‫الرد القويم البالغ‬

‫على كتاب الخليلي‬
‫المسمى بالحق الدامغ‬
‫تأليف‬
‫أ ‪.‬د‪ .‬علي بن محمد ناصر الفقيهي‬
‫دار المآثر‬
‫المدينة النبوية‬

‫ثبتت رؤية المؤمنين لل ‪ U‬فللي الللدار الخللرة فللي الحللاديث الصللحاح‪ ،‬مللن طللرق‬
‫متواترة عند أئمة الحديث‪ ،‬ل يمكلن دفعهللا ول منعهلا‪ ،‬منهلا‪ :‬حببديث أبببي سببعيد وأبببي‬
‫هريرة‪ -‬وهمببا فببي الصببحيحين‪ -‬أن ناسبًا قببالوا‪ :‬يببا رسبول البب‪ ،‬هببل نببرى ربنببا يببوم‬
‫القيامة؟ فقال‪» :‬هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونها سحاب؟ قالوا‪ :‬ل‪.‬‬
‫قال‪ :‬فإنكم ترون ربكم كذلك«‪ .‬هذا قول رسول ال ‪. r‬‬

‫ص وغيللره‪ ،‬ثللم قللال ‪-‬وبئس مللا قللال‪ » :-‬وأنببت أيهببا‬
‫والخليلي نقللل هللذا النل ّ‬
‫القارئ الكريم تدرك ببصببيرتك أن الخببذ بظببواهر هببذه النصببوص يفضببي إلببى‬
‫مايرده العقل ويكذبه البرهان«‪.‬‬
‫هكللذا يقللول – إن أحللاديث رسللول الللله ‪r‬الثابتللة فللي‬
‫الصللحيحين وغيرهمللا يكلل ّ‬
‫دهللا‬
‫ذبها برهللان الخليلللي‪-‬وير ّ‬
‫عقله‪.‬‬
‫‪%%%%‬‬

‫يقللول الخليلي فللي كتللابه ص ) ‪ :(113 -112‬قللوله تعللالى‪} :‬وماكان‬
‫لبشر أن يكلمه الللله إل وحي لا ً أو مللن وراء حجللاب ‪{..‬‬
‫ق صبو ٍ‬
‫ت‬
‫خْلب ِ‬
‫]الشللورى‪[51:‬التكليببم مبن وراء حجباب إذا أسبند إلببى الب بمعنببى َ‬
‫ع ل يصدر عن شيء ينبئ عن مراد ال‪ ،‬ويتلقفه سمع مببن اختصببه الب‬
‫مسمو ٍ‬
‫بالتكليم‪ ،‬وعلى هذا يحمل تكليم ال لموسى عليه السلم‪ .‬هذا قول الخليلي‪.‬‬
‫واقرأ قوله تعالى في مخاطبته لموسى‪ } :‬إني أنا ربك فاخلع نعليك‬
‫إنك بالواد المقدس طوى‪ .‬وأنا اخترتك فاستمع لما يلوحى‬

‫‪ .‬إنني أنا الله ل إله إل أنا فاعبدني وأقم الصلللة لللذكري{‬

‫]طه‪[14-12:‬‬
‫فهل الصوت الذي سمعه موسى يصدر عللن ل شلليء؟‬
‫وهو يقول لموسى‪ :‬إنني أنا الله ‪ ...‬فاعبدني؟‬
‫‪%%%%‬‬

‫يقول الخليلي بخلود جميع مرتكبي الكبببائر مببن أمببة محمببد فببي النببار وإن‬
‫ماتوا على التوحيد‪.‬‬

‫وال يقول‪} :‬إن الله ل يغفر أن يشرك به ويغفر مللا‬
‫دون ذلك لمن يشاء{]النساء‪.[116 :‬‬
‫وقال في الحديث القدسي عن أبي ذر قال‪ :‬قللال رسللول ال ل ‪ :r‬يقللول الل علّز‬
‫وجللل »‪..‬ومبببن لقينبببي بقبببراب الرض خطيئة ل يشبببرك ببببي شبببيئا لقيتبببه بمثلهبببا‬
‫مغفرة«‪.‬رواه مسلم‪/‬فضل الذكر ح ‪.2687‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫صلللاحب الفضللليلة الشللليخ‪ :‬عللللي بلللن محملللد ناصلللر الفقيهلللي‬
‫حفظه ال‬
‫السلم عليكم ورحمة ال وبركاته‪ /‬وبعد‪ :‬وصلتني رسللالتكم ومعهللا‬
‫مؤلفكم في الرد على الباضلي الجهمللي ‪ -‬أحملد بلن حملد الخليلللي فلي‬
‫كتلابه المسلمى »الحبق الببدامغ«‪ ،‬والللذي ضلمنه ثلث ضلللت‪ :‬نفلي‬
‫رؤيللة المللؤمنين لربهللم‪ ،‬والقللول بخلللق القللرآن‪ ،‬وتخليللد العصللاة مللن‬
‫المؤمنين فلي النلار‪ -‬وقلرأت ردكللم عليله فوجللدته بحملد الل ردًا وافيلًا‬
‫مفحمًا فيلله نصللرة الحللق‪ ،‬ودحللض الباطللل‪ ،‬ونقللض الشللبهات‪ ،‬مللدعمًا‬
‫بالدلة من الكتاب والسنة‪.‬‬
‫والحمد ل الذي وفقكم لذلك‪ ،‬ونسأله أن يجعله في ميزان حسللناتكم‪،‬‬
‫وأن يزيللدكم علمللًا وفقهللًا فللي دينلله‪ -‬وليللس لللي أي ملحظللة سللوى‬
‫تصويبات نحوية وبعض الزياديات اليسيرة وهللي بللالخط الحمللر ‪ -‬إن‬
‫ل صالحًا‪.‬‬
‫رأيتم وجاهتها‪ -‬زادكم ال علمًا نافعًا وعم ً‬
‫وأن يجعلنلا وإيلاكم ملن أنصلار دينله وحملاة شلريعته‪ ،‬وأن يصللح‬
‫أحللوال المسلللمين وولة أمللورهم‪ .‬إنلله سللميع مجيللب‪ ،‬والسلللم عليكللم‬
‫ورحمة ال وبركاته‪.‬‬
‫أخوكم ‪:‬‬
‫صالح بن فوزان بن عبدال‬
‫الفوزان‬
‫‪25/4/1421‬هل‬

‫إن الحمد ل نحمللده ونسللتعينه ونسللتغفره‪ ،‬ونعللوذ بللال مللن شللرور‬
‫أنفسنا وسيئات أعمالنللا‪ ،‬مللن يهللده الل فل مضللل للله‪ ،‬ومللن يضلللل فل‬
‫هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشللهد أن محمللدًا‬
‫عبده ورسوله‪ ،‬أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره علللى الللدين كّللله ولللو‬
‫كِره الكافرون‪.‬‬
‫أمببا بعببد‪ :‬فللإن لعللداء السلللم والمسلللمين ‪-‬علللى اختلف مللهللم‬
‫ونحلهم‪ -‬أسلاليب متنوعلة‪ ،‬وخططلًا فلي ظاهرهلا مختلفللة‪ ،‬ولكنهللا فلي‬
‫حقيقتها ذات هدف واحد أل وهللو القضللاء علللى ديللن الل الحللق‪ ،‬الللذي‬
‫أرسل ال به خاتم أنبيلائه ورسللله المبعللوث للنلاس كافللة بشليرًا ونللذيرًا‬
‫ج بلله النللاس مللن ظلمللات الكفللر‬
‫محمللدًا صلللى ال ل عليلله وسلللم‪ ،‬لُيخللر َ‬
‫والشرك والظلللم إلللى نللور السلللم‪ ،‬ول يللزال هللؤلء الحاقللدون ‪-‬إلللى‬
‫يومنا هذا‪ -‬يخططون ويمكرون لطفاء نور ال بأفواههم‪ ،‬ويأبى ال إل‬
‫أن ُيتم نوره ولو كِرَه الكافرون‪.‬‬
‫ومن نظر في كتلاب الل الكريلم‪ ،‬وفللي سلنة رسللوله الميلن‪ ،‬وفلي‬
‫سيرته العطرة ودعوته الخّيرة‪ ،‬وما لقاه عليه الصلة والسلم من كيللد‬
‫ومكر‪ ،‬يظهر له جليًا بأن ألّد أعداء السلم هم اليهود‪.‬‬
‫فقد أخبر ال عز وجللل فللي كتللابه عنهللم‪ ،‬أّنهللم يعرفللون أن محمللدًا‬
‫صلى ال عليه وسلم هللو الرسللول الحلق‪ ،‬الللذي وصللفه الل تعلالى فللي‬
‫س فيها كمللا‬
‫كتبهم المنَزَلة عليهم؛ التوراة والنجيل‪ ،‬معرفة حقيقية ل َلْب َ‬
‫يعرفون أبناءهم‪ ،‬وإنما كفروا به حسللدًا وبغي لًا‪ ،‬قللال تعللالى‪} :‬الذين‬
‫آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفللون أبنللاءهم‬

‫وإن فريقلللا ً منهلللم ليكتملللون الحلللق وهلللم‬
‫يعلمون{ ]البقرة‪.[146:‬‬
‫وقلللال تعلللالى‪} :‬ودّ كللثيٌر مللن أهللل الكتللاب لللو‬
‫يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ً حسدا ً من عند‬
‫أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق{]البقرة‪.[109:‬‬
‫فلحسدهم وبغيهم‪ ،‬ثم عجزهم عن الوقوف في وجه انتشار السلللم‬
‫وصّد الناس عنه بالقوة‪ ،‬أظهللر بعضللهم السلللم‪ ،‬ل محبللة فيلله‪ ،‬وإنمللا‬
‫ش لَبه والشللكوك علللى ضللعاف العقللول‬
‫للكيللد للله عللن طريللق إدخللال ال ّ‬
‫واليمان من المنتسبين لهذا الدين‪.‬‬
‫كما اشلترك مللع اليهللود فلي ذلللك المكللر المجللوس‪ ،‬وغيرهللم ممللن‬
‫قضللى السلللم علللى بللاطلهم؛ ولّمللا لبسللوا لبللاس السلللم واختلطللوا‬
‫بالمسلمين‪ ،‬نشروا في داخل المجتمع المسلم أفكلارًا منحرفللة بعيلدة كلل‬
‫البعد عن هدي كتاب ال وسنة رسوله اللذين جمع ال بهما شللمل المللة‬
‫بعد تفرقها وتشّتتها وتناحرها‪.‬‬
‫والغرض من نشر تلك الفكللار والعقللائد المنحرفللة؛ إثللارة الخلف‬
‫والفرقة بين المسلمين لتمزيق شملهم وإدخال الفرقة بين صفوفهم‪.‬‬
‫وقد تقّبل بعض الناس تلللك الفكللار المنحرفللة فللي بللاب أسللماء الل‬
‫ل بمراد هؤلء‪ ،‬حيث نشرها أصحابها تحت سللتار التنزيلله‬
‫وصفاته جه ً‬
‫عل‪.‬‬
‫لوَ‬
‫لجّ‬
‫عل‪،‬‬
‫لوَ‬
‫وكل مسلم يؤمن بال عز وجل‪ ،‬فإن عقيدته التنزيلله ل ل ج ل ّ‬
‫شّبه ال عز وجل بخلقِه فقد كفر‪.‬‬
‫عن مشابهة المخلوقين‪ ،‬لن من َ‬
‫وكل ما أثبته ال عز وجل لنفسه‪ ،‬أو أثبته له رسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم في سنته الصحيحة من صفات الجلل والكمال ليس تشبيهًا‪.‬‬

‫كقللوله تعللالى‪} :‬ليس كمثله شيء وهللو السللميع‬
‫البصير{]الشورى‪ [11:‬فقد أثبت ال لنفسه صفة السمع والبصر علللى‬
‫أسللاس قللوله تعللالى‪} :‬ليس كمثله شيء‪ {...‬وهكللذا جميللع‬
‫الصفات يثبتها ل عّز وجللل أهللل السللنة والجماعللة علللى هللذا السللاس‬
‫وإنما التشبيه كما قال المام أحمد بن حنبل وغيره‪ ،‬أن تقول‪ :‬ل ل سللمٌع‬
‫كسمعي‪ ،‬وبصٌر كبصري ويٌد كيدي)‪.(1‬‬
‫هذا هو التشبيه الذي حكم علماء السلف على قائله بالكفر‪.‬‬
‫ومثل ذلك رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامللة فللي دار النعيللم‪ ،‬لدللللة‬
‫الكتاب العزيز‪ ،‬والسنة المطهرة الصحيحة المتواترة على ذلك‪ ،‬وصللفة‬
‫الكلم ل تعالى‪ ،‬وأن القرآن كلم الل علز وجللل منله بلدأ وإليله يعلود‪،‬‬
‫وليس مخلوقًا‪ ،‬وغير ذلك من الصفات‪ُ ،‬تثبت لل كمللا أثبتهللا لنفسلله فللي‬
‫كتابه‪ ،‬أو أثبتها له رسوله صلى ال عليه وسلم فللي سللنته‪ ،‬علللى أسللاس‬
‫التنزيه ل عز وجل عن مشابهة المخلوقين وذلك الثبللات‪ ،‬مسللتمد مللن‬
‫قلللوله تعلللالى‪} :‬ليللس كمثللله شلليء وهللو السللميع‬
‫البصير{ ]الشورى‪.[11:‬‬
‫وممن َتَلّقف هذه الفكار المنحرفة في عصللرنا الحاضللر‪ ،‬وانتصللر‬
‫جّد في المدافعة عنها »أحمد بن حمد الخليلي«‪.‬‬
‫لها‪ ،‬و َ‬
‫فقللد اطلعللت علللى كتللابه بعنللوان »الحببق الببدامغ«المطبللوع عللام‬
‫‪‍1409‬ه وعلى غلفه اسم مؤلفه‪ :‬أحمد بن حمد الخليلي‪ .‬وهللو يقللع فللي‬
‫صصه لثلث مسائل عقدية خللالف‬
‫‪ 239‬صفحة‪ ،‬وبعد قراءته وجدته خ ّ‬
‫فيهللا أهللل السللنة والجماعللة‪ ،‬وسلللك فيهللا مسلللك الجهميللة والمعتزلللة‬

‫‪1‬‬

‫)( انظر نقض التأسيس‪ ،‬لبن تيمية‪ (1/476) :‬وانظر المختللار فللي أصللول السللنة‪،‬‬
‫لبن البنا )ص‪.(81:‬‬

‫والزيدية والمامية الرافضة من الشيعة كمللا صلّرح بللذلك فللي ص‪32:‬‬
‫من الكتاب المذكور‪ ،‬وهذه المسائل الثلث هي‪:‬‬
‫‪ -1‬إنكاره رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في الدار الخرة‪.‬‬
‫‪ -2‬قوله‪ :‬إن القرآن مخلوق‪.‬‬
‫‪ -3‬اعتقاده تخليد الفساق في النار‪.‬‬
‫وقد ذّكرنا صنيعه هذا بأمرين‪:‬‬
‫‪ -1‬الول‪ :‬إن قللول بعلض الكتلاب المعاصللرين أن الكلم فللي الصللفات‬
‫وبللالخص القللول بخلللق القللرآن نبللش لمللا تحللت الللتراب وأن هللذه‬
‫المسائل العقدية تأريخية عفا عليهللا الزمللن ليللس صللحيحًا‪ ،‬فمؤلللف‬
‫هذا الكتلاب وأمثللاله كلثيرون يعيشللون علللى وجلله الرض وليسللوا‬
‫تحت الللتراب‪ ،‬كمللا جللاء فللي كتللاب »أولويللة الحركللة السلللمية«‬
‫الطبعللة الثانيللة سللنة ‪‍1411‬ه تحللت عنللوان‪» :‬إهالللة الللتراب علللى‬
‫المشكلت التأريخية« ص‪ 92:‬لمؤلفه )القرضاوي( هداه ال‪.‬‬
‫‪-2‬المر الثاني‪ :‬ذّكرنا المؤلف بقول طوائف ثلث‪:‬‬
‫‪ -1‬قول الخوارج الذين حكموا على عصللاة الموحللدين بللالكفر فللي‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬والخلود في النار‪ ،‬والمؤلف يقول‪ :‬إن الكفللر فللي الللدنيا‬
‫هو الكفر العملي أي كفر النعمة – ولكنه حكم على العصاة بالخلود فللي‬
‫النار‪ ،‬كما تقول المعتزلة بذلك‪ ،‬إنفاذًا لحد أصولهم الخمسة وهللو إنفللاذ‬
‫الوعيد‪ ،‬وإن كانوا في الدنيا جعلوا العاصللي فللي منزلللة بيللن المنزلللتين‬
‫مخالفين بهللذه العقيللدة الباطلللة كتللاب الل عللز وجللل فللال يقللول‪} :‬إن‬
‫الله ل يغفر أن يشرك به ويغفر مللا دون ذلللك‬
‫لمن يشاء{]النساء‪.[116:‬‬
‫وقول رسول ال صلى ال عليلله وسلللم فللي حللديث أبللي ذر المتفللق‬
‫عليه‪ :‬ولفظه‪» :‬ما من عبد قال‪ :‬ل إله إل ال ثم مات على ذلك إل دخل‬

‫الجنة‪ ،‬قلت‪ :‬وإن زنى وإن سببرق؟ قببال‪ :‬وإن زنببى وإن سببرق‪ ،‬قلببت‪:‬‬
‫وإن زنببى وإن سببرق؟ قببال‪ :‬وإن زنببى وإن سببرق‪ ،‬ثلث بًا ثببم قببال فببي‬
‫الرابعة على رغم أنف أبي ذر‪ ،‬قببال‪ :‬فخببرج أبببو ذر وهببو يقببول‪ :‬وإن‬
‫رغم أنف أبي ذر«)‪ ،(2‬وذلك بعد تمحيصه إن لم يعفو ال عنه‪.‬‬
‫‪ -2‬بقول الجهمية‪ ،‬فقد قال الذهبي فللي ترجمللة زعيمهللم ومؤسللس‬
‫نحلتهم )الجهم( في )ميزان العتدال ‪ :(1/441‬الجهللم بللن صللفوان بللن‬
‫محرز المبتدع الضال رأس الجهمية هللك فلي زملان صلغار التلابعين‪،‬‬
‫وما علمته روى شيئًا‪ ،‬وقد زرع شرًا عظيمًا‪ ،‬فقد نفى عن ال السللماء‬
‫والصللفات‪ ،‬وقللال بللالجبر‪ ،‬وخلللق القللرآن‪ ،‬وغيللر ذلللك مللن الفكللار‬
‫المنحرفة‪.‬‬
‫‪ -3‬بقول المعتزلة‪ ،‬الذين قالوا أيضًا بخلق القرآن‪ ،‬وأنكللروا رؤيللة‬
‫ال في الخرة‪ ،‬وأّلفلوا كتبلًا فلي ذللك‪ ،‬وقللد حمللل بشلر المريسللي للواء‬
‫الجهمية في ذلللك ومثللله ابللن أبللي دؤاد‪ ،‬وحللدثت المحنللة المشللهورة بلل‬
‫)محنة القول بخلق القرآن( في خلفللة الملأمون وبعلده المعتصللم ومللن‬
‫بعدهما وقتل في تلك المحنة عدد من علماء السنة وقد نصللر ال ل الحللق‬
‫على يد إمام أهللل السللنة أحمللد بللن حنبللل رحملله اللل‪ ،‬وُرفعللت المحنللة‬
‫وعادت السنة وُنشرت أعلمها والحمد ل‪.‬‬
‫وحيللث إن المؤلللف وطللائفته – الباضللية – قللد ورثللوا الجهميللة‬
‫والمعتزلة …الللخ‪ .‬كمللا صللرح بللذلك فللي كتللابه هللذا صللفحة‪ ،32 :‬أنلله‬
‫يشللارك الباضللية فللي هللذه الفكللار الجهميللة‪ ،‬والمعتزلللة‪ ،‬والزيديللة‪،‬‬
‫والمامية من الشيعة‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫)( مسلم اليمان ‪/‬باب من مات ل يشرك بال شيئًا دخل الجنة ح)‪.(94‬‬

‫وهذا تصريح بإحياء تلك الفكار التي وقف أهللل السللنة جميعلًا فللي‬
‫سسها ودعا إليهلا وأدخلهلا‬
‫نأّ‬
‫وجه معتنقيها‪ ،‬وبّينوا أصولها‪ ،‬وأهداف َم ْ‬
‫على ضعاف المسلللمين علملًا وإيمانلًا‪ ،‬فتفرقللت بللذلك كلمتهللم‪ ،‬وتشللتت‬
‫شملهم‪ ،‬حتى أصبحت تلللك الطللوائف الللتي اعتنقللت تلللك الفكللار باسللم‬
‫سقه‪.‬‬
‫السلم يكّفر بعضهم بعضًا‪ ،‬أو يبّدعه أو يف ّ‬
‫ولكن بحمد ال بقيت الطائفة الناجية المنصورة‪ ،‬على ما كللان عليلله‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم وأصحابه‪ ،‬عقيدة‪ ،‬وعبادة ومنهجًا‪.‬‬
‫فرّدت على تلك الطوائف المنحرفة انحرافها‪ ،‬وبينت للمللة السللبيل‬
‫الصحيح والصراط المسللتقيم‪ ،‬بمللا جللاء فللي كتللاب الل العزيللز‪ ،‬وسللنة‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين‪.‬‬
‫ث مللن جديللد‪،‬‬
‫واليوم نجد هذه الفكار التي فّرقت كلمللة المللة‪ُ ،‬تْبَعل ُ‬
‫ويحمل لواءها الخليلي ‪-‬ومن كان على شاكلته‪ -‬فللي هللذا الكتللاب‪ ،‬وفللي‬
‫ملخص له لمبحث الرؤية في رسالة سماها »غرس الصواب في قلبوب‬
‫الحباب« وهو جدير بأن يسمى‪» :‬غرس الباطل فللي قلللب الغافللل« ثللم‬
‫أشرطة كاسيت له‪ ،‬ولمن يسلك مسلكه تنشر بين الشللباب‪ ،‬وفيهلا تكفيللر‬
‫صريح لتباع منهج السلف من علماء أجلء وقفوا حيللاتهم للللدفاع عللن‬
‫كتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وبيللان العقيللدة الصللحيحة‬
‫السليمة المأخوذة من كتاب ال ل وسللنة رسللوله صلللى ال ل عليلله وسلللم‪،‬‬
‫والرد على الجهمية والمعتزلة وكل الطوائف المنحرفة‪.‬‬
‫كما يشارك في هذه الفكار المنحرفللة‪ ،‬فللي قللالب التنزيلله‪ ،‬ويطعللن‬
‫فللي عقيللدة علمللاء السلللف وأتبللاعهم‪ ،‬شللخص يللدعى حسللن بللن علللي‬
‫السقاف‪ ،‬الذي صار يسود أوراقه بترهات وأباطيل ينشللرها ليسللتر بهللا‬
‫الحق البلج‪ ،‬ولنصر آراء الكوثري ومن صار على منهجه قبله وبعده‪،‬‬
‫ولكن الكوثري قد فاق أسلفه‪ ،‬فهو يكّفر ويبّدع ويسب ويشللتم باللفللاظ‬

‫الللتي يلترفع عللن نقلهللا السللوقة‪ ،‬والمسلللم ل يكللون بللذيئًا ول سللبابًا ول‬
‫فاحشًا ول متفحشًا ولكن من نظر فللي تعليقلله علللى »السببيف الصببقيل«‬
‫للسبكي كما سمي ذلللك التعليللق»تبديببد الظلم المخيببم علببى نونيببة ابببن‬
‫القيم« يجد فيه تلك البذاءات التي ل نستطيع ذكرها هنا‪.‬‬
‫وقللد نقللل الخليلللي عللن الكللوثري مللن كتللابه هللذا وغيللره مللا يريللد‬
‫التوصل به إلى تكفير ابن القيم‪ ،‬كما سيأتي‪.‬‬
‫ولكون الخليلي قد حمل لواء هذه الحملة علللى مللذهب السلللف‪ ،‬فقللد‬
‫طلعللت علللى هللذا الكتللاب الللذي حكللم‬
‫ي وقللد ا ّ‬
‫رأيت أنه من الواجب عل ّ‬
‫مؤلفه علللى عصللاة المسلللمين كلهللم بللالخلود فللي النللار‪ ،‬وإحيللاؤه لتلللك‬
‫العقائد الباطلة‪ ،‬ولما اشتمل عليلله كتللابه هللذا مللن مغالطللات وتمويهللات‬
‫وتلبيسات‪ ،‬رأيت أن أرد عليه بالسلوب العلمي‪ ،‬والحجة الناصعة‪ ،‬من‬
‫الكتاب والسنة وأقوال سلللف المللة‪ ،‬بعيللدًا عللن المهللاترات‪ ،‬والكلمللات‬
‫النابيللة الللتي وردت فللي كتللاب المؤلللف وأشللرطته‪ ،‬لن الغللرض هللو‬
‫الوصول إلى الحق‪ ،‬وقد قال المام ابن جرير الطبري ‪ -‬فللي رده علللى‬
‫منكري الرؤيللة‪" :-‬إنببه ل يوجبد لهببم دليبل علبى دعبواهم‪ ،‬ل آيبة مببن‬
‫التنزيببل محكمببة‪ ،‬ول روايببة عببن رسببول الب صببلى الب عليببه وسببلم‬
‫صحيحة ول سقيمة")‪.(3‬‬
‫‪3‬‬

‫)( تفسير ابن جرير ‪.7/303‬‬
‫قلت‪ :‬ومن الساليب الجديدة والخبيثة للهجوم على علماء السلف وتشويه عقائدهم‬
‫الدعوى عليهم بأن عقيدتهم هي التفويض والتأويل في آيات الصفات‪ ،‬كللذبًا وافللتراء‬
‫للتشويش على الناشئة من شباب المسلمين‪ ،‬ظّنلا منهلم أن تلبيسلهم للن ُيكشلف‪ .‬كملا‬
‫صنع المدعو‪ :‬محمد عادل عزيلزة الللذي نسلب للملام الحلافظ ابللن كللثير مللن أئمللة‬
‫السلف‪ ،‬التفويض والتأويل في رسالته بعنوان»عقيلدة الملام الحلافظ ابلن كلثير ملن‬
‫أئمللة السلللف الصللالح فللي آيللات الصللفات«‪.‬وقللد كشللف تلللك المغالطللات‪ ،‬الللدكتور‬
‫عبدالرزاق بن عبدالمحسن العبللاد البللدر فللي رسللالته )تنبيهللات علللى رسللالة محمللد‬
‫عزيزة في الصفات( طبع دار الفتح بالشارقة سللنة ‪1414‬هلل كمللا دحللض قبللل ذلللك‬
‫دعوى حسن بن علللي السللقاف مللن أن تقسلليم التوحيللد إلللى توحيللد ألوهيللة وتوحيللد‬

‫وإن هذا الكتاب المؤلف والمطبللوع عللام ‪‍1409‬ه لحمللد بللن حمللد‬
‫الخليلللي الباضللي الللذي خصصلله لثبللات عقيللدته فللي هللذه المسللائل‬
‫حّرف لجلها نصوص الكتلاب والسللنة لتنسلجم ملع عقيلدة‬
‫الثلث‪ ،‬وقد َ‬
‫الباضية‪ ،‬والجهمية‪ ،‬والمعتزلة‪ ،‬والمامية الشيعة الرافضة‪ ،‬ورّده لمللا‬
‫في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخللدري رضللي‬
‫ال عنهما‪ ،‬علن رسللول الل صلللى الل عليله وسلللم‪ ،‬وقببوله‪ :‬إن الخللذ‬
‫بظاهرها يرّده العقل‪ ،‬ويكّذبه البرهان ‪ -‬هكذا يقول كمللا فللي ص ‪- 56‬‬
‫يللبين للقللارئ الكريللم أن تلللك العقللائد الفاسللدة‪ ،‬لللم تكللن تحللت الللتراب‪،‬‬
‫وليست هللي مشللكلت تأريخيللة عفللا عليهللا الزمللن كمللا يقللول الللدكتور‬
‫القرضاوي‪ ،‬وإنما هي مشلكلت معاصلرة يعيلش أهلهلا فللوق اللتراب‪،‬‬
‫وهم دعاة لها يجهرون بها في محاضراتهم‪ ،‬وفي كتبهللم الللتي يؤلفونهللا‬
‫وينشللرونها بيللن النللاس‪ ،‬غيللر مبللالين بمللن يتنللازلون عللن عقللائدهم‬
‫الصحيحة السللليمة مللن أجللل وهللم توهمللوه‪ ،‬وسللراب ظنللوه ملاًء‪ ،‬فللإذا‬
‫جاؤوه لم يجدوه شيئًا‪.‬‬
‫أما الرد فسيكون على القضايا الثلث علببى حسببب ترتيبهببا فببي كتبباب‬
‫المؤلف وهي‪:‬‬

‫‪-1‬إنكاره رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة‪.‬‬
‫‪-2‬القول بخلق القرآن‪.‬‬
‫‪-3‬اعتقاده تخليد الفساق في النار‪.‬‬
‫وقللد أسللميت الللرد بللل )الرد القتتويم البتتالغ‪ ،‬علتتى كتتتاب‬
‫الخليلي المسمى بالحق الدامغ(‪.‬‬
‫ربوبية وتوحيد أسماء وصفات تثليث‪ ،‬بكتابه »القول السديد في الرد على مللن أنكللر‬
‫تقسيم التوحيد« طبع دار الغرباء بالمدينللة سللنة ‪1414‬هلل فبحمللد الل ومّنلله وفضللله‬
‫وكرمه‪ ،‬أن أهل الحق للباطل وأهله بالمرصاد‪.‬‬

‫وقبل البدء في مناقشة القضية الولى كما يسميها المؤلف وهي‪:‬‬
‫‪-1‬إنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامببة فببي جنببات النعيببم‪ .‬كمببا‬
‫في ص‪.21:‬‬
‫وقبل الدخول في ذكر أدلة النافين والمثبتين ومناقشتها وبيان الحللق‬
‫فيها بدليله من الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح‪ ،‬ينبغللي أن نللذكر مللا‬
‫جرت عليه عادة العلمللاء فللي القضللايا العلميللة المتنللازع فيهللا ولسلليما‬
‫القضللايا العقديللة‪ ،‬بللأن يكللون للمتنلازعين مرجللع يحكللم بينهللم فللي تلللك‬
‫القضللية المختلللف فيهللا لقللوله تعللالى‪} :‬يا أيها الذين آمنللوا‬
‫أطيعوا الللله وأطيعللوا الرسللول وأولللي المللر‬
‫منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الللله‬
‫والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الخللر‬
‫ذلك خير وأحسن تأويل ً{ ]النساء‪.[59:‬‬
‫فرّدنا للقضايا المتنازع فيها في العتقللاد وغيللره إلللى الكتللاب والسللنة‬
‫أخذًا بهذه الية‪.‬‬
‫ومن الغريب حقًا أن المؤلف الخليلي دعا إلى هللذا الصلل العظيللم إل‬
‫أنه خالفه عند التطبيق‪.‬‬
‫فقد قال في )ص ‪ (6‬من المقدمة ‪ -‬وهو يتألم للخلف الذي صللار بيللن‬
‫هذه المة بعد أن دعاها ال عز وجللل إلللى العتصللام بحبللله ونهاهللا عللن‬
‫التفرق والختلف‪ ،‬فذكر قوله تعالى‪} :‬واعتصموا بحبل الللله‬
‫جميعا ً ول تفرقوا{ ]آل عمران‪.[103:‬‬
‫وقلللوله‪} :‬ول تكونوا كالذين تفرقللوا واختلفللوا‬
‫من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهللم عللذاب‬
‫عظيم{ ]آل عمران‪.[105:‬‬

‫وقوله‪} :‬ول تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكللم{‬
‫]النفال‪.[46 :‬‬

‫ثم قال‪) :‬فإنها مع ذلك لم تسلم من هذا الداء العضللال الللذي أصللاب‬
‫غيرها من المم‪ ،‬غيللر أن ال ل سللبحانه اختصّللها بللأن حفللظ لهللا كتابهللا‬
‫المنزل عليها مللن تحريللف العللابثين‪ ،‬وتبللديل المنللاوئين؛ تحقيقلًا لوعللده‬
‫الصادق‪} :‬إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحللافظون{‬
‫]الحجر‪.[9:‬‬

‫ومكن لها من معرفة الصحيح الثابت من سنة رسوله عليه الصلللة‬
‫والسلم‪.‬‬
‫وجعل لها مخلصًا من الشقاق والنزاع بالحتكام إلللى ال ل ورسللوله‬
‫حيلللث قلللال‪} :‬فإن تنازعتم في شيء فللردوه إلللى‬
‫الله والرسول إن كنتم تؤمنللون بللالله واليللوم‬
‫الخر ذلك خير وأحسن تأويل ً{ ]النساء‪.[59:‬‬
‫قال‪) :‬ول يكون الحتكام إلى الل إل بللالرجوع إلللى كتللابه فتسللتلهم‬
‫منه الحقيقة‪ ،‬ويستبان به الحق‪ ،‬وكذلك الحتكام إلى رسللوله صلللى ال ل‬
‫عليه وسلم ل يعني إل الرجوع إلى سنته الثابتة الصحيحة(‪.‬‬
‫ثم قال‪) :‬ومع وجللود هللذا المخّلللص الللذي أمرنللا بللأن نفللزع إليلله مللن‬
‫كوارث الختلف‪ ،‬فإن الخلف لم يزل والشقاق لم يستأصللل‪ ،‬فقللد ُتللؤول‬
‫الكتاب تأولت شتى لم تستمد إل من الللوهم‪ ،‬ولللم تسللتلهم إل مللن الهللوى‪،‬‬
‫وكذلك السنة‪ ..‬الخ( ص‪.7:‬‬
‫وأقول للقارئ الكريم‪ :‬إن هذا الكلم الللذي يظهللره المؤلللف الخليلببي‬
‫للقارئ من أجل أن يظللن أنلله يريللد الحللق الللذي يثبتلله الللدليل مللن الكتللاب‬
‫والسنة‪ ،‬والحقيقة إنما هو تمويه وتضليل وتلللبيس علللى القللارئ‪ ،‬وسللترى‬
‫أنه هو الذي أّول آيات الكتاب للهوى‪ ،‬ورّد الحديث الصحيح في البخللاري‬

‫ومسلم‪ ،‬حيث قال في حديث أبي هريرة وأبللي سللعيد الخللدري ولفظهمللا‪:‬‬
‫أن ناسًا في زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم قالوا‪» :‬يا رسببول ال ب‬
‫هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الب صبلى الب عليببه وسبلم‪ :‬نعببم‪.‬‬
‫قال‪ :‬هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟‬
‫وهل تضارون فببي رؤيببة القمببر ليلببة البببدر صببحوًا ليببس فيهببا سببحاب؟‬
‫قالوا‪ :‬ل يارسول ال‪ .‬قال‪ :‬ما تضارون في رؤية ال تبارك وتعببالى يببوم‬
‫)‪(4‬‬
‫القيامة إل كما تضارون في رؤية أحدهما«‬
‫ثم قال المؤلببف الخليلببي بعد أن ذكللر ذلللك فللي ص ‪) :56‬وأنللت أيهللا‬
‫القارئ الكريم تدرك ببصيرتك أن الخذ بظللواهر النصلوص يفضللي إللى‬
‫ما يرده العقل ويكذبه البرهان(‪.‬‬
‫وأنببا إنمببا نقلببت كلمببه هببذا هنببا ليعببرف القبارئ تلبيسببه وتدليسببه‪،‬‬
‫وسيظهر للقراء كثير من مغالطاته‪.‬‬
‫وبما أن المؤلف الخليلي قد التزم بالتحاكم إلللى الكتللاب والسللنة‪ ،‬كمللا‬
‫تقللدم‪ ،‬ثللم اشللترط فللي ص‪ ،229:‬بللأن يكللون الحللوار مدروس لًا مللن كللل‬
‫الجوانب وأنه ل يستنكف من ذلك‪ ،‬فإني أضيف إلى تأصيله واشتراطه ما‬
‫نص عليه ال عز وجل في كتابه‪ ،‬ودعا العباد إليلله‪ ،‬وح لّذر أشللد التحللذير‬
‫من تولى عن ذلك‪ ،‬أل وهو اتباع سبيل المللؤمنين‪ ،‬وهللم بالدرجللة الولللى‬
‫أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم ومن سللار علللى نهجهللم‪ ،‬والللتزم‬
‫آثارهم‪ ،‬فهم الطائفة الناجية المنصورة كما وصفهم رسول ال ل صلللى ال ل‬
‫عليه وسلم بذلك حينمللا ذكللر أن هللذه المللة سللتفترق علللى ثلث وسللبعين‬
‫فرقة كلها في النار إل واحدة‪ ،‬فلما سئل عنها قال‪» :‬هي من كان علببى مببا‬
‫أنا عليه وأصحابي« )‪.(5‬‬
‫‪ ()4‬البخاري ‪ /‬التفسير ح)‪(4581‬؛ ومسلم‪ /‬اليمان‪ ،‬معرفة طريق الرؤية ح)‪.(183‬‬
‫‪ () 5‬ابن أبي عاصم في السنة ح)‪ (63‬وهو في سلسلللة الحللاديث الصللحيحة لللبللاني‬

‫قال ال تعالى في ذلك‪} :‬ومن يشاقق الرسللول مللن‬
‫بعللد مللا تللبين للله الهللدى ويتبللع غيللر سللبيل‬
‫المؤمنين نوّله ما توّلى وُنصله جهنم وسللاءت‬
‫مصيرا ً{ ]النساء‪.[115:‬‬
‫فلبّد في قضية التحاكم في المسائل العقدية وفي غيرها مللن التكللاليف‬
‫الشرعية‪ ،‬دقيقها وجليلها‪ ،‬من اتباع سبيل المؤمنين‪ ،‬في فهمهللم لنصللوص‬
‫الكتاب والسنة؛ فإن الصللحابة رضللوان الل عليهلم قلد حضللروا التنزيللل‪،‬‬
‫وسمعوا ملن رسلول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقللد صللدرت منهللم أقللوال‬
‫في هذه المسائل العقدية‪ ،‬ففهمهم مقدم على فهم غيرهم‪ ،‬وفقههم مقدم علللى‬
‫فقه غيرهم‪ ،‬فاتباع سبيلهم فيه النجاة‪ ،‬ومخالفة سبيلهم فيه الهلك والوعيللد‬
‫الشديد‪ ،‬كما في هذه الية الكريمة ونظائرها‪.‬‬
‫وعلللى ضوء هذه الصول فإنني أبدأ بمناقشللة المؤلللف فللي مقدمللة‬
‫كتابه من )ص ‪ (22-7‬فقد وردت فيها قضايا مهمة يجب كشفها‪ ،‬وبيللان‬
‫ما جاء فيها من مغالطللات وتمويهللات‪ ،‬وتكفيللر لهللل السللنة والجماعللة‬
‫ص بالذكر منهللم المللام الهمللام ابللن القيللم‪ ،‬كمللا‬
‫بأسلوب مخادع‪ ،‬وقد خ ّ‬
‫عّرض بابن تيميللة‪ ،‬وقبلهمللا بالمللام أحمللد رحمهللم الل جميعلًا وإن لللم‬
‫ينص على تكفيرهما‪.‬‬
‫يقول المؤلف الخليلي ص‪ 7 :‬وهو ينعي على الفرق المختلفة‪ ،‬وعلى‬
‫تعصب الجماهير لقوال أئمتهم؛ بحيث تجعل كل طائفة قول إمامها أص ً‬
‫ل‬
‫تطّوع له الدللة المخالفللة لله‪ ،‬بكلل ملا تخللترعه ملن التلأويلت المتكلفلة‪،‬‬
‫فتللوزعت بللذلك المللة شلليعًا وأحزابللًا }كل حزب بما لللديهم‬
‫فرحون{ ]الروم‪ .[32 :‬إل طائفته التي ينتسب إليها الباضية حيث قال‬
‫ح)‪.(1492‬‬

‫بعد ذلك‪) :‬ولست أبالغ إن قلت‪ :‬إن الباضلية – أهلل الحلق والسلتقامة –‬
‫تمتاز عقيدتهم وتتسم طريقتهم في فهم أصول الدين بثلثة أمور‪:‬‬
‫‪ -1‬سلمة المنزع‪ ،‬فإنهم جمعوا بين صحيح النقل وصريح العقل‪ ،‬فلللم‬
‫يضربوا بالنصوص الصحيحة عرض الحائط‪ ،‬كما صنع أصحاب‬
‫المدرسة العقليللة اللذين جعلللوا عقلهلم أقلدس وأسللمى مملا جللاء بلله‬
‫النبيون‪.‬‬
‫‪ -2‬عببدم التعصببب لئمتهببم تعصللبًا يجعلهللم يتصللاّمون عللن النقللول‬
‫الصحيحة‪ ،‬كما نجد ذلك عند كثير من المتفقهة والمتكلمين‪.‬‬
‫ثم مثل بالصاوي – فقببال‪) :‬ومللن أبشللع مللا وجللدناه فللي ذلللك قللول‬
‫العلمة الصاوي في حاشيته على تفسير الجللين حيث قللال‪» :‬ول‬
‫يجللوز تقليلد ملا علدا الملذاهب الربعللة وللو وافلق قلول الصلحابة‬
‫والحديث الصحيح والية‪ ،‬فالخللارج عللن المللذاهب الربعللة ضللال‬
‫مضللل‪ ،‬وربمللا أداه ذلللك إلللى الكفللر؛ لن الخللذ بظللواهر الكتللاب‬
‫والسنة من أصول الكفر«)‪) (6‬ص ‪.(9‬‬
‫‪ -3‬المرونة والتسامح في معاملة فرق المة … إذ لم يتجرؤوا علللى‬
‫إخللراج أحللد مللن الملللة‪ ،‬وقطللع صلللته بهللذه المللة مللا دام يللدين‬
‫علم من الدين بالضرورة(‪.‬‬
‫بالشهادتين‪ ،‬ول ينكر شيئًا مما ُ‬
‫هكذا يقول –مع حكمه على الفساق بلالخلود فللي النللار– ثببم قببال مؤكببدًا‬
‫قوله هذا‪) :‬ومن هذا المنطلق صدر ذلك العلن المنصف الذي رسللم مبللدأ‬
‫)الباضية( ونظرتهم إلللى المللة ملن أشللهر قللائد إباضللي‪ ،‬وهللو أبللو حمللزة‬
‫المختار بن عوف السلمي في خطبته التي ألقاها على منبر رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬فأصاخ لها الدهر‪ ،‬وسجلها الزمن‪ ،‬وخّلدها التأريللخ؛ إذ قللال‬
‫فيها‪ :‬الناس مّنا ونحن منهم إل ثلثة‪:‬‬
‫‪6‬‬

‫)( حاشية الصاوي على تفسير الجللين ‪ 3/10‬ط دار إحياء التراث العربي‪.‬‬

‫‪ -1‬مشرك بال عابد وثن‪.‬‬
‫‪ -2‬أو كافر من أهل الكتاب‪.‬‬
‫‪ -3‬أو إمام جائر؟ )‪ ((7‬ص ‪.10‬‬

‫‪7‬‬

‫)( المرجع الذي اعتمد عليلله الخليلللي‪ :‬أبلو الفلرج الصللبهاني‪ ،‬الغللاني ‪ 2/104‬ط‬
‫بولق‪.‬‬

‫)مناقشة ما سبق ذكره من المقدمة(‬
‫وهو‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬دعوة المؤلف لجمع كلمة المة لدللببة النصببوص مببن كتبباب‬
‫ال على ذلك‪ ،‬وقد أورد آيات في ذلك سبق ذكرها‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬تألمه لتفرق المة واختلفها مع وجود النصوص مببن كتبباب‬
‫ال التي تنهى عن ذلك‪ ،‬ثم أورد بعضًا منها وسبق ذكرها‪.‬‬
‫ثالثًا‪َ :‬مْقته للتعصب المذهبي ومثل لذلك بالصاوي‪.‬‬
‫رابع بًا‪ :‬ثنبباؤه علببى طببائفته – الباضببية – وسببلمة منزعهببم فببي‬
‫استدللهم في أصول الدين‪ ،‬وعبدم تقديسببهم للعقبل كمببا فعببل أصببحاب‬
‫المدرسة العقلية‪ ،‬ويعني بهبم المعتزلبة‪ ،‬وأنهبم لبم يخرجبوا أحبدًا مبن‬
‫الملة ما دام يدين بالشهادتين‪.‬‬
‫خامسًا‪ :‬إعلن قائدهم الشهير‪ ،‬الذي ساوى فيه بين المام الجببائر‬
‫ولو كان مسلمًا‪ ،‬والمشرك عابد الوثن والكببافر مببن أهببل الكتبباب‪ ،‬فببي‬
‫البراءة منه‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن ما دعا إليلله المؤلللف فللي الفقللرة الولللى والثانيللة‪ ،‬وهللو‬
‫جمع كلمة المة على الحق والهدى‪ ،‬وهو ما جاء فللي كتللاب الل وسللنة‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬هللو مطلللب أهللل الحللق مللن المللة‪ ،‬وهللو‬
‫الذي تسعى إلى تحقيقه الطائفة المنصورة أهل السللنة والجماعللة‪ ،‬الللتي‬
‫سلكت مسلك أصحاب رسللول الل صلللى الل عليله وسلللم فللي العقيللدة‪،‬‬
‫والعبادة والمعاملت والسلوك‪ ،‬بالقول والفعل‪.‬‬

‫أما المؤلف الخليلي فإنه يدعو لجمع الكلمة بالقول فقللط‪ ،‬ثللم ينقللض‬
‫تلك الدعوى بفعله‪ ،‬في كتابه هذا الذي جمع فيه بين المتناقضات‪ ،‬وإليك‬
‫تفصيل ذلك‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬حكم المؤلف الخليلي على عصاة المسلمين بالخلود في النللار‪،‬‬
‫يعتقد ذلك ويقرره ويدعو إليه‪ ،‬ويقللول‪ :‬إن هلذا هللو ملذهب أهلل الحلق‬
‫والستقامة –الباضية‪ ،‬الذين – كما يببدعي – يأخذون بالنصللوص مللن‬
‫كتاب ال‪ ،‬والثابت من الحللديث علن النلبي صللى الل عليله وسللم‪ ،‬ول‬
‫يقدمون عقولهم عليها كما يفعلل أصللحاب المدرسللة العقليلة‪ ،‬كمللا سلبق‬
‫نقل ذلك عنه‪.‬‬
‫فهل هذا يدعو لجمع كلمة المللة أو يللدعو لفرقتهللا وتشللتيتها؟ وهللل‬
‫يوجد في المة معصوم من الخطأ غير الرسل والنبياء؟‪.‬‬
‫ولهذا نقول له‪ :‬فأين التسللامح الللذي امتلازت بله طلائفته الباضلية‪،‬‬
‫كما جاء في دعوى المؤلف ‪ -‬الفقرة الثالثة – في قوله‪ :‬إن مما امتللازت‬
‫به عقيدة الباضية التسامح في معاملة سائر فرق المة‪ ،‬إذ لم يتجللرؤوا‬
‫علللى إخللراج أحللد مللن الملللة وقطللع صلللته بهللذه المللة مللا دام يللدين‬
‫بالشهادتين‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫فنقللول‪ :‬وأي قطللع لصلللة المللة أكللثر مللن الحكللم علللى مللن يللدين‬
‫بالشهادتين بالخلود في النار‪ ،‬لنلله ارتكللب بعللض المعاصللي‪ ،‬مخللالفين‬
‫بقولكم هذا قول ال عز وجل‪} :‬إن الله ل يغفر أن يشرك‬
‫به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء …{ ]النساء‪.[116 :‬‬
‫وما ثبت في الصحيح من حديث أبي ذر رضي ال ل عنلله مللن قللول‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬ولفظه‪» :‬مببا مببن عبببد قببال‪ :‬ل إلببه إل‬
‫الب ثببم مببات علببى ذلببك إل دخببل الجنببة‪ ،‬قلببت‪ :‬وإن زنببى وإن سببرق؟‬

‫كررها ثلثًا‪ ،‬ثم قال في الرابعة‪ :‬على رغم أنف أبببي ذر‪ ،‬قببال‪ :‬فخببرج‬
‫أبو ذر وهو يقول‪ :‬وإن رغم أنف أبي ذر«)‪.(8‬‬
‫قلت‪ :‬ووجه الستدلل بهذا الحديث‪ ،‬أن من مات على التوحيد غير‬
‫مشرك بال‪ ،‬وإن ارتكب الكبائر من المعاصي كالزنا والسرقة‪ ،‬فللإنه ل‬
‫يخلد في النار‪ ،‬بل مآله إلى الجنة بعد تطهيره من ذنوبه‪ ،‬إن لم يعفو ال‬
‫عنه من أول وهلة‪ ،‬وعلى ذلك إجماع أهل السنة والجماعة لدللللة هللذه‬
‫النصللوص علللى ذلللك‪ ،‬وأّنلله ل يخلللد فللي النللار إل الكللافر‪ ،‬والمشللرك‬
‫الشللرك الكللبر المخللرج مللن الملللة‪ ،‬والمنللافق النفللاق العتقللادي الللذي‬
‫يظهر السلم ويبطن الكفر‪ .‬وسيأتي مناقشة هذه المسللألة عنللد الحللديث‬
‫عنها‪ ،‬لن المؤلف أفردها ببحث مستقل في كتابه هذا‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬استدلل المؤلف الخليلي على تسامح طائفته الباضللية بقللول‬
‫أشهر قائد إباضي – كما يقول – وهذا القائد هو أبو حمزة المختار ابللن‬
‫عوف السلمي‪ ،‬في خطبته التي نقلها من كتاب الغاني كمللا تقللدم ذلللك‪،‬‬
‫وقد جاء في تلك الخطبة قوله‪ :‬إن الناس منا ونحن منهم إل ثلثة‪:‬‬
‫‪ -1‬مشرك بال عابد وثن‪.‬‬
‫‪ -2‬أو كافر من أهل الكتاب‪.‬‬
‫‪ -3‬أو إمام جائ‍ر!‬
‫قال‪ :‬وقد مشى الباضية في هذا النهج السليم‪ ،‬والتزموا هللذا المبللدأ‬
‫القويم‪ ..‬الخ ما قال عنه ص‪.10 :‬‬
‫سْير الباضية علللى نهجهللا‬
‫وأقول‪ :‬إن هذه الخطبة وتقرير المؤلف َ‬
‫قد أظهر عقيلدة المؤلللف وطلائفته الباضلية فلي أئملة المسلللمين‪ ،‬وهلو‬
‫الحكللم علللى المللام الجللائر بللالكفر‪ ،‬لنلله ذكللر فللي خطبتلله هللذه بللراءة‬
‫الباضية من ثلثة أصناف من الناس‪ ،‬وأنهم ليسوا منهم‪ ،‬ومنهم المللام‬
‫‪ ()8‬البخاري ‪/‬اللباس‪.‬ح)‪ ،(5827‬ومسلم‪ /‬اليمان‪،‬ح)‪. (94‬‬

‫الجائر حيث قرنله بالمشللرك عابلد الللوثن‪ ،‬وبالكلافر ملن أهللل الكتلاب‪،‬‬
‫وهذا هو مذهب الخوارج‪ ،‬والمؤلف يبين بهللذا أنلله منهللم‪ ،‬وهللذه أيض لًا‬
‫عقيدة من اعتز بهم‪ ،‬وهم المعتزلة‪ ،‬الللذين جعلللوا عقيللدتهم مبنيللة علللى‬
‫أصول خمسة هي‪ :‬التوحيد‪ ،‬والمراد عندهم نفي الصفات عللن ال ل عللز‬
‫وجل‪ ،‬ومنها المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬والمراد به الخللروج‬
‫على أئمة المسلمين إذا جاروا وظلموا‪ ،‬ثم الحكم علللى مرتكللب الكللبيرة‬
‫بالخلود في النار‪ ،‬وهو أحد الصللول الخمسللة المسللمى بإنفللاذ الوعيللد‪،‬‬
‫كمللا هللو مللذهب المؤلللف‪ ،‬والمعتزلللة كمللا هللو معلللوم مللن أصللولهم‬
‫وعقيدتهم تقديم العقل على نصوص الكتاب والسنة‪ ،‬وقد عللاب المؤلللف‬
‫مذهب المعتزلللة بقللوله‪ :‬إنهللم أصللحاب المدرسللة العقليللة الللذين جعلللوا‬
‫العقل أسمى وأقدس وأصح وأثبللت ممللا جللاء بلله النللبيون عللن الل عللز‬
‫وجل‪ ،‬وأن طائفته الباضية ل يأخذون إل بالنصوص فللي بللاب العقللائد‬
‫ص ‪.8‬‬
‫فإذا كان المؤلف الخليلي يقرر أن الباضللية مشللوا علللى نهللج أبللي‬
‫حمزة المختار وأنه المنهج السليم‪ ،‬وكما رأينا في ذلك المنهج أنلله قللرن‬
‫بين المشرك عابد الوثن والكللافر مللن أهللل الكتللاب‪ ،‬والجللائر مللن أئمللة‬
‫المسلمين‪ ،‬في الحكم والبراءة من الجميع‪.‬‬
‫فنقول‪ ،‬للمؤلف الخليلي ‪ :‬فما قولك في النصوص الثابتة مللن السللنة‬
‫التي قلت‪ :‬إن الحتكام إلى الرسول صلللى الل عليلله وسلللم ل يعنللي إل‬
‫الرجوع إلى سنته الثابتة الصحيحة‪.‬‬
‫سّلم أن ما رواه البخاري ومسلم عن رسول ال ل صلللى ال ل‬
‫ت ُت َ‬
‫س َ‬
‫َأَفَل ْ‬
‫عليه وسلم صحيحًا‪ ،‬إن كان المر كللذلك‪ ،‬ول أظنللك تخللالف فللي هللذا‪،‬‬
‫فما رأيك في الحاديث التالية الللتي تحلّدث فيهللا رسللول الل صلللى الل‬

‫عليلله وسلللم عللن أئمللة الجللور‪ ،‬حيللث أمللر بالسللمع والطاعللة لهللم فللي‬
‫المعروف وعدم الخروج عليهم‪.‬‬
‫ففي الصحيحين‪» :‬على المرء المسلم السبمع والطاعبة فيمبا أحبب‬
‫وكره إل أن يؤمر بمعصية‪ ،‬فإن أمر بمعصية فل سمع ول طاعة«)‪.(9‬‬
‫وفيهما عن ابن عباس أيضًا قال‪ :‬قللال رسللول الل صلللى الل عليلله‬
‫وسلللم‪» :‬مببن رأى مببن أميببره شببيئًا يكرهببه فليصبببر‪ ،‬فببإنه مببن فببارق‬
‫الجماعة شبرًا فمات فميتته جاهلية«)‪.(10‬‬
‫وما رواه مسلم مللن حللديث عللوف بللن مالللك رضللي الل عنلله عللن‬
‫رسول ال صلى ال عليلله وسلللم قللال‪» :‬خيببار أئمتكببم الببذين تحبببونهم‬
‫ويحبونكم‪ ،‬وتصببلون عليهببم ويصببلون عليكببم‪ ،‬وشببرار أئمتكببم الببذين‬
‫تبغضونهم ويبغضونكم‪ ،‬وتلعنونهم ويلعنونكم« فقلنا‪ :‬يببا رسببول البب‪،‬‬
‫أفل ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ قببال‪» :‬ل‪ .‬مببا أقبباموا فيكببم الصببلة‪َ ،‬أل‬
‫َمن ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية ال فليكره ما يببأتي مببن‬
‫معصية ال‪ ،‬ول ينزعن يدًا من طاعة«)‪ .(11‬وغيرهللا فللي هللذا المعنللى‬
‫كثير‪.‬‬
‫هكذا أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم بطاعة الولة وإن جللاروا‬
‫وارتكبوا المعاصي؛ فلإن إثلم ذللك عليهلم‪ ،‬ويجللب نصلحهم وإرشللادهم‬
‫وتذكيرهم في خاصة أنفسهم‪ ،‬والدعاء لهم بالصلللح؛ لمللا يللترتب علللى‬
‫الخروج عليهللم مللن المفاسللد العظيمللة الللتي فيهللا سللفك الللدماء‪ ،‬وهتللك‬
‫العراض‪ ،‬أضعاف ما يحدث من جورهم ولهذا جاءت السللنة بالتشللديد‬
‫في لزوم طاعتهم وإن جاروا‪ ،‬إل أن يرتكبوا كفللرًا بواحلًا فيلله مللن ال ل‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫‪11‬‬

‫)( البخاري‪ /‬الحكام‪،‬ح)‪ (7144‬و مسلم‪/‬المارة ح)‪.(1839‬‬
‫)( البخاري‪ /‬الحكام‪،‬ح)‪ (7143‬ومسلم‪ /‬المارة‪،‬ح)‪.(1849‬‬
‫)( مسلم‪ /‬المارة ح)‪.(1855‬‬

‫برهللان‪ ،‬ويمكللن مللع ذلللك إزالتهللم مللن غيللر ترتللب مفاسللد أعظللم مللن‬
‫جورهم‪.‬‬
‫فقد روى البخللاري ومسلللم عللن عبللادة بللن الصللامت قللال‪» :‬دعانببا‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم فبايعناه‪ ،‬ففيمببا أخببذ علينببا أن باَيعَنببا علببى‬
‫السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا‪ ،‬وأثببرة علينببا‪،‬‬
‫وأن ل ننازع المر أهله‪ ،‬إل أن تروا كفرًا بواحبًا عنببدكم مببن الب فيببه‬
‫برهان«)‪.(12‬‬
‫فهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب‪.‬‬
‫يقول المام الطحاوي‪:‬‬
‫)ول نببرى الخببروج علببى أئمتنببا وولة أمورنببا‪ ،‬وإن جبباروا‪ ،‬ول‬
‫ندعوا عليهم‪ ،‬ول ننزع يدًا من طاعتهم‪ ،‬ونرى طاعتهم من طاعة ال‬
‫عببز وجببل فريضببة مببا لببم يببأمروا بمعصببية‪ ،‬ونببدعوا لهببم بالصببلح‬
‫والمعافاة)‪.((13‬‬
‫وإذا كان المر كذلك فنقول للمؤلللف الخليلللي مللا موقفللك مللن هللذه‬
‫النصوص المتضمنة المر بطاعة الئمة مللن ولة المللر وإن جللاروا‪،‬‬
‫وارتكبوا المعاصي؟‬
‫ل سيما وأنت قد ألزمت نفسك بالرجوع عند التنازع إلى كتاب ال‪،‬‬
‫وسنة رسوله‪ .‬وأن الرجوع إلى الرسول صلى ال عليه وسلللم ل يعنللي‬
‫إل الرجوع إلى سنته الصحيحة الثابتة‪ .‬وقد أوردنا السنة الصحيحة من‬
‫صحيحي البخاري ومسلم والتي فيها المر بطاعتهم وإن جاروا‪.‬‬
‫فهل المنهج السليم‪ ،‬والمبدأ القويم ما جاء به رسللول ال ل صلللى ال ل‬
‫طّبَقُه أهل السللنة والجماعللة‪ ،‬للحفللاظ علللى مصلللحة المللة‬
‫عليه وسلم و َ‬
‫‪ () 12‬البخاري‪ /‬الفتن‪/‬ح)‪ (7056‬ومسلم‪ /‬المارة ح)‪.(1709‬‬
‫‪ ()13‬شرح الطحاوية‪:‬ص ‪.379‬‬

‫وجمع كلمتها‪ ،‬ثم نصح الئمة وإرشادهم إلى ما فيه صللحهم وصلللح‬
‫رعيتهم‪ ،‬كما جاء فللي صللحيح مسلللم قللال رسللول الل صلللى الل عليلله‬
‫وسلللم‪»:‬الببدين النصببيحة‪ ،‬ثلثبًا‪ ،‬قلنببا لمببن يببا رسببول البب؟ قببال‪ :‬لبب‪،‬‬
‫)‪(14‬‬
‫ولكتابه ولرسوله‪ ،‬ولئمة المسلمين وعامتهم«‬
‫أو ما جللاء فللي خطبللة أشللهر قللائد إباضللي‪ ،‬جللاء بمللا يخللالف قللول‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم حيث قال ذلك القائد‪ :‬النللاس منللا ونحللن‬
‫منهم إل ثلثة‪:‬‬
‫‪-1‬مشرك عابد وثن‪.‬‬
‫‪-2‬أو كافر من أهل الكتاب‪.‬‬
‫‪-3‬أو إمام جائر؟‬
‫فهل يصح لك بعد ثبوت السنة بطاعة المام الجائر‪ ،‬مللا دام يصلللي‬
‫ولم يرتكب كفرًا بواحًا فيه مللن الل برهللان‪ ،‬أن تأخللذ بقللول هللذا القللائد‬
‫الباضي‪ ،‬فتتبرأ من المام الجلائر وتجعلله كعابلد اللوثن‪ ،‬والكلافر ملن‬
‫أهل الكتاب؟‪.‬‬
‫فهل هذا نهج سليم ومبدأ قويم؟ وهو يخالف صراحة هذه الحاديث‬
‫الصحيحة عن رسول ال صلى ال عليلله وسلللم‪ ،‬فللي أصللح كتللاب بعللد‬
‫كتاب ال بإجماع المسلمين أهل السنة والجماعة؟‪.‬‬
‫ولكن المؤلف الخليلي يذهب إلللى أبعللد مللن ذلللك فيصللدر الحكللام‬
‫على غير طائفته‪ ،‬الحكام التي هي ل ولرسوله صلى ال عليلله وسلللم‪،‬‬
‫سللقه أو يبلّدعه بهللواه‪ ،‬وإنمللا‬
‫إذ ل يجللوز لمسلللم أن يكّفللر مسلللمًا‪ ،‬أو يف ّ‬
‫الحكم في ذلك إلى ال ورسوله للوعيد الشديد لمن قال على ال بل علم‪.‬‬
‫فال يقللول‪} :‬ول تقف ما ليس لللك بلله علللم …{‬
‫]السراء‪.[36:‬‬
‫‪ ()14‬مسلم ‪/‬اليمان ح)‪.(55‬‬

‫ويقول‪} :‬ول تقولوا لما تصف ألسنتكم الكللذب‬
‫هذا حلل وهذا حرام لتفتروا على الله الكللذب‬
‫إن الذين يفترون على الله الكذب ل يفلحون{‬
‫]النحل‪.[116:‬‬

‫وفي الصحيحين من حديث عبد ال بن عمر‪ ،‬أن رسول اللل صلللى‬
‫ال عليه وسلللم قللال‪» :‬مببن قببال لخيببه يببا كببافر إن لببم يكببن كببذلك وإل‬
‫رجعت عليه« )‪.(15‬‬
‫ولكن ملاذا يقلول المؤلللف الخليللي فلي )ص‪ ،(11:‬وهللو يلّدعي أن‬
‫الباضية – وهم أهل الحق والسللتقامة كمللا يقللول –‪) :‬قللد مشللوا علللى‬
‫قاعدة التسامح في حكمهم على طللوائف المللة الللتي زاغللت عللن الحللق‬
‫وجانبت الحقيقة في معتقللدها‪ ،‬قللال‪ :‬ولللذا فلللم يحكمللوا بشللرك المشللبهة‬
‫وخروجهم على الملة(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهل تعلم أيها القارئ الكريم من هم المشبهة عند المؤلف؟‬
‫إنه يقصد بالمشبهة أهل السنة والجماعة الذين أثبتللوا لل عللز وجللل‬
‫ما أثبته لنفسه من صفات الجلل والكمال في كتابه العزيز‪.‬‬
‫وما أثبته له رسوله صلى ال عليه وسلم في سللنته الصللحيحة‪ ،‬مللن‬
‫غير تحريف ول تعطيل‪ ،‬ول تشللبيه ول تكييللف‪ ،‬ول تمثيللل‪ ،‬بللل علللى‬
‫أساس قوله تعالى‪} :‬ليس كمثله شلليء وهللو السللميع‬
‫البصير{ ]الشورى‪.[11 :‬‬
‫ثم إن المؤلف يخص وينص على المام ابن القيللم مللن أهللل السللنة‪،‬‬
‫الللذي صللارت كتبلله شللجى فللي حلللوق المعطلللة‪ ،‬ومنهللم الخليلللي لن‬
‫الباضللية فللي بللاب السللماء والصللفات جهميللة معتزلللة‪ ،‬وقللد افتخللر‬
‫المؤلف بهم في هذه المسائل التي يتحدث عنها فللي كتللابه هللذا‪ ،‬ومنهللا‪:‬‬
‫‪15‬‬

‫)( البخاري ح)‪ (6104‬ومسلم‪ /‬اليمان ح)‪ (111‬واللفظ له‪.‬‬

‫نفي رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة فللي جنللات النعيللم‪ ،‬والقللول بخلللق‬
‫القرآن‪ ،‬وتخليد الفساق في النار‪ ،‬وهو يسلك في الوصول إلللى مللا يريللد‬
‫المغالطة‪ ،‬ولكنها بحمد ال مغالطات مكشوفة‪.‬‬
‫فمن مغالطاته أنه يجعل المعطلة من أهل السنة والجماعة فللي بللاب‬
‫إثبات الصفات‪ ،‬الذين يسير هو وإياهم في هذا الباب على درب واحللد‪،‬‬
‫ويستقون من بحر أجاج واحد‪.‬‬
‫فيمثل بالصاوي‪ ،‬والسبكي‪ ،‬والكوثري‪ ،‬ومن سار على نهجهم‪ ،‬فللي‬
‫باب تعطيلل صلفات الل علز وجلل اللتي جلاءت فلي كتلابه وأثبتهلا للله‬
‫سما‪.‬‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم في تسميتهم لمن أثبتها مشّبها ومج ّ‬
‫فقد نقللل عللن الصللاوي تعصللبه للئمللة الربعللة‪ ،‬وقللوله‪ :‬إن الخللذ‬
‫بظاهر القرآن والسنة أصل من أصول الكفر‪.‬‬
‫والفخللر الللرازي‪ -‬الللذي نقللل عنلله قللوله عللن كتللاب التوحيللد لبللن‬
‫خزيمة‪ :‬إنه كتاب الشرك‪.‬‬
‫ثم يقول‪ :‬ومع هذا ‪ -‬أي تسامح الباضية في عدم تكفيرهم للمشبهة‪-‬‬
‫تجد أتباع الئمة الربعة الذين جعلهم الصاوي مقياسًا للحق من الباطل‬
‫دون الكتاب والسنة يكفر بعضهم بعضا في هلذه المسللألة‪ ،‬يعنلي مسلألة‬
‫التشبيه‪.‬‬
‫ونواصل مع المؤلف ليظهر َمن المشبهة الذين يقصللدهم‪ ،‬وَمللن هللم‬
‫الذين حكموا عليهم بالكفر؟‬
‫إن المؤلف يورد لنا كتب المعطلة الللذين حرفللوا نصللوص الكتللاب‬
‫والسنة وسموا كتلب التوحيلد المشلتملة عللى نصلوص الكتلاب العزيلز‬
‫وأحاديث رسول ال صلى ال ل عليلله وسلللم كتللب الشللرك‪ ،‬وسللمو تلللك‬
‫النصوص من الكتاب والسلنة‪ ،‬أدلللة لفظيلة ل تفيلد علملًا ول يثبلت بهلا‬
‫يقين‪ .‬وإليك ذكر أسماء مؤلفيها الللتي أوردهللا زاعملًا أن أصللحابها مللن‬

‫أهل السنة في باب السماء و الصفات‪ ،‬مللع علملله أنلله وإيللاهم فللي هللذا‬
‫الباب أبناء علت؛ عقيدتهم واحدة ومنهجهم واحد‪.‬‬
‫ملدعيًا أنهلم يلردون عللى المشلبهة ‪ -‬حسللب زعمله ‪ -‬ويكفرونهلم‪،‬‬
‫ويقصد بالمشبهة أهللل السللنة والجماعللة‪ ،‬ولكنلله ينللص علللى ابللن القيللم‬
‫فيقلللول‪ :‬وناهيلللك بملللا فلللي »السللليف الصلللقيل فلللي اللللرد عللللى ابلللن‬
‫زفيل«للعلمة السبكي الشافعي‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهل تعلم من يقصد»بابن زفيل«إنه يقصللد ابللن القيللم‪ ،‬ولهللذا‬
‫فقد حقق الكتاب الكوثري‪.‬‬
‫ثم يقول‪ :‬و»تبديد الظلم المخيم متتن نونيتتة ابتتن‬
‫القيم«للعلمة الكوثري الحنفي؟‬
‫قلت‪ :‬وهل تعلللم مللا يقللوله الكللوثري عللن كتللب التوحيللد كلهللا؟ إنلله‬
‫يقول‪ :‬إن كل الكتب التي ألفت فلي صلفات الل وهللي تحملل اسلم كتلب‬
‫السنة‪ ،‬قد حملت التجسيم‪ ،‬وما ينبذه العقل والشرع)‪.(16‬‬
‫ثببم يقببول‪ »:‬والللبراهين السللاطعة فللي رد البللدع الشللائعة« للعلمللة‬
‫القضاعي الشللافعي وأمثالهللا مللن الحكللم بللإخراج هللؤلء المشللبهة عللن‬
‫حظيرة السلم‪.‬‬
‫أقببول‪ :‬إن هللذا هللو الللذي يقصللده المؤلللف‪ -‬وهللو تكفيللر ابللن القّيللم‬
‫وإخراجه من حظيرة السلم‪ ،‬فقد نبزه بالتشبيه صراحة‪ ،‬وانظللر قللوله‬
‫شّبه في الفقللرة التاليللة لنلله يريللد أن يضللرب بلله هللؤلء‬
‫بأن ابن القّيم ُم َ‬
‫المعطلة‪.‬‬
‫ولكنه لم يتنّبه لنفسه أنه منهم إل بعد إيراده لقول ابن القيللم‪ ،‬فحللاول‬
‫تخريج قول هؤلء المعطلة‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫)( انظر مقدمة العتقاد للبيهقي ص ‪ .16‬تحقيق‪ /‬أحمد عصام الكاتب‪.‬‬

‫يقول في ذلك‪:‬كما أن أحكللام المشللبهة أيضلًا علللى الخريللن ل تقللل‬
‫صرامة وشدة‪ ،‬وناهيك بقول العلمة ابن القيم في نونيته‪:‬‬
‫والمشبببركون أخبببف فبببي‬
‫طل بالعداوة معلن‬
‫إن المع ّ‬
‫الكفران المعطلة بللأنهم أشللد‬
‫فهو يصّرح أن ابن القيم مشّبه‪ ،‬وقد حكم على‬
‫كفرًا من المشركين‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وسيظهر لك أيها القارئ أن الللبيت بهللذا الللتركيب ملفللق‪ ،‬ول‬
‫يوجد في النونية بهذا التركيب؛ ومعلوم أن ابن القيم لم يحكم علللى أحللد‬
‫بالكفر بهواه‪ ،‬وإنما يحكم على من حكم ال عليه ورسوله‪ ،‬لن هذا حكم‬
‫شرعي‪.‬‬
‫طل مثلهللم‪ ،‬ويشللرب مللن حمللأتهم‪،‬‬
‫ولما علم المؤلف الخليلي أنه مع ّ‬
‫حاول الدفاع عنهم‪ ،‬وترك الحياد الذي زعمه‪ ،‬أن الباضية أهللل الحللق‬
‫والسللتقامة‪ ،‬لللم يأخللذوا عقيللدتهم إل مللن الكتللاب والسللنة‪ ،‬ولللم يكونللوا‬
‫كأصحاب المدرسة العقلية الذين جعلوا عقولهم أسمى وأقدس ممللا جللاء‬
‫به النبييون كما يقول‪ .‬نسي ذلك كله‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫وما مراده بالتعطيللل الللذي سلللكه المعطلللة‪ ،‬يقللول – مللا هللو إل رد‬
‫ل لكلم‬
‫متشابه الي والحاديث إلى محكمها حرصًا على التنزيلله وحم ً‬
‫ال ورسوله صلى ال عليه وسلم على ما تقتضليه أسللاليب البلغللة فلي‬
‫كلم العرب‪.‬‬
‫وأقببول‪ :‬إن هللذه السللاليب المموهللة والتلبيسللات المصللطنعة الللتي‬
‫سلكها المؤلللف ل تنفعلله‪ ،‬ول تغيللر مللن الحقيقللة شلليئًا‪ ،‬فهللو داخللل مللع‬
‫المعطلة الذين صرفوا كلم ال وكلم رسوله عن حقيقته‪ ،‬وما دل عليه‬
‫مللن معللاني أسللماء اللل وصللفاته كمللا فللي قللوله تعللالى‪} :‬ولللله‬
‫السللماء الحسللنى فللادعوه بهللا وذروا الللذين‬
‫يلحدون في أسمائه{ ]العراف‪. [180 :‬‬

‫فإن هؤلء المعطلة ألحدوا في أسماء ال ل الحسللنى وصللرفوها عللن‬
‫حقائقها من غير دليل‪ ،‬ل من كتاب ال‪ ،‬ول من سنة رسللوله‪ ،‬مخللالفين‬
‫بذلك منهج سلف المة‪ ،‬فقد قال هؤلء المعطلة‪:‬‬
‫ إن كلم ال وكلم رسللوله أدلللة لفظيللة ل تفيللد علملًا ول يحصللل‬‫منها يقين‪.‬‬
‫ وأن آيات الصفات وأحاديثها مجازات ل حقيقة لها‪.‬‬‫ وأن أخبار رسول ال صلى ال عليه وسلم الصحيحة التي رواها‬‫العدول وتلقتها المة بالقبول ل تفيد العلم‪ ،‬وغايتها أن تفيد الظن‪.‬‬
‫وقللولهم‪ :‬إذا تعللارض العقللل ونصللوص الللوحي أخللذنا بالعقللل ولللم‬
‫نلتفت للوحي)‪.(17‬‬
‫وبهللذه القواعللد الباطلللة الناتجللة عللن العقللول الفاسللدة‪ ،‬والهللواء‬
‫المضللللة‪ ،‬تركللوا كتللاب ال ل عللز وجللل الللذي أنزللله لهدايللة البشللرية‪،‬‬
‫وإخراجها من الضلل والحيرة في عقائدها وسلوكها‪ ،‬وسنة رسللوله –‬
‫صلى ال عليه وسلم – المبينة والمفسللرة لكتللاب اللل‪ ،‬كمللا قللال تعللالى‪:‬‬
‫}وأنزلنللا إليللك الللذكر لتللبين للنللاس مللا نللزل‬
‫إليهم{ ]النحل‪.[44:‬‬
‫وقال تعالى‪} :‬وما آتاكم الرسول فخذوه وما‬
‫نهاكم عنه فانتهوا{ ]الحشر‪.[7:‬‬
‫وهؤلء المعطلة يقولللون‪»:‬كلم الل وكلم رسللوله ل يفيللدان علملًا‬
‫ول يحصل بهما يقين وإنملللا اليقين يدرك بالعقل«‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫)( وقد رد ابن القيم على ذلك في كتابه – »الصواعق المنزلة« من مائتين وأربعيللن‬
‫وجهًا وبين بطلنها‪ .‬وقبله ابن تيمية في كتابه »درء تعللارض العقللل والنقللل« وهللو‬
‫في أحد عشر مجلدًا‪.‬‬

‫ول ُيدرى عقل من‪ ،‬هل هلو عقلل الجهميلة؟ أو المعتزللة؟ أو عقلل‬
‫من جمع بينهما كالباضية؟ وهذا هو مسلك المؤلف الخليلي ومن ينقللل‬
‫كلمهم تلبيسلًا وتدليسلًا‪ ،‬وإل فلأين المتشلابه فللي أسللماء الل علز وجللل‬
‫وصفاته؟‪.‬‬
‫إن نصوص باب السللماء والصللفات مللن المحكمللات الواضللحات‬
‫التي تلقاها الصحابة – أهل اللغة الذين نزل القللرآن بلسللانهم – بللالقبول‬
‫والتسليم‪ ،‬ثم بالعتقاد والعمل‪ ،‬وسألوا ال عللز وجللل بهللا سللؤال عبللادة‬
‫وسؤال مسللألة‪ ،‬كمللا قللال تعللالى‪} :‬ولله السماء الحسنى‬
‫فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه{‬
‫]العراف‪.[180:‬‬

‫وقد أجمع أهل السنة والجماعة أن صفات ال عز وجل من المحكم‬
‫الذي يعلم معناه‪ ،‬كما قال المام مالك في صفة الستواء علللى العللرش‪:‬‬
‫الستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة‪.‬‬
‫وإنما المتشابه هو كيفيتها ل معانيها‪.‬‬
‫ولذلك لم يثبت عن صحابي أنلله سللأل رسللول الل صلللى الل عليلله‬
‫وسلم عن اسم من أسماء ال أو عن صفة من صفاته‪ ،‬وما ذلك إل لنها‬
‫محكمة واضحة الدللة على معانيها‪.‬‬
‫بدليل أن الصحابة رضوان ال ل عليهللم‪ ،‬وهللم أحللرص المللة علللى‬
‫معرفة دينهم ل سيما ما يتعلق بعقائدهم‪ ،‬وبمللا يجللب عليهللم أن يعتقللدوه‬
‫في ربهم وخالقهم ومدبر شؤونهم‪ ،‬قد سألوا عللن أمللور أشللكلت عليهللم‪،‬‬
‫صلّدرت‬
‫فجاءهم الجواب عليها من ال عز وجل كمللا فللي آيللات كللثيرة ُ‬
‫بقللوله تعللالى‪} :‬يسألونك{ كقللوله تعللالى‪} :‬يسألونك عن‬
‫الخمر والميسللر{ فجللاء الجللواب‪} :‬قللل فيهمللا إثللم‬
‫كلللبير ومنلللافع للنلللاس وإثمهملللا أكلللبر ملللن‬

‫نفعهما…{‬

‫]البقرة‪.[189:‬‬

‫}يسألونك عن الهلة …{ فجاء الجواب‪} :‬قل هي‬
‫مواقيت للناس والحج…{ ]البقرة‪.[189:‬‬
‫}يسألونك عللن اليتللامى…{ فجللاء الجللواب‪}:‬قللل‬
‫إصلح لهم خير…{ ]البقرة‪.[220:‬‬
‫}يسألونك عن المحيض{ فجاء الجواب‪} :‬قل هللو‬
‫أذى فاعتزلوا النساء في المحيض{ ]البقرة‪.[222:‬‬
‫وكما ترى فقد نزل الجواب من ال عز وجل على تلك السئلة‪ ،‬ولم‬
‫ل واحللدًا عللن اسللم مللن أسللماء اللل‪ ،‬أو‬
‫تجد في كتاب ال عز وجل سؤا ً‬
‫صللفة مللن صللفاته‪ ،‬ومللا ذلللك إل لوضللوحها ودللللة نصوصللها علللى‬
‫معانيها‪.‬‬
‫وأما دعوى المؤلف على ابن القيللم أنلله يكّفللر المعطلللة لسللماء الل‬
‫وصفاته من عند نفسه‪ ،‬فهي دعوى باطلة‪ ،‬لن الحكم بللالكفر أو الفسللق‬
‫أو التبديع حكم شرعي‪ ،‬الحكم فيه ل ولرسوله‪ ،‬فابن القيم ل يحكم على‬
‫أحد بهواه‪ ،‬وإنما يحكم بالكفر على من كّفره ال ورسوله‪ ،‬فهو يقول مللا‬
‫قاله ال ورسوله فيمن رد آيات ال وسنة رسوله الصحيحة وجحدها‪.‬‬
‫وربما أن المؤلف يخشى على نفسه من حكم ال ورسللوله فقللد قللال‬
‫في ص‪) :56:‬إن حديث أبي سعيد الخللدري‪ ،‬وحللديث أبللي هريللرة فللي‬
‫الصحيحين الخذ بظاهرهما يرّده العقل ويكّذبه البرهان(‪.‬‬
‫وهذه جرأة عظيمة علللى سللنة رسللول الل صلللى الل عليلله وسلللم‪،‬‬
‫حيث يردها بعقله ويكذبها بهواه‪.‬‬
‫وكما تكّلم عن ابن القيللم واّتهملله بالتشللبيه‪ ،‬فينبغللي أن نعلللم مببا هببو‬
‫التشبيه وما حكم المشبه عند أهل السنة والجماعة‪.‬‬
‫والجببواب‪ :‬أن التشللبيه هللو أن يقللول القللائل‪ :‬ل ل يللد كيللدي وسللمع‬

‫كسمعي‪ ،‬كما تقدم عن المام أحمد رحمه ال)‪ .(18‬فمللن شلّبه الل بخلقلله‬
‫حَكللم علمللاء السلللف عليلله‬
‫فقد كفر وهذا باتفاق أهل السنة والجماعللة‪ -‬و َ‬
‫بالكفر لنه ألحد في آيات ال وصرفها عن معانيها الصحيحة‪ ،‬فاسللتحق‬
‫ذلك الحكم جزاًء وفاقًا‪.‬‬
‫وأما ما أثبته ال لنفسه في كتابه‪ ،‬أو أثبته له رسوله صلى ال عليلله‬
‫وسللم فلي سلنته وهللو أعلللم الخللق بربله‪ ،‬وأتقلاهم وأخشلاهم لله فليلس‬
‫تشبيهًا‪.‬‬
‫طل‬
‫وابن القيم لم يشّبه ال بخلقه حاشاه من ذلك وهو القائل عن المع ّ‬
‫شبه‪ :‬ما يأتي‪) :‬المثل السادس‪ :‬قلب المعطل متعلق بالعدم فهو أحقر‬
‫والم ّ‬
‫الحقير‪ ،‬وقلب المشبه عابد للصنم الللذي قللد ُنحللت بالتصللوير والتقللدير‪،‬‬
‫والموحلللد قلبللله متعبلللد لملللن ليلللس كمثلللله شللليء وهلللو السلللميع‬
‫البصير)‪((19‬وكما قال في النونية‪:‬‬
‫فهبببببو نسبببببيب المشبببببرك‬
‫من شّبه ال العظيم بخلبقبه‬
‫النصراني‬
‫الكفببببور وليببببس ذا‬
‫فهببببو‬
‫طببببل الرحمببببن مببببن‬
‫أو ع ّ‬
‫إيماني‬
‫الكمال والجلل‪ ،‬وما أثبتلله‬
‫أوصافهأثبت ل ما أثبته لنفسه من صفات‬
‫وإنما‬
‫له رسللوله صلللى الل عليلله وسلللم علللى أسللاس قللوله تعللالى‪} :‬ليس‬
‫كمثله شيء وهللو السللميع البصللير{ ]الشلللورى‪[11 :‬‬
‫وإليك ما ذكره في مقدمة النونية‪ ،‬عن المعطلة والمشبهة‪.‬‬
‫فقد قال في مقدمة »النونية«‪):‬فصل وكان من قللدر الل وقضللائه أن‬
‫جمع مجلس المذاكرة بيللن مثبللت للصللفات والعلللو وبيللن معطللل لللذلك‪،‬‬
‫‪18‬‬
‫‪19‬‬

‫)( ص ‪. 8‬‬
‫ل للمثللال الحسللان أورد تحتلله عشللرة‬
‫)( مقدمة النونية ص ‪ 29-28‬وقللد عقللد فصل ً‬
‫أمثال ضربها للمعطل والمشبه‪ ،‬والموحد ص ‪.35-33‬الطبعة الثالثلة سللنة ‪1406‬هلل‬
‫المكتب السلمي‪.‬‬

‫فاستطعم المعطل المثبت الحديث استطعام غير جائع إليه ولكن غرضه‬
‫عرض بضاعته عليه‪ ،‬فقال له‪ :‬ما تقول في القرآن ومسألة السببتواء؟‬
‫قال المثبت‪ :‬نقول فيها ما قاله ربنا تبارك وتعالى‪ ،‬وما قاله نبينللا صلللى‬
‫ف ال تعالى بما وصف بلله نفسلله‪ ،‬وبملا وصللفه بله‬
‫ص ُ‬
‫ال عليه وسلم‪َ ،‬ن ِ‬
‫رسوله‪ ،‬من غير تحريف ول تعطيل ومللن غيللر تشللبيه ول تمثيللل‪ ،‬بللل‬
‫ُنثبت له سللبحانه مللا َأثبتلله لنفسلله مللن السللماء والصللفات‪ ،‬وننفللي عنلله‬
‫النقائص والعيوب ومشلابهة المخلوقللات‪ ،‬إثباتلًا بل تمثيلل‪ ،‬وتنزيهلًا بل‬
‫تعطيل‪ ،‬فمن شّبه ال بخلقه فقد كفر‪ ،‬ومن جحد ما وصف ال بلله نفسلله‬
‫فقد كفر( ثم قال‪...) :‬وليس ما وصف ال به نفسه أو وصفه بلله رسللوله‬
‫حللد يعبللد إلهلًا‬
‫تشبيهًا‪ ،‬فالمشبه يعبد صنمًا‪ ،‬والمعطل يعبللد عللدمًا‪ ،‬والمو ّ‬
‫واحدًا صمدًا‪ ،‬ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‪.‬‬
‫والكلم في الصفات كالكلم في الذات‪ ،‬فكما أّنا نثبللت ذاتلًا ل تشللبه‬
‫الذوات فكذلك نقول فللي صللفاته‪ :‬إنهللا ل تشللبه الصللفات‪ ،‬فليللس كمثللله‬
‫شيء ل في ذاته ول في صفاته‪ ،‬ول فللي أفعللاله‪ ،‬فل ُتشلّبه صللفات الل‬
‫بصللفات المخلللوقين‪ ،‬ول نزيللل عنلله سللبحانه صللفة مللن صللفاته لجللل‬
‫شناعة المشنعين وتلقيب المفترين‪ ،‬كما أنللا ل نبغللض أصللحاب رسللول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم لتسمية الروافض لنا نواصب‪ ،‬ول نكّذب بقللدر‬
‫ال‪ ،‬ول نجحد كمال مشيئته وقدرته لتسمية القدرية لنا مجبرة‪.‬‬
‫ول نجحد صفات ربنا تبارك وتعالى لتسمية الجهمية والمعتزلة لنللا‬
‫مجسمة مشبهة حشوية‪ ،‬ورحمة ال على القائل‪:‬‬
‫فإني بحمد ال لها مثبت‬
‫فببإن كبببان تجسببيمًا ثبببوت‬
‫صفاته‬
‫إلى ‪...‬‬
‫لبببديكم فبببإني اليبببوم عببببد‬
‫فببإن كبببان تجسببيمًا ثبببوت‬
‫ورضي ال عن الشافعي حيث يقول‪ :‬مجسم‬
‫صفاته‬

‫إن كان رفضًا حب آل محمد‬

‫فليشهد الثقلن أني رافضي‬

‫ويقول شيخ السلم‪:‬‬
‫إن كان نصبًا حب آل محمد‬

‫فليشهد الثقلن أني ناصبي‬

‫ثم قال‪:‬‬
‫فصل‬
‫وأما القرآن فإني أقول‪ :‬إنه كلم الل منللزل غيللر مخلللوق منلله بللدأ‬
‫وإليه يعود‪ ،‬تكلم ال به صدقًا‪ ،‬وسمعه منه جبرائيل حقًا‪ ،‬وبلغلله محمللدًا‬
‫صلى ال عليه وسلللم وحيللًا‪ ،‬وإن }كهيعص{ و}حم عسللق{‬
‫و}الر{ و}ق{ و}ن{ عين كلم ال حقيقللة‪ ،‬وإن ال ل تكلللم بللالقرآن‬
‫العربي الذي سمعه الصحابة من النبي صلى ال عليه وسلم وإن جميعه‬
‫كلم ال‪ ،‬وليس قول البشر‪ ،‬ومن قلال إنله قللول البشللر فقلد كفلر‪ ،‬والل‬
‫يصليه سقر)‪ …… (20‬الخ‪.‬‬
‫فهذا رده على المشبهة‪ ،‬والمجسمة‪ ،‬والمعطلة‪ ،‬فهو يحكم على مللن‬
‫شّبه ال بخلقه بالكفر‪ ،‬ويبين أن ما أثبته ال ل لنفسلله أو أثبتلله للله رسللوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ليس تشبيهًا ول تجسيمًا‪ ،‬فهو لم يتجاوز ما قاله ال‬
‫في كتابه العزيز ول ملا قلاله رسلوله صللى الل عليله وسللم فلي سلنته‬
‫الثابتة عنه‪.‬‬
‫فكيف يدعي عليه الخليلي أنه مشّبه‪ ،‬وهذا كلمه في كتابه هذا وفي‬
‫كتبه الخرى كما حكم على ا لجاحد لصفات ال بالكفر‪ ،‬وهذا حكللم الل‬
‫على من جحد ما أخبر به عن نفسه في كتابه‪ ،‬أو أخبر به رسوله صلى‬
‫ال عليه وسلم في سنته‪.‬‬
‫وفي )ص ‪ (13‬تناول الخليلي شيخ السلللم ابللن تيميللة‪ ،‬وقللال إنلله‬
‫‪20‬‬

‫)( النونية لبن القيم )ص ‪ (30-29‬طبعة ثالثة سنة ‪1406‬هل المكتب السلمي‪.‬‬

‫ل كّفر فيها الحنابلة بعضللهم‬
‫سينقل عنه في مسألة الحرف والصوت نقو ً‬
‫بعضًا‪ ،‬في المبحث الثالث من هذا الكتاب‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬الصواب أنه سللينقل عنلله مللا يللدعيه – فللي المبحللث الثللاني‬
‫)ص ‪ (129‬وسيظهر هناك تلفيقه‪ ،‬مما يبين للقارئ عدم ورعه وخللوفه‬
‫من ال‪ ،‬حيث يقّول ما لم يصح نسبته لقائله‪ ،‬وفي هذا الكتاب الكثير من‬
‫ذلك كما سنوضحه إن شاء ال‪ ،‬وسللنؤخر هللذا الللذي ادعللاه علللى شلليخ‬
‫السلم إلى موضعه من هذا الرد‪.‬‬
‫ومن تلفيق الخليلي وتدليسه البيت الذي سللبق ذكللره ونسللبه للنونيللة‬
‫لبن القيم وقال فيه‪ :‬إنه قال في نونيته‪:‬‬
‫والمشببببركون أخببببف فببببي‬
‫إن المعطل بالعداوة معلن‬
‫الكفرانللي النونيللة‪ ،‬وإنمللا هللو‬
‫فأقول‪ :‬إن هذا البيت بهذا التركيب ل يوجد ف‬
‫تلفيق من المؤلف بعد حذف وتغيير‪ ،‬أخذه من بيتين وكل بيت أخللذ منلله‬
‫الشطر الول‪ ،‬ولملا كلان آخللر القصليدة ملن كلل بيلت حللرف )النلون(‬
‫اضطر إلى الحذف والزيللادة لتسللتقيم القافيللة‪ ،‬ول أدري كيللف يستسلليغ‬
‫من يللدعي العلللم ويتصلّدر الفتللاء هللذا العمللل المشللين المخللل بالمانللة‬
‫العلمية‪.‬‬
‫وإليك الموضوع ففي )ص ‪ (456‬من الجللزء الثللاني شللرح النونيللة‬
‫لبن عيسى‪ ،‬تحت فصل‪:‬‬
‫» فببي َمَثببل المشببرك والمعطببل« أورد تحته ثلثللة وعشللرين بيتلًا‪،‬‬
‫طل والمشرك‪ .‬وقال في البيتين الخيرين منها‪:‬‬
‫قارن فيها بين المع ّ‬
‫وكلهما من شيعة الشيطان‬
‫والمشببببركون أخببببف فببببي‬
‫كفرانهم‬
‫فبببببي قبببببالب التنزيبببببه‬
‫المعطل بالعداوة قائم‬
‫إن‬
‫للبرحمنالقيم‪:‬‬
‫فقال الخليلي – إنه جاء في النونية قول ابن‬

‫والمشببببركون أخببببف فببببي‬
‫إن المعطل بالعداوة معلن‬
‫الكفران‬
‫للفت وإنمللا هللو تلفيللق مللن‬
‫وهذا البيت ل يوجد في النونيللة كمللا أسل‬
‫هذين البيتين‪ ،‬وحذف وتغيير‪ ،‬وكذب وتدليس‪.‬‬
‫وقد قال الشارح للبيات كلها‪ :‬حاصل كلم الناظم في هذا الفصللل‪،‬‬
‫ل للمشرك والمعطل‪ ،‬فلسان حال المعطل يقللول فلي إلهلله‬
‫أنه ضرب مث ً‬
‫سبحانه‪ :‬إنك لست فينا ذا سلطان لنك لم تستو على سرير الملللك‪ ،‬ولللم‬
‫تللدبر أمللر الملللك والسلللطان‪ ،‬ولللم تكّلللم ول تتكلللم‪ ،‬ولسللت بفاعللل فع ً‬
‫ل‬
‫حقيقة‪ ،‬بل فعلك هو المفعول‪ ،‬بل حالك قبل الفعلل ومعله وبعلده سلواء‪،‬‬
‫ل في العالم ول خارجًا منه‪ ،‬بل أنللت خيللال فللي الذهللان…‬
‫ولست داخ ً‬
‫الخ هذه الوصاف السلبية العدمية‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬قوله‪:‬‬
‫وسببببواك ل نرضبببباه مببببن‬
‫ن قال أنت مليكنا‬
‫هذا وثا ٍ‬
‫سلطان‬
‫الخ البيات‪.‬‬
‫قال‪ :‬هللذا هللو المشللرك‪ ،‬أي إن المشللرك قللال‪ :‬يللا رب أنللت مليكنللا‬
‫ت أوصاف الكملال جميعهلا … ولكللن‬
‫وخالقنا والمتصرف فينا وقد حْز َ‬
‫بابك ل ُيغشى إل بالشفعاء‪ ،‬ولبد مع ذلك مللن الللذل للبللواب والحجللاب‬
‫والشفعاء المقربين‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬أفيستوي هذا عندكم؟ حاشا وكل بللل المشللركون أخللف فللي‬
‫طللل يزيللد علللى المشللرك‬
‫كفرانهم والكل من شيعة الشيطان‪ ،‬ولكن المع ّ‬
‫بأنه قائم بالعداوة في قالب التنزيه)‪..(21‬اهل‪.‬‬
‫ولكن إليك أيها القارئ الكريلم ملا هلو أعجللب وأغللرب مملا سلبق‪،‬‬
‫ولغرابته ومخالفته لمذهب الباضية ومنهجهم في تشللتيت وحللدة المللة‬
‫‪21‬‬

‫)( شرح النونية ج ‪.658-2/456‬‬

‫جللب المؤلللف نفسلله‬
‫والحكم على العصاة منها بالخلود في النار‪ ،‬فقللد تع ّ‬
‫من دعواه هذه‪.‬‬
‫ففي )ص ‪ (14‬من المقدمة‪ ،‬يتألم لما ُبليت به المة من الشقاق الذي‬
‫عكس عليها ما يشاهد من آثار سلبية‪ ،‬فَتشلّتتت بعللد الوحللدة وذّلللت بعللد‬
‫العزة … إلخ ما قال‪.‬‬
‫وفي )ص ‪ (15‬يقول‪ :‬ولعله مما يفاجئ كثيرًا من القراء أن يطلعللوا‬
‫لول مرة على عناية قادة الباضية بلّم شعث هذه المة وجمع شللتاتها‪،‬‬
‫بعلد أن أثخنتهلا الخلفلات المذهبيلة‪ ،‬ومزقتهلا النزاعلات العصلبية …‬
‫إلخ‪.‬‬
‫هكذا يدعي المؤلف الخليلي الباضي‪.‬‬
‫ولكن ما الذي قّدمه قادة الفكر الباضي فلي مجلال للَّم شلعث الملة‬
‫السلمية وجمع شتاتها؟ إنه الضرر المحض‪ ،‬وماذا سيوجد عند طائفة‬
‫ترى أن من كان على خلف عقيدتها مللن المللة السلللمية كلهللم علللى‬
‫باطلل‪ ،‬وأن أهلل الحللق والسللتقامة هلم الباضلية ل غيلر‪ ،‬فكلم نسلبة‬
‫الباضية في العالم السلمي؟‬
‫غير أنه ل بأس من ذكر بعض مللا أورده المؤلللف عللن قللادة الفكللر‬
‫الباضي‪ ،‬وعّده من المور التي تفاجئ كثيرًا من القراء‪ ،‬ثم عّده منهجًا‬
‫ِلَلّم شعث المة حسب رأيه‪.‬‬
‫إن حصيلة هذه المفاجأة إيراده لسؤال من أحد قادة الباضية بجبللل‬
‫نفوسة بالقطر الليببي وهللو الشلليخ سللليمان بللن يحيللى البللاروني عضللو‬
‫مجلللس المبعوثللان بالدولللة العثمانيللة‪ ،‬وقللد تللوجه بسللؤاله إلللى عللالم‬
‫الباضية – كما يقول – بالمشرق ومرجعهم في أمور الدين المام عبللد‬
‫ال بن حميد السالمي‪.‬‬
‫والسؤال يقع في صفحة ونصف‪ ،‬وخلصته‪ :‬أن ملن أقلوى أسلباب‬

‫اختلف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها‪.‬‬
‫ل ومستحيل‬
‫وإجابة عالم المشرق الباضي أن جمع المة ممكن عق ً‬
‫عادة‪ ،‬ولكللن السللاعي فللي ذلللك مصلللح‪ ،‬وأن أوفللق البلد لهللذه الللدعوة‬
‫مهبط الوحي‪.‬‬
‫ثم يقول‪ :‬وإنه ليس له مذهب إل السلم‪ ،‬ولم يشرع لنا ابللن إبللاض‬
‫مذهبًا‪ ،‬وإنما نسللبنا إليلله لضللرورة التمييللز حيللن ذهللب كللل فريللق إلللى‬
‫طريق‪.‬‬
‫فهذا السؤال والجواب عليه‪ ،‬هو الذي فاجأ المؤلف بلله ق لّراءه‪ ،‬مللن‬
‫أن قادة الفكر الباضي قاموا بعمل للّم شعث المة‪.‬‬
‫وهو كما يرى القارئ لم يحمل أي حل للقضاء على أسباب الفرقة‪،‬‬
‫ولم يقدم شيئًا تتجمع عليه المة‪ .‬بل قللرر أن اجتماعهللا والقضللاء علللى‬
‫فرقتها مستحيل‪ ،‬وهذا هو الضرر‪.‬‬
‫فالذي قّدمه قادة الفكر الباضي‪ ،‬هللو اليللأس لهللذه المللة أن تجتمللع‬
‫كلمتها‪ .‬وكيف يقول‪ :‬إنهم يعملون للّم شعث المة‪.‬‬
‫ونحن نقول له‪ :‬إن ما ذكللره مللن تعللدد المللذاهب وتباينهللا هللو مللن‬
‫السباب؛ عندما يتعصب أتباع المذاهب لقوال الرجال ويقدمونها على‬
‫الكتاب والسنة‪.‬‬
‫كما فعل الخليلي فإنه ذو تعصب للباضية مقيت‪ ،‬يتجلى في قوله‬
‫الباطل‪» :‬إنهم أهللل الحللق والسللتقامة وحللدهم دون غيرهللم مللن المللة‬
‫السلمية«‪.‬‬
‫ومثله الصاوي الذي سبق نقل قوله‪» :‬إن الخذ بظواهر النصللوص‬
‫من الكتاب والسنة من أصول الكفر وقول المؤلف الخليلي‪ »:‬إن الخللذ‬
‫بظاهر ما ثبت في صحيح البخاري ومسللم علن رسلول الل صللى الل‬
‫عليه وسلم يرده العقل ويكذبه البرهان«‪.‬‬

‫فللالتقى الخليلللي والصللاوي فللي حمللأة الباطللل‪ ،‬واشللتركا فللي تيلله‬
‫الضلل‪ ،‬وبئس المصير والمآل‪.‬‬
‫ل وشرعًا وواقعًا‪،‬‬
‫ونحن نقول‪ :‬إن جمع المة على الحق ممكن عق ً‬
‫وقد قال المام مالك رحمه ال‪» :‬ل يصلح آخر هذه المة إل ما أصببلح‬
‫أولها‪ ،‬والذي أصلح أولها تمسكها بكتاب ربها وسنة نبيهببا‪ ،‬وقللد قللال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪»:‬تركت فيكم ما إن تمسببكتم بببه لببن تضببلوا كتبباب‬
‫ال وسنتي« )‪.(22‬‬
‫فندعو المؤلللف الخليلللي إلللى نبللذ التعصللب والرجللوع إلللى الكتللاب‬
‫والسنة‪ ،‬وأول ذلك في تصحيح العقيدة التي هي أساس الللدين وقاعللدته‪،‬‬
‫ول در القائل في شأنها‪.‬‬
‫ضاعت فكّل حياة بعدها عدم‬
‫س فببي الحيبباة‬
‫إن العقيببدة أ ّ‬
‫وإن‬
‫فحاَد عنها ذوو الشراك فانهزموا‬
‫نادى بها المصطفى في بببدء‬
‫دعوته‬
‫ولكن المؤلف الخليلي بعيد كللل البعللد عللن الخللذ بالكتللاب والسللنة‪،‬‬
‫ودليل ذلك كتابه هذا الذي خصصه لنكلار ثلث مسللائل عقديللة خللالف‬
‫فيه أهل السنة والجماعة‪ ،‬ورد النصوص من الكتللاب والسللنة‪ ،‬وانحللاز‬
‫إلى الجهمية والمعتزلة والزيدية والمامية والرافضة‪ ،‬وافتخر بهم بللأنه‬
‫وإياهم على عقيدة واحدة كما في )ص ‪.(32‬‬
‫حيللث قببال‪ » :‬وذهللب إلللى اسللتحالة رؤيللة اللل تعللالى أصللحابنا‬
‫الباضللية‪ ،‬وهللو قللول المعتزلللة‪ ،‬والجهميللة‪ ،‬والزيديللة‪ ،‬والماميللة مللن‬
‫الشيعة«‪.‬‬
‫ونقول له‪ :‬خيبًة لك أيها الخليلي‪ ،‬ولمن انتسللبت إليهللم‪ ،‬واعللتززت‬
‫بعقيدتهم‪ ،‬فهل الجهم بن صفوان‪ ،‬ومن أخذ بعقيدته وأفكللاره يسللعى لل لّم‬
‫‪22‬‬

‫)( الموطأ‪ ،‬القدر ص ‪ 560‬ح ‪.3‬‬

‫شعث المة؟‬
‫وبمناسللبة ذكللر الجهللم بللن صللفوان الللذي اغتبللط الخليلللي بعقيللدته‬
‫وفكره‪ ،‬فإليك أيها القارئ المحب للحق والناصر للسنة نبذة عللن تاريللخ‬
‫حياته لتعلم إن الطيور على أشباهها تقع‪.‬‬
‫يقول المام الذهبي في كتابه »ميزان العتدال« )‪:(1/441‬‬
‫»الجهم بن صببفوان بلن محللرز السللمرقندي الضللال المبتلدع رأس‬
‫الجهمية‪ ،‬هلك في زمان صغار التابعين‪ ،‬وما علمته روى شلليئًا‪ ،‬ولكنلله‬
‫زرع شرًا عظيمًا«‪.‬‬
‫أفكاره‪ :‬نفى أن يكون ل عز وجللل اسللمًا أو صلفة‪ ،‬وقلال بلالجبر‪،‬‬
‫وخلق القرآن‪ ،‬وغير ذلك من الفكار المنحرفة‪ ،‬وقد تللوفي سللنة ‪‍128‬ه‬
‫ل‪.‬‬
‫مقتو ً‬
‫ويقول ابن الثير في »الكامل« )‪ (7/75‬وهو يتحدث عن الجهم بن‬
‫صفوان‪ ،‬قال‪» :‬وقد أخذ مقالته في نفي صفات ال تعالى عن الجعد بللن‬
‫درهللم‪ ،‬والجعللد أخللذ التعطيللل عللن أبللان بللن سللمعان‪ ،‬وأخللذ أبللان عللن‬
‫طالوت‪ ،‬وأخذ طالوت عللن خللاله لبيللد ابللن العصللم اليهللودي السللاحر‬
‫الذي سحر رسول ال صلى الل عليلله وسلللم‪ ،‬وكللان لبيللد زنللديقًا يقللول‬
‫بخلق التوراة«‪.‬‬
‫هذا هو إسناد الجهميلة والباضلية فلي القلول بخللق القلرآن وهللذه‬
‫سلسلة سند الجهمية المعطلة‪ ،‬فهل من يأخذ عن الجهمية عقيدته‪ ،‬يسعى‬
‫لجمع كلمة المة‪ ،‬والغريب قول عالم المشرق من الباضية‪ -‬إنلله ليللس‬
‫له مذهب إل السلم‪ ،‬والمؤلف – يفخر‪ -‬بالجهمية‪ ،‬والمعتزلة والماميللة‪،‬‬
‫والزيدية‪ ،‬وأنهم على مذهب طائفته الباضية‪.‬‬

‫وهل هناك أشنع من عقائد هؤلء في أسماء ال وصفاته؟‪.‬‬
‫وقد جمع المؤلف الخليلي بين عقللائد هللؤلء جميعلًا فللي كتللابه هللذا‬

‫صصه لنفي رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في جنات النعيم‪.‬‬
‫الذي خ ّ‬
‫والقول بخلق القرآن الكريم‪ .‬وهو كلم ال وصفة من صفاته عند أهل‬
‫السنة‪.‬‬
‫والقول بتخليد الفساق ومرتكبي المعاصي من المسلللمين الموحللدين فللي‬
‫النار‪.‬وهو قول الخوارج‪.‬‬

‫وينتسب إلى – الباضية – ويقول‪ :‬إنهم أهل الحق والستقامة‪.‬‬
‫وهو في الوقت نفسه يّدعي أنه وقللادة الفكللر مللن طللائفته الباضللية‬
‫يسعون لجمع كلمة المسلمين‪.‬‬
‫عَللى‬
‫ول يدري القارئ على ملاذا ُيريلدون جملع كلمللة المسلللمين؟ أ َ‬
‫عقائد الجهمية والمعتزلة والمامية‪ ،‬الذين أضافوا إلى عقائدهم في نفي‬
‫أسماء ال وصفاته – تكفير الصحابة؟ أم على عقائد الباضية؟ وهم في‬
‫السماء والصفات جهمية‪ ،‬وفي الصحابة نواصب نصبوا العللداء لعلللي‬
‫بن أبللي طلالب وأهللل الللبيت‪ ،‬وجعلللوا الصللحابة الللذين نلص الل علللى‬
‫عدالتهم‪ ،‬كغيرهم من النلاس يعرضلونهم لقواعللد الجللرح والتعللديل‪ ،‬ثلم‬
‫حكمهم أخيرًا على عصاة المسلمين الموحدين بللالخلود فللي النللار‪ ،‬كمللا‬
‫قرر ذلك المؤلف في كتابه هلذا الللذي نحلن بصلدد نقلده ومناقشلته‪ ،‬ول‬
‫يحيق المكر السيئ إل بأهله‪.‬‬
‫ت الكتللاب مخللالف‬
‫وحق لًا أن كللل مللا ق لّرره مللن قضللايا موضللوعا ِ‬
‫لنصوص كتاب ال عللز وجللل ولسللنة رسللوله صلللى الل عليلله وسلللم‪،‬‬
‫ولعقيدة الطائفة الناجية المنصورة من صحابة رسللول ال ل ومللن تبعهللم‬
‫بإحسان‪ ،‬وسار على نهجهم‪ ،‬واهتدى بهداهم‪.‬‬

‫مناقشة موضوعات الكتاب‪:‬‬
‫وبعللد النتهللاء مللن مناقشللة مللا ورد فللي مقدمللة الكتللاب‪ ،‬ننتقللل‬
‫لموضوعات الكتاب ومناقشة القضايا الثلث التي مللن أجلهللا ألللف هللذا‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫ففللي )ص ‪ (21-19‬ذكللر المؤلللف الخليلللي الباضللي‪ ،‬موضللوع‬
‫الكتاب‪ ،‬وأنه في ثلث قضايا قال‪):‬كان للباضية فيها موقللف للم يتفلق‬
‫مع رغبات أولئك الحاقدين(وهذه القضايا هي‪:‬‬
‫‪-1‬إنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة‪.‬‬
‫‪-2‬القول بخلق القرآن‪.‬‬
‫‪-3‬اعتقاد تخليد الفساق من المسلمين في النار‪.‬‬
‫قللال‪) :‬وبسللبب هللذا تعللرض طلب الباضللية فللي بلد السلللم‬
‫وغيرها لنواع المضايقات‪ ،‬وعاملوهم تلك المعاملت النكراء‪ ،‬مللع أن‬
‫الباضية لم ينفردوا بموقفهم دون سائر طوائف المللة‪ ،‬فثللم الكللثير مللن‬
‫الذين رأوا في هذه القضايا رأيهم وأيدوا موقفهم كما سيتضللح ذلللك مللن‬
‫خلل هذه الدراسة(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ويعني بالكثير الذين هم على رأيه وعقيدته في هللذه القضللايا‪:‬‬
‫الجهمية‪ ،‬والمعتزلللة‪ ،‬والزيديللة‪ ،‬والماميللة الشلليعة الرافضللة‪،‬كمللا فللي‬
‫)ص ‪ (32‬من كتابه هذا‪.‬‬
‫ثببم قببال‪) :‬علللى أن الباضللية فللي كللل قضللية منهللا – أي القضللايا‬
‫جز النصوص القرآنية‪ ،‬والسللنة الثابتللة عللن الرسللول‬
‫حُ‬
‫الثلث‪ -‬أخذوا ب ُ‬
‫عليه أفضل الصلة والسلم‪ (،‬قال‪) :‬وستدرك أخي القارئ – من خلل‬
‫دراستك لما أقدمه إليك‪ -‬أن الباضللية لللم يسللتمدوا عقيللدتهم مللن فلسللفة‬
‫اليونان وغيرها من أساطير الولين‪ ،‬كما يحلو زعم ذلك للذين يهرفون‬

‫بما ل يعرفون‪ ،‬وإنما استمدوها من أصفى ينابيع الحللق‪ ،‬وأنللوار أشللعة‬
‫الحقيقة‪ ،‬فقد احتكموا إلى الكتاب العزيز والسنة المطهرة على صاحبها‬
‫ل بقوله تعالى‪} :‬فإن تنازعتم في‬
‫أفضل الصلة والسلم‪ ،‬عم ً‬
‫شلليء فللردوه إلللى الللله والرسللول إن كنتللم‬
‫تؤمنون بالله واليوم الخر ذلللك خيللر وأحسللن‬
‫تأويل ً{( ]النساء‪.[59 :‬‬
‫وأقول‪ :‬إن المؤلف الخليلي الباضي قد لخص في هاتين الصفحتين‬
‫عقيدته‪ ،‬وذكر طائفته التي ينتسللب إليهللا ويتعصللب لرائهللا الباضللية‪،‬‬
‫ويتضح ذلك فيما يلي‪:‬‬
‫ل‪ :‬القضايا الثلث التي خصها بهذا الكتاب‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ إنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة‪.‬‬‫ القول بخلق القرآن‪.‬‬‫ اعتقاد تخليد الفساق من المسلمين الموحدين في النار‪.‬‬‫ثانيًا‪ :‬ادعى أن الباضية لم تنفرد بهذا القول والعتقللاد دون سللائر‬
‫الطوائف‪ ،‬وإنما هو قول وعقيدة الجهمية والمعتزلة والزيدية والمامية‬
‫الشيعة كما في )ص ‪.(32‬‬
‫ثالثًا‪ :‬يللدعي أن الباضللية أخللذوا فللي هللذه القضللايا الثلث بحجللز‬
‫النصوص القرآنية والسنة الثابتة عن الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬أن الباضية لم تستمد عقيللدتها مللن فلسللفة اليونللان وغيرهللا‬
‫من أساطير الولين كما يزعم الذين يهرفون بما ل يعرفون؛ بللل أخللذوا‬
‫عقيدتهم من أصفى ينابيع الحق وأنللوار أشللعة الحقيقللة‪ ،‬واحتكمللوا إلللى‬
‫ل بقلللوله تعلللالى‪} :‬فللإن تنللازعتم فللي‬
‫الكتلللاب والسلللنة عم ً‬
‫شيء…{ الية‪.‬‬
‫وأقول للقارئ الكريم‪ :‬إنك ستجد في المناقشة التالية لهللذه الفقللرات‬

‫السابقة أن المؤلف الخليلي الباضي لم يلتزم من كلمه هذا ول بحرف‬
‫واحد من كتاب ال عّز وجل‪ ،‬أو حديث واحد من سنة رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬بللل قللال فللي كللل ذلللك بقللول الجهميللة والمعتزلللة‪ ،‬ورد‬
‫النصوص من صحيح البخاري ومسلم عن رسول الل صلللى الل عليلله‬
‫وسلم وقال‪ :‬إن الخذ بظاهرها يرده العقل ويكذبه البرهان‪.‬‬
‫أليس هذا هو قول الجهمية وفلسفة اليونان؟!‬
‫وإليك مناقشة تلك الفقرات واحللدة بعللد أخللرى بالدلللة مللن الكتللاب‬
‫والسنة كما التزم المؤلف بذلك‪ ،‬وكلّرره أكللثر مللن مللرة فللي كتللابه هللذا‬
‫تلبيس لًا وتدليس لًا‪ ،‬وسللتكون المناقشللة علميللة إن شللاء ال ل وهللو مطلللب‬
‫المؤلف‪.‬‬
‫والرجوع إلى الحق بعللد مللا يتللبين فضلليلة‪ ،‬ونأمللل مللن المؤلللف –‬
‫الباضي‪ -‬بعد اطلعه على ذلك‪ ،‬أن يعود إلى الحللق المؤيللد بقللول ال ل‬
‫عز وجل‪ ،‬وبقول رسول ال صلى ال عليه وسلم فالحكم لهما فللي بللاب‬
‫العقيدة بل في مراتب الدين كلها وحقوقه ومكملته‪.‬‬
‫والمؤلف إذا عاد للحق فسينال مثل أجر من تبعه‪ ،‬وإن بقي على ما‬
‫هو عليه فكذلك سيحمل مثل وزر من تبعلله‪ ،‬كمللا صللحت بللذلك السللنة‪،‬‬
‫فعن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫»من دعا إلى هدى كان له من الجر مثببل أجببور مببن تبعببه‪ ،‬ل ينقببص‬
‫ذلك من أجورهم شيئًا‪ ،‬ومن دعا إلى ضللة كان عليببه مببن الثببم مثببل‬
‫آثام من تبعه‪ ،‬ل ينقص ذلك من آثامهم شيئًا«)‪.(23‬‬
‫وفي الصلفحات التاليلة مناقشللة موضللوعات الكتلاب واللتي سلماها‬
‫ثلث قضايا‪ ،‬قال‪ :‬كان للباضية فيها موقف لم يتفق مع رغبللات أولئك‬
‫الحاقدين ‪-‬كما سماهم‪ -‬وتلك القضايا هي‪:‬‬
‫‪23‬‬

‫)( مسلم ‪ /‬العلم ح)‪.(2674‬‬

‫‪ -1‬إنكار رؤية المؤمنين ربهم وهم في عرصات الجنة‪.‬‬
‫‪ -2‬القول بخلق القرآن‪.‬‬
‫‪ -3‬اعتقاد تخليد الفساق في النار‪.‬‬
‫هذه القضايا الثلث التي يقولها كما فللي ص ‪ 21-20‬والللتي اسللتمر‬
‫في مباحثها إلى ص ‪ .96‬ونبدأ بمناقشة القضية الولى كما سماها‪:‬‬

‫الجزء الول‬
‫الرد على إنكار الخليلي‬
‫رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في الدار الخرة‬
‫» وهي القضية الولى «‬

‫القضية الولى‬
‫إنكاره رؤية ال تعالى‪ -‬في الخرة )ص ‪(35‬‬
‫بدأ بذكر مدلول الرؤية لغة‪:‬‬
‫فنقل عن القاموس قوله‪»:‬الُرؤية«بالضم‪ ،‬إدراك المرئي‪ .‬وهو على‬
‫أضرب أولها‪»:‬النظر بالعين«التي هللي الحاسللة ومللا يجللري مجراهللا‪..‬‬
‫الخ‪ .‬كما نقل عن تاج العروس ولسان العرب‪.‬‬
‫قببال‪ :‬والخلصللة‪ :‬أن الرؤيللة تكللون بصللرية‪ ،‬وغيللر بصللرية‪،‬‬
‫والبصرية تكون بحاسة البصار المعهودة‪ ،‬وهي العين فيما كللانت فيلله‬
‫عين‪.‬‬
‫ثللم نقللل المؤلللف تفسللير إمللامه السللالمي للرؤيللة حيللث قللال‪ :‬وهللي‬
‫اتصال شعاع الباصرة بالمرئي‪ ،‬أو انطباع صورة المرئي في الحدقة‪.‬‬
‫قال‪ :‬وإلى هذا المعنى ذهب أكثر القائلين برؤيللة الل تعللالى‪ ،‬سللواء‬
‫الذين أثبتوا رؤيته في الدنيا والخرة‪ ،‬أو الذين أثبتوها في الخرة‪ ،‬دون‬
‫الدنيا‪ ،‬كما قال الشيباني‪:‬‬
‫فذلك زنديق بغى وتمردا‬
‫ومن قال في الدنيا يراه بعينه‬
‫ولكن يراه في الجنان عباُده‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ول أبصار ترى ال جهرة‬

‫كمببا جبباء فببي الخبببار نرويببه‬
‫مسندا‬

‫فل الضبببيم يغشببباها ول هبببي‬
‫تسأم قصلليدة فللي حللادي الرواح‬
‫قال المؤلببف‪ :‬نقللل ذلللك ابللن القيللم مللن‬

‫)ص‪.(13:‬‬
‫قلببت‪ :‬ويعنللي بلله الللبيت الخيللر وهللو فللي )ص‪ (30 :‬فللي الطبعللة‬
‫المحققة التي رجعنا إليها‪.‬‬

‫ومعلللوم أن مللا جللاء فللي هللذه البيللات الثلثللة‪ ،‬مللن إثبللات رؤيللة‬
‫المؤمنين ربهم يوم القيامة‪ ،‬وهم في الجنان‪ ،‬ونفي الرؤية في الدنيا‪ ،‬هو‬
‫الللذي يقللول بلله أهللل السللنة والجماعللة؛ لليللات الكريمللة‪ ،‬والحللاديث‬
‫الصحيحة الصريحة‪ ،‬في إثبات رؤية المؤمنين ربهلم يلوم القياملة وهللم‬
‫في جنات النعيم‪.‬‬
‫وفي )ص‪ (27 :‬قال‪ :‬الفصل الول‪.‬‬
‫في اختلف المة في إمكان رؤية ال ووقوعها‪.‬‬
‫ثم قال‪»:‬اشتد النلزاع بيلن طلوائف المللة فلي إمكلان رؤيتلله تعلالى‬
‫ووقوعهلللا فلللذهبت الطلللوائف المنتسلللبة إللللى السلللنة‪ ،‬ملللن‪ :‬السللللفية‪،‬‬
‫والشعرية‪ ،‬والماتريديلة‪ ،‬والظاهريلة‪ ،‬وغيرهلم‪ ،‬إلللى أنهلا ممكنلة فلي‬
‫الدنيا والخللرة‪ ،‬غيللر أن جمهللورهم يثبللت وقوعهللا فللي الخللرة ل فللي‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫قال‪ :‬وذهبت طائفة إلى أنها واقعة في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ثم ذهب ينقل أقوال الصوفية في ذلك« ا هل‪.‬‬
‫وأقببول‪ :‬إن مللذهب السلللف أهللل السللنة والجماعللة‪ ،‬إثبللات رؤيللة‬
‫المؤمنين ربهم في الجنة للدلة الصريحة في ذلللك مللن الكتللاب والسللنة‬
‫والتي سيأتي ذكرها‪.‬‬
‫وأما رؤية ال في الدنيا فهي جائزة؛ لن موسى عليه السلم ليسأل‬
‫شيئًا غير جائز‪ ،‬لكنها غير واقعة‪ ،‬لن البشر ليطيقون ذلللك لضللعفهم‪،‬‬
‫بدليل اندكاك الجبل الصم فكيف بابن آدم؟ وجائزة وواقعة فللي الخللرة‬
‫للمؤمنين لن ال يقّويهم ويمكنهم منها إكرامًا لهم‪.‬‬
‫وما ذكره المؤلف في )ص‪ :(29 :‬من أقوال نقلت في رؤيلة الكفلار‬
‫والمنافقين ل في الموقف‪ ،‬فإنما هي أقوال على ضوء نصللوص سلليأتي‬

