هللو أفضللل خلقلله مللن‬
‫هدايللة القلللوب وتفريللج الكللروب‪ ،‬ومغفللرة الللذنوب‪ ،‬والنجللاة مللن‬
‫العذاب‪ ،‬ونحو ذلك شئ‪ ،‬لكان أحق الناس بذلك وأولهللم بلله عملله‬
‫الذي كان يحوطه ويحميلله وينصللره ويللؤويه‪ ،‬فسللبحان مللن بهللرت‬
‫حكمته العقول‪ ،‬وأرشد العباد إلى ما يدلهم على معرفته وتوحيللده‪،‬‬
‫وإخلص العمل له وتجريده‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فكان آخر ما قال الحسلن فيله الرفلع عللى أنله اسلم كلان‬
‫وجملة هو وما بعدها الخبر‪.‬‬
‫المطلللب الظللاهر أن أبللا طللالب قللال‪ :‬أنللا‬
‫قوله‪ :‬هو على ملة عبد‬
‫فغيللره الللراوى اسللتقباحا ً للفللظ المللذكور‪ ،‬وهللو مللن التصللرفات‬
‫الحسنة‪ ،‬قاله الحافظ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وأبى أن يقول ل إللله إل الللله قلال الحللافظ‪ :‬هللذا تأكيللد ملن‬
‫الراوى في نفي وقوع ذلك من أبي طالب‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله‪ :‬وفيلله الللرد علللى مللن زعللم إسلللم عبللد‬
‫الطلب وأسلفه ومضرة أصللحاب السللوء علللى النسللان‪ ،‬ومضللرة‬
‫تعظيم السلف ‪.‬‬
‫أي إذا زاد على المشروع‪ ،‬بحيث تجعل أقللوالهم حجللة يرجللع إليهللا‬
‫عند التنازع‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم لستغفرن لك مللا لللم أنلله‬
‫غيللر اسللتحلف‪ .‬وكللان‬
‫عنك قال النووي‪ :‬وفيلله جللواز الحلللف مللن‬
‫الحلف هنا لتأكيد العزم على الستغفار تطييبا ً لنفس أبي طالب‪.‬‬
‫وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪90‬‬

‫قال ابن فارس‪ :‬مات أبللو طللالب ولرسللول الللله صلللى ً الللله عليلله‬
‫وسلم تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما‪.‬‬
‫وتوفيت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها بعد موت أبللي طللالب‬
‫بثمانية أيام‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬ما كان للنبي والذين آمنللوا أن يسللتغفروا للمشللركين ولللو‬
‫كانوا أولي قربى " الية أي ما ينبغي لهللم ذلللك‪ .‬وهللو خللبر بمعنللى‬
‫النهي‪ ،‬والظاهر أن هذه الية نزلت فللي أبللي طللالب‪ .‬فللإن التيللان‬
‫بالفاء المفيدة للترتيب في قوله‪ :‬فأنزل الله بعد قللوله لسللتغفرن‬
‫لك ما لم أنه عنك يفيد ذلك‪.‬‬
‫وقد ذكر العلماء لنزول الية الثانية فواضح في قصللة أبللي طللالب‪.‬‬
‫وأما نزول الية التي قبلها ففيه نظللر‪ ،‬ويظهللر أن المللراد أن اليللة‬
‫المتعلقة بالستغفار نزلت بعد أبي طللالب بمللدة‪ ،‬وهللي عامللة فللي‬
‫حقه وحق غيره‪ ،‬ويوضح ذلك ما يأتي في التفسير‪ ،‬فأنزل الله بعد‬
‫ذلك‪ " :‬ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " الية‪.‬‬
‫ونزل في أبي طالب‪ " :‬إنك ل تهدي من أحببلت " كلله ظلاهر فلي‬
‫أنه مات على غير السلم‪ .‬ويضعف ما ذكره السهيلي أنه روى في‬
‫بعض كتب المسعودى أنه أسلم‪ ،‬لن مثل ذلللك ل يعللارض مللا فللي‬
‫الصحيح‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وفيه تحريللم السللتغفار للمشللركين ومللوالتهم ومحبتهللم‪ ،‬لنلله إذا‬
‫حرم الستغفار لهم فموالتهم ومحبتهم أولى‪.‬‬

‫باب‬
‫ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم‬
‫دينم هو الغلو في الصالحين‬
‫قوله‪) :‬باب‪ :‬ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينم‬
‫هو الغلو في الصالحين( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬تركهم بالجر عطفا ً على المضاف إليه‪ .‬وأراد المصنف رحمه‬
‫الله تعالى بيان ما يؤول إله الغلو في الصالحين من الشللرك بللالله‬
‫في اللهية الذي هو أعظم ذنب عصى الله به‪ ،‬وهو ينللافي التوحيللد‬
‫الذي دلت عليه كلمة الخلص‪ :‬شهادة أن ل إله إلى الله‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقول الله عز وجل ‪ " :‬يمما أهممل الكتمماب ل تغلمموا‬
‫في دينكم ول تقولوا علممى اللممه إل الحممق إنممما المسمميح‬
‫عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاهمما إلممى مريممم‬
‫وروح منه "( ‪:‬‬
‫الغلو هللو الفللراط فللي التعظيللم بللالقول والعتقللاد‪ ،‬أي ل ترفعللوا‬
‫المخلوق عن منزلته التي أنزله الله فتنزلوه المنزلة التي ل تنبغللي‬
‫والخطاب وإن كان لهللل الكتللاب فللإنه عللام يتنللاول جميللع‬
‫إل لله‪.‬‬
‫المة‪ ،‬تحذيرا ً لهم أن يفعلوا بنللبيهم صلللى الللله عليلله وسلللم فعللل‬
‫النصارى في عيسى‪ ،‬واليهود في العزير كما قال تعالى‪ " :‬ألم يأن‬
‫للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لللذكر الللله ومللا نللزل مللن الحللق ول‬
‫يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبللل فطللال عليهللم المللد فقسللت‬
‫قلوبهم وكثير منهم فاسقون " ولهذا قللال النللبي صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم " ل تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم " ويأتي‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪91‬‬

‫فكل ملن دعلا نبيلا ً أو وليلا ً ملن دون اللله فقلد اتخلذ إلهلًا‪ ،‬وضلاهأ‬
‫النصارى في شركهم‪ ،‬وضاهأ اليهود في تفريطهللم‪ .‬فللإن النصللارى‬
‫غلوا في عيسى عليلله السللم‪ ،‬واليهللود علادوه وسللبوه وتنقصللوه‪.‬‬
‫فالنصارى أفرطوا‪ ،‬واليهود فرطوا‪ .‬وقال تعالى‪ " :‬ما المسيح ابللن‬
‫مريم إل رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يللأكلن‬
‫الطعام " ففي هذه الية وأمثالها الرد على اليهود والنصارى‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله‪ :‬ومن تشللبه مللن هللذه المللة بللاليهود‬
‫والنصارى‪ ،‬وغل في الللدين فلإفراط فيلله أو تفريللط فقللد شلابههم‪.‬‬
‫قال‪ :‬وعلى رضى الله عنه حرق الغالية من الرافضة‪ ،‬فأمر بأخاديد‬
‫خدت لهللم عنللد بللاب كنللدة فقللذفهم فيهللا‪ .‬واتفللق الصللحابة علللى‬
‫قتلهم‪ .‬لكن ابن عباس مذهبه أن يقتلوا بالسفق ملن غيلر تحريلق‪.‬‬
‫وهو قول أكثر العلماء‪.‬‬
‫قوله‪) :‬في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في‬
‫قوله تعالى ‪ " :‬وقالوا ل تذرن آلهتكممم ول تممذرن ودا ول‬
‫سواعا ول يغوث ويعوق ونسرا " قال‪ :‬هذه أسماء رجال‬
‫صالحين من قوم نوح‪ ،‬فلما هلكوا أوحى الشيطان إلممى‬
‫قومهم‪ :‬أن انصبوا إلى مجالسهم الممتي كممانوا يجلسممون‬
‫فيها أنصابا ً وسموها بأسمائهم‪ ،‬ففعلوا‪ ،‬ولم تعبد‪ ،‬حتى‬
‫إذا هلك أولئك ونسى العلم عبدت( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬وفي الصحيح‪ :‬أي صحيح البخاري‪.‬‬
‫وهذا الثلر اختصلره المصلنف‪ .‬ولفلظ ملا فلي البخلاري‪ :‬علن ابلن‬
‫عباس رضي الله عنهما قال صارت الوثان التي في قوم نوح فللي‬
‫العرب بعد‪ .‬أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل‪ .‬وأما سواع فكانت‬
‫لهذيل‪ .‬وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبنى غطيف بالجرف عند سبأ‪.‬‬
‫وأما يعوق فكانت لهمدان‪ .‬وأما نسر فكانت لحمير لل ذي الكلع‪:‬‬
‫أسماء رجال صالحين في قوم نوح‪ ...‬إلى آخره‪.‬‬
‫وروى عكرمة والضحاك وابن إسحاق نحو هذا‪.‬‬
‫لن‬
‫قال ابن جرير‪ :‬حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن ًسللفيان عل‬
‫قوم لا ً‬
‫موسى عن محمد ابن قيس أن يغوث ويعللوق ونسللرا كللانوا‬
‫صالحين من بني آدم‪ ،‬وكان لهم أتباع يقتدون بهم‪ .‬فلما ماتوا قللال‬
‫أصحابهم‪ :‬لو صورناهم كللان أشللوق لنللا إلللى العبللادة‪ ،‬فصللوروهم‪،‬‬
‫فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال‪ :‬إنما كانوا يعبدونهم‬
‫وبهم يسقون المطر‪ .‬فعبدوهم ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أن انصبوا هو بكسر الصاد المهملة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أنصابا ً جمع نصب‪ ،‬والمراد بلله هنللا الصللنام المصللورة علللى‬
‫صللور أولئك الصللالحين الللتي نصللبوها فللي مجالسللهم‪ ،‬وسللموها‬
‫وفي سياق حديث ابن عباس ما يلدل عللى أن الصللنام‬
‫بأسمائهم‪.‬‬
‫يتناول كل معبود مللن دون الللله‪ ،‬سللواء‬
‫الوثن‬
‫تسمى أوثانًا‪ .‬فاسم‬
‫ً‬
‫ً‬
‫كان ذلك المعبود قبرا أو مشهدا‪ ،‬أو صورة أو غير ذلك‪.‬‬
‫قوله‪ :‬حتى إذا هلك أولئك أي الذين صوروا تلك الصنام‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ونسى العللم وروايلة البخلاري وينسلخ وللكشلميهني ونسلخ‬
‫حللتى صللاروا ل‬
‫العلم أي درست آثاره بذهاب العلماء‪ ،‬وعم الجهل‬
‫يميزون بين التوحيد والشرك فوقعوا فللي الشللرك ظن لا ً منهللم أنلله‬
‫ينفعهم عند الله‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬عبللدت لمللا قللال لهللم إبليللس‪ :‬إن مللن كللان قبلكللم كللانوا‬
‫يعبدونهم وبهم يسقون المطر‪ ،‬هو الذي زيللن لهللم عبللادة الصللنام‬
‫وأمرهم بها‪ ،‬فصار هو معبودهم فللي الحقيقللة‪ .‬كملا قلال تعللالى‪" :‬‬
‫ألم أعهد إليكم يللا بنللي آدم أن ل تعبللدوا الشلليطان إنلله لكللم عللدو‬
‫مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم * ولقد أضللل منكللم جبل‬
‫يفيللد الحللذر مللن الغلللو ووسللائل‬
‫كثيرا أفلم تكونوا تعقلون " وهذا‬
‫الشرك‪ ،‬وإن كان القصد بها حسنًا‪ .‬فإن الشيطان أدخل أولئك في‬
‫الشرك من باب الغلو في الصالحين والفراط في محبتهم‪ ،‬كما قد‬
‫وقع مثل ذلك في هذه المة‪ :‬أظهر لهللم الغلللو والبللدع فللي قللالب‬
‫تعظيم الصالحين ومحبتهم‪ ،‬ليوقعهم فيما هو أعظم من ذلللك‪ ،‬مللن‬
‫عبادتهم لهم من دون الله وفي رواية أنهللم قللالوا‪ :‬مللا عظللم أولنللا‬
‫هؤلء إل وهم يرجون شفاعتهم عند الله أي يرجون شللفاعة أولئك‬
‫ال ‪U‬الحيللن الللذين صللوروا تلللك الصللنام علللى صللورهم وسللموها‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪92‬‬

‫بأسمائهم‪ .‬ومن هنا يعلم أن اتخاذ الشفعاء ورجاء شللفائهم بطلبهللا‬
‫منهم‪ :‬شرك بالله‪ ،‬كما تقدم بيانه في اليات المحكمات‪.‬‬
‫قال ابن القيم لما ماتوا عكفوا على قبورهم‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقال ابن القيم رحمه الله‪ :‬قال غيممر واحممد مممن‬
‫السمملف‪ :‬لممما ممماتوا عكفمموا علممى قبممورهم‪ ،‬ثممم صمموروا‬
‫تماثيلهم‪ ،‬ثم طال عليهم المد فعبدوا( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬وقال ابن القيم رحمه الله هو المام العلمة محمد بللن أبللي‬
‫بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية‪ .‬قللال‬
‫الحافظ السخاوي‪ :‬العلمة الحجة المتقدم في سعة العلم ومعرفة‬
‫الخلف وقللوة الجنللان‪ ،‬المجمللع عليلله بيللن الموافللق والمخللالف‪،‬‬
‫صاحب التصانيف السللائرة والمحاسللن الجمللة‪ .‬مللات سللنة إحللدى‬
‫وخمسين وسبعمائة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وقال غير واحد ملن السلللف هللو بمعنللى ملا ذكللره البخللاري‬
‫وابللن جريللر إل أنلله ذكللر عكللوفهم علللى قبللورهم قبللل تصللويرهم‬
‫تماثيلهم‪ .‬وذلك من وسائل الشرك بللل هللو الشللرك‪ ،‬لن العكللوف‬
‫لله في ً المساجد عبادة‪ .‬فللإذا عكفللوا علللى القبللور صللار عكللوفهم‬
‫تعظيما ومحبة‪ :‬عبادة لها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ثللم طللال عليهللم المللد فعبللدوهم أي طللال عليهللم الزمللان‪.‬‬
‫وسبب تلك العبادة والموصل إليها هللو مللا جللرى مللن الوليللن مللن‬
‫التعظيم بالعكوف ًعلى قبورهم‪ ،‬ونصللب صللورهم فللي مجالسللهم‪،‬‬
‫فصارت بذلك أوثانا تعبللد مللن دون الللله‪ ،‬كمللا ترجللم بلله المصللنف‬
‫رحمه الله تعالى‪ .‬فإنهم تركوا بذلك دين السلم الللذي كللان أولئك‬
‫عليه قبل حدوث وسائل هذا الشرك‪ ،‬وكفللروا بعبللادة تلللك الصللور‬
‫واتخذوهم شفعاء‪ .‬وهذا أول شرك حدث في الرض‪.‬‬
‫قال القرطبي‪ :‬وإنما صور أوائلهللم الصللور ليتأسللوا بهللم ويتللذكروا‬
‫أفعالهم الصالحة‪ ،‬فيجتهدوا كاجتهادهم‪ ،‬ويعبدوا الله عنللد قبللورهم‪.‬‬
‫ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم‪ ،‬فوسوس لهللم الشلليطان أسلللفهم‬
‫كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها ا هل‪.‬‬
‫قال ابن القيللم رحملله الللله‪ :‬ومللا زال الشلليطان يللوحي إلللى عبللاد‬
‫القبور ويلقى إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبللور‬
‫من النبياء والصالحين‪ ،‬وأن الدعاء عندها مستجاب‪ ،‬ثم ينقلها مللن‬
‫هذه المرتبة إلى الدعاء بها‪ ،‬والقسام على الله بها‪ ،‬فإن شأن الله‬
‫أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه‪.‬‬
‫فإذا تقرر ذلللك عنللدهم نقلهللم منلله إلللى دع ًللائه وعبللادته‪ ،‬وسللؤاله‬
‫الشللفاعة مللن دون الللله‪ ،‬واتخللاذ قللبره وثنلا تعلللق عليلله القانللديل‬
‫والستور‪،‬ويطاف به ويستلم ويقبل‪ ،‬ويحج إليلله ويذبللح عنللده‪ ،‬فللإذا‬
‫عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبللادته‪ ،‬واتخللاذه‬
‫تقرر ذلك‬
‫عيدا ً ومنسكًا‪ ،‬ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنيللاهم وأخراهللم‪ .‬وكللل‬
‫هذا مما قد علم بالضطرار من دين السلللم أنله مضلاد لملا بعلث‬
‫الله به رسوله صلى الله عليلله وسلللم مللن تجديللد التوحيللد‪ ،‬وأن ل‬
‫يعبد إل الله‪.‬‬
‫فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن مللن نهللى عللن ذلللك فقللد‬
‫تنقص أهل هذه الرتب العالية وحطهم عن منزلتهللم‪ ،‬وزعللم أنلله ل‬
‫حرمة لهم ول قللدر‪ ،‬فغضللب المشللركون واشلمأزت قلللوبهم‪ ،‬كملا‬
‫قال تعالى‪ " :‬وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين ل يؤمنللون‬
‫بالخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون " وسرى ذلللك‬
‫في نفوس كثير مللن الجهللال والطغللام‪ ،‬وكللثير ممللن ينتسللب إلللى‬
‫العلم والدين‪ ،‬حتى عادوا أهل التوحيللد ورمللوهم بالعظللائم ونفللروا‬
‫الناس عنهم‪ ،‬ووالوا أهل الشرك وعظموهم‪ ،‬وزعمللوا أنهللم أوليللاء‬
‫الله وأنصار دينه ورسوله‪،‬ويأبي الله ذلك ‪ " :‬وما كللانوا أوليللاءه إن‬
‫أولياؤه إل المتقون "‪ .‬اه كلم ابن القيم رحمه الله‪.‬‬
‫وفي القصة فوائد ذكرها المصنف رحمه الله‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬رد الشبه التي يسميها أهل الكلم عقليات‪ ،‬ويدفعون بها مللا‬
‫جاء به الكتاب والسنة من توحيد الصفات‪ ،‬وإثباتهللا علللى مللا يليللق‬
‫بجلل الله وعظمته وكبريائه‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫ومنها‪ :‬مضرة التقليد‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬ضرورة المة إلى ما جاء بلله رسللول الللله صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم علما ً وعمل ً بما يدل عليه الكتاب والسنة فإن ضرورة العبللد‬
‫إلى ذلك فوق كل ضرورة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعن عمر رضي الله عنممه أن رسممول اللممه صمملى‬
‫الله عليه وسلم قال " ل تطروني كما أطممرت النصممارى‬
‫ابن مريم‪ .‬إنما أعبد عبممد‪ ،‬فقولمموا عبممد اللممه ورسمموله "‬
‫أخرجاه( ‪:‬‬
‫قوله عن عمر هو ابن الخطاب بن نفيل بنون وفاء مصغرا ً العدوى‬
‫رضي الله عنهم‪ .‬ولي‬
‫أمير المؤمنين وأفضل الصحابة بعد‬
‫الصديقعد ً‬
‫ل‪ ،‬وفتحت في أيللامه‬
‫الخلفة عشر سنين ونصفا‪ .‬فامتلت الدنيا‬
‫ممالللك كسللرى وقيصللر‪ .‬واستهشللد فللي ذي الحجللة سللنة ثلث‬
‫وعشرين رضي الله عنه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ل تطروني كما أطرت النصارى ابن مريللم الطللراء مجللاوزة‬
‫الحد في المدح والكذب عليه‪ .‬قاله أبو السعادات‪ .‬وقال غيللره‪ :‬أي‬
‫ل تمدحوني بالباطل‪ ،‬ول تجاوزوا الحد في مدحي‪.‬‬
‫قوله‪ :‬إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله أي ل تمللدحوني فتغلللوا‬
‫في مدحي كما غلت النصارى في عيسى عليه السلم فادعوا فيلله‬
‫اللهية‪ .‬وإنما أنا عبد اللله ورسللوله‪ ،‬فصلفوني بلذلك كملا وصلفني‬
‫ربي‪ ،‬فقولوا عبد الله ورسوله‪ ،‬فأبى المشركون إل مخالفللة أمللره‬
‫وارتكاب نهيه‪ ،‬وعظموه بملا نهلاهم عنله وحلذرهم منله‪ ،‬وناقضلوه‬
‫وشركهم‪ً ،‬ووقعوا في‬
‫أعظم مناقضة‪ ،‬وضاهوا النصارى في غلوهم‬
‫المحذور‪ ،‬وجرى منهم من الغلو والشللرك شللعرا ً ونللثرا مللا يطللول‬
‫عده‪ ،‬وصنفوا فيه مصنفات‪.‬‬
‫وقد ذكر شيخ السلم رحمه الله علن بعلض أهلل زملانه أنله جلوز‬
‫عليه وسلم في كل ما يستغاث فيلله‬
‫الستغاثة بالرسول صلى الله‬
‫بالله‪ ،‬وصللنف فللي ذلللك مصللنفا ً رده شلليخ السلللم‪ ،‬ورده موجللود‬
‫بحمد الله‪ .‬ويقول‪ :‬إنه يعلم مفاتيح الغيب الللتي ل يعلهمللا إل الللله‪.‬‬
‫وذكر لهم أشياء من هذا النمط‪ .‬نعوذ بالله من عمى البصيرة وقللد‬
‫اشتهر في نظم البوصيري قوله‪:‬‬
‫يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به‬
‫الحادث العمم‬

‫سواك عند حدوث‬

‫وما بعده من البيات التي مضمونها إخلص الدعاء واللياذ والرجللاء‬
‫والعتمللاد فللي أضلليق الحللالت‪ ،‬وأعظللم الضللطرار لغيللر الللله‪،‬‬
‫فناقضوا الرسول صلللى الللله عليلله وسلللم بارتكللاب مللا نهللى عنلله‬
‫أعظم مناقضة‪ ،‬وشاقوا الللله وروسللوله أعظللم مشللاقة‪ ،‬وذلللك أن‬
‫الشيطان أظهر لهم هذا الشللرك العظيللم فللي قللالب محبللة النللبي‬
‫صلى الله عليلله وسلللم وتعظيملله‪ ،‬وأظهللر لهللم التوحيللد والخلص‬
‫الللذي بعثلله الللله بلله فللي قللالب تنقيصلله‪ ،‬وهللؤلء المشللركون هللم‬
‫المتنقصون الناقصون‪ ،‬أفرطوا في تعظيملله بهللا نهللاهم عنلله أشللد‬
‫النهي‪ ،‬وفرطوا في متابعته‪ ،‬فلم يعبأوا بأقواله وأفعللاله‪ ،‬ول رضللوا‬
‫بحكمه ول سلموا له‪ .‬وإنما يحصل تعظيم الرسول صلى الله عليلله‬
‫وسلم بتعظيم أمره ونهيه‪ ،‬والهتداء بهديه‪ ،‬واتباع سللنته‪ ،‬والللدعوة‬
‫من‬
‫ومعاداة‬
‫إلى دينه الذي دعا إليه ونصرته‪ ،‬وموالة من عمل‬
‫به‪ ،‬علما ً‬
‫وعم ً‬
‫ل‪،‬‬
‫خالفه‪ .‬فعكس أولئك المشركون ما أراد الله ورسوله‬
‫وارتكبوا ما نهى عنه ورسوله‪ .‬فالله المستعان‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقال رسول الله صلى الله عليه وسمملم " إيمماكم‬
‫والغلو‪ .‬فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو "( ‪:‬‬
‫هذا الحديث ذكره المصنف بدون ذكر راويه‪ .‬وقد رواه المام أحمد‬
‫والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس‪.‬‬
‫وهذا لفظ رواية أحمد‪ :‬عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‪ :‬قللال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلللم غللداة جمللع‪ " :‬هلللم القللط لللي‪.‬‬
‫فلقطت له حصيات هن حصى الحذف‪ .‬فما وضعهن في يده قللال‪:‬‬
‫نعم بأمثال هؤلء فارموا‪ .‬وإياكم والغلو في الدين‪ ،‬فإنما هلللك مللن‬
‫كان قبلكم بالغلو في الدين "‪.‬‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬هذا عام في جميع أنواع الغلللو فللي العتقللادات‬
‫والعمال وسبب هذا اللفظ العلم رمللي الجمللار‪ ،‬وهللو داخللل فيلله‪،‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪94‬‬

‫مثل الرمي بالحجارة الكبار‪ ،‬بنللاء علللى أنلله أبلللغ ً مللن الصللغار‪ .‬ثللم‬
‫علله بما يقتضي مجانبة هدى من كان قبلنا إبعادا عن الوقوع فيمللا‬
‫هلكوا به‪ ،‬فإن المشارك لهللم فلي بعللض هللديهم يخللاف عليلله مللن‬
‫الهلك‪.‬‬
‫مه صمملى‬
‫قوله‪) :‬ولمسلم عن ابن مسممعود أن رسممول اللم‬
‫الله عليه وسلم قال‪ :‬هلك المتتطعون قالها ثلثًا( ‪:‬‬
‫قال الخطابي‪ :‬المتنطع المتعمق في الشئ‪ ،‬المتكلف البحللث عللن‬
‫علي مذاهب أهل الكلم الداخلين فيما ل يعنيهم‪ ،‬الخائضين فيما ل‬
‫تبلغه عقولهم‪.‬‬
‫ومن التنطع‪ :‬المتناع مللن المبللاح مطلقلًا‪ ،‬كالللذي يمتنللع مللن أكللل‬
‫اللحم والخبز‪ ،‬ومن لبس الكتللان والقطللن‪ ،‬ول يلبللس إل الصللوف‪،‬‬
‫ويمتنع من نكاح النساء‪ ،‬ويظن أن هذا من الزهد المسللتحب‪ .‬قللال‬
‫الشيخ تقي الدين‪ :‬فهذا جاهل ضال‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫وقال ابن القيم رحمه الله‪ :‬قال الغزالي‪ :‬والمتنطعون فلي البحلث‬
‫والستقصاء‪.‬‬
‫وقلللال أبلللو السلللعادات‪ :‬هلللم المتعمقلللون الغلللالون فلللي الكلم‪،‬‬
‫النطلع‪ً ،‬وهلو الغلار العلللى‬
‫المتكلمون بأقصى حلوقهم‪ .‬مأخوذ من‬
‫من الفم‪ ،‬ثم استعمل في كل متعمق قول ً وفعل‪.‬‬
‫وقللال النللووي‪ :‬فيلله كراهللة التقعللر فللي الكلم بالتشللدق وتكلللف‬
‫الفصاحة‪ ،‬واستعمال وحشى اللغة ودقائق العللراب فللي مخاطبللة‬
‫العوام ونحوهم‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬قالهلا ثلثلا ً أي قلال هللذه الكلمللة ثلث مللرات‪ ،‬مبالغللة فللي‬
‫التعليم والبلغ‪ ،‬فقد بلغ البلغ المبين‪ .‬صلوات الللله وسلللمه عليلله‬
‫وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬

‫باب‬
‫ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند‬
‫قبر رجل صالح‬
‫فكيف إذا عبده ؟‬
‫قوله‪) :‬باب‪ :‬ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قممبر‬
‫رجل صالح‪ ،‬فكيف إذا عبده ؟ ( ‪:‬‬
‫أي الرجل الصالح‪ ،‬فلإن عبلادته هلي الشلرك الكلبر‪ ،‬وعبلادة اللله‬
‫عنده وسيلة إلى عبادته‪ ،‬ووسائل الشرك محرمة‪ .‬لنها تللؤدي إلللى‬
‫الشرك الكبر وهو أعظم الذنوب‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪95‬‬

‫قوله‪) :‬في الصحيح‪ :‬عن عائشة رضممي اللممه عنهمما أن أم‬
‫سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسمملم كنيسممة‬
‫رأتهمما بممأرض الحبشممة وممما فيهمما مممن الصممور‪ .‬فقممال‪" :‬‬
‫فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح‪ ،‬بنوا‬
‫أولئك إذا مات‬
‫على قبره مسجدًا‪ ،‬وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار‬
‫الخلق عنممد اللممه " فهممؤلء جمعمموا بيممن الفتنممتين‪ :‬فتنممة‬
‫القبور وفتنة التماثيل( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬في الصحيح أي الصحيحين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أن أم سلمة هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الللله‬
‫بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية‪ .‬تزوجها رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم بعد أبي سلمة سنة أربع‪ ،‬وقيل‪ :‬ثلث‪ ،‬وكللانت قللد‬
‫هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة ماتت سنة اثنتين وستين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ذكرت لرسول الله وفي الصحيحين أن أم حبيبللة وأم سلللمة‬
‫ذكرتا ذلك لرسول الللله صلللى الللله عليلله وسلللم و الكنسللية بفتللح‬
‫الكاف وكسر النون‪ :‬معبد النصارى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أولئك بكسر الكاف خطاب للمرأة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح هذا والله أعلم‬
‫شك من بعض رواة الحديث‪ :‬هل قال النبي صلى الله عليه وسلللم‬
‫هذا أو هذا ؟ ففيه التحري في الرواية‪ .‬وجواز الرواية بالمعنى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وصوروا فيه تلك الصور الشارة إلى ما ذكرت أم سلمة وأم‬
‫حبيبة من التصاوير التي في الكنسية‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬أولئك شللرار الخلللق عنللد الللله وهللذا يقتضللى تحريللم بنللاء‬
‫المساجد على القبور‪ ،‬وقد لعن صلى الللله عليلله وسلللم مللن فعللل‬
‫ذلك كما سيأتي‪.‬‬
‫البيضاوي ‪ :‬لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور النبيللاء‬
‫قال‬
‫تعظيمللا ً‬
‫لشللأنهم‪ ،‬ويجعلنهللا قبلللة يتوجهللون فللي الصلللة نحوهللا‬
‫ً‬
‫واتخذوها أوثانا لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قال القرطبي‪ :‬وإنمللا صللور أوائلهللم الصللور ليتأسللوا بهللا ويتللذكروا‬
‫أعمالهم الصالحة‪ ،‬فيجتهدوا كاجتهادهم‪ ،‬ويعبدوا الله عند قبللورهم‪،‬‬
‫ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلفهم‬
‫كانوا يعبدون هذه الصور ًويعظمونها‪ .‬فحذر النبي صلى الللله عليلله‬
‫وسلم عن مثل ذلك‪ ،‬سدا للذريعة المؤدية إلى ذلك‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فهؤلء جمعوا بين الفتنتين‪ :‬فتنة القبور وفتنللة التماثيللل هللذا‬
‫السلم ابن تيمية رحمه الله تعالى‪ ،‬ذكللره المصللنف‬
‫من كلم شيخ‬
‫رحمه الله تنبيها ً على ما وقع مللن شللدة الفتنللة بللالقبور والتماثيللل‬
‫فإن فتنة بالقبور كالفتنة بالصنام أو أشد‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله‪ :‬وهذه العلة التي لجلها نهى الشللارع‬
‫وسلم عن اتخاذ المسللاجد علللى القبللور لنهللا هللي‬
‫صلى الله عليه‬
‫التي أوقعت كثيرا ً من المم إما فللي الشللرك الكللبر أو فيمللا دونلله‬
‫من الشرك‪ .‬فإن النفوس قد أشركت بتماثيل الصللالحين‪ ،‬وتماثيللل‬
‫يزعمون أنها طلسم الكواكب ونحو ذلك‪ .‬فإن الشرك بقبر الرجل‬
‫الذي يعتقد صلحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر‪.‬‬
‫ولهذا تجد أهل الشرك يتضللرعون عنللدها‪ ،‬ويخشللعون ويخضللعون‪،‬‬
‫ويعبدون بقلوبهم عبادة ل يفعلونها في بيوت الله ول وقت السحر‪،‬‬
‫ومنهم من يسجد لها‪ ،‬وأكللثرهم يرجللون مللن بركللة الصلللة عنللدها‬
‫والدعاء ما ل يرجونه في المساجد‪ ،‬فلجللل هللذه المفسللدة حسللم‬
‫النبي صلى الله عليله وسللم مادتهلا‪ .‬حلتى نهلي علن الصللة فلي‬
‫المقبرة مطلقًا‪ ،‬وإن لم يقصد المصلى بركللة البقعللة بصلللته‪ ،‬كمللا‬
‫يقصد بصلته بركة المساجد‪ ،‬كمللا نهللى عللن الصلللة وقللت طلللوع‬
‫الشللمس وغروبهللا‪ ،‬لنهللا أوقللات يقصللد فيهللا المشللركون الصلللة‬
‫للشمس‪ ،‬فنهى أمته عللن الصلللة حينئذ وإن لللم يقصللد مللا قصللده‬
‫المشركون‪ ،‬سدا ً للذريعة‪ .‬وأما إذا قصد الرجل الصلة عند القبللور‬
‫متبركا ً بالصلة في تلك البقعة فهذا عيللن المحللادة لللله ولرسللوله‪،‬‬
‫والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله‪ ،‬فللإن المسلللمين قللد‬
‫أجمعوا على ما علموه بالضللطرار مللن ديللن الرسللول صلللى الللله‬
‫عليه وسلم‪ :‬أن الصلة عند القبور منهى عنها‪ ،‬وأنه صلى الله عليه‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪96‬‬

‫وسلم لعن من اتخذها مسللاجد‪ ،‬فمللن أعظللم المحللدثات وأسللباب‬
‫الشرك‪ :‬الصلة عندها واتخاذها مساجد‪ ،‬وبناء المساجد عليها‪ .‬وقد‬
‫تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلللك‬
‫والتغليظ فيه‪ .‬وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بنللاء المسللاجد‬
‫عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة‪ .‬وصرح أصحاب أحمد‬
‫وغيرهللم مللن أصللحاب مالللك والشللافعي بتحريللم ذلللك‪ .‬وطائفللة‬
‫أطلقللت الكراهللة والللذي ينبغللي أن تحمللل علللى كراهللة التحريللم‪،‬‬
‫إحسانا ً للظن بالعلماء‪ ،‬وأن ل يظن بهم أن يجوزوا فعللل مللا تللواتر‬
‫عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن فاعله والنهي عنلله‪ .‬ا ه‬
‫كلمه رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ولهما عنها أي عن عائشة رضي الله عنها قالت‪:‬‬
‫" لما نزل برسممول اللممه صمملى اللممه عليممه وسمملم طفممق‬
‫يطرح خميصة لممه علممى وجهممه‪ ،‬فممإذا اغتممم بهمما كشممفها‬
‫فقال وهو كذلك ‪ :‬لعن اللممه اليهممود والنصممارى‪ ،‬اتخممذوا‬
‫صنعوا‪ .‬ولممول ذلممك أبممرز‬
‫قبور أنبيائهم مساجد‪ ،‬يحذر ما‬
‫قبره‪ ،‬غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا ً " أخرجاه( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬ولهما أي البخاري ومسلم‪ .‬وهو يغنللى عللن قللوله فللي آخللره‬
‫أخرجاه ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬لما نللزل هللو بضللم النللون وكسللر الللزاي‪ .‬أي نللزل بلله ملللك‬
‫الموت والملئكة الكرام عليهم السلم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬طفق بكسر الفاء وفتحها‪ ،‬والكسر أفصح‪ .‬وبه جللاء القللرآن‪،‬‬
‫ومعناه جعل‪.‬‬
‫قوله‪ :‬خميصة بفتح المعجمة والصاد المهملة‪ .‬كساء له أعلم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فإذا اغتم بها كشفها أي عن وجهه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يللبين‬
‫أن من فعل مثل ذلك حل عليلله مللن اللعنللة مللا حللل علللى اليهللود‬
‫والنصارى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬يحذر ما صنعوا الظاهر أن هذا كلم عائشة رضي الللله عنهللا‬
‫لنها فهمت من قول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تحللذير أمتلله‬
‫ملن هلذا الصلنيع اللذي كلانت تفعلله اليهلود والنصلارى فلي قبلور‬
‫أنبيائهم‪ ،‬فإنه مللن الغلللو فللي النبيللاء‪ ،‬ومللن أعظللم الوسللائل إلللى‬
‫الشرك‪ .‬ومن غربة السلم أن ًهذا الللذي لعللن رسللول الللله صلللى‬
‫الله عليه وسلم فاعليه تحللذيرا لمتلله أن يفعلللوه معلله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم ومع الصالحين من أمتلله قللد فعللله الخلللق الكللثير مللن‬
‫متأخري هذه المة‪ ،‬واعتقدوه قربة من القربات‪ ،‬وهللو مللن أعظللم‬
‫السيئات والمنكرات‪ ،‬وما شعروا أن ذلك محادة لله ورسوله‪.‬‬
‫قال القرطبي في معنى الحديث‪ :‬وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية‬
‫إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الصنام‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫إذ ل فرق بين عبادة القبر ومن فيلله وعبللادة الصللنم‪ ،‬وتأمللل قللول‬
‫الله تعالى عن نبيه يوسف ابن يعقوب حيللث قللال‪ " :‬واتبعللت ملللة‬
‫آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب مللا كللان لنللا أن نشللرك بللالله مللن‬
‫شيء " نكرة في سياق النفي تعم كل شرك‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ولول ذلك أي ً ما كان يحذر من اتخاذ قللبر النللبي صلللى الللله‬
‫عليه وسلم مسجدا لبللرز قللبره وجعللل مللع قبللور الصللحابة الللذين‬
‫كانت قبورهم في البقيع‪.‬‬
‫قوله‪ :‬غير أنه خشللي أن يتخللذ مسللجدا ً روى بفتللح الخللاء وضللمها‪،‬‬
‫فعلى الفتح يكون هو الللذي خشللي ذلللك صلللى الللله عليلله وسلللم‪،‬‬
‫وأمرهم أن يدفنوه في المكان الذي قبض فيه‪ .‬وعلى رواية الضللم‬
‫لض‬
‫يحتمل أن يكون الصحابة هم الذين خافوا أن يقللع ذلللك مللن بع‬
‫غللللوا ً‬
‫المة‪ ،‬فلم يبرزوا قبره‪ ،‬خشية أن يقع ذلك مللن بعللض المللة‬
‫وتعظيما ً بما أبدى وأعاد من النهي والتحذير منه ولعن فاعله‪.‬‬
‫قال القرطبي‪ :‬ولهذا بللالغ المسلللمون فللي سللد الذريعللة فللي قللبر‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فأعلوا حيطان تربته وسللدوا المللداخل‬
‫إليها‪ ،‬وجعلوها محدقة بقبره صلى الله عليه وسلللم‪ ،‬ثللم خللافوا أن‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪97‬‬

‫يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلللين‪ ،‬فتصللور الصلللة‬
‫إليلله بصللورة العبللادة فبنللوا جللدارين مللن ركنللي القللبر الشللماليين‬
‫وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشللمال حللتى ل‬
‫يمكنوا أحد من استقبال قبره انتهى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ولمسلم عن جندب بممن عبممد اللممه قممال‪ :‬سمممعت‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس‪ ،‬وهو‬
‫خليممل‪.‬‬
‫يقول‪ " :‬إني أبرأ إلممى الل ًممه أن يكممون لممي منكممم‬
‫خليل ً ولممو‬
‫قد اتخذني خليل‪ ً ،‬كما اتخممذ إبراهيممم‬
‫فإن الله‬
‫خلي ً‬
‫ل‪ ،‬أل وإن‬
‫كنت متخذا ً من أمتي خليل لتخذت أبا بكر‬
‫من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيممائهم مسمماجد‪ ،‬أل‬
‫فل تتخذوا القبور مساجد‪ ،‬فإني أنهاكم عن ذلك "( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬عن جندب بن عبد الله أي ابن سفيان البجلي‪ ،‬وينسب إلللى‬
‫جده‪ ،‬صحابي مشهور‪ .‬مات بعد الستين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليللل أي أمتنللع عمللا ل‬
‫يجوز لي أن أفعله‪ .‬والخلة فوق المحبة والخليل هو المحبوب غايللة‬
‫الحب‪ ،‬مشتق من الخلة بفتح الخاء وهي تخلل المودة في القلللب‪،‬‬
‫كما قال الشاعر‪:‬‬
‫وبذا سمى الخليل خليل ً‬
‫قد تخللت مسلك الروح مني‬
‫هذا هو الصحيح في معناهلا كملا ذكلره شليخ السللم وابلن القيلم‬
‫وابن كثير وغيرهم رحمهم الله تعالى‪.‬‬
‫قال القرطبي‪ :‬وإنما كان ذلك لن قلبه صلى الله عليه وسلللم قللد‬
‫امتل من محبة الله وتعظيمه ومعرفته فل يسع خلة غيره‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فإن الله قد اتخذني خليل ً فيه بيان أن الخلة فوق المحبة‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله‪ :‬وأما مللا يظنلله بعللض الغللالطين مللن أن‬
‫المحبة أكمل من الخلة‪ ،‬وأن إبراهيم خليل الله‪ ،‬ومحمد حبيب الله‬
‫المحبللة‪.‬‬
‫فمن جهلهم‪ ،‬فإن المحبة عامة‪ ،‬والخلة خاصة وهي نهايللة‬
‫وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد اتخذه خليل ً ونفى‬
‫ولعمللر‬
‫أن يكون له خليل غير ربه‪ ،‬مع إخباره بحبه لعائشة ولبيهللا‪،‬‬
‫بن الخطاب‪ ،‬ومعاذ بن جبل وغيرهم رضي الله عنهم‪ .‬وأيضللا ً فللإن‬
‫اللله يحللب التلوابين ويحلب المتطهريلن ويحلب الصللابرين‪ ،‬وخلتله‬
‫خاصة بالخليلين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ولو كنللت متخللذا ً خليل ً ل تخللذت أبللا بكللر خليل ً فيلله بيللان أن‬
‫الصديق أفضل الصحابة‪ .‬وفيه الرد على الرافضللة وعلللى الجهميللة‬
‫وهما شر أهل البدع‪ ،‬وأخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين‬
‫فرقة‪ .‬وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور‪ ،‬وهم أول من‬
‫بنى عليها المساجد‪ .‬قاله المصنف رحملله الللله‪ ،‬وهللو كمللا قللال بل‬
‫ريب‪.‬‬
‫وفيه إشارة إلى خلفة أبي بكر‪ ،‬لن من كانت محبته لشخص أشد‬
‫كان أولى به من غيره‪ .‬وقد استخلفه على الصلة بالناس‪ ،‬وغضب‬
‫صلى الله عليه وسلم لما قيل يصلي بهم عمللر وذلللك فللي مرضلله‬
‫الذي توفى فيه صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫واسم أبي بكر‪ :‬عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن‬
‫سعد بن تيم بن مرة الصديق الكبر‪ ،‬خليفة رسول الله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم وأفضل الصحابة بإجماع من يعتد بقوله من أهل العلم‪.‬‬
‫مات في جمادى الولى سنة ثلث عشرة‪ ،‬وله ثلث وسللتون سللنة‬
‫رضي الله عنه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أل حرف استفتاح أل وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبللور‬
‫أنبيائهم مساجد‪ ...‬الحديث قال الخلخالي‪ :‬وإنكار النبي صلللى الللله‬
‫عليه وسلم صنيعهم هذا مخرج على وجهين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنهم يسجدون لقبور النبياء تعظيمًا‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنهم ًيجوزون الصلة في مدافن النبياء والتوجه إليها حالللة‬
‫الصلة‪ ،‬نظرا منهم بللذلك إلللى عبللادة الللله والمبالغللة فللي تعظيللم‬
‫النبيللاء‪ .‬والول‪ :‬هللو الشللرك الجلللي‪ .‬والثللاني‪ :‬الخلفللي‪ ،‬فلللذلك‬
‫استحقوا اللعن‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪98‬‬

‫قوله‪ :‬فقد نهى عنه في آخر حياته أي كما في حديث جندب‪ .‬وهللذا‬
‫من كلم شيخ السلم‪ .‬وكذا ما بعده‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ثم إنه لعللن‪ ،‬وهللو فللي السللياق مللن فعللله كمللا فللي حللديث‬
‫عائشة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فكيف يسوع بعد هذا التغليظ من سيد المرسلللين أن تعظللم‬
‫القبللور ويبنللى عليهللا ويصلللى عنللدها وإليهللا ؟ هللذا أعظللم مشلاقة‬
‫ومحادة لله تعالى ولرسوله لو كانوا يعقلون‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الصلة عندها من ذلك‪ ،‬وإن لم يبن مسللجد أي مللن اتخاذهللا‬
‫مساجد الملعون فاعله‪.‬‬
‫وهذا يقتضي تحريم الصلة عند القبور وإليها‪.‬‬
‫وعن أبي سللعيد الخللدري رضللي الللله عنلله مرفوعلا ً " الرض كلهللا‬
‫مسجد إل المقبرة والحمام " رواه أحمد وأهل السنن وصححه ابن‬
‫حبان والحاكم‪.‬‬
‫قال ابللن القيللم رحملله الللله‪ :‬وبالجملللة فملن للله معرفللة بالشللرك‬
‫وأسبابه وذرائعه وفهللم عللن رسللول الللله صلللى الللله عليلله وسلللم‬
‫مقاصده‪ ،‬جزم جزما ً ل يحتمللل النقيللض أن هللذه المبالغللة واللعللن‬
‫والنهي بصيغته صيغة ل تفعلوا وصيغة أني أنهللاكم عللن ذلللك ليللس‬
‫لجل النجاسة‪ ،‬بل هو لجل نجاسة الشللرك اللحقللة لمللن عصللاه‪،‬‬
‫وارتكب ما عنه نهاه‪ ،‬واتبللع هللواه‪ ،‬ولللم يخللش ربلله ومللوله‪ ،‬وقللل‬
‫نصيبه أو عدم من ل إله إل الله فإن هذا وأمثللاله ملن النللبي صلللى‬
‫الله عليه وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقلله الشللرك ويغشللاه‪،‬‬
‫وتجريد له وغضب لربه أن يعللدل بلله سللواه‪ ،‬فللأبى المشللركون إل‬
‫معصية لمره وارتكابلا ً لنهيلله‪ ،‬وغرهللم الشلليطان بلأن ًهللذا تعظيللم‬
‫لقبور المشايخ والصالحين‪ ،‬وكلما كنتم لها أشد تعظيما وأشد فيهم‬
‫غلوا كنتم بقربهم أسعد‪ ،‬ومن أعدائهم أبعد‪ ،‬ولعمر الللله‪ ،‬مللن هللذا‬
‫الباب دخل الشيطان على عباد يعوق ويغوث ونسرا‪ ،‬ودخللل علللى‬
‫عباد الصنام منذ كانوا إلللى يللوم القيامللة‪ ،‬فجمللع المشللركون بيللن‬
‫الغلو فيهم والطعن في طريقتهم‪ ،‬فهدى الله أهل التوحيد لسلللوك‬
‫طريقتهم وإنزالهم منازلهم الللتي أنزلهللم الللله إياهللا مللن العبوديللة‬
‫وسلب خصائص اللهية عنهم‪.‬‬
‫قال الشارح رحمه الله تعالى‪ :‬وممن علل بخوف الفتنلة بالشلرك‪:‬‬
‫المام الشافعي‪ ،‬وأبو بكر الثللرم‪ ،‬وأبللو محمللد المقدسللي‪ .‬وشلليخ‬
‫السلم وغيرهم رحمهم الله‪ .‬وهو الحق الذي ل ريب فيه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فإن الصحابة لم يكونللوا ليبنللوا حللول قللبره مسللجدا ً أي لمللا‬
‫علموا من تشديده في ذلك وتغليظه النهي عنه‪ ،‬ولعن من فعله‪.‬‬
‫مسجدا ً أي وإن لم‬
‫قوله‪ :‬وكل موضع قصدت الصلة فيه فقد اتخذ‬
‫يبن مسجد‪ ،‬بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا‪ ،‬يعني وإن لم‬
‫يقصد بذلك‪ ،‬كما إذا عرض لمن أراد أن يصلي فللأوقع الصلللة فللي‬
‫ذلك الموضع الللذي حللانت الصلللة عنللده مللن غيللر ً أن يقصللد ذلللك‬
‫الموضع بخصوصه‪ ،‬فصار بفعل الصلة فيه مسجدا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬كما قال صلى الله عليه وسلم " جعلت لللي الرض مسللجدا ً‬
‫وطهورا ً " أي فسمى الرض مسجدًا‪ ،‬تجوز الصلللة فللي كللل بقعللة‬
‫منهللا إل مللا اسللتثنى مللن المواضللع الللتي ل تجللوز الصلللة فيهللا‪،‬‬
‫كالمقبرة ونحوها‪.‬‬
‫قال البغوي في شللرح السللنة‪ :‬أراد أن أهللل الكتللاب لللم تبللح لهللم‬
‫وكنائسهم‪ ،‬فأباح الله لهذه المة الصلة حيللث‬
‫الصلة إل في بيعهم‬
‫كانوا‪ ،‬تخفيفا ً عليهم وتيسيرًا‪ ،‬ثم خص من جميع المواضع‪ :‬الحمللام‬
‫والمقبرة والمكان النجس‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ولحمد بسند جيد عن ابن مسممعود مرفوع ما ً " إن‬
‫من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء‪ ،‬والذين‬
‫يتخذون القبور مساجد " ورواه أبو حاتم ابن حبممان فممي‬
‫صحيحه( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬إن من شرار الناس بكسر الشين جمع شرير‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪99‬‬

