‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الوسطية‬
‫في ضوء القرآن‬
‫الكريم‬
‫الشيخ ناصر بن سليمان العمر‬
‫‪www.almoslim.net‬‬

‫‪1‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫المقدمــة‬
‫ن الحمد لله‪ ،‬نحمممده‪ ،‬ونسممتعينه‪ ،‬ونسممتغفره‪ ،‬ونعمموذ بممالله مممن‬
‫إ ّ‬
‫مضم ّ‬
‫ل لمه‪ ،‬وممن‬
‫شرور أنفسنا‪ ،‬وسّيئات أعمالنا‪ ،‬من يهمده اللمه فل ُ‬
‫ُيضلل فل هادِيَ لممه‪ ،‬وأشممهد أن ل إلممه إل اللممه وحممده ل شممريك لممه‪،‬‬
‫دا عبده ورسوله‪.‬‬
‫وأشهد أن محم ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫)َيا أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫ه َ‬
‫ن إ ِّل وَأن ْت ُم ْ‬
‫حمقّ ت َُقممات ِهِ َول ت َ ُ‬
‫من ُمموا ات ُّقمموا الل ّم َ‬
‫نآ َ‬
‫ممموت ُ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ن( )آل عمران‪.(102:‬‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ُ‬
‫)يا أ َ‬
‫خل َ‬
‫م ال ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ق‬
‫م‬
‫ف‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫م‬
‫ك‬
‫ق‬
‫َ‬
‫ذي‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ر‬
‫قوا‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫ا‬
‫س‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ها‬
‫ي‬
‫ح مد َةٍ وَ َ‬
‫َ‬
‫س َوا ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫خل َم َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ن‬
‫جَها وَب َ ّ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ث ِ‬
‫ِ‬
‫ساَءُلو َ‬
‫ما رِ َ‬
‫من َْها َزوْ َ‬
‫ذي ت َ َ‬
‫جال ً ك َِثيرا ً وَن ِ َ‬
‫ساًء َوات ُّقوا الل ّ َ‬
‫من ْهُ َ‬
‫ه َ‬
‫م َرِقيبًا( )النساء‪.(1:‬‬
‫كا َ‬
‫م إِ ّ‬
‫ب ِهِ َواْل َْر َ‬
‫حا َ‬
‫ن عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫سم ِ‬
‫)َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ص مل ِ ْ‬
‫ه وَُقول ُمموا قَموْل ً َ‬
‫ح ل َك ُم ْ‬
‫من ُمموا ات ُّقمموا الل ّم َ‬
‫نآ َ‬
‫ديدا ً ي ُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫وزا ً‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ن ي ُط ِِع الل ّ َ‬
‫م وَ َ‬
‫م ذ ُُنوب َك ُ ْ‬
‫م وَي َغِْفْر ل َك ُ ْ‬
‫مال َك ُ ْ‬
‫أعْ َ‬
‫ه فََق مد ْ فَمماَز فَ م ْ‬
‫م ْ‬
‫ظيمًا( )الحزاب‪.(71 ،70:‬‬
‫عَ ِ‬
‫أما بعد‪:‬‬
‫مة اليوم يرى ب َوًْنا شاسًعا‬
‫فإ ّ‬
‫ن المتأمل في الواقع الذي تعيشه ال ّ‬
‫في مشاربها وأهدافها‪ ،‬واختلًفا في منطلقاتها وغاياتها‪.‬‬
‫يــرى الفــراط والتفريــط‪ ،‬والغلممموّ والجفممماء‪ ،‬والسمممراف‬
‫د( )الحج‪ :‬من الية ‪.(45‬‬
‫شي ٍ‬
‫م ِ‬
‫صرٍ َ‬
‫والتقتير‪) :‬وَب ِئ ْرٍ ُ‬
‫معَط ّل َةٍ وَقَ ْ‬
‫دعاة‬
‫ممما‪ ،‬فممإذا انتقلنمما إلممى حممال الم ّ‬
‫مممة عمو ً‬
‫هذا على مسممتوى ال ّ‬
‫متهممم‪،‬‬
‫ض مضمماجعهم هممذا الواقممع المممؤلم ل ّ‬
‫والمصمملحين الممذي أق م ّ‬
‫فطفقوا يبحثون عن سبل العلج وطوق الّنجاة‪ ،‬لخراج البشرية من‬
‫ضللة إلممى الهممدى‪ ،‬نجممد انعكمماس واقممع‬
‫الظلمات إلى النور‪ ،‬ومن ال ّ‬

‫‪2‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫المة على حالهم‪ ،‬فمنهم الم َ‬
‫رط‬
‫شّرق‪ ،‬ومنهم المغ مّرب‪ ،‬تممرى المف م ِ‬
‫دعاة والمصمملحين مممن غل وأفممرط فممي‬
‫والمفّرط‪ ،‬نرى بين هؤلء ال ّ‬
‫و‪ ،‬فنشممأت جماعممات تكفيممر وهجممرة‪ ،‬وعممادت سمموق الخمموارج‬
‫الغل م ّ‬
‫دين وأصول العقيممدة‪،‬‬
‫رائجة‪ ،‬وهناك من فّرط وجفا‪ ،‬وأضاع معالم ال ّ‬
‫صا على جمع الن ّمماس دون تربيتهممم‪ ،‬ففشمما الرجمماء‪ ،‬وانطمسممت‬
‫حر ً‬
‫معالم الّتوحيد‪ ،‬وحقيقة العبادة‪.‬‬
‫حح ال ّ‬
‫طريممق‪،‬‬
‫وبين هؤلء وأولئك وقفت فئة تقتفي الثر‪ ،‬وتص ّ‬
‫وتممد ّ‬
‫صممراط المسممتقيم‪ ،‬علممى منهممج أهممل السممنة‬
‫ل النمماس إلممى ال ّ‬
‫دين غلوّ الغالين‪ ،‬وانتحممال‬
‫مة؛ ينفون عن هذا ال ّ‬
‫والجماعة‪ ،‬وسلف ال ّ‬
‫المبطليممن‪ ،‬وتفريممط الكسممالى والمرجئيممن‪ ،‬ودعمماوى المنممافقين‬
‫والمرجفين‪ .‬ووسط هذا الواقع المؤلم‪ ،‬والضطراب المهلك‪ ،‬تشممتد ّ‬
‫صممراط المسممتقيم‪ ،‬والمنهممج العممدل‬
‫الحاجة إلى دللممة ال ّ‬
‫مممة إلممى ال ّ‬
‫دعاة‬
‫المبين‪ ،‬لنقاذها من كبوتها‪ ،‬وإيقاظهمما مممن رقممدتها‪ ،‬وتبصممير الم ّ‬
‫َ‬
‫ق‪ ،‬وال ّ‬
‫همم َ‬
‫ذا‬
‫ن َ‬
‫طريممق الممبّين الواضممح‪) :‬وَأ ّ‬
‫والمصمملحين بالمنهممج الحمم ّ‬
‫سب ُ َ‬
‫ه(‬
‫س مِبيل ِ ِ‬
‫صَرا ِ‬
‫ِ‬
‫ن َ‬
‫ست َِقيما ً َفات ّب ُِعوهُ َول ت َت ّب ُِعوا ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ل فَت ََفّرقَ ب ِك ُ ْ‬
‫طي ُ‬
‫م عَ ْ‬
‫)النعام‪ :‬من الية ‪.(153‬‬
‫لقد وقفت طويل عند مسألة الغلوّ والجفاء‪ ،‬والفراط والّتفريممط‪،‬‬
‫س الحاجة إلى منهج الوسطّية منقم ً‬
‫ذا لهمما مممن‬
‫وأدركت أن ال ّ‬
‫مة بأم ّ‬
‫هذا النحراف‪ ،‬الذي جّر عليها المصائب والمشكلت‪.‬‬
‫ن القرآن الكريم‪ ،‬قممد رسممم لنمما هممذا المنهممج فممي‬
‫ووجدت أ ّ‬
‫خلًقمما وسمملو ً‬
‫كا‪ ،‬تص موًّرا‬
‫ة‪ُ ،‬‬
‫شّتى جوانبه‪ ،‬أصول وفرو ً‬
‫عا‪ ،‬عقيدةً وعباد ً‬
‫وعمل‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ولقد جــاء منهــج الوســطّية مممن خلل القممرآن الكريممم فممي‬
‫صممل ومجمل‪ ،‬خممبًرا وإنشمماًء‪ ،‬أممًرا‬
‫دة‪ ،‬تصري ً‬
‫أساليب ع ّ‬
‫حا وإيممماًء‪ ،‬مف ّ‬
‫ونهًيا‪.‬‬
‫عا مّني بأهمّية هذا الموضوع‪ ،‬ومسيس الحاجة إليه‪،‬‬
‫واقتنا ً‬
‫فقد عزمت على الكتابة فيه‪ ،‬وهذا يقتضي أن أعيش مع كتاب اللممه‬
‫سرون حول‬
‫مل لياته‪ ،‬متفك ًّرا في دللته‪ ،‬مستوعًبا لما كتبه المف ّ‬
‫متأ ّ‬
‫تقرير القرآن لمنهج الوسطّية‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫القضية التي يعالجها البحث‬
‫مفهوم الوسطّية وحقيقتها ض ّ‬
‫ل فيها كــثيرون‪ ،‬وبيــان‬
‫ذلك كما يلي‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫هنـــاك مـــن فهـــم أن الوســـطّية تعنـــي الّتنـــازل‬

‫صممراط المسممتقيم‪ ،‬وسمار‬
‫والّتساهل‪ ،‬فإذا رأوا مسل ً‬
‫ما قد التزم ال ّ‬
‫دد على نفسك وعلممى الخريممن‬
‫وة‪ ،‬قالوا له‪ :‬لماذا ُتش ّ‬
‫على هدي النب ّ‬
‫ودين الله وسط؟ ولذلك نجد فممي واقعنمما المعاصممر أن أكممثر الممذين‬
‫مون بالّتطرف والغلوّ وأخيًرا بالصولّية‬
‫ُير َ‬
‫صحيح‪.‬‬
‫بالمنهج على وجهه ال ّ‬

‫)‪(1‬‬

‫هم من المذين المتزموا‬

‫ومن أسباب ذلك الجهل بحقيقة الوسطّية‪.‬‬
‫مســين المنممدفعين‪،‬‬
‫‪ -2‬وفي المقابل نجد فئة مــن المتح ّ‬
‫ق‪ ،‬الممذين لممم يوافقمموا هممؤلء علممى‬
‫يصممفون أصممحاب المنهممج الح م ّ‬
‫أفكممارهم‪ ،‬ولممم يسممايروهم فممي حماسممهم وانممدفاعهم يصممفونهم‬
‫بالّتساهل والّتهاون‪ ،‬وعدم الغيرة‪ ،‬بل وأحياًنا بالّتنازل والممالة‪.‬‬
‫دعونها‪،‬‬
‫ضا ‪ -‬جهلهم بحقيقة الوسطّية‪ ،‬مع أنهممم ي م ّ‬
‫ومنشأ ذلك ‪ -‬أي ً‬
‫لكنهم ل يفهمونها على الوجه الصحيح‪.‬‬
‫‪ -3‬وهنــاك فئة ثالثــة ليسممت مممن هممؤلء ول أولئك‪ ،‬وهممم‬
‫حريصون على اللتزام بالمنهج الصحيح‪ ،‬ولكّنهم يقعون فممي أخطمماء‬
‫أثنمماء ممارسممتهم للممدعوة قممول أو فعل‪ ،‬وسممبب هممذا المممر عممدم‬
‫تصورهم لمنهج الوسطّية تصوًرا شامل‪ ،‬وقصرهم هذا المنهممج علممى‬
‫بعض آحاده‪.‬‬
‫دق ما يقولون جهل أو سذاجة‪ ،‬أما الذين يتجاهلون فل يعنيهم هذا البحث‪.‬‬
‫‪ - 1‬بعض من يطلق هذه الصفات‪ ،‬يطلقها لغراض ل تخفى‪ ،‬والمشكلة أن هناك من يص ّ‬

‫‪5‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫‪ -4‬والنتيجة الــتي نتوصــل إليهــا مــن ذلــك كلــه أن هممذا‬
‫المنهج بحاجة إلى تفصيل وبيان‪ ،‬ل لخفائه في ذاته‪ ،‬بممل هممو أوضممح‬
‫من الشمس في رابعة النهار‪ ،‬ولكن خفاءه من المور النسبّية الممتي‬
‫تعود إلى ُبعد كثير من النمماس عممن منهممج القممرآن والسممنة‪ ،‬وضممعف‬
‫حصيلتهم العلمّية‪ ،‬وممارستهم التعبدّية والدعوّية‪.‬‬
‫ي بإيضمماح مفهمموم الوسممطّية‪،‬‬
‫والخلصــة أ ّ‬
‫ن هممذا البحممث معن م ّ‬
‫دا‪،‬‬
‫وتحديد مدلولها في ضوء القرآن الكريم‪ ،‬تعريًفمما وتأصمميل‪ ،‬وتحديم ً‬
‫وتطبيًقا‪.‬‬
‫وهذا هو المعنــى ال ّ‬
‫شــامل الممذي نفهمممه مممن قمموله تعممالى‪:‬‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(143‬فمن منطوق‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫)وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫ت‪ ،‬ومممن مفهومهمما‬
‫ت وكتب م ُ‬
‫هممذه اليممة ان ْط َل َْقممت‪ ،‬وفممي ضمموئها سممر ُ‬
‫ت‪.‬‬
‫ت وبّين ُ‬
‫موافقة ومخالفة حّقق ُ‬
‫وكنت أضع القضّية التي جئت أعالجها نصممب عينممي فممي كممل ممما‬
‫س ّ‬
‫ت‪.‬‬
‫ت ودّون ْ‬
‫طر ُ‬
‫مخطط البحث‬
‫بدأت البحث بتعريف الوسطّية‪ ،‬واشتمل هذا المبحث على ما‬
‫يأتي‪:‬‬
‫‪ -1‬الوسطّية في اللغة‪.‬‬
‫‪ -2‬استعمالت الكلمة في القرآن الكريم‪.‬‬
‫‪ -3‬أحاديث نبوية في )الوسط(‪.‬‬
‫‪ -4‬تحرير معنى الوسطّية‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ثممم انتقلممت إلممى مبحممث آخممر وهممو أسس فهــم الوســطّية‪،‬‬
‫واشتمل على ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬مقدمة لهذا المبحث‪.‬‬
‫‪ -2‬الغلو والفراط‪.‬‬
‫‪ -3‬الجفاء والتفريط‪.‬‬
‫صراط المستقيم‪.‬‬
‫‪ -4‬ال ّ‬
‫من الحممديث عممن‬
‫ثم عقدت مبحًثا لبيان ملمح الوسطّية‪ ،‬وتض ّ‬
‫الملمح التالية‪ ،‬بعد مقدمة المبحث‪:‬‬
‫‪ -1‬الخيرية‪.‬‬
‫‪ -2‬الستقامة‪.‬‬
‫‪ -3‬اليسر ورفع الحرج‪.‬‬
‫‪ -4‬البينّية‪.‬‬
‫‪ -5‬العدل والحكمة‪.‬‬
‫وأخيًرا ذكرت دليل تطبيقّيا يجمع هذه الملمح‪.‬‬
‫وهذه المبــاحث الثلثــة‪ ،‬تعتممبر أركان ًمما أساس مّية‪ ،‬ومنطلقممات‬
‫منهجي ّممة لمعرفممة حقيقممة الوسممطّية فممي حممدودها الشممرعّية‪ ،‬بممل إن‬
‫مضمون تلك المباحث هو المعيار الذي نستطيع من خلله أن نعرف‬
‫طا أو تفري ً‬
‫من إفرا ً‬
‫طا؟‬
‫هل هذا المر وسطًيا أو هو يتض ّ‬
‫ي فممي كممل قضممية‬
‫وهي كذلك وسيلة للبحث عن المنهممج الوسمط ّ‬
‫تعممرض لنمما‪ ،‬فمممن خلل تلممك المبمماحث نخممرج المنهممج وننقحممه‪ ،‬ثممم‬
‫نحّققه‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫م مبمماحث‬
‫وبعد تحرير تلك الصول والمنطلقممات‪ ،‬عقممدت أهم ّ‬
‫الكتاب‪ ،‬وهو بيان تقرير القرآن الكريم لمنهج الوسطّية‪ ،‬حيث بّينممت‬
‫عناية القرآن بهذا المنهممج‪ ،‬وذكممرت المثلممة التطبيقي ّممة الممتي توضممح‬
‫ذلك‪ ،‬وجاء هذا الباب مشتمل على المباحث التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬مقدمة توضيحّية‪.‬‬
‫‪ -2‬وقفة مع سورة الفاتحة‪.‬‬
‫‪ -3‬منهج الوسطّية في العتقاد‪.‬‬
‫‪ -4‬منهج الوسطّية في الّتشريع والّتكليف‪.‬‬
‫‪ -5‬منهج الوسطّية في العبادة‪.‬‬
‫‪ -6‬منهج الوسطّية في ال ّ‬
‫شهادة والحكم‪.‬‬
‫‪ -7‬منهج الوسطّية في المر بالمعروف‪ ،‬والّنهي عن المنكر‪.‬‬
‫‪ -8‬منهج الوسطّية في الجهاد في سبيل الله‪.‬‬
‫‪ -9‬منهج الوسطّية في المعاملة والخلق‪.‬‬
‫‪ -10‬منهج الوسطّية في كسب المال وإنفاقه‪.‬‬
‫‪ -11‬منهج الوسطّية في مطالب النفس وشهواتها‪.‬‬
‫وأخيًرا ذكرت بعض الشواهد المتفّرقة الممتي تؤكممد هممذا المنهممج‬
‫وتبّينه‪.‬‬
‫وختمت البحث بخاتمة مناسبة ربطت فيها بين الهدف والنتيجة‪.‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫ق‬
‫فقد بذلت جهدي في إخراج هذا الموضوع‪ ،‬فما كان فيه من ح ّ‬
‫حي ُ‬
‫ما َ‬
‫ن بِ َ‬
‫شاَء(‬
‫ن ِ‬
‫وصواب فمن الله وحده )َول ي ُ ِ‬
‫عل ْ ِ‬
‫يٍء ِ‬
‫طو َ‬
‫مهِ إ ِّل ب ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫م( )النسمماء‪ :‬مممن‬
‫ن ت َعْل َم ُ‬
‫ما ل َم ْ‬
‫ك َ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪) .(255‬وَعَل ّ َ‬
‫م ت َك ُم ْ‬

‫‪8‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الية ‪ .(113‬وما كان فيه من تقصير وخطأ فمن نفسي وال ّ‬
‫شمميطان‪،‬‬
‫وأستغفر الله‪.‬‬
‫فلله الحمد والشــكر والمن ّممة‪ ،‬والّثنمماء الحسممن‪ ،‬علممى فضممله‪،‬‬
‫وتيسيره‪ ،‬وإعانته‪ ،‬وتوفيقه‪ ،‬ثم أشكر كل من أسهم في إخراج هممذا‬
‫ما مباشًرا أو غير مباشر‬
‫البحث سواء كان إسها ً‬
‫دعاء‪.‬‬
‫وجميل ال ّ‬

‫)‪(1‬‬

‫فلهم مني ال ّ‬
‫شكر‬

‫والحمد لله أول وآخًرا‪.‬‬
‫ج ّ‬
‫ب فيه وعل‬
‫ل من ل عي َ‬

‫إن تجد عيب ًــا فسـدّ الخلل‬

‫وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه‪.‬‬
‫الطائف‬
‫‪ 1413 /26/3‬هم‬

‫‪ - 1‬أشكر الجامعة بصفة خاصة حيث فّرغتني لمدة عام مما مكنني من إنجاز هذا البحث‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫تعريف الوسطّية‬
‫الوسطّية في اللغة‬
‫متقاربممة فممي‬
‫جاءت كلمة )وسط( في اللغة لع ّ‬
‫ن‪ ،‬ولكنهمما ُ‬
‫دة معمما ٍ‬
‫مل في حقيقتها ومآلها‪.‬‬
‫مدلولها عند التأ ّ‬
‫سين والط ّمماء‪ :‬بنمماء صممحيح‬
‫قال ابن فارس‪) :‬وسط(‪ :‬الواو وال ّ‬
‫يد ّ‬
‫ل على العدل والّنصف‪.‬‬

‫وأعدل الشيء‪ :‬أوسطه‪ ،‬ووسممطه‪ ،‬قممال اللممه ‪‬‬

‫ُ‬
‫سممطًا(‬
‫مم ً‬
‫ة وَ َ‬
‫)أ ّ‬

‫)البقرة‪ :‬من الية ‪.(143‬‬
‫س َ‬
‫سط القمموم ‪-‬‬
‫ط رأ ِ‬
‫سه ‪ -‬بفتح السين ‪ -‬وو ْ‬
‫ت وَ َ‬
‫ويقولون‪ :‬ضرب ُ‬
‫سمم ُ‬
‫طهم حسممًبا ‪ -‬إذا كممان فممي واسممطةِ قممومه‬
‫بسممكونها ‪ ،-‬وهممو أو َ‬
‫وأرفعهم محل )‪.(1‬‬
‫سممين وسممكونها‪،‬‬
‫ومن هذا الكلم يّتضح أن )وسط( تممأتي بفتممح ال ّ‬
‫وفتحها أكثر استعمال كما سيأتي‪.‬‬
‫ويمكن إجمال المعاني التي جاءت تد ّ‬
‫ل عليهما همذه الكلممة فيمما‬
‫يلي‬

‫)‪(2‬‬

‫‪.‬‬

‫سين تكون ظرًفا بمعنممى )بيممن(‪ ،‬قممال‬
‫سط( بسكون ال ّ‬
‫‪) -1‬و ْ‬
‫سين فهو ظممرف ل اسممم‪،‬‬
‫سط بسكون ال ّ‬
‫ما الو ْ‬
‫في لسان العرب‪ :‬وأ ّ‬
‫سممط‬
‫جاء على وزان نظيره في المعنى وهو )بين(‪ ،‬تقول‪ :‬جلست و ْ‬
‫القوم‪ ،‬أي‪ :‬بينهم‪ ،‬ومنه قول سوار بن المضرب‪:‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬معجم مقاييس اللغة مادة‪) :‬وسط( ‪.6/108‬‬
‫‪ - 2‬انظر تفصيل ذلك في المعاجم اللغوية‪ ،‬ووسطّية أهل السّنة بين الفرق لمحمد باكريم ‪ -‬مخطوط ‪ -‬والوسطّية في السلم لزيد الزيد‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سـط الّناس‬
‫ول أمانـة و ْ‬

‫ي أرى مـن ل‬
‫ي كأنـ ّ‬
‫إن ّ‬

‫عريانـا‬
‫ُ‬

‫حيـاة‬

‫)‪(3‬‬

‫قممال د‪ .‬زيممد الزيممد‪ :‬وقممد أشممارت بعممض المعمماجم اللغويممة إلممى‬
‫سط بالسكون‪ ،‬فقممالوا‪ :‬إن‬
‫سط ‪ -‬بالتحريك ‪ -‬وو ْ‬
‫التفريق بين كلمة و َ‬
‫سكون‪ ،‬وممما ل يصمملح فيممه )بيممن(‬
‫كل موضع يصلح فيه )بين( فهو بال ّ‬
‫فهو بالفتح‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬كل منهما يقع موضع الخر‪ ،‬قممال ابممن الثيممر فممي غريممب‬
‫الحديث‪ :‬وهو الشبه )‪.(1‬‬
‫ما كنت أسمع شيوخنا يقولون في الفممرق‬
‫وقال الزبيدي‪ :‬وقدي ً‬
‫ساكن متحّرك‪ ،‬والمتحّرك سمماكن‬
‫ما شامل لما ذكر‪ ،‬وهو ال ّ‬
‫بينهما كل ً‬
‫)‪.(2‬‬
‫ما لما بين طرفي الشيء وهو‬
‫‪ -2‬وتأتي ‪ -‬و َ‬
‫سط بالفتح ‪ -‬اس ً‬
‫ت وسممط الحبممل‪ ،‬وكسممرت وسممط القمموس‪،‬‬
‫منه‪ ،‬ومممن ذلممك‪ :‬قبضم ْ‬
‫دار‪ ،‬وهذه حقيقة معناها كما ذكر ابن بّري )‪.(3‬‬
‫وجلست وسط ال ّ‬
‫ضا ‪ -‬صفة‪ ،‬بمعنى خيار‪ ،‬وأفضل‪ ،‬وأجود‪،‬‬
‫‪ -3‬وتأتي ‪ -‬بالفتح أي ً‬
‫فأوسط الشيء أفضله وخياره‪ :‬كوسط المرعمى خيمر ممن طرفيمه‪،‬‬
‫ومرعى وسط أي‪ :‬خيار‪.‬‬
‫وواسممطة القلدة‪ :‬الجمموهر الممذي وسممطها‪ ،‬وهممو أجودهمما‪ ،‬ورجممل‬
‫وسط ووسيط‪ :‬حسن )‪.(4‬‬
‫‪ - 3‬انظر لسان العرب مادة )وسط( )‪.(7/428‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬الوسطّية في السلم ص )‪ (17‬ومختار الصحاح مادة )وسط( )‪ ،(720‬وغريب الحديث لبن الثير )‪.(5/183‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تاج العروس مادة )وسط( )‪.(5/340‬‬
‫‪ - 3‬لسان العرب مادة )وسط( )‪.(7/427‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬لسان العرب مادة )وسط( )‪ ،(430 ،7/427‬والصحاح مادة )وسط( )‪ ،(3/1167‬ووسطّية أهل السنة ص ‪.2‬‬

‫‪11‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫‪ -4‬وتأتي وسط ‪ -‬بالفتح ‪ -‬بمعنممي عممدل‪ ،‬قممال ابممن فممارس‪:‬‬
‫وسممط‪ :‬بنمماء صممحيح يممد ّ‬
‫ل علممى العممدل‪ ،‬وأعممدل الشمميء أوسممطه‬
‫ووسطه‪.‬‬
‫وقال ابن منظور‪ :‬ووسط الشيء وأوسطه‪ :‬أعدله‪.‬‬
‫وقال الفيروزآبادي‪ :‬الوسط ‪ -‬محركة ‪ -‬من كل شيء‪ :‬أعدله‬
‫)‪.(1‬‬
‫ضــا ‪ -‬للشمميء بيممن الجيممد‬
‫‪ -5‬وتــأتي )وســط( بالفتــح ‪ -‬أي ً‬
‫والرديء‪.‬‬
‫قال الجوهري‪ :‬ويقال‪ :‬شيء وسط‪ :‬أي بين الجيد والرديء‪.‬‬
‫وقال صاحب المصباح المنير‪ُ :‬يقال شيء وسممط‪ ،‬أي بيممن الجيممد‬
‫والرديء )‪.(2‬‬
‫ومنه ما ورد في الحديث‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ن اللممه‬
‫ولكن من وسط أموالكم فممإ ّ‬

‫لم يسألكم خيره‪ ،‬ولم يأمركم بشّره ‪.(3) ‬‬
‫‪ -6‬ويقال )وسط( لممما لممه طرفممان مممذمومان‪ ،‬يممراد بممه ممما كممان‬
‫م‪ ،‬وهو الغالب‪.‬‬
‫ما من الذ ّ ّ‬
‫بينهما سال ً‬
‫قال الراغب‪ :‬وتارة ُيقال لما له طرفان مذمومان‬