‫ذكرها‪ ،‬وليست اضللطرابًا عنللد مثبللتي الرؤيللة فللي الخللرة كمللا يللدعي‬
‫المؤلف‪.‬‬
‫ثم إن المؤلف يخلللط فللي رّده للرؤيللة‪ ،‬بيللن الصللوفية‪ ،‬والشللعرية‪،‬‬
‫والماتريدية‪ ،‬والظاهرية والسلفية‪.‬‬
‫وعلى ذلك الخلط والمغالطببة‪ :‬فللإن رّدي عليلله ومناقشلته‪ ،‬هلو فيملا‬
‫نسبه للسلف أهل السللنة والجماعللة‪ ،‬مللن أئمللة‪ :‬كالبخللاري‪ ،‬وأحمللد بللن‬
‫حنبل‪ ،‬والشافعي‪ ،‬ومالك‪ ،‬وغيرهم من الئمة القائلين في هللذه المسللائل‬
‫وغيرها من مسللائل العقيللدة‪ ،‬بمللا جللاء فللي كتلاب اللل‪ ،‬وثبللت فللي سللنة‬
‫رسوله‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬وأقللوال الصللحابة‪ ،‬لحضللورهم التنزيللل‬
‫وسماعهم من رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلللم‪ -‬وقللد خللاطبهم الل علز‬
‫وجل بلغتهم‪ ،‬التي أنزل بها القرآن العظيم‪ ،‬بلسان عربي مبين‪.‬‬
‫إذ ل يصح للمؤلف أن يحّمل السلف‪ -‬الذين يقصدهم بللرده هللذا كمللا‬
‫ي طائفة من هذه الطوائف التي ذكرها للخلللط‬
‫سيتضح فيما يأتي‪ -‬قول أ ّ‬
‫والمغالطللة للقللارئ بيللن أقللوال هللذه الطللوائف وقللول السلللف فللي هللذه‬
‫المسائل الثلث التي فيها النقاش‪.‬‬
‫ل السللنة مللن هللم وبللم ُيعرفللون‪ ،‬فقللال المللام‬
‫وقد عّرف العلماُء أهل َ‬
‫السللجزي المتللوفى عللام‪444 :‬هلل فللي رسللالته لهللل زبيللد فيمللن أنكللر‬
‫الحرف والصوت‪ .‬قال‪:‬‬
‫» فأهببل السببنة هببم الثببابتون علببى اعتقبباد مببا نقلببه إليهببم السببلف‬
‫الصالح رحمهم الب‪ ،‬عبن الرسبول‪ -‬صبلى الب عليبه وسبلم‪ ،-‬أو عبن‬
‫أصحابه رضي ال عنهم فيما لم يثبت فيببه نببص فببي الكتبباب‪ ،‬ول عببن‬
‫الرسول‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ ،-‬لنهببم رضببي الب عنهببم أئمببة أمرنببا‬
‫باقتداء آثارهم‪ ،‬واتببباع سببنتهم‪ ،‬وهببذا أظهببر مببن أن يحتبباج فيببه إلببى‬
‫إقامة برهان‪ .‬والخذ بالسنة واعتقادها ِمّما ل مرية في وجوبه «‪.‬‬

‫ثللم ذكللر الدلللة علللى ذلللك‪ ،‬منهللا قللوله تعللالى‪} :‬قل إن كنتم‬
‫تحبون الله فللاتبعوني يحببكللم الللله{]آل عملللران‪[31:‬‬
‫وقوله‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪» :-‬عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشببدين‬
‫المهديين من بعدي عضو عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات المور فإن‬
‫كل محدثة بدعة وكل بدعة ضللة«)‪.(24‬‬
‫قال‪» :‬وإذا كان المر كذلك‪ ،‬فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل‬
‫الصحيح بما يقوله‪ ،‬فإن أتى بذلك علم صدقه‪ ،‬وقبل قوله‪ ،‬وإن لم يتمكن‬
‫من نقل ما يقوله عن السلف علم أنلله مح لِدث زائغ‪ ،‬وأنلله ل يسللتحق أن‬
‫يصغى إليه أو يناظر في قوله‪.(25)«...‬‬
‫قلت‪ :‬وعلى ذلك فللإن تسللمية أهللل هللذه الطللوائف »بالسللنة أو أهللل‬
‫السنة« هو في مقابلة » الرافضة « الذين يسبون الصحابة ويكفرونهم‪،‬‬
‫وفي مقابلللة »الخللوارج« الللذين يكفللرون مرتكللبي المعاصللي والقللائلين‬
‫بتخليلد الفسلاق ملن المسللمين الموحلدين فلي النلار‪ ،‬والنواصلب الللذين‬
‫ينصبون العداء والبغض لهل البيت‪ ،‬ومن يجعل الصحابة الذين عّدلهم‬
‫اللل عللز وجللل ووعللدهم جميع لًا بالجنللة‪ ،‬كغيرهللم ممللن جللاء بعللدهم‬
‫فيجعلونهم مثلهم في قضية الجرح والتعديل‪.‬‬
‫وليسوا بأهل السنة في باب العقائد‪ ،‬كمللا وصللفهم المللام السللجزي‪،‬‬
‫وإنما هم في هذا الباب أصحاب بدع‪ ،‬أي في باب أسلماء الل وصللفاته‪،‬‬
‫ومنهللا هللذه المسللائل الثلث‪ ،‬فللإن لبعللض هللذه الطللوائف الللتي ذكرهللا‬
‫المؤلف أقوال تخالف قول السلف‪.‬‬

‫‪ ()24‬السنة لبن أبي عاصم ح‪.54:‬‬
‫طبللع‬
‫‪() 25‬رسللالة السللجزي لهللل زبيللد فيمللن أنكللر الحللرف والصللوت )ص‪ُ (99 :‬‬
‫بالمجلس العلمي بالجامعة السلمية سنة ‪1413‬هل‪.‬‬

‫وإليللك أيهللا القللارئ الكريللم‪ -‬مغالطللة المؤلللف الخليلللي فللي دعللواه‬
‫اضطراب القائلين بإثبات الرؤية في الخللرة‪ ،‬وذلللك بنقللله لجزئيللة مللن‬
‫كلم متصل بعضه ببعض‪ ،‬وتدليسه به على القارئ‪.‬‬
‫ثم نقله لقضية فيها أقوال حدثت بعد القرن الثالث الهجري‪ ،‬وجعلها‬
‫في قضية متفق عليها بين أهل السنة والجماعة‪ ،‬بل الصحابة والتابعون‬
‫مجمعون عليها‪.‬‬
‫ففي )ص‪ (29:‬يقول‪ -‬بعد أن نقل أقللوال القللائلين برؤيللة الل تعللالى‬
‫في الدنيا والخرة‪ ،‬وقد نقل ذلك عن غلة الصوفية‪ ،‬تمهيدًا به لما يللأتي‬
‫حيث قال‪) :-‬والقائلون برؤيتلله تعللالى فللي الخللرة مضللطربون كللذلك‪،‬‬
‫فبينما أكثرهم يقولون‪ :‬بأن الرؤية خاصة بالمؤمنين‪ ،‬إذ هللي نعمللة يمل ّ‬
‫ن‬
‫ال بها عليهم يتضاءل معها نعيم الجنة‪.‬‬
‫نجدهم يهرعون إلى الستدلل عليها بحديث »سببترون ربكببم« مللع‬
‫أنه يقتضللي أن هللذه الرؤيللة سللتكون فللي الموقللف‪ ،‬وأنهللا غيللر خاصللة‬
‫بالمؤمنين‪ ،‬بل المنافقون يشللاركون فيهللا‪ ،‬لن مللن نصوصلله‪» :‬وتبقببى‬
‫هذه المة فيهببا منافقوهببا‪ ،‬فيببأتيهم الب تعببالى فببي صببورة غيببر الببتي‬
‫يعرفون« )‪.((26‬‬
‫ثم قال‪) :‬وأغرب من ذلك ما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى‪:‬‬
‫}كل إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبللون{ ]المطففيلللن‪:‬‬
‫‪.[15‬‬
‫»أن يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنللون والكللافرون‪ ،‬ثللم يحجللب‬
‫عنه الكافرون«‪ -‬ثم نقل قول ابن القيم في حادي الرواح )ص‪- 364 :‬‬
‫‪ (365‬من أن الحاديث الصحيحة على أن المنافقين يرونه يللوم القيامللة‬
‫‪ ()26‬مسلم‪/‬اليمان ح )‪. (182‬‬

‫بل الكفار أيضًا كما في حديث التجّلللي‪ ،‬ثللم قللال‪ -‬أي ابللن القيللم‪: -‬وفللي‬
‫هذه المسألة ثلثة أقوال لهل السنة‪:‬‬
‫‪ -1‬قول‪ :‬أن ل يراه إل المؤمنون‪.‬‬
‫‪ -2‬وقول‪ :‬يراه جميللع أهللل الموقللف المللؤمن والكللافر ثللم يحجللب عنلله‬
‫الكفار فل يرونه بعد ذلك‪.‬‬
‫‪ -3‬وقللول‪ :‬يللراه المنللافقون دون الكفللار‪ ،‬والقللوال الثلثللة فللي مللذهب‬
‫أحمد‪.‬‬
‫كما نقل عن شيخ السلللم ابللن تيميللة مللن الفتللاوى المجلللد السللادس‬
‫)ص‪(501-500:‬مثل هذه القوال؟ وهي علن القاضللي أبلي يعللى كملا‬
‫سيأتي توضيحها‪.‬‬
‫وذكر أنه سمع محاضرة مسللجلة فللي شللريط لحللد خطبللاء الجمعللة‬
‫المشهورين في إحدى دول الجزيرة العربيللة‪ ،‬اسللتدل فيهللا علللى ثبللوت‬
‫الرؤيلللة بقلللوله تعلللالى‪} :‬كل إنهللم عللن ربهللم يللومئذ‬
‫لمحجوبون{ وكان مما قال في تفسير الية أن» الباضللية« هللم‬
‫الذين يحجبون عن ربهم فل يرونه‪ ،‬عندما يراه المؤمنون‪.‬‬
‫ثللم قللال‪) :‬هكللذا تللرى أيهللا القللارئ الكريللم‪ ،‬تضللارب أقللوال مثبلتي‬
‫الرؤية في هذه القضية حتى إنهللم ينسللبون إلللى إمللام واحللد مللن أئمتهللم‬
‫ل متعارضة ومذاهب متباينة(‪ -‬يقصد به المام أحمد‪.-‬‬
‫أقوا ً‬
‫ل على ضللعف القاعللدة الللتي أسسللوا‬
‫قال‪) :‬وناهيك بذلك شاهدًا ودلي ً‬
‫عليها معتقللدهم‪ ،‬وإل فللالحق ل يحتمللل هللذا الختلف لوضللوح حجتلله‬
‫واسللتقامة محجتلله وصللدق اللل إذ يقللول‪} :‬وأن هذا صراطي‬
‫مستقيما ً فاتبعوه ول تتبعللوا السللبل فتفللرق‬
‫بكم عن سبيله{ ]النعام‪ [153/‬أهل( )ص‪.(31:‬‬

‫وعلى هذا المنهج سار المؤلف في رده علللى المثبللتين للرؤيللة يللوم‬
‫القيامة في جنات النعيم‪ ،‬وقد ظهر من نقله عن ابن كللثير‪ ،‬وابللن تيميللة‪،‬‬
‫وابن القيم‪ ،‬وقوله )وما ينسبونه إلى إمام واحد مللن أئمتهللم( ويقصللد بلله‬
‫المام أحمد بن حنبل‪ .‬أنه يقصد برده هذا في هذه المسللائل الثلث أهللل‬
‫السنة والجماعة القائلين بقول السلف المتبعين لنصوص الكتاب والسللنة‬
‫في هذه المسائل وغيرها من مسائل العقيدة‪.‬‬
‫أمللا مللن ورد ذكرهللم مللن الطللوائف المنتسللبة للسللنة وسللماهم مللع‬
‫السلفية من أشاعرة وماتريدية وظاهريللة وغيرهللم كمللا فللي )ص‪(27 :‬‬
‫فإنه ل يريدهم‪ ،‬وإنما يريد برده السلفية فقط لتصريحه بأتباعها‪.‬‬
‫وأمللا مللا ادعللاه علللى المثبللتين للرؤيللة مللن اضللطراب‪ ،‬فسيتضللح‬
‫للقارئ الكريم أن هللذا السلللوب الللذي اتبعلله المؤلللف هللو أسلللوب مللن‬
‫تبعهم مللن أصللحاب المغالطللات‪ ،‬الللذين ل يلللتزمون بنصللوص الكتللاب‬
‫والسللنة فللي إثبللات عقللائدهم‪.‬ول يلللتزمون بالمانللة والنصللاف‪ ،‬فيمللا‬
‫ينقلللونه عللن غيرهللم ممللن يخللالفونهم فللي عقللائدهم الللتي يتبعللون فيهللا‬
‫أهواءهم‪ ،‬وإليك توضيح ذلك‪.‬‬
‫فالمؤلف الخليلي أخذ جزئيللة فللي موضللوع الرؤيللة‪ ،‬ليسللت هللي‬
‫الصل في القضية التي فيها الخلف بيللن السلللف والمخللالفين لهللم‪ ،‬ثللم‬
‫يورد الردود عليها من أجل مغالطللة القللارئ‪ ،‬والتللبيس عليلله‪ ،‬وينسللب‬
‫لهل السنة والجماعة أنهم مضطربون فيها‪.‬‬
‫فالمسألة هنا هي»رؤية المؤمنين ربهم وهم في جنات النعيم«‪.‬‬
‫هذه المسألة ل خلف فيها ول اضللطراب‪ ،‬ول أقللوال متعللددة‪ ،‬بللل‬
‫المؤمنللون جميعلًا علللى قللول واحللد فيهللا وهللو إثباتهللا كمللا وردت بهللا‬
‫النصوص من الكتاب والسنة‪ ،‬ويصدرون الحكم على مللن خللالفهم فيهللا‬

‫بما دلت عليه النصوص بعد دعوته‪ ،‬وإيصال الدلة إليه إن كان جللاه ً‬
‫ل‬
‫بها‪ ،‬كما ُيعّلم من يجهل شرائع السلم لتقوم الحجة عليه بعد ذلك‪.‬‬
‫ولكن المؤلف‪ -‬اقتطف جزئية مللن كلم طويللل لشلليخ السلللم ابللن‬
‫تيمية من رسالة وجهها لهل»البحرين« إجابة على سؤال وجهوه إليه‪،‬‬
‫لخلف حدث بينهم فللي مسللألة الكفللار‪ ،‬هللل يللرون ربهللم أو ل؟ ل فللي‬
‫رؤية المؤمنين ربهم‪.‬‬
‫فنقللل المؤلللف الخليلللي الخلف فللي هللذه المسللألة إلللى رؤيللة المللؤمنين‬
‫ربهم‪ ،‬التي ل خلف فيها بين السلف‪ ،‬تلبيس لًا وتدليس لًا وكللذبًا وافللتراًء‪،‬‬
‫وليس هذا أسلوب العالم الذي يعلم ويؤمن بأن الل علز وجلل سيحاسلبه‬
‫على عمله هذا‪.‬‬
‫ثم ذهب ينقل ما ذكره عن ابن كثير‪ ،‬وابن القيم‪ ،‬وما هو في مللذهب‬
‫المام أحمد من أقوال في رؤية الكفللار والمنللافقين‪ ،‬وسللماها اضللطرابًا‬
‫عند مثبتي رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة‪.‬‬
‫وهذا ليس أسلوب من يريد الوصول إلى الحللق‪ ،‬وإنمللا هللو أسلللوب‬
‫أصحاب الهواء والمغالطات‪.‬‬
‫وإليك أيها القارئ الكريم ما يبين ويكشف هذه المغالطات‪ِ ،‬من قول‬
‫َمن اقتطف الخليلي من أقوالهم ما يريد أن يصللل بلله إلللى الباطللل‪ ،‬وقللد‬
‫ترك من النص ما يبين لك أن المؤلف مطلع على قول السلف فللي هللذه‬
‫المسألة ولكنه ل يريد الحق‪.‬‬
‫يقول شيخ السللم ابن تيمية‪ ،‬في المجلد السادس من الفتاوى الللذي‬
‫نقللل المؤلللف منلله تلللك الجزئيللة الللتي يريللدها مللن )ص ‪(501 -500‬‬
‫والرسللالة كاملللة تبللدأ مللن )ص ‪ (508-485‬وإليللك قللوله ليتضللح لللك‬
‫مغالطة المؤلف الخليللي وخيلانته العلميلة‪ ،‬ثلم دعلواه الضلطراب فلي‬
‫أقوال مثبتي رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة‪:‬‬

‫يقول شيخ السلم في رسالته إلى أهللل )البحريللن( واختلفهللم فللي‬
‫صلة الجمعة قال‪) :‬والذي أوجللب هلذا‪ ،‬أن وفلدكم حلدثونا بأشلياء ملن‬
‫الفرقة والختلف بينكم‪ ،‬حتى ذكروا أن المر آل إلى قريللب المقاتلللة‪،‬‬
‫وذكروا أن سبب ذلك في» رؤية الكفار ربهم« وما كنا نظللن أن المللر‬
‫يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحللد‪ ،‬فللالمر فللي ذلللك خفيللف‪ ،‬وإنمللا المهللم‬
‫الذي يجب علللى المسلللم اعتقللاده‪ :‬أن المللؤمنين يللرون ربهللم فللي الللدار‬
‫الخرة‪ ،‬في عرصة القيامة‪ ،‬وبعدما يدخلون الجنة‪ ،‬على ما تواترت بلله‬
‫الحاديث عن النبي‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬عند العلمللاء بالحللديث‪ .‬فللإنه‬
‫أخبر‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬أنا نرى ربنا كمببا نببرى القمببر ليلببة البببدر‬
‫والشمس عند الظهيرة ل يضام في رؤيته(‪.‬‬
‫قببال‪) :‬ورؤيتلله سللبحانه‪ ،‬هللي أعلللى مراتللب نعيللم الجنللة‪ ،‬وغايللة‬
‫مطلوب الذين عبدوا ال مخلصين له الدين‪ ،‬وإن كانوا في الرؤية علللى‬
‫درجات على حسب قربهم من ال ومعرفتهم به‪.‬‬
‫والللذي عليلله جمهببور السببلف‪ ،‬أن مببن جحببد رؤيببة الب فببي الببدار‬
‫علّرف ذلللك‪،‬‬
‫الخرة‪ ،‬فهو كافر‪ ،‬فإن كان ممن لم يبلغه العلللم فللي ذلللك ُ‬
‫كما ُيعرف من لم تبلغه شرائع السلللم‪ ،‬فببإن أص بّر علببى الجحببود بعببد‬
‫بلوغ العلم له فهو كافر(‪.‬‬
‫قال‪ ):‬والحاديث والثار في هللذا كللثيرة مشللهورة قللد دون العلمللاء‬
‫فيهللا كتبللًا‪ ،‬مثللل‪» :‬كتللاب الرؤيلللة« لللللدارقطني)‪ ،(27‬ولبلللي نعيللم‪،‬‬
‫وللجري)‪ ،(28‬وذكرهللا المصللنفون فللي السللنة‪ ،‬كللابن بطلة والللكللائي‬
‫‪27‬‬

‫‪28‬‬

‫)( مطبوع‪ ،‬بتحقيق إبراهيم محمد العلي‪ ،‬وأحمد فخري سنة ‪1411‬هل مكتبة المنار‪،‬‬
‫الردن الزرقاء‬
‫)( مطبللوع‪ ،‬وهللو الجللزء السللابع مللن كتللاب الشللريعة ص ‪ 351‬المسللمى‪ -‬بكتللاب‬
‫التصديق بالنظر إلى وجه ال عز وجل تحقيللق محمللد حامللد الفقلي‪ -‬الناشلر أنصلار‬
‫السنة‪.‬‬

‫وابن شاهين‪ ،‬وقبلهم عبد ال بن أحمللد بللن حنبللل‪ ،‬وحنبللل بللن إسللحاق‪،‬‬
‫والخلل‪ ،‬والطللللبراني‪ ،‬وغيرهللللم‪ ،‬وخرجهللللا أصللللحاب الصللللحاح‪،‬‬
‫والمسانيد‪ ،‬والسنن وغيرهم(‪.‬اهل‬
‫أقببول‪ :‬فهللذا كلم شلليخ السللللم ابللن تيميللة يقللرر فيلله أن رؤيللة‬
‫المؤمنين ربهم في عرصة القيامللة بعللد مللا يللدخلون الجنللة أمللر مجمللع‬
‫عليلله‪ ،‬وأنلله لخلف بيللن السلللف فللي ذلللك لثبللوت ذلللك بالحللاديث‬
‫المتواترة عند أهل الحديث‪ ،‬فهم أهل الشأن في ذلك‪.‬‬
‫ومثله قول ابن القيم‪ ،‬وابن كللثير‪ ،‬وقبلهللم المللام أحمللد رحمهللم الل‬
‫جميعًا‪.‬‬
‫ثم قال شليخ السللم بعلد ذلللك‪ -‬وهلو ملا اقتطعله المؤللف الخليلللي‬
‫الباضي وسماه اضطرابًا عند مثبتي الرؤية‪-‬‬
‫قال‪) :‬فأما» مسبألة رؤيبة الكفبار«‪ ،‬فبأول مبا انتشبر الكلم فيهبا‪،‬‬
‫وتنازع الناس فيها‪ -‬فيما بلغنا‪ -‬بعد ثلثمائة سنة من الهجرة‪ ،‬وأمسك‬
‫عن الكلم في هذا قوم من العلماء‪ ،‬وتكلللم فيهلا آخللرون‪ ،‬فلاختلفوا فيهلا‬
‫على ثلثة أقوال‪،‬مع أني ما علمت أن أولئك المختلفين فيها تلعنوا ول‬
‫تهاجروا فيها‪ ،‬إذ في الفرق الثلثة قوم فيهم فضل وهم أصحاب السللنة(‬
‫اهل )ص‪.(486 :‬‬
‫فأنت ترى أيها القارئ الكريم‪ ،‬أن مثبتي رؤية ال في الدار الخرة‪،‬‬
‫متفقون على أن المؤمنين يللرون ربهللم فللي الللدار الخللرة فللي عرصللة‬
‫القيامة بعد دخولهم الجنة‪ ،‬علللى ملا تلواترت بله الحلاديث علن النلبي‪-‬‬
‫ل واحللدًا‪ ،‬ل يختلفللون فللي ذلللك‪ .‬بللل يوجبللون‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ -‬قو ً‬
‫عّرف كما ُيَعّرف‬
‫على كل مسلم اعتقاد ذلك‪،‬ومن لم يبلغه العلم في ذلك ُ‬
‫من لم تبلغه شرائع السلم‪ ،‬فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم فهو‬
‫كافر‪.‬‬

‫وأما الخلف الحادث فهو في»رؤية الكفار ربهم«‪ ،‬ولم يحدث ذلللك‬
‫إل بعد ثلثمائة سنة مللن الهجللرة‪ ،‬وهللو الللذي فيلله ثلثللة أقللوال‪ ،‬وهللي‬
‫أقوال في هذه المسألة وليست اضطرابًا‪.‬‬
‫والمؤلببف الخليلللي الباضللى _المنكللر لرؤيللة المللؤمنين ربهللم فللي‬
‫الخرة‪ ،‬المجمع عليها بين سلللف المللة‪ ،‬المطّلللع علللى كلم ابللن تيميللة‬
‫هذا‪ -‬نقل هذه القوال في رؤية»الكفار ربهم«إلى رؤية المؤمنين ربهللم‬
‫وسماه اضطرابًا‪.‬‬
‫وهللذا الصللنيع يتنللافى مللع نزاهللة البحللث العلمللي‪ ،‬وأمانللة العلمللاء‬
‫الصادقين في علمهم‪ .‬فلماذا يختار هذه الجزئيللة‪ ،‬ويللترك المللر المتفللق‬
‫عليه عند السلف؟‪.‬‬
‫وهذه القوال الثلثة التي نقلهللا عللن حللادي الرواح‪ ،‬موجللودة فللي‬
‫الفتاوى المجلد السللادس )ص‪ (487 :‬الللذي نقللل منلله مللن )ص‪-500 :‬‬
‫‪ (501‬كما ذكر في كتابه هنللا )ص‪ (32:‬مللا حكللاه ابللن تيميللة عللن أبللي‬
‫يعلى في مسألة رؤية الكفار‪ ،‬وعده اضطرابًا في رؤية المؤمنين تلبيس لًا‬
‫وتدليسًا‪ ،‬بل كذبًا صريحًا‪ ،‬ل يقدم على فعله مؤمن‪ ،‬فكيللف بمللن يللدعي‬
‫العللللم‪ ،‬ولكنللله الهلللوى يعملللي البصلللائر‪} ،‬فإنهللا ل تعمللى‬
‫البصللار ولكللن تعمللى القلللوب الللتي فللي‬
‫الصدور{ ]الحج‪.[46:‬‬
‫ثانياً‪ :‬و أما ما نقله المؤلف عن ابن كللثير فللي تفسللير قللوله تعللالى‪:‬‬
‫}كل إنهم عللن ربهللم يللومئذ لمحجوبللون{ فإليللك‬
‫نصلله‪ :‬يقللول ابللن كللثير ‪) :373 /8‬أي لهللم يللوم القيامللة منللزل ونللزل‬
‫جين‪ ،‬ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم‪.‬‬
‫سّ‬
‫قال المام أبو عبد ال الشافعي‪ :‬هذه اليللة دليللل علللى أن المللؤمنين‬
‫يرونه عّز وجل يومئذ‪.‬‬

‫قال‪ :‬وهذا الذي قاله الشافعي‪ -‬رحمه ال‪ -‬فللي غايللة الحسللن‪ ،‬وهللو‬
‫اسللتدلل بمفهللوم هللذه اليللة‪ ،‬كمللا دل عليلله منطللوق قللوله‪} :‬وجوه‬
‫يومئذ ناضرة ‪ .‬إلى ربها ناظرة{]القياملللة آيلللة )‪[(23-22‬‬
‫وكما دلت على ذلك الحاديث الصحاح المتللواترة فللي رؤيللة المللؤمنين‬
‫ربهم ‪-‬عللز وجللل‪ -‬فللي الللدار الخللرة‪ ،‬رؤيللة بالبصللار فللي عرصللات‬
‫القيامة‪ ،‬وفي روضات الجنات الفاخرة‪.‬‬
‫وقد قال ابن جرير‪ :‬حدثنا محمد بلن عملار الللرازي وسللاق بإسلناده‬
‫ذ‬
‫عللن الحسللن فللي قللوله‪} :‬كل إنهللم عللن ربهللم يللومئ ٍ‬
‫لمحجوبللون{ قللال‪ :‬يكشللف الحجللاب‪ ،‬فينظللر إليلله المؤمنللون‬
‫والكافرون‪ ،‬ثم يحجب عنه الكافرون‪ ،‬وينظر إليلله المؤمنللون‪ ،‬كللل يللوم‬
‫غدوة وعشية أو كلمًا هذا معناه)‪( (29‬أهل قلت‪ :‬ورواه ابن جرير بنفللس‬
‫السناد)‪.(30‬‬
‫فأنت ترى‪ ،‬أن ابن كثير ذكلر فلي تفسلير اليلة هلذا الكلم الجميلل‬
‫الحسن عن المام الشافعي رحمه ال‪ ،‬وهو استدلله رحمه الل بمفهللوم‬
‫هذه الية على رؤية المؤمنين ربهم وخالقهم‪ ،‬كما دل على ذلك منطوق‬
‫الية في قوله تعالى‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة‪ .‬إلللى ربهللا‬
‫ناظرة{ وهذا تفسير القرآن بالقرآن‪.‬‬
‫ن هذه الرؤية دلت عليهللا الحللاديث الصللحاح‬
‫ثم أضاف ابن كثير أ ّ‬
‫المتواترة‪ ،‬كما أشار إلى ما روي عن الحسن أن الحجاب ُيكشللف فيللراه‬
‫المؤمنللون والكللافرون‪ ،‬ثللم ُيحجللب الكللافرون‪ ،‬فل يرونلله بعللد ذلللك‪،‬‬
‫وتستمر الرؤية للمؤمنين‪.‬‬
‫فنقول للمؤلف الخليلي الباضي‪ :‬فأي اضطراب في هذا؟ وإنما هو‬
‫‪ ()29‬ابن كثير ‪.373 /8‬‬
‫‪ ()30‬ابن جرير ‪.100 /30‬‬

‫إشارة إلى ماسبق ذكره عن شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬من القوال الثلثللة‬
‫في رؤية الكفار ربهم‪.‬‬
‫أما رؤية المؤمنين ربهم في عرصات القيامة في الجنللة فهللذا أمللر‬
‫مجمع عليه عند المثبلتين للرؤيلة‪ ،‬وذللك للدللة الصللريحة ملن القللرآن‬
‫الكريم‪ ،‬والحاديث المتواترة كما قاله ابن كثير وغيره‪.‬‬
‫وبهذا يظهر لك أيها القارئ الكريم‪ ،‬أن المؤلف الخليلي الباضي‪،‬‬
‫من أجل أن يدعم رأي طائفته الباضية في إنكار رؤية المللؤمنين ربهللم‬
‫يوم القيامة‪ ،‬يورد هذه المغالطات التي ليجوز لمسلم أن يسلكها‪ ،‬فض ً‬
‫ل‬
‫عمن يدعي العلم‪ ،‬وذلك لمرين‪:‬‬
‫الول‪ -:‬مراقبللة الل عللز وجللل المطلللع علللى الضللمائر ومللاتخفيه‬
‫ن أهللم ذلللك أن‬
‫الصدور‪ ،‬والذي سيحاسب كللل إنسللان بمللا اقللترف‪ ،‬وِمل ْ‬
‫يقول النسان على شخص مالم يقل‪.‬‬
‫الثاني‪ -‬أن يهيئ ال من يكشف هذه المغالطات والتلبيسات في هذه‬
‫الدنيا‪ ،‬فيطلع الناس على قول من ينتسب إلى العلم‪ ،‬ثم ينسب شليئًا غيلر‬
‫صحيح إلى الخرين‪ ،‬فتنزع الثقة منه حتى عند أتباعه فل يأمنونه‪ ،‬ول‬
‫يصدقونه بعد ذلك‪ ،‬لن الفطللر السللليمة لتقبللل الكللذب والفللتراء علللى‬
‫الخريللن‪ .‬وقللد كللان أهللل الجاهليللة يمنعهللم الحيللاء مللن الكللذب علللى‬
‫خُلق الذميم عنهم‪ ،‬ففي صحيح البخللاري‬
‫الخرين مخافة أن يؤثر ذلك اْل ُ‬
‫كتاب بدء الوحي فتح الباري ح ‪ – 7‬في قصة سؤال هرقل لبي سللفيان‬
‫بن حرب علن صللفات رسللول الل ‪-‬صللى الل عليلله وسلللم – قللال أبللو‬
‫سفيان‪» :‬وال لول الحياء من أن يأثروا علي كذبًا لكذبت عنه« )‪.(31‬‬
‫فماذا يقول المؤلف الخليلي الباضي في هذا الكذب الصريح؟‬
‫‪ ()31‬البخاري‪/‬الوحي ‪،‬ح ‪.7‬‬

‫ولكني أذّكره بأن ال عّز وجل بفضله وكرمه قد جعل باب التوبة‬
‫مفتوحًا لمن أراد الرجوع إللى الحللق‪ ،‬ولشللك أن المؤللف مطللع عللى‬
‫شروط التوبة‪ ،‬ومنها القلع‪ ،‬والندم‪ ،‬وإذا كانت المعصية علن لًا‪ ،‬فلبللد‬
‫أن تكون التوبة كذلك‪ ،‬والمؤلف يعلللم أن الكللذب لسلليما الفللتراء علللى‬
‫الخرين من المعاصللي‪ ،‬وللمؤلللف رأي فللي حكللم مرتكللب المعاصللي‪،‬‬
‫وإن كنا نخالفه في حكمه للدلة على ذلك‪ ،‬ولكن عليه أن يجتنب حكملله‬
‫على نفسه‪ ،‬الذي حكم به على الخرين‪ ،‬أو يرجع لما يقوله أهللل السللنة‬
‫والجماعة في ذلك‪ ،‬وهو خير له‪.‬‬
‫وأما مايقوله المؤلف في )ص‪ (30 :‬أنه سمع محاضرة مسجلة فللي‬
‫شريط لحد خطباء الجمعة المشهورين في إحدى دول الجزيرة العربية‬
‫اسللتدل فيهللا بقللوله تعللالى‪} :‬كل إنهم عن ربهللم يللومئذ‬
‫لمحجوبون{ وكان مما قال‪ :‬إن الباضية هم الللذين يحجبللون عللن‬
‫ربهم‪ ،‬فل يرونه عندما يراه المؤمنون‪ ..‬إلخ ما قال‪.‬‬
‫فأقول‪ :‬أما أنا فلللم أسللمع هللذا الشللريط‪ ،‬ولكنللي أقللول‪ :‬لمللاذا يتللأثر‬
‫المؤلف بهذا وهو الذي ينفي الرؤية عن الل تعلالى؟ وأنله ليلراه أحلد‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬إن هذه عقيللدة طلائفته الباضلية وقللد أّلللف هللذا الكتللاب تأكيلدًا‬
‫لنفيها‪.‬‬
‫وأهل السنة والجماعة يؤمنون بما أخبر ال تعالى به في كتابه من‬
‫أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة‪ ،‬وبما أخبر به رسللوله‪ -‬صلللى ال ل‬
‫عليه وسلم‪ ،-‬من إنهم سيرون ربهم‪.‬‬
‫وقد دلت النصوص على أن الجزاء من جنس العمللل‪ ،‬فللالمؤمنون‬
‫بالرؤية يجازون في الخرة مللن جنللس عملهللم‪ ،‬وهللو حصللول الرؤيللة‬
‫لربهم وهم في جنات النعيم‪.‬‬

‫والباضللية يجللازون مللن جنللس عملهللم‪ ،‬فقللد أنكللروا الرؤيللة وردوا‬
‫النصوص الدالة عليها من الكتاب والسنة‪ ،‬فحرمانهم منها جزاًء وفاقللًا‪،‬‬
‫وليظلم ربك أحدًا‪ ،‬ولهذا فإني أرى أن الخطيب المذكور لم يقل إل مللا‬
‫اختاره المؤلف لنفسه‪ ،‬ومااختارته طائفته الباضية كذلك‪.‬‬
‫فلماذا يقول‪ :‬إن الخطيب هو الذي يقول‪ » :‬إن الباضللية يحجبللون‬
‫ص مللا اختللارته الباضللية‬
‫عن الرؤية يوم القيامللة«؟ والخطيللب إنمللا قل ّ‬
‫لنفسها شرعة ومنهاجًا‪ ،‬ولم يقل شيئًا من تلقاء نفسه‪ ،‬والدليل على ذلللك‬
‫أن المؤلف قال في )ص ‪) (32‬وذهب إلللى اسللتحالتها –أي الرؤيللة فللي‬
‫الدنيا والخللرة‪ -‬أصللحابنا الباضللية وهللو قللول المعتزلللة‪ ،‬والجهميللة‪،‬‬
‫والزيدية والمامية من الشيعة( اهل‪.‬‬
‫وأقببول – إن عللدم وقوعهللا فللي الللدنيا هللو مللايقوله أهللل السللنة‬
‫والجماعة‪ ،‬وإن الرؤيللة البصللرية لللم تثبللت لحللد فللي الللدنيا ‪ ،‬ل لنهللا‬
‫مستحيلة‪ ،‬وإنما لحكمة أرادها ال تعالى‪ ،‬ومنهللا ضللعف طاقللة النسللان‬
‫ل‪ ،‬بدليل أنه تعالى تجّلى للجبللل وهللو‬
‫في هذه الدنيا ولو كان بشرًا رسو ً‬
‫خّر موسللى صللعقًا ممللا‬
‫أقوى بنية من موسى عليه السلم فصار دكًا‪ ،‬و َ‬
‫صار إليه الجبل‪ ،‬وموسى أفضل من الجبل‪ ،‬فالجبل جماد‪ ،‬وقد تجّلى له‬
‫ربه‪.‬‬
‫أما يوم القيامة‪ ،‬فإن ال عّز وجل يجعل في هذه الجسام الضللعيفة‬
‫في الدنيا قوة – بإذنه تعالى – تمكنهم من النظر لوجهه الكريللم‪ ،‬لوعللده‬
‫لهم بذلك وال ليخلف الميعاد‪ .‬وهللذا هللو التغيللر الللذي يحللدث لصللفات‬
‫المخلوق‪ ،‬مللن كللونه ليقللوى علللى رؤيللة الل فللي الللدنيا لضللعف قللواه‬
‫وحواسه‪ ،‬ثم يقوى على ذلك في الخرة بما حباه ال من القللوة والكمللال‬
‫في دار الكمال والجمال‪.‬‬

‫أمللا صللفات الخللالق سللبحانه وتعللالى‪ ،‬فل تتغيللر ولتتبللدل‪ ،‬كمللا‬
‫يتوهمه المؤلف كما في )ص‪ .(67:‬ومن أجل ذلك الللوهم ينفللي الرؤيللة‬
‫الثابتة بالنصوص من الكتاب والسنة‪.‬‬
‫ثم إن المؤلببف الخليلللي الباضللي فللي )ص‪ (32 :‬ادعللى أن إنكللار‬
‫الرؤية الذي تقوله وتعتقده الباضية‪ ،‬والمعتزلة‪ ،‬والجهميللة‪ ،‬والزيديللة‪،‬‬
‫والمامية من الشيعة؛ هو الثابت عن سلف هذه المة‪ ،‬فنسللب ذلللك إلللى‬
‫علي بن أبي طللالب‪ ،‬وابللن عبللاس‪ ،‬وعائشللة أم المللؤمنين‪ ،‬رضللي الل‬
‫عنهم‪ ،‬ثم سرد عددًا من التابعين قال‪ :‬وهو مقتضى مللارواه ابللن جريللر‬
‫عن ابن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬إنه قال في قول موسى عليلله السلللم‪:‬‬
‫»وأنا أول المؤمنين«‪ ،‬أنه ليراك أحد‪ ،‬ثم نسب لبن جريللر أنلله روى‬
‫ذلك عللن مجاهللد‪ ،‬وابللن مردويلله عللن ابللن عمللر‪ ،‬والحسللن البصللري‪،‬‬
‫وعكرمة‪ ،‬والسللدي‪ ،‬ولللم يللذكر فللي هللذه الصللفحة أيللن روى ذلللك ابللن‬
‫جريلللر‪ ،‬إل أنللله ذكلللر اليلللة وهلللي قلللوله تعلللالى‪} :‬لتللدركه‬
‫البصار{ا‪.‬هل‪.‬‬
‫والجواب على مانسبه المؤلف الخليلي إلى السلف من أوجه‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن المؤلف –يصللرح أن إنكللار رؤيللة المللؤمنين ربهللم يللوم‬
‫القيامللة فللي عرصللات الجنللة هللو مللذهب طللائفته الباضللية والمعتزلللة‬
‫والجهميللة‪ ..‬إلللخ مللن ذكرهللم مللن هللذه الطللوائف البعيللدة عللن الكتللاب‬
‫والسنة‪ ،‬بل المحاربة لهما‪ ،‬إذ لم يحُدث أن تفرقت المة السلمية إلللى‬
‫فرق يكّفر بعضها بعضًا‪ ،‬ويضّللها ويبّدعها‪ ،‬مما شتت شمل المللة‪ ،‬إل‬
‫بعد أن دخلت هذه الفرق الضالة المضلة‪ ،‬باسم السلللم ملع المسلللمين‪،‬‬
‫ليحتموا بهذه النسبة‪ ،‬وقد سللبق )ص ‪ :(38‬ترجمللة الجهللم بللن صللفون‪،‬‬
‫المؤسللس لمللذهب الجهميلة المنسللوبة إليله‪ ،‬وبيلان ملذهبه‪ ،‬وممللن أخللذ‬
‫أفكاره التي نشرها بين المة السلمية‪ ،‬فقد نفى أسللماء الل عللز وجللل‬

‫وصفاته‪ ،‬وقال بالجبر‪ ،‬وخلق القرآن‪ ،‬ونفللى رؤيللة ال ل عللز وجللل فللي‬
‫الخرة‪ ،‬وغير ذلك من الفكار المنحرفة‪.‬‬
‫وذكر ابن الثير في الكامل ‪ 7/75‬وهللو يتحللدث عللن الجهللم قللال‪:‬‬
‫خلَذ‬
‫خَذ مقالته في نفي صفات ال علن الجعلد بلن درهللم‪ ،‬والجعلد َأ َ‬
‫وقد َأ َ‬
‫التعطيل عن أبان بن سمعان وأخذ أبان عن طالوت‪ ،‬وأخذ طالوت عللن‬
‫خاله لبيد بن العصم اليهودي الساحر الذي سحر رسول ال صلى اللل‬
‫عليه وسلم وكان لبيد زنديقًا يقول بخلق التوراة)‪.(32‬‬
‫فنقول للمؤلف‪:‬‬
‫أوًل‪ -‬هللذه سلسلللة سللند المعطّلللة الجهميللة‪ ،‬فهللل ترضللى لنفسللك‬
‫ولطائفتك الباضية أن تكونوا في صف الجهمية الللذين أخللذوا عقللائدهم‬
‫عن اليهود أعداء هذا الدين‪ ،‬الللذين وصللفهم الل بالفسللاد فللي الرض‪،‬‬
‫ولما عجزوا عن مواجهة السلم بالسيف‪ ،‬لجؤوا للكيللد للله‪ ،‬بللأن دخللل‬
‫بعضهم في السلم نفاقًا كما فعل )عبدال بللن سللبأ( الللذي أسللس عقللائد‬
‫المامية‪ ،‬في الرفض وتكفير الصللحابة‪ ،‬ودعللوى تحريللف القللرآن‪ ،‬ثللم‬
‫ختموا عقائدهم بعقائد الجهمية والعتزال‪ ،‬ومنها إنكار رؤية المللؤمنين‬
‫ربهم يوم القيامة‪ ،‬والقول بخلق القرآن‪ ،‬وقد حمل بشللر المريسللي لللواء‬
‫الجهمية في ذلك‪ ،‬والمعتزلة هم المنكللرون للرؤيللة‪ ،‬وقللد أّلللف القاضللي‬
‫عبد الجبار المعتزلي مجلدًا خاصًا بنفي الرؤية‪ ،‬وهو المجلد الرابع مللن‬
‫كتابه المسمى »المغني في أبواب التوحيد والعدل «‪.‬‬
‫‪32‬‬

‫)( جاء في صحيح البخاري في الطب‪ 10/221/-‬باب السللحر ح ‪ :5763‬لبيللد بللن‬
‫العصم وح ‪ 5765‬وفيه‪ :‬ومن طّبه؟ قال‪ :‬لبيد بن أعصللم رجللل مللن بنللي زريللق‬
‫حليف ليهود كان منافقلًا‪ .‬قلال ابلن حجلر فلي فتلح البلاري ‪ :10/226‬وفلي روايلة‬
‫مسلم‪ :‬سحر النبي – صلى ال عليه وسلم – يهللودي مللن يهللود بنللي زريللق‪ ،‬قللال‪:‬‬
‫ويجمع بينهما بأن من أطلق أنه يهودي نظر إلللى مللافي نفللس المللر‪ ،‬ومللن أطلللق‬
‫عليه منافقًا نظر إلى ظاهر أمره‪ ..‬إلخ‪.‬‬

‫وكل فصوله تدور على الفلسفة والمنطق‪ ،‬وليس لهللا صلللة بكتللاب‬
‫ال الذي أنزله الل علللى رسللوله ليخللرج بلله النللاس مللن الظلمللات إلللى‬
‫النللور‪ ،‬ومنهللا ظلمللات أصللحاب الفلسللفة والمنطللق الللذين ضلللوا فللي‬
‫عقائدهم قبل ظهور السلم‪ ،‬ولهذا قال طللاوس فللي وصللف هللؤلء‪» :‬‬
‫أصحاب المراء والمقاييس ليزال بهم المراء والمقاييس حتى يجحدوا‬
‫الرؤية ويخالفوا السنة«)‪.(33‬‬
‫كما أنه ل صلة لها بسنة رسول ال صلى ال ل عليلله وسلللم المبينللة‬
‫والشارحة لكتاب ال عز وجل‪ ،‬ومع ذلللك فللإن المؤلللف الخليلللي يفخللر‬
‫بالنتساب إلى هؤلء‪ ،‬وفي الوقت نفسه يدعي أن الباضللية لللم يأخللذوا‬
‫عقائدهم من الفلسفة والمنطق‪ ،‬ول من أصحاب المدرسة العقليللة الللذين‬
‫جعلوا العقل أسمى وأقدس وأصح وأثبت مما جاء بلله النللبيون كمللا قللال‬
‫ذلك في )ص‪.(8:‬‬
‫ومما نضيفه إلى معلومات الخليلي هو أن أهللل السللنة والجماعللة‪،‬‬
‫حكموا على الجهم بن صفوان ‪-‬لفكاره الضللالة‪ ،‬وإنكللاره أن يكللون لل‬
‫ل اسمًا أو صفة ‪-‬بالكفر)‪.(34‬‬
‫عّز وج ّ‬
‫ثانيًا‪ -‬إن مانسبه المؤلف الخليلي للسلف من أن مذهبهم هو مللذهبه‬
‫ومذهب الجهمية‪ ،‬وقد ذكر أسماء عدد من الصحابة كعلي وابللن عبللاس‬
‫وابن عمر رضي ال عنهم‪ ،‬وعدد من التابعين كما تقدم وهو فللي )ص‪:‬‬
‫‪ (32‬مللن كتلابه هللذا‪ ،‬كلذب عليهللم‪ ،‬وسنوضللح ذلللك بالروايلات الثابتلة‬
‫عنهم‪.‬‬

‫‪ ()33‬الللكائي شرح العتقاد رقم ‪.868‬‬
‫‪ ()34‬الرد على الجهمية للمام الدارمي‪ /‬باب الحتجاج في إكفار الجهمية )ص‪.(171:‬‬

‫ثم إن ذكره لهللم بهللذا السلللوب هللو لتضللليل القللارئ‪ ،‬وهللو الللذي‬
‫ل في )ص‪ (42:‬ينسبه إلى ابن عبللاس كللذبًا‪ ،‬بللأنه نفللى‬
‫سيرتب عليه قو ً‬
‫الرؤية البصرية في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫فإضافة كلمة )الخرة( إلى ابن عباس افتراء عليه‪.‬‬
‫ثلم إن اللذين سلرد أسللماءهم فلي )ص‪ (32 :‬ملن الصللحابة ونسللب‬
‫إليهم نفي الرؤية البصرية في الخرة كذب عليهم‪.‬‬
‫وإنما نفوا الرؤية البصرية في اللدنيا‪ ،‬وللم يلذكر واحللد منهلم نفلي‬
‫الرؤيللة فللي الخللرة‪ ،‬ونفللي الرؤيللة فللي الللدنيا هللو مللذهب أهللل السللنة‬
‫والجماعللة‪ ،‬لخلف فللي ذلللك بينهللم‪ ،‬والخلف الللذي حللدث فللي زمللن‬
‫الصحابة انتهى وقد كان منحصرًا هل رأى نبينا محمد صلللى الل عليلله‬
‫وسلم ربه ليلة السراء والمعراج أو ل؟ وأصبح مآل الخلف أن النللبي‬
‫صلى ال عليه وسلم وهو أكمل المة وسيدهم لم يَر ربه بعيني البصر‪،‬‬
‫بل رآه بقلبه‪.‬‬
‫ل مللن الروايللات عللن بعللض َمللن ذكللر الخليلللي‬
‫وهنللا سللأورد قلي ً‬
‫أسماءهم من الصحابة الللذين ُروي عنهلم إثبلات الرؤيلة‪ ،‬وسلوف أورد‬
‫جميع الروايات عند ذكر الدلللة ملن السللنة‪ ،‬ومللا ذلللك إل ليعلللم القللراء‬
‫المحبون للحق وأهله مدى افتراء الخليلي على الصللحابة وغيرهللم مللن‬
‫التابعين‪ ،‬وإليك تلك الروايات‪:‬‬
‫‪ -1‬روى ابلللن جريلللر فلللي تفسلللير قلللوله تعلللالى‪} :‬لتللدركه‬
‫البصار{ عن ابن عباس‪ ،‬قال‪ :‬ليحيط بصُر أحد بالَمِلك‪.‬‬
‫وعن عطية العوفي فللي قللوله‪} :‬وجوه يومئذ ناضللرة ‪.‬‬
‫إلى ربها ناظرة{ قال‪ :‬هم ينظرون إلى الل لتحيللط أبصللارهم‬
‫به من عظمته‪ ،‬وبصره يحيط بهم‪.‬‬

‫وقال أبو بكر بن أبي داود‪ :‬حدثنا عمي محمد بللن الشللعث‪ ،‬حللدثنا‬
‫ابن جبير‪ ،‬قال‪ :‬حدثني أبللي جللبير عللن الحسللن‪ ،‬عللن ابللن عبلاس‪ ،‬علن‬
‫النبي صلى ال عليلله وسلللم قللال‪» :‬إن أهببل الجنببة يببرون ربهببم تبببارك‬
‫وتعالى في كل يوم جمعة في رمال الكافور«)‪.(35‬‬
‫‪ -2‬حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا قال‪ :‬قال رسللول ال ل صلللى‬
‫ال عليه وسلم‪» :‬يرون أهل الجنة الرب تبارك وتعالى فببي كببل جمعببة‪،‬‬
‫وذكر مايعطون‪ ،‬قببال‪ :‬ثببم يقببول الب تبببارك وتعببالى‪ :‬اكشببفوا حجاببًا‪،‬‬
‫فيكشف حجاب ثم حجبباب‪ ،‬ثببم يتجلببى لهببم تبببارك وتعببالى عببن وجهببه‬
‫فكأنهم لم يروا نعمة قبل ذلك‪ ،‬وهببو قببوله تبببارك وتعببالى‪} :‬ولدينا‬
‫مزيد{)‪.«(36‬‬
‫‪ -3‬حديث عبد ال بن عمر‪ ،‬رواه الترمذي بإسللناده عللن ثللوير بللن‬
‫أبي فاختة عن ابن عمر قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلللم‪» :‬إن‬
‫أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سببنة…« إلللى قللوله‪:‬‬
‫» وإن أفضلهم منزلة من ينظر في وجببه ال ب تبببارك وتعببالى كببل يببوم‬
‫مرتين«‪.‬‬
‫ولما كان المؤلف الخليلي الباضي‪ ،‬يعلم أن أهل السنة والجماعللة‬
‫الذين يعنيهم بالرد‪ ،‬وقد وصفهم بأنهم مشبهة‪ ،‬وأنهم متفقون علللى نفللي‬
‫وقوع الرؤية في الدنيا‪ ،‬وهو يورد هذا الكلم الممّوه على القراء بنسللبة‬
‫نفي الرؤية إلى السلف‪ ،‬والسلف ليقصللدون إل نفللي الرؤيللة البصللرية‬
‫في الدنيا لفي الخرة‪ ،‬أتبع ذلك بفصل فببي )ص‪ (33:‬بعنببوان‪) :‬أدلببة‬

‫المثبتين(‪.‬‬
‫قال‪) :‬وهي تنقسم إلى قسمين(‪:‬‬
‫‪ ()35‬حادي الرواح )‪.(407‬‬
‫‪ ()36‬المعرفة والتاريخ‪ ،‬ليعقوب الفسوي ‪.3/395‬‬

‫أدلة جوازها‪ ،‬وأدلة وقوعها‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬فأما القسم الول‪ ،‬فمنه عقلي‪ ،‬ومنه نقلي‪.‬‬
‫أما العقلي فيتلخص في قياس وجود الحق على وجود الخلق‪.‬‬
‫وذلك أنهم قالوا‪ :‬إن سائر الموجودات مشتركة فللي جللواز الرؤيللة‬
‫عليها‪ ،‬وبما أن ال موجود أيضًا فإن رؤيته ممكنة‪.‬‬
‫ثم استمر في مناقشة هذه الدعوى‪ ،‬وإلللزام القللائلين بهللا بللأن هنللاك‬
‫موجودات وهي لترى كالروح والعقل‪ .‬قال‪ :‬وكذلك ال موجللود ولكللن‬
‫ل ُيرى‪.‬اهل‪.‬‬
‫والجواب على ذلك‪:‬‬
‫أن دعواه على أهل السنة والجماعة المثبتين لرؤية الل عللز وجللل‬
‫يوم القيامة في دار النعيم – وأعني بالمثبتين سلف هذه المة وأتبللاعهم‪-‬‬
‫أنهم يقيسون وجود الحق على الخلق‪ ،‬كذب وافتراء علللى السلللف‪ ،‬مللن‬
‫الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان وحاشاهم من ذلك‪ ،‬لن من قاس‬
‫الخالق على المخلوق فقد كفر‪ ،‬وذلك عين تشبيه الخالق بالمخلوق الذي‬
‫سبق حكمه‪.‬‬
‫وإنما هم يثبتون رؤية المؤمنين لربهم عز وجل بالنصللوص الصللريحة‬
‫من كتاب ال عز وجللل‪ ،‬والنصللوص الصللحيحة مللن سللنة رسللول ال ل‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولكن المؤلف الخليلي الباضي‪ ،‬ينقللل كلم المتكلميللن‪ ،‬ومللن نحللا‬
‫ل‪ ،‬ثللم ينسللب ذلللك إلللى‬
‫منحاهم في تقديم العقل على النقل‪ ،‬وجعللله أصل ً‬
‫السلف‪ ،‬الذين يلقبهم بالمشبهة‪ ،‬لنهم أثبتوا ل عز وجل ملا أثبتله لنفسلله‬
‫في كتابه وأثبته له رسوله في سنته‪ ،‬وهو يدعي أنه العلم بال والتقللى‬
‫له‪.‬‬

‫بينات أصحابها أدعياء‬

‫والبببدعاوى إن لبببم تكبببن‬
‫عليها افترائه عليهم‪ ،‬أنه لم يلذكر لقللوله هلذا مرجعلًا واحللدًا‬
‫ومما يدل على‬
‫من كتب السلف أهل السنة والجماعة‪ ،‬وإنما ذكر مرجعًا لمامه الباضللي‬
‫السالمي من كتابه مشلارق النلوار)ص ‪187‬ط ‪ (2‬ذكلر ذللك فلي حاشلية‬
‫)ص‪ (32:‬من كتابه هذا‪ ،‬وكيف يأخذ حجته علللى دعللواه مللن كتللب أئمتلله‬
‫الذين هو وإياهم على عقيدة واحدة؟‬
‫وإليك ما يبين بطلن قوله من كتب أهل السنة الذين يلقبهم بالمشبهة‪،‬‬
‫أسوة بكل عدو لدود‪ ،‬ومنحرف عن سنن الحق حسود‪.‬‬
‫أخرج المام ابن منده في كتاب التوحيد بإسللناده عللن أبللي يوسللف‬
‫القاضي)‪ (37‬أنه قال‪ »:‬ليس التوحيد بالقياس؛ ألم تسمع إلببى قببول ال ب‬
‫عز وجل في اليات التي يصف بها نفسه أنه عالم‪ ،‬قببادر‪ ،‬قببوي‪ ،‬ولببم‬
‫يقل‪ :‬إني قادر عالم لعلة كذا‪ ،‬أقدر بسبب كذا أعلم وبهذا المعنى أملك‪،‬‬
‫فلذلك ليجوز القياس في التوحيد وليعببرف إل بأسببمائه‪ ،‬ول يوصببف‬
‫حببده وليببس‬
‫إل بصفاته‪ «..‬إلى أن قال رحمه ال‪ »:‬فقد أمرنا ال أن نو ّ‬
‫التوحيد بالقياس‪ ،‬لن القياس يكببون فببي شببيء لببه شبببه ومثببل‪ ،‬فببال‬
‫تعالى وتقدس لشبه له ولمثل له‪ ،‬تبببارك ال ب أحسببن الخببالقين«‪ ،‬ثللم‬
‫قال‪» :‬وكيف يدرك التوحيد بالقياس وهو خالق الخلق بخلف الخلببق؟‬
‫ليس كمثله شيء تبارك وتعالى‪ ،‬وقد أمرك ال عز وجل أن تؤمن بكل‬
‫ماأتى به نبّيه – صببلى ال ب عليببه وسببلم‪ -‬فقببال‪} :‬ياأيها الناس‬
‫إّني رسول الللله إليكللم جميعلا ً الللذي للله ملللك‬
‫السموات والرض لإله إل هللو يحيللي ويميللت‬
‫فآمنوا بالله ورسوله النبي المي الذي يللؤمن‬
‫‪ ()37‬ترجمة أبي يوسف القاضي‪ .‬سير أعلم النبلء ‪.8/470‬‬

‫بالله وكلماته واّتبعوه لعلكم تهتللدون{‪.‬‬

‫]العلللراف‪:‬‬

‫‪.[158‬‬

‫فقد أمرك ال عز وجل بأن تكون تابعًا سامعًا مطيعًا‪ ،‬ولببو يوسببع‬
‫على المة التماس التوحيد وابتغاء اليمببان برأيببه وقياسببه وهببواه إذًا‬
‫ق‬
‫لضلوا‪ ،‬ألببم تسببمع إلببى قببول ال ب عببز وجببل‪} :‬ولو اّتبع الح ّ‬
‫ءهم لفسللدت السللموات والرض ومللن‬
‫أهللوا َ‬
‫فيهن{ ]المؤمنون‪ [71:‬فافهم مافسر به ذلك )‪ «(38‬اهل‪.‬‬
‫وهللو كلم طويللل نفيللس فيلله رد علللى الملحللدين فللي الربوبيللة وفللي‬
‫السماء والصفات‪.‬‬
‫ويقول شيخ السلم ابن تيمية في أول رسالة العقيللدة الواسللطية‪»:‬‬
‫وليقبباس بخلقببه سبببحانه فببإنه أعلببم بنفسببه وبغيببره‪ ،‬وأصببدق قي ً‬
‫ل‬
‫وأحسن حديثًا من خلقه«‪.‬‬
‫ونحن نطالب المؤلف أن يسمي واحللدًا مللن أهللل السللنة والجماعللة‬
‫قال بقياس ال بخلقه فكتبهم موجودة‪ ،‬وأقللوالهم محفوظللة‪ ،‬وتلللك أقللوال‬
‫بعضهم ذكرناها ليتبين للقارئ زيلف دعللوى المؤلللف علللى أهللل السللنة‬
‫والجماعة‪.‬‬
‫وفي )ص‪ (24:‬قال‪) :‬وأما النقللي‪ ،‬فبعضله ملن الكتلاب‪ ،‬وبعضله ملن‬
‫السنة‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأما من الكتاب فدليلن‪:‬‬
‫ب أرني‬
‫‪ -1‬سؤال موسى الكليم عليه السلم الرؤية بقوله‪} :‬ر ّ‬
‫أنظر إليك{‪.‬‬
‫‪ -2‬قول ال سبحانه‪} :‬ولكن انظر إلى الجبللل فللإن‬
‫ر مكانه فسوف تراني{ ] العراف‪.([134:‬‬
‫استق ّ‬
‫‪ ()38‬كتاب التوحيد‪ ،‬لبن منده ‪.306-3/304‬‬

‫ثم قال‪) :‬وجه استدللهم بلله‪ :‬أن موسللى عليلله السلللم نللبي وليجللوز‬
‫عليلله أن يسللأل ال ل المسللتحيل‪ ،‬فلمللا كللان عالم لًا بجوازهللا‪ ،‬اجللترأ علللى‬
‫سؤالها‪ ،‬ووجه الستدلل بالشطر الثاني‪ :‬أنه عّلللق الرؤيللة علللى اسللتقرار‬
‫الجبل‪ ،‬وهو في ذاته ممكن‪ ،‬والمعلق على الممكن ممكن مثله(‪.‬‬
‫هكذا حرر استدلل المثبتين للرؤية بسللؤال موسللى‪ ،‬كمللا فللي )ص‪:‬‬
‫‪ (34،39‬ثم بدأ بالرد عليه فقال‪) :‬وأجيب على أن موسى عليه السلم كان‬
‫عارفًا باستحالتها‪ ،‬ولم يرد بسؤالها نيل المستحيل‪ ،‬وإنمللا أراد ردع قللومه‬
‫جللوا فللي طلبهللا‪ ،‬وعّلقللوا عليهللا إيمللانهم برسللالته‪ ،‬فلعلهللم عنللدما‬
‫الللذين ل ّ‬
‫ُيقرعون بالرد الحاسم باستحالتها يرعللوون عللن غّيهللم‪ ،‬ويللتراجعون عللن‬
‫جرأتهللم‪ ،‬خصوصللًا عنللدما يقللترن الللرد بآيللة تزجرهللم عللن مثللل هللذا‬
‫التعنت(‪.‬ثم أورد آيات منها قول بني إسرائيل لموسى‪} :‬لن نللؤمن‬
‫لك حتى نرى الللله جهللرة{ ]البقلللرة‪ .[55:‬وقللوله تعللالى‪:‬‬
‫}فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقللالوا أرنللا‬
‫ب لو شللئت‬
‫الله جهرة{ ]النسلللاء‪ .[153:‬وقللوله تعللالى‪} :‬ر ّ‬
‫أهلكتهللم مللن قبللل وإي ّللاي أتهلكنللا بمللا فعللل‬
‫السفهاء منا إن هي إل فتنتك…{ ] العراف‪.[155:‬‬
‫وفي )ص‪ (36:‬قال‪) :‬والخلصة‪:‬أن موسى عليه السلللم ماسللأل الل‬
‫الرؤية طامعًا في حصولها وإنما سألها ليكللون سللؤاله وسلليلة مللن وسللائل‬
‫القناع الذي يحرص عليه‪ ،‬وأسلوبًا من أسللاليب اللدعوة اللتي يقللوم بهللا(‪.‬‬
‫قال‪):‬ومثله إبراهيم عليه السلم في محاجته مع قومه()ص ‪.(38-37‬‬

‫الرد على افتراء المؤلف على نبي الله موسى‬
‫عليه السلم‬

‫وزعمه أن سؤال رؤية اللتته فكتترة يهوديتتة‪،‬‬
‫ودحضها‬

‫إن المؤلللف الخليلللي الباضللي قللد تعمللد فللي كلملله هللذا التمللويه‬
‫والمغالطات والقول على نبي ال موسى عليه السلم بل علم‪.‬‬
‫وغرضلله مللن ذلللك الّتلللبيس والتشللويش علللى قللراء كتللابه الللذين‬
‫ليللدركون تلللك المغالطللات المتعمللدة‪ ،‬إمللا لعللدم معلومللاتهم فللي مجللال‬
‫العقيدة‪ ،‬وفهم أساليب هؤلء التي يضللون بها من ليعرف مناهجهم‪.‬‬
‫ض النظر عن الدلللة الدالللة‬
‫أو من الباضية المقلدين لرؤسائهم بغ ّ‬
‫على بطلن مايدعيه المؤلف من كتاب ال عز وجل‪ ،‬وسللنة نللبيه عليلله‬
‫الصلة والسلم الصحيحة الموضحة لبطلن قوله ومخالفته للنصوص‬
‫الصريحة‪.‬‬
‫وإليك الجواب المفصل على تلك المغالطات‪:‬‬
‫فنقول‪ :‬إن موسى عليه السلم سأل رّبلله عللز وجللل الرؤيللة طمعلًا‬
‫في الحصول عليها‪ ،‬لن سؤاله ربه لينظر إليه جاء في حال الصطفاء‬
‫والتكريم من ال عز وجل للكليم موسى عليه السلم‪ ،‬الذي اصطفاه ال ل‬
‫برسالته وبكلمه له من غير واسطة‪ ،‬وليس لذلك السللؤال مللن موسللى‬
‫عليه السلم صلًة بتعنت بني إسرائيل في سؤالهم موسى أن يريهللم اللل‬
‫جهللرة‪ ،‬لن أسللئلتهم تلللك جللاءت فللي آيللات أخللر سللبقت فللي مناسللبات‬
‫وملبسات سيأتي تبيانها قريبًا‪.‬‬
‫وإليك سياق اليات الدالة على أن سؤال موسى في مقام التكريم له‬
‫من ربه‪.‬‬

‫قلللال تعلللالى‪} :‬وواعللدنا موسللى ثلثيللن ليلللة‬
‫م ميقات ربه أربعيللن ليلللة‬
‫وأتممناها بعشر فت ّ‬
‫وقللال موسللى لخيلله هللارون اخلفنللي فللي‬
‫قومي وأصلح ولتتبع سبيل المفسدين‪ ،‬ولمللا‬
‫ب أرني‬
‫جاء موسى لميقاتنا وكّلمه رّبه قال ر ّ‬
‫أنظر إليك قللال لللن ترانللي ولكللن انظللر إلللى‬
‫مللا‬
‫الجبل فإن استقّر مكانه فسوف ترانللي فل ّ‬
‫تجّلى رّبه للجبل جعله دك ّا ً وخّر موسى صللعقا ً‬
‫فلما أفاق قال سللبحانك تبللت إليللك وأنللا أول‬
‫المؤمنين{‪].‬العراف‪.[143 -142 :‬‬
‫فأهل العقول السليمة الباقية على فطرتها‪ ،‬والللتي لللم تلوثهللا حثالللة‬
‫الفكار الدخيلة المنحرفة التي أدخلها أعداء هذا الدين وتبنتهللا الجهميللة‬
‫والمعتزلللة‪ ،‬واحتضللنتها الباضللية ممثلللة فللي زعمائهللا‪ ،‬تللرى وتعقللل‬
‫صراحة الية الكريمة في أن موسى عليه السلللم جللاء علللى وعللد مللن‬
‫ل مباشللرة دون واسللطة الَمَلللك‪ ،‬وهللذه‬
‫رّبه عز وجل‪ ،‬فكّلمه ال عّز وج ّ‬
‫من الخصائص التي خص ال بها نبيه موسى عليه السلم‪ ،‬كما كتب له‬
‫التوراة بيده‪ ،‬كما ثبت في حللديث الصللحيحين فللي محاجللة آدم وموسللى‬
‫عليهما السلم‪.‬‬
‫فلما سللمع موسللى عليلله السلللم كلم ربلله وهللو فللي مقللام التكريللم‬
‫ي تكريم أعظللم مللن أن يكلملله رّبلله مشللافهة‬
‫والتشريف والصطفاء‪ ،‬وأ ّ‬
‫دون واسطة‪ ،‬وعند ذلك طمع موسى عليه السلللم فللي المزيللد مللن هللذا‬
‫ب أرني أنظر إليك{‪ ،‬ولكن ال ل‬
‫الفضل‪ ،‬فسأل ربه بقوله‪} :‬ر ّ‬
‫عز وجل لعلملله بحللال خلقلله وضللعفهم كمللا قللال تعللالى‪} :‬أل يعلم‬
‫من خلق وهو اللطيف الخبير{ ]المللللك‪،[14 :‬للل ولحكمتلله‬

‫البالغة‪ ،‬وأن مناط اليمللان فللي الللدنيا اليمللان بلالغيب‪ ،‬قضللى فللي هللذه‬
‫الدنيا أن ليراه أحد من البشر‪ ،‬ل لن الرؤية له عز وجل مستحيلة كما‬
‫يدعي الخليلي الباضي وسلفه الجهمية‪ ،‬وإنما لضعف ُبْنية موسى عليه‬
‫السلم؛ بدليل أنه تعالى في الوقت نفسلله تجلّللى لبعللض مخلوقللاته وهللو‬
‫الجبل الجماد العظم بنيًة من موسى‪ ،‬فصار الجبللل دكلًا‪ ،‬فلللم يقلَو ولللم‬
‫يثبت لذلك التجلي‪ ،‬وموسى عليه السلم رأى تلللك الثللار الللتي أحللدثها‬
‫خّر مغشيًا عليه‪.‬‬
‫تجّلي ال عز وجل للجبل‪َ ،‬ف َ‬
‫فبين بذلك الحكمة البالغة التي يعلمها من حال خلقه وأنهم في حللال‬
‫ضلعفهم فلي هلذه اللدنيا ليقللوون عللى الرؤيللة‪ ،‬قضلاء ملن الل العليلم‬
‫الحكيم‪ ،‬وأن موسى عليه السلم ليقللوى علللى تحمللل هللذه الرؤيللة فللي‬
‫الحياة الدنيا‪ ،‬ولذا قال له‪} :‬لن تراني{ يعني في هذه الدنيا‪.‬‬
‫وأمللا فللي الخللرة فللي دار النعيللم فللي الجنللة‪ ،‬فقللد دّلللت اليللات‬
‫الصريحة والحاديث الصحيحة عن النبي صلى الل عليله وسللم اللتي‬
‫بلغت حّد التواتر أن المؤمنين يرون ربهم يللوم القيامللة وهللم فللي الجنللة‬
‫دار النعيللم‪ ،‬وفللي مقللدمتهم الرسللل الكللرام‪ ،‬وسلليأتي ذكللر شلليء مللن‬
‫النصوص في هذا الباب في موضعه‪.‬‬
‫ولمللانع مللن أن أواصللل مللع المؤلللف الحللديث فللي معنللى آيللة‬
‫العللراف الكريمللة‪ ،‬فببأقول‪ :‬حقلًا إن سللؤال موسللى عليلله السلللم ربلله‬
‫الرؤيللة ل صلللة للله بتعّنللت بنللي إسللرائيل؛ لن المقللام مقللام اصللطفاء‬
‫وتكريلم‪ ،‬ل مقلام تعّنلت وعنلاد ملن بنلي إسللرائيل لموسللى‪ ،‬كملا يلّبلس‬
‫المؤلف؛ بدليل أنه لما أفاق عليه السلللم مللن غشلليته حينمللا تجّلللى رّبلله‬
‫للجبللل فجعللله دك لًا‪ ،‬وخللر موسللى صللعقًا قللال‪ }:‬سبحانك تبت‬
‫إليك وأنا أول المؤمنين{ فقللال الل للله بعللد ذلللك مباشللرة‪:‬‬
‫} ياموسلللى إنلللي اصلللطفيتك عللللى النلللاس‬

‫برسالتي وبكلمي فخللذ مللا آتيتللك وكللن مللن‬
‫الشللاكرين‪ .‬وكتبنللا للله فللي اللللواح مللن كللل‬
‫شلليء موعظللة وتفصلليل ً لكللل شلليء فخللذها‬
‫بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سُأريكم دار‬
‫الفاسقين{ ]العراف‪.[145 -144 :‬‬
‫وهذا ما رواه ابن جرير في تفسللير اليللة قللال‪):‬كللان سللبب مسللألة‬
‫موسى ربه النظر إليه‪ ،‬ماحدثني به موسى بن هارون‪ ،‬ثم سللاق إسللناده‬
‫ب أن ينظللر‬
‫إلى السدي قال‪ :‬إن موسى عليه السلللم لمللا كّلملله رّبلله أحل ّ‬
‫ب أرني أنظر إليك قللال للن ترانلي‬
‫إليه‪} :‬قال ر ّ‬
‫…{ الية(‪.‬‬
‫ثم ساق بإسناده عن الربيع في قوله‪} :‬وقربناه نجيا ً{‪ .‬قللال‪:‬‬
‫)حدثني من لقي أصحاب النبي صلى ال عليه وسلللم‪ ،‬أنلله قّربلله ال لّر ُ‬
‫ب‬
‫ب أرني‬
‫حتى سمع صريف القلم فقال عند ذلك من الشوق إليه‪} :‬ر ّ‬
‫أنظر إليك قللال لللن ترانللي ولكللن انظللر إلللى‬
‫الجبل{‪.‬‬
‫وروى بإسناده عن أبي بكر الهذلي قال‪) :‬لما تخّلللف موسللى عليلله‬
‫السلم بعد الثلثين حتى سمع كلم اللل‪ ،‬اشللتاق إلللى النظللر إليلله فقللال‪:‬‬
‫ب أرني أنظر إليك قال لن تراني{ )وليس لبشللر‬
‫}ر ّ‬
‫ي في الدنيا‪. (..‬‬
‫أن يطيق أن ينظر إل ّ‬
‫وروى عن ابللن حميللد بإسللناده عللن أبللي إسللحاق‪ ،‬قللال‪):‬اسللتخلف‬
‫موسى هارون على بني إسرائيل وقال‪ :‬إني متعجل إلى ربي‪ ،‬فللاخلفني‬
‫في قومي ولتتبع سللبيل المفسللدين… فلمللا كّلللم الل موسللى‪ ،‬طمللع فللي‬
‫رؤيته‪ ،‬فسللأل ربلله أن ينظللر إليلله فقللال ال ل لموسللى‪} :‬لن تراني‬

‫ولكللن انظللر إلللى الجبللل فللإن اسللتقر مكللانه‬
‫فسوف تراني{ )‪] .(39‬العراف‪.[143 :‬‬
‫فهذا ما أورده ابن جرير في بيان سبب سؤال موسى رّبه أن يراه‪،‬‬
‫وقد اطّلع عليه المؤلف الخليلي الباضي‪ ،‬وإذا كان المللر كللذلك فيحللق‬
‫لي أن أقول له‪:‬‬
‫أين في هذا المقام سؤال بني إسرائيل لموسى أن يريهم ال جهرة‪،‬‬
‫كما أوردت تلك اليات‪ ،‬التي وردت في مقامات أخلرى‪ ،‬بّيلن الل فيهلا‬
‫تلك المواقف التي وقف فيها بنللو إسللرائيل مللع نللبيهم عليلله السلللم مللن‬
‫التعنت وسوء الدب مع نبي ال موسى عليه السلم‪ ،‬ومع أخيه هارون‬
‫حتى عبدوا العجل‪ ،‬وعليه فإنك أيها الخليلي‪ :‬لتريد بإيراد تلللك اليللات‬
‫إل التلبيس والتدليس‪ ،‬وإل فأنت تعلم من أقوال المفسرين أن ماورد في‬
‫تلك اليات هو النهي عن أسئلة التعّنت التي كان يوجه مثلها اليهود إلى‬
‫موسى عليه السلم‪ ،‬نعم تعلم ذلك ولكن الهوى وحب التضللليل يصللدان‬
‫صاحبهما عن سواء السبيل‪.‬‬
‫يقلللول ابلللن كلللثير فلللي تفسلللير قلللوله تعلللالى‪} :‬وإذ قلتللم‬
‫ياموسى لن نؤمن لك حللتى نللرى الللله جهللرة‬
‫فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون{ ]البقرة‪.[55 :‬‬
‫)قال ابن جريج‪ ،‬قال ابن عباس فللي هللذه اليللة‪ …} :‬جهرة{‬
‫قال‪ :‬علنية‪ .‬وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق‪ ،‬عن أبي‬
‫الحويرث عن ابن عباس‪ ،‬أنه قال في قول ال تعللالى‪} :‬لن نللؤمن‬
‫لك حتى نرى الله جهرة{ أي علنية‪ ،‬أي حتى نرى ال‪.‬‬
‫وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس‪ :‬هللم السللبعون الللذين اختللارهم‬
‫موسى فساروا معه‪.‬‬
‫‪ ()39‬تفسير ابن جرير ‪.50-9/49‬‬

‫قال‪ :‬فسمعوا كلمًا‪ ،‬فقالوا‪} :‬لن نؤمن لك حتى نللرى‬
‫الله جهرة{‪ ،‬قال‪ :‬فسمعوا صوتًا فصعقوا‪ ،‬يقول‪ :‬ماتوا‪.‬‬
‫وقللال السللدي‪} »:‬فأخللذتكم الصللاعقة{ فمللاتوا‪ ،‬فقللام‬
‫ب‪ ،‬ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم‬
‫موسى يبكي ويدعو ال ويقول‪ :‬ر ّ‬
‫وقللد أهلكللت خيللارهم‪} ،‬لو شللئت أهلكتهللم مللن قبللل‬
‫وإياي أتهلكنا بما فعل السللفهاء منللا{ ] العلللراف‪:‬‬
‫‪ [155‬فأوحى ال إلى موسى أن هؤلء السبعين ممن اتخذوا العجل‪ ،‬ثم‬
‫إن ال أحياهم فقاموا وعاشوا‪ ،‬رجل رجل‪ ،‬ينظر بعضللهم إلللى بعللض‪،‬‬
‫كيف يحيون؟ قال‪ :‬فذلك قوله تعللالى‪} :‬ثم بعثناكم مللن بعللد‬
‫موتكم لعلكم تشكرون{« ] البقرة آية‪.[65 :‬‬
‫ويقللول البغللوي فللي تفسللير قللوله تعللالى‪} :‬يسللألك أهللل‬
‫الكتاب أن تنّزل عليهم كتابا ً من السللماء فقللد‬
‫سألوا موسى أكبر من ذلللك فقللالوا أرنللا الللله‬
‫جهرةً فأخلذتهم الصلاعقة بظلمهللم…{ ] النسللاء‪:‬‬
‫‪.[153‬‬

‫يقول‪) :‬وذلك أن كعب بللن الشللرف وفنحللاص بللن عللازوراء مللن‬
‫اليهود قال لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪:-‬إن كنللت نبيلًا فأتنللا بكتللاب‬
‫جملة مللن السللماء كمللا أتللى موسللى عليلله السلللم؟!‪ ،‬فللأنزل الل عليلله‪:‬‬
‫}يسألك أهل الكتاب …{ الية‪.‬‬
‫وكان هذا السؤال منهم سؤال تحّكم واقتراح‪ ،‬لسؤال انقيللاد‪ ،‬وال ل‬
‫تعالى لينزل اليات على اقتراح العباد‪.‬‬
‫ثم قال ال‪} :‬فقد سألوا موسى أكبر مللن ذلللك{‬
‫أي‪ :‬أعظم من ذلك‪ ،‬يعني‪ :‬السبعين الذين خرج بهم موسى عليه السلللم‬
‫إلى الجبل‪} ،‬فقالوا أرنا الله جهرة{ أي‪ ،‬عيانللًا‪ .‬قللال أبللو‬

‫عبيدة‪ :‬معناه قالوا جهرة أرنا ال( )‪.(40‬‬
‫وهذا ظاهر وواضح لمن أنار ال بصليرته‪ ،‬أنله سللؤال تعنلت ملن‬
‫السللبعين الللذين اختللارهم موسللى عليلله السلللم كمللا فللي قللوله تعللالى‪:‬‬
‫}واختار موسللى قللومه سللبعين رجل ً لميقاتنللا‬
‫فلمللا أخللذتهم الرجفللة قللال رب لللو شللئت‬
‫أهلكتهللم مللن قبللل وإيللاي أتهلكنللا بمللا فعللل‬
‫السفهاء مّنا إن هي إل فتنتللك تضللل بهللا مللن‬
‫تشاء{]العراف‪.[155 :‬‬
‫فعاقبهم ال عللز وجللل علللى ذلللك كمللا فللي قللوله‪} :‬فأخذتهم‬
‫الصاعقة بظلمهم‪ ] {..‬النساء‪ .[153 :‬وهي الرجفللة الللتي جللاء‬
‫ذكرها في آية سورة العراف‪.‬‬
‫فسؤال اليهود لموسى رؤيللة الل فللي الللدنيا هللو مللن بللاب التحللدي‬
‫للرسل‪ ،‬وعدم اليمان بما أخبرهم موسى بلله‪ ،‬إل بشللرط أن يريهللم الل‬
‫جهرة‪} :‬لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة{ ] البقلللرة‪:‬‬
‫‪ [55‬والمطلوب منهم اليمان بالغيب‪ ،‬وتصديق الرسللل‪ ،‬لنهللم إذا رأوا‬
‫ال تعالى في الدنيا لم يكن إيمانهم به إيمانًا بللالغيب‪ ،‬ولتصللديقًا للرسللل‬
‫فيما جاؤوا به‪.‬‬
‫وبهذا يتضح للقارئ الكريم‪ ،‬أنلله لصلللة بيللن سللؤال موسللى عليلله‬
‫السلم رّبه الرؤية وبين تعنت بني إسللرائيل فللي طلبهللم مللن موسللى أن‬
‫يريهم ال جهرة كي يؤمنوا به‪ ،‬والحق أن موسى عليه السلم إنما سأل‬
‫ربه الرؤية طمعًا في الحصول عليهلا وشللوقًا إللى النظلر إللى الل علز‬
‫وجل‪ ،‬لما سمع كلمه‪ ،‬كما سبق نقل ذلللك فللي الصللفحات السللابقة عللن‬
‫ابن جرير‪ ،‬حيث نص على سبب سؤال موسى ربه‪ ،‬وقللد سللأل موسللى‬
‫‪ ()40‬تفسير البغوي ‪.1/495‬‬

‫ربه أمللرًا ممكنلًا وجلائزًا وأنلله غيللر مسلتحيل ‪-‬كملا يلدعي المؤلللف أن‬
‫موسى يعلم استحالتها‪ ،‬وقد سأله مع علمه بذلك‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذه الدعوى من جملة افتراءاته على مللن أنللزل ال ل عليلله‬
‫التوراة‪ ،‬وأيد باليات المعجزات فهذا افتراء عليه‪ ،‬عليه السلم‪.‬‬
‫قال أبو العالية‪ »:‬لما رأى موسى ذلك وأفاق‪ ،‬عرف أنه سأل أمللرًا‬
‫لينبغلللي لللله فقلللال‪} :‬سللبحانك تبللت إليللك وأنللا أول‬
‫عَنى أّني أول من آمن بك أنه لن يراك أحللد قبللل يللوم‬
‫المؤمنين{‪َ ،‬‬
‫القيامة)‪.«(41‬‬
‫كما أن سؤال رؤية ال عز وجل فللي الخللرة والنظللر إلللى وجهلله‬
‫الكريم كما قال الصحابة لرسول ال ‪-‬صلللى الل عليلله وسلللم ‪»:-‬أنببرى‬
‫ربنا يوم القيامة؟ قال‪ :‬نعم …« إلخ‪.‬‬
‫ليس من جنس سؤال اليهود رؤية ال في الدنيا‪.‬‬
‫فإن سؤال الصحابة مشروع‪ ،‬وسؤال اليهود ممنوع‪.‬‬
‫وقد سأل النبي – صلى ال عليه وسلم – في دعائه رّبه النظر إلللى‬
‫وجهه الكريم؛ كما روى المام أحمد وابن حبان والحاكم‪ ،‬إنه كان يقول‬
‫في دعائه‪» :‬اللهم بعلمك الغيب وقدرتك علببى الخلببق؛ أحينبي مباعلمت‬
‫الحياة خيرًا لي‪ ،‬وتوفني إذا علمت الوفاة خيببرًا لببي‪ ،‬وأسببألك خشببيتك‬
‫في الغيب والشهادة‪ ،‬وكلمة الحق فببي الغضببب والرضببا‪ ،‬والقصببد فببي‬
‫الفقر والغنى‪ ،‬ولذة النظر إلى وجهك‪ ،‬والشببوق إلببى لقببائك‪ ،‬مببن غيببر‬
‫ضراء مضّرة‪ ،‬ولفتنة مضلة‪ ،‬اللهم زّينا بزينة اليمان‪ ،‬واجعلنا هببداة‬
‫مهتدين«)‪.(42‬‬

‫‪ ()41‬تفسير ابن جرير ‪.9/55‬‬
‫‪ ()42‬النسائي ‪ 3/54،55‬وأحمد ‪ 4/364‬وإسناده جيد‪.‬‬

‫ونقول للخليلي‪ :‬الباضي‪ :‬هل الرسول طلب مللن ال ل مللايجوز للله‬
‫طلبه‪ ،‬أو اعتللدى فللي دعللائه‪ ،‬كاعتللداء اليهللود لمللا طلبللوا أن يللروا الل‬
‫جهرًة؟‪.‬‬
‫فإن قلت بالولى‪ :‬أنصفت وهدمت باطلك‪ ،‬وهو جدير بالهدم‪.‬‬
‫وإن قلت بالثانية‪ :‬فقد كابرت وغامرت‪ ،‬وركبت متن عميللاء‪ ،‬وخبطللت‬
‫خبللط عشللواء‪} ،‬وسيعلم الذين ظلمللوا أي منقلللب‬
‫ينقلبون{]الشعراء‪.[227:‬‬
‫أما نفي حصول الرؤية في الدنيا لموسى عليه السلللم وغيللره مللن‬
‫البشر فهو أمر مجمع عليه عند أهللل السللنة مللن سلللف هللذه المللة‪ ،‬لن‬
‫الخلف الذي حدث في عهللد الصللحابة‪ ،‬بيللن قللول عائشللة أم المللؤمنين‬
‫رضي ال عنها في نفيها رؤيلة النلبي صللى الل عليلله وسلللم رّبلله ليلللة‬
‫السللراء والمعللراج‪ ،‬ومللا روي عللن ابللن عبللاس فللي إثباتهللا‪ ،‬قللد تكلللم‬
‫العلماء في ذلك‪ ،‬فبينوا أن الرؤية في حللديث ابللن عبللاس المقصللود بهللا‬
‫الرؤية القلبية‪ ،‬والمنفي فلي روايللة عائشلة الرؤيلة البصلرية‪ ،‬وهلذا ملا‬
‫اتفق عليه أهل السنة والجماعة‪ ،‬لحديث أبي ذر في صحيح مسلم وفيله‪:‬‬
‫»هل رأيببت ربببك‪ ،‬قببال رسببول الب صببلى الب عليببه وسببلم‪ :‬نببور أّنبى‬
‫أراه؟«)‪.(43‬‬
‫ل محله التفاق على أن رؤيللة ال ل فللي‬
‫طوي ذلك الخلف وح ّ‬
‫وقد ُ‬
‫ل‪.‬‬
‫الحياة الدنيا غير ممكنة‪ ،‬ولو كان المتطلع إليها نبيًا رسو ً‬
‫ولكن المؤلللف الخليلللي الباضللي يتعمللد الغللش والمغالطللة لقللرائه‬
‫ل حجللب الشللمس بعبلاءته ليحمللل وزره ووزر مللن‬
‫ويمّوه عليهم محلاو ً‬
‫أضلهم بغير علم‪ ،‬إن لم يتب إلى ال قبل الغرغرة ثم النتقال إلى ال‪.‬‬
‫‪ ()43‬مسلم‪ /‬اليمان‪ ،‬ح)‪.(178‬‬

‫ومن مغالطاته المكشوفة‪ :‬أنلله يللورد الدلللة مللن السللنة الللتي فيهللا‬
‫التصريح بنفي الرؤية ل في الدنيا‪ ،‬ويجعلها أدلة عامة في نفللي الرؤيللة‬
‫في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ولهذا يقول‪ ):‬إن نفي الرؤية قد وردت الحاديث به في صللحيحي‬
‫البخاري ومسلم وفي مسند المام الربيع بن حبيب( ‪.‬‬
‫يقول ذلك في )ص‪ 40 :‬سطر ‪(9،10‬‬
‫ونسب ذلك إلى أم المؤمنين عائشللة رضللي ال ل عنهللا وهللي تنفللي‬
‫ل نص هذه المغالطة‪ ،‬ثم الرد عليهللا‬
‫حصول الرؤية في الدنيا‪ ،‬وإليك أو ً‬
‫بالدلة الصريحة‪:‬‬
‫يقللول فللي )ص‪ (40-39 :‬وهللو يتحللدث عللن أدلللة المثبللتين النقليللة‬
‫والتي تدل على جوازها بعد أن ذكر الدلة من القرآن‪ ،‬حسللب مللايرى‬
‫هو ويختار‪.‬‬
‫قال‪):‬وأما من السنة‪ :‬يعني من الدلة النقلية لهل السنة فللي إثبللات‬
‫جواز الرؤية‪ ،‬فما روي عن جماعة من الصللحابة رضللوان ال ل عليهللم‬
‫من إثبات رؤيته صلى ال عليه وسلم لربه ليلة السراء والمعراج(‪.‬‬
‫قال‪):‬ووجه استدللهم بذلك على إمكللان الرؤيللة‪ ،‬أنهللا لللو لللم تكللن‬
‫ل وأغللزر‬
‫ممكنة لما قللال بوقوعهللا أحللد مللن الصللحابة‪ ،‬وهللم أوفللر عق ً‬
‫علمًا‪ (..‬إلخ‪ ،‬إلى أن قال‪) :‬ووجلله اعتبللار هللذا الللدليل مللن السللنة‪ ،‬أنهللم‬
‫رضي ال عنهم ليقولون شيئًا من نحو هذا اعتباطًا ولكللن اسللتنادًا إلللى‬
‫ماعلموه من رسول ال صلى ال عليه وسلم(‪.‬‬
‫هذا قول المؤلف‪ :‬ثم يتبعه بالرد عليه‪ ،‬ورّده هللو دليللل أهللل السللنة‬
‫على أن الرؤية لم تثبت لحد من البشر في هذه الدنيا‪ ،‬وقبل بيللان وجلله‬
‫المغالطة في ذلك نسأل المؤلف‪:‬‬

‫أوًل‪ :‬مللن قللال هللذا مللن أهللل السللنة والجماعللة سلللف هللذه المللة‬
‫المثبتين للرؤية ممن تسمّيهم )حشوية( وتصفهم بالمشلّبهة والمجسللمة؟‪،‬‬
‫مع ذكر المراجع التي اعتمدت عليها في نقل ماتدعي‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬إن ما أوردته‪ ،‬هو دعواك أن جماعة من الصللحابة قللالوا إن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم رأى ربه ليلة السراء والمعراج‪.‬‬
‫ثم ذهبت توهم القارئ أنك ترد على هؤلء الجماعة من الصحابة‪.‬‬
‫ونحن نقول لك‪ :‬إن هذه الرؤية البصرية التي حللدث فيهللا الخلف‬
‫بين بعض الصحابة قد انتهى الخلف فيها عنللد أهللل السللنة والجماعللة‪:‬‬
‫الصحابة ومن تبعهم وسار على منهجهللم؛ فقللد جمعللوا بيللن الروايللات‪،‬‬
‫فحملوا حديث ابن عبللاس الللذي فيلله قللوله‪ :‬إن محمللدًا رأى ربلله‪ ،‬وفللي‬
‫روايللة‪ :‬رآه بفللؤاده مرتيللن‪ ،‬علللى الرؤيللة القلبيللة‪ ،‬وحملللت روايللة أم‬
‫المؤمنين التي فيها نفي الرؤية على الرؤية البصرية‪ ،‬وهذا أمللر مجمللع‬
‫عليه عند أهل السنة والجماعة من أن الرؤية البصللرية لللم تثبللت لبشللر‬
‫في الدنيا‪ ،‬كما أسلفت ذلك قريبًا‪.‬‬
‫أما جوازها وأنها غير مستحيلة‪ ،‬فقد سبق الحديث عنه فللي سللؤال‬
‫موسى عليه السلم ربه‪ ،‬ونقلنا ماذكره ابن جرير في بيان سللبب سللؤال‬
‫موسى عليه السلم ربه الرؤية‪ ،‬ولحاجة لعادته‪.‬‬
‫لكن المؤلف حتى يوهم القلارئ؛ يلورد أدللة ملن السلنة عللى نفلي‬
‫الرؤية في الدنيا‪ ،‬وهللي رد عليلله‪ ،‬ثللم يللدعي أن بعللض الصللحابة قللال‪:‬‬
‫بالرؤية في الدنيا وأنها إذا كانت ممكنلة فلي الللدنيا فكلذلك فلي الخلرة‪،‬‬
‫مّدعيا أن هذا دليللل أهللل السللنة فللي جللواز إمكانهللا‪ ،‬ثللم يللرد علللى هللذا‬
‫الستدلل‪ ،‬وأن الرؤية لم تقع في الدنيا‪ ،‬فكذلك في الخرة‪.‬‬

‫وهذا الستدلل لحجللة للله فيلله‪ ،‬لن أهللل السللنة المثبللتين للرؤيللة‬
‫لربهم يوم القيامة في دار كرامته لم يحتجوا بهذا الحللديث علللى الرؤيللة‬
‫في الخرة‪ ،‬وإنما احتجوا به على نفي وقوع الرؤية في الدنيا‪.‬‬
‫أما رؤية المؤمنين ربهم في الخرة‪ ،‬فقد أوردوا الدلللة علللى ذلللك‬
‫من كتاب ال العزيز‪ ،‬والحللاديث الصللحيحة مللن الصللحيحين وغيرهللا‬
‫التي بلغت حّد التواتر وسيأتي ذكرها‪.‬‬
‫والمؤلببف الخليلللي الباضللي قللد اطلللع عليهللا‪ ،‬ثللم أورد بعضللها‪،‬‬
‫وردها بتأويلته الباطلة المردودة‪.‬‬
‫فقد جاء في )ص‪ (42 :‬قوله‪):‬وأما القسم الثاني‪ :‬وهو أدلة وقوعهللا‬
‫في الخرة أي عند المثبتين – فهي نقول بعضللها مللن الكتللاب وبعضللها‬
‫من السنة(‪.‬‬
‫ل مللن الكتللاب والسللنة‪ ،‬وبللأي‬
‫قلت‪َ :‬أْنِعم بتلك الدلللة مللادامت نقللو ً‬
‫شيء تثبت العقيدة‪ ،‬إذا تركنا النقول مللن كتللاب ربنللا‪ ،‬وسللنة نبينللا الللتي‬
‫أخرجنا ال بها من ظلمات الكفر والشرك‪ ،‬والظلللم والجللور‪ ،‬إلللى نللور‬
‫السلم وعدله‪.‬‬
‫وقد قررت وكررت أيها الباضي في هذا الكتاب المسللمى بللالحق‬
‫الللدامغ وهللو سللّم نللاقع – قللوله تعللالى‪} :‬فإن تنازعتم فللي‬
‫دوه إلللى الللله والرسللول إن كنتللم‬
‫شلليء فللر ّ‬
‫تؤمنون بالله واليوم الخر ذلللك خيللر وأحسللن‬
‫تأويل ً{ ]النساء‪.[59:‬‬
‫وقلت‪) :‬وليكون الحتكام إلى ال إل بالرجوع إلى كتللابه فُتسللتلهُم‬
‫ن به الحق‪ ،‬وكذلك الحتكام إلى رسللول ال ل صلللى‬
‫منه الحقيقة‪ ،‬وُيستبا ُ‬
‫ال عليه وسلم ليعني إل الرجوع إلى سنته الثابتة الصحيحة(‪.‬‬

‫ث على العتصام بحبللل ال ل جميعلًا كمللا‬
‫وما جاء قبل ذلك من الح ّ‬
‫في )ص‪.(6:‬‬
‫ونقول‪ :‬ماأجمل هذه الدعوة‪ ،‬فلقد تواترت النصوص من كتاب الل‬
‫وسنة رسوله صلى ال عليه وسلللم عللى وجللوب جملع الكلملة وتوحيلد‬
‫الصفوف‪ ،‬والنهي عن التفرق والختلف‪ ،‬ولكن جمللع الكلمللة وتوحيللد‬
‫الصللفوف علللى مللاذا؟ إن كللان علللى الللبر والتقللوى والتواصللي بللالحق‬
‫والتواصللي بالصللبر‪ ،‬فنعللم‪ ،‬وإن كللان علللى الثللم والعللدوان كصللنيع‬
‫الخليلي ومن على شاكلته فل وألف ل‪.‬‬
‫وقد أجاد المؤلف الباضي في اختيار الكلمات التي لها قوة التللأثير‬
‫حيث تأخذ طريقها مباشرة إلى أعماق أفئدة القّراء‪ ،‬ولكن هللذا الختيللار‬
‫اللفظي هو في الحقيقة لخديعة القارئ السليم الفطرة وليس للحقيقة التي‬
‫يجب عللى العالم الباحث عن الحق أن يقولها‪ ،‬وإنما هللي دعللوة ينطبللق‬
‫عليها قول ال علّز وجل‪} :‬يقولون بألسنتهم مللا ليللس‬
‫في قلوبهم{ ]الفتح‪.[11:‬‬
‫ض بالحتكللام إلللى‬
‫ودليل ذلك أن المؤلف الخليلي الباضي لللم يللر َ‬
‫كتاب ال العزيز‪ ،‬ول إلى سنة رسوله الصحيحة الثابتة‪ ،‬بل رّدها بعقله‬
‫وهواه‪ ،‬وقال بالنص‪ :‬عند ذكر ما ورد في صحيح البخاري مللن روايللة‬
‫أبي هريرة وأبي سعيد التي فيها التصريح من رسول الهدى ‪-‬صلى الل‬
‫عليه وسلم‪ -‬بأن المؤمنين يرون ربهم وهم في الجنة‪- ،‬قال وبئس ماقال‬
‫‪) :‬إن الخذ بظاهرها يرده العقل ويكذبه البرهان(‪ .‬كما فللي )ص‪(56:‬‬‫مللن كتللابه هللذا‪ ،‬وإنهللا لجللرأة عظيمللة علللى سللنة رسللول ال ل الثابتللة‬
‫الصحيحة‪.‬‬
‫وإليك ما اختاره المؤلف من أدلة المثبتين لرؤية ال يوم القيامة ثللم‬
‫رده له بتأويلته المردودة عليه‪.‬‬

‫فقللال فللي )ص ‪ (42‬وأمللا القسللم الثللاني وهللو‪ :‬أدلللة وقوعهللا فللي‬
‫الخرة‪ ،‬فهو نقول بعضها من الكتاب‪ ،‬وبعضها من السنة‪.‬‬
‫فمن الكتاب‪:‬‬
‫‪ -1‬قللوله تعللالى‪} :‬وجللوهٌ يللومئذ ناضللرة ‪.‬إلللى‬
‫رّبهللا نللاظرة{ ]القياملللة‪ [23-22 :‬قللال‪ :‬وهللو أقللوى‬
‫مااستندوا إليه في هذا الباب‪.‬‬
‫ثم بدأ بالرد فقال‪:‬‬
‫ضللوا بللأن النظللر أعللم مللن الرؤيللة‪ ،‬فللإنه يكللون بمعنللى‬
‫)واعُتِر ُ‬
‫محاولتها ولو لم تتحقق لجواز أن يقول قائل‪ :‬نظرت إلللى كللذا فلللم أره‪،‬‬
‫مع عدم جواز أن يقول رأيته فلللم أره‪ ،‬ففللي القللاموس مانصلله‪» :‬نظللره‬
‫كنصره وسمعه وإليه نظرًا ومنظرًا ونظرانًا‪ ،‬ومنظللرة وتنظللارًا تللأمله‬
‫بعينه« (‪.‬‬
‫ل عن البصائر والنظللر أيض لًا‬
‫قال‪) :‬وفي شرحه للمام الزبيدي نق ً‬
‫تقليب البصيرة لدراك الشيء ورؤيته‪- ،‬إلى أن قال‪ :-‬ثم قال الشللارح‪:‬‬
‫ويقال نظرت إلى كذا إذا مددت طرفك إليه رأيته أو لم تره(‪.‬‬
‫ثم قال‪) :‬وقد شاع النظللر بمعنللى النتظللار كقللوله تعللالى‪} :‬هل‬
‫ينظللرون إل أن يللأتيهم الللله فللي ظلللل مللن‬
‫الغمام والملئكة{ ]البقرة‪.[210 :‬‬
‫وقللوله‪} :‬ماينظرون إل صلليحة واحللدة{ ]يلللس‪.[49:‬‬
‫وقلللوله‪} :‬يللوم يقللول المنللافقون والمنافقللات‬
‫للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم{ ] الحديللد‪:‬‬
‫‪.[13‬‬
‫قال‪ :‬وعليه يتعين حمل النظر في هذه الية لوجوه‪:‬‬

‫حْمللل‬
‫ن َ‬
‫أ‪ -‬إبعاد تأويل القرآن عن تعللارض بعضلله مللع بعللض‪ ،‬فللإ ّ‬
‫النظر في الية على الرؤية يتعارض مع أدلة نفيها القطعية‪.‬‬
‫ب‪ -‬النسجام المعهود في آي القللرآن وارتبلاط بعضللها مللع بعلض‬
‫وهو ليكون إل بتفسير النظر بالنتظار … إلخ‪.‬‬
‫جل‪ -‬إن هذا التأويل هو الللذي يتفللق مللع مللافي خاتمللة عبللس‪ ،‬وهللو‬
‫مسللفرةٌ ‪ .‬ضللاحكة‬
‫قلللوله سلللبحانه‪} :‬وجللوهٌ يللومئذ ُ‬
‫مستبشللرة ‪ .‬ووجللوه يلللومئذ عليهلللا غلللبرة ‪.‬‬
‫ترهقها قترة{‪] .‬عبس‪.[41 -38 :‬‬
‫قللال‪ :‬إذ لفللارق بيللن ماُوصللفت بلله وجللوه المللؤمنين هنللا مللن‬
‫الستبشار‪ ،‬ووصفت به في آية القيامة من النظر بمعنى النتظلار‪ ،‬فلإن‬
‫المنتظر للرحمة مستبشر بها والمستبشللر منتظللر لمللا استبشللر بلله… (‬
‫إلخ‪.‬‬
‫فهذا خلصة ماعند المؤلف الخليلللي الباضللي‪ ،‬مللن محاولللة لللرد‬
‫دللللة اليللة علللى النظللر إلللى ربهللا بالبصللار‪ ،‬وإنمللا المقصللود بلله‬
‫النتظار‪،‬كما يقللول‪ ،‬ومعلللوم أن هللذا هللو رّد المعتزلللة لليللة‪ ،‬ويظهللر‬
‫للقارئ أن الذي عند المؤلف هو رد اليات بالدللة اللغوية‪ ،‬وأن معنللى‬
‫النظر هنا هلو النتظلار‪ ،‬ورد دللللة اليلات ثلم دعلواه أنله فسللر اليلة‬
‫بذلك‪ ،‬حتى ل تتعارض مع أدلة نفي الرؤيللة القطعيللة كمللا يقللول )ص‪:‬‬
‫‪.(44-42‬‬
‫وإليك دحض تلك الشببه والببرد عليهببا بمبا يببين زيفهببا ومغالطبة‬
‫مدعيها وذلك بما يأتي‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬بيان معاني النظر‪ ،‬فإن للله عللدة اسللتعمالت بحسللب صلللته‬
‫وتعّديه بنفسه‪ ،‬وليس محصورًا في معنى النتظار‪ ،‬وإليك تلك المعاني‪:‬‬

‫‪-1‬‬
‫‪-2‬‬

‫فإن عّدي بنفسه فمعناه‪ :‬التوقف والنتظار كقللوله تعللالى‪}:‬انظرونا‬
‫نقتبس من نوركم{ ]الحديد‪.[ 13 :‬‬
‫وإن عللّدي بفللي فمعنللاه‪ :‬التفكببر والعتبببار‪ ،‬كقللوله تعللالى‪} :‬أولم‬
‫ينظلللروا فلللي ملكلللوت السلللموات والرض‪{..‬‬
‫]العراف‪.[185 :‬‬

‫‪-3‬‬

‫وإن عّدي‪ ،‬بإلى فمعناه‪ :‬المعاينة بالبصار‪ ،‬كقوله تعلللالى‪} :‬انظروا‬
‫إلى ثمره إذا أثمر{ ]النعام‪.[99 :‬‬
‫قال أبللو منصللور الزهللري فللي كتللابه تهللذيب اللغللة ) ‪:(14/371‬‬
‫)ومن قال‪ :‬إن معنى قوله‪} :‬إلى ربها ناظرة{‪ :‬بمعنى منتظللرة‬
‫فقد أخطلأ‪ ،‬لن العلرب لتقللول‪ :‬نظلرت إلللى الشليء بمعنلى انتظرتله‪،‬‬
‫وإنما تقول‪ :‬نظرت فلنًا‪ ،‬أي انتظرته ومنه قول الحطيئة‪:‬‬
‫)‪(45‬‬
‫وتنساسي‬
‫وقد نظرتكم أبناَء صادرٍة‬
‫فإذا قلت‪ :‬نظرت إليلله لللم يكللن إل بللالعين‪ ،‬وإذا قلببت‪ :‬نظللرت فللي‬
‫المر احتمل أن يكون تفكرًا وتدبرًا بالقلب(ا هل‪.‬‬
‫فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصللر‪ ،‬كمللا فللي هللذه‬
‫الية‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة ‪ .‬إلى ربها ناظرة{‪.‬‬
‫فهذا هو بيان معاني النظر عند علماء اللغة‪ ،‬وعلماء الشريعة أهللل‬
‫السنة والجماعة الذين يريدون الحق ويعملون به ويدعون إليه‪.‬‬
‫أما المؤلف الخليلللي الباضللي فلللم يلذكر إل المعنللى الللذي يريللده‪،‬‬
‫وهو النتظار‪.‬‬
‫ثانياً‪:‬دعوى الخليلي الباضي أنلله سلللك هللذا التأويللل مللن أجللل أن‬
‫لتتعارض الية مع أدلة نفي الرؤية القطعية‪.‬‬
‫‪ ()44‬الحوز‪ :‬السير الشديد والّرويد‪ .‬لسان العرب‪ :‬مادة )حوز(‪.‬‬
‫‪ ()45‬النساس‪ :‬السوق الشديد‪ .‬لسان العرب‪ :‬مادة )نس(‪.‬‬

‫وهذا مسلك غريب وعجيب من الخليلللي‪ ،‬ونحللن نقللول‪ :‬أيللن أدلللة‬
‫نفي الرؤية القطعية في الخرة‪ ،‬وفللي عرصللات القيامللة‪ ،‬وبعللد دخللول‬
‫المؤمنين الجنة؟‬
‫والرد عليه من وجهين ‪:‬‬
‫الول‪ :‬إنك أيها الباضي‪ ،‬لم تأت بدليل واحد‪ ،‬فل آية محكمللة مللن‬
‫كتاب ال عز وجل‪ ،‬ولروايللة قائمللة علن رسللول الل صللى الل عليلله‬
‫وسلم صحيحة ولسقيمة‪ ،‬تسلتطيع أن تلأتي بهللا لتللدلل علللى مللاذكرت‪،‬‬
‫وإنما الذي جئت به تلبيس وتللدليس‪ ،‬وذلللك بللإيرادك الدلللة الصللريحة‪،‬‬
‫على نفي رؤية النبي صلى ال عليه وسلم لربه ليلة السراء والمعراج‪،‬‬
‫وهذه رؤية في الدنيا ل في الخرة‪ ،‬وأهل السللنة جميع لًا ينفللون الرؤيللة‬
‫في الدنيا‪.‬‬
‫وهذا هو عين التلبيس والتدليس‪ ،‬بحيث تحمل أدلة نفي الرؤية فللي‬
‫الدنيا على نفيها في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬الرد للنصوص من كتاب ال بالتأويل الباطل‪ ،‬بحيث تأخللذ‬
‫معنى واحدًا من معاني اللغة‪ ،‬وتحمل الية عليلله تبعلًا لمللا تهللوى وهللذا‬
‫ج ملن النلاس الللذي ُيغلّرون بزخللرف‬
‫سلّذ َ‬
‫ت بله ال ُ‬
‫ت بله‪ ،‬وَفَتْنل َ‬
‫صنيع ُفِتْن َ‬
‫القول وقلب الحقائق‪.‬‬
‫وأما قولك‪) :‬إن هذا التأويل هو الذي يتفق مع مافي خاتمة )سللورة‬
‫عبس( وهو قوله تعالى‪} :‬وجوهٌ يومئذ مسفرة‪ .‬ضاحكة‬
‫مستبشرة‪ .‬ووجوه يومئذ عليها غبرة‪ .‬ترهقها‬
‫قترة{ ]عبس‪ [41-38:‬وأنه لفرق بين ماوصفت به وجوه المللؤمنين‬
‫صَفت بلله فللي آيللة القيامللة مللن النظللر بمعنللى‬
‫هنا من الستبشار‪ ،‬وما ُو ِ‬
‫النتظار‪.‬‬
‫فالجواب على ذلك‪:‬‬

‫‪-1‬‬

‫‪-2‬‬

‫أن الفرق بين النتظار والنظر‪ ،‬لخلف فيه عند العقلء؛ فإن النتظار‬
‫تنغيص‪ ،‬والنظر إكرام من ال لعباده المؤمنين‪.‬‬
‫وقد سبق أن النظر إذا عّدي بإلى فمعناه المعاينة بالبصار كما في‬
‫سورة القيامة‪ ،‬فكيف وقد أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر‪.‬‬
‫إن آيات )عبس( فيها بيان لمللا يكللرم الل بلله عبللاده المللؤمنين أصللحاب‬
‫السعادة‪ ،‬ومايجازي بلله أهللل الشللقاوة‪ ،‬فللإنه سللبحانه وتعللالى كللثيرًا مللا‬
‫يقارن في كتابه الكريم بين حال أهل السعادة‪ ،‬وحللال أهللل الشللقاوة فللي‬
‫الخللرة‪ ،‬تللذكيرًا لعبللاده ليأخللذوا بأسللباب السللعادة‪ ،‬ويجتنبللوا أسللباب‬
‫الشقاوة‪.‬‬
‫وبهللذا يتضللح أن آيللة عبللس‪} :‬وجوه يومئذ مسفرة{‬
‫سرة ول مرادفة لقوله تعالى في سورة القيامة‪} :‬إلى ربها‬
‫ليست ُمَف ّ‬
‫ناظرة{ كمايدعي الخليلي‪ ،‬لن النظر غير السللفار‪ ،‬فللالنظر يكللون‬
‫بالعين‪ ،‬والسفار لون يظهر على الوجه‪.‬‬
‫وقد جاء في آية القيامة‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة{ بالبيللاض‬
‫والصفاء‪} ،‬إلى ربها ناظرة{ قال‪ :‬تنظر في وجه ال‪.‬‬
‫ل‪،‬‬
‫رواه الطللبري عللن ابللن عمللر مرفوعللًا وسلليأتي نصلله كللام ً‬
‫فالمؤمنون يجمع ال لهم بين نضرة الوجللوه وإسللفارها‪ ،‬ونظللر العيللون‬
‫إلى وجهه الكريم‪.‬‬
‫ومن المغالطات المقصودة الدالللة علللى حللب الغللواء والتضللليل‪،‬‬
‫قول المؤلف الخليلي الباضي في )ص‪:(48:‬‬
‫)وقد أشكل على المثبتين للرؤية إسناد النظلر فلي آيلة القياملة إلللى‬
‫الوجوه‪ .‬قال‪ :‬فترددوا بين القول‪ :‬بللأن الرؤيللة بالبصللر‪ ،‬أو بللالوجه‪ ،‬أو‬
‫بالجسم كله‪ ،‬أو بحاسة سادسة‪(..‬إلخ ما قال‪.‬‬

‫والجواب على هببذه التهمببة ‪-‬ذات التشببكيك فيمببا لشببك فيببه‪ -‬بمببا‬
‫يأتي‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬إن أدلة الرؤية عنلد المثبلتين لهلا ليسللت محصلورة فلي هلذه‬
‫الية وحدها‪ ،‬وإن كانت صريحة في ذلك‪ ،‬ولكن هناك أدلة مللن الكتللاب‬
‫ومن السنة بلغت حد التواتر سيأتي ذكرها‪.‬‬
‫ثانياً‪-‬قوله‪):‬وقد أشكل على مثبتي الرؤية إسناد النظر إلللى الوجللوه‬
‫فهل تكون الرؤية بالوجه؟‪(..‬إلخ ماقال‪.‬‬
‫ل نصيبه‬
‫فنقول‪ :‬إن هذه مغالطة مضحكة لسخافتها‪ ،‬وتضليل لمن ق ّ‬
‫من العلم يحمل الخليلي وزرهللا ووزر مللن أضللل واسللتغفل؛ لن أحللدًا‬
‫مهما بلغ من الغباوة ليفهم هذا الفهم السقيم الذي أورده المؤلف‪ ،‬وإنمللا‬
‫يفهم أن الوجوه تنظر بأعينها‪ ،‬فإذا قال القللائل‪ :‬رأيللت المسللجد الحللرام‪،‬‬
‫فل يفهم السامع من العرب والعجم إل أنه رآه بعيني رأسه الللتي يعتللبر‬
‫ل لها‪.‬‬
‫الوجه مح ً‬
‫وثالثاً‪ :‬نقول للمؤلف‪ :‬في أي كتاب وجدت هذا من كتب أهل السنة‬
‫والجماعة المثبتين للرؤية؟ وأعني بأهل السنة السلف الصالح الصللحابة‬
‫ومن سار على منهجهم‪ ،‬كالبخاري‪ ،‬ومسلم وأمثالهما‪ ،‬والئمة الربعللة‬
‫وأتباعهم الذين هم على طريقتهم ومنهجهللم‪ ،‬ممللن وصللفتهم بالمشللبهة‪،‬‬
‫والمجسمة‪ ،‬والحشوية‪ ،‬لنهم أثبتوا ل ماأثبته لنفسلله وأثبتلله للله رسللوله‬
‫صلى الل عليلله وسلللم مللن صللفات الجلل والكمللال علللى أسللاس قللوله‬
‫تعالى‪} :‬ليس كمثله شيء وهو السللميع البصللير{‬
‫والذين يعتبر النقل عنهم والستدلل به هو الحق لعتمادهم على الثللر‬
‫ل أهل الكلم الللذين يعتمللدون فيمللا يثبتللون وينفللون علللى آراء الرجللال‬
‫والجاهلين بنصوص الكتاب والسنة‪ ،‬وعقول أهل الفلسفة الذين حكمللت‬
‫لهم بأن الحق معهم في تأويل صفات ال عز وجل وصللرفها عملا دلللت‬

‫عليه من المعاني الصللحيحة‪ ،‬والحكللام الصللريحة كمللا فللي )ص‪(12 :‬‬
‫لنك ذكرت هذه السخافة المضحكة ونسبتها للمثبتين للرؤية‪ ،‬ولم تللذكر‬
‫مرجعًا لذلك من كتبهم بل العجيب أن هذا هو قول المعتزلة )‪.(46‬‬
‫ولما كانت أدلة المنكرين للرؤيللة لتتجلاوز رّد الدلللة الدالللة عللى‬
‫إثباتهللا‪ ،‬واصللل المؤلللف ذكللر مايختللاره مللن أدلللة المثبللتين‪ ،‬ليردهللا‬
‫بتللأويلته البللاردة فللذكر مللن اليللات مللن )ص‪ (54-49 :‬قللوله تعللالى‪:‬‬
‫}للذين أحسنوا الحسنى وزيادة{ ]يونس ‪.[26 /‬‬
‫وقوله تعالى‪} :‬ولدينا مزيد{ ]ق‪.[35 :‬‬
‫وقللللوله تعللللالى‪} :‬كل إنهللم عللن ربهللم يللومئذ‬
‫لمحجوبون{ ] المطففين‪.[15 :‬‬
‫واليات المصللرحة بلقلاء الل‪ ،‬وذللك أنهلم فسللروا اللقلاء بالرؤيلة‬
‫)ص‪.(54:‬‬
‫ولكثرة الكلم المكرر في رد هذه اليات وصرفها عما دّلللت عليلله‬
‫ل واحدًا في رده للية الكريمة التيللة‬
‫بالتأويلت الباطلة‪ ،‬فإني أذكر مثا ً‬
‫عما دّلت عليه‪ ،‬ورّده لتفسيرها ممن هو أعلم بها منه‪.‬‬
‫وهي قوله تعالى‪} :‬للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‬
‫وليرهق وجوههم قللتر ولذلللة أولئك أصللحاب‬
‫الجنة هم فيها خالدون{‪] .‬يونس‪.[26 :‬‬

‫‪46‬‬

‫)( وقللد أظهللر ال ل الحللق ودمللغ الباطللل؛ فللإن هللذا هللو قللول ضللرار بللن عمللرو‬
‫المعتلزلي‪ ،‬وتبعه حفص الفرد المعتزلي الذي كّفره المام الشافعي ‪ .‬انظللر الفللرق‬
‫بين الفرق ص ‪ .214‬وانظر ترجمة ضرار بن عمرو في ميزان العتدال ‪1/328‬‬
‫رقللم الترجمللة )‪ (3953‬وترجمللة حفللص الفللرد‪ ،‬ميللزان العتللدال ‪ 1/564‬رقللم‬
‫الترجملة )‪ ،(2143‬فكيلف يسلّوغ الخليللي لنفسله مثلل هلذا الفلتراء عللى مثبلتي‬
‫الرؤية‪ .‬أليس الرجوع إلى الحق واتباعه هو الواجب على كل مسلم؟‬

‫ليعللرف القللارئ منهللج الخليلللي فللي رده لنصللوص كتللاب اللل‬
‫بالتأويلت الباطلة والتحريفات الواضحة ورده نصللوص السللنة الثابتللة‬
‫الصحيحة عن رسللول الل صلللى الل عليلله وسلللم المفسللرة لهللذه اليللة‬
‫الكريمة ونظائرها‪.‬‬
‫يقول المؤلف الخليلي الباضي بعد أن أورد الية في )ص‪:(49 :‬‬
‫)فقد فسروا الحسنى بالجنللة‪ ،‬والزيللادة بالرؤيللة‪ ،‬مسللتدلين بحللديث‬
‫صهيب عند الشيخين مرفوعًا‪» ،‬إذا دخل أهل الجنببة الجنببة نببادى منبباد‬
‫إن لكم عند ال موعدًا يريد أن ينجزكموه‪ ،‬قالوا‪ :‬ألم يبببّيض وجوهنببا‪،‬‬
‫وينجنا من النار‪ ،‬ويدخلنا الجنة‪ ،‬قببال‪ :‬فيكشببف الحجبباب‪ .‬قببال‪ :‬فببوال‬
‫ماأعطاهم ال شيئًا أحب إليهم من النظر إليه«)‪.((47‬اهل‪.‬‬
‫هذا ماسجّله الخليلي في كتابه هللذا‪ ،‬حيللث نقللل تفسللير رسللول الل‬
‫صلى ال عليه وسلم للزيادة وأنها النظر إلى ال عز وجل‪ ،‬وأنلله أحللب‬
‫شيء أعطاهم ال‪ ،‬بعد أن أدخلهم الجنة‪ ،‬اللتي فيهلا ملالعين رأت‪ ،‬ول‬
‫أذن سمعت‪ ،‬ولخطر على قلب بشر‪.‬‬
‫ل‪ ،‬برأي المؤلف الخليلي الباضي في كلم رسللول اللل‬
‫وسنبدأ أو ً‬
‫صلى ال عليه وسلم وبعد ذلك نتبعه بذكر الحاديث الواردة في تفسللير‬
‫الية إضافة لرواية الشيخين التي ذكرها‪ ،‬ثم نتبع ذلك بذكر أسللماء مللن‬
‫ُروي عنهم هذا التفسير من الصحابة‪.‬‬
‫وهذا ليلس للمقارنللة بيلن قللول رسللول الل صلللى الل عليله وسلللم‬
‫وأقوال الصحابة رضوان ال عليهم‪ ،‬وقول الخليلي؛ لنلله ليسللتحق أن‬
‫يذكر قوله ول اسمه مع هؤلء‪ ،‬وإنما هو من باب إطلع القللارئ علللى‬

‫‪47‬‬

‫)( مسلم‪ /‬كتاب اليمان‪ /‬باب )إثبات رؤية المؤمنين في الخللرة لربهللم(ح)‪.(180‬‬
‫والمام أحمد في المسند ‪. 4/333‬‬