‫قوله‪ :‬من تدركهم الساعة وهم أحياء أي مقدمتها‪ ،‬كخللروج الدابللة‪،‬‬
‫وطلوع الشمس فلي مغربهلا‪ .‬وبعلد ذللك ينفلخ فلي الصلور نفخلة‬
‫الفزع‪.‬‬
‫قوله‪ :‬والذين يتخذون القبور مسلاجد معطلوف عللى خلبر إن فلي‬
‫محل نصب على نية تكرار العامل‪ ،‬أي وإن من شرار الناس الذين‬
‫يتخذون القبور مساجد أي بالصلللة عنللدها وإليهللا‪ ،‬وبنللاء المسللاجد‬
‫عليها‪ ،‬وتقللدم فللي الحللاديث الصللحيحة أن هللذا مللن عمللل اليهللود‬
‫والنصل ًلارى وأن النللبي صلللى الللله عليلله وسلللم لعنهللم علللى ذلللك‪،‬‬
‫تحذيرا للمة أن يفعلوا مع ًنبيهم وصالحيهم مثل اليهود والنصللارى‪.‬‬
‫فما رفع أكثرهم بذلك رأسا‪ ،‬بل اعتقللدوا أن هللذا المللر قربللة لللله‬
‫تعالى‪ ،‬وهو مما يبعدهم عن الله ويطردهم عللن رحمتلله ومغفرتلله‪.‬‬
‫والعجللب أن أكللثر مللن يللدعى العلللم ممللن هللو مللن هللذه المللة ل‬
‫ينكرون ذلك‪ ،‬بل ربما استحسنوه ورغبوا في فعللله‪ ،‬فلقلد اشللتدت‬
‫غربة السلم وعاد المعروف منكرا ً والمنكر معروفًا‪ ،‬والسنة بدعة‬
‫والبدعة سنة‪ ،‬تنشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير‪.‬‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬أما بناء المساجد على القبللور فقللد صللرح عللام‬
‫الطوائف بالنهي عنه‪ ،‬متابعة للحاديث الصللحيحة‪ .‬وصللرح أصللحابنا‬
‫وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريمه‪ ،‬ثللم ذكللر الحللاديث‬
‫في ذلك إلى أن قلال وهلذه المسلاجد المبنيللة عللى قبللور النبيللاء‬
‫الملوك وغيرهم تتعيللن إزالتهللا بهللدم أو غيللره‪ .‬هللذا‬
‫والصالحين‪ ،‬أو‬
‫مما ل أعلم فيه خلفا ً بين العلماء المعرفين‪.‬‬
‫وقال ابن القيم رحمه الللله‪ :‬يجللب هللدم القبللاب الللتي بنيللت علللى‬
‫القبور‪ ،‬لنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلللم‪،‬‬
‫وقد أفتى جماعة من الشافعية بهدم ما فللي القرافللة مللن البنيللة‪،‬‬
‫منهم ابن الجميزي والظهير التزميني وغيرهما‪.‬‬
‫وقال القاضي ابن كلج‪ :‬ول يجلوز أن تجصللص القبللور‪ ،‬ول أن يبنلى‬
‫عليها قباب‪ ،‬ول غير قباب‪ ،‬والوصية بها باطلة‪.‬‬
‫وقال الذرعي‪ :‬وأما بطلن الوصية ببناء القباب وغيرها من البنيللة‬
‫وانفاق الموال الكثيرة‪ ،‬فل ريب في تحريمه‪.‬‬
‫وقال القرطبي في حديث جابر رضي الللله عنلله نهللى أن يجصللص‬
‫القبر أو يينى عليه وبظاهر هللذا الحللديث قللال مالللك‪ ،‬وكللره البنللاء‬
‫والجص على القبور‪ .‬وقد أجازه غيره‪ ،‬وهذا الحديث حجة عليه‪.‬‬
‫وقللال ابللن رشللد‪ :‬كللره مالللك البنللاء علللى القللبر وجعللل البلطللة‬
‫المكتوبة‪ ،‬وهو من بدع أهل الطول‪ ،‬أحدثوه إرادة الفخر والمباهللاة‬
‫والسمعة‪ ،‬وهو مما ل اختلف عليه‪.‬‬
‫وقال الزيلغي في شرح الكنز‪ :‬ويكره أن يبنللي علللى القللبر‪ .‬وذكللر‬
‫قاضي خان‪ :‬أنه ل يجصص القبر ول يبني عليه‪ .‬لما روى عن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التجصيص وللبنللاء فللوق القللبر‪.‬‬
‫والمراد بالكراهة عند الحنفيلة رحمهلم اللله كراهلة التحريلم‪ .‬وقلد‬
‫ذكر ذلك ابن نجيم في شرح الكنز‪.‬‬
‫الشافعي رحمه اللله‪ :‬أكلره أن يعظلم مخللوق‪ ،‬حلتى يجعلل‬
‫وقال‬
‫قبره مسجدا ً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من النللاس‪ .‬وكلم‬
‫الشافعي رحمه الله يبين أن مرده بالكراهة كراهة التحريم‪.‬‬
‫شللرح‬
‫قال الشارح رحمه الله تعالى‪ :‬وجزم النووي رحمه الله في‬
‫المهذب بتحريم البناء مطلقًا‪ ،‬وذكر في شرح مسلم نحوه أيضًا‪.‬‬
‫وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة إمام الحنابلللة صللاحب‬
‫المصنفات الكبار كالمغنى‪ ،‬والكافى وغيرهما رحمه الله تعالى‪ :‬ول‬
‫يجوز اتخاذ المساجد على القبور‪ .‬لن النبي صلى الله عليه وسلللم‬
‫قال‪ " :‬لعن الله اليهود والنصارى‪ " ...‬الحديث وقد روينا أن ابتللداء‬
‫عبللادة الصللنام‪ :‬تعظيللم المللوات واتخللاذ صللورهم‪ ،‬والتمسللح بهللا‬
‫والصلة عندها‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله‪ :‬وأما المقبرة فل فرق فيها‬
‫بين الجديدة والعتقية‪ ،‬انقلبت تربتها أو لم تنقلب‪ .‬ول فرق بيللن أن‬
‫يكون بينه وبيلن الرض حلائل أو ل‪ ،‬لعملوم السلم وعملوم العللة‪،‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪10‬‬
‫‪0‬‬

‫ولن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الذين اتخللذوا قبللور أنبيللائهم‬
‫مساجد‪ ،‬ومعلوم أن قبور النبياء ل تنجس‪.‬‬
‫وبالجملة فمن علل النهي عن الصلة في المقلبرة بنجاسلة التربلة‬
‫خاصة فهو بعيد عن مقصود النللبي صلللى الللله عليلله وسلللم‪ ،‬ثللم ل‬
‫يخلو أن يكللون القللبر قللد بنللى عليلله مسللجد‪ ،‬فل يصلللي فللي هللذا‬
‫المكان سواء صلى خلف القبر أو أمامه بغير خلف فللي المللذهب‪:‬‬
‫لن النبي صلى الله عليه وسلم قللال " إن مللن كللان قبلكللم كللانوا‬
‫يتخللذون قبللور أنبيللائهم وصللالحيهم مسللاجد‪ ،‬أل فل تتخللذوا القبللور‬
‫مساجد فإني أنهاكم عللن ذلللك " وخللص قبللور النبيللاء لن عكللوف‬
‫الناس على قبورهم أعظم‪ ،‬واتخاذها مساجد أشللد‪ ،‬وكللذلك إن لللم‬
‫يكن عليه بنى مسجد‪ ،‬فهذا قد ارتكب حقيقة المفسدة الللتي كللان‬
‫الصلة عند القبور من أجلها‪ ،‬فإن كل مكللان صلللى فيلله‬
‫النهي عن‬
‫مسجد ً‬
‫ا‪،‬كما قال صلى الله عليه وسلم " جعلت لللي الرض‬
‫يسمى‬
‫ً‬
‫مسجدا ً وطهورا " وإن كان موضع قبر أو قبرين‪.‬‬
‫وقللال بعللض أصللحابنا‪ :‬ل يمنللع الصلللة فيهللا لنلله ل يتناولهللا اسللم‬
‫المقبرة‪ ،‬وليس في كلم أحمد ول بعض أصللحابه هللذا الفللرق‪ ،‬بللل‬
‫عموم كلمهم يقتضى منع الصلة عند كل قبر‪.‬‬
‫وقد تقدم عن علي رضي الله عنه أنه قال‪ :‬ل أصلي في حمللام ول‬
‫عند قبر ‪.‬‬
‫فعلى هذا ينبغي أن يكون النهللي متنللاول ً لحريللم القللبر وفنللائه‪ ،‬ول‬
‫لبرة‪ ،‬سللواء كللان للله حيطللان‬
‫تجوز الصلة في مسجد بني فللي مقل‬
‫تحجز بينه وبين القبور أو كان مكشوفًا‪.‬‬
‫قال في رواية الثرم‪ :‬إذا كان المسللجد بيللن القبللور ل يصلللى فيلله‬
‫الفريضة‪ ،‬وإن كان بينها وبين المسجد حاجز فرخص أن يصلي فيه‬
‫على الجنائز ول يصلى فيلله علللى غيللر الجنللائز‪ .‬وذكللر حللديث أبللي‬
‫مرثد عن النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬ل تصلوا على القبور وقللال‪:‬‬
‫إسناده جيد‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫ولو تتبعنا كلم العلماء في ذلك ل حتمل عدة أوراق‪ .‬فتبين بهذا أن‬
‫العلماء رحمهم الله بينوا أن علة النهللي مللا يللؤدي إليلله ذلللك‪ :‬مللن‬
‫الغلو فيها وعبادتها من دون الله كما هو الواقع والله المستعان‪.‬‬
‫وقد حدث بعد الئمة الذين يعتد بقولهم أناس كثر في أبواب العلم‬
‫بالله اضطرابهم‪ ،‬وغلظ عن معرفة مللا بعللث الللله بلله رسللوله مللن‬
‫الهدى والعلم حجابهم فقيدوا نصوص الكتاب والسنة بقيود أوهنللت‬
‫النقياد وغيروا بها ما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم بللالنهي‬
‫وأراد‪ .‬فقال لتنجسها بصديد الموتى‪ ،‬وهذا كللله باطللل مللن وجللوه‪:‬‬
‫منها‪ :‬أنه من القول على الله بل علم‪ .‬وهو حرام بنص الكتاب‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن ما قالوه ل يقتضى لعن فاعله والتغليظ عليه‪ ،‬وما المانع‬
‫له أن يقول‪ :‬صلى في بقعة نجسة فعليه لعنة الله‪ .‬ويلزم على مللا‬
‫قاله هؤلء أن النبي صلى الله عليه وسلم لللم يللبين العلللة‪ ،‬وأحللال‬
‫المة في بيانها على من يجيء بعده صلى الللله عليلله وسلللم وبعللد‬
‫القرون المفضلة والئمة‪ ،‬وهذا باطل قطعا ً وعقل ً وشرعًا‪ ،‬ل يلللزم‬
‫عليه من أن الرسول صلى الللله عليلله وسلللم عجللز عللن البيللان أو‬
‫قصر في البلغ‪ ،‬وهذا من أبطل الباطل‪ .‬فإن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم بلغ البلغ المبين‪ ،‬وقدرته في البيللان فللوق قللدرة كللل أحللد‪،‬‬
‫فإذا بطل اللزم بطل الملزوم‪.‬‬
‫ويقال أيضًا‪ :‬هذا اللعن والتغليظ الشديد إنما هو فيمللن اتخللذ قبللور‬
‫النبياء مساجد‪ ،‬وجاء في بعض النصوص ما يعللم النبيللاء وغيرهللم‪،‬‬
‫فلو كانت هذه هي العلة لكللانت منتفيللة فللي قبللور النبيللاء‪ ،‬لكللون‬
‫أجسادهم طرية ل يكون لها صديد يمنع من الصلللة عنللد قبللورهم‪،‬‬
‫فإذا كان النهي عن اتخاذ المساجد عند القبور يتناول قبللور النبيللاء‬
‫بلالنص‪ ،‬عللم أن العللة ملا ذكلره هلؤلء العلملاء اللذين قلد نقللت‬
‫أقوالهم‪ ،‬والحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة‪ .‬والحمد لللله‬
‫الذي هدانا لهذا‪ ،‬وما كنا لنهتدي لول أن هدانا الله‪.‬‬

‫‪10‬‬
‫‪1‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫باب‬
‫ما جاء أن الغلو ً في قبور الصالحين‬
‫يصيرها أوثانا تعبد من دون الله‬
‫ماب‪ :‬ممما جمماء أن الغلممو فممي قبممور الصممالحين‬
‫قمموله‪) :‬بم‬
‫يصيرها أوثانا ً تعبد من دون الله( ‪:‬‬
‫روى مالك في الموطأ أن ًرسول الله صلى الله عليه وسلم قللال‪:‬‬
‫" اللهم ل تجعل قبرى وثنا يعبد‪ ،‬اشتد غضب الله على قوم اتخذوا‬
‫قبور أنبيائهم مساجد " ‪.‬‬
‫هذا الحديث رواه مالك مرسل ً عن زيد بلن أسللم‪ ،‬علن عطلاء بلن‬
‫يسار‪ :‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪ ...‬الحديث‪ .‬ورواه‬
‫ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عجلن عللن زيللد بللن أسلللم بلله‪،‬‬
‫عطاء‪ ،‬ورواه البزار عن زيد علن عطلاء علن أبلي سلعيد‬
‫ولم يذكر‬
‫الخدري مرفوعًا‪.‬‬
‫لن‬
‫وله شاهد عند المام أحمد بسنده عن سهيل بللن ًأبللي صللالح عل‬
‫قوما ً‬
‫أبيه عن أبي هريرة رفعه‪ :‬اللهم ل تجعل قبري وثنا‪ ،‬لعن الله‬
‫اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬روى مالك في الموطأ هو المام مالك بن أنس بن مالك بن‬
‫أبللي عللامر بللن عمللرو الصللبحي‪ ،‬أبللو عبللدالله المللدني‪ .‬إمللام دار‬
‫الهجرة وأحلد الئملة الربعلة وأحلد المتقنيلن للحلديث‪ ،‬حلتى قلال‬
‫البخاري‪ :‬أصح السانيد مالك عن نافع عللن ابللن عمللر‪ ،‬مللات سللنة‬
‫تسع وسبعين ومائة‪ .‬وكان مولده سنة ثلث وتسللعين‪ .‬وقيللل أربللع‬
‫وتسعين‪ .‬وقال الواقدي‪ :‬بلغ تسعين سنة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬اللهم ل تجعل قبرى وثنا ً يعيد قد اسللتجاب الللله دعللاءه كمللا‬
‫قال ابن القيم رحمه الله تعالى‪:‬‬
‫فأجاب رب العالمين دعاءه‬

‫وأحاطه بثلثة الجداران‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫حتى غدت أرجاؤه بدعائه‬

‫‪10‬‬
‫‪2‬‬
‫في عزة وحماية وصيان‬

‫ودل الحديث على أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لو عبد لكان‬
‫وثنًا‪ ،‬لكن حماه الله تعالى بمللا حللال بينلله وبيللن النللاس فل يوصللل‬
‫إليه‪ .‬ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابللد مللن القبللور‬
‫والتللوابيت الللتي عليهللا‪ .‬وقللد عظمللت الفتنللة بللالقبور لتعظيمهللا‬
‫وعبادتها‪ ،‬كما قال عبد الله بن مسعود رضي الللله عنلله كيللف أنتللم‬
‫إذا مستكم فتنة يهرم فيها الكبير‪ ،‬وينشأ فيها الصغير‪ .‬تجرى علللى‬
‫الناس يتخذونها سنة‪ ،‬إذا غيرت قيل‪ :‬غيرت السنة انتهى‪.‬‬
‫ولخوف الفتنة نهى عن عمر تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قال ابن وضاح‪ :‬سمعت عيسللى بللن يللونس يقللول‪ :‬أمللر عمللر بللن‬
‫الخطاب رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم فقطعها لن الناس كانوا يلذهبون فيصللون تحتهلا‪،‬‬
‫فخاف عليهم الفتنة‪.‬‬
‫وقال المعرور بن سويد‪ :‬صليت مع عمر بن الخطاب بطريق مكللة‬
‫صلة الصبح‪ .‬ثم رأى النللاس يللذهبون مللذاهب‪ ،‬فقللال‪ :‬أيللن يللذهب‬
‫هؤلء ؟ فقيل‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬مسجد صلى فيه النبي صلى الله‬
‫قبلكم بمثل‬
‫عليه وسلم فهم يصلون فيه‪ ،‬فقال‪ :‬إنما هلك من كان‬
‫هللذا‪ ،‬كللانوا يتتبعللون آثللار أنبيللائهم ويتخللذونها كنللائس وبيعلًا‪ ،‬فمللن‬
‫أدركتلله الصلللة فللي هللذه المسللاجد فليصللل‪ .‬ومللن ل فليمللض ول‬
‫يتعمدها ‪.‬‬
‫وفي مغازي ابن إسحاق من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلللدة‬
‫العالية قال‪ :‬لمللا فتحنللا تسللتر وجللدنا فللي‬
‫خالد بن دينار‪ .‬حدثنا أبو‬
‫بيت مال الهرمزان سريرا ً عليه رجل ميللت‪ ،‬عنللد ً رأسلله مصللحف‪.‬‬
‫فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر‪ ،‬فدعا له كعبا فنسخه بالعربية‪،‬‬
‫فأنا أول رجل قرأه من العرب‪ ،‬قرأته مثل ما أقرأ القللرآن‪ .‬فقلللت‬
‫لبي العالية‪ :‬ما كان فيه ؟‪ .‬قال‪ :‬سيرتكم وأموركم ولحون كلمكم‬
‫وما هو كائن بعد‪ .‬قلت‪ ً :‬فمللاذا صللنعتم بالرجللل ؟ قللال‪ :‬حفرنللا للله‬
‫بالنهار ثلثة عشرة قبرا متفرقللة‪ .‬فلمللا كللان الليللل دفنللاه وسللوينا‬
‫القبور كلها لنعميه عن الناس ل ينبشونه‪ .‬قلت‪ :‬وما يرجون منلله ؟‬
‫قال‪ :‬كانت السللماء إذا حبسللت عنهللم بللرزوا بسللريره فيمطللرون‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬مللن كنتللم تظنللون الرجللل ؟ قللال‪ :‬رجللل يقللال للله دانيللال‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬منذ كم وجدتموه مات ؟ قال‪ :‬منذ ثلثمائة سنة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ما كان تغير منه شئ ؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬إل شللعيرات مللن قفللاه‪ ،‬إن‬
‫لحوم النبياء ل تبليها الرض‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله‪ :‬ففي هذه القصللة مللا فعللله المهللاجرون‬
‫والنصار رضي الله عنهم من تعمية قبره لئل يفتتن به‪ ،‬ولم يبرزوه‬
‫للدعاء عنده والتبرك بله‪ ،‬وللو ظفلر بله المتلأخرون لجاللدوا عليله‬
‫بالسيف ولعبدوه من دون الله‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله‪ :‬وهو إنكللار منهللم لللذلك‪ ،‬فمللن قصللد‬
‫بقعة يرجو الخير بقصدها ولم يسللتحب الشللارع قصللدها فهللو مللن‬
‫المنكرات‪ ،‬وبعضه أشد من بعض‪ ،‬سواء قصللدها ليصلللي عنللدها أو‬
‫ليدعو عندها‪ ،‬أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله عندها‪ ،‬أو لينسك عنللدها‬
‫البقعة بنوع من العبادة التى لم يشرع تخصيصللها‬
‫بحيث يخص تلك‬
‫به ل نوعا ً ول عينلًا‪ ،‬إل أن ذلللك قللد يجللوز بحكللم التفللاق ل لقصللد‬
‫الدعاء فيها‪ ،‬كمن يزورها ويسلللم عليهللا‪ ،‬ويسللأل الللله العافيللة للله‬
‫وللموتى‪ ،‬كما جاءت به السللنة‪ .‬وأمللا تحللرى الللدعاء عنللدها بحيللث‬
‫الدعاء هناك أجوب منه فلى غيلره‪ ،‬فهللذا هلو المنهلى‬
‫يستشعر أن‬
‫عنه‪ .‬انتهى ملخصًا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيللائهم فيلله تحريللم‬
‫البناء على القبور‪ ،‬وتحريم الصلة عندها‪ ،‬وأن ذلك من الكبائر‪.‬‬
‫وفى القرى للطللبرى مللن أصللحاب مالللك عللن مالللك أنلله كللره أن‬
‫وعلللل ذلللك بقللوله‬
‫يقول‪ :‬زرت قبر النبي صلى الله عليلله وسل‬
‫للم‪،‬وثنا ً‬
‫الحللديث‪.‬‬
‫"‬
‫يعبد‬
‫قبري‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ " :‬اللهم ل تجعل‬
‫يقع التشبه بفعل أولئك‪ ،‬سدا ً‬
‫كره إضافة هذا اللفظ إلى القبر‪ ،‬لئل‬
‫للذريعة‪.‬‬
‫وهم‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله تعالى‪ :‬ومالك قد أدرك التابعين‪،‬‬
‫معروفلا ً‬
‫أعلم الناس بهذه المسألة‪ ،‬فدل ذلللك علللى أنلله لللم يكللن‬
‫عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلللم إلللى أن قللال‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪10‬‬
‫‪3‬‬

‫وقد ذكروا أسباب كراهته لن يقللول‪ :‬زرت قللبر النللبي صلللى الللله‬
‫عليه وسلم لن هذا اللفظ قد صار كثير من الناس يريد به الزيارة‬
‫البدعية‪ ،‬وهو قصد الميت لسؤاله ودعائه‪ ،‬والرغبة إليه فللي قضللاء‬
‫الحوائج‪ ،‬ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس‪ ،‬فهللم يعنللون بلفللظ‬
‫الزيارة مثل هذا‪ .‬وهذا ليس بمشروع باتفاق الئمة‪ .‬وكره مالك أن‬
‫يتكلم بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد‪ ،‬بخلف الصلة والسلللم‬
‫عليه‪ ،‬فإن ذلك مما أمر الله به‪ .‬أما لفظ الزيارة في عموم القبللور‬
‫فل يفهم منها مثل هذا المعنى‪ .‬أل ترى إلى قللوله‪ :‬فللزوروا القبللور‬
‫فإنها تذكركم الخرة مع زيارته لقللبر أملله‪ .‬فللإن هللذا يتنللاول قبللور‬
‫الكفار‪ .‬فل يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه وسللؤاله والسللتغاثة‬
‫به‪ ،‬ونحو ذلك مما يفعله أهلل الشلرك والبلدع‪ ،‬بخلف ملا إذا كلان‬
‫المزور معظما ً في الدين كالنبياء والصالحين‪ ،‬فإنه كثيرا ً مللا يعنللي‬
‫بزيارة قبورهم هذه الزيارة البدعية الشركية‪،‬فلهذا كره مالك ذلللك‬
‫في مثل هذا‪ ،‬وإن لم يكره ذلك فللي موضللع آخللر ليللس فيلله هللذه‬
‫المفسدة‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬أن النبي صلى الللله عليلله وسلللم لللم يسللتعذ إل ممللا يخللاف‬
‫وقوعه‪ .‬ذكره المصنف رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ول بن جرير بسنده عن سفيان عن منصممور عممن‬
‫مجاهد " أفرأيتم اللت والعممزى " قممال‪ :‬كممان يلممت لهممم‬
‫السويق‪ ،‬فمات فعكفوا على قبره‪ ،‬كذا قال أبو الجوزاء‬
‫عن ابن عباس قال‪ :‬كان يلت السويق للحاج( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬ولبن جرير هللو المللام الحللافظ محمللد بللن جريللر بللن يزيللد‬
‫الطللبري‪ ،‬صللاحب التفسللير والتاريللخ والحكللام وغيرهللا‪ .‬قللال ابللن‬
‫الرض أعلم من محمد بللن جريللر وكللان مللن‬
‫خزيمة‪ :‬ل أعلم على‬
‫المجتهللدين ل يقلللد أحللدًا‪ .‬وللله أصللحاب يتفقهللون علللى مللذهبه‬
‫ويأخذون بأقواله‪ .‬ولد سنة أربع وعشرين ومللائتين‪ ،‬ومللات ليللومين‬
‫بقيا من شوال سنة عشر وثلثمائة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عللن سللفيان الظللاهر‪ :‬أنلله سللفيان بللن سللعيد بللن مسللروق‬
‫الثوري ً أبللو عبللد الللله الكللوفي ثقللة حللافظ فقيلله إمللام عابللد كللان‬
‫مجتهدا‪ ،‬وله أتباع يتفقهون على مذهبه‪ .‬مات سللنة إحللدى وسللتين‬
‫ومائة‪ ،‬وله أربع وستون سنة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عن منصور هو ابن المعتمر بن عبد الله السلللمي ثقللة ثبللت‬
‫فقيه‪ .‬مات سنة اثنتين وثلثين ومائة‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬عللن مجاهللد هللو ابللن جللبر بللالجيم الواحللدة أبللو الحجللاج‬
‫المخزومي مولهم المكي‪ ،‬ثقة إمام فللي التفسللير‪ ،‬أخللذ عللن ابللن‬
‫عباس وغيره رضي الله عنهم‪ .‬مات سنة أربلع ومللائة‪ ،‬قلاله يحيللى‬
‫القطان‪ ،‬وقلال ابلن حبلان‪ :‬ملات سلنة اثنلتين أو ثلث وملائة وهلو‬
‫ساجد‪ ،‬ولد سنة إحدى وعشرين في خلفة عمر رضي الله عنه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬كان يلت السويق لهم فمات فعكفوا على قللبره فلي روايللة‪:‬‬
‫فيطعم من يمر من الناس‪ .‬فلمللا مللات عبللدوه‪ ،‬وقللالوا‪ :‬هللو اللت‬
‫رواه سعيد بن منصور‪.‬‬
‫ومناسبته للترجمة‪ :‬أنهم غلوا فيه لصلحه حتى عبدوه وصار قللبره‬
‫وثنا ً من أوثان المشركين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وكذا قال أبو الجوزاء هللو أوس بللن عبللد الللله الربعللي‪ ،‬فتللح‬
‫الراء والباء‪ ،‬مات سنة ثلث وثمانين‪.‬‬
‫قال البخاري‪ :‬حدثنا مسلم وهلو ابلن إبراهيللم‪ .‬حللدثنا أبللو الشللهب‬
‫حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس قال‪ :‬كان اللت رجل ً يلت سللويق‬
‫الحجاج ‪.‬‬
‫قال ابن خزيمة‪ :‬وكللذا العللزى‪ ،‬وكللانت شللجرة عليهللا بنللاء وأسللتار‬
‫بنخلة‪ ،‬بين مكة والطائف‪ ،‬كانت قريللش يعظمونهللا‪ ،‬كمللا قللال أبللو‬
‫سفيان يوم أحد‪ :‬لنا العزى ول عزى لكم ‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعن ابن عباس رضي اللممه عنهممما قممال‪ " :‬لعممن‬
‫رسممول اللممه صمملى اللممه عليممه وسمملم زائرات القبممور‬
‫والمتخمممذين عليهممما المسممماجد والسمممرج " رواه أهمممل‬
‫السنن( ‪:‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪10‬‬
‫‪4‬‬

‫قلت‪ :‬وفي الباب حديث عن أبي هريرة وحديث حسان بللن ثللابت‪.‬‬
‫فأما حديث أبي هريرة فللرواه أحملد والترمللذي وصلححه‪ .‬وحللديث‬
‫حسان أخرجه ابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن حسان بن ثابت‬
‫عن أبيه قال‪ " :‬لعن رسول الللله صلللى الللله عليلله وسلللم زوارات‬
‫القبور "‪.‬‬
‫وحديث ابن عباس هذا في إسناده أبو صالح مولى أم هانيء‪ ،‬وقللد‬
‫ووثقة بعضهم‪ .‬قللال علللى بللن المللديني‪ ،‬عللن يحيللى‬
‫ضعفه بعضهم‬
‫أبا صالح مولى أم هاني‪ .‬وما‬
‫القطان‪ :‬لم ًأر أحدا ً من أصحابنا ترك‬
‫ً‬
‫سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا‪ ،‬ولم يتركه شعبة ول زائدة‬
‫ول عبد الله بن عثمان‪ .‬قال ابن معين‪ :‬ليس به بأس ولهذا أخرجلله‬
‫ابن السكن في صحيحه‪ .‬انتهللى مللن الللذهب البريللز عللن الحللافظ‬
‫المزي‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله تعالى‪ :‬وقد جاء عن النبي صلللى الللله‬
‫عليه وسلم من طريقين‪ :‬فعن أبللي هريللرة رضللي الللله عنلله‪ " :‬أن‬
‫رسول الله صلللى الللله عليلله وسلللم لعللن زوارات القبللور " وذكللر‬
‫حديث ابن عباس‪ .‬ثم قال‪ :‬ورجال هذا ليس رجال هذا‪ .‬فلم يأخذه‬
‫أحدهما عن الخر‪ .‬وليس في السنادين ملن يتهلم بالكلذب‪ .‬ومثلل‬
‫هذا حجة بل ريب‪ .‬وهذا من أجود الحسن الللذي شللرطه الترمللذي‪،‬‬
‫الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيه متهللم‪ ،‬ولللم يكللن‬
‫فإنه جعل‬
‫شاذًا‪ ،‬أي مخالفا ً لما ثبت بنقل الثقات وهذا الحديث تعددت طرقه‬
‫وليس فيها متهللم ول خللالفه أحللد مللن الثقللات‪ ،‬هللذا لللو كللان عللن‬
‫صاحب واحد‪ ،‬فكيف إذا كللان رواه عللن صللاحب وذاك عللن آخللر ؟‬
‫فهذا كله يبين أن الحديث في الصل معروف‪.‬‬
‫والذين رخصوا في الزيارة اعتمدوا على ما روى عن عائشة رضي‬
‫الله عنها أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن وقالت‪ :‬للو شلهدتك ملا‬
‫زرتللك وهللذا يللدل علللى أن الزيللارة ليسللت مسللتحبة للنسللاء كمللا‬
‫تستحب الرجال‪ .‬إذ لو كان كذلك ل ستحبت زيللارته سللواء شللهدته‬
‫أم ل‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فعلى هذا ل حجة فيه لمن قال بالرخصة‪.‬‬
‫وهذا السياق لحديث عائشة رواه الترمذي من رواية عبد الللله بللن‬
‫عنها‪ ،‬وهو يخالف سياق الثرم له عن عبد الله بللن أبللي‬
‫أبي مليكة‬
‫مليكللة أيض لًا‪ :‬أن عائشللة رضللي الللله عنهللا أقبلللت ذات يللوم مللن‬
‫المقابر‪ .‬فقلت لها‪ :‬يا أم المؤمنين‪ ،‬أليس نهلى رسلول اللله صللى‬
‫الله عليه وسلم عن زيلارة القبللور ؟ قلالت‪ :‬نعللم نهلى علن زيللارة‬
‫القبور‪ ،‬ثم أمر بزيارتها ‪.‬‬
‫فأجاب شيخ السلم رحمه الله عن هذا وقال‪ :‬ول حجة في حديث‬
‫عائشة فإن المحتج عليهللا احتلج بلالنهي العلام‪ ،‬فللدفعت ذللك بلأن‬
‫النهي منسوخ‪ ،‬ولم يذكر لها المحتج النهللي الخللاص بالنسللاء الللذي‬
‫فيه لعنهن على ً الزيارة‪ .‬يبين ذلك قولها قد أمر بزيارتها فهذا يللبين‬
‫أنه أمر بها أمرا يقتضللي السللتحباب‪ ،‬والسللتحباب إنمللا هللو ثللابت‬
‫للرجال خاصة‪ .‬ولو كانت تعتقد أن النساء مأمورات بزيلارة القبلور‬
‫لكانت تفعل ذلك كما يفعللله الرجللال ولللم تقللل لخيهللا لمللا زرتللك‬
‫واللعن صريح في التحريم‪ ،‬والخطاب بالذن في قوله فزوروها للم‬
‫في الحكم الناسخ‪ ،‬والعللام إذا عللرف أنلله‬
‫يتناول النساء فل يدخلن‬
‫بعد الخاص لم يكللن ناسللخا ً للله عنللد جمهللور العلمللاء‪،‬وهللو مللذهب‬
‫الشافعي وأحمد فللي أشللهر الروايللتين عنلله‪ ،‬وهللو المعللروف عنللد‬
‫أصحابه‪ ،‬فكيف إذا لم يعلم أن هذا العام بعد الخاص ؟ إذ قد يكون‬
‫قوله‪ :‬لعن الله زوارات القبور بعد إذنه للرجال فللي الزيللارة‪ .‬يللدل‬
‫على ذلك أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج‪ .‬ومعلوم أن‬
‫اتخللاذ المسللاجد والسللرج المنهللي عنهللا محكللم‪ ،‬كمللا دلللت عليلله‬
‫الحاديث الصحيحة وكذلك الخر‪.‬‬
‫والصحيح‪ :‬أن النساء لم يدخلن في الذن فللي زيللارة القبللور لعللدة‬
‫أوجه‪:‬‬
‫صلى الله عليه وسلم فزوروها صيغة تذكير‪ .‬وإنمللا‬
‫أحدها‪ :‬أن قوله‬
‫يتناول النساء أيضا ً على سبيل التغليب‪ .‬لكن هذا فيه قولن‪ ،‬قيللل‪:‬‬
‫إنه يحتاج إلى دليل منفصل‪ ،‬وحينئذ فيحتاج تناول ذلك للنساء إلللى‬
‫دليل منفصل‪ ،‬وقيل أنه يحتمل على ذلك عند الطلق‪ .‬وعلللى هللذا‬
‫فيكون دخول النساء بطريق العمللوم الضللعيف‪ ،‬والعللام ل يعللارض‬
‫الدلة الخاصة ول ينسخها عنللد جمهللور العلمللاء‪ ،‬ولللو كللان النسللاء‬
‫داخلت في هذا الخطاب ل ستحب لهن زيللارة القبللور‪ .‬ومللا علمنللا‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪10‬‬
‫‪5‬‬

‫أحدا ً من الئمة استحب لهن زيللارة القبللور‪ ،‬ول كللان النسللاء علللى‬
‫عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشللدين يخرجللن إلللى‬
‫زيارة القبور‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن النبي صلى الله عليه وسلم علل الذن للرجال بأن ذلللك‬
‫" يذكر الموت‪ ،‬ويرقللق القلللب‪ ،‬وتللدمع العيللن " هكللذا فللي مسللند‬
‫أحمد‪ .‬ومعلللوم أن المللرأة إذا فتللح بالهللا هللذا البللاب أخرجهللا إلللى‬
‫الجزع والندب والنياحة‪ ،‬لمللا فيهللا مللن الضللعف وقلللة الصللبر‪ .‬وإذا‬
‫كانت زيارة النساء مظنة وسببا ً للمور المحرمة فللإنه ل يمكللن أن‬
‫يحد المقدار الذي ل يفضي إلى ذلللك‪ ،‬ول التمييللز بيللن نللوع ونللوع‪،‬‬
‫كانت خفية أو منتشللرة علللق‬
‫ومن أصول الشريعة‪ :‬أن الحكمة إذا‬
‫الحكم بمظنتها‪ .‬فيحرم هذا الباب سدا ً للذريعللة‪ ،‬كمللا حللرم النظللر‬
‫إلى الزينة الباطنة‪ ،‬وكما حرم الخلوة بالجنبية وغيللر ذلللك‪ .‬وليللس‬
‫في ذلك من المصلحة ما يعارض هللذه المفسللدة‪ .‬فللإنه ليللس فللي‬
‫ذلك إلى دعاؤها للميت وذلك ممكن في بيتها‪.‬‬
‫ومن العلماء من يقول‪ :‬التشللييع كللذلك‪ ،‬ويحتللج بقللوله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم " ارجعن مأزورات غير مأجورات‪ ،‬فللإنكن تفتللن الحللي‬
‫وتؤذين الميت "‪ ،‬وقوله لفاطمة‪ " :‬أما إنك لو بلغت معهللم الكللدى‬
‫لم تدخلي الجنة " ويؤيلده ملا ثبلت فلي الصلحيحين ملن أنله نهلى‬
‫النساء عن اتباع الجنائز ومعلوم أن قوله صلى الله عليه وسلللم‪" :‬‬
‫من صلللى علللى جنللازة فللله قيللراط ومللن تبعهللا حللتى تللدفن فللله‬
‫قيراطان " وهو أدل على العموم من صيغة التذكير‪ .‬فإن لفظ مللن‬
‫يتنللاول الرجللال والنسللاء باتفللاق النللاس‪ ،‬وقللد علللم بالحللاديث‬
‫الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء لنهي النللبي صلللى الللله‬
‫يدخلن في هللذا العمللوم‬
‫عليه وسلم لهن عن اتباع الجنائز‪ ،‬فإذا لم‬
‫فكذلك في ذلك بطريق الولى‪ .‬انتهى ملخصًا‪.‬‬
‫قلللت‪ :‬ويكللون الذن فللي زيللارة القبللور مخصوص لا ً للرجللال‪ ،‬خللص‬
‫بقللوله‪ :‬لعللن الللله زوارات القبللور‪ ....‬الحللديث فيكللون مللن العللام‬
‫المخصوص‪.‬‬
‫وعندما استدل به القائلون بالنسخ أجوبة أيضًا‪.‬‬
‫منها‪ :‬أن ما ذكروه عن عائشة وفاطمة رضي الله عنهمللا معللارض‬
‫مما ورد عنهما في هذا الباب فل يثبت به نسخ‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن قول الصحابي وفعله ليس حجة على الحللديث بل نللزاع‪،‬‬
‫وأما تعليمه عائشة كيف تقول إذا زارت القبور ونحو ذلك‪ ،‬فل يدل‬
‫على نسخ ما دلت عليه الحاديث الثلثة مللن لعللن زائرات القبللور‪،‬‬
‫لحتمال أن يكون ذلك قبل هذا النهي الكيد والوعيد الشديد والللله‬
‫أعلم‪.‬‬
‫قال محمد بن اسماعيل الصللنعاني رحملله الللله فللي كتللابه تطهيللر‬
‫العتقاد ‪ :‬فإن هذه القباب والمشللاهد الللتي صللارت أعظللم ذريعللة‬
‫إلى الشرك واللحاد‪ ،‬وأكبر وسيلة إلى هدم السلم وخراب بنيانه‪:‬‬
‫غللالب بللل كللل مللن يعمرهللا هللم الملللوك والسلللطين والرؤسللاء‬
‫والولة‪ ،‬إما على قريب لهم أو على من يحسللنون الظللن فيلله مللن‬
‫فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير أو شيخ أو كللبير‪ ،‬ويللزوره النللاس‬
‫الذي يعرفونه زيارة الموات من دون توسل بلله ول هتللف بإسللمه‪،‬‬
‫بل يدعون للله ويسللتغفرون ً حللتى ينقللرض مللن يعرفلله أو أكللثرهم‪،‬‬
‫فيأتي من بعدهم فيجد قبرا قد شلليد عليلله البنللاء‪ ،‬وسللرجت عليلله‬
‫الشموع‪ ،‬وفرش بالفراش الفاخر‪ ،‬وأرخيب عليه السللتور‪ ،‬وألقيللت‬
‫عليلله الوراد والزهللور‪ ،‬فيعتقللد أن ذلللك لنفلع أو دفلع ضللر‪ ،‬وتللأتيه‬
‫السدنة يكذبون على الميت بلأنه فعللل وفعللل‪ ،‬وأنلزل بفلن الضللر‬
‫النفع‪ .‬حللتى يغرسللوا فلي جبلتله كللل باطلل‪ ،‬والملر ملا ثبلت فلي‬
‫الحاديث النبوية من لعن من أسرج على القبور وكتب عليها وبنللى‬
‫عليها‪ .‬وأحاديث ذلك واسعة معروفة فللإن ذلللك فللي نفسلله منهللى‬
‫عنه‪ .‬ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫ومنه تعلم مطابقة الحديث للترجمة والله أعلم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬والمتخذين عليها المساجد‪ :‬تقدم شرحه في الباب قبله‪.‬‬
‫عليها‬
‫المقدسي‪ :‬لو أبيح اتخاذ السرج‬
‫قوله‪ :‬السرج قال أبو محمد‬
‫وإفراط لا ً‬
‫لم يلعن من فعله‪ ،‬لن فيه تضييعا ً للمال في غير فللائدة‪،‬‬
‫في تعظيم القبور أشبه بتعظيم الصنام‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪10‬‬
‫‪6‬‬

‫وقال ابن القيم رحمه الله‪ :‬اتخاذهلا مسلاجد وإيقلاد السلرج عليهلا‬
‫من الكبائر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬رواه أهللل السللنن يعنللي أن أبللا داود والترمللذي وابلن ملاجه‬
‫فقط ولم يروه النسائي‪.‬‬

‫باب‬
‫ما جاء في حماية المصطفى صلى الله‬
‫عليه وسلم وسده كل طريق يوصل‬
‫إلى الشرك‬
‫قوله‪ :‬باب ) ما جاء في حماية المصطفى صلى الله‬
‫عليه وسلم وسده كل طريق يوصل إلى الشرك ( ‪:‬‬
‫الجناب‪ :‬هو الجانب‪ .‬والمراد حمايته عما يقللر منلله أو يخللالطه ملن‬
‫الشرك وأسبابه‪.‬‬
‫قمموله‪) :‬وقممول اللممه تعممالى‪ " :‬لقممد جمماءكم رسممول مممن‬
‫أنفسكم عزيز عليه ما عنتممم حريممص عليكممم بممالمؤمنين‬
‫رؤوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله ل إله إل هممو‬
‫عليه توكلت وهو رب العرش العظيم "( ‪:‬‬
‫رحمه الله‪ :‬يقول الله تعالى ممتنا ً على المؤمنين بما‬
‫قال ابن كثير‬
‫وعلى لغتهللم كمللا‬
‫أرسل إليهم رسول ً من أنفسهم أي من جنسهم‬
‫ً‬
‫وقللال‬
‫قال إبراهيم عليه السلم‪ " :‬ربنا وابعث فيهم رسول منهم "‬
‫تعالى‪ " :‬لقد من الللله علللى المللؤمنين إذ بعللث فيهللم رسللول ً مللن‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪10‬‬
‫‪7‬‬

‫أنفسهم " وقال تعللالى‪ " :‬لقللد جللاءكم رسللول مللن أنفسللكم " أي‬
‫للنجاشي‪ ،‬والمغيرة بن شللعبة‬
‫منكم‪ ،‬كما قال جعفر بن أبي طالب‬
‫لرسول كسرى‪ :‬إن الله بعث فينا رسول ً منا نعرف نسللبه وصللفته‪،‬‬
‫ومدخله ومخرجه‪ ،‬وصدقه وأمانته وذكر الحديث‪ .‬قللال أبللو سللفيان‬
‫بن عيينة عن جعفلر بلن محملد علن أبيلله فلي قللوله تعلالى‪ ":‬لقلد‬
‫جاءكم رسول من أنفسكم" قال‪ :‬لم يصبه شئ في ولدة الجاهلية‬
‫‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬عزيز عليه ما عنتم " أي يعز عليه الشئ الذي يعنت أمته‬
‫ويشق عليها ولهذا جاء في الحديث المروي من طللرق عنلله صلللى‬
‫الللله عليلله وسلللم أنلله قللال‪ " :‬بعثللت بالحنيفيللة السللمحة " وفللي‬
‫الصللحيح ‪ " :‬إن هللذا الللدين يسللر" وشللريعته كلهللا سللمحة سللهلة‬
‫كاملة‪ ،‬ميسيرة على من يسرها الله عليه‪.‬‬
‫قوله‪" :‬حريص عليكم " أي على هللدايتكم ووصللول النفللع الللدنيوي‬
‫والخروي إليكم‪ .‬وعن أبي ذر رضي الله عنلله قللال‪ :‬تركنللا رسللول‬
‫وسلم وما طائر يقلللب جنللاحيه فللي الهللواء إل‬
‫الله صلى الله عليه‬
‫وهو يذكر لنا منه علما ً أخرجه الطبراني‪ ،‬قللال‪ :‬وقللال رسللول الللله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ " :‬ما بقى شئ يقللر مللن الجنللة ويباعللد مللن‬
‫النار إل وقد بينته لكم "‪.‬‬
‫وقللوله‪ " :‬بللالمؤمنين رؤوف رحيللم " كمللا قللال تعللالى‪ " :‬واخفللض‬
‫جناحك لمن اتبعك من المؤمنين * فللإن عصللوك فقللل إنللي بريللء‬
‫مما تعملون * وتوكل على العزيز الرحيم " وهكذا أمره تعالى فللي‬
‫هذه الية الكريمة وهي قوله‪ " :‬فإن تولوا " أي عما جئتللم بلله مللن‬
‫الشريعة العظيمة المطهللرة الكاملللة " حسللبي الللله ل إللله إل هللو‬
‫عليه توكلت وهو رب العرش العظيم "‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فاقتضت هذه الوصاف التي وصللف بهللا رسللول الللله صلللى‬
‫الله عليه وسلم في حق أمته أن أنذرهم وحذرهم الشرك الذي هو‬
‫أعظم الذنوب‪ ،‬وبين لهم ذرائعه الموصلللة إليلله‪ ،‬وأبلللغ فللي نهيهللم‬
‫عنها ومن ذلك تعظيم القبور والغلو فيهللا‪ ،‬والصلللة عنللدها وإليهللا‪،‬‬
‫ونحو ذلك مما يوصل إللى عبادتهلا‪ ،‬كملا تقلدم‪ ،‬وكملا سليأتي فلي‬
‫أحاديث الباب‪.‬‬
‫قمموله‪) :‬وعممن أبممي هريممرة رضممي اللممه عنممه قممال‪ :‬قممال‬
‫مه وسمملم " ل تجعلمموا بيمموتكم‬
‫رسول الله صلى اللممه عليم‬
‫قبورا ً ول تجعلوا قبرى عيدًا‪ ،‬وصلوا فإن صلتكم تبلغني‬
‫حيث كنتم " رواه أبو داود بإسناد حسن‪ .‬رواته ثقات( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬ل تجعلوا بيوتكم قبورا ً قال شيخ السلم‪ :‬أي ل تعطلوها من‬
‫الصلة فيها والدعاء والقراءة‪ ،‬فتكون بمنزلة القبور‪ ،‬فللأمر بتحللري‬
‫العبادة في البيوت ونهى عن تحريهما عند القبور‪ ،‬عكس ما يفعللله‬
‫المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه المة‪.‬‬
‫عمر مرفوعًا‪ " :‬اجعلوا مللن صلللتكم فللي‬
‫وفي الصحيحين عن ابن‬
‫بيللوتكم ً ول تتخللذوها قبللورا ً " وفللي صللحيح مسلللم عللن ابللن عمللر‬
‫مرفوعا‪ " :‬ل تجعلوا بيوتكم مقابر فللإن الشلليطان يفللر مللن الللبيت‬
‫الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ول تجعلوا قبرى عيدا ً قال شيخ السلم رحملله الللله تعل ًلالى‪:‬‬
‫العيد اسم لما يعود من الجتماع العام على وجه معتاد‪ ،‬عللائدا إمللا‬
‫بعود السنة أو بعود السبوع أو الشهر ونحو ذلك‪.‬‬
‫من‬
‫وقال ابن القيم رحمه الله تعالى‪ :‬العيد ما يعتاد مجيئه وقصده‬
‫اسللما ً‬
‫زمللان ومكللان‪ ،‬مللأخوذ مللن المعللاودة والعتيللاد‪ .‬فللإذا كللان‬
‫للمكللان فهلو المكللان اللذي يقصلد فيله الجتملاع وانتيلابه للعبلادة‬
‫لاعر‬
‫وغيرها‪ ،‬كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشل‬
‫جعلها الله عيدا ً للحنفاء ومثابة‪ ،‬كمللا جعللل أيللام العيللد فيهللا عيللدًا‪.‬‬
‫وكان للمشللركين أعيللاد زمنيللة ومكانيللة‪ .‬فلمللا جللاء الللله بالسلللم‬
‫أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى‪ ،‬كما‬
‫عوضهم مللن أعيللاد المشللركين المكانيللة بالكعبللة ومنللى ومزدلفللة‬
‫وعرفة والمشاعر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وصلوا علي فإن صلتكم تبلغني حيث كنتم ‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪10‬‬
‫‪8‬‬