‫)‪.(4‬‬

‫سخاء وسط بين البخل والّتبذير‪ ،‬وال ّ‬
‫شجاعة وسممط‬
‫ومثال ذلك‪ :‬ال ّ‬
‫ور )‪.(5‬‬
‫بين الجبن والته ّ‬

‫سّنة بين الفرق ص )‪.(2‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬معجم مقاييس اللغة مادة )وسط( ولسان العرب مادة )وسط( والقاموس المحيط مادة )وسط( وسطّية أهل ال ُ‬
‫سّنة ص )‪.(2/3‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬مادة )وسط( في الصحاح‪ ،‬والمصباح المنير ص )‪ ،(252‬ووسطّية أهل ال ُ‬
‫‪ - 3‬أخرجه أبو داود )‪ (104 ،2/103‬رقم )‪ ،(1582‬والطبراني في الصغير ص )‪ .(115‬والبيهقي في السنن )‪ .(4/95‬وصححه اللباني كما في صحيح الجامع رقم )‪.(3041‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬المفردات في غريب القرآن‪ ،‬مادة‪ :‬وسط ص )‪.(522‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬الوسطّية لفريد عبد القادر ص )‪.(9‬‬

‫‪12‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫قال محمممد بمماكريم )‪ (1‬وكيفممما تص مّرفت هممذه اللفظممة نجممدها ل‬
‫تخرج في معناهما عمن معماني العمدل والفضمل والخيريمة‪ ،‬والنصمف‬
‫والبينّيممة‪ ،‬والتوسممط بيممن الطرفيممن‪ ،‬فتقممول‪) :‬وسممو ً‬
‫طا(‪ :‬بمعنممى‬
‫سط المعتدل‪ ،‬ومنممه قممول العرابممي‪ :‬علمنممي دين ًمما وسممو ً‬
‫طا‪ ،‬ل‬
‫المتو ّ‬
‫طا سقو ً‬
‫طا‪ ،‬ول ساق ً‬
‫ذاهًبا فرو ً‬
‫سط بيممن‬
‫طا‪ ،‬فإن الوسط هاهنا المتو ّ‬
‫الغالي والجافي )‪.(2‬‬
‫و)وسي ً‬
‫طا( أي‪ :‬حسيًبا شريًفا‪ ،‬قال الجوهري‪ :‬وفلن وسمميط فممي‬
‫قومه‪ ،‬إذا كان أوسطهم نسًبا‪ ،‬وأرفعهم محل‪ ،‬قال العرجي‪:‬‬
‫ولم تك نسبتـي فـي آل‬

‫كأّني لم أكن فيهم‬
‫وسي ً‬
‫طا‬

‫عمـرو‬

‫)‪(3‬‬

‫سط بين المتخاصمين )‪.(4‬‬
‫و)الوسيط(‪ :‬المتو ّ‬
‫و)التوسط(‪ :‬بين الناس من الوساطة‬

‫)‪(5‬‬

‫وهي الشفاعة‪.‬‬

‫و)التوسيط(‪ :‬أي تجعل الشيء في الوسط )‪.(6‬‬
‫ضا ‪ -‬قطع الشيء نصفين )‪.(7‬‬
‫و)التوسيط(‪ - :‬أي ً‬
‫سطها السماء )‪.(8‬‬
‫و)وسوط الشمس(‪ :‬تو ّ‬
‫و)واسطة القلدة(‪ :‬الجوهر الذي في وسممطها‪ ،‬وهممو أجودهمما‬
‫)‪.(9‬‬
‫سّنة ص )‪ ،(3‬وانظر‪ :‬لما سيأتي لسان العرب مادة )وسط( وتاج العروس مادة )وسط( والصحاح مادة )وسط(‪.‬‬
‫‪ - 1‬وسطّية أهل ال ُ‬
‫‪ - 2‬لسان العرب مادة )وسط( )‪.(7/429‬‬
‫‪ - 3‬الصحاح مادة )وسط( )‪.(3/1167‬‬
‫‪ - 4‬القاموس المحيط مادة )وسط( )‪.(2/406‬‬
‫‪ - 5‬الصحاح مادة )وسط( )‪.(3/1167‬‬
‫‪ - 6‬الصحاح مادة )وسط( )‪.(3/1167‬‬
‫‪ - 7‬الصحاح مادة )وسط( )‪.(3/1167‬‬
‫‪ - 8‬لسان العرب مادة )وسط( )‪.(7/429‬‬
‫‪ - 9‬الصحاح مادة )وسط( )‪.(3/1167‬‬

‫‪13‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقال فريد عبد القادر‪ :‬استقّر عند العممرب أنهممم إذا أطلقمموا‬
‫كلمممة )وسممط( أرادوا معمماني الخيممر‪ ،‬والعممدل‪ ،‬والنصممفة‪ ،‬والجممودة‪،‬‬
‫والّرفعة‪ ،‬والمكانة العلّية‪.‬‬
‫والعرب تصف فاضل الّنسب بمأنه وسمط فمي قمومه‪ ،‬وفلن ممن‬
‫واسطة قومه‪ ،‬أي‪ :‬مممن أعيممانهم‪ ،‬وهممو مممن أوسممط قممومه‪ ،‬أي مممن‬
‫خيارهم وأشرافهم )‪.(9‬‬
‫وأختم ما قيل في معنى الوسط بهذا الكلم للشيخ ابممن عاشممور‪،‬‬
‫ك جعل ْنمماك ُ ُ‬
‫ة‬
‫مم ً‬
‫حيث قممال أثنمماء تفسمميره لقمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬وَك َمذ َل ِ َ َ َ َ‬
‫مأ ّ‬
‫ْ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(143‬‬
‫وَ َ‬
‫والوسط‪ :‬اسم للمكان الواقع بين أمكنة تحيممط بممه‪ ،‬أو للشمميء‬
‫الواقع بين أشياء محيطة به‪ ،‬ليس هو إلممى بعضممها أقممرب منممه إلممى‬
‫بعض عرًفا‪ ،‬ولما كان الوصول إليه ل يقع إل ّ بعد اخممتراق ممما ُيحيممط‬
‫صيانة والع مّزة؛ طبعًمما‪ :‬كوسممط المموادي ل تصممل‬
‫به‪ ،‬أخذ فيه معنى ال ّ‬
‫دواب إل بعممد أكممل ممما فممي الجمموانب‪ ،‬فيبقممى كممثير‬
‫إليه الّرعمماة والم ّ‬
‫العشممب والكل‪ ،‬ووضممًعا‪ :‬كوسممط المملكممة يجعممل محمم ّ‬
‫ل قاعممدتها‪،‬‬
‫ووسط المدينة يجعل محل قصبتها؛ لن المكان الوسط ل يصل إليه‬
‫العدوّ بسهولة‪ ،‬وكواسطة العقد لنفس لؤلؤة فيه‪.‬‬
‫فمن أجل ذلك صار معنممى الّنفاسممة والع مّزة والخيممار مممن لمموازم‬
‫معنى الوسط عرًفا‪ ،‬فأطلقوه على الخيار النفيس كناية‪ ،‬قال زهير‪:‬‬
‫م‬
‫هم وسط يرضــى النـــا ُ‬

‫إذا نـزلت إحـدى الليالـــي‬

‫بحكمهــــــــــــــــــــــــم‬

‫بمعضـــــــــــــــــــــــــل‬

‫‪ - 9‬انظر‪ :‬الوسطّية ص )‪ ،(10‬وجمهرة اللغة لبن دريد )‪ ،(3/29‬والقاموس المحيط مادة )وسط( )‪ ،(2/391‬وتهذيب اللغة مادة )وسط( )‪.(12/26‬‬

‫‪14‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ويقال‪ :‬أوسط القبيلة‪ ،‬لصميمها‪.‬‬
‫صفة الواقعة عدل بين خلقين ذميمين‬
‫وأ ّ‬
‫ما إطلق الوسط على ال ّ‬
‫فيهما إفراط وتفريط‪ ،‬كال ّ‬
‫ور‪ ،‬والكممرم بيممن‬
‫شجاعة بين الجبممن والتهم ّ‬
‫ال ّ‬
‫ح والسّرف‪ ،‬والعدالة بين الّرحمة والقساوة‪ ،‬فذلك روى حديث‪:‬‬
‫ش ّ‬
‫‪ ‬خير المور أوسطها ‪ ‬وسنده ضعيف )‪.(1‬‬
‫عرفّيتين )‪.(2‬‬
‫وقد شاع هذان الطلقان حتى صارا حقيقتين ُ‬
‫ومن خلل ما سبق اّتضح لنا المعنى اللغوي لكلمممة )وسممط(‪،‬‬
‫ن متقاربة‪.‬‬
‫وما تصّرف منها‪ ،‬وأنها تئول إلى معا ٍ‬
‫استعمالت الكلمة في القرآن الكريم‬
‫دة مواضممع‪ ،‬وذلممك‬
‫وردت كلمممة )وسممط( فممي القممرآن فممي عمم ّ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬مممن اليممة‬
‫بتصاريفها المتع ّ‬
‫ددة‪ ،‬حيث وردت بلفظ‪) :‬وَ َ‬
‫َ‬
‫)‪(4‬‬
‫)‪(3‬‬
‫سممم َ‬
‫ط(‬
‫سممم ِ‬
‫طى( )البقمممرة‪ :‬ممممن اليمممة ‪ (238‬و )أوْ َ‬
‫‪ (143‬و )ال ْوُ ْ‬
‫َ‬
‫)‪(5‬‬
‫م( )القلممم‪ :‬مممن اليممة ‪ (6)(28‬و‬
‫)المائدة‪ :‬من الية ‪ (89‬و )أوْ َ‬
‫س مط ُهُ ْ‬
‫ن( )العاديات‪ :‬من الية ‪. (7)(5‬‬
‫)فَوَ َ‬
‫سط ْ َ‬
‫وسأذكر معنى كل كلمة حسب ورودها في القرآن الكريم‪ ،‬وكلم‬
‫دا لذلك ببعض ما ورد في السنة النبوّية‪.‬‬
‫المفسرين حولها‪ ،‬مستشه ً‬
‫‪ - 1‬قال العجلوني في كشف الخفاء )‪ :(2/391‬حديث‪" :‬خير المور أوسطها" وفي لفظ‪" :‬أوساطها"‪ .‬قال ابن الغرس‪ :‬ضعيف‪ .‬وقال في المقاصد‪ :‬رواه ابن السمعاني في‬
‫عا‪" :‬خير العمال أوسطها"‪ .‬وللعسكري عن الوزاعي أنه قال‪ :‬ما من أمر‬
‫عا‪ .‬وللديلمي بل سند عن ابن عباس مرفو ً‬
‫ذيل تاريخ بغداد‪ ،‬لكن بسند فيه مجهول عن علي مرفو ً‬
‫أمر الله به إل عارض الشيطان فيه بخصلتين ل يبالي أيهما أصاب‪ :‬الغلو أو التقصير‪ .‬ولبي يعلى بسند جيد عن وهب بن منبه‪ ،‬قال‪ :‬إن لكل شيء طرفين ووس ً‬
‫طا‪ ،‬فإذا أمسك‬
‫بأحد الطرفين مال الخر‪ ،‬وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان‪ ،‬فعليكم بالوساط من الشياء‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير )‪.(2/17‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير )‪.(2/17‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير )‪.(2/17‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير )‪.(2/17‬‬
‫‪ - 6‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير )‪.(2/17‬‬
‫‪ - 7‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير )‪.(2/17‬‬

‫‪15‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫أول‪ :‬كلمة "وس ً‬
‫طا"‪:‬‬
‫وردت في قوله ‪ -‬تعالى ‪ -‬في سممورة البقممرة‪) :‬وَك َمذ َل ِ َ‬
‫م‬
‫ك َ‬
‫جعَل ْن َمماك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سممطا ً ل ِت َ ُ‬
‫سممو ُ‬
‫كون ُمموا ُ‬
‫م‬
‫مم ً‬
‫س وَي َك ُممو َ‬
‫ش مه َ َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ة وَ َ‬
‫ل عَل َي ْك ُم ْ‬
‫أ ّ‬
‫داَء عَلممى الن ّمما ِ‬
‫َ‬
‫شِهيدًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(143‬‬
‫سممنة الّنبوي ّممة‪ ،‬كممما ذكممر لهمما‬
‫وقد ورد تفسير هممذه الكلمممة فممي ال ّ‬
‫ن‪ ،‬وتفصيل ذلك كما يلي‪:‬‬
‫المفسرون ع ّ‬
‫دة معا ٍ‬
‫‪ -1‬روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول‬
‫الله‪ُ   ،‬يدعى نوح يمموم القيامممة فيقممول‪ :‬لبيممك وسممعديك يمما رب‪،‬‬
‫مته‪ :‬هل ب َل ّغَ ُ‬
‫كم؟ فيقولون‪:‬‬
‫فيقول‪ :‬هل بّلغت؟ فيقول‪ :‬نعم‪ ،‬فُيقال ل ّ‬
‫متممه‪،‬‬
‫ما أتانا من نممذير‪ ،‬فيقممول‪ :‬مممن يشممهد لممك؟ فيقممول‪ :‬محمممد وأ ّ‬
‫دا‪ .‬فممذلك قمموله ‪-‬‬
‫فيشهدون أّنه قد بّلغ‪ ،‬ويكون الّرسول عليكم شهي ً‬
‫ة وس ً‬
‫ج ّ‬
‫طا لتكونوا شهداء على الّناس‬
‫م ً‬
‫ل ذكره ‪) :-‬وكذلك جعلناكم أ ّ‬
‫دا(‪ .‬والوسط‪ :‬العدل ‪.(1) ‬‬
‫ويكون الّرسول عليكم شهي ً‬
‫وروى الطبري بإسممناده عممن النممبي‪  ،‬فممي قمموله‪) :‬وَك َمذ َل ِ َ‬
‫ك‬
‫جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪ (143‬قال‪  :‬عدول ‪.(2) ‬‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫َ َ َ ْ‬
‫دا من الّروايات في هممذا المعنممى‪ .‬ثممم ذكممر‬
‫وقد ساق الطبري عد ً‬
‫صحابة والّتابعين‪ ،‬كممأبي سممعيد‬
‫تفسير هذه الية منسوًبا إلى بعض ال ّ‬
‫سروها بم "عدول"‪.‬‬
‫ومجاهد وغيرهما‪ ،‬حيث ف ّ‬
‫وكذلك نقل تفسير ابن عباس لها "جعلكم أمة عدول"‪ .‬وقال ابن‬

‫زيد‪ :‬هم وسط بين النبي‪ ،‬‬

‫وبين المم )‪.(3‬‬

‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ .(5/151‬قال الحافظ في الفتح )‪ :(8/22‬قوله‪" :‬والوسط‪ :‬العدل" هو مرفوع من نفس الخبر‪ ،‬وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪ .(2/7‬والحديث أخرجه الترمذي )‪ (5/190‬رقم )‪ (2961‬وأحمد )‪ (3/9‬وعندهما "عدل" بدل "عدول"‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(2/7‬‬

‫‪16‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ما الوسط فإنه فممي كلم العممرب‪:‬‬
‫‪ -2‬قال المام الطبري‪ :‬وأ ّ‬
‫الخيممار‪ُ ،‬يقممال منممه‪ :‬فلن وسممط الحسممب فممي قممومه‪ ،‬أي متوسممط‬
‫الحسب‪ ،‬إذا أرادوا بذلك الّرفع في حسبه‪.‬‬
‫سمملمى فممي‬
‫وهو وسط في قومه وواسط‪ ،‬قال ابن زهير بن أبي ُ‬
‫الوسط‪:‬‬
‫هم وســط يرضــى النــام‬

‫إذا نـزلت إحـدى الليالـــي‬

‫بحكمهــــــــــــــــــــــــم‬

‫َ‬
‫بمعظـــــــــــــــــــــــــم ِ‬

‫قال‪ :‬وأنا أرى أن الوسممط فممي هممذا الموضممع هممو الوسممط الممذي‬
‫بمعنى الجزء‪ ،‬الذي هو بين ال ّ‬
‫دار‪.‬‬
‫طرفين‪ ،‬مثل وسط ال ّ‬
‫سطهم‬
‫وأرى أن الله ‪ -‬تعالى ذكره ‪ -‬إّنما وصفهم بأّنهم وسط لتو ّ‬
‫هب‪،‬‬
‫دين‪ ،‬فل هم أهل غلوّ فيه‪ ،‬غلوّ الّنصارى الذين غلموا بمالّتر ّ‬
‫في ال ّ‬
‫وقيل هم في عيسى ما قالوا فيه‪ ،‬ول هم أهل تقصممير فيممه‪ ،‬تقصممير‬
‫دلوا كتاب الله‪ ،‬وقتلمموا أبنمماءهم‪ ،‬وكممذبوا علممى رّبهممم‪،‬‬
‫اليهود الذين ب ّ‬
‫سط واعتدال فيه‪ ،‬فوصفهم الله بذلك‪ ،‬إذ‬
‫وكفروا به‪ ،‬ولكنهم أهل تو ّ‬
‫ب المور إلى الله أوسطها‪.‬‬
‫كان أح ّ‬
‫ما التأويل فإّنه جمماء بممأن الوسممط العممدل ‪ -‬كممما سممبق ‪ -‬وذلممك‬
‫وأ ّ‬
‫ن الخيار من الناس عدولهم )‪.(1‬‬
‫معنى الخيار‪ ،‬ل ّ‬
‫ك جعل ْنمماك ُ ُ‬
‫ة‬
‫مم ً‬
‫‪ -3‬قال ابن كثير )‪ (2‬وقوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَك َمذ َل ِ َ َ َ َ‬
‫مأ ّ‬
‫ْ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(143‬الوسط هنا‪ :‬الخيممار والجممود‪ ،‬كممما‬
‫وَ َ‬
‫ُيقال في قريش‪ :‬أوسط العرب نسًبا وداًرا‪ ،‬أي‪ :‬خيرها‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(2/6‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬عمدة التفسير عن ابن كثير )‪ .(1/263‬تحقيق أحمد شاكر‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وكان رسول الله‪ ،‬‬

‫وس ً‬
‫طا في قومه‪ ،‬أي‪ :‬أشرفهم نسًبا‪.‬‬

‫صلوات‪ ،‬وهممي العصممر‪،‬‬
‫ومنه الصلة الوسطى‪ ،‬التي هي أفضل ال ّ‬
‫صحاح وغيرها‪.‬‬
‫كما ثبت في ال ّ‬
‫‪‬‬

‫وروى المام أحمد )‪ (1‬عن أبي سعيد‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول اللممه‪،‬‬
‫‪ ‬يدعى نوح يوم القيامممة فُيقممال لمه‪ :‬همل بّلغممت؟ فيقممول‪ :‬نعمم‪،‬‬

‫فيدعى قومه فُيقال لهم‪ :‬هل بّلغكم؟ فيقولون‪ :‬ممما أتانمما مممن نممذير‪،‬‬
‫متممه‪،‬‬
‫وما أتانا من أحد‪ ،‬فُيقال لنوح‪ :‬من يشهد لك؟ فيقول‪ :‬محمد وأ ّ‬
‫ة وسم ً‬
‫طا(‪ .‬قممال‪ :‬الوسممط‪:‬‬
‫مم ً‬
‫قال‪ :‬فذلك قمموله‪) :‬وكممذلك جعلنمماكم أ ّ‬
‫العدل‪ ،‬فُتدعون فتشهدون له بالبلغ‪ ،‬ثم أشهد عليكم ‪ ‬رواه البخاري‬
‫والترمذي والنسائي وابن ماجة )‪.(2‬‬
‫‪ -4‬وقال ابن الجوزي في تفســيره لهــذه اليــة‪ :‬سممبب‬
‫نمزولها أن اليهود قالوا‪ :‬قبلتنا قبلة النبياء‪ ،‬ونحن عدل بيممن النمماس‪،‬‬
‫فنمزلت هذه الية‪.‬‬
‫والوسط‪ :‬العدل‪ ،‬قاله ابن عباس وأبو سعيد ومجاهد وقتادة‪.‬‬
‫وقال ابن قتيبة‪ :‬الوسط‪ :‬العدل والخيار‪ ،‬ومنه قمموله ‪ -‬تعممالى‬
‫‪َ) :‬قا َ َ‬‫م()القلم‪ :‬من الية ‪ .(28‬أي‪ :‬أعدلهم وخيرهم‪.‬‬
‫ل أو ْ َ‬
‫سط ُهُ ْ‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫هم وســط يرضــى النــام‬

‫إذا نـــزلت إحــدى الليــالي‬

‫بحكمهــــــــــــــــــــــــم‬

‫بمعظـــــــــــــــــــــــــم‬

‫وأصل ذلك أن خير الشياء أوسطها‪ ،‬والغلوّ والتقصير مذمومان‪.‬‬
‫‪ - 1‬المسند )‪.(3/32‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬صحيح البخاري )‪ .(5/151‬سنن الترمذي )‪ (5/190‬رقم)‪ (2961‬سنن ابن ماجة )‪ (2/1432‬رقم )‪ ،(4284‬ولم أجده في الصغرى من سنن النسائي‪ ،‬فلعله في‬
‫الكبرى منه‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫دمشــقي‪ :‬فممي هممذا الكلم محممذوف‪،‬‬
‫قــال أبــو ســليمان ال ّ‬
‫ومعناه جعلت قبلتكم وس ً‬
‫طا بين القبلتين‪ ،‬فإن اليهممود يصمملون نحممو‬
‫المغرب‪ ،‬والنصارى نحو المشرق‪ ،‬وأنتم بينهما )‪.(1‬‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪:‬‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫‪ -5‬قال صاحب المنار‪) :‬وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫ن‬
‫ه ي َهْم ِ‬
‫دي َ‬
‫من الية ‪ .(143‬هو تصريح بممما فهممم مممن قمموله‪َ) :‬والل ّم ُ‬
‫مم ْ‬
‫يَ َ‬
‫شاُء( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(213‬أي علممى هممذا النحممو مممن الهدايممة‬
‫مة وس ً‬
‫طا‪.‬‬
‫جعلناكم أ ّ‬
‫قممالوا‪ :‬إن الوسممط هممو العممدل والخيممار‪ ،‬وذلممك أن الزيممادة علممى‬
‫المطلوب في المر إفراط‪ ،‬والّنقص عنه تقصير وتفريط‪ ،‬وك م ّ‬
‫ل مممن‬
‫الفراط والّتفريط مي ْم ٌ‬
‫دة القويمممة‪ ،‬فهممو ش مّر ومممذموم‪،‬‬
‫ل عممن الجمما ّ‬
‫سط بينهما )‪.(2‬‬
‫فالخيار هو الوسط بين طرفي المر‪ ،‬أي المتو ّ‬
‫‪ -6‬وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي‪:‬‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬مممن اليممة ‪ (143‬أي‪ :‬عممدل‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫)وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫خياًرا‪.‬‬
‫وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطممر‪ ،‬فجعممل اللممه هممذه‬
‫دين‪ ،‬وسم ً‬
‫المة وس ً‬
‫طا فمي النبيماء بيمن ممن غل‬
‫طا في كل أممور الم ّ‬
‫فيهم كالنصارى‪ ،‬وبين من جفاهم كاليهود‪ ،‬بأن آمنوا بهممم كممل علممى‬
‫الوجه اللئق بذلك‪.‬‬
‫ووس ً‬
‫طا في الشريعة‪ ،‬ل تشممديدات اليهممود وآصممارهم‪ ،‬ول تهمماون‬
‫النصارى‪.‬‬
‫فا للقبلة‪ ،‬والصحيح أنها وصف للمة كما ثبت في الصحيح‪ ،‬ثم إنه لم يكن‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬زاد المسير )‪ ،(1/154‬وكلم أبي سليمان الدمشقي فيه غرابة‪ ،‬فإنه جعل الوسطّية وص ً‬
‫هناك قبلتان قبل الكعبة‪ ،‬وإنما هي بيت المقدس فقط‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(2/4‬‬

‫‪19‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وفي باب ال ّ‬
‫ح لهم صمملة‬
‫طهارة والمطاعم‪ ،‬ل كاليهود الذين ل تص ّ‬
‫م وكنائسممهم‪ ،‬ول يطّهرهممم الممماء مممن الّنجاسممات‪ ،‬وقممد‬
‫إل ّ في ب َِيعهِ ْ‬
‫حّرمت عليهم طّيبات عقوبة لهم‪.‬‬
‫سون شيًئا ول ُيحّرمون شيًئا‪ ،‬بل أباحوا‬
‫ول كالنصارى الذين ل ُينج ّ‬
‫ب ودرج‪.‬‬
‫ما د ّ‬
‫مهمما‪ ،‬وأبمماح لهممم‬
‫بل طهارتهم ‪ -‬أي هذه المة ‪ -‬أكمممل طهممارة وأت ّ‬
‫الطّيبات ممن المطماعم‪ ،‬والمشمارب‪ ،‬والملبمس‪ ،‬والمناكمح‪ ،‬وحمّرم‬
‫عليهم الخبائث من ذلك‪.‬‬
‫دين أكمله‪ ،‬ومن الخلق أجّلها‪ ،‬ومممن العمممال‬
‫مة من ال ّ‬
‫فلهذه ال ّ‬
‫أفضلها‪.‬‬
‫ووهبهم الله من العلم والحلم والعدل والحسان ما لم يهبه لمممة‬
‫ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪ (143‬كمماملين‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫سواهم‪ ،‬فلذلك كانوا‪) :‬أ ّ‬
‫َ‬
‫معتدلين‪ ،‬ليكونوا‪ُ ) :‬‬
‫س( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪(143‬‬
‫شه َ َ‬
‫داَء عَلممى الن ّمما ِ‬
‫بسب عدالتهم وحكمهم بالقسط‪ ،‬يحكمون علممى الن ّمماس مممن سممائر‬
‫أهل الديان‪ ،‬ول يحكم عليهم غيرهم )‪.(1‬‬
‫‪ -7‬وقال سيد قطب في تفسيره لهذه الية‪:‬‬
‫مة الوسممط بكممل معمماني الوسممط‪ ،‬سممواء مممن الوسمماطة‬
‫وإنها لل ّ‬
‫بمعنى الحسن والفضل‪ ،‬أو من الوسط بمعنى العتدال والقصمد‪ ،‬أو‬
‫ي‪.‬‬
‫من الوسط بمعناه الماديّ والحس ّ‬
‫ة وس ً‬
‫ة وس ً‬
‫طا فممي الّتفكيممر‬
‫م ً‬
‫م ً‬
‫ور والعتقاد‪ ،‬أ ّ‬
‫أ ّ‬
‫طا في التص ّ‬
‫طا فممي الّتنظيممم والّتنسمميق‪ ،‬أمممة وس م ً‬
‫ة وس م ً‬
‫وال ّ‬
‫طا فممي‬
‫مم ً‬
‫شممعور‪ ،‬أ ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير كلم المنان )‪.(1/157‬‬

‫‪20‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ة وسم ً‬
‫ة وسم ً‬
‫طا فممي‬
‫مم ً‬
‫مم ً‬
‫طا فممي الّزمممان‪ ،‬أ ّ‬
‫الرتباطات والعلقممات‪ ،‬أ ّ‬
‫المكان‪ ،‬ثم قال‪ :‬وما يعوق هذه المة اليوم عن أن تأخذ مكانها هممذا‬
‫الذي وهبه الله لها‪ ،‬إل أّنها تخّلت عن منهج اللممه الممذي اختمماره لهمما‪،‬‬
‫واّتخذت لها مناهج مختلفة‪ ،‬ليست هي التي اختارها الله لها )‪.(1‬‬
‫سرين في تفسير هذه الية‪ ،‬ومن خلل‬
‫م أقوال المف ّ‬
‫هذه أه ّ‬
‫ن سيأتي اعتبارها عند الحممديث عممن منهممج‬
‫هذا التفسير اّتضحت معا ٍ‬
‫القرآن في تقرير الوسطّية في فصول لحقة‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(1/131‬‬

