‫تلقي النبي‪ ‬ألفاظ القرآن الكريم‬

‫دراسة تأصيلية‬

‫)رسالة ماجستير(‬

‫إعداد‬
‫عبدالسلم المجيدي‬
‫الستاذ المساعد بكلية التربية ـ جامعة ذمار ـ اليمن‬

‫‪1‬‬

2

3

‫سورة البقرة‬

‫‪4‬‬

‫تقديم فضيلة الشيخ العلمة‪ /‬عبد المجيد بن عزيز‬
‫الزنداني‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫إن الحمد لله نحمده‪ ،‬ونستعينه‪ ،‬ونستغفره‪،‬‬
‫ونعوذ بالله من شرور أنفسنا‪ ،‬وسيئات أعمالنا‪ ،‬من‬
‫يهده الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له‪،‬‬
‫وأشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬واشهد‬
‫أن محمدا ً عبده ورسوله‪.‬‬
‫َ‬
‫ن ِإل‬
‫حق ّ ت ُ َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫‪َ ‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫قات ِهِ َول ت َ ُ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫ن َءا َ‬
‫موت ُ ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن‪" ‬آل عمران‪."102/‬‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫م ُ‬
‫وَأن ْت ُ ْ‬

‫َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫س ات ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫س َوا ِ‬
‫حد َةٍ‬
‫م ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫قك ُ ْ‬
‫قوا َرب ّك ُ ُ‬
‫‪َ ‬ياأي َّها الّنا ُ‬
‫م ْ‬
‫ف ٍ‬
‫ه‬
‫ساًء َوات ّ ُ‬
‫وَ َ‬
‫جَها وَب َ ّ‬
‫ث ِ‬
‫خل َقَ ِ‬
‫ما رِ َ‬
‫من َْها َزوْ َ‬
‫جال ك َِثيًرا وَن ِ َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫من ْهُ َ‬
‫ه َ‬
‫با‪" ‬النساء‪"1/‬‬
‫ال ّ ِ‬
‫م َرِقي ً‬
‫كا َ‬
‫م إِ ّ‬
‫ن ب ِهِ َوال َْر َ‬
‫ساَءُلو َ‬
‫حا َ‬
‫ذي ت َ َ‬
‫ن ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬

‫‪.‬‬

‫َ‬
‫ح‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫س ِ‬
‫‪َ ‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫صل ِ ْ‬
‫دي ً‬
‫ول َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫ن َءا َ‬
‫دا)‪ (70‬ي ُ ْ‬
‫ه وَُقوُلوا قَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ل َك ُ َ‬
‫ه فَ َ‬
‫م وَي َغْ ِ‬
‫قد ْ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ن ي ُط ِِع الل ّ َ‬
‫م وَ َ‬
‫م ذ ُُنوب َك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫مال َك ُ ْ‬
‫م أع ْ َ‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫ما‪"‬الحزاب‪."71-70/‬‬
‫َفاَز فَوًْزا ع َ ِ‬
‫ظي ً‬

‫أما بعد ‪:‬‬
‫فيسرني أن أقدم لبناء أمتنا السلمية هذا الكتاب الذي يتحدث عن‬
‫‪ ،‬والذي‬
‫‪ ‬عن رب العزة‬
‫تلقي الرسول‪ ‬للفاظ القرآن الكريم عن جبريل‬
‫‪‬رئيس جامعة اليمان‪ ،‬ورئيس هيئة العجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية‬
‫برابطة العالم السلمي سابقا ً ‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫قدم فيه الباحث –الذي أسأل ال‪ ‬له التوفيق وأن يجعله من العلماء‬
‫التقياء العاملين‪ -‬فصوًل شيقة‪ ،‬وبحوثًا رصينة‪ ،‬جمع فيها ما تفرق في‬
‫الكتب المتخصصة في بحث هذه القضايا… ‪.‬‬
‫فبدأ الباحث بحثه في فصله الول عن أول سلسلة البلغ عن ال‬
‫جل ذكره‪ -‬المتمثلة بجبريل‪ ‬ومؤهلته التي هيأته لنقل كلم ال ‪‬‬‫بأعلى درجات الحفظ‪ ،‬ثم واصل في فصله الثاني البحث في كيفية اتصال‬
‫جبريل‪ ‬بالرسول‪ ،‬وتهيئة جبريل‪ ‬والرسول ‪ ‬لتحقيق ذلك‬
‫التصال بين ُمَعّلم من عالم الملئكة ورسول من عالم البشر‪ ،‬وقّرب ذلك‬
‫بالمثلة المفيدة…ثم فصل في الفصل الثالث كيفية تلقي الرسول‪ ‬للفاظ‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬والهيئة التي تم بها ذلك التلقي‪ ،‬وكيفية مجيء جبريل‪،‬‬
‫وكيفية إلقاء الوحي على قلب النبي ‪ ،‬وضرب لذلك المثلة التي تقرب‬
‫للذهان فهم ما نقل لنا من كيفية تلقي النبي ‪ ‬للفاظ القرآن الكريم عن‬
‫جبريل‪. ‬‬
‫ثم ناقش ما يتصل بذلك مما يتعلق بحالة النبي ‪ ‬وقت التلقي‪،‬‬
‫وحرصه على الحفظ‪ ،‬وما كان يعالج من الشدة من التنـزيل‪ ،‬ويتعجل فيه‬
‫‪ ‬لرسوله‪ ،‬وإمداده بالقدرة على تلقي ألفاظ‬
‫من الحفظ‪ ،‬وتولي ال‬
‫القرآن‪ ،‬وحفظه‪ ،‬وتفاصيل ترتيله‪ ،‬وهيئات أدائه‪ ،‬والمدارسة التي كان‬
‫يتعهد بها جبريل‪ ‬رسول ال ‪ ‬في كل عام ‪.‬‬
‫وعرض لنا في الفصل الرابع ما كان بين جبريل‪ ‬والرسول‪‬‬
‫من صحبة وألفة‪ ،‬وهما يقومان بمهمة نقل كلم ال إلى خلقه وعباده‪.‬‬
‫واستعرض الباحث في الفصل الخامس بعض جهالت الجاهلين‪،‬‬
‫وشبهات المبطلين التي…ما فتئت تلقي بها قلوب الشياطين في قلوب‬
‫الكافرين والمفتونين …ودحضها بما فتح ال عليه من حجج وبراهين ‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫ت جديدًة تثري هذا الموضوع‪ ،‬وتستفيد‬
‫وقد تضمن هذا البحث لفتا ٍ‬
‫من معطيات العصر‪ ،‬في تقريب حدوث الوحي بين عالم الملئكة وعالم‬
‫البشر‪ ،‬وفي رصد الوقائع العملية التي تم بها حفظ ذلك الوحي ‪.‬‬
‫أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا البحث طلب العلــم‬
‫والمهتمين بعلوم‬

‫القرآن‪ ،‬وقضــايا اليمــان والعقيــدة‪،‬‬

‫وأن يجزي صاحبه خير الجزاء ‪.‬‬

‫والحمد لله رب العالمين ‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫تقديم فضيلة الستاذ الدكتور‪ /‬أحمد بن علي المام‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬
‫الحمد ل الذي هدانا بالقرآن الكريم ذي الذكر‪ ،‬وجعل ُقّراءه أهل ال‬
‫فب ِذَل ِ َ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫ك َ‬
‫ه َ‬
‫ل بِ َ‬
‫وخاصته‪ُ  ،‬‬
‫ق ْ‬
‫حوا‬
‫ف ْ‬
‫مت ِ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫فَر ُ‬
‫وب َِر ْ‬
‫ح َ‬
‫ه َ‬
‫ض ِ‬
‫ن‪" ‬يونس‪ ،"58/‬وصلوات ال المباركات‪،‬‬
‫و َ‬
‫ُ‬
‫خي ٌْر ِ‬
‫عو َ‬
‫م ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ج َ‬
‫م ّ‬
‫ه َ‬
‫وتسليماته الزاكيات على سيدنا محمد عبد ال ورسوله خاتم النبياء‬
‫والمرسلين‪ ،‬من نزل عليه القرآن العظيم فتلقاه لفظًا وأداًء‪ ،‬فأدى المانة‪،‬‬
‫عّلم أصحابه‪ ،‬فاتصل سند التعليم بهم في الجيال‪ ،‬وسيبقى‬
‫ونصح المة‪ ،‬و َ‬
‫ه‬
‫محفوظًا بحفظ ال تعالى أبدًا ‪‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫وإ ِّنا ل َ ُ‬
‫ن ن َّزل َْنا الذّك َْر َ‬
‫ف ُ‬
‫ن‪" ‬الحجر‪. "9/‬‬
‫حا ِ‬
‫ظو َ‬
‫لَ َ‬
‫ثم أما بعد‪:‬‬

‫فلقسسسد سسسسعدت فــي جامعــة القــرآن الكريــم‬
‫والعلوم السلمية بمعرفــة البــاحث عبــد الســلم‬
‫مقبــل المجيــدي مــن خلل إشــرافي علــى بحثــه‬
‫لنيل درجــة التخصــص الولــى )الماجســتير( فــي‬
‫التفسير وعلــوم القــرآن الكريــم بعنــوان )تلقــي‬
‫النــبي‪ ‬ألفــاظ القــرآن الكريــم(‪ ،‬وهــي دراســة‬
‫تأصــيلية لكيفيــة تلقــي النــبي ‪ ‬ألفــاظ القــرآن‬
‫الكريم عن جبريل‪ ‬عن الله ‪. ‬‬
‫وقد ساعد الباحث حفظه للقرآن الكريم وتجويده‪ ،‬وإتقانه‪ ،‬وجمعه‬
‫للقراءات القرآنية‪ ،‬ومقدرته البحثية‪ ،‬وهمته العالية‪ ،‬وجده في التحصيل‪،‬‬
‫‪ ‬مستشار رئيس جمهورية السودان لشؤون التأصيل والتخطيط الستراتيجي‪ ،‬ومدير جامعة‬
‫القرآن الكريم والعلوم السلمية في أمدرمان سابقا ً ‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫ب…‪‬ذَل ِ َ‬
‫ك َ‬
‫ه يُ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ه‬
‫ق‪ ،‬وأد ٍ‬
‫ب‪ ،‬وشو ٍ‬
‫وتفرغه لذلك في ح ّ‬
‫ف ْ‬
‫ؤِتي ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ذو ال ْ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ه ُ‬
‫ظيم ِ‪" ‬الحديد‪،21/‬الجمعة‪."4/‬‬
‫ف ْ‬
‫ع ِ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫والل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ض ِ‬
‫شاءُ َ‬

‫أما الدراسة فقد خلصت إلى توثيق النص القرآني‪ ،‬وذلك داخل فيما‬
‫ف في لفظه‪ ،‬ول في‬
‫ضمن ال تعالى من حفظ كتابه العزيز‪ :‬ل يصيبه تحري ٌ‬
‫أدائه ‪.‬‬
‫كما تناول البحث مراتب اللفظ القرآني‪ ،‬وتوقيفية نقل ألفاظ القرآن‬
‫ل وأداًء‪ ،‬وأحسن الباحث استخدام مصادر بحثه في دوائر واسعة‬
‫الكريم أص ً‬
‫من العلوم في أصول الدين‪ ،‬والتفسير‪ ،‬وعلوم القرآن‪ ،‬والسنة‪ ،‬وأصول‬
‫الحديث‪ ،‬والفقه وأصوله‪ ،‬واللغة العربية… ‪.‬‬
‫هذا وقد ُأجيز البحث‪ ،‬ونال درجة المتياز‪ ،‬مع التوصية بطباعته ‪.‬‬
‫ونســأل اللــه تعــالى أن ينفــع بالكتــاب وكــاتبه‬
‫المسلمين‪ ،‬ويوفقه لما يستقبل مــن عمــل‪ ،‬وأن يجعــل‬
‫عملنا وإياه صالحًا‪ ،‬ولوجهه خالصا ً متقبل ً عنده ‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫إلى‪:‬‬

‫هسسسسداٌء و ُ‬
‫شك ٌْر‬
‫إِ ْ‬

‫الربيين من أهل القرآن…يتصدر محرابهم القانت‪:‬‬
‫الشيخ المجاهد المجدد‪ :‬عبد المجيد بن عزيز الزنداني‪ ،‬وشيخي‪ /‬شيخ‬
‫القراء‪ :‬إسماعيل عبد العال أحمد الشرقاوي)‪ ،(1‬وشيخي‪ /‬الستاذ‬
‫الدكتور‪ :‬أحمد علي المام)‪…(2‬‬
‫جعل نور السموات والرض في قلوبكم نورًا… تقتفون به آثار رسولكم‪:‬‬
‫ي مستقيم‪ ،‬تغدق عليكم بينات الصحف‬
‫ل إثر نبيٍل‪ ،‬على صراط عل ّ‬
‫نبي ً‬
‫حسم بحسام الفرقان‪،‬وسيف العزم‪ ،‬فبارك‬
‫المطهرة هداها‪ ،‬فإذا سيركم قد ُ‬
‫حّمدًا طيباً‬
‫ال ذلك المسعى‪ ،‬فهدى‪ ،‬ثم بارك فيه فزاد فيه زيدًا صالحًا ُم َ‬
‫ح وبأساء وضراء‪ُ ،‬يَتَرَبص فيه بدينكم‬
‫مباركًا فيه كرتين‪ ،‬في زمن قر ٍ‬
‫الدوائر… فما وهنتم لما أصابكم في سبيل ال‪ ،‬وما ضعفتم‪ ،‬وما استكنـتم…‬
‫ل منكم عبد ال‪ ،‬فإذا أنتم عباده المخلصون‪،‬‬
‫فارتقيتم أوج الربانية؛ إذ ك ٌ‬
‫ضكم‪ :‬دمعٌة في‬
‫سَعون في كمال النعمة بعد إذ تمت بكمال الدين…ريا ُ‬
‫َت ْ‬
‫ل السفائن الفاتحة‬
‫محراب الماجدين من المتهجدين‪ ،‬ونغمُتكم‪ :‬تهالي ُ‬
‫عد‪ :‬السكينُة المنـزلُة –‬
‫للمدائن‪،‬وسميُركم‪ :‬تراتيل التنـزيل‪،‬وغوُثكم المسا ِ‬
‫دومًا‪ -‬على المؤمنين‪ ،‬وسائُقكم ابتسامة رسول ال ‪ ‬مخترقًة الحجب‬
‫ب هو…وليُد الهيام‬
‫ن القافلة‪ ،‬ورقيبها‪،‬وعاصُمها‪ :‬فح ٌ‬
‫الساترة…أّما أمي ُ‬
‫ن في أفنان‬
‫ق إلى َمَيسا ٍ‬
‫بالعودة ليام الفاروق…وفقه النعمان)‪ ،(3‬وشو ٌ‬
‫شيخي‪/‬‬

‫‪()1‬شيخ الباحث الذي تلقى منه ألفاظ القرآن الكريم بقراءاته العشر من طرق الشاطبية‬
‫والدرة والطيبة ‪.‬‬
‫‪ ()2‬أحسبهم كذلك‪ ،‬والله حسيبهم‪ ...‬ول أزكي على الله أحدا ً ‪.‬‬
‫‪ ()3‬أبو حنيفة –رحمه الله تعالى‪ ،-‬وهو إشارةٌ إلى أئمة السلف عمومًا‪ ،‬والنعمان أقدم الربعة‬
‫–رحمهم الله تعالى‪. -‬‬

‫‪10‬‬

‫الجنان‪ ...‬وإن لقيتم في سفر الدنيا نصبًا‪ ،‬ففيصل رؤاكم الكلية –جلل الدنيا‬
‫وجمالها‪:-‬‬
‫ضيَع ِإيماَنُكم‪"‬البقرة ‪. "143/‬‬
‫ن ال ِلُي ِ‬
‫‪َ‬وَما َكا َ‬

‫‪11‬‬

‫إلى‪:‬‬

‫مقدمة الشكر‪:‬‬

‫شيخي الشيخ إسماعيل عبد العال أحمد‪ُ :‬أشربت منك حب التعلق‬
‫‪‬‬
‫‪ ‬فصرت إمام المتقين الذي جعله ال‬
‫بكل ما اتصل بكتاب ال‬
‫سببًا في أن يكون القرآن شعورًا فياضًا يمل جسدي‪ ،‬وروحًا تسري‬
‫في جوانحي‪ ،‬وعواطفي‪ ،‬وأحاسيسي‪...‬وأنبت في نفسي أن القرآن‬
‫هو القول الثقيل…فمن رام التشرف بالدخول في زمرة حفاظه فهو‬
‫حى إليه…وأن‬
‫‪ ‬غير أنه ل ُيو َ‬
‫رائٌم أن يكون أمين كلم ال‬
‫ئ ليات الكتاب هو المنة العظمى؛ إذ قد آتاه ال‪‬‬
‫استظهار امر ٍ‬
‫السبع المثاني والقرآن العظيم‪ ،‬فل يمدن عينيه إلى ما سواه من‬
‫ع زنيٍم…وما يكون ذا إل وليد مجاهدٍة ‪ ،‬تستصحب صبر أولي‬
‫متا ٍ‬
‫العزم …فإذا صاحبها ماجٌد…قد استمد عنوان مجده من رياض‬
‫القرآن…وما رأيت منك على طول المدى إل أن أسقامك تزداد‬
‫ى‪،‬‬
‫فيكون القرآن سميره غير المفارق…شفاًء لما في صدره‪ ،‬وهد ً‬
‫ب بذلك رحمًة من ربه‬
‫وموعظًة‪ ،‬وزيدًا في إيمانه‪ ،‬ورقيبًا…وُِه َ‬
‫يرجوها؛ إن فضله كان عليه كبيرًا…فله من ربه المان يوم الفزع‬
‫الكبر‪ ،‬والخلد في الفراديس العلى يوم الفوز العظم ‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫شكر‬

‫إلى‪ :‬الذين سارعوا في الخيرات‪ ،‬وسابقوا إلى مغفرٍة من ربهم…بإزجاء‬
‫أفنان المساعدة‪ ،‬للباحث في بحثه‪ ،‬فازدانت بميسان الحسان‪ ،‬وارتفعت‬
‫بعز التواضع‪:‬‬
‫يتصدر محرابهم القانت شيخي‪ :‬الشيخ‬
‫ت به‬
‫المجاهد المجدد عبد المجيد ابن عزيز الزنداني‪ :‬أوي ُ‬
‫ن شديد؛ إذ نشر لي حقائق إيتاء اليمان قبل‬
‫إلى رك ٍ‬
‫ت منه تأويل )الصبر‪ ،‬واليقين‪ ،‬والمامة في‬
‫م ُ‬
‫القرآن‪ ،‬وع َل ِ ْ‬
‫الدين(‪ ،‬وتعلقت بأهدابه علمًا‪ ،‬وإيمانًا؛ إذ كان من الذين‬
‫أوتوا العلم واليمان‪ ،‬وداعي صحبته يهتف بي‪) :‬يا بني!‬
‫إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك‪ ،‬فاتبعني أهدك‬
‫صراطا ً سويًا( ‪.‬‬
‫ويؤمهم شيخي الشيخ المبجل‪ :‬الستاذ الدكتور ‪/‬أحمد‬

‫علي المام‪ ،‬إذ حّفتني بنعمة صحبته رحمٌة من ربي أرجوها‪ ،‬فرأيت‬
‫مَباَر ً‬
‫‪ ‬قد تجسدت بشرًا سويًا‪ ،‬وتوسمت فيه‬
‫كا‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫عل َِني ُ‬
‫فيه معنى‪َ ‬‬
‫ت رشدًا(‪،‬‬
‫معنى الصّديقية‪ ،‬هاُتفها‪) :‬اتبعني على أن أعلمك مما علم ُ‬
‫وأحاطت بي عنايته‪ :‬أبًا متابعًا لي في أدق أموري‪ ،‬وأهونها‪ ،‬وشيخًا مرشدًا‬
‫ب علمني الكتاب والحكمة‪ ،‬وعلمني ما لم أكن أعلم‪،‬‬
‫ي معاني‪) :‬ر ّ‬
‫بذر ف ّ‬
‫خُلُقه القرآن‪ :‬آتاني من لدنه حنانًا‪،‬‬
‫ي عظيمًا(‪ ،‬وعالمًا ُ‬
‫واجعل فضلك عل ّ‬
‫ي بصائر سبيل من كان تقيًا‪ ،‬وأما مكتبته‪ ،‬وبيته‪ ،‬ووقته‪،‬‬
‫وزكاة‪ ،‬وأنبت ف ّ‬
‫وتواضعه‪ ،‬وآفاق علمه‪ ،‬وفتحه للبصائر في طرح المسائل‪ ،‬فذاك ما‬
‫ل عن ذكر حقه‪ ،‬وحقيقته ‪.‬‬
‫يتوارى الوصف خج ً‬

‫‪13‬‬

‫ويمضي ‪-‬حثيث ً‬
‫ا‪ -‬في قافلتهم‪ :‬شيخي‪ :‬الشيخ‬
‫محجوب أحمد طه‪ :‬والدي بعد والدي‪ ،‬أغدق على فؤادي‬
‫حنان الب‪ ،‬وإخبات اليمان‪ ،‬وزكاة النفس‪ ،‬وقذف في‬
‫قلبي أن بهارج الدنيا‪-‬علما ً كانت‪ ،‬أو متاعًا‪ -‬ل تدخل معي‬
‫وزر‪ ،‬ول ترفع الصر‪.‬‬
‫القبر‪ ،‬ول تنجي من تبعة ال ِ‬
‫وشيخي‪ :‬الشيخ عبد الله الزبير‪ :‬لول أن تداركتني‬
‫ت بعراء الجهالة المتعالمة‪ ،‬وأنا‬
‫به رحمة من ربي لن ُب ِذ ْ ُ‬
‫مذموم‪ ،‬ثم زاد فأتبعني سببا ً بالتعاهد والستدراك‪ ،‬ثم زاد‬
‫فأكمل‪ ،‬ثم زاد فأجمل‪ ،‬فإذا أنوار الله تحيط بي‪ ،‬ولطفه‬
‫ي بسببه‪ :‬صابرا ً على جفائي‪ ،‬رافعا ً عني ما أجده‬
‫يتتابع عل ّ‬
‫من أنوائي ‪.‬‬
‫وإلى‪ :‬أساتذتي‪ :‬الشيخ محمد النسي‪ ،‬والشيخ علي‬
‫مقبل الجابري‪ ،‬والشيخ سعد حنتوس‪،‬وإلى…أبي عبد‬
‫الله…إذ عرفت منهم النور في بصائر القرآن حين يشرق‬
‫على تفكير النسان‪ ،‬ولمست منهم إعانة لي على حمل‬
‫أعباء الحياة‪ ،‬ورأيت منهم صدق التعبد لله ‪.‬‬
‫ن عل بمتابه…فرؤيت فيه حقائق‬
‫وإلى‪ :‬مساعٍد…هو أمي ٌ‬
‫اليمان‪ ،‬فسما بيقين القرآن في الدنيا إلى روح وريحان…‬
‫فأجال الطرف الحائر فيما وراء ذلك من رضوان…حتى‬
‫أشرقت بأبي الشروق شمس الخير‪ ،‬ولهفة الظمآن‬
‫إلى مشارع الفرقان…تنبئ الدنيا عن حقيقة الخلص‬
‫للرحمن الودود…فأوتيت بمدد القرآن عطاء غير مجذوذ ‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫وإلى‪ :‬الشيخ عبد الهادي والقائمين على دار الطلب‬
‫اليمنيين…‬

‫إليهم‪ :‬إذ رفعوا عني بسيف العزم ضعف اليقين‪ ،‬ووعثاء‬
‫الطريق‪ ،‬وقلة الصدق‪ ،‬وفرادة الصديق…تعلي جمعنا‬
‫منائر العودة لعلى رفيق…تذكر بالفاروق آن أن‬
‫ديق لقادر…فهو‬
‫ص ّ‬
‫يلتهب المضيق…والله على رجع أيام ال ّ‬
‫ب وناصر ‪.‬‬
‫صم سبحانه خير واه ٍ‬
‫المعت َ‬
‫وإلى‪ :‬آخرين ممن يستحيي القلم أن يسطر أسماءهم‪ ،‬للفضيلة‬
‫المدخرة لهم عند ربهم‪:‬‬

‫شكر الله لكم‪ ،‬ووهب لكم من رحمته‪ ،‬وجعل‬
‫ق عليا ً ‪.‬‬
‫لكم لسان صد ٍ‬

‫المقدمة‬
‫"اللهم إنا نحمدك أقصى مدى الحامدين‪ ،‬ونعترف‬
‫بآلئك كما أوجبت على المطيعين‪ ،‬من عبادك المعترفين‪،‬‬
‫ونسألك أن تصلي على نبيك المرتضى محمد وآله‬
‫الطاهرين‪ ،‬وصحبه الراشدين‪ ،‬وأن تحسن العون والتسديد‬
‫على ما ُأجمع فيه القربة إليك‪ ،‬بما يحظي بالزلفة لديك‪،‬‬
‫وأن تجعل العمل لك‪ ،‬والتصال بك‪ ،‬والمطالب مقصورةً‬
‫على مرضاتك‪ ،‬وإن قصرت الفعال عن مفروضاتك‪،‬‬
‫‪4‬‬
‫وصلتها برأفتك‪ ،‬وجعلتها مما شملته بركات رحمتك") ( ‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫سب في تبيين وجوه‬
‫)( بتصرف من استهلل المام أبي الفتح بن جني في كتابه ) المحت َ‬
‫شواذ القراءات واليضاح عنها ( تحقيق ‪ :‬علي النجدي ناصف وآخرون ‪ ،‬المجلس العلى‬
‫للشؤون السلمية – لجنة إحياء كتب السنة – القاهرة ‪1415‬هس ‪1994 -‬م ‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫وبعد‪:‬‬

‫فقد تمت كلمات الله صدقا ً وعدل ً) (‪ ،‬وكان‬
‫ه‪" ‬النعام‪"115/‬تأكيدا ً‬
‫مب َدّ َ‬
‫مما تم أنه‪:‬‬
‫مات ِ ِ‬
‫ل ل ِك َل ِ َ‬
‫‪‬ل َ ُ‬
‫على أهمية الحفاظ على لفظ القرآن؛إذ هو المعبر‬
‫الوحيد‪ ،‬والسبيل الفريد لتأويل معناه‪ ،‬وسبر غوره‪،‬‬
‫ل في لفظه‪ ،‬أو تحريف‬
‫وإدراك مغزاه … وأي تبدي ٍ‬
‫س لمعناه بما اكتنفته عقول البشر‬
‫في أدائه‪ُ ،‬‬
‫مل ْب ِ ٌ‬
‫ن‪.‬‬
‫من معا ٍ‬
‫وإذا كانت الية جاءت على سبيل الخبر؛ فإن‬
‫الفهم العملي القائم على أسس البناء الفقهي‬
‫ارتكازا ً على تقريرات أصول الفقه في باب الخبر‬
‫والمر– يحتم جعل هذه الحقيقة اللهية في إطارها‬
‫الواقعي‪ ،‬ومن ثم تكوين أدوات التنفيذ لحالة هذه‬
‫الحقيقة إلى واقع‪ ،‬مع اليقين بأن حدوث ذلك أمر‬
‫قدر كوني…للضمان اللهي الظاهر في الية‬
‫السابقة…فتكوين الدوات الواقعية لحفظ ألفاظ‬
‫القرآن الكريم إنما هو تناغم مع الحقيقة اللهية‬
‫الحتمية…كما يجتمع النفي في آية النعام المتقدمة‬
‫ن ن َّزل َْنا الذّك َْر‬
‫مع الثبات في آية الحجر‪‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ف ُ‬
‫ن‪" ‬الحجر‪ "9/‬ليظهر السياج اللهي‬
‫حا ِ‬
‫ظو َ‬
‫ه لَ َ‬
‫وإ ِّنا ل َ ُ‬
‫َ‬
‫المتين الذي حفظ لفظ القرآن الكريم من أن يطرأ‬
‫عليه أدنى تغيير‪ ،‬أو أن تعتريه شائبة تطوير من‬
‫ساهٍ أو من متعمد ‪.‬‬
‫وإذا كان اللفظ هو سبيل المعنى فإن أداء اللفظ‬
‫هو سبيل إخراجه‪ ،‬وإبانُته هو طريق إدراكه‪ ،‬فالقدح في‬
‫اللفظ قدح في المعنى‪ ،‬والخلل في أداء اللفظ خلل‬
‫في اللفظ ذاته‪ .‬فقد اجتمع من هذا الرتباط‪:‬‬
‫‪5‬‬

‫)( إشارة إلى قوله تعالى‪ :‬‬

‫‪5‬‬

‫ة َرب ّ َ‬
‫صد ْ ً‬
‫دل…‪ " ‬النعام ‪."115/‬‬
‫و َ‬
‫م ُ‬
‫ك ِ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫ت ك َل ِ َ‬
‫وت َ ّ‬
‫قا َ‬
‫َ‬

‫‪16‬‬

‫أهمية كل واحد من الثلثة )المعنى‪ ،‬اللفظ‪،‬‬
‫أداء اللفظ( للخر‪ ،‬وشدة تعلق كل بالخر‪،‬‬
‫مط َل ّعُ على مفاهيم اللغة‪ ،‬ودللت اللفاظ‪ ،‬يعلم‬
‫وال ُ‬
‫اعتراء التغير فيها بمجرد تغير أدائها‪ ،‬فكيف تغير‬
‫لفظها؟)‪.(6‬‬
‫وكانت الجهود الكثيفة التي وجهت للعتناء بلفظ‬
‫القرآن الكريم ‪ ،‬وطريقة أدائه مكونة الطار‬
‫الواقعي لحقيقة الحفظ اللهي قد بدئت من لدن‬
‫جبريل‪ ‬الذي علم النبي ‪ ‬أضرب الوحي يقدمها‬
‫الوحي القرآني‪ ،‬وبقيت هذه الجهود متتابعة إلى أيامنا‪،‬‬
‫نقل ً للفظ القرآن‪ ،‬وطريقة أدائه‪ ،‬وهيئات ضبطه‪ ،‬وسبل‬
‫رسم ألفاظه‪ ،‬ودروب الوقف والبتداء في آياته‪ ،‬وعدد‬
‫تلك اليات‪ ،‬وأزمنة حفظه‪ ،‬ومراجعته‪ ،‬وقراءته‪،‬‬
‫وإقرائه… وهذه ونحوها جهود من حيث المحافظة على‬
‫اللفظ ‪.‬‬
‫وأساس السس في الدوات الواقعية للمحافظة‬
‫على اللفظ وأدائه هو المشافهة )التلقي(…وما‬
‫زال المسلمون يقررون –لذلك‪ -‬أن القراءة سنة‬
‫يتلقاها الخر عن الول)‪ ،(7‬ل يدخلها اجتهاد‬
‫بشري‪ ،‬ول قياس عقلي‪ ،‬ورسخ فيهم ذلك حتى صار‬
‫‪ ()6‬وهذا على تفصيل في أنواع الداء؛ إذ منه ما يرجع إلى الصفات الذاتية للفظ‪ ،‬فل يستقيم‬
‫اللفظ بدونها كالستعلء‪ ،‬والستفال‪ ،‬والجهر‪ ،‬والشدة … ومنه ما يرجع إلى الصفات العارضة‬
‫كالتفخيم‪ ،‬والترقيق‪ ،‬والفتح‪ ،‬والمالة؛إذ هي راجعة إلى الستعلء‪ ،‬والستفال… فل يتأثر أصل‬
‫اللفظ بأدائه هنا‪ ،‬بل إن الدراسات الصوتية‪ ،‬والملحظات العابرة لهيئات أداء الكلمات‪،‬‬
‫ونطق الجمل‪ ،‬قد أثبتت تغير المعنى بتغير الهيئات الفرعية للداء‪ ،‬كتغير النبر‪ ،‬وهو من‬
‫الهيئات الموغلة في الفرعية من حيث نطق اللفاظ‪ ،‬انظر‪ :‬د‪ .‬يوسف الخليفة أبو بكر‪:‬‬
‫البحث التربوي واللغوي في مجال تعليم القرآن الكريم‪ ،‬بحث منشور في مجلة جامعة‬
‫القرآن الكريم والعلوم السلمية‪ ،‬العدد الول‪ ،‬ذو القعدة ‪1415‬هس ‪.‬‬
‫‪ ()7‬انظر لمعرفة بعض الثار الدالة على ذلك‪) :‬ابن الجزري( أبو الخير محمد بن محمد بن‬
‫محمد‪ :‬منجد المقرئين ومرشد الطالبين ص ‪-20‬دار زاهد المقدسي‪ ،‬تفضل بقراءته بعد‬
‫طبعه‪ :‬الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي‪ ،‬والشيخ أحمد محمد شاكر ‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫معلوما ً من الدين بالضرورة‪ ،‬فاتفقوا على أن أول‬
‫شروط نقل القرآن التلقي المسِند من الشيخ إلى‬
‫الطالب‪ ،‬وإن اختلفوا في بقية الشروط بعد ذلك‪،‬‬
‫وأصل أصول هذا التلقي‪ :‬هو التلقي الذي‬
‫نقل القرآن من السماء إلى الرض‪ ،‬وهو تلقي‬
‫النبي‪ ‬من جبريل‪ ،‬ودراسته تضع الدارس على‬
‫أصل أصول السس المنهجية في الهيئة التعليمية‬
‫للفاظ القرآن الكريم‪ ،‬وتمكنه من تحليل ما يتناقله‬
‫المسلمون من تلك الهيئات ‪.‬‬
‫لذا استحق هذا الموضوع الجليل إفراده بالبحث‬
‫والدراسة لي ُْعلم من خلله كيف كان تلقي الرسول‬
‫‪‬ألفاظ القرآن من جبريل‪ ،‬وكيف كان أداء‬

‫جبريل ‪ ‬لتلك اللفاظ عند تعليمه للنبي ‪‬‬

‫كما‬

‫وإ ِن ّ َ‬
‫قى ال ْ ُ‬
‫ك ل َت ُل َ ّ‬
‫ح ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ل َدُ ْ‬
‫قْرآ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫قال تعالى‪َ  :‬‬
‫كيم ٍ‬
‫‪8‬‬
‫عِليم ٍ‪" ‬النمل‪( )"6/‬؛ ومن أهم دواعي ذلك غير‬
‫َ‬

‫الطمئنان السابغ على حقيقة الحفظ‬
‫خذ‬
‫اللهي للفاظ القرآن الكريم أن ت ُت َ َ‬
‫التفصيلت المنهجية في طريقة تلقين‬
‫جبريل‪ ‬سبيل ً منهجيا ً في الخطة التعليمية‬
‫م عند الختلف‬
‫للفاظ القرآن ي ُْر َ‬
‫جعُ إليها‪ ،‬وي َُتحاك َ ُ‬
‫مناِتها‪ ،‬ما دامت موضوعة ضمن دائرة‬
‫مت َ َ‬
‫ض َ‬
‫إلى ُ‬
‫السوة والطاقة البشرية‪.‬‬

‫‪ ()8‬راجع‪) :‬الطاهر بن عاشور(‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،223 / 19‬لم تذكر الطبعة‪ ،‬ول الناشر‪ ،‬و‬
‫)اللوسي( محمود شكري البغدادي ت ‪1270‬هس‪ :‬روح المعاني في تفسير القرآن العظيم‬
‫والسبع المثاني ‪ ،19/237‬دار الفكر‪ ،‬بيروت‪1417 ،‬هس ‪1997‬م– قرأه وصححه‪ :‬محمد حسين‬
‫قي المراد في الية هو جبريل ‪ ‬وأن صفتي‬
‫مل ْ ِ‬
‫العرب؛ إذ رجحا ككثير من المفسرين أن ال ُ‬
‫العلم والحكمة إليه ترجع ‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫ويصبح طرق هذا الموضوع في حيز الضرورة في‬
‫ن تعالت فيه أصوات النهزام أمام الضغط الثقافي‬
‫آ ٍ‬
‫المستعلي الوافد‪ ،‬فنادت بعدم التزام اللفظ‪ ،‬وأنكرت‬
‫التزام الداء من حيث الصل)‪ ،(9‬بل حاولت فيها أن‬
‫ون صورة‬
‫تجعل القرآن كأي بناء لغوي منطوق ي ُك َ ّ‬
‫أدائية‪ ،‬تتغير بتغير الزمن‪ ،‬ول يعوق هذا التغيير عوامل‬
‫التقديس)‪.… (10‬‬

‫فهاهنا أصلن استلزما البحث في هذا‬
‫الموضوع‪:‬‬
‫إيجابي‪ :‬وهو معرفة أصل أصول السس المنهجية‬
‫في الخطة التعليمية للفاظ القرآن الكريم‪ ،‬والتأكيد‬
‫الواقعي لحقيقة الحفظ اللهي للفاظ القرآن الكريم‬
‫وأدائه ‪.‬‬
‫منات الذاتية التي‬
‫سلبي‪ :‬وهو التأكيد على المت َ َ‬
‫ض َ‬
‫ضمتها عملية تلقي النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن الكريم من‬
‫جبريل ‪‬مما يظهر معها تهافت أي طرح‬
‫غريب في ميدان تلقي اللفظ القرآني ‪.‬‬
‫س –بالتفصيل‪ -‬هيئة إلقاء‬
‫اقتضى ذلك كله أن ت ُد َْر َ‬
‫جبريل ‪ ‬ألفاظ القرآن الكريم‪ ،‬وهيئة تلقي النبي ‪‬‬
‫دها‪ ،‬وت ُب َّيين محكماُتها؛ إذ ذلك أصل‬
‫لها‪ ،‬وت ُ َ‬
‫قعّد َ قوا ِ‬
‫ع ُ‬
‫‪ ()9‬انظر‪ :‬مثال ذلك في كتاب‪ :‬الفرقان لمن رمز لسمه بابن الخطيب‪ ،‬وهو محمد محمد‬
‫عبد اللطيف‪ ،‬الطبعة لم تذكر –دار الكتب العلمية – بيروت‪ ،‬وقد طبع هذا الكتاب‪ ،‬ومما‬
‫زعمه أن القرآن حفظ بمعناه ل بلفظه‪ ،‬وأن القرآن ل يجب تلقيه من القراء‪ ،‬فأصدر شيخ‬
‫الزهر بعد طبعه قرارا ً بتشكيل لجنة من ثلثة من العلماء لمناقشة ما جاء فيه‪ ،‬فوضعت‬
‫اللجنة تقريرها المتضمن ذكر أباطيله عام ‪1948‬م‪ ،‬وصودر الكتاب‪ ،‬واختفى من أيدي الناس‬
‫على أن مصيره كان الهمال قبل ذلك‪ ،‬وهو كذلك بعد ذلك ‪ .‬وانظر‪ :‬غانم قدوري الحمد‪:‬‬
‫رسم المصحف دراسة لغوية تاريخية‪ ،‬ط ‪1402 ،1‬هس – ‪ 1982‬م‪ ،‬ص ‪. 212‬‬
‫‪ ()10‬انظر‪) :‬عرجون( الشيخ محمد الصادق )عميد كلية أصول الدين(‪:‬بحث علمي لنقد‬
‫مزاعم حول قراءات القرآن في رسالة‪) :‬أصوات المد في القرآن الكريم( بكلية الداب ‪-‬‬
‫جامعة السكندرية‪ ،،‬جامعة الزهر‪ ،‬اتحاد الطلب بكلية أصول الدين‪ ،‬اللجنة الجتماعية‬
‫‪1386‬هس – ‪1966‬م ‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫أصول الكليات العلمية السلمية‪ ،‬كما هو قاطع لمختلف‬
‫القوال‪ ،‬ومتناَزع التأويلت في الجوانب التي ت َُتعلم في‬
‫القرآن الكريم من حيث لفظه‪ ،‬ودخول طريقة أدائه في‬
‫ذلك التعليم‪.‬‬
‫ويلحظ في منهج البحث ما يلي‪:‬‬
‫‪-1‬الجمع بين القوال المختلفة في اللفظ عند عدم التنافي‪ ،‬مع دللة‬
‫السياق‪ ،‬أو غيره على إرادة الجمع)‪ ،(11‬وذلك عند بحث مسائل الكتاب‬
‫العلمية…وما حال كثير من القوال الواردة في المسألة الواحدة إل كما‬
‫قال المام أبو إسحاق الشاطبي‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬إذا تعددت الجهات زال‬
‫التدافع‪ ،‬وذهب التنافي‪ ،‬وأمكن الجمع")‪. (12‬‬
‫ت خاصة من حيث تعلقها‬
‫‪-2‬قد يسمي الباحث بعض النصوص بتسميا ٍ‬
‫بالبحث نسبة وتمييزًا واختصارًا‪ ،‬اجتهاداً منه ل لنص خاص ورد فيها‪،‬‬
‫كالتسمية بآية طه‪ ،‬فيرجع عند الحالة إلى الية المخصوصة التي وردت‬
‫في ثنايا البحث من سورة طه‪ ،‬ول تكون التسمية إل لما تكرر دورانه في‬
‫البحث ‪.‬‬
‫‪-3‬يكرر الباحث استعمال عبارة‪) :‬كما هو المعمول به عند‬
‫المسلمين( في أدق الدقائق في نقل لفظ القرآن الكريم‪ ،‬وتلوته‬
‫ن…تحقيقا ً‬
‫كمسألة كيفيات الترتيل‪ ،‬أو الوقت المستغرق للمد أو الغ ّ‬
‫لمرين‪:‬‬

‫‪-1‬‬

‫ليكون دليل ً عمليا ً متواترا ً عاما ً يأخذ‬
‫صفة نقل المم عن المم‪ ،‬ويقمع َزَبَدًا من الفكار التي تحاول‬
‫الطفو في واقع المسلمين‪ ،‬زاعمة أن أسلوب نقل القرآن إنما‬
‫هو اجتهاد من بعض القراء ل غير؛ إذ إيقاف المتقول أمام هذه‬
‫الحقيقة الصارخة يجعله أمام أمرين ل بد له من أحدهما‪:‬‬
‫‪ ()11‬وهو نهج المحققين من العلماء‪ ،‬انظر مث ً‬
‫ل‪) :‬ابن القيم( أبو عبد الله شمس الدين محمد‬
‫بن أبي بكر بن أيوب الُزرعي )‪691‬هس ‪751-‬هس(‪ :‬تهذيب مدارج السالكين ‪ ،39 /1‬عند الكلم‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م …‪ "‬النحل ‪ ،"76/‬ط ‪،5‬‬
‫على قوله تعالى‪:‬‬
‫حد ُ ُ‬
‫و َ‬
‫نأ َ‬
‫مث َل ً َر ُ‬
‫ضَر َ‬
‫ما أب ْك َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫جل َي ْ ِ‬
‫‪1994-1414‬م‪ ،‬وهذبه‪ :‬عبد المنعم صالح العلي العزي ‪ -‬مؤسسة الرسالة‪ ،‬بيروت ‪.‬‬
‫‪) ()12‬الشاطبي( أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الللخمي ت ‪790‬هس‪ :‬الموافقات في أصول‬
‫الشريعة ‪ ،1/313‬توزيع عباس أحمد الباز‪ ،‬الطبعة لم تذكر ‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪20‬‬

‫إما التسليم بذلك ونبذ فكرته‪ ،‬وإما معارضتها‬
‫بدليل يبرزه‪ ،‬وهو أسلوب في الحوار مأخوذ من مفهوم‬
‫هان َ ُ‬
‫قوله تعالى ‪ُ …‬‬
‫ق ْ‬
‫كم إن كنتم صادقين‪‬‬
‫هاُتوا ب ُْر َ‬
‫ل َ‬

‫"النمل‪. …"64/‬‬

‫ليستبين به مقدار الحفظ‬
‫‪-2‬‬
‫اللهي لكتاب الله الكريم على هيئة‬
‫إجماعية للمة في كل ما يتعلق باللفظ‬
‫القرآني‪ ،‬حتى في أدق التفاصيل‪ ،‬وهو أمر يدعو‬
‫للدهشة ليس له تفسير إل أن الحفظ للكتاب‬
‫الكريم إلهي ‪.‬‬
‫‪-4‬ولن الكلم في هذا البحث دائر حول أمر‬
‫سمعي ل عقلي‪ ،‬فالشأن فيه يرجع إلى النقل‪ ،‬ومجال‬
‫العقل الستنباط وفق قواعد وأصول الستنباط‪ ،‬ولذا‬
‫يلتزم الباحث بإيراد نصوص القرآن الكريم وصحاح عند‬
‫الستدلل للحقيقة أو تقعيد القاعدة فيما يتعلق‬
‫بالموضوع‪ ،‬ولكن قد يرد –في النادر‪-‬حديث ضعف عند‬
‫بعض صيارفة الحديث فيما كان سبيله الستئناس ل‬
‫التقعيد والتأصيل…وهذا منهج مقبول على تفصيل معلوم‬
‫عند علماء الحديث وأصول الفقه ‪.‬‬
‫الهيكل العام للبحث‪:‬‬
‫يتكون البحث من خمسة فصول‪:‬‬
‫ووجه هذه القسمة‪ :‬أن )تلقي النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن(‬
‫يستلزم الحاطة العلمية بس )التلقي(‪ ،‬و)المتلقي( وهو‬
‫قى( وهو‬
‫مل ْ َ‬
‫مل ْ ِ‬
‫قي( وهو جبريل‪ ،‬و)ال ُ‬
‫النسبي ‪ ،‬و)ال ُ‬
‫القرآن‪ ،‬و)الخاص من ذلك‪ ،‬وهو ألفاظ القرآن(…فتلك‬
‫ص ُ‬
‫ل في خمسة فصول إيماء وإشارة‪ ،‬أو‬
‫خمسة محاور‪ ،‬ت ُ َ‬
‫ف ّ‬
‫تبينا ً بالقصد الصلي‪ ،‬وصريح العبارة‪ ،‬وبيان ذلك أن يقال‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫لما كان البحث دائرا ً حول كيفية تعليم جبريل ‪‬؛‬
‫فقد لزم أن تعرف مؤهلت المعلم من حيث هو معلم‬
‫خاص من عالم غيبي؛ فتظهر من خلل ذلك صورة تفرغه‬
‫لهذه المهمة الجليلة‪ ،‬وجدارته القائمة على إعداده اللهي‪،‬‬
‫قي )المهاري(؛ فكان الفصل‬
‫قي‪ ،‬وال ُ‬
‫واستعداده ال َ‬
‫خل ُ ِ‬
‫خل ْ ِ‬
‫الول منعقدا ً لهذه الغاية‪ ،‬وعنوانه‪ :‬مؤهلت المعلم‪.‬‬
‫ولن المعلم الملقي ينتمي من حيث جنسه إلى عالم‬
‫الغيب بالنسبة للبشر‪ ،‬وذا يقتضي عدم قدرة النسان في‬

‫أحواله الطبيعية على اللتقاء بعالم غيبي أو التصال به؛‬
‫م تفصيل السبل التي جعلت التصال بين‬
‫فقد لزم أن ي ُعْل َ َ‬
‫المعلم جبريل‪ ‬والمتعلم وهو النبي ‪ ‬ميسورا ً بل أكثر‬
‫يسرا ً من اتصال البشر بالبشر…فتخبت عند ذاك قلوب‬
‫الذين أوتوا العلم بأن جبريل‪ ‬كان يأتي النبي ‪ ‬في كل‬
‫لحظة زمانية‪ ،‬في أي حيز مكاني ليؤدي مهمته التعليمية‬
‫إنشاًء‪ ،‬أو متابعة…وذلك مفصل في الفصل الثاني‪،‬‬
‫وعنوانه‪ :‬اتصال جبريل ‪‬بالنبي ‪ ‬للوحي القرآني ‪.‬‬
‫ة لغاية البحث الساسية‪:‬‬
‫ولما كان ما سبق تقدم ً‬

‫وهي بيان أوجه تعليم جبريل ‪ ‬لفظ القرآن‪،‬‬
‫ومتعلقات ذلك؛ وتلقي النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن‬
‫منه‪ ،‬فقد كان الفصل الثالث منعقدا ً لتلك الغاية‪،‬‬
‫وعنوانه‪ :‬هيئة تلقي النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن الكريم من‬
‫جبريل ‪ ‬بما يحتويه من مباحثه التسعة ‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫ضا ً أو‬
‫وإذ توجد في كل موضوع جوانب تقرب من محور البحث عََر َ‬
‫ضا ً؛ فقد كان الفصل الرابع منعقدا ً لهذه الغاية‪،‬‬
‫غََر َ‬
‫وعنوانه‪ :‬الصول العامة في تعليم جبريل ‪ ‬القرآن من‬
‫حيث اللفظ‪ ،‬وهو يرمي لتحقيق هذا الهدف ل‬

‫لغيره‪ ،‬كما أن فيه بيان لمظاهر الصحبة‬
‫المتميزة بين جبريل‪ ‬والنبي ‪ ،‬والرتباط‬
‫الوثيق بينهما‪ ،‬والعلقة الحميمة التي تمثل أوج‬
‫الروابط بين مقرئ ملقي‪ ،‬وقارئ متلقي ‪.‬‬
‫ولن محور البحث وهو )التلقي( قد يجابه بجملة‬
‫انتقادات في دقته‪ ،‬أو بقدٍح في هيئته‪ ،‬وي َُر ّ‬
‫شح ذلك‬

‫غرابة التصال بين مخلوقين من مستويين فيزيائيين‬
‫مختلفين‪ ،‬وخصوصيته بين طرفي العملية التعليمية‬
‫التلقينية؛ فقد انعقد الفصل الخير لمعالجة جانب‬
‫السلب في موضوع البحث‪ ،‬بعد أن سبقته الفصول‬
‫الربعة بمعالجة جوانب اليجاب فيه‪ ،‬ولذا كان الفصل‬
‫الخامس‪ ،‬وعنوانه‪ :‬دمغ الباطل‪ ،‬وفيه يذكر الباحث بعض‬
‫الشبهات المقدوح بها في دقة تلقي النبي ‪ ‬ألفاظ‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬دامغا ً باطلها بحقائق التلقي اليقينية التي‬
‫حفت العملية التعليمية بين النبي‪ ‬وجبريل‪ ،‬ولذا‬
‫فتناولها سيكون من هذه الزاوية ل غير‪.‬‬
‫ولن البحث دائر حول منهج ُيعّلم وُيتعلم تلقيا ً فقد‬
‫ُألحق بالبحث مناقشة علمية حول ماهية المنهج المتلقى‬
‫)القرآن الكريم( من حيث حدوده اللفظية كنوع من‬
‫المعرفة لمذاهب العلماء حول الحدود الفاصلة في تعريف‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬وللتأكيد على أن اختلف ألفاظهم في‬
‫تعريفه…إن هو إل زيادة تأكيد منهم على بدهية حدوده‬
‫اللفظية عند المسلمين‪ ،‬والمنهج التلقيني في تعلمه‬
‫وتعليمه لُيعَلم أن التلقي صفة ذاتية للقرآن الكريم ‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫وقد حذف الباحث من هذه الطبعة بعض المباحث‪،‬‬
‫والتراجم‪ ،‬والحواشي التي لم يرها ضرورية في النشر‬
‫العام)‪ ،(13‬وكانت من أصل الرسالة‪ ،‬كما أن الباحث يعتذر‬
‫عن الطبيعة الجدلية التي كانت تسوق إليها طبيعة‬
‫المسألة المبحوثة سوقًا‪ ،‬كما عمد إلى تزكية الجو العلمي‬
‫للبحث بجمل أدبية في آخر كل مرحلة من مراحل البحث‬
‫التي عبرت عنها الفصول والمباحث ‪.‬‬

‫ومن الله –وحده‪ُ-‬يلتمس التوفيق والسداد‪،‬‬
‫والحمد لله رب العالمين ‪.‬‬

‫‪ ()13‬أصل هذا البحث رسالة علمية قدمت لنيل درجة التخصص الولي )الماجستير( من قسم‬
‫التفسير وعلوم القرآن في جامعة القرآن الكريم والعلوم السلمية في السودان تحت‬
‫إشراف فضيلة الستاذ الدكتور‪/‬أحمد علي المام مدير جامعة القرآن الكريم سابقا ً ومستشار‬
‫الرئاسة لشؤون التأصيل‪ ،‬ونالت درجة ممتاز مع التوصية بطباعتها ‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫الفصل الول‬

‫ملقي‬
‫مؤهلت المعلم ال ُ‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫‪‬‬
‫وى‬
‫‪َ ‬‬
‫ش ِ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ق َ‬

‫يتألف هذا الفصل من مقدمة وأربعة مباحث‪:‬‬
‫فالمقدمة لبيان جلية المر في ألفاظ القرآن الكريم وأنها ألفاظ رب‬
‫سل الُمعّلم‪ ،‬وليس‬
‫‪ ‬فيها سوى صفة الُمْر َ‬
‫العّزة‪ ‬وكلمه‪ ،‬وليس لجبريل‬
‫سل المبّلغ ‪.‬‬
‫‪ ‬فيها سوى صفة الُمْر َ‬
‫للنبي‬
‫والمبحث الول يتكلم عن أهمية الحديث عن موضوع جبريل‪ ‬في‬
‫بعده التاريخي وأهدافه المنهجية ‪.‬‬
‫والمبحث الثاني يفصل صفات جبريل‪ ‬التي صار بموجبها جديرًا‬
‫خلقية‪ ،‬وسجاياه‬
‫بتحمل الوحي القرآني‪ ،‬وتعليمه للنبي‪ ‬في طبيعته ال َ‬
‫خلقية ‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫والمبحث الثالث يتحدث عن كون جبريل‪ ‬هو المختار الوحيد من‬
‫بين الملئكة ليكون أمين وحي ال‪ ‬لهل السماء ‪.‬‬
‫والمبحث الرابع يتحدث عن نتيجة ذلك وهو أن جبريل ‪‬هو المين‬
‫على وحي ال ‪ ‬لهل الرض‪ ،‬كما يتكلم هذا المبحث عن المقتضى‬
‫المنهجي لذلك‪ ،‬وهو سد ذريعة القدح في الوحي ‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫مقدمة‪:‬‬
‫من المتكلم به ؟‪:‬‬
‫من المو ِ‬
‫حي بالقرآن ؟ َ‬
‫َ‬

‫وهي أهم مسالة منهجية يرتكز عليها البحث على الرغم من صغر‬
‫الحيز المحدد لها‪ ،‬ولن تجيب الدراسة على هذا السؤال بل إن الجابة‬
‫التي في القرآن الكريم كافية بعد اطراح ما اعترى علماء الكلم من خلل‬
‫حي إ ِل َي ْ َ‬
‫ودخل؛ إذ يقول ال تعالى‪ :‬ك َذَل ِ َ‬
‫ن‬
‫ك ُيو ِ‬
‫وإ َِلى ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ك َ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫ن َ‬
‫م‪" ‬الشورى‪ ،"3/‬وحسبك عظمة أن‬
‫ح ِ‬
‫ِ‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫كي ُ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫ع ِ‬
‫‪‬ت َ َ‬
‫ت‬
‫المتكلم بالقرآن هو ال الذي من عظمته‬
‫وا ُ‬
‫كادُ ال ّ‬
‫س َ‬
‫ما َ‬
‫ن َ‬
‫ي َت َ َ‬
‫‪" ‬الشورى‪ ،"5/‬فليس لعلى رجل في البشر‬
‫ن‬
‫و ِ‬
‫ن ِ‬
‫فطّْر َ‬
‫ه ّ‬
‫م ْ‬
‫ف ْ‬
‫ق ِ‬
‫َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫وك َذَل ِ َ‬
‫حا‬
‫ك ُرو ً‬
‫و َ‬
‫كأ ْ‬
‫وهو النبي ‪‬مقدار قطمير فيه ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫ن‪" ‬الشورى‪/‬‬
‫ِ‬
‫ما ُ‬
‫ما ال ْك َِتا ُ‬
‫ما ك ُن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫لي َ‬
‫ري َ‬
‫رَنا َ‬
‫نأ ْ‬
‫ب َ‬
‫ول َ ا ِ‬
‫ت ت َدْ ِ‬
‫م ِ‬
‫‪ ،"52‬ويبقى بعد ذلك تحديد أطر المحافظة على القرآن بعد‬
‫وصوله إلى البشر ليبقى متلوًا كما تكلم به ال‪ ،‬ومقروءًا كما أنزله ال‪،‬‬
‫بما أنزله ال لفظًا وأداء‪ ،‬لم يطرأ عليه تغيير لفظي‪ ،‬ولم يشبه زيف من‬
‫تطوير لغوي‪ ،‬أو تحريف لهجي إل في الحدود التي أرادها ال –تعالى‬
‫ذكره‪.-‬‬
‫وأول هذه الطر‪ :‬أن الذي تولى أمر المحافظة عليه هو ال ‪‬‬
‫وإ ِّنا‬
‫منـ ِ‬
‫زله كما قال تعالى مثبتًا الحفظ ‪‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ن ن َّزل َْنا الذّك َْر َ‬
‫ف ُ‬
‫ن‪" ‬الحجر‪ ،"9/‬وقال ‪ ‬نافيًا طروء أدنى تغيير ‪‬ل َ‬
‫حا ِ‬
‫ظو َ‬
‫ه لَ َ‬
‫لَ ُ‬
‫مب َدّ َ‬
‫‪" ‬النعام‪ ،"115/‬فهذا في كلمه من حيث هو كلم‬
‫ه‬
‫مات ِ ِ‬
‫ل ل ِك َل ِ َ‬
‫ُ‬
‫مقول‪ ،‬وأما فيه من حيث هو كلم مكتوب فقد قال –جل ذكره‪ -‬إثباتاً‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫ب َ‬
‫زيٌز)‪(41‬ل ي َأِتي ِ‬
‫ه ل َك َِتا ٌ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫للحفظ ونفيًا لمكان التغيير‪َ :‬‬
‫ع ِ‬
‫زي ٌ‬
‫ال َْباطِ ُ‬
‫ن َ‬
‫خل ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ل ِ‬
‫ف ِ‬
‫ول ِ‬
‫ن ي َدَي ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ه ت َن ْ ِ‬
‫كيم ٍ‬
‫ن ب َي ْ ِ‬
‫ميٍد‪" ‬فصلت‪."42-41/‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬

‫علم أن‬
‫والحفظ هنا ينصرف انصرافًا أوليًا إلى حفظ اللفاظ؛ لنه قد ُ‬
‫ض‬
‫المعنى غير منضبط إل بضبط لفظه له‪ ،‬فحفظ اللفظ مقت ٍ‬
‫ٍ‬

‫زم لحفظ اللفظ‪.‬‬
‫لحفظ المعنى‪ ،‬وحفظ المعنى مستل ِ‬

‫‪26‬‬

‫وإذا كان ذلك كذلك‪ ،‬فما نوع نسبة القرآن في‬
‫ه لَ َ‬
‫و ُ‬
‫ريم ‪"‬الحاقة‪،40/‬‬
‫ل َر ُ‬
‫قوله‪-‬تعالى ذكره‪ -‬إ ِن ّ ُ‬
‫سو ٍ‬
‫ق ْ‬
‫ل كَ ِ‬

‫التكوير‪ "19/‬؟ ‪.‬‬
‫ل يشك من له علم في كلم العرب‪ ،‬وتصاريف أنواع خطابه‪ ،‬بل من‬
‫يعاصر القوام في عاداتهم الكلمية أن النسبة إلى جبريل‪ ‬نسبة أداء‪ ،‬ل‬
‫نسبة إنشاء‪ ،‬وهو لزم وصفه بالرسالة؛لنه واسطة فيه‪ ،‬وناقل له عن‬
‫سله‪ ،‬وهو ال – تعالى ذكره ‪-‬؛إذ إضافة القول إلى الرسول إنما هو‬
‫ُمْر ِ‬
‫لدنى ملبسة لن جبريل ‪ ‬يبلغ ألفاظ القرآن إلى النبي ‪ ‬فيحكيها كما‬
‫ظها‪ ،‬لذا‬
‫ظها‪ ،‬ل أنه منشئ ألفا ِ‬
‫أمره ال ‪ ،‬فهو قائلها أي صادرٌة منه ألفا ُ‬
‫قال القرطبي ‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬في تفسير سورة التكوير‪" :‬وأضاف الكلم‬
‫إلى جبريل ‪ ‬ثم عداه عنه بقوله‪َ‬تنـزي ٌ‬
‫ن‬
‫عال َ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ن َر ّ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫‪" ‬الحاقة‪"43/‬؛ ليعلم أهل التحقيق في التصديق أن الكلم ل ‪،(14)"‬‬
‫وبذلك صرح سائر العلماء)‪ ،(15‬فقوله تعالى ‪‬ل َ َ‬
‫و ُ‬
‫ل‬
‫ل َر ُ‬
‫سو ٍ‬
‫ق ْ‬
‫ريم ٍ‪" ‬التكوير‪ "19/‬معناه لقول الرسول أي لقوله المبلغ له عن ال ‪،‬‬
‫كَ ِ‬
‫فقرينة ذكر الرسول تدل على انه إنما يبلغ شيئًا أرسل به؛ فالكلم كلم ال‬
‫‪ : ‬ألفاظه‪ ،‬ومعانيه‪ ،‬وجبريل ‪‬مبلغ عن ال‪ ،‬وبهذا العتبار نسب‬
‫القول له)‪.(16‬‬
‫فنسبة كلم الله –تعالى ذكره‪ -‬لجبريسسل‪ ‬نسسسبة أداء )أي‬
‫تبليغ الرسول ما أمره الله ‪ ‬بتبليغه( ل نسبة إنشاء‪.‬‬

‫‪) ()14‬القرطبي( أبو عبد الله محمد بن أحمد النصاري القرطبي‪ :‬الجامع لحكام القرآن‬
‫‪1405 ،9/240‬هس ‪1985 -‬م‪ ،‬دار إحياء التراث العربي ‪ -‬بيروت ‪.‬‬
‫‪ ()15‬انظر‪ :‬تفسير الجللين‪ ،‬وبهامشه حاشية الصاوي ‪ ،4/389‬دار الفكر بيروت ‪ 1414‬هس ‪-‬‬
‫‪1993‬م‪ ،‬قدم له وأشرف على تصحيحه‪ :‬صدقي محمد جميل‪ ،‬والتحرير والتنوير ‪،30/155‬‬
‫مرجع سابق‪ ،‬وروح المعاني ‪. 30/104‬‬

‫‪) ()16‬الشنقيطي( محمد المين بن محمد المختار الجكني‪ :‬أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن‬
‫‪ ،703/ 7‬عالم الكتب ‪ -‬بيروت‪ ،‬فالقول الذي ينـزل به على قلب النبي‪‬ليس قوله من حيث الحقيقة‬
‫كما تقدم‪ ،‬بل يأخذ فيه صفة الرسالة‪ ،‬قال في التحرير والتنوير ‪ ،30/155‬مرجع سابق‪ " :‬وفي‬
‫التعبير عن جبريل يوصف رسول إيماء إلى أن القول الذي يبلغه هو رسالة من ال مأمور بإبلغها‬
‫كما هي " ‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫وكذلك يقال في آية الحاقة بالنسبة للرسول‪ ،‬فالنطق نطق‬
‫‪ ،‬أو‬
‫القارئ‪ ،‬والكلم كلم الباري‪ ،‬كما ُيقال هذا قرآن ابن مسعود‬

‫قرآن على بن أبي طالب‪ ،‬أو قراءة فلن…عنوا به أنه خارج بصوته ل‬
‫أنه كلمه ‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫المبحث الول‪:‬‬
‫أهمية موضوع تعليم جبريل ‪:‬‬

‫يتحدث هذا المبحث عن أهمية موضوع تعليم جبريل‪ ‬النبي ‪‬‬
‫في إطاره التاريخي‪ ،‬وتعلق ذلك بألفاظ القرآن الكريم‪ ،‬وما تحققه دراسة هذا‬
‫الموضوع من أهداف؛ ذاك بأن هذا الموضوع هو الوجه الخر لموضوع‬
‫تلقي النبي ‪‬ألفاظ القرآن الكريم من جبريل‪.‬‬
‫ويتألف هذا المبحث من مطلبين‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬الُبعد التاريخي والموضوعي للهتمام بهذا‬
‫الموضوع ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬أهداف دراسة هذا الموضوع ‪.‬‬

‫المطلب الول‪ :‬الُبعد التاريخي والموضوعي للهتمام بهذا‬
‫الموضوع‪:‬‬

‫إذا كان جبريل‪ ‬هو الذي بلغ رسول ال ‪ ‬القرآن الكريم‪ ،‬وعلمه إياه‬
‫جعل بأمر ال شيخًا للنبي‪ ، ‬ومعلمًا له بصريح قوله‬
‫فإن جبريل‪ ‬قد ُ‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫قَوى‪" ‬النجم‪ ،"5 /‬فقد بات حتمًا على متتبعي‬
‫‪َ ‬‬
‫ش ِ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ل كيفية تعليم جبريل ‪ ‬القرآن‬
‫علوم القرآن الكريم أن يتتبعوا تفصي ً‬
‫الكريم؛ إذ يأخذ حيز الهمية الولى في دراسة العلوم السلمية الشرعية‪،‬‬
‫ومن هاهنا اهتم العلماء بهذا الموضوع اهتمامًا بالغًا‪ ،‬فإن كان المر كذلك؛‬
‫فليس الباحث بدعًا في اهتمامه بذا الموضوع‪ ،‬بل كان هذا الموضوع كما لم‬
‫يزل على رأس قائمة المفردات العلمية والشرعية التي يمارس درايتها أولوا‬
‫ل عن أرباب الحجى من العلماء‪.‬‬
‫النهى من المسلمين فض ً‬
‫ب‪ ،‬فقد روت‬
‫وأول من أثاره‪ :‬الصحابة تعبًدا وازديادًا في طمأنينة قل ٍ‬
‫عائشة‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬أن الحارث بن هشام‪ ‬سأل رسول ال‪ ،‬فقال‪ :‬يا‬
‫رسول ال ! كيف يأتيك الوحي؟ …الحديث)‪.(17‬‬
‫قال السندي‪-‬رحمه ال تعالى‪":-‬ظاهره أن السؤال عن كيفية الوحي نفسه‪ ،‬ل‬
‫عن كيفية الملك الحامل له‪ ،‬ويدل عليه أول الجواب‪ ،‬لكن آخر الجواب يميل‬
‫إلى أن المقصود بيان كيفية الملك الحامل‪ ،‬فيقال يلزم من كون الملك في‬
‫‪ ()17‬يأتي بتمامه ‪-‬إن شاء الله تعالى‪ -‬في الفصل الثاني‪ -‬المبحث الثالث ‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫صورة النسان كون الوحي في صورة مفهوم ُمَتَبّين أول الوهلة‪ ،‬فبالنظر‬
‫إلى هذا اللزم صار بيانًا لكيفية الوحي‪ ،‬فلذلك قوبل بصلصلة الجرس‪،‬‬
‫ويحتمل أن المراد للسؤال عن كيفية الحامل أي كيف يأتيك حامل‬
‫الوحي")‪.(18‬‬
‫ولم تنقله عائشة‪-‬رضي ال تعالى عنها‪-‬ثم من بعدها إل لجللته عندهم‪ ،‬فليست‬
‫المسألة فضول قول‪ ،‬ونافلة كلم ‪.‬‬
‫وقد قال الواقدي ‪-‬فيما حكاه عنه ابن سعد‪" :-‬حج أمير المؤمنين هارون‬
‫ل عارفًا بالمدينة‬
‫الرشيد فورد المدينة فقال ليحيى بن خالد‪ :‬ارتد لي رج ً‬
‫والمشاهد‪ ،‬وكيف كان نزول جبريل ‪ ‬على النبي ‪ ‬ومن أي وجه كان‬
‫يأتيه …")‪.(19‬‬
‫وجعل ابن حبان ‪-‬رحمه ال تعالى‪-‬مسألة بدء الوحي وكيفية تلقيه أول أنواع‬
‫يحتاج إلى معرفتها من أخبار النبي ‪ ،‬حيث قال‪" :‬وأما أخبار النبي ‪‬‬
‫عما احتيج إلى معرفتها‪ ،‬فقد تأملت جوامع فصولها‪ ،‬وأنواع ورودها‪،‬‬
‫لسهل إدراكها على من رام حفظها‪ ،‬فرأيتها تدور على ثمانين نوعًا‪ :‬النوع‬
‫الول‪ :‬إخباره‪ ‬عن بدء الوحي وكيفيته…")‪. (20‬‬
‫بل هو رأس المفردات الصولية‪ ،‬ويظهر هذا في صنيع المام‬
‫البخاري ‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬في صحيحه؛ إذ جعل كتاب بدء الوحي أول‬
‫ل على المنهج العلمي المسلوك عند المسلمين‬
‫كتب الصحيح‪ ،‬وإنما فعله دلي ً‬
‫ن إلى صواب هذا الفقه في أهمية موضوع‬
‫طْمِئ ُ‬
‫في عد العلوم النافعة‪ ،‬مما ُي َ‬
‫جبريل‪ .‬وفي وصف ابن عباس‪ ‬لقراءة النبي‪ ‬إثر تعليم جبريل ‪‬‬
‫ع للعلماء عمومًا‪ ،‬وللمتخصصين‬
‫له بأنه )قرأه –أي القرآن‪ -‬كما قرأه( دا ٍ‬
‫في علوم القرآن خصوصًا ليتعرفوا على كنه تعليم جبريل‪ ‬للنبي ‪‬‬
‫القرآن من حيث لفظه؛إذ يتوقف عليه معرفة هيئة نقل أصل الصول‬
‫السلمية‪.‬‬
‫‪) ()18‬السندي( أبو الحسن نور الدين عبد الهادي ت ‪1138‬هس‪ :‬حاشية السندي ‪،2/150‬‬
‫مراجعة‪ :‬عبد الفتاح أبو غدة‪1406 ،‬هس –‪1986‬م‪ ،‬مكتبة المطبوعات السلمية‪ ،‬حلب ‪.‬‬
‫‪) ()19‬ابن سعد( محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري )‪168‬هس ‪ -‬ت ‪230‬هس(‪ :‬الطبقات‬
‫الكبرى‪ ،‬دار صادر بيروت ‪.‬‬
‫‪) ()20‬ابن حبان( محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي ت ‪354‬هس‪ :‬صحيح ابن حبان‬
‫بترتيب ابن بلبان ‪ ،1/131‬مراجعة‪ :‬شعيب الرناؤوط‪1399 ،‬هس‪1979 -‬م‪ ،‬مؤسسة الرسالة‪،‬‬
‫بيروت ‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫وما للتعليل لهمية هذا المبحث يذهب هسذا المسذهب‬
‫في الستدلل على أمر وضسسوحه جلسسي كالشسسمس‪ ،‬وقسسد‬
‫كان كافيا ً ما يظهر من كسسثرة اليسسات السستي تتحسسدث عسسن‬
‫جبريل‪ ‬وتعليمه للنبي ‪ ‬ألفاظ القرآن دليل ً على صحة‬
‫هذا المرام ؟ ‪.‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬أهداف دراسة هذا الموضوع‪:‬‬
‫تحقق دراسة تعليم جبريل ‪ ‬النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن الهداف التالية‪:‬‬

‫‪ -1‬غرس الهتمام بالصول الكلية في هذه الشريعة‬
‫المطهرة؛ إذ عنها تنبثق بقية جزئياتها‪ ،‬ولذا تكرر موضوع تعليم‬

‫جبريل‪ ‬ألفاظ القرآن في القرآن‪ ،‬حتى ذكر إنزال القرآن على قلب‬
‫الرسول ‪ ‬مرتين‪ ،‬وهي جزئية صغيرة من جزئيات هذا الموضوع‪ ،‬مع‬
‫أن الوضوء بجميع متعلقاته من حيث هو وضوء لهم ركن عملي في‬
‫السلم لم يذكر في القرآن إل مرة واحدة ‪.‬‬
‫‪ -2‬بيان الطريقة المنهجية التي علم بها جبريل ‪،‬‬

‫وتعلم بها النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن‪ ،‬وتأصيلها‪ ،‬ثم اتخاذها منهجًا في تعلم‬
‫ألفاظ القرآن‪ ،‬ما دامت في حدود الطاقة البشرية الفردية‪ ،‬وتوزيعها على‬
‫المة إن استدعى صبغها بالجماعية ‪.‬‬
‫‪ -3‬الستشعار النفسي لما اعترى عملية نقل الكلم‬
‫ت للحفظ‪ ،‬ومؤيدات‬
‫اللهي القرآني من السماء إلى الرض من ُمَثِبتا ٍ‬
‫لمنع شوائب الدخل‪ ،‬وهذا يكون مقدمًة لرفع الجلل الذاتي المصبوغ‬
‫بالصبغة العقائدية في نفس المسلم لكلم ال‪. ‬‬
‫‪ -4‬أن تحاول المة بمجموعها جعل جهودها لحفظ‬
‫كتاب الله أداة من الدوات الواقعية لحقيقة الحفظ‬
‫اللهية تقارب ما بذله طرفا التصال السماوي‬
‫والرضي لجل ذلك‪ ،‬وكما رعى الله –تعالى ذكره‪-‬‬

‫طرفي التصال في هذا السبيل سيرعى الله ‪‬‬

‫المة في السبيل ذاته…وقد فعل ‪‬‬

‫‪31‬‬

‫‪.‬‬

‫المبحث الثاني‪:‬‬
‫صفات جبريل ‪:‬‬
‫سيقتصر الباحث هاهنا على الصفات التي ترتبط‬
‫بموضوع البحث‪ ،‬وهي الصفات التي حبا الله بها جبريل ‪‬‬
‫ليقوم بهذه المهمة الجليلة‪ ،‬وهي ما أعده الله ‪ ‬فيه من‬
‫خُلقية من حيث أنه الرسول الذي‬
‫قية وال ُ‬
‫السجايا ال َ‬
‫خل ْ ِ‬
‫يحمل الوحي‪ ،‬ويعلمه للرسول الذي يعلمه لهل الرض‪،‬‬
‫وكلمنا عن هذه الصفات مقتصٌر عليها من حيث أن‬
‫جبريل ‪ ‬هو الناقل للقرآن من السماء إلى الرض‪،‬‬
‫وينقسم هذا المبحث إلى مطلبين من حيث عودة هذه‬
‫خُلقية‪،‬‬
‫خلقية‪ ،‬أو إلى السجايا ال ُ‬
‫الصفات إلى الطبيعة ال َ‬
‫وقد يتداخلن‪:‬‬

‫المطلب الول‪ :‬صفاته من حيث طبيعته‬
‫خْلقية‪:‬‬
‫ال َ‬
‫‪-1‬عظمة الخلقة‪ :‬فعن ابن عباس ‪ ‬أن النبي ‪ ‬سئل‪ :‬يا محمد‬
‫كيف يأتيك الذي يأتيك ؟ يعني جبريل ‪ ،‬فقال رسول ال‪) : ‬يأتيني‬
‫من السماء جناحاه لؤلؤ‪ ،‬وباطن قدميه أخضر()‪ ،(21‬ويؤيده‪ :‬ما رواه‬
‫عبد ال بن مسعود‪ ‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪) : ‬رأيت جبريل ‪ ‬عند‬
‫سدرة المنتهى وعليه ستمائة جناح ينثر من ريشه تهاويل الدر‬

‫والياقوت()‪.(22‬وتهاويل الدر والياقوت قال ابن الثير –رحمه ال تعالى‪ -‬في‬
‫‪) ()21‬ابن أبي عاصم( أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك الشيباني ت ‪287‬هس‪ :‬الحاد‬
‫والمثاني ‪ ،3/456‬مراجعة‪ :‬د‪ .‬باسم فيصل أحمد الجوابرة‪1411 ،‬هس –‪1991‬م‪ ،‬دار الراية‬
‫الرياض‪.‬‬
‫‪ ()22‬صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ‪ ،14/337‬مرجع سابق‪ ،‬وقال الشيخ شعيب‬
‫الرناؤوط‪ " :‬إسناده حسن " ‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫تفسيرها‪" :‬أي الشياء المختلفة اللَوان‪ ،‬ومنه يقال لما يخرج في الّرياض‬
‫من أْلوان الّزهر الَتَهاويل‪ ،‬وكذلك لما ُيَعّلق على الَهواِدج من ألوان الِعهْ ِ‬
‫ن‬
‫حُدها َتهوال‪ ،‬وأصلها مما يهول النسان وُيحّيره")‪.(23‬‬
‫والّزينة‪ ،‬وكأن وا ِ‬
‫ولجبريل‪ ‬القدرة على التشكل إلى أجسام أخرى‪ ،‬ولكنه كان أكثر‬
‫حية الكلبي(…فعن جابر‪ ‬أن‬
‫ما كان يأتيه في صورة الصحابي الجليل )ِد ْ‬
‫رسول ال ‪ ‬قال‪) :‬عرض علي النبياء … ورأيت جبريل‪ ،‬فإذا أقرب‬
‫جِعلت هذه الصفة أول‬
‫من رأيت شبها ً دحية بن خليفة()‪ ،(24‬وإنما ُ‬
‫الصفات لرتباطها بالقدرة التي أودعها ال في جبريل ‪ ‬ليأتي النبي ‪‬‬
‫فيعلمه القرآن بإطلق الزمان والمكان‪ ،‬وعلى أي هيئة كان‪ ،‬وتأتي أمثلة‬
‫على ذلك ‪-‬إن شاء ال تعالى‪. (25)-‬‬
‫وهل كان النبي ‪‬يرى جبريل‪ ‬في خلقته الصلية دائمًا ؟ ‪.‬‬
‫الجواب‪ :‬لم يره كذلك إل مرتين فقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة‪-‬‬
‫رضي ال تعالى عنها‪ -‬مرفوعًا‪) :‬لم أره يعني جبريل‪‬على صورته التي‬
‫خلق عليها إل مرتين()‪ ،(26‬وبين أحمد في حديث ابن مسعود أن الولى‬
‫خِلق عليها‪ ،‬والثانية عند‬
‫كانت عند سؤاله إياه أن يريه صورته التي ُ‬
‫المعراج)‪. (27‬‬
‫‪ ‬فيها‬
‫والمر ل يستدعي البحث بدقة في عدد المرات التي رأى النبي‬
‫‪‬؛ إذ المراد بيان أن رؤيته لجبريل ‪ ‬مرة تحقق جملة أمور‬
‫جبريل‬
‫من حيث نقل القرآن‪:‬‬
‫‪) ()23‬ابن الثير( المبارك بن محمد بن محمد بن عبدالكريم أبو السعادات الجزري ت ‪606‬هس‪:‬‬
‫النهاية في غريب الثر ‪ ،5/282‬النهاية في غريب الثر تحقيق‪ :‬طاهر أحمد الزاوي و محمود‬
‫محمد الطباخي‪ 1399 ،‬هس – ‪1979‬م‪ ،‬دار الفكر ‪-‬بيروت‪.‬‬
‫‪ ()24‬صحيح مسلم ‪ ،1/153‬مرجع سابق‪ ،‬وراجع‪) :‬الدينوري( عبد الله بن مسلم بن قتيبة ت‬
‫‪ 276‬هس‪ :‬تأويل مختلف الحديث‪ ،‬مراجعة‪ :‬محمد زهري النجار‪1972 ،‬م – ‪1393‬هس‪ ،‬دار‬
‫ُ‬
‫ي هذا‬
‫الجيل –بيروت‪ ،‬ففيه رد ٌ على من استنكر وجود خلق له قدرة على التشكل‪ ،‬وقد أت ِ َ‬
‫ن ك ِب ْرٍ في نفسه ما هو ببالغه‪ ،‬وأول كلم ابن قتيبة –رحمه الله تعالى‪" :-‬ولم يأت‬
‫كر ِ‬
‫المستن ِ‬
‫م ْ‬
‫أهل التكذيب بهذا وأشباهه‪ ،‬إل لردهم الغائب عنهم إلى الحاضر عندهم‪ ،‬وحملهم الشياء‬
‫على ما يعرفون من أنفسهم‪ ،‬ومن الحيوان‪ ،‬والموات‪ ،‬واستعمالهم حكم ذوي الجثث في‬
‫الروحانيين…" ‪.‬‬
‫‪ ()25‬انظر‪ :‬الفصل الثاني‪ -‬المبحث الثاني‪.‬‬
‫‪ ()26‬مسلم ‪ ،1/153‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪) ()27‬ابن حنبل( أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني ت ‪ 241‬هس‪ :‬مسند المام أحمد ‪3/120‬‬
‫س مؤسسة قرطبة‪ -‬مصر ‪ .‬وللترمذي من طريق مسروق عن عائشة ‪-‬رضي الله تعالى عنها‬
‫‪) :-‬لم ير محمد جبريل في صورته إل مرتين‪ :‬مرة عند سدرة المنتهى‪ ،‬ومرة في أجياد( ‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫منها‪ :‬إيقاع الطمأنينة في قلب النبي ‪ ‬برؤيته لعظيم قدرة‬
‫ال‪ ‬تتجلى في جبريل ‪ ‬من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى لطمأنته‪ ،‬وتثبيت‬
‫ن‪،‬‬
‫قلبه على قدرة جبريل‪ ‬على نقل القرآن‪ ،‬وتبليغ رسالة ربه دون توا ٍ‬
‫وزادت هذه الطمأنينة تأكيدًا برؤيته له مرة أخرى ‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬دفع توهم أن الذي يأتيه شيطان ل من قلبه فقط‪ ،‬بل من‬
‫قلب غيره ‪.‬‬
‫ك ثم‬
‫‪ -2‬أنه َمَلك‪ :‬والَمَلك واحد الملئكُة‪ ،‬وهو في الصل جمع َمل ٍ‬
‫ف الهاء فيقال َملِئك‪،‬‬
‫ك‪ ،‬وقد تحذ ُ‬
‫ت همزُته لكثرة الستعمال فقيل َمَل ٌ‬
‫حذَف ْ‬
‫ُ‬
‫ك بتقديم الهمزة من الُلوك الرسالة‪ ،‬ثم قّدَمت الهمزة‬
‫وقيل أصُله َمْأَل ٌ‬
‫جمع)‪ ،(28‬فالرسالة طبيعة ذاتية ملزمة لكون الملك ملكًا‪ ،‬وهذه الرسالة‬
‫وُ‬
‫هي ما يصدر إلى الملئكة من أوامر فيؤدونها أدق أداء‪ ،‬وأتمه؛ لن‬
‫الرسالة طبيعة ذاتية فيهم‪ ،‬وليس يخفى أن هذه هي أولى وسائل اليقين في‬
‫نقل القرآن‪ ،‬إذ كون الرسالة طبيعة ذاتية في الملئكة يستلزم‪ :‬المانة في‬
‫نقلها‪ ،‬وإتقان النقل‪ ،‬ويعضد هذا أنهم المختارون ليكونوا وسائط بين‬
‫ه ِبال ْ َ‬
‫سب ِ ُ‬
‫م‬
‫و ُ‬
‫ال ‪ ‬وخلقه‪ ،‬ولذا فقوله تعالى‪‬ل َ ي َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫قون َ ُ‬
‫ل َ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫ح لحال الملئكة‪ ،‬وليس بتأسيس‬
‫‪" ‬النبياء‪ "27/‬إيضا ٌ‬
‫ن‬
‫ر ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ب ِأ ْ‬
‫م ِ‬
‫ض تخرصات‬
‫ح دح ُ‬
‫لصفة جديدة بعد نعتهم بالملئكية‪ ،‬واقتضى هذا اليضا َ‬
‫الشرك وأهله في طبيعة الملئكة ‪.‬‬
‫ن في القرآن‬
‫‪ -3‬الروح‪ :‬وقد وردت هذه اللفظة على خمس معا ٍ‬
‫الكريم)‪ ،(29‬ول خلف ين المفسرين وغيرهم في أن المراد بها في قوله‬

‫‪28‬‬
‫ة‬
‫ح ُ‬
‫س َ‬
‫م ْ‬
‫)( النهاية في غريب الثر ‪ ،4/358‬مرجع سابق‪ ،‬وفيه‪" :‬وفي حديث جرير‪ :‬عليه َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خلقية أخرى إل أنه‬
‫ص ُ‬
‫ل"‪ .‬وهذه صفة َ‬
‫فون الملئك َ‬
‫ك‪ ،‬أي أثٌر من الجمال لنهم أبدا ي ِ‬
‫ة بال َ‬
‫مل ٍ‬
‫َ‬
‫جما ِ‬
‫ل يتعلق بها كبير أمر هنا ‪.‬‬
‫‪) ()29‬ابن القيم( شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الّزرعي الدمشقي‪ ،‬الروح لبن‬
‫القيم ص ‪ - 206‬عالم الكتب بيروت‪ ،‬وذكر ابن حجر ‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬نقل ً عن ابن التين‬
‫في معنى لفظ الروح حيث ورد في القرآن الكريم تسعة معان‪ ،‬وأما حقيقتها فقد ذكر أنهم‬
‫اختلفوا فيها على أكثر من مائة قول‪ ،‬وذا تكلف جلي فيما ل طائل من تحته ‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫تعالى ‪‬ن ََز َ‬
‫ن‪" ‬الشعراء‪ "194/‬هو جبريل‪،(30)‬‬
‫ح ال َ ِ‬
‫ل بِ ِ‬
‫ه الّرو ُ‬
‫مي ُ‬
‫‪31‬‬
‫طهارة) (‪.‬‬
‫خِلق من َ‬
‫ويسمى جبريل ‪ ‬روح القدس لنه ُ‬
‫وهذه الصفة الجليلة لجبريل‪ ‬ورد مدحه بها في معرض التأكيد‬
‫على سلمة نقل القرآن‪ ،‬وبيان خصائص لفظه من سورة الشعراء‪ ،‬وذلك‬
‫داٌل على مبلغها من جللة القدر في نقل القرآن من السماء إلى الرض‪،‬‬
‫ولعل من أسرارها في هذا الباب أن الروح فيه معنى الحياة والحركة‪،‬‬
‫ق حي ل يعروه‬
‫ويومئ ذلك إلى أن تلقي جبريل‪ ‬للقرآن من ال‪ ‬تل ٍ‬
‫شائبة كسل‪ ،‬أو موات؛ إذ كون الناقل مخلوقًا واحدًا وهو جبريل‪ ‬مدعاة‬
‫لن يشكك في نقله أقوام اعتادوا الجدل وألفوه ‪.‬‬
‫ويزيد هذا المعنى إيضاحًا أن لفظة )روح( ل ترد في القرآن الكريم‬
‫إل للمور التي استأثر ال ‪ ‬بها بأحد أنواع الستئثار علمًا )كروح‬
‫ظم خلقه‬
‫عّ‬
‫ل )كالقرآن(… ولذا ذكر ال ‪ ‬خلق آدم‪ ،‬و َ‬
‫النسان(‪ ،‬أو قو ً‬
‫ون َ َ‬
‫حي ‪‬‬
‫ف ْ‬
‫ن ُرو ِ‬
‫ت ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫خ ُ‬
‫م ْ‬
‫عندما بين أنه نفخ فيه من روحه‪َ ‬‬
‫"ص‪ "72/‬وهي المنقبة التي يذكرها له الناس يوم القيامة في حديث الشفاعة‬
‫الكبرى…وهذا يثبت ما ُذِكَر من علقة سلمة نقل القرآن من السماء إلى‬
‫الرض‪ ،‬ودقة نقله كما قاله ال ‪ ،‬بوصف جبريل ‪‬بالروح ‪.‬‬
‫كما أن من أهم مقتضيات كونه روحا ً‪ :‬إمكانية التصال‬
‫المطلق‪ ،‬مع خفاء ذلك على من حوله‪ ،‬وذاك يمكنه من المجيء إلى النبي‬
‫‪ ‬دون أن يشعر به أحد‪ ،‬وذلك لن الروح تطلق على ما خفي)‪. (32‬‬
‫‪ -4‬السرعة والفورية في النـزول بالوحي القرآني‪:‬‬

‫ل بهيئته الشديدة على النبي‪ ، ‬وذلك عند‬
‫حتى لو كان جبريل‪ ‬ناز ً‬
‫القتضاء إنشاء أو استدراكًا‪ ،‬وهذه الصفة إحدى التطبيقات للصفات‬
‫الخرى كالقوة‪ ،‬والمانة‪ ،‬ولُيذكر ها هنا نموذجان عن هذه السرعة من‬
‫حيث البلغ العام‪ ،‬والبلغ القرآني‪:‬‬
‫‪ ()30‬وعند )ابن سعد( أبو عبد ال محمد بن سعد بن منيع البصري الّزهري )‪ :(230 -168‬الطبقات‬
‫س‪‬‬
‫ح اْلُقُد ِ‬
‫الكبرى ‪ ،194/1‬دار صادر ‪-‬بيروت‪ :‬عن قتادة في قوله تعالى ‪َ‬وَأّيْدَناُه ِبُرو ِ‬
‫"البقرة‪ "87/‬قال‪" :‬هو جبريل"‪.‬‬
‫‪ ()31‬النهاية في غريب الثر ‪ ،4/23‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()32‬انظر‪ :‬المبحث الثاني من الفصل الثاني ‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫فنموذج البلغ العام‪ :‬ما قاله صهيب‪): ‬يا رسول ال! ما سبقني إليك‬
‫أحد‪ ،‬وما أخبرك إل جبريل()‪ .(33‬وهذا في الحداث الواقعية‪ ،‬فكيف يكون‬
‫خَذت له كل الوسائل‬
‫الشأن في أمر يتعلق بالوحي القرآني اللهي‪ ،‬وقد اُت ِ‬
‫اللهية المحضة‪ ،‬والبشرية الُمعانة إعانة إلهية ليقرأه كما أنزله ال وهو‬
‫البلغ الخاص ؟‪ ،‬ونموذج ذلك‪ :‬ما رواه سهل بن سعد الساعدي ‪‬أنه‬
‫قال‪ :‬رأيت مروان بن الحكم جالسًا في المسجد‪ ،‬فأقبلت حتى جلست إلى‬
‫جنبه فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول ال ‪ ‬أملى عليه ‪…‬ل َ‬

‫وي ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ل‬
‫ن ِ‬
‫قا ِ‬
‫جا ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫م َ‬
‫ع ُ‬
‫في َ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬
‫يَ ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن َ‬
‫ست َ ِ‬
‫َ‬
‫وَأن ُ‬
‫م ‪" ‬النساء‪– "95/‬قال‪ :-‬فجاء ابن أم مكتوم‬
‫ف ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫س ِ‬
‫وال ِ ِ‬

‫ي‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال! لو أستطيع الجهاد لجاهدت‪ ،‬وكان‬
‫وهو يمليها عل ّ‬
‫ل أعمى‪ ،‬فأنزل ال ‪ ‬على رسوله‪ ‬وفخذه على فخذي‪ ،‬فثقلت علي‬
‫رج ً‬
‫سّري عنه…فأنزل ال ‪َ  ‬‬
‫غي ُْر‬
‫حتى خفت أن ُتَرض فخذي‪ ،‬ثم ُ‬
‫ُ‬
‫ر‪.(34)‬‬
‫وِلي ال ّ‬
‫أ ْ‬
‫ضَر ِ‬
‫ة َ‬
‫‪ -5‬القوة‪ :‬كما قال تعالى ‪ُ ‬‬
‫ست ََوى‪" ‬النجم‪ "6/‬أي هو‬
‫مّر ٍ‬
‫ذو ِ‬
‫فا ْ‬
‫صاحب جسٍم "في قوة وقدرة عظيمة على الذهاب فيما أمر به‪ ،‬والطاقة‬
‫لحمله في غير آية النشاط والحدة‪ ،‬كأنه ذو مزاج غلبت عليه الحدة)‪،(35‬‬

‫‪) : ‬أريت‬
‫‪ ()33‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،3/452‬مرجع سابق‪ ،‬عن صهيب قال‪ :‬قال رسول ال‬
‫دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرة‪ ،‬فإما أن تكون هجرًا‪ ،‬أو تكون يثرب(‬

‫‪.‬قال‪ :‬وخرج رسول ال ‪ ‬إلى المدينة وخرج معه أبو بكر‪ ،‬وكنت قد هممت بالخروج معه‬
‫فصدني فتيان من قريش فجعلت ليلتي تلك أقوم ول أقعد فقالوا‪ :‬قد شغله ال عنكم ببطنه‪ ،‬ولم أكن‬
‫شاكيًا‪ .‬فقاموا فلحقني منهم ناس بعدما سرت بريدًا ليردوني‪ ،‬فقلت لهم‪ :‬هل لكم أن أعطيكم أواقي من‬
‫ذهب وتخلون سبيلي وتفون لي؟‪ .‬فتبعتهم إلى مكة فقلت لهم‪ :‬احفروا تحت أسكفة الباب فإن تحتها‬

‫الواق واذهبوا إلى فلنة فخذوا الحلتين‪ .‬وخرجت حتى قدمت على رسول ال‪‬قبل أن يتحول‬
‫منها –يعني قباء‪ -‬فلما رآني قال‪) :‬يا أبا يحيى ربح البيع( ثلثًا‪ .‬فقلت‪ :‬يا رسول ال! ما سبقني‬
‫إليك أحد وما أخبرك إل جبريل ‪ . ‬وقال الحاكم ‪" :‬هذا حديث صحيح السناد ولم يخرجاه" ‪.‬‬
‫‪ ()34‬صحيح البخاري ‪ ،3/1042‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()35‬المراد الجد والقوة‪ ،‬وليس الغضب ‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫ض في مرارته‪ ،‬على طريقة واحدة على غاية من‬
‫فهو صعب المراس‪ ،‬ما ٍ‬
‫الشدة ل توصف")‪.(36‬‬
‫ويأتي تفصيلها في المطلب الثاني ‪-‬إن شاء ال تعالى‪. -‬‬
‫على أنه ينبغي التنبيه من خلل الستعراض‬
‫لمظاهر قوة جبريل ‪ ‬الخلقية أن هذه الخلقة‬
‫العظيمة التي هيأه الله ‪-‬تعالى ذكره‪ -‬بها تحمل في‬
‫طياتها تهيئته بحمل الجهزة التكوينية المناسبة لحفظ‬

‫كلم الجبار ‪ ‬عند استماعه‪ ،‬ثم نقله له كما هو إلى‬
‫النبي ‪ ‬بالسرعة المطلوبة في الوقت المعين …ولذا‬

‫كان جبريل ‪‬‬

‫أول من يقوم من الصعق عندما يتكلم‬

‫الله ‪‬‬
‫خُلقية‪:‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬صفاته‪ ‬من حيث سجاياه ال ُ‬
‫بالوحي –كما سيأتي إن شاء الله تعالى‪.(37)-‬‬

‫ه لَ َ‬
‫و ُ‬
‫ريم ٍ‪‬‬
‫‪(1‬‬
‫ل َر ُ‬
‫كريم‪ :‬كما في قوله ‪ ‬إ ِن ّ ُ‬
‫سو ٍ‬
‫ق ْ‬
‫ل كَ ِ‬
‫"التكوير‪ ،"19/‬وهي صفة تقتضي نفي المذام كلها‪ ،‬وإثبات صفات المدح‬
‫اللئقة به)‪ ،(38‬وفي تفسيرها يقول اللوسي ‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬عزيز على‬
‫ال سبحانه وتعالى")‪ ،(39‬وقال ابن كثير ‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬ملك حسن‬
‫الخلق بهي المنظر")‪ ،(40‬وفي التحرير والتنوير في معنى كريم أنه‪:‬‬
‫"النفيس في نوعه")‪. (41‬‬
‫فقد جمعت له كلمة "كريم" كل المحامد‪ ،‬كما أظهرت‬
‫تميزه بخصائص ل توجد لسواه من الملئكة‪ ،‬فهو نفيس بين الملئكة ‪.‬‬

‫‪ ()36‬انظر‪) :‬البقاعي( برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر )ت ‪885‬هس(‪ :‬نظم الدرر في‬
‫تناسب اليات والسور ‪1413 ،19/44‬هس‪1992 ،‬م‪ ،‬ط ‪ ،3‬المكتبة التجارية‪ ،‬مكة المكرمة ‪.‬‬
‫‪ ( )37‬انظر‪ :‬المبحث الثالث من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()38‬البحر المحيط ‪ ،8/434‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()39‬روح المعاني ‪ ،30/104‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()40‬ابن كثير ‪ ،4/409‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()41‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،30/153‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫ذو قوة‪":‬أي شديد‪ ،‬وقيل‪ :‬المراد القوة في أداء طاعة ال ‪،‬‬
‫‪(2‬‬
‫وترك الخلل بها من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف‪ ،‬وقيل‪ :‬ل يبعد‬
‫أن يكون المراد قوة الحفظ‪ ،‬والبعد عن النسيان‪ ،‬والخلط")‪. (42‬‬
‫ول يستبعد شمول وصف ‪ِ‬ذي ُ‬
‫قّوٍة ‪" ‬التكوير‪ "20/‬لذلك كله؛ إذ‬
‫يقتضي ذلك إطلُقها‪ ،‬وعدم تقييد النكرة ‪ُ ‬‬
‫ة‪ ‬بشيء! بل ذلك هو‬
‫و ٍ‬
‫ق ّ‬
‫ظَهُر هذا المعنى حتى يصير في حيز الحقيقة المقررة‪:‬‬
‫الظهر‪ ،‬وُيست ْ‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫بمجيء كلمة )قوة( مجموعة في قوله ‪َ … ‬‬
‫وى ‪"‬النجم‪/‬‬
‫ش ِ‬
‫ق َ‬
‫‪ ،"5‬ومن حيث خصوص مناط البحث فإنه يظهر من خلل هذا الوصف‬
‫قوته في أداء هذه المانة الشاملة لكل أنواع القوة ‪.‬‬
‫والمراد الكلي من هذا الوصف‪ :‬قدرته على أداء مهمته‬
‫التعليمية‪ ،‬فـ‪ِ‬ذي ُ‬
‫قّوٍة‪ ‬يعني أن جبريل ‪ ‬ما ُكّلف به من أمر‬
‫غير عاجز)‪. (43‬‬
‫ويدخل في هذه القوة دخول ً أوليا ً‪:‬‬
‫قوة الحفظ ‪.‬‬
‫‪-1‬‬
‫وقوة الوصول إلى الرسول من البشر ‪.‬‬
‫‪-2‬‬
‫وتلطف المجيء‪ ،‬له بما يحتاج من خصال يحتاجها‬
‫‪-3‬‬

‫الملك‪ ،‬ليعوض بها ضعف البشر عن إدراك المل الغيبي؛ لذا قال‬
‫الشوكاني‪" :‬ذي قوة شديدة في القيام بما كلف به")‪.(44‬‬
‫وقوة البدن المتعددة المناحي لزمة للتنقل بين‬
‫‪-4‬‬
‫هذه المسافات الهائلة في وقته الذي أمر بالتبليغ فيه بشكل دقيق‪،‬‬
‫قال الصاوي –رحمه ال تعالى – ذاكرًا بعض قوته‪" :‬فكان من قوته‪:‬‬
‫أن اقتلع قرى قوم لوط من الماء السود)‪ ،(45‬وحملها على جناحه‬
‫فرفعها إلى السماء‪ ،‬ثم قلبها‪ ،‬وأنه صاح بثمود صيحة فأصبحوا‬
‫جاثمين‪ ،‬وأنه يهبط من السماء إلى الرض‪ ،‬ثم يصعد في أسرع‬
‫من رد الطرف")‪.(46‬‬
‫‪ ()42‬روح المعاني ‪ ،30/104‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()43‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪ ،30/80‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()44‬فتح القدير ‪ ،5/481‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ( )45‬لعله يعني البحر الميت؛ إذ هو موضعهم …أو النفط السود؛ إذ أن موضعه غائر في‬
‫الرض أكثر من الماء…فعبر بموضعه دللة على اجتثاث القرى من أصلها في الرض ‪.‬‬
‫‪()46‬حاشية الصاوي ‪ ،4/389‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫وهذا الخير الذي ذكره الصاوي هو المراد‪ ،‬وما قبله خادم لليراد‪،‬‬
‫وتناقل المفسرون هذا المعنى في أداء الرسالة التي كلف بها جبريل‪ ‬على‬
‫أتم وجه وأتقنه‪ ،‬بل جعل ذلك التقان هو طبيعة جبريل‪ ،‬فقوله ‪‬‬
‫ريم ٍ‪ ‬يحتمل أن تكون الصفة المشبهة تدل على الطبيعة والسجية‬
‫كَ ِ‬
‫الذاتية ل المتكلفة)‪"،(47‬فالقوة حقيقتها مقدرة الذات على العمال العظيمة‬
‫التي ل يقدر عليها غالبًا‪ ،‬وتطلق مجازًا على ثبات النفس على مرادها‪،‬‬
‫ب بِ ُ‬
‫قّوٍة‪‬‬
‫حَيى ُ‬
‫خذْ ال ْك َِتا َ‬
‫والقدام على رباطة الجأش قال‪َ‬يا ي َ ْ‬
‫م بِ ُ‬
‫خ ُ‬
‫قّوٍة‪" ‬البقرة‪ ،"63/‬فوصف جبريل‬
‫"مريم‪ُ "12/‬‬
‫ما آت َي َْناك ُ ْ‬
‫ذوا َ‬
‫‪‬بس ‪ِ‬ذي‪ ‬قوة يجوز أن يكون شدة المقدرة‪ ،‬كما وصف بذلك في‬
‫قوله ‪ُ‬ذو ِمّرٍة‪ ،‬ويجوز أن يكون من القوة المجازية‪ ،‬وهي الثبات في‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫وى‪" ‬النجم‪"5/‬؛‬
‫أداء ما أرسل به‪ ،‬كما قال ‪َ  ‬‬
‫ش ِ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ق َ‬
‫لن المناسب للتعليم هو قوة النفس‪ ،‬ولذا وصف في النجم بـ‪َ ‬‬
‫د‬
‫ش ِ‬
‫دي ُ‬
‫وى‪ ،‬والمراد بـ‪‬ال ْ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫قَوى‪ ‬استطاعته تنفيذ ما أمر ال ‪ ‬به‬
‫ق َ‬
‫من العمال العظيمة القلبية والجسمانية‪ ،‬فهو الملك الذي ينـزل على الرسل‬
‫بالتبليغ‪ ،‬وقوته شملت قوة العقل‪ ،‬إضافة إلى قوة الجسم وقوة أداء المهمة‪،‬‬
‫وإتقانها؛ولذا وصف بقوله‪ُ ‬ذو ِمّرٍة ‪ ،‬والمرة تطلق على الذات‪،‬‬
‫وتطلق على متانة العقل‪ ،‬وأصالته‪ ،‬وهو المراد هنا‪ ،‬واتفق المفسرون على‬
‫أن المراد جبريل ‪. (48)"‬‬
‫جِمَع هذا مع ما قرره أبو حيان ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في معنى صفة‬
‫فإذا ُ‬
‫ريم ٍ‪ ‬وهو أنها صفة تقتضي نفي المذام؛ اتضحت إصرارية تثبيت‬
‫‪‬ك َ ِ‬
‫قوة الحفظ وشدة الملكة التي بها يبلغ وحي ربه‪ ،‬وتعليمه رسول ال‪‬‬
‫ل لكل حرف‪ ،‬وتبيانًا لكل كلمة‪ ،‬من غير أن يقال أن‬
‫القرآن الكريم تفصي ً‬
‫ذلك مبالغ فيه‪ ،‬أو أنه ليس في مقدرة جبريل‪‬من حيث الحركة‪ ،‬أو من‬
‫حيث الحفظ‪.‬‬
‫قه بضم القاف ‪.‬‬
‫‪ ()47‬كما في فقيه من ف ُ‬
‫‪ ()48‬التحرير والتنوير ‪ ،30/155‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر‪ :‬البحر المحيط ‪ ،8/154‬مرجع سابق‪،‬‬
‫وقد ذكر فيه عن الحسن أن "شديد القوى" هو الله‪ ،‬واستبعده‪ ،‬وكذا تفسير الشوكاني‬
‫‪ ،5/130‬مرجع سابق‪ ،‬وأورد ابن كثير ‪ 4/210‬قول ً لبن عباس وقتادة‪" :‬منظرحسن"‪ ،‬ثم‬
‫قال‪" :‬ول منافاة بين القولين" ‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫م َ‬
‫طاٍع ‪" ‬التكوير‪ :"21/‬فهو مطاع في ملئكة ال المقربين‬
‫‪(3‬‬
‫‪ُ ‬‬
‫يصدرون عن أمره‪ ،‬وهو مؤكد لحقيقة ائتمارهم بأمره‪ ،‬ومن أسباب ذلك‬
‫أنه أمين الوحي في السماء لهل السماء ‪-‬ويرد تفصيل ذلك إن شاء ال‬
‫تعالى‪ ،… (49)-‬ومن صور طاعة الملئكة لجبريل ‪ ‬طاعة خازن‬
‫السماء له‪ ،‬كما في حديث السراء)‪ ،(50‬وذلك كله مؤثر في الشعور‬
‫بمقدرة هذا المعلم ‪.‬‬
‫َ‬
‫ن‪" ‬التكوير‪ :"21/‬فهو أمين المانة التي تقتضي القيام‬
‫‪(4‬‬
‫‪‬أ ِ‬
‫مي ٍ‬
‫بالتبليغ الذي يصل إلى درجة من الدقة حتى في هيئات اللفاظ الداخلية‬
‫والخارجية‪ ،‬وقد اتخذت هذه المانة طابعين‪:‬‬
‫أ‪ -‬طابع العموم في كل ما أؤتمن عليه‪ :‬قال الطبري‪" :‬أمين‬
‫عند ال على وحيه‪ ،‬ورسالته‪ ،‬وغير ذلك مما ائتمنه عليه")‪. (51‬‬
‫ب‪ -‬طابع الدقة والتفصيل‪ :‬إذ يتسع ُأفق فهمها ليشمل هيئات‬
‫اللفاظ الداخلية فذلك مقتضى الطلق في وصفه بالمانة هنا ‪.‬‬
‫وأمانته من حيث الصالة تتسم بسمتين‪:‬‬

‫فهي ملكٌة دائمٌة ثابتٌة‪ ،‬وسجيٌة متجددٌة‪ :‬إذ المين هو الذي يحفظ ما عُِهَد‬
‫له به حتى يؤديه دون نقص‪ ،‬ول تغيير ‪.‬‬
‫وأمين )فعيل( إما بمعنى مفعول‪ :‬أي مأمون من أمنته على كذا‪ ،‬وإما‬
‫صفة مشبهة من أُمن بضم الميم‪ ،‬إذا صارت المانة سجيته)‪.(52‬‬
‫م ‪ ‬بين هاتين الصفتين )مطاع‪،‬‬
‫وسر التيان بقوله تعالى ‪‬ث َ ّ‬
‫َ‬
‫أمين( في قوله ‪َ ُ  ‬‬
‫م‪ ‬ظرف مكان‬
‫مأ ِ‬
‫ن‪ :‬أن ‪‬ث َ ّ‬
‫ع ثَ ّ‬
‫مي ٍ‬
‫مطا ٍ‬
‫للبعيد‪ ،‬والمراد أنه موصوف بذلك في السماء‪ ،‬وهو يوحي بلزوم اكتفائكم‬
‫بهذه الوصاف المطمئنة القاذفة لليقين بسلمة الرسالة‪ ،‬ودقتها‪ ،‬وأنها‬
‫كما أرادها ال ‪ ،‬وكما قالها فهي قرآن لم تطرأ عليها بارقة تغيير من أحد‬
‫‪ ()49‬في المبحث الثالث من هذا الفصل ‪.‬‬

‫‪ ()50‬ففيه‪ :‬قال النبي‪ : ‬فلما جئت إلى السماء الدنيا‪ ،‬قال جبريل‪ ‬لخازن السماء‪ :‬افتح ‪ .‬قال‪ :‬من‬
‫هذا ؟ قال‪ :‬هذا جبريل ‪ ‬قال‪ :‬هل معك أحد ؟ قال‪ :‬نعم ! معي محمد‪ ‬فقال‪ :‬أرسل إليه ؟‪ .‬قال‪:‬‬
‫نعم ‪ .‬فلما فتح علونا السماء الدنيا …( الحديث …صحيح البخاري ‪ ،1/300‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()51‬تفسير الطبري ‪ ،30/80‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()52‬التحرير والتنوير ‪ ،30/157‬مرجع سابق‪ ،‬وكذا روح المعاني ‪ ،30/104‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫من المخلوقين؛ إذ الكلم عن غيب ما أدراكم به أنتم؟ فلتسمعوا وصفه من‬
‫مرسله‪ ،‬وخالقه‪ ،‬وحسبكم أنه بهذه المكانة في ذلك المكان العلى‪ ،‬ولو شاء‬
‫ال‪ ‬ما تل عليكم ما ُأمر بتبليغه‪ ،‬ولذا قال اللوسي‪" :‬والمقام يقتضي‬
‫تعظيم المانة؛ لن دفع كون القرآن افتراء منوط بأمانة الرسول")‪…(53‬‬
‫و تَ َ‬
‫و َ‬
‫عل َي َْنا…‪" ‬الحاقة‪"44/‬؟‪ ،‬وقرئ ُثم‬
‫ل َ‬
‫ق ّ‬
‫ول َ ْ‬
‫كيف وقد قال‪َ : ‬‬
‫ل على سائر الوصاف)‪،(54‬‬
‫)بالضم( تعظيمًا لوصف المانة‪ ،‬وتفضي ً‬
‫‪55‬‬
‫فالعطف بها للتراخي في الرتبة؛ لن ما بعدها أعظم مما قبلها) (‪ ،‬وقال‬
‫الزمخشري‪":‬وقرئ ُثم تعظيمًا للمانة وبيانًا؛ لنها أفضل صفاته‬
‫المعدودة")‪.(56‬‬
‫ولهذه المانة مقتضاها العملي الهام في جهتين‪:‬‬
‫‪-‬جهة في ذاته‪ :‬بأن يكون في أعلى درجات الخشية ل تعالى‪،‬‬

‫والمراقبة له‪ :‬وهذه وإن كانت سجية دائمة ملزمة للملك من حيث هو ملك‪،‬‬
‫‪:‬‬
‫‪ ‬ظاهرة التميز‪ ،‬فعن جابر قال‪ :‬قال رسول ال‬
‫إل أنها في جبريل‬
‫)مررت ليلة أسري بي بالمل العلى‪ ،‬وجبريل‪ ‬كالحلس البالي من‬
‫خشية الله تعالى()‪.(57‬‬
‫جهة في غيره‪ :‬وهو أن يكون جبريل‪ ‬إذ اتصف بها‪ :‬مقبول‬‫القول‪ ،‬يصدق فيما يقول‪ ،‬مؤتمن على ما يرسل به من وحي‪ ،‬وامتثال أمر‪،‬‬
‫مؤديًا لما أؤتمن عليه أحسن الداء‪ ،‬وأدقه فدخل في ذلك أن يؤدي لفظ‬
‫القرآن أحسن أداء‪ ،‬وأتقنه …بل أن ينقله على أقوم هيئة ُأمر بها…فأعظم‬
‫ما أؤتمن عليه تأدية ألفاظ القرآن ‪.‬‬
‫ن‪" ‬التكوير‪ :"20/‬أي هو ذو‬
‫‪(5‬‬
‫‪ِ ‬‬
‫م ِ‬
‫عن ْدَ ِذي ال ْ َ‬
‫ش َ‬
‫كي ٍ‬
‫عْر ِ‬
‫ن‪) ‬فعيل( من‬
‫م ِ‬
‫مكانة رفيعة عند ال العظيم جل جلله‪ ،‬فـ‪َ ‬‬
‫كي ٍ‬
‫مكن إذا علت رتبته عند غيره‪ ،‬يعني هو ليس من أفناد الملئكة‪ ،‬بل هو‬
‫‪ ()53‬روح المعاني ‪ ،30/105‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()54‬انظر‪ :‬تفسير أبي السعود ‪ ،5/489‬مرجع سابق‪ ،‬والقراءة المذكورة قراءة شاذة ‪.‬‬
‫‪()55‬انظر‪ :‬فتح القدير ‪ ،481/ 5‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()56‬الكشاف ‪ ،4/191‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()57‬رواه الطبراني في الوسط ‪) ،2/134‬الطبراني(مسند الدنيا أبوالقاسم سليمان بن‬
‫أحمد بن أيوب ت ‪:360‬المعجم الوسط‪ ،‬مراجعة‪ :‬محمود الطحان‪ ،1985-1405 ،‬مكتبة‬
‫المعارف ‪-‬الرياض‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الجامع رقم ‪ ،5864‬انظر‪) :‬اللباني( محمد‬
‫ناصر الدين‪ :‬صحيح الجامع الصغير وزيادته‪ ،‬أشرف على طبعه‪ :‬زهير الشاويش‪ ،‬ط ‪3‬‬
‫‪1408‬هس – ‪1988‬م‪ ،‬المكتب السلمي – بيروت ‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫من السادة الشراف معتنى به انتخب لهذه الرسالة العظيمة‪ ،‬وعدل عن‬
‫اسم الجللة إلى )ذي العرش( بالنسبة لجبريل ‪‬لتمثيل حال جبريل‪‬‬
‫ومكانته عند ال‪ ‬بحالة المير الماضي في تنفيذ أمر الملك‪ ،‬وهو‬
‫بمحل الكرامة لديه)‪.(58‬‬
‫ف َ‬
‫ومما ي ُت َ َ‬
‫طن للتأمل فيه في قوله ‪ ‬في وصف جبريل‪:‬‬
‫‪ِ ‬ذي ُ‬
‫سُ‬
‫ط‬
‫ن‪" ‬التكوير‪َ :"20/‬تَو ُ‬
‫ة ِ‬
‫م ِ‬
‫و ٍ‬
‫عن ْدَ ِذي ال ْ َ‬
‫ش َ‬
‫ق ّ‬
‫كي ٍ‬
‫عْر ِ‬
‫ش‪ ‬بين ‪ِ‬ذي ُ‬
‫ن‪ ،‬وسر‬
‫‪ِ ‬‬
‫م ِ‬
‫و ٍ‬
‫عن ْدَ ِذي ال ْ َ‬
‫ة‪ ‬و‪َ ‬‬
‫ق ّ‬
‫كي ٍ‬
‫عْر ِ‬
‫ذلك‪ :‬ليتنازعه كل الوصفين على وجه اليجاز‪ ،‬أي هو ذو قوة عند ال‬
‫‪ ،‬أي جعل ال‪ ‬مقدرة جبريل‪ ‬تخوله أن يقوم بعظيم ما يوكله ال‬
‫‪‬به مما يحتاج إلى قوة القدرة‪ ،‬وقوة التدبير‪ ،‬وهو ذو مكانة عند ال وزلفى‬
‫‪.‬‬
‫اقتصار مهمته في المحتوى العام على أنه‬
‫‪(6‬‬
‫رسول‪ :‬فليس له من أمر مضمون الرسالة شيء‪ ،‬بل هو مبلغ له‪ ،‬كما‬

‫أمر قال القرطبي‪" :‬إنه لقول رسول عن ال‪ ،‬كريم على ال")‪. (59‬‬
‫أفيحل لقائل أن يقول‪ :‬يمكن أن يجتهد البشر في قول ال ‪ ،‬وقد‬
‫منع منه جبريل‪‬؟!‪.‬‬
‫تمرسه على الرسالة التي تماثل هذا النوع‪ :‬إذ‬
‫‪(7‬‬
‫سول‪ ‬هذا التمرس على الرسالة‪،‬‬
‫يظهر من وصفه بقوله‪َ :‬ر ُ‬
‫ل من أن يقول لقول ملك كريم‪ ،‬ويتأكد هذا بأنه هو الذي كان‬
‫وذلك بد ً‬
‫ينـزل على النبياء‪ ،‬كما قال ورقة بن نوفل‪" :‬هذا الناموس الذي أنزل‬
‫على موسى")‪ ،(60‬وكما قال‪َ َ  ‬‬
‫حَنا‪‬‬
‫ها ُرو َ‬
‫سل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫فأْر َ‬
‫"مريم‪ ،"17/‬ول خلف أنه جبريل‪ ‬هنا‪ ،‬ولذا جاء في تفسير التحرير‬
‫والتنوير عند الكلم على سورة النجم‪" :‬وتخصيص جبريل‪ ‬بهذا‬
‫الوصف يشعر بأنه الَمَلك الذي ينـزل بفيوضات الحكمة على الرسل‬
‫والنبياء‪ ،‬ولذلك لما ناول الملك رسول ال ليلة السراء كأس لبن وكأس‬
‫‪ ()58‬التحرير والتنوير ‪ ،156 /30‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()59‬تفسير القرطبي ‪ ،19/240‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()60‬صحيح البخاري ‪ ،1/4‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫خمر‪ ،‬فاختار اللبن قال له جبريل‪) : ‬أخذت الفطرة ولو أخذت الخمر‬
‫غوت أمتك(")‪. (61‬‬
‫ف بهذا الوصف النبي ‪ ‬في‬
‫ص َ‬
‫فإن اعُترض معترض بالقول‪ :‬قد ُو ِ‬
‫سورة الحاقة وبالصيغة ذاتها‪ ،‬ولّما يكن متمرسًا على الرسالة ‪-‬بعد‪ ،-‬فل‬
‫يستقيم هذا الستنباط ‪.‬‬
‫فالجواب‪ :‬ل نسلم أنه لم يكن متمرسًا‪ ،‬إذ ما غشيه من تهيئة لتبليغ‬
‫‪62‬‬
‫الرسالة‪ ،‬قائم مقام ذلك‪ ،‬وسيأتي من هذه التهيئة ما يجلي ذا المعنى) (‪.‬‬
‫ل‪ :‬هناك فرق بين جبريل‪ ‬والنبي ‪ ‬من حيث قيام القرينة‬
‫ويقال تنـز ً‬
‫ل على هذا التمرس أو عدمه ‪.‬‬
‫الحالية في ك ٍ‬
‫ومن أجل هذا التمرس يعهد لجبريل‪ ‬بالمهمات الجليلة‪ ،‬ومنها ‪-‬بعد‬
‫الوحي‪ -‬نقل النبي ‪ ‬في عالم السماء ليلة السراء‪ :‬فعن أنس بن مالك‪‬‬
‫قال‪ :‬كان أبو ذر يحدث أن رسول ال ‪ ‬قال‪) :‬فرج عن سقف بيتي‬

‫وأنا بمكة فنسزل جبريل ‪ ‬ففرج صدري‪ ،‬ثم غسله بماء زمزم‪ ،‬ثم‬
‫جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا‪ ،‬فأفرغه في صدري‪،‬‬
‫ثم أطبقه‪ ،‬ثم أخذ بيدي‪ ،‬فعرج بي إلى السماء الدنيا‪ ،‬فلما جئت‬
‫إلى السماء الدنيا‪ ،‬قال جبريل ‪ ‬لخازن السماء‪ :‬افتح ‪ .‬قال‪ :‬من‬
‫هذا ؟ قال‪ :‬هذا جبريل ‪ ‬قال‪ :‬هل معك أحد ؟ قال‪ :‬نعم! معي‬
‫محمد‪ ‬فقال‪ :‬أرسل إليه ؟‪ .‬قال‪ :‬نعم ‪ .‬فلما فتح علونا السماء‬
‫الدنيا …( الحديث)‪. (63‬‬
‫وإ ِن ّ َ‬
‫قى ال ْ ُ‬
‫ك ل َت ُل َ ّ‬
‫ن‬
‫‪(8‬‬
‫قْرآ َ‬
‫حكيم عليم‪ :‬كما قال ‪َ : ‬‬
‫عِليم ٍ‪" ‬النمل ‪"6/‬؛ إذ الكثر على أنها في نعت‬
‫كيم ٍ َ‬
‫ح ِ‬
‫ِ‬
‫ن ل َدُ ْ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬

‫جبريل‪ ‬فالمعلم الُمْلِقي ل يلقي شيئًا إل بعلمه‪ ،‬وليس دوره دورًا آليًا‬
‫في النقل‪ ،‬بل يعلمه من حيث الجملة والتفصيل‪ ،‬ويعلمه من حيث‬
‫الداء‪ ،‬وأصل اللفظ‪ ،‬كما يتسم بالحكمة التي بها يضع المور في‬
‫مواضعها‪ ،‬ومن ذاك وقت تعليم اللفاظ ومكانه ‪.‬‬