‫قال شيخ السلم رحمه الله تعالى‪ :‬يشير بذلك إلى أن مللا ينللالني‬
‫منكم من الصلة والسلم ًيحصل مع قربكم من قبري وبعدكم‪ ،‬فل‬
‫حاجة لكم إلى اتخاذه عيدا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ل تجعلوا بيوتكم قبورا ً تقدم كلم شلليخ السلللم فللي معنللى‬
‫الحديث قبله ا هل‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعن علي بن الحسين رضي الله عنه‪ " :‬أنه رأى‬
‫رجل ً يجيء إلى فرجة كانت عنممد قمبر النممبي صمملى اللممه‬
‫وسمملم فيممدخل فيهمما فيممدعو‪ ،‬فنهمماه وقممال‪ :‬أل‬
‫عليممه‬
‫أحدثكم حديثا ً سمعته من أبي عن جدي عن رسمول ًاللممه‬
‫عليه وسلم ؟ قال‪ :‬ل تتخذوا قممبري عيممدا‪ ،‬ول‬
‫صلى الله‬
‫بيوتكم قبورًا‪ ،‬وصلوا علممي فمإن تسممليمكم يبلغنممي أيممن‬
‫كنتم " رواه في المختار( ‪:‬‬
‫هذا الحديث والذي قبله جيدان حسنا السنادين‪.‬‬
‫أما الول‪ :‬فللرواه أبللو داود وغيلره ملن حللديث عبلد اللله بلن نلافع‬
‫الصائغ قال‪ :‬أخبرني ابن أبللي ذئب عللن سللعيد المقللبري عللن أبللي‬
‫هريرة فذكره‪ ،‬ورواته ثقات مشاهير‪ ،‬لكن عبد اللله بلن نلافع قلال‬
‫فيه أبو حاتم‪ :‬ليس بالحافظ‪ ،‬تعرف وتنكلر‪ .‬وقلال ابلن معيلن‪ :‬هلو‬
‫ثقة وقال أبو زرعة‪ :‬ل بللأس بلله‪ .‬قللال شلليخ السلللم رحملله الللله‪:‬‬
‫ومثللل هللذا إذا كللان لحللديث شللواهد علللم أنلله محفللوظ‪ ،‬وهللذا لله‬
‫شواهد متعددة‪ .‬وقال الحافظ محمد بللن عبللد الهللادي‪ :‬هللو حللديث‬
‫حسن جيد السناد‪ ،‬وله شواهد يرتقى بها إلى درجة الصحة‪.‬‬
‫وأما الحديث الثاني‪ :‬فرواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل والحللافظ‬
‫الضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي في المختارة‪.‬‬
‫قال شلليخ السلللم رحملله الللله تعللالى‪ :‬فللانظر هللذه السللنة كيللف‬
‫مخرجها من أهل المدنية وأهل البيت الذين لهللم مللن رسللول الللله‬
‫صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الللدار‪ ،‬لنهللم إلللى ذلللك‬
‫أحوج من غيرهم‪ ،‬فكانوا له أضبط‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫وقال سعيد بن منصللور فللي سللننه‪ ،‬حللدثنا عبللد العزيللز بللن محمللد‬
‫أخبرني سهيل بن أبي سهل قال‪ :‬رآني الحسن بللن علللي بللن أبللي‬
‫طالب رضي الله عنهم عند القبر‪ ،‬فناداني‪ ،‬وهو فللي بيللت فاطمللة‬
‫رضي الله عنها يتعشى‪ ،‬فقال‪ :‬هلم إلى العشاء‪ .‬فقلللت‪ :‬ل أريللده‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما لي رأيتك عند القبر ؟ فقلت‪ :‬سلللمت علللى النللبي صلللى‬
‫الله عليه وسلم‪ .‬فقللال‪ :‬إذا دخلللت المسللجد فسلللم‪ .‬ثللم قللال‪ :‬إن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪ " :‬ل تتخذوا قبري عيللدًا‪ ،‬ول‬
‫تتخذوا بيوتكم مقابر‪ ،‬وصلوا علي فإن صلتكم تبلغني حيثما كنتللم‪،‬‬
‫لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبللور أنبيللائهم مسللاجد‪ ،‬مللا أنتللم‬
‫وبني بالندلس إل سواء "‪.‬‬
‫وقال سعيد أيضًا‪ :‬حدثنا حبان بللن علللي‪ ،‬حللدثنا محمللد عجلن عللن‬
‫أبي سعيد مولى المهري قال‪ :‬قللال رسللول الللله صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم " ل تتخذوا قبري عيدا ً ول بيوتكم قبللورًا‪ ،‬وصلللوا علللي فللإن‬
‫صلتكم تبلغني "‪.‬‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬فهذان المرسلن من هذين الموجين المختلفين‬
‫يدلن على ثبوت الحديث ل سيما وقد احتج به مللن أرسللله‪ .‬وذلللك‬
‫يقتضي ثبوته عنده هذا ًلو لم يرو مللن وجللوه مسللندة غيللر هللذين‪،‬‬
‫فكيف وقد تقدم مسندا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬على بن الحسين أي ابللن علللي بللن أبللي طللالب‪ ،‬المعللروف‬
‫بزيللن العابللدين رضللي الللله عنلله‪ ،‬أفضللل التللابعين مللن أهللل بيتلله‬
‫وأعلمهم‪ .‬قال الزهري‪ :‬ما رأيللت قرشلليا ً أفضللل منلله‪ .‬مللات سللنة‬
‫ثلث وتسعين علللى الصللحيح‪ .‬وأبللوه الحسللين سللبط رسللول الللله‬
‫صلى الله عليه وسلم وريحانته‪ ،‬حفظ عن النللبي صلللى الللله عليلله‬
‫وسلللم واستشللهد يللوم عاشللوراء سللنة إحللدى وسللتين وللله سللت‬
‫وخمسون سنة رضي الله عنه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أنه رأى رجل ً يجيء إلللى فرجللة بضللم الفللاء وسللكون الللراء‪،‬‬
‫وهي الكوة في الجدار والخوخة ونحوهما‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فيدخل فيها فيدعو فنهللاه هللذا يللدل علللى النهللي عللن قصللد‬
‫القبور والمشاهد لجل الدعاء والصلة عندها‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪10‬‬
‫‪9‬‬

‫قال شيخ السلم رحمه ًالله تعالى‪ ً :‬ما علمت أحدا ً رخص فيه‪ ،‬لن‬
‫ذلك نوع من اتخاذه عيدا ويدل أيضا علللى أن قصللد القللبر للسلللم‬
‫إذا دخل المسجد ليصلي منهللى عنلله‪ ،‬لن ذلللك لللم يشللرع‪ ،‬وكللره‬
‫مالك لهل المدينة كلما دخل النسان المسجد أن يأتي قللبر النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم لن السلف لم يكونللوا يفعلللون ذلللك‪ ،‬قللال‪:‬‬
‫ولللن يصلللح آخللر هللذه المللة إل مللا أصلللح أولهللا وكللان الصللحابة‬
‫والتابعون رضي الله عنهم يأتون إلى مسجد النبي صلى الله عليلله‬
‫وسلم فيصلون‪ ،‬فإذا قضوا الصلللة قعللدوا أو خرجللوا‪ ،‬ولللم يكونللوا‬
‫يأتون القبر للسلم‪ ،‬لعلمهم أن الصلة والسلم عليلله فللي الصلللة‬
‫أكمل وأفضل‪ ،‬وأما دخولهم عند قبره للصلة والسلم عليه هنللاك‪،‬‬
‫أو للصلة والدعاء ًفلم يشرعه لهم‪ ،‬بل نهللاهم عنله فلي قللوله " ل‬
‫تتخذوا قبري عيللدا وصلللوا علللي فللإن صلللتكم تبلغنللي " فللبين أن‬
‫الصلة تصل إليه من بعللد وكللذلك السلللم‪ ،‬ولعللن مللن اتخللذ قبللور‬
‫النبياء مساجد‪ .‬وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها مللن البللاب‪،‬‬
‫إذا كانت عائشللة رضللي الللله عنهللا فيهللا‪ ،‬وبعللد ذلللك إلللى أن بنللى‬
‫الحائط الخر‪ ،‬وهللم مللع ذلللك التمكللن مللن الوصللول إلللى قللبره ل‬
‫يللدخلون عليلله‪ ،‬ل للسلللم ول للصلللة‪ ،‬ول للللدعاء لنفسللهم ول‬
‫لغيرهم‪ ،‬ول لسؤال عن ًحديث أو ًعلللم‪ ،‬ول كللان الشلليطان يطمللع‬
‫فيهم حتى يسمعهم كلما أو سلما فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم‪،‬‬
‫وبين لهم الحاديث‪ ،‬أو أنه قد رد عليهم السلم بصوت يسللمع مللن‬
‫خارج‪ ،‬كما طمع الشلليطان فلي غيرهللم فأضلللهم عنللد قللبره وقللبر‬
‫ويفللتيهم‬
‫غيللره‪ ،‬حللتى ظنللوا أن صللاحب القللبر يللأمرهم وينهللاهم‬
‫ويحدثهم في الظللاهر‪ ،‬وأنلله يخللرج مللن القللبر ويرونلله خارجلا ً مللن‬
‫القبر‪ ،‬ويظنون أن نفس أبدان المللوتى خرجللت تكلمهللم‪ ،‬وأن روح‬
‫الميت تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلللم‬
‫ليلة المعراج‪.‬‬
‫والمقصللود‪ :‬أن الصللحابة رضللي الللله عنهللم لللم يكونللوا يعتللادون‬
‫والسلم عليه عند قبره كما يفعله من بعدهم مللن الخلللوف‪ ،‬وإنمللا‬
‫كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قد من سفر‪ .‬كما كللان‬
‫ابن عمر يفعله‪ .‬قال عبيد الله بن عمر عن نافع كان ابللن عمللر إذا‬
‫قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقللال‪ :‬السلللم‬
‫عليك يا رسول الله‪ .‬السلم عليك يا أبا ً بكر‪ .‬السلم عليك يا أبتللاه‬
‫ثم ينصرف قال عبيد الله ما نعلم أحللدا مللن أصللحاب النللبي صلللى‬
‫الله عليه وسلم فعل ذلك إل ابن عمر وهذا يدل على أنلله ل يقللف‬
‫عند القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير‪.‬‬
‫قال شيخ السلللم رحملله الللله‪ :‬لن ذلللك لللم ينقللل عللن أحللد مللن‬
‫الصحابة‪ ،‬فكان بدعة محضة‪ .‬وفي المبسللوط‪ :‬قللال مالللك‪ :‬ل أرى‬
‫أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يسلم ويمضى‪.‬‬
‫ونص أحمللد أنلله يسللتقبل القبلللة ويجعللل الحجللرة عللن يسللاره لئل‬
‫يستدبره‪.‬‬
‫وبالجملللة فقللد اتفللق الئمللة علللى أنلله إذا دعللا ل يسللتقبل القللبر‪،‬‬
‫وتنازعوا‪ :‬هل يستقبله عند السلم عليه أم ل ؟ وفي الحديث دليللل‬
‫قبره وإلى غيره ملن القبللور والمشلاهد‪،‬‬
‫على منع شد الرحال إلى‬
‫لن ذلللك مللن اتخاذهللا أعيللادًا‪ .‬بللل مللن أعظللم أسللباب الشللراك‬
‫بأصحابها‪ .‬وهذه هي المسألة التي أفللتى بهللا شلليخ السلللم رحملله‬
‫الله أعني من سافر لمجرد زيارة قبللور النبيللاء والصللالحين ونقللل‬
‫فيهللا اختلف العلمللاء‪ ،‬فمللن مبيللح لللذلك‪ .‬كللالغزالي وأبللي محمللد‬
‫المقدسي‪ .‬ومن مانع لذلك‪ ،‬كابن بطللة وابللن عقيللل‪ ،‬وأبللي محمللد‬
‫الجويني‪ ،‬والقاضي عياض‪ .‬وهو قول الجمهور‪ ،‬نص عليه مالك ولم‬
‫يخالفه أحد من الئمة‪ ،‬وهو الصواب‪ .‬لما في الصللحيحين علن أبللي‬
‫سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلللم قللال‪ " :‬ل تشللد الرحللال إل‬
‫إلى ثلثللة مسللاجد‪ :‬المسللجد الحللرام‪ ،‬ومسللجدي هللذا‪ ،‬والمسللجد‬
‫شدها لزيللارة القبللور والمشللاهد‪ ،‬فإمللا‬
‫القصى " فدخل في النهي‬
‫أن يكون نهيًا‪ ،‬وإما أن يكون نفيًا‪ .‬وجاء فللي روايللة بصلليغة النهللي‪،‬‬
‫فتعين أن يكون للنهي‪ ،‬ولهذا فهم منه الصللحابة رضللي الللله عنهللم‬
‫المنع كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بللن أبللي بصللرة‬
‫الغفاري أنه قال لبي هريرة وقد أقبل من الطور ‪ :‬لو أدركت قبل‬
‫أن تخرج إليه لما خرجللت‪ :‬سللمعت رسللول الللله صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم يقللول‪ " :‬ل تعمللل المطللي إل إلللى ثلثللة مسللاجد‪ :‬المسللجد‬
‫الحرام‪ ،‬ومسجدي هللذا‪ ،‬والمسللجد القصللى " وروى المللام أحمللد‬
‫وعمر بن شبة في أخبار المدينة بإسناد جيد عن قزعة قللال‪ :‬أتيللت‬
‫ابن عمر فقلت‪ :‬إني أريد الطور‪ .‬فقال‪ :‬إنما تشد الرحال إلى ثلثة‬
‫لى‪.‬‬
‫مساجد‪ :‬المسجد الحللرام‪ ،‬ومسللجد المدينللة‪ ،‬والمسللجد القصل‬
‫جعل ً‬
‫فدع عنك الطور ول تأته فللابن عمللر وبصللرة بللن أبللي بصللرة‬
‫الطور مما نهي عن شد الرحال إليه‪ .‬لن اللفظ الللذي ذكللراه فيلله‬
‫أن‬
‫النهي عن شدها إلى غير الثلثللة ممللا يقصللد بلله القربللة‪ ،‬فعلللم‬
‫خاصلا ً‬
‫المستنى منه عام في المسللاجد وغيرهللا‪ ،‬وأن النهللي ليللس‬
‫بالمساجد‪ ،‬ولهذا نهيا عن شدها إلى الطور مستدلين بهذا الحديث‪.‬‬
‫والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة‪ .‬فإن الله سللماه‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪11‬‬
‫‪0‬‬

‫الللوادي المقللدس‪ ،‬والبقعللة المباركللة وكلللم كليملله موسللى عليلله‬
‫السلم هناك‪ ،‬وهذا هو الذي عليه الئمة الربعللة وجمهلور العلملاء‪،‬‬
‫ومن أراد بسط القول ًفي ذلك والجواب عمللا يعارضلله فعليلله بمللا‬
‫كتبه شيخ السلم مجيبا لبن الخنللائي فيمللا أعللترض بلله علللى مللا‬
‫دلت عليه الحاديث الصحيحة وأخذ به العلماء وقياس الولللى‪ .‬لن‬
‫المفسدة في ذلك ظاهرة‪.‬‬
‫وأما النهي عن زيارة غير المساجد الثلثللة فغايللة مللا فيهللا‪ :‬أنهللا ل‬
‫مصلحة في ذللك تلوجب شلد الرحلال‪ ،‬ول مزيلة تلدعو إليله‪ .‬وقلد‬
‫بسط القول في ذلك الحللافظ محمللد بللن عبللد الهللادي فللي كتللاب‬
‫الصارم المنكي في رده السبكي‪ ،‬وذكر فيه علل الحاديث الواردة‬
‫في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر هو وشيخ السلللم‬
‫رحمهما الله تعالى أنه ل يصح منهللا حللديث عللن النللبي صلللى الللله‬
‫عليه وسلم ول عن أحد من أصللحابه‪ ،‬مللع أنهللا ل تللدل علللى محللل‬
‫النزاع‪ .‬إذ ليس فيها إل مطلق الزيارة‪ ،‬وذلللك ل ينكللره أحللد بللدون‬
‫شد الرحال‪ ،‬فيحمل على الزيارة الشرعية التي ليللس فيهللا شللرك‬
‫ول بدعة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬رواه في المختارة المختارة‪ :‬كتاب جمع فيه مؤلفه الحاديث‬
‫الجياد الزائدة عن الصحيحين‪.‬‬
‫ومؤلفه‪ :‬هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسللي الحللافظ‬
‫ضياء الدين الحنبلي أحد العلم‪ .‬قال الذهبي‪ :‬أفنى عمره في هذا‬
‫الشأن مع الدين المتين‪ ،‬والورع والفضلليلة التامللة والتقللان‪ .‬فللالله‬
‫يرحمه ويرضى عنه‪.‬‬
‫وقال شيخ السلم‪ :‬تصحيحه في مختاراته خير من تصحيح الحللاكم‬
‫بل ريب‪ .‬مات سنة ثلث وأربعين وستمائة‪.‬‬

‫باب‬
‫ما جاء أن بعض هذه المة يعبد الوثان‬
‫قوله‪) :‬باب‪ :‬ما جاء أن بعممض هممذه المممة يعبممد الوثممان‪،‬‬
‫وقول الله تعالى‪ " :‬ألم تر إلى الممذين أوتمموا نصمميبا ً مممن‬
‫الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت "( ‪:‬‬
‫الوثن يطلق على ما قصد بنوع من أنواع العبادة من دون الله مللن‬
‫القبور والمشاهد وغيرها لقول الخليل عليه السلم‪ " :‬إنما تعبللدون‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪11‬‬
‫‪1‬‬

‫من دون الله أوثانا ً وتخلقون إفكا ً " ومع قوله‪ " :‬قالوا نعبد أصناما ً‬
‫فنظل لها عاكفين " وقوله‪ " :‬أتعبدون ما تنحتون " فبذلك يعلم أن‬
‫الوثن يطلق على الصنام وغيرها مما عبد من دون الله‪ ،‬كما تقدم‬
‫في الحديث‪.‬‬
‫قول اليهود‪ :‬هؤلء أهدى من الذين آمنوا سبي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫قللوله‪ " :‬يؤمنللون بللالجبت والطللاغوت " روى ابللن أبللي حللاتم عللن‬
‫عكرمة قال‪ :‬جاء حيي بن أخطللب وكعللب بللن الشللرف إلللى أهللل‬
‫مكة فقالوا لهم‪ :‬أنتم أهل الكتاب وأهل العلم‪ ،‬فأخبرونا عنللا وعللن‬
‫محمد‪ .‬فقالوا‪ :‬ما أنتم وملا محمللد ؟ فقلالوا‪ :‬نحللن نصللل الرحللام‪،‬‬
‫وننحر الكوماء‪ ،‬ونسقي الماء علللى اللبللن‪ ،‬ونفللك العنللاة‪ ،‬ونسللقي‬
‫الحجيلج ملن‬
‫الحجيج‪ ،‬ومحمد صنبور‪ ،‬قطع أرحامنا‪ ،‬واتبعله سللراق‬
‫غفار‪ .‬فنحن خير أم هو ؟ فقالوا‪ :‬أنتللم خيللرا ً ً وأهللدى سللبيل ً فللأنزل‬
‫الله تعالى‪ " :‬ألم تر إلى الللذين أوتللوا نصلليبا مللن الكتللاب يؤمنللون‬
‫والطاغوت ويقولون للذين كفروا هللؤلء أهللدى مللن الللذين‬
‫بالجبت‬
‫آمنوا سبيل ً " وفي مسند أحمد عن ابن عباس نحوه‪.‬‬
‫قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجبللت السللحر‪ ،‬والطللاغوت‬
‫الشيطان وكذلك قول ابن عبللاس وأبللو العاليللة ومجاهللد والحسللن‬
‫وغيرهم‪ .‬وعن ابن عباس وعكرمة وأبي مالك الجبت الشيطان زاد‬
‫ابن عباس‪ :‬بالحبشية وعن ابن عباس أيضًا‪ :‬الجبللت الشلرك وعنله‬
‫الجبت الصنام وعنه الجبت‪ :‬حيى بن أخطب وعن الشعبي الجبللت‬
‫الكاهن وعللن مجاهللد‪ :‬الجبللت كعللب بللن الشللرف قللال الجللوهري‬
‫الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك‪.‬‬
‫قللال المصللنف رحملله الللله تعللالى‪ :‬وفيلله معرفللة اليمللان بللالجبت‬
‫والطاغوت في هذا الموضع هل هللو اعتقللاد قلللب‪ ،‬أو هللو موافقللة‬
‫أصحابها‪ ،‬مع بغضها ومعرفة بطلنها ؟ ‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقوله تعالى‪ " :‬قممل هممل أنممبئكم بشممر مممن ذلممك‬
‫مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليممه وجعممل منهممم‬
‫القردة والخنازير وعبد الطاغوت "( ‪:‬‬
‫يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم‪ :‬قللل يللا محمللد هللل‬
‫أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا ؟ وهم أنتم‬
‫أيها المتصفون بهذه الصفات المفسللرة بقل ًلوله‪ :‬مللن لعنلله الللله ًأي‬
‫أبعده مللن رحمتلله وغضللب عليلله أي غضللبا ل يرضللى بعللده أبللدا "‬
‫وجعل منهم القردة والخنازير " وقد قللال الثللوري عللن علقمللة بللن‬
‫مرثد عن المغيرة بن عبد الله اليشكري عن المعرور بن سويد أن‬
‫ابن مسعود رضي الله عنه قال " سئل رسول الله صلى الله عليه‬
‫له‬
‫وسلم عن القردة والخنازير‪ ،‬أهي مما مسخ الله ؟ فقللال‪ :‬إن اللل‬
‫لم يهلك قوما ً أو قال لم يمسخ قوم لا ً فجعللل لهللم نس لل ً ول عقب لًا‪،‬‬
‫وإنما القردة والخنازير كانت قبل ذلك " رواه مسلم‪.‬‬
‫قال البغوي في تفسيره قل يا محمد هل أنبئكم أخبركم ًبشللر مللن‬
‫قولهم‪ :‬لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا‬
‫يعني‬
‫ذلك الذي ذكرتم‪،‬‬
‫ول دينا ً‬
‫شرا ً من دينكم‪ ،‬فذكر الجواب بلفظ البتداء‬
‫والخرة منكم‪،‬‬
‫ً‬
‫وإن لم يكن البتداء شرا‪ ،‬لقوله تعللالى‪ " :‬قللل أفلأنبئكم بشلر ملن‬
‫ذلكم النار "‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬مثوبة ثوابا ً وجزاء‪ ،‬نصب على التفسير عند الله‪ ،‬مللن لعنلله‬
‫الله أي هو من لعنه الله وغضب عليه يعني اليهللود " وجعللل منهللم‬
‫القردة والخنازير " فالقردة أصحاب السبت‪ ،‬والخنازير كفار مللائدة‬
‫عيسى‪ .‬وعن علي بن أبللي طلحللة عللن ابللن عبللاس أن المسللخين‬
‫كلهما ملن أصلحاب السللبت‪ ،‬فشلبابهم مسللخوا قلردة وشليوخهم‬
‫مسخوا خنازير ‪.‬‬
‫وعبللد الطللاغوت أي وجعللل منهللم مللن عبللد الطللاغوت‪ ،‬أي أطللاع‬
‫الشيطان فيما سول له‪ ،‬وقرأ ابن مسللعود عبللدوا الطللاغوت وقللرأ‬
‫حمزة و عبد بضم البللاء‪ ،‬و الطللاغوت بجللر التللاء أراد العبللد‪ .‬وهمللا‬
‫لغتان‪ :‬عبد بسلكون البلاء‪ ،‬وعبلد بضللمنها‪ ،‬مثللل سلبع وسلبع وقلرأ‬
‫الحسن وعبد الطاغوت على الواحد‪.‬‬
‫وفي تفسير الطبرسي‪ :‬قرأ حمزة وحده وعبد الطاغوت بضم الياء‬
‫وجر التاء‪ ،‬والباقون وعبد الطاغوت بنصب الباء وفتللح التللاء‪ .‬وقللرأ‬
‫ابن عباس وابن مسللعود وإبراهيللم المخعللي والعمللش وأبللان بللن‬
‫تغلب وعبد الطاغوت بضمن العين والباء وفتح الدال وخفض التاء‪،‬‬
‫قال‪ :‬وحجة حمزة في قراءته وعبد الطاغوت أنله يحملله عللى ملا‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪11‬‬
‫‪2‬‬

‫عمل فيه جعل كأنه‪ :‬وجعل منهم عبد الطاغوت‪ .‬ومعنى جعل خلق‬
‫‪ .‬كقوله وجعل الظلمات والنور وليس عبد لفظ جمع لنه ليس من‬
‫أبنية الجموع شئ على هذا البناء‪ ،‬ولكنه واحد يللراد بلله الكللثرة‪ ،‬أل‬
‫ترى أن في السلماء المفلردة المضلافة إللى المعلارف ملا لفظله‬
‫الفراد ومعناه الجمع‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ " :‬وإن تعدوا نعمة الللله‬
‫ل تحصوها " ولن بناء فعللل يللراد بلله المبالغللة والكللثرة نحللو يقللظ‬
‫ودنس‪ ،‬وكأن تقديره‪ :‬أنه ذهب في عبادة الطاغوت كل مذهب‪.‬‬
‫وأما من فتح فقال وعبد الطاغوت فإنه عطفله عللى بنلاء المضلي‬
‫الذي في الصلة وهو قوله لعنه الللله وأفللرد الضللمير فللي عبللد وإن‬
‫كللان المعنللى فيلله الكللثرة‪ ،‬لن الكلم محمللول علللى لفظلله دون‬
‫معناه‪ ،‬وفاعله ضمير من كمللا أن ًفاعللل المثلللة المعطللوف عليهللا‬
‫ضمير من فأفرد لحمل ذلك جميعا علللى اللفللظ‪ .‬وأمللا قللوله‪ :‬عبللد‬
‫الطاغوت فهو جمع عبد‪.‬‬
‫وقللال أحمللد بللن يحيللى‪ :‬عبللد جمللع عابللد‪ ،‬كبللازل وبللزل‪ ،‬وشللارف‬
‫وشرف‪ ،‬وكذلك عبد جمع عابد‪ .‬ومثله عباد وعباد‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫وقال شيخ السلم في قوله وعبد الطاغوت الصواب أنه معطللوف‬
‫على ماقبله من الفعال‪ ،‬أي مللن لعنلله وغضللب عليلله‪ ،‬ومللن جعللل‬
‫الطللاغوت‪ً .‬قللال‪ :‬والفعللال‬
‫منهللم القللردة والخنللازير ومللن عبللد‬
‫المتقدمة الفاعل فيها اسم الله‪ ،‬مظهرا ً أو مضللمرا‪ .‬وهنللا الفاعللل‬
‫اسم من عبد الطاغوت‪ .‬وهو الضمير في عبد ولم يعد سبحانه من‬
‫لنه جعل هذه الفعال صفة لصنف واحد وهم اليهود‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أولئك شر مكانا ً مما تظنلون بنلا وأضلل علن سلواء السلبيل‬
‫وهذا من باب اسللتعمال أفعللل التفضلليل فيمللا ليللس فللي الطللرف‬
‫الخر له مشارك كقوله تعالى‪ " :‬أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا‬
‫وأحسن مقيل " قاله العماد ابن كثير في تفسيره‪ ،‬وهو ظاهر‪.‬‬
‫قمموله‪) :‬وقممول اللممه تعممالى‪ "ً :‬قممال الممذين غلبمموا علممى‬
‫أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا "( ‪:‬‬
‫والمراد أنهم فعلوا مع الفتية بعد موتهم ما يللذم فللاعله‪ .‬لن النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪ :‬لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبللور‬
‫أنبيائهم وصالحيهم مساجد أراد تحذير أمته أن يفعلوا كفعلهم ‪.‬‬
‫قوله‪) :‬عن أبي سممعيد رضممي اللممه عنممه أن رسممول اللممه‬
‫صلى الله عليممه وسمملم قممال‪ " :‬لتتبعممن سممنن مممن كممان‬
‫قبلكم حممذو القممذة بالقممذة‪ ،‬حممتى لممو دخلمموا جحممر ضممب‬
‫لدخلتموه قالوا يا رسول الله‪ :‬اليهود والنصارى ؟ قممال‪:‬‬
‫فمن ؟ " أخرجاه وهذا سياق مسلم( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬سنن بفتح المهملة أي طريق من كان قبلكم‪ .‬قال المهلللب‪:‬‬
‫فتح أولى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬حذو القذة بالقذة بنصب حلذو عللى المصلدر‪ .‬والقلذة بضلم‬
‫القاف واحدة القذذ وموريش السهم‪ .‬أي لتتبعن طريقهم فللي كللل‬
‫مللا فعلللوه‪ ،‬وتشللبهوهم فللي ذلللك كمللا تشللبه قللذة السللهم القللذة‬
‫الخرى‪ .‬وبهذا تظهر مناسبة اليات للترجمة‪ .‬وقد وقللع كمللا أخللبر‪،‬‬
‫وهو علم من أعلم النبوة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وفي حديث آخر حتى لللو‬
‫أمتي ملن يفعلل ذللك أراد‬
‫كان فيهم من يأتي أمة علنية لكان في‬
‫صلى الله عليه وسلم أن أمته ل تدع شيئا ً ً مملا كلان يفعللله اليهللود‬
‫والنصارى إلى فعلته كله ل تترك منه شيئا ولهللذا قلال سللفيان بلن‬
‫عيينة‪ :‬من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود‪ ،‬ومن فسللد مللن‬
‫عبادنا ففيه شبه من النصارى‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فما أكثر الفريقين‪ ،‬لكلن ملن رحملة الللله تعلالى ونعمتلله أن‬
‫جعل ً هذه المة ل تجتمع على ضللة كما فللي حللديث ثوبللان التللي‬
‫قريبا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قالوا يا رسول الله‪ ،‬اليهود والنصارى ؟ قال فمن ؟ هو برفع‬
‫اليهود خبر مبتدأ محللذوف‪ ،‬أي أهللم اليهللود والنصللارى الللذين نتبللع‬
‫سننهم ؟ ويجوز النصب بفعل محذوف تقديره‪ :‬تعني‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪11‬‬
‫‪3‬‬

‫قوله‪ :‬قال فمن ؟ استفهام إنكاري‪ .‬أي فمن هم غير أولئك ؟‬
‫قوله‪) :‬ولمسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسمملم قممال‪ " :‬إن اللممه زوى لممي الرض‬
‫فرأيت مشارقها ومغاربها‪ ،‬وإن أمتي سمميبلغ ملكهمما ممما‬
‫زوى لممي منهمما‪ .‬وأعطيممت الكنزيممن‪ :‬الحمممر‪ ،‬والبيممض‪.‬‬
‫لمتي أن ل يهلكها بسنة بعامة‪ ،‬وأن ل‬
‫وإني سألت ربي‬
‫يسمملط عليهممم عممدوا ً مممن سمموى أنفسممهم‪ ،‬فيسممتبيح‬
‫بيضتهم‪ ،‬وإن ربي قال‪ :‬يا محمد‪ ،‬إذا قضيت قضاء فممإنه‬
‫ل يرد‪ ،‬وإن أعطيتممك لمت ًممك أن ل أهلكهمما بسممنة بعامممة‪.‬‬
‫وأن ل أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسممهم فيسممتبيح‬
‫متى يكممون‬
‫بيضتهم‪ ،‬ولو اجتمع عليهممم مممن بإقطارهمما حم‬
‫بعضممهم يهلممك بعضممًا‪ ،‬ويسممبى بعضممهم بعضمما ً " ورواه‬
‫البرقاني فممي صممحيحه وزاد " وإنممما أخمماف علممى أمممتى‬
‫الئمة المضلين‪ .‬وإذا وقع عليهم السيف لمم يرفممع إلمى‬
‫يوم القيامة ول تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي‪،‬‬
‫بالمشركين وحممتى تعبممد فئام مممن أمممتى الوثممان‪ .‬وأنممه‬
‫سيكون في أمتي كذابون ثلثون‪ ،‬كلهم يزعم أنممه نممبي‪،‬‬
‫وأنا خمماتم النممبيين ل نممبي بعممدي‪ ،‬ول تممزال طائفممة مممن‬
‫أمتي على الحق منصورة ل يضرهم من خممذلهم ول مممن‬
‫خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى "( ‪:‬‬
‫هذا الحللديث رواه أبللو داود فللي سللننه وابللن مللاجه بالزيللادة الللتي‬
‫ذكرها المصنف‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عن ثوبان هو مولى النللبي صلللى الللله عليلله وسلللم صللحبه‪.‬‬
‫ولزمه‪ .‬ونزل بعده الشام ومات بحمص سنة أربع وخمسين‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬زوى لللي الرض قللال التوربشللتى‪ :‬زويللت الشللئ جمعتلله‬
‫وقبضته‪ ،‬يريد تقريب البعيللد منهللا حللتى اطلللع عليلله إطلعلله علللى‬
‫القريب‪ .‬وحاصله أنه طوى له الرض وجعلها مجموعللة كهيئة كللف‬
‫في مرآة ينظره‪ .‬قال الطيبي‪ :‬أي جمعها‪ ،‬حتى بصللرت مللا تملكلله‬
‫أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها قال القرطللبي‪ :‬هللذا‬
‫الخبر وجد مخبره كما قال‪ ،‬وكان ذلك مللن دلئل نبللوته‪ ،‬وذلللك أن‬
‫ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة بالنون والجيللم الللذي هللو‬
‫منتهى عمارة المغرب‪ ،‬إلى أقصى المشرق مما هو وراء خراسللان‬
‫والنهللر‪ ،‬وكللثير مللن بلد السللند والهنللد والصللغد‪ ،‬ولللم يتسللع ذلللك‬
‫التساع من جهة الجنوب والشمال‪ .‬وذلك لم يذكر عليه السلم أنه‬
‫أريه ول أخبر أن ملك أمته يبلغه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬زوى لي منها يحتمل أن يكون مبينا ً للفاعل‪ ،‬وأن يكون مبنيا ً‬
‫للمفعول‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وأعطيت الكنزين‪ :‬الحمر والبيض قال القرطللبي‪ :‬عنللي بلله‬
‫كنللز كسللرى‪ ،‬وهللو ملللك الفللرس‪ ،‬وكنللز قيصللر وهللو ملللك الللروم‬
‫وقصورهما وبلدهما‪ .‬وقد قللال صلللى الللله عليلله وسلللم‪ " :‬والللذي‬
‫نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سللبيل الللله " وعللبر بللالحمر عللن‬
‫كنز قيصر لن الغالب عندهم كالذهب‪ ،‬وبالبيض عللن كنللز كسللرى‬
‫لن الغالب عندهم كان الجللوهر والفضللة‪ .‬ووجللد ذلللك فللي خلفللة‬
‫عمر‪ .‬فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته وما كان في بيوت أمللواله‪،‬‬
‫وجميع ما حوته مملكته على سللعتها وعظمتهللا‪ ،‬وكللذلك فعللل الللله‬
‫بقيصر والبيض والحمر منصوبان على البدل‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وإني سألت ربي لمتي أن ل يهلكها بسنة بعامللة هكللذا ثبللت‬
‫في أصل المصنف رحمه الله بعامة بالباء وهي رواية صللحيحة فللي‬
‫صحيح مسلم وفي بعضها بحذفها‪ .‬قال القرطبي‪ :‬وكأنها زائدة لن‬
‫عامة‪ :‬صفة السنة‪ ،‬والسنة الجللدب الللذي يكللون بلله الهلك العللام‪،‬‬
‫ويسمى الجدب والقحط‪ :‬سنة‪ .‬يجمع على سنين‪ ،‬كما قال تعللالى‪:‬‬
‫" ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين " أي الجدب المتوالى‪.‬‬
‫لن غيرهللم مللن الكفللار مللن إهلك‬
‫قوله‪ :‬من سللوى أنفسللهم أي مل‬
‫بعضهم بعضًا‪ ،‬وسبى بعضهم بعضًا‪ ،‬كمللا هللو مبسللوط فللي التاريللخ‬
‫فيما قيل‪ .‬وفي زماننا هذا‪ ،‬نسأل الله العفو والعافية‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪11‬‬
‫‪4‬‬

‫قوله‪ :‬فيسللتبيح بيضللتهم قلال الجللوهري‪ :‬بيضللة كللل شللئ جللوزته‪.‬‬
‫وبيضة القوم ساحتهم‪ ،‬وعلى هذا فيكون معنللى الحللديث‪ :‬إن الللله‬
‫تعالى ل يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يسللتبيح جميللع مللا‬
‫حازوه مللن البلد والرض‪ ،‬ولللو اجتمللع عليهللم مللن بأقطللار الرض‬
‫وهي جوانبها‪ .‬وقيل‪ :‬بيضتهم معظمهم وجماعتهم‪ ،‬وإن قلوا‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬حللتى يكللون بعضللهم يهلللك بعض لًا‪ ،‬ويسللبى بعضللهم بعض لا ً‬
‫لنتهاء الغاية‪ ،‬أي إن أمللر المللة‬
‫والظاهر أن حتى عاطفة‪ ،‬أو تكون‬
‫ينتهي إلى أن يكون بعضهم يهلك بعضًا‪ .‬وقللد سلللط بعهضللم علللى‬
‫بعض كما هو الواقع‪ ،‬وذلك لكثرة اختلفهم وتفرقهم‪.‬‬
‫ليت قضللاء فلإنه ل يللرد قللال‬
‫قوله‪ :‬وإن ربي قال‪ :‬يا محمد‪ ،‬إذا قضل‬
‫بعضهم‪ :‬أي إذا حكمت حكما ً مبرما ً نافذا ً فإنه ل يرد بشئ‪،‬ول يقدر‬
‫أحد على رده‪ ،‬كما قال النبي صلللى الللله عليلله وسلللم ول راد لمللا‬
‫قضيت‪.‬‬
‫قوله‪ :‬رواه البرقاني في صحيحه هو الحافظ الكبير أبو بكللر أحمللد‬
‫بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي الشافعي‪ .‬ولد سنة سللت‬
‫لائة‪ .‬قللال‬
‫وثلثيللن وثلثمللائة ومللات سللنة خمللس وعشللرين وأربعمل‬
‫الخطيب‪ :‬كان ثبتا ً ورعًا‪ ،‬لم ًنر في شيوخنا أثبت منه‪ ،‬عارفا ً بالفقه‬
‫كثير التصانيف‪ .‬صنف مسندا ضمنه مللا أشللتمل عليلله الصللحيحان‪.‬‬
‫وجمع حديث الثوري وحديث شعبة وطائفة‪.‬‬
‫وهذا الحديث رواه أبو داود بتمامه بسنده إلى أبي قلبللة عللن أبللي‬
‫أسماء عن ثوبان رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الللله صلللى الللله‬
‫عليلله وسلللم " إن الللله أو قللال إن ربللي زوى لللي الرض فللأريت‬
‫مشارق الرض ومغاربها‪ ،‬وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لللي منهللا‪.‬‬
‫والبيض‪ .‬وإني سألت لمتي أن ل يهلكها‬
‫وأعطيت الكنزين‪ :‬الحمر‬
‫بسنة عامة ول يسلط عليهم عدوا ً سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم‪.‬‬
‫قضللاء فللإنه ل يللرد‪ ،‬ول‬
‫وأن ربي قال لي‪ :‬يا محمد إني إذا قضلليت‬
‫أهلكهم بسنة عامللة‪ ،‬ول أسلللط عليهللم عللدوا ً مللن سللوى أنفسللهم‬
‫قضللاء‬
‫فيستبيح بيضتهم‪ .‬وإن ربي قال لي‪ :‬يا محمد إني إذا قضيت‬
‫فإنه ل يرد‪ ،‬ول أهلكهم بسللنة عامللة‪ ،‬ول أسلللط عليهللم عللدوا ً مللن‬
‫من بين أقطارهللا‬
‫سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم‬
‫أو قال‪ :‬بأقطارها ح ًللتى يكللون بعضللهم يهلللك بعض لًا‪ ،‬وحللتى يكللون‬
‫بعضهم يسبى بعضا‪ .‬وإنما أخاف على أمتي الئمللة المضلللين‪ .‬وإذا‬
‫وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهللا إلللى يللوم القيامللة‪ .‬ول تقللوم‬
‫الساعة حتى يلحق قبائل أمتي بالمشركين‪ ،‬وحتى تعبد قبللائل مللن‬
‫أمتي الوثان وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلثون كلهم يزعم أنلله‬
‫نبي‪ ،‬وأنا خاتم النبيين ل نبي بعدي‪ ،‬ول تزال طائفة من أمتي علللى‬
‫الحق قال ابن عيسى‪ :‬ظاهرين ثللم اتفقللا ل يضللرهم مللن خللالفهم‬
‫حتى يأتي أمر الله تعالى "‪.‬‬
‫وروى أبو داود أيضا ً عن عبد الله بن مسعود رضللي الللله عنلله عللن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‪ " :‬تدور رحى السلم لخمللس‬
‫وثلثين‪ ،‬أو ست وثلثين‪ ،‬أو سبع وثلثين‪ ،‬فإن يهلكللوا فسللبيل مللن‬
‫هلك‪ ،‬وإن يقم لهم دينهم يقم سبعين عاما ً قلت‪ :‬أمما بقى أو ممللا‬
‫مضى ؟ قال‪ :‬مما مضى "‪.‬‬
‫وروى في سننه أيضا ً عن أبي هريللرة رضللي الللله عنلله قللال‪ :‬قللال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬يتقارب الزمان وينقص العلللم‪،‬‬
‫وتظهر الفتن‪ ،‬ويلقى الشح‪ ،‬ويكثر الهرج‪ ،‬قيل‪ :‬يا رسللول الللله أيلله‬
‫هو ؟ قال‪ :‬القتل القتل "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وإنما أخاف على أمتي الئمة المضلين أي المللراء والعلمللاء‬
‫والعباد فيحكمون فيهم بغيللر علللم فيضلللونهم‪ ،‬كمللا قللال تعللالى‪" :‬‬
‫وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل " وكلان بعلض‬
‫هؤلء يقول لصحابه‪ :‬من كان للله حاجللة فليللأت إلللى قللبري فللإني‬
‫أقضيها له ول خير في رجل يحجبله علن أصلحابه ذراع ملن تلراب‪،‬‬
‫ونحو هذا‪ .‬وهذا هو الضلل البعيد‪،‬يدعو أصحابه إلى أن يعبدوه ملن‬
‫دون الله ويسلألوه ملا ل يقلدر عليله ملن قضلاء حاجلاتهم وتفريلج‬
‫كرباتها‪ ،‬وقد قال تعالى‪ " ، :‬يدعو من دون الله ما ل يضللره ومللا ل‬
‫ينفعه ذلك هو الضلل البعيد * يللدعو لملن ضلره أقللرب ملن نفعلله‬
‫دونلله‬
‫ولبئس العشير " وقال تعلالى‪ " :‬واتخللذوا ملن‬
‫لبئس المولى‬
‫يخلقون شيئا ً‬
‫يملكللون لنفسللهم ضللرا ً ول‬
‫ول‬
‫لون‬
‫ل‬
‫يخلق‬
‫وهم‬
‫آلهة ل‬
‫نفعا ً ول يملكون موتا ً ول حياة ول نشورا ً " وقال تعللالى‪ " :‬فللابتغوا‬
‫عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليلله ترجعللون " وأمثللال هللذا‬
‫في القرآن كثير‪ ،‬يبين الله تعالى به الهدى من الضلل‪.‬‬
‫ومن هذا الضرب‪ :‬من يدعى أنه يصل مللع الللله إلللى حللال تسللقط‬
‫فيها عنه التكاليف‪ ،‬ويدعى أن الولياء يللدعون ويسللتغاث بهللم فللي‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪11‬‬
‫‪5‬‬