‫‪21‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ثانًيا‪ :‬كلمة "الوسطى"‬
‫وقد وردت هذه الكلمة في قمموله ‪ -‬تعممالى ‪ -‬فممي سممورة البقممرة‪:‬‬
‫سم َ‬
‫حممافِ ُ‬
‫ن(‬
‫وا ِ‬
‫) َ‬
‫صمملةِ ال ْوُ ْ‬
‫طى وَُقو ُ‬
‫ت َوال ّ‬
‫ظوا عَل َممى ال ّ‬
‫ممموا ل ِل ّمهِ قَممان ِِتي َ‬
‫ص مل َ َ‬
‫مما لمه‬
‫)البقرة‪ (238:‬وسممأذكر أقمموال المف ّ‬
‫سممرين فممي هممذه اليمة م ّ‬
‫علقة مباشرة في معنى "الوسممط" حيممث سيّتضممح سممبب تسممميتها‬
‫صمملوات‪ ،‬أو‬
‫بذلك‪ ،‬هل لنها متو ّ‬
‫صلوات‪ ،‬أو لّنها أفضل ال ّ‬
‫سطة بين ال ّ‬
‫صلوات هي‪ ،‬وممما سمميرد حممول‬
‫لكلْيهما مًعا؟ دون الوقوف عند أي ال ّ‬
‫هذه القضّية فهو لبيان المعنى فقط‪.‬‬
‫صمملة الوسممطى‪،‬‬
‫‪ -1‬ذكر المام الطبري أقوال العلماء في ال ّ‬
‫صلة الوسطى هممي العصممر‪ ،‬ثممم‬
‫وأطال في ذكر أدّلة من قال‪ :‬إ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫صلة الوسطى هي العصر‪:‬‬
‫قال بعد أن ر ّ‬
‫جح أن ال ّ‬
‫صمملوات المكتوبممات‬
‫وإنما قيل لهــا الوســطى‪ :‬لتو ّ‬
‫سممطها ال ّ‬
‫الخمس‪ ،‬وذلك أن قبلها صمملتين‪ ،‬وبعممدها صمملتين‪ ،‬وهممي بيممن ذلممك‬
‫ن‪.‬‬
‫وسطاه ّ‬
‫والوسطى‪ :‬الفعلى من قول القائل‪ :‬وسممطت القمموم أسممطهم‬
‫سطة ووسو ً‬
‫طا‪ ،‬إذا دخلت وسطهم‪ .‬ويقال لل ّ‬
‫ذكر فيه‪ :‬هو أوسممطنا‪،‬‬
‫وللنثى‪ :‬هي وسطاًنا )‪ .(1‬وعندما ذكر قول من قال‪ :‬إن )الوسطى(‬
‫هي صلة المغرب‪ ،‬وهي قممول‪ :‬قبيصممة بممن ذؤيممب‪ ،‬عّقممب الطممبري‬
‫على ذلك قائل‪:‬‬
‫سممط‪،‬‬
‫ووجه قبيصة بن ذؤيب قمموله‪) :‬الوسممطى( إلممى معنممى التو ّ‬
‫الذي يكون صفة للشيء يكون عدل بين المرين‪ ،‬كالّرجمل المعتممدل‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(2/568‬‬

‫‪22‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫القامة‪ ،‬الذي ل يكون مفر ً‬
‫طا طوله‪ ،‬ول قصيرة قامته‪ ،‬ولذلك قممال‪:‬‬
‫أل ترى أّنها ليست بأقّلها ول أكثرها‪.‬‬
‫ومن أجل فهم كلم المام الطبري في تعقيبممه علممى ابممن ذؤيممب‬
‫أذكر كلم قبيصة بن ذؤيب‪ ،‬قال‪ :‬الصلة الوسطى‪ :‬صمملة المغممرب‪،‬‬
‫ن‬
‫سممفر‪ ،‬وأ ّ‬
‫أل ترى أنهمما ليسممت بأقلهمما ول أكثرهمما‪ ،‬ول ُتقصممر فممي ال ّ‬

‫رسول الله‪ ،‬‬

‫جلها )‪.(1‬‬
‫لم يؤ ّ‬
‫خرها عن وقتها ولم ُيع ّ‬

‫صمملة‬
‫‪ -2‬وجه ابن الجوزي أقــوال العلمــاء فممي المممراد بال ّ‬
‫الوسطى قائل‪ :‬وفي المراد بالوسطى ثلثة أقوال‪:‬‬
‫صلوات محل‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أّنها أوسط ال ّ‬
‫والثاني‪ :‬أوسطها مقداًرا‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أفضلها‪.‬‬
‫ووسط الشمميء خيممره وأعممدله‪ ،‬ومنممه قمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬وَك َمذ َل ِ َ‬
‫ك‬
‫جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(143‬‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫َ َ َ ْ‬
‫دعي هذا كممل‬
‫وسطى بمعنى الُفضلى‪ ،‬جاز أن ي ّ‬
‫فإن قلنا‪ :‬إن ال ُ‬
‫ذي مذهب فيها‪ .‬وإن قلنا‪ :‬إّنها أوسممطها مقممداًرا‪ ،‬فهممي المغممرب‪،‬‬
‫لن أقل المفروضات ركعتان‪ ،‬وأكثرها أربًعا‪.‬‬
‫وإن قلنا‪ :‬إّنها أوسطها محل‪ ،‬فللقائلين‪ :‬إّنها العصر أن يقولمموا‪:‬‬
‫قبلها صلتان في النهار‪ ،‬وبعدها صلتان في الليل‪ ،‬فهي الوسطى‪.‬‬
‫ومن قال هي الفجر‪ ،‬قال عكرمة‪ :‬هي وسط بين الليممل والنهممار‪،‬‬
‫وكذلك قال ابن النباري‪ :‬هي وسط بين الليل والنهار‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(2/564‬‬

‫‪23‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقال ابن النباري‪ :‬ومن قال‪ :‬هي الظهممر‪ ،‬قممال‪ :‬هممي وسممط‬
‫النهار‪.‬‬
‫ج بأن أّول صلة فرضت ال ّ‬
‫ظهر‪،‬‬
‫فأما من قال‪ :‬هي المغرب‪ ،‬فاحت ّ‬
‫سطى‪.‬‬
‫فصارت المغرب وُ ْ‬
‫ومن قال‪ :‬هي العشاء‪ ،‬فإّنه قممال‪ :‬هممي بيممن صمملتين ل تقصممران‬
‫)‪.(1‬‬
‫ومن خلل ما سبق يّتضح ارتباط كل قول بمعنى )الوسممط( فممي‬
‫ضوء المعاني التي سبق بيانها‪.‬‬
‫ي في تفسيره‪:‬‬
‫‪ -3‬وقال القاسم ّ‬
‫صمملوات‪ ،‬بمعنممى‬
‫و"الصلة الوســطى" أي‪ :‬الوسممطى بيممن ال ّ‬
‫سطة‪ ،‬أو الفضلى منها‪ ،‬من قولهم للفضل‪ :‬الوسط‪.‬‬
‫المتو ّ‬
‫سممطة بيممن صمملتين‪ ،‬وهممل‬
‫ول يكون المر لصمملة متو ّ‬
‫فعلى ال ّ‬
‫صمبح‪ ،‬أو الظهممر‪ ،‬أو العصممر‪ ،‬أو المغممرب‪ ،‬أو العشمماء‪ ،‬أقموال‬
‫هي‪ :‬ال ّ‬
‫صحابة والّتابعين‪.‬‬
‫مأثورة عن ال ّ‬
‫وعلى الثاني‪ :‬فهممي صمملة الفطممر أو الضممحى أو الجماعممة أو‬
‫صلة الخوف أو الجمعة أو المتوسطة بين ال ّ‬
‫طول والقصر‪ ،‬أقمموال ‪-‬‬
‫ضا‪ -‬عن كثير من العلم‪.‬‬
‫أي ً‬
‫ثم قممال‪ :‬سممنح لممي وقمموي بعممد تمعّممن احتمممال قمموله ‪ -‬تعممالى ‪:-‬‬
‫حممافِ ُ‬
‫س َ‬
‫ظوا‬
‫طى( )البقرة‪ :‬من اليممة ‪ (238‬بعممد قمموله‪َ ) :‬‬
‫صلةِ ال ْوُ ْ‬
‫)َوال ّ‬
‫ت( )البقمرة‪ :‬ممن اليمة ‪ (238‬لن يكمون إرشماًدا وأممًرا‬
‫وا ِ‬
‫عََلى ال ّ‬
‫صل َ َ‬
‫س ً‬
‫ممل‪ ،‬ول قصيًرا‬
‫بالمحافظة على أداء الصلة أداًء متو ّ‬
‫طا‪ ،‬ل طويل ُ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬زاد المسير )‪.(1/283‬‬

‫‪24‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مخل‪ ،‬أي‪ :‬والصلة المتوسطة بين الطول والقصر‪ ،‬ويؤّيده الحاديث‬
‫ُ‬
‫المروّية عنه‪  ،‬في ذلك قول وفعل‪.‬‬
‫ثم مّر بي في القاموس حكاية هذا قممول‪ ،‬حيممث سمماق فممي مممادة‬
‫سممطة بيممن الط ّممول‬
‫)وسط( القوال في الية‪ ،‬ومنهمما قمموله‪ :‬أو المتو ّ‬
‫ده أبو حّيان في البحر‪.‬‬
‫والقصر‪ ،‬قال شارحه الّزبيدي‪ .‬وهذا القول ر ّ‬
‫ة‬
‫صممل ِ‬
‫ثم سنح لي احتمممال وجممه آخممر‪ ،‬وهممو أن يكممون قمموله‪َ) :‬وال ّ‬
‫س َ‬
‫صلة المممأمور‬
‫ال ْوُ ْ‬
‫طى( )البقرة‪ :‬من الية ‪ (238‬أريد به توصيف ال ّ‬
‫بالمحافظممة عليهمما بأّنهمما ُفضمملى‪ ،‬أي ذات فضممل عظيممم عنممد اللممه‪،‬‬
‫فالوسطى بمعنى الُفضلى من قولهم للفضل‪ :‬الوسط )‪.(1‬‬
‫‪ -4‬أما رشيد رضا فقال‪:‬‬
‫صمملة الوسممطى هممي إحممدى الخمممس‪ ،‬والوسممطى مممؤّنث‬
‫وال ّ‬
‫سط بين شيئين أو أشياء لها طرفممان‬
‫الوسط‪ ،‬ويستعمل بمعنى التو ّ‬
‫متساويان‪ ،‬وبمعنى الفضل‪ ،‬وبكل من المعنيين قال قائلون‪ ،‬ولذلك‬
‫سطة )‪.(2‬‬
‫صلوات أفضل‪ ،‬وأّيتها المتو ّ‬
‫اختلفوا في أيّ ال ّ‬
‫سرين حول هذه الية بما ذكممره ابممن عاشممور‬
‫‪ -5‬وأختم كلم المف ّ‬
‫في تفسيره‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫ما الذين تعّلقوا بالستدلل بوصف الوسطى فمنهم مممن حمماول‬
‫فأ ّ‬
‫جعل الوصف من الوسط بمعنى الخيار والفضل‪ ،‬فرجع إلى تتّبع ممما‬
‫صلوات على بعض‪ ،‬ومنهم من حمماول جعممل‬
‫ورد في تفضيل بعض ال ّ‬
‫الوصف من الوسط‪ ،‬وهو الواقع بين جانبين متسمماويين مممن العممدد‪،‬‬
‫صلة التي هي بين صلتين من كل جانب )‪.(3‬‬
‫فذهب يتطّلب ال ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(626 ،3/622‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(2/437‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير )‪.(2/467‬‬

‫‪25‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سممرين‬
‫وبهممذا التفسممير لمعنممى )الوسممطى( مممن خلل كلم المف ّ‬
‫دم نلحظ الرتباط بين هذه الكلمممة وموضمموع الوسممطّية الممذي‬
‫المتق ّ‬
‫سممط بيممن شمميئين أم‬
‫هو مدار هذا البحث‪ ،‬سواء أكممانت بمعنممى التو ّ‬
‫بمعنى الخيار الفضل‪ ،‬وسيأتي مزيد بيممان لهممذه القض مّية ‪ -‬إن شمماء‬
‫الله ‪ -‬بعد عرض جميع اليات‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬كلمة )أوسط(‬
‫وقد وردت هذه الكلمة في آيتين‪:‬‬
‫م عَ َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫سا ِ‬
‫ه إ ِط َْعا ُ‬
‫م َ‬
‫شَرةِ َ‬
‫الولى في قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬فَك َّفاَرت ُ ُ‬
‫ممم ْ‬
‫كي َ‬
‫أ َوسط ما تط ْعِمو َ‬
‫م( )المائدة‪ :‬من الية ‪.(89‬‬
‫ْ َ ِ َ ُ‬
‫ُ َ‬
‫ن أهِْليك ُ ْ‬
‫ل أ َوسط ُه َ‬
‫م‬
‫م أَلمم ْ‬
‫والثانية في سورة القلم في قوله ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬قا َ ْ َ ُ ْ‬
‫أ َقُ ْ‬
‫ن( )القلم‪.(28:‬‬
‫حو َ‬
‫سب ّ ُ‬
‫ول ت ُ َ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫م لَ ْ‬
‫سرون معنى كل كلمممة فممي موضممعها‪ ،‬فمنهممم مممن‬
‫وقد ذكر المف ّ‬
‫دا‪ ،‬ومنهم من فّرق بين مدلوليهما‪ ،‬وإليك تفصمميل‬
‫جعل معناهما واح ً‬
‫ذلك‪:‬‬
‫الولى‪ :‬آية سورة المائدة‪:‬‬
‫‪ -1‬قال الطبري‪ :‬يعني ‪ -‬تعالى ذكره ‪ -‬بقوله‪) :‬م َ‬
‫ممما‬
‫س ِ‬
‫ن أو ْ َ‬
‫ط َ‬
‫ِ ْ‬
‫تط ْعِمو َ‬
‫م( )المائدة‪ :‬من الية ‪ (89‬أعدله‪.‬‬
‫ُ‬
‫ُ َ‬
‫ن أهِْليك ُ ْ‬
‫قال عطاء‪ :‬أوسطه‪ :‬أعدله‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬معناه‪ :‬من أوسط ما يطعم من أجناس الطعام‬
‫الذي يقتاته أهل بلد المكّفر أهليهم‪ ،‬ومن ذلك قول ابممن عمممر‪ :‬مممن‬

‫‪26‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سمممن‪ ،‬والخممبز‬
‫أوسممط ممما يطعممم أهلممه الخممبز والّتمممر‪ ،‬والخممبز وال ّ‬
‫والزيت‪ ،‬ومن أفضل ما يطعمهم‪ :‬الخبز واللحم‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬من أوسط ما ُيطعممم المكّفممر أهلممه‪ ،‬قممال إن كممان‬
‫ممن يشبع أهله أشبع المساكين العشرة‪ ،‬وإن كان ممن ل يشممبعهم‬
‫لعجزه عن ذلك أطعم المساكين على قدر ما يفعل من ذلممك بممأهله‬
‫عسره وُيسره‪.‬‬
‫في ُ‬
‫ثم عّقب الطبري على ذلك بقوله‪:‬‬
‫وأولى القوال عنممدنا قممول مممن قممال‪ :‬مممن أوسممط ممما ُتطعمممون‬
‫أهليكم في القّلة والكثرة )‪.(1‬‬
‫‪ -2‬وقال ابن الجوزي‪:‬‬
‫في قوله‪) :‬من أ َوسط ما تط ْعِمو َ‬
‫م( )المممائدة‪ :‬مممن اليممة‬
‫ِ ْ ْ َ ِ َ ُ‬
‫ُ َ‬
‫ن أهِْليك ُم ْ‬
‫‪ (89‬قولن‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬من أوسطه في القدر‪ ،‬قاله عمر‪ ،‬وعلي‪ ،‬وابممن عبمماس‪،‬‬
‫ومجاهد‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬من أوسممط أجنمماس الطعممام‪ ،‬قمماله ابممن عمممر‪ ،‬والسممود‪،‬‬
‫دة‪ ،‬والحسن‪ ،‬وابن سيرين )‪.(2‬‬
‫وعَِبي َ‬
‫‪ -3‬وقال القرطبي‪:‬‬
‫دم في سورة البقرة أن الوسط بمعنى العلممى والخيممار‪ ،‬وهممو‬
‫تق ّ‬
‫هنا منمزلة بين المنمزلتين‪ ،‬ونصًفا بيممن طرفيممن‪ ،‬وعممن ابممن عبمماس‪،‬‬
‫قال‪ :‬كان الرجل يقوت أهله قوت ًمما فيممه سممعة‪ ،‬وكممان الّرجممل يقمموت‬
‫أهله قوتا فيه ش مدة‪ ،‬فنمممزلت‪) :‬م من أ َوس مط ممما تط ْعِمممو َ‬
‫م(‬
‫ِ ْ ْ َ ِ َ ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن أهِْليك ُم ْ‬
‫ُ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(22-7/16‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬زاد المسير )‪.(2/414‬‬

‫‪27‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫)المائدة‪ :‬من الية ‪ (89‬وهذا يد ّ‬
‫ل على أن الوسط ممما ذكرنمماه‪ ،‬وهممو‬
‫ما كان بين شيئين )‪.(1‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(6/276‬‬

‫‪28‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ي‪:‬‬
‫‪ -4‬وقال الزمخشر ّ‬
‫)من أ َوسط ما تط ْعِمممو َ‬
‫م( )المممائدة‪ :‬مممن اليممة ‪ (89‬مممن‬
‫ِ ْ ْ َ ِ َ ُ‬
‫َ‬
‫ن أهِْليك ُم ْ‬
‫ُ‬
‫ن منهم من ُيسرف في إطعام أهله‪ ،‬ومنهم من ُيقّتر )‪.(1‬‬
‫أقصده‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ -5‬وأختم هذه القوال في معنى )أوسط( فيما قاله سيد‬
‫قطب حيث قال‪:‬‬
‫سممط(‪ ،‬فكلهممما مممن‬
‫و)أوسط( تحتمل من )أحسن(‪ ،‬أو من )متو ّ‬
‫ن‬
‫معمماني اللفممظ‪ ،‬وإن كممان الجمممع بينهممما ل يخممرج عممن القصممد‪ ،‬ل ّ‬
‫المتوسط هو الحسن‪ ،‬فالوسط هو الحسن في ميزان السلم )‪.(2‬‬
‫الثانية‪ :‬آية سورة القلم‪:‬‬
‫‪ -1‬قال الطبري‪:‬‬
‫وقوله‪َ) :‬قا َ َ‬
‫م( )القلممم‪ :‬مممن اليممة ‪ .(28‬يعنممي أعممدلهم‪.‬‬
‫ل أو ْ َ‬
‫سمط ُهُ ْ‬
‫وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل‪.‬‬
‫قال ابن عبمماس‪ :‬أوسممطهم‪ :‬أعممدلهم‪ ،‬وبمثممل ذلممك قممال مجاهممد‪،‬‬
‫حاك‪.‬‬
‫ض ّ‬
‫وسعيد‪ ،‬وال ّ‬
‫عا‪ ،‬وأحسنهم‬
‫وقال قتادة‪ :‬أي أعدلهم قول‪ ،‬وكان أسرع القوم فز ً‬
‫رجعة )‪.(3‬‬
‫‪ -2‬وقال القرطبي‪:‬‬
‫)قَمما َ َ‬
‫م( )القلممم‪ :‬مممن اليممة ‪ (28‬أي‪ :‬أمثلهممم وأعممدلهم‬
‫ل أو ْ َ‬
‫س مط ُهُ ْ‬
‫وأعقلهم )‪.(4‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬الكشاف )‪.(1/640‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(2/971‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(29/34‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(18/244‬‬

‫‪29‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫‪ -3‬وقال ابن كثير‪:‬‬
‫)َقا َ َ‬
‫م( )القلم‪ :‬من الية ‪ (28‬قال ابن عباس‪ ،‬ومجاهممد‪،‬‬
‫ل أو ْ َ‬
‫سط ُهُ ْ‬
‫وسعيد بن جممبير‪ ،‬وعكرمممة‪ ،‬ومحمممد بممن كعممب‪ ،‬والربيممع بممن أنممس‪،‬‬
‫ضحاك‪ ،‬وقتادة‪ :‬أي أعدلهم وخيرهم )‪.(1‬‬
‫وال ّ‬
‫‪ -4‬وقال ابن الجوزي‪:‬‬
‫)َقا َ َ‬
‫م( )القلم‪ :‬من الية ‪ (28‬أي أعدلهم وأفضلهم‬
‫ل أو ْ َ‬
‫سط ُهُ ْ‬
‫ي‪:‬‬
‫‪ -5‬قال القاسم ّ‬
‫أي‪ :‬أعدلهم وخيرهم رأًيا‬

‫)‪.(2‬‬

‫)‪.(3‬‬

‫سممرت‬
‫ومما سبق يّتضح لنا أن كلمة )أوسط( فممي آيممة المممائدة ف ّ‬
‫دة معاني‪ ،‬منها‪ :‬الفضل‪ ،‬وبيممن القليممل والكممثير‪،‬‬
‫دة أوجه وبع ّ‬
‫على ع ّ‬
‫ممما آيممة القلممم فمماّتفق‬
‫وبيممن الجي ّممد والرديممء‪ ،‬أو الش م ّ‬
‫دة وال ّ‬
‫سممعة‪ .‬أ ّ‬
‫سرون )‪ (4‬على تفسيرها بمعنى الفضل والخيار وهو العدل‪.‬‬
‫المف ّ‬
‫عا‪ :‬كلمة )فوسطن( ‪.‬‬
‫راب ً‬
‫معمًا( )العاديممات‪(5:‬‬
‫ن ب ِمهِ َ‬
‫وردت في قمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬فَوَ َ‬
‫ج ْ‬
‫س مط ْ َ‬
‫وذلك في سورة العاديات‪ ،‬الية الخامسة‪.‬‬
‫ن معناها من التوسط فممي المكممان‪ ،‬وهممذه‬
‫سرون أ ّ‬
‫وقد ذكر المف ّ‬
‫جملة من أقوالهم‪:‬‬
‫‪ -1‬قال الطبري‪:‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/406‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬زاد المسير )‪.(8/338‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(16/5900‬‬
‫‪ - 4‬هذا على حسب اطلعي وبحثي‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫يقول ‪ -‬تعممالى ذكممره ‪ :-‬فوسممطن بركبممانهن جمممع القمموم‪ ،‬يقممال‪:‬‬
‫سممطته‪،‬‬
‫سممطته ‪ -‬بالّتشممديد ‪ ،-‬وتو ّ‬
‫وسممطت القمموم ‪ -‬بممالتخفيف ‪ ،-‬وو ّ‬
‫بمعنى واحد )‪.(1‬‬
‫‪ -2‬وقال ابن الجوزي‪:‬‬
‫سطن جمًعا من العدّو‪.‬‬
‫سرون‪ :‬المعنى‪ :‬تو ّ‬
‫قال المف ّ‬
‫وقال ابن مسعود‪ :‬فوسطن به جمًعا‪ ،‬يعني مزدلفة‬

‫)‪.(2‬‬

‫‪ -3‬وقال القرطبي‪:‬‬
‫معا ً‪) (‬العاديات‪ (5:‬مفعول بم "وسطن" أي‪ :‬فوسطن بركبانهن‬
‫) َ‬
‫ج ْ‬
‫العدّو‪.‬‬
‫طا وس َ‬
‫س ً‬
‫س ُ‬
‫طة أي‪ :‬صرت وسطهم‪.‬‬
‫ُيقال‪ :‬وسطت القوم أ ِ‬
‫طهم و ْ‬
‫سطتهم‪ ،‬بمعنممى‬
‫يقال‪ :‬وسطت القوم ‪ -‬بالّتشديد والتخفيف ‪ -‬وتو ّ‬
‫واحد‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬معنى الّتشديد‪ :‬جعلها الجمممع قسمممين‪ ،‬والّتخفيممف‪ :‬صممرن‬
‫وسط الجمع )‪.(3‬‬
‫‪ -4‬وقال القاسمي‪:‬‬
‫مع مًا( )العاديممات‪ (5:‬أي‪ :‬فتوسممطن ودخلممن فممي‬
‫ن ب ِمهِ َ‬
‫)فَوَ َ‬
‫ج ْ‬
‫سط ْ َ‬
‫وسط جمع من العداء‪ ،‬ففّرقته وشّتته‪.‬‬
‫سمممطته ‪ -‬بالّتشمممديد‬
‫يقمممال‪ :‬وسمممطت القممموم ‪ -‬بمممالّتخفيف ‪ -‬وو ّ‬
‫سطته‪ ،‬بمعنى واحد )‪.(4‬‬
‫وتو ّ‬
‫‪ -5‬وقال سيد قطب‪:‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(30/276‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬زاد المسير )‪ ،(9/209‬وتفسير ابن مسعود فيه غرابة‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(20/160‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(17/6238‬‬

‫‪31‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سط صفوف العداء علمى غمّرة‪ ،‬فتوقمع بينهمم الفوضمى‬
‫وهي تتو ّ‬
‫والضطراب )‪.(1‬‬
‫سط والوسط‪.‬‬
‫ومن خلل ما سبق يّتضح أن معناها التو ّ‬
‫أحاديث نبوية في )الوسط(‬
‫السنة شارحة للقرآن‪ ،‬ومبّينة له‪ ،‬وقد وردت بعض الحاديث التي‬
‫دللة على معاني )الوسط(‪.‬‬
‫فيها ال ّ‬
‫مق في فهم مدلول هممذا المصممطلح‪ ،‬فسممأذكر بعمض‬
‫ولهمّية التع ّ‬
‫الحاديث التي ورد فيها ما يد ّ‬
‫ل على هذا المعنى‪ ،‬مع توضيح المممراد‬
‫حسب سياق الحديث‪ ،‬حيث قد يكون فيه دللة على الوسط ل على‬
‫الوسطّية‪.‬‬

‫‪ -1‬عن أبي سعيد الخدريّ ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول الله‪  ،‬‬

‫يممدعى‬

‫ب‪ ،‬فيقول‪ :‬هل ّبلغممت؟‬
‫نوح يوم القيامة‪ ،‬فيقول‪ :‬لبيك وسعديك يا ر ّ‬
‫مته‪ :‬هل بّلغكم؟ فيقولون‪ :‬ما أتانمما مممن نممذير!‬
‫فيقول‪ :‬نعم‪ ،‬فُيقال ل ّ‬
‫مته‪ ،‬فيشهدون أّنه قد بّلممغ‪،‬‬
‫فيقول‪ :‬من يشهد لك؟ فيقول‪ :‬محمد وأ ّ‬
‫دا‪ ،‬فذلك قمموله ‪ -‬جممل ذكممره ‪) :-‬وكممذلك‬
‫ويكون الرسول عليكم شهي ً‬
‫ة وس ً‬
‫طا لتكونمموا شممهداء علممى الن ّمماس ويكممون الّرسممو ُ‬
‫ل‬
‫م ً‬
‫جعلناكم أ ّ‬
‫دا(‪.‬‬
‫عليكم شهي ً‬