‫موقف الخليلي الباضي من نصوص كتاب ال وسنة رسللوله‪ ،‬وأقللوال‬
‫الصحابة رضي ال عنهم‪.‬‬
‫يقول الخليلي الباضي بعد إيراده لنص الية والحللديث )ص‪(49 :‬‬
‫قال‪):‬وأنتم ترون أن لفظة الزيادة مبهمة غير دالة علللى الرؤيللة وضللعًا‬
‫ل‪ ،‬من قريب ولمن بعيد‪ ،‬وأمللا الحللديث الللذي عولللوا عليلله‬
‫ول استعما ً‬
‫في تفسيرها فدللته على ماقالوه ضعيفة جدًا(‪ .‬هكذا يقول!‬
‫إذًا فكلم رسللول الل صلللى الل عليلله وسلللم الللذي فيلله التصللريح‬
‫بتفسير الزيللادة فللي اليللة‪ ،‬بأنهللا النظللر إلللى الل بعللد كشللف الحجللاب‪،‬‬
‫ضعيف وليدل عللى الرؤيللة عنلد الخليلللي الباضلي لن ملذهبه‪ ،‬نفلي‬
‫الرؤية‪ ،‬فيقدم قوله في تفسير الزيادة علللى قللول رسللول الل صلللى الل‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فهل يرى أنه أعلم من رسول ال‪ ،‬بكلم ال؟ هللذا مقتضللى‬
‫قوله‪ ،‬بل وصريحه فهو يقول في )ص‪:(50:‬‬
‫)أمببا أوًل‪ :‬فلن النظللر ليلللزم أن يكللون بمعنللى الرؤيللة‪ ،‬وكشللف‬
‫الحجاب يجوز أن يكون كناية عن مزيد الكرام‪..‬إلخ‪.‬‬
‫وأمببا ثانيبًا‪ :‬فلن حمللل الزيللادة علللى هللذا المفهللوم يتعللارض مللع‬
‫مااستندوا إليه من المفهللوم الللذي عولللوا عليلله فللي تفسللير آيللة القيامللة‪،‬‬
‫والتي استندوا إليها في إثبات الرؤية‪ ،‬فإنه يلزمهم بموجب ذلك المفهوم‬
‫أن تكون الرؤية حاصلة في الموقف قبل دخول الجنة‪.‬‬
‫وأما ثالثًا‪ -‬فلن ذلك يتعارض مع حديث أبي هريللرة وأبللي سللعيد‬
‫رضي ال عنهما الذي استندوا إليه في إثبات الرؤية في الموقف(‪.‬هكللذا‬
‫يقول‪.‬‬
‫ولما رأى أن هذه الّتمحلت كلها لتغني شيئًا‪ ،‬لجأ إلى مايقوله َم ْ‬
‫ن‬
‫يعتز بآرائهم وعقائدهم الجهمية والمعتزلللة‪ ،‬ومللن يأخللذ بمنللاهجهم وإن‬
‫تسمى بغير اسمهم‪.‬‬

‫‪-1‬‬

‫قال‪):‬ولو أن الحديث كان نصًا صريحًا في تفسللير النظللر بالرؤيللة‬
‫لما قامت به حجة‪ ،‬لحادّيته ومعارضته لما هو أقوى منلله متن لًا ودللللة‬
‫من أدلة نفيها‪)(..‬ص‪.(50 :‬‬
‫والجللواب علللى ماتقللدم نقللول للمؤلللف الخليلللي‪ :‬إن أهللل السللنة‬
‫والجماعة سلف هذه المة ومن تبعهم يأخذون تفسير الزيللادة فللي اليللة‬
‫الكريمة عمن نزل عليه القرآن‪ ،‬الذي لينطق عللن الهللوى‪ ،‬رسللول الل‬
‫صلى ال عليه وسلللم وهللو أفصلح العللرب عللى الطلق‪ ،‬والل تعلالى‬
‫يقول‪} :‬وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه‬
‫فانتهوا{ ]الحشر‪.[10 :‬‬
‫ثم نأخذ تفسير أصحابه الكرام الذين حضروا التنزيل وسمعوا مللن‬
‫ت ذلللك‬
‫رسول ال صلى ال عليلله وسلللم وهللم العللرب القحللاح كمللا قلب َ‬
‫عنهم في )ص‪ (72:‬ثم أقوال التللابعين وتفسلليرهم لهللذه اليللة الكريمللة‪،‬‬
‫ل ملاثبت علن رسلول الل صللى الل عليله‬
‫وإليك أيها القارئ الكريم أو ً‬
‫وسلم‪ -‬في تفسير هذه الية‪:‬‬
‫روى المام مسلم في صحيحه فللي كتللاب اليمللان‪) :‬بللاب إثبللات رؤيللة‬
‫المؤمنين في الخرة ربهم سبحانه وتعالى( بإسناده عن صللهيب رضللي‬
‫ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪» :‬إذا دخل أهل الجنة الجنة‬
‫قال يقول ال تبارك وتعالى‪ :‬تريدون شيئًا أزيدكم فيقولون‪ :‬ألم تبببيض‬
‫جنا من النار؟ قال‪ :‬فيكشف الحجاب‪ ،‬فما‬
‫وجوهنا‪ ،‬ألم تدخلنا الجنة وتن ّ‬
‫أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل«‪.‬‬
‫وقال‪ :‬حدثنا أبو بكر بلن أبللي شليبة‪ ،‬حللدثنا يزيللد بلن هلارون علن‬
‫حمللاد بللن سلللمة بهللذا السللناد‪ .‬وزاد‪ :‬ثللم تل هللذه اليللة‪} :‬للذين‬
‫أحسنوا الحسنى وزيادة{)‪] (48‬يونس‪.[ 26 :‬‬
‫‪ ()48‬مسلم كتاب اليمان‪ /‬باب إثبات رؤية المؤمنين في الخللرة ربهللم عللز وجللل ‪،‬ح)‬

‫كما أخرج الحديث المام أحمد)‪ (49‬والترمذي )‪(50‬وابن ماجه)‪.(51‬‬
‫ويقول ابن كثير في تفسير الية‪:‬‬
‫)وقوله‪}:‬وزيادة{ هي تضعيف ثواب العمللال بالحسللنة عشللر‬
‫أمثالها إلى سبعمائة ضعف‪ ،‬وزيادة على ذلك(‪.‬‬
‫ويشمل مايعطيهم ال في الجنللان مللن القصللور والحللور‪ ،‬والرضللا‬
‫عنهم وما أخفاه لهم من قرة أعين‪.‬‬
‫وأفضل من ذلك وأعله النظر إلى وجهه الكريم‪ ،‬فإنه زيادة أعظم‬
‫من جميع ماأعطوه‪ ،‬ليستحقونها بعملهم‪ ،‬بل بفضله وبرحمته‪.‬‬
‫‪ -2‬ثم ذكر أسماء من ُروي عنهم تفسير الزيادة بللالنظر إلللى وجلله‬
‫ال ل الكريللم مللن الصللحابة والتللابعين فقللال‪) :‬وقللد روي تفسللير الزيللادة‬
‫بالنظر إلى وجه ال الكريم عن‪:‬‬
‫]‪ [1‬أبي بكر الصديق ]‪ [2‬وحذيفة بن اليمببان ]‪ [3‬وعبببد الب بببن‬
‫عباس ]‪ [4‬وسعيد بن المسيب ]‪ [5‬وعبببد الرحمبن بببن أببي ليلببى ]‪[6‬‬
‫وعبد الرحمن بببن سببابط ]‪ [7‬ومجاهببد ]‪ [8‬وعكرمببة ]‪ [9‬وعببامر بببن‬
‫سعد ]‪ [10‬وعطاء ]‪[11‬والضحاك ]‪[12‬والحسن‪ [13] ،‬وقتادة ]‪[14‬‬
‫والسدي ]‪ [15‬ومحمد بن إسحاق‪ ،‬وغيرهم من السلللف والخلللف(‪ ،‬ثللم‬
‫قال‪) :‬وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة‪ ،‬فذكر حللديث صللهيب بروايللة‬
‫المام أحمد‪ .‬قال‪ :‬وهكذا رواه مسلللم‪ ،‬وجماعللة مللن الئمللة مللن حللديث‬
‫حماد بن سلمة به‪ ،‬ثم ذكر روايلة ابلن جريلر بإسلناده علن أبلي موسللى‬
‫الشعري عن رسول الل صلللى الل عليلله وسلللم‪» :‬إن الب يبعببث يببوم‬
‫القيامة مناديًا ينادي‪ :‬ياأهل الجنة – بصوت يسمعه أولهببم وآخرهببم‪:-‬‬
‫‪.(181‬‬
‫‪ ()49‬مسند المام أحمد ‪.4/333‬‬
‫‪ ()50‬الترمذي تحفة الحوذي‪ ،‬تفسير سورة يونس ‪.8/522‬‬
‫‪ ()51‬ابن ماجه المقدمة ‪1/67‬ح ‪.187‬‬

‫إن ال وعدكم الحسنى وزيادة‪) .‬الحسنى( الجنة و)الزيادة( النظر إلببى‬
‫وجه الرحمن عز وجل« )‪.(52‬‬
‫كما روي ذلك عن كعب بن عجرة‪.‬‬
‫وروى ابن جرير بإسناده عن أبي بن كعب‪ ،‬أنه سببأل رسببول ال ب‬
‫صلى ال عليه وسلم عن قول ال عبببز وجبببل‪} :‬للذين أحسنوا‬
‫الحسنى وزيادة{ »قال‪ :‬الحسنى‪ ،‬الجنة‪ ،‬والزيببادة النظببر إلببى‬
‫وجه ال عز وجل« )‪.(53‬‬
‫وبهذا يتضح للقارئ الكريم‪ ،‬سللقوط كلم الخليلللي الباضللي وهللو‬
‫قوله‪ :‬إن النظر ليلزم أن يكون بمعنى الرؤية‪ ،‬بتفسير رسول ال صلى‬
‫ال ل عليلله وسلللم‪ ،‬وتفسللير الصللحابة والتللابعين الللذين ذكللر ابللن كللثير‬
‫أسماءهم كما سللبق ذلللك مللن صللحابة وتللابعين‪ ،‬ثللم قللال‪ :‬وغيرهللم مللن‬
‫السلف والخلف‪.‬‬
‫وقول الخليلي‪ :‬إن كشف الحجاب يجوز أن يكون كناية عللن مزيللد‬
‫الكرام‪ ..‬إلخ ماقال‪ ،‬كلم ساقط‪ ،‬لوزن له أمام النص مللن رسللول ال ل‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهو إكرام صريح بكشللف الحجللاب عنهللم للنظللر‬
‫إلللى ربهللم عللز وجللل‪ ،‬وهللو أفضللل ماأعطللاهم وأكرمهللم بلله‪ ،‬بفضللله‬
‫ورحمته كما قال ابن كثير‪.‬‬
‫وأما قللوله‪) :‬ثانيلًا وثالثلًا( )فلن حمللل الزيللادة علللى هللذا المفهللوم‬
‫يتعارض مع مااستندوا إليه من المفهوم الذي عولوا عليه في تفسير آيللة‬
‫القيامة‪ ..‬إلخ ما قال وحديث أبي سعيد وأبي هريرة(‪.‬‬
‫فأقول‪ :‬أين التعارض بين ماجاء في هذا الحللديث الللذي فيلله إثبللات‬
‫رؤية اللل عزوجللل‪ ،‬وقللوله‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة‪ .‬إلللى‬
‫‪ ()52‬تفسير ابن جرير ‪.11/105‬‬
‫‪ ()53‬ابن جرير ‪.11/107‬‬

‫ربها ناظرة{ وحديث أبللي سللعيد وأبللي هريللرة‪ ،‬وكللون حصللول‬
‫الرؤية في الموقف ليعارض حصولها في الجنة‪.‬‬
‫وقد بين العلماء بالتفسير معنى ذلك في تفسير قللوله تعللالى‪} :‬كل‬
‫إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبللون{ فقللد أخللرج ابللن‬
‫جرير بإسناده عن الحسن في تفسير الية قال‪):‬يكشف الحجاب‪ ،‬فينظللر‬
‫إليه المؤمنون والكافرون‪ ،‬ثم يحجب عنه الكفار وينظر إليلله المؤمنللون‬
‫كل يوم غدوة وعشية(‪.‬‬
‫وقال ابن كللثير فللي تفسللير اليللة‪} :‬كل إنهم عن ربهم‬
‫يومئذ لمحجوبون{‪) :‬أي‪ :‬لهم يوم القيامة منزل ونزل سللجين‪،‬‬
‫ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم‪.‬‬
‫قال المام الشافعي‪ »:‬هذه الية دليل على أن المؤمنين يرونه عللز‬
‫وجللل يللومئذ« وهللذا الللذي قللاله المللام الشللافعي رحملله الل فللي غايللة‬
‫الحسن‪ ،‬وهو استدلل بمفهوم هذه اليللة‪ ،‬كمللا دل عليلله منطللوق قللوله‪:‬‬
‫}وجوه يومئذ ناضرة‪ .‬إلى ربها ناظرة{ وكمللا دّلللت‬
‫على ذلك الحاديث الصحاح المتواترة فللي رؤيللة المللؤمنين ربهللم عللز‬
‫وجل فللي الللدار الخللرة رؤيلة بالبصلار فلي عرصلات القياملة‪ ،‬وفللي‬
‫روضات الجنان الفاخرة(‪.‬‬
‫فأين التعارض الذي يدعيه الخليلي بين هذا الحديث ومفهوم الية‪،‬‬
‫وحديث أبي هريرة وأبللي سللعيد وهمللا فللي الصللحيحين؟ وسللترى كلم‬
‫الخليلي في ردهما وبأي شيء يردهما !‪.‬‬
‫وعلمللاء السلللف ليضللربون النصللوص بعضللها ببعللض‪ ،‬وإنمللا‬
‫يجمعون بينها إذا وجدوا تعارضًا في الظاهر‪ ،‬ولكن بحمد ال لللم يوجللد‬
‫تعارض بين هذه النصوص‪ ،‬وقد سبق توضيح ابن كثير لما دلللت عليلله‬
‫هذه النصوص‪.‬‬

‫ثم إن أهل السنة المثبتين للرؤية ليس دليلهم على إثبات الرؤية هو‬
‫مفهوم الية الذي دل عليه منطوق آية القيامة فقط‪.‬‬
‫ولتلك اليات وحدها‪ ،‬ولحديث أبللي هريللرة وأبللي سللعيد وحللده‪،‬‬
‫وإنما دّلت عليها آيات أخرى‪.‬‬
‫وأحاديث بلغت حد التواتر كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره‪.‬‬
‫وهللذا يللرد علللى ماجللاء فللي قللول المؤلللف الخليلللي الباضللي فللي‬
‫قوله‪ »:‬ولوكان الحللديث نصلًا صللريحًا فللي تفسللير النظللر بالرؤيللة لمللا‬
‫قامت به حجة لحادّيته‪ ،‬ومعارضته لما هو أقوى منه متنلًا ودللللة مللن‬
‫أدلة نفيها«‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬أما أحادّيته ‪-‬وإن كانت القاعدة عند أهللل السللنة مللن سلللف هللذه‬
‫المة ومن تبعهم‪ ،‬أنهم يحتجون بما ثبت عن رسول ال صلى ال عليلله‬
‫وسلم في العقيدة‪ ،‬سواء كان الخبر متواترًا أو آحلادًا‪ -‬فل يسلّلم للخليلللي‬
‫حكمه هذا‪ ،‬إذ ليست الحجة عند المثبتين للرؤية هذا الحديث وحده‪ ،‬بللل‬
‫أحاديث أخرى بلغت حد التللواتر عنللد علمللاء الحللديث أهللل الشللأن فللي‬
‫ذلك‪ ،‬وسيأتي ذكرها جميعًا‪.‬‬
‫وأما دعواه معارضته لما هو أقوى منه متنًا ودللللة مللن أدلللة نفللي‬
‫الرؤية‪ ،‬فهي دعوى باطلة وعارية عن الصللحة‪ ،‬لكونهللا لللم تسللتند إلللى‬
‫دليل من كتاب أو سنة أو إجماع‪.‬‬
‫ل واحدًا معتبرًا على نفي رؤية المؤمنين ربهم فللي‬
‫وأنى له أن يورد دلي ً‬
‫الخرة‪.‬‬
‫شَبُه والتمويهات والتلبيسات‪ ،‬وإيراد أدلة نفي الرؤيللة‬
‫وإنما عنده ال ّ‬
‫في الدنيا‪ ،‬ثم تعميمها على نفي الرؤية في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وسينكشف تلبيسه هذا عندما يورد أدلة النفاة على حد تعبيره‪.‬‬

‫أما في )ص‪ (56 :‬فقد ارتكللب خطلًأ فاحشلًا يجلب عليله أن يراجللع‬
‫نفسه ويتوب إلى ال عز وجل منه‪ ،‬حيث قال في )ص‪ (55 :‬وهو يذكر‬
‫أدلة المثبتين للرؤية من السنة‪ ،‬بعد أن انتهى من ذكر أدلتهم من الكتاب‬
‫كما يرى‪ ،‬قال‪:‬‬
‫)وأما من السنة فقد أكثروا من الحاديث التي حشروها للسللتدلل‬
‫بها‪ ،‬وأشهر وأقوى ما اعتمدوا عليه حديث‪» :‬سترون ربكببم عيانبًا كمببا‬
‫ترون القمر ليلة البدر«( قال‪) :‬وقد رووه من طريق أبي هريللرة وأبللي‬
‫سعيد الخللدري وجريللر بألفللاظ متعللددة‪ ،‬وأكللثر مايقتصللرون فللي كتللب‬
‫العقيللدة علللى هللذا القللدر مللن نصلله‪ (،‬قللال‪) :‬وقبللل أي تعقيللب علللى‬
‫الستدلل أرى أن أنقل بعض ألفاظه وأسانيده(‪.‬ا‪.‬هل‪.‬‬
‫وفي )ص‪ (56 :‬نقل رواية البخاري من كتاب التوحيد‪ ،‬ولللم ينقلهللا‬
‫كلها‪ ،‬مع أن البخاري أوردها كاملة‪ ،‬ولم يقتصر على ما ادعاه المؤلللف‬
‫وقد أوردها البخللاري فللي بللاب قللول اللل تعللالى‪} :‬وجوه يومئذ‬
‫ناضرة ‪ .‬إلى ربها ناظرة{‪.‬‬
‫وأورد معها تحللت هللذا العنللوان ثلثللة عشللر حللديثًا مللن )‪-7434‬‬
‫‪ ،(54)(7447‬كلها كاملة وصريحة في إثبات رؤية المؤمنين ربهللم يللوم‬
‫القيامة‪ ،‬وسنوردها عند ذكر أدلة المثبتين للرؤية‪.‬‬
‫ولكننا هنا نذكر ماارتكبه المؤلف مللن شللناعة قبيحللة حللول حللديث‬
‫أبي هريرة وأبي سعيد الخدري‪ ،‬وهما ضمن هذه الحاديث‪ ،‬قال‪- :‬بعللد‬
‫نقللل ذلللك الجللزء مللن حللديث أبللي هريللرة‪)-‬وجللاء بألفللاظ مختلفللة عنللد‬
‫الشلليخين وغيرهمللا‪ ،‬ومثللله فللي ذلللك حللديث أبللي سللعيد عنلد الشلليخين‬
‫كذلك(‪.‬‬
‫‪ ()54‬صحيح البخاري مع الفتح ‪.424-13/419‬‬

‫ثم قال‪- :‬وبئس ما قال‪):-‬وأنت أيها القارئ الكريم تدرك ببصبيرتك‬
‫أن الخببذ بظببواهر هببذه النصببوص يفضببي إلببى مببايرده العقببل ويكببذبه‬
‫البرهان(‪.‬‬
‫هكذا يقول‪ :‬إن أحاديث رسول ال صلى ال عليه وسلم الثابتة فللي‬
‫الصحيحين وغيرهما يكّذبها برهان الخليلي‪ ،‬ويرّدها عقله‪.‬‬
‫وإليك أيها القارئ الكريم ماأشاد به من عقل وبرهان ما ورثه عللن‬
‫سلفه الجهمية والمعتزلة‪ ،‬الذين يعتّز بهم دائمًا وأنهم يقوللون ويعتقلدون‬
‫إنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة‪ ،‬كما يعتقد الباضية‪ ،‬وقد جعلللوا‬
‫عقولهم وبراهينهم حاكمة على نصوص الكتاب والسنة‪ ،‬ونصبوها لللرد‬
‫قول الصادق المصدوق الذي لينطق عن الهوى‪ ،‬وانظر لبرهانه الللذي‬
‫رد به قول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقد قال في )ص‪:(56،57 :‬‬
‫)‪-‬إنه يترتب على الخذ بها‪ :‬تغيللر ذاتلله سللبحانه مللن صللورة إلللى‬
‫غيرها‪ ،‬والتغّير من سمات الحدوث‪.‬‬
‫وكونه مرئيًا لهذه المة مؤمنهلا ومنافقهلا فلي اللدنيا رؤيلة جليلة‪..‬‬‫وإل فبم عرفوا صورته؟(‪ ..‬إلخ ما قال‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهللذه هللي قاعببدة الجهميببة والمعتزلببة وأصلللهما‪ ،‬أخللذ بهللا‬
‫ل وعل‪-‬‬
‫المؤلف الخليلي لرد النصوص‪ ،‬وهي قياس صفات الخللالق جل ّ‬
‫الذي }ليس كمثله شيء وهللو السللميع البصللير{‬
‫لفي ذاته ولفي صفاته‪ ،‬وهو الحي القيوم المن لّزه الللدائم البللاقي‪ -‬علللى‬
‫صفات المخلوق الحادث الفاني‪.‬‬
‫لنهم لم يعرفوا من صفات ربهم إل ماشللاهدوه فللي المخلللوق‪ ،‬فللأرادوا‬
‫التنزيه بزعمهم فوقعوا في التعطيل‪.‬‬
‫ولهذا يقول المؤلف‪ :‬إنه يللزم مللن إثبلات صلفة الرؤيللة تغيلر ذاتلله‬
‫سبحانه‪ ،‬والتغير من سمة الحدوث‪.‬‬

‫والنتيجة إن من أثبت الصفات التي أخبر بهللا ال ل عللز وجللل عللن‬
‫نفسه في كتابه‪ ،‬أو أثبتها للله رسللول الل ‪ -‬صلللى الل عليلله وسلللم‪ -‬فقللد‬
‫وصف ال بصفة الحوادث‪.‬‬
‫ولهذا قال‪ :‬يلزم كلونه مرئيلًا فلي الللدنيا وإل فبلم عرفللوا صللورته؟‬
‫الللخ‪ ،‬أي أن المللؤمنين ل يعرفللون ربهللم فللي الخللرة‪ ،‬إل إذا رأوه فللي‬
‫الدنيا‪ ،‬وهذا هو قياس الغائب على الشاهد‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إن المؤمنين عرفللوا ربهللم بصللفاته الللتي أخللبرهم بهللا فللي‬
‫كتابه وأخبرهم بها رسوله‪ -‬صلى ال علية وسلم‪ -‬في سنته‪ ،‬فللآمنوا بهللا‬
‫وصللدقوا قائلهللا‪ ،‬فحينمللا يكرمهللم ربهللم بللالنظر إليلله يعرفللونه بتلللك‬
‫الوصاف التي جاءت في كتاب ربهم وسنة نبيهم‪ ،‬فصدقوا من أخبرهم‬
‫بها وآمنوا بها واعتقدوها‪.‬‬
‫ومن شهد لرسول اللل‪ -‬صلللى الل عليلله وسلللم‪ -‬بالرسللالة‪ ،‬أي أنلله‬
‫رسول ال‪ ،‬لزمه بمقتضى هذه الشهادة تصديقه في كل ما أخبر به عللن‬
‫ربه عز وجل سواء أدرك عقله ذلك أو لم يدركه‪.‬‬
‫فرسول ال صلى ال عليه وسلم ل ينطللق عللن الهللوى‪ ،‬إن هللو إل‬
‫وحي يوحى‪ ،‬وأمرنا ال أن نأخذ بما أخبرنا به‪ ،‬قللللال تعالى‪} :‬وما‬
‫آتلللاكم الرسلللول فخلللذوه وملللا نهلللاكم عنللله‬
‫فانتهوا{ ]الحشر‪.[7 :‬‬
‫وحذرنا من مخالفة أمره حيث قال تعللالى‪} :‬فليحذر الللذين‬
‫يخلللالفون علللن أملللره أن تصللليبهم فتنلللة أو‬
‫يصيبهم عذاب أليم{ ]النور‪.[63:‬‬
‫وقللللال تعللللالى‪} :‬فل وربلللك ل يؤمنلللون حلللتى‬
‫يحكموك فيما شللجر بينهللم ثللم ل يجللدوا فللي‬

‫أنفسهم حرجا ً مما قضيت ويسلللموا تسللليما ً{‬
‫]النساء‪.[65 :‬‬

‫وإذا كان المؤلف الخليلللي يقللول‪ :‬إن طللائفته الباضللية أهللل الحللق‬
‫والستقامة‪ ،‬لم يأخذوا عقائدهم إل من كتاب ال وسنة رسللوله كمللا فللي‬
‫)ص‪ (8:‬من كتابه هذا‪ ،‬نقول له‪ :‬الحق والستقامة هو الخذ بما جاء به‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ل رّده بللالهوى المتبللع‪ ،‬والتحريللف المتعمللد‪ ،‬والتقللدم بيللن يللدي اللل‬
‫ورسوله‪.‬‬
‫وانظر لقللول عمللر بللن الخطللاب رضللي الل عنلله الخليفللة الراشللد‬
‫المشهود له بالجنة‪ ،‬في قصة صلح الحديبية‪ ،‬لما جاء سللهيل بللن عمللرو‬
‫مندوب كفار قريش لكتابة الصلح‪ ،‬وقد شللرط سللهيل فللي ذلللك الصلللح‪،‬‬
‫الشروط القاسية ومنها‪ :‬قال سهيل‪ :‬وعلى أنه ل يأتيك مّنللا رجللل ‪ -‬وإن‬
‫كان على دينك‪ -‬إل رددته إلينا‪ ،‬قال المسللمون‪ :‬سلبحان الل كيلف ُيلرد‬
‫إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كللذلك إذ دخللل أبللو جنللدل بللن‬
‫سهيل بن عمرو يرسف في قيوده‪ ،‬وقد خرج من أسفل مكة حلتى رملى‬
‫بنفسه بين أظهر المسلمين‪ ،‬فقال سهيل‪ :‬هذا يا محمللد أول مللن أقاضلليك‬
‫ي‪ ،‬فقال النبي‪ -‬صلى الل عليله وسلللم‪» :-‬إنببا لببم نقببض‬
‫عليه أن ترده إل ّ‬
‫الكتاب بعد«‪.‬‬
‫قال‪ :‬فوال إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا‪ ..‬الحديث)‪.(55‬‬
‫قال أبو جندل‪ :‬أي معشر المسلمين‪ُ ،‬أردّ إلللى المشللركين وقللد جئت‬
‫عّذب عذابًا شديدًا في ال‪.‬‬
‫مسلمًا‪ ،‬أل ترون ما قد لقيت؟ وكان قد ُ‬
‫قال عمر بن الخطاب‪ :‬فأتيت رسللول اللل‪ -‬صلللى الل عليله وسلللم‪-‬‬
‫ت نبي ال حقًا؟ قال‪ :‬بلى‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬ألس َ‬
‫‪55‬‬

‫)( البخاري‪،‬كتاب الشروط ح )‪.(2732-2731‬‬

‫قلت‪ :‬ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟‬
‫قال‪ :‬بلى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟‬
‫ونقول للخليلى اسمع رد رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬على عمر‪.‬‬
‫ثم اسمع بعد ذلك لقول عمر وندمه على موقفه هذا ابتداء‪.‬‬
‫قال‪ » :‬إني رسول ال ولست أعصيه وهو ناصري«‪.‬‬
‫وفي رواية فقال‪ » :‬يا ابن الخطاب إني رسول ال‪ ،‬ولببن يضببيعني‬
‫ال«‪ ،‬فرجع متغيظًا فلم يصبر حتى جاء إلى أبي بكر وقال لله مثلل ملا‬
‫قال لرسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬فكان رده كمللا قللال رسللول اللل‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ -‬إلللى أن قللال للله‪ :‬أيهللا الرجللل‪ ،‬إنلله لرسللول اللل‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلللم‪ ،-‬وليللس يعصللي ربلله‪ ،‬وهللو ناصللره‪ ،‬فاستمسللك‬
‫بغرزه فوال إنه على الحق‪.‬‬
‫قال الزهري‪ :‬قال عمر‪ :‬فعملت لذلك أعماًل)‪.(56‬‬
‫يقول عمر بن الخطاب رضي ال عنه بعد ذلك‪ :‬اتهموا الرأي على‬
‫الدين‪ ،‬فلقد رأيتني أرد أمر رسول ال‪ -‬صلى ال ل عليلله وسلللم‪ -‬بللرأي‪،‬‬
‫وما ألوت عن الحق‪.‬‬
‫وفيه »قال‪ :‬فرضي رسبول الب‪ -‬صببلى الب عليبه وسبلم‪ -‬وأبيبت‪،‬‬
‫حتى قال لي‪ :‬يا عمر تراني رضيت وتأبى«‪.‬‬
‫يقول ابن حجللر فللي شللرح الحللديث‪):‬وقللول عمللر‪ »:‬فعملببت لببذلك‬
‫أعماًل«‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫)( البخاري مع الفتح‪ ،‬كتاب الشروط‪ ،‬باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهللل‬
‫الحرب‪ 333 /329 /5،‬ح ‪ .3732 ،2731‬وكتاب التفسير‪ ،‬تفسير سورة الفتح‪ ،‬فتح‬
‫الباري ‪587 /8‬ح ‪.4844‬‬

‫المراد به العمال الصالحة ليكّفر عنه ما مضللى مللن التوقللف فللي‬
‫المتثال ابتداء‪ ،‬وقد ورد التصريح بمراده بقوله »أعماًل«‪ :‬ففي روايللة‬
‫ابن إسحاق وكان عمر يقول‪»:‬ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتببق‬
‫من الذي صنعت يومئذ‪ ،‬مخافة كلمي الذي تكلمت به«‪.‬‬
‫وعند الواقدي مللن حللديث ابللن عبللاس‪ ،‬قللال عمللر‪» :‬لقببد أعتقببت‬
‫بسبب ذلك رقابًا‪ ،‬وصمت دهرًا«)‪.((57‬‬
‫وفي صحيح البخاري)‪ (58‬قللال سللهل بللن حنيللف‪» :‬يببا أيهببا النبباس‬
‫اتهموا رأيكم على الدين؛ لقد رأيتني يببوم أبببي جنببدل ولببو أسببتطيع أن‬
‫أرد أمر رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬لرددته«‪.‬‬
‫وأخرج أبو داود في الطهارة عن علي بللن أبللي طللالب قللوله‪ »:‬لببو‬
‫كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعله«‪.‬‬
‫إن ما حدث من عمر بن الخطاب رضي ال عنله فلي علدم امتثلال‬
‫أمر رسول ال‪ -‬صلللى الل عليله وسلللم‪ -‬ابتلداًء فللي هللذا الموقللف‪ ،‬هلو‬
‫بسبب ما رآه من تلك الشروط التي يمليها المشركون في ذلللك الصلللح‪،‬‬
‫وهي شروط في ظاهرها إجحاف بالحق‪ ،‬لن المشركين علللى الباطللل‪.‬‬
‫ولهذا يقول عمر‪»:‬وما ألوت عببن الحببق«‪ ،‬فهللو اجتهللاد للوصللول إلللى‬
‫الحق‪ ،‬ولكن الجتهاد مع النص ل محل له‪.‬‬
‫فالحق كل الحق في قول رسول اللل‪ -‬صلللى الل عليلله وسلللم‪ -‬وإن‬
‫ظهر للناس خلفه‪ ،‬ولهذا قال رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬لعمللر‪:‬‬
‫»إني رسول ال ولست أعصيه وهو ناصري«‪ ،‬وقد كان المر كللذلك‪،‬‬
‫أي أن ذلك الصلح الذي بتلك الشروط كان فتحًا عظيمًا‪ ،‬ونصرًا ظاهرًا‬
‫‪57‬‬

‫‪58‬‬

‫)( فتح الباري ‪ .346 /5‬وفي فتح الباري ‪ 289 /13‬جاء قول عمر‪ ،‬كما في رواية‬
‫سهل‪.‬‬
‫)( البخاري مع الفتح كتاب العتصام‪ 83 /13 ،‬ح ‪ ،73 0 8‬وقد جاء في الشرح‪،‬‬
‫قول عمر‪ ،‬أخرجه الطبراني‪ ،‬والطبري‪ ،‬والبيهقي‪.‬‬

‫للسلم والمسلمين‪ ،‬وظهر لعمر رضللي الل عنلله مللا قللاله رسللول الل‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫فندم عمر رضي ال عنه على ذلك الموقف الذي كان منه فللي بللدء‬
‫القضية‪ ،‬ورأى أنه في حاجة إلى أن يكفر عن موقفه ذاك‪.‬‬
‫ولللذلك قللال‪ »:‬مببازلت أتصببدق‪ ،‬وأصببوم‪ ،‬وأصببلي‪ ،‬وأعتببق مببن الببذي‬
‫صنعت يومئذ مخافة كلمي الذي تكلمت به«‪.‬‬
‫فعمر رضي ال عنه لم يرّد ما قاله الرسول صلى ال عليه وسلللم‪،‬‬
‫وإنما كان يناقش ليعرف الحكمة في ذلك‪ ،‬وقد سّلم المر بعد ذلك‪ ،‬ومع‬
‫ذلك يكفر عن ذلك الموقف‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬للمؤلف الخليلي‪ :‬أل تخاف من كلمك الذي قلته معارضًا‬
‫به كلم رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ ،-‬وهللو قولللك فللي )ص‪:(56:‬‬
‫)الخذ بظاهر حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخللدري فلي الصللحيحين‪،‬‬
‫يرده العقل ويكذبه البرهان( إنها جرأة على رسول ال‪ -‬صلى ال عليلله‬
‫وسلم‪ ،-‬وشناعة في اللفظ الذي يرد به قول‪ ،‬الصادق المصللدوق‪ ،‬الللذي‬
‫ل ينطق عللن الهللوى‪ ،‬إن هللو إل وحللي يللوحى‪ .‬إن المللر ‪ -‬يللا رجللل‪-‬‬
‫خطير‪ ،‬فهو بحاجة إلى توبة صادقة تخرج صللاحبها مللن سللوء المعتقللد‬
‫وفتنللة النحللراف‪ ،‬فللال يقللول‪} :‬فليحذر الذين يخللالفون‬
‫عن أمره أن تصيبهم فتنللة أو يصلليبهم عللذاب‬
‫أليم{ ]النور‪.[63 :‬‬
‫أل فليعلم مشتري الضللة بالهللدى‪ ،‬أن العلتراض علللى الل بلرد‬
‫نصوص كتابه‪ ،‬والتقدم على رسول ال بمعارضة سنته بالرأي الساقط‪،‬‬
‫تصّرف قبيح‪ ،‬ومخالفة واضحة ظاهرة‪.‬‬
‫يقللول الشلليخ محمللد الميللن الشللنقيطي فللي منهللج ودراسللات ليللات‬
‫ن تنطللع بيللن يللدي رب السللموات والرض‬
‫الصللفات )ص‪َ ..):(40:‬م ل ْ‬

‫وتجرأ على ال بهذه الجرأة العظيمة‪ ،‬ونفى عن ربه وصفًا أثبته لنفسه‪،‬‬
‫فهذا مجنون‪ ،‬فال جل وعل يثبت لنفسلله صللفات كمللال وجلل‪ ،‬فكيللف‬
‫يليق لمسكين جاهل أن يتقدم بين يدي رب السللموات والرض ويقللول‪:‬‬
‫هذا الذي وصفت به نفسك ل يليق بك‪ ،‬ويلزمه مللن النقللص كللذا وكللذا‪،‬‬
‫فأنا أؤوله وألغيه وآتي ببدله من تلقاء نفسي‪ ،‬من غير استناد إلللى كتلاب‬
‫أو سنة‪ ،‬سبحانك هذا بهتان عظيم(‪ .‬اهل‪.‬‬
‫ونواصل مع الخليلللي لنللبين للقللارئ تدليسلله وتمللويهه‪ ،‬فللإنه يللورد‬
‫الدلة التي فيها نفي الرؤية في الدنيا‪ ،‬وهو المر المتفق عليه بين أهللل‬
‫ل له على نفي الرؤية في الدنيا والخرة‪،‬‬
‫السنة والجماعة‪ ،‬ثم يجعله دلي ً‬
‫ولهذا فإنه بعد رده لتلك النصللوص مللن الكتللاب والسللنة المثبتللة لرؤيللة‬
‫المؤمنين ربهم في جنات النعيم‪ ،‬قال فللي )ص‪) :(67:‬الفصببل الثببالث‬
‫في أدلة النافين(‬
‫أي الباضللية والجهميللة والمعتزلللة والرافضللة الماميللة والزيديللة‬
‫الذين يعتز بأنهم على عقيدته كما تقدم )ص‪ (32 :‬في كتابه هذا‪.‬‬
‫قال‪) :‬وهي قسمان‪ :‬عقلية‪ ،‬ونقلية(‪.‬‬
‫ثم ذكر ملخص الدلة العقلية وشروطها‪ ،‬فقال‪) :‬والرؤية البصللرية‬
‫المعهودة هي‪ :‬انطباع صورة المرئي فلي حدقللة الللرائي بقلوة الذبلذبات‬
‫الضوئية الملتقطة للصور ولها شروط(‪.‬‬
‫فذكر شروطها وهي تتلخص‪ :‬في قيلاس الغللائب علللى الشللاهد كمللا‬
‫يفعل المعتزلة تمامًا‪.‬‬
‫ولما أدرك أنه يقيس الغائب على الشاهد‪ ،‬قال فللي )ص‪ 68 :‬سللطر‬
‫‪) :(7‬وقد اعترض على هذا الستدلل‪ ،‬بأن هذه الشروط إنمللا هللي فللي‬
‫رؤية الشاهد ول يجوز أن تحمل عليها رؤية الغائب(‪.‬‬

‫ثم قال‪) :‬وأجيب بأن الرؤية المعهودة عند الناس هي هذه ول فللرق‬
‫في ذلك بين الشاهد والغائب(‪.‬‬
‫ثم ادعى في الصفحة نفسها أن مثبتي الرؤية أنفسهم قاسللوا الغللائب‬
‫على الشاهد في باب الصفات‪.‬‬
‫والجواب على ذلك ما يأتي‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬إن المؤلف اعترف بأن دليله العقلي هللو قيللاس الغللائب علللى‬
‫الشاهد‪ ،‬وهذا هو منهج المعطلة الجهمية والمعتزلة ومللن سللبق ذكرهللم‬
‫ومنهم المؤلف وطائفته الباضية‪ ،‬لنهم لم يعرفللوا مللن صللفات الخللالق‬
‫جل وعل إل ما شاهدوه في المخلوق ولم يقدروا الل حللق قللدره‪ ،‬ومللن‬
‫هنا أرادوا حسب زعمهم التنزيه‪ ،‬فعطلوا حيث نفوا تلللك الصللفات عللن‬
‫ال‪ ،‬بل الجهمية نفوا حتى السماء‪ ،‬بحجة أنهم لو أثبتوها فقد شبهوا ال‬
‫بخلقه‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ثللم‬
‫وقد صدق عليهم القول‪ :‬بأن كل معطل مشبه‪ ،‬فهم شبهوا أو ً‬
‫انتقلوا إلى التعطيل ثانيًا‪.‬‬
‫وهذا القياس باطلل بإجملاع أهلل السلنة والجماعلة‪ ،‬لنله ل يجلوز‬
‫قياس صفات الخالق سبحانه على صفات المخلللوق‪ ،‬لنلله تشللبيه‪ ،‬ومللن‬
‫شللبه اللل بخلقلله فقللد كفللر بلله‪ ،‬واللل عللز وجللل‪} :‬ليس كمثله‬
‫شيء وهو السميع البصير{‪.‬‬
‫وثانيًا‪ :‬دعوى المؤلف على أن مثبلتي الرؤيللة قاسللوا الغلائب عللى‬
‫الشاهد في باب الصفات‪.‬‬
‫أقول‪ :‬هذا كذب عليهم‪ ،‬فإن صفات ال عّز وجللل توقيفيللة‪ ،‬فهللم لللم‬
‫يثبتوا ل عز وجل من الصفات إل ما أثبته ال لنفسه في كتابه‪ ،‬أو أثبته‬
‫له رسوله في سنته الصحيحة‪.‬‬

‫ولكن المؤلف الخليلي يتحدث عن قاعدة التعطيللل عنللده وعنللد مللن‬
‫ل‪ ،‬وعطلوا ثانيًا كما سبق‪.‬‬
‫يتبعهم من جهمية ومعتزلة‪ ،‬الذين شبهوا أو ً‬
‫وانظر لصفة الرؤية التي فيهللا النللزاع‪ ،‬فللال عللز وجللل هللو الللذي‬
‫يقول في كتابه الكريم‪}:‬وجوه يومئذ ناضرة‪ .‬إلى ربهللا‬
‫ناظرة{‪.‬‬
‫والرسول‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬هو الذي يقول‪» :‬إنكببم سببترون ربكببم‬
‫عيانًا‪ ،‬كما ترون الشمس والقمر صحوًا«‪.‬‬
‫كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد‪.‬‬
‫فأين القياس الذي يدعيه المؤلف الخليلي على مثبتي الرؤية؟‬
‫فهذا قول ال عز وجل‪ ،‬وهذا قول رسوله صلى ال عليلله وسلللم‪ ،‬الللذي‬
‫آمن به الصحابة وتبعهم المصدقون لرسول ال المؤمنللون بمللا أخللبرهم‬
‫به‪ ،‬لنه لينطق عن الهوى إن هو إل وحي يوحى‪.‬‬
‫فلم يأتوا بشيء من عند أنفسهم‪ ،‬وإنما قالوا بالللذي قللاله الل عللز وجللل‪،‬‬
‫وبالذي قاله رسوله الكريم‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪.-‬‬
‫أما الخليلى‪ -‬فيقول‪):‬إن الخذ بظواهر هذه النصوص يللرده العقللل‬
‫ويكذبه البرهان!( ظلمًا وعدوانًا‪ ،‬إذ لم يأت فيما جاء به رسللول ال ل مللا‬
‫يكذب بعضه بعضًا‪ ،‬بل العكس هو اليقين‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إنها لجرأة عظيمة على ال ورسللوله‪ ،‬يجللب عليللك التوبللة‬
‫منها ومن كل معتقد فاسد قبيح‪.‬‬
‫فال عز وجل يقول‪} :‬وما كان لمللؤمن ول مؤمنللة‬
‫إذا قضللى الللله ورسللوله أمللرا ً أن يكللون لهللم‬
‫الخيرة من أمرهللم ومللن يعللص الللله ورسللوله‬
‫فقد ضل ضلللل ً مبينلا ً{ ]الحلللزاب‪ [36 :‬فهللذا قضللاء اللل‬

‫ورسوله‪ ،‬أحق بالتباع‪ ،‬وعلى الخليلللي أن يثللوب إلللى رشللده‪ ،‬ويسللعى‬
‫فيما بقي من العمر في تصحيح معتقده‪ ،‬ذلك خير له وأقوم‪.‬‬
‫وفللي )ص‪ (68 :‬قللال‪) :‬وأمببا النقليببة ‪ -‬أي مببن أدلببة النببافين‬

‫للرؤية‪:-‬‬
‫فبعضها من الكتاب‪ ،‬وبعضها من السنة(‪.‬‬
‫ثللم قللال‪) :‬فمللن الكتللاب قللوله تعللالى‪} :‬ل تدركه البصار‬
‫وهو يدرك البصار وهو اللطيف الخبير{ ]النعلللام‪:‬‬
‫‪[103‬‬

‫قللال‪ :‬ووجلله السللتدلل باليللة‪ :‬أنلله تعللالى مللدح نفسلله فيهللا بللأن‬
‫البصللار ل تللدركه‪ ،‬وإدراكهللا الرؤيللة‪ ،‬فتللبين منهللا أن عللدم رؤيتلله‬
‫بالبصار صفة ذاتية لزمة له تعالى‪ ،‬فإنه لو رؤي للللزم زوال مللدحه‪،‬‬
‫وإذا زالت انقلب إلى ضده وهو الذم‪ ،‬تعالى ال عنه‪.‬‬
‫قال‪ :‬ومن ناحية أخرى‪ ،‬فإنه إخبار مللن ال ل سللبحانه بوصللف مللن‬
‫أوصافه‪ ،‬وأخبار ال ل تتبدل‪ ،‬لنهللا لللو تبللدلت كللان التبللديل تكللذيبًا للله‬
‫}ومن أصدق من الله قيل ً{( اهل‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فالمؤلف اعتمللد فللي اسللتدلله باليللة‪ ،‬علللى أن الدراك هللو‬
‫الرؤية ل غير‪ ،‬وأن الية قد نفت ذلك الدراك الذي فسره بللأنه الرؤيللة‬
‫بالبصار‪ ،‬وأن في هذا النفي مدح ل عز وجل فإنه ل يرى‪ ،‬وإذا أثبتت‬
‫الرؤية زال هذا المللدح وانقلللب ذملًا‪ ،‬وأنلله إخبللار مللن الل عللز وجللل‪،‬‬
‫والخبار ل تتبدل‪ ،‬هكذا يقرر وجه الستدلل‪.‬‬
‫وفللي )ص‪ (69:‬قللال‪) :‬وقللد ُرّد علللى هللذا السللتدلل مللن خمسللة‬
‫أوجه‪ ،‬ذكرها إلى )ص ‪ (70‬وقال‪ :‬هذه العتراضات كلها مردودة(‪.‬‬
‫وأقببول‪ :‬إليللك أيهللا القللارئ الكريللم ذكللر واحللد مللن هللذه الخمسللة‬
‫الوجه‪ ،‬وبيان رد المؤلف عليه ليظهر تهافت رده‪ ،‬لنلله لللم يسللتند فللي‬

‫ذلك على تفسير الصحابة لهذه اليللة‪ ،‬وإنمللا اعتمللد علللى رأيلله‪ ،‬وعلللى‬
‫التمويهات‪ ،‬ومنها استدلله بالدلة التي وردت عللن الصللحابة فللي نفللي‬
‫الرؤية في الدنيا وهو يعممها في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫قللال فللي )ص‪) (69 :‬واعللترض علللى هللذه السللتدلل مللن خمسللة‬
‫أوجه‪:‬‬
‫أولها‪ -‬أن الية نفت الدراك ولم تنف الرؤية‪ ،‬وبينهمللا فللرق؛ فللإن‬
‫الدراك هو الحاطة بالُمْدَرك‪ ...‬إلى أن قال وهذا أشهر ما عولوا عليه‬
‫في دفع هذه الحجة(‪.‬‬
‫وفلللي )ص‪ (70 :‬قلللال‪ ):‬أملللا الول فهلللو مخلللالف لملللا دل عليللله‬
‫الستعمال العربي لكلمة الدراك ومشتقاتها‪ ،‬فإنه ل يفهم منه أنه بمعنى‬
‫الحاطة فأقوال أساطين العربية المهللرة‪ ،‬وشللواهدها الصللريحة الثابتللة‬
‫دالة على أن الدراك ليس بمعنى الحاطة بل لكل منهما معنللى مسللتقل‬
‫عن الخر‪( .‬‬
‫ثم قال‪) :‬قال ماتن القاموس وشارحه‪» :‬الللدرك ‪-‬محركللة‪ -‬اللحللاق‪،‬‬
‫وقد أدركه إذا لحقه‪ ،‬وهو اسم من الدراك«‪.‬‬
‫ونللص كلم الجللوهري فللي الصللحاح‪») :‬الدراك اللحللوق‪ ،‬يقللال‬
‫مشيت حتى أدركته‪ ،‬وأدركته ببصري رأيته«‪.‬‬
‫قال‪ :‬هذه نصوص أساطين اللغة الذين نقلوها إلينا بأمانة‪ ،‬وليس فيها ما‬
‫يدل على تفسير الدراك بالحاطة‪ (....‬الخ )ص‪.(71 :‬‬
‫قلببت‪ :‬هللذا نمللوذج مللن اسللتدلل الخليلللي علللى نفللي الرؤيللة فللي‬
‫الخرة‪ ،‬بالدلللة النقليللة مللن الكتللاب كمللا يللدعي‪ .‬وأنللت تللرى أن اليللة‬
‫الكريمة ل دللة فيها على نفي الرؤية‪ ،‬بل إنها علللى إثباتهلا أولللى‪ ،‬لن‬
‫الدراك غير الرؤية‪ ،‬فقد تحصل الرؤية ول يحصل الدراك‪.‬‬

‫والخليلي قد رجع لتفسللير ابللن جريللر لليللة‪ ،‬ولكنلله لللم يأخللذ قللول‬
‫ترجمان القرآن ابن عباس رضي ال عنه‪ ،‬ول قول قتادة‪.‬‬
‫وإنما أخذ روايات فيها نفي الرؤية فللي الللدنيا‪ ،‬فحملهللا علللى النفللي‬
‫في الدنيا والخرة‪ ،‬وقد سللبق بعلض ذلللك‪ ،‬وسللنورد هنلا ملا يلبين ذلللك‬
‫ل عند إيراد أدلللة المثبللتين مللن أهللل‬
‫ويوضحه‪ ،‬وسيأتي ذكر ذلك مفص ً‬
‫السنة للرؤية في الخرة‪.‬‬
‫فإليك كلم المحققين في تفسير الية‪ ،‬في المور التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬في بيان أن النفي المحض ليس بكمال‪ ،‬فل يمدح ال بله‪ ،‬خلفلًا‬
‫لما يراه الخليلي‪.‬‬
‫‪ -2‬وفي بيان الفرق بين الدراك والرؤية‪.‬‬
‫فأما تفسير الية فقد سبق ما نقلناه من تفسير ابللن جريللر‪ ،‬عللن ابللن‬
‫عباس رضي ال عنه أنه قال‪} :‬ل تدركه البصار{ ل تحيط بببه‬
‫البصار‪.‬‬
‫عن قتادة قال‪ :‬هو أعظم من أن تدركه البصار‪.‬‬
‫وقال عطية العوفي‪ :‬ينظرون إلى ال ول تحيللط أبصللارهم بلله مللن‬
‫عظمتلله‪ ،‬وبصللره يحيللط بهللم‪ ،‬ذلللك قللوله‪} :‬ل تدركه البصار‬
‫وهو يدرك البصار{‪.‬‬
‫وأما النفي المحللض فل يكللون مللدحًا خلفلًا لمللا يقللول بلله الخليلللي‬
‫وأئمته في هذا الباب وغيره من جهمية ومعتزلة وإمامية‪ ،‬وبيان الفللرق‬
‫بين الرؤية والدراك بالدلة الصريحة‪:‬‬
‫فقد قال ابن القيم في كتابه حادي الرواح )ص ت ‪ (369‬وقد نقللله‬
‫المؤلف في كتابه هذا‪.‬‬
‫قال ابن القيم‪:‬‬

‫)الللدليل السللادس‪ -‬يعنللي مللن القللرآن فللي إثبللات الرؤيللة‪ -‬قللوله‬
‫عزوجلللل‪} :‬ل تدركه البصار وهو يللدرك البصللار{‬
‫]النعام‪ [103 :‬قال‪ :‬والستدلل بهذا أعجب‪ ،‬فإنه من أدلة النفللاة‪ ،‬وقللد‬
‫قرر شيخنا وجه الستدلل أحسن تقرير وألطفه وقال لي‪ :‬أنا ألتزم أنلله‬
‫ل يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إل وفي ذلك الدليل مللا‬
‫يدل على نقيض قوله‪ ،‬فمنهللا هللذه اليللة وهللي علللى جللواز الرؤيللة أدل‬
‫منها علللى امتناعهللا‪ ،‬فللإن الل سللبحانه وتعللالى إنمللا ذكرهللا فللي سللياق‬
‫التمدح‪ ،‬ومعلوم أن المدح به إنما يكون بالوصاف الثبوتية‪ ،‬وأما العللدم‬
‫المحض فليس بكمال‪ ،‬فل يمللدح‪ ،‬وإنمللا يمللدح الللرب‪ -‬تبللارك وتعللالى‪-‬‬
‫س لَنة والنللوم‪ ،‬المتضللمن‬
‫بالعدم إذا تضمن أمرًا وجوديًا‪ ،‬كمدحه بنفللي ال ّ‬
‫كمال القيوميللة‪ ،‬ونفللي المللوت المتضللمن كمللال الحيللاة‪ ،‬ونفللي اللغللوب‬
‫والعياء المتضمن كمال القدرة‪ (...‬الخ ما ذكره من أمثلة في هذا الباب‬
‫إلى أن قال‪) :‬ولهذا لم يتمدح بعدم محض ل يتضللمن أمللرًا ثبوتيلًا‪ ،‬فللإن‬
‫المعدوم يشارك الموصوف في ذلللك العللدم‪ ،‬ول يوصللف الكامللل بللأمر‬
‫يشللترك هللو والمعللدوم فيلله‪ ،‬فلللو كللان المللراد بقللوله‪} :‬ل تدركه‬
‫البصار{ أنه ل يرى بحال‪ ،‬لم يكن في ذلك مدح ول كمال لمشاركة‬
‫ص لْرف ل يللرى ول تللدركه البصللار‬
‫المعدوم له في ذلك‪ ،‬فإن العللدم ال ّ‬
‫والرب جل جلله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض‪.‬‬
‫فإذًا المعنى أنه يرى ول يدرك ول يحاط به‪ ،‬كما كللان المعنللى فللي‬
‫قوله‪} :‬وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة{ ]يللللونس‪:‬‬
‫‪ [61‬أنه يعلم كل شللليء‪ ،‬وفلللي قلللوله‪} :‬ومامسنا من لغوب{‬
‫]ق‪ [49 :‬أنه كامل القدرة‪.‬‬

‫وفي قوله‪} :‬ول يظلم ربك أحدا ً{ ]الكهللف‪ [49 :‬أنه كامللل‬
‫العدل‪ ،‬وفي قوله‪} :‬ل تأخذه سنة ول نوم{ ]البقرة‪ [255 :‬أنه‬
‫كامل القيومية‪.‬‬
‫فقوله‪} :‬ل تدركه البصار{ يدل على غايللة عظمتلله‪ ،‬وأنلله‬
‫أكبر من كل شيء‪ ،‬وأنه لعظمته ل يدرك بحيث يحاط به‪ ،‬فإن الدراك‬
‫هللو الحاطللة بالشلليء‪ ،‬وهللو قللدر زائد علللى الرؤيللة كمللا قللال تعللالى‪:‬‬
‫}فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنللا‬
‫لمدركون‪ .‬قال كل{ ]الشعراء‪ [61:‬فلم ينف موسى الرؤية‪ ،‬ولم‬
‫يريدوا بقولهم‪} :‬إنا لمدركون{ إنا لمرئيون‪.‬‬
‫فإن موسى‪ -‬صلوات ال وسلمه عليه‪ -‬نفى إدراكهم إيللاهم بقللوله‪:‬‬
‫}كل{وأخللبر اللل سللبحانه أنلله ل يخللاف دركهللم بقللوله‪} :‬ولقد‬
‫أوحينا إلللى موسللى أن أسللر بعبللادي فاضللرب‬
‫لهم طريقا ً في البحر يبسا ً ل تخللاف درك لا ً ول‬
‫تخشى{ ]طه‪.[77 :‬‬
‫فالرؤية والدراك كل منهما يوجد مع الخر وبدونه‪ ،‬فالرب تعالى‬
‫ُيَرى ول ُيْدَرك‪ ،‬كما ُيْعَلم ول يحاط به‪ ،‬وهذا هو الللذي فهملله الصللحابة‬
‫والئمة من الية‪.‬‬
‫قلللال ابلللن عبلللاس‪} :‬ل تللدركه البصللار{ ل تحيلللط بللله‬
‫البصار‪ (،‬ثم ذكر قول قتادة وعطية العوفي الذي سبق ذكرهما‪.‬‬
‫وأما قول الخليلي‪) :‬إنلله إخبللار مللن الل والخبللار ل تتبلدل‪ (..‬الللخ‬
‫فنقول‪ :‬نعم‪ ،‬إنه إخبار وهو خبر لم يتبدل‪ ،‬فال أخبر أنه ُيَرى ول يحاط‬
‫به لعظمته سبحانه‪ ،‬كما قال ابن عباس‪ ،‬ل كما يرى الخليلي‪.‬‬
‫وأما كونه يورد الدلة على نفللي الرؤيللة فللي الللدنيا ويجعلهللا دلي ً‬
‫ل‬
‫على نفي الرؤية في الدنيا والخرة تمويهًا وتلبيسًا‪ ،‬فقللد قللال فللي )ص‪:‬‬

‫‪) :(72‬واستشهاد الصحابة رضوان ال عليهللم علللى نفللي الرؤيللة بهللذه‬
‫الية الكريمة من أوضح الدلة وأبينها‪ ،‬وأقللوى الشللواهد وأقطعهلا بلأن‬
‫الدراك إذا أسند إلى البصار ل يكون إل بمعنى الرؤية‪ ،‬فإنهم رضللي‬
‫ال عنهم عرب أقحللاح طبعللوا علللى فصلليح الكلم العربللي‪ (...‬إلللى أن‬
‫قال‪) :‬ومما روي عنهم فللي ذلللك ملا أخرجلله المللام الربيللع فللي مسللنده‬
‫والشيخان في صحيحيهما عن مسروق قال‪» :‬كنببت متكئًا عنبد عائشبة‬
‫فقالت‪ :‬يا أبا عائشة ثلث من تكلم بواحدة منهن فقببد أعظببم علببى ال ب‬
‫الفرية‪ ،‬من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على ال ب الفريببة‪ .‬قببال‪:‬‬
‫وكنت متكئًا فجلست وقلت‪ :‬يا أم المؤمنين أنظريني ول تعجلينببي‪ ،‬ألببم‬
‫يقل ال عز وجل‪} :‬ولقد رآه بالفق المبين{‪} .‬ولقللد‬
‫رآه نزلة أخرى{ فقببالت‪ :‬أنببا أول هببذه المببة سببأل عببن ذلببك‬
‫رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬فقببال‪ :‬إنمببا هببو جبريببل لببم أره فببي‬
‫صورته الببتي خلببق عليهببا‪ ،‬غيببر هبباتين المرتيببن‪ ،‬رأيتببه منهبطبًا مببن‬
‫السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء والرض‪.‬‬
‫فقببالت‪ :‬أولببم تسببمع أن البب يقببول‪} :‬ل تدركه البصللار‬
‫وهو يدرك البصار وهو اللطيف الخبير{«‪.‬‬
‫قال‪ :‬وقد أخرج الربيع رحمه ال عن علي وابن عباس رضللي ال ل‬
‫عنهما أنهما استدل على نفي رؤية ال تعالى بهذه الية الكريمة(‪.‬‬
‫أقول‪ :‬إن ما نقله من رواية مسروق عن عائشة هو في نفي الرؤيللة‬
‫في الدنيا‪ ،‬أي أن رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬لم ير ربلله فللي ليلللة‬
‫السراء والمعراج‪ ،‬وإنما الذي أشللارت إليلله اليللات هللو جبريللل عليلله‬
‫السلم‪ ،‬ولم تقصد عائشة الستدلل بالية على نفي الرؤية في الخرة‪،‬‬
‫وقد سبق نقل ما ذكره ابن عباس والذي جاء في روايتلله إثبللات الرؤيللة‬

‫وأنها بالقلب‪ ،‬وذكرنا توفيق العلمللاء وجمعهللم بيللن الروايللات وأن ذلللك‬
‫الخلف انتهى‪ ،‬وأن الرؤية البصرية لم تثبت لحد في الدنيا‪.‬‬
‫لكن المؤلف كما قلت‪ :‬يأخللذ تلللك الدلللة ويلّبللس بهللا علللى أتبللاعه‪-‬‬
‫الباضية‪ -‬ثم يقول في )ص‪- (90 :‬وهو يتابع ذكللر الدلللة النقليللة الللتي‬
‫تدل على خلف دعواه بل هي أدللة أهلل السلنة فلي إثبلات الرؤيللة فلي‬
‫الخرة‪ ،‬ونفيها في الدنيا‪ -‬يقول‪:‬‬
‫)وأما من السنة فما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬ما رواه المامان البخاري ومسلللم وغيرهمللا عللن أبللي موسللى‬
‫الشعري عن النبي‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬أنه قال‪» :‬جنتان مببن فضببة‬
‫آنيتهما وما فيهما‪ ،‬وجنتببان مببن ذهببب آنيتهمببا ومببا فيهمببا‪ ،‬ومببا بيببن‬
‫القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إل رداء الكبرياء على وجهه في جنة‬
‫عدن«(‪.‬‬
‫هذا الحديث أورده البخاري في كتللاب التوحيللد فللي بللاب قللول الل‬
‫تعالى‪} :‬وجوه يومئذ ناضللرة‪ .‬إلللى ربهللا نللاظرة{‬
‫برقم‪ 7440 :‬كما أورد في هذا الباب إحدى عشرة رواية كلها صلريحة‬
‫في الرؤية‪ ،‬وأورد بعد هذا الحديث مباشرة رواية عدي بللن حللاتم قللال‪:‬‬
‫قال رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪» -‬مببا منكببم مببن أحببد إل سببيكلمه‬
‫ربببه ليببس بينببه وبينببه ترجمببان ول حجبباب يحجبببه«‪ .‬فهللذه الروايللة‬
‫مصرحة برفع الحجاب‪ .‬وسللنورد هللذه الروايللات كلهللا عنللد ذكللر أدلللة‬
‫المثبتين للرؤية إن شاء ال‪.‬‬
‫ولكن المؤلف كما ترى يترك الرواية الخرى الموضللحة والمبينللة‬
‫للرواية قبلها‪ ،‬بل والروايات الخرى التي اطلع عليها واختار منها هذه‬
‫الرواية‪.‬‬

‫ومنها رواية أبي سعيد الخدري ونصها قال‪» :‬قلنا يببا رسببول البب‪:‬‬
‫هببل نببرى ربنببا يببوم القيامببة؟ قببال‪ :‬هببل تضببارون فببي رؤيببة الشببمس‬
‫والقمر إذا كانت صببحوًا؟ قلنببا‪ :‬ل‪ ،‬قببال‪ :‬فببإنكم ل تضببارون فبي رؤيبة‬
‫ربكم يومئذ إل كما تضارون في رؤية أحدهما«‪.‬‬
‫ولكن الهوى هو الذي يطمس البصائر‪ ،‬وإن كللانت البصللار تللرى‬
‫فالمؤلف الخليلي يرى هللذه الروايللات المصللرحة بالرؤيللة يللوم القيامللة‬
‫ببصره ولمٍر ّما يتركها‪ ،‬ويختار رواية ل حجة له فيها‪ ،‬لنهللا مفسللرة‬
‫وموضحة بما بعدها والتي سنوردها بعد أن نذكر تعليقلله علللى الحللديث‬
‫ووجه استدلله كما يرى‪.‬‬
‫وهو لم يوردها إل للتلبيس والتدليس فجعلها حجة فللي نفللي الرؤيللة‬
‫فيقللول فللي التعليللق عليهللا‪) :‬ووجلله السللتدلل بلله صللراحته فللي عللدم‬
‫رؤيتهم ل لحيلولة رداء الكبرياء بينهم وبين ذلك(‪.‬‬
‫سرة وموضحة بما بعدها وهي روايللة‬
‫والجواب‪ :‬أن هذه الرواية ُمَف ّ‬
‫عدي ابن حاتم‪ ،‬وسبق ذكرها وهي قوله‪ -‬صللى الل عليله وسللم‪»:-‬مببا‬
‫منكم من أحببد إل سببيكلمه ربببه ليببس بينببه وبينببه ترجمببان ول حجبباب‬
‫سرة لتلك الرواية يتركها الخليلي لنهللا تللرد‬
‫يحجبه«‪ ،‬فهذه الرواية المف ّ‬
‫على تلبيسه وتمويهه‪ ،‬كما سبق أيضًا ذكر رواية صهيب عند مسلم فللي‬
‫تفسير الزيللادة‪ ،‬وفيهللا كشللف الحجللاب ويواصللل المؤلللف الخليلللي فللي‬
‫تلبيساته على القراء بإيراد الحاديث الواردة في نفي رؤية رسللول اللل‬
‫ل لها علللى نفللي‬
‫صلى ال عليه وسلم لربه ليلة السراء والمعراج‪ ،‬حام ً‬
‫الرؤية في الخرة‪ ،‬فيقول في )ص‪:(94 :‬‬
‫ثالثاً‪ -‬ما أخرجه مسلللم عللن أبللي ذر رضللي الل عنلله أنلله عليلله أفضللل‬
‫الصلة والسلم قال عندما سئل عن رؤيته لربه‪» :‬نور أّنى أراه؟«‪.‬‬

‫ثم قال‪ :‬ووجه الستدلل به أن النبي‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬استبعد‬
‫فيه حصول الرؤية بقللوله‪ »:‬أّنببى أراه؟« فللإن أنللى بمعنللى كيللف‪ ،‬وهللو‬
‫شاهد على استحالة رؤيته تعالى‪.‬‬
‫هكذا يقول الخليلي! وهو حللديث كمللا تللرى لفظلله الللذي لللم يللورده‬
‫بنصه يتحدث عن الرؤية في الدنيا هل حصلت لرسللول ال ل صلللى ال ل‬
‫عليه وسلم أو ل؟ فبين أنها لم تحصل‪ ،‬ولكللن نسللوق لللك لفللظ الروايللة‬
‫شللك تمللويه وتللدليس‬
‫ل لل ّ‬
‫من صحيح مسلم ليظهللر لللك بمللا ل يللدع مجللا ً‬
‫الخليلي‪:‬‬
‫فقد روي مسلم بإسناده عللن أبللي ذر رضللي الل عنلله قللال‪ :‬سببألت‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬هل رأيت ربك عز وجل؟ فقال ‪» :‬نور‬
‫أّنى أراه؟«‪.‬‬
‫وفي رواية لمسلم أيضًا بإسناده عن عبللد الل بللن شللقيق قللال‪ :‬قلببت‬
‫لبي ذر‪ :‬لو رأيت رسول الب‪ -‬صبلى الب عليبه وسبلم‪ -‬لسبألته‪ .‬قبال‪:‬‬
‫وعن ماذا كنت تسأله؟ قلت‪ :‬كنت أسأله‪ :‬هل رأى ربه عز وجل‪ ،‬قببال‪:‬‬
‫فإني قد سألته‪ ،‬فقال‪» :‬نور أّنى أراه؟«‪.‬‬
‫فهذه الحاديث صريحة في أن نفللي الرؤيللة فيهللا فللي الللدنيا‪ ،‬وهللذا‬
‫أمر متفق عليه بين أهل السنة والجماعة أن الرؤية لللم تثبللت لحللد فللي‬
‫الللدنيا فمللا الحجللة لللك يللا خليلللي فللي هللذه الحللاديث علللى نفللي رؤيللة‬
‫المللؤمنين ربهللم يللوم القيامللة فللي جنللات النعيللم الللتي أثبتتهللا الحللاديث‬
‫الصريحة المتواترة؟‪.‬‬
‫ورسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬الذي قللال فللي هللذا الحللديث‪» :‬نببور‬
‫أّنى أراه«‪ ،‬ليلة السراء والمعراج‪ ،‬هو الذي قللال للصللحابة لمللا سللألوه‬
‫هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال‪» :‬نعببم سببترون ربكببم عيانبًا كمببا تببرون‬
‫القمر ليلة البببدر‪ ،‬وكمببا تببرون الشببمس ليببس دونهببا سببحاب؟« أليللس‬

‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬أعلم بربه وبما يجوز له من الخليلي‬
‫وأسلفه من الجهمية النافين للرؤية‪ .‬ولكنه الهوى يعمي ويصم‪.‬‬
‫وأما ما ذكره المؤلف الخليلي من أن نفي الرؤيللة هللو الثللابت عللن‬
‫سلف المة‪ ،‬ثم ذكر منهم‪ ،‬أم المؤمنين عائشة‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وعلللي بللن‬
‫أبي طالب‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬ثم ذكر عددًا من التابعين‪ ،‬كمجاهللد‪ ،‬وعكرمللة‪،‬‬
‫والحسن‪ ،‬والسدي‪.‬‬
‫كما ذكر‪ ،‬نافع بن الزرق‪ -‬وهو رأس الخوارج بالعراق )‪.(59‬‬
‫ونسب لبن جرير إنه روى ذلك عن الصحابة والتابعين‪ ،‬كمللا فللي‬
‫)ص‪ (33:‬ولم يللذكر المرجللع‪ ،‬وإنمللا أورد جللزءًا مللن اليللة الكريمللة‪،‬‬
‫وهي قوله تعالى‪} :‬ل تدركه البصار{ ]النعام‪.[103 :‬‬
‫فنحن نسوق لك أيها القارئ الكريم ما ذكره ابن جريللر فللي تفسللير‬
‫الية من روايللات وأقللوال عللن العلمللاء بالتفسللير‪ ،‬ثللم اختيللاره للراجللح‬
‫بالدليل ورده على الذين استدلوا باليللة الكريمللة علللى نفللى الرؤيللة فللي‬
‫الخرة بأنها ل تدل على دعواهم‪ ،‬بل دللتها على الرؤية أولى‪.‬‬
‫وأن هؤلء ليس عندهم إل التملويه والتللبيس‪ ،‬ول يوجلد لهلم دليلل‬
‫مللن آيللة محكمللة ول روايللة عللن رسللول اللل‪ -‬صلللى الل عليلله وسلللم‪-‬‬
‫صحيحة أو سقيمة‪ ،‬وسيأتي نص كلمه هذا‪.‬‬
‫يقللول ابللن جريللر فللي تفسللير قللوله تعللالى‪} :‬ل تدركه البصار‬
‫وهو يدرك البصار‪.{...‬‬
‫اختلف أهل التأويل في ذلك‪ -‬ومعلوم أنه يقصد بأهل التأويل‪ ،‬أهللل‬
‫التفسللير‪ ،‬فهللو اصللطلحه‪ ،‬فلذكر اختلفهللم وأدلتهللم‪ ،‬ثلم ذكللر اختيلاره‬
‫للصواب منها‪.‬‬
‫‪59‬‬

‫)( انظر فتح الباري ‪ 284 :12‬آخر الصفحة‪.‬‬

‫وإليك ذلك‪ ،‬قال‪):‬فقال بعضهم‪ :‬معناه‪ :‬ل تحيط به البصللار‪ ،‬وهللو‬
‫يحيط بها(‪.‬‬
‫ثم قال‪) :‬ذكر من قال ذلك‪.‬‬
‫فروى بإسناده عللن ابللن عبللاس قللوله‪} :‬ل تدركه البصار‬
‫وهو يدرك البصار{ يقول‪ :‬ل يحيط بصر أحد بالَمِلك‪.‬‬
‫وعن قتادة‪ :‬وهو أعظم من أن تدركه البصار‪.‬‬
‫وعن عطية العلللوفي‪ ،‬فلللي قلللوله‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة‪.‬‬
‫إلى ربهللا نللاظرة{‪ .‬قللال‪ :‬هللم ينظللرون إلللى اللل‪ ،‬ل تحيللط‬
‫أبصارهم به من عظمته‪ ،‬وبصره يحيط بهم‪ ،‬فذلك قوله‪} :‬ل تدركه‬
‫البصار{ الية‪.‬‬
‫فهذا ما رواه ابللن جريللر فللي تفسلليره اليللة علن ابللن عبلاس‪ ،‬مللن‬
‫الصحابة وعن قتادة‪ ،‬وعطية العوفي‪.‬‬
‫فهم يثبتون بهذه الية الكريمة الرؤية‪ ،‬وينفون الحاطة‪.‬‬
‫فكيف تنسب لبن جرير أنه روى عن ابن عبللاس نفللي الرؤيللة فللي‬
‫الخرة؟‪ .‬ثم يقول ابن جرير بعللد ذلللك‪):‬وقللال آخللرون‪ :‬معنللى ذلللك‪ ،‬ل‬
‫تراه البصار وهو يرى البصار(‪.‬‬
‫ذكر من قال ذلك‪:‬‬
‫فللذكر بإسللناده عللن السللدي‪ ،‬أنلله قللال‪ :‬ل يللراه شلليء وهللو يللرى‬
‫الخلئق‪.‬‬
‫وبإسناده عن مسروق عن عائشللة قللالت‪» :‬مللن حللدّثك أن رسللول‬
‫اللل‪ -‬صلللى اللل عليلله وسلللم‪ -‬رأى ربلله‪ ،‬فقللد كللذب‪} ،‬ل تدركه‬
‫البصار وهو يدرك البصار{]النعام‪،[103:‬ل }وما كان‬
‫لبشللر أن يكلملله الللله إل وحيللا ً أو مللن وراء‬
‫حجاب{] الشورى‪ ،[ 51:‬ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين«‪.‬‬

‫وبإسناده عن مسروق قال‪ :‬قلت لعائشة‪ :‬يللا أم المللؤمنين‪ :‬هللل رأى‬
‫ف شعري مما قلت‪ ،‬ثم قرأت‪} :‬ل‬
‫محمد ربه؟ فقالت‪ :‬سبحان ال‪ ،‬لقد َق ّ‬
‫تللدركه البصللار وهللو يللدرك البصللار وهللو‬
‫اللطيف الخبير{(‪.‬‬
‫جه لعائشللة رضللي الل‬
‫وواضح من هذه الروايات أن السللؤال المللو ّ‬
‫عنها من مسروق هو عن رؤية النبي‪ -‬صلى ال عليه وسلللم‪ -‬ربلله ليلللة‬
‫السراء والمعراج‪.‬‬
‫ويوضح ذلك ويبينه عدد من الروايات فللي الصللحيحين وغيرهمللا‪،‬‬
‫وقد أورد المام ابن منده فللي كتلابه اليمللان عللددًا منهللا‪ ،‬تحللت عنللوان‬
‫)ذكر اختلف ألفاظ حديث ابن عباس رضي ال عنلله فللي الرؤيللة ليلللة‬
‫المعراج(‪.‬‬
‫نورد منها رواية عامر الشللعبي علن مسللروق وهللي الروايللة اللتي‬
‫أوردها الخليلي‪ ،‬ينفي بها الرؤية يوم القيامة‪.‬‬
‫)قال‪ :‬كنت متكئًا عند عائشة فقالت‪» :‬يا أبا عائشة ثلث من قللالهن‬
‫فقد أعظم على ال الفرية‪ :‬من زعم أن محمدًا‪ -‬صلللى ال ل عليلله وسلللم‪-‬‬
‫رأى ربه فقد أعظم على ال الفرية‪ ،‬قال‪ :‬فجلسللت فقلللت‪ :‬أنظرينللي ول‬
‫تعجليني‪ ،‬أليس ال يقول في كتابه‪} :‬ولقد رآه نزلة أخللرى{‬
‫}ولقد رآه بالفق المبين{‪.‬‬
‫قالت‪ :‬أنا أول من سأل رسول ال صلى ال عليه وسلللم عنهللا قللال‪:‬‬
‫» ذاك جبريل‪ ،‬لم أره في صورته التي جاءني فيهببا إل مرتيببن‪ ،‬رأيتببه‬
‫منهبط بًا مببن السببماء إلببى الرض سببادًا عظببم خلقببه مببا بيببن السببماء‬
‫والرض«‪.‬‬
‫قالت‪ :‬أو ليس ال يقول‪:‬‬

‫}ل تللدركه البصللار وهللو يللدرك البصللار وهللو‬
‫اللطيف الخبير{‪.‬‬
‫}وما كان لبشر أن يكلمه الله إل وحيلا ً أو مللن‬
‫وراء حجاب أو يرسل رسول ً فيوحي بللإذنه مللا‬
‫يشاء{]الشللورى‪ [51:‬اليللة‪ .‬ومللن قللال‪ :‬إن محمللدًا‪ -‬صلللى الل عليلله‬
‫وسلم‪ -‬كتم شيئًا مما أنزل الل عليلله فقللد أعظللم علللى الل الفريللة‪ ،‬والل‬
‫يقللول‪} :‬يا أيها الرسول بلللغ مللا أنللزل إليللك مللن‬
‫ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته{ ]الملللائدة‪[67 :‬‬
‫ومن قال‪ :‬إن محمدًا ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬يعلم ما في غللد فقللد أعظللم‬
‫على ال الفرية‪ ،‬وال عز وجل يقول‪} :‬قل ل يعلم من فللي‬
‫السموات والرض الغيب إل الله وما يشعرون‬
‫أيان يبعثون{ ]النمل‪.(60) «[ 65 :‬‬
‫قلت‪ :‬فهذا يكشف لك أيها القارئ تلبيس الخليلي الباضي‪.‬‬
‫وقد أورد ابن منده قبل حديث عائشة هللذا‪ ،‬روايللات حللديث ابللن عبللاس‬
‫وقد ذكر في عنوان الفصل الللذي أورد هللذه الروايللات تحتلله‪ ،‬مللا سللبق‬
‫ذكره وهو قوله‪:‬‬
‫"ذكر اختلف ألفاظ حديث ابن عباس"‪.‬‬
‫فذكر بإسناده عن أبي العالية وهي رواية المام مسلم قال‪ :‬عن أبللي‬
‫العاليللة‪ ،‬عللن ابللن عبللاس‪}،‬ما كللذب الفللؤاد مللا رأى{‪،‬‬
‫}ولقد رآه نزلة أخرى{‪ .‬قال‪ :‬رآه بفؤاده مرتين‪.‬‬
‫وفي رواية‪} :‬ما كذب الفؤاد ما رأى{ قال‪ :‬رآه بقلبه‪.‬‬
‫ومثلها الروايات الخرى عن أبي العالية وهي من رقم ‪.4 -1‬‬
‫‪60‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬اليمان‪ /‬باب معنى قوله ال عز وجل‪ :‬ولقد رآه نزلة أخرى‪ ،‬ح) ‪. (177‬‬
‫ابن منده‪ ،‬اليمان ‪ 761 /2‬ح ‪.16 -10‬‬

‫ورواية عطاء عن ابن عباس‪ :‬رآه بقلبه‪ ،‬يعنللي قللوله ع لّز وجللل‪} :‬ما‬
‫كذب الفؤاد ما رأى{‪ .‬وفي رواية بفؤاده مرتين‪.‬‬
‫وقد ساقها ابن منده بإسنادين‪ ،‬فقال‪ :‬ولم يقل ابن حنبل في حديثه بفؤاده‪.‬‬
‫طَلقللة‪ .‬ولهللذا سللاق بعللدها الروايللة رقللم ‪ -7‬عللن الشللعبي‬
‫اهل أي أنهللا م ْ‬
‫وعكرمة عن ابن عباس قال‪ :‬لقد رأى محمد ربه‪.‬‬
‫فهذه الرواية المطلقة عن ابن عباس ليلة السراء والمعراج في الرؤيللة‬
‫في الدنيا‪ ،‬حملها العلماء على الروايات المقيدة بالفؤاد‪ .‬بدليلين‪:‬‬
‫الول‪ :‬الروايللات عللن أم المللؤمنين عائشللة رضللي الل عنهللا فقللد‬
‫صّرحت أنها أول من سأل رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬علن قلوله‬
‫تعالى‪} :‬ما كذب الفؤاد ما رأى{]النجلللم‪}[11:‬ولقد رآه‬
‫نزلة أخرى{ فقال‪ -‬صلى ال عليله وسلللم‪» :-‬ذلببك جبريببل لببم أره‬
‫في صورته التي جاءني فيها إل مرتين‪ «...‬الحديث‪.‬‬
‫الدليل الثاني‪ -‬ما رواه المام مسلم من حللديث أبللي ذر رضللي ال ل‬
‫عنه قال‪ :‬سألت رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ :-‬هل رأيت ربك عللز‬
‫وجل‪ ،‬فقال‪» :‬نور أّنى أراه؟«‪.‬‬
‫وفي رواية لمسلم بإسناده عن عبد ال بلن شللقيق‪ ،‬قلال‪ :‬قلللت لبلي‬
‫ذر‪ :‬لو رأيت رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬لسألته‪ ،‬قال‪ :‬وعن مللاذا‬
‫كنت تسأله‪ ،‬قلت‪ :‬كنت أسأله هلل رأى ربله علز وجلل‪ ،‬قلال‪ :‬كنلت قلد‬
‫سألته فقال‪» :‬نور أّنى أراه؟«‪.‬‬
‫وبهللذا انتهللى الخلف فللي تفسللير اليللة }ولقد رآه نزلة‬
‫أخرى{وأنه جبريل عليلله السلللم رآه رسللول اللل‪ -‬صلللى ال ل عليلله‬
‫وسلم‪ -‬على صللورته الللتي خلللق عليهللا مرتيللن وبللذلك حملللت الروايللة‬
‫المطلقة في الرؤية عن ابن عباس‪ ،‬على الروايات المقيدة بالفؤاد‪.‬‬

‫وقد ذكر ابن حجر في فتلح البللاري ‪ 608 /8‬المثبللتين للرؤيللة فللي‬
‫الدنيا والنافين لها‪ ،‬ثم بين أن الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤيللة‬
‫جللاءت مقيللدة بلالفؤاد والقلللب‪ ،‬وجلاءت مطلقللة‪ ،‬ثلم قلال‪ :‬فيجللب حمللل‬
‫المطلقة على المقيدة‪.‬‬
‫ثللم قللال‪ :‬وعلللى هللذا فيمكللن الجمللع بيللن إثبللات ابللن عبللاس ونفللي‬
‫عائشة‪ ،‬بأن يحمل نفيها على رؤية البصر‪ ،‬وإثباته على رؤية القلب‪ ،‬ثم‬
‫قال‪ :‬إن المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب ل مجرد حصول العلللم‪ ،‬لنلله‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ -‬كان عالمًا بللال علللى الللدوام‪ .‬اهللل‪ .‬وانظللر كتللاب‬
‫ل بعنوان» ذكللر وجللوب‬
‫اليمان لبن منده‪ ،778 /2 ،‬فإنه قد عقد فص ً‬
‫اليمللان برؤيللة ال ل عللز وجللل« وأورد تحتلله أكللثر مللن مللائتي روايللة‬
‫صريحة ومتضمنة لرؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة‪.‬‬
‫وسنذكر بعض ذلك عند ذكر أدلة المثبتين للرؤية والمللؤلفين فيهللا‬
‫كتبًا خاصة من أهل السنة والجماعة‪.‬‬
‫ونتابع ما قللاله ابللن جريللر فقللد قللال فللي )ج ‪ :(7/301‬حللدثنا ابللن‬
‫حميد‪ ،‬قال‪ :‬ثنا جرير‪ ،‬عن مغيرة‪ ،‬عن الشعبي قال‪ :‬قالت عائشللة‪»:‬مللن‬
‫قللال إن أحللدًا رأى ربلله‪ ،‬فقللد أعظللم الفريللة علللى اللل‪ ،‬قللال اللل‪} :‬ل‬
‫تدركه البصار وهو يدرك البصار{«‪.‬‬
‫ل للشللك‪ ،‬أن المقصللود مللن‬
‫فهللذه الروايللات تللبين بمللا ل يللدع مجللا ً‬
‫الرؤية المنفية الرؤية في الدنيا‪.‬‬
‫وقد سبق عن ابللن جريللر تفسلليره لمعنللى الدراك عللن ابللن عبللاس‬
‫وقتادة وعطية العوفي‪ ،‬وأن الية ل تنفي الرؤية‪ ،‬إنما تنفي الحاطة‪.‬‬
‫ثم يتابع ابن جرير الرد على المللدعين تفسلليرهم الدراك بالرؤيللة‪،‬‬
‫ويبين الصواب في ذلك‪ ،‬بالدليل من الكتاب والسنة‪ ،‬كما يبين أنلله ليللس‬
‫عنللد هللؤلء إل التمللويه والتلللبيس‪ ،‬فيقللول‪ :‬وقللال قللائلوا ذلللك‪ -‬أي أن‬

‫المعنى‪ :‬ل تراه البصار‪ ،‬وهو يرى البصار‪ :-‬أن معنللى الدراك فللي‬
‫هذا الموضع‪ :‬الرؤية‪ ،‬وأنكروا أن يكون ال ُيلَرى بالبصللار فللي الللدنيا‬
‫والخرة وتأولوا قوله‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة‪ .‬إلى ربهللا‬
‫ناظرة{ بمعنى انتظارها رحمة ال وثوابه(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا هو الذي يردده الخليلي‪.‬‬
‫ثم قال‪) :‬وتأول بعضهم في الخبار التي ُرويللت عللن رسللول اللل‪-‬‬
‫صلى الل عليلله وسلللم‪ -‬بتصللحيح القللول برؤيللة أهللل الجنللة ربهللم يللوم‬
‫القيامة تأويلت‪ ،‬وأنكر بعضهم مجيئها‪ ،‬ودافعوا أن يكون ذلك من قول‬
‫رسللول اللل‪ -‬صلللى ال ل عليلله وسلللم‪ ،‬وردوا القللول فيلله إلللى عقللولهم‪،‬‬
‫فزعموا أن عقولهم تحيل جواز الرؤية على الل عللز وجللل بالبصللار‪،‬‬
‫وأتللوا فللي ذلللك بضللروب مللن التمويهللات‪ (..‬إلللخ مللا نقللله عنهللم مللن‬
‫التمويهات‪ ،‬وهو كما قال)‪.(61‬‬
‫وقد استمر في نقل تلك التمويهات عنهللم‪ ،‬المسللتندة إلللى العقللول ل‬
‫إلى الوحي‪ ،‬إلى أول )ص ‪ (303‬إلى أن قال‪) :‬والصواب في ذلللك مللن‬
‫القول عندنا‪:‬‬
‫ما تظاهرت به الخبار عن رسول ال‪ -‬صلى ال عليله وسلللم‪ -‬أنله‬
‫قال‪» :‬إنكم سترون ربكم يببوم القيامببة‪ ،‬كمببا تببرون القمببر ليلببة البببدر‪،‬‬
‫وكمبببا تبببرون الشبببمس ليبببس دونهبببا سبببحاب« فلللالمؤمنون يرونللله‪،‬‬
‫والكافرون عنه يومئذ محجوبون‪ ،‬كمللا قللال جللل ثنللاؤه‪} :‬كل إنهم‬
‫عن ربهم يومئذ لمحجوبون{(‪.‬‬
‫ثم واصببل الببرد عليهببم بمنطقهببم وحججهببم فبين زيفهللا وأنهللم لللن‬
‫ل إل ألزموا في الخر مثله‪ ،‬وفي آخر صفحة ‪ 303‬ختم ذلللك‬
‫يقولوا قو ً‬
‫بقوله‪:‬‬
‫‪61‬‬

‫)( تفسير ابن جرير ‪ 301 /7‬وقد استمر في نقل تلبيساتهم إلى أول ص ‪.303‬‬

‫)ولهللل هللذه المقالللة مسللائل فيهللا تلللبيس‪ ،‬كرهنللا ذكرهللا‪ ،‬وإطالللة‬
‫الكتاب بهللا وبللالجواب عنهللا‪ ،‬إذ لللم يكللن قصللدنا فللي كتابنللا هللذا قصللد‬
‫الكشف عن تمويهاتهم‪ ،‬بل قصدنا فيه البيان عن تأويل)‪ (62‬آي الفرقان‪.‬‬
‫ولكنا ذكرنا القدر الذي ذكرنا‪ ،‬ليعلم الناظر فللي كتابنللا هللذا أنهللم ل‬
‫يرجعون من قولهم إل إلى ما لّبس عليهم الشيطان‪ ،‬مما يسهل على أهل‬
‫الحق البيان عن فساده‪ ،‬وأنهم ل يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل‬
‫محكمة‪ ،‬ول رواية عن رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬صللحيحة ول‬
‫سقيمة‪ ،‬فهم في الظلمات يخبطون‪ ،‬وفللي العميللاء يللترددون‪ ،‬نعللوذ بللال‬
‫من الحيرة والضللة()‪ (63‬اهل‬
‫قلت‪ :‬إن ما ذكره المام ابللن جريللر فللي وصللفه لهللؤلء المنكريللن‬
‫لرؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في جنات النعيللم‪ ،‬بللالتمويه والتلللبيس‪،‬‬
‫لدليل واضح على أن المعاصرين منهم سلكوا سللبيل أسلللفهم‪ ،‬وأخللذوا‬
‫صلللوه لهللم‪ ،‬فقللد سللبق فللي هللذا البحللث أن أشللرت إلللى تلبيسللات‬
‫بمللا َأ ّ‬
‫وتمويهات ومغالطات المؤلف الخليلللي‪ ،‬ويعلللم ال ل أنللي قلللت ذلللك لمللا‬
‫وجدته من تمويهاته وتلبيساته‪ ،‬قبل أن اطلع على كلم ابن جريللر هللذا‪،‬‬
‫الذي يشفي صدر كل مؤمن متبع لمنهج السلف‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫)( التأويل في اصطلح ابن جرير معناه التفسير‪ ،‬ولهذا يقول في بداية كل آيه‪ :‬القللول فللي‬
‫تأويل قوله‪...‬‬

‫‪63‬‬

‫)( تفسير ابن جرير ‪.304 - 7/299‬‬

‫فقللد وضللح لللي أن تمويهللات وتلبيسللات الخليلللي هللذا هللو منهللج‬
‫أسلفه‪ ،‬وأنهم كما قال ابن جرير )ل يستندون في أقوالهم تللك إلللى آيلة‬
‫من التنزيل محكمة‪ ،‬ول رواية عن رسول ال‪ -‬صلى ال ل عليلله وسلللم‪-‬‬
‫صحيحة ول سقيمة‪ ،‬وإنما بضاعتهم المزجاة عقولهم التي قدموها على‬
‫نصوص الوحي‪ ،‬فهم في الظلمات يتخبطون متبعين لهوائهم }ومن‬
‫أضل ممللن اتبللع هللواه بغيللر هللدى مللن الللله{‬
‫]القصص‪.[50 :‬‬

‫كشف تمويهات الخليلي‬
‫والرد ّ عليها‬
‫ومللن تمويهللات الخليلللي أنلله ينقللل جملللة مللن سللطر‪ ،‬ويللترك مللا‬
‫يوضحها ويبين ردها في السطر الذي يليلله‪ ،‬كمللا أنلله ل يللذكر المرجللع‬
‫من كتب أهل السنة إل إذا ظن أنه يلّبس بذكره على القارئ‪ ،‬وإليللك مللا‬
‫يوضح ذلك‪:‬‬
‫أوًل‪ -‬جاء في كتابه هذا ص ‪ 47‬حينما تحدث في تفسير النظللر فللي‬
‫قلللوله تعلللالى‪} :‬وجللوه يللومئذ ناضللرة‪ .‬إلللى ربهللا‬
‫ناظرة{ ونقل تفسير المعتزلة لها بالنتظار‪ ،‬قال‪) :‬وهو مروي عن‬
‫السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم( فلذكر ملن أسلماء الصللحابة‬
‫علي‪ ،‬وابن عباس وابن عمللر‪ ،‬وعللددًا مللن التللابعين ولللم يللذكر مرجعلًا‬
‫لقوالهم‪.‬‬
‫قال‪) :‬ورواه عن عكرمة عبد بن حميد‪ ،‬كما رواه عن مجاهد وأبللي‬
‫صللالح بإسللناد صللححه ابللن حجللر‪ ،‬قللال‪ :‬وأخرجلله المللام ابللن جريللر‬
‫الطبري عن مجاهد بخمسة أسانيد(‬
‫وفللي كلملله إنكللار صللريح للرؤيللة! فهللو هنللا يصللف ابللن جريللر‬
‫بالمام‪ ،‬ولكنه ل ينقل ما رجحه ابللن جريللر واختللاره‪ ،‬كمللا سللبق‪ .‬ولللم‬
‫يذكر تفسير ابن جرير مرجعًا لما نسبه إليه وإنمللا ذكللر فتللح البللاري ج‬
‫‪ 13/425‬مع أن ابن حجر ذكر كلم ابن جريلر فلي السلطر الللذي يللي‬
‫السطر الذي أخذ منه الخليلي ما يريد‪.‬‬
‫وابللن حجللر رحملله الل كللان يشللرح فللي كتللاب التوحيللد مللا أورده‬
‫البخاري فللي بللاب قللول اللل تعللالى‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة‪.‬‬
‫إلللى ربهللا نللاظرة{ )ص‪ (419:‬وبللدأ بالشللرح بعللد إيللراد‬

‫الحاديث الصريحة في ذكر الرؤية يوم القيامة من )ص‪ (424 :‬فقللال‪:‬‬
‫)قوله‪ :‬باب قللول اللل تعللالى‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة‪ .‬إلللى‬
‫ربها نللاظرة{‪ ،‬كللأنه يشللير إلللى مللا أخرجلله عبللد بللن حميللد‪،‬‬
‫والترمذي‪ ،‬والطبري‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬وصححه الحاكم من طريللق ثللوير بللن‬
‫أبي فاختة عن ابن عمر عن النبي‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬قال‪:‬‬
‫ن ينظببر فببي ملكببه ألفببي سببنة‪ ،‬وإن‬
‫»إن أدنى أهل الجنة منزلة َلَمب ْ‬
‫ن ينظر في وجه ربه عّزوجل كببل يببوم مرتيببن‪ .‬قببال‪:‬‬
‫أفضلهم منزلة َلَم ْ‬
‫ثبببم تل‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة{ قبببال‪ :‬بالبيببباض والصبببفاء‪،‬‬
‫}إلى ربها ناظرة{ قببال تنظببر كببل يببوم فببي وجببه البب«‪ .‬لفللظ‬
‫الطبري من طريق مصعب بن المقدام عن إسرائيل عن ثوير()‪.(64‬‬
‫هذا كلم ابن حجر ثللم اسللتمر فللي نقللل ذلللك فقللال فللي )ص‪-424 :‬‬
‫‪) :(425‬وأخرج الطبري من طريق أبي الصهباء موقوف لًا نحللو حللديث‬
‫ابن عمر‪ ،‬وأخرج بسند صحيح إلى يزيد النحوي عن عكرمللة فللي هللذه‬
‫الية قال‪»:‬تنظر إلى ربها نظرًا«‪.‬‬
‫وأخرج عن البخاري عن آدم عن مبارك عن الحسن قللال‪ »:‬تنظللر‬
‫إلى الخالق وحق لها أن تنظر«‪(.‬‬
‫ثم أورد ابن حجر القوال الخرى التي أوردها ابللن جريللر‪ ،‬وأتبللع‬
‫ذلك بترجيح ابن جرير واختياره فقال‪:‬‬
‫)وقد أخرج عبد بن حميد عن عكرمة من وجه آخر إنكللار الرؤيللة‪،‬‬
‫قال‪ :‬ويمكن الجمع بالحمل عللى غيلر أهلل الجنلة‪ .‬قلال‪ :‬وأخلرج بسلند‬
‫صحيح عن مجاهد‪ :‬ناظرة تنظر الثواب وعن أبي صالح نحوه‪ ،‬قال‪:‬‬

‫‪64‬‬

‫)( تفسير ابن جرير ‪ 193 /29‬وسيأتي نصه عنه‪.‬‬

‫وأورد الطللبري الختلف‪ .‬فقللال‪ :‬الولللى عنللدي بالصللواب‪ :‬مللا‬
‫ذكرنللاه عللن الحسللن البصللري وعكرمللة وهللو ثبللوت الرؤيللة لمللوافقته‬
‫الحاديث الصحيحة‪.‬‬
‫قال‪ :‬وقد بالغ ابن عبد البر في رّد الذي نقللل عللن مجاهللد وقللال هللو‬
‫شذوذ‪ ،‬وقد تمسك به بعض المعتزلة‪ .‬اهل‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومنهم الخليلي هللذا‪ ،‬لن الباضللية يقولللون بقللول المعتزلللة‪،‬‬
‫وقد سبق أن اعتز بهم وبالجهمية بأنهم يقولون بقوله‪.‬‬
‫ونقول للقارئ‪ :‬انظللر لتلللبيس المؤلللف الخليلللي‪ ،‬فقللد نسللب لبللن عمللر‬
‫خلف قللوله كمللا فللي الروايللة المرفوعللة الللتي ذكرهللا ابللن حجللر عللن‬
‫الترمذي والطبري وصححها الحاكم‪.‬‬
‫ثانيبباً‪ -‬وممللا يوضللح تمويهللات الخليلللي كللذلك تركلله لكلم ابللن جريللر‬
‫والروايات التي ذكرها عنه‪ ،‬وفيها إثبات الرؤية عللن عكرمللة والحسللن‬
‫ورواية مجاهد عن ابن عمر مرفوعًا‪ ،‬وهللي الروايللة الللتي ذكرهللا ابللن‬
‫حجر‪ ،‬وكلها في تفسير ابن جرير الذي وصفه الخليلي بالمام‪.‬‬
‫ثللم اختللار الروايللة الللتي يريللدها عللن عكرمللة ومجاهللد مللن فتللح‬
‫ل ما ذكره ابن حجر أيضًا عن ابن جريللر‪ ،‬وكللانت‬
‫الباري‪ ،‬ولم يذكر ك ّ‬
‫المانة العلمية تلزمه أن ينقل ما ذكره ابن حجر‪ ،‬وأن يذكر تفسللير ابللن‬
‫جرير ‪-‬الذي ذكر الروايات عنه بالجزء والصفحة‪ -‬حتى يرجع القللارئ‬
‫لذلك‪ ،‬ولكنه تركه تلبيسلًا وتدليسلًا وغشلًا للقللارئ‪ ،‬لنلله يخشللى أنلله إذا‬
‫رجع القارئ لذلك‪ ،‬فسيجد أن ابن جرير أورد الروايات كلها حسب مللا‬
‫تقتضيه المانة العلمية‪ ،‬ثم سيجد بعد ذلك اختيار الصواب مللن القللولين‬
‫لموافقته للدليل حيث قال‪) :‬وأولللى القللولين فللي ذلللك عنللدنا بالصللواب‪،‬‬
‫القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرمة‪ ،‬من أن معنى ذلك‪ ،‬تنظللر إلللى‬
‫خالقها‪ ،‬وبذلك جاء الثر عن رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬حللدثني‬

‫علي بن الحسين ثم ساقه بإسناده إلى ابللن عمللر قللال‪ :‬قللال رسللول اللل‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم‪»:-‬إن أدنى أهل الجنة منزلة‪ ،‬لمن ينظر فبي ملكبه‬
‫ألفي سنة قال‪ :‬وإن أفضلهم منزلة لمببن ينظببر فببي وجببه الب كببل يببوم‬
‫مرتين«‪ ،‬قال‪ :‬ثم تل‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة{ قببال‪ :‬بالبيبباض‬
‫والصفاء‪} ،‬إلى ربها ناظرة{ قال‪ :‬تنظر كل يوم في وجببه ال ب‬
‫عز وجل«)‪.(65‬‬
‫وقد ذكر قبل ذلك بإسناده عن مجاهد عن ابن عمر قللال‪» :‬إن أدنببى‬
‫أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه وسرره وخدمه مسيرة ألف سنة‪،‬‬
‫يرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أرفع أهل الجنة منزلة لمببن ينظببر إلببى‬
‫وجه ال غدوة وعشية« )‪.(66‬‬
‫هذه رواية مجاهد عن ابن عمر‪.‬‬
‫فماذا يقللول الخليلللى لقللرائه إذا عرفللوا أنلله ينسللب لصللحابي جليللل‬
‫خلف قوله‪ ،‬فهذا قول ابن عمر صريح في أن المللؤمنين ينظلرون إلللى‬
‫وجه ربهم عز وجل‪ .‬وكذلك سبق ما نقله ابللن جريللر عللن ابللن عبللاس‪،‬‬
‫في إثبات الرؤية ونفي الحاطة‪.‬‬
‫وقد يرد سؤال وهو‪ :‬إذا كان هؤلء النفاة لرؤيللة المللؤمنين ربهللم‬
‫يللوم القيامللة فللي جنلات النعيللم‪ ،‬ل يسللتندون فللي دعللواهم إلللى آيللة مللن‬
‫التنزيل محكمللة‪ ،‬ول روايللة علن رسللول اللل‪ -‬صلللى الل عليلله وسلللم‪-‬‬
‫صحيحة ولسقيمة‪ ،‬كما يقول المام ابن جرير رحمه ال‪ ،‬فمللا الحاجللة‬
‫لمناقشتهم والرد عليهم‪.‬‬
‫والجواب على هذا السؤال‪ ،‬هو ما سنورده تحت العنوان التالي‪:‬‬

‫‪65‬‬
‫‪66‬‬

‫)( تفسير ابن جرير ‪.29/193‬‬
‫)( تفسير ابن جرير ‪.29/193‬‬

‫لماذا مناقشة الخليلي في إنكاره الرؤية‬
‫وهو ل يستند إلى دليل من الكتاب أو السنة‬
‫ن مللا أوردتلله مللن مناقشللات للخليلللي فللي إنكللاره لرؤيللة‬
‫وأقببول إ ّ‬
‫المؤمنين ربهم يوم القيامة في جنات النعيم‪ ،‬ليللس مللن أجللل أن للله أدلللة‬
‫على مذهبه يعتد بها‪ ،‬لنهم كما قال المام ابن جريللر الطللبري فللي رده‬
‫علللى المنكريللن للرؤيللة يللوم القيامللة كمللا تقللدم قللوله عنهللم‪) :‬إنهللم ل‬
‫يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة‪ ،‬ول روايللة علن رسللول‬
‫اللل‪ -‬صلللى الل عليلله وسلللم‪ -‬صللحيحة ول سللقيمة‪ ،‬فهللم فللي الظلمللات‬
‫يخبطون‪ ،‬وفي العمياء يترددون‪ ،‬نعوذ بال من الحيرة والضللة()‪.(67‬‬
‫وإنما أردت بتلك المناقشة الكشف عللن مغالطللاته وتمويهللاته‪ ،‬الللتي‬
‫تبع فيها أسلفه ومن يعتز بهم‪ ،‬بأنه معهم على ملذهبهم‪ ،‬وأنهللم يقولللون‬
‫كما يقول‪ ،‬وهم الجهمية والمعتزلة والمامية والزيدية‪ ،‬هكذا يقللول كمللا‬
‫في )ص‪ (32:‬من كتابه هذا‪.‬‬
‫ثم كشف ادعائه بللأن طللائفته‪) ،‬الباضللية( كمللا يقللول فللي )ص‪(7 :‬‬
‫أنهللم‪):‬أهللل الحللق والسللتقامة‪ ،‬ل يأخللذون عقللائدهم إل مللن نصللوص‬
‫الكتاب والسنة الصحيحة‪ ،‬وأنهللم عنللد الختلف مللع غيرهللم يرجعللون‬
‫إلى الحتكام إلى الكتاب والسنة(‪.‬‬
‫واستدل على قوله هذا بالية ‪ 59‬من سللورة النسللاء فللأورد نصللها‪:‬‬
‫}‪...‬فإن تنللازعتم فللي شلليء فللردوه إلللى الللله‬
‫والرسللول إن كنتللم تؤمنللون بللالله واليللوم‬
‫الخر‪ {..‬كما في )ص‪ (6 :‬مع أن المؤلف لم يللورد علللى دعللواه فللي‬
‫نفي رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في الجنة‪ ،‬آية واحدة من كتاب ال‬
‫‪67‬‬

‫)( تفسير ابن جرير ‪.7/304‬‬

‫محكمة‪ ،‬ول رواية صحيحة ول سقيمة‪ ،‬وإنما كل الذي تفّوه به هللو رد‬
‫النصوص المثبتة لذلك‪ .‬وبهلذا يتلبين للقلارئ زيلف دعلوى الخليللي أن‬
‫طائفته )أهل الحق والستقامة( كما يدعي‪) ،‬وأنهم ل يأخذون أدلتهللم إل‬
‫من نصوص الكتاب والسنة‪(.‬‬
‫وبعد هذه المناقشة التي يتبين للقارئ منهللا أن الخليلللي ل يسللتند فللي‬
‫دعواه إلى دليل في نفي رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة‪ ،‬ل مللن كتللاب‬
‫ال عز وجل‪ ،‬ول من سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ننتقل نحللن‬
‫وإياه إلى التحاكم إلى كتاب ال وسنة رسوله في هللذه القضللية العقديللة‪،‬‬
‫كما دعا الخليلي إلى ذلك في مقدمة كتابه هذا )ص‪.(7-6:‬‬

‫التحاكم إلى الله ورسوله‬
‫ِذْكُر أدلة المثبتين لرؤية المؤمنين ربهم‪ ،‬وهم في جنات النعيم‬
‫)أ( الدّلة من كتاب ال الكريم‪.‬‬
‫سنة الصحيحة‪.‬‬
‫)ب( الدلة من ال ّ‬
‫سبق للمؤلف الخليلي أن دعا إلى التحاكم إلى كتاب ال عللز وجللل‪،‬‬
‫وإلى سنة رسوله‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬عند الختلف‪.‬‬
‫كمللا سللبق أن أشللرت أن هللذه دعللوى يطلقهللا المؤلللف بلسللانه‪،‬‬
‫ويسطرها في كتابه هذا ببنلانه‪ ،‬وذللك للتلدليس والتللبيس عللى الُقلّراء‪،‬‬
‫وإل فهو َيُرّد النصوص من الكتاب والسنة الصحيحة بعقله وهواه‪.‬‬
‫مع العلم أنه عاب على أصحاب المدرسة العقليللة تقللديمهم لعقللولهم‬
‫على ما جاء به النبيون‪ ،‬كما في )ص‪ (8:‬من كتابه هذا‪.‬‬
‫ولتقللف معللي أيهللا القللارئ علللى مللا أقللول عللن تنللاقض الخليلللي‬
‫المذكور‪ :‬فإنني أدعو المؤلف إلى ما قرره‪ ،‬وهو التحاكم إلى كتاب اللل‬
‫وسنة رسوله‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬في مسألة رؤية المؤمنين ربهم في‬
‫الخرة‪ ،‬لنها مسألة عقدية تتعلق بذات ال عز وجل وصللفاته‪ ،‬فللالحكم‬
‫فيهللا للل ورسللوله‪ ،‬واللل تعللالى يقللول‪} :‬فإن تنازعتم فللي‬
‫شلليء فللردوه إلللى الللله والرسللول إن كنتللم‬
‫تؤمنون بالله واليوم الخر ذلللك خيللر وأحسللن‬
‫تأويل ً{ ]النسللاء‪ [95 :‬وهذه اليلة الكريمللة الللتي أوردهلا المؤلللف فللي‬
‫كتابه هذا )ص‪ (6:‬تلزم المّدعي لليمان بال واليوم الخر الرجوع إلى‬
‫الكتاب والسنة للتحاكم إليهما‪ ،‬كما أن اليمللان ل يتللم بللل ل يوجللد عنللد‬
‫المرء إل إذا رضي بحكم ال ورسوله وسّلم للله تسللليمًا‪ ،‬ولللم يعارضلله‬
‫بعقله وهواه كما قال تعالى فلللي ذللللك‪} :‬فل وربك ل يؤمنون‬

‫حتى يحكموك فيما شللجر بينهللم ثللم ل يجللدوا‬
‫فللي أنفسللهم حرجللا ً ممللا قضلليت ويسلللموا‬
‫تسليما ً{ ]النسللاء‪ [65 :‬فالتحللاكم فيمللا فيلله الختلف‪ ،‬ثللم الرضللا‬
‫والتسليم بحكم ال ورسوله‪ ،‬وعدم الحرج والضيق بذلك الحكللم‪ ،‬شللرط‬
‫في صحة اليمان كما هو صريح هذه الية‪.‬‬
‫ونبدأ بالتحاكم إلى ال عز وجل فببي إثبببات رؤيببة المببؤمنين ربهببم‬
‫يوم القيامة في جنات النعيم‪:‬‬
‫فنسوق لك أيها القلارئ الكريلم‪ ،‬بعلض اليلات اللواردة فلي ذللك‪،‬‬
‫وسنذكر الية وأقوال المفسرين لهللا‪ ،‬ونقلهللم للحللاديث الصللحيحة مللن‬
‫سلر بله القلرآن‬
‫الصحيحين وغيرهما الواردة في تفسيرها‪ ،‬وخيللر ملا يف ّ‬
‫بعد القرآن صللحيح السللنة‪ ،‬وذلللك ليتضللح للقللارئ أن المؤلللف الخليلللي‬
‫ومللن تبعهللم واعللتّز بهللم وص لّرح بللأنه وإيللاهم علللى عقيللدة واحللدة ل‬
‫يرضون بحكم ال ورسوله في هذه المسألة وغيرها من مسائل العقيدة‪.‬‬
‫فقد قال في )ص‪):(32 :‬وذهب إلى استحالتها في الللدنيا والخللرة‪،‬‬
‫أصحابنا الباضية‪ ،‬وهو قول المعتزلة‪ ،‬والجهمية‪ ،‬والزيدية‪ ،‬والمامية‬
‫من الشيعة(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬أملا فلي الللدنيا فملذهب أهلل السلنة أنله للم وللن يلره أحللد‪ ،‬ل‬
‫لستحالتها‪ ،‬وإنما لحكمة أرادها ال عز وجللل‪ ،‬وقلد بيلن العلملاء ذلللك‪،‬‬
‫كما سبق)‪ ،(68‬وكما سيأتي في شرح الية التالية التي طلب فيها موسللى‬
‫عليه السلم من ربه الرؤية‪.‬‬
‫وأما في الخرة فإليللك بعللض اليللات الدالللة علللى إثباتهللا‪ ،‬نسللوقها‬
‫جملة ثم نتبعها بالتفصيل آية آية‪ ،‬مع ذكر أقوال المفسرين لها‪:‬‬
‫‪68‬‬

‫)( ص ‪.73‬‬

‫يقول ال تعالى‪} :‬ولما جاء موسى لميقاتنا‬
‫‪-1‬‬
‫وكّلمه رّبه قال ربّ أرني أنظر إليللك قللال‬
‫لللن ترانللي ولكللن انظللر إلللى الجبللل فللإن‬
‫استقر مكللانه فسللوف ترانللي فلمللا تجلللى‬
‫خلّر موسللى صللعقا ً‬
‫ربه للجبل جعله دكا ً و َ‬
‫فلما أفللاق قللال سللبحانك تبللت إليللك وأنللا‬
‫أول المؤمنين{ ]العراف‪.[143 :‬‬
‫وقلللوله تعلللالى‪} :‬ل تللدركه البصللار وهللو‬
‫‪-2‬‬
‫يدرك البصار وهو اللطيللف الخللبير{ ]النعلللام‪:‬‬
‫‪.[103‬‬

‫وقلللوله تعلللالى‪}:‬للللذين أحسللنوا الحسللنى‬
‫‪-3‬‬
‫وزيللادة ول يرهللق وجللوههم قللتر ول ذلللة‬
‫أولئك أصللحاب الجنللة هللم فيهللا خالللدون{‬
‫]يونس‪.[36:‬‬

‫ذ ناضللرة‪ .‬إلللى‬
‫‪-4‬‬
‫وقوله تعللالى‪} :‬وجوه يومئ ٍ‬
‫ربها ناظرة{ ]القيامة‪[23-22:‬‬
‫وهناك آيات أخرى ذكرها العلماء فللي هللذا البللاب‪ ،‬وأورد الكللثير منهللا‬
‫ابن القيم في حادي الرواح)‪.(69‬‬
‫وإليك تفصيل اليات وأقوال المفسرين فيها‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬يقللول تعللالى‪} :‬ولمللا جللاء موسللى لميقاتنللا‬
‫ب أرني أنظر إليلك قلال للن‬
‫وكلمه ربه قال ر ّ‬
‫تراني ولكللن انظللر إلللى الجبللل فللإن اسللتقر‬
‫مكانه فسوف ترانللي فلمللا تجلللى ربلله للجبللل‬
‫‪69‬‬

‫)(ص‪370 :‬‬

‫خّر موسى صعقا ً فلمللا أفللاق قللال‬
‫جعله دكا ً و َ‬
‫سبحانك تبت إليك وأنا أول المللؤمنين{ ]العلللراف‪:‬‬
‫‪.[143‬‬

‫ووجه الستدلل بهللذه اليللة علللى الرؤيللة يللوم القيامللة‪ ،‬أن موسللى‬
‫عليه السلللم لمللا جللاء لميقللات ربلله ووعللده للله‪،‬كّلملله ربلله مشللافهة بل‬
‫واسطة‪ ،‬فلما سمع موسى كلمه له‪ ،‬وهو فللي مقللام التكريللم‪ ،‬طمللع فللي‬
‫المزيد من هذا الفضل فطلب مللن ربلله عللز وجللل الرؤيللة؛ حيللث قللال‪:‬‬
‫ب أرنى انظر إليك{ ولكن حكمة ال عز وجل اقتضت أن‬
‫}ر ّ‬
‫ل يراه أحد من البشر في هللذه الللدنيا؛ ل لسللتحالتها وإنمللا لحكمللة هللو‬
‫يعلمها‪ ،‬و لهذا لم يزجر موسى عليه السلم عن مثل هذا السؤال؟ وإنما‬
‫قال له‪} :‬لن تراني{ أي في هذه الدنيا‪.‬‬
‫بدليل أنه تجّلى للجبل وهو جماد‪ ،‬ولهذا قال له‪} :‬ولكن انظر‬
‫إلى الجبل فإن استقر مكانة فسللوف ترانللي{‬
‫أي إنك وأنت بهذه البنية لللن تسللتطيع الثبللات لرؤيللتي‪ ،‬كمللا لللم يسللتطع‬
‫الجبل الثبات لذلك‪.‬‬
‫ولو أن موسى عليه السلم سأل ربه ما ل يجوز لجاءه الجواب كما‬
‫جللاء لنللوح عليلله السلللم‪ ،‬وهللو مللن أولللي العللزم حينمللا سللأله بقللوله‪:‬‬
‫ب إن ابني مللن أهلللي‬
‫}ونادى نوح ربه فقال ر ّ‬
‫وإن وعدك الحق وأنت أحكللم الحللاكمين‪ .‬قللال‬
‫يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غيللر صللالح‬
‫فل تسألن ما ليس لك به علم إنللي أعظللك أن‬
‫تكون من الجاهلين{ ]هود‪.[45 ،44 :‬‬
‫فلو كان سؤال موسى عليه السلم غير جائز‪ ،‬لقال ال عللز وجللل‬
‫ي‪ ،‬أو ل تسألني ما ليس لك به علم‪.‬‬
‫ت بمرئ ّ‬
‫س ُ‬
‫له‪ :‬ل ُأرى أو َل ْ‬

‫وقد سبق نقل الروايات في تفسير هذه الية عن ابن جرير)‪ ،(70‬بملا‬
‫يثبت دللة هذه الية على إمكان الرؤية‪.‬‬
‫ويقول ابن كثير في تفسلير اليلة‪) :‬يخلبر تعلالى عللن موسللى عليله‬
‫السلم أنه لما جاء لميقات ال تعالى‪ ،‬وحصل له التكليللم مللن اللل‪ ،‬سللأل‬
‫ب أرني انظر إليك قللال‬
‫ال تعالى أن ينظر إليه‪ ،‬فقال‪} :‬ر ّ‬
‫لن تراني{‪.‬‬
‫قال‪ :‬وقد أشكل حرف » لن « ها هنا على كثير من العلمللاء‪ ،‬لنهللا‬
‫موضوعة لنفي التأبيد‪ ،‬فاستدل به المعتزلة علي نفي الرؤيللة فللي الللدنيا‬
‫والخرة‪ ،‬وهذا أضعف القوال؛ لنه قد تواترت الحاديث عن رسللول‬
‫ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬بأن المؤمنين يللرون الل فللي الللدار الخللرة‪،‬‬
‫ذ ناضرة‪ .‬إلللى‬
‫كما سنوردها عند قوله تعالى‪} :‬وجوه يومئ ٍ‬
‫ربها ناظرة{‪.‬‬
‫وقللوله تعللالى إخبللارًا عللن الكفللار‪} :‬كل إنهم عن ربهللم‬
‫ذ لمحجوبون{‪ ،‬وقيل إنها لنفي التأبيد في الدنيا‪ ،‬جمع لًا بيللن‬
‫يومئ ٍ‬
‫)‪(71‬‬
‫هذه الية‪ ،‬وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية فللي الللدار الخللرة(‬
‫اهل‪.‬‬
‫ثانيببًا‪ -‬قللوله تعللالى‪} :‬ل تدركه البصار وهو يللدرك‬
‫البصار وهو اللطيف الخبير{ ]النعللام‪ (103 :‬يقللول ابللن‬
‫كثير في تفسير هذه الية‪) :‬قوله تعالى‪} :‬ل تدركه البصار{‪.‬‬
‫فيه أقوال للئمة من السلف‪:‬‬
‫أحببدها‪ :‬ل تللدركه فللي الللدنيا‪ ،‬وإن كللانت تللراه فللي الخللرة‪ ،‬كمللا‬
‫تواترت به الخبار عن رسللول اللل‪ -‬صلللى الل عليلله وسلللم‪ -‬مللن عللدة‬
‫‪70‬‬
‫‪71‬‬

‫)(ص ‪.70‬‬
‫)(تفسير ابن كثير ‪.466 /3‬‬

‫طللرق ثابتلة فللي الصللحاح والمسللانيد والسللنن‪ ،‬كملا قللال مسللروق علن‬
‫عائشة أنها قالت‪» :‬من زعم أن محمدًا أبصر ربلله فقللد كللذب‪ ،‬فللإن الل‬
‫يقول‪} :‬ل تدركه البصار{«‪.‬‬
‫قال‪ :‬ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عياش عن عاصللم‬
‫ضحى عن مسروق‪ ،‬ورواه غير واحللد عللن‬
‫ابن أبي النجود‪ ،‬عن أبي ال ّ‬
‫مسروق‪ ،‬وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه‪.‬‬
‫قال‪ :‬وقللد خالفهلا ابلن عبلاس‪ :‬فعْنلُه إطلق الرؤيللة‪ ،‬وعنله أنله رآه‬
‫بفؤاده مرتين‪.‬‬
‫قال‪ :‬والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء ال‪(.‬‬
‫قلت‪ :‬وقد سبق نقل ذلك من الصحيحين‪ ،‬وأوردنا ما ذكره ابن منللده‬
‫في رواية ابن عباس وروايللة عائشللة‪ ،‬وذكرنللا جمللع العلمللاء بيللن نفللي‬
‫عائشة‪ ،‬ورواية ابن عباس المطلقة والروايات اللتي ذكرهلا ابلن جريلر‬
‫عن ابن عباس وغيره‪ ،‬في الرد على تلبيس المؤلف)‪.(72‬‬
‫ويواصل ابن كثير فيقول‪) :‬وقال ابن أبي حللاتم وسلاق بإسلناده إلللى‬
‫يحيى بن معين قال‪ :‬سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول ال تعللالى‪:‬‬
‫}ل تدركه البصار وهو يدرك البصار{ قال‪ :‬هذا فللي‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫وقللال آخللرون‪} :‬ل تدركه البصار{‪ ،‬أي جميعهللا‪ ،‬وهللذا‬
‫مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الخرة‪.‬‬
‫وقال آخرون من المعتزلة‪ -‬بمقتضى ما فهموه من هذه الية‪ -‬إنه ل‬
‫يرى في الدنيا ول في الخرة‪.‬‬
‫فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك‪ ،‬مع ما ارتكبوه من الجهل بما‬
‫دل عليه كتاب ال وسنة رسوله‪.‬‬
‫‪72‬‬