‫حياتهم ومماتهم‪ ،‬وأنهللم ينفعللون ويضللرون ويللدبرون المللور علللى‬
‫سبيل الكرامللة‪ ،‬وأنلله يطلللع علللى اللللوح المحفللوظ‪ ،‬يعلللم أسللرار‬
‫الناس وما في ضمائرهم‪ ،‬ويجوز بناء المساجد علللى قبللور النبيللاء‬
‫والصالحين وإيقادها بالسرج ونحو ذلك من الغلو والفراط والعبادة‬
‫لغير الللله‪ .‬فملا أكللثر هلذا الهلذيان والكفللر والمحلادة لللله ولكتلابه‬
‫ولرسوله‪.‬‬
‫أخلاف عللى أمللتي الئملة‬
‫وإنملا‬
‫"‬
‫وسللم‪:‬‬
‫عليله‬
‫له‬
‫ل‬
‫الل‬
‫صلى‬
‫وقوله‬
‫المضلين " أتى بإنما التي قد تأتي للحصر بيانا ً لشللدة خللوفه علللى‬
‫أمته من أئمة الضلل‪ ،‬وما وقللع فللي خلللد النللبي صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم من ذلك إل لما أطلعه الله عليه من غيبه أنه سيقع نظير ما‬
‫في الحديث قبله من قللوله‪ " :‬لتتبعللن سللنن مللن كللان قبلكللم‪" ...‬‬
‫الحديث‪.‬‬
‫وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الللله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم‪ " :‬إن أخوف ما أخاف علللى أمللتي الئمللة المضلللون "‬
‫رواه أبو داود الطيالسي‪ .‬وعن ثوبللان رضللي الللله عنلله أن رسللول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قللال‪ " :‬إنمللا أخللاف علللى أمللتي الئمللة‬
‫المضلين " رواه الدارمى‪.‬‬
‫وقد بين الله تعالى في كتابه صلراطه المسلتقيم اللذي هلو سلبيل‬
‫المؤمنين‪ .‬فكل من أحدث حدثا ً ليس في كتاب الللله ول فللي سللنة‬
‫مردود‪ ،‬كمللا قللال‬
‫رسوله صلى الله عليه وسلم فهو ملعون‬
‫وحدثه محدثا ً‬
‫لعنللة‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ " :‬من أحدث حدثا ً أو آوى‬
‫فعليهصللرفا ً‬
‫الله والملئكة والناس أجمعين ل يقبل الله منه يوم القيامة‬
‫ول عدل ً " وقال‪ " :‬من أحدث فللي أمرنللا مللا ليللس منلله فهللو رد "‬
‫وقللال‪ " :‬كللل محدثللة بدعللة وكللل بدعللة ضللللة " وهللذه أحللاديث‬
‫صحيحة‪ .‬ومدار أصول الدين وأحكامه على هذه الحاديث ونحوهللا‪.‬‬
‫وقد بين الله تعالى هذا الصل في مواضللع مللن كتللابه العزيللز كمللا‬
‫تعالى‪ " :‬اتبعوا ما أنزل إليكم مللن ربكللم ول تتبعللوا مللن دونلله‬
‫قال‬
‫أولياء قليل ً ما تذكرون " وقال تعالى‪ " :‬ثللم جعلنللاك علللى شللريعة‬
‫من المر فاتبعها ول تتبع أهللواء اللذين ل يعلملون " ونظائرهلا فلي‬
‫القرآن كثير‪.‬‬
‫وعن زياد بن حدير قال‪ :‬قال لي عمر رضي الله عنلله‪ :‬هللل تعللرف‬
‫ما يهدم السلم ؟ قلت‪ :‬ل‪ ،‬قال يهدمه زلة العالم‪ ،‬وجدال المنافق‬
‫بالكتاب‪ ،‬وحكم الئمة المضلين رواه الدارمى‪.‬‬
‫وقال يزيد بن عمير‪ :‬كان معاذ بن جبل رضللي الللله عنلله ل يجلللس‬
‫مجلسا ً للذكر إلى ويقول‪ :‬الله حكم قسط‪ :‬هلك المرتللابون وفيلله‪:‬‬
‫فاحذروا زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول الضللة علللى لسللان‬
‫الحكيم‪ ،‬وقد يقول المنافق كلمة الحق‪ .‬قلللت لمعللاذ‪ :‬ومللا يللدريني‬
‫رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضللة‪ ،‬والمنافق قللد يقللول‬
‫كلمة الحللق ؟ فقللال‪ :‬اجتنللب مللن كلم الحكيللم المشللتبهات الللتي‬
‫فإنه لعله أن يراجع الحق‪ ،‬وتلق‬
‫يقول‪ :‬ما هذه‪ :‬ول يثنيك ذلك عنه‪،‬‬
‫الحق إذا سمعته‪ ،‬فإن على الحق نورا ً رواه أبو داود وغيره‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وإذا وقع السيف لم يرفع إلى يوم القيامة وكذلك وقع‪ .‬فللإن‬
‫السيف لما وقع بقتل عثمان رضي الله عنه لم يرفع‪ ،‬وكذلك يكون‬
‫إلى يوم القيامة‪ ،‬ولكن قد يكثر تارة ويقل أخرى‪ ،‬ويكون في جهللة‬
‫ويرتفع عن أخرى ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ول تقوم بالسللاعة حللتى يلحللق حللي ملن أمللتي بالمشللركين‬
‫الحي واحد الحياء وهي القبائل‪ :‬وفي رواية أبللي داود حللتى يلحللق‬
‫قبائل من أمتي بالمشركين والمعنى‪ :‬أنهم يكونون معهم ويرتللدون‬
‫برغبتهم عن أهل السلم ويلحقون بأهل الشرك‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬حتى تعبد فئام من أمتى الوثان الفئام بكسر الفاء مهمللوز‬
‫الجماعات الكبيرة‪ ،‬قاله أبو السعادات‪.‬‬
‫وفي رواية أبي داود‪ :‬حتى تعبد قبائل من أمتي الوثان‪.‬‬
‫وهذا هو شاهد الترجمة‪ ،‬ففيه الرد على من قال بخلفه مللن عبللاد‬
‫القبور الجاحدين لما يقع منهم من الشرك بالله بعبللادتهم الوثللان‪.‬‬
‫وذلك لجهلهم بحقيقة التوحيد ومللا يناقضلله مللن الشللرك والتنديللد‪،‬‬
‫فالتوحيد هو أعظم مطلوب والشرك هو أعظم الذنوب‪.‬‬
‫وفي معنى هذا ًالحديث‪ :‬ما في الصحيحين عن أبللي هريللرة رضللي‬
‫الله عنه مرفوعا‪ " :‬ل تقلوم السلاعة حللتى تضلطرب أليلات نسللاء‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪11‬‬
‫‪6‬‬

‫دوس على ذي الخلصة قال‪ :‬وذو الخلصة طاغية دوس الللتي كللانوا‬
‫الجاهلية " وروى ابن حبان عللن معمللر قللال‪ :‬إن عليلله‬
‫يعبدون في‬
‫الن بيتا ً مبنيا ً مغلقًا‪.‬‬
‫قال العلمة ابن القيم رحمه الله في قصة هدم اللت‪ ،‬لما أسلمت‬
‫لع الشللرك والطللواغيت بعللد‬
‫ثقيللف‪ :‬فيلله أنلله ل يجللوز إبقللاء ًمواضل‬
‫واحدًا‪ ،‬وكذا حكم المشللاهد الللتي‬
‫القدرة على هدمها وإبطالها يوما‬
‫بنيت على القبور‪ ،‬والتي اتخذت أوثانا ً تعبد من دون الله‪ ،‬والحجللار‬
‫التي تقصد للتبرك والنذر ل يجوز إبقاء شئ منها على وجلله الرض‬
‫على إزالتها‪ ،‬وكثير منها بمنزلة اللت والعللزى ومنللاة‪،‬أو‬
‫مع القدرة‬
‫أعظم شركا ً عندها وبها‪ .‬فاتبع هؤلء سنن من كان قبلهم‪ ،‬وسلكوا‬
‫سبيلهم حلذو القلذة بالقلذة‪ ،‬وغللب الشلرك عللى أكلثر ًالنفلوس‪،‬‬
‫لظهللور الجهللل وخفللاء العلللم‪ ،‬وصللار المعللروف منكللرا والمنكللر‬
‫معروفًا‪ ،‬والسنة بدعة والبدعة سللنة‪ ،‬وطمسللت العلم‪ ،‬واشللتدت‬
‫غربة السلم‪ ،‬وقل العلماء‪ ،‬وغلب السفهاء‪ ،‬وتفاقم المللر‪ ،‬واشللتد‬
‫البأس‪ ،‬وظهر الفساد‪ ،‬في البر والبحللر بمللا كسللبت أيللدي النللاس‪،‬‬
‫ولكن ل تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قللائمين‪ ،‬ولهللل‬
‫مجاهدين‪ ،‬إلى أن يرث الله الرض ومن عليها وهللو‬
‫الشرك والبدع‬
‫خير الوارثين ا ه ملخصًا‪.‬‬
‫قلت‪ً :‬فإذا كان هللذا فللي القللرن السللابع وقبللله‪ ،‬فمللا بعللده أعظللم‬
‫فسادا كما هو الواقع‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلثون كلهم يزعللم أنلله نللبي‬
‫قال القرطبي‪ :‬وقد جاء عددهم معينا ً في حديث حذيفة قللال‪ :‬قللال‬
‫رسول الله صلللى الللله عليلله وسلللم‪ " :‬يكللون فللي أمللتي كللذابون‬
‫دجالون سبع وعشرون‪ ،‬منهم أربع نسوة " أخرجه أبو نعيم‪ .‬وقال‪:‬‬
‫هذا حديث غريب‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وحديث ثوبان أصح من هذا‪.‬‬
‫قال القاضي عياض‪ :‬عد من تنبأ من زمن رسللول الللله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم إلى الن ممن اشتهر بذلك وعرف وأتبعه جماعة علللى‬
‫ضللة‪ .‬فوجد هذا العدد فيهم‪ ،‬ومللن طللالع كتللب الخبللار والتواريللخ‬
‫عرف صحة هذا‪.‬‬
‫وقال الحافظ‪ :‬وقد ظهر مصداق ذلك في زمن رسول الللله صلللى‬
‫الللله عليلله وسلللم‪ ،‬فخللرج مسلليلمة الكللذاب باليمامللة‪ ،‬والسللود‬
‫العنسي باليمن‪ ،‬وفي خلفة أبي بكر‪ :‬طليحة بللن خويلللد فللي بنللي‬
‫أسد بن خزيمللة‪ ،‬وسللجاح فللي بنللي تميللم‪ ،‬وقتللل السللود قبللل أن‬
‫يموت النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وقتل مسيلمة في خلفللة أبللي‬
‫بكر رضي الله عنه‪ ،‬قتله وحشي قاتللل حمللزة يللوم أحللد‪ ،‬وشللاركه‬
‫في قتل مسيلمة يللوم اليمامللة رجللل مللن النصللار‪ ،‬وتللاب طليحللة‬
‫على السلم في زمن عمر رضي الله عنه‪ .‬ونقل أن سجاح‬
‫ومات‬
‫تابت أيضًا‪ .‬ثم خللرج المختللار بللن أبللي عبيللد الثقفللي وغلللب علللى‬
‫الكوفة في أول خلفة الزبير‪ .‬وأظهر محبة أهل ً البيت ودعا النللاس‬
‫إلى طلب قتلة الحسللين‪ ،‬فتتبعهللم فقتللل كلثيرا مملن باشللر ً ذللك‪،‬‬
‫وأعان عليه‪ .‬فأحبه الناس‪ ،‬ثم ادعى النبوة وزعللم أن جللبريل عليلله‬
‫السلم يأتيه‪ .‬ومنهم الحرث الكذاب‪ ،‬خرج فللي خلفللة عبللد الملللك‬
‫بن مروان فقتل‪ .‬وخرج في خلفة بني العباس جماعة‪.‬‬
‫وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلق لًا‪ .‬فللإنهم ل يصللحون‬
‫كثرة لكون غالبهم تنشأ دعوته عن جنون أو سللوداء‪ .‬وإنمللا المللراد‬
‫من قامت له شوكة وبدأ له شللبهة كمللن وصللفنا‪ .‬وقللد أهلللك الللله‬
‫تعالى من وقللع للله منهللم ذلللك وبقللي منهللم مللن يلحقلله بأصللحابه‬
‫وآخرهم الدجال الكبر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وأنا خاتم النبيين قال الحسن‪ .‬الخاتم الذي ختم به يعني أنلله‬
‫آخر النبيين‪ ،‬كما قال تعالى‪ " :‬ما كان محمد أبا أحللد مللن رجللالكم‬
‫ولكن رسول الله ًوخاتم النبيين " وإنما ينزل عيسى ابن مريمً في‬
‫آخر الزمان حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم مصليا إلى‬
‫قبلته‪ .‬فهو كأحد من أمته‪ ،‬بللل هللو أفضللل هللذه المللة‪ .‬قللال النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ " :‬والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم‬
‫حكم لا ً مقسللطًا‪ .‬فليكسللرن الصللليب‪ ،‬وليقتلللن الخنزيللر‪ ،‬وليضللعن‬
‫الجزية "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ول تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة ل يضرهم من‬
‫خذلهم ول من خالفهم قال يزيد بن هرون‪ ،‬وأحمد بن حنبل‪ :‬إن لم‬
‫يكونوا أهل الحديث فل أدري من هم ؟ ‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪11‬‬
‫‪7‬‬

‫قال ابن المبارك وعلى بن المللديني‪ ،‬وأحمللد بللن سللنان والبخللاري‬
‫وغيرهم إنهم أهل الحللديث وعلن ابلن المللديني روايلة هلم العلرب‬
‫واستدل برواية من روى‪ ،‬هم أهللل الغللرب‪ .‬وفسللر الغللرب بالللدلو‬
‫العظيمة‪ ،‬لن العرب هم الذين يستقون بها‪.‬‬
‫قال النووي ‪ :‬يجوز أن تكللون الطائفللة جماعللة متعللددة مللن أنللواع‬
‫المؤمنين ما بين شجاع وبصير بالحرب‪ ،‬وفقيلله ومحللدث ومفسللر‪،‬‬
‫وقائم بالمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ .‬وزاهد وعابد‪ ،‬ول يلللزم‬
‫أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد‪ ،‬بللل يجللوز اجتمللاعهم فللي قطللر‬
‫واحد‪ ،‬وافتراقهم في أقطار الرض‪ ،‬ويجلوز أن يجتمعلوا فلي البللد‬
‫يكونوا في بعض دون بعللض منلله‪ ،‬ويجللوز إخلء الرض‬
‫الواحد وأن‬
‫من بعضهم أول ً بأول إلى أن ل يبقى ًإل فرقللة واحللدة ببلللد واحللد‪،‬‬
‫فإذا انقرضوا جاء أمر الله‪ .‬ا ه ملخصا مع زيادة فيه‪ .‬قاله الحافظ‪.‬‬
‫قال القرطبي‪ :‬وفيه دليل على أن الجماع حجة لن المة اجتمعت‬
‫فقد دخل فيهم الطائفة المنصورة‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله‪ :‬وفي اليللة العظيمللة‪ :‬أنهللم مللع قلتهللم ل‬
‫يضرهم من خذلهم ول مللن خللالفهم‪ .‬وفيلله البشللارة بللأن الحللق ل‬
‫يزول بالكلية ‪.‬‬
‫قتل‪ :‬واحتج به المام أحمد علللى أن الجتهللاد ل ينقطللع مللا دامللت‬
‫هذه الطائفة موجودة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬حتى يأتي أمر الله الظاهر أن المراد به مللا روى مللن قبللض‬
‫من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة‪ ،‬ووقوع اليات العظام‪ ،‬ثللم ل‬
‫يبقى إل شرار الناس‪ ،‬كما روى الحاكم أن عبد الله بن عمر قللال‪:‬‬
‫ل تقوم الساعة إل على شرار الخلق‪ ،‬هم شر أهل الجاهلية فقللال‬
‫عقبة بن عامر لعبد الله‪ :‬اعلم ما تقللول‪ ،‬وأمللا أنللا فسللمعت النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم يقللول‪ :‬ل تللزال عصللابة مللن أمللتي يقللاتلون‬
‫على أمر الله ظاهرين ل يضرهم من خالفهم حتىً تللأتيهم السللاعة‬
‫وهم على ذلك قال عبللد الللله‪ :‬ويبعللث الللله ريح لا ريحهللا المسللك‪،‬‬
‫ومسها مس الحرير فل تترك أحدا ً في قلبه مثقال ذرة مللن إيمللان‬
‫إل قبضته‪ ،‬ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة وفي صحيح‬
‫مسلم‪ :‬ل تقوم الساعة حتى ل يقال في الرض الله الله ‪.‬‬
‫وعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة وما أشللبهه حللتى تللأتيهم‬
‫الساعة ساعتهم وهي وقت موتهم بهبوب الريح‪ .‬ذكره الحافظ‪.‬‬
‫وقد اختلف في محل هذه الطائفة‪ ،‬فقال ابن بطال‪ :‬إنها تكون في‬
‫بيت المقدس‪ ،‬كما رواه الطبراني من حديث أبللي أمامللة قيللل‪ :‬يللا‬
‫رسول الله‪ ،‬أين هم ؟ قللال‪ :‬بيللت المقللدس وقللال معللاذ بللن جبللل‬
‫لدل علللى أنلله ل‬
‫رضي الله عنه‪ :‬هم بالشام وفي كلم الطبري ما يل‬
‫يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائمًا‪ ،‬بل قد تكللون‬
‫في موضع آخر في بعض الزمنة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ويشهد له الواقع وحللال أهللل الشللام وأهللل بيللت المقللدس‪،‬‬
‫فإنهم من أزمنة طويلة ل يعرف فيهم من قام بهذا المر بعد شلليخ‬
‫السلم ابن تيمية رضي الله عنه وأصحابه في القرن السابع وأول‬
‫الثامن‪ ،‬فإنهم كانوا في زمانهم على الحق يدعون إليه‪ ،‬وينللاظرون‬
‫عليه‪ ،‬ويجاهدون فيه‪ .‬وقد يجيء من أمثالهم بعد بالشام من يقللوم‬
‫مقامهم بالدعوة إلى الحق والتمسك بالسنة‪ .‬والله على كللل شللئ‬
‫قدير‪.‬‬
‫ومما يؤيد هذا أن أهل الحق والسنة في زمن الئمة الربعة وتوافر‬
‫العلماء في ذلك الزمان وقبله وبعده لم يكونوا في محل واحد‪ ،‬بل‬
‫هم في غالب المصار في الشام منهم الئمة‪ ،‬وفللي الحجللار وفللي‬
‫مصر‪ ،‬وفي العراق واليمن‪ ،‬وكلهم على الحق يناضلون‪ ،‬ويجاهدون‬
‫أهل البدع‪ ،‬ولهم المصنفات التي صارت أعلما ً لهل السنة‪ ،‬وحجة‬
‫على كل مبتدع‪.‬‬
‫فعلى هذا‪ ،‬فهذه الطائفة قد تجتمللع وقللد تتفللرق‪ ،‬وقللد تكللون فللي‬
‫الشام‪ ،‬وقد تكون في غيره‪ ،‬فإن حديث أبي أمامة‪ ،‬وقول معللاذ‪ ،‬ل‬
‫يفيد حصرها بالشام وإنما يفيد أنهللا تكللون فللي الشللام فللي مصللر‬
‫بعض الزمنة ل في كلها‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪11‬‬
‫‪8‬‬

‫وكل جملة من هذا الحديث علم من أعلم النبوة‪ ،‬فإن كل ما أخبر‬
‫به النبي صلى الله عليه وسلللم فللي هللذا الحللديث وقللع كمللا أخللبر‬
‫صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬تبارك وتعالى قال ابن القيم‪ :‬البركة نوعان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬بركة هي فعلة والفعل منهللا بللارك‪ ،‬ويتعللدى بنفسلله تللارة‬
‫تارة‪،‬والمفعول منهللا مبللارك‪ .‬وهللو مللا‬
‫وبأداة على تارة‪ ،‬وبأداة في‬
‫جعل منها كذلك‪ ،‬فكان مباركا ً بجعله تعالى‪.‬‬
‫والنوع الثاني‪ :‬بركة تضللاف إليلله إضللافة الرحمللة والعللزة‪ ،‬والفعللل‬
‫منها تبارك‪ ،‬ولهذا ل يقال لغيره ذلللك‪ ،‬ول يصلللح إل للله عللز وجللل‪،‬‬
‫فهو سبحانه المتبارك‪ ،‬وعبده ورسوله المبارك‪ ،‬كما قللال المسلليح‬
‫عليه السلم‪ " :‬وجعلني مباركا أين ما كنت " فمن يبارك الللله فيلله‬
‫وعليه فهو المبارك‪.‬‬
‫وأما صفة تبارك فمختصة به‪ ،‬كما أطلقه على نفسه فللي قللوله‪" :‬‬
‫تبارك الله رب العالمين " ‪ " :‬تبارك الللذي بيللده الملللك وهللو علللى‬
‫كل شيء قدير " أفل تراها كيف اطردت في القللرآن جاريللة عليلله‬
‫مختصللة بلله‪ ،‬ل تطلللق علللى غيللره ؟ وجللاءت علللى بنللاء السللعة‬
‫والمبالغة‪ ،‬كتعالى وتعاظم ونحوه‪ ،‬فجاء بناء تبارك على بناء تعللالى‬
‫الذي هو دال على كمللال العلللو ونهللايته‪ ،‬فكللذلك تبللارك دال علللى‬
‫كملال بركتله وعظمتله وسلعتها‪ .‬وهلذا معنلى قلول ملن قلال ملن‬
‫السلف تبارك تعاظم‪ .‬وقال ابن عباس رضي الله عنهما‪ :‬جاء بكللل‬
‫بركة‪.‬‬
‫قمموله‪) :‬قممال عمممر رضممي اللممه عنممه‪ :‬الجبممت‪ :‬السممحر‪.‬‬
‫والطاغوت‪ :‬الشيطان( ‪:‬‬
‫هذا الثر رواه ابن أبي حاتم وغيره‪.‬‬
‫الشيطان‪ ،‬في‬
‫قوله‪ :‬وقال جابر‪ :‬الطواغيت كهان كان ينزل عليهم‬
‫كل حي واحد هذا الثر رواه ابن أبي حاتم بنحوه مطول ً عن وهللب‬
‫لانوا‬
‫بن منبه قال‪ :‬سألت جابر بن عبد الله عللن الطللواغيت الللتي كل‬
‫واحللدًا‪ ،‬وفللي أسلللم واحللدًا‪،‬‬
‫يتحاكمون إليها‪ ،‬فقال‪ :‬إن فللي جهينللة‬
‫وفي هلل واحدًا‪ ،‬وفللي كللل حللي واحللدًا‪ ،‬وهللم كهللان كللانت تنللزل‬
‫عليهم الشياطين ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قال جابر هو عبد الله بن حرام النصاري‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الطواغيت كهلان أراد أن الكهلان ملن الطللواغيت‪ :‬فهللو ملن‬
‫إفراد المعنى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬كان ينزل عليهم الشيطان أراد الجنس ل الشيطان الذي هو‬
‫إبليس خاصة‪ ،‬بل تنزل عليهم الشللياطين ويخللاطبونهم ويخللبرونهم‬
‫بما يسترقون من السمع‪ ،‬فيصدقون مرة ويكذبون مائة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬في كل حي واحد الحي واحد الحياء‪ ،‬وهم القبللائل‪ ،‬أي فللي‬
‫كل قبيلة كاهن يتحاكمون إليه ويسألونه علن الغيلب‪ ،‬وكلذلك كلان‬
‫المر قبل مبعث النبي صلللى الللله عليلله وسلللم فأبطللل الللله ذلللك‬
‫بالسلم وحرست السماء بكثرة الشهب‪.‬‬
‫قمموله‪) :‬وعممن أبممي هريممرة رضممي اللممه عنممه قممال‪ :‬قممال‬
‫رسول اللممه صمملى اللممه عليممه وسمملم‪ " :‬اجتنبمموا السممبع‬
‫الموبقات‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول الله وما هن ؟ قال‪ :‬الشممرك‬
‫بالله‪ ،‬والسحر‪ ،‬وقتل النفس التي حرم اللممه إل بممالحق‪،‬‬
‫وأكل الربما‪ ،‬وأكمل ممال اليمتيم‪ ،‬والتممولي يموم الزحممف‪،‬‬
‫وقذف المحصنات الغافلت المؤمنات "(‪:‬‬
‫كذا أورده المصنف غير معزو‪ .‬وقد رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬اجتنبوا أي ابعدوا‪ ،‬وهللو أبلللغ مللن قللوله‪ :‬دعللوا واتركللوا‪ ،‬لن‬
‫النهي عن القربان أبلللغ‪ ،‬كقللوله‪ " :‬ول تقربللوا الفللواحش مللا ظهللر‬
‫منها وما بطن "‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪11‬‬
‫‪9‬‬

‫قللوله‪ :‬الموبقللات بموحللدة وقللاف‪ .‬أي المهلكللات‪ .‬وسللميت هللذه‬
‫موبقللات لنهللا تهلللك فاعلهللا فللي الللدنيا بمللا يللترتب عليهللا مللن‬
‫العقوبات‪،‬وفي الخرة من العذاب‪.‬‬
‫البخاري في ًالدب المفرد والطبري فللي‬
‫وفي حديث ابن عمر عند‬
‫التفسير‪ ،‬وعبد الرزاق مرفوعا ً وموقوفا قللال‪ :‬الكبللائر تسللع وذكللر‬
‫السبع المذكورة وزاد‪ :‬واللحاد في الحرم‪ ،‬وعللوق الوالللدين ولبللن‬
‫أبي حاتم عن علي قال‪ :‬الكبائر فذكر السللبع إل مللال اليللتيم‪ ،‬وزاد‬
‫العقوق‪ ،‬والتعرب بعد الهجرة‪ ،‬وفراق‪ :‬الجماعة ونكث الصفقة ‪.‬‬
‫قال الحافظ‪ :‬ويحتاج عندي هذا الجواب عن الحكمة فللي القتصللار‬
‫على سبع‪.‬‬
‫ويجاب‪ :‬بأن مفهوم العدد ليس بحجة وهو ضعيف‪ ،‬أو بأنه أعلللم أو‬
‫ل بالمللذكورات‪ .‬ثللم أعلللم بمللا زاد‪ ،‬فيجللب الخللذ بللالزائد‪ ،‬أو أن‬
‫القتصار وقع بحسب المقام بالنسبة إلى السائل‪.‬‬
‫وقد أخرج الطبراني وإسماعيل القاضي عن ابللن عبللاس أنلله قيللل‬
‫له‪ :‬الكبائر سبع قال‪ :‬هن أكثر من سبع وسبع وفي رواية هلي إللى‬
‫سبعين أقرب وفي رواية‪ :‬إلى السبعمائة ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قال؛ الشرك بللالله هللو أن يجعللل لللله نللدا ً يللدعوه ويرجللوه‪،‬‬
‫ويخافه كما يخاف الله‪ ،‬بدأ به لنه أعظم ذنب عصى الله بلله‪ ،‬كمللا‬
‫في الصحيحين عن ابن مسللعود " سللألت النللبي صلللى الللله ًعليلله‬
‫وسلم أي الذنب أعظم عنللد الللله ؟ قللال‪ :‬أن تجعللل لللله نللدا وهللو‬
‫خلقللك‪ "... ،‬الحللديث‪ ،‬وأخللرج الترمللذي بسللنده عللن صللفوان بللن‬
‫عسال قال‪ :‬قال يهودي لصاحبه‪ :‬اذهب بنا إلى هذا النبي‪ ،‬فقال له‬
‫صاحبه‪ :‬ل تقل نبي‪ ،‬إنه لو سمعك لكان له أربع أعين‪ ،‬فأتيا رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم فسللأله عللن تسللع آيللات ً بينللات‪ ،‬فقللال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ " :‬ل تشركوا بالله شلليئا‪ ،‬ول تسللرقوا‪،‬‬
‫ول تزنوا‪ ،‬ول تقتلوا النفس الللتي حللرم الللله إل بللالحق‪ ،‬ول تمشللوا‬
‫ببريء إلى ذي سلللطان ليقتللله‪ ،‬ول تسللحروا‪ ،‬ول تللأكلوا الربللا‪ ،‬ول‬
‫تقذفوا محصنة‪ ،‬ول تولوا للفرار يوم الزحف‪ ،‬وعليكم خاصة اليهود‬
‫أن ل تعللدوا فللي السللبت‪ .‬فقبل يللديه ورجليلله‪ .‬وقللال‪ :‬نشللهد أنللك‬
‫نبي‪ "...‬الحديث‪ .‬وقال‪ :‬حسن صحيح‪.‬‬
‫قوله‪ :‬السحر تقدم معناه‪ .‬وهذا وجه مناسبة الحديث للترجمة‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬وقتل النفس التي حللرم الللله أي حللرم قتلهللا‪ .‬وهللي نفللس‬
‫المسلم المعصوم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬إل بالحق أي بأن تفعل ما يللوجب قتلهللا‪ .‬كالشللرك والنفللس‬
‫بللالنفس‪ ،‬والزانللي بعللد ًالحصللان‪ ،‬وكللذا قتللل المعاهللد‪ ،‬كمللا فللي‬
‫الحديث "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة "‪.‬‬
‫؟‬
‫واختلف العلماء فيمن قتللل مؤمن لا ً متعمللدًا‪ ،‬وهللل للله توبللة أم ل‬
‫استدلل ً‬
‫فذهب ابن عباس وأبو هريرة وغيرهما إلى أنه ل توبة له‪،‬‬
‫بقوله تعالى‪ " :‬ومن يقتل مؤمنا ً متعمدا ً فجزاؤه جهنم خالدا ً فيها "‬
‫وقال ابن عباس نزلت هذه الية وهي آخر ما نزل وما نسخها شئ‬
‫وفي رواية‪ :‬لقد نزلت في آخر ما نزل وما نسخها شئ حتى قبللض‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نللزل وحللي وروى فللي ذلللك‬
‫آثار تدل لما ذهب إليه هؤلء‪ ،‬كما عند المام أحمد والنسائي وابللن‬
‫المنذر عن معاوية‪ :‬سللمعت رسللول الللله صلللى الللله عليلله وسلللم‬
‫الله أن يغفره إل الرجللل يمللوت كللافرا ً أو‬
‫يقول‪ " :‬كل ذنب عسى‬
‫الرجل يقتل مؤمنا ً متعمدا ً "‪.‬‬
‫وذهب جمهور المة سلفا ً وخلفا ً إلى أن القاتل لله توبللة فيملا بينلله‬
‫وبين الله‪ ،‬فإن تاب وأناب عمل صالحا ً بدل الللله سلليئاته حسللنات‪،‬‬
‫كما قال تعالى‪ " :‬والذين ل يدعون مللع الللله إلهللا آخللر ول يقتلللون‬
‫النفس التي حرم الله إل بالحق ول يزنللون ومللن يفعللل ذلللك يلللق‬
‫أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلللد فيلله مهانللا * إل مللن‬
‫تاب وآمن وعمل عمل صالحا " اليات‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ومن يقتل مؤمنا ً متعمدا ً قال أبو هريللرة وغيللره هللذا جللزاؤه‬
‫إن جازاه ‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪12‬‬
‫‪0‬‬

‫وقد روى عن ابن عباس ما يوافق قول الجمهلور‪ ،‬فلروى عبللد بلن‬
‫حميد والنحاس عن سعيد ًبن عبادة أن ابن عباس رضي الللله عنلله‬
‫لمن قتل مؤمنا توبة وكذلك ابن عمر رضي الله عنهما‪.‬‬
‫كان يقول‪:‬‬
‫وروى مرفوعا ً " أن جزاءه جهنم إن جازاه "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وآكل الربا أي تناوله بأي وجه كان‪ ،‬كما قال تعالى‪ " :‬الللذين‬
‫يأكلون الربا ل يقومون إل كما يقوم الللذي يتخبطلله الشلليطان مللن‬
‫المس " اليات‪ .‬قال ابن دقيق العيد‪ :‬وهو مجرب لسللوء الخاتمللة‪.‬‬
‫نعوذ بالله من ذلك‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وآكل مال اليتيم يعني التعللدي فيلله‪ .‬وعللبر بالكللل لنلله أعللم‬
‫وجوه النتفاع‪ ،‬كما قال تعالى‪ً " :‬إن الذين يللأكلون ًأمللوال اليتللامى‬
‫ظلما ً إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬والتللولي يللوم الزحللف أي الدبللار عللن الكفللار وقللت التحللام‬
‫القتال‪ ،‬وإنمللا يكللون كللبيرة إذا فللر إلللى غيللر فئة أو غيللر متحللرف‬
‫لقتال‪ .‬كما قيد به في الية‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وقللذف المحصللنات الغللافلت المؤمنللات وهللو بفتللح الصللاد‪:‬‬
‫المحفوظات من الزنا‪ ،‬وبكسرها الحافظات فروجهن منه‪ ،‬والمراد‬
‫بالحرائر العفيفات‪ ،‬والمراد رميهللن بزنللا أو لللواط‪ .‬والغللافلت‪ ،‬أي‬
‫عن الفواحش وما رمين به‪ .‬فهو كنايللة عللن الللبريئات‪ً .‬لن الغافللل‬
‫بريء عما بهت به‪ .‬والمؤمنات‪ ،‬أي بالله تعالى احللترازا مللن قللذف‬
‫الكافرات‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعن جندب مرفوعا ً " حد الساحر ضربه بالسيف‬
‫" رواه الترمذي( ‪:‬‬
‫وقال‪ :‬الصحيح أنه موقوف‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عن جندب ظاهر صنيع الطبراني في الكللبير أنلله جنللدب بللن‬
‫عبد الله البجلي‪ .‬ل جنللدب الخيللر الزدي قاتللل السللاحر فللإنه رواه‬
‫في ترجمة جندب البجلي من طريق خالد العبللد علن الحسللن علن‬
‫جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم‪ .‬وخالد العبللد ضلعيف‪ .‬قلال‬
‫الحافظ‪ :‬والصللواب أنلله غيللره‪ .‬وقللد رواه ابللن قللانع والحسللن بللن‬
‫سفيان من وجهين عن الحسللن عللن جنللدب الخيللر‪ :‬أنلله جللاء إلللى‬
‫ساحر فضربه بالسيف حتى مات‪ ،‬وقال‪ :‬سمعت رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم يقول فذكره وجندب الخير هللو جنللدب بللن كعللب‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬جندب بن زهير‪ ،‬وقيل‪ :‬هما واحد‪ ،‬كما قللال ابللن حبللان‪ :‬أبللو‬
‫عبلد اللله الزدي الغاملدي صلحابي روى ابلن السلكن ملن حلديث‬
‫بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪ " :‬يضرب ضربة واحللدة‬
‫فيكون أمة واحدة "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬حلد السلاحر ضللربه بالسليف وروى بالهللاء وبالتلاء‪ ،‬وكلهملا‬
‫صحيح‪.‬‬
‫وبهذا الحديث أخذ مالك وأحمد وأبو حنيفة فقالوا‪ :‬يقتللل السللاحر‪.‬‬
‫وروى ذلك عن عمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬وحفصة‪ ،‬وجندب بن عبد‬
‫الله‪ ،‬وجندب بن كعب‪ ،‬وقيس ابن سللعد‪ ،‬وعمللر بللن عبللد العزيللز‪،‬‬
‫ولم ير الشافعي القتل عليه بمجرد السحر إل إن عمل في سحره‬
‫ما يبلغ الكفر‪ .‬وبه قال ابن المنللذر وهللو روايللة عللن أحمللد‪ .‬والول‬
‫أولى للحديث ولثر عمر‪ ،‬وعملل بله النلاس فللي خلفتلله ملن غيلر‬
‫نكير‪.‬‬
‫قال‪) :‬وفي صحيح البخمماري عمن بجالمة بمن عبمدة قمال‪:‬‬
‫كتب عمر بن الخطمماب أن اقتلمموا كممل سمماحر وسمماحرة‪.‬‬
‫قال فقتلنا ثلث سواحر( ‪:‬‬
‫هذا الثر رواه البخاري كما قال المصنف رحمه الله‪ ،‬لكن لم يللذكر‬
‫قتل السواحر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عن بجالة بفتلح الموحلدة بعلدها جيلم‪ ،‬ابلن عبللدة بفتحللتين‪،‬‬
‫التميمي العنبري بصرى ثقة‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪12‬‬
‫‪1‬‬

‫قوله‪ :‬كتب إلينا عمر بن الخطللاب أن اقتلللوا كللل سللاحر وسللاحرة‬
‫وظاهره أنه يقتل من غير استتابة‪ .‬وهو كذلك عللى المشلهور علن‬
‫أحمد‪ ،‬وبه قال مالك‪ ،‬لن علم السحر ل يزول بالتوبة‪ .‬وعن أحمللد‬
‫يستتاب‪ ،‬فإن تاب قبلت توبته‪ ،‬وبه قال الشافعي لن ذنبلله ل يزيللد‬
‫عن الشرك‪ ،‬والمشرك يسللتتاب وتقبللل تللوبته ولللذلك صللح إيمللان‬
‫سحرة فرعون وتوبتهم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت ‪.‬‬
‫هذا الثر وراه مالك في الموطأ‪.‬‬
‫وحفصة هي أم المللؤمنين بنللت عمللر بللن الخطللاب تزوجهللا النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم بعد خينس بللن حذافللة ومللاتت سللنة خمللس‬
‫وأربعين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وكذلك صح عن جندب أشار المصنف بهذا إلى قتلة الساحر‬
‫كما رواه البخاري في تاريخه ًعن أبي عثمان النهدي قال‪ :‬كان عند‬
‫الوليد رجل يلعب فذبح إنسانا وأبللان رأسلله فعجبنللا‪ ،‬فأعللاد ً رأسلله‬
‫ل‪ .‬وفيلله‬
‫فجاء جندب الزدى فقتله ورواه البيهقي في الدلئل مطللو‬
‫فأمر به الوليد فسجن فذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قال أحمد عن ثلث من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫أحمد هو المام ابن محمد بن حنبل‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عن ثلثة أي صح قتل الساحر عن ثلثة‪ ،‬أو جاء قتل الساحر‬
‫أصحاب النبي صلللى الللله عليلله وسلللم‪ ،‬يعنللي عمللر‪،‬‬
‫عن ثلثة من‬
‫وحفصة‪ ،‬وجندبًا‪ .‬والله أعلم‪.‬‬

‫باب‬
‫بيان شيء من أنواع السحر‬
‫قوله‪) :‬باب‪ :‬بيان شئ من أنواع السحر ( ‪:‬‬
‫قلت‪ :‬ذكر الشارح رحملله الللله تعللالى هللا هنللا شلليئا ً مللن الخللوارق‬
‫وكرامات الولياء وذكر ما ًاغتر بلله كللثير مللن النللاس مللن الحللوال‬
‫الشيطانية التي غرت كثيرا من العوام والجهللال‪ ،‬وظنللوا أنهللا تللدل‬
‫على ولية من جرت على يديه ممن هو من أولياء الشيطان ل من‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪12‬‬
‫‪2‬‬

‫أولياء الرحمن‪ ،‬ثم قال‪ :‬ولشيخ السلم كتاب الفرقللان بيللن أوليللاء‬
‫الرحمن وأولياء الشيطان فراجعه‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫قال رحمممه اللممه تعممالى‪) :‬قممال أحمممد‪ :‬حممدثنا محمممد بممن‬
‫جعفر‪ .‬حدثنا عوف عن حيان ابن العلء‪ ،‬حدثنا قطن بممن‬
‫قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي صمملى اللممه عليممه وسمملم‬
‫قال‪ " :‬إن العيافة‪ ،‬والطرق‪ ،‬والطيرة من الجبت " قممال‬
‫عوف‪ :‬العيافممة زجممر الطيممر‪ ،‬والطممرق الخممط يخممط فممي‬
‫الرض‪ ،‬والجبت‪ :‬قال الحسن رنة الشيطان إسناده جيد‪.‬‬
‫ولبي داود والنسائي وابن حبممان فممي صممحيحه المسممند‬
‫منه( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬قال أحمد هو المام أحمد بن محمد بن حنبل‪.‬‬
‫ومحمد بن جعفر هو المشهور بغندر الهذلي البصري‪ ،‬ثقة مشهور‪،‬‬
‫مات سنة ست ومائتين‪.‬‬
‫وعوف هو ابن أبي جميلة بفتح الجيم العبللدي البصللري‪ ،‬المعللروف‬
‫بعوف العرابي‪ ،‬ثقة مات سنة سللت أو سللبع وأربعيللن‪ ،‬وللله سللت‬
‫وثمانون سنة‪.‬‬
‫وحيان بن العلء هو بالتحتية‪ ،‬ويقللال حيللان بللن مخللارق‪ ،‬أبللو العلء‬
‫البصري‪ ،‬مقبول‪.‬‬
‫وقطن‪ ،‬بفتحتين أبو سهل البصري صدوق‪.‬‬
‫قوله‪ :‬عن أبيه هو قبيصة بفتح أوله ابن مخارق بضم الميم أبو عبد‬
‫الله الهللي‪ .‬صحابي‪ ،‬نزل البصرة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت قال عللوف‪ :‬العيافللة‬
‫زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها‪ ،‬وهللو مل ًلن عللادات‬
‫العرب‪ ،‬وكلثير ملن أشلعارهم‪ ،‬يقلال‪ :‬علاف يعيللف عيفلا‪ ،‬إذا زجلر‬
‫وحدس وظن‪.‬‬
‫قوله‪ :‬والطرق الخط يخط الرض كذا فسره عوف‪ ،‬وهو كذلك‪.‬‬
‫وقال أبو السعادات‪ :‬هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء‪ .‬وأمللا‬
‫الطيرة فيأتي الكلم عليها في بابها إن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬من الجبت أي السحر‪ .‬قللال القاضللي‪ :‬والجبللت فللي الصللل‬
‫الفضللل الللذي ل خيللر فيلله‪ ،‬ثللم اسللتعير لمللا يعبللد مللن دون الللله‪،‬‬
‫وللساحر والسحر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قال الحسن‪ :‬رنة الشيطان قلت‪ :‬ذكر إبراهيم بن محمد بللن‬
‫مفلح أن في تفسير بقي بن مخلد أن إبليس رن أربللع رنللات‪ :‬رنللة‬
‫حين لعن‪ ،‬ورنة حين أهبط‪ ،‬ورنة حين ولد رسلول اللله صللى اللله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ورنة حين نزلت فاتحة الكتاب‪ .‬قال سللعيد بللن جييللر‪:‬‬
‫لما لعن الله تعالى إبليس تغيرت صورته عن صورة الملئكة‪ ،‬ورن‬
‫رنة‪ ،‬فكل رنة منها في الدنيا إلى يوم القيامة‪ .‬رواه ابن أبي حللاتم‪.‬‬
‫وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال‪ :‬لما فتح رسول الله صلى‬
‫رواه‬
‫الله عليه وسلم مكللة رن إبليللس رنللة اجتمعللت إليلله جنللوده‪.‬‬
‫الحافظ الضياء في المختارة ‪ :‬الرنين الصوت‪ .‬وقد رن يللرن رنينلًا‪،‬‬
‫وبهذا يظهر معنى قول الحسن رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ولبي داود وابن حبان في صحيحه‪ :‬المسللند منلله ولللم يللذكر‬
‫التفسللير الللذي فسللره بلله عللوف‪ .‬وقللد رواه أبللو داود بالتفسللير‬
‫المذكور بدون كلم الحسن‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعن أبي عبمماس رضممي اللممه عنهممما قممال‪ :‬قممال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ " :‬مممن اقتبممس شممعبة‬
‫من النجوم فقد اقتبس شعبة من السممحر‪ ،‬زاد ممما زاد "‬
‫رواه أبو داود وإسناد صحيح( ‪:‬‬
‫وكذا صححه النووي والذهبي ورواه أحمد وابن ماجه‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪12‬‬
‫‪3‬‬

‫قوله‪ :‬من اقتبس قال أبو السللعادات‪ :‬قبسللت العلللم واقتبسللته إذا‬
‫علمته ‪.‬اهل‪.‬‬
‫قوله‪ :‬شعبة أي طائفة من النجوم علللم‪ .‬والشللعبة الطائفللة‪ .‬ومنلله‬
‫الحديث " الحياة شعبة من اليمان " أي جزء منه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فقد اقتبس شعبة من السحر المحرم تعلمه‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله تعالى‪ :‬فقد صرح رسللول الللله صلللى‬
‫الله عليه وسلم بأن علم النجوم مللن السللحر‪ ،‬وقللال تعللالى‪ " :‬ول‬
‫يفلح الساحر حيث أتى "‪.‬‬
‫قلوله‪ :‬زاد ملا زاد ملن تعللم عللم النجلوم زاد فلي الثلم الحاصلل‬
‫بزيادة القتباس من شعبه‪ ،‬فإن ما يعتقده في النجللوم مللن التللأثير‬
‫باطل‪ ،‬كما أن تأثير السحر باطل‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وللنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنممه‪:‬‬
‫فيها فقممد سممحر‪ .‬ومممن سممحر‬
‫" من عقد عقدة ثم نفث‬
‫فقد أشرك‪ .‬ومن تعلق شيئا ً وكل إليه "( ‪:‬‬
‫هذا حديث ذكره المصنف ًمن حديث أبي هريرة وعللزاه للنسللائي‪.‬‬
‫وقد رواه النسائي مرفوعا وحسنه ابن مفلح‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وللنسائي هو المام الحافظ أحمد بن شللعيب بللن علللي بللن‬
‫سنان بن بحر بن دينار أبو عبللد الرحمللن صللاحب السللنن وغيرهللا‪.‬‬
‫وروى عن محمد بن المثنى وابن بشلار وقتيبلة وخللق‪ ،‬وكلان إليله‬
‫المنتهي في العلم بعلللل الحللديث‪ ،‬مللات سللنة ثلث وثلثمللائة‪ ،‬وللله‬
‫ثمان وثمانون سنة رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر اعلم أن السللحرة إذا‬
‫أرادوا عمل السحر عقدوا الخيوط ونفثللوا علللى كللل عقللدة‪ ،‬حللتى‬
‫ينعقد ما يريدون من السحر‪ ،‬قال الله تعالى‪ " :‬ومن شر النفاثللات‬
‫في العقد " يعني السواحر اللتي يفعلن ذلك‪ ،‬والنفث هو النفخ مع‬
‫الريق‪ ،‬وهو دون التفل‪ .‬والنفث فعل الساحر‪ ،‬فللإذا تكيفللت نفسلله‬
‫المسللحور ويسللتعين عليلله بللالرواح‬
‫بللالخبث والشللر الللذي يريللده‬
‫الخبيثة نفخ في تلك العقيدة نفخ لا ً معلله ريللق‪ .‬فيخللرج مللن نفسلله‬
‫الخبيثة نفس ممازج للشللر والذى مقللارن للريللق الممللارج لللذلك‪،‬‬
‫وقد يتساعد هللو والللروح الشلليطانية علللى أذى المسللحور فيصلليبه‬
‫بإذن الله الكونى القدرى ل الشرعي‪ ،‬قاله ابللن القيللم رحملله الللله‬
‫تعالى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ومن سحر فقد أشرك نللص فللي أن السللاحر مشللرك‪ ،‬إذا ل‬
‫يتأتى السحر بدون الشرك كما حكاه الحافظ عن بعضهم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ومن تعلق شيئا ً وكل إليلله أي مللن تعلللق قلبلله شلليئًا‪ :‬بحيللث‬
‫يعتمد عليه ويرجوه وكله الله إلى ذلك الشئ‪ .‬فمن تعلق على ربه‬
‫وإلهه وسيده وموله رب كل شللئ ومليكلله‪ ،‬كفللاه ووقللاه وحفظلله‬
‫وتوله‪ .‬فنعم المولى ونعم النصير‪ .‬قال تعالى‪ " :‬أليس اللله بكلاف‬
‫عبللده " ومللن تعلللق علللى السللحرة والشللياطين وغيرهللم مللن‬
‫لن تأمللل ذلللك فللي‬
‫المخلوقين وكله الله إلى من تعلللق فهلللك‪ .‬ومل‬
‫أحوال الخلق ونظر بعين البصيرة رآى ذلك عيانًا‪ ،‬وهذا من جوامللع‬
‫الكلم‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫قال‪) :‬وعن ابن مسعود رضي الله عنممه أن رسممول اللممه‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪ " :‬أل هل أنبئكم ما العضممه ؟‬
‫هي النميمة‪ ،‬القالة بين الناس " رواه مسلم( ‪:‬‬
‫قللوله‪ :‬أل هللل أنللبئكم أخللبركم و العضلله بفتللح المهملللة وسللكون‬
‫المعجمة‪ ،‬قال أبو السعادات‪ :‬هكذا يروي في كتب الحديث‪ .‬والذي‬
‫في كتب الغريب أل أنبئكم مللا العضلله بكسللر العيللن وفتللح الضللاد‪.‬‬
‫قال الزمخشللري‪ :‬أصلللها العضللهة فعلللة مللن العضللة وهللو البهللت‪.‬‬
‫فحذفت لمه‪ ،‬كما حذفت من السنة والشفة‪ ،‬وتجمع علللى عضللين‬
‫لة بيللن فللأطلق عليهللا العضلله‬
‫ثمن فسره بقوله‪ :‬هي النميمللة القالل‬
‫لنها ل تنفك من الكذب والبهتان غالبًا‪ .‬ذكره القرطبي‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪12‬‬
‫‪4‬‬