‫‪‬‬

‫والوسط‪ :‬العدل رواه البخاري )‪.(2‬‬

‫سممر هنمما بالعممدل‪،‬‬
‫والمراد بهذا الحديث واضح‪ ،‬وهو أن الوسممط ف ّ‬
‫وهو المقابل لل ّ‬
‫مممة محمممد‪  ،‬شممهدوا بممما علممموا‪،‬‬
‫ظلم‪ ،‬حيث إن أ ّ‬
‫ما َ‬
‫مَنا( )يوسف‪ :‬من الية ‪ .(81‬وهممو الحممق‪ ،‬فلممم‬
‫ما عَل ِ ْ‬
‫شهِد َْنا إ ِّل ب ِ َ‬
‫)و َ َ‬
‫وى مع نوح‪ ،‬عليممه السمملم ‪ -‬وحاشمماهم مممن ذلممك ‪-‬‬
‫تكن شهادتهم له ً‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(6/3958‬‬
‫‪ - 2‬المسند )‪.(32 / 3‬‬

‫‪32‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ولم يشهدوا مع قوم نمموح بالباطممل‪ ،‬وأن ّممى لهممم‬
‫ن ال ّ‬
‫ظلم له طرفان والعدل وسممط بينهممما‪ ،‬فال ّ‬
‫شممهادة مممع‬
‫العدل‪ ،‬ل ّ‬
‫)‪(1‬‬

‫ذلممك‪ ،‬وهممذا هممو‬

‫أحد الخصمين بدون حق ظلم‪ ،‬وال ّ‬
‫شهادة بالحقّ دون الّنظر لصاحبه‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫مم ٌ‬
‫ممن قمال اللمه فيهمم‪) :‬وَ ِ‬
‫خل َْقَنما أ ّ‬
‫م ّ‬
‫مة محمممد‪  ،‬م ّ‬
‫عدل‪ ،‬فأ ّ‬
‫مم ْ‬
‫ن( )العراف‪.(181:‬‬
‫حقّ وَب ِهِ ي َعْدُِلو َ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫دو َ‬
‫ي َهْ ُ‬
‫ت‬
‫‪ -2‬روى الترمذي قال‪ :‬لما نمزل قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬الممم غُل َِبم ِ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫ض مِع‬
‫م ِ‬
‫ن فِممي ب ِ ْ‬
‫س مي َغْل ُِبو َ‬
‫الّرو ُ‬
‫م َ‬
‫ن ب َعْمدِ غَل َب ِهِ م ْ‬
‫ض وَهُ م ْ‬
‫مم ْ‬
‫م ِفي أد ْن َممى الْر ِ‬
‫ن( )الروم‪ (4-1 :‬خرج أبو بكر الصديق يصيح في نممواحي مك ّممة‪:‬‬
‫ِ‬
‫سِني َ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫ن ِفي‬
‫م ِ‬
‫)الم غُل ِب َ ِ‬
‫سي َغْل ُِبو َ‬
‫ت الّرو ُ‬
‫م َ‬
‫ن ب َعْدِ غَل َب ِهِ ْ‬
‫ض وَهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ِفي أد َْنى الْر ِ‬
‫ن( )الروم‪ (4-1 :‬قال ناس مممن قريممش لبممي بكممر‪ ،‬فممذلك‬
‫ضِع ِ‬
‫بِ ْ‬
‫سِني َ‬
‫بيننا وبينك‪ ،‬زعم صاحبك أن الّروم ستغلب فارس في بضممع سممنين‪،‬‬
‫أفل نراهنك على ذلممك؟! قممال‪ :‬بلممى ‪ -‬وذلممك قبممل تحريممم الّرهممان ‪-‬‬
‫فارتهن أبو بكر والمشركون‪ ،‬وتواضعوا الّرهممان‪ ،‬وقممالوا لبممي بكممر‪:‬‬
‫م بيننمما وبينممك‬
‫كم تجعل البضع‪ :‬ثلث سممنين إلممى تسممع سممنين‪ ،‬فسم ّ‬
‫وس ً‬
‫موا بينهم ست سنين )‪.(2‬‬
‫طا ننتهي إليه‪ ،‬فس ّ‬
‫ت هنا هممي الوسممط بيممن ثلث وتسممع‪ ،‬فقبلهمما ثلث وبعممدها‬
‫والس ّ‬
‫ثلث‪.‬‬

‫‪‬‬

‫قال‪ :‬قال رسول‬

‫‪ -3‬عن عبد الله بن معاوية الغاضري‬
‫م اليمممان‪ :‬مممن عبممد اللممه‬
‫م ط َعْم َ‬
‫ن فقد ط َعِ َ‬
‫الله‪   ،‬ثلث من فعله ّ‬
‫وحده‪ ،‬وعلم أّنه ل إله إل الله‪ ،‬وأعطى زكاة ماله طّيبممة بهمما نفسممه‪،‬‬
‫رافدة عليه كل عام‪ ،‬ولم يعط الهرمة‪ ،‬ول الدرنة‪ ،‬ول المريضممة‪ ،‬ول‬
‫‪ - 1‬أي لقوم نوح‪.‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه الترمذي )‪ (322 ،5/321‬رقم )‪ ،(3195 ،3194‬قال فيهما الترمذي‪ :‬حسن صحيح غريب‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ال ّ‬
‫ن اللممه لممم يسممألكم‬
‫شرط اللئيمة‪ ،‬ولكن من وسممط أممموالكم‪ ،‬فممإ ّ‬
‫خيره‪ ،‬ولم يأمركم بشّره ‪.(1) ‬‬
‫والوسط هنا ما بين أجود الغنم وبين السيئ والمعيب‪ ،‬وهممو مثممل‬
‫قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬من أ َوسط ما تط ْعِمو َ‬
‫م( )المائدة‪ :‬من الية‬
‫ِ ْ ْ َ ِ َ ُ‬
‫ُ َ‬
‫ن أهِْليك ُ ْ‬
‫‪ .(89‬كما سبق‪.‬‬

‫عن جابر بن عبد اللــه ‪ ‬قممال‪  :‬كنمما عنممد النممبي‪ ،‬‬

‫‪-4‬‬
‫طخ ّ‬
‫طين عن يمينه‪ ،‬وخم ّ‬
‫طخ ّ‬
‫طا‪ ،‬وخ ّ‬
‫طخ ّ‬
‫فخ ّ‬
‫طيممن عممن يسمماره‪ ،‬ثممم‬
‫وضع يده على الخ ّ‬
‫ط الوسط‪ ،‬فقال‪" :‬هذه سبيل الله"‪ ،‬ثم تل هممذه‬
‫ما فاتبعوه ول تتبعوا السممبل فتفممرق‬
‫الية‪) :‬وأ ّ‬
‫ن هذا صراطي مستقي ً‬
‫بكم عن سبيله( ‪] ‬سورة النعام‪ ،‬الية‪.(2) .[153 :‬‬
‫سط بينهما‪.‬‬
‫والوسط هنا‪ :‬هو الشيء بين الشيئين‪ ،‬متو ّ‬
‫صراط في الحديث التي‪:‬‬
‫ونجد بيان هذا ال ّ‬
‫عن الّنواس بن سمعان ‪ ‬قال‪ :‬قممال رسممول اللممه‪   ،‬ضممرب‬
‫الله مثل صممرا ً‬
‫صممراط سمموران فيهممما‬
‫طا مسممتقي ً‬
‫ما‪ ،‬وعلممى ك ََنفممي ال ّ‬

‫صممراط داٍع‬
‫أبواب مفّتحممة‪ ،‬وعلممى البممواب سممتور ُ‬
‫مرخمماة‪ ،‬وعلممى ال ّ‬
‫جمموا‪ ،‬وداع‬
‫صراط جميًعا‪ ،‬ول تعو ّ‬
‫يدعو يقول‪ :‬يا أّيها الّناس اسلكوا ال ّ‬
‫صراط‪ ،‬فإذا أراد أحدكم فتممح شمميء مممن تلممك البممواب‬
‫يدعو على ال ّ‬
‫قممال‪ :‬ويلممك ل تفتحممه فإن ّممك إن تفتحممه تلجممه‪ ،‬فالصممراط‪ :‬السمملم‪،‬‬
‫ستور حدود الله‪ ،‬والبواب المفّتحة محارم اللممه‪ ،‬والممداعي الممذي‬
‫وال ّ‬
‫‪ - 1‬أخرجه أبو داود )‪ (104 ،2/103‬رقم )‪ ،(1582‬والطبراني في الصغير ص )‪ ،(115‬والبيهقي في السنن )‪ ،(4/95‬وصححه اللباني كما في صحيح الجامع رقم )‪(3041‬‬
‫والسلسلة الصحيحة رقم )‪.(1046‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه ابن ماجة )‪ (1/6‬رقم )‪ .(11‬قال البوصيري في الزوائد )‪ :(1/45‬هذا إسناد فيه مقال من أجل مجالد بن سعيد‪ .‬قلت‪ :‬مجالد بن سعيد هو ابن عمير الهمداني أبو‬
‫عمرو الكوفي‪ .‬قال الحافظ في التقريب ص )‪ :(520‬ليس بالقوي‪ ،‬وقد تغير في آخر عمره‪ .‬اهم‪ .‬ولكن يشهد لهذا الحديث ما رواه عبد الله بن مسعود‪ ،‬قال‪ :‬خط لنا رسول‬
‫ط خطو ً‬
‫طا‪ ،‬ثم قال‪" :‬هذه سبيل الله"‪ .‬ثم خ ّ‬
‫الله‪ ،‬صلى الله عليه وسلم خ ّ‬
‫طا عن يمينه وعن شماله‪ ،‬وقال‪" :‬هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"‪ .‬ثم قرأ‪) :‬وأن‬
‫ما فاّتبعوه(‪] .‬سورة النعام‪ ،‬الية‪ .[163 :‬أخرجه أحمد )‪ .(397 /3‬والدارمي )‪ (79 ،1/78‬رقم )‪ .(202‬وحسنه اللباني كما في المشكاة رقم )‪ (166‬ونقل‬
‫هذا صراطي مستقي ً‬
‫عن الحاكم تصحيحه‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫داعي من فوقه واعظ اللممه يممذكر‬
‫صراط كتاب الله‪ ،‬وال ّ‬
‫على رأس ال ّ‬
‫في قلب كل مسلم ‪.(1) ‬‬

‫‪ -5‬وقال ‪ ‬‬

‫دها الله للمجاهدين في‬
‫ن في الجّنة مائة درجة أع ّ‬
‫إ ّ‬

‫سممماء والرض‪ ،‬فممإذا سممألتم‬
‫سبيل الله‪ ،‬ما بين ال ّ‬
‫درجتين كما بين ال ّ‬
‫الله فاسألوه الفردوس‪ ،‬فإّنه أوسط الجّنة‪ ،‬أو أعلى الجنة ‪.(2) ‬‬
‫قال الحافظ بن حجر‪ :‬قوله‪  :‬أوسط الجنة أو أعلى الجنممة‬
‫المراد بالوسط هنا‪ :‬العممدل والفضممل‪ ،‬كقمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬وَك َمذ َل ِ َ‬
‫ك‬
‫جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(3)(143‬‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫َ َ َ ْ‬
‫‪ -6‬وقال ‪  ‬البركة تنمزل وسط ال ّ‬
‫طعام‪ ،‬فكلوا من حمماّفتيه‪ ،‬ول‬
‫تأكلوا من وسطه ‪.(4) ‬‬
‫والوسط هنا‪ :‬نقطة اللتقاء بين أطراف متساوية‪ .‬أو هو أشبه‬
‫دائرة ومنتصفها‪.‬‬
‫ما يكون بمركز ال ّ‬

‫طخ ّ‬
‫‪ -7‬وعن عبد الله بن مسعود ‪  ‬أن رسول الله‪  ،‬خ ّ‬
‫طمما‬
‫طا إلى جمانب الخم ّ‬
‫ط المرّبع‪ ،‬وخطو ً‬
‫ط وسط الخ ّ‬
‫مرب ًّعا‪ ،‬وخ ّ‬
‫ط المذي‬

‫جا من الخ ّ‬
‫ط المرّبع‪ ،‬وخ ّ‬
‫وسط الخ ّ‬
‫ط المرّبع‪ ،‬فقممال‪ :‬أتممدرون‬
‫طا خار ً‬
‫ما هذا؟ قالوا‪ :‬الله ورسوله أعلم‪ ،‬قال‪ :‬هذا النسان الخ ّ‬
‫ط الوسط‪،‬‬
‫وهذه الخطوط إلى جانبه العراض تنهشه ‪.(5) ‬‬

‫‪ - 1‬أخرجه أحمد )‪ .(183 ،4/182‬والحاكم في المستدرك )‪ .(1/73‬وقال‪ :‬صحيح على شرط مسلم‪ ،‬ول أعرف له عّلة‪ ،‬ولم يخرجاه‪ .‬ووافقه الذهبي‪ .‬قال اللباني‪ :‬وهو كما‬
‫ضا ‪ (5/133) -‬رقم )‪ .(2859‬وقال‪ :‬هذا حديث غريب‪ .‬قال اللباني‪ :‬وكأنه عنى الطريق التي أخرجها منه‪،‬‬
‫قال‪ ،‬انظر‪ :‬المشكاة رقم )‪ .(191‬وروى هذا الحديث الترمذي ‪ -‬أي ً‬
‫وهي إحدى طريقي المسند‪.‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه البخاري )‪ .(3/202‬والترمذي )‪ (4/582‬رقم )‪.(2530‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(6/13‬‬
‫‪ - 4‬أخرجه الترمذي )‪ (4/229‬رقم )‪ .(1805‬وقال‪ :‬هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة )‪ (2/1090‬رقم )‪ .(3277‬وأحمد )‪ (364 ،343 ،1/270‬والدارمي )‪ (2/137‬رقم )‬
‫‪ (2046‬والحديث صححه اللباني في صحيح الجامع رقم )‪ (4502‬وتخريج المشكاة رقم )‪.(4211‬‬
‫‪ - 5‬أخرجه البخاري )‪ .(7/171‬وابن ماجة )‪ (2/1414‬رقم )‪ .(4231‬وأحمد )‪.(1/385‬‬

‫‪35‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫دة أطممراف والمسممافة بينممه وبيممن‬
‫والوسط هنا‪ :‬هو ما كان بين ع ّ‬
‫كل طرف متساوية‪.‬‬

‫‪ -8‬وقممال ‪ ‬‬

‫دوا الخلممل ‪ .(1) ‬أي اجعلمموه‬
‫سممطوا المممام وسمم ّ‬
‫و ّ‬

‫ف‬
‫صم ّ‬
‫صف ‪ -‬في منتصفه ‪ -‬من أمامه‪ ،‬بحيث يكون طرفمما ال ّ‬
‫وسط ال ّ‬
‫متساويين بالّنسبة لموقف المام‪.‬‬

‫‪ -9‬وقال ‪ ‬‬

‫لعن الله من جلس وسط الحلقممة ‪ .(2) ‬وهممو الممذي‬

‫ما‪ ،‬وإّنما من‬
‫يجلس في وسط الحلقة‪ ،‬ولو لم يكن في منتصفها تما ً‬
‫دا عن أطرافها فهو في وسطها‪.‬‬
‫جلس في داخلها بعي ً‬

‫ض الجن ّممة لمممن تممرك المممراء‬
‫‪ -10‬وقال ‪  ‬أنا زعيم بيت في َرب َ َ‬
‫ط الجّنة لمممن تممرك الكممذب وإن كممان‬
‫ت في وس ِ‬
‫وإن كان محّقا‪ ،‬وبي ٍ‬
‫خل ُُقه ‪.(3) ‬‬
‫ن ُ‬
‫حا‪ ،‬وبي ٍ‬
‫ت في أعلى الجنة لمن َ‬
‫ماز ً‬
‫ح ُ‬
‫س َ‬
‫والوسط هنا ما كان بين الّربض والعلى‪.‬‬
‫‪ -11‬وقال ‪  ‬لن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصمف نعلمي‬
‫ي من أن أمشي على قبر مسلم‪ ،‬وما ُأبممالي أوسممط‬
‫برجلي أح ّ‬
‫ب إل ّ‬
‫سوق ‪.(4) ‬‬
‫القبر قضيت حاجتي أو وسط ال ّ‬
‫والمراد بالوسط ‪ -‬هنا ‪ -‬الوسط المكاني‪.‬‬
‫‪ -12‬وقال ‪  ‬ليس للنساء وسط ال ّ‬
‫طريق‬
‫‪‬‬

‫)‪.(5‬‬

‫‪ - 1‬أخرجه أبو داود )‪ (1/182‬رقم )‪ .(681‬وضعفه اللباني كما في ضعيف الجامع رقم )‪ (6122‬وضعيف أبي داود رقم )‪.(105‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه الترمذي )‪ (5/84‬رقم )‪ .(2753‬قال الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪ .‬وأبو داود )‪ (4/258‬رقم )‪ .(4826‬وأحمد )‪ .(401 ،398 ،5/384‬وصححه الحاكم )‪(4/281‬‬
‫ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه أبو داود )‪ (4/253‬رقم )‪ (4800‬وصححه اللباني كما في صحيح الجامع رقم )‪.(1464‬‬
‫‪ - 4‬أخرجه ابن ماجة )‪ (1/499‬رقم )‪ .(1567‬قال البوصيري في الزوائد )‪ :(1/512‬هذا إسناد صحيح محمد بن إسماعيل ‪ -‬شيخ ابن ماجة ‪ -‬وثقه أبو حاتم والنسائي وابن‬
‫حبان‪ ،‬وباقي رجال السناد على شرط الشيخين‪ .‬والحديث صححه اللباني كما في إرواء الغليل رقم )‪ (63‬وصحيح الجامع رقم )‪.(5038‬‬
‫ضا‪ -‬أبو يعلى في مسنده بلفظ‪" :‬ليس للنساء باحة‬
‫‪ - 5‬أخرجه ابن حبان في صحيحه )‪ -12/416‬الحسان( رقم )‪ .(5601‬وابن عدي في الكامل )‪ .(4/1321‬وأخرجه ‪ -‬أي ً‬
‫الطريق" كما في المطالب العالية )‪ .(2/440‬قال في النهاية )‪ :(1/60‬أي وسطه وباحة الدار‪ :‬وسطها‪ .‬اهم‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ومعنى الوسط كما في الحممديث الممذي سممبقه الوسممط المكمماني‪،‬‬
‫وهو ما كان بين الشيئين وهو منه‪ ،‬لن المشروع في حقّ المرأة أن‬
‫تكون بجانب ال ّ‬
‫طريق ل فممي وسممطه‪ ،‬لممما يحممدث مممن فتنممة بسممبب‬
‫بروزها وتعّرضها للّرجال‪.‬‬
‫هذه بعض الحاديث التي وردت وفيهمما لفممظ )الوسممط(‪ .‬ومعنمماه‪،‬‬
‫ومنها ما يد ّ‬
‫ل على معنى الوسطّية‪ ،‬ومنها ما ليس كذلك‪ ،‬إذ ل تلزم‬
‫بين )الوسط( و)الوسطّية(‪ ،‬فكل وسطّية فهي وسط‪ ،‬ول يلزم مممن‬
‫كل وسط أن يكون دليل علممى الوسممطّية‪ ،‬فقممد يكممون مممن الوسممط‬
‫المكاني أو الّزماني ونحوه‪ ،‬كما سيأتي بيانه ‪ -‬إن شاء الله ‪.-‬‬
‫تحرير معنى الوسطّية‬
‫ن‬
‫من خلل ما سبق اّتضح لنا أن كلمة )وسط(‪ ،‬تستعمل في معا ٍ‬
‫مها‪:‬‬
‫ع ّ‬
‫دة أه ّ‬
‫‪ -1‬بمعنى الخيار والفضل والعدل‪.‬‬
‫‪ -2‬قد ترد لما بين شيئين فاضلين‪.‬‬
‫‪ -3‬وتستعمل لما كان بين شّرين وهو خير‪.‬‬
‫‪ -4‬وتستعمل لما كان بين الجّيد والرديء‪ ،‬والخير وال ّ‬
‫شّر‪.‬‬
‫سا‪ ،‬كوسط ال ّ‬
‫طريممق‪،‬‬
‫‪ -5‬وقد ُتطلق على ما كان بين شيئين ح ّ‬
‫ووسط العصا‪.‬‬
‫ن أخرى قريبة من هذه المعمماني سممبق ذكرهمما‪ ،‬ول‬
‫وقد تأتي لمعا ٍ‬
‫أجد حاجة لعادتها‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫م ‪ -‬هنا ‪ -‬متى ُيطلق لفممظ )الوسممطّية(؟ بممل علممى ممماذا‬
‫والمه ّ‬
‫ُيطلق هذا المصطلح؟‬
‫مرادًفا للفظ الخيرّية‪ ،‬ولو لممم‬
‫فهناك من جعل مصطلح الوسطّية ُ‬
‫سا أو معنى ‪ -‬قال فريد عبد القادر‪:‬‬
‫يكن بين شيئين ‪ -‬ح ّ‬
‫صمما‬
‫ومن جملة ممما سممبق بيممانه نسممتطيع أن نسممتخلص تعريًفمما خا ّ‬
‫دا للوسطّية‪ ،‬فنقول‪ :‬بأن الوسطّية هي‪ :‬مؤهل المة السمملمية‬
‫محد ّ ً‬
‫مممن‪ :‬العدالممة‪ ،‬والخيري ّممة للقيممام بالشممهادة علممى العممالمين‪ ،‬وإقامممة‬
‫جة عليهم‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫الح ّ‬
‫أما ما شاع عند الناس وانتشممر مممن الوقمموف عنممد أصممل دللتهمما‬
‫سط بين طرفين‪ ،‬مهما كممان موضممع هممذا الوسممط ‪-‬‬
‫اللغوية‪ ،‬أي التو ّ‬
‫ممما وانحرافًمما‪،‬‬
‫م اختيمماره ‪ -‬مممن صممراط اللممه المسممتقيم‪ ،‬التزا ً‬
‫الذي ت ّ‬
‫فليس بمفهوم صحيح وفق ما تبينه اليات والحاديث )‪.(1‬‬
‫ويؤ ّ‬
‫كد هذا المعنى في موضع آخر‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫ول يلزم لكل ما يعتبر وس ً‬
‫طا في الصطلح أن يكون له طرفممان‪،‬‬
‫فالعدل وسممط ول يقممابله إل ال ّ‬
‫صممدق وسممط ول يقممابله إل‬
‫ظلممم‪ ،‬وال ّ‬
‫الكذب )‪.(2‬‬
‫سممط بيممن الشمميئين دون‬
‫وهنمماك مممن جعممل )الوسممطّية( مممن التو ّ‬
‫النظر إلى معنى الخيرّية التي د ّ‬
‫ل عليها ال ّ‬
‫شرع‪ ،‬قممال السممتاذ فريممد‬
‫عبد القادر‪:‬‬
‫وقد شاع كذلك عنمد كمثير ممن النماس اسمتعمال همذا الصمطلح‬
‫ضمما يلبممس أي وضممع أو عممرف أو مسمملك‬
‫ي‪ ،‬اسممتعمال فضفا ً‬
‫الّربممان ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬الوسطّية في السلم ‪ -‬مخطوط ‪ -‬ص )‪.(29‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬الوسطّية في السلم ص )‪.(33‬‬

‫‪38‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫أرادوه‪ ،‬حممتى أصممبحت الوسممطّية فممي مفهممومهم تعنممي الّتسمماهل‬
‫والّتنازل‪ ..‬إلخ )‪.(1‬‬
‫وما ذكره الستاذ فريد في تعريفه للوسطّية‪ ،‬وكذلك ما نقله عن‬
‫غيره ففيه نظر‪ ،‬ويّتضح ذلك فيما سيأتي‪:‬‬
‫ملت ما ورد في القرآن والسّنة والمأثور مممن كلم العممرب‬
‫وقد تأ ّ‬
‫صمملت إلممى أن هممذا‬
‫فيما أطلق وأريد بممه مصممطلح )الوسممطّية(‪ ،‬فتو ّ‬
‫ح إطلقه إل إذا توافرت فيه صفتان‪:‬‬
‫المصطلح ل يص ّ‬
‫‪ -1‬الخيرّية‪ ،‬أو ما يد ّ‬
‫ل عليها كالفضل والعدل أو العدل‪.‬‬
‫سّية أو معنوّية‪.‬‬
‫‪ -2‬البينّية‪ ،‬سواء أكانت ح ّ‬
‫فإذا جاء أحد الوصفين دون الخممر فل يكممون داخل فممي مصممطلح‬
‫الوسطّية‪.‬‬
‫ن كم ّ‬
‫ل أمممر يوصممف‬
‫والقول بأن الوسطّية ملزمة للخيري ّممة ‪ -‬أي أ ّ‬
‫صممحيح‪ ،‬فكممل‬
‫بالخيري ّممة فهممو )وسممط( ‪ -‬فيممه نظممر‪ ،‬والعكممس هممو ال ّ‬
‫وسطّية تلزمها الخيرّية )‪ (2‬فل وسطّية بدون خيرّية‪ ،‬ول عكس‪.‬‬
‫فل بد ّ مع الخيرّية من البينّية حتى تكون وس ً‬
‫طا‪.‬‬
‫ضمما ‪ -‬فليممس كممل شمميء بيممن شمميئين أو أشممياء‬
‫وكذلك البينّية ‪ -‬أي ً‬
‫ُيعتبر وسطّيا وإن كان وس ً‬
‫سط حس مّيا أو معنوي ّمما‪،‬‬
‫طا‪ .‬فقد يكون التو ّ‬
‫ول يلزم أن يوصف بالوسممطّية كوسممط الزمممان أو المكممان أو الهيئة‬
‫ونحو ذلك‪.‬‬
‫سمما أو‬
‫ولكن كل أمر يوصممف بالوسممطّية فل بممد أن يكممون بيني ّمما ح ّ‬
‫معنى‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬الوسطّية في السلم ص )‪.(30‬‬
‫‪ - 2‬قال ابن عاشور بعد بيان معنى الوسط‪ :‬فمن أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيار من لوازم معنى الوسط عرًفا‪ ،‬فأطلقوه على الخيار النفيس‪ .‬انظر‪ :‬التحرير‬
‫والتنوير )‪ ،(2/17‬وقال رشيد رضا‪ :‬فالخيار هو الوسط بين طرفي المر‪ ،‬أي‪ :‬المتوسط بينهما‪ .‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(2/4‬‬

‫‪39‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن أيّ أممر اّتصمف بالخيرّيمة والبينّيمة جميًعما‬
‫ومن هنا نخلص إلى أ ّ‬
‫ح أن ُنطلق عليه وصف‪ :‬الوسطّية‪ ،‬وممما عممدا ذلممك فل‬
‫فهو الذي يص ْ‬
‫)‪.(1‬‬
‫ضح ذلك‪:‬‬
‫وسأذكر بعض المثلة التي تو ّ‬
‫‪ -1‬جاء وصف هذه المة بالوسطّية في قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَ َ‬
‫كممذ َل ِ َ‬
‫ك‬
‫جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬مممن اليممة ‪ (143‬وصممح عنممه‪  ،‬أن ّممه‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫َ َ َ ْ‬
‫سر الوسط هنا بالعممدل‬
‫ف ّ‬