‫‪ ()61‬التحرير والتنوير ‪ ،26/95‬مرجع سابق‪ ،‬والحديث المذكور أخرجه الشيخان‪ :‬البخاري‬
‫‪ ،6/308‬مرجع سابق‪ ،‬ومسلم ‪ ،1/125‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()62‬انظر‪ :‬الفصل الثاني –المبحث الول ‪.‬‬
‫‪ ()63‬صحيح البخاري ‪ ،1/300‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫خُلقية التي تمنحه‬
‫خْلقية وال ُ‬
‫فهذه صفات جبريل ال َ‬
‫القدرة المينة الدقيقة على تعليم ألفاظ القرآن في وقتها‬
‫ت‪.‬‬
‫الذي أمر الله ‪ ‬به بأمانة ودقةٍ وحسن تأ ٍ‬
‫فإن اعُترض معترض على الستطراد في ذكر صفات الرسول الذي‬
‫حمله وليس يرجع ذا إلى لب البحث؛ فالجواب‪ :‬في ذلك من الحكم‪:‬‬
‫الثناء على الرسول الُمْلِقي للقرآن‪ ،‬والمبّلغ له إلى الرض أوًل‪ ،‬وفيه تنويه‬
‫بالقرآن‪ ،‬وتأكيد لصدقه وعظمته من حيث عظمة من قام بتبليغه ثانيًا‪ ،‬وفيه‬
‫ل لدائه لفظًا وأداء‬
‫تأكيد على الصفات التي جعلت هذا الرسول المتحمل أه ً‬
‫ثالثًا‪ ،‬وفيه تحديد لحجم الجتهاد البشري فيه من حيث حجم اجتهاد الَمَلك‬
‫فيه رابعاً‪ ،‬وبيان لصلية التوقيف في لفظه وفرعيته من حيث مؤهلت هذا‬
‫الرسول المعنوية‪ ،‬وإمكاناته الحسية على نقل القرآن‪ ،‬ومتابعته بدقة؛ إذ‬
‫منعه من إدخال اجتهاده مع عظيم مكانته من ال‪ ، ‬منٌع لغيره من ضََعَفة‬
‫المخلوقين من باب أولى‪ ،‬وهذا خامسًا‪.‬‬
‫فل َ أ ُ ْ‬
‫ولذا كان قسم ال‪ ‬في سورة التكوير بقوله‪َ ‬‬
‫م‬
‫ق ِ‬
‫س ُ‬
‫ْ‬
‫س… ‪"‬التكوير‪ "…15/‬لبيان صدق‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫س)‪ (15‬ال ْ َ‬
‫ج َ‬
‫وا ِ‬
‫ري الك ُن ّ ِ‬
‫خن ّ ِ‬
‫ل بالثناء على طرفي التصال‪،‬‬
‫الوحي القرآني‪ ،‬وتمت هذه الغاية صدقًا وعد ً‬
‫ه لَ َ‬
‫و ُ‬
‫ريم ٍ )‪(19‬‬
‫ل َر ُ‬
‫والنقل القرآني بين السماء والرض‪‬إ ِن ّ ُ‬
‫سو ٍ‬
‫ق ْ‬
‫ل كَ ِ‬
‫ِذي ُ‬
‫ش…‪" ‬التكوير ‪ ،"…-19‬فإجراء أوصاف‬
‫ة ِ‬
‫و ٍ‬
‫عن ْدَ ِذي ال ْ َ‬
‫ق ّ‬
‫عْر ِ‬
‫الثناء على الرسول للتنويه به أيضًا‪ ،‬وللكناية على أن ما نزل به صدق؛ لن‬
‫كمال القائل يدل على صدق القول)‪ ،(64‬وانظر كيف زاد في ذكر صفات‬
‫جبريل‪ ‬إذ هو خبر عما عنده سبحانه وهو غيب عنهم‪ ،‬فكثرة صفاته‬
‫أدعى لطمأنتهم‪ ،‬ثم أخبرهم عمن عندهم بما يوفونه فل يحتاج إلى مزيد‬
‫كلم…ومما جاء في حواشي الكشاف تعليقًا على تأويل آيات التكوير‪:‬‬
‫‪ ()64‬التحرير والتنوير ‪ ،30/175‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫"إنما ذكر جبريل‪ ‬بتلك الصفات واقتصر على نفي الجنون عن النبي ‪‬‬
‫لن جبريل‪ ‬مجهول")‪ (65‬أي عند البشر ‪.‬‬

‫‪ ()65‬محمد عليان المزروقي الشافعي‪ :‬حاشيته على الكشاف ‪ ،4/691‬دار المعرفة ‪-‬‬
‫بيروت ‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫المبحث الثالث‪:‬‬
‫أمين الوحي في السماء لهل السماء‪:‬‬

‫في هذا المبحث تتضح المكانة الخاصة لجبريل‪ ‬من ربه‪ ،‬بعد‬
‫أن اتضحت المكانة العامة له من خلل المبحث السابق‪ ،‬إذ هو أمين الوحي‬
‫اللهي مطلقًا‪ ،‬وأول ذلك أنه أمين الوحي في السماء لهل السماء‪ ،‬وتلك من‬
‫أسباب جدارته الفائقة لمانة الوحي النازل لهل الرض ‪.‬‬
‫فعن النواس بن سمعان‪ ‬قال‪ :‬سمعت رسول ال‪ ‬يقول‪) :‬إن الله إذا‬
‫أراد أن يأمر بأمر تكلم به‪ ،‬فإذا تكلم به أخذت السماء رجفة‪ ،‬أو‬
‫قال رعدة شديدة فإذا سمع بذلك أهل السماء‪ ،‬صعقوا فيخرون‬
‫سجدًا‪ ،‬فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ‪ ‬فيكلمه الله من‬
‫وحيه بما أراد فيمر به جبريل ‪‬على الملئكة‪ ،‬فكلما مر بسماء‬
‫سألته ملئكتها‪ :‬ماذا قال ربنا ؟‪ .‬قال جبريل‪: ‬قال ربكم الحق‬
‫وهو العلي الكبير ‪ .‬فيقولون كلهم كما قال جبريل ‪ ‬فينتهي‬
‫جبريل‪ ‬بالوحي حيث أمر من سماء وأرض()‪. (66‬‬

‫فجبريل ‪‬هو أمين الوحي اللهي سواء كان هذا الوحي أرضيًا‪،‬‬
‫وموضوع )تلقي النبي ‪ ( ‬يشكل أنموذجه‪ ،‬أو سماويًا كما في حديث أبي‬
‫هريرة ‪‬عن النبي ‪ ‬قال‪) :‬إذا أحب الله العبد نادى جبريل‪ :‬إن‬
‫الله يحب فلنا فأحببه‪ ،‬فيحبه جبريل‪ ،‬فينادي جبريل في أهل‬
‫السماء‪ :‬إن الله يحب فلنًا‪ ،‬فأحبوه‪ ،‬فيحبه أهل السماء‪ ،‬ثم يوضع‬
‫له القبول في الرض()‪ ،(67‬وقال ‪) : ‬إن العبد ليلتمس مرضاة‬
‫الله‪ ،‬ول يزال بذلك فيقول الله ‪ ‬لجبريل‪ :‬إن فلنا ً عبدي يلتمس‬
‫أن يرضيني‪ ،‬أل وإن رحمتي عليه‪ ،‬فيقول جبريل‪ :‬رحمة الله على‬

‫‪) ()66‬الطبراني( أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب‪ ،‬مسند الدنيا‪ ،‬ت ‪ 360‬هـ‪ :‬مسند الشاميين‬
‫‪1984‬م – ‪1405‬هـ‪ ،‬مؤسسة الرسالة‪ ،‬بيروت‪ ،‬مراجعة‪ :‬حمدي بن عبد المجيد السلفي‪ ،‬وأصل هذا‬
‫الحديث عند ابن حبان ‪ ،1/224‬مرجع سابق‪ ،‬بلفظ‪) :‬إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل‬
‫السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا‪ ،‬فيصعقون‪ ،‬فل يزالون‬
‫كذلك حتى يأتيهم جبريل‪ ،‬حتى إذاجاءهم جبريل‪ ،‬فزع عن قلوبهم ‪ -‬قال ‪-‬‬
‫فيقولون‪ :‬يا جبريل ! ماذا قال ربك ؟ فيقول‪ :‬الحق ‪ .‬فيقولون‪ :‬الحق‬
‫الحق( ‪.‬‬
‫‪ ( )67‬صحيح البخاري ‪ ،3/1175‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫فلن‪ ،‬ويقولها حملة العرش‪ ،‬ويقولها من حولهم حتى يقولها أهل‬
‫السماوات السبع‪ ،‬ثم تهبط له إلى الرض()‪.(68‬‬
‫وقد روى ابن مردويه من حديث ابن مسعود رفعه‪) :‬إذا تكلم الله‬
‫بالوحي يسمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على‬
‫حّتى إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫الصفوان فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة وقرأ ‪َ ‬‬
‫ن ُ‬
‫ُ‬
‫قُلوب ِِهم…‪‬الية()‪ ،(69‬وقد وقع في بعض روايات حديث‬
‫ع َ‬
‫فّز َ‬
‫ع ْ‬
‫النواس ابن سمعان السابق ما نصه‪) :‬أخذت أهل السماوات منه رعدة‬
‫خوفا من الله وخروا سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل‪،‬‬
‫فيكلمه الله بما أراد‪ ،‬فيمضي به على الملئكة‪ ،‬من سماء إلى‬
‫سماء(‪ ،‬وفي حديث ابن عباس‪ ‬عند ابن خزيمة وابن مردويه‪) :‬كمر‬
‫السلسلة على الصفوان‪ ،‬فل ينسزل على أهل السماء إل صعقوا‪،‬‬
‫فإذا فزع عن قلوبهم إلى آخر الية‪ ،‬ثم يقول‪ :‬يكون العام كذا‪،‬‬
‫فيسمعه الجن …(‪ ،‬وعند ابن مردويه من طريق بهز بن حكيم عن أبيه‬
‫‪) :‬ما نزل جبريل بالوحي‪ ،‬فزع أهل السماء لنحطاطه‪،‬‬
‫عن جده‬
‫وسمعوا صوت الوحي‪ ،‬كأشد ما يكون من صوت الحديد على‬
‫الصفا فيقولون‪ :‬يا جبريل بما أمرت …()‪(70‬الحديث‪.‬‬
‫وقد ل يكون الوحي أمرا ً إلهيا ً لحد من المخلوقين‪ ،‬بل‬

‫هو حديث بين الجبار جل جلله وبين جبريل‪ ،‬فعن أبي هريرة‪ ‬أن‬
‫رسول ال‪ ‬قال‪) :‬لما خلق الله الجنة‪ ،‬قال لجبريل‪ :‬اذهب‪ ،‬فانظر‬

‫إليها‪ .‬فذهب‪ ،‬فنظر إليها‪ ،‬ثم جاء‪ ،‬فقال‪ :‬أي رب‪ ،‬وعزتك‪ ،‬ل يسمع‬
‫بها أحد إل دخلها‪ ،‬ثم حفها بالمكاره‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا جبريل اذهب‪،‬‬
‫فانظر إليها‪ .‬فذهب‪ ،‬فنظر إليها‪ ،‬ثم جاء‪ ،‬فقال‪ :‬أي رب‪ ،‬وعزتك‬
‫لقد خشيت أن ل يدخلها أحد ‪- .‬قال‪ -‬فلما خلق الله النار‪ ،‬قال‪ :‬يا‬
‫جبريل اذهب‪ ،‬فانظر إليها ‪ .‬فذهب‪ ،‬فنظر إليها‪ ،‬ثم جاء ‪ .‬فقال‪ :‬أي‬
‫رب‪ ،‬وعزتك ل يسمع بها أحد فيدخلها‪ ،‬فحفها بالشهوات‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫يا جبريل اذهب‪ ،‬فانظر إليها ‪ .‬فذهب‪ ،‬فنظر إليها‪ ،‬ثم جاء‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫أي رب وعزتك‪ ،‬لقد خشيت أن ل يبقى أحد إل دخلها()‪.(71‬‬
‫‪ ()68‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،5/279‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()69‬فتح الباري ‪ ،721 /8‬مرجع سابق‪ ،‬وقال‪" :‬وأصله عند أبي داود وغيره‪ ،‬وعلقه المصنف‬
‫موقوفًا"‪.‬‬
‫‪ ()70‬انظر هذه الروايات وغيرها‪ :‬في فتح الباري ‪ ،8/721‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()71‬صحيح ابن حبان ‪ ،16/406‬مرجع سابق‪ ،‬والمستدرك ‪ ،1/79‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫وقد ُأريد من التفصيل السالف أن ُتَبّين مكانة جبريل ‪‬من الملك‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫قَوى‪‬‬
‫جل وعز‪ ،‬ويربط بين ذلك وبين قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫ش ِ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫"النجم‪ ،"5/‬فيستبين جللة تعليم لفظ القرآن‪ ،‬وأنه ليس مجرد لفظ يرمى من فم‬
‫ع أن تلقي النبي ‪ ‬للفظ القرآن من جبريل‪ ‬اعتراه‬
‫لفم‪ ،‬بل لو ادعى مد ٍ‬
‫من التوقيف‪ ،‬ومنع الجتهاد أكثر مما اعترى معناه لما بعد عن إصابة سهم‬
‫فكره لعين الحقيقة‪ ،‬وذلك واضح من حيث أن عتاب ال ‪ ‬لنبيه في القرآن‬
‫الكريم إنما هو لصواب في أمر غير ما ذهب إليه في فهم معنى معين‪،‬‬
‫بخلف اللفظ‪ ،‬فليس له فيه إل ما ُلّقَنه‪ ،‬وقد حاول الجتهاد في هيئة التلقي‬
‫فمنع من ذلك)‪.(72‬‬
‫وما سبق من أدلة توصلنا إلى نتيجة على قدر جليل من الهمية هي‪ :‬أن‬
‫جبريل‪ ‬هو الوسيط بين ال ‪ ‬وأنبيائه‪ ،‬وهو المبحث التالي‪:‬‬

‫‪ ()72‬انظر‪ :‬حديث المعالجة‪ :‬الفصل الثالث –المبحث السادس ‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫المبحث الرابع‪:‬‬
‫اختيار جبريل ‪‬ليكون الوسيط بين الله‬

‫‪ ‬ورسله‪:‬‬

‫ويتفرع هذا المبحث إلى ثلث جهات‪:‬‬
‫جهة من حيث عموم الرسالت السماوية‪ ،‬وجهة من حيث خصوص‬
‫رسالة النبي ‪ ،‬وجهة من حيث خصوص الخصوص وهو كون جبريل‬
‫‪ ‬هو مقرئ النبي‪ ‬وتلك الجهات ُتشكل ثلثة مطالب للمبحث‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬من حيث عموم الرسالت السماوية ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬من حيث خصوص رسالة النبي ‪. ‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬من حيث خصوص الخصوص وهو القراء ‪.‬‬

‫المطلب الول‪ :‬من حيث عموم الرسالت السماوية‪:‬‬

‫َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ما‬
‫و َ‬
‫ك كَ َ‬
‫ومن أدلتها غير ما تقدم قول ال ‪ : ‬إ ِّنا أ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ‪" ‬النساء‪ ،" 163 /‬ومن‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫والن ّب ِّيي َ‬
‫ح َ‬
‫أ ْ‬
‫حي َْنا إ ِلى ُنو ٍ‬
‫ذلك حديث عائشة ‪ ‬في بدء الوحي‪ :‬فقال له ورقة‪) :‬هذا الناموس الذي‬
‫نزل ال على موسى()‪.(73‬‬
‫فقد قال البخاري في معناه ‪":‬الناموس صاحب السر الذي يطلعه بما‬
‫يستره عن غيره")‪ ،(74‬وقال ابن الثير‪" :‬في حديث الَمْبَعث)‪) :(75‬إنه َليْأتيه‬
‫صه الذي يطلعه على‬
‫ب سّر الَمِلك‪ ،‬وهو خا ّ‬
‫س صاح ُ‬
‫الّناُموس الكبر( النامو ُ‬
‫صه‬
‫ما يطويه من غيره من سرائره…وأراد به جبريل‪‬؛ لن ال تعالى خ ّ‬
‫غيره")‪ ،(76‬وقال شارح الطحاوية‬
‫طِلُع عليهما َ‬
‫بالوحي والغيب اللّذين ل َي ّ‬
‫في قوله ‪ ‬ن ََز َ‬
‫ن‪" ‬النجم‪" "194/‬هو جبرائيل‪‬‬
‫ح ال ِ‬
‫ل بِ ِ‬
‫ه الّرو ُ‬
‫مي ُ‬
‫‪ ،‬سمي روحًا لنه حامل الوحي الذي به حياة القلوب إلى الرسل من البشر‬
‫صلوات ال عليهم أجمعين")‪. (77‬‬
‫وأهمية هذه النتيجة في هذه الدراسة‪ :‬كامنٌة في‪ :‬أن انفراد‬
‫ملك واحد من عالم الغيب ليكون الوسيط بين ال ‪ ‬وبين نبيه ‪ ‬في نقل‬
‫‪ ()73‬صحيح البخاري ‪ 1/4‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()74‬صحيح البخاري ‪ ،3/1241‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()75‬يعني الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة عن أول بعثته وفيه‪ :‬قال ورقة بن نوفل‪:‬‬
‫هذا الناموس الذي نزل الله على موسى…‪.‬‬
‫‪ ()76‬النهاية في غريب الثر ‪ ،5/119‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()77‬شرح العقيدة الطحاوية ‪ ،315‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫كلم ال ‪ ‬يزيل كل وسوسة يقذفها الشيطان في نفس النسان‪ ،‬تشكك في‬
‫أنه يحتمل أن أحد الشياطين المتصورة في صورة معينة قد ألقى كلمًا على‬
‫ل خطيرًا‬
‫رسول ال ‪ ،‬وعده رسول ال ‪ ‬وحيًا‪ ،‬وهو ما يدفع عام ً‬
‫ومنطقيًا من عوامل التشكيك في نقل كلم ال‪ ،‬وقد أدرك المام‬
‫السيوطي أهمية هذا المسألة‪ ،‬فألف رسالة بعنوان "لبس الَيَلب في الجواب‬
‫عن إيراد أهل حلب"‪ ،‬قال‪" :‬لما وصل كتاب العلم إلى حلب ‪-‬وقف عليه‬
‫واقف فرأى فيه قولي أن جبريل‪ ‬هو السفير بين ال ‪ ‬وبين أنبيائه‪ ،‬ل‬
‫يعرف ذلك لغيره‪ ،‬فكتب على الهامش‪ ،‬بل قد عرف ذلك لغيره من‬
‫الملئكة‪ ،‬فأجاب فأجبت …الخ")‪.(78‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬من حيث خصوص رسالة النبي‪:‬‬

‫ل في التصريح بأن جبريل ‪ ‬هو الوسيط بين ال تعالى وبين‬
‫يكفي دلي ً‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ل َ‬
‫نبيه‪ ‬قوله ‪ُ  ‬‬
‫ري َ‬
‫ق ْ‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫ه ن َّزل ُ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫وا ل ِ ِ‬
‫عدُ ّ‬
‫جب ْ ِ‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫صدّ ّ‬
‫عَلى َ‬
‫دى‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫ن ي َدَي ْ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ه ً‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫قا ً ل ِ َ‬
‫ه ُ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ك ب ِإ ِذْ ِ‬
‫م ْ‬
‫وب ُ ْ‬
‫ه‬
‫ن ‪" ‬البقرة‪ ،"97/‬وقوله ‪َ  ‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫شَرى ل ِل ْ ُ‬
‫َ‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫ص بنـزول‬
‫خ ّ‬
‫وى‪" ‬النجم‪ ،"5/‬فإن اُدعي أن إطلقها قد ُي َ‬
‫ش ِ‬
‫ق َ‬
‫جبريل ‪‬بنوع من الوحي دون غيره‪ ،‬اكتفي بالقول ردًا على ذلك‪ :‬ذاك‬
‫جَد‪ ،‬وإل فهو عليل‪ ،‬فل ُيرتضى بمجرد‬
‫عارض يفتقر الدليل‪ ،‬فإن ُو ِ‬
‫التخمين‪ ،‬ومن احتج بالعموم للملئكة بقول النبي‪) ‬وأحيانا ً يتمثل لي‬
‫الملك …()‪ (79‬الحديث‪ُ ،‬يجاب عليه‪ :‬بأن أداة التعريف فيه للعهد ل‬
‫للستغراق‪ ،‬بقرينة التصريح بجبريل ‪ ‬في رواية ابن سعد)‪ .(80‬وقد كان‬
‫جبريل‪ ‬معلم الدين أصوًل وفروعًا؛ فعن أبي هريرة ‪‬قال‪ :‬قال رسول‬
‫ال‪) : ‬هذا جبريل ‪ ‬يعلمكم دينكم( ثم ذكر مواقيت الصلة)‪،(81‬‬
‫‪) ()78‬حاجي خليفة( مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي الحنفي ت ‪1067‬هس ‪:‬‬
‫كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ‪1992 ،2/1547‬م ‪1413 -‬هس‪ ،‬دار الكتب العلمية‬
‫– بيروت ‪. -‬‬
‫‪ ()79‬انظر‪ :‬تخريجه في الفصل الثاني‪-‬المبحث الثالث‪.‬‬
‫‪ ()80‬طبقات ابن سعد ‪ ،1/197‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر فتح الباري ‪ ،12/442‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪) ()81‬البيهقي( أبوبكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى )‪384‬هس ‪-‬ت ‪458‬هس(‪ :‬سنن‬
‫البيهقي الكبرى‪ ،‬مراجعة‪ :‬محمد عبد القادر عطا‪1994 ،‬م‪1414-‬هس‪ ،‬مكتبة دار الباز – مكة‬
‫المكرمة ‪. 0‬‬

‫‪50‬‬

‫ونحوه حديث جبريل ‪‬المشهور عن عمر ابن الخطاب عند البخاري‬
‫ومسلم)‪ ،(82‬ومثله عن أبي هريرة ‪‬عند مسلم)‪.(83‬‬
‫ومما يدل على قرب جبريل‪ ،‬ومتابعته‪ ،‬وكونه‬
‫الواسطة التعليمية للنبي‪: ‬‬

‫ما جاء عن أنس‪ ‬قال‪ :‬بلغ عبد ال بن سلم مقدم رسول ال‪‬‬
‫المدينة‪ ،‬فأتاه‪ ،‬فقال‪ :‬إني سائلك عن ثلث ل يعلمهن إل نبي‪ :‬ما أول أشراط‬
‫الساعة؟‪ ،‬وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟‪ ،‬ومن أي شيء ينـزع الولد إلى‬
‫أبيه ؟‪ ،‬ومن أي شيء ينـزع إلى أخواله ؟‪ .‬فقال رسول ال ‪) : ‬خبرني‬
‫بهن آنفا جبريل‪ (‬فقال عبد ال‪ :‬ذاك عدو اليهود من الملئكة…‬
‫الحديث)‪.(84‬‬
‫كما أن جبريل‪ ‬هو واسطة النبي ‪‬التعليمية‬
‫الوحيدة إلى عالم الغيب‪ :‬فل يتعرف على العالم الغيبي إل‬

‫بواسطة جبريل‪.‬‬
‫ومن ذلك أن جبريل ‪ ‬واسطته التعليمية إلى أهم عالمين غيبين يوازيان‬
‫عالم البشر‪ :‬عالم الملئكة‪ ،‬وعالم الجن‪:‬‬
‫فأما عالم الملئكة‪ :‬فعن عائشة‪ ‬زوج النبي‪ ‬أن النبي‪ ‬قال في‬
‫حديث ذهابه إلى ثقيف‪) :‬فلم أستفق إل وأنا بقرن الثعالب‪ ،‬فرفعت‬
‫رأسي‪ ،‬فإذا أنا بسحابة قد أظلتني‪ ،‬فنظرت‪ ،‬فإذا فيها جبريل‬
‫‪‬فناداني‪ ،‬فقال‪ :‬إن الله قد سمع قول قومك لك‪ ،‬وما ردوا‬
‫عليك‪ ،‬وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم‪،‬‬

‫فناداني ملك الجبال‪ ،‬فسلم علي‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا محمد! فقال‪ :‬ذلك‬
‫فيما شئت ‪ .‬إن شئت أن أطبق عليهم الخشبين ؟فقال النبي ‪‬‬
‫‪:‬بل أرجو أن يخرج الله من أصلبهم من يعبد الله وحده ل يشرك‬
‫به شيئا ً()‪.(85‬‬
‫‪ ()82‬رواه البخاري ‪ ،1/15‬مرجع سابق‪ ،‬ومسلم ‪ ،1/4‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()83‬رواه مسلم ‪ ،1/49‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()84‬صحيح البخاري ‪ ،3/1211‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()85‬صحيح البخاري ‪ ،3/1180‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫ومن ذلك تعرفه على ملئكة السماء وخزنتها في حادثة السراء فقد‬
‫كانت واسطته هي جبريل ‪.‬‬
‫وأما عالم الجن‪ :‬فعن عبد ال بن مسعود ‪‬قال‪ :‬إن رسول ال ‪ ‬ليلة‬
‫الجن وهو مع جبريل ‪ ‬وأنا معه‪ ،‬فجعل النبي ‪ ‬يقرأ‪ ،‬وجعل العفريت‬
‫يدنو‪ ،‬ويزداد قربًا‪ ،‬فقال جبريل ‪ ‬للنبي ‪) :‬أل أعلمك كلمات‬
‫تقولهن فيكب العفريت لوجهه‪ ،‬وتطفئ شعلته؟ قل أعوذ بوجه‬
‫الله الكريم‪ ،‬وكلماته التامات التي ل يجاوزهن بر‪ ،‬ول فاجر من‬
‫شر ما ينزل من السماء‪ ،‬وما يعرج فيها‪ ،‬ومن شر ما ذرأ في‬
‫الرض‪ ،‬وما يخرج منها‪ ،‬ومن فتن الليل والنهار‪ ،‬ومن شر طوارق‬
‫الليل والنهار‪ ،‬إل طارقا ً يطرق بخير يا رحمن‪.‬فكب العفريت‬

‫لوجهه وانطفأت شعلته()‪.(86‬‬
‫ولهذا التفريع فائدة منهجية بديعة فيما نحن بصدد جمع شتاته‪ ،‬من‬
‫حيث واقع وجود عالمين معروفين غير مرئيين من عوالم الغيب هما‪ :‬عالم‬
‫الملئكة‪ ،‬وعالم الجن‪ ،‬تتمثل في حمايته من أن يتطرق إليه الشك عندما‬
‫يبلغه غير جبريل‪ ‬من الملئكة الوحي‪ ،‬فيلقي الشيطان أنه ليس ملكًا‪،‬‬
‫وحمايته من الشياطين أن يفكروا بالتلبيس عليه)‪.(87‬‬
‫كما هو أيضًا واسطته إلى غيب خارج ذلك‪ :‬فعن أبي هريرة‬
‫‪‬قال‪ :‬قال رسول ال‪) : ‬أتاني جبريل ‪‬فأخذ بيدي فأراني باب‬
‫الجنة الذي تدخل منه أمتي()‪.(88‬‬
‫وبناء على أن جبريل هو الوسيط بين الله ورسله‪:‬‬
‫فهل كانت هيئات الوحي إلى النبي‪ ‬كما كانت‬
‫إلى النبياء السابقين على ما يظهر من قوله‬
‫‪) ()86‬النسائي( أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب ت ‪ 303‬هس‪ :‬السنن الكبرى ‪ 6/237‬مراجعة‪:‬‬
‫د‪ .‬عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن‪1411 ،‬ه‪1991/-‬م دار الكتب العلمية ‪-‬‬
‫بيروت‪ ،‬وقد جاء في رواية‪) :‬علمنيهن جبريل وزعم أن عفريتا ً يكيدني( ‪.‬‬
‫‪ ()87‬ونقل القاضي عياض الجماع على عصمته‪‬في الشفاء ‪ ،141/ 2‬ولكن ذلك إجماع‬
‫يفتقر إلى المستند‪ ،‬فليكن ذا في طريق ذاك المستند ‪.‬‬
‫‪ ()88‬المستدرك ‪ ،3/77‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫والن ّب ِّيي َ‬
‫ك كَ َ‬
‫ح َ‬
‫ما أ ْ‬
‫تعالى‪:‬إ ِّنا أ ْ‬
‫حي َْنا إ ِلى ُنو ٍ‬
‫ن ب َْعِدِه‪" ‬النساء ‪ "163/‬؟ والجواب‪ :‬ل! فل ريب في‬
‫ِ‬
‫م ْ‬

‫اشتراكهم في أصل الوحي‪ ،‬أما ما بعد ذلك فليس عندنا‬
‫ما يشير إلى الهيئات التفصيلية لوحي النبياء السابقين‬
‫حتى تتم المقارنة‪ ،‬ول دليل في الية على ترجيح أحد‬
‫المرين إذ لو كانت تشبيهًا‪ ،‬فإن التشبيه ل يقتضي أن‬
‫شّبه مساويا ً للم َ‬
‫يكون الم َ‬
‫شّبه به‪ ،‬وإن كانت إخبارا ً فهل‬
‫المراد التفصيل أو القبيل‪ ،‬ول دليل ثم على أحدهما‪ ،‬وما‬
‫تطرق إليه الحتمال سقط به الستدلل‪ ،‬وعلى ضوء هذا‬
‫التقرير يفهم قول ابن حجر‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬في شرح هذه‬
‫الية‪" :‬ولما كان في الية أن الوحي إليه نظير الوحي إلى‬
‫النبياء قبله ناسب تقديم ما يتعلق بها‪ ،‬وهو صفة الوحي‪،‬‬
‫وصفة حامله إشارة إلى أن الوحي إلى النبياء ل تباين‬
‫فيه")‪. (89‬‬
‫وإنما أورد هذا الكلم هاهنا لئل ُيفتَرض أن‬
‫القرآن نزل كما نزلت التوراة وحيا ً مكتوبًا‪ ،‬لم تحتج إلى‬
‫تلقين استدلل ً بهذه الية‪ ،‬فيجاب بما سبق‪ ،‬ويضاف إليه‬
‫أن ليس ثم تفصيل عن الهيئة التي تم بها إيحاء التوراة‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫ه ِ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫وك َت َب َْنا ل َ ُ‬
‫في الل ْ َ‬
‫بدقة إل قوله‪َ : ‬‬
‫ش ْ‬
‫وا ِ‬
‫وت َ ْ‬
‫ل َ‬
‫صيل ل ِك ُ ّ‬
‫يٍء‪" ‬العراف‪ "145/‬وهي ل تنفي‬
‫عظَ ً‬
‫و ِ‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫ة َ‬
‫م ْ‬
‫ش ْ‬
‫التلقين صراحة‪ ،‬على أنها تبين المقدار الكبير في التغاير‬
‫بين إيحاء التوراة والقرآن من حيث أن التوراة كتبت‬
‫لموسى‪ ‬كتابة ولم تتلقن تلقينا ً‪ ،‬والقرآن سمي‬
‫قرآنا ً علما ً عليه أشهر من اسم كتاب مع كونه‬
‫السم الثاني له في الشهرة ‪ ،‬دللة على اجتماع‬
‫القراءة والكتابة في الحفاظ على القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬لكن التلقين يسبق الكتابة عند ذكر‬
‫أساليب تعلم القرآن الكريم كما يسبق اسم‬
‫‪ ()89‬فتح الباري ‪ ،1/5‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫)القرآن( اسم )الكتاب(‪ ،‬وهو الجاري عند‬
‫المسلمين في مشارق الرض ومغاربها‪.‬‬
‫وجماع القول أن جبريل‪‬قد بلغ أخص مبلغ في مكانته عند ال‪ ‬من‬
‫بين الملئكة‪ ،‬ولذا أسند إليه تعليم النبي‪ ‬لفظ القرآن‪ ،‬فصار كل ما سبق‬
‫خادمًا لنقل القرآن الكريم ‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬من حيث خصوص الخصوص‪ :‬أي من حيث كون‬
‫جبريل ‪ ‬هو المقرئ الوحيد للنبي‪ ‬من الملئكة‪ ،‬فإن أبا حيان ُيَعّر ُ‬
‫ف‬
‫جبريل‪ ‬فيقول‪" :‬جبريل اسم ملك علم له‪ ،‬وهو الذي نزل بالقرآن على‬
‫رسول ال‪ ، ‬وهو اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية‬
‫والعجمة")‪.(90‬‬
‫وجبريل‪ ‬هو المقرئ له صراحة‪ :‬فعن ابن عباس‪ ‬حدثه أن رسول‬
‫ال ‪ ‬قال‪) :‬أقرأني جبريل على حرف‪ ،‬فراجعته‪ ،‬فلم أزل‬
‫أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف()‪.(91‬‬
‫ولنه الملقي للنبي ‪ ‬ألفاظ لقرآن الكريم‪ :‬فقد باتت مسألة التلقي‬
‫جُع إلى طرقها عند‬
‫منه مصدر مرجعي بدهي في أوساط المة‪ُ :‬يْر َ‬
‫ج بثبوت النقل عنها عند التعليم‪ ،‬فعن العمش قال‪ :‬سمعت‬
‫حَت ُ‬
‫الختلف‪ ،‬وُي ْ‬
‫الحجاج بن يوسف يقول وهو يخطب على المنبر‪ :‬ألفوا القرآن كما ألفه‬
‫جبريل‪ ‬السورة التي تذكر فيها البقرة‪ ،‬والسورة التي تذكر فيها النساء‪،‬‬
‫والسورة التي يذكر فيها آل عمران‪ ،‬قال‪ :‬فلقيت إبراهيم)‪ ،(92‬فأخبرته‬
‫بقوله‪ ،‬فسبه‪ ،‬ثم قال‪ :‬حدثني عبد الرحمن بن يزيد أنه كان مع عبد ال بن‬
‫مسعود‪ ،‬فأتى جمرة العقبة‪ ،‬فاستبطن الوادي‪ ،‬فاستعرضها‪ ،‬فرماها من بطن‬
‫الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أبا عبد الرحمن‪ ،‬إن‬
‫‪ ()90‬البحر المحيط ‪ ،1/316‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()91‬صحيح البخاري ‪ ،4/1909‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()92‬يعني‪ :‬إبراهيم النخعي ‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫الناس يرمونها من فوقها‪ ،‬فقال‪ :‬هذا ‪ -‬والذي ل إله غيره ‪ -‬مقام الذي أنزلت‬
‫عليه سورة البقرة)‪.(93‬‬
‫و)التأليف( في قول الحجاج‪ :‬هل هو الترتيب كما هو أصل معنى الكلمة‪،‬‬
‫ل فإن كان هذا في‬
‫أم أنه تسمية السور كما يظهر من السياق ؟ وعلى ك ٍ‬
‫محله‪ ،‬أو في تسمية سوره‪ ،‬فكيف في وضعه وهيئات نطقه ؟ والشاهد‬
‫واضح من السناد إلى جبريل‪.‬‬
‫فإن اعُترض معترض بآيتي خاتمة البقرة؛ إذ أنزلهما ملك غير جبريل‪‬‬
‫؟فعن ابن عباس ‪‬قال‪ :‬بينما جبريل‪ ‬قاعد عند النبي‪ ‬سمع نقيضًا‬
‫من فوقه‪ ،‬فرفع رأسه‪ ،‬فقال‪) :‬هذا باب من السماء فتح اليوم‪ ،‬لم يفتح‬
‫قط إل اليوم‪ ،‬فنسزل منه ملك‪ ،‬فقال‪ :‬هذا ملك نزل إلى الرض لم‬
‫ينسزل قط إل اليوم‪ ،‬فسلم‪ ،‬وقال‪ :‬أبشر بنورين أوتيتهما‪ ،‬لم يؤتهما‬
‫نبي قبلك‪ :‬فاتحة الكتاب‪ ،‬وخواتيم سورة البقرة‪ ،‬لن تقرأ بحرف‬

‫منهما إل أعطيته()‪.(94‬‬
‫فالجواب‪ :‬إما أن يكون أنزلهما بعد نزولهما‪ ،‬أي تكرر النـزول للهتمام‬
‫أو لمر آخر‪ ،‬وإما أن النـزول كان للفضل ل للنزال ذاته‪ ،‬ويدل لهذا أنه ل‬
‫مراء في نزول الفاتحة قبل ذلك في مكة‪ ،‬وواضح أن الحادثة في المدينة إذ‬
‫قد صرح متتبعوا النـزول بأن نزول البقرة كان في المدينة)‪. (95‬‬
‫ووجه ثالث هو أن الواسطة بين الملك والرسول‪ ‬كان جبريل‪‬‬
‫فيرجع الوحي هنا إليه‪ ،‬كحادثة السراء‪ ،‬وهذا الوجه يتعدى هذه الحادثة‬

‫‪ ()93‬رواه مسلم ‪ ،2/942‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()94‬السنن الكبرى للنسائي ‪ ،12 /5‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()95‬انظر‪ :‬التقان ‪ ،1/20‬مرجع سابق‪ ،‬إتقان البرهان في علوم القرآن ‪ ،1/378‬مرجع‬
‫سابق ‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫إلى كل حادثة جاء فيها ملك آخر مع جبريل ‪ ‬كحديث طوفانه ‪ ‬في ليلة‬
‫على بعض المعذبين من أمته)‪.(96‬‬
‫‪‬مقياس مطلق لعداوة الله –‬
‫عداوة جبريل‬
‫تعالى ذكره‪:-‬‬
‫ولما سبق كان التشديد‪ ،‬والفزاع الكيد للعقل والعاطفة من مجرد‬
‫التفكير في الكلم على جبريل ‪ ،‬أو عدائه؛ إذ صار مقياسًا مطلقًا لعداوة‬
‫ن َ‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫وا ل ِل ّ ِ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫ال ورسله وملئكته‪ ،‬ولذا كان قوله ‪َ  ‬‬
‫عد ُ ّ‬
‫مي َ‬
‫ل َ‬
‫كا َ‬
‫ري َ‬
‫و‬
‫ه َ‬
‫و ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫ملئ ِك َت ِ ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫وُر ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫و ِ‬
‫عدُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫جب ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫ل ِل ْ َ‬
‫ري َ‬
‫ل‬
‫ن َ‬
‫كا ِ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫ري َ‬
‫ن ‪"‬البقرة‪ "98/‬عقب قوله‪َ  ‬‬
‫وا ل ِ ِ‬
‫عد ُ ّ‬
‫جب ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫‪" ‬البقرة‪ ،"97/‬فعداوتهم ل ‪ ‬بمنـزلة المقدمة الكبرى؛ لنها العلة في‬

‫المعنى عند التأمل‪ ،‬وعداوتهم لرسوله جبريل‪ ‬بمنـزلة المقدمة الصغرى‬
‫لنها السبب الجزئي المثبت)‪.(97‬‬
‫ن َ‬
‫ري َ‬
‫ل‪ ‬ل يظهر فيها أن‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫وقوله تعالى ‪َ ‬‬
‫وا ل ِ ِ‬
‫عد ُ ّ‬
‫جب ْ ِ‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك‪ ‬جواب الشرط‪ ،‬لما تقرر في علم‬
‫ه َ‬
‫قوله ‪‬ن َّزل َ ُ‬
‫العربية أن اسم الشرط ل بد أن يكون في الجواب ضمير يعود عليه‪ ،‬وقوله‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك‪ ‬ليس فيه ضمير يعود على من‪ ،‬وقد صرح‬
‫ه َ‬
‫‪‬ن َّزل َ ُ‬
‫بأنه جزاء للشرط الزمخشري وهو خطأ لما ذكرناه من عدم عود الضمير‪،‬‬
‫ولمعنى فعل التنـزيل‪ ،‬فل يصح أن تكون الجملة جزاء‪ ،‬وإنما الجزاء‬
‫محذوف لدللة ما بعده عليه‪ ،‬والتقدير‪ :‬فعداوته ل وجه لها‪ ،‬أو ما أشبه)‪،(98‬‬
‫كذا قال أبو حيان –رحمه ال تعالى‪ ،-‬ولو كان التقدير‪ :‬فهو عدو ل أو فهو كافر‬
‫‪ ()96‬رواه البخاري ‪ ،6/3122‬مرجع سابق‪ ،‬ونحو ما رواه البخاري في صحيحه ‪ 3/1182‬عن سمرة‬
‫)رأيت الليلة رجلين أتياني …قال‪ :‬الذي يوقد النار مالك‬
‫قال‪ :‬قال النبي‪:‬‬
‫ف هو جبريل‪. ‬‬
‫خازن النار‪ ،‬وأنا جبريل وهذا ميكائيل( ‪ .‬وظاهٌر أن الُمَعّر َ‬
‫‪ ()97‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،1/623‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()98‬انظر‪:‬البحر المحيط ‪ ،1/319‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫بالوحي… لكان أظهر‪ ،‬وأولى‪ ،‬وأنسب لقوله ‪َ ‬‬
‫فإ ِن ُّه ن َّزل َُه‪ ‬فأشار‬
‫بأن إنزال ال جبريل‪ ‬بالقرآن قامٌع لكل من تسول له نفسه عداوة جبريل‬
‫‪ . ‬وقد صرح أبو حيان بتقديرين قريبين من هذا –بعد‪ ،-‬وهو إنما أورد‬
‫ل عين ما قاله الزمخشري في التقدير)‪ ،(99‬وقال اللوسي‪َ  :‬‬
‫ه‬
‫أو ً‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك‪" :‬جواب الشرط إما نيابة‪ ،‬أو حقيقة‪ ،‬والمعنى من‬
‫ه َ‬
‫ن َّزل َ ُ‬
‫عاداه منكم فقد خلع ربقة النصاف‪ ،‬أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياه‬
‫لنـزوله عليك بالوحي")‪ .(100‬وموضع الستشهاد من هذا اليراد ربط‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك‪،‬‬
‫جبريل‪ ‬بإنزال القرآن الكريم)‪ ،(101‬وقد ذكر عبارة‪َ ‬‬
‫وهو ينصرف انصرافًا أوليًا للقرآن الكريم‪ ،‬وجعل هذا كله خادمًا للطمئنان‬
‫على نقل القرآن‪ ،‬وإيصال كلم ال إلى الرض‪ ،‬وهو زاجر بالشارة‪،‬‬
‫وبصريح العبارة عن الطعن فيه بعد ذلك أيضًا ‪.‬‬
‫إنه جبريل ‪…‬إنه القرآن الكريم… إنه رسول ال المين ‪…‬فأين‬
‫أنت ياحافظ الذكر المبين؟ …‪:‬‬
‫أيها الشـادي بقرآن كريــم! …………وهو في ركن من البيت مقيـم‬
‫قسم! وأبسسلغ نوره للعسالميسن …………قم! وأسمعه‬
‫البرايسا أجمعيسن‬
‫مـن له من ثروة الهادي نصـيب …………فهو من جبريـل في الدنيا‬
‫قريب‬
‫‪ ()99‬الكشاف ‪ ،1/84‬مرجع سابق‪ ،‬وكذا فعل الشوكاني في فتح القدير ‪ ،1/150‬مرجع سابق‬
‫‪.‬‬
‫‪ ()100‬روح المعاني ‪ ،1/220‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ‬عائد للقرآن‪ :‬إما لنه تقدم في قوله ‪َ‬وِإَذا ِقيَل َلُهْم‬
‫‪ ()101‬إذ إن الضمير المنصوب في‪َ‬فِإّنُه َنّزَلُه‬
‫حّتى‬
‫ل‪" ‬البقرة ‪ ،" 91/‬وإما لن الفعل ل يصلح إل له هنا على حد ‪َ …‬‬
‫آِمُنوا ِبَما َأنَزَل ا ُّ‬
‫حْلُقوَم‪ " ‬الواقعة ‪ ،"83/‬انظر‪ :‬التحرير‬
‫ت اْل ُ‬
‫‪َ ‬فَلْوَل ِإَذا َبَلَغ ْ‬
‫ب‪"‬ص‪" 32/‬‬
‫جا ِ‬
‫حَ‬
‫ت ِباْل ِ‬
‫َتَواَر ْ‬
‫والتنوير ‪ ،1/621‬مرجع سابق‪ ،‬وإليه ذهب الكشاف ‪ ،1/84‬مرجع سابق‪ ،‬وقال‪ " :‬إضماره فخامة‬
‫لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه‪ ،‬ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء‬
‫من صفاته… " ‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫الفصل الثاني‬

‫‪‬‬
‫‪ ‬بالنبي‬
‫اتصال جبريل‬
‫لتلقينه الوحي القرآني‬
‫وفيه ثلثة مباحث‬
‫‪ ، ‬ومدى ذلك‬
‫‪ ‬بالنبي‬
‫يبحث هذا الفصل عن هيئة اتصال جبريل‬
‫التصال زمانًا ومكانًا‪ ،‬ووقت امتناعه‪ ،‬وكيفية مجيء جبريل‪‬بالوحي‬
‫القرآني من حيث عموم المجيء‪ ،‬ل من حيث تفصيل هيئة المجيء‪،‬‬
‫واقتضى ذلك أن ينقسم هذا الفصل إلى ثلثة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬تهيئة النبي ‪ ‬للوحي القرآني والتصال بالمَلك ‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬إمكانية التصال المطلق ‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬هيئات مجيء الَمَلك بالوحي القرآني )من حيث العموم( ‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫المبحث الول‪:‬‬
‫ل بالمَلك‪:‬‬
‫تهيئة النبي ‪ ‬للوحي‪ ،‬والتصا ِ‬
‫اقتضت بشرية الرسول‪ ،‬وملكية الملك أن يهيأ النبي‬
‫‪ ‬لمكانية لقاء الرسول الملك في أي وقت‪ ،‬على أي‬
‫حال من حيث اختلف الطبيعة في كل منهما‪ ،‬وقصور‬
‫ة عن إدراك المَلك أو غيره من العوالم‬
‫قدرة البشر طبيع ً‬
‫الغيبية‪ ،‬كما أن من أهم أهداف هذه التهيئة إعداد النبي‪‬‬
‫ليستوعب كلم الله‪ ،‬ويصير في مقام حمله وتبليغه‪،‬‬
‫وليكون جهده لوحده في ذلك مساويا ً لجهد المة في‬
‫حفظ كلم الله‪ ‬بحفظ الله‪ ‬له‪ ،‬كما سيأتي في حادثة‬
‫شق الصدر الولى‪ ،‬وتفرعت هذه التهيئة إلى فرعين هما‬
‫مطلبا هذا المبحث‪ ،‬وهما‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬التهيئة اللهية للوحي ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬التهيئة البشرية للوحي ‪.‬‬

‫المطلب الول‪ :‬التهيئة اللهية للوحي‪:‬‬
‫تمثلت فيه هذه التهيئة في ستة مظاهر‪ ،‬وأولها‪:‬‬
‫الممهدات التي قيضها ال لنبيه‪:‬وممن صرح بأن ثمت ممهدات‬
‫للوحي ابن حجر ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬حيث قال‪ :‬وبدئ بذلك ليكون تمهيدًا‪،‬‬
‫وتوطئة لليقظة ثم مهد له في اليقظة أيضًا برؤية الضوء‪ ،‬وسماع‬
‫الصوت‪ ،‬وسلم الحجر)‪ ،(102‬ومن أهم مظاهر هذه التهيئة‪:‬‬
‫‪-1‬حادثة شق الصدر‪ :‬وقد وقعت مرتين‪ :‬أما المرة الولى‪ :‬فعن أنس‬
‫‪ ‬أن رسول ال‪ ‬أتاه جبريل ‪‬وهو يلعب مع الغلمان‪ ،‬فأخذه‬
‫فصرعه‪ ،‬فشق قلبه فاستخرج منه علقة فقال‪ :‬هذا حظ الشيطان منك‪ ،‬ثم‬
‫غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لمه‪ ،‬وأعاده في مكانه‪ ،‬وجاء‬
‫الغلمان يسعون إلى أمه ‪-‬يعني ظئره‪ -‬فقالوا‪ :‬إن محمدًا قد قتل‪ ،‬فاستقبلوه‬

‫‪ ()102‬فتح الباري ‪ ،23 /1‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫وهو ممتقع اللون‪ ،‬قال أنس‪ :‬وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في‬
‫صدره)‪ ،(103‬وفي لفظ ]قلبه فاستخرج القلب ثم شق القلب فاستخرج …[‪.‬‬
‫وأما المرة الثانية عن أنس بن مالك عن مالك بن‬
‫صعصعة ‪‬قال‪ :‬قال النبي ‪) : ‬بينا أنا عند البيت بين‬
‫النائم واليقظان‪ ،‬وذكر يعني رجل ً بين الرجلين‪ ،‬فأتيت بطست‬
‫من ذهب ملئ حكمة وإيمانًا‪ ،‬فشق من النحر إلى مراق البطن‪،‬‬
‫ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ حكمة وإيمانًا‪ ،‬وأتيت بدابة‬
‫أبيض دون البغل‪ ،‬وفوق الحمار يقال له‪ :‬البراق فانطلقت مع‬
‫جبريل حتى أتينا السماء الدنيا …()‪(104‬الحديث‪.‬‬

‫وفي معنى الحكمة يقول النووي‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬العلم المشتمل على‬
‫المعرفة بال‪ ،‬مع نفاذ البصيرة‪ ،‬وتهذيب النفس‪ ،‬وتحقيق الحق للعمل به‪،‬‬
‫والكف عن ضده‪ ،‬والحكيم من حاز ذلك")‪.(105‬‬
‫ل‪" :‬وقد تطلق الحكمة على‬
‫وعقب عليه ابن حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬قائ ً‬
‫القرآن‪ ،‬وهو مشتمل على ذلك كله‪ ،‬وعلى النبوة كذلك‪ ،‬وقد تطلق على العلم‬
‫‪106‬‬
‫فقط‪ ،‬وعلى المعرفة فقط") (‪ ،‬ويدل على صحة وجهة ابن حجر ‪-‬رحمه ال‬
‫تعالى‪ -‬في دللة الحكمة على القرآن قوله‪) : ‬ل حسد إل في اثنتين‪:‬‬
‫رجل آتاه الله القرآن …‪ ،‬وفي لفظ‪ :‬رجل آتاه الله الحكمة‪ ،‬فهو‬

‫يقضي بها ويعلمها()‪.(107‬‬
‫فقد وقعت حادثة الشق مرتين‪ ،‬لتحقيق غرضين‬
‫مختلفين‪:‬‬
‫فالمرة الولى‪ :‬كان هدفها نزع حظ‬
‫الشيطان‪:‬‬
‫وبين ذلك أبو حاتم بن حبان ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬بقوله‪" :‬شق صدر النبي ‪‬‬
‫وهو صبي يلعب مع الصبيان‪ ،‬وأخرج منه العلقة‪ ،‬ولما أراد ال‪ ‬السراء‬
‫‪()103‬‬
‫‪()104‬‬
‫‪()105‬‬
‫‪()106‬‬
‫‪()107‬‬

‫صحيح مسلم ‪ ،1/147‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫صحيح البخاري ‪ ،3/1173‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫فتح الباري ‪ ،1/461‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫فتح الباري ‪ ،1/461‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫البخاري ‪ ،6/3212‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫به أمر جبريل ‪‬بشق صدره ثانيًا‪ ،‬وأخرج قلبه فغسله‪ ،‬ثم أعاده مكانه‬
‫مرتين في موضعين‪ ،‬وهما غير متضادين")‪.(108‬‬
‫وفي الديباج على صحيح مسلم‪ " :‬فإن قيل‪ :‬إنما وقع شق الصدر وهو‬
‫صغير ؟ فالجواب كما قال السهيلي‪ :‬إنه وقع مرتين‪ ،‬الثانية عند السراء‬
‫تجديدًا للتطهير")‪.(109‬‬
‫قال ابن حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪ ":-‬قوله فَفَرج صدري هو بفتح الفاء والجيم‬
‫أيضًا أي شقه‪ ،‬ورجح عياض ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬أن شق الصدر كان وهو‬
‫صغير عند مرضعته حليمة‪ ،‬وتعقبه السهيلي بأن ذلك وقع مرتين وهو‬
‫الصواب‪ ،‬ومحصله إن الشق الول كان لستعداده لنـزع العلقة التي قيل‬
‫له عندها هذا حظ الشيطان منك‪ ،‬والشق الثاني‪ :‬كان لستعداده للتلقي‬
‫الحاصل له في تلك الليلة")‪.(110‬‬
‫والظاهر أن الشق الول تعدت أهدافه ما ذكر ابن حجر ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬إلى‬
‫استعداده ‪ ‬للقاء الملك‪ ،‬وإيداع قلبه كلم ال‪ ،‬والنفي المبكر لحظ الشيطان‬
‫من قلبه حتى ل يشوش وجوده على تحقيق هذه الهداف‪ ،‬ويدل على أن هذا‬
‫التقرير هو التحقيق في المسألة بقية حديث الشق الول ففيه‪ :‬مسألة الوزن‪،‬‬
‫فعن أبي ذر الغفاري ‪‬قال‪ :‬قلت يا رسول ال ! كيف علمت أنك نبي حين‬
‫استنبئت ؟ فقال‪) :‬يا أبا ذر! أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع‬
‫أحدهما على الرض‪ ،‬وكان الخر بين السماء والرض‪ ،‬فقال‬
‫أحدهما لصاحبه‪ :‬أهو هو ؟ قال‪ :‬نعم ! قال‪ :‬فزنه برجل‪ ،‬فوزنت به‬
‫فوزنته‪ ،‬ثم قال‪ :‬فزنه بعشرة فوزنت بهم‪ ،‬فرجحتهم‪ ،‬ثم قال‪ :‬زنه‬
‫بمائة فوزنت بهم فرجحتهم‪ ،‬ثم قال‪ :‬زنه بألف‪ ،‬فوزنت بهم‪،‬‬
‫فرجحتهم كأني انظر إليهم ينتثرون علي من خفة الميزان‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فقال أحدهما لصاحبه‪ :‬لو وزنته بأمته لرجحها()‪. (111‬‬

‫وهذا يدل على أن جهده ‪ ‬في تلقي الوحي القرآني وحفظه‪ ،‬ينبغي أن‬
‫‪.‬‬
‫يساوي جهد المة في ذلك‪ ،‬وقد ساواه وزاد بحمد ال‬

‫‪ ()108‬صحيح ابن حبان ‪ ،14/242‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()109‬الديباج على صحيح مسلم ‪ ،206 /1‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()110‬فتح الباري شرح صحيح البخاري‪ ،‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪)()111‬الدارمي( أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن ت ‪255‬هس‪ :‬سنن الدارمي ‪ ،1/21‬تحقيق‪:‬‬
‫أحمد فواز زمرلي‪ ،‬خالد السبع العلمي‪1407 ،‬هس‪ ،‬دار الكتاب العربي ‪ -‬بيروت ‪ .‬وقد جاء‬
‫التصريح بأن الوزن جاء عقب الشق الول في عدد من الروايات منها ما أخرجه ابن سعد‬
‫‪ ،1/150‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫أما المرة الثانية‪ :‬فمن أهدافها‪ :‬استعداده‬
‫للتلقي الحاصل في تلك الليلة من حيث عظم ما أخذ‬
‫إليه ‪‬من الصعود إلى السموات‪ ،‬ورؤية اليات الكبرى‬
‫في سرعة ل تخطر على قلب بشر‪ ،‬وذاك أمر بحاجة‬
‫إلى تهيئة ل تكفي فيها التهيئة الولى ‪.‬‬
‫وقد ورد ما يدل على أن شق الصدر وقع أكثر من مرة‪ ،‬فقد قال‪: ‬‬
‫)فأردت أن أرجع‪ ،‬فإذا أنا به وبميكائيل‪ ،‬قد سدا الفق فهبط‬

‫جبريل‪ ‬فبقي ميكائيل بين السماء والرض فأخذني جبريل‬
‫‪‬فسلقني بحلوة القفا‪ ،‬ثم شق عن قلبي‪ ،‬فاستخرجه‪ ،‬ثم‬
‫استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج‪ ،‬ثم غسله في طست من‬
‫ذهب بماء زمزم‪ ،‬ثم أعاده مكانه‪ ،‬ثم لمه‪ ،‬ثم أكفأني كما يكفأ‬
‫الديم أو النية‪ ،‬ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم‬
‫في قلبي‪ ،‬ثم قال‪ :‬اقرأ ! قلت‪ :‬ما قرأت كتابا قط ‪ .‬فلم أدر ما‬
‫اقرأ! ثم قال‪:‬اقرأ ‪.‬فقلت ما أقرأ؟ فقال‪‬ا ْ ْ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫ك‬
‫قَرأ ِبا ْ‬
‫عل َق )‪ (2‬ا ْ ْ‬
‫وَرب ّ َ‬
‫ك‬
‫ق)‪َ (1‬‬
‫ذي َ‬
‫ن ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫م ْ‬
‫لن َ‬
‫خل َ َ‬
‫خل َ َ‬
‫قَرأ َ‬
‫قا ِ‬
‫ن َ ٍ‬
‫َ‬
‫م )‪…(3‬حتى انتهينا إلى خمس آيات منها‪ ،‬فما نسيت‬
‫الك َْر ُ‬
‫شيئا ً بعد‪ ،‬ثم وزنني برجل‪ ،‬فوزنته ثم وزنني بآخر فوزنته‪ ،‬حتى‬
‫وزنت بمائة رجل‪ ،‬فقال‪ :‬ميكائيل من فوقه‪ :‬أمة ورب الكعبة‪،‬‬
‫ثم أقبلت فجعلت ل يلقاني حجر‪ ،‬ول شجر إل قال السلم عليك‬
‫يا رسول الله !حتى دخلت على خديجة فقالت‪ :‬السلم عليك‪ ،‬يا‬
‫رسول الله!()‪.(112‬‬

‫قال ابن حجر ‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬ومناسبته ظاهرة")‪ .(113‬ولم يتكلم على‬
‫إسناده فيكون حسًنا أو صحيحًا عنده على ما شرطه في المقدمة)‪.(114‬‬
‫‪) ()112‬الهيثمي( الحافظ نور الدين‪ :‬بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص ‪ ،23‬للحارث‬
‫بن أبي أسامة‪ ،‬تحقيق د‪.‬حسين أحمد صالح الباكري‪1413 ،‬هس‪1992-‬م‪ ،‬مركز خدمة السنة‬
‫والسيرة النبوية – المدينة المنورة ‪.‬‬
‫‪ ()113‬قال ابن حجر ‪-‬رحمه الله تعالى‪ ،1/464 -‬مرجع سابق‪" :‬وقد روى الطيالسي والحارث‬
‫في مسنديهما من حديث عائشة ‪-‬رضي الله تعالى عنها ‪-‬أن الشق وقع مرة أخرى عند‬
‫مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء‪ ،‬والله أعلم ‪ .‬وروى الشق أيضا وهو ابن عشر‪ ،‬أو‬
‫نحوها في قصة له مع عبد المطلب أخرجها أبو نعيم في الدلئل‪ ،‬وروى مرة أخري خامسة‬
‫ول تثبت"‪.‬‬
‫‪) ()114‬ابن حجر( أحمد بن علي حجر العسقلني‪ :‬هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ‪،5‬‬
‫حقق أصولها‪ :‬عبد العزيز بن باز رقم كتبها وأبوابها وأحاديثها محمد فؤاد عبد الباقي ط ‪،1‬‬
‫‪1410‬هس –‪1989‬م‪ ،‬دار الكتب العلمية – بيروت‪ ،‬لبنان ‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫والمقتضى الفعلي لهذا العداد للقلب قد ترتب عليه أمور جليلة‪ ،‬بعد‬
‫أن كانت هذه التهيئة له‪ ،‬لعل أهمها‪ :‬نزول القرآن على قلبه‪ ،‬وقدرته على‬
‫استيعابه وتحمله‪ ،‬ومن صورها المحسوسة أن قلبه ل ينام وإن كانت‬
‫عينه تنام ‪.‬‬
‫‪ -2‬ثم بدأ يتعدى القوى البشرية القاصرة‪ :‬فكان يرى ما ل‬
‫يستطيع البشر رؤيته‪ ،‬ويسمع مال يستطيعون سماعه‪ ،‬وأخبر‪ ‬عن ذلك‬
‫فقال‪) :‬إني أرى ما ل ترون‪ ،‬وأسمع ما ل تسمعون‪ ،‬أطت السماء‪،‬‬
‫وحق لها أن تئط‪ ،‬ما فيها موضع أصبع إل ملك ساجد…(‬
‫الحديث)‪.(115‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬أنه يمكن أن يرى بعض العوالم الغيبية في حدود ما أتاح‬
‫ال‪ ‬له كالملئكة والجن‪ ،‬فأما الملئكة فظاهر من هذا الحديث‪ ،‬ومن‬
‫الحديث عن جبريل ‪ ‬وأما الجن فنحو حديث كلمه ورؤيته لجن‬
‫نصيبين)‪ ،(116‬وقبضه على الشيطان الذي مر بين يديه)‪.(117‬‬
‫وأما السماع فكسمعه ‪ ‬للمعذبين في القبر‪ ،‬كما قال‪) :‬لول أن‬
‫تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع()‪،(118‬‬
‫وهذا الحديث دال على أنه أوتي قوى أخرى كالصبر على تحمل سماع‬
‫عذاب القبـر‪ ،‬وذلك كله في حدود معينة‪ ،‬ل أنه قد خرج عن طبيعته البشرية‬
‫خروجًا كليًا‪ ،‬ومن أهم ثمار ذلك مما له تعلق بموضوع البحث‪ :‬ترسيـخ‬
‫اليقين في نفسه بوحي ربه‪ ‬بصفة خاصة‪ ،‬وتأكده بأن الذي يأتيه مَلك ل‬
‫شيطان ‪.‬‬
‫وابتدأ ظهور إحساسه ماديًا بالعوالم الغيبية‪ ،‬وبدايات تمييزها لكن‬
‫دون يقين قبيل الوحي إليه تمهيدًا لنـزول الوحي عليه‪ ،‬ولنه لم يأته الوحي‬
‫‪ ()115‬مسند أحمد ‪ ،5/173‬مرجع سابق‪ ،‬المستدرك ‪ ،2/554‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()116‬وردت روايات في جن نصيبين منها‪ :‬عن أبي هريرة ‪‬أنه كان يحمل مع النبي ‪ ‬إداوة‬
‫لوضوئه وحاجته‪ ،‬فبينما هو يتبعه بها‪ ،‬قال‪) :‬من هذا(‪ ،‬فقال‪ :‬أنا أبو هريرة ‪ .‬فقال‪) :‬أبغني‬
‫أحجارا ً أستنفض بها‪ ،‬ول تأتني بعظم ول بروثة(‪ ،‬فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي‪ ،‬حتى‬
‫وضعت إلى جنبه‪ ،‬ثم انصرفت‪ ،‬حتى إذا فرغ مشيت‪ ،‬فقلت‪ :‬ما بال العظم والروثة ؟ قال‪:‬‬
‫)هما من طعام الجن‪ ،‬وإنه قد أتاني وفد جن نصيبين ‪-‬ونعم الجن‪ -‬فسألوني الزاد‪ ،‬فدعوت‬
‫الله لهم أل يمروا بعظم ول بروثة إل وجدوا عليها طعاما ً( أخرجه البخاري ‪ ،3/1401‬مرجع‬
‫ة أخرى في جن نصيبين‪ :‬المستدرك للحاكم ‪ ،1/751‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫سابق‪ ،‬وانظر‪ :‬قص ً‬
‫‪ ()117‬البخاري ‪ ،2/900‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()118‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،1/98‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫صراحة فقد خاف من هذه الظواهر على نفسه‪ :‬فقد قال رسول ال ‪‬‬
‫لخديجة‪) :‬يا خديجة ! إني أرى ضوءًا‪ ،‬وأسمع صوتًا‪ ،‬لقد خشيت أن‬
‫أكون كاهنا ً فقالت‪ :‬إن الله ل يفعل بك ذلك يا ابن عبد الله‪ ،‬إنك‬
‫تصدق …( الحديث)‪ ،(119‬وعن ابن عباس ‪ ‬أن النبي‪ ‬قال‪) :‬يا‬
‫خديجة ! إني أسمع صوتًا‪ ،‬وأرى ضوءًا‪ ،‬وإني أخشى أن يكون في‬
‫جنن()‪.(120‬‬
‫‪-3‬وكان جبريل ‪‬يأتيه في المنام‪ :‬كنوع من التدريج في‬

‫اعتياد الطبيعة البشرية لرسول ال عليه؛ ففي حديث عائشة‬
‫تعالى عنها –في بدء الوحي قالت‪ :‬أول ما بدئ به رسول ال الرؤيا) (…‬
‫قال ابن حجر –رحمه ال تعالى‪)" :-‬ما( في الحديث نكرة موصوفة‪ ،‬أي أول‬
‫شيء‪ ،‬ووقع صريحًا في حديث ابن عباس‪ ‬عند ابن عائذ‪ ،‬ووقع في‬
‫مراسيل عبد ال بن أبي بكر بن حزم عند الدولبي ما يدل على أن الذي‬
‫كان يراه ‪ ‬هو جبريل‪ ،‬ولفظه‪ :‬أنه قال لخديجة بعد أن أقرأه جبريل‬
‫‪ ‬ا ْ ْ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫ق‪) :‬أرأيتك الذي كنت‬
‫ذي َ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫قَرأ ِبا ْ‬
‫خل َ َ‬
‫أحدثك أني رأيته في المنام‪ ،‬فإنه جبريل ‪ ‬استعلن(")‪.(122‬‬
‫‪-4‬الرؤيا الصادقة‪ :‬فقد جاء في حديث عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪-‬‬
‫عند البخاري‪):‬أول ما بدئ به رسول ال ‪ ‬من الوحي الرؤيا الصالحة‬
‫… وفي لفظ له‪ :‬الرؤيا الصادقة( …وقد ُذِكَر في الحديث تفسيرها حيث‬
‫قالت عائشة‪) :‬فكان ل يرى رؤيا إل وقعت مثل فلق الصبح()‪،(123‬‬
‫فالرؤيا الصادقة‪" :‬هي التي ليس فيها ضغث‪ ،‬قال ابن المرابط‪ :‬هي التي‬
‫شِكل)‪،(124‬‬
‫ل ُم ْ‬
‫ليست ضغثًا‪ ،‬ول من تلبيس الشيطان‪ ،‬ول فيها ضرب مث ٍ‬
‫أي في أول المبتدءات من إيجاد الوحي الرؤيا)‪ …(125‬وإنما شبهها بفلق‬
‫–رضي ال‬
‫‪121‬‬

‫‪ ()119‬الطبقات الكبرى ‪ ،194/1‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()120‬الطبقات الكبرى ‪ ،194/1‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()121‬البخاري ‪ ،1/3‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()122‬فتح الباري ‪ ،1/14‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()123‬البخاري ‪ ،1/3‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ ()124‬قال ابن حجر ‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬تعقبيا‪" :‬وتعقب الخير بأنه إن أراد بالمشكل ما ل‬
‫يوقف على تأويله‪ ،‬فمسلم‬
‫وإل فل"‪.‬‬
‫‪ ()125‬والعلقة بين الرؤيا الصالحة والصادقة أنهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الخرة في‬
‫حق النبياء‪ ،‬وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا‪ ،‬فالصالحة في الصل أخص‪ ،‬فرؤيا النبي كلها‬
‫صادقة‪ ،‬وقد تكون صالحة‪ ،‬وهي الكثر‪ ،‬وغير صالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في الرؤيا يوم‬

‫‪64‬‬

‫الصبح دون غيره‪-‬كما قال ابن أبي جمرة‪ -‬لن شمس النبوة كانت الرؤيا‬
‫مبادى أنوارها‪ ،‬فما زال ذلك النور يتسع حتى أشرقت الشمس)‪.(126‬‬
‫وعن علقمة بن قيس صاحب ابن مسعود‪) : ‬إن أول ما يؤتى به‬
‫النبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم‪ ،‬ثم ينسزل الوحي في اليقظة(‬
‫)‪.(127‬‬
‫وأكثر ما سبق من الممهدات في المنام‪ ،‬وذاك في ذاته تمهيد لليقظة‬
‫‪.‬‬
‫‪ -5‬اليات التي كانت تظهر له‪ :‬مثل تسليم الحجر؛ كما ثبت عن‬
‫جابر ابن سمرة ‪ ‬قال‪:‬قال رسول ال ‪) ‬إني لعرف حجرا ً بمكة‬
‫كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لعرفه الن()‪.(128‬‬
‫وأول ذلك مطلقًا ما سمعه من بحيرى الراهب‪ ،‬ثم ما سمعه عند بناء‬
‫الكعبة حيث قيل له اشدد عليك إزارك وهو في صحيح البخاري من حديث‬
‫جابر‪.(129) ‬‬
‫‪-6‬التحنث‪ :‬فقد جاء في حديث عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪) :-‬ثم حبب إليه‬
‫الخلء فكان يتحنث في غار حراء …()‪. (130‬‬
‫فقولها )حبب(‪ :‬لم يسم فاعله؛ لعدم تحقق الباعث على ذلك‪ ،‬وإن‬
‫كان كل من عند ال‪ ،‬أو لُيَنَبه على أنه لم يكن من باعث البشر‪ ،‬أو يكون‬
‫ذلك من وحي اللهام‪.‬‬
‫والخلء بالمد الخلوة‪ ،‬والسر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه‬
‫سَر في الحديث معنى التحنث من بعض رواته‪ ،‬فقال‪) :‬وهو‬
‫له)‪ .(131‬وقد ُف ِ‬
‫التعبد الليالي ذوات العدد( ‪.‬‬

‫أحد‪ ،‬وأما رؤيا غير النبياء‪ :‬فبينهما عموم وخصوص‪ ،‬إن فسرنا الصادقة بأنها التي ل تحتاج‬
‫إلى تعبير‪ ،‬وأما إن فسرناها بأنها غير الضغاث‪ ،‬فالصالحة أخص مطلقًا‪ ،‬وقيل‪ :‬الرؤيا‬
‫الصادقة ما يقع بعينه‪ ،‬أو ما يعبر في المنام‪ ،‬أو يخبر به ما ل يكذب‪ ،‬والصالحة ما يسر ‪.‬‬
‫‪ ()126‬فتح الباري ‪ ،8/717‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()127‬قال في فتح الباري ‪ ،719 /8‬مرجع سابق‪" :‬روه أبو نعيم في الدلئل بإسناد حسن"‪.‬‬
‫‪ ()128‬صحيح مسلم ‪ ،4/1782‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()129‬فتح الباري ‪ ،3/443‬مرجع سابق‪ ،‬وقال ابن حجر‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬في حديث بحيرى‬
‫الراهب‪" :‬وهو عند الترمذي عن أبي موسى بإسناد قوي" ‪.‬‬
‫‪ ()130‬البخاري ‪ ،1/3‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()131‬انظر‪ :‬فتح الباري بشرح صحيح البخاري ‪ ،1/13‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫وقد قيل في تأويل التحنث أنه من الحنفية إذ تبدل الثاء من الفاء‬
‫كثيرًا‪ ،‬أو من إلقاء الحنث وهو الثم)‪.(132‬‬
‫وحتى ل يتهم النبي‪ ‬بالتصال بالشياطين‪ ،‬أو بالفيض الفلسفي‬
‫الذاتي من خلل الستيحاش بالناس‪ ،‬والستئناس بالخلوة؛ إذ ذاك مظنة لهما‬
‫– فإن من أبرز الحقائق التي صاحبت خلوته ‪ ‬أنه لم يكن مبتدعها في‬
‫قريش‪ ،‬بل كانت تلك عادة متأصلة فيهم‪ ،‬فإن الزمن الذي كان يخلو فيه كان‬
‫شهر رمضان)‪ ،(133‬وكانت قريش تفعله‪ ،‬كما كانت تصوم عاشوراء‪ ،‬وهم‬
‫لم ينازعوا النبي‪ ‬في غار حراء‪ ،‬مع مزيد الفضل فيه على غيره؛ لن‬
‫جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش‪ ،‬وكان يعظمونه لجللته‪،‬‬
‫وكبر سنه‪ ،‬فتبعه على ذلك من كان يتأله‪ ،‬فكان‪ ‬يخلو بمكان جده‪ ،‬وسلم‬
‫له ذلك أعمامه لكرامته عليهم)‪.(134‬‬
‫وهل كان النبي ‪‬متوقعًا للوحي بعد ظهور هذه العلمات كما يدل له‬
‫كلم البلقيني‪ ،‬أم ل لشاهد فزعه‪ ،‬ولقول عائشة‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ :-‬فجئه‬
‫الحق‪ ،‬وأيده النووي …؟‪ .‬قال ابن حجر‪ :‬الظاهر أن الولى‪ :‬ترك الجزم‬
‫‪135‬‬
‫َ‬
‫ن ي ُل ْ َ‬
‫قى‬
‫جو أ ْ‬
‫ت ت َْر ُ‬
‫ما ك ُن ْ َ‬
‫و َ‬
‫بأحد المرين) (‪ ،‬ولكن قوله تعالى‪َ :‬‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫إ ِل َي ْ َ‬
‫ك‪" ‬القصص‪ "86/‬ظاهٌر في نفي أن‬
‫م ً‬
‫ة ِ‬
‫ب ِإل َر ْ‬
‫ك ال ْك َِتا ُ‬
‫م ْ‬
‫ح َ‬
‫يكون النبي ‪ ‬كان يتوقع شيئًا من الوحي ‪.‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬التهيئة البشرية للوحي‪:‬‬

‫فكما أن ال ‪ ‬أمر جبريل ‪ ‬ومن أعانه من الملئكة بتهيئة النبي‬
‫‪ ‬تهيئة إلهية مما هو خارج عن نطاق القدرة البشرية‪ ،‬فقد كان النبي‪‬‬
‫يهيئ نفسه ومحيطه تهيئة يلهمها ال ‪ ‬له بطريق من طرق الوحي لكيما‬
‫يتلقى الوحي الذي يأتيه متتابعًا قرآنًا كان أو غيره وهذه التهيئة نوعان‪:‬‬
‫‪ ()132‬انظر‪ :‬فتح الباري بشرح صحيح البخاري ‪ ،1/13‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()133‬رواه ابن إسحاق كما قال ابن حجر ‪-‬رحمه الله تعالى‪-‬في فتح الباري ‪ ،12/361‬مرجع‬
‫سابق ‪.‬‬
‫‪()134‬انظر‪ :‬فتح الباري بشرح صحيح البخاري ‪ ،13 /1‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()135‬انظر‪ :‬فتح الباري ‪ ،12/356‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫أ‪ -‬التهيئة الذاتية‪ :‬ويشير إليها ملمحان‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬معالجته الشدة في تلقي القرآن كما سيأتي في حديث‬
‫المعالجة)‪(136‬؛ وما تلك المعالجة إل لما أراد النبي ‪‬أن يبذله من طاقة‬
‫مستطاعة لحفظ القرآن الكريم‪ ،‬بعد أن أخبر بثقله في قوله ‪‬إ ِّنا‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ك َ‬
‫قيل َ‪" ‬المزمل‪ ،" 5/‬فكأن هذه الية كانت‬
‫قي َ‬
‫ول ً ث َ ِ‬
‫سن ُل ْ ِ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫داعية تهيئته لتلقي لفظ القرآن الكريم ‪.‬‬
‫وثانيهما‪ :‬اجتنابه ‪‬للثوم ونحوها‪ ،‬مما تتأذى منه الملئكة‪ ،‬وعندما‬
‫يخاف أن تظن أمته حرمتها يبين لهم العلة‪ ،‬وجاء بعض الصحابة رسو َ‬
‫ل‬
‫ال ‪‬بمرقة بقر فيها ثوم‪ ،‬فوجد رسول ال ‪‬ريح الثوم فقال‪):‬أخرجها(‬
‫قال‪ :‬لم يا رسول ال ؟ ! أحرام ؟ فقال‪) :‬ل‪ ،‬ولكن جبريل ‪‬يناجيني()‪.(137‬‬
‫وعلل الشافعي‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬ذلك بقوله‪ …":‬امتنع من أكل الضب؛‬
‫لنه عافه‪ ،‬ل لنه حرمه‪ ،‬وقد امتنع من أكل البقول ذوات الريح لن جبريل‬
‫‪‬يكلمه")‪.(138‬‬
‫ب‪-‬التهيئة البيئية‪ :‬لمحيطه الذي يتلقى فيه الوحي‪:‬‬
‫وأنموذجه ما في حديث أبي هريرة ‪‬أن رسول ال ‪) : ‬أتاني‬
‫جبريل ‪ ‬فقال أتيتك البارحة‪ ،‬فلم يمنعني أن أكون دخلت‬
‫إل أنه كان على الباب تماثيل‪ ،‬وكان في البيت قرام سترٍ فيه‬
‫تماثيل‪ ،‬وكان في البيت كلب‪ ،‬فمر برأس التمثال الذي على‬
‫باب البيت يقطع‪ ،‬فيصير كهيئة الشجرة‪ ،‬ومر بالستر‬
‫فليقطع‪ ،‬فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن‪ ،‬ومر بالكلب‬

‫‪ ()136‬انظر‪ :‬الفصل الثالث ‪-‬المبحث السادس من هذه الدراسة ‪.‬‬
‫‪) ()137‬الطبراني( أبو القاسم مسند الدنيا سليمان بن أحمد بن أيوب‪ :‬المعجم الكبير ‪،2/456‬‬
‫مراجعة‪ :‬حمدي عبد الحميد السلفي‪ 1404 ،‬هس – ‪1983‬م‪ ،‬مكتبة العلوم والحكم‪ ،‬الموصل‪،‬‬
‫أصله في صحيح مسلم ‪ ،3/200‬مرجع سابق‪ ،‬دون ذكر جبريل ‪.‬‬
‫‪()138‬تأويل مختلف الحديث ‪ ،310‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫فليخرج‪ ،‬ففعل رسول الله ‪ ‬وفي رواية‪ :‬إما أن تقطع‬
‫رؤوسها‪ ،‬أو تجعل بسطا ً توطأ()‪. (139‬‬

‫وعن عبد ال بن عمر بن الخطاب ‪:‬وعد النبي ‪ ‬جبريل ‪‬‬
‫فقال‪) :‬إنا ل ندخل بيتًا‪ ،‬فيه صورة‪ ،‬ول كلب()‪. (140‬‬
‫وهكذا كانت التهيئة اللهية والتهيئة البشرية‬
‫لتصال أمين الوحي في السماء ‪ ‬بأمين الوحي في‬

‫الرض‪… ‬وتمضي هالت التعليم النورانية بين أشرف الخلق في‬
‫السماء‪ ، ‬وأشرف الخلق في الرض والسماء ‪، ‬لَتعّلم وتعليم خير‬
‫الكلم في الرض والسماء‪:‬‬
‫ف…‪..‬في كفه الدهر والتاريخ والصح ُ‬
‫ف‬
‫محمـد في فـؤاد الغـار مرتجـ ُ‬
‫مزمـل في رداء الطهر‪ ،‬قد صعـدت…أنفـاسه في ربوع الكون تأتـل ُ‬
‫ف‬
‫ل…من القداسات‬
‫جبريل يروي لنا اليسات في ُ‬
‫حسَلس ٍ‬
‫والفلك قد دلفوا‬
‫مسن السمسوات تهمي كل غادية……‪ .‬على ديارٍ بنوها‬
‫بالهدى شغفوا‬

‫‪) ()139‬الترمذي( أبو عيسى محمد بن عيسى السلمي ‪279‬هس ‪ :‬الجامع الصحيح سنن‬
‫الترمذي ‪ ،3/381‬مراجعة‪ :‬أحمد محمد شاكر وآخرون‪ ،‬دار إحياء التراث العربي‪ ،‬وقال‬
‫الترمذي‪" :‬حسن صحيح" وقال الشيخ اللباني‪" :‬صحيح" ‪.‬‬
‫‪ ()140‬صحيح البخاري ‪ ،3/1179‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫المبحث الثاني‪:‬‬
‫إمكانية التصال المطلق بين جبريل‪ ‬والنسبي‪:‬‬

‫يدرس هذا المبحث مسألة الطلق في اتصال جبريل ‪ ‬بالنبي‪ ‬زمانًا‬
‫ومكانًا‪ ،‬فل يحول دون لقائه به حائل‪ ،‬وذلك حتى تطمئن قلوب المؤمنين‬
‫بدقة تلقي النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن الكريم؛ إذ إن إمكانية التصال المطلق من‬
‫أهم سمات اتصال جبريل‪ ‬به‪ ،‬ولقائه له‪ ،‬ومن سمات هذا الطلق‪:‬‬
‫‪ -1‬اللتقاء الخفي‪ ،‬والكلم الخفي‪ :‬فل ضير في وجود بشر‬
‫من حوله‪ ،‬أو عدم وجودهم لخفاء اتصاله‪ ،‬حيث كان مجيء جبريل ‪‬‬
‫دون أن يشعر به الناس‪ ،‬وحديثه مع النبي ‪‬أمامهم‪ ،‬ول يسمعونه‪ ،‬ليدل‬
‫بذلك على إمكانية التصال به في أي وقت دون عائق تثيره بشرية الرسول‬
‫‪ ‬أو غيره؛ إذ التصال به أمر خارج عن نطاق البشر‪ ،‬وكان هذا من‬
‫أسباب التهيئة اللهية للنبي ‪ ‬كما تقدم)‪ ،(141‬ومما يدل على ذلك ما في‬
‫حديث ابن عباس‪ ‬قال‪ :‬كنت مع أبي عند النبي ‪ ‬وعنده رجل يناجيه‪،‬‬
‫وفي لفظ‪ :‬وهو كالمعرض عن العباس ‪‬فخرجنا من عنده‪ ،‬فقال‪ :‬ألم تر‬
‫إلى ابن عمك كالمعرض عني؟‪ ،‬فقلت‪ :‬إنه كان عنده رجل يناجيه‪ ،‬وفي‬
‫لفظ‪ :‬فقال‪ :‬أو كان عنده أحد ؟ قلت‪ :‬نعم! قال‪ :‬فرجع إليه‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول‬
‫ل تناجيه‪ .‬قال‪:‬‬
‫ال! هل كان عندك أحد؟؛ فإن عبد ال أخبرني أن عندك رج ً‬
‫)هل رأيته يا عبد الله ؟( قال‪ :‬نعم ! قال‪) :‬ذاك جبريل‪ ،‬وهو الذي‬
‫شغلني عنك()‪ ،(142‬وكما في حديث عائشة‪-‬رضي ال تعالى عنها‪-‬أن النبي‪‬‬
‫قال لها‪) :‬يا عائشة! هذا جبريل يقرأ عليك السلم( فقالت‪:‬‬
‫وعليه السلم ورحمة ال وبركاته ترى ما ل أرى تريد النبي ‪.(143)‬‬
‫‪ -2‬ويناديه ويكلمه دون أن يشعر أحد من حواليه غالبا ً‬
‫سماعًا‪ ،‬كما هو رؤية‪ :‬فعن عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ :-‬لما كانت ليلتي‬

‫التي كان النبي‪ ‬فيها عندي انقلب‪ ،‬فوضع رداءه‪ ،‬وخلع نعليه‪ ،‬فوضعهما‬

‫‪ ()141‬انظر‪ :‬المبحث السابق من هذا الفصل‪ -‬المطلب الول ‪.‬‬
‫‪ ()142‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،1/293‬مرجع سابق‪ ،‬وإنما ل يرى جبريل ‪‬لنه الروح‪،‬‬
‫والروح‪ :‬قال في النهاية‪" :‬ومنه الحديث الملئكة الّروحان ِّيون‪ ،‬يروي بضم الراء وفتحها‪ ،‬كأنه‬
‫سب‪ ،‬ويريد به‬
‫سبة إلى الّروح‪ ،‬أو الّروح وهو نسيم الّريح‪ ،‬والل ُ‬
‫ف والنو ُ‬
‫ن من زيادات الن ّ َ‬
‫ن ْ‬
‫َ‬
‫ح‬
‫الروا‬
‫رواح‪:‬‬
‫ال‬
‫هذه‬
‫من‬
‫ج‬
‫ل‬
‫عا‬
‫أ‬
‫"إني‬
‫ضماد‪:‬‬
‫حديث‬
‫ومنه‪:‬‬
‫البصر‪،‬‬
‫ركها‬
‫يد‬
‫ل‬
‫ة‬
‫لطيف‬
‫م‬
‫أجسا‬
‫أنهم‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫ْ‬
‫ُ ِ‬
‫موا أْرواحا ً لكونهم ل ي َُرْون فُهم بمنسزلة الْرواِح"‪.‬‬
‫كناي ٌ‬
‫هاهنا ِ‬
‫ن‪ُ ،‬‬
‫س ّ‬
‫ة عن الج ّ‬
‫‪ ()143‬صحيح البخاري ‪ ،3/1177‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫عند رجليه‪ ،‬وبسط طرف إزاره على فراشه‪ ،‬فاضطجع‪ ،‬فلم يلبث إل ريثما‬
‫ظن أن قد رقدت‪ ،‬فأخذ رداءه رويدًا‪ ،‬وانتعل رويدًا‪ ،‬وفتح الباب‪ ،‬فخرج‪ ،‬ثم‬
‫أجافه رويدًا‪ ،‬فجعلت درعي في رأسي‪ ،‬واختمرت‪ ،‬وتقنعت إزاري‪ ،‬ثم‬
‫انطلقت على إثره حتى جاء البقيع‪ ،‬فأطال القيام ثم رفع يديه ثلث مرات‪،‬‬
‫ثم انحرف‪ ،‬فانحرفت‪ ،‬فأسرع‪ ،‬فأسرعت …قال‪) :‬فإن جبريل أتاني‬
‫حين رأيت‪ ،‬فناداني‪ ،‬فأخفاه منك‪ ،‬فأجبته‪ ،‬فأخفيته منك‪ ،‬ولم يكن‬
‫يدخل عليك وقد وضعت ثيابك‪ ،‬وظننت أن قد رقدت‪ ،‬فكرهت أن‬
‫أوقظك‪ ،‬وخشيت أن تستوحشي‪ ،‬فقال‪ :‬إن ربك يأمرك أن تأتي‬
‫أهل البقيع‪ ،‬فتستغفر لهم …( الحديث)‪.(144‬‬

‫‪ ‬معه‪ ،‬أو‬
‫وغاية ما كانت تصل إليه قدراتهم‪ ،‬أن يظنوا وجود جبريل‬
‫يعتادوا على بعض علمات محسوسة تدل عليه فقط‪ ،‬مع كثرة معاشرتهم‬
‫لرسول ال ‪ ‬وممارستهم لخبره عن مجيء الوحي له‪ :‬فعن أنس ابن مالك‬
‫‪ ‬قال‪ :‬خرج علينا رسول ال ‪ ‬ذات يوم وهو غضبان‪ ،‬ونحن نرى أن‬
‫معه جبريل‪ ‬حتى صعد المنبر‪-‬إلى أن قال أنس‪ -‬ثم التفت نحو الحائط‬
‫فقال‪) :‬لم أر كاليوم في الخير والشر‪ ،‬أريت الجنة والنار وراء هذا‬
‫الحائط()‪.(145‬‬
‫وقد عبر أنس ‪‬عن الظن بالفعل )نرى()‪.(146‬‬
‫وكما رواه أبو سعيد الخدري‪ ‬أن النبي ‪ ‬جلس ذات يوم على‬
‫المنبر‪ ،‬وجلسنا حوله فقال‪) :‬إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح‬
‫عليكم من زهرة الدنيا وزينتها( فقال رجل‪:‬يا رسول الله ! أويأتي‬
‫الخير بالشر ؟ فسكت النبي ‪‬فقيل له‪ :‬ما شأنك تكلم النبي ‪‬‬
‫ول يكلمك‪ ،‬فرأينا أنه ينسزل عليه ‪ .‬قال‪ :‬فمسح عنه الرحضاء‬

‫‪ ( )144‬صحيح مسلم ‪ ،2/669‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪) ()145‬الموصلي( أبو يعلي أحمد بن علي بن المثنى التميمي )‪- 210‬ت ‪307‬هس(‪ :‬مسند أبي‬
‫يعلى ‪ ،4/65‬مراجعة‪ :‬حسين سليم أسد‪1404 ،‬هس –‪1984‬م‪ ،‬دار المأمون للتراث – دمشق‪،‬‬
‫وقال حسين أسد‪" :‬إسناده على شرط مسلم" ‪.‬‬
‫‪146‬‬
‫دا ‪‬‬
‫ه بَ ِ‬
‫عي ً‬
‫)( وهو يدل على الظن حيث كانت القرينة‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬إ ِن ّ ُ‬
‫ون َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م ي ََر ْ‬
‫قي َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ق‬
‫و ْ‬
‫ذا ِ‬
‫عدَ الل ّ ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ه َ‬
‫ح ّ‬
‫ن َ‬
‫"المعارج‪ ،"6/‬وهم إنما يظنون ظنا ً بدليل قوله تعالى‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ها ُ‬
‫ن‬
‫ح‬
‫ن‬
‫ما‬
‫و‬
‫نا‬
‫ظ‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ن‬
‫ظ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫سا َ‬
‫سا َ‬
‫ع ُ‬
‫ع ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ب ِ‬
‫ة إِ ْ‬
‫ْ‬
‫ة َل َري ْ َ‬
‫ُ‬
‫ما ال ّ‬
‫في َ‬
‫وال ّ‬
‫َ َ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ّ ِ‬
‫ما ن َدْ ِ‬
‫ن‪" ‬الجاثية‪."32/‬‬
‫ست َي ْ ِ‬
‫قِني َ‬
‫م ْ‬
‫بِ ُ‬

‫‪70‬‬

‫فقال‪) :‬أين السائل(‪ ،‬وكأنه حمده‪ ،‬فقال‪) :‬إنه ل يأتي الخير بالشر‬
‫…(الحديث)‪.(147‬‬

‫ومما يدل على رؤيتهم أو اعتيادهم لبعض العلمات الحسية‬
‫المصاحبة لمجيء المَلك‪ :‬علمات الكرب المصاحبة للوحي كما سيأتي –إن‬
‫شاء ال تعالى‪.(148)-‬‬
‫ومن هذه العلمات ما جاء عن عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪-‬أن رسول‬
‫ال‪ ‬لما فرغ من الحزاب دخل المغتسل ليغتسل‪ ،‬فجاء جبريل ‪‬فقال‪:‬‬
‫أو قد وضعتم السلح؟‪ ،‬ما وضعنا أسلحتنا بعد ‪ .‬انهد إلى بني قريظة‪ ،‬فقالت‬
‫عائشة –رضي ال تعالى عنها‪:-‬كأني أنظر إلى جبريل ‪‬من خلل الباب قد‬
‫عصب رأسه من الغبار)‪ ،(149‬وعن أنس ابن مالك‪ ‬قال‪ :‬كأني أنظر إلى‬
‫غبار ساطع في سكة بني غنم موكب جبريل)‪. (150‬‬
‫‪ ، ‬والعين‬
‫فالذن المعتادة ل تسمع جبريل‬
‫المعتادة ل تراه‪ ،‬وذلك لنه يصل إلى مركز البصار‪،‬‬
‫ومركز السمع مباشرة …ولهذا قال‪) : ‬هذا جبريل‬
‫جاء يعلمكم دينكم( فلما أراد جبريل ‪‬أن يعلمهم كان‬
‫ل بد من أن يتمثل لهم بشرا ً تدرك عيونهم صورته‪،‬‬
‫وتدرك أسماعهم صوته ‪.‬‬

‫ول يستطيع البشر أن يروا الملك إل إذا تمثل لهم بشرًا‪ ،‬فقرر‬
‫النووي )في حديث أم سلمة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬حيث رأت جبريل على‬
‫صورة دحية(‪ :‬أن "فيه جواز رؤية البشر غير النبياء للملئكة‪ ،‬ووقوع‬
‫ذلك‪ ،‬ويرونهم على صورة الدميين؛ لنهم ل يقوون على رؤيتهم على‬
‫‪151‬‬
‫مل َك ًا ً‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫عل َْناهُ َ‬
‫ول َ ْ‬
‫صورهم") (‪ ،‬ويشير إلى ذلك قوله تعالى‪َ ‬‬
‫جل ً‬
‫‪" ‬النعام ‪ ،"9/‬وأوضح دليل على ذلك ‪ :‬كلم الملئكة مع‬
‫عل َْناهُ َر ُ‬
‫ج َ‬
‫لَ َ‬
‫مريم بنت عمران –عليها السلم‪ -‬حيث تمثل لها الملك بشرًا سويًا‪.‬‬
‫‪-3‬الطلق من حيث النداء والوقت‪ :‬فعن أنس‪: ‬احفظوا هذا‬
‫فإنه من كنـز الحديث‪ ،‬قال‪ :‬غزا النبي ‪ ‬فسار ذلك اليوم إلى الليل‪ ،‬فلما‬
‫‪ ()147‬صحيح البخاري ‪ ،2/532‬مرجع سابق‪ ،‬وهو يدل على مجيء الوحي غير القرآني‬
‫شديدا ً ‪.‬‬
‫‪ ()148‬انظر‪ :‬الفصل الثالث‪ -‬المبحث الخامس ‪.‬‬

‫‪ ()149‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،131/6‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()150‬صحيح البخاري ‪ ،3/1176‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()151‬فتح الباري ‪ ،4/235‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫كان الليل نزل وعسكر الناس حوله ونام هو‪ ،‬وأبو طلحة زوج أم أنس‪،‬‬
‫وفلن‪ ،‬وفلن‪ ،‬أربعة‪ ،‬فتوسد النبي ‪‬يد راحلته‪ ،‬ثم نام‪ ،‬ونام الربعة‬
‫إلى جنبه‪ ،‬فلما ذهب عتمة من الليل‪ ،‬رفعوا رؤوسهم فلم يجدوا النبي‬
‫ل‪ ،‬فقالوا‪ :‬جعلنا‬
‫‪‬عند راحلته‪ ،‬فذهبوا يلتمسون النبي ‪ ‬حتى يلقوه مقب ً‬
‫ال فداك‪ ،‬أين كنت ؟ فإنا فزعنا لك؛ إذ لم نرك ‪ .‬فقال نبي ال ‪): ‬كنت‬

‫نائما ً حيث رأيتم‪ ،‬فسمعت في نومي دويا ً كدوي الرحى‪ ،‬أوهزيزا ً‬
‫كهزيز الرحى‪ ،‬ففزعت في منامي‪ ،‬فوثبت‪ ،‬فمضيت فاستقبلني‬
‫جبريل فقال‪ :‬يا محمد ! إن الله عز وجل بعثني إليك الساعة‬
‫لخيرك‪ ،‬فاختر إما أن يدخل نصف أمتك الجنة‪ ،‬وإما الشفاعة يوم‬
‫القيامة …( الحديث)‪.(152‬‬
‫ولنداء جبريل‪ ‬للنبي ‪ ‬علمات ل يحس بها الخرون غالبًا‪،‬‬

‫فإن أحسوا بها كان إحساسًا غير متميز‪ :‬فعن أبي ذر ‪‬قال‪ :‬كنت مع النبي‬
‫‪ ‬فلما أبصر يعني أحدًا قال‪) :‬ما أحب أنه يحول لي ذهبا ً يمكث‬

‫عندي منه دينار فوق ثلث إل دينارا ً أرصده لدين ‪ -‬ثم قال‪ :-‬إن‬
‫الكثرين هم القلون إل من قال بالمال هكذا وهكذا ‪-‬وأشار أبو‬
‫شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله ‪ -‬وقليل ما هم( وقال‪:‬‬
‫)مكانك( وتقدم غير بعيد‪ ،‬فسمعت صوتًا‪ ،‬فأردت أن آتيه‪ ،‬ثم ذكرت قوله‬

‫مكانك حتى آتيك‪ ،‬فلما جاء‪ ،‬قلت‪ :‬يا رسول ال! الذي سمعت ‪-‬أو‬
‫قال‪:-‬الصوت الذي سمعت‪ ،‬قال‪) :‬وهل سمعت ؟( قلت‪ :‬نعم قال‪):‬أتاني‬
‫جبريل فقال‪ :‬من مات من أمتك ل يشرك بالله شيئا ً دخل الجنة‬
‫‪.‬قلت‪ :‬وإن فعل كذا وكذا؟قال‪ :‬نعم()‪.(153‬‬
‫‪ -4‬الطلق من حيث المكان‪ :‬وكان يجيئه حيث كان عند‬

‫اقتضاء المجيء‪ ،‬ووجود المر اللهي بالنـزول‪ :‬فعن عبد الرحمن بن‬
‫عوف‪ ‬قال‪ :‬دخلت المسجد فرأيت رسول ال ‪ ‬خارجًا من المسجد‪،‬‬
‫ل‪ ،‬فاستقبل القبلة‪ ،‬فسجد‬
‫فاتبعته أمشي وراءه‪ ،‬ول يشعر حتى دخل نخ ً‬
‫فأطال السجود‪ ،‬وأنا وراءه حتى ظننت أن ال‪ ‬قد توفاه فأقبلت أمشي‬
‫حتى جئته فطأطأت رأسي أنظر في وجهه‪ ،‬فرفع رأسه‪ ،‬فقال‪) :‬ما لك يا‬
‫عبد الرحمن؟( فقلت له‪ :‬لما أطلت السجود يا رسول ال !خشيت أن يكون‬
‫‪ ()152‬المعجم الوسط ‪ ،233/ 2‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()153‬صحيح البخاري ‪ ،2/841‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫ال عز وجل قد توفى نفسك‪ ،‬فجئت أنظر‪ ،‬فقال‪):‬إني لما دخلت النخل‬
‫لقيت جبريل ‪‬فقال‪:‬إني أبشرك أن الله عز وجل يقول‪ :‬من‬
‫ت عليه()‪.(154‬‬
‫ت عليه‪ ،‬ومن صلى عليك صلي ُ‬
‫سلم عليك سلم ُ‬

‫بل يأتيه إلى أخص أماكنه‪ :‬فعن عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬أن رسول‬
‫ال ‪ ‬لما رجع يوم الخندق‪ ،‬ووضع السلح‪ ،‬واغتسل فأتاه جبريل‪ ‬وقد‬
‫عصب رأسه الغبار‪ ،‬فقال‪):‬وضعت السلح ؟ فوال ما وضعته( فقال رسول‬
‫ال ‪ : ‬فأين؟‪ .‬قال‪ :‬هاهنا‪ ،‬وأومأ إلى بني قريظة( قالت‪ :‬فخرج إليهم‬
‫رسول ال‪ .(155) ‬وما سبق من أدلة تدل على هذا الطلق في المكان‪،‬‬
‫ل…‬
‫في معسكره‪ ،‬وسفره‪ ،‬قاعدًا أو قائمًا أو مضطجعًا أو مقات ً‬

‫دددد ‪ :‬فل إشكال ول لبس في حدوث عملية‬
‫الوحي بين عالم الملئكة متمثل ً بجبريل ‪ ‬وبين عالم‬
‫البشر متمثل ً بالنبي ‪ ‬حتى تتلقف من قبل بعض‬
‫اللسنة بالغمز أو اللمز…تلك كانت شنشنة المستكبرين‬
‫من قبل إذ قالوا‪‬أ َ ُ‬
‫ن ب َي ْن َِنا ب َ ْ‬
‫ز َ‬
‫م‬
‫ل َ‬
‫ل ُ‬
‫ه الذّك ُْر ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ؤن ْ ِ‬
‫ش ّ‬
‫في َ‬
‫ري‪" ‬ص‪ …"8/‬فلقد رأينا في عصرنا‬
‫ِ‬
‫ك ِ‬
‫م ْ‬
‫ن ِذك ْ ِ‬
‫ً‬
‫صورا من الوحي الخفي الذي يقع بين الناس بعد أن‬
‫يتوافر فيه شرطان‪ :‬وسيلة الرسال المناسبة‪ ،‬ووسيلة‬
‫الستقبال الخاصة …فترى شخصا ً في قرية أو مجتمع‬
‫يتلقى المعلومات من شخص آخر بعيد‪ ،‬يملك جهاز‬
‫الرسال المناسب‪ ،‬فيسمعه بأدق ما يكون السماع …‬
‫ومن ل يملك جهاز الستقبال بجواره ل يسمع شيئًا…‬
‫بل يتعدى المر من السماع إلى الرؤية‪ ،‬فبواسطة‬
‫الهاتف المرئي تستطيع أن تسمع بجهازك كما تستطيع‬
‫أن ترى لكلم وصورة تبعد عنك آلف الميال وتحادثها‬
‫…فالشرط هو وجود جهاز الرسال والستقبال …فإذا‬
‫كان هذا صنع النسان‪ ،‬وهو ما يزال يعد بالمزيد‬
‫مستقبل ً …فإن الذهن يتقبل بتلقائية شديدة أن يكون‬
‫خالق النسان قد زود المصطفين من رسله من‬
‫الملئكة ومن الناس بما يمكنهم من التصال المباشر‬
‫…وقد تقدمت مظاهر العداد اللهي لجبريل ‪ ‬في‬
‫‪ ()154‬سنن البيهقي الكبرى ‪ ،9/285‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()155‬صحيح البخاري ‪ ،3/1035‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫الفصل الول ليكون أمين وحي الله ‪ ،‬كما سبقت آنفا ً‬
‫مظاهر من التهيئة اللهية الخاصة للنبي الكريم ‪‬‬
‫فهي لمحات تبين أن التصال بين المستويين‬
‫الفيزيائَيين لعالمي الملئكة والبشر أيسر –حتى‪ -‬من‬
‫التصال بين البشر والبشر‪.‬‬
‫ولذا فإن التصال المباشر بين مستويين من عالم‬
‫الوجود الملئكي والبشري دون واسطة آلت ل شك‬
‫يتطلب قدرة خاصة ليتم التلقي‪ ،‬وقدرة أخرى عند‬
‫الثنين )جبريل‪ ‬والنبي‪( ‬ليتم الوحي …ولذلك كنا‬
‫نرى الثار الشديدة للتصال بينهما تظهر على الرسول‬
‫‪ ‬وهو يتلقى الوحي بعد أن هيأه الله لذلك التصال…‬
‫كما سيرد في المبحث الخامس من الفصل الثالث –إن‬
‫شاء الله تعالى‪-‬‬

‫‪.‬‬

‫المانع من قرب جبريل ‪:‬‬
‫ويأتي جبريل ‪ ‬النبي‪ ‬حيث هو زمانًا ومكانًا إل أن يوجد مانع‪ ،‬كأن‬
‫تكون امرأته ‪ ‬خلعت ثيابها‪ ،‬أو وجد في البيت ما يمنع الملك من‬
‫الدخول)‪ ،(156‬وتقدم ما يدل على ذلك‪ ،‬ول يعني أنه ل يكلمه إن وجد المانع‪،‬‬
‫بل يكلمه‪ ،‬ولكن من مكان بعيد عن مكان المانع فعن عائشة ‪-‬رضي ال تعالى‬
‫عنها‪-‬أن النبي‪) : ‬فإن جبريل أتاني حين رأيت‪ ،‬فناداني فأخفاه‬
‫منك‪ ،‬فأجبته فأخفيته منك‪ ،‬ولم يكن يدخل عليك‪ ،‬وقد وضعت‬
‫ثيابك …(الحديث)‪.(157‬‬

‫‪ ()156‬انظر‪ :‬المطلب الول‪ -‬المبحث الول‪ -‬من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()157‬صحيح مسلم ‪ ،2/669‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫المبحث الثالث‪:‬‬
‫هيئات مجيء الملك بالوحي القرآني )من حيث‬
‫عموم الوحي(‪:‬‬

‫تعددت الوسائط التي يأتي بها الوحي إلى رسول ال ‪ ‬هما‬
‫المذكورتان في حديث عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪-‬أن الحارث بن هشام‬
‫‪‬سأل رسول ال ‪ ‬فقال‪ :‬يا رسول ال! كيف يأتيك الوحي‪ .‬فقال رسول‬
‫ال‪) : ‬أحيانا ً يأتيني مثل صلصلة الجرس‪ ،‬وهوأشده علي‪،‬‬
‫فيفصم عني‪ ،‬وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا ً يتمثل لي الملك‬
‫رج ً‬
‫ل‪ ،‬فيكلمني‪ ،‬فأعي ما يقول( قالت عائشة‪-‬رضي ال تعالى عنها‪:-‬ولقد‬

‫رأيته ينـزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد‪ ،‬فيفصم عنه وإن جبينه‬
‫ليتفصد عرقًا)‪ ،(158‬وفي لفظ له‪) :‬كل ذاك‪ :‬يأتي الملك أحيانا ً في مثل‬
‫صلصلة الجرس …( ‪.‬‬
‫قال ابن حجر ‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬فقوله )كيف يأتيك الوحي( يحتمل أن‬
‫يكون المسئول عنه صفة الوحي نفسه‪ ،‬ويحتمل أن يكون صفة حامله‪ ،‬أو ما‬
‫هو أعم من ذلك‪ ،‬وقوله‪) :‬كل ذلك يأتي الملك(‪ :‬أي كل ذلك حالتان")‪.(159‬‬
‫وهل مجيء الوحي منحصر في الحالتين ؟ظاهر الحديث يشير إلى‬
‫ذلك‪ ،‬خاصة مع قوله‪) :‬يأتيني على نحوين( في رواية ابن سعد)‪،(160‬‬
‫وقوله )كل ذاك يأتي الملك(‪ ،‬وفيه فائدة جليلة من حيث مجيء الوحي‬
‫في صورة معلومة محسوسة ل يمكنه الشك فيها‪ ،‬بخلف ما لو كان إلهامًا‬
‫ل‪ ،‬وليس المراد هنا نفي اللهام عن النبي ‪ ،‬بل هو ثابت‪ ،‬لكن ل‬
‫مث ً‬
‫لتبليغ الوحي المأمور بتبليغه؛ إذ هذا يرجع إلى هاتين الصورتين لذا الدليل‪،‬‬
‫ومن قال بالعكس فضمان الدليل عليه ‪.‬‬
‫والمقتضى المنهجي لذلك‪ :‬غرس الطمئنان على دقة نقل الوحي‬
‫ل‪ ،‬ول‬
‫القرآني من حيث مجيئه في صورة محسوسة‪ ،‬فل لبس فيها أو ً‬
‫‪ ()158‬صحيح البخاري ‪ ،1/4‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()159‬فتح الباري ‪ ،1/22‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()160‬الطبقات الكبرى ‪ ،1/197‬مرجع سابق‪ ،‬وقال عنها ابن حجر ‪-‬رحمه الله تعالى‪:-‬‬
‫"مرسل مع ثقة رجاله" ‪.‬‬

‫‪75‬‬

‫يتطرق القادح إليها بسبب الخفاء ثانيًا‪ ،‬بخلف اللهام في كل ذلك حيث‬
‫يمكن ادعاء ذلك فيه لخفائه‪.‬‬
‫وقد ُأوِرد على هذا الحصر أنه قد ثبت مجيئ الوحي في غير هاتين‬
‫الصورتين‪ ،‬وقد ذكر ذلك ابن حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪-‬وأجاب عليه)‪،(161‬‬
‫والجواب الجامع أن يقال‪ :‬ما ذكر من هيئات أخرى للوحي في ذاته‪ ،‬أوفي‬
‫حامله ل تخلو من أحد أمرين‪:‬‬
‫أن تكون عامة في النبياء وغيرهم‪ ،‬كاللهام‪ ،‬والرؤيا الصادقة‪،‬‬
‫فليس حولها كلم‪ ،‬وليس السؤال واقعًا عنها)‪. (162‬‬
‫أو أنها ترجع إلى أحد الصورتين كالنفث في الروع‪ ،‬ودوي النحل‪،‬‬
‫فهو كصلصلة الجرس‪ ،‬أو تكليمه ‪‬لربه تعالى في المعراج فذاك كان‬
‫بواسطة نقل جبريل‪‬له إلى السماء ابتداء‪ ،‬وقد قرر الحافظ ابن حجر‬
‫رحمه ال تعالى‪ -‬ذلك ‪-‬بعُد‪ -‬حيث قال‪" :‬وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه‬‫على ستة وأربعين نوعًا‪ ،‬فذكرها‪ ،‬وغالبها من صفات حامل الوحي‪،‬‬
‫ومجموعها يدخل فيما ذكر")‪. (163‬‬
‫والمراد من هذا الستطراد تثبيت مجيء الملك بصورة محسوسة‬
‫حال الوحي بصورة عامة ليغدو مسلمًا في الذهن‪ :‬أن الوحي كان يأتيه ‪‬‬
‫بطريق محسوس‪ ،‬فل يطرأ عليه احتمال التخييل)‪…(164‬وأما الوحي‬
‫القرآني فقد كانت الحتياطات فيه أشد من حيث إنزاله على القلب)‪.(165‬‬
‫وليس الداعي ملحًا للسترسال في ذكر أنواع الوحي الشرعية‪،‬‬
‫واستقصاء متعلقاتها‪ ،‬إذ المراد معرفة نوع خاص منه هو الوحي القرآني‪،‬‬
‫تعرفًا على الطريقة المنهجية المتخذة من قبل جبريل‪ ،‬التي صاحبت‬
‫تعليمه ألفاظ القرآن للرسول ‪ ،‬وتطمينًا على هيئة نقله من حيث اللفظ…‬
‫س هذه القاعدة إذ قد ُأشرعت مراكب الخوض في عمق البحث‪ :‬بما‬
‫س ْ‬
‫ولُتَؤ َ‬
‫‪ ()161‬انظر‪ :‬فتح الباري ‪ ،436/ 12‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()162‬لكن قد قال البعض بالفرق بين رؤيا النبياء وغيرهم‪ ،‬فرؤيا النبياء وحي ل يدخله خلل ‪.‬‬
‫ل فالوحي القرآني قد كان أكثر احتياطا ً‬
‫انظر‪ :‬فتح الباري ‪ ،12/439‬مرجع سابق‪ ،‬وعلى ك ٍ‬
‫من أن يكون رؤيا منام‪ ،‬كما يلحظ في عرض هذا الفصل وفيما يليه ‪.‬‬
‫‪ ()163‬فتح الباري ‪ ،1/24‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()164‬انظر‪ :‬الفصل الخامس‪ -‬المبحث الول من هذه الدراسة ‪.‬‬
‫‪ ()165‬انظر‪ :‬الفصل الثالث‪ -‬المبحث الثاني‪ -‬المطلب الثاني من هذه الدراسة ‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫أن الوحي القرآني نوع خاص من عموم الوحي‪ ،‬فسيذكر ما يتعلق به خاصًا‬
‫من حيث اللفظ‪ ،‬كما سيذكر ما يتعلق به عامًا من حيث شدة ارتباطه‬
‫بالخاص‪ ،‬فل يرد على الباحث بعض أمور تتعلق بعموم الوحي قد ذكرت‬
‫في ثنايا البحث… ‪.‬‬
‫وقد آن أوان الخوض في المقصود الساسي من البحث بعد هذه‬
‫ن لعالم الضباب والتيه اليوم‬
‫التهيئة‪ ،‬بيد أن كل ماسبق وما سيتلو مبي ٌ‬
‫‪ ‬كلمه من كل شوائب الدخل‪ ،‬أو لوامع الدخن‪ ،‬ليبقى هدى‬
‫كيف حفظ ال‬
‫الحيارى في أزمنة استعار الضلل…‬
‫هدى سيبقى وما عشر وأربعة من الزمان سيبقى ما الزمان بقـي‬
‫الـله أنزله‪ ،‬وال حافظه‪ ،‬وال ينجـي به الدنيـا من الرهـ ِ‬
‫ق‬

‫‪77‬‬

‫الفصل الثالث‬

‫هيئة تلقي النبي‪ ‬ألفاظ القرآن من‬
‫جبريل‪‬‬
‫وفيه تسعة مباحث‬

‫ب تعليمي تتضآل الكلمات عن وصفه…‬
‫إننا ندلف إلى هالت موك ٍ‬
‫ي نوٍر كانت هذه‬
‫ي شيٍء كان قادة هذه المة‪ ،‬وأ ُ‬
‫يرسم لعوالم الغتراب‪ :‬أ ُ‬
‫المة من بعد…‬
‫أنا قصة من بدر أرسلها الهدى……محمد يرويها‪ ،‬وجبريـل يكتب‬
‫وكعبتي الغراء بيتي وقبـلتـي‪.…..‬وبستاني المعمـور بالحب يثرب‬
‫ب البحث ومداره‪ ،‬كما هو واضح من عنوانه‪،‬‬
‫وهذا الفصل يشكل ُل ّ‬
‫وما سبق من الفصول كان تقدمًة له من حيث إثبات العوامل اليجابية التي‬
‫ل له‪ ،‬خادٌم لغرضه‪ ،‬والخامس خاتم له‬
‫تخدمه‪ ،‬وتله فصلن‪ :‬الرابع مكم ٌ‬
‫سَم هذا الفصل إلى تسعة مباحث‬
‫من حيث نفي العوامل السلبية…ولذا ُق ِ‬
‫يحاول الباحث من خللها إعطاء صورة نموذجية واقعية لتلقي النبي‪‬‬
‫ألفاظ القرآن الكريم بأمر ال‪ ‬من جبريل‪ ‬منذ أن يأمر ال ‪-‬تعالى ذكره‪-‬‬
‫جبريل ‪‬بتعليم الوحي القرآني للنبي ‪ ،‬وحتى تمام ذلك التعليم‪،‬‬
‫وبلوغه الكمال بالمتابعة‪ ،‬والمراجعة والتعاهد…ولذا فمباحث هذا الفصل‬
‫هي‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬كيفية مجيء جبريل‪ ‬إلى النبي ‪ ‬عند تعليمه الوحي‬
‫القرآني‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬هيئة إلقاء الوحي القرآني من جبريل ‪‬على قلب النبي‪‬‬
‫‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬نزول جبريل ‪ ‬توقيفي ‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫المبحث الرابع‪ :‬مظاهر اجتهاد النبي‪ ‬في تلقي القرآن الكريم قبل نزول‬
‫التوقيف اللهي ‪.‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬سمات الرسول‪ ‬حين نزول الوحي القرآني عليه ‪.‬‬
‫المبحث السادس‪ :‬حديث المعالجة ‪.‬‬
‫المبحث السابع‪ :‬التلقي والتلقين ‪.‬‬
‫المبحث الثامن‪ :‬كيفية قراءة الرسول‪ ‬على جبريل ‪‬من حيث المر‬
‫الشرعي‪ ،‬والواقع التطبيقي‪.‬‬
‫المبحث التاسع‪ :‬حديث المدارسة ‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫المبحث الول‪:‬‬
‫كيفية مجيء جبريل ‪ ‬إلى النبي ‪ ‬عند تلقينه الوحي‬
‫القرآني)‪:(166‬‬
‫يدرس هذا المبحث هيئة مجيء جبريل‪ ‬ليلقي الوحي القرآني من‬
‫أول أمر ال‪ ‬له بالنـزول حتى إلقائه القرآن على قلب النبي‪ ، ‬فقد وصف‬
‫القرآن الكريم هيئة مجيء جبريل ‪ ‬إلى النبي ‪ ‬عند إبلغه الوحي‬
‫القرآني وصفًا دقيقًا‪ ،‬وكان جل ذلك الوصف في سورة النجم)‪ ،(167‬التي‬
‫صّدرت آياتها بإعلء شأن النبي ‪‬بيانًا للرادة اللهية في اختياره للنبوة‪،‬‬
‫ُ‬
‫ح في ذلك يلقيه شياطين النس‬
‫وإبلغ كلم ال للناس‪ ،‬والهجوم على قاد ٍ‬
‫حى‪" ‬النجم‪ ،"4/‬استؤنف‬
‫ن ُ‬
‫والجن … فلما قال‪ ‬إ ِ ْ‬
‫ي ُيو َ‬
‫و ْ‬
‫و ِإل َ‬
‫ه َ‬
‫ح ٌ‬
‫الكلم استئنافًا بيانيًا‪ ،‬كأنه قيل‪ :‬فكيف يأتيه هذا الوحي؟‪ ،‬ومن يأتيه به؟‪،‬‬
‫وكيف يلقيه إليه فيعيه‪ ،‬ول يفارقنا؟‪ ،‬وكيف يأتيه الوحي القرآني وهو‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫وى…‬
‫كلم ال‪ ،‬فيطيقه وهو بشر؟‪ ،‬فقال ال‪َ  ‬‬
‫ش ِ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ق َ‬
‫‪" ‬النجم‪ ،"5/‬فسورة النجم‪" :‬مقصودها ذم الهوى‪ ،‬لنتاجه الضلل‬
‫والعمى…والحث على اتباع النبي ‪ ‬في نذارته التي بينتها سورة )ق(‪،‬‬
‫وصدقتها سورة الذاريات‪ ،‬وأوقعتها وعينتها الطور")‪.(168‬‬
‫‪ ()166‬المراد المجيء الخاص لجل الوحي القرآني‪ ،‬فلُيلحظ هذا الختلف بين ما ذكر هنا وما‬
‫ذكر في المبحث الثالث من الفصل الثاني ‪.‬‬
‫‪ ()167‬ول ينكر منكر على البحث إظهاَر كيفية تعليم الوحي للنبي ‪ ‬من جبريل ‪‬من خلل‬
‫هذه اليات فقد ذكر ذلك عدد من أرباب التفسير‪ ،‬قال أبو السعود في تفسيره )‪،(5/43‬‬
‫مرجع سابق‪" :‬في قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫ه‪‬بطريق التفسير‪ ،‬فإنه‬
‫وى‪ ‬عطف على ‪َ ‬‬
‫فا ْ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ست َ َ‬
‫َ‬
‫حى‪ ‬بيان لكيفية التعليم"‪ ،‬فإن اعُترض بأن هذا وصف للوحي‬
‫و َ‬
‫إلى قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫ما أ ْ‬
‫ً‬
‫في حالين فقط كان فيهما جبريل ‪‬بخلقته الصلية‪ ،‬وليس وصفا للوحي بصورته الدائمة‪،‬‬
‫فالجواب‪ :‬فليكن كذلك‪ ،‬وكما وصف اتصال جبريل ‪‬بذلك في حالين‪ ،‬هو دأبه في اتصاله‬
‫به دائمًا‪ ،‬ما خل صورته الصلية؛ إذ قام الدليل على حصرها‪ ،‬ول دليل على حصر بقية‬
‫الوصاف في هذه السورة في الحالين‪ ،‬على أن الوحي القرآني النازل على القلب‪ ،‬يأخذ‬
‫صورة غير الصورة التي يأتيه فيها الملك بصورة رجل‪ ،‬كما هو ظاهر من وصف نزوله‬
‫بالقرآن بأنه )على القلب( ‪.‬‬
‫‪ ()168‬انظر‪ :‬نظم الدرر في تناسب اليات والسور ‪ ،19/40‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫ومن ثم فل إنكار على سائل على كيفية اتصال الملك بالنبي‪،‬‬
‫خْلَقة بين عالم الملئكة الذين هيأهم ال ‪ ‬بقوى بها يكونوا‬
‫للتفاوت في ال ِ‬
‫عنده‪ ،‬وبين البشر الذين الذين يضعفون عن مشاهدة عالم الملئكة أو الجن‬
‫ل عن تحملهم للوحي اللهي‪ ،‬فاحتاجوا إلى الواسطة لنقل هذا‬
‫فض ً‬
‫الوحي"ولما كان الوحي ظاهرًا في كونه بواسطة الَمَلك‪ ،‬تشوف السامع إلى‬
‫بيان ذلك؛لن ذلك أضخم في حقه‪ ‬وأعلى لمقداره")‪.(169‬‬
‫فلنتتبع هذا الوصف القرآني)‪ (170‬لتلقي جبريل ‪‬الوحي القرآني‬
‫من ال ‪ ،(171)‬وكيفية نزوله إلى النبي ‪: ‬‬
‫‪-1‬‬

‫يسمع من الله ‪‬‬

‫جبريل ‪‬الوحي الذي‬
‫‪172‬‬

‫ينـزل به‪ :‬كما في حديث النواس بن سمعان السابق) (‪،‬‬
‫وفيه)فينتهي جبريل إلى حيث ُأمر من سماء أو أرض( ‪.‬‬
‫وجبريل‪ ‬هو الذي ُيلقي على النبي‪ ‬الوحي القرآني‪ ،‬وهو‬
‫أمين الوحي في السماء والرض‪ ،‬ورسول ال ‪ ‬إلى رسله من‬
‫البشر ‪.‬‬
‫وهو معلم النبي‪ ‬ذي الصفات البالغة في قدرة حاملها‬
‫‪-2‬‬
‫على أداء هذه الرسالة على أتم وجه وأحسنه‪ ،‬فليس ُمَعّلم النبي‪‬‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫مخلوقًا عاديًا بل لقد علم النبي‪َ  ‬‬
‫وى)‪ُ (5‬‬
‫ذو‬
‫ش ِ‬
‫ق َ‬
‫ِمّرٍة ‪" ‬النجم‪ "6-5/‬وقد تقدمت صفاته)‪.(173‬‬
‫لكن أبرز صفاته التي يشار إليها في هذا المقام ‪-‬إذ أظهر‬
‫‪-3‬‬
‫الَغَفَلُة تعجبهم من اتصال المل العلى بالبشر‪ ،‬وسرعة وصول‬
‫الرسول السماوي إلى الرسول البشري مع وجود هذه المسافات‬