‫وذكر ابن عبد الللبر عللن يحيللى بللن أبللي كللثير قللال‪ :‬يفسللد النمللام‬
‫والكلذاب فلي سلاعة ملا ل يفسلد السلاحر فلي سلنة ‪ .‬وقلال أبلو‬
‫الخطللاب فللي عيللون المسللائل‪ :‬ومللن السللحر السللعي بالنميمللة‬
‫والفساد بيللن النللاس‪ .‬قللال فللي الفللروع‪ :‬ووجهلله أن يقصللد الذى‬
‫بكلمه وعمله على وجه المكر والحيلة‪ ،‬أشبه السحر‪ ،‬وهذا يعللرف‬
‫بالعرف والعادة أنه يؤثر وينتج ما يعمللله السللحر‪ ،‬أو أكللثر فيعطللى‬
‫حكمه تسوية بين المتمللاثلين أو المتقللاربين‪ .‬لكللن يقللال‪ :‬السللاحر‬
‫إنما يكفر لوصف السحر وهو أمر خاص ودليله خاص‪ ،‬وهللذا ليللس‬
‫بساحر‪ .‬وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطي ًحكمه إل فيما اختص بلله‬
‫من الكفر وعدم قبول التوبة‪ .‬انتهى ملخصا‪.‬‬
‫وبه يظهر مطابقة الحديث للترجمة‪ .‬وهو يدل على تحريم النميمة‪،‬‬
‫وهو مجمع عليه قللال ابلن حللزم رحمله اللله‪ :‬اتفقلوا عللى تحريللم‬
‫الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة‪ .‬وفيه دليل على أنها مللن‬
‫الكبائر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬القالة بين الناس قال أبو السعادات‪ :‬أي كثرة القول وإيقللاع‬
‫الخصومة بين الناس ومنه الحديث‪" :‬فشت القالة بين الناس"‪.‬‬
‫قال‪) :‬ولهما عممن ابممن عمممر أن رسمول اللممه صمملى اللممه‬
‫عليه وسلم قال‪ " :‬إن من البيان لسحر "( ‪:‬‬
‫البيان البلغة والفصاحة‪ .‬قال صعصعة بن صوحان‪ :‬صدق نبي الله‪،‬‬
‫فإن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحللق‪،‬‬
‫فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وقال ابن عبد البر تأوله طائفللة‬
‫على الذم‪ .‬لن السحر مللذموم‪ ،‬وذهللب أكللثر أهللل العلللم وجماعللة‬
‫أهل الدب إلى أنه على المدح‪ .‬لن الله تعالى مللدح البيللان‪ .‬قللال‪:‬‬
‫وقد قال عمللر بللن عبللد العزيللز لرجللل سللأله عللن حاجللة فأحسللن‬
‫المسألة فأعجبه قوله‪ .‬قال‪ :‬هذا ولله السحر الحلل انتهى‪ .‬والول‬
‫أصح والمراد به البيان الذي فيه تمويه على السامع وتلللبيس‪ ،‬كمللا‬
‫قال بعضهم‪:‬‬
‫في زخرف القول تزيين لباطله‬
‫سوء تعبير‬

‫والحق قد يعتريه‬

‫مأخوذ من قول الشاعر‪:‬‬
‫وإن تشأ قلت‪ :‬ذا‬
‫والحق قد يعتريه‬

‫تقول‪ :‬هذا مجاج النحل‪ ،‬تمدحه‬
‫قيء الزنابير‬
‫مدحا ً وذمًا‪ ،‬وما جاوزت وصفهما‬
‫سوء تعبير‬
‫قوله‪ :‬إن من البيان لسللحرا ً هللذا مللن التشللبيه البليللغ‪ ،‬لكللون ذلللك‬
‫يعمل عمل السحر‪ ،‬فيجعل الحق في قالب الباطل‪ ،‬والباطللل فللي‬
‫قللالب الحللق‪ .‬فيسللتميل بلله قلللوب الجهللال‪ ،‬حللتى يقبلللوا الباطللل‬
‫وينكروا الحق‪ ،‬ونسأل الله الثبات والستقامة على الهدى‪.‬‬
‫وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره‪ ،‬ويبطل الباطل ويلبينه‪ .‬فهلذا‬
‫هو الممدوح‪ .‬وهكذا حال الرسللل وأتبللاعهم‪ ،‬ولهللذا علللت مراتبهللم‬
‫في الفضائل وعظمت حسناتهم‪.‬‬
‫وبالجملللة فالبيللان ل يحمللد إل إذا لللم يخللرج إلللى حللد السللهاب‬
‫والطناب‪ ،‬وتغطية الحق‪ ،‬وتحسين الباطل‪ .‬فإذا خرج إلى هذا فهو‬
‫مذموم‪ .‬وعلى هذا تدل الحاديث كحديث الباب وحللديث " إن الللله‬
‫يبغض البليغ من الرجلال اللذي يتخلللل بلسلانه كملا تتخلللل البقلرة‬
‫بلسانها " رواه أحمد وأبو داود‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪12‬‬
‫‪5‬‬

‫باب‬
‫ما جاء في الكهانة‬
‫قوله‪ ) :‬باب ما جاء في الكهان ونحوهم ( ‪:‬‬
‫الكاهن هو الذي يأخذ عللن مسللترق السللمع‪ ،‬وكللانوا قبللل المبعللث‬
‫كثيرًا‪ .‬وأما بعد المبعث فإنهم قليل‪ .‬لن الله تعالى حرس السللماء‬
‫بالشهب‪ .‬وأكثر ما يقع في هذه المة ملا يخلبر بله الجلن أوليلاءهم‬
‫لياء الغائبللة بمللا يقللع فللي الرض مللن الخبللار‪،‬‬
‫من النس عن الشل‬
‫فيظنه الجاهل كشلفا ً وكرامللة‪ ،‬وقللد اغللتر بل ًلذلك كللثير مللن النللاس‬
‫يظنلون المخلبر لهلم بلذلك علن الجلن وليلا للله‪ .‬وهلو ملن أوليلاء‬
‫الشيطان‪ ،‬كما قال تعالى‪ " :‬ويوم يحشرهم جميعا ً يا معشر الجللن‬
‫قد استكثرتم من النس وقال أوليللاؤهم مللن النللس ربنللا اسللتمتع‬
‫بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثللواكم خالللدين‬
‫فيها إل ما شاء الله إن ربك حكيم عليم "‪.‬‬
‫قوله‪) :‬روى مسلم في صحيحه عممن بعممض أزواج النممبي‬
‫عن النبي صلى الله عليممه وسمملم‬
‫صلى الله عليه وسلم‬
‫قال‪ " :‬من أتممى عراف ما ً فسممأله عممن ً شممئ‪ ،‬فصممدقه بممما‬
‫يقول‪ ،‬لم تقبل له صلة أربعين يوما "( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬عن بعض أزواج النبي صلى الللله عليلله وسلللم هللي حفصللة‪،‬‬
‫ذكره أبو مسعود الثقفي‪ .‬لنه ذكر هذا الحديث في الطللراف فللي‬
‫مسندها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬من أتلى عرافلا ً سليأتي بيلان العلراف إن شلاء اللله تعلالى‪.‬‬
‫وظاهر هذا الحديث أن الوعيد مرتب علللى مجيئه وسللؤاله‪ ،‬سللواء‬
‫صدقه أو شك في خبره‪ .‬فإن في بعض روايات الصحيح "ملن أتللى‬
‫عرافا ً فسأله عن شئ لم تقبل له صلة أربعين ليلة "‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬لللم تقبللل للله صلللة إذا كللانت هللذه حللال السللائل‪ ،‬فكيللف‬
‫بالمسئول ؟ قال النووي وغيره‪ :‬معنلاه أنله ل ثلواب لله فيهلا‪ ،‬وإن‬
‫كانت مجزئة بسقوط الفرض عنه‪ ،‬ول بد من هذا التأويل فللي هللذا‬
‫الحديث‪ ،‬فإن العلماء متفقون على ً أنلله ل يلللزم مللن أتللى العللراف‬
‫إعادة صلة أربعين ليلة‪ .‬ا ه ملخصا‪.‬‬
‫وفي الحديث النهي عن إتيان الكاهن ونحوه‪ .‬قال القرطبي‪ :‬يجللب‬
‫على ً من قدر على ذلك من محتسب وغيره أن يقيم مللن يتعللاطى‬
‫شيئا من ذلك من السواق وينكر عليهللم أشللد النكيللر‪ ،‬وعلللى مللن‬
‫يجيء إليهللم‪ ،‬ول يغللتر بصللدقهم فللي بعلض المللور ول بكللثرة ملن‬
‫يجيء إليهم من ينتسب إلى العلم‪ ،‬فإنهم غير راسخين فللي العلللم‬
‫بل من الجهال بما في إتيانهم من المحذور‪.‬‬
‫قال‪) :‬عن أبي هريرة رضي اللمه عنمه ً عمن النمبي صملى‬
‫الله عليه وسلم قال‪ " :‬من أتى كاهنا فصدقه بما يقول‬
‫فقد كفر بما أنزل على محمد صلى اللممه عليممه وسمملم "‬
‫رواه أبو داود( ‪:‬‬
‫وفي رواية أبي داود أو أتى امرأة قال مسدد‪ :‬امرأته حائضا ً أو أتى‬
‫امرأة‪ .‬قال مسدد‪ :‬امرأته في دبرهللا فقللد بريللء ممللا أنللزل علللى‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم فناقل هذا الحديث من السللنن حللذف‬
‫منه هذه الجملة واقتصر على ما يناسب الترجمة‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪12‬‬
‫‪6‬‬

‫قال‪) :‬وللربعة والحاكم وقال صحيح على شرطهما‬
‫عنً‬
‫النبي صلى الله عليممه وسمملم مممن أتممى عرافما ً أو كاهن ما‬
‫فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل علممى محمممد صمملى‬
‫الله عليه وسلم( ‪:‬‬
‫هكللذا بيللض المصللنف لسللم ال ًللراوي‪ .‬وقللد رواه أحمللد والللبيهقي‬
‫والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬من أتى كاهنا ً قال بعضهم ل تعللارض بيللن هللذا وبيللن حللديث‬
‫من أتى عرافا ً فسأله عن شئ لم تقبل له صلة أربعيللن ليلللة هللذا‬
‫على قول من يقول هو كفر دون كفر‪ ،‬أمللا علللى قللول مللن يقللول‬
‫بظاهر الحللديث فيسللأل عللن وجلله الجمللع بيللن الحللديثين‪ .‬وظللاهر‬
‫الحديث أن يكفر متى اعتقد صللدقه بللأي وجلله كللان‪ .‬وكللان غللالب‬
‫الكهان قبل النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فقد كفر بما أنزل على محمد صلللى الللله عليلله وسلللم قللال‬
‫القرطبي‪ :‬المراد بالمنزل الكتاب والسللنة‪ .‬ا هللل‪ .‬وهللل الكفللر فللي‬
‫هذا الموضع كفر دون كفر‪ ،‬فل ينقل عن الملة‪ ،‬أم يتوقف فيه‪ ،‬فل‬
‫يقال يخرج عن الملة ول يخرج ؟ وهذا أشهر الروايللتين عللن أحمللد‬
‫رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫)ولبممي يعلممى بسممند جيممد عممن ابممن مسممعود مثلممه‬
‫قال‪:‬‬
‫مرفوعًا( ‪:‬‬
‫أبو يعلى اسمه أحمد بن علي بن المثنى الموصلى المللام صللاحب‬
‫التصانيف كالمسند وغيره‪ .‬روى عن يحيى بن معين وأبى بكللر بللن‬
‫أبللي شلليبة وخلللق‪ .‬وكللان مللن الئمللة الحفللاظ‪ ،‬مللات سللنة سللبع‬
‫وثلثمائة‪ ،‬وهذا الثر رواه الللبزار أيض لا ً ولفظلله‪ :‬مللن أتللى كاهن لا ً أو‬
‫ساحرا ً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلللى الللله‬
‫عليه وسلم وفيه دليل على كفر الكللاهن والسللاحر لنهمللا يللدعيان‬
‫الغيب وذلك كفر‪ ،‬والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به وذلك‬
‫علم‬
‫كفر أيضًا‪.‬‬
‫قال‪) :‬وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعمما ً "‬
‫أو تكهن أو تكهن لممه‪ ،‬أو‬
‫ليس منا من تطير أو تطير له‪،‬‬
‫سحر أو سحر له‪ .‬ومن أتى كاهنا ً فصدقه بما يقول فقد‬
‫كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليممه وسمملم " رواه‬
‫البزار بإسناد جيد‪ ،‬ورواه الطبراني في الوسط بإسممناد‬
‫من مممن حممديث ابممن عبمماس دون قمموله‪ :‬ومممن أتممى‬
‫حسم‬
‫كاهنا ً ‪ ...‬الحديث( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬ليس منلا فيله وعيللد شلديد يللدل عللى أن هللذه الملور ملن‬
‫الكبائر وتقدم أن الكهانة والسحر كفر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬من تطير أي فعل الطيرة أو تطير له أي قبل قول المتطيللر‬
‫له وتللابعه كللذا معنللى أو تكهللن أو تكهللن للله كالللذي يللأتي الكللاهن‬
‫ويصدقه ويتابعه‪ ،‬وكذلك من عمل الساحر له السحر‪.‬‬
‫لول‬
‫لد بريللء منلله رسل‬
‫فكل من تلقى هذه المور عمن تعاطاهللا فقل‬
‫كفللرا ً‬
‫الله صلى الله عليه وسلللم لكونهللا إمللا شللركًا‪ ،‬كللالطيرة‪ ،‬أو‬
‫كالكهانة والسحر‪ ،‬فمن رضي بذلك وتابع عليه فهو كالفاعل لقبوله‬
‫الباطل واتباعه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬رواه البزار هو أحمد بن عمر بن عبد الخالق‪ ،‬أبو بكر الللبزار‬
‫البصري صاحب المسند الكبير ‪ .‬وروى عن ابن بشار وابن المثنللى‬
‫وخلق‪ ،‬مات سنة اثنتين وتسعين ومائتين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قلال البغلوي إللى آخللره البغللوي بفتحلتين هلو الحسللين بللن‬
‫الشافعي‪ً ،‬صاحب التصانيف وعللالم أهللل خراسللان‪،‬‬
‫مسعود الفراء‬
‫كللان ثقللة‪ ،‬فقيهللا ً زاهللدا‪ ،‬مللات فللي شللوال سللنة سللت عشللرة‬
‫وخمسمائة رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬العراف‪ :‬الذي يدعى معرفة المور ظللاهرة‪ :‬أن العللراف هللو‬
‫الذي يخبر عن الوقائع كالسرقة وسارقها والضالة ومكانها‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪12‬‬
‫‪7‬‬

‫وقال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الللله تعللالى‪ :‬إن العللراف اسللم‬
‫للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم‪ ،‬كالحارز الذي يدعى علم الغيب‬
‫أو يدعى الكشف‪.‬‬
‫وقال أيضًا‪ :‬والمنجم يدخل فللي اسللم العللراف‪ ،‬وعنللد بعضللهم هللو‬
‫معناه‪.‬‬
‫وقال أيضًا‪ :‬والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطللابي وغيللره‬
‫من العلماء‪ ،‬وحكى ًذلك عن العرب‪ .‬وعنللد آخريللن هللو مللن جنللس‬
‫الكاهن‪ ،‬وأسوء حال منه‪ ،‬فيلحق به من جهة المعنى‪.‬‬
‫وقال المام أحمد‪ :‬العرافة طرف من السحر‪ .‬والساحر أخبث‪.‬‬
‫وقال أبو السعادات‪ :‬العراف المنجللم‪ ،‬والحللارز الللذي يللدعى علللم‬
‫الغيب‪ ،‬وقد استأثر الله تعالى به‪.‬‬
‫رحملله اللل ًله تعلالى‪ :‬مللن اشللتهر بإحسللان الزجللر‬
‫وقال ابلن القيللم‬
‫عندهم سموه عائفًا‪ ،‬وعرافا‪.‬‬
‫والمقصود من هذا‪ :‬معرفة أن من يدعى معرفللة علللم الشللئ مللن‬
‫المغيبات فهو إما داخل في اسللم الكللاهن‪ ،‬وإمللا مشللارك للله فللي‬
‫المعنى فيلحق به‪ .‬وذلك أن إصابة المخبر ببعض المور الغائبة في‬
‫بعض الحيان يكون بالكشف‪ .‬ومنه ما هللو مللن الشللياطين ويكللون‬
‫بالفللأل والزجللر والطيللرة والضللرب بالحصللى والخللط فللي الرض‬
‫والتنجيم والكهانة والسحر‪ ،‬ونحو هذا مللن علللوم الجاهليللة‪ ،‬ونعنللى‬
‫بالجاهلية كل من ليس من أتباع الرسل عليهم السلم‪ ،‬كالفلسفة‬
‫والكهان والمنجمين‪ ،‬وجاهلية العرب الذين كانوا قبل مبعلث النلبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فإن هذا علللوم لقللوم ليللس لهللم علللم بمللا‬
‫صلى الله عليهم وسلم‪ ،‬وكل هذه المور تسللمى‬
‫جاءت به الرسل‬
‫صاحبها كاهنا ً أو عرافا ً أو في معناهملا‪ ،‬فملن أتلاهم فصلدقهم بملا‬
‫يقولون لحقه الوعيد‪ .‬وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام فادعوا بها‬
‫علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه‪ ،‬وادعللوا أنهللم أوليللاء وأن ذلللك‬
‫كرامة‪.‬‬
‫ول ريب أن من ادعى الوليللة‪ ،‬واسللتدل بإخبللاره ببعللض المغيبللات‬
‫فهو من أولياء الشليطان ل ملن أوليلاء الرحملن‪ ،‬إن الكراملة أملر‬
‫يجريه الللله علللى يللد عبللده المللؤمن التقللى‪ ،‬إمللا بللدعاء أو أعمللال‬
‫صالحة ل صنع للولي فيها‪ ،‬ول قدرة له عليها‪ ،‬بخلف من يدعى أنه‬
‫ولي ويقول للناس‪ :‬اعلموا أني أعلم المغيبات‪ ،‬فإن هذه المور قد‬
‫تحصل بما ذكرنا من السباب‪ ،‬وإن كانت أسبابا ً محرمة كاذبة فللي‬
‫الغالب‪ ،‬ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الكهللان‪:‬‬
‫فيكذبون معها مائة كذبة فبين أنهم يصدقون مللرة ويكللذبون مللائة‪،‬‬
‫وهكذا حال مللن سلللك سللبيل الكهللان ممللن يللدعى الوليللة تزكيللة‬
‫النفس المنهي عنها بقوله‪ " :‬فل تزكوا أنفسكم " وليللس هللذا مللن‬
‫شللأن الوليللاء‪ ،‬فللإن شللأنهم الزراء علللى نفوسللهم وعيبهللم لهللا‪،‬‬
‫وخوفهم مللن ربهللم‪ ،‬فكيللف يللأتون النللاس ويقولللون‪ :‬اعرفللوا أننللا‬
‫أولياء‪ ،‬وأنا نعلم الغيب ؟ وفي ضمن ذلك طلب المنزلة في قلوب‬
‫الخلللق واقتنللاص الللدنيا بهللذه المللور‪ .‬وحسللبك بحللال الصللحابة‬
‫والتابعين رضي الله عنهم‪ ،‬وهم سادات الولياء‪ ،‬أفكان عندهم من‬
‫هذه الدعاوى والشطحات شئ ؟ ل والله بل كان أحللدهم ل يملللك‬
‫نفسه من البكاء إذا قرآ القرآن‪ ،‬كالصديق رضلي اللله عنله‪ ،‬وكلان‬
‫عمر رضي اله عنه يسللمع نشلليجه مللن وراء الصللفوف يبكللي فللي‬
‫صلته‪ ،‬وكان يمر بالية فللي ورده مللن الليللل فيمللرض منهللا ليللالي‬
‫وكان تميم الداري يتقلب على فراشه ول يسللتطيع النللوم‬
‫يعودونه‪،‬‬
‫إل قليل ً خوفا ً من النار ثم يقوم إلللى صلللته‪ .‬ويكفيللك فللي صللفات‬
‫الوليللاء مللا ذكللره الللله تعللالى فللي صللفاتهم فللي سللورة الرعللد‬
‫والمؤمنين والفرقان والذاريات والطور فالمتصفون بتلك الصللفات‬
‫هللم الوليللاء الصللفياء‪ ،‬ل أهللل الللدعوى والكللذب ومنازعللة رب‬
‫العالمين فيما اختص به من الكبريللاء والعظمللة وعلللم الغيللب‪ ،‬بل‬
‫للً‬
‫مجرد دعواه علم الغيللب كفللر‪ .‬فكيللف يكلون الملدعى لللذلك وليلا‬
‫لله ؟ ولقد عظم الضللرر واشللتد الخطللب بهللؤلء المفللترين الللذين‬
‫ورثللوا هللذه العلللوم عللن المشللركين‪ ،‬ولبسللوا بهللا علللى خفللافيش‬
‫القلوب‪ :‬نسأل الله السلمة والعافية في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد ‪ ...‬إلى‬
‫آخره( ‪:‬‬
‫هذا الثر رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا‪ .‬وإسناده ضللعيف‪.‬‬
‫ولفظه " رب معلم حروف أبي جللاد دارس فللي النجللوم ليللس للله‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪12‬‬
‫‪8‬‬

‫عند الله خلق يوم القيامة " ورواه حمد بن زنجويه عنه بلفللظ رب‬
‫ناظر في النجوم ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند الله خلق ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ملا أرى بجللوز فتللح الهملزة بمعنلى‪ :‬ل أعللم‪ .‬ويجللوز ضلمها‬
‫بمعنى‪ :‬ل أظن وكتابه أبي جاد وتعلمها لمن يدعى بها علللم الغيللب‬
‫هو الذي يسمى علم الحللرف‪ ،‬وهللو الللذي جللاء فللي الوعيللد‪ ،‬فأمللا‬
‫تعلمها للتهجي وحساب الحمل فل بأس به‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وينظرون في النجوم أي يعتقدون أن لها تللأثيرا ً كمللا سلليأتي‬
‫في باب التنجيم‪ .‬وفيه ملن الفلوائد علدم الغلترار بملا يؤتلاه أهلل‬
‫الباطل من معلارفهم وعللومهم كملا قلال تعلالى‪ " :‬فلملا جلاءتهم‬
‫رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا بلله‬
‫يستهزئون "‪.‬‬

‫باب‬
‫ما جاء في النشرة‪ ،‬وما هي النشرة‬
‫قوله‪ ) :‬باب‪ :‬ما جاء في النشرة ( ‪:‬‬
‫النشرة ضللرب‬
‫بضم النون‪ ،‬كما في القاموس‪ ،‬قال أبو السعادات‪:‬‬
‫من العلج والرقيللة‪ ،‬يعالللج بلله مللن يظللن أن بلله مسلا ً مللن الجللن‪،‬‬
‫سميت نشرة لنه ينشر بها عنه ما خللامره مللن الللداء‪ ،‬أي يكشللف‬
‫ويزال‪.‬‬
‫قال الحسن‪ :‬النشرة من السحر‪ .‬وقد نشللرت عنلله تنشلليرًا‪ ،‬ومنلله‬
‫الحديث‪ :‬فلعل طبا ً أصابه‪ ،‬ثللم نشللره بقللل أعللوذ بللرب النللاس أي‬
‫رقاه‪.‬‬
‫وقال ابن الجوزي‪ :‬النشللرة حللل السللحر عللن المسللحور‪ .‬ول يكللاد‬
‫يقدر عليه إل من يعرف السحر‪.‬‬
‫قال‪) :‬عن جابر رضي الله عنهما أن رسممول اللممه صمملى‬
‫الله عليه وسلم سئل عن النشممرة ؟ فقممال‪ " :‬هممي مممن‬
‫الشمميطان " رواه أحمممد بسممند جيممد‪ .‬وأبممو داود‪ ،‬وقممال‪:‬‬
‫سئل أحمد عنها فقال‪ :‬ابن مسعود يكره هذا كله( ‪:‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪12‬‬
‫‪9‬‬

‫هذا الحديث رواه أحمد ورواه عنه أبو داود في سننه‪ .‬والفضل بللن‬
‫زياد في كتاب المسائل عن عبد الرزاق عن عقيللل بللن معقللل بللن‬
‫منبه عن جابر فذكره قال ابن مفلح‪ :‬إسناد جيللد‪ ،‬وحسللن الحللافظ‬
‫إسناده‪.‬‬
‫قوله‪ :‬سئل عن النشرة واللف واللم فيالنشرة للعهد أي النشللرة‬
‫المعهللودة الللتي كللان أهللل الجاهليللة يصللنعونها هللي مللن عمللل‬
‫الشيطان‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وقال‪ :‬سئل أحمد عنها فقال‪ :‬ابن مسعود يكره هذا كله أراد‬
‫النشرة التي هلي مللن عملل‬
‫أحمد رحمه الله أن ابن مسعود يكره‬
‫الشيطان كما يكره تعليق التمائم مطلقًا‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وللبخاري عن قتادة‪ :‬قلت لبن المسيب رجل به‬
‫طب أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنممه‪ ،‬أو ينشممر ؟ قممال‪ :‬ل‬
‫بأس به‪ :‬إنما يريدون به الصلح فأما ما ينفممع فلممم ينممه‬
‫عنه( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬عن قتادة هو ابن دعامة بكسر الدال الدوسي ثقة فقيه مللن‬
‫أحفظ التابعين‪ .‬قالوا إنه ولد أكمه‪ .‬مات سنة بضع عشرة ومائة‪.‬‬
‫طللب الرجللل‬
‫قوله‪ :‬رجل به طب بكسللر الطللاء‪ .‬أي سللحر‪ ،‬يقللال‪:‬‬
‫لاؤ ً‬
‫ل‪ .‬كمللا يقللال‬
‫بالضم ذا سحر‪ .‬ويقال‪ :‬كنوا عن السحر بالطب تفل‬
‫للديغ‪ :‬سليم‪.‬‬
‫وقال ابن النبلاري‪ :‬الطلب ملن الضلداد‪ .‬يقلال لعلج اللداء طلب‪،‬‬
‫والسحر من الداء يقال له طب‪.‬‬
‫قوله‪ :‬يؤخذ بفتح الواو مهموزة وتشديد الخاء المعجمة وبعدها ذال‬
‫معجمة‪ .‬أي يحبس عن امرأته ول يصل إلى جماعها‪ .‬والخذة بضللم‬
‫الهمزة الكلم الذي يقوله الساحر‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أيحل بضم الياء وفتح الحاء مبنى للمفعول‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أو ينشر بتشديد المعجمة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ل بأس به يعنللي أن النشللرة ل بلأس بهللا لنهللم يريلدون بهلا‬
‫الصلح‪ ،‬أي إزالة السحر‪ ،‬ولم ينه عما يراد به الصلح‪ ،‬وهللذا مللن‬
‫ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة ل يعلم أنه سحر‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وروى الحسن أنه قال‪ :‬ل يحل السممحر إل سمماحر‬
‫هذا الثر ذكره ابن الجوزي في جامع المسانيد( ‪:‬‬
‫والحسن هو ابللن أبللي الحسللن واسللمه‪ :‬يسللار بالتحتيللة والمهملللة‬
‫البصرى النصاري‪ :‬مولهم‪ .‬ثقة فقيه‪ ،‬إمام من خيار التابعين‪ .‬مات‬
‫سنة عشرة ومائة رحمه الله‪ ،‬وقد قارب التسعين‪.‬‬
‫قمموله‪) :‬قممال ابممن القيممم‪ :‬النشممرة حممل السممحر عممن‬
‫المسحور‪ ،‬وهي نوعان‪ ،‬حل بسحر مثله‪ ،‬وهو الممذي مممن‬
‫عمل الشيطان إلى آخره( ‪:‬‬
‫ومما جاء في صفة النشرة الجائزة‪ :‬ملا رواه ابلن أبلي حلاتم وأبللو‬
‫الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال‪ :‬بلغنللي أن هللؤلء اليللات شللفاء‬
‫من السحر بإذن الله‪ ،‬تقرأ في إناء فيه ماء‪ ،‬ثللم يصللب علللى رأس‬
‫المسحور‪ :‬الية التي في سورة يونس‪ " ، :‬فلما ألقوا قال موسللى‬
‫مللا جئتللم بلله السللحر إن الللله سلليبطله إن الللله ل يصلللح عمللل‬
‫المفسللدين * ويحللق الللله الحللق بكلمللاته ولللو كللره المجرمللون "‬
‫وقوله‪ " :‬فوقع الحق وبطل مللا كللانوا يعملللون " إلللى آخللر اليللات‬
‫الربع‪ .‬وقوله‪ " :‬إنما صنعوا كيد ساحر ول يفلح الساحر حيللث أتللى‬
‫"‪.‬‬
‫وقال ابن بطال‪ :‬في كتاب وهب بن منبلله‪ :‬أنله يأخللذ سلبع ورقلات‬
‫من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيلله آيللة‬
‫الكرسي والقواقل ثللم يحسللو منلله ثلث حسللوات ثللم يغتسللل بلله‬
‫يذهب عنه كل مابه‪ ،‬هو جيد للرجل إذا حبس عن أهله‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪13‬‬
‫‪0‬‬

‫قلت‪ :‬قول العلمة ابن القيم والثللاني النشللرة بالرقيللة والتعللوذات‬
‫والدعوات والدوية المباحة فهو جائز يشللير رحملله الللله إلللى مثللل‬
‫هذا‪ ،‬وعليه يحمل كلم من أجاز النشرة من العلماء‪.‬‬
‫والحاصللل‪ :‬أن مللا كللان منلله بالسللحر فيحللرم‪ ،‬ومللا كللان بللالقرآن‬
‫والدعوات والدوية المباحة فجائز‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬

‫باب‬
‫ما جاء في التطير‬
‫قوله‪ ) :‬باب‪ :‬ما جاء في التطير ( ‪:‬‬
‫أي من النهي عنلله والوعيللد فيلله‪ ،‬مصللدر تطيللر يتطيللر‪ ،‬و الطيللرة‬
‫بكسر الطاء وفتح الياء‪ ،‬وقد تسكن اسم مصدر ملن تطيللر طيلرة‪،‬‬
‫كما يقال تخير خيرة‪ ،‬ولللم يجيللء فللي المصللادر علللى هللذه الزنللة‬
‫غيرهمللا‪ ،‬وأصللله التطيللر بالسللوانح والبللوارح مللن الطيللر والظبللاء‬
‫وغيرهما‪ ،‬وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم‪ ،‬فنفاه الشارع وأبطله‪،‬‬
‫وأخبر أنه ل تأثير له في جلب نفع ول دفع ضر‪.‬‬
‫قال المدائني سألت رؤبه بن العجاج قلت‪ :‬ما السللانح ؟ قللال‪ :‬مللا‬
‫ولك ميامنه‪ .‬قلت‪ :‬فملا البللارح ؟ قلال‪ :‬ملا ولك مياسللره‪ .‬والللذي‬
‫يجيء من أمامك فهو الناطح والنطيللح‪ ،‬والللذي يجيللء مللن خلفللك‬
‫فهو القاعد والقعيد ‪.‬‬
‫ولما كانت الطيرة ملن الشلرك المنلافي لكملال التوحيلد اللواجب‬
‫ووسوسللته ذكرهللا المصللنف‬
‫لكونها من إلقللاء الشلليطان وتخللويفه‬
‫رحملله الللله فللي كتللاب التوحيللد تحللذيرا ً ممللا ينللافي كمللا التوحيللد‬
‫الواجب‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقول الله تعالى‪ " :‬أل إنما طائرهم عند اللممه ‪...‬‬
‫الية" ( ‪:‬‬
‫ذكر تعالى هذه الية في سياق قوله‪ " :‬فإذا جاءتهم الحسللنة قلالوا‬
‫لنللا هللذه وإن تصللبهم سلليئة يطيللروا بموسللى ومللن معلله " اليللة‪.‬‬
‫المعنللى‪ :‬أن آل فرعللون كللانوا إذا أصللابتهم الحسللنة‪ ،‬أي الخصللب‬
‫والسعة والعافية‪ ،‬كما فسره مجاهد وغيره قالوا‪ :‬لنا هذه‪ ،‬أي نحن‬
‫الجديرون والحقيقيون به‪ ،‬ونحن أهللله‪ .‬وإن تصللبهم سلليئة‪ .‬أي بلء‬
‫وقحط تطيروا بموسى ومن معلله‪ ،‬فيقولللون‪ :‬هللذا بسللبب موسللى‬
‫وأصحابه أصابنا بشؤمهم فقال الله تعالى‪ " :‬أل إنما طللائرهم عنللد‬
‫الله " قال ابن عباس طللائرهم‪ :‬ماقضللى عليهللم وقللدر لهللم وفللي‬
‫رواية شؤمهم عند الله ومن قبله أي إنما جاءهم الشؤم مللن قبللله‬
‫بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬ولكن أكثرهم ل يعلمون " أي أن أكثرهم جهللال ل يللدرون‪.‬‬
‫ولو فهملوا وعقللوا لعلملوا أنلله ليللس فيملا جلاء بلله موسللى عليله‬
‫السلم إلى الخير والبركة والسعادة والفلح لمن آمن به واتبعه‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقوله تعالى‪ " :‬قالوا طائركم معكم ‪ ...‬الية" ( ‪:‬‬
‫المعنللى والللله أعلللم حظكللم ومللا نللابكم مللن شللر معكللم‪ ،‬بسللبب‬
‫أفعالكم وكفركلم ومخلالفتكم الناصللحين‪ ،‬ليلس هللو ملن أجلنللا ول‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪13‬‬
‫‪1‬‬

‫بسببنا‪ .‬بل ببغيكم وعدوانكم‪ .‬فطائر الباغي الظالم معه‪ ،‬فما وقللع‬
‫به مللن الشللر فهللو سللببه الجللالب للله‪ .‬وذلللك بقضللاء الللله وقللدره‬
‫وحكمته وعدله‪ ،‬كما قال تعالى‪ " ، :‬أفنجعل المسلمين كالمجرمين‬
‫* ملا لكللم كيلف تحكمللون " ويحتملل أن يكللون المعنلى‪ :‬طللائركم‬
‫معكم‪ .‬أي راجع عليكم‪ ،‬فالتطير الذي حصل لكم إنما يعود عليكم‪.‬‬
‫وهذا من بللاب القصللاص فللي الكلم‪ .‬ونظيللره قللوله عليلله الصلللة‬
‫والسلم‪ " :‬إذا سلم عليكم أهل الكتللاب فقولللوا‪ :‬وعليكللم " ذكللره‬
‫ابن القيم رحمه الله‪.‬‬
‫قوله تعللالى‪ " :‬أإن ذكرتللم " أي مللن أجللل أنللا ذكرنللاكم وأمرنللاكم‬
‫بتوحيد الله قابلتمونا بهذا الكلم " بل أنتللم قللوم مسللرفون " قللال‬
‫قتادة‪ :‬أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا ؟‬
‫ومناسللبة اليللتين للترجمللة‪ :‬أن التطيللر مللن عمللل أهللل الجاهليللة‬
‫والمشركين‪ .‬وقد ذمهم الله تعالى بلله ومقتهللم‪ ،‬وقللد نهللى رسللول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم عن التطير وأخبر أنه شرك‪ .‬كما سيأتي‬
‫في أحاديث الباب‪.‬‬
‫قال ‪) :‬وعن أبي هريرة رضي الله عنممه أن رسممول اللممه‬
‫صلى اللممه عليممه وسمملم قممال‪ " :‬ل عممدوى ول طيممرة ول‬
‫هامة ول صفر " أخرجاه‪ .‬زاد مسلم‪ " :‬ول نوء ول غممول‬
‫"( ‪:‬‬
‫قال أبو السعادات‪ :‬العللدوى اسللم مللن العللداء‪ .‬كالللدعوى‪ .‬يقللال‪:‬‬
‫أعداء الداء يعديه إعداد إذا أصابه مثل ما بصاحب الداء‪.‬‬
‫وقال غير‪ :‬ل عدوى هو اسم من العداد‪ ،‬وهللو مجللاوزة العلللة مللن‬
‫صاحبها إللى غيلره والمنفلي نفللس سلراية العللة أو إضلافتها إلللى‬
‫العلة‪ .‬والول هو الظاهر‪.‬‬
‫وفي رواية لمسلللم أن أبللا هريللرة كللان يحللدث بحللديث ل عللدوى‪،‬‬
‫ويحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‪ " :‬ل يورد ممرض‬
‫على مصح " ثم إن أبا هريرة اقتصر على حديث‪ :‬ل يللورد ممللرض‬
‫على مصح وأمسك عن حديث ل عدوى فراجعوه وقالوا‪ :‬سللمعناك‬
‫تحدث به‪ ،‬فأبى أن يعترف به‪ .‬قال أبللو مسلللمة الللراوي عللن أبللي‬
‫هريرة‪ :‬فل أدري أنسى أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الخر ؟‬
‫وقد روى حديث ل عدوى جماعللة مللن الصللحابة‪ :‬أنللس بللن مالللك‪،‬‬
‫وجابر بن عبد الله‪ ،‬والسائب بن يزيد‪ ،‬وابن عمللر‪ ،‬وغيرهللم‪ ،‬وفللي‬
‫بعض روايات هذا الحديث وفر من المجذوم كما تفر من السد‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء في ذلك‪ .‬وأحسن ما قيل فيلله‪ :‬قللول الللبيهقي‪،‬‬
‫وتبعه ابن الصلح وابن القيم‪ ،‬وابن رجب‪ ،‬وابن مفلح وغيرهللم‪ :‬أن‬
‫قوله‪ :‬ل عدوىعلى الوجه الللذي يعتقللده أهللل الجاهليللة مللن إضللافة‬
‫الفعل إلى غير الله تعالى‪ ،‬وإن هذه المور تعدى بطبعها‪ .‬وإل فقللد‬
‫يجعل الله بمشيئته مخالطة الصللحيح مللن بلله شللئ مللن المللراض‬
‫سببا ً لحدوث ذلك‪ ،‬ولهذا قال‪ :‬فر من المجذوم كما تفر من السللد‬
‫وقال‪ :‬ل يورد ممرض على مصح وقال في الطاعون‪ :‬من سمع به‬
‫في أرض فل يقللدم عليلله وكللل ذلللك بتقللدير الللله تعللالى‪ .‬ولحمللد‬
‫والترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا‪ " :‬ل يعدي شئ قالها ثلثا ً فقال‬
‫أعرابي يا رسول الله إن النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو‬
‫بذنبه في البل العظيمة فتجرب كلهللا ؟ فقللال رسللول الللله صلللى‬
‫الله عليه وسلم‪ :‬فمن أجرب الول ؟ ل عدوى ول طيللرة ول هامللة‬
‫ول صفر‪ ،‬خلق الللله كللل نفللس وكتللب حياتهللا ومصللائبها ورزقهللا "‬
‫فأخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك كله قضاء الله وقدره‪ ،‬والعبللد‬
‫مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية‪ .‬فكما أنه يللؤمر أن ل‬
‫يلقى نفسه في الماء والنار‪ ،‬مما جللرت العللادة أن يهلللك أو يضللر‪.‬‬
‫فكللذلك اجتنللب مقاربللة المريللض كالمجللذوم‪ ،‬والقللدوم علللى بلللد‬
‫الطاعون‪ .‬فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف‪ ،‬فالله سبحانه هللو‬
‫خالق السباب ومسبباتها‪ .‬ل خالق غيللره ول مقللدر غيللره‪ .‬وأملا إذا‬
‫الله وقدره فقللويت النفللس‬
‫قوى التوكل على الله واليمان بقضاء‬
‫على مباشرة بعض هذه السباب اعتمادا ً على الله ورجللاء منلله أن‬
‫ل يحصل به ضرر‪ ،‬ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك‪ ،‬لسلليما إذا‬
‫كانت مصلحة عامة أو خاصة‪ ،‬وعلى هذا يحمل الحديث الللذي رواه‬
‫أبو داود والترمللذي‪ " :‬أن النللبي صلللى الللله عليلله وسلللم أخللذ بيللد‬
‫مجذوم فأدخلها معه في القصعة‪ ،‬ثم قال كل بسم الله ثقللة بللالله‬
‫وتوكل ً عليه " وقد أخذ به المام أحمد‪ .‬وروى ذلللك عللن ابللن عمللر‬
‫وابنه وسلمان رضي الله عنهم‪ .‬ونظير ذلك ما روى عللن خالللد بللن‬
‫الوليد رضي الله عنه أنلله أكللل السللم ومنلله مشلى سللعد بلن أبلي‬
‫وقاص وأبي مسلللم الخللولني علللى متللن البحللر‪ ،‬قللاله ابللن رجللب‬
‫رحمه الله‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪13‬‬
‫‪2‬‬

‫قوله‪ :‬ول طيرة قال ابن القيم رحمه الله تعالى‪ :‬يحتمللل أن يكللون‬
‫نفيا ً أو نهيا ً أي ل تطيروا‪ ،‬ولكللن قللوله فللي الحللديث‪ :‬ل عللدوي ول‬
‫صفر ول هامة يدل على أن المراد النفي وإبطال هذه المور الللتي‬
‫كانت الجاهلية تعانيها‪ .‬والنفي في هذا أبلغ مللن النهللي‪ .‬لن النفللي‬
‫يدل على بطلن ذلك وعدم تأثيره‪ ،‬والنهللي إنمللا يللدل علللى المنللع‬
‫منه‪.‬‬
‫وفي صحيح مسلم عن معاوية بللن الحكللم أنلله قللال لرسللول الللله‬
‫صلى الله عليه وسلم " ومنا أناس يتطيرون‪ .‬قال‪ :‬ذلك شئ يجده‬
‫أحدكم في نفسه فل يصدنكم " فأخبر أن تأذيه وتشللاؤمه بللالطيرة‬
‫إنما هو فللي نفسلله وعقللدته‪ ،‬ل فللي المتطيللر بلله‪ ،‬فللوهمه وخللوفه‬
‫وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لمللا رآه وسللمعه‪ ،‬فأوضللح صلللى‬
‫الله عليه وسلم لمته المر‪ ،‬وبين لهللم فسللاد الطيللرة ليعلمللوا أن‬
‫الله ًسبحانه لم يجعل لهم عليلله علمللة‪ ،‬ول فيهللا دللللة‪ ،‬ول نصللبها‬
‫سببا لما يخافونه ويحللذرونه‪ ،‬ولتطمئن قلللوبهم‪ ،‬وتسللكن نفوسللهم‬
‫إلى وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله‪ ،‬وأنزل بهللا كتبلله‪ ،‬وخلللق‬
‫لجلهللا السللماوات والرض‪ ،‬وعمللر الللدارين الجنللة والنللار بسللبب‬
‫التوحيد فقطع صلى الله عليه وسلم علق الشرك في قلوبهم‪ ،‬لئل‬
‫يبقى فيها علقة منها‪ ،‬ول يتلبسوا بعمل من أعمال أهل النار البتة‪.‬‬
‫فمن استمسللك بعللروة التوحيللد الللوثقى‪ ،‬واعتصللم بحبللله المللتين‪،‬‬
‫اسللتقرارها‪ ،‬وبللادر‬
‫وتوكل على الله‪ ،‬قطع هاجس الطيرة من قبل‬
‫خواطرها من قبل استكمانها‪ .‬قلال عكرملة‪ :‬كنلا جلوسلا ً عنلد ابلن‬
‫عباس‪ ،‬فمر طائر يصيح‪ ،‬فقال رجل من القوم‪ :‬خير خير‪ .‬فقال له‬
‫ابن عباس‪ :‬لخير ول شر‪.‬فبادره بلنكار عليه لئل يعتقد تللأثيره فللي‬
‫الخير والشر‪ .‬وخرج طاوس مع صاحب له في سفر‪ ،‬فصاح غراب‪،‬‬
‫الرجل‪ :‬خير‪ .‬فقال طاوس‪ :‬وأي خير عند هذا ؟ ل تصللحبي‪ .‬ا‬
‫فقال‬
‫ه ملخصًا‪.‬‬
‫وقد جاءت أحاديث ظن بعض الناس أنها تدل على جللواز الطيللرة‪،‬‬
‫كقوله‪ :‬الشؤم في ثلث‪ :‬في المرأة‪ ،‬والدابة‪ ،‬والدار ونحو هذا‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله تعللالى‪ :‬إخبللاره صلللى الللله عليلله وسلللم‬
‫بالشؤم في هذه الثلثة ليس فيلله إثبللات الطيللرة الللتي نفاهللا الللله‬
‫سبحانه قد يخلق منها أعيانا ً مشللؤومة‬
‫سبحانه‪ ،‬وإنما غايته أن الله‬
‫يلحق من ًقاربهللا شللؤم‬
‫على من قاربها وساكنها‪ ،‬وأعيانا ً مباركة ل‬
‫ً‬
‫سبحانه الوالدينً ولدا مباركا يريان الخيللر‬
‫ول شر‪ ،‬وهذا كما يعطي‬
‫على وجهه‪ ،‬ويعطى غيرهما ولدا ً مشؤوما يريان الشر على وجهلله‪،‬‬
‫وكذلك ما يعطاه العبد مللن وليللة وغيرهللا‪ ،‬فكللذلك الللدار والمللرأة‬
‫الخيلر والشلر والسلعود والنحلوس‪،‬‬
‫والفرس‪ .‬والله سبحانه خلالق‬
‫بسللعادة مللن‬
‫فيخلق بعض هللذه العيللان سللعودا ً مباركللة‪ ،‬ويقضللي‬
‫ً‬
‫قاربها وحصول اليمن والبركة له‪ .‬ويخلق بعضها نحوسا يتنحس بها‬
‫من قاربها‪ .‬وكل ذلللك بقضللائه وقللدره‪ ،‬كمللا خلللق سللائر السللباب‬
‫وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة‪ .‬كمللا خلللق المسللك وغيللره‬
‫من الرواح ًالطيبة ولذذ بها من قاربهللا مللن النللاس‪ .‬وخلللق ضللدها‬
‫وجعلها سببا للم من قاربها من الناس‪ ،‬والفرق بين هذين النوعين‬
‫مدرك بالحس‪ ،‬فكذلك الديار والنساء والخيل‪ .‬فهذا لللون والطيللرة‬
‫الشركية لون‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ول هامة بتخفيف الميم على الصللحيح‪ .‬قللال الفللراء‪ :‬الهامللة‬
‫طير من طير الليل‪ .‬كأنه يعني البومللة‪ .‬قللال ابللن العرابللي‪ :‬كللانوا‬
‫يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم‪ ،‬يقول‪ :‬نعت إلى نفسللي‬
‫أو أحدا ً من أهل داري‪ ،‬فجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ول صفر بفتح الفاء‪ ،‬روى أبو عبيدة في غريب الحللديث عللن‬
‫رؤبة أنه قال‪ :‬هي حية تكون في البطن تصلليب الماشللية والنللاس‪،‬‬
‫وهي أعدى من الجرب عند العرب‪ .‬وعلللى هللذا فللالمراد بنفيلله مللا‬
‫كانوا يعتقللدونه مللن العللدوى وممللن قللال بهللذا سللفيان بللن عيينللة‬
‫والمام أحمد والبخاري وابن جرير‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬المراد به شهر صفر‪ ،‬والنفي لما كان أهللل الجاهليللة‬
‫يفعلللونه فللي النسلليء وكللانوا يحلللون المحللرم ويحرمللون صللفر‬
‫مكانه‪،‬وهو قول مالك‪.‬‬
‫وروى أبو داود عن محمد بن راشللد عمللن سللمعه يقللول‪ :‬إن أهللل‬
‫الجاهلية يتشاءمون بصفر‪ ،‬ويقولللون‪ :‬إنلله مشللؤوم‪ ،‬فأبطللل النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم ذلك‪ .‬قال ابن رجب‪ :‬ولعل هذا القول أشللبه‬
‫القلوال‪ ،‬والتشللاؤم بصللفر هلو ملن جنللس الطيللرة المنهللي عنهللا‪،‬‬
‫وكللذلك التشللاؤم بيللوم مللن اليللام كيللوم الربعللاء وتشللاؤم أهللل‬
‫الجاهلية بشوال في النكاح فية خاصة‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪13‬‬
‫‪3‬‬