‫)‪(2‬‬

‫وفممي روايممة‪:‬‬

‫‪‬‬

‫عممدول ‪ .(3) ‬والمعنممى‬

‫واحد‪.‬‬
‫من معنممى الخيري ّممة‪ ،‬والعممدل‬
‫وإذا نظرنا إلى العممدل وجممدناه يتض م ّ‬
‫ظلم‪ ،‬وال ّ‬
‫كذلك ُيقابله ال ّ‬
‫ظلم له طرفان‪ ،‬فإذا مال الحمماكم إلممى أحممد‬
‫الخصمين فقد ظلم‪ ،‬والعدل وسط بينهما‪ ،‬دون حيف إلى أي منهممما‬
‫)‪.(4‬‬
‫ولذلك فقول صاحب )الوسطّية في السلم(‬
‫"ول يلممزم لكممل ممما يعتممبر وس م ً‬
‫طا فممي الصممطلح أن يكممون لممه‬
‫طرفان‪ ،‬فالعدل وسط ول يقابله إل الظلم"‪ .‬قول غيممر مس مّلم فممي‬
‫)‪(5‬‬

‫‪.‬‬

‫ن الظلممم‬
‫ما المثممال‪ :‬فممإ ّ‬
‫ما الصل فقد بي ّن ُْته سابًقا‪ ،‬وأ ّ‬
‫أصله ومثاله‪ ،‬أ ّ‬
‫له طرفان كممل منهممما يصممدق عليمه وصممف الظلممم‪ ،‬والعممدل وسممط‬
‫ضح وسطّية السلم ووسطّية هممذه المممة ممما قماله شمميخ‬
‫بينهما‪ .‬ويو ّ‬
‫السلم ابن تيمية ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬حيممث قممال‪ :‬والفرقممة الناجيممة أهممل‬
‫‪ - 1‬سيأتي مزيد تفصيل لهذا عند الحديث عن ملمح الوسطّية‪ ،‬حيث سأذكر بعض الضوابط لطلق هذا المصطلح ‪ -‬إن شاء الله ‪.-‬‬
‫دم تخريجه ص )‪.(19‬‬
‫‪ - 2‬كما عند البخاري وقد تق ّ‬
‫‪ - 3‬كما في رواية الطبري‪ .‬انظر‪ :‬ص )‪.(20‬‬
‫ضا ‪ -‬قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬قال أوسطهم(‪] .‬سورة القلم‪ ،‬الية‪ .[28 :‬فإن جمهور المفسرين فسروها "بأعدلهم" كما سبق‪ ،‬والعدل وسط بين طرفي الظلم كما‬
‫‪ - 4‬ومثل ذلك ‪ -‬أي ً‬
‫قررت هنا‪ ،‬فاجتمعت الصفتان‪ :‬البينّية والخيرّية‪.‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬الوسطّية في السلم ص )‪.(33‬‬

‫‪40‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫لسمملم وسممط فممي‬
‫السّنة‪ ،‬وهممم وسممط فممي الّنحممل‪ ،‬كممما أ ّ‬
‫ن مل ّممة ا ِ‬
‫الملممل‪ ،‬فالمسمملمون وسممط فممي أنبيمماء اللممه‪ ،‬ورسمموله‪ ،‬وعبمماده‬
‫خم ُ َ‬
‫م‬
‫صالحين‪ ،‬لم يغلو فيهم كممما غلممت النصممارى فم م )ات ّ َ‬
‫ذوا أ ْ‬
‫حب َمماَرهُ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ُ‬
‫ورهْبانه َ‬
‫م مُروا إ ِّل‬
‫ممما أ ِ‬
‫م ِ‬
‫م أْرَباب ما ً ِ‬
‫سممي َ‬
‫ن ُ‬
‫م وَ َ‬
‫مْري َم َ‬
‫ن َ‬
‫ن الل ّمهِ َوال ْ َ‬
‫َُ َ َُ ْ‬
‫ح اب ْم َ‬
‫دو ِ‬
‫مم ْ‬
‫ش مرِ ُ‬
‫ممما ي ُ ْ‬
‫ن( )التوبممة‪(31:‬‬
‫دوا إ َِلها ً َوا ِ‬
‫كو َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫ه إ ِّل هُوَ ُ‬
‫ه عَ ّ‬
‫حان َ ُ‬
‫حدا ً ل إ ِل َ َ‬
‫ق‪،‬‬
‫ول جفوا عنهم كما جفت اليهود‪ ،‬فكممانوا يقتلممون النبيمماء بغيممر حم ّ‬
‫ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من النمماس‪ ،‬وكّلممما جمماءهم رسممول‬
‫بما ل تهوى أنفسهم ك ّ‬
‫ذبوا فريًقا وقتلوا فريًقا‪.‬‬
‫بل المؤمنون آمنوا برسل الله‪ ،‬وعّزروهم‪ ،‬ونصروهم‪ ،‬ووّقروهم‪،‬‬
‫وأحّبوهم‪ ،‬وأطاعوهم‪ ،‬ولم يعبدوهم‪ ،‬ولم يّتخذوهم أرباًبا‪ ،‬كما قممال ‪-‬‬
‫كان ل ِب َ َ‬
‫م‬
‫ب َوال ْ ُ‬
‫ه ال ْك ِت َمما َ‬
‫شرٍ أ ْ‬
‫ما َ َ َ‬
‫م َوالن ّب ُموّةَ ث ُم ّ‬
‫حك ْم َ‬
‫ه الل ّم ُ‬
‫ن ي ُمؤْت ِي َ ُ‬
‫تعالى ‪َ ) :-‬‬
‫ن ُ‬
‫س ُ‬
‫ي َُقو َ‬
‫ممما‬
‫كوُنوا ِ‬
‫عَبادا ً ِلي ِ‬
‫ن ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫كون ُمموا َرب ّممان ِّيي َ‬
‫ن الل ّهِ وَل َك ِم ْ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫ل ِللّنا ِ‬
‫ك ُنتمم تعل ّمممون ال ْكتمماب وبممما ك ُنتمم تدرسممون ول يمأ ْمرك ُ َ‬
‫خم ُ‬
‫ذوا‬
‫ن ت َت ّ ِ‬
‫مأ ْ‬
‫َ‬
‫ُْ ْ َ ُْ ُ‬
‫َ َ َ ُ َ ْ‬
‫َِ َ َِ َ‬
‫ُْ ْ َُ ُ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ة والنبيي َ‬
‫ن( )آل‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫س مل ِ ُ‬
‫م ُ‬
‫م ب ِممال ْك ُْفرِ ب َعْ مد َ إ ِذ ْ أن ْت ُم ْ‬
‫مُرك ُ ْ‬
‫ن أْرَبابا ً أي َأ ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ملئ ِك َ َ َ ّ ِ ّ َ‬
‫سطوا في المسيح‪ ،‬فلممم‬
‫عمران‪ (79،80:‬ومن ذلك أن المؤمنين تو ّ‬
‫يقولوا هو الله‪ ،‬ول ابن الله‪ ،‬ول ثالث ثلثة‪ ،‬كما تقول الّنصممارى‪ ،‬ول‬
‫ما‪ ،‬حتى جعلوه ولد بغّية‪ ،‬كما‬
‫كفروا به‪ ،‬وقالوا على مريم بهتاًنا عظي ً‬
‫زعمت اليهود‪.‬‬
‫بل قالوا‪ :‬هو عبد الله ورسوله‪ ،‬وكلمته ألقاها إلى مريممم العممذراء‬
‫البتول‪ ،‬وروح منه‪.‬‬
‫وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله‪ ،‬فلممم ُيحّرممموا علممى‬
‫الله أن ينسخ ما يشاء‪ ،‬ويمحو ما يشاء ويثبت‪ ،‬كما قالته اليهود‪ ،‬كما‬

‫‪41‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سي َُقو ُ‬
‫م‬
‫سَفَهاُء ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫حكى الله عنهم ذلك بقوله‪َ ) :‬‬
‫ممما وَّلهُ م ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫م ال ِّتي َ‬
‫كاُنوا عَل َي َْها( )البقرة‪ :‬من الية ‪ (142‬وبقمموله‪) :‬وَإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ن قِب ْل َت ِهِ ُ‬
‫عَ ْ‬
‫ما أ ُن ْزِ َ‬
‫ما أ َن َْز َ‬
‫ِقي َ‬
‫ما‬
‫ه َقاُلوا ن ُؤْ ِ‬
‫مآ ِ‬
‫ل عَل َي َْنا وَي َك ُْفُرو َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫مُنوا ب ِ َ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫م ُ‬
‫م( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(91‬‬
‫ص ّ‬
‫وََراَءهُ وَهُوَ ال ْ َ‬
‫معَهُ ْ‬
‫ما َ‬
‫دقا ً ل ِ َ‬
‫حق ّ ُ‬
‫م َ‬
‫وزوا لكابر علمائهم وعّبادهم أن يغّيروا ديممن اللممه‪ ،‬فيممأمروا‬
‫ول ج ّ‬
‫ما شاءوا‪ ،‬كما يفعله الّنصارى‪ ،‬كما ذكر الله ذلك‬
‫بما شاءوا وينهوا ع ّ‬
‫ذوا أ َحبارهُم ورهْبانه َ‬
‫خ ُ‬
‫ه( )التوبة‪:‬‬
‫عنهم بقوله‪) :‬ات ّ َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫م أْرَبابا ً ِ‬
‫ن ُ‬
‫ْ َ َ ْ َُ َ َُ ْ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫من الية ‪.(31‬‬
‫والمؤمنون قالوا‪ :‬لله الخلق والمممر‪ ،‬فكممما ل يخلممق غيممره ل‬
‫يأمر غيره‪ ،‬وقالوا‪ :‬سمعنا وأطعنا‪.‬‬
‫إلى أن قال ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬وهذا باب يطول وصفه‪.(1) ...‬‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫مم ً‬
‫ما سممبق يّتضممح معنممى الوسممطّية فممي قمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬أ ّ‬
‫وم ّ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(143‬‬
‫وَ َ‬
‫والقارئ لكلم شيخ السلم‪ ،‬يّتضح له الّتلزم بين الخيرّية والبينّية‬
‫في استخراج معنى الوسممطّية فممي ضمموء المنهممج الممذي سمملكه ابممن‬
‫تيميممة ‪ -‬رحمممه اللممه ‪ -‬للوصممول إلممى تحقيممق هممذه المسممألة‪ ،‬وبيممان‬
‫صفة الحميدة‪.‬‬
‫اّتصاف هذه ال ّ‬
‫مة بهذه ال ّ‬
‫وقبل ذلك سلك الطبري هذا المنهج في تفسميره لقوله ‪ -‬تعممالى‬
‫ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪ (143‬كما سبق‪.‬‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫‪) :-‬أ ّ‬

‫‪ -2‬عن عبد الله بن معاوية الغاضري ‪‬‬
‫م اليمان‪ :‬من عبد اللممه وحممده‪،‬‬
‫م ط َعْ َ‬
‫ن فقد ط َعِ َ‬
‫‪  ‬ثلث من فعله ّ‬

‫قال‪ :‬قال رسممول اللممه‪،‬‬

‫‪ - 1‬من أراد مزيد بيان لما ذكره شيخ السلم فليرجع إلى كتابه العقيدة الواسطية‪ ،‬وتفسير القاسمي )‪ (2/287‬فقد ذكر كلمه كامل‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وعلم أّنه ل إله إل الله‪ ،‬وأعطى زكاة ماله طّيبمة بهما نفسمه‪ ،‬رافمدة‬
‫عليه كل عام‪ ،‬ولم يعط الهرمة ول الدرة ول المريضممة‪ ،‬ول ال ّ‬
‫شممرط‬
‫ن الله لم يسألكم خيممره‪ ،‬ولممم‬
‫اللئيمة‪ ،‬ولكن من وسط أموالكم‪ ،‬فإ ّ‬
‫يأمركم بشّره ‪ ‬رواه أبو داود‪.(1) .‬‬
‫ي‪ ،‬فالبينّيمة‬
‫وهنا نجد أن الوسطّية واضحة في هممذا الت ّمموجيه النبممو ّ‬
‫مممل مممن خلل‬
‫ما الخيرّية فهي ظاهرة لمن تأ ّ‬
‫صريحة في الحديث‪ ،‬أ ّ‬
‫ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أمر الّرسول‪  ،‬بذلك دليل على هذه الخيري ّممة‪ ،‬فل يممأمر‪،‬‬
‫‪ ‬إل بخير‪) ،‬قُ ْ َ‬
‫ط( )العراف‪ :‬من الية ‪ .(29‬وهل‬
‫س ِ‬
‫مَر َرّبي ِبال ِْق ْ‬
‫لأ َ‬
‫أمُر الرسول‪  ،‬إل وحي ُيوحى‪.‬‬
‫‪ -2‬أّننا عندما ُنريد أن نستخرج معنى الخيرّية ل ننظر من طممرف‬
‫ن الخيري ّممة‬
‫واحد فقط‪ ،‬فإذا نظرنا إلى مصلحة الفقيممر فقممط قلنمما‪ :‬إ ّ‬
‫سليمة الفضل مما هو من أجود الغنام وأغلها‪.‬‬
‫سمينة ال ّ‬
‫في ال ّ‬
‫وإذا نظرنا إلى خيرّية الغني ‪ -‬في الدنيا ‪ -‬قلنمما إن السممهل عليممه‬
‫أن ُيخرج الضعيفة الهزيلة ونحوها‪.‬‬
‫ولكــن الخيرّيــة الكاملــة أن ننظــر إلممى مصمملحة الفقيممر‬
‫ومصمملحة الغنممي ‪ -‬صمماحب المممال ‪ -‬جميًعمما‪ ،‬دون ترجيممح لحممدى‬
‫المصلحتين على الخرى‪ ،‬وهذه هي الوسطّية‪ ،‬وذلك باسممتخراج ممما‬
‫بين أفضلها وأضعفها ‪ -‬وهي الوسط ‪ -‬وذلممك مثممل قمموله ‪ -‬تعممالى ‪:-‬‬
‫)من أ َوسط ما تط ْعِمو َ‬
‫م( )المائدة‪ :‬من الية ‪.(89‬‬
‫ِ ْ ْ َ ِ َ ُ‬
‫ُ َ‬
‫ن أهِْليك ُ ْ‬

‫‪ - 1‬أخرجه أبو داود )‪ (104 ،2/103‬رقم )‪ ،(1582‬والطبراني في الصغير ص )‪ .(115‬والبيهقي في السنن )‪ .(4/95‬وصححه اللباني كما في صحيح الجامع رقم )‪.(3041‬‬

‫‪43‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وهنا اّتضممح لنمما الّتلزم بيممن الخيري ّممة والبيني ّممة فممي تحقيممق معنممى‬
‫الوسطّية‪.‬‬
‫ن أبا بكر‬
‫ي في صحيحه أ ّ‬
‫‪ -3‬روى المام البخار ّ‬
‫سقيفة‪ ،‬وكان مما قال ُيخاطب النصممار‪:‬‬
‫يوم ال ّ‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫خطمب‬

‫ممما ذكرتممم فيكممم‬

‫ي مممن‬
‫من خير فأنتم له أهممل‪ ،‬ولممن ُيعممرف هممذا المممر إل لهممذا الحم ّ‬
‫قريش‪ ،‬هم أوسط العرب نسًبا وداًرا ‪ ‬الحديث )‪.(1‬‬
‫س‬
‫والوسطّية المرادة هنا يظهممر فيهمما معنممى الخيريممة جلي ّمما ل ل َب ْم َ‬
‫فيه‪ ،‬فأين البينّية؟‬
‫صل الباحث إلى حقيقممة‬
‫إن التأ ّ‬
‫ن في هذه الوسطّية يو ّ‬
‫مل والّتمع ّ‬
‫ن قري ً‬
‫هلتها لن تكون خير العرب‪،‬‬
‫شا امتازت بصفات أ ّ‬
‫مة‪ ،‬وهي أ ّ‬
‫مه ّ‬
‫صفات من ال ّ‬
‫صفات الحميممدة‪ ،‬هممي‬
‫شجاعة والكرم وسائر ال ّ‬
‫وهذه ال ّ‬
‫صممفات‬
‫فممي حقيقتهمما صممفات وسممطّية بيني ّممة بيممن مجموعممة مممن ال ّ‬
‫صممفات‪ ،‬دون إفممراط أو‬
‫المتضمما ّ‬
‫دة‪ ،‬وهممم اّتصممفوا بأفضممل هممذه ال ّ‬
‫تفريط‪ ،‬أو غلوّ أو جفاء‪ ،‬ولذلك فقد نالوا هذه المنمزلة الرفيعممة مممن‬
‫كون العرب ل تدين إل لهم‪ ،‬وما ذلك إل لثقتهم في عدلهم وتميّزهم‬
‫عن غيرهم‪ ،‬واجتماع العرب عليهممم دليممل علممى قبممولهم مممن قبممائل‬
‫وأطراف متنافرة في أخلقها‪ ،‬متباينة في طباعها‪ ،‬وذلممك لخصيصممة‬
‫الوسطّية فيهم‪ ،‬ويصدق فيهم قول زهير‪:‬‬
‫إذا نـزلت إحدى الليالي‬

‫هم وسط يرضى النام‬

‫بمعظم‬

‫بحكمهم‬

‫)‪(2‬‬

‫‪ - 1‬صحيح البخاري )‪ .(4/194‬وأحمد في المسند )‪.(56 ،1/55‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(2/6‬‬

‫‪44‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫والعدل هو سبب قبول حكمهم‪ ،‬والعدل فيه صفة البينّيممة‬
‫بين نوعي الظلم‪ ،‬ولذلك كان وسطًيا‪ ،‬فكذلك سائر صفاتهم‪.‬‬
‫هلتهممم لن‬
‫وبهذا يّتضح أن الخيرّية والبينّية ‪ -‬المعنوّية ‪-‬هي الممتي أ ّ‬
‫يكونوا وس ً‬
‫طا نسًبا وداًرا‪.‬‬
‫مل معي ما قاله رشيد رضا في تفسيره‪ :‬قالوا إن الوسط هو‬
‫وتأ ّ‬
‫العدل والخيار‪ ،‬وذلك أن الّزيادة على المطلوب فممي المممر إفممراط‪،‬‬
‫والّنقص عنه تفريط وتقصير‪ ،‬فالخيار هو الوسط بين طرفممي المممر‬
‫سط بينهما)‪.(1‬‬
‫أي‪ :‬المتو ّ‬
‫ت‪،‬‬
‫ت وقمّرر ُ‬
‫وأختم هذا المبحث بكلم جيد يّتفق مع ممما ذكممر ُ‬
‫ذ َك ََرهُ الدكتور‪ /‬زيد في كتابه‪) :‬الوسممطّية فممي السمملم(‪ .‬وكممان مممما‬
‫قال‬

‫)‪(2‬‬

‫‪.‬‬

‫الوسط من كل شمميء أعممدله‪ ،‬فالوسممط إذن ليممس مج مّرد كممونه‬
‫نقطة بين طرفين‪ ،‬أو وسممطّية جزئي ّممة‪ ،‬كممما يقممال فلن وسممط فممي‬
‫كرمه‪ ،‬أو وسط في دراسته‪ ،‬وُيراد أّنه وسممط بيمن الجيمد والّرديممء‪،‬‬
‫فهذا المفهوم وإن درج عند كثير من الناس‪ ،‬فهو فهم ناقص مجتزأ‪،‬‬
‫أّدى إلى إساءة فهم معنى الوسطّية المقصودة‪.‬‬
‫وعلى هممذا فالوسممط المممراد والمقصممود هنمما‪ ،‬هممو العممدل الخيممار‬
‫والفضل‪ ،‬إلى أن قال‪:‬‬
‫وبالتالي لممم يبممق معنممى الوسممطّية مجمّرد الّتجمماور بيممن الشمميئين‬
‫فقط‪ ،‬بممل أصممبح ذا مممدلول أعظممم‪ ،‬أل وهممو البحممث عممن الحقيقممة‪،‬‬
‫وتحصيلها والستفادة منها‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(2/4‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬الوسطّية في السلم ص )‪ (18‬وما بعدها‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ثممم يقممول‪ :‬وهممو معنممى يّتسممع ليشمممل كممل خصمملة محمممودة لهمما‬
‫سممخاء وسممط بيممن البخممل والّتبممذير‪،‬‬
‫طرفممان مممذمومان‪ ،‬فممإ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫وال ّ‬
‫ور‪ ،‬والنسان مأمور أن يتجّنب كل‬
‫شجاعة وسط بين الجبن والّته ّ‬
‫وصممف مممذموم‪ ،‬وكل الطرفيممن هنمما وصممف مممذموم‪ ،‬ويبقممى الخيممر‬
‫والفضل للوسط‪.‬‬
‫دلممة مممن‬
‫ومن خلل ما سبق من المثلة‪ ،‬وما ذكرته مممن ال ّ‬
‫سمملف‬
‫الكتاب والسّنة‪ ،‬والكلم المأثور من لسان العممرب وأقمموال ال ّ‬
‫اّتضح لنا ما بّينته من التلزم بين الخيرّية والبينّية ‪ -‬حسّية أو معنوي ّممة‬
‫ في إطلق مصطلح )الوسطّية(‪.‬‬‫ولهذا فعندما أستخدم هذا المصطلح في هذا البحث فإّنني أعنممي‬
‫به ما يصدق عليه هذا المدلول دون سواه‪.‬‬
‫وما عدا ذلك فل يدخل في هذا البحث‪ ،‬وإن كان داخل في معنممى‬
‫الوسط‪ ،‬كما سبق بيانه‪ ،‬فهو من الوسط ل الوسطّية‪.‬‬
‫وكذلك ما كان خيًرا أو فاضممل فل يلممزم أن يكممون )وسممطًيا( وإن‬
‫دا‪.‬‬
‫كان محمو ً‬
‫قال يوسف كمال‪ :‬فهنمماك فضممائل ليسممت وسممطّية كالصممدق‬
‫الذي يقابله الكذب‪.(1) .‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬مستقبل الحضارة ليوسف كمال ص )‪ ،(127‬وإن كان بعض العلماء يرى أن كل أمر أمر الله به فهو وسط بين خلقين ذميمين‪ ،‬والصدق قد أمر الله به‪ .‬انظر‪:‬‬
‫القواعد الحسان لتفسير القرآن للسعدي ص )‪.(90‬‬

‫‪46‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫أسس فهم الوسطّية‬
‫ن الوسطّية ل بد ّ لهمما مممن تمموافر أمريممن‪ ،‬وهممما‪:‬‬
‫ن لنا أ ّ‬
‫بعد أن تبي ّ‬
‫ُ‬
‫دد معنممى‬
‫سمما ل بمد ّ مممن بيانهمما‪ ،‬ليتحم ّ‬
‫الخيرّية والبينّية‪ ،‬فإ ّ‬
‫س ً‬
‫ن هنمماك أ ُ‬
‫ش مْر َ‬
‫دقيق‪ .‬وتلممك السممس مط ّممردة مممع َ‬
‫طي‬
‫الوسطّية على الوجه ال ّ‬
‫الخيرّية والبينّية‪ ،‬وهذه السس هي‪:‬‬
‫‪ -1‬الغلوّ أو الفراط‪.‬‬
‫‪ -2‬الجفاء أو الّتفريط‪.‬‬
‫صراط المستقيم‪.‬‬
‫‪ -3‬ال ّ‬
‫صراط المستقيم ُيمّثل الخيري ّــة وُيحّقممق معناهمما‪ ،‬وهممو‬
‫فال ّ‬
‫وسط بين الغلوّ والجفاء‪ ،‬أو الفراط والّتفريط‪ ،‬وهذا ُيحّقممق وصممف‬
‫البينّية وشرطها الذي ذكرت أّنه من لوازم الوسطّية‪.‬‬
‫وسأقف مبي ّن ًــا هــذه ا ُ‬
‫لســس مبتممدًئا بممالغلوّ والفممراط‪ ،‬ثممم‬
‫ُ‬
‫صممراط المسممتقيم‪،‬‬
‫الجفمماء والّتفريممط‪ ،‬ثممم أبي ّممن معنممى وحقيقممة ال ّ‬
‫دها تتبّين الشياء‪.‬‬
‫وبض ّ‬

‫ن هذا البحث مستمد ّ من كتمماب اللممه ‪ -‬تعممالى ‪ -‬فسمُأر ّ‬
‫كز‬
‫وحيث إ ّ‬
‫على تحديد معنى هممذه ا ُ‬
‫لسممس مممن خلل القممرآن الكريممم والسمّنة‬

‫سرين وغيرهممم مممن العلممماء‪ ،‬ومممن اللممه‬
‫المبّينة لذلك‪ ،‬ثم كلم المف ّ‬
‫أستمد ّ العون والّتوفيق‪.‬‬
‫أول‪ :‬الغلو والفراط‬
‫د‪ ،‬فقممال ابممن‬
‫أما الغلوّ فقد عّرفممه أهممل اللغممة بممأّنه مجمماوزة الحم ّ‬
‫فارس‪:‬‬

‫‪47‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ل أصل صحيح يد ّ‬
‫و‪ :‬الغين واللم والحرف المعت ّ‬
‫ل علممى ارتفمماع‬
‫غل ّ‬
‫سممعر يغلممو غلء‪ ،‬وذلممك ارتفمماعه‪ ،‬وغل‬
‫ومجمماوزة قممدر‪ُ ،‬يقممال‪ :‬غل ال ّ‬
‫وا إذا رمممى بممه‬
‫وا‪ ،‬إذا جاوز ح ّ‬
‫ده‪ ،‬وغل بسهمه غل ّ‬
‫الّرجل في المر غل ّ‬
‫م أقصى غايته )‪.(1‬‬
‫سه ّ‬
‫وا‪ ،‬أي جاوز فيممه الح مد ّ‬
‫وقال الجوهر ّ‬
‫ي‪ :‬وغل في المر يغلو غل ّ‬
‫)‪.(2‬‬
‫وا‪:‬‬
‫وقال في لسان العرب‪ :‬وغل فممي الم ّ‬
‫دين والممر يغلمو غلم ّ‬
‫ده‪ ،‬وفي الّتنمزيل‪) :‬ل ت َغُْلوا ِفمي ِدين ِ ُ‬
‫م( )النسماء‪ :‬ممن اليمة‬
‫جاوز ح ّ‬
‫كم ْ‬
‫‪.(171‬‬
‫وا وغلنية وغلنًيا إذا جاوزت‬
‫وقال بعضهم‪ :‬غلوْ َ‬
‫ت في المر غل ّ‬
‫فيه الحد ّ وأفر ّ‬
‫طت فيه‪.‬‬
‫دين‬
‫وفي الحديث‪  :‬إّيماكم والغلموّ فممي الم ّ‬
‫دين مممتين فأوغممل فيممه‬
‫د‪ ،‬كالحديث الخر‪  :‬إن هذا ال ّ‬
‫ومجاوزة الح ّ‬
‫)‪(4‬‬
‫سهم نفسه‪ :‬ارتفع في ذهابه وجاوز المدى‪ ،‬وكّلممه‬
‫برفق ‪ . ‬وغل ال ّ‬
‫‪‬‬