‫)( ص ‪ 75‬ومابعدها‪.‬‬

‫أما الكتاب‪:‬‬
‫فقللوله تعللالى‪} :‬وجوه يلومئذ ناضللرة‪ .‬إلللى ربهللا‬
‫ناظرة{‪.‬‬
‫وقال تعالى عن الكافرين‪} :‬كل إنهم عن ربهم يللومئذ‬
‫لمحجوبون{‪.‬‬
‫قال المام الشافعي‪ :‬فللدل هللذا علللى أن المللؤمنين ل يحجبللون عنلله‬
‫تبارك وتعالى‪.‬‬
‫وأما السنة‪:‬‬
‫فقد تواترت الخبار عن أبي سعيد‪ ،‬وأبي هريرة‪ ،‬وأنلس‪ ،‬وجريلر‪،‬‬
‫وصهيب‪ ،‬وبلل‪ ،‬وغير واحد من الصحابة عن النبي‪ -‬صلى ال ل عليلله‬
‫وسلم‪ :‬أن المؤمنين يرون ال فببي الببدار الخببرة فببي العرصببات‪ ،‬وفببي‬
‫روضات الجنات‪ ،‬جعلنا ال تعالى منهم بمّنه وكرمه آمين(‪.‬اهل‪.‬‬
‫كما بين أنه ل منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الدراك‪ ،‬فللإن الدراك‬
‫أخص من الرؤية‪ ،‬ول يلزم من نفي الخص انتفاء العم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقد دل على هذا قللوله تعللالى فللي سللورة الشللعراء فللي قصللة‬
‫موسلللى وقلللومه‪ ،‬وفرعلللون وقلللومه‪ ،‬قلللال تعلللالى‪} :‬فللأتبعوهم‬
‫مشرقين * فلما تراءا الجمعللان قللال أصللحاب‬
‫موسى إنا لمدركون * قللال كل إن معللي ربللى‬
‫سيهدين{ ]الشللعراء‪ (63 -61 :‬فالية صللريحة فللي أن الرؤيللة غيللر‬
‫الدراك؛ فللالدراك الحاطللة‪ ،‬وقللد حصلللت الرؤيللة‪ ،‬ولللم تحصللل‬
‫الحاطة‪.‬‬
‫كما ل يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم‪ ،‬قال ال ل تعللالى‪} :‬ول‬
‫يحيطون به علما ً{‪ ،‬وفللي صللحيح مسلللم‪ ،‬مللن حللديث عائشللة‬

‫)‪(73‬‬

‫رضي ال عنها‪» :‬ل أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك«‬
‫ول يلزم من هذا عدم الثناء فكذلك هذا‪.‬‬
‫كما نقل ابن كثير عن ابن عباس‪ :‬ل يحيط بصر أحد بالملك‪.‬‬
‫وعن عكرمة أنه قيل له‪} :‬ل تدركه البصار{ قللال‪ :‬ألسللت‬
‫ترى السماء؟ قال‪:‬‬

‫‪ ()73‬مسلم‪ /‬ح)‪. (486‬‬

‫بلى‪ .‬قال‪ :‬فكلها ترى؟‬
‫ونقللل عللن ابللن جريللر‪ ،‬وعللن عطيللة العللوفي فللي قللوله تعللالى‪:‬‬
‫}وجوه يومئذ ناضرة‪ .‬إلى ربها ناظرة{‪ ،‬قلللال‪ :‬هلللم‬
‫ينظرون إلى ال‪ ،‬ل تحيلط أبصلارهم بله ملن عظمتله‪ ،‬وبصلره محيلط‬
‫بهلللم‪ ،‬فلللذلك قلللوله‪} :‬ل تللدركه البصللار وهللو يللدرك‬
‫البصار{‪ (74).‬وقد تقدم ذلك عن ابن جرير‪.‬‬
‫ثالثببباً ‪ -‬قلللوله تعلللالى‪} :‬للللذين أحسللنوا الحسللنى‬
‫وزيادة وليرهق وجللوههم قللتٌر ول ذلللة أولئك‬
‫نة هم فيها خالدون{ ]يونس‪.[36:‬‬
‫أصحاب الج ّ‬
‫يقول ابن كثير‪ :‬قوله‪) :‬وزيادة( ‪-‬بعد أن ذكر ما يتفضل ال به على‬
‫عباده المؤمنين من مضاعفة الحسنات وما يعطيهم ال في الجنان قال‪:-‬‬
‫)وأفضل من ذلك وأعله النظر إلى وجهه الكريم‪ ،‬فإنه زيادة أعظم من‬
‫جميع ما أعطوه ل يستحقونها بعملهم‪ ،‬بل بفضله وبرحمتلله‪ ،‬وقللد ُروي‬
‫تفسلير الزيلادة بلالنظر إللى وجله الل الكريلم علن أبلي بكلر الصلديق‪،‬‬
‫وحذيفة بن اليمللان‪ ،‬وعبلد الل بلن عبلاس‪ ،‬وسللعيد بلن المسلليب‪ ،‬وعبللد‬
‫الرحمن بن أبللي ليلللى‪ ،‬عبللد الرحمللن بللن سللابط‪ ،‬ومجاهللد‪ ،‬وعكرمللة‪،‬‬
‫وعللامر بللن سللعد‪ ،‬وعطللاء‪ ،‬والضللحاك‪ ،‬والحسللن‪ ،‬وقتللادة‪ ،‬والسللدي‪،‬‬
‫ومحمد بن إسحاق‪ ،‬وغيرهم من السلف والخلف‪.‬‬
‫قال‪ :‬وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة‪ ،‬عن رسول ال‪ -‬صلى اللل‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فمن ذلللك‪ :‬ملا رواه الملام أحملد بإسلناده علن صلهيب‪ :‬أن‬
‫رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬تل هذه الية }للذين أحسنوا‬
‫الحسنى وزيادة{ قال‪»:‬إذا دخل أهل الجنة الجنبة‪ ،‬وأهبل النبار‬
‫النببار‪ ،‬نببادى منبباد‪ :‬يببا أهببل الجنببة إن لكببم عنببد ال ب موعببدًا يريببد أن‬
‫‪74‬‬

‫)( تفسير ابن كثير ‪.303 -302 /3‬‬

‫ينجزكموه‪ ،‬فيقولون‪ :‬وما هو؟ ألم يثّقببل موازيننببا‪ ،‬ويبببّيض وجوهنببا‪،‬‬
‫ويببدخلنا الجنببة‪ ،‬ويزحزحنببا مببن النببار؟ قببال‪ :‬فيكشببف لهببم الحجبباب‪،‬‬
‫فينظرون إليه فوال ما أعطاهم ال شيئًا أحب إليهببم مببن النظببر إليببه‪،‬‬
‫ول أقر لعينهم«)‪.(75‬‬
‫رابعًا‪ :‬قوله تعالى‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها‬
‫ناظرة{‪.‬‬
‫يقول ابن كثير في تفسيره‪}) :‬وجوه يومئذ ناضللرة{ ملللن‬
‫النضارة‪ ،‬أي حسنة بهية مشرقة مسرورة‪} ،‬إلى ربها ناظرة{‬
‫أي‪ :‬تللراه عيانلًا‪ ،‬كمللا رواه البخللاري رحملله الل فللي صللحيحه‪» :‬إنكببم‬
‫سترون ربكم عيانًا«‪.‬‬
‫وقد ثبتت رؤية المللؤمنين للل‪ -‬عللز وجللل‪ -‬فللي الللدار الخللرة‪ ،‬فللي‬
‫الحاديث الصللحاح‪ ،‬مللن طللرق متللواترة عنللد أئمللة الحللديث‪ ،‬ل يمكللن‬
‫دفعها ول منعها لحديث أبى سعيد وأبي هريرة‪ -‬وهما في الصحيحين‪:-‬‬
‫أن ناسًا قالوا‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال‪» :‬هببل‬
‫تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونها سحاب؟ قالوا‪ :‬ل‪ .‬قال‪:‬‬
‫فإنكم ترون ربكم كذلك«‪.‬‬
‫وفي الصحيحين عن جرير قال‪» :‬نظر رسول ال‪ -‬صلى ال عليببه‬
‫وسلم‪ -‬إلى القمر ليلببة البببدر فقببال‪ :‬إنكببم تببرون ربكببم كمببا تببرون هببذا‬
‫القمر‪ ،‬فإن استطعتم أن ل تغلبوا علببى صببلة قبببل طلببوع الشببمس ول‬
‫قبل غروبها فافعلوا«)‪.(76‬‬
‫ثم سرد الروايات وهي في الصحيحين والسنن عن‪:‬‬
‫‪ () 75‬تفسير ابن كثير ‪ ،199-198 /4‬وقد أخرجه مسلم‪ /‬كتاب اليمان‪ /‬باب )إثبات‬
‫رؤية المؤمنين في الخرة لربهم(ح)‪.(180‬والمام أحمد في المسند ‪. 4/333‬‬
‫‪ ()76‬البخاري‪ /‬التوحيد‪،‬ح)‪ (7434‬ويأتي ص ‪.144‬‬

‫أبي موسللى‪ ،‬وصللهيب‪ ،‬وجللابر‪ ،‬وابللن عمللر‪ ،‬إلللى أن قللال‪ :‬ولللول‬
‫خشللية الطالللة لوردنللا الحللاديث بطرقهللا وألفاظهللا مللن الصللحاح‬
‫والحسان والمسانيد والسنن‪ ،‬ولكن ذكرنا ذلللك مفرقلًا فللي مواضللع مللن‬
‫هذا التفسير وبال التوفيق‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهذا بحمد ال مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هللذه‬
‫المة كما هو متفق عليه بين أئمة السلم‪ ،‬وهداة النام )‪ (.(77‬أهل‬
‫وبعد أن نقل هذه الدلة الصريحة على إثبللات رؤيللة المللؤمنين يللوم‬
‫القيامة ربهم وإجماع الصحابة والتابعين وسلف هللذه المللة علللى ذلللك‪،‬‬
‫واتفاق أئمة المسلمين على ذلك‪ ،‬رد على من ُنقل عنه التأويللل بانتظللار‬
‫الثواب‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومعلللوم أن الئمللة الربعللة المتبللوعين فللي العللالم السلللمي‬
‫يقولون ذلك ويؤمنون به‪ ،‬وسيأتي ذكر ذلك ‪.‬‬
‫أما رّده فقال فيه‪) :‬ومن تأول ذلك بأن المراد بل» إلى« مفرد اللء‬
‫وهي النعم؟ كما روي علللن مجاهلللد }إلى ربها ناظرة{ فقلللال‪:‬‬
‫تنتظر الثواب من ربها رواه ابن جرير من غير وجه عن مجاهد‪ ،‬وكذا‬
‫قال أبو صالح أيضًا‪.‬‬
‫فقد أبعد هذا القائل النجعة‪ ،‬وأبطل فيمللا ذهللب إليلله‪ ،‬وأيللن هللو مللن‬
‫قلللللوله تعلللللالى‪} :‬كل إنهلللم علللن ربهلللم يلللومئذ‬
‫لمحجوبون{ قال الشافعي رحمه اللل‪ :‬مللا حجللب الفجللار إل وقللد‬
‫علم أن البرار يرونه عز وجل‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثم قد تواترت الخبار عن رسول ال‪ -‬صلى الل عليلله وسلللم‪-‬‬
‫بمللا دل عليلله سللياق اليللة الكريمللة‪ ،‬وهللي قللوله‪} :‬إلللى ربهللا‬
‫ناظرة{‪(.‬‬
‫‪ ()77‬تفسير ابن كثير ‪.8/305‬‬

‫ثم نقل ما اختاره المام ابن جرير‪ ،‬الذي نقل الروايات عن مجاهد‪،‬‬
‫والتي لّبس بنقلها المؤلف الخليلللي‪ ،‬ولللم يللذكر المرجللع حللتى ل يرجللع‬
‫القارئ إليه ويعرف اختيار ابن جرير كما سبقت الشارة لذلك‪.‬‬
‫فقال ابن كثير‪ ):‬قال ابن جرير حدثنا محمد بن إسماعيل البخللاري‪،‬‬
‫حدثنا آدم حدثنا المبارك عن الحسن‪} :‬وجوه يومئذ ناضللرة{‬
‫قال‪ :‬حسنة }إلى ربها ناظرة{ قال‪ :‬تنظللر إلللى الخللالق‪ ،‬وحللق‬
‫ضَر وهي تنظُر إلى الخالق)‪.((78‬اهل‬
‫لها أن تن ُ‬
‫ويقول ابن القيم في حادي الرواح)‪ (79‬بعد أن أورد ست آيللات مللن‬
‫كتاب ال على إثبات رؤية المؤمنين ربهم في جنات النعيم قال‪:‬‬
‫الدليل السللابع‪ :‬قللوله عللز وجللل‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة‪.‬‬
‫إلى ربها ناظرة{‬
‫ت هللذه اليللة مللن تحريفهللا عللن مواضللعها‬
‫ج لْر َ‬
‫قللال‪ :‬وإذا أنللت أ َ‬
‫والكذب على المتكلم بها سللبحانه فيمللا أراد منهللا‪ ،‬وجللدتها مناديللة نللداء‬
‫ت إل‬
‫صريحًا‪ ،‬أن ال سبحانه ُيرى عياًنا بالبصار يوم القيامة‪ ،‬وإن َأَبْيل َ‬
‫ل‪ ،‬فتأويل نصوص المعللاد والجنللة‬
‫تحريفها الذي يسميه المحرفون تأوي ً‬
‫والنار والميزان والحساب أسهل على أربابه مللن تأويلهللا‪ ،‬وتأويللل كللل‬
‫نص تضمنه القرآن والسنة كذلك‪ ،‬ول يشاء مبطللل علللى وجلله الرض‬
‫أن يتللأول النصللوص ويحرفهللا عللن مواضللعها إل وجللد إلللى ذلللك مللن‬
‫السبيل ما وجده متأول هذه النصوص‪ ،‬وهذا الذي أفسللد الللدين والللدنيا‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه اليللة وتعللديته‬
‫بأداة إلى الصريحة في نظر العين‪ ،‬وإخلء الكلم من قرينللة تلدل علللى‬
‫أن المراد بلالنظر المضلاف إللى اللوجه الللُمعّدى بلإلى خلف حقيقتله‪،‬‬
‫‪78‬‬
‫‪79‬‬

‫)(تفسير ابن كثير ‪ .3 0 8/6‬تفسير ابن جرير ‪.29/192‬‬
‫)(ص ‪.370‬‬

‫وموضوعه صريح في أن ال سبحانه وتعللالى‪ ،‬أراد بللذلك نظللر العيللن‬
‫التي في الوجه‪ ،‬إلى نفس الرب جل جلله‪.‬‬
‫فإن النظر له عدة استعمالت‪ ،‬بحسب صللته وتعلديه بنفسله‪ ،‬فببإن‬
‫عبببدي بنفسبببه فمعنلللاه‪ :‬التوقلللف والنتظلللار‪ ،‬كقلللوله‪} :‬انظرونللا‬
‫نقتبس من نوركم{ ]الحديد‪.[13 :‬‬
‫عبببّدي بفبببي فمعنلللاه‪ :‬التفكلللر والعتبلللار‪ ،‬كقلللوله‪} :‬أولللم‬
‫وإن ُ‬
‫ينظروا في ملكوت السموات والرض{ ]العللراف‪:‬‬
‫‪.[185‬‬

‫عّدي بببإلى فمعنللاه‪ :‬المعاينللة بالبصللار‪ ،‬كقللوله‪} :‬انظروا‬
‫وإن ُ‬
‫إلى ثمره إذا أثمر{ ]النعام‪ ،[99:‬فكيف إذا أضيف إلللى الللوجه‬
‫الذي هو محل البصر؟‪.‬‬
‫قال يزيد بن هارون‪ :‬أنبأنا مبارك‪ ،‬عن الحسللن‪ :‬نظللرت إلللى ربهللا‬
‫تبارك وتعالى فنضرت بنوره‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬فاسللمع أيهللا السللني تفسللير النللبي‪ -‬صلللى الل عليلله وسلللم‪-‬‬
‫وأصحابه والتابعين وأئمة السلم لهذه الية‪ .‬ثم قال‪ :‬قللال ابللن مردويلله‬
‫في تفسيره‪ ،‬حدثنا محمد ابن الصباح وساق إسناده إلى عبد ال بن عمر‬
‫قال‪ :‬قال رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬في قوله تعلللالى‪} :‬وجوه‬
‫يللومئذ ناضللرة{ قللال‪ :‬مللن البهللاء والحسللن‪} ،‬إللى ربهلا‬
‫ناظرة{‪ ،‬قال‪ :‬في وجه ال عز وجل‪.‬‬
‫وقال أبو صالح‪ :‬عن ابن عباس }إلى ربها نللاظرة{ قللال‪:‬‬
‫تنظر إلى وجه ربها‪.‬‬
‫قللال عكرمللة‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة{ قللال‪ :‬مللن النعيللم‪،‬‬
‫}إلى ربها ناظرة{ قال‪ :‬تنظر إلى ربها نظرًا‪.‬‬

‫ثم حكى عن ابن عباس مثله‪ ،‬قال‪ :‬وهللذا قللول كللل مفسللر مللن أهللل‬
‫السنة والحديث‪(.‬‬
‫فهذه بعض اليات الدالة على رؤية المؤمنين ربهم وهم فللي جنللات‬
‫النعيم وتلك أقوال المفسرين لها من أهل السنة والجماعة‪.‬‬
‫وحيث إن الخليلي قد التزم بالمحاكمة إلى كتاب ال‪ ،‬وسنة رسوله‪،‬‬
‫فإليللك بعللض النصللوص مللن السللنة‪ ،‬وسللنبدأ باختيللار نصللوص مللن‬
‫الصحيحين‪ :‬البخاري ومسلم‪ ،‬وإليك تلك النصوص‪:‬‬
‫ثانيًا‪ -‬النصوص من السنة‪:‬‬
‫قال البخاري في صحيحه من كتاب التوحيد‪:‬‬
‫باب قول ال تعالى‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة‪ .‬إلى ربها‬
‫ناظرة{‬
‫‪ -1‬حديث‪ :‬جرير‬
‫‪ -1‬قال‪ :‬حدثنا عمرو بن عون‪ ،‬ثم ساق بإسناده عن قيس عن جرير‬
‫قال‪ :‬كنا جلوسًا عند النبي‪ -‬صلى ال عليلله وسلللم‪ ،-‬إذ نظللر إلللى القمللر‬
‫ليلة البدر قال‪» :‬إنكم سترون ربكم كمببا تببرون هببذا القمببر ل تضببامون‬
‫في رؤيته‪ ،‬فإن استطعتم أن ل تغلبوا على صببلة قبببل طلببوع الشببمس‬
‫وصلة قبل غروب الشمس فافعلوا«‪) .‬حديث‪.(7434 /‬‬
‫‪ -2‬قال‪ :‬وحدثنا يوسف بن موسى وساق بإسناده عن قيللس بللن أبللي‬
‫حازم عن جرير بن عبد ال قال‪ :‬قال النبي‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪:-‬‬
‫»إنكم سترون ربكم عيانًا« )حديث‪.(7435 /‬‬
‫‪ -3‬عن عبدة بن عبد ال بإسناده إلى جرير قال‪ :‬خرج علينا رسللول‬
‫ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬ليلة البدر فقللال‪» :‬إنكببم سببترون ربكببم يببوم‬
‫القيامة كما ترون هذا ل تضامون في رؤيته« )حديث‪.(7436 /‬‬
‫‪ -2‬حديث أبي هريرة‬

‫‪-4‬وقال‪ :‬حدثنا عبلد العزيللز بلن عبلد الل وسلاقه بإسلناده إلللى أبلي‬
‫هريرة‪ ،‬إن الناس قالوا‪ :‬يا رسول ال هل نرى ربنللا يللوم القيامللة؟ فقللال‬
‫رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪»:-‬هل تضارون في القمر ليلة البببدر؟‬
‫قالوا‪ :‬ل يا رسول ال‪ ،‬قال‪ :‬فهبل تضبارون فبي الشبمس ليبس دونهبا‬
‫سحاب؟ قالوا ل يا رسول ال‪ ،‬قال‪:‬فإنكم ترونه كببذلك)‪......«(80‬وسللاق‬
‫الحديث بطوله‪).....‬حديث‪.(7437 :‬‬
‫‪ -3‬حديث أبى سعيد الخدري‬
‫‪ -5‬قال‪ :‬حدثنا يحيى بن بكير وساقه بإسناد‪ ،‬عن أبي سعيد الخدري‬
‫قال‪ :‬قلنا يا رسول ال هل نرى ربنا يوم القيامللة؟ قللال‪» :‬هببل تضببارون‬
‫فببي رؤيببة الشببمس والقمببر إذا كببانت صببحوًا؟ قلنببا ل‪ ،‬قببال‪ :‬فببإنكم ل‬
‫تضارون في رؤية ربكم يومئذ إل كما تضارون في رؤيببة أحببدهما‪«...‬‬
‫وساق الحديث بطوله‪) .‬حديث‪(7439 /‬‬
‫وفيه ذكر الشفاعة‪ ،‬وإنه يخرج من النللار مللن كللان فللي قلبلله مثقللال‬
‫ذرة من إيمان وسوف نورده بتمامه عند الرد على المؤلللف فللي دعللواه‬
‫تخليد العصاة في النار‪.‬‬
‫‪ -4‬حديث أبي موسى الشعري‬
‫‪ -6‬قال‪ :‬حدثنا علي بن عبد ال وساق بإسناده عن أبي بكر بللن عبللد‬
‫ال بن قيس عن أبيه‪ ،‬عن النبي‪ -‬صلى الل عليلله وسلللم‪ -‬قللال‪» :‬جنتببان‬
‫من فضة آنيتهما وما فيهما‪ ،‬وجنتان من ذهب آنيتها وما فيهمببا‪ ،‬ومببا‬
‫بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إل رداء الكبرياء على وجهه فببي‬
‫جنة عدن« )حديث‪.(7440 /‬‬

‫‪80‬‬

‫)( مسلم أخرجه في اليمان باب معرفة طريق الرؤية ح)‪.(182‬‬

‫قلت‪ :‬وهذا الحديث هو الذي استدل به الخليلي على نفي الرؤية‪ ،‬ثم‬
‫ترك الحديث التالي بعده‪ ،‬وهو حديث عللدي‪ ،‬فهللل الخليلللي يللرى نفسلله‬
‫أفقه من المام البخاري‪ ،‬الذي قيل إن فقه صحيحه في أبوابه‪.‬‬
‫‪ -5‬حديث عدي بن حاتم‬
‫‪ -7‬قال‪ :‬حدثنا يوسف بن موسى وساق بإسناده عن عللدي بللن حللاتم‬
‫قال‪ :‬قال رسللول اللل‪ -‬صلللى الل عليلله وسلللم‪» -‬مببا منكببم مببن أحببد إل‬
‫)‪(81‬‬
‫سببيكلمه ربببه ليببس بينببه وبينببه ترجمببان ول حجبباب يحجبببه«‬
‫)حديث‪(7443 :‬‬
‫وقد أورد المام البخاري رحمه ال تحت هذا البللاب إحللدى عشللرة‬
‫رواية‪ ،‬اخترنا منها هذه الروايات السبع وهي صريحة في أن المؤمنين‬
‫يرون ربهم يوم القيامة عيانًا‪ ،‬ومن أصدق من رسول الل بعللد الل عللز‬
‫وجل حديثًا؟‪ ،‬وقد أخرجها المام مسلم في صحيحه كما ترى تخريجهللا‬
‫في الحاشية‪.‬‬
‫وقال ابللن حجللر رحملله الل فللي نهايللة شللرح هللذه الحللاديث الللتي‬
‫أوردها البخاري‪ ،‬قال في )ص‪) (434:‬تكملة‪ :‬جمللع الللدارقطني طللرق‬
‫الحللاديث الللواردة فللي رؤيللة اللل تعللالى فللي الخللرة فللزادت علللى‬
‫العشرين‪ ،‬وتتبعها ابن القيم في حادي الرواح فبلغت الثلثين وأكثرهللا‬
‫جياد‪ ،‬وأسند الدارقطني عن يحيلى بلن معيلن قلال‪ :‬عنلدي سلبعة عشللر‬
‫حديثًا في الرؤية صحاح()‪ (82‬أهل‬
‫‪81‬‬

‫‪82‬‬

‫)( البخلاري‪ ،‬فتلح البلاري ‪ 424 -41 /13‬هلذه روايلات البخلاري‪.‬ومسللم فلي‬
‫اليمان‪ /‬باب إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الخللرة ح)‪.(180‬روايلة أبلي موسلى‬
‫الشعري‪.‬مسلم في اليمان أخرج حديث أبي سعيد في باب معرفة طريللق الرؤيللة‬
‫ح)‪.(182‬‬
‫)( فتح الباري ‪ .434 /13‬وقد طبع كتاب الرؤية للدارقطني سنة ‪1411‬هل مكتبللة‬
‫المنار‪ .‬تحقيق إبراهيم العلي‪ ،‬وأحمد فخري الرفاعي‪.‬‬

‫كما أخرج مسلم بعد حديث أبي موسى الشللعري السللابق فللي بللاب‬
‫إثبات رؤيللة المللؤمنين ربهللم فلي الخللرة حللديث صللهيب‪ ،‬علن النلبي‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ -‬قال‪» :‬إذا دخل أهل الجنة الجنببة قببال‪ :‬يقببول الب‬
‫تبارك وتعالى‪ :‬تريدون شيئًا أزيببدكم؟ فيقولببون‪ :‬ألببم تبببّيض وجوهنببا؟‬
‫ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قببال‪ :‬فيكشببف الحجبباب فمببا أعطببوا‬
‫شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل«‪.‬‬
‫وفي روايللة حمللاد بللن سلللمة‪ ،‬وزاد‪ :‬ثللم تل هللذه اليللة‪} :‬للذين‬
‫أحسنوا الحسنى وزيادة({]يونس‪[26 :‬‬
‫قلت‪ :‬ومن المناسب أن نسوق نص ما أشار إليه ابللن حجللر مللن أن‬
‫ابن القيم تتبع طرق الحاديث في رؤية ال تعالى في الخرة فللي كتللابه‬
‫)حادي الرواح( فبلغت الثلثين وأكثرها جياد‪ ،‬فقلد قلال ابلن القيلم فلي‬
‫)ص‪ (373 :‬بعد أن ذكر الدلة من القرآن الكريم‪)) :‬فصل(‪:‬‬
‫وأما الحاديث عن النبي‪ -‬صلى ال عليلله وسلللم‪ -‬وأصللحابه الدالللة‬
‫على الرؤية فمتواترة‪ ،‬رواهللا عنلله‪ ،‬أبللو بكللر الصللديق‪ ،‬وأبللو هريللرة‪،‬‬
‫وأبو سعيد الخدري‪ ،‬وجرير بن عبللد ال ل البجلللي‪ ،‬وصللهيب بللن سللنان‬
‫الرومي‪ ،‬وعبد الل بللن مسللعود الهللذلي‪ ،‬وعلللي بللن أبللي طللالب‪ ،‬وأبللو‬
‫موسى الشعري‪ ،‬وعدي بن حاتم الطائي‪ ،‬وأنس بن مالللك النصلاري‪،‬‬
‫وبريدة ابن الحصيب السلمي‪ ،‬وأبو رزين العقيلي‪ ،‬وجابر بن عبد اللل‬
‫النصاري‪ ،‬وأبو أمامللة البللاهلي‪ ،‬وزيللد بللن ثللابت‪ ،‬وعمللار بللن ياسللر‪،‬‬
‫وعائشة أم المؤمنين‪ ،‬وعبد ال بن عمر‪ ،‬وعملارة بلن رويبلة‪ ،‬وسللمان‬
‫الفارسي‪ ،‬وحذيفة بن اليمان‪ ،‬وعبد ال بن عباس‪ ،‬وعبد الل بللن عمللرو‬
‫بن العللاص‪ ،‬وحللديثه موقللوف‪ ،‬وأبللي ابللن كعللب‪ ،‬وكعللب ابللن عجللرة‪،‬‬

‫وفضالة بن عبيد‪ ،‬ورجل من أصللحاب النللبي‪ -‬صلللى الل عليلله وسلللم‪-‬‬
‫غير مسمى)‪.(83‬‬
‫ثم قال‪ :‬فهاك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن‪ ،‬وتلّقها‬
‫بللالقبول والتسللليم‪ ،‬وانشللراح الصللدر‪ ،‬ل بللالتحريف والتبللديل وضلليق‬
‫العطللن‪ ،‬ول تكللذب بهللا‪ ،‬فمللن ك لّذب بهللا لللم يكللن إلللى وجلله ربلله مللن‬
‫الناظرين‪ ،‬وكان يوم القيامة من المحجوبين‪(.‬‬
‫ثم قال‪ :‬فصل‪ -‬فأما حديث أبي بكر الصديق وذكر إسناده ثم اسللتمر‬
‫في سياق أحاديث من ذكر أسماءهم من الصحابة‪ ،‬إلللى آخرهللم الرجللل‬
‫الذي لم يسم‪) .‬ص‪ .(409 :‬وقد أشار المحقق إلى أماكن ورودها‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬وهناك بعض ما قاله أصحاب رسول اللل‪ -‬صللى الل عليلله‬
‫وسلم ‪ -‬والتابعون‪ ،‬وأئمة السلم‪ ،‬فذكر عددًا من الصحابة قالوا بإثبات‬
‫الرؤية‪(.‬‬
‫وفللي )ص‪ (412 :‬قللال‪) :‬قللال الطللبري‪ :‬فيحصللل فللي البللاب ممللن‬
‫روى عن رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬من الصحابة حديث الرؤية‬
‫ثلث وعشرون نفسًا‪ ،‬منهم علي‪ ،‬وأبو هريرة‪ ...‬الخ فذكر أسماءهم‪.‬‬
‫وقال الدارقطني‪ :‬أخبرنا محمد بن عبد ال‪ .....‬قللال‪ :‬سللمعت يحيللى‬
‫بن معين يقول‪ :‬عندي سبعة عشر حديثًا في الرؤية كلها صحاح‪.‬‬
‫وقللال الللبيهقي‪ :‬روينللا فللي إثبللات الرؤيللة عللن أبللي بكللر الصللديق‪،‬‬
‫وحذيفة بن اليمان‪ ،‬وعبد ال بلن مسللعود‪ ،‬وعبلد الل بلن عبلاس‪ ،‬وأبللي‬
‫موسللى‪ ،‬وغيرهلم‪ ،‬ولللم يلرووا علن أحللد منهللم نفيهلا‪ ،‬ولللو كلانوا فيهلا‬
‫‪83‬‬

‫)( قلببت‪ :‬وجهالللة الصللحابي ل تضللر‪ ،‬كمللا هللو معلللوم فللي مصللطلح الحللديث‪ ،‬إذ‬
‫الصللحابة كلهللم عللدول‪ ،‬إل عنللد الرافضللة‪ ،‬ومثلهللم المعتزلللة‪ ،‬والخللوارج‪ ،‬ومنهللم‬
‫جُرون عليهم قواعد الجرح والتعديل‪ ،‬وال عز وجل قد علّدل أصلحاب‬
‫الباضية‪ ،‬فُي ْ‬
‫نبيه؛ فل حاجة لهم إلى تعديل أحد من خلقه‪.‬‬

‫مختلفين لنقل اختلفهم إلينا‪ ،‬كما أنهم لمللا اختلفللوا فللي الحلل والحللرام‬
‫والشرائع والحكام نقل اختلفهم في ذلك إلينا‪.‬‬
‫وكمللا أنهللم لمللا اختلفللوا فللي رؤيللة ال ل بالبصللار فللي الللدنيا‪ ،‬نقللل‬
‫اختلفهم في ذلك إلينا‪ ،‬فلما نقلت رؤيلة الل سللبحانه وتعللالى بالبصلار‬
‫في الخرة عنهم‪ ،‬ولم ينقل عنهم في ذلك اختلف‪ ،‬كما نقللل عنهللم فيهللا‬
‫اختلف في الدنيا‪ ،‬علمنا أنهم كانوا على القول برؤية ال بالبصار فللي‬
‫الخرة متفقين ومجتمعين‪ (.‬اهل‬
‫ثم قال‪) :‬فصل‪ -‬وأما التابعون وعصابة اليمان مللن أئمللة الحللديث‪،‬‬
‫والفقه‪ ،‬والتفسير‪ ،‬فأقوالهم أكثر من أن يحيط بها إل ال عز وجل‪.‬‬
‫قال سعيد بن المسيب‪ :‬الزيادة‪ :‬النظر إلللى وجلله اللل‪ .‬ورواه مالللك‬
‫عن يحيى عنه‪.‬‬
‫وقال الحسن‪ :‬الزيادة‪ :‬النظر إلى وجه ال‪(.‬‬
‫وبعد أن ذكر عددًا كبيرًا من التابعين يثبتون رؤيللة المللؤمنين ربهللم‬
‫يللوم القيامللة‪ ،‬قللال فللي )ص‪) (414:‬فصللل‪ :‬فللي المنقللول عللن الئمللة‬
‫الربعة‪ ،‬ونظرائهم‪ ،‬وشيوخهم‪ ،‬وأتباعهم على طريقتهم ومنهللاجهم‪ ،‬ثللم‬
‫قال‪:‬‬
‫‪ -1‬ذكر قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس‪ :‬قللال أحمللد بللن صللالح‬
‫المصري‪ ،‬حدثنا عبد ال بللن وهللب قللال‪ :‬قببال مالببك بببن أنببس‪ :‬النبباس‬
‫ينظرون إلى ال عز وجل يوم القيامة بأعينهم‪.‬‬
‫وقال الحارث بن مسكين‪ :‬حدثنا أشهب قال‪ :‬سللئل مالللك عللن قللوله‬
‫عز وجل‪} :‬وجوه يومئذ ناضرة‪ .‬إلى وبها نللاظرة{‬
‫أتنظر إلى ال عز وجل؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬فقلت إن أقوامًا يقولللون‪ :‬تنتظللر مللا‬
‫عنللده‪ ،‬قللال‪ :‬بللل ننظللر إليلله نظللرًا وقللد قللال موسللى‪} :‬رب أرني‬

‫انظر إليك قال لن تراني{ وقللال اللل عللز وجللل‪} :‬كل‬
‫إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون{‪.‬‬
‫ثلم ذكلر قلول ابلن الماجشللون‪ ،‬والوزاعلي‪ ،‬والليلث‪ ،‬وسلفيان بلن‬
‫عينية‪ ،‬وعبد ال ابن المبلارك‪ ،‬ووكيلع بلن الجلراح‪ ،‬وقتيبلة بلن سلعيد‪،‬‬
‫وأبي عبيد القاسم بن سلم‪ ،‬وأسود بن سالم شيخ المام أحمد‪.‬‬
‫‪ -2‬قال المام محمد بن إدريس الشافعي‪ ،‬سبق نقل قوله فللي تفسللير‬
‫قلللللوله تعلللللالى‪} :‬كل إنهلللم علللن ربهلللم يلللومئذ‬
‫لمحجوبون{ قال‪ :‬لما حجب أعببداءه فببي السببخط‪ ،‬كببان فببي هببذا‬
‫دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا‪.‬‬
‫قال الربيع‪ :‬فقلت‪ :‬يا أبا عبد ال وتقول به؟ قال نعم‪ ،‬وبه أدين ال‪.‬‬
‫‪ -3‬قول إمام السنة أحمد بن حنبللل‪ :‬قللال إسللحاق بللن منصللور قلللت‬
‫لحمد‪ :‬أليس ربنا تبارك وتعببالى يبراه أهبل الجنبة؟ أليبس تقبول بهبذه‬
‫الحبباديث؟ قببال أحمببد‪ :‬صببحيح‪ ،‬قللال ابللن منصللور وقللال إسللحاق بللن‬
‫راهويه‪ :‬صحيح ول يدعه إل مبتدع أو ضعيف الرأي‪.‬‬
‫ثم قال‪ ) :‬قول جميع أهل اليمان‪ ،‬قال إمام الئمة محمد بن إسللحاق‬
‫بن خزيمة في كتابه‪ :‬إن المؤمنين لم يختلفوا أن جميع المؤمنين يرون‬
‫خالقهم يوم المعاد‪ ،‬ومن أنكر ذلك فليس بمؤمن عند المؤمنين‪.‬‬
‫قول جميع أهل اللغة‪ :‬قال أبو عبلد الل بلن بطلة‪ :‬سلمعت أبلا عمللر‬
‫محمد بن عبد الواحد صاحب اللغة يقول‪ :‬سمعت أبللا العبللاس أحمللد بلن‬
‫يحيى ثعلبًا يقول في قوله تعالى‪} :‬وكان بالمؤمنين رحيم لا ً‬
‫* تحيتهم يوم يلقونه سلم{ ]الحزاب‪[44:‬‬
‫أجمع أهل اللغة‪ ،‬على أن اللقاء ها هنا ل يكببون إل معاينببة ونظببرًا‬
‫بالبصار‪ ،‬وحسبك بهذا السناد صحة‪.‬‬
‫قال‪ :‬واللقاء ثابت بنص القرآن كما تقدم‪.‬‬

‫وبالتواتر عللن النللبي صلللى الل عليلله وسلللم‪ ،‬وكللل أحللاديث اللقللاء‬
‫صحيحة ثم ساق أحاديث أخرجها البخاري ومسلم )‪ ((84‬اهل‬
‫قال شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي‪ ) :‬وقد قال بثبوت الرؤية‬
‫الصحابة والتابعون وأئمة السلم المعروفون بالمامة في الدين وسائر‬
‫الطوائف المنسوبون إلى السنة والجماعة‪ ،‬وبقللول الطحللاوي‪ :‬والرؤيببة‬
‫حببق لهببل الجنببة‪ ،‬بغيببر إحاطببة ول كيفيببة كمببا نطببق بببه كتبباب ربنببا‪:‬‬
‫}وجوه يومئذ ناضرة إلللى ربهللا نللاظرة{ وتفسلليره‬
‫على ما أراده ال وعلمه وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن‬
‫رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬فهو كما قال‪ ،‬ومعناه على ما أراد‪ ،‬ل‬
‫ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ول متوهمين بأهوائنللا‪ ،‬فللإنه مللا سلللم فللي‬
‫دينه إل من سلم ل عللز وجللل ورسللوله ورد علللم مللا اشللتبه عليلله إلللى‬
‫عالمه()‪ .(85‬أهل‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فرسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬الذي أخرج الل بلله النللاس‬
‫من الكفر والشرك والجهل‪ ،‬إلى نور السلم‪ ،‬يبشر أمته بأنهم سلليرون‬
‫ربهم يوم القيامة بأبصارهم عيانًا‪ ،‬ويقول لهم‪» :‬إنكم سترون ربكم كمببا‬
‫ترون القمر ليلة البدر‪ ،‬وكما ترون الشمس صحوًا ل تضارون«‪ ،‬وفي‬
‫رواية »ل تضامون في رؤيتببه«‪ ،‬وفللي روايللة أبللي هريللرة‪ ،‬إن النللاس‬
‫قالوا‪ :‬يا رسول ال هل نرى ربنا يوم القيامة؟‪ ،‬وفي حديث أبللي سللعيد‪،‬‬
‫قلنا يا رسللول الل هلل نلرى ربنلا يلوم القيامللة؟ثلم يلأتيهم الجللواب ملن‬
‫الصللادق المصللدوق لمللن سللألوه مباشللرة‪» :‬هببل تضببارون فببي رؤيببة‬
‫الشمس والقمر إذا كانت صحوًا ؟ قلنا ل‪ ،‬قال‪ :‬فببإنكم ل تضببارون فببي‬
‫رؤية ربكم يومئذ إل كما تضارون في رؤية أحدهما«‪.‬‬
‫‪84‬‬
‫‪85‬‬

‫)( حادي الرواح‪420-412 :‬‬
‫)( شرح الطحاوية ‪.1/208‬‬

‫فنقول‪ :‬للخليلي‪ -‬وأمثاله‪ -‬وهو قد طلب المحاكمة إلى اللل ورسللوله‬
‫عند التنازع‪ ،‬فهذا حكم ال كما سللبق ذكللر اليللات الكريمللة فيلله‪ ،‬وهللذا‬
‫حكم رسوله‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬أوردناه من أصح كتللاب بعللد كتلاب‬
‫ال عز وجل وهو صحيح البخاري‪ ،‬فهذا قول الصادق المصدوق الذي‬
‫ل ينطق عن الهوى‪ ،‬وأفصللح مللن نطللق بالضلاد‪ ،‬وقللد أجللاب أصللحابه‬
‫رضوان الل عليهللم علللى سللؤالهم‪ ،‬وهللم أفصللح العللرب‪ ،‬ففهمللوا ذلللك‬
‫واستبشروا به‪ ،‬وآمنوا به‪ ،‬وصدقوا رسول ال‪ -‬صلى ال عليلله وسلللم‪-‬‬
‫فيما أخبرهم بلله‪ ،‬وتبعهللم علللى ذلللك سلللف هللذه المللة‪ ،‬كمللا سللبق نقللل‬
‫إجماع الصحابة والتابعين وأئمة السلم على ذلك‪ ،‬فهل ترضى وتسلللم‬
‫بحكم ال ورسوله كما قررت في كتابك هذا أكثر من مرة التحللاكم إلللى‬
‫ال ورسوله عند الختلف؟‬
‫ولكن الخليلي ل يسلم لحكم ال ورسوله ول يرضللى بهملا‪ ،‬بلل إنلله‬
‫يرد هذه النصللوص‪ ،‬ويصللرح بتكللذيبها‪ ،‬لمخالفتهللا لعقللله وهللواه الللذي‬
‫جعله معيارًا لعللرض النصللوص عليلله‪ ،‬مللع أنلله يعيللب علللى أصللحاب‬
‫المدرسة العقلية ذلك‪ ،‬وأدعو القارئ أن ل يضيق صللدره بهللذا التعللبير‬
‫حتى يقرأ في هذه الصفحة كلم الخليلي‪.‬‬
‫إن المؤلف الخليلي أورد هذه النصوص من الصللحيحين‪ ،‬وبعللد أن‬
‫أورد رواية أبي هريرة التي سبق نصها قال في )ص‪ (56:‬سطر ‪ 6‬من‬
‫أسفل‪) :‬وجاء بألفللاظ مختلفللة عنللد الشلليخين وغيرهمللا ومثللله فللي ذلللك‬
‫حديث أبي سعيد عند الشيخين كذلك‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأنت أيها القارئ الكريم تدرك ببصيرتك‪ ،‬أن الخللذ بظللواهر‬
‫هذه النصللوص يفضللي إلللى مللا يللرده العقللل ويكللذبه البرهللان كمللا هللو‬
‫واضح( اهل‪.‬‬

‫ونقول‪ :‬نعوذ بال من الخذلن واتباع الهوى الللذي يللؤدي بصللاحبه‬
‫إلى هذا التصريح الوقح‪ ،‬الذي يرد به كلم رسول ال صلللى ال ل عليلله‬
‫وسلللم‪ ،‬بللل يص لّرح بللأن الخللذ بظللاهر كلم رسللول ال ل الثللابت فللي‬
‫الصحيحين وغيرهما يكذبه البرهان‪.‬‬
‫ونناقش المؤلف الخليلي في هذه القضية بعينها فيما قرره هو ونعى‬
‫على من اتبع هذا المسلك في رد النصوص‪ ،‬بتقللديم عقللله عليهلا‪ ،‬أو أن‬
‫الخللذ بظاهرهللا يللرده العقللل ويكللذبه البرهللان‪ ،‬أو أن الخللذ بظاهرهللا‬
‫كفر‪ ،‬وهو كقول من يقول الخذ بها يكذبه البرهان‪.‬‬
‫يقول المؤلف الخليلي الذي ينعت طائفته الباضية بأنهم أهللل الحللق‬
‫والستقامة‪ ،‬قال فللي )ص‪ (7 :‬و )ص‪ (8 :‬السللطر الخيللر مللن أولهللا‪:‬‬
‫)تمتاز عقيدة الباضية بثلثة أمور‪:‬‬
‫ا‪ -‬سلمة المنزع‪ :‬فإنهم جمعوا في الستدلل على صحة معتقداتهم‬
‫بين صحيح النقل وصريح العقللل‪ ،‬فللم يضلربوا بالنصلوص الصلحيحة‬
‫عللرض الحللائط بمجللرد تعارضللها مللع مقتضللى العقللل كمللا هللو شللأن‬
‫أصللحاب المدرسلة العقليلة اللذين جعللوا العقلل أسللمى وأقللدس وأصلح‬
‫وأثبت مما جاء به النبيون عن ال عز وجل‪ ،‬فعولوا عليه فللي التحسللين‬
‫والتعليل والحكم‪ .‬الخ ما قال(‪ ،‬هذا كلم الخليلي‪.‬‬
‫فبال عليك يا خليببل الجهميببة والمعتزلببة كمببا قلببت ذلببك‪ ،‬أن تبببين‬
‫للقارئ الفرق بين قولك الذي سبق نصه وهو قولك‪ :‬إن الخببذ بظبباهر‬
‫ما رواه البخاري ومسلم عن رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسببلم‪ -‬يببرده‬
‫العقل ويكذبه البرهان‪.‬‬
‫وبين ما تعيبه وتنتقببده علببى أهببل المدرسببة العقليببة الببذين جعلببوا‬
‫العقل أسمى وأقدس وأصح وأثبت مما جبباء بببه النبببيون عببن الب عببز‬
‫وجل؟ ألم تجعل عقلك أسمى وأقدس وأصح وأثبت مما جاء به الرسول‬

‫صلى ال عليه وسلم؟ أليس رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬هو خللاتم‬
‫النبييلن وأفضلهم؟ فلماذا تجعل عقلك أسمى وأقدس وأصح وأثبللت ممللا‬
‫جاء به محمد‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬فتقول‪ :‬إن الخذ بظاهر ما جاء به‬
‫وثبت عنه في الصحيحين وغيرهما يرده عقلك ويكذبه برهانك؟‪.‬‬
‫َأَما تستغفر ال وتتوب إليلله مللن هللذه الجللرأة علللى رسللول الهللدى‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.-‬‬
‫ونزيدك أيها القارئ الكريم من تناقضات الخليلي‪:‬‬
‫فقللد جللاء فللي )ص‪ (8 :‬السللطر ‪ 4‬مللن أسللفل عيبلله وتشللنيعه علللى‬
‫الصاوي‪.‬‬
‫وأهللل السللنة والجماعللة المتبعللون لمنهللج السلللف يعيبللون علللى‬
‫الصاوي ويردون عليه قوله‪ ،‬ولكنهم للم يسلقطوا فلي حملأته كملا سللقط‬
‫فيها الخليلي؛ لن الخليلي والصاوي يستقيان جميعًا مللن ظلمللات الللذين‬
‫يقدسون عقولهم ويقدمونها على نصوص الوحي‪.‬‬
‫يقول الخليلي‪ -‬وهو يذكر المر الثاني الذي امتلازت بله الباضللية‪،‬‬
‫وهللو عللدم التعصللب لئمتهللم تعصللبًا يجعلهللم يتصللاممون عللن النقللول‬
‫الصللحيحة‪- ،‬كمللا يقللول‪ -‬قللال‪) :‬ومللن أبشللع مللا وجللدناه فللي ذلللك قللول‬
‫العلمة الصاوي في حاشيته على تفسير الجللين‪ »:‬ول يجوز تقليد ما‬
‫عدا المبذاهب الربعبة ولببو وافبق قبول الصبحابة‪ ،‬والحبديث الصبحيح‬
‫والية‪ ،‬فالخارج عن المببذاهب الربعببة ضببال مضببل‪ ،‬وربمببا أداه ذلببك‬
‫للكفر‪ ،‬لن الخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر«اهل‬
‫ل للصلاوي فلي مقلالته الشلنيعة هلذه؟ فهببو‬
‫ونقللول لللك‪ :‬ألسللت خلي ً‬
‫يقول‪ »:‬الخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر«‪.‬‬
‫وأنت تقول‪» :‬الخذ بظاهر ما ثبت في الصحيحين عن رسول ال‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ -‬يرده العقل ويكذبه البرهان«‪.‬‬

‫فإذا كان عقلك وبرهانك يكّذب ما ثبت عن رسول ال ‪ -‬صلللى الل‬
‫عليلله وسلللم‪ ،‬فمللا الفللرق بيللن قولللك وقللول الصللاوي؟ } فإنها ل‬
‫تعمى البصار ولكن تعمى القلللوب الللتي فللي‬
‫الصدور{‪.‬‬
‫إنه ل فرق بين قولك وقوله إل في اللفللظ فقللط‪ ،‬فتكللذيب النصللوص‬
‫الثابتة هو الكفر بها‪ ،‬لنك تصّرح بلفظ التكذيب بعد الرد فتقول‪ :‬الخللذ‬
‫بظاهر هذه النصوص يرده العقل ويكذبه البرهان؟‬
‫ولهذا نسأل المؤلف الخليلي عن النصوص التي يريد التحللاكم إليهللا‬
‫عند الختلف مللا هللي‪ ،‬فللإنه قللد الللتزم بالتحللاكم إلللى كتللاب الل وسللنة‬
‫رسوله الصحيحة‪ ،‬ولكن كما رأيت‪ ،‬أّول اليات‪ ،‬ورد الحللاديث‪ ،‬فهللل‬
‫هناك نصوص غير الكتاب والسنة يريد التحاكم إليها؟‬
‫قللال في )ص‪ (6:‬وأعيد نصه للقارئ ليعلللم أن مللا قلتلله هللو الحللق‬
‫وهذا يوضح أن الخليلي يقول ذلك بلسللانه وقلملله‪ ،‬ليخللدع ويلبللس علللى‬
‫القللارئ‪ ،‬لنلله ل يللؤمن بتلللك الللدعوة وهللي التحللاكم إلللى كتللاب اللل‪،‬‬
‫وصحيح السللنة‪ ،‬بعللد أن رأيللت رده لهللذه النصللوص‪ ،‬وقللد كللان يشللكو‬
‫اختلف المة بعد أن حّذرها ال من ذلك وأن ل يفرقوا دينهللم ويكونللوا‬
‫شيعًا وأحزابًا كالمم السابقة‪ ،‬حيث قلال‪):‬وملع ذللك فللم تسللم ملن هلذا‬
‫الللداء العضللال الللذي أصللاب غيرهللا مللن المللم‪ ،‬غيللر أن الل سللبحانه‬
‫اختصها بأن حفظ لها كتابها المنزل عليها من تحريف العابثين‪ ،‬وتبللديل‬
‫المنللاوئين‪ ،‬تحقيقللًا لوعللده الصللادق‪} :‬إنا نحن نزلنا الللذكر‬
‫وإنا له لحافظون{ ]الحجر‪ [9 :‬ومكن لها من معرفة الصللحيح‬
‫الثابت من سنة رسوله عليه الصلة والسلللم‪ ،‬وجعللل لهللا َمخلصلًا مللن‬
‫الشللقاق والنللزاع بالحتكللام إلللى اللل ورسللوله حيللث قللال‪} :‬فإن‬
‫تنازعتم في شيء فردوه إلى الللله والرسللول‬

‫إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الخر ذلللك خيللر‬
‫وأحسن تأويل ً{ ]النساء‪[59 :‬‬
‫قال‪):‬ول يكون الحتكام إلى الل إل بللالرجوع إلللى كتللابه‪ ،‬فتسللتلهم‬
‫منه الحقيقة ويستبان به الحق‪ ،‬وكذلك الحتكللام إلللى رسللول صلللى الل‬
‫عليه وسلم ل يعني إل الرجوع إلى سنته الثابتة الصحيحة(اهل‪.‬‬
‫ولكنه كما رأيت‪ ،‬يؤول اليات‪ ،‬ويرد السنة الصللحيحة‪ ،‬فيقللول‪ :‬إن‬
‫الخذ بظواهرها يرده العقل ويكذبه البرهان‪.‬‬
‫ل من تلبيسه هذا وصللرح بلأن التحللاكم‬
‫ولو أنه قال في )ص‪ (6 :‬بد ً‬
‫عند الختلف إلى عقله هو وبرهللانه‪ ،‬لنلله أصللح وأثبللت وأقللدس ممللا‬
‫جاء به النبي صلى ال عليه وسلم عنده‪ ،‬لكان كلمه مطابقًا لفعله‪ ،‬ومللا‬
‫دعا إليه‪.‬‬
‫هذا ما يتعلق بنفي الخليلي‪ ،‬لرؤية المؤمنين ربهللم يللوم القيامللة فللي‬
‫جنللات النعيللم‪ ،‬وقللد اتضللح لللك أيهللا القللارئ الكريللم أن الخليلللي يللرد‬
‫النصللوص بعقللله‪ ،‬وأنلله ل دليللل عنللده وعنللد أسلللفه علللى نفللي رؤيللة‬
‫المؤمنين ربهم يوم القيامة‪ ،‬فل آيللة ملن كتلاب الل محكمللة‪ ،‬ول روايللة‬
‫عن رسول ال صحيحة أو سقيمة كما قال المام ابن جرير في تفسيره‪:‬‬
‫قال‪:‬‬
‫)ولهببل هببذه المقالببة مسببائل فيهببا تلبببيس كرهنببا ذكرهببا وإطالببة‬
‫الكتاب بها وبببالجواب عنهبا‪ ،‬إذ لببم يكبن قصبدنا فبي كتابنببا هبذا قصببد‬
‫الكشف عن تمويهاتهم بل قصدنا فيبه البيبان عبن تأويبل آي الفرقببان‪،‬‬
‫ولكن ذكرنا القببدر الببذي ذكرنببا ليعلببم النبباظر فببي كتابنببا هببذا‪ ،‬أنهببم ل‬
‫يرجعون من قولهم إّل إلى ما لبس عليهببم الشببيطان ممببا يسببهل علببى‬
‫أهل الحق البيان عن فساده‪ ،‬وإنهم ل يرجعون في قولهم إلى آيببة مببن‬
‫التنزيببل محكمببة ول روايببة عببن رسببول ال ب صببلى ال ب عليببه وسببلم‬

‫صببحيحة ول سببقيمة‪ ،‬فهببم فببي الظلمببات يخبطببون‪ ،‬وفببي العميبباء‬
‫يترددون‪ ،‬نعوذ بال من الحيرة والضللة()‪ (86‬اهل‬
‫وبعد كشف تلبيسات الخليلي الباضي وتمويهه على قرائه في بللاب‬
‫الرؤية‪ ،‬من كتابه هذا الذي أسماه » الحق الدامغ« وما جاء في رسللالته‬
‫رقللم )‪ (4‬الللتي أسللماها »غببرس الصببواب فببي قلببوب الحببباب« وهللي‬
‫ملخص لبحث الرؤية من كتابه هذا‪ ،‬وهي جللديرة بللأن تسللمى »غببرس‬
‫الباطل في قلب الجاهل والغافل« ولكن بحمد ال وحسن توفيقه فإن مللن‬
‫تيسر له قراءة هذا الرد سيتضح له إن كل ما أورده الخليلللي الباضلللي‬
‫في الكتاب والرسالة على نفي رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة‪ ،‬ضلللل‬
‫وباطل أتلي عليهلللما فلي هلذا البحلث المختصللر المبلارك نلوُر الهللدى‬
‫ق فأصبحتا بحمد ال أثللرًا بعللد عيللن‪ ،‬وصللدق الل جللل فللي عله‪:‬‬
‫والح ّ‬
‫}بل نقذف بالحق علللى الباطللل فيللدمغه فللإذا‬
‫هو زاهق{ ] النبياء‪ ،[ 18:‬وأعني بالهدى والحق هنا ما جاء في هذا‬
‫البحللث مللن النصلوص الصللريحة ملن كتلاب الل الكريللم‪ ،‬وملن السلنة‬
‫الصحيحة من كلم خير النام وأقوال الصحابة الكللرام‪ ،‬والتللابعين لهللم‬
‫بإحسان من علماء النام‪ .‬ففيها كشف ذلك الجهل السابغ الللذي جللاء فللي‬
‫هذا الكتاب الذي أسماه بالحق الدامغ‪.‬‬
‫وإليك أيها القارئ الكريم أسماء بعللض الكتللب المصللنفة فللي إثبللات‬
‫رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة فللي جنللات النعيللم‪ ،‬فقللد أفردهللا بعللض‬
‫العلماء بمؤلف خاص‪ ،‬وكذلك بعض المصنفين من أهل السنة ذكروهللا‬
‫في مؤلفاتهم‪ ،‬وكذلك أصحاب الصحاح والسللنن أفللردوا لهللا أبوابلًا فللي‬
‫مؤلفاتهم‪ ،‬فأوردوا تحتها الحاديث والثار الواردة في ذلك‪ ،‬للرد علللى‬
‫هؤلء المبتدعة الذين ينفون نصوص الكتاب والسنة بعقولهم‪.‬‬
‫‪86‬‬

‫)( تفسير ابن جرير ‪.303 /7‬‬

‫فممن أفردها بمؤلف خاص‪:‬‬
‫)‪(87‬‬
‫• المام الدارقطني‪ ،‬فله »كتاب الرؤية«‬
‫• والمام أبو نعيم الصبهاني‪.‬‬
‫• والمام الجري‪ -‬له كتاب‪ »:‬التصديق بالنظر«)‪.(88‬‬
‫أما المصنفون الذين ذكروا أحاديث الرؤية في مصنفاتهم فمنهم‪:‬‬
‫• المام ابن بطة‪.‬‬
‫• الللكائي‪ ،‬في كتابه‪ -‬شللرح أصلول اعتقلاد أهلل السلنة‪ ،‬المجللد‬
‫الثلاني ص )‪ (533-454‬قللال‪ :‬سللياق ملا فسللر مللن اليلات فللي‬
‫كتللاب ال ل عللز وجللل أن المللؤمنين يللرون ربهللم يللوم القيامللة‬
‫بأبصلللارهم‪ ،‬كملللا أتبلللع ذللللك بالحلللاديث وأقلللوال الصلللحابة‬
‫والتابعين‪ .....‬الخ‪.‬‬
‫• وابن شاهين‪.‬‬
‫• وقبلهم‪ :‬عبد ال بن أحمد بن حنبل في كتابه‪ » :‬السنة« )‪.(89‬‬
‫• والمام الدارمي في رده على الجهمية‪ ،‬تحت باب)‪ (90‬الرؤية‪.‬‬
‫• وحنبل بن إسحاق‪.‬‬
‫• والخلل‪.‬‬
‫• والطبراني‪.‬‬
‫ل‪.‬‬
‫ل طوي ً‬
‫• وابن منده في كتابه »اليمان« )‪ (91‬ذكر في ذلك فص ً‬
‫‪87‬‬
‫‪88‬‬

‫‪89‬‬
‫‪90‬‬

‫‪91‬‬

‫)( مطبوع‪ ،‬سنة ‪1411‬هل مكتبة المنار تحقيق‪ :‬إبراهيم محمد العلي‪ ،‬وأحمد فخري‪.‬‬
‫)( مطبوع‪ ،‬تحقيلق محمللد حاملد الفقلي‪ ،‬وهلو الجلزء السلابع ملن كتلاب الشلريعة‪.‬‬
‫الناشر‪ :‬أنصار السنة‪.‬‬
‫)( مطبوع‪ ،‬بتحقيق الدكتور محمد سعيد القحطاني‪ 239 /1 ،‬من ح ‪.487 -411‬‬
‫)( الرد على الجهمية‪ ،‬تحقيق بدر البدر‪ ،‬الدار السلفية‪ ،‬تحت عنوان»باب الرؤيللة«‪.‬‬
‫)ص ‪(109 -87‬‬
‫)( مطبوع‪ ،‬الطبعة الثانية‪.‬‬

‫• وابن منده في رده على الجهمية )‪ (92‬بدأ بذلك في أوله‪.‬‬
‫• وابن أبي عاصم‪ ،‬في »السنة«‪ (93) .‬قللال فللي )ص‪ :(95 :‬بللاب‬
‫ما ذكر عن النبي‪ -‬صلى ال عليلله وسلللم‪ -‬كيللف نللرى ربنللا فللي‬
‫الخرة‪.‬‬
‫• وابن القيم في حادي الرواح‪.‬‬
‫• وأصحاب الصحاح منهم‪:‬‬
‫• المام البخاري في كتللابه الصللحيح‪ -‬فللي كتللاب التوحيللد‪ -‬تحللت‬
‫باب }وجوه يومئذ ناضرة‪ .‬إلى ربها ناظرة {‬
‫)‪.(94‬‬
‫• والمام مسلللم فللي صللحيحة فللي كتللاب»اليمللان« بللاب معرفللة‬
‫طريق الرؤية)‪.(95‬‬
‫• ومن أصحاب السنن‪:‬‬
‫• المام أبو داود‪ /‬قال في كتاب السنة‪ -‬من كتابه ج ‪ :97 /5‬بللاب‬
‫في الرؤية‪.‬‬
‫• والمام ابن ماجه في المقدمة – باب فيما أنكرت الجهمية‪ ،‬وبللدأ‬
‫بأحاديث الرؤية‪.‬‬
‫وغير هؤلء من العلماء من أهل السنة والجماعة‪ ،‬وإنما ذكرنا ذلك‬
‫ليرجع إليه من شاء‪ ،‬فإن أهل السنة في كللل زمللان ومكللان‪ ،‬ل يللتركون‬
‫لهؤلء المبتدعة تلبيسهم وتدليسهم على المسلمين‪ ،‬وإنما يكشفون زيفهم‬
‫ويبينون أغلطهم‪ ،‬بما جاء في كتاب ال وسنة رسوله‪ -‬صلى ال عليلله‬
‫وسلم‪ -‬وأقوال الصحابة والتابعين من أهل القرون المفضلة الللذين شللهد‬
‫‪92‬‬
‫‪93‬‬
‫‪94‬‬
‫‪95‬‬

‫)( الطبعة الثانية‪1403 ،‬هل بدأ بذلك في أوله ص ‪.35‬‬
‫)( مطبوع‪ ،‬تحقيق اللباني‪.‬‬
‫)( فتح الباري ‪.419 /13‬‬
‫)( صحيح مسلم كتاب اليمان ‪.167 /1‬‬

‫لهللم رسللول الل ‪ -‬صلللى الل عليلله وسلللم‪ -‬بالخيريللة كمللا فللي صللحيح‬
‫البخللاري وغيللره‪» :‬خيببر النبباس قرنببي ثببم الببذين يلببونهم ثببم الببذين‬
‫يلونهم‪ .«..‬الحديث )‪.( 96‬‬
‫والحمد لله أول ً وآخرًا‪ ،‬وإلى البحث التالي‪،‬‬
‫لدحض دعوى الخليلي في أن القرآن مخلوق‪،‬‬
‫وهو عند أهل السنة كلم الله وصفة من صفاته‪،‬‬
‫والله بذاته وصفاته واحد أحد‪ ،‬لم يلد ولم يولد‪،‬‬
‫ولم يكن له كفوا ً أحد‪ .‬وصلى الله على نبينا‬
‫محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ً كثيرًا‪.‬‬

‫‪ ()96‬البخاري‪ /‬فضائل أصحاب النبي صلى ال عليه وسلم‪،‬ح)‪.(3651‬‬

‫الجزء الثاني‬

‫الرد ّ على دعواه خلق القرآن‬
‫‪97‬‬

‫)‪(97‬‬

‫طلللع عليلله سللماحة شلليخنا ‪ /‬عبللد العزيللز بللن بللاز‬
‫)( سبق طبللع الجللزء الول‪ ،‬وا ّ‬
‫رحمه ال‪ ، -‬وكان يسأل عن إكمال الللرد علللى دعللوى )خلللق القللرآن( و)تخليلللد‬‫العصاة في النار( ولم يتيسر ذلك في حياته ‪ ،‬وبحمد ال فقد أعان ال على إتمامه‪،‬‬
‫وها هما يصدران مع الجزء الول في هذا الكتاب‪.‬‬

‫وهي القضية الثانية‬

‫سبق في الجزء الول الرد على إنكار الخليلي رؤية المؤمنين ربهللم‬
‫يوم القيامة‪ ،‬وسيجد القارئ الكريم في هذا الجزء الرد على دعللواه »خلببق‬
‫القرآن« وفي الجزء الذي يليه الرد على دعواه» تخليد الفساق في النار«‬
‫بالدلللة القاطعللة مللن كتللاب ال ل وسللنة رسللوله ‪ ،r‬وأقللوال سلللف المللة‬
‫وأتباعهم‪.‬‬
‫كما سيجد الرد على القائلين بخلق القرآن من علماء بارزين من علمللاء‬
‫الباضية‪ ،‬ممن أثنى عليهم وشهد لهلم بلالعلم والتحقيلق الخليللي نفسله‪ ،‬مثلل‬
‫الشيخ أبي بكلر أحملد بلن النضلر العملاني‪ ،‬صلاحب اللدعائم‪ ،‬فلي قصليدته‬
‫وعنوانها‪:‬‬
‫» الرد على من يقول بخلق القرآن «‬
‫ومطلببعبببببببها‪:‬‬
‫ل ويثبت خلقه بلسان‬
‫جه ً‬
‫يا من يقول بفطرة القرآن‬
‫ل تنحل القرآن منك تكلفًا‬

‫ببدائع التكليف والبهتان‬
‫أو في الرواية فأِتَنا ببيان‬

‫هببل فببي الكتبباب دللببة مببن‬
‫إلى آخر خلقه‬
‫القصيدة‪ ،‬وهي تقع في خمسة وسبعين بيتًا‪ ،‬وقد رأيللت مللن‬

‫المناسللب تصللوير القصلليدة بكاملهللا مللن الكتللاب المللذكور‪ ،‬طبللع وزارة‬
‫اللتراث القلومي والثقافلة بسللطنة عملان‪ ،‬وسليجدها القلارئ فلي ملحلق‬
‫الكتاب‪ ،‬ملحق رقم ‪. 1‬‬
‫وقلللد شللرح كتللاب » الببدعائم « ومللن ضللمنه هللذه القصلليدة‪ ،‬العللالم‬
‫الشيخ محمدبن وصاف الفقيه العماني الباضي ل كما وصفوه بللذلك ل ل فللي‬
‫مجلدين‪ ،‬تحقيق‪ :‬عبد المنعم عامر‪ ،‬نشللر وزارة الللتراث القللومي والثقافللة‬
‫بسلطنة عمان‪.‬وهي فللي الجللزء الول‪ ،‬وقللد رأيللت تصللوير القصلليدة مللع‬
‫))‬

‫((‬

‫شلِرحت مللن مخللالف للباضللية‪ ،‬وهللي‬
‫شرحها حتى ل يقال‪ :‬إن البيللات ُ‬
‫موجودة في ملحق الكتاب‪ ،‬ملحق رقم ‪. 2‬‬
‫وهناك شاهد ثالث ل شهد له الخليلي نفسه بلالعلم والتحقيلق لل هلو الشليخ‬
‫أبو الحسن علي بن محمد البسيوي‪ ،‬صاحب كتاب »الجامع« فقد رد على من‬
‫يقول بخلق القرآن في كتابه هذا ردًا مقنعًا بالدلة من القرآن‪ ،‬وبالدلة العقليللة‪،‬‬
‫كما سيجد القارئ ذكر ذلك في مكلانه المناسلب ملن هلذا الكتلاب‪ ،‬ملع صلور‬
‫لبعض الوراق التي فيها التصريح بالرد القوي علللى القللائلين بخلللق القللرآن‪،‬‬
‫ومن المقدمة التي ذكر فيها المحقلق ثنللاء الخليللي عللى الكتلاب وملؤلفه‪ ،‬فلي‬
‫الملحق رقم ‪. 3‬‬
‫وكل هذه الكتللب مللن نشللر وزارة الللتراث القللومي والثقافللة بسلللطنة‬
‫عمان‪ ،‬والتي ل يستطيع الخليلي الطعن فيها‪ ،‬وهي تللرد علللى مللن يللدعي‬
‫من الباضية المتأخرين أن قصيدة أبي النضر أدخلت في كتابه » الدعائم‬
‫«؛ لن هللذه الللدعوى ل قيمللة لهللا مللع شللرح القصلليدة مللن العللالم الفقيلله‬
‫شلر‬
‫الباضي محمد بن وصاف‪ ،‬ومما يؤكد ذلك قول العالم البسيوي‪ ،‬ثلم َن ْ‬
‫هذه الكتب من الوزارة المسؤولة عللن الللتراث القللومي والثقافللة‪ ،‬وقلد أقلر‬
‫الخليلي نفسه في كتابه هذا )ص ‪ (108‬بنسبة هذه الكتللب الللتي فيهللا الللرد‬
‫علللى القللائلين » بخلللق القللرآن« فقللد مثللل بللل‪ :‬الجللزء الول مللن »بيللان‬
‫الشلرع«‪ ،‬والجللزء الول ملن »الكشللف والبيللان«‪ ،‬و»ديللوان المللام ابلن‬
‫النضر«‪.‬‬
‫أما الرد فقد سلكت في ذلك‪ ،‬إيراد الشبهة التي يسللتند إليهللا الخليلللي‪،‬‬
‫ووجهة استدلله‪ ،‬ثم الرد عليها بالدلة ملن الكتلاب والسلنة وأقلوال سللف‬
‫المة‪ ،‬وكشف مغالطاته التي يسلللكها‪ ،‬وبيللان أسلللوبه فللي تلللك المغالطللة‪،‬‬
‫كنسبته القوال إلى غير أهلها‪ ،‬مع بيان اطلعلله عليهللا وفهملله لهللا‪ ،‬إذ ل‬
‫ل وهللو بريللء منلله‪ ،‬فللال يقللول‪:‬‬
‫يجللوز لمسلللم أن ينسللب إلللى مسلللم قللو ً‬
‫))‬

‫))‬

‫((‬

‫((‬

‫}ومن يكسب خطيئة أو إثم لا ً ثللم يللرم بلله بللريئا ً‬
‫فقد احتمل بهتانا ً وإثما ً مبينا ً{)‪ ] (98‬النساء ‪.[ 112‬‬
‫وفيما يلي البدء بالرد على ما جاء في المقدمة‪:‬‬

‫‪98‬‬

‫)‪ (1‬في أثناء كتابة هذا الرد على كتاب الخليلي‪ ،‬المسمى ))الحق الللدامغ(( وصلللتني‬
‫رسالة في سلسلة رسائل في تصحيح الفكر العقدي )‪ (1‬بعنوان‪ :‬العقيدة السببلمية فببي‬
‫ضوء العقل والنقل‪)) ،‬مختصر الحق الدامغ ومواضيع أخرى(( تأليلف‪ :‬ناصر بن مطر‬
‫بن سعيد المسقري‪ ،‬الطبعة الولى ‪ ،1418‬تقع في ‪ 73‬صفحة‪ .‬وقد قرأتها فلم أجد فيهلا‬
‫جديدًا غير ترديلد ملا أورده الخليللي فلي كتلابه الملذكور‪ ،‬فكلان هلذا الكتلاب ردًا عللى‬
‫الكتاب المسمى ‪ :‬الحق الدامغ‪ ،‬وعلى مختصره‪ .‬والحملللد ل رب الللعاللللمين‪.‬‬

‫المبحث الول‬
‫ماورد في المقدمة من صب )‪99‬ب ‪(104‬‬
‫قال الخليلي‪) :‬المقدمة في التعريف‪:‬‬
‫‪1‬ل بالخلق‪.‬‬
‫‪2‬ل وبالقرآن‪.‬‬
‫‪3‬للل والتفرقللة بيللن القللرآن وسللائر الكتللب المنزلللة وبيللن الكلم‬
‫النفسي(‪.‬‬
‫وإليك أيها القارئ الكريم الباحث عن الحق‪ ،‬ما أورده الخليلي‬
‫تحت هذه العناوين الثلثة‪ ،‬ثم مناقشته فيما أورده‪ ،‬وبيان ما تعمد فيه‬
‫المغالطة لمن ليدرك ذلك‪.‬‬
‫ل‪ :‬تعريف الخلق‪ :‬علّرف الخللق لغلة واصلطلحًا‪ ،‬ثلم بيلن أنله مملا‬
‫أو ً‬
‫اختص ال به‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن هذا مما ل خلف فيه بين أهل السللنة والجماعللة سلللف‬
‫هذه المة وأتباعهم‪.‬‬
‫وأما أهل البدع فقد أشركوا في هذا النوع من التوحيببد الببذي هببو‬
‫توحيد الربوبية‪ ،‬وهو توحيد الب بأفعبباله‪ ،‬كببالخلق والببرزق والحيبباء‬
‫والماته‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫حيث قال المعتزلة في أحد أصولهم الخمسببة المسببمى »العببدل«‪:‬‬
‫إن العبد يخلق أفعاله)‪.(99‬‬
‫والخليلي يقول بقولهم في جميع ما يببذهبون إليببه فببي عقببائدهم‪،‬‬
‫ومن ذلك القببول بخلببق العببباد أفعببالهم‪ ،‬وبوجببوب تنفيببذ الوعيببد وهببو‬
‫خلود العصاة في النار‪ ،‬كمببا أورده فببي كتببابه هببذا‪ ،‬وإذا كببان الخليلببي‬
‫‪99‬‬

‫)( الصول الخمسة للقاضي عبللد الجبللار المعللتزلي )ص ‪ ،(301‬الطبعللة الولللى )‬
‫‪1384‬هل(‪ ،‬الناشر مكتبة وهبة‪.‬‬

‫يوافق أهل السنة والجماعة أن صببفة »الخلببق« ممببا اختببص الب بهببا‬
‫ولم يشاركه في ذلك أحد‪ ،‬فهذا تناقض منه‪ ،‬ولكنها الفطرة الببتي فطببر‬
‫ال عليها الخلق جاءت على قلمه في هذا الموضع‪.‬‬
‫ي شيٍء خلق ال هذه المخلوقات كلهللا السللموات‬
‫فالسؤال هو‪ :‬بأ ّ‬
‫والرض والبحار والشجار والحيوانات والبشر وسائر المخلوقات؟‪.‬‬
‫إن أهللل السللنة والجماعللة يقولللون‪ :‬إن الل خلللق المخلوقللات كلهللا‪،‬‬
‫بكلمه‪.‬‬
‫ن« فيكون‪.‬‬
‫وهو قوله للشيء إذا أراده »ُك ْ‬
‫كما قال تعالى في الرّد على منكري البعث‪:‬‬
‫خل ْ َ‬
‫ه قللا َ‬
‫ن‬
‫ي َ‬
‫و َ‬
‫ون َ ِ‬
‫ض لَر َ‬
‫مل ْ‬
‫ل َ‬
‫قل ُ‬
‫ب ل َن َللا َ‬
‫مث َل ً َ‬
‫} َ‬
‫سل َ‬
‫ع َ‬
‫م‪ُ .‬‬
‫قل ْ‬
‫ذي‬
‫حيي ال ْ ِ‬
‫هللا ال ّل ِ‬
‫ي َر ِ‬
‫و ِ‬
‫ل يُ ْ‬
‫يُ ْ‬
‫ظا َ‬
‫حيي َ‬
‫مي ْل ٌ‬
‫م َ‬
‫هل َ‬
‫أنشأها أول مرة وهو بكللل خلللق عليللم‪ {...‬إلللى‬
‫قوله‪ ...} :‬إنما أمره إذا أراد شيئا ً أن يقول له كن‬
‫فيكون{ ]يس ‪78‬ل ‪.[ 83‬‬
‫ن«‬
‫وهكذا خللق الل جميلع المخلوقلات وأوجلدها بقلوله للشليء »ُكل ْ‬
‫فيكون‪.‬‬
‫قال تعلللالى‪} :‬خلق السموات بغير عمللد ترونهللا‬
‫وألقى في الرض رواسي أن تميد بكللم وبللث‬
‫فيهللا مللن كللل داب ّللة وأنزلنللا مللن السللماء مللاءً‬
‫ج كريم‪ .‬هذا خللق اللله‬
‫فأنبتنا فيها من كل زو ٍ‬
‫فللأروني مللاذا خلللق الللذين مللن دونلله بللل‬
‫ال ّ‬
‫ل مبين{ ]لقمان ‪10‬ل ‪.[11‬‬
‫ظالمون في ضل ٍ‬
‫فال له الخلق والمر‪.‬‬

‫يقول المام ابن كثير في تفسير قوله تعللالى‪ ...} :‬إنما أمللره‬
‫إذا أراد شيئا ً أن يقول له كللن فيكللون{ )أي‪ :‬إنمللا‬
‫يأمر بالشيء أمرًا واحدًا ليحتاج إلى تكرار أو تأكيد‪.‬‬
‫إذا ما أراد ال أمرًا فإنما‬

‫)‪(100‬‬

‫فيكون‬

‫ثم أورد حديث أبي ذر رضي ال عنه الذي رواه المام أحمد في المسند‬
‫ولفظه‪:‬‬
‫أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪» :‬إن ال تعالى يقببول‪ :‬يببا‬
‫عبادي كلكم مذنب إلمن عافيت‪ ،‬فاستغفروني أغفر لكم‪ ،‬وكلكببم فقيببر‬
‫إل من أغنيت‪ ،‬إنببي جببواد ماجببد واجببد أفعببل مببا أشبباء‪ ،‬عطببائي كلم‪،‬‬
‫وعذابي كلم‪ ،‬إذا أردت شيئًا فإنما أقول له )كن( فيكون« )‪.(101‬‬
‫فالية صريحة في أن ال )يتكلم كيف يشاء ومتى شللاء وأن إيجللاد‬
‫المخلوقات كلهلا بكلمببه لل إنملا أمللره إذا أراد شليئًا أن يقللول لله )كببن(‬
‫فيكون‪.‬‬
‫ولللم يللدخل ال ل )كلمببه( فللي المخلوقللات‪ ،‬لن كلملله صببفة مببن‬
‫صفاته)‪ ،(102‬وبه يخلق ما يشاء؛ وليجوز أن تكون صفات ال مخلوقللة‪،‬‬
‫‪ () 100‬تفسير ابن كثير )‪.(6/582‬‬
‫‪ () 101‬مسند المام أحمد )‪.(5/177‬‬
‫‪ () 102‬وقال أبو الحسن البسيوي الباضي في كتابه الجامع )‪ (1/75‬طبللع وزارة الثقافللة‬
‫بسلطنة عمان سنة )‪1404‬هل(‪ » :‬وكلم ال تعالى من صفاته‪ ،‬وصفاته لم تللزل لله‪،‬‬
‫ولو جاز لقائل أن يقول‪ :‬إن ال لم يكن متكلمًا ثم تكلم‪ ،‬لجاز لقائل أن يقول‪ :‬لللم يكللن‬
‫ال عالمًا ثم علم‪ ،‬فلما فسد هللذا القلول علللى قلائله‪ ،‬وكلان الجملاع أن الل للم يلزل‬
‫الرحمن الرحيم‪ ،‬الحي العالم القادر السميع البصير المتكلم‪ ،‬فسد قول من يقللول‪ :‬إن‬
‫كلم ال مخلوق‪ ،‬إذ هو المتكلللم كمللا أنلله هللو العللالم‪ ،‬والكلم صببفته فللدل بللذلك أن‬
‫كلمه غير مخلوق«‪.‬‬
‫فندعو الخليلي وطلب العلم من الباضية إلى قراءة هذا الكتاب الذي أثنللى الخليلللي‬

‫تعالى ال عن ذلك علوًا كبيرًا‪ ،‬وإنما كلمه من صفاته يخلق به مللا يشللاء‪،‬‬
‫ن مثل‬
‫كمللا قللال تعلللالى فللي وصللف خلللق عيسللى عليلله السلللم‪} :‬إ ّ‬
‫عيسى عند الله كمثل آدم خلقه مللن تللراب ثللم‬
‫قلال له كن فيكون{]آل عمران ‪ [59‬وقال تعالى بعللد ذكللره لخللق‬
‫السللموات والرض ومللا فيهمللا‪} :‬أل للله الخلللق والمللر{ ]‬
‫العراف‪ [ 56 :‬فقد أخرج كلمه من هذه المخلوقات التي أوجدها بكلمه‬
‫وهو قوله للشيء إذا أراده )كن( فيكون‪.‬‬
‫وقللال تعللالى مثبت لًا صللفة الكلم لنفسلله عللز وجللل‪} :‬ولملا جلاء‬
‫موسى لميقاتنا وكلمه ربه‪ {...‬الية فماذا يقول ل الخليلللي ل ل‬
‫ل‪ ،‬وأنلله كّلللم موسللى تكليملًا‪...‬؟ وأنلله‬
‫هل يثبت صفة الكلم ل عللز وجل ّ‬
‫خلق جميع المخلوقات بكلمه كما في هذه الية الصريحة‪.‬‬
‫كما قال الخليلي‪ :‬إن ال عز وجل اختص بصفة الخلق‪ ،‬وأنه لخللالق‬
‫غيره‪.‬‬
‫ونسأل ال أن يوفق الخليلي إلى الرجوع إلى الحق‪ ،‬وأن يقول بما قال‬
‫ال لل للل ‪} :‬إنما أمره إذا أراد شيئا ً أن يقول للله‬
‫كن فيكون{ فهذا كلم ال الذي خلق به المخلوقات كلها فقد قال تعللالى‬
‫عللن خلللق عيسللى عليلله السلللم‪} :‬إن مثل عيسى عند الللله‬
‫كمثللل آدم خلقلله مللن تللراب ثللم قللال للله كللن‬
‫فيكون{ ] آل عمران‪.[ 59 :‬‬
‫وبعللد النتهللاء مللن الجللواب علللى المسللألة الولللى وهللي التعريللف‬
‫بالخلق‪ ،‬وقد عرفنا أن ال عز وجل يخلق الشلياء كلهلا بكلمبه كملا فلي‬
‫(‬

‫عليه وعلى مؤلفه حين كان مخطوطًا‪ ،‬فلعله لم يطلللع علللى كلم المؤلللف عللن كلم‬
‫ال‪ .‬انظر الملحق رقم )‪.(3‬‬

‫هذه الية الكريمة والحديث النبوي الذي سبق ذكره في تفسير الية‪ ،‬ننتقل‬
‫إلى المسألة الثانية وهي‪:‬‬

‫تعريف القرآن‬
‫ثانيًا‪ :‬ب تعريف القرآن‬
‫يقول ل الخليلي ل في تعريف القرآن )ص ‪:(99‬‬
‫)هو الكلم المنزل بحروفه وكلماته على النبببي محمببد صببلى الب‬
‫عليببه وسببلم‪ ،‬المعجببز بببتراكيبه ومعببانيه‪ ،‬المنقببول عنببه بببالتواتر‬
‫القطعي(‪.‬‬
‫ثم ذكر ما يخرج بهذا التعريف‪.‬‬
‫مناقشة التعريف‪:‬‬
‫إن ما يخفيه الخليللي فلي طّيلات تعريفله للقلرآن سيصلّرح بله فلي‬
‫ل في تعريللف‬
‫خَل َ‬
‫الصفحات التالية‪ ،‬ولكن نناقش التعريف ليعرف القارئ ال َ‬
‫الخليلللي ليحلَذَره ويحللذر التعريفللات للقللرآن فللي الكتللب الللتي تعنللى بهللذا‬
‫الموضوع‪ ،‬ويقع بعض أصحابها في تلبيسات مللن يقللول )بخلللق القللرآن(‬
‫وهو ل يشعر‪ ،‬وذلك فيما يأتي‪:‬‬
‫‪1‬ل لم يقل في التعريف‪ :‬إن ال تكلم بالقرآن‪.‬‬
‫‪2‬ل ولم يقل كلم ال‪ ،‬وإنما قال‪ :‬هو الكلم المنزل بحروفه‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫ولماذا؟‪.‬‬
‫الجواب‪ :‬لنه ينفي عن ال عز وجل صفة الكلم‪.‬‬
‫فعند الخليلي وفللي اعتقللاده‪ ،‬كمللا هللو اعتقللاد الجهميللة والمعتزلللة‬
‫وكل من يقول‪ :‬إن القرآن عبارة‪ ،‬أو حكاية‪ ،‬عللن كلم الل ‪ ،U‬يقولللون‪:‬‬
‫أن ال ‪ :U‬ل يتكلم ل بالقرآن‪ ،‬ول بغيره‪ ،‬وإنمللا يخلببق الكلم‪ ،‬القببرآن‬
‫ل عنه‪ ،‬كسائر المخلوقات‪ ،‬ثم ينزله‪.‬‬
‫وغيره منفص ً‬
‫وهذا معنى قول الخليلي في التعريف للقرآن‪ :‬هو الكلم المنللزل …‬
‫إلخ‪.‬‬

‫وإذا رجعت إلى نصوص الكتاب والسنة‪ ،‬تجد أنها تكّذب الجهمية‬
‫والمعتزلة ومن يقول بقولهم ممن ينفي عن ال عز وجللل صللفة الكلم‪،‬‬
‫ويدعي بأن القرآن مخلوق كغيره من المخلوقات‪.‬‬
‫وفيمللا يلللي بعللض النصللوص الللتي تللدحض هللذه الللدعوى وتللبين‬
‫بطلنها وتلبيس من يعتقدها ويدعو إليها‪.‬‬
‫يقول ال عز وجل في معرض ذكره للوحي إلى محمد صلللى ال ل‬
‫عليه وسلللم ‪ ،‬كمللا أوحللى إلللى النبيللاء قبللله‪} :‬إنا أوحينا إليك‬
‫كما أوحينا إلى نوح والنللبيين مللن بعللده‪ {...‬إلللى‬
‫قلللوله‪} :‬ورس لل ً قللد قصصللناهم عليللك مللن قبللل‬
‫ورسل ً لم نقصصهم عليللك وكلللم الللله موسللى‬
‫تكليما ً{]النساء ‪163‬ل ‪.[ 164‬‬
‫فهذه الية الكريمة نص صريح‪ ،‬في أن ال عز وجل كّلم موسببى عليببه‬
‫السلم‪.‬‬
‫ومن أصدق من ال حديثًا‪ ،‬فقد أخبر عن نفسه أنه كّلم موسى عليه‬
‫ي وجه‪.‬‬
‫السلم تكليمًا‪ ،‬فتكليمًا تأكيد لقوله‪ ،‬كّلم‪ ،‬ليحتمل التأويل بأ ّ‬
‫ولكللن ننظللر كيللف يسلللك أصللحاب هللذه الفكللار المنحرفللة تلللك‬
‫المسالك المختلفة لتحريف كلم ال حين يجدونه صريحًا في الرد علللى‬
‫مذاهبهم الباطلة‪.‬‬
‫فقد قال أحد المعتزلة‪ ،‬لبي عمرو بن العلء شيخ العربية وأحد القللراء‬
‫لل موسلى( بنصلب لفلظ الجلللة اللبه ليكلون‬
‫السبعة‪ :‬أريد أن تقرأ )وكّلم ا َ‬
‫ب أني قرأت هذه الية كللذا‪،‬‬
‫موسى هو المتكلم ل ال‪ ،‬فقال له أبو عمرو‪ :‬ه ْ‬
‫فكيف تصنع بقوله تعالى‪:‬‬
‫))‬

‫مه‬
‫ما َ‬
‫مو َ‬
‫سى لميقاتنا وك َل ّ َ‬
‫جاءَ ُ‬
‫ول َ ّ‬
‫} َ‬
‫فبهت المعتزلي«)‪.(103‬‬
‫وهكذا كانت أفكار الذين يريدون الطعلن فلي كتلاب الل العزيلز‪ ،‬فقلد‬
‫ظن هذا المعتزلي‪ ،‬إن قرأ له أبو عمرو بن العلء هلذه القلراءة أن يجلد لله‬
‫ل ينفي به صفة الكلم عن ال ‪،U‬ل بحجة أن هذه قببراءة لحللد القللراء‬
‫مدخ ً‬
‫السبعة المشهورين‪.‬‬
‫ولكللن خللاب ظنلله حينمللا أورد للله اليللة الخللرى الللتي ل تحتمللل‬
‫التأويل في أن المتكلم هو ال ‪ ،U‬وهي قوله )وكّلمه َرّبُه(‪.‬‬
‫ن كلمة )موسى( اسللم‬
‫وأما الية الولى وهي )وكّلم ال موسى( فإ ّ‬
‫مقصور والحركة ل تظهر على آخره وإنما تكون مقّدرة‪.‬‬
‫فأراد أن ُيلّبس بهذه القراءة عللى الخريلن بحيلث يكلون اسلم الجلللة‬
‫منصوبًا‪ ،‬ولفظ )موسى( مرفوعًا بضمة مقدرة على آخللره‪ ،‬أي أّنلله هللو‬
‫ل‪ ،‬أي المتكّلم‪ ،‬ولفظ الجللة هو المفعول‪ ،‬أي‪ :‬المكّلم‪ ،‬فأراد بللذلك‬
‫الفاع ُ‬
‫تحريف القرآن من أجل مذهبه الباطل‪ ،‬هكذا يفعل أصحاب الهواء‪.‬‬
‫ولكن نقرأ أقوال السلف في الرد على تحريفهم فقد جاء في تفسير‬
‫ابن كثير لهذه الية ما يأتي‪:‬‬
‫سى ت َ ْ‬
‫كليما ً{ قال‪ :‬وهذا تشريف‬
‫مو َ‬
‫ه ُ‬
‫م الل ُ‬
‫قوله‪} :‬وكل ّ َ‬
‫لموسى عليه السلم بهذه الصفة‪ ،‬ولهللذا يقللال للله الكليللم؛ ثللم سللاق عللن‬
‫الحافظ أبي بكر بن مردويه بإسناده إلى عبدالجبار بن عبدال قال‪ :‬جللاء‬
‫ل موسللى‬
‫ل يقرأ )وكلم ا َ‬
‫رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال‪ :‬سمعت رج ً‬
‫تكليمًا( يعني‪ :‬بنصب لفظ الجللة )ال( فقال أبو بكللر‪ :‬ملا قلرأ هلذا إل‬
‫كافر‪ ،‬قرأت على العمش‪ ،‬وقرأ العمش على يحيى بن وثللاب‪ ،‬وقللرأ‬
‫به{ ] العلللراف ‪[143‬‬
‫ر ّ‬

‫))‬

‫‪ () 103‬انظر شرح الطحاوية )‪ (1/177‬وترجمة عمرو بن العلء وهو من الثقات‪ ،‬سللير‬
‫أعلم النبلء )‪.(6/407‬‬

‫يحيى بن وثاب علللى أبللي عبللدالرحمن السلللمي وقللرأ أبللو عبللدالرحمن‬
‫السلمي على علي بن أبي طالب‪ ،‬وقرأ علي بن أبي طالب على رسللول‬
‫ه موسللى تكليم لا ً{ أي‬
‫م الل ُ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم }وكل ّ َ‬
‫برفع اسم ال‪.‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬وإنما اشتد غضب أبي بكببر بببن عيبباش رحملله الل‬
‫تعالى على من قرأ ذلك لنه حّرف لفظ القرآن ومعناه‪ ،‬وكللان هللذا مللن‬
‫المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الل كّلللم موسللى عليلله السلللم أو ُيكلللم‬
‫أحدًا من خلقه‪ ،‬كما روينللاه عللن بعللض المعتزلللة أنلله قللرأ علللى بعللض‬
‫ل موسى تكليملًا( فقللال للله‪ :‬يللا ابللن اللخنبباء)‪ (104‬كيللف‬
‫المشايخ )وكّلم ا َ‬
‫تصنع بقوله تعالى‪} :‬ولما جاء موسى لميقاتنا وكّلمه‬
‫ه{ يعني أن هذا ل يحتمل التحريف‪ ،‬ول التأويل)‪(105‬اهل‪.‬‬
‫َرب ّ ُ‬
‫وهذا يبين لك أيها المسلم أن أهل الباطل ل يتورعون عن تحريف‬
‫كتاب ال من أجل الوصول إلى أغراضهم‪.‬‬
‫وسنجد في هذا البحللث أن ورثللة أولئك يسلللكون مسلللك أسلللفهم‪،‬‬
‫وقد سبق ما فعله الخليلي في ردنا عليه في إنكاره رؤية المؤمنين رّبهللم‬
‫يوم القيامة‪ ،‬وما نسبه لبن تيمية رحمه ال في كتللابه الفتللاوى‪ ،‬وكللذلك‬
‫لبن القيم رحمه ال تعالى‪ ،‬وأوضحنا ذلك التدليس الللذي تعمللده ونسللبه‬
‫لهما‪.‬‬
‫وحيث أوردنا تعريف الخليلي للقللرآن الكريللم وهللو يطللابق تعريللف‬
‫الجهميلة والمعتزللة‪ -‬لن الخليللي يصلرح بلأن القلول بخللق القلرآن هلو‬
‫مذهب الباضية ثم يقول وهو مذهب الجهمية والمعتزلة‪ .‬وقللد بينللا وجلله‬
‫الللرد علللى تعريفلله‪-‬فللإنه مللن المناسللب أن نللورد تعريببف أهببل السببنة‬
‫‪ () 104‬الّلخن‪ :‬نتن الريح‪ ،‬يقال رجل‪ :‬ألخن ومرأة لخناء‪ .‬تاج العروس‪.‬‬
‫‪ () 105‬تفسير ابن كثير )‪.(427 /2‬‬

‫والجماعة سلف هذه المة للقرآن الكريم ليقارن القارئ بين التعريفيللن‪،‬‬
‫وبذلك يتضح له الفرق بينهما‪ ،‬وهو ما سنورده في الصفحات التالية‪.‬‬

‫تعريف أهل السنة والجماعة للقرآن الكريم‬
‫يقول المام الطحاوي رحمه ال تعالى في تعريف القرآن‪:‬‬
‫ل‪ ،‬وأنزله علللى‬
‫» وإن القرآن الكريم كلم ال منه بدأ بل كيفية قو ً‬
‫رسوله وحيًا‪ ،‬وصّدقه المؤمنون على ذلك حقًا‪ ،‬وأيقنوا أنه كلم ال تعالى‬
‫بالحقيقة‪ ،‬ليس بمخلوق ككلم البرية‪ ،‬فمن سمعه فزعم أنه كلم البشر فقد‬
‫ه َ‬
‫ذا إل‬
‫ن َ‬
‫كفر‪ ،‬وقد ذّمه ال وعابه وأوعده بسقر حيث قال تعالى‪} :‬إ ْ‬
‫َ‬
‫قو ُ‬
‫ل البشر{ ]المدثر ‪ [ 25‬علمنا وأيقنا أنه قللول خللالق البشللر‪ ،‬ول‬
‫يشبه قول البشر«)‪.(106‬‬
‫فهذا تعريف السلف أهل السنة والجماعة للقرآن الكريم‪.‬‬
‫فقارن بينه وبين تعريف الخليلي‪ ،‬ليظهر لك الخلل في تعريفه‪.‬‬
‫فأهببل السببنة يقولببون‪ :‬القللرآن كلم الب منببه بببدا بل كيفيللة قللو ً‬
‫ل‬
‫وأنزله على رسوله وحيًا …‪ .‬الخ‪.‬‬
‫أما تعريف الخليلي الباضي فهو يقول‪ :‬والقرآن هو الكلم المنزل‬
‫بحروفه وكلماته على النبي محمد صلى ال عليه وسلم‪ ...‬ألخ‪.‬‬
‫فلم يقل‪ :‬هو كلم ال منه بدأ بل كيفية قوًل‪ ،،‬لنه ينفللي عللن الل‬
‫عز وجل صفة الكلم‪.‬‬
‫ثم يصرح بعد ذلك بأن القرآن مخلللوق كسلائر المخلوقللات مقارنلًا‬
‫له بخلق النسان‪ ،‬والحيوان‪ ،‬والسموات والرض‪ ...‬إلخ‬
‫فيقول في )ص ‪) :(101‬بأن ال نفببخ فببي القببرآن مللن روح غيبلله‬
‫كما هو شأن ال تعالى في خلقه النسان من تراب(‪ ،‬هكذا يقول‪.‬‬
‫وفي )ص ‪ (125‬يقول‪) :‬أما نحن معاشر الباضية القللائلين بخلللق‬
‫القرآن ومن قال بقولنا من المعتزلة وغيرهم‪ ...‬إلخ(‪.‬‬
‫‪ () 106‬شرح الطحاوية )‪.(172 /1‬‬

‫ومعلوم أن غيلر المعتزلللة والباضلية مملن يقلول بخللق القللرآن‪،‬‬
‫الجهمية وهم الصل في إحداث هذه الضللة‪ ،‬والمامية مللن الرافضللة‬
‫ومن يسلك مسلكهم في باب السماء والصفات)‪.(107‬‬
‫فهو يقرر هنا أن الباضية‪ ،‬هم الصللل فللي إحللداث هللذه البدعللة‪،‬‬
‫وأن المعتزلة قالوا بقولهم‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫‪ () 107‬والحقيقة أن أول من قال )بخلق القرآن( الجعد بن درهم‪ ،‬يقول الحافظ ابن كللثير‬
‫في ترجمته‪ ) :‬هو أول من قال بخلق القرآن‪ ،‬وهو الذي ينسب إليه مللروان الجعللدي‬
‫وهو مروان الحمار‪ ،‬آخر خلفاء بني أمية‪ .‬كان شلليخه الجعللد بللن درهللم أصللله مللن‬
‫خراسان‪ ،‬ويقال أنه من موالي بني مروان‪ ،‬قال ابن عساكر وغيره‪ :‬وقد أخذ الجعللد‬
‫بدعته عن بيان بن سمعان وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد ابن أعصم زوج‬
‫ابنته‪ ،‬وأخذها لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر رسول ال ‪r‬عللن يهللودي بللاليمن‪،‬‬
‫وأخذها عن الجعد الجهم بن صفوان الخزري وقيل الترمللذي وأخللذ بشللر المريسللي‬
‫عن الجهم‪ .‬وأخذ أحمد بن أبي دؤاد عن بشر ‪.‬‬
‫وأما الجعد فإنه أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القللرآن‪ ،‬فطلبلله بنللو أميللة فهللرب‬
‫منهم فسكن الكوفة فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القللول عنلله‪ .‬ثللم إن خالببد‬
‫بن عبدال القسري قتل الجعد يللوم عيللد الضللحى بالكوفللة‪ ،‬وذلللك أن خالللدًا خطللب‬
‫الناس فقال في خطبتله تللك‪ :‬أيهلا النلاس ضلحوا تقبلل الل ضلحاياكم‪ ،‬فلإني مضل ٍ‬
‫ح‬
‫ل‪ ،‬ولببم يكلببم موسببى تكليم بًا‪،‬‬
‫بالجعد بن درهم‪ ،‬إنه زعم أن ال لم يتخذ إبراهيم خلي ً‬
‫تعالى ال عما يقول الجعد علوًا كبيرًا‪ .‬ثم نزل فذبحه في أصل المنبر‪ .‬قال‪ :‬وقد ذكر‬
‫هذا غير واحد من الحفاظ منهم البخاري‪ ،‬وابن أبللي حللاتم‪ ،‬والللبيهقي‪ ،‬وعبللدال بللن‬
‫أحمد‪ ،‬وذكره ابن عساكر في التأريخ‪ .(..‬البداية والنهاية )‪9‬لل ‪ ،(10/404‬ط‪ /‬الثانيللة‬
‫سنة )‪1417‬هللل( دار المعرفللة‪ ،‬وفيللات العيللان سللنة )‪124‬هللل(‪ ،‬وترجمتلله‪ :‬تأريللخ‬
‫السلم )‪ ،(4/238‬لسان الميزان )‪ ،(2/105‬اللبللاب )‪ ،(1/230‬ميللزان العتللدال )‬
‫‪ ،(1/399‬النجوم الزاهرة )‪.(1/322‬‬

‫ثالثببًا‪ :‬قببوله‪) :‬والتفرقببة بيببن القببرآن‪ .‬وسببائر الكتببب‬
‫المنزلة‪ ،‬وبين الكلم النفسي(‪.‬‬
‫يقللول‪ :‬الخليلللي فللي آخللر )ص ‪) :(99‬وأمللا الفللرق بيللن الكلم‬
‫النفسي‪ ،‬وبيللن القللرآن وسللائر الكتللب المنزلللة‪ ،‬فهللو‪ :‬أن الكلم النفسللي‬
‫صفة ذاتيه ل تعالى يثبت بها كماله‪ ،‬وُينفى بهلا عنله النقلص‪ ،‬ذللك لن‬
‫إثبات الكلم نفي لضده وهو الخرس‪ ،‬كما أن إثبات العلم نفللي للجهللل(‪.‬‬
‫هكذا يقرر‪.‬‬
‫ثم يقول‪) :‬وذهبت المعتزلة إلى عدم الضرورة إلى إثبللات صللفة‬
‫أزلية لل تسللمى كلملًا‪ ،‬اكتفللاء فللي نفللي الخللرس عنلله سللبحانه بصللفة‬
‫القدرة‪ ...‬إلخ ص ‪ 100‬ثم قال‪ :‬ولعل بعض أصحابنا يرون هذا‪(.‬‬
‫قلت‪ :‬والمعتزلة ل يثبتون ل عللز وجللل صللفة القللدرة بمعنللى أنلله‬
‫قادر له قدرة بل ينفون معللاني الصللفات جميعلًا ويثبتللون لل عللز وجللل‬
‫السماء مجردة عن المعللاني فيقولللون‪ :‬قللادر بل قللدرة‪ ،‬عليللم بل علللم‪،‬‬
‫سميع بل سمع أي قادر بذاته‪ ،‬عليم بذاته‪ ،‬ل بقدرة وعلم )‪.(108‬‬
‫ثم يواصل الخليلي فيقول‪) :‬وأصحابنا الذين أثبتللوا الكلم النفسللي‬
‫اتفقوا مع الشعرية في كونه يختلف عن سائر الكلم فهو ليللس حروفللًا‬
‫ل ول كلمات تقوم بذاته( هكذا يقول‪.‬‬
‫ول أصواتًا ول جم ً‬

‫‪ () 108‬انظر‪ :‬الصول الخمسة للقاضي عبدالجبار المعتزلي )ص ‪ 150‬ل ‪.(155‬‬

‫مناقشة ت الخليلي ت في بدعة الكلم النفسي‬
‫أوًل‪ :‬يقللرر الخليلللي أن الكلم مللن صللفات الكمللال‪ ،‬وأن مللن يتكلللم‬
‫أكمل ممن ل يتكلم‪ ،‬وأن من ُتسلب عنلله صللفة الكلم أخللرس‪ ،‬والخللرس‬
‫صفة نقص ول المثل العلى‪ ،‬فللوجب إثبللات صللفة الكلم لل عللز وجللل‬
‫ليتصف بصفات الكمال‪.‬‬
‫هذا ما يقرره الخليلي في كلمه السابق‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬أن هذا القرار من الخليلي مللن أن الل ُمتصللف بصللفة الكلم‬
‫لنهللا صللفة كمللال‪ ،‬الللتزام منلله بللذلك‪ .‬وهللذا مللا يللدعو إليلله أهللل السللنة‬
‫والجماعة ويعتقدونه‪ ،‬وهو ما نص ال عليه في كتابه‪ ،‬وقد عاب ال ل بنللي‬
‫إسرائيل حين اتخذوا إلهًا من دونه حيث بّين أن من صللفات نقصببه أنلله ل‬
‫ل‪.‬‬
‫يكلمهم ول يهديهم سبي ً‬
‫قال تعالى‪} :‬واتخذ قوم موسى مللن بعللده مللن‬
‫حليهم عجل ً جسللدا ً للله خللوار ألللم يللروا أنلله ل‬
‫يكلمهللم ول يهللديهم سللبيل ً اتخللذوه وكللانوا‬
‫ظالمين{ ] العراف ‪ [148‬فقد عاب ال هذا الله الللذي اتخللذوه مللن‬
‫دونه وبّين أن من صفات نقصه أنلله ل يتكلببم‪ .‬كمللا قللال تعللالى فللي آيللة‬
‫أخرى‪} :‬أفل يرون أل يرجع إليهم قولً‪ {...‬الية ] طلله‬
‫‪ [ 89‬فعلم أن نفي القول‪ ،‬ونفي التكلم نقص يستدل به على عدم ألوهيللة‬
‫العجل‪.‬‬
‫يقول ابن كثير‪) :‬ينكر تعالى عليهم في ضللهم بالعجللل وذهللولهم‬
‫عن خالق السموات والرض ورب كللل شلليء ومليكلله أن عبللدوا معلله‬
‫طلى‬
‫ل جسدًا له خللوار ل يكلمهببم ول يرشللدهم إلللى خيلر‪ ،‬ولكلن غ ّ‬
‫عج ً‬
‫على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلل كما تقللدم فللي روايللة أحمللد‬

‫وأبي داود عن أبي الللدرداء قللال‪ :‬قللال رسللول ال ل ‪» :r‬حبببك الشببيء‬
‫يعمي ويصم«( )‪.(109‬‬
‫وقول الخليلي أن الكلم النفسي من الصللفات الذاتيللة هللو تعريللف‬
‫الشاعرة لكلم ال‪ ،‬وأهل السنة يقولللون‪ :‬إن الكلم قللديم النللوع حللادث‬
‫الحاد‪ ،‬وهو من الصفات الختيارية‪ ،‬وأن الل يتكلللم مللتى شللاء وكيللف‬
‫شاء بكلم يسمعه من يشاء‪ ،‬كما كّلم موسى عليه السلم‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك‪ ،‬وأن الكلم من صبفات الكمبال‪ ،‬وأن الل علز وجلل‬
‫متصف بهذه الصفة على ما يليق بجلله وكماله إذ ليس كمثله شيء وهللو‬
‫السميع البصير‪.‬‬
‫فلم يبق بيننا وبين الخليلي ‪ -‬في إثبات هذه الصببفة لل إل تحلللرير‬
‫الكلم فيها وهو ما يسمى )بالكلم النفسي( الللذي ل ُيسللمع‪ ،‬كمللا عرفلله‬
‫ت‪.‬‬
‫ل ول كلما ٍ‬
‫الخليلي بأنه ليس حروفًا‪ ،‬ول أصواتًا‪ ،‬ول جم ً‬
‫فهل هذا ُيسمى كلمًا؟‬
‫أقول‪ :‬إن أهل السنة والجماعة يثبتلون صلفة الكلم لل علز وجللل‬
‫بالنصوص القرآنية كما وصف ال نفسله بلذلك‪ ،‬ملن غيلر تحريلف ول‬
‫تكييف‪ .‬ويبينون أن الكلم ينسب لقائله‪.‬‬
‫وحقيقة كلم ال الخارجية‪ :‬هي ما ُيسمع منه أو من الُمِبّل لِغ عنلله‪،‬‬
‫فإذا سمعه السامع علمه وحفظه‪.‬‬
‫فكلم ال مسموع له معلوم محفوظ‪ ،‬فإذا قاله السامع فهو مقروء‬
‫له متلٌو‪ .‬فإذا كتبه فهو مكتوب له مرسوم‪ ،‬وهو حقيقة في هذه الوجللوه‬
‫كلها ل يصح نفيه‪.‬‬
‫‪ () 109‬ابن كثير )‪ .(3/473‬والحللديث فللي المسللند )‪،5/194‬ل ‪ ،(6/450‬وفللي أبللي داود‬
‫كتاب الدب باب )‪.(116‬‬

‫والمجاز يصح نفيه‪ ،‬فل يجوز أن يقال‪ :‬ليس في المصحف كلم ال‬
‫ول ما قََرَأ القللارئ كلم اللل‪ ،‬وقللد قللال تعللالى مبينلًا ذلللك‪} :‬وإن أحد‬
‫من المشركين اسللتجارك فللأجره حللتى يسللمع‬
‫كلم الله{ ] التوبة ‪ [ 6‬وهو ل يسمع كلم ال من ال‪ ،‬وإنما يسللمعه‬
‫من ُمبّلغه عن ال‪ .‬والية تدل على فساد قول من قال‪ :‬إن المسموع عبارة‬
‫عن كلم ال‪ ،‬وليس هو كلم اللل‪ ،‬فللإنه تعللالى قللال‪} :‬حتى يسمع‬
‫كلم الله{ ولببم يقببل حببتى يسببمع مببا هببو عبببارة عببن كلم ال ب‪،‬‬
‫والصل‪ :‬الحقيقة‪.‬‬
‫ومببن قببال‪ :‬إن المكتللوب فللي المصللاحف عبللارة عللن كلم الل أو‬
‫حكاية كلم ال وليس فيها كلم ال‪ ،‬فقد خببالف الكتلاب والسللنة وسلللف‬
‫ل)‪.(110‬‬
‫المة وكفى بذلك ضل ً‬
‫أما ما يسمى بالكلم النفسي ل وهو المعنى القللائم بللالنفس لل الللذي‬
‫عّرفه الخليلي كما تقدم‪ .‬فإنه باتفاق المسلمين ل يسمى كلماً‪.‬‬
‫والدليل على رّده‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬أن الكلم في لغة العللرب‪ :‬هللو النطللق باللسللان‪ ،‬وهللو الللذي‬
‫تبنى عليه الحكام‪ ،‬وليس حديث النفس‪.‬‬
‫يدل عللى ذللك الحلاديث الصللحيحة اللتي تفببرق فببي الحكببم بيلن‬
‫حديث النفس‪ ،‬وبين الكلم المسموع المنطوق به‪.‬‬
‫ومنها‪:‬‬
‫‪1‬ل قوله ‪» :r‬إن صلتنا هذه ل يصلح فيها شيء مببن كلم النبباس«‬
‫)‪.(111‬‬
‫‪ () 110‬شرح الطحاوية )ص ‪.(181‬‬
‫‪ () 111‬أخرجه مسلم )ح ‪ ،(557‬وأبو داود )‪ ،(930‬وأحمد )‪.(5/448‬‬

‫وقال ‪» :r‬إن ال ُيحدث من أمببره مببا يشبباء‪ ،‬وإن ممببا أحببدث أن ل‬
‫تكلموا في الصلة« )‪.(112‬‬
‫واتفق العلماء على أن المصّلي إذا تكلم فللي الصببلة عامببدًا لغيللر‬
‫مصلحتها بطلت صلته‪.‬‬
‫واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصببديق بللأمور دنيويببة‬
‫وطلب‪ ،‬ل يبطل الصلة‪ ،‬وإنما يبطلها التكلم بذلك‪.‬‬
‫فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلم‪.‬‬
‫‪2‬ل ما في الصحيحين عن النبي ‪ ‬قللال‪» :‬إن ال ب تجبباوز لمببتي‬
‫عّما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به« )‪.(113‬‬
‫فقد أخبر‪ ،‬أن ال عفا عن حديث النفلس إل أن تتكللم بله‪ ،‬ففلرق‬
‫بين حديث النفس وبين الكلم‪ ،‬وأخبر أنه ل يؤاخذ به حتى يتكلم به‪.‬‬
‫والمراد‪ :‬حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء‪.‬‬
‫فعلم أن هللذا هللو الكلم فلي اللغللة لن الشللارع إنملا خاطبنلا بلغللة‬
‫العرب )‪.(114‬‬
‫‪3‬ل وفي الترمذي والمسند من حديث معاذ بن جبل رضي ال عنلله‬
‫قال‪:‬‬
‫يا رسول ال‪ ،‬وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟‬
‫ب النبباس فببي النببار علببى منبباخرهم إل حصببائد‬
‫فقللال‪» :‬وهببل يك ب ّ‬

‫‪ () 112‬البخاري )‪ (13/496‬في التوحيد معلقًا بللاب قللول ال ل تعللالى‪} :‬كل يوم هتو‬
‫ل )‪ ،(994‬وأحمللد‬
‫في شأن{ بصيغة الجزم عن ابن مسعود‪ ،‬وأبو داود موصللو ً‬
‫)‪ (463 ،435 ،415 ،409 ،377 ،1/376‬وسنده حسن‪.‬‬
‫‪ () 113‬البخاري )ح ‪ ،(2529 ،2528‬ومسلم )ح ‪.(127‬‬
‫‪ () 114‬شرح الطحاوية )ص ‪.(201‬‬

‫ألسنتهم«)‪.(115‬‬
‫يقول ابن أبي العببز فببي شببرح الطحاويببة بعببد إيببراده لمببا سبببق‪،‬‬
‫) فبببين أن الكلم إنمببا هببو باللسببان‪ ،‬فلفببظ »القببول« والكلم ومببا‬
‫ض ومضارع وأمر واسم فاعل‪ ،‬إنمببا يعببرف‬
‫تصرف منهما من فعل ما ٍ‬
‫ى‪.‬‬
‫في القرآن والسنة وسائر كلم العرب إذا كان لفظًا ومعن ً‬
‫ثم قال‪ :‬ولم يكن في مسمى الكلم نزاع بين الصحابة والتللابعين‬
‫لهم بإحسان‪ ،‬وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهببل البببدع‪،‬‬
‫ثم انتشر‪.‬‬
‫ول ريب أن مسمى الكلم والقول ونحوهما ليلس هلو مملا يحتلاج‬
‫فيه إلى قول شاعر‪ ،‬فإن هذا مما تكلم به الولللون والخللرون مللن أهللل‬
‫اللغة وعرفوا معناه كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬ول شك أن من قال‪ :‬إن كلم ال معنللى واحللد قللائم بنفسلله‬
‫تعالى‪ ،‬وإن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القللارئ حكايللة كلم‬
‫ال وهو مخلوق فقد قال بخلق القرآن في المعنى وهو ل يشعر فإن اللل‬
‫تعالى يقول‪} :‬قل لئن اجتمعت النس والجن علللى‬
‫أن يللأتوا بمثللل هللذا القللرآن ل يللأتون بمثللله{‬
‫))‬

‫))‬

‫((‬

‫((‬

‫] السراء ‪.[ 88‬‬

‫أفتراه سبحانه وتعالى يشير إلى ما فببي نفسببه أو إلببى هذا المتلببو‬
‫المسموع؟ ول شك أن الشارة إنما هي إلللى هللذا المتلببو المسببموع‪ ،‬إذ‬
‫ما في ذات ال غير مشار إليه‪ ،‬و ل منزٌل ول متلٌو ول مسموع‪.‬‬

‫‪ () 115‬حديث صحيح بطرقه ل الترمذي )ح ‪ ،(2616‬وأحمد )‪.(5/231‬‬

‫وقوله‪} :‬ل يأتون بمثله{ أفتراه سبحانه يقول‪ :‬ل يأتون بمثل‬
‫ما في نفسي مّما لم يسمعوه ولم يعرفللوه‪ ،‬ومللا فللي نفببس الببباري عللز‬
‫وجل ل حيلة إلى الوصول إليه ول إلى الوقوف عليه()‪.(116‬‬
‫قلت‪ :‬وُيَرّد علللى الخليلللي فللي تعريفلله للكلم النفسللي الخللالي مللن‬
‫الحرف والصوت‪...‬إلخ‪ ،‬بهذه النصوص الدالة على أن الكلم ل يكللون‬
‫إل بالنطق باللسان في لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم الذي بللدأ‬
‫ل وأنزللله علللى رسللوله محمللد‪ ‬وحيلًا كمللا سلبق‬
‫من ال بل كيفيللة قللو ً‬
‫تعريفه عند أهل السنة والجماعة‪.‬‬
‫وأنلله كلم ال ل حقيقللة منلله بللدأ وإليلله يعللود ليللس بمخلللوق ككلم‬
‫البرية‪ .‬ثللم فللي هللذه النصللوص أيضلًا رّد علللى الخليلللي تحريفلله لقللوله‬
‫تعالى‪} :‬إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول للله‬
‫كن فيكون{ ] النحل ‪ ،[ 40‬حيث ادعى أن هللذه اليللة هللي المللراد‬
‫بالكلم النفسي‪.‬‬
‫ويسند ذلك إلى أحد علماء الباضية ويقرره فيقول‪ :‬كما يقول ابللن‬
‫أبللي نبهللان فللي قللاموس الشللريعة ) ‪ ،(3/239‬طبعللة ‪ 2‬وزارة الللتراث‬
‫القومي حيث يقول‪) :‬وقد أجاد ابن أبللي نبهللان فللي تقريللر معنللى الكلم‬
‫العللاري عللن الصللوات والحللروف بمللا تستسلليغه الفهللام وتسللتمرؤه‬
‫الفكار‪ ...‬إلخ( )ص ‪.(100‬‬
‫كمللا يسللتدل الخليلللي علللى تقريللر الكلم النفسللي بقللول الخطللل‬
‫النصراني حيث يقول‪:‬‬
‫)وإطلق الكلم على مثله ل يعني على مثل كلم ابن أبلي نبهلان ‪-‬‬
‫مما لم يكن مسموعًا ول مقروءًا معهود عند العرب(‬
‫ومنه قول الخطل‪:‬‬
‫‪ () 116‬شرح الطحاوية )‪ (1/203‬وفيه زيادة إيضاح لمن اراد ذلك‪.‬‬

‫ل يعجبنلللك ملللن‬
‫ة‬
‫خطيب خطب ٌ‬
‫لفلللللي‬
‫إن الكلم‬
‫الفلؤاد وإنما‬

‫حلللتى يكلللون ملللع‬
‫أصيل ً‬
‫الكلم‬
‫علللى‬
‫اللسان‬
‫جعل‬
‫الفؤاد دليل ً‬

‫وأقول‪ :‬وعلى فرض ثبوت ذلك عن الخطل فلإن الملرء ليعجلب ملن‬
‫الخليلي حين يستدل بقول الخطل النصراني الكافر الضال في عقيدته وفللي‬
‫كلم ال ليحرف بكلم النصراني كلم ال الصريح الللذي جللاء بلفللظ القببول‬
‫المكرر في هذه الية المقروءة المسموعة فال عز وجل يقول في هللذه اليللة‬
‫الكريمة‪} :‬إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقللول للله‬
‫كن فيكون{ ]النحل ‪.[40‬‬
‫فال يقول‪ :‬إنما قولنا لشيء أن نقول له »كن«‪.‬‬
‫فهل هذا اللفظ ينطبق على تعريف الخليلي للكلم النفسي العبباري‬
‫عن الحروف والصللوات الللذي لللم يسللمعه أحللد وإنمللا هللو قللائم بنفللس‬
‫المتكلم‪.‬‬
‫إن مللن الخللذلن أن يسللتدل المسلللم بكلم نصللراني قللد ضللل فللي‬
‫عقيدته علللى كلم الل عللز وجللل المقللروء المسللموع كمللا قللال تعللالى‪:‬‬
‫}وإن أحللد مللن المشللركين اسللتجارك فللأجره‬
‫حتى يسمع كلم الله‪ ] {...‬التوبة ‪.[ 6‬‬
‫وأما النصارى فقد ضلوا في معنى الكلم وزعموا أن عيسى عليه‬
‫السلم نفس كلمة ال‪ ،‬واتحد اللهوت بالناسللوت‪ ،‬أي شلليء ملن الللله‬
‫بشيء من الناس‪ ،‬أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلم على‬
‫معنى الكلم ويترك ما يعلم من معنى الكلم في لغة العرب‪.‬‬