‫قوله‪ :‬ول نواء النوء واحد النواء‪ ،‬وسيأتي الكلم عليه فللي بللابه إن‬
‫شاء الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ول غول هو بالضم اسم‪ ،‬وجمعه أغوال وغيلن‪ ،‬وهللو المللراد‬
‫هنا‪.‬‬
‫قال أبللو السلعادات‪ :‬الغللول واحلد الغيلن‪ ،‬وهلو جنلس مللن الجلن‬
‫والشياطين ًكانت العرب تزعم أن الغول في الفلة تتراءى للناس‪،‬‬
‫تتلللون تلونلا فللي صللور شللتى وتغللولهم‪ ،‬أي تضلللهم عللن الطريللق‬
‫وتهلكهم‪ ،‬فنفاه النبي صلى الله عليه وأبطله‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬ما معنى النفي وقد قال النبي صلى الله عليه وسلللم‪" :‬‬
‫إذا تغولت الغيلن فبادروا بالذان "‪.‬‬
‫أجيب عنه‪ :‬بأن ذلك كان في البتداء‪ ،‬ثم دفعها الله عللن عبللاده‪ .‬أو‬
‫يقال‪ :‬المنفى ليس وجود الغول‪ ،‬بل ما يزعمه العرب مللن تصللرفه‬
‫في نفسه‪ ،‬أو يكون المعنى بقوله ل غول أنها ل تسللتطيع أن تضللل‬
‫أحدا ً مع ذكر الله والتوكل عليه‪ .‬ويشهد له الحديث الخر " ل غللول‬
‫ولكن السعالى سللحرة الجللن " أي ولكللن فللي الجللن سللحرة لهللم‬
‫تلبيس وتخييل‪ .‬ومنه الحديث " إذا تغولت الغيلن فبادروا بالذان "‬
‫أي ادفعوا شرها بذلك بذكر الله‪.‬‬
‫وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها أو عدمه‪ .‬ومنه حديث أبي أيوب "‬
‫كان لي تمر في سهوة فكانت الغول تجي فتأخذ "‪.‬‬
‫قوله‪) :‬ولهما عن أنس قال‪ :‬قال رسول الله صلى اللممه‬
‫عليه وسلم ل عدوى ول طيرة‪ ،‬ويعجبني الفممأل‪ ،‬قممالوا‪:‬‬
‫وما الفأل ؟ قال‪ :‬الكلمة الطيبة "( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬ويعجبني الفأل قال أبو السعادات‪ :‬الفأل‪ ،‬مهموز فيملا يسللر‬
‫ويسوء‪ ،‬والطيرة ل تكللون إل فيمللا يسللوء‪ ،‬وربمللا اسللتعملت فيمللا‬
‫يسر‪ .‬يقال‪ :‬تفاءلت بكللذا وتفللاولت‪ ،‬علللى التحقيللق والقلللب‪ ،‬وقللد‬
‫أولع الناس بترك الهمزة تخفيفًا‪ ،‬وإنما أحللب الفللأل لن النللاس إذا‬
‫أملوا فائدة الله ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قللوى فهللم‬
‫على خير‪ ،‬وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الللله تعللالى كللان ذلللك‬
‫من الشر‪ .‬وأما الطيرة فإن فيهللا سللوء الظللن بللالله وتوقللع البلء‪،‬‬
‫والتفاؤل‪ :‬أن يكون رجل مريض فيسللمع آخللر يقللول‪ :‬يللا سللالم‪ ،‬أو‬
‫يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول‪ :‬يا واجد‪ ،‬فيقع فللي ظنلله أنلله‬
‫يبرأ من مرضه ويجد ضالته‪ .‬ومنه الحديث‪" :‬قيل يا رسول الله مللا‬
‫الفأل ؟ قال‪ :‬الكلمة الطيبة "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قالوا‪ :‬وما الفأل ؟ قال‪ :‬الكلمة الطيبة بين صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم أن الفأل يعجبه فللدل علللى أنلله ليللس مللن الطيللرة المنهللى‬
‫عنها‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله تعالى‪ :‬ليس في العجاب بالفأل ومحبتلله‬
‫شئ من الشللرك‪ ،‬بللل ذلللك إبانللة عللن مقتضللى الطبيعللة ومللوجب‬
‫الفطرة النسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلئمها‪ ،‬كمللا أخللبرهم‬
‫صلى الله عليه وسلم أنه حبللب إليلله مللن الللدنيا النسللاء والطيللب‪،‬‬
‫وكان يحب الحلواء والعسل‪ ،‬ويحب حسن الصوت بالقرآن والذان‬
‫ويستمع إليه ويحب معالي الخلق ومكارم الشلليم‪ .‬بالجملللة يحللب‬
‫كل كمال وخير ما يفضي إليهما‪ ،‬والله سبحانه قد جعل في غللرائز‬
‫الناس العجاب بسللماع السللم الحسللن ومحبتلله‪ ،‬وميللل نفوسللهم‬
‫إليه‪ ،‬وكذلك جعل فيها الرتياح والستبشار والسللرور باسللم الفلح‬
‫والسلم والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر ونحو ذلك‪ ،‬فإذا‬
‫قرعت هذه السماء السماع استشبرت بها النفللوس وانشللرح لهللا‬
‫سمعت أضدادها أوجب لها ضللد هللذه‬
‫الصدر وقوى بها القلب‪ ،‬وإذا‬
‫لها خوفا ً‬
‫وطيرة وانكماشا ً وانقباض ًا ً عما‬
‫الحال‪ .‬فأحزنها ذلك‪ ،‬وأثار‬
‫قصدت له وعزمت عليه‪ ،‬فأورث لها ضررا ً فللي الللدنيا ونقص لا فللي‬
‫اليمان ومقارفة الشرك‪.‬‬
‫وقال الحليمي‪ :‬وإنما كان صلى الله عليه وسلللم يعجبلله الفلأل لن‬
‫التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق‪ ،‬والتفللاؤل حسللن‬
‫ظن به‪ ،‬والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪13‬‬
‫‪4‬‬

‫قوله‪) :‬ولبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال‪:‬‬
‫عليممه وسمملم‬
‫ذكرت الطيرة عند رسول اللممه صمملى اللممه‬
‫فقممال‪ " :‬أحسممنها الفممأل‪ ،‬ول تممرد مسمملمًا‪ ،‬فممإذا رأى‬
‫أحدكم ما يكره فليقل‪ :‬اللهم ل يأتي بالحسنات إل أنت‪،‬‬
‫ول يدفع السيئات إل أنت ول حول ول قوة إل بك "( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬عن عقبة بن عامر هكذا وقع في نسخ التوحيد‪ ،‬وصوابه‪ :‬عن‬
‫عروة ابن عامر كذا أخرجه أحمللد وأبللو داود وغيرهمللا‪ .‬وهللو مكللي‬
‫اختلف في نسبه‪ ،‬فقال أحمد‪ :‬عن عروة بن عامر القرشي‪ ،‬وقللال‬
‫غيره‪ :‬الجهني‪ .‬واختلف في صللحبته‪ ،‬فقللال المللاوردي‪ :‬للله صللحبة‪،‬‬
‫وذكره ابن حبان فللي ثقللات التللابعين‪ ،‬وقللال المللزي‪ :‬ل صللحبة للله‬
‫تصح‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فقال أحسنها الفأل قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫كان يعجبه الفأل‪ .‬وروى الترمذي وصححه عن أنس رضي الله عنه‬
‫" أن النبي صلى الله عليه وسلللم كللان إذا خلرج لحللاجته يحللب أن‬
‫يسمع‪ :‬يا نجيح‪ ،‬يا راشد " وروى أبو داود عن بريدة أن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم كان ل يتطير من شئ‪ ،‬وكان إذا بعث عامل ً سللأله‬
‫عن اسمه فإذا أعجبه فرح به‪ ،‬وإن كللره اسللمه رؤي كراهيللة ذلللك‬
‫في وجهه وإسناده حسن‪ .‬وهذا فيه استعمال الفأل‪.‬‬
‫قال ابن القيم‪ :‬أخبر صلى الله عليه وسلم أن الفللأل مللن الطيللرة‬
‫وهو خيرها‪ ،‬فأبطل الطيرة وأخبر أن الفأل منها ولكنلله خيللر منهللا‪،‬‬
‫ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهمللا مللن المتيللاز والتضللاد‪ ،‬ونفللع‬
‫أحدهما ومضرة الخر‪ ،‬ونظير هذا‪ :‬منعه من الرقي بالشرك وإذنلله‬
‫في الرقية إذا لم يكن فيها شرك‪ ،‬لما فيها من المنفعة الخالية من‬
‫المفسدة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ول ترد مسلما ً قال الطيبي‪ :‬تعريض بأن الكافر بخلفه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬اللهم ل يأتي بالحسنات إل أنت ول يدفع السيئات إل أنت أي‬
‫ل تأتي الطيرة الحسللنة ول تللدفع المكروهللات‪ ،‬بللل أنللت وحللدك ل‬
‫شريك لك الذي تأتي بالحسنات‪ ،‬وتدفع السيئات‪ ،‬و الحسللنات هنللا‬
‫النعم‪ ،‬و السيئات المصائب‪ ،‬كقوله ‪ " ، :‬وإن تصبهم حسنة يقولللوا‬
‫هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قللل كللل‬
‫من عند الللله فمللال هللؤلء القللوم ل يكللادون يفقهللون حللديثا * مللا‬
‫أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك مللن سلليئة فمللن نفسللك "‬
‫ففيه نفي تعليق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفللع ضللر‪ ،‬وهللذا‬
‫الطيللرة‬
‫مناسب لمن وقع ًفي قلبه شئ من‬
‫هو التوحيد‪ ،‬وهو دعاء‬
‫اعتقدها سفيها ً‬
‫وتصريح بأنها ل تجلب نفعا ً ول تدفع ضرا‪ ،‬ويعد من‬
‫مشركًا‪.‬‬
‫لى فعللل‬
‫قللوله‪ :‬ول حللول ول قللوة إل بللك اسللتعانة بللالله تعللالى علل‬
‫التوكل وعدم اللتفات إلللى الطيللرة الللتي قللد تكللون سللببا ً لوقللوع‬
‫المكروه عقوبة لفاعلها‪ .‬وذلك الدعاء إنما يصدر عن حقيقة التوكل‬
‫الذي هو أقوى السباب في جلب الخيرات ودفع المكروهات‪.‬‬
‫و الحول التحول والنتقال من حال إلى حللال‪ ،‬و القللوة علللى ذلللك‬
‫بالله وحده ل شريك له‪ .‬ففيه التبري من الحول والقلوة والمشلليئة‬
‫بدون حول الله وقوته ومشلليئته‪ .‬وهللذا هللو التوحيللد فلي الربوبيللة‪،‬‬
‫وهو الدليل على توحيد اللهية الذي هللو إفللراد الللله تعللالى بجميللع‬
‫أنواع العبادة‪ ،‬وهللو توحيللد القصللد والرادة‪ ،‬وقللد تقللدم بيللان ذلللك‬
‫بحمد الله‪.‬‬
‫قموله‪) :‬وعمن ابمن مسمعود رضمي اللمه عنمه مرفوعمًا‪" :‬‬
‫الطيرة شرك‪ ،‬والطيرة شممرك‪ .‬وممما منمما إل‪ ،‬ولكممن اللممه‬
‫يممذهبه بالتوكممل " رواه أبممو داود والترمممذي وصممححه‪.‬‬
‫وجعل آخره من قول ابن مسعود( ‪:‬‬
‫ورواه ابن ماجه وابن حبان‪ .‬ولفظ أبي داود الطيرة شرك‪ ،‬الطيرة‬
‫شرك‪ ،‬الطيرة شرك‪ .‬ثلثا ً وهذا صريح فللي تحريللم الطيللرة‪ ،‬وأنهللا‬
‫من الشرك لما فيها من تعلق القلب على غير الله تعالى‪.‬‬
‫قال ابن حمدان‪ :‬تكره الطيرة‪ ،‬وكذا قال غيره من أصحاب أحمد‪.‬‬
‫قال ابن مفلح‪ً :‬والولى القطع بتحريمها لنها شللرك‪ ،‬وكيللف يكللون‬
‫الشرك مكروها الكراهية الصطلحية ؟‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪13‬‬
‫‪5‬‬

‫لنهللم كللانوا‬
‫قال في شرح السنن‪ :‬وإنما جعل الطيرة من الشرك‬
‫يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعا ً أو تدفع عنهللم ضللرا ً إذا عملللوا‬
‫بموجبها‪ ،‬فكأنهم أشركوا مع الله تعالى‪.‬‬
‫قللوله‪ :‬ومللا منللا إل قللال أبللو القاسللم الصللبهاني‪ ،‬والمنللذري‪ :‬فللي‬
‫الحديث إضمار‪ .‬التقدير‪ :‬وما منا إل وقد وقللع فللي قلبلله شللئ مللن‬
‫ذلك‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫وقال الخلخاني‪ :‬حذف المستثنى لما يتضمنه من الحالة المكروهة‪.‬‬
‫وهذا من أدب الكلم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ولكن الله يذهبه بالتوكل أي لكن لما توكلنللا علللى الللله فللي‬
‫جلب النفع ودفع الضر أذهبه الله عنا بتوكلنا عليه وحده‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وجعل آخره من قول ابن مسعود قال ابن القيللم‪ :‬وهللو مللن‬
‫الصواب‪ ،‬فإن الطيرة نوع من الشرك‪.‬‬
‫قال‪) :‬ولحمد من حديث ابن عمر‪ ":‬ومممن ردتممه الطيممرة‬
‫عن حاجته فقد أشرك‪ .‬قالوا فما كفارة ذلك ؟ قممال‪ :‬أن‬
‫تقول‪ :‬اللهم ل خيممر إل خيممرك‪ ،‬ول طيممر إل طيممرك‪ ،‬ول‬
‫إله غيرك "( ‪:‬‬
‫هذا الحديث رواه أحملد والطللبراني علن عبللد الللله بلن عملرو بلن‬
‫العاص‪ ،‬وفي إسناده ابن لهيعة وبقية رجاله ثقات‪.‬‬
‫قوله‪:‬من حديث ابن عمرو وهو عبد الله بن عمرو بللن العللاص بللن‬
‫وائل السهمي أبو محمد‪ .‬وقيل أبللو عبللد الرحمللن‪ ،‬أحللد السللابقين‬
‫المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء‪ .‬مات فللي ذي الحجللة‬
‫ليالي الحرة على الصح بالطائف‪.‬‬
‫قوله‪ :‬من ردته الطيرة عن حللاجته فقللد أشللرك وذلللك أن الطيللرة‬
‫هي التشاؤم بالشئ المرئي أو المسموع‪ ،‬فإذا رده شئ مللن ذلللك‬
‫السفر ونحوه‪ ،‬فمنعه عما أراده‬
‫عن حاجته التي عزم عليها كإرادة‬
‫وسعى فيه ما رأى وما سمع تشاؤمًا‪ ،‬فقد دخل فللي الشللرك‪ .‬كمللا‬
‫تقدم‪ ،‬فلم يخلص توكله على اللله بالتفلاته إللى ملا سلواه فيكلون‬
‫للشيطان منه نصيب‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فما كفارة ذلك ؟ إلى آخره‪ .‬فإذا قال ذلك وأعرض عما وقع‬
‫في قلبه‪ ،‬ولم يلتفت إليه‪ ،‬كفر الله عنلله ملا وقلع فلي قلبلله ابتلداء‬
‫لزواله عن قلبه بهذا الدعاء المتضللمن للعتملاد عللى الللله وحللده‪،‬‬
‫والعراض عما سواه‪.‬‬
‫وتضمن الحديث أن الطيرة ل تضر من كرهها ومضى في طريقلله‪،‬‬
‫وأما من ل يخلص توكله عللى الللله واسترسلل ملع الشلليطان فلي‬
‫ذلك‪ ،‬فقللد يعللاقب بللالوقوع فيمللا يكللره‪ ،‬لنلله أعللرض عللن واجللب‬
‫اليمان بالله‪ ،‬وأن الخير كله بيده‪ ،‬فهو الذي يجلبه لعبللده بمشلليئته‬
‫وإرادته‪ ،‬وهو الذي يدفع عنه الضر وحده بقدرته ولطفه وإحسللانه‪،‬‬
‫فل خير إل منه‪ ،‬وهو الذي يدفع الشر عن عبده فما أصابه من ذلك‬
‫فبذنبه‪ ،‬كما قال تعللالى‪ " :‬مللا أصللابك مللن حسللنة فمللن الللله ومللا‬
‫أصابك من سيئة فمن نفسك "‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وله من حديث الفضل بن عباس‪ " :‬إنممما الطيممرة‬
‫ما أمضاك أو ردك "( ‪:‬‬
‫هذا الحديث عند المام أحمد من حديث الفضل بن ًعباس قللال‪" :‬‬
‫خرجت مع رسول الله صلى الله عليلله وسلللم يوملا‪ ،‬فللبرح ظللبي‪،‬‬
‫فمال في شقه فاحتضنته‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسللول الللله تطيللرت‪ ،‬فقللال‪:‬‬
‫إنما الطيرة مللا أمضللاك أو ردك " وفللي إسللناده انقطللاع‪ ،‬أي بيللن‬
‫مسلللمة روايللة وبيللن الفضللل‪ ،‬وهللو الفضللل بلن العبللاس بللن عبللد‬
‫المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم‪ .‬قال ابن معين‪ :‬قتل‬
‫يوم اليرموك‪ .‬وقال غيره‪ :‬قتل يوم مرج الصفر سللنة ثلث عشللرة‬
‫وهو ابن اثنتين وعشرين سنة‪ .‬وقال أبو داود‪ :‬قتللل بدمشللق‪ .‬كللان‬
‫عليه درع رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪13‬‬
‫‪6‬‬

‫قوله‪ :‬إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك هذا حد الطيرة المنهى عنها‪:‬‬
‫أنهللا مللا يحمللل النسللان علللى المضللمي فيمللا أراده‪ ،‬ويمنعلله مللن‬
‫المضي فيه كذلك‪ .‬وأما الفأل الذي كان يحبه النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم فيه نوع من بشارة‪ ،‬فيسر به العبد ول يعتمد عليه بخلف ما‬
‫يمضيه أو يرده‪ ،‬فإن للقلب عليه نوع اعتماد‪ .‬فللافهم الفللرق والللله‬
‫أعلم‪.‬‬

‫باب‬
‫ما جاء في التنجيم‬
‫قوله‪ ) :‬باب‪ :‬ما جاء في التنجيم ( ‪:‬‬
‫قال شلليخ السلللم رحملله الللله‪ :‬التنجيللم هللو السللتدلل بللالحوال‬
‫الفكلية على الحوادث الرضية‪.‬‬
‫وقال الخطابي‪ :‬علم النجوم المنهى عنه هو ما يدعيه أهل التنجيللم‬
‫من علللم الكللوائن والحللوادث الللتي سللتقع فللي مسللتقبل الزمللان‪،‬‬
‫كأوقات هبوب الريللاح ومجيللء المطللر‪ ،‬وتغيللر السللعار‪ ،‬ومللا فللي‬
‫معناهللا مللن المللور الللتي يزعمللون أنهللا تللدرك معرفتهللا بمسل‬
‫ليرً‬
‫الكواكب في مجاريها‪ ،‬واجتماعها وافتراقها‪ ،‬يللدعون أن لهللا تللأثيرا‬
‫في السفليات‪ ،‬وهلذا منهلم تحكلم عللى الغيلب‪ ،‬وتعلاط لعللم قلد‬
‫استأثر الله به‪ ،‬ول يعلم الغيب سواه‪.‬‬
‫قتادة‪ :‬خلممق اللممه‬
‫قوله‪) :‬قال البخاري في صحيحه‪ :‬قال‬
‫هذه النجموم لثلث‪ :‬زينة للسممماء‪ ،‬ورجومما ً للشممياطين‪،‬‬
‫وعلمات يهتدى بها‪ ،‬فمممن تممأول فيهمما غيممر ذلممك أخطممأ‬
‫وأضاع نصيبه‪ ،‬وتكلف ما ل علم له به( ‪:‬‬
‫هذا الثر علقه البخاري في صحيحه‪ .‬وأخرجه عبد الرزاق وعبد بللن‬
‫حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم‪ .‬وأخرجه الخطيب في كتاب‬
‫لثلث‬
‫النجوم عن قتادة‪ ،‬ولفظه قال‪ :‬إنما جعل الللله هللذه النجل‬
‫لومرجوملا ً‬
‫خصال‪ :‬جعلها زينللة للسللماء‪ ،‬وجعلهللا يهتللدى بهللا‪ ،‬وجعلهللا‬
‫للشيطاطين‪ .‬فمن تعاطى فيها غير ذلللك فقللد قللال برأيلله‪ ،‬وأخطللأ‬
‫حظه وأضاع نصيبه‪ ،‬وتكلف ما ل علم له به‪ ،‬وإن ناسلا ً جهلللة بللأمر‬
‫الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة‪ :‬من أعرس بنجللم كللذا وكللذا‬
‫كان كذا وكذا‪ ،‬ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كللذا وكللذا‪ .‬ولعمللري‬
‫ما من نجم إل يولد به الحمر والسود والطويل والقصير والحسللن‬
‫والدميم‪ ،‬وما علم هذه ً النجوم وهذا الدابة وهذا الطلائر بشللئ مللن‬
‫هذا الغيب ولو أن أحدا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيللده‬
‫وأسجد له ملئكته وعلمه أسماء كل شئ انتهى‪.‬‬
‫فتأمل ما أنكره هذا المللام ممللا حللدث مللن المنكللرات فللي عصللر‬
‫التابعين‪ ،‬وما زال الشر يزداد في كل عصر بعدهم حتى بلغ الغايللة‬
‫في هذه العصللار‪ ،‬وعمللت بلله البلللوى فللي جميللع المصللار فمقللل‬
‫ومستكثر‪ ،‬وعز في الناس من ينكللره‪ ،‬وعظمللت المصلليبة بلله فللي‬
‫الدين‪ .‬فإنا لله وإنا إليه راجعون‪.‬‬
‫قوله‪ :‬خلق الله هذه النجوم لثلث ًقال تعالى‪ " :‬ولقد زينا السللماء‬
‫الللدنيا بمصللابيح وجعلناهللا رجومللا للشللياطين " وقللال تعللالى‪" :‬‬
‫وعلمات وبالنجم هم يهتدون " وفيلله إشللارة إلللى أن النجللوم فللي‬
‫السماء الدنيا‪ ،‬كما روى ابن مردويه عللن ابللن مسللعود رضللي الللله‬
‫السلماء‬
‫عنه قال‪ :‬قال رسول اللله صللى اللله عليله وسللم " أملا‬
‫لراجا ً وقمللرا ً منيللرًا‪،‬‬
‫الدنيا فإن الله خلقها من دخان وجعل فيهللا سل‬
‫وزينها بمصابيح وجعلها رجوما ً للشياطين‪ ،‬وحفظا ً من كل شلليطان‬
‫رجيم "‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪13‬‬
‫‪7‬‬

‫قوله‪ :‬وعلمات ‪ :‬أي دللت على الجهات يهتدي بها أي يهتللدي بهللا‬
‫الناس في ذلك‪ .‬كما قال تعللالى‪ " :‬وهللو الللذي جعللل لكللم النجللوم‬
‫لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر " أي لتعرفوا بها جهة قصللدكم‪،‬‬
‫وليس المراد أن يهتدي بها في علم الغيب‪ ،‬كما يعتقده المنجمون‪،‬‬
‫وقد تقدم وجه بطلنه وأنه ل حقيقة له كما قال قتادة‪ :‬فمللن تللأول‬
‫فيها غير ذلك أي زعم فيها غير ملا ذكللر الللله فللي كتللابه مللن هللذه‬
‫الثلث فقد أخطأ‪ .‬حيث زعم شيئا ً ما أنللزل الللله بلله مللن سلللطان‪،‬‬
‫وأضاع نصيبه من كل خير‪ ،‬لنه شغل نفسه بما يضره ول ينفعه‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬المنجم قد يصدق ؟ قيل‪ :‬صدقه كصدق الكاهن‪ ،‬ويصدق‬
‫في ًكلمة ويكذب في مائة‪ .‬وصدقه ليس عن علم‪ ،‬بللل قللد يوافللق‬
‫قدرا‪ ،‬فيكون فتنة في حق من صدقه‪.‬‬
‫وعن ابن عباس رضي الله عنهما فلي قللوله‪ " :‬وألقللى فلي الرض‬
‫رواسي أن تميد بكم وأنهللارا وسللبل لعلكللم تهتللدون * وعلمللات "‬
‫فقوله‪ :‬علمات معطوف على ما تقدم مما ذكللره فللي الرض‪ ،‬ثللم‬
‫استأنف فقال‪ " :‬وبالنجم هم يهتدون " ذكللره ابللن جريللر عللن ابللن‬
‫عباس بمعناه‪.‬‬
‫وقد جاءت الحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بإبطللال علللم‬
‫التنجيم‪ ،‬كقوله‪ " :‬من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شللعبة‬
‫من السحر‪ .‬زاد ما زاد "‪.‬‬
‫وعن رجاء بن حيوة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪ " :‬إن مما‬
‫أخاف علللى أمللتي‪ :‬التصللديق بللالنجوم‪ ،‬والتكللذيب بالقللدر‪ ،‬وحيللث‬
‫مرفوع لًا‪ " :‬أخللاف‬
‫الئمة " رواه عبد بن حميد‪ .‬وعللن أبللي محجللن‬
‫على أمتي ثلثًا‪ :‬حيف الئمة‪ ،‬وإيمانا ً بالنجوم وتكذيبا ً للقللدر " رواه‬
‫ابن عساكر وحسنه السيوطي‪.‬‬
‫أنس رضي الله مرفوعا ً "أخاف عللى أمللتي بعلدي خصللتين‪:‬‬
‫وعن‬
‫تكللذيبا ً بالقللدر‪ ،‬وإيمللان بللالنجوم " رواه أبللو يعلللي ًوابللن عللدي‬
‫والخطاب في كتاب النجللوم وحسللنه السلليوطي أيضلا‪ .‬والحللاديث‬
‫في ذم التنجيم والتحذير منه كثيرة‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وكره قتادة تعلم منازل القمر‪ .‬ولم يرخممص ابممن‬
‫عيينة فيه‪ .‬ذكره حرب عنهما‪ .‬ورخص في تعلم المنممازل‬
‫أحمد وإسحاق( ‪:‬‬
‫قال الخطابي‪ :‬أما علم النجوم الذي يدرك مللن طريللق المشللاهدة‬
‫فإنه غير داخل‬
‫والخبر الذي يعرف به الزوال‪ ،‬وتعلم به جهة القبلة‬
‫فيما نهى عنه‪ .‬وذلك ًأن معرفة رصد الظل ليس شيئا ً أكثر من أن‬
‫الظل ما دام متناقصا فالشمس بعللد صللاعدة نحللو وسللط السللماء‬
‫من الفق الشرقي‪ ،‬وإذا أخللد فللي الزيللادة فالشللمس هابطللة مللن‬
‫وسللط السللماء نحللو الفللق الغربللي‪ ،‬وهللذا علللم يصللح إدراكلله‬
‫بالمشاهدة‪ ،‬إل أن أهل هذه الصناعة قللد دبروهللا بمللا اتخللذوه مللن‬
‫اللت التي يستغنى الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصدته‪ .‬وأما‬
‫ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة فإنها كواكب رصدها أهل‬
‫الخبرة من الئمة الذين ل نشك في عنايتهم بأمر الدين ومعرفتهم‬
‫بها وصدقهم فيما أخبروا به عنها‪ ،‬مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبللة‬
‫ويشللاهدها علللى حللال الغيبللة عنهللا‪ ،‬فكللان إدراكهللم الدللللة منهللا‬
‫بالمعاينة‪ ،‬وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم إذ كللانوا عنللدنا غيللر مهتميللن‬
‫في دينهم‪ ،‬ول مقصرين في معرفتهم‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫يتعلم الرجللل‬
‫وروى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان ل يرى بأسا ً أن‬
‫منازل القمر‪ .‬وروى عن إبراهيللم أنلله كللان ل يللرى بأسلا ً أن يتعلللم‬
‫الرجل من النجوم ما يهتللدي بلله‪ .‬قللال ابللن رجللب‪ :‬والمللأذون فللي‬
‫تعلمه التسيير ل علم التأثير فإنه باطل محرم‪ ،‬قليله وكثيره‪ .‬وأمللا‬
‫علم التسيير فيتعلم مللا يحتللاج إليلله منلله للهتللداء ومعرفللة القبلللة‬
‫والطرق جائز عند الجمهور‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ذكره حرب عنهما هو المام الحافظ حرب بن إسماعيل أبللو‬
‫محمد الكرماني الفقيه من جلللة أصللحاب المللام أحمللد‪ .‬روى عللن‬
‫أحمللد وإسللحاق وابللن المللديني وابللن معيللن وغيرهللم‪ .‬وللله كتللاب‬
‫المسائل التي سئل عنها المللام أحمللد وغيللره‪ ،‬ملات سللنة ثملانين‬
‫ومائتين‪ .‬وأما إسحاق فهو ابن إبراهيم بن مخلد أبو أيوب الحنظلي‬
‫النيسابوري‪ ،‬المام المعروف بابن راهويه‪ .‬روى عللن ابللن المبللارك‬
‫وأبي أسامة وابن عيينة وطبقتهم‪ .‬قال أحمد‪ :‬إسللحاق عنللدنا إمللام‬
‫من أئمة المسلمين‪ .‬روى عنه أحمللد والبخللاري ومسلللم وأبللو داود‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪13‬‬
‫‪8‬‬

‫وغيرهللم‪ .‬وروى هللو أيضللا ً عللن أحمللد‪ .‬مللات سللنة تسللع وثلثيللن‬
‫ومائتين‪.‬‬
‫قال‪) :‬وعن أبي موسى رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول‬
‫الله صلى اللممه عليممه وسمملم‪ " :‬ثلثممة ل يممدخلون الجنممة‪:‬‬
‫مدمن الخممر‪ ،‬وقماطع الرحمم‪ ،‬ومصمدق بالسمحر " رواه‬
‫أحمد وابن حبان في صحيحه( ‪:‬‬
‫هذا الحديث رواه أيضا ً الطللبراني والحللاكم وقللال‪ :‬صللحيح‪ .‬وأقللره‬
‫الذهبي‪ .‬وتمامه ومن مات وهو يدمن الخمللر سللقاه الللله مللن نهللر‬
‫الغوطة‪ :‬نهر يجري من فللروج المومسللات‪ ،‬يللؤذي أهللل النللار ريللح‬
‫فروجهن ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وعن أبي موسى هو عبد الله بن قيس بن سلليم بلن حضلار‬
‫بفتح المهملة وتشديد الضاد‪ ،‬أبي موسى الشعري‪ .‬صحابي جليللل‪.‬‬
‫مات سنة خمسين‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ثلثة ل يلدخلون الجنلة هلذا ملن نصلوص الوعيلد اللتي كلره‬
‫السلف تأويلها‪ .‬وقالوا‪ :‬أمروها كما جاءت‪ ،‬وعللن تأولهللا فهللو علللى‬
‫خطر من القول على الله بل علم‪ .‬وأحسن ما يقال‪ :‬إن كللل عمللل‬
‫دون الشرك والكفر المخللرج علللى ملللة السلللم فللإنه يرجللع إلللى‬
‫مشيئة الله‪ ،‬فإن عذبه فقد استوجب العذاب‪ ،‬وإن غفر له فبفضله‬
‫وعفوه ورحمته‪.‬‬
‫قوله‪ :‬مدمن الخمر أي المداوم على شربها‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وقاطع الرحم يعني القرابة كما قال تعللالى‪ " :‬فهللل عسلليتم‬
‫إن توليتم أن تفسدوا في الرض وتقطعوا أرحامكم " الية‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ومصدق بالسحر أي مطلقلًا‪ .‬ومنلله التنجيللم‪ ،‬لمللا تقللدم مللن‬
‫الحديث‪ .‬وهذا وجه مطابقة الحديث للترجمة‪.‬‬
‫قال الذهبي في الكبائر‪ :‬ويدخل فيه تعلم السلليميا وعملهللا‪ ،‬وعقللد‬
‫المرء عن زوجته ومحبة الللزوج لمرأتلله وبغضللها وبغضلله‪ .‬وأشللباه‬
‫ذلك بكلمات مجهولة‪ .‬قال‪ :‬وكثير من الكبائر بللل عامتهللا إل القللل‬
‫يجهل خلق من المة تحريمه‪ ،‬وما بلغه الزجر فيه‪ ،‬ول الوعيد عليه‬
‫ا هل‪.‬‬

‫باب‬
‫ما جاء في الستسقاء بالنواء‬
‫قوله‪ ) :‬ما جاء في الستسقاء بالنواء ( ‪:‬‬
‫أي من الوعيد‪ ،‬والمراد‪ :‬نسبة السقيا ومجيء المطر إلللى النللواء‪.‬‬
‫جمللع نللوء وهللي منللازل القمللر‪ .‬قللال أبللو السللعادات‪ :‬وهللي ثمللان‬
‫وعشرون منزلة‪ .‬ينزل القمر كل ليلة منهللا‪ .‬ومنلله قللوله تعللالى‪" :‬‬
‫والقمر قدرناه منازل " يسقط في الغللرب كللل ثلث عشللرة ليلللة‬
‫منزلللة طلللوع الفجللر‪ ،‬وتظلللع أخللرى مقابلتهللا ذلللك الللوقت مللن‬
‫المشرق‪ ،‬فتقضي جميعها مع انقضاء السنة‪ .‬وكانت العللرب تزعللم‬
‫أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر‪ ،‬وينسللبونه إليهللا‪،‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪13‬‬
‫‪9‬‬

‫ويقولون مطرنا بنوء كللذا وكللذا وإنمللا سللمى نللوءا ً لنلله إذا سللقط‬
‫الساقط منها ناء الطالع بالمشرق‪ ،‬أي نهض وطلع‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقوله تعالى ‪ " :‬وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون "(‬
‫‪:‬‬
‫روى المام أحمد والترمذي وحسللنه وابللن جريللر وابللن أبللي حللاتم‬
‫والضياء في المختارة عن علي رضي الله عنه‪ ،‬قللال‪ :‬قللال رسللول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ " " :‬وتجعلون رزقكم " يقول‪ :‬شللكركم‬
‫" أنكم تكذبون " تقولون‪ :‬مطرنا بنوء كذا وكذا‪ :‬بنجللم كللذا وكللذا "‬
‫وهذ أولى ما فسرت به الية‪ .‬وروى ذلللك عللن علللي وابللن عبللاس‬
‫وقتادة والضحاك وعطللاء الخراسللاني وغيرهللم وهللو قللول جمهللور‬
‫المفسرين وبه يظهر وجه استدلل المصنف رحمه الله بالية‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله‪ :‬أي تجعلون حظكم من هذا الرزق الللذي‬
‫بلله حيللاتكم‪ :‬التكللذيب بلله‪ ،‬يعنللي القللرآن‪ .‬قللال الحسللن‪ :‬تجعلللون‬
‫حظكم ونصليبكم ملن القلرآن أنكلم تكلذبون قلال‪ :‬وخسلر عبلد ل‬
‫يكون حظه من القرآن إل التكذيب‪.‬‬
‫قوله‪) :‬عن أبي مالك الشعري رضي الله عنه أن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قمال‪ " :‬أربمع فمي أممتي ممن‬
‫أمر الجاهلية ل يممتركونهن‪ :‬الفخممر بالحسمماب‪ ،‬والطعممن‬
‫في النساب‪ ،‬والستسقاء بالنجوم‪ ،‬والنياحة "‪ .‬وقال‪" :‬‬
‫النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليهمما‬
‫سربال من قطران ودرع من جرب " رواه مسلم ( ‪:‬‬
‫أبو مالك اسمه الحللرث بلن الحلرث الشلامي‪ .‬صلحابي تفلرد عنلله‬
‫بالرواية أبو سلم‪ .‬وفي الصحابة أبو مالك الشعري اثنان غير هذا‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أربع في أمتي من أمر بالجاهلية ل يللتركونهن سللتفعلها هللذه‬
‫المة إما مع العلم بتحريمهللا أو مللع الجهللل بللذلك‪ ،‬مللع كونهللا مللن‬
‫أعمال الجاهلية المذمومة المكروهة المحرملة‪ .‬والملراد بالجاهليلة‬
‫هنا‪ :‬ما قبل المبعث‪ ،‬سموا ذلك لفرط جهلهم‪ .‬وكل ما يخللالف مللا‬
‫جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهللو جاهليللة‪ ،‬فقللد خللالفهم‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من أمورهم أو أكثرهللا‪.‬‬
‫وذلللك يللدرك بتللدبر القللرآن ومعرفللة السللنة‪ .‬ولشللخنا رحملله الللله‬
‫مصنف لطيف ذكر فيه ما خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫فيه أهل الجاهلية‪ ،‬بلغ مائة وعشرين مسألة‪.‬‬
‫رحمه الله تعالى‪ :‬أخبر أن بعض أمر الجاهليللة ل‬
‫قال شيخ السلم‬
‫يتركه الناس كلهم ذما ً لمن لم يتركه‪ ،‬وهذا يقتضي أن كل ما كللان‬
‫من أمر الجاهلية وفعلهم فهللو مللذموم فللي ديللن السلللم‪ ،‬وإل لللم‬
‫يكن في إضافة هذه المنكرات إلللى الجاهليللة ذم لهللا‪ ،‬ومعلللوم أن‬
‫لالى‪ " :‬ول‬
‫إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم‪ ،‬وهللذا كقللوله تعل‬
‫تبرجن تبرج الجاهلية الولى " فإن في ذلك ذما ً للتبرج وذما ً لحللال‬
‫الجاهلية الولى‪ ،‬وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬الفخر بالحساب أي التعاظم على النللاس بالبللاء ومللآثرهم‪،‬‬
‫وذلك جهل عظيللم‪ ،‬إذ ل كللرم إل بللالتقوى‪ ،‬كمللا قللال تعللالى‪ " :‬إن‬
‫أموالكم ول أولدكللم‬
‫أكرمكم عند الله أتقاكم " وقال تعالى‪ " :‬وما‬
‫بالتي تقربكم عندنا زلفى إل من آملن وعملل صلالحا ً فلأولئك لهلم‬
‫جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون "‪.‬‬
‫ولبي داود عن أبي هريرة مرفوعًا‪ " :‬إن الله قد أذهب عنكم عبية‬
‫الجاهليللة وفخرهللا بالبللاء‪ ،‬إنمللا هللو مللؤمن تقلي‪ ،‬أو فلاجر شللقي‪،‬‬
‫الناس بنو آدم وآدم من تراب‪ ،‬ليدعن رجللال فخرهللم بللأقوام إنمللا‬
‫فحم من فحم جهنم‪ ،‬أو ليكونن أهون على الله من الجعلن "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬والطعن في النساب أي الوقوع فيها بالعيب والتنقص‪ .‬ولما‬
‫عير أبو ذر رضي الله عنه رجل ً بأمه قال له النبي صلى الللله عليلله‬
‫وسلم‪ ":‬أعيرته بأمه ؟ إنك امرؤ فيك جاهلية " متفللق عليلله‪ .‬فللدل‬
‫على أن الطعن في النساب من عمل الجاهلية‪ ،‬وأن المسلللم قللد‬
‫يكون فيه شئ من هللذه الخصللال بجاهليللة ويهوديللة ونصللرانية‪ ،‬ول‬
‫يوجب ذلك كفره ول فسقه‪ .‬قاله شيخ السلم رحمه الله‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪14‬‬
‫‪0‬‬

‫قوله‪ :‬والستسقاء بالنجوم أي نسبة المطر إلى النوء وهو سللقوط‬
‫لمعت‬
‫النجم‪ .‬كما أخرج المام أحمد وابن جريللر السللوائي قللال‪ :‬سل‬
‫أخاف علللى أمللتي ثلث لًا‪:‬‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪":‬‬
‫استسقاء بالنجوم‪ .‬وحيف السلطان‪ .‬وتكذيبا ً بالقدر "‪.‬‬
‫فإذا قال قائلهم‪ :‬مطرنا بنجلم كلذا أو بنلوء كللذا‪ .‬فل يخللوا إملا أن‬
‫يعتقد أن له تأثيرا ً في إنزال المطر‪ .‬فهذا شرك وكفللر‪ .‬وهللو الللذي‬
‫يعتقده أهل الجاهلية كاعتقللادهم أن دعللاء الميللت والغللائب يجلللب‬
‫لهم نفعًا‪ ،‬أو يدفع عنهم ضرًا‪ .‬أو أنه يشفع بدعائهم إيللاه‪ ،‬فهللذا هللو‬
‫الشرك الذي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلللم بللالنهي عنلله‬
‫وقتال من فعله‪ .‬كما قللال تعللالى‪" :‬وقللاتلوهم حللتى ل تكللون فتنللة‬
‫ويكون الدين كله لله " والفتنة الشرك‪ ،‬وإما أن يقول‪ :‬مطرنا بنوء‬
‫كذا مثل‪ ،‬لكن مع اعتقاده أن المؤثر هللو الللله وحللده‪ .‬لكنلله أجللرى‬
‫العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم‪ ،‬والصحيح‪ :‬أنلله يحللرم‬
‫نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز‪ ،‬فقد صرح ابن مفلح‬
‫في الفروع‪ :‬بأنه يحرم قول مطرنا بنوء كللذا وجللزم فللي النصللاف‬
‫بتحريمه ولو على طريق المجاز‪ ،‬ولم يذكر خلفًا‪ .‬وذلك أن القللائل‬
‫لذلك نسب ما هو من فعل الله تعالى الذي ل يقدر عليه غيره إلى‬
‫خلق ًمسخر ل ينفع ول يضر ول قدرة له علللى شللئ‪ ،‬فيكللون ذلللك‬
‫شركا أصغر‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬والنياحة أي رفع الصوت بالندب علللى الميللت لنهللا تسللخط‬
‫بقضاء الله‪ ،‬وذلك ينافي الصبر الواجب‪ ،‬وهللي مللن الكبللائر لشللدة‬
‫الوعيد والعقوبة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬والنائحة إذا لم تتب قبل موتها فيه تنبيه على أن التوبة‬
‫تكفرً‬
‫الللذنب وإن عظللم‪ ،‬هللذا مجمللع عليلله فللي الجملللة‪ ،‬ويكفللر أيض لا‬
‫الحسنات الماحية والمصللائب‪ ،‬ودعللاء المسلللمين بعضللهم لبعل‬
‫لض‪ً،‬‬
‫عمن شاء ممن ل يشرك به شلليئا‬
‫وبالشفاعة بإذن الله‪ ،‬وعفو الله‬
‫وفي الحديث عن ابن عمللر مرفوع لًا‪ ":‬إن الللله تعللالى يقبللل توبللة‬
‫العبد ما لم يغرغر" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان‪.‬‬
‫قوله‪ :‬تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جللرب‬
‫قلللال القرطلللبي ‪ :‬السلللربال واحلللد السلللرابيل‪ ،‬وهلللي الثيلللاب‬
‫والقميص‪،‬يعنلي أنهلن يلطخلن بلالقطران‪ ،‬فيكلون لهلم كلالقمص‪،‬‬
‫حتى يكون اشتعال النار بأجسادهن أعظم‪ ،‬ورائحتهن أنتن‪ ،‬وألمهن‬
‫بسللبب الجللرب أشللد‪ .‬وروى عللن ابللن عبللاس‪ :‬إن القطللران هللو‬
‫النحاس المذاب‪.‬‬
‫قال‪") :‬ولهما عن زيممد بممن خالممد رضممي اللممه عنممه قممال‪:‬‬
‫صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلة الصممبح‬
‫بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل‪ ،‬فلممما انصممرف‬
‫أقبل على الناس فقال‪ :‬أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا‪:‬‬
‫الله ورسوله أعلم‪ .‬قال‪ :‬قال‪ :‬أصبح مممن عبممادي مممؤمن‬
‫بي وكافر‪ ،‬فأما من قممال‪ :‬مطرنمما بفضممل اللممه ورحمتممه‬
‫فذلك مؤمن بي كافر بممالكوكب‪ ،‬وأممما مممن قممال مطرنمما‬
‫بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب "( ‪:‬‬
‫زيد بن خالد الجهنلي صلحابي مشلهور‪ ،‬ملات سلنة ثملان وسلتين‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬غير ذلك‪ ،‬وله خمس وثمانون سنة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬صلى لنا رسول الله صلى الللله عليلله وسلللم ً أي بنللا‪ ،‬فللاللم‬
‫بمعنى الباء‪ .‬قال الحافظ‪ :‬وفيه إطلق ذلللك مجللازا‪ .‬وإنمللا الصلللة‬
‫لله‪.‬‬
‫قوله‪ :‬بالحديبية بالمهملة المضمومة وتخفيف يائها وتثقل‪.‬‬
‫قوله‪ :‬علللى إثللر سللماء كللانت مللن الليللل بكسللر الهمللزة وسللكون‬
‫المثلثة على المشهور‪ ،‬وهو ما يعقب الشئ‪.‬‬
‫قوله‪ :‬سماء أي مطر‪ .‬لنلله ينللزل مللن السللحاب‪ ،‬والسللماء يطلللق‬
‫على كل ما ارتفع‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فلما انصرف أي من صلته‪ ،‬أي التفت إلى المللأمومين‪ ،‬كمللا‬
‫يدل عليه قوله‪ :‬أقبل على الناس ويحتمل أنه أراد السلم‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪14‬‬
‫‪1‬‬