‫)‪(3‬‬

‫دد فيمه‬
‫أي‪ :‬التشم ّ‬

‫من الرتفاع والّتجاوز‪.‬‬
‫ويقال للشيء إذا ارتفع‪ :‬قد غل‪ ،‬وغل الّنبت‪ :‬ارتفع وعظم )‪.(5‬‬
‫هذا معنى الغلوّ فممي اللغممة‪ ،‬وقممد ورد فممي القممرآن الكريممم آيتممان‬
‫صممريح‪ ،‬قممال ‪ -‬تعممالى ‪ -‬فممي سممورة‬
‫فيهما الّنهي عن الغلوّ بلفظممه ال ّ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬معجم مقاييس اللغة مادة )غلو( )‪.(4/387‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬الصحاح مادة )غل( )‪.(6/2448‬‬
‫ضا‪ -‬اللباني‬
‫‪ - 3‬أخرجه النسائي )‪ (5/268‬رقم )‪ .(3057‬وابن ماجة )‪ (2/1008‬رقم )‪ (3029‬وأحمد )‪ ،(347 ،1/215‬وصححه الحاكم )‪ ،(1/466‬ووافقه الذهبي‪ ،‬وصححه ‪ -‬أي ً‬
‫كما في السلسلة الصحيحة رقم )‪ ،(1283‬وصحيح الجامع رقم )‪.(2680‬‬
‫ضا للبزار والبيهقي‪ ،‬كما في صحيح الجامع رقم )‪ ،(2246‬ولفظ الحديث‪" :‬فأوغلوا"‪.‬‬
‫‪ - 4‬أخرجه أحمد )‪ (3/199‬وحسنه اللباني‪ ،‬وعزاه أي ً‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬لسان العرب‪ ،‬مادة‪" :‬غل"‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫النساء‪َ) :‬يا أ َهْ َ‬
‫م َول ت َُقول ُمموا عَل َممى الل ّمهِ إ ِّل‬
‫ب ل ت َغُْلوا ِفي ِدين ِك ُم ْ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫ق( )النساء‪ :‬من الية ‪ (171‬قال الطبري‪:‬‬
‫ال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫يقول‪ :‬ل تجاوزوا الحقّ في دينكم فَت ُْفرِ ُ‬
‫طوا فيه‪.‬‬
‫ده‪ ،‬يقال منممه‬
‫ده الذي هو ح ّ‬
‫وأصل الغلوْ في كل شيء مجاوزة ح ّ‬
‫وا)‪.(1‬‬
‫في ال ّ‬
‫دين‪ :‬قد غل فهو يغلو غل ّ‬
‫وقال ابن الجوزي في تفسير هذه الية‪:‬‬
‫جماج‪:‬‬
‫د‪ ،‬ومنه‪ :‬غل السعر‪ ،‬وقمال الّز ّ‬
‫و‪ :‬الفراط ومجاوزة الح ّ‬
‫والغل ّ‬
‫و‪ :‬مجاوزة القدر في ال ّ‬
‫ظلم‪.‬‬
‫الغل ّ‬
‫وغلوّ الّنصارى في عيسى قول بعضهم‪ :‬هو الله‪ ،‬وقممول بعضممهم‪:‬‬
‫هو ابن الله‪ ،‬وقول بعضهم‪ :‬هو ثالث ثلثة‪.‬‬
‫وعلى قول الحسن‪ :‬غلوّ اليهود فيه قولهم‪ :‬إّنه لغير رشده‪ .‬وقال‬
‫دد فيه )‪.(2‬‬
‫بعض العلماء‪ :‬ل تغلو في دينكم بالّزيادة في الّتش ّ‬
‫وقال ابن كثير‪َ :‬ينهى ‪ -‬تعالى ‪-‬أهل الكتاب عممن الغل موّ والطممراء‪،‬‬
‫وهذا كثير في الّنصارى‪ ،‬فإّنهم تجاوزوا الحد ّ في عيسى حّتى رفعوه‬
‫وة إلى أن‬
‫فوق المنمزلة التي أعطاها الله إّياها‪ ،‬فنقلوه من حّيز الّنب ّ‬
‫وا فممي أتبمماعه‬
‫اّتخذوه إلًها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه‪ ،‬بل غل م ً‬
‫دعوا فيهم العصمة‪ ،‬واّتبعمموهم‬
‫من زعم أّنه على دينه‪ ،‬فا ّ‬
‫وأشياعه‪ ،‬م ّ‬
‫دا‪ ،‬أو‬
‫في كل ما قالوه‪ ،‬سواء كممان حّقمما أو بمماطل‪ ،‬أو ضمملل أو رشمما ً‬
‫خم ُ َ‬
‫م‬
‫حا أو كذًبا‪ ،‬ولهممذا قممال ‪ -‬تعمالى ‪) :-‬ات ّ َ‬
‫ذوا أ ْ‬
‫صحي ً‬
‫م وَُرهْب َممان َهُ ْ‬
‫حَبماَرهُ ْ‬
‫َ‬
‫ه( )التوبة‪ :‬من الية ‪.(3)(31‬‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫أْرَبابا ً ِ‬
‫ن ُ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(6/34‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬زاد المسير )‪.(2/260‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/589‬‬

‫‪49‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ما الية الثانية فجاءت في سورة المائدة‪ ،‬قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬قُ ْ‬
‫ل َيا‬
‫أ ّ‬
‫َ‬
‫أ َهْ َ‬
‫واَء قَموْم ٍ قَ مد ْ‬
‫م غَي َْر ال ْ َ‬
‫ب ل ت َغُْلوا ِفي ِدين ِك ُ ْ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫حقّ َول ت َت ّب ِعُمموا أهْ م َ‬
‫ضّلوا من قَب ُ َ‬
‫ل( )المائدة‪(77:‬‬
‫ضّلوا ك َِثيرا ً وَ َ‬
‫ل وَأ َ‬
‫ِ ْ ْ‬
‫َ‬
‫واِء ال ّ‬
‫ن َ‬
‫سِبي ِ‬
‫س َ‬
‫ضّلوا عَ ْ‬
‫رطوا في القممول فيممما تممدينون بممه مممن‬
‫قال الطبري‪ :‬يقول‪ :‬ل ت ُْف ِ‬
‫أمر المسيح فتجاوزوا فيه الحقّ إلى الباطل‪ ،‬فتقولوا فيه‪ :‬هو اللممه‪،‬‬
‫أو هو ابنه‪ ،‬ولكن قولوا‪ :‬هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم‪ ،‬وروح‬
‫منه )‪.(1‬‬
‫وا فممي‬
‫قال شيخ الســلم ابــن تيميــة‪ :‬والّنصممارى أكممثر غل م ّ‬
‫العتقادات والعمال من سائر ال ّ‬
‫و‬
‫طوائف‪ ،‬وإّياهم نهى الله عن الغل ّ‬
‫في القرآن )‪.(2‬‬
‫ن ُ‬
‫م قَّفي ْن َمما‬
‫غلوّ الّنصارى ما ذكره اللممه فممي سممورة الحديممد‪) :‬ث ُم ّ‬
‫وم ْ‬
‫جي م َ‬
‫جعَل ْن َمما‬
‫ل وَ َ‬
‫سل َِنا وَقَّفي َْنا ب ِِعي َ‬
‫م ب ُِر ُ‬
‫م َوآت َي َْناهُ اْل ِن ْ ِ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫عََلى آَثارِهِ ْ‬
‫سى اب ْ ِ‬
‫ممما ك َت َب َْناهَمما‬
‫ة اب ْت َمد َ ُ‬
‫عو َ‬
‫ة وََرهَْبان ِي ّم ً‬
‫م ً‬
‫ن ات ّب َُعوهُ َرأ ْفَ ً‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫ة وََر ْ‬
‫ها َ‬
‫ح َ‬
‫ِفي قُُلو ِ‬
‫ذي َ‬
‫عاي َت ِهَمما( )الحديممد‪ :‬مممن‬
‫حق ّ ر ِ َ‬
‫ما َرعَوْ َ‬
‫ها َ‬
‫م إ ِّل اب ْت َِغاَء رِ ْ‬
‫ن الل ّهِ فَ َ‬
‫عَل َي ْهِ ْ‬
‫وا ِ‬
‫ض َ‬
‫الية ‪.(27‬‬
‫قال ابن كثير في آية المائدة‪:‬‬
‫ل َيا أ َهْ َ‬
‫)قُ ْ‬
‫ق( )المممائدة‪ :‬مممن‬
‫م غَي َْر ال ْ َ‬
‫حم ّ‬
‫ب ل ت َغُْلوا ِفي ِدين ِك ُ ْ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫ق‪ ،‬ول تطروا من أمرتم‬
‫الية ‪ . (77‬أي ل تجاوزوا الحد ّ في اّتباع الح ّ‬
‫وة إلممى مقممام‬
‫بتعظيمممه فتبممالغوا فيممه حممتى تخرجمموه مممن حي ّممز النبم ّ‬
‫ي من النبياء فجعلتموه إلًها‬
‫اللهّية‪ ،‬كما صنعتم في المسيح‪ ،‬وهو نب ّ‬
‫من دون الله )‪.(3‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(6/316‬‬
‫‪ - 2‬اقتضاء الصراط المستقيم )‪.(1/289‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(2/82‬‬

‫‪50‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫و‪ ،‬وذِك ْمُر بعضممها‬
‫وقد وردت بعض الحاديث الممتي تنهممى عممن الغلم ّ‬
‫ده‪:‬‬
‫يساعد على َفهم معناه وح ّ‬
‫‪ -1‬عن ابن عباس ‪ -‬رضي الله عنهما ‪ -‬قال‪ :‬قممال رسممول‬

‫الله‪ ،‬‬

‫غداة جمع‪:‬‬

‫‪‬‬

‫م القط لي الحصى ‪ ،‬فلقطت له حصيات‬
‫هل ّ‬

‫ما وضعّهن في يده قال‪:‬‬
‫من حصى الحذف‪ ،‬فل ّ‬
‫دين‬
‫دين فإّنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في ال ّ‬
‫وإّياكم والغلوّ في ال ّ‬
‫)‪.(1‬‬
‫‪‬‬

‫نعم بأمثمال همؤلء‬

‫م فممي جميممع أنممواع‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمّية‪ :‬وهممذا عمما ّ‬
‫الغلموّ فممي العتقممادات والعمممال‪ ،‬وسممبب هممذا اللفممظ العممام رمممي‬
‫الجمار‪ ،‬وهو داخل فيه‪ ،‬مثل الّرمي بالحجارة الكبار بنمماء علممى أّنهمما‬
‫صغار‪ ،‬ثم عّلله بما يقتضي مجانيممة هممديهم‪ ،‬أي هممدي مممن‬
‫أبلغ من ال ّ‬
‫ن المشممارك لهممم فممي‬
‫دا عن الوقوع فيما هلكوا به‪ ،‬وأ ّ‬
‫كان قبلنا إبعا ً‬
‫بعض هديهم ُيخاف عليه من الهلك )‪.(2‬‬
‫‪-2‬‬

‫عن ابن مســعود ‪ ‬قممال‪ :‬قممال رسممول اللممه‪  ،‬‬

‫هلممك‬

‫المتن ّ‬
‫طعون ‪ ‬قالها ثلًثا )‪.(3‬‬
‫ي‪ :‬هلممك المتن ّ‬
‫مقممون المغممالون‬
‫طعممون‪ :‬أي المتع ّ‬
‫قــال الّنــوو ُ‬
‫المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم )‪.(4‬‬

‫ن رسول الله‪ ،‬‬
‫‪ -3‬وعن أنس بن مالك ‪ ‬أ ّ‬

‫كان يقول‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ددوا علممى‬
‫ما شم ّ‬
‫دد الله عليكم‪ ،‬فإ ّ‬
‫ددوا على أنفسكم فُيش ّ‬
‫ل تش ّ‬
‫ن قو ً‬
‫ضا‪ -‬اللباني‬
‫‪ - 1‬أخرجه النسائي )‪ (5/268‬رقم )‪ .(3057‬وابن ماجة )‪ (2/1008‬رقم )‪ (3029‬وأحمد )‪ ،(347 ،1/215‬وصححه الحاكم )‪ ،(1/466‬ووافقه الذهبي‪ ،‬وصححه ‪ -‬أي ً‬
‫كما في السلسلة الصحيحة رقم )‪ ،(1283‬وصحيح الجامع رقم )‪.(2680‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تيسير العزيز الحميد ص )‪ (275‬والغلو في الدين لعبد الرحمن بن معل اللويحق ص )‪.(68‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه مسلم )‪ (4/2055‬رقم )‪ .(2670‬وأبو داود )‪ (4/201‬رقم )‪ .(4608‬وأحمد )‪.(1/386‬‬
‫‪ - 4‬شرح مسلم للنووي )‪.(16/220‬‬

‫‪51‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ديار‬
‫صمموامع وال م ّ‬
‫أنفسهم فشم ّ‬
‫دد اللممه عليهممم‪ ،‬فتلممك بقايمماهم فممي ال ّ‬
‫م( )الحديد‪ :‬من الية ‪.(27‬‬
‫ة اب ْت َد َ ُ‬
‫ما ك َت َب َْنا َ‬
‫عو َ‬
‫)وََرهَْبان ِي ّ ً‬
‫ها عَل َي ْهِ ْ‬
‫ها َ‬
‫دين‬
‫ن هذا ال ّ‬
‫‪ -4‬وعن أبي هريرة ‪ ‬عن النبي‪  ،‬قال‪  :‬إ ّ‬
‫ددوا‪ ،‬وقمماربوا وأبشممروا‪،‬‬
‫دين أحممد إل غلبممه‪ ،‬فسم ّ‬
‫ُيسر‪ ،‬ولن ُيشمماد ّ الم ّ‬
‫دلجة ‪ .(1) ‬وفممي لفممظ‪:‬‬
‫واستعينوا بالغدوة والّروحة‪ ،‬وشيء من ال ّ‬
‫القصد القصد تبلغوا ‪.(2) ‬‬

‫‪‬‬

‫ديني ّممة‪،‬‬
‫مق أحممد فممي العمممال ال ّ‬
‫ح َ‬
‫قال ابن َ‬
‫جر‪ :‬والمعنى‪ :‬ل يتع ّ‬
‫ويترك الّرفق إل عجز وانقطع فُيغلب )‪.(3‬‬
‫قال عبد الرحمــن بــن معل‪ :‬وحممتى ل يقممع ذلممك جمماء ختممام‬
‫الحديث آمًرا بالّتسديد والمقاربة‪ ،‬قال ابن رجب‪ :‬والّتسممديد العمممل‬
‫صر فيما أمممر بممه‪،‬‬
‫سداد‪ ،‬وهو القصد والّتو ّ‬
‫بال ّ‬
‫سط في العبادة‪ ،‬فل يق ّ‬
‫مل منها ما ل ُيطيقه)‪.(4‬‬
‫ول يتح ّ‬
‫‪ -5‬وروى المام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بممن شممبل أن‬

‫رسول الله‪ ،‬‬

‫قال‪:‬‬

‫‪‬‬

‫اقرأوا القرآن ول تممأكلوا بممه‪ ،‬ول تسممتكثروا‬

‫به‪ ،‬ول تجفوا عنه‪ ،‬ول تغلو فيه ‪.(5) ‬‬

‫‪ -6‬وروي عنه‪ ،‬‬

‫أنه قال‪:‬‬

‫‪‬‬

‫يحمل هممذا العلممم مممن كممل خلممف‬

‫عممدوله‪ ،‬ينفممون عنممه تحريممف الغممالين‪ ،‬وانتحممال المبطليممن‪ ،‬وتأويممل‬
‫الجاهلين ‪.(6) ‬‬
‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ .(1/15‬والنسائي )‪ (8/122‬رقم )‪.(5034‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه البخاري )‪ ،(182 ،7/181‬وأحمد )‪.(2/514‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(1/94‬‬
‫دلجة لبن رجب ص )‪.(51‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬الغلو في الدين ص )‪ .(69‬والمحجة في سير ال ّ‬
‫‪ - 5‬أخرجه أحمد في المسند )‪ .(444 ،3/428‬قال الهيثمي في مجمع الزوائد )‪ :(171 ،7/170‬رواه أحمد والبزار بنحوه‪ ،‬ورجال أحمد ثقات‪ .‬وصححه اللباني كما في صحيح‬
‫الجامع رقم )‪.(1168‬‬
‫‪ - 6‬أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن بسنده عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري‪ ،‬عن رسول الله‪ ،‬صلى الله عليه وسلم‪ ..،‬به‪ .‬قال اللباني في تعليقه على أحاديث‬
‫المشكاة رقم )‪ :(248‬ثم إن الحديث مرسل؛ لن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري هذا تابعي مق ّ‬
‫ل‪ ،‬كما قال الذهبي‪ ،‬وراويه عنه‪ :‬معاذ بن رفاعة ليس بعمدة‪ .‬لكن الحديث قد‬
‫روي موصول من طريق جماعة من الصحابة‪ ،‬وصحح بعض طرقه الحافظ العلئي‪ -‬في "بغية الملتمس"‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ل هممذه الحمماديث تممد ّ‬
‫وك م ّ‬
‫ل علممى أن الغلمموّ خممروج عممن المنهممح‬
‫د‪ ،‬وفعل ما لممم يشممرعه اللممه ول رسمموله‪  ،‬ولسممت‬
‫ومجاوزة للح ّ‬
‫مه دون تصممريح بممه‪،‬‬
‫بصدد ذكر الحاديث التي تنهممى عممن الغلموّ وتممذ ّ‬
‫صة الذين جاءوا وسممألوا عممن عمممل‬
‫فهي كثيرة ج ّ‬
‫دا‪ ،‬ومن أشهرها ق ّ‬
‫الرسول‪  ،‬في السّر‪ ،‬فكأّنهم تقاّلوا‪ ،‬فكان مممن مقممولتهم ممما هممو‬

‫معروف‪ ،‬وكيف واجه رسول الله‪ ،‬‬

‫هذا المر )‪.(1‬‬

‫حا‬
‫بل لم أرد حصر جميع الحاديث التي ورد فيها لفظ الغلوّ مصر ً‬
‫ت هذه الحاديث للدللة على ممما نحممن بصممدده‪ ،‬وهممو‬
‫به‪ ،‬وإّنما اختر ُ‬
‫م علقته بالوسطّية‪.‬‬
‫تحديد معنى الغلوّ ومفهومه وحكمه‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫وأختم تعريف الغلوّ بهذين الّتعريفين‪:‬‬
‫و‪ :‬مجاوزة الحد ّ بممأن ي ُممزاد‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية‪ :‬الغل ّ‬
‫مه على ما يستحقّ ونحو ذلك )‪.(2‬‬
‫في الشيء‪ ،‬في حمده أو ذ ّ‬
‫و‪ :‬المبالغممة فممي الشمميء‬
‫وقال ابن حجر في تعريفــه للغلـ ّ‬
‫والّتشديد فيه بتجاوز الحد ّ )‪.(3‬‬
‫وضابط الغلوّ بّينة الشيخ سليمان بممن عبممد الوهمماب‪ ،‬حيممث قممال‪:‬‬
‫دى ما أمر الله به‪ ،‬وهو ال ّ‬
‫طغيان الذي نهى الله عنه فممي‬
‫وضابطه تع ّ‬
‫ح ّ‬
‫ضِبي( )طمه‪ :‬من الية ‪.(4)(81‬‬
‫وا ِفيهِ فَي َ ِ‬
‫م غَ َ‬
‫ل عَل َي ْك ُ ْ‬
‫قوله‪َ) :‬ول ت َط ْغَ ْ‬
‫ما سبق من الّتعريممف اّللغمموي للغلموّ وممما ورد فيممه مممن آيممات‬
‫وم ّ‬
‫وأحاديث‪ ،‬وكذلك تعريف العلممماء يّتضممح لنمما أن الغلموّ هممو‪ :‬مجمماوزة‬

‫‪ - 1‬وهو حديث أنس المشهور في قصة الثلثة‪ ،‬وسيأتي بعد قليل‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬اقتضاء الصراط المستقيم )‪.(1/289‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(13/278‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تيسير العزيز الحميد ص )‪ (256‬والغلو في الدين ص )‪.(82‬‬

‫‪53‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الحد ّ في المر المشروع‪ ،‬وذلك بالّزيادة فيه أو المبالغممة إلممى الح مد ّ‬
‫الذي ُيخرجه عن الوصف الذي أراده وقصده ال ّ‬
‫شارع‪.‬‬
‫و‪ ،‬وكش مًفا لحممدوده ومعممالمه‪ ،‬أذكممر هممذه‬
‫وإيضمما ً‬
‫حا لحقيقممة الغل م ّ‬
‫الحقائق‪.‬‬
‫أول‪ :‬أن منشأ الغلو بحسب متعلقه ينقسم إلى ما يلي‬

‫)‪(1‬‬

‫‪.‬‬

‫و متعل ً‬
‫قــا بفقــه الّنصــوص‪ ،‬كتفسمميرها‬
‫‪ -1‬أن يكــون الغلـ ّ‬
‫مممة لل ّ‬
‫شممريعة ومقاصممدها‬
‫تفسيًرا متشمد ًّدا يتعممارض مممع ال ّ‬
‫سمممة العا ّ‬
‫دد على نفسه وعلى الخرين‪.‬‬
‫الساسّية فيش ّ‬
‫و متعل ّ ً‬
‫قا بالحكام‪ ،‬ومن صور ذلك‪:‬‬
‫‪ -2‬أن يكون الغل ّ‬

‫)أ( إلزام الّنفس أو الخرين بما لم يوجبه الله ‪‬‬

‫عبادة وترهًّبمما‪،‬‬

‫ومعيار ذلك ال ّ‬
‫طاقة ال ّ‬
‫ن تجاوز الطاقة في أمممر مشممروع‬
‫ذاتّية حيث إ ّ‬
‫وا‪.‬‬
‫يعتبر غل ّ‬
‫ومن الدّلة على ذلك‪ ،‬ما رواه أنس بن مالممك‬

‫‪‬‬

‫قممال‪:‬‬

‫‪‬‬

‫دخممل‬

‫النبي‪  ،‬المسجد فإذا حبل ممممدود بيممن سمماريتين فقممال‪ :‬ممما هممذا‬
‫الحبل؟ فقالوا‪ :‬هذا حبل لزينب‪ ،‬فإذا فترت تعّلقت به‪ ،‬فقال النممبي‪،‬‬

‫‪‬‬

‫حّلوه ليص ّ‬
‫ل أحدكم نشاطه‪ ،‬فإذا فتر فليرقد ‪.(2) ‬‬

‫ث علممى‬
‫قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث‪ :‬وفيه الحمم ّ‬
‫مق فيها‪.(3).‬‬
‫القتصاد في العبادة‪ ،‬والّنهي عن التع ّ‬
‫)ب( تحريم الطّيبات التي أباحها الله علممى وجممه التعب ّممد‪ ،‬أو تممرك‬
‫صة الّنفممر الّثلثممة‪ ،‬حيممث روى‬
‫ال ّ‬
‫ضرورات أو بعضها‪ ،‬ومن أدّلة ذلك ق ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬كتاب الغلو في الدين فقد ذكر هذه القسام ص )‪.)83‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه البخاري )‪ (2/48‬ومسلم )‪ (1/542‬رقم )‪.(784‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(3/37‬‬

‫‪54‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫أنس بن مالك ‪ ‬قال‪  :‬جاء ثلثة رهط إلممى بيمموت أزواج النممبي‪،‬‬
‫‪ ‬يسألون عن عبادته‪ ،‬فلممما أخممبروا كممأّنهم تقاّلوهمما‪ ،‬فقممالوا‪ :‬أيممن‬
‫خر‪،‬‬
‫دم مممن ذنبممه وممما تممأ ّ‬
‫نحن من النبي‪  ،‬فقد غفر الله له ما تقم ّ‬
‫ُ‬
‫دهر‬
‫دا‪ ،‬وقال آخر‪ :‬أنا أصمموم ال م ّ‬
‫ما أنا فأصلي الليل أب ً‬
‫فقال أحدهم‪ :‬أ ّ‬
‫ُ‬
‫دا‪.‬‬
‫ول أفطر‪ ،‬وقال آخر‪ :‬أنا أعتزل النساء فل أتزّوج أب ً‬
‫فجاء رسول اللممه‪  ،‬فقممال‪" :‬إن ّممي لخشمماكم للممه وأتقمماكم لممه‪،‬‬
‫ب عممن‬
‫لكّني أصوم وأفطر‪ ،‬وأصّلي وأرقد‪ ،‬وأتزّوج النساء‪ ،‬فمن َرِغم َ‬
‫ي"‬
‫سّنتي فليس من ّ‬
‫وكممذلك لممو اضممطّر إنسممان إلممى محمّرم‪ ،‬كأكممل الميتممة أو حيمموان‬
‫محّرم‪ ،‬وت َْر ُ‬
‫ك ذلك ي ّ‬
‫دد‪ ،‬وبيان‬
‫ن ذلك من الّتش ّ‬
‫ؤدي به إلى الهلكة‪ ،‬فإ ّ‬
‫‪‬‬

‫)‪.(1‬‬

‫ذلك‪ :‬أن الله هو الذي حمّرم هممذا ال ّ‬
‫شمميء فممي حالممة اليسممر‪ ،‬وهممو ‪-‬‬
‫ما‬
‫سبحانه ‪ -‬الذي أباح أكله في حالة الضطرار‪ ،‬قال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬إ ِن ّ َ‬
‫ما أ ُهِ ّ‬
‫ن‬
‫م ال ْ ِ‬
‫مي ْت َ َ‬
‫م وَل َ ْ‬
‫َ‬
‫ة َوالد ّ َ‬
‫حّر َ‬
‫ل ب ِهِ ل ِغَي ْمرِ الل ّمهِ فَ َ‬
‫زيرِ وَ َ‬
‫ح َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫م عَل َي ْك ُ ُ‬
‫خن ْ ِ‬
‫مم ِ‬
‫م( )البقممرة‪:‬‬
‫ضط ُّر غَي َْر َباٍغ َول َ‬
‫ه غَُفمموٌر َر ِ‬
‫م عَل َي ْهِ إ ِ ّ‬
‫ا ْ‬
‫حيم ٌ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫عادٍ َفل إ ِث ْ َ‬
‫‪.(173‬‬
‫‪ -3‬أن يكون الغلوّ متعل ًّقا بالحكم على الخرين‪ ،‬حيممث يقممف مممن‬
‫بعض الّناس موقف المادح الغالي‪ ،‬ويقف من آخرين موقف المم ّ‬
‫م‪،‬‬
‫ذا ّ‬
‫عا‪ ،‬كالفسممق أو المممروق مممن‬
‫الجافي ويصممفهم بممما ل يلزمهممم شممر ً‬
‫دين ونحو ذلك‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫وفي كل الحالين يممترّتب علممى ذلممك أعمممال هممي مممن الغل موّ فممي‬
‫ب والبغض‪ ،‬والولء والهجر‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫سلب أو اليجاب‪ ،‬كالح ّ‬
‫ال ّ‬
‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ .(6/116‬ومسلم )‪ (2/1020‬رقم )‪.(1401‬‬

‫‪55‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ثانًيا‪ :‬أن الغلو فـي حقيقتــه حركــة فـي اتجـاه القاعــة‬
‫ال ّ‬
‫شرعّية والوامر اللهي ّــة‪ ،‬ولكنهمما حركممة تتجمماوز فممي مممداها‬
‫دها ال ّ‬
‫دين‪ ،‬وليممس‬
‫شارع‪ ،‬فهو مبالغة في اللممتزام بال م ّ‬
‫الحدود التي ح ّ‬
‫جا عنه في الصل‪ ،‬بل هو نابع من الّرغبة في اللتزام به )‪.(1‬‬
‫خرو ً‬
‫)‪(2‬‬
‫ثالًثا‪ :‬أن الغلو ليس هو الفعل فقط بل قد يكون تر ً‬
‫كمما‬
‫فترك الحلل كالنوم والكل ونحوه نوع من أنواع الغلو‪ ،‬إذا كان هممذا‬
‫الت ّممرك علممى سممبيل العبممادة والتق مّرب إلممى اللممه كممما يفعممل بعممض‬
‫صوفّية والّنباتّيين )‪.(3‬‬
‫ال ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫راب ً‬
‫عا‪ :‬الغلو على نوعين‪ :‬اعتقاديّ وعمل ّ‬
‫والعتقاديّ على قسمين‪:‬‬
‫اعتقادي كّلي‪ ،‬واعتقادي )فقط(‪.‬‬
‫والمراد بالغلوّ الكّلي العتقادي ما كان متعل ًّقا بكل ّي َممات ال ّ‬
‫شممريعة‪،‬‬
‫مهات مسائلها‪.‬‬
‫وأ ّ‬
‫ما العتقادي ‪ -‬فقممط ‪ -‬فهممو ممما كممان متعل ًّقمما ببمماب العقممائد دون‬
‫أ ّ‬
‫دعاء العصمة لهم‪ ،‬أو الغل موّ فممي الممبراءة‬
‫مة وا ّ‬
‫غيرها‪ ،‬كالغلوّ في الئ ّ‬
‫من المجتمع العاصي‪ ،‬أو تكفير أفراده واعتزالهم‪.‬‬
‫ويدخل في الغلوّ الكّلي العتقادي الغلموّ فممي فممروع كممثيرة إذ أن‬
‫المعارضة الحاصلة به لل ّ‬
‫و‬
‫شرع مماثلة لتلك المعارضة الحاصلة بالغل ّ‬
‫ي )‪.(4‬‬
‫في أمر كل ّ ّ‬