‫‪ ()169‬انظر‪ :‬نظم الدرر في تناسب اليات والسور ‪ ،19/40‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()170‬ففيه كما قال في التحرير والتنوير )‪" :(27/95‬تمثيل لحوال عجيبة بأقرب ما يفهمه‬
‫الناس؛ لقصد بيان إمكان تلقي الوحي عن الله تعالى؛ إذ كان المشركون يحيلونه‪ ،‬فبين لهم‬
‫إمكان الوحي بوصف طريق الوحي إجمال ً وهذه كيفية من صور الوحي" ‪.‬‬
‫‪ ()171‬وقد أعرض البحث عن القوال الواردة في كيفية تلقي الملك للوحي‪ ،‬لنها محض‬
‫تخمين في أمر غيبي‪ ،‬ل يظهر فيه للتحقيق العلمي أثر إل بالتسليم لظاهر النصوص الدالة‬
‫على السماع… ‪.‬‬
‫‪( )172‬انظر‪ :‬الفصل الول‪-‬المبحث الثالث ‪.‬‬
‫‪ ()173‬انظر‪ :‬الفصل الول‪ -‬المبحث الثاني ‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫الهائلة بينهما‪-‬أنه ‪َ …‬‬
‫قَوى)‪ُ (5‬ذو ِمّرٍة… ‪ ،‬وقد‬
‫ش ِ‬
‫تقدم شرحها)‪.(174‬‬
‫عندما يريد ال ‪ ‬من جبريل ‪ ‬الوصول إلى النبي ‪‬‬
‫‪-4‬‬
‫‪175‬‬
‫لتبليغه الوحي‪-‬إرادة أمر وإذن) ( ‪-‬فإنه يستعد للقيام بأمر ال‪،‬‬
‫ي بعد أن كان استعدادًا‬
‫وهو بالفق العلى‪ ،‬فاستعداده هنا فعل ٌ‬
‫فطريًا؛ ذلك بأن الفق هو اسم للجو الذي يبدو للناظر ملتقى بين‬
‫طرف منتهى النظر من الرض وبين منتهى ما يلوح كالقبة‬
‫الزرقاء‪ ،‬وغلب إطلقه على ناحية بعيدة عن موطن القوم ومنه‬
‫أفق المشرق وأفق المغرب‪،‬ووصفه بالعلى ليفيد أنه من ناحية‬
‫السماء)‪ ،(176‬ويومئ لهذا قوله ‪) : ‬إنما ذلك جبريل‪ ،‬ما رأيته‬
‫في الصورة التي خلق عليها غير هاتين المرتين‪ :‬رأيته‬
‫منهبطا ً من السماء سادا ً عظم خلقه ما بين السماء‬
‫والرض( )‪.(177‬‬

‫فإن اعُترض بأن‪ :‬هذا دال على رؤيته له‪ ،‬ل على استعداده‬
‫للنـزول…فل يستقيم الستدلل! فالجواب‪:‬نعم !يدل على رؤيته له‪ ،‬ولكن‬
‫تبقى الية محتملة للمرين إن كان بقية الحديث منقطعًا عما قبله‪ ،‬كأنه قال‪:‬‬
‫المراد في اليات هو جبريل‪ ،‬ثم استأنف فقال‪ :‬ما رأيته …‪ ،‬والقرب‬
‫هو ما استدل به عليه هاهنا من حيث أن سياق اليات وسببها بصدد تقرير‬
‫صدق الوحي‪ ،‬وإمكانية اتصال الملك بالرسول)‪.(178‬‬
‫واستعداده لداء هذه الرسالة والنـزول بها إلى العالم الرضي كما‬
‫قال‪َ  ‬‬
‫ست ََوى‪ ‬في سورة النجم مفرع على ما تقدم من قوله‬
‫فا ْ‬
‫‪ ()174‬انظر‪ :‬الفصل الول‪ -‬المبحث الثاني ‪.‬‬
‫‪ ()175‬تفصيل هذه الرادة اللهية‪ :‬في المبحث الثالث من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()176‬وقيل هي رؤيته له بحراء قد سد الفق ‪ .‬انظر‪) :‬أبو حيان(محمد بن يوسف بن علي‬
‫بن يوسف بن حيان الندلسي الغرناطي ت ‪ 754‬هس‪ :‬البحر المحيط ‪ ،8/157‬ط ‪1411 2‬هت‬
‫–‪1990‬م‪ ،‬دار إحياء التراث العربي–بيروت‪ ،‬وقوله ‪‬دََنا‪ ‬تبعد ذلك‪ ،‬وقيل فيها دنا‪ :‬أي‬
‫النبي ‪ ‬إلى جبريل ‪ .‬انظر‪ :‬تفسير أبي السعود ‪ ،5/218‬مرجع سابق‪ ،‬وواضح وهن هذا‬
‫القول من حيث سياق اليات‪ ،‬ومن حيث طبيعة قصة السراء ‪.‬‬
‫‪ ()177‬سنن الترمذي ‪ ،262 /5‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()178‬وسورة النجم أول أغراضها تحقيق‪ :‬أن الرسول صادق فيما يبلغه عن الله تعالى‪ ،‬وأنه‬
‫منسزه عما ادعوه‪ ،‬وإثبات أن القرآن وحي من عند الله بواسطة جبريل ‪ ،‬وتقريب صفة‬
‫نزول جبريل ‪‬بالوحي في حالين زيادة في تقرير أنه وحي من الله واقع ل محالة ‪ .‬انظر‪:‬‬
‫التحرير والتنوير ‪ ،27/96‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫عّلمه‪‬‬
‫وى ‪"‬النجم ‪ ،"5/‬والفاء لتفصيل ‪َ ‬‬
‫‪َ ‬‬
‫ش ِ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ق َ‬
‫والمستوي هو جبريل‪. ‬‬
‫ومعنى استوائه‪ :‬قيامه بعزيمة لتلقي رسالة ال‪ ،‬كما يقال‪ :‬استقل‬
‫قائمًا‪ ،‬ومثل بين يدي فلن‪ ،‬فاستواء جبريل ‪‬هو مبدأ التهيؤ لقبول الرسالة‬
‫و ِبال ُ ُ‬
‫ق‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫من عند ال‪ ،‬وكذلك قيد هذا بجملة الحال في قوله ‪َ ‬‬
‫ف ِ‬
‫عَلى‪"‬النجم‪ ،" 7 /‬والضمير لجبريل ‪‬ل محالة‪ ،‬أي قبل أن ينـزل‬
‫ال َ ْ‬
‫إلى العالم الرضي)‪.(179‬‬
‫بعد استعداده لتنفيذ المر يبدأ بالنـزول بسرعة يعلم‬
‫‪-5‬‬
‫مقدارها من أودع فيه القوة الهائلة لتبليغ الوحي القرآني إلى‬
‫الرسول‪ ‬حيث كان‪ ،‬فل يبالي بمكانه في بيت أوفي فراش أو‬
‫‪180‬‬
‫م دََنا‬
‫بين أصحابه أوفي جهاده كما تقدم) (‪،‬ث ُ ّ‬
‫َ‬
‫فت َدَّلى‪"‬النجم‪ ،"8/‬والدنو‪ :‬هو القرب‪ ،‬والمراد إلى حيث يبلغ‬
‫الوحي وذلك إلى مكانه المحدد من الرض "وإذ كان فعل الدنو‪،‬‬
‫وى‪ِ ‬بال ُ ُ‬
‫ق‬
‫م‪ ‬على‪‬ا ْ‬
‫قد عطف بـ ‪‬ث ُ ّ‬
‫ست َ َ‬
‫ف ِ‬
‫عَلى‪ ‬علم أنه دنا إلى العالم الرضي‪ ،‬أي أخذ في الدنو بعد‬
‫ال َ ْ‬
‫أن تلقى ما يبلغه إلى الرسول‪ ،‬و‪َ ‬‬
‫فت َدَّلى‪ ‬انخفض من‬
‫ل‪ ،‬أي ينـزل من طبقات إلى ما تحتها‪ ،‬كما يتدلى الشيء‬
‫علو قلي ً‬
‫المعلق في الهواء بحيث لو رآه الرائي يحسبه متدليًا‪ ،‬وهو ينـزل‬
‫ض")‪.(181‬‬
‫إلى السماء غير منق ٍ‬
‫يزداد اقترابه من النبي‪ ‬حتى يصبح على مسافة‬
‫‪-6‬‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ب َ‬
‫ن َ‬
‫قوسين منه أو أدنى‪َ ‬‬
‫و أ َدَْنى‬
‫كا َ‬
‫قا َ‬
‫و َ‬
‫نأ ْ‬
‫ق ْ‬
‫سي ْ ِ‬
‫‪"‬النجم ‪. "9/‬‬
‫‪ ()179‬التحرير والتنوير ‪ ،27/96‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()180‬في الفصل الثاني‪ -‬المبحث الثاني ‪.‬‬
‫‪ ()181‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،26/96‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫وفائدة قوله ‪‬أ َْو أ َدَْنى‪ ‬بيان دقة وصف المسافة بينهما؛ إذ‬
‫‪‬أو‪ ‬فيه للتخيير في التقدير‪ ،‬وهو مستعمل في التقريب‪ ،‬أي إن أراد‬
‫أحد تقريب هذه المسافة فهو مخير بين أن يجعلها قاب قوسين أو أدنى أي ل‬
‫أزيد‪ ،‬إشارة إلى أن التقدير ل مبالغة فيه ‪.‬‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫فَؤادُ َما َرَأى‪" ‬النجم‪ ،"11 /‬تأكيٌد على‬
‫ما ك َذَ َ‬
‫وفي قوله‪َ  : ‬‬
‫ب قرب حسي ل مجرد اتصال روحاني‪ ،‬على قول من تأوله بأنه رد‬
‫أن الُقْر َ‬
‫لتكذيب المشركين فيما بلغهم من الخبر عن رؤية النبي‪ ‬الملك جبريل‬
‫‪ ،(182)‬ويؤيده ما رواه المام البخاري ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬عن أبي إسحاق‬
‫الشيباني قال‪ :‬سألت زر بن حبيش عن قوله ‪َ َ  ‬‬
‫ه‬
‫حى إ َِلى َ‬
‫د ِ‬
‫عب ْ ِ‬
‫و َ‬
‫فأ ْ‬
‫َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫فَؤادُ َما َرَأى‪" ‬النجم ‪ ،(183)"11-10/‬قال‪:‬‬
‫ما ك َذَ َ‬
‫و َ‬
‫حى)‪َ (10‬‬
‫َ‬
‫ما أ ْ‬
‫‪185‬‬
‫‪184‬‬
‫حدثنا ابن مسعود‪‬أنه) (رأى جبريل ‪ ‬له ستمائة جناح) (‪ ،‬وعن‬
‫ف َ‬
‫فت َدَّلى )‪َ (8‬‬
‫م دََنا َ‬
‫ن‬
‫كا َ‬
‫مسروق قال‪ :‬قلت لعائشة‪ :‬فأين قوله ‪ ‬ث ُ ّ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ن أ َْو أ َدَْنى‪ ‬؟‪ .‬قالت‪ :‬ذاك جبريل كان يأتيه في صورة‬
‫قا َ‬
‫و َ‬
‫ق ْ‬
‫سي ْ ِ‬
‫الرجل‪ ،‬وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الفق)‪.(186‬‬
‫‪ ()182‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،26/98‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()183‬قال ابن حجر ‪-‬رحمه الله تعالى‪" :-‬كلم أكثر المفسرين من السلف يدل على أن الذي‬
‫أوحى هو الله‪ ،‬أوحى إلى عبده محمد …"‪ ،‬وقد ظهر أن الراجح في نظر الباحث أن الكلم‬
‫عن جبريل ‪ ‬لوجوه منها‪ :‬سبب اليات وسياقها وقد مضى في المبحث الول من هذا‬
‫ول َ َ‬
‫خَرى‪ " ‬النجم ‪،"13/‬‬
‫ة أُ ْ‬
‫قدْ َرآهُ ن َْزل َ ً‬
‫الفصل‪ ،‬ومنها ما يشعر بذلك نحو قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫ومنها‪ :‬قدم سورة النجم في النسزول فهي السورة الثالثة والعشرون‪ ،‬نزلت بعد سورة‬
‫الخلص‪ ،‬وقبل سورة عبس )انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،26/88‬مرجع سابق(‪ ،‬وفي الثر الذي‬
‫رواه ابن الضريس في فضائل القرآن عن ابن عباس ‪ :‬أنها الحادية والعشرون بين هاتين‬
‫السورتين‪ ،‬انظر‪ :‬التقان في علوم القرآن ‪ ،1/11‬مرجع سابق‪ ،‬على أنه ل تعارض بين أن‬
‫يكون الموحي هو الله تعالى‪ ،‬وأن يكون ما قبله في جبريل ‪ ،‬بل كون ما قبله في جبريل‬
‫‪ ‬هو قول أكثر المفسرين ‪.‬‬
‫‪ ()184‬يعني النبي ‪ ‬كما معلوم ‪.‬‬
‫‪ ()185‬صحيح البخاري ‪ ،1181 /3‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()186‬صحيح البخاري ‪ ،3/1181‬مرجع سابق‪ ،‬وروى أبو يعلى في مسنده ‪ ،304 /8‬مرجع سابق‪:‬‬
‫عنها قالت‪ " :‬أنا أعلم هذه المة بهذه‪ ،‬وأنا سألت رسول ال‪‬عن ذلك قال‪) :‬رأيت جبريل( ثم‬
‫قالت‪ :‬من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الكذب على ال"‪ ،‬وعند مسلم ‪ ،1/159‬مرجع سابق عن‬
‫مسروق قال‪ :‬كنت متكئًا عند عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪-‬فقالت‪ :‬يا أبا عائشة ثلث من تكلم‬
‫بواحدة منهن فقد أعظم على ال الفرية‪ ،‬قلت‪ :‬ما هن ؟‪ .‬قالت‪ :‬من زعم أن محمدًا ‪‬رأى ربه فقد‬
‫أعظم على ال الفرية‪ ،‬قال‪ :‬وكنت متكئًا‪ ،‬فجلست‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أم المؤمنين! انظريني‪ ،‬ول تعجليني‪ ،‬ألم‬

‫‪84‬‬

‫والستدلل هاهنا فيه الكلم السابق الوارد عند ذكر هذا الحديث‬
‫آنفًا)‪.(187‬‬
‫وعلى هذا فإن النبي‪ ‬كان يرى جبريل‪ ‬رؤيا‬
‫حقيقية‪ ،‬لكنها رؤيا فؤاد كما أن العين ترى ضوءا ً‬
‫فترسل إشاراتها الضوئية إلى المخ فيتم وعيها في‬
‫المخ…فهل كانت رؤية النبي ‪ ‬لجبريل‪ ‬تصل مباشرة‬
‫إلى مركز البصار في المخ‪ ،‬كما أن استماعه لقراءته‬
‫يصل إلى مركز السمع في المخ…والمخ متصل بالمركز‬
‫العقلي المتحكم المسمى بالفؤاد…؟ قد يكون المر‬
‫كذلك؛ إذ لو كانت رؤيا جارحة لرآها كل من له الجارحة‬
‫ذاتها ممن يكون موجودا ً مع الرسول ‪ ‬في مكان تلقي‬
‫خَرى‪" ‬النجم‪"13 /‬؟‪.‬‬
‫يقل ال عز وجل‪‬ولقد رآه بالفق المبين‪" ‬التكوير‪َ"23/‬وَلَقْد َرآُه َنْزَلًة ُأ ْ‬
‫فقالت‪ :‬أنا أول هذه المة سأل عن ذلك رسول ال‪‬فقال‪) :‬إنما هو جبريل‪ ،‬لم أره على‬
‫صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين‪ :‬رأيته منهبطاً من السماء سادا ً‬
‫عظم خلقه ما بين السماء إلى الرض( ‪ .‬ومن فوائد هذه الروايات‪ :‬إسناد عائشة قولها‬
‫‪ ‬حال نزول جبريل‪ ‬عليه‬
‫للرسول ‪‬صراحة‪ ،‬وقوله منهبطا ً دال على رؤية النبي لجبريل‬
‫منهبطًا من السماء لتبليغه الوحي ‪.‬‬
‫‪ * ()187‬فائدة‪ :‬قد تأول أكثر المفسرين آيات النجم والتكوير في جبريل‪ ،‬واختلفهم في رؤية النبي‬
‫‪ ‬لربه إنما هو بأمر خارجهما‪ ،‬وليس ذا المعترك الكلمي ميدانًا للبحث‪ ،‬إنما ُأريد هاهنا بيان‬
‫ضعف قول النووي في شرح مسلم ‪ ،2/321‬مرجع سابق‪" :‬لم تنف عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪-‬‬
‫وقوع الرؤية بحديث مرفوع‪ ،‬ولو كان معها لذكرته‪ ،‬وإنما اعتمدت الستنباط على ما ذكرته من‬
‫ل‪ ،‬وخالفه غيره منهم لم يكن ذلك‬
‫ظاهر الية وقد خالفها غيرها من الصحابة‪ ،‬والصحابي إذا قال قو ً‬
‫القول حجة اتفاقًا‪ ،‬والمراد بالدراك في الية الحاطة وذلك ل ينافي الرؤية" إذ قد ثبت الحديث‬
‫المرفوع الوارد في تأويل اليتين في مسلم‪ ،‬حتى تعجب ابن حجر ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬من هذا الذهول‬
‫فقال‪" :‬وجزمه بأن عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪-‬لم تنف الرؤية بحديث مرفوع تبع فيه ابن خزيمة‪،‬‬
‫فإنه قال في كتاب التوحيد من صحيحه‪ :‬النفي ل يوجب علمًا‪ ،‬ولم تحك عائشة ‪-‬رضي ال تعالى‬
‫عنها‪ -‬أن النبي ‪‬أخبرها أنه لم ير ربه‪ ،‬وإنما تأولت الية انتهى‪ ،‬وهو عجيب! فقد ثبت ذلك عنها‬
‫في صحيح مسلم الذي شرحه الشيخ فعنده من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق في‬
‫الطريق المذكورة‪ ،‬قال مسروق وكنت متكئًا … ‪ -‬ثم ذكر طريقًا آخر‪ ،‬وفيه‪ :‬فقلت‪ :‬يا رسول ال! هل‬
‫رأيت ربك فقال‪ :‬ل إنما رأيت جبريل منهبطًا " فتح الباري ‪ ،610 /8‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫ورابط هذا اليراد المعترض سبيل البحث بالبحث هو التأكيد على ما ُقّرر أعله من أن آيات النجم‬
‫جاءت موضحة أنموذج التصال بين جبريل ‪ ‬والنبي ‪. ‬‬

‫‪85‬‬

‫الوحي‪ ،‬وقد يقال باختلف جارحة النبي‪ ‬عن جارحة‬
‫غيره‪ ،‬ولذا تمت تهيئته ‪ ‬لتلقي الوحي القرآني كما‬
‫سبق في الفصل الثاني‪ ،‬وي ُ َ‬
‫ب هذا‪ :‬أننا نعلم أن‬
‫قّر ُ‬
‫الحيوانات تشترك في جارحة السمع والبصر مع تفاوتها‬
‫في دقتهما‪ ،‬ومدى تركيزهما…ولكن ذكر الفؤاد)‪(188‬‬
‫يجعل الحتمال الول أرجح وأوقع‪ ،‬وإن كلن التفصيل‬
‫غير مجزوم به؛ إذ قد يكون التصال بالمراكز الساسية‬
‫للسمع والبصر‪ ،‬والوعي في الفؤاد دون المرور‬
‫بالمراكز التي في المخ‪ ،‬وقد يكون المر بصورة‬
‫تفصيلية غير ذلك‪ ،‬ولكن ل شك أن الواقع العلمي الذي‬
‫نعيشه اليوم قد قرب تصور هذه العملية كثيرًا‪ ،‬وما‬
‫َ‬
‫هر ي ُ َ‬
‫‪‬‬
‫ن‬
‫عدَ ِ‬
‫ن ن َب َأهُ ب َ ْ‬
‫ول َت َ ْ‬
‫قّر ُ‬
‫م ّ‬
‫ظَ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ب فهم ما لم يظهر‪َ ‬‬
‫حي ٍ‬
‫"ص‪…"88/‬ويزيد هذا الحتمال رجحانا ً ما تم من إعداد‬
‫خاص لفؤاد النبي ‪ ‬كما سبق التكلم عن ذلك في أول‬
‫الفصل الثاني ‪.‬‬

‫‪ ‬عند نزوله على قلب النبي‬
‫فإن اعُترض بالقول‪ :‬إذا كان جبريل‬
‫لتلقينه الوحي القرآني على مسافة قاب قوسين أو أدنى‪ -‬أفما كان يقرب‬
‫من النبي‪ ‬أكثر من ذلك‪ ،‬أو ينأى عنه أكثر ؟‪ .‬فالجواب‪ :‬إما أن يكون هذا‬
‫تصويرًا للحالة الغيبية غير المشاهدة لغير الرسول‪ ‬لنـزول المَلك عليه‬
‫َ‬
‫‪188‬‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ف َ‬
‫ما‬
‫ما ك َذَ َ‬
‫ما َرأى‪" ‬النجم‪ ،"11/‬و ‪َ ‬‬
‫ؤادُ َ‬
‫)( ويزيد المر جلء ظهور الفرق بين ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َزا َ‬
‫غى ‪" ‬النجم‪ "17/‬إذ الولى لرؤية النبي ‪ ‬لجبريل ‪ ‬عند نزوله‬
‫ما ط َ‬
‫و َ‬
‫غ ا لب َ َ‬
‫صُر َ‬
‫بالوحي عليه بصفة دائمة‪ ،‬والثانية لرؤيته له عيانا ً في خلقته الصلية في المرة الثانية من‬
‫جعلت كلمة‬
‫المرتين اللتين شاهد فيهما الرسول ‪ ‬جبريل ‪ ‬في خلقته الصلية …هذا إن ُ‬
‫البصر واردة في معناها الحقيقي المباشر وهو الجارحة المعروفة‪ ،‬وهو الظاهر‪ ،‬كما أنه الذي‬
‫يدل عليه السياق…ويحتمل أن يكون المراد مركز البصر في الدماغ أو الفؤاد…وعلى كل‬
‫الحتمالين فإن ذكر الفؤاد في الية الولى مع علمنا أنه لم يكن الصحابة يشاهدون جبريل‬
‫‪ ‬إن جاء في الصورة الشديدة للوحي…يؤكد أن التصال كان بالمركز الصلي المباشر‬
‫للدراك عند النبي ‪…‬والمر –بعد‪ -‬بحاجة لمزيد تفصيل…لعله يكون في طبعات قادمة –إن‬
‫شاء الله تعالى‪.-‬‬

‫‪86‬‬

‫بالوحي‪ ،‬وهي أشدها عليه‪ ،‬فتكون في غاية الدقة في وصف مكان‬
‫‪ ‬في هذه الحالة‪ ،‬وإن كان من حواليه‬
‫المَلك‪،‬والمسافة التي تبعده عن النبي‬
‫ل يراه‪ ،‬وإما أن يكون تصويرًا لحالة المجيء المشاهد للمَلك‪ ،‬وهو كائن‬
‫ل‪ ،‬فقد كان يتم للمَلك القرب من النبي ‪‬أكثر كحديث‬
‫عند تمثل المَلك رج ً‬
‫عمر المشهور في مجيء جبريل ‪‬يعلمهم أمر دينهم حيث جعل ركبتيه‬
‫عند ركبتيه‪ ،‬ووضع كفيه على فخذيه‪ ،‬ولكن هذا المجيء المشاهد للمَلك ل‬
‫يتعلق به وحي قرآني؛ إذ هاهنا حقيقة تتعلق بهيئة المَلك عند الوحي‬
‫القرآني هي أن الوحي القرآني ل يأتي المَلك فيه إل بالصورة الشد ‪.‬‬
‫فإن اعُترض بأنه قد جاء‪ :‬الوحي القرآني في غار حراء والمَلك متجسٌد‬
‫للنبي‪ ‬ظاهٌر بارز ؟‪ .‬فالجواب‪ :‬بل كان الوحي في غار حراء من أشد ما‬
‫لقيه النبي ‪‬في تلقي الوحي القرآني وذلك ظاهر‪ ،‬حتى رجع النبي‬
‫ق صدره‬
‫شّ‬
‫‪‬بالوحي ترجف بوادره)‪ ،(189‬ثم قد جاء أن النبي ‪ ‬قد ُ‬
‫هناك‪ ،‬وحسبك بذاك تهيئًة وشدًة لو صح‪ ،‬على أن تجسد المَلك له في غار‬
‫حراء كان في بدايات الوحي تمهيدًا لن يعتاد التصال بالمَلك دون أن‬
‫يعتريه ضعف جسماني‪ ،‬ول شك عقلي في أن الذي يتصل به ليس إل ملك‪،‬‬
‫ولذا قال صاحب التحرير والتنوير‪" :‬فكانت قواه البشرية يومئذ غير معتادة‬
‫لتحمل اتصال القوة الملكية بها مباشرة‪ ،‬فكان ذاك –يعني التجسد– رفقًا‬
‫بالنبي ‪‬أن ل يتجشم شيئًا يشق عليه")‪.(190‬‬
‫وبعد ذا القرب تكون مرحلة اللقاء والتعليم‪ :‬حيث يلقي‬
‫‪-7‬‬
‫المَلك‬
‫َ‬
‫‪ ‬به أن يلقيه ‪َ ‬‬
‫ه‬
‫على النبي ‪ ‬ما أمره ال‬
‫حى إ َِلى َ‬
‫د ِ‬
‫عب ْ ِ‬
‫و َ‬
‫فأ ْ‬
‫َ‬
‫حى‪" ‬النجم‪ ،"10 /‬وليس إلقاء المَلك من فٍم إلى فٍم فحسب‪ ،‬بل‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ما أ ْ‬
‫يلقيه على قلبه‪… ‬كأن جبريل‪ ‬يصل رأسًا إلى مركز السمع‬
‫والبصر والوعي الكامل في الفؤاد…إذ إن جارحة البصر)العين(‪،‬‬
‫سَمُع‬
‫وجارحة السمع )الذن( ما هما إل تحويل وترجمة لما ُيشاَهد وُي ْ‬
‫من العالم الخارجي إلى مراكز وعيها في الدماغ ومنه إلى المركز‬
‫‪ ()189‬البخاري ‪ ،1/4‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()190‬التحرير والتنوير ‪ ،26/97‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫الصلي للوعي )الفؤاد(…أما المَلك فيصل مباشرة بكلم مسموع‪،‬‬
‫كما أن صورته تصل مباشرة إلى مركز الفؤاد‪ ،‬فيلقي بالوحي اللهي‬
‫على قلب النبي ‪ ،‬ويسمعه النبي ‪ ‬سماع أذن وفؤاد بدليل تحريك‬
‫صل ذلك في المبحث الذي بعد هذا إن شاء ال ‪ ،-‬في‬
‫لسانه بعد المَلك –وسُيف َ‬
‫حين يرى الصحابة آثار ذلك من الشدة التي تعتري النبي ‪ ، ‬والتي‬
‫سموها )ُبرحاء الوحي(…فيلقي المَلك الوحي حال كون هذا الُمْلَقى‬
‫بلسان عربي مبين‪ ،‬فيقرؤه جبريل ‪ ‬على النبي ‪ ‬كما أمره ال‪‬‬
‫أن يقرأه؛ ولذا نسب الفعل إلى ذاته العلية سبحانه في قوله‪َ ‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫َ ْ‬
‫ه‪ ‬مبالغة في التأكيد على أن ما قرأه جبريل ‪‬هو اللفظ‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫الذي أراد ال‪‬أن يقرأه‪ ،‬وبالهيئة ذاتها التي أرادها ‪ ،‬والنبي ‪‬‬
‫حال قراءة جبريل‪ ‬مطرق مستمع ل يحرك لسانه –بعد تعليمه‬
‫ذاك– حتى يقضي جبريل ‪ ‬قراءة الوحي عليه‪ ،‬فإذا قضى انطلق‬
‫جبريل‪ ،‬وقرأه النبي‪ ‬كما قرأه جبريل‪ ،‬فل يعترض معترض‬
‫على هذا الموضع بالقول‪ :‬إنا ل نراه يحرك لسانه ترديدًا‪ ،‬إذ اللقاء‬
‫على قلبه‪ ،‬ومعلوم أن عدم تحريك لسانه كان بعد نزول سورة‬
‫القيامة)‪. (191‬‬
‫ويدل لما سبق تفصيله من مراحل حديث عبد ال بن عباس‪‬قال‪:‬‬
‫بينما رسول ال ‪ ‬بفناء بيته بمكة جالس؛ إذ مر به عثمان بن مظعون‬
‫فكشر إلى رسول ال ‪‬فقال له رسول ال ‪) : ‬أل تجلس ؟( قال‪:‬‬
‫بلى ! قال فجلس رسول ال ‪‬مستقبله‪ ،‬فبينما هو يحدثه‪ ،‬إذ شخص رسول‬
‫ال ‪ ‬ببصره إلى السماء‪ ،‬فنظر ساعة إلى السماء‪ ،‬فأخذ يضع بصره حتى‬
‫وضعه على يمينه في الرض‪ ،‬فتحرف رسول ال‪ ‬عن جليسه عثمان‬
‫إلى حيث وضع بصره‪ ،‬وأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له‪ ،‬وابن‬
‫مظعون ينظر‪ ،‬فلما قضى حاجته‪ ،‬واستفقه ما يقال له‪ ،‬شخص بصر رسول‬
‫ال‪ ‬إلى السماء كما شخص أول مرة‪ ،‬فاتبعه بصره حتى توارى في‬
‫السماء فأقبل إلى عثمان بجلسته الولى‪ ،‬قال‪ :‬يا محمد! فيم كنت أجالسك‪،‬‬
‫وآتيك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة ‪ .‬قال‪) :‬وما رأيتني فعلت ؟( قال‪:‬‬
‫‪ ()191‬وبأتي مزيد تفصيل لذلك –إن شاء الله تعالى‪-‬عند ذكر حديث المعالجة‪ :‬المبحث‬
‫السادس من هذا الفصل ‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫رأيتك تشخص ببصرك إلى السماء‪ ،‬ثم وضعته حيث وضعته على يمينك‪،‬‬
‫فتحركت إليه‪ ،‬وتركتني فأخذت تنفض رأسك كأنك تستفقه شيئًا يقال لك‪،‬‬
‫قال‪) :‬وفطنت لذاك ؟(‪ ،‬قال عثمان‪ :‬نعم ‪ .‬قال رسول ال ‪): ‬أتاني‬
‫رسول الله آنفًا‪ ،‬وأنت جالس( قال‪ :‬رسول ال؟‪ .‬قال‪) :‬نعم( ‪.‬قال‪ :‬فما‬
‫ْ‬
‫ء ِذي‬
‫وِإيَتا ِ‬
‫قال لك ؟ قال‪ :‬إ ِ ّ‬
‫وال ِ ْ‬
‫مُر ِبال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ه ي َأ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن َ‬
‫سا ِ‬
‫ل َ‬
‫عد ْ ِ‬

‫ن ال ْ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫م‬
‫شا ِ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫هى َ‬
‫ي يَ ِ‬
‫ف ْ‬
‫وي َن ْ َ‬
‫عظُك ُ ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ر َ‬
‫ء َ‬
‫قْرَبى َ‬
‫غ ِ‬
‫من ْك َ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ن‪" ‬النحل‪ ،"90/‬قال عثمان فذلك حين استقر اليمان في‬
‫م ت َذَك ُّرو َ‬
‫لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬

‫قلبي وأحببت محمدًا)‪. (192‬‬
‫وهكذا كان جبريل‪ ‬ينـزل بالوحي على خير النام‪… ‬فتنـزل‬
‫معه على المؤمنين كُل سكينة‪ ،‬وكل عزة‪ ،‬وكل نصر…كيف ترى البشائر‬
‫التي تنـزل مع أول معلٍم للفاظ القرآن الكريم من الخلق طرًا‪ ‬لشرف‬
‫متعلٍم للفاظ القرآن الكريم من الخلق طرًا ‪‬؟ ‪.‬‬
‫وقد قال عتيبة بن عتيبة بن مرداس التميمي الذي شهد حنينًا مع‬
‫المشركين‪ ،‬فلما رأى المسلمين انفضوا عن النبي‪ ،‬ثم ُنصر برغم ذلك‬
‫علم أنه جبريل‪ ‬النازل –بإذن ال –بالنصر‪ ،‬فثّم أعلن إسلمه‪:‬‬
‫جّنُه‬
‫حول النبي إلى أن َ‬
‫فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدًا‬
‫الغس ُ‬
‫ق‬
‫من السماء‪ ،‬فمهزوٌم ومعتن ُ‬
‫ق‬
‫ثمة نزل جبريـل ينـصرهـم‬
‫لمنعـتنا إذن أسيـافنا الُعُت ُ‬
‫ق‬
‫منا‪ ،‬ولو غير جبريـل يقاتـلنا‬

‫‪ ()192‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،1/318‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫المبحث الثاني‪:‬‬
‫هيئة إلقاء الوحي القرآني من جبريل‬
‫‪:‬‬

‫‪‬على النسبي‬

‫يدرس هذا المبحث هيئة إلقاء الوحي القرآني بعد أن يكون جبريل‬
‫‪‬قد دنا من النبي ‪ ‬في مرحلته الولى‪ ،‬أي مرحلة ما قبل إلقاء الوحي‬
‫القرآني كلمًا‪ ،‬ولذا انقسم هذا المبحث إلى مطلبين‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬الهيئة العامة للقاء الوحي القرآني ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬النـزول على القلب ‪.‬‬
‫المطلب الول‪ :‬الهيئة العامة للقاء الوحي القرآني‪ :‬فلنبن الكلم‬
‫الن ترتيبًا على ما سبق في المبحث الول‪:‬‬
‫…وإذ قد دنا جبريل ‪ ‬من النبي ‪ ،‬وآن أن ُيْلقي عليه‬
‫‪-1‬‬
‫الوحي القرآني‪ ،‬ويقرؤه عليه فيجب استصحاب أمرين‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬أن جبريل‪ ‬هو المقرئ الوحيد للنبي‪ ، ‬وقد تقدم تقرير‬
‫ذلك)‪.(193‬‬
‫وثانيهما‪ :‬أن جبريل ‪‬ليس ملكًا عاديًا‪ ،‬بل هو الروح)‪(194‬كما أن القرآن‬
‫روح‪ ...‬فتجتمع الحياة الحقة منهما‪ ،‬وإذا كانت الحياة تسري في الجسد‬
‫ن النبي ‪ ‬روحًا‪،‬‬
‫ح ُيَلّق ُ‬
‫الميت عندما ينفخ فيه الروح‪ ،‬فما ظنك برو ٍ‬
‫وجبريل‪ ‬هو المين الذي يتسم بأمانة الداء فل يخرم مما يؤديه حرفًا‪،‬‬
‫زيادة ول نقصًا‪ ،‬كما ل يخرم المكان‪ ،‬ول الزمان‪ ،‬ولذا استهلت آيات‬
‫وصف كيفية إنزال جبريل‪ ‬بالقرآن بقوله تعالى ‪‬ن ََز َ‬
‫ح‬
‫ل بِ ِ‬
‫ه الّرو ُ‬
‫ن‪" ‬النجم‪ ،"194/‬ويضاف إلى هذا أن قلب النبي ‪ ‬قد ُنزع منه‬
‫ال َ ِ‬
‫مي ُ‬
‫حظ الشيطان‪ ،‬وتم إعداده إعدادًا إلهيًا)‪ ،(195‬فل مجال فيه لمانٍع ذاتي‬
‫يمنع أو يشوش على تلقي ألفاظ القرآن الكريم ‪.‬‬
‫‪ -2‬ينخلع النبي ‪ ‬من قدرته البشرية عند رؤيته المَلك‪ ،‬وسماعه الوحي‬
‫مع بقائه على خلقته البشرية‪ ،‬فالمراد انخلع القوى الباطنة‪ ،‬ل الخلقة‬
‫‪ ()193‬انظر‪ :‬الفصل الول‪ -‬المبحث الرابع‪ -‬المطلب الثالث ‪.‬‬
‫‪ ()194‬انظر‪ :‬الفصل الول‪ -‬المبحث الثاني‪ -‬المطلب الثاني ‪.‬‬
‫‪ ()195‬انظر‪ :‬الفصل الثاني‪ -‬المبحث الول ‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫الظاهرة)‪ ،(196‬فالرؤية والسماع يكونان من المركزين‬
‫ب‬
‫ما ك َذَ َ‬
‫المباشرين للسمع والبصر في الفؤاد؛ إذ ‪َ ‬‬
‫ال ْ ُ‬
‫فَؤادُ َما َرَأى ‪" ‬النجم‪(197)"11 /‬؛ولذا كان ‪ ‬يأتيه الوحي شديدًا عنيفًا؛‬

‫إذ يتوجب عليه بذل ُقوى فوق الطاقة البشرية للسماع غير المعتاد بشريًا‪،‬‬
‫والرؤية غير المعتادة بشريًا‪ ،‬والملكة القوية في الحفظ مما ل يعتاد‬
‫بشريًا‪ ،‬زيادة في التأكيد على المحفوظ إذ كان ذلك من لوازم جمعه في‬
‫صدره‪ ،‬وليتمكن من رؤية جبريل ‪ ‬وسماعه‪ ،‬وهو ما ل يراه من حوله‪،‬‬
‫ول يستطيعون سماعه)‪ ،(198‬وعبر عن ذلك ابن خلدون‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬فقال‪:‬‬
‫ف مفطوٌر على النسلخ من البشرية جملة‪ ،‬جسمانيتها وروحانيتها‬
‫"وصن ٌ‬
‫إلى الملئكة من الفق العلى‪ ،‬ليصير في لمحة من اللمحات ملكًا بالفعل‪،‬‬
‫ع الكلم…)‪ ،(199‬والخطاب‬
‫ويحصل له شهود المل العلى في أفقهم‪ ،‬وسما ُ‬
‫اللهي في تلك اللمحة‪ ،‬وهؤلء النبياء ‪-‬صلوات ال وسلمه عليهم‪ -‬جعل ال ‪‬‬
‫لهم النسلخ من البشرية في تلك اللمحة‪ ،‬وهي حالة الوحي فطرًة فطرهم‬
‫جّبَلًة صورهم فيها‪ ،‬ونزههم عن موانع البدن‪ ،‬وعوائقه‪ ،‬ما‬
‫ال‪ ‬عليها‪ ،‬و ِ‬
‫داموا ملبسين لها بالبشرية‪ ،‬بما ركب في غرائزهم من القصد‪ ،‬والستقامة‬
‫التي يحاذون بها تلك الوجهة‪ ،‬وركز في طبائعهم رغبًة في العبادة‪ ،‬تكشف‬
‫لفق بذلك النوع من النسلخ متى‬
‫بتلك الوجهة‪ ،‬فهم يتوجهون إلى ذلك ا ُ‬
‫شاءوا‪ ،‬بتلك الفطرة التي فطروا عليها‪ ،‬ل باكتساب‪ ،‬ول صناعة‪ ،‬فلذا‬
‫‪ ()196‬فل ي َرِد ُ على هذا الكلم القول بالتناسخ‪ ،‬أو قدرة البشر على التشكل؛ إذ ذاك ليس‬
‫لهم‪ ،‬ول في إمكانهم‪ ،‬وينبغي أن يفسر كلم العلماء الذين سينقل عنهم –بعد قليل‪ -‬في هذا‬
‫الموضوع بهذا التفسير؛ إذ إن بقاء النبي ‪ ‬في خلقته البشرية آن نزول الوحي عليه ثابت‬
‫تواترا ً كما ُيلحظ ذلك في النصوص التي ترد في هذا البحث ‪.‬‬
‫‪ ( )197‬وما علقة ذلك بمركزي السمع والبصر الكائنين في الدماغ ؟‪ ،‬محل نظر وبحث بدأت‬
‫بعض الشارات العلمية بالتلميح إليها‪ ،‬والمستقبل واعد بمزيد تجلية لهذا الموضوع ‪.‬‬
‫‪198‬‬

‫)( وقال الصفهاني في أوائل تفسيره‪" :‬اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلم الله‪‬‬

‫منسزل‪- ،‬إلى أن قال مبينا ً أن الله ‪‬ع َّلم جبريل‪ ‬كيفية قراءة كلمه في السماء وهو ما‬
‫سبق في المباحث الماضية‪ -‬ثم جبريل‪ ‬أداه في الرض وهو يهبط إلى المكان‪ ،‬وفي ذلك‬
‫طريقتان‪:‬‬
‫إحداهما‪ :‬أن النبي ‪‬انخلع من صورة البشرية‪ ،‬إلى صورة الملكية‪ ،‬وأخذه من جبريل‪،‬‬
‫وثانيهما‪ :‬أن الملك نخلع إلى البشرية حتى يأخذه النبي ‪‬منه‪ ،‬والولى أصعب الحالين"‬
‫فتح الباري ‪ ،3/123‬مرجع سابق‪ ،‬ول شك أن الصورتين واردتان كما في حديث الحارث بن‬
‫هشام المتقدم ص ‪. 68‬‬
‫‪( )199‬في الصل‪ :‬الكلم النفساني…والبحث قائم على ما قرره محققو أهل السنة والجماعة‬
‫من أن الكلم حقيقي ل نفساني ‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫توجهوا‪ ،‬وانسلخوا عن بشريتهم‪ ،‬وتلقوا في ذلك عن المل العلى ما يتلقونه‬
‫ل في قواها لحكمة التبليغ‬
‫عاجوا)‪(200‬به على المدارك البشرية منـز ً‬
‫للعباد")‪.(201‬‬
‫ف أن المقتضى المنهجي هنا يجب أن يتركز في أن جهود‬
‫ وغير خا ٍ‬‫الحفظ البشرية الضخمة للقرآن الكريم خلل القرون‪ ،‬المؤيدة بالرعاية‬
‫اللهية إنشاء‪ ،‬وإعدادًا‪ ،‬وإمدادًا‪ ،‬ومتابعة‪ ،‬يجب أن تساوي في وزنها‬
‫وتركيزها هذه اللحظات التي يتلقى فيها النبي ‪. ‬وبعد ذلك يكون النـزول‬
‫بالقرآن على قلب النبي‪ ، ‬وهو المطلب الثاني ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬النـزول على القلب )‪ :(202‬إن إلقاء جبريل ‪ ‬ألفاظ‬
‫القرآن على النبي ‪ ‬ل يكون خطاب فٍم لفم‪ ،‬بل قراءة فٍم على قلب‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ص يتسم به‬
‫ف للبشر‪ ،‬ول نق ٍ‬
‫ك ‪ ،‬فل يكون ثم أي ضع ٍ‬
‫‪َ ‬‬
‫البشر‪ ،‬ول لجلجٍة تصحب إدراك البشر؛ إذ القراءة موجهة إلى مركز‬
‫إدراك البشر مباشرة‪ ،‬وهو المركز الذي نزع منه جبريل‪ ‬حظ الشيطان‪،‬‬
‫وملئ حكمة)‪…(203‬فينخلع النبي ‪ ‬عندها من بشريته‪ ،‬وهو بشر! أي‬
‫ينخلع من القدرات البشرية المحدودة مع بقائه على خلقته البشرية…وذلك‬
‫لزالة أدنى خاطر يخطر على حائم حوله الشياطين‪ ،‬من أن محمدًا ‪ ‬قد‬
‫يفقد حرفًا من هول الموقف‪ ،‬أو من تأثير الطبيعة‪ ،‬ولذا كان هذا التصوير‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك‪ ،‬وُأّكَد عليه في‬
‫الدقيق لنـزول القرآن على محمد‪َ  ‬‬
‫القرآن مرتين‪ :‬في "سورة البقرة‪ ،"97/‬وفي "سورة الشعراء ‪."194/‬‬
‫المعنى‪ :‬لم تخرج أقوال المؤولين فيها على أمرين‪:‬‬
‫أ ‪ -‬على روحك‪ :‬لن الروح إحدى إطلقات القلب كما قال الراغب ‪-‬رحمه‬
‫ال تعالى‪ ،-‬وقال اللوسي ‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬وكون النزال عليه؛ لنه المدرك‪،‬‬
‫والمكلف دون الجسد‪ ،‬وقد يقال‪ :‬لما كانت له ‪:‬جهتان‪ :‬جهٌة ملكيٌة‬
‫‪ ()200‬أي مالوا وعادوا به بعد سماعه في طبيعة البشر ‪.‬‬
‫‪ ()201‬عبد الرحمن بن خلدون ت ‪ 808‬هس‪ :‬مقدمة ابن خلدون ‪ ،98‬ضبط المتن ووضع‬
‫الحواشي والفهارس‪ :‬خليل شحادة‪ ،‬مراجعة‪ :‬د‪ .‬سهيل زكار‪ ،‬ط ‪1417‬هس‪1996 ،‬م ‪ -‬دار‬
‫الفكر ‪ -‬بيروت‪ ،‬وإن كان التعبير عن هذه الحالة الدقيقة التي يكون فيها الرسول متصل ً‬
‫بالمَلك بحاجة إلى حذر في الكلمة خشية التزيد أو اليهام‪ ،‬ولذا فقول ابن خلدون‪" :‬متى‬
‫شاءوا " فيه نظر كبير بل متى أذن الله ‪‬لهم‪ ،‬فجاءهم المَلك ل أنهم هم يذهبون…ولعل‬
‫من حكم ذلك بقاء صبغتهم البشرية أغلب حتى ل تكون حجة في عدم القتداء …‬
‫‪ ()202‬أفرد بالعنونة لجللته‪ ،‬وعظيم خطره ‪.‬‬
‫‪ ()203‬انظر‪ :‬الفصل الثاني ‪ -‬المبحث الثاني ‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫يستفيض بها‪ ،‬وجهة بشرية يفيض بها – جعل النزال على روحه ‪‬لنها‬
‫المتصفة بالصفات الملكية التي يستفيض بها من الروح المين‪ ،‬وللشارة‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك‪ ‬دون عليك الخصر‪ ،‬وقيل‪ :‬إن هذا لن‬
‫إلى ذلك قيل‪َ ‬‬
‫‪204‬‬
‫القرآن لم ينـزل في المصحف كغيره من الكتب") (‪.‬‬
‫ب ‪ -‬على العضو المخصوص‪:‬‬
‫وتخصيصه بالنزال عليه قيل‪ :‬للشارة إلى كمال تعقله‪ ‬وفهمه ذلك‬
‫المنـزل‪ ،‬حيث لم تعتبر واسطة في وصوله إلى القلب الذي هو محل‬
‫ل لكلمه‬
‫العقل…وقيل‪ :‬للشارة إلى صلح قلبه‪ ‬وتقدسه حيث كان َمْنـِز ً‬
‫تعالى؛ ليعلم منه حال سائر أجزائه‪ ،‬فإن القلب رئيس جميع العضاء‪،‬‬
‫وملكها‪ ،‬ومتى صلح الملك صلحت الرعية")‪.(205‬‬
‫فلم تخرج أقوال المؤولين في معنى )القلب( عن هذين المرين‪:‬‬
‫الروح ‪.‬‬
‫‪-1‬‬
‫العضو المخصوص … وعلى كل منهما فقد ُأريد من‬
‫‪-2‬‬
‫النزال على القلب‪ :‬المكان الناسب الذي ُهيأ التهيئة المناسبة‬
‫لجهود الحفظ‪ ،‬ثم القراءة والقراء؛ ليخرج إلى عالم البشر‪ ،‬وكان‬
‫النبي ‪ ‬يسمعها‪ ،‬ويعيها بقوة إلهية قدسية‪ ،‬ل كسماع البشر منه‬
‫‪ ، ‬وتنفعل عند ذلك قواه البشرية‪ ،‬ولهذا تظهر آثارها على‬
‫ظّ‬
‫ن‬
‫جسده الشريف ما يظهر‪ ،‬ويقال لذلك )ُبَرحاء الوحي( حتى ُي َ‬
‫ظن أنه‬
‫في بعض الحايين أنه ُأغمي عليه ‪‬وقد ُي َ‬
‫‪َ‬أغفى)‪.(206‬‬
‫وقد فتح الله –تعالى ذكره‪ -‬أذهان البشرية في‬
‫عصرها الحاضر على حقائق علمية ضخمة تقرب لنا‬
‫‪ ‬بألفاظ القرآن على قلب النبي‪،‬‬
‫سر نزول جبريل‬
‫فإن جبريل‪ ‬تعدى أداة التوصيل السمعي لدى البشر‬
‫وهي الذن الخارجية إلى مركز السمع مباشرة‪ ،‬وأداة‬
‫التوصيل البصري لدى البشر وهي العين الخارجية إلى‬
‫مركز البصر مباشرة…ويزيد هذا تقريبا ً أن يقال‪ :‬لما‬
‫كان القلب يتلقى الصوت كما يرى الصورة في‬
‫‪ ()204‬روح المعاني ‪ ،19/181‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()205‬روح المعاني ‪ ،19/182‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()206‬انظر‪ :‬روح المعاني‪ ،182/‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫المنام…والجارحة المباشرة من عين وأذن نائمة‬
‫مغطاة…ثم إذا استيقظ تذكر كله في اليقظة…وقد‬
‫جاء التشريح الطبي مؤكدا ً حقيقة مراكز السمع‬
‫والبصر‪ ،‬وأنها مراكز في المخ تعي ما يصل إليه عن‬
‫طريق الجوارح كما تعي ما يصل إليها عن طريق‬
‫الرؤى المنامية‪ ،‬وما قد ُ‬
‫كشف يقرب لنا ما لم يكشف‬
‫ُ‬
‫مما قد غاب عنا‪ ،‬وقد كانت أولى مراحل الوحي التي‬
‫هيأ بها النبي‪ ‬لتلقي الوحي المباشر هي الرؤى‬
‫المنامية الصادقة‪ ،‬ثم رؤيته للمَلك في منامه كما سبق‬
‫تفصيل ذلك في الفصل الثاني‪ ،‬وحالة الوحي في‬
‫ة لحالة الوحي في اليقظة…مما قد يقرب‬
‫النوم مقرب ٌ‬
‫لنا فهم كيفية الوحي وحدوثه‪ ،‬واستيعاب كيفية تلقي‬
‫النبي ‪ ‬للوحي بواسطة التصال بعالم الملئكة …‬
‫بطريقة يرى الصحابة آثارها في النبي‪ ‬من تصبب‬
‫العرق في اليوم الشديد البرد‪ ،‬وترجيع اللسان‪ ،‬وثقل‬
‫جسم النبي‪ (207) ‬دون أن تشاهد أبصارهم صورة‬
‫الملك‪ ،‬أو تسمع آذانهم صوته…لن التصال كان في‬
‫مستوى ل يدركونه‪ ،‬ولكنهم يسمعون قرآنا ً معجزا ً ل‬
‫تنقضي عجائبه‪ ،‬ول تشبع منه العلماء‪ ،‬ول يخلق على‬
‫كثرة الرد ‪.‬‬

‫وذكر أبو حيان ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬سبعة أقوال في تخصيص ذكر‬
‫القلب)‪ (208‬حاصلها راجع إلى قولين‪:‬‬
‫أ‪ -‬فالول والثاني كالشيء الواحد مجموعهما‪ :‬أن القلب محل التلقي)‪(209‬‬
‫لهذا المر الخطير ل سواه‪ ،‬وإليهما يؤول السادس ‪.‬‬
‫‪( )207‬انظر‪ :‬المبحث الخامس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()208‬أبو حيان في البحر المحيط ‪ ،1/320‬مرجع سابق‪ ،‬ونص قوله‪" :‬خص القلب ولم يأت‬
‫بعليك الخصر‪ ،‬لن القلب هو محل العقل‪ ،‬وتلقي الواردات‪ ،‬أو لنه صحيفته التي يرقم فيها‪،‬‬
‫وخزانته التي يحفظ فيها‪ ،‬أو لنه سلطان الجسد‪ ،‬أو لن القلب خيار الشيء وأشرفه‪ ،‬أو لنه‬
‫بيت الله‪ ،‬أو لنه كنى به عن العقل إطلقا ً للمحل على الحال به‪ ،‬أو عن الجملة النسانية؛ إذ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ش َ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫وَأنَز َ‬
‫ن ل ِت َ ْ‬
‫ل‬
‫قى‪"‬طه‪"2/‬‬
‫ما أ َن َْزل َْنا َ‬
‫قْرآ َ‬
‫قد ذكر النزال عليه في أماكن ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ة‪ "‬النساء‪ ،"113/‬أو يكون إطلقا ً لبعض الشيء على كله" ‪.‬‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫وال ْ ِ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫حك ْ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ب َ‬
‫‪ ()209‬فقد نزل جبريل بالقرآن على قلب الرسول ‪] ‬فتلقاه تلقيا ً مباشرًا‪ ،‬ووعاه وعيا ً‬
‫مباشرًا[ سيد قطب‪ :‬في ظلل القرآن ‪1410 ،5/2617‬هس –‪1990‬م‪ ،‬دار الشروق –‬
‫بيروت ‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪94‬‬

‫ب‪ -‬والثالث والرابع والخامس تؤول إلى معنى واحد هو‪ :‬كونه أشرف‬
‫عضٍو في الجسد‪ ،‬وإليه ما يرجع السابع ‪.‬‬
‫وكلهما متفرع عن القول الثاني الذي ذكره المام اللوسي‪-‬رحمه ال‬
‫تعالى‪)-‬العضو المخصوص(‪ ،‬بيد أنه ل فائدة في الثاني من حاصل أقواله‪ ،‬لو‬
‫ل أن يقول‪:‬‬
‫ص لشرفه؛ إذ لقائ ٍ‬
‫خ ّ‬
‫كان مجرد تكنية عن الجملة النسانية‪ ،‬و ُ‬
‫)عليك( أخصر وأظهر‪ ،‬وإذ المر كذلك فل ُبّد لتخصيصه من مغزى‪ :‬هو‬
‫ما ذكر في الول من الحاصل‪ ،‬كما يلوح للباحث أمر آخر‪:‬‬
‫هو أن ما أظهره اليهود من عدواة جبريل ‪‬وادعاؤهم مجيئه‬
‫بالخراب)‪ (210‬غمز في أمانته‪ ،‬أو لمز في دقة نقله؛ إما لن الوحي ليست‬
‫ن أن‬
‫مهمته‪ ،‬أو لشدته على البشر أو غير ذلك‪ ،‬فأثنى عليه أبلغ الثناء‪ ،‬وَبّي َ‬
‫اللمز فيه أو إظهار العداء له هو ل ‪ ‬ولملئكته ولرسله عداء‪ ،‬وأنه‬
‫وميكال قرينا إخاء‪ ،‬وسبق ذلك كله ببيان دقة نقله للوحي على فؤاد النبي‬
‫ه‪"‬البقرة‪. "97/‬‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫‪ ‬وأنه ‪‬ب ِإ ِذْ ِ‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك‪:‬‬
‫الكاف في ‪َ ‬‬

‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك‪‬‬
‫وأما سبب التعبير عن ذلك بالكاف في قوله ‪َ ‬‬
‫دون الياء الدال على المتكلم فهو التأكيد المطرد على المصدرية اللهية‬
‫للقرآن الكريم‪ ،‬ففيه إيماء إلى الحفظ للفظ والمعنى‪ ،‬وصرح به في آية‬
‫الحجر‪ ،‬وتفصيل ذلك في المبحث الثامن من هذا الفصل‪ :‬كيفية قراءة‬
‫الرسول ‪. ‬‬
‫عَلى ‪:‬‬
‫الحرف ‪َ ‬‬

‫ل على القلب‪ ،،‬والقلب‬
‫سَتْع ٍ‬
‫عَلى‪ ‬لن القرآن مُ ْ‬
‫وأتى بلفظ ‪َ ‬‬
‫سامٌع له مطيٌع يتمثل ما أمر به ويجتنب ما نهى عنه‪ ،‬وكانت أبلغ من‬
‫عَلى‪ ‬تدل على‬
‫)إلى(؛ لن )إلى( تدل على النتهاء فقط‪ ،‬و‪َ ‬‬
‫‪211‬‬
‫الستعلء‪ ،‬وما استعلى على الشيء يتضمن النتهاء إليه) ( ‪.‬‬
‫عَلى‪:‬‬
‫ويلوح للباحث ثلثة أمور في حرف الجر ‪َ ‬‬
‫أولها‪ :‬أن الستعلء مستغرق للملكية‪ ،‬مهيمن على المحل‪ ،‬فارض‬
‫لسلطانه‪ ،‬واضح ثقله وسيطرته في مكانه‪ ،‬وكأنه ُأريد بذلك أن القرآن عندما‬
‫‪ ()210‬انظر في ذلك‪ :‬صحيح البخاري ‪ ،3/1211‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()211‬انظر‪ :‬البحر المحيط ‪ ،1/320‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫ينـزله جبريل ‪‬على قلبك قد تتام قبضُه على القلب‪ ،‬وسيطرته عليه‪ ،‬فهو‬
‫مهيمن على القلب في لفظه‪ ،‬ل يستطيع القلب أن يفلت منه مثقال ذرة‪ ،‬وفيه‪:‬‬
‫الشعار بأن ألفاظه مفروضة على القلب فرضًا‪ ،‬فل مجال لزيغ حروفها‬
‫عنه‪ ،‬ول لتحريف هيئتها‪ ،‬مع حب قلب الرسول‪ ‬لها كما سيأتي)‪ ،(212‬ولم‬
‫تبق فيه ذرة تتأثر إل به‪ ،‬ول تحتفل إل له‪ ،‬فهو خلي عن غيره‪ ،‬وفي هذا‬
‫تمام الحفظ والفهم والهتمام‪ ،‬ولذا قال الصاوي –رحمه ال تعالى‪" :-‬عبر بـ‬
‫عَلى‪ ‬لتمكنه‪ ،‬وانصبابه‪ ،‬ورسوخه؛ فإن الشيء إذا صب من أعلى‬
‫‪َ ‬‬
‫‪213‬‬
‫لسفل رسخ وثبت") (‪.‬‬
‫وثانيها‪ :‬أن على مؤكدة للنزال من أعلى إلى أدنى‪ :‬كما قال تعالى في آل‬
‫ُ‬
‫عمران ‪ُ ‬‬
‫ز َ‬
‫ق ْ‬
‫نا…‪" ‬آل عمران ‪"84/‬‬
‫ل َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫مّنا ِبالل ّ ِ‬
‫و َ‬
‫لآ َ‬
‫ه َ‬
‫ما أن ْ ِ‬
‫ل عليه من السماء إلى‬
‫جه‪ ،‬والُمْنـَزل إنما هو ُمْنـَز ٌ‬
‫فالخطاب للنبي ‪ُ ‬مَو َ‬
‫ُ‬
‫حيث هو‪ ،‬بخلف آية البقرة‪ُ ‬‬
‫ز َ‬
‫ل إ ِل َي َْنا…‬
‫قوُلوا َ‬
‫مّنا ِبالل ّ ِ‬
‫و َ‬
‫ءا َ‬
‫ه َ‬
‫ما أن ْ ِ‬
‫‪"‬البقرة‪ "136/‬فإن الخطاب لصحابته‪ ،‬ثم لمته –من بعد‪ -‬والنزال إنما‬
‫يكون إليهم؛ إذ يتضمن حرف ‪‬إلى‪ ‬معنى المجاورة‪ ،‬ويجعل فعله‬
‫يتضمن معنى اليصال‪ ،‬فليس ثم أعلى ول أدنى‪ ،‬كأنهم قالوا‪ :‬آمنا بال وما‬
‫أنزل على رسوله مما وصل إلينا…لنه إنما وصل إليهم من محمد‪ ‬وهو‬
‫بجوارهم ل فوقهم‪ ،‬ولكن لرتباطه بأنزل أفاد أمرًا آخر ‪-‬لقتضاء‬
‫النزال أعلى وأدنى‪ -‬هو أن الوحي ُأنزل على غير المخاطبين ثم وصل‬
‫إليهم… فقد تضمن الفعل‪ :‬أنزل‪ ،‬والحرف‪‬إلى‪ ‬ذلك ببلغة بديعة‪،‬‬
‫وإعجاز عظيٍم ‪...‬ومن أسراره أنهم جعلوا ‪-‬بهذا التعبير‪ -‬ما أنزل على‬
‫الرسول‪ ‬هو ذاته ما وصل إليهم دون ريب…ومعلوم أن التضمين عند‬
‫العلماء ُمَقّدُم على تبادل الحروف)‪. (214‬‬

‫‪ ()212‬انظر‪ :‬حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()213‬حاشية الصاوي ‪ ،1/72‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪) ()214‬ابن تيمية(أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ت ‪728‬هس‪ ،‬شيخ السلم‪ :‬مجموع فتاوى شيخ‬
‫السلم أحمد ابن تيمية ‪ ،13/330‬جمع وترتيب‪ :‬عبد الرحمن بن قاسم العاصمي النجدي‬
‫الحنبلي‪1991 - 1421 ،‬م‪ ،‬دار عالم الكتب الرياض ‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫وثالثها‪ :‬أنه قال على ولم يقل )في( لئل يتوهم أن جبريل‪‬ألقى القرآن‬
‫في قلب النبي ‪ ‬دون سماع‪ ،‬وسيأتي مزيد تفصيل له ‪-‬إن شاء ال تعالى–‬
‫)‪.(215‬‬
‫إعداد القلب مسبقًا‪:‬‬
‫وجهت لقلب النبي‪ ‬عناية فائقة‪ ،‬وكان جبريل‪ ‬هو الذي هيأ‬
‫محمدًا ‪ ‬واعتنى بقلبه خاصة في كل مرة يأمر ال ويأذن بذلك كما سبق‬
‫في حديث شق الصدر)‪ ،(216‬وقد كان قلبه يحس ويعقل حتى إن نامت عيناه‪،‬‬
‫فعن جابر بن عبد ال‪ ‬قال‪ :‬جاءت ملئكة إلى النبي ‪ ‬وهو نائم فقال‬
‫بعضهم‪ :‬إنه نائم‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا‪ :‬إن‬
‫ل‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬إنه نائم‪ ،‬وقال بعضهم‪:‬‬
‫ل‪ ،‬فاضربوا له مث ً‬
‫لصاحبكم هذا مث ً‬
‫إن العين نائمة والقلب يقظان‪ ،‬فقالوا‪ :‬مثله كمثل رجل بنى دارًا‪ ،‬وجعل فيها‬
‫مأدبة‪ ،‬وبعث داعيًا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة‪ ،‬ومن لم‬
‫يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة‪ ،‬فقالوا‪ :‬أولوها له يفقهها‪،‬‬
‫فقال بعضهم‪ :‬إنه نائم‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا‪:‬‬
‫فالدار الجنة‪ ،‬والداعي محمد ‪ ‬فمن أطاع محمدًا ‪ ‬فقد أطاع ال ومن‬
‫عصى محمدًا ‪‬فقد عصى ال‪ ،‬ومحمد ‪‬فرق بين الناس()‪ ،(217‬وفي‬
‫رواية الترمذي عنه قال‪ :‬خرج علينا رسول ال ‪‬يومًا‪ ،‬فقال‪) :‬إني رأيت‬
‫في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي‪ ،‬يقول‬
‫أحدهما لصاحبه اضرب له مث ً‬
‫ل‪ ،‬فقال‪ :‬اسمع سمعت أذنك‪ ،‬واعقل‬
‫عقل قلبك‪ ،‬إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ً‬
‫…(الحديث)‪. (218‬‬
‫فقد اشتمل النـزول على قلبه‪:‬‬
‫‪ ()215‬انظر‪ :‬المبحث السابع من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()216‬انظر‪ :‬الفصل الثاني –المبحث الول‪-‬المطلب الول ‪.‬‬

‫‪ ()217‬صحيح البخاري ‪ ،6/2655‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()218‬الجامع الصحيح سنن الترمذي ‪ ،5/145‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫‪-1‬على التحفيظ والتفهيم والتثبت‪ :‬كما قال الزمخشري‬
‫ظكه‪ ،‬وَفّهَمك إياه‪ ،‬وأثبته في قلبك إثبات ما ل ينسى كقوله‬
‫حّف َ‬
‫تعالى‪":-‬أي َ‬
‫رئ ُ َ‬
‫ك َ‬
‫سن ُ ْ‬
‫سى‪ ،(219)"‬وخص القلب‪ ،‬والمعنى‬
‫فل َ َتن َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ق ِ‬
‫عليك لنه محل الوعي والتثبت‪ ،‬وليعلم أن المنـزل على قلبه‪ ‬محفوظ‬
‫ل يجوز عليه التبديل‪ ،‬ول التغيير‪ ،‬وحرف ‪‬على‪ ‬مستعار‬
‫للدللة على التمكن مما سمي بقلب النبي ‪ ‬مثل استعارته في قوله ‪‬‬
‫ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫م ‪" ‬البقرة‪ ،(220)"5/‬وقد تقدم‬
‫ك َ‬
‫عَلى ُ‬
‫دى ِ‬
‫ه ً‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫‪‬أ ْ‬
‫ن َرب ّ ِ‬
‫التوضيح بأن إرادة القلب حقيقية وليست مجازية…وأن المراد‬
‫الوصول إلى محل الوعي المباشر بعد تهيئته سابقًا لذلك ‪.‬‬
‫‪-2‬كما اشتمل النـزول على قلبه‪ ‬على اللفظ كما هو على المعنى‬
‫تصريحًا ل تلويحًا‪ :‬كما قال الزمخشري‪":‬ولو كان أعجميًا لكان ناز ً‬
‫ل‬
‫ف ل تفهم معانيها ول‬
‫على سمعك‪ ،‬دون قلبك لنك تسمع أجراس حرو ٍ‬
‫تعيها")‪.(221‬‬
‫واستدل أبو حيان ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬على أنه كان‪ ‬يسمع من جبريل‬
‫ن‪" ‬الشعراء‪،"195/‬‬
‫ن َ‬
‫‪ ‬الحرف بقوله ‪ : ‬ب ِل ِ َ‬
‫ي ُ‬
‫سا ٍ‬
‫عَرب ِ ّ‬
‫مِبي ٍ‬
‫فقال‪" :‬الظاهر تعلق‪‬بلسان‪ ‬بس‪ ‬نـزل‪ ،‬فكان يسمع من‬
‫جبريل‪ ‬حروفًا عربية"‪ ،‬قال ابن عطية ‪-‬رحمه ال تعالى‪":-‬وهو القول‬
‫الصحيح‪ ،‬وتكون صلصلة الجرس صفة لشدة الصوت‪ ،‬وتداخل حروفه‪،‬‬
‫وعجلة مورده‪ ،‬وإغلظه")‪.(222‬‬
‫…وبذا تم حفظ اللفاظ من زواياه الكلية)‪.(223‬‬
‫ل أو‬
‫‪-3‬التمكن من حفظ اللفاظ وجمعها‪ ،‬دون أن ينخرم منها شيء أص ً‬
‫أداء ‪.‬‬
‫–رحمه ال‬

‫‪()219‬‬
‫‪()220‬‬
‫‪()221‬‬
‫‪()222‬‬
‫‪()223‬‬

‫الكشاف ‪ ،3/126‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫التحرير والتنوير ‪ ،19/889‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫الكشاف ‪ ،3/127‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر‪ :‬تفسير القرطبي ‪ ،13/138‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫تفسير ابن عطية ‪ ،11/148‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫كما قال أبو حيان في البحر المحيط ‪ ،40/ 7‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫اعُل موكب الوحي على كل رائٍم طمس النور بفمه …‪.‬اعُل موكب‬
‫الوحي‪..‬أو ما يكفي‪ :‬جبريل‪ ‬في قيادتك‪ ،‬ومحمد‪ ‬في ريادتك؟‪..‬اعُل‬
‫موكب الوحي‪..‬يتراءى لنا خبُرك‪..‬حتى ترتفع أعلم الحب فداًء بالمهج…‬
‫طرقتك زائـرة‪ ،‬فحي خيـالها……‪..‬بيضاء‪ ،‬تخلط بالحياء دللـها‬
‫قـادت فؤادك‪ ،‬فاستقاد‪ ،‬وقبلها……‪..‬قاد القلوب إلى الصبا فأمالها‬
‫هل يطمسون من السماء نجومها…‪..‬بأكفهم؟ أم يسترون هللـها؟‬
‫أم يدفعـون مقـالة عن ربـه؟…‪.....‬جبريل بلغها النبي فقـالها‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫المبحث الثالث‪:‬‬
‫نسزول جبريل ‪ ‬توقيفي‪:‬‬
‫يراد من هذا المبحث التأكيد على حقيقة هامة في نقل القرآن من‬
‫السماء إلى الرض هي‪ :‬التوقيفية في ذلك النقل‪ ،‬ذلك بأن جبريل ‪‬ليس له‬
‫من أمر الوحي القرآني شيء‪ ،‬فنـزوله كان بأمر ال ‪ ،‬وبعد صدور أمره‬
‫‪ ،‬يكون نزول جبريل‪ ‬بإذنه‪ ،‬وعليه فإن نـزول جبريل ‪‬بأمر وإذن‬
‫إلهي قبل النـزول‪ ،‬مستصحبان مع النـزول‪ :‬كما هو ظاهر من قوله تعالى‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ه‪" ‬البقرة‪"97/‬؛ ولذا قال أبو‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ه ن َّزل َ ُ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ك ب ِإ ِذْ ِ‬
‫ه‪" ‬بأمره‪ ،‬وتيسيره‪ ،‬وفيه تلويح‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫السعود‪-‬رحمه ال تعالى‪:-‬ب ِإ ِذْ ِ‬
‫بكمال توجه جبريل‪‬إلى تنـزيله‪ ،‬وصدق عزيمته‪ ،‬وهو حال فاعل‬
‫نزله ")‪ ،(224‬وقال الصاوي ‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬المراد بالذن المر ل‬
‫العلم")‪. (225‬‬
‫ه‪ :‬نزول جبريل‪ ‬بالقرآن عن‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫فاجتمع في قوله ‪‬ب ِإ ِذْ ِ‬
‫أمر ال السابق‪ ،‬ثم تيسيره له ذلك وتسهيله‪ ،‬وهو مؤكد للمصدرية اللهية‬
‫للقرآن الكريم‪ ،‬فما كان لجبريل‪ ‬من هوى شخصي‪ ،‬ول إرادة ذاتية في‬
‫أن ينـزله على قلبك‪ ،‬لنه ل يعدو أن يكون منفذًا لرادة ال ‪ ،‬وإذنه في‬
‫تنـزيل القرآن على قلبك‪ ،‬ومنه نستنتج أمرًا بالغ الهمية هو‪ :‬التوقيفية في‬
‫نزول المَلك‪:‬‬
‫فعن ابن عباس‪ ‬أن النبي ‪ ‬قال‪ :‬يا جبريل!ما يمنعك أن تزورنا‬
‫َ‬
‫ر َرب ّ َ‬
‫ما ن َت َن َّز ُ‬
‫ن‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ك لَ ُ‬
‫ل ِإل ب ِأ ْ‬
‫و َ‬
‫أكثر مما تزورنا‪ ،‬فنـزلت ‪َ ‬‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫خل ْ َ‬
‫فَنا ‪"‬مريم‪ "64/‬إلى آخر الية‪ ،‬قال‪ :‬كان هذا الجواب‬
‫ما َ‬
‫أي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫ديَنا َ‬
‫لمحمد‪ ،(226)‬فقد تجذرت صفة الحق في كل أجزاء النزال‬
‫‪ ()224‬تفسير أبي السعود ‪ ،220 /1‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()225‬حاشية الصاوي ‪ ،1/72‬مرجع سابق‪ ،‬ول مانع من إرادة المرين‪ ،‬بل هو الظاهر‪ ،‬وبلغة‬
‫القرآن تشير إليه ‪.‬‬

‫‪ ()226‬صحيح البخاري ‪ ،6/2713‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫فائدة‪ :‬قال ابن حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في فتح الباري ‪ ،8/429‬مرجع سابق‪ " :‬تنبيه‪ :‬المر في هذه‬
‫الية معناه الذن‪ ،‬بدليل سبب النـزول المذكور‪ ،‬ويحتمل الحكم أي نتنـزل مصاحبين لمر ال عباده‬
‫بما أوجب عليهم أوحرم‪ ،‬ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ذلك عند من يجيز حمل اللفظ على‬
‫جميع معانيه " ‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫والتعليم‪:‬الحق هو الُمْنـٍِزل‪ ،‬والحق في المْنـَزل‪ ،‬الحق في النـزول‪ ،‬كما في‬
‫َ‬
‫ق ن ََزل‪" ‬السراء‪. "105/‬‬
‫وِبال ْ َ‬
‫وِبال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫ق أنَزل َْناهُ َ‬
‫قوله‪َ  ‬‬
‫فإذا كانت التوقيفية صفة ذاتية للنـزول‪ ،‬فكيف المنـَزل به؟ ‪.‬‬
‫ن الله‪ ‬يظهر معنى‬
‫وفي حرف الباء في قوله تعالى ‪‬بإذْ ِ‬
‫المصاحبة والملبسة لمر ال في نزوله‪ ،‬ل معنى التجاوز والجتهاد‪ ،‬ثم‬
‫أخذ الذن‪ ،‬فهو أمر ال‪ ‬وإذنه الذي اختاره؛ إذ معلوم أن هذا التعبير يفيد‬
‫م نَ ْ‬
‫ه‪‬‬
‫س إل ب ِإ ِذْن ِ ِ‬
‫أن الفعل تم بعد الذن‪ ،‬كما قال‪ ‬ل ت َك َل ّ ُ‬
‫ف ٌ‬
‫ش َ‬
‫ذي ي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ه‪" ‬البقرة‪،"255/‬‬
‫ع ِ‬
‫عن ْدَهُ ِإل ب ِإ ِذْن ِ ِ‬
‫ذا ال ّ ِ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫"هود‪َ  "105/‬‬
‫‪227‬‬
‫مع أن الباء تفيد الملصقة‪ ،‬وهي من أهم معاني الباء) (‪ ،‬فقد كان الذن‬
‫ستصحَبين‬
‫اللهي أمرًا وإذنًا واقَعَين قبل النـزول‪ ،‬ملصَقين للنـزول‪ُ ،‬م ْ‬
‫حتى تمام أداء الوظيفة التعليمية ‪.‬‬
‫وما سبق كان وصفًا لعمل الُمَعّلِم الُمْلقي‪ ،‬فلننظر في عمل طالبه‬
‫المتلقن‪ ، ‬وهو المبحث التالي‪:‬‬

‫‪227‬‬
‫مغني اللبيب ‪ 1/101‬متكلما ً عن معاني الباء‪:‬‬
‫)( قال ابن هشام ‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬في ُ‬
‫ى ل يفارقها فلهذا اقتصر عليها سيبويه" انظر‪ :‬ابن هشام النصاري‬
‫"اللصاق‪ ،‬قيل‪ :‬وهو معن ً‬
‫ت ‪761‬هس‪ :‬مغني اللبيب عن كتب العاريب‪ ،‬تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد‪ ،‬المكتبة‬
‫العصرية‪ ،‬صيدا ‪ -‬بيروت‪ ،‬طبعة بدون ‪1407‬هس – ‪1987‬م ‪.‬‬

‫‪101‬‬

102

‫المبحث الرابع‪:‬‬
‫مظاهر اجتهاد النبي ‪‬في تلقي القرآن من جبريل‬
‫‪ ‬قبل نزول التوقيف اللهي‪:‬‬
‫اجتهد النبي ‪ ‬في تطبيق هيئات تمكنه من حفظ القرآن عند إلقاء‬
‫الملك له‪ ،‬بيد أن جللة المر‪ ،‬وعظمة قضية التلقي من السماء للرض‬
‫منعته من الجتهاد حتى في مثل هذه الجزئية بل صار فعله توقيفيًا‪ ،‬فلم يقر‬
‫على اجتهاد‪ ،‬وبين له هيئة تلقيه‪ ،‬ولعل أهم حكم تأخير إنزال المر له بكيفية‬
‫تلقي القرآن أن يعلم المسلمون من بعده ضرورة الوقوف عند التوقيف‬
‫اللهي في تلقي القرآن‪ ،‬وأن النبي ‪ُ‬نـهي عن بعض اجتهاداته المخالفة‬
‫للتوقيف اللهي في طريقة التلقي فكيف غيره ؟ ‪.‬‬
‫فمن مظاهر اجتهاده الولى‪:‬‬

‫تحريك اللسان بالقرآن قبل فراغ جبريل‪ ‬منه‪ :‬وهو‬
‫‪-1‬‬
‫ن َ‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ل‬
‫ن ِ‬
‫ع َ‬
‫ول ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ظاهر آية سورة طه ‪َ …‬‬
‫َ‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫حي ُُه…‪"‬طه‪ ،"114/‬وآيات سورة القيامة‬
‫ق َ‬
‫أ ْ‬
‫و ْ‬
‫ك َ‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ج َ‬
‫ه‪" ‬القيامة‪ "16/‬فإنه كان‬
‫ل بِ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ع َ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫‪ ‬ل تُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫يبادر إلى أخذه ويسابق المَلك في قراءته‪ ،‬ولهذا قال‪ ‬ل‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ج ْ‬
‫ج َ‬
‫ل‬
‫ل بِ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ع َ‬
‫ول ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫تُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫ه‪ ‬كما قال ‪َ ‬‬
‫‪228‬‬
‫…‪.( )"‬‬
‫وهذه الحركة تأخذ طابع العجلة لستذكار السابق ودراك اللحق‪،‬‬
‫وفي رواية لحديث ابن عباس ‪‬في المعالجة‪) :‬كان رسول ال إذا نزل‬
‫عليه الوحي يلقى منه شدة‪ ،‬وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه‪،‬‬
‫يتلقى أوله‪229‬ويحرك به شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره ‪..‬‬
‫الحديث) (‪ ،‬وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن‪ :‬كان يحرك به لسانه‬
‫يتذكره فقيل له‪ :‬إنا سنحفظه عليك)‪ ،(230‬وللطبري من طريق الشعبي‪:‬‬
‫)كان إذا نزل عليه عجل يتكلم به من حبه إياه()‪.(231‬‬
‫‪ ()228‬تفسير ابن كثير ‪ ،4/383‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()229‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪ ،4/450‬مرجع سابق‪ ،‬وقد بحثت عن هذا النص بلفظه في‬
‫مظانه من كتب الحديث فلم أجده‪ ،‬واللفاظ الخرى تدل على معناه‪ ،‬وانظر فتح الباري ‪/1‬‬
‫‪ ،30‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()230‬تفسير الطبري ‪ ،28/188‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر‪ :‬فتح الباري ‪ ،8/682‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()231‬انظر‪ :‬حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫‪-3‬‬

‫‪-4‬‬

‫ل من شدة حبه إياه‪،‬‬
‫ل فأو ً‬
‫وظاهر أنه كان يتكلم بما يلقي إليه منه أو ً‬
‫وخوفه من تفلته‪ ،‬فأمر أن يتأنى إلى أن ينقضي النـزول)‪. (232‬‬
‫‪ -2‬دراسته بحيث يشق عليه )وهذا أعم من السابق(كما قال‬
‫الضحاك‪":‬السبب أنه كان ‪ ‬يخاف أن ينسى القرآن‪ ،‬فكان‬
‫يدرسه متى غلب ذلك عليه وشق فنـزلت")‪.(233‬‬
‫التعجل في السؤال عن معانيه‪:‬كأنه كان يعجل في‬
‫الحفظ‪ ،‬والسؤال عن المعنى جميعًا كما ُيظهر بعض المتحمسين‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫لأ ْ‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫قْرآ ِ‬
‫من طلبة العلم ونحوه‪َ ‬‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫يُ ْ‬
‫يه‪" ‬طه‪. (234)"114/‬‬
‫حُ ُ‬
‫ق َ‬
‫و ْ‬
‫ك َ‬
‫القول القلبي والستفزاز العاطفي بالضافة إلى حركة‬
‫اللسان خشية انفلت القرآن‪ ،‬وهو مستلزم لشدة اهتمام الفؤاد‬
‫بالُمْلَقى؛ إذ أنه ُيلمح بازاء عجلة اللسان عجلة الفؤاد المسببة‬
‫لضطراب القلب ‪.‬‬
‫والمراد أن شغل اللسان كان بحركة السابق‪ ،‬والقلب بتثبيت‬
‫اللحق ‪.‬‬
‫حّر ْ‬
‫ه‬
‫ك بِ ِ‬
‫عند ذاك نزلت آيات سورة القيامة فقيل له ‪‬ل ت ُ َ‬
‫سان َ َ‬
‫ج َ‬
‫ج َ‬
‫ل‬
‫ل بِ ِ‬
‫ع َ‬
‫ه‪ ‬بالقرآن قبل فراغ جبريل‪ ‬منه ‪‬ل ِت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫لِ َ‬
‫ي عن اجتهاده‪،‬‬
‫ه‪ ‬أي بقراءته‪ ،‬وحفظه خوف أن ينفلت منه)‪ (235‬فُنِه َ‬
‫بِ ِ‬
‫ن له كيف يتلقى القرآن‪ ،‬وآيات سورة القيامة تصف ذلك بدقة؛ إذ إن هذه‬
‫وُبّي َ‬

‫‪ ()232‬انظر‪ :‬فتح الباري ‪ ،8/638‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()233‬البحر المحيط ‪ ،387/ 8‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()234‬البحر المحيط ‪ ،8/388‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()235‬تفسير الصاوي ‪ ،45/353‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫اليات ونحوها دائرة حول تلقي الوحي من المَلك‪ ،‬ففيها"تعليم من ال ‪‬‬

‫لرسول ال ‪ ‬في كيفية تلقيه الوحي من المَلك")‪.(236‬‬
‫فقد استبان أن التوقيف في الوحي القرآني قد شمل هيئة الستماع‬
‫لتلوة المَلك ‪.‬‬

‫‪ ()236‬تفسير ابن كثير ‪ ،4/383‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫المبحث الخامس‪:‬‬
‫سمات الرسول ‪‬حين نزول الوحي القرآني عليه‪:‬‬
‫إذا كان المبحث السابق قد تحدث عن مظاهر اجتهاد رسول ال‪‬‬
‫في تلقي الوحي القرآني‪ ،‬وعن نهيه عن ذلك؛ فقد لزم معرفة سماته‪ ‬حين‬
‫تلقى الوحي القرآني‪ ،‬التي أبان بها عن خصائص التوقيف اللهي في تلقي‬
‫الوحي القرآني‪ ،‬وهو المراد من هذا المبحث‪.‬وهذه السمات تتلخص في‬
‫التي‪:‬‬
‫تفريغ قلبه ‪‬وحسه‪ ،‬وتخلية فكره إل في الُمَتَلقى‪ :‬ولذا‬
‫‪-1‬‬
‫كانت الغطة في أول نزول جبريل ‪‬عليه)‪ ،(237‬كما كان الوحي‬
‫القرآني يأتيه في مثل صلصلة الجرس‪.‬‬
‫وصلصلة الجرس)‪ :(238‬هو صوت متدارك ل يدرك في أول‬
‫الوهلة كصوت الجرس‪ ،‬أي أن الوحي يجيء في صورة وهيئة لها مثل هذا‬
‫الصوت‪ ،‬فنبه بالصوت غير المعهود على أنه يجيء في هيئة غير معهودة‬
‫فلذا قابله بقوله في صورة الفتى )وفي لفظ‪ :‬الرجل(‪ ،‬فصلصلة الجرس مثال‬
‫لصوت الوحي‪ ،‬والصلصلة ‪-‬بصادين مهملتين مفتوحتين بينهما لم ساكنة‪-‬‬
‫‪ ()237‬كما رواه البخاري ‪ ،1/3‬مرجع سابق‪ ،‬وفي النهاية في غريب الثر ‪،3/342 ،2/327‬‬

‫َ‬

‫جبري ُ‬
‫جهَ ْ‬
‫ت بالُبكاء(‪:‬‬
‫ل بحْلقي فسأبني حتى أ ْ‬
‫مرجع سابق‪" :‬في حديث ال َ‬
‫ش ُ‬
‫مْبعث‪) :‬فأخذ َ ِ‬
‫ال ْ‬
‫مب َْعث )فأخ َ‬
‫ذني جبريل فَّغتني‬
‫حْلق كال َ‬
‫صر في ال َ‬
‫ّ‬
‫خنق ومثله غتت ففي حديث ال َ‬
‫سأب العَ ْ‬
‫ت والغَ ّ‬
‫دت منه‬
‫حّتى بَلغ ِ‬
‫ج ْ‬
‫صرا ً شديدا ً حتى و َ‬
‫مّني ال َ‬
‫هد(‪ :‬الغَ ّ‬
‫صرني عَ ْ‬
‫ط سواء كأنه أراد ع َ َ‬
‫ج ْ‬
‫مس في الماء َقهرا ً"‪ ،‬وفي فتح الباري ‪ ،1/10‬مرجع سابق‪" :‬قوله‬
‫مش ّ‬
‫من ي ُغْ َ‬
‫جد َ‬
‫قة كما ي َ ِ‬
‫ال َ‬
‫)فغطنى( بغين معجمة وطاء مهملة وفي رواية الطبري بتاء مثناة من فوق كأنه أراد ضمنى‬
‫وعصرني‪ ،‬والغط حبس النفس‪ ،‬ومنه غطة في الماء‪ ،‬أو أراد عمني ومنه الخنق‪ ،‬ولبي داود‬
‫الطيالسي في مسنده بسند حسن )فأخذ بحلقى(" ‪.‬‬
‫‪ ()238‬كما في حديث الحارث بن هشام الذي تقدم في الفصل الثاني‪ -‬المبحث الثالث ص‬
‫‪. 68‬‬

‫‪106‬‬

‫في الصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض‪ ،‬ثم أطلق على كل‬
‫صوت له طنين‪ ،‬وقيل هو صوت متدارك ل يدرك في أول وهلة‪،‬‬
‫‪239‬‬
‫والجرس‪ :‬الجلجل الذي يعلق في رؤوس الدواب واشتقاقه من الجرس) (‬
‫بإسكان الراء)‪.(240‬‬
‫والحكمة في تقدم هذا الصوت الشديد‪ :‬أن يقرع الوحي سمعه ‪‬‬
‫فل يبقى فيه مكان لغيره)‪. (241‬‬
‫ول بد من الشارة هنا إلى أن السلسلة )أو الصلصلة( ظاهرٌة‬
‫صوتيٌة قويٌة مهابٌة تظهر مع كل إنزال للوحي اللهي‪ ،‬وقد تقدم حديث‬
‫النواس بن سمعان‪) :‬إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة(‬
‫)‪ ،(242‬وفي قصة حنين حين رمى النبي ‪‬على وجوه العدو التراب‪ ،‬فأخذ‬
‫كفًا من تراب‪ ،‬يضرب به وجوههم‪ ،‬وقال‪) :‬شاهت الوجوه(‪ ،‬فهزمهم ال‬
‫‪ ،‬فحدث أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا‪:‬لم يبق منا أحد إل امتلت عيناه‬
‫وفمه ترابًا‪ ،‬وسمعنا صلصلة بين السماء والرض كإمرار الحديد على‬
‫الطست)‪.(243‬‬
‫فقد كانت هذه الظاهرة الصوتية تدل على‬
‫جللة الخطب‪ ،‬وعظم المر‪ ،‬وتصاحب نزول‬
‫المَلك وفعله القوي الشديد‪ ،‬وهي ل شك داعية‬
‫إلى تفريغ القلب وانشغاله بما صاحبها دون‬
‫غيره ‪.‬‬

‫‪ ()239‬ومنه قيل للهمزة الحرف الجْرسي لشدته وجلدته ‪ .‬انظر‪) :‬ابن الجزري( شمس الدين‬
‫أبو الخير محمد بن محمد ابن محمد بن علي ت ‪833‬هس‪ :‬التمهيد في علم التجويد ص ‪،46‬‬
‫تحقيق غانم قدوري الحمد‪ ،‬ط ‪1409 ،3‬هس ‪1989-‬م‪ ،‬مؤسسة الرسالة ‪ -‬بيروت ‪.‬‬

‫‪ ()240‬انظر‪ :‬فتح الباري بشرح صحيح البخاري ‪ ،1/35‬مرجع سابق‪ ،‬ونحوه نقل السندي في حاشيته‬
‫على سنن ابن ماجة ‪ ،2/146‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()241‬فتح الباري ‪ ،1/37‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()242‬انظر‪ :‬الفصل الول‪ -‬المبحث الثالث ‪.‬‬

‫‪ ()243‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،5/286‬مرجع سابق‪ ،‬ومعناه في‪) :‬أبو داود(سليمان بن الشعث‬
‫السجستاني الزدي ت ‪275‬هـ‪ :‬سنن أبي داود ‪ ،4/32‬مراجعة‪ :‬محمد محيي الدين عبد الحميد‪ ،‬وقال‬
‫الشيخ اللباني‪" :‬حسن" ‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫‪-2‬المعاناة في تلقي الوحي‪ :‬فقد كان نزول الوحي القرآني‪ ،‬يستلزم‬
‫أمرًا زائدًا على الطباع البشرية؛ وذلك ليتم التأهل لستماع الوحي‬
‫القرآني‪ ،‬ثم لحفظه ووعيه ومن ثم تبليغه‪ ،‬وهي مسألة تستدعي النظر مع‬
‫ما عرف عن العرب في ذلك الوقت من الحفظ المفرط والذاكرة القوية‪،‬‬
‫لكأن هذه الخاصة التي تميز بها العرب ل تكفي للمحافظة على نص‬
‫القرآن‪ ،‬أو تكفي‪ ،‬لكن لمزيد التأكد والتأكيد وتوثيق النص القرآني ‪.‬‬
‫ولن النبي‪ ‬لم يخرج عن حقيقته البشرية‪ ،‬مع‬
‫زيادة الختصاص عنهم في كونه المصطفى من الله‬
‫ل ُ‬
‫للرسالة ‪ُ ‬‬
‫ت إ ِل ّ ب َ َ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫سول ً‪‬‬
‫ن َرّبي َ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫كن ُ‬
‫شًرا َر ُ‬
‫ل ُ‬
‫"السراء‪"93 /‬؛ فقد اقتضى ذلك أن يكون في طبيعة أقوى من‬
‫مجرد كونه بشرا ً حال تلقيه الوحي مع المحافظة على حقيقته‬
‫البشرية‪ ،‬ولذا كان يعاني شدة هائلة من الوحي القرآني بصفة‬
‫خاصة؛ لنه النازل على قلبه‪ ،‬وفيه يقول ابن حجر‪-‬رحمه الله تعالى‪:-‬‬
‫"معاناة التعب والكرب عند نزول الوحي لما فيه من مخالفة‬
‫العادة‪ ،‬وهو كثرة العرق فإنه يشعر بوجود أمر طارئ على‬
‫الطباع البشرية")‪ ،(244‬على أن هذه المعاناة دليل حسي على‬
‫إتمام عملية الوحي‪.‬‬

‫وعلى الرغم من التهيئة اللهية للنبي‪ ‬ليستطيع قبول الوحي‪ ،‬فقد‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ك‬
‫قي َ‬
‫سن ُل ْ ِ‬
‫كان يعاني شدة عند نزوله مصداقًا لقوله ‪: ‬إ ِّنا َ‬
‫َ‬
‫قيل ً‪" ‬المزمل ‪ ،" 5/‬وكانت الشدة تحصل له عند نزول الوحي‬
‫ول ً ث َ ِ‬
‫ق ْ‬
‫‪245‬‬
‫لثقل القول") (‪.‬‬
‫واتخذت هذه الشدة مظاهر متعددة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬ما يؤدي إلى تغير ملمح وجهه‪ :‬فعن عبادة بن الصامت‪:‬أن النبي‬
‫‪ ‬كان إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه)‪.(246‬‬
‫‪()244‬انظر‪ :‬فتح بشرح صحيح البخاري ‪ ،1/30‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()245‬انظر‪ :‬فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،8/683‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()246‬مسلم ‪ ،3/1316‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪108‬‬

‫سِه حتى يظنه الموت‪،‬‬
‫سِه وَنَف ِ‬
‫‪ -2‬ومنها ما يؤدي إلى شعوره بشدٍة في نَْف ِ‬
‫وهذا يذكر بحديث الغطة في أول الوحي‪ :‬فعن عبد ال بن عمرو ‪ ‬قال‪:‬‬
‫سألت النبي ‪ ‬فقلت‪ :‬يا رسول ال! هل تحس بالوحي؟ فقال رسول ال‬
‫‪) :‬نعم أسمع صلصل ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحي إلى‬
‫إل ظننت أن نفسي تفيض()‪. (247‬‬
‫‪ -3‬ومنها ما ُيخِرج ملمح جسده عن تأثير بيئته من حيث ظهور شدة‬
‫الجهاد عليه‪ :‬فعن زيد بن ثابت ‪):‬كان إذا نزل عليه الوحي ثقل‬
‫لذلك‪ ،‬وتحدر جبينه عرقا ً كأنه جمان‪ ،‬وإن كان في البرد()‪.(248‬‬
‫‪ -4‬ومنها ما يؤدي إلى ظهوره بمظهر تذلل العبد بيانًا لضعفه‪ :‬فعن‬
‫عبادة ابن الصامت ‪):‬كان إذا أنزل عليه الوحي نكس رأسه ونكس‬
‫أصحابه رؤوسهم‪ ،‬فإذا أقلع عنه رفع رأسه()‪.(249‬‬
‫‪ -5‬بل ُيَؤّثر على ما لمسه ‪‬من بشر أو حيوان‪ :‬فعن زيد بن ثابت‬
‫‪‬قال‪) :‬كنت أكتب الوحي لرسول الله‪ ‬وكان إذا نزل عليه أخذته‬
‫ُبرحاء)‪ (250‬شديدة‪ ،‬وعرق عرقا ً شديدا ً مثل الجمان‪ ،‬ثم سري عنه‪،‬‬
‫فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف‪ ،‬أو كسرة‪ ،‬فأكتب‪ ،‬وهو يملي علي‪،‬‬
‫فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القرآن‪ ،‬وحتى أقول ل‬
‫أمشي على رجلي أبدًا‪ ،‬فإذا فرغت‪ ،‬قال‪) :‬اقرأه(‪ ،‬فأقرأه‪ ،‬فإن كان‬
‫فيه سقط أقامه‪ ،‬ثم أخرج به إلى الناس)‪ ،(251‬وعند البيهقي‪) :‬وإن كان‬
‫ليوحى إليه‪ ،‬وهو على ناقته فيضرب حزامها من ثقل ما ُيوحى إليه(‬

‫)‪. (252‬‬

‫‪ ()247‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،2/222‬مرجع سابق‪ ،‬وفيه‪ :‬حدثنا عبد ال حدثني أبي ثنا قتيبة ثنا‬
‫بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمروبن الوليد وقد تقرر في قواعد المصطلح قبول رواية قتيبة‬
‫عن ابن لهيعة ‪.‬‬
‫‪ ()248‬رواه الطبراني‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الجامع رقم ‪ ،4793‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()249‬رواه مسلم ‪ ،1817 /4‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()250‬في مختار الصحاح ص ‪ ،19‬مرجع سابق‪ُ" :‬بَرحاُء الحمى وغيرها بالضم والمد شدة الذى‬
‫ح به المر َتْبريحًا أي جهده"‪.‬‬
‫تقول منه َبّر َ‬
‫‪ ()251‬المعجم الوسط ‪ ،2/544‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()252‬دلئل النبوة ‪ ،3/4‬وعند ابن سعد ‪ ،1/197‬مرجع سابق من مراسيل عكرمة‪) :‬كان إذا أوحي‬
‫إلى رسول ال‪ ‬وقذ‪-‬أي ضعف وسكن‪ -‬لذلك ساعة كهيئة السكران(‪ ،‬وعنده ‪1/197‬عن أبي أروى‬

‫‪109‬‬

‫وعن عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ :-‬أن النبي‪ ‬كان إذا أوحي إليه‬
‫جرانها‪ ،‬فلم تستطع أن تتحرك‪ ،‬وتلت قول ال‪‬‬
‫وهو على ناقته وضعت ِ‬
‫‪253‬‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ك َ‬
‫قيل ً‪" ‬المزمل‪ ،( )"4/‬وفي لفظ‪ :‬أن‬
‫قي َ‬
‫ول ً ث َ ِ‬
‫سن ُل ْ ِ‬
‫‪‬إّنا َ‬
‫ق ْ‬
‫رسول الله ‪ ‬كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته ل تستطيع أن تتحول‬
‫حتى سَرى عنه)‪. (254‬‬

‫‪ -6‬وهذه المظاهر ليست عوارض تأتي مع الوحي القرآني أحيانًا‪ ،‬بل‬
‫هي سمته الدائم‪ ،‬وعادته المستمرة عند نزول الوحي القرآني‪ :‬فعن‬
‫عائشة‪):‬فأخذه ما كان يأخذه من الُبرحاء …()‪ ،(255‬وهذا دال على العتياد‪.‬‬
‫ل على الملئكة يعانون منه‬
‫فإذا ُأضيف إلى هذا حقيقة أن الوحي ثقي ٌ‬
‫وهم الملئكة…وإذا كان ثقل الوحي أمر طبعي بالنسبة للملئكة‪ ،‬وهم من‬
‫هيأهم ال‪ ‬ليكونوا عنده‪ ،‬فكيف بالبشر الموصوفين بالضعف؟‪ ،‬وقد تقدم‬
‫حديث السلسلة على الصفوان)‪ ،(256‬وفي حديث ابن عباس‪ ‬عند ابن‬
‫مردويه )فل ينسزل على أهل سماء إل صعقوا(‪ ،‬وعند مسلم عنه عن‬
‫رجال من النصار أنهم كانوا عند النبي ‪ ‬فرمى بنجم‪ ،‬فاستنار‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫)ما كنتم تقولون لهذا إذا رمى به في الجاهلية؟( قالوا‪) :‬كنا نقول مات‬
‫عظيم‪ ،‬أو يولد عظيم ‪ .‬فقال‪) :‬إنها ل يرمي بها لموت أحد‪ ،‬ول لحياته‪،‬‬
‫ولكن ربنا إذا قضى أمرا ً سبح حملة العرش‪ ،‬ثم سبح أهل السماء‬

‫الدوسي قال‪) :‬رأيت الوحي ينـزل على النبي ‪‬وإنه على راحلته فترغو وتفتل يديها‪ ،‬حتى أظن أن‬
‫ذراعها تنقصم‪ ،‬فربما بركت‪ ،‬وربما قامت موتدة يديها حتى يسرى عنه من ثقل الوحي‪ ،‬وإنه ليتحدر‬
‫منه مثل الجمان( ‪.‬‬
‫‪ ()253‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،2/549‬مرجع سابق‪ ،‬قال الحاكم‪" :‬هذا حديث صحيح السناد ولم‬
‫يخرجاه" ‪ .‬وقال الذهبي في التلخيص‪" :‬صحيح" ‪.‬‬
‫‪) ()254‬ابن راهويه( إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي ت ‪238‬هس‪ :‬مسند‬
‫إسحاق بن راهويه ‪ 254 /2‬مراجعة‪ :‬عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي ‪1412‬هس –‪1991‬م‪،‬‬
‫مكتبة اليمان‪ ،‬المدينة المنورة ‪.‬‬
‫‪ ()255‬البخاري ‪ ،2/945‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()256‬قال الخطابي‪" :‬السلسلة صوت الحديد إذا تحرك وتداخل" كما في فتح الباري ‪،8/533‬‬
‫مرجع سابق‪ ،‬وقد تقدم الكلم على الصلصلة في ص ‪.96‬‬

‫‪110‬‬

‫الذين يلونهم‪ ،‬حتى يبلغ التسبيح سماء الدنيا‪ ،‬ثم يقولون لحملة العرش‪:‬‬

‫ماذا قال ربكم ؟ …( الحديث)‪.(257‬‬
‫‪ ‬دلئل عدة من حيث‬
‫ولثقل الوحي ومعاناة النبي‬
‫موضوع البحث‪:‬‬

‫فأولها‪ :‬التأكيد على توثيق النص القرآني حال إنزاله‪ ،‬برفع مستوى‬
‫النبي ‪ ‬عن المستوى البشري مع بقائه خارج هذه اللحظات على بشريته‬
‫فهي الغلب عليه‪ ،‬وهو ما يدعوه إلى تحمل ما يترتب على ذلك‪ ،‬كما أن‬
‫وجود شدة الَعَرق في اليوم الشديد البرد‪ ،‬وثقل الجسد يدل على طاقة جبارة‬
‫هائلة يبذلها النبي‪…‬وهو ما يؤدي إلى غرس الُمْلَقى إليه من القرآن‬
‫الكريم في فؤاده غرسًا‪ ،‬ونقشها في قلبه نقشًا ‪.‬‬
‫ومن المعلوم أنك عندما تضرب شخصا ً ضربا ً شديدًا‪ ،‬أو‬
‫تضغط بعض أعضائه ضغطا ً موجعا ً وتقول إثر ذلك كلمة فإنه ل‬
‫ينساها …ولذا كان الغت أو الغط في أول الوحي‪ ،‬وُبرحاء الوحي‬
‫بعد ذلك في مظاهرها المتعددة…وثمة ملحوظة أخرى‪ :‬هي تنوع‬
‫ل‪ ،‬وثقل جسد‬
‫س ودوي نح ٍ‬
‫مظاهر هذه الُبرحاء بين صلصلة جر ٍ‬
‫لتحقيق هدف النقش بأساليب مفاجئة مختلفة ل تعتادها النفس‬
‫‪.‬وهو ما يعطي آفاقا ً كبيرة في السلوب التربوي الذي ينبغي أن‬
‫ي َُتبع في حياتنا التعليمية ‪.‬‬

‫وثانيها‪ :‬وجود العلمة الحسية المشعرة للنبي ‪‬بنـزول الوحي‪،‬‬
‫وهو ما يدفع تطرق التوهم إليه فيطمئن قلبه –بعد‪ -‬إذا استيقن‪ ،‬ويدفع تطرق‬
‫التوهم إلى غيره‪ ،‬فيعلمون سبل التصال الرسول المَلك والرسول البشر‪،‬‬
‫فيغدو ما يستنكرونه من هذا التصال كرماد اشتدت به الريح في يوم‬
‫عاصف ‪.‬‬
‫وثالثها‪ :‬أن العلمة الحسية على الرغم من شدتها إل أنها غير‬
‫مشاهدة لغيره‪ ،‬ول محسوسة من أحد سواه ممن حوله‪ ،‬إنما يشاهدون‬
‫أعراضها في جسده مما ل يدخل تحت نطاق القدرة البشرية)‪ ،(258‬فل وجه‬
‫لنفي قراءة جبريل ‪‬ما أنزله حرفًا حرفًا حال إنزال الوحي القرآني على‬
‫‪ ()257‬فتح الباري ‪ ،8/538‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()258‬أي أنهم اعتادوا ذلك من بعد بما يرونه من تأثر يظهر عليه على هيئة معينة…سموها‬
‫)ُبرحاء الوحي( ‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫قلبه‪ ،‬فعدم الشعور بذلك داخٌل في أن أمر الوحي برمته غير محسوس أو‬
‫غير معلوم لمن حوله‪ ،‬بصفة دقيقة إل ما يرونه من علمات ظاهرية‬
‫صارت قرائن على وجود الوحي ‪.‬‬

‫وفي عصرنا يمكن للنسان أن يسمع إنسانًا‪،‬‬
‫ويرى آخر عن طريق الهاتف المرئي دون أن يشترك‬
‫معه غيره من المحيطين به في زمان التكلم والرؤية إذا‬
‫سل عند من يتكلم‪ ،‬والمستقِبل عند‬
‫توافر الجهاز المر ِ‬
‫من يسمع …وهكذا نقرر بأن الله –تعالى ذكره‪ -‬قد هيأ‬
‫القدرة لجبريل‪ ‬للتصال برسوله‪ ، ‬وهيأ الرسول‪‬‬
‫بمستقبلت لما ُيوحى إليه تدرك آثارها‪ ،‬ول ترى‬
‫حقيقتها وكيفيتها ‪.‬‬

‫ورابعها‪ :‬أن المقتضى المنهجي لهذه الشدة التي يعانيها الرسول‪‬‬
‫ظ ألفاظ القرآن‪،‬‬
‫حَف ُ‬
‫عند إنزال الوحي القرآني‪ :‬أن يستشعر ذلك من َي ْ‬
‫ظها‪ ،‬ول يتعامل مع لفظ القرآن بتساهلٍ يذهب بركة القرآن… ‪.‬‬
‫حّف ُ‬
‫وُي َ‬
‫فإن اعُترض بأنه‪ :‬قد ورد ما يدل على يسر الوحي‪ ،‬وسهولة تأتيه‬
‫ففي رواية الطبراني لحديث الحارث بن هشام‪) :‬ويأتيني أحيانا في صورة‬
‫رجل يكلمني كلمًا‪ ،‬وهو أهون علي(الحديث)‪ (259‬فهذا يدل على أن ثم هينًا‬
‫في الوحي وأهون منه‪ ،‬فالجواب‪ :‬يوضح أمر هذه الرواية الروايات‬
‫الخرى‪ ،‬وذلك أولى من العكس‪ ،‬لطبيعة الشدة المصاحبة للوحي بالنسبة‬
‫ل عمن سواهم…فقد أراد بقوله‪) :‬أهونه(‪،‬‬
‫لمن وصفوا بأنهم عند ال‪ ‬فض ً‬
‫المر النسبي أي بالنسبة إلى الهيئة الخرى من الوحي‪ ،‬قال ابن حجر ‪-‬رحمه‬
‫ال تعالى‪" :-‬يفهم منه أن الوحي كله شديد‪ ،‬ولكن هذه الصفة أشدها")‪. (260‬‬
‫ولذا فإن الهيئة الخرى ‪-‬وهو المجيء في صورة رجل‪ -‬ليست‬
‫خاصة بالنبياء بل يشترك فيها غيرهم‪ ،‬وقد كلمت الملئكة مريم بنت‬
‫عمران‪ ،‬وليست بنبية عند الجمهور)‪ ،(261‬كما كلم المَلك هاجر أم إسماعيل‪:‬‬
‫‪ ()259‬المعجم الكبير ‪ ،345 /1‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()260‬فتح الباري ‪ ،8/567‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()261‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي ‪ ،4/41‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫فقد قال ابن عباس ‪) : ‬فإذا هي بالمَلك عند موضع زمزم فبحث بعقبه ‪-‬أو‬
‫قال‪ -‬بجناحه حتى ظهر الماء‪ ،‬فجعلت تحوضه‪ ،‬وتقول بيدها هكذا…فقال‬
‫لها المَلك‪ :‬ل تخافوا الضيعة؛ فإن هاهنا بيت ال‪ ،‬يبني هذا الغلم وأبوه‪،‬‬
‫وإن ال ل يضيع أهله…()‪. (262‬‬

‫وهل يتنافى هذا مع كون القرآن ميسرا ً للذكر كما‬
‫ر َ‬
‫سْرَنا ال ْ ُ‬
‫ول َ َ‬
‫ه ْ‬
‫ن‬
‫قْر َ‬
‫ل ِ‬
‫ءا َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫قدْ ي َ ّ‬
‫في قوله ‪َ ‬‬
‫ن ِللذّك ْ ِ‬
‫ر‪" ‬القمر‪"17/‬؟ ل؛ لوجوه‪:‬‬
‫ُ‬
‫مدّك ِ ٍ‬

‫ت عن كيفية إيصاله من المل العلى إلى‬
‫أولها‪ :‬أن الحديث آ ٍ‬
‫الرض ل ما بعد ذلك‪ ،‬إذ قد يقال ُيسر عند انتقاله من بشر إلى بشر‪ ،‬على‬
‫أن التيسير المذكور في الية ينصرف إلى المعنى قبل اللفظ‪ ،‬بدليل ذكر علة‬
‫التيسير )للذكر( ‪.‬‬
‫وثانيها‪ :‬قد ُينازع في الول‪ ،‬فالثاني واضح وهو‪ :‬أن أعظم الكلم‬
‫قد صيغ بأيسر الساليب المفهومة‪ ،‬وإذا قورن بما ورد في معلقة امرئ‬
‫ن في توجيه‬
‫عِلَم مقدار تيسيره‪ ،‬مع أنه ل يستطاع مثله فذا وجه ثا ٍ‬
‫القيس ُ‬
‫الية ‪.‬‬
‫صّرح فيه أن مراده‬
‫وثالثها‪ :‬أن ما ذكر من المقتضى المنهجي قد ُ‬
‫استشعار ثقل القول‪ ،‬ل أنه عند حفظه ثقيل‪ ،‬ويدل له أنه ل يعرف كتاب‬
‫سماوي‪ ،‬ول أرضي تيسر حفظه كالقرآن‪ ،‬بل المقارنة هنا ل تتم لشدة البون‬
‫سان ِ َ‬
‫بين المقارن بينهما)‪ ،(263‬وهو قوله‪َ  ‬‬
‫ك‬
‫سْرَناهُ ب ِل ِ َ‬
‫ما ي َ ّ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫ن‪" ‬الدخان‪. "58/‬‬
‫م ي َت َذَك ُّرو َ‬
‫لَ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫على أنه ينبغي تقرير أن وصف الله ‪ ‬لكلمه‬
‫بأنه )قول ثقيل( مع أنه كلم‪ ،‬وكلمه –تعالى ذكره‪،‬‬
‫ج ّ‬
‫ل عن التشبيه والتمثيل‪-‬عندما ييسره للمخلوق‬
‫و َ‬
‫لينقله بلسانه مع أن المعروف أنه يكون عبارة عن‬
‫اهتزازات هوائية فل يكون قول ً ثقيل ً إل لنه قول آخر‬
‫غير قول البشر‪ ،‬وي ُْلقى بطريقة خاصة حتى تكاد فخذ‬

‫‪ ()262‬صحيح البخاري ‪ ،3/1227‬مرجع سابق‪ ،‬وقد صرح برفعه في أثناء الحديث ‪.‬‬
‫‪ ()263‬وانظر في معنى الية‪ :‬روح المعاني ‪ ،27/129‬مرجع سابق‪ ،‬والتحرير والتنوير‬
‫‪ ،27/179‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫ج َ‬
‫ل كاتب الوحي‪ ،‬وتضع الناقة له‬
‫ر ْ‬
‫النبي‪ ‬أن ت َُر ّ‬
‫ض ِ‬
‫جرانها‪ ،‬ويتفصد له جبين الرسول ‪ ‬عرقًا‪ ،‬فالثقل‬
‫ِ‬
‫المراد قد يكون في العملية التلقينية الولى بين‬
‫جبريل‪ ‬والنبي‪، ‬ثم يكون ميسرا ً بعد ذلك على‬
‫اللسنة‪ ،‬وقد يكون الثقل هو في القيام به‪ ،‬وتطبيق‬
‫معناه‪ ،‬وقد يكون الثقل بالنظر إلى أنه كلم الجبار‬
‫العظيم‪ ‬كيف يطيق المخلوق حمله‪ ،‬أو فهمه…ل شك‬
‫أن حدوث ذلك يدل على تيسير عظيم…مع أن عظمة‬
‫‪ ‬تجعله ثقيل ً على المخلوق…لكن الله ‪‬‬
‫كلم الله‬
‫يسره‪ ،‬وبهذا ُيجمع بين آية المزمل وغيرها كآية‬
‫الدخان‪ ،‬وآية القمر‪.‬‬

‫طَبعي في حفظ الوحي‪ :‬والبند السابق كان يتكلم عن التكلف‬
‫‪-3‬التكلف ال َ‬
‫غير الطبعي‪ ،‬وهنا الشارة إلى التكلف الطبعي الذي كان في ابتداء‬
‫‪ ‬يعالج من‬
‫الوحي‪ ،‬وقد وصفه ابن عباس‪‬بقوله‪ :‬كان رسول ال‬
‫التنـزيل شدة‪ ،‬وكان مما يحرك به لسانه‪ ،‬وكان ذلك يعرف منه…‬
‫الحديث)‪.(264‬‬
‫فقوله )كان مما يحرك به لسانه( أي كان كثيرًا يفعل ذلك‪ ،‬وكرر‬
‫)كان( لطول الكلم‪) ،‬يعالج( المعالجة المحاولة للشيء‪ ،‬والمشقة في‬
‫تحصيله‪ ،‬وكان ذلك يعرف منه‪ ،‬أي يعرفه من رآه لما يظهر على وجهه‬
‫وبدنه من أثره)‪. (265‬‬
‫‪-4‬تلقي الوحي القرآني تلقي استماع لصوت متكلم بأحرف‪ :‬إذ الوحي‬
‫القرآني ليس إلقاء محضًا فجائيًا في النفس )كاللهام(‪ ،‬بل حركة وصوت‬
‫‪‬ل َ‬
‫مقطع حرفًا حرفًا متتابع على هيئة التعليم‪ ،‬ويدل له صريحًا قوله‪: ‬‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ج ْ‬
‫ج َ‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ل بِ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫تُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫‪" ‬القيامة‪َ "16/‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه‪" ‬طه‪"114/‬‬
‫ي‬
‫ح‬
‫و‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ضى‬
‫ق‬
‫ي‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫رآ‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ِبا‬
‫َ‬
‫ِ ْ‬
‫ْ ُ‬
‫ْ ِ ِ ْ‬
‫َ ْ ُ ُ‬
‫ْ ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ديدُ ال ُ‬
‫ه َ‬
‫قَوى‪" ‬النجم‪ ،"5/‬وفي لفظ للبيهقي لحديث‬
‫‪َ ‬‬
‫ش ِ‬
‫م ُ‬
‫عل َ‬
‫‪266‬‬
‫ّ‬
‫ه‬
‫الحارث ابن هشام )فيعلمني() (‪ ،‬وهي تطبيق واقعي لحقيقة‬
‫‪َ ‬‬
‫م ُ‬
‫عل َ‬
‫‪ ()264‬يأتي تفصيله إن شاء الله في المبحث الخامس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪()265‬انظر‪) :‬السيوطي( أبوالفضل جلل الدين عبد الرحمن بن أبي بكر )‪ 911 - 849‬هس(‪:‬‬
‫الديباج على صحيح مسلم ‪ 2/158‬مراجعة‪ :‬أبو إسحاق الحويني الثري‪ ،‬دار ابن عفان ‪-‬‬
‫الخبر‪ -‬السعودية ‪.‬‬
‫‪ ()266‬وقال ابن حجر في فتح الباري ‪ ،18 /1‬مرجع سابق‪" :‬هي تصحيف"‪ ،‬مع أنها ل تستبعد‬
‫كما هو واضح ‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫قَوى‪" ‬النجم‪ ،"5/‬ويدل لها قوله في الرواية المشهورة‬
‫ش ِ‬
‫‪267‬‬
‫)فيكلمني( وعند أحمد )فيخبرني() (‪ ،‬ولذا كان النبي‬
‫‪‬يحرك شفتيه عند تلقي الوحي القرآني‪ ،‬وما ذاك إل لمتابعة الحرف‬
‫الحرف)‪ ،(268‬كما يدل له‪:‬حديث ابن عباس ‪‬في قصة عثمان بن‬
‫مظعون‪ ،‬وفيه‪) :‬إذ شخص رسول ال ‪ ‬ببصره إلى السماء‪ ،‬فنظر‬
‫ساعة إلى السماء‪ ،‬فأخذ يضع بصره‪ ،‬حتى وضعه على يمينه في‬
‫الرض‪ ،‬فتحرف رسول ال ‪ ‬عن جليسه عثمان إلى حيث وضع‬
‫بصره‪ ،‬وأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له‪ ،(269)(..‬وفي حديث‬
‫المعالجة )‪ ،(270‬وحديث المعارضة )‪ (271‬من البحث ما يزيد ذا الكلم‬
‫ل‪.‬‬
‫تفصي ً‬
‫‪-5‬جمع القرآن في صدره ‪: ‬إذ الوحي القرآني كله إنزال على‬
‫و ُ‬
‫رآَنهُ‪" ‬القيامة‪/‬‬
‫ن َ‬
‫القلب‪ ،‬ولما في قوله تعالى ‪‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫‪ "17‬ويرتبط بهذه الحقيقة مفهومان‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن ذلك ل ينافي أن تعليم جبريل‪ ‬هو إقراء‬
‫لكلمات من حروف متتابعة‪ ،‬وتقدم في البند السابق ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنه لم ينـزل من القرآن الكريم شيء فيلقيه إليه المَلك وهو على‬
‫صورة الرجل على مجيئه السهل)‪ ،(272‬بل جاء على الصورة الشد‪،‬‬
‫وهذه حقيقة لم ُتَعر كبير اهتمام لتقريرها‪ ،‬ول في تقريرها‪ ،‬لعل ذلك‬
‫لنها بدهية قرآنية‪ ،‬ومن أدلتها‪:‬‬
‫ن َ‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ل َ‬
‫‪ُ  -1‬‬
‫ري َ‬
‫ق ْ‬
‫ك‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫ه ن َّزل َ ُ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫وا ل ِ ِ‬
‫عدُ ّ‬
‫جب ْ ِ‬
‫حى به من قرآن وغيره‪ ،‬وإن‬
‫‪" ‬البقرة‪ ،"97/‬فهذا عام في كل أنواع المو َ‬
‫كان جل المفسرين يذهب إلى أن الضمير يعود على القرآن الكريم عود‬
‫شهرة ل تستدعي سبق الذكر‪ ،‬ولكن قوله تعالى ‪ ‬ن ََز َ‬
‫ح‬
‫ل بِ ِ‬
‫ه الّرو ُ‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك…‪" ‬الشعراء‪- "195-194/‬وهو خاص‬
‫ن )‪َ (194‬‬
‫ال ِ‬
‫مي ُ‬
‫‪()267‬‬
‫‪()268‬‬
‫‪()269‬‬
‫‪()270‬‬
‫‪()271‬‬

‫أحمد ‪ ،6/163‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫وانظر الدللة الثالثة من بند المعاناة في المبحث الخامس‪ ،‬من هذا الفصل ‪.‬‬
‫سبق تخريجه في المبحث الول من الفصل الثالث ‪.‬‬
‫انظر‪ :‬المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫انظر‪ :‬المبحث التاسع من هذا الفصل ‪.‬‬

‫‪ ()272‬وصرح صاحب التحرير والتنوير ‪ ،189/ 19‬مرجع سابق أن حديث الحارث خاص بوحي‬
‫القرآن ‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫بالقرآن الكريم‪ -‬قد أظهر معنى الضمير الوارد في سورة البقرة‪ ،‬فإن‬
‫ل‪.‬‬
‫ل مستق ً‬
‫نوزع في ذلك فحسبه أن يكون دلي ً‬
‫‪-2‬حديث التفلت التي ذكره بعد قليل)‪(273‬؛ إذ قد ضمن ال‪ ‬جمعه‬
‫في فؤاده ‪.‬‬
‫‪ -3‬ما ذكر لنا من حوادث إنزال القرآن كلها تخدم هذه الحقيقة‪ ،‬ومنها‬
‫ما ذكره زيد بن ثابت‪ ‬في كتبه للقرآن)‪ ،(274‬إذ وصفه يدل على العادة‬
‫المستمرة ‪.‬‬
‫فلتنضم هذه الحقيقة الجليلة إلى حقائق تلقى‬
‫‪ ‬فتعطي بعدًا أعظم لمن عمي بصره عن‬
‫النبي ‪ ‬القرآن من جبريل‬

‫حقائق تلقي القرآن‪ ،‬فزعم دخول الجتهاد البشري المحض فيه‪ ،‬ولتثبت‬
‫أن حفظ القرآن هو الحفظ الكامل الذي ل يطرقه شك في تفلت أو‬
‫نقصان؛ إذ مجيء جبريل‪‬كان على غير الهيئة المعتادة للبشر‪.‬‬
‫وثم حقيقة موازية تلوح في هذا الباب‪ ،‬وهي‪ :‬أن‬
‫هذا المجيء بهذه الشدة ل يستطيعه الجن في التسلط على بني آدم‪ ،‬إذ‬
‫َمْبَلغ فعل الشيطان الغواء والوسوسة والغراء‪ ،‬والتلبس على قول من‬
‫يثبته‪ ،‬أما هذه الشدة التي يسمعها رسول ال‪ ‬فل سبيل للشيطان‬
‫لحداثها ‪.‬‬
‫فإن اعُترض بأن‪ :‬ظاهر آية سورة البقرة أن جبريل ‪‬ألقى القرآن‬
‫في قلب النبي ‪ ‬من غير سماع قراءة كما هو كذلك في سورة الشعراء‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك‪. ‬‬
‫‪َ ‬‬
‫خر أن معنى ذلك أن المَلك‪ ،‬يقرؤه عليه‬
‫فالجواب‪ :‬قد ُبّين في مواضع ُأ َ‬
‫حتى يسمعه منه فتصل ألفاظه ومعانيه إلى قلبه بعد سماعه‪ ،‬وذلك هو‬
‫معنى )نزوله على قلبه(‪ ،‬وُيلحظ أنه لم يقل )في قلبه( ‪-‬كما سبق في‬
‫ساَنك …‬
‫المبحث الثاني‪ -‬وذلك كما في قوله‪‬ل ت ُ َ‬
‫حّرك ِبه ل ِ َ‬
‫ن َ‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ل‬
‫ن ِ‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫قْرآ ِ‬
‫َبياَنه‪" ‬القيامة‪ ،"…16/‬وقوله‪َ ‬‬

‫‪( )273‬انظر‪ :‬ص ‪. 107‬‬
‫‪ ()274‬انظر‪ :‬ص ‪.99‬‬

‫‪116‬‬

‫َ‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫ما‪‬‬
‫زدِْني ِ‬
‫ق َ‬
‫أ ْ‬
‫ل َر ّ‬
‫و ْ‬
‫عل ْ ً‬
‫حي ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ك َ‬
‫ب ِ‬
‫‪.‬‬
‫وليس المراد من النـزول على القلب ما استدل به قوم راموا أمرًا ما‬
‫ف روحاني بدليل اليتين‬
‫هم ببالغيه‪ ،‬فادعوا أن القرآن إلهاُم وقذ ُ‬
‫المذكورتين؛ إذ العرب تستعمل النـزول على القلب‪ ،‬وتكليم القلب‪ ،‬وتكليم‬
‫الصدر‪ ،‬وحفظ الصدر…ونحو ذلك في الحفظ والضبط والوعي والفهم‬
‫ل في نفي السماع‪ ،‬كما قال أبو ذر‪): ‬ما ترك رسول ال ‪ ‬شيئاً مما‬
‫صبه جبريل وميكائيل عليهما السلم في صدره‪ ،‬إل قد صبه في‬
‫صدري‪ ،‬وما تركت شيئًا مما صبه في صدري‪ ،‬إل قد صببته في صدر‬
‫مالك بن ضمرة()‪. (275‬‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك‪‬غير ما تقدم‪،‬‬
‫ولعل من أعظم أسرار قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫أن القرآن الكريم ل ينساه النبي ‪‬نسيانًا كليًا كما روى ابن سعد من‬
‫طريق أبي سلمة الماجشون أنه بلغه أن رسول ال ‪ ‬كان يقول‪) :‬كان‬
‫"طه‪"114/‬‬