‫وأيضًا‪ :‬فمعناه غير صحيح‪ ،‬إذ لزمه أن الخرس ُيسللمى متكلم لًا‬
‫لقيام الكلم بقلبه‪ ،‬وإن لم ينطق به ولم يسمع منه)‪.(117‬‬
‫وقد أخبر ال عز وجل عن خلق عيسى عليله السللم وبيلن أن َمَثَلله‬
‫ن مثل عيسى‬
‫عنده كمثل آدم خلقببه بكلمببه كمللا قللال تعللالى‪} :‬إ ّ‬
‫عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قللال للله‬
‫كن فيكون{ ] آل عملران ‪ ،[ 59‬فهذا خلبر الل علز وجلل علن خللق‬
‫عيسى عليه السلم وأنه خلقه بالكلمة }كبن{ كملا خللق آدم وملن أصلدق‬
‫من ال حديثًا‪.‬‬
‫أما النصارى والخطل واحد منهم فقد جعلوا عيسى عليلله السلللم‬
‫عين الكلمة و ل أظن أن ل الخليلي ل يخالف المسلللمين فللي أن ال ل عللز‬
‫وجل خلق عيسى عليه السلم بكلمه وهو قوله له كن كمللا هللو نللص‬
‫اليللة السللابقة؛ وهللي صللريحة فللي أن عيسللى عليلله السلللم خلقلله ال ل‬
‫بالكلمة وليس هو عين الكلمة كما يقول النصارى‪.‬‬
‫ويوضح ذلك ويبينه ما أخبر ال به في كتابه عن عيسى عليه السلم‬
‫حين تبرأ ممن غلوا فيه وجعلوه ابن ال‪ ،‬وثالث ثلثة‪ ،‬وإلٌه مع ال‪ ،‬تعالى‬
‫ال عن قولهم علوًا كبيرًا‪ ،‬وذلك حين يخاطبه ال عببز وجببل يببوم القيامببة‬
‫بكلم مسموع يسمعه عيسبى ويبرد علبى ذلبك الكلم المسبموع المبوجه‬
‫إليه من ربه وخالقه إذ يقول‪} :‬وإذ قال الله يا عيسللى بللن‬
‫ي إلهيللن‬
‫مريم أأنت قلت للناس اتخللذوني وأم ل َ‬
‫من دون الله { يقول المام ابللن كللثير‪) :‬هللذا ممللا يخللاطب الل بلله‬
‫ل للله بحضللرة مللن اتخللذه‬
‫عبده ورسوله عيسى بن مريم عليلله السلللم قللائ ً‬
‫وأملله إلهيللن مللن دون اللل }أأنت قلت للنللاس اتخللذوني‬
‫وأمي إلهين من دون الله‪ {...‬وقد سمع عيسى عليه السلللم‬
‫))‬

‫‪ () 117‬انظر شرح الطحاوية )‪.(1/200‬‬

‫((‬

‫كلم ربه هذا الموجه إليله ولهلذا قلال مللبرءًا نفسلله مملا افلتراه النصللارى‬
‫عليه‪} :‬سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي‬
‫بحق{‪.‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل كمللا قللال ابللن‬
‫أبي حاتم في روايته عن أبي هريرة مرفوعاً عن النبي‪ ‬قال‪ :‬لّقللاه ال ل‬
‫حجتلله بقللوله }سبحانك ما يكون للي أن أقلول ملا‬
‫ليس لي بحق{ إلى آخر الية‪.‬‬
‫وقللوله‪} :‬إن كنت قلته فقللد علمتلله تعلللم مللا‬
‫في نفسي ول أعلم ما في نفسللك إنللك أنللت‬
‫علم الغيوب‪ .‬ما قلت لهللم إل مللا أمرتنللي بلله‬
‫أن اعبدوا الله ربي وربكم‪ {...‬إلى قوله تعلللالى‪} :‬قال‬
‫الله هللذا يللوم ينفللع الصللادقين صللدقهم لهللم‬
‫جنات تجري مللن تحتهللا النهللار خالللدين فيهللا‬
‫أبدا ً رضي الله عنهم ورضللوا عنلله ذللك الفللوز‬
‫العظيم{ ] المائدة ‪116‬ل ‪.[119‬‬
‫فهببذا كلم ال ب مخاطب بًا بببه عيسببى عليلله السلللم الللذي غل فيلله‬
‫النصارى وجعلوه عين الكلمة وجعلوه وأمه إلهين من دون ال‪.‬‬
‫وقد سمع عيسى عليه السلم كلم ربه هذا وتبرأ مما اّدعللاه عليلله‬
‫النصارى وصببدقه ال ب فببي ذلببك بكلم مسللموع بلفببظ القببول‪} :‬قال‬
‫الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم‪.{...‬‬
‫فهل كلم الب هللذا لعيسببى عليله السلللم فلي ذلللك الموقللف كلمبًا‬
‫نفسيًا‪.‬‬
‫والكلم النفسي هو القائم بالببذات غيببر المسببموع لنلله عبباٍر عببن‬
‫الحرف والصوت والجمل والكلمات كما سبق تعريف الخليلي له‪.‬‬
‫))‬

‫((‬

‫ن ملا فللي النفلس ل ُيعلد‬
‫ومن المعلوم المتفق عليه بين المسلللمين أ ّ‬
‫كلمًا ول تترتب عليه أحكام ول يحاسب النسان إل على مللا نطللق بلله‬
‫لسانه‪ ،‬وذلك هو الكلم الللذي يحاسللب عليلله المسلللم ويؤاخللذ بلله وذلللك‬
‫بنص كلم رسول ال‪ ‬حيببث يقبول‪» :‬إن الب رفببع عببن أمببتي الخطببأ‬
‫والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به« وسيأتي مزيد بيان عند‬
‫الحديث عن تحريفه لقوله تعالى‪} :‬وإن أحد من المشركين‬
‫استجارك فأجره حللتى يسللمع كلم الل له‪ {...‬فللي‬
‫)ص ‪ (113‬من كتابه هذا‪.‬‬
‫وفي )ص ‪101‬ل ‪ (102‬يؤكد القللول بخلللق القللرآن ويمثللله بخلللق‬
‫النسان‪ ،‬وأنه ل فرق بينهما فلي تللك الصللفة فيقلول‪) :‬وقلد اختلص الل‬
‫بعضه ل ويعني به الكلم ل وهببو القببرآن بمببا نفببخ فيببه مببن روح غيبببه‬
‫فحارت فيه اللباب‪...‬كمللا هللو شللأن الل تعللالى فللي خلقلله النسللان مللن‬
‫تراب(‪.‬‬
‫هكذا يقرر الخليلللي‪ ،‬ولكنلله ينقللض قللوله فللي الكلم النفسللي كمللا‬
‫يأتي في الصفحة التالية‪:‬‬

‫الخليلي ينقض غزله في الكلم النفسي‬
‫ولما كانت سنة ال في خلقه أن قول الباطل ل يثبت علببى سبباق‪،‬‬
‫فإن الخليلي ينقض غزله فيرد ما يسمى »بالكلم النفسي« الببذي أثبببت‬
‫أنه قول الباضية المتفقين على إثباته مع الشعرية‪ ،‬ويثنبي علبى اببن‬
‫أبي نبهان وعلى تقريره للكلم النفسببي‪ ،‬ويستشببهد لببه بقببول الخطببل‬
‫النصراني‪ ،‬ثم يحّرف تلك الية الصببريحة فببي القببول المسببموع وهببي‬
‫قوله تعالى‪} :‬إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول‬
‫له كن فيكون{ ويخضببعها للكلم النفسببي غيببر المسببموع كمببا‬
‫تقدم‪.‬‬
‫ولكن نجده هنا ينقض مللا سللماه بللالكلم النفسللي ويللرده ردًا قويلًا‪،‬‬
‫ُمّبينًا أنه ل يدل على ذلك ل كتاب الل ول سللنة رسللوله ‪ ،r‬وإليللك نللص‬
‫كلمه هنا مقارنًا بكلمه السابق‪.‬‬
‫سللبق الكلم عمللا جللاء فللي كتللابه هللذا )ص ‪ (100‬حيللث قللرر أ ّ‬
‫ن‬
‫أصحابه الباضية مع الشعرية اتفقوا على أن كلم ال عللز وجللل هللو‬
‫الكلم النفسي القائم بذات ال غير المسموع ؛ لنه مجرد عللن الحللروف‬
‫والصوات والجمل والكلمات ‪-‬كما عرفه الخليلي‪ -‬ثم يستشهد لصللحابه‬
‫على ذلك بكلم الخطل النصراني‪.‬‬
‫ولكنه فلي )ص ‪ (103‬ملن كتلابه هلذا ينقلض ذلللك كللله ويثبلت أن‬
‫المسمى بالكلم النفسي لم يقم عليلله شللاهد ل مللن الكتللاب ول مللن السللنة‬
‫فيقول )ص ‪) :(103‬ونحن عندما نتحدث عن خلق القرآن فإنمللا نتحللدث‬
‫عن هذا القرآن المتلو باللسن‪ ،‬المكتوب في المصللاحف‪ ،‬ولسللنا نتحللدث‬
‫عن الكلم النفسي إذ لم يقم عليه شاهد من الكتاب نفسه ول من السنة(‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫‪-‬‬

‫وأقول‪ :‬وإن تعجب فعجب قول أهل الباطل وتناقضاتهم فقد سبق‬
‫فللي )ص ‪ (100‬قللول الخليلللي مللن كتللابه هللذا‪ :‬إن الباضللية اتفقللوا مللع‬
‫الشاعرة على الكلم النفسي كما عرفه هو‪ ،‬ثم أثنى على ابن أبي نبهللان‬
‫ل الباضي ل الذي قرر معنى الكلم النفسي‪ ،‬بل حرف لثبات مللا يسللمى‬
‫بالكلم النفسي قوله تعالى‪} :‬إنما قولنا لشيء إذا أردنللاه‬
‫أن نقول له كن فيكون{ بل قال في )ص ‪) :(100‬وقد أجاد‬
‫المام ابن أبللي نبهللان رحملله الل فللي تقريللر معنللى الكلم العللاري عللن‬
‫الصوات والحروف بما تستسيغه الفهام وتستمرؤه الفكار‪ (...‬إلخ‪.‬‬
‫ثم أتبعه بالية السابقة وأنها تدل عليه‪ ،‬واستشهد لتأكيد هللذا القللول‬
‫الباطللل بكلم الخطللل النصللراني‪ ،‬وقللد سللبق مناقشللة ذلللك السللتدلل‬
‫الفاسد والرد عليه‪ ،‬ثم نجد الخليلي هنا يتراجع عن قوله الول ويبطللله‪،‬‬
‫وهذا مما يؤكد أن الكلم الباطل دائمًا ينقض آخره أوله‪.‬‬

‫تصور فاسد يرتب عليه حكما ً باطل ً‬
‫إن المقدمات الفاسللدة ل تنتلج إل أحكاملًا باطللة؛ إذ مللن المعلللوم‬
‫ق التي أشار لهللا حللديث المصللطفى‬
‫لكل باحث في باب العقائد‪ ،‬أن الِفَر َ‬
‫ن أمتلله سللتفترق علللى ثلث‬
‫‪ r‬حيث أخبر وهللو الصللادق المصللدوق أ ّ‬
‫وسبعين فرقة في الهواء‪ ،‬كلها هالكللة مسللتحقة للنللار إل واحللدة‪ ،‬ولمللا‬
‫سئل عن هذه الفرقة الناجية عرفها بقوله‪» :‬هي من كببان علببى مثببل مببا‬
‫أنا عليه وأصحابي« )‪ .(118‬ومع أن هذه الفرق المختلفة يضلللل بعضللها‬
‫بعضًا أو يفسقه أو يكفره ‪-‬إذ ليس لصحابها أصل ثللابت يرجعللون إليلله‬
‫عند الختلف إل أهواؤهم ومللا تستحسللنه عقللولهم‪ -‬بْيللد أنهللم مللع ذلللك‬
‫الختلف فيما بينهم نجدهم يجتمعون على أصول قد ل يختلفللون فيهللا‪،‬‬
‫ومن أهمها‪:‬‬
‫ل أول فرقة خرجت عللن‬
‫أوًل‪ :‬عداء أهل السنة بل وتكفيرهم‪ ،‬فمث ً‬
‫منهج الفرقة الناجية هم الخللوارج الللذين خرجللوا علللى أميللر المللؤمنين‬
‫علي بن أبي طالب رضي ال عنه الخليفللة الراشللد المشللهود للله بالجنللة‬
‫ممللن ل ينطللق عللن الهللوى‪ ،‬وقبللل ذلللك خرجللوا علللى الخليفللة الراشللد‬
‫عثمان بللن عفللان رضللي الل عنلله الللذي تسللتحي منلله ملئكللة السللماء‪،‬‬
‫المشهود له بالجنة)‪ ،(119‬وملع تللك الشللهادة لهملا بالجنللة فقللد كفروهملا‬
‫وكفروا الصحابة جميعًا‪ ،‬ثم أخللذ أتبللاع الخللوارج بتلللك العقللائد ومنهللا‬
‫تكفير العصاة وتخليدهم في النار)‪ (120‬وإن اختلفوا في مواضع‪.‬‬
‫‪ () 118‬الترمذي في كتاب اليمان في ما جاء في افتراق هذه المة )ح ‪.(2778‬‬
‫‪ () 119‬انظر الملل والنحل للشهرستاني )‪(1/100‬في بيان خروجهم على عثمان ثم عللى‬
‫علي رضي ال عنهما‪.‬‬
‫‪ () 120‬ومن هؤلء الخليلي كما سيأتي الحديث عن رأيلله فللي عصللاة المسلللمين وحكملله‬

‫وكللذلك الفللرق الخللرى الللتي جللاءت بعللد الخللوارج كالرافضللة‪،‬‬
‫والشيعة بفروعها والجهمية‪ ،‬والمعتزلة‪ ،‬وغيرهم ممن حللاد عللن منهللج‬
‫الفرقة الناجية المتمسكة بمللا كللان عليلله رسللول الل‪ ‬وأصللحابه كلهللم‬
‫يسلكون ذلك المسلك ويقفون ذلك الموقف من أهل السنة‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬ومما يجتمعون عليه إزاء نصوص الكتاب والسنة ‪-‬ل سيما في‬
‫باب السماء والصفات‪ -‬هو اللحاد فللي أسللماء الل وصللفاته علللى تفلاوت‬
‫بينهم في ذلك من حيللث النفللي‪ ،‬والتعطيللل‪ ،‬والتحريللف المسللمى بالتأويللل‪،‬‬
‫المبني على تصور فاسد وهو‪:‬‬
‫‪1‬ل توهمهم أن من أثبت ل ما أثبتلله لنفسلله فللي كتللابه مللن صللفات‬
‫الجلل والكمال أو أثبته له رسوله‪ ‬في سنته الصللحيحة فقللد شلّبه ال ل‬
‫بخلقه والمشبه للخالق بالمخلوق كافر‪.‬‬
‫‪2‬ل أن من أثبت هذه الصفات كلها ل عز وجل فقد أثبت تعددًا فللي‬
‫اللهة‪ ،‬وقد كفر النصارى بقولهم‪ :‬إن ال ثالث ثلثة‪ ،‬فكيف بمن أثبت‬
‫هذه الصفات المتعددة؛ فهذه من أهم المور التي يجتمعون عليها‪.‬‬
‫وإليك أيها المسلم المؤمن بما جاء في كتاب ربه وما ثبت في سللنة‬
‫نبيه‪ ‬الرد على هذه الشبهة الباطلة‪.‬‬
‫فأقول‪ :‬إن قولهم من شبه ال بخلقه فقد كفللر هللذه قاعللدة صللحيحة ل‬
‫يخالف في ذلك مسلم يشهد ل بالوحدانية ولرسوله‪ ‬بالرسالة‪ ،‬ولكن أيللن‬
‫التشبيه عند من يثبت ل ما أثبته لنفسه في كتابه أو أثبته له رسللوله‪ ‬فللي‬
‫سنته؟‪.‬‬
‫إن دعواهم أن إثبات الصفات التي أثبتها ال لنفسه في كتابه أو أثبتها‬
‫له رسوله‪ ‬في سنته تشبيٌه‪ ،‬غلط فاحش؛ مصادم لكتاب ال وسنة رسوله‬
‫‪ ‬ورد لهما؛ لن التشبيه هو أن يقول المشبه‪ :‬إن ل يللدًا كيللدي‪ ،‬أو سللمعًا‬
‫عليهم بالخلود في النار‪ .‬كما في كتابه هذا‪.‬‬

‫كسمعي‪ ،‬أو بصرًا كبصري‪ ،‬أو حياة كحياتي‪ ،‬أو قدرة كقدرتي‪ ،‬أو كلماً‬
‫ككلمي‪ ،‬فهذا هو التشبيه‪ .‬فمن قال ذلك فقد شّبه ال بخلقه‪ ،‬ومن ش لّبه ال ل‬
‫بخلقه فقد كفر‪.‬‬
‫وأما من أثبت ل ما أثبته ال لنفسه في كتابه وهو أعلم بنفسلله مللن‬
‫خلقه؛ أو أثبته له رسوله‪ ‬في سنته وهللو أعلللم الخلللق بربله وأخشللاهم‬
‫وأتقاهم ل‪ ،‬فهذا ل يسمى تشبيهًا‪ ،‬وإنما هو إثبات لما أثبته ال لنفسلله أو‬
‫أثبته له رسوله‪ ‬في سنته كما قال تعالى‪} :‬ليس كمثله شيء‬
‫وهو السميع البصير{ ]الشلللورى ‪ [ 11‬فقللد نفللى عللن نفسلله‬
‫المماثلة في كل شيء في ذاته وفي أسمائه وصفاته وأفعاله‪ ،‬ثم قال بعللد‬
‫نفي تلك المماثلة }وهو السميع البصير{ فأثبت هذه الصفات‬
‫على ذلك الساس وهكذا في جميع الصفات‪.‬‬
‫وأما دعوى التعدد لللهة بتعدد الصللفات فهللو تصللور فاسللد عق ً‬
‫ل‬
‫وشرعًا‪.‬‬
‫إن هذه الصفات ل من السمع والبصر‪ ،‬والقللدرة‪ ،‬والحيللاة‪ ،‬والكلم‬
‫وغيرها ‪-‬كلها صفات لذات واحدة أي لموصوف واحد‪.‬‬
‫كما قال تعالى‪} :‬ولله السماء الحسنى فادعلللوه‬
‫بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون‬
‫ملا كانوا يعملون{ ] العللراف ‪ [ 180‬وأسللماء الل الحسللنى إذا‬
‫عطلت؛ إذ كيللف يطلللب المسلللم‬
‫جردت من معانيها التي دلت عليها فقد ُ‬
‫النصر ممن ل قدرة له‪ ،‬والرحمة ممن ل رحمة له‪ ،‬و هكللذا فلي جميلع‬
‫أسماء ال الحسنى التي أمرنا ال عز وجل أن نللدعوه بهللا دعللاء عبللادة‬
‫ودعاء مسألة‪.‬‬
‫إن المعتزلة ومن سلك طرقهم الملتوية ومنهم الخليلي الللذي يقللول‬
‫بقولهم‪ ،‬بل يقول إنهم هم يقولون بقوله‪ ،‬فيثبتون لل عللز وجللل السللماء‬

‫مجردة من المعاني فيقولون في وصف الله ‪ :U‬إنلله قللادر بل قللدرة‪ ،‬حليّ‬
‫بل حيللاة‪ ،‬سللميع بل سللمع‪ ،‬بصللير بل بصللر‪ ،‬عللالم بل علللم‪ ،‬رحيللم بل‬
‫رحمة‪ ،‬إلى آخر اللحاد في أسماء ال‪ ،‬تعالى ال عن قولهم علوًا كبيرًا‪.‬‬
‫وللرد عليهم في هذا اللحاد في أسماء ال وتحريفها عن معانيهللا‪،‬‬
‫اقرأ أيها المسلم قللوله تعللالى‪} :‬قد سمع الله قللول الللتي‬
‫تجادلك في زوجهللا وتشللتكي إلللى الللله والللله‬
‫يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير{ ] المجادلة ‪. [1‬‬
‫قال ابن كثير في تفسير الية‪ ):‬قال المام أحمد‪ :‬حدثنا أبو معاوية‬
‫حدثنا العمش ثم ساقه بسنده عن عائشة أم المللؤمنين رضللي الل عنهللا‬
‫قالت‪» :‬الحمد ل الذي وسع سمعه الصوات‪ ،‬لقد جاءت المجادلة إلببى‬
‫النبي‪ ‬تكلمه وأنا في ناحية البيت‪ ،‬ما أسمع ما تقول‪ ،‬فأنزل الب عببز‬
‫وجببل }قللد سللمع الللله قللول الللتي تجادلللك فللي‬
‫زوجها …{ إلى آخر الية)‪ .(121‬ورواه البخاري في كتللاب التوحيللد‬
‫كما روى عنها قالت‪ :‬قللال النللبي‪» :‬إن جبريببل عليببه السببلم نبباداني‬
‫قال‪ :‬إن ال قد سمع قول قومك وما رّدوا عليك«)‪.(122‬‬
‫إن هذه الية الكريمة وتفسيرها من أم المؤمنين عائشة رضي ال ل‬
‫عنها‪ ،‬وقول جبريل عليه السلم لرسول ال ل ‪ r‬بللإن الل قللد سللمع قللول‬
‫قومه له‪ ،‬كافية في الرد على هؤلء المعطلة‪ ،‬نفيهم علن الل عللز وجللل‬
‫‪ () 121‬تفسير ابن كثير )‪ (8/60‬طبعة الشعب‪ .‬وهو في المسند )‪.(6/46‬‬
‫‪ () 122‬وأخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب )وكان ال سميعًا بصيرًا(‪ .‬قال العمش‬
‫عن تميم عن عروة عن عائشة قالت‪» :‬الحمد ل الذي وسع سمعه الصوات فأنزل‬
‫ال تعالى على النبي‪}‬قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجهتتا{«‬
‫رقم )‪ ،(7389‬ورواه ابن ماجة في المقدمة باب‪ :‬فيما أنكللرت الجهميللة )‪) (1/67‬ح‬
‫‪ ،(188‬والطبري في تفسيره )‪.(28/605‬‬

‫صفة السللمع الللتي أثبتهللا لنفسلله وأثبتهللا للله رسللوله‪ ‬وهكللذا تعطيلهللم‬
‫ونفيهم عن ال عز وجل صفات الكمال كصللفة الحيللاة والقللدرة والكلم‬
‫على ما يليق بجلل ال وكماله كمللا قللال تعللالى‪} :‬الله ل إله إل‬
‫هو الحي القيوم‪] {...‬البقلللرة ‪ [255‬وقللوله تعللالى‪} :‬وتوكللل‬
‫على الحي الذي ل يموت{ ]الفرقلللان ‪ [ 58‬وقوله‪} :‬وكلم‬
‫الله موسى تكليما ً{ ] النساء ‪.[ 164‬‬
‫إن هذه الصفات الثابتة ل عز وجل هي صفات لذات واحدة‪ ،‬فللال‬
‫هو الحي‪ ،‬وهو السميع‪ ،‬وهو البصير‪ ،‬وهو الرحيم‪ ،‬وهو القادر‪ ،‬وهللو‬
‫المتكلم‪ .‬فهو واحد وله السماء الحسنى‪.‬‬
‫ففلي صلحيح البخلاري ملن حلديث أبلي هريلرة رضلي الل عنله أن‬
‫رسلول الل‪ ‬قلال‪» :‬إن لب تسببعة وتسببعين اسبمًا مببائة إل واحببدًا مبن‬
‫أحصاها دخل الجنة« )‪ ،(123‬أحصيناه‪ :‬حفظناه‪.‬‬
‫وقللال ابلن عبللاس رضللي الل عنلله‪ » :‬ذو الجلل العظمللة‪ ،‬الللبر‪،‬‬
‫اللطيف«‪.‬‬
‫يقول ابن حجللر رحملله الل تعللالى فللي شللرح كتللاب التوحيللد مللن‬
‫صحيح البخاري وهو يذكر رؤوس الفرق المبتدعللة فقللال‪) :‬وقللد سللمى‬
‫المعتزلة أنفسهم أهل العدل والتوحيد(‪ ،‬وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوه مللن‬
‫نفي الصفات اللهية لعتقادهم أن إثباتها يستلزم التشبيه ومن شبه اللل‬
‫بخلقه فقد أشرك‪ ،‬قال‪ :‬وهم في النفي موافقون للجهمية()‪.(124‬‬
‫وفللي )ص ‪ (378‬فللي شللرح حللديث‪ :‬إن لل تسللعة وتسللعين اسللمًا‬
‫السابق ذكره قال‪) :‬وقال ابن أبي حاتم في كتللاب الللرد علللى الجهميللة(‪:‬‬
‫))‬

‫))‬

‫‪ () 123‬فتللح البللاري كتللاب التوحيللد بللاب‪ :‬إن ل ل مللائة اسللم إل واحللدًا )‪) (13/377‬ح‬
‫‪.(7392‬‬
‫‪ () 124‬فتح الباري )‪.(13/344‬‬

‫ذكر نعيم بن حماد أن الجهمية قالوا‪ :‬إن أسللماء الل مخلوقللة‪ ،‬لن السللم‬
‫غير المسمى‪ ،‬واّدعوا أن ال كان ول وجود لهذه السماء‪ ،‬ثللم خلقهللا ثللم‬
‫تسللمى بهللا‪ ،‬قللال فقلنللا لهللم‪ :‬إن اللل قللال‪} :‬سبح اسللم ربللك‬
‫العلى{ وقال‪} :‬ذلكم الله ربكم فاعبدوه{‪ ،‬فأخبر أنلله‬
‫المعبود ودل كلمه على اسمه بما دل به على نفسه‪ ،‬فمن زعللم أن اسللم‬
‫ال مخلوق فقد زعم أن ال أمر نبيه أن يسبح مخلوقلًا‪ ،‬قللال‪ :‬ونقللل عللن‬
‫إسحاق بن راهويه عللن الجهميللة أن جهملًا قللال‪ :‬لللو قلللت إن لل تسللعة‬
‫وتسعين اسمًا لعبدت تسعة وتسعين إلهًا قال‪ :‬فقلنا لهم‪ :‬إن ال أمر عباده‬
‫أن يلللدعوه بأسلللمائه فقلللال‪} :‬ولللله السللماء الحسللنى‬
‫فادعوه بها{ والسماء جمللع‪ ،‬أقللله ثلثللة‪ ،‬ول فللرق فللي الزيللادة‬
‫على الواحد بين الثلثة والتسعة والتسعين()‪.(125‬‬
‫شَبه الللتي قللامت بللرأس الخليلللي مللن أن إثبللات السللماء‬
‫إن هذه ال ّ‬
‫المتعددة والصفات تدل على التشبيه وعلى التعللدد شللبه قديمللة قللال بهللا‬
‫واعتنقها ودعا إليها رؤسللاء تللك البلدع ملن جهميلة ومعتزلللة‪ ،‬وقلد رّد‬
‫عليهم كما نرى أهل السنة المتمسكون بما جللاء فللي كتللاب ربهللم وسللنة‬
‫نبيهم أمثال‪ :‬نعيلم بلن حملاد‪ ،‬وإسللحاق ابلن راهلويه‪ ،‬وابلن أبلي حلاتم‪،‬‬
‫وعبللدال بلن المبللارك‪ ،‬وغيرهللم مللن أعلم الهللدى‪ ،‬العلمللاء الربللانيون‬
‫المعروفون بعلمهم وفضلهم؛ فقد قال عبدال بن المبارك‪:‬‬
‫قوًل يضارع قول الشرك‬
‫ول أقول بقول الجهبببم إن له‬
‫أحيانًا‬
‫وقال‪ :‬إنا لنحكي كلم اليهود والنصارى ونستعظم أن نحكي قول جهم‬
‫(()‪.(126‬‬
‫))‬

‫‪ () 125‬فتح الباري )‪.(13/378‬‬
‫‪ () 126‬فتح الباري )‪.(13/345‬‬

‫إن قلول الجهميلة والمعتزلللة اللذي سلبق ذكلره فلي نفلي السللماء‬
‫والصللفات‪ ،‬وإن القللول بتعللددها لموصللوف واحللد‪ ،‬معنللاه عبللادة آلهللة‬
‫متعددة عند هؤلء في تصورهم الباطل‪ ،‬إن هذه الشبه القائمة على هذا‬
‫الوهم الفاسد والتصور المنحرف ل قيمة لها عنللد مللن يعقللل مللا يقللول؛‬
‫لن الصفات المتعددة لموصوف واحد تقوم حللتى بللالمخلوق‪ ،‬فللالخليلي‬
‫وغيره من بني آدم يتصفون بصفة السمع‪ ،‬والبصر‪ ،‬والقدرة‪ ،‬والحيللاة‪،‬‬
‫والكلم‪ ،‬وهللو ذات واحللدة‪ ،‬وذلللك حسللب ضللعفه وحللاله‪ ،‬كمللا سلليأتي‬
‫توضيح ذلك‪.‬‬
‫لكن الخليلي‪ -‬هداه ال إلى قول الحق واعتقللاده ل ل يخللالف العقلء فللي‬
‫ذلك ويقول بقول الجهمية والمعتزلة حيث تصّور مثل ما تصّوروه من أنلله‬
‫إذا أثبت ل عز وجل صفة الكلم مع الصفات الخللرى فقللد أثبللت تعللددًا‬
‫للقدماء هكذا يقول‪ ،‬ذلك أن المعتزلة يقولون‪ :‬إن أخص وصف ل ل عللز‬
‫وجل »القدم«‪.‬‬
‫ويتصور أنه إذا أثبت ل عز وجل صفة الكلم فقد أثبت مع ال »‬
‫قديمًا« لعتقاده أن الصفة قائمللة بلذاتها منفصللة علن الموصللوف بهلا‪،‬‬
‫وهذا منشأ ضلل أسلفه‪.‬‬
‫وهو ل يعقل كما ل يعقل أسلفه مللن أن صللفة الكلم قائمللة بلذاته‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬كصفة الحيلاة والقلدرة والسللمع والبصلر وغيرهلا ملن‬
‫صفات الكمال والجلل‪.‬‬
‫فال عز وجل متصف بصفة الكلم‪ ،‬يتكلم متى شلاء وكيلف شلاء كملا‬
‫قال تعالى‪} :‬وكلم الله موسى تكليما ً{ وغير ذلك من اليللات‬
‫الكريمة والحاديث النبوية الشريفة التي تثبت ل لل لل ل صللفة الكلم‬
‫على ما يليق بجلل ال وكماله والتي سيأتي ذكرها في مواضعها لن صللفة‬
‫»الكلم« من الصفات الختيارية‪ ،‬يتكلم متى شاء وكيف شاء ولكن الخليلي‬

‫يخالف هذا ويتوهم أنه إذا أثبت هذه الصفة ل عز وجل فقد اثبللت تعللددًا فللي‬
‫القدماء‪.‬‬
‫وإليك نص كلمه حيث يقول في )ص ‪ (104‬من كتابه هذا‪) :‬وقد كان‬
‫عْلم ال الذي هو من صفات ذاته ول توراة معه‪ ،‬ول إنجيل‪ ،‬ول زبللور‪ ،‬ول‬
‫ِ‬
‫صحف‪ ،‬ول قرآن‪ ،‬وهو الن على ما هو عليه كان‪ ،‬لن الصفات الذاتيللة ل‬
‫يجوز عليها التكثر ول التبديل ول التغيير …( إلى أن قال‪) :‬فالكتب المنزلللة‬
‫إنما هي فلي الحقيقلة ملدلولت علمله‪ ،‬اللذي هلو ملن صلفات ذاتله سلبحانه‬
‫وتعالى‪ ،‬ل هي نفس صلفة العللم اللذي هلو صلفة للذاته القديملة‪ ،‬وإل لكلان‬
‫التللوراة‪ ،‬و النجيللل‪ ،‬و الزبللور‪ ،‬وصللحف إبراهيللم‪ ،‬وموسللى‪ ،‬والقللرآن‪،‬‬
‫وجميع الوحي قديمًا موجودًا في الزل مع ال تعالى بهللذه اللفللاظ المخلوقللة‬
‫المحدثة على كثرتها‪ ،‬فيكون كثير من المخلوقلات قلديمًا موجلودًا فلي الزل‬
‫مع ال القديم الزلي وهذا باطل إذ ل قديم سواه…(اهل‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن هذه الشبهة الللتي قللامت بللذهن الخليلللي وهللي أن تعللدد‬
‫الصفات تدل على تعدد الموصوف شبهة داحضة ل تقللف أمللام الحجللج‬
‫القاطعة من الكتاب والسنة‪ ،‬والعقل السليم غيللر الملللوث بشللبه الجهميللة‬
‫والمعتزلة ومن صار على دربهم من إباضية‪ ،‬ورافضة‪ ،‬وغيرهم ممن‬
‫سلك مسلك أهل الكلم‪ ،‬وترك كتاب رب العباد‪ ،‬وسنة خير النام‪.‬‬
‫وسوف نناقش هذه الشبهة ونبين فسادها تحت العنوان التالي‪:‬‬

‫منتاقشتتة شبهة الخليلي‬
‫ومن اقتدى بهم في أن تعدد الصفات يدل على تعدد‬
‫الذات‬
‫النفللاة لصللفات ال ل عللز وجللل سللمو ذلللك النفللي توحيللد لنلله قللام‬
‫بأذهانهم ‪-‬المريضة بالشبه الفاسللدة‪ -‬أن الصللفة منفصلللة عللن الموصللوف‬
‫بها‪ ،‬وأنها قائمة بذاتها‪ ،‬ولهذا التصور الفاسد نفوا عن ال عز وجل جميللع‬
‫الصفات‪ ،‬كالحياة‪ ،‬والقدرة‪ ،‬والسمع والبصر‪ ،‬والكلم‪ ،‬والعلم‪ ،‬وغير ذلك‬
‫من الصفات الثابتة في كتاب ال عز وجل وسنة رسوله‪ ،‬ولم يثبتللوا لل‬
‫من صفات الكمال إل ما سموه بصفة »القدم« وهو أخص وصف عنللدهم‬
‫ل تعالى‪ ،‬ولهذا قالوا‪) :‬فإذا أثبتنا ل عز وجل هللذه الصللفات ومنهللا صللفة‬
‫الكلم فقد أثبتنا ذوات متعددة قديمة ملع الل فلي الزل‪ ،‬إذ ل قلديم سللواه(‬
‫كما سبق تصلريح الخليللي بلذلك‪ ،‬ثلم مّثلل للذلك التعلدد حسلب زعملله‪:‬‬
‫بالتوراة‪ ،‬والنجيل‪ ،‬والزبور‪ ،‬وصحف إبراهيم وموسى‪ ،‬والقرآن‪ ،‬قللال‪):‬‬
‫وجميع الوحي كلله يكلون قلديمًا موجلودًا فلي الزل ملع الل تعلالى بهلذه‬
‫اللفاظ المخلوقة المحدثة على كثرتها فيكون كللثيٌر مللن المخلوقللات قللديمًا‬
‫موجودًا مع ال القديم الزلي‪ ،‬وهذا باطل إذ ل قديم سواه(‪.‬‬
‫والجواب لتفنيد هلذه الشلبهة القائملة بلذهن الخليللي وملن سلبقه بملا‬
‫يأتي‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬أن قول الخليلي‪) :‬وقد كان علم ال وهو من صفات ذاته(‪.‬‬
‫قد يظن القارئ الذي ل يعرف مذهب النفاة لصفات ال عز وجللل‬
‫كالجهمية والمعتزلة‪ -‬والخليلي واحد منهم‪ -‬أن الخليلللي يثبللت لل صللفة‬
‫»العلم«‪.‬‬
‫ولتوضيح ذلللك للقللارئ‪ ،‬أقببول‪ :‬إن المعتزلللة‪ ،‬ومللن يقللول بقللولهم‬
‫ويعتقد عقيدتهم ينفون عن ال جميع الصفات‪ ،‬وممن يسلك ذلك المسلك‬

‫الخليلي فهللو واحللد منهللم‪ ،‬بللل يقللول إن المعتزلللة يقولللون بقللوله‪ ،‬فهللو‬
‫الصل المؤسس لهذه البدع‪ ،‬فهو ينفي عن ال عزوجل جميع الصللفات‬
‫ومنهللا صللفة » العلللم« والقللدرة‪ ،‬والحيللاة‪ ،‬والكلم‪ ،‬وجميللع الصللفات‬
‫الواردة في كتاب اللل‪ ،‬والثابتللة فللي سللنة رسللول الل‪ ،‬وإنمللا يثبتللون‬
‫أسماء ال مجردة عن المعاني؛ فيقولون‪ :‬إن ال عليم بذاته‪ ،‬حللي بللذاته‪،‬‬
‫قادر بذاته …إلخ ما يذكرونه في هذا الباب أي ليس ل صفة زائدة عللن‬
‫السم‪ ،‬هي‪ :‬صفة العلللم‪ ،‬والحيللاة‪ ،‬والقللدرة؛ ويللدعون أنهلم بهلذا النفللي‬
‫لمعاني أسماء ال ينزهون ال عن مشابهة خلقه‪ ،‬لن أسماء ال ل عنللدهم‬
‫ل تدل على معاني وإنما هي مجردة عن تلك المعاني التي دلت عليها‪.‬‬
‫ومما يوضح ذلك قول الخليلي‪) :‬وقد كان علم الل ‪-‬الللذي هللو مللن‬
‫صفات ذاته‪ -‬ول توراة ول إنجيل ول زبور ول قرآن(‪.‬‬
‫ومعلوم أن القرآن من كلم ال‪ ،‬وكلم ال صفة من صفاته قائمة بلله‬
‫غير منفصلة عنه‪ ،‬وهي ملن الصلفات الختياريلة‪ ،‬فهلو يتكللم ملتى شلاء‬
‫وكيف شاء ومع من شاء‪ ،‬وصفة العلم قائمة بذاته فهو بكل شيء عليم‪.‬‬
‫وال عز وجللل تكلللم بلالتوراة اللتي أنزلهلا علللى موسللى‪ ،‬وكّللم الل‬
‫موسى وسمع موسى عليه السلم كلم ربه عز وجللل وطمللع فللي المزيللد‬
‫من التكريم فطلب من ربلله النظللر إليلله كمللا قللال تعللالى‪} :‬ولما جاء‬
‫موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر‬
‫إليك‪]{...‬العراف ‪.[ 143‬‬
‫ثانيًا‪ :‬وأما قول الخليلي ومن سبقه من أن تعدد الصفات يدل علللى‬
‫ل‪ ،‬ذلللك أن الللذوات ل‬
‫ل ونق ً‬
‫تعللدد الللذوات فللدعوى باطلللة مللردودة عق ً‬
‫يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه‪ ،‬أي أنلله ل توجللد ذات‬
‫مجللردة علن الصللفات إل فللي الفلتراض الللذهني‪ ،‬كملا يفللرض الللذهن‬
‫المحال‪.‬‬

‫وأما في الخارج‪ ،‬فل توجد ذات غير موصوفة فإن هذا محال‪ ،‬ولللو‬
‫لم يكن إل صفة الوجود‪ ،‬فإنها ل تنفك عن الموجود‪ ،‬وال موجود بصفاته‬
‫ل وأبدًا‪.‬‬
‫أز ً‬
‫ولهذا فإن العلماء من أهل السنة يفرقون بين‪:‬‬
‫‪1‬ل قول القائل‪ :‬الصفات غير الذات‪.‬‬
‫‪2‬ل وقوله‪ :‬صفات ال غير ال‪.‬‬
‫فهذا القول الثاني باطل لن مسمى ال يدخل فيلله صللفاته‪ ،‬بخلف‬
‫القول الول وهو مسمى الذات فإنه ل يدخل فيلله الصللفات‪ ،‬ولهللذا قللال‬
‫الخليلي وأئمته المعتزلة »عليم بذاته« كما قال ل الخليلي‪) :‬وقد كان علم‬
‫ال الذي هو من صفات ذاته‪ ،‬ول توراة ول إنجيل … إلخ(‪.‬‬
‫لن المراد أن الصفات زائدة على ما أثبته المثبتون من »الللذات«‬
‫وال تعالى »هو الذات الموصوفة بصفاته اللزمة«‪.‬‬
‫ولهذا قال المام الطحاوي رحمه ال في وصف ال عللز وجللل »مللا‬
‫زال بصفاته« ولم يقل‪ :‬ل زال وصفاته‪ ،‬لن العطف يؤذن بالمغايرة‪.‬‬
‫وكذلك قال المام أحمد بن حنبل رحمه ال ل تعللالى فللي منللاظرته‬
‫للجهمية‪» :‬ل نقول ال وعلمه‪ ،‬ال وقدرته‪ ،‬ال ل ونللوره« ولكللن نقللول‪:‬‬
‫»ال بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد سبحانه«‪.‬‬
‫وقد أورد شارح الطحاوية رحمه ال أمثلة لذلك مللن السللنة فقللال‪:‬‬
‫ت بالللذات المقدسللة الموصللوفة بصللفات‬
‫علْذ ُ‬
‫)فإذا قلت‪ :‬أعوذ بال‪ ،‬فقللد ُ‬
‫الكمال المقدس الثابتة التي ل تقبل النفصال بوجه من الوجوه‪.‬‬
‫ت بصفة من صللفات ال ل تعللالى‬
‫عْذ ُ‬
‫ت‪ :‬أعوذ بعزة ال‪ ،‬فقد ُ‬
‫وإذا قل ُ‬
‫عْذ بغير اللل(‪ .‬قللال‪) :‬وهللذا المعنللى يفهللم مللن لفللظ »الللذات« فللإن‬
‫ولم َأ ُ‬
‫»ذات« في أصل معناها ل تسللتعمل إل مضللافة‪ ،‬أي ذات وجللود‪ ،‬ذات‬
‫قدرة‪ ،‬ذات عز‪ ،‬ذات علم‪ ،‬ذات كللرم‪ ،‬إلللى غيللر ذلللك مللن الصللفات فلل‬

‫»ذات كذا« بمعنى »صاحبة كذا« تلأنيث ذو وهلذا أصللل الكلمللة‪ .‬قللال‪:‬‬
‫فعلم أن الذات ل يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه‪ ،‬وإن‬
‫كان الذهن قد يفرض ذاتًا مجردة عن الصفات كما يفرض المحال‪.‬‬
‫وقد قال‪» :‬أعوذ بعزة ال وقببدرته مببن شببر مببا أجببد وأحبباذر«‬
‫)‪.(127‬‬
‫وقال‪» :‬أعوذ بكلمبات الب التامبات مبن شبر مبا خلبق« )‪ ،(128‬ول‬
‫يعوذ‪ ‬بغير ال‪.‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه ال‪) :‬وقد نص الئمللة لل كأحمللد‬
‫وغيره‪ -‬على أنه ل يجوز الستعاذة بمخلوق‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهذا مما استدلوا به علللى أن كلم الل غيلر مخلللوق‪ ،‬قلالوا‪:‬‬
‫لنه ثبت عن النبي ‪ :r‬أنه استعاذ بكلمات ال وأمر بذلك )‪.(129‬‬
‫وقال ‪» :r‬اللهم إني أعوذ برضاك مببن سببخطك‪ ،‬وبمعافاتببك مببن‬
‫عقوبتك‪ ،‬وأعوذ بك منك« )‪.(130‬‬
‫وقال ‪» :r‬ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا)‪.(132) («(131‬‬
‫وبهللذا يتضللح أن شللبهة الخليلللي ومللن سللبقه إليهللا مللن الجهميللة‬
‫والمعتزلللة ومللن يسلللك مسلللكهم‪ ،‬شللبهة داحضللة تردهللا النصللوص‬
‫الصللريحة مللن كتللاب اللل عللز وجللل فهللو القللائل لعبللاده‪} :‬ولله‬
‫السماء الحسنى فادعوه بها{ والسللماء المجللردة مللن‬
‫‪ () 127‬مسلم في السلم )ح ‪.(2202‬‬
‫‪ () 128‬مسلم )ح ‪.(2708‬‬
‫‪ () 129‬الفتاوى )‪ ،(1/336‬وفتح المجيد )‪.(1/299‬‬
‫‪ () 130‬مسلللم )ح ‪ ،(486‬وابللن أبللي شلليبة فللي المصللنف )‪ ،(10/191‬وابللن مللاجه )ح‬
‫‪ ،(3841‬والمسند )‪.(201 ،6/8‬‬
‫‪ () 131‬أبو داود )ح ‪ ،(5074‬والنسائي )‪.(8/282‬‬
‫‪ () 132‬شرح الطحاوية ‪.100-1/99‬‬

‫معانيها ل تكون حسنى‪ ،‬فكيف يدعو الللداعي دعللاء مسللألة فيطلللب مللن‬
‫ربله الرحمللة وهللو عنلد الخليللي وملن يقلول بقلوله ويعتقلد عقيلدته ل‬
‫يتصف بصفة الرحمة؟‪ .‬ويطلب منه الرزق وهو ل يتصف به؟ ويطلب‬
‫منه النصر وهو ل يتصف بصفة القدرة؟ وهكللذا جميلع صللفات الجلل‬
‫والكمال‪.‬‬
‫إن هذا الضلل المبين في باب أسماء ال علز وجللل وصلفاته هلو‬
‫الذي تصدى له المام مالك رحمه ال ورد على أول مبتدع صدح بهللذه‬
‫البدعة‪ ،‬وذلك حيللن سللأل ذلللك المبتللدع المللام مالللك عللن قللوله تعللالى‪:‬‬
‫}الرحمن على العرش استوى{]طه ‪ [5‬كيف استوى؟‬
‫فقال‪» :‬الستواء معلوم‪ ،‬والكيللف مجهللول‪ ،‬واليمللان بلله واجللب‪،‬‬
‫والسؤال عنه بدعة«‪.‬‬
‫أي‪ :‬معناه من لغة العرب معلوم‪ ،‬وأما الكيف فهللو مجهللول‪ ،‬إذ ل‬
‫يحيط أحد بذات ال ول بصفاته علمًا‪ ،‬فدل هذا على أن صفات ال عللز‬
‫وجل قائملة بله لتنفلك عنله بحلال‪ ،‬وملن دعلاه بصلفة ملن صلفاته‪ ،‬أو‬
‫ع ل مستعيذ به ل بغيره‪ ،‬كما سبق ذكللر قللوله ‪ ‬مللن‬
‫استعاذ بها فإنه دا ٍ‬
‫رواية مسلم‪» :‬أعوذ بعزة ال وقدرته من شر ما أجد وأحاذر«‪.‬‬
‫ولبيان ذلك قال المام الطحاوي رحمه ال في وصف ال عز وجل‪:‬‬
‫)ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه‪،‬لم يللزدد بكلونهم شلليئًا للم يكللن قبلهلم ملن‬
‫صفته‪ ،‬وكما كان بصفاته أزليًا كذلك ل يزال عليها أبديًا(‪.‬‬
‫قال الشارح‪) :‬أي أن الل سللبحانه وتعللالى لللم يللزل متصللفًا بصللفات‬
‫صلل َ‬
‫ف‬
‫الكمال‪ -‬صفات الذات‪ ،‬وصفات الفعل‪ -‬ول يجوز أن يعتقد أن ال ُو ِ‬
‫بصفة بعد أن لم يكللن متصللفًا بهللا‪ ،‬لن صللفاته ‪-‬سللبحانه‪ -‬صللفات كمللال‪،‬‬
‫وفقدها صفة نقص‪ ،‬ول يجوز أن يكون قد حصل لله الكملال بعللد أن كللان‬
‫متصفًا بضده‪.‬‬

‫قال‪ :‬ول َيِرد على هذا صفات الفعل والصللفات الختياريللة ونحوهللا‬
‫ي‪،‬‬
‫كللالخلق والتصللوير‪ ،‬والحيللاء والماتللة‪ ،‬والقبللض والبسللط والطلل ّ‬
‫والستواء والنزول‪ ،‬والغضب والرضا‪ ،‬ونحو ذلك مما وصف بلله نفسلله‪،‬‬
‫ووصفه به رسوله‪ ‬وإن كنا ل ندرك كنهه وحقيقته التي هللي تللأويله‪ ،‬ول‬
‫ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ول متوهمين بأهوائنا‪.‬‬
‫ل معناه معلوم لنا‪ ،‬كما قال المام مالك رضي الل عنله‬
‫ولكن أص ٌ‬
‫لمللا سللئل عللن قللوله تعللالى‪} :‬ثم استوى على العترش{ كيللف‬
‫استوى؟ فقال‪ :‬الستواء معلوم‪ ،‬والكيف مجهللول‪ ،‬واليمللان بلله واجللب‬
‫والسؤال عنه بدعة‪.‬‬
‫قال‪ :‬وإن كانت هذه الحوال تحدث في وقللت دون وقللت كمللا فللي‬
‫حديث الشفاعة‪» :‬إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضببب قبلببه مثلببه‬
‫ولن يغضببب بعببده مثلببه« )‪،(133‬لن هلذا الحللدوث بهللذا العتبلار غيلر‬
‫ممتنع ول يطلق عليه أنه حللدث بعللد أن لللم يكللن‪ ،‬أل تللرى أن مللن تكلللم‬
‫اليوم وكان متكلمًا بالمس ل يقللال‪ :‬إنلله حللدث للله الكلم‪ ،‬ولللو كللان غيللر‬
‫متكلم لفة؛ كالصغر والخرس‪ ،‬ثم تكلللم يقللال‪ :‬حللدث للله الكلم‪ ،‬فالسللاكت‬
‫لغير آفة يسمى متكلمًا بالقوة بمعنللى أنلله يتكلللم إذا شللاء وفللي حللال تكّلملله‬
‫يسمى متكلمًا بالفعل( )‪.(134‬‬
‫وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شللرح الحللاديث الللواردة‬
‫في باب »إن ل تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة«‪:‬‬
‫)قال نعيم بن حماد في»الللرد علللى الجهميللة«‪ :‬دلللت هللذه الحللاديث‬
‫يعنللي الللواردة فللي السللتعاذة بأسللماء ال ل وكلمللاته والسللؤال بهللا‪ ،‬مثللل‬‫‪ () 133‬أخرجه البخاري )ح ‪ ،(4712 ،3361 ،3340‬ومسلم )ح ‪ ،(194‬وأحمد )‪– 435 /2‬‬

‫‪.(436‬‬
‫‪ () 134‬شرح الطحاوية )‪1/96‬ل ‪.(97‬‬

‫أحاديث الباب‪ ،‬وحديث عائشة وأبي سعيد‪» :‬باسم ال ب أرقيببك« وكلهمللا‬
‫عند مسلللم وفللي البللاب عللن عبللادة وميمونللة وأبللي هريللرة وغيرهللم عنللد‬
‫النسائي وغيره بأسانيد جيللاد‪ -‬علللى أن القللرآن غيللر مخلللوق‪ ،‬إذ لللو كللان‬
‫مخلوقًا لم يستعذ بها إذ ل يستعاذ بمخلللوق قللال ال ل تعللالى‪} :‬فاستعذ‬
‫بالله{‪.‬‬
‫وقال النبي ‪» :r‬وإذا استعذت فاستعذ بال«‪.‬‬
‫وقال المام أحمد في»كتاب السنة«‪» :‬قالت الجهمية لمن قال إن ال ل‬
‫لم يزل بأسمائه وصفاته‪ ،‬قلتم بقول النصارى حيث جعلوا معه غيره‪.‬‬
‫فأجابوا‪ :‬بأنا نقول إنه واحد بأسمائه وصللفاته‪ ،‬فل نصللف إل واحللدًا‬
‫بصفاته‬
‫كمللا قللال تعللالى‪} :‬ذرني ومن خلقت وحيللدا ً{ ]الملللدثر‪[11:‬‬
‫وصفه بالوحدة مع أنه كان له لسان وعينللان وأذنللان وسللمع وبصللر‪ ،‬ولللم‬
‫يخرج بهذه الصفات عن كونه واحدًا‬
‫ول المثل العلى«)‪.(135‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا هو الذي يرّدُده الخليللي فلي دعلواه )خللق القلرآن( ليلس‬
‫عنده غيره‪.‬‬
‫فإلى الفصل الول لننظر الشبه التي أوردها ثم الرد عليها‪.‬‬

‫‪() 135‬فتح الباري )‪ (393 /13‬من )ح ‪.(7402 – 7393‬‬

‫يقول ل الخليلي ل في ص )‪ (105‬تحت عنوان‪:‬‬

‫الفصل الول‪ :‬في اختلف المة في‬
‫قدم الكلم وحدوثه‬
‫هذا الفصل الذي استغرق عشرين صفحة من كتابه هذا وذلك مللن‬
‫ص )‪105‬ل ل ‪ (125‬اشللتمل علللى مغالطللات وتلبيسللات كللثيرة وتكللرار‬
‫لبعض الكلم السابق‪ ،‬ولذا فقد رأيللت مللن المناسللب أن أبللرز الفقللرات‬
‫الواضحة من هذا الفصل بحيث تشمل مباحث الفصللل كلهللا‪ ،‬ثللم نتبعهللا‬
‫بالرد على كل فقرة‪ ،‬وقد شمل هذا الفصل الفقرات التالية‪:‬‬
‫الفقرة الولى وتشمل التي‪:‬‬
‫أ ل قوله‪) :‬إن من القضايا التي شغلت بال المة وأحدثت بينها شقاقًا‬
‫كبيرًا ووزعت طوائفها عزين‪ ،‬قضللية كلم الل تعللالى المنللزل هللل هللو‬
‫حادث أو قديم(؟‬
‫قال‪):‬وقد جّرهم هذا إلى الكلم النفسي والخوض فيلله‪ ،‬والخللوض‬
‫بين إثباته ونفيه(‪.‬‬
‫ثم قللال‪):‬ولللن أتكلللم فللي هللذه المبللاحث ول مناقشللتها إل بقللدر مللا‬
‫يضطرني إليه التمهيد لشرح ما نقملله النللاقمون علللى »الباضللية« مللن‬
‫القللول بخلللق القللرآن المنللزل علللى سلليدنا محمللد عليلله أفضللل الصلللة‬
‫والسلم(‪.‬‬
‫ب ل ذكر أن من طوائف هذه المة من ينكر الكلم النفسي رأساً لل‬
‫وهم المعتزلة ل اكتفاء في نفي الخرس عن ال بإثبات صفة القدرة‪.‬‬
‫قال‪ ):‬وكما مّر بك أن أصحابنا والشعرية وجمهور المة متفقون‬
‫على إثباته ثم قال‪ :‬ولعلك استوضحت تفرقة أصحابنا بينه وبين القللرآن‬
‫وسائر الكتب المنزلة مما نقلته عن صاحب المعالم وعن المام ابن أبي‬

‫نبهان‪ ...‬إلى أن قال‪ :‬وقد التبست هللذه الفللروق علللى كللثير مللن النللاس‪،‬‬
‫فأدى بهم ذلك إلى النزاع والشقاق في القرآن هللل هللو مخلللوق أو غيللر‬
‫مخلوق؟(‬
‫جل ل قال‪) :‬وقد أشعل نار هذه الفتنة بعض الدخلء في المة الذين‬
‫تقمصوا السلم لحاجات في نفوسهم أرادوا قضاءها‪ ،‬أهمها إذكاء نللار‬
‫الفتنة بين طوائف المللة وتقسلليمها إلللى شلليع وأحللزاب كلل حللزب بملا‬
‫لديهم فرحون(‪.‬‬
‫د ل ثم قال‪) :‬ولعل رأس هؤلء »أبا شاكر الديصاني« الذي قيللل‬
‫عنه إنه يهودي تظاهر بالسلم‪ ،‬كما كان سلفه »بولس اليهودي« الذي‬
‫مزق أتباع المسيح عليه السلم بما أججه بينهم من نار الخلف(‪.‬‬
‫الفقرة الثانية‪ :‬اعترافه بللأن الرعيللل الول مللن السلللف الصللالح‪،‬‬
‫مضى إلى ربه قبل أن تسمع آذانهم طنينًا من القول في هذا الموضوع‪.‬‬
‫الفقرة الثالثة‪ :‬اعتراف الخليلي بأن علمللاء عمللان المتللأخرين هللم‬
‫الذين قالوا بخلق القرآن‪ ،‬فهذه الفقرات هي خلصة ما اشتمل عليه هللذا‬
‫الفصل‪.‬‬
‫وإليك أيها القارئ الكريم الرد المفصل على هذه الفقرات‪:‬‬

‫الرد على الفقرة الولى ‪:‬‬
‫قوله‪ ):‬إن سبب إشعال الفتنة في كلم ال المنزل هل هو حللادث‬
‫أو قديم؟ وقد جرهم هذا إلى الكلم النفسي …( إلخ‪.‬‬
‫والجواب على هذه الفقرة‪ :‬إن هذا التعبير عن كلم ال ل ‪» :U‬هللل‬
‫هللو حللادث أو قللديم« مللن بنيللات أفكللار أهللل الكلم‪ ،‬لن المعتزلللة ل ل‬
‫والخليلي واحد منهم‪ ،‬يقول بقولهم ل تصوروا أن الصللفات قائمللة بللذاتها‬
‫وليست قائمة بالموصوف‪ ،‬وأن الِقَدم أخص وصف ل ‪ ،U‬فإذا أثبتوا ل‬
‫صفة الكلم أو غيرها من الصفات فقد أثبتوا تعدد القدماء‪ ،‬وهذا كفر‪.‬‬
‫فهذا هو الذي يقصده الخليلللي مللن كلملله‪ :‬هللل كلم الل قللديم أو‬
‫حادث؟ وقد سبق الرد على قضية تعدد الصفات‪.‬‬
‫وقوله )أو حادث( يقصد مللن كلمللة )حللادث( مخلللوق‪ ،‬فهللو يعللبر‬
‫بالحدوث عن الخلق‪.‬‬
‫وأهل السنة والجماعة يقولون بما جاء في الكتاب والسنة وهو أن‬
‫ال عزوجل موصوف بصفات الجلل والكمال‪ ،‬وأن صفاته قائمة بذاته‬
‫كالحياة‪ ،‬والرادة‪ ،‬والقدرة‪ ،‬والكلم وغيرهللا مللن الصللفات الثابتللة فللي‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬وأن ال متصللف بصللفة الكلم‪ ،‬وعّرفللوا كلم الل عللز‬
‫وجل بقولهم‪ :‬قديم النوع حادث الحاد‪ :‬أي أن ال عز وجل يتكلللم مللتى‬
‫شللاء وكيللف شللاء وأن مللن كلملله الكتللب المنزلللة التللوراة والزبللور‬
‫والنجيل والقرآن وغيرها‪ ،‬وأنه كّلم موسى تكليمًا‪ ،‬ويكّلم من يشاء مللن‬
‫خلقلله‪ ،‬وأن التلوراة غيلر النجيلل‪ ،‬والنجيلل غيلر القللرآن‪ ،‬وأنله يكّللم‬
‫عباده يوم القيامللة كمللا جللاءت بللذلك النصللوص‪ ،‬لن صللفة الكلم مللن‬
‫الصفات الختيارية فال عزوجل يتكلم متى شاء وكيف شاء‪ ،‬وقللد تقللدم‬
‫شبهة الخليلي في قوله‪) :‬وقد كان علم ال الذي هللو مللن صللفات‬
‫مناقشة ُ‬
‫ذاتلله‪ ،‬ول تللوراة ول إنجيللل ول زبللور …( إلللى قللوله‪) :‬بهللذه اللفللاظ‬

‫المخلوقللة المحدثللة‪ ،‬علللى كثرتهللا فيكللون كللثير مللن المخلوقللات قللديماً‬
‫موجودًا في الزل مع ال القديم الزلي‪ ،‬وهللذا باطللل إذ ل قللديم سللواه(‬
‫)ص ‪ (179‬وما بعدها تحت عنوان مناقشة شبهة الخليلي ومللن اقتللدى‬
‫بهم في أن تعدد الصفات تدل على تعدد الذات((‪.‬‬
‫ولهذا قال المام الطحاوي رحمه ال في الللرد علللى هللذه الشللبهة‪:‬‬
‫)وما زال بصفاته‪ (...‬ولم يقللل‪ :‬ل زال وصللفاته‪ ،‬لن العطللف يقتضللي‬
‫المغايرة‪.‬‬
‫وكذلك قال المام أحمد بن حنبل رحمه ال في مناظرته للجهميللة‪:‬‬
‫)ل نقول‪ :‬ال وعلمله‪ ،‬ال وقدرتله‪ ،‬ال ونوره‪ ،‬ولكللن نقللول الل بعلملله‬
‫وقدرته ونوره هو إله واحد سبحانه()‪.(136‬‬
‫والحقيقة أن هذه الفكار المنحرفة عن منهج أهل السنة والجماعة‬
‫في‬
‫صفات ال عز وجل جاءت من طريق أعداء ال‪ ،‬الذين قضى السلم‬
‫بنللوره علللى بللاطلهم لل اليهللود والمجللوس وغيرهللم‪ -‬ممللن عجللزوا عللن‬
‫مواجهة السلم وأهله بالقوة فلجؤوا للكيد له من داخله بدءًا بفتنة عبللدال‬
‫بن سبأ(( الذي دخل السلم نفاقًا ثم ادعى الوصية بالخلفة لعلللي بللن أبللي‬
‫طالب رضي ال عنه من الرسول ‪ ‬مباشرة‪ ،‬وأن الصحابة كتموا تلك‬
‫الوصللية‪ ،‬مخللالفين أمللر رسللول الل‪ ‬حسللب زعملله‪ ،‬ثللم حكللم عليهللم‬
‫بالكفر‪ ،‬وأّلب الرعاع علللى قتللل الخليفللة الراشللد عثمللان بللن عفللان ذي‬
‫النورين‪ ،‬الذي تسللتحي منلله ملئكللة السللماء فقتللل مظلوملًا‪ ،‬وقللد ورث‬
‫أفكاره طللوائف منهللم الرافضللة‪ ،‬فحكمللوا علللى صللحابة رسللول الل‪‬‬
‫بالرّدة إل النفللر اليسللير‪ ،‬ومللن أولئك اليهللود الزنادقللة‪ ،‬الللذين تقمصللوا‬
‫لباس السلم‪ ،‬كما قلال الخليللي فلي كتلابه هلذا )ص ‪105‬لل ‪) :(106‬وقلد‬
‫))‬

‫))‬

‫‪ () 136‬انظر شرح الطحاوية )‪1/96‬ل ‪.(97‬‬

‫أشعل نار الفتنة بعض الدخلء في المة‪ ،‬الذين تقمصوا السلم لحاجات في‬
‫نفوسللهم أرادوا قضللاءها‪ ،‬كللأبي شللاكر الديصللاني اليهللودي الللذي تظللاهر‬
‫بالسلم وأشعل هذه الفتنة(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومنها القول بخلق القرآن‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن قول الخليللي هلذا هلو الصلحيح‪ ،‬أن أولئك اللدخلء ملن‬
‫اليهود وغيرهم أرادوا القضاء على السلم وأهله بهذا السلوب المللاكر‪،‬‬
‫حين عجزوا عن مواجهة السلم في الظاهر‪ ،‬فهللؤلء الللدخلء اختلطللوا‬
‫ضلالة فللي المجتمللع السلللمي‪ ،‬ومللن هللذه‬
‫بالمسلمين ونشروا أفكللارهم ال ّ‬
‫الفكار الضللالة المضلللة القللول )بخلللق القللرآن( وإل لللم يكللن هللذا القللول‬
‫معروفًا عند الصحابة والتابعين‪.‬‬
‫وقد تقبل بعض المسلمين )كالمعتزلة( وبعض )الباضية( والزيديللة‬
‫وغيرهم تلك الفكار المنحرفة البعيدة كل البعد علن هلدي كتلاب الل علز‬
‫وجل وسنة رسول ال صلى ال عليله وسللم الللذين جملع الل بهملا شلمل‬
‫المة بعد تفرقها وتشتتها وتناحرها‪ ،‬وكانوا شيعًا وأحزابًا كملا قللال تعلالى‬
‫ممتنًا على عباده‪} :‬واذكروا نعمة الله عليكللم إذ كنتللم‬
‫أعللداء فللألف بيللن قلللوبكم فأصللبحتم بنعمتلله‬
‫إخوانا ً …{ ] آل عمران ‪.[103‬‬
‫ولهذا قال صلى ال عليه وسلم‪» :‬تركت فيكم ما إن تمسكتم به لببن‬
‫تضلوا أبدًا كتاب ال وسنتي« )‪.(137‬‬
‫فعللرف أعللداء السلللم أن اجتمللاع المللة السلللمية علللى اليمللان‬
‫بكتاب ربها للللل وسنة نبيهللا صللى الل عليله وسللم وأن التمسلك بهلا‬
‫سبب عظيم في عزها وقوتها‪ ،‬وامتداد سللعادتها فللأدخلوا أفكللارهم المنحرفللة‬
‫على المسلمين في باب أسماء ال ل وصللفاته‪ ،‬ونشللروها بينهللم تحللت سللتار‬
‫‪ () 137‬الدارقطني ‪ 4/245‬ح رقم ‪.149‬‬

‫التنلزيه ل عز وجل عن مشابهة المخلوقين‪ ،‬ومن تلك الصفات الللتي نفوهللا‬
‫عن ال عز وجل صفة )الكلم( فقالوا‪ :‬إن الكلم ل يصدر إل عن لسللان‬
‫وشفتين وهذه من صفات المخلوقين‪ ،‬فلو أثبتنا ل صفة الكلم فقللد شللبهناه‬
‫بخلقه ومن شبه ال بخلقه فقد كفر‪ ،‬ولّما تقّبل بعللض المسلللمين كالمعتزلللة‬
‫والزيدية وبعض الباضلية وملن يلدعي السللم كالرافضلة تللك الفكلار‬
‫صل َ‬
‫ل‬
‫ل بمللراد أولئك الللدخلء ‪َ -‬و َ‬
‫الضالة ‪-‬وقد يكون ذلك من بعضللهم جه ً‬
‫أعداء السلم إلى أهللدافهم‪ ،‬وهللي إثللارة الفتنللة وتمزيللق المللة‪ ،‬كمللا قلال‬
‫الخليلي اللذي وقلع فلي ذاك الشللباك اللذي نصلبه )أبللو شللاكر الديصلاني(‬
‫اليهودي الذي ذكر الخليلي أنه دخل في السلم وتقمص ثوبه نفاقًا‪ ،‬فللإن‬

‫أول فتنة أثيرت ومزقللت شللمل المللة القللول )بخلللق القللرآن( فللي عهللد‬
‫المأمون والمعتصم‪ ،‬اللذين حمل المة على القول بخلق القرآن وقد قتل‬
‫ضرب المام أحمللد‬
‫في تلك المحنة عدد من علماء أهل السنة وسجنوا و ُ‬
‫بن حنبل رحمه ال ضربًا مبرحًا حتى أغمي عليه‪.‬‬
‫ل عللن‬
‫وقد ثبت أن أول من قال بخلق القللرآن الجعللد بللن درهللم نق ً‬
‫اليهود وإليك سلسلة ذاك السناد‪.‬‬
‫يقول ابن الثيللر فللي كتللاب » الكامللل « ) ‪ (7/75‬فللي الحللديث عللن‬
‫التعطيل والتصريح بخللق القلرآن‪ :‬قلال‪) :‬وقلد نشلر هلذه المقاللة لل يعنلي‬
‫التعطيللل‪ -‬وحمللل لواءهللا الجهللم ابللن صللفوان المتللوفى سللنة ) ‪128‬هللل(‬
‫ل‪ ،‬وقد أخذ مقالته في نفي صفات الل تعلالى علن الجعللد بلن درهللم‪،‬‬
‫مقتو ً‬
‫والجعد أخذ التعطيل عن أبان بن سمعان‪ ،‬وأخذ أبان عللن طللالوت‪ ،‬وأخللذ‬
‫طالوت عن خاله لبيد بن العصم اليهودي الساحر الذي سحر رسول ال ل‬
‫‪ ‬وكان لبيد زنديقًا يقول بخلق التوراة( اهل‪.‬‬
‫فهذا السناد المظلم‪ ،‬المسلسل باليهود هو سند المعطلللة الجهميللة‪،‬‬
‫ومن يقول بقولهم في نفي صللفات الل عللز وجللل‪ ،‬ومللن تلللك الصللفات‬

‫صفة الكلم والقول‪ :‬بأن )القرآن مخلوق( كسائر المخلوقات من النس‬
‫والجللن والسللموات والرض وغيرهللا مللن مخلوقللات اللل كمللا يقللول‬
‫الخليلي‪ ،‬فهذا هو السبب الحقيقي في إثللارة الفتللن الللتي ذهللب ضللحيتها‬
‫عدد كبير من علماء أهل السنة والجماعة في عهد المللأمون والمعتصللم‬
‫والواثق حلتى رفعلت المحنلة علن المللة عللى يلد المتوكللل اللذي رفلع‬
‫المحنة بخلق القرآن‪ ،‬وأظهر السنة وأمر بنشر الثار النبوية)‪.(138‬‬
‫وقد كان لثبات المام أحمد بن حنبل ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬إمللام أهللل‬
‫السنة والجماعة الفضل بعد الل عللز وجللل الللذي ثّبتلله علللى الحللق فللي‬
‫كشف الغمة عن المة‪.‬‬
‫فقد بين أن‪ :‬القرآن كلم ال‪ ،‬وكلملله صللفة مللن صللفاته وبكلملله‬
‫يخلق الشياء المخلوقة‪ ،‬كما قللال تعللالى‪} :‬إنما أملره إذا أراد‬
‫شيئا ً أن يقول له كن فيكون{‪.‬‬
‫وقد طلب من مناظلريه بين يدي المعتصم أن يأتوا بآية من كتاب‬
‫ال عز وجل أو بحديث من سنة رسلول ال‪ ‬يللدلن )علللى أن القللرآن‬
‫مخلوق( فعجزوا‪.‬‬
‫فهذا هو السبب لشعال الفتنة بين المسلللمين‪ ،‬وليللس قللول الخليلللي‬
‫أن سللبب إشللعال الفتنللة‪ :‬هللل كلم الل المنللزل حللادث أو قللديم؟ لن هللذا‬
‫الصطلح نفسه أدخله أهلل البلدع الخلذين عقلائدهم ملن أفكلار اليهلود‪،‬‬
‫القائلين بأن القرآن مخلوق أخذًا عن لبيللد ابللن العصللم اليهللودي السللاحر‬
‫الذي كان يقول )بخلق التوراة( كما تقدم نقل ذلك عن ابلن الثيلر وغيلره‪،‬‬
‫وأن أول من نشر المقالة هذه الجهم بن صفوان‪ ،‬وقد أخللذها عللن الجعللد‬
‫بن درهم أول ملن قلال بخللق القلرآن)‪ (139‬فلي المللة السلللمية‪ ،‬وتلقللف‬
‫‪ (1) 138‬تأريخ السلم ‪ /‬للمام الذهبي ج ‪/ 1‬ص ‪.141‬‬
‫‪ () 139‬انظللر‪ :‬البدايللة والنهايللة )‪،9‬ل ‪ ،(404/ 10‬ولسللان الميللزان )‪ ،(2/105‬والنجللوم‬

‫أفكاره المعتزلة‪ .‬وقد أخمدت هذا الفتنلة فلي زملن المتوكللل‪ ،‬والن يلذكي‬
‫نارهللا الخليلللي بكتللابه هللذا‪ ،‬مللع اعللترافه بللأن الللذين أشللعلوا نللار الفتنللة‬
‫الزنادقة‪ ،‬ومن هؤلء أبو شاكر الديصاني اليهودي‪ ،‬الذي ذكره فللي كتللابه‬
‫وأنه تقّمص لباس السلم لثارة الفتنة‪.‬‬
‫والسؤال الموجه للخليلي‪ :‬هل قال أبو شاكر الديصاني اليهودي عللن‬
‫القرآن الكريم‪ :‬أنه كلم ال تكلم ال به فسمعه منه جبريل ل عليه السلللم ل ل‬
‫ونزل به على محمد‪ ‬فأثار الفتنة بهذا القول؟‬
‫أو قال‪ :‬القرآن مخلوق‪ ،‬كما قال الجعد بن درهم الذي ينتهللي إسللناد‬
‫مقالته إلى لبيد بن العصم اليهودي؟ وبهذا القول أخللذ المعتزلللة‪ ،‬وطائفللة‬
‫من الباضية المتأخرين فثارت الفتنة وتفرقت المة؟‬
‫ولن يستطيع الخليلي أن يقبول أنبه قبال ببالقول الول‪ ،‬لن الواقبع‬
‫يشهد بخلف ذلك‪.‬‬
‫ثم تحدث الخليلي عن الكلم النفسي‪ ،‬فذكر أن المعتزلة ينكرونلله‪،‬‬
‫ن الباضية والشعرية يثبتونه ثم قال‪) :‬وجمهور المة علللى‬
‫ثم قرر أ ّ‬
‫إثباته( كما في )ص ‪ (105‬من كتابه هذا‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن دعواه على جمهور المة أنهم يقولون بالكلم النفسي‪،‬‬
‫دعوى باطلة ل دليل عليها‪ ،‬فعلماء سلف المللة وخلفهللا جميعلًا يللردون‬
‫علللى مللا يسللمى بللالكلم النفسللي لنلله ل ُيّعللد كلملًا‪ ،‬ول يلترتب عليلله‬
‫أحكام‪.‬‬
‫وقد سبقت مناقشة الخليلي في الرد على ما جاء في المقدمة تحت‬
‫عنللوان‪ :‬مناقشللة الخليلللي فللي الكلم النفسللي( )ص ‪ (161‬ودحللض‬
‫كلمه‪ ،‬ومنه استدلله ببيت الخطل النصراني‪ ،‬فل حاجة لعادته‪.‬‬
‫))‬

‫الزاهرة )‪ ،(1/322‬وتقدم )ص ‪.(158‬‬

‫فهذا هو الرد على الفقلرة الولللى‪ ،‬وننتقلل إلللى الللرد عللى الفقللرة‬
‫الثانية وبيان مغالطاته بعد اعللترافه أن الرعيللل الول مضللى إلللى ربلله‬
‫ولم تسمع آذانهم طنينًا من القول في هذا الموضوع‪.‬‬
‫الرد على الفقرة الثانية من الفصل الول‪:‬‬
‫وتشمل التي‪:‬‬
‫ل اعتراف الخليلي بأن الرعيل الول مللن السلللف الصللالح مضللى‬
‫إلى ربه قبل أن تسمع آذانهم طنينًا من القول في هللذا الموضللوع‪ ،‬هكللذا‬
‫يقول‪ ،‬ولكنه يغالط ويلبس القول على القارئ‪ ،‬فُيقّول السلف الصالح مللا‬
‫لم يقولوا‪ ،‬ويدعي عليهم دعوى دون دليل‪.‬‬
‫وإليك شرحه للجملة التي قال فيها‪ »:‬بأن السلف الصالح مضى إلللى‬
‫ربه قبل أن تسمع آذانهم طنينًا في هذا الموضوع«‪ ،‬فيقللول‪) :‬وإنمللا كللانوا‬
‫مجمعين على أن الل خللالق كللل شلليء ومللا سللواه مخلللوق‪ ،‬وأن القللرآن‬
‫كسائر الكتب المنزلة كلم ال ووحيلله وتنزيللله‪ ،‬وهللذا الللذي اتفقللت عليلله‬
‫كلمة المسلمين بُعَمان في عهد المام المهنا ابلن جيفلر( إللخ )ص ‪( 106‬‬
‫هكذا يقول‪ ،‬وهلو كلٌم مغّللف ل يلدركه إل ملن يعلرف عقلائد المعتزللة‪،‬‬
‫ومن يقول بقولهم ويعتقد عقيدتهم في كلم ال عز وجل‪ ،‬وقولهم الصريح‬
‫أن القرآن الكريم مخلوق‪ ،‬وهو ما يصرح بله المؤللف الخليللي فلي كتلابه‬
‫هذا‪ ،‬وإليك الجواب لكشف هذه المغالطة فنقول‪:‬‬
‫أما قوله‪) :‬إن الرعيل الول من السلف الصالح مضى إلى ربه قبللل‬
‫أن تسمع آذانهم طنينًا من القول في هذا الموضللوع( فللذلك حللق‪ ،‬وهللو أن‬
‫السلف الصالح من الصحابة والتلابعين لهلم بإحسلان للم يتحلدثوا فلي هلذا‬
‫الموضوع‪ ،‬بل كانوا مؤمنين مصدقين بأن‪ :‬القرآن كلم ال عزوجل تكّلللم‬
‫ال به حقيقة كيف شاء‪ ،‬وسمعه منه جبريل عليه السلللم‪ ،‬ونللزل بلله عللى‬
‫محمد‪ ‬وأمره ال أن يدعوا الناس به‪.‬‬

‫وكان يعرض نفسه‪ ‬علللى القبللائل ويطلللب منهللم أن يعينللوه علللى‬
‫تبليغ الناس كلم ربه‪.‬‬
‫فقد روى المام الحافظ ابن منلده فلي كتلاب التوحيلد بإسلناده علن‬
‫جابر بن عبدال رضي ال عنه قال‪» :‬كان رسول ال‪ ‬يعببرض نفسببه‬
‫بالموقف ويقول‪ :‬إن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلم ربي« )‪.(140‬‬
‫وقد مضى الجيل الول على هذا العتقاد‪.‬‬
‫وأما قوله‪) :‬وإنما كانوا مجمعيللن أن الل خللالق كللل شلليء( ‪،‬فهللذا‬
‫موضللوع المغالطللة والتلللبيس علللى القللارئ‪ ،‬الللذي ل يعللرف عقيللدة‬
‫المعتزلة في القرآن الكريم وتلبيساتهم على الخريللن‪ ،‬ويمثللل المؤلللف‬
‫الخليلي عقيدة المعتزلة في كلم ال‪ ،‬وفي القرآن الكريم الذي تكّلللم ال ل‬
‫بلله وسللمعه منلله جبريللل عليلله السلللم‪ ،‬ونللزل بلله علللى محمللد‪ ‬وهللو‬
‫الرسول المين‪ ،‬والخليلي الذي يعتقد )خلق القرآن( ويللدعو لللذلك يريلد‬
‫أن يدخل كلم ال عز وجل فللي عمللوم قللوله تعللالى‪} :‬الله خالق‬
‫كل شيء{ وأن القرآن الكريم شيء‪ ،‬فهو مخلوق‪.‬‬
‫وهذه شنشنة عرفت فللي عهللد المللام أحمللد بللن حنبللل رحملله الل‬
‫تعللالى وعلمللاء السلللف‪ ،‬وردوهللا علللى أصللحابها بالدلللة الصللريحة‬
‫والحجج القاطعة‪ ،‬وأخمدوا لهيبها بنصوص القرآن وصحيح السنة‪.‬‬
‫وكلم الخليلي هو عين الفتراء على السلللف‪ ،‬فللإن السلللف الصللالح‬
‫الذين يشلير إليهللم للتغطيللة علللى عقيللدته الباطلللة فللي القللرآن الكريللم‪ ،‬لللم‬
‫يدخللوا كلم ال عز وجل‬
‫في المخلوقات‪ ،‬لن ال عز وجللل خلللق المخلوقلللات كلللللها )بكلملله(‪،‬‬
‫كما قال تعالى‪} :‬إنما أمره إذا أراد شيئا ً أن يقول له‬
‫‪ () 140‬رواه أبو أحمد الزبيري وغيره عللن إسلرائيل ح )‪ ،(617‬وأخرجلله الللدارمي فللي‬
‫فضائل القرآن باب القرآن كلم ال )‪ (2/317‬ح )‪.(3357‬‬

‫كن فيكون{‪ ،‬فكلمة )كن( في الية هللي الللتي يخلللق الل بهللا مللا‬
‫يشاء من المخلوقات كلها‪ ،‬فالسلف مجمعللون علللى أن المخلوقللات كلهللا‬
‫من سموات وأرض وبحار وجبال وأشجار‪ -‬السللموات والرض ومللا‬‫لل أحلٌد فلي الخللق‪ .‬فللله‬
‫فيهما وما بينهما كلها من خلق ال للم يشلارك ا َ‬
‫الخلق والمر‪.‬‬
‫قللال تعللالى‪ .…} :‬ولله ملللك السللموات والرض‬
‫وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء‬
‫قدير{ ] الملللائدة ‪ [ 17‬وقللال تعللالى‪} :‬إن مثل عيسى عند‬
‫الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال للله كللن‬
‫فيكون{ ] آل عمران ‪ [ 59‬فكلم ال عز وجل صفة من صللفاته والل‬
‫عز وجل بصفاته خالق وما سواه مخلللوق‪ ،‬وقللد خلللق المخلوقللات كلهلا‬
‫بقوله للشلليء )كللن(‪)،‬وكللن( مللن كلملله فل يجللوز إدخللاله فللي عمللوم‬
‫المخلوقات لنه من صفاته‪ ،‬والقول بأن صفة مللن صللفات ال ل مخلوقللة‬
‫كفر‪.‬‬
‫وقللد سللأل المشللركون رسللول ال ل‪ ‬أن يصللف لهللم ربلله الللذي‬
‫يدعوهم لعبادته وحده فأنزل ال سورة الخلص‪:‬‬
‫}قل هو الله أحد‪ .‬الله الصمد‪ .‬لم يلد ولللم‬
‫يولد‪ .‬ولم يكن له كفوا ً أحد{‪.‬‬
‫ولكن! أتدري أيها القارئ الكريم من أين اسللتقى المؤلللف الخليلللي‬
‫هذا التعبير؟ لنه كما يقال‪ :‬إذا ظهر السبب بطل العجب‪ ،‬إنه أخللذه مللن‬
‫سلفه ل ل من السلف الصالح ل أخذه من )بشر المريسي( المعتزلي الذي‬
‫يفتخر الخليلي بأنه يقول بقوله في القرآن الكريم‪.‬‬
‫وقد تولى مناظرة )بشللر المريسللي( المللام )عبللدالعزيز الكنللاني(‬
‫فدحض كيده وأبطللل حجتلله بيللن يللدي )المللأمون( الللذي اعتنللق مللذهب‬

‫المعتزلة في القرآن الكريم حينما لبسوا عليه بقصد التنزيه ل عز وجل‬
‫عن مشابهة المخلوقين‪.‬‬
‫وقد حمل المأمون العلماء على القول بأن القللرآن مخلللوق فللامتنع‬
‫علماء السلف من أهل السنة عن هذه البدعللة‪ ،‬فقتللل مللن قتللل‪ ،‬وضللرب‬
‫من ضرب‪ ،‬وحبللس مللن حبللس‪ ،‬حللتى أنقللذ الل علمللاء السلللف والمللة‬
‫السلمية من هذا العتقاد الباطل المؤدي إلى الكفر بثبات المام أحمللد‬
‫بن حنبل رحمه ال تعالى‪ ،‬وقد سميت تلك المحنة بمحنللة القللول )بخلللق‬
‫القرآن(‪ .‬والغرض هنلا الشللارة إللى أن قللول الخليللي هلو قللول )بشللر‬
‫المريسي بعينه( ‪.‬‬
‫وإلى القارئ طرفًا من ذلك ليعلم أن تلك العقللائد المخالفللة للكتللاب‬
‫والسنة ومنهج سلف المة التي فرقت كلمللة المسلللمين ل زالللت سللارية‬
‫في المجتمع السلمي لها دعاتهللا المناضلللون عنهللا بكتبهللم المنشللورة‪.‬‬
‫وإليك أدلة )بشر المريسي( فلي تللك المنلاظرة اللتي عقلدت بينله وبيلن‬
‫المام )عبدالعزيز الكناني(‪.‬‬
‫قال‪ :‬بشر للكناني‪) :‬تقول القرآن شلليء أم غيللر شلليء؟ فللإن قلللت‪:‬‬
‫إنه شلليء أقللررت أنلله مخلللوق‪ ،‬إذ كللانت الشللياء كلهللا مخلوقللة بنلص‬
‫التنزيل‪ ،‬وإن قلت إنه ليس بشيء فقد كفرت لنلك تزعلم أنله حجلة الل‬
‫علللى خلقلله وأن حجللة اللل ليسللت بشلليء(‪ .‬هكللذا سللرد حجتلله بهللذا‬
‫السلوب‪ ،‬وبعد أن رد الكنلاني علللى هللذا السلللوب المخلالف لسلللوب‬
‫المناظرة ودحضه بالحجة والبرهان ل كما تجد ذلك مبسوطًا في رسالته‬
‫)الحيدة(‪.‬رد على هذه المقالة فقال‪ :‬إن ال عز وجل أجرى على كلمه‬
‫ما أجراه على نفسه إذ كان كلملله ملن صلفاته فللم يتسلم بالشلليء‪ ،‬وللم‬
‫يجعل الشيء اسمًا من أسمائه‪ ،‬ولكنه دل علللى نفسلله أنلله شلليء وأكللبر‬
‫الشياء‪ ،‬إثباتًا للوجود‪ ،‬ونفيلًا للعللدم‪ ،‬وتكللذيبًا منلله للزنادقللة والدهريللة‪،‬‬
‫))‬

‫ومن تقدمهم ممن جحد معرفته‪ ،‬وأنكر ربوبيته من سللائر المللم‪ ،‬فقللال‬
‫عز وجل لنبيه محمد‪} :‬قل أي شيء أكبر شهادة قل اللتته‬
‫شهيد بيني وبينكم{ ] النعام ‪ [ 19‬فدل عللى نفسله أنله شلليء ليلس‬
‫كالشياء‪ ،‬وأنزل في ذلك خللبرًا خاصلًا مفللردًا لعلملله السللابق أن جهملًا‬
‫وبشرًا ومن قال بقولهما سيلحدون فللي أسللمائه‪ ،‬ويشللبهون علللى خلقلله‪،‬‬
‫ويدخلونه وكلمه في الشللياء المخلوقللة قللال تعللالى‪} :‬ليس كمثله‬
‫شيء وهو السميع البصير{ فأخرج نفسه وكلملله وصللفاته مللن‬
‫الشياء المخلوقة بهذا الخبر‪ ،‬تكذيبًا لمن ألحد في كتابه‪ ،‬وافترى عليلله‪،‬‬
‫وشبهه بخلقه‪ ،‬قال تعالى‪} :‬ولله السماء الحسنى فادعوه بها‬
‫وذروا الذين يلحدون فتتي أستتمائه ستتيجزون متتا كتتانوا‬
‫يعملون{ ] العراف ‪ ،[ 180‬ثم عدد أسماءه في كتابه ولم يتسم بالشيء‬
‫ولم يجعله اسمًا من أسللمائه ثللم قللال النللبي‪» :‬إن ل ب تسببعة وتسببعين‬
‫اسمًا من أحصاها دخل الجنة« ثم عدها فلم نجده جعل الشيء اسمًا للل‬
‫عز وجل‪ ،‬ثم ذكر جل ذكره كلمه كما ذكللر نفسلله ودل عليلله بمثللل مللا‬
‫دل على نفسه ليعلم الخلق أنه من ذاته وأنه صفة مللن صللفاته فقللال ال ل‬
‫عز وجل ‪}:‬وما قدروا الله حتق قتدره إذ قتالوا متا أنتزل‬
‫الله على بشر من شيء قل متتن أنتتزل الكتتتاب التتذي‬
‫جاء به موسى نورا ً وهدى للنتتاس{ ] النعللام ‪ ،[ 91‬فللذم اللل‬
‫ل من المسلمين‬
‫اليهودي حين نفى أن تكون التوراة شيئًا‪ ،‬وذلك أن رج ً‬
‫ل من اليهود بالمدينة فجعل المسلللم يحتلج علللى اليهللودي مللن‬
‫ناظر رج ً‬
‫التوراة بما علم من صفة النبي‪ ‬وذكر نبوته فيها حللتى أثبللت نبللوته‪‬‬
‫من التوراة فضحك اليهودي وقال‪ :‬ما أنزل الل علللى بشللر مللن شلليء‪،‬‬
‫فأنزل ال عللز وجللل تكللذيبه‪ ،‬وذم قللوله‪ ،‬وأعظللم فريتلله حيللن جحللد أن‬
‫يكون كلم ال شيئًا‪ ،‬ودل بذلك على أن كلمه شيء ليس كالشياء‪ ،‬كما‬

‫دل على نفسه أنه شيء ليس كالشياء‪ .‬ثم قال في موضع آخر‪} :‬ومن‬
‫ً‬
‫ى‬
‫أظلم ممن افترى على اللتته كتتذبا أو قتتال أوحتتي إل ت ّ‬
‫ولم يوح إليه شيء{ ]النعام‪ ،[93:‬فدل بهللذا الخللبر أيضلًا علللى أن‬
‫الوحي شيء بالمعنى وذم من جحد أن كلم ال شلليء‪ ،‬فلمللا أظهللر ال ل‬
‫عز وجل اسم كلمه لم يظهره باسم الشيء؛ فيلحللد الملحللدون فللي ذلللك‬
‫ويدخلونه في جملة الشللياء المخلوقللة‪ ،‬ولكنلله أظهللره عللز وجللل باسللم‬
‫الكتاب والنور والهدى‪ ،‬ولم يقللل‪ :‬قللل مللن أنللزل الشلليء الللذي جللاء بله‬
‫موسى فيجعل الشيء اسمًا لكلمه‪ ،‬وكذلك سمى كلمه بأسللماء ظللاهرة‬
‫يعرف بها فسمى كلمه نورًا وهدى وشفاًء ورحمة وحقًا وقرآنًا وأشباه‬
‫ذلك؛ لعلمه السابق أن جهمًا وبشرًا ومن يقول بقولهم أنهم سيلحدون في‬
‫أسمائه وصفاته التي هي من ذاته‪ ،‬وسيدخلونها فللي الشللياء المخلوقللة(‬
‫)‪. (141‬‬
‫وسنكمل هذا عند مناقشة المؤلف في الفصل الرابع من كتلابه هلذا‬
‫الذي عقده )لدلة القائلين بخلق القرآن(‪.‬‬
‫فهذا هو الذي جعل المؤلف الخليلي يدعي تلك الدعوى على السلف بأنهم‬
‫كانوا مجمعين على أن ال خالق كل شيء‪ ،‬ونقول‪ :‬نعللم خللالق كللل شلليء‬
‫مخلوق‪ ،‬من سموات وأرض وما بينهما‪ ،‬وقلد خلقهملا بكلمله الللذي هلو‬
‫من صفاته؛ والكلم من الصفات الختيارية لن كلمه صللفة قائمللة بللذاته‬
‫وهي صفة ذات وفعل‪ ،‬قال تعالى ‪ }:‬إنما أمتتره إذا أراد شتتيئا ً أن‬
‫يقول له كن فيكون{ فال عز وجللل يتكلللم ملتى شللاء وكيللف شللاء‬
‫ومع من شاء‪ ،‬سبحانه وتعالى‪} :‬ليس كمثله شيء وهو الستميع‬
‫البصير{)‪ ] (142‬الشورى ‪.[ 11‬‬
‫‪ () 141‬الحيدة للكناني )ص ‪.(33،35،36‬‬
‫‪ ()142‬مختصر الصواعق المرسلة ‪. 2/296‬‬

‫الباطل ل يقف على ساق وبيان تناقضات الخليلي‬
‫‪1‬ل سلبق أن قلرر الخليللي أن الرعيلل الول ملن السللف الصلالح‬
‫مضى قبل أن يسمع شيئًا في موضوع القول بخلق القرآن )ص ‪،(106‬‬
‫ثم علاد فلي الصلفحة نفسلها فلذكر أن هلذا الخلف سلببه الغللو‪ ،‬وذللك‬
‫بمنابذة أهل الحديث ومن سار في ركبهم لصحاب المدرسة العقلية من‬
‫المعتزلة وغيرهم واستعداء السلطات عليهم … إلخ‪ ،‬وأنه عنللدما دالللت‬
‫الدولة للمعتزلة في أواخللر أيلام المللأمون ثللم المعتصللم انتهللزوا فرصللتهم‬
‫للتشفي والنتقام من أهل الحديث فأسرفوا في القتل والتعذيب‪.‬‬
‫فامتلت الصدور بالحقاد‪ ،‬وأخللذت القضللية مجللرى عاطفيلًا فللي‬
‫البحث‪ ،‬وأخذ كل فريق يندد بالخر‪ ،‬ويكيللل للله التهللم ويرميلله بالبدعللة‬
‫والنحراف‪ ،‬ثم يقول‪):‬وبما أن أصحابنا أهل الستقامة لم يشللتركوا فللي‬
‫شيء من تلك الفتن ولللم يتلبسللوا بهاتيلك الحللن‪ ،‬للم يقعللوا تحلت تلأثير‬
‫العواطف‪ ،‬فكان بحثهم في القضية موضوعيًا صرفًا‪ ،‬لنهم انطلقوا فيه‬
‫من قاعدة الحجة والدليل‪ ،‬ل من واقع السخائم والحقاد(‪.‬‬
‫هكذا يدعي أن السلف من أهل الحديث ومن سار على دربهللم هللم‬
‫ف‪ ،‬وليسوا أهل حق فلي اللرد عللى المعتزلللة وملن يقلول‬
‫ش ّ‬
‫أهل ُتَهٍم وَت َ‬
‫بقولهم‪.‬‬
‫والجواب‪:‬‬
‫إن هذه الدعوى دعوى زائفة‪ ،‬ل يقوم عليها دليل من واقع التأريخ‬
‫والحداث التي وقعت فللي محنللة القللول بخلللق القللرآن‪ ،‬فلللم تجلّر إليهللا‬
‫ل الحللديث والسللنة يللردون‬
‫ف أهل ُ‬
‫العواطف كما يدعي‪ ،‬وإنما كللان السللل ُ‬
‫على المبتدعلة بلاطلهم المتمثلل فلي دعلواهم أن صلفة ملن صلفات الل‬
‫مخلوقة‪ ،‬وهذا القول كفر بال جل وعل؛ فال عز وجللل بصللفاته واحللد‬

‫أحد‪ ،‬لم يلد ولم يولد‪ ،‬ولم يكن له كفوًا أحللد‪ ،‬والقللرآن كلم الل وكلملله‬
‫صفة من صفاته‪ ،‬ودعوى أن القرآن مخلوق ل لم يتكلم ال عز وجل به‬
‫ل هو من قول اليهود وكيدهم‪ ،‬وهو إلحاد في صفات ال تعالى‪.‬‬
‫واقرأ قول الخليلي نفسه الذي سطره بقلمه فللي آخللر )ص ‪،(105‬‬
‫وأول )ص ‪ .(106‬حيث قال‪) :‬وقد أشعل نار هذه الفتنة بعض الللدخلء‬
‫في المة الذين تقمصوا السلم لحاجات فلي نفوسللهم أرادوا قضلاءها‪،‬‬
‫أهمها إذكاء نار الفتنة بين طوائف المة وتقسلليمها إلللى شلليع وأحللزاب‬
‫}كل حزب بما لديهم فرحون{ قللال‪ :‬ولعللل علللى رأس‬
‫هؤلء أبو شاكر الديصاني الذي قيل عنه أنه يهودي تظللاهر بالسلللم‪،‬‬
‫كما كان سلفه بولس اليهودي‪ ،‬الذي مزق أتباع المسيح …(‪.‬‬
‫وأقببول‪ :‬مللا الللذي أدخللله هللذا اليهللودي علللى المسلللمين لتمزيللق‬
‫وحدتهم؟ هل قال‪ :‬إن القرآن مخلوق فحدث التفرق بيللن طللوائف المللة‬
‫المجتمعة على كلمة سواء؟‬
‫أو قال‪ :‬إن القرآن كلم ال تكّلم به كيف شاء فحدث التفرق؟‬
‫إن الخليلي لم يفصح عن الذي أدخله أبو شاكر الديصاني اليهودي‬
‫الذي تظاهر بالسلم لشعال نار الفتنة كما يقول‪.‬‬
‫ل ال قلمه بما يبين الحق وهو ل يشعر؛ فقد قال في )ص‬
‫ولكن قد َأسا َ‬
‫‪- (106‬بعد كلمه عن أبي شاكر الديصاني اليهودي‪ -‬قال ‪) :‬وكان الرعيل‬
‫الول من السلف الصالح مضى إلى ربلله قبللل أن تسللمع آذانهلم طنينلًا ملن‬
‫القول في هذا الموضوع …(‪ ،‬وهذا يوضح لك أيها القارئ الكريم أن الذي‬
‫أدخله أبو شاكر الديصاني اليهودي الذي تظاهر بالسلم لحاجة فللي نفسلله‬
‫وهي تفريق المة كما يقول الخليلي‪ -‬أنه أدخل عليهم القول بخلق القللرآن‪،‬‬
‫الذي لم يسمع الرعيل الول من السلف الصالح الذين مضوا شيئًا من ذلك‪،‬‬
‫ومضوا على كلمة واحدة ل خلف ول تفّرق ول نزاع بينهم في كتاب ال‪،‬‬

‫بل كلهم يؤمنون بأن القرآن كلم الل أنزلله عللى رسلوله صللى الل عليله‬
‫وسلم غير مخلوق‪ ،‬فهذا هو الصل الذي كان عليه السلف الصالح‪ ،‬ويشهد‬
‫لقول الخليلي أن الفتنة أشعلها الدخلء في المللة‪ ،‬الللذين تقمصللوا السلللم‬
‫إضافة إلى أبي شاكر الديصاني اليهودي‪ -‬الذي دخل في السلم لحاجة في‬
‫نفسه كما يقول الخليلي‪ -‬ما أورده ابن كثير فللي البدايللة والنهايللة ) ‪(9/352‬‬
‫في حوادث سنة ) ‪124‬هل( في ترجمة الجعد بن درهم قللال‪) :‬هللو أول مللن‬
‫قال بخلق القللرآن وهللو الللذي ينسلب إليله مللروان الجعللدي‪ ،‬وهللو ملروان‬
‫الحمللار‪ ،‬آخللر خلفللاء بنللي أميللة كللان شلليخه الجعللد بللن درهللم أصللله مللن‬
‫خراسان‪.‬‬
‫قال ابن عساكر وغيره‪ :‬وقد أخذ الجعد بلدعته علن بيلان بلن سلمعان‬
‫وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم زوج ابنته‪ ،‬وأخللذها لبيللد‬
‫بن العصم الساحر الذي سحر رسول ال صلى ال عليه وسلم عن يهودي‬
‫باليمن‪ ،‬وأخذ ذلك عن الجعد بن درهم الجهم بللن صللفوان الخللزري وقيللل‬
‫الترمذي‪.‬‬
‫ثم قتل الجهم بأصبهان قتلله بملرو نائبهلا سللم بلن أحلوز وأخلذ بشلر‬
‫المريسي عن الجهم‪ ،‬وأخذ أحمد بن أبي دؤاد عن بشر(‪.‬‬
‫قال ابن كثير‪) :‬وأما الجعللد فللإنه أقللام بدمشللق حللتى أظهللر القللول‬
‫بخلق القرآن فطلبه بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة فلقيه فيهللا الجهللم‬
‫بن صفوان فتقلد هذا القول عنه‪ ،‬ثلم إن خالللدًا بلن عبلدال القسلري قتلل‬
‫الجعد بن درهم يوم عيد الضحى بالكوفة؛ وذلك أن خالدًا خطب الناس‬
‫فقال في خطبته تلك‪ :‬أيها الناس ضحوا تقبل ال ضللحاياكم فللإني مضل ّ‬
‫ح‬
‫ل‪ ،‬ولللم يكّلللم‬
‫بالجعد بن درهللم‪ ،‬إنلله زعللم أن الل لللم يتخللذ إبراهيللم خلي ً‬
‫موسى تكليمًا‪ ،‬تعالى ال عما يقول الجعد علوًا كبيرًا‪ ،‬ثم نزل فذبحه في‬
‫أصل المنبر(‪.‬‬

‫قللال ابللن كللثير‪) :‬وقللد ذكللر هللذا غيللر واحللد مللن الحفللاظ منهللم‪:‬‬
‫البخاري‪ ،‬وابن أبي حاتم‪ ،‬وعبدال بلن أحملد‪ ،‬وذكلره ابلن عسلاكر فلي‬
‫التأريخ ()‪.(143‬‬
‫قلت‪ :‬فهذا هو أصل إشعال هذه الفتنة‪ ،‬وهذه سلسلة إسللنادها كلهللم‬
‫يهود‪ ،‬وزنادقللة‪ ،‬مملن قضلى السلللم علللى بلاطلهم فلارادوا الكيلد لله‪،‬‬
‫والطعن فيه‪ ،‬فتبنوا فكرة القول بخلق القرآن‪ ،‬وهم يعلمون أنه كلم اللل‬
‫عز وجل‪ ،‬وأن أهل الحق لللن يسللكتوا علن أهللل الباطللل‪ ،‬فللإذا أظهللروا‬
‫ب الخلف بيلن المللة المسلللمة‬
‫باطلهم رد عليهللم أهلل الحلق‪ ،‬وهنلا يلد ّ‬
‫المجتمعللة علللى كلمللة سللواء‪ ،‬وهللذا الللذي حللدث يشللهد لهللذا اعللتراف‬
‫)الخليلي( وهو ما جاء في )ص ‪ (107‬مللن كتللابه هللذا حيللث قللال‪) :‬إن‬
‫إمللام الباضللية بالمشللرق محمللد بللن محبللوب الللذي أراد‪ -‬حسللب قللول‬
‫الخليلي ل أن يعلن القول بخلللق القللرآن كمللا أعلللن أهللل المغللرب إل أن‬
‫محمد بن هاشم اشتدت معارضته له في ذلك فانثنى عنه‪ ،‬قللال‪ :‬واتفقللت‬
‫كلمتهم بعد أن اجتمعوا في مدينة دما )السيب حاليلًا( وهللو الكتفلاء بملا‬
‫كللان عليلله سلللف المللة قصللر القللول عللن التصللريح بخلللق القللرآن أو‬
‫عدمه(‪.‬‬
‫فهذا ملا صلّرح بله الخليلللي ملن أن الباضلية فلي المشلرق‪ -‬وقلد‬
‫وصفهم بأنهم أهل الستقامة ل قد اجتمعوا في مدينة دما )السلليب حاليلًا(‬
‫واتفقت كلمتهم على القول بما كان عليه السلف‪.‬‬
‫وقد صرح بما كان عليه السلف في أول )ص ‪ (106‬وهو ما نقلته‬
‫من كلمه وهو قوله )وكان الرعيلل الول ملن السلللف الصللالح مضلى‬
‫إلى ربه قبل أن تسمع آذانهم طنينًا من القول في هذا الموضوع(‪.‬‬
‫‪ () 143‬انظر هامش‪ 1) :‬ص ‪.(158‬‬

‫وأقول‪ :‬أل كان يسع الخليلي ما اتفقا عليلله إمللام الباضللية الكللبر‬
‫كما يقول‪ -‬محمد بن محبوب ل ومحمد بن هاشم‪ ،‬وهو اتفاقهما علللى مللا‬
‫كان عليه السلف‪ ،‬ولو وقف الخليلي عند هذا القللول لحسللن إلللى نفسلله‬
‫ولكن الخليلي لم يكتف بهذا بل قّولهم ل أي‪ :‬المجتمعين مللن الباضللية ل ل‬
‫ما لم يقولوا‪ ،‬فكما نرى أنلله صللرح باتفللاقهم واجتمللاعهم علللى مللا كللان‬
‫عليه السلف وقد صرح هو بما كان عليه السلف‪.‬‬
‫ثم إن مقام التفلاق بينهلم ل يلدعو إللى أن يسلتعمل أحلد الفريقيلن‬
‫الّتقية مع الفريق الخر؛ لن أصللحاب هلذا الملذهب ل يؤمنلون بالتقيلة‬
‫وإنما يتدينون بالصدق في أقوالهم حسب اجتهادهم‪.‬‬
‫ولكن نقرأ كلم الخليلي ودعواه على هللؤلء المجتمعيللن علللى قللول‬
‫السلف )في القرآن( ملن غيلر ملجلئ لهلم عللى ذللك … يقلول فلي )ص‬
‫‪:(107‬‬
‫)ول أراهم وقفوا هذا الموقللف الصللامت إل سللدًا للذريعللة وتجنبلًا‬
‫لمشايعة الظالمين‪ ،‬فإنهم رحمهم ال من أرسخ مبللادئهم وأبللرز سللماتهم‬
‫مناهضة الظلم ومصارعة الظالمين‪ ،‬من غير التفات إلى من صدر منه‬
‫الظلم أو وقع عليه‪ ،‬وكانت النباء تترادف إليهم بما يتعرض إليلله أبنللاء‬
‫المة‪ ،‬من أبشع أنواع الظلم وأشنع القسوة في العاصمة العباسية‬

‫التي كانوا على مقربة منها‪ ،‬فكانوا كأنما يحسون بللأنينهم‪ ،‬وسللياط‬
‫الظالمين تلذع ظهللورهم‪ ،‬وبشللهيقهم‪ ،‬وصللوارمهم تفصللل رؤوسللهم‪...‬‬
‫إلخ هذا الكلم(‪.‬‬
‫والجواب‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬أنهللم لللم يقفللوا موقللف الصللامت كمللا يقللول‪ ،‬وإنمللا اتفقللوا‬
‫واجتمعوا على قول السلف كما صللرح بللذلك دون أن يلجئهللم أحللد إلللى‬
‫ذلك‪ ،‬وإنما اتبعوا الحق الواضح‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬أنه ُيَقلّولهم ملا للم يقوللوا‪ ،‬فلللم يصلرحوا بملا يتخلّرص بله‪،‬‬
‫ويدعيه عليهم‪ ،‬وإنما تصريحهم بضده‪.‬‬
‫ثالثاً‪ :‬وما يدعيه عللى علملاء الباضلية المخللالفين للله بالتصلريح ل‬
‫بالتلميح‪ ،‬لو فرض أنه صحيح فإنه لللم يخفللف ‪-‬حسللب دعللواه‪ -‬عللن أهللل‬
‫السنة شيئًا من وطأة أهل البدعة‪ ،‬بل استمروا في التسلط على أهل الحللق‪،‬‬
‫بالقتل‪ ،‬والحبس‪ ،‬والضرب‪.‬‬
‫وأهل الحق ثابتون حتى نصر ال الحق وأزهق الباطل‪ ،‬وقد بدأت‬
‫المحنة حينما أظهر المأمون الللدعوة إلللى القللول بخلللق القللرآن‪ ،‬وحمللل‬
‫الناس على ذلك سنة )‪ 212‬هل(‪ ،‬ويقول‪ :‬ابن كللثير‪) :‬وفللي ربيللع الول‬
‫أظهر المأمون فظيعتين أحدهما أطم من الخرى‪:‬‬
‫الولى‪ :‬القول بخلق القرآن‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬تفضيل علي بن أبي طالب على النللاس بعللد رسللول ال ل‬
‫‪.‬‬
‫قال‪ :‬أخطأ في كل منهما خطأ كبيرًا‪ ،‬وأثم إثمًا عظيمًا()‪.(144‬‬
‫واستمرت المحنة إلى أن رفعت حينما ولي الخلفة المتوكل علللى‬
‫ال بعد الواثق في يوم الربعاء‪ ،‬لست بقين مللن ذي الحجللة سلنة اثنلتين‬
‫‪ ()144‬البداية والنهاية )‪(10/290‬‬

‫سّنه ست وعشرين سنة يومئذ‪ ،‬فأظهر ال‬
‫وثلثين ومائتين )‪ 232‬هل( و ِ‬
‫عللز وجللل بلله السللنة‪ ،‬وكشللف تلللك الغمللة‪ ،‬فشللكره النللاس علللى مللا‬
‫فعل)‪.(145‬‬
‫فكانت مدة المحنة عشرين سنة‪ ،‬ثم عاد الحق إلى نصابه‪ ،‬وأظهللر‬
‫سّنة وقمع البدعة‪.‬‬
‫ال على يد المتوكل ال ُ‬
‫فكلان إبراهيلم بلن محمللد اللتيمي قاضلي البصلرة يقلول‪ :‬الخلفبباء‬
‫ثلثة‪:‬‬
‫‪1‬ل أبو بكر الصديق قاتل أهل الردة حتى استجابوا له‪.‬‬
‫‪2‬ل وعمر بن عبدالعزيز رّد مظالم بني أمية‪.‬‬
‫‪3‬ل والمتوكل محا البدع وأظهر السنة‪.‬‬
‫وأورد ابن الجوزي بإسناده عن إبراهيم بللن محمللد بللن عرفللة قللال‪:‬‬
‫)في سلنة أربلع وثلثيلن وملائتين أشللخص المتوكلل الفقهلاء والمحللدثين‪،‬‬
‫وكان فيهم مصعب الزبيلري‪ ،‬وإسلحاق بلن أبلي إسلرائيل‪ ،‬وإبراهيلم بلن‬
‫عبدال الهروي‪ ،‬وعبدال وعثمان ابني أبي شيبة‪ ،‬فقسمت بينهللم الجللوائز‪،‬‬
‫وأجريت عليهم الرزاق‪ ،‬وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس‪ ،‬وأن يحدثوا‬
‫بالحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية‪ ،‬وأن يحدثوا بالحاديث‬
‫في الرؤية‪.‬‬
‫فجلس عثمان بن أبي شيبة في مدينللة المنصللور ووضللع للله منللبر‪،‬‬
‫واجتمع عليه نحو من ثلثين ألفًا من الناس‪ ،‬وجلس أبو بكر بن أبلي شليبة‬
‫في مسجد الرصافة واجتمع عليه نحو من ثلثين ألفًا()‪.(146‬‬

‫‪ () 145‬المناقب لبن الجوزي )ص ‪.(438‬‬
‫‪ () 146‬المناقب لبن الجوزي )ص ‪.(439‬‬

‫موقف المام أحمد بن حنبل من مخالفيه‬
‫وبيان زيف قول الخلتتيلي‪:‬‬
‫إن القضتتية أخذت مسارا ً عاطفتتيا ً وتشفيا ً متن المخالف‬

‫أما المام أحمد بن حنبل ل رحمه ال لل فقللد جعللل كللل مللن حضللر‬
‫ل‪.‬‬
‫حّ‬
‫ضربه أو شارك فيه في ِ‬
‫قال ابن الجوزي‪) :‬ثم بعث المتوكل بعد مضللي خمللس سللنين مللن‬
‫وليته بتسيير أحمد إليه‪ ،‬ثم ذكر بإسناده عن صالح بن أحمللد بللن حنبللل‬
‫قال‪ :‬وجه المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بحمل أبي إليلله‪ ،‬فللوجه‬
‫ى يللأمرني بإشخاصللك‬
‫إسحاق إلى أبي فقال له‪ :‬إن أباجعفر قللد كتللب إلل ّ‬
‫إليه فتأهب لذلك‪.‬‬
‫قال أبي‪ :‬وقال لي‪ :‬اجعلني في حل من حضوري ضربك‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬قد جعلت كل من حضلر في حل()‪.(147‬‬
‫ويقول شيخ السلم ابن تيمية فللي مجمللوع الفتللاوى‪ :‬فللإن المللام‬
‫أحمد قد باشر )الجهمية( الذين دعوه إلللى خلللق القللرآن‪ ،‬ونفللي الصللفات‬
‫وامتحنللوه وسللائر علمللاء وقتلله‪ ،‬وفتنللوا المللؤمنين والمؤمنللات الللذين لللم‬
‫يوافقوهم على التجّهم بالضرب والحبس‪ ،‬والقتل والعزل عللن الوليللات‪،‬‬
‫وقطللع الرزاق ورد الشللهادة‪ ...‬إلللى أن قللال‪ :‬ثللم إن المللام أحمللد دعللا‬
‫للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم‪ ،‬وحللهم مما فعلللوه بلله‬
‫من الظلم والدعاء إلى القللول الللذي هللو كفللر‪ ،‬ولللو كللانوا مرتللدين عللن‬
‫السلم لم يجز الستغفار لهللم؛ فللإن السللتغفار للكفللار ل يجللوز بنللص‬
‫الكتاب والسنة والجماع‪.‬‬
‫))‬

‫‪ () 147‬المناقب لبن الجوزي )ص ‪.(440‬‬

‫وهذه القللوال منله وملن غيلره ملن الئملة صلريحة فلي أنهلم للم‬
‫يكفروا المعينين من الجهمية‪ ،‬الذين كانوا يقولون‪ :‬القرآن مخلللوق‪ ،‬وأن‬
‫ال ل يرى في الخرة‪ ،‬وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه َكّفر به قوم لًا‬
‫معينين‪.‬‬
‫فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر‪ ،‬أو يحمل المللر‬
‫على التفصيل فيقال من ُكّفر بعينه‪ ،‬فلقيللام الللدليل علللى أنلله وجللدت فيلله‬
‫شروط التكفير‪ ،‬وانتفت موانعه‪ ،‬ومن لم يكّفللر بعينلله فلنتفللاء ذلللك فللي‬
‫حقه‪ ،‬هذا مع إطلق قوله بالتكفير على سبيل العموم(‪ .‬ثم أورد بعد ذلك‬
‫الدلة على هذا الصل)‪.(148‬‬
‫وأقول‪ :‬إن ما فعله المام أحمد بن حنبل رحمه ال مع خصومه‬
‫الذين آذوه بالحبس والضرب‪ ،‬وقتلوا من قتلوا مللن علمللاء السللنة‪ -‬مللن‬‫تحليلهم‬
‫مما صنعوه به‪ ،‬بل الدعاء للخليفة والستغفار له يوضللح للقللارئ زيللف‬
‫دعوى‬
‫)الخليلي( وافتراءه من أن القضية بين المعتزلة‪ ،‬وأهل الحديث والسنة‪،‬‬
‫أنها‬
‫ف من بعضهم البعض‪ ،‬وليست مسألة حق وباطل؛‬
‫قضية عواطف وتش ّ‬
‫لن أسلوب التشفي هو أسلوب أهل الحقد الظلمة‪ ،‬الذين يعلمون أنهم‬
‫أهل باطل يريدون هدم السلم‪ ،‬والفتك بأهله ل سيما علماؤهم‪ ،‬لنهم‬
‫على يقين بأنه ل يرد باطلهم ويكشللف تلبيسللهم ومغالطللاتهم إل العلمللاء‬
‫من‬
‫أهل السنة‪ ،‬ولذلك يقسون عليهم ويبطشون بهم إذا سنحت لهم الفرصة‬
‫‪ ()148‬الفتاوى)‪ 488 /12‬ل ‪. (489‬‬

‫ودالت لهم الدولة‪ ،‬كما حدث من المعتزلللة حينمللا لّبسللوا علللى المللأمون‬
‫والمعتصم وحملوهم على القول بخلق القرآن‪ ،‬ودعوة علماء السنة إلللى‬
‫تلك البدعللة‪ .‬وأمللا أهللل السللنة الللدعاة إلللى كتللاب الل وسللنة رسللوله‪‬‬
‫ل‪ ،‬فللإنهم ل ينتقمللون ممللن ظلمهللم‬
‫والخذ بما جللاء فيهمللا اعتقللادًا وعم ً‬
‫وقسا عليهم ونكل بهم إذا دالت لهللم الدولللة‪ ،‬وإنمللا أسلللوبهم العفللو عنللد‬
‫المقدرة كما فعل المام أحمد بن حنبل رحملله الل تعللالى‪ ،‬وذلللك اقتللداًء‬
‫بنبيهم محمد‪ ‬فقد أخرجه الكفار من مكللة المكرمللة بعللد تللآمرهم علللى‬
‫قتله كما قال تعالى‪} :‬وإذ يمكر بك الذين كفتتروا ليثبتتتوك أو‬
‫يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكتتر اللتته واللتته خيتتر‬
‫الماكرين{ ] النفال ‪ [30‬وقد أخرجوه من مكلة كملا قللال تعلالى‪} :‬إل‬
‫تنصتتروه فقد نصره الله إذ أختترجه الذين كفروا ثاني‬
‫اثنين إذ هما في الغار إذ‬
‫يقول لصاحبه ل تحزن إن الله معنا‪ ] {...‬التوبة ‪ [40‬ثللم يعللود‬
‫‪ ‬إلى مكة فاتحًا منتصرًا ويقول لهم‪» :‬ما ترون أنببي صببانع بكببم« أي‪:‬‬
‫الذين أخرجوه من مكللة‪ ،‬فيقولللون‪» :‬أخ كريببم وابببن أخ كريببم«‪ ،‬فيقللول‪:‬‬
‫»اذهبوا فأنتم الطلقاء«‪ .‬هذا منهج المصطفى‪ ‬عند المقدرة علللى مللن‬
‫ظلمه‪ ،‬وهكذا أتباعه يطّبقون سيرته‪ ،‬فللإذا قللدروا عفللوا بللل واسللتغفروا‬
‫لمن ظلمهم‪ ،‬كما ترى الذي صنعه المام أحمد بن حنبل رحملله الل ملع‬
‫المأمون والمعتصم‪ ،‬وكل من شللارك فللي ضللربه‪ ،‬لنهللم ل ينتصللرون‬
‫لنفسهم وإنما يقدمون أنفسهم ل في إظهار الحق ونصره‪.‬‬
‫فنقول للخليلي‪ :‬أين التشفي الذي تدعيه على أهل الحللديث والسللنة‬
‫من خصومهم؟ إنهللا الللدعاوي الباطلللة والزائفللة‪ ،‬والللدليل الثللابت علللى‬
‫خلفها‪ ،‬وهكذا فإن الباطل كان زهوقًا‪.‬‬

‫وقد سبقت الشارة إلللى هلذا تحلت عنللوان‪ :‬الباطللل ل يقللف علللى‬
‫ساق وبيان تناقضات الخليلي‪.‬‬

‫الرد على الفقرة الثالثة‪:‬‬
‫مان‬
‫اعتراف الخليلي بأن علماء ُ‬
‫ع َ‬
‫المتأخرين‬
‫هم الذين قالوا بخلق القرآن‬
‫ففي )ص ‪ (108‬من كتابه هذا فلي الفصللل نفسلله يقلول مللن بدايللة‬
‫الصفحة ما نصه‪) :‬وأن الذين جاؤوا بعد الللذين امتنعللوا عللن التصللريح‬
‫بخلق القرآن تحاملوا على من قال بخلقلله‪ ،‬وأدى بهللم ذلللك إلللى تنللاقض‬
‫عجيب‪ ،‬يظهر لك عندما تقرأ ما كتب في هذا الموضوع في تلك الحقبة‬
‫من الزمن‪:‬‬
‫‪1‬ل كالجزء الول من بيان الشرع‪.‬‬
‫‪2‬ل والجزء الول من الكشف والبيان‪.‬‬
‫‪3‬ل وديوان المام ابن النضر(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬إن هؤلء الذين ذكرهم الخليلي ومثل ببعض ما كتبوا هم‬
‫من علماء الباضية الذين جاؤوا بعللد محمللد بللن هاشللم وإمللام المشللرق‬
‫الكبر‬
‫كما قال الخليلي‪ -‬محمد بن محبوب‪ ،‬واتفقللت كلمتهللم علللى القللول فللي‬‫)القرآن( بمللا قللاله السلللف مللن الرعيللل الول‪ ،‬مللن أنلله كلم الل غيللر‬
‫مخلوق‪ ،‬كما سبق الحديث عن ذلك‪.‬‬
‫وهو في كتاب الخليلي هذا )ص ‪.(107‬‬

‫وقد جلاء هللؤلء العلمللاء ملن الباضلية‪ ،‬فقلالوا بقلول مللن سلبقهم‬
‫وسلكوا مسلكهم ثم ألفوا الكتللب فللي ذلللك‪ ،‬ومنهللا مللا مثللل بلله الخليلللي‪:‬‬
‫الجلللزء الول ملللن »بيلللان الشلللرع«‪ ،‬والجلللزء الول ملللن »الكشلللف‬
‫والبيان«‪ ،‬و» ديوان المام ابببن النضببر «‪ ،‬وهللذه الكتللب متداولللة عنللد‬
‫الباضية‪ ،‬وقد شهد الخليلي على نفسه بذلك‪.‬‬
‫وإليك أيها القارئ الكريم نص كلمهم‪ ،‬الللذي ل تنللاقض فيلله‪ ،‬بللل‬
‫وافقهم العلمة المحقق ل كما وصفه الخليلي نفسه ل أبو الحسن البسيوي‬
‫الباضي في كتابه »الجامع« في الجللزء الول )ص ‪ ،(81-73‬والللذي‬
‫أثنى عليه الخليلي بأنه كتلاب جملع عللم الشللريعة‪ ،‬وتمنللى أن يملن الل‬
‫بطبعه وإخراجه‪ ،‬وقلد طبعتله وزارة اللتراث القللومي والثقافلة بسللطنة‬
‫عمان‪ ،‬وتحققت أمنية الخليلي كما قللال المحقللق‪ ،‬وفيمللا يلللي نللص كلم‬
‫المام ابن النضر في قصيدته والتعريف به من كتابه»الدعائم«‪ ،‬تللأليف‬

‫الشيخ أبي بكر أحمد بن النضر العماني)‪ :(149‬الطبعة الثانية‪1409 ) ،‬هل‬
‫ل ‪1988‬م(‪ ،‬سلطنة عمان‪ ،‬وزارة التراث القومي والثقافة‪.‬‬
‫قال في )ص ‪ :(32‬في الرد على من يقول بخلق القرآن‪:‬‬
‫ل ويثبت خلقه بلسان‬
‫جه ً‬
‫يا من يقول بفطرة القرآن‬
‫حِل القرآن منك تكلفًا‬
‫ل َتْن َ‬