‫‪ - 1‬الغلو في الدين ص )‪.(84‬‬
‫‪ - 2‬مع أن الترك قد يكون فعل‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬الغلو في الدين ص )‪.(84‬‬
‫‪ - 4‬ينظر اقتضاء الصراط المستقيم )‪ (1/289‬والغلو في الدين ص )‪.(70‬‬

‫‪56‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وا فممي جزئي ّممة مممن‬
‫أ ّ‬
‫ي‪ ،‬فهو ما كان غل ّ‬
‫ما الغل ّ‬
‫و الجزئي العمل ّ‬
‫جزئّيات ال ّ‬
‫شريعة ومتعل ًّقا بباب العملّيات دون العتقاد‪ ،‬فهو محصور‬
‫في جانب الفعل سواًء أكان قول باّللسان أو عمل بالجوارح )‪.(1‬‬
‫والغلوّ ال ّ‬
‫و‬
‫ي العتقمماديّ أشمد ّ خطمًرا‪ ،‬وأعظممم ضممرًرا مممن الغلم ّ‬
‫كل ّ‬
‫دي إلممى ال ّ‬
‫شممقاق‬
‫ي العتقمماديّ هممو المممؤ ّ‬
‫ي‪ ،‬إذ أ ّ‬
‫ن الغلموّ الكل م ّ‬
‫العملم ّ‬
‫صممراط‬
‫والنشقاق‪ ،‬وهو المظهر للفرق والجماعات الخارجممة عممن ال ّ‬
‫المستقيم‪ ،‬وذلك كغلوّ الّرافضة والخوارج )‪.(2‬‬
‫سا‪ :‬أنه ليس من الغلو طلب الكمــل فــي العبــادة؛‬
‫خام ً‬
‫دي إلى المش مّقة ونحوهمما‪ ،‬إذ ليممس‬
‫بل الغلوّ تجاوز الكمل إلى ما يؤ ّ‬
‫دة‬
‫الكمل في كمّية العبادة‪ ،‬بل يممدخل فممي تحديممد الكمممل أمممور عم ّ‬
‫تتعّلق بالعمل‪ ،‬وبمن قام بالعمل‪ ،‬وكذلك من له صلة بهذا العمل‪.‬‬
‫دق عليممه‪،‬‬
‫دق‪ ،‬والمتصمم ّ‬
‫صممدقة ‪ -‬مثل ‪ُ :-‬يراعممى فيهمما‪ :‬المتصمم ّ‬
‫فال ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫والمال المتص ّ‬
‫دق به‪ ،‬ول ُيس ّ‬
‫مى كمال كلّيا بالّنظر للكمال الجزئ ّ‬
‫قال ابن المنّير‪ :‬وليس المراد منع طلب الكمل في العبادة‪ ،‬فإّنه‬
‫دي إلممى الملل أو‬
‫مممن المممور المحمممودة‪ ،‬بممل منممع الفممراط المممؤ ّ‬
‫وع المفضي إلى ترك الفضل )‪.(3‬‬
‫المبالغة في التط ّ‬
‫ن هذا المممرء‬
‫سا‪ :‬أن الحكم على العمل بأنه غلو‪ ،‬أو أ ّ‬
‫ساد ً‬
‫من الُغلة‪ ،‬باب خطير‪ ،‬ل يقدر عليه إل العلماء الذين ُيدركون حممدود‬
‫ن الحكمم علمى‬
‫همذا العممل‪ ،‬ويعلممون أبمواب العقيمدة وفروعهما‪ ،‬ل ّ‬
‫عا ويوصف صمماحبه‬
‫وره‪ ،‬فقد يكون المر مشرو ً‬
‫الشيء فرع عن تص ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬الغلو في الدين ص )‪.(77‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬الغلو في الدين ص )‪.(70‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪ (1/94‬والغلو في الدين ص )‪.(85‬‬

‫‪57‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سممكين‬
‫و‪ ،‬وها نحن نرى اليوم أن الملتزمين بشممرع اللممه‪ ،‬المتم ّ‬
‫بالغل ّ‬
‫مت ونحوها‪.‬‬
‫بالكتاب والسّنة ُيوصفون بالغلوّ والّتطّرف والّتز ّ‬
‫ن المقيمماس فممي الحكممم علممى العمممال والفممراد‬
‫ولممذلك فممإ ّ‬
‫والجماعات هممو الكتمماب والسمّنة‪ ،‬وليسممت الهممواء والعممراف‪ ،‬وممما‬
‫ُ‬
‫تواضع عليه الّناس‪ ،‬وقد ض ّ‬
‫م وأفراد وجماعات‪.‬‬
‫ل في هذا الباب أم ٌ‬
‫عا‪ ،‬وممما يتعل ّممق بممه مممن‬
‫و( لغممة وشممر ً‬
‫ن لنا معنى )الغل ّ‬
‫وبعد أن تبي ّ‬
‫ن وأقسام‪ ،‬أبّين معنى )الفممراط( بإيجمماز‪ ،‬حيممث ستّتضممح صمملته‬
‫معا ٍ‬
‫و‪:‬‬
‫بالغل ّ‬
‫الفراط‬
‫د‪.‬‬
‫دم ومجاوزة الح ّ‬
‫لغة هو‪ :‬التق ّ‬
‫قال ابن فــارس‪ُ :‬يقممال‪ :‬أفممرط‪ :‬إذا تجمماوز الح مد ّ فممي المممر‪،‬‬
‫يقولون‪ :‬إّياك والفرط‪ ،‬أي ل تجاوز القدر‪ ،‬وهذا هو القياس‪ ،‬لن ّممه إذا‬
‫جاوز القدر فقد أزال الشيء عن وجهته )‪.(1‬‬
‫وقال الجوهري‪ :‬وأفرط في المر‪ :‬أي‪ :‬جاوز فيه الحد ّ )‪.(2‬‬
‫د‪.‬‬
‫وفي لسان العرب‪ :‬وأمر فُُرط‪ ،‬أي‪ :‬مجاوز فيه الح ّ‬
‫دم‪ ،‬ومنه قممول أم سمملمة‬
‫والُفرطة ‪ -‬بالضم ‪ :-‬اسم للخروج والتق ّ‬
‫لعائشة‪ :‬إن رسممول اللممه‪  ،‬نهمماك عممن الُفْرط َممة فممي البلد‪ ،‬وفممي‬
‫رواية‪ :‬نهاك عن الُفْر َ‬
‫دم ومجمماوزة‬
‫سبق والتق ّ‬
‫طة في ال ّ‬
‫دين‪ ،‬يعني ال ّ‬
‫د‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫دم‪.‬‬
‫دم‪ ،‬وأفرط في المر‪ :‬أسرف وتق ّ‬
‫والفراط‪ :‬العجال والتق ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬معجم مقاييس اللغة مادة )فرط( )‪.(4/490‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬الصحاح مادة )فرط( )‪.(3/1148‬‬

‫‪58‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وكل شيء جاوز قدره فهو مفرط)‪.(1‬‬
‫َ َ‬
‫خا ُ َ‬
‫ن ي َْفمُر َ‬
‫ن ي َط ْغَممى( )طمممه‪:‬‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬إ ِن َّنا ن َ َ‬
‫ط عَل َي ْن َمما أوْ أ ْ‬
‫فأ ْ‬
‫من الية ‪.(45‬‬
‫دي‪،‬‬
‫قال الطبري‪ :‬وأما الفراط فهو السراف والشطاط والتع ّ‬
‫دى‪.‬‬
‫يقال منه‪ ،‬أفرطت في قولك‪ ،‬إذا أسرف فيه وتع ّ‬
‫ما الّتفريط فهو الّتواني‪ُ ،‬يقال منه‪ :‬فّرطت في هذا المر حممتى‬
‫وأ ّ‬
‫فات‪ ،‬إذا توانى فيه‪.‬‬
‫خا ُ َ‬
‫ن ي َْفُر َ‬
‫ط عَل َي َْنا( )طمه‪ :‬من الية ‪ (45‬قممال‪:‬‬
‫قال ابن زيد‪) :‬ن َ َ‬
‫فأ ْ‬
‫جل )‪.(2‬‬
‫نخاف أن يعجل علينا إذ نبّلغه كلمك أو أمرك‪ ،‬يفرط ويع ّ‬
‫خا ُ َ‬
‫ن ي َْفمُر َ‬
‫ط عَل َي ْن َمما( )طمممه‪ :‬مممن اليممة ‪(45‬‬
‫وقال الفّراء‪) :‬إ ِن َّنا ن َ َ‬
‫فأ ْ‬
‫جل إلى عقوبتنا)‪.(3‬‬
‫قال‪ :‬يع ّ‬
‫دم عممن‬
‫د‪ ،‬والتقم ّ‬
‫ما سبق أن معنى الفراط‪ :‬تجمماوز الحم ّ‬
‫ونخلص م ّ‬
‫القدر المطلوب‪ ،‬وهو عكس الّتفريط ‪ -‬كما سيأتي‪.-‬‬
‫ن كل‬
‫ومن خلل مما سمبق يّتضمح ممن تعريفمي الغلموّ والفمراط أ ّ‬
‫سر الغلوّ بالفراط كما سبق‪.‬‬
‫منهما يصدق عليه‪ :‬تجاوز الح ّ‬
‫د‪ ،‬وقد ف ّ‬
‫وإن كان كل واحد منهما يحمل معنى أبلغ من الث ّمماني فممي بعممض‬
‫ما يستعمل فيه‪.‬‬
‫دد علممى نفسممه بتحريممم بعممض الطّيبممات‪ ،‬أو بحرمممان‬
‫فالممذي ُيشم ّ‬
‫نفسه منها وصف الغلوّ ألصق به مممن الفممراط‪ ،‬والممذي ُيعمماقب مممن‬
‫دى بهمما حممدود مثممل تلممك العقوبممة فوصممف‬
‫اعتدى عليممه عقوبممة يتعم ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬لسان العرب مادة )فرط(‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(16/170‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬لسان العرب مادة )فرط(‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫و‪ ،‬فنقممول‪ :‬عمماقبه وأفممرط فممي عقمموبته‪.‬‬
‫الفراط ألصق به من الغل م ّ‬
‫وهكذا‪.‬‬
‫والذي يعنينا في هذا المبحث أن كل مممن الغلموّ والفممراط خممروج‬
‫و( أو )الفممراط(‬
‫عممن "الوسممطّية" فكممل أمممر اسممتحقّ وصممف )الغل م ّ‬
‫فليس من الوسطّية في شيء‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬التفريط والجفاء‬
‫دل عليممه كممل منهممما‪،‬‬
‫بعد أن عّرفنا معنى الغلوّ والفراط‪ ،‬وممما ي م ّ‬
‫نقف الن مع ما يقابلهممما‪ ،‬وهممو‪ :‬الّتفريممط والجفمماء‪ .‬والّتفريممط فممي‬
‫اللغة هو الّتضييع كما في لسان العرب‪.‬‬
‫كا َ‬
‫م مُرهُ فُُرط مًا( )الكهممف‪ :‬مممن اليممة ‪ .(28‬أي‬
‫جاج‪) :‬وَ َ َ‬
‫وقال الّز ّ‬
‫نأ ْ‬
‫كان أمره الّتفريط وهو تقديم العجز‪.‬‬
‫ي ‪ ‬ل يرى الجاهل إل مْفرِط ًمما أو مفّرط ًمما‪ ،‬وهممو‬
‫وفي حديث عل ّ‬
‫صر فيه‪.‬‬
‫بالتخفيف‪ :‬المسرف في العمل‪ ،‬وبالّتشديد المق ّ‬
‫ومنه الحديث‪:‬‬

‫‪‬‬

‫أّنه نممام عممن العشمماء حممتى تفّرطممت ‪ ‬أي‪ :‬فممات‬

‫وقتها قبل أدائها‪.‬‬
‫وفّرط في المر ُيفّرط فر ً‬
‫صر فيه وض مّيعه حممتى فممات‪،‬‬
‫طا‪ ،‬أي‪ :‬ق ّ‬
‫وكذلك الّتفريط )‪.(1‬‬

‫ومنه قول الرسول‪  ،‬‬

‫أممما إن ّممه ليممس فممي النمموم تفريممط ‪.(2) ‬‬

‫وإذن فالّتفريط هو الّتقصير والّتضييع والّترك‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر لكل ما سبق‪ :‬لسان العرب‪ ،‬مادة )فرط(‪.‬‬
‫‪ - 2‬جاءت هذه العبارة في حديث أبي قتادة الطويل‪ .‬أخرجه مسلم )‪ (1/473‬رقم )‪ .(681‬وأخرجه مختصًرا‪ :‬أبو داود )‪ (1/121‬رقم )‪ .(441‬والترمذي )‪ (1/334‬رقم )‪.(177‬‬
‫والنسائي )‪ (1/294‬رقم )‪ .(614‬وغيرهم‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫قال ابن فارس‪ :‬وكذلك الّتفريط‪ ،‬وهو الّتقصير‪ ،‬لّنه إذا قصممر‬
‫فيه فقد قعد به عن رتبته التي هي له)‪.(3‬‬
‫وقال الجوهري‪ :‬فّرط في المر فر ً‬
‫صر فيه‪ ،‬وضّيعه‪،‬‬
‫طا‪ :‬أي ق ّ‬
‫حتى فات‪ ،‬وكذلك الّتفريط )‪.(2‬‬
‫دة مواضع‪.‬‬
‫وقد وردت مادة )فرط( في القرآن في ع ّ‬
‫حّتى إ ِ َ‬
‫م‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬قَد ْ َ‬
‫سَر ال ّ ِ‬
‫خ ِ‬
‫ذا َ‬
‫ن ك َذ ُّبوا ب ِل َِقاِء الل ّهِ َ‬
‫جمماَءت ْهُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ما فَّرط َْنا ِفيَها( )النعام‪ :‬من الية‬
‫ة ب َغْت َ ً‬
‫ساعَ ُ‬
‫ة َقاُلوا َيا َ‬
‫ح ْ‬
‫ال ّ‬
‫سَرت ََنا عََلى َ‬
‫‪.(31‬‬
‫قال الطبري‪ :‬يقول‪ :‬يا ندامتنا على ما ضّيعنا فيها‪.‬‬
‫سمَرت ََنا( )النعممام‪ :‬مممن اليممة ‪ (31‬فنممدامتنا‬
‫سدي‪ :‬أما )َيا َ‬
‫ح ْ‬
‫قال ال ّ‬
‫على ما فّرطنا فيها‪ ،‬فضّيعنا من عمل الجنة)‪.(3‬‬
‫دم‪،‬‬
‫وقــال القرطــبي‪ :‬وفّرطنمما معنمماه ضممّيعنا‪ ،‬وأصممله التقمم ّ‬
‫دمنا العجز‪.‬‬
‫فقولهم‪) :‬فَّرط َْنا( )النعام‪ :‬من الية ‪ (31‬أي‪ :‬ق ّ‬
‫سابق لنا إلى طاعة الله‬
‫وقيل‪" :‬فّرطنا" أي‪ :‬جعلنا غير الفارط ال ّ‬
‫وتخّلفنا )‪.(4‬‬
‫ب‬
‫وقال ‪ -‬تعالى ‪ -‬في سورة النعام ‪ -‬أي ً‬
‫ضا‪َ ):-‬‬
‫ما فَّرط َْنا ِفمي ال ْك ِت َمما ِ‬
‫ن َ‬
‫يٍء( )النعام‪ :‬من الية ‪.(38‬‬
‫ِ‬
‫ش ْ‬
‫م ْ‬
‫ي‪ :‬معناه‪ :‬ما ضّيعنا إثبات شيء منه‬
‫قال الطبر ّ‬

‫)‪.(5‬‬

‫م الكتاب )‪.(6‬‬
‫وقال ابن عّباس‪ :‬ما تركنا شيًئا إل وقد كتبناه في أ ّ‬
‫‪ - 3‬معجم مقاييس اللغة مادة )فرط( )‪.(4/490‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬الصحاح مادة )فرط( )‪.(3/1148‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(7/178‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(6/413‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(7/188‬‬
‫‪ - 6‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(7/188‬‬

‫‪61‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن َ‬
‫يٍء( )النعمام‪ :‬مممن‬
‫ب ِ‬
‫وقال ابن زيد‪َ ) :‬‬
‫ما فَّرط َْنا ِفي ال ْك ِت َمما ِ‬
‫شم ْ‬
‫مم ْ‬
‫الية ‪ (38‬قال‪ :‬لم نغفل‪ ،‬ما من شيء إل وهو في الكتاب )‪.(1‬‬
‫َ‬
‫حّتى إ ِ َ‬
‫مل‬
‫جاَء أ َ‬
‫ذا َ‬
‫وقال ‪ -‬تعالى ‪َ ) :-‬‬
‫ه ُر ُ‬
‫سل َُنا وَهُ ْ‬
‫ت ت َوَفّت ْ ُ‬
‫مو ْ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫حد َك ُ ُ‬
‫ي َُفّر ُ‬
‫ن( )النعمام‪ :‬من الية ‪.(61‬‬
‫طو َ‬
‫ن معنى الّتفريط‪ :‬الّتضممييع فيممما مضممى‬
‫قال الطبري‪ :‬قد بي ّّنا أ ّ‬
‫قبل‪ ،‬وكذلك تأّوله المتأّولون في هذا الموضع‪.‬‬
‫قال ابن عّباس‪" :‬ل ُيفّرطون"‪ .‬ل يضّيعون‪.‬‬
‫ي‪" :‬ل يفّرطون"‪ .‬ل يضّيعون )‪.(2‬‬
‫وكذلك قال ال ّ‬
‫سد ّ‬
‫ن قَب ْم ُ‬
‫ف(‬
‫سم َ‬
‫وفي سورة يوســف‪) :‬وَ ِ‬
‫م فِممي ُيو ُ‬
‫ممما فَّرط ْت ُم ْ‬
‫ل َ‬
‫مم ْ‬
‫)يوسف‪ :‬من الية ‪.(80‬‬
‫قال الطبري‪ :‬ومن قبل فعلتكم هممذه تفريطكممم فممي يوسممف‪،‬‬
‫يقول‪ :‬أولم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف )‪.(3‬‬
‫ف( )يوسممف‪ :‬مممن اليممة ‪(80‬‬
‫سم َ‬
‫م فِممي ُيو ُ‬
‫ي‪) :‬فَّرط ْت ُم ْ‬
‫قال القاسممم ّ‬
‫صرتم في شأنه )‪.(4‬‬
‫ق ّ‬
‫ن‬
‫ممما ي َك َْرهُممو َ‬
‫جعَل ُممو َ‬
‫وقال ‪ -‬تعالى ‪ -‬فممي سممورة النحممل‪) :‬وَي َ ْ‬
‫ن ل ِل ّمهِ َ‬
‫َ‬
‫ف أ َل ْسنتهم ال ْك َذب أ َن ل َهم ال ْحسنى ل جر َ‬
‫م‬
‫ص ُ‬
‫ُ ْ َ‬
‫وَت َ ِ‬
‫مأ ّ‬
‫َ َ َ‬
‫م الّناَر وَأن ُّهمم ْ‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫ِ َ ّ ُ ُ‬
‫ِ َُُ ُ‬
‫مْفَر ُ‬
‫ن( )النحل‪.(62:‬‬
‫طو َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫مْفَر ُ‬
‫ن( )النحل‪ :‬من الية ‪(62‬‬
‫طو َ‬
‫م ُ‬
‫قال سعيد بن جبير‪) :‬وَأن ّهُ ْ‬
‫منسّيون مضّيعون‪.‬‬
‫حاك‪ :‬متروكون في الّنار‪.‬‬
‫وقال ال ّ‬
‫ض ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(7/188‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(7/218‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(13/35‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(13/35‬‬

‫‪62‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقال قتادة‪ :‬مضاعون‪.‬‬
‫دمون إليها‪ ،‬وذهبمموا فممي‬
‫وقال آخرون‪ :‬إّنهم معجلون إلى الّنار مق ّ‬
‫دموه‬
‫ذلك إلمى قمول العمرب‪ :‬أفرطنما فلًنما فمي طلمب المماء إذا قم ّ‬
‫جممح الطممبري أن معنممى‬
‫دلء والرشية‪ .‬وقيل غيممر ذلممك‪ .‬ور ّ‬
‫لصلح ال ّ‬
‫مْفَر ُ‬
‫ن( )النحممل‪ :‬مممن اليممة ‪ (62‬مخّلفممون مممتروكون فممي الن ّممار‪،‬‬
‫طو َ‬
‫) ُ‬
‫منسّيون فيها )‪.(1‬‬

‫وقال ‪ -‬تعالى ‪ -‬في سورة الكهف‪) :‬ول تطع م َ‬
‫ن‬
‫ن أغَْفل َْنا قَل ْب َم ُ‬
‫ه ع َم ْ‬
‫َ ُ ِ ْ َ ْ‬
‫كا َ‬
‫مُرهُ فُُرطًا( )الكهف‪ :‬من الية ‪.(28‬‬
‫واهُ وَ َ َ‬
‫نأ ْ‬
‫ذِك ْرَِنا َوات ّب َعَ هَ َ‬
‫كا َ‬
‫مُرهُ فُُرطًا( )الكهمف‪ :‬مممن اليمة ‪(28‬‬
‫روى عن مجاهد‪) :‬وَ َ َ‬
‫نأ ْ‬
‫ضائًعا‪.‬‬
‫عا‪.‬‬
‫وروي عنه‪ :‬ضيا ً‬

‫صواب‪ ،‬قممول مممن قممال‪:‬‬
‫قال الطبري‪ :‬وأولى القوال في ذلك بال ّ‬
‫عا وهل ً‬
‫كا‪ ،‬من قولهم‪ :‬أفرط فلن في هذا المر إفراط ًمما‪،‬‬
‫معناه‪ :‬ضيا ً‬
‫إذ أسرف فيممه وتجمماوز قممدره‪ ،‬وكممذلك قمموله‪) :‬وك َمما َ‬
‫ممُرهُ فُُرط مًا(‬
‫َ‬
‫نأ ْ‬
‫َ‬
‫)الكهف‪ :‬من الية ‪ (28‬معناه‪ :‬وكان أمر هذا الذي أغفلنمما قلبممه عممن‬
‫ده‪،‬‬
‫ذكرنا في الّرياء والكبر‪ ،‬واحتقار أهل اليمان‪ ،‬سرًفا قد تجاوز ح ّ‬
‫فضّيع بذلك الحقّ وهلك )‪.(2‬‬
‫وقال ابن الجوزي‪ :‬في الية أربعة أقوال‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أّنه أفرط في قوله‪ ،‬روي عن ابن عباس‪.‬‬
‫عا‪ ،‬قاله مجاهد‪ ،‬وقال أبو عبيدة‪ ،‬سرًفا وتضّييًعا‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬ضيا ً‬
‫ما‪ ،‬حكاه ابن قتيبة عن أبي عبيدة‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬ند ً‬
‫‪ - 1‬انظر لما سبق‪ :‬تفسير الطبري )‪.(14/177‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(15/236‬‬

‫‪63‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫جمماج‬
‫الرابع‪ :‬كان أمره الّتفريط‪ ،‬والّتفريط‪ :‬تقديم العجز‪ ،‬قاله الّز ّ‬
‫)‪.(1‬‬
‫َ‬
‫ن ت َُقو َ‬
‫ت‬
‫س َيا َ‬
‫وفي سورة الزمر‪) :‬أ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ممما فَّرط ْم ُ‬
‫سَرَتى عَل َممى َ‬
‫ل ن َْف ٌ‬
‫ن( )الزمر‪.(56:‬‬
‫سا ِ‬
‫ت لَ ِ‬
‫ب الل ّهِ وَإ ِ ْ‬
‫ِفي َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ك ُن ْ ُ‬
‫جن ْ ِ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫خ ِ‬
‫قال الطبري‪ :‬يقول‪ :‬على ما ضّيعت من العمل بما أمرني الله‬
‫صرت في الدنيا في طاعة الله‪.‬‬
‫به‪ ،‬وق ّ‬
‫دي )‪.(2‬‬
‫س ّ‬
‫وروي مثل ذلك عن مجاهد وال ّ‬
‫ت( )الزمممر‪ :‬مممن‬
‫وقال القاسمي‪َ) :‬يا َ‬
‫ح ْ‬
‫ممما فَّرط ْم ُ‬
‫سَرَتى عََلى َ‬
‫ه( )الزمر‪ :‬من الية ‪ (56‬أي في‬
‫ب الل ّ ِ‬
‫صرت‪ِ) .‬في َ‬
‫جن ْ ِ‬
‫الية ‪ (56‬أي ق ّ‬
‫جانب أمره ونهيه )‪.(3‬‬
‫هذه هي اليات التي ورد فيها ما يد ّ‬
‫ل علممى الّتفريممط‪ ،‬كممما بّينممت‬
‫سمرين‪ ،‬وكّلهمما تمد ّ‬
‫ل علمى الّتضممييع والّتقصمير‪،‬‬
‫من خلل أقموال المف ّ‬
‫والّترك والّتهاون‪ ،‬مع اختلف يسير بين مدلول هذه المعاني‪.‬‬
‫و‪ ،‬كما سبق بيانهما‪.‬‬
‫وكّلها في مقابل الفراط والغل ّ‬
‫أما الجفاء‬
‫ل يممد ّ‬
‫فقال ابن فارس‪ :‬الجيم والفمماء والحممرف المعتم ّ‬
‫ل علممى‬
‫أصل واحد‪ :‬نبو الشيء عن الشيء‪ ،‬من ذلك‪ :‬جفوت الرجل اجفوه‪،‬‬
‫سممرج عممن ظهممر الفممرس‪،‬‬
‫وهو ظاهر الجفوة‪ ،‬أي‪ :‬الجفمماء‪ ،‬وجفمما ال ّ‬
‫وأجفيته أنا‪.‬‬
‫وكذلك كل شيء إذا لم يلزم شيًئا ُيقال جفا عنه يجفو‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬زاد المسير )‪.(5/133‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(24/19‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(14/5146‬‬