‫الوحي يأتيني على نحوين‪ :‬يأتيني به جبريل فيلقيه علي كما يلقي‬
‫الرجل على الرجل فذلك ينفلت مني‪ ،‬ويأتيني في شيء مثل صوت‬
‫حجر‪-‬‬

‫الجرس حتى يخالط قلبي فذاك الذي ل يتفلت مني( وقال ابن‬
‫رحمه ال تعالى‪" :-‬وهذا مرسل مع ثقة رجاله‪ ،‬فإن صح فهو محمول على‬
‫ساَنك ‪ ،‬فإن المَلك‬
‫ما كان قبل نزول قوله‪ ‬ل ت ُ َ‬
‫حّرك ِبه ل ِ َ‬
‫ل في صور كثيرة‪ ،‬ولم ينفلت منه ما أتاه به‪ ،‬كما في قصة‬
‫قد تمثل رج ً‬
‫مجيئه في صورة دحية‪ ،‬وفي صورة أعرابي‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬وكلها في‬
‫الصحيح")‪. (276‬‬
‫وباعتبار أن الوحي القرآني كان شديدًا‪ ،‬والنوم راحة ل شدة فيه‪،‬‬
‫ح سؤال على ميدان البحث‪:‬‬
‫طَر ُ‬
‫ُي ْ‬
‫‪ ()275‬المعجم الكبير ‪ ،2/149‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()276‬فتح الباري ‪ ،1/19‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫هل أوحي إلى النبي ‪‬شيء من القرآن منامًا ‪ ،‬والجواب‪ :‬أن‬
‫الظاهر من السمات العامة التي تقدمت أن ذلك لم يحدث‪ ،‬لما يتطلبه‬
‫الوحي القرآني من استعداد وشدة ‪.‬‬
‫فإن اعُترض بأن‪ :‬سورة الكوثر نزلت منامًا كما رواه أنس ‪‬قال‪:‬‬
‫)بينا رسول ال ‪ ‬ذات يوم بين أظهرنا ‪ -‬إذ أغفى إغفاءة‪ ،‬ثم رفع رأسه‬
‫متبسمًا‪ ،‬فقلنا‪ :‬ما أضحكك يا رسول ال ؟ ! قال‪) :‬أنزلت علي آنفًا سورة‬
‫عطَي َْنا َ‬
‫وث ََر)‪َ (1‬‬
‫ص ّ‬
‫ل‬
‫فقرأ‪ :‬بسم ال الرحمن الرحيم ‪ ‬إ ِّنا أ َ ْ‬
‫ف َ‬
‫ك ال ْك َ ْ‬
‫شان ِئ َ َ‬
‫ل َِرب ّ َ‬
‫ن َ‬
‫هَو ال َب َْتر‪" ‬الكوثر‪ ("3-1/‬الحديث‬
‫ك ُ‬
‫حْر)‪ (2‬إ ِ ّ‬
‫وان ْ َ‬
‫ك َ‬
‫)‪ ،(277‬إذ ظاهره أن سورة الكوثر نزلت منامًا ؟‪.‬‬
‫فالجواب‪ :‬ذكر العلماء عددًا من الجوبة‪ ،‬ولكن اللوسي –رحمه ال‬
‫تعالى– ارتضى‪ :‬أن معنى أغفى في الحديث منصرف إلى ظن بعض‬
‫الرواة أن ذلك حدث له‪ ،‬وليس كذلك في واقع المر‪ ،‬وإنما اعترته برحاء‬
‫ظن أنه‪‬‬
‫الوحي حتى توهم بعض من حوله أنه أغفى فقال‪" :‬وقد ُي َ‬
‫أغفى‪ ،‬ول يحتاج من قال إن الشبه أن القرآن كله نزل في اليقظة إلى‬
‫تأويل هذا الخبر بأنه‪ ‬خطر له في تلك الغفاءة سورة الكوثر التي‬
‫نزلت قبلها في اليقظة‪ ،‬أو عرض عليه الكوثر الذي أنزلت فيه السورة‬
‫فقرأها عليهم‪ ،‬ثم إنه على ما قيل أن بعض القرآن نزل عليه ‪ ‬وهو‬
‫ل بهذا الخبر‪ ،‬يبقى ما قلناه من سماعه ‪‬ما ينـزل إليه‪،‬‬
‫نائم استدل ً‬
‫ووعيه إياه بقوى إلهية قدسية ونومه‪ ‬ل يمنع من ذلك‪ ،‬كيف وقد صح‬
‫عنه أنه قال )تنام عيني ول ينام قلبي(")‪. (278‬‬
‫وهذا الذي مال إليه اللوسي‪ ،‬هو ما ذهب إليه الرافعي)‪ ، (279‬حيث نقل‬
‫عنه السيوطي قوله‪" :‬والولى أن تفسر الغفاءة بالحالة التي كانت تعتريه‬
‫عند الوحي‪ ،‬ويقال لها ُبَرحاء الوحي؛ فإنه كان يؤخذ عن الدنيا‪ ،‬والشبه أنه‬
‫لم ينـزل شيء من القرآن في النوم")‪ ،(280‬ومال إليه السندي في حاشيته‬
‫‪ ()277‬صحيح مسلم ‪ ،1/300‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()278‬روح المعاني‪ ،182/‬مرجع سابق‪ ،‬والحديث المذكور أخرجه البخاري ‪ ،385 /1‬مرجع‬
‫سابق ‪.‬‬
‫‪ ( )279‬كبير فقهاء الشافعية المناظر للمام النووي …وليس الستاذ مصطفى صادق الرافعي‬
‫أديب العصر ‪.‬‬
‫‪ ()280‬الديباج على صحيح مسلم ‪ ،2/132‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫على سنن النسائي فقال‪)" :‬إذ أغفى( الغفاء –بالغين المعجمة‪ :-‬النوم‬
‫سَنة‪ ،‬وهي حالة الوحي غالبًا‪ ،‬ويحتمل أن‬
‫القليل‪ ،‬وفي المجمع‪ :‬الغفاء ال ِ‬
‫‪281‬‬
‫يريد به العراض عما كان فيه") (‪ ،‬وقال ابن خلدون‪" :‬أن توجد لهم‪-‬أي‬
‫النبياء‪ -‬في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط‪ ،‬كأنها‬
‫ي‪ ،‬أو إغماٌء في رأي العين‪ ،‬وليست منهما في شيء‪ ،‬وإنما هي في‬
‫غش ٌ‬
‫الحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني‪ ،‬بإدراكهم المناسب لهم الخارج‬
‫عن مدارك البشر بالكلية‪ ،‬ثم يتنـزل إلى المدارك البشرية‪ ،‬إما بسماع دوي‬
‫من الكلم‪ ،‬فيتفهمه‪ ،‬أو يتمثل له صورة شخص يخاطبه‪ ،‬بما جاء به من عند‬
‫ال ثم تنجلي عنه تلك الحال وقد وعى ما ألقى إليه")‪.(282‬‬
‫ه َ‬
‫د‬
‫ويكفي في الرد على هذا الوجهة قول ال‪َ  ‬‬
‫ش ِ‬
‫دي ُ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ف للنوم إن ُأريد يالنوم ما يعتاد البشر‪،‬‬
‫قَوى‪" ‬النجم‪"5/‬؛ إذ التعليم منا ٍ‬
‫ل إن ُأريد به نوم النبياء ‪.‬‬
‫كما يظهر للباحث أن ما ُذِكَر في الحديث من نزول سورة الكوثر ليس‬
‫بنـزول حقيقي لتفاق أهل التفسير ومتتبعي النـزول أن هذه السورة مكية‪،‬‬
‫ت لمكيتها‪ ،‬وكلم أنس ‪‬مشعر بوجوده حال الحديث وهو‬
‫وسياقها مثب ٌ‬
‫ي كما هو معلوم‪ ،‬وقد قال البيهقي‪":‬والمشهور فيما بين أهل التفسير‬
‫مدن ٌ‬
‫‪283‬‬
‫والمغازي أن هذه السورة مكية") (‪ ،‬وما ذكره اللوسي يصلح وجهًا عند‬
‫التنـزل للرد على نفي المعاناة في المنام من حيث أن قلب النبي ‪ ‬ل ينام ‪.‬‬
‫وإذ انتهت هذه المسألة؛ فهل معنى ما قرر هنا أن الوحي غير القرآني‬
‫لم يكن يأت النبي‪ ‬على الصورة الشد ؟ والجواب‪ :‬ل! إذ ل يعني ما‬
‫قرر هاهنا‪ ،‬أن الوحي غير القرآني لم يكن يأتيه بالصورة الشديدة‪ ،‬بل قد‬
‫يأتيه كذلك كما في حديث عبادة ابن الصامت‪ ‬أنه قال‪) :‬كان رسول ال‬
‫‪ ‬إذا نزل الوحي عليه كرب لذلك‪ ،‬وتربد وجهه‪ ،‬فُأوحي إليه ذات يوم‪،‬‬
‫فلقي ذلك‪ ،‬فلما سرى عنه‪ ،‬قال رسول ال ‪): ‬خذوا عني‪ .‬قد جعل الله‬
‫ل‪ ،‬الثيب بالثيب والبكر بالبكر‪ ،‬الثيب جلد مائة ثم رجما ً‬
‫لهن سبي ً‬

‫‪) ()281‬السندي( أبو الحسن نور الدين بن عبد الهادي ت ‪1138‬هس‪ :‬حاشية السندي على‬
‫النسائي ‪ ،2/134‬مراجعة‪ :‬عبد الفتاح أبو غدة ‪1406‬هس – ‪1986‬م‪ ،‬مكتبة المطبوعات‬
‫السلمية – حلب ‪.‬‬
‫‪ ()282‬مقدمة ابن خلدون ص ‪ ،92‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()283‬سنن البيهقي الكبرى ‪ ،2/43‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫بالحجارة‪ ،‬والبكر بالبكر جلد مائة‪ ،‬ثم نفي سنة()‪ .(284‬وهو دال على‬
‫مجيء الوحي غير القرآني بالصورة الشد ‪.‬‬
‫إنما المراد من البحث السابق نفي أن يأتيه الوحي القرآني بصورة نبذ‬
‫الرجل‪ ،‬وإلقاء الفتى‪ ،‬ولذا تكاد ل ترى حديثًا فيه ذكر لوحي قرآني إل‬
‫وصفة إنزاله هي الشديدة إن ُذِكرت‪ ،‬حتى صار ذلك سيماء الوحي القرآني‬
‫التي يذكرها كتابه عند وصفه‪ ،‬كما في حديث زيد ابن ثابت‪ ‬المتقدم‪.‬‬
‫‪ -6‬ارتقاء القوى البشرية للنبي ‪: ‬لتسد كل ثغرة ضعف فيها عند‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫التلقي حتى وقت البلغ‪ ،‬كما قال تعالى ‪‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫رئ ُ َ‬
‫ك َ‬
‫سن ُ ْ‬
‫و ُ‬
‫سى ‪"‬العلى‪ ،"6/‬وقد‬
‫قْر َ‬
‫فل ت َن ْ َ‬
‫ه‪" ‬القيامة‪َ  "17/‬‬
‫ءان َ ُ‬
‫َ‬
‫ق ِ‬
‫ْ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫قال ابن حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في قوله‪ ‬ا ْ‬
‫ذي‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫قَرأ ِبا ْ‬
‫ق‪" ‬العلق‪" :"1/‬أي ل تقرؤه بقوتك‪ ،‬ول بمعرفتك‪ ،‬لكن بحول ربك‬
‫َ‬
‫خل َ َ‬
‫‪285‬‬
‫وإعانته") ( ‪.‬‬
‫ذا ُ‬
‫ر َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ئ‬
‫‪ -7‬الستماع والنصات‪ :‬وهذا متج ٍ‬
‫ل في المر العام‪َ ‬‬
‫ق ِ‬
‫فاست َمعوا ل َه َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن‪‬‬
‫وأن ِ‬
‫مو َ‬
‫قْرآ ُ‬
‫م ت ُْر َ‬
‫صُتوا ل َ َ‬
‫ن َ ْ ِ ُ‬
‫ح ُ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ُ َ‬
‫قَرأ َْناهُ َ‬
‫ذا َ‬
‫"العراف‪ ،"204/‬فإن نوزع فيه فالمر الخاص‪َ ‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ع‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫ُ‬
‫قْرآن َُه‪" ‬القيامة‪ ،"18/‬أي‪ :‬فاستمع له وأنصت‪ :‬كما في تفسير ابن عباس‬
‫‪ ،(286) ‬ويجعله نصًا في هذه المسألة نهيه عن تحريك لسانه ‪.‬‬
‫والفرق بين الستماع والنصات‪ :‬أن الستماع أخص من النصات؛ لن‬
‫الستماع الصغاء‪ ،‬والنصات السكوت‪ ،‬ول يلزم من السكوت‬
‫الصغاء)‪. (287‬‬
‫عل َي َْنا‬
‫ن َ‬
‫‪ -8‬الوعي لما يقوله المَلك‪ :‬وذا أمر قد تكفل ال به‪ ‬إ ِ ّ‬
‫رئ ُ َ‬
‫ك َ‬
‫سن ُ ْ‬
‫و ُ‬
‫سى‪‬‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫فل َتن َ‬
‫ه‪" ‬القيامة‪َ  "17/‬‬
‫قْرآن َ ُ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬
‫ق ِ‬
‫‪ ()284‬صحيح مسلم ‪ ،3/1316‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()285‬فتح الباري بشرح صحيح البخاري ‪ ،1/35‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()286‬انظر‪ :‬حديث المعالجة المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()287‬فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،8/683‬مرجع سابق‪ ،‬ومثله‪ :‬الديباج على صحيح‬
‫مسلم ‪ ،2/158‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫"العلى‪ ،"6/‬وسيأتي تحليل هذين الموقفين القرآنيين ‪-‬إن شاء ال تعالى‪،(288)-‬‬
‫وحدد النبي ‪ ‬إسقاطه الواقعي في قوله‪) :‬فيفصم عني وقد وعيت عنه‬
‫ما قال(‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬فيفصم( يضرب أي فيقطع عني حامل الوحي "يقلع‪،‬‬
‫وأصل الفصم القطع")‪)(289‬وقد وعيت عنه( أي حفظت عنه أي أجده في‬
‫قلبي مكشوفًا ُمَتَبّينًا بل التباس‪ ،‬ول إشكال)‪. (290‬‬
‫‪ -9‬تطبيق هيئات التلقي التوقيفية‪ :‬وهذا ينبني على توقيفية هيئات‬
‫التحمل‪ ،‬ويأتي ذلك في تحليل حديث المعالجة)‪ ،(291‬ومن الملحظات التي‬
‫ل على التربية‬
‫تقال هاهنا أن سورة القيامة من أول ما نزل في مكة‪ ،‬وذاك دا ٌ‬
‫المبكرة على الطرق الصحيحة لتحمل القرآن الكريم ‪.‬‬
‫‪292‬‬
‫ويرد بسط مفهوم التلقي والتلقين عقب حديث المعالجة) ( ‪.‬‬
‫‪-10‬استعداد الملكات النفسية في النبي ‪ ‬للحفظ‪:‬حيث اقترن تلقي‬
‫النبي ‪ ‬بكمال الرغبة في الحفظ وحب المحفوظ‪ ،‬ففي رواية الطبري‬
‫عن الشعبي‪) :‬عجل يتكلم من حبه إياه(‪ ،‬ول تنافي بين محبته إياه والشدة‬
‫التي تلحقه في ذلك‪ ،‬فُأِمَر بأن ينصت حتى يقضي ال ‪ ‬وحيه‪ ،‬ووعد‬
‫ج ْ‬
‫ل‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫بأنه آمن من تفلته منه بالنسيان أو غيره‪ ،‬ونحوه قوله‪َ  ‬‬
‫َ‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫حي ُُه‪" ‬طه‪ "114/‬أي‬
‫ق َ‬
‫ن ِ‬
‫لأ ْ‬
‫و ْ‬
‫م ْ‬
‫ك َ‬
‫قب ْ ِ‬
‫قْرآ ِ‬
‫‪293‬‬
‫بالقراءة) (‪.‬‬
‫وعدم التنافي بين الحب والخوف لن الحب ولد الخوف فكان ما هو‬
‫معلوم)‪.(294‬‬

‫‪ ()288‬انظر‪ :‬حديث المعالجة المبحث السادس من هذا الفصل‪ ،‬وآية العلى في الفصل‬
‫الخامس ‪-‬المبحث الثاني ‪.‬‬
‫‪) ()289‬السيوطي( أبو الفضل جلل الدين عبد الرحمن بن أبي بكر‪ ،‬ت ‪911‬هس ‪ :‬تنوير‬
‫الحوالك شرح موطأ مالك ص ‪1969-1389 ،160‬م المكتبة التجارية الكبرى ‪ -‬مصر ‪.‬‬
‫‪ ()290‬حاشية السندي على النسائي ‪ ،2/150‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()291‬انظر ‪ :‬حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()292‬انظر‪ :‬في المبحث السابع من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪()293‬انظر‪ :‬فتح الباري بشرح صحيح البخاري ‪ ،1/44‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر‪ :‬تفسير القرطبي‬
‫‪ ،19/106‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()294‬تفسير الطبري ‪ ،29/187‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر‪ :‬روح المعاني ‪ ،29/243‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫والمقتضى المنهجي لذلك‪ :‬غرس الجلل لحفظ القرآن في نفس‬
‫المتقدم لحفظه من حيث شرف الحفظ‪ ،‬ومن حيث رهبة ادعاء النتساب إلى‬
‫زمرة الحفاظ إن لم يكن قائمًا بالقرآن تقويمًا للفاظه‪ ،‬وقيامًا بأحكامه‪،‬‬
‫ل لخلقه…)‪. (295‬‬
‫وتمث ً‬
‫ومازال حادي الشوق يأرز إلى الحرم المطهر والمسجد النبوي حيث‬
‫آثار جبريل ‪ ‬والنبي‪…‬إذ ثم كان مركز َتَعّلم ألفاظ القرآن الكريم من‬
‫أمين الوحي في السماء ‪ ‬لمين الوحي في الرض ‪…‬‬
‫‪296‬‬
‫ل رامة بدا لهــا) (‬
‫ما لمطايانا تميـل مالـها؟……‪..‬أظن رم َ‬

‫ن ميلسها من‬
‫ل تحسـب ّ‬
‫ل…‪..‬وإنما سكُر الهوى أمالسسها‬
‫مل ٍ‬

‫حزون كلما……‪.‬تذكرت من يثرب أطـللها)‪(297‬‬
‫تجّد وجدًا في ال ُ‬
‫‪298‬‬
‫وإن حدا الحادي بذكر طيبٍة……هيـج ذكر طيـبٍة َبلبـالها) (‬
‫فشـوُقها يدفُعها حتى تـرى…‪...‬آمَـالها هناك‪ ،‬أو آجـالها‬

‫حظ تساه ٌ‬
‫دم له…فل هيبة له‪ ،‬ول إجلل‬
‫ل بالغٌ في حفظ القرآن من قبل المتق ّ‬
‫‪()295‬إذ ُيل َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ب معه في مسيرة حفظه حبا أو خوفا ‪.‬‬
‫يعتريه… لكأنما يشربه شر َ‬
‫ب الماء‪ ،‬غيَر مصطح ٍ‬
‫‪()296‬رامة‪ :‬موضع في البادية‪ ،‬وأراد به التكنية عن البلد التي هواها فؤاده‪ ،‬كما هوتها‬
‫ح بأنها طيبة –بعد‪.-‬‬
‫صّر َ‬
‫القلوب…و َ‬
‫حزون‪ :‬جمع حْزن‪ ،‬وهي ما غلظ من الرض…يكني عن مشقة السفر ‪.‬‬
‫‪()297‬ال ُ‬
‫َ‬
‫سواس فسي الصدور وحديث النفس‪ ،‬فأما الب ِْلبال‪ ،‬بالكسر‪،‬‬
‫‪()298‬الب َْلبال‪ :‬ش ّ‬
‫دة الهم والوَ ْ‬
‫العرب ‪. 69 /11‬‬
‫فمصدر انظر‪ :‬لسان‬

‫‪122‬‬

‫المبحث السادس‪:‬‬
‫حديث المعالجة ودللته العامة‪:‬‬

‫يبسط هذا المبحث حديث المعالجة المشهور في تلقي النبي‪ ‬ألفاظ‬
‫القرآن الكريم من جبريل ‪ ،‬حيث ظهر فيه اجتهاد النبي ‪ ‬في هذا‬
‫التلقي قبل نزول التوقيف اللهي‪ ،‬والتزامه بمفردات التوقيف اللهي بعد‬
‫ذلك…وقد دل هذا الحديث على دللت هامة في مسألة تلقي القرآن من‬
‫جبريل‪ ،‬ولذا فإن هذا المبحث سينقسم إلى خمسة مطالب‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬متن حديث المعالجة برواياته المختلفة ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬تحليل الموقف في حديث المعالجة ‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬تحليل آيات سورة القيامة الورادة في حديث المعالجة ‪.‬‬
‫المطلب الرابع‪ :‬من فوائد حديث المعالجة ‪.‬‬
‫المطلب الخامس‪ :‬من الدللت الخاصة لحديث المعالجة ‪.‬‬

‫المطلب الول‪ :‬متن حديث المعالجة برواياته المختلفة‪:‬‬

‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ك‬
‫ك بِ ِ‬
‫عن ابن عباس‪ ‬في قوله تعالى ‪‬ل َ ت ُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫ج َ‬
‫ه‪ ‬قال‪ :‬كان رسول ال ‪ ‬يعالج من التنـزيل شدة ]وفي‬
‫ل بِ ِ‬
‫ع َ‬
‫ل ِت َ ْ‬

‫المعجم الكبير‪ :‬إذا نزل عليه القرآن تلقاه بلسانه وشفتيه[ وكان مما يحرك به‬
‫]لسانه و[شفتيه ]وفي السنن الكبرى للنسائي مخافة أن يفلت منه[ ]فيشتد‬
‫عليه وكان يعرف منه[ فقال ابن عباس‪: ‬فأنا أحركهما لكم كما كان‬
‫رسول ال ‪ ‬يحركهما‪ ،‬وقال سعيد‪ :‬أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس‪‬‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ك‬
‫ك بِ ِ‬
‫يحركهما‪ ،‬فحرك شفتيه‪ ،‬فأنزل ال تعالى‪ ‬ل َ ت ُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫و ُ‬
‫ج َ‬
‫قْرآن َُه‪ ‬قال‪ :‬جمعه له في صدرك‬
‫ن َ‬
‫ل بِ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع َ‬
‫ل ِت َ ْ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬
‫وتقرأه‪  ،‬فإذا قرأناه فاتبع قرآنه‪ ،‬قال‪ :‬فاستمع له وأنصت‪،‬‬
‫عل َي َْنا ب ََيان َُه‪ ‬ثم إن علينا أن تقرأه‪ ،‬فكان رسول ال‪ ‬بعد‬
‫ن َ‬
‫م إِ ّ‬
‫‪‬ث ُ ّ‬
‫ذلك إذا أتاه جبريل ‪‬استمع ]وأطرق[‪ ،‬فإذا انطلق جبريل‪ ‬قرأه النبي‬
‫‪ ‬كما قرأه ]كما وعده ال[)‪ ،(299‬وفي لفظ للبخاري‪ :‬كان النبي‪ ‬إذا‬
‫نزل عليه الوحي حرك به لسانه ‪-‬ووصف سفيان يريد أن يحفظه‪ -‬فأنزل ال‬
‫ه‪ ،‬وفي لفظ له‪ :‬فقيل له ‪‬ل َ‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ج َ‬
‫ل بِ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ع َ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫‪‬ل َ ت ُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫‪ ()299‬صحيح البخاري ‪ ،1/6‬مرجع سابق‪ ،‬والزيادات غير المعزوة هي للبخاري من طرق‬
‫أخرى ‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ج َ‬
‫عل َي َْنا‬
‫ن َ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ل ِبهِ‪ ‬يخشى أن ينفلت منه ‪‬إ ِ ّ‬
‫ع َ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫تُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫نه‪ ‬أن نجمعه في صدرك‪ ،‬وقرآنه أن تقرأه ‪َ ‬‬
‫و ُ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫قْرآ َ ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫ه‪ ‬يقول أنزل عليه ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫علي َْنا‬
‫ن َ‬
‫م إِ ّ‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫ه‪ ‬ث ُ ّ‬
‫قْرآن َ ُ‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫ب ََيان َُه‪ ‬أن نبينه على لسانك‪ ،‬وفي السنن الكبرى للنسائي‪ :‬إذا نزل القرآن‬

‫عليه يعجل بقراءتها ليحفظه)‪ ،(300‬وفي لفظ‪ :‬كان يعالج من ذلك شدة فأنزل‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ج َ‬
‫ه‪ ‬يقول‪ :‬لتعجل بأخذه‪،‬‬
‫ل بِ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ع َ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫ال‪ ‬ل َ ت ُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫و ُ‬
‫قْرآَنهُ‪ ‬يقول‪ :‬جمعه أن نجمعه في‬
‫ن َ‬
‫يقول‪:‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬
‫ْ‬
‫ع ُ‬
‫ناه‪ ‬فإذا أنزلناه‪َ  ،‬‬
‫ذا َ‬
‫صدرك‪ ،‬وأن تقرأه‪َ ،‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ه‬
‫قَرأ َ ُ‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫قْرآن َ ُ‬
‫عل َي َْنا ب ََيان َُه‪ :‬أن نبينه بلسانك‬
‫ن َ‬
‫م إِ ّ‬
‫‪ ‬يقول‪ :‬فاستمع وأنصت‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫فاستراح رسول ال ‪. (301)‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬تحليل الموقف في حديث المعالجة‪:‬‬

‫سبب المعاناة‪ :‬كان النبي ‪ ‬يعاني عند إنزال القرآن عليه‪ ،‬وتلقيه‬
‫له من صوت المَلك من مشكلة استيعاب قواه البشرية للفظه؛ إذ يخاف من‬
‫ضعفها مع عظم الُمْنزل‪ ،‬فيتعجل أخذه من المَلك متلقيًا إياه بلسانه‬
‫وشفتيه)‪ ،(302‬ل لصعوبة حفظه؛ إذ هو من قوم اشتهروا بالحافظة المدهشة‬
‫ل فيما يلي‪:‬‬
‫حتى أقاموها مقام الكتابة‪ ،‬وإنما كان سبب المعاناة متمث ً‬
‫ف في حدود ما تطيقه قواه البشرية؛ إذ تلك من‬
‫علمه أنه قد ُكّل َ‬
‫‪(1‬‬
‫أساسات الشريعة‪ ،‬وتحديد مقدار هذه الطاقة عائٌد إلى مراقبة العبد لربه‬
‫الذي يعلم السر وأخفى‪ ،‬ولذا فالنبي ‪ ‬يستنفر ‪-‬عند نزول الوحي عليه‪-‬‬
‫جميع قواه خوفًا من التقصير‪ ،‬وهذا واضح عند تحليل النص للوهلة‬
‫الولى ‪.‬‬
‫إشفاقه من أن يعتريه القصور البشري‪ ،‬فينفلت بعض القرآن‬
‫‪(2‬‬
‫منه‪ ،‬خاصة أنه ل يعلم الغيب ‪ ،‬ول يدري كمية المنـزل من حيث‬
‫القلة والكثرة ‪.‬‬
‫‪ ()300‬ونحوه في‪) :‬الحميدي( أبو بكر عبد الله بن الزبير ت ‪219‬هس‪ :‬مسند الحميدي‪ ،‬مراجعة‪:‬‬
‫حبيب الرحمن العظمي‪1381 ،‬هس‪ ،‬دار الكتب العلمية –بيروت ‪.‬‬
‫‪ ()301‬المعجم الكبير ‪ ،11/458‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()302‬وفيه دليل على وجوب حفظ القرآن على النبي ‪ ‬إذ لو كان يريد حفظ المعنى لما‬
‫احتاج لبذل هذا الجهد‪ ،‬كما أن فيه دليل ً على أن القرآن ليس بإلهام ‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫حبه للقرآن الكريم‪ ،‬ول تنافي بينه وبين السابق إذ الحب مولد‬
‫‪(3‬‬
‫الشفاق ‪.‬‬
‫ي النبي ‪ ‬عن اتباع أساليبه الخاصة في تلقي القرآن وحفظه‬
‫فُنِه َ‬
‫من العجلة بأخذه‪ ،‬وتحريك اللسان لجل ذلك في موضعين من القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬هما موضعا طه والقيامة‪ ،‬وُأخبر أن هيئة تلقي القرآن توقيف‪،‬‬
‫عَد بثلثة أمور‬
‫وليست اجتهادًا‪ ،‬وُبّين له الساليب التي يتلقى بها القرآن‪َ ،‬وُو ِ‬
‫ن له تحقيقه(‪ :‬جمعه في صدره‬
‫ضِم َ‬
‫)من حيث اللفظ حيث ُأِمَر بذلك‪ ،‬و ُ‬
‫)حفظ أصل اللفظ(‪ ،‬وقراءته بعد ذهاب المَلك كما قرأه عليه المَلك)أداء‬
‫اللفظ بالهيئة التجويدية والدائية ذاتها( ‪ ،‬وتبيينه بلسانه أي أداؤه كما أنزل‬
‫إليه)‪ ،(303‬فقد نُهي النبي‪ ‬عن اتباع أساليبه الجتهادية في تلقي الوحي‬
‫القرآني وتعلمه‪ ،‬والموضعان اللذان فيهما النهي‪:‬‬
‫َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ضى‬
‫ق َ‬
‫ن ِ‬
‫لأ ْ‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫قْرآ ِ‬
‫أحدهما‪ :‬قوله ‪َ  ‬‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫إ ِل َي ْ َ‬
‫ج َ‬
‫ل‬
‫ك بِ ِ‬
‫ع َ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫ه‪" ‬طه‪ ،"114/‬والخر‪ :‬ل َ ت ُ َ‬
‫و ْ‬
‫ه لِ َ‬
‫حي ُ ُ‬
‫ك َ‬
‫ه …‪" ‬القيامة‪."18-16/‬‬
‫بِ ِ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫لأ ْ‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫قْرآ ِ‬
‫فأما الول‪ :‬وهو قوله ‪َ …: ‬‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫يُ ْ‬
‫حي ُُه …‪" ‬طه‪ ،"114/‬فقد قرر المفسرون أنه يجوز أن‬
‫ق َ‬
‫و ْ‬
‫ك َ‬
‫يكون معنى العجلة بالقرآن العجلة بقراءته حال إلقاء جبريل ‪ ‬آياته‪ ،‬فعن‬
‫ابن عباس ‪: ‬كان النبي ‪ ‬يبادر جبريل‪ ‬فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل‪‬‬
‫ج ْ‬
‫ل‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫حرصًا على الحفظ وخشية من النسيان‪ ،‬فأنزل ال‪َ … ‬‬
‫َ‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫حي ُُه…‪" ‬طه‪ ،"114/‬فيكون‬
‫ق َ‬
‫ن ِ‬
‫لأ ْ‬
‫و ْ‬
‫م ْ‬
‫ك َ‬
‫قب ْ ِ‬
‫قْرآ ِ‬
‫المراد بقضاء وحيه‪ :‬إتمامه وانتهاؤه‪ ،‬أي انتهاء المقدار الذي هو بصدد‬
‫النـزول")‪. (304‬‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ك‬
‫ك بِ ِ‬
‫وأما الثاني فهو في سورة القيامة‪ :‬ل ت ُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫ذا َ ْ‬
‫ه)‪َ (17‬‬
‫و ُ‬
‫ج َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫قْر َ‬
‫ل بِ ِ‬
‫ه)‪(16‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع َ‬
‫ل ِت َ ْ‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫ءان َ ُ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬
‫ع ُ‬
‫َ‬
‫عل َي َْنا ب ََيان َُه ‪"‬القيامة‪. "19-16/‬‬
‫ن َ‬
‫قْر َ‬
‫م إِ ّ‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫ه)‪(18‬ث ُ ّ‬
‫ءان َ ُ‬

‫‪ ()303‬وتفصيل ذلك يأتي في المطلب الثالث من هذا المبحث‪ :‬تحليل آيات سورة القيامة ‪.‬‬

‫‪ ()304‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،19/317‬مرجع سابق‪ ،‬ونحوه في تفسير الجللين وحاشية الصاوي‬
‫عليهما ‪ ،3/80‬مرجع سابق‪ ،‬وكذا في تفسير ابن كثير ‪ ،495/ 3‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪125‬‬

‫المطلب الثالث‪ :‬تحليل آيات سورة القيامة الورادة في حديث‬
‫المعالجة‪:‬‬
‫مَعه‪:‬‬
‫•‬
‫ن َ‬
‫‪‬إ ّ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ج ْ‬
‫ورد فيها معنيان)‪:(305‬‬
‫‪ -1‬علينا أن نجمعه في صدرك‪ :‬وهو عن ابن عباس ‪‬وهو في الصحيح‬
‫كما في متن الحديث‪ ،‬وعن قتادة تفسيره بالحفظ)‪…(306‬وهما تعبيران آيلن‬
‫إلى معنى واحد ‪.‬‬
‫‪307‬‬
‫‪ -2‬الجمع هو التأليف‪ :‬وهو ما رواه الطبري عن قتادة) (‪ ،‬ورواه‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫البخاري معلقًا عن ابن عباس ‪‬فقال‪ :‬قوله ‪ ‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫و ُ‬
‫قْرآن َُه‪ :‬تأليف بعضه إلى بعض)‪.(308‬‬
‫َ‬
‫وكل المعنيين يكونان حقيقة الجمع‪ ،‬وهي‪ :‬جمعه في الصدر‬
‫محفوظًا كما أنزله ال‪ ‬بلفظه ونظمه وتأليفه… ولئن كان تأليفه )ترتيب‬
‫‪‬‬
‫اليات للختلف في ترتيب السور( من ال‪ ،‬فلن تكون أوجه الداء منه‬
‫أولى ‪.‬‬
‫و ُ‬
‫قْرَءان َُه‪ :‬وقع في رواية الطبري في معناها‪ :‬وتقرأه‬
‫•‬
‫‪َ ‬‬
‫بعد‪ ،‬أي‪ :‬قراءتك إياه‪ ،‬أي جريانه على لسانك‪ ،‬فقرآنه مصدر مضاف‬
‫إلى المفعول)‪. (309‬‬
‫ذا َ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ن عن ابن‬
‫ه‪ :‬ورد في هذه الية أربعة معا ٍ‬
‫•‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫‪310‬‬
‫عباس‪:( )‬‬
‫الول‪ :‬أي قرأه عليك الملك‪ ،‬وهو مما ورد في متن الحديث ‪.‬‬

‫‪ ()305‬وأورد اللوسي في ررح المعاني ‪ ،29/244‬مرجع سابق‪ :‬قولين آخرين في معنى جمعه‬
‫وقرآنه وضعفهما‪ ،‬ول يستحقان الشتغال بهما ‪.‬‬
‫‪ ()306‬انظر‪ :‬فتح الباري ‪ ،8/637‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()307‬تفسير الطبري ‪ ،29/188‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()308‬صحيح البخاري ‪ ،4/1770‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()309‬حاشية الصاوي بهامش تفسير الجللين ‪ ،353/ 4‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()310‬أما ابن حجر‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬فقال‪" :‬والحاصل أن لبن عباس ‪‬في تأويل قوله‬
‫تعالى ‪ْ َ ‬‬
‫ه‪ ‬وفي قوله ‪َ ‬‬
‫ع‪‬قولين" انظر‪ :‬فتح الباري شرح صحيح البخاري‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫‪ ،8/683‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫ع ُ‬
‫قَرأ َْناهُ َ‬
‫ذا َ‬
‫والثاني‪ :‬رواه عنه البخاري‪َ :‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫قْرآن َُه‪:‬‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫ع ُ‬
‫فإذا جمعناه وألفناه‪َ  ،‬‬
‫قْرآن َُه‪ ‬أي ما جمع فيه‪ ،‬فاعمل‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫بما أمرك‪ ،‬وانته عما نهاك ال)‪.(311‬‬
‫ذا َ ْ‬
‫والثالث‪ :‬رواه عنه البخاري فقال‪" :‬باب قوله ‪َ ‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ه‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫قرآن َه‪ ،‬قال ابن عباس‪ْ َ : ‬‬
‫َ‬
‫ه‪ ‬بيناه‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫ع ُ ْ ُ‬
‫‪312‬‬
‫‪َ ‬‬
‫ع‪ ‬اعمل به") ( ‪.‬‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫ل في‬
‫والرابع‪ :‬أي‪) :‬فإذا أنزلناه( معلقًا‪ ،‬رواه عنه البخاري موصو ً‬
‫ع ُ‬
‫خلق أفعال العباد‪ ،‬وفيه‪َ " :‬‬
‫قْرآن َُه‪ ‬فاتبع مجمله‪،‬‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫وتفهم ما فيه")‪.(313‬‬
‫وعند الطبري من طريق قتادة في قوله‪َ ‬‬
‫ع‪ ‬ما يؤيد التأويل‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫الثاني لبن عباس‪ ‬إذ قال فيه‪":‬اتبع حلله واجتنب حرامه")‪.(314‬‬
‫والتفسير الول عن ابن عباس ‪‬أشهر ‪.‬‬
‫ول تنافي بين هذه التأويلت؛ إذ يصبح المعنى عند الجمع بين‬
‫الوارد فيها‪ :‬فإذا أنزلناه فبيناه‪ ،‬بأن قرأه عليه المَلك مجموعًا مؤلفًا فاستمع له‬
‫وأنصت‪ ،‬فإذا انتهت قراءة جبريل‪ ‬فاقرأ أنت‪ ،‬ثم اتبع ما فيه من حلل‪،‬‬
‫واجتنب ما فيه من حرام… فكانت ألفاظ التفسير مختلفة بحسب بدايات‬
‫نزول القرآن ونهاياته؛ إذ البدء يكون بنـزول المَلك‪ ،‬ثم التبيين بقراءة المَلك‬
‫ع لنصات النبي‪ ، ‬ثم تكون مرحلة قراءة النبي ‪ ،‬ثم‬
‫أيضًا‪ ،‬وهو مستد ٍ‬
‫مرحلة العمل به‪...‬فقد اتفقت في حقيقتها )‪ ،(315‬ويدل لهذا أن ابن عباس‪‬‬
‫فسر قوله تعالى ‪‬أنزلناها‪" ‬النور‪ ،"1/‬كما روى عنه البخاري‪ :‬بيناها‬
‫‪ ()311‬صحيح البخاري ‪ ،4/1770‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()312‬صحيح البخاري ‪ ،4/1877‬مرجع سابق‪ ،‬وقال ابن حجر‪-‬رحمه الله تعالى‪" :-‬هذا‬
‫التفسير رواه على بن أبي طلحة عن ابن عباس ‪-‬رضي الله تعالى عنهما ‪ -‬أخرجه بن أبي‬
‫حاتم" انظر‪ :‬فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،8/682‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪) ()313‬البخاري( أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجعفي ت ‪256‬هس‪ :‬خلق أفعال‬
‫العباد ‪ 84‬مراجعة‪ :‬د‪ .‬عبد الرحمن عميرة‪ ،‬دار المعارف السعودية‪ -‬الرياض ‪1398‬هس –‬
‫‪1978‬م‪.‬‬
‫‪ ()314‬تفسبر الطبري ‪ ،29/188‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()315‬وهذا التأويل لليات هو الموافق لتأويل ابن عباس ‪‬كما سبق ‪ .‬وقد قال عنه صاحب‬
‫التحرير والتنوير ‪ ،29/349‬مرجع سابق‪" :‬هذا ما ل خلف فيه بين أهل الحديث وأئمة‬
‫التفسير" ‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫)‪ ،(316‬وقال ابن حجر‪":‬كذا في النسخ‪ ،‬والصواب )أنزلناها وفرضناها(‬
‫ب من‬
‫بيناها" )‪ ،(317‬فجعل معنى بيناها لفرضناها ل لنزلناها‪ ،‬وهو غري ٌ‬
‫حيث أنه صرح بأن النسخ اجتمعت على أن بيناها معنى لنزلناها‪ ،‬فكان‬
‫النظر داعيًا إلى التأمل في المناسبة بينهما قبل صرفه بادئ الرأي إلى معنى‬
‫آخر‪ ،‬وقد ظهرت للباحث مناسبة معنى النزال للبيان من خلل تأويل ابن‬
‫عباس ‪ ‬لقوله ‪ْ َ ‬‬
‫ه‪ ‬بأنه أنزلناه تارة‪ ،‬وبمعنى بيناه تارة‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫أخرى‪ ،‬فقد جعل ابن عباس‪ ‬البيان لزم النزال‪ ،‬وما أحسن ذاك بالنظر‬
‫إلى الذات اللهية‪ ،‬فتخطئة النسخ جميعًا عارض يفتقد القرينة فنبقى على‬
‫الصل ‪.‬‬
‫ع ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫ن‪:‬‬
‫قْرآن َُه‪ :(318) ‬ورد فيها أربعة معا ٍ‬
‫•‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫أولها‪ :‬فاستمع له وأنصت‪" :‬أي أنصت إلى قراءتنا")‪ ،(319‬وقال‬
‫الزمخشري‪":‬فكن مصغيًا له فيه‪ ،‬ول تراسله‪ ،‬وطمئن نفسك أنه ل يبقى‬
‫غير محفوظ؛فنحن في ضمان تحفيظه"‪.‬‬
‫ْ‬
‫ذا َ‬
‫وقال اللوسي‪":‬فكن مصغيًأ له ل مباريًا‪ ،‬وقيل‪َ :‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ه‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫‪ ‬فاتبع بذهنك وفكرك ‪ُ ‬‬
‫قْرآَنهُ‪ ‬أي‪ :‬فاستمع وأنصت‪ ،‬وصح‬
‫هذا من رواية الشيخين وغيرهما عن ابن عباس ‪. (320)"‬‬
‫ع ُ‬
‫وثانيها‪ :‬أن الضمير في قوله ‪َ ‬‬
‫قْرآن َُه‪ ‬لجبريل‪،‬‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫والتقدير‪ :‬فإذا انتهت قراءة جبريل ‪ ‬فاقرأ أنت)‪.(321‬‬
‫وثالثها‪ :‬فاعمل ما أمرك ‪.‬‬
‫ورابعها‪ :‬اتبع مجمله وتفهم ما فيه ‪.‬‬
‫ول تنافي بينها‪ ،‬بل حال هذه الية كما سبق فيما قبلها ‪.‬‬
‫عل َي َْنا ب ََيان َُه‪ :‬ورد فيه معنيان أيضًا‪:‬‬
‫•‬
‫ن َ‬
‫م إِ ّ‬
‫‪‬ث ُ ّ‬
‫‪ ()316‬صحيح البخاري ‪ ،4/1770‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()317‬فتح الباري ‪ ،8/433‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()318‬روح المعاني ‪ ،29/244‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()319‬التحرير والتنوير ‪ ،29/349‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()320‬روح المعاني ‪ ،29/244‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()321‬فتح الباري ‪ ،8/683‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫أن نبينه بلسانك)‪ ،(322‬والخر‪ :‬العمل‪ ،‬وذكر ابن جرير‬
‫القولين)‪ ،(323‬ول تنافي بينهما كما يظهر)‪ ،(324‬والقول فيهما كالقول في‬
‫ل بمثل‪ ،‬وذلك أن بيان مجمله‪ ،‬أو تفصيل مشكله غير‬
‫الية السابقة‪ ،‬مث ً‬
‫كائن إل بتحقيق لفظه‪ ،‬وقد يقف الراسخون في العلم حيارى أمام لفظة‬
‫محرفة‪ ،‬أو مصحفة حتى يتيقنوا لفظها أو يقاربوا‪ ،‬ثم يسبروا غور معناها‬
‫بعد‪ ،‬والمر هاهنا كذلك إذ ينصرف معنى البيان انصرافًا أوليًا إلى معنى‬
‫البيان اللفظي‪ ،‬وهو آيل في كلم ال ‪-‬بعد‪ -‬إلى البيان المعنوي‪ ،‬فمن فسره‬
‫بالبيان المعنوي فهو‬
‫باعتبار نهاية المر‪ ،‬ولذا ُقّدَم تأويل الية بالبيان اللفظي عند العلماء‪:‬‬
‫فقال المدي‪":‬يجوز أن يراد بالبيان الظهار‪ ،‬ل بيان المجمل‪ :‬يقال‬
‫بان الكوكب إذا ظهر ‪-‬قال‪ -‬ويؤيد ذلك أن المراد جميع القرآن‪ ،‬والمجمل‬
‫إنما هو بعضه‪ ،‬ول اختصاص لبعضه بالمر المذكور دون بعض")‪،(325‬‬
‫و ُ‬
‫قْرآن َُه ‪" :‬إن علينا جمع‬
‫ن َ‬
‫ومعنى الجملتين ‪‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬
‫الوحي‪ ،‬وأن تقرأه‪ ،‬وفوق ذلك أن تبينه للناس بلسانك‪ ،‬أي نتكفل لك بأن‬
‫يكون جمعه وقرآنه بلسانك‪ ،‬أي عن ظهر قلبك ل بكتابة تقرؤها‪ ،‬بل أن‬
‫يكون محفوظًا في الصدور‪ ،‬مبينًا لكل سامع ل يتوقف على مراجعة‪ ،‬ول‬
‫على إحضار مصحف من قرب أو بعد‪ ،‬فالبيان هنا بيان ألفاظه‪ ،‬ليس بيان‬
‫معانيه؛ لن بيان معانيه ملزم لورود ألفاظه")‪ ،..(326‬وقال‬
‫اللوسي‪":‬يجوز أن يراد بالبيان الظهار ل بيان المجمل‪ ،‬وقد صح من‬
‫رواية الشيخين وغيرهما وجماعة عن الحبر أنه قال في ذلك‪:‬ثم إن علينا أن‬
‫‪ ()322‬وعند البخاري في خلق أفعال العباد ‪ ،84‬مرجع سابق‪ " :‬أن نثبته على لسانك " ول‬
‫يعترض بأنه يحتمل أن يكون قد اعتراها التصحيف؛إذ قد ورد في قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫فت َب َي ُّنوا ‪‬‬
‫"الحجرات‪ "6/‬القراءة الخرى‪‬فتثبتوا‪ ‬والمعنى مرتبط بينهما؛ إذ التثبت ثمرة التبين‪.‬‬
‫‪ ()323‬تفسير الطبري ‪ ،29/189‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()324‬كما ل منافاة بين القوال الثلثة التي أوردها ابن جرير ‪ ،29/189‬مرجع سابق في تأويل‬
‫ع ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫‪‬وهي‪ :‬فاستمع قرآنه‪ ،‬فاتبع معانيه من الشرائع والحكام‪ ،‬فاعمل به ‪.‬‬
‫ه‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫قْرآن َ ُ‬
‫‪ ()325‬فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،8/637‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()326‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،29/350‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫نبينه بلسانك‪ ،‬وفي لفظ‪ :‬علينا أن تقرأه‪ ،‬ويؤيد ذلك أن المراد بيان جميع‬
‫القرآن‪ ،‬والمجمل بعضه" )‪. (327‬‬
‫وهذا عند التقديم لشيء على شئ‪ ،‬وإل فإن الية محتملة لجميع أنواع‬
‫البيان يقدمها بيان اللفظ إذ الكلم فيه‪ ،‬وغيره ُبْيَنى عليه‪ ،‬ويقوي ذلك العموم‬
‫لنواع البيان‪ :‬أن قوله بيانه جنس مضاف فيعم جميع أصنافه من إظهاره‪،‬‬
‫وتبيين أحكامه‪ ،‬وما يتعلق بها من تخصيص‪ ،‬وتقييد‪ ،‬ونسخ‪ ،‬وغير ذلك ‪.‬‬
‫ففي هذه اليات‪ :‬تكفل ال له أن يجمعه في صدره‪ ،‬وأن ييسره لدائه‬
‫على الوجه الذي ألقاه إليه‪ ،‬وأن يبينه له‪ ،‬ويفسره‪ ،‬ويوضحه‪ ،‬فالحالة الولى‬
‫جمعه في صدره‪ ،‬والثانية تلوته وبيانه في مخارج لفظه حق بيانه‪ ،‬والثالثة‬
‫تفسيره‪ ،‬وإيضاح معناه)‪.(328‬‬
‫وتلخيصا ً للمعالم السابقة مع ما ورد في الفصل الول يقال‪:‬‬
‫انطلقا ً من قاعدتي الثبات والنفي الحاصرتين المانعتين لي‬

‫‪ ،‬وهما الوارتان في قوله –‬
‫ل من الخلق في أداء كلم الله‬
‫تدخ ٍ‬
‫ف ُ‬
‫ن‪" ‬الحجر‪/‬‬
‫تعالى ذكره‪:-‬‬
‫حا ِ‬
‫ظو َ‬
‫ه لَ َ‬
‫‪‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫وإ ِّنا ل َ ُ‬
‫ن ن َّزل َْنا الذّك َْر َ‬
‫مب َدّ َ‬
‫ه‪" ‬النعام‪ "115/‬نفيًا‪ ،‬فإن الحفظ‬
‫‪ "9‬إثباتًا‪،‬‬
‫مات ِ ِ‬
‫ل ل ِك َل ِ َ‬
‫‪‬ل َ ُ‬
‫اللهي للكتاب الكريم في عالم المخلوقين قد بدأت‬
‫أدواته الواقعية بالتشكل مذ تكلم به الخالق –تعالى‬
‫ذكره‪ :-‬فقد اختار الله‪ ‬حافظا ً قويا ً أمينا ً لنقل كلمه‪،‬‬
‫وتعليمه للخلق بدقة متناهية‪ ،‬ونحن نعرف من وسائل‬
‫العصر ما يتمكن به النسان من حفظ كلمه بل تغير‪،‬‬
‫جلة التي‬
‫م َ‬
‫بل بنفس المؤثرات التي تحف بكلمه…كال ُ‬
‫س ِ‬
‫إذا وجهت رسالة بواسطتها لشخص‪ ،‬أمكنك أن تقول‬
‫له‪ :‬قد قلت لك كذا وكذا مع أنك قلته في وقت آخر‪،‬‬
‫ومكان آخر…ول تكون كاذبا ً بذلك‪ ،‬وإن كان لم يسمع‬
‫منك مباشرة …بل سمع من المسجل‪ ،‬لكن المسجلة‬
‫‪ ()327‬روح المعاني ‪ ،29/244‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()328‬انظر‪) :‬ابن كثير( أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ت‬
‫‪774‬هس‪ :‬تفسير القرآن العظيم ‪ ،4/383‬تقديم‪ :‬محمد عبد الرحمن المرعشلي‪ ،‬إعداد‪ :‬مكتب‬
‫تحقيق دار إحياء التراث العربي‪ ،‬أعد فهارسها‪ :‬رياض عبد الله عبد الهادي ط ‪-1417 ،1‬‬
‫‪1997‬م‪ ،‬دار إحياء التراث العربي‪-‬بيروت ‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫لدقة حفظها‪ ،‬وضبطها نقلت نقل ً أمينا ً …ولله المثل‬
‫العلى‪ ،‬فقد جعل الله –تعالى ذكره‪-‬جبريل ‪ ‬أمينا ً على‬
‫الوحي قويا ً على نقله لدرجة يكاد من دقتها أن يصح‬
‫القول بأن الذي اقرأ النبي‪ ‬هو الله –تعالى ذكره‪،-‬‬
‫ولذا جاز نسبة إقراء جبريل ‪ ‬النبي ‪ ‬كلم الله إلى‬
‫الله –تعالى ذكره‪ -‬لشدة ضبطه وإتقانه ودقته …وهذا‬
‫ذا َ ْ‬
‫هو سر إسناد الفعل إلى الله في قوله ‪َ  ‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ه‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫‪ ‬مع أن القائم به هو جبريل ‪…‬فكانت قراءة جبريل‬
‫‪ ‬مطابقة أمينة تماما ً كما تلقاه عن الله –جل وعل‪. -‬‬

‫المطلب الرابع‪ :‬من فوائد حديث المعالجة )‪:(329‬‬
‫أول فائدة تتعلق بلفظ القرآن‪ :‬هي أن اللتزام بجمع القرآن في صدر‬
‫النبي ‪‬ثم جريانه على لسانه كما قرأه جبريل‪ ..‬لم يقف عند قراءة اللفاظ‬
‫كما هي‪ ،‬بل تعدى ذلك إلى )بيان اللفاظ( بيانًا واضحًا مستمدًا من عربية‬
‫اللسان من حيث العموم‪ ،‬وهيئة تلوة القرآن من حيث خصوص كونه‬
‫‪"‬بتفهيم ما أشكل عليك من‬
‫عْليَنا َبياَنه‬
‫قرآنًا‪ ،‬فتأويل‬
‫ن َ‬
‫مإ ّ‬
‫‪‬ث ُ ّ‬
‫معانيه")‪ (330‬قصٌر لعاٍم بغير دليل‪ ،‬وتخصيص للمعنى بغير مخصص‪،‬‬
‫على أن النسب والوفق للمقام الكلم على اللفظ قبل المعنى "فإن الكلم له‬
‫لفظ ومعنى‪ ،‬وله نسبة إلى الذن والقلب ومتعلق بهما‪ ،‬فسماع لفظه حظ‬
‫الذن‪ ،‬وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب")‪ ،(331‬وكلهما مراد‬
‫بيانه‪ ،‬والول أولى لنه طريق إلى الثاني الذي هو الغاية من المرين‪ ،‬قال‬
‫عل َي َْنا ب ََيان َُه‪" :‬أي بعد حفظه‬
‫ن َ‬
‫م إِ ّ‬
‫ابن كثير في قوله‪ ‬ث ُ ّ‬
‫وتلوته‪ ،‬نبينه لك ونوضحه‪ ،‬ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا")‪. (332‬‬
‫وثاني فائدة تؤخذ من هذه اليات مما يتعلق باللفظ‪ :‬أن الحفظ‬
‫لللفاظ مقدم على استلهام المعنى وبيانه)‪ ،(333‬وهي القاعدة المستنتجة من‬
‫عل َي َْنا ب ََياَنهُ‪ ،‬فليس المعنى سابقًا للحفظ‪ ،‬والمراد‬
‫ن َ‬
‫م إِ ّ‬
‫قوله‪ ‬ث ُ ّ‬
‫‪ ()329‬عدا ما تقدم في المطالب السابقة ‪.‬‬
‫‪ ()330‬حاشية الصاوي ‪ ،3/354‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()331‬تهذيب مدارج السالكين ‪ ،1/70‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()332‬تفسير القرآن العظيم ‪ ،4/383‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()333‬وهو ما رجحه العلماء في فهم الية كما سبق‪ ،‬على أن الترجيح فرع التضاد‪ ،‬ول تضاد‬
‫بحمد الله …‬

‫‪131‬‬

‫ليس إيجاد المعنى إذ هو قبل اللفظ في حيز العدم والخفاء‪ ،‬وليس المراد‬
‫استحضاره في الذهن‪ ،‬وهو يدل من جهٍة أخرى على أهمية ضبط اللفظ‪ ،‬ل‬
‫عَم من أن المعاني الولية هي المقصودة بقطع النظر عن قالبها‪،‬‬
‫على ما ُز ِ‬
‫‪334‬‬
‫وهي ما سمي أصوليًا بالمعاني الثانوية) (‪ ،‬ثم كانت هذه التسمية‪ ،‬وذا‬
‫التقسيم سببًا في التهوين من الجانب اللفظي للكلمات…وبذا استبان غرور‬
‫سلم في أن المعنى يسبق اللفظ من‬
‫من ادعى سبق الهتمام بالمعنى‪ ،‬وقد ُي ّ‬
‫حيث الوجود النفسي‪ ،‬ولكن الكلم هنا عن معنى موجود في الخارج عُّبر‬
‫ظ…فأّنى له أن ُيعرف دون عبور ممره الموصل إليه وهو اللفظ؟‪،‬‬
‫عنه بلف ٍ‬
‫وهذا هو حال ألفاظ القرآن الكريم؛ إذ ل ُيعرف المعنى الذي ُيريده ال‪‬‬
‫في كلمه إل بمعرفة لفظه‪ ،‬ولفظه هو ‪ ‬ل لفظ غيره‪ ،‬وهذا على القول‬
‫عل َي َْنا ب ََيان َُه‪ ‬للتراخي الزمني‪،‬‬
‫ن َ‬
‫م إِ ّ‬
‫م‪ ‬في قوله‪ ‬ث ُ ّ‬
‫بأن‪‬ث ُ ّ‬
‫إما على القول بأنها للتراخي الرتبي ‪ ...‬فل تنخرم القاعدة كليًا لكنها تعدل‬
‫بحيث يقيد بيان المعنى بملزمة إتقان اللفظ إذ هو طريقه ‪.‬‬
‫ولعــل هــذا المعنــى هــو الــذي يســوغ تعليــم‬
‫الصبيان ألفــاظ القــرآن‪ ،‬وتحفيظهــم إياهــا‪ ،‬وإن‬
‫لم يتقنوا معناها ‪.‬‬
‫‪": ‬كان‬
‫كما ل ينافي هذا التأويل ما أورده ابن جرير عن ابن عباس‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ك‬
‫ك بِ ِ‬
‫ل يفتر من القرآن مخافة أن ينساه فقال ال ‪‬ل ت ُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫و ُ‬
‫ج َ‬
‫قْرَءان َُه‪‬‬
‫ن َ‬
‫ل بِ ِ‬
‫ه)‪(16‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع َ‬
‫ل ِت َ ْ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه‪ ‬أن نجمعه لك ‪َ ‬‬
‫‪335‬‬
‫أن نقرئك فل تنسى") (؛ فإنها مؤيدة لما سبق مكملة له ففيها التأكيد على‬
‫‪ ‬بحفظ كتابه من حيث العموم‪ ،‬بالضافة إلى ما نبأت به الروايات‬
‫تكفل ال‬
‫الولى في هيئات حفظ كتابه من حيث الخصوص )خصوص التلقي في كل‬
‫مرة( وانظر ما سيأتي في بند تكرار المحفوظ)‪. (336‬‬

‫المطلب الخامس‪ :‬من دللت الحديث الخاصة‪:‬‬
‫‪ ()334‬واستنتج البعض هذا من فهم خاطئ لكلم المام الشاطبي في الموافقات ‪،66 /2‬‬
‫مرجع سابق‪ ،‬فإنه إنما مهد بكلمه ذاك عن مسألة الترجمة للقرآن ‪.‬‬
‫‪ ()335‬تفسير الطبري ‪ ،29/190‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()336‬انظر‪ :‬المبحث الثامن من هذا الفصل ‪.‬‬

‫‪132‬‬

‫تحريك الفم‪ :‬فالقراءة النفسية ل وجود لها‪ ،‬أو ل‬
‫‪-1‬‬
‫‪337‬‬
‫تسمى قراءة عند الطلق) (‪ .‬ول يعترض على هذا بأنه‪:‬‬
‫ض بأن القرآن ِذْكٌر‪ ،‬فيكون في النفس‪ ،‬كالقول؛ إذ قال ال‪ :‬‬
‫منتق ٌ‬
‫في أ َن ْ ُ‬
‫وي َ ُ‬
‫ما‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ول ي ُ َ‬
‫ه بِ َ‬
‫عذّب َُنا الل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م لَ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫س ِ‬
‫نَ ُ‬
‫قو ُ‬
‫ل ‪" ‬المجادلة‪ ،"8/‬لن القراءة مرتبة أعلى من القول من‬
‫حيث تحريك الفم‬
‫ئ ال ْ ُ‬
‫ذا ُ‬
‫ر َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ن‬
‫قْر َ‬
‫ءا ُ‬
‫)الشفتين واللسان(‪ ،‬ولذا قال ال ‪َ  ‬‬
‫ق ِ‬
‫فاست َمعوا ل َه َ‬
‫ن‪" ‬العراف‪،"204/‬‬
‫وأ ن ْ ِ‬
‫مو َ‬
‫م ت ُْر َ‬
‫صُتوا ل َ َ‬
‫َ ْ ِ ُ‬
‫ح ُ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ُ َ‬
‫ولم يقل )وإذا قيل(‪ ،‬ويدل له‪ :‬أنه كان يمكن أن ل ينازع الصحابة رسول‬
‫في القراءة في الصلة لو قرأوا في أنفسهم‪ ،‬وسمي فعُلهم قراءة‪ ،‬ولكنه‬
‫أبى عليهم‪ ،‬إذ القراءة ل بد فيها من تحريك الفم‪ ،‬بل وإسماع النفس على‬
‫القل عند بعض الفقهاء)‪…(338‬وقد يقال كل ما ذكر معاَرض… فيجاب‬
‫حينئذ بأن القراءة النفسية ‪-‬إن وجدت‪ -‬لبد من تقييدها بذلك‪ ،‬ول يكفي‬
‫فيها الطلق‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬فأنا أحركهما( دللة على أن القراءة ل تسمى كذلك إل‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ك‬
‫ك بِ ِ‬
‫بتحريك الشفتين‪ ،‬ويدل على ذلك آية القيامة‪‬ل َ ت ُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ج َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ل بِ ِ‬
‫لأ ْ‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ل ِت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ه‪ ‬وآية طه‪َ …‬‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫يُ ْ‬
‫ح منها ضرورة تحريك اللسان في‬
‫حي ُُه…‪‬؛ إذ ُيلَم ُ‬
‫ق َ‬
‫و ْ‬
‫ك َ‬
‫حفظ القرآن إذ النهي مؤقت بقراءة المعلم ‪.‬‬
‫ونأخذ منه أيضًا أفضلية استجماع القلب والنصات التام للسماع‬
‫الول من الشيخ‪ ،‬لتكون خطوات لزمة من خطوات تلقي القرآن‪،‬‬
‫وقراءته‪ ،‬وحفظه‪.‬‬
‫‪ ()337‬ولذا بوب المام البيهقي في سننه الكبرى ‪ ،7/350‬مرجع سابق‪" :‬باب الرجل يطلق امرأته في‬
‫نفسه ولم يحرك به لسانه"‪.‬‬
‫‪ ()338‬انظر‪) :‬المهدي(أحمد بن يحيى المرتضى ت ‪840‬هس‪ :‬البحر الزخار الجامع لمذاهب‬
‫علماء المصار‪ ،‬وبهامشه‪ :‬جواهر الخبار والثار المستخرجة من لجة البحر الزخار للعلمة‬
‫محمد بن يحيى بن بهران الصعدي ت ‪957‬هس‪ ،‬أشرف عليها‪:‬عبد الله محمد الصديق‪ ،‬وعبد‬
‫الحفيظ سعد عطية‪ ،‬دار الكتاب السلمي ‪ -‬القاهرة‪ ،‬وانظر‪ :‬د‪ .‬مصطفى ديب البغا‪ :‬التحفة‬
‫الرضية في فقه السادة المالكية ص ‪ ،40‬شرح وأدلة وتكملة متن العشماوية‪ ،‬ط ‪1412 ،1‬هس‬
‫– ‪1992‬م‪ ،‬دار ابن كثير‪ ،‬دمشق– بيروت ‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫ومن بواعث تحريك الفم عند قراءة القرآن‪ :‬الحفظ‪ ،‬وخشية النسيان‪،‬‬
‫وحب القرآن…ومن أسرار ذلك‪ :‬تهييج اللسان لظهار استسلمه ل‪،‬‬
‫وحركته في طاعة ال‪  ‬ومبادرته في المشاركة في إظهار كلم ال‬
‫‪…‬فيشترك القلب‪ ،‬واللسان‪ ،‬ثم الجوارح بالعمل في إجلل كلم ال‬
‫‪ ،‬وقال ابن حجرفي تجلية عمل اللسان في إحياء البواعث المذكورة‪:‬‬
‫"قوله‪) :‬فيشتد عليه( ظاهر هذا السياق أن السبب في المبادرة حصول‬
‫المشقة التي يجدها عند النـزول فكان يتعجل بأخذه لنـزول المشقة سريعا‪،‬‬
‫وبين في رواية إسرائيل‪) :‬أن ذلك كان خشية أن ينساه‪ ،‬حيث قال‪ :‬فقيل له‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ك‪ ‬تخشى أن ينفلت(‪ ،‬وأخرج بن أبي حاتم‬
‫ك بِ ِ‬
‫‪‬ل َ ت ُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫من طريق أبي رجاء عن الحسن‪) :‬كان يحرك به لسانه‪ ،‬يتذكره‪ ،‬فقيل له‪:‬‬
‫إنا سنحفظه عليك(‪ ،‬وللطبري من طريق الشعبي‪) :‬كان إذا نزل عليه عجل‬
‫يتكلم به من حبه إياه(‪ ،‬وظاهره أنه كان يتكلم بما يلقى إليه منه أول فأو ً‬
‫ل‬
‫من شدة حبه إياه فأمر أن يتأنى إلى أن ينقضي النـزول‪ ،‬ول بعد في تعدد‬
‫السبب")‪. (339‬‬
‫ضى )التحريك( موجب منهجيًا اعتماد‬
‫وتعدد السبب مع اتحاد المقت َ‬
‫تحريك الفم عند إرادة تحقيق أحد تلك البواعث)الخوف‪،‬‬
‫والشفاق‪،‬والحب( ‪.‬‬
‫‪ -2‬أخذ النفس بالشدة في قراءة القرآن وحفظه‪:‬‬

‫أما في القراءة فحديث التعتعة‪ :‬عن عائشة‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬قالت‪ :‬قال‬
‫رسول ال ‪) : ‬الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ‬
‫القرآن ويتتعتع فيه وهوعليه شاق له أجران()‪ ،(340‬والماهر ل تظهر‬
‫مهارته إل بعد الُدربة‪ ،‬فينهار بناء من بنى سهولة أخذ القرآن على عربيته‬
‫أي أن حفظه سهل لمجرد كونه عربيًا‪ ،‬وعدم الحاجة إلى الكلفة في تعلمه؛‬
‫إذ قد اتضحت ضرورة الكلفة للقسمين المذكورين في حديث التعتعة ‪.‬‬
‫وأما في الحفظ فظاهر ذلك في حديث المعالجة‪.‬‬

‫‪ ()339‬فتح الباري ‪ ،682 /8‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()340‬صحيح مسلم ‪ ،1/549‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪134‬‬

‫وأما في المراجعة ففي أحاديث التفلت)‪ . (341‬فل بد من أخذ النفس بشيء‬
‫من الشدة في قراءة القرآن‪ ،‬وحفظه‪ ،‬ومراجعته ‪.‬‬
‫والمقتضى المنهجي لهذه الشدة‪ :‬إعطاء قراءة القرآن‪ ،‬وحفظه‪ ،‬وتلوته‪،‬‬
‫ومراجعته‪ ،‬حجمها الحقيقي دون هضم‪ ،‬أو تقليل من حجمها‪ ،‬إذ معظم‬
‫ل عن بقية أمة القرآن التهوين‬
‫الحالت الواقعة في حياة حفاظ القرآن فض ً‬
‫ل‪ ،‬أو تهاونًا‪ ،‬أو هروبًا من الغراق في مفهوم البركة!‬
‫من ذلك إما تكاس ً‬
‫فيقلل البعض من العزيمة في معالجة الوحي القرآني قراءة‪ ،‬أو حفظًا‪ ،‬أو‬
‫مراجعة‪ ،‬لئل يهول مفهوم البركة على مفهوم بذل السباب‪ ،‬أو الطلع‬
‫على بقية كتب أهل العلم‪ ،‬أو التوسع في معرفة الثقافات العصرية…وهذه‬
‫مسألة بحاجة إلى مزيد تدبر دون شطط ‪.‬‬
‫ر َ‬
‫سْرَنا ال ْ ُ‬
‫ول َ َ‬
‫ه ْ‬
‫ن‬
‫ل ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫قد ْ ي َ ّ‬
‫ول ينافي هذا قوله‪َ  ‬‬
‫ن ِللذّك ْ ِ‬
‫‪342‬‬
‫سٌر‬
‫ر ‪" ‬القمر‪ "17/‬كما تقدم) (‪ ،‬ولما هو ظاهر أن القرآن ُمَي َ‬
‫ُ‬
‫مدّك ِ ٍ‬
‫للذكرى‪ ،‬ول علقة لذا مع موضوع الحفظ‪ ،‬وحديث التعتعة المذكور آنفًا‬
‫صريح في هذا التقرير ‪.‬‬
‫‪-3‬مخارج الحروف هي الخمسة المشهورة‪ :‬فل يستدل بآية‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ك‪ ‬على أن اللسان هو المخرج الوحيد‪،‬‬
‫ك بِ ِ‬
‫القيامة ‪‬ل َ ت ُ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫ولذا ذكر في حديث المعالجة )الشفتين(‪ ،‬قال ابن حجر‪":‬قوله‪) :‬وكان مما‬
‫يحرك به لسانه وشفتيه( اقتصر أبو عوانة على ذكر الشفتين‪ ،‬وكذلك‬
‫إسرائيل‪ ،‬واقتصر سفيان على ذكر اللسان‪ ،‬والجميع مراد إما لن‬
‫التحريكين متلزمان غالبًا‪ ،‬أو المراد يحرك فمه المشتمل على الشفتين‬
‫واللسان لكن لما كان اللسان هو الصل في النطق اقتصر في الية‬
‫عليه")‪. (343‬‬
‫ويقال على السياق نفسه‪ :‬واقتصر على الشفتين واللسان لنهما الظاهران‬
‫للعيان‪ ،‬بخلف الحلق والجوف والخيشوم ‪.‬‬

‫‪ ()341‬انظر‪ :‬المبحث الخامس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()342‬انظر‪ :‬المبحث الخامس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()343‬فتح الباري ‪ ،8/684‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪135‬‬

136

‫المبحث السابع‪:‬‬
‫التلقي )والتلقين(‪:‬‬
‫يحلل هذا المبحث مصطلح )التلقي(‪ ،‬ولذا فهو يتكون هذا المبحث‬
‫من خمسة مطالب‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬تعريفه ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬القرآن تلقين وليس إلهامًا ‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬حكم التلقين ‪.‬‬
‫المطلب الرابع‪ :‬قواعده ‪.‬‬
‫المطلب الخامس‪ :‬المقتضى المنهجي لسلوب تلقي النبي‪. ‬‬

‫المطلب الول‪ :‬تعريفه‪:‬‬
‫التلقي في الوضع اللغوي‪ :‬مأخوذ من اللقاء‪ ،‬ويظهر في اللقاء‬
‫ل يلقى باللسان‪ ،‬أو شيئًا يلقى باليد‪ ،‬أو بغير‬
‫كونه حسيًا مشاهدًا سواء كان قو ً‬
‫ن‪ :‬خمسة منها‬
‫ذلك‪ ،‬فقد ذكر ابن الثير في النهاية لللقاء عشرة معا ٍ‬
‫صريحة في اللقاء الحسي‪ ،‬ومنه قولهم‪ :‬مالي أراك لقًا َبقًا؟‪ ،‬فاللقى‪ :‬الُمْلَقى‬
‫على الرض‪ ،‬وما بعده إتباع له‪ ،‬ومعنيان صريحان في عودته للخطاب‬
‫ن منها تعود إلى اللقاء الحسي من‬
‫حين مجيئه من جهة لخرى‪ ،‬وثلثة معا ٍ‬
‫حيث كون أصلها واقعًا بالقول‪ ،‬وهو فعل محسوس‪ ،‬ومنه قولهم‪ :‬ما يلقي‬
‫ل‪ :‬أي ما يحضر قلبه لما يقوله منها‪ ،‬والبال‪ :‬القلب)‪. (344‬‬
‫لها با ً‬
‫وتحصل من مفاهيم اللقاء في الوضع اللغوي الدللت التالية‪:‬‬
‫أنه حسي‪ ،‬فليس أمرًا معنويًا‪ ،‬وهو ما يضاد اللهام من حيث‬
‫‪(1‬‬
‫الصل‪ ،‬فاللهام شيء معنوي اعتباري ‪.‬‬
‫أنه يعتمد على القول المحسوس عند كون اللقاء إلقاء لكلم‪،‬‬
‫‪(2‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م لَ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫فأل ْ َ‬
‫كما في قوله‪َ …‬‬
‫و َ‬
‫ن‪‬‬
‫كاِذُبو َ‬
‫ل إ ِن ّك ُ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ق ْ‬
‫ق ْ‬
‫وا إ ِلي ْ ِ‬
‫"النحل‪ ،"86/‬فيكون كذلك من الُمْلقي‪ ،‬وهو كذلك من الُمَتَلِقي‪ ،‬كما في قوله‬
‫َ‬
‫تعالى ‪‬إ ِذْ ت َل َ ّ‬
‫م‪"….‬النور‪ ،"15/‬فل يعقل أن يكون‬
‫ه ب ِأل ْ ِ‬
‫سن َت ِك ُ ْ‬
‫ون َ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ف من القول‬
‫إلقاء الكلم‪ ،‬ول تلقيه أمرًا معنويًا محضًا لغة…هذا خل ٌ‬
‫تأباه طبيعة الوضع اللغوي‪ ،‬فإذا ورد ما يدل على أنه معنوي‪ ،‬فإما أن‬
‫‪ ()344‬انظر‪ :‬النهاية في غريب الحديث والثر ‪ ،4/266‬مرجع سابق‪ ،‬وكذلك‪ :‬مختار الصحاح‬
‫‪ ،603‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫يكون ذلك على سبيل المجاز‪ ،‬أو هو معتمد على إلقاء حسي‪ ،‬كقولهم‪:‬‬
‫ل؛ فإن المراد‪ :‬ما استمع له‪ ،‬ول اكترث‬
‫ُنعي إليه فلن فما ألقى لذلك با ً‬
‫به)‪ ،(345‬وذلك صريح استعماله مجازًا ل يعلم معناه دون العلم باللقاء‬
‫الحسي‪ ،‬فهو أصله ‪.‬‬
‫يستعمل إلقاء القول استعماًل لغويًا خاصًا في التعليم‪ ،‬وتلقيه في‬
‫‪(3‬‬
‫التعلم‪ ،‬والتواصي …وهما حسيان من حيث الصل‪ ،‬ومنه قوله تعالى‬
‫وَل ي ُل َ ّ‬
‫ن‪" ‬القصص‪ ،"80/‬أي ما يعلمها‪ ،‬ول‬
‫قا َ‬
‫صاب ُِرو َ‬
‫ها إ ِّل ال ّ‬
‫‪َ ‬‬
‫فت َل َ ّ‬
‫ُيَنَبُه عليها‪ ،‬ومنه قوله‪َ ‬‬
‫ت…‪‬‬
‫قى َ‬
‫ما ٍ‬
‫ن َرب ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫ءادَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ك َل ِ َ‬
‫"البقرة‪.(346)"37/‬‬
‫حب اللقاء والتلقي عرفًا لغويًا حضور القلب‪ ،‬فل يكون‬
‫ُيصا ِ‬
‫‪(4‬‬
‫ئ له‪ ،‬وذلك واضح مما سبق من سرد لبعض‬
‫مباغتًا‪ ،‬غير ُمَتَهي ِ‬
‫الستعمالت اللغوية المختلفة لللقاء …وذلك يعني الفهم وحسن الخذ ‪.‬‬
‫ص لغًة بالكلم الُمَتَعَلم‪.‬‬
‫والتلقين هو اللقاء في كل ذلك إل أنه خا ٌ‬
‫حسن في اللقاء والتلقي‪ ،‬وإل لم تطلق عليه هذه‬
‫ول بد من ال ُ‬
‫‪347‬‬
‫ن َلِقن إذا كان حسن التلقي لما يسمعه) (‪.‬‬
‫الكلمة؛ولذا يقال‪ :‬فل ٌ‬
‫وهذه المعاني كلها تجتمع في تلقي النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن الكريم من‬
‫ق محسوسين‪ ،‬بين جهتين اعتمدتا القول‪ ،‬حال‬
‫جبريل‪ ،‬فهو إلقاء وتل ٍ‬
‫كونهما حاضري القلب‪ ،‬يعتمد الخذ بينهما على القول ل غيره من أنواع‬
‫ن في ذلك ضوابط العملية التعليمية والتعّلمية ‪.‬‬
‫اليحاء‪ ،‬مطبَقي ِ‬
‫ويظهر ذلك بينًا بل خفاء عند الجمع بين الوصف العام لخذ النبي ‪‬‬
‫ه‬
‫ألفاظ القرآن الكريم من جبريل ‪‬بأنه تعلم كما في قوله ‪َ  ‬‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫ق كما‬
‫قَوى ‪" ‬النجم‪ ،"5/‬وبين الوصف الخاص لذلك بأنه تل ٍ‬
‫ش ِ‬
‫وإ ِن ّ َ‬
‫قى ال ْ ُ‬
‫ك ل َت ُل َ ّ‬
‫كيم ٍ َ‬
‫قْر َ‬
‫ح ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ل َدُ ْ‬
‫ءا َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫في قوله‪َ  ‬‬
‫عِليم ٍ‬
‫‪"‬النمل‪. "6/‬‬
‫ول بد من التأكيد على ملحظة بارزة في العرف القرآني لدللة‬
‫اللقاء والتلقي‪ ،‬هي أن اللقاء لم يستعمل في العرف القرآني إل للمر‬
‫‪ ()345‬انظر‪ :‬النهاية في غريب الحديث والثر ‪ ،4/266‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()346‬انظر‪ :‬النهاية في غريب الحديث والثر ‪ ،4/266‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()347‬انظر‪) :‬الزمخشري( جار الله محمود بن عمر‪ :‬الفائق في غريب الحديث ‪،3/325‬‬
‫تحقيق‪ :‬محمد أبو الفضل إبراهيم‪ ،‬علي محمد البجاوي‪ ،‬ط ‪ ،2‬توزيع دار الباز ‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫المحسوس‪ ،‬وهذا يعطي التصور الولي لمفهوم إلقاء ألفاظ القرآن من‬
‫جبريل ‪‬للنبي‪ ، ‬فتذهب الظنون العلمية التي تنافي ذلك في مكانها‬
‫من التوهمات المحضة ‪.‬‬
‫التلقي في الوضع الصطلحي‪ :‬هو عبارة عن الهيئة‬
‫المنهجية الشرعية لتعليم اللفاظ القرآنية بأن يقرأ الشيخ الية‪ ،‬ويتلقاها‬
‫الطالب عنه بسمعه وفؤاده‪ ،‬فالتلقي بهذا هو العملية المكملة لعملية التلقين إذ‬
‫التلقين من الشيخ‪ ،‬والتلقي من الطالب‪ ،‬كما قال البخاري ‪-‬رحمه ال تعالى‪":-‬‬
‫‪348‬‬
‫وإ ِن ّ َ‬
‫قى ال ْ ُ‬
‫ك ل َت ُل َ ّ‬
‫عِليمٍ‪‬‬
‫كيم ٍ َ‬
‫ح ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ل َدُ ْ‬
‫قْرآ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫قال معمر) (‪َ  :‬‬
‫فت َل َ ّ‬
‫"النمل‪ "6/‬أي يلقى عليك وتلقاه أنت أي تأخذه عنهم‪ ،‬ومثله‪َ ‬‬
‫م‬
‫قى آدَ ُ‬
‫ت …‪" ‬البقرة‪.(349)"37/‬‬
‫ما ٍ‬
‫ن َرب ّ ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ه ك َل ِ َ‬
‫وقال أبو عبيدة‪" :‬وتل علينا أبو مهدي آية فقال‪ :‬تلقيتها من عمي‪،‬‬
‫ول َ‬
‫تلقاها عن أبي هريرة ‪‬تلقاها عن النبي ‪ ‬وقال في قوله ‪َ  ‬‬
‫ي ُل َ ّ‬
‫ن‪" ‬القصص‪ :"80/‬أي ل ُيوَفق لها‪ ،‬ول ُيَلَقُنها‪،‬‬
‫قا َ‬
‫صاب ُِرو َ‬
‫ها إ ِل ّ ال ّ‬
‫ول ُيْرَزُقها‪ ،‬وحاصله أنها تأتي بالمعاني الثلثة‪ ،‬وأنها هنا صالحة لكل‬
‫منها‪ ،‬وأصله اللقاء‪ ،‬وهو استقبال الشيء‪ ،‬ومصادفته")‪. (350‬‬
‫فإذا قيل )الهيئة الشرعية لتعليم القرآن الكريم(‪ ،‬أو ُأطلق أحدهما‬
‫)التلقي أو التلقين( دخل فيه الخر ضمنًا ‪.‬‬
‫فإن اعُترض بالقول‪ :‬لم ل ُيستخدم مصطلح التعليم بدل التلقين؟ ‪.‬‬
‫فالجواب‪ :‬أن التلقين أخص من التعليم‪ ،‬ووجه خصوصيته في غاية‬
‫الهمية في تعليم ألفاظ القرآن الكريم؛ إذ‪ :‬الفرق بين التعليم والتلقين‪:‬‬
‫أن التلقين يكون في الكلم فقط‪ ،‬والتعليم يكون في الكلم‬
‫‪-1‬‬
‫وغيره‪ ،‬تقول‪ :‬لقنه الشعر‪ ،‬ول تقول لقنه التجارة والنجارة‪،‬‬
‫والخياطة‪ ،‬كما يقال علمه في جميع ذلك ‪.‬‬
‫التعليم يكون في المرة الواحدة‪ ،‬والتلقين ل يكون إل في‬
‫‪-2‬‬
‫المرات ‪.‬‬
‫‪ ()348‬عنى بمعمر هنا أبا عبيدة معمر بن المثنى اللغوي‪ ،‬انظر‪ :‬مجاز القرآن‪ ،‬ل معمر بن‬
‫راشد شيخ عبد الرزاق ‪.‬‬
‫‪ ()349‬صحيح البخاري ‪ ،2721 /6‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪) ()350‬أبو عبيدة( معمر بن المثنى ت ‪ 210‬هس‪ :‬مجاز القرآن عند ذكر سورة البقرة ‪،1/38‬‬
‫وسورة النمل ‪ ،2/91‬حققه د‪ .‬محمد فؤاد سزكين‪ ،‬ط ‪ ،1‬الخانجي الكتبي بمصر ‪1954‬م ‪.‬‬

‫‪139‬‬

‫التلقين هو مشافهتك الغير بالتعليم‪ ،‬وإلقاء القول إليه‬
‫‪-3‬‬
‫ليأخذه عنك‪ ،‬ووضع الحروف مواضعها‪ ،‬والتعليم ل يقتضي ذلك‪،‬‬
‫ولهذا ل يقال‪ :‬إن ال يلقن العبد‪ ،‬كما يقال إن ال يعلمه)‪. (351‬‬
‫وقد ورد تلقي النبي‪ ‬ألفاظ القرآن الكريم موصوفًا بالمر العام‪،‬وهو‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫قَوى‪" ‬النجم‪ ،"5/‬وموصوفًا‬
‫التعليم في قوله‪َ  ‬‬
‫ش ِ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫وإ ِن ّ َ‬
‫قى ال ْ ُ‬
‫ك ل َت ُل َ ّ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ن ل َدُ ْ‬
‫قْرآ َ‬
‫م ْ‬
‫بالمر الخاص وهو)التلقي(‪َ ‬‬
‫ت لن يكون من أهمها‪ :‬نفي اللهام في‬
‫ليم‪" ‬النمل‪"6/‬لغايا ٍ‬
‫عِ ٍ‬
‫كيم ٍ َ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫تلقي النبي ‪ ،‬وإثبات المشافهة صيغًة وحيدًة للتعليم القرآني من حيث‬
‫اللفظ ‪.‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬القرآن تلقين وليس إلهامًا )‪:(352‬‬
‫فهو تعليم مباشر )تلقين( وليس إلهامًا‪ :‬إذ قد تنوعت وسائل الوحي‬
‫كما قال ابن قتيبة ‪-‬رحمه ال تعالى‪":-‬كل شيء دللت به عن كلم‪ ،‬أوكتاب‪ ،‬أو‬
‫إشارة أو رسالة‪ ،‬وذكر له معان في القرآن‪ :‬الشارة‪ ،‬واليماء‪ ،‬واللهام‪،‬‬
‫والعلم في المنام‪ ،‬والعلم بالوسوسة من الشيطان‪ ،‬والمر …ثم قرر أن‬
‫معناه في خصوص الوحي بالقرآن التلقين من جبريل‪ ‬للنبي ‪ ،‬ونص‬
‫ن ُ‬
‫ذا ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه‬
‫ي َ‬
‫وُأو ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫لن ِ‬
‫قْرآ ُ‬
‫ذَرك ُ ْ‬
‫قوله في قوله ‪َ  ‬‬
‫ي إ ِل َ ّ‬
‫ح َ‬
‫‪353‬‬
‫غ‪" ‬النعام‪" :"19/‬فهذا إرسال جبريل ‪‬بالقرآن") ( زاد في‬
‫ن ب َل َ َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫فتح الباري من معاني الوحي‪ :‬العلم في خفاء‪ ،‬والكتابة‪ ،‬والمكتوب‪،‬‬
‫والتصويت شيئًا بعد شيء ‪-‬قال‪-‬وقيل أصله التفهيم‪ ،‬وكل ما دللت به من‬
‫كلم‪ ،‬أو كتابة‪ ،‬أو رسالة‪ ،‬أو إشارة فهو وحي‪ ،‬وشرعًا‪ :‬العلم بالشرع‪،‬‬
‫وقد يطلق ويراد به اسم المفعول منه أي الموحى‪ ،‬وهو كلم ال المنـَزل‬
‫على النبي‪ (354) ‬فمدار الحديث في هذا المبحث حول حالة خاصة من‬
‫الوحي بمعناه المصدري هو العلم والتفهيم بالتصويت شيئًا بعد شيء‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وحول حالة خاصة الوحي بمعنى‬
‫وذلك أعم من أن يتمثل له الملك رج ً‬
‫اسم المفعول وهو القرآن والمراد كيفية تلقي الرسول‪ ‬للفاظه ‪.‬‬
‫‪ ()351‬انظر‪) :‬العسكري( أبو هلل الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد ت بعد‬
‫‪395‬هس‪:‬الفروق في اللغة ص ‪. 75‬‬
‫‪ ()352‬انظر‪ :‬حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪) ()353‬ابن قتيبة( أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري )ت ‪276‬هس(‪ :‬تأويل مشكل‬
‫القرآن ص ‪ ،489‬شرحه ونشره‪ :‬السيد أحمد صقر ‪ -‬المكتبة العلمية ‪.‬‬
‫‪ ()354‬فتح الباري ‪ ،1/15‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫ويلحظ أن المدلول اللغوي للوحي يوضح طبيعته‪:‬‬
‫فل تراه عين غير المــوحى إليــه‪ ،‬ول تســمعه أذن غيــره‬
‫كذلك…ويمكــن أن ي ُــدرك ببســاطة أن المــدلول اللغــوي‬
‫للــوحي يشــير إلــى أن ثــم نوعــا ً منــه ل تســمعه الذن‬
‫المعتادة‪ ،‬ول العين المعتادة‪ ،‬ويصل إلى مركز البصــار‪،‬‬
‫ومركز الســمع مباشــرة‪،‬ويمكــن التعــبير عنــه مــن خلل‬
‫المعــاني الســابقة للــوحي بــالقول‪ :‬التفهيــم والعلم‬
‫بالتصويت شــيئا ً بعــد شــيء‪ ،‬ولــذا لمــا أراد جبريــل‪ ‬أن‬
‫يســتعلن للنــاس كــان ل بــد مــن تمثلــه بصــورة البشــر‪،‬‬
‫بخلف الصورة الشد للوحي‪ ،‬فإنه ل يستعلن‪ ،‬بل يكون‬
‫خفيًا‪،‬ولكنــه محسـوس للنــبي‪، ‬والصــحابة إنمـا يـرون‬
‫آثــاره –كمــا ســبق‪…-‬فلــذا قــال ‪ ) :‬هــذا جبريــل جــاء‬
‫يعلمكم دينكم( فلما أراد جبريل ‪ ‬أن يعلمهم كان ل بــد‬
‫من أن يتمثل لهم بشرا ً تدرك عيــونهم صــورته‪ ،‬وتــدرك‬
‫أسماعهم صوته كما تقدم في الفصل الثاني مفص ً‬
‫ل‪.‬‬

‫وليس تعليم جبريل‪ ‬الرسول‪ ‬بالتصويت شيئًا بعد شيء مسألة‬
‫فرعية‪ ،‬بل هي مسألة من مسائل الصول‪ ،‬يذكرها العلماء في كتب العقائد‪،‬‬
‫فقد جاء في العقيدة الطحاوية عند قول المام الطحاوي‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬نزل‬
‫ح بتعليم‬
‫به الروح المين‪ ،‬فعلمه سيد المرسلين" قال الشارح‪" :‬تصري ٌ‬
‫ل لتوهم القرامطة وغيرهم أنه تصوره في نفسه‬
‫جبرائيل إياه إبطا ً‬
‫إلهامًا")‪.(355‬‬

‫ومن أدلة كون الوحي القرآني تلقينا ً‪:‬‬
‫وإ ِن ّ َ‬
‫قى ال ْ ُ‬
‫ك ل َت ُل َ ّ‬
‫‪-1‬‬
‫ح ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ل َدُ ْ‬
‫قْرآ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫قوله ‪َ : ‬‬
‫كيم ٍ‬
‫عِليم ٍ‪" ‬النمل‪."6/‬‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫قَرأ َْناهُ َ‬
‫ذا َ‬
‫قوله ‪َ : ‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫قْرآن َُه‪" ‬القيامة‪"18/‬؛ ففيها‬
‫‪-2‬‬
‫فات ّب ِ ْ‬

‫المر بالستماع والنصات؛ إذ الستماع والنصات للمًلك ينافي اللهام‬
‫الذي يقع في النفس دون استماع لحد‪،‬وُينظر المبحث السابق في معنى الية‬
‫‪.‬‬
‫‪ ()355‬شرح الطحاوية ‪ ،315‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫رئ ُ َ‬
‫ك َ‬
‫سن ُ ْ‬
‫سى ‪" ‬العلى‪"6/‬؛ إذ القراء‬
‫‪-3‬‬
‫فل َ َتن َ‬
‫قوله ‪َ  :‬‬
‫ق ِ‬
‫ينافي اللهام منافاة لغوية وشرعية ‪.‬‬
‫أول لقاء لجبريل ‪‬بالنبي ‪ ‬في غار حراء؛ إذ أقرأه‬
‫‪-4‬‬
‫ولم ُيْلِهْمه‪ ،‬بل أكد له القراء بضمه إليه ‪.‬‬
‫‪356‬‬
‫حديث الحارث بن هشام المتقدم) (؛ إذ حالتا الوحي‬
‫‪-5‬‬
‫المذكورتان تنافيان اللهام ‪.‬‬
‫ويدل على ذلك الباء في قوله ‪ ‬ن ََز َ‬
‫ح‬
‫‪-6‬‬
‫ل بِ ِ‬
‫ه الّرو ُ‬
‫َ‬
‫ن‪" ‬الشعراء‪ "194/‬إذ هي‪ :‬للملبسة‪ ،‬والجار والمجرور‬
‫ال ِ‬
‫مي ُ‬
‫متعلق بمحذوف حال‪ ،‬كأنه قال‪ :‬نزل في حال ملبسة له على حد‬
‫خرج زيد بثيابه)‪ ،(357‬ولو كان إلهامًا لما احتيج للنـزول به‪.‬‬
‫‪ -7‬حديثا المعالجة)‪ (358‬والمدارسة)‪.(359‬‬

‫المطلب الثالث‪ :‬حكم التلقين‪:‬‬
‫يجب التزامه منهجًا وحيدًا في تعليم ألفاظ القرآن الكريم‪ ،‬ونبذ ما‬
‫سواه من حيث التقعيد العام)‪ ،(360‬ويؤكد هذا الحكم أسلوب أخذ النبي ‪‬‬
‫القرآن عن جبريل‪‬؛ إذ كان النبي‪ ‬في ابتداء المر إذا لقن القرآن‬
‫نازع جبريل‪ ‬القراءة‪ ،‬ولم يصبر حتى يتمها مسارعة إلى الحفظ…‬
‫قاله الحسن وغير واحد)‪ ،(361‬وقد جاء في رواية ابن أبي حاتم‪ :‬يتلقى‬
‫أوله‪ ،‬ويحرك به شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره‪،‬‬
‫وتفصيل الستدلل أن يقال‪:‬‬
‫ل‪ ،‬ثم بقراءته كما ُأنزل‬
‫كان الوعد بجمع القرآن في صدر النبي‪ ‬أو ً‬
‫عل َي َْنا‬
‫ن َ‬
‫إليه‪ ،‬وكما سمعه من جبريل‪ ‬ثانيًا في قوله –تعالى ذكره‪-‬إ ِ ّ‬
‫ع ُ‬
‫قَرأ َْناهُ َ‬
‫ذا َ‬
‫ه)‪َ (17‬‬
‫و ُ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ن‬
‫قْر َ‬
‫قْر َ‬
‫م إِ ّ‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ه)‪(18‬ث ُ ّ‬
‫ءان َ ُ‬
‫ءان َ ُ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬

‫‪ ()356‬انظر‪ :‬الفصل الثاني ‪ -‬المبحث الثالث ‪.‬‬
‫‪ ()357‬حاشية العلمة الصاوي على تفسير الجللين ‪ ،3/224‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()358‬انظر‪ :‬المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()359‬انظر‪ :‬المبحث التاسع من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()360‬ولم يكن استدلل صاحب كتاب الحلقات القرآنية على وجوب التلقين وسيلة وحيدة في‬
‫تعليم القرآن الكريم‪ ،‬وتعلمه موفقًا؛ إذ حصر المر في دائرة )ما ل يتم الواجب إل به فهو‬
‫ف الحكم‪ ،‬ويجعل الستدلل على أصل القضية مضيعا ً لها ‪ .‬انظر‪ :‬عبد‬
‫ضع ُ‬
‫واجب( وذلك مما ي ُ ْ‬
‫المعطي محمد رياض طليمات‪ :‬الحلقات القرآنية‪ ،‬دراسة منهجية شاملة‪ ،‬ط ‪1417 ،1‬هس ‪-‬‬
‫‪1997‬م‪ ،‬إصدار برنامج تحفيظ القرآن الكريم‪-‬جدة ‪.‬‬
‫‪ ()361‬فتح الباري ‪ ،8/633‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫عل َي َْنا ب ََيان َُه ‪"‬القيامة‪ ،"19-17/‬وعدًا من ال ‪ ،‬فقد صار حقًا على ال‬
‫َ‬
‫‪ ‬فعل ذلك ‪...‬فليس للقدرة الملئكية التي يتمتع بها جبريل ‪‬دخل في‬
‫ل على مقدار العتناء وعظمة‬
‫ذاك‪ ،‬ول أسند المر للقدرة البشرية‪ ،‬وهذا دا ٌ‬
‫الهتمام وشدة التوقيف في تلقي لفظ القرآن الكريم ‪.‬‬
‫ وإن كان الوعد إلهي كذلك‪ :‬فما فائدة إقراء جبريل ‪‬له ؟ أما‬‫كان كافيًا جمع ال‪ ‬القرآن في صدر النبي ‪ ‬إلهامًا أو قذفًا إلى‬
‫قلبه بالقدرة اللهية التي وسعت كل شيء ؟‪.‬‬
‫والجواب‪ :‬هاهنا أعظم دليل على وجوب التزام منهج التلقي والتلقين‬
‫كأساس للمنهجيات التعليمية في إقراء ألفاظ القرآن الكريم…فل وزن لرسم‬
‫"خط" المصحف‪ ،‬ول للغة‪ ،‬ول لتعلم فردي أحادي دون شيخ)سند(…في‬
‫تلقي لفظ القرآن الكريم…ولو لم تكن هذه الحكمة‪ ،‬فما كان فائدة إلقاء‬
‫جبريل‪ ‬القرآن للنبي ‪ ‬قراءَته‪،‬ونزوله بالقرآن )على( –وليس في‪ -‬قلب‬
‫محمد‪ ‬؟ مع أن اللهام ل يستدعي النـزول‪.‬‬
‫ومنه نأخذ جللسسة الركسسن العظسسم فسسي تعلسسم القسسرآن‬
‫وقبول قراءة لفظ لتعسسد قرآنسسًا‪ ،‬وهو الســند المقبــول‬
‫قرائيا ً الضامن للمشافهة ‪.‬‬
‫ ويتضح من هنا أمر آخر هو‪ :‬أن جبريل ‪‬لم ُيَعّلم‬‫النبي ‪ ‬بتلوته عليه الهيئات الخارجية للحرف‬
‫)والمراد تركيب الحروف المعروف(‪ ،‬والهيئات الداخلية‬
‫)الهيئات الصوتية للحرف الواحد(‪ ،‬والهيئات اللزمة عند‬
‫تركيب كلمة بكلمة وحرف بحرف‪ ،‬وهيئات الوقف‬
‫والبتداء‪ ،‬ونحو ذلك من أحكام التلوة‪ ،‬وتفصيلت علم‬
‫القراءة والتجويد)‪…(362‬لم يفعل جبريل‪ ‬ذلك إلقاًء‬
‫وقراءًة وإقراًء للفظ القرآني إل ليقرأها النبي‪ ‬على‬
‫أصحابه والناس أجمعين كذلك‪ ،‬ثم تتناقلها الجيال كذلك‪،‬‬
‫ل بعد ذلك فيركب من كلمتين أو أكثر لفظًا‬
‫فل يأتي متقو ٌ‬
‫‪362‬‬
‫ت في مقدار التوقيف بين ما ذكر‬
‫م تفاو ٌ‬
‫)( المراد هنا التقعيد العام‪ ،‬ل التفصيلي‪ ،‬وإل فث َ ّ‬
‫من حيث التفصيل‪ ،‬ففي الوقف والبتداء ل شك أن النبي ‪‬كان يلحظ جبريل‪ ‬فيه‪ ،‬وكذا‬
‫ة بذلك كما يلحظ في حفظة القرآن مع مشايخهم‪،‬‬
‫الصحابة مع نبيهم‪ ،‬والعادة جاري ٌ‬
‫م ل تفصيلي ‪.‬‬
‫والدواعي متوافرةٌ عليه‪ ،‬وقد كانوا يلحظون ما دونه…ولكن التوقيف فيه عا ٌ‬

‫‪143‬‬

‫جديدًا أو معنى جديدًا فيقرأ به ما دام الجماع السابق في‬
‫التلقي‪ ،‬والفهم عند السابقين لمعنى الية ينافيه ) بخلف ما‬
‫إذا دخل ضمنه أو وضحه(‪ ،‬وذلك كمن يركب معنى جديدًا‬
‫‪‬وإياك ُ َ‬
‫ن تُ ْ‬
‫ه‬
‫مُنوا ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مأ ْ‬
‫في قوله ‪-‬تعالى ذكره‪ّ ِ َ -‬‬
‫ْ‬
‫‪" ‬الممتحنة‪ ،"1/‬ويستحل قراءتها كذلك زاعمًا أنه ل‬
‫م‬
‫َرب ّك ُ ْ‬
‫يوجد دليل ملزم لقراءتها كما تلقيت‪ ،‬أو كمن يركب من‬
‫ما ت ََر َ‬
‫ن‬
‫ب ِ‬
‫ل نَ ِ‬
‫وال ِ َ‬
‫صي ٌ‬
‫قوله‪ِ‬للّر َ‬
‫م ّ‬
‫دا ِ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫جا ِ‬

‫ما ت ََر َ‬
‫وال َ ْ‬
‫ن‬
‫سا ِ‬
‫ب ِ‬
‫ء نَ ِ‬
‫قَرُبو َ‬
‫وال ِ َ‬
‫صي ٌ‬
‫وِللن ّ َ‬
‫م ّ‬
‫دا ِ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن ‪" ‬النساء‪ "7/‬معنى جديدًا؛ بأن يقرؤها‪:‬‬
‫بو‬
‫ر‬
‫ق‬
‫ل‬
‫وا‬
‫َ ُ َ‬
‫َ‬
‫ما ت ََر َ‬
‫ن‪‬‬
‫ب ِ‬
‫ل نَ ِ‬
‫وال ِ َ‬
‫صي ٌ‬
‫‪ِ‬للّر َ‬
‫م ّ‬
‫دا ِ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫جا ِ‬
‫وال َ ْ‬
‫ب‬
‫سا ِ‬
‫ء نَ ِ‬
‫قَرُبو َ‬
‫صي ٌ‬
‫وِللن ّ َ‬
‫ن َ‬
‫ويسكت‪ ،‬ثم يقول‪َ ‬‬
‫َ‬
‫ما ت ََر َ‬
‫وال ْ‬
‫ن‪‬؛ إذ التلقي مفسٌد‬
‫ِ‬
‫قَرُبو َ‬
‫وال ِ َ‬
‫م ّ‬
‫ن َ‬
‫دا ِ‬
‫ك ال ْ َ‬

‫لهذه القراءة المبتَدعة ‪.‬‬
‫ل ما تقدم من معنى قوله‪َ ‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ويبين ما سبق من تفصي ٍ‬
‫َ‬
‫‪ …‬فكان وعدًا إلهيًا بأن‬
‫قَرأ َْناهُ ‪ :(363)‬أي‪ :‬عليك بقراءة جبريل‬
‫ُيكرره النبي‪ ‬كقراءة جبريل‪. ‬‬
‫فإن اعُترض بأنه‪ :‬قد يعتري قراءة جبريل ‪ ‬الخلل…فلماذا‬
‫ارتكاب تأويل ‪ْ َ ‬‬
‫ه‪ ‬أي بقراءة جبريل ‪ ..‬ولَم ل يكون اللهام‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫ل عن استماع جبريل ‪‬؟ ‪.‬‬
‫الرباني بدي ً‬
‫فالجواب‪ :‬تظهر حكمٌة بالغٌة من التعبير عن قراءة جبريل‪ ‬على‬
‫النبي ‪ ‬بلفظ ‪ْ َ ‬‬
‫ه‪‬؛ إذ لم يقل قرأه جبريل‪ ،‬وذلك ليكون من‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫ذا َ ْ‬
‫قبيل إسناد ما هو للمأمور للمر)‪ ،(364‬فقوله‪َ " :‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ه‪ ‬أي‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫إذا قرأه جبريل‪ ‬عنا فأسندت القراءة إلى ضمير الجللة على طريقة‬
‫ن‪ ،‬أو‬
‫س‪ ،‬أو تخمي ٍ‬
‫المجاز العقلي والقرنية واضحة")‪…(365‬نفيًا لي حد ٍ‬
‫بارقٍة تتلجلج في الصدور عن عدم إتقان جبريل ‪‬للقراءة كما أرادها ال‬
‫‪ ()363‬انظر‪ :‬حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()364‬حاشية الصاوي‪ ،‬وبهامشه تفسير الجللين ‪ ،3/354‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()365‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،29/349‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫‪ ‬من حيث هيئاتها الصوتية المصاحبة )الداخلية والمشتركة()‪ (366‬فضلً‬
‫عن اللفاظ في ذاتها فأوجز لنا في ‪ْ َ ‬‬
‫ه ‪ ‬إخباره ‪ ‬بإزالة دخل‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫ن قد يطرأ عند تحليل الموقف القرآني بين جبريل‪ ‬والنبي ‪ ‬إذ‬
‫شيطا ٍ‬
‫كان القارئ هو ال‪ ‬بإسناد القراءة إليه…وي ُ َ‬
‫ب هذا بأن يقال‪:‬‬
‫قّر ُ‬
‫كأن أداء جبريل‪ ‬للفاظ القرآن الكريم عبارة عن‬
‫ة تعيد ما تكلم الله‪ ‬به‪ ،‬وجبريل ‪ ‬كأنه مسجل‬
‫مسجل ٍ‬

‫يعيد ما تكلم الله –تعالى ذكره‪ -‬به…دون زلل أو خطل‬
‫في أدق الهيئات الدائية للحرف فيما خل الصفة اللهية‬
‫المنزهة عن التمثيل والتخيل…فيقرأه جبريل‪ ‬كما‬
‫نقله عن الله –تعالى ذكره‪ -‬كما تنقل المسجلة‪ ،‬فجعل‬
‫الله –تعالى ذكره‪ -‬إقراء جبريل ‪ ‬على النبي‪ ‬إقراء‬
‫من الله –تعالى ذكره‪ -‬لنبيه ‪ ‬لشدة دقة جبريل ‪‬‬
‫في بيانه للحرف؛ إذ هو الواسطة بين الله ورسوله‬
‫محمد ‪ ‬ينقله كما أقرأه الله‪ ‬له تماما ً لكل حرف‪،‬‬
‫وأحسن تفصيل ً لكل كلمة ‪.‬‬

‫وفي هذا يقول ابن كثير‪" :‬وأن ييسره على الوجه الذي ألقاه‬
‫إليه")‪ ،(367‬وقال الزمخشري‪":‬جعل قراءة جبريل ‪‬قراءته")‪ ،(368‬وقال‬
‫اللوسي‪":‬أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل‪ ‬المبلغ عنا")‪ ،(369‬وفي‬
‫‪،‬‬
‫المقابل فقد ضمن ال‪ ‬قراءة النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن كما أنزله ال‬
‫وبالهيئة التي سمعها من جبريل ‪ ،‬كما قال في الجللين‪" :‬فكان‪ ‬يسمع‬
‫ثم يقرؤه")‪ ،(370‬ولذا قال ابن عباس‪‬كما في البخاري‪" :‬فكان إذا أتاه‬
‫جبريل‪ ‬أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده ال ‪.(371)"‬‬
‫وهاهنا مسألة مهمة‪ :‬إذ الية حوت المر اللهي بإعادة المقروء كما قرأه‬
‫جبريل‪ ،‬كما حوت الضمان اللهي بذلك أيضًا‪ ،‬والثاني وهو الضمان‬
‫‪ ()366‬المراد بالمشتَركة الصوت المصاحب للحرف عند التقائه حرفا ً آخر في كلمته أوفي‬
‫كلمة أخرى‪ ،‬كالدغام مثل ً ‪.‬‬
‫‪ ()367‬ابن كثير ‪ ،4/383‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()368‬الكشاف ‪ ،4/165‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()369‬روح المعاني ‪ ،29/117‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()370‬الجللين ‪ ،4/254‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()371‬انظر‪ :‬حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫تقدم ما يثبته من فهم العلماء للية‪ ،‬والول قال عنه ابن كثير‪َ  " :‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫َ ْ‬
‫ع ُ‬
‫ه‪ ‬أي إذا تله عليك الملك عن ال تعالى ‪َ ‬‬
‫قْرَءان َُه‪‬‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫قَرأَنا ُ‬
‫أي فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك")‪ ،(372‬وقد يسر ال ‪ ‬ذلك عليه ‪.‬‬

‫المطلب الرابع‪ :‬قواعد التلقي والتلقين‪:‬‬
‫من خلل ما سبق يمكن إجمال قواعد التلقي والتلقين في‪:‬‬
‫‪-1‬قراءة الشيخ على الطالب‪ ،‬وهو ما كان جبريل ‪‬يفعله مع النبي ‪‬‬
‫)السماع من لفظ الشيخ( ‪.‬‬
‫‪-2‬إنصات الطالب لشيخه عند استماعه قراءته‪ ،‬وهو ما ُأِمَر به النبي‪. ‬‬
‫‪-3‬استماع الطالب من شيخه‪ ،‬استماع ُأذن وفؤاد‪ ،‬وهو ما ُأِمَر به النبي‬
‫‪.‬‬
‫‪-4‬إعادة الطالب المقروء الذي قرأه الشيخ على الطالب‪ ،‬وهو ما ُأِمَر به‬
‫النبي ‪.‬‬
‫وهاهنا سؤال متعلق بهذه القاعدة‪:‬إذ نرى نبينا ‪ ‬يؤمر بإعادة‬
‫المقروء كما قرأه الملك مع أن ل حاجة لذلك ما دام قد وعد بجمع القرآن في‬
‫صدره وإجرائه على لسانه فلم يكرره بعد استماعه للملك ؟ ‪.‬‬
‫والجواب‪ :‬لتثبيت القاعدة الثالثة والرابعة من قواعد التلقي‪َ ،‬وِلَم‬
‫يكرره‪ ‬إل لتبيان أسلوب التلقي؟…ولرسم خطواته بدقة فائقة النظير‬
‫تؤذن بتوقيفية تلقي اللفظ القرآني من جميع زواياه…وما ظن أنه اجتهاد‬
‫فهو إلى التوقيف يعود في أصله…إذ التكرار لمور منها‪ :‬تثبيت تلوة‬
‫ت من الشيخ‪ ،‬بغض النظر عن‬
‫سِمَع ْ‬
‫القرآن بالهيئة ذاتها‪ ،‬وتنغيماِتها التي ُ‬
‫الصوت من حيث الملحة ونقيضها‪ ،‬ومنها تثبيت المحفوظ أو المقروء ‪.‬‬
‫‪-5‬أن يكون الُمعاد موافقًا لقراءة الشيخ ومطابقًا لها‪ ،‬والمراد من‬
‫الموافقة‪ :‬الموافقة في أصل اللفاظ وأدائها‪ ،‬وهو ما تراه عند عامة الناس‬
‫من المقرئين والقارئين…ويبقى تفاوتهم بعد ذلك من حيث الملحة في‬
‫الصوت‪ ،‬والختلف في العوامل النفسية إلى تؤدي إلى اختلف المشاعر‬
‫والحاسيس‪ ،‬ويظهر أثرها في القراءة‪ ،‬وقد ترى أن هذه العوامل التي‬
‫‪()372‬تفسير ابن كثير ‪ ،4/282‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫يسمح فيها الجتهاد في أداء لفظ القرآن ليس مما كلف بها العبد عمومًا إذ‬
‫هي تعود إلى أمر خارج عن نطاق قدرته‪ ،‬وإن كان ثم قدٌر من الحث على‬
‫التزام مسلك معين في هذه الناحية‪ :‬كتدبر القراءة‪ ،‬وقراءة القرآن بحزن ‪.‬‬
‫وهذا مأخوذ مما سبق في قول ابن عباس‪ :‬كما قرأه‪ ،‬ويدل له قول‬
‫النبي ‪) :‬من أحب أن يقرأ القرآن غضا ً كما أنزل فليقرأه على‬
‫قراءة ابن أم عبد( )‪.(373‬‬
‫‪-6‬أن يصحب القراءة تحريــك للشــفتين‪ ،‬وهسسو مسسا‬
‫يعني نوعا ً من الجهر بالقراءة‪ ،‬ويدل له فعل النسسبي‪ ‬كمسسا‬
‫فسي هسذا الحسديث؛ إذ النهسي مسؤقت حستى يقضسي جبريسل‬
‫‪‬الوحي‪ ،‬فالنكار عليه ليس لتحريك لسانه وشسسفتيه‪ ،‬بسسل‬
‫لكون هذا التحريك حاصل ً حسسال قسسراءة جبريسسل ‪ ،‬فيبقسسى‬
‫التحريك هو الصل عندما ينتهي توقيت النهي‪ ،‬كما يدل له‬
‫ما سيرد في المقتضيات اللغوية لتعريسسف القسسرآن الكريسسم‬
‫ملحسسق الكتسساب‪ ،‬علسسى أن التلقيسسن ل يتسسأتى وجسسوده إل‬
‫في ُ‬
‫بالجهر بالقرآن الكريم على ما هو بديهي ‪.‬‬
‫لكن هل يشترط استماع الشيخ لطالبه عنــد‬
‫إعــادة المقــروء؛ إذ فسسي المعالجسسة‪) :‬فكسسان إذا انطلسسق‬
‫جبريل ‪‬قرأه كما قرأه…( ؟ ‪.‬‬
‫الظاهر أن ذلك بحسب حالة الطالب من حيث اطمئنان شيخه لقدرته‬
‫على إعادة المقروء باقتدار أو عدم قدرته‪ ،‬وأما أن جبريل ‪‬لم يكن يسمع‬
‫من النبي ‪ ‬لصريح قول ابن عباس‪ :‬فإذا انطلق جبريل‪ ‬قرأه كما‬
‫قرأه…فالجواب من وجهين‪:‬‬
‫سّلم أن جبريل‪ ‬ل يسمع لعدم إحاطتنا علمًا بقدرة‬
‫أولهما‪ :‬ل ُن َ‬
‫ل‪.‬‬
‫جبريل‪ ‬على السماع من حيث تعديها لمكان حضوره أو ً‬
‫ن لضمان ال‪ ‬لنبيه‪ ‬إعادة المقروء كما‬
‫وثانيهما‪ :‬أن ذلك كائ ٌ‬
‫قرأه عليه جبريل‪ ،‬ومن هنا ُأخذ نظر الشيخ في مدى مقدرة الطالب…‬
‫‪ ()373‬السنن الكبرى للنسائي ‪ ،5/71‬مرجع سابق‪) ،‬ابن ماجة( أبو عبد الله محمد بن يزيد‬
‫القزويني ت ‪275‬هس‪ :‬سنن ابن ماجه ‪ ،1/49‬مراجعة‪ :‬محمد فؤاد عبد الباقي‪ ،‬دار الفكر ‪-‬‬
‫بيروت‪ ،‬صحيح ابن حبان ‪ ،543 /15‬مرجع سابق‪ ،‬مستدرك الحاكم ‪ ،2/247‬مرجع سابق‪،‬‬
‫مسند أحمد ‪ ،4/278‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪147‬‬

‫فلول وعد ال‪ ‬لنبيه‪ ‬بقراءته على لسانه كما قرأه لما انصرف‪ ،‬ثم إن‬
‫الوحي يحميه ظاهرًا كان أو غائبًا‪ ،‬وبذلك يخضع المر الواجب في هذه‬
‫المسألة لمعرفة الشيخ ‪.‬‬
‫وهل يشترط أداء هذه القواعد كلها في التلقي والتلقين ؟ الظاهر‬
‫عدم الشتراط للول؛ إذا استبدل به قراءة الطالب على شيخه‪ ،‬إما ابتداء‪،‬‬
‫وإما حفظًا مباشرًا عن ظهر قلب‪ ،‬وذلك لن النبي‪) ‬الطالب( كان‬
‫يعرض القرآن على جبريل‪ ‬في رمضان‪ ،‬وأما قراءة جبريل‪ ‬في أول‬
‫نزول اليات فسببه عدم معرفة الرسول‪ ‬بها ابتداء؛ ولذلك عامل العلماء‬
‫قراءة العالم معاملة عرض الطالب كما سيأتي تفصيله في حديث‬
‫المعارضة)‪ ،(374‬وقد يترجح أحدهما )السماع من لفظ الشيخ‪ ،‬أو عرض‬
‫الطالب على الشيخ( لعارض يراه الشيخ في تلميذه من نجابة أو بلدة…‬
‫وهو المعمول به عند المسلمين إلى اليوم ‪.‬‬
‫وهاهنا مسألة في غاية الهمية من ناحية دراسة وسائل المعرفة‬
‫سَبة لليقين في المنهج السلمي وهي‪ :‬أن َثّم نوعًا من التواتر الذي يفيد‬
‫الُمْك ِ‬
‫اليقين الضروري أو النظري‪ ،‬وهو التواتر العملي بأن يتناقل المسلمون‬
‫ل دون نكير‪ ،‬فيأخذ حكم المتواتر‪ ،‬ولو كان‬
‫ل جي ً‬
‫العمل في العبادة جي ً‬
‫مستنده آحادًا كأركان الصلة ومقادير الزكاة‪ ،‬وألفاظ الذان‪ ،‬ورمي الجمار‬
‫ت في هذا النوع‬
‫في مناسك الحج‪ ،‬وكثير من مثل ذلك…ووجود جزئيا ٍ‬
‫مختلف فيها أمٌر ل يخرم هذه القاعدة…فاضمم إلى هذه المثلة أداء القرآن‬
‫تجده أولى منها جميعًا‪ ،‬من حيث ثبوت اليقينية له‪ ،‬وهذا تكرار لمٍر سبق‬
‫ذكره في المنهج‪ ،‬أوجبه العتناء بالمقام‪ ،‬كما أن تفصيله ليس هنا ‪.‬‬

‫المطلب الخامس‪ :‬المقتضى المنهجي لما سبق‪:‬‬
‫وتقرير هذه المسألة له ما بعده‪ ،‬إذ ينبني عليها ثلثة‬
‫أمور منهجية‪:‬‬