‫ببدائع التكليف والبهتان‬

‫هل في الكتاب دللة من خلقه‬

‫أو في الرواية؟ فأتنا ببيان‬

‫ال سماه كلمًا فادعه‬

‫بدعائه في السر والعلن‬

‫إّل فهات وما أظنك واجدًا‬

‫غّر من برهان‬
‫في خلقه‪ ،‬يا ِ‬

‫إن كان من )إنا جعلناه( فما‬

‫جْعل إن أنصفت من تبيان‬
‫في ال َ‬

‫قد قال إبراهيم‪ :‬رب اجعل لنا‬

‫بلدًا بفضلك أفضل البلدان‬

‫وكذاك فاجعلني مقيمًا مخلصًا‬

‫حق الصلة لوجهك المّنان‬

‫‪ () 149‬تر جمته‪ :‬قال سالم بن محمد بن سالم بن سيف الرواحي بتاريخ )‪/18‬ربيع الول‬
‫من عام ‪1311‬هل( في مقدمة الكتاب‪:‬‬
‫ترجمة الشيخ العالم الفصيح ابن النضر‪:‬‬
‫قال الشيخ يحيى بن خلفان بن أبي نبهان الخروصللي‪» :‬هللذه ترجمللة الشلليخ العللالم‬
‫الفقيه الفصلليح النللبيه‪ ،‬النللاظم المفلللق الللوجيه‪ ،‬صللاحب الللدعائم‪ ،‬أحمللد بللن النضللر‬
‫السللموئلي العمللاني المحبللوبي الباضببي‪ ،‬الللذي نظللم الشللعر فأجللاد‪ ،‬وأخللذ بعنللانه‬
‫فتصرف فيه على ما أراد‪ ...‬إلخ« )ص ‪.(3‬‬
‫ثم قال في )ص ‪ :(4‬هذه ترجمته من كتاب خزانة الخبار‪.‬‬
‫قال المصنف‪» :‬هو الشيخ ابن النضر صاحب الدعائم فهو أحمد بن سليمان بن عبللد‬
‫الل بللن أحمللد ابللن الخضللر العللالم الكللبير بللن سللليمان الللذي هللو مللن بنللي النضللر‬
‫السموئلي‪ ،‬بيته بالجابيلة الفوقيلة شلرقي الجلامع‪ ،‬واقتصلر النلاس علللى اسلم قللبيلته‬
‫لشهرتها فقيل ابن النضر‪ ...‬إلخ«‪.‬‬

‫فانظر أكان وقد دعاه لجعله‬

‫أم لم يكن خلقًا من الرحمن‬

‫أم لم يكن لما دعاه بمكٍة‬

‫حتى دعا بالمن واليمان‬

‫فاربع هنا بتفّكر يا ذا الّنهى‬

‫واكدح لشأنك قد كدحت لشاني‬

‫ي هذا الجعل قلت بأنه‬
‫فبأ َ‬

‫خلق تبارك منزل الفرقان‬

‫ت )ذكبببر‬
‫فبببإن احتججبببت وقلببب َ‬
‫محدث(بببت أفكببببارًا وادعيببببت‬
‫أعظمب‬

‫ق تأول القرآن‬
‫وجهلت ح ّ‬
‫وال أحدثه إلى النسان‬

‫خطيئةً‬
‫شبباهت وجببوه أولببى الضببلل‬
‫لقد‬
‫ارعوا عقولهم رياض تشّدق‬

‫فرعى حماها طائف الشيطان‬

‫غ عنهم عنانك مقصرًا‬
‫أّل ُتز ْ‬

‫طغيان‬
‫تصبح عميد البغي وال ّ‬

‫ولئن سبببألت طريبببق رشبببدك‬
‫تلقهباله أضحى بزعمك محدثًا‬
‫ما‬

‫يا غّر إن لم َتْعُد في العدوان‬
‫ما محدث إل وشيكًا فاني‬

‫ولديه أْنَباٌء ِلَما هو كاِئ ٌ‬
‫ن‬

‫أو كان أو سيكون في الزمان‬

‫إن كببببان مخلوقببببًا بزعمببببك‬
‫محدثًا‬
‫ومبن البذي فبرض الفبرائض‬

‫فمن المنادي )أيها الثقلن(‬
‫بحدودها ونهي عن العصيان‬

‫آمرًا‬
‫ب خلَقُه بثوابهم‬
‫ط ُ‬
‫ومن المخا ِ‬

‫وعقابهم في الخلد والّنيران‬

‫بمدارج)‪(150‬العميان‬

‫ولما كانت هذه القصيدة واضحة وصريحة في الرد علللى القللائلين‬
‫ث تقللع فللي خمسللة‬
‫بخلق القرآن بأصرح اللفاظ وأبينها‪ ،‬ولطولهللا ‪-‬حيل ُ‬

‫‪ ()150‬المدارج‪ :‬المذاهب ‪.‬‬

‫وسللللبعين بيتللللًا‪-‬فقللللد رأيللللت تصللللوير القصلللليدة بكاملهللللا مللللن‬
‫كتاب»الدعائم«)‪.(151‬‬
‫ثانيبًا‪ :‬وقللد قللام بشللرحها العللالم الشلليخ محمللد بللن وصللاف الفقيلله‬
‫العمللاني‪ ،‬فللي شللرحه لكتللاب المؤلللف »الللدعائم«طبللع سلللطنة عمللان‪،‬‬
‫وزارة التراث القومي والثقافة‪ ،‬تحقيق أحمد عامر‪.‬‬
‫وهللي فللي الجللزء الول ملن )ص ‪ (118‬تحللت عنلوان‪ :‬القصليدة‬
‫الرابعة في فتنة خلق القرآن‪ ،‬وتنتهي في )ص ‪ ،(148‬وهي في خمسللة‬
‫وسبعين بيتًا كما في أصل كتاب »الدعائم« فقد رأيت أنه مللن المناسللب‬
‫تصوير القصيدة)‪ (152‬بشرح العالم العماني محمد بن وصاف المطبوعة‬
‫بسلطنة عمان‪ ،‬وزارة التراث القومي والثقافة‪ ،‬ليطلع الخوة العمانيون‬
‫على قول علمللائهم المخللالف لقللول الخليلللي‪ ،‬ويللرى القللارئ أن مؤلللف‬
‫القصيدة في الرد على القللائلين بخلللق القللرآن أنلله مللن علمللاء الباضببية‬
‫المشهورين‪ ،‬فقد وصفوه بأنه‪ :‬العلمة الفقيه الفذ‪ ،‬وإن الشارح للقصيدة‬
‫هو العالم الشيخ محمد بن وصاف الفقيه العماني‪.‬‬
‫عّلق على البيات ووضحت معانيهللا مللن مخللالف‬
‫وذلك حتى ل ُيقال ُ‬
‫للباضية وبهذا يتحقق معنى قوله تعالى‪} :‬وشهد شاهد من أهلها{‬
‫] يوسف ‪.[ 26‬‬
‫وليعلللم القللارئ أن قللول الخليلللي‪ :‬إن علمللاء الباضللية سببكتوا فببي‬
‫المحنة عن القول في هذه المسألة حتى ل يشايعوا الظلمة أنه قببول باطببل‪،‬‬
‫وأنه ادعى على علماء عمان ما لم يفعلوا‪ ،‬فأنت ترى أيها القللارئ الكريللم‬
‫من أنهم صرحوا بالرد على أصحاب هذه البدعة‪ ،‬بل النللاظم صللرح بللأن‬
‫ذلك القول بدعة وتحدى من يقول ذلك بأن يللأتي بللدليل مللن كتللاب الل أو‬
‫‪ ()151‬الملحق رقم )‪.(1‬‬
‫‪ (1) 152‬في ملحق رقم )‪.(2‬‬

‫سنة رسوله صلى ال عليه وسلم على أن القرآن مخلوق‪ ،‬وبين أنه عاجز‬
‫عن ذلك وأنه غير واجد شيئًا‪ ،‬ثم ذكر شبههم التي استدلوا بهلا ورد عليهلا‬
‫وهي بعينها شبهة الخليلي التي يتذرع بها في دعوى القول بخلق القرآن‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬ومن علماء عمان الللذين شللهد لهللم الخليلللي بللأن كتبهللم مللن‬
‫أحسن المؤلفات جمعًا وتحقيقًا‪ ،‬العلمة المحقق‪ :‬الشيخ أبي الحسن علي‬
‫بن محمد علي البسيوي‪ ،‬صاحب »الجامع« فقد جاء في مقدمة المحقللق‬
‫للجزء الول )ص ‪ ،(9-8‬وهو يثني على الكتاب‪.‬‬
‫قال‪) :‬ولهذا السبب علق سماحة الشيخ أحمد بن أحمد الخليلي فللي‬
‫نهاية كلمته التي قلدم بهلا بيلن يلدي »مختصلر البسليوي«‪ ،‬قلال‪ :‬وهلذا‬
‫المختصر إنما هو اختصار لمؤلف أبي الحسن الكبير المعروف بجللامع‬
‫أبي الحسن‪ ،‬وهو من أحسن المؤلفات جمعًا وتحقيقًا‪ ،‬يجد فيه المتعطش‬
‫لعلللم الشللريعة مللا يللروي ظمللأه ويشللبع رغبتلله‪ ،‬وعسللى ال ل أن يم ل ّ‬
‫ن‬
‫بالتوفيق لنشره كما وفق سبحانه لنشللر مختصللره إن ال ل سللبحانه ولللي‬
‫التوفيق(‪.‬‬
‫ثببم قببال المحقببق معلقلًا علللى كلم الخليلللي‪) :‬وهللي إشللارة عميقللة‬
‫المغزى‪ ،‬إذ تدل على إدراك قيمة هذا الجامع وأهميتلله‪ ،‬وهللذا أيضلًا هللو‬
‫الذي وجه همة وزارة التراث القومي والثقافة إلى الهتمام بهذا المؤلللف‬
‫القيم‪ ،‬ولقد تحقق دعاء سماحة فضيلة الشيخ أحمد بن أحمد الخليلي مفتي‬
‫عام السلطنة‪ ...‬وقد كان‪ ،‬وحققللت هّمللة وزارة الللتراث القللومي والثقافللة‬
‫وهّمة وزيرها هذا الرجاء‪ ،‬وذكر المحقق النتهاء منلله فللي أول المحللرم‬
‫سنة ) ‪1404‬هل( الموافق )‪1983‬م((‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬بعد هذا الثنللاء والمللدح لهللذا العللالم ولكتللابه مللن الخليلللي‪،‬‬
‫فإليك نص كلمه في مسألة القول بخلق القرآن‪.‬‬
‫قال )ص ‪:(81-73‬‬

‫مسألة‪:‬‬
‫اختلف الناس في كلم الله‬
‫لموسى عليه السلم‬
‫وسأل عن‪ :‬اختلف الناس في كلم ال لموسى عليلله السلللم قيببل‬
‫له‪ :‬إن الناس قد اختلفوا في ذلك‪ ،‬فقال قوم‪ :‬إنلله أسللمعه نفسلله متكلم لًا‪،‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬أسمعه صوتًا أفهمه به الكلم‪ ،‬في نفسه أو في غيللره‪ ،‬أو‬
‫خلقه ل في نفسه ول في غيره‪ ،‬والقرآن صفته‪ ،‬إلى أن قال‪:‬‬
‫ن نفسه ليست بمحل للحوادث‪ ،‬ول‬
‫فإن قلت‪ :‬خلقه في نفسه أحلت؛ ل ّ‬
‫للمخلوقات‪ ،‬وإن قلت‪ :‬خلقه ل في نفسه ول في غيره أحلت؛ لن الصفة ل‬
‫تقوم بنفسها‪ ،‬والقرآن صلفة‪ ،‬وإن قللت خلقله فلي غيلره للم يجلز أن يكلون‬
‫متكلمًا بكلمه غيره‪ ،‬ول يكون كلم غيلره هلو كلمله‪ ،‬فكلان قلوله لشليء‬
‫ل ثاني كن‪ ،‬والثاني بالثالث‪ ،‬والثالث بالرابع‪ ،‬وذلللك‬
‫مخلوق كن مخلوقًا بقو ٍ‬
‫ما ل نهاية له‪.‬‬
‫وأيضًا قد اتفقنا أن أسماء ال الللتي تصلفونه بهلا أسللماء ذاتيلة فللي‬
‫القرآن‪ ،‬والسماء الذاتية ل يجوز عندنا وعندكم أن تكون مخلوقة‪ ،‬فلما‬
‫كانت صفات ال الذاتية غير مخلوقة‪ ،‬وهللي فببي القببرآن‪ ،‬كللان القببرآن‬
‫غير مخلوق‪ (...‬إلخ‪.‬‬
‫ومن أراد المزيد في توضيح هذه المسألة وبيانها فليراجع هذا الكتللاب‬
‫الجزء الول ملن )ص ‪ ،(81 -73‬فقللد نلاقش القللائلين بخللق القللرآن نقاشلًا‬
‫علميًا منطقيًا بالدّلة من القرآن والسنة والجماع‪ ،‬ودحض كل الشللبه الللتي‬
‫تشبث بها المّدعون لخلق كلم ال عمومًا‪ ،‬ولخلق القرآن خصوصلًا‪ ،‬وهلي‬
‫شبه الخليلي نفسها‪.‬‬
‫وحيث إن الخليلي قد أثنى على هللذا الكتللاب‪ ،‬وهللو مخطللوط قبللل‬
‫طبعه وإخراجه للناس حسب تمنيه ذلك‪ ،‬فأقول لعله لم يتمكن قبل طبعه‬

‫من قراءة مباحثه كلها‪ ،‬ومنها مسألة خللق القللرآن‪ ،‬وللذلك فلإني أدعللوه‬
‫وطلب الحق من طلبة العلم مراجعة هذه المسألة بخصوصها فللي هللذا‬
‫الكتاب‪ ،‬لعل ال يوفق من شاء إلى الحق والصواب‪.‬‬
‫ثم قال‪) :‬وقال قوم‪ :‬إنه كلملله بللالوحي‪ ،‬وقللد قللال تعللالى‪} :‬وكّلم‬
‫ه موسى تكليما ً{ ] النساء ‪ ،[ 164‬وذلك حق من ال‪ ،‬وقللد كلملله‬
‫الل ُ‬
‫كما قال‪ ،‬كما شاء على ما شاء من ذلك‪.‬‬
‫ومن حجة الذي قال إن كلمه له بللالوحي منلله‪ ،‬قللول الل تعللالى‪} :‬وما‬
‫كتتان لبشتتر أن يكلمتته اللتته إل وحيتا ً أو متتن وراء حجتتاب{‬
‫] الشورى ‪ ،[ 51‬وهذا خبر غير منسوخ؛ لن الخبار ل تنسخ‪ (...‬وبعد أن ذكلر‬
‫الدلة على ذلك إلى نهاية )ص ‪ .(74‬قلال‪) :‬وسلأل فقلال‪ :‬كلم الل مخللوق أو‬
‫غير مخلوق؟ قيل له‪ :‬قد اختلف الناس في ذلللك‪ ،‬فقببال قببوم إن كلم ال ل‬
‫مخلوق‪.‬‬
‫وقال آخرون وهم أكثر المة إن كلم ال ليس بمخلوق‪.‬‬
‫ووقف في ذلك واقفون‪ ،‬قال‪ :‬وكلم ال تعالى من صفاته وصفاته‬
‫لم تزل له‪ ،‬ولو جاز لقائل أن يقول‪ :‬إن ال لم يكن متكلمًا ثم تكلم‪ ،‬لجاز‬
‫لقائل أن يقول‪ :‬لم يكن ال عالمًا ثم علم‪.‬‬
‫فلما فسد هذا القول على قلائله‪ ،‬وكلان الجملاع أن الل للم يلزل الرحملن‬
‫الرحيم‪ ،‬الحي العالم القادر السميع البصير المتكلم‪ ،‬فسد قول من يقلول كلم الل‬
‫مخلوق؛ إذ هو المتكلم كما أنه هو العالم‪ ،‬والكلم صفته فدل ذلك أن كلمه غير‬
‫مخلوق(‪.‬‬
‫ثم رد علللى شللبهة القللائلين بخلللق كلم الل إلللى أن قللال فللي )ص‬
‫‪:(77‬‬
‫)فإن قال‪ :‬القرآن مخلوق أم لم يزل؟‬

‫قيل له‪ :‬قد اتفقنا أن القرآن كلم ال‪ ،‬وأن ال قد سماه كلمه‪ ،‬وقللد‬
‫قام الدليل أن كلم ال غير مخلوق‪ ،‬فالقرآن ل يكون مخلوقًا وهللو كلم‬
‫ال بالتفاق‪ ،‬وكلمه وصفاته ل يجوز عليها الضداد(‪.‬‬
‫وبعد اطلع القارئ الكريم علللى قللول علمللاء الباضللية فللي الللرد‬
‫علللى القللائلين بخلللق القللرآن‪ ،‬وأنلله ل تنللاقض بيللن كلمهللم كمللا يلّدعي‬
‫الخليلي‪ ،‬نعود إلى ما ذكر الخليلي في )ص ‪ (108‬عللن هللؤلء العلمللاء‬
‫من الباضية )بأنهم تألموا لما حدث لهل الحق القللائلين‪ »:‬بللأن القللرآن‬
‫كلم ال غير مخلوق« من التعللذيب علللى أيللدي الظلمللة القللائلين بخلللق‬
‫القرآن‪...،‬وذكروا فللي حللق أولئك الللذين ثبتللوا علللى الحللق وأن القللرآن‬
‫كلم ال غير مخلوق‪ ،‬ما هو الحق المجمع عليه بين أتبللاع السلللف مللن‬
‫أهل السنة من أن أولئك الللذين امتحنللوا أبطللال المللة وشللهداء عقيللدتها‬
‫الحقة الذين حموها بدمائهم وصانوها بتضحياتهم(‪.‬‬
‫قلببت‪ :‬ومللا شللهد بلله هللؤلء مللن علمللاء الباضللية ل ل وسللخر ال ل‬
‫)الخليلي( أن يللدونه بقلملله فللي كتللابه لل هللو الحللق الللذي يشللهد بلله كللل‬
‫منصف‪ ،‬لن الشللهادة ل تقبللل إل بشللرطين أولهمللا العلللم‪ ،‬وثانيهمللا أن‬
‫تكون بالحق‪.‬‬
‫كما قال تعالى‪} :‬إل من شهد بالحق وهم يعلمون{ وقلللد‬
‫توفر الشرطان‬
‫في هذه الشهادة‪ ،‬فهم شهدوا بالحق وعن علم بما شهدوا به‪ .‬ولكن ماذا‬
‫يقول الخليلي في هذه الشهادة التي نقلها لنا هو ولم نّدعها عليه‪ .‬بل‬
‫سطرها بقلمه‪ ،‬وهي شللهادة بللالحق مللن الهللل‪ ،‬وال ل يقللول‪} :‬وشهد‬
‫شاهد‬
‫من أهلها{‪.‬‬
‫فهؤلء الشهود من علماء الباضية‪:‬‬

‫ل شهدوا بأن القرآن كلم ال غير مخلوق‪ ،‬وسبق نقل كلمهم‬
‫من كتبهللم المعتمللدة فللي الللرد علللى القللائلين بخلللق القللرآن‪ ،‬مللع إرفللاق‬
‫)‪(153‬‬
‫صور‬
‫مللن كتبهللم الللتي صللرحوا فيهللا بللذلك‪ ،‬مللن مطبوعللات وزارة الللتراث‬
‫القومي والثقافة‬
‫بسلطنة عمان‪.‬‬
‫ل كما أنهم شهدوا للذين امتحنوا بلأنهم أبطلال الملة وشلهداء عقيلدتها‬
‫الحقة‪.‬‬
‫ولكن المؤلف الخليلي ل يقبل هذه الشهادة بل يردهللا علللى علمللاء‬
‫عمللان( المتللأخرين هللم الللذين‬
‫طللائفته السللابقين‪ ،‬ثللم يقللرر أن علمللاء ) ُ‬
‫يقولون بخلللق القللرآن ويقبللل قللولهم ويناضللل عنله‪ ،‬فيللرد الحللق ويقبللل‬
‫الباطل‪ ،‬وهو بهذا السلوب يخالف منهج السلللف وعلمللاء المللة وإليللك‬
‫بيان المخالفة‪:‬‬
‫إن ما يقللرره الخليلللي مخللالف للقواعللد المتفللق عليهللا بيللن علمللاء‬
‫المللة‪ ،‬ومللن تلللك القواعللد أن المتللأخرين يرجعللون إلللى سلللفهم الللذين‬
‫سبقوهم علملًا وزمنلًا‪ ،‬فالصللل هللو قللول العلمللاء السللابقين لعتبلارات‬
‫كثيرة منها‪:‬‬
‫‪1‬ل العلماء السابقون أرسخ علمًا‪ ،‬وأصح منهجًا‪ ،‬وأصفى قريحة‬
‫من المتأخرين الذين اختلطت المور على كثير منهم لكثرة الهواء‬
‫شّتت الراء‪.‬‬
‫وَت َ‬
‫‪2‬ل وثانيًا فإننا نجد مللا يؤيللد ذلللك العتبللار‪ ،‬وهللو أن آراء العلمللاء‬
‫السابقين واجتهاداتهم في هذه المسألة‪ ،‬وهي القول بأن القللرآن كلم ال ل‬
‫‪153‬‬

‫)‪ (1‬لطولها فقد رأيت إثباتها ملحق في الكتاب فانظرها‪.‬‬

‫تكلم به حقيقة‪ ،‬وسمعه منه جبريل عليه السلم‪ ،‬ونزل به على محمللد‪‬‬
‫متفقة مع نصوص الكتاب والسنة‪ ،‬وأقوال سلف المة‪.‬‬
‫ولللذلك فللأقوالهم أولللى بللالقبول‪ ،‬مللن أقللوال المتللأخرين المخالفللة‬
‫للصل الذي ُيحتكم إليلله عنللد الختلف‪ ،‬وهللو الكتللاب والسللنة واّتبللاع‬
‫سللبيل المللؤمنين وعللدم مشللاقتهم‪ .‬كمللا قللال تعللالى‪} :‬يا أيها الذين‬
‫آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي المر منكم‬
‫فإن تنازعتم في شيء فرّدوه إلتتى اللتته والرستتول إن‬
‫كنتم تؤمنون بالله واليتوم الختتر…{ ]النسللاء ‪ [59‬وقللال فللي‬
‫اّتباع سبيل المللؤمنين‪} :‬ومن يشاقق الرستتول متتن بعتتد متتا‬
‫تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تتتولى‬
‫ونصله جهنم وساءت مصتتيرا ً{ ]النسللاء ‪ [ 115‬ولكللن المؤلللف‬
‫الخليلي ل هداه ال إلى الحق لل يعكلس هلذه القاعلدة‪ ،‬فيجعللل المتلأخرين‬
‫وهللم طائفلة ملن الباضلية هلم الولللى بلالقبول‪ ،‬ل لللدليل ولكلن قللولهم‬
‫ى فتمكن من قلب الخليلي فقدمه على الحقيقة والحق‪.‬‬
‫صادف هو ً‬
‫وإليلللك رده لشلللهادة علملللاء الباضلللية السلللابقين‪ ،‬وقبلللوله لراء‬
‫المتأخرين‬
‫من إباضية عمان ل من علماء الطائفة كلهم‪ ،‬يقول في )ص ‪:(108‬‬
‫)وكثيرًا ما تلمس فيما كتبوه أثر ما كان عقب تلك المحنة مللن ردة فعللل‬
‫عنيفة تبلورت فيمللا كتبلله الكللاتبون عنهللا‪ ،‬وإظهللارهم للمنكللوبين فيهللا‪،‬‬
‫بأنهم أبطال‬
‫المللة وشللهداء عقيللدتها الحّقللة‪ ،‬الللذين حموهللا بللدمائهم وصللانوها‬
‫بتضحياتهم‪.‬‬
‫قال‪ :‬وقد انعكس أثر هذا المنطللق العللاطفي الجّيللاش علللى كللل مللا‬
‫دّونه المؤيدون لهللم فللي تلللك الوقفللة الللتي وقفوهللا‪ ،‬سللواء كللان هللؤلء‬

‫المؤّيدون من مشارقة الباضية‪ ،‬أو مللن الشللعرية وغيرهللم قببال‪ :‬وقللد‬
‫استمرت هذه الفكرة في الوسط الباضي حللتى بللرز مللن علمللاء عمللان‬
‫المتأخرين‪ ،‬من فتحوا بتحريرهم أقفال الشكال‪ (...‬إلخ ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومع السف فإن المؤلف لم يللذكر واحللدًا مللن أولئك العلمللاء‬
‫المتأخرين من علماء عمان‪ ،‬ولم يذكر لنا كيف فتحوا بتحريرهللم أقفللال‬
‫الشكال‪ ،‬ولكن المذكور تحّدث عن نفسه كما سيأتي بيان ذلك‪.‬‬
‫ولكني أقببول ‪-‬قبل ذكللر كلم المؤلللف الخليلللي ‪ -‬للقللارئ الكريللم‪،‬‬
‫وأخص شباب الباضية الباحثين عن الحق النابذين للتقليللد العمللى‪ :‬إن‬
‫علماءكم‬
‫الذين ُيعّتد بأقوالهم وُيرجع لما دونوه في كتبهم لعلمهم بهذه المسالة‪،‬‬
‫وهي دعوى القول بخلق القرآن‪ ،‬ولقربهم من الذين أثاروا تلك الفتنة‬
‫وأحدثوا تلك البدعة في كلم ال عز وجل هم الولى بالتباع والخذ‬
‫بقولهم‪ ،‬لموافقته للحق الذي يجب على المسلم اتبللاعه والخللذ بلله ممللن‬
‫ه موسللى تكليم لا ً{‬
‫كان‪ ،‬وال يقول عن نفسلله‪} :‬وكلم الل ُ‬
‫ويقول‪} :‬ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه رّبه …{‬
‫ثم إن أهل الفكار الغريبللة المخالفللة لكتلاب الل وسلنة رسللوله ‪ ‬هللم‬
‫الذين فرقوا شمل المة بتلك الفكللار الدخيلللة علللى العقيللدة السلللمية‪،‬‬
‫ومعلوم أن رواد تلك الفتنة هم اليهود الذين تسللتروا باسللم السلللم كمللا‬
‫أثبت ذلك المؤلف الخليللي نفسلله فلي )ص ‪ (106‬ملن كتلابه هلذا الللذي‬
‫أسماه )الحق الدامغ( وهو اسم على غير مسمى لمن قللرأه واطلللع علللى‬
‫مغالطة مؤلفه للحق البلج‪.‬‬
‫ولهببذا أقببول‪ :‬إن أولئك العلمللاء مللن مشللارقة )الباضللية( الللذين‬
‫يقّررون أن القرآن كلم ال غير مخلوق‪ ،‬هللم الولللى بالتبللاع لموافقللة‬

‫كلمهم الكتاب والسنة وسلف المة‪ ،‬وليس أقوال المتأخرين من علمللاء‬
‫عمان‪ ،‬المخالفة للكتاب والسنة وأقوال سلف المة‪.‬‬
‫وإني لرجو من كل طالب حق يبحث عن الحق والحقيقة أن يتجه‬
‫بتفكيره إلى النصوص الواردة في هذا الموضوع مللن الكتللاب والسللنة‪،‬‬
‫لن العصمة من الزلل والخطأ فللي التمسللك بهمللا‪ ،‬بغللض النظللر عمللن‬
‫استدل بهما‪ ،‬لن الهدف هو الوصول إلى الحق الذي ينجي المسلللم بيللن‬
‫يدي ال عز وجل يللوم الحسللاب‪} ،‬يوم تجد كل نفللس مللا‬
‫عملت من خير محضرا ً ومللا عملللت مللن سللوء‬
‫تود لو أن بينها وبينه أمدا ً بعيدا ً{ ] آل عمران ‪،[ 30‬‬
‫وأذكرك بأبيات مللن قصلليدة أبللي النضللر الباضللي الللتي سللبقت‪،‬‬
‫ولعلك ترجع إليها فقد قال فيها‪:‬‬
‫هببل فببي الكتبباب دللببة مببن أو في الرواية فأتنا ببيان‬
‫بدعائه في السر والعلن‬
‫خلقهسماه كلمًا فادعه‬
‫ال‬
‫إلى أن قال‪:‬‬
‫سميته ما لم يسم تقحمًا‬
‫مبببباذا تقببببول إذا وقفببببت‬
‫حاكلَ‬
‫ُمإذ َ‬
‫سبًانفس عند ذاك رهينة‬

‫هانت عليك عقوبة الدّيان‬
‫سِئلت عن لقلقك الفتان‬
‫وُ‬
‫يوم الحساب وكل وجه عان‬

‫ثم نعود لكلم المؤلف‪:‬‬
‫إن المؤللف بعلد أن رّد شلهادة علملاء الباضلية السلابقين‪ ،‬الموافقلة‬
‫عمللان( المتللأخرين كمللا يقللول‪ ،‬إل‬
‫سّنة‪ ،‬وأّيد علماء ) ُ‬
‫لنصوص الكتاب وال ُ‬
‫أنه لم ينص على أسملائهم ول على كتبهللم الللتي نقللل عنهللا مللا عللبر عنلله‬
‫بأسلوبه وهو قوله )وقد استمرت هذه الفكرة في الوسط الباضي ل ويعني‬

‫بها القول أن القرآن كلم ال ل حتى برز من علماء عملان المتلأخرين ملن‬
‫فتحوا بتحريرهم أقفال الشكال …( إلخ‪.‬‬
‫وكان المفللروض أن يللذكر أسللماءهم وكتبهللم الللتي ورد فيهللا فتللح‬
‫الشكال‪ ،‬كما هو أصل البحث العلمي الذي يتطلب مللن صللاحبه توثيللق‬
‫ما ينقله وينسبه للخرين‪ ،‬وإل يبقى ذلك دعوى دون دليل‪.‬‬
‫ل علن ذللك بلدأ يتحلدث علن نفسله‪ ،‬ولعلله يقصلد‬
‫ولكن المؤلف بلد ً‬
‫عمان( نفسه‪ ،‬ومن يقول بقوله وإليك نللص كلملله‬
‫بالمتأخرين من علماء ) ُ‬
‫حيث يقول في آخر )ص ‪) :(108‬وقد اسللتقريت أسللباب اللبللس فللي هللذه‬
‫المسألة حتى اشتد نكير طائفة من المسللمين عللى ملن قلال بخللق القلرآن‬
‫فوجدته يعود إلى أمرين‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬التباس القرآن المنزل فللي أفهللامهم بللالكلم النفسللي الللذي‬
‫يراد به نفي الخرس‪.‬‬
‫ثانيهما‪ :‬التباسه بعلم ال سللبحانه وتعللالى بلله‪ ،‬مللع أن صللفتي الكلم‬
‫والعلم قديمتان‪ .‬ثم قال‪ :‬وما ملّر بلك فلي المقدملة ملن التفرقلة بيلن الكلم‬
‫المنّزل والكلم النفسي وبينله وبيلن عللم الل كلافٍ فلي رفلع هلذا اللبلس‪،‬‬
‫وتبديد هذه الشبهة وأضلليف إلللى ذلللك أن التكلللم لغللة وعرفلًا ل يكللون إل‬
‫بمعنى إحداث الكلم( اهل‪.‬‬
‫قلت‪ :‬والجواب على هذه المغالطة‪ :‬أن الّلبس الذي يقصده المؤلف‪،‬‬
‫إنما هو لبس في ذهنه هو‪ ،‬وأما أهل السّنة والجماعة من سلف هذه المة‬
‫وأتباعهم الذين وقفوا سدًا منيعًا في وجوه المبتدعة‪ ،‬من جهمية ومعتزلة‪،‬‬
‫اللذين لّبسلوا عللى الخليفلة )الملأمون( وبعلده )المعتصلم( بلالقول بخللق‬
‫حْمل العلماء من أهل السلنة عليله بلالقوة‪ ،‬فل لبلس عنلدهم ول‬
‫القرآن‪ ،‬و َ‬
‫اشتباه‪ ،‬لن النزاع ومحل الخلف بيللن أهللل السللنة والمبتدعللة ليللس فللي‬
‫الكلم النفسي القائم بذات ال‪ ،‬لن هذا لم يطّلع عليه أحد من البشللر كمللا‬

‫قللال تعللالى علللى لسللان عيسللى عليلله السلللم‪} :‬تعلم مللا فللي‬
‫نفسي ول أعلم ما في نفسللك{ ]الملللائدة ‪ [126‬وإنمببا‬
‫النببزاع ف لي هببذا القببرآن المسببطر فببي المصببحف والللذي يقللرأه النللاس‬
‫ويتعبدون به‪ ،‬هل هو كلم ال حقيقة تكلم به وسمعه منه جبريل كما قللال‬
‫تعللالى لنللبيه‪} :‬وإن أحد مللن المشللركين اسللتجارك‬
‫فأجره حتى يسمع كلم الله{ ] التوبة ‪ [ 6‬وكلم ال الذي‬
‫يسمعه هذا المشرك‪ ،‬هو المكتلوب فلي المصللحف‪ ،‬فيسلمعه مملن يقلرأه‬
‫عليه‪ ،‬ول يسللمع كلم الل مللن الل‪ ،‬أو أنلله مخلللوق كمللا تقللول الجهميللة‬
‫والمعتزلة خلقه كغيره‪ ،‬من المخلوقات‪ ،‬فأهل السللنة والجماعللة يقولللون‪:‬‬
‫هو كلم ال وكلمه صفة من صفاته‪ ،‬وال بصفاته خالق غيللر مخلللوق‪،‬‬
‫ومن قال إن صفة من صفات ال مخلوقة فقد كفللر‪ ،‬وهللذا مللا سللبق نقللله‬
‫عن علماء الباضية المشهورين‪ ،‬أبو النضر من كتابه »اللدعائم«‪ ،‬وأبلو‬
‫الحسن البسيوي من كتابه»الجامع«‪ ،‬الذي شهد الخليلي نفسه بللأنه العللالم‬
‫المحقق‪ ،‬وأن كتابه من أحسن الكتب جمعًا وتحقيقًا‪.‬‬
‫وحينما نّفللذ المعتصللم وصللية المللأمون بحمللل علمللاء السللنة علللى‬
‫القول بخلق القرآن بالقوة‪ ،‬وحملهم على هذه العقيدة الباطلللة‪ ،‬الللتي هللي‬
‫كفر‪ ،‬وكان ذلك في هذا القرآن المكتوب في المصللحف‪ ،‬ل فيملا يسللمى‬
‫بالكلم النفسي لن المأمون والمعتصم لللم يتكلملا فلي ذللك مطلقلًا‪ ،‬وللم‬
‫تحدث بدعة الكلم النفسي إل من عبدال بللن سللعيد بللن كلب الُمَت لَوّفى‬
‫بعد سنة ‪ 240‬هل‪،‬وقف علمللاء السللنة وقفتهللم المشللهورة‪ ،‬وتحّملللوا فللي‬
‫سبيل رد هذه البدعللة الباطلللة صللنوف التعللذيب والتنكيللل‪ :‬مللن الحبللس‬
‫والضرب والقتل‪ ،‬وقد أظهرهم ال ونصرهم‪ ،‬فأظهر ال الحللق وأبطللل‬
‫الباطل‪ ،‬بثبات علماء السنة ول سيما إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن‬
‫حنبل رحمه ال تعالى‪.‬‬

‫فقد بّين رحمه ال للمعتصللم والمنلاظرين لله‪ :‬أن القللرآن كلم الل‬
‫وكلم ال صفة من صفاته وال بصفاته واحد أحد‪ ،‬فمللن قللال إن صللفة‬
‫من صفات ال مخلوقة‬

‫فقد كفر‪ ،‬ول يقال في القرآن بخلف ذلك إل بنص من كتللاب ال ل‬
‫عز وجل أو حديث من سنة رسول ال‪ ،‬وقد عجزوا عن التيللان بآيللة‬
‫من كتاب ال أو سنة من حديث رسول ال‪ ‬على ذلك‪ ،‬واقللرأ مللا قللاله‬
‫المام أحمد ابن حنبل للمعتصم حين دعاه للقول بخلق القرآن‪ ،‬فقد جللاء‬
‫في البداية والنهاية )‪ (10/361‬وما بعدها بعد مناظرات وحلوار طويلل‬
‫قال المعتصم‪) :‬يا أحمد‪ ،‬أجبني إلى هذا أجعلك من خاصتي وممن يطللأ‬
‫بساطي‪ ،‬فيقول المام أحمد‪ :‬فأقول‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬يللأتوني بآيللة مللن‬
‫كتاب ال أو سنة عن رسللول الل‪ ‬حللتى أجيبهللم إليهللا‪ ،‬فلمللا لللم يجللب‬
‫المعتصم ومن معه ابن أبي دؤاد وغيره‪ ،‬وقال للله إسللحاق بللن إبراهيللم‬
‫نائب بغداد‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬ليس من تللدبير الخلفللة أن تخلللي سللبيله‬
‫ويغلب خليفتين‪ ،‬وألحوا على المعتصم حتى حمي واشتد غضللبه وأمللر‬
‫بضربه‪ ،‬وكان يقول لمللن يباشللر ضللربه‪ :‬شلّد قطللع الل يللديك‪ ،‬أو كلمللة‬
‫نحوها‪ ،‬والمام أحمد ثابت‪ ،‬صابر‪ ،‬محتسب‪ ،‬لم يجب المعتصم إلى طلبه(‪.‬‬

‫وهللذا يوضللح زيللف دعللوى الخليلللي‪ ،‬أن سللبب ذلللك هللو التبللاس‬
‫القرآن المنزل في أفهامهم بالكلم النفسي الذي يللراد بلله نفللي الخللرس‪،‬‬
‫فهذا كلم باطل لم يعرج عليه أحد ممن أثبت صفة الكلم ل عللز وجللل‬
‫من أهل السنة والجماعة‪ ،‬وما سمى بالكلم النفسي ل ُيَعّد كلمًا ل لغللة‬
‫ول عرفًا‪ ،‬باعتراف المؤلف ورده هو لما يسلمى بلالكلم النفسللي‪ ،‬وقللد‬
‫سبقت مناقشته في الكلم النفسللي واتضللح بطلنلله فل حاجللة لعللادته‪،‬‬
‫لن الكلم ل يسمى كلمًا ول ُيحاسب عليه إل بعد سماعه والنطق به‪.‬‬
‫والكلم النفسي كما سبق تعريفه‪ :‬هو القائم بذات المتكلم لم يسمعه‬
‫منه أحد‪.‬‬
‫ونواصل كشف تلبيسات المؤلف أو عدم فهمه وإدراكله للموصلوف‬
‫بصفة الكلم لقدرته عليه إن أراد أن يتكلللم‪ ،‬وللخللرس الللذي ل يسللتطيع‬

‫النطق بالكلم‪ ،‬كما تقدم أنه مللن لزم دعللوى الكلم النفسللي أن الخللرس‬
‫يسمى متكلمًا‪ ،‬وكذلك عدم التفريق عند المؤلف بيللن قللديم النللوع وحللادث‬
‫الحاد من الكلم‪.‬‬

‫فيقول في )ص ‪) :(109‬إن التكلم لغة وعرفًا ل يكون إل بمعنللى‬
‫إحداث الكلم‪ ،‬فإذا ُقلت‪ :‬تكلللم محمللد لللم يفللد قولللك هللذا إل أنلله أحللدث‬
‫كلمًا في زمن مضى‪.‬‬
‫وإذا ُقلببت‪ :‬يتكلللم‪ ،‬لللم يِفلد قولللك إل أنلله أحللدث كلملًا فللي الزمللن‬
‫الحاضر وكذلك صيغة المر‪.‬‬
‫قال‪ :‬ول يعني هذا بأي صيغة من صيغه الثلث الخبار عن كون‬
‫الكلم صفة قائمة بذات المتكلم‪ ،‬أو المطلوب منه التكّلم وإل فمللا معنللى‬
‫قولللك لغيللرك تكّلللم إن كللان الكلم المطلللوب قائم لًا بلله‪ ،‬وهللل هللذا إل‬
‫تحصيل حاصل؟( أهل‬
‫وأقول‪ :‬إن هذا الفهم السقيم هللو المشللكلة القائمللة بللذهن المؤلللف ومللن‬
‫سبقه من المعتزلة‪ ،‬الللذين يترسللم خطللاهم ويأخللذ بعقلائدهم الباطلللة‪ ،‬والفهللم‬
‫السقيم هنا أن المؤلف ل يفرق بين القادر على الكلم‪ ،‬وبيللن صللاحب الفللة‬
‫العاجز عن الكلم كالخرس‪ ،‬وذلك أن السليم من الفللة القللادر علللى الكلم‬
‫يتكّلم متى شاء وكيللف شللاء‪ ،‬وأمللا الخللرس فل يسللتطيع الكلَم لن صللفة‬
‫الكلم غير قائمة به‪ ،‬فل يقدر على إحداث الكلم‪.‬‬

‫ت‪- :‬كما مّثل المؤلف ل تكلم محمد‪ ،‬أو يتكلم محمد‪ ،‬أو تكلللم‬
‫فإذا ُقل َ‬
‫يا محمد‪ ،‬وكان المخاطب سليمًا من آفة الخرس‪ ،‬فإن صفة الكلم قائمة‬
‫به‪ ،‬وما أحدث من كلم في الزمن الماضللي أو فللي الزمللن الحاضللر أو‬
‫ما سيحدثه في المستقبل هو من آحاد الصفة القائمة به‪ ،‬وقللد أحللدث فللي‬
‫الماضي والحاضر ملا هللو قللادر عليلله‪،‬كالقللادر عللى المشللي وإن كلان‬
‫جالسًا فإنه يستطيع أن يمشي بخلف المقعد أو الطفل الرضلليع فللإنه ل‬
‫يستطيع المشي‪ ،‬لن صفة المشي والقدرة عليه غير قائمة به‪.‬‬
‫أما إذا كان المخاطب أخرس وقلت لله‪ :‬تكّللم‪ ،‬فلإنه ل يسلتطيع أن‬
‫يحدث الكلم لن صفة الكلم غير قائمة به‪ ،‬وإذا طلبللت منلله ذلللك فقللد‬

‫طلبت منه المستحيل؛ كما تطلب من الطفللل الرضلليع أن يركللض علللى‬
‫رجليه‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية‪) :‬وأمللا الللرب تعللالى‪ :‬إذا قيللل لللم يللزل‬
‫ل لملا يشلاء‪ ،‬للم يكلن دوام كلونه متكلملًا‬
‫متكلمًا إذا شلاء‪ ،‬أو للم يلزل فلاع ً‬
‫ل بمشيئته وقدرته ممتنعلًا‪ ،‬بللل هللذا هللو‬
‫بمشيئته وقدرته‪ ،‬ودوام كونه فاع ً‬
‫الللواجب؛ لن الكلم صللفة كمللال ل نقللص فيلله‪ ،‬فللالرب أحللق أن يتصللف‬
‫بالكلم من كل موصوف بالكلم‪ ،‬إذ كل كمال ل نقص فيه ثبللت للمخلللوق‬
‫فالخالق أولى به()‪ (154‬أهل‪.‬‬
‫ولكن هل تدري ماذا يقصد المؤلف الخليلي مللن قللوله‪) :‬إن التكّلللم‬
‫لغة وعرفًا ل يكون إل بمعنى إحداث الكلم(؟‪.‬‬
‫إنه يقصد من ذلك‪ :‬أن المتكلم يخلق فعله‪ ،‬فمعنى أحللدث المتكلللم‬
‫الكلم خلقه‪ ،‬لن المعتزلة أشركوا مع الل غيللره فللي توحيللد الربوبيللة‪،‬‬
‫فكل مكلف عندهم يخلق فعله‪ ،‬وقد رد عليهم علماء السللنة هللذه البدعللة‪،‬‬
‫ومن أولئك العلماء المللام البخللاري رحملله اللل‪ ،‬فقللد رد عليهللم بكتللابه‬
‫المعروف بل)خلق أفعال العباد(‪.‬‬
‫فالمؤلف ينفي أن تكون صللفة الكلم قائمللة بللذات الل عللز وجللل‪،‬‬
‫وأنه يتكلم متى شاء وكيف شاء‪ ،‬وقد صّرح بذلك في )ص ‪ (109‬فقال‪:‬‬
‫)وقد خاطب ال عباده بلغتهم التي يعرفونها‪ ،‬ومفاهيمهم الللتي يألفونهللا‪،‬‬
‫فإذا أخبرهم أنه كّلم أحدًا من خلقه في وقت ما‪ ،‬لللم يفللد إخبللاره هللذا إل‬
‫أنه أحدث التكليم في ذلك الللوقت‪ ،‬فل وجلله لجعللل ذلللك الخطللاب الللذي‬
‫سمعه المكّلم أو قرأه صفة أزلية قائمة بذات ال تعالى(‪.‬‬
‫فقوله‪...» :‬لم يفد إخباره هذا إل أنه أحدث التكليم في ذلك الللوقت«‬
‫ث( عنللده بمعنللى‬
‫حَد َ‬
‫ن )َأ ْ‬
‫يعني أن ال خلق ذلك الكلم في ذلك الوقت‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ () 154‬الفتاوى )‪.(12/157‬‬

‫خلق؛ ولهذا لم يقل‪ :‬تكلم في ذلللك الللوقت‪ ،‬ثللم وضللح ذلللك بقللوله‪» :‬فل‬
‫وجه لجعل ذلك الخطاب الذي سمعه المكلّلم أو قرأه صللفة أزليللة قائمللة‬
‫بذات ال تعالى«‪.‬‬
‫ويعني بهذا نفي صفة الكلم القائمللة بللذات الل تعللالى وأنلله يتكلللم‬
‫متى شاء وكيف شاء‪.‬‬
‫فهو يقللول‪ :‬إن الكلم الللذي سللمعه المكّلللم لل مثللل قللول الل تعللالى‬
‫لموسى عليه السلم حين خاطبه بقوله‪} :‬وما تلك بيمينللك يللا‬
‫موسى‪ .‬قال هي عصللاي أتوكللأ عليهللا وأهللش‬
‫بها على غنمي ولي فيها مللآرب أخللرى‪ .‬قللال‬
‫ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسللعى‪.‬‬
‫قال خذها ول تخف سنعيدها سيرتها الولى{ ]‬
‫طه ‪17‬ل ‪ [21‬إلى آخر القصة‪ -‬فهو يقول‪ :‬هللذا الللذي سللمعه موسللى عليلله‬
‫السلم من ال عز وجل بهذا الخطاب خلقه ال عز وجل ولللم يتكلللم بلله‬
‫وهو معنى قوله‪ :‬أحدثه في ذلك الوقت‪ .‬ولم يقل تكلم به في ذلك الوقت‪،‬‬
‫ونحن الن نقرأ هذا الكلم الذي أنزله ال ل علللى رسللوله محمللد‪ ‬فهللو‬
‫يقول‪ :‬ل فرق بين سامع الكلم من ال عز وجل كموسى عليلله السلللم‪،‬‬
‫أو قارئ كلم ال عز وجل‪ ،‬فإن ذلك كله مخلوق‪.‬‬
‫فهو ينفي أن تكون صفة الكلم قائمة بلله تعللالى‪ ،‬وأنلله يتكلللم مللتى‬
‫شاء وكيف شللاء وقللد سللبق قللوله‪) :‬أنلله لللو أثبللت لل صللفة الكلم فللإنه‬
‫حسب زعمه‪ -‬يثبت مع ال قدماء( لنلله حسللب زعملله وزعللم أسلللفه‬‫المعتزلة أن الصفة تكون منفصلة عللن ذات الموصللوف قائمللة بنفسللها‪،‬‬
‫وهذا تصّور فاسد‪ ،‬ترده النصوص من الكتاب والسّنة والفطر السليمة‪،‬‬
‫فإن الذات لتوجد إل بصفاتها والذات الللتي ُتجللرد مللن جميللع الصللفات‬
‫معدومة‪ ،‬ل توجد حتى في الذهن إذ ل يتصور وجود ذات بل صللفات‪،‬‬

‫وقد سبق مناقشته في ذلك تحت عنللوان‪ :‬شللبهة الخليلللي‪ :‬فللي أن تعللدد‬
‫الصفات يدل على تعدد الموصوف(‪.‬‬
‫والخليلي هنا لم يفلّرق بيلن ملا يعلبر عنله علملاء السللف فلي صلفة‬
‫الكلم‪ ،‬وهو قلولهم‪ :‬إنله قلديم النلوع حلادث الحلاد‪ ،‬أي‪ :‬أن صلفة الكلم‬
‫قائمة بذات ال تعلالى وأنله يتكللم ملتى شلاء وكيلف شلاء‪ ،‬وأن ملن آحلاد‬
‫كلمه التوراة‪ ،‬والنجيل‪ ،‬والقرآن؛ لن كلم ال ل يحصلى ول ينفلد كملا‬
‫قال تعالى‪} :‬ولو أنما فلي الرض ملن شلجرة أقلم‬
‫والبحر يمده مللن بعللده سللبعة أبحللر مللا نفللدت‬
‫كلمات الله إن الله عزيز حكيم{ ]لقمان ‪.[27‬‬
‫ولما قال ابن القيللم فللي كتلابه »الصللواعق المرسلللة عللى الجهميلة‬
‫والمعطلة« )‪2/296‬ل ‪) (298‬وقد دل القرآن وصريح السللنة والمعقللول‬
‫وكلم السلف على أن ال سبحانه يتكلم بمشيئته‪ ،‬كما دل علللى أن كلملله‬
‫صفة قائمة بذاته‪ ،‬وهي صفة ذات وفعللل‪ ،‬قللال تعللالى‪} :‬إنما أمرنا‬
‫لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكللون{( ثللم سللرد‬
‫اليات والحاديث الدالة على ذلك( ‪.‬‬
‫وقد نقل الخليلي جملة من كلم ابن القيم في كتابه هذا من آخر‬
‫)ص ‪ (109‬إلللى أول )ص ‪ ،(111‬بللدأه بقللوله‪) :‬وأمللا قللول ابللن القيللم‪:‬‬
‫»وقد دل القرآن وصريح السللنة والمعقللول وكلم السلللف علللى أن ال ل‬
‫سبحانه يتكلم بمشيئته‪ ،‬كما دل على أن كلملله صللفة قائمللة بللذاته وهللي‬
‫صفة ذات وفعل‪ ،‬قال تعالى‪} :‬إنما أمرنا لشيء إذا أردنللاه‬
‫أن نقول له كن فيكون{ «ثم اسللتمر فللي سللرد اليللات الللتي‬
‫ذكرها ابن القيم والحاديث التي يسللتدل بهللا علللى إثبللات صللفة الكلم‪،‬‬
‫وأن ال يتكلم متى شاء‪ ،‬إلى قوله‪ :‬وأنه كل ليلللة يقللول‪» :‬مببن يسببألني‬
‫فأعطيه‪ ،‬من يستغفرني فأغفر له‪ ،‬من يقرض غير عديم ول ظلوم«‪.‬‬
‫))‬

‫))‬

‫وقال النبي ‪» :r‬إن ال أحيا أباك وكّلمه كفاحاً« )‪ ،(155‬ومعلللوم‬
‫ي‪ .‬إلللى أضللعاف ذلللك مللن‬
‫ن علل ّ‬
‫أنه في ذلك الوقت كّلمه‪ ،‬وقال له‪ :‬تمل ّ‬
‫نصوص الكتاب‬
‫والسنة‪ «...‬إلخ كلمه‪ ،‬فمللاذا قللال الخليلللي بعللد سللرده لهللذه النصللوص‬
‫التي استدل بها ابن القيللم رحملله اللل‪) :‬وقللد دل القللرآن وصللريح السللنة‬
‫والمعقول وكلم السلف‪ ،‬علللى أن الل سلبحانه يتكلللم بمشليئته‪ ،‬كملا دل‬
‫على أن كلمه صفة قائمة بذاته‪ ،‬وهي صفة ذات وفعل(‪.‬‬
‫إن الخليلي يغالط ُقّراَءه ويرد نصوص الكتللاب والسللنة والمعقللول‬
‫وأقوال السلف‪ ،‬فيقول‪) :‬كل ما ذكره ابن القيم‪ ،‬فهو حجة له على صحة‬
‫ما قرره‪ ،‬من أن المراد بتكليم الل سللبحانه )إحللداثه للكلم( فللي الللوقت‬
‫الذي يكون فيه‪.‬‬
‫قللال‪ :‬وإل فمللا معنللى تقييللد تكليملله بالليللل أو النهللار‪ ،‬أو الللدنيا أو‬
‫الخرة‪ ،‬أو غير ذلك من الزمنة لو كان هذا الكلم نفسه أزليًا(‪.‬‬
‫هكذا يقول‪ ،‬وابن القيم يريد بكلمه إيراد الدلة على أن ال يتكلللم‬
‫متى شاء‪ ،‬وأن صلفة الكلم قائملة بله‪ ،‬والخليلللي ل يلوافقه عللى ذللك‪،‬‬
‫وإنما يريد أن يحمل كلم ابن القيللم علللى أن إحللداث الكلم معنللاه خلللق‬
‫الكلم متى شاء‪ ،‬ل أن صفة الكلم قائمة بال‪ ،‬ولكنه يغالط من ل يفهللم‬
‫مراده‪ ،‬وذلك بقوله‪ :‬بأن ال أحللدث الكلم فللي ذلللك الللوقت‪ ،‬ومقصللوده‬
‫أنه خلقه‪ ،‬ولم تكن صفة الكلم قائمة به تعللالى‪ ،‬وإنلله تكّلللم بللذلك الكلم‬
‫حسللب مشلليئته‪ ،‬مللتى شللاء وكيللف شللاء‪ ،‬وفللي الفقللرة التاليللة كشللف‬
‫لمغالطاته‪.‬‬
‫‪ () 155‬في قصة جابر بن عبدال حينما قتل عبدال شهيدًا في غزوة أحللد‪.‬ذكللر ذلللك ابللن‬
‫القيم في مختصر الصواعق المرسلة ‪ ،2/297‬وابن كثير في التفسير ‪.2/141‬‬

‫مناقشة الخليلي في دعواه أن ما أورده ابن القيم‬
‫حجة له وكشف مغالطاته في ذلك‬
‫إن من عادة أصحاب القوال الباطلة‪ ،‬والعقللائد الفاسللدة‪ ،‬المخالفللة‬
‫لنصوص الكتاب والسنة‪ ،‬وفهم سلف المة‪ ،‬الذين ُأمرنا بالقتللداء بهللم‪،‬‬
‫التمويَه على القراء بعبارات ل يدرك مدلولها إل من عرف أساليبهم‪.‬‬
‫ومن أمثلة ذلك قول الخليلي هنا‪ ):‬إن كلم المللام ابللن القيللم الللذي‬
‫أورد النصوص عليه من الكتاب والسنة والمعقول وأقوال السلف ل مللن‬
‫أن ال عز وجل يتكلم متى شاء‪ -‬إنه حجة له على عقيدته بللأن كلم ال ل‬
‫مخلوق( ومنه القرآن فإنه مخلوق‪.‬‬
‫فقللوله‪) :‬مللن أن المللراد بتكليللم ال ل سللبحانه )إحللداث الكلم( فللي‬
‫الوقت الذي يكون فيه‪ -‬يقصد بالحداث الخلللق للكلم وقللت التكلللم‪ -‬أي‬
‫أن ال خلقه في هذا الوقت ولم تكن صفة الكلم قائمة بذات الل تعللالى‪،‬‬
‫ولهذا لم يقل‪ :‬إن ال تكلم في الوقت الذي يريد الكلم فيه حسب مشلليئته‬
‫واختيللاره وإنمللا عللبر عللن التكليللم بالحللداث‪ ،‬والحللداث عنللده خلللق‬
‫الكلم‪.‬‬
‫وابن القيم ل يريد ما غالط به الخليلي قراءه من أن إحللداث الكلم‬
‫في هذه الوقات المختلفة معناه )خلق الكلم( بل إنه يريد أن يقول‪ :‬أن‬
‫الكلم صفة ذات وفعل‪ ،‬وأن ال يتكلللم مللتى شللاء وكيللف شللاء‪ ،‬ويقللول‬
‫للمعطلللة فللي زمنلله ولللورثتهم فللي زماننللا للل كللالخليلي وأمثللاله‪ :-‬إن‬
‫نصوص القرآن والسنة تدل صراحة أن ال يتكلم بمشيئته واختياره فللي‬
‫كل وقت وزمن في الليل والنهار‪ ،‬في الدنيا والخرة‪.‬‬

‫أما الخليلي فيقول‪) :‬إن المراد بتكليللم ال ل سللبحانه‪ :‬إحللداث الكلم‬
‫في الوقت الللذي يكللون فيلله … وإل فمللا معنللى تقييللد تكليملله بالليللل أو‬
‫النهار أو الدنيا أو الخرة أو غير ذلك من الزمنة‪.‬‬
‫ثم أورد مغالطاته وتمويهه فقال‪ :‬لو كان هذا الكلم نفسه أزليًا(‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن ابن القيم لم يصرح فيما نقله عنه الخليلللي بكلمللة )أزلي لًا(‬
‫وإنما قال في بداية كلمه‪ :‬كملا دل القلرآن‪ :‬أن كلمله صلفة قائملة بلذاته‬
‫وهي صفة ذات وفعل‪ ،‬وأنه يتكلم بمشيئته(‪.‬‬
‫فلابن القيلم للم يقلل مطلقلًا‪ :‬إن كلم الل بالليلل والنهلار فلي الللدنيا‬
‫والخرة أنه أزلي‪ .‬وإنما يقصد أن صفة الكلم قائمة بللذاته تعللالى وأنلله‬
‫يتكلم متى شاء‪ .‬وهذا معنلى قللول السلللف فلي تعريلف الكلم‪ :‬إنله قللديم‬
‫ل وأبللدًا‪،‬‬
‫النوع حادث الحاد‪ ،‬أي أن صفة الكلم قائمة بللذاته تعللالى أز ً‬
‫وأنه يتكلم متى شاء في الليل أو النهار في الللدنيا والخللرة‪ .‬فهللذا معنللى‬
‫تقييد ابن القيم الكلم‪ :‬بالليل والنهار‪ ،‬وفي الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وهذا هو المعقول الللذي تقبللله العقللول السللليمة والفهلام المسلتقيمة‪،‬‬
‫فإننا لو نظرنا لصفات الكمال والنقص في المخلوق ‪-‬ولل المثللل العلللى‪-‬‬
‫لتبين لنا أن الشخص القادر على الكلم‪ ،‬السليم من الفات‪.‬أكمل فللي هللذه‬
‫الصفة من الخرس الذي ل يستطيع الكلم‪.‬‬
‫فللإن القللادر علللى الكلم نجللد أن صللفة الكلم قائمللة بلله‪ ،‬وليسللت‬
‫منفصلة عنه كما توهم المعتزلة وأتباعهم‪.‬‬
‫فللإذا أراد الكلم‪ ،‬فللإنه يتكلللم بمللا شللاء لنلله قللادر علللى الكلم‪ ،‬وأمللا‬
‫الخرس فإنه عاجز عن الكلم‪ ،‬لن صفة الكلم ليست قائمة به‪ ،‬فللإذا أراد‬
‫أن يتكلم لم يستطع‪.‬‬
‫وبهذا يتضح للقللارئ أن المؤلللف الخليلللي ل ُيثِبللت لل عللز وجللل‬
‫صفة الكلم القائمة به تعالى‪ ،‬وأنه يتكلم متى شللاء وكيللف يشللاء‪ ،‬بكلم‬
‫))‬

‫ل يشللبه كلم البشللر فللال تعللالى }ليتتس كمثلتته شتتيء وهتتو‬
‫السميع البصير{ ثم يغالط الخليلي ُقّراَءه‪ ،‬ويلّبس عليهم فيفسر كلم‬
‫ه موستتى‬
‫اللل مللع أنبيللائه ورسللله مثللل قللوله تعللالى‪} :‬وكلم اللت ُ‬
‫تكليم تا ً{]النسلللاء‪ [164:‬وقللوله‪} :‬ولمتتا جتتاء موستتى لميقاتنتتا‬
‫وكلمه رّبه{] العراف‪.[143 :‬‬
‫وكل ما ورد فيه كلم ال مع عباده )بلأن تكليللم الل معنللاه إحللداث‬
‫الكلم في ذاك الوقت( ومعنى الحداث هو خلق الكلم‪.‬‬
‫ولم يفّرق بين نوع الكلم القائم بذات ال وآحللاد ذلللك النللوع كللالتوراة‪،‬‬
‫والنجيل‪ ،‬والزبور‪ ،‬وصحف إبراهيم وموسى‪ ،‬والفرقان كتاب هللذه المللة‪،‬‬
‫وكل ما تكلم ال به بمشليئته واختيلاره وهلو ملا قلاله السللف‪ :‬إن الكلم قلديم‬
‫النوع حادث الحاد‪ .‬ولنقرأ كلم المام الطحاوي في تعريفه للقرآن‪.‬‬
‫يقول المام الطحاوي رحمه ال‪) :‬وإن القرآن كلم ال منه بدأ بل‬
‫ل‪ ،‬وأنزله علللى رسللوله وحيلًا‪ ،‬وصلّدقه المؤمنللون علللى ذلللك‬
‫كيفية قو ً‬
‫حّقا‪ ،‬وأيقنوا أنه كلم ال تعالى بالحقيقللة‪ ،‬ليلس بمخلللوق ككلم البريللة‪،‬‬
‫فمن سمعه فزعم أنه كلم البشر فقد كفر‪ ،‬وقللد ذملله الل وعللابه ووعللده‬
‫بسلقر حيث قال تعالى‪} :‬إن هذا إل قتول البشر{ ] الملللدثر ‪[ 25‬‬
‫علمنا وأيقّنا أنه قول خالق البشر‪ ،‬ول يشبه قول البشر( اهل)‪.(156‬‬
‫يقول ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية شارحًا هذا النص‪:‬‬
‫)هلذه قاعللدة شللرعية وأصللل كلبير ملن أصللول الللدين‪ ،‬ضللل فيله‬
‫طوائف كثيرة من الناس‪ ،‬وهللذا الللذي حكللاه الطحللاوي رحملله ال ل هللو‬
‫الحق الذي دلت عليه الدلة من الكتاب والسنة لمن تدبرها‪ ،‬وشهدت به‬
‫الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات والشكوك والراء الباطلة(‪.‬‬
‫‪ () 156‬شرح الطحاوية )‪.(1/172‬‬

‫ثم قال‪) :‬وقد افترق الناس في مسألة الكلم على تسعة أقللوال‪ :‬ثللم‬
‫ذكرها فقال‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن كلم ال هو ما يفيض على النفوس من معاني‪ ،‬إمللا مللن‬
‫العقل الفعال عند بعضهم‪ ،‬أو من غيره‪ ،‬وهذا قول الصابئة والمتفلسفة‪.‬‬
‫ل عنلله وهللذا قللول المعتزلللة(‬
‫الثاني‪ :‬أنه مخلوق خلقه الل منفصل ً‬
‫)‪.(157‬‬
‫قلببت‪ :‬وهللذا قللول الخليلللي‪ ،‬فللإن الباضللية فللي بللاب أسللماء ال ل‬
‫وصفاته معتزلة يقولون بقولهم‪ ،‬وقد سبق ردنا على الخليلي فللي مسللألة‬
‫نفيه رؤية المؤمنين ربهم في الجنة في الجزء الول)‪.(158‬‬
‫ثم ذكر الشارح القوال إلى أن قال‪:‬‬
‫)وتاسعها‪ :‬أنه تعالى لم يللزل متكلم لًا إذا شللاء ومللتى شللاء وكيللف‬
‫شللاء‪ ،‬وهللو يتكلللم بصللوت يسللمع‪ ،‬وأن نللوع الكلم قللديم وإن لللم يكللن‬
‫الصوت المعين قديمًا‪ ،‬وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فكون صفة الكلم قائمة به تعللالى‪ ،‬يتكلللم مللتى شللاء وكيللف‬
‫شاء‪ ،‬وأن نوع الكلم قديم‪ ،‬وآحاده حادثللة‪ ،‬بمعنللى أنلله يتكلللم بهللا مللتى‬
‫شاء‪ ،‬مثل كلمه بالتوراة مع موسى‪ ،‬ومن آحاد كلمه القللرآن‪ ،‬وسللائر‬
‫الكتب المنّزلة‪ ،‬فهذا مذهب أهل السنة‪ .‬وإنما يجعل كل حادث من نوع‬
‫الكلم الذي يتكلم ال بله ممللا أوحللاه الل إلللى رسللله مخلوقلًا‪ ،‬المعتزللُة‬
‫س عليهم وتغيرت فطرهللم؛ ولهللذا‬
‫والجهميُة ومن يقول بقولهم ممن لُلبل ّ‬
‫‪ () 157‬ثم ذكر المؤلف بقية القللوال فللي الكلم‪ .‬ومنهللا كلم الشللعرية فللي أنلله المعنللى‬
‫النفسي القائم بالذات‪ ،‬ووافقهم الباضية كما ذكر المؤلف وقد تبين لك أن هذا ل يعد‬
‫كلمًا‪.‬‬
‫‪ () 158‬وقد طبع وحده عن دار الوحدة بالقاهرة سنة ) ‪1415‬هل(‪.‬وهو الن مطبلوع فلي هلذا المجللد الجلزء‬
‫الول منه‪.‬‬

‫يقللول شللارح الطحاويللة رحملله اللل‪) :‬ولللو ُت لِرك النللاس علللى فطرهللم‬
‫السليمة وعقولهم المستقيمة‪ ،‬لم يكن بينهم نللزاع‪ ،‬ولكللن ألقللى الشلليطان‬
‫إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه ف لّرق بهللا بينهللم‪} ،‬وإن الذين‬
‫اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد{( ] البقللرة ‪ [ 176‬والذي‬
‫يدل عليه كلم الطحاوي رحمه ال‪ :‬أنه تعالى لللم يللزل متكلم لًا إذا شللاء‬
‫كيف شاء‪ ،‬وأن نوع كلمه قديم‪.‬‬
‫قال‪) :‬وكذلك ظاِهُر كلم المللام أبللي حنيفللة رضللي الل عنلله فللي‬
‫»الفقه الكبر)‪ ،«(159‬فإنه قال‪) :‬والقرآن في المصاحف مكتللوب‪ ،‬وفللي‬
‫القلوب محفوظ‪ ،‬وعلى اللسن مقروء‪ ،‬وعلللى النللبي‪ ‬من لّزل‪ ،‬ولفظنللا‬
‫بالقرآن مخلوق‪ ،‬والقرآن غير مخلوق‪ ،‬ومللا ذكللر ال ل فللي القللرآن عللن‬
‫موسى عليه السلم وغيره وعللن فرعللون وإبليللس‪ ،‬فللإن ذلللك كلم الل‬
‫إخبار عنهم‪ ،‬وكلم موسى وغيره من المخلوقين مخلوق‪ ،‬والقرآن كلم‬
‫الل ل كلمهللم‪ ،‬وسللمع موسللى عليله السلللم كلم الل تعلالى فلملا كّلللم‬
‫موسى كّلمه بكلمه الذي هو من صفاته‪ ،‬لم يللزل وصللفاته كلهللا خلف‬
‫صللفات المخلللوقين‪ ،‬يعلللم ل كعلمنللا‪ ،‬ويقللدر ل كقللدرتنا‪ ،‬ويللرى ل‬
‫كرؤيتنا‪ ،‬ويتكلم ل ككلمنا( )‪(160‬اهل‪.‬‬
‫قلببت‪ :‬إن عللدم تفريللق الخليلللي فللي مسللألة الكلم بيللن قللديم النللوع‬
‫وحادث الحاد هو الذي جعله يقول فللي ص ) ‪ (111 -109‬أن كلم ابللن‬
‫القيم الذي نقله من الصواعق المرسلة حجة له‪.‬‬
‫ويقول شارح الطحاوية أيضلًا‪) :‬إن الرسللل الللذين خللاطبوا النللاس‬
‫وأخبروهم أن ال قال‪ ،‬ونللادى‪ ،‬ونللاجى‪ ،‬ويقللول‪ ،‬لللم يفهمللوهم أن هللذه‬
‫مخلوقات منفصلة عنه بل الذي أفهمللوهم إيللاه‪ :‬أن ال ل نفسلله هللو الللذي‬
‫‪ ()159‬الطحاوية ‪.187 / 1‬‬
‫‪ (1) 160‬انظر شرح الفقه الكبر ص ‪، 204‬طبع الشؤون الدينية بقطر‪.‬‬

‫تكلم‪ ،‬والكلم قائم به ل بغيره‪ ،‬وإنه هو الذي تكلم به وقللاله‪ ،‬كمللا قللالت‬
‫عائشة رضي ال عنها في حديث الفك‪» :‬ولشأني في نفسي كان أحقر‬
‫ي بوحي يتلى« )‪.(161‬‬
‫من أن يتكلم ال ف ّ‬
‫قال‪ :‬ولو كان المراد من ذلك كله خلف مفهومه لللوجب بيللانه‪ ،‬إذ‬
‫تأخر البيان عن وقت الحاجللة ل يجللوز‪ ،‬ول يعللرف فللي لغللة ول عقل ٍ‬
‫ل‬
‫ل والكلُم‪ ،‬وإن زعمللوا أنهللم فللروا مللن ذلللك‬
‫ل متكلٌم ل يقوم به القللو ُ‬
‫قائ ٌ‬
‫حذرًا من التشبيه‪ ،‬فل يثبتوا صفة غيره فإنهم إذا قالوا‪ :‬يعلللم ل كعلمنللا‪،‬‬
‫قلنا‪ :‬ويتكلم ل كتكلمنا‪ ،‬وكذلك سائر الصفات‪ .‬وهل يعقل قللادر ل تقللوم‬
‫به القدرة‪ ،‬أو حي ل تقوم به الحياة‪.‬‬
‫وقد قال ‪» :r‬أعوذ بكلمات ال التامات الببتي ل يجاوزهببا بببر ول‬
‫فاجر« فهل يقول عاقل إنلله ‪ r‬عللاذ بمخلللوق؟ بللل هللذا كقللوله‪» :‬أعببوذ‬
‫برضاك مببن سببخطك‪ ،‬وبمعافاتببك مببن عقوبتببك« )‪ (162‬وقوله‪» :‬أعببوذ‬
‫بعزة ال وقدرته من شر ما أجد وأحاذر«)‪.(163‬‬
‫وقوله‪» :‬وأعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا« قال‪ :‬كللل هللذه مللن‬
‫صفات ال تعالى()‪.(164‬‬
‫ولكن الخليلي يدخل كلم ال عز وجل في المخلوقات التي يجري‬
‫عليها اليجاد والعدام‪ ،‬وصفات ال عز وجل الذاتية ل يجوز أن يقال‪:‬‬
‫أنها تدخل تحت اليجاد والعدام‪ ،‬تعالى ال عن ذلك علوًا كبيرًا‪.‬‬

‫‪ () 161‬البخاري في قصة الفك‪ ،‬انظر‪ :‬فتح الباري ح)‪ (4750‬وهو حديث طويل‪.‬‬
‫‪ () 162‬رواه مسلم في السلم ح )‪.(2202‬‬
‫‪ () 163‬مسلم ح)‪.(2708‬‬
‫‪ () 164‬الطحاوية )‪.(189 / 1‬‬

‫ولبيان ذلك يقول الخليلي في )ص ‪ ):(111‬إن الفرق بيللن إحللداث‬
‫ال لكلمه‪ ،‬وإحداث العبد لكلمه أمران ل ثم شرحهما … إلى أن قللال‪:‬‬
‫أما كلم ال فهو كسائر أفعاله من إيجاد وإعدام(‪.‬‬‫ويتساءل المسلم‪ :‬كيف يعدم ال صفة من صللفاته وال ل عللز وجللل‬
‫واحد أحد بصفاته‪ ،‬ومن صفاته كلمه؟ ولهذا أجمع أهل السنة علللى أن‬
‫من قال‪ :‬كلم ال مخلوق فقد كفر؛ لنه بقوله هللذا يقللول‪ :‬إن صللفة مللن‬
‫صفات ال مخلوقة وهذا كفر؟‪.‬‬
‫قال تعالى مجيبًا للمشركين واليهود الذين سألوا رسللول الل ‪ r‬أن‬
‫يصف لهم ربه‪} :‬قل هو الله أحد‪ .‬اللتته الصتتمد‪ .‬لتتم يلتتد‬
‫ولم يولد‪ .‬ولم يكن لتته كفتتوا ً أحتد{ ولهللذا قللال السلللف عللن‬
‫ل‪ ،‬وأنزلله‬
‫القرآن الكريم‪) :‬وإن القلرآن كلم الل منله بلدأ بل كيفيلة قللو ً‬
‫على رسوله وحيًا …()‪.(165‬‬
‫ل‪ :‬رد علللى المعتزلللة‬
‫فقللولهم‪ :‬كلم اللل منلله بللدأ بل كيفيللة قللو ً‬
‫وغيرهم؛ فللإن المعتزلللة والرافضللة ‪-‬وقبلهللم الجهميللة وإباضللية عمللان‬
‫المتأخرين كما يقول الخليلي‪ -‬يزعمون أن القرآن لم يبدأ منه وإنما خلقه‬
‫ل عنه‪.‬‬
‫ال منفص ً‬
‫وفي )ص ‪ :(112‬يصف الخليلي المخلوق حين يتكلم أنه يحتللاج فللي‬
‫تكليمه إلى الحنجرة والقصبة الهوائية‪ ،‬والحلق واللسان والسنان والشللفتان‬
‫…‪ .‬إلخ أوصاف النسان المخلوق‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬وإلى هنا قام بذهنه التشبيه‪ ،‬فأراد التنزيه فنفى علن الل علز‬
‫وجل أن يتكلم بمشيئته واختياره على ما يليللق بجلللله بكلم ل يشللبه كلم‬
‫البشر فال }ليس كمثله شيء وهو الستميع البصتير{‪ .‬ولهللذا‬
‫‪ () 165‬الطحاوية )‪.(1/172‬‬

‫قال الطحاوي في تعريف القرآن‪ ):‬وأيقنوا أنه كلم الل تعللالى بالحقيقللة‬
‫ليس بمخلوق ككلم البرية(‪.‬‬
‫ويواصل الخليلللي فللي التحريللف الشللنيع لكتللاب الل فيسللتدل بآيللة‬
‫كريمة‪ -‬يستدل بها أهل السنة والجماعة على كيفية إنزال الوحي‪ ،‬الللذي‬
‫ل للله‪،‬‬
‫أنزله ال تعالى إلى أنبيائه ورسللله‪ ،‬وبيللان أقسللامه‪ -‬ويجعلهللا دلي ً‬
‫ويللدعم رأيلله بقللول الشللعرية فللي الكلم النفسللي المتفللق عليلله بيللن‬
‫الشعرية والباضية كما سللبق ذكللره لللذلك فللي )ص ‪ (100‬كمللا سللبق‬
‫ذكر رده هو للكلم النفسي وأنه ل دليل عليه ل من كتاب ول سنة كمللا‬
‫في )ص ‪ (103‬من كتابه هذا‪.‬‬
‫وقد سبق مناقشته فللي الكلم النفسللي وأنلله مضللطرب فيلله‪ ،‬فمللرة‬
‫يثبته ومرة ينفيه‪ ،‬والذي يظهر أن المر فللي نفيلله وإثبللاته عنللده حسللب‬
‫الحاجة‪ ،‬ولذا نجده هنا احتاج إليه‪ ،‬فبعد أن ذكللر صللفات المخلللوق ومللا‬
‫يحتاج إليه لداء الكلم من حنجللرة ولسللان … إلللخ قللال‪):‬وقللد بيللن لنللا‬
‫تعالى صفة تكليمه لعباده حيث قال‪} :‬وما كان لبشتتر أن يكلمتته‬
‫اللتته إل وحيتتا ً أو متتن وراء حجتتاب أو يرستتل رستتول ً‬
‫فيوحي بإذنه ما يشاء{ ] الشللورى ‪ .[51‬قال‪ :‬وناهيللك أنلله سللبحانه‬
‫جعل الوحي تكليمًا منه مع أنه إلهام يختص به من يشاء من عباده(‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬ليس كل الوحي إلهامًا‪ ،‬وإنما اللهام نوع من أنواع الوحي‪.‬‬
‫وفلللي أول )ص ‪ (113‬يبلللدأ بلللالتحريف الصلللريح فيقلللول‪) :‬وإذا‬
‫عرفت ذلك اتضح لك جواز أن يكون التكليم من وراء حجاب إذا أسللند‬
‫إلى ال‪ ،‬بمعنى خلق صوت مسموع ل يصدر عن شيء ينبئ عن مراد‬
‫ال‪ ،‬ويتلقفه سمع من اختصه ال بالتكليم‪ ،‬وعلللى هللذا يحمللل تكليللم ال ل‬
‫لموسى عليه السلم‪.‬‬

‫ثم يقول‪ :‬وهو أحد الحتمالين اللذين ذكرهمللا المللام الطللاهر ابللن‬
‫عاشور ل وهو مالكي المذهب أشعري العقيدة ل فللي تكليللم ال ل لملئكتلله‬
‫حيث قال‪» :‬وكلم ال للملئكة أطلق على ما يفهمون به إرادتببه وهببو‬
‫المعبر عنه بالكلم النفسي«()‪.(166‬‬

‫المناقشة لهذا الستدلل‪:‬‬
‫نذكر نص الية الكريمة فلال سلبحانه وتعلالى يقلول مخاطبلًا عبلاده‬
‫مبينًا لهم وحيه إليهم‪} :‬وما كان لبشر أن يكلمه الله إل وحيا ً أو‬
‫من وراء حجاب أو يرسل رسول ً فيوحي بإذنه متتا يشتتاء{‬
‫] الشورى ‪.[ 51‬‬

‫إن الية الكريمة قد شملت أنواع الوحي الثلثة‪:‬‬
‫‪1‬ل اللهام ‪2‬ل الكلم من وراء حجللاب ‪3‬لل إرسللال الرسللول وهللو‬
‫جبريل عليه السللم إللى ملن اختصله الل ملن عبلاده باليحلاء إليله وهلم‬
‫النبياء والرسل‪.‬‬
‫ل الخليلي بتكليم ال عز وجل لموسى عليه السلم وهو النوع‬
‫وقد مث ّ‬
‫الثاني من أنواع الوحي‪ :‬التكليم من وراء حجاب‪.‬‬
‫فلنناقش هذا‪ :‬يقول الخليلي إن التكليم من وراء حجاب إذا أسند إلللى‬
‫ال‪ ،‬يكون بمعنى خلق صوت مسموع ل يصدر عن شيء ينبئ عن مراد‬
‫صله الل بلالتكليم‪ ،‬وعللى هلذا يحملل تكليلم الل‬
‫ال‪ ،‬ويتلقفه سمع من اخت ّ‬
‫لموسى عليه السلم‪.‬‬
‫وحيث إن ال عز وجل قد خللاطب نللبيه موسللى عليلله السلللم فللي‬
‫آيات كثيرة وردت في كتاب ال‪ ،‬فمن المناسب أن نورد بعللض اليللات‬
‫شلْرح الخليلللي وتوضلليحه لهللا مسللتقيم مللع‬
‫الواردة في ذلك لنللرى هللل َ‬
‫نصها وفيما تدل عليه لمن يتحدث اللغة العربيللة‪ ،‬كمللا شللرحها الخليلللي‬
‫‪ () 166‬التحرير والتنوير )‪ (6/38‬ط‪ /‬الدار التونسية للنشر‪.‬‬

‫بمللا سللبق ذكللره‪ ،‬أو أّنلله حّرفهللا تحريفلًا شللنيعًا أخرجهللا عللن مللدلولها‬
‫الصريح الواضح؟‪.‬‬
‫فمن ذلك قللول اللل تعللالى‪} :‬وواعدنا موسى ثلثيتتن ليلتتة‬
‫وأتممناها بعشر‬
‫فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لخيه هتتارون‬
‫اخلفني في قومي وأصلح ول تتبتتع ستتبيل المفستتدين‪.‬‬
‫ولما جاء موستتى لميقاتنتتا وكّلمتته رب ّتته قتتال رب أرنتتي‬
‫أنظر إليك{ ] العراف ‪142‬ل ‪ [ 143‬فهل الصوت الذي سمعه موسللى‬
‫من ل شيء ؟وهل قال موسى للذي ل شيء حينما سمعه قال له‪} :‬رب‬
‫أرني أنظر إليك{‪ ،‬أي أن نبي ال ل موسللى يقللول للشلليء ‪} :‬رب‬
‫أرني أنظر إليك{؟ ومثل هذه الية في قصة تكليم موسللى مللا جللاء‬
‫في سورة القصص وهو قوله تعالى‪} :‬فلما قضى موسى الجل‬
‫وسار بتأهله آنتتس متن جتانب الطتتور نتتارا ً قتال لهلته‬
‫امكثوا إني آنست نارا ً لعلي آتيكم منها بختتبر أو جتتذوة‬
‫من النار لعلكم تصطلون‪ -‬فلما أتاها نودي من شاطئ‬
‫الوادي اليمن في البقعة المباركة من الشتتجرة أن يتتا‬
‫سن َ ُ‬
‫شتد ّ‬
‫موسى إني أنتتا اللتته رب العتتالمين{ إلللى قللوله‪َ } :‬‬
‫دك بأخيك ونجعل لكمتا ستلطانا فل يصتتلون إليكمتا‬
‫ض َ‬
‫عَ ُ‬
‫بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون{ ] القصص ‪29‬ل ‪ [ 35‬فمن الذي‬
‫يقول‪} :‬يا موسى إني أنا اللتته رب العتتالمين{ غيللر اللل عللز‬
‫وجل‪ ،‬فهل ذلك الصوت الذي سمعه موسللى يصللدر مللن ل شلليء‪ ،‬وهللل‬
‫ذاك الذي ل شيء يقول لموسى‪} :‬إني أنا الله رب العالمين{‪.‬‬
‫ولنقرأ ما جاء في سورة طه في تكليللم الل لموسللى عليلله السلللم‪،‬‬
‫يقللول ال ل تعللالى مخاطب لًا نللبيه محمللدًا ‪} :r‬وهتل أتتتاك حتتديث‬

‫موسى‪ .‬إذ رأى نارا ً فقال لهله امكثوا إني آنست نارا ً‬
‫لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد علتتى النتتار هتتدى‪ .‬فلمتتا‬
‫أتاها نودي يا موسى‪ .‬إني أنتتا ربتتك فتتاخلع نعليتتك إنتتك‬
‫بتتالوادي المقتتدس طتتوى‪ .‬وأنتتا اخترتتتك فاستتتمع لمتتا‬
‫يوحى‪ .‬إنني أنا الله ل إله إل أنا فاعبدني وأقم الصتتلة‬
‫لذكري{ ] طه ‪9‬ل ‪.[ 14‬‬
‫فِمّمن سمع موسى ذاك الصوت الذي يصدر ل عن شلليء ؟ ومللن‬
‫الذي سمعه موسى وهو يقللول‪} :‬إني أنا ربتتك{؟ ومللن الللذي قللال‪:‬‬
‫}وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى‪ .‬إنني أنا الله ل إله إل‬
‫أنا فاعبدني{ هل سمعه من ل شيء‪ ،‬وهذا الذي ل شلليء هللو الللذي‬
‫اّدعى أنه رب موسى وطلب من موسى أن يعبده؟‪.‬‬
‫ف لكلم الل رب العللالمين‪،‬‬
‫إن هذا لهللو الضلللل المللبين‪ ،‬وتحريل ٌ‬
‫رب موسى وهارون عن مواضعه‪ ،‬وهل العقلء يقولون مثل هذا؟‬
‫ولكللن الشللعري المعاصللر‪ -‬غيللر ابللن عاشللور الللذي استشللهد‬
‫الخليلي بكلمه؛ لنه مالكي المذهب أشعري العقيللدة كمللا يقللول‪ ،‬حيللث‬
‫سر سماع الملئكة من ال بسماعهم للكلم النفسي الللذي سللبق أن رده‬
‫فّ‬
‫الخليلي نفسه وقال‪ :‬إنه ل يسمى الكلم النفسي كلمًا ولكن يثبته حسللب‬
‫الحاجة إليه‪ -‬هذا الشعري المعاصر هو‪:‬‬
‫عبدالرحمن حبنكة‪ :‬فهو يقول في كتابه »أسللس العقيللدة السلللمية«‬
‫)الجزء الثاني ص ‪ (249‬في تعريف الكلم من وراء حجاب في شللرح‬
‫الية السابقة يقول‪ :‬إن ال يخلق الصوت في جسم أو حجللر أو شللجر‪،‬‬
‫قال‪ :‬ويمثل لهذا بتكليم ال لموسى عليه السلم«‪.‬‬
‫وأقول للخليلي‪ :‬وأنا أضيف لك أشعرياً معاصرًا تللوزع كتبلله فللي‬
‫مكتباتنا يقول بخلق القرآن كما تقول وبدون مواربة‪ ،‬فأنت تقول‪ :‬بخلللق‬
‫))‬

‫صوت مسموع ل يصدر عن شيء ينبئ عن مراد ال ل ل ول أدري هللل‬
‫تسمي الهواء شيئًا أول‪...‬؟أما عبدالرحمن حبنكة فيقول‪ :‬يخلقه في جسم‬
‫أو حجر أو شجر ويمثل له بتكليلم الل لموسلى عليله السلللم‪ ،‬وصللريح‬
‫كلمه ل لزمه أن ذاك الجسم‪ :‬الحجر أو الشجر هو الذي قال لموسى‪:‬‬
‫}إنني أنا الله ل إله إل أنا فاعبدني{ لن موسى لم يسللمع ذاك‬
‫الصوت إل من هذا الجسم الذي خلق فيه الوحي‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬تعالى ال عن قول هللؤلء المتبعيللن لقللوال الجهميللة والمعتزلللة‬
‫علوًا كبيرًا‪ ،‬وهذا يبين للقارئ أن المعاصرين ورثة أولئك السابقين‪ ،‬فهم‬
‫يمثلون بقولهم‪ ،‬وهللذا قللول مللن سللبقهم مللن المقلللدة لهللل الباطللل‪} :‬إنا‬
‫وجتتدنا آباءنتتا علتتى أمتتة وإنتتا علتتى آثتتارهم مقتتتدون{‬
‫]الزخرف‪ [23:‬وكان الواجب عليهم الرجوع إلي كلم ال الواضح الذي ل‬
‫يجوز تحريفه‪ ،‬فال عز وجل كّلم موسى‪ ،‬وسللمع موسللى كلملله بنللص‬
‫القرآن‪ ،‬وفسرت السنة ذلك‪ ،‬وإن من خصائص موسى تكليم ال له كمللا‬
‫ل ورسللوُله‬
‫في محاجة آدم وموسى المروية في الصحيحين‪ ،‬وقد أكذب ا ُ‬
‫هؤلء المؤولَة لكلم ال عز وجل بدون برهان مللللن ال‪.‬‬

‫تصريح الخليلي بأنه على مذهب المعتزلة‬
‫يقول الخليلي في آخر )ص ‪ 113‬ل ‪(114‬‬
‫)إن المحقق الخليلي)‪ (167‬ل رحمة ال عليه ل قللال‪ :‬قللد اتفقنللا نحللن‬
‫والشعرية أنه مخلللوق‪ ،‬وصللرح بللذلك الشلليخ أبللو سللعيد‪ ،‬ومحمللد بللن‬
‫محبوب رحمهما ال‪ ،‬واتفق عليه أصللحابنا المغاربللة‪ ،‬وفاق لًا للمعتزلللة‪.‬‬
‫ول منكر ذلك فيما قيل إل بعض الحنابلة ( )‪.(168‬‬
‫وفي )ص ‪ (116 -114‬يؤكد ذلك بما ينقله عن الفخر الرازي من‬
‫)‪(169‬‬
‫الشعرية‪ ،‬وعن ابن عاشور الشعري من التصريح بخلق القللرآن‬
‫فيقول‪) :‬وهذا ما يؤكد قول الخليلللي مللن أن موقللف الشللعرية مللن هللذا‬
‫القللرآن المنللزل علللى الرسللول عليلله أفضللل الصلللة والسلللم‪ ،‬المتلللو‬
‫باللسن‪ ،‬المحفوظ في الصدور‪ ،‬المكتوب في المصحف‪ ،‬ل يختلف عن‬
‫موقفنا وموقف المعتزلة وغيرهم القائلين بخلقه‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهذا الللذي يعنيلله المللام السللالمي حيللث جعللل الخلف بيننللا‬
‫وبينهم لفظيًا فحسب()‪ (170‬اهل‪.‬‬
‫هذا ما يقرره هنللا ولكنلله ينقضلله فللي )ص ‪ ،(124 – 116‬فهللل‬
‫تثبت أقدام أهل الهواء على طريللق مسللتقيم‪ ،‬إن الثبللات ل يعللرف فللي‬
‫منهج من ترك صريح الكتاب والسنة ولهذا نجد الخليلي ينقللل عللن ابللن‬
‫))‬

‫((‬

‫‪ () 167‬هو غير المؤلف‪.‬‬
‫‪ () 168‬مراجللع المؤلللف‪ :‬تمهيللد قواعللد اليمللان )‪ (2/6‬وزارة الللتراث القللومي والثقافللة‬
‫بسلطنة عمان‪.‬‬
‫‪ () 169‬التفسير الكبير )‪ (1/30‬ط دار الكتب العلمية ‪.‬‬
‫‪ () 170‬مشارق النوار ص ‪.245‬‬

‫عاشور كلمًا يؤيد مذهبه‪ ،‬ثم ينقل عنه ما ينقض كلمه ويرد عليه كمللا‬
‫في )ص ‪.(124 -123‬‬
‫ومللن هنلا نجللد الخليلللي بعللد أن نقللل اتفللاق الباضللية والشللعرية‬
‫والمعتزلة على أن هذا القرآن المتلو المسموع المكتوب في المصللاحف‬
‫مخلوق‪ ،‬وأن الخلف لفظي كما نقله عن نور الدين السالمي‪.‬‬
‫يقول في )ص ‪) : (124 – 116‬وظهر لي أن هذا الموقف لم تتفق‬
‫عليه الشاعرة أو أنهم لم يستقروا عليه(‪.‬‬
‫وخلصللة مللا ذكللره فللي هللذه الصللفحات مللن اضللطراب هللو مللا‬
‫وضحه أشعري معاصر‪ ،‬في كتابه المسمى »كبرى اليقينيات الكونية«‬
‫وهو الدكتور محمد سعيد البوطي فقللد قللال فللي )ص ‪ (126‬فللي حللديثه‬
‫عن صفة الكلم‪:‬‬
‫)إذا تأملت فيما ذكرناه أدركت النقطة الخلفية بين المعتزلة وأهل‬
‫السنة والجماعة ل ويعني بهم الشاعرة لل وهللي أن هنلاك معنللى للفلاظ‬
‫القرآن يتكون فيه المللر والنهللي والخبللار المتجهللة إلللى النللاس‪ ،‬وهللو‬
‫قديم‪ .‬فما اسم هذا المعنى؟‬
‫المعتزلة‪ :‬اسمه الِعْلم إذا كان أخبارًا‪ ،‬والرادة إذا كان أمرًا ونهيًا‪.‬‬
‫الجمهور‪ :‬ل وهذا تعبيره ل اسمه الكلم النفسللي وهللو صللفة زائدة‬
‫على كل من العلم والرادة قائم بذات ال تعالى‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما الكلم الذي هو اللفظ‪ ،‬فاتفقوا على أنلله مخلللوق‪ ،‬وعلللى‬
‫أنه غير قائم بذاته سبحانه‪ .‬باستثناء أحمد بن حنبل وبعض أتباعه‪.‬‬
‫ثم قللال‪- :‬ول تللدخل بعللد أن عرفللت نقطللة الوفللاق والخلف‪ -‬فللي‬
‫شيء من المناقشة والجدال اللذين قاما حول هذا البحث‪ (...‬إلخ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وبهلذا يتضلح أن الشلاعرة متفقلون ملع المعتزللة والباضلية‬
‫عَمان ‪-‬كما قرر الخليلي‪ -‬من أن هذا القللرآن الموجللود‬
‫المتأخرين من أهل ُ‬

‫في المصحف المتلو باللسن مخلوق‪ ،‬وأن الخلف خلف لفظي كما نقللله‬
‫الخليلللي عللن نللور الللدين السللالمي‪ ،‬لن المعتزلللة ومثلهللم الباضللية‬
‫المتأخرون يقولون‪ :‬هذا القرآن المكتوب فللي المصللحف المتلللو باللسللن‪،‬‬
‫ل عنله‪ ،‬والشلاعرة يقولللون‪ :‬إن هنلاك صلفة كلم قائملة‬
‫خلقه ال منفصل ً‬
‫بذات ال هي الكلم النفسي‪ ،‬أما الموجود فلي المصلاحف المتلللو باللسللن‬
‫فهو مخلوق‪ .‬إذًا ل خلف بينهما إل في اللفظ‪.‬‬
‫أما ما يسمونه الكلم النفسي‪ ،‬فقد سبق أن الخليلي رده عليهم وقللال‪:‬‬
‫إنه ل يوجد دليل عليه ل من كتاب ول سنة كما في )ص ‪ (100‬من كتلابه‬
‫هذا‪ ،‬ثم عاد فناقض نفسه وأثبته كما في )ص ‪ (103‬وقللد سللبقت مناقشللته‬
‫والرد عليه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وأما أهل السنة والجماعة‪ ،‬سلف هذه المة وأتباعهم في كل‬
‫زمان ومكان‪ ،‬فإنهم يردون عللى أهللل الباطلل بلاطلهم‪ ،‬ويثبتللون الحلق‬
‫ل عليلله الللدليل مللن الكتللاب والسللنة‪ ،‬فيقولللون‪ :‬إن هللذا القللرآن‬
‫الللذي د ّ‬
‫المكتوب في المصاحف المتلو باللسن هو كلم الباري‪ ،‬الذي قال عنلله‬
‫سلللبحانه وتعلللالى‪} :‬وإن أحتتد متتن المشتتركين استتتجارك‬
‫فأجره حتى يستتمع كلم اللتته{ ] التوبللة ‪ [ 6‬وكلم اللل الللذي‬
‫يسمعه المشرك هو هذا الموجود في المصحف‪ ،‬الللذي أنزللله ال ل علللى‬
‫رسللوله‪ ،‬ول يصللح أن يقللال هللو الكلم النفسللي القللائم بللذات اللل‪ ،‬فللإن‬
‫المشرك ل يمكن أن يسمعه‪ ،‬فالمسموع كلم الباري‪ ،‬والصوت صللوت‬
‫القارئ‪ ،‬ولهذا قال ‪» :r‬زينوا القرآن بأصواتكم«‪.‬‬

‫***‬

‫دعوى الخليلي اتفاق الباضية والحنابلة‬
‫وأمللا دعللوى الخليلللي فللي )ص ‪ (125‬التفللاق بيللن الباضللية‬
‫ل‪ ،‬ثم نتبعه بالمناقشة يقول الخليلي‪) :‬أمللا‬
‫والحنابلة فإليك نص كلمه أو ً‬
‫نحلن لل معشلر الباضلية القلائلين بخللق القللرآن‪ ،‬وملن قلال بقولنلا ملن‬
‫المعتزلللة وغيرهللم ل ل فقللد اتفقنللا مللع الحنابلللة القللائلين بقللدم النصللوص‬
‫القرآنية‪ ،‬على أن موسى عليه السلم سمع مللن تكليللم الل كلملًا مركبلًا‬
‫من الحروف وأنه كان صوتًا‪ ،‬إل أّنا اختلفنا فللي قللدمه وحللدوثه‪ ،‬فقللالوا‬
‫بقدمه وقلنا بحدوثه‪ ،‬وإنما قلنا‪ :‬إن هذا تكليم حقيقي من ال للله‪ ،‬لنلله لللم‬
‫يكن بواسطة بل خلقه ال له حيث شاء فأسمعه إياه من غير أن ينطق به‬
‫ملك أو مخلوق آخر(‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن هذا افتراء‪ ،‬فالحنابلة لم يقولللوا‪ :‬إن تكليللم ال ل لموسللى‬
‫قديم بل هو حادث في وقته‪ ،‬وسيأتي توضيح ذلك في الجواب على هذه‬
‫الدعوى‪.‬‬
‫قال الخليلي‪) :‬وقد قال كثير بأنه تعللالى خلقلله فللي الشللجرة وأسللمعه‬
‫منها‪ ،‬وهذا الذي نسبه الفخر الرازي إلى المام أبلي منصلور الماتريلدي‪.‬‬
‫ثللم رد عليلله فقللال‪ :‬ول يتعيللن ذلللك لعللدم مللا يللدل عليلله‪ ،‬وإنمللا هللو أحللد‬
‫الحتمالت الواردة(أهل‪.‬‬
‫والجواب على هذه الدعوى من وجوه‪:‬‬
‫الببوجه الول‪ :‬أن سلللف هللذه المللة أهللل السللنة والجماعللة‪ ،‬ومللن‬
‫تبعهم وسلك مسلكهم من الحنابلة وغيرهللم مللن أهللل المللذاهب الربعللة‬
‫يثبتون ل عز وجل صفة الكلم‪ ،‬وأنه عز وجل يتكلم متى شللاء وكيللف‬
‫شاء‪ ،‬وأن كلمه تعالى قديم النوع حادث الحاد غير مخلوق)‪.(171‬‬
‫‪ () 171‬انظر‪ :‬شرح الطحاوية )‪.(1/174‬‬

‫وأنه تعالى كّلم موسى عليه السلم بكلم سمعه منه مباشلللرة دون‬
‫واسلطة كما قرر الخليلي وذلك لقللوله تعللالى‪} :‬ولما جاء موستتى‬
‫لميقاتنا وكلمه ربتته قتتال رب أرنتتي انظتتر إليتتك{ اليللة‪.‬‬
‫وقوله تعالى في سورة طه‪} :‬وهل أتاك حديث موسى{‪ ...‬إللللى‬
‫قوله‪} :‬فلما أتاها نودي يا موستتى‪ .‬إنتي أنتتا ربتتك فتتاخلع‬
‫نعليتتك إنتتك بتتالوادي المقتتدس طتتوى‪ .‬وأنتتا اخترتتتك‬
‫فاستمع لما يوحى‪ .‬إنني أنا الله ل إله إل أنتتا فاعبتتدني‬
‫وأقم الصلة لذكري{ ]اليات من ‪ -9‬إلى آخر القصة [‪.‬‬
‫ومثل ذلك اليات من سورة القصص ] من الية ‪ 29‬إلللى اليللة ‪،[ 35‬‬
‫وقد سبق مناقشة ذلك وبيان فساد استدللهم بهذه اليات‪.‬‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أن السلف ومن يقول بقولهم من الحنابللة وغيرهلم‪،‬‬
‫يقولون‪ :‬إن صفة الكلم قائمة بذات ال تعالى‪ ،‬وهذا معنللى قللولهم قللديم‬
‫النوع حادث الحاد‪ ،‬معناه أن ال عز وجل يتكّلم متى شاء‪ ،‬ومللن آحللاد‬
‫ل الكتللب‬
‫كلملله‪ :‬كلملله بللالتوراة والنجيللل والصللحف والقللرآن‪ ،‬وك ل ّ‬
‫المنزلة التي أنزلها على أنبيائه ورسللله فهللي مللن كلملله ل ل لل لل‬
‫وكلمات ربي ل يحيط بهللا أحللد كمللا قللال تعللالى‪} :‬ولو أن ما في‬
‫الرض من شجرة أقلم والبحر يمده متتن بعتتده ستتبعة‬
‫أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيتتز حكيتتم{ ] لقمللان‬
‫‪.[ 27‬‬
‫ولم يرد عن السلف ومن قللال بقللولهم واتبللع سللبيلهم مللن الحنابلللة‬
‫وغيرهم ما عّبر به الخليلي‪ ،‬ولهذا لم يذكر المرجع الذي أخذ منلله ذلللك‬
‫النص الذي نسبه للحنابلة المتبعين لمنهج السلف في إثبات صللفة الكلم‬
‫ل عز وجل‪ ،‬وأن القرآن كلمه غير مخلوق‪.‬‬

‫أما معنى القدم والحدوث‪ ،‬فمعناه عند أهل السللنة‪ :‬مللا ذكللر‪ ،‬وهللو‬
‫أن الكلم قديم النوع أي صفة الكلم قائمة بلذاته تعلالى‪ ،‬حللادث الحللاد‬
‫أنلله يتكلللم بمشلليئته واختيللاره مللتى شللاء وكيللف شللاء }ليس كمثله‬
‫شيء وهتتو الستتميع البصتتير{ وأمللا عنللد الخليلللي وسلللفه مللن‬
‫المعتزلة‪ ،‬فإنهم ينفون صفة الكلم القائمة بال تعالى ويعّبرون عن خلق‬
‫القرآن بالحوادث‪ ،‬فأحدثه معناه خلقه‪ ،‬كما صرحوا بذلك‪.‬‬
‫الوجه الثبالث‪ :‬أن الخليللي ينقلض كلمله بنفسله‪ ،‬فقلد قلّرر فلي هلذا‬
‫النص أن موسى عليه السلم سمع من تكليم ال كلمًا مركبًا من الحلروف‪،‬‬
‫وأنه كان صوتًا ثم يؤكد فيقول‪) :‬إن هذا تكليم حقيقي من ال له لنه لم يكللن‬
‫بواسطة‪ ...‬ولم ينطق به ملك أو مخلوق آخر( ثم يعكس فيقللول‪) :‬بللل خلقلله‬
‫ال له حيث شاء(‪.‬‬
‫فكيف يكون كلمًا حقيقيًا من ال بل واسطة؛ ثم يقللول‪) :‬بللل خلقلله‬
‫ال حيث شاء(‪ ،‬إن هذا الشيء الللذي خلقلله الل فيلله هللو الواسللطة الللتي‬
‫ينفيها ثم يثبتها‪ ،‬فهل الذي قال لموسى عليلله السلللم‪} :‬فاستمع لمتتا‬
‫يوحى إنني أنا الله ل إله إل أنا فاعبدني{ فهل هنللاك شلليء‬
‫غير ال يجرؤ أن يقول لنللبي اللل‪} :‬إنني أنا اللتته ل إلتته إل أنتتا‬
‫فاعبدني{؟ إن هذا هو الضلل المللبين وال ل شللهيد بللذلك‪}.‬قل أي‬
‫شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم{ ] النعام ‪19‬‬
‫[‪.‬‬

‫فال عز وجل يصرح بكلمه أنه هو الذي كلللم موسللى وقلال لله‪:‬‬
‫}إني أنا ربك فاخلع نعليك{ وقال له‪} :‬فاستمع لما يتتوحى‬
‫‪.‬إنني أنا الله ل إله إل أنا فاعبدني{ وقال‪} :‬ولمتتا جتتاء‬
‫موسى لميقاتنا وكلمه ربه{‪.‬‬

‫وتقول مع هذه اليات كلها ‪ :‬إنه خلقه له حيث شاء‪ ،‬وقد قلللت فللي )ص‬
‫‪ (113‬من أولها‪) :‬إن التكليللم مللن وراء حجللاب إذا أسللند إلللى اللل‪ ،‬أنلله‬
‫ع ل يصدر عن شيء(‪.‬‬
‫ت مسمو ٍ‬
‫ق صو ٍ‬
‫خْل ِ‬
‫بمعنى َ‬
‫فهل يصدر هذا الصوت المسموع عن عدم؟‬
‫لن الهوى ل تثبت لهللم‬
‫أل يكفي هذا التناقض بأن أهل الباطل وخ ّ‬
‫قدم‪ ،‬ول يستقيم لهم بنيان‪ ،‬لنه أسس على جرف هار‪.‬‬
‫وأمللا غيللرك فكللانوا أصللرح منللك فللي بللاطلهم‪ ،‬كمللا نقلللت عنهللم‬
‫ت‪) :‬وقد قال كثير‬
‫وأنطقك ال برد باطلهم‪ ،‬ولكن لم ترده بالحق حيث ُقل َ‬
‫بأنه تعالى خلقلله فللي الشللجرة وأسللمعه منهللا‪ ،‬وهللذا الللذي نسللبه الفخللر‬
‫ت‪) :‬ول يتعيللن ذلللك‬
‫الرازي إلى المام أبي منصور الماتريللدي( ثللم ُقلل َ‬
‫لعدم ما يدل عليه(‪.‬‬
‫ت‪ :‬ولكن قد صرح الشعري المعاصر عبللدالرحمن حبنكللة فللي‬
‫ُقل ُ‬
‫كتابه »أسس العقيدة السلللمية« )‪ (2/249‬أن هللذا الللوحي مللن وراء‬
‫حجاب هو أن يخلق ال الكلم فللي جسللم حجللر أو شللجر‪ ،‬قللال‪ :‬ويمثللل‬
‫لهذا بتكليم ال لموسى؛ كما سبق ذكر ذلك‪.‬‬
‫ومعناه عند )حبنكة(‪ -‬وهو صريح قللوله ل لزملله كمللا تقللدم‪ :-‬أن‬
‫ذلك الجسم من الحجر أو الشجر هللو الللذي قللال لموسللى عليلله السلللم‪:‬‬
‫}إنني أنتتا اللتته ل إلتته إل أنتتا فاعبتتدني{؛ لن موسللى عليلله‬
‫السلم‪ -‬حسب قول حبنكة هذا‪-‬لم يسمع ذلك الكلم من وراء حجاب إل‬
‫من ذلك الجسم ولهذا أخذ موسى ذلك الوحي‪.‬‬
‫ولم يبين لنا حبنكة هل موسللى عليلله السلللم عبلد ذلللك الجسللم‪ ،‬أو‬
‫عَبدال الذي كلمه وأمره بعبادته؟ إن هذا من أفسد الستدلل والتلعللب‬
‫َ‬
‫بكلم ال وتحريفه عن مواضعه‪.‬‬

‫الوجه الرابع‪ :‬إن قول الخليلي‪) :‬إن هذا تكليم حقيقي مللن الل للله‪،‬‬
‫وأنه سمع من تكليم ال كلمًا مركبًا من الحروف وأنه كان صوتًا(‪.‬‬
‫أقللول‪ :‬إن هللذه التأكيللدات كلهللا تمنللع أن يكللون الكلم قللام بغيللره‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬لن المتكلم هو من قام بله الكلم حقيقللة‪ ،‬وقللد قللال‪ :‬إن‬
‫هذا تكليم حقيقي من ال له‪ .‬يقول شارح الطحاوية‪:‬‬
‫)وكيف يصح أن يكون متكلمًا بكلم يقوم بغيره؟ ولو صح ذلك للزم‬
‫أن يكون ما أحدثه من الكلم في الجمادات كلمه‪ ،‬وكذلك أيضلًا مللا خلقلله‬
‫في الحيوانات‪ ،‬ول يفللرق حينئذ بيللن نطللق وأنطللق‪ .‬وإنمللا قللالت الجلللود‪:‬‬
‫}أنطقنا الله{ ]فصلللت ‪ [ 21‬ولم تقل‪ :‬نطللق اللل‪ ،‬بللل يلللزم أن يكللون‬
‫متكلم لًا بكللل كلم خلقلله فللي غيللره‪ ،‬زورًا كللان أو كللذبًا‪ ،‬أو كفللرًا‪ ،‬أو‬
‫هذيانًا‪ ،‬تعالى ال عن ذلك‪ ،‬وقد طرد ذلك التحادية فقال ابن عربي‪:‬‬

‫وكبببل كلم فبببي الوجبببود‬
‫كلمه‬

‫سواء علينا نثره ونظامه‬

‫ولللو صللح أن يوصللف أحللد بصللفة قللامت بغيللره‪ ،‬لصللح أن يقللال‬
‫للبصير‪ :‬أعمى‪ ،‬وللعمى‪ :‬بصير‪ ،‬لن البصير قللد قللام وصللف العمللى‬
‫بغيره‪ (172)(...‬الخ‪.‬‬
‫هذا وسنواصللل الحللديث مللع الخليلللي علن الفصللل الثلاني‪ :‬الللذي‬
‫أسماه تضارب القائلين بقدم القرآن‪.‬‬
‫فهذا كلم أهل السنة‪ ،‬واقرأ فيملا يللي كلم علملاء الباضلية‪ ،‬فلي‬
‫بيللان أن الل يتكلللم مللتى شللاء‪ ،‬وأن الكلم صللفته‪ ،‬وأن الصللفة ل تقللوم‬
‫بنفسها‪.‬‬
‫‪ () 172‬انظر‪ :‬شرح الطحاوية )ص ‪.(172‬‬

‫يقول أبو الحسن البسيوي ل الباضي ل في كتللابه »الجللامع« الللذي‬
‫أثنى عليه الخليلي الجزء الول )ص ‪ ،(76‬وهو يتحدث عللن كلم الل‬
‫قال‪) :‬ويسللتحيل أن يحللدثه قائملًا بنفسلله؛ لنلله صللفة والصللفة ل تقللوم‬
‫بنفسها‪ .‬فلما استحال أن يكللون متكلملًا بكلم غيللره‪ ،‬اسللتحال أن يحللدث‬
‫كلم ال في غيره‪ ،‬وأن يكون به متكلمًا فلما فسدت هذه الوجوه الللتي ل‬
‫يخلو الكلم منها‪ ،‬صح أنه لم يزل متكلمًا؛ لن من صفته الكلم(‪.‬‬
‫وسبق في )ص ‪ (74-73‬تصريحه بللأن ال ل كلللم موسللى بللالوحي‬
‫منه‪ -‬ل أنه خللق الكلم فلي ل شلليء كملا يقللول الخليلللي‪ ،‬أو خلقلله فللي‬
‫شللجر أو حجللر‪ ،‬كمللا يقللوله حبنكلله‪ -‬حيللث قللال البسلليوي‪ ) :‬مسببألة ‪-‬‬
‫اختلف الناس في كلم ال لموسى عليه السلم‪.‬‬
‫قال‪ :‬وسأل عن‪ :‬اختلف الناس في كلم ال لموسى عليه السلللم‪،‬‬
‫قيل له‪ :‬إن الناس قد اختلفوا في ذلك‪.‬‬
‫فقللال قللوم‪ :‬إنلله كلملله بللالوحي‪ ،‬وقللد قللال تعللالى‪} :‬وكلم الله‬
‫موسى تكليما ً{‪ ،‬وذلك حق من ال‪ ،‬وقد كّلملله كمللا قللال‪ ،‬كمللا شللاء‬
‫على ما شاء من ذلك‪ ،‬ومن حجة من قللال‪ :‬إن كلملله للله بللالوحي منلله‪،‬‬
‫قول ال تعالى‪} :‬وما كان لبشر أن يكلمه اللتته إل وحيتتا ً أو‬
‫من وراء حجاب{ ] الشللورى ‪ ،[ 51‬وهللذا خللبر غيللر منسللوخ؛ لن‬
‫الخبار ل تنسخ‪ ،‬فيجوز أن يكون كّلمه بالوحي منه إليه‪ ،‬وقد سمى ال ل‬
‫التوراة نللورًا‪ ،‬وسللماها كلملله‪ ،‬وذلللك قللوله لنللبيه محمللد ‪ ‬فللي أهللل‬
‫الكتاب فقال‪} :‬وقد كان فريق منهم يسمعون كلم الله ثم‬
‫يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون{]البقللرة ‪ ،[ 75‬وقللد‬
‫سمى التوراة كلمه‪ ،‬كما ذكر أنه كّلم موسى‪ ،‬وذكر أنلله أنللزل التللوراة‬
‫والنجيللل وأنللزل الفرقللان‪ ،‬وقللد س لّمى القللرآن كلملله‪ ،‬لقللوله تعللالى‪:‬‬
‫}حتى يسمع كلم الله ثم أبلغه مأمنه{ ]التوبللة‪ ،[ 6:‬وسللماه‬

‫نورًا‪ ،‬وذكر أنه أنزله على رسوله‪ ،‬وهللو كلملله‪ ،‬وقللال تعللالى‪} :‬وما‬
‫كان لبشر أن يكلمه الله إل وحيا ً أو من وراء حجتتاب{‪،‬‬
‫فذلك أن الكلم ل يكون إل بالوحي‪ ،‬كما قال‪ :‬أل تللرى أن الللوحي كللان‬
‫ينزل إلى النبي‪ ‬به‪ ،‬بالتفاق أن القرآن وحي‪ ،‬وقللد سللماه الل كلملله‪،‬‬
‫وقال ال تعالى لنبيه‪} :‬إنا أوحينا إليك كمتتا أوحينتتا إلتتى نتتوح‬
‫والنبيين من بعده{ ] النساء ‪ ،[ 163‬إلى تمام القصة‪ ،‬فذلك بللالوحي‬
‫كما قال ال تعالى()‪.(173‬‬

‫‪ () 173‬جامع أبي الحسللن البسلليوي لل الباضللي لل )‪ (1/74‬طبللع وزارة الللتراث القللومي‬
‫والثقافة‪ ،‬سلطنة عمان سنة ‪ 1404‬هل‪.‬‬

‫وفيما يلي الحديث عن الفصل الثاني‪:‬‬
‫الفصل الثاني )ص ‪ :(153 – 126‬أسماه المؤلف )الخليلي(‪:‬‬

‫تضارب القائلين بقدم القرآن‬
‫ثللم بللدأه بقللوله‪) :‬إن القللول بقللدم القللرآن ل ل وإن تبللاينت مفللاهيمه‬
‫وتشعبت مسالكه باختلف أصحابه فيما بينهم ل ينبجس مللن نبللع واحللد‪،‬‬
‫وهو عدم التفرقة بين صفة الكلم الذاتية ل تعالى وبين أثرها‪ ،‬وهو مللا‬
‫أنزل من كتبه على رسله‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأصحاب هذا القول كلهم ملزمون بأن يقولوا بقدم الحوادث‬
‫كلها‪ ،‬فإنها آثار لصفات ال تعالى‪ ،‬إذ المخلوقات على اختلفها ما هي‬
‫إل آثار لقبدرته تعبالى‪ ،‬ولرادتبه ولعلمبه‪ ،‬وكبل مبن هبذه صبفة ذاتيبة‬
‫قديمة لستحالة اتصبباف الب بأضببدادها(‪ .‬هببذا هببو المقطببع الول مببن‬
‫الدعوى‪.‬‬
‫المقطع الثاني في الصفحة نفسها قللال‪) :‬ومللع اتحللاد مصللدر هللذا‬
‫القول نجد بين أصحابه من التنازع والتدافع ما يقضي العجب العجاب‪،‬‬
‫بحيث ل يمكن أن تجتمع أقوالهم في طريق واحد‪ ،‬ول تنتهي إلللى غايللة‬
‫واحدة‪ ،‬ولم يقف الحللد عنللد هللذا بللل تجللاوزه إلللى التراشللق فيمللا بينهللم‬
‫بالتجهيل والتبديع‪ ،‬والتقاذف بالتضليل والتكفير(‪.‬‬
‫المقطع الثالث في الصفحة نفسها والتي تليها وهللو المقصللود مللن‬
‫تأليف الكتاب وهو قوله‪) :‬وإذا سكتنا عن طللوائفهم المتعللددة‪ ،‬وأصللغينا‬
‫إلى ما تقوله طائفة واحدة فحسب لل وهللي الحنابللة لل وجللدنا ذلللك أمللرًا‬
‫عجبًا؛ فقد سلللكوا فللي إثبللات وتفسللير معتقللدهم هللذا طللرائق قللددًا‪ ،‬كللل‬
‫أصحاب طريقة منها يدعون أنهم أسعد بالحق‪ ،‬وأتبع لقول إمامهم أحمد‬
‫بن حنبل‪ ،‬ومن أمثلة ما اختلفوا فيه‪:‬‬

‫أ ل صوت قارئ القرآن وتلوته‪.‬‬
‫ب ل الحروف الهجائية التي تتركب منها كلمات القرآن وغيره‪.‬‬
‫ج ل تكلم ال هل هو بمشيئته أو بدونها(‪.‬‬
‫ثم قال في بداية )ص ‪ (127‬من كتابه هذا‪:‬‬
‫)وبمللا أن خلفهللم فللي الحللروف والصللوات والتلوة متللداخل‪،‬‬
‫نجمع بينها في عرض أقوالهم فيها ونقدها(‪.‬‬
‫ثم بدأ بالتمثيل والنقاش‪.‬‬
‫وقبل الدخول فيما مثل به والللرد عليلله نجيللب علللى الخليلللي فيمللا‬
‫جعله عنوانًا وادعى به على الحنابلة‪ ،‬وسوف ترى أن نقاشه ومغالطاته‬
‫كلها موجهة إلللى شلليخ السلللم ابللن تيميللة ولتلميللذه ابللن القيللم؛ لنهمللا‬
‫شوكة وشجى في حلوق المبتدعة‪ .‬فهما بيت القصلليد مللن هللذا الكتللاب‪،‬‬
‫ول مانع من الرد العلمي على الخطاء وبيان وجلله الحللق فيهللا بللدليله‪،‬‬
‫ولكن الخليلي يدعي على ابن تيمية ما لم يقل‪ ،‬ويحمله أخطاء الخريللن‬
‫ل له ويرد عليه فيها‪ ،‬وهذا من أعجب المور‪،‬‬
‫التي يردها‪ ،‬ويجعلها قو ً‬
‫وسترى أمثلة ذلك‪.‬‬
‫ل عللى المقطلع الول فببأقول‪ :‬إن السلللف وأتبلاعهم‬
‫ونبدأ بالرد أو ً‬
‫من العلماء قبل المام أحمد بلن حنبلل ومعاصللريه ملن علملاء السلللف‪،‬‬
‫ومن جاء بعده من الئمة وأتباعهم القائلين‪ :‬إن القرآن كلم ال منلله بللدأ‬
‫وإليه يعود لم يرد في كلمهم )التعبير بقدم القرآن( مطلقًا وإنما أول من‬
‫قال هذا )ابن كلب( وابن تيمية يرد على ابن كلب كما فللي الفتللاوى )‬
‫‪ ،(12/301‬ونقله الخليلي نفسه ثم نسبه إلى ابن تيمية وَرّد عليلله‪ ،‬فهللذا‬
‫من أعجب عمل الخليلي!‪.‬‬
‫وإنما يقولون‪ :‬القرآن كلم ال منه بدأ وإليه يعللود‪ ،‬سللمعه جبريللل‬
‫من ال عز وجل‪ ،‬ونزل به على محمللد‪ ‬فسللمعه مللن جبريللل وسللمعه‬

‫المسلمون من نبيهم‪ ،‬ثم بّلغه محمد‪ ‬أمته‪ ،‬ثم بّلغه بعضهم إلى بعللض‪،‬‬
‫وليللس لحللد مللن الوسللائط فيلله إل التبليللغ‪ ،‬وقللد تكفللل الل بحفظلله مللن‬
‫التحريف والتبديل‪.‬‬
‫وإليك أيها القارئ الكريم تعريف السلللف ‪-‬أهللل السللنة والجماعللة‪-‬‬
‫المثبتين لصفة الكلم ل عللز وجللل القللائلين بللأن القللرآن كلم الل غيللر‬
‫مخلوق‪ ،‬إذ لم يصدر عنهم هذا التعبير الذي ادعاه الخليلللي وهللو قللوله‪:‬‬
‫)قدم القرآن( كما سيأتي تصريحه بذلك في كتلابه هللذا )ص ‪ (149‬ومللا‬
‫بعدها من هذا الفصل‪.‬‬

‫تعريف القرآن عند أهل السنة‬
‫يقول الطحاوي رحملله الل فللي تعريللف القللرآن‪ ...) :‬وإن القللرآن‬
‫ل‪ ،‬وأنزللله علللى رسللوله وحيلًا‪ ،‬وصلّدقه‬
‫كلم ال منه بدأ بل كيفيللة قللو ً‬
‫المؤمنلون عللى ذلللك حقلًا‪ ،‬وأيقنلوا أنله كلم الل تعلالى بالحقيقلة ليلس‬
‫بمخلوق ككلم البرية‪ ،‬فمن سمعه فزعم أنه كلم البشللر فقللد كفللر‪ ،‬وقللد‬
‫ذمه ال وعابه وأوعده بسقر‪ ،‬حيث قللال تعللالى‪} :‬إن هذا إل قتتول‬
‫البشر{] المدثر ‪ [25‬علمنا وأيقنا أنه قول خلالق البشللر‪ ،‬ول يشلبه قللول‬
‫البشر()‪.(174‬‬
‫فهذا قول أهل السنة في وصللف القللرآن الكريللم فلللم يصللدر منهللم‬
‫ل‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫القول‪ :‬بأنه قديم‪ ،‬وإنما قالوا‪ :‬القرآن كلم ال منه بدأ قو ً‬
‫قال شارح الطحاوية ابن أبي العللز‪) :‬وبالجملللة فأهللل السللنة كلهللم‬
‫من أهل المذاهب الربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون علللى أن‬
‫كلم ال غير مخلوق()‪.(175‬‬
‫المقطع الثاني في )ص ‪:(126‬‬
‫‪ () 174‬شرح الطحاوية )‪.(1/172‬‬
‫‪ () 175‬شرح الطحاوية )‪.(185 / 1‬‬
‫وقال الشيخ حافظ الحكمي في منظللومته الجللوهرة الفريللدة فللي تحقيللق العقيللدة فللي‬
‫تعريف القرآن‪:‬‬
‫تكلم ال رب البعالمين به قول‬
‫وأنببزله وحيببببًا به الرشد‬
‫نتلوه نسمببعه نببببببراه نببببكتبه‬
‫خطًا ونحفظبببببببه بالقلب نعتقد‬

‫يقول الخليلي‪) :‬ومع اتحاد مصدر هذا القول نجد بيللن أصللحابه مللن‬
‫التنازع والتدافع مللا يقضللي العجللب العجللاب‪ ،‬بحيللث ل يمكلن أن تجتملع‬
‫أقوالهم في طريق واحد ول تنتهي إلى غاية واحللدة‪ ،‬ولللم يقللف الحللد عنلد‬
‫هذا‪ ،‬بل تجاوزوه إلى التراشللق فيملا بينهلم بالتجهيلل والتبلديع‪ ،‬والتقلاذف‬
‫بالتضليل والتكفير‪.(...‬‬
‫والجواب‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬إن عنوان الفصل عام‪ ،‬ويظهر أنه أراد بلله الخصللوص فقللد‬
‫جه نقده إلى الحنابلة‪ ،‬بل إنه خص بدعوى التضللارب شلليخ السلللم‬
‫وّ‬
‫ابن تيمية وتلميذه ابن القيم‪ ،‬وليته أنصف فيما ينسبه إلى شلليخ السلللم‪،‬‬
‫ولكللن سللتجد فلي النللص التلالي ملا يقضللي العجللب العجللاب ملن عملل‬
‫الخليلي فيما يسميه تضاربًا‪ ،‬حين ينقللل الكلم عللن شلليخ السلللم وهللو‬
‫كلم يرد به شيخ السلم على المخالف والذي يقول فيه شيخ السلللم‪:‬‬
‫وكل أفبببعالنا مخلوقببببببة وكذا‬
‫آلتنا الرق والقبببببلم والمدد‬

‫وليس مخبلوقا القرآن حيث تلي‬
‫ط فهو كلم ال مسترد‬
‫خّ‬
‫أو ُ‬

‫والواقفون فشببببر نحلة وكببذا‬
‫لفظية ساء ما راحوا وما قصدوا‬

‫)إنه ل يقول هذا الكلم إل جاهل( ثللم يللترك الخليلللي رد شلليخ السلللم‬
‫على ذلك القول الخطأ‪ ،‬ثم ينسبه لشيخ السلم والحنابلة‪ ،‬ثللم يبللدأ الللرد‬
‫عليه ويناقشه كأنه قول شيخ السلم‪.‬‬
‫إن هذا السلوب ل أي أسلوب المغالطة ونسللبة القللوال إلللى غيللر‬
‫قائلها‪ -‬منهج متبع عند أهل الهواء‪.‬‬
‫وقد سبق في القسم الول في إنكار الخليلي )رؤية المؤمنين ربهللم‬
‫ل مثل هذا التلبيس‪ ،‬وقد كشفت تلك المغالطة للقللارئ‪،‬‬
‫عِم َ‬
‫ن َ‬
‫في الجنة( َأ ْ‬
‫ومنها نقللله عللن شلليخ السلللم مللن الفتللاوى المجلللد السللادس )جزئيللة(‬
‫وتركلله مللا قبلهللا ومللا بعللدها كمللا فللي )ص ‪ (53‬مللن الجللزء الول‬
‫المخصص للرد عليه في إنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة‪ .‬ثم هو‬
‫هنا يتبع ذلك السلوب؛ فقد نقل مقطعلًا مللن الفتللاوى ) ‪ (85-12/83‬فللي‬
‫كتلابه هلذا مللن )ص ‪ (128-127‬حيلث قلال‪) :‬وقلال ابلن تيميلة‪ » :‬لملا‬
‫تكلموا‪ ،‬أي‪ :‬الحنابلللة فللي حللروف المعجللم صللاروا بيللن قللولين‪ :‬طائفللة‬
‫فرقت بين المتماثلين فقالت‪ :‬الحروف حرفان هللذا قللديم وهللذا مخلللوق‪،‬‬
‫كما قال ابن حامد والقاضي أبو يعلى وابن عقيل وغيرهللم‪ ،‬فللأنكر ذلللك‬
‫عليهم الكللثرون وقلالوا‪ :‬هلذا مخالفللة للحلس والعقللل؛ فللإن حقيقللة هلذا‬
‫الحرف هي حقيقة هذا الحرف‪ («...‬ثم استمر شيخ السلم في نقل هذه‬
‫القوال وفي آخر )صفحة ‪ (84‬قال‪ :‬وهؤلء تعلقوا بقول أحمد لما قيل‬
‫له أن سرّيا السقطي قال‪ :‬لما خلللق الل الحللرف سللجدت للله إل اللللف‬
‫فقالت ل أسجد حتى ُأومر‪.‬‬
‫فقال أحمد‪ :‬هذا كفر‪ .‬وهؤلء تعلقوا مللن قللول أحمللد بقللوله‪ :‬كللل‬
‫شيء من المخلوقين على لسان المخلوقين فهو مخلوق‪ ،‬وبقوله‪ :‬لو كان‬
‫كذلك لما تمت صلته بالقرآن كما ل تتم بغيره من كلم الناس‪.‬‬
‫))‬

‫وبقول أحمد لحمللد بللن الحسللن الترمللذي‪ :‬ألسللت مخلوقلًا؟ قللال‪:‬‬
‫بلى‪.‬‬
‫قال‪ :‬أليس كل شيء منللك مخلوقلًا؟ قللال بلللى قللال‪ :‬فكلمللك منللك‬
‫وهللو مخلللوق( إلللى نهايللة السللطر الثللاني مللن أول )صللفحة ‪ (85‬مللن‬
‫الفتاوى المجلد )‪.(12‬‬
‫هذا الذي نقله الخليلي في كتابه من )ص ‪ (128 -127‬نهاية سللطر‬
‫) ‪.(15‬‬
‫ثم قال بعده مباشرة‪) :‬وفي هللذه الروايللات مللن التنللاقض مللا ليللس‬
‫بعده ل وإن ادعى ابن تيميللة عللدم تناقضللها ‪-‬فللانظر إليهللا أخللي القللارئ‬
‫الكريم بعين الستقلل الفكري‪ (...‬إلخ‪.‬‬
‫والجواب‪ :‬إن الخليلي لم يكمل النص عن شيخ السلم ابللن تيميللة‬
‫كعادته في التدليس وكان الواجب عليه أن ينقل رد شلليخ السلللم علللى‬
‫هذه القوال؛ لن عبارة شيخ السلم فللي عللدم التنللاقض منصلّبة علللى‬
‫جواب المام أحمد‪ ،‬ل على القوال التي نقلهللا شلليخ السلللم عللن ابللن‬
‫حامد‪ ،‬والقاضي‪ ،‬ونص أنهما من أتباع ابن كلب‪ ،‬فإنه نقدها ورد على‬
‫أصللحابها‪ .‬وذلللك بعللد المقطللع الللذي اقتصللر عليلله الخليلللي لغللرض‬
‫المغالطة والتلبيس‪ ،‬فقد بدأ شليخ السللم ملن السللطر الثلالث ملن )ص‬
‫‪ (85‬فقال‪) :‬قلت‪ :‬الذي قاله أحمد في هذا البللاب صللواب يصللدق بعضلله‬
‫بعضًا وليس في كلمه تناقض‪ ،‬وهو أنكره علللى مللن قللال‪ :‬إن الل خلللق‬
‫الحروف فإن من قال إن الحروف مخلوقة كان مضمون قوله‪ :‬إن ال لللم‬
‫يتكلم بقرآن عربي‪ ،‬وإن القرآن العربي مخلوق‪ ،‬ونص أحمد أيضًا علللى‬
‫أن كلم الدميين مخلوق ولللم يجعللل شلليئًا منلله غيللر مخلللوق وكللل هللذا‬
‫سري رحمه ال إنما ذكر ذلللك عللن بكللر بللن خنيللس العابللد‪،‬‬
‫صحيح‪ ،‬وال ّ‬
‫فكان مقصودهما بذلك أن الذي ل يعبد ال إل بأمره هو أكمل ممن يعبللده‬

‫برأيه من غير أمر من ال‪ ،‬واستشهد على ذلك بما بلغهما )أنه لمللا خلللق‬
‫ال الحروف سجدت له إل اللف‪ ،‬فقالت‪ :‬ل أسجد حتى أومر(‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهذا الثر ل يقوم بمثله حجة فببي شببيء ولكن مقصببودهما‬
‫ضرب المثل أن اللف منتصبة في الخط ليسللت هللي مضللطجعة كالبللاء‬
‫والتاء فمن لم يفعل حتى يؤمر أكمل ممن فعل بغير أمر‪.‬‬
‫وأحمد أنكر قول القائل‪ :‬إن ال ل خلللق الحللروف‪ ،‬وروي عنلله أنلله‬
‫قال‪ :‬من قال إن حرفًا مللن حللروف المعجللم مخلللوق فهللو جهمللي؛ لنله‬
‫سلك طريقًا إلى البدعة‪ ،‬ومن قللال إن ذلللك مخلللوق فقللد قللال إن القللرآن‬
‫مخلوق‪.‬‬
‫وأحمد قد صّرح هو وغيره من الئمة أن ال ل لللم يللزل متكلم لًا إذا‬
‫شاء وصرح أن الل يتكلللم بمشلليئته‪ ،‬ولكللن أتببباع ابببن كلب كالقاضببي‬
‫وغيره تأولوا كلمه على أنه أراد بذلك إذا شاء السماع لنه عندهم لللم‬
‫يتكلم بمشيئته وقدرته‪.‬‬
‫قال وصرح أحمد وغيللره مللن السلللف‪ ،‬أن القللرآن كلم الل غيللر‬
‫مخلوق‪ ،‬ولم يقل أحد من السلف أن ال تكلم بغير مشلليئته وقللدرته‪ ،‬ول‬
‫قال أحد منهم أن نفس الكلم المعين كللالقرآن أو نللدائه لموسللى أو غيللر‬
‫ذلك من كلمه المعين أنه قديم أزلي لم يزل ول يللزال‪ ،‬وأن الل قللامت‬
‫به حروف معينة‪ ،‬أو حروف وأصوات معينة قديمة أزليللة لللم تللزل ول‬
‫تزال‪ ،‬فببإن هبذا لببم يقلبه ول دل عليله قلول أحمللد ول غيببره ملن أئملة‬
‫المسلمين‪ ،‬بل كلم أحمد وغيره من الئمة صريح في نقيض هللذا‪ ،‬وأن‬
‫ال يتكلم بمشيئته وقدرته‪ ،‬وأنه لم يزل يتكّلم إذا شاء مع قللولهم إن كلم‬
‫ال غير مخلوق‪ ،‬وإنه منه بدأ ليس بمخلوق ابتدأ من غيره‪ ،‬ونصوصهم‬
‫بذلك كثيرة معروفة فللي الكتللب الثابتلة عنهلم‪ ،‬مثلل ملا صلّنف أبللو بكلر‬
‫الخلل فللي »كتللاب السللنة« وغيللره‪ ،‬ومللا ص لّنفه أصللحابه وأصللحاب‬

‫أصحابه كابنيه صالح وعبللدال وحنبللل وأبللي داود السجسللتاني صللاحب‬
‫»السللنن« والثللرم والمللروذي وأبللي زرعللة وأبللي حللاتم والبخللاري‬
‫صلاحب »الصللحيح«‪ ،‬وعثمللان بلن سلعيد الللدارمي وإبراهيللم الحربللي‬
‫وعبدالوهاب الوراق( وهكذا استمر في ذكر أسماء علماء السللنة وذكللر‬
‫مؤلفللاتهم إلللى أن قلال‪) :‬وبسللط هلذا للله موضلع آخللر‪ ،‬وقللد ذكرنلا فلي‬
‫»المسائل الطبرستانية« و »الكيلنية«)‪ ،(176‬بسط مذاهب الناس وكيف‬
‫تشعبت وتفرعت في هذا الصل(‪.‬‬
‫قال‪) :‬والمقصود هنا أن كثيرًا من الناس المتأخرين لم يعرفللوا حقيقللة‬
‫ظمهلم ويقلول إنله متبلع لهلم‪ ،‬ملع إنله‬
‫كلم السلف والئملة‪ ،‬فمنهلم ملن يع ّ‬
‫مخالف لهم ملن حيلث ل يشلعر‪ ،‬ومنهلم ملن يظلن أنهلم كلانوا ل يعرفلون‬
‫أصول الدين ول تقريرها بالدلئل البرهانية‪ ،‬وذللك لجهلله بعلمهلم بلل بملا‬
‫جاء به الرسول من الحق‪ ،‬الذي تدل عليه الدلئل العقلية مع السمعية‪ ،‬فلهذا‬
‫يوجد كثير من المتأخرين يشتركون في أصل فاسد‪ ،‬ثم يفّرع كل قوم عليلله‬
‫فروعًا فاسدة يلتزمونها ثم ضرب المثلة لذلك()‪.(177‬‬
‫ولهذا نقول للخليلي‪ :‬فلأين التضلارب فلي كلم شليخ السلللم ابلن‬
‫تيمية أو التناقض الذي تدعيه ظلمًا وجورًا؟‪.‬‬
‫طلللع عليلله القللارئ‬
‫ولو كنت منصفًا لنقلت هذا النص الذي نقلته لي ّ‬
‫ويحكم على دعوى التضارب‪ ،‬لن ابن تيمية بعد أن انتهى مللن المقطللع‬
‫الذي اقتصرت عليه من كلمه آخر السطر الثللاني مللن أول )ص ‪،(85‬‬
‫قللال بعللده فللي السللطر الثللالث‪ :‬قلللت‪ ،‬ثللم كتللب هللذا النللص الللذي يللدفع‬
‫‪ () 176‬الكيلنية في هذا المجلد )‪ (502 -12/323‬وهللي جللواب علللى سللؤال عللن كلم‬
‫الناس وغيرهم وأنه ل فرق بينه وبين كلم ال‪ ...‬إلخ وقد بسط الكلم على ذلك من‬
‫جميع جوانبه بالرد على المخطئين وبيان الصواب في ذلك‪.‬‬
‫‪ ()177‬الفتاوى ‪. 85-12/83‬‬

‫التضارب أو التناقض‪ ،‬فهو نقل تلللك النصللوص ثلم رّد عليهلا وبيلن أن‬
‫القاضي وغيره من أتباع ابن كلب تأولوا كلم المللام أحمللد علللى أنلله‬
‫أراد بقوله‪) :‬إن ال لم يزل متكلمًا إذا شاء وإن ال يتكلم بمشلليئته( علللى‬
‫أنه أراد بذلك إذا شاء السماع‪ ،‬لنه عندهم لم يتكلم بمشيئته وقدرته‪.‬‬
‫ضح معنى كلم المام أحمد المتفق مللع‬
‫فهو يرد على هؤلء‪ ،‬ويو ّ‬
‫كلم أئمة السلف‪ ،‬وأنلله كلم ل تضللارب فيلله‪ ،‬فتعكللس المللر وتضلللل‬
‫القراء بما تدعيه تضاربًا ظنًا منك بأن كلمك لن يهيئ ال له من يكشفه‬
‫ويبين زيفه للخرين‪.‬‬
‫ونقول للقارئ الكريم ‪-‬الباحث عن الحق‪ :-‬إنه قد اتضللح لللك تلللك‬
‫المغالطللة والللدعوى الزائفللة علللى شلليخ السلللم ابللن تيميللة‪ ،‬وأن هللذا‬
‫السلوب الذي اتبعه الخليلي هو أسلوب متبع عند أهللل البلدع‪ ،‬فللإنهم ل‬
‫يتورعون عن ظلم الخرين والفتراء عليهم‪ ،‬ما دام ذلك العمل يؤيد ما‬
‫يذهبون إليه‪ ،‬وهذا العمل مخالف لما أمللر الل بلله فللي كتلابه‪ ،‬وأمللر بله‬
‫رسوله‪ ‬في سنته‪ ،‬فال أمر بالعدل ونهى عن الظلم‪ ،‬وبين ذلك رسوله‬
‫‪ ‬لمته فال يقول‪} :‬ومن يكسب خطيئة أو إثما ً ثم يرم بتته‬
‫بريئا ً فقد احتمل بهتانتا ً وإثمتا ً مبينتا ً{ ] النسللاء ‪ [112‬وأي إثللم‬
‫ل لم يقله‪.‬‬
‫أعظم من أن تنسب إلى شخص قو ً‬
‫ثم يواصل الخليلي في دعواه التناقض عند شيخ السلم ابن تيمية‬
‫فيقول في )ص ‪ (129‬من كتابه ‪-‬المقطع الخيللر‪) :-‬وإن أردت المزيللد‬
‫من تناقضهم فاسمع إلى ما يقوله ابن تيمية أيضًا( ثم نقللل عنله ملا يللأتي‬
‫ل معروفًا قال به‪،‬‬
‫قال‪) :‬أما القول بأن المداد المكتوب قديم فما علمنا قائ ً‬
‫وما رأينا ذلك في كتاب أحد من المصنلفين ل من أصللحاب أبللي حنيفللة‬
‫ول مالك ول الشافعي ول أحمد‪ ،‬بل رأينا في كتب طائفة من المصنفين‬
‫مللن أصللحاب مالللك والشللافعي وأحمللد إنكللار القللول بللأن المللداد قللديم‪،‬‬

‫وتكذيب من نقل ذلك‪ ،‬وفللي كلم بعضللهم مللا يللدل علللى أن المللداد فللي‬
‫المصحف حرفًا قديمًا ليس هو المداد؛ ثم منهم من يقول هو ظللاهر فيلله‬
‫ليس بحال‪.(...‬‬
‫ثم استمر فللي نقللل هللذه النصللوص مللن )ص ‪ (179‬مللن الفتللاوى‬
‫المجلد )‪ (12‬وهي أقوال يحكم عليهللا ابللن تيميللة بالفسللاد والبطلن‪ ،‬ثللم‬
‫نختللم هللذا المقطللع بقللول شلليخ السلللم‪» :‬ول ريللب أن مللن قللال‪ :‬إن‬
‫أصوات العباد قديمة فهو مفتر مبتدع له حكم أمثللاله‪ ،‬كمللا أن مللن قللال‪:‬‬
‫إن هذا القرآن ليس هو كلم ال فهو مفتر مبتدع له حكللم أمثلاله« فللأنت‬
‫ترى أن شيخ السلم ينقللل هللذه القللوال ويللرد علللى أصللحابها‪ ،‬ولكللن‬
‫بماذا يعقب الخليلي على شيخ السلم؟ إنه يعقب علللى هللذه النصللوص‬
‫التي صدرها بقللوله‪) :‬وإن أردت المزيللد مللن تناقضللهم فاسللمع إلللى مللا‬
‫يقوله ابن تيمية(‪.‬‬
‫فيقول في )ص ‪- (130‬المقطع الخير‪ -‬تعقيبلًا عللى ملا نقلله علن‬
‫شلليخ السلللم ابللن تيميللة‪ :‬انظللروا إلللى هللذا التضللارب فللي القللوال‬
‫والتحزب في الراء من غير دليل يستند إليلله‪ ،‬إل بتللبرير مللا يتصللوره‬
‫كل من هؤلء القائلين أنلله الحللق‪ ،‬وإل فمللا هللي الحجللة علللى ذلللك مللن‬
‫برهان العقل أو صحيح النقل؟(‬
‫وأقول‪ :‬إن أصللحاب القللوال المتضللاربة الللذين يللرد عليهللم شلليخ‬
‫السلم ابن تيمية هم أهل البدع في كلم ال‪ ،‬وقد بدأ هذا الرد من )ص‬
‫‪ 162‬ج ‪ (12‬بالرد عللى الجهميلة والمعتزلللة والشللعرية‪ ،‬وذلللك عللى‬
‫جه إليه وهو ما يسللمى )بالمسللألة المصللرية فللي القللرآن( فللرد‬
‫سؤال ُو ّ‬
‫على ما تضمنه السؤال‪ ،‬بل وصحح السللؤال لصللاحبه‪ ،‬لنلله سللأل عللن‬
‫أشياء ونسب إلى طوائف ما لم تقل بل تعتقد خلفه‪ ،‬على سبيل المثللال‪:‬‬
‫جاء فللي السللؤال ذكللر )الحشللوية( فقللال فللي )ص ‪» :(176‬وأمللا قللول‬
‫))‬

‫القائل )حشوية( فهذا اللفظ ليس له مسللمى معللروف ل فللي الشللرع ول‬
‫في اللغة ول في العرف العام؛ ولكن يذكر أن أول من تكلللم بهللذا اللفللظ‬
‫عمرو بن عبيد وقال‪ :‬كان عبدال بن عمر حشويًا‪ ،‬وأصل ذلك‪ :‬أن كللل‬
‫ل تخللالف بلله الجمهللور والعامللة ينسللب إلللى أنلله قللول‬
‫طائفللة قللالت قللو ً‬
‫الحشوية‪ ،‬أي الذين هم حشللو فللي النللاس ليسللوا مللن المتللأهلين عنللدهم‪،‬‬
‫فالمعتزلللة تسللمي مللن أثبللت القللدر حشللويًا‪ ،‬والجهميللة يسللمون مثبتلله‬
‫الصللفات حشللوية‪ .‬والقرامطللة لل كأتبللاع الحللاكم لل يسللمون مللن أوجللب‬
‫الصلة والزكاة والصيام والحج حشويًا‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهذا كما أن الرافضة يسمون قول أهل السنة والجماعة قول‬
‫الجمهور‪ ،‬وكذلك الفلسفة تسمي ذلك قللول الجمهللور‪ ،‬فقللول الجمهللور‬
‫وقول العامة من جنس واحد«‪.‬‬
‫المثال الثاني‪ :‬جاء في السؤال‪ :‬إن قوماً يقولون أن القللرآن حللادث‬
‫بالصوت والحرف وهم الجهمية‪.‬‬
‫فقللال )ص ‪» :(177‬وأمللا قللوله‪ :‬وقللوم ذهبللوا إلللى أنلله حللادث‬
‫بالصوت والحرف ل وهللم الجهميللة لل فهللو كلم مللن ل يعللرف مقللالت‬
‫الناس فإن الجهمية يقولون‪ :‬إن ال ل يتكلم وليس للله كلم‪ ،‬وإنمللا خلللق‬
‫شيئًا فعبر عنه‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬إنلله يتكلللم بكلم يخلقلله فللي غيللره وهللو‬
‫قول المعتزلة(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهو قول المؤلف الخليلي‪ ،‬وهذا يللبين للقللارئ المنصللف أن‬
‫ابن تيمية ل رحمه ال ل ليس عنده تضارب‪ ،‬وإنما يرد على أهللل البللدع‬
‫في كلم ال القدامى وورثتهم ‪-‬ومن الورثة الخليلي‪ -‬وهكذا اسللتمر فللي‬
‫الجواب على ذاك السؤال الموجه إليه‪ ،‬ذاكرًا أقوال الطوائف المنحرفة‬
‫عن منهج السلف في هذا الباب وذلك من )ص ‪ (235 -162‬وقللد عللاد‬

‫الخليلي وقرر أن ابن تيمية لم يقل بقدم المداد كمللا فللي كتللابه هللذا )ص‬
‫‪ (134‬المقطع الخير منها‪.‬‬
‫وحيث إن الخليلي ل هداه ال ل ل يبالي بالمغالطللة‪ :‬فللإني أستسللمح‬
‫القارئ في نقل ما يتعلق بهذه المغالطات‪ ،‬من كلم شلليخ السلللم الللذي‬
‫اقتطللع الخليلللي منلله فقللرات‪ ،‬هللي ردود علللى المخللالفين‪ ،‬ولللم يسللتطع‬
‫الخليلي التصريح بأسماء المخالفين لمنهج السلف‪ ،‬الذين يرد عليهم ابللن‬
‫تيمية لنه رد عليه فهو وارثهم‪ ،‬فعمم الكلم مدعيًا أن هذا الضللطراب‬
‫أو التدافع كما يسللميه‪ -‬هللو مللن قللول ابللن تيميللة والحنابلللة وابللن القيللم‬‫وحسب تعبيره‪ :‬تلميذ ابن تيمية‪ -‬وقللد نقلل الخليلللي مقلاطع ملن فتلاوى‬‫شيخ السلم ابن تيمية على غير ترتيب‪ ،‬وإنما للتشويش فقد نقل من‪) :‬‬
‫‪،83 /12‬ل ‪،85‬ل ‪،179‬ل ‪،169‬ل ‪،135‬ل ‪،54‬ل ‪،55‬ل ‪،88‬ل ‪،207‬ل ‪،208‬‬
‫‪،572 ،571 ،93 ،91 ،96 ،427 ،443 ،442 ،363 ،359 ،209‬‬
‫‪.(567 ،301 ،54 ،86 ،87 ،85 ،336 ،574‬‬
‫وهذه النصوص من هذه الصفحات‪ ،‬وقد كرر بعضللها بللدأها مللن‬
‫كتابه )ص ‪ (152 – 128‬وحيث إنه ليس بإمكان كل قارئ الحصللول‬
‫على الفتاوى لشيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬التي ينقل الخليلي مقتطفات منها‬
‫مبتورة مدعيًا التضارب فيها‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫فأقول‪ :‬جاء في هذه الصفحات التي ذكرهللا الخليلللي مللن الفتللاوى‬
‫المجلد الثاني عشر رد ابن تيميللة علللى الطللوائف المنحرفللة عللن منهللج‬
‫السلف فللي كلم اللل‪ ،‬مبّينلا أخطللاءهم كالجهميللة والمعتزلللة والكراميللة‬
‫والشعرية‪ ،‬أو الذين لم يفهموا ما قصده المام أحمللد مللن قللوله‪» :‬مللن‬
‫قال لفظي بلالقرآن مخلللوق فهللو جهمللي‪ ،‬ومللن قللال غيللر مخلللوق فهللو‬
‫مبتدع«‪ ،‬وقد قال الخليلي‪ :‬أن هذا القول الذي حكاه ابن تيمة عن المللام‬
‫أحمد وكذلك تلميذه ابن القيم متضارب‪ ،‬فإليللك قللول شلليخ السلللم ابللن‬

‫تيمية لترى هل هو متضارب‪ ،‬أو أن الخليلي مغالط يسلك التمويه علللى‬
‫ل يفصل بعضه عللن بعللض‪ ،‬وقللد قللال شلليخ‬
‫القراء بتقطيع الكلم أوصا ً‬
‫السلم في معرض الرد الذي بدأه في )ص ‪167‬ل ل ‪ ...) :(179‬ومنهللم‬
‫من يقول بحلول القديم في المحدث‪ ،‬وليس هذا القللول ول القللوال قبللله‬
‫قول أحد من سلف المة ول أئمتها‪ ،‬ولللم يقللل ذلللك ل المللام أحمللد ول‬
‫أئمة أصحابه ول غيره من الئمة؛ بل كلهم متفقون علللى النكللار علللى‬
‫من قال‪ :‬إن لفظي بالقرآن غير مخلللوق‪ ،‬فكيللف مللن قللال صللوتي غيللر‬
‫مخلوق؟ فكيف بمن قال‪ :‬صوتي قديم؟(‬
‫ثم قال‪) :‬وأما القول بأن المداد الذي في المصللحف قللديم‪ :‬فهللذا مللا‬
‫رأيناه فللي كتللاب أحللد مللن طللوائف السلللم‪ ،‬ول نقللله أحللد عللن رجللل‬
‫معللروف مللن العلمللاء( وهكللذا‪ ،‬إلللى أول )ص ‪ (168‬قللال‪) :‬ورأينللا‬
‫طوائف يكذبون هللؤلء فللي النقللل‪ ،‬قللال‪ :‬وكللأن حقيقللة المللر أن أولئك‬
‫يقولون قول غيرهم بمجرد مللا بلغهللم مللن إطلق قللولهم‪ ،‬أو ِلَمللا ظنللوه‬
‫لزمًا لهم‪ ،‬أو ِلَما سمعوه ممللن يجللازف فللي النقللل ول يحللرره‪ ،‬وربمللا‬
‫سمعوه من بعض عوامهم إن كان ذلك قد وقع‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهذا الباب وقع فيه غلط بهذا السبب حتى غلللط النللاس علللى‬
‫ظمونه‪ ،‬وبهذا السبب غّلط أبا طالب المللاُم أحملُد فيمللا نقللله عنلله‬
‫من يع ّ‬
‫فإنه قرأ عليه‪} :‬قل هو الله أحد{ وسللأله هللذا مخلللوق؟ فقللال للله‬
‫أحمد هذا ليس بمخلوق‪ .‬فبلغه أن أبا طالب حكللى عنلله أنلله قللال‪ :‬لفظللي‬
‫بالقرآن غيلر مخلللوق‪ ،‬فغضللب عليله أحمللد وقلال‪ :‬أنلا قلللت لللك لفظلي‬
‫بالقرآن غيللر مخلللوق؟ فقللال ل ولكللن قللرأت عليللك‪} :‬قل هو الله‬
‫أحد{ فقلت لك‪ :‬هذا غير مخلوق فقلت‪ :‬نعم‪ .‬فقال‪ :‬فلم حكيت عني أني‬
‫قلت لك‪ :‬لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ فقال‪ :‬لم أحكه عنللك وإنمللا حكيتلله‬

‫عن نفسي‪ ،‬قال‪ :‬فل تقل هذا فإني لم أسمع عالمًا يقول هللذا‪ ،‬ولكللن قللل‪:‬‬
‫القرآن حيث تصرف كلم ال غير مخلوق‪.‬‬
‫قال‪ :‬ولهذا قال البخاري في كتاب »خلق الفعللال«‪ :‬إن )اللفظيللة(‬
‫هؤلء يذكرون قولهم عن أحمد وهللم ل يفهمللون دقللة قللوله‪ ،‬وموضللع‬
‫الشبهة أنه إذا قال هذا فالشارة تكون إلى الكلم من حيث هو كلم‪ ،‬مع‬
‫قطع النظر عما بلغ به من حركللات العبللد وصللوته‪ ،‬كمللا أن الرجللل إذا‬
‫ل يللذكر الل فقللال‪ :‬هللذا ربللي‪،‬‬
‫كتب اسم ال ل تبارك وتعالىل وسمع قللائ ً‬
‫كان صادقًا‪ ،‬ولو قيل له‪ :‬أتعبللد هللذا؟ لقللال‪ :‬نعللم؛ لن المشللار إليلله هللو‬
‫المسمى بذلك‪ ،‬والسم يلراد بله مللن الكلم المؤلللف المسللمى فلإذا قللال‪:‬‬
‫}محمد رسول الله والذين معتته{ فللالمراد أن المسللمى الللذي‬
‫اسمه محمللد هللو رسللول اللل؛ ليللس المللراد أن نفللس اللفللظ والخللط هللو‬
‫رسول ال‪.‬‬
‫قال‪ :‬ومن هنا تنازع الناس في )السم( هللل هللو المسللمى أو غيللره؟‬
‫وكان الصواب أن يمنع مللن كل الطلقيللن‪ ،‬ويقللال كمللا قللال الل تعللالى‪:‬‬
‫}ولله السماء الحسنى{ وكمللا قللال ‪» :r‬إن لب تسببعة وتسببعين‬
‫اسمًا من أحصاها دخل الجنبة«‪ .‬واللذين أطلقلوا أنله المسلمى كلان أصلل‬
‫مقصودهم أن المراد به هو المسمى‪ ،‬وأنه إذا ذكر السم فالشارة به إلى‬
‫مسماه‪ ،‬وإذا قال العبد‪ :‬حمدت ال ودعوت ال وعبدت ال ل يريللد إل أنلله‬
‫عبد المسمى بهذا السم‪ .‬واللذين نفلوا ذللك رأوا أن نفلس اللفلظ أو الخلط‬
‫ليس هو العيان المسماة بذلك‪(...‬إلخ )ص ‪.(179‬‬
‫وفي )ص ‪ (170‬قال‪) :‬وأصل مقصللود الطللوائف كلهللا صللحيح إل‬
‫سل بقوله إلى قول باطل‪ ،‬مثل قول الجهمية إن السم غير المسمى‪،‬‬
‫من تو ّ‬
‫فإنهم توسلوا بذلك إلى أن يقولوا أسماء ال غيره‪ ،‬ثم قالوا‪ :‬وما كللان غيللر‬
‫ال فهو مخلوق بائن عنه فل يكون الل تعلالى سلمى نفسله باسلم ول تكّللم‬

‫باسم من أسمائه‪ ،‬ول يكون له كلم تكلم به بل ل يكون كلمه إل مللا كللان‬
‫مخلوقًا بائنًا عنه‪.‬‬
‫قال‪ :‬فهؤلء لما علللم السلللف أن مقصللودهم باطللل أنكللروا إطلقهللم‬
‫القول‪ :‬بأن كلم ال غير ال‪ ،‬وإن علم ال غير ال‪ ،‬وأمثال ذلك؛ لن لفللظ‬
‫الغير مجمل يحتمل الشيء البائن عن غيره‪ ،‬ويحتمللل الشلليء الللذي ليللس‬
‫هو إياه ول بائن عنه‪ (...‬قال‪ :‬وهكلذا أنكلر الئملة قلول ملن قلال‪ :‬لفظلي‬
‫بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق«‪ .‬وقالوا‪ :‬من قال هو مخلوق فهو جهمي‪،‬‬
‫ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع(‪.‬‬
‫أقول‪ :‬إن الخليلي نقل هذا التعبير الللذي بيللن القوسللين ) مللن قللال‪:‬‬
‫لفظي بالقرآن مخلوق‪ (..‬علن الصلواعق لل لبلن القيلم لل كملا فلي )ص‬
‫‪ (127‬من كتابه‪ ،‬كما كرره في أماكن أخرى عللن ابللن تيميللة‪ ،‬ثللم قللال‪:‬‬
‫)وحكوا عن أحمد قوله‪ :‬من قال لفظللي بللالقرآن مخلللوق فهللو جهمللي‪،‬‬
‫ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع(( ثم قال‪ :‬وفي هذا النللص الللذي رووه‬
‫من التناقض ما ل يخفى على عاقل‪ ،‬فإنه ل توسط بين الخلللق وعللدمه‪،‬‬
‫فالشيء إما أن يكون مخلوقًا أو غير مخلللوق‪ ،‬فللإن كللان مخلوقلًا فلمللاذا‬
‫يضلل من قال بخلقه؟ وإن كان غير مخلوق فلماذا يبلّدع مللن قللال بعللدم‬
‫خلقه؟ (‬
‫هكذا يقول في اعتراضه على هذا التعبير الوارد عن المام أحمد‪.‬‬
‫وإليك جواب ابن تيمية على ما يببدعيه الخليلببي تناقضبًا‪ ،‬لتعللرف‬
‫تعبير السلف عن كل شبهة يتعللق بهلا المبتدعلة للوصللول إللى أقللوالهم‬
‫الباطلة‪ ،‬يقول شيخ السلللم فلي )ص ‪ 170‬ج ‪ (12‬ملن الفتللاوى‪ ،‬قللال‪:‬‬
‫)وهكللذا أنكللر الئمللة قللول مللن قللال‪ :‬لفظللي بللالقرآن مخلللوق أو غيللر‬
‫مخلوق‪ ،‬وقالوا‪ :‬من قال هو مخلوق فهو جهمي‪ ،‬ومن قال غير مخلللوق‬
‫فهو مبتدع‪ ،‬قال‪ :‬وكذلك قالوا في )التلوة والقراءة( ثم بين سللبب ذلللك‪،‬‬
‫))‬

‫))‬

‫فقللال‪ :‬لن اللفللظ والتلوة والقللراءة يللراد بهللا المصللدر الللذي هللو فعللل‬
‫العبد‪ ،‬وأفعال العباد مخلوقة )‪ (178‬فمن جعل شيئًا من أفعالهم وأصواتهم‬
‫وغير ذلك من صفاتهم غير مخلوق فهو مبتدع‪.‬‬
‫ويراد باللفظ نفس الملفوظ كما يراد بالتلوة والقللراءة نفللس الكلم‬
‫وهو القرآن نفسه‪.‬‬
‫ومن قال كلم ال الذي أنزله على نبيه‪ ‬وقرأه المسلمون مخلوق‬
‫فهو جهمي(‪.‬‬
‫هكذا يقول شيخ السلم ابن تيمية في توضيح ما قلاله المللام أحمللد‪،‬‬
‫وهو بحمد ال واضح لمن يريد الحق‪ ،‬ول تناقض فيه بوجه مللن الوجللوه‪،‬‬
‫ثم يزيد ذلللك توضلليحًا فيقللول ‪) :‬ومللن المعلللوم أنلله إذا سللمع النللاس كلم‬
‫ث بحديث النبي‪ ‬كقلوله‪» :‬إنمبا العمبال بالنيبات وإنمبا لكبل‬
‫حّد ُ‬
‫ث ُي َ‬
‫حّد ٍ‬
‫ُم َ‬
‫امرئ ما نوى« )‪ (179‬قالوا‪ :‬هذا كلم النبي‪ ‬أو هذا كلمه بعينه‪ ،‬لنهم‬
‫قد علموا أن النبي‪ ‬تكلم بذلك الكلم لفظلله ومعنلاه‪ ،‬وتكلللم بصللوته ثلم‬
‫المبّلغ له عنه بّلغه بصوت نفسه‪ ،‬فللالكلم كلم النللبي‪ ‬هللو الللذي تكلللم‬
‫بمعانيه وأّلف حروفلله بصللوته‪ ،‬والمبّلللغ للله بّلغلله بفعللل نفسلله وصللوت‬
‫نفسه‪.‬‬
‫فإذا قالوا‪ :‬هذا كلم النبي‪،‬كانت إشارتهم إلى نفللس الكلم الللذي‬
‫هو الكلم حروفلله ونظملله ومعللانيه‪ ،‬ل إلللى ملا اختللص بله المبللغ ملن‬
‫حركاته وأصواته؛ بل يضيفون الصللوت إلللى المبّلللغ فيقولللون‪ :‬صللوت‬
‫حسن وما كان في الكلم مللن فصللاحة حروفلله ونظملله وبلغللة معللانيه‬
‫‪ () 178‬أفعال العباد مخلوقة كما قال ال تعالى‪} :‬وال خلقكم ومللا تعملللون{ فللال خللالقهم‬
‫وخللالق أفعللالهم‪ ،‬وعنللد المعتزلللة‪ :‬إن العبللد يخلللق أفعللاله‪ .‬والخليلللي يقللول بقللول‬
‫المعتزلة‪.‬‬
‫‪ () 179‬أخرجه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي ح )‪.(1‬‬

‫فإنما يضاف إلى المتكلم به ابتداء ل إلى المبّلغ للله‪ ،‬ولكللن يضللاف إلللى‬
‫المبّلللغ حسللن الداء كتجويللد الحللروف وتحسللين الصللوت ولهللذا قللال‬
‫تعالى‪} :‬وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتتتى‬
‫يسمع كلم الله{ ]التوبة ‪.[ 6‬‬
‫قال‪ :‬وكان النبي‪ ‬يعللرض نفسلله علللى النلاس فيقللول‪» :‬أل رجببل‬
‫يحملنببي إلببى قببومه لبلببغ كلم ربببي« )‪ ،(180‬وقللال النللبي ‪» :r‬زينببوا‬
‫القببرآن بأصببواتكم« )‪ .(181‬وقللال‪» :‬ل ب أشببد أذن بًا إلببى الرجببل يحسببن‬
‫الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته«)‪.(182‬‬
‫قال‪ :‬فبين ال ورسوله أن القرآن المسللموع كلم ال ل ل كلم أحللد‬
‫من المخلوقين‪ ،‬والناس يقرؤونه بأصللواتهم‪ ،‬فمللن قللال‪ :‬إن هللذا القللرآن‬
‫المسموع ليس هو كلم ال‪ ،‬أو هو كلم القارئين كان فساد قوله معلومًا‬
‫ل‪ ،‬كما أن مللن قللال‪ :‬إن هللذا الصللوت المسللموع‬
‫بالضرورة شرعًا وعق ً‬
‫ليللس هللو صللوت العبللد أو هللو صللوت اللل‪ ،‬كللان فسللاد قللوله معلوم لًا‬
‫ل‪ ،‬بللل هللذا هللو كلم الل ل كلم غيللره سللمعه‬
‫بالضللرورة شللرعًا وعق ً‬
‫‪ () 180‬التوحيد لبن مندة )ح ‪ (617‬الدارمي‪ /‬فضلائل القلرآن‪ ،‬بلاب القلرآن كلم الل )‬
‫‪) (2/317‬ح ‪.(3357‬‬
‫‪ () 181‬أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوحيد باب قول النبي ‪» :r‬المللاهر بللالقرآن‬
‫مع السفرة الكرام البررة‪ ،‬وزينوا القرآن بأصواتكم« ح)‪.(527‬‬
‫‪ () 182‬أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلة والسنة فيهللا‪ ،‬بللاب فللي حسللن الصللوت‬
‫بالقرآن‪.‬‬
‫وأحمد في المسند )‪ (1/425‬رقم )‪ (1340‬ورقم )‪.(2399‬‬
‫وابن حبان في صحيحه )‪ (1/131‬رقم )‪.(754‬‬
‫بلفظ‪ » :‬ل أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صللاحب القينللة‬
‫إلى قينته«‪.‬‬

‫جبريل من ال‪ ،‬وسللمعه النللبي‪ ‬مللن جبريللل‪ ،‬وسللمعه المسلللمون مللن‬
‫نبيهم‪ ،‬ثم بّلغه بعضهم إلى بعض وليس لحد من الوسائط فيه إل التبليغ‬
‫بأفعاله وصوته‪ ،‬لم يحللدث منهللم أحللد شلليئًا مللن حروفلله ول نظملله ول‬
‫معانيه‪ ،‬بل جميع ذلك كلم ال تعالى()‪.(183‬‬
‫وفللي )ص ‪ :(136‬نقللل الخليلللي كلمللًا عللن شلليخ السلللم مللن‬
‫الفتللاوى )‪ (12/571‬يقللول فيلله‪) :‬إن ابللن تيميللة بعللد أن ذكللر أن أحمللد‬
‫وأكللثر أصللحابه اشللتد إنكللارهم علللى الللذين قللالوا‪ :‬بللأن تلوة العبللاد‬
‫وألفاظهم بالقرآن غير مخلوقة وحكموا عليهم بالبدعة وأمروا بهجرهم‪،‬‬
‫نجد ما يخالف ذلك في كلمه بنفسه حيث يقللول‪» :‬وأمللا الحللروف هللل‬
‫هي مخلوقة أو غير مخلوقة؟ فالخلف فللي ذلللك بيللن الخلللف مشللهور‪،‬‬
‫فأما السلف فلم ينقل عن أحد منهم أن حروف القللرآن وألفللاظه وتلوتلله‬
‫مخلوقة ول ما يدل على ذلك‪ «...‬إلخ‪.‬‬
‫ثم قلال‪ :‬ول داعلي إللى التعليلق عللى هلذا الكلم‪ ،‬فلإذا كلانت تلوة‬
‫التالي للقرآن غير مخلوقة‪ ،‬مع أنها فعل من أفعاله والتالي نفسلله مخلللوق‪،‬‬
‫وكل أفعاله كائنة منه بعد أن لم تكن‪ ،‬فحسبي ال آمنت بلله سللبحانه رب لًا ل‬
‫شريك له‪ (...‬إلخ‪.‬‬
‫والجواب‪ :‬أقول سبق توضيح هذا من كلم شيخ السلم توضلليحًا‬
‫بينًا لم يستطع الخليلي أن يناقشه مطلقًا‪ ،‬وأعيده هنا مرة أخرى ليعللرف‬
‫سر الخليلي سببه عجزه عن الجواب ل تعجبًا من الكلم‪.‬‬
‫القارئ أن تح ّ‬
‫فقد جاء فلي )ص ‪ (171 -170‬ملن الفتلاوى المجللد )‪ (12‬اللذي‬
‫ينقل منه هذه المقاطع ما يأتي‪) :‬وهكذا أنكر الئمة قول من قال‪ :‬لفظللي‬
‫بللالقرآن مخلللوق أو غيللر مخلللوق‪ .‬وقللالوا‪ :‬مللن قللال هللو مخلللوق فهللو‬
‫جهمي‪ -‬قلت‪ :‬وهو قول الخليلي‪ -‬ومللن قللال غيللر مخلللوق فهللو مبتللدع‪.‬‬
‫‪ () 183‬الفتاوى )‪.(12/172‬‬

‫قال‪ :‬وكذا قالوا في التلوة والقراءة( ثللم وضللح ذلللك فقللال‪) :‬لن اللفللظ‬
‫والتلوة والقراءة يراد بهما المصدر الذي هو فعل العبد‪ ،‬وأفعال العبللاد‬
‫مخلوقة‪ ،‬فمن جعل شيئًا من أفعالهم وأصواتهم وغير ذلك مللن صللفاتهم‬
‫غير مخلوق فهو مبتدع(‪.‬‬
‫فشيخ السلم يصّرح بأن فعللل العبللد الللذي هللو صللوته وحركللاته‬
‫مخلوقة‪ .‬ولكنه ينفي الجانب الخر فيقول‪) :‬ويراد باللفظ نفللس الملفللوظ‬
‫كما يراد بالتلوة والقراءة نفس الكلم وهو القرآن نفسه‪.‬‬
‫ومن قال كلم ال الذي أنزله على نبيه‪ ‬وقرأه المسلمون مخلوق‬
‫فهو جهمي( اهل‪.‬‬
‫وقد نقل الخليلي هذا النص ولم يستطع الرد عليه‪ .‬فأين التضارب‬
‫وأين الذي يخالف به ابن تيمة كلمه السابق؟ ‪-‬كما يدعي‪.-‬‬
‫وقوله‪) :‬ومنهم من كّفره(‪.‬‬
‫فإليك نص كلم ابن تيمية في مسألة التكفير لتعرف أن )الخليلللي(‬
‫َيرمي الكلم على عواهنه‪.‬‬
‫يقول ابللن تيميللة )ص ‪) :(180‬وأمللا التكفيللر فالصللواب أنلله مللن‬
‫اجتهد من أمة محمد‪ ‬وقصد الحق فأخطأ‪ ،‬لم يكفر؛ بل ُيغفر له خطأه‪،‬‬
‫ن َتبّين له ما جاء به الرسللول‪ ،‬فشللاق الرسللول مللن بعللد ملا تلبين للله‬
‫وَم ْ‬
‫صللر‬
‫الهدى‪ ،‬واتبع غير سبيل المؤمنين؛ فهو كافر‪ .‬ومللن اتبللع هللواه وق ّ‬
‫في طلب الحق وتكلم بل علم‪ ،‬فهو عاص مذنب‪ .‬ثم قد يكون فاسقًا وقللد‬
‫تكون له حسنات ترجح على سيئاته‪.‬‬
‫فالتكفير يختلف بحسب اختلف حال الشخص‪ ،‬فليس كل مخطللئ‬
‫ول مبتدع ول جاهل ول ضال يكون كافرًا‪ (...‬إلخ‪.‬‬
‫ي قللول‬
‫فأين التكفير المطلق لمن أخطأ فللي القللول فللي القللرآن؟ وأ ّ‬
‫أعدل من هذا الحكم المفصل في المخطئين؟‪.‬‬

‫ولكن الهوى هو الذي يللدفع صللاحبه إلللى أن يقللول عللن الخريللن‬
‫ل هم برءاء منه‪.‬‬
‫قو ً‬
‫ل من الفتاوى ) ‪ (574 -12/572‬في‬
‫ثم إن الخليلي نقل نصًا مطو ً‬
‫كتابه هذا آخر )ص ‪ (138 – 136‬ابتدأه بقوله‪) :‬وقال ابن تيمية أيضًا‪:‬‬
‫‪ ...‬وهناك ثلثة أشياء‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬حروف القرآن التي هللي لفظلله قبللل أن ينللزل بهللا جبريللل‬
‫وبعد ما نزل بها‪ ،‬فمن قال إن هذه مخلوقللة فقللد خللالف إجمللاع السلللف‪،‬‬
‫فإنه لم يكن في زمانهم من يقول هذا‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أفعال العباد وهي حركاتهم التي تظهللر عليهللا التلوة‪ ،‬فل‬
‫خلف بين السلف أن أفعال العباد مخلوقة‪...‬إلخ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬التلوة الظاهرة من العبد عقيب حركللة اليللة‪ ،‬فهللذه منهللم‬
‫من يصفها بالخلق‪ -،‬وأول مللن قللال ذلللك فيمللا بلغنللا حسللين الكرابيسللي‬
‫وتلميذه أبو داود الصبهاني وطائفة‪ -‬فأنكر عليهم ذلك علماء السنة فللي‬
‫ذلك الوقت وجمهورهم‪ ،‬وهم اللفظية عند السلف الذين يقولون‪ :‬ألفاظنللا‬
‫بللالقرآن مخلوقللة أو القللرآن بألفاظنللا مخلللوق ونحللو ذلللك‪ ،‬وعارضللهم‬
‫طائفللة مللن أهللل الحللديث والسللنة كلثيرون فقللالوا‪ :‬لفظنلا بللالقرآن غيللر‬
‫مخلوق‪ ،‬والذي استقرت عليه نصوص المللام أحمللد وطبقتلله مللن أهللل‬
‫العلم أن من قال‪ :‬لفظي بالقرآن مخلللوق فهللو جهمللي‪ ،‬ومللن قللال‪ :‬غيللر‬
‫مخلوق فهو مبتدع‪ ،‬هذا هو الصللواب عنللد جمللاهير أهللل السللنة‪ ،‬أن ل‬
‫يطلق واحد منهما كما عليه المام أحمد وجمهور السلف؛ لن كل واحد‬
‫من الطلقين يقتضي إيهامًا لخطأ‪.‬‬
‫فإن أصوات العبللاد محدثللة بل شللك‪ ،‬وإن كللان بعللض مللن نصللر‬
‫السنة ينفي الخلق عن الصوت المسموع من العبد‪ ،‬وهو مقدار ما يكون‬
‫من القرآن المبلغ‪.‬‬
‫))‬

‫فإن جمهور أهل السنة أنكللروا ذلللك وعللابوه‪ ،‬جري لًا علللى منهللاج‬
‫أحملللد وغيللره مللن أئملللة الهلللدى وقللال النللبي ‪» :r‬زينبببوا القبببرآن‬
‫بأصواتكم« ‪ (...‬إلخ ما نقله الخليلي وهللو كلم واضلح لملن أراد الحللق‬
‫الذي تدل عليه الدلة النقلية والعقلية‪.‬‬
‫شبَهة عند صاحبها ثم يرد عليها‪.‬‬
‫فابن تيمية كما ترى يذكر ال ّ‬
‫ولكن بماذا يعقب الخليلي علللى هللذا؟‪ .‬نجللده يقللول فللي آخللر )ص‬
‫‪ (138‬من كتابه هذا ‪):‬وكلمه هذا ل يختلللف عللن سللائر مللا سللبق نقللله‬
‫عنه‪ ،‬مما يدل على تضارب أقللوالهم‪ ،‬ونقللض حججهللم فه لو ل يحتللاج‬
‫إلى تعليق من هذه الحيثية ثم ذكر نقاطًا كلها من جنس ما سبق(‪.‬‬
‫وفي أول )ص ‪ (140‬قال‪) :‬وستوافيك إن شاء ال هذه الحجج في‬
‫الفصل الخير المعقللود لللذلك مللن هللذا المبحللث( قللال ذلللك عقللب بيللت‬
‫مشهور أورده عند عجزه عن رد ما سبق من كلم ابللن تيميلة الواضللح‬
‫حيث قال في آخر )ص ‪:(139‬‬
‫إذا احتاج النهار إلى دليل‬

‫وليببس يصببح فببي الذهببان‬
‫تعقيبي على كلمشيء‬
‫الخليلي‪ ،‬هو بمثل تعقيبه علللى كلم شلليخ السلللم‬
‫ابن تيمية فقد قال‪) :‬وكلمه هذا ل يختلف عما سللبق نقللله عنلله فل يحتللاج‬
‫إلى تعليق(‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن تعقيبه على كلم شلليخ السلللم ابللن تيميللة هللو تكللرار‬
‫لقوله السابق المتكرر وقد عقبت عليه سابقًا فل يحتاج إلللى إعللادة وال ل‬
‫أعلم‪.‬‬
‫والخليلللي ‪-‬هللداه اللل إلللى الحللق‪ -‬رجللل بللارع فللي المغالطللة‬
‫والمخادعة؛ فإنه بعد أن انتهللى مللن النقللل مللن )ص ‪ (574 -572‬مللن‬
‫فتاوى شيخ السلم ابن تيمية كر راجعًا إلى )ص ‪ (208 – 207‬فنقل‬

‫ل وفللي ثنايللا النللص مقللاطع فيهللا الجابللة الواضللحة علللى‬
‫نص لًا طللوي ً‬
‫مغالطلاته‪ ،‬ولكنلله حللتى يكلثر علللى القلارئ ويشللوش عليله حللتى يظلن‬
‫الباطل حقًا يصنع هذا الصنيع‪ ،‬وإل فإن الكلم الذي يعيده ل يتجاوز ما‬
‫سبق إذ كل الموضوع يدور على )اللفظية( أي القائلين‪) :‬لفظي بالقرآن‬
‫مخلوق( ولهذا قللال فللي أول )ص ‪) :(140‬وهللاك نصلًا آخللر عللن ابللن‬
‫تيمية في تنازعهم في هذه المسألة قال‪» :‬القول بأن اللفللظ غيللر مخلللوق‬
‫نسب إلى محمد ابن يحيى الذهلي وأبي حاتم الرازي‪ ،‬بل وبعض الناس‬
‫ينسبه إلى أبي زرعة أيضًا ويقول‪ :‬إنه هو وأبللو حللاتم هجللرا البخللاري‬
‫لّما هجره محمد بن يحيى الذهلي والقصة في ذلك مشهورة( ثم واصللل‬
‫في نقل ما أورده شلليخ السلللم مللن خلف وقللع بيللن بعللض أصللحاب‬
‫أحمد بعد موته وبين طوائف من غيرهم بهذا السبب‪.‬‬
‫وقللد سللاق شلليخ السلللم ابللن تيميللة الخلف الللذي وقللع فللي هللذه‬
‫المسالة إلى أن قال في )ص ‪ :(208‬وأعظللم مللا وقعللت فتنللة )اللفللظ(‬
‫بخراسان وتعصب فيها على البخاري ل مع جللته وإمامته للل وإن كللان‬
‫الذين قاموا عليه أيضًا أئمة أجلء ‪.‬‬
‫وهنا توقف الخليلي وعلق بسطرين ثم واصللل الكلم بعببد إسببقاط‬
‫السطر التالية بعد قوله‪ ...‬أجلء قال‪) :‬فالبخاري ل رضللي ال ل عنلله ل ل‬
‫من أجل الناس‪ ،‬وإذا حسن قصدهم واجتهللد هللو وهللم أثللابه الل وإيللاهم‬
‫على حسن القصد والجتهاد‪ ،‬وإن كان قد وقع منه أو منهم بعض الغلط‬
‫والخطأ فال يغفر لهم كلهم‪ ،‬لكن من الجهال من ل يللدري كيللف وقعللت‬
‫المور( إلى هنا‪ .‬ثم استأنف الخليلي النقل فقال‪) :‬وذكر ابن تيمية عقللب‬
‫هذا النص أنه وجد بخط بعض الشيوخ الذين لهم علم ودين يقول‪ :‬مللات‬
‫البخاري بقرية خرتنك فأرسل أحمد إلى أهل القرية يللأمرهم ال يصلللوا‬
‫عليه لجل قوله في مسألة اللفظ(‪.‬‬
‫))‬

‫((‬

‫قال الخليلي‪) :‬وتعقبه ابن تيمية بأن هذا من أبين الكذب على أحمد‬
‫والبخاري‪ ،‬وكاتبه جاهل بحالهما؛ فإن البخاري ل ل رضللي ال ل عنلله ل ل‬
‫توفي سنة ست وخمسين‪ ،‬أي ومائتين ل بعد مللوت أحمللد بخمسللة عشللر‬
‫سنة فإن أحمد توفي سنة إحدى وأربعين(‪.‬‬
‫وقد ترك الخليلي النص التالي وهو قوله‪ ...) :‬وكان أحمد مكرم لًا‬
‫للبخاري معظمًا‪ ،‬وأما تعظيم البخاري وأمثاله لحمد فهذا أظهر من أن‬
‫يللذكر‪ .‬والبخللاري ذكللر فللي كتللابه فللي »خلللق أفعللال العبللاد« إن كلتللا‬
‫الطائفتين ل تفهم كلم أحمد(‪.‬‬
‫ولكن لماذا يعيد الخليلي هذا الكلم هنا وقد كرره قبل ذلللك مللرات‬
‫بنقله عن ابن تيمية من هذا المجلد من الفتاوى مرة من أوله‪ ،‬ومرة مللن‬
‫وسطه‪ ،‬وأخرى من آخره‪ ،‬ثم يعود مرة أخرى لهذا النص‪ ،‬ولكللن نقللرأ‬
‫تعقيبه على ذلك لنفهم الشيء الجديد هنا‪.‬‬
‫يقول في )ص ‪ (141‬بعد قوله‪) :‬ووفاة البخاري كللانت سللنة سللت‬
‫وخمسين( قال‪) :‬وهذه صورة واضحة من صور التعصب المقيت الذي‬
‫كان بينهم في هذه المسألة‪ ،‬وناهيك أن ابن تيمية ينسب هذا الكللذب إلللى‬
‫من له علم ودين منهم‪ ،‬فكيف بمن خل منهما أو من أحللدهما‪ ،‬وأي ديللن‬
‫يبقى لمللن يسللوغ لنفسلله أن يكللذب فللي أمللور الللدين‪ ،‬ولسللت أرى هللذه‬
‫الستساغة للكذب إل أثرًا من آثلار اعتقلاد العفلو علن أهلل الكبلائر‪ ،‬أو‬
‫أنهم يعذبون بمقدار ثم يخرجون من النار( اهل‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن الجديد في هذا النص هو القللول‪ :‬بللأن مرتكللب الكللبيرة‬
‫مخّلد في النار‪ ،‬فهذه عقيدة الخوارج‪ ،‬والمؤلف الخليلي له في كتابه هذا‬
‫المبحللث الثللالث )ص ‪ (183‬وعنللوانه خلللود أهللل الكبللائر فللي النللار((‬
‫جل للقارئ هذا الحكم على من قال عنه شيخ السلللم‪:‬‬
‫ولكنه أراد أن يع ّ‬
‫)وجلللدت بخللط بعللض الشلليوخ الللذين لهللم علللم وديللن يقلللول‪) :‬مللات‬
‫))‬

‫البخاري‪ ...‬إلخ ثم قال ابن تيمية بللأن هللذا مللن أبيللن الكللذب علللى أحمللد‬
‫والبخاري‪ ،‬وكاتبه جاهل بحالهما‪ (...‬إلخ النص الذي ذكره‪.‬‬
‫فإذا كان هذا الشيخ الذي لم يسمه شيخ السلم ثبللت عنلله أن ذلللك‬
‫الكلم كتبه بخطه وأخطأ فيه‪ ،‬وبين شيخ السلم ابللن تيميلة خطللأه ولللم‬
‫ل يسوغ لنفسه الكذب؟‪.‬‬
‫يقّره عليه‪ ،‬فمن أين لنا دليل أن ذلك الرجل أو ً‬
‫وإذا فرضنا أنه عمل ذلك‪ ،‬فما ذنب ابن تيمية وقد رد عليه؟‪.‬‬
‫وأخيرًا ما دليل الخليلي على أن أهللل الكبللائر يخلللدون فللي النللار؟‬
‫وال يقول‪} :‬إن الله ل يغفر أن يشرك به ويغفتتر متتا دون‬
‫ذلك لمن يشاء{ ] النساء ‪ [48‬وفي صحيح البخاري من حللديث أبللي‬
‫ذر‪» :‬من مات على التوحيد دخل الجنببة وإن زنببى وإن سببرق‪ ،‬كررهببا‬
‫ثلثًا«)‪.(184‬‬
‫وفي صحيح أبي داود قال رسول ال ‪» :r‬شفاعتي لهل الكبببائر‬
‫من أمتي«)‪ .(185‬وسيأتي بحث هذا الموضوع عند مناقشللته فللي دعللواه‬
‫)خلود أهل الكبائر في النار( في الجزء الثالث من هذا الكتاب‪.‬‬
‫في )ص ‪ (144 -142‬نقل الخليلي عن شلليخ السلللم ابللن تيميللة‬
‫من‬
‫)‪ 86‬ل ‪،91‬ل ‪ (93‬المجلد الثاني عشللر مللن الفتللاوى مقتطفللات مللن هللذه‬
‫الصفحات‪ .‬فنقل مللن )ص ‪ (89 -88‬عللن شلليخ السلللم كلملًا يتعلللق‬
‫بالحروف‪ ،‬وعن ابن عقيل وعن القاضي يعقوب الللبرزيني‪ ،‬وفللي )ص‬
‫‪ (144‬نقل مقطعًا من )ص ‪ (86‬ثم أتبعه في الصفحة نفسها بمقطع مللن‬
‫)ص ‪ (91‬ثم قال‪) :‬وبعد ما نقللل ابللن تيميللة كلملله أردفلله بقللوله‪ :‬هللذا‬
‫))‬

‫‪ ()) 184‬أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز ح)‪.(123‬‬
‫‪ ()) 185‬أخرجه أبو داود في سننه )‪ (4/625‬رقللم )‪،(2435‬ل )‪ (4/236‬رقللم )‪(4739‬‬
‫كتاب السنة باب في الشفاعة‪.‬‬

‫كلم القاضي يعقوب وأمثاله‪ ،‬مع أنه أجل مللن تكلللم فللي هللذه المسللألة‪،‬‬
‫ل على ما يخالف النص والجماع والعقللل خللالفه‬
‫ولما كان جوابه مشتم ً‬
‫ابن عقيل وغيره من أئمة المذهب الذين هم أعلم به(‪.‬‬
‫قال الخليلي‪) :‬وبعد أن حكى ابن تيميللة َرّد ابلن عقيللل عليلله أتبعلله‬
‫بقوله‪:‬‬
‫فهذا الذي قاله ابن عقيل أقل خطأ مما قاله البرزيني‪ ،‬فإن ذلك مخللالف‬
‫للنص والجماع والعقل مخالفة ظاهرة(‪.‬‬
‫ثم عقب عليه بقوله‪) :‬فانظر كيف يسجل ابن تيمية على أحد كبللار‬
‫أئمتهم ل يعّده أجل من تكلم في هذا المسلألة لل مخالفلة النلص والجمللاع‬
‫والعقل مخالفة ظاهرة‪ ،‬ولم يبرئ ابللن عقيللل لل الللذي يعتللبره أعلللم منلله‬
‫بالمذهب ل من الخطأ وإن عّد خطأه أقل من خطللأ الللبرزيني‪ ،‬ولللم يقللف‬
‫المر عند هذا الحللد‪ ،‬بللل نجللده ينقللل عللن أئمتهللم تكفيللر مللن قللال قللول‬
‫البرزيني‪ ،‬فقد نقل عن حماد بن زيد أنه سئل عمن قال كلم الناس ليس‬
‫بمخلوق‪ ،‬فقال‪ :‬هذا كلم أهل الكفر‪ .‬كما نقل عن المعتمللر بللن سللليمان‬
‫أنه قال‪ :‬هذا كفر ولم يعلق عليهما ابن تيمية إل بما يقتضي تأييدهما(‪.‬‬
‫ثم قال‪) :‬وبما تجده من خلف حاد بينهلم فللي هللذه المسللألة بحيللث‬
‫يتعذر الجمع بين أقوالهم‪ ،‬تدرك أنهم لم يتقيللدوا فيهللا بضللوابط‪ ،‬ولللذلك‬
‫أرسل بعضهم فيها عنان القول‪ ،‬حللتى زعللم إن جلللد المصللحف والوتللد‬
‫الذي يعلق به وما حول الوتد ملن الحلائط كلل ذللك ملن كلم اللل‪ ،‬فهللو‬
‫غير مخلوق في زعمهم(‪.‬‬
‫ثلم اسلتدرك فقلال‪) :‬وهللو وإن علزاه ابلن تيميلة إلللى جهلتهلم فملا‬
‫أدراك لعللل أولئك يعللدون معارضلليهم هللم الجهلللة‪ ،‬ويزعمللون أيض لًا‬
‫مثلهم أنهم أسعد بمذهب المام أحمد(‪.‬‬
‫))‬

‫ثم قال‪) :‬وبهذا أخي القارئ تدرك خطورة هذه العقيدة‪ ،‬وما جرته‬
‫على السلم من بلء‪ ،‬فإن إضفاء صفة القدم على مللا ل يمللاري عاقللل‬
‫ول يكابر حس في حللدوثه‪ ،‬كللالجلود والوتللاد والحللوائط أمللر ل يبقللى‬
‫بعده إل إثبات قدم العالم بأسره وإنكار اللوهية رأسلًا(‪ ،‬ثببم اسببتمر فببي‬
‫ذكر هذه العبارات الساقطة التي ل يستسيغ قبولها عاقل‪ ،‬إلى أن قللال‪:‬‬
‫)وفي هذا ما يكشللف لكللل ذي عينيللن أن إثللارة بحللث هللذه القضللية فللي‬
‫الوسط السلللمي لللم يكللن إل مللؤامرة دبرهللا أعللداء السلللم لصللرف‬
‫المسلمين عن عقيدة التوحيللد الخالصللة‪ ،‬وتمزيللق شللملهم بهللذه القللوال‬
‫المتباينة والمذاهب المتعارضة( )ص ‪ (145‬من كتابه هذا‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬من الذي يثير بحث هذه القضلية فلي الوسلط السللمي؟ إن‬
‫شيخ السلم ابن تيمية وتلميذه ابللن القيللم رحمهمللا الل الللذين تركللز الللرد‬
‫عليهما قد ماتا في القرن السابع‪ ،‬وبهذا يظهر لكل ذي عينين ‪-‬كما تقللول لل‬
‫أن الذي يثير بحث هذه القضية هو أنت بكتابلك هلذا الللذي تنشللره‪ ،‬فلمللاذا‬
‫ترمي البرياء بدائك؟‬
‫ولي على هذا التعقيب الملحظات التالية‪:‬‬
‫الملحظة الولى‪ :‬قوله‪ :‬إن ابن تيمية يسجل على أحد كبار أئمتهم‬
‫مخالفة النص والجماع والعقل ويقصد به لل الللبرزيني‪ ،‬ثللم يقللول‪ :‬ولللم‬
‫يبرئ ابن عقيل الذي يعتبره أعلم منه بالمذهب‪.‬‬
‫فالجواب على هذا من وجهين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن هذا يدل على عدم التعصب للقوال المخالفة للنصوص‬
‫ولو كان القائل بهذا من علماء المذهب في الفروع‪ ،‬فهذا الموقف يحمللد‬
‫عليه شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬وهو دليللل قللاطع أنلله ل يجامللل أحللدًا فللي‬
‫الحق‪.‬‬

‫ثم هو في الوقت نفسلله ل يغمللط الخريللن حقهللم‪ ،‬بللل يثنللي علللى‬
‫العللالم بمللا يسللتحقه ويوضللح أن خطللأه فللي مسللألة وقللع فيهللا النللزاع‬
‫والشللتباه علللى العلمللاء الجلء المعروفيللن بعلمهللم إذا أخطللؤوا عللن‬
‫اجتهاد وهم من أهل الجتهاد فخطؤهم معفللو عنلله عنللد ال ل عللز وجللل‬
‫للنصوص الواردة في ذلك‪.‬‬
‫ولكن هذا ل يعفي العالم من أن يبين ذاك الخطللأ حللتى ل يقللع فيلله‬
‫الخرون‪ ،‬وهذا ما صنعه ابن تيمية في حق هؤلء العلماء‪.‬‬
‫الوجه الثاني‪ :‬إن شيخ السلم ابن تيمية بين سبب انتقاده لهؤلء‪،‬‬
‫كما في )ص ‪ (94‬التي قصر عنها قلم الخليلللي حيللث وقللف علللى )ص‬
‫‪ (93‬ولذلك فإني أنقل لك أيها القارئ الكريم ما تركه الخليلللي عامللدًا ل‬
‫ناسيًا‪.‬‬
‫يقللول شلليخ السلللم ابللن تيميللة فللي )ص ‪ (94‬مللن أول السللطر‬
‫الثالث‪:‬‬
‫»وأما جواب ابن عقيللل فبنللاه علللى أصللل ابللن كلب الللذي يعتقللده هللو‬
‫وشيخه وغيرهما‪ ،‬وهو الصل الذي وافقوا فيله ابلن كلب وملن اتبعله‬
‫كالشعري وغيره‪ ،‬وهو أن ال ل يتكلم بمشيئته وقدرته‪ ،‬وأنه ليس فيما‬
‫يقوم به شيء يكون بمشيئته وقدرته؛ لمتناع قيام المور الختيارية بلله‬
‫عنللدهم لنهللا حادثللة وال ل ل يقللوم بلله حللادث عنللدهم‪ ،‬ولهللذا تللأولوا‬
‫النصللوص المناقضللة لهللذا الصللل كقللوله تعللالى‪} :‬وقل اعملتتوا‬
‫فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون{ ] التوبة‪ [105:‬فإن‬
‫هللذا يقتضللي أنلله سلليرى العمللال فللي المسللتقبل‪ .‬وكللذلك قللوله‪} :‬ثم‬
‫جعلنتتاكم خلئف فتتي الرض متتن بعتتدهم لننظتتر كيتتف‬
‫تعملون{ ]يللونس‪[14:‬وكذلك قللوله‪} :‬قل إن كنتم تحبتتون اللتته‬

‫فاتبعوني يحببكم الله{]آل عمران‪ [31:‬فإن هذا يقتضللي أنلله يحبهللم‬

‫بعللد اتبللاع الرسللول‪ .‬وكللذلك قللوله تعللالى‪} :‬ولقتتد خلقنتتاكم ثتتم‬
‫صورناكم ثم قلنا للملئكة اسجدوا لدم{ ]العللراف‪ [11:‬فإن‬
‫هذا يقتضي أنه قال لهم بعد خلق آدم‪ .‬وكذلك قوله تعالى‪} :‬فلما أتاها‬
‫نودي{]طه‪ [11:‬يقتضي أنه نودي لما أتاها‪ ،‬للم ينلاد قبلل ذلللك‪ .‬وكللذلك‬
‫قوله‪} :‬إنما أمره إذا أراد شيئا ً أن يقول له كتتن فيكتتون{‬
‫] يس‪ [ 82:‬ومثل هذا في القرآن كثير‪ ،‬ثللم قللال‪ :‬وهللذا الصللل هللو ممللا‬
‫أنكللره المللام أحمللد علللى ابللن كلب وأصللحابه حللتى علللى الحللارث‬
‫المحاسبي مع جللة قدر الحارث‪ ،‬وأمر بهجره وهجر الكلبية(‪.‬‬
‫ثلم واصللل ابلن تيميلة الحللديث فقللال فللي )ص ‪) :(95‬وكلثير ملن‬
‫المتأخرين من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفللة وافقللوا ابللن‬
‫كلب على هذا الصل كما بسط الكلم على ذلك في مواضع أخر‪.‬‬
‫قال‪ :‬واختلف قول ابن عقيل في هذا الصل‪ ،‬فتارة يقللول بقللول ابللن‬
‫كلب‪ ،‬وتارة يقول بمذهب السلف وأهل الحديث أن الل تقللوم بله المللور‬
‫الختيارية ويقول‪ :‬إنه قام به أبصار متجددة حين تجدد المرئيللات لللم تكللن‬
‫ل أنله‬
‫قبل ذلك‪ ،‬وقام به علم بأن كل شليء وجلد غيلر العللم اللذي كلان أو ً‬
‫سليوجد كملا دل عللى ذللك علدة آيلات فلي القلرآن الكريلم كقلوله تعلالى‪:‬‬
‫}لنعلم من يتبع الرسول{ ]البقرة‪ [143:‬وغير ذلك‪.‬‬
‫قال‪ :‬وكلمه فللي هللذا الصللل وغيللره يختلللف‪ ،‬تلارة يقللول بهللذا‪،‬‬
‫وتارة يقول بهذا‪ ،‬فإن هللذه المواضللع مواضلع مشلكلة‪ ،‬كلثر فيهلا غلللط‬
‫الناس لما فيها من الشتباه واللتباس(‬
‫ثم قال في أول )ص ‪) : (96‬والجللواب الحللق أن كلم الل ل يماثللل‬
‫كلم المخلوقين‪ ،‬كما ل يماثل في شيء من صفاته صللفات المخلللوقين‪(...‬‬
‫إلى أن قال في آخر )ص ‪ ...) :(97‬والقللرآن عنلد الملام أحمللد وسللائر‬
‫أئمة السنة كلمه تكلم به وتكلللم بللالقرآن العربللي بصللوت نفسلله‪ ،‬وكلللم‬

‫موسى بصوت نفسه الذي ل يماثل شيئًا من أصوات العباد(‪ .‬ثم قال في‬
‫أول )ص ‪) :(98‬ثلم إذا قرأنلا القللرآن فإنملا نقلرؤه بأصلواتنا المخلوقللة‬
‫التي ل تماثل صوت الرب‪ ،‬فالقرآن الذي نقرؤه هو كلم ال مبلغًا عنلله‬
‫ل مسموعًا منه‪ ،‬وإنما نقرؤه بحركاتنا وأصللواتنا‪ ،‬الكلم كلم البللاري‪،‬‬
‫والصوت صوت القارئ‪ ،‬كما دل على ذلللك الكتللاب والسللنة مللع العقللل‬
‫قال ال تعالى‪} :‬وإن أحد من المشركين استجارك فتتأجره‬
‫حتى يسمع كلم الله ثم أبلغه مأمنه{ ] التوبة ‪ [ 6‬وقال النبي‬
‫‪» :r‬زينوا القرآن بأصواتكم« وقال المام أحمد في قللوله ‪» :r‬ليببس‬
‫منا من لم يتغن بالقرآن« قال يزينه ويحسنه بصوته كما قللال‪» :‬زينببوا‬
‫القرآن بأصواتكم«( ثم واصل شيخ السلم ابن تيمية في توضيح هللذا‬
‫الموضوع بذكر الدلة من الكتاب والسنة‪.‬‬
‫صللر قلملله علن نقللل ملا يوضللح كلم شلليخ‬
‫فنقول للخليلي الللذي ق ّ‬
‫السلم ابن تيمية في نقللده للقاضللي وابللن عقيللل‪ :‬أليللس مللا ذكللره ابللن‬
‫تيميللة هللو الحللق الللذي يجللب علللى العلِالم أن يقللوله وأن ل تأخللذه فللي‬
‫الصدع به لومة لئم؟‪ .‬ومع ذلللك فللإن شلليخ السلللم ابللن تيميللة يحللترم‬
‫العالم لعلمه‪ ،‬ويذكر الفضل الذي له‪ ،‬ثم يبين الخطأ الذي وقع فيلله حللتى‬
‫ل يقع فيه غيره‪ ،‬لن العصمة للنبياء وحدهم ول ينقص هللذا مللن قللدر‬
‫العالم شلليئًا‪ ،‬وهللذا هللو أسلللوب السلللف وأتبللاعهم ل سلليما فللي المللور‬
‫المشكلة التي فيها الشتباه‪ ،‬كما قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه ال‪.‬‬
‫وأما أهل الباطل الللذين يعرفللون الحللق ويتعسللفون فللي رده‪ ،‬وهللم‬
‫الدخلء علللى السلللم ومللن أخللذ بللآرائهم‪ ،‬كمللا قللال الخليلللي‪ :‬إن هللذه‬
‫المسللالة مللن كيللد اليهللود‪ ،‬كملا مثللل فللي )ص ‪ (106‬مللن كتللابه فقللال‪:‬‬
‫)ولعل على رأس هؤلء أبا شاكر الديصاني الذي قيل عنه إنلله يهللودي‬
‫تظاهر بالسلم(‪.‬‬

‫فإن أهل السنة يردون عليهم الرد القوي بالكتاب والسنة‪ ،‬ويللبينون‬
‫للناس خداعهم وأهدافهم التي يقصدون من ورائها هدم هذا الدين‪ ،‬وذلك‬
‫بهدم أصوله )الكتاب والسنة(‪.‬‬
‫الملحظة الثانية‪ :‬من الللذي يللثير بحللث هللذه القضللية فللي الوسللط‬
‫السلمي‪ ،‬أليس هو الخليلي بنشره لكتابه هللذا كمللا سللبق التنللبيه علللى‬
‫ذلك؟‪.‬‬
‫ثم يواصل الخليلي في نقده لشيخ السلم ودعواه تضارب أقواله‪،‬‬
‫فبعد أن قال في )ص ‪) :(144‬إن ابن تيمية‪ :‬لم يبرئ ابن عقيل‪ (...‬إلللخ‬
‫قال‪) :‬ولم يقف المر عند هذا الحد بل نجده ينقل عن أئمتهم تكفيللر مللن‬
‫قال‪ :‬قول البرزيني‪ ،‬فقد نقل عن حماد ابن زيد أنه سئل عمن قال‪ :‬كلم‬
‫الناس ليس بمخلوق فقال‪ :‬هذا كلم أهل الكفر‪ ،‬كما نقل عن المعتمر بن‬
‫سليمان أنه قال‪ :‬هذا كفر‪ ،‬ولم يعلق عليهمللا ابللن تيميللة إل بمللا يقتضللى‬
‫تأييدهما( ثم وضع رقم )‪ (4‬وكتللب فللي الهللامش المرجللع السللابق )ص‬
‫‪.(93‬‬
‫وأقول‪ :‬إن الهامش خطأ وليس هذا الكلم في )ص ‪ ،(93‬وإنما كلم‬
‫حملاد بلن زيلد ومعتملر بلن سلليمان هلو فلي )ص ‪ (326‬وقلد نقلل منهلا‬
‫الخليلي‪ ،‬وقد عرفنا أسلوبه وهو بتر الكلم فيأخللذ الجزئيللة الللتي يريللد أن‬
‫يشوش بها على القارئ ويترك ما يوضحها ل قبلها أو بعلدها‪ -‬ولهللذا فللإني‬
‫طرًا وردت قبللل هللذا الكلم الللذي ذكللره عللن حمللاد بللن زيللد‬
‫سل ُ‬
‫سللأنقل َأ ْ‬
‫والمعتمر بن سليمان ليعلم القارئ تصرفات أهل الباطل فللي تأييللد بللاطلهم‬
‫بللأي وسلليلة كللانت‪ ،‬ثللم أتبعهللا بالقاعللدة المتفللق عليهللا عنللد أهللل السللنة‬
‫والجماعة في بيان الفرق بين القول والقائل‪.‬‬
‫فأقول‪ :‬جاء كلم حماد بن زيد والمعتمر بن سليمان فللي معللرض‬
‫رد شيخ السلم ابن تيمية علللى سللؤال وجلله إليلله بللدأ مللن )ص ‪(323‬‬

‫ونص السؤال‪» :‬عن قوم يقولون‪ :‬كلم الناس وغيرهم قديم ‪-‬سواء كان‬
‫صدقًا أو كذبًا‪ ،‬فحشًا أو غير فحش‪ ،‬نظمًا أو نثرًا لل ول فللرق بيللن كلم‬
‫ال ل وكلمهللم فللي القللدم‪ «...‬إلللخ‪ ،‬وهللذا فللي بدايللة الرسللالة المسللمى‬
‫)بالكيلنية( وقد سبقت الشارة إليها وقد بسط شلليخ السلللم فيهللا هللذه‬
‫المسللألة وختمهللا بللالقول بللالفرق بيللن القللول والقللائل‪ ،‬والكفللر المطلللق‬
‫وتكفير المعين‪.‬‬
‫وبدأ الجواب بقوله‪» :‬الحمد ل‪ ،‬بل هؤلء مخطئون في ذلك خطأ‬
‫ل منكللرًا مللن القللول وزورًا بللل‬
‫محرمًا بإجماع المسلمين‪ ،‬وقد قالوا قللو ً‬
‫ل يجب نهيهم عنه‪ ،‬ويجب على ولة المللور عقوبللة مللن لللم‬
‫كفرًا ومحا ً‬
‫ينته منهم عن ذلك …« إلخ‬
‫ثم قال في )ص ‪ :(324‬وأنه ل ريللب أن المللام أحمللد بللن حنبللل‬
‫ومن قبله وبعده من الئمة نصلوا عللى أن كلم الدمييلن مخللوق نصلًا‬
‫مطلقًا‪ ،‬بل نص أحمد وكثير من الئمة على )أفعال العباد( عمومًا وعلى‬
‫)كلم الدميين( خصوصًا‪ ،‬ولم يمتنعوا عن هذا الطلق لجللل الشللبهة‬
‫التي عرضت لهؤلء المبتدعة المخالفين‪ ،‬حتى يقول قائل منهللم أو مللن‬
‫غيرهم‪ :‬أنه ل يقال مخلوق ول غيللر مخلللوق لجللل شللبهتهم‪ ،‬أو لكللون‬
‫الكلم في ذلك بدعة‪ «...‬إلخ وفللي )ص ‪ (325‬ذكللر أقللوال العلمللاء فللي‬
‫)اللفظية( فقال‪» :‬روي في )كتاب السنة( فللي الكلم علللى اللفظيللة عللن‬
‫أبي بكر بن زنجويه قال‪ :‬سمعت أحمد بن حنبل يقللول‪ :‬مللن قللال لفظللي‬
‫بالقرآن مخلوق فهللو جهمللي‪ ،‬ومللن قللال غيللر مخلللوق فهللو مبتللدع ول‬
‫يكلم«)‪.(186‬‬
‫قللال الخلل‪» :‬وأخبرنللا أبللو داود السجسللتاني قللال‪ :‬سللمعت أبللا‬
‫عبدال يتكلم في )اللفظية( وينكر عليهم كلمهم ‪ «...‬إلخ‪.‬‬
‫))‬

‫‪ () 186‬تقدم توضيح هذا ردًا على الخليلي‪.‬‬

‫وفي )ص ‪ (326‬التي نقل منها الخليلي نص التكفير قال الخلل‪:‬‬
‫وأخبرني أبلو بكلر الملروزي حلدثنا محملد بلن يحيلى الزدي حللدثني‬
‫مسدد قال‪ :‬كنت عند يحيللى القطللان وجللاء يحيللى بللن إسللحاق بللن توبللة‬
‫العنبري‪ ،‬فقال له يحيى‪ :‬حدث هذا يعني مسددًا كيف قال حماد بللن زيللد‬
‫فيها؟ أي )مسألتنا( فقال سألت حماد بن زيد عمن قال‪ :‬كلم الناس ليس‬
‫بمخلوق‪ ،‬فقال‪ :‬هذا كلم أهللل الكفللر‪ ،‬وقللال يحيللى بللن إسللحاق‪ :‬سللألت‬
‫معتمر بن سليمان عمن قال‪ :‬كلم الناس ليس بمخلوق فقال‪ :‬هذا كفر((‬
‫اهل‪.‬‬
‫فهذا هو سياق الكلم في هذه المسألة‪ ،‬ليس فيها نص على شخص‬
‫معين ل البرزيني ول غيره‪.‬‬
‫أما دعوى الخليلي أن ابن تيمية لم يعلق عليهمللا لل أي علللى حمللاد‬
‫بن زيد والمعتمر بن سليمان إل بما يقتضي تأييدهما‪-‬‬
‫فببالجواب علببى هببذا‪ :‬أن الخليلللي ل يفللرق بيللن الكفللر المطلللق‬
‫والتكفير المعين‪ ،‬ولهذا ادعى على ابللن تيميللة هللذه الللدعوى‪ ،‬مللع أن‬
‫شيخ السلم ابن تيمية وضح هذا في آخر بحث هذه المسألة في )ص‬
‫‪ (487‬و الخليلي قد طوف بصفحات هذا المجلد مللن الفتللاوى فنقللل مللن‬
‫)ص ‪ (326‬هذا الذي يريده‪ ،‬كما نقل مللن )ص ‪ ،384‬ل ‪ (567‬وغيرهللا‬
‫من الصفحات كما سبقت الشللارة لللذلك‪ ،‬ول شللك ول ريللب أنلله اطلللع‬
‫على كلم شيخ السلم في )ص ‪ (487‬في قضية )التكفير( ورأى كلم‬
‫شيخ السلم في بيان الفرق بيللن )التكفيللر( المطلللق و )تكفيللر المعيللن(‬
‫ولكنه لم يشأ نقل ذلك‪ ،‬لنه يفسد دعلواه عللى شليخ السلللم فلي قللوله‪:‬‬
‫ولم يعلق عليهما ابن تيمية إل بمقتضى تأييدهما((‪.‬‬
‫))‬

‫))‬

‫وأقول‪ :‬سبق نص كلم حماد بللن زيللد حيللث قللال‪ :‬مللن قللال كلم‬
‫الناس ليس بمخلوق قال‪ :‬هذا كلم أهل الكفر‪ ،‬وقال معتمر بن سللليمان‪:‬‬
‫هذا كفر((‪.‬‬
‫فهو ‪-‬كما ترى ل كلم مطلق ولم يكن معينًا لشللخص بعينلله بحيللث‬
‫قال‪ :‬إن فلنًا كافر‪ ،‬واقرأ كلم شيخ السلم في هذا فقللد قللال فللي )ص‬
‫‪ (487‬وهو يتحدث عما أصاب الناس في فهللم اللفللاظ المطلقللة العامللة‬
‫من كلم أئمتهم في مسألة )التكفير(‪.‬‬
‫فقال‪ :‬وسبب هذا التنازع تعارض الدلة‪ ،‬فإنهم يرون أدلة توجب‬
‫إلحاق أحكام الكفر بهللم‪ ،‬ثللم إنهللم يللرون مللن العيللان الللذين قللالوا تلللك‬
‫المقالت من قام بلله مللن اليمللان مللا يمتنللع أن يكللون كللافرًا فيتعللارض‬
‫عندهم الدليلن‪ ،‬وحقيقة المر أنهم أصابهم في ألفللاظ العمللوم فللي كلم‬
‫الئمة ما أصاب الولين في لفللظ العمللوم فللي نصللوص الشللارع‪ ،‬كلمللا‬
‫رأوهم قالوا‪ :‬من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هللذا اللفللظ شللامل‬
‫لكل من قاله‪ ،‬ولم يتدبروا أن التكفير للله شللروط وموانللع قللد تنتفللي فللي‬
‫حق المعين‪ ،‬وأن التكفير المطلق ل يستلزم تكفير المعين إل إذا وجللدت‬
‫الشروط وانتفت الموانع((‪.‬‬
‫ل واقعًا يبين هللذا الصللل العظيللم عنللد أهللل السللنة‬
‫ثم ضرب مثا ً‬
‫وذلك بما عمللله المللام أحمللد بلن حنبلل فقللال فلي )ص ‪:(489– 488‬‬
‫»يبين هذا أن المام أحمد وعامة الئمة‪ ،‬الذين أطلقوا هللذه العمومللات‬
‫ل لل قللد‬
‫لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلم بعينه‪ .‬فإن المام أحمللد لل مث ً‬
‫باشر )الجهمية( الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات‪ ،‬وامتحنللوه‬
‫وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقللوهم علللى‬
‫التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل ‪«..‬إلخ‪.‬‬
‫))‬

‫))‬

‫ثم قال‪ :‬ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم‪ ،‬فإن الدعاء إلللى المقالللة‬
‫أعظم من قولها‪ ،‬وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظللم مللن مجللرد الللدعاء‬
‫إليها‪ ،‬والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثم إن المام أحمد دعا للخليفة وغيره ممللن ضللربه وحبسلله‪،‬‬
‫واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلللم والللدعاء إلللى القللول الللذي‬
‫هو كفر‪.‬‬
‫قال‪ :‬ولو كانوا مرتدين عن السلم للم يجلز السلتغفار لهللم‪ ،‬فلإن‬
‫الستغفار للكفلار ل يجلوز بالكتلاب والسلنة والجمللاع‪ ،‬وهللذه القلوال‬
‫والعمللال منلله ومللن غيللره مللن الئمللة صللريحة فللي أنهللم لللم يكفللروا‬
‫المعينين من الجهمية الللذين كللانوا يقولللون‪ :‬القللرآن مخلللوق وأن الل ل‬
‫يرى في الخرة‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كّفر بلله قوملًا معينيللن‪،‬‬
‫فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر‪ ،‬أو يحمللل المللر علللى‬
‫التفصيل فيقال‪ :‬من ُكّفر بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيلله شللروط‬
‫التكفير )‪(187‬وانتفت موانعه‪ ،‬ومن لم يكفره بعينه فلنتفاء ذلك في حقله‪،‬‬
‫هذا مع إطلق قوله بالتكفير على سبيل العموم((‪ .‬ثللم ذكللر الدلللة علللى‬
‫هذا الصل من الكتاب والسنة والجماع والعتبار‪...‬إلخ اهل‪.‬‬
‫ولهذا نقول للقارئ ل للخليلي‪ ،‬لنه مطلع على كلم شيخ السلللم‬
‫ابن تيمية‪ :‬أين تكفير )المعين( من كلم شيخ السلم ابن تيمية؟‪.‬‬
‫))‬

‫‪ () 187‬بين هذه الشروط في )ص ‪ (466‬من هذا الجزء فقال‪ :‬وليس لحد أن يكفللر أحللدًا‬
‫من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين للله المحجللة‪ ،‬ومللن ثبللت‬
‫إسلمه بيقين لم يزل ذلللك عنلله بالشللك‪ ،‬بللل ل يللزول إل بعللد إقامللة الحجللة وإزالللة‬
‫الشبهة‪.‬‬

‫فابن تيمية ينقل كما ترى عن المام أحمد أنه لم يكفر المعينين من‬
‫الجهمية الذين دعوه إلى المقالة‪ ،‬اللتي هلي كفللر بلل حللهللم مللن عملهللم‬
‫لوجود شبهة عندهم‪.‬‬
‫فكيف يقول‪ :‬إنه يكفر من أخطأ كالبرزيني وابن عقيل‪ .‬ثم إن لفللظ‬
‫حماد بن زيد والمعتمر بن سليمان هو لفظ عام وهو إطلق لفظ الكفللر‬
‫على هذا القول‪ .‬وليس إطلقًا على معين‪ ،‬لن المعيلن ل يجللوز تكفيللره‬
‫إل بعد إقامة الحجة عليه وإزالة الشبهة عنه‪ ،‬وهللذا هلو ملذهب السلللف‬
‫وأتباعهم‪.‬‬
‫ولكن إليك القللول السللخيف الللذي يللرده شلليخ السلللم علللى قللائله‬
‫ويقول عنه بأنه لغو ملن القلول اللذي ل يقلوله مسللم ول عاقلل‪ .‬وإليلك‬
‫تعبير الخليلي ودعواه على القائلين بأن القرآن كلم ال ل لفظلله ومعللانيه‬
‫ل‪ ،‬وسللنتبع‬
‫وعلى شيخ السلم ابن تيمية الللذي ينصللب للله العللداء بللاط ً‬
‫قوله بنقل النللص عللن شلليخ السلللم ابللن تيميللة لتعلللم زيفلله فللي القللول‬
‫وتحميله شيخ السلم بما هو منه براء‪.‬‬
‫يقول الخليلي الواصف لطائفته الباضية بأنهم أهل الستقامة وهو‬
‫يمثلهم في العصر الحاضر في )ص ‪ (145 – 144‬قال‪) :‬وبمللا تجللده‬
‫من خلف حاد بينهم في هذه المسألة بحيث يتعذر الجمللع بيللن أقللوالهم‪،‬‬
‫تدرك أنهم لم يتقيدوا فيها بضوابط‪ ،‬ولللذلك أرسللل بعضللهم فيهلا عنلان‬
‫القول‪ ،‬حتى زعم أن جلد المصللحف والوتللد الللذي يعلللق بلله ومللا حللول‬
‫الوتد من الحائط‪ ،‬كل ذلك من كلم ال فهو غير مخلوق في زعمهم(‪.‬‬
‫ولعلم الخليلي أنه كلم مرذول مردود استدرك فقال‪:‬‬

‫)وهو وإن عزاه ابن تيمية إلى جهلتهللم)‪ ،(188‬فمللا أدراك لعللل أولئك‬
‫يعدون معارضيهم هم الجهلة ويزعمون أيضلًا مثلهلم أنهلم أسللعد بمللذهب‬
‫المام أحمد(‪.‬‬
‫ثم قال‪) :‬وبهذا تدرك أخي القارئ خطورة هذه العقيدة ومللا جرتلله‬
‫صَفِة الِقَدم على مللا ل يمللاري عاقللل‬
‫ضَفاء ِ‬
‫نإ ْ‬
‫على السلم من بلء‪ ،‬فإ ّ‬
‫ول يكابر حس في حدوثه‪ ،‬كللالجلود والوتللاد والحللوائط‪ ،‬أمللر ل يبقللي‬
‫بعده إل إثبات ِقَدم العالم بأسره ‪...‬إلخ(‪.‬‬
‫وأقول للقارئ الكريم الباحث عن الحق‪:‬‬
‫إليك نص كلم شيخ السلللم ابللن تيميللة لتعلللم زيللف الخليلللي فللي‬
‫كلمه‪ ،‬ومغالطاته للقراء الكرام من أبناء طللائفته وغيرهللم‪ ،‬ممللن يظللن‬
‫بكللل مللن ادعللى العلللم أنلله ل ينقللل عللن الخريللن ول ينسللب إليهللم إل‬
‫أقوالهم‪ ،‬ول يدعي عليهم خلف مللا يقولللون؛ لن ال ل يقللول فللي كتللابه‬
‫الكريم مخوفًا ومحذرًا عباده من سللوء حصللائد ألسللنتهم‪} :‬ما يلفتتظ‬
‫من قول إل لديه رقيب عتيد{ ] ق ‪.[ 18‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية في بداية هذا النللص مللن )ص ‪-380‬‬
‫‪.(381‬‬
‫قال‪) :‬فصل(‪ :‬ثم إن فروخ )اللفظيببة النافيببة( الذين يقولللون بللأن‬
‫حروف القرآن ليست من كلم ال‪َ ،‬تْروي عن منازعيها أنهم يقولون‪:‬‬
‫ل الصوات المسموعة من العبد‪ ،‬وإل المداد المكتوب‬
‫القرآن ليس هو إ ّ‬
‫في الورق‪ ،‬وإن هذه الصوات وهذا المداد قديمان‪.‬‬
‫قببال‪ :‬وهللذا القللول مببا قبباله أحببد ممللن يقببول‪ :‬إن القللرآن ليللس إل‬
‫الحروف والصوات‪ ،‬بل أنكروا ذلك وردوه وكللذبوا مللن نقللل عنهللم )إن‬
‫المداد قديم( ‪.‬‬
‫))‬

‫‪ ()) 188‬فتاوي ابن تيمية ‪.381 / 12‬‬

‫ولكن هذا القول قللد يقللوله الجهللال المتطرفللون‪ ،‬كمللا يحكللى عللن‬
‫أعيانهم مثل سكان بعض الجبال‪ :‬إن الورق والجلد والوتد وما أحاط به‬
‫من الحائط كلم ال‪ ،‬أو ما يشبه هذا اللغو من القول الذي ل يقوله مسلم‬
‫ول عاقل((‪.‬‬
‫فهذا كلم شيخ السلم في هؤلء الجهال الذين قللالوا هللذا القللول‬
‫الباطل‪.‬‬
‫وأترك للقارئ الكريم الباحث عللن الحللق أن يقللارن بيللن مللا نسللبه‬
‫الخليلي لشيخ السلم ابن تيمية وبين ما نقلته عنه في هذا النص‪ ،‬ورده‬
‫على أولئك الجهللال المتطرفيللن كمللا وصللفهم وأن ذلللك القللول ل يقللوله‬
‫مسلم ول عاقل‪.‬‬
‫وإنمللا أعلللق علللى قللول الخليلللي السللابق فللي تعقيبلله المشللار إليلله‬
‫ونصه‪:‬‬
‫)وبهذا تدرك أخي القارئ خطورة هذه العقيدة وما جّرته علللى السلللم‬
‫من بلء(‪ ،‬هذا قول الخليلي‪.‬‬
‫فللأقول‪ :‬إن هللذا الكلم ينطبللق علللى المثللل السللائر )رمتنببي بببدائها‬
‫ت(‪.‬‬
‫وانسّل ْ‬
‫فما هي العقيدة الخطيرة التي جرت على السلم والمسلللمين البلء‪،‬‬
‫هل هي عقيدة سلف المة والمتبعين لهم بإحسان مللن أن القللرآن كلم الل‬
‫لل للل تكلم به بمشيئته وقدرته‪ ،‬وقد سمعه جبريل عليلله السلللم مللن‬
‫ال ونزل به على محمد‪، ‬وكل مسلم يعلم أن المة السلللمية مللن عهللد‬
‫الصحابة رضوان ال عليهم وأتباعهم كانوا على كلمة سواء فللي عقللائدهم‬
‫وعباداتهم وجميع شؤون حياتهم‪.‬‬
‫))‬

‫ينهلون من المعين الصافي كتاب الل عللز وجللل وسللنة رسللوله‪‬‬
‫التي ضمن لمن تمسك بهما أن ل يضل كما قال ‪» :r‬تركت فيكم ما إن‬
‫تمسكتم به لن تضلوا كتاب ال وسنتي« )‪.(189‬‬
‫ولم يحدث بين المسلمين ما يفرق كلمتهم‪ ،‬ويشتت شللملهم‪ ،‬ويكفللر‬
‫بعضهم بعضًا‪ ،‬إل عندما دخلت علللى المسلللمين هللذه العقيللدة الخطيللرة‬
‫التي هي القول )بخلق القرآن( من اليهود‪.‬‬
‫كما اعترف الخليلي نفسه بذلك في كتابه هللذا )ص ‪(106 – 105‬‬
‫وهللو يتحللدث عمللن أشللعل هللذه الفتنللة‪ ،‬وهللل القللرآن مخلللوق أو غيللر‬
‫مخلوق قال‪:‬‬
‫)وقد أشللعل نلار هللذه الفتنللة بعللض الللدخلء فللي المللة الللذين تقمصللوا‬
‫السلم لحاجات في نفوسهم أرادوا قضللاءها‪ ،‬أهمهللا إذكللاء نللار الفتنللة‬
‫بين طوائف المة‪ ،‬وتقسلليمها إلللى شلليع وأحللزاب }كل حزب بمتتا‬
‫لديهم فرحون{‪ .‬ولعل على رأس هؤلء أبا شاكر الديصللاني الللذي‬
‫قيل عنه أنه يهودي تظاهر بالسلللم‪ ،(...‬هللذا قللول الخليلللي فللي كتللابه‬
‫هذا‪.‬‬
‫ت عللى نفسللك‬
‫ونقول‪ :‬يا خليلي اتق ال وعللد إلللى الحللق‪ ،‬فقلد أثبل ّ‬
‫بقلمك في هذه الصفحة )ص ‪ (106‬فقلللت بعللد كلمللك السللابق‪) :‬وكللان‬
‫الرعيل الول من السلف الصالح مضى إلى ربه قبللل أن تسللمع آذانهللم‬
‫طنينًا من القول في هذا الموضوع(‪ ،‬فإذا كان أول مللن أشللعل نللار هللذه‬
‫الفتنة بين المسلمين )اليهود( كما قلت‪ ،‬فكيللف يصللح لللك أن تقللول‪) :‬إن‬
‫الذي يقول القرآن كلم ال لل للل وإن الل يتكللم بمشليئته وقلدرته‬
‫متى شاء وكيف شاء على أساس قوله تعالى‪} :‬ليس كمثله شتتيء‬
‫وهو السميع البصير{‪.‬وقوله }إنما أمره إذا أراد شتتيئا ً أن‬
‫‪ ()) 189‬سنن الدارقطني )‪ (4/245‬رقم )‪.(149‬‬

‫يقول له كن فيكون{ ويرد على من خلالف السلللف اللذين مضللوا‬
‫ولم تسمع آذانهم طنينًا من القول )بخلق القلرآن( وأن أول من قلال ذللك‬
‫اليهود‪ ،‬وأخذ ذلك الفكللر اللدخيل الجعلد بلن درهلم‪ ،‬وضلحى بله خالللد‬
‫القسللري‪ ،‬فهللو أول مللن قللال‪ :‬القللرآن مخلللوق ثللم صللاحبه الجهللم بللن‬
‫صللفوان‪ ،‬فكيللف يسللوغ لللك وبللأي منطللق تجعللل مللن رّد علللى هللؤلء‬
‫باطلهم‪ ،‬بأن عقيدتهم خطيرة وجلّرت علللى السلللم والمسلللمين البلء؟‬
‫ألم يجر البلء على السلللم والمسلللمين‪ ،‬وتسللفك الللدماء بسللبب عقيللدة‬
‫)القول بخلق القرآن(؟ ألم يكن الدعاة لهذه العقيدة المعتزلة الذين تفتخللر‬
‫بالنتساب إلللى عقيلدتهم فلي كلل ملا يقوللون؟ إن قللب الحقلائق وجعلل‬
‫عون النلاس‬
‫الباطل حقًا ليس من أسلوب العلماء اتبلاع السللف الللذين َيلْد ُ‬
‫إلى التمسك بالكتاب والسنة‪ ،‬وإنما هذا أسلوب أهل الباطل‪ ،‬ول شك أن‬
‫الباطللل مللدفوع وزاهللق كمللا قللال اللل تعللالى‪} :‬وقل جاء الحتتق‬
‫وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ً{‪] .‬السراء ‪.[81‬‬
‫إن باطل أولئك المعتزلة الذين لّبسوا على المأمون والمعتصللم قللد‬
‫أزهقه ال بثبات أهل السللنة علللى عقيللدة الحللق؛ وأن القللرآن كلم اللل‪،‬‬
‫وعلى رأس أولئك إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ل بإجمللاع المللة‪ ،‬وقللد‬
‫أثنى عليه حتى علماء الباضية‪ ،‬وقد ذكرت ذلك الثناء في كتابللك هللذا‪،‬‬
‫وقد أزهق ال ذلك الباطل وأعاد الحق إلى نصابه‪ ،‬على يد مللن امتحللن‬
‫وهو المام أحمد‪ ،‬وقد طلب منه خليفة المسلمين المعتصم أن يجيبه إلى‬
‫ما يدعوه إليه من القول‪) ،‬بخلق القرآن( ويكافئه بأن يجعله يطأ بساطه‪،‬‬
‫هكذا قال له المعتصم فبماذا أجابه؟ قال له‪ :‬يأتوني على ما يللدعون إليلله‬
‫بآية من كتاب ال أو حديث من سنة رسول ال‪ ‬فعجزوا‪ ،‬فكان مللوقفه‬
‫موقف العالم الذي ل يريد إل نصر الحق مقتديًا برسول ال‪ ‬الللذي ل‬
‫ينتقم لنفسه‪ ،‬وإنما يغضب لل ويقللدم نفسلله فللي سللبيل الل فللإذا انتهكللت‬

‫حدود ال فل يقوم لغضبه‪ ‬أحد حتى ينفذ أمر اللل‪ ،‬ولهللذا فللإن المللام‬
‫أحمد عفا عن الذين امتحنوه وآذوه في نفسه حيللن انتصللر الحللق ودمللغ‬
‫الباطل‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إن كلم أهل الباطل وتلبيساتهم مدموغة بالحق ومللردودة‬
‫على أصحابها‪ ،‬ونختم الرد على هذا الفصل بكشف هذه المغالطللة الللتي‬
‫يكررها في كتاباته‪ ،‬فقد ختم هذا الفصل من )ص ‪ 150‬إلللى ‪ (153‬بعلد‬
‫تكراره لنقل مقتطفات من فتاوى شيخ السلم ابن تيمية المجلللد )‪/ 12‬‬
‫من ص ‪.(567 ،301 ،54 ،86‬‬
‫حيث قال‪) :‬ويستخلص من كلمه هذا ما يلي‪:‬‬
‫‪1‬ل تفسير قدم كلمه تعالى بكونه سبحانه قد كان في الزل متكلم لًا ‪...‬‬
‫إلخ‪.‬‬
‫‪2‬ل أن ابن تيمية وجميع علماء سلفه الذين يعتمد عليهم ل يقولون في‬
‫القرآن المنزل على نبينا‪ ‬أنه قديم العين‪ ،‬كما ل يقولللون ذلللك فللي شلليء‬
‫من الكتب المنزلة‪ ،‬ول أي كلم ينسب إليله تعلالى كاللذي كّللم بله موسلى‬
‫عليه السلم‪ ،‬ول يقولون في شيء من ذلللك إنلله صللفة قديمللة أو أنلله قللائم‬
‫بذات الحق تعالى‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهذا ل خلف بيننا وبينهم فيه‪ ،‬وإنما هللو مخللالف لمللا نللص‬
‫عليه كثير من الشعرية والكلبية أو الحنابلة أنفسللهم مللن كللون القللرآن‬
‫موصوفًا عينه بالقدم‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫‪3‬ل أنهم مع اعترافهم بعدم قدم القرآن وسائر الكتب المنزلة ينفللون‬
‫عنها صفة المخلوقية ويضللون أو يكفرون من قال بخلقها‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهذا محط العجب وموضع الستغراب(‪.‬‬
‫ثم علل عجبببه هببذا بقببوله‪) :‬فللإن الكائنلات بأسللرها إمللا أن تكللون‬
‫قديمة أزلية لم يسبق وجودها عدم‪ ،‬وإما تكون حادثللة كللانت بعللد أن لللم‬

‫تكللن‪ ،‬وهللي فللي هللذا الكللون بحاجللة إلللى مللن أخرجهللا مللن العللدم إلللى‬
‫الوجود‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهذا هو معنى الخلق كما سبق في مقدمة هذا المبحث‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬ول أدل على وجود الخالق سبحانه من حدوث مخلوقللاته‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬ولذلك نجد في القرآن التعجيب مللن حللال أولئك الللذين ينكرونلله‬
‫تعالى‪ ،‬أو يشّكون فيه مع قيام هذه الشواهد الدالة عليلله مللن خلقلله‪ ،‬كمللا‬
‫تجللد ذلللك واضللحًا فللي قللوله سللبحانه‪} :‬أفي اللتته شتتك فتاطر‬
‫السموات والرض{ ] إبراهيم ‪ [10‬مع النصللوص القرآنيللة القاطعللة‬
‫بأن ال خلق الشياء كلها كقوله تعالى‪} :‬الله خالق كتتل شتتيء{‬
‫]الرعد ‪.([16‬‬
‫ثم أضاف مغالطة أخببرى فقببال فللي )ص ‪) :(152‬وقللد يتبللادر أن‬
‫الخلف بيننا وببينهم ل يعدو أن يكون لفظياً ما داموا يعترفون بحدوثه‪،‬‬
‫وإنما أمسكوا عن القول بخلقه الذي أقدمنا عليه(‪.‬‬
‫ثم قال‪) :‬والجواب يمكن أن يكون كذلك لو أنهللم اكتفللوا بالمسللاك‬
‫ولم يضللللوا أو يكّفللروا مللن أطلللق القللول بمللوجب ملا أفللادته نصللوص‬
‫القرآن المشار إليها‪ ،(...‬إلى أن قال‪) :‬وإن كنا نقنع في القضللية باعتقللاد‬
‫أن القرآن كلم ال ووحيه وتنزيله(‪ ،‬ثم نقض هذا بقللوله‪) :‬وإن مللا عللدا‬
‫ال مخلوق ولو لم يخص القللرآن باعتقللاد خلقلله‪ ،‬لنللدراجه فللي العمللوم‬
‫وهذا الذي مضى عليه السلف من الصحابة فمن بعدهم قبل نشوب فتنللة‬
‫الخلف في القضية وعليه مضى المتقدمون السابقون من علماء عمللان‬
‫كما سبق(‪.‬‬
‫قال‪) :‬وقد صرح ابن تيمية نفسه فيما مضى أنلله لللم يقللل أحللد مللن‬
‫الصحابة ول التابعين بقدمه(‪.‬‬

‫قال‪) :‬وإذا كانوا لللم يقولللوا بقللدمه فمللن أيللن لهللم أنهللم قللالوا بنفللي‬
‫خلقه؟ مع أن هذه القضية لم يثر بحثها إل بعد انطواء عصورهم؟(‬
‫قال‪) :‬ومن المعلوم قطعًا أن الصحابة رضوان ال عليهم ما كللانوا‬
‫لينفوا صفة المخلوقية عن شيء غير ال سللبحانه‪ ...‬مللع إجمللاع العقلء‬
‫أن ما لم يكن قديمًا فهللو حللادث‪ ،‬وأن كللل حللادث ل بللد للله مللن محللدث‬
‫أحدثه أي أخرجه من العدم إلى الوجود وهذا هو عين الخلق(‪.‬‬
‫فهللذه هللي الخلصللة الللتي توصللل إليهللا الخليلللي مللن كلم شلليخ‬
‫السلم ابن تيمية وعلماء سلفه كما يقول‪.‬‬
‫والجواب على ذلك‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬أن ما جاء في الفقرة الولى‪ ،‬وهو قوله‪ :‬أن ابن تيمية يفسللر‬
‫قدم كلم ال تعالى أنه سبحانه قد كان متكلمًا في الزل‪.‬‬
‫وفي الفقرة الثانية‪ :‬أن ابن تيميلة وجميللع علمللاء سلللفه ل يقولللون‬
‫في القرآن إنه قللديم )العيللن( ول فللي الكتللب المنزلللة ول الللذي كّلللم بلله‬
‫موسى‪ ...‬ول في شيء من ذلك أنه صفة قديمة أو أنه قائم بذات الحق‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬إنه ل خلف في ذلك بينه وبين ابن تيمية وعلماء سلفه‪.‬‬
‫فأقول‪ :‬إن الكلم تكرر على هذا مراراً بسبب تكراره له لنه ليس‬
‫عنده حجة على دعواه في خلق القرآن إل مللا يسللميه بالحللدوث؛ أي أن‬
‫آحاد الكلم الذي يتكلم ال به ل مللن قللرآن‪ ،‬وتللوراة وغيرهللا‪ -‬أنلله خلقلله‬
‫لنه ل يصف ال عز وجل بصفة الكلم مطلقًا وقد سبق هذا مكررًا‪.‬‬
‫وكلم شيخ السلم ابن تيمية وجميع علماء السلف يقولون أن ال‬
‫لل للل متصف بصفة الكلم وأن هذه الصفة صفة كمال قائمة بال‬
‫عز وجل ل كما يدعي أنهم يقولون )إن صفة الكلم ليست قائمللة بللذاته‬
‫تعالى( وأنه سبحانه يتكلم مللتى شللاء وكيللف شللاء‪ ،‬ويقولللون‪ :‬إن الكلم‬
‫قديم النوع حادث الحاد‪.‬‬

‫فمن كلمه تعالى )القللرآن( تكلللم بلله‪ ،‬وسللمعه منلله جبريللل عليلله‬
‫السلم‪ ،‬ونزل به إلى محمد‪ ‬وسمعه محمللد مللن جبريللل‪ ،‬وبّلغلله أمتلله‬
‫وأمرهللم بتبليغلله‪ .‬وإن مللن كلملله جميللع الكتللب المنزلللة كالصللحف‬
‫والتوراة والنجيل وغيرها‪.‬‬
‫وأن موسى عليه السلم سمع كلم ال حين كلمه كما قال تعالى‪:‬‬
‫}ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه{‪.‬‬
‫أما الشعرية والكلبيللة فقللد تكللرر أيضلًا‪ :‬أن شلليخ السلللم ابللن‬
‫تيمية رحمه ال يرد عليهم دعواهم ل أن صفة الكلم هي الكلم النفسي‬
‫القائم بالذات‪ ،‬وأن القرآن عبارة أو حكاية عن ذلك المعنى النفسي القائم‬
‫بالذات‪.‬‬
‫وأما الفقللرة الثالثلة‪ :‬وهللي قللوله‪) :‬وأنهلم ملع اعلترافهم بعلدم قللدم‬
‫القرآن وسائر الكتب المنزلة ينفون عنها صفة المخلوقية‪ ،‬ويضللللون أو‬
‫يكفرون من قال بخلقها‪ .‬قال‪ :‬وهذا محط العجب وموضع الستغراب(‪.‬‬
‫فببأقول‪ :‬إن هللذه هللي المشللكلة المستعصللية عنللد الخليلللي وسلللفه‬
‫القائلين بخلق القرآن‪.‬‬
‫فإن الشبهة القائمة بأذهانهم أنهللم إذا وصللفوا ال ل بصللفة )الكلم(‬
‫وكذلك جميع الصفات الختيارية‪ .‬فقد شّبهوه بخلقه لنهم ينفون عن ال‬
‫لل للل هذه الصفات فعندهم أنهم إذا وصللفوه بصللفة الكلم فهللذه‬
‫الصللفة تحتللاج مللن المتكلللم إلللى هللذه الجللوارح الللتي يشللاهدونها فللي‬
‫المخلوق من اللسان واللهاة والحنجرة‪ ،‬وال منزه عن ذلك‪.‬‬
‫وأهل السنة والجماعة يقولون‪ :‬إن الل عللز وجللل منلّزه عللن هللذه‬
‫الجوارح لنه ليس كمثله شيء‪ ،‬ل في ذاته ول في صفاته وهو السللميع‬
‫البصير‪.‬‬

‫ويقولون‪ :‬إن ال يتكلم متى شاء وكيف شاء‪ ،‬ول يشترط للكلم ما‬
‫قام بأذهان هؤلء من التشبيه للخالق بالمخلوق‪ .‬ثم انتقلوا إلللى التعطيللل‬
‫وهو نفي صفة الكلم عن ال لل للل لن ال لل للل قد أخللبر‬
‫أن هذه الجوارح تنطللق يللوم القيامللة كمللا قللال تعللالى‪} :‬اليوم نختم‬
‫على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهتتم بمتتا كتتانوا‬
‫يكسبون{ ] يس ‪ [ 65‬فهذه اليدي والرجللل تنطللق ول لسللان لهللا‪...‬‬
‫إلخ‪.‬‬
‫وقد نص ال في كتابه أنه يكّلم عباده متى شاء وكيف شاء‪.‬‬
‫فقد كّلم موسى عليه السلم حين جاءه لميقللاته‪ ،‬ويكّللم ملئكتلله ويسللألهم‬
‫عن عباده وهو أعلم بهم يقول لهم‪» :‬كيف تركتم عبادي‪ ،‬فيقولببون‪ :‬تركنبباهم‬
‫وهبم يصبلون وجئنباهم وهبم يصبلون« )‪ ،(190‬وغيلر ذللك ملن النصلوص‬
‫الكثيرة من الكتاب والسنة‪.‬‬
‫جبه وهو قوله‪) :‬فإن الكائنات بأسرها إمللا أن تكللون‬
‫وأما تعليله لتع ّ‬
‫قديمة أزلية لم يسبق وجودها عدم‪ ،‬وإما أن تكون حادثة بعد أن لم تكللن‬
‫وهي في هذا الكون بحاجة إلى من أخرجها من العدم إلى الوجللود‪ .‬وإن‬
‫هللذا معنللى الخلللق‪ .‬وقللوله‪ :‬و ل أدل علللى وجللود الخللالق سللبحانه مللن‬
‫حدوث مخلوقاته مع النصوص القرآنية القاطعة بللأن الل خلللق الشللياء‬
‫كلها كقوله‪} :‬الله خالق كل شيء{(‪.‬‬
‫فأقول‪ :‬نعم إن الكائنات بأسرها محدثة وليسللت قديمللة‪ ،‬وأن الللذي‬
‫أخرجها مللن العللدم إلللى الوجللود هللو الل عللز وجللل ‪ ،‬والل علز وجللل‬
‫بصفاته هو الول الذي ليس قبله شيء‪.‬‬
‫‪ ()) 190‬أخرجه البخاري في صحيحه كتاب مواقيت الصلة باب في فضل صلة العصر‬
‫‪،‬ح )‪.(555‬‬

‫ومن صفاته عز وجل )الكلم( وقد أخرج هللذه المخلوقللات الدالللة‬
‫على وجوده بكلمه فقللال تعللالى‪} :‬إنما أمره إذا أراد شتتيئا ً أن‬
‫يقول له كن فيكون{‪.‬‬
‫وقال تعالى‪} :‬قل أئنكم لتكفرون بالتتذي خلتتق الرض‬
‫في يومين{ إلللى قللوله‪} :‬ثتتم استتتوى إلتتى الستتماء وهتتي‬
‫دخان فقال لها وللرض ائتيا طوعا ً أو كرهتا ً قالتتتا أتينتتا‬
‫طائعين{ ]فصلللت ‪ ،[11-9‬وقوله تعالى‪} :‬خلق الستتموات بغيتتر‬
‫عمد ترونها وألقتتى فتتي الرض رواستتي أن تميتتد بكتتم‬
‫وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من الستتماء متتاًء فأنبتنتتا‬
‫فيها من كل زوج بهيتتج‪ .‬هتتذا خلتتق اللتته فتتاروني متتاذا‬
‫خلق الذين من دونه بتتل الظتتالمون فتتي ظلل متتبين{‬
‫] لقملللان ‪10‬لللل ‪،[11‬للل وقللال تعللالى‪} :‬إن ربكتتم اللتته التتذي خلتتق‬
‫الستتموات والرض فتتي ستتتة أيتتام ثتتم استتتوى علتتى‬
‫العتترش يغشتتي الليتتل النهتتار يطلبتته حثيث تا ً والشتتمس‬
‫والقمر والنجوم مسخرات بأمره أل لتته الخلتتق والمتتر‬
‫تبارك الله رب العالمين{ ]العللراف ‪ ،[54‬فللال هللو الخللالق لهللذه‬
‫الكائنات كلها‪ .‬خلقها بأمره وهو قوله للشيء إذا أراده )كن( فيكون‪.‬‬
‫كما قال تعالى‪} :‬إنما أمره إذا أراد شتتيئا ً أن يقتتول لتته‬
‫كن فيكون{‪.‬‬
‫وقللول الخليلللي‪ :‬مللع النصللوص القرآنيللة القاطعللة بللأن الل خلللق‬
‫الشياء كلها كقوله تعالى‪} :‬الله خالق كل شيء{(‪.‬‬
‫فنقول‪ :‬نعم‪ ،‬إن الشياء كلها مخلوقة ولكن كلمه ليس من الشياء‬
‫المخلوقة‪ ،‬بل كلمه صفة من صفاته‪ ،‬وبكلمه خلق هذه الشياء كلهللا‪،‬‬
‫وقللد سللبق نقاشلله فللي اسللتدلله بقللوله تعللالى‪} :‬الله ختتالق كتتل‬
‫))‬