‫قوله‪ :‬هل تدرون لفظ استفهام ومعناه التنبيه‪ .‬وفي النسائي‪ :‬ألللم‬
‫تسمعوا ما قال ربكم الليلة ؟ وهذا ملن الحلاديث القدسلية‪ .‬وفيله‬
‫إلقاء العالم على أصحابه المسألة ليختبرهم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قالوا الله ورسوله أعلم فيه حسللن الدب للمسللئول عمللا ل‬
‫يعلم أن يكل العلم إلى عالمه‪ .‬وذلك يجب‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أصبح من عبادي الضافة هنللا للعمللوم بللدليل التقسلليم إلللى‬
‫مؤمن وكافر كقوله تعالى‪ " :‬هو الذي خلقكم فمنكم كللافر ومنكللم‬
‫مؤمن "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬مؤمن بي وكافر إذا اعتقد أن للنوء تأثيرا ً في إنللزال المطللر‬
‫فهذا كفر لنه أشرك في الربوبية‪ .‬والمشرك كافر‪ .‬وإن لللم يعتقللد‬
‫ذلك فهو من الشرك الصغر‪ ،‬لنه نسب نعمة الله إلى غيره‪ ،‬ولن‬
‫الله لم يجعل النوء سببا ً لنزال المطر فيلله‪ ،‬وإنمللا هللو فضللل مللن‬
‫الله ورحمته يحبسه إذا شاء وينزله إذا شاء‪.‬‬
‫ودل هذا الحديث على أنه ل يجوز ًلحد أن يضيف أفعال الللله إلللى‬
‫غيره ولو على سبيل المجاز‪ .‬وأيضا البللاء تحتمللل معللاني‪ ،‬وكلهللا ل‬
‫للسببية ول للستعانة‪ ،‬لما عرفللت مللن‬
‫تصدق بهذا اللفظ‪ ،‬فليست‬
‫أن هذا باطل‪ .‬ول تصدق أيضا ً على أنها للمصاحبة‪ ،‬لن المطللر قللد‬
‫يجيء في هذا الوقت وقد ل يجيء فيلله‪ ،‬وإنملا يجيلء المطللر فلي‬
‫الوقت الذي أراد الله مجيئه فيلله برحمتلله وحكمتلله وفضللله‪ .‬فكللل‬
‫معنى تحمل عليه الباء في هذا اللفظ ً المنهى عنلله فاسللد‪ .‬فيظهللر‬
‫على هذا تحريم هللذه اللفظللة مطلقلا لفسللاد المعنللى‪ .‬وقللد تقللدم‬
‫القطع بتحريمه في كلم صاحب الفروع والنصاف‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله‪ :‬وفيه التفطن لليمللان فللي هللذا الموضللع‬
‫يشير إلى أنه الخلص‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فأما من قال‪ :‬مطرنا بفضل الله ورحمته فالفضللل والرحمللة‬
‫صفتان لله‪ ،‬ومذهب أهل السنة والجماعلة‪ :‬أن ملا وصلف اللله بله‬
‫نفسلله ووصللفه بلله رسللوله مللن صللفات الللذات‪ :‬كالحيللاة والعلللم‪،‬‬
‫وصفات الفعال‪ ،‬كالرحمة التي يرحم بها عباده‪ .‬كلهللا صللفات لللله‬
‫قائمة بللذاته ليسللت قائمللة بغيللره‪ ،‬فتفطللن لهللذا فقللط غلللط فيلله‬
‫طوائف‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث‪ :‬إن نعم الله ل يجللوز أن تضللاف إل إليلله وحللده‪،‬‬
‫وهو الذي يحمد عليها‪ ،‬وهذه حال أهل التوحيد‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وأما من قال‪ :‬مطرنا بنللوء كللذا وكللذا إلللى أخللره‪ ،‬تقللدم مللا‬
‫يتعلق بذلك‪.‬‬
‫قال المصنف رحمه الله‪ :‬وفيه التفطن للكفر في هذا الموضع ‪.‬‬
‫يشير إلى أنه نسبة النعمة إلى غيللر الللله كفللر‪ ،‬ولهللذا قطللع بعللض‬
‫العلماء بتحريمه‪ ،‬وإن لم يعتقد تأثير النللوء بللإنزال المطللر‪ ،‬فيكللون‬
‫من كفر النعم‪ ،‬لعدم نسبتها إلى الذي أنعم بها‪ ،‬ونسبتها إلى غيره‪،‬‬
‫كما سيأتي في قوله تعالى‪ " :‬يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها "‪.‬‬
‫قال القرطبي في شرح حللديث زيللد بلن خالللد‪ :‬وكللانت العللرب إذا‬
‫طلع نجم من الشرق وسقط آخر مللن المغللرب فحللدث عنللد ذلللك‬
‫مطر أو ريح‪ ،‬فمنهم من ينسبه إلى الطالع‪ ،‬ومنهم من ينسبه إلللى‬
‫الغارب نسبة إلى إيجاد واختراع‪ ،‬ويطلقللون ذلللك القللول المللذكور‬
‫فللي الحللديث‪ .‬فنهللى الشللارع عللن إطلق ذلللك لئل يعتقللد أحللد‬
‫اعتقادهم ول يتشبه بهم في نطقهم‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فمنهم من ينسبه نسبة إيجاد يللدل علللى أن بعضللهم كللان ل‬
‫يعتقد ذلك‪ ،‬كما قال تعالى‪ " :‬ولئن سألتهم مللن نللزل مللن السللماء‬
‫ماء فأحيا به الرض من بعد موتها ليقولن الله قللل الحمللد لللله بللل‬
‫أكثرهم ل يعقلون " فدل على أن منهم من يعرف ويقللر بللأن ًالللله‬
‫هو الذي أوجد المطر‪ ،‬وقللد يعتقللد هللؤلء أن النللوء فيلله شلليئا مللن‬
‫التأثير‪ ،‬والقرطبي في شرحه لم يصرح أن العرب كلهللم يعتقللدون‬
‫ذلك المعتقدالذي ذكره‪ .‬فل اعتراض عليه بلية للحتمال المذكور‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪14‬‬
‫‪2‬‬

‫قوله‪) :‬ولهما من حديث ابن عبمماس معنمماه‪ ،‬وفيممه‪ :‬قممال‬
‫بعضهم‪ :‬لقد صدق نوء كذا وكذا‪ .‬فأنزل الله هذه اليات‪:‬‬
‫ " فل أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسممم لممو تعلمممون‬‫عظيم * إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنممون * ل يمسممه‬
‫إل المطهمممرون * تنزيمممل ممممن رب العمممالمين * أفبهمممذا‬
‫الحديث أنتم مدهنون * وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون "‪.‬‬
‫وبلفظه عن ابن عبمماس قممال‪ :‬مطممر النمماس علممى عهممد‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ":‬أصبح من النمماس شمماكر‪ ،‬ومنهممم كممافر‪ .‬قممالوا‪:‬‬
‫هذه رحمة الله‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬لقد صدق نمموء كممذا وكممذا‬
‫"‪ .‬فقال‪ :‬فنزلت هذه الية‪ " :‬فل أقسم بمواقع النجمموم‬
‫"( ‪:‬‬
‫هذا قسم من الله عز وجل‪ ،‬يقسلم بملا شلاء ملن خلقله عللى ملا‬
‫شاء‪ .‬وجواب القسم‪ " :‬إنه لقللرآن كريللم " فتكللون ل صلللة لتأكيللد‬
‫النفي‪ ،‬فتقدير الكلم‪ ،‬ليس المر كما زعمتم في القرآن أنه سحر‪،‬‬
‫أو كهانة‪ ،‬بللل هللو قللرآن كريللم‪ .‬قللال ابللن جريللر‪ :‬قللال بعللض أهللل‬
‫العربيللة‪ :‬معنللى قللوله‪ :‬فل أقسللم فليللس المللر كمللا تقولللون‪ ،‬ثللم‬
‫استؤنف القسم بعد فقيل‪ :‬أقسم بمواقع النجوم‪ .‬قال ابن عبللاس‪:‬‬
‫القرآن‪ ،‬فإنه نزل جملة ليلة القدر مللن السللماء الللدنيا‪،‬‬
‫يعني نجوم‬
‫السلنين بعلد‪ ،‬ثلم قلرأ ابلن عبلاس هلذه اليلة‪.‬‬
‫ثم نزل مفرقا ً فلي‬
‫ً‬
‫ومواقعها‪ :‬نزولهللا شلليئا بعللد شللئ‪ .‬وقللال مجاهللد‪ :‬مواقللع النجللوم‬
‫مطالعهللا ومشللارقها‪ .‬واختللاره ابللن جريللر‪ .‬وعلللى هللذه فتكللون‬
‫المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه وهللو القللرآن مللن وجللوه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن النجوم جعلها الله يهتدي بها فللي ظلمللات الللبر والبحللر‪،‬‬
‫وآيات القرآن يهتدي بها في ظلمللات الغللي والجهللل‪ .‬فتلللك هدايللة‬
‫في الظلمللات الحسللية‪ ،‬والقللرآن هدايللة فللي الظلمللات المعنويللة‪.‬‬
‫فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم مللن الزينللة الظللاهرة‪ .‬وفللي‬
‫القللرآن مللن الزينللة الباطنللة‪ ،‬ومللع مللا فللي النجللوم مللن الرجللوم‬
‫للشللياطين‪ ،‬وفللي القللرآن مللن رجللوم شللياطين الجللن والنللس‪.‬‬
‫والنجوم آياته المشهودة العيانية‪ ،‬والقرآن آياته المتلللوة السللمعية‪،‬‬
‫مع ما في مواقعها عنللد الغللروب مللن العللبرة والدللللة علللى آيللاته‬
‫القرآنية ومواقعها عند النزول ذكره ابن القيم رحمه الله‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬وإنه لقسم لو تعلمللون عظيللم " قلال ابللن كلثير‪ :‬أي وإن‬
‫هذا القسم الذي أقسللمت بلله لقسللم عظيللم لللو تعلمللون عظمتلله‬
‫لعظمتم المقسم به عليه‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬إنه لقرآن كريم " هذا هو المقسم عليه‪ ،‬وهو القرآن‪ ،‬أي‬
‫إنه وحي الله وتنزيله وكلملله‪ ،‬ل كمللا يقللول الكفللار‪ :‬إنلله سللحر أو‬
‫كهانة‪ ،‬أو شعر‪ .‬بل هو قرآن كريم أي عظيم كثير الخيللر لنلله كلم‬
‫الله‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله تعالى‪ :‬فوصفه بما يقتضي حسنه وكللثرة‬
‫خيره ومنافعه وجللته‪ ،‬فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم‪،‬‬
‫وهو من كل شئ أحسللنه وأفضللله‪ .‬والللله سللبحانه وتعللالى وصللف‬
‫نفسه بالكرم ووصف به كلمه‪ ،‬ووصف به عرشله‪ ،‬ووصلف بله ملا‬
‫كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيللره ولللذلك فسللر السلللف‬
‫الكريم بالحسن قال الزهري‪ :‬الكريم اسم جامع لمللا يحمللد‪،‬والللله‬
‫تعالى كريم جميل الفعال‪ ،‬وإنه لقللرآن كريللم يحمللد لمللا فيلله مللن‬
‫الهدى والبيان والعلم والحكمة‪.‬‬
‫وقوله‪ " :‬في كتاب مكنون " أي في كتاب معظم محفللوظ مللوقر‪،‬‬
‫قاله ابن كثير‪.‬‬
‫وقال ابن القيم رحمه الللله تعللالى‪ :‬اختلللف المفسللرون فللي هللذا‪،‬‬
‫فقيللل‪ :‬هللو اللللوح المحفللوظ والصللحيح أنلله الكتللاب الللذي بأيللدي‬
‫الملئكة‪ ،‬وهو المذكور في قوله‪ " :‬في صحف مكرمللة * مرفوعللة‬
‫مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة " ويدل على أنه الكتاب الللذي‬
‫بأيدي الملئكة قوله‪ " :‬ل يمسه إل المطهرون " فهذا يدل على أنه‬
‫بأيديهم يمسونه‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬ل يمسه إل المطهرون " قال ابن عباس رضي الله عنهما‪:‬‬
‫ل يمسه إل المطهرون‪ .‬قال‪ :‬الكتاب الذي في السماء وفي روايللة‬
‫ل يمسه إل المطهرون يعني الملئكللة وقللال قتللادة‪ :‬ل يمسلله عنللد‬
‫الله إل المطهرون فأما في الدنيا فللإنه يمسلله المجوسللي النجللس‬
‫والمنافق الرجس واختار هذا القول كثيرون‪ ،‬منهم ابن القيم رحمه‬
‫الله ورجحه‪ ،‬وقال ابن زيد‪ :‬زعمت قريش أن هللذا القللرآن تنزلللت‬
‫به الشياطين‪ ،‬فأخبر اللله تعلالى أنله ل يمسلله إل المطهللرون كمللا‬
‫قللال تعللالى‪ " :‬ومللا تنزلللت بلله الشللياطين * ومللا ينبغللي لهللم ومللا‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪14‬‬
‫‪3‬‬

‫يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون " قال ابن كثير‪ :‬هذا قول‬
‫جيد‪ .‬وهو ل يخرج عن القول قبله‪ .‬وقال البخاري رحمه الله تعالى‬
‫في صحيحه في هذه الية‪ :‬ل يجد طعمه إل من آمن به ‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله‪ :‬هذا من إشارة الية وتنبيهها‪ ،‬وهو أنلله ل‬
‫وتدبره إل من يشهد أنه كلم الله تكلم بلله‬
‫يلتذ به وبقراءته وفهمه‬
‫حقًا‪ ،‬وأنزله على رسوله وحيًا‪ .‬ل ينال معانيه إل مللن لللم يكللن فللي‬
‫قلبه حرج منه بوجه من الوجوه‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ " :‬ل يمسه إل المطهرون " أي من الجنابة والحديث‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولفظ الية خبر معناه الطلب‪ .‬قالوا‪ :‬والمللراد بللالقرآن ههنللا‬
‫المصحف‪ .‬واحتجوا على ذلك بما رواه مالك في الموطأ عللن عبللد‬
‫الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بللن عمللرو بللن حللزم‪ :‬إن فللي‬
‫الكتاب الذي كتبه رسول الله صلللى الللله عليلله وسلللم لعمللرو بللن‬
‫حزم‪ :‬أن ل يمس القرآن إل طاهر ‪.‬‬
‫وقوله‪ ":‬تنزيل من رب العالمين " قال ابن كثير‪ :‬هذا القرآن منزل‬
‫من رب العالمين وليس كما يقولون إنه سحر أو كهانة أو شعر‪،‬بل‬
‫هو الحق الذي ل مرية فيه‪ ،‬وليس وراءه حق نافع‪ .‬وفي هذه الية‪:‬‬
‫أنه كلم الله تكلم به‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحملله الللله‪ :‬ونظيللره‪ " :‬ولكللن حللق القللول منللي "‬
‫وقوله‪ " :‬قل نزله روح القدس من ربللك بللالحق " هللو إثبللات علللو‬
‫الله تعالى على خلقه‪ .‬فإن النلزول والتنزيلل اللذي تعقلله العقلول‬
‫وتعرفه الفطر هو وصول الشئ من أعلى إلى أسفل ول يرد عليلله‬
‫قوله‪ " :‬وأنزل لكم من النعام ثمانيللة أزواج" لنلا نقللول‪ :‬إن الللذي‬
‫أنزلها فوق سماواته‪ .‬فأنزلها لنا بأمره‪.‬‬
‫قللال ابللن القيللم رحملله الللله‪ :‬وذكللر التنزيللل مضللافا ً إلللى ربللوبيته‬
‫للعالمين المسللتلزمة لملكلله لهللا وتصللرفه فيهللم‪ ،‬وحكملله عليهللم‪،‬‬
‫كيللف‬
‫وإحسانه إليهم‪ ،‬وإنعامه عليهم‪ ،‬وأن من هذا شأنه مع الخلق‬
‫ويللدعهم هم ً‬
‫ل‪،‬‬
‫يليللق بلله مللع ربللوبيته التامللة أن يتكرهللم سللدى‪،‬‬
‫ويخلقهم عبثًا‪ .‬ل يأمرهم ول ينهاهم ول يثيبهم ول يعللاقبهم ؟ فمللن‬
‫أقر بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله‪ .‬واستدل‬
‫بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصللحة مللا جللاء بلله‪،‬‬
‫وهللذا السللتدلل أقللوى وأشللرف مللن السللتدلل بللالمعجزات‬
‫والخوارق‪ .‬وإن كانت دللتها أقرب إلى أذهان عموم الناس‪ .‬وذلللك‬
‫إنما تكون لخواص العقلء‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬أفبهذا الحديث أنتم مدهنون " ‪ :‬قال مجاهللد‪ :‬أتريللدون أن‬
‫تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم ؟‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله تعالى‪ :‬ثم وبخهم علللى وضللعهم الدهللان‬
‫في غير موضعه‪ ،‬وأنهم يداهنون فيما حقه أن يصدع به ويعرف به‪،‬‬
‫ويعض عليه بالنواجذ‪ ،‬وتثني عليلله الخناصللر‪ ،‬وتعقللد عليلله القلللوب‬
‫والفئدة‪ ،‬ويحارب ويسالم لجله‪ ،‬ول يلتوى عنه يمنة ول يسرة‪ ،‬ول‬
‫يكون للقلب التفات إلى غيره‪ ،‬ول محاكمللة إل إليلله‪ ،‬ول مخاصللمة‬
‫إل به‪ ،‬ول اهتداء في طرق المطالب العالية إل بنلوره‪،‬ول شللفاء إل‬
‫به‪ ،‬فهو روح الوجود‪ ،‬وحياة العالم‪ ،‬ومدار السللعادة‪ ،‬وقللائد الفلح‪،‬‬
‫وطريللق النجللاة‪ ،‬وسللبيل الرشللاد‪،‬ونللور البصللائر‪ .‬فكيللف تطلللب‬
‫المداهنة بما هللذا شللأنه‪ ،‬ولللم ينللزل للمداهنللة‪ ،‬وإنمللا نللزل بللالحق‬
‫وللحق‪ ،‬والمداهنة إنما تكون في باطل قوى ل تمكن إزالته‪ ،‬أو في‬
‫حق ضعيف ل تمكن إقامته‪ ،‬فيحتاج المللداهن إلللى أن يللترك بعللض‬
‫الحق ويلتزم بعض الباطل‪ ،‬فأما الحق الذي قام به كل حق فكيللف‬
‫يداهن به ؟‬
‫قوله‪ " :‬وتجعلون رزقكللم أنكلم تكللذبون " تقللدم الكلم عليهللا أول‬
‫الباب‪ ،‬والله تعالى أعلم‪.‬‬

‫باب‬
‫قول الله تعالى ومن الناس ً من يتخذ‬
‫من دون الله أندادا‬
‫قول الله تعالى‪ " :‬ومن الناس من يتخذ من‬
‫قوله‪) :‬باب‬
‫دون الله أندادا ً يحبونهم كحب الله "( ‪:‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪14‬‬
‫‪4‬‬

‫لما كانت محبته سبحانه هي أصل ديللن السلللم الللذي يللدور عليلله‬
‫قطب رحاه‪ ،‬فبكمالها يكمل‪ ،‬وبنقصها ينقللص توحيللد النسللان‪ ،‬نبلله‬
‫المصنف على ذلك بهذه الترجمة‪.‬‬
‫قوله تعالى‪ " :‬ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا " الية‪.‬‬
‫قال في شرح المنازل‪ :‬أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا ً‬
‫اللله أنلدادًا‪ ،‬فهلذا نلد‬
‫كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون‬
‫في المحبة ل في الخلق والربوبيللة‪ ،‬فللإن أحللدا ً مللن أهللل الرض ل‬
‫بخلف ند المحبة‪ .‬فإن أكثر أهل الرض قللد اتخللذوا‬
‫يثبت هذا الند‪،‬‬
‫من دون الله أندادا ً في الحب والتعظيم‪ .‬ثم قال تعالى‪ " :‬يحبونهم‬
‫كحب الله " وفي تقدير الية قولن‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬والذين آمنوا أشد حبا ً لللله مللن أصللحاب النللداد لنللدادهم‬
‫وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله‪.‬‬
‫وروى ابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى‪ " :‬يحبونهم ًكحب الللله‬
‫" مباهاة ومضاهاة للحق بالنداد " والذين آمنوا أشد حبا لللله" مللن‬
‫الكفللار لوثللانهم‪ .‬ثللم روى عللن ابللن زيللد قللال‪ :‬هللؤلء المشللركون‬
‫أندادهم آلهتهم التي عبدوا ً مع الله يحبونهم كما يحب الللذين آمنللوا‬
‫الله‪ ،‬والذين آمنوا أشد حبا لله من حبهم آلهتهم‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬والذين آمنوا أشد حبا ً لله من المشركين بالنداد لله‪ ،‬فللإن‬
‫محبة المؤمنين خالصة‪ ،‬ومحبة أصحاب النداد قللد ذهبللت أنللدادهم‬
‫بقسللط منهللا‪ ،‬والمحبللة الخالصللة أشللد مللن المشللتركة‪ .‬والقللولن‬
‫القولين في قوله تعالى‪ " :‬يحبونهم كحب الله " فللإن‬
‫مرتبان على‬
‫فيها قولين أيضًا‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬يحبونهم كما يحبون الله‪ .‬فيكون قد أثبت لهم محبة الللله‪.‬‬
‫ولكنها محبة أشركوا فيها مع الله تعالى أندادهم‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن المعنى يحبون أندادهم كما يحللب المؤمنللون الللله‪ ،‬ثللم‬
‫بين تعالى أن محبة المؤمنين لله أشلد ملن محبلة أصلحاب النلداد‬
‫لندادهم‪.‬‬
‫وكان شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله يرجح القول الول ويقول‪:‬‬
‫إنما ذملوا بلأن شلركوا بيلن اللله وبيلن أنلدادهم فلي المحبلة وللم‬
‫يخلصوها لله كمحبة المؤمنين للله‪ ،‬وهللذه التسللوية المللذكورة فللي‬
‫قوله تعللالى حكايللة عنهللم‪ ،‬وهللم فللي النللار أنهللم يقولللون للهتهللم‬
‫وأندادهم وهي محضرة معهم في العلذاب ‪ " ، :‬تلالله إن كنلا لفلي‬
‫ضلل مبين * إذ نسويكم برب العالمين " ومعلوم أنهم ما سووهم‬
‫الخلق والربوبية وإنما سللووهم بلله فللي المحبللة‬
‫برب العالمين في‬
‫والتعظيم‪،‬وهذا أيضا ً هو العدل المذكور في قللوله تعللالى‪ " :‬الحمللد‬
‫لله الذي خلق السموات والرض وجعل الظلمات والنور ثم الللذين‬
‫كفروا بربهللم يعللدلون " بلله غيللره فللي العبللادة الللتي هللي المحبللة‬
‫والتعظيم‪.‬‬
‫وقال تعالى‪ " :‬قل إن كنتللم تحبلون الللله فلاتبعوني يحببكلم اللله "‬
‫وهذه تسمى آية المحنة‪ .‬قال بعض السلف‪ :‬ادعى قوم محبة الللله‬
‫فأنزل الله تعالى آية المحنة‪ " :‬قل إن كنتم تحبللون الللله فللاتبعوني‬
‫يحببكم الله " إشارة إلى دليل المحبللة وثمرتهللا وفائدتهللا‪ ،‬فللدليلها‬
‫وعلمتها‪ :‬اتباع الرسول صلى الله عليلله وسلللم وفائدتهللا وثمرتهللا‪،‬‬
‫محبة المرسل لكم‪ ،‬فما لم تحصل منكم المتابعة فمحبتكم له غير‬
‫حاصلة‪ ،‬ومحبته لكم منتفية‪.‬‬
‫وقال تعالى‪ " :‬يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينلله فسللوف‬
‫يأتي الله بقللوم يحبهللم ويحبللونه أذلللة عللى المللؤمنين أعللزة عللى‬
‫الكافرين يجاهدون في سبيل الله ول يخافون لومة لئم " ذكر لهللا‬
‫أربع علمات‪:‬‬
‫إحللداهما‪ :‬أنهللم أذلللة علللى المللؤمنين‪ ،‬قيللل‪ :‬معنللاه أرقللاء رحمللاء‬
‫مشفقين عاطفين عليهم‪ ،‬فلما ضمن أذلة هذا المعنى عللداه بللأداة‬
‫على‪ .‬قللال عطللاء رحملله الللله‪ :‬للمللؤمنين كالولللد لوالللده وكالعبللد‬
‫لسلليده‪ ،‬وعلللى الكللافرين كالسللد علللى فريسللته‪ " ،‬أشللداء علللى‬
‫الكفار رحماء بينهم "‪.‬‬
‫العلمللة الثالثللة‪ :‬الجهللاد فللي سللبيل الللله بللالنفس واليللد والمللال‬
‫واللسان‪ .‬وذلك تحقيق دعوى المحبة‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪14‬‬
‫‪5‬‬

‫العلمة الرابعة‪ :‬إنهم ل تأخذهم في الللله لومللة لئم‪ .‬وهللذه علمللة‬
‫صحة المحبة‪ .‬فكل محب أخذه اللوم على محبللوبه فليللس بمحللب‬
‫على الحقيقة‪ .‬وقال تعالى‪ " :‬أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم‬
‫الوسلليلة أيهللم أقللرب ويرجللون رحمتلله ويخللافون عللذابه " فللذكر‬
‫المقامات الثلثة‪ :‬الحب‪ .‬وهللو ابتغللاء القللرب إليلله‪ ،‬والتوسللل إليلله‬
‫ليلة‬
‫بالعمال الصالحة‪ .‬والرجاء والخوف يدل علللى أن ابتغللاء الوسل‬
‫قطع لا ً‬
‫أمر زائد على رجاء الرحمة وخوف العذاب‪ ،‬ومللن المعلللوم‬
‫أنه ل يتنافس إل في قرب من يحب قربه‪ ،‬وحب قربلله تبللع لمحبللة‬
‫ذاتلله‪ ،‬بللل محبللة ذاتلله أوجبللت محبللة القللرب منلله‪ .‬وعنللد الجهميللة‬
‫والمعطلة‪ :‬ما من ذلك كله شللئ فللإنه عنللدهم ل تقللرب ذاتلله مللن‬
‫شئ‪ ،‬ول يقرب من ذاتلله شللئ‪ ،‬ول يحللب‪ ،‬فللأنكروا حيللاة القلللوب‪،‬‬
‫ونعيم الرواح وبهجللة النفللوس‪ ،‬وقللرة العيلون وأعلللى نعيلم اللدنيا‬
‫والخرة‪ .‬ولذلك ضربت قلوبهم بالقسوة وضرب دونهم ودون الللله‬
‫حجاب على معرفتلله ومحبتلله‪،‬فل يعرفللونه ول يحبللونه ول يللذكرونه‬
‫إلى عند تعطيل أسمائه وصفاته‪،‬فذكرهم أعظم آثامهم وأوزارهللم‪،‬‬
‫بل يعاقبون من يذكره بأسمائه وصللفاته ونعللوت جلللله ويرمللونهم‬
‫بلالدواء الللتي هلم أحللق بهلا وأهلهلا‪ .‬وحسلب ذي البصلليرة وحيلاة‬
‫القلب ما يرى علللى كلمهللم مللن القسللوة والمقللت والتنفيللر عللن‬
‫محبة الله تعالى ومعرفته وتوحيده والله المستعان‪.‬‬
‫وقال رحملله الللله تعللالى أيض لًا‪ :‬ل تحللد المحبللة بحللد أوضللح منهللا‪،‬‬
‫فالحللدود ل تزيللدها إل خفللاء‪ .‬فحللدها وجودهللا ول توصللف المحبللة‬
‫بوصف أظهر من المحبة‪ ،‬وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها‬
‫وعلماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها‪ .‬وأجمع ما قيللل فللي ذلللك‪:‬‬
‫ما ذكره أبو بكر الكتاني عن الجنيد‪.‬‬
‫قال أبو بكر‪ :‬جرت مسألة في المحبة بمكة أعزهللا الللله ًفللي أيللام‬
‫الموسم فتكلم الشيوخ فيها‪ ،‬وكان الجنيللد أصللغرهم سللنا‪ ،‬فقللالوا‪:‬‬
‫هات ما عندك يا عراقي‪ ،‬فأطرق رأسلله ودمعللت عينللاه‪ ،‬ثللم قللال‪:‬‬
‫عبد ذاهب عن نفسه‪ ،‬متصل بذكر ربه‪ ،‬قللائم بللأداء حقللوقه‪ ،‬نللاظر‬
‫إليه بقلبه‪ ،‬أحرق قلبه أنوار هيبته‪ ،‬وصفا شرابه ملن كلأس ملودته‪،‬‬
‫وانكشف له الحياء من أستار غيبلله‪ ،‬فللإن تكلللم فبللالله‪ ،‬وإن نطللق‬
‫فعن الله‪ ،‬وإن تحرك فبأمر الللله‪ ،‬وإن سللكن فمللع الللله‪ ،‬فهللو لللله‬
‫وبالله ومع الله‪ .‬فبكى الشيوخ وقالوا‪ :‬ما علللى هللذا مزيللد‪ ،‬جللبرك‬
‫الله يا تاج العارفين ‪.‬‬
‫وذكر رحمه الله تعالى‪ :‬أن السباب الجالبة للمحبة عشرة‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحللال‬
‫فنصيبه من المحبة على قدر هذا‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬مطالعة القلب لسللمائه ومشللاهدتها وتقلبلله فللي ريللاض‬
‫هذه المعرفة وميادينها‪.‬‬
‫السادس‪ :‬مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة‪.‬‬
‫السابع‪ :‬وهو أعجبها إنكسار القلب بين يديه‪.‬‬
‫الثامن‪ :‬الخلللوة وقللت النللزول اللهللي وتلوة كتللابه ثللم ختللم ذلللك‬
‫بالستغفار والتوبة‪.‬‬
‫التاسللع‪ :‬مجالسللة المحللبين الصللادقين‪ ،‬والتقللاط أطللايب ثمللرات‬
‫كلمهم‪ ،‬ول تتكلللم إل إذا ترجحللت مصلللحةالكلم وعلمللت أن فيلله‬
‫مزيدا ً لحالك ومنفعة لغيرك‪.‬‬
‫العاشرة‪ :‬مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل‪.‬‬
‫فمن هذه السللباب العشللرة وصللل المحبللون إلللى منللازل المحبللة‬
‫ودخلوا على الحبيب‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقول الله تعالى‪ " :‬قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم‬
‫وإخمموانكم وأزواجكممم وعشمميرتكم وأممموال اقترفتموهمما‬
‫وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضممونها أحممب إليكممم‬
‫من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حممتى يممأتي‬
‫الله بأمره والله ل يهدي القوم الفاسقين "( ‪:‬‬
‫أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتوعد من أحب أهله ومللاله‬
‫وعشيرته وتجارته ومسكنه فآثارها‪ ،‬أو بعضها على فعل مللا أوجبلله‬
‫الله عليه من العمال التي يحبهللا الللله تعللالى ويرضللاها‪ ،‬كللالهجرة‬
‫والجهاد ونحو ذلك‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪14‬‬
‫‪6‬‬

‫قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى‪ :‬أي إن كانت هذه الشللياء "‬
‫أحب إليكللم مللن الللله ورسللوله وجهللاد فللي سللبيله فتربصللوا " أي‬
‫انتظللروا مللا يحللل بكللم مللن عقللابه‪ .‬روى المللام أحمللد وأبللو داود‬
‫واللفللظ للله مللن حللديث أبللي عبللد الرحمللن السلللمي عللن عطللاء‬
‫الخراساني عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهملا قللال‪ :‬سلمعت‬
‫رسول الللله صلللى الللله عليلله وسلللم يقللول‪ ":‬إذا تبللايعتم بالعينللة‪،‬‬
‫أذناب البقر‪ ،‬ورضيتهم بالزرع‪ ،‬وتركتللم الجهللاد‪،‬سلللط الللله‬
‫وأخذتم‬
‫عليكم ذل ً ل ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم "‪.‬‬
‫فل بد من إيثار ما أحبه الله من عبده وأراده علللى مللا يحبلله العبللد‬
‫ويريده‪ ،‬فيحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه‪ ،‬ويوالي فيه ويعللادي‬
‫فيه ويتابع رسوله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في آيللة المحنللة‬
‫ونظائرها‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعن أنس رضي الله عنه‪ :‬أن رسول اللممه صمملى‬
‫الله عليه وسلم قال‪ " :‬ل يؤمن أحدكم حتى أكون أحممب‬
‫إليممه مممن ولممده ووالممده والنمماس أجمعيممن " أخرجمماه أي‬
‫البخاري ومسلم( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬ل يؤمن أحلدكم أي اليملان اللواجب‪ ،‬والملراد كملاله‪ ،‬حلتى‬
‫يكون الرسول أحب إلى العبد من ولده ووالللده والنللاس أجمعيللن‪،‬‬
‫بل ول يحصل هذا الكملال إل بلأن يكلون الرسلول أحلب إليله ملن‬
‫نفسه‪ ،‬كما في الحديث‪ " :‬أن عمر بللن الخطللاب رضللي الللله عنلله‬
‫قال‪ :‬يا رسول الله لنت أحب إللي ملن كلل شلئ إل ملن نفسلي‪.‬‬
‫فقال‪ :‬والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسللك‪ ،‬فقللال‬
‫له عمر‪ :‬فإنك الن أحب إلللي مللن نفسللي‪ ،‬فقللال‪ :‬الن يللا عمللر "‬
‫رواه البخاري‪.‬‬
‫فمن قال‪ :‬إن المنفي هو الكمال‪ ،‬فإن أراد الكمللال الللواجب الللذي‬
‫يذم تاركه ويعرض للعقوبة فقد صدق‪ ،‬وإن أراد أن المنفي الكمال‬
‫المستحب‪ ،‬فهذا لم يقع قط في كلم الله ورسوله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ .‬قاله شيخ السلم رحمه الله‪.‬‬
‫فمن ادعى محبة النبي صلى الله عليه وسلم بدون متابعة وتقللديم‬
‫قوله على قول غيره فقد كذب كمللا قللال تعللالى‪ " :‬ويقولللون آمنللا‬
‫بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريللق منهللم مللن بعللد ذلللك ومللا‬
‫أولئك بالمؤمنين " فنفى اليمان عمن تللولى عللن ً طاعللة الرسللول‬
‫من‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬لكن كل مسلم يكون ًمحبا بقدر ما معه‬
‫مؤمنلا ً‬
‫السلللم وكللل مسلللم ل بللد أن يكللون مؤمنلا وإن لللم يكللن‬
‫اليمان المطلق‪ .‬لن ذلك ليحصل إل لخواص المؤمنين‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله‪ :‬وعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر‪ ،‬أو‬
‫ولدوا على السلم والتزموا شرائعه وكانوا مللن أهللل الطاعللة لللله‬
‫ورسوله‪ .‬فهم مسلمون ومعهم ًإيمان ًمجمل‪ ،‬لكللن دخللول حقيقللة‬
‫اليمان إلى قلوبهم يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الللله ذلللك‪ ،‬وإل‬
‫فكثير من الناس ل يصلون إلى اليقين ول إلى الجهاد‪ ،‬ولو شللككوا‬
‫لشكوا‪ ،‬ولو أمروا بالجهاد لما جاهللدوا‪ .‬إذ ليللس عنللدهم مللن علللم‬
‫اليقين ما يدرأ الريب‪ ،‬ول عندهم من قوة الحللب لللله ورسللوله مللا‬
‫يقدمونه على الهل والمال‪ ،‬فهللؤلء إن عرفللوا مللن المحنللة مللاتوا‬
‫ودخلوا الجنة‪ ،‬وإن ابتلوا بمن يدخل عليهللم شللبهات تللوجب ريبهللم‬
‫فإن للم ينعلم اللله عليهلم بملا يزيلل الريلب وإل صلاروا مرتلابين‪،‬‬
‫وانتقلوا إلى نوع من النفاق‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وفللي هللذا الحللديث‪ :‬أن العمللال مللن اليمللان‪ .‬لن المحبللة عمللل‬
‫القلب‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة تابعللة لمحبللة‬
‫الله لزمة لها‪ ،‬فإنها لله ولجله‪ ،‬تزيد بزيادة محبللة الللله فللي قلللب‬
‫المؤمن وتنقص بنقصها‪ ،‬وكل من كان محب لا ً لللله فإنمللا يحللب فللي‬
‫الله ولجله كما يحب اليمان والعمل الصالح‪ .‬وهللذه المحبللة ليللس‬
‫فيها شئ من شوائب الشرك كالعتماد عليه ورجللائه فللي حصللول‬
‫مرغوب منه أو دفع مرهوب منه‪ .‬وما كللان فيهلا ذلللك فمحبتلله ملع‬
‫الله لما فيها من التعلق علللى غيللره والرغبللة إليلله مللن دون الللله‪،‬‬
‫فبهذا يحصل التمييز بين المحبة فللي الللله ولجللله‪ ،‬الللتي هللي مللن‬
‫كمال التوحيد‪ ،‬وبين المحبة مع الله التي هي محبة النداد من دون‬
‫الله لما يتعلق في قلوب المشركين مللن اللهيللة الللتي ل تجللوز إل‬
‫لله وحده‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪14‬‬
‫‪7‬‬

‫قوله‪) :‬ولهما عنه أي البخاري ومسلم‪ ،‬عن أنممس رضممي‬
‫الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسمملم‪" :‬‬
‫ثلث مممن كممن فيممه وجممد حلوة اليمممان‪ :‬أن يكممون اللممه‬
‫ورسوله أحب إليه مما سواهما‪ ،‬وأن يحب المرء ل يحبممه‬
‫إل لله‪ ،‬وأن يكره أن يعود في الكفر بعممد إذ أنقممذه اللممه‬
‫منه كما يكره أن يقذف بالنار " وفي رواية‪ :‬ل يجممد أحممد‬
‫حلوة اليمان حتى يحب المرء ل يحبه إل لله‪ ...‬إلخ( ‪:‬‬
‫قوله‪ :‬ثلث أي ثلث خصال‪.‬‬
‫قوله‪ :‬من كن فيه أي وجدت فيه تامة‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وجللد بهللن حلوة اليمللان الحلوة هنللا هللي الللتي يعللبر عنهللا‬
‫بالذوق لما يحصل به من لذة القلب ونعيمه وسروره وغذائه‪ ،‬وهي‬
‫شئ محسوس يجده أهل اليمان في قلوبهم‪.‬‬
‫قال السيوطي رحمه الله فللي التوشلليح‪ :‬وجللد حلوة اليمللان فيلله‬
‫استعارة تخييلية‪ .‬شبه رغبة المؤمن في اليمان بشلئ حللو‪،‬وأثبلت‬
‫له لزم ذلك الشئ‪ ،‬وأضافه إليه‪.‬‬
‫وقللال النللووي‪ :‬معنللى حلوة اليمللان اسللتلذاذ الطاعللات وتحمللل‬
‫المشاق وإيثار ذلك علللى أغللراض الللدنيا‪ ،‬ومحبللة العبللد لللله بفعللل‬
‫طاعته وترك مخالفته‪ .‬وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قال يحيى بن معاذ‪ :‬حقيقللة الحللب فللي الللله‪ :‬أن ل يزيللد بللالبر ول‬
‫ينقص بالجفاء‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما يعني بالسوى‪:‬‬
‫ما يحبه النسللان بطبعلله‪ ،‬كمحبللة الولللد والمللال والزواج ونحوهللا‪.‬‬
‫فتكون أحب هنا على بابها‪.‬‬
‫وقال الخطابي‪ :‬المراد بالمحبة هنا حب الختيار ل حب الطبللع كللذا‬
‫قال‪.‬‬
‫وأما المحبة الشركية التي قد تقدم بيانهللا فقليلهللا وكثيرهللا ينللافي‬
‫محبة الله ورسوله وفي بعض الحاديث‪":‬أحبوا الله بكللل قلللوبكم"‬
‫فمن علمات محبة الله ورسوله‪ :‬أن يحب ما يحبه الله ويكللره مللا‬
‫يكرهه الله‪ ،‬ويؤثر مرضاته على ما سواه‪ ،‬ويسعى في مرضاته مللا‬
‫اسللتطاع‪ ،‬ويبعللد عمللا حرملله الللله ويكرهلله أشللد الكراهللة‪ ،‬ويتللابع‬
‫رسوله ويمتثللل أمللره ويللترك نهيلله‪ ،‬كمللا قللال تعللالى‪ " :‬مللن يطللع‬
‫الرسول فقد أطاع الله " فمن آثر أمر غيره على أمره وخالف مللا‬
‫نهى عنه‪ ،‬فذلك أحب الله وأطاعه أحب الرسول وأطاعه‪ .‬ومللن ل‬
‫فل‪ ،‬كما في آية المحنة‪ ،‬ونظائرها‪ .‬والله المستعان‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله تعالى‪ :‬أخللبر النللبي صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم أن هذه الثلث من كن فيلله وجللد حلوة اليمللان‪ .‬لن وجللود‬
‫الحلوة للشئ يتبع المحبة له فمن أحب شيئا ً واشللتهاه‪ ،‬إذا حصللل‬
‫له مللراده فلإنه يجللد الحلوة واللللذة والسللرور بللذلك‪ ،‬واللللذة أمللر‬
‫يحصل عقيب إدراك الملئم الذي هو المحبوب أو المشتهى‪ .‬قللال‪:‬‬
‫فحلوة اليمان المتضمنة للذة والفرح تتبع كمال محبللة العبللد للله‪.‬‬
‫وذلللك بثلثللة أمللور‪ :‬تكميللل هللذه المحبللة وتفريغهللا‪ ،‬ودفللع ضللدها‪.‬‬
‫فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سللواهما‪ ،‬فللإن‬
‫محبة الله ورسوله ل يكتفى فيها بأصل الحللب‪ ،‬بللل أن يكللون الللله‬
‫ورسوله أحب إليه مما سواهما‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومحبة الله تعالى تستلزم محبة طاعته‪ ،‬فإنه يحب من عبده‬
‫أن يطيعه‪ .‬والمحب يحب ما يحبه محبوبه ول بد‪.‬‬
‫ومن للوازم محبللة الللله أيضلًا‪ :‬محبلة أهللل طللاعته‪ ،‬كمحبللة أنبيلائه‬
‫ورسله والصالحين من عباده‪ .‬فمحبة ما يحبه الله ومن يحبلله الللله‬
‫من كمال اليمان‪ ،‬كما في حديث ابن عباس التي‪.‬‬
‫قال‪ :‬وتفريغها‪ .‬أن يحب المرء ل يحبه إل لله‪ ،‬قال‪ :‬ودفع ضدها أن‬
‫يكره ضد اليمان كما يكره أن يقذف في النار‪ .‬انتهى‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪14‬‬
‫‪8‬‬

‫قوله‪ :‬أحب إليه مما سواهما فيه جملع ضلمير اللله تعلالى وضلمير‬
‫رسوله صلى الله عليه وسلم وفيه قولن‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنه ثنى الضمير هنلا إيملاء إللى أن المعتلبر هلو المجملوع‬
‫المركب مللن المحبللتين‪ ،‬ل كللل واحللدة فإنهللا وحللدها لغيللة‪ .‬وأمللر‬
‫بالفراد في حديث الخطيب إشعارا ً بأن كللل واحللد ملن العصلليانين‬
‫مستقل باستلزام الغواية إذ العطف فللي تقللدير التكريللر‪ ،‬والصللل‬
‫استقلل كل من المعطوفين في الحكم‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬حمل حديث الخطيب على الدب والولى‪ ،‬وهذا هو الجواز‪.‬‬
‫وجواب ثللالث‪ :‬وهللو أن هللذا وارد عللى الصللل‪ ،‬وحللديث الخطيللب‬
‫ناقل فيكون أرجح‪.‬‬
‫قوله‪ :‬كما يكره أن يقذف في النار أي يستوى عنده المران‪ .‬وفيه‬
‫الغلة الذين يتوهمون أن صدور الذنب من العبد نقص في‬
‫رد على‬
‫حقه مطلقا ً وإن تاب منه‪.‬‬
‫والصللواب‪ :‬أنلله إن لللم يتللب كلان نقصلا ً وإن تللاب فل‪ ،‬ولهللذا كلان‬
‫والنصار رضي الله عنهم أفضل هذه المللة ملع كللونهم‬
‫المهاجرون‬
‫في الصل كفارا ً فهداهم الله إلى السلم‪ ،‬والسلم يمحو ما قبله‪،‬‬
‫وكذلك الهجرة‪ .‬كما صح الحديث بذلك‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وفي رواية‪ " :‬ل يجد أحللد" ‪ :‬هللذه الروايللة أخرجهللا البخللاري‬
‫في الدب من صحيحه‪ .‬ولفظهللا‪ :‬ل يجللد أحللد حلوة اليمللان حللتى‬
‫يحب المرء ل يحبه إلى لله‪ ،‬وحتى أن يقذف فللي النللار أحللب إليلله‬
‫من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الللله منلله‪ ،‬وحللتى يكللون الللله‬
‫ورسوله أحب إليه مما سواهما ‪.‬‬
‫وقللد تقللدم أن المحبللة هنللا عبللارة عمللا يجللده المللؤمن مللن اللللذة‬
‫والبهجة والسرور والجلل والهيبة ولوازم ذلك‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫أهابك إجل ً‬
‫على‪ ،‬ولكن ملء عين حبيبها‬
‫ل‪ .‬وما بك قدرة‬
‫قوله‪ ) :‬وعن ابن عباس رضمي اللممه عنهممما‪" :‬مممن أحممب‬
‫في الله‪ ،‬وأبغض في الله‪ ،‬ووالى في الله‪ ،‬وعممادى فممي‬
‫الله‪ ،‬فإنما تنال ولية اللممه بممذلك‪ ،‬ولممن يجممد عبممد طعممم‬
‫اليمان وإن كثرت صلته وصومه حتى يكون كذلك‪ .‬وقد‬
‫صارت عامممة مؤاخمماة ً النماس علممى أمممر المدنيا‪ ،‬وذلممك ل‬
‫يجدي على أهله شيئا " رواه ابن جرير( ‪:‬‬
‫وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم الجملة الولى منه فقط‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ومن أحب في الله أي أحب أهل اليمان بللالله وطللاعته مللن‬
‫أجل ذلك‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وأبغض في الله أي أبغض من كفر بالله وأشرك بلله وفسللق‬
‫عن طاعته لجل ما فعلوه مما يسخط الله وإن كانوا أقرب الناس‬
‫إليه‪ ،‬كما قال تعللالى‪ " :‬ل تجللد قومللا يؤمنللون بللالله واليللوم الخللر‬
‫يوادون من حاد الله ورسوله " الية‪.‬‬
‫قوله‪ :‬ووالى في الله هذا والذي قبله مللن لللوازم محبللة العبللد لللله‬
‫تعللالى‪ ،‬فمللن أحللب فيلله‪ ،‬ووالللى أوليللاءه‪ ،‬وعللادى أهللل معصلليته‬
‫وأبغضهم‪ ،‬وجاهد أعداءه ونصر أنصاره‪ .‬وكلمللا قللويت محبللة العبللد‬
‫لله في قلبه قويت هذه العمللال المترتبللة عليهللا‪ ،‬وبكمالهللا يكمللل‬
‫توحيد العبد‪ ،‬ويكون ضللعفها علللى قللدر ضللعف محبللة العبللد لربلله‪،‬‬
‫فمقل ومستكثر ومحروم‪.‬‬
‫قوله‪ :‬فإنما تنال ولية الله بذلك أي توليه لعبده‪ .‬و ولية بفتح الواو‬
‫ل غير‪ :‬أي الخوة والمحبة والنصرة‪ ،‬وبالكسر المارة‪ ،‬والمراد هنللا‬
‫الول‪ .‬ولحمد والطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلللم قللال‪" :‬‬
‫ل يجد العبد صريح اليمان حتى يحب لله ويبغللض لللله‪ .‬فللإذا أحللب‬
‫لله وأبغض لله‪ ،‬فقد استحق الولية لله " وفي حديث آخر‪ " :‬أوثق‬
‫عري اليمان الحب في الللله‪ ،‬والبغلض فلي اللله علز وجلل " رواه‬
‫الطبراني‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪14‬‬
‫‪9‬‬