‫‪ ()374‬انظر‪ :‬المبحث التاسع من هذا الفصل ‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫أولها‪ :‬التزام هذه الطريقة)التلقي( منهجًا لتعليم القرآن الكريم‪ :‬إذ‬
‫إن توافر الدواعي للطرق الخرى في إنزال القرآن الكريم وحيًا)‪ ،(375‬مع‬
‫عدم استعمالها‪ ،‬وتخصيص طريقة التلقين مع عدم الحاجة إليها إذ أن ال قد‬
‫و ُ‬
‫قْرآن َُه‪ ،‬وبقوله‬
‫ن َ‬
‫تكفل بأن يلهمه القرآن بقوله ‪‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬
‫رئ ُ َ‬
‫ك َ‬
‫‪‬سن ُ ْ‬
‫سى‪ ،‬قال الشوكاني‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬أي‬
‫فل َ َتن َ‬
‫ق ِ‬
‫‪376‬‬
‫سٌم‬
‫سنجعلك قارئًا بأن نلهمك القراءة‪ ،‬فل تنسى ما تقرؤه") (‪ ،‬وهذا َو ْ‬
‫لستخدام غيرها بالبدعية‪ ،‬ومن ثم فاستعمال أسلوب القراءة المباشرة من‬
‫المصحف دون تلقين بدعة‪ ،‬أو أنه َتَعّلٌم للقرآن على غير الطريقة التي‬
‫شرعها القرآن‪ ،‬وهو ما قرره الصاوي‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في قوله‪" :‬والحكمة‬
‫في تلقي رسول ال ‪ ‬عن جبريل ‪ ‬ظاهرًا أنه يكون سنة متبعة لمته‪،‬‬
‫فهم مأمورون بالتلقي من أفواه المشايخ‪ ،‬ول ُيْفِلح من أخذ العلم أو القرآن‬
‫من السطور‪ ،‬بل التلقي له سر آخر")‪ ،(377‬وهذا أمر مقرر في أذهان‬
‫ل دائرة تعليمهم عنه مثقال ذرة)‪ ،(378‬وهذا ما يعطي تصورًا‬
‫المسلمين لم َتِم ْ‬
‫ه‬
‫عن مدى الواقعية الحقيقة قوله‪ ‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫وإ ِّنا ل َ ُ‬
‫ن ن َّزل َْنا الذّك َْر َ‬
‫ظون‪" ‬الحجر‪."9/‬‬
‫ف ُ َ‬
‫حا ِ‬
‫لَ َ‬
‫وثانيها‪ :‬في التزام هذه الطريقة دفع ليهام إلقاء الشيطان في ما‬
‫يتلقنه النبي ‪ ،‬من حيث واحدية الملك الملقن وعدم تغيره‪ ،‬ومن حيث‬
‫تعليمه تعليمًا تلقينيًا‪ ،‬ل تتطرق إليه شبهة الوسوسة‪ ،‬وسيأتي مزيد تفصيل‬
‫لذلك في فصل دمغ الباطل)‪. (379‬‬
‫وثالثها‪ :‬شمول التوقيفية في أداء الوحي القرآني‪ ،‬ومن ثم تبليغه‬
‫وتناقله لصل اللفظ‪ ،‬ولهيئة أدائه‪.‬‬
‫ي لحجم الجتهاد في نقل القرآن الكريم من حيث‬
‫ن أول ٌ‬
‫رابعها‪ :‬بيا ٌ‬
‫تظاهر جوانب التوقيف في النقل‪ ،‬فبقي الجتهاد محصورًا فيما تتفاوت فيه‬
‫‪ ()375‬ككونها أسهل وأسرع‪ ،‬وهي بالنظر إلى قدرة الله‪ ‬ليست أعسر إذ هي ل تعجز كلمة‬
‫‪‬كن‪ ‬مع وقوعها في أمور أخرى أقل شأنا ً من القرآن‪ ،‬ومثالها النفث في الروع‪ ،‬أو‬
‫اللهام ‪.‬‬
‫‪ ()376‬فتح القدير ‪ ،4/522‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()377‬حاشية الصاوي ‪ ،3/80‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()378‬وقد أسهب في الكلم عن ذلك المام الشاطبي في الموافقات‪ ،‬المقدمة الثانية عشرة‬
‫‪ ،1/91‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()379‬انظر‪ :‬الفصل الخامس ‪ -‬المبحث الول ‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫ج عن نطاق قدرتهم كالصوت‪ ،‬أو عدم‬
‫قدرات البشر في الداء مما هو خار ٌ‬
‫التقان ويدل له حديث التعتعة)‪.(380‬‬
‫فإن اعُترض بالقول‪ :‬ما شأن مقالة البحث‪ :‬ومقدار الجتهاد فيه ؟‬
‫وأين مكمن الجتهاد فيا وصف ؟ ‪.‬‬
‫ط في‬
‫شّ‬
‫ث واسٌع من حيث تحديُد أطره حتى ل ُي َ‬
‫فالجواب‪ :‬هذا مبح ٌ‬
‫شر هاهنا إلى ما يتعلق بالجزئية مناط البحث‪ :‬فمكمن الجتهاد‬
‫فهمها‪ ،‬ولُي َ‬
‫مع هذا التشديد في التوقيف في تلقي القرآن الكريم–حتى في هيئة استماعه‬
‫ن في الصوت الممنوح من ال‪ ‬للنسان من حيث الملحة والحسن‬
‫– كام ٌ‬
‫فقد يكون نديًا‪ ،‬أو أقل نداوة‪ ،‬وفي الصوت من الجهر والمخافتة وفي النفس‬
‫ط حتى لموضوع الجهر‬
‫الممنوح من ال‪ ،‬على أن التوقيف ضاب ٌ‬
‫ص تقيد ذلك)‪ ،(381‬ومما ُيشار إلى دخول الجتهاد‬
‫والمخافتة؛إذ وردت نصو ٌ‬
‫ت نادرة لم يرد التنصيص على كيفية النطق الجزئي لها‪ ،‬فترجع‬
‫فيه جزئيا ٌ‬
‫إلى الحالة العامة فيها على اللغة العربية‪ ،‬كمثل الوقف على أواخر الكلم‪،‬‬
‫وإدخال الروم والشمام فيه عند من يزعم أن ل نص ورد روايٌة فيها)‪،(382‬‬
‫ى فيه القواعد‬
‫ونحو الوقف والبتداء إذ أمر الجتهاد فيه واسٌع ما دام مراع ً‬
‫العامة التي وضعها علماء القراء مستقاًة من هيئات التلقين‪ ،‬فهو علٌم‬
‫توقيفي في الجملة‪ ،‬ومثله علم العدد)الفواصل( ففيه نوع اجتهاد فيما لم يرد‬
‫ص على عده‪ ،‬أو ورد فيه نصان موهمان للعد وعدمه‪ ،‬فاختلف فيه علماء‬
‫ن ٌ‬
‫‪383‬‬
‫العدد‪ ،‬لكنه قليل جدًا بل نادر إذا ما قورن بالمتفق عليه) (‪ ،‬لكن الشأن هنا‬
‫أعلى من الشأن في بقية العلوم النقلية‪ ،‬فلئن كانت تلك العلوم "كلها مستندًة‬
‫إلى الخبر عن الواضع الشرعي‪ ،‬ول مجال فيها للعقل إل في إلحاق‬
‫الفروع من مسائلها بالصول لن الجزئيات الحادثة المتعاقبة ل تندرج‬
‫تحت النقل الكلي بمجرد وضعه فتحتاج إلى اللحاق بوجه قياسي‪ ،‬إل أن‬
‫ي فرجع هذا‬
‫هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الصل وهو نقل ٌ‬
‫‪ ()380‬انظر‪ :‬المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪381‬‬
‫َ‬
‫صلت ِ َ‬
‫َ‬
‫سِبيل…‪‬‬
‫ول ت ُ َ‬
‫خا ِ‬
‫ول ت َ ْ‬
‫ف ْ‬
‫ن ذل ِك َ‬
‫غ ب َي ْ َ‬
‫ت بِ َ‬
‫ج َ‬
‫هْر ب ِ َ‬
‫ها َ‬
‫ك َ‬
‫)( كآية السراء ‪َ …‬‬
‫واب ْت َ ِ‬
‫"السراء‪ "110/‬مثل ً ‪.‬‬
‫‪ ()382‬وفي هذا نظر كبير من حيث أن القراء منعوا أشياء تجوز عربية كالشمام والروم في‬
‫المفتوح والمنصوب ‪.‬‬
‫‪ ()383‬انظر‪ :‬الشيخ عبد الفتاح القاضي‪ :‬بشير الُيسر شرح ناظمة الزهر في علم الفواصل‬
‫للمام الشاطبي ص ‪ ،5‬ط ‪1397‬هس‪1977-‬م‪ ،‬مطبوعات الزهر ‪-‬مصر ‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫القياس إلى النقل لتفرعه عنه")‪ (384‬فإن القياس هاهنا ‪-‬لشدة ضبط التلقين‬
‫للجوانب المختلفة للفظ القرآن الكريم‪ ،‬ولعدم كون الجزئيات حادثة ول‬
‫ل على مثال ضمتهما قاعدٌة‬
‫ن في قياس مثا ٍ‬
‫متعاقبة إذ كلها موجودة ‪-‬كام ٌ‬
‫كلية‪ ،‬وهو المعنى الذي أشار إليه المام الشاطبي ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في قوله في‬
‫نفي القياس العام في تلقي القراءة‪:‬‬

‫س في القراءة‬
‫وما لقيا ٍ‬
‫مدخ ٌ‬
‫ل……‪.‬فدونك ما فيه الرضا‬
‫متكفل ً‬
‫ص من القياس‪" :‬فاقتس لتنضل")‪(385‬؛ ولذا‬
‫ع مخصو ٍ‬
‫مع قوله في إثبات نو ٍ‬
‫ترى كثرًة غامرًة من الجزئيات اللفظية القرآنية آتية على غير القياس‬
‫المخصوص دللة على أصلية النقل فيها‪ ،‬ولذا احتاج الدارس للقرآن إلى‬
‫ب ليوافق الخط اللفظ‬
‫التلقين لزامًا‪ ،‬وأكد تلك الحاجة أن المصحف لم ُيْكَت ْ‬
‫تمامًا كما هو مقرر في علم الرسم بل ل بد من التلقي‪ ،‬وهو ما يجعل العمدة‬
‫ن ل من حيث هو كتاب… ‪.‬‬
‫الولى للقرآن من حيث هو قرآ ٌ‬
‫وفي خصوص الفعل العملي لتلقي النبي ‪ ‬من جبريل ‪‬فقد تقدم‬
‫ِذْكُر لمظاهره في صفات جبريل ‪‬في الفصل الول كما يظهر ذلك بارزًا‬
‫في ثنايا البحث بما يجعل هذا المر قطعيًا معلومًا من الدين بالضرورة ‪.‬‬
‫وفي خاتمة هذا المبحث يقال‪:‬‬
‫ن ن َّزل َْنا‬
‫قد جاءت آيات القيامة مفصلًة لمدلول قوله‪ ‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ف ُ‬
‫ن‪" ‬الحجر‪ ،(386)"9/‬ومن هذه اليات‬
‫حا ِ‬
‫ظو َ‬
‫ه لَ َ‬
‫وإ ِّنا ل َ ُ‬
‫الذّك َْر َ‬
‫المؤكدة المفصلة لية الحجر نأخذ‪ :‬تكفل ال المطلق بشأن هذا القرآن‪ :‬وحيًا‬
‫‪ ()384‬المقدمة لعبد الرحمن بن خلدون ‪ ،549‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()385‬انظر‪) :‬متن الشاطبية(‪ :‬باب الفتح والمالة‪ ،‬وباب الراءات‪ ،‬مرجع سابق ‪ .‬وانظر‪) :‬أبو‬
‫شامة( شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي المقدسي‪ :‬إبراز المعاني من حرز‬
‫الماني‪ ،‬دار صادر ‪ -‬بيروت‪ ،‬والشيخ عبد الفتاح القاضي ت ‪1403‬هس‪ :‬الوافي في شرح‬
‫الشاطبية في القراءات السبع‪ ،‬ط ‪1414- 5‬هس –‪1994‬م‪ ،‬مكتبة السوادي – جدة‪ ،‬مكتبة‬
‫الدار – المدينة المنورة ‪.‬‬
‫‪386‬‬
‫ن شدة وضوح هذه الية في دورانها حول اللفظ‪ ،‬وفي ذلك رد ٌ على من زعم أن‬
‫)( وبي ٌ‬
‫ف لمفهوم اللفظ ل للفظ…فإن زال اللفظ فأنى لنا‬
‫الحفظ المضمون للقرآن الكريم منصر ٌ‬
‫بمفهومه؟ ‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫ذا َ‬
‫وحفظًا وجمعًا وبيانًا‪ ،‬وهيئة تعليم‪َ ‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫قَرأ َْناهُ ‪ ،‬وإسناده إليه ‪‬‬

‫بكليته ليس للرسول من أمره إل حمله وتبليغه)‪ ،(387‬وحتى تبليغه بكيفيٍة هي‬
‫الكيفية ذاتها التي سمعها من المَلك كما تقدم مرارًا ‪.‬‬

‫‪ ()387‬وانظر‪ :‬في ظلل القرآن ‪ ،6/3770‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫المبحث دددددد‪:‬‬
‫كيفية قراءة الرسول ‪ ‬القرآن على جبريل ‪ ‬من حيث‬
‫المر الشرعي‪ ،‬والواقع التطبيقي)‪:(388‬‬
‫ت المباحث المتعلقة بنـزول الوحي‪ ،‬وكيفية تلقي النبي‬
‫وبعد أن ُذِكَر ْ‬
‫ف لما يقوم به النبي‪ ‬من‬
‫‪ ‬له‪ ،‬وسماته حين ذلك‪ ،‬كان لبد من وص ٍ‬
‫ل عند قراءته القرآن على جبريل ‪‬مذ ينـزل عليه الوحي القرآني‬
‫عم ٍ‬
‫حتى تمام العملية التعليمية‪ ،‬من حيث المر الشرعي والواقع التطبيقي…‬
‫لُيَعَلَم أي شيء كان النبي ‪ ،‬وأي شيء كان تعلمه للفاظ القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬وتعليمه…وأي قوم –بعد‪ -‬هم المسلمون‪:‬‬
‫س علي الخير منهم‪ ،‬وجعفٌر……‪.‬وحمزة‪ ،‬والسجاد ذو الثفنا ِ‬
‫ت‬
‫أنا ٌ‬
‫إذا افتخروا يومًا أتوا بمحمـٍد……‪.‬وجبريل‪ ،‬والقرآن‪ ،‬والسورات‬
‫وقد تلخص ذلك فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬تبدأ باستشعار المصدرية اللهية للقرآن الكريم‬
‫دائما ً عند قراءة القرآن الكريم‪ :‬ويظهر أنموذج هذا في قوله‬
‫وك َذَل ِ َ‬
‫صّر ْ‬
‫ك أ َن َْزل َْناهُ ُ‬
‫ن‬
‫ءاًنا َ‬
‫فَنا ِ‬
‫قْر َ‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫عَرب ِّيا َ‬
‫‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م ِذك ًْرا)‪َ (113‬‬
‫م ي َت ّ ُ‬
‫عالى‬
‫د ُ‬
‫و ِ‬
‫ح ِ‬
‫عي ِ‬
‫قو َ‬
‫فت َ َ‬
‫و يُ ْ‬
‫دل َ‬
‫ثل ُ‬
‫عل ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ع َ‬
‫ق ‪ ،‬ثم قال بعد‪ :‬ول ت َ ْ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫قْرآ ِ‬
‫َ‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ن يُ ْ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫ما‪" ‬طه‪/‬‬
‫زدِْني ِ‬
‫ق َ‬
‫لأ ْ‬
‫ل َر ّ‬
‫و ْ‬
‫عل ْ ً‬
‫حي ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ك َ‬
‫قب ْ ِ‬
‫ب ِ‬
‫َ‬
‫ه‪ ‬على‬
‫‪ "114‬فأكد على المصدرية اللهية في عدة ألفاظ‪:‬أنَزل َْنا ُ‬
‫صّر ْ‬
‫فَنا‪،‬‬
‫و َ‬
‫الرغم من أن المباشر للنزال هو جبريل ‪َ ، ‬‬
‫‪‬نقضي‪ ‬في قراءة يعقوب على الرغم من أن المباشر للقراءة هو‬

‫جبريل‪ ،‬وأشار إلى تفرده بهبة المنح اللهية‪ ،‬ورأسها القرآن الكريم‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫ما‪ ،‬ثم وسط بين اليتين بقوله‬
‫زدِْني ِ‬
‫ل َر ّ‬
‫عل ْ ً‬
‫‪َ ‬‬
‫ب ِ‬
‫مل ِ ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫ق‪ ‬وهي جملة اعتراضية‪ ،‬وفي‬
‫ك ال ْ َ‬
‫فت َ َ‬
‫ح ّ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫عاَلى الل ّ ُ‬
‫تفريع الجملة العتراضية على إنزال القرآن إشارٌة أيضًا إلى أن القرآن‬
‫قانون ذلك الملك‪ ،‬وأن ما جاء به هو السياسة الكاملة الضامنة صلح‬

‫‪‬‬

‫نبيه ‪‬‬
‫‪ُ ()388‬أريد بالمر الشرعي‪ :‬مجموع التوجيهات الشرعية التي أمر الله‬
‫ُ‬
‫بتطبيقها وأن يقرأ القرآن بها من حيث انتماؤها إلى الحكام الخمسة‪ ،‬وأريد بالواقع‬
‫التطبيقي‪ :‬واقع النبي‪ ‬من حيث التزامه بتلك التوجيهات‪ ،‬والهدف من ذلك كما سُيذكر‬
‫أعله التأكيد على التوقيفية في لفظ القرآن وأدائه‪ ،‬بالضافة إلى الهداف المنهجية الخرى ‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫أحوال متبعيه في الدنيا والخرة)‪ ،(389‬وفي هذا السبيل ترى التعبير عن‬
‫إنزال القرآن يرجع إلى هذه المصدرية عند الكلم على النازل‪ ،‬والمنـَزل‬
‫به‪ ،‬والمنـَزل عليه ‪.‬‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ومن الشارة إلى هذه المصدرية‪َ :‬‬
‫ك‪:‬‬
‫ه َ‬
‫ه ن َّزل َ ُ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫‪ُ ‬أِمَر بإخبار اليهود عن نفسه؛‬
‫لم يقل فإنه نزله على قلبي مع أن محمدًا‬
‫ل أن يحكي ما له عن نفسه أن تخرج‬
‫لن من شأن العرب إذا أمرت رج ً‬
‫فعل المأمور مرة مضافًا إلى كناية نفس المخبر عن نفسه إذا كان المخبر‬
‫عن نفسه‪ ،‬ومرة مضافًا إلى اسمه كهيئة كناية اسم المخاطب؛ لنه وإن‬
‫ب مأموٌر بحكاية ما قيل له)‪ ،(390‬كما‬
‫كان مأمورًا بقيل ذلك فهو مخاط ٌ‬
‫قال الزمخشري موضحًا لذلك‪" :‬جاءت على حكاية كلم ال‪ ‬كما تكلم به‬
‫كأنه قيل‪ :‬قل ما تكلمت به من قولي‪ :‬من كان عدوًا‬
‫لجبريل‪. (391)"‬ولهذا حكمة عظيمة من حيث التأكيد على المصدرية‬
‫اللهية للقرآن‪ ،‬والدقة المتناهية في نقله من السماء إلى الرض‪،‬‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ك‪ ‬بالخطاب…ولو قال )على‬
‫‪ ‬اقتضت‬
‫فحكاية كلم ال‬
‫‪َ ‬‬
‫ت لقلب‬
‫قلبي( لقيل هذه دعوى‪ ،‬لم يبينها لنا ربك‪ ،‬ولم يقلها… ثم فيه تثبي ٌ‬
‫الرسول‪ ، ‬وطمأنٌة له من أن تزعزعه كثرة تشكيكات أهل الكتاب‬
‫ومن والهم‪ ،‬فكأن الخطاب من ال‪ ‬للرسول‪ ‬قصدًا له‪ ،‬ل لخصومه‬
‫من أهل الكتاب…وهم مقصودون تبعًا ل استقلًل‪ ،‬وذا يوائم قوله‪‬‬
‫ؤادَ َ‬
‫‪…‬ك َذَل ِ َ‬
‫وك ُل ً ن َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ف َ‬
‫ص‬
‫ت بِ ِ‬
‫ك ل ِن ُث َب ّ َ‬
‫ق ّ‬
‫ك…‪"‬الفرقان‪َ  "32/‬‬
‫جاءَ َ‬
‫ؤادَ َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫ف َ‬
‫في‬
‫ن أ َن َْبا ِ‬
‫َ‬
‫ك ِ‬
‫ت بِ ِ‬
‫ك ِ‬
‫و َ‬
‫ما ن ُث َب ّ ُ‬
‫ء الّر ُ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫ك َ‬
‫س ِ‬
‫م ْ‬
‫ن‪" ‬هود‪. "120/‬‬
‫عظَ ٌ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫ؤ ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫مِني َ‬
‫وِذك َْرى ل ِل ْ ُ‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫ة َ‬
‫م ْ‬
‫ق َ‬
‫ه‪" ‬البقرة‪ "97/‬مؤكد‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫والكلم في الباء في قوله‪:‬ب ِإ ِذْ ِ‬

‫لما ُذِكر‬
‫هنا‪ ،‬وقد تقدم) ( ‪.‬‬
‫‪392‬‬

‫‪ ()389‬التحرير والتنوير ‪ ،16/316‬مرجع سابق‪ ،‬وراجع روح المعاني ‪ ،16/391‬مرجع سابق‪،‬‬
‫والبحر المحيط لبي حيان ‪ ،6/281‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()390‬الطبري ‪ ،1/436‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()391‬الكشاف ‪ ،1/84‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()392‬انظر‪ :‬المبحث الثالث من هذا الفصل ‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫ولتأكيد التقرير هنا فلُتَتأّمل هذه المصدرية في أول سورة نزلت في‬
‫قوله‪ ‬ا ْ ْ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫ق‪" ‬العلق‪ ،"1/‬فالباء لها ثلثة‬
‫ذي َ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫قَرأ ِبا ْ‬
‫خل َ َ‬
‫أوجه من التفسير‪:‬‬
‫‪ -1‬إما أن تكون للستعانة‪ ،‬والجار والمجرور متعلقان بالفعل )اقرأ(‪ ،‬أي‬
‫اقرأ مستعينًا بذكر اسم ربك‪.‬‬
‫‪ -2‬وإما أن تكون للمصاحبة‪ ،‬والجار والمجرور في موضع الحال من‬
‫ضمير اقرأ الثاني مقدمًا على عامله للختصاص‪ ،‬أي اقرأ ما سيوحى إليك‬
‫مصاحبًا قراءتك اسم ربك‪ ،‬فالمصاحبة مصاحبة الفهم والملحظة لجلله‪،‬‬
‫ويكون هذا إثباتًا لوحدانية ال‪ ‬باللهية ‪.‬‬
‫ْ‬
‫قن َ‬
‫طاٍر‪‬‬
‫ه بِ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫م ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن ت َأ َ‬
‫‪ -3‬وإما أن تكون بمعنى على كقوله‪َ  ‬‬
‫"آل عمران‪ "75/‬أي على قنطار‪ ،‬والمعنى اقرأ على اسم ربك‪ ،‬أي على إذنه‪،‬‬
‫ل من ربك)‪.(393‬‬
‫أي أن الملك جاء على اسم ربك أي مرس ً‬
‫ثم تتجلى هذه المصدرية في موقف تعليمه القراء في إضافة اسم‬
‫إلى السم الظاهر )ربك( المضاف إلى الكاف‪ ،‬ثم تجلت تارة أخرى في‬
‫قوله‪ ‬ا ْ ْ‬
‫وَرب ّ َ‬
‫ك ال َك َْرُم…‪ ‬الثلث اليات كالستئناف‬
‫قَرأ َ‬
‫البياني‪ ،‬كأنه الرسول‪ ‬قال‪ :‬وكيف اقرأ‪ ،‬ولست بقارئ ؟ فأجيب‪ :‬الذي‬
‫علم القراءة بالقلم‪ ،‬يعلمك ما لم تعلم‪ ،‬ول عجب في أن تقرأ‪ ،‬إذ العلم‬
‫يحصل بوسائل أخرى مثل الملء والتلقين واللهام‪ ،‬وتأمل في وصفه ‪‬‬
‫في هذا الموقف بالكرم… ‪.‬‬
‫واستشعار المصدرية اللهية للقرآن له مقتضياته الهامة‪ ،‬وفيما‬
‫يتعلق بمدار البحث هنا تبرز المقتضيات التالية‪:‬‬
‫أ‪ -‬يقذف في قلب النسان كل ما تصل إليه مشاعره الداخلية وانفعالته‬
‫العاطفية وحركات أركانه الخارجية من التعظيم ل‪ ،‬وبذل الوسع في‬
‫تحقيق كلمه‪ ،‬وقد نقل اللوسي عن الطيبي ما يؤكد هذا من حيث اللفظ‪،‬‬
‫ل …‪ ‬عطف على قوله ‪َ  ‬‬
‫ج ْ‬
‫عاَلى‬
‫فت َ َ‬
‫ع َ‬
‫فمما قاله‪" :‬ول ت َ ْ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ق‪ ‬لما فيه من إنشاء التعجب‪ ،‬فكأنه قيل‪ :‬حيث‬
‫ك ال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ظْم‬
‫نبهت على عظمة جللة المنـِزل‪ ،‬وأرشدت إلى فخامة المنـَزل‪ ،‬فَع ّ‬
‫‪ ()393‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،30/436‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر‪ :‬تفسير الثعالبي ‪ ،427 /4‬مرجع‬
‫سابق ‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫جنابه الملك الحق المتصرف في الملك والملكوت‪ ،‬واقبل بكلك على‬
‫تحفظ كتابه‪ ،‬وتحقق مبانيه‪ ،‬ول تعجل به")‪ ،(394‬وقال سيد‬
‫قطب‪":‬فتعالى ال الملك الحق الذي تعنو له الوجوه‪ ،‬ويخيب في‬
‫حضرته الظالمون‪ ،‬ويأمن في ظله المؤمنون الصالحون‪ ،‬هو منـٍزل هذا‬
‫القرآن من عليائه‪ ،‬فل يعجل به لسانك‪ ،‬فقد أنزل القرآن لحكمة ولن‬
‫يضيعه‪ ،‬إنما عليك أن تدعو ربك ليزيدك من العلم‪ ،‬وأنت مطمئن إلى ما‬
‫يعطيك‪ ،‬ل تخشى عليه الذهاب‪ ،‬وما العلم إل ما يعلمه ال؛ فهو الباقي‬
‫الذي ينفع ول يضيع‪ ،‬ويثمر ول يخيب")‪. (395‬‬
‫ب‪ -‬استمداد العون والتوفيق في تحقيق لفظه‪ ،‬وإتقان مبناه)‪،(396‬‬
‫سّيه أو تفلته من قائله ‪ ،‬ومنـزله جل شأنه ولذاك كانت خاتمة‬
‫وعدم ِن ِ‬
‫آية طه بالدعاء‪ ،‬ومما يعضد هذا المفهوم ما أعقب ال –جل ذكره‪ -‬لية‬
‫ول َ َ‬
‫م‬
‫طه من ِذْك ٍ‬
‫قد ْ َ‬
‫هدَْنا إ َِلى آدَ َ‬
‫ر لقصة آدم ‪ ،‬حيث قال‪َ :‬‬
‫ع ِ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫عْزًما‪" ‬طه‪ ،"115/‬ونسيان آدم‬
‫ه َ‬
‫فن َ ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫جدْ ل َ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫م نَ ِ‬
‫ي َ‬
‫س َ‬
‫س‪ ،‬وذلك عندما ُوِكل إلى نفسه في‬
‫‪ ‬هنا كان لمٍر واحٍد محسو ٍ‬
‫ظ؟‪ ،‬ولذا فليرجع النبي‪‬‬
‫المراقبة‪ ،‬فكيف سيكون النسيان لمتعدٍد ملفو ٍ‬
‫إلى ربه فيستعين على تحمل القرآن وحفظه وأدائه‪ ،‬فكأنه لما مدح ‪‬‬
‫القرآن‪ ،‬وحرض على استعمال التؤدة والرفق في أخذه‪ ،‬وعهد على‬
‫ل للنسيان وترك‬
‫العزيمة بأمره‪ ،‬وترك النسيان فيه ضرب حديث آدم مث ً‬
‫العزيمة)‪ ،(397‬وذكر ابن عطية‪ :‬أن في ذلك مزيد تحذير للنبي‪ ‬عن‬
‫العجلة لئل يقع فيما ل ينبغي‪ ،‬كما وقع آدم‪.(398)‬‬
‫كان ذلك فحوى المر اللهي ‪.‬‬
‫والصورة التطبيقية لهذا قبل التوقيف القرآني على هيئة تلقي القرآن‬
‫لستشعار هذه المصدرية‪ :‬تعجل النبي ‪ ‬نزول القرآن واستكثاره منه‪،‬‬

‫‪ ()394‬روح المعاني ‪ ،16/393‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()395‬في ظلل القرآن ‪ ،4/2353‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()396‬لم ي َُتكلم عن المعنى؛ إذ ليس مدار البحث‪ ،‬كما سبق ‪.‬‬
‫‪ ()397‬انظر‪ :‬روح المعاني ‪ ،16/393‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪) ()398‬ابن عطية( أبو محمد عبد الحق بن عطية الندلسي‪ :‬المحرر الوجيز في تفسير الكتاب‬
‫العزيز ‪ ،10/99‬تحقيق وتعليق‪ :‬عبد الله ابن إبراهيم النصاري‪ ،‬السيد عبد العال السيد‬
‫إبراهيم‪ ،‬ط ‪1406 ،1‬هس – ‪1985‬م ‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫َ‬
‫ن َ‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫لأ ْ‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫قْرآ ِ‬
‫إذ ورد في تفسير قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫يُ ْ‬
‫حيُه‪ ‬ثلث تفسيرات‪:‬‬
‫ق َ‬
‫و ْ‬
‫ك َ‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ج َ‬
‫ه‪‬‬
‫ل بِ ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ع َ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫أحدها‪ :‬أنها كقوله تعالى ‪‬ل َ ت ُ َ‬
‫ه لِ َ‬

‫‪.‬‬

‫ي للنبي ‪ ‬عن استعجال نزول القرآن‪ ،‬لنه ما يتنـزل‬
‫والثاني‪ :‬أنها نه ٌ‬
‫إل بأمر ربه ‪ ،‬وليس للنبي‪ ‬من المر شيء‪ ،‬ويدل له حبه‪‬‬
‫للوحي‪ ،‬وتشوقه إليه‪ ،‬قال صاحب التحرير والتنوير‪":‬لما كان النبي‪‬‬
‫حريصًا على صلح المة شديد الهتمام بنجاتـهم؛ ل جرم خطرت بقلبه‬
‫الشريف عقب سماع تلك اليات رغبًة‪ ،‬أو طلبًة في الكثار من نزول‬
‫القرآن‪ ،‬وفي التعجيل به إسراعًا بعظة الناس وصلحهم‪ ،‬فعلمه ال‪‬‬
‫أن يكل المر إليه")‪. (399‬‬
‫والصورة التطبيقية بعد التوقيف القرآني على هيئة تلقي القرآن‪:‬‬
‫هو استراحة النبي ‪ (400)‬من خوف تفلت القرآن منه‪ ‬بعد تكفل ال‪‬‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫ما‪ ،‬واتباع‬
‫زدِْني ِ‬
‫ل َر ّ‬
‫عل ْ ً‬
‫بعدم ذلك‪ ،‬والكثار من دعاء ‪َ ‬‬
‫ب ِ‬
‫ما أوقفه القرآن من هيئات في حفظه‪ ،‬وعدم استعجال نزول القرآن عليه‬
‫إذ لكل أجل كتاب‪ ،‬وإرجاع كل فضل ينـزله ال‪ ‬على نبيه‪ ‬لمنـِزله‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫ب‬
‫ل َر ّ‬
‫‪ ،‬وقد قال أبو حيان ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في قوله‪َ  ‬‬
‫ما‪" :‬وهذا القول متضمن للتواضع ل‪ ،‬والشكر له على‬
‫زدِْني ِ‬
‫عل ْ ً‬
‫ِ‬
‫ما علم من ترتيب العلم‪ ،‬أي كما علمتني مآرب لطيفة في باب التعلم‪،‬‬
‫ل ما كان عندي فزدني علمًا")‪. (401‬‬
‫وأدبًا جمي ً‬
‫ج‪ -‬على أن من أهم مقتضيات المصدرية اللهية التي حفت بالحقائق‬
‫السابقة تؤدي إلى حقيقة الحق في إنزال القرآن وتلقينه للرسول‪‬‬
‫َ‬
‫ه‬
‫وِبال ْ َ‬
‫ق أنَزل َْنا ُ‬
‫ح ّ‬
‫وتلقيه من جبريل ‪‬وهو معنى قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫‪ ()399‬التحرير والتنوير ‪ ،19/316‬مرجع سابق‪ ،‬ونقل اللوسي ‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬نحوه عن‬
‫الماوردي‪ ،‬وتراجع هذه المصادر لمعرفة التفسير الثالث ‪.‬‬
‫‪ ()400‬كما عبر ابن عباس ‪‬في حديث المعالجة‪ ،‬انظر‪ :‬المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()401‬البحر المحيط ‪ ،6/281‬مرجع سابق‪ ،‬ولعله ناقل عن الكشاف ‪ ،2/448‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪157‬‬

‫ق ن ََز َ‬
‫ل‪" ‬السراء‪ ،"105/‬وحقيقة الحق هي أولى دعائم‬
‫وِبال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫التوقيف في نقل القرآن الكريم ‪.‬‬
‫‪-2‬الستماع والطراق عند تلوة جبريل‪ ‬عليه‪ :‬وذلك‬
‫ع ُ‬
‫قَرأ َْناهُ َ‬
‫ذا َ‬
‫تنفيذًا لقوله‪َ  ‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫قْرآن َُه‪" ‬القيامة‪ "18/‬على‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫ما تقدم)‪. (402‬‬
‫والصورة التطبيقية لذلك ما قاله ابن عباس‪: ‬فكان رسول ال ‪‬‬
‫بعد ذلك إذا أتاه جبريل‪ ‬استمع ]وأطرق[ ‪.‬‬
‫وهذا هو الساس الشرعي والمنهجي في جعل القراءة البتدائية من‬
‫الشيخ أو عليه مع نظر الطالب في المصحف هي أول خطوات حفظ‬
‫القرآن)‪ (403‬كما تقدم في التلقين والتلقي)‪.(404‬‬
‫والستماع والنصات يحقق نتائج ترفع من مستوى الستيعاب‬
‫المنهجي للفاظ القرآن الكريم‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫خ لستشعار المصدرية اللهية‪ ،‬من حيث الطمأنينة وعدم‬
‫أ‪ -‬أن ذلك ترسي ٌ‬
‫الجزع‪ ،‬أو الخوف على فوات شيء من القرآن لعموم الوعد اللهي بالحفظ‬
‫لكتابه‪ ،‬ثم لخصوص الوعد اللهي بجمع القرآن في صدر النبي ‪ ‬وعدم‬
‫نسيه له إلى أن يبلغه‪ ،‬ثم عدم نسيه له نسيانًا كليًا ‪.‬‬
‫ل‪،‬‬
‫ل‪ ،‬ومح ً‬
‫ب‪ -‬أن ذلك أقوى في استيعاب لفظ الية‪ ،‬ومن ثم حفظها أص ً‬
‫ووضعًا‪ ،‬وأداًء ‪.‬‬
‫ج‪ -‬أن ذلك أقوى في استيعاب معنى الية‪ ،‬وَفْهِمها بعكس الترديد خلف‬
‫جبريل ‪ ‬فإنه باعث على الضطراب والرتباك‪ ،‬وخاصًة إن اقترن‬
‫ع يلحق‪ ،‬قال اللوسي ‪-‬رحمه ال‬
‫الترديُد لموضع سبق بالستماع لموض ٍ‬
‫‪405‬‬
‫تعالى‪":-‬إنه ربما يشغل التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها") (‪ ،‬وقال أبو‬

‫‪ ()402‬انظر‪ :‬المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫فُر هذه الخطوة عند من يوثق به من الطلب فتكون قراءته على الشيخ هي‬
‫‪ ()403‬وقد ت ُغْت َ َ‬
‫قراءة الحفظ مباشرة كما تقدم في المبحث السابع ‪.‬‬
‫‪ ()404‬انظر المبحث السابع من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()405‬روح المعاني ‪ ،16/392‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫السعود ‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬إن استقرار اللفاظ في الذهان تابع لستقرار‬
‫معانيها فيها‪ ،‬وربما يشغل المتلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها")‪. (406‬‬
‫‪-3‬ترديد القرآن بعد انتهاء جبريل‪‬من قراءته‪،‬‬
‫ليطمئن القلب بتحفظه‪ :‬وهو صريح في المر القرآني‪،‬‬
‫و ُ‬
‫قْرآن َُه‪ ‬كما تقدم)‪ ،(407‬وقال‬
‫ن َ‬
‫والوعد اللهي ‪‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫قْرآ ِ‬
‫الزمخشري ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في قوله‪َ  ‬‬
‫َ‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫َ‬
‫حي ُُه…‪" ‬طه‪":"114/‬لما ذكر القرآن‬
‫ق َ‬
‫لأ ْ‬
‫و ْ‬
‫ك َ‬
‫قب ْ ِ‬
‫وإنزاله قال على سبيل الستطراد‪" :‬وإذا لقنك جبريل ‪‬ما ُيوحى إليك‬
‫ن عليه ريثما يسمعك ويفهمك‪ ،‬ثم أقبل عليه بالتحفظ بعد‬
‫من القرآن‪ ،‬فتأ ّ‬
‫حّر ْ‬
‫ه‬
‫ك بِ ِ‬
‫ذلك‪ ،‬ولتكن قراءتك مساوقًة لقراءته‪ ،‬ونحوه قوله‪ ‬ل ت ُ َ‬
‫سان َ َ‬
‫ج َ‬
‫ه‪. (408)"‬‬
‫ل بِ ِ‬
‫ع َ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫لِ َ‬
‫والصورة التطبيقية لذلك ما وصفه ابن عباس‪ ‬في حديث‬
‫المعالجة‪ :‬فإذا انطلق جبريل‪ ‬قرأه النبي‪. … ‬‬
‫‪-4‬تحريك فمه وشفتيه عند الحفظ أو القراءة‪ :‬وهذا‬
‫مأخوٌذ من منطوق آيات القيامة‪ ،‬ومن مفهوم حديث المعالجة وقد مضى‪،‬‬
‫ومن الحديث التي في الجهر بالقرآن ‪.‬‬
‫ل‪ ،‬في القراءة الترسل‬
‫‪) -5‬الترتيل()‪ (409‬تبيين الحروف‪ :‬الّتْرِتي ُ‬
‫فيها‪ ،‬والتبيين بغير بغي)‪ ،(410‬وقد عرفه مجاهدبقوله في قوله‪:‬‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ن ت َْرِتيل ً‪ ‬قال‪" :‬بعضه أثر بعض على‬
‫قْر َ‬
‫ءا َ‬
‫وَرت ّ ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫‪412‬‬
‫‪411‬‬
‫تؤدة") (‪ ،‬وعن قتادة قال‪" :‬بينه بيانًا") (‪.‬‬
‫‪ ()406‬تفسير أبي السعود ‪ ،3/668‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر‪ :‬تفسير أبي حيان ‪ ،6/281‬فتح القدير‬
‫‪ ،3/487‬أضواء البيان ‪ ،4/518‬تفسير القرطبي ‪ ،11/250‬تفسير ابن كثير ‪ ،3/148‬مراجع‬
‫سابقة‪ ،‬وذكر ابن كثير حديث أبي هريرة ‪] ‬اللهم انفعني بما علمتني‪ ،‬وعلمني ما ينفعني‪،‬‬
‫وزدني علمًا‪ ،‬والحمد لله على كل حال[ ‪.‬‬
‫‪ ()407‬انظر‪ :‬حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()408‬الكشاف ‪ ،2/488‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ( )409‬حكم الترتيل‪ ،‬وتحليل عناصره الذاتية والطارئة ليس من ميدان البحث‪ ،‬ولذا لن يكون‬
‫توسع في ذلك ‪.‬‬
‫‪ ()410‬مختار الصحاح ص ‪ ،98‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()411‬رواه الطبري قال ابن حجر‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬في فتح الباري شرح صحيح البخاري‬
‫‪ ،9/89‬مرجع سابق‪" :‬بسند صحيح" ‪.‬‬
‫‪ ()412‬تفسير الطبري ‪ ،127 /28‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪159‬‬

‫فالترتيل يتضمن عنصرين يشكلن ماهيته الذاتية‪ ،‬هما‪ :‬التأني‬
‫)التؤدة(‪ ،‬وتبيين الحروف وهما متلزمان‪ ،‬وهما يقتضيان أمرًا ثالثًا‪ :‬هو‬
‫إشباع الحركات‪ ،‬ويستلزم الترتيل أمرًا رابعًا هو‪ :‬السكينة والوقار التي‬
‫تميز قارئ القرآن عن مطرب اللحان‪ ،‬فاجتمعت في الترتيل أربع‬
‫ضَمنات‪ :‬التأني والتؤدة‪ ،‬وتبيين الحروف‪ ،‬وإشباع الحركات‪ ،‬والسكينة‬
‫مت َ‬
‫‪413‬‬
‫والوقار) (‪.‬‬
‫وللطبيعة التفصيلية لهذا المبحث من حيث معرفة كيف علم جبريل‬
‫‪‬النبي ‪ ‬القرآن من حيث اللفظ فإنه سُيْفَرُد لكل من العنصرين‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ن‬
‫قْر َ‬
‫ءا َ‬
‫وَرت ّ ِ‬
‫الولين بند مستقل من خلل تحليل قوله ‪َ … ‬‬
‫ت َْرِتيل ً ‪" ‬المزمل‪ ،"4/‬وأما الخيرين فالشارة العابرة لهما في مقاٍم كذا‬
‫حظ التصريح بها جميعًا آتيًا في كلم العلماء مما سيرد‬
‫المقام كافية‪ ،‬وُيل َ‬
‫في البحث عند الكلم عن العنصرين الولين ‪.‬‬
‫فأما تبيين الحروف فهو لزم التؤدة والتأني؛ إذ من غايات التأني‪:‬‬
‫تفصيل الحروف‪ ،‬قال اللوسي‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬اقرأه على تؤدة وتمهل‬
‫وتبيين حروف‪ ،‬بحيث يتمكن السامع من عدها‪ ،‬من قولهم )ثغر َرِتل( إذا‬
‫كان مفلجًا لم تتصل أسنانه بعضها ببعض‪ ،‬وأخرج العسكري عن علي في‬
‫المواعظ أن رسول ال سئل عن هذه الية فقال‪ :‬بينه تبيينًا‪ ،‬ول تنثره نثر‬
‫الدقل‪ ،‬ول تهذه هذ الشعر‪ ،‬قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ول يكن هم‬
‫أحدكم آخر السورة")‪ ،(414‬وعند الشوكاني‪" :‬اقرأه حرفًا حرفًا"‪ ،‬قال‬
‫الزجاج‪" :‬هو أن يبين الحروف‪ ،‬ويوفيها حقها من الشباع‪ ،‬وأصل الترتيل‪:‬‬
‫التنضيد والتنسيق وحسن النظام‪ ،‬وتأكيد المصدر بالفعل يدل على المبالغة‬
‫على وجه ل يلتبس فيه بعض الحروف ببعض‪ ،‬ول ينقص من النطق من‬
‫مخرجه المعلوم‪ ،‬مع استيفاء حركته المعتبرة")‪ ،(415‬وقال الطبري‪" :‬بينه‬
‫‪416‬‬
‫ل‬
‫تبيينًا‪ ،‬وترسل فيه ترس ً‬
‫وَرت ّ ِ‬
‫ل") (‪ ،‬وقال ابن حجر‪":‬قوله‪َ …  ‬‬
‫‪ ()413‬وذا موضح التأصيل الشرعي لمراتب القراءة المعروفة في علم التجويد ‪.‬‬
‫‪ ()414‬روح المعاني ‪ ،29/178‬مرجع سابق‪ ،‬ونحوه عند أبي السعود ‪ ،5/412‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()415‬تفسير الشوكاني ‪ ،5/387‬ونحوه القرطبي ‪ ،19/36‬مرجع سابق‪ ،‬وقال سيد قطب –‬
‫ن‬
‫وهو المعروف قدره في اللغة العربية‪":-‬وترتيل القرآن وهو مد الصوت به‪ ،‬وتجويده بل تغ ٍ‬
‫ر‪ ،‬ول تخلٍع في التنغيم" ‪.‬‬
‫ول تط ٍ‬
‫‪ ()416‬تفسير الطبري ‪ ،29/126‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫ال ْ ُ‬
‫ل بتبيين الحروف‪ ،‬وإشباع‬
‫ن ت َْرِتيل‪ ‬أي اقرأه مترس ً‬
‫قْر َ‬
‫ءا َ‬
‫الحركات")‪. (417‬‬
‫وفي القرآن الكريم تذكر لنا صورة تطبيقية ملئكية)‪ (418‬لمبدأ الترتيل‬
‫في قول ال‪َ… ‬وَرت ّل َْناهُ ت َْرِتيل ً‪" ‬الفرقان‪ "32/‬فهو خبر عن المل‬
‫ف؛ فإن هيئة قراءة القرآن يجب أن تتماثل‪ ،‬ولم‬
‫العلى‪ ،‬ولن القراءة توقي ٌ‬
‫يأخذها جبريل ‪‬في المل العلى إل عن ال‪ ،‬فحكى ال‪ ‬كيفية قراءة‬
‫جبريل‪ ‬ثم أمر النبي‪ ‬بقراءة القرآن على الهيئة ذاتها فقال ‪…: ‬‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ن ت َْرِتيل ً‪ ‬وصلة ما بين خبر المل العلى‪ ،‬والمر‬
‫قْر َ‬
‫ءا َ‬
‫وَرت ّ ِ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫وَرت ّ ِ‬
‫اللهي الكريم مضمٌر تدل عليه الخبار الخرى والتقدير‪َ …:‬‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن…‪ ،‬وذلك على نسق ما سمعته من جبريل‪‬إذ قد رتلناه على‬
‫قْر َ‬
‫ءا َ‬
‫ص بترتيل القرآن ترتيلً‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وفي أضواء البيان‪" :‬هذه الية ن ٌ‬
‫لسانه ترتي ً‬
‫‪419‬‬
‫وأكد بالمصدر تأكيدًا لرادة هذا المعنى) (كما قال ابن مسعود‪:‬ل‬
‫تنثروه نثر الدقل‪ ،‬ول تهذوه هذ الشعر‪ ،‬قفوا عند عجائبه‪ ،‬وحركوا به‬
‫القلوب‪ ،‬ول يكن هم أحدكم آخر السورة")‪. (420‬‬
‫والصورة التطبيقية لذلك‪ :‬ما وصف صحابة رسول ال‪ ‬كلم نبي‬
‫ال‪ ‬حيث كان يرتل كلمه‪ ،‬ويترسل فيه فجابر بن عبد ال‪ ‬يقول‪:‬‬
‫‪421‬‬
‫)كان في كلم رسول ال ‪ ‬ترتيل أوترسيل() (‪ ،‬وعن عائشة ‪-‬رضي‬
‫ال تعالى عنها‪) :-‬أن النبي‪ ‬كان يحدث حديثًا لوعده العاد لحصاه لم يكن‬
‫ت على أبي هريرة ‪‬سرعة‬
‫يسرد الحديث كسردكم()‪ ،(422‬وأنكر ْ‬
‫ت عليه‪،‬‬
‫حديثه‪ ،‬وقالت‪) :‬ولو أدركته لرددت عليه()‪ ،(423‬أي لنكر ٌ‬
‫ت له أن الترتيل في التحديث أولى من السرد‪ ،‬فقولها "لم يكن يسرد‬
‫وبين ْ‬
‫ل بعضه إثر بعض لئل يلتبس‬
‫الحديث كسردكم أي يتابع الحديث استعجا ً‬
‫‪ ()417‬فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،3/23‬مرجع سابق‪ ،‬وقال في ‪" :9/89‬تبيين حروفها‬
‫والتأني في أدائها‪ ،‬ليكون أدعى إلى فهم معانيها " ‪.‬‬
‫‪ ()418‬واغتفرت النسبة إلى الجمع خوفا ً من اللبس ‪.‬‬
‫‪ ()419‬واستدل صاحب التحرير والتنوير ‪ ،316 /29‬مرجع سابق‪ :‬بالمصدر على تأكيد إرادة‬
‫المعنى‪ ،‬وفي هذا رد على من يتوهم الترتيل هنا بمعنى التنجيم ‪.‬‬
‫‪ ()420‬أضواء البيان ‪ ،8/610‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()421‬سنن أبي داود ‪ ،260 /4‬مرجع سابق‪ ،‬قال الشيخ اللباني‪ :‬صحيح ‪.‬‬
‫‪ ()422‬صحيح البخاري ‪ ،3/1307‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()423‬صحيح البخاري ‪ ،1307 /3‬مرجع سابق‪ ،‬صحيح مسلم ‪ ،1940 /3‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪161‬‬

‫على المستمع‪ ،‬زاد السماعيلي من رواية بن المبارك عن يونس‪) :‬إنما‬
‫ل فهمًا تفهمه القلوب(")‪ ،(424‬وقال في‬
‫كان حديث رسول ال ‪ ‬فص ً‬
‫موضع آخر‪" :‬قولها )لو عده العاد لحصاه( أي لوعد كلماته‪ ،‬أو‬
‫مفرداته‪ ،‬أو حروفه لطاق ذلك‪ ،‬وبلغ آخرها‪ ،‬والمراد بذلك المبالغة في‬
‫الترتيل والتفهيم")‪. (425‬‬
‫وإذا كان ذا في حديثه المعتاد‪ ،‬فكيف في تلوة كلم ال‪ ‬؟ ‪.‬‬
‫وإنما ابتدأ البحث بحديث جابر‪ ‬حتى ل َيِرَد على جوهر التقرير‬
‫هاهنا أن الترتيل قد يراد به التفريق في النزال )التنجيم(‪ ،‬فحديث جابر‬
‫‪ ‬يرده‪ ،‬وإن كان المعنى الذي قيل وارٌد‪ ،‬لكن في غير ذا المكان)‪. (426‬‬
‫وتصف أم سلمة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬الصورة التطبيقية لترتيل‬
‫الرسول ‪)‬بأن قراءة رسول ال ‪ ‬كانت‪ :‬بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫الحمد ل رب العالمين يعني كلمة كلمة()‪ ،(427‬وعن ابن أبى مليكة أن‬
‫بعض أزواج النبي ‪‬ول أعلمها إل حفصة سئلت عن قراءة رسول ال‬
‫ن‪‬‬
‫عال َ ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ه َر ّ‬
‫‪‬فقالت‪) :‬إنكم ل تطيقونها قالت‪ :‬ال ْ َ‬
‫مي َ‬
‫ح ْ‬
‫تعني الترتيل)‪ ،(428‬وقد صرح متتبعو سننه بأن الترتيل عادته في‬
‫قراءته‪ ،‬ويقرنون ذلك بعادته في اعتدال أركانه في الصلة)‪ ،(429‬قال ابن‬
‫حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪":-‬ومن المعلوم من عادته ‪‬ترتيل القراءة‪ ،‬وتعديل‬
‫الركان")‪. (430‬‬
‫‪ ()424‬فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،6/579‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()425‬فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،6/578‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫ل في عرف العلماء في هذا المعنى ل في معنى التفريق )التنجيم( ففي‬
‫‪ ()426‬وصار الترتيل مستعم ً‬
‫سنن البيهقي الكبرى ‪ ،1/427‬مرجع سابق‪ ،‬أن أبا سعيد الخدري‪‬قال‪) :‬إني أراك تحب الغنم‬
‫والبادية‪ ،‬فإذا كنت في غنمك وباديتك‪ ،‬فأذنت بالصلة‪ ،‬فارفع صوتك بالنداء‪ ،‬فإنه ل يسمع مدى‬
‫ن ول إنس‪ ،‬ول شيء إل شهد له يوم القيامة ‪-‬قال أبوسعيد ‪:-‬سمعته من رسول ال‬
‫صوت المؤذن ج ٌ‬
‫‪‬رواه البخاري‪ ،‬قال الشافعي‪ :‬والترغيب في رفع الصوت‪ ،‬يدل على ترتيل الذان" وفيها أيضًا‬
‫‪‬قال الشافعي‬
‫ن َتْرِتيلً‬
‫‪َ…‬وَرّتِل اْلُقْرَءا َ‬
‫‪ ،2/52‬مرجع سابق‪" :‬باب كيف قراءة المصلى قال ال‬
‫رحمه ال تعالى‪" :-‬الترتيل ترك العجلة في القرآن عن البانة" ‪ .‬وتبيين الحروف‪ ،‬وإشباع‬‫ف حقه ومكانته ‪.‬‬
‫ض نوعًا من التفريق بين الحروف تضبطه المشافهة لُيعطى كل حر ٍ‬
‫الحركات مقت ٍ‬
‫‪ ()427‬سنن البيهقي الكبرى ‪ ،2/44‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()428‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،6/286‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()429‬وفيه بيان ماهية الترتيل في عرفهم‪ ،‬وأنه ليس التنجيم الزمني ‪.‬‬
‫‪ ()430‬فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،2/27‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫وقد كان ترتيله ‪ ‬للسورة يصيرها أطول من أطول منها‪ ،‬وهو‬
‫الموافق لقراءة معتدلي قراء المسلمين في هذه‬
‫اليام‪ ،‬فقد روى مسلم من حديث حفصة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬أنه ‪ ‬كان‬

‫يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها)‪. (431‬‬
‫وعن يعلى بن مملك‪ :‬أنه سأل أم سلمة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬عن قراءة‬
‫رسول ال ‪ ‬وصلته‪ ،‬فقالت‪) :‬وما لكم وصلته؟‪ ،‬كان يصلي وينام قدر‬
‫ما صلى‪ ،‬ثم يصلي قدر ما نام‪ ،‬ثم ينام قدر ما صلى‪ ،‬حتى يصبح(‪ ،‬ونعتت‬
‫قراءته فإذا هي تنعت قراءته حرفًا حرفًا)‪.(432‬‬
‫وفي معنى قولها)ثم نعتت قراءته( يقول السندي‪" :‬أي وصفت‬
‫وبينت بالقول‪ ،‬أو بالفعل بأن قرأت كقراءته ‪ .‬وقوله‪) :‬حرفًا حرفًا(‪،‬‬
‫وقال أبو البقاء‪ :‬نصبهما على الحال أي مرتلة")‪.(433‬‬
‫وقوله )حرفًا حرفًا( يبين العلقة بين أصل الوضع اللغوي‬
‫والستعمال العرفي لكلمة ترتيل ‪.‬‬
‫وكان ترتيله في الصلة نموذجًا عمليًا يسمعه الصحابة ثلث‬
‫مرات يوميًا على القل‪ ،‬ولم يكن ترتيله مقتصرًا على الفرائض بل ذلك‬
‫شأنه في النوافل؛ ومن ذلك بّوب ابن حبان في صحيحه‪":‬ذكر ما كان‬
‫يرتل المصطفى ‪‬قراءته في صلة الليل")‪.(434‬‬
‫وإنما كان الكثار من هذه الوصاف لتطبيق النبي‪ ‬للترتيل‪،‬‬
‫والستزادة منها في البحث‪ ،‬لهميتها البالغة في إثبات أمر جوهري هو‪:‬‬
‫تحري صحابة رسول ال ‪‬لنقل الهيئة الداخلية لقراءته )الداء(‪،‬‬
‫كتحريهم لنقل أصل ألفاظه ‪.‬‬
‫‪ -6‬التأني في تلوة القرآن‪ :‬وهو جوهر الترتيل الذي أمر ال‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ن ت َْرِتيل ً‪. ‬‬
‫قْر َ‬
‫ءا َ‬
‫وَرت ّ ِ‬
‫‪ ‬به في قوله ‪َ …‬‬
‫‪ ()431‬صحيح مسلم ‪ ،6/3352‬مرجع سابق‪ ،‬ول مكان لما ادعاه ابن حبان ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬أن‬
‫الركعة الولى من صلة الظهر إنما طالت على الثانية بالزيادة في الترتيل فيها مع استواء المقروء‬
‫فيهما‪ ،‬إذ ما الدليل على استواء المقروء؟وما الدليل على ترتيله في الولى دون الثانية‪ ،‬مع أن عادته‬
‫المستمرة هي الترتيل ؟ ‪.‬‬
‫‪ ()432‬سنن أبي داود ‪ ،73 /2‬مرجع سابق‪ ،‬وقال اللباني‪ " :‬ضعيف " ‪.‬‬
‫‪ ()433‬حاشية السندي على النسائي ‪ ،2/181‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()434‬صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ‪ ،6/318‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫فحقيقة ترتيل القرآن‪" :‬قراءته على ترسل‪ ،‬وتؤدة بتبيين الحروف‪،‬‬
‫وإشباع الحركات حتى يجيء المتلو منه شبيهًا بالثغر المرتل‪ ،‬وهو المفلج‬
‫المشبه بنور القحوان‪ ،‬ول يهذه هذًا ول يسرده سردًا‪ ،‬كما قال عمر‪ :‬شر‬
‫السير الحقحقة‪ ،‬وشر القراءة الهذرمة‪ ،‬حتى يشبه المتلو في تتابعه الثغر‪،‬‬
‫وقوله‪ ‬ت َْرِتيل ً‪ ‬تأكيٌد في إيجاب المر به‪ ،‬وأنه ما لبد منه‬
‫ج ضمن‬
‫للقارئ")‪ ،(435‬فليس هذا المر تحسينيًا في القراءة‪ ،‬بل هو مندر ٌ‬
‫الطلب الشرعي ‪.‬‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ن‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫قْرآ ِ‬
‫والتصريح بالتأني ظاهر في قوله‪َ … ‬‬
‫َ‬
‫سان َ َ‬
‫حّر ْ‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ك‬
‫ق َ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ِ‬
‫لأ ْ‬
‫ه…‪ ‬ل ت ُ َ‬
‫و ْ‬
‫ه لِ َ‬
‫م ْ‬
‫حي ُ ُ‬
‫ك َ‬
‫قب ْ ِ‬
‫ج َ‬
‫ل منهما زجٌر عن الستعجال في حفظ الكتاب‬
‫ه‪‬؛ إذ في ك ٍ‬
‫ل بِ ِ‬
‫ع َ‬
‫ل ِت َ ْ‬
‫الكريم‪ ،‬وذاك في معنى الستعجال في تلوته‪ ،‬ولذا قال الزمخشري في‬
‫قوله‪ ‬ك َل ّ ب َ ْ‬
‫جل ََة‪: "‬ك َل ّ‪ ‬زجٌر لرسول ال‬
‫ل تُ ِ‬
‫حّبو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫عا ِ‬
‫ث على الناة‪ ،‬والتؤدة‪ ،‬وقد بالغ‬
‫‪ ‬عن عادة العجلة‪ ،‬وإنكاٌر لها عليه‪ ،‬وح ٌ‬
‫في ذلك بإتباعه قوله‪‬ب َ ْ‬
‫جل ََة‪ ‬كأنه قال‪ :‬بل أنتم يا‬
‫ل تُ ِ‬
‫حّبو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫عا ِ‬
‫طِبْعُتْم عليه تعجلون في كل شيء‪ ،‬ومن ثم‬
‫ل‪ ،‬و ُ‬
‫جٍ‬
‫عَ‬
‫بني آدم لنكم خلقتم من َ‬
‫تحبون العاجلة")‪ ،(436‬وقال اللوسي‪":‬ك َل ّ‪ ‬إرشاد للرسول‪، ‬‬
‫ب له في الناة‪ ،‬وبالغ سبحانه في ذلك‬
‫خٌذ به عن عادة العجلة‪ ،‬وترغي ٌ‬
‫وَأ ْ‬
‫لمزيد حبه إياه بإتباعه قوله‪ ‬ب َ ْ‬
‫ل ‪- ‬ثم سرد اللوسي غير ذلك‬
‫ب باستحسان كلم الزمخشري – قال‪ :-‬واللئق بجزالة‬
‫عّق َ‬
‫المعنى‪ ،‬و َ‬
‫التنـزيل‪ ،‬ولطيف إشاراته ما أشار إليه ذو اليد الطولى جار ال تجاوز ال‬
‫ط في تحليل الموقف القرآني‬
‫عن تقصيراته")‪ ،(437‬وتفصيل الستدلل مبسو ٌ‬
‫الذي تثيره كل من اليتين)‪.(438‬‬
‫‪435‬‬
‫ي‪ ،‬وإنما ذ ُك َِر‬
‫)( الكشاف ‪ ،4/152‬مرجع سابق‪ ،‬والكلم المنسوب لعمر لم أجده بعد ل ٍ‬
‫)شر السير الحقحقة( على لسان الهواتف قبل النبوة‪ ،‬انظر‪) :‬الصبهاني( إسماعيل بن‬
‫محمد بن الفضل التيمي ت ‪535‬هس ‪ :‬دلئل النبوة ‪ ،2/169‬تحقيق‪ :‬محمد محمد الحداد‪،‬‬
‫‪1409‬هس‪ ،‬دار طيبة ‪ -‬الرياض‪ ،‬وجاءت على لسان الحسن البصري‪ ،‬انظر‪) :‬ابن المبارك( أبو‬
‫عبد الله عبد الله بن المبارك ابن واضح المروزي ت ‪181‬هس ‪ :‬كتاب الزهد ص ‪ ،468‬تحقيق‪:‬‬
‫حبيب الحمن العظمي‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪ -‬بيروت ‪.‬‬
‫‪ ()436‬الكشاف ‪ ،4/165‬مرجع سابق‪ ،‬وكذا أبو السعود ‪ ،5/431‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()437‬روح المعاني ‪ ،245/ 29‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()438‬انظر‪ :‬حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫وقد بين ال‪ ‬مدى هذا النهي‪ ،‬ومدة هذه العجلة المنهية‪ :‬في قوله‬
‫َ‬
‫ضى إ ِل َي ْ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫حي ُُه‪‬‬
‫قْر َ‬
‫ق َ‬
‫ن ِ‬
‫لأ ْ‬
‫و ْ‬
‫ع َ‬
‫ول ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ك َ‬
‫قب ْ ِ‬
‫ءا ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫"طه‪."114/‬‬
‫ل؛ فإنه‬
‫والغاية من التأني‪ :‬التدبر‪ ،‬فقد قال ابن كثير‪" :‬اقرأه على تمه ٍ‬
‫يكون عونًا على تدبره")‪. (439‬‬
‫والتأني يستلزم السكينة والوقار‪ ،‬ولذا ففي تفسير الجللين‪" :‬ورتل‬
‫ل‪ ،‬وتؤدٍة‪ ،‬وسكينٍة‪،‬‬
‫القرآن‪ :‬تثبت في تلوته"‪ ،‬وقال الصاوي‪ ":‬اقرأ بترتي ٍ‬
‫ووقار")‪.(440‬‬
‫والتأني يقتضي إشباع الحركات كما سبق في كلم الزمخشري آنفًا‪،‬‬
‫وفي التحرير والتنوير‪" :‬وُأريد بترتيل القرآن‪ :‬ترتيل قراءته‪ ،‬أي التمهل في‬
‫النطق بحروف القرآن حتى تخرج من الفم واضحًة‪ ،‬مع إشباع الحركات‬
‫التي تستحق الشباع")‪. (441‬‬
‫وقال ابن حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في حديث المعالجة)‪" :(442‬وشاهد‬
‫الترجمة منه‪ :‬النهي عن تعجيله بالتلوة؛ فإنه يقتضي استحباب التأني فيه‪،‬‬
‫وهو المناسب للترتيل")‪. (443‬‬
‫وتذكر حفصة –رضي ال تعالى عنها‪-‬الصورة التطبيقية لهذا التأني في‬
‫قولها‪ :‬كان النبي‪ ‬يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها‪،‬‬
‫ويزيد هذا إيضاحًا حديث أبي وائل قال‪ :‬غدونا على عبد ال فقال رجل‪:‬‬
‫شعر؟‪ ،‬إنا قد سمعنا القراءة‪ ،‬وإني‬
‫قرأت المفصل البارحة فقال‪) :‬هّذا كهذ ال ِ‬
‫لحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي ‪ ،‬ثماني عشرة سورة من‬
‫المفصل‪ ،‬وسورتين من آل حم()‪.(444‬‬
‫شعر(؛ لنهم كانوا إذا أنشدوا القصيدة‪،‬‬
‫وإنما قال‪) :‬هّذا كهذ ال ِ‬
‫أسرعوا ليظهر ميزان بحرها‪ ،‬وتتعاقب قوافيها على السماع‪ ،‬والهذ‪:‬‬
‫إسراع القطع)‪. (445‬‬
‫‪ ()439‬ابن كثير ‪ ،4/370‬مرجع سابق‪ ،‬ونحوه عند الشوكاني في فتح القدير ‪ ،5/387‬مرجع‬
‫سابق ‪.‬‬
‫‪ ()440‬حاشية الصاوي ‪ ،4/338‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()441‬التحرير والتنوير ‪ ،29/316‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()442‬انظر‪ :‬المبحث السادس من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()443‬فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،9/90‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()444‬صحيح البخاري ‪ ،4/1924‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()445‬التحرير والتنوير ‪ ،29/316‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫حِلَل هذا الكلم مليًا من حيث تعريف الترتيل اللغوي‪،‬‬
‫فإذا ُ‬
‫ب لمقدار هذه‬
‫ضّمناته في الستعمال العرفي حتى يتم الوصول إلى تقري ٍ‬
‫ومت َ‬
‫‪446‬‬
‫ف أن إنشاد الشعر في المحافل‬
‫ط لذاك التمهل) (؛ إذ غير خا ٍ‬
‫التؤدة‪ ،‬وضب ٍ‬
‫ث مع إسراعٍ‬
‫ل بين المعنى والمبنى‪ ،‬وتري ٍ‬
‫ب وتفاع ٍ‬
‫عادًة ل يخلو من ترتي ٍ‬
‫ق بآخر البيت‬
‫ف عند سماع الشعر‪ ،‬كما ل يخلو من نوع محاولة إلصا ٍ‬
‫ُيْعَر ُ‬
‫شّبهِة بقراءة‬
‫لتتناغم أوزانها وكلماتها‪ ،‬وذاك حالٌة بين السرعة المفرطة الُم َ‬
‫نشرات الخبار‪ ،‬أو إلقاء خطب المنابر الُمَهّيجِة للسامع‪ ،‬وبين البطاء‬
‫الممل…فإذا كان هذا اللقاء للشعر مذمومًا‪ ،‬وهو بهذه المنـزلة غير‬
‫جلة اللقاء نسبيًا من حيث واقُعه‪ ،‬ظهر أن ترتيل القرآن الكريم‬
‫المتع َ‬
‫يستلزم تأنيًا أكثر‪ ،‬وتؤدٌة أعظم‪ ،‬ومحاولة إظهاٍر للمبنى أجمل‪ ،‬تتكفل‬
‫بإبداٍء للمعنى أكمل‪ ،‬ل على حسابه كما هو معلوم‪ ،‬من غير مبالة بإدراك‬
‫نهايات اليات‪ ،‬وخواتيم السور…وهذا الضبط لتلك التؤدة هو ما تسمعه‬
‫من مهرة القراء في عصرنا كما في كل عصر‪ ،‬وهو ما عليه غالب حال‬
‫المسلمين حتى الميين منهم الذين ل يعرفون إل بعض آيات يرددونها‪،‬‬
‫فإنه يظهر تغير طريقة قراءتهم‪ ،‬ونبرات صوتهم إن كانت للقرآن‬
‫الكريم)‪.(447‬‬
‫وليضبط هذا التأني من الجهة المقابلة‪ :‬إذ إن الهتمام باللفظ على‬
‫حساب المعنى‪ ،‬أو الغلو في التؤدة‪ ،‬أو الفراط في التغني بالقرآن مدًا‪،‬‬
‫وابتداء‪ ،‬ووقفًا… يضاد غاية الترتيل‪ ،‬ويصبح اللفظ غاية بعد أن كان‬
‫وسيلة‪ ،‬ويكون القرآن كتابًا للستمتاع الموسيقي المجرد فحسب‪ ،‬وهو كتاب‬
‫الهداية…فل َيِرُد على ما ُقّرَر آنفًا ما انحدر إليه بعض متزعمي القراء‪،‬‬
‫ومتصدريه في هذا الباب ‪.‬‬
‫فإن اعُترض بأن الرابط بين ما يرومه هذا المبحث من بيان‬
‫متعلقات تعليم جبريل ‪‬للنبي ‪‬من حيث اللفظ وبين موضوع‬
‫الترتيل غير واضح‪ ،‬ول نص صريح في علقة جبريل ‪‬بالترتيل ؟ ‪.‬‬
‫ة لمنكر التواتر في الداء‪ ،‬إذ أصل الداء‬
‫‪ ()446‬وليس في تفاوت ضبط ذلك حج ٌ‬
‫كالمد مث ً‬
‫ت عند عامة المسلمين‪ ،‬فضل ً عن عامة القراء‪ ،‬وهو ما يدور‬
‫ل‪ :‬ثاب ٌ‬
‫سّلم بالنظر في تواترها‪ ،‬ول ضير في ذلك ‪.‬‬
‫ي‬
‫فقد‬
‫مراتبه‬
‫أما‬
‫حوله‪،‬‬
‫الكلم‬
‫ُ َ‬
‫‪ ()447‬وهذا من أعظم أدلة التواتر‪ ،‬وهو ظاهرة ٌ ليست بغريبة على المناهج المعرفية لدى‬
‫المسلمين تدل على مقدار الحفظ اللهي للكتاب الكريم ‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫فالجواب‪ :‬كان المر بالترتيل مبكرًا على سنن نزول الوحي‪ ،‬فقد‬
‫كان جملة ما نزل من القرآن حين نزول أوائل سورة المزمل سورتين أو‬
‫‪448‬‬
‫قي‬
‫سن ُل ْ ِ‬
‫ثلث على أصح القوال) (‪ ،‬ويشير قوله ‪ ‬فيها‪‬إ ِّنا َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ك َ‬
‫قيل ً‪" ‬المزمل‪ (449)"4/‬إلى أن القرآن بادئ بالنـزول‪،‬‬
‫َ‬
‫ول ً ث َ ِ‬
‫ق ْ‬
‫وهذه بدايٌة إضافية ل حقيقية أوجب تقريرها الكثرة الكاثرة لما سينـزل‬
‫من الوحي بعدها مقارنة بما سبق…ولما كان جبريل ‪‬هو المقرئ‬
‫لرسول ال ‪‬ما ينـزل من القرآن‪ ،‬كما أنه الذي يعارضه به تعاهدًا‪،‬‬
‫ومراجعة‪ ،‬وتثبيتًا‪ ،‬فقد لزم أن يكون جبريل ‪‬هو الذي يقرئه بالترتيل‬
‫وَرت ّل َْناهُ ت َْرِتيل ً‬
‫ابتداء‪ ،‬وهو ما صرح به في قوله‪َ ... ‬‬
‫‪"‬الفرقان‪. "32/‬‬
‫ضى القول بأن المراد بالترتيل في هذه الية هو التفريق‬
‫ول ُيرت َ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫الزمني في النزال لقرينة سياق الية‪ ،‬فأولها قوله‪َ  ‬‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ن كَ َ‬
‫ول َ ن ُّز َ‬
‫ة…‪‬‬
‫حد َ ً‬
‫ل َ‬
‫مل َ ً‬
‫وا ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫قْرآ ُ‬
‫ن ُ‬
‫ذي َ‬
‫ج ْ‬
‫ة َ‬
‫فُروا ل َ ْ‬
‫"الفرقان‪"32/‬؛ لن التأسيس أولى من التأكيد)‪ ،(450‬وقد تقدم في سياق الية‬
‫التنبيه على تفريق القرآن زمنيًا في إنزاله إلى الرض من كلم الكفار‬
‫مع إقرارهم على ذلك وبيان الحكمة منه‪ ،‬فصارت نهاية الية دالًة على‬
‫ض بأن‬
‫معنى آخر هو هيئة تلوة القرآن‪ ،‬على أن الُعرف الشرعي قا ٍ‬
‫لفظة )رتل( مستعملٌة في هيئة أداء القرآن)‪ (451‬ل في تنجيمه‪ ،‬وقد تقرر‬
‫في الصول تقديم الحقيقة الشرعية والعرفية على اللغوية)‪ ،(452‬فتحرر‬
‫من هذا أن جبريل ‪‬كان يقرئ النبي ‪‬القرآن بالترتيل ‪.‬‬
‫ويختم هذا بالقول‪:‬‬
‫‪ ()448‬انظر‪ :‬التقان ‪ ،1/20‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()449‬والقول الثقيل هو القرآن كما تقرر عند أئمة التفسير‪ ،‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪،29/260‬‬
‫مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()450‬انظر مثل ً في علم أصول الفقه‪:‬نثر الورود ‪ ،1/225‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪451‬‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ن ت َْرِتيل ً‪" ‬المزمل‪ ،"3/‬وقول النبي ‪…) ‬اقرأ‬
‫قْر َ‬
‫ءا َ‬
‫وَرت ّ ِ‬
‫)( كما في قوله ‪َ  ‬‬
‫وارق ورتل…( ويأتي تخريجه بعد قليل في هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ ()452‬انظر مثل ً في علم أصول الفقه‪ :‬نثر الورود ‪ ،1/120‬مرجع سابق‪ ،‬المستصفى‬
‫‪ ،1/341‬مرجع سابق‪ ،‬نهاية السول ‪ ،2/145‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪167‬‬

‫إن سورة المزمل قد نعتت بدقة الطبيعة الذاتية للقرآن الكريم‪َ ‬‬
‫ول‬
‫ق ْ‬
‫قي‪،‬‬
‫سن ُل ْ ِ‬
‫ثَ ِ‬
‫قيل‪ ،‬وكيفية وصولها من السماء إلى الرض‪َ ‬‬
‫ووسيلة الستعانة على تلقيه‪ُ ‬‬
‫قم ِ الل ّي ْ َ‬
‫ل‪ ،‬وهيئة النطق به‪،‬‬

‫والوقت المختار لمراجعته‪ ،‬وبيان الوقات التي تصرف في أموٍر أخرى‬
‫عِلَم‬
‫غير مراجعته وتعاهده…وإذ قد كانت هذه العناية الكثيرة الدقيقة… ُ‬
‫مقدار التوقيفية في نقل لفظ القرآن الكريم ‪.‬‬
‫فإن اعُترض بأن‪ :‬اللقاء هو هيئة أداء القرآن من جبريل ‪‬للنبي‬
‫قي‪ ،‬واللقاء‬
‫سن ُل ْ ِ‬
‫‪ ،‬ول دليل أصرح فيه من آية المزمل‪ ‬إ ِّنا َ‬
‫ى‪ :‬أي‬
‫هو رمي الشيء من اليد إلى الرض وطرحه‪ ،‬ويقال‪ :‬شيٌء لق ً‬
‫مطروح‪ ،‬وإذا كان كذلك فهو ل يفيد التمهل ‪.‬‬
‫فالجواب‪ :‬عن هذا اليراد‪:‬‬
‫‪ -1‬غاية ما يدل عليه أصل الوضع اللغوي لمادة ألقى هو الطرح‪ ،‬فأين‬
‫اقتران السرعة معه أو عدم اقترانها؟‪ ،‬على أن الحقيقة العرفية مقدمٌة‬
‫على الوضع اللغوي ‪.‬‬
‫‪ -2‬ل يضرب دين ال‪ ‬بعضه ببعض‪ ،‬بل يؤخذ هذا الدليل مجموعًا‬
‫إليه بقية الدلة السابقة والمقترنة‪ ،‬فيكون النقل محققًا‪ ،‬والتقرير مصدقًا ‪.‬‬
‫‪-3‬اللقاء في آية المزمل مستعاٌر لمعنى البلغ الذي يأتي دفعة واحدة‬
‫لن النبي ‪‬لم يكن متوقعًا له‪ ،‬ول مترقبًا حدوثه‪ ،‬فُأريد تنبيهه على‬
‫كمية الُملقى عليه من خلل ما يشعر به لفظ )نلقي( ليقدر المر حق‬
‫قدره‪ ،‬فاستعير اللقاء للبلغ دفعًة على غير ترقب)‪. (453‬‬
‫ل‪ :‬ورود التعبير‬
‫ويدل على أنه ليس المراد باللقاء القذف دون تمه ٍ‬
‫ل‪،‬‬
‫عنه في السنة بالنبذ )فينبذه إلي( وذلك عندما يتمثل الملك له رج ً‬
‫وهذا الوصف يضاد معنى القذف السريع؛ إذ أن الرجل عندما ينبذه إليه‬
‫إنما ينبذه في لغة البشر ول يقتضي ذاك السرعة‪ ،‬وقد ورد التعبير عن‬
‫َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫فأ َل ْ َ‬
‫الكلم باللقاء في قوله‪َ  ‬‬
‫و َ‬
‫م‬
‫ل إ ِن ّك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫ق ْ‬
‫وا إ ِلي ْ ِ‬
‫لَ َ‬
‫فك َذَل ِ َ‬
‫ك أ َل ْ َ‬
‫ن‪" ‬النحل‪ ،"86/‬ومنه قوله‪َ  ‬‬
‫قى‬
‫كاِذُبو َ‬
‫ي‪" ‬طه‪ ،"87/‬وتقدم تفصيل ذلك في المبحث السابع ‪.‬‬
‫ر ُّ‬
‫سا ِ‬
‫ال ّ‬
‫م ِ‬
‫‪ ()453‬التحرير والتنوير ‪ ،29/317‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫ب في مدخله‪ ،‬من حيث أن الوحي يستلزم‬
‫على أن هذا اليراد غري ٌ‬
‫السرعة وإل ل يسمى وحيًا‪ ،‬ويرد فيه ما سبق‪ ،‬ثم إن السرعة واض ٌ‬
‫ح‬
‫معناها في النسبية )الضافية( مقارنٌة بفعل البشر‪ ،‬ل من حيث أنها‬
‫سرعة مطلقة ‪.‬‬
‫وهنا أمٌر ينبغي التنبه له هو أن اللقاء إنما يكون للمر الحسي‬
‫كالحجر والكلم‪ ،‬وقد يستعار للمر غير المشاهد كالوسوسة كما في‬
‫َ‬
‫ي إ ِل ّ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫ن َ‬
‫ك ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫سو ٍ‬
‫قوله‪َ  ‬‬
‫ول ن َب ِ ّ‬
‫‪454‬‬
‫ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫مّنى أ َل ْ َ‬
‫قى ال ّ‬
‫إِ َ‬
‫ه‪" ‬الحج‪.( )"52/‬‬
‫ن ِ‬
‫من ِي ّت ِ ِ‬
‫طا ُ‬
‫في أ ْ‬
‫ذا ت َ َ‬
‫‪ -7‬التغني بالقرآن‪ ،‬والجهر به‪ :‬فعن أبي هريرة ‪‬أنه كان‬
‫يقول‪ :‬قال رسول ال ‪) :‬لم يأذن ال لشيء ما أذن للنبي يتغنى)‪(455‬‬
‫ب له‪ :‬يريد يجهر به)‪ ،(456‬زاد في لفظ له‪ :‬قال سفيان‪:‬‬
‫بالقرآن(‪ ،‬وقال صاح ٌ‬
‫تفسيره يستغني به)‪ ،(457‬وفي لفظ‪) :‬ما أذن ال لشيء ما أذن لنبي حسن‬
‫الصوت بالقرآن يجهر به(‪ ،‬وعن معقل بن يسار‪ ‬قال‪ :‬قال رسول ال‬
‫‪) : ‬ل يأذن ال لشيء إذنه لذان المؤذنين‪ ،‬والصوت الحسن بالقرآن(‬
‫)‪ ،(458‬وعند ابن حبان )ما أذن ال لشيء كأذنه للذي يتغنى بالقرآن يجهر‬
‫به()‪.(459‬‬
‫‪454‬‬
‫ن أن اللقاء‬
‫)( انظر‪ :‬تحليل هذه الية في الفصل الخامس‪ ،‬وكان هذا التنبيه حتى ل ي ُظ َ ّ‬
‫معنوي فقط‪ ،‬فيجوز أن يكون إلهاما ً ‪.‬‬
‫‪ ()455‬قال ابن حجر في الفتح ‪ ،9/70‬مرجع سابق‪" :‬قال ابن الجوزي‪ :‬اختلفوا في معنى قوله‬
‫)يتغنى( على أربعة‬
‫أقوال‪ :‬أحدها‪ :‬تحسين الصوت‪ ،‬والثاني‪ :‬الستغناء‪ ،‬والثالث‪ :‬التحزن‪ ،‬قاله الشافعي‪ ،‬والرابع‪:‬‬
‫التشاغل به‪ ،‬تقول العرب‪ :‬تغني بالمكان أقام به‪ ،‬وفيه قول آخر حكاه ابن النباري في‬
‫الزاهر قال‪ :‬المراد التلذذ والستحلء له‪ ،‬كما يستلذ أهل الطرب بالغناء‪ ،‬فأطلق عليه تغنيا ً‬
‫من حديث }أنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء{‪ ،‬وهو كقول لنابغة‪:‬‬
‫ن تغني‪،‬‬
‫بكاء حمامة تدعو هديل ً مفجعةٍ على فَن َ ٍ‬
‫أ َط َْلق على صوتها غناًء؛ لنه يطرب كما يطرب الغناء‪ ،‬وإن لم يكن غناء حقيقة"‪.‬‬

‫‪ () 456‬صحيح البخاري ‪ ،4/1918‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()457‬وفي سنن الدارمي ‪ ،1/765‬مرجع سابق‪ :‬وقال‪" :‬يريد به الستغناء"‪ ،‬ول شك في‬
‫فى بالشارة‬
‫ضعف هذا الرأي إن ُأريد به نفي الخر‪ ،‬وليس المقام بمتسٍع لتفصيل ذلك‪ ،‬فُيكت َ‬
‫العابرة أعله ‪.‬‬

‫‪ () 458‬المعجم الكبير ‪ ،20/216‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()459‬صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ‪ ،3/30‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪169‬‬

‫والمعنى‪" :‬ما أذن ال لشيء كَأَذِنه لنبي يتغّنى بالقرآن أي ما استمع‬
‫جَهر به")‪. (460‬‬
‫ستماعه لنبي َيَتغّنى بالقرآن أي ْيتُلوه َي ْ‬
‫ال لشيء كا ْ‬
‫وقال أبوحاتم بن حبان‪" :‬قوله ‪ ‬يتغنى بالقرآن يريد يتحزن به‪،‬‬
‫وليس هذا من الُغنية‪ ،‬ولوكان ذلك من الغنية لقال )يتغانى به(‪ ،‬ولم يقل‬
‫)يتغنى به( وليس التحزن بالقرآن وطيب الصوت‪ ،‬وطاعة اللهوات بأنواع‬
‫النغم بوفاق الوقاع‪ ،‬ولكن التحزن بالقرآن هو‪ :‬أن يقارنه شيئان‪ :‬السف‬
‫والتلهف‪ :‬السف على ما وقع من التقصير‪ ،‬والتلهف على ما يؤمل من‬
‫جع‪ ،‬بدر الجف ُ‬
‫ن‬
‫التوقير‪ ،‬فإذا تألم القلب‪ ،‬وتوجع‪ ،‬وتحزن الصوت‪ ،‬وَر ّ‬
‫بالدموع‪ ،‬والقلب باللموع‪ ،‬فحينئٍذ يستلذ المتهجد بالمناجاة‪ ،‬ويفر من الخلق‬
‫إلى وكر الخلوات‪ ،‬رجاء غفران السالف من الذنوب‪ ،‬والتجاوز عن‬
‫الجنايات والعيوب‪ ،‬فنسأل ال التوفيق له")‪ ،(461‬فقوله )ما أذن ال(‪ :‬يريد ما‬
‫استمع ال لشيٍء )كَأَذِنه( كاستماعه للذي يتغنى بالقرآن يجهر به يريد‬
‫يتحزن بالقراءة)‪. (462‬‬
‫وفي سنن البيهقي‪" :‬قال أبو عبيدة‪ :‬في قوله )كأذنه( يعني ما استمع‬
‫ال لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن‪ ،‬ولم يرض ومن رواية من روى‬
‫كإذنه قال وقوله )يتغنى بالقرآن( إنما مذهبه عندنا تحزين القراءة")‪. (463‬‬
‫صل من أقوال أئمة الشأن‪ :‬أن لفظ )أذن( بفتحة ثم‬
‫ح َ‬
‫والمعنى المَت َ‬
‫كسرة في الماضي‪ ،‬وكذا في المضارع مشترك بين الطلق‪ ،‬والستماع‬
‫تقول‪ :‬أذنت آذن بالمد‪ ،‬فإن أردت الطلق فالمصدر بكسرة ثم سكون‪ ،‬وإن‬
‫أردت الستماع فالمصدر بفتحتين‪ ،‬كما قال عدي بن زيد‪:‬‬
‫إن همي في سماع‬
‫ن‬
‫أيها القلب تعلل ب ِد َ ْ‬
‫ن‬
‫وأذ َ ْ‬
‫ع واستماع‪ ،‬فأصل َأَذن بتفحتين أن المستمع يميل بإذنه إلى‬
‫أي في سما ٍ‬
‫‪464‬‬
‫جهة من يسمعه) (‪.‬‬
‫وهو ما قرره العلماء‪ ،‬وشهد له الشتقاق اللغوي‪ ،‬وممن قرر ذلك‪:‬‬
‫‪()460‬‬
‫‪()461‬‬
‫‪()462‬‬
‫‪()463‬‬
‫‪()464‬‬

‫النهاية في غريب الثر ‪ ،1/33‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ‪ ،3/27‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫انظر‪ :‬صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ‪ ،3/30‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫سنن البيهقي الكبرى ‪ ،10/229‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫انظر‪ :‬فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،9/2769‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫قال السيوطي‪ " :‬قال النووي‪ :‬معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر‬
‫العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون‪ :‬تحسين صوته به‪ ،‬والصحيح أنه من‬
‫تحسين الصوت ويؤيده الرواية الخرى يتغنى بالقرآن يجهر به")‪. (465‬‬
‫وقال السندي‪":‬يتغنى بالقرآن‪ :‬أي يحسن صوته‬
‫به حال قراءته أو هو الجهر‪ ،‬وقوله )يجهر به( تفسير له أو‬
‫يلين‪ ،‬ويرقق صوته ليجلب به إلى نفسه والى السامعين‬
‫الحزن والبكاء‪ ،‬وينقطع به عن الخلق إلى الخالق جل وعل‬
‫")‪. (466‬‬
‫ح أن هذه مرتبة فوق مرتبة الترتيل… ‪.‬‬
‫وواض ٌ‬
‫‪ -8‬الترجيع في القرآن‪ :‬هو تقارب ضروب الحركات في‬
‫القراءة‪ ،‬وأصله الترديد‪ ،‬وترجيع الصوت‪ :‬ترديده في‬
‫الحلق)‪. (467‬‬
‫والصورة التطبيقية لذلك‪ :‬ما رواه معاوية بن‬
‫قرة عن عبد الله بن المغفل المزني‪ ‬قال‪ :‬رأيت رسول‬
‫الله ‪‬يوم الفتح على ناقة له يقرأ سورة الفتح أو من‬
‫سورة الفتح ‪ -‬قال ‪ :-‬فرجع فيها‪ ،‬قال‪ :‬ثم قرأ معاوية‬
‫يحكي قراءة ابن مغفل‪ ،‬وقال‪ :‬لول أن يجتمع الناس‬
‫عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل يحكي النبي ‪‬فقلت‬
‫لمعاوية كيف كان ترجيعه قال آ آ آ ثلث مرات)‪.(468‬‬
‫فهذا يحتمل أمرين‪ :‬أحدهما‪ :‬أن ذلك حدث من هز‬
‫الناقة‪ ،‬والخر‪ :‬أنه أشبع المد في موضعه‪ ،‬فحدث ذلك‪،‬‬
‫والثاني هو الصحيح بقرينة السياق؛ فإن في بعض طرقه‬
‫)لول أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن( أي‬
‫النغم ‪.‬قال ابن حجر‪":‬والذي يظهر أن في الترجيع‬
‫‪ ()465‬الديباج على صحيح مسلم ‪ ،2/393‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()466‬حاشية السندي على النسائي ‪ ،180 /1‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()467‬فتح الباري ‪ ،9/92‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()468‬صحيح البخاري ‪ ،6/2742‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫قدرا ً زائدا ً على الترتيل‪ ،‬فعند ابن أبي داود من‬
‫طريق أبي إسحاق عن علقمة قال‪ :‬بت مع عبد الله بن‬
‫مسعود في داره‪ ،‬فنام‪ ،‬ثم قام‪ ،‬فكان يقرأ قراءة الرجل‬
‫في مسجد حيه ل يرفع صوته‪ ،‬ويسمع من حوله‪ ،‬ويرتل‪،‬‬
‫‪469‬‬
‫(‪ ،‬ويدل لهذا الكلم ما جاء عن أم هانئ –‬
‫ول يرجع")‬
‫رضي الله تعالى عنها‪ :-‬كنت أسمع صوت النبي ‪‬وهو يقرأ وأنا‬
‫جعُ القرآن)‪. (470‬‬
‫نائمة على فراشي ي َُر ّ‬
‫كما يدل هذا الحديث على أن الترجيع غالب‬
‫فعله في تلوة القرآن الكريم ‪.‬‬
‫فقد تحصل من هذا أن أداء القرآن يستلزم‪:‬‬
‫تحريك اللسان والشفتين)القراءة(‪ ،‬والترتيل‪ ،‬والتغني‪،‬‬
‫والترجيع ‪.‬‬
‫ويتضح مما سبق أن أداء القرآن ينقسم إلى‬
‫قسمين‪:‬‬

‫الداء الصلي‪ ،‬ويمثل الترتيل بعناصر‬
‫‪-1‬‬
‫حقيقته‪ ،‬وهو المسمى في علم التجويد‪ :‬حق الحروف ‪.‬‬
‫ب‪ -‬الداء الفرعي‪ :‬ويمثل التغني والترجيع حقيقة‪،‬‬
‫ويسمى في علم التجويد مستحق الحروف ‪.‬‬
‫واللفظ يستحيل معناه بتغير الداء الصلي‪ ،‬أو تركه‪،‬‬
‫وقد يحدث ذلك بترك الداء الفرعي ‪.‬‬
‫فالمراتب في أداء لفظ القرآن الكريم أربعة من‬
‫حيث الماهية اللغوية‪ ،‬والمدلول الشرعي )وترجع هيئات‬
‫ق‪ ،‬وحدٍر‪ ،‬وتدويرٍ إليها(‪:‬‬
‫الترتيل من تحقي ٍ‬
‫ف من‬
‫‪-1‬‬
‫القراءة‪ :‬ول تكون إل بإخراج كل حر ٍ‬
‫م للقرآن وغيره‪ ،‬وأصبحت‬
‫س عا ٌ‬
‫مخرجه‪ ،‬وهي جن ٌ‬
‫ب‬
‫القراءة تنصرف إلى قراءة القرآن عن ظهر قل ٍ‬
‫عندهم‪ ،‬وهو المفهوم من كلمة )القرآن( أي المقروء‬
‫‪ () 469‬فتح الباري ‪ ،9/92‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪) ()470‬الطحاوي( أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلمة ‪321‬هس‪ :‬شرح معاني الثار ‪،1/344‬‬
‫مراجعة محمد زهري النجار ‪ -‬ط ‪ 1410 ،1‬هس – ‪1990‬م‪ ،‬دار الكتب العلمية –بيروت ‪.‬‬

‫‪172‬‬

‫من الصدر‪ ،‬في مقابل لفظ الكتاب أي المكتوب‪،‬‬
‫ب‬
‫ويقتضي هذا المفهوم أن ي ُ ْ‬
‫قَرأ من الصحف التي ك ُت ِ َ‬
‫حفظ فيها بالتلقي من‬
‫فيها‪ ،‬أو من الصدور التي ُ‬
‫الفواه ‪.‬‬
‫ة بالقرآن الكريم‪ ،‬فهو‬
‫‪-2‬‬
‫ة خاص ٌ‬
‫الترتيل‪ :‬وهو هيئ ٌ‬
‫ة أعلى من القراءة‪ ،‬وعلى هذا فإن الترتيل‬
‫مرتب ٌ‬
‫يحتوي مراتب القراءة الثلثة الشهيرة‪ :‬التحقيق‪،‬‬
‫والحدر‪ ،‬والتدوير بحسب تفاوت درجات الترتيل‬
‫ليكون أحدها ‪.‬‬
‫ة بالقرآن الكريم‪ ،‬فهو‬
‫‪-3‬‬
‫ة خاص ٌ‬
‫التغني‪ :‬وهو هيئ ٌ‬
‫ة أعلى من‬
‫مرتب ٌ‬
‫م للصوت على القواعد المتلقاة‪،‬‬
‫الترتيل‪ ،‬ففيه تنغي ٌ‬
‫فل ي َرِد ُ عليه الغناء المعروف عند البشر ‪.‬‬
‫الترجيع‪ :‬وهو ترديد ٌ للفظ المقروء المرَتل‬
‫‪-4‬‬
‫مَتغنى به‪ ،‬أو زيادة تحبيره وتحسين أدائه بزيادة‬
‫ال ُ‬
‫تحقيق المد ونحوه ‪.‬‬
‫وعلى هذا التقرير‪ :‬فل يمكن إطلق القول بنفي‬
‫تواتر الداء حتى ُيسأل عن ماهيته المقصودة من هذه‬
‫ي واضح‪،‬‬
‫المراتب‪ ،‬وتواترها)اليقين في ثبوتها( بده ٌ‬
‫وإن تفاوتت مراتبها في التواتر‪ ،‬فما ورد على ألسنة‬
‫‪471‬‬
‫حمل على الداء‬
‫ي لتواتر الداء ي ُ ْ‬
‫بعض العلماء) (من نف ٍ‬
‫الذي ل ينضبط بالتلقي‪ ،‬وهو ما صّرح به ابن خلدون‪،‬‬
‫وذلك كتحديد مراتب المد بالدقة المتناقلة بعدد‬
‫ع إلى ذات الحرف )وهو‬
‫الحركات‪ ،‬فإن أصل المد راج ٌ‬
‫المسمى بالمد الطبيعي(‪ ،‬وهذا يندرج في )القراءة(‪،‬‬
‫صرفة من‬
‫ع إلى عربيته ال ِ‬
‫ومده فوق ذات الحرف راج ٌ‬
‫لقائه للهمز أو السكون‪ ،‬على ما هو مقرٌر في علوم‬
‫ن‬
‫العربية‪ ،‬وذا عائدٌ للقراءة أيضًا‪ ،‬وترديده بتأ ٍ‬
‫ن وتبيي ٍ‬
‫أظهُر للحروف يرجع إلى الترتيل‪ ،‬وتواتُره بين‬
‫ة‬
‫المسلمين أبين من أن ُيتكلم عليه‪ ،‬وتنغيمه على هيئ ٍ‬
‫‪ ()471‬انظر إشارة إلى كلم بعضهم في هامش ص ‪ ،170‬من هذا المبحث ‪.‬‬

‫‪173‬‬

‫ة يرجع إلى التغني والترجيع‪ ،‬وتواتره بين‬
‫معين ٍ‬
‫ة من‬
‫المسلمين معلوم أيضًا‪ ،‬وبقي التحديد الكثر دق ً‬
‫سلم بعدم‬
‫أربع حركات‪ ،‬أو ست‪ ،‬أو نحو ذلك قد ي ُ َ‬
‫تواتره)‪ ،(472‬ول ضائر يضير القرآن من عدم تواتره‪،‬‬
‫ن ُ‬
‫كسي أنواع الثياب‪ ،‬فقائ ٌ‬
‫ل يقول‪:‬‬
‫فمثله كمثل إنسا ٍ‬
‫ث‬
‫م ثوبه إلى رسغه‪ ،‬وآخر يقول بل إلى خنصره‪ ،‬وثال ٌ‬
‫ك ّ‬
‫ً‬
‫يقول بل بين ذلك…مع اتفاقهم جميعا على أنه‬
‫م قد‬
‫اكتسى… فأين من يقول بأن الزاعم ِ‬
‫صَر الك ّ‬
‫ق َ‬
‫أنقص في طبيعة الرجل الصلية؟‪ ،‬وبأن الزاعم طول‬
‫الكم قد زاد في خلقة الرجل الصلية؟ فكذلك القرآن ل‬
‫يضيره تفاوت مراتب المد ونحوها حتى يقال بأن الذي‬
‫ر قد زاد في كلم الله…ونحو ذلك‪ ،‬ول‬
‫زاد دون توات ٍ‬
‫يتسع المقام لكثر من هذا ‪.‬‬
‫‪ -9‬مماثلة قراءة النبي ‪‬لقراءة جبريل ‪:‬‬

‫ويدخل في ذلك مماثلة أصل اللفظ‪ ،‬وهيئة أدائه الداخلية‪،‬‬
‫ن‬
‫وذلك تطبيقا ً لمر الله‪ ،‬وتحقيقا ً لوعده في قوله‪‬إ ِ ّ‬
‫و ُ‬
‫قْرَءان َُه‪ ‬فتكفل سبحانه بجمع لفظ القرآن‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬
‫وهيئة أدائه في صدر النبي‪) ‬الحفظ(‪ ،‬وبأن يقرأه بعد‬
‫ن في‬
‫كما سمعه من جبريل‪‬أصل ً وأداء‪ ،‬والختلف كائ ٌ‬
‫الصوت فحسب‪ ،‬إذ صوت جبريل ‪‬يختلف عن صوته‪‬‬
‫فسهِ ‪.‬‬
‫سه يختلف عن ن َ َ‬
‫‪ ،‬ون َ‬
‫ف ُ‬
‫ن‬
‫وُأِكد شمو ُ‬
‫م إِ ّ‬
‫ل هذا الوعد لصل اللفظ ولدائه بقوله‪ ‬ث ُ ّ‬
‫عل َي َْنا ب ََيان َُه‪"‬القيامة ‪ ،"19/‬والبيان هو إظهار الكلمة حرفًا حرفًا‪ ،‬دون‬
‫َ‬
‫سّمى )الظهار( ‪-‬وهو حكٌم من أحكام النون والميم‬
‫ج‪ ،‬أو تداخل فلذا ُي َ‬
‫دم ٍ‬
‫الساكنتين في علم التجويد‪ -‬البيان لن فيه تبيين للنون والحرف الذي بعدها‬
‫ب‪ ،‬أو إدغاٍم‪ ،‬وتقدم الكلم عن ذلك)‪.(473‬‬
‫دون إخفاٍء‪ ،‬أو قل ٍ‬

‫‪ ()472‬وهو ما صّرح به ابن الجزري ‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬في منجد المقرئين ص ‪ ،43‬على‬
‫الرغم من إنكاره الشديد على ابن الحاجب ‪-‬رحمه الله تعالى‪. -‬‬
‫‪ ()473‬انظر‪ :‬حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل ص ‪. 113‬‬

‫‪174‬‬

‫والصورة التطبيقية لهذا عبر عنها ابن عباس‪ ‬بقوله‪) :‬فإذا انطلق‬
‫جبريل ‪ ‬قرأه النبي ‪‬كما قرأه ]كما وعده ال[)‪. (474‬‬
‫ع ُ‬
‫والضمير في قوله ‪َ ‬‬
‫قْرَءان َُه‪ ‬لجبريل ‪‬والتقدير‪:‬‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫فإذا انتهت قراءة جبريل‪ ‬فأقرأ أنت ‪ ،‬وتقدم تفصيل ذلك في المبحث‬
‫السابع من هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪ -10‬قراءته‪ ‬على الناس كما أقرأه جبريل ‪ ‬من‬
‫حيث أص ُ‬
‫ل اللفظ وأداؤه‪ :‬ويختلف عن البند السابق في أنه‬
‫أخص منه مطلقًا من حيث أنه مأموٌر بتلوته على الناس لقوله‪‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ما أ ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫‪…‬ل ُن ْ ِ‬
‫تأ ْ‬
‫مْر ُ‬
‫ه…‪" ‬النعام‪ ،"19/‬وقوله‪ :‬إ ِن ّ َ‬
‫ذَرك ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫ه كُ ّ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫أَ ْ‬
‫ب َ‬
‫ة ال ّ ِ‬
‫ه ال ْب َل ْدَ ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ذي َ‬
‫عب ُدَ َر ّ‬
‫م َ‬
‫ول َ ُ‬
‫حّر َ‬
‫ها َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫كون من ال ْمسل ِمين َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫و ال ْ ُ‬
‫ن…‪‬‬
‫وأ ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫وأ ْ‬
‫تأ ْ‬
‫مْر ُ‬
‫نأ ُ َ ِ ْ‬
‫ن أت ْل ُ َ‬
‫ُ ْ ِ َ َ‬
‫َ‬

‫"النمل‪ ،"91/‬والسابق أعم من حيث أنه يقرؤه لنفسه أو للناس ‪.‬‬
‫وإنما ُأْفِردت هذه النقطة بالذكر مع دخولها فيما سبق لهميتها في‬
‫إحداث اليقين القطعي بحقيقة‪ :‬أن النبي ‪‬كان يقرأ ألفاظ كما أقرأه‬
‫خِرُم منها حرفًا‪ ،‬ول هيئًة لعموم قول ابن عباس ‪):‬كما‬
‫جبريل ‪ ‬ل َي ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫ن ت ِل ْ َ‬
‫أقرأه(‪ ،‬ولقوله‪ُ  ‬‬
‫ق ْ‬
‫ء‬
‫قا ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن ِلي أ ْ‬
‫كو ُ‬
‫م ْ‬
‫ن أب َدّل َ ُ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫نَ ْ‬
‫ي…‪" ‬يونس‪. "15/‬‬
‫ف ِ‬
‫سي إ ِ ْ‬
‫ما ُيو َ‬
‫ن أت ّب ِ ُ‬
‫ع إ ِل ّ َ‬
‫حى إ ِل َ ّ‬
‫فإذا اجتمع –كما سبق‪:-‬‬
‫ة‬
‫‪-1‬‬
‫المر اللهي الموجب اتباع هيئ ٍ‬
‫معينٍة للنطق بالقرآن )الداء(‪ ،‬وهو قوله‪‬‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ن ت َْرِتيل ً‪" ‬المزمل‪ "4/‬ونحوها‪،‬‬
‫قْر َ‬
‫ءا َ‬
‫وَرت ّ ِ‬
‫‪َ …‬‬
‫‪-2‬‬

‫والتطبيق الملئكي )جبريل(‪‬لذلك‬

‫المر مبالغة في اتباع تلك الهيئة كما في قوله‬
‫وَرت ّل َْناهُ ت َْرِتيل ً‪" ‬الفرقان‪،(475) "32/‬‬
‫‪َ … ‬‬
‫‪ ()474‬صحيح البخاري ‪ ،1/6‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫حظ بعين التأمل أن إيراد هذه الجملة كان أثناء حجاج الخصماء فيه‪ ،‬ليظهر بالغ‬
‫‪ ()475‬وُيل َ‬
‫أهميتها ‪.‬‬

‫‪175‬‬

‫والنص النبوي عليها )اقرأ وارق‬
‫‪-3‬‬
‫‪476‬‬
‫ورتل() (…ونحوه‪،‬‬
‫ي لها‪،‬‬
‫‪-4‬‬
‫ق النبو ّ‬
‫والتطبي ُ‬
‫ودقة وصف الصحابة لتلك الهيئة‪،‬‬
‫‪-5‬‬
‫مع تناقل هذه الهيئة عبر الجيال …‬
‫‪-6‬‬
‫كانت النتيجة التلقائية لهذه المقدمات هي‪:‬‬
‫التوقيفية المحضة في نقل هيئة أداء القرآن‪ ،‬كنقل‬
‫أصل ألفاظه… ‪.‬‬
‫فإذا ُأضيف إلى هذا‪ :‬أن الرسول‪ ‬كان إذا انطلق جبريل‪‬‬
‫قرأه كما قرأه‪ ،‬وأن الصحابة حفظوه وكتبوه كما أقرأهم‬
‫الرسول‪…‬وأن حلقات الحفظ هذه قد توالت من الله –جل‬
‫وعل‪ -‬إلى رسوله من أهل السماء‪ ‬إلى رسوله من أهل‬
‫الرض ‪ ،‬ثم إلى صحابة رسوله ‪ ،‬ثم إلى المة باختلف‬
‫مكانها وزمانها…بأعلى درجات الحفظ والضبط…كما كان‬
‫الرسول‪ ‬يقوم بالعرض اليومي للصحابة عند نزول القرآن‪،‬‬
‫وفي الصلوات الجهرية‪ ،‬وفي نوافله الليلية التي كان يصل‬
‫ورُده فيها إلى سدس القرآن الكريم في كل ليلة غالبًا…فقد‬
‫ة بالقلم‪ ،‬وأداًء بالصوت الذي‬
‫ضمن الله‪ ‬للقرآن حفظه‪ :‬كتاب ً‬
‫ع‬
‫ح ِ‬
‫ت حروفه في أدق صفاتها ومخارجها من حيث مقاط ُ‬
‫ُ‬
‫فظ َ ْ‬
‫ق‪،‬‬
‫ترقي‬
‫أو‬
‫د‪،‬‬
‫م‬
‫أو‬
‫ة‪،‬‬
‫غن‬
‫من‬
‫يصاحبه‬
‫وما‬
‫الخروج(‬
‫أماكن‬
‫الداء)‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ت أماكن الوقف‬
‫ظ‬
‫ف‬
‫ح ِ‬
‫ل…كما ُ‬
‫ْ‬
‫م‪ ،‬أو استعلٍء‪ ،‬أو استفا ٍ‬
‫أو تفخي ٍ‬
‫والبتداء‪ ،‬والسكتات الواجبة والجائزة… ‪.‬‬
‫فحفظ الله –تعالى ذكره‪ -‬ألفاظ القرآن في هذه المة‬
‫بالدوات الواقعية النسانية التي تتسم بأعلى قواعد الحفظ‪،‬‬
‫وأدق مقاييس الضبط ‪.‬‬

‫ض على هذه النتيجة الحتمية بأنها منخرمٌة بما‬
‫ول يعترض معتر ٌ‬
‫ُيشاهد من اختلف أداء القرآن‪ ،‬لنه هذا الختلف مرده إلى أموٍر‬
‫خارجيٍة أخرى كالختلف الفطري في أصوات الناس‪ ،‬والختل ِ‬
‫ف‬
‫ف العقلي من حيث‬
‫النفسي من حيث التذوق لنغمة التصويت‪ ،‬والختل ِ‬
‫تقدير البطء والسرعة… وهذا كله ل يقدح في التوقيف في الداء‪ ،‬حذَو‬
‫‪ ()476‬صحيح ابن حبان ‪ ،3/43‬مرجع سابق؛ إذ مفهومه دال على مراد التقرير‪ ،‬وكأحاديث‬
‫التغني بالقرآن ‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫التوقيف في الصلة‪ ،‬إذ ل جدال في أنها عبادٌة توقيفية‪ ،‬وترى‬
‫الختلف فيها واردًا من حيث البطء والسرعة في أداء أركانها… وما‬
‫يشبه ذلك مما يرجع إلى البشر ‪.‬‬
‫وهذه‪ ،‬وما سبقها توطئٌة لثبات ما هو عند المسلمين َبَدهي من أن‬
‫هيئة قراءة القرآن صفٌة ذاتيٌة للفظ‪ ،‬وليست صفًة عارضة‪ ،‬أو أمرًا‬
‫تتميميًا)‪ ،(477‬كما أن في هذا التقرير إشارٌة إلى منبع الوهم الزاعم عدم‬
‫تواتر أوجه الداء‪ ،‬وهو ما صرح به ابن الحاجب وابن خلدون ‪-‬رحمهما ال‬
‫تعالى‪…(478)-‬وحسب ذا القول أن يكون مناقضًا للمقتضى اللغوي لمادة‬
‫الترتيل‪ ،‬ولما تراه من اجتماع المة على تفاصيل تطبيق الترتيل‪ ،‬الذي‬
‫ينصرف مفهومه في أول وهلة إلى الصفات العارضة للقراءة وحروفها ‪.‬‬
‫‪ -11‬تكرار المحفوظ‪ :‬ليرسخ فيه‪ ،‬فقد قال الزمخشري ‪-‬رحمه ال‬
‫تعالى‪" : -‬فأمر أن يستنصت له‪ ،‬ملقيًا إليه بقلبه وسمعه حتى يقضي إليه‪ ،‬ثم‬
‫‪ ()477‬فتبيين الحروف هو ما يعبر عنه علماء التجويد بقولهم‪ :‬إخراج الحرف من مخرجه مع‬
‫إعطائه حقه ومستحقه‪ ،‬إذ منعه من الصفات الذاتية إعداٌم لذاته‪ ،‬كمن أراد إخراج الدال غير‬
‫ن لحقيقته‪ ،‬وإزراٍء به‬
‫جها تاًء‪ ،‬ومنعه من الصفات العارضة هضٌم له وعدم بيا ٍ‬
‫خِر ُ‬
‫مجهورٍة فهو ُم ْ‬
‫ن بدون ساتٍر له من ملبس‪ ،‬والعراب النحوي من صفاته العارضة‪ ،‬فهذا‬
‫يستنكره أهل اللغة كإنسا ٍ‬
‫هو المقياس في دحر فكر من توسوس له نفسه التهاون في صفات الحروف العارضة‪ ،‬ومن هاهنا‬
‫يمكن إرساء قاعدة قوية في منع التطوير المزعوم في الصوات اللغوية العربية‪ ،‬وذلك لوجوب‬
‫ق من سابق ‪.‬‬
‫التزام بيان الحرف في القرآن الكريم على ما تلقاه لح ٌ‬
‫‪478‬‬
‫م ذلك بأن‬
‫)( أما ابن الحاجب‪ :‬فصّرح بذلك في مختصر الصول له‪ ،‬وقد نفى عنه قو ٌ‬
‫عبارة الستثناء من التواتر لم ترد في النسخ المشورة من المختصر‪ ،‬وأما ابن خلدون فقد‬
‫رجح ذلك في المقدمة ص ‪ - 552‬تاريخ ابن خلدون ‪ -‬تأليف‪ :‬عبد الرحمن بن خلدون ت ‪808‬‬
‫هس ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس‪ :‬خليل شحادة – مراجعة الدكتور‪ :‬سهيل زكار –‬
‫دار الفكر بيروت الطبعة الثالثة ‪1417‬هس –‪1996‬م‪ :‬حيث قال‪" :‬وقد خالف بعض الناس في‬
‫ط‪ ،‬وأباه الكثر‬
‫ت للداء‪ ،‬وهو غير منضب ٍ‬
‫تواتر طرقها ‪-‬يريد القراءات –؛لنها عندهم كيفيا ٌ‬
‫وقالوا بتواترها‪ ،‬وقال آخرون بتواتر غير الداء منها كالمد والتسهيل لعدم الوقوف على‬
‫جح كلمهم ابن الحاجب فهو عنه‬
‫كيفيته بالسمع وهو الصحيح" ولعله عنى بالبعض الذين ر ّ‬
‫ناق ٌ‬
‫ل‪ ،‬ولو نفي التواتر عن الداء كما قيل‪ ،‬لنفاه عن أصل اللفظ‪ ،‬وهو ما ل يقول به ابن‬
‫الحاجب‪ ،‬ول يرضاه‪ ،‬وهو الصولي المقرئ الكبير؛ إذ الداء يتضمن النطق بأصل اللفظ )وهذا‬
‫المسمى مخارج الحروف(‪ ،‬وصفاته الصلية‪ ،‬ويتضمن الصفات العارضة الناشئة عن الصفات‬
‫ُ‬
‫ضمن الول أو الثاني‪ ،‬إذ ل‬
‫الصلية‪ ،‬ونفي تواتر الداء نفي لصل اللفظ سواًء أريد َ به المت َ‬
‫ة‬
‫يستقيم نفي الصفة العارضة بدون نفي أصلها‪ ،‬ول تستطيع تصنيف التأني في القراءة صف ً‬
‫ن‪ ،‬وقد تقدم‬
‫أصلية‪ ،‬فل جرم أنها إلى الصفات العارضة تنتسب بسب ٍ‬
‫ب‪ ،‬وأما الول فأمره بي ٌ‬
‫في المتن تحلي ٌ‬
‫ل‪ ،‬والتكرار هنا هو في أسلوب طرح الكلم…فكلم ابن الحاجب‪-‬رحمه الله‬
‫تعالى‪ -‬حال ثبوته عنه‪ُ ،‬يشير إلى ما صّرح به من بعد ابن خلدون من أن المراد هو ما ل‬
‫يتوقف ضبطه على السمع كمراتب المد ‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫يقضيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه")‪ ،(479‬وهو من معاني في قوله‪‬‬
‫ع ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫‪ ‬قال اللوسي‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬اتبع قرآنه بالدرس على‬
‫ه‬
‫قْر َ‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫ءان َ ُ‬
‫معنى كرره حتى يرسخ في ذهنك")‪ ،(480‬وأورد ابن جرير)‪(481‬عن ابن‬
‫حّر ْ‬
‫ك‬
‫‪":‬كان ل يفتر من القرآن مخافة أن ينساه‪ ،‬فقال ال‬
‫عباس‬
‫‪ :‬ل ت ُ َ‬
‫سان َ َ‬
‫ج َ‬
‫مَعُه‪"‬القيامة‪ "17-16/‬أن‬
‫ن َ‬
‫ل بِ ِ‬
‫بِ ِ‬
‫ه)‪(16‬إ ِ ّ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع َ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫ه لِ َ‬
‫ج ْ‬
‫و ُ‬
‫قْرَءان َُه‪ ‬أن نقرئك فل تنسى"؛ وهذا دالة على تكرار‬
‫نجمعه لك‪َ ‬‬
‫المحفوظ‪ ،‬والمعارضة والمدارسة نموذج للصورة التطبيقية لهذا التكرار ‪.‬‬

‫‪ -12‬تركيز المراجعة في قيام الليل‪ :‬فقيام الليل له عدة‬
‫تعلقات من حيث لفظ القرآن الكريم‪:‬‬
‫أ‪ -‬هو محل استمداد عون ال‪ ،‬ولذا ُأِمَر النبي‪ ‬بقيام الليل ليكون السبيل‬
‫الذي يستعين به على تلقي هذا القول الثقيل ‪.‬‬
‫ل للصورة التطبيقية في مراجعة القرآن الكريم‬
‫ب‪ -‬جعل قيام الليل مح ً‬
‫تثبيتًا لللفاظ‪ ،‬وتبيينًا للصوات‪ ،‬ففي قيام الليل تكون "مواطأة القرآن أشد‬
‫موافقة لسمعه وبصره وقلبه")‪ ،(482‬وله بالقرآن تعلقان‪:‬‬
‫عاٌم‪ :‬فهو ‪‬أ َ َ‬
‫شدّ َوطًْئا‪ ‬أي‪" :‬أثبت في الخير"‪ ،‬وخاصٌ فهو‬
‫وأ َ ْ‬
‫قيل ً‪ ‬أي‪":‬أبلغ في الحفظ")‪.(483‬‬
‫م ِ‬
‫و ُ‬
‫ق َ‬
‫‪َ ‬‬

‫‪ ()479‬الكشاف ‪ ،4/165‬مرجع سابق‪ ،‬ومثله‪ :‬أبو السعود ‪ ،5/340‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()480‬روح المعاني ‪ ،29/244‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()481‬تفسير الطبري ‪ ،29/190‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()482‬صحيح البخاري ‪ ،1/382‬مرجع سابق‪ ،‬عن ابن عباس ‪-‬رضي الله عنهما‪ ،-‬وقال ابن‬
‫حجر‪ -‬رحمه الله تعالى‪" :-‬وهذا وصله عبد بن حميد من طريق مجاهد" ‪.‬انظر‪ :‬فتح الباري‬
‫شرح صحيح البخاري ‪ ،3/23‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()483‬تفسير الطبري ‪ ،170 /29‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪178‬‬

‫وأ َ ْ‬
‫م‬
‫و ُ‬
‫ق َ‬
‫وكونه أبلغ في الحفظ‪ :‬مجمل فصله الشوكاني بقوله‪َ  " :‬‬

‫ل‪ ،‬وأثبت قراءًة لحضور القلب فيها‪ ،‬وهدوء‬
‫قيل ً ‪ ‬أي أشد مقا ً‬
‫ِ‬
‫الصوات…" ‪.‬‬
‫ول يتوقف ذلك عند مجرد الحفظ‪ ،‬بل يتعداه إلى تبيين اللفظ فقد نقل‬
‫الشوكاني عن قتادة ومجاهد‪" :‬أي أصوب للقراءة‪ ،‬وأثبت للقول؛ لنه‬
‫ل بالقرآن")‪. (484‬‬
‫زمان التفهم‪ ،‬وقال الكلبي‪ :‬أبين قو ً‬
‫والمقصود أن قيام الليل هو محٌل لتكون مواطأة القرآن بين القلب‬
‫واللسان أشد‪ ،‬كما أنه أجمع للتلوة أي أرسخ للحفظ‪ ،‬ولهذا قال ‪‬‬
‫وأ َ ْ‬
‫ي أَ َ‬
‫قيل ً‪" ‬المزمل‪ ،"6/‬أي أجمع للخاطر‬
‫م ِ‬
‫‪ِ ‬‬
‫و ُ‬
‫ق َ‬
‫وطًْئا َ‬
‫شد ّ َ‬
‫ه َ‬
‫في أداء القراءة وتفهمها …)‪. (485‬‬
‫ي أَ َ‬
‫وطًْئا‬
‫شئ َ َ‬
‫ل ِ‬
‫ن َنا ِ‬
‫وعلقة قوله ‪: ‬إ ِ ّ‬
‫شدّ َ‬
‫ة الل ّي ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ن ت َْرِتيل)‪(4‬إ ِّنا‬
‫قْر َ‬
‫م ِ‬
‫ءا َ‬
‫و ُ‬
‫وَرت ّ ِ‬
‫قيل ً‪ ‬بما قبلها ‪َ …‬‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ك َ‬
‫ل لتخصيص‬
‫قيل ً‪" ‬المزمل‪ "5-4/‬أنها تعلي ٌ‬
‫قي َ‬
‫ول ث َ ِ‬
‫سن ُل ْ ِ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫زمن الليل بالقيام فيه‪ ،‬والمراد‪ :‬إن في قيام الليل تزكيٌة وتصفيٌة لسِرك‪،‬‬
‫وارتقاٌء بك إلى المراقي الملكية‪ ،‬فالمعنى‪ :‬إن صلة الليل أعود على تذكر‬
‫القرآن‪ ،‬والسلمة من نسيان بعض اليات‪ ،‬وأعون على المزيد من التدبر‪،‬‬
‫قال ابن عباس ‪": ‬أدنى من أن يفقهوا القرآن"‪ ،‬وقال قتادة‪" :‬أحفظ‬
‫للقرآن"‪ ،‬وقال ابن زيد‪":‬أقوم قراءة لفراغه من الدنيا")‪ ،(486‬وقد اشتهر‬
‫حديث حذيفة ‪ ‬في قيامه‪ ‬بسورة البقرة وآل عمران والنساء)‪(487‬‬
‫أنموذجًا لورده ‪ ‬في المراجعة في قيام الليل ‪.‬‬
‫‪ ()484‬فتح القدير ‪ ،5/388‬مرجع سابق‪ ،‬وراجع‪ :‬تفسير أبي السعود ‪ ،5/412‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()485‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪ ،4/370‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ءا‬
‫ر‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ر‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫تعالى‬
‫قوله‬
‫في‬
‫وقال‬
‫‪ ()486‬التحرير والتنوير ‪ ،29/163‬مرجع سابق‪،‬‬
‫ْ َ َ‬
‫َ َ ّ ِ‬
‫ة بقيام الليل أي‪ :‬رتل قراءتك في القيام‪ ،‬ويجوز أن تكون أمرا ً مستقل ً متعلقا ً‬
‫ت َْرِتيل ً‪ ‬متعلق ٌ‬
‫يكيفية قراءة القرآن‪ ،‬جرى ذكره بمناسبة قيام الليل‪ ،‬وهذا أولى لن الصلة تدخل في ذلك‬
‫وانظر‪ :‬البحر المحيط ‪ /8/363‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()487‬رواه مسلم ‪ ،3/342‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫وقد جعل النبي‪ ‬قيام الليل وردًا للمراجعة اليومية؛ ولذا جعله‬
‫البحث نموذجًا للوقت النموذجي لها)‪ ،(488‬فقد كان النبي ‪ ‬يقرأ ما ُيْلَقى‬
‫إليه في الليل أثناء قيامه في الصلة ‪.‬‬
‫ولمراجعة القرآن في صلة الليل أثٌر في تثبيته بل ذلك أحد أهم‬
‫ص في‬
‫قواعد حفظه‪ .‬وفي موضوع تلقي النبي ‪ ‬يوجد دليلن‪ :‬عاٌم وخا ٌ‬
‫مراجعته‪ ‬في الليل‪:‬‬
‫فأما الدليل العام فقد قال‪) : ‬إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل‬
‫والنهار ذكره‪ ،‬وإن لم يقم به نسيه()‪ (489‬ومن أحق منه ‪‬بوصف‬
‫صاحب القرآن؟ ‪.‬‬
‫ن قياُمه في صلته كان بما ُيْلَقى إليه‬
‫وأما الدليل الخاص الذي فيه‪ :‬أ ّ‬
‫فما حدثت به عائشة –رضي ال تعالى عنها– أن رسول ال‪ ‬قام ليلة من الليالي‬
‫فقال‪) :‬يا عائشة !ذريني أتعبد لربي( قلت‪ :‬وال إني لحب قربك‪ ،‬وأحب‬
‫ما يسرك‪ ،‬قالت‪ :‬فقام فتطهر‪ ،‬ثم قام يصلي‪ ،‬فلم يزل يبكي حتى ب ّ‬
‫ل‬
‫‪ ()488‬ل يعني هذا نفي الغايات الشرعية الخرى لقيام الليل ‪.‬‬

‫‪ ()489‬رواه مسلم ‪ ،1/536‬مرجع سابق‪ ،‬عن ابن عمر ‪-‬رضي ال عنهما‪ ،-‬وقوله )لم يقم به(‬
‫تحتمل معنى قيام الليل‪ ،‬وتحتمل معنى العمل به‪ ،‬وقد قال المباركفوري في معنى قول الصحابي‬
‫يخاطب رسول ال‪) : ‬أن ل أقوم بها(‪ :‬كما في تحفة الحوذي ‪" :150/8‬أي في صلة الليل"‪،‬‬
‫انظر‪) :‬المباركفوري( أبو الُعل محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم‪ ،‬ط ‪1410 ،1‬هـ – ‪1990‬م‪،‬‬
‫دار الكتب العلمية – بيروت ‪.‬‬
‫ويؤكد هذا المعنى الحديث الذي وردت فيه هذه العبارة ما روى الترمذي ‪ 156/5‬عن أبي‬
‫هريرة‪‬قال‪ :‬بعث رسول ال ‪ ‬بعثًا‪ ،‬وهم نفر فدعاهم رسول ال ‪ ‬فقال‪) :‬ماذا معكم من‬
‫ل منهم هو من أحدثهم سنًا‪ ،‬فقال ‪ ) :‬ماذا معك يا‬
‫القرآن ؟( فاستقرأهم‪ ،‬حتى مّر على رج ٍ‬
‫فلن ؟( قال‪ :‬معي كذا‪ ،‬وكذا‪ ،‬وسورة البقرة ‪ .‬قال‪) :‬معك سورة البقرة؟( ‪ .‬قال‪ :‬نعم!‪.‬‬
‫ل –هو أشرفهم‪ :-‬والذي كذا وكذا يا رسول ال !ما‬
‫قال‪) :‬اذهب‪ ،‬فأنت أميرهم( فقال رج ٌ‬
‫منعني أن ل أتعلم القرآن إل خشيت أن ل أقوم به ‪ .‬قال رسول ال ‪) :‬تعلم القرآن‪،‬‬
‫واقرأه‪ ،‬وارقد‪ ،‬فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه‪ ،‬وقام به كمثل جراب‬
‫محشو مسكا ً تفوح ريحه كل مكان‪ ،‬ومن تعلمه‪ ،‬فرقد وهوفي جوفه كمثل‬
‫جراب وكىء على مسك( حسنه الترمذي‪ ،‬وضعفه اللباني‪ ،‬وصححه ابن حبان‪ ،‬وقال‬
‫الشيخ شعيب الرناؤوط في تعليقه على ابن حبان‪" :‬رجاله ثقات رجال الصحيح غير عطاء مولى‬
‫أبي أحمد" ‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫الرض‪ ،‬وجاء بلل يؤذنه بالصلة‪ ،‬فلما رآه يبكي‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول ال!‬
‫تبكي وقد غفر ال ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال‪) :‬أفل أكون عبدا ً‬
‫شكورا ً ؟ لقد نزلت علي الليلة آيات‪ ،‬ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها‬