‫شيء{ وَبّيّنا أن عموم )كل( ل يدخل فيه كلم ال ل ل ل لل لللنلله‬
‫من صفاته وال بصفاته هو الخالق وما سواه مخلوق‪.‬‬
‫وأما قوله‪) :‬فلو اكتفوا بالمساك ولم يضللوا أو يكفروا من أطلللق‬
‫القول بموجب هذه النصوص( ويعني بالنصوص قللوله تعللالى‪} :‬الله‬
‫خالق كل شيء{ والنصوص الخرى التي ذكرها‪.‬‬
‫والجواب‪ :‬أن هذه النصوص التي منها قوله تعالى‪} :‬الله‬
‫خالق كل شيء{ لم يدخل في عمومها كلمه لل لللل‬
‫بل بكلمه خلق هذه الشياء كلها‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬لم يضللوا أو يكفروا(‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬أما تضليل من ابتدع بدعة محدثة فقللد نصللت السللنة علللى‬
‫تضليله كما قال ‪» :r‬إياكم ومحدثات المور فإن كل محدثة بدعة وكببل‬
‫بدعة ضللة«‪.‬‬
‫سللقوا إل مللن حكللم الل‬
‫فأهل السللنةلم يضللللوا ولللم يبلّدعوا ولللم يف ّ‬
‫ورسوله عليه بذلك‪.‬‬
‫فالقول بأن القرآن مخلوق بدعة محدثة لم يللرد بللذلك نللص ل مللن‬
‫الكتللاب ول مللن السللنة ول مللن أقللوال الخلفللاء الراشللدين‪ ،‬لن قللولهم‬
‫وعملهم سللنة كمللا قللال ‪» :r‬عليكببم بسببنتي وسببنة الخلفبباء الراشببدين‬
‫المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجببذ‪ ،‬وإيبباكم ومحببدثات المببور‬
‫فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضللة«‪.‬‬
‫ولم يقل بهذا القول ل الصللحابة ول التللابعون ول الئمللة الربعللة‬
‫المتبعللون ول التللابعون لهللم بإحسللان‪ ،‬وإنمللا هللذا القللول بدعللة محدثللة‬
‫أحدثها الجعد بن درهم‪ ،‬ثم أخذها عنه صاحبه الجهم بن صفوان‪ ،‬وأخللذ‬
‫ذلك عنه المعتزلة‪ ،‬وورثهم الخليلي ومن يقول بقولهم‪.‬‬
‫وأما التكفير فإن له شروطه وموانعه عند أهل السنة والجماعة‪.‬‬

‫فالقول أو الفعل قد يكون كفرًا ولكن القائل أو الفاعل ل يكلون كلافراً‬
‫حتى تقام عليه الحجلة وتلزال عنله الشلبهة‪ ،‬وهلذا هلو الفلرق بيلن الكفلر‬
‫المطلق وتكفير المعين‪ ،‬وقد سبق ما نقلناه عن شيخ السلم ابن تيمية ممللا‬
‫نقله عن المام أحمد بن حنبل أيام المحنة بالدعوة إلى القول بخلق القللرآن‬
‫بسبب ما زينه المعتزلة سلف الخليلي للمأمون والمعتصم‪ ،‬وتحليلل الملام‬
‫أحمد للذين دعلوه إللى هلذه البدعلة‪ ،‬وملا نقلله عنله بالتفصليل فلي الكفلر‬
‫المطلق وتكفير المعين )ص ‪ (274‬وما بعدها‪.‬‬
‫ونوضح للقارئ معنى الكفر المطلق وتكفير المعين بمثال فنقببول‪:‬‬
‫القرآن كلم ال لل للل وكلمه صللفة مللن صللفاته‪ ،‬وال ل بصلللفاته‬
‫واحد أحد كما قال تعالى‪} :‬قل هو الله أحد‪ .‬الله الصمد‪ .‬لتتم‬
‫يلد ولم يولد‪ .‬ولم يكن له كفوا ً أحد{‪.‬‬
‫فالقول‪ :‬بأن صفة من صفات ال مخلوقة كفر‪.‬‬
‫ولهذا قال أهل السنة‪ :‬من قال القرآن مخلوق فهو كافر‪ ،‬لنه قللال‪:‬‬
‫إن صفة من صفات ال مخلوقة فهذا كفر وهذا هو التكفير المطلق‪.‬‬
‫وأما تكفير المعين‪ :‬فهو القول بأن زيدًا أو بكرًا من الناس كافر‪.‬‬
‫فقال أهل السنة‪ :‬إن هذا الشخص المعين ل يحكم بكفره حلتى تقلام‬
‫عليه الحجة وتزال عنه الشبهة‪.‬‬
‫ولهذا قال ابن تيمية ‪-‬الذي يدعي عليه الخليلي أنه يكفر المعينيللن‪-‬‬
‫فللي )ص ‪ 466‬المجلللد ‪ (12‬مللن الفتللاوى الللذي يختللار منلله الخليلللي‬
‫الجزئية التي يريدها مقطوعة الجناح‪ ،‬مبتلورة العضلاء‪ ،‬وذللك بلترك‬
‫أولها وآخرها‪.‬‬
‫قال ل أي شيخ السلم‪ :‬وليس لحللد أن يكفللر أحللدًا مللن المسلللمين‬
‫وإن أخطأ وغلط‪ ،‬حتى تقام عليه الحجللة وتللبين للله المحجللة‪ ،‬ومللن ثبللت‬
‫))‬

‫إسلمة بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل ل يزول إل بعللد إقامللة الحجللة‬
‫وإزالة الشبهة((‪.‬‬
‫وذلك في المور الخفية التي يشكل على المسلم تبين الحق فيها‪.‬‬
‫فنقول للمؤلف‪ :‬فأين تكفير ابن تيمية للمعين؟ فمن قال هللذا القللول‬
‫الذي هو كفر قبل إقامة الحجة عليه وإزالللة الشللبهة عنلله ل يكفللر‪ ،‬وقللد‬
‫أورد بعللد هللذا موقللف المللام أحمللد بللن حنبللل ممللن امتحنللوه و غيللره‬
‫ودعوهم إلى هذه البدعة الضللة ولم يكفرهم‪.‬‬
‫ن ما عدا ال مخلوق ولو لم يخللص القللرآن باعتقللاد‬
‫وأما قوله‪ :‬وإ ّ‬
‫خلقه لندراجه في العموم‪ ،‬وهذا الذي مضى عليه السلف من الصللحابة‬
‫ومللن بعللدهم قبللل نشللوب فتنللة الخلف فللي القضللية‪ ،‬وعليلله مضللى‬
‫السابقون من علماء عمان( كما سبق‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬وقد سبق هناك في المقدمة‪ :‬الرد على هذه الدعوى الزائفة‬
‫على الصحابة‪.‬‬
‫وقوله )ولو لم يخص القرآن باعتقاد خلقه(‪.‬‬
‫أقول‪ :‬هذا اعتراف منه بأنه لم يرد نص في القللرآن يللدل علللى أن‬
‫القرآن مخلوق وكفى بذلك حجة عليه‪.‬‬
‫وأما قوله )لندراجه في العموم( ويقصللد بلله انللدراجه فللي عمللوم‬
‫قوله تعالى‪} :‬الله خالق كل شيء{]النعام‪.[102:‬‬
‫فقد سبق الكلم عن ذلك وهو‪ :‬أن كلم ال عز وجل ل يللدخل فللي‬
‫الشياء المخلوقة‪ ،‬لن كلمه صفة من صفاته وبلله خلللق هللذه الشللياء‪.‬‬
‫كما في قوله تعللالى‪} :‬إنما أمره إذا أراد شتتيئا ً أن يقتتول لتته‬
‫كن فيكون{‪.‬‬
‫وأما قوله‪) :‬وهللذا الللذي مضللى عليلله السلللف مللن الصللحابة فمللن‬
‫بعدهم قبللل نشللوب فتنللة الخلف( فهللذا هللو الضلللل المللبين والللدعوى‬
‫))‬

‫الزائفة على صحابة رسول ال صلى ال عليلله وسلللم والللرد عليلله بمللا‬
‫يأتي‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬بقوله هو في المقدمة )ص ‪ (106‬بعللد قللوله‪ :‬إن هللذه الفتنللة‬
‫أدخلها الذين تقّمصوا السلم لغراض في نفوسهم‪ ،‬وعلى رأس أولئك‬
‫أبو شاكر الديصاني الذي قيل عنه أنه يهودي تظاهر بالسلم‪.‬‬
‫ثم قال بعد ذلك ‪ :‬وكان الرعيللل الول مللن السلللف الصللالح مضللى‬
‫إلى ربه قبل أن تسمع آذانهم طنينا من القول في هذا الموضوع(‪.‬‬
‫فهذا الذي مضى عليه الرعيل الول‪ ،‬ولم يتكلمللوا بمللا تللدعي مللن‬
‫خلق القرآن‪ ،‬وحتى لم يسمعوا كما تقول من أحد قال تلللك البدعللة الللتي‬
‫أحدثها الجعد بن درهم‪ ،‬فهو أول من قالها‪ ،‬وأخللذها عنلله تلميللذه الجهللم‬
‫بن صفوان‪ ،‬كما تقدم ذلك في )ص ‪.(158‬‬
‫عموا هذه الفتنة في عهللد المللأمون والمعتصللم‬
‫الثاني‪ :‬إن الذين َتَز ّ‬
‫لم يستطيعوا أن يللأتوا بنللص واحللد مللن الكتللاب ولمللن السللنة علللى أن‬
‫القرآن مخلوق‪ ،‬وذلك حين طلب المعتصم من المام أحمد بن حنبللل أن‬
‫يقول القرآن مخلوق ويفك عنه قيوده بنفسه‪.‬‬
‫فقللال للله المللام أحمللد‪ :‬يللأتوني علللى ذلللك ‪ -‬بآيللة أو حللديث عللن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم فعجزوا(()‪.(191‬‬
‫وقد اعترف الخليلي هنا أنلله لللم يخللص القللرآن باعتقللاد خلقلله فللي‬
‫الدلة التي ذكرها‪.‬‬
‫والثببالث‪ :‬وهللو قللوله‪) :‬أن الصللحابة مضللوا علللى ذلللك( فمللع‬
‫تصللريحه أنهللم مضللوا ولللم تسللمع آذانهللم طنين لًا مللن القللول فللي هللذا‬
‫الموضوع‪ ،‬فإن أسلفه أيضًا عجزوا بل اعترفوا أن هذا القللول لللم يقللل‬
‫))‬

‫))‬

‫‪ ()) 191‬مناقب المام أحمد لبن الجوزي )ص ‪ ،(402‬البداية والنهاية )‪.(10/321‬‬

‫به ل أبو بكر ولعمر ول عثمان ول علي)‪ (192‬رضي ال عنهم‪ ،‬فكيف‬
‫يدعي على الصحابة رضوان ال عليهم هذه الدعوى الزائفة؟‪.‬‬
‫وفي )ص ‪ (153‬قال‪) :‬وقد صرح ابن تيمية نفسه فيما مضى أنلله‬
‫لم يقل أحد من الصحابة ول التابعين بقدمه()‪ ،(193‬ثللم قللال‪) :‬وإذا كللانوا‬
‫لم يقولوا بقدمه فمن أين لهم أنهم قالوا بنفي خلقه‪ ،‬مع أن هذه القضية لم‬
‫يثر بحثها إل بعد انطواء عصورهم؟ وملن المعلللوم قطعلًا أن الصللحابة‬
‫رضوان ال عليهم ما كانوا لينفوا صفة المخلوقية عللن شلليء غيللر ال ل‬
‫سبحانه‪ ...‬إلى قوله‪ :‬وهذا قليل من كثير من الضطراب الذي وقللع فيلله‬
‫القائلون بقدم القرآن وغيره من كلم الل المنللزل علللى أنبيللائه ورسللله‪،‬‬
‫قللال‪ :‬ولللم أرد بلله إل التنللبيه‪ ،‬ومللن أراد استقصللاء ذلللك فليرجللع إلللى‬
‫مؤلفات أصحاب هذا القول‪ ،‬كفتاوى ابن تيمية المجلد الثاني عشر الذي‬
‫بلغت صفحاته ستمائة صفحة‪.(...‬‬
‫قلت‪ :‬إن شيخ السلم ابن تيمية كلمه واضح في )مسألة القرآن(‬
‫خاصة‪ ،‬وفي مسألة صفة )الكلم( ل عز وجل ‪ .‬فهو يقول‪ :‬إن ال عللز‬
‫وجل يتكلم متى شاء وكيف شاء‪ ،‬وأن نوع الكلم قديم‪ ،‬وأن ال لم يللزل‬
‫ل وأبللدًا‪ .‬أي أن الكلم قللديم النللوع حللادث‬
‫متكلمًا متصفًا بهذه الصفة أز ً‬
‫الحاد ومن آحللاد كلم الل عللز وجللل )القللرآن الكريللم( الللذي تكّلللم بلله‬
‫وسمعه منه جبريل عليه السلم ونلزل بله عللى محملد صللى الل عليله‬
‫وسلم فسمعه منه وبّلغه أمته وأمرهم بتبليغه إلى من بعدهم‪.‬‬
‫وهذا معنى قول شيخ السلم ابن تيمية الذي اقتصر الخليلللي منلله‬
‫على هذا السطر وهو مسبوق بما يوضح هذا‪.‬‬
‫‪ ()) 192‬تأريخ بغداد )‪ ،(4/152‬مناقب المام أحمد لبن الجوزي )ص ‪.(352-350‬‬
‫‪ ()) 193‬الفتاوى )‪.(12/301‬‬

‫ولكن الخليلي لما كان ينفي عن ال صفة الكلم مطلقًا وإنما يقول‪:‬‬
‫إن كلم ال مخلللوق؛ وأنلله ل يتكلللم مللتى شللاء وكيللف شللاء قللال‪) :‬وإذا‬
‫كانوا لم يقولوا بقدمه فمن أين لهم أنهم قالوا بنفي خلقه(‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن أهل السنة والجماعة كلهم يقولللون‪ :‬إن الل يتكلللم مللتى‬
‫شاء وكيف شاء‪ ،‬ومن كلمه جميع الكتب المنزلة على أنبيللائه ورسللله‪،‬‬
‫وأنه كلم موسى حين جاء لميقات ربه‪.‬‬
‫فهم نفوا عنه )صفة الخلق( لن الكلم من صفات اللل‪ ،‬وصللفات‬
‫ال غير مخلوقة‪ ،‬فال بصفاته واحد أحد لللم يلللد ولللم يولللد ولللم يكللن للله‬
‫كفوًا أحد‪.‬‬
‫وقول الخليلي‪) :‬مع أن هذه القضية لم يلثر بحثهلا إل بعلد انطلواء‬
‫عصورهم(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذه حجة عليك وليست لك وقللد ذكللرت فللي المقدمللة )ص‬
‫‪ (106‬أن أول من أثارها الذين تقمصوا السلم لغراض فللي نفوسللهم‬
‫فلماذا تثيرها أنت الن؟‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬ومن المعلوم قطعلًا أن الصللحابة رضللوان الل عليهللم مللا‬
‫كانوا لينفوا صفة المخلوقية عن شيء غير ال سبحانه(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬والجواب‪ :‬نعم‪ ،‬لم ينفوا صفة المخلوقية عن شيء سوى ال‬
‫مللن المخلوقللات‪ ،‬ولكللن الل بصللفاته واحللد أحللد‪ ،‬ومللن صللفاته كلملله‬
‫وصفته القائمة بذاته ليست سواه‪ ،‬فهو يتكلم متى شاء وكيللف شللاء‪ ،‬أمللا‬
‫أنك تقطع على الصحابة بأنهم سيقولون )القرآن مخلللوق( فهللذه الجللرأة‬
‫منك عليهم ستحاسب عليها بين يدي ال عز وجللل‪ ،‬بللل هللذا مللن القللول‬
‫على الخرين بل علم‪ ،‬وذلك حسب ما تعتقده في القرآن وأنهم لن ينفوا‬
‫عنه صفة المخلوقية‪ ،‬ونقول لك‪ :‬فمن أين لك هذا؟‬

‫فاسللتغفر ربللك وتللب إليلله مللن أن تنسللب إلللى صللفوة المللة هللذا‬
‫العتقاد الباطل‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬هذا قليل من كثير من الضطراب الذي وقع فيه القائلون‬
‫بقدم القرآن وغيره مللن كلم ال ل المنللزل علللى أنبيللائه ورسللله‪ (...‬إلللى‬
‫قوله‪) :‬ومن أراد استقصاء ذلك فليرجع إلى مؤلفات أصحاب هذا القول‬
‫كفتاوى ابللن تيميللة المجلللد الثللاني عشللر الللذي بلغللت صللفحاته سللتمائة‬
‫صفحة(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬إن الضطراب بحمد ال لم يوجد عند القللائلين بللأن )القللرآن‬
‫كلم ال( وإنما كلمهم متسق مع ما جاء في كتاب ال وسنة رسوله ‪.r‬‬
‫وما جاء في المجلللد الثلاني عشلر ملن فتلاوى شليخ السللم ابلن تيميلة‬
‫رحمه ال الذي بلغ‬
‫كما قال الخليلي‪ -‬ستمائة صفحة لم ينقض بعضه بعضًا بل هللو منتظللم‬‫كالعقد‪ .‬وهو رد على كل من خالف نهج السلف في إثبللات صللفة الكلم‬
‫ل عز وجل وأنه يتكلم متى شاء وكيف شللاء‪ ،‬وأن مللن كلملله )القللرآن‬
‫الكريم( الذي سمعه منه جبريل عليه السلم ونللزل بلله بللأمر ربلله علللى‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم فسمعه منه وبلغه أمتله فسلمعوه منله وبلغلوه‬
‫إلى من بعدهم‪.‬‬
‫وبما أن الخليلي طوف في صفحات المجلد الثاني عشللر مللن فتللاوى‬
‫ل وأسلطرًا مقطوعلة اللرأس‬
‫شيخ السللم ابلن تيميلة‪ ،‬واقتطلف منله جم ً‬
‫والعجز لقصد التلبيس والتشلويش عللى قلرائه وادعلائه الضلطراب فلي‬
‫كلم ابن تيمية والئمة قبله‪ ،‬وبما أنه اقتصللر فللي آخللر )ص ‪ (152‬مللن‬
‫كتابه على هذا السطر والنصف من كلم شيخ السلم وهو قوله‪) :‬وقد‬

‫صرح ابن تيمية نفسه فيمللا مضللى أنلله لللم يقللل أحللد مللن الصللحابة ول‬
‫التابعين بقدمه()‪.(194‬‬
‫فقد رأيت أنه من المناسب أن أنقل النص الذي اقتطع منه الخليلللي‬
‫هذا السطر‪ ،‬ليطلع القارئ على مجموع النللص ويحكللم بنفسلله عليلله إن‬
‫وجد فيه اضطرابًا‪.‬‬
‫وقد بدأ هذا النص من )ص ‪ (296‬فقال‪:‬‬
‫)فصل(‬
‫قلللال تعلللالى‪} :‬وإن أحتتد متتن المشتتركين استتتجارك‬
‫فاجره حتى يسمع كلم الله{ ]التوبة‪ [6:‬وهو منزل من ال كمللا‬
‫قال تعالى‪} :‬أفغير الله أبتغي حكما ً وهو الذي أنزل إليكم‬
‫لوالذين آتيناهم الكتاب يعلمتتون أنتته منتتزل‬
‫الكتاب مفصلل ً‬
‫من ربك بالحق{ ] النعللام ‪ [114‬فللأخبر سللبحانه أنهللم يعلمللون ذلللك‬
‫والعلم ل يكللون إل حقللًا وقللال تعللالى‪} :‬تنزيل الكتاب من اللتته‬
‫العزيز الحكيم{]الزمللر‪} [1:‬حتم تنزيتل الكتتتاب متتن اللتته‬
‫العزيز العليم{ ]غافر‪} [ 2:‬حم تنزيل من الرحمن الرحيم{‬
‫]فصلت‪ [ 2:‬وقوله تعالى‪} :‬ولكن حق القول مني لملن جهنم‬
‫من الجنة والناس أجمعين{]السلللجدة‪ [13:‬وقللال تعللالى‪} :‬ولول‬
‫كلمة سبقت من ربك لكان لزام تا ً وأجتتل مستتمى{]طلله‪:‬‬
‫‪ [129‬وقال تعالى‪} :‬قل نزله روح القدس من ربك بتتالحق{‬
‫]النحل‪.[102:‬‬
‫فأخبر سبحانه أنه منزل من ال ولم يخبر عن شيء أنه منزل مللن‬
‫ال إل كلملله‪ ،‬بخلف نللزول الملئكللة والمطللر والحديللد وغيللر ذلللك‪،‬‬
‫‪ ()) 194‬الفتاوى )‪.(12/301‬‬

‫ولهذا كان المشهور عن السلف أن القرآن كلم ال غير مخلوق منه بدأ‬
‫وإليه يعود‪.‬‬
‫خلق في بعض المخلوقات القائمللة‬
‫فإن من قال إنه مخلوق يقول إنه ُ‬
‫بنفسها فمن ذلك المخلوق نزل وبدأ لم ينزل من ال‪ ،‬فإخبار ال تعالى أنه‬
‫منزل من ال يناقض أن يكون قد نزل من غيللر اللل‪ ،‬ولهللذا فسللر المللام‬
‫أحمد قوله )منه بدأ( أي هو المتكلم به‪ ،‬وقال أحمد‪ :‬كلم ال من ال ليس‬
‫ببائن عنه‪.‬‬
‫وأيضًا‪ :‬فلو كان مخلوقًا في غيره لم يكللن كلملله؛ بللل كللان يكللون‬
‫كلمًا لذلك المخلوق فيه‪ ،‬وكذلك سائر ما وصللف بلله نفسلله مللن الرادة‬
‫والمحبة والمشيئة والرضى والغضب والمقت‪ ،‬وغير ذلك مللن المللور‬
‫لو كان مخلوقًا في غيره لم يكن الرب تعالى متصفًا به‪ ،‬بللل كللان يكللون‬
‫صفة لذلك المحل‪ ،‬فإن المعنى إذا قام بمحل كان صفة لذلك المحل ولللم‬
‫يكن صفة لغيره فيمتنع أن يكللون المخلللوق أو الخللالق موصللوفًا بصللفة‬
‫موجودة قائمة بغيره؛ لن ذلك فطري فما وصف به نفسلله مللن الفعللال‬
‫اللزمللة أن يوصللف الموصللوف بللأمر لللم يقللم بلله وهللذا مبسللوط فللي‬
‫مواضع أخر‪ ،‬ولم يقل السلللف‪ :‬إن النللبي ‪ r‬سللمعه مللن الل تعللالى كمللا‬
‫ن الله علتتى‬
‫يقللول ذلللك بعللض المتللأخرين قللال تعللالى‪} :‬لقد م ّ‬
‫المؤمنين إذ بعث فيهم رسول ً من أنفسهم يتلو عليهتتم‬
‫آياته{]آل عمران‪ [164:‬وفي الصحيحين عن ابلن مسللعود قللال‪ :‬قللال لللي‬
‫النبي ‪» :r‬اقرأ عّلي القرآن فقلت‪ :‬أقرأ عليك وعليبك أنبزل؟ قبال‪ :‬إنبي‬
‫أحب أن أسمعه من غيري‪ ،‬فقرأت عليه من سورة النساء حببتى بلغببت‬
‫هذه الية‪} :‬فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنتتا بتتك‬

‫على هؤلء شهيدا ً{ قال‪ :‬حسبك‪ ،‬فنظرت فإذا عيناه تببذرفان مببن‬
‫البكاء«)‪.(195‬‬
‫والنبي صلى ال عليه وسلم سمعه من جبريل وهو الذي نزل عليه‬
‫به‪ ،‬وجبريل سمعه من ال تعالى كما نص على ذلللك أحمللد وغيللره مللن‬
‫الئمة قال تعللالى‪} :‬قل من كان عتتدوا ً لجبريتتل فتتإنه نزلتته‬
‫على قلبك بإذن الله{ ]البقرة‪.[97:‬‬
‫وقال تعالى‪} :‬نزل به الروح المين ‪.‬على قلبتتك لتكتتون‬
‫من المنذرين‪ .‬بلسان عربتي متبين{ ]الشللعراء‪[195-193:‬وقللال‬
‫تعالى‪} :‬قل نزله روح القدس من ربك بالحق{]النحل‪.[102:‬‬
‫فأخبر سبحانه أنه نزله روح القللدس لل وهللو الللروح الميللن وهللو‬
‫جبريل ل من ال بالحق‪.‬‬
‫ولم يقل أحد من السلف‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلللم سللمعه مللن‬
‫ال‪ ،‬وإنما قال ذلك بعض المتللأخرين (‪ ...‬إلللى قللوله )ص ‪) :(300‬وقللد‬
‫بين ال أنواع الوحي في قوله تعالى‪} :‬وما كان لبشر أن يكلمتته‬
‫اللتته إل وحيتتا ً أو متتن وراء حجتتاب أو يرستتل رستتول ً‬
‫فيوحي بإذنه ما يشاء{]الشورى‪ [51:‬فبين سبحانه أن التكليم تللارة‬
‫يكون وحيلًا‪ ،‬وتلارة ملن وراء حجللاب كمللا كلللم موسللى‪ ،‬وتلارة يرسللل‬
‫ل فيللوحي الرسللول بللإذن اللل مللا يشللاء‪ .‬وقللال تعللالى‪} :‬اللتته‬
‫رسللو ً‬
‫يصطفي من الملئكة رسل ً ومتتن النتتاس{]الحللج‪ [75:‬فللإذا‬
‫ل كان ذلك مما يكلم به عباده فيتلوه عليهم وينبئهم‬
‫أرسل ال تعالى رسو ً‬
‫به كما قال تعالى‪} :‬قل ل تعتذروا لتن نتتؤمن لكتتم قتتد نبأنتتا‬
‫اللتته متن أخبتاركم{ ]التوبللة‪ [94:‬وإنمللا نبللأهم بواسللطة الرسللول‬
‫والرسول مبلغ به كما قال تعالى‪} :‬يا أيها الرسول بلغ ما أنتتزل‬
‫‪ ()) 195‬صحيح البخاري‪ ،‬كتاب التفسير ح)‪.(4582‬‬

‫إليك من ربك{ ]المائدة‪ [67:‬وقال تعالى‪} :‬ليعلم أن قد ابلغتتوا‬
‫رسالت ربهم{ ]الجن‪ [28:‬وقال تعالى‪} :‬وما على الرسول إل‬
‫البلغ المبين{ ]العنكبوت‪ .[18:‬والرسول أمر أمته بالتبليغ عنلله‪ ،‬ففللي‬
‫صحيح البخاري عن عبدال بن عمرو عن النبي صلللى الل عليله وسلللم‬
‫أنه قال‪» :‬بلغوا عني ولببو آيببة‪ ،‬وحببدثوا عببن بنببي إسببرائيل ول حببرج‬
‫ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار«‪ ،‬لمللا خطللب المسلللمين‬
‫قال‪» :‬ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع )‪ ،«(196‬وقال ‪r‬‬
‫ضر ال أمرأ سمع منا حديثًا فبلغه إلى من لم يسمعه‪ ،‬فرب حامل‬
‫‪َ» :‬ن ّ‬
‫فقه غير فقيه‪ ،‬ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه«‪ ،‬وفي السنن عن‬
‫جابر قال‪» :‬كان النبي صلى ال عليه وسلم يعلرض نفسله عللى النلاس‬
‫بالموسم فيقول‪» :‬أل رجل يحملني إلى قومه لبلغ كلم ربي فإن قريشًا‬
‫منعوني أن أبلغ كلم ربي«)‪.(197‬‬
‫ثم قال ابن تيمية‪) :‬وكما أنه لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلللم‬
‫يقل أحد منهم إنه قديم‪ ،‬لم يقل واحدًا من القولين أحد مللن الصللحابة ول‬
‫التابعين لهم بإحسان ول من بعدهم من )الئمللة الربعللة( ول غيرهللم؛‬
‫بل الثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون‪ :‬القرآن كلم ال‪.‬‬
‫ولما ظهر من قال‪ :‬إنه مخلوق قالوا ردًا لكلمه‪ :‬إنه غير مخلللوق‬
‫ولم يريدوا بللذلك أنلله ُمْفَتلَرى‪ ،‬كمللا ظنلله بعلض النللاس‪ ،‬فللإن أحللدًا مللن‬
‫المسلمين لم يقل إنه مفترى‪ ،‬بل هذا كفر ظاهر يعلمه كللل مسلللم‪ ،‬وإنمللا‬
‫قالوا إنه مخلوق خلقه ال في غيره‪ ،‬فرّد السلف هذا القول كما تللواترت‬
‫الثار عنهم بذلك‪ ،‬وصنف في ذلللك مصللنفات متعللددة وقللالوا‪ :‬منلله بللدأ‬
‫عللرف أنلله قللال هومخلللوق‪ :‬الجعللد بللن درهللم‬
‫وإليلله يعللود‪ ،‬وأول مللن ُ‬
‫‪ ()) 196‬البخاري‪ /‬الحج ح)‪.(1741‬‬
‫‪ ()) 197‬الدارمي‪ /‬فضائل القرآن‪ /‬باب القرآن كلم ال ‪-2/317‬ح ‪.3357‬‬

‫عرف أنه قال هو قديم‪ :‬عبللد الل‬
‫وصاحبه الجهم بن صفوان؛ وأول من ُ‬
‫بن سعيد بن كلب()‪.(198‬‬
‫هذا كلم شيخ السلللم ابلن تيميلة الللذي اقتطللع منلله الخليلللي تللك‬
‫الجزئية التي أوردها فللي كتللابه هللذا آخللر )ص ‪ .(152‬ونللص كلملله‪:‬‬
‫)وقد صرح ابن تيمية نفسه فيما مضى أنه لم يقل أحد من الصحابة ول‬
‫التابعين بقدمه(‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن اعترافك بهذا القول وإثباتك له في هذا الفصل من كتابللك‬
‫إبطال لهذا الفصل كله‪ ،‬الذي جعلت عنوانه‪ :‬تضارب القائلين بقدم القللرآن‬
‫)ص ‪.(126‬‬
‫لنك تثبت عن شيخ السلم أنه نقل عن الصحابة والتابعين أنه لم‬
‫يصرح أحد بقللدمه‪ ،‬ثللم صللببت جللام غضللبك فللي المناقشللة علللى شلليخ‬
‫السلم وتطوف في المجلد الثاني عشر من الفتاوى له‪ ،‬الذي تقول إنلله‬
‫اشتمل على ستمائة صفحة وتنقللل منلله مللا هللو صللريح فللي الللرد علللى‬
‫عنوان فصلك هذا‪.‬‬
‫ثم إن شيخ السلم بين أن أول من عرف عنه القول بخلق القللرآن‬
‫الجعد بلن درهللم وصلاحبه الجهلم بلن صلفوان‪ ،‬وأول ملن علرف عنله‬
‫القللول أن القللرآن قللديم عبللدال بللن سللعيد بللن كلب‪ ،‬وهللذا النللص فللي‬
‫الصفحة )‪ (301‬التي نقل منها الخليلللي قللوله‪) :‬وقللد صللرح ابللن تيميللة‬
‫نفسه فيما مضى أنه لم يقل أحد من الصحابة ول التابعين بقدمه(‪.‬‬
‫وإذًا ففيم المناقشة لشيخ السلم ابن تيمية في )قللدم القللرآن( وهللو‬
‫لم يقل به؟! وإنما الذي قاله عبدال بللن سللعيد بللن كلب ومللن تبعلله مللن‬
‫الشاعرة من أتباع الئمة جميعًا الذين يرد شيخ السلم عليهللم أقللوالهم‬
‫هذه‪ .‬وذلك لنهم ينفون عن ال عز وجل صللفة الكلم ويسللمون كلملله‬
‫‪ ()) 198‬الفتاوى لشيخ السلم )‪.(12/301‬‬

‫الكلم النفسللي القللائم بالللذات‪ .‬وأن )القللرآن عبللارة أو حكايللة عللن كلم‬
‫ال(‪ .‬وأما القرآن الموجود في المصحف فيقولون عنه )إنه مخلوق(‪.‬‬
‫ونختم الرد على هذا الفصل بما يأتي‪:‬‬
‫أ ل اعتراف الخليلللي بللأن شلليخ السلللم ابللن تيميللة لللم يقللل )بقللدم‬
‫القرآن( وهذا رد على عنوان فصله‪ :‬تضارب القائلين بقدم القرآن‪ .‬لنه‬
‫ركز الفصل كله من )ص ‪ 126‬ل ‪ (153‬في الرد على شيخ السلم‪.‬‬
‫ب ل بين شيخ السلم أن أول من عرف عنه القللول‪ :‬بقللدم القللرآن‬
‫عبللدال ابللن سللعيد بللن كلب‪ .‬وهللذا هللو قللول الشللاعرة القللدامى‬
‫والمعاصرين‪.‬‬
‫ج ل أن قول شيخ السلم هو ما سبق ذكللره مللرارًا بسللبب تكللرار‬
‫الخليلللي للنقللل عللن شلليخ السلللم ردوده علللى القللائلين بخلللق القللرآن‬
‫صراحة وهم الجهمية والمعتزلة و)الخليلي( واحد منهم يقول بللأقوالهم‪،‬‬
‫وعلى الكلبية الخذين بقول ابن كلب من أشاعرة وغيرهم مللن أتبللاع‬
‫الئمة‪.‬‬
‫ثم نسبة الخليلللي هللذه الللردود إلللى شلليخ السلللم ظلملًا وعللدوانًا‪،‬‬
‫ويكرر في كتابه أنها أقوال شيخ السلم ابن تيمية وجميع علمللاء سلللفه‬
‫كما يقول في‬
‫)ص ‪ (150‬ويسميه تضاربًا‪.‬‬
‫وكلم شيخ السلم ابن تيمية في صفة الكلم ل وفي )القللرآن( ل‬
‫تضللارب فيلله مطلقلًا‪ ،‬بللل كلم متسللق منتظللم كالعقللد‪ ،‬فقللد ذكللر أقللوال‬
‫الطوائف في صفة كلم ال وفي القرآن المخالفللة لمللذهب السلللف فقللال‬
‫في )ص ‪ (173‬من الفتاوى المجلد الثاني عشر‪)) :‬القول السادس( قللول‬
‫الجمهور وأهل الحديث وأئمتهم‪ :‬أن ال تعالى لللم يللزل متكلم لًا إذا شللاء‬
‫وأنه يتكلم بصللوت كمللا جللاءت بله الثللار والقللرآن وغيللره مللن الكتللب‬

‫اللهية كلم ال تكلم ال بمشيئته وقدرته‪ ،‬ليس ببللائن عنلله مخلوقلًا‪ ،‬ول‬
‫يقولون إنه صار متكلمًا بعد إن لم يكلن متكلملًا‪ ،‬ول أن كلم الل تعلالى‬
‫من حيث هو حادث‪ ،‬بل ما زال متكلمًا إذا شللاء‪ ،‬وإن كللان كلللم موسللى‬
‫وناداه بمشيئته وقدرته فكلمه ل ينفد كما قال تعللالى‪} :‬قل لو كتتان‬
‫البحتر متتدادا ً لكلمتتات ربتتي لنفتتد البحتر قبتتل أن تنفتد‬
‫كلمتتات ربتتي ولتتو جئنتتا بمثلتته متتددا ً{] الكهلللف‪ [109 :‬قللال‪:‬‬
‫ويقولون‪ :‬ما جاءت به النصوص النبوية الصحيحة ودلت عليه العقللول‬
‫الزكيللة الصللريحة فل ينفللون عللن ال ل تعللالى صللفات الكمللال سللبحانه‬
‫وتعالى؛ فيجعلونه كالجمللادات الللتي ل تتكلللم ول تسللمع ول تبصللر فل‬
‫ل‪ ،‬ول تملللك لهللم‬
‫ل‪ ،‬ول ترجللع إليهللم قللو ً‬
‫تكلم عابديها‪ ،‬ول تهديهم سبي ً‬
‫ضرًا ول نفعًا(‪.‬‬
‫هذا وقد عقد الخليلي الفصل الثالث من )ص ‪ (162 -154‬أسللماه‬
‫»أدلة اللنافين لخلق القرآن« أورد فيه ما يريللد‪ ،‬ورد‬
‫عليها كما يريد‪ ،‬وقللد أجملهللا فللي سللتة أمللور سللنذكرها فللي الصللفحات‬
‫التالية فإلى ذلك الفصل‪.‬‬

‫الفصل الثالث )ص ‪(162– 154‬‬
‫عنوانه‪ :‬أدلة النافين لخلق القرآن‬
‫صّدر المؤلف الخليلي هذا الفصل بتمهيد بنى عليه حكمًا ب مبدعياً‬
‫على القائلين بنفي خلق القرآن أنه قولهم الذي بنوا عليه القببول بنفببي‬
‫خلببق القببرآن بب وهببو افببتراء عليهببم‪ ،‬لنببه يركببز فببي رّده علببى شببيخ‬
‫السلم ابن تيمية وتلميذه ابن القّيم‪ ،‬ثببم ينسببب إليهمببا ظلم بًا وافببتراء‬
‫أقوال الكلبية والشعرية ومن يقول بقولهم‪ ،‬وهو افببتراء فببي النسبببة‬
‫وظلم في الحكم‪ ،‬لنه حكم مرتب على افتراء وبهتان‪.‬‬
‫ل لغير قائله أو فاعله فقد بهته‪.‬‬
‫لن من نسب قوًل أو فع ً‬
‫ففي هذا التمهيد يقببول فببي )ص ‪) :(154‬سبببق فببي صببدر هببذا‬
‫المبحث بيان الشبهة التي نشأ عنها القببول بعببدم خلبق القببرآن وسببائر‬
‫الكلم المنزل‪ :‬وهي التباسه عند قائلي ذلك بصفة الكلم التي يراد بها‬
‫نفي الخرس …( إلخ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهو يقصللد بصللفة الكلم الللتي يللراد بهللا نفللي الخللرس مللا‬
‫ذكره في )ص ‪ (100 -99‬في مقدمة البحث بعد أن ذكللر صللفة الخلللق‬
‫وأن القرآن والكتب المنزلة مخلوقة كسائر المخلوقات كما وضللح ذلللك‬
‫في )ص ‪ (103 – 101‬ثم قال‪) :‬وأما الفرق بين الكلم النفسللي وبيللن‬
‫القرآن وسائر الكتب المنزلة فهو أن الكلم النفسي صفة ذاتية ل تعللالى‬
‫يثبت بها كماله لل للل وينفي بها عنه صفة النقص‪ ،‬ذلك لن إثبات‬
‫الكلم نفي لضده وهو الخرس‪.‬‬
‫قال‪ :‬وذهبت المعتزلة إلى الكتفاء في نفللي الخللرس عنلله سللبحانه‬
‫بصفة القدرة‪ ،‬قال‪ :‬ولعل بعض أصحابنا يرون هللذا الللرأي‪ ،‬وأصللحابنا‬

‫الذين أثبتوا الكلم النفسي اتفقللوا مللع الشللعرية فللي كللونه يختلللف عللن‬
‫ل ول كلمللات تقلوم‬
‫سائر الكلم فهو ليلس حروفلًا ول أصللواتًا‪ ،‬ول جم ً‬
‫بذاته عز وجل إذ ليس المراد به إل انتفاء صفة الخرس عنه سبحانه(‪.‬‬
‫إلى أن قال فللي )ص ‪) :(103‬ونحللن عنللدما نتحللدث عللن خلللق القللرآن‬
‫فإنما نتحدث عن هذا القرآن المتلو باللسن المكتللوب فللي المصلاحف لل‬
‫السابق تعريفه ل ولسنا نتحدث عن الكلم النفسللي‪ ،‬إذ لللم يقلم شلاهد ملن‬
‫الكتللاب نفسلله ول مللن السللنة علللى تسللميته قرآنللًا‪ ،‬وإنمللا اصللطلحت‬
‫الشاعرة على تسميته بذلك‪ ،‬ول مشاحة في الصطلح‪ ،‬غيلر أنهلم لللم‬
‫يستندوا في اصطلحهم هذا على شيء ثلابت سللماعه‪ ،‬فلللذلك لللم نعلّول‬
‫عليه ونحن نثبت ل صفة الكلم كما قال المام ضياء الدين عبللدالعزيز‬
‫الثميني رحمه ال في معالمه‪ » :‬اعلللم أن الكلم يضللاف تللارة إلللى ال ل‬
‫تعللالى علللى معنللى نفللي الخللرس فيكللون صللفة ذات علللى مللا مللر فللي‬
‫ل مللن‬
‫الصفات‪ ،‬وتارة يضاف إليه على معنللى أنلله فعللل للله فيكللون فع ً‬
‫أفعاله سبحانه‪ ،‬فمعنى كونه متكلمًا على الول أنه ليس بللأخرس وعلللى‬
‫الثاني أنه خالق الكلم« وفي )ص ‪ (108‬قلال‪) :‬وقللد اسللتقريت أسلباب‬
‫اللبس في هذه المسألة حتى اشتد نكير طائفة من المسلمين على من قال‬
‫بخلق القرآن فوجدته يعود إلى أمرين اثنين‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬التباس القرآن المنزل فللي أفهللامهم بللالكلم النفسللي الللذي‬
‫يراد به نفي الخرس‪.‬‬
‫ثانيهما‪ :‬التباسه بعلم ال سبحانه وتعالى بلله مللع أن صللفتي الكلم‬
‫والعلم قديمتان(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬إن ما ادعاه المؤلف الخليلي من أن الشللبهة الللتي نشللأ عنهللا‬
‫القول بعدم خلق القرآن وسائر الكلم المنزل‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫ل يقول بها أهل السللنة والجماعللة سلللف هللذه المللة‪ ،‬ومللن يقللول‬
‫بقولهم ويتبع نهجهم‪ ،‬ومنهم شيخ السلم ابن تيميللة وتلميللذه ابللن القيللم؛‬
‫لن المؤلف الخليلي يركز في رده عليهما وهما يردان على مللن يللدعي‬
‫الكلم النفسي‪ ،‬ول يعدان الكلم النفسي كلمًا‪ ،‬وإنما هذا قللول الكلبيللة‬
‫والشعرية وقد اعترف المؤلف الخليلي بلأن أصللحابه الباضللية اتفقللوا‬
‫مع الشعرية على إثبات ما يسمى بالكلم النفسي والشعرية والكلبية‬
‫وكل الذين يقولون بالكلم النفسي ‪-‬متفقون مع المعتزلللة علللى أن هللذا‬‫القرآن الموجود بين أيدينا مخلوق‪.‬‬
‫وهللذا القللول هللو قللول المؤلللف الخليلللي والمعتزلللة بنللص كلم‬
‫الخليلي كما في )ص ‪ (118 -117‬فقد نقل نصًا عن الفخر الرازي من‬
‫تفسيره )‪ (188-187 /27‬ونصًا عن ابن عاشور في تفسيره »التحرير‬
‫والتنوير« لسورة النساء )‪ (6/38‬ثم قللال‪) :‬ومللن قللول هللذين المللامين‬
‫الشعريين يتبين لك ثبوت ما قاله المحقلق الخليلللي)‪ (199‬ملن أن موقللف‬
‫الشعرية من هذا القللرآن المنللزل علللى الرسللول عليلله أفضللل الصلللة‬
‫والسلللم‪ ،‬المتلللو باللسللن‪ ،‬المحفللوظ فللي الصللدور‪ ،‬والمكتللوب فللي‬
‫الصللحف‪ ،‬ل يختلللف عللن موقفنللا وموقللف المعتزلللة وغيرهللم القللائلين‬
‫بخلقه‪ ،‬وهذا الذي يعنيه المام نور الدين السالمي رحمة ال عليه حيللث‬
‫جعل الخلف بيننا وبينهم لفظيًا فحسب()‪ (200‬اهل‪.‬‬
‫قلببت‪ :‬وهللؤلء هللم الللذين يللرد عليهللم شلليخ السلللم ابللن تيميللة‬
‫المعتزلللة والباضللية ‪-‬الللذين يمثللل المؤلللف الخليلللي بعضللًا منهللم‪-‬‬
‫والشاعرة الللذين يقولللون بللالكلم النفسللي؛ وأمللا القللرآن الموجللود فللي‬
‫المصاحف المقروء باللسن فإنهم جميعًا يقولون إنه مخلوق‪.‬‬
‫‪ ()) 199‬هو غير المؤلف الخليلي المردود عليه هنا‪.‬‬
‫‪ ()) 200‬مشارق النوار )ص ‪.(245‬‬

‫فكيف يستسيغ المؤلف الخليلي لنفسه أن ينسب كلم الشاعرة إلى‬
‫شيخ السلم ابن تيمية؟ ثم يناقشه فللي كلم غيللره‪ .‬وهللو الن يثبللت أن‬
‫الشللاعرة يقولللون بقللوله فللي أن القللرآن مخلللوق‪ ،‬كمللا يقللول بللذلك‬
‫المعتزلة‪ ،‬وأن الخلف بينهم خلف لفظي فحسب‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن ما نسبه نور الدين السللالمي الباضللي إلللى أن الخلف‬
‫بينهم وبين الشاعرة في القرآن المتلو باللسللن المحفللوظ فللي الصللدور‬
‫المكتللوب فللي الصللحف خلف لفظللي وأن هللذا القللرآن الموجللود فللي‬
‫المصلللحف مخللللوق‪ ،‬صلللحيح‪ ،‬وهلللو اللللذي يصلللرح بللله الشلللاعرة‬
‫المعاصرون ومنهم على سبيل المثال‪:‬‬
‫‪1‬ل الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي‪ ،‬فقد صرح به فلي كتلابه‬
‫)اليقينيات الكبرى( )ص ‪ (126‬الطبعللة الثامنللة ) ‪ 1402‬هللل( حيللث قللال‪:‬‬
‫وأما الكلم الذي هو اللفظ‪ ،‬فاتفقوا ل يعني الشاعرة والمعتزلة ل على أنلله‬
‫مخلوق وعلى أنه غيلر قلائم بلذات الل سلبحانه باسلتثناء أحملد بلن حنبلل‬
‫وبعض أتباعه‪ ...‬إلخ(‪.‬‬
‫‪2‬ل ل عبللدالرحمن حبنكللة الميللداني‪ :‬فللي كتللابه )العقيللدة السلللمية‬
‫وأسسها( ) ‪ (2/249‬الطبعة الولى ) ‪ 1385‬هل( قال‪ :‬النوع الثاني ل مللن‬
‫الوحي ل ما كان بواسطة إسماع الكلم اللهي من غيللر أن يللرى السللامع‬
‫من يكّلمه‪ ،‬كأن يخللق الل الصلوات فلي بعلض الجسلام ملن حجلر أو‬
‫شجر‪ ،‬ومن هذا النوع ما كان لموسى عليه السلم حين مناجاته ربه فللي‬
‫جانب الطور‪ ،‬وهذا النوع الثاني هو ما أشللار إليلله الل بقللوله فلي اليلة‪:‬‬
‫}أو من وراء حجاب{ أي‪ :‬وحيًا من وراء حجاب بواسطة خلق ال‬
‫الصوات كما ذكرنا أو بصورة أخرى يختارها ال عز وجل ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومناجاة موسى ربه من جانب الطور هو ملا جلاء فللي قللوله‬
‫تعالى‪:‬‬
‫))‬

‫))‬

‫((‬

‫}فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي اليمن فتتي البقعتتة‬
‫المباركة من الشتتجرة أن يتتا موستتى إنتتي أنتتا اللتته رب‬
‫العالمين{ ] القصص ‪ [30‬ومعنى هذا عند حبنكللة الشللعري أن الشللجرة‬
‫التي خللق فيهلا الصلوت وهللو القلرآن‪ ،‬قلالت لموسللى‪ :‬إنلي أنلا الل رب‬
‫العالمين!‪.‬‬
‫وبهذا يتضح لك أيها القارئ الكريللم أن مللا ادعللاه المؤلللف شللبهة‬
‫إنما هو شبهة عنده وعند من يقول بذلك من إباضية وأشعرية وكلبيللة‪،‬‬
‫فهم عندما أدركوا أن نفي صفة الكلم عن ال نقص ل وهي من صللفات‬
‫الكمال ل لن ال عللز وجللل قللد نعلى عللى بنلي إسللرائيل الللذين اتخللذوا‬
‫العجل إلهًا حيث وصفه ال ل ل ل لل ل بصللفات النقللص الللتي يتنللزه‬
‫الباري عنها‪ ،‬ومنها أنهم اتخذوا ذلك إلهًا وهو ل يتكلم فقلللال‪} :‬واتخذ‬
‫قوم موسى من بعده من حليهم عجل ً جسدا ً لتته ختتوار‬
‫ألم يروا أنه ل يكلمهم ول يهديهم سبيل ً اتخذوه وكتتانوا‬
‫ظالمين{ ] العراف ‪.[148‬‬
‫فنعللى الل علللى بنلي إسللرائيل ضللللهم وجهلهللم وعبلادتهم عج ً‬
‫ل‬
‫اتخذوه إلهًا‪ ،‬وهم يرون أنه ل يكلمهم ول يهللديهم إلللى خيللر‪ ،‬فالللذي ل‬
‫يتكلم كيف يصح أن يكون إلهًا‪.‬‬
‫فلما رأى هؤلء المنحرفون عن منهج السلف أن نفي صفة الكلم‬
‫عن الل عللز وجللل نقلص‪ -‬لن الكلم ملن صلفات الكملال‪ -‬لجلأ الكلبيلة‬
‫والشاعرة وبعض الباضية إلى مللا يسللمى )بللالكلم النفسللي( وأمللا ألفللاظ‬
‫القرآن فصرحوا بأنها مخلوقة‪.‬‬
‫وأما المعتزلة‪ ،‬فصرحوا بأن القرآن مخلوق ونفوا عللن ال ل صللفة‬
‫الكلم وسيأتي ذكر شللبهة القللائلين بخلللق القللرآن الللتي سللماها المؤلللف‬

‫الخليلي أدلة في )ص ‪ (163‬من كتابه هذا وسنناقشها فللي موضللعها إن‬
‫شاء ال تعالى‪.‬‬
‫ثم إن المؤلف الخليلي وهو يذكر أدلة القائلين بنفي خلق القرآن‬
‫كما يراها هو ويختار منها ما يريد فيذكره ويللرد عليلله ولللذا فقللد اختللار‬
‫لهم ستة أدلللة نقليللة‪ ،‬حيللث قللال فللي )ص ‪) :(154‬وبجللانب مللا ذكرتلله‬
‫ويعني به )نفي الخرس( الللذي سللبق الللرد عليلله‪ -‬تعلللق أصللحاب هللذا‬‫القول بأمور‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬إن ال تعللالى امتللن علللى عبللاده بتعليمهللم القللرآن ل بخلقلله‬
‫حيث قال‪} :‬الرحمن علم القرآن{ ]الرحمن ‪- [ 2 -1‬ثم قال في الرد‬
‫على هذا‪-:‬وهو كما ترى احتجاج سلبي بما ل ينص على عدم الخلق ول‬
‫ل علللى عللدم الخلللق‬
‫يفهم منه ذلك بحال‪ ،‬فإن المتنان بالتعليم لو كان دلي ً‬
‫لقتضى ذلك أن يكون البيان كله غير مخلللوق لقللوله سللبحانه إثللر ذلللك‪:‬‬
‫}خلق النسان‪ .‬علمه البيان{ ]الرحمللن ‪ [4-3‬ولللم يقللل‪ :‬خلللق للله‬
‫البيان‪ ،‬وإنما المتنان في الموضعين كان بالتعليم ل بللالخلق لنلله منشللأ‬
‫النتفاع بهما وقد امتلن الل عللى عبلاده بتسللخير المخلوقللات لهلم قللال‪:‬‬
‫}وسخر لكم ما في السموات ومتتا فتتي الرض جميع تا ً‬
‫منه{ ] الجاثيللة ‪ [13‬فهل يقللال بللأن ذلللك حجللة علللى عللدم خلللق مللا فللي‬
‫السموات وما في الرض(‪.‬‬
‫فالحجللة الللتي ذكرهللا لهللل السللنة فللي أن القللرآن كلم ال ل غيللر‬
‫مخلوق هي هذه اليات من كللللم ال عز وجل ‪} :‬الرحمن‪ .‬علتتم‬
‫القرآن‪ .‬خلق النسان‪ .‬علمه البيان{ ] الرحمللن ‪ [ 4-1‬ثم اتبللع‬
‫هذا الدليل لنفاة الخلق عن القرآن بخمسة أدلة هي‪:‬‬
‫‪1‬ل قوله‪} :‬أل له الخلق والمر{‪2 ،‬للل قللوله‪} :‬وما خلقنتتا‬
‫السموات والرض ومتتا بينهمتتا إل بتتالحق{‪3 ،‬للل السللتعاذة‬

‫بكلمات ال التامات‪4 ،‬ل ما رواه أبو القاسم الللكائي من قللول علللي بللن‬
‫حّكمت مخلوقًا((‪5 ،‬ل ما روي عن ابللن عبللاس‬
‫أبي طالب للخوارج‪ :‬ما َ‬
‫من إنكاره على من قال‪ :‬ورب القرآن((‪.‬‬
‫وسنبدأ بالرد على ما جاء منه علللى الللدليل الول والجللواب علللى‬
‫رده يتلخص في المور التالية‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬أن هللذا النللص الللذي رد بلله علللى اسللتدلل أهللل السللنة‬
‫والجماعللة سلللف المللة وأتبللاعهم نقللله مللن كتللاب الصللول الخمسللة‬
‫للقاضي عبدالجبار المعتزلي )ص ‪.(445‬‬
‫ثانيًا‪ :‬أن استدلل أهل السنة والجماعلة سللف الملة وأتبلاعهم بهلذه‬
‫اليات من سورة الرحمن لن ال فرق فيها بين القرآن والنسللان‪ ،‬فللأخبر‬
‫عن القرآن بالتعليم وعن النسان بالخلق‪ ،‬ويقررون في تفسلليرهم أن هللذه‬
‫من أجل النعلم وبلدأ علز وجلل بأجللل نعمللة أنعللم بهللا علللى عبلاده وهللي‬
‫تعليمهم القرآن الذي هو مدار سعادة الدارين فقللال‪} :‬الرحمن‪ .‬علتتم‬
‫القرآن{‪ .‬قال قتادة‪ :‬نعمللة والل عظيمللة(()‪ (201‬ثللم أتبللع ذلللك بنعمللة‬
‫الخلق فقال‪} :‬خلق النسان{ ثم أتبع ذلك بنعمة ثالثللة وهللي تعليملله‬
‫البيان الذي يكون به التفاهم ويدور عليه التخاطب‪ ،‬فلللم يكللن السللتدلل‬
‫بالية سلبيًا كما يقول المؤلف الخليلي‪ ،‬وإنما هو استدلل إيجللابي بكلم‬
‫ل‪.‬‬
‫ال عز وجل وإخباره‪ ،‬ومن أصدق من ال قي ً‬
‫فهو الذي أخبر بتعليم القرآن‪ ،‬ثم أتبعلله بخلللق النسللان‪ ،‬ولللو كللان‬
‫القرآن مخلوقًا لقال ال عز وجللل )خلللق القللرآن( ولكنلله لللم يخللبر عنلله‬
‫ل المواضع التي ورد فيها ذكر القرآن بجميع صلليغ الخبللار‬
‫بذلك في ك ّ‬
‫عنه )بالخلق(‪ ،‬مع أنه أخبر تعالى في كل موضع ورد فيه ذكر النسان‬
‫)بالخلق(‪.‬‬
‫))‬

‫))‬

‫))‬

‫‪ ()) 201‬ابن جرير )‪.(27/114‬‬

‫يقول المام الكناني رحمه الله في مناظرته)‪(202‬لبشتتر‬
‫المريسي بين يدي المأمون قال في كتاب الحيدة )ص‬
‫‪ (85‬قال‪)) :‬إن الله أخبر في كتابه عتتن خلتتق النستتان‬
‫في ثمانية عشر)‪ (203‬موضعا ً ما ذكره في موضتتع منهتتا‬
‫إل أختتتبر عتتتن خلقتتته‪ ،‬وذكتتتر القتتترآن فتتتي أربعتتتة‬
‫وخمسين)‪ (204‬موضعا ً متتن كتتتابه‪ ،‬فلتتم يختتبر عتتن‬
‫خلقه فتتي موضتتع منهتتا‪ ،‬ول أشتتار إليتته بشتتيء متتن‬

‫•‬

‫‪ () 202‬وقد أثبت مناظرة الكناني لبشر المريسي بيللن يللدي المللأمون تلميللذ الكنللاني ابللن‬
‫طيفور في كتابه »كتاب بغداد«‪) .‬ص ‪ (47‬الناشر مكتبة الخانجي الطبعللة الثانيللة )‬
‫‪1415‬هل(‪.‬‬
‫‪ () 203‬اليات التي ورد فيها ذكر خلق النسان هي قوله تعالى في سور النساء‪} :‬يريد‬
‫الله أن يخفف عنكم وخلق النسان ضتتعيفا ً{ ] النسللاء ‪ [ 28‬ثللم إليللك‬
‫أرقام اليات الخرى‪ ] :‬الحجر ‪ [ 26‬ل ] النحل ‪ [ 4‬ل ] السجدة ‪ [ 7‬ل ] النسان ‪[ 2‬‬
‫ل ] النفطار ‪ [ 7-6‬ل ] مريم ‪ [ 67‬ل ] يس ‪ [ 77‬ل ]الطارق ‪ [ 5‬ل ] النبياء ‪ [ 37‬للل‬
‫] الرحمن ‪ [ 14 ،3‬ل ] التين ‪ [ 4‬ل ] المؤمنون ‪ [ 12‬ل ] المعارج ‪ [ 19‬ل ] العلق ‪2‬‬
‫[‪.‬‬
‫‪ ()204‬اليات التي ورد فيها ذكر القرآن ولم يخبر بخلقه ول أشار إليه‪ :‬ل ] البقرة ‪185‬‬
‫[‬
‫ل ]المائدة ‪ [ 101‬ل ] يوسف ‪ [ 3 ،2‬ل ] السراء ‪ [ 102 ،106 ،82‬ل ] طه ‪ [113 ،2‬ل‬
‫] الزخرف ‪ [ 31‬ل ] الحشر ‪ [ 31‬ل ] النسان ‪ [ 23‬ل ] النفال ‪ ،19‬ل ‪ [ 41‬ل ] الفرقللان‬
‫‪.[ 32،6‬‬
‫كما ورد ذكر إنزال الكتاب‪ ،‬وإنزال القرآن في عدد من اليات ولم يشر إلللى خلقلله فللي‬
‫موضع منها ول إلى أي شلليء مللن صللفات الخلللق مللن ذلللك قللوله تعللالى‪} :‬وبالحق‬
‫أنزلنتتتتتتاه وبتتتتتتالحق نتتتتتتزل{ ]السلللللللللراء ‪ [105‬لللللللللل ] النحلللللللللل‬
‫‪ [ 89،102،101،44،24،30،40،91‬ل ] الكهف ‪ [ 18‬ل ] الحج ‪ [ 116‬ل ] الشللعراء‬
‫‪ [ 198 ،193‬ل ] البقرة ‪ [ 97،99،159‬ل ] الشورى ‪ [15،17‬ل ] ص ‪.[ 49‬‬

‫صتتفات الخلتتق‪ ،‬ثتتم جمتتع بيتتن القتترآن والنستتان فتتي‬
‫موضع واحد وأخبر عن خلق النسان ونفى الخلق عتتن‬
‫القتترآن فقتتال عتتز وجتتل‪}:‬الرحمن علللم القللرآن‪.‬‬
‫خلق النسان{ ]الرحمتتن ‪،[3 -1‬تت ففرق بيتتن القتترآن‬
‫وبين النسان فزعم ب ِ ْ‬
‫شر أن الله عز وجل فرط فتتي‬
‫الكتاب‪ ،‬وكان يجب عليتته أن يختتبر عتتن خلتتق القتترآن‬
‫وقال الله ‪}:U‬ما فرطنا في الكتاب من شيء{‬
‫] النعام ‪ (([38‬اهت‪.‬‬
‫فهل الخليلي يجرؤ فيقللول أو يزعللم كمللا زعللم سلللفه بشللر أن فللي‬
‫كتاب ال تفريطًا إذ لم ينص ال لل للل فيلله علللى خلللق القللرآن ول‬
‫في آية واحدة‪ ،‬وقد طلب المام أحملد بلن حنبلل رحملله الل تعلالى بيلن‬
‫يدي المعتصم أن يأتي ابن أبي دؤاد بآية واحدة أو نص عن رسول اللل‬

‫•‬

‫}ذلببك بببأن البب نببزل الكتبباب بببالحق{ ] البقللرة ‪ [ 176‬للل ] النسللاء ‪ [ 136،140‬للل‬
‫] العراف ‪ [ 196‬ل ] الفرقان ‪ [ 25‬ل ] الزمر ‪ [ 23‬ل ] محمد ‪.[ 26‬‬

‫•‬

‫نزلنا‪} :‬وإن كنتم في ريب ممببا نزلنببا علببى عبببدنا{ ] البقلرة ‪ [ 23‬لل ] النسلاء ‪ [ 47‬لل‬
‫] الحجر ‪.[ 9‬‬

‫•‬

‫}وننزل مببن القببرآن مببا هببو شببفاء{ ] السراء ‪ [ 82‬لل ] الحديللد ‪ [ 9،25‬لل ] المللائدة‬
‫‪[ 101‬‬
‫ل ] البقرة ‪.[ 231 ،230 ،170 ،90،147‬‬

‫•‬

‫] آل عمران ‪ [ 4،7‬ل ] النساء ‪،61‬ل ‪،113‬ل ‪،136‬ل ‪ [ 105‬ل ] المللائدة ‪،44‬ل ‪،45‬ل ‪،47‬‬
‫‪،48‬ل ‪ [49،104‬ل ] النعام ‪،93‬ل ‪،92‬ل ‪ [ 155‬ل ] البقرة ‪ [ 41‬ل ] آل عمران ‪ [ 53‬لل‬
‫] يونس ‪[94‬‬
‫ل ] النبياء ‪ [ 10‬ل ] النور ‪ [ 46 ،34 ،1‬ل ] العنكبوت ‪ [ 51 ،47‬ل ] الزمر ‪[ 41 ،2‬‬
‫ل ]المجادلة ‪ [ 5‬ل ] الحشر ‪ [ 21‬ل ] إبراهيم ‪ [ 1‬ل ] الدخان ‪ [ 3‬ل ] القدر ‪.[ 1‬‬

‫صلى ال عليه وسلم فيها النص على أن القللرآن مخلللوق وقللد عجللز أن‬
‫يقدم شيئًا‪ .‬فهل عند المؤلللف الخليلللي نللص مللن الكتللاب أو السللنة علللى‬
‫دعواه أن القرآن مخلوق وقد عجز سلللفه ومللن يعللتز بالنتمللاء إليهللم ل ل‬
‫الجهمية والمعتزلة ؟ل وللقارئ الكريم أن ينظر في اليللات الللتي ذكرنللا‬
‫أرقامها في الحاشية التي أشللار إليهللا المللام الكنللاني رحملله الل والللتي‬
‫تشير إلى )خلق النسان( في كل موضع ورد ذكره فيلله فللي كتللاب ال ل‬
‫عز وجل‪.‬‬
‫وينظر إللى بعلض اليلات اللتي ورد فيهلا ذكللر القللرآن أو إنلزال‬
‫الكتاب أو اليات البينات‪ ،‬وسيجد ما أشار إليه المام الكناني من أن ال‬
‫عز وجل لم يخبر عن القرآن ول في موضع واحد أنه خلقه أو ذكر مللا‬
‫يشير إلى شيء من صفات الخلق‪.‬‬
‫وأخيرًا جمع ال بين القرآن والنسان فللي موضللع واحللد‪ ،‬وأخللبر‬
‫عن خلق النسللان ونفللى الخلللق عللن القللرآن فقللال‪} :‬الرحمن علم‬
‫القرآن‪ .‬خلق النسان{‪ .‬فهللل هللذا السللتدلل سلللبي كمللا يقللول‬
‫ل للشللك عنلد أولللي‬
‫المؤلف الخليلي‪ ،‬أو استدلل إيجابي بما ل يدع مجا ً‬
‫العقول النيرة المستضيئة بهدي الكتاب والسنة أن القللرآن كلم الل منلله‬
‫بدأ وإليه يعود‪ ،‬وأنه لل للل يتكلم متى شاء وكيف شاء؟‪.‬‬
‫وإنمللا الشللك والشللبه عنللد المؤلللف الخليلللي وأسلللفه مللن الجهميللة‬
‫والمعتزلة الذين توهموا أنهم إذا أثبتوا ل لل للل صفة الكلم فقللد‬
‫أثبتوا تعددًا في القدماء لوهمهم أن صفات البللاري عللز وجللل منفصلللة‬
‫عن ذاته‪.‬‬
‫كما صرح المؤلف بهذا في كتللابه هللذا )ص ‪) :(104‬مللن أنلله لللو‬
‫أثبت ل صفة الكلم لكانت التوراة والنجيل والزبور وصحف إبراهيم‬
‫وموسى والقرآن وجميع الوحي كله قللديمًا موجللودًا فللي الزل مللع ال ل‬

‫تعالى بهذه اللفاظ المخلوقة المحدثة علللى كثرتهللا‪ ...‬وهللذا باطللل إذ ل‬
‫قديم سللواه(‪ .‬فهللذا تصللور الخليلللي‪ ،‬وهللو تصللور المعتزلللة فللي إثبللات‬
‫الصفات ل عز وجل ومنها صفة الكلم‪ ،‬والخليلي يقول بقول المعتزلة‬
‫في صفات ال تعالى ومنها صفة الكلم فهو كما ترى يتصور أن صفة‬
‫الكلم منفصلة عن ال قائمة بذاتها‪.‬‬
‫فخوفًا من هذا الوهم حتى ل يثبت قدماء مع ال نفى صفة الكلم‪.‬‬
‫وأهل السنة والجماعة يقولون‪ :‬إن صفات الباري قائمة به عللز وجللل‬
‫فهو واحد أحد بأسمائه الحسنى وصللفاته العل‪ ،‬ومللن صللفاته )الكلم( فهللو‬
‫يتكلم متى شاء وكيف شاء‪ ،‬وهو الذي كلم موسللى عليلله السلللم حيلن جللاء‬
‫لمناجاته كما قال تعالى‪} :‬ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه{‬
‫وقال تعالى‪} :‬وكلم الله موسى تكليما ً{ ولللم يللؤثر عللن أحللد مللن‬
‫السلف القول بخلق القرآن بل كلهم مجمعون أنه كلم ال ‪.U‬‬
‫وأن أول مللن أحللدث القللول بخلللق القللرآن فللي المللة السلللمية‬
‫)الجعد بن درهم( وقد ضحى به خالد القسري في عيد الضللحى حيللث‬
‫قال في خطبته في عيد الضحى‪ :‬أيها الناس ضحوا تقبل ال ضحاياكم‬
‫ح )بالجعد بن درهم( حيث زعم أن ال لم يكلللم موسللى تكليملًا‬
‫ضّ‬
‫فإني ُم َ‬
‫ل(( ثم نزل وذبحه عند المنبر‪ ،‬ثم أخذ عنه مقللالته‬
‫ولم يتخذ إبراهيم خلي ً‬
‫الجهللم بللن صللفوان‪ ،‬وهكللذا أخللذ المعتزلللة هللذه المقالللة حللتى زينوهللا‬
‫للمأمون والمعتصم ومن بعدهما‪ ،‬وقد حمل المأمون والمعتصلم العلملاء‬
‫عليها بالقوة كما هو معروف في )محنة القول بخلق القرآن()‪.(205‬‬
‫شَبه‪.‬‬
‫فالقائلون بخلق القرآن ل ومنهم المؤلف الخليلي ل هم أهل ال ُ‬
‫))‬

‫‪ ()) 205‬انظر‪ :‬البداية والنهاية‪ 404 / 10 .‬الطبعة الثانية دار المعرفة ‪ 1417‬هل‬

‫وأما أهل السنة سلف هذه المة وأتباعهم بإحسان فهم أهللل الللدليل‬
‫الصريح من كتاب ال عز وجل والصحيح مللن سللنة المصللطفى صلللى‬
‫ال عليه وسلم المقيدين ذلك بفهم السلف الصالح للكتاب والسنة‪.‬‬
‫كما سيأتي تفصيل ذلك بعد الللرد عللى المؤلللف الشلبه اللتي ظنهلا‬
‫أدلة وسردها في فصله الرابع )ص ‪ (163‬وسماها أدلللة القللائلين بخلللق‬
‫القرآن‪.‬‬
‫ولكن نتابع هنا ما سماه ل بأدلة النافين لخلق القرآن‪.‬‬
‫وقد قرأت الرد على نفيه الستدلل بآية سورة الرحمن التي فللرق‬
‫ال فيها بين القرآن والنسان‪ ،‬حيث جمعهما في مكان واحد‪ ،‬فأخبر عن‬
‫خلللق النسللان ونفللى الخلللق عللن القللرآن‪ ،‬فقللال‪} :‬الرحمن‪ .‬علم‬
‫القرآن‪ .‬خلق النسان{ وقبل أن أكمل الرد على رده على الدلللة‬
‫التي أجملها مدعيًا أنها أدلة نفاة القول بخلق القرآن ورده لها‪ ،‬أرى أنه‬
‫من المناسب أن أورد ما قللاله المللام الشللوكاني رحملله ال ل فللي تفسللير‬
‫سللورة الرحمللن لن المؤلللف الخليلللي قللد نعللى علللى الشللوكاني تركلله‬
‫لعقيدته )الزيدية( وتأثره بعقيدة الحنابلة وما يسمى )بالعقيدة السلفية(كما‬
‫يقول‪ ،‬حيث قال عنه في كتابه هللذا )ص ‪) :(145‬وقللد أدرك ذلللك أحللد‬
‫العلماء المتلأخرين الللذين تلأثروا بعقيلدة الحنابللة تلأثرًا أفضللى بله إلللى‬
‫التعصب الذي يجلب عللى البلاحث المسلللم أن يكلون بعيلدًا عنله‪ ،‬وهللو‬
‫المام الشوكاني الذي ترك عقيدته الزيديللة واعتنللق مللا يسللمى بالعقيللدة‬
‫السلفية‪ ،‬فقد قال فلي تفسليره المشللهور‪) :‬ولقلد أصلاب أئملة السلنة ملن‬
‫امتناعهم من الجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه وحفظ ال بهم أمة‬
‫نبيهم عن البتداع‪ (...‬وما عدا هذا من النص الذي نقللله عللن الشللوكاني‬
‫فسيأتي عليه الجواب في محله‪.‬‬

‫ولكن المقصود هو نقل كلم المللام الشللوكاني مللن تفسللير سللورة‬
‫الرحملللن لقلللوله تعلللالى‪} :‬الرحمتتن ‪.‬علتتم القتترآن ‪.‬خلتتق‬
‫النسان{‪ ،‬لنعلم وجه المتنان في تعليم الل تعللالى القللرآن‪ ،‬ثللم خلقلله‬
‫النسان وليتضح زيف ما نقله المؤلف الخليلي فللي تفسللير هللذه اليللات‬
‫عن القاضي عبدالجبار المعتزلي مللن كتللابه )الصللول الخمسللة( الللذي‬
‫سبق ذكره في رد الخليلي على الستدلل بهللذه اليللات الللتي فللرق ال ل‬
‫فيها بين القرآن وخلق النسان وكلها نعم من ال‪.‬‬
‫يقللول المللام الشلللوكاني رحملله اللل‪ :‬قللال الزجللاج‪ :‬معنللى )علللم‬
‫القرآن(‪ :‬يسره ‪ ،‬وبعد نقله القوال عن العلمللاء قللال‪ :‬ولمللا كللانت هللذه‬
‫السورة لتعداد نعمه التي أنعم بها على عباده قدم النعمة الللتي هللي أجلهللا‬
‫قدرًا‪ ،‬وأكثرها نفعًا‪ ،‬وأتمهللا فللائدة‪ ،‬وأعظمهللا عللائدة‪ ،‬وهللي نعمللة تعليللم‬
‫القللرآن‪ ،‬فإنهللا مللدار سللعادة الللدارين‪ ،‬وقطللب رحللى الخيريللن‪ ،‬وعمللاد‬
‫المرين‪ .‬ثم قال‪ :‬ثم امتن بعد هذه النعمة بنعمة الخلق التي هي مناط كللل‬
‫المور ومرجع جميع الشياء فقال‪} :‬خلق النسان{‪ .‬ثللم امتللن ثالثلًا‬
‫بتعليمه البيان الذي يكون بلله التفللاهم ويللدور عليلله التخللاطب‪ ،‬وتتوقللف‬
‫عليه مصالح المعاش والمعاد‪ ،‬لنه ل يمكن إبراز ما فللي الضللمائر ول‬
‫إظهار ما يدور في الخلد إل بله‪ ،‬قللال قتلادة والحسللن‪ :‬المللراد بالنسللان‬
‫آدم‪ ،‬والمراد بالبيان أسماء كل شيء‪ ،‬وقيل المللراد بلله اللغللات‪ ((...‬إلللخ‬
‫القوال التي نقلها‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬والولى‪ :‬حمل النسان على الجنس‪ ،‬وحمل البيللان علللى‬
‫تعليم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به(()‪.(206‬‬
‫فنراه فرق بين القرآن‪ ،‬وخلببق النسببان‪ ،‬و تعليببم البيببان‪ ،‬وكلهببا‬
‫نعم ولكن أعظمها القرآن الذي هو كلم ال‪.‬‬
‫))‬

‫((‬

‫))‬

‫‪ ()) 206‬فتح القدير للمام الشوكاني )‪ (5/128‬مطبعة الحلبي‪.‬‬

‫))‬

‫هذا وقد أورد المؤلف الخليلي بعد الدليل الببذي سبببق ذكببره مببن‬
‫أدلة نفاة خلق القرآن خمسة أدلة وهي‪:‬‬
‫‪1‬ل قوله تعالى‪} :‬أل له الخلق والمر{ ] العراف ‪.[4‬‬
‫‪2‬ل ل وقللوله تعللالى‪} :‬وما خلقنا الستتموات والرض ومتا‬
‫بينهما إل بالحق{‬
‫] الحجر ‪.[85‬‬

‫‪3‬ل الستعاذة بكلمات ال التامللات كمللا جللاء فللي الحللديث‪» :‬أعببوذ‬
‫بكلمات ال التامات من شر ما خلق«‪.‬‬
‫‪4‬ل ما رواه أبو القاسللم الللكللائي علن المللام علللى بللن أبللي طللالب‬
‫رضي ال عنه لما قيل له حكمت رجلين‪ :‬ما حكمت مخلوقًا‪ ،‬ما حكمبت‬
‫إل القرآن((‪.‬‬
‫‪5‬ل ما روي عن ابن عباس رضي ال عنهما أنه أنكللر علللى رجللل‬
‫قوله‪:‬‬
‫رب القرآن((‪.‬‬
‫وقد أجاب على هذه الدلة التي اختارها بما يراه صوابًا‪.‬‬
‫وحيث إن لنفاة الخلق عن القرآن أدلة غير ما ذكر المؤلللف‪ ،‬وهللو‬
‫ل خاصًا لدلة القللائلين بخلللق القللرآن‪ ،‬عقليللة و نقليللة‪ ،‬كمللا‬
‫سيورد فص ً‬
‫يقول تبدأ من‬
‫)ص ‪ (179 – 163‬تحت الفصل الرابع‪.‬‬
‫فإننللا سللنورد أدلتلله علللى دعللواه وبيللان وجهللة اسللتدلله‪ .‬وبعللد‬
‫مناقشتها ودحضها إن شللاء بمللا هللو الحللق‪ ،‬فسللنورد عقبهللا أدلللة النفللاة‬
‫لخلق القرآن‪ ،‬وضمن ذلك سنوضح الشبه التي استدل بها حسب زعملله‬
‫في الرد على أدلة النفاة اللتي اختارهلا ورد عليهللا‪ .‬وهللي هلذه الخمسللة‬
‫الدلة التي سبق ذكرها‪ ،‬فإلى الفصل الرابع‪.‬‬
‫))‬

‫))‬

‫الفصل الرابع‪:‬‬

‫أدلة القائلين بخلق القرآن‬
‫وهو من )ص ‪ (179 - 163‬وهو آخر بحث خلق القرآن وسوف‬
‫يورد في هذا الفصل‪:‬‬
‫أ‪ -‬أدلة من القرآن حسب زعمه وهي شبه‪.‬‬
‫ب‪ -‬وأدلة من السنة وهي كذلك كما سيرى القارئ ذلك‪.‬‬
‫وسنبدأ بذكر أدلته من القرآن وبيان وجهة استدلله بها‪ ،‬ثم مناقشة‬
‫كل دليل مباشرة بأسلللوب المناقشللة العلمللي إن شللاء اللل‪ ،‬ثلم نتبلع ذلللك‬
‫ل لمن يللرد عليهللم‬
‫بأدلته من السنة‪ .‬وفي كل ذلك نبين بالدليل نسبته أقوا ً‬
‫ليست لهم مع بيان علمه بذلك الدليل من قوله إن شاء ال‪.‬‬
‫فنقول‪ :‬إن المؤلف الخليلي يركز في رده على ل الحنابلة ل ل ولكنلله‬
‫يخص بالذكر شليخ السلللم ابلن تيميلة وتلميلذه ابلن القيلم‪ ،‬هكلذا يعلبر‬
‫عنهما وليته يقول الحق ولكنه يصدر هذا الفصللل بتمهيلٍد‪ ،‬ل يقللول بمللا‬
‫عهم ول شيخُ السلم ابن تيمية وتلميُذه‬
‫ف هذه المة ول أتبا ُ‬
‫جاء فيه سل ُ‬
‫لب‪ ،‬والشللعرية وملن‬
‫ابن القيم ول غيرهملا‪ ،‬وإنملا يلورد كلم ابللن ك ّ‬
‫يقول بقولهم مللن أتبللاع المللذاهب‪ ،‬وينسللب أقللوالهم لشلليخ السلللم ابللن‬
‫تيمية‪ ،‬وهذا افتراء في النقل وظلم في النسبة والحكم‪ ،‬وال يقللول‪} :‬ول‬
‫مّنكم َ‬
‫شَنئان قوم على أل تعدلوا اعدلوا هتتو أقتترب‬
‫يَ ْ‬
‫جر ِ َ‬
‫للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون{]المائدة ‪[8‬‬
‫ثم إن الخليلي يعيد هنا ما سبق أن ادعاه فللي الفصللل الثللالث الللذي‬
‫أسماه‪) :‬أدلة النافين لخلق القرآن( فيقول في التمهيللد لهللذا الفصللل )ص‬
‫‪) :(163‬بعد ما سللمعت أخللي القللارئ مللا فللي هللذه المسللألة مللن خلف‬

‫وتبين لك بالمقارنة الدقيقة‪ ،‬الضطراب الواضح في أقوال الذين أثبتللوا‬
‫للقرآن وغيره من كتب ال المنزلللة صببفة القببدم وتللبين لللك ضللعف مللا‬
‫يتشبثون بلله‪ ،‬أعللرض عليللك حجللج الفريللق الخللر وهللم القللائلون بللأنه‬
‫مخلوق(‪.‬‬

‫والجواب على هذا التمهيد بما يأتي‪:‬‬
‫‪1‬ل سبق ذكر كلم السلف )في القرآن( وأنهم لم يقولوا بقللدمه كمللا‬
‫نقل الخليلي ذلك عن شيخ السلم ابن تيمية الذي ينسب إليه قللول ابللن‬
‫كلب ظلمًا وافتراء‪ ،‬وإنمللا قللولهم‪ :‬إن القللرآن كلم ال ل غيللر مخلللوق‪،‬‬
‫ويقولون‪ :‬إن ال عز وجل يتكلم متى شاء وكيف شاء‪ ،‬ولم يقل أحد مللن‬
‫السلف أن القرآن قديم‪ ،‬فليس عند السلف وأتبللاعهم بإحسللان اضللطراب‬
‫في إثبات صفة الكلم ل عللز وجللل‪ ،‬بللل قللولهم واحللد وهللو أن القللرآن‬
‫كلم ال منه بدأ وإليه يعود‪.‬‬
‫‪2‬ل وقد نقل المؤلف الخليلي هذا عن شيخ السلم ابللن تيميللة مللن‬
‫كتابه الفتاوى من موضعين‪.‬‬
‫ل عن شيخ السلللم مللن الفتللاوى )‬
‫قال الخليلي في )ص ‪ (149‬نق ً‬
‫‪):(12/54‬أن السلف قالوا‪ :‬القرآن كلم منزل غير مخلوق‪ ،‬وقللالوا‪ :‬لللم‬
‫يزل متكلمًا إذا شاء‪ ،‬فبينوا أن كلم ال قديم أي جنسه قديم لم يزل‪ ،‬ولم‬
‫يقل أحد منهم إن نفلس الكلم المعيلن قللديم‪ ،‬ول قللال أحللد منهلم القللرآن‬
‫قديم‪ ،‬بل قالوا‪ :‬إنه كلم ال منزل غير مخلللوق‪ ،‬وإذا كللان الل قللد تكلللم‬
‫ل منله غيللر مخلللوق‪ ،‬ولللم‬
‫بالقرآن بمشيئته كان القرآن كلمه وكان منز ً‬
‫يكن مع ذلك أزليًا قديمًا بقدم ال وإن كان ال لللم يللزل متكلم لًا إذا شللاء‪،‬‬
‫فجنس كلمه قديم(‪.‬‬
‫إلى هنا نقل الخليلي وتببرك تكملببة النببص وهللو قللوله‪) :‬فملن فهلم‬
‫قول السلف وفّرق بين هذه القوال زالت عنه الشبهات في هذه المسائل‬
‫المعضلة التي اضطرب فيها أهل الرض( اهل‪.‬‬
‫وبهذا يتضح أن المؤلف الخليلي ينسب إلللى شلليخ السلللم خلف‬
‫ما يصرح به وينقله عن السلف‪ ،‬وقد شهد الخليلي على نفسه بنقللله هللذا‬
‫النص من الفتاوى وفيه قول شيخ السلم‪) :‬إن السلف لم يقل أحد منهللم‬

‫إن القرآن قديم‪ ،‬وأن السلف يفرقون بين صللفة الكلم الللتي يثبتونهللا ل ل‬
‫وهي من صفات الكمال‪ ،‬ويقولون أن ال عز وجللل لللم يللزل متكلملًا إذا‬
‫شاء وكيف شاء ومتى شاء‪ ،‬فجنس الكلم قللديم وأمللا الكلم المعيللن فلللم‬
‫يقل أحد بقدمه وإنما ال يتكلم متى شاء‪.‬‬
‫وقد تكلم بالقرآن كما تكّلم بغيللره مللن الكتللب المنزلللة‪ ،‬كمللا قللال تعلالى‪:‬‬
‫}قل لو كان البحر مدادا ً لكلمات ربي لنفد البحتتر قبتتل‬
‫أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ً{ ] الكهللف ‪،[ 109‬‬
‫ولكن كما قال شيخ السلم في المقطع الللذي تركلله الخليلللي )فمللن فهللم‬
‫قول السلف(‪ ...‬إلخ‪ .‬فيظهر وال أعلم أن الخليلي لم يفهللم قللول السلللف‪،‬‬
‫أو أراد أن ليفهم‪ ،‬وهذا هو القرب‪ ،‬فهللو يلرد القللول عنلادًا بلدليل أنله‬
‫ينقل التصريح عن شيخ السلم بأن السلف لم يقولللوا بقللدم القللرآن كمللا‬
‫في هذا النص وفي النص الخر الذي أثبته في هذه الصللفحة مللن كتلابه‬
‫)ص ‪.(164‬‬
‫فقد نقل من الفتاوى )‪ (12/301‬النص التللالي‪) :‬وكمللا لللم يقللل أحللد‬
‫من السلف إنه مخلوق‪ ،‬فلم يقل أحد منهم إنلله قللديم‪ ،‬لللم يقللل واحللدًا مللن‬
‫ن بعللدهم ِمللن‬
‫القولين أحد من الصحابة ول التابعين لهم بإحسان‪ ،‬ول َمل ْ‬
‫الئمللة الربعللة‪ ،‬ول غيرهللم‪ ،‬بللل الثللار متللواترة عنهللم بللأنهم كللانوا‬
‫يقولون القللرآن كلم اللل‪ ،‬ولمللا ظهللر مللن قللال‪ :‬إنلله مخلللوق قللالوا ردًا‬
‫لكلمه‪ :‬إنه غير مخلوق(‪ .‬إلى هنبا نقبل الخليلبي‪ ،‬وتبرك تكملبة النبص‬
‫لنه ل يريد أن يسجل ما فيه على نفسلله فللي كتللابه ليللراه أتبللاعه الللذين‬
‫يضللهم عن الحق‪ .‬ولهللذا فللإني أقللوم بتكملتلله للقللارئ ليعللرف مللن هللو‬
‫سلف الخليلي الذي هو أول من قال بهللذه البدعللة المنكللرة فللي كلم الل‬
‫لل لللل وقد وجد جزاءه في الدنيا كما ترى ذلك في الحاشية‪.‬‬

‫وتكملة النص كالتالي‪ ...) :‬ولم يريدوا بذلك أنه مفترى كمللا ظنلله‬
‫بعض الناس‪ ،‬فإن أحدًا من المسلمين لم يقلل إنله مفلترى‪ ،‬بلل هلذا كفلر‬
‫ظاهر يعلمه كل مسلم‪ ،‬وإنما قالوا إنه مخلوق خلقه ال ل فللي غيللره فللرد‬
‫السلف هذا القللول‪ ،‬كملا تللواترت الثلار عنهللم بلذلك وصللنف فلي ذلللك‬
‫مصنفات متعددة وقالوا‪) :‬منه بدأ وإليه يعود ( وأول من عرف أنه قللال‬
‫مخلوق‪ :‬الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان‪ ،‬وأول مللن عللرف‬
‫أنه قال هو قديم‪ :‬عبدال بن سعيد بن كلب‪ ،‬ثللم افللترق الللذين شللاركوه‬
‫في هذا القول)‪.(207‬‬
‫ب وأقول‪ :‬هل يجوز لمن يدعي العلم أن ينسب لخر ما لم يقل؟ إن‬
‫صللر علللى هللذا المنهللج‪ ،‬لنلله بنفسلله ينقللل عللن شلليخ‬
‫المؤلف الخليلي ُي ِ‬
‫السلم قوله‪ :‬إن السلف لم يقل أحد منهم بقدم القرآن(( وأنلله لللم ينقللل‬
‫هذا عن أحد من الصحابة ول التابعين لهم بإحسلان ول َملن بعلدهم ِملن‬
‫الئمة الربعة ول غيرهم‪ ،‬وإنمللا قللاله عبللدال بللن سللعيد بللن كلب ثللم‬
‫يصر على نسبة هذا الكلم إلى شيخ السلم‪ ،‬بل ويطلع على قللوله فللي‬
‫أن أول مللن قللال )بقللدم القللرآن( عبللدال بللن سللعيد بللن كلب‪ ،‬وشلليخ‬
‫السلم يرد على ابن كلب ومن يقول بقوله مللن الشللاعرة‪ .‬فكللل هللذا‬
‫سخر‬
‫يعرفه الخليلي ويخفيه ولكن من حكمة ال ودفعه عن المظلومين ُي ّ‬
‫ئ بهلا ابلن‬
‫ال الخليلي فيثبت على نفسه وبقلمله هلذه الشلهادة اللتي ُيلبِر ُ‬
‫تيمية فيما ينسب إليه؛ والقرار على النفس سيد البينات‪ .‬ثم إن المؤلللف‬
‫))‬

‫‪ ()) 207‬فهؤلء سلف المؤلف الخليلللي فأمللا الجعللد بللن درهللم فقللد قتللله خالللد بللن عبللدال‬
‫القسري يوم عيد الضحى لهذه البدعة الكفرية التي أصر عليها حيث قال بعد خطبة‬
‫عيد الضحى‪ ":‬أيها الناس ضحوا تقبل ال ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهللم‪،‬‬
‫ل‪ ،‬ولم يكلم موسى تكليمًا ثللم نللزل فللذبحه عنللد‬
‫فإنه زعم أن ال لم يتخذ إبراهيم خلي ً‬
‫ل سنة )‪128‬هل(‪.‬‬
‫المنبر"‪ .‬البداية والنهاية )‪،(9/404‬كما أن الجهم مات مقتو ً‬

‫الخليلي استثقل أن يكمل النص الذي نقله عن شيخ السلم من الفتللاوى‬
‫)‪(12/301‬؛ لن فيه التصللريح بللأول مللن قللال‪ :‬القللرآن مخلللوق‪ ،‬وهللو‬
‫الجعللد بللن درهللم‪ ،‬وصللاحبه الجهللم بلن صللفوان؛ لن هللذين السللمين‪.‬‬
‫تعطي إيحاًء سيئًا في نفوس المسلمين‪ ،‬فأراد أن يتجنب ذلك وإن كان ل‬
‫يأنف من النتساب إلى الجهمية‪ ،‬فقد قال في أول هذا الكتاب )ص ‪(32‬‬
‫فللي إنكللاره رؤيللة المللؤمنين ربهللم وهللم فللي الجنللة‪) :‬وذهللب إلللى هللذا‬
‫أصحابنا الباضية ل وهو قول المعتزلللة والجهميللة والزيديللة والماميللة‬
‫والشيعة(‪.‬‬
‫وقد ذكر شيخ السلم ابللن تيميللة أن أول مللن قللال )بقللدم القللرآن(‬
‫عبدال بن سعيد بن كلب فللي صللفحات كللثيرة مللن المجلللد )‪ (12‬مللن‬
‫الفتاوى ومن ذلك )ص ‪ ،(567 - 566‬ونقلل ذلللك الخليلللي فلي كتلابه‬
‫هذا‪ ،‬وبهذا يظهر أن شنشللنة المؤلللف الخليلللي علللى شلليخ السلللم ابللن‬
‫تيمية ل محل لها من العراب‪ ،‬لنه ينقل عن شيخ السلم قول السلف‬
‫مللن أنهللم لللم يقولللوا )بقللدم القللرآن( وإنمللا يثبتللون أن الل ل ل لل ل‬
‫متصف بصفة الكلم‪ ،‬وأن القرآن كلم ال غير مخلوق‪.‬‬
‫ف في الرد على الخليلللي كلل افللتراءاته علللى ابللن تيميلة؛‬
‫وهذا كا ٍ‬
‫لنه ينسب إليه ما لم يقل‪.‬‬
‫ولكن لنواصل مللع المؤلللف الخليلللي فيمللا يللدعيه أدلللة علللى خلللق‬
‫شَبه لن تثبت أمام الحجج القاطعة مللن الكتللاب‬
‫القرآن‪ ،‬وهي في الحقيقة ُ‬
‫والسنة‪ ،‬لن الزبد يذهب جفاًء‪ .‬فقد قال في )ص ‪ :(163‬إنلله سلليعرض‬
‫حجج القائلين بخلق القرآن فقال‪) :‬وهي تنقسم إلى قسمين عقلية ونقليللة‪:‬‬
‫ثم قال ونبدأ بالعقلية وهي كما يلي‪:‬‬
‫ف للوحدانية التي هللي‬
‫‪1‬ب الدليل الول‪ :‬إن تجويز تعدد القدماء منا ٍ‬
‫أخص صفاته تعالى‪ ،‬لنلله يفضللي إلللى جللواز تعللدد اللهللة‪ ،‬فللإن الللله‬

‫الحق سبحانه وتعالى إنما استحق اللوهيللة لسللبقه علللى كللل شلليء فللي‬
‫الوجود‪ ،‬فلو كان له مقارن في الزلية لجاز لللذلك المقللارن أن يشللاركه‬
‫في اللوهية‪ ،‬إذ ل يمنع مانع من كونه خالقًا رازقًا مدبرًا حكيمًا(‪.‬‬
‫والجواب على هذه الشبهة التي أوقعت المؤلف الخليلي فللي نفللي‬
‫صفة الكلم عن ال عز وجل ودعوى أن القرآن مخلللوق‪ .‬هللي شللبهة‬
‫المعتزلة بعينها التي جعلتهم ينفون عن الل علز وجلل جميلع الصللفات‬
‫التي وصف ال بها نفسه في كتابه العزيز ووصفه بها رسوله صلى ال‬
‫عليه وسلم في سللنته الصللحيحة الثابتللة‪ ،‬ورسللول الل أعلللم النللاس بللال‬
‫وأتقاهم وأخشاهم له‪ .‬ولكن المعتزلة ‪-‬والمؤلللف الخليلللي يقلول بقلولهم‪-‬‬
‫تصوروا بعقولهم القاصرة‪ ،‬معرضين عللن هللدي كتللاب الل عللز وجللل‬
‫وسنة رسوله صلى الل عليله وسللم أنهلم إذا أثبتلوا لل علز وجللل تللك‬
‫الصفات ومنها )صفة الكلم( فقد أثبتوا قدماء مع ال عز وجللل ‪ ،‬وهللذا‬
‫فيه إثبات مقارن قديم ل عز وجل في الزل فيكون هناك تعللدد اللهللة؛‬
‫لن القدم أخص وصف ل‪ ،‬هكذا يقولون‪.‬‬
‫وسللبب ذلللك أنهللم تصللوروا بعقللولهم الضللالة عللن هللدي الكتللاب‬
‫والسللنة‪ ،‬المنحرفللة علن الفطللرة الللتي فطلر الل النللاس عليهلا‪ ،‬أن هلذه‬
‫الصفات قائمة بذاتها منفصلللة عللن الل تعللالى‪ ،‬ولللم يوفقللوا إلللى القللول‬
‫الحق وهو أن هذه الصفات كلها قائمة بذاته لل لل ل غيللر منفصلللة‬
‫عنه‪.‬‬
‫فللال ل ل لل ل واحللد أحللد‪ ،‬فللرد صللمد‪ ،‬هللو الول والخللر‬
‫بصللفاته‪ ،‬فهللو السللميع البصللير‪ ،‬الحللي القيللوم‪ ،‬العليللم الحكيللم‪ ،‬القللادر‬
‫القوي‪ ،‬المتكلم متى شاء وكيف شللاء‪ ،‬كمللا قللال تعللالى‪} :‬وكلم الله‬
‫موسى تكليما ً{ وقال‪} :‬ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمتته‬
‫ربه{ فهذه السماء والصفات قائمة به تعالى غيللر منفصلللة عنلله وفللي‬
‫))‬

‫((‬

‫صحيح البخاري »إن ل تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخببل الجنببة‬
‫«)‪ ،(208‬وله أسماء ل تعللد ول تحصللى‪ ،‬وكلهللا لهللا معللاني دلللت عليهلا‬
‫وليست أسماء مجردة كما يقول المعتزلة‪ ،‬فللال يقلول فللي كتلابه العزيللز‪:‬‬
‫}ولله السماء الحسنى فادعوه بها{ فالمسلللمون يللدعون ال ل‬
‫لل للل بأسمائه الحسنى وصفاته العل دعاء عبلادة ودعلاء مسلألة‪،‬‬
‫ويفرقون بين معاني هذه السللماء فللي دعللائهم‪ .‬وِلَفْهللم المعتزلللة الفاسللد‬
‫ومثلهم المؤلف الخليلي في نفي صفات ال لل للل سللمى المعتزلللة‬
‫أنفسهم‪ :‬أهل التوحيد وهو أحللد أصللولهم الخمسللة‪ ،‬وتوحيللدهم هللو نفللي‬
‫جميع الصفات عن ال لل للل وإثبات السماء مجردة عن المعاني‬
‫التي دلت عليها‪.‬‬
‫يقول الحافظ ابن حجر رحمه ال في فتح الباري‪ ،‬في شرح كتللاب‬
‫التوحيد من صحيح البخاري )‪ (13/344‬بعد ذكره للفللرق الضللالة عللن‬
‫طريق الحق والصواب‪ ،‬فعدد منهلم الجهميللة‪ ،‬والخللوارج‪ ،‬والرافضللة‪،‬‬
‫والمعتزلة‪.‬‬
‫ثم قال‪) :‬وهؤلء الفرق الربللع هللم رؤوس المبتدعللة‪ ،‬وقللد سللمى‬
‫المعتزلة أنفسهم )أهل العدل والتوحيد( وعنوا بالتوحيد ما اعتقللدوه مللن‬
‫نفي الصفات اللهية لعتقادهم أن إثباتها يستلزم التشبيه ومللن شللبه الل‬
‫بخلقه أشرك‪ ،‬قال‪ :‬وهم في النفي موافقون للجهمية‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما أهل السنة ففسروا التوحيد بنفي التشبيه والتعطيل)‪.(209‬‬
‫‪ ()) 208‬صحيح البخاري‪ ،‬ح )‪.(7392‬‬
‫‪ ()) 209‬وفي صحيح البخاري كتاب التوحيد‪ /‬باب ما جاء في دعاء النبي صلى ال ل عليلله‬
‫وسلم أمته إلى توحيد ال تعالى‪ ،‬وساق حديث ابن عباس أنه صلللى الل عليلله وسلللم‬
‫بعث معاذًا إلى اليمن‪ .‬وفي شرح الباب قال ابن حجر رحملله اللل‪)) :‬المللراد بتوحيللد‬
‫ال تعالى‪ :‬الشهادة بأنه إله واحد((‪ ،‬فتح الباري )‪.(13/360‬‬

‫قال‪ :‬أبو القاسم التميمللي فللي كتللاب )الحجللة(‪ )) :‬التوحيللد مصللدر‬
‫حد يوحد‪ ،‬ومعنى وحدت ال اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته ل نظير له‬
‫وّ‬
‫ول شبيه اهل‪ .‬وهذا توحيد الربوبية‪.‬‬
‫وقللال الشهرسللتاني فللي الملللل والنحللل ) ‪) :(145 -1/143‬قللال‪:‬‬
‫ويسللمون أصللحاب العللدل والتوحيللد‪ ،‬والللذي يعلّم طائفللة المعتزلللة مللن‬
‫العتقاد القول‪ :‬بأن ال تعالى قديم‪ ،‬والقلدم أخللص وصللف ذاتله‪ ،‬ونفلوا‬
‫ل فقالوا‪ :‬هو عالم بذاته‪ ،‬قادر بذاته‪ ،‬حي بللذاته‪ ،‬ل‬
‫الصفات القديمة أص ً‬
‫بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة ومعان قائمة بلله‪ ،‬لنلله لللو شللاركته‬
‫الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في اللهية‪ ،‬واتفقوا‬
‫على أن كلمه محدث مخلوق في محل( اهل‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا هو كلم المؤلف الخليلي بعينه كما سللبق ذكللره والللرد‬
‫عليه‪ ،‬وبيان فساده ومخالفته لنصوص الكتاب والسنة والفطر السللليمة‪،‬‬
‫فإن لكللل ذات صللفات وصللفاتها قائمللة بهللا غيللر منفصلللة عنهللا‪ ،‬حللتى‬
‫المخلوق نفسه‪ ،‬فإن النسان يتصف بالسمع والبصللر والقللدرة والحيللاة‪،‬‬
‫وبصفة الكلم إن لم يكن مصابًا بآفة الخرس‪ ،‬ولم يقل عاقل يعللرف مللا‬
‫يقول أن صفة من صفاته منفصلة عنه قائمة بذاتها‪.‬‬
‫‪2‬ل قال‪ :‬الدليل الثبباني‪) :‬أن كلل ملا ثبلت قلدمه اسلتحال علدمه‪(...‬‬
‫إلخ‪.‬‬
‫وقد سبق الجواب على مسألة القدم وبيان أن السلف لم يقولوا بقدم‬
‫القرآن وإنما قالوا‪ :‬أن ال يتكلم متى شاء وكيف شاء‪ ،‬وأن القللرآن كلم‬
‫ال منه بلدأ وإليلله يعللود‪ ،‬وأن أول مللن قلال‪ :‬بخللق القللرآن الجعللد بلن‬
‫درهم((‪.‬‬
‫((‬

‫))‬

‫وأول من قال‪ :‬بقدم القرآن عبدال بن سعيد بن كلب‪ ،‬وبهذا يتبين‬
‫أن المؤلف يأخذ كلم أهل البللدع فللي القللرآن وينسللبه للسلللف وأتبللاعهم‬
‫ظلمًا وافتراء‪.‬‬
‫‪3‬ل ثم يقول‪ :‬إن آثار الصنعة بادية عليه‪ ،‬فإن كل حرف منه يفتقر‬
‫إلى غيره لتتألف منها كلماته‪ .‬ثم يقول‪ :‬وهو بهذا الللتركيب صللنعة دالللة‬
‫على الصانع‪ ،‬والصانع لبد أن يتقدم المصنوع‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫والجواب على هذا الدعاء‪ :‬أنه ل فرق بينه وبيللن مللن ادعللى أنلله‬
‫مثللل كلم البشللر‪ ،‬لنلله ل يفهللم مللن صللفات الخللالق إلمللا يفهملله مللن‬
‫صفات المخلوق‪ ،‬ثم يعبر بملا قللام فللي ذهنلله بللأن الصللفة منفصلللة علن‬
‫الموصوف‪ ،‬ولهذا يقللول‪ :‬إن القللرآن مصللنوع والصللانع لبللد أن يتقللدم‬
‫على المصنوع‪ ،‬وأهل السنة يقولللون القللرآن المسللموع بللالذان المتلللو‬
‫باللسن المحفوظ في الصدور كلم ال بحروفه ومعللانيه‪ ،‬تكّلللم ال ل بلله‬
‫حقيقة‪ ،‬وسمعه منه جبريل‪ ،‬ونزل به إلى محمد صلللى الل عليلله وسلللم‪،‬‬
‫وصفة الكلم قائمة بذات ال تعالى وقد تقدم الكلم عن ذلك‪.‬‬
‫‪4‬ل الدليل الرابع‪ :‬أنطقه ال بما هو دليل عليه فهللو يقللول‪) :‬جللواز‬
‫تعليله كما تعلل سائر أفعاله تعالى فيقال‪ :‬كّلم ال موسى ليصطفيه علللى‬
‫غيره بهذه المزية(‪.‬‬
‫ونقول له‪ :‬نعم إنه كلللم موسللى عليلله السلللم ليميللزه علللى غيللره‪،‬‬
‫ولهذا قال له آدم في محاجته‪ :‬أنت موسى اللذي اصلطفاك الل بكلملله‬
‫وكتب لك التوراة بيده(()‪.(210‬‬
‫))‬

‫‪ ()) 210‬أخرجه البخاري كتاب أحللاديث النبيللاء بللاب وفللاة موسللى ح )‪ ،(3409‬وكتللاب‬
‫التوحيد باب ما جاء في قوله ‪}:U‬وكلم الله موسى تكليما ً{ ح)‪.(7515‬‬
‫ومسلم كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى عليهما السلم‪.‬ح ‪.2652‬‬

‫ولم يعرف أحد من البشر من الكلم إل الللذي يسللمعه مللن المتكلللم‬
‫به‪ ،‬ونقول للخليلي‪ :‬فهذا أبوك وأبو البشر جميعًا آدم عليه السلللم يقلول‬
‫لموسى عليه السلم‪ :‬إن ال اصللطفاه بكلملله ليميللزه علللى غيللره‪ ،‬كمللا‬
‫قلت فهل تقبل كلمه وفهمه لمعنى الكلم؟؛ لن موسى عليه السلم قال‬
‫لدم‪ :‬أنللت آدم أبللو البشللر خلقللك ال ل بيللده((‪ ،‬فقبللل آدم كلم موسللى‬
‫وصدقه لن ال ميز آدم على غيره بأن خلقه بيده‪.‬‬
‫ونقول للخليلي هل تقبل مللا قبللله آدم عليلله السلللم فتثبللت لل ل ل‬
‫للل صفة اليد كما قال موسى عليه السلم‪.‬‬
‫‪5‬ل الدليل الخامس‪ :‬وهو كالرابع؛ دليل عليه ل له فيقول‪) :‬إقترانه‬
‫بالزمان نحو قوله‪) :‬وكلم ال موسى عندما ذهب إلى الطور(‪.‬‬
‫ونقول نعم‪ :‬هو كما قلت كلم ال موسى عليه السلم عنللدما ذهللب‬
‫إلى الطور كما في قللوله تعللالى‪} :‬وواعدنا موسى ثلثيتتن ليلتتة‬
‫وأتممناها بعشتتر فتتتم ميقتتات ربتته أربعيتتن ليلتتة وقتتال‬
‫موسى لخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ول تتبع‬
‫سبيل المفسدين‪ .‬ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربتته‬
‫قال رب أرني أنظر إليك قال لتتن ترانتتي ولكتتن انظتتر‬
‫إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني‪ ] {...‬العلللراف‬
‫))‬

‫‪.[ 143 - 142‬‬

‫فنص الية صريح في أن ال عز وجل كلللم موسللى عليلله السلللم‬
‫في الوقت الذي حدده ال لموسى وهو تمام أربعين ليلة‪ ،‬فكلمه ربه بمللا‬
‫كلمه من وحيلله وأمللره ونهيلله‪ ،‬وقللد سللمع موسللى كلم ربلله وطمللع أن‬
‫يزيده تشريفًا برؤية ال عز وجل فطلب منه النظر إليه‪ ،‬وسمع ال عللز‬
‫وجل طلب موسى منه ذلك فقال له‪ :‬لن تراني أي لن تقدر على رؤيللتي‬

‫في الدنيا‪ .‬لن ال تعالى تجلى للجبل وهو جماد وأقوى بنية من موسللى‬
‫عليه السلم فجعله دكًا‪.‬‬
‫وكونه كلمه فللي هللذا الزمللن المحللدد هللو معنللى قللول أهللل السللنة‬
‫والجماعة إن صفة الكلم قائمللة بللال عللز وجللل وأنلله يتكلللم مللتى شللاء‬
‫وكيف شاء مع من شاء‪ ،‬وقد تكلم مع موسى عليلله السلللم وميللزه علللى‬
‫غيره من النبياء بهذه الميزة ل كما سبق توضيح ذلك في الللدليل الرابللع‬
‫وذكرنللا أن آدم عليلله السلللم احتللج علللى موسللى بللأن الل ل ل لل ل‬
‫اصطفاه بكلمه‪.‬‬
‫فللإذا كلان كلم الل كللله مخلوقلًا ‪-‬كمللا يقللول الخليلللي‪ -‬فللأي ميللزة‬
‫لموسى عليه السلم على غيره؟ وقد قرر الخليلي في الدليل الرابع ل أن‬
‫ال ميز موسى على غيره بتكليمه له‪.‬‬
‫حيث قال في )ص ‪) :(164‬فيقال‪ :‬كلم ال موسى ليصللطفيه علللى‬
‫غيره بهذه المزية(‪ ،‬هذا كلم الخليلي الذي يصرح به‪.‬‬
‫‪6‬ل الدليل السادس من الدلة العقلية وهو آخرها قال‪) :‬إن حروف‬
‫القرآن هي نفس الحروف التي ينتظم منهللا كلم العللرب نللثره ونظملله‪،‬‬
‫وسجعه ومرسله‪ ،‬رجزه وقصيده‪ ،‬ويشاركه فيها سائر كلم البشر‪ ،‬فإن‬
‫كان القرآن قديمًا لزم قدم كلم الناس لتركب كلمهم من هللذه الحللروف‬
‫بعينها‪.(...‬‬
‫قلت‪ :‬وهذه العبارة التي يكررها دائملًا‪ ،‬وهللي القللول بقللدم القللرآن‬
‫سبق الجواب عليها‪ ،‬وهو أن السلف لم يقل أحد منهللم إن القللرآن قللديم‪،‬‬
‫كما لم يقل أحد منهم إنه مخلوق‪ ،‬وإن أول من قال‪ :‬إنلله مخلللوق الجعللد‬
‫بن درهم‪.‬‬
‫وأول من قال‪ :‬إنه قديم‪ .‬عبدال بن سعيد بن كلب‪.‬‬

‫وإنما كانوا يقولون ردًا على من ادعى أنه مخلوق‪ :‬القللرآن كلم الل‬
‫منه بدأ وإليه يعود‪ .‬وقد نقل الخليلي هذا الكلم عن شيخ السلم ابن تيمية‬
‫مرارًا وتكرارًا فلماذا يعيده؟‪.‬‬
‫وقد جاء في السنن عن جابر رضي ال عنلله قللال‪ :‬كللان رسللول الل‬
‫صلى ال عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقللول‪» :‬أل رجببل‬
‫يحملنبي إلبى قبومه لبلبغ كلم رببي‪ ،‬فبإن قريشبًا منعبوني أن أبلبغ كلم‬
‫ربي«)‪ ،(211‬ولهذا نقول للمؤلف الخليلي‪ :‬إن التعللبير بالقللدم هللو قللول‬
‫ابن كلب وأنت تنسبه لشيخ السلللم ابللن تيميللة افللتراء ثللم تللرد عليلله‪،‬‬
‫فاتق ال في نفسك فإن ال محاسبك‪.‬‬
‫ونقللول‪ :‬إن القللرآن الكريللم تكللم الل بله حقيقلة وهللو كلم عربللي‬
‫بلسان عربي مبين كما قال ال تعالى‪} :‬ولقد نعلم أنهم يقولتتون‬
‫إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهتتذا‬
‫لسان عربي مبين{ ] النحل ‪.[103‬‬
‫فالقرآن المنتظم في المصحف عربي‪ ،‬وحروفه ومعللانيه كلم ال ل‬
‫عز وجل‪ ،‬وقد تحدى الل العللرب الللذين نللزل القللرآن بلغتهللم أن يللأتوا‬
‫بسورة من مثله كما في سورة البقرة آية ‪. 22‬‬
‫أو بعشر سور مثله كما في سورة يونس آية ‪ 13‬ثللم قللال ال ل ل ل‬
‫لل ل لنللبيه محمللد صلللى ال ل عليلله وسلللم‪} :‬قل لئن اجتمعتتت‬
‫النس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القتترآن ل يتتأتون‬
‫بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيتترا ً{ ] السلللراء ‪ [ 88‬فهللذا‬
‫كلم ال الذي أنزله على رسللوله صلللى الل عليلله وسلللم بلسللان عربللي‬
‫‪ ()) 211‬التوحيد لبن منده )‪ (3/169‬رقم )‪ ،(617‬واللدارمي كتلاب فضلائل القلرآن بلاب‬
‫القللرآن كلم ال ل )‪ (2/317‬رقللم )‪ ،(1357‬الفتللاوى )‪ ،(12/301‬وقللد رجللع إليهللا‬
‫الخليلي‪.‬‬

‫مبين‪ ،‬وقد تحدى العللرب الللذين نلزل هلذا القللرآن بلغتهللم فعجللزوا علن‬
‫معارضته‪.‬‬
‫وبهذا يظهر للقارئ البلاحث علن الحلق أن أدلللة المؤلللف الخليلللي‬
‫العقلية التي أوردها للحتجاج بها على أن القرآن مخلوق إنما هي شللبه‬
‫قامت بذهنه‪ ،‬ولهذا لم يصللح للله منهللا دليللل واحللد‪ ،‬بللل هللي أدلللة عليلله‬
‫وليست له‪ ،‬فقد صرح فيها بأن ال لل للل كّلم موسى عليه السلم‪،‬‬
‫وهذا هو الذي يقوله أهل السنة والجماعة‪ ،‬كما صرح بللأن ذلللك التكليللم‬
‫من ال لموسى عليه السلم ليصطفيه علللى غيللره بهللذه الميللزة‪ ،‬وكفللى‬
‫بهذا التصريح حجة ودحضًا لشبهته‪ ،‬وفيما يلللي شلهادة عليله مللن علالم‬
‫إباضي هو العلمللة المحقللق البسلليوي ‪-‬كمللا يصللفه الخليلللي }وشهد‬
‫شاهد من أهلها{‪ ،-‬ولكنه يرد على الخليلي بالدليل العقلللي أن كلم‬
‫ال صفة من صفات ال غير مخلوق‪.‬‬
‫قللال فللي )ص ‪ (75‬فللي سللياق إثبللات أن القللرآن كلم اللل غيللر‬
‫مخلوق‪:‬‬
‫)وسأل وقال‪ :‬كلم ال مخلوق أو غير مخلوق؟‬
‫قيل له‪ :‬قد اختلف الناس في ذلك‪ ،‬فقال قوم‪ :‬إن كلم الل مخلللوق‪،‬‬
‫وقال آخرون ل وهم أكثر المة لل ‪ :‬إن كلم الل ليللس بمخلللوق‪ ،‬ووقللف‬
‫واقفون‪.‬‬
‫قال‪ :‬وكلم ال تعالى من صفاته‪ ،‬وصفاته لم تللزل للله‪ ،‬ولللو جللاز‬
‫لقائل أن يقول‪ :‬إن ال لم يكن متكلمًا ثم تكلم‪ ،‬لجللاز لقللائل أن يقللول‪ :‬لللم‬
‫يكن عالمًا ثم علم‪ ،‬فلما فسد هذا القول على قائله‪ ،‬وكان الجماع أن ال‬
‫لم يزل الرحمن الرحيم‪ ،‬الحللي العللالم القللادر السللميع البصللير المتكلللم‪،‬‬

‫فسد قول من يقول‪ :‬إن كلم ال مخلببوق إذ هللو العللالم‪ ،‬والكلم صللفته‪،‬‬
‫فدل بذلك أن كلمه غير مخلوق()‪.(212‬‬
‫فماذا يقول الخليلي فللي شللهادة هللذا العللالم الباضللي أبللي الحسللن‬
‫البسيوي‪ ،‬وقد شهد له الخليلي بأنه العلمة المحقق؟‪.‬‬
‫ثم تابع الخليلي ذكر أدلته فقللال فللي آخللر )ص ‪- (165‬وهللي كمللا‬
‫سيظهر شبه وليست أدلة‪ ،‬فقد عجز عن تقديم دليل صللريح مللن الكتللاب‬
‫والسنة علللى أن القللرآن مخلللوق شلليوخ المعتزلللة حيللن نللاظروا المللام‬
‫أحمد بن حنبل رحمه ال بين يدي الخليفة المعتصللم‪ -‬وإليللك مللا يللدعيه‬
‫أدلة نقلية حيث قال‪) :‬وأما الدلة النقلية‪ :‬فبعضها مللن القللرآن وبعضللها‬
‫من السنة‪.‬‬
‫قال‪ :‬أما من القرآن فكثيرة وإنما أقتصر منها على مايلي‪:‬‬
‫‪1‬ل قوله تعالى‪} :‬خالق كل شيء{ ] النعام ‪ [ 102‬و ] الرعد ‪16‬‬
‫[‬

‫و ] الزمر ‪ [ 62‬و ] غافر ‪ ،[ 62‬ثم قال‪ :‬ووجه الستدلل به أن القرآن إما‬
‫أن يكون شيئًا أو ل شلليء‪ ،‬فللإن لللم يكللن شلليئًا فعلم الختلف إن كللان‬
‫صللله وأحكملله إن كللان‬
‫المختلف عليه معدومًا؟ وما الللذي أنزللله ال ل وف ّ‬
‫غير واقع على شيء‪ ،‬وإن كان شيئًا فما الذي يخرجه من هذا العموم؟‬
‫وأقول‪ :‬ما أشبه الليلة بالبارحة كما في المثل المعللروف‪ ،‬ذلللك أن هللذا‬
‫الستدلل هو بعينه استدلل بشر المريسي على المام )عبدالعزيز الكناني(‬
‫وقد سبق ذكره‪ ،‬ولكن لهذه المناسبة ل بد من إعادته ليعرف القللارئ الكريللم‬
‫‪ ()) 212‬هذا كلم العالم الباضي أبي الحسن البسيوي في كتابه الجامع )‪ (1/75‬الذي قدم‬
‫لمختصره الخليلي نفسه‪ ،‬وأثنى عليه‪ ،‬وتمنى على ال أن ينشر أصله الذي هو هللذا‪،‬‬
‫وطبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان سنة )‪1404‬هللل(‪ ،‬فمللاذا يقللول‬
‫الخليلي في شهادة البسيوي؟‪.‬‬

‫أن المؤلف الخليلي يردد حجج المعتزلة التي دحضت منذ قرون طويلة وقد‬
‫قضي على تلك الفتنة التي فرقت كلمة المة‪.‬‬

‫والمؤلف الخليلي ينعي على الللذين يشلتتون كلمللة المللة ويقللول‪ :‬إن‬
‫الذين أدخلوا هذه الفكار الدخيلة على المة السلمية هم الللذين تقمصللوا‬
‫لباس السلم ومّثل بأبي شاكر الديصللاني اليهللودي كمللا فللي )ص ‪(106‬‬
‫من كتابه هذا‪ ،‬ثم هو الن يثير هذه الفتنة ويحييها من جديللد بنشللره لكتللابه‬
‫هذا‪ ،‬وكما قلت‪ :‬إن ملا قللاله المؤلللف الخليلللي هللو بعينلله الللذي قللاله بشللر‬
‫المريسي للمام عبدالعزيز الكناني‪ .‬وإليك نص المناظرة والدليل الذي بدأ‬
‫بذكره بشر هو الذي بدء به الخليلي‪.‬‬
‫قال بشر للكناني‪) :‬تقول القرآن شيء أم غير شيء‪ .‬فإن قلت‪ :‬إنلله‬
‫شيء أقررت أنه مخلوق‪ ،‬إذ كانت الشياء مخلوقة بنص التنزيللل‪ ،‬وإن‬
‫قلت إنه ليس بشيء فقد كفرت‪ ،‬لنك تزعم أنه حجة ال على خلقه وأن‬
‫حجة ال ليس بشيء(‪.‬‬
‫وبعد أن رد الكنللاني علللى هللذا السلللوب اللزامللي وهللو إصللدار‬
‫الحكم قبل أن يسمع كلم من ينللاظره حللتى يسلللم لقللوله أو يللرده‪ ،‬وبعللد‬
‫ذلك يحكم عليه بالكفر أو غيره وهو أسلوب مخالف لسلوب المناظرة‪،‬‬
‫لكن الكناني بعد أن رّد هذا الستدلل بهللذا السلللوب الللذي اتبعلله بشللر‬
‫قال‪) :‬إن ال عز وجل أجرى على كلمه ما أجللراه علللى نفسلله إذ كللان‬
‫سّم بالشيء ولم يجعل الشيء اسمًا مللن أسللمائه‪،‬‬
‫كلمه من صفاته فلم َيَت َ‬
‫ولكنه دل على نفسه أنه شيء وأكبر الشياء إثباتًا للوجود‪ ،‬ونفيًا للعدم‪،‬‬
‫وتكذيبًا منه للزنادقة والدهرية ومن تقدمهم‪ ،‬ممن جحللد معرفتلله وأنكللر‬
‫ربوبيته من سائر المم‪ ،‬فقال عللز وجللل لنللبيه صلللى الل عليلله وسلللم‪:‬‬
‫}قل أي شيء أكبر شهادة قل اللتته شتتهيد بينتتي وبينكتتم{‬
‫] النعام ‪ ،[ 19‬فدل على نفسه أنه شيء ليس كالشياء‪ ،‬وأنللزل فللي ذلللك‬

‫خبرًا خاصًا مفللردًا لعلملله السللابق أن جهملاً وبشللرًا ومللن قللال بقولهمللا‬
‫سيلحدون في أسمائه ويشبهون على خلقه ويدخلونه وكلمه في الشياء‬
‫المخلوقللة قللال عللز وجللل ‪} :‬ليس كمثلته شتيء وهتو الستميع‬
‫البصير{‪ ،‬فأخرج نفسه وكلملله وصللفاته مللن ال