‫قوله‪ :‬ولن يجد عبد طعم اليمان إلى آخره‪ .‬أي ل يحصللل للله ذوق‬
‫اليمللان ولللذته وسللروره وإن كللثرت صلللته وصللومه‪ ،‬حللتى يكللون‬
‫كذلك‪ ،‬أي حتى يحب في الله ويبغض في الله‪ ،‬ويعللادي فللي الللله‪،‬‬
‫ويوالي فيه‪.‬‬
‫وفللي حللديث أبللي أمامللة مرفوعلًا‪ " :‬مللن أحللب الللله وأبغللض لللله‬
‫وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل اليمان " رواه أبو داود‪.‬‬
‫عامة مؤاخاة النللاس علللى أمللر الللدنيا‪ .‬وذلللك ل‬
‫قوله‪ :‬وقد صارت‬
‫يجدي على أهله شيئا ً أي ل ينفعهم‪ ،‬بل يضرهم كما قال تعالى‪" ، :‬‬
‫الخلء يومئذ بعضهم لبعض عدو إل المتقين " فإذا كانت البلوى قد‬
‫عمت بهذا في زمن ابن عباس خير القرون فما زاد المر بعد ذلك‬
‫إل شللدة‪ ،‬حللتى وقعللت المللوالة علللى الشللرك والبللدع والفسللوق‬
‫وقد وقع ما أخبر ً به صلى الله عليه وسلم بقوله‪ " :‬بللدأ‬
‫والعصيان‪.‬‬
‫السلم غريبا ً وسيعود غريبا كما بللدأ "‪ .‬وقللد كللان الصللحابة رضللي‬
‫الله عنهم من المهاجرين والنصار في عهد نبيهم صلى الللله‬
‫عليللهً‬
‫رضي الللله عنهمللا يللؤثر بعضللهم بعضلا‬
‫وسلم وعهد أبي بكر وعمر‬
‫على نفسه محبة في الله وتقربا ً إليه‪ ،‬كما قال تعللالى‪ " :‬ويللؤثرون‬
‫على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " وعللن ابللن عمللر رضللي الللله‬
‫عنهما قال‪ :‬لقد رأيتنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلللم‬
‫وما منا أحد يرى أنه أحق بديناره ودرهمه مللن أخيلله المسلللم رواه‬
‫ابن ماجه‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقال ابن عباس فممي قمموله تعممالى‪ " :‬وتقطعممت‬
‫بهم السباب " قال‪ :‬المودة( ‪:‬‬
‫هذا الثر رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم‬
‫والحاكم وصححه‪.‬‬
‫قوله‪ :‬قال المودة أي التي كانت بينهم في الدنيا خانتهم أحللوج مللا‬
‫من بعض‪ ،‬كما قللال تعللالى‪ " :‬وقللال إنمللا‬
‫كانوا إليها‪ ،‬وتبرأ بعضهم‬
‫اتخذتم من دون الله أوثانا ً مودة بينكم فللي الحي ًللاة الللدنيا ثللم يللوم‬
‫القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار ومللا‬
‫لكم من ناصرين "‪.‬‬
‫قال العامة ابن القيم في قوله تعالى‪ " ، :‬إذ تبرأ الذين اتبعللوا مللن‬
‫الذين اتبعوا ورأوا العذاب " اليتين فهلؤلء المتبوعلون كلانوا عللى‬
‫الهللدى وأتبللاعهم ادعللوا أنهللم علللى طريقهللم ومنللاهجهم‪ ،‬وهللم‬
‫مخالفون لهم سالكون غيلر طريقهلم‪ ،‬ويزعمللون أن محبتهلم لهلم‬
‫تنفعهم مع مخالفتهم‪ ،‬فيتبرآون منهم يوم القيامة فللإنهم اتخللذوهم‬
‫أولياء من دون الله‪ .‬وهذا حال كل من اتخذ مللن دون الللله أوليللاء‪،‬‬
‫يوالي لهم‪ ،‬ويعادي لهم‪ ،‬ويرضى لهم‪ ،‬ويغضللب لهللم‪ ،‬فللإن أعمللاله‬
‫كلها باطلة‪ ،‬يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبلله‬
‫فيها ونصبه‪ ،‬إذ لم يجرد موالته ومعللاداته وحبلله وبغضلله وإنتصللاره‬
‫وإيثاره لله ورسوله‪ ،‬فأبطل الله عز وجل ذلك العمل كللله‪ .‬وقطللع‬
‫تلك السباب‪ .‬فينقطع يوم القيامة كل سبب وصلة ووسيلة ومللودة‬
‫كانت لغير الله‪ ،‬ول يبقى إل السبب الواصل بين العبللد وربلله‪ .‬وهللو‬
‫حظه من الهجلرة إليله وإللى رسلوله وتجريلده عبلادته للله وحلده‬
‫ولوازمها‪ :‬من الحب والبغض‪ ،‬والعطاء والمنع‪ ،‬والموالة والمعاداة‪،‬‬
‫لد ومتابعللة رسللول الللله صلللى الللله عليل‬
‫والتقرب والبعاد‪ ،‬وتجريل‬
‫لهً‬
‫شوائب اللتفللات إلللى غيللره‪ ،‬فض لل‬
‫وسلم تجريدا ً محضا ً بريئا ً من‬
‫ً‬
‫عن الشرك بينه وبين غيره‪ ،‬فضل عن تقديم قول غيره عليه‪ .‬فهذا‬
‫السبب هو الذي ل ينقطللع بصللاحبه‪ .‬وهللذه هلي النسللبة الللتي بيللن‬
‫العبد وربه‪ ،‬وهي نسبة العبودية المحضة‪ ،‬وهي آخيته التي يجول ما‬
‫يجول وإليها مرجعه‪ ،‬ول تتحقق إل بتجريده متابعة الرسل صلللوات‬
‫الله وسلمه عليهم‪ ،‬إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم‪ ،‬وما‬
‫عرفت إل بهللم ول سللبيل إليهللا إل بمتللابعتهم‪ .‬وقللد قللال تعللالى‪" :‬‬
‫وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلنللاه هبللاًء منثللورا ً " فهللذه هلي‬
‫العمال التي كانت فللي الللدنيا علللى غيللر سللنة رسللله وطريقتهللم‬
‫ولغير وجهه‪ ،‬يجعلها الله هباًء منثللورا ً ل ينتفللع منهللا صللحابها بشللئ‬
‫أص ً‬
‫لرى‬
‫ل‪ .‬وهذا من أعظم الحسرات على العبد يللوم القيامللة‪ :‬أن يل‬
‫سعيه ضائعًا‪ .‬وقد سعد أهل السعي النافع بسعيهم‪ .‬انتهى ملخصًا‪.‬‬

‫باب‬
‫قول الله تعالى إنما ذلكم الشيطان‬
‫يخوف أولياءه‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪15‬‬
‫‪0‬‬

‫قموله‪) :‬بماب قمول اللممه تعمالى‪ " :‬إنمما ذلكمم الشميطان‬
‫يخوف أولياءه فل تخافوهم وخممافون إن كنتممم مممؤمنين‬
‫"( ‪:‬‬
‫الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلها‪ ،‬وأجمع أنواع العبادة التي‬
‫يجب إخلصها لله تعالى‪ .‬قال تعالى‪ " :‬وهم من خشلليته مشللفقون‬
‫" وقال تعالى‪ " :‬يخافون ربهم من فوقهم " وقال تعللالى‪ " :‬ولمللن‬
‫خاف مقام ربه جنتللان " وقللال تعللالى‪ " :‬فإيللاي فللارهبون " وقللال‬
‫تعالى‪ " :‬فل تخشللوا النللاس واخشللون " وأمثللال هللذه اليللات فللي‬
‫القرآن كثير‪.‬‬
‫والخوف من حيث هو على ثلثة أقسام‪:‬‬
‫أحللدها‪ :‬خللوف السللر‪ ،‬وهللو أن يخللاف مللن غيللر الللله مللن وثللن أو‬
‫طاغوت أن يصيبه بما يكره‪ ،‬كما قلال تعلالى علن قلوم هلود عليله‬
‫السلم إنهم قالوا له‪ " :‬إن نقول إل اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال‬
‫إنلي أشلهد اللله واشلهدوا أنللي بريلء مملا تشللركون * ملن دونلله‬
‫فكيدوني جميعا ثم ل تنظرون " وقال تعالى‪ " :‬ويخوفونللك بالللذين‬
‫من دونه " وهذا هو الواقع مللن عبللاد القبللور ونحوهللا مللن الوثللان‬
‫يخافونهلا‪ ،‬ويخوفلون بهلا أهلل التوحيلد إذا أنكلروا عبادتهلا وأملروا‬
‫بإخلص العبادة لله‪ ،‬وهذا ينافي التوحيد‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن يترك النسان ما يجب عليلله‪ ،‬خوف لا ً مللن بعللض النللاس‪،‬‬
‫فهذا محرم وهو نوع مللن الشللرك بللالله المنللافى لكمللال التوحيللد‪.‬‬
‫وهذا هو سبب نزول هذه الية‪ .‬كما قال تعالى‪ " :‬الللذين قللال لهللم‬
‫الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشللوهم فزادهللم إيمانللا وقللالوا‬
‫حسبنا الللله ونعللم الوكيللل * فللانقلبوا بنعمللة مللن الللله وفضللل لللم‬
‫يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الللله والللله ذو فضللل عظيللم* إنمللا‬
‫ذلكم الشيطان يخللوف أوليللاءه " اليللة‪ .‬وفللي الحللديث‪ " :‬إن الللله‬
‫تعالى يقول للعبللد يللوم القيامللة‪ :‬مللا منعللك إذ رأيللت المنكللر أن ل‬
‫تغيره ؟ فيقلول‪ :‬رب خشلية النلاس‪ .‬فيقلول‪ :‬إبلاي كنللت أحلق أن‬
‫تخشى "‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬الخوف الطللبيعي‪ ،‬وهللو الخللوف مللن عللدو أو سللبع أو غيللر‬
‫ذلك‪ .‬فهذا ل يذم‪ .‬كما قال تعالى في قصة موسى عليه السلللم‪" :‬‬
‫فخرج منها خائفا يترقب " الية‪.‬‬
‫ومعنى قوله‪ " :‬إنما ذلكم الشيطان يخللوف أوليللاءه " أي يخللوفكم‬
‫أوليللاءه " فل تخللافوهم وخللافون " وهللذا نهللى مللن الللله تعللالى‬
‫للمؤمنين أن يخافوا غيره‪ ،‬وأمر لهم أن يقصروا خوفهم على الله‪،‬‬
‫فل يخافون إل إياه‪ .‬وهذا هو الخلص الذي أمللر بلله عبللاده ورضلليه‬
‫منهم‪ .‬فإذا أخلصوا له الخوف وجميع العبللادة أعطللاهم مللا يرجللون‬
‫وأمنهم من مخاوف الدنيا والخرة‪ ،‬كما قللال تعللالى‪ " :‬أليللس الللله‬
‫بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه " الية‪.‬‬
‫قال العلمة ابن القيم رحمه الله تعالى‪ :‬ومن كيللد عللدو الللله‪ :‬أنلله‬
‫يخوف الملؤمنين ملن جنلده وأوليلائه‪ ،‬لئل يجاهلدوهم‪ ،‬ل يلأمروهم‬
‫بمعللروف‪ ،‬ول ينهللوم عللن منكللر‪ .‬وأخللبر تعللالى أن هللذا مللن كيللد‬
‫الشيطان وتخويفه‪ .‬ونهانا أن نخللافهم‪ .‬قللال‪ :‬والمعنللى عنللد جميللع‬
‫المفسرين‪ :‬يخوفهم بأوليائه‪ .‬قال قتادة‪ :‬يعظمهللم فللي صللدوركم‪.‬‬
‫فكلما قوى إيمان العبد زال خوف أولياء الشيطان من قلبه‪ ،‬وكلما‬
‫ضعف إيمانه قوى خوفه منهم‪ .‬فللدلت هللذه اليللة علللى أن إخلص‬
‫الخوف من كمال شروط اليمان‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وقول الله تعالى‪ " :‬إنما يعممر مسماجد اللمه ممن‬
‫آمن بالله واليوم الخر وأقام الصلة وآتممى الزكمماة ولممم‬
‫يخش إل الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين "( ‪:‬‬
‫أخبر تعالى أن مساجد الله ل يعمرها إل أهل اليمان بللالله واليللوم‬
‫الخر‪ ،‬الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا بجوارحهم‪ ،‬وأخلصوا له الخشية‬
‫دون من سلواه‪ ،‬فلأثبت لهلم عملارة المسلاجد بعلد أن نفاهلا علن‬
‫المشلللركين‪ .‬لن عملللارة المسلللاجد بالطاعلللة والعملللل الصلللالح‪،‬‬
‫والمشرك وإن عمل فعمله‪ " :‬كسراب بقيعة يحسبه الظمللآن مللاء‬
‫حتى إذا جاءه لم يجده شيئا " أو ‪ " :‬كرماد اشتدت بلله الريللح فللي‬
‫يوم عاصف " وما كان كذلك فالعدم خير منه‪ ،‬فل تكللون المسللاجد‬
‫عامرة إل باليمان الذي معظمه التوحيد مع العمل الصالح الخالص‬
‫من شوائب الشرك والبدع‪ ،‬وذلك كله داخللل فلي مسلمى اليملان‬
‫المطلق عند أهل السنة والجماع‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪15‬‬
‫‪1‬‬

‫قوله‪ " :‬ولم يخش إل الله " قال ابن عطية‪ :‬يريللد خشللية التعظيللم‬
‫والعبادة والطاعة‪ ،‬ول محالة أن النسان يخشى المحاذير الدنيوية‪،‬‬
‫وينبغي في ذلك كله قضاء الله وتصريفه‪.‬‬
‫وقال ابن القيم رحمه الللله‪ :‬الخللوف عبوديللة القلللب‪ .‬فل يصلللح إل‬
‫لله‪ ،‬كالذل والنابة والمحبة والتوكل والرجللاء وغيرهللا مللن عبوديللة‬
‫القلب‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين " قال بن أبي طلحة‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنهما‪ :‬يقللول‪ :‬إن أولئك هللم المهتللدون‪،‬‬
‫وكل عسللى فللي القللرآن فهللي واجبللة وفللي الحللديث‪ " :‬إذا رأيتللم‬
‫الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له باليمان قال الللله تعللالى‪ " :‬إنمللا‬
‫يعمللر مسللاجد الللله مللن آمللن بللالله واليللوم الخللر " " رواه أحمللد‬
‫والترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي فللي الللله جعللل‬
‫فتنة الناس كعذاب الله "‪.‬‬
‫قال ابن كثير رحمه الله تعالى‪ :‬يقول تعالى مخبرا ً عن صفات قوم‬
‫من المكذبين يدعون اليمللان بألسللنتهم‪ ،‬ولللم يثبللت فللي قلللوبهم‪:‬‬
‫أنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أنها مللن نقمللة الللله‬
‫بهم‪ ،‬فارتدوا عن السلم‪ .‬قال ابن عباس رضي الله عنهمللا‪ :‬يعنللي‬
‫فتنة أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله ‪.‬‬
‫وقال ابن القيم رحمه الله تعالى‪ :‬الناس إذا أرسللل إليهللم الرسللل‬
‫بين أمرين‪ :‬إما أن يقول أحدهم‪ :‬آمنا‪ ،‬وإمللا أن ل يقللول ذلللك‪ .‬بللل‬
‫يستمر على السيئات والكفر‪ ،‬فمن قللال‪ :‬آمنللا امتحنلله ربلله وابتله‬
‫وفتنه‪ .‬والفتنة‪ :‬البتلء والختبار‪ ،‬ليتبين الصادق من الكللاذب‪ ،‬ومللن‬
‫لم يقل‪ :‬آمنا‪ .‬فل يحسب أنه يعجر الله ويفوته ويسبقه‪ .‬فمن آمللن‬
‫بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذوه وابتلى بما يؤلمه‪ ،‬ومن لم‬
‫يؤمن بهم ولم يطعهم عللوقب فللي الللدنيا والخللرة وحصللل للله مللا‬
‫يؤلمه‪ ،‬وكان هذا اللم أعظم وأدوم مللن ألللم أتبللاعهم‪ .‬فل بللد مللن‬
‫حصول اللم لكل نفس‪ ،‬آمنت أو رغبت عن اليمان‪ ،‬لكن المللؤمن‬
‫يحصل له اللم في الدنيا ابتللداء ثللم تكللون للله العاقبللة فللي الللدنيا‬
‫والخرة‪ ،‬والمعرض عن اليمان تحصل له اللذة ابتداء ثم يصير في‬
‫اللم الدائم‪ ،‬والنسللان ل بللد أن يعيللش مللع النللاس‪ ،‬والنللاس لهللم‬
‫إرادات وتصللورات‪ ،‬فيطلبللون منلله أن يللوافقهم عليهللا‪ ،‬وإن لللم‬
‫يوافقهم آذوه وعذبوه‪ ،‬وإن وافقهم حصللل للله العللذاب تللارة منهلم‬
‫وتارة من غيرهم‪ ،‬كمن عنده دين وتقي حل بين قوم فجللار ظلمللة‬
‫ل يتمكنللون مللن فجللورهم وظلمهللم إل بمللوافقته لهللم أو سللكوته‬
‫عنهم‪ ،‬فإن وافقهم أو سكت عنهم سلم ملن شللرهم فلي البتللداء‪،‬‬
‫ثم يتسلطون عليه بالهانة والذى أضعاف ما كان يخافه ابتللداء لللو‬
‫أنكر عليهم وخالفهم‪ ،‬وإن سلم منهم فل بد أن يهان ويعاقب علللى‬
‫يد غيرهم‪.‬‬
‫فالحزم كل الحزم بما قالت أم المؤمنين عائشة رضللي الللله عنهللا‬
‫لمعاوية رضي الله عنه‪ " :‬من أرضى الله بسخط الناس كفاه الللله‬
‫مؤونة الناس‪ .‬ومن أرضى الناس بسخط الللله لللم يغنللوا مللن الللله‬
‫شيئا ً "‪.‬‬
‫فمن هداه الله وألهمه رشده ووقاه شر نفسه امتنع من الموافقللة‬
‫على فعل المحرم وصبر على عداوتهم‪ ،‬ثم تكللون للله العاقبللة فللي‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬كما كانت للرسل وأتباعهم‪.‬‬
‫ثم أخبر تعالى عللن حللال الللداخل فللي اليمللان بل بصلليرة وأنلله إذا‬
‫أوذي فللي الللله جعللل فتنللة النللاس للله‪ ،‬وهللي أذاهللم ونيلهللم إيللاه‬
‫بالمكروه‪ ،‬وهو اللم الللذي ل بللد أن ينللال الرسللل وأتبللاعهم ممللن‬
‫خالفهم‪ ،‬جعل ذلك في فراره منه وتركلله السللبب الللذي ينللاله بلله‪:‬‬
‫كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون باليمان‪.‬‬
‫فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلللى اليمللان‪،‬‬
‫وتحملوا ما فيه من اللم الزائل المفارق عن قللرب‪ .‬وهللذا لضللعف‬
‫بصيرته فر من ألم أعداء الرسل إلللى مللوافقتهم ومتللابعتهم‪ ،‬ففللر‬
‫من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله‪ .‬فجعللل ألللم فتنللة النللاس فللي‬
‫الفرار منه بمنزلللة عللذاب الللله‪ .‬وغبلن كللل الغبللن إذ اسللتجار ملن‬
‫الرمضاء بالنار‪ .‬وفر من ألم ساعة إلللى ألللم البللد‪ ،‬وإذا نصللر الللله‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪15‬‬
‫‪2‬‬

‫جنده وأولياءه قال‪ :‬إني كنت معكم‪ ،‬والله أعلم بمللا انطللوى عليلله‬
‫صدره من النفاق‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وفي الية رد على المرجئة والكرامية‪ ،‬ووجهه‪ :‬أنه لللم ينفللع هللؤلء‬
‫قولهم‪ :‬آمنا بالله‪ .‬مع عدم صبرهم على أذى من عاداهم في الللله‪،‬‬
‫فل ينفع القول والتصديق بدون العمل‪ .‬فل يصدق اليمان الشرعي‬
‫لول‬
‫على النسان إل باجتماع الثلثة‪ :‬التصديق بالقلب وعمللله‪،‬‬
‫والقللللفا ً‬
‫باللسان‪ ،‬والعمل بالركان‪ .‬وهذا قول أهل السنة والجماعللة س‬
‫وخلفًا‪ ،‬والله سبحانه وتعالى أعلم‪.‬‬
‫وفيه الخوف من مداهنة الخلق في الحق‪ .‬والمعصوم مللن عصللمه‬
‫الله‪.‬‬
‫قوله‪) :‬عن أبي سعيد مرفوعًا‪ :‬إن من ضعف اليقيممن أن‬
‫ترضى الناس بسخط الله‪ ،‬وأن تحمدهم على رزق اللممه‪،‬‬
‫وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله‪ ،‬إن رزق اللممه ل يجممره‬
‫حرص حريص‪ ،‬ول يرده كراهية كاره( ‪:‬‬
‫والبيهقي‪ ،‬وأعله بمحمللد بللن‬
‫هذا الحديث رواه أبو نعيم في الحلية‬
‫مروان السدى وقلال‪ :‬ضلعيف‪ ،‬وفيله أيضلا ً عطيلة العلوفي‪ :‬ذكلره‬
‫الذهبي الضعفاء والمتروكين‪ ،‬ومعنللى الحللديث صللحيح‪ ،‬وتمللامه‪" :‬‬
‫وإن الله بحكمته جعل الروح والفرح في الرضللى واليقيللن‪ ،‬وجعللل‬
‫الهم والحزن في الشك والسخط "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬إن مللن ضللعف اليقيللن الضللعف يضللم ويحللرك‪ ،‬ضللد القللوة‪،‬‬
‫ضللعف ككللرم ونصللر‪ ،‬ضللعفًا‪ ،‬وضللعفة‪ ،‬وضللعافية‪ ،‬فهللو ضللعيف‬
‫وضعوف وضعفان‪ ،‬والجمع‪ :‬ضعاف وضللعفاء وضللعفة وضللعفى‪ ،‬أو‬
‫الضللعف بالفتللح فللي الللرأي وبالضللم فللي البللدن‪ ،‬فهللي ضللعيفة‬
‫وضعوف‪ .‬اليقين كمال اليمان‪ .‬قال ابللن مسللعود‪ :‬اليقيللن اليمللان‬
‫كله‪ ،‬والصبر نصف اليمل ًلان رواه أبللو نعيللم الحليللة‪ ،‬والللبيهقي فللي‬
‫الزهد من حديثه مرفوعا‪ .‬قال‪ :‬ويللدخل فللي ذلللك تحقيللق اليمللان‬
‫بالقللدر السللابق‪ ،‬كمللا فللي حللديث ابللن عبللاس مرفوعللًا‪ " :‬فللإن‬
‫اليقيللنً فافعللل‪ ،‬فللإن لللم تسللتطع‬
‫استطعت أن تعمل بالرضى في‬
‫فإن في الصبر على ما تكره خيرا ً كثيرا " وفللي روايللة‪ " :‬قلللت يللا‬
‫رسول الله كيف أصنع باليقين ؟ قال‪ :‬أن تعلللم أن مللا أصللابك لللم‬
‫يكن ليخطئك‪ ،‬وما أخطأك لم يكن ليصيبك "‪.‬‬
‫قوله‪ :‬أن ترضى الناس بسخط الله أي تللؤثر رضللاهم علللى رضللى‬
‫الله‪ ،‬وذلك إذا لم يقم بقلبلله مللن إعظللام الللله وإجلللله وهيبتلله مللا‬
‫يمنعه من استجلب رضى المخلللوق بمللا يجلللب للله سللخط خللالقه‬
‫وربه ومليكه الللذي يتصللرف فللي القلللوب ويفللرج الكللروب ويغفللر‬
‫الذنوب‪ .‬وبهذا العتبار يدخل في نوع من الشرك‪ .‬لنلله آثللر رضللى‬
‫المخلوق على رضى الله‪ .‬وتقرب إليه بما يسللخط الللله‪ .‬ول يسلللم‬
‫من هذا إل من سلمه الله‪ .‬ووفقه لمعرفته ومعرفة ما يجللوز علللى‬
‫الله من إثبات صفاته على ما يليق بجلله‪ ،‬وتنزيهه تعالى عللن كللل‬
‫مللا ينللافي كمللاله‪ ،‬ومعرفللة توحيللده مللن ربللوبيته وإلهيتلله وبللالله‬
‫التوفيق‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وأن تحمدهم علللى رزق الللله أي علللى مللا وصللل إليللك مللن‬
‫أيللديهم‪ ،‬بللأن تضلليفه إليهللم وتحمللدهم عليلله‪ .‬فللإن المتفضللل فل‬
‫ليً‬
‫الله وحده الذي قدره لك وأوصله إليك‪ ،‬وإذا أراد أمللرا‬
‫الحقيقة هو‬
‫قيض له أسللبابًا‪ .‬ول ينللافي هللذا حللديث‪ " :‬مللن ل يشللكر النللاس ل‬
‫يشكر الله " لن شكرهم إنما هللو باللدعاء لهلم لكلون الللله سلاقه‬
‫أيديهم فتدعو لهللم أو تكللافئهم‪ ،‬لحللديث‪ " :‬ومللن صللنع إليكللم‬
‫على‬
‫لروا‬
‫معروفا ً فكافئوه‪ ،‬فإن لم تجدوا ما تكافئونه فللادعوا للله حللتى ت‬
‫سلللببا ً‬
‫أنكم قد كافأتموه "‪ .‬فإضافة الصنيعة إليهللم لكللونهم صللاروا‬
‫في إيصال المعروف إليك‪ ،‬والذي قدره وساقه هو الله وحده‪.‬‬
‫قوله‪ :‬وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله لنه لم يقدر لك مللا طلبتلله‬
‫على أيديهم فلو قدره لللك لسللاقته المقللادير إليللك‪ .‬فمللن علللم أن‬
‫المتفرد بالعطاء والمنع هو الله وحده وأنلله هللو الللذي يللرزق العبللد‬
‫بسبب وبل سبب‪ ،‬ومن حيث ل يحتسللب‪ ،‬لللم يمللدح مخلوق لا ً علللى‬
‫رزق ولم يذمه على منع‪ ،‬ويفوض أمره إلى الله‪ ،‬ويعتمد عليه فللي‬
‫أمر دينه ودنياه‪ .‬وقد قرر النبي هذا المعنى بقوله فللي الحللديث‪" :‬‬
‫إن رزق الله ل يجره حرص حريللص ول يللرده كراهيللة كللاره " كمللا‬
‫قال تعالى‪ " :‬ما يفتح الله للناس مللن رحمللة فل ممسللك لهللا ومللا‬
‫يمسك فل مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم "‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪15‬‬
‫‪3‬‬

‫قال شيخ السلم رحمه الللله‪ :‬اليقيللن يتضللمن اليقيللن فللي القيللام‬
‫بأمر الله وما عللدا الللله أهللل طللاعته‪ ،‬ويتضللمن اليقيللن ًبقللدر الللله‬
‫وخلقه وتدبيره‪ ،‬فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنلا ل بوعللده‬
‫ول برزقه‪ ،‬فإنه إنما يحمل النسان على ذلك إما ميل إلى مللا فللي‬
‫أيديهم فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهللم‪ ،‬وإمللا ضللعف‬
‫تصديقه بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييللد والثللواب فللي‬
‫الللدنيا والخللرة‪ .‬فإنللك إذا أرضلليت الللله نصللرك ورزقللك وكفللاك‬
‫مؤونتهم‪ .‬وإرضاؤهم بما يسخطه إنما يكون خوفا ً منهم ورجاًء لهللم‬
‫وذلك من ضعف اليقين‪ .‬وإذا لم يقدر لك مللا تظللن يفعلللونه معللك‬
‫فالمر في ذلك إلى الله ل لهم‪ .‬فإنه ما شاء كان وما لللم يشللأ لللم‬
‫يكن‪ ،‬فإذا ذممتهم على ما لم يقدر كان ذلك من ضعف يقينللك‪ ،‬فل‬
‫تخفهم ول ترجهم ول تذمهم من جهللة نفسللك وهللواك‪ ،‬ولكللن مللن‬
‫حمده الله ورسوله منهم فهو المحمللود‪ ،‬ومللن ذملله الللله ورسللوله‬
‫منهم فهو المذموم‪ .‬ولما قال بعللض وفللد بنللي تميللم‪ " :‬أي محمللد‬
‫أعطني‪ .‬فإن حمدي زين وذمي شين‪ ،‬قال النلبي صللى اللله عليله‬
‫وسلم ذاك الله " ودل الحديث على أن اليمللان يزيللد وينقللص وأن‬
‫العمال من مسمى اليمان‪.‬‬
‫قوله‪) :‬وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم قال‪ " :‬من التمممس رضممى اللممه بسممخط‬
‫الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس‪ ،‬ومممن التمممس‬
‫رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسممخط عليممه‬
‫الناس " رواه ابن حبان في صحيحه ( ‪:‬‬
‫هذا الحديث رواه ابن حبان بهذا اللفظ‪ ،‬ورواه الترمذي عللن رجللل‬
‫من أهل المدينة قال‪ :‬كتللب معاويل ًلة رضللي الللله عنلله إلللى عائشللة‬
‫رضي الله عنها‪ :‬أن اكتبي لي كتابا توصيني فيله‪ ،‬ول تكلثري عللي‪،‬‬
‫فكتبت عائشة رضي الله عنها‪ :‬إلى معاوية‪ ،‬سلللم عليللك‪،‬أمللا بعللد‬
‫فإني سللمعت رسللول اللله صلللى اللله عليلله وسلللم يقلول‪ " :‬ملن‬
‫التمس رضا الله بسللخط النللاس كفللاه الللله مؤونللة النللاس‪ ،‬ومللن‬
‫التمس رضا الناس بسخط الللله وكللله الللله إلللى النللاس‪ .‬والسلللم‬
‫عليك " ورواه أبو نعيم في الحلية‪.‬‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬وكتبت عائشة إلى معاوية‪ ،‬وروي أنها رفعتلله‪" :‬‬
‫من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس‪ ،‬ومن أرضى‬
‫النللاس بسللخط الللله لللم يغنللوا عنلله مللن الللله شلليئا ً " هللذا لفللظ‬
‫المرفوع‪ .‬ولفظ الموقوف‪ " :‬من أرضى الله بسخط الناس رضللى‬
‫الناس‪ ،‬ومن أرضى الناس بسللخط الللله عللاد‬
‫الله عنه وأرضى عنه‬
‫حامده من الناس له ذما ً " وهذا من أعظم الفقه فللي الللدين فللإن‬
‫من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه وكان عبده الصللالح‪ ،‬والللله‬
‫يتولى الصالحين‪ ،‬والله كاف عبللده‪ " ، :‬ومللن يتللق الللله يجعللل للله‬
‫مخرجا * ويرزقه من حيث ل يحتسب "‪ .‬والله يكفيه مؤنللة النللاس‬
‫بل ريب‪ .‬وأما كون الناس كلهللم يرضللون عنلله قللد ل يحصللل ذلللك‪،‬‬
‫لكن يرضون عنه إذا سلموا من الغللراض وإذا تللبين لهللم ً العاقبللة‪.‬‬
‫كالظالم‬
‫ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من ً الله شيئا‬
‫يقللع كللثيرا ً‬
‫الذي يعض يديه‪ .‬وأما كللون حامللده ينقلللب ذاملا‪ ،‬فهللذا‬
‫ويحصل فللي العاقبللة‪ .‬فللإن العاقبللة للتقللوى ل تحصللل ابتللداء عنللد‬
‫أهوائهم‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫وقد أحسن من قال‪:‬‬
‫إذا صح منك الود يا غاية المنى‬
‫تراب‬

‫فكل الذي فوق التراب‬

‫قال ابن رجب رحمه الله‪ :‬فمن تحقق أن كل مخلوق فوق الللتراب‬
‫فهو تراب فكيف يقدم طاعة من هو تراب على طاعة رب الرباب‬
‫؟ أم كيف يرضى التراب بسللخط الملللك الوهللاب ؟ إن هللذا لشللئ‬
‫عجاب‪.‬‬
‫وفي الحديث‪ :‬عقوبة من خاف الناس ًوآثرهم رضللاهم علللى الللله‪،‬‬
‫في الدين‪ .‬عيللاذا بلالله مللن ذلللك‪ .‬كملا قلال‬
‫وأن العقوبة قد تكون‬
‫تعالى‪ " :‬فأعقبهم نفاقا ً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله‬
‫ما وعدوه وبما كانوا يكذبون "‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪15‬‬
‫‪4‬‬

‫باب‬
‫قوله الله تعالى‪ " :‬وعلى الله فتوكلوا‬
‫إن كنتم مؤمنين "‬
‫قوله‪) :‬باب قوله الله تعمالى‪ " :‬وعلمى اللممه فتوكلمموا إن‬
‫كنتم مؤمنين "( ‪:‬‬
‫قال أبو السعادات‪ :‬يقال‪ :‬توكل بالمر‪ .‬إذا ضمن القيام به‪ ،‬ووكلت‬
‫اعتمدت عليله‪ ،‬ووكلل فلن فلنلا ً إذا اسلتكفاه‬
‫أمري إلى فلن‪ .‬إذا‬
‫أمره ثقة بكفايته‪ ،‬أو عجزا ً عن القيام بأمر نفسه‪ .‬ا هل‪.‬‬
‫وأراد المصنف رحملله الللله بهللذه الترجمللة باليللة بيللان أن التوكللل‬
‫فريضة يجب إخلصه لله تعالى‪ ،‬فإن تقديم المعمول يفيد الحصللر‪.‬‬
‫أي وعلى الله فتوكلوا ل على غيره‪ ،‬فهو مللن أجمللع أنللواع العبللادة‬
‫وأعظمها‪ ،‬لما ينشأ عنه من العمال الصالحة‪ ،‬فإنه إذا اعتمد علللى‬
‫الله في جميع أموره الدينيللة والدنيويللة‪ ،‬دون كلل ملن سللواه صللح‬
‫إخلصه ومعاملته مع الله تعالى‪ ،‬فهو من أعظم منازل " إياك نعبد‬
‫وإياك نستعين " فل يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلثة إل بكمللال‬
‫التوكل على الله‪ ،‬كما في هذه الية‪ ،‬وكما قللال تعللالى‪ " :‬إن كنتللم‬
‫آمنتللم بللالله فعليلله توكلللوا إن كنتللم مسلللمين " وقللوله‪ " :‬رب‬
‫المشرق ًوالمغرب ل إله إل هو فاتخذه وكيل ً " اليات في المر بلله‬
‫كثيرة جدا‪ .‬قال المام أحمد رحمه الله‪ :‬التوكل عمل القلب ‪.‬‬
‫وقال ابن القيم في معنى الية المترجم بهللا‪ :‬فجعللل التوكللل علللى‬
‫الله شرطا ً في اليمان فدل على إنتفاء اليمان عند انتفللائه‪ ،‬وفللي‬
‫الية الخرى‪ " :‬قللال موسللى يللا قللوم إن كنتللم آمنتللم بلالله فعليلله‬
‫توكلللوا إن كنتللم مسلللمين " فجعللل دليللل صللحة السلللم التوكلل‪،‬‬
‫وكلما قوى إيمان العبد كان توكله أقوى‪ ،‬وإذا ضعف اليمان ضعف‬
‫التوكل وإذا كان التوكل ضعيفا ً كللان دليل ً علللى ضللعف اليمللان ول‬
‫بد‪ .‬والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة‪ ،‬وبين التوكللل واليمللان‪،‬‬
‫وبيللن التوكللل والتقللوى‪ ،‬وبيللن التوكللل والسلللم‪ ،‬وبيللن التوكللل‬
‫والهداية‪.‬‬
‫فظهر أن التوكل أصل جميع مقامات اليمللان والحسللان‪ ،‬ولجميللع‬
‫أعمال السلم‪ ،‬وأن منزلته منها كمنزلة الجسد من الرأس‪ ،‬فكمللا‬
‫ل يقوم الرأس إل علللى البللدن فكللذلك ل يقللوم اليمللان ومقامللاته‬
‫وأعماله إل على ساق التوكل‪.‬‬
‫قال شيخ السلم رحمه الله تعالى‪ :‬وما رجا أحد مخلوقا ً ول توكللل‬
‫عليه إل خاب ظنه فيه‪ ،‬فإنه مشرك‪ " :‬ومللن يشللرك بللالله فكأنمللا‬
‫خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق‬
‫"‪.‬‬
‫قللال الشللارح رحملله الللله تعللالى‪ :‬قلللت‪ :‬لكللن التوكللل علللى الللله‬
‫قسمان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬التوكل في المور التي ل يقدر الله‪ ،‬كالذين يتوكلون على‬
‫الموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من نصر‪ ،‬أو حفللظ أو رزق‬
‫أو شفاعة‪ .‬فهذا شرك أكبر‪.‬‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪15‬‬
‫‪5‬‬

‫الثاني‪ :‬التوكل في السباب الظللاهرة‪ ،‬كمللن يتوكللل علللى أميللر أو‬
‫سلطان فيما أقدره الله تعالى عليلله مللن رزق‪ ،‬أو دفللع أذى ونحللو‬
‫ذلك‪ ،‬فهو نوع شرك أصغر‪ .‬والوكالة الجائزة هللي توكيللل النسللان‬
‫النسان في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه‪ ،‬لكن ليللس للله أن يعتمللد‬
‫في حصوله ما وكل فيه‪ ،‬بل يتوكل على الله في تيسير أمره الذي‬
‫يطلبه بنفسه أو نائبه‪ ،‬وذلك من جملة السباب اللتي يجلوز فعلهلا‪،‬‬
‫ول يعتمللد عليهللا بللل يعتمللد علللى المسللبب الللذي أوجللد السللبب‬
‫والمسبب‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقول الله تعالى‪ " :‬إنما المؤمنون الذين إذا ذكممر‬
‫الله وجلت قلوبهم " اليات( ‪:‬‬
‫قال ابن عباس في الية‪ :‬المنافقون ل يدخل في قلوبهم شئ مللن‬
‫ذكر الله عنللد أداء فرائضلله ول يؤمنللون بشللئ مللن آيللات الللله‪ ،‬ول‬
‫يتوكلون على الله‪ ،‬ول يصلون إذا غابوا‪ ،‬ول يؤدون زكللاة أمللوالهم‪،‬‬
‫فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين‪ ،‬ثم وصف المؤمنين فقللال‪ " :‬إنمللا‬
‫المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلللوبهم " فللأدوا فرائضلله رواه‬
‫ابن جرير وابن أبي حاتم‪ ،‬ووجل القلب مللن الللله مسللتلزم القيللام‬
‫بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه‪ :‬قللال السللدى‪ ":‬الللذين إذا ذكللر‬
‫الله وجلت قلوبهم" هو الرجل يريد أن يظلم‪ ،‬أو قال يهم بمعصية‪،‬‬
‫فيقال له‪ :‬اتق الله‪ ،‬فيجل قلبه رواه ابن أبي شيبة وابن جرير‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬وإذا تليللت عليهللم آيللاته زادتهللم إيمانلا ً " اسللتدل الصللحابة‬
‫رضي الله عنهم والتابعون ومن تبعهم من أهللل السللنة بهللذه اليللة‬
‫ونظائرها على زيادة اليمان ونقصانه‪.‬‬
‫قال عمير بن حبيب الصحابي‪ " :‬إن اليمان يزيد وينقص‪ ،‬فقيل له‪:‬‬
‫وما زيادته ونقصانه ؟ قال‪ :‬إذا ذكرنا الله وخشلليناه فللذلك زيللادته‪.‬‬
‫وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه "‪ .‬رواه ابن سعد‪.‬‬
‫وقال مجاهد‪ :‬اليمان يزيد وينقص وهو قول وعمللل رواه ابللن أبللي‬
‫حاتم‪.‬‬
‫وحكى الجمللاع علللى ذلللك الشللافعي وأحمللد وأبللو عبيللد وغيرهللم‬
‫رحمهم الله تعالى‪.‬‬
‫قوله‪ " :‬وعلى ربهم يتوكلون " أي يعتمدون عليه بقلوبهم مفوضين‬
‫إليه أمورهم فل يرجون سواه ول يقصدون إل إيللاه‪ ،‬ول يرغبللون إل‬
‫إليه‪ ،‬يعلمون أن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬وأنلله المتصللرف‬
‫وحده‪ ،‬والمعبود وحده‪ ،‬ل شريك له‪ .‬وفللي اليللة وصللف‬
‫في الملك‬
‫المؤمنين حقا ً بثلث مقامات من مقامات الحسان‪ ،‬وهي‪ :‬الخوف‪،‬‬
‫وزياة اليمان‪ ،‬والتوكل على الله وحللده‪ .‬وهللذه المقامللات تقتضللي‬
‫كمال اليمان وحصول أعماله الباطنة والظاهرة مثال ذلك الصلة‪،‬‬
‫فمن أقام الصلة وحافظ عليها وأدى الزكاة كما أمره الله استلزم‬
‫ذلك العمل بما يقدر عليه من الواجبللات وتللرك جميللع المحرمللات‪،‬‬
‫كما قال تعالى‪ " :‬إن الصلة تنهللى عللن الفحشللاء والمنكللر ولللذكر‬
‫الله أكبر "‪.‬‬
‫قال ‪ ) :‬وقوله ‪ " :‬يا أيها النبي حسبك الله ومممن اتبعممك‬
‫من المؤمنين "( ‪:‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله‪ :‬أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك‪ :‬فل‬
‫تحتاجون معه إلى أحد‪ ،‬وهذا اختيار شيخ السلم ابن تيميللة رحملله‬
‫الله‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬المعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله‪ :‬وهللذا خطللأ محللض ل يجللوز حمللل اليللة‬
‫عليه‪ ،‬فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل والتقللوى والعبللادة‪.‬‬
‫قال الله تعالى‪ " :‬وإن يريللدوا أن يخللدعوك فللإن حسللبك الللله هللو‬
‫الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين " ففرق بين الحسب والتأييد‪ ،‬فجعل‬
‫الحسب له وحده وجعل التأييد له بنصره وبعباده‪ ،‬وأثنى على أهللل‬
‫لذين‬
‫التوحيد من عباده حيث أفللردوه بالحسللب‪ ،‬فقللال تعللالى‪ " :‬الل‬
‫إيمانا ً‬
‫قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم‬
‫وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " ولم يقولوا‪ :‬حسبنا الله ورسللوله‪.‬‬
‫ونظير هذا قوله سبحانه‪ " :‬وقللالوا حسللبنا الللله سلليؤتينا الللله مللن‬

‫فتح المجيد شرح كتاب التوحيد‬

‫‪15‬‬
‫‪6‬‬

‫فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون "‪ .‬فتأمل كيف جعل اليتللاء لللله‬
‫والرسول‪ ،‬وجعل الحسب له وحده‪ .‬فلم يقل‪ :‬وقللالوا حسللبنا الللله‬
‫ورسوله‪ ،‬بل جعله خالص حقه‪ ،‬كما قال " إنللا إلللى الللله راغبللون "‬
‫فجعل الرغبللة إليلله وحللده‪،‬كمللا قللال تعللالى "وإلللى ربللك فللارغب"‬
‫فالرغبللة والتوكللل والنابللة والحسللب لللله وحللده‪ ،‬كمللا أن العبللادة‬
‫والتقوى والسجود والنذر والحلق ل يكللون إل للله سللبحانه وتعللالى‪.‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫وبهذا يتبين مطابقلة اليلة للترجملة‪ .‬فلإذا كلان هلو الكلافي لعبلده‬
‫وجب أل يتوكل إل عليه‪ ،‬ومتى التفت بقلبه إلللى سللواه وكللله الللله‬
‫إلى من التفت إليه‪ ،‬كما في الحديث‪ " :‬من تعلق شلليئا ً وكللل إليلله‬
‫"‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقول الله تعالى‪ " :‬ومن يتوكممل علممى اللممه فهممو‬
‫حسبه "( ‪:‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله وغيره‪ :‬أي كافيه‪ .‬ومللن كللان الللله كللافيه‬
‫وواقيه فل مطمع فيله لعلدوه ول يضلره إل أذى ل بللد منله‪ ،‬كلالحر‬
‫والجوع والعطش‪ .‬وأما أن يضره بما يبلغ به مللراده منلله فل‬
‫والبرد‬
‫يكون أبدًا‪ ،‬وفرق بين الذى الذي هو الظللاهر إيللذاء وفللي الحقيقللة‬
‫إحسان وإضرار بنفسه‪ ،‬وبين الضللرر الللذي يتشللفى بلله منلله‪ .‬قللال‬
‫بعض السلف‪ :‬جعل الله لكل عمل جزاء من نفسلله‪ ،‬وجعللل جللزاء‬
‫التوكل عليه نفلس كفلايته‪ ،‬فقلال‪ " :‬وملن يتوكلل عللى اللله فهلو‬
‫حسبه " فلم يقل‪ :‬فله كذا وكذا من الجر كما قللال فللي العمللال‪،‬‬
‫بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسللبه وواقيلله‪.‬‬
‫فلو توكل العبد على الللله حللق ت ًللوكله‪ ،‬وكللادته السللموات والرض‬
‫ومن فيهن‪ ،‬لجعل الله له مخرجا وكفاه رزقه ونصره‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وفي أثر رواه أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال‪ " :‬قللال الللله‬
‫عللز وجللل فللي بعللض كتبلله‪ :‬بعزتللي إنلله مللن اعتصللم بللي فكللادته‬
‫السموات بمن فيهن والرضون بمن فيهن‪ ،‬فإني أجعل له من ذلك‬
‫مخرجًا‪ ،‬ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يللديه مللن أسللباب السللماء‬
‫الرض‪ ،‬فأجعله في الهواء ثللم أكللله إلللى‬
‫وأخسف من تحت قدميه‬
‫مآ ً‬
‫ل‪ .‬إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبللل‬
‫نفسه‪ .‬كفى بي لعبدي‬
‫أن يسألني‪ ،‬وأستجيب له قبل أن يدعوني‪ .‬فأنا أعلم بحللاجته الللتي‬
‫نرفق به منه "‪.‬‬
‫وفي الية دليل على فضل التوكل‪ ،‬وأنه أعظم السباب فللي جلللب‬
‫المنافع ودفع المضار‪ .‬لن الله تعللالى علللق الجملللة الخيللرة علللى‬
‫الولى وتعليق ا