‫َ‬
‫في َ ْ‬
‫ل‬
‫وا ْ‬
‫ن ِ‬
‫وا ِ‬
‫‪‬إ ِ ّ‬
‫خت َِل ِ‬
‫ق ال ّ‬
‫س َ‬
‫ف الل ّي ْ ِ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫والْر ِ‬
‫خل ِ‬
‫ص بأنه غير صريحٍ في‬
‫َوالن َّهاِر… ‪ (‬الية)‪ ،(490‬ول يعترض على الن ّ‬

‫الدللة على المراد؛ لن قرائن الحال‪ ،‬واقتران الوصف بالحكم في الحديث‬
‫ب من إيراده‪ ،‬وهو مراجعته لما ُأنِزل عليه‪ ،‬والذي ُأنزل‬
‫مقتضيان المطلو َ‬
‫عليه هنا اليات العشر من سورة آل عمران ‪.‬‬
‫بل كان يؤكد على المراجعة ببيان وسائل التدارك عند الفوات فعن‬
‫عبد الرحمن ابن عبد القاري‪:‬قال سمعت عمر بن الخطاب‪ ‬يقول‪ :‬قال‬
‫رسول ال ‪) :‬من نام عن حزبه‪ ،‬أو عن شيء منه فقرأه فيما بين‬
‫صلة الفجر وصلة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل()‪ ،(491‬وقد شمل‬
‫قوله )حزبه( الصلة والقرآن‪ ،‬وهو إلى القرآن أقرب؛ إذ مصطلح الحزب‬
‫على لسان النبي‪ ‬يختص بالقرآن)‪.(492‬‬
‫كما جعل‪ ‬شدة الحض على قيام الليل مع الهتمام فيه بقراءة‬
‫القرآن مقترنًا ببيان الحد الدنى للقراءة أمراً لزمًا لتكون دافعًا إلى الترقي‬
‫المستمر في زيادة كمية المقروء كما في قوله‪) : ‬من قام بعشر آيات‬
‫لم يكتب من الغافلين‪ ،‬ومن قام بمائة آية كتب من القانتين‪ ،‬ومن قام‬
‫بألف آية كتب من المقنطرين()‪ ،(493‬وفي الحديث إشارٌة برمي الذي لم‬
‫‪ () 490‬رواه ابن حبان في صحيحه ‪ ،2/386‬مرجع سابق‪ ،‬وصححه اللباني في السلسلة‬
‫الصحيحة رقم ‪. 68‬‬
‫‪ ()491‬صحيح مسلم ‪ ،1/515‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()492‬ففي مسند المام أحمد بن حنبل ‪ :4/9‬عن أوس بن حذيفة أن رسول ال قال‪) :‬طرأ على‬
‫حزب من القرآن‪ ،‬فأردت أن ل أخرج حتى أقضيه( ‪-‬قال‪) -‬فسألنا أصحاب رسول ال‬
‫حِزبه ثلث سوٍر‪ ،‬وخمس سوٍر‪ ،‬وسبع‬
‫حِزبون القرآن؟ قالوا‪ُ :‬ن َ‬
‫‪‬حين أصبحنا ‪-‬قال‪ -‬قلنا‪ :‬كيف ُت َ‬
‫ب المفصل من قاف حتى‬
‫سوٍر‪ ،‬وتسع سوٍر‪ ،‬وإحدى عشرة سورًة‪ ،‬وثلث عشرة سورًة‪ ،‬وحز َ‬
‫يختم( ‪ .‬وهو في سنن ابن ماجه ‪ 1/427‬وقال اللباني‪ :‬ضعيف ‪.‬‬
‫‪ ()493‬صحيح ابن حبان ‪ ،310 /6‬مرجع سابق‪ ،‬وصحيح ابن خزيمة ‪ ،181 /2‬انظر‪) :‬ابن‬
‫خزيمة( إمام الئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي ت ‪311‬هس‪ :‬صحيح ابن‬
‫خزيمة‪ ،‬مراجعة‪ :‬د‪.‬محمد مصطفى العظمي ‪1390‬هس‪1970-‬م‪ ،‬المكتب السلمي‪-‬بيروت ‪.‬‬

‫‪181‬‬

‫ج نحو القيام‪ ،‬وقراءة هذا المقدار‪ ،‬وما‬
‫يقم بعشر آيات بالغفلة‪ ،‬وفي ذلك تهيي ٌ‬
‫الحكم هنا إل غير تحريٍم لترك قيام الليل ما أشبهه بالتحريم ‪.‬‬
‫شِرعت الوسائل البديلة لقيام الليل لمن فتر أو كسل متضمنة‬
‫بل ُ‬
‫الرتباط الدائم بالقرآن‪ ،‬والستفزاز الشعوري بقيام الليل‪ ،‬وإن لم يقمه فقد‬
‫قال‪): ‬من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة()‪ ،(494‬وسواًء كان‬
‫شَعَر به تعدية‬
‫معنى الحديث القراءة المجردة‪ ،‬أو القراءة مع قيام الليل الذي َأ ْ‬
‫ف في الستدلل على المطلوب ‪.‬‬
‫الفعل بالباء‪ ،‬فإطلق القراءة فيه كا ٍ‬
‫على أن حرص النبي‪ ‬على استذكار القرآن ومراجعته أوضح‬
‫من أن ُيَدلل عليه‪ ،‬ولئن كان قد قال في حرفٍة عادية‪) :‬من علم الرمي ثم‬
‫ل أكثر من ذلك في أصل‬
‫تركه فليس منا فقد عصى()‪ ،(495‬لهو قائلٌ ثم فاع ٌ‬
‫أصول الشريعة السلمية ‪.‬‬
‫‪ -13‬التعاهد السنوي‪ :‬وذلك بمراجعة القرآن على جبريل‬
‫‪‬سنويًا في كل رمضان‪ ،‬ويأتي تحليل هذا الموقف التعليمي)‪ ،(496‬وهذا‬
‫هو الصل الشرعي المنهجي في العرضة الثانية أو الثالثة تأكيدًا وتثبيتًا‬
‫للمحفوظ‪ ،‬وهذا التعاهد غير التعاهد الدائم )المراجعة الدائمة(؛ إذ كلمنا عن‬
‫اتصال الرسول ‪ ‬التعليمي بجبريل‪ ‬في القرآن الكريم من حيث اللفظ‪،‬‬
‫ل ذاتي ‪.‬‬
‫والمراجعة الدائمة عم ٌ‬
‫فإن اعُترض بأنه‪ :‬لم يتم عرض الجزء الذي نزل بعد آخر‬
‫رمضان قبل موت النبي ‪‬؟ ‪.‬‬
‫ن القواعد العامة‬
‫فالجواب‪ :‬ليس عدم العلم علمًا بالعدم‪ ،‬بل إ ّ‬
‫للموضوع هي التي تجعل الباحث يميل إلى الحكم بالنفي أو الثبات عند‬
‫ض في خصوص‬
‫عِر َ‬
‫عدم وجود النص الصريح في مدار النـزاع‪ ،‬وما ُ‬
‫عَرض‬
‫موضوعنا يجعل الناظر فيها يميل إلى ترجيح أن النبي ‪ ‬قد َ‬
‫القرآن قبل وفاته‪ ،‬وذلك لما رأيَته من الهتمام المؤّكد بذلك من خلل ما‬
‫سبق‪ ،‬ولقد خرج النبي‪ ‬إلى شهداء أحد قبل وفاته فصلى عليهم بأمر‬
‫‪) ()494‬المقدسي( أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد الحنبلي ت ‪634‬هس ‪ :‬الحاديث‬
‫المختارة ‪ ،278 /8‬تحقيق‪ :‬عبد الملك ابن عبد الله دهيش‪1410 ،‬هس‪ ،‬مكتبة النهضة الحديثة‪،‬‬
‫مكة المكرمة ‪.‬‬
‫‪ ()495‬رواه مسلم ‪ ،1522 /3‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()496‬في المبحث التاسع من هذا الفصل ص ‪. 177‬‬

‫‪182‬‬

‫ربه)‪ ،(497‬فكيف يكون المر له في خصوص القرآن الكريم‪ ،‬على أنه‬
‫لو لم يتم العرض فل ضير للتكفل بالحفظ أو لما قاله ابن حجر‪-‬رحمه ال‬
‫ل بالنسبة لما تقدم‬
‫تعالى‪" :-‬وكأن الذي نزل في تلك اليام لما كان قلي ً‬
‫غُتِفَر أمر معارضته")‪. (498‬‬
‫اْ‬
‫وفي آخر هذا المبحث‪ :‬فهل أتاك نبأ‬
‫رسول الله ‪ ‬إذ يتلقى ألفاظ ألفاظ القرآن‬
‫الكريم؟‪ ،‬وجبريل ‪ ‬إذ يعلمه لفظ القرآن‬
‫ج‬
‫سَر َ‬
‫ي الشوق أشعل ُ‬
‫المجيد؟… فيا حاد َ‬
‫العزيمة…وأمط عنا –بذاك‪-‬في الظلماء ذ َ‬
‫ل‬
‫الهزيمة…‪.‬ويا رسول الله‪:‬‬
‫زل‬
‫قد كنت بدرا ً ونورا ً ُيستضـاء به …‪.‬عليك َتنـ ِ‬
‫ب‬
‫من ذي العزة الكت ُ‬
‫وكان جبريـل باليـات يحضرنا …‪ .‬فغـاب عنا‪،‬‬
‫وك ُ‬
‫ب‬
‫ل الشوق ينسك ُ‬

‫‪ ()497‬كما ثبت في البخاري ‪ ،1/576‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()498‬فتح الباري ‪ ،9/44‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪183‬‬

‫المبحث التاسع‪:‬‬
‫تحليل حديث المدارسة )المعارضة(‪:‬‬
‫قد تكررت ‪-‬فيما سبق‪ -‬الشارة إلى حديث المعارضة‪ ،‬ولنه ُيَمّثل‬
‫أنموذج المراجعة السنوية للقرآن الكريم من جهٍة‪ ،‬ولما يتضمنه من دلل ٍ‬
‫ت‬
‫متميزٍة من حيث تلقين جبريل‪ ‬للنبي ‪ ‬ألفاظ القرآن من جهٍة أخرى؛‬
‫عقد هذا المبحث‪ ،‬وينقسم إلى خمسة‬
‫فقد لزم إبرازه بالبحث والتحليل‪ ،‬لذا ُ‬
‫مطالب‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬متن الحديث برواياته المختلفة ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬الدللت العامة لحديث المعارضة ‪.‬‬
‫ضّمنات المعارضة ‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬مت َ‬
‫المطلب الرابع‪ :‬إيراٌد على ما سبق ودفعه ‪.‬‬
‫المطلب الخامس‪ :‬المقتضى المنهجي لحديث المعارضسسة‬
‫‪.‬‬

‫المطلب الول‪ :‬متن الحديث برواياته المختلفة‪:‬‬
‫عن عبيد ال بن عبد ال بن عتبة أن ابن عباس ‪‬قال‪ :‬كان النبي‬
‫‪‬أجود الناس بالخير‪ ،‬وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل‬
‫‪،‬وكان جبريل ‪‬يلقاه كل ليلة في ]وفي لفظ من[ رمضان‪ ،‬حتى ينسلخ‪،‬‬
‫]كان يلقاه في كل سنة في رمضان[)‪ ،(499‬يعرض عليه النبي ‪(500) ‬‬
‫القرآن‪]،‬فيدارسه القرآن[)‪،(501‬فإذا لقيه جبريل ‪‬كان أجود بالخير من‬
‫الريح المرسلة]وروي أبو هريرة وفاطمة ‪-‬رضي ال تعالى عنهما‪ -‬عن النبي ‪‬‬
‫أن جبريل كان يعارضه القرآن[)‪ ،(502‬ووقع عند أحمد في آخر هذا‬
‫‪ ()499‬صحيح مسلم ‪ ،4/1803‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()500‬ومثل هذا التصريح في مسلم ‪ ،4/1803‬وعند أحمد ‪ ،1/230‬مرجع سابق‪ :‬كان رسول‬
‫الله ‪‬يعرض الكتاب على جبريل ‪‬في كل رمضان‪ ،‬فإذا أصبح رسول الله ‪‬من الليلة التي‬
‫يعرض فيها ما يعرض… ‪.‬‬

‫ظ أخرى للبخاري ‪.‬‬
‫‪ ()501‬ما بين القواس ألفا ٌ‬
‫‪ ()502‬صحيح البخاري ‪ ،3/1177‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫الحديث‪:‬ل يسأل شيئًا إل أعطاه)‪ .(503‬وحديث فاطمة الذي أشار إليه‬
‫البخاري هو ما روته عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪-‬‬

‫‪ ()503‬مسند المام أحمد ‪ ،1/326‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪185‬‬

186

‫قالت‪ :‬إنا كنا أزواج النبي ‪ ‬عنده جميعًا‪ ،‬لم تغادر منا واحدة‪ ،‬فأقبلت‬
‫فاطمة ‪-‬عليها السلم‪-‬تمشي‪ ،‬ول وال ما تخفى مشيتها من مشية رسول ال‬
‫‪ ،‬فلما رآها رحب وقال‪:‬مرحبًا بابنتي‪ ،‬ثم أجلسها عن يمينه‪ ،‬أو عن‬
‫شماله‪ ،‬ثم سارها فبكت بكاء شديدًا‪ ،‬فلما رأى حزنها سارها الثانية‪ ،‬فإذا هي‬
‫تضحك‪ ،‬فقلت لها أنا من بين نسائه‪ :‬خصك رسول ال ‪ ‬بالسر من بيننا‪،‬‬
‫ثم أنت تبكين‪ ،‬فلما قام رسول ال‪ ‬سألتها‪ :‬عم سارك؟‪ ،‬قالت‪ :‬ما كنت‬
‫لفشي على رسول ال ‪ ‬سره ‪.‬فلما ُتوفي‪ ،‬قلت لها‪ :‬عزمت عليك بما لي‬
‫عليك من الحق لما أخبرتني ‪ .‬قالت‪ :‬أما الن فنعم‪ ،‬فأخبرتني‪ ،‬قالت‪ :‬أما‬
‫حين سارني في المر الول‪ ،‬فإنه أخبرني )أن جبريل‪‬كان يعارضه‬
‫بالقرآن كل سنة مرة‪ ،‬وإنه قد عارضني به العام مرتين‪ ،‬ول أرى الجل‬

‫إل قد اقترب فاتقي الله‪ ،‬واصبري‪ ،‬فإني نعم السلف أنا لك( قالت‪:‬‬
‫زعي سارني الثانية‪ ،‬قال‪) :‬يا فاطمة‬
‫جَ‬
‫فبكيت بكائي الذي رأيت‪ ،‬فلما رأى َ‬
‫أل ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أوسيدة نساء هذه المة(‬
‫)‪.(504‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬الدللت العامة لحديث المعارضة‪:‬‬

‫والدللت المأخوذة من هذا الحديث هي‪:‬‬
‫اعتماد مبدأ المدارسة في مفردات التعليم المنهجي‬
‫‪-1‬‬
‫للفاظ القرآن الكريم‪ :‬فقد تنوعت روايات الحديث في‬
‫وصف هذا الموقف التعليمي بين جبريل‪ ‬والنبي ‪، ‬‬
‫فوصفه بعضها بأنه )مدارسة(‪ ،‬وبعضها بأنه )معارضة(‪،‬‬
‫وبعضها )يعرض عليه القرآن(‪ ،‬وبعضها أبهم الفاعل‪،‬‬
‫وصّرح البعض بأن الفاعل للعرض هو النبي ‪ ،‬والبعض‬
‫أن الذي كان يعرض هو جبريل‪ ‬ومنه استنباط المام‬
‫النسائي‪ :‬أن جبريل ‪‬هو الذي كان يعرض القرآن على‬
‫النبي ‪ ،‬وهو ما أشار إليه البخاري في قوله‪ :‬وروى أبو‬
‫هريرة وفاطمة ‪-‬رضي ال تعالى عنهما‪ -‬عن النبي ‪ ‬أن جبريل‬
‫‪ ()504‬صحيح البخاري‪ ،5/2317 ،‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪187‬‬

‫‪ ‬كان يعارضه القرآن…وهذه الوصاف مستلزمٌة سبَر‬
‫معانيها اللغوية والصطلحية‪ ،‬للتمكن من تحليل هذا‬
‫الموقف التعليمي المتميز‪ ،‬والخروج بنتائج حقيقيٍة تترتب‬
‫عليه ‪.‬‬
‫ومن ذلك‪:‬‬
‫جَمع ذاك إلى‬
‫‪ -1‬أن المدارسة تستلزم الفقه الدقيق‪ ،‬ول بد من أن ُي ْ‬
‫حسن المعنى وتركيزه‪ ،‬صحَة اللفظ وعذوبته وقوته‪ ،‬كما جاء عن‬
‫عبد الملك بن عمير عن قبيصة ابن جابر‪) :‬أل أخبركم عن من‬
‫صحبت؟! صحبت عمر بن الخطاب‪ ،‬فما رأيت أحدًا أفقه في كتاب‬
‫ال‪ ،‬ول أحسن مدارسًة منه…()‪ .(505‬فليس المعنى فقط هو المعتبر‬
‫في المدارسة‪ ،‬وظاهٌر أنه ل يستطاع الوصول إليه إل عبر اللفظ‪،‬‬
‫ف فيه‬
‫فإن كان هذا اللفظ هو كلم ال‪ ‬كان من البدهي أن لكل حر ٍ‬
‫دللته التي ل يقوم غيره فيها مقامه… ‪.‬‬
‫‪ -2‬والمدارسة الرمضانية هي الساس الشرعي المنهجي للعرضة‬
‫الثانية‪ ،‬والثالثة للقرآن الكريم من الطالب على شيخه…كما هو‬
‫معمول به عند المسلمين‪ ،‬تدقيقًا للفظ وتأكيدًا للحفظ‪ ،‬وتثبتًا من‬
‫الداء ‪.‬‬
‫التأكيد على الحفظ في حق الرسول ‪‬بما ليس‬
‫‪-2‬‬
‫بعده‪ :‬والمراد بذلك مقتضياته التعليمية في حق المة‪ ،‬ذلك‬
‫أن ال قد تكفل بإقراء النبي ‪ ‬على هيئة قراءة جبريل‬
‫سيه من صدره ثانيًا‪ ،‬ثم‬
‫ل‪ ،‬ثم تكفل بعدم ِن ّ‬
‫‪ ‬لفظًا وأداء أو ً‬
‫بحفظ كتابه ثالثًا … وعلى الرغم من ذلك فقد كانت‬
‫المعارضة السنوية للقرآن الكريم تأخذ مجراها الدوري‪،‬‬
‫‪) ()505‬المزي( أبو الحجاج جمال الدين يوسف بن الزكي عبد الرحمن ت ‪ 742‬هس‪ :‬تهذيب‬
‫الكمال ‪ ،23/472‬مراجعة‪ :‬بشار عواد معروف‪1400 ،‬هس ‪1980-‬م‪ ،‬مؤسسة الرسالة‬
‫بيروت‪ ،‬وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير ‪ ،175 /7‬ومما يلزم إضافته في سياق تقرير‬‫المعنى المشار إليه‪ :‬أن قبيصة قد تأثر بصحبة هؤلء الساتذة‪ ،‬فكان كما قال عبد الملك ابن‬
‫عمير إذا ذكر الفصحاء‪" :‬فصحاء الناس ثلثة‪ :‬الحسن البصري‪ ،‬وموسى بن طلحة القرشي‪،‬‬
‫وقبيصة بن جابر السدي …" تهذيب الكمال ‪ ،23/472‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪188‬‬

‫مع جملة تأكيدات فيها على غايتها وفحواها)‪ ،(506‬كتكرار‬
‫المعارضة مرتين في العام الذي توفي فيه‪ ،‬واستمرارها في‬
‫كل ليلة من شهر رمضان مع أنه كان يمكن الكتفاء ببعض‬
‫المجالس سواء كرر جميع القرآن كل ليلة‪ ،‬أو فرقه على‬
‫الليالي وهو الظهر وهو ما أكده المام النووي ‪-‬رحمه ال‬
‫تعالى‪ -‬في شرحه لهذا الحديث حيث قال‪" :‬واستحباب‬
‫الكثار من القراءة في رمضان وكونها أفضل من سائر‬
‫الذكار؛إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويًا لُفِعل‪ ،‬فإن‬
‫اعُترض بأن المقصود تجويد الحفظ‪ ،‬قلنا‪ :‬الحفظ كان‬
‫ل‪ ،‬والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس ")‪. (507‬‬
‫حاص ً‬
‫وهل للعتكاف علقة بعرض القرآن ؟ ذاك ما ل يمكن نفيه أو‬
‫ضّمن‬
‫إثباته‪ ،‬ولكن العلقة طردية بين العتكاف وعرض القرآن)‪ ،(508‬ومت َ‬
‫العتكاف الذي يجعل تلوة القرآن من أساساته‪ ،‬والنقطاع ل ‪ ‬من‬
‫أوصافه الذاتية)‪…(509‬قد يوحيان بهذه العلقة ‪.‬‬
‫‪ -3‬تأكيد المعارضة السنوية‪ ،‬وتعويضها عند فواتها لعارض‪ :‬فقد اختلف‬
‫في سبب معارضته ‪‬مرتين في العام الذي توفي بعده‪ ،‬ول شك أن مجرد‬
‫ف في التأكيد على أصل أصول الدين‪ ،‬ويجعل‬
‫العلم اللهي بوفاته سبب كا ٍ‬
‫ذلك كالمقطوع به استنباطه‪ ‬حيث قالت ابنته فاطمة‪) :‬أخبرني أن جبريل‬
‫كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة وإنه قد عارضني به العام مرتين ول‬
‫أرى الجل إل قد اقترب(‪ ،‬لكن هذا ل يفسر اعتكافه مرتين على المستوى‬

‫ذاته من القوة…وقد عرض ابن حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬اختلف العلماء في‬
‫‪ ()506‬ولذا قال ابن حجر ‪-‬رحمه الله تعالى‪" :-‬وفيه استحباب تكثير العبادة في آخر العمر‪،‬‬
‫ومذاكرة الفاضل بالخير والعلم‪ ،‬وإن كان هو ل يخفى عليه ذلك لزيادة التذكرة والتعاظ‪،‬‬
‫وفيه أن ليل رمضان أفضل من نهاره‪ ،‬وأن المقصود من التلوة الحضور والفهم‪ ،‬لن الليل‬
‫مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية "‪.‬‬
‫‪507‬‬

‫)( فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،31/1‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪508‬‬

‫)( حيث كان يعرض القرآن مرة‪ ،‬ويعتكف عشرة أيام‪ ،‬فلما عرضه مرتين اعتكف عشرين‬
‫ل أن يقول‪ :‬ليست هذه العلقة مؤثرة‪ ،‬بل اتفق الطراد لعارض ‪.‬‬
‫يومًا…ولقائ ٍ‬

‫‪ ()509‬حتى أن اعتكاف النبي ‪ ‬كان تصاحبه شدٌة في التبتل‪ ،‬قال ابن حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪-‬في‬
‫الفتح ‪ ،4/285‬مرجع سابق‪" :‬وقد روى ابن المنذر عن ابن شهاب أنه كان يقول‪:‬عجبًا للمسلمين ‍‪،‬‬
‫تركوا العتكاف والنبي ‪‬لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه ال "‪ ،‬وقال مالك‪ " :‬أنه لم يعلم أن‬
‫أحدًا من السلف اعتكف إل أبا بكر بن عبد الرحمن‪ ،‬وأن تركهم لذلك لما فيه من الشدة" ‪.‬‬

‫‪189‬‬

‫سبب اعتكافه في العام الذي توفي بعده عشرين يومًا فقال‪" :‬قيل‪ :‬السبب في‬
‫ذلك أنه‪ ‬علم بانقضاء أجله‪ ،‬فأراد أن يستكثر من أعمال الخير؛ ليبين‬
‫لمته الجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمل ليلقوا ال ‪ ‬على خير‬
‫أحوالهم)‪ ،(510‬وقيل‪ :‬السبب فيه أن جبريل ‪‬كان يعارضه بالقرآن في كل‬
‫ض فيه عارضه به مرتين؛ فلذلك‬
‫رمضان مرة‪ ،‬فلما كان العام الذي ُقِب َ‬
‫اعتكف قدر ما كان يعتكف مرتين‪ ،‬ويؤيده أن عند ابن ماجة‪) :‬وكان‬
‫يعرض عليه القرآن في كل عام مرًة‪ ،‬فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه‬
‫ب ذلك أنه لما‬
‫عليه مرتين()‪ ،(511‬وقال ابن العربي‪ :‬يحتمل أن يكون سب ُ‬
‫ترك العتكاف في العشر الخير بسبب ما وقع من أزواجه‪ ،‬واعتكف بدله‬
‫عشرًا من شوال –اعتكف في العام الذي يليه عشرين ليتحقق قضاء العشر‬
‫في رمضان انتهى‪ ،‬وأقوى من ذلك أنه إنما اعتكف في ذلك العام عشرين‬
‫لنه كان العام الذي قبله مسافرًا‪ ،‬ويدل لذلك ما أخرجه النسائي وللفظ له‬
‫وأبو داود وصححه ابن حبان وغيره من حديث بن أبي بن كعب‪ ‬أن‬
‫النبي ‪ ‬كان يعتكف العشر الواخر من رمضان‪ ،‬فسافر عامًا فلم يعتكف‬
‫فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين‪ ،‬وقال في موضع آخر‪ :‬ويحتمل أيضًا‬
‫أن يكون السر في ذلك أن رمضان من السنة الولى لم يقع فيه مدارسة‬
‫لوقوع ابتداء النـزول في رمضان ثم فتر الوحي‪ ،‬ثم تتابع‪ ،‬فوقعت المدارسة‬
‫في السنة الخيرة مرتين ليستوي عدد السنين والعرض‪ ،‬ويحتمل تعدد هذه‬
‫القصة بتعدد السبب‪ ،‬فيكون مرة بسبب ترك العتكاف لعذر السفر‪ ،‬ومرة‬
‫بسبب عرض القرآن مرتين")‪. (512‬‬
‫وقد ظهر أن من بين القوال الخمسة المذكورة في التعليل لعتكافه‬
‫عشرين يومًا قولن يرجعان إلى علقة العتكاف بالقرآن الكريم ‪.‬‬
‫وهل كانت المعارضة تتم قبل أن ُيفرض صيام رمضان ؟ الظاهر‬
‫من قول ابن عباس‪) :‬وكان جبريل ‪‬يلقاه كل ليلٍة في رمضان حتى‬
‫ضّعف هذا أنه أخبر عن نفسه بعدم العلم باقتراب أجله إل بعد أن رأى جبريل ‪‬‬
‫‪ ()510‬ي ُ َ‬
‫ن في منتهى رمضان فكذلك العتكاف فيقوى من هنا أن‬
‫عارضه القرآن مرتين‪ ،‬وذاك كائ ٌ‬
‫يكون للعتكاف علقة في معارضة القرآن‪ ،‬ولكن يقوي الستنباط الول النعي العام له ‪‬‬
‫في سورة النصر وكانت بعد فتح مكة‪ ،‬فلقائل ذاك القول أن يقول‪ :‬استكثر من الخير بعدما‬
‫نزلت عليه هذه السورة ومن ذلك العتكاف‪ ،‬وأما المعارضة فكانت تحديدا ً أدق من النعي‬
‫العام ‪.‬‬
‫‪ ()511‬سنن ابن ماجة ‪ ،2/345‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()512‬فتح الباري ‪ ،4/285‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪190‬‬

‫ينسلخ ]كان يلقاه في كل سنة في رمضان[()‪– (513‬أن المعارضة كانت تتم‬
‫في كل رمضان حتى قبل أن يفرض صيامه‪ ،‬ويقوي ذلك رواية )من(؛ فإن‬
‫)من( هاهنا إما لبتداء الغاية الزمانية على قول من يجيزها أي من ابتداء‬
‫شهر رمضان فيه بعد نبوته إلى آخر رمضان قبل وفاته‪ ،‬وفيه إدماج معنى‬
‫الحرفين في التقدير‪ ،‬أو أن )من( لبيان الجنس فيصدق على جميع‬
‫رمضانات النبوة)‪.(514‬‬
‫قال ابن حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬وهذا ظاهٌر في أنه كان يلقاه كذلك في‬
‫كل رمضان منذ أنزل عليه القرآن‪ ،‬ول يختص ذلك برمضانات الهجرة‪،‬‬
‫وإن كان صيام شهر رمضان إنما ُفِرض بعد الهجرة؛ لنه كان يسمى‬
‫رمضان قبل أن يفرض صيامه")‪.(515‬‬
‫‪ -4‬التركيز في عنصر الوقت لتثبيت ومراجعة لفظ القرآن الكريم‪ :‬وذلك‬
‫ل‪ ،‬ليتم الوصول إلى‬
‫باعتماد الدرس الليلي‪ :‬إذ كانت المعارضة تتم لي ً‬
‫الكمال في الحاطة بالدرس القرآني إذ يتم حفظ‪ ،‬أو مراجعة ما يراد تثبيته‬
‫من الليل‪ ،‬ثم يعقبه نوٌم‪ ،‬ثم تجري مراجعته سحرًا أو بكرة؛ لنه إذا تساوى‬
‫زمن الحفظ واليقظة بين التعلم والتذكر؛ فإن زمن النوم أقل ضررًا على‬
‫ت جديدة خلل النوم يحصل‬
‫الحفظ من زمن اليقظة؛ لعدم التعرض لخبرا ٍ‬
‫ت جديدة‪،‬‬
‫بسببها النسيان؛ فإن النسيان إنما يحدث من جراء حصول خبرا ٍ‬
‫‪516‬‬
‫ل‪ ،‬فيطمس أشياء قبلها) (‪ ،‬ولذا قال ابن حجر‪-‬رحمه‬
‫يفسح لها الدماغ مجا ً‬
‫ال تعالى‪" :‬اختيار الليل لن المقصود من التلوة الحضور والفهم‪ ،‬لن الليل‬
‫مظنة ذلك‪ ،‬لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية"‪ .‬وقد‬
‫مر نحو هذا في فوائد آيات المزمل)‪. (517‬‬
‫‪ -5‬التركيز في عنصر الوقت‪:‬اعتماد رمضان زمانًا للمعارضة‪ ،‬ول‬
‫يخفى مدى ملءمة ذلك ‪.‬‬

‫‪ ()513‬صحيح مسلم ‪ ،4/1803‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()514‬انظر‪ :‬في معاني )من(‪ :‬مغني اللبيب عن كتب العاريب ‪ ،1/319‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()515‬فتح الباري ‪ ،4/285‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()516‬المهارات الدراسية ص ‪ 124‬بواسطة‪ :‬مقال ظاهرة النسيان‪ ،‬مجلة البيان‪ ،‬عدد ‪،105‬‬
‫مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()517‬تكرر في أكثر من موضع ‪ ،‬انظر )مث ً‬
‫ل(‪ :‬ص ‪ 172‬من هذا البحث ‪.‬‬

‫‪191‬‬

‫‪ -6‬التركيز في عنصر الوقت‪ :‬تعويض المعارضة عند فواتها لعارض‪:‬‬
‫وتقدم)‪ ،(518‬وتجدر الشارة إلى استبعاد الغرض التعبدي المحض من‬
‫ض‬
‫ب لدائم العمل إن حجب عنه لعار ٍ‬
‫تعويض المعارضة؛ لن الجر ُيْكَت ُ‬
‫‪519‬‬
‫معتبٍر كسفٍر أو مرض على ما تقرر في التقعيد الصولي) (‪ ،‬فقد ثبت‬
‫النص بذلك فعن أبي بردة –واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة‪ -‬في سفٍر‪،‬‬
‫فكان يزيد يصوم في السفر‪ ،‬فقال له أبو بردة‪ :‬سمعت أبا موسى‪-‬يعني أباه‬
‫هو الشعري‪-‬مرارًا يقول‪ :‬قال رسول ال ‪) : ‬إذا مرض العبد أو‬
‫سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما ً صحيحا ً()‪.(520‬‬
‫وكل ما سبق يجعل الحكم بإلزامية المراجعة السنوية على النبي‬
‫‪‬أمرًا بالغ الوضوح ‪.‬‬
‫ويجب إبراز ملحظٍة هي‪ :‬أن ما تفرع عما تقرر أعله من تعويض‬
‫سّلُم‬
‫ل أن يقول‪ :‬ل ُن َ‬
‫المعارضة تأسس على تحتم المراجعة عليه‪ ، ‬ولقائ ٍ‬
‫ب جبريل‪ ‬عن معارضة النبي ‪ ‬القرآن‬
‫ج ُ‬
‫حَ‬
‫تعويض المعارضة‪ ،‬بل ما ُي ْ‬
‫في سفره‪ ،‬وكونه لم ُيْنَقل فلن عدم العلم ليس علمًا بالعدم‪ ،‬ويكفي قرائن‬
‫الحوال الخرى‪ ،‬أما المعارضة مرتين في آخر رمضان فتأكيدًا على‬
‫القرآن الكريم ل للتعويض‪ ،‬وهو الذي يظهر من الحديث ‪.‬‬
‫ح هذا من‬
‫تثبيت الحفظ بالعمل‪ ،‬والعبادات التي تباركه‪ :‬وُيْلَم ُ‬
‫‪-7‬‬
‫الحالة النفسية التي تتعاظم عندها الطاعة بعد تلقي القرآن الكريم أو‬
‫مدارسته مع جبريل‪ ،‬وتلك مسألٌة واضحةٌ في نص الحديث‪:‬‬
‫في زيادة النفاق من حيث الشكر‪،‬‬
‫وقيام الليل من حيث المراجعة والذكر‪،‬‬
‫وتمام القول أن خلقه القرآن‪ ،‬وذاك كافٍ في القامة عليه‪ ،‬والحفاظ‬
‫على نصه؛ إذ قد استحالت اللفاظ بمعانيها إلى جسٍد متحرك‪ ،‬قال ابن‬
‫حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في شرح هذا الحديث‪":‬قيل الحكمة فيه‪ :‬أن مدارسة‬
‫القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس‪ ،‬والغنى سبب الجود‪ ،‬والجود‬
‫في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي‪ ،‬وهو أعم من الصدقة‪ ،‬وأيضًا‬
‫فرمضان موسم الخيرات‪ ،‬لن نعم ال على عباده فيه زائدة على غيره‬
‫‪ ()518‬انظر ص ‪ 174‬من هذا البحث ‪.‬‬
‫‪ ()519‬انظر‪ :‬الموافقات ‪ ،1/342‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()520‬صحيح البخاري ‪ ،3/1092‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪192‬‬

‫فكان النبي‪ ‬يؤثر متابعة سنة ال في عباده فبمجموع ما ذكر من‬
‫الوقت‪ ،‬والمنـزول به‪ ،‬والنازل‪ ،‬والمذاكرة حصل المزيد في الجود‬
‫والعلم عن ال تعالى")‪. (521‬‬
‫ففي هذا الحديث أن مداومة التلوة توجب زيادة‬
‫الخير)‪.(522‬‬
‫منات المعارضــة‪ :‬تتضسسمن‬
‫المطلــب الثــالث‪ :‬مت َ‬
‫ضـ ّ‬
‫المعارضة بين جبريل ‪ ‬والنبي ‪ ‬المفاهيم التالية‪:‬‬
‫‪523‬‬
‫‪ -1‬الراءة‪ :‬إذ‪" :‬عرض الشيء عليه يعرضه عرضًة أراه إياه") (‬
‫ض النبي ‪ ‬القرآن على جبريل‪‬يتضمن نظر جبريل ‪‬في‬
‫… فَعْر ُ‬
‫لفظ النبي ‪ ‬وأدائه تصويبًا‪ ،‬وتفهيمًا‪ ،‬وتعبدًا‪ ،‬وعرض جبريل‪‬‬
‫يتضمن نظر النبي‪ ‬في لفظ جبريل‪ ‬تعلمًا‪ ،‬وتفهمًا‪ ،‬وتعبدًا‪ ،‬إذ ك ٌ‬
‫ل‬
‫منهما ُيِري الخر لفظه‪ ،‬وأداءه‪ ،‬ويحتمل أيضًا‪ :‬ومعناه‪ ،‬ولذا جاء في مادة‬
‫عرض‪" :‬وعرضت الكتاب‪ ،‬وعرضت الجند عرض العين إذا أمررتهم‬
‫عليك‪ ،‬ونظرت في حالهم")‪. (524‬‬
‫‪ -2‬المقابلة‪ :‬من قولهم عارض الكتاب بالكتاب قابله به)‪،(525‬‬
‫ل به‪ ،‬فيظهر من ذلك‬
‫ع مقاَب ٌ‬
‫ل عليه‪ ،‬وفر ٌ‬
‫ل مقاَب ٌ‬
‫ويشترط أن يكون َثّم أص ٌ‬
‫ج عن نطاق البشر في‬
‫أرقى ما يمكن أن يصل إليه التدقيق‪ ،‬مما هو خار ٌ‬
‫مقابلة حفظ رسول ال‪ ‬على ما ُأِمر جبريل‪ ‬بحفظه من ربه‪ ،‬وأهم‬
‫صفٍة ذاتيٍة لجبريل‪ ‬عند نزوله من السماء أنه ما ينـزله ربه‪ ‬إل‬
‫بالحق)‪. (526‬‬
‫‪ ()521‬فتح الباري ‪ ،1/31‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()522‬انظر‪ :‬فتح الباري ‪ ،1/46‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()523‬لسان العرب ‪ ،9/137‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()524‬لسان العرب ‪ ،9/138‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()525‬مختار الصحاح ص ‪ ،270‬مرجع سابق‪ ،‬النهاية في غريب الثر ‪ ،3/133‬مرجع سابق‬
‫‪526‬‬
‫ما َ‬
‫ما ن ُن َّز ُ‬
‫كاُنوا إ ِ ً‬
‫ن‪"‬الحجر‪،"8/‬‬
‫مَلئ ِك َ َ‬
‫ة ِإل ِبال ْ َ‬
‫ري َ‬
‫ذا ُ‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫)( من قوله ‪َ  ‬‬
‫ق َ‬
‫من ْظَ ِ‬
‫َ‬
‫ر َرب ّ َ‬
‫ما ن َت َن َّز ُ‬
‫ك‪‬‬
‫بل إن مجرد النسزول ل يكون إل بأمر من الله‪ ،‬لقوله‪:‬‬
‫ل ِإل ب ِأ ْ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫م ِ‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫‪:‬ل‬
‫"مريم‪ ،"64/‬وليس للملك الجتهاد في إنشاء أمر‪ ،‬أو تنفيذه كما في قوله‬
‫َ‬
‫ه ِبال ْ َ‬
‫سب ِ ُ‬
‫ن‪" ‬النبياء ‪ ،"27/‬فالحق صفة ذاتية في النسزول‬
‫و ُ‬
‫ر ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ع َ‬
‫م ب ِأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫قون َ ُ‬
‫ل َ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫م ِ‬
‫والنازل والمنسَزل به‪ ،‬فل مس من باطل يعتريه‪ ،‬ول اجتهاد من مخلوق يأتيه ‪.‬‬

‫‪193‬‬

‫‪ -3‬الظهور‪ :‬ففي مختار الصحاح‪" :‬عرض له كذا أي ظهر‪،‬‬
‫وعرضته له أظهرته له وأبرزته إليه")‪…(527‬فإظهار القرآن‪ ،‬وإبرازه من‬
‫النبي ‪ ‬لجبريل‪ ،‬والعكس يعني إظهار ألفاظ القرآن لفظًا لفظًا من‬
‫الشيخ لتلميذه ومن التلميذ على)‪ (528‬شيخه‪ ،‬ويؤكد هذا العرض الدقيق ما‬
‫جاء في معنى مادة عرض‪" :‬عرض الجند إذا أمرهم عليه ونظر في‬
‫حالهم")‪ ،(529‬وهذه غايٌة في الدقة في وصف تثبيت ألفاظ القرآن الكريم في‬
‫قلب النبي‪ ،‬ول َيِرُد على هذا التقرير احتمالية أن يكون ما كان يعرضه‬
‫الرسول‪ ،‬أو ما كان يعرض عليه هو معاني القرآن وأمور الشريعة؛ إذ‬
‫لو كان المر كذلك لقيل يعرض عليه الشريعة أو نحوها من العبارات‪ ،‬ول‬
‫يخصص القرآن بالذكر ‪.‬‬
‫فإن اعُترض بأن‪ :‬القرآن هو الشريعة كلها نصًا أو تضمنًا‪ ،‬فعبر به‬
‫في الحديث عنها‪ ،‬فالمعروض هو أحكام الشريعة ل ألفاظ القرآن ‪.‬‬
‫ح؛ لن تخصيص‬
‫ح‪ ،‬والستدلل غير صحي ٍ‬
‫فالجواب‪ :‬الدليل صحي ٌ‬
‫القرآن بالذكر في جميع الروايات يدل على اقتصار الكلم عليه‪ ،‬ولو أراد‬
‫الكلم عن الشريعة أو الدين ونحوها لما عدل عن لفظها أو ما يدل عليه‬
‫َ‬
‫عل َْنا َ‬
‫عَلى َ‬
‫ر‬
‫ك َ‬
‫ة ِ‬
‫ع ٍ‬
‫ري َ‬
‫ج َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ‬
‫كما في قوله‪ ‬ث ُ ّ‬
‫م ِ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫ها…‪" ‬الجاثية ‪ ،"18/‬وكما في قول النبي‪) ‬هذا جبريل جاء‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫يعلمكم دينكم(‪ ،‬لم يقل قرآنكم…فتقرر بهذا أنه أراد لفظ القرآن‬
‫بخصوص مفهومه ‪.‬‬
‫ويمكن القول على طريقة السبر والتقسيم الصولية‪:‬‬
‫إما أن يكون المعروض هو ألفاظ القرآن‪ ،‬وإما معانيه‪ ،‬وإما شيٌء آخر‪،‬‬
‫ول جائٌز أن يكون شيئًا آخر‪ ،‬لن الكلم على القرآن‪ ،‬ول جائٌز أن يكون‬
‫عْرفًا‪ ،‬فتعين أن المعروض هو‬
‫ن ُ‬
‫معاني القرآن لنه ل يطلق عليها قرآ ٌ‬
‫ألفاظ القرآن ‪.‬‬
‫فإن اعُترض بالقول‪ :‬فهل معنى ذلك أن النبي ‪ ‬لم يكن يعرض‬
‫معانيه على جبريل‪‬؟ ‪.‬‬
‫‪ ()527‬مختار الصحاح ‪ ،178‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫ي‬
‫‪ ()528‬تضمن الفعل إظهار الطالب ما عنده معنى التصويب على ما عند الشيخ‪ ،‬لذا ُ‬
‫عد َ‬
‫فُعدي بس)على( ‪.‬‬
‫‪ ()529‬لسان العرب ‪ ،9/138‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪194‬‬

‫فالجواب‪ :‬بل يحتمل أنه كان يعرضها‪ ،‬ولكن دللة الحديث على‬
‫عرضها بالتبع أو بالشارة‪ ،‬ل بالقصد الصلي…ولقد تمسك المسلمون‬
‫بذلك في ظاهرة مذهلة تقدم التواتر العملي والعلمي المفيد للعلم‬
‫‪530‬‬
‫الضروري في أن المعروض كان في المقام الول هو ألفاظ القرآن) (‪،‬‬
‫وذلك كتمسكهم بشعائر السلم الضرورية كرمي الجمار على الرغم من‬
‫آحادية نصوصها…فتقرر أن المعروض هو ألفاظ القرآن‪ ،‬وذاك مؤشٌر‬
‫على مقدار الحراسة التي كانت تحف ألفاظه ‪.‬‬
‫فإن اعُترض بأن‪ :‬المعروض إنما هو القرآن من حيث النسخ‬
‫وعدمه)‪ (531‬ويقويه حديث ابن عباس ‪ ،‬فالجواب‪ :‬ذاك بعض‬
‫المعروض ل كله عند التنـزل في إثباته… وإل فمن ذا يعقل أن يعرض‬
‫ت مبتورًة على جبريل ‪ ‬هي الناسخة‪ ،‬دون عرض‬
‫النبي ‪ ‬آيا ٍ‬
‫مواضعها وسورها ؟ على أن تصريح الصحابة‪ ،‬بأن النبي ‪ ‬عرض‬
‫القرآن مرتين في العام الذي توفي بعده واضح في عرضه القرآن كله ل‬
‫بعضه من أوله إلى آخره… ول يعرف للعرض معنى غير هذا عند‬
‫إطلقه‪ ،‬وأجيال المسلمين تتوارث هذا المعنى فهمًا وتطبيقًا‪ ،‬ولينبئهم‬
‫بعلٍم زاعٌم غير ذلك ‪.‬‬
‫‪ -4‬الَعَرضية اللفظية‪ :‬إذ إن استخدام لفظة يعرض في أغلب‬
‫الروايات عند الراوي الواصف لما حدث‪ ،‬ثم مجيئها على لسان النبي‪‬‬
‫ل على فحواها‪ ،‬وهو عرض اللفاظ واستعراضها‪ ،‬ومعلوٌم أن‬
‫)‪ (532‬دا ٌ‬
‫العرض ضد الطول)‪…(533‬فهل يكون أثر إيقاع هذه اللفظة الدقيقة الوصف‬
‫‪ ()530‬ويمكنك استخدام أسلوب الصوليين‪ :‬تخريج المناط ثم تنقيحه للوصول إلى هذه‬
‫النتيجة ‪.‬‬
‫‪ ()531‬على قول من يثبت النسخ ‪.‬‬
‫‪ ()532‬راجع متن الحديث في المطلب الول من هذا المبحث ص ‪.177‬‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ع‬
‫"و‬
‫وفيه‪:‬‬
‫سابق‪،‬‬
‫‪ ()533‬لسان العرب ‪ ،9/137‬مرجع سابق‪ ،‬مختار الصحاح ‪ ،178‬مرجع‬
‫َ َ َ‬
‫َ‬
‫ب‪ ،‬وهو من النوادر وقوله ‪‬‬
‫ض‪ ،‬أي أظهره فظهرن فهو كقولهم كّبه فأك ّ‬
‫الشيء فأعَْر َ‬
‫ذ ل ِل ْ َ‬
‫ضا…‪" ‬الكهف‪ "100 /‬أي أبرزناها حتى نظروا‬
‫ن َ‬
‫و َ‬
‫عْر ً‬
‫كا ِ‬
‫عَر ْ‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫ضَنا َ‬
‫ري َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫هن ّ َ‬
‫م يَ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ف ِ‬
‫ن‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ع‬
‫فأ‬
‫إليها‪،‬‬
‫ْ‬
‫ت هي أي استبانت وظهرت‪ ،‬ورآه في ع ُْرض الناس أيضا ً أي فيما بينهم‪ ،‬وفل ٌ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ة للناس أي ل يزالون يقعون فيه‪ ،‬وجعلت فلنا ً‬
‫ض ٌ‬
‫من ع ُْرض الناس أي من العامة‪ ،‬وفلن ع ُْر َ‬
‫ض ً َ‬
‫م…‪" ‬البقرة‪/‬‬
‫عرضة لكذا أي نصبته له‪ ،‬وقوله ‪‬‬
‫ه ُ‬
‫عْر َ‬
‫ج َ‬
‫ول ت َ ْ‬
‫مان ِك ُ ْ‬
‫ة لي ْ َ‬
‫عُلوا الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ض" وهذا كله مقرٌر مبدأ )العرضية اللفظية(‪ ،‬والقصد من‬
‫‪ "224‬أي نصبا‪ ،‬ونظر إليه من ع ُْر ٍ‬
‫استخدام هذه اللفظة لبيان جعل ألفاظ القرآن عرضة للمقابلة والظهار في )ع ُْرض( اللفاظ‬
‫أي فيما بينها من )عُْرض( اللفاظ أي من عامتها ‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪195‬‬

‫إل عرض اللفاظ واحدًا واحدًا‪ ،‬واقتضاء لفظة العرض سبر الجوانب‬
‫الداخلية في اللفظة أداٌء ومعنى ؟ ‪.‬‬
‫فيعرض "من العرض وهو بفتح العين وسكون الراء‪ ،‬أي يقرأ‪،‬‬
‫والمراد يستعرضه ما أقرأه إياه")‪ (534‬بل قد صرح بعض شراح الحديث‬
‫أثناء شرحهم لحديث المعالجة بأن العرضية تشمل الحروف حرفًا حرفًا‪،‬‬
‫ف عقب سماعه من‬
‫قال السندي –رحمه ال تعالى‪ ":-‬يحرك شفتيه أي لكل حر ٍ‬
‫جبريل‪.(535)"‬‬
‫ول ُيعترض بأن هذه بديهة! وتحصيل حاصل‪ ،‬إذ ل يمكن عرض‬
‫ل على شدة‬
‫اللفاظ دون حروفها؛ لن التصريح بمتابعة الحروف دلي ٌ‬
‫العتناء بها‪ ،‬وفيه رٌد على زاعٍم التكلف في حق من يخوض غمار علم‬
‫الصوتيات‪ ،‬على أنه قد ُيْعنى بالحرف غير ذلك‪ ،‬وهو اللفظ فيدخل ما ذكر‬
‫ضمنًا ‪.‬‬
‫ل على أن لفظة )يعرض( تتضمن سبر الجوانب‬
‫ومما جاء دا ً‬
‫الداخلية قول النبي ‪) :‬لئن كنت أقصرت الخطبة‪ ،‬فقد أعرضت‬
‫المسألة()‪ .(536‬قال ابن منظور‪" :‬أي جئت بالمسألة واسعًة كبيرًة")‪،(537‬‬
‫وذاك بما تضمنته جوانبها الداخلية من معنى‪ ،‬ولذا يقال فيمن يطيل‬
‫العبارات أي اللفاظ الخارجية‪ :‬أطلت الخطبة‪ ،‬ول يقال أعرضت… ‪.‬‬
‫فإن اعُترض بالقول‪ :‬ذاك ما نبغ! فالمعروض‪-‬على ذلك‪-‬هو المعنى‬
‫ل فليس أحدهما بأجلى من الخر في الدخول‬
‫ل اللفظ‪ ،‬فالجواب‪ :‬أما تنـز ً‬
‫‪ ()534‬فتح الباري ‪ ،9/43‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()535‬حاشية السندي ‪ ،2/34‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()536‬صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ‪ ،2/98‬مرجع سابق‪ :‬عن البراء بن عازب ‪-‬رضي ال‬
‫ل يدخلني الجنة ‪ .‬قال‪:‬‬
‫تعالى عنه ‪ -‬قال‪ :‬جاء أعرابي إلى النبي ‪ ‬فقال‪ :‬يا رسول ال! علمني عم ً‬
‫)لئن كنت أقصرت الخطبة‪ ،‬فقد أعرضت المسألة‪ :‬أعتق النسمة‪ ،‬وفك‬
‫الرقبة( قال‪ :‬أو ليستا بواحدة ؟ قال‪) :‬ل ‍ عتق النسمة أن تفرد بعتقها‪ ،‬وفك الرقبة‬
‫أن تعطي في ثمنها‪ ،‬والمنحة الوكوف‪ ،‬والفيء على ذي الرحم القاطع‪ ،‬فإن‬
‫لم تطق ذاك‪ ،‬فأطعم الجائع‪ ،‬واسق الظمآن‪ ،‬ومر بالمعروف‪ ،‬وانه عن‬
‫المنكر‪ ،‬فإن لم تطق ذلك‪ ،‬فكف لسانك إل من خير(‪.‬‬
‫وقال الشيخ شعيب الرناؤوط في تعليقه على ابن حبان‪ :‬إسناده صحيح‪ ،‬وهو في مستدرك الحاكم‬
‫وقال‪ :‬هذا حديث صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬قال الذهبي في التلخيص)لمستدرك الحاكم(‪ :‬صحيح‬
‫‪.‬‬
‫‪537‬‬
‫ض‬
‫)( لسان العرب ‪ ،9/137‬مرجع سابق‪ ،‬وفي النهاية ‪" :323 /3‬ومنه الحديث )فإذا ع ُْر ُ‬
‫سح( أي جان ُِبه" ‪.‬‬
‫و ْ‬
‫من ْ َ‬
‫جِهه ُ‬

‫‪196‬‬

‫الولي في اللفظة‪ ،‬وأما حقيقٌة فإن دخول الداء الداخلي للفظ أقرب‪،‬‬
‫وأسرع تبادرًا إلى الذهن)‪(538‬من دخول المعنى في العرض‪ ،‬وهو‬
‫المستخدم اصطلحًا في سائر العلوم‪ ،‬وهذا من نوادر اصطلحات العلوم‬
‫السلمية‪ ،‬وقد قال ابن الثير في معنى حديث جبريل‪ ":‬أي كان‬
‫يدارسه جميع ما نزل من القرآن‪ ،‬من المعارضة المقابلة ")‪. (539‬‬
‫وما أسهل تصور هذا لكل مسلم يقرأ القرآن الكريم؛ إذ ما زال‬
‫عرض اللفاظ القرآنية هو لب عملية تعليم القرآن الكريم تتواتر بالمعنى‬
‫الصطلحي واللغوي في جميع المصار كما هي في سائر‬
‫العصار)‪.(540‬‬
‫‪ -5‬المعارضة هي الغاية في تحقيق اللفظ والتثبت‬
‫منه‪ :‬فالعرض هو قراءة التلميذ على شيخه‪ ،‬ويقابله السماع وهو قراءة‬

‫الشيخ وسماع تلميذه منه‪ ،‬وقد يستعمل أحدهما في معنى الخر‪ ،‬والقراءة‬
‫أعم منهما‪ ،‬ولذا بوب البخاري‪":‬باب القراءة والعرض على‬
‫المحدث")‪ … (541‬قال ابن حجر‪ ":‬إنما غاير بينهما بالعطف لما بينهما‬
‫من العموم والخصوص‪ ،‬لن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض‬
‫وغيره‪ ،‬ول يقع العرض إل بالقراءة؛ لن العرض عبارة عما يعارض به‬
‫الطالب أصل شيخه معه‪ ،‬أو مع غيره بحضرته فهو أخص من القراءة "‬
‫…)‪ ،(542‬وهذا معناه بالمفهوم الحديثي‪ ،‬ول بد فيه من القراءة‪ ،‬فل تسمى‬
‫المناولة)‪ (543‬عرضًا إل تقييدًا ‪.‬‬
‫وقد ذكر العلماء الختلف بين العرض والسماع من حيث الفضلية‬
‫في التحقيق العلمي للنص‪ :‬على ثلثة أقوال‪:‬‬
‫‪538‬‬
‫ض أيضا‬
‫)( فمن اشتقاقات عرض كما في مختار الصحاح ص ‪ ،178‬مرجع سابق‪" :‬والعِْر ُ‬
‫َ‬
‫ضهم( أي من أجسادهم" وقد‬
‫الجسد‪ ،‬وفي صفة أهل الجنة )إنما هو عََرقٌ يسيل من أعَْرا ِ‬
‫ب في مقارنته باللفظ‬
‫سمى المناطقة وعلماء الكلم العرض في مقابلة الجوهر‪ ،‬وهذا قري ٌ‬
‫والمعنى ‪.‬‬
‫‪ ()539‬النهاية في غريب الثر ‪ ،3/324‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()540‬قال ابن حجر‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬في فوائد عرض القرآن في رمضان بين جبريل‬
‫‪‬والنبي ‪":‬وفي ذلك حكمتان‪ :‬إحداهما تعاهده‪ ،‬والخرى تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما‬
‫نسخ‪ ،‬فكان رمضان ظرفا ً لنزاله جملة وتفصيل ً وعرضا ً وأحكامًا"‪.‬‬
‫‪ ()541‬صحيح البخاري ‪ ،1/60‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()542‬فتح الباري ‪ ،1/150‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪543‬‬
‫ل في ذلك‪ ،‬انظر‪:‬‬
‫)( هي أن يناول الشيخ كتابه الصل لطالبه‪ ،‬ويجيزه فيه‪...‬على تفصي ٍ‬
‫فتح الباري ‪ ،1/150‬مرجع سابق‪ ،‬تدريب الراوي ‪ ،2/170‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪197‬‬

‫الول وهو المشهور‪ :‬الذي عليه الجمهور أن السماع من لفظ الشيخ‬
‫ض يصير القراءة عليه‬
‫أرفع رتبًة من القراءة عليه ما لم يعرض عار ٌ‬
‫أولى‪ ،‬ومن ثم كان السماع من لفظه في الملء أرفع الدرجات لما يلزم‬
‫منه من تحرز الشيخ والطالب ‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬القراءة على الشيخ أرفع من السماع من لفظه‪ ،‬ونقله‬
‫الدارقطني في غرائب مالك عنه‪ ،‬ونقله الخطيب بأسانيد صحيحة عن‬
‫شعبة وابن أبي ذئب وغيرهما‪ ،‬واعللوا ذلك‪ :‬بأن الشيخ لو سها لم يتهيأ‬
‫للطالب الرد عليه‪ ،‬وعن أبي عبيد قال‪ :‬القراءة علي أثبت وأفهم لي من أن‬
‫أتولى القراءة أنا)‪.(544‬‬
‫والثالث‪ :‬وهو المعروف عن مالك وعن سفيان الثوري‪ :‬كلهما سواء‪،‬‬
‫وروى البخاري معلقًا عن الحسن البصري‪" :‬ما أبالي قرأت عليك‪ ،‬أو‬
‫قرأت علي")‪.(545‬‬
‫وهذا كله في الحديث‪ ،‬وأما القرآن فإن قراءة الطالب على شيخه‬
‫)العرض( هو الصل‪ ،‬وهو المعروف عن السلف كما هو المعمول به إلى‬
‫جز العرض في الحديث بجوازه في‬
‫الن‪ ،‬ولذا احتج مالك على من لم ُي ْ‬
‫تلوة القرآن "فيما رواه الخطيب في الكفاية من طريق ابن وهب قال‪:‬‬
‫سمعت مالكًا‪ ،‬وسئل عن الكتب التي تعرض عليه‪ :‬أيقول الرجل حدثني ؟‬
‫قال‪) :‬نعم! كذلك القرآن‪ ،‬أليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول‪ :‬أقرأني‬
‫فلن؟(‪ ،‬وروى الحاكم في علوم الحديث من طريق مطرف قال‪ :‬صحبت‬
‫مالكًا سبع عشرة سنة‪ ،‬فما رأيته قرأ الموطأ على أحد‪ ،‬بل يقرأون عليه‬
‫قال‪ :-‬وسمعته يأبى أشد الباء على من يقول‪ :‬ل يجزيه إل السماع من‬‫لفظ الشيخ‪ ،‬ويقول‪ :‬كيف ل يجزيك هذا في الحديث‪ ،‬ويجزيك في القرآن‪،‬‬
‫والقرآن أعظم ؟")‪. (546‬‬
‫وأما معارضة النبي ‪‬ألفاظ القرآن على جبريل‪‬فقد اتسمت‬
‫بسمتين‪:‬‬
‫السمة الولى‪ :‬أنها أتت بعد خطوات الحفظ التي أولها خطوات‬
‫التلقين…والمقتضى المنهجي لذلك جعل المعارضة مرتبة تالية للمتقنين‬
‫‪ ()544‬انظر‪ :‬فتح الباري ‪ ،1/135‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()545‬الثر‪ :‬رواه البخاري ‪ ،35 /1‬وانظر‪ :‬فتح الباري ‪ ،1/150‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()546‬انظر‪ :‬فتح الباري ‪ ،1/152‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪198‬‬

‫لتأكيد الحفظ‪ ،‬وتثبيت مخارج الحروف‪ ،‬والتأكد من وجوه الداء‪ ،‬وبقاء‬
‫ل له بفعل المد‪ ،‬فالمعارضة هي غاية‬
‫كل ذلك على الدوام دون تطرق خل ٍ‬
‫التحقيق ‪.‬‬
‫والسمة الثانية‪ :‬أنها جمعت بين السماع والعرض‪ ،‬فأزالت قوادح كل‬
‫طريقٍة على حدة‪:‬‬
‫أما العرض )من النبي‪ ‬على جبريل‪ ‬عرض الطالب على‬
‫شيخه( ‪ :‬فقد جاء في رواية البخاري‪) :‬يعرض عليه النبي ‪ (‬وعليها‬
‫أغلب الروايات ‪.‬‬
‫وأما السماع )من النبي ‪ ‬لجبريل‪ ‬سماع الطالب لشيخه( ‪ :‬فقد‬
‫جاءت بقية الروايات مبهمة فاحتملت العرض والسماع‪ ،‬وتأكد ذلك‬
‫بروايات المفاعلة )يعارض‪ ،‬يدارس ونحوها(‪ ،‬والمفاعلة ل تكون إل من‬
‫طرفين غالبًا)‪ ،(547‬ووردت روايات مصرحة بالسماع‪ ،‬منها ما رواه‬
‫البخاري عن أبي هريرة ‪‬قال‪) :‬كان يعرض على النبي‪ ‬القرآن كل‬
‫عاٍم مرة‪ ،‬فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه‪ ،‬وكان يعتكف كل‬
‫عام عشرًا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه()‪. (548‬‬
‫ويزيد المر تأكيدًا أن القراء والمحدثين ل يستخدمون إل لفظ‬
‫)يعرض( للتعبير عن المراد لتصل أعلى درجات الحتياط في نقل ألفاظ‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬وذا ما فهمه المام النسائي فبوب في سننه الكبرى‪" :‬باب‬
‫عرض جبريل ‪‬القرآن")‪ ،(549‬ومن قبله المام‬
‫البخاري حيث بوب‪" :‬باب كان جبريل ‪‬يعرض القرآن على‬
‫النبي‪. (550)"‬‬
‫‪ ()547‬وقد تستخدم في فاعل واحد مثل عاقب وداوى وسافر …ولكن هذا استثناء‪ ،‬وذاك‬
‫أصل ‪.‬‬
‫‪ ()548‬صحيح البخاري ‪ ،4/1911‬مرجع سابق‪ ،‬وعند السماعيلي في مستخرجه على البخاري‬

‫بلفظ‪" :‬كان جبريل‪ ‬يعرض على النبي‪ ‬القرآن في كل رمضان"‪.‬‬
‫‪ ()549‬ورواية صحيح ابن خزيمة ‪ ،193 /3‬مرجع سابق‪ ،‬فيها إجمال يؤيد هذا الستنتاج‪ ،‬ففيها‪:‬‬
‫)يأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن(‪…،‬فيستأنس بذلك على المطلوب‪ ،‬ويصير هذا في حيز‬
‫الثبات بحديث عائشة ‪-‬رضي الله تعالى عنها ‪-‬عن فاطمة في المعارضة‪ ،‬حيث قالت‪) :‬إن‬
‫جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة‪ ،‬وإنه قد عارضني به مرتين( قال ابن حجر‪-‬رحمه‬
‫الله تعالى‪ -‬في فتح الباري )‪" :(43 /9‬والمعارضة مفاعلة من الجانبين‪ ،‬كأن كل ً منهما كان‬
‫تارة يقرأ والخر يستمع" ‪.‬‬
‫‪ ()550‬صحيح البخاري ‪ ،4/1911‬مرجع سابق‪ ،‬وهو ما رجحه ابن حجر‪-‬رحمه الله تعالى‪-‬فقال‪:‬‬
‫"فيحمل على أن كل ً منهما كان يعرض على الخر"‪.‬‬

‫‪199‬‬

‫وينبغي أن يلحظ أنه لم يوجد مثل هذا )العرض أكثر من مرة( في‬
‫الساليب العلمية التعليمية التي تتبع في ديار المسلمين إل في خصوص‬
‫مادة القرآن الكريم‪ ،‬وكان ذلك مقتضى منهجيًا من مقتضيات هذه‬
‫الطريقة التي اتبعها النبي ‪ ‬في تعلمه على يد جبريل‪ ، ‬ووجودها في‬
‫بقية العلوم الشرعية مقارنة بالقرآن الكريم في حكم النادر ‪.‬‬
‫‪ -6‬عرض القرآن بالحروف المأذون بالقراءة بها)‪:(551‬‬

‫سَم أمر عرضه للقرآن كله )لكل ما نزل منه( في كل رمضان‬
‫حِ‬
‫إذ قد ُ‬
‫بحديث العرضتين الثابت عن ابن عباس‪ ،‬وفاطمة‪ ،‬وأبي هريرة‪‬رضي‬
‫ال تعالى عنهم‪ ،‬وفي ذلك دللة على أمرين‪:‬‬
‫أنه‪ ‬كان يعرض كل ما نزل‪ ،‬وأنه كان يقسم ذلك العروض على‬
‫ليالي رمضان)‪ ،(552‬ويدل لذلك حديث ابن عباس ‪‬أن رسول ال ‪‬‬
‫قال‪) :‬أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى‬
‫سبعة أحرف()‪.(553‬‬
‫ل لما احتمله ابن حجر‪-‬رحمه ال تعالى‪-‬‬
‫ق روايات العرض مجا ً‬
‫كما لم ُتْب ِ‬
‫ل أن يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على‬
‫)‪ (554‬من أن العرض محتم ٌ‬
‫‪ ()551‬ل يمكن لنطاق البحث أن يتوسع في شرح مدلول حديث الحرف السبعة؛ ولكن يقال‬
‫صل ما ورد في هذا الموضوع من أقوال يرجع إلى‪ :‬أن المراد من‬
‫على سبيل الجمال‪ :‬مح ّ‬
‫الحرف السبعة من حيث العموم ومراد الحديث‪ ،‬ل من حيث التحديد هو "ما يشمل اختلف‬
‫اللهجات‪ ،‬وتباين مستويات الداء الناشئة عن اختلف اللسن‪ ،‬وتفاوت التعليم‪ ،‬وكذلك ما‬
‫يشمل اختلف بعض اللفاظ‪ ،‬وترتيب الجمل‪ ،‬بما ل يتغير به المعنى المراد "‪ ،‬أو يتغير‬
‫المعنى بما ل يتضاد به المعنيان الواردان في القراءتين‪ ،‬ويكون الجميع مرادًا‪ ،‬دون تكرار‬
‫ل للمصحف‪ ،‬وفي ذلك تيسير ظاهر‪" ،‬وهذا دون محاولة حصر تلك الوجوه في‬
‫للية‪ ،‬أو تطوي ٍ‬
‫سبع لغات‪ ،‬أو وجوه من الخلف‪ ،‬ويظل معنى الحديث بعد ذلك يشير إلى الرخصة التي‬
‫جاءت تيسيرا ً وحل ً لمشكلة واجهت الجماعة المسلمة‪ ،‬دون تحديد لبعاد تلك الرخصة‪ ،‬لكنها‬
‫ل تخرج عن إطار وجوه القراءات المروية " ‪.‬‬
‫وما بين علمتي التنصيص الوليين هو من كلم الدكتور عبد الصبور شاهين‪ ،‬انظر‪:‬‬
‫تاريخ القرآن ‪ ،61‬دار القلم ‪1966‬م‪ ،‬وما بين علمتي التنصيص ا ُ‬
‫لخريين هو من كلم غانم‬
‫ً‬
‫قدوري الحمد‪ ،‬انظر‪ :‬رسم المصحف ‪ ،144‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر أيضا‪) :‬الباقلني( محمد بن‬
‫الطيب ت ‪403‬هس‪ُ :‬نكت النتصار لنقل القرآن‪ ،‬تحقيق د‪ .‬محمد زغلول سلم‪ ،‬الناشر‪ :‬منشأة‬
‫المعارف بالسكندرية‪ ،‬الطبعة بدون لكل ما سبق ‪.‬‬
‫‪ ()552‬وقد صرح ابن حجر‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬ببعض ذلك في فتح الباري ‪ ،9/45‬مرجع سابق‪،‬‬
‫فقال‪" :‬ولول التصريح بأنه كان يعرضه مرة واحدة‪ ،‬وفي السنة الخيرة مرتين ‪-‬لجاز أنه كان‬
‫يعرض جميع ما نزل عليه كل ليلة‪ ،‬ثم يعيده في بقية الليالي"‪.‬‬
‫‪ ()553‬البخاري ‪ ،3/1177‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()554‬فتح الباري ‪ ،9/45‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪200‬‬

‫ليالي رمضان؛ إن أراد به أنه ل يقرأ إل ما نزل في تلك السنة‪ ،‬أما إن‬
‫أراد به أنه يخصص لكل ما نزل ليلة فذاك أبعد من حيث زيادة عدد‬
‫الليالي على عدد سنوات النـزول‪ ،‬ومن حيث أن أهداف العرض تأكيد‬
‫تأليف آياته على ما أراد ال‪ ،‬ل على ترتيب نزولها‪ ،‬وهما مختلفان كما‬
‫سُم أمر عرضه‬
‫حَ‬
‫ل بعيدًا‪ ،‬وإن افترض…وبذا ُي ْ‬
‫هو معلوم…فيظل احتما ً‬
‫‪ ‬لكل ما نزل من القرآن)‪. (555‬‬
‫وبقي أمر عرضه القرآن بجميع حروفه المأذون في القراءة بها‬
‫فهل كانت العرضة كذلك؟ والجواب‪ :‬ل نص في ذلك‪ ،‬بيد أن المؤشرات‬
‫ل راجحًا‪ ،‬لنه كان‪ ‬يقول للمختلفين في‬
‫ل احتما ً‬
‫العامة تجعل ذلك محتَم ً‬
‫‪557‬‬
‫‪556‬‬
‫القراءة‪ ) :‬أقرأني جبريل() (‪ ،‬أو )هكذا ُأنزلت() ( قال ابن حجر‪-‬‬
‫رحمه ال تعالى‪" :-‬ولعله كان يعيد ذلك الجزء مرارًا‪ ،‬بحسب تعدد الحروف‬
‫المأذون في قراءتها‪ ،‬ولتستوعب بركة القرآن جميع الشهر")‪. (558‬‬

‫المطلب الرابع‪ :‬إيراٌد على ما سبق ودفعه‪:‬‬
‫ض بأن ما سبق مما ُيفهم منه تفخيم العتناء‬
‫وقد يعترض معتر ٌ‬
‫باللفظ ينافي ما رواه المام مالك عن عبد ال بن مسعود‪ ‬أنه قال لنسان‪:‬‬
‫ل قراؤه‪ ،‬تحفظ فيه حدود القرآن‪ ،‬وتضيع‬
‫"إنك في زمان كثيٌر فقهاؤه‪ ،‬قلي ٌ‬
‫ل من يسأل‪ ،‬كثيٌر من يعطي‪ ،‬يطيلون فيه الصلة‪ ،‬ويقصرون‬
‫حروفه‪ ،‬قلي ٌ‬
‫الخطبة‪ ،‬يبدءون أعمالهم قبل أهوائهم‪ ،‬وسيأتي على الناس زمان قلي ٌ‬
‫ل‬
‫فقهاؤه‪ ،‬كثيٌر قراؤه‪ ،‬تحفظ فيه حروف القرآن‪ ،‬وتضيع حدوده‪ ،‬كثيٌر من‬
‫ل من يعطي‪ ،‬يطيلون فيه الخطبة‪ ،‬ويقصرون الصلة‪ ،‬يبدءون فيه‬
‫يسأل‪ ،‬قلي ٌ‬

‫‪ ()555‬لم يتكلم الباحث عن العرضة الخيرة كلما ً مستق ً‬
‫ل؛ لستحقاقها تأليفا ً مستقل ً في‬
‫ج البحث عن‬
‫ر‬
‫خ‬
‫م‬
‫وذلك‬
‫عليها‪،‬‬
‫حكم‬
‫حقيقتها‪ ،‬وإثبات بعض أحكام اللفاظ بها‪ ،‬وخطورة بناء‬
‫ُ ْ ِ ٌ‬
‫مرامه‪ ،‬وإنما وردت الشارة إليها في ثنايا الكلم ‪.‬‬
‫‪ ()556‬رواه البخاري ‪،1909 /4‬و ‪ ،3/1177‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()557‬رواه البخاري ‪ ،4/2340‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()558‬في فتح الباري ‪ ،9/45‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪201‬‬

‫أهواءهم قبل أعمالهم")‪ ،(559‬وقد أورد أبو إسحاق الشاطبي‬
‫هذا الثر في معرض الستدلل)‪. (560‬‬
‫والجواب من وجوه‪:‬‬
‫ل في صحة هذا الثر من حيث السند‪ ،‬ثم من‬
‫أن الشأن أو ً‬
‫‪.1‬‬
‫حيث المتن‪ ،‬فأما سنده فمنقطع حيث جاء في الموطأ‪:‬‬
‫وحدثني عن مالك عن يحيى بن سعيد أن عبد ال بن مسعود‪ ،‬فقد ضَُع َ‬
‫ف‬
‫من حيث السند ‪.‬‬
‫ومن حيث المتن ‪-‬على فرض صحة السند واتصاله‪ -‬فإن‬
‫‪.2‬‬
‫نكارة موضع الشاهد منها واضح؛ حيث لم َتِرد في بقية طرق الثر‪ ،‬فقد‬
‫ورد في موضٍع آخر من الموطأ والمعجم الكبير دون موضع الشاهد‪،‬‬
‫كما أنها فاسدٌة معنى عند أخذها على ظاهرها؛ إذ كيف تحفظ حدود‬
‫القرآن‪ ،‬وحروفه مضيعة‪.‬‬
‫فإن اعُترض بأن روح القرآن باقية ‪-‬أي مقاصده الكلية‪ -‬وإن ذهبت‬
‫ألفاظه ‪.‬‬
‫فالجواب‪ :‬في إطلق هذا القول نظر إن أطلقنا القول بضياع‬
‫سّلم ذلك‬
‫حروفه‪ ،‬وهل نعرف روحه دون تأكدنا من حروفه؟‪ ،‬فإن ُ‬
‫عًة ‪.‬‬
‫جَذ َ‬
‫ف في ذاتها فيعاد الكلم عليها َ‬
‫فمقاصده المزعوم بقاؤها حرو ٌ‬
‫على أن حروفه تلك‪:‬‬
‫إما أن تكون متغيرة‪ ،‬وإما أن تكون منعدمة وإما أن تكون قائمًة بالنفس‪،‬‬
‫وإما أن تكون ثابتة‪:‬‬
‫فالول‪ :‬وهو ما كانت حروفه متغيرة ل يعتبر شرعًا صالحًا للبشر لعدم‬
‫ل عن أن يكون شرعًا إلهيًا ‪.‬‬
‫انضباطه‪ ،‬أو ظهور معالمه فض ً‬
‫والثاني‪ :‬وهو ما كانت حروفه منعدمًة‪ ،‬أو قائمًة بالنفس فل يتعلق به‬
‫حكم؛ لنه معدوم ‪.‬‬
‫‪-‬رحمه ال تعالى‪-‬‬

‫‪) ()559‬إمام دار الهجرة( أبو عبد ال مالك بن أنس الصبحي ت ‪179‬هـ‪ :‬موطأ المام مالك ‪،1/173‬‬
‫مراجعة‪ :‬محمد فؤاد عبد الباقي‪ -‬دار إحياء التراث العربي‪ ،‬مصر‪ ،‬وقد جاء هذا الحديث مرفوعًا فيما‬
‫رواه الطبراني في المعجم الكبير ‪ ،197 /3‬مرجع سابق‪ ،‬عن حزام بن حكيم بن حزام عن أبيه عن‬
‫النبي‪‬قال‪) :‬إنكم قد أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه‪ ،‬قليل خطباؤه‪ ،‬كثير معطوه‪،‬‬
‫قليل سؤاله‪ ،‬العمل فيه خيٌر من العلم‪ ،‬وسيأتي زمان قليل فقهاؤه‪ ،‬كثير خطباؤه‪،‬‬
‫كثير سؤاله‪ ،‬قليل معطوه‪ ،‬العلم فيه خير من العمل( ‪.‬‬
‫‪ ()560‬انظر‪ :‬الموافقات ‪ ،2/173‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪202‬‬

‫ن بعد ما سبق‪ ،‬وهو المراد ‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬متعي ٌ‬
‫ولو صح هذا الزعم القائل بأن"اللفاظ مجرد وسائل فل تقدس في‬
‫ذاتها‪ ،‬بل المر متجه إلى روح القرآن ومقاصده"‪ ،‬لصح أن يقال من‬
‫ب أولى‪ :‬فل داعي لتقديس جميع الوسائل العلمية والعملية في الحياة‪،‬‬
‫با ٍ‬
‫فتعطل دراسة اللغة العربية للحجة ذاتها‪ ،‬ومثلها سائر علوم الوسائل‪،‬‬
‫ول يحتاج لدراسة العلوم الطبية؛ لن المقصد شفاء المريض! ول ُيْدَرى‬
‫كيف سُيشفى؟!‪ ،‬ول داعي لستخدام أداٍة لرتقاء السقف؛ لن الهدف‬
‫الوصول إلى السقف؟!‪ ،‬ول تدري كيف سيصل؟!‪ ،‬لتحدث ‪-‬بعُد‪-‬‬
‫فوضى ضاربة في الحياة العلمية والعملية ‪.‬‬
‫عند التسليم بصحة موضع الستشهاد في الحديث‪ ،‬فإن وضعه‬
‫‪.3‬‬
‫في موضعه الصحيح هو الحكمة ذاتها…إذ إن مراد ابن مسعود ‪‬منه‬
‫ترك التعمق في السعي وراء اللفاظ‪ ،‬وحتمية إعطائها القدر المناسب‬
‫ل بها عن المراد منها‪ ،‬والنهي عن التنطع‪،‬‬
‫ل شاغ ٍ‬
‫لها دون إيغا ٍ‬
‫والتعمق…والنهي عن اليغال والغلو ليس خاصًا بالوسائل بل هو عام‬
‫ل…وذا من بدهيات دللت سبيل القصد‪،‬‬
‫في كل شيء مقاصدًا ووسائ ً‬
‫‪561‬‬
‫والوسطية في الشريعة‪ ،‬بل في سائر جوانب الحياة المختلفة) (…‬
‫وهذا الفهم لمنطوق كلم ابن مسعود‪ ‬هو ما نص على مثله السيوطي‬
‫رحمه ال تعالى‪ -‬في تنوير الحوالك حيث قال‪)" :‬قليل قراؤه( أي الخالون‬‫من معرفة معانيه‪ ،‬والفقه فيه‪) ،‬وتضيع حروفه( أي أن المحافظين على‬
‫حدوده أكثر من المحافظين على التوسع في معرفة أنواع‬
‫القراءات")‪. (562‬‬
‫ومن الدلة على أن المام أبا إسحاق الشاطبي ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬ل يريد‬
‫ما ذهب إليه هؤلء‪ ،‬أنه قال ‪-‬بعد‪ -‬معددًا القواعد التي تنبني على الصل‬
‫الذي ذكره‪ ،‬وورد الستدلل بكلم ابن مسعود‪ ‬ضمنه‪" :‬اتباع الهوى في‬
‫الحكام الشرعية مظنٌة لن يحتال بها على أغراضه‪ ،‬فتصير كاللة المعدة‬
‫ل على أن كلم ابن مسعود ‪ ‬ينبغي أن‬
‫لقتناص أغراضه")‪ ،(563‬وهذا دا ٌ‬
‫ُيفهم في إطاره‪ ،‬فل يتخذ مطية لهدم الشريعة التي هي أصل أثر ابن مسعود‬
‫‪ ()561‬انظر‪ :‬الموافقات ‪ ،2/120‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()562‬تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ص ‪ ،144‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()563‬الموافقات ‪ ،2/176‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫‪ ،‬ولذا فإنه كان ُيَقّعُد لقراءته أقوى تقعيد‪ ،‬ويعتمد على أوثق السانيد‬
‫وهو قوله‪) :‬أخذتها من في رسول ال ‪.(564)( ‬‬
‫ومن أحسن أدلة التوقيفية في أداء القرآن قوله‪) :‬ما أنا بقارئ(؛‬
‫ل )ما أنا بقارئ(‬
‫إذ كررها ثلثًا وبين أبو شامة –رحمه ال تعالى‪ -‬بأن قوله أو ً‬
‫ل على المتناع‪ ،‬وثانيًا على الخبار بالنفي المحض‪ ،‬وثالثًا على‬
‫دا ٌ‬
‫الستفهام‪" ،‬ويؤيده أن في رواية أبي السود في مغازيه عن عروة أنه قال‪:‬‬
‫)كيف أقرأ(‪ ،‬وفي رواية عبيد بن عمير عن ابن إسحاق‪) :‬ماذا اقرأ( وفي‬
‫مرسل الزهري في دلئل البيهقي‪) :‬كيف أقرأ(‪ ،‬وكل ذلك يؤيد أنها‬
‫استفهامية")‪. (565‬‬

‫المطلب الخامس‪ :‬المقتضى المنهجي لدللت حديث المعارضة‪،‬‬
‫ومفردات تلقي النبي‪ ‬ألفاظ القرآن الكريم‪:‬‬
‫إذا كان النبي ‪ ‬قد ُكفي مؤنة الحفظ والمراجعة لتكفل ال‪ ‬له‬
‫بذلك‪ ،‬على ما سبق في حديث المعالجة)‪ ،(566‬فإن خطواته البشرية لتثبيت‬
‫ت واضحٌة لتحويل مقتضاها إلى‬
‫الحفظ‪ ،‬ودوام المراجعة‪ ،‬إن هي إل إشارا ٌ‬
‫قواعد منهجية في الحاطة بالدرس القرآني حفظًا‪ ،‬وتلوًة‪ ،‬ومراجعًة‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وصنيع البحث هنا مجرد الشارة العابرة‬
‫واستدعاًء‪ ،‬وبيان معنى‪ ،‬وعم ً‬
‫إلى بعض ذلك بغية الثارة‪ ،‬والستفزاز البحثي لمن يعتريه طيف التوهم‬
‫في المفردات الشرعية الساسية‪ ،‬أو يقذف الشيطان في قلبه وسواس الشك‪،‬‬
‫ل التحليل والطناب؛ إذ ليس مجال البحث…وقد تقدم في المطالب الربعة‬
‫السابقة بعض المقتضيات المنهجية لدللت الحديث‪ ،‬والمر الجامع لها‪ :‬أن‬
‫‪ ()564‬المعجم الكبير للطبراني ‪ ،197 /3‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()565‬انظر‪ :‬فتح الباري ‪ ،24 /1‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()566‬انظر‪ :‬المبحث السادس من هذا الفصل‪.‬‬

‫‪204‬‬

‫يكون لحفظة القرآن معارضة سنوية للقرآن الكريم على مشايخهم‪ ،‬أو‬
‫معارضة ثانية بعد ختم القرآن حفظًا على القل‪ ،‬وتزداد عدد مرات‬
‫المعارضة بحسب حالة الطالب…وتكون للمسلمين عمومًا عرضة للقرآن‬
‫خ متقن‪ ،‬وأفضل أوقات ذلك في‬
‫الكريم نظرًا أو غيبًا عن ظهر قلب على شي ٍ‬
‫رمضان…مع ظهور التعبد والتبتل عند قراءة القرآن في العرضة…خاصًة‬
‫النفاق ‪.‬‬
‫وعلى ما سبق‪ :‬تكون مفردات تلقي النبي‪‬‬

‫جبريل‪:‬‬
‫ألفاظ القرآن من‬
‫‪ .1‬إلزامية حفظ اللفاظ‪ ،‬وقد تكفل ال‪ ‬بجمعه لنبيه في صدره‬
‫)الحفظ(‪.‬‬
‫‪ .2‬إتقان الحفظ‪ ،‬وقد كان إنزال القرآن الكريم على قلب النبي ‪‬‬
‫من بين سائر أنواع الوحي‪ ،‬وهو أشده على النبي ‪ ‬لهذا الغرض في‬
‫المقام الول ‪.‬‬
‫‪ .3‬إلزامية المراجعة العامة للمحفوظ‪ ،‬وقد تكفل ال‪ ‬لنبيه‪ ‬بأن‬
‫ل ينسى منه شيئًا على سبيل النسيان الكلي)‪. (567‬‬
‫‪ .4‬إنزاله منجمًا؛ليكون أثبت في قلب النبي ‪ ‬حفظًا‪ ،‬وأداًء‪،‬‬
‫وتبليغًا ‪.‬‬
‫‪ .5‬بيان لفظ القرآن الكريم‪ ،‬وقد تكفل ال‪ ‬بأن يقرأه النبي‪ ‬كما‬
‫ل لصل اللفظ ولدائه ‪.‬‬
‫قرأه جبريل‪ ،‬حذو القذة بالقذة‪ ،‬وذا شام ٌ‬
‫‪ .6‬العناية بأداء ألفاظ القرآن‪ ،‬وقد تكفل ال‪ ‬بإظهاره على لسان‬
‫نبيه‪ ‬وتبيينه‪.‬‬
‫‪ ()567‬انظر‪ :‬دللت حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل ص ‪ ، 113‬وما‬
‫سيأتي –إن شاء الله تعالى‪ -‬في الفصل الخامس ‪.‬‬

‫‪205‬‬

‫جمًا(‪،‬‬
‫ل )مجّودًا ُمَن ّ‬
‫‪ .7‬إنزال القرآن الكريم وتلقينه للنبي‪‬مرَت ً‬
‫ووجوب ترتيله على النبي‪ ‬على الهيئة ذاتها التي رتله بها جبريل‬
‫‪.‬‬
‫‪ .8‬تهيئة مراجعٍة يوميٍة للقرآن الكريم في قيام الليل أو غيره‬
‫)‪. (568‬‬
‫‪ .9‬تهيئة مراجعٍة سنوية للقرآن الكريم في كل رمضان يعارض‬
‫ل منهما الخر‪ -‬ألفاظ القرآن الكريم‬
‫فيها النبي ‪ ‬وجبريل ‪- ‬ك ٌ‬
‫متضمنًة النظر في ألفاظه من حيث أصل اللفظ ومن حيث الداء ‪.‬‬

‫الفصل الرابع‬

‫الصول العامة في تلقي النبي‪‬‬
‫ألفاظ القرآن الكريم‬

‫وفيه خمسة مباحث‬

‫تظاهرت الدلة على إلزامية تلقي النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن من جبريل‬
‫‪ ‬وحفظها ومراجعتها‪ ،‬وحفها بالعوامل التي تجعل العتناء بها واجبًا‬
‫يوميًا ل ُيترك ول ُينسى‪ ،‬وجعل تلقيها‪ ،‬ثم تبليغها في غاية الدقة تحقيقًا‬
‫عقد هذا الفصل‬
‫للفاظها‪ ،‬وبيانًا لمخارج حروفها‪ ،‬وإتقانًا لدائها؛ وقد ُ‬
‫ليدرس الصول العامة التي توضح ما سبق‪ ،‬وتعضده‪ ،‬في أمور حياة النبي‬
‫‪‬مما يتعلق بموضوع التلقي من قريب أو من بعيد؛ ولبيان العلقة بين‬

‫‪ ()568‬انظر‪ :‬المبحث الثامن من هذا الفصل ص ‪. 171‬‬

‫‪206‬‬

‫معلم النبي‪ ‬جبريل‪ ‬وبين النبي‪ ، ‬والصحبة الحميمة بينهما‪ ،‬ولذلك‬
‫ينقسم هذا الفصل إلى خمسة مباحث‪:‬‬
‫المبـحث الول ‪ :‬اللمحات العامة في تلقي النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن من‬
‫جبريل‪.‬‬
‫المبـحث الثـاني ‪ :‬دقة جبريل ‪‬في النقل العام ‪.‬‬
‫المبـحث الثالث ‪ :‬العلقة العامة)الصحبة( بين جبريل‪ ‬والنبي ‪، ‬‬
‫وأثرها في تلقي ألفاظ القرآن الكريم ‪.‬‬
‫المبـحث الرابع ‪ :‬التوقيفية في غير أداء القرآن ‪.‬‬
‫المبـحث الخامس‪ :‬الواجبات التي كانت على النبي ‪ ‬بالنظر إلى تلقي لفظ‬
‫القرآن الكريم ‪.‬‬

‫‪207‬‬

‫المبحث الول‪:‬‬
‫اللمحات العامة في تلقي النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن‬
‫من جبريل ‪:‬‬
‫يدرس هذا المبحث اللمحات العامة في تلقي النبي‬
‫‪ ‬ألفاظ القرآن الكريم من جبريل‪ ،‬والمراد بذلك جملة‬
‫حقائق تجلت بها عملية التلقي‪ُ ،‬تجمل في مطلبين‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬من حيث مصدر التلقي ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬من حيث مؤشرات في طريقة التلقي ‪.‬‬

‫المطلب الول‪ :‬من حيث مصدر التلقي‪:‬‬
‫والمراد به تثبيت بدهية السناد في بيان مصدر تلقي القرآن الكريم؛‬
‫حيث صار إسناد رسول ال ‪ ‬عن جبريل ‪ ‬عن رب العالمين في نقل‬
‫ألفاظ القرآن الكريم بصفة خاصة من بين سائر أنواع الوحي بديهة)‪(569‬‬
‫يذكرها الصحابة‪ ،‬لبيان أقصى درجات علم اليقين في نقل نصوص ألفاظ‬
‫المعلومات التي تصل إلى البشر‪ ،‬وإبرازًا لدليل الصدق في النقل وتطمينًا‪،‬‬
‫ومحافظة على السناد‪ ،‬وبيانًا للطريقة التعليمية الصحيحة في تلقي القرآن‪،‬‬
‫وتصييرًا لتوقيفية المتلقى مسلمة ل تناقش في أذهان المسلمين…وهذه‬
‫المواقف تجلي هذه الحقيقة‪:‬‬
‫‪ -1‬فعن زاذان أبي عمر عن ابن مسعود ‪‬قال له‪ :‬يا أخي! إن لنا مجلسًا‬
‫فائتنا فأقبلت إليه في مجلسه‪ ،‬فتعلمت منه سبعين سورة ‪ .‬فقال لي عبد ال‪:‬‬
‫أخذتها من في رسول ال ‪ ‬نـزل بها جبريل‪ ‬من عند رب العالمين ‪‬‬
‫)‪. (570‬‬
‫ل وهو يقول‪ :‬السابقون الولون من‬
‫‪ -2‬مر عمر بن الخطاب‪ ‬برج ٍ‬
‫المهاجرين والنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي ال تعالى عنهم‬
‫ورضوا عنه إلى آخر الية‪ ،‬فوقف عليه عمر‪ ،‬فقال‪ :‬انصرف! فلما‬
‫انصرف‪ ،‬قال له عمر‪ :‬من أقرأك هذه الية ؟ قال‪ :‬أقرأنيها أبي بن كعب‪.‬‬
‫فقال‪ :‬انطلقوا بنا إليه! فانطلقوا إليه‪ ،‬فإذا هو متكئ على وسادة‪ ،‬يرجل‬
‫‪569‬‬
‫سّنة‬
‫)( ولعل ذلك عائد إلى ما يشير إليه الصوليون من مسألة ورود اجتهاده ‪ ‬في ال ُ‬
‫ل خاصة كما هو معلوم‪ ،‬انظر‪ :‬نهاية السول ‪،4/437‬‬
‫النبوية ل وضعًا‪ ،‬بل اجتهادا ً في أحوا ٍ‬
‫مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()570‬المعجم الكبير ‪ ،9/77‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪208‬‬

‫رأسه‪ ،‬فسلم عليه‪ ،‬فرد السلم‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا المنذر! قال‪ :‬لبيك! قال‪ :‬أخبرني‬
‫هذا إنك أقرأته هذه الية‪ ،‬قال‪ :‬صدق تلقيتها من رسول ال‪ .‬قال عمر‪:‬‬
‫أنت تلقيتها من رسول ال ‪ .‬قال‪ :‬نعم! أنا تلقيتها من رسول ال ‪ ‬ثلث‬
‫مرات‪ ،‬كل ذلك يقوله وفي الثالثة وهو غضبان‪ :‬نعم! وال لقد أنـزلها ال‬
‫على جبريل‪ ،‬وأنـزلها على محمد‪ ‬فلم يستأمر فيها الخطاب ول ابنه ‪.‬‬
‫فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول‪ :‬ال أكبر ال أكبر)‪. (571‬‬
‫‪ -3‬وعن ابن عباس‪ ‬أن ُأبيًا قال لعمر‪ :‬يا أمير المؤمنين! إني تلقيت‬
‫القرآن ممن تلقاه أو ممن يتلقاه من جبريل ‪ ‬وهو رطب)‪.(572‬‬
‫‪ -4‬وعن زر بن حبيش قال‪ :‬قلت لبي بن كعب‪ :‬إن ابن مسعود كان ل‬
‫يكتب المعوذتين في مصحفه ؟ فقال‪ :‬أشهد أن رسول ال ‪ ‬أخبرني أن‬
‫‪ ‬قال له‪ :‬قل أعوذ برب الفلق فقلتها‪ ،‬فقال‪ :‬قل أعوذ برب الناس‬
‫جبريل‬
‫‪573‬‬
‫فقلتها فنحن نقول ما قال النبي ‪.( )‬‬
‫‪ -5‬وعن ثابت قال‪ :‬قال لي أنس بن مالك‪:‬يا ثابت!خذ عني؛فإنك لم تأخذ‬
‫عن أحد أوثق مني‪ ،‬إني أخذته عن رسول ال ‪ ‬عن جبريل‪ ،‬وأخذه‬
‫جبريل‪ ‬عن ال تعالى)‪.(574‬‬
‫‪ -6‬وعن زر قال‪ :‬قرأ رجل على عبد ال طه مفتوحة‪ ،‬فأخذها عليه عبد‬
‫ال طه مكسورة‪ ،‬فقال له الرجل‪ :‬إنما يعني مفتوحة ‪ .‬فقال عبد ال‪ :‬هكذا‬
‫قرأها رسول ال ‪ ‬وهكذا أنـزلها جبريل ‪ ،‬وفي لفظ‪ :‬فقال عبد ال‪:‬‬
‫وال لهكذا علمنيها رسول ال ‪.(575)‬‬
‫‪ ()571‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،3/345‬مرجع سابق ‪ .‬وي ُن َْتبه فيها إلى أمور‪:‬‬
‫* التلقي والتأكيد عليه‪ ،‬والتسليم به عند ثبوته عند أهله ومراجعه‪ ،‬وهذا ل يعني عدم انتشاره‬
‫بين المة …‬
‫* أن هذه الروايات ل يثبت بها قراءة؛إذ كثير منها مروي بالمعنى‪ ،‬وانظر – مثل ً – إلى‬
‫حديث ‪) :‬لو كان لبن آدم واديان …( البخاري ‪ ،2364 /5‬مرجع سابق‪ ،‬مسلم ‪،725 /2‬‬
‫ن في ألفاظ ما قيل أنها آية‪ ،‬ولعل رواتها تساهلوا في نقل القراءة‬
‫مرجع سابق …ففيه تباي ٌ‬
‫الواردة فيها بدقة لهذه العلة‪ ،‬أي لعدم ثبوت القراءة بها‪ ،‬ول يعترض على ذلك باستنكار أن‬
‫يقرأ ُأبي بما ل نقرأ به الن؛ لن هذا يرجع إلى الكتفاء بقراءةٍ واحدةٍ في المصر ونحوه كما‬
‫هو مشاهد ٌ الن‪ ،‬على تفصيل في مسألة ما تطلق عليه بعض الروايات )آية( أو )قراءة(…‬
‫وهذه كلمة عابرة ل مكان ها هنا لتفصيلها ‪.‬‬
‫‪ ()572‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،5/117‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()573‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،5/129‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()574‬سنن الترمذي ‪ ،5/682‬مرجع سابق‪ ،‬وقال‪" :‬هذا حديث حسن غريب ل نعرفه إل من‬
‫حديث زيد بن حباب"‪ ،‬وقال اللباني تعليقًا‪" :‬ضعيف السناد"‪.‬‬
‫‪ ()575‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،2/268‬مرجع سابق‪ ،‬قال الحاكم‪" :‬هذا حديث صحيح‬
‫السناد ولم يخرجاه"‪ ،‬قال الذهبي في التلخيص‪" :‬صحيح" ‪.‬‬

‫‪209‬‬

‫ولذا كان ‪ ‬يصرح أحينًا بواسطته عن ربه في الوحي مع أنها معلومة‬
‫ضرورة كما في مسند الشهاب سمعت جابر بن عبد ال يقول‪ :‬قال رسول‬
‫ن ارتضيته لنفسي‪ ،‬ولن‬
‫ال ‪: ‬قال جبريل ‪: ‬قال ال ‪) :‬هذا دي ٌ‬
‫‪576‬‬
‫يصلحه إل السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه( ) ( ‪.‬‬
‫وإنما أراد ‪ ‬من ذلك أن تصير هذه الحقيقة ضرورًة في حياة‬
‫المة؛ لتغدو في قلبها‪ ،‬وعلى ألسنة أبنائها بدهيًة ل تحتاج إلى نظر أو‬
‫استدلل‪ ،‬وهو ما ُيْلَمس من النصوص السابقة ‪.‬‬

‫ت في‬
‫المطلب الثاني‪ :‬من حيث مؤشرا ٌ‬
‫طريقة التلقي‪:‬‬

‫أو ً‬
‫ل‪ :‬التعليم المباشر للبدايات والنهايات ومواضع‬
‫اليات‪ :‬ومسلك جبريل ‪ ‬في تعليم النبي ‪ ‬هذه الناحية يأتي على‬

‫وجهين‪:‬‬
‫ص‪ :‬بالتنصيص على مكان الية‪ ،‬ونهاية السورة‪ ،‬كحديث‬
‫وجٌه خا ٌ‬
‫عثمان بن أبي العاص ‪ ‬قال‪ :‬كنت عند رسول ال ‪ ‬جالسًا‪ ،‬إذ شخص‬
‫ببصره‪ ،‬ثم صوبه حتى كاد أن يلزقه بالرض ‪-‬قال‪ :-‬ثم شخص ببصره‪،‬‬
‫فقال‪) :‬أتاني جبريل ‪ ‬فأمرني أن أضع هذه الية بهذا الموضع من هذه‬
‫ْ‬
‫ء ِذي ال ْ ُ‬
‫قْرَبى‬
‫وِإيَتا ِ‬
‫السورة ‪‬إ ِ ّ‬
‫وال ِ ْ‬
‫مُر ِبال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ه ي َأ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن َ‬
‫سا ِ‬
‫ل َ‬
‫عد ْ ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫م‬
‫شا ِ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫هى َ‬
‫ي يَ ِ‬
‫م لَ َ‬
‫ف ْ‬
‫ع ْ‬
‫وي َن ْ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫عظُك ُ ْ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ر َ‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫غ ِ‬
‫منك َ ِ‬
‫‪577‬‬
‫ّ‬
‫ن ‪" ‬النحل‪.( )("90/‬‬
‫ت َذَكُرو َ‬

‫وجٌه عاٌم‪ :‬بأن يضع له علمًة لبتداء السورة‪ ،‬أو انتهائها‪ ،‬أو‬
‫الفصل بين السورتين؛ كما في حديث ترجمان القرآن ابن عباس)‪(578‬‬
‫‪) ()576‬القضاعي( أبو عبد الله محمد بن سلمة بن جعفر ت ‪454‬هس‪ :‬مسند الشهاب ‪،329 /2‬‬
‫تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي‪ ،‬ط ‪1407 ،2‬هس ‪1986 -‬م‪ ،‬مؤسسة الرسالة ‪ .‬ونحوه ما‬

‫في المعجم الوسط ‪ ،9/139‬مرجع سابق عن أنس بن مالك عن‪ ‬عن جبريل عن الله‪‬‬

‫قال‪) :‬من أهان لي وليا ً فقد بارزني بالمحاربة …(‪ ،‬وأصله في صحيح مسلم ‪ ،1/432‬مرجع‬
‫سابق ‪.‬‬
‫‪ ()577‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،4/218‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪578‬‬
‫ت الحاديث عن ابن عباس في كتب علوم القرآن‪ ،‬وقد شهد له النبي ‪ ‬في هذا‬
‫)( ك َث َُر ْ‬
‫الباب بخصوصه كما ذكر في ترجمته‪ ،‬وقال ابن مسعود‪ :‬نعم ترجمان القرآن ابن عباس‪،‬‬
‫س أسناننا ما عشره منا أحد‪ ،‬وروي ابن أبي خيثمة بسند فيه جابر‬
‫وقال‪ :‬لو أدرك ابن عبا ٍ‬
‫الجعفي أن ابن عمر كان يقول‪ :‬ابن عباس أعلم أمة محمد بما أنسزل على محمد‪ ،‬وروى ابن‬
‫سعد بسند صحيح‪ :‬أن أبا هريرة قال لما مات زيد بن ثابت‪ :‬مات اليوم حبر المة‪ ،‬ولعل الله‬

‫‪210‬‬

‫سِم ا ِّ‬
‫ل‬
‫قال‪ :‬كان جبريل‪ ‬ينـزل على رسول ال ‪‬الوحي فإذا قال‪ِ :‬ب ْ‬
‫حيِم‪ ،‬افتتح سورة أخرى)‪.(579‬‬
‫ن الّر ِ‬
‫حَم ِ‬
‫الّر ْ‬
‫حَم ِ‬
‫ن‬
‫ل الّر ْ‬
‫سِم ا ِّ‬
‫وعنه ‪ ‬قال‪:‬إن النبي ‪ ‬كان إذا نـزل جبريل‪ ‬فقال‪ِ:‬ب ْ‬
‫حيِم‪ ،‬علم أنها سورة)‪.(580‬‬
‫الّر ِ‬
‫ثانيًا‪ :‬التوسط في كمية المنـزل‪ :‬الذي يعلمه جبريل ‪ ‬للنبي‬
‫‪‬ويوضح ذلك الحديث الذي رواه الحاكم‪ :‬عن ابن عباس‪ ‬قال‪) :‬فصل‬

‫القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا‪ ،‬فجعل جبريل‬
‫‪‬ينسزله على النبي ‪ ‬ورتلناه ترتيل ً( قال سفيان ‪-‬أحد رجال إسناد‬

‫الحديث‪ :-‬خمس آيات‪ ،‬ونحوها)‪.(581‬‬
‫وعن أبي العالية قال‪ :‬قال عمر بن الخطاب‪): ‬تعلموا القرآن‬
‫خمس آيات خمس آيات‪ ،‬فإن جبريل ‪‬نـزل به على محمد ‪ ‬خمس آيات‬
‫خمس آيات()‪ .(582‬ول يخفى أن هذا وصف لحال الغالب‪ ،‬وإل فقد ينـزل ما‬
‫هو أكثر من ذلك‪ ،‬وما هو أقل ‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬مقارنة التلقين بالمر بكتابة الوحي القرآني‬
‫على سبيل الفورية‪ :‬فقد جاء في فضائل الصحابة‪ :‬عن فاطمة بنت‬

‫عبد الرحمن قالت‪ :‬حدثتني أمي أنها سألت عائشة‪ ،‬وأرسلها عمها فقال‪ :‬إن‬
‫أحد بنيك يقرئك السلم‪ ،‬ويسألك عن عثمان بن عفان؛ فان الناس قد‬
‫شتموه ‪ .‬فقالت‪ :‬لعن ال من لعنه‪ ،‬فوال لقد كان قاعدًا عند نبي ال‪ ‬وإن‬
‫رسول ال ‪ ‬لمسنٌد ظهره إلي وإن جبريل ‪ ‬ليوحي إليه القرآن‪ ،‬أنه‬
‫ليقول له‪) :‬اكتب يا عثيم(‪ ،‬فما كان ال‪ ‬لينـزله تلك المنـزلة إل وهو كريٌم‬
‫على ال ورسوله)‪. (583‬‬
‫أن يجعل في ابن عباس خلفا ً منه …تهذيب التهذيب ‪ ،7/67‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()579‬رواه الطبراني في المعجم الكبير ‪ ،82 /12‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()580‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،2/668‬مرجع سابق‪ ،‬وقال‪" :‬هذا حديث صحيح السناد ولم‬
‫يخرجاه" ‪.‬‬
‫‪ ()581‬المستدرك علىالصحيحين ‪ ،2/667‬مرجع سابق‪ ،‬وقال‪" :‬هذا حديث صحيح السناد ولم‬
‫يخرجاه" ‪.‬‬
‫‪) ()582‬الخطيب البغداي( أبو بكر أحمد بن علي ‪463‬هس‪:‬تاريخ بغداد ‪– 288/ 31‬دار الكتب‬
‫العلمية‪ ،‬بيروت ‪.‬‬
‫‪ ()583‬أخرجه )ابن أبي عاصم( أبو بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني )ت‬
‫‪287‬هس(‪ :‬كتاب السنة‬
‫‪ ،592 /2‬حققه محمد ناصر الدين اللباني‪ ،‬ط ‪1413 ،3‬هس ‪1993 -‬م‪ ،‬المكتب السلمي ‪-‬‬
‫بيروت‪ ،‬وعبد الله ابن أحمد في فضائل الصحابة ‪. 1/498‬‬

‫‪211‬‬

‫ض تلقائي لوصف‬
‫وكحديث عثمان بن أبي العاص المتقدم آنفًا‪ ،‬وهذا مقت ٍ‬
‫القرآن بالكتاب ‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬التركيز‪ :‬من حيث توقيف الله‪ ‬لنبيه ‪ ‬على‬
‫الوقات التي ينسزل عليه الوحي فيها‪ ،‬والوقات التي‬
‫يراجع فيها رسول الله‪ ‬القرآن )قيام الليل‪ ،‬رمضان(؛ إذ‬
‫الهتمام بهذا الموضوع بلغ حد بيان الوقات التي ينشغل‬
‫فيها قلب المرء وجوارحه بما ل يتعلق بالقرآن؛حتى ت ُهَْتبل‬
‫الوقات الخرى المحددة في مراجعة القرآن كما قال‪:‬‬
‫ن لَ َ‬
‫حا طَِويل ً‪" ‬المزمل‪ ،"7/‬قال ابن‬
‫ك ِ‬
‫‪‬إ ِ ّ‬
‫سب ْ ً‬
‫ر َ‬
‫في َالن ّ َ‬
‫ها ِ‬
‫زيد‪" :‬فراغا ً طويل ً لحوائجك‪ ،‬فافرغ لدينك‬
‫بالليل")‪ ،(584‬ول يعني التوقيف هنا نفي ما عدا هذه‬
‫الوقات للقراءة أو المراجعة‪ ،‬بل المراد الوقوف على‬
‫مدى العناية بالقرآن الكريم ‪.‬‬

‫‪ ()584‬التحرير والتنوير ‪ ،29/265‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪212‬‬

‫المبحث الثاني‪:‬‬

‫الدقة في النقل العام‪:‬‬

‫وإنما ُأورد هذا الفصل بعد حديثي المعالجة والمعارضة على سبيل‬
‫الستئناف البياني‪ ،‬للرد على مستكثٍر على الشريعة أن تتضمن ألفاظها تلك‬
‫الدقة التي جعلتنا نستخرج منها تلك المعاني‪ ،‬التي قد تخفى على عابر‬
‫النظر؛ وأنى يستكثر ذلك… والكلم هو كلم ال‪ ‬المتلو المحفوظ‬
‫بحفظه‪ ‬له‪ ،‬والُمَعّلم له هو جبريل‪ ،‬والمَُتَعّلُم له هو محمد‪ ‬خاتم‬
‫حب هنا‬
‫صَ‬
‫سَت ْ‬
‫الرسل؟ ‪ .‬فقد تميز نقل جبريل‪ ‬بالدقة في غير القرآن‪ ،‬فُي ْ‬
‫ل‪ :‬فكيف إن كان المنقول كلم ال المتلو‪‬؟ ‪.‬‬
‫بين يدي هذا المبحث سؤا ٌ‬
‫ومن صور هذه الدقة‪:‬‬
‫الدقة في نقل الحداث الواقعية‪ :‬كان جبريل‬
‫‪-1‬‬
‫‪ ‬يأتيه بأدق التفاصيل والوصاف للحداث الواقعة الحاضرة‬
‫والمستقبلية‪ ،‬حتى ما ل يترتب عليه حكم شرعي‪:‬‬
‫ومن ذلك ما جاء عن أنس‪ ‬قال‪ :‬بعث النبي ‪ ‬أقوامًا من بني‬
‫سليم إلى بني عامر في سبعين‪ ،‬فلما قدموا‪ ،‬قال لهم خالي‪ :‬أتقدمكم‪ ،‬فإن‬
‫َأّمنوني حتى أبلغهم عن رسول ال ‪ ‬وإل كنتم مني قريبًا‪ ،‬فتقدم‪ ،‬فَأّمنوه‪،‬‬
‫ل منهم‪ ،‬فطعنه‪ ،‬فأنفذه‪،‬‬
‫فبينما يحدثهم عن النبي ‪ ‬إذ أومأوا إلى رج ٍ‬
‫فقال‪ :‬ال أكبر! فزت ورب الكعبة ‪ .‬ثم مالوا على بقية أصحابه‪ ،‬فقتلوهم‬
‫ل أعرج صعد الجبل‪ ،‬فأخبر جبريل ‪‬النبي ‪ ‬أنهم قد لقوا ربهم‬
‫إل رج ً‬
‫فرضي عنهم وأرضاهم‪...‬الحديث)‪. (585‬‬
‫ل شديدًا‪،‬‬
‫جهينة‪ ،‬فقاتلونا قتا ً‬
‫وعن جابر ‪:‬غزونا مع رسول ال قومًا من ُ‬
‫فلما صلينا الظهر قال المشركون‪ :‬لو ملنا عليهم ميلًة لقتطعناهم‪ ،‬فأخبر‬
‫جبريل رسول ال بذلك … الحديث)‪. (586‬‬
‫‪ ()585‬صحيح البخاري ‪ ،1031/3‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()586‬صحيح مسلم ‪ ،1/575‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪213‬‬

‫وخرج معاوية ‪ ‬على حلقة في المسجد‪ ،‬فقال‪ :‬ما أجلسكم؟‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫جلسنا نذكر ال‪ ،‬قال‪ :‬آل ما أجلسكم إل ذاك؟ قالوا‪ :‬وال ما أجلسنا إل ذاك‪.‬‬
‫قال‪ :‬أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم‪ ،‬وما كان أحٌد بمنـزلتي من رسول ال ‪‬‬
‫أقل عنه حديثًا مني‪ ،‬وإن رسول ال‪ ‬خرج على حلقة من أصحابه فقال‪:‬‬
‫)ما أجلسكم؟( قالوا‪ :‬جلسنا نذكر ال‪ ،‬ونحمده على ما هدانا للسلم‪ ،‬ومن‬
‫به علينا‪ .‬قال‪) :‬آلله ما أجلسكم إل ذاك؟( قالوا‪ :‬وال ما أجلسنا إل ذاك‪.‬‬
‫قال‪) :‬أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم‪ ،‬ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن‬
‫الله عز وجل يباهي بكم الملئكة()‪.(587‬‬
‫فإذا تأمل القارئ نقل جبريل ‪ ‬هاهنا‪ ،‬وشغل ذهنه بكيفية نقله‬
‫للقرآن ‪-‬أخبت قلبه لما سبق ذكره من الدقة البالغة في تلقي النبي ‪ ‬ألفاظ‬
‫القرآن من جبريل‪ ،‬وتعليم جبريل‪ ‬إياه ذلك ‪.‬‬
‫‪ -2‬الدقة في نقل أحداث المستقبل‪ :‬فقد روت أم سلمة‬
‫رضي ال تعالى عنها‪ -‬أن رسول ال ‪ ‬اضطجع ذات ليلة للنوم‪ ،‬فاستيقظ وهو‬‫حائٌر‪ ،‬ثم اضطجع‪ ،‬فرقد‪ ،‬ثم استيقظ وهو حائٌر‪ ،‬دون ما رأيت به المرة‬
‫الولى‪ ،‬ثم اضطجع فاستيقظ وفي يده تربة حمراء يقلبها‪ ،‬فقلت‪ :‬ما هذه‬
‫التربة يا رسول ال؟ قال‪) :‬أ خبرني جبريل ‪ ‬أن هذا يقتل بأرض‬
‫العراق( –للحسين‪ -‬فقلت لجبريل‪ :‬أرني تربة الرض التي يقتل بها فهذه‬
‫تربتها()‪.(588‬‬
‫وهل التربة الحمراء أهم من نقل أداء ألفاظ القرآن؟ ‪.‬‬
‫غير أن الدقة هي السمة الدائمة لعمل جبريل‪ ‬وتعليمه‪ ،‬حتى‬
‫اتسعت لتعليم الصلة عمليًا‪ :‬فعن ابن عباس ‪‬قال‪ :‬قال رسول ال‪: ‬‬
‫َ‬
‫مني جبريل‪ ‬عند البيت مرتين‪ ،‬فصلى بي الظهر حين زالت الشمس‬
‫)أ ّ‬
‫وكانت قدر الشراك‪ ،‬وصلى بي العصر حين كان ظله مثله‪ ،‬وصلى بي يعني‬
‫المغرب حين أفطر الصائم‪ ،‬وصلى بي العشاء حين غاب الشفق‪ ،‬وصلى بي‬
‫الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم‪ ،‬فلما كان الغد صلى بي‬
‫الظهر حين كان ظله مثله‪ ،‬وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه‪ ،‬وصلى بي‬
‫المغرب حين أفطر الصائم‪ ،‬وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل‪ ،‬وصلى بي‬

‫‪ ()587‬صحيح مسلم ‪ ،4/2075‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()588‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،4/440‬مرجع سابق‪ ،‬وقال‪ " :‬هذا حديث صحيح على‬
‫شرط الشيخين ولم يخرجاه‪ ،‬ووافقه الذهبي…" ‪.‬‬

‫‪214‬‬

‫الفجر فأسفر‪ ،‬ثم التفت إلي فقال‪ :‬يا محمد! هذا وقت لنبياء من قبلك‬
‫والوقت ما بين هذين الوقتين()‪.(589‬‬

‫فكيف تعليمه القرآن؟‪ ،‬وظاهٌر أن تعليم الصلة عمليًا يقرب أن تطلق‬
‫عليه وجهًا أدائيًا‪ ،‬فلداء القرآن أعلى شأنًا من بيان الهيئات التفصيلية‬
‫للصلة بأسلوب عملي‪ ،‬فما الذي يستنكره من شذ عن سائر المسلمين وقال‪:‬‬
‫إن الداء ليس متواترًا‪ ،‬أو لم يعلمه جبريل رسول ال ‪ ،‬على أن أهل‬
‫المآرب اتخذوا ذلك ذريعًة ليبطلوا أصل اللفظ ‪.‬‬
‫وأقل الحوال أن يكون أداء لفظ القرآن شأنه كشأن الهيئات‬
‫التفصيلية للصلة‪ ،‬فيظهر عند ذاك برهان عدم المبالغة في ذلك عندما تجد‬
‫القرآن ذاته يتكلم عن الهيئات التفصيلية لتلقي القرآن وتلقينه وأدائه‪ ،‬ول‬
‫يوجد ذلك لتفصيل أمور الصلة ‪.‬‬

‫‪ ()589‬سنن أبي داود ‪ ،1/107‬مرجع سابق‪ ،‬قال الشيخ اللباني‪" :‬حسن صحيح"‪ ،‬وأصله في‬
‫صحيح البخاري ‪ 1/195‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪215‬‬

‫المبحث الثالث‪:‬‬
‫العلقة العامة بين جبريل‪ ‬والنبي‪‬‬
‫وأثرها في تعليم ألفاظ القرآن‪:‬‬
‫‪ ‬للنبي‪،‬‬
‫وهذا المبحث كالستعراض لمظاهر صحبة جبريل‬
‫وبيان العلقة الحميمة التي تربط الُمَعّلم الُمْلقي‪ ‬بالمَتَعّلم المتلقي‪ ،‬مع‬
‫ت ثناياها فيما سبق‪ ،‬فما ُأوِرَد هنا فهو لزيادة التبيين في‬
‫أن هذه المعاني قد ُبّث ْ‬
‫هذه الناحية الخاصة‪ ،‬وينقسم هذا المبحث إلى ثلثة مطالب متدرجًا من‬
‫العموم إلى خصوص المتابعة التعليمية‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬صلة هذا المبحث بموضوع البحث العام ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬نماذج من العلقة العامة ‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪:‬التعاهد والستدراك ‪.‬‬

‫المطلب الول‪ :‬صلة هذا المبحث بموضوع البحث العام‪:‬‬
‫إن بحث هذه المسألة يستلزم الستقلل في الدراسة عن غيرها‪ ،‬لكنها‬
‫ت خادمٍة‬
‫ل‪ ،‬بل لتحقيق غايا ٍ‬
‫ُذكرت في هذا المكان مختصرة‪ ،‬ل نافلة قو ٍ‬
‫لموضوع البحث‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التنبيه بالدنى على العلى‪ :‬وعليه اعتمد الباقلني‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في‬
‫الرد على من نسب إلى ابن مسعوٍد‪ ‬إنكار المعوذتين‪ ،‬فقال‪" :‬ولو كان قد‬
‫أنكر ‪-‬يعني عبد ال ابن مسعود‪ -‬السورتين على ما ادعوا ‪-‬لكانت الصحابة‬
‫تناظره على ذلك‪ ،‬وكان يظهر وينتشر‪ ،‬فقد تناظروا في أقل من هذا‪ ،‬أمٌر‬
‫يوجب التكفير والتضليل‪ ،‬فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه")‪. (590‬‬
‫‪) ()590‬الباقلني(أبو بكر بن الطيب‪ :‬إعجاز القرآن ص ‪ ،365‬قدم له وشرحه وعلق عليه‪:‬‬
‫الشيخ محمد شريف سكر‪ ،‬بيروت دار إحياء العلوم‪ ،‬ط ‪1408 ،1‬هس – ‪1988‬م ‪ .‬وهذا الدليل‬
‫من أعظم الدلة التي تبين فقه المتفقه ودقيق بصره…وتراه ي ُذ ْك َُر مبثوثا ً في كتب أصول‬
‫الفقه بأسماء متعددة منها‪ :‬القياس الولوي‪ ،‬والعموم المعنوي‪ ،‬ونحو ذلك…ومن أجل هذه‬
‫الهمية التي يكتسبها هذا الدليل نبه عليه ابن رشد ‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬في مقدمة كتابه‬
‫الفقهي الفريد‪ :‬بداية المجتهد‪ ،‬انظر‪) :‬ابن رشد( القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد‬
‫الحفيد ت ‪ 595‬هس‪ :‬بداية المجتهد ونهاية المقتصد ‪ -‬المقدمة ‪ ،1/5‬تحقيق وتعليق‪ :‬محمد‬
‫صبحي حسن حلق‪ ،‬الطبعة الولى ‪ 1415‬هس مكتبة ابن تيمية – القاهرة ‪.‬‬

‫‪216‬‬

‫ى من‬
‫ل قد بلغ مستو ً‬
‫وإذا كان التكليف بالمور العبادية الفرعية مث ً‬
‫الدقة في التوقيف تعجم كل من يريد التهوين من اللفظ القرآني‪ ،‬فتحيل ما‬
‫ل‪ ،‬فكذلك نقل كلم ال‪…‬ومن نماذج ذلك أن النبي‪‬جاءه‬
‫أعجمه مهم ً‬
‫ي إليه فأراه الوضوء والصلة‪ ،‬فلما فرغ من‬
‫حَ‬
‫‪ ‬في أول ما ُأو ِ‬
‫جبريل‬
‫الوضوء أخذ غرفة من ماء‪ ،‬فنضح بها فرجه)‪. (591‬‬
‫ول ُيَعّلمه هذا المستوى من الدقة في المور العبادية التي اصطلح‬
‫على تسميتها بالفرعية‪ ،‬وُيْفِقَر أصل أصول الشريعة من المماثلة في دقة‬
‫التعامل‪ ،‬بل كان مستوى الدقة في لفظ القرآن بالغًا غاية ل يصدقها عقلٌ‬
‫ل بشري؛ لنها ل تخطر‬
‫بشري‪ ،‬لول أنها نقلت…وإنما قيل‪ :‬ل يصدقها عق ٌ‬
‫على باله من حيث هذه الضخامة في تتبع قراءة النبي‪ ‬حرفًا حرفًا‪،‬‬
‫ل حروف القرآن أخطر وأجل ‪.‬‬
‫كنقلهم عدد شعرات النبي ‪ ،(592) ‬وَلَنْق ُ‬
‫عّلم‪ ‬والمتعلم‪‬‬
‫م َ‬
‫ب ‪ -‬بيان ُرقي الصحبة بين ال ُ‬
‫التي تؤدي إلى المتابعة المتميزة التي كان‬
‫النبي‪ ‬يحظى بها من جبريل‪ ‬بأمر الله‪ ، ‬وذي‬
‫معَّلم‪ ‬والمتعلم‪ ‬هنا‪ ،‬ل‬
‫المتابعة تعطي خصوصي ً‬
‫ة لل ُ‬
‫فإن ّ َ‬
‫توجد بين غيرهما‪ ،‬ل جرم أن قول الله‪َ … ‬‬
‫ك‬
‫سٌر لتلك العلقة التي بلغت‬
‫م َ‬
‫ِبأ ْ‬
‫ف ّ‬
‫عي ُن َِنا…‪" ‬الطور‪ُ "48/‬‬
‫ذروتها‪ ،‬حتى يكاد جبريل‪ ‬ل يفارق رسول الله‪ ‬إل فيما‬
‫ندر أمرا ً من ربه‪ ،‬مع المعية العامة والخاصة لله‪…‬‬
‫وذا كله يعطيك مؤشرا ً واضحا ً على المتابعة التي كانت‬
‫ألفاظ القرآن تحظى بها‪ ،‬واستحالة تطرق الخلل لداء‬
‫اللفظ‪ ،‬بله اللفظ… ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تثبيت ما سبق من تحليل في تعليم جبريل‪‬‬
‫ة‬
‫لرسول الله ‪ ‬لفظ القرآن‪ ،‬وأن ما ذ ُك َِر ليس مبالغ ً‬
‫‪) ()591‬الكسي( أبو محمد عبد بن حميد بن نصر ت ‪249‬هس ‪ :‬المنتخب من مسند عبد بن‬
‫حميد‪ ،‬مراجعة‪ :‬صبحي البدري السامرائي س محمود محمد خليل الصعيدي‪1408 ،‬هس ‪-‬‬
‫‪1988‬م‪ ،‬مكتبة السنة ‪ -‬القاهرة‪ ،‬ورواه ابن ماجة ‪ ،1/157‬مرجع سابق ‪ .‬وقال اللباني‪:‬‬
‫"صحيح" ‪.‬‬
‫‪ ()592‬إشارة إلى حديث أنس ‪ ‬عند الترمذي ‪ ،4/435‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪217‬‬