‫‪64‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سمميل‪ ،‬ومنممه اشممتقاق‬
‫والجفاء‪ :‬خلف الب ّممر‪ ،‬والجفمماء‪ :‬ممما نفمماه ال ّ‬
‫الجفاء )‪.(1‬‬
‫وقال ابن منظور)‪ (2‬جفا الشيء يجفو جفاًء وتجافى‪ :‬لم يلممزم‬
‫سرج يجفو عن ال ّ‬
‫جنب يجفو عن الفراش‪ ،‬وفي‬
‫ظهر‪ ،‬وكال ّ‬
‫مكانه‪ ،‬كال ّ‬
‫جِع( )السممجدة‪ :‬مممن اليممة ‪(16‬‬
‫م َ‬
‫جاَفى ُ‬
‫الّتنمزيل‪) :‬ت َت َ َ‬
‫ضا ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫جُنوب ُهُ ْ‬
‫م عَ ِ‬
‫)‪(3‬‬
‫سجود ‪‬‬
‫وفي الحديث‪  :‬أنه كان يجافي عضديه عن جنبيه في ال ّ‬
‫أي يباعدهما‪.‬‬
‫وفي الحديث‪:‬‬

‫‪‬‬

‫إذا سجدت فتجاف ‪ ‬وهو من الجفاء‪ :‬البعممد عممن‬

‫الشيء‪ ،‬ومنمه الحمديث‪:‬‬

‫‪‬‬

‫اقمرءوا القمرآن ول تجفموا عنمه ‪ .(4) ‬أي‬

‫تعاهدوه ول تبتعدوا عن تلوته‪.‬‬
‫قال أبو عبيد في معنى الجفـاء فــي الحــديث‪ :‬والجممافي‬
‫عنه الّتارك له‪ ،‬وللعمل به‪.‬‬

‫وفي الحديث عن أبي هريرة‪ ،‬قال‪ :‬قال‪  ،‬‬

‫الحياء من اليمممان‬

‫واليمان في الجنة‪ ،‬والبذاء من الجفاء‪ ،‬والجفاء في الّنار ‪.(5) ‬‬
‫دال المهملممة‪ ،‬خممرج‬
‫ن بدا جفمما ‪ .(6) ‬بال م ّ‬
‫وفي الحديث الخر‪ّ  :‬‬
‫م ْ‬
‫إلى البادية‪ ،‬أي‪ :‬من سكن البادية غلظ طبعه‪ ،‬لقّلة مخالطة الّناس‪.‬‬
‫والجفاء غلظ ال ّ‬
‫طبع‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬مقاييس اللغة مادة )جفو( )‪.(1/465‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬لسان العرب مادة )جفا(‪.‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه مسلم )‪ (1/357‬رقم )‪ (497‬من حديث ميمونة ‪ -‬رضي الله عنها ‪ .-‬وأخرجه أبو داود )‪ (1/194‬رقم )‪ .(730‬والنسائي )‪ (2/211‬رقم )‪ (1101‬من حديث أبي حميد‬
‫الساعدي‪ .‬وأخرجه أحمد )‪ (3/295‬من حديث جابر‪ .‬وصححه اللباني كما في صحيح الجامع رقم )‪.(4738‬‬
‫‪ - 4‬أخرجه أحمد في المسند )‪ .(444 ،3/428‬قال الهيثمي في مجمع الزوائد )‪ :(171 ،7/170‬رواه أحمد والبزار بنحوه‪ ،‬ورجال أحمد ثقات‪ .‬وصححه اللباني كما في صحيح‬
‫الجامع رقم )‪.(1168‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬غريب الحديث )‪ (1/483‬ووسطية أهل السنة ص )‪ (14‬وهذا الحديث أخرجه الترمذي )‪ (4/321‬رقم )‪ .(2009‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ .‬وابن ماجة )‪(2/1400‬‬
‫رقم )‪ .(4184‬وأحمد )‪ .(2/501‬وصححه اللباني كما في صحيح الجامع رقم )‪.(3200‬‬
‫‪ - 6‬أخرجه أحمد )‪ .(440 ،2/371‬وصححه اللباني كما في السلسلة الصحيحة رقم )‪.(1272‬‬

‫‪65‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وفي صفته‪ ،‬‬

‫ليس بالجافي المهين‪ ،‬أي ليس بالغليظ الخلقمة‪،‬‬

‫ول ال ّ‬
‫طبع )‪.(1‬‬
‫َ‬
‫جَفاًء( )الرعد‪ :‬من الية ‪.(17‬‬
‫ب ُ‬
‫ما الّزب َد ُ فَي َذ ْهَ ُ‬
‫وقال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬فَأ ّ‬
‫دثت عن أبي عبيدة معمممر بممن‬
‫ما الجفاء‪ ،‬فإني ح ّ‬
‫قال الطبري‪ :‬وأ ّ‬
‫المثّنى‪ ،‬قال‪ :‬قال أبو عمممرو بممن العلء‪ُ :‬يقممال‪ :‬قممد أجفممأت القممدور‪،‬‬
‫ب زبدها‪ ،‬أو سكنت فل يبقى منه شيء‪.‬‬
‫وذلك إذا غلت فانص ّ‬
‫وقد زعم بعض أهل العربي ّممة مممن أهممل البصممرة أن معنممى قمموله‪:‬‬
‫جَفاًء( )الرعد‪ :‬من الية ‪ (17‬تنشفه الرض‪ ،‬وقممال‪ :‬يقممال‪:‬‬
‫ب ُ‬
‫)فَي َذ ْهَ ُ‬
‫جفا الوادي وأجفى‪ :‬في معنى نشف )‪.(2‬‬
‫جِع( )السممجدة‪ :‬مممن‬
‫م َ‬
‫جاَفى ُ‬
‫وقال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬ت َت َ َ‬
‫ضمما ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫جُنوب ُهُ ْ‬
‫م عَ ِ‬
‫حى جنوب هؤلء الذين يؤمنون بآيات‬
‫الية ‪ .(16‬قال الطبري‪ :‬تتن ّ‬
‫ضم َ‬
‫طجعون‬
‫الله‪ ،‬الذين وصفت صفتهم‪ ،‬وترتفع عن مضاجعهم التي ي َ ْ‬
‫لمنامهم‪ ،‬ول ينامون‪.‬‬
‫وتتجافى‪ :‬تتفاعل من الجفاء‪ ،‬والجفاء‪ :‬النبو‪.‬‬
‫جنمموبهم عممن المضمماجع‬
‫وإّنممما وصممفهم ‪ -‬تعممالى ذكممره ‪ -‬بتجممافي ُ‬
‫صلة‪.‬‬
‫لتركهم الضطجاع للنوم شغل بال ّ‬
‫ن جنمموبهم تنبممو عممن‬
‫ثممم قممال‪ :‬إن اللممه وصممف هممؤلء القمموم بممأ ّ‬
‫و‬
‫مضاجعهم‪ ،‬شغل منهم بدعاء رّبهم وعبادته‪ ،‬خوًفا وطمًعا‪ ،‬وذلك نب م ّ‬
‫جنوبهم عن المضاجع ليل‪ ..‬إلخ )‪.(3‬‬
‫ومما سبق يّتضح أن الجفاء هو النبوء والّترك والبعممد‪ ،‬وهممو غالب ًمما‬
‫ما يحدث خلف الصل والعادة‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬لسان العرب مادة )جفا(‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(13/137‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(102-21/99‬‬

‫‪66‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ي عنممه‪ ،‬كالجفمماء بممما‬
‫وأكثر ما يرد الجفاء لما هممو محظممور ومنه م ّ‬
‫يقابل الصلة والّبر‪ ،‬والجفاء الممذي هممو مممن ال ّ‬
‫شممدة والغلظممة‪ ،‬ونحممو‬
‫ذلك‪.‬‬
‫وسأذكر بعض المثلة التي يّتضح فيها معنى الّتفريط والجفاء‪:‬‬
‫‪ -1‬تأخير الصلة عن وقتها تفريممط‪ ،‬ولممذلك ورد فممي الحممديث‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ما إّنه ليس في النمموم تفريممط‪ ،‬إّنممما الّتفريممط علممى مممن لممم يصم ّ‬
‫ل‬
‫أ ّ‬
‫صلة الخر ‪.(1) ‬‬
‫صلة حتى يجيء وقت ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫‪ -2‬رؤية المنكرات وعدم إنكارها مع القدرة تفريط‪.‬‬
‫‪ -3‬إهمال تربية الولد‪ ،‬تفريط‪.‬‬
‫‪ -4‬ترك الخذ بالسباب‪ ،‬تفريط‪.‬‬
‫‪ -5‬تأخير عمل اليوم إلى الغد ‪ -‬دون سبب ‪ -‬تفريط‪.‬‬
‫‪ -6‬الغلظة في المعاملة‪ ،‬جفاء‪.‬‬
‫‪ -7‬عقوق الوالدين‪ ،‬جفاء‪.‬‬
‫‪ -8‬قطع الرحام وعدم صلتهم‪ ،‬جفاء وتفريط‪.‬‬
‫‪ -9‬عدم القيام بحقوق العلماء وضعف الصلة بهم‪ ،‬جفاء وتفريط‪.‬‬
‫‪ -10‬السمملبّية مممع واقممع المسمملمين وشممئونهم وشممجونهم‪ ،‬جفمماء‬
‫وتفريط‪.‬‬
‫صمما‪.‬‬
‫وبهذا يتبّين معنى الّتفريط والجفاء‪ ،‬وأن بينهما عمو ً‬
‫ما وخصو ً‬
‫وهما ُيقابلن معنى الغلوّ والفراط‪.‬‬

‫‪ - 1‬جاءت هذه العبارة في حديث أبي قتادة الطويل‪ .‬أخرجه مسلم )‪ (1/473‬رقم )‪ .(681‬وأخرجه مختصًرا‪ :‬أبو داود )‪ (1/121‬رقم )‪ .(441‬والترمذي )‪ (1/334‬رقم )‪.(177‬‬
‫والنسائي )‪ (1/294‬رقم )‪ .(614‬وغيرهم‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مل في استعمال العرب لهما يلحظ أن الجفاء يسممتعمل‬
‫وعند الّتأ ّ‬
‫ممما‬
‫ غالًبا ‪ -‬فيما فيه قصد المر من الت ّممرك والبعممد وسمموء الخلممق‪ .‬أ ّ‬‫الّتفريط فمنشؤه ‪ -‬غالًبا ‪ -‬الّتساهل والّتهاون‪.‬‬
‫والخلصة‪:‬‬
‫ن كل أمرٍ اّتصف بالّتفريط أو بالجفمماء‪ ،‬فممإّنه ُيخممالف الوسممطّية‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫وبمقدار اّتصافه بأيّ من هذين الوصفين يكون بعممده عممن الوسممطّية‬
‫وتجافيه عنها‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬الصراط المستقيم‬
‫بعد أن عرفنا مممدلول الغلموّ والجفمماء والفممراط والّتفريممط‪ ،‬نممأتي‬
‫صراط المستقيم‪.‬‬
‫للحديث عن ال ّ‬
‫صممراط المسممتقيم(‪ ،‬وتحديممد مممدلوله‪ ،‬ل‬
‫إّننا بدون فهم معنممى )ال ّ‬
‫صحيح‪.‬‬
‫نستطيع فهم )الوسطّية( على معناها ال ّ‬
‫صراط المستقيم(‪ ،‬في القرآن الكريم عشممرات‬
‫وقد ورد لفظ )ال ّ‬
‫ست َِقيمًا( )النساء‪ :‬ممن اليمة‬
‫ضا – بلفظ ) ِ‬
‫المّرات‪ ،‬وجاء ‪ -‬أي ً‬
‫م ْ‬
‫صَراطا ً ُ‬
‫صَراط َ َ‬
‫طي‬
‫ص مَرا ِ‬
‫م( )العراف‪ :‬من اليممة ‪ (16‬و ) ِ‬
‫‪ (68‬و ) ِ‬
‫م ْ‬
‫ست َِقي َ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫ست َِقيمًا( )النعام‪ :‬من الية ‪ (153‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫صممَرا َ‬
‫ط‬
‫ففممي سممورة الفاتحممة نجممد قمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬ا ْ‬
‫هممدَِنا ال ّ‬
‫ط ال ّمذي َ‬
‫صمَرا َ‬
‫ت‬
‫سممره بممأنه‪ِ ) :‬‬
‫م( )الفاتحممة‪ (6:‬ثممم يف ّ‬
‫م ْ‬
‫مم َ‬
‫ن أن ْعَ ْ‬
‫سمت َِقي َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ِ َ‬
‫ن( )الفاتحة‪.(7:‬‬
‫م َول ال ّ‬
‫مغ ْ ُ‬
‫ب عَل َي ْهِ ْ‬
‫م غَي ْرِ ال ْ َ‬
‫عَل َي ْهِ ْ‬
‫ضو ِ‬
‫ضاّلي َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ط‬
‫ص مَرا ٍ‬
‫شمماُء إ ِل َممى ِ‬
‫وفي البقرة جاء قوله ‪ -‬تعممالى‪) :-‬ي َهْ م ِ‬
‫دي َ‬
‫مم ْ‬
‫م( )البقرة‪ :‬من اليممة ‪ .(142‬وجمماء بعممد هممذه اليممة مباشممرة‪:‬‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ست َِقي ٍ‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(143‬وسيأتي بيان‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫)وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬

‫‪68‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫العلقة بين هاتين اليممتين‪ .‬وعيسممى‪ ،‬عليممه السمملم‪ ،‬فممي سممورة آل‬
‫ص مَرا ٌ‬
‫دوهُ هَ م َ‬
‫ط‬
‫ذا ِ‬
‫م َفاعْب ُم ُ‬
‫عمران يقول لقممومه‪) :‬إ ِ ّ‬
‫ه َرب ّممي وََرب ّك ُم ْ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫م( )آل عمران‪.(51:‬‬
‫م ْ‬
‫ست َِقي ٌ‬
‫ُ‬
‫سممور الممتي ورد فيهمما الحممديث‬
‫ونجد أن سورة النعام من أكممثر ال ّ‬
‫شأ الل ّه يضلل ْه ومن ي َ ْ‬
‫ه عَل َممى‬
‫ن يَ َ ِ‬
‫شأ ي َ ْ‬
‫ُ ُ ْ ِ ُ َ َ ْ َ‬
‫جعَل ْم ُ‬
‫صراط المستقيم‪َ ) :‬‬
‫عن ال ّ‬
‫م ْ‬
‫م إ ِل َممى‬
‫صَرا ٍ‬
‫ِ‬
‫م( )النعام‪ :‬من الية ‪َ) (39‬وا ْ‬
‫م ْ‬
‫م وَهَ مد َي َْناهُ ْ‬
‫جت َب َي َْناهُ ْ‬
‫ط ُ‬
‫ست َِقي ٍ‬
‫صممَرا ُ‬
‫ط َرّبمم َ‬
‫همم َ‬
‫ك‬
‫م( )النعممام‪ :‬مممن اليممة ‪) (87‬وَ َ‬
‫ذا ِ‬
‫صممَرا ٍ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ُ‬
‫سممت َِقي ٍ‬
‫َ‬
‫س مت َِقيما ً‬
‫ن هَ م َ‬
‫صمَرا ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ست َِقيمًا( )النعممام‪ :‬مممن اليممة ‪) (126‬وَأ ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫طي ُ‬
‫ُ‬
‫ه( )النعام‪ :‬من الية ‪) (153‬قُ ْ‬
‫ط‬
‫صممَرا ٍ‬
‫داِني َرّبي إ َِلى ِ‬
‫ل إ ِن ِّني هَ َ‬
‫َفات ّب ُِعو ُ‬
‫ماه صراط‬
‫م ْ‬
‫م( )النعام‪ :‬من الية ‪ (161‬وفي سورة إبراهيم س ّ‬
‫ُ‬
‫ست َِقي ٍ‬
‫م‬
‫العزيز الحميد‪) .‬ل ِت ُ ْ‬
‫ما ِ‬
‫س ِ‬
‫خرِ َ‬
‫ن َرب ّهِ م ْ‬
‫ن الظ ّل ُ َ‬
‫ج الّنا َ‬
‫ت إ ِل َممى الن ّممورِ ب ِمإ ِذ ْ ِ‬
‫م َ‬
‫د( )إبراهيم‪ :‬من الية ‪ (1‬وفي طممه‪ ،‬وصممفه‬
‫مي ِ‬
‫ح ِ‬
‫صَرا ِ‬
‫إ َِلى ِ‬
‫زيزِ ال ْ َ‬
‫ط ال ْعَ ِ‬
‫بالسوي‪ ،‬فقال‪) :‬فَس متعل َمون م م َ‬
‫ن‬
‫ص مَرا ِ‬
‫حا ُ‬
‫صم َ‬
‫ط ال ّ‬
‫س موِيّ وَ َ‬
‫ب ال ّ‬
‫نأ ْ‬
‫َ َْ ُ َ َ ْ‬
‫ّ ّ‬
‫مم ِ‬
‫ج أضممافه للحميممد فقممال‪:‬‬
‫دى( )طمممه‪ :‬مممن اليممة ‪ (135‬وفممي الحم ّ‬
‫اهْت َ َ‬
‫د( )الحممج‪:‬‬
‫ميم ِ‬
‫ح ِ‬
‫صمَرا ِ‬
‫دوا إ ِل َممى ِ‬
‫ب ِ‬
‫ط ال ْ َ‬
‫ل وَهُم ُ‬
‫)وَهُ ُ‬
‫دوا إ َِلى الط ّي ّ ِ‬
‫ن ال َْقوْ ِ‬
‫م َ‬
‫نل‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫‪ (24‬وفممي المؤمنممون عّرفممه دون وصممف أو إضممافة‪) :‬وَإ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ن( )المؤمنممون‪ (74:‬وفممي مريممم‬
‫ن ِباْل ِ‬
‫صَرا ِ‬
‫ي ُؤْ ِ‬
‫ط ل ََناك ُِبو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫خَرةِ عَ ِ‬
‫يقول إبراهيم‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬لبيممه‪) :‬فَممات ّب ِعِْني أ َهْمدِ َ‬
‫سموِي ًّا(‬
‫ك ِ‬
‫صمَراطا ً َ‬
‫َ‬
‫ن هَ م َ‬
‫ذا‬
‫)مريم‪ :‬مممن اليممة ‪ (43‬ويقممول اللممه فممي سممورة النعممام‪) :‬وَأ ّ‬
‫سب ُ َ‬
‫ه(‬
‫س مِبيل ِ ِ‬
‫صَرا ِ‬
‫ِ‬
‫ن َ‬
‫ست َِقيما ً َفات ّب ُِعوهُ َول ت َت ّب ُِعوا ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ل فَت ََفّرقَ ب ِك ُ ْ‬
‫طي ُ‬
‫م عَ ْ‬
‫)النعام‪ :‬من الية ‪.(153‬‬
‫صراط" فما معناه؟‪:‬‬
‫هذه بعض اليات التي وردت في "ال ّ‬

‫‪69‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫صمَرا َ‬
‫م(‬
‫قال الطمبري‪ :‬فمي قموله ‪ -‬تعمالى‪) :-‬ا ْ‬
‫م ْ‬
‫سمت َِقي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫همدَِنا ال ّ‬
‫)الفاتحة‪.(6:‬‬
‫صراط المستقيم‬
‫مة من أهل الّتأويل جميًعا على أ ّ‬
‫أجمعت ال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫هو ال ّ‬
‫طريق الواضح الممذي ل اعوجمماج فيممه‪ ،‬وكممذلك فممي لغممة جميممع‬
‫العرب‪ ،‬من ذلك قول جرير الخطفي‪:‬‬
‫أمير المؤمنين على‬

‫ج الموارد مستقيم‬
‫إذا اعو ّ‬

‫صراط‬

‫)‪(1‬‬

‫وقممال ابممن عبمماس‪ :‬قممال جبريممل لمحمممد‪  ،‬‬

‫صممراط‬
‫)اهممدنا ال ّ‬

‫المستقيم(‪ :‬يقول‪ :‬ألهمنا ال ّ‬
‫طريممق الهممادي‪ ،‬وهممو ديممن اللممه الممذي ل‬
‫ج له ‪.(2) ‬‬
‫عَوِ َ‬
‫قال الطبري‪ :‬وإّنما وصفه الله بالسممتقامة‪ ،‬لن ّممه صممواب ل خطممأ‬
‫فيه )‪.(3‬‬
‫سممبيل‪ ،‬وسممالك غيممر المنهممج القممويم‬
‫وقال‪ :‬كل حائد عن قصممد ال ّ‬
‫ل عند العرب‪ ،‬لضلله وجه ال ّ‬
‫فضا ّ‬
‫طريق)‪.(4‬‬
‫سلف والخلف‬
‫سرين من ال ّ‬
‫وقال ابن كثير‪ :‬واختلفت عبارات المف ّ‬
‫صراط‪ ،‬وإن كان يرجع حاصلها إلى شمميء واحممد‪ ،‬وهممو‬
‫في تفسير ال ّ‬
‫المتابعة لله ورسوله)‪.(5‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(1/73‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(1/74‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(1/75‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(1/84‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/27‬‬

‫‪70‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سرين الذين أشار إليهم ابممن كممثير‬
‫ض الن بعض أقوال المف ّ‬
‫وأعرِ ُ‬
‫‪ -‬رحمه الله ‪.(6) -‬‬

‫ي بن أبي طالب ‪ ‬عن النبي‪ ،‬‬
‫فقد روى الطبري عن عل ّ‬

‫أّنه‬

‫صراط المستقيم ‪.(2)‬‬
‫قال‪  :‬وذكر القرآن فقال‪ :‬هو ال ّ‬
‫وقال أبو العالية‪ :‬هو رسول الله‪  ،‬وصاحباه من بعده أبمو بكمر‬
‫وعمر‪ ،‬قال الحسن‪ :‬صدق أبو العالية ونصح‪.‬‬
‫وقال القاسمي في تفسير لهذه الية في سممورة الفاتحممة‪ :‬أشممار‬
‫م نأثره عنه هنا لما فيه من‬
‫شيخ السلم ابن تيمية في مبحث له مه ّ‬
‫الفمموائد الجليلممة‪ ،‬قممال ‪ -‬رحمممه اللممه تعممالى ‪ :-‬ينبغممي أن ُيعلممم أن‬
‫سرين وغيرهم على وجهين‪:‬‬
‫الختلف الواقع من المف ّ‬
‫أحدهما ليس فيه تضاد ّ وتناقض‪ ،‬بل يمكممن أن يكممون كممل منهممما‬
‫صفات أو العبارات‪.‬‬
‫وع‪ ،‬أو اختلف في ال ّ‬
‫حّقا‪ ،‬وإّنما هو اختلف تن ّ‬
‫سمملف مممن الصممحابة‬
‫سممري ال ّ‬
‫مممة الختلف الثممابت عممن مف ّ‬
‫وعا ّ‬
‫والّتابعين هو من هذا الباب‪.‬‬
‫ما مثممل قمموله‪:‬‬
‫فالله ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬إذا ذكر فممي القممرآن اس م ً‬
‫صَرا َ‬
‫سممرين يعب ّممر‬
‫م( )الفاتحة‪ (6:‬فكل مممن المف ّ‬
‫م ْ‬
‫ست َِقي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫)اهْدَِنا ال ّ‬
‫صراط المستقيم بعبارة تد ّ‬
‫ل بها على بعض صفاته‪ ،‬وكل ذلممك‬
‫عن ال ّ‬
‫ق‪ ،‬بمنمزلة ما ُيسمي الله ورسوله‪ ،‬وكتابه بأسماء‪ ،‬كل اسم منهمما‬
‫ح ّ‬
‫يد ّ‬
‫ل على صفة من صفاته‪.‬‬

‫‪ - 6‬انظر هذه القوال في‪ :‬تفسير الطبري )‪ .(75 ،1/74‬وزاد المسير )‪.(1/15‬‬
‫ضا ‪ -‬الدارمي )‪ (2/527‬رقم‬
‫‪ - 2‬أخرجه الترمذي )‪ (159 ،5/158‬رقم )‪ (2906‬وقال‪ :‬هذا حديث ل نعرفه إل من هذا الوجه‪ ،‬وإسناده مجهول‪ ،‬وفي الحارث مقال‪ .‬وأخرجه ‪ -‬أي ً‬
‫)‪ .(3332‬وأخرجه أحمد مختصًرا )‪ .(1/91‬قال الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن ص )‪ :(12 ،11‬وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلم أمير المؤمنين علي ‪ -‬رضي الله‬
‫عنه ‪ -‬وقد وهم بعضهم في رفعه‪ ،‬وهو كلم حسن صحيح‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫صراط المستقيم‪ :‬كتاب الله أو اّتبمماع كتمماب‬
‫فيقول بعضهم‪ :‬ال ّ‬
‫الله‪.‬‬
‫صراط المستقيم‪ :‬هو السلم أو دين السلم‪.‬‬
‫ويقول الخر‪ :‬ال ّ‬
‫صراط المستقيم‪ :‬هو السّنة والجماعة‪.‬‬
‫ويقول الخر‪ :‬ال ّ‬
‫صممراط المسممتقيم‪ :‬هممو العبودي ّممة‪ ،‬أو طريممق‬
‫ويقول الخــر‪ :‬ال ّ‬
‫ب‪ ،‬وامتثممال المممأمور‪ ،‬واجتنمماب المحظممور‪ ،‬أو‬
‫الخوف والرضى والح ّ‬
‫متابعة الكتاب والسّنة‪ ،‬أو العمل بطاعة الله‪ ،‬أو نحممو هممذه السممماء‬
‫والعبارات‪.‬‬
‫ددت‬
‫وعت صممفاته وتع م ّ‬
‫ومعلمموم أ ّ‬
‫ن المس م ّ‬
‫مى هممو واحممد‪ ،‬وإن تن م ّ‬
‫أسماؤه وعباراته )‪.(1‬‬
‫صممراط المسممتقيم أن تفعممل‬
‫ثم قال في موضع آخر‪ :‬فممإ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫في كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل‪ ،‬ول تفعل‬
‫ما ُنهيت عنه‪ ،‬وهذا يحتاج في وقت إلى أن تعلم ما أمر به في ذلممك‬
‫المموقت‪ ،‬وممما ُنهممي عنممه‪ ،‬وإلممى أن يحصممل لممك إرادة جازمممة لفعممل‬
‫سممر‬
‫المأمور‪ ،‬وكراهة لممترك المحظممور‪ ،‬والصممراط المسممتقيم قممد ف ّ‬
‫ق‪ ،‬فهممو موصمموف‬
‫بالقرآن‪ ،‬والسلم‪ ،‬وطريق العبودّية‪ ،‬وكل هذا ح م ّ‬
‫بهذا وبغيره )‪.(2‬‬
‫صممراط المسممتقيم‪ :‬أصممله ال ّ‬
‫طريممق الواضممح‬
‫قال القاسمي‪ :‬ال ّ‬
‫الذي ل اعوجاج فيه ول انحراف‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(1/20‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪ ،(1/22‬حيث نقل هذا الكلم عن شيخ السلم‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وُيسممتعار لكممل قممول أو عمممل يبلممغ بممه صمماحبه الغايممة الحميممدة‪،‬‬
‫فال ّ‬
‫س‪ ،‬كالحقّ للعقل‪ ،‬في أّنه‪ :‬إذا سير بهما أبلغا‬
‫طريق الواضح للح ّ‬
‫سالك الّنهاية الحسنى )‪.(1‬‬
‫ال ّ‬
‫صممراط فممي هممذه اليممة )آيممة الفاتحممة(‬
‫قال ابــن عاشــور‪ :‬وال ّ‬
‫مستعار لمعنى الحقّ الذي يبلغ به مممدركه إلممى الفمموز برضمماء اللممه؛‬
‫ن ذلك الفوز هو الذي جاء السلم بطلبه‪.‬‬
‫ل ّ‬
‫ومته فاستقام‪.‬‬
‫والمستقيم‪ :‬اسم فاعل من استقام‪ ،‬مطاوع ق ّ‬
‫والمسممتقيم‪ :‬الممذي ل اعوجمماج فيممه ول تعاريممج‪ ،‬