‫استهوتها الزخارف اللفظية‪ ،‬والعاطفة المجردة مما قد‬
‫م أن البحث صدر منها ‪.‬‬
‫يزعم زاع ٌ‬
‫ول ْي ُ ْ‬
‫رع الحديث عن صحبة النبي ‪ ‬لجبريل‬
‫ش ِ‬
‫ث كهذا الحديث أن تعروه‬
‫ق لحدي ٍ‬
‫‪ ‬أشرعته…و ُ‬
‫ح ّ‬
‫مرة الحياء…فلتغتفر زلة‬
‫هزة الذكرى‪ ،‬و ُ‬
‫ح ْ‬
‫التقصير فيه بداية …‬
‫ة……‪..‬خلف‬
‫ث عن القوم‪ ،‬فاللفاظ ساجد ٌ‬
‫حد ّ ْ‬
‫َ‬
‫ن تبته ُ‬
‫ل‬
‫ب‪ ،‬والوزا ُ‬
‫المحاري ِ‬

‫المطلب الثاني‪ :‬نماذج من العلقة العامة بين جبريل‪‬والنبي‬

‫‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬في المسائل الشخصية‪ :‬يظهر جبريل ‪‬غاديًا رائحًا في‬
‫أموٍر تتعلق بخصوصيات النبي ‪‬السرية‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬
‫‪-1‬زواجه من عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪:-‬وفيها يظهر أن جبريل‪ ‬قد‬
‫يستخدم وسائل متعددة وربما غير معهودة لخبار النبي ‪ ‬وتعليمه‪ ،‬فعن‬
‫عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬قالت‪ :‬قال لي رسول ال‪ ) : ‬رأيتك في المنام‬

‫يجيء بك الملك في سرقة من حرير‪ ،‬فقال لي‪ :‬هذه امرأتك‪ ،‬فكشفت‬
‫عن وجهك الثوب‪ ،‬فإذا هي أنت‪ ،‬فقلت‪ :‬إن يك هذا من عند الله يمضه(‬

‫)‪ ،(593‬والتصريح بأن المَلك هو جبريل ‪‬قد وقع عند ابن حبان عنها‬
‫قالت‪) :‬جاء بي جبريل‪ ‬إلى رسول الله‪ ‬في خرقة حرير‪ ،‬فقال‪ :‬هذه‬
‫زوجتك في الدنيا والخرة()‪. (594‬‬
‫ر غيــر ذي بــال عنــد مقــارنته‬
‫فإن كان ذا في أم ٍ‬
‫بأداء القرآن الكريم‪ ،‬فكيف بالقرآن الكريم؟‪.‬‬
‫‪-2‬مراجعته لحفصة –رضي ال تعالى عنها‪ :-‬فقد طلق النبي ‪ ‬حفصة بنت‬
‫عمر‪ ،‬فدخل عليها خالها قدامة وعثمان ابنا مظعون فبكت‪ ،‬وقالت‪ :‬وال ما‬

‫‪ ()593‬البخاري ‪ ،2/900‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()594‬صحيح ابن حبان ‪ ،324 /3‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪218‬‬

‫ع ‪ .‬وجاء النبي ‪ ‬فقال‪ ) :‬قال لي جبريل ‪ ‬راجع حفصة‬
‫طلقني عن شب ٍ‬
‫‪595‬‬
‫فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة() ( ‪.‬‬

‫‪-3‬زواج ابنته‪ :‬فعن أبي هريرة ‪‬أن رسول ال ‪ ‬لقي عثمان بن عفان‬
‫‪ ‬وهو مغموم فقال‪) :‬ما شأنك يا عثمان؟( قال‪:‬بأبي أنت يا رسول ال‬
‫وأمي!هل دخل على أحد من الناس ما دخل علي؟ توفيت بنت رسول ال‬
‫‪ ‬رحمها ال‪ ،‬وانقطع الصهر فيما بيني وبينك إلى آخر البد‪ .‬فقال رسول‬
‫ال ‪) : ‬أتقول ذلك يا عثمان وهذا جبريل‪ ‬يأمرني عن أمر الله عز‬
‫وجل أن أزوجك أختها أم كلثوم على مثل صداقها وعلى مثل عدتها‬
‫فزوجه رسول الله ‪ ‬إياها()‪.(596‬‬

‫‪-4‬إخباره بأسرار بيته‪ :‬كان‪ ‬ل يدرك بعض أموره العائلية مما غيبها‬
‫واقع في الرض‪ ،‬كخبر ابنه إبراهيم حتى يأتيه جبريل‪ ‬بالوحي‪ ،‬كما في‬
‫المستدرك عن أنس‪ ‬قال‪ :‬لما ولد إبراهيم ابن النبي ‪ ‬أتاه جبريل فقال‪:‬‬
‫)السلم عليك يا أبا إبراهيم()‪ .(597‬فذا في خبر الرض‪ ،‬فكيف يكون في‬
‫خبر السماء؟ وإنما يكثر البحث من المور الدقيقة؛ لستقلل البعض أن‬
‫يكون َثّم اهتماٌم شرعي بأمور الداء في اللفظ القرآني‪ ،‬فُيقَرن هذا بهذا لُيعَلم‬
‫المر ‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬في المسائل البدنية‪ :‬مما يعود على الناس بمصالح في‬
‫أبدانهم‪ :‬فقد روى أبو الحكم البجلي وهو عبد الرحمن بن أبي نعم قال‪:‬‬
‫دخلت على أبي هريرة‪ ‬وهو يحتجم فقال لي‪ :‬يا أبا الحكم احتجم ‪-‬قال‪-‬‬
‫فقلت‪ :‬ما احتجمت قط ‪ .‬قال‪ :‬أخبرني أبو القاسم‪) ‬أن جبريل ‪‬أخبره أن‬
‫الحجم أفضل ما تداوى به الناس هذا( )‪.(598‬‬
‫فكيف يبلغ الظن بمتابعة جبريل‪ ‬للنبي ‪ ‬في مسائل الوحي‬
‫عامة‪ ،‬ثم فيه حين يكون قرآنًا بصفة خاصة؟‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬الوزير‪ :‬فقد كان جبريل ‪ ‬وزير رسول ال الول من أهل‬
‫السماء؛ إذ روى الحاكم‪ :‬عن أبي سعيد الخدري‪ ‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪‬‬
‫‪ ()595‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،4/16‬مرجع سابق‪ ،‬وفي صحة الحديث نظٌر بائن‪ ،‬وقد بين‬
‫الباحث في المقدمة أنه قد ُتذكر بعض الحاديث الضعيفة استئناسا ً ل استدلل ً للحكام ‪.‬‬

‫‪ ()596‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،4/54‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()597‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،660/2‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫ح على شرط الشيخين‪ ،‬ولم‬
‫‪ ()598‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،4/232‬مرجع سابق‪ ،‬وقال‪" :‬صحي ٌ‬
‫يخرجاه"‪ ،‬وقال الذهبي‪" :‬على شرط البخاري ومسلم " ‪.‬‬

‫‪219‬‬

‫‪) :‬وزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل ومن أهل الرض أبو بكر‬
‫‪‬‬
‫وعمر()‪ ،(599‬ولئن اشترك مكائيل‪‬في وزارته مع جبريل‪ ،‬فإن جبريل‬
‫يتميز في علقته بالنبي ‪ ‬بأمور أخرى…حسبه منها أن يكون الُمَكّل َ‬
‫ف‬
‫بإبلغه وتعليمه وحي السماء‪ ،‬ولئن كان في الحديث نظٌر فإن قرائن الحال‬
‫السابقة والتالية مما ُذِكَر في البحث شاهدٌة بصدق معناه‪ ،‬قال ابن الثير‬
‫ب أْمِرى‪،‬‬
‫رحمه ال تعالى‪" :-‬وفيه )أميري من الملئكة جبريل ‪ (‬أي صاح ُ‬‫ت إلى ُمشاورته وُمؤاَمرِته فهو َأميرك")‪.(600‬‬
‫َوَوِلّيى‪ ،‬وكل من َفِزع َ‬
‫وكونه كان في مقام الوزير‪ ،‬ل يعني أنه الوزير المنفذ المتلقي‬
‫للوامر‪ ،‬بل كان كان كثيرًا ما يكون المشير المر شأن المعلم مع المتعلم‪،‬‬
‫فقد كان ابن عباس‪ ‬يحدث أن ال‪-‬تبارك وتعالى‪ -‬أرسل إلى نبيه‪ ‬ملكًا‬
‫من الملئكة ومعه جبريل‪ ،‬فقال المَلك‪) :‬إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا ً‬
‫نبيًا‪ ،‬وبين أن تكون ملكًا‪ ،‬فالتفت رسول الله ‪‬إلى جبريل‪‬‬
‫كالمستشير فأشار جبريل بيده أن تواضع‪ ،‬فقال رسول الله ‪) : ‬بل‬

‫أكون عبدا ً نبيًا‪ ،‬قال فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا ً()‪.(601‬‬
‫رابعًا‪ :‬الناصح ابتداء‪ :‬فلم يقتصر دور جبريل ‪ ‬على المتابعة‪ ،‬بل‬
‫كان يقوم بنصحه ابتداء‪ :‬فعن سهل بن سعد‪ ‬قال‪ :‬جاء جبريل‪ ‬إلى‬
‫النبي ‪ ‬فقال‪):‬يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت‪ ،‬وأحبب من أحببت‬
‫فإنك مفارقه‪ ،‬واعمل ما شئت فإنك مجزي به‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا محمد!‬

‫شرف المؤمن قيام الليل‪ ،‬وعزه استغناؤه عن الناس()‪.(602‬وهذه‬

‫‪ ()599‬سنن الترمذي ‪ ،5/616‬مرجع سابق‪ ،‬قال الترمذي‪" :‬حسن غريب"‪ ،‬قال اللباني‪" :‬ضعيف"‪،‬‬
‫المستدرك على الصحيحين‪ ،‬قال‪" :‬هذا حديث صحيح السناد ولم يخرجاه" ‪ .‬وقد تمثلت هذه الوزارة‬
‫في مظاهر كثيرة‪ :‬منها‪ :‬اشتراكهما في تغسيل قلبه‪ ،‬ومعالجته من مرضه‪ ،‬والسياحة به في عالم‬
‫البرزخ … ‪.‬‬
‫‪ ()600‬النهاية في غريب الثر ‪ ،1/65‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()601‬السنن الكبرى للنسائي ‪ ،4/171‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫ث صحيح السناد‪،‬‬
‫‪ ()602‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،4/360‬مرجع سابق‪ ،‬وقال‪" :‬هذا حدي ٌ‬
‫ولم يخرجاه"‪ ،‬وقال الذهبي‪" :‬صحيح" ‪.‬‬

‫‪220‬‬

‫نصائح ابتدائية‪ ،‬كما هي متابعٌة في أبواب الزهد والرقائق توضح العلقة‬
‫المثالية للمعلم بتلميذه ‪.‬‬
‫خامسًا‪ :‬وتجري بينهما المناقشة والمباحثة‪ :‬عن معاذ بن‬
‫رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه ‪- ‬وكان أبوه من أهل بدر‪ -‬قال‪ :‬جاء‬
‫جبريل‪ ‬إلى النبي ‪ ‬فقال‪) :‬ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال‪ :‬من أفضل‬
‫المسلمين –أو كلمة نحوها – قال وكذلك من شهد بدر من الملئكة(‬
‫)‪. (603‬‬
‫سادسًا‪ :‬علقة حب‪ :‬وجبريل‪ ‬رفيقه الثير‪ ،‬كما قال في مرض‬
‫موته‪) : ‬مع الرفيق العلى‪ ،‬مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين‬
‫والصديقين والشهداء إلى قوله رفيقا ً()‪ ،(604‬وفي رواية‪ :‬فقال‪) :‬أسأل‬
‫الله الرفيق العلى السعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل()‪…(605‬فبدأ‬
‫بجبريل‪. ‬‬
‫وعلقة الحب علقٌة متبادلٌة بينهما‪ ،‬فقد روى عبد بن حميد‬
‫من طريق عكرمة‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬قال‪) :‬أبطأ جبريل‪ ‬في النسزول أربعين‬
‫يوما ً فقال له النبي ‪ ‬يا جبريل ما نسزلت حتى اشتقت إليك قال‪ :‬أنا‬

‫كنت أشوق إليك()‪.(606‬‬
‫وكان‪ ‬ينقبض ويضيق إذا تأخر عليه جبريل‪ ‬حتى اشتد على‬
‫النبي ‪ ‬فيما روته عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬وفي يده عصا فألقاها من يده‬

‫‪ ()603‬صحيح البخاري ‪ ،4/1467‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()604‬مسند أحمد ‪ ،74 /6‬مرجع سابق‪ ،‬وأصله في صحيح البخاري ‪ ،3/1341‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()605‬في رواية أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عند النسائي في السنن الكبرى ‪،5/23‬‬
‫مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()606‬المنتخب من مسند عبد بن حميد ‪ ،345‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر‪ :‬فتح الباري ‪،8/429‬‬
‫مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪221‬‬

‫وقال‪) :‬ما يخلف الله وعده ول رسله()‪ ،(607‬وفي حديث ميمونة عند‬
‫مسلم نحو حديث عائشة‪ ،‬وزاد فيه ابن حبان‪) :‬أنه أصبح واجمًا()‪.(608‬‬
‫وتجري بينهما المناقشة والخذ والرد دون أن يكون‬

‫مكان جبريل‪ ‬عائقًا عن ذلك رد فعن عمرو بن العاص‪: ‬أن النبي ‪‬‬
‫س‬
‫ن أَ ْ‬
‫ن ك َِثيًرا ِ‬
‫تل قوله‪ ‬في إبراهيم‪َ:‬ر ّ‬
‫م َ‬
‫ضل َل ْ َ‬
‫ه ّ‬
‫ب إ ِن ّ ُ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫ك َ‬
‫غ ُ‬
‫صاِني َ‬
‫عِني َ‬
‫َ‬
‫‪‬‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن ت َب ِ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫حي ٌ‬
‫و َ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫ف َ‬
‫ع َ‬
‫مّني َ‬
‫عَبادُ َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫"إبراهيم‪ :"36/‬وقال عيسى‪ ‬إ ِ ْ‬
‫ن تُ َ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫عذّب ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ك َ‬
‫فإن ّ َ َ‬
‫م‪" ‬المائدة‪ "118/‬فرفع يديه‪،‬‬
‫تَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ح ِ‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ك أن ْ َ‬
‫فْر ل َ ُ‬
‫كي ُ‬
‫ه ْ‬
‫ع ِ‬
‫م َ ِ‬
‫وقال‪) :‬اللهم أمتي أمتي(‪ ،‬وبكى‪ ،‬فقال ال ‪) :‬اذهب إلى محمد ‪-‬وربك‬
‫أعلم‪ -‬فسله ما يبكيك؟( فأتاه جبريل‪ ‬فسأله فأخبره –وال بما قال أعلم‪-‬‬
‫فقال ال‪) :‬يا جبريل اذهب إلى محمد‪ ،‬فقل‪ :‬إنا سنرضيك في أمتك ول‬
‫نسوءك()‪.(609‬‬
‫رضت‬
‫ونحو ما في البخاري عن ابن عباس‪ ‬أن النبي‪) : ‬ع ُ ِ‬
‫ي المم‪ ،‬فأجد النبي يمر معه المة‪ ،‬والنبي يمر معه النفر‪ ،‬والنبي‬
‫عل ّ‬
‫يمر معه العشرة‪ ،‬والنبي يمر معه الخمسة‪ ،‬والنبي يمر وحده‪ ،‬فنظرت‬

‫فإذا سواد ٌ كثيٌر‪ ،‬قلت‪ :‬يا جبريل! هؤلء أمتي؟…()‪. (610‬‬
‫ويرقيه‪ :‬فقد روى مسلم عن عائشة‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬زوج النبي‬
‫قالت‪ :‬كان إذا اشتكى رسول ال رقاه جبريل‪ ،‬قال‪) :‬باسم الله يبريك‪ ،‬ومن‬
‫كل داء يشفيك‪ ،‬ومن شر حاسد إذا حسد‪ ،‬ومن شر كل ذي عين()‪،(611‬‬

‫‪ ()607‬صحيح مسلم ‪ ،3/1664‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()608‬ابن حبان ‪ ،12/465‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()609‬أخرجه مسلم ‪ ،1/191‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()610‬أخرجه البخاري ‪ ،5/2396‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()611‬أخرجه مسلم ‪ ،4/1718‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪222‬‬

‫وعنده‪ :‬عن أبي ‪‬أن جبريل‪ ‬أتى النبي ‪ ‬فقال‪:‬‬
‫اشتكيت؟ قال‪ :‬نعم! قال‪ :‬باسم الله أرقيك …() ( ‪.‬‬
‫ويقاتل عنه‪ :‬فقد روى مسلم في باب‪) :‬قتال جبريل وميكائيل‪-‬‬
‫عليهما السلم‪-‬عن النبي‪ ‬يوم أحد(… عن سعد‪: ‬رأيت عن يمين رسول‬
‫ال ‪ ‬وعن شماله أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ول بعد‪،‬‬
‫يعني جبريل وميكائيل –عليهما السلم‪-‬وفي لفظ له‪:‬يقاتلن عنه كأشد ما‬
‫يكون القتال)‪ ".…(613‬ول غرو! فتقطيع اليدي ل وقع له عند رؤية‬
‫يوسف‪. ‬‬
‫وكان يواسيه‪:‬‬
‫س ‪‬قال‪ :‬جاء جبريل‪ ‬ذات يوم إلى رسول ال ‪ ‬وهو‬
‫فعن أن ٍ‬
‫‪614‬‬
‫جالس حزين قد خضب بالدماء‪ ،‬الحديث سيأتي) ( ‪.‬‬
‫س‪ ‬قال‪:‬‬
‫كما أن النبي‪ ‬ينشغل عمن سواه‪ :‬فعن ابن عبا ٍ‬
‫كنت مع أبى عند رسول ال ‪ ‬وعنده رجل يناجيه‪ ،‬فكان كالمعرض عن‬
‫أبى‪ ،‬فخرجنا من عنده‪ ،‬فقال لي أبى‪ :‬أي بني! ألم تر إلى ابن عمك‬
‫ل يناجيه‪ .‬قال‪ :‬فرجعنا‬
‫كالمعرض عني؟ فقلت‪ :‬يا أبت! إنه كان عنده رج ٌ‬
‫إلى النبي ‪ ‬فقال أبى‪ :‬يا رسول ال! قلت لعبد ال كذا وكذا‪ ،‬فأخبرني أنه‬
‫ل يناجيك فهل كان عندك أحٌد؟ فقال رسول ال‪) : ‬وهل‬
‫كان عندك رج ٌ‬
‫رأيته يا عبد الله؟( قال‪ :‬قلت‪ :‬نعم! قال‪) :‬فإن ذاك جبريل وهو الذي‬
‫شغلني عنك()‪. (615‬‬
‫سابعا ً‪ :‬وهو صاحبه في الدنيا والخرة‪ :‬فعن أبي بكر الصديق‬
‫‪ ‬في حديث الشفاعة‪ ،‬قال رسول ال ‪ ‬وهو يحكي قول عيسى ‪: ‬‬
‫)…ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم فإنه أول من تنشق عنه الرض يوم‬
‫)يا محمد!‬

‫‪612‬‬

‫‪ ‬فيشفع لكم إلى ربكم عز وجل‪ ،‬قال‪:‬‬
‫القيامة انطلقوا إلى محمد‬
‫فينطلق فيأتي جبريل‪ ‬ربه فيقول الله‪ :‬ائذن له وبشره بالجنة ‪.‬‬
‫‪ ()612‬أخرجه مسلم ‪ ،4/1718‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()613‬مسلم ‪ ،1802 /4‬وفي الديباج ‪ ،5/317‬مرجع سابق‪ :‬قال النووي‪" :‬فيه‪ :‬أن رؤية‬
‫الملئكة ل تختص بالنبياء‪ ،‬بل يراهم الصحابة والولياء"‪.‬‬
‫‪ ()614‬انظر‪ :‬الحديث بتمامه ص ‪. 219‬‬

‫‪ ()615‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،1/293‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪223‬‬

‫قال‪ :‬فينطلق به جبريل فيخر ساجدا ً قدر جمعة‪ ،‬ويقول الله‪ :‬ارفع‬
‫رأسك يا محمد! وقل يسمع واشفع تشفع قال‪ :‬فيرفع رأسه‪ ،‬فإذا نظر‬
‫إلى ربه‪ ‬خر ساجدا ً قدر جمعة أخرى‪ ،‬فيقول الله ‪ :‬ارفع رأسك‬
‫وقل يسمع واشفع تشفع‪ .‬قال‪ :‬فيذهب ليقع ساجدا ً فيأخذ جبريل‬
‫‪‬بضبعيه فيفتح الله عز وجل عليه من الدعاء شيئا لم يفتحه على بشر‬

‫قط()‪ (616‬الحديث‪.‬‬
‫ويمكن أن يجري بينه وبين ربه الكلم والنقاش‬

‫بواسطته‪ :‬فعن أبي سعيد ‪‬أن رسول ال ‪ ‬قال‪:‬‬

‫)أتاني جبريل‬

‫فقال‪ :‬إن ربي وربك يقول لك‪ :‬كيف رفعت ذكرك؟ قال‪:‬الله أعلم‬

‫قال‪:‬إذا ذكرت ذكرت معي()‪. (617‬‬
‫ة في ذلك الوقت للتعليم‪:‬‬
‫ة غير معتاد ٍ‬
‫وقد يأتيه بوسيل ٍ‬

‫فعن عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬قالت‪ :‬قال رسول ال ‪: ‬‬

‫ُ‬
‫ك في‬
‫)أريت ِ‬

‫المنام مرتين إذا رجل يحملك في سرقة حرير فيقول هذه امرأتك‬

‫فأكشفها فإذا هي أنت فأقول إن يكن هذا من عند الله يمضه()‪.(618‬‬
‫مَعّلم‪ ‬المتعلم‪ :‬فعن عبد ال بن عمرو بن العاص‬
‫ويداعب ال ُ‬
‫‪‬قال‪ :‬نـزل جبريل‪ ‬إلى النبي ‪ ‬في أحسن صورة لم ينـزل في مثلها‬
‫قط ضاحكًا مستبشرًا فقال‪) :‬السلم عليك يا محمد! قال‪ :‬وعليك السلم‬
‫يا جبريل ‪ .‬قال‪ :‬إن الله بعثني إليك بهدية كنوز العرش أكرمك الله بهن‬
‫قال‪ :‬وما تلك الهدية يا جبريل؟ فقال جبريل؟ قل يا من أظهر الجميل‬
‫…()‪ (619‬الحديث ‪.‬‬

‫‪ ()616‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،1/4‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()617‬صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ‪ ،8/176‬مرجع سابق‪ ،‬صححه ابن حبان‪ ،‬وقال‬
‫شعيب الرناؤوط‪" :‬إسناده ضعيف" ‪.‬‬
‫‪ ()618‬صحيح البخاري ‪ ،5/1953‬مرجع سابق‪ ،‬وفي رواية للبخاري ‪ ،5/1969‬يجئ بك الملك‪،‬‬
‫وفي رواية لبن حبان ‪-‬رحمه الله تعالى‪":-‬جاء بي جبريل"‪ ،‬وذلك كله يؤكد ما قرر سابقا ً من‬
‫حي إليه بقوله )رجل(‪ ،‬أو‬
‫أن جبريل واسطته الوحيدة من الملئكة‪ ،‬وأنه لو كنى عن المو ِ‬
‫)ملك( فقد عنى به جبريل ‪. ‬‬
‫‪ ()619‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،1/729‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪224‬‬

‫ويقعد عند النبي ‪ : ‬فقد روى ابن حبان عن ابن عباس‪: ‬بينما‬
‫جبريل عند النبي ‪ ‬سمع نقيضًا من فوق‪ ،‬فرفع رأسه فقال‪) :‬هذا باب‬

‫من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إل اليوم‪ ،‬فنسزل منه ملك فقال‪ :‬هذا‬
‫ملك نسزل إلى الرض لم ينسزل قط إل اليوم‪ .‬فسلم‪ ،‬وقال‪ :‬أبشر‬
‫بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك‪ :‬فاتحة الكتاب وخواتيم سورة‬
‫البقرة لن تقرأ بحرف منهما إل أعطيته()‪.(620‬‬

‫ف لمقتضيات الوحي كتخلفه عنه لوجود‬
‫ض منا ٍ‬
‫ـ ويتخلف عنه لغر ٍ‬
‫ب)‪. (621‬‬
‫كل ٍ‬

‫وكان لجبريل‪‬‬

‫مكان مميز عرف باسمه )مقاعد‬

‫جبريل(‪:‬‬

‫فعن عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص‬
‫أرسل أزواج النبي ‪ ‬أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه‪ ،‬ففعلوا‬
‫فوقف به على حجرهن يصلين عليه‪ ،‬ثم أخرج به من باب الجنائز الذي كان‬
‫إلى المقاعد…الحديث)‪ ،(622‬وورد التصريح بالسم في حديث أنس ابن‬
‫مالك‪ ‬قال‪:‬صلى رسول ال ‪ ‬يومًا الظهر بالمدينة ثم أتى المقاعد التي‬
‫كان يأتيه عليها جبريل فقعد عليها‪ ‬فجاء بلل فنادى بالعصر)‪ ،(623‬وعن‬
‫حارثة ابن النعمان ‪ ‬قال‪ :‬مررت على رسول ال ‪ ‬جبريل‪ ‬جالس‬
‫في المقاعد فسلمت عليه ثم أجزت‪ ،‬فلما رجعت وانصرف النبي ‪ ‬قال‪:‬‬
‫)هل رأيت الذي كان معي؟(‪ .‬قلت‪ :‬نعم قال‪):‬فإنه جبريل وقد رد عليك‬
‫السلم()‪.(624‬‬
‫ومن ذا العرض ُيْفَهُم سر نعي فاطمة‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬أباها إلى‬
‫جبريل‪ ‬دون غيره من الملئكة وسائر الخلق‪:‬‬
‫س ‪‬قال‪ :‬لما ثقل النبي ‪ ‬جعل يتغشاه‪ ،‬فقالت‪ :‬فاطمة –‬
‫فعن أن ٍ‬
‫رضي ال تعالى عنها‪ -‬واكرب أبتاه!‪ ،‬فقال لها‪) :‬ليس على أبيك كرب بعد‬
‫‪ ()620‬وفي صحيح ابن حبان ‪ ،3/57‬مرجع سابق‪ ،‬وقوله‪) :‬أبشر بسورتين(‪ :‬دا ٌ‬
‫ل على إطلق‬
‫السورة على ما دونها ‪.‬‬
‫‪ ()621‬انظر‪ :‬المبحث الثالث من الفصل الثاني ‪.‬‬
‫‪ ()622‬صحيح مسلم ‪ ،2/668‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()623‬صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ‪ ،14/481‬مرجع سابق‪ ،‬وقال شعيب الرناؤوط‪" :‬إسناده‬
‫صحيح على شرط مسلم" ‪.‬‬
‫ح أنه ما قال‪ :‬معه جبريل إل‬
‫‪ ( )624‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،5/433‬مرجع سابق‪ ،‬وواض ٌ‬
‫بعد أن أعلمه النبي ‪.‬‬

‫‪225‬‬

‫اليوم(‪ ،‬فلما مات‪ ،‬قالت‪) :‬يا أبتاه! أجاب ربًا دعاه‪ ،‬يا أبتاه! من جنة‬
‫الفردوس مأواه‪ ،‬يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه(‪ ،‬فلما دفن قالت فاطمة –رضي ال‬
‫تعالى عنها‪) :-‬يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول ال ‪ ‬التراب؟(‬
‫)‪. (625‬‬
‫ل!… ‪-‬يا ابنت رسول الله!لم تطب…وإنما نعته إلسسى‬
‫معَّلمسسه وصسساحبه‪ ،‬وخليلسسه‪ ،‬ووزيسسره…فسسإليه‬
‫جبريل ‪ ‬لنسسه ُ‬
‫ُينعى…وأما الله –جل ذكسسره‪ -‬فقسسدر مسسوته‪ ،‬وإليسسه المرجسسع‬
‫والمآب ‪.‬‬

‫المطلب الثالث‪:‬التعاهد والستدراك‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬التعاهد‪ :‬من حيث ارتباطه بموضوع البحث‪ ،‬فإن نماذجه تنقسم‬
‫ص‪:‬‬
‫إلى قسمين‪ :‬عاٍم وخا ٍ‬
‫‪ -1‬التعاهد العام‪ ،‬وهو من حيث كون جبريل ‪‬شيخ الرسول‪‬‬
‫ومعلمه‪:‬‬
‫يصل تعاهد جبريل‪ ‬للنبي ‪ ‬حد المواساة والتثبيت له في‬
‫شخصه‪ ،‬فكيف في أصل رسالته؟ فعن أنس بن مالك ‪‬قال‪ :‬جاء جبريل‬
‫س‪ ،‬قد ضربه بعض أهل مكة‪،‬‬
‫ن جال ٌ‬
‫‪ ‬إلى النبي ‪ ‬ذات يوم وهو حزي ٌ‬
‫فقال‪) :‬فعل بي هؤلء وفعلوا( قال‪ :‬تحب أن أرَيك آيًة؟ فنظر إلى شجرٍة‬
‫من وراء الوادي‪ ،‬فقال‪ :‬ادع تلك الشجرة ‪ .‬فدعاها‪ .‬فجاءت تمشي حتى‬
‫قامت بين يديه فقال لها‪ :‬ارجعي ‪ .‬فرجعت حتى عادت إلى مكانها فقال‬
‫النبي‪ ‬حسبي()‪.(626‬‬
‫بل يبلغ أن يسمع من المور الغيبية مما ل يترتب عليه كبير أمٍر‬
‫عند عامة المة‪ ،‬عن أبي سعيد الخدري‪ ‬قال‪ :‬سمع رسول ال ‪ ‬صوتًا‬
‫هاله‪ ،‬فأتاه جبريل‪ ،‬فقال رسول ال ‪) : ‬ما هذا الصوت يا جبريل؟‬

‫فقال‪ :‬هذه صخرة هوت من شفير جهنم من سبعين عامًا‪ ،‬فهذا حين‬
‫سمعك صوتها فما رؤي رسول الله ‪ ‬بعد‬
‫بلغت قعرها فأحب الله أن ي ُ ْ‬
‫‪627‬‬
‫ذلك اليوم ضاحكا ً ملء فيه حتى قبضه الله() (‪.‬‬
‫‪ ()625‬صحيح البخاري ‪ ،4/1619‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()626‬مسند أبي يعلى ‪ ،6/358‬مرجع سابق‪ ،‬وقال المحقق‪" :‬إسناده على شرط مسلم"‪ ،‬وأخرجه ابن‬
‫ماجة ‪ ،2/1336‬مرجع سابق‪ ،‬وصححه اللباني ‪.‬‬
‫‪ ()627‬المعجم الوسط ‪ ،1/248‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪226‬‬

‫ي… فكيسف تسرى الهتمسام كائنسا ً فسي‬
‫فهذا لمسرٍ غيسب ٍ‬
‫أصل أصول الشرع السلمي؟ بسسل فسسي أصسسل معنسساه وهسسو‬
‫اللفظ‪ ،‬مع شدة انتشاره‪ ،‬وعظيم احتياج الناس إليه ‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬التعاهد من حيث حفظه من الخطار الغيبية‪ :‬فعن خالد‬
‫بن الوليد ‪ ‬أنه شكى إلى رسول ال ‪ ‬فقال‪ :‬إني أجد فزعًا بالليل فقال‪:‬‬
‫)أل أعلمك كلمات علمنيهن جبريل‪ ‬وزعم أن عفريتا ً من الجن يكيدني‪ :‬أعوذ‬
‫بكلمات الله التامات التي ل يجاوزهن بر‪ ،‬ول فاجر‪ ،‬من شر ما ينسزل من‬
‫السماء‪ ،‬وما يعرج فيها‪ ،‬ومن شر ما ذرأ في الرض‪ ،‬وما يخرج منها‪ ،‬ومن شر‬
‫فتن الليل وفتن النهار‪ ،‬ومن شر طوارق الليل والنهار‪ ،‬إل طارقا ً يطرق بخير‬
‫يا رحمن()‪. (628‬‬

‫‪ -2‬التعاهد الخاص‪ ،‬وهو من حيث استكمال متعلقات القرآن الكريم ‪-‬لفظًا‬
‫التتميمية‪ :‬فلئن تمثلت متعلقاته الضرورية والحاجية في إنـزاله‪ ،‬وإقرائه‬‫على الهيئة التي أمر ال‪ ،‬والمراجعة الدورية له خلل فترة النـزال‬
‫لتثبيت اللفظ‪ ،‬وتقويم هييئة أدائه‪ ،‬وغير ذلك…فقد تمثلت متعلقاته التتميمية‬
‫في عدة مظاهر‪ ،‬منها‪:‬‬
‫إعداد مراجع القراء‪ :‬في عهد النبي ‪ ‬وبعده؛ إذ بلغ الحفظ اللهي‬
‫للقرآن الكريم أن تعاهد جبريل‪ ‬مراجَع القراء من الصحابة الكرام‪،‬‬
‫والمراد من متصدريهم في هذا الباب‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬
‫‪ ‬إعداد أبي بن كعب ‪:‬كما جاء في البخاري عن أنس بن مالك ‪‬قال‬
‫ن‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫النبي ‪ ‬لبي‪) :‬إن الله أمرني أن أقرأ عليك ‪‬ل َ ْ‬
‫م ي َك ُ ِ‬
‫كَ َ‬
‫ب ‪ ‬قال‪ :‬وسماني؟ قال‪) :‬نعم!( فبكى‪ ،‬وفي‬
‫ن أَ ْ‬
‫فُروا ِ‬
‫م ْ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫ه ِ‬
‫لفظ له‪) :‬أن أقرئك القرآن(‪ ،‬قال‪ :‬آل سماني لك؟‪ .‬قال‪) :‬نعم!( قال‪ :‬وقد‬
‫ت عند رب العالمين؟)‪ ،(629‬والتصريح باسم جبريل‪ ‬عند أحمد عن‬
‫ُذِكْر ُ‬
‫ن‪ ‬قال جبريل ‪) :‬يا‬
‫أبي حبة البدري‪ ‬قال‪ :‬لما نـزلت ‪‬ل َ ْ‬
‫م ي َك ُ ِ‬
‫محمد إن ربك يأمرك أن تقرئ هذه السورة أبي بن كعب( فقال النبي ‪: ‬‬
‫)يا ُأبي إن ربي عز وجل أمرني أن أقرئك هذه السورة( فبكى‪ ،‬وقال‪ :‬ذكرت‬
‫ثمة؟ قال‪) :‬نعم!()‪ ،(630‬واتخذ هذا المر طابع العموم لكل القرآن‪ :‬فعند‬
‫‪ ()628‬المعجم الكبير ‪ ،4/114‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()629‬أخرجه البخاري ‪ ،3/1385‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()630‬أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده ‪ ،3/489‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪227‬‬

‫)إن الله تبارك وتعالى‬

‫أحمد عن أبي بن كعب ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪: ‬‬
‫أمرني أن أعرض القرآن عليك( قال‪ :‬وسماني لك ربي تبارك وتعالى؟ قال‪:‬‬
‫)نعم!( الحديث)‪. (631‬‬
‫وصار هذا السناد مشتهرًا‪ ،‬فعن عبيد بن ميمون التبان المقرىء‬
‫قال‪ :‬قال لي هارون بن المسيب‪ :‬بقراءة من تقرأ؟ فقلت‪ :‬بقراءة نافع ‪ .‬قال‪:‬‬
‫فعلى من قرأ نافع؟ فقلت‪ :‬خبرنا نافع أنه قرأ على العرج عبد الرحمن بن‬
‫هرمز‪ ،‬وأن العرج قال‪ :‬قرأت على أبى هريرة‪ ،‬وقال أبو هريرة‪ :‬قرأت‬
‫على ُأبي ابن كعب‪ ،‬وقال أبي‪ :‬عرضت على النبي ‪ ‬القرآن فقال‪:‬‬
‫)أمرني جبريل أن أعرض عليك القرآن()‪. (632‬‬
‫‪‬إعداد ابن عباس‪ :‬فعند أبي نعيم عن عبد ال بن بريدة ‪ ‬عن ابن‬
‫عباس ‪ ‬قال‪ :‬انتهيت إلى رسول ال ‪ ‬وعنده جبريل ‪ ، ‬فقال له‬
‫ن حبر هذه المة فاستوص به خيرا ً()‪. (633‬‬
‫جبريل‪) : ‬إنه كائ ٌ‬
‫وهذان النموذجان يدلن دللٌة واضحٌة على خلفية انتخاب النبي ‪‬‬
‫لعدٍد من أصحابه ليكونوا مراجع للقراء ‪.‬‬
‫‪634‬‬
‫ومن ذلك حديث )خذوا القرآن من أربعة …() (‪،‬‬
‫وحديث )من أحب أن يقرأ القرآن …()‪. (635‬‬
‫ثانيًا‪ :‬متابعة الستدراك‪ :‬إذ كان الرسول تحت سمع ال ‪‬‬
‫وبصره حافظًا له‪ ،‬ومعينًا ومؤيدًا‪ ،‬فأول أشكال الحفظ‪ :‬حفظه‪ ‬من الخطأ‬
‫في الفروع َبْلَه الصول‪ ،‬وُمَعّلُم رسول ال جبريل‪ ‬يتابعه في صغائر‬
‫‪ ()631‬أخرجه أحمد ‪ ،3/490‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()632‬المعجم الوسط ‪ ،2/88‬مرجع سابق ‪..‬وفيه فوائد‪:‬‬
‫أولها‪ :‬عدم إرادة التحديد عند ذكر السناد‪ ،‬إذ قد بات من المعلوم أن نافعًا قرأ على سبعين من‬
‫التابعين‪ ،‬على أن قراءته هي قراءة المدنيين‪ ،‬فليس هو مدارها‪ ،‬ول هو مبتدعها‪ ،‬أو منشؤها‪ ،‬إنما‬
‫ُأريد المحافظة على السناد‪ ،‬ثم اشتهرت به ‪.‬‬
‫وثانيها‪ :‬مرجعية القراءة إلى ال‪ ‬المتكلم بالقرآن المجيد‪ ،‬فليس ثم اجتهاد بشري‪ ،‬بل ول غيره في‬
‫نقل ألفاظ القراءة ‪.‬‬
‫وثالثها‪ :‬التأكيد على السناد بين جبريل ‪‬والنبي‪. ‬‬
‫‪ ()633‬تهذيب التهذيب ‪ ،5/244‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()634‬أخرجه البخاري ‪ ،3/1385‬مرجع سابق‪ ،‬مسلم ‪ ،1913 /4‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪()635‬السنن الكبرى للنسائي ‪ ،5/71‬مرجع سابق‪ ،‬سنن ابن ماجه ‪ ،1/49‬مرجع سابق‪ ،‬صحيح‬
‫ابن حبان ‪ ،543 /15‬مرجع سابق‪ ،‬مستدرك الحاكم ‪ ،2/247‬مرجع سابق‪ ،‬مسند أحمد‬
‫‪ ،4/278‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪228‬‬

‫أموره ودقائقها‪ ،‬فكيف جلئلها؟ فاستدراكه عليه بعد الخبار‪ ،‬كإخباره‬
‫س‪-‬خاصًة بالنبي‪،‬‬
‫بالوحي ابتداء‪ ،‬وقد كانت هذه المتابعة –من حيث النا ُ‬
‫وعامًة للمة‪- ،‬ومن حيث المر الشرعي المتاَبع عليه‪-‬خاصًة في ألفاظ‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬وعامًة في سائر أمور الشرع‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخاصة من حيث المستدَرك عليهم‪:‬‬
‫فمن ذلك‪ :‬ما أنـزله ال على نبيه‪ ‬استدراكًا له على مجانبة‬
‫الصواب الشرعي في المسائل الحربية )أسرى بدر نموذجًا()‪ ،(636‬والمسائل‬
‫الدعوية )قصة ابن أم مكتوم نموذجًا()‪ ،(637‬والمسائل السياسية )العفو عن‬
‫المنافقين في عام العسرة نموذجًا()‪ ،(638‬ومسائل الفقه العملي )الصلة على‬
‫جا()‪ ،(639‬ولكن منهج البحث يرمي إلى ما فيه التصريح بوجود‬
‫المنافق نموذ ً‬
‫جبريل‪ ‬ونـزوله بالوحي‪ ،‬فلُتذكر نماذج من ذلك‪:‬‬
‫‪ – 1‬استدراك جبريل‪ ‬في الدللة على ليلة القدر‪ :‬فعن أبي سلمة قال‪:‬‬
‫انطلقت إلى أبي سعيد الخدري ‪ ‬فقلت‪ :‬أل تخرج بنا إلى النخل نتحدث؟‬
‫فخرج‪ ،‬فقال‪ :‬قلت‪ :‬حدثني ما سمعت من النبي ‪ ‬في ليلة القدر قال‪:‬‬
‫اعتكف رسول ال ‪ ‬عشر الول من رمضان واعتكفنا معه‪ ،‬فأتاه جبريل‬
‫فقال‪ :‬إن الذي تطلب أمامك‪ ،‬فاعتكف العشر الوسط فاعتكفنا معه‪ ،‬فأتاه‬
‫جبريل فقال‪ :‬إن الذي تطلب أمامك قام النبي ‪ ‬خطيبًا صبيحة عشرين من‬
‫رمضان فقال‪) :‬من كان اعتكف مع النبي ‪ ‬فليرجع فإني أريت ليلة القدر‪،‬‬
‫وإني نسيتها وإنها في العشر الواخر في وتر‪ ،‬وإني رأيت كأني أسجد في‬
‫طيٍن وماٍء(‪ ،‬وكان سقف المسجد جريد النخل‪ ،‬وما نرى في السماء شيئًا‪،‬‬

‫طْرنا‪ ،‬فصلى بنا النبي ‪ ‬حتى رأيت أثر الطين والماء‬
‫فجاءت قزعٌة‪ ،‬فُأْم ِ‬
‫‪640‬‬
‫على جبهة رسول ال‪ ‬وأرنبته تصديق رؤياه) (‪.‬‬

‫‪ ()636‬انظر تفصيلها في صحيح مسلم ‪ ،3/1383‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()637‬انظر تفصيلها في‪ :‬سنن الترمذي ‪ ،5/432‬مرجع سابق‪ ،‬وقال الترمذي‪" :‬حديث‬
‫غريب"‪ ،‬قال اللباني‪" :‬صحيح السناد" ‪.‬‬
‫َ‬
‫عن ْ َ‬
‫ع َ‬
‫م…‪" ‬التوبة ‪. "43/‬‬
‫ه َ‬
‫‪ ()638‬انظر‪ :‬سورة التوبة‪ :‬عند قوله‪َ : ‬‬
‫م أِذن ْ َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ك لِ َ‬
‫فا الل ّ ُ‬
‫‪ ()639‬انظر‪ :‬صحيح البخاري ‪ ،1/459‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()640‬صحيح البخاري ‪ ،1/280‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪229‬‬

‫‪ - 2‬استدراك جبريل ‪ ‬في هيئة الكل‪ :‬فقد كان رسول ال ‪ ‬يأكل‬
‫متكئًا‪ ،‬فنـزل عليه جبريل ‪ ‬فقال‪ :‬انظروا إلى هذا العبد كيف يأكل متكئًا!‬
‫فجلس رسول ال ‪ ،(641)‬وعند البخاري‪) :‬ل آكل متكئا ً()‪. (642‬‬
‫‪ - 3‬استدراك جبريل‪ ‬في الفتاء‪ :‬فعن أبي قتادة ‪ ‬أنه سمعه يحدث‬
‫عن رسول ال‪ :‬أنه قام فيهم‪ ،‬فذكر لهم أن الجهاد في سبيل ال واليمان بال‬
‫أفضل العمال‪ ،‬فقام رجل فقال‪ :‬يا رسول ال! أرأيت إن قتلت في سبيل ال‬
‫ر عني خطاياي! فقال له رسول ال‪) :‬نعم! إن قتلت في سبيل الله‬
‫ُتَكّف ُ‬
‫ب مقب ٌ‬
‫ل غيَر مدبٍر( ثم قال رسول ال‪) :‬كيف قلت؟(‬
‫وأنت صابٌر محتس ٌ‬
‫قال‪ :‬أرأيت إن قتلت في سبيل ال أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول ال‪:‬‬
‫ب مقب ٌ‬
‫ل غيَر مدبرٍ إل الدين فإن جبريل‪ ‬قال‬
‫)نعم! وأنت صابٌر محتس ٌ‬
‫لي ذلك()‪. (643‬‬
‫‪ - 4‬استدراك جبريل ‪‬في اللباس‪ :‬فعن جابر بن عبد ال ‪‬يقول‪ :‬لبس‬
‫ي له‪ ،‬ثم أوشك أن نـزعه‪ ،‬فأرسل به إلى‬
‫ج ُأهِد َ‬
‫النبي ‪ ‬يومًا ِقباًء من ديبا ٍ‬
‫عمر بن الخطاب فقيل‪ :‬له قد أوشك ما نـزعته يا رسول ال! فقال‪) :‬نهاني‬
‫عنه جبريل( فجاءه عمر يبكي‪ ...‬الحديث)‪. (644‬‬
‫‪ -5‬استدراك جبريل ‪ ‬في الفروع‪ :‬وذلك إن لم تستدرك عليه‪ ‬المة‬
‫بعد أن يكون قد أبلغها‪:‬‬
‫فعن أبي سعيد الخدري‪ ‬قال‪ :‬بينما رسول ال ‪ ‬يصلي بأصحابه‬
‫إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره‪ ،‬فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم‪ ،‬فلما‬
‫قضى رسول ال‪ ‬صلته قال‪) :‬ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟( قالوا‪:‬‬
‫‪) ()641‬الطحاوي( أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلمة بن عبد الملك بن سلمة ت ‪321‬هس‪:‬‬
‫شرح معاني الثار ‪ ،4/275‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()642‬صحيح البخاري ‪ ،2062 /5‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()643‬صحيح مسلم ‪ ،3/1501‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()644‬صحيح مسلم ‪ ،3/1644‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪230‬‬

‫رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا‪ .‬فقال رسول ال ‪:‬‬

‫)إن جبريل‬

‫‪‬أتاني‬

‫فأخبرني أن فيهما قذرا وقال إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى‬

‫في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما()‪ ،(645‬وعن خلد بن السائب‬
‫النصاري‪ ‬عن أبيه أن رسول ال ‪ ‬قال‪) :‬أتاني جبريل ‪‬فأمرني أن‬
‫آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالهلل( أو قال )بالتلبية( يريد‬
‫أحدهما)‪.(646‬‬
‫‪ -6‬استدراك جبريل ‪‬لتكرار العمل الفرعي فكيف القرآن فعن عائشة‬
‫رضي ال تعالى عنها‪ -‬عن النبي ‪‬قال‪) :‬ما زال يوصيني جبريل بالجار حتى‬‫‪647‬‬
‫ظننت أنه سيورثه() (‪ ،‬وعن أبي أمامة ‪‬أن رسول ال ‪‬قال‪) :‬ما‬
‫جاءني جبريل ‪‬قط إل أمرني بالسواك لقد خشيت أن أحفى مقدم في(‬
‫)‪.(648‬‬
‫‪ - 7‬استدراك جبريل ‪‬في هيئة الوعظ‪:‬أبا هريرة ‪‬يقول‪ :‬مر رسول‬
‫ط من أصحابه وهم يضحكون‪ ،‬فقال‪) :‬لو تعلمون ما أعلم‬
‫ال ‪ ‬على ره ٍ‬
‫لضحكتم قليل ً ولبكيتم كثيرا ً(‪ ،‬فأتاه جبريل فقال‪) :‬إن الله يقول لك لم تقنط‬
‫عبادي؟( –قال‪ -‬فرجع إليهم‪ ،‬فقال‪) :‬سددوا وقاربوا وأبشروا()‪. (649‬‬
‫ب ‪ -‬العامة من حيث المستدَرك عليهم‪:‬‬
‫والمراد المتابعة والستدراك على الخطاء التي تقع فيها أمته‪ :‬فعن‬
‫ل من الصحابة ينظرون في القدر‬
‫ثوبان ‪‬قال‪ :‬اجتمع أربعون رج ً‬
‫والجبر‪ ،‬فيهم أبو بكر وعمر فنـزل الروح المين جبريل ‪‬فقال‪) :‬يا‬
‫‪ ()645‬سنن أبي داود ‪ ،1/175‬مرجع سابق‪ ،‬قال الشيخ اللباني‪" :‬صحيح" ‪.‬‬

‫‪ ()646‬سنن أبي داود ‪ ،2/162‬مرجع سابق‪ ،‬وأصله في صحيح البخاري‪ ،‬وقال اللباني‪" :‬صحيح"‪.‬‬
‫‪ ()647‬صحيح البخاري ‪ ،5/2239‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()648‬مسند المام أحمد بن حنبل ‪ ،263 /5‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()649‬صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ‪ ،1/319‬مرجع سابق‪ ،‬قال الشيخ شعيب الرناؤوط‪:‬‬
‫"إسناده صحيح على شرط مسلم"‪ ،‬وقال ابن حبان ‪-‬رحمه ال تعالى‪)" :-‬سددوا(يريد به‪ :‬كونوا‬
‫مسددين‪ ،‬والتسديد‪ :‬لزوم طريقة النبي ‪ ‬واتباع سنته‪ ،‬وقوله )وقاربوا( يريد به ل تحملوا على‬
‫النفس من التشديد ما ل تطيقون‪) ،‬وأبشروا(‪ ،‬فإن لكم الجنة إذا لزمتم طريقتي في التسديد‪ ،‬وقاربتم‬
‫في العمال"‪.‬‬

‫‪231‬‬

‫محمد! أخرج على أمتك فقد أحدثوا( ‪ .‬فخرج عليهم في ساعٍة لم يكن يخرج‬
‫عليهم فيها‪ ،‬فأنكروا ذلك منه‪ ،‬وخرج عليهم ملتمعًا لونه متوردًة وجنتاه‬
‫كأنما تفقأ بحب الرمان الحامض‪ ،‬فنهضوا إلى رسول ال ‪‬حاسرين‬
‫أذرعهم ترعد أكفهم وأذرعهم فقالوا‪ :‬تبنا إلى ال ورسوله‪ .‬فقال‪) :‬أولى لكم‪،‬‬
‫إن كدتم لتوجبون‪ ،‬أتاني الروح المين فقال أخرج على أمتك يا محمد فقد‬
‫أحدثت()‪. (650‬‬

‫بل يتولى جبريل‪ ‬تصويب المسلمين وتسديدهم أحيانًا‪ ،‬نحو ما‬
‫قالت عائشة‪ :‬فسمعت رسول ال ‪‬يقول لحسان‪) :‬إن روح القدس ل يزال‬
‫يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله()‪.(651‬‬
‫ج ‪ -‬الخاصة من حيث المر الشرعي‪ :‬وهو متابعة ألفاظ القرآن الكريم‪،‬‬
‫فقد تجلى في المعارضة السنوية‪ ،‬وهو أنموذجه البارز‪ ،‬وتقدم)‪. (652‬‬
‫د ‪ -‬العامة من حيث المر الشرعي‪ :‬فكما سلف ‪.‬‬
‫جِمَع ما ُذِكَر هاهنا إلى ما ذكر في التصال المطلق لجبريل‪‬‬
‫فإن ُ‬
‫‪،‬‬
‫ضع في المسلمات أن الغاية من ذلك كله تلقي كلم ال‬
‫بالنبي ‪َ ،‬وُو ِ‬
‫ت أن كلم ال‪ ‬أعلى من أن يتطرق‬
‫والمحافظة عليه وتبليغه للمة‪ ،‬علم َ‬
‫إليه قول البشر‪ ،‬واجتهاد البشر‪ ،‬ولذا تفرد رب البشر‪ ‬بالمحافظة عليه‪،‬‬
‫فيثبت في الذهن بذا كِله أن الداء للفظ القرآني ل يتطرق إليه اجتهاٌد‬
‫بشري‪ ،‬وإل فما فائدة هذه المتابعة الدقيقة الهائلة؟‪ ،‬ويحصل اليقين باستحالة‬
‫تطرق الوهم‪ ،‬أو الضياع‪ ،‬أو التضييع لكلم ال العظيم‪ ،‬فأين متابعٌة كهذه‬
‫جِمَع إلى هذا ما هو مسلم من المتابعة الربانية وأنه كما قال‬
‫المتابعة؟! فإن ُ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫ربه عنه‪َ …‬‬
‫عي ُن َِنا…‪" ‬الطور‪ … "48/‬فل يكون للخطأ مدخ ٌ‬
‫ل‬
‫ك ب ِأ َ ْ‬
‫لدائه‪ ‬لكلم ربه‪. ‬‬
‫وقد كان جبريل‪ ‬يأمر رسول ال ‪ ‬ببعض الهيئات الجانبية‬
‫ل‪ ،‬ول أداء‪ ،‬فيحافظ عليها…‬
‫التي ل تعلق لها بالقراءة ل وضعًا‪ ،‬ول مح ً‬
‫‪ ()650‬المعجم الكبير ‪ ،2/95‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()651‬صحيح مسلم ‪ ،4/1936‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()652‬انظر‪ :‬المبحث التاسع من الفصل الثالث ص ‪. 177‬‬

‫‪232‬‬

‫فكيف ما له تعلق بها؟‪ ،‬ومن ذلك ما اشتهر في علم المصطلح بالحاديث‬
‫المسلسلة بالفعال المختلفة ‪.‬‬
‫ي المة وسيدها‪… -‬نراك هائمين‬
‫ومن بعيٍد نراك –يا نب َ‬
‫محبين…ليس الهيام بك وجبريل لشخصيكما فحسب –وإن كان ذلك الهيام‬
‫هو الشرف الرفع‪ ،-‬ول الحب لصحبتكما –وإن كان ذلك الحب هو السنى‬
‫العلى‪… -‬إنما الهيام والحب –مع ذلك‪-‬لتصال أهل الرض بخبر‬
‫السماء…فيا لوعتاه على انقطاعه –وإن كان الرؤوف الرحيم لم يتركنا‬
‫بعدكما عالة‪… -‬فعن أنس‪ ‬قال‪ :‬قال أبو بكر ‪–‬بعد وفاة رسول ال‬
‫‪ -‬لعمر‪ :‬انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها‪ ،‬كما كان رسول ال ‪‬‬
‫يزورها‪ ،‬فلما انتهينا إليها بكت ‪ .‬فقال لها‪ :‬ما يبكيك؟! ما عند ال خيٌر‬
‫لرسوله‪ .‬قالت‪ :‬ما أبكي أن ل أكون أعلم أن ما عند ال خيٌر لرسوله‬
‫‪ ،‬ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء…فهيجتهما على البكاء‪،‬‬
‫فجعل يبكيان معها)‪. (653‬‬
‫أرقت فبات ليـلي ل يـزو ُ‬
‫ل…‪..‬وليل أخي‬
‫المصيبة فيه طـو ُ‬
‫ل‬
‫وأسعدني البكساء‪ ،‬وذاك فيما…‪..‬أصيسب‬
‫المسلمون به قليسس ُ‬
‫ل‬
‫ض الرسـو ُ‬
‫ل‬
‫فقد عظمت مصيبته‪ ،‬وجلـت…‪..‬عشية قيل قد ُقِب َ‬
‫ح أرضنـا مما عراهـا…… تكـاد بنـا جوانُبها تميـ ُ‬
‫ل‬
‫وتصبـ ُ‬
‫فقدنا الوحي والتنـزيـل فينا…‪ ....‬يروح به ويغدو جبرئيــ ُ‬
‫ل‬

‫‪ ( )653‬مسلم ‪،1907 /4‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪233‬‬

‫لمبحث الرابع‪:‬‬

‫التو قيفية في غير أداء القرآن‪:‬‬
‫يرمي هذا المبحث إلى ذكر نماذج من التوقيفية اللهية في غير أداء‬
‫ل له في أقل‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬مما هو أقل شأنًا من أداء اللفظ القرآني‪ ،‬أو مماث ٍ‬
‫الحوال؛ وذلك تأييدًا للتوقيفية في أداء اللفظ‪:‬‬
‫واشتد حرص البحث هاهنا على ما سبق من‬
‫منهج البحث من أنه ل يورد إل ما فيه ِذك ٌْر‬
‫لجبريل ‪ ‬بجامع أن كل ً من المرين )أداء اللفظ‬
‫القرآني‪ ،‬وغيره من أمور الدين( معلمه هو‬
‫جبريل ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬التوقيفية في تفسير آي القرآن‪ :‬ومع‬
‫ل‪ ،‬وفع ً‬
‫أن حياته كلها قو ً‬
‫ل‪ ،‬وهيئة تفسيرٍ للقرآن‪ ،‬إل أن‬
‫ذلك كله بإلهام من الله وتوفيق‪ ،‬وتوقيف إل فيما ندر مما‬
‫يتبعه الوحي استدرا ً‬
‫دا )‪…(654‬وعلى الرغم من‬
‫كا‪ ،‬أو تأيي ً‬
‫م من جبريل‬
‫هذا كله؛ فإن تأويله للقرآن لم يكن إل تعلي ٌ‬
‫‪‬له فعن عائشة –رضي الله تعالى عنها– )أن النبي‪ ‬كان ل‬
‫يفسر شيئا ً من القرآن برأيه‪ ،‬إل آيا ً بعدد علمهن إياه‬
‫جبريل()‪.(655‬‬
‫‪ ()654‬وقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص ‪‬للرسول ‪: ‬أكتب عنك ما سمعت ؟‪ ،‬قال‪:‬‬
‫)نعم !(‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬في الغضب والرضى ؟ قال‪) :‬نعم !فإنه ل ينبغي لي أن أقول في ذلك‬
‫إل حقا ً(‪ ،‬انظر‪ :‬صحيح ابن خزيمة ‪ ،26 /4‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪ ()655‬مسند أبي يعلى ‪ ،8/23‬مرجع سابق‪ ،‬وقال محقق الكتاب سليم حسين أسد‪" :‬إسناده ضعيف"‪.‬‬

‫‪234‬‬

‫ل من حديث جابر‬
‫ل‪ ،‬وابن مردويه موصو ً‬
‫وروى الطبري مرس ً‬
‫‪"‬العراف‪/‬‬
‫جاِهِلي َ‬
‫ن‬
‫ن اْل َ‬
‫عِ‬
‫ض َ‬
‫عِر ْ‬
‫ف َوَأ ْ‬
‫خِذ اْلَعْفَو َوْأُمْر ِباْلُعْر ِ‬
‫‪:‬لما نـزلت‪ُ ‬‬
‫‪ "199‬سأل جبريل‪‬فقال‪) :‬ل أعلم حتى أسأله( ثم رجع‪ ،‬فقال‪) :‬إن ربك‬
‫يأمرك أن تصل من قطعك‪ ،‬وتعطى من حرمك‪ ،‬وتعفو عمن ظلمك()‪.(656‬‬
‫فإن كان ذا فــي التفســير‪ ،‬فكيــف يكــون المــر‬
‫في ما يتوقف عليه التفسير وهــو تلقــي اللفــظ‬
‫الذي ُيراد تفسيره؟‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬التوقيفية في الدعاء‪ :‬بل تعدى المر ذلك إلى التوقيفية في‬
‫طريقة‬
‫الدعاء‪ ،‬فعن كعب بن عجرة‪ ‬قال‪ :‬قال رسول ال‪ ‬احضروا المنبر(‪،‬‬
‫فحضرنا‪ ،‬فلما ارتقى درجة‪ ،‬قال‪) :‬آمين(‪ ،‬فلما ارتقى الدرجة الثانية قال‪:‬‬
‫)آمين(‪ ،‬فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال‪) :‬آمين(‪ ،‬فلما نـزل قلنا‪ :‬يا رسول‬
‫ال! لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنا نسمعه‪ ،‬قال‪) :‬إن جبريل عرض لي‬
‫فقال‪ :‬بعدا ً لمن أدرك رمضان فلم يغفر له‪ ،‬قل‪ :‬آمين‪ ،‬قلت‪ :‬آمين‪ ،‬فلما‬
‫رقيت الثانية قال‪ :‬بعدا ً لمن ذكرت عنده فلم يصل عليك‪ ،‬قل‪ :‬آمين‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫آمين‪ ،‬فلما رقيت الثالثة قال‪ :‬بعدا ً لمن أدرك أبواه الكبر عنده أو أحدهما فلم‬

‫يدخله الجنة‪ ،‬قل‪ :‬آمين‪ ،‬قلت‪ :‬آمين()‪.(657‬‬
‫ثالثًا‪ :‬التوقيفية في المسائل العملية الفرعية‪… :‬فعن الحارث بن عبد ال‬
‫‪ ‬أخبره أن رسول ال ‪ ‬سئل عن ميراث العمة والخالة فسكت‪ ،‬فنـزل‬
‫عليه جبريل ‪ ‬فقال‪) :‬حدثني جبريل أن ل ميراث لهما()‪.(658‬‬
‫‪ ()656‬فتح الباري ‪ 8/306‬و ‪ ،259/ 13‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫ث صحيح السناد‪ ،‬ولم‬
‫‪()657‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،4/170‬مرجع سابق‪ ،‬وقال‪" :‬هذا حدي ٌ‬
‫يخرجاه" ‪.‬‬
‫‪ ()658‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،4/381‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪235‬‬

‫وعن أبي هريرة ‪‬أن النبي ‪ ‬قال‪:‬‬
‫محمد! إذا توضأت فانتضح()‪. (659‬‬
‫وعن ابن عباس ‪‬قال‪ :‬جاء جبريل إلى رسول ال ‪ ‬فذهب به‬
‫ليريه المناسك‪ ،‬فانفرج له ثبير)‪ (660‬فدخل منى‪ ،‬فأراه الجمار‪ ،‬ثم أراه‬
‫ت حتى‬
‫عرفات‪ ،‬فتتبع الشيطان النبي‪ ‬عند الجمرة‪ ،‬فرماه بسبع حصيا ٍ‬
‫ساخ‪ ،‬ثم تبع له في الجمرة الثانية‪ ،‬فرماه بسبع حصيات حتى ساخ‪ ،‬ثم تبع‬
‫له في جمرة العقبة‪ ،‬فرماه بسبع حصيات حتى ساخ‪ ،‬فذهب)‪.(661‬‬
‫بل كان ل يحدث شيئًا يتصل بالدين من تلقاء نفسه‪ ،‬حتى فيما يمكن‬
‫دخوله في النصوص العامة‪ ،‬فعن رافع بن خديج‪ ‬قال‪ :‬كان رسول ال‬
‫‪‬بأخرة إذا اجتمع إليه أصحابه‪ ،‬فأراد أن ينهض قال‪) :‬سبحانك اللهم‬
‫)جاءني جبريل فقال‪ :‬يا‬

‫وبحمدك‪ ،‬أشهد أن ل إله إل أنت‪ ،‬أستغفرك‪ ،‬وأتوب إليك‪ ،‬عملت سوءًا‪،‬‬
‫وظلمت نفسي‪ ،‬فاغفر لي؛ إنه ل يغفر الذنوب إل أنت( –قال‪ -‬فقلنا‪:‬يا رسول‬
‫)أجل! جاءني جبريل‪ ‬فقال‪ :‬يا محمد!‬

‫ت أحدثتهن؟ قال‪:‬‬
‫ال!إن هذه كلما ٍ‬
‫‪662‬‬
‫هن كفارات المجلس() (‪ ،‬فإحداثه لهن ليس أمرًا من عند نفسه كما ظهر ‪.‬‬
‫وكان ‪‬يأبى الجابة على سؤال فرعي حتى يستأمر جبريل‬
‫ل أتى النبي ‪ ‬فقال‪ :‬يا‬
‫‪‬فيه‪ ،‬كما سبق‪ ،‬وعن جبير ابن مطعم ‪‬أن رج ً‬
‫رسول ال! أي البلدان شر؟ فقال‪) :‬ل أدري(‪ ،‬فلما جاءه جبريل ‪‬قال‪) :‬يا‬

‫جبريل! أي البلدان شر؟ قال‪ :‬ل أدري حتى أسأل ربي‪ ،‬فانطلق جبريل‪،‬‬
‫فمكث ما شاء الله‪ ،‬ثم جاء‪ ،‬فقال‪ :‬يا محمد! إنك سألتني أي البلدان شر‪،‬‬
‫‪663‬‬
‫فقلت‪ :‬ل أدري‪ ،‬وإني سألت ربي ‪ :‬أي البلدان شر‪ ،‬فقال‪ :‬أسواقها() (‪.‬‬

‫ي وهو فرع اللفظ‪ ،‬فليكن‬
‫فإن كان يأبى أن يفسر القرآن إل بوح ٍ‬
‫كذلك فيما هو فرع أقرب للفظ من المعنى‪ ،‬وهو أداء ذلك اللفظ ‪.‬‬
‫وإن كان يأبى إحسسداث ذك سرٍ يناسسسب الحسسال‪ ،‬وهسسو‬
‫فسسرع تعقسسل المعنسسى فسسي النصسسوص العامسسة‪ ،‬فكيسسف بفسسرع‬
‫‪ ()659‬الجامع الصحيح سنن الترمذي ‪ ،1/71‬مرجع سابق‪ ،‬وقال الترمذي‪ :‬حديث غريب"‪ ،‬قال‬
‫الشيخ اللباني‪" :‬ضعيف"‪.‬‬
‫‪ ()660‬اسم جبل ‪.‬‬
‫‪ ()661‬صحيح ابن خزيمة ‪ 4/315‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()662‬السنن الكبرى للنسائي ‪ ،6/113‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()663‬مسند أبي يعلى ‪ ،13/400‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪236‬‬

‫ألفاظ هذه النصوص العامة مما ل مجال فيه للعقل‪ ،‬وهسسو‬
‫أداؤها؟‪.‬‬
‫وإن كان ل يحدث شيئًا من تلقاء نفسه في التكليفات الفرعية‪ ،‬فليكن‬
‫المر كذلك في فروع اللفاظ‪ ،‬وجامع كل أنه فرع ‪.‬‬
‫وهذا عند فقدان نصوص توقيفية الداء‪ ،‬فكيف وقد اتسعت هذه‬
‫النصوص حتى شملت الهيئة الشخصية للمتلقي؟)‪. (664‬‬
‫ل لما يجانبه التهويل؛ إذ ليس خطب أداء‬
‫ول يعترض بأن هذا تهوي ٌ‬
‫اللفظ كخطب ما قيس عليه‪ ،‬لنه يجاب بأن أداء اللفظ يحيل المعنى غالبًا‪ ،‬إذ‬
‫ل لمعناها من‬
‫إن إدغام النون في الصاد من )صنوان( لتصير صوان محي ٌ‬
‫س معناها بري‬
‫الصنو إلى غيره‪ ،‬وإبدال الهمز في رئيًا لتصير ريًا ملب ٌ‬
‫الظمآن‪ ،‬بعد أن كانت صريحة في الرؤية‪ ،‬وكلها وجوٌه أدائية كما هو مقرر‬
‫عند علماء القراءات…؟ فل تهويل َثّم‪ ،‬بل هو وضٌع للمور في‬
‫نصابها)‪.(665‬‬

‫‪ ()664‬انظر‪ :‬تحليل حديث المعالجة في المبحث السادس من الفصل الثالث ص ‪. 113‬‬
‫‪ ()665‬وقد ذ ُك َِر في المبحث الثامن من الفصل الثالث ص ‪ 165‬أن أداء اللفظ ينقسم إلى‬
‫ي فالصلي يحيل تغيره المعنى قطعًا‪ ،‬والفرعي قد يحيل المعنى كما‬
‫ي‪ ،‬وفرع ٌ‬
‫قسمين‪ :‬أصل ٌ‬
‫في المثلة المذكورة أعله‪ ،‬وقد ل يحيل كتعاقب الفتح والمالة على الكلمة ‪.‬‬

‫‪237‬‬

‫دددددد دددددد‪:‬‬

‫‪:،،،،، ،، ،،،،،‬‬
‫للهمية البالغة التي نالها حفظ القرآن في الصدر من بين مفردات تلقي‬
‫النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن على جبريل ‪‬؛ فقد لزم إفراد هذا الموضوع‬
‫ل يسبر غوره‪ ،‬ويحلل بعض جوانبه‪ ،‬ولذا انعقد هذا المبحث‬
‫ث مستق ٍ‬
‫بمبح ٍ‬
‫متألفًا من مقدمة وثلثة مطالب‪:‬‬
‫المقدمة‪ :‬الواجبات التي كانت على النبي ‪ ‬بالنظر إلى لفظ‬
‫القرآن ‪.‬‬
‫المطلب الول‪ :‬تأصيل لفظة )الحفظ( ‪.‬‬
‫ضّمنات الحفظ ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬مت َ‬
‫المطلب الثالث‪ :‬هل كان الحفظ واجبًا على النبي ‪‬؟ ‪.‬‬

‫المقدمة‪ :‬الواجبات التي كانت على النبي ‪‬بالنظر إلى لفظ‬
‫القرآن‪ :‬هي كما يلي بناًء على ما سبق‪:‬‬
‫‪ - 1‬سماعه‪ ‬ألفاظ القرآن من جبريل ‪. ‬‬
‫‪ - 2‬قراءته‪ ‬كما قرأه جبريل ‪) ‬لفظًا وأداء( ‪.‬‬
‫‪ - 3‬الحفظ للفظ القرآن الكريم‪.‬‬
‫‪ - 4‬العرض السنوي )أن يعرض هو‪ ‬على جبريل ‪‬ألفاظ‬
‫القرآن(‪.‬‬
‫‪ - 5‬المراجعة )التعاهد( ‪.‬‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ك ِإل ال َْبل ُ‬
‫غ‪" ‬الشورى‪."48/‬‬
‫ن َ‬
‫‪ - 6‬التبليغ‪ :‬كما قال‪‬إ ِ ْ‬
‫‪ - 7‬القراء‪ :‬وهو أخص مطلقًا من التبليغ‪ ،‬ومثاله ما ثبت عن عبد ال‬
‫ابن مسعود ‪‬قال‪ :‬قرأت على رسول ال ‪‬سبعين سورة )‪،(666‬‬
‫وتقدم حديث أبي بن كعب ‪ُ): ‬أمرت أن أقرأ عليك(…‪ ،‬وذلك تطبيقًا‬
‫‪ ()666‬قال الهيثمي في مجمع الزوائد ‪" :2/288‬هو في الصحيح" ‪.‬‬

‫‪238‬‬

‫َ‬
‫ُ‬
‫ذي‬
‫ن أَ ْ‬
‫ب َ‬
‫ة ال ّ ِ‬
‫ه ال ْب َل ْدَ ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫تأ ْ‬
‫عب ُدَ َر ّ‬
‫مْر ُ‬
‫لقول ال‪  ‬إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫ء ُ‬
‫ن أَ ُ‬
‫ل َ‬
‫ه كُ ّ‬
‫ن‬
‫سل ِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫وأ ِ‬
‫كو َ‬
‫تأ ْ‬
‫َ‬
‫مْر ُ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ول َ ُ‬
‫حّر َ‬
‫ي ٍ َ‬
‫ها َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫)‪َ (91‬‬
‫ي إ ِل َي ْ َ‬
‫و ال ْ ُ‬
‫ن‪" ‬النمل‪ ،"91/‬ات ْ ُ‬
‫ك‬
‫ما ُأو ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫وأ ْ‬
‫ل َ‬
‫ن أت ْل ُ َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫م الله…‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫ب ‪"‬العنكبوت ‪َ … ،"45/‬‬
‫ع ك َل َ َ‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬

‫‪" ‬التوبة ‪."6/‬‬
‫وبعض هذه الواجبات قد تقدم تفصيله وذلك الواجب الول‪،‬‬
‫والثاني‪ ،‬والرابع‪ ،‬والخامس‪ ،‬وبعضها ليس من مدار البحث تبيينه‪،‬‬
‫وذلك التبليغ والقراء)‪ …(667‬فليقتصر كلم البحث هنا على الحفظ‪:‬‬

‫المطلب الول‪ :‬تأصيل كلمة )الحفظ(‪:‬‬
‫إن أول أسس نقل القرآن الكريم هو الرواية القرائية التي تعتمد في‬
‫ثبوتها ثم في قبولها على أصلين‪ :‬الحفظ في الصدر )قرآن(‪ ،‬والحفظ في‬
‫السطر )كتاب(…مع أن الثاني تابٌع للول‪ ،‬ل يستقل بذاته بخلف‬
‫الول‪ ،‬ولذا كانت تسمية القرآن بالقرآن أشهر من تسميته بالكتاب ‪.‬‬
‫وهذا الساس في نقل القرآن الكريم هو غاية السس المنهجية‬
‫لتعليم جبريل ‪ ‬النبي ‪ ‬ألفاظ القرآن‪ ،‬ثم أضحى حفظ القرآن في‬
‫الصدر يعد الساس الول قي جواز نقل القرآن الكريم وإقرائه‪ ،‬ولذا‬
‫قال أبو موسى الشعري‪) :‬احفظوا عنا؛ كما حفظنا()‪.(668‬‬
‫وقد ورد لفظ الحفظ صريحًا موصوفًا به إيداع القرآن في الذاكرة‬
‫في حديث أبي الدرداء ‪‬أن النبي ‪‬قال‪) :‬من حفظ عشر آيات من‬
‫أول سورة الكهف عصم من الدجال()‪. (669‬‬
‫‪ ()667‬انظر‪ :‬هيئة قراءة النبي ‪‬على جبريل ‪‬من حيث المر الشرعي والواقع التطبيقي‬
‫المبحث الثامن من الفصل الثالث ص ‪ ،144‬ففيها تفصي ٌ‬
‫ل لما ذ ُك َِر إل الحفظ والتبليغ‪ ،‬فأما‬
‫الحفظ فمحل ذكره هاهنا‪ ،‬وأما التبليغ فليس داخل ً في نطاق البحث‪ ،‬وأما القراء فُأشيَر إليه‬
‫هناك إشارة؛ إذ ليس مدارا ً للبحث ‪.‬‬
‫‪ ()668‬أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ‪ ،1/282‬وصحح محققه إسناده ‪.‬‬
‫‪ ()669‬صحيح مسلم ‪ ،1/555‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪239‬‬

‫وورد موصوفًا به الغاية من عملية تلقي القرآن في حديث ابن‬
‫عباس‪ ‬في نـزول آيات القيامة)‪ ،(670‬وهو معنى الجمع الوارد في‬
‫سورة القيامة؛ إذ تفسيره بالحفظ هو قول جميع المفسرين حقيقًة أو‬
‫حكمًا‪ ،‬واستخدم المسلمون هذه اللفظة فيما يثبت في الذاكرة‪ ،‬فعن عمر‬
‫‪‬قال‪) :‬قام فينا النبي ‪‬مقامًا‪ ،‬فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل‬
‫الجنة منازلهم‪ ،‬وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه‪ ،‬ونسيه من‬
‫نسيه()‪. (671‬‬
‫وقد صار الحفظ يطلق على ذلك‪ ،‬فصار حقيقًة عرفية لدى العلماء‪،‬‬
‫ولذا بوب ابن حبان ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬فقال‪" :‬ذكر استحقاق المامة بالزدياد‬
‫من حفظ القرآن على القوم‪ ،‬وإن كان فيهم من هو أحسب وأشرف‬
‫منه")‪ ،(672‬ثم شاع بعد ذلك حتى صار حقيقةً عرفيًة عند عامة المسلمين‪،‬‬
‫فإن أطلق لفظ )حافظ( أو )حفظ( لم ينصرف لغير حفظ القرآن‪ ،‬وإن ُأريد به‬
‫غير القرآن لم يرد على ألسنة الخاصة والعامة إل مقيدًا‪ ،‬فرسخ بذلك مفهوم‬
‫الحفظ في الصدر عندهم كمرادف للقراءة من الذاكرة في خصوص القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬ولذا دعا الرسول‪ ‬إلى حضهم على القراءة من المصحف التي‬
‫ق عليها مؤخرًا مصطلح )القراءة نظرًا(‪ ،‬فقال‪) :‬من سره أن يحب الله‬
‫ُأطِل َ‬
‫ورسوله؛ فليقرأ في المصحف()‪.(673‬ولعل إطلق الحفظ على القرآن المودع‬
‫في الذاكرة للربط حفظ ال للقرآن بحفظ العبد له‪ ،‬وأن حفظ العبد له بالمفهوم‬
‫السالف الذكر مستقى منه ‪.‬‬
‫ت ربما‬
‫ضّمنا ٍ‬
‫ولجل ما يحتويه مصطلح )حفظ(في هذا الباب من ُمَت َ‬
‫لم يلتفت إليها قوٌم‪ ،‬وربما قلل من شأنها آخرون؛ فقد وجب أن نخوض‬
‫‪ ()670‬انظر‪ :‬حديث المعالجة في المبحث السادس من الفصل الثالث ص ‪. 113‬‬
‫‪ ()671‬رواه البخاري ‪ ،3/1166‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()672‬صحيح ابن حبان ‪ ،5/499‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪) ()673‬أبو نعيم( أحمد بن عبد الله الصبهاني ت ‪ 430‬هس ‪ :‬حلية الولياء وطبقات الصفياء ‪/7‬‬
‫‪1405 ،209‬هس‪ ،‬دار الكتاب العربي ‪ -‬بيروت‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الجامع الصغير‬
‫‪ ،2/234‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪240‬‬

‫غمارها لنعلم سر الختيار القدري لها لترتبط بألفاظ القرآن؛ ففيه‬
‫يتضح لنا دقة نقل ألفاظ القرآن إلينا‪ ،‬وتعليم جبريل ‪‬للنبي ‪‬وهو‬
‫الرابط بين استقصاء هذه المسألة وبين غاية البحث‪ ،‬على أن تحليلنا لها‬
‫ن من حيث ُمَتَعّلقها البشري ل من حيث ُمَتَعّلقها اللهي‪ ،‬كما‬
‫إنما هو كائ ٌ‬
‫سبق في تأصيلها من حيث اللفظ ‪.‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬متضمنات الحفظ‪:‬‬
‫يتضمن )الحفظ( من حيث حقيقته اللغوية والصطلحية مجموعة‬
‫ت تنحصر في التالي‪:‬‬
‫دلل ٍ‬
‫‪ - 1‬الستظهار)‪ :(674‬وهي المرحلة الولى من مراحل الحفظ‪ ،‬وتكون‬
‫بوعي النص من حيث اللفظ‪ ،‬واستبطانه بإيداعه في الذاكرة‪ ،‬وينطوي‬
‫الستظهار على أمرين‪:‬‬
‫أ‪-‬التدرج في الستظهار‪ :‬ففي )مختار الصحاح(‪:‬‬
‫ف َ‬
‫ظ الكتاب‪ :‬استظهره شيئا ً بعد شيء")‪.(675‬‬
‫ح ّ‬
‫"ت َ َ‬
‫ل في محّله‪ ،‬ول ترتيبه‪ ،‬وإل لم‬
‫ب ‪ -‬استظهاره كما هو‪ :‬فل يعتريه خل ٌ‬
‫يصدق عليه الحفظ له‪ ،‬بل لغيره ‪.‬‬
‫‪ – 2‬الحراسة)‪ :(676‬وهي المرحلة الثانية من مراحل الحفظ‪ ،‬وتكون‬
‫بتثبيته وحمايته من التفلت‪ ،‬وهي تقرب من المراجعة للمحفوظ‪ ،‬إل أنها‬
‫تعتبر بينها وبين مرحلة الستظهار‪ ،‬والحراسة تقتضي المراقبة‪ ،‬والمراقبة‬
‫جزٌء من الحقيقة اللغوية لمادة حفظ‪ ،‬والحراسة والمراقبة ترتبط أعظم‬
‫الرتباط بمفهوم المانة‪ ،‬ولن القرآن المحفوظ بالصدر أمانٌة؛ فإن لفظ‬
‫‪ ()674‬مختار الصحاح ص ‪ ،178‬مرجع سابق‪ ،‬ففيه‪ :‬وحفظه أيضا استظهره‪ ،‬وانظر‪ :‬فتح‬
‫الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،8/567‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()675‬مختار الصحاح ص ‪ ،178‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫ف َ‬
‫ظ الشيء بالكسر حفظا حرسه ‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫‪ ()676‬مختار الصحاح ‪ ،178‬مرجع سابق ففيه‪َ :‬‬

‫‪241‬‬

‫ل أمانٍة‪ ،‬ولذا بوب المام البخاري‬
‫)الحفظ( قد اتسع مفهومه ليشمل ك ّ‬
‫ال تعالى‪" :-‬باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة")‪. (677‬‬
‫ل‪ ،‬أو يلج إليه‬
‫وارتبط مفهوم الحفظ بحراسة المحفوظ من أن يعتريه خل ٌ‬
‫ل صغر أو كبر؛ ولذا بوب البخاري –رحمه ال تعالى‪" :-‬باب حفظ‬
‫دخ ٌ‬
‫اللسان")‪ ،(678‬وأورد أبو داود –رحمه ال تعالى– مجموعُة أحاديث في ذلك‪،‬‬
‫ومن حيث لفظ القرآن‪ ،‬فإن حفظه بهذا المعنى)الحراسة( يعنى التثبت من‬
‫دقائق اللفظ‪ ،‬ومن ذلك ما رواه عروة بن الزبير –رحمه ال تعالى– في حديث‬
‫قبض العلم‪ :‬فقالت –عنى عائشة– يا ابن أختي! انطلق إلى عبد ال فاستثبت‬
‫لي منه الذي حدثتني عنه‪ ،‬فجئته‪ ،‬فسألته‪ ،‬فحدثني به‪ ،‬كنحو ما حدثني‪،‬‬
‫فأتيت عائشة‪ ،‬فأخبرتها‪ ،‬فعجبت‪ ،‬فقالت‪) :‬وال لقد حفظ عبد ال بن عمرو(‬
‫)‪. (679‬‬
‫ن‬
‫وإ ِ ّ‬
‫‪ - 3‬شموله للكلي والتفصيلي من حيث اللفظ‪ :‬ففي قوله‪َ  ‬‬
‫–رحمه‬

‫ما َ‬
‫ما‬
‫َ‬
‫حا ِ‬
‫ف ِ‬
‫مو َ‬
‫ن )‪ (11‬ي َ ْ‬
‫م لَ َ‬
‫كات ِِبي َ‬
‫ظي َ‬
‫ن َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ن )‪ (10‬ك َِرا ً‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫ن‪ ‬معنى يكتبون؛إذ‬
‫مو َ‬
‫عُلو َ‬
‫ن‪" ‬النفطار ‪ ،"12-10/‬فضّمن ‪‬ي َ ْ‬
‫ف َ‬
‫عل َ ُ‬

‫سّلٌم شمول ذلك للتفصيلي والجمالي من‬
‫تلك مهمتهم الساسية)‪ ،(680‬وُم َ‬
‫السم الموصول الدال على العموم في قوله‪َ‬ماا‪ ،‬واستقرار هذا‬
‫ل اللفظ وطريقة أدائه‪ ،‬وما خرج عن‬
‫ض أن يشمل هذا الحفظ أص َ‬
‫العموم مقت ٍ‬
‫خِرج له‪ ،‬ومن ثم فادعاء خروج الداء عن الحفظ‪ ،‬أو‬
‫هذا فالمفتاح في الُم ْ‬
‫عن تبليغ القرآن ادعاٌء يفتقر إلى الدليل ‪.‬‬
‫‪ ()677‬صحيح البخاري ‪ ،5/2052‬مرجع سابق‪ ،‬وبّوب أيضًا‪ :‬باب حفظ السر ‪.‬‬
‫‪ ()678‬صحيح البخاري ‪ ،5/2376‬مرجع سابق‪ ،‬ومن ذلك حديث سنن أبي داود ‪ ،1/127‬مرجع‬
‫سابق‪) :‬فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم(‪ ،‬وكذلك حديث سنن أبي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫ظ الماشية‬
‫ح ْ‬
‫ح ْ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫ظ الحوائط بالنهار على أهلها‪ ،‬وأ ّ‬
‫داود ‪ ،3/298‬مرجع سابق‪) :‬فقضى أ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل(‪.‬‬
‫بالليل على أهلها‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ ()679‬صحيح البخاري ‪ ،6/2665‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪680‬‬
‫ر‪،‬‬
‫)( لمعنى في غاية الهمية هو أنهم يعلمون ما يكتبونه من مثقال الذر من خيرٍ أو ش ٍ‬
‫ة عمياء يمكن معها خداعهم ‪.‬‬
‫فليست كتابتهم كتاب ً‬

‫‪242‬‬

‫المطلب الثالث‪ :‬هل كان الحفظ واجبًا على ‪‬؟‪:‬‬
‫ويبقى بعد ما تقدم من تحليل لمدلول الحفظ‪ :‬أن‬
‫يجاب عن سؤال في هذا الباب هو‪ :‬هل كان الحفظ‬
‫للفاظ القرآن واجبا ً على النبي ‪‬؟ ‪.‬‬
‫الجواب‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬كان واجبًا على النبي ‪‬وجوبًا مقطوعًا به‪ ،‬والدليل على ذلك‪:‬‬
‫‪ - 1‬أول سورة نـزلت عليه هي سورة اقرأ باسم ربك‬
‫)‪:(681‬فبدايتها‪‬ا ْ ْ‬
‫ما‬
‫قَرأ ‪ ،‬فأنى له بالقراءة وقد قال ربه‪ ‬عنه‪َ :‬‬
‫ن‪" ‬الشورى‪ ،"52/‬وذاك‬
‫ما ُ‬
‫ما ال ْك َِتا ُ‬
‫ك ُن ْ َ‬
‫لي َ‬
‫ري َ‬
‫ب َ‬
‫ول ا ِ‬
‫ت ت َدْ ِ‬
‫ب قراءته من حفظه‪ ،‬فقوله‪ : ‬ا ْ‬
‫قَرأ‪ ‬أمر بالقراءة‪،‬‬
‫موج ٌ‬
‫ب‪ ،‬والمر‬
‫ظ عن ظهر قل ٍ‬
‫ن مكتوب‪ ،‬أو محفو ٍ‬
‫ق بكلٍم معي ٍ‬
‫والقراءة نط ٌ‬
‫ل في الحال أو‬
‫ل في حقيقته من الطلب لتحصيل فع ٍ‬
‫بالقراءة مستعم ٌ‬
‫الستقبال‪ ،‬فالمطلوب أن يقرأ ما سُيقرأ عليه‪ ،‬وفي حديث عائشة –رضي‬
‫ال تعالى عنها– في بدء الوحي ‪) :‬فرجع بها رسول ال يرجف فؤاده()‪(682‬‬
‫ت عليه ليحفظها ل ليكتبها أي رجع متلبسًا‬
‫أي فرجع باليات التي ُقِرَئ ْ‬
‫بها‪ ،‬أي بوعيها‪ ،‬وهذا يدل أن رسول ال ‪ ‬تلقى ما أوحي إليه‪ ،‬وقرأه‬
‫حينئٍذ‪ ،‬ويزيد ذلك إيضاحًا قولها في الحديث ذاته )فانطلقت به خديجة إلى‬
‫ورقة بن نوفل‪ ،‬فقالت له خديجة‪ :‬يا ابن عم اسمع من ابن أخيك( أي‪:‬‬
‫اسمع القول الذي ُأوحي إليه‪ ،‬وهذا ينبئ بأن رسول ال ‪‬عندما قيل‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫له بعد الغطة الثالثة ‪‬ا ْ‬
‫ك‪ ‬اليات الخمس كان قد‬
‫قَرأ ِبا ْ‬
‫قرأها ساعتئٍذ‪ ،‬كما أمره ال‪ ، ‬أو حفظها على القل‪ ،‬ورجع من غار‬
‫حراء إلى بيته يقرؤها‪ ،‬وعلى هذا يكون قول الملك له في المرات الثلث‬
‫‪‬ا ْ‬
‫قَرأ‪ ‬إعادٌة للفظ المنـزل من ال‪ ،‬إعادَة تكريٍر للستئناس‬
‫‪ ()681‬هذا هو السم المشهور عند علماء التفسير‪ ،‬وكذلك على ألسنة الصحابة ‪.‬‬
‫‪ ()682‬صحيح البخاري ‪ ،1/3‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪243‬‬

‫بالقراءة التي لم يتعلمها من قبل)‪ ،(683‬ولم ُيْذَكر لفعل ‪‬ا ْ‬
‫قَرأ ‪‬‬
‫ل؛ إما لنه ُنـّزل منـزلة اللزم‪ ،‬وأن المقصود أوجد القراءة‪ ،‬وإما‬
‫مفعو ٌ‬
‫لظهور المقروء من المقام‪ ،‬وتقديره‪ :‬اقرأ ما سنلقيه إليك من القرآن)‪.(684‬‬
‫فإن اعُتِرض بأن‪ :‬القراءة تتحقق القراءة بكلمٍة وكلمتين‪ ،‬وآيٍة‬
‫وآيتين‪ ،‬وسورٍة وسورتين‪ ،‬فأين وجوب قراءته عليه كله‪ ،‬ومن ثم فأين‬
‫وجوب حفظه عليه كله؟ ‪.‬‬
‫فالجواب مما سيأتي‪:‬‬
‫ُ‬
‫سو َ‬
‫ي…‪" ‬العراف‪/‬‬
‫‪ – 2‬أميته ‪ : ‬فهو ‪‬الّر ُ‬
‫ي ال ّ‬
‫م ّ‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫ة ل نكتب ول نحسب‪ ،‬الشهر هكذا‬
‫ة أمي ٌ‬
‫‪ ،"157‬وقد قال ‪) :‬إنا أم ٌ‬
‫وهكذا‪ ،‬يعني مرة تسعة وعشرين‪ ،‬ومرة ثلثين( )‪(685‬ومن كان ذا شأنه‬
‫فهو يحفظ‪ ،‬فلو لم يؤمر بالقراءة لكانت أميته كافيًة في وجوب الحفظ‬
‫عليه ‪.‬‬
‫ولذا كانوا يعتمدون على حفظهم للسنن النبوية؛ فقد دخل زيد بن ثاب ٍ‬
‫ت‬
‫‪‬على معاوية ‪‬فسأله عن حديث‪ ،‬فأمر إنسانًا يكتبه‪ ،‬فقال له زيد‪:‬‬
‫)إن رسول الله ‪ ‬أمرنا أن ل نكتب شيئا ً من حديثه فمحاه()‪ ،(686‬فما هم‬
‫فاعلون في كلم رب البرية ‪‬؟‪.‬‬
‫‪ -3‬مقتضى إرساله‪ ،‬وحقيقة وظيفته ‪‬وهو التبليغ‪ ،‬ورأس ما يبلغه‬
‫ُ‬
‫ل إ ِل َي ْ َ‬
‫ز َ‬
‫ن‬
‫‪‬القرآن‪ ،‬وقد قال ربه ‪… : ‬ب َل ّ ْ‬
‫ك ِ‬
‫م ْ‬
‫غ َ‬
‫ما أن ِ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫َرب ّ َ‬
‫ك إ ِل ّ ال َْبل ُ‬
‫غ…‪" ‬الشورى‪/‬‬
‫ن َ‬
‫ك…‪" ‬المائدة ‪… "67/‬إ ِ ْ‬
‫حط بالقرآن حفظًا‪ ،‬أنى‪ ،‬وقد‬
‫‪ ،" 48‬ول يكون مبلغًا رسالة ربه وهو لم ُي ِ‬
‫ل َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫سال َت َُه …‪‬‬
‫ما ب َل ّ ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ف َ‬
‫غ َ‬
‫ر َ‬
‫ف َ‬
‫ن لَ ْ‬
‫قال ربه‪َ …: ‬‬
‫ت ِ‬
‫ذا ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫ي َ‬
‫وُأو ِ‬
‫قْرآ ُ‬
‫"المائدة ‪ …"67/‬وقول ال ‪َ …: ‬‬
‫ي إ ِل َ ّ‬
‫ح َ‬
‫‪ ()683‬وهذا المعنى ل ينافي غيره من المعاني التي ل تتضاد ‪.‬‬
‫‪ ()684‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،30/434‬مرحع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()685‬صحيح البخاري ‪ ،675/ 2‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()686‬سنن أبي داود ‪ ،3/318‬مرجع سابق‪ ،‬وفي مسألة النهي عن كتابة حديث الرسول ‪،‬‬
‫انظر‪ :‬تدريب الراوي ‪ ،2/234‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪244‬‬

‫ُ‬
‫غ …‪" ‬النعام‪ "19/‬قاطٌع لكل خطيب في هذه‬
‫ن ب َل َ َ‬
‫م بِ ِ‬
‫لن ِ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ذَرك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫المسألة ‪.‬‬
‫َ‬
‫جاَر َ‬
‫م ْ‬
‫ك‬
‫ر ِ‬
‫حد ٌ ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ست َ َ‬
‫نأ َ‬
‫نا ْ‬
‫كي َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫‪ - 4‬قوله ‪َ …: ‬‬
‫ش ِ‬
‫َ َ‬
‫ع َ‬
‫ه…‪" ‬التوبة ‪:"6 /‬وبين هذا الدليل‬
‫م الل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫جْرهُ َ‬
‫كل َ‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫س َ‬
‫فأ ِ‬
‫ص مطلق‪ ،‬فل َيِرُد عليه التكرار ‪.‬‬
‫وبين الدليل الثاني عموٌم وخصو ٌ‬
‫رئ ُ َ‬
‫ك َ‬
‫سن ُ ْ‬
‫سى‪" ‬العلى ‪ ،" 6/‬فإنه‬
‫فل َ َتن َ‬
‫‪ - 5‬قوله ‪َ  ‬‬
‫ق ِ‬
‫ض إعانة ال‪ ‬له على الحفظ‪ ،‬المستلزم وجوبه عليه‪ ،‬وتزداد قوة‬
‫مقت ٍ‬
‫الحفظ كلما ازدادت أهمية المحفوظ‪ ،‬وليس هناك ما هو أكثر أهميًة في‬
‫حياة المسلم من أهمية القرآن الكريم َبْلَه المسلم الول َبْلَه الرسول‪،‬‬
‫وقد قال ابن عباس ‪):‬إنما يحفظ الرجل على قدر نيته()‪ ،(687‬فكيف لو‬
‫جمعت هذا إلى ما تكفل ال‪ ‬به من جمع القرآن في صدر النبي‬
‫‪‬فأي حافظٍة تلك التي سُترى؟ ‪.‬‬
‫و ُ‬
‫قْرآن َُه‪" ‬القيامة ‪:" 17/‬‬
‫ن َ‬
‫‪ – 6‬قوله تعالى ‪‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫قْرآن َُه‪ :‬إن علينا جمع‬
‫ن َ‬
‫ومعنى الجملتين‪‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫علي َْنا َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬
‫الوحي‪ ،‬وأن تقرأه‪ ،‬وفوق ذلك أن تبينه للناس بلسانك‪ ،‬أي نتكفل لك بأن‬
‫يكون جمعه وقرآنه بلسانك‪ ،‬أي عن ظهر قلبك ل بكتابٍة تقرؤها‪ ،‬بل أن‬
‫يكون محفوظًا في الصدور‪ ،‬مبينًا لكل سامع‪ ،‬ل يتوقف على مراجعٍة‪،‬‬
‫ف من قرب أو بعد ‪ .‬فالبيان هنا بيان ألفاظه ليس‬
‫ول على إحضار مصح ٍ‬
‫‪688‬‬
‫بيان معانيه لن بيان معانيه ملزم لورود ألفاظه) (… ‪.‬‬
‫فبعد إلقاء جبريل‪ ‬القرآن على النبي ‪ ‬يكون النبي ‪ ‬قد‬
‫ع ُ‬
‫حفظه في صدره‪ ،‬ويسهل إدراك أن قوله ‪َ  ‬‬
‫قْرَءان َُه‪‬‬
‫فات ّب ِ ْ‬
‫بمعنى أن تقرأه)‪ ،(689‬ل يراد منه القراءة من الوراق‪ ،‬ول من‬
‫المصحف بل يعني القراءة من المحفوظ في الصدر؛ إذ لم يقرأ النبي‬
‫كتابًا‪ ،‬وليس بقارئ‪ ،‬وما كان يدري ما الكتاب‪ ،‬وكذلك فإن جمعه في‬
‫صدره يعني الحفظ في الصدر ‪.‬‬
‫‪ ()687‬الجامع لداب الراوي والسامع ‪ ،2/312‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()688‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،29/350‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر‪ :‬تحليل آيات القيامة في المبحث‬
‫السادس من الفصل الثالث ص ‪.116‬‬
‫‪ ()689‬تقدم شرح الية في حديث المعالجة في المبحث السادس من الفصل الثالث ص‬
‫‪. 116‬‬

‫‪245‬‬

‫وهذه حقيقٌة من حقائق الصطلح الشرعي في هذا الباب‪ :‬أن‬
‫القراءة في حق الرسول ‪‬تعني قراءته من محفوظه‪ ،‬كما يظهر مما‬
‫سبق ‪.‬‬
‫فإن اعُترض بأن‪ :‬ذا كان جائًزا أول المر قبل التبليغ‪ ،‬أما استمرار‬
‫حفظه بعد فل؟‪.‬‬
‫فالجواب‪ :‬إن لم يجب استمرار الحفظ‪ ،‬فكيف يكون التذكير الذي هو‬
‫جزٌء من ماهية التبليغ؟وقد قال ال‪-‬تعالى ذكره‪-‬في معرض حصر مهمة‬
‫َ‬
‫النبي ‪َ :‬‬
‫ت ُمذَك ٌّر‪" ‬الغاشية ‪. "21/‬‬
‫ما أن ْ َ‬
‫فذَك ّْر إ ِن ّ َ‬
‫وعند النظر في الشريعة يستبين أن من أهم أسماء القرآن )الذكر(‪،‬‬
‫وَأنَزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫س‬
‫ك الذّك َْر ل ِت ُب َي ّ َ‬
‫والذكر عاٌم للناس كلهم ‪َ …‬‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫ما ن ُّز َ َ‬
‫ص للمؤمنين ‪َ …‬‬
‫فذَك ّْر‬
‫م…‪" ‬النحل‪ ،"44/‬وخا ٌ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ل إ ِلي ْ ِ‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫عيِد‪" ‬ق‪ ،"45/‬وذلك كله مستلزٌم للتذكير بما‬
‫ن يَ َ‬
‫و ِ‬
‫خا ُ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫ف َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫يريده ال‪ ‬المقتضي لستمرارية الحفظ…ولذا كان جبريل ‪‬يدارس‬
‫ل على وجوب الستمرار‬
‫النبي ‪ ‬القرآن كل عام‪ ،‬فإن لم يكن هذا دلي ً‬
‫لحفظ القرآن فعلى ماذا يدل هذا؟‪.‬‬
‫وإ ِن ّ َ‬
‫قى ال ْ ُ‬
‫ك ل َت ُل َ ّ‬
‫ح ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ل َدُ ْ‬
‫قْرآ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫‪ - 7‬قوله‪َ  : ‬‬
‫كيم ٍ‬
‫عِليم ٍ‪" ‬ق‪:"9/‬والحفظ ل يتم للقرآن خارج النواميس اللهية‪ ،‬وذلك‬
‫َ‬
‫أمران‪:‬‬
‫س؛ إذ قد أحاط‬
‫أ ‪ -‬ما يتم بالقدرة اللهية المحضة‪ ،‬وهو مشاهٌد ملمو ٌ‬
‫بالكتاب الكريم من المكر الكبار ما كادت أن تميد منه الجبال‪ ،‬ول تكفي‬
‫القدرة السلمية المتمحض بشريتها لصده‪ ،‬خاصة في فترات‬
‫الستضعاف…وعلى الرغم من ذلك يظل الكتاب الكريم محتفظًا بثبات‬
‫لفظه‪ ،‬وازدياد رسوخ نصه ‪.‬‬

‫‪246‬‬

‫ب ‪ -‬ما شرفت المة بالتكليف به؛ إذ هي وارثة الكتاب‪ ،‬وقد قال ال‬
‫َ‬
‫صطَ َ‬
‫عَباِدَنا…‪‬‬
‫ن ِ‬
‫في َْنا ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫وَرث َْنا ال ْك َِتا َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫‪:‬ث ُ ّ‬
‫نا ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ظ أهل الكتاب السابقين على ما نـزل إليهم‪ ،‬لذاك‬
‫حِف َ‬
‫"فاطر‪ ،"32/‬ولئن اسُت ْ‬
‫ن أوجب في حقنا‪ ،‬وقد قال الصاوي –رحمه ال تعالى‪ …" :-‬سيما‪ ،‬وقد‬
‫كائ ٌ‬
‫خَدَمًة من البشر يحفظونه" )‪ ،(690‬وقال صاحب التحرير‬
‫جعل ال له َ‬
‫والتنوير‪" :‬حتى حفظته المة عن ظهور قلوبها من حياة النبي‪،(691)"‬‬
‫بيد أن هذه المة المشرفة قد ميزها ال‪ ‬بتوليه حفظ الكتاب بذاته‪،‬‬
‫ح عدم المنافاة بين ذلك وإيجاب حفظه على المة‪ ،‬بل وجوب‬
‫وواض ٌ‬
‫حفظه على المة هو أول أدلة واقعية الحفظ اللهي له… ‪.‬‬
‫وقد اتضح وجه الدللة‪ :‬من الية على وجوب حفظ النبي‪‬للقرآن‬
‫ل أوليًا)‪. (692‬‬
‫هو‪ :‬دخوله في المة دخو ً‬
‫َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ل ِبال ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ضى‬
‫ق َ‬
‫ن ِ‬
‫لأ ْ‬
‫ع َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫قْرآ ِ‬
‫‪ - 8‬قوله تعالى‪َ … :‬‬
‫إ ِل َي ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫ما‪" ‬طه‪."114/‬‬
‫زدِْني ِ‬
‫ل َر ّ‬
‫و ْ‬
‫عل ْ ً‬
‫حي ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ك َ‬
‫ب ِ‬
‫وجه الدللة‪ :‬حرصه ‪‬على حفظ القرآن‪ ،‬مع تكليفه بالرسالة‪،‬‬
‫يستلزم وجوب حفظ القرآن عليه …‬

‫‪ ()690‬حاشية الصاوي وبهامشه تفسير الجللين ‪ ،2/314‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()691‬التحرير والتنوير ‪ ،14/20‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()692‬وذلك بغض النظر عن الخلف في القاعدة الصولية في دخول النبي‪ ‬في خطاب‬
‫أمته‪ ،‬وتأتي الشارة إليها بعد ق ليل ‪.‬‬

‫‪247‬‬

‫‪،‬‬
‫ل على وجوب ملزمة حفظه لكتاب ال‬
‫‪ – 9‬بقاؤه‪‬أميًا)‪:(693‬وذا دا ٌ‬
‫للزوم استظهاره‪ ،‬واستدعائه متى لزم المر‪ ،‬لداء رسالة ال‪ ‬تبليغًا أو‬
‫تذكيرًا‪ ،‬حتى لو كان مخدعه أو مرتعه‪ ،‬أو مدخله أو مطلعه‪ ،‬أو مسكنه‪ ،‬أو‬
‫ض على هذا بأن ال‪ ‬قد كفاه ذلك بالكتاب الذي كان‬
‫َمْرَبعه…ول ُيْعَتَر ُ‬
‫يكتبه صحبه من كتبة الوحي؛ إذ محال أن يصطحب الِكتاب والُكّتاب في كل‬
‫مكان…يريد فيه التبليغ والدعوة…ل لعزتها آنها‪ ،‬بل لخصوصية احتياجه‬
‫إلى الدعوة والتبليغ ضرورة كونه نبيًا…ومن يفترضها هنا‪ ،‬يفترض‬
‫المحال… ‪.‬‬

‫‪693‬‬
‫ي أولوا النهى من طلبة‬
‫)( وما ذهب إليه البعض من تعلمه الكتابة بعد نبوته فشذوذ ٌ قد ن ُهِ َ‬
‫ً‬
‫العلم عن تتبعه‪ ،‬على أن كثيرا من الشذوذ ل ُيروى على وجهه‪ ،‬بل ينقل على‬
‫الهوى العقلي أو العاطفي لناقله ‪ .‬ويوضح ذلك من حيث خصوص موضوعنا ما قاله‬
‫ابن كثير في تفسيره ‪ ،3/4‬مرجع سابق‪" :‬وهكذا كان رسول الله ‪ ‬دائمًا‪ ،‬إلى يوم الدين ل‬
‫ب يكتبون بين يده الوحي‬
‫يحسن الكتابة‪ ،‬ول يخط سطرًا‪ ،‬ول حرفا ً بيده بل كان له ك ُّتا ٌ‬
‫والرسائل إلى القاليم‪ ،‬ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه‬
‫أنه ‪‬كتب يوم الحديبية‪ :‬هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله‪ ،‬فإنما حمله على ذلك رواية‬
‫في صحيح البخارى‪" :‬ثم أخذ فكتب"‪ ،‬وهذه محمولة على الرواية الخرى‪" :‬ثم أمر فكتب"‪،‬‬
‫ولهذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب على من قال بقول الباجي‪ ،‬وتبرءوا منه‪،‬‬
‫وأنشدوا في ذلك أقوا ً‬
‫ل‪ ،‬وخطبوا به في محافلهم‪ ،‬وإنما أراد الرجل ‪-‬أعني الباجي‪ -‬فيما ظهر‬
‫سن الكتابة‪ ،‬كما قال ‪‬إخبارا ً عن‬
‫ح ِ‬
‫عنه أنه كتب ذلك على وجه المعجزة‪ ،‬ل أنه كان ي ُ ْ‬
‫الدجال )مكتوب بين عينه كافر(‪ ،‬وفي رواية )ك ف ر يقرؤها كل مؤمن(‪ ،‬وما أورده بعضهم‬
‫ما‬
‫من الحديث أنه لم يمت ‪ ‬حتى تعلم الكتابة فضعي ٌ‬
‫و َ‬
‫ف ل أصل له‪ ،‬قال الله تعالى‪َ :‬‬
‫ن َ‬
‫ه‬
‫ول ت َ ُ‬
‫ه ِ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫ت ت َت ُْلو‪" ‬العنكبوت‪ "48/‬أي تقرأ ‪ِ ‬‬
‫ك ُن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫خطّ ُ‬
‫ن ك َِتا ٍ‬
‫ب‪ ‬لتأكيد النفي‪َ ‬‬
‫ً‬
‫َ‬
‫مين ِك‪ ‬تأكيد أيضا‪ ،‬وخرج مخرج الغالب‪ ،‬كقوله تعالى ‪ ‬ول طائر يطير بجناحيه‪‬‬
‫ب ِي َ ِ‬
‫"النعام‪ ،"38/‬وقوله تعالى ‪‬إ ِ ً‬
‫ن‪ ‬أي لو كنت تحسنها لرتاب بعض‬
‫مب ْطُِلو َ‬
‫ذا لْرَتا َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫الجهلة من الناس‪ ،‬فيقول إنما تعلم هذا من كتب قبله‪ ،‬مأثورة عن النبياء‪ ،‬مع أنهم قالوا ذلك‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها َ‬
‫و َ‬
‫مَلى‬
‫سا ِ‬
‫ن اك ْت َت َب َ َ‬
‫وِلي َ‬
‫قاُلوا أ َ‬
‫ي تُ ْ‬
‫طيُر ال ّ‬
‫مع علمهم بأنه أمي ل يحسن الكتابة ‪َ ‬‬
‫ه َ‬
‫ف ِ‬
‫ق ْ َ‬
‫ُ‬
‫في‬
‫صيل ً‪" ‬الفرقان‪ "5/‬قال الله ‪‬‬
‫َ‬
‫سّر ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫وأ َ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ذي ي َ ْ‬
‫م ال ّ‬
‫عل َ ُ‬
‫ل أن َْزل َ ُ‬
‫ه ب ُك َْرةً َ‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫َ‬
‫بَ ْ‬
‫في‬
‫ض‪" ‬الفرقان‪ "6/‬الية‪ ،‬وقال هاهنا‪:‬‬
‫ت ِ‬
‫و َ‬
‫ل ُ‬
‫وا ِ‬
‫ت ب َي َّنا ٌ‬
‫ءاَيا ٌ‬
‫ال ّ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫والْر ِ‬
‫ذين ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫م ‪" ‬العنكبوت‪ " 49/‬أي هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدللة‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫توا‬
‫أو‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ر‬
‫دو‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ص ُ ِ‬
‫على الحق أمرا ً ونهيا ً وخبرًا‪ ،‬يحفظه العلماء‪ ،‬يسره الله عليهم حفظا ً وتلوة وتفسيرًا‪ ،‬كما‬
‫ر َ‬
‫سْرَنا ال ْ ُ‬
‫ول َ َ‬
‫ه ْ‬
‫ر‪" ‬القمر ‪ ،"17/‬وقال رسول‬
‫قْر َ‬
‫ل ِ‬
‫ءا َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫قدْ ي َ ّ‬
‫ن ُ‬
‫قال ‪َ  ‬‬
‫مدّك ِ ٍ‬
‫ن ِللذّك ْ ِ‬
‫الله ‪): ‬ما من نبي إل وقد أ ُ‬
‫ي ما آمن على مثله البشر‪ ،‬وإنما كان الذى أوتيته وحيا ً‬
‫عط‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ي‪ ،‬فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا ً…("‪ .‬والحديث الخير رواه البخاري ‪،6/1607‬‬
‫أوحاه الله إل ّ‬
‫مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪248‬‬

‫ول َ‬
‫ن َ‬
‫ه ِ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫ت ت َت ُْلو ِ‬
‫ما ك ُن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ن ك َِتا ٍ‬
‫ب َ‬
‫‪-10‬قوله ‪َ  : ‬‬
‫مين ِ َ‬
‫ن)‪(48‬ب َ ْ‬
‫ك إِ ً‬
‫ت‬
‫تَ ُ‬
‫ل ُ‬
‫ه ب ِي َ ِ‬
‫مب ْطُِلو َ‬
‫ذا لْرَتا َ‬
‫ت ب َي َّنا ٌ‬
‫و آَيا ٌ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫خطّ ُ‬
‫ه َ‬
‫حدُ ِبآَيات َِنا إ ِل ّ‬
‫ن ُأوُتوا ال ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ر ال ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ص ُ‬
‫ذي َ‬
‫و َ‬
‫عل ْ َ‬
‫في ُ‬
‫م َ‬
‫دو ِ‬

‫ال ّ‬
‫ن‪ ،‬يعني أنك لم تكن تقرأ كتابًا حتى يقول أحد‪ :‬هذا القرآن‬
‫مو َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫الذي جاء به هو مما كان يتلوه من قبل ثم نفى الكتابة عنه‪ ،‬والمقصود نفي‬
‫حالتي التعلم )بالقراءة والكتابة( استقصاًء في تحقيق وصف المية‪ ،‬وقوله‬
‫‪ ‬ب َ ْ‬
‫م‪" ‬‬
‫ن ُأوُتوا ال ْ ِ‬
‫ت ِ‬
‫ل ُ‬
‫ر ال ّ ِ‬
‫ص ُ‬
‫ت ب َي َّنا ٌ‬
‫و آَيا ٌ‬
‫ذي َ‬
‫عل ْ َ‬
‫في ُ‬
‫ه َ‬
‫دو ِ‬
‫أي بل القرآن آيات في صدر النبي ‪.(694) ‬‬
‫ض بأنه قد ورد في تفسير الذين أوتوا العلم‪ :‬أصحاب النبي‬
‫ول ُيْعَتَر ُ‬
‫‪ ،‬لن أول الذين أوتوا العلم هو النبي ‪. ‬‬
‫‪ ‬أن رسول ال ‪‬قال ذات يوم‬
‫‪ -11‬حديث عياض بن حماٍر المجاشعي‬
‫في خطبته‪) :‬أل إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم‪ ،‬مما علمني يومي‬
‫‪0000‬‬

‫ل نحلته عبدا ً حلل‪ ،‬وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم‪ ،‬وإنهم أتتهم‬
‫هذا‪:‬كل ما ٍ‬
‫ت لهم‪ ،‬وأمرتهم أن‬
‫ت عليهم ما أحلل ُ‬
‫الشياطين فاجتالتهم عن دينهم‪ ،‬وحرم ْ‬
‫يشركوا بي ما لم أنسزل به سلطانًا‪ ،‬وإن الله نظر إلى أهل الرض‪ ،‬فمقتهم‬
‫عربهم وعجمهم إل بقايا من أهل الكتاب‪ ،‬وقال‪ :‬إنما بعثتك لبتليك وأبتلى‬
‫بك‪ ،‬وأنسزلت عليك كتابا ً ل يغسله الماء‪ ،‬تقرؤه نائما ً‬
‫ويقظانًا…(الحديث)‪. (695‬‬

‫قال ابن كثير‪ ":‬أي لو غسل الماء المحل المكتوب فيه‪ ،‬لما احتيج إلى ذلك‬
‫المحل‪ ،‬لنه قد جاء في الحديث الخر‪) :‬لو كان القرآن في إهاب ما أحرقته‬
‫ن على القلوب‪،‬‬
‫ظ في الصدور‪ ،‬ميسٌر على اللسنة‪ ،‬مهيم ٌ‬
‫النار(‪ ،‬ولنه محفو ٌ‬
‫معجٌز لفظًا ومعنى‪ ،‬ولهذا جاء في الكتب المتقدمة في صفة هذه المة‬
‫أناجيلهم في صدورهم")‪. (696‬‬

‫‪ ()694‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،21/12‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()695‬صحيح مسلم ‪ ،2179 /4‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()696‬تفسير ابن كثير ‪ ،3/48‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪249‬‬

‫وقال النووي‪":‬أي محفوظًا في الصدور‪ ،‬ل يتطرق إليه الذهاب بل‬
‫يبقى على ممر الزمان‪) ،‬تقرؤه نائمًا ويقظانًا(‪ :‬أي يكون محفوظًا لك في‬
‫حالتي النوم واليقظة‪ ،‬وقيل تقرؤه في يسر وسهولة")‪.(697‬‬
‫ص في أنه ‪‬يحفظه أمرًا وإخبارًا عن الواقع ‪.‬‬
‫وهذا ن ٌ‬
‫جِهُد نفسه فيه عند تلقيه الوحي‪ :‬كما تقدم في‬
‫‪ - 12‬ما كان النبي ‪ُ‬ي ْ‬
‫روايات حديث المعالجة)‪ ،(698‬وفيها‪):‬يحرك لسانه( يريد أن يحفظه…يعجل‬
‫بقراءته ليحفظه‪ ،‬ولبن أبي حاتم‪) :‬يتلقى أوله‪ ،‬ويحرك به شفتيه خشية أن‬
‫ينسى أوله‪ ،‬قبل أن يفرغ من آخره(‪ ،‬وفي مسند الحميدي‪) :‬يعجل به يريد‬
‫ف هنا للفظ إذ لو كان المراد المعنى لما احتاج‬
‫أن يحفظ(‪ ،‬والحفظ منصر ٌ‬
‫لذاك الجهاد ‪.‬‬
‫‪ - 13‬ومما يدل على وجوب حفظ النبي ‪‬للقرآن‪ ،‬حفه بالعوامل‬
‫المساعدة على الحفظ‪ ،‬مثل تنجيم القرآن‪ ،‬وترتيله؛ وهو ما صرح به‬
‫صاحب التحرير والتنوير حيث قال في فوائد الترتيل‪":‬وفائدة هذا‪ :‬أن يرسخ‬
‫حفظه‪ ،‬ويتلقاه السامعون‪ ،‬فيعلق بحوافظهم‪ ،‬ويتدبر قارئه‪ ،‬وسامعه معانيه‪،‬‬
‫ح بأن عمل النبي‬
‫كي ل يسبق لفظ اللسان عمل الفهم")‪ ،(699‬وهو تصري ٌ‬
‫‪‬ضبط الثنين‪ :‬لفظ اللسان‪ ،‬وعمل الفهم ‪.‬‬
‫ومن هذه العوامل المساعدة على الحفظ‪ :‬التنبيه ابتداًء على صعوبة‬
‫ن غير متوقعة‪ ،‬ول معتادٍة في‬
‫المحفوظ من حيث اشتماله على معا ٍ‬
‫ل أنها‬
‫تفاصيلها‪ ،‬لئل يدور بخلد الذي يريد الحفظ وهو )النبي(‪‬أو ً‬
‫معتادة فاللسان لن يضيعها؛ فيتأهب له‪ ،‬ويقدره حق قدره‪ ،‬كما قال‪‬‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ك َ‬
‫قيل‪" ‬المزمل ‪ ،"5/‬والثقل‬
‫قي َ‬
‫ول ث َ ِ‬
‫سن ُل ْ ِ‬
‫‪‬إ ِّنا َ‬
‫ق ْ‬
‫ل مجازي ل محالة مستعاٌر لصعوبة حفظه؛‬
‫الموصوف به القول ثق ٌ‬
‫ن ليست من معتاد ما يجول في مدارك قومه‪ ،‬فيكون‬
‫لشتماله على معا ٍ‬
‫‪ ()697‬شرح صحيح مسلم ‪ ،17/189‬ونقلها السيوطي في الديباج ‪ ،222 /6‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()698‬انظر‪ :‬المبحث السادس من الفصل الثالث ص ‪.113‬‬
‫‪ ()699‬التحرير والتنوير ‪ ،317 /29‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪250‬‬

‫حفظ ذلك عسيرًا على الرسول ‪ ‬المي‪ ،‬تنوء الطاقة عن تلقيه‪ ،‬فقد‬
‫ل‪،‬‬
‫مهد لهذه الحقيقة بأوامر هي وسائل لتحقيق مقتضاها‪ :‬من قيام لي ٍ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ك َ‬
‫قيل ً ‪‬‬
‫وترتيل قرآ ٍ‬
‫قي َ‬
‫ول ث َ ِ‬
‫سن ُل ْ ِ‬
‫ن‪ ،‬فقوله ‪ : ‬إّنا َ‬
‫ق ْ‬
‫ل للمر بقيام الليل)‪.(700‬‬
‫"المزمل ‪ "5/‬تعلي ٌ‬
‫‪ - 12‬الترهيب من نسيان القرآن‪ :‬وإن لم يصح في عقوبٌة ذلك حديث‬
‫مرفوع)‪ ،(701‬فقد دخل في عموم قوله‪َ : ‬‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫ل َر ّ‬
‫ب لِ َ‬
‫قدْ ُ‬
‫ك أ َت َت ْ َ‬
‫ل ك َذَل ِ َ‬
‫صيًرا)‪َ (125‬‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ح َ‬
‫ك‬
‫شْرت َِني أ َ ْ‬
‫ت بَ ِ‬
‫َ‬
‫كن ُ‬
‫ع َ‬
‫مى َ‬
‫‪702‬‬
‫وك َذَل ِ َ‬
‫آَيات َُنا َ‬
‫سى‪" ‬طه‪،( )"125-124/‬‬
‫فن َ ِ‬
‫و َ‬
‫م ُتن َ‬
‫سيت َ َ‬
‫ك ال ْي َ ْ‬
‫ها َ‬

‫وقال ابن حجر في قول البخاري‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬باب نسيان القرآن‪،‬‬
‫وهل يقول نسيت آية كذا وكذا"‪" :‬كأنه يريد أن النهي عن قول نسيت آية‬
‫كذا وكذا ليس للزجر عن هذا اللفظ‪ ،‬بل للزجر عن تعاطي أسباب‬
‫النسيان المقتضية لقول هذا اللفظ")‪.(703‬‬
‫والنبي ‪ ‬أول من يدخل في الخطاب بذلك على راجح أقوال‬
‫الصوليين)‪.(704‬‬
‫‪ ()700‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،29/164‬مرجع سابق‪ ،‬ول ينافي هذا تيسير القرآن للذكر؛ إذ‬
‫ن هاديا ً في كل‬
‫ن ومكا ٍ‬
‫هو كذلك بالنظر إلى أنه الحق الصالح برغم صغر حجمه لكل زما ٍ‬
‫مجال‪ ،‬وهو كذلك بالنظر إلى من اتبع قواعده في أسلوب حفظه‪ ،‬ولذا أمر النبي ‪ ‬بتعاهده‬
‫فهو أشد تفلتا ً من البل في عقلها ‪.‬‬

‫‪ ()701‬لكن قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ‪ ،9/86‬مرجع سابق‪" :‬قد أخرج بن أبي داود من وجٍه‬
‫آخر مرسل نحوه ولفظه‪…) :‬أعظم من حامل القرآن وتاركه( ‪-‬في معرض التهديد بأكبر الذنوب‪-‬‬
‫ومن طريق أبي العالية موقوفًا‪) :‬كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن‪ ،‬ثم ينام عنه حتى‬
‫ينساه( وإسناده جيد‪ ،‬ومن طريق ابن سيرين بإسناٍد صحيح في الذي ينسى القرآن‪) :‬كانوا يكرهونه‪،‬‬
‫ل شديدًا(‪ ،‬ولبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعًا‪) :‬من قرأ القرآن ثم نسيه لقي ال‬
‫ويقولون فيه قو ً‬
‫وهو أجذم( وفي إسناده أيضًا مقال‪ ،‬وقد قال به من الشافعية أبو المكارم الروياني‪ ،‬واحتج بأن‬
‫العراض عن التلوة يتسبب عنه نسيان القرآن‪ ،‬ونسيانه يدل على عدم العتناء به‪ ،‬والتهاون بأمره‬
‫…" ‪.‬‬
‫‪ ()702‬وانظر في هذا الموضوع‪ :‬تفسير ابن كثير ‪ ،118 /4‬والقرطبي ‪ ،30/ 16‬مرجعان‬
‫سابقان‪ ،‬وبين أن المراد " النسيان الكامل" واصل ً حد الترك ل النسيان الذي يغلب‪ ،‬ومصنف‬
‫ابن أبي شيبة ‪ ،6/124‬والترغيب والترهيب ‪ ،2/232‬وفتح الباري ‪ ،9/80‬مرجع سابق‪ ،‬ونيل‬
‫الوطار ‪.160 /2‬‬
‫‪ ()703‬فتح الباري ‪ ،9/85‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()704‬انظر‪ :‬نثر الورود على مراقي السعود ‪ ،188 /1‬مرجع سابق عند قول الناظم في باب‬
‫المر‪:‬‬

‫‪251‬‬

‫وبعد هذا الستعراض لبعض أدلة وجوب حفظ النبي ‪ ‬للفاظ‬
‫ط لها‪ ،‬والتعريف بوجوب‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬فإن الكلم على هذه المسألة غم ٌ‬
‫ن هذه‬
‫ف بما هو كالضرورة‪ ،‬بل إ ّ‬
‫الحفظ على النبي ‪‬للفاظ القرآن تعري ٌ‬
‫ف في بدهية الحكم عليها‪ ،‬والستدلل عليها تضييٌع‬
‫المسألة مما تصورها كا ٍ‬
‫لها…إنما ُأريد الشارة المجردة؛ ليعلم الذين آمنوا كم ُأحيط بألفاظ هذا‬
‫الكتاب الكريم من رعاية ‪.‬‬

‫مه ْ‬
‫ل‬
‫وآمٌر بلفظةٍ ت َعُ ّ‬
‫وفي ‪ 1/261‬عند قول الناظم في باب العام‪:‬‬
‫م يشمل الرسول‬
‫وما ي َعٌ ّ‬
‫حيث ذكر الشارح في المسألة ثلثة أقوال ‪.‬‬

‫‪252‬‬

‫دخل قصدًا‪،‬أو عن القصد اعتزل‪،‬‬
‫وقيل ل‪ ،‬ولنذكر التفصيل‬

253

‫الفصل الخامس‬

‫دمسسغ البسساطسسل‬
‫وفيه مبحثان‬

‫ض العوامل المقدوح بها في دقة تلقي النبي‪‬‬
‫ث بع َ‬
‫وفيه يذكر الباح ُ‬
‫‪ ‬من منظور البحث وزاويته‪ ،‬فبعدما‬
‫ألفاظ القرآن الكريم من جبريل‬
‫توافرت عوامل اليجاب على تحرير متعلقات موضوع تلقي النبي ‪‬‬
‫ألفاظ القرآن من جبريل‪ ،‬وجبت الشارة إلى نفي عوامل السلب عن ذلك‬
‫التلقي من حيث خصوص هذا الموضوع‪ ،‬فكان هذا الفصل منعقدًا لهذه‬
‫الغاية ‪.‬‬
‫ل ضمن ما سبق‪ ،‬فبمجرد‬
‫ض ما يقدح به في هذا الموضوع داخ ٌ‬
‫ح ُ‬
‫وَد ْ‬
‫معرفة طبيعة الوحي القرآني‪ ،‬وإنزاله‪ ،‬وتعليمه‪ ،‬وَتَعّلِمه بين النبي‪‬‬
‫سَقَمة القلوب قد‬
‫ض كل شبهٍة‪ ،‬ولكن مرضى العقول‪ ،‬و َ‬
‫وجبريل‪ُ‬تْدح ُ‬
‫تعتريهم نفثات الشياطين‪ ،‬فيورون َزْنَد الشبهة‪ ،‬ليوقعوا غيرهم في البلبلة‬
‫والضطراب التصوري لحقائق القضايا العتقادية‪ ،‬وليس المر مع‬
‫الصنف الول مستلزمًا النقاش لفساد الصل الذي يتكئون عليه‪ ،‬إل أن‬
‫النقاش يكون مع من يتأثر بعقابيل أقوالهم‪ ،‬وخبال زللهم…ومجموع الشبه‬
‫الواردة في باب تلقي النبي‪ ‬ألفاظ القرآن من جبريل‪َ‬مَرّدها إلى جهتين‪:‬‬
‫جهة تأثير العوامل الخارجية‪ :‬على تلقي النبي ‪ ‬من حيث أن‬
‫حي له قد يكون‬
‫عم أن المو ِ‬
‫جبريل‪ ‬ينتمي إلى العالم الغيبي‪ ،‬فقد ُيْز َ‬
‫ساحرًا‪ ،‬أو جنًا‪ ،‬أو يؤثر هذان في النبي‪ ‬حال َتَلّقيه الوحي‪ ،‬فيحسب‬
‫الكلمة من جبريل‪ ‬وهي من غيره‪ ،‬فجماع هذه العوامل هو التهام‬

‫‪254‬‬

‫بالتخيل لعدم الثقة بكون الُمْلِقي بالوحي هو جبريل ‪ ‬لحتمالية كونه‬
‫غيره ‪.‬‬
‫وجهة تأثير العوامل الداخلية‪ :‬وُيراد بها ما يعتري النسان من‬
‫ف‪ ،‬وقصوٍر يؤثران على استيعابه للفظ القرآن الكريم؛ إذ لم يخرج‬
‫ضع ٍ‬
‫النبي ‪ ‬عن طبيعته البشرية وهو يتلقى الوحي القرآني‪ ،‬والنسيان‬
‫والقصور البشري أنموذجان لهذا النوع من العوامل ‪ .‬فيتألف هذا الفصل‬
‫من مبحثين‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬العوامل الخارجية ‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬العوامل الداخلية ‪.‬‬
‫على أن شرط البحث في الكلم عن هذا الموضوع أل يتطرق‬
‫للعوامل الخرى التي قذف بها المشركون‪ ،‬ول تعلق لها بالتلقي من جبريل‬
‫‪ ،‬كالتهام بكونه‪ ‬شاعرًا)‪ ،(705‬أو كذابًا‪ ،‬تنـزه عما يقول الظالمون‪ ،‬أو‬
‫خِر ٌ‬
‫ج‬
‫اتهام المسلمين بضياع شيٍء من القرآن)‪…(706‬؛ إذ الخوض في ذلك مُ ْ‬
‫للبحث عما هو له…ولذا فإن حركة البحث هاهنا ستنحصر في هذا الشرط‬
‫دون غيره ‪.‬‬

‫المبحث الول‪:‬‬
‫دفع العوامل الخارجية‪:‬‬
‫يجمع العوامل الخارجية المقدوح بها في صحة تلقي اللفظ )التخيل(‪،‬‬
‫وتنقسم إلى خمسة أقساٍم من حيث درؤها عن صحة تلقي النبي‪، ‬ويمكن‬
‫ص من حيث درؤها عن دقة تلقي النبي ‪‬‬
‫عها إلى أمرين‪ :‬عاٍم وخا ٍ‬
‫إرجا ُ‬
‫ل عن صحة تلقيه‪ ،‬يكونان مطلبي المبحث‪:‬‬
‫فض ً‬
‫المطلب الول‪ :‬دفع تهمة التخيل في تلقي ألفاظ القرآن بصفة عامة ‪.‬‬

‫مل ٍْبس لشخصية جبريل ‪‬بغيره‪ ،‬وكذلك لم ي ُت َ َ‬
‫كلم عن‬
‫‪ ()705‬ولن ال ِ‬
‫شْعر ل يعود إلى التخيل ال ُ‬
‫الكهانة لنها ترجع إلى التخيل بسبب الجن أو السحر‪ ،‬فت ُك ُّلم عن أصلها ‪.‬‬
‫‪ ()706‬انظر في هذا الباب‪ :‬نكت النتصار للباقلني‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬فقد أنشأه مؤلفه لمثل ذلك‬
‫‪.‬‬

‫‪255‬‬

‫المطلسسب الثسساني‪ :‬دفسسع تهمسسة التخيسسل فسسي تلقسسي ألفسساظ‬
‫القرآن من حيث تفصيل العوامل المظنون إحداثها التخيل‬
‫‪.‬‬

‫المطلب الول‪ :‬دفع تهمة التخيل في تلقي ألفاظ القرآن بصفة‬
‫عامة‪:‬‬
‫يرجع هذا الدفع إلى جميع أركان تلقي اللفظ القرآني‪ :‬من اللفظ في‬
‫ذاته‪ ،‬وطرفي التصال‪ ،‬وطبيعة الدين السلمي‪ ،‬وينحصر ذلك الدفع‬
‫فيما يلي‪:‬‬
‫ن عاٌم‪ ،‬إثباتًا للقرآن‪،‬‬
‫‪ - 1‬بالضمان اللهي بالحفظ لكتابه‪ :‬وهذا ضما ٌ‬
‫ه‬
‫ونفيًا لما عداه عنه‪ ،‬ومستنده قوله‬
‫‪‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫وإ ِّنا ل َ ُ‬
‫ن ن َّزل َْنا الذّك َْر َ‬
‫ف ُ‬
‫‪" ‬الحجر ‪. "9/‬‬
‫ن‬
‫حا ِ‬
‫ظو َ‬
‫لَ َ‬
‫‪707‬‬
‫وتقدم أن الحفظ يقتضي الحراسة والمراقبة) (‪ ،‬وهو مدلوله هنا…‬
‫وفي هذه الية جيء بالجملة السمية مؤكدًة بتوكيدين‪ ،‬ونسب فيها الحفظ‬
‫المحذوف متعّلقه إفادًة للعموم إلى ضمير العظمة‪ ،‬وفي ذلك من الدللة على‬
‫العتناء بأمر القرآن ما فيه)‪. (708‬‬
‫‪ - 2‬بالضمان اللهي بعدم تطرق شائبٍة من الباطل إليه‪ :‬وهذا ضما ٌ‬
‫ن‬
‫ص يدحر عوامل السلب‪ ،‬بعد الضمان العام بالمحافظة الشاملة لثبات‬
‫خا ٌ‬
‫كلم ال‪ ‬في كتابه‪ ،‬ونفي أن يتطرق إليه غيره‪ ،‬فكان هذا الضمان تأكيدًا‬
‫ثانيًا على نفي عوامل السلب من أن تتطرق لكتاب ال‪ ،‬كما قال ‪‬‬
‫ْ‬
‫ه ال َْباطِ ُ‬
‫ن‬
‫ب َ‬
‫ول َ ِ‬
‫ن ي َدَي ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫زيٌز ل َ ي َأِتي ِ‬
‫ه ل َك َِتا ٌ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ع ِ‬
‫ن ب َي ْ ِ‬
‫زي ٌ‬
‫ميٍد‪" ‬فصلت ‪ ،"42- 41/‬والمراد‬
‫َ‬
‫خل ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ح ِ‬
‫ل ِ‬
‫ف ِ‬
‫كيم ٍ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ه َتن ِ‬
‫‪709‬‬
‫استمرار النفي‪ ،‬ل نفي الستمرار) (‪.‬‬
‫وإثبات هذا النفي يعتمد على إحدى مقدمتين‪:‬‬
‫إما أن يثبت للمدعو صدق الرسول‪ ‬في دعوى الرسالة بغير بينة‬
‫صّدق ‪-‬بعُد‪ -‬في هذا الضمان‪،‬‬
‫القرآن الكريم‪ِ ،‬لُي َ‬
‫‪ ()707‬انظر‪ :‬المبحث الخامس من الفصل الرابع ص ‪. 235‬‬
‫‪ ()708‬انظر‪ :‬روح المعاني ‪ ،14/12‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()709‬انظر‪ :‬روح المعاني ‪ ،17/271‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪256‬‬

‫وإما أن يثبت للمدعو كون القرآن بلفظه‪ ،‬أو بمعناه‪ ،‬أو بهما معًا ليسا من‬
‫ق الرسول‬
‫صّد َ‬
‫ث من القرآن ُيْتَلى‪َ ،‬فُي َ‬
‫بشٍر‪ ،‬بل من ال‪ ‬من خلل بضٍع حدي ٍ‬
‫‪710‬‬
‫‪ ‬في بقية القرآن …‪ .‬وقد تحققت كل المقدمتين) (‪.‬‬
‫‪ - 3‬بمعرفة طبيعة الوحي القرآني‪ :‬إذ حقيقته كلم ال‪ ‬الذي أنـزل إلى‬
‫الرض لينذر به من حضر‪ ،‬ومن بلغ‪ ،‬وهذا يقتضي الديمومة والبقاء‬
‫والهيمنة…وإذا كانت هذه ماهيته‪ ،‬فيستحيل طروء تغيير فيه من خارج‬
‫مكان إنـزاله‪ ،‬ولذا ورد في سورة التكوير الربط بين نفي ما وجه إلى‬
‫ن‬
‫ن ُ‬
‫عال َ ِ‬
‫الرسول الكرم ‪‬وبين طبيعة الوحي‪‬إ ِ ْ‬
‫و إ ِل ّ ِذك ٌْر ل ِل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫ه َ‬
‫‪" ‬التكوير‪ ،"27/‬وكذلك في سورة النجم حيث نفى طعن الطاعنين في‬
‫ض ّ‬
‫ما‬
‫صا ِ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫حب ُك ُ ْ‬
‫الوحي الذي يتلوه رسول ال ‪ ‬بقوله‪َ  ‬‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن طبيعة الوحي‬
‫ن ال َْهَوى‪" ‬النجم ‪ ،"3-2/‬ثم َبّي َ‬
‫ق َ‬
‫ع ْ‬
‫ما ي َن ْطِ ُ‬
‫و َ‬
‫وى* َ‬
‫غ َ‬
‫حى‪" ‬النجم‪ ،"4/‬فدعوى التخيل فيه‬
‫ن ُ‬
‫بقوله‪ ‬إ ِ ْ‬
‫ي ُيو َ‬
‫و ْ‬
‫و إ ِل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ح ٌ‬
‫سّلُم بالوحي ابتداء‪ ،‬ثم يعتريه‬
‫مضاد لطبيعته‪ ،‬وهذا التقرير يكون لمن ُي َ‬
‫ف من القول‪ :‬بأن‬
‫خْل ٍ‬
‫إرجاف المرجفين؛إذ لو استجاب للشبهة لوصل إلى ُ‬
‫سّلَم بالوحي القرآني ويعرف طبيعته‪ ،‬ثم ينقضه بقبول المرجفات حوله ‪.‬‬
‫ُي َ‬
‫وما سبق كان حفظًا للُمْنـَزل‪ ،‬ونفيًا لي دخل من خلل القرآن‬
‫ف في نفي ما يظنه المتخرص رجمًا بالغيب‪ ،‬وَثّم‬
‫الُمْلَقى‪ ،‬فتصوره كا ٍ‬
‫ح في صحة تلقي اللفظ‬
‫ي لي قد ٍ‬
‫ظ للنازل به‪ ،‬والُمْنـَزل عليه‪ ،‬ونف ٌ‬
‫حف ٌ‬
‫القرآني‪ ،‬ودقته من خلل ذلك‪ ،‬وهو ما يأتي‪:‬‬
‫‪ - 4‬بتأكيد التصال الحسي بين جبريل‪ ‬والنبي ‪ ‬وهو ما تراه في قوله‬
‫ما َرَأى * أ َ َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ف َ‬
‫ما ي ََرى‬
‫ه َ‬
‫ما ك َذَ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ماُرون َ ُ‬
‫فت ُ َ‬
‫ؤادُ َ‬
‫‪َ : ‬‬
‫‪" ‬النجم ‪. "12-11/‬‬
‫فالكذب يطلق على التخيل والتلبيس من الحواس‪ ،‬كما يقال‪ :‬كذبته‬
‫عينه)‪ ،(711‬وهم ولجوا له من باب التخيل مجادلة أو جحودًا‪ ،‬إذ قراءة‬
‫ماُرون َُه‪ (712)‬من المراء وهي المجادلة‪ ،‬وقراءة‬
‫‪‬ت ُ َ‬
‫‪ ()710‬راجع مث ً‬
‫ل‪ :‬القاضي عياض بن موسى اليحصبي‪ :‬الشفا تعريف حقوق المصطفى‪ ،‬دار‬
‫الكتب العلمية‪ ،‬بيروت ‪ -‬لبنان‪ ،‬وغيرها من كتب السيرة أو العجاز القرآني البياني والعلمي‬
‫والتشريعي… ‪.‬‬
‫‪ ()711‬التحرير والتنوير ‪ ،26/99‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()712‬قرأ )تمارونه( بإثبات اللف أبو عمرو وابن كثير ونافع وابن عامر وأبو جعفر وعاصم من‬
‫العشرة‪ ،‬والبقية بحذف اللف‪ .‬انظر‪ :‬طيبة النشر في القراءات العشر‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬عند‬

‫‪257‬‬

‫مُرون َُه‪‬من مراه إذا جحده‪ ،‬كأنه قال‪ :‬بعضكم يجادله‪ ،‬وبعضكم‬
‫‪‬ت ُ ْ‬
‫يجحده‪ ،‬كما هو المعتاد في توزيع الدوار المخطط أو التلقائي في عالم‬
‫المعاندين ‪.‬‬
‫َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ف َ‬
‫رأى‪" ‬النجم‪/‬‬
‫ما ك َذَ َ‬
‫ؤادُ َ‬
‫فالظهر أن قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫ما َ‬
‫‪ ،"11‬تدور حول معنيين‪:‬‬
‫ب من المشركين فيما بلغهم من الخبر عن‬
‫أحدهما‪ :‬أن هذا رٌد لتكذي ٍ‬
‫رؤية النبي ‪ ‬المَلك جبريل ‪ ،‬وهو الذي يؤذن به قوله ‪-‬بعد‪-‬‬
‫‪‬أ َ َ‬
‫عَلى َما ي ََرى‪ ‬و‪‬ال‪ ‬في قوله‬
‫ه َ‬
‫ماُرون َ ُ‬
‫فت ُ َ‬
‫‪‬ال ْ ُ‬
‫ض عن المضاف إليه‪ ،‬أي فؤاده‪ ،‬وعليه فيكون تفريع‬
‫فَؤاد‪ ‬عو ٌ‬
‫الستفهام في قوله ‪‬أ َ َ‬
‫عَلى َما ي ََرى‪ ‬استفهامًا‬
‫ه َ‬
‫ماُرون َ ُ‬
‫فت ُ َ‬
‫إنكاريًا لنهم ماروه ‪.‬‬
‫َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫فَؤادُ َما َرأى‪ ‬تأكيدًا‬
‫ما ك َذَ َ‬
‫والخر‪ :‬أن يكون ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ب َ‬
‫ن َ‬
‫لمضمون قوله ‪َ ‬‬
‫ن أْو أدَْنى‪ ‬لرفع احتمال‬
‫كا َ‬
‫قا َ‬
‫و َ‬
‫ق ْ‬
‫سي ْ ِ‬
‫ي‪ ،‬وليس مجرد اتصا ٍ‬
‫ل‬
‫ب حس ٌ‬
‫المجاز في تشبيه العرب‪ ،‬أي هو قر ٌ‬
‫روحاني‪ ،‬فيكون الستفهام في قوله‪‬أ َ‬
‫ل في‬
‫ماُرون َُه‪ ‬مستعم ً‬
‫فت ُ َ‬
‫الفرض‪ ،‬والتقدير‪ :‬أفستكذبونه فيما يرى بعينيه‪ ،‬كما كذبتموه فيما بلغكم‬
‫عن ال‪.(713)‬‬

‫قول الناظم في سورة النجم‪) :‬تمروا تماروا حبر عم‬
‫‪ ()713‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،26/99‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪258‬‬

‫نصنا( ‪.‬‬

‫والمعنى‪ :‬رآه بعينه‪ ،‬وعرفه بقلبه‪ ،‬ولم يشك في أن ما رآه حق)‪،(714‬‬
‫ب ‪ ‬تفيد يقينه مما رآه‪،‬‬
‫ويمكن للباحث أن يقول‪ :‬إن قراءة التشديد ‪‬ك َذّ َ‬
‫ب ‪ ‬تفيد صدقه فيما نقل )‪ …(715‬وفي ذلك‬
‫وقراءة التخفيف ‪‬ك َذَ َ‬
‫تنويٌه بمدى الدقة‪ ،‬وطمأنينٌة بحقيقة الواقع المحكي… وتعدية الفعل‬
‫بحرف الستعلء لتضمنه معنى الغلبة أي‪ :‬هبكم غالبتموه على عبادتكم‬
‫اللهة‪ ،‬وعلى العراض عن سماع القرآن‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬أتغلبونه على ما‬
‫رأى ببصره)‪ ،(716‬فهذا المقطع يؤكد تلقي الرسول ‪ ‬عن جبريل ‪ ‬تلقي‬
‫ن فحسب‪ ،‬وخص الفؤاد؛ لن رؤية‬
‫ب‪ ،‬وعي ٍ‬
‫ن ودقٍة‪ ،‬ل رؤية قل ٍ‬
‫رؤيٍة‪ ،‬وتمك ٍ‬
‫الفؤاد ل يتأتى معها تخيل‪ ،‬بخلف رؤية العين التي قد تخدع خداع‬
‫نظر)‪ ،(717‬وقد تقدم مرارًا)‪(718‬أن رؤية النبي‪ ‬لجبريل‪ ‬وسماعه له‬
‫ل بمركز السمع والبصر في الفؤاد مباشرة ‪.‬‬
‫حال إلقاء الوحي يكون متص ً‬
‫‪()714‬انظر‪ :‬البحر المحيط ‪ ،8/158‬مرجع سابق‪ ،‬وقد قيل‪ :‬إن المرئي هو ال ‪ ،‬ويكفيه ضعفًا حديث‬
‫عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬المتقدم لفظه في المبحث الول من الفصل الثالث ص ‪ 77‬وما قبلها‪،-‬‬
‫والحديث في صحيح مسلم ‪ ،1/159‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫ل جرم أن نقدم خبر عائشة على تأويل ابن‬
‫عباس؛ فترجيحه ظاهٌر من حيث أنها سألت رسول‬
‫الله ‪ ،‬أما ابن عباس فظاهر كلمه أنه مجرد‬
‫استنتاج‪ ،‬فتطرق الحتمال إلى روايات غيرها ل إلى‬
‫حديثها كما هو ظاهر‪ ،‬وانظر‪ :‬البحر ‪ ،8/158‬مرجع‬
‫سابق‪ ،‬تفسير ابن كثير ‪ ،4/210‬مرجع سابق‪،‬‬
‫وانظر‪ :‬المبحث الول في الفصل الثالث ‪.‬‬
‫‪ ()715‬قرأ بالتثقيل هشام عن ابن عامر‪ ،‬وأبو جعفر من العشرة‪ ،‬وبقية العشرة بالتخفيف…‬
‫انظر‪) :‬ابن الجزري( محمد بن محمد بن محمد بن علي ت ‪833‬هس‪ :‬طيبة النشر في‬
‫القراءات العشر ص ‪ ،97‬مرجع سابق‪ ،‬عند قول الناظم‪) :‬كذب الثقيل لي ثنا( ‪.‬‬
‫‪ ()716‬انظر‪ :‬حاشية الصاوي ‪ ،175 /4‬مرجع سابق‪ ،‬التحرير والتنوير ‪ ،26/99‬مرجع سابق‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬إن المراد أمر السراء والمعراج‪ ،‬والسياق وسبب السورة ُيبعدان ذلك‪ ،‬وتقدم نوع‬
‫إشارة لذلك‪ ،‬انظر ‪ :‬المبحث الول من الفصل الثالث ص ‪. 72‬‬
‫‪ ()717‬انظر‪ :‬ظلل القرآن ‪ ،6/3405‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()718‬انظر –مث ً‬
‫ل‪ :-‬المبحث الول من الفصل الثالث ص ‪. 77‬‬

‫‪259‬‬

‫‪ -5‬برؤية النبي ‪ ‬لجبريل‪ ‬في صورته التي خلقه ال‪ ‬عليها عيانًا‬
‫ُ‬
‫ول َ َ‬
‫ن‪" ‬التكوير‪ ،"23/‬وقال‪:‬‬
‫قدْ َرآهُ ِبالفق ال ْ ُ‬
‫كما قال‪َ : ‬‬
‫مِبي ِ‬
‫ول َ َ‬
‫خَرى‪"‬النجم‪ :"13/‬أي إن كنتم تجحدون رؤيته‪‬‬
‫ة أُ ْ‬
‫قدْ َرآهُ ن َْزل َ ً‬
‫‪َ ‬‬
‫لجبريل ‪‬في الرض‪ ،‬فلقد رآه رؤية أعظم من حين يأتي إليه للوحي إذ‬
‫رآه في العالم العلوي…وأكد ذلك بالقسم‪ ،‬فضمير الرفع في رآه عائد إلى‬
‫ما‬
‫صاحبكم‪ ،‬وضمير النصب عائد إلى جبريل‪ ،‬وأكد ذلك بقوله ‪َ ‬‬
‫َزا َ‬
‫صُر َوَما طََغى‪" ‬النجم‪ ،"17/‬أي‪ :‬رأى جبريل ‪‬رؤية ل‬
‫غ ال ْب َ َ‬
‫خطأ فيها‪ ،‬ول زيادة على وصف‪ ،‬أي ل مبالغة فيها)‪. (719‬‬
‫ومن حكم رؤية النبي ‪‬لجبريل‪ ‬في هيئته التي خلق عليها‪ :‬أن‬
‫ن في ذاته إلى ملئكية جبريل ‪‬فرآه على هيئته الحقيقية مرتين‪،‬‬
‫طَمِئ ّ‬
‫َي ْ‬
‫ول َ َ‬
‫د‪ ‬موطئٌة للقسم‪ ،‬أي‪ :‬وبال‬
‫ق ْ‬
‫وأكد ذلك بالقسم؛ إذ اللم في قوله ‪َ ‬‬
‫لقد رآه)‪. (720‬‬
‫لفق المبين‪ ،‬قيل‪ :‬بعد أمر غار حراء‪ ،‬حين رآه‬
‫فالمرة الولى‪ :‬با ُ‬
‫لفق‪ :‬الفضاء‬
‫ي بين السماء والرض له ستمائة جناح)‪ ،(721‬وا ُ‬
‫على كرس ٍ‬
‫الذي يبدو للعين من الكرة الهوائية بين طرفي مطلع الشمس ومغربها من‬
‫حيث يلوح ضوء الفجر ويبدو شفق الغروب‪ ،‬وهو يلوح كأنه قبة زرقاء‪،‬‬
‫لفق غير ذلك‬
‫والمعنى‪ :‬رآه بين السماء والرض‪ ،‬وقيل في معنى ا ُ‬
‫‪722‬‬
‫لفق الواضح البين‪،‬‬
‫ن‪ ‬أي ا ُ‬
‫) ( ‪...‬وأيًا كان فوصفه بـ ‪‬ال ْ ُ‬
‫مِبي ِ‬
‫لفق الذي تراءى فيه جبريل ‪ ‬للنبي ‪ ‬بأنه ُأف ٌ‬
‫ق‬
‫والمقصود‪ :‬نعت ا ُ‬
‫ن ل تشتبه فيه المرئيات‪ ،‬ول يتخيل فيه الخيال‪ ،‬وجعلت تلك‬
‫ح بي ٌ‬
‫واض ٌ‬
‫ل؛ لن الخيلة التي يتخيلها‬
‫الصفة علمًة على أن المرئي ملك‪ ،‬وليس بخيا ٍ‬
‫‪ ()719‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،26/100‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()720‬روح المعاني ‪ ،3/106‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()721‬انظر‪ :‬البخاري ‪ ،1/3‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()722‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،26/100‬مرجع سابق‪ ،‬والغير المذكور ليس المراد منه‬
‫المغايرة الكلية )التباين( بل من حيث الخصوص‪ ،‬أي اختلف في تحديد مكان جهة ا ُ‬
‫لفق ‪.‬‬

‫‪260‬‬

‫المجانين إنما يتخيلونها على الرض تابعًة لهم على ما تعودوه من وقت‬
‫الصحة)‪ ،(723‬وقد وصف النبي ‪ ‬المَلك الذي رآه عند نـزول سورة المدثر‬
‫ي بين السماء والرض)‪ ،(724‬ولهذا تكرر ذكر ظهور المَلك‬
‫بأنه على كرس ٍ‬
‫ديدُ ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫وى)‪ُ (5‬‬
‫ذو‬
‫با ُ‬
‫لفق في سورة النجم في قوله‪َ  ‬‬
‫ش ِ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫ق َ‬
‫و ِبال ُ ُ‬
‫ة َ‬
‫عَلى‪- ‬إلى أن قال‪-‬‬
‫ق ال َ ْ‬
‫و ُ‬
‫مّر ٍ‬
‫ِ‬
‫فا ْ‬
‫ه َ‬
‫وى)‪َ (6‬‬
‫ست َ َ‬
‫ف ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ول َ َ‬
‫‪‬أ َ‬
‫وى‬
‫ةأ ْ‬
‫ه َ‬
‫قدْ َرآهُ ن َْزل َ ً‬
‫عَلى َ‬
‫ماُرون َ ُ‬
‫فت ُ َ‬
‫خَرى…المأ َ‬
‫ما ي ََرى َ‬
‫‪"‬النجم‪. "18-5/‬‬
‫والمرة الخرى عند سدرة المنتهى)‪ ،(725‬وتكرار الرؤية للتأكيد؛ لئل‬
‫يكون للوهم سبيل إلى نفسه وسائر من بلغ من الخلق أجمعين‪ ،‬وقد كانت‬
‫ك فيه‪ ،‬ول يزيغ البصر عنده‪ ،‬ول يطغى ‪.‬‬
‫شّ‬
‫ن ل ُي َ‬
‫الخرى في مكا ٍ‬
‫‪ – 6‬عصمته ‪ ‬من التقول على ال‪ ‬عمدًا‪ ،‬أو خطأ‪ ،‬أو سهوًا‪ ،‬وكل‬
‫ل في حقه ‪ ،‬وقد اجتمعت المة على عصمته فيما طريقه البلغ‬
‫ذلك محا ٌ‬
‫من القوال‪ ،‬وأنه معصوٌم عن الخبار عن شيٍء منها بخلف ما هو به ل‬
‫‪726‬‬
‫قصدًا ول عمدًا‪ ،‬ول سهوًا‪ ،‬ول غلطًا) (‪ ،‬ولذا قال الحلبي ‪-‬رحمه ال تعالى‪-‬‬
‫عِلَم وتقرر في النفوس من عصمة النبياء من الشيطان‪،‬‬
‫في سيرته‪ُ " :‬‬
‫‪727‬‬
‫واختص نبينا ‪‬من بين سائر النبياء‪-‬عليهم الصلة والسلم‪-‬بالختم) (‬
‫في المحل المذكور مبالغًة في حفظه من الشيطان‪ ،‬وقطع أطماعه")‪.(728‬‬
‫ول يعني ذلك نفي سهوه‪ ،‬أو نسيانه مطلقًا‪ ،‬بل يحدث ذلك منه لمكان‬
‫ن المنفي بقاء ذلك بما ل‬
‫القتداء بما يترتب على سهوه‪ ،‬أو نسيانه‪ ،‬لك ّ‬
‫‪()723‬‬
‫‪()724‬‬
‫‪()725‬‬
‫‪()726‬‬
‫‪()727‬‬

‫التحرير والتنوير ‪ ،30/159‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫انظر‪ :‬البخاري ‪ ،3 / 1‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫راجع‪ :‬البحر المحيط ‪ ،8/435‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫الشفا تعريف حقوق المصطفى ينظر ‪ 2/20‬وما بعدها‪ ،‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫يعني الخاتم الذي كان بين كتفيه ‪‬المعروف بخاتم النبوة ‪.‬‬

‫‪) ()728‬الحلبي( علي بن برهان الدين ت ‪1044‬هـ‪ :‬السيرة الحلبية في سيرة المين المأمون ‪،1/161‬‬
‫دار المعرفة – بيروت ‪1400‬هـ‪ ،‬وقد ألف في عصمة النبياء‪ :‬المام شمس الئمة الكردري الحنفي‬
‫المتوفى سنة ‪642‬هـ‪ ،‬ببخارى‬
‫كتاب‪" :‬تأسيس القواعد"‪ ،‬قال حاجي خليفة‪" :‬وهو كتاب عصمة النبياء" انظر‪ :‬كشف الظنون‬
‫لحاجي خليفة ‪ ،1/333‬مرجع سابق‪ ،‬وفي ‪" :2/1141‬عصمة النبياء" لفخر الدين الرازي‪ ،‬و‬
‫"عصمة النبياء وتحفة الصفياء" للشيخ أحمد بن الشيخ مصلح الدين الشهير بالمركز وابن السيف‬
‫ب يحتوى عشرة فصول ‪.‬‬
‫ل‪ ،‬كل با ٍ‬
‫ب ثلثة‪ ،‬ومفصلًة على ستين فص ً‬
‫الكرميانى مبوبًة على أبوا ٍ‬

‫‪261‬‬

‫حَكُم معه كلمات ال‪ ،‬وذا شبيٌه بما كان يصدر منه ‪ ‬من السهو في‬
‫ُت ْ‬
‫الصلة‪ ،‬فكذلك سهوه في قراءة القرآن بعد البلغ‪ ،‬ومكان التفصيل في‬
‫ذلك بعد قليل ‪-‬إن شاء ال تعالى‪. (729)-‬‬
‫ل من النبي‪ ‬سهوًا‪ ،‬أو‬
‫‪ - 7‬تدخل القدرة اللهية مباشرًة عند حصول تقو ٍ‬
‫ل وإل فهو غير‬
‫عمدًا مع عدم من يستطيع إثبات ذلك التقول‪ ،‬وهذا تنـز ً‬
‫َ‬
‫نا ْ‬
‫م يَ ُ‬
‫ه‬
‫واقٍع‪ ،‬ول متوق ٍ‬
‫فت ََرى َ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ع‪ ،‬ودليله قوله‪ ‬أ ْ‬
‫فإن ي َ ْ‬
‫قل ْب ِ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ه ال َْباطِ َ‬
‫ل‬
‫ه يَ ْ‬
‫م َ‬
‫كَ ِ‬
‫م ُ‬
‫ذًبا َ ِ ْ َ‬
‫ح الل ّ ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫خت ِ ْ‬
‫شأ الل ّ ُ‬
‫ك َ‬
‫و‬
‫وي ُ ِ‬
‫مات ِ ِ‬
‫ق ال ْ َ‬
‫ق ب ِك َل ِ َ‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫ول َ ْ‬
‫ه…‪" ‬الشورى‪ . "24/‬وقد شمل قوله‪َ  ‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫ل)‪(44‬ل َ‬
‫ل َ‬
‫ه ِبالي َ ِ‬
‫خذَْنا ِ‬
‫علي َْنا ب َ ْ‬
‫ن)‪(45‬ث ُ ّ‬
‫من ْ ُ‬
‫ع َ‬
‫وي ِ‬
‫ت َق ّ‬
‫ض القا ِ‬
‫مي ِ‬
‫َ‬
‫ن)‪َ (46‬‬
‫لَ َ‬
‫ن‪‬‬
‫د َ‬
‫ح ٍ‬
‫م ِ‬
‫ما ِ‬
‫عَنا ِ‬
‫ه َ‬
‫نأ َ‬
‫قطَ ْ‬
‫زي َ‬
‫م ْ‬
‫وِتي َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫من ْ ُ‬
‫حا ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ج ِ‬

‫"الحاقة ‪ ،"47-44/‬حالة التقول عمدًا‪ ،‬أو سهوًا‪ ،‬وهو ما عبر عنه الشيخ إبراهيم‬
‫الكوراني‪-‬رحمه ال تعالى‪-‬بقوله‪" :‬السلطان المنفي عن العباد المخلصين‪ ،‬هو‬
‫الغواء أعني التلبيس المخل بأمر الدين‪ ،‬وهو الذي الجماع على أن النبي‬
‫‪ ‬معصوٌم منه"‪.‬‬
‫ل عن حرف من‬
‫‪ - 8‬استحالة تغيير هيئٍة من هيئات أدائه‪ ‬فض ً‬
‫ذا ت ُت َْلى َ َ‬
‫ت َ‬
‫قا َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ل‬
‫م آَيات َُنا ب َي َّنا ٍ‬
‫ه ْ‬
‫حروفه؛ لقوله‪َ  ‬‬
‫علي ْ ِ‬

‫ه َ َ‬
‫ن َ‬
‫ه ُ‬
‫ت بِ ُ‬
‫ن لِ َ‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫ر َ‬
‫قاءََنا ائ ْ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫جو َ‬
‫ن ل ي َْر ُ‬
‫ذي َ‬
‫و ب َدّل ْ ُ‬
‫ذا أ ْ‬
‫قْرآ ٍ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫ء نَ ْ‬
‫ن ت ِل ْ َ‬
‫سي‪" ‬يونس‪ ،"15/‬وللمر‬
‫قا ِ‬
‫ف ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن ِلي أ ْ‬
‫كو ُ‬
‫م ْ‬
‫ن أب َدّل َ ُ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫قْرآن َُه‪‬‬
‫ن َ‬
‫اللهي المقترن بالوعد في قوله ‪ ‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ع ُ‬
‫ج ْ‬
‫ه َ‬

‫"القيامة‪ ،"17/‬كما تقدم)‪.(730‬‬
‫ي يناله بسوٍء في نفسه أو‬
‫‪-9‬بحراسة الرسول‪ ‬من أن يأتيه عدٌو غيب ٌ‬
‫ت قلب النبي ‪ ،‬وتزيد المؤمنين إيمانًا‪ ،‬وتدحر‬
‫وحيه‪ :‬هذه الحراسة ُتَثّب ُ‬
‫ْ‬
‫ب َ َ‬
‫هُر‬
‫م ال ْ َ‬
‫تخرصات المشركين‪ ،‬وذلك كما قال ‪َ :‬‬
‫عال ِ ُ‬
‫غي ْ ِ‬
‫فل ي ُظ ِ‬

‫غيب َ‬
‫سل ُ ُ‬
‫ل َ‬
‫ك‬
‫َ‬
‫ن اْرت َ َ‬
‫ضى ِ‬
‫عَلى َ ْ ِ ِ‬
‫ح ً‬
‫هأ َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ن َر ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫دا)‪(26‬إل ّ َ‬
‫سو ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫غوا‬
‫قدْ أب ْل َ ُ‬
‫ن َ‬
‫خل ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫و ِ‬
‫ن ي َدَي ْ ِ‬
‫ِ‬
‫مأ ْ‬
‫دا)‪ (27‬ل ِي َ ْ‬
‫ص ً‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫عل َ َ‬
‫ه َر َ‬
‫ه َ‬
‫ن ب َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫دا‬
‫د‬
‫ع‬
‫ء‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ش‬
‫ل‬
‫ك‬
‫صى‬
‫ح‬
‫أ‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫د‬
‫ل‬
‫ما‬
‫ب‬
‫ط‬
‫حا‬
‫أ‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ت‬
‫ل‬
‫سا‬
‫ر‬
‫َ‬
‫َ ً‬
‫ِ َ ّ ِ ْ َ َ‬
‫ِ َ‬
‫ِ َ‬
‫َ ْ ِ ْ َ ْ َ‬
‫ْ‬

‫‪" ‬الجن ‪."28 -26/‬‬

‫‪ ()729‬انظر‪ :‬المبحث الثاني من هذا الفصل ص ‪.275‬‬
‫‪ ()730‬انظر‪ :‬المبحث السادس من الفصل الثالث ص ‪.113‬‬

‫‪262‬‬

‫سل ُ ُ‬
‫فقوله ‪َ : ‬‬
‫ك‪ ‬وهو ل‬
‫ه‪ ‬عائد إلى ال ‪، ‬ي َ ْ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫محالة عائد إلى ال ‪ ،‬كما عاد إليه ضمير‪َ ‬‬
‫فإ ِن ُّه‪ ،‬والثالث والرابع‬
‫ه‪ ‬وهما عائدان إلى‬
‫ن َ‬
‫خل ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫و ِ‬
‫ن ي َدَي ْ ِ‬
‫ضميرا‪ِ ‬‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ن ب َي ْ ِ‬
‫دا‪‬من بين‬
‫ص ً‬
‫‪َ‬ر ُ‬
‫ل‪ ،‬أي فإن ال يسلك‪ ،‬أي يرسل للرسول ‪َ‬ر َ‬
‫سو ٍ‬
‫يدي الرسول ومن خلفه‪ ،‬أي ملئكٌة يحفظون الرسول ‪‬من إلقاء الشياطين‬
‫ن‬
‫إليه ما يخلط عليه ما أطلعه ال‬
‫‪ ‬عليه من غيوبه‪ ،‬والمراد بـ‪ِ ‬‬
‫م ْ‬
‫ن ب َي ْ ِ‬
‫ه‪ ‬الكناية عن جميع الجهات‪ ،‬والمراد من تلك الكناية‬
‫ن َ‬
‫خل ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫و ِ‬
‫ي َدَي ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫السلمة من التغيير والتحريف ‪.‬‬
‫سل ُ ُ‬
‫ك‬
‫والرصد‪ :‬اسم جمٍع‪ ،‬ونصب على أنه مفعو ٌ‬
‫ل به للفعل‪‬ي َ ْ‬
‫سل ُ ُ‬
‫‪ ‬ذلك ليبلغ‬
‫ك‪ ‬أي يفعل ال‬
‫‪ ،‬ويتعلق‪‬ل ِي َ ْ‬
‫م‪ ‬بقوله ‪‬ي َ ْ‬
‫عل َ َ‬
‫الغيب إلى الرسول‪ ،‬كما أرسل إليه ل يخالطه شيء مما ُيْلِبسُ عليه‬
‫الوحي‪ ،‬ويعلم ال‪ ‬أن الرسل أبلغوا ما أوحي إليهم‪ ،‬كما بعثه دون‬
‫تغيير ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫م‪ ‬أن الغيب‬
‫قدْ أب ْل َ ُ‬
‫سال َ ِ‬
‫وُفهم من قوله ‪‬أ ْ‬
‫ر َ‬
‫ه ْ‬
‫غوا ِ‬
‫ت َرب ّ ِ‬
‫المُتحَدث عنه هو الغيب المتعلق بالشريعة وأصولها من البعث والجزاء‪،‬‬
‫ورأس ذلك الوحي القرآني‪ ،‬وقوله ‪َ  ‬‬
‫ط بِ َ َ‬
‫حا َ‬
‫م‬
‫وأ َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ما لدَي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫صى ك ُ ّ‬
‫عدًَدا‪ ‬الواو واو الحال فالجملة حاليٌة‪ ،‬أو أن‬
‫ي ٍ‬
‫ء َ‬
‫وأ ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫غوا‬
‫الجملة اعتراضية؛ لن مضمونها تذيي ٌ‬
‫قدْ أب ْل ُ‬
‫ل لجملة‪‬أ ْ‬
‫م‪ ‬أي أحاط بجميع ما لدى الرسل من تبليغ وغيره‪،‬‬
‫سال َ ِ‬
‫ر َ‬
‫ه ْ‬
‫ِ‬
‫ت َرب ّ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‪‬‬
‫ه‬
‫ي‬
‫د‬
‫ل‬
‫ما‬
‫ب‬
‫ط‬
‫حا‬
‫أ‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫فقوله‬
‫ذلك‪،‬‬
‫عدا‬
‫مما‬
‫ٍ‬
‫ء‬
‫شي‬
‫بكل‬
‫وأحاط‬
‫َ َ‬
‫َ ْ ِ ْ‬
‫ِ َ‬
‫سل إليهم‪ ،‬وقوله‬
‫تعميٌم بعد تخصيص ما قبله بعلمه‪ ،‬وتبليغهم ما ُأر ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫ل َ‬
‫صى ك ُ ّ‬
‫عدًَدا‪ ‬تعميٌم أشمل بعد تعميم ‪.‬وعّبر عن‬
‫ي ٍ‬
‫ء َ‬
‫وأ ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫العلم بالحصاء على طريقة الستعارة تنبيهًا بعلم الشياء بمعرفة العداد‪،‬‬
‫ل على دقة وشمول العلم اللهي)‪.(731‬‬
‫وذلك دا ٌ‬
‫وهذا الحفظ يشمل الرسول المَلكي‪ ،‬والرسول البشري لعموم‬
‫ى آخر‪ :‬هو‬
‫ح لمعن ً‬
‫لم‪ ‬صال ٌ‬
‫ل‪ ،‬والضمير في ‪‬ل ِي َْع َ َ‬
‫‪ِ ‬‬
‫ن َر ُ‬
‫م ْ‬
‫سو ٍ‬
‫العودة على الرسل‪ ،‬أي ليعلم الرسل‪ ،‬والمراد هنا زيادة اطمئنانهم بأن ما‬
‫‪ ()731‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،29/154‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪263‬‬

‫أمروا بتبليغه هو ذاته ما بّلغوه لم يستطع أحٌد أن يزيد فيه أو ينقص‬
‫ى ثالث‬
‫للحراسة الغيبية من العالم الغيبي المعادي‪ ،‬كما يصلح الضمير لمعن ً‬
‫هو العودة على المشركين‪ ،‬والتقدير‪ :‬ليعلم أهل الشرك أن الرسل قد أبلغوا‬
‫رسالت ربهم…)‪.(732‬‬
‫ة لمــا قبلــه( بتفصــيل صــفات‬
‫‪) - 10‬وهــو كلي ـ ٌ‬
‫الرسول السسذي يحملسسه‪ ،‬والرسسسول السسذي ي ُب َّلغسسه والتأكيسسد‬
‫عليها‪ :‬إذ يلزم عنهسسا لسسذاتها نفسسي تسسسرب الخلسسل وهمسًا‪ ،‬أو‬
‫تخي ً‬
‫ل‪ ،‬نقصا ً أو زيادة‪ ،‬وقسد تقسدمت مسؤهلت المعلسم الستي‬
‫‪733‬‬
‫س) (‪،‬‬
‫ب‪ ،‬ودحسسر كسسل‬
‫يلزم عنها لذاتها نفي كل ري ٍ‬
‫‪734‬وسسسوا ٍ‬
‫كما تقدمت التهيئة الخاصة بالرسول ‪.( ) ‬‬
‫ة لما قبله أيضًا(إكمال الدين‪ ،‬فقد‬
‫‪) - 11‬وهو كلي ٌ‬
‫َ‬
‫ف‬
‫م‪"‬المائدة ‪ ،" 3/‬س وهو كسسا ٍ‬
‫و َ‬
‫مل ْ ُ‬
‫م ِدين َك ُ ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫م أك ْ َ‬
‫قال‪ ‬ال ْي َ ْ‬
‫في منع الزيادة أو النقصان في اللفظ‪ ،‬ومن ثم فل مجسسال‬
‫لزيادة آيةٍ أو نقصانها في القرآن إل ما جاء من قائل هسسذه‬
‫الية‪ ،‬أي من اللسسه‪ ‬ممسسا نسسسزل بعسسد تلسسك اليسسة‪ ،‬والتعسسبير‬
‫بالكمسال للسدين دون التمسام فيسه مزيسد مزيسةٍ لنسه يعنسي‬
‫الكمال المطلق‪ ،‬أما التمام فهو التمام الضافي النسبي ‪.‬‬
‫‪ -12‬إجماٌل لنفي جميع العوامل‪ :‬بأن يقال‪ :‬الخلُل المقدوح به في تلقي‬
‫اللفظ القرآني‪ :‬إما أن يكون تخيل دائمًا‪ ،‬أو طارئًا‪،‬‬
‫ل برؤية المشركين وشهادتهم؛ إذ لم ير‬
‫فالول وهو التخيل الدائم باط ٌ‬
‫المشركون له ندًا في عقله أفيتهمونه بعد إذ بلغ أشده‪ ،‬وبلغ أربعين سنة؟‬
‫)‪.(735‬‬
‫‪ ()732‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪ ،367 /4‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()733‬انظر‪ :‬الفصل الول من هذه الدراسة ص ‪14‬‬
‫‪ ()734‬انظر‪ :‬المبحث الول من الفصل الثاني من هذه الدراسة ص ‪. 50‬‬
‫‪ ()735‬وفي ذلك قال النضر بن الحارث –وهو من ألد المشركين عداوة للنبي‪" :- ‬يا معشر‬
‫قريش! قد نزل بكم أمٌر ما أتيتم له بحيلةٍ بعد‪ ،‬قد كان محمد فيكم غلما ً حدثًا‪ :‬أرضاكم‬
‫فيكم‪ ،‬وأصدقكم حديثًا‪ ،‬وأعظمكم أمانة…حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب‪ ،‬وجاءكم بما‬
‫جاءكم به قلتم ساحر! ل والله ما هو بساحر‪ ،‬وقلتم كاهن! ل والله ما هو بكاهن! وقلتم‬
‫شاعر! ل والله ما هو بكاهن‪ ،‬وقلتم مجنون! ل والله ما بمجنون…يا معشر قريش! فانظروا‬
‫في شأنكم‪ ،‬فإنه قد نزل بكم أمر عظيم" ‪ .‬انظر‪ :‬أنساب الشراف للبلذري ‪. 1/139‬‬

‫‪264‬‬

‫والثاني وهو التخيل الطارئ‪ :‬إما أن يكون غير متعمٍد‪ ،‬وإما إن يكون‬
‫متعمدًا‪،‬‬
‫فالول وهو الطارئ غير المتعمد فليس إل الجنون‪ ،‬أو الضلل في‬
‫ن ‪"‬الدخان ‪ "14/‬نفاه‬
‫جُنو ٌ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫عل ّ ٌ‬
‫التفكير‪ ،‬فأما الجنون فهو ما قالوه ‪ُ ‬‬
‫ال‪ ‬عنه في سورة التكوير‪ ،‬ويأتي ذكره بأكثر من هذا بعد قليل)‪،(736‬‬
‫ض ّ‬
‫ل‬
‫ما َ‬
‫وأما الضلل في التفكير فنفاه عنه في سورة النجم؛ إذ قال‪َ  :‬‬
‫م‪ ،‬وبينهما تقارب؛ لن المجنون ل يهتدي إلى وسائل‬
‫صا ِ‬
‫حب ُك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ضل‪،‬‬
‫الصواب‪ ،‬وهو معنى ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫والثاني وهو الطارئ المتعمد‪ :‬فإما أن يكون الشعر؛ كما قالوا‪‬أ ْ‬
‫يَ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن‪" ‬الطور ‪ ،"30/‬وإما أن‬
‫شا ِ‬
‫ص بِ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ه َري ْ َ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫عٌر ن َت ََرب ّ ُ‬
‫مُنو ِ‬
‫يكون السحر؛كما قالوا ‪‬إن هذا إل سحر يؤثر‪" ‬المدثر ‪،"24/‬‬
‫ه َ‬
‫ق‪"‬ص ‪ ،"7/‬وكلها‬
‫ذا إ ِل ّ ا ْ‬
‫خت ِل َ ٌ‬
‫ن َ‬
‫وإما أن يكون الكذب؛كما قالوا‪‬إ ِ ْ‬
‫زعمه المشركون المبطلون في رسول ال ‪ ‬فنفاها ال ‪‬صراحًة على‬
‫ه لَ َ‬
‫و ُ‬
‫ل‬
‫ل َر ُ‬
‫وجه الخصوص في غير ما موضع كما قال‪ ‬إ ِن ّ ُ‬
‫سو ٍ‬
‫ق ْ‬
‫ر َ‬
‫و بِ َ‬
‫ما ت ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫ول‬
‫شا ِ‬
‫ما ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫قِليل ً َ‬
‫و َ‬
‫ن )‪َ (41‬‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫ريم ٍ )‪َ (40‬‬
‫ع ٍ‬
‫كَ ِ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫بِ َ‬
‫ن‪" ‬الحاقة ‪ ،"42-40/‬وعلى وجه‬
‫كا ِ‬
‫ما ت َذَك ُّرو َ‬
‫قِليل ً َ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫ه ٍ‬

‫ل وغوايٌة فنفاه في‬
‫العموم بإرجاعها إلى أصلها؛ إذ السحر والكذب ضل ٌ‬
‫وال ّ‬
‫عَراءُ‬
‫ش َ‬
‫سورة النجم‪ ،‬والشعر المتعارف بينهم غواية كما قال‪َ  ‬‬
‫ن‪" ‬الشعراء ‪ "224 /‬أي يحبذون أقوالهم لنها‬
‫م ال ْ َ‬
‫وو َ‬
‫ي َت ّب ِ ُ‬
‫ع ُ‬
‫ه ْ‬
‫غا ُ‬
‫‪737‬‬
‫غواية) (‪...‬فقد نفى عمومًا وخصوصًا‪ ،‬وشرد بهم آراءهم‪ ،‬وَقْذ َ‬
‫ف‬
‫الشياطين في عقولهم ‪.‬‬
‫ثم دحض أساس المتعمد بأنواعه بالتزكية له ولما ينطق به‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ن ال َْهَوى‪" ‬النجم‪"3/‬؛فإن المراد استمرار نفي النطق‬
‫ق َ‬
‫ع ْ‬
‫ما ي َن ْطِ ُ‬
‫و َ‬
‫‪َ ‬‬
‫‪738‬‬
‫ل نفي استمرار النطق) (‪ ،‬وهنا نأخذ صراحة التوقيف في القراءة؛ فقد‬
‫قال قتادة ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في معناها‪" :‬أي ما ينطق بالقراءة عن هواه")‪.(739‬‬
‫‪()736‬‬
‫‪()737‬‬
‫‪()738‬‬
‫‪()739‬‬

‫انظر ص ‪ 260‬من هذه الدراسة ‪.‬‬
‫انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،26/93‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫انظر‪ :‬تفسير أبي السعود ‪ ،5/218‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫انظر‪ :‬الشوكاني ‪ ،5/130‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪265‬‬

‫والهوى ميل النفس إلى ما تحبه أو تحب أن تفعله دون أن تقتضيه‬
‫ى يقتضي نفي جنس ما ينطق به عن‬
‫العقل السليم‪ ...‬ونفى النطق عن هو ً‬
‫التصاف بالصدور عن هوى سواء كان القرآن أو غيره‪ ،‬ولكن القرآن هو‬
‫المقصود لنه سبب هذا الرد عليهم)‪.(740‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬دفع تهمة التخيل في تلقــي‬
‫ألفــاظ القــرآن مــن حيــث تفصــيل العوامــل‬
‫المتهمة بإحداث التخيل‪:‬‬
‫وهي أربعة عوامل‪:‬‬

‫أو ً‬
‫ل‪ :‬دفع تهمة التخيل بسبب الضللية التفكيرية‪:‬‬

‫إذ ربمسسا قسسال قسسائل‪ :‬إن اعتكسسافه وتحنثسسه ‪ ، ‬ثسسم‬
‫ط ضسسالةٍ فسسي‬
‫اعتزاله لعوائد قريش قد أوصسسله إلسسى خطسسو ٍ‬
‫ن‬
‫التفكير‪ ،‬وإن قصد الخير ورام ال ُ‬
‫ح ْ‬
‫س َ‬
‫ن‪ ،‬فيبسسدأ بكلم ٍ حس س ٍ‬
‫لينتهي بعده إلى ما ل ي ُْرتضى‪ ،‬أو ربمسسا سسسولت لسسه ع ُْزَلتسسه‬
‫ن ابتداءه بما يقسسول مسسن بسسديع الكلسسم‪ ،‬ثسسم‬
‫ط َْرقا ً غويا ً ي ُ َ‬
‫ح ّ‬
‫س ُ‬
‫ج سسسيره بعسوج قصسده…لسسذا كسان القسسم فسسي‬
‫يستبين ِ‬
‫عو َ ُ‬
‫سورة النجم كالستئناف البياني بعسسد أن ذكسسر فسسي سسسورة‬
‫ف فسسي إبطسساله‪ ،‬فكسسأن‬
‫الطور اتهامهم إياه بمسسا تصسسوره كسسا ٍ‬
‫بعض القلوب قد مالت إلى النبي ‪ ‬ثسسم اعتراهسسا التفكيسسر‬
‫س ّ‬
‫طر قبل قليل‪ ،‬فكان الجواب على وسوستها‪:‬‬
‫م َ‬
‫ال ُ‬
‫ما َ‬
‫ض ّ‬
‫غَوى‪ :‬فالضللة عدم الهتداء‬
‫صا ِ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫حب ُك ُ ْ‬
‫‪َ  -1‬‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫إلى الطريق الموصل إلى المقصود‪ ،‬وهو مجاٌز في سلوك ما ينافي الحق‪،‬‬

‫‪ ()740‬التحرير والتنوير ‪ ،26/93‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪266‬‬

‫والغواية‪ :‬فساد الرأي وتعلقه بالباطل)‪ ،(741‬وفي تفسير الجللين‪" :‬الغوى‬
‫جهل عن اعتقاد فاسد")‪. (742‬‬
‫‪ - 2‬ببيان طبيعة الوحي‪ :‬كما في سورة التكوير وسورة النجم‪ ،‬ففي سورة‬
‫و ِإل ِذك ٌْر‬
‫ن ُ‬
‫التكوير َبّين طبيعة الوحي ببيان غايته‪ ،‬فقال‪ :‬إ ِ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن‪"‬التكوير ‪ ،"27 /‬وفي سورة النجم بين طبيعته من حيث أن‬
‫عال َ ِ‬
‫ل ِل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫الذكر الحق مطلقًا الذي ل شائبة ضلل فيه‪ ،‬ول غواية تعتريه ل يكون إل‬
‫حى‪" ‬النجم‪ ،"4/‬وهو استئنافٌ‬
‫ن ُ‬
‫عن وحي ‪‬إ ِ ْ‬
‫ي ُيو َ‬
‫و ْ‬
‫و ِإل َ‬
‫ه َ‬
‫ح ٌ‬
‫ن ال َْهَوى‪" ‬النجم ‪" 3 /‬؛كأنه قيل بعد نفي‬
‫بيان ٌ‬
‫ق َ‬
‫ما ي َن ْطِ ُ‬
‫و َ‬
‫ي لجملة‪َ ‬‬
‫ع ِ‬
‫الضلل‪ ،‬والغواية‪ ،‬ونفي النطق عن الهوى‪ :‬فما هو الثبات؟ ماذا هو كائ ٌ‬
‫ن‬
‫ى‪ ،‬أو سحرًا‪ ،‬أو اختلقًا‪ ،‬أو أساطير الولين…؟ فقال‪:‬‬
‫إن لم يكن مفتر ً‬
‫هَو‪ ‬عائٌد إلى‬
‫حى‪ ،‬فالضمير في ‪ُ ‬‬
‫ن ُ‬
‫‪‬إ ِ ْ‬
‫ي ُيو َ‬
‫و ْ‬
‫و ِإل َ‬
‫ه َ‬
‫ح ٌ‬
‫و‬
‫المنطوق به المأخوذ من فعل ينطق كما في قوله‪ ‬ا ْ‬
‫دُلوا ُ‬
‫ع ِ‬
‫ه َ‬
‫ب ِللت ّ ْ‬
‫أَ ْ‬
‫عِدُلوا‪،(743)‬‬
‫وى‪ ‬أي العدل المأخوذ من فعل ‪‬ا ْ‬
‫قَر ُ‬
‫ق َ‬
‫حى‪ ‬صفٌة لـ‬
‫ووضح الشوكاني ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬ذلك بقوله‪ُ" :‬يو َ‬
‫ي‪ ‬تفيد الستمرار التجددي‪ ،‬وتفيد نفي المجاز‪ ،‬أي هو وح ٌ‬
‫ي‬
‫و ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ح ٌ‬
‫حقيقٌة ل مجرد التسمية")‪. (744‬‬
‫ع تكراٍر هاهنا لما سبق في رقم )‪ (3‬من المطلب‬
‫وقد حدث نو ُ‬
‫الول‪ ،‬فإنما ارتكب ذلك للهمية…على أن المكرر هو فحوى الفكرة‪ ،‬ل‬
‫تفصيلها ‪.‬‬
‫ثانيًا‪:‬دفع تهمة التخيل بتأثير الجنون‪:‬‬
‫‪ ()741‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،26/92‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()742‬تفسير الجللين‪ ،‬وبهامشه حاشية الصاوي ‪ ،4/175‬مرجع سابق‪ ،‬وقال الشنقيطي‬
‫‪" :7/701‬الضلل يقع من الجهل بالحق‪ ،‬والغي هو العدول عن الحق مع معرفته‪ ،‬أي ما جهل‬
‫م متبعٌ له " ‪.‬‬
‫من الحق‪ ،‬وما عدل عنه‪ ،‬بل هو عال ٌ‬
‫‪ ()743‬كما في التحرير والتنوير ‪ ،94/ 26‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()744‬انظر‪ :‬الشوكاني ‪ ،5/130‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪267‬‬

‫شهادة الخصم للرسول ‪‬كافيٌة لدحض هذه التهمة‪ :‬حيث قال ‪‬‬
‫ن‪" ‬التكوير ‪ :" 22/‬ففي‬
‫صا ِ‬
‫م ْ‬
‫م بِ َ‬
‫حب ُك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ما َ‬
‫جُنو ٍ‬
‫نافيًا لهذه التهمة ‪َ ‬‬

‫التعرض لعنوان الصحبة مضافًة إلى ضميرهم تكذيب لهم بألطف وجه؛ إذ‬
‫هو إيماٌء إلى أنه‪ ‬نشأ بين أظهرهم من ابتداء أمره إلى الن‪ ،‬فأنتم أعرف‬
‫ل‪ ،‬وأكملهم وصفًا‪ ،‬وأصفاهم‬
‫ل‪ ،‬وأرجحهم قي ً‬
‫به‪ ،‬وبأنه ‪ ‬أتم الخلق عق ً‬
‫ب من الحمق والجنون‪ ،‬وبهذا أبطل‬
‫ذهنًا‪ ،‬فل يسند إليه الجنون إل من ُرّك َ‬
‫ل مؤكدًا ومؤيدًا‪ ،‬فتأكيده بالقسم وزيادة الباء بعد النفي‪ ،‬وتأييده‬
‫قولهم إبطا ً‬
‫ن الذي بّلغه صاحُبهم‪ ،‬والصاحب حقيقته‬
‫بما أومأ ال‪ ‬إليه‪ ،‬ووصفه بأ ّ‬
‫ذو الصحبة‪ ،‬وهي الملزمة في أحوال التجمع والنفراد للمؤانسة‪،‬‬
‫والموافقة‪ ،‬ومنه قيل للزوج‪ :‬صاحبة‪ ،‬وللمسافر مع غيره‪ :‬صاحب…وقد‬
‫يتوسعون في إطلقه على المخالط في أحوال كثيرة‪ ،‬ولو في الشر)‪،(745‬‬
‫م‪ ،‬وقد تقرر‬
‫صا ِ‬
‫حب ُك ُ ْ‬
‫ولما سبق عدل عن اسم العلم إلى وصفه‪ ‬بـ ‪َ ‬‬
‫ل من عند ال‪‬‬
‫هذا أيضًا في مقام إثبات طبيعة القرآن المجيد‪ ،‬وأنه منـز ٌ‬
‫ما َ‬
‫ض ّ‬
‫وى‬
‫صا ِ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫حب ُك ُ ْ‬
‫في سورة النجم‪ ،‬حيث قال تعالى عنه‪َ ‬‬
‫ل َ‬
‫غ َ‬
‫م َ‬
‫‪" ‬النجم ‪. "2/‬‬
‫ثم نفى أن تكون وسوسًة ذاتيًة لن الخلل إما من الرسول الذي‬
‫ي قذفه غيرهما بينهما‪ ،‬وهو الشيطان‬
‫حمله‪ ،‬أو الذي تلقاه‪ ،‬أو من أمٍر خارج ٍ‬
‫ت ذاتيٍة طرأت على التلقي من البشر‪ ،‬فنفى كل ذلك‪،‬‬
‫ل غير‪ ،‬أومن تخيل ٍ‬
‫م‪...‬والمعنى‪ :‬ليس القرآن من وساوس‬
‫صا ِ‬
‫حب ُك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ما َ‬
‫وفي قوله‪َ ‬‬
‫المجانين‪ ،‬فسلمة ُمَبّلغه من الجنون تقتضي سلمة قوله عن أن يكون‬
‫وسوسًة)‪. (746‬‬
‫م‬
‫م َ‬
‫عل ّ ٌ‬
‫وُدِفعت هذه التهمة ببيان طيبعة الوحي؛كما قال‪ ‬عنهم‪ُ ‬‬
‫مجُنون‪" ‬الدخان ‪ ،" 14/‬فأجاب‪ْ َ  ‬‬
‫ن‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫ث ِ‬
‫دي ٍ‬
‫ح ِ‬
‫ه إِ ْ‬
‫ٌ‬
‫فل ْي َأُتوا ب ِ َ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ن‪"‬الطور‪ ،"34/‬فالمجانين يمكن تقليد كلمهم حتى على‬
‫صاِد ِ‬
‫قي َ‬
‫كاُنوا َ‬
‫الصبيان ‪.‬‬
‫ثالثًا‪:‬دفع تهمة التخيل بتأثير الجن‪:‬‬
‫‪()745‬انظر‪ :‬روح المعاني ‪ ،30/105‬ونحوه عند أبي السعود ‪ ،5/489‬والشوكاني ‪،5/481‬‬
‫والتحرير والتنوير ‪ ،30/157‬مراجع سابقة ‪.‬‬
‫‪ ()746‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،30/157‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪268‬‬

‫وأصل هذه الشبهة في عقول أصحابها‪ :‬عائٌد إلى أمرين‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن الجن عالم غيبي كالملئكة‪ ،‬فيحتمل عندهم أن يكون ملك الوحي‬
‫من الجن ل من الملئكة لستواء الحتمالين؛ إذ هما غيب بالنسبة للبشر‪،‬‬
‫ولذا أورد ابن الثير –رحمه ال تعالى– رواية لحديث بدء الوحي‪ ،‬قالت فيها‬
‫ن‪ ،‬أو‬
‫جّ‬
‫عَرض له ال ِ‬
‫عِرض له‪ :‬أي َ‬
‫ن يكون ُ‬
‫خديجة –رضي ال عنها‪) :-‬أخاف أ ْ‬
‫س()‪.(747‬‬
‫أصاَبه منهم َم ّ‬
‫‪ - 2‬تشبيه حالة الوحي الشــديدة بحالــة الكهــان‪،‬‬
‫قال ابن خلدون ‪-‬رحمسسه اللسسه تعسسالى‪" :-‬ولجل هذه الغايسسة فسسي‬
‫ت ََنسّزل السسوحي كسسان المشسسركون يرمسسون النبيسساء بسسالجنون‪،‬‬
‫ي أو تابعٌ من الجن‪ ،‬وإنما لبسسس عليهسسم بمسسا‬
‫ويقولون له رئ ٌ‬
‫شاهدوه من ظاهر تلك الحوال‪ ،‬ومن يضسسلل فمسسا لسسه مسسن‬
‫هسساد")‪.(748‬ولسسذا فبعسسد وصسسف القسسرآن الكريسسم للرسسسول‬
‫قى عليه القسسرآن بصسسفاتهما اللئقسسة‬
‫مل ْ َ‬
‫مل ْ ِ‬
‫قي‪ ،‬والرسول ال ُ‬
‫ال ُ‬
‫التي تزيل وطأة الشبهة المستحكمة لكل ذي عقل – نفى‬
‫ضسي ّعُ علسسى المل َسسك‪ ‬تأديسسة أمسسانته‪،‬‬
‫ي يُ َ‬
‫طروَء تسسدخ ٍ‬
‫ل خسسارج ٍ‬
‫وعلسسى الرسسسول ‪ ‬تبليسسغ وحسسي ربسسه‪ ،‬ول يكسسون ذلسسك فسسي‬
‫النسسس لنهسسم أضسسعف مسسن أن يحصسسل منهسسم التسسدخل؛ إذ‬
‫ن‬
‫حوكموا إلى قوانينهم ومواضسسعاتهم فعجسسزوا‪ ،‬وذاك إذعسسا ٌ‬
‫للقرآن الكريسسم)‪ ،(749‬فالتسسدخل الخسسارجي ل يكسسون إل مسسن‬
‫الجن ‪ .‬ودفع هذا العامل يكسسون بمسسا سسسبق‪ ،‬بالضسسافة إلسسى‬
‫التي‪:‬‬
‫‪ ()747‬النهاية في غريب الحديث ‪ ،3/211‬ولم يعثر الباحث على مخرج الحديث بهذا اللفظ‬
‫ي‪.‬‬
‫بعد ل ٍ‬
‫‪ ()748‬مقدمة ابن خلدون ص ‪ ،92‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪749‬‬
‫ول َ َ‬
‫م‬
‫قدْ ن َ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫)( ولما نسبوا شبهتهم إلى وضع البشر‪ ،‬أتوا بما أضحك عليهم الصبيان ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م يَ ُ‬
‫ه بَ َ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫هأ ْ‬
‫و َ‬
‫ذي ي ُل ْ ِ‬
‫ج ِ‬
‫ن إ ِل َي ْ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫سا ٌ‬
‫دو َ‬
‫سا ُ‬
‫قوُلو َ‬
‫ع َ‬
‫ح ُ‬
‫ما ي ُ َ‬
‫ذا ل ِ َ‬
‫شٌر ل ِ َ‬
‫أن ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ي َ‬
‫م ّ‬
‫ن‪" ‬النحل‪. "103/‬‬
‫َ‬
‫مِبي ٌ‬
‫ي ُ‬
‫عَرب ِ ّ‬

‫‪269‬‬

‫‪ - 1‬التأكيد على صدق الرؤية والتصال الحسي بين النبي‪ ‬ومعلمه‬
‫‪ :‬وقد تمثل هذا التأكيد في عدة مظاهر تثبيتًا لقلب النبي‬
‫الملئكي جبريل‬
‫جَم ُ‬
‫ل‬
‫‪ ، ‬ودرءًا لتكذيب المكذبين‪ ،‬ووسوسة المتخرصين‪ ،‬وهذه المظاهر ُت ْ‬
‫في التي‪:‬‬
‫أ‪-‬ببيــان مكانــة جبريــل‪ ‬عنسسد اللسسه‪ ،‬واسسستعداده‬
‫الفطري والفعلي لداء رسالة الوحي‪ ،‬وقد مضسسى تفصسسيل‬
‫ذلك)‪. (750‬‬
‫ب ‪ -‬النفي المؤكد المتكرر لن يكون الوحي القرآني‬
‫ن‪ ،‬ذلسسك بسسأن تسسدخل العسسالم الغيسسبي المقابسسل‬
‫كلم شسسيطا ٍ‬
‫ت مسسن كسسونهم عالم سا ً غيبي سًا‪،‬‬
‫للملئكسسة ‪-‬وهسسو الشسسياطين‪ -‬آ ٍ‬
‫ولنهم كذلك فطريق علمهم مصدر العلم الغيسسبي ل ريسسب‪-‬‬
‫ش ـي ْ َ‬
‫و بِ َ‬
‫ل َ‬
‫ما ُ‬
‫و َ‬
‫ن َر ِ‬
‫طا ٍ‬
‫و ِ‬
‫قـ ْ‬
‫ه َ‬
‫وهو النقل‪-‬حيث قال‪َ :‬‬
‫جي ـم ٍ‬
‫ه‬
‫ت ِبــ ِ‬
‫مــا ت َن َّزَلــ ْ‬
‫و َ‬
‫‪"‬التكسسوير‪ ،" 25/‬وقسسال فسسي الشسسعراء‪َ :‬‬
‫ال ّ‬
‫ن‪‬‬
‫مــا ي َن ْب َ ِ‬
‫ســت َ ِ‬
‫شــَيا ِ‬
‫عو َ‬
‫طي ُ‬
‫مــا ي َ ْ‬
‫غــي ل َ ُ‬
‫طي ُ‬
‫و َ‬
‫هــ ْ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫ن )‪َ (210‬‬
‫"الشعراء‪."211- 210/‬‬

‫َ‬
‫ول َ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫ن َ‬
‫وكما في قوله ‪: ‬‬
‫ك ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫سو ٍ‬
‫‪َ ‬‬
‫ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫مّنى أ َل ْ َ‬
‫قى ال ّ‬
‫ي إ ِل ّ إ ِ َ‬
‫‪" ‬الحج‪-52/‬‬
‫ه…‬
‫ن ِ‬
‫من ِي ّت ِ ِ‬
‫طا ُ‬
‫في أ ْ‬
‫ذا ت َ َ‬
‫ن َب ِ ّ‬

‫‪ ،"54‬ولتؤخذ هذه اليات في سورة الحج نموذجًا لبيان عناصر هذا النفي‪،‬‬
‫المزيل للشبهة المثبت لفؤاد المبلغ‪ ،‬ومن َثّم لفؤاد أتباعه وطالبي الحق من‬
‫بعده‪ ،‬وذلك بعد إكمال بقية بنود الدفع لهذه الشبهة حتى ل تنفصم عرى‬
‫الفكار المتسلسلة ‪.‬‬
‫ه ال ّ‬
‫ما‬
‫شَيا ِ‬
‫ت بِ ِ‬
‫ما ت َن َّزل َ ْ‬
‫طي ُ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ن)‪َ (210‬‬
‫‪ -2‬بقوله تعالى‪َ  :‬‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫ي َن ْب َ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫عو َ‬
‫طي ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن)‪(211‬إ ِن ّ ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫غي ل َ ُ‬
‫س ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ع ِ‬
‫‪ ()750‬انظر‪ :‬الفصل الول ص ‪ ،14‬فهو معقود ٌ لذلك ‪.‬‬

‫‪270‬‬

‫ن‪" ‬الشعراء ‪ :"211-210/‬وفيها منعهم منعًا جازمًا من قربان‬
‫عُزوُلو َ‬
‫م ْ‬
‫لَ َ‬
‫شي ْ َ‬
‫و بِ َ‬
‫ل َ‬
‫ما ُ‬
‫و َ‬
‫ن َر ِ‬
‫طا ٍ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫اللقاء في القرآن‪ ،‬ونحو قوله‪َ : ‬‬
‫جيم ٍ‬
‫‪" ‬التكوير‪ "25/‬أي‪ :‬إنما هو مَلك ل مثل الذي يتراءى للكهان)‪.(751‬‬
‫‪ -3‬قوله ‪): ‬من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان ل يتمثل في‬
‫صورتي()‪ ،(752‬وليس منع الشيطان أن يأتي بصورة النبي ‪ ‬إل لمكان‬
‫خصوصية كونه مصدر نقل الوحي من بين البشر‪ ،‬فمصدر نقل الوحي‬
‫السماوي أولى بالمنع‪ ،‬ولذا قال اللوسي‪-‬رحمه ال تعالى‪" :-‬وإذا لم يتمثل‬
‫ب أولى‪ ،‬وعلله الشراح بلزوم اشتباه الحق‬
‫منامًا؛ فلن ل يتمثل يقظًة من با ٍ‬
‫بالباطل")‪.(753‬‬
‫‪ -4‬ما قاله القاضي عياض –رحمه ال تعالى‪":-‬ل يصح أن يتصور الشيطان‬
‫بصورة المَلك وُيلبس عليه‪ ،‬واعلم أن المة مجتمعة على عصمة النبي ‪‬‬
‫‪754‬‬
‫من الشيطان وكفايته منه…") (‪ ،‬وقيده الشيخ إبراهيم الكوراني –رحمه ال‬
‫تعالى‪:-‬بأن ل يلبس عليه تلبيسًا قادحًا)‪ ،(755‬ولم يقع استقراًء‪ ،‬وقال ابن‬
‫العربي‪":‬تصور الشيطان في صورة المَلك ملبسًا على النبي ‪ ‬كتصوره‬
‫في صورة النبي ملبسًا على الخلق")‪ ،(756‬وقيده الكوراني بما قيد به كلم‬
‫القاضي عياض‪ ،‬ول يظهر لتقييد الكوراني وجه نظر؛ إذ من البدهي إن‬
‫كان الشيطان ل يستطيع التصور بصورة النبي ‪‬أل يستطيع التصور‬
‫بصورة من هو أعلى منه من حيث مكان تلقي الوحي ل من حيث‬
‫‪()751‬انظر‪ :‬البحر المحيط ‪ ،8/430‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()752‬صحيح البخاري ‪ ،1/52‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫ث طويل الذيل محله أصول الفقه‪ ،‬ومنه‬
‫‪()753‬روح المعاني ‪ ،17/274‬مرجع سابق‪ ،‬وهو بح ٌ‬
‫قرر العلماء أن اللهام ليس مصدرا ً للحكام عند غير النبي ‪ . ‬راجع نهاية السول ‪،4/457‬‬
‫مرجع سابق‪ ،‬قسم الدلة المختلف فيها‪ ،‬وكذلك‪ :‬نثر الورود ‪ ،225 /2‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()754‬الشفا ‪ ،2/117‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()755‬روح المعاني ‪ ،17/265‬مرجع سابق‪ ،‬وأراد أن غير القادح مثله كالنسيان الطارئ كما‬
‫سيأتي تقريره ‪-‬إن شاء الله‪ -‬في المبحث الثاني من هذا الفصل ص ‪.275‬‬
‫‪)()756‬ابن العربي( أبو بكر محمد بن عبد الله‪ :‬أحكام القرآن ‪ ،1299 /3‬تحقيق‪ :‬علي محمد‬
‫البجاوي ‪ -‬دار الجيل‪ -‬بيروت‪.‬‬

‫‪271‬‬

‫الفضلية)‪ ،(757‬ولذا ل يتصور أن يأتي الشيطان بصورة مَلك؛ إذ ل تعرف‬
‫ل عن رب العزة‪.(758)‬‬
‫حقيقة صورة المَلك‪ ،‬فض ً‬
‫عُتِرض بأنه‪ :‬قد عرف النبي ‪ ‬الهيئة الحقيقية لجبريل ‪،‬‬
‫فإن ا ْ‬
‫فل يمتنع مجيء الشيطان بها‪ ،‬فالجواب‪ :‬يمتنع مجيئه من باب القياس‬
‫الولوي على النبي ‪‬كما سبق ‪.‬‬
‫‪-5‬ومما ُيْدَفع به توهم اللقاء الشيطاني في لفظ القرآن الكريم‪:‬‬
‫فردانية المَلك الموكل بالوحي‪ ،‬وهو جبريل‪ ،‬فليس ثم ملك آخر يأتي إلى‬
‫النبي ‪ ‬إل عبره ‪ .‬وقد تقدم هذا)‪. (759‬‬
‫ن أن يأتي الشيطان متقمصًا‬
‫ومن أعظم مقتضياته المنهجية‪َ :‬أْم ُ‬
‫شخصية‬
‫المَلك‪ ،‬ويزعم أنه ملك…فيصدق لعدم اطلع النبي ‪ ‬على كامل العاَلَمين‬
‫ك آخر‬
‫الغيبين الخرين‪ ،‬ولذا فالصحيح الذي ل لبس فيه أنه لم يقترن به مل ٌ‬
‫غير جبريل‪ ‬كما مضى)‪.(760‬‬

‫‪ ()757‬فل يرد على الكلم هنا بحث مسألة تفضيل الملئكة والبشر‪ ،‬وانظرها في‪ :‬شرح‬
‫العقيدة الطحاوية ص ‪ ،301‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪‬‬

‫…وليس‬
‫صاص المتأخرين عن القرون الفاضلة ذكٌر لرؤية الله‬
‫‪ ()758‬ويكثر في أحاديث ال ُ‬
‫ق ّ‬
‫صاص مصدرا ً من مصادر المعرفة في هذا الباب‪ ،‬وانظر كلم الكوراني بإسهاب في‪ :‬روح‬
‫ال َ‬
‫ق ّ‬
‫المعاني ‪ ،17/269‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()759‬راجع‪ :‬المبحث الرابع من الفصل الول ص ‪.40‬‬

‫‪ ،‬ففي الطبقات الكبرى ‪،190/1‬‬
‫ك آخر غير جبريل‬
‫‪ ()760‬وتذكر بعض الخبار أنه قد ُقِرن به مل ٌ‬
‫مرجع سابق‪ ،‬عن عامر‪‬أن رسول ال ‪ُ‬أنـِزلت عليه النبوة‪ ،‬وهو ابن أربعين سنة‪ ،‬وكان معه‬
‫عِزل عنه إسرافيل‪ ،‬وُقِرن به جبريل عشر سنين بمكة‪ ،‬وعشر سنين مهاجره‬
‫إسرافيل ثلث سنين‪ ،‬ثم ُ‬
‫بالمدينة‪ ،‬فقبض رسول ال ‪‬وهو ابن ثلث وستين سنة ‪.‬قال محمد بن سعد –رحمه ال‬
‫تعالى‪":-‬فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر – يعني الواقدي ‪ ،-‬فقال‪ :‬ليس يعرف أهل العلم ببلدنا أن‬
‫إسرافيل ُقِرن بالنبي ‪‬وإن علماءهم‪ ،‬وأهل السيرة منهم يقولون‪ :‬لم يقرن به غير جبريل‪ ‬من‬
‫حين أنـزل عليه الوحي إلى أن قبض ‪. " ‬‬
‫ويكفي في الدللة على بطلنها‪ :‬قصة عبد الله بن سلم ‪ ‬حين سأل اليهود رسول‬

‫الله ‪ ‬عن صاحبه من الملئكة‪ ،‬فأخبره أنه جبريل‪ ،‬ولو كان ثم متسعٌ لذكر غيره لذكره‬

‫لنفرة يهود من جبريل‪ ،‬ول يعني هذا أن ل زائر له من الملئكة سوى جبريل ‪ ،‬بل تأتيه‬
‫الملئكة لكن وسيطه في التعرف عليهم جبريل ‪‬كما تقدم في الفصل الول من هذه‬
‫الدراسة ص ‪ ،43‬ونفى اللوسي –رحمه الله تعالى‪ -‬في روح المعاني ‪ ،19/263‬مرجع سابق‬
‫صدق اقتران إسرافيل ‪ ‬في روح المعاني‪ ،‬فقال‪" :‬وذلك لم يثبت أصل ً "‪.‬‬

‫‪272‬‬

‫عُتِرض بما أورده ابن الثير ‪-‬رحمه ال تعالى‪ -‬في النهاية؛ إذ قال‪:‬‬
‫فإن ا ْ‬
‫ب منهم‪،‬‬
‫ضرو ٌ‬
‫"وفيه –أي في الحديث‪َ)-‬يأتيِني أْنحاٌء من الملئكة( أي ُ‬
‫‪761‬‬
‫سوى جبريل‪ ،( )"‬فهذا‬
‫واحُدهم َنحٌو يعني أن الملئكة كانوا َيُزوُرونه ِ‬
‫يدل على تعدد الملئكة الذين يأتون النبي ‪.‬‬
‫فالجواب‪ :‬هذا الحديث رواه ابن خزيمة من حديث أبي سعيد‪‬وفيه‪:‬‬
‫ل شديدًا ‪-‬قال‪ -‬وناس جياع‪ ،‬ثم قمنا‬
‫"…وقعنا في تلك البقلة الثوم‪ ،‬فأكلنا أك ً‬
‫إلى المسجد‪ ،‬فوجد رسول ال الريح‪ ،‬فقال‪) :‬من أكل من هذه الشجرة‬
‫الخبيثة فل يقربنا في مسجدنا( فقال الناس‪ :‬حرمت حرمت ‪ .‬فبلغ ذلك‬
‫رسول ال ‪‬فقال‪) :‬يا أيها الناس ‍إنه ليس لي تحريم ما أحل الله‪،‬‬
‫ولكنها شجرة أكره ريحها‪ ،‬وإنه يأتيني أنحاٌء من الملئكة فأكره أن‬

‫ل في صحته‪ ،‬وقد سكت عليه ابن حجر في‬
‫يشموا ريحها()‪ ،(762‬فالشأن أو ً‬
‫ضًا‪ ،‬وثانيًا‪ :‬ل مراء في أنه‬
‫غَر َ‬
‫ضًا ل َ‬
‫عَر َ‬
‫التلخيص الحبير مع أن أورده َ‬
‫كان يأتيه غير جبريل ‪‬لكن مدار النـزاع في أنه كان يأتيه من يأتيه من‬
‫الملئكة دون واسطة جبريل‪ ‬فمن زعم ذلك فليبرز الدليل‪ ،‬فإنه قاطٌع‬
‫للتأويل‪ ،‬وتقدم ما يشير لتعريف جبريل ‪‬النبي ‪‬بالملئكة الذين‬
‫يأتونه)‪ ،(763‬كقوله )فنـزل منه ملك لم ينـزل …(‪ ،‬وقوله )وأنا جبريل‪،‬‬
‫سّر هذا المتناع عن مجيء الملئكة دون تعريف‬
‫وهذا ميكائيل()‪…(764‬و ِ‬
‫ي كذلك الشياطين‪ ،‬وقد جعل ال‪ ‬لك ٍ‬
‫ل‬
‫جبريل‪ ‬بهم‪ :‬أن الملئكة عالٌم غيب ٌ‬
‫قدرًة على التصور والتشكل‪ ،‬وما قامت الدلئل على ملئكية غير جبريل‪‬‬
‫عند رسول ال ‪‬إذ استقر في قلبه العلم اليقيني على َمَلكيته بعد أن لم يكن‬
‫كذلك أول لقاء‪ ،‬فصار وسيطه إلى العالم الغيبي حتى ل يختلط عليه المَلك‬
‫بالشيطان ‪.‬‬
‫فرع‪ :‬تحليل آيات سورة الحج‪:‬‬
‫‪()761‬‬
‫‪()762‬‬
‫‪()763‬‬
‫‪()764‬‬

‫النهاية في غريب الثر ‪ ،5/30‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫رواه ابن خزيمة ‪ ،2/345‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫راجع‪ :‬الفصل الول من هذه الدراسة خصوصا ً ص ‪. 43‬‬
‫صحيح البخاري ‪ ،1/466‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪273‬‬

‫َ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫ن َ‬
‫ي‬
‫ك ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫سو ٍ‬
‫وهي قوله‪َ  ‬‬
‫ول َ ن َب ِ ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫مّنى أ َل ْ َ‬
‫قى ال ّ‬
‫س ُ‬
‫إ ِل ّ إ ِ َ‬
‫ما‬
‫ن ِ‬
‫من ِي ّت ِ ِ‬
‫شي ْطا ُ‬
‫في َن ْ َ‬
‫ه َ‬
‫خ الل ُ‬
‫في أ ْ‬
‫ذا ت َ َ‬
‫شي ْ َ‬
‫قي ال ّ‬
‫م )‬
‫ه َ‬
‫ي ُل ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ه آَيات ِ ِ‬
‫طا ُ‬
‫م َ‬
‫م يُ ْ‬
‫كي ٌ‬
‫عِلي ٌ‬
‫والل ّ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫حك ِ ُ‬
‫ن ثُ ّ‬
‫ه َ‬
‫في ُ ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫قي ال ّ‬
‫ع َ‬
‫م‬
‫فت ْن َ ً‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫ما ي ُل ْ ِ‬
‫ة ل ِل ّ ِ‬
‫طا ُ‬
‫ج َ‬
‫‪ (52‬ل ِي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ل َ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ش َ‬
‫ة ُ‬
‫وال َ‬
‫ق‬
‫نل ِ‬
‫في ِ‬
‫ن الظال ِ ِ‬
‫سي َ ِ‬
‫قا ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫مي َ‬
‫قلوب ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫مَر ٌ‬
‫م َ‬
‫ض َ‬
‫قا ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫ك‬
‫م‬
‫ق‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ه‬
‫ن‬
‫أ‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫توا‬
‫أو‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫(‬
‫‪53‬‬
‫)‬
‫د‬
‫عي‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫بَ ٍ‬
‫َ ّ ِ ْ‬
‫ِ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ َ ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫في ُ ْ‬
‫مُنوا‬
‫فت ُ ْ‬
‫هاِد ال ّ ِ‬
‫مُنوا ب ِ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫خب ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫ه لَ َ‬
‫قُلوب ُ ُ‬
‫نآ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ت لَ ُ‬
‫م َ‬
‫قيم ٍ‪" ‬الحج ‪."54- 52/‬‬
‫ست َ ِ‬
‫صَرا ٍ‬
‫إ َِلى ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ُ‬

‫تتجلى العناصر التي تؤخذ من هذه اليات ردًا لشبهة قذف الجن بما يلي‪:‬‬
‫سننية هذه الشبهة في المم‪ :‬فهي سنٌة ماضيٌة من سنن ال‪ ‬فيمن خل‬
‫أ‪ُ -‬‬
‫ل من الرسل من‬
‫ي من النبياء‪ ،‬ول رسو ٌ‬
‫ومن تل‪ ،‬وذلك أنه لم يسلم نب ٌ‬
‫محاولة قذف الشيطان في سعيه الحثيث لسلمة المة لرب العالمين‪ ،‬فهي‬
‫ما‬
‫شنشنة المم الظالمة‪ ،‬وعادة فعل الشيطان‪ ،‬وذا معنى قوله‬
‫و َ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫ن َ‬
‫ي‬
‫ك ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫أْر َ‬
‫ل َ‬
‫سو ٍ‬
‫ول َ ن َب ِ ّ‬
‫ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫ي‪،‬‬
‫ن ِ‬
‫من ِي ّت ِ ِ‬
‫طا ُ‬
‫في أ ْ‬
‫ه‪ ،‬فقوله ‪‬ن َب ِ ّ‬

‫مّنى أ َل ْ َ‬
‫إ ِل ّ إ ِ َ‬
‫قى‬
‫ذا ت َ َ‬
‫ل‪ ‬نكرٌة في‬
‫َر ُ‬
‫سو ٍ‬

‫سياق النفي فأفادت العموم‪ ،‬ثم ُأّكد عمومها ثانيًا بحرف الجر الزائد‪ ،‬فـ‬
‫)من( مزيدٌة لستغراق الجنس‪ ،‬فصارت نصًا مؤّكدًا للعموم‪ ،‬ثم ُأّكد ذلك‬
‫ثالثًا من حيث شمول ذلك لصناف المكلفين من ال‪ ‬بإصلح أمور‬
‫قومهم سواء كانوا أنبياء أو رسل)‪ ،(765‬ثم ُأّكد ذلك رابعًا من القصر‬
‫ف على صفٍة‪ ،‬وهو قصٌر‬
‫المستفاد من النفي والستثناء‪ ،‬فهو قصر موصو ٍ‬
‫ي‪ ،‬أي دون أن نرسل أحدًا منهم في حال الخلو من إلقاء الشيطان‬
‫إضاف ٌ‬

‫ف في الفرق بين النبي والرسول على أقوال‪ :‬من أظهرها أن الرسول من جاء‬
‫‪ ()765‬ا ْ‬
‫خت ُل ِ َ‬
‫بشريعة جديدة ناسخة‪ ،‬والنبي من جاء مجددا ً للشريعة السابقة ‪ .‬راجع‪ :‬التحرير والتنوير‬
‫‪ ،296/ 17‬روح المعاني ‪ ،17/256‬تفسير أبي السعود ‪ 4/35‬فتح القدير ‪3/577‬مجموع‬
‫فتاوى شيخ السلم ‪ ،3/365‬مراجع سابقة ‪.‬‬

‫‪274‬‬

‫ومكره)‪ ،(766‬والية مسوقٌة لتسلية النبي‪ ‬بأن السعي في إبطال اليات‬
‫أمر معهود‪ ،‬وأنه لسعي مردود)‪. (767‬‬
‫ويرى المتأمل في الية أن هذا التتابع للمؤكدات من أعظم وسائل‬
‫ترسيخ اليقين بكلم رب العالمين؛ إذ يقع في فؤاد المتحمس استلزام أن‬
‫‪ ، ‬إما‬
‫تنقطع أفئدة المعاندين عن إظهار العناد على القل في كلم ال‬
‫غيرة ال ‪ ‬على كلمه‪ ،‬أو لضآلة مكرهم بالغًا ما بلغ إزاء‬
‫لضرورة ِ‬
‫جبروت ال‪…‬فتتالت المؤكدات إمعانًا في ترسيخ سنن ال‪ ‬الخاصة‬
‫بهذه الدار التي ل تزن عند ال ‪ ‬جناح بعوضة)‪. (768‬‬
‫ب‪ -‬الوصف الدقيق لهيئة إفساد الشيطان عقول القوم وقلوبهم عندما يريد‬
‫النبياء إصلحهم‪ :‬إذ إن إصلح الناس أمر عزيٌز عسير المنال فسماه ال‬
‫‪ ‬أمنية)‪ ،(769‬ثم إن النبياء عند ممارسته يضادهم الشيطان في سعيه‬
‫الحثيث لعدام الخير‪ ،‬أو الحيلولة بينه وبين الناس يلقي وسوسة في نفوس‬
‫ويكون للمر‬‫الناس تفسد محاولة الصلح‪ ،‬ورشح استعارة اللقاء‬
‫شّدُة فعله‪ ،‬وقوة تأثيره حتى كأنه أمٌر‬
‫المحسوس‪ -‬للمر غير المشاهد ِ‬
‫ت تفسد ما‬
‫س‪ ،‬وتقدير الية‪ :‬أدخل الشيطان في نفوس القوام ضلل ٍ‬
‫محسو ٌ‬
‫قاله النبياء من الرشاد‪ ،‬ومعنى إلقاء الشيطان في أمنية النبي والرسول‪:‬‬
‫إلقاء ما يضادها‪ ،‬كمن يمكر فيلقي السم في الدسم‪ ،‬فإلقاء الشيطان‬
‫بوسوسته‪ :‬أن يأمر الناس بالتكذيب والعصيان‪ ،‬ويلقي في قلوب أئمة الكفر‬
‫مطاعن يبثونها في قومهم‪ ،‬ويروج الشبهات بإلقاء الشكوك التي تصرف‬
‫نظر العقل عن تذكر البرهان‪ ،‬وذلك هو الصبر على اللهة المذكور في‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫عَلى‬
‫صب ُِروا َ‬
‫مل ُ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫نا ْ‬
‫ه ْ‬
‫ق ال ْ َ‬
‫وان ْطَل َ َ‬
‫وا ْ‬
‫شوا َ‬
‫مأ ِ‬
‫قوله‪َ  ‬‬
‫ذا ل َ َ‬
‫ه َ‬
‫د‪" ‬ص‪ ،"6/‬وقال اللوسي‪-‬رحمه ال‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫م إِ ّ‬
‫يءٌ ي َُرا ُ‬
‫ءال ِ َ‬
‫هت ِك ُ ْ‬
‫ش ْ‬
‫‪ ()766‬التحرير والتنوير ‪ ،17/299‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()767‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،17/299‬مرجع سابق‪ ،‬وروح المعاني ‪ ،17/257‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()768‬إشارةً إلى الحديث المشهور‪ ،‬أخرجه‪ :‬البخاري ‪ ،4/1759‬مرجع سابق‪ ،‬ومسلم‬
‫‪ ،4/2147‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()769‬عند اللوسي ‪" :17/257‬التمني نهاية التقدير"‪ ،‬قال‪" :‬والمنية الصورة الحاصلة في‬
‫النفس من التمني" ‪.‬‬

‫‪275‬‬

‫تعالى‪" :-‬إذا قرأ شيئًا من اليات ألقى الشيطان الشبه والتخيلت فيما يقرؤه‬
‫النبي ‪‬على أوليائه ليجادلوه بالباطل‪ ،‬ويردوا ما جاء به كما قال‪‬‬
‫َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م…‬
‫شَيا ِ‬
‫حو َ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫م ل ِي ُ َ‬
‫ن ل َُيو ُ‬
‫طي َ‬
‫جاِدُلوك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن إ َِلى أ ْ‬
‫‪َ …‬‬
‫ول َِيائ ِ ِ‬
‫وك َذَل ِ َ‬
‫وا َ‬
‫عل َْنا ل ِك ُ ّ‬
‫ن‬
‫ي َ‬
‫شَيا ِ‬
‫ج َ‬
‫ك َ‬
‫طي َ‬
‫عدُ ّ‬
‫‪" ‬النعام‪َ  ،"121/‬‬
‫ل ن َب ِ ّ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫ل‬
‫ض ُز ْ‬
‫خُر َ‬
‫ن ُيو ِ‬
‫ع ُ‬
‫م إ َِلى ب َ ْ‬
‫حي ب َ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ج ّ‬
‫ه ْ‬
‫وال ْ ِ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫س َ‬
‫ا ِ‬
‫ع ٍ‬
‫لن ِ‬
‫ُ‬
‫غُروًرا …‪" ‬النعام‪.(770)"112/‬‬

‫ي وليس لفظيًا‪ :‬وذلك ببث الشبهات‪ ،‬وتضخيم‬
‫جـ‪ -‬اللقاء الشيطاني معنو ٌ‬
‫الوساوس‪ ،‬وينفى اللقاء اللفظي لضعف مقدرة الجن في حالتهم الغيبية عن‬
‫إظهار ألفاظ يسمعها البشر في الحالت المعتادة)‪ ،(771‬ل إذا تمثلوا في هيئة‬
‫إنسية‪ ،‬فإن فعلوا فاللقاء اللفظي عليهم أعز وأعسر من حيث خضوعهم‬
‫لقوانين الطبيعة البشرية‪ ،‬وهاهم أشد الناس عنادًا لرسول ال‪ ‬لم‬
‫يستطيعوا فعل ذلك مع حرصهم كل الحرص ‪.‬‬
‫ي‪ ،‬فل مكان له في القدرة على الخلط‬
‫وإذ قد تقرر أن اللقاء معنو ٌ‬
‫و تَ َ‬
‫و َ‬
‫ض‬
‫شُ‬
‫في ألفاظ القرآن‪ ،‬وُيَر َ‬
‫ل َ‬
‫عل َي َْنا ب َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ق ّ‬
‫ول َ ْ‬
‫ح هذا بقوله‪َ  ‬‬
‫اْل َ َ‬
‫ن‪" ‬الحاقة ‪."45-44/‬‬
‫ل)‪َ(44‬ل َ َ‬
‫ه ِبال ْي َ ِ‬
‫خذَْنا ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫وي ِ‬
‫قا ِ‬
‫مي ِ‬
‫د‪ -‬الوسائل الوقائية والجتثاثية للقاء الشيطان المعنوي في عقول الناس‪:‬‬
‫‪ -1‬المعية العلمية اللهية الحاكمة‪ :‬إذ ليست الساحة للشيطان ليصول‬
‫ي إذا ما قورن بعلم ال‪ ،‬ثم‬
‫ئ نسب ٌ‬
‫فيها كما يشاء‪ ،‬بل وجوده فيها طار ٌ‬
‫إن المر كله ل‪ ‬فهو بحكمته وتدبيره ‪َ ‬مّكن الشيطان من إلقاء‬
‫تلك الشبهة‪ ،‬ثم في حكمته في أسلوب إزالة آثاره‪ ،‬ومن هنا يظهر سر‬
‫م‪"‬الحج‪ ،"52/‬كما أن إظهار‬
‫ه َ‬
‫ح ِ‬
‫م َ‬
‫كي ٌ‬
‫عِلي ٌ‬
‫والل ّ ُ‬
‫التذييل بقوله‪َ  ‬‬
‫ل على التأكيد على إرادة ذلك‪ ،‬ووصفه‬
‫اسم الجللة في مقام الضمار دا ٌ‬
‫‪ ‬بوصف )فعيل( مبالغة في العلم بكل ما من شأنه أن ُيْعَلم‪ ،‬ومن‬
‫جملته ما صدر عن العباد من قول وفعل‪ ،‬عمدًا أو خطأ)‪.(772‬‬
‫‪ ()770‬روح المعاني ‪ ،17/257‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()771‬أما في غير الحالت المعتادة فقد يستطيع الشيطان إسماع النسان‪ ،‬انظر‪ :‬رفاعي‬
‫سرور‪ :‬عندما ترعى الذئاب الغنم ص ‪ ،114‬ط ‪61412‬هس‪ ،1992-‬مكتبة الحرمين للعلوم‬
‫النافعة ‪.‬‬
‫‪ ()772‬تفسير أبي السعود ‪ ،4/34‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪276‬‬

‫‪ - 2‬إزالة آثار الشبهة الشيطانية بالقدرة اللهية المباشرة‪ :‬وذلك إذا‬
‫تعلق المر بكتاب ال‪ ،‬فال‪ ‬بهديه وبيانه ينسخ ما ُيْلقي الشيطان‪،‬‬
‫أي يزيل الشبهات التي يلقيها الشيطان ببيان ال‪ ‬الواضح‪ ،‬ويزيد‬
‫آيات دعوة رسله بيانًا‪ ،‬وذلك هو إحكام آياته‪ ،‬أي تحقيقها وتثبيت مدلولها‬
‫وتوضيحها بما ل شبهة بعده إل لمن رين على قلبه)‪ ،(773‬قال اللوسي‬
‫رحمه ال تعالى‪" :-‬فيبطل ما يلقيه من تلك الشبه‪ ،‬ويذهب به بتوفيق النبي‬‫‪‬لرده‪ ،‬أو بإنـزال ما يرده")‪.(774‬‬
‫‪ -3‬إحكام ال‪ ‬آياته‪ :‬فيزيد ‪ ‬آيات دعوة رسله بيانًا‪ ،،‬وإحكام اليات‬
‫أهم من نسخ ما يلقي الشيطان؛ إذ بالحكام يتضح الُهدى‪ ،‬ويزداد ما‬
‫يلقيه الشيطان نسخًا‪ ،‬وصيغة المضارع في الفعلين للدللة على‬
‫الستمرار التجددي ‪.‬‬
‫‪ - 4‬بيان حكمة ال‪ ‬من تمكين الشيطان من ترويج شبهاته‪ ،‬حتى‬
‫يبقى المؤمنون على ثقٍة بمعية ال‪ ،‬وذلك ما بينه في قوله‪‬‬
‫في ُ ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫قي ال ّ‬
‫ع َ‬
‫م‬
‫فت ْن َ ً‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫ما ي ُل ْ ِ‬
‫ة ل ِل ّ ِ‬
‫طا ُ‬
‫ج َ‬
‫‪‬ل ِي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ل َ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ش َ‬
‫ة ُ‬
‫وال ْ َ‬
‫ق‬
‫ن لَ ِ‬
‫في ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫سي َ ِ‬
‫قا ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫مي َ‬
‫قُلوب ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫مَر ٌ‬
‫م َ‬
‫ض َ‬
‫قا ٍ‬
‫ب َِعيٍد‪‬؛ مما يزيد إيمان المؤمنين‪ ،‬وإخبات المخبتين ‪.‬‬

‫‪ – 5‬تكفل ال‪ ‬بالهداية الدائمة للمؤمنين‪ ،‬وبعصمة نبيهم من‬
‫ل عن المر اللفظي الدائم التلوة‪،‬‬
‫الخطأ في المر المعنوي الحال فض ً‬
‫ن من قذف أي تخي ٍ‬
‫ل‬
‫وعصمة مجموع المة عن الخطأ…ُيْبِعد الَتَمّك ِ‬
‫يحاوله الشيطان في ما يتلوه النبي ‪‬من الوحي؛ ومن هنا كان التذييل‬
‫ط‬
‫صَرا ٍ‬
‫مُنوا إ َِلى ِ‬
‫هاِد ال ّ ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ه لَ َ‬
‫نآ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫بقوله‪َ … ‬‬
‫قيم ٍ‪ ،‬ول يقدح في ذلك بقاء الشبهة تفعل فعلها في نفوس‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم؛ إذ ل يزال ترددهم باقيًا إلى أن‬
‫‪ ()773‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،17/299‬مرجع سابق‪ ،‬وراجع لتفصيل خارطة عمل الشيطان‪:‬‬
‫عندما ترعى الذئاب الغنم ص ‪ ،23‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()774‬روح المعاني ‪ ،17/257‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫فائدة‪ :‬واستبعاد كثيرٍ من العلماء وقوع الشبهة اللفظية في القرآن الكريم دا ٌ‬
‫ل على مدى‬
‫أهمية اللفاظ في مقابل المعاني في القرآن الكريم‪ ،‬وذلك لن التحريف إن وقع في اللفظ‬
‫فقد وقع في أصل المعنى ‪.‬‬

‫‪277‬‬

‫تأتيهم الساعة بغتة‪ ،‬أو يأتيهم عذاب يوم عقيم‪ ،‬ول يخل شكهم هذا‬
‫بالوثوق بالقرآن عند الذين آمنوا والذين أوتوا العلم ‪.‬‬
‫وبهذا التأويل يظهر مقدار جللة السلك البديع الذي انتظمت فيه هذه‬
‫اليات)‪ ،(775‬وَوَهى ما ُأوِلع به بعض المفسرين الذين يميلون إلى الكثار‬
‫ن ضعفها واضح سندًا‬
‫من الغرائب من إيراد قصة الغرانيق…مع أ ّ‬
‫ومتنًا)‪ ،(776‬فل يشتغل البحث بإيرادها‪ ،‬مكتفيًا بالحالة على موارد ذلك‬

‫‪ ()775‬وهو التفسير الذي رجحه بل فسر به هذه اليات عدد ٌ من المفسرين منهم ‪:‬الطاهر بن‬
‫عاشور ‪ ،17/299‬مرجع سابق‪ ،‬واللوسي ‪ ،17/257‬مرجع سابق‪ ،‬وأبو حيان ‪ ،6/382‬مرجع‬
‫سابق‪ ،‬ونحوه أبو السعود ‪ ،4/34‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()776‬على أنه يقال تنسز ً‬
‫ل‪ :‬لو صحت هذه القصة فإنه يسري عليها ما ذكر هاهنا من وسائل‬
‫ي‪ ،‬كما يكون الجواب عنها بما‬
‫الجتثاث للمر المعنوي‪ ،‬إذ سريانه على المر اللفظي أولو ٌ‬
‫ذكر قبل وبعد‪ ،‬وبما أجاب به عنها من قالوا بصحتها‪.‬‬

‫‪278‬‬

‫في الهامش)‪.(777‬وليس في هذا اتهاٌم للمفسرين الذين أوردوا هذه القصة؛‬
‫لنه ليس كلهم أورد هذه القصة‪ ،‬ووقوع بعضهم في الغلط‬
‫يوجبه النظر الشرعي والعقلي‪ ،‬وَوَلُع البعض في فترٍة بالغرائب أمٌر‬
‫متقرٌر لدارسي علم تأريخ العلوم‪ ،‬ومحاولة العدو الدسّ في عقائد‬
‫خر‪ ،‬قد بدأ في فجر‬
‫ل عن تراثهم في المجالت اُل َ‬
‫المسلمين فض ً‬
‫السلم‪ ،‬على أنه لم يستطع أن يمس لفظ القرآن‪ ،‬ولذا حاول الكثار من‬
‫‪ ()777‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪ ،17/306‬مرجع سابق‪ ،‬وردها البيهقي وقال‪" :‬هذه القصة غير‬
‫ثابتة من جهة النقل"‪ ،‬ورده القاضي عياض في الشفا ‪ ،2/117‬مرجع سابق‪ ،‬وقال‪" :‬وإنما‬
‫أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب‪ ،‬المتلقفون من الصحف كل‬
‫صحيٍح وسقيم"‪ ،‬وقال اللوسي ‪ ،17/263‬مرجع سابق‪" :‬وفي كتاب )التقياء( لبي منصور‬
‫الماتريدي‪ :‬أن قوله )تلك الغرانيق العلى( من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة‬
‫ة من‬
‫حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين‪ ،‬ليرتابوا في صحة الدين‪ ،‬وحضرة الرسالة بريئ ٌ‬
‫هذه الرواية"‪ ،‬وذكر اللوسي أوجه ردها‪ ،‬بعد أن فسرها بما يشبه التفسير الذي ارتضاه‬
‫الباحث‪ ،‬وأورد هذه القصة‪ :‬ابن حجر في فتح الباري ‪ ،8/441‬مرجع سابق كالمؤيد لثبوت‬
‫ع‪ ،‬لكن كثرة‬
‫أصلها؟! وقال‪" :‬وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعي ٌ‬
‫ف‪ ،‬وإما منقط ٌ‬
‫الطرق تدل على أن للقصة أص ً‬
‫ل"‪.… ،‬ورد على عياض وابن العربي إبطالهما لصل القصة‪،‬‬
‫وقال في نقدهما لها‪" :‬وجميع ذلك ل يتمشى على القواعد‪ ،‬فإن الطرق إذا كثرت وتباينت‬
‫مخارجها دل ذلك على أن لها أص ً‬
‫ل‪ ،‬وقد ذكرت أن لها ثلثة أسانيد منها على شرط الصحيح‪،‬‬
‫وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل‪ ،‬وكذا من ل يحتج به لعتضاد بعضها ببعض…ثم‬
‫رها –بعد أن سلم بأن لها أص ً‬
‫ل‪ -‬ما يستحيل كقولهم فيها‪ :‬ألقى الشيطان على‬
‫تأول من ظاه ِ ِ‬
‫ة من حيث عدم تطبيق موازين المتن بعد تطبيق موازين السند‪،‬‬
‫لسانه… وهذا فيه غراب ٌ‬
‫والقصة أوردها ساكتا ً بل مقررا ً السيوطي –الذي يجعل ابن حجر مثله العلى‪ -‬في شرح‬
‫سنن ابن ماجة‪ ،‬وابن الثير في النهاية ‪ ،3/364‬وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص‬
‫‪ ،179‬مرجعان سابقان‪ ،‬قال اللوسي –رحمه الله تعالى‪" :-‬وذهب إلى صحة القصة أيضا ً‬
‫خاتمة المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني ثم المدني"‪ ،‬ثم قال تعقيبا ً على كلم الكوراني‪:‬‬
‫ة‬
‫شرذم‬
‫"لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد…وتأويل جميع الظواهر الكثيرة لقول‬
‫ٍ‬
‫قليلةٍ بصحة الخبر المنافي لها مع قول جم ٍ غفيرٍ بعد الفحص التام بعدم صحته مما ل يميل‬
‫إليه القلب السليم ول يرتضيه ذو الطبع المستقيم … ‪-‬ثم قال‪:-‬وتوسط جمعٌ في أمر هذه‬
‫القصة فلم يثبتوها كما أثبتها الكوراني‪ ،‬ولم ينفوها بالكلية‪ ،‬وإليه أميل" وقال ابن كثير‬
‫‪ ،3/204‬مرجع سابق‪" :‬ولم أرها مسندة ٌ بوجهٍ صحيٍح" ‪ .‬وقال الشوكاني في فتح القدير‬
‫‪ ،3/577‬مرجع سابق‪" :‬ولم يصح شيء من هذا‪ ،‬ول ثبت بوجهٍ من الوجوه‪ ،‬ومع عدم صحته‬
‫و تَ َ‬
‫و َ‬
‫ض‬
‫ل َ‬
‫عل َي َْنا ب َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ق ّ‬
‫ول َ ْ‬
‫بل بطلنه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه‪ ،‬قال تعالى ‪َ ‬‬
‫م لَ َ‬
‫ال َ َ‬
‫ن‪" ‬الحاقة‪،"46-44/‬‬
‫ل)‪(44‬ل َ َ‬
‫عَنا ِ‬
‫ه ِبال ْي َ ِ‬
‫خذَْنا ِ‬
‫قطَ ْ‬
‫وِتي َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن)‪(45‬ث ُ ّ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫وي ِ‬
‫قا ِ‬
‫مي ِ‬
‫ْ‬
‫حى‪" ‬النجم‪ ،"4-3/‬وقوله‬
‫ق َ‬
‫ن ُ‬
‫وى)‪(3‬إ ِ ْ‬
‫ي ُيو َ‬
‫و ْ‬
‫ن ال َ‬
‫ما ي َن ْطِ ُ‬
‫و َ‬
‫و ِإل َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫وقوله‪َ ‬‬
‫ح ٌ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫ن ث َب ّت َْنا َ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫ك لَ َ‬
‫م َ‬
‫قِليل ً‪" ‬السرا‪ ،"74/‬فنفى المقربة‬
‫ول أ ْ‬
‫قدْ ك ِدْ َ‬
‫ت ت َْرك َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ن إ ِل َي ْ ِ‬
‫ً‬
‫للركون فضل عن الركون‪ ،‬وقال إمام الئمة ابن خزيمة‪ :‬إن هذه القصة من وضع الزنادقة "‪،‬‬
‫وقال أبو حيان ‪ ،6/382‬مرجع سابق ناقدا ً إيراد المفسرين لها‪" :‬وقد ذكر المفسرون في‬
‫كتبهم ما ل يجوز وقوعه من آحاد المؤمنين منسوبا ً إلى المعصوم صلوات الله عليه…وهي‬
‫ة سئل عنها محمد بن إسحاق جامع السيرة فقال‪ :‬هذا من وضع الزنادقة‪ ،‬وصنف في‬
‫قص ٌ‬
‫ذلك كتابًا"‪ ،‬وقد ألف الشيخ اللباني كتابا ً في هذا الباب هو‪" :‬نصب المجانيق لنسف قصة‬
‫الغرانيق"‪.‬‬

‫‪279‬‬

‫وضع الثار‪ ،‬والخبار التي يتلقفها فاضلٌ وغيره‪ ،‬ثم ٌتَتناَقل في حدود‬
‫الغفلة الصلية أو الطارئة عن موازين نقل الخبار الصارمة)‪.(778‬‬
‫رابعًا‪ :‬دفع التخيل بشبهة السحر‪:‬‬

‫هذه مجموعة أسس بين يدي هذه المسألة‪:‬‬
‫‪ - 1‬لم ترتفع صبغة البشرية عن النبي ‪‬بعد نبوته بل ظلت هي الصل‬
‫فيه‪ ،‬ولكنه كان يرتفع عن الصبغة البشرية في أوقات محدودة بتهيئة خاصة‬
‫من ال‪ ‬له فيما يتميز فيه عن البشر وهو الوحي‪ ،‬وهذا معلوٌم من الدين‬
‫بالضرورة‪ ،‬ومن أدلة ذلك قوله ‪ُ  ‬‬
‫ما أ ََنا ب َ َ‬
‫ق ْ‬
‫م‪‬‬
‫شٌر ِ‬
‫مث ْل ُك ُ ْ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫"الكهف‪ ،"110/‬ثم بين الجزئية التي تميز بها ‪ُ‬يو َ‬
‫ما إ ِل َ ُ‬
‫هك ُ ْ‬
‫ي أن ّ َ‬
‫حى إ ِل َ ّ‬
‫د‪ ،‬وكقوله‪) ‬فمن رغب عن سنتي فليس مني()‪ (779‬في‬
‫وا ِ‬
‫ح ٌ‬
‫إ ِل َ ٌ‬
‫ه َ‬
‫معرض النكار على من عد طبعه مختلفًا عن طباع البشر ‪ .‬ولول هذه‬
‫الحقيقة لما كان محطًا للقتداء ‪. ‬‬
‫سّلمًة دينية؛ فإن النبي ‪ ‬يعتريه ما يعتري البشر‬
‫‪ - 2‬وإذا كانت هذه م َ‬
‫من المرض والنصب والوصب والهم والحزن‪ ،‬بما ل يقدح في نبوته‪ ،‬ول‬
‫ه‬
‫والل ّ ُ‬
‫يمس ما أمر به أن يبلغه‪ ،‬وهذا داخل في عموم قوله ‪َ : ‬‬
‫م َ‬
‫س ‪" ‬المائدة‪. "67/‬‬
‫ك ِ‬
‫ع ِ‬
‫يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ص ُ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫‪ - 3‬ليس مقام البحث مقامًا صالحًا لمناقشة مسألة سحر النبي ‪ ‬من حيث‬
‫الثبات والنفي‪ ،‬وقصارى القول في هذا المقام أن ُتدحض شبهة تأثير‬
‫السحر في الوحي القرآني على قول من يثبت أن النبي ‪ ‬قد سحر)‪. (780‬‬
‫‪ - 4‬من أثبت ذلك يتفق مع النفاة في عصمة النبي ‪ ‬وهو يلقي الوحي‬
‫اللهي قرآنًا كان أو غيره من تطرق تأثير السحر عليه‪ ،‬واستدلوا بما رواه‬
‫ة غير قليلةٍ من أفاضل المفسرين على إيراد‬
‫‪ ()778‬وأنى يستغرب ذلك وقد درجت مجموع ٌ‬
‫خبر فضائل القرآن الشهير المنسوب إلى أبي ابن كعب رفعه‪ ،‬مثل‪ :‬الكشاف للزمخشري‪،‬‬
‫وكتفسير البيضاوي‪ ،‬والخازن ‪.‬‬
‫‪ ()779‬صحيح البخاري ‪ ،5/1949‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()780‬انظر في هذا الباب‪ :‬تأويل مختلف الحديث ص ‪ ،182‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪280‬‬

‫حر النبي‪ ‬حتى كان‬
‫سِ‬
‫البخاري‪:‬عن عائشة ‪-‬رضي ال تعالى عنها‪ -‬قالت‪ُ :‬‬
‫يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله‪ ،‬حتى كان ذات يوٍم دعا ودعا‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫ت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي‪ ،‬أتاني رجلن فقعد أحدهما‬
‫)أشعر ِ‬
‫عند رأسي‪ ،‬والخر عند رجلي فقال أحدهما للخر‪ :‬ما وجع الرجل؟‬
‫قال‪ :‬مطبوب ‪ .‬قال‪ :‬ومن طبه؟ قال‪ :‬لبيد بن العصم ‪ .‬قال‪ :‬في ماذا؟‬
‫ف ط َل ْعَةِ ذ َك ْرٍ ‪ .‬قال‪ :‬فأين هو؟ قال‪ :‬في‬
‫ج ّ‬
‫ط‪ ،‬ومشاط ٍ‬
‫قال‪ :‬في مش ٍ‬
‫ة‪ ،‬و َ‬

‫بئر ذروان(‪ .‬فخرج إليها النبي ‪ ‬ثم رجع‪ ،‬فقال لعائشة حين رجع‪:‬‬

‫)نخلها‬

‫كأنه رؤوس الشياطين ‪ .‬فقلت‪:‬استخرجته؟ فقال‪ :‬ل‪ ،‬أما أنا فقد شفاني الله‪،‬‬

‫وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرا ً ثم دفنت البئر()‪.(781‬‬
‫وذكر السماعيلي مدة ذلك فروى‪ :‬أنه أقام أربعين ليلة‪ ،‬وعند أحمد‪:‬‬
‫ستة أشهر‪ ،‬ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه‬
‫والربعين يومًا من استحكامه)‪.(782‬‬
‫‪ - 5‬السحر الذي وقع عليه ‪‬تسلط على جسده فقط‪ ،‬كما كانت الحمى‬
‫ط السحر على جسده ظهر‬
‫سّل ِ‬
‫تتسلط عليه‪ ،‬والسم الذي سمته به يهود…وَت َ‬
‫في عدة مظاهر‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أ ‪ -‬كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ول يفعله‪ :‬كما في هذه الرواية‪،‬‬
‫صّرح بمدلول ذلك في رواية أخرى للبخاري‪ ،‬ولفظها‪) :‬حتى كان يرى‬
‫و ُ‬
‫أنه يأتي النساء ول يأتيهن(‪ ،‬وفي لفظ‪) :‬أنه يأتي أهله ول يأتيهم()‪ ،(783‬قال‬
‫المازري‪" :‬وهذا كثيرًا ما يقع تخيله للنسان في المنام‪ ،‬فل يبعد أن يخيل‬
‫إليه في اليقظة"‪.‬‬

‫‪ ()781‬صحيح البخاري ‪ ،3/1192‬مرجع سابق‪ ،‬وانظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪ ،4/575‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()782‬فتح الباري ‪ ،10/223‬مرجع سابق ‪.‬‬
‫‪ ()783‬صحيح البخاري ‪ ،5/2175‬مرجع سابق ‪.‬‬

‫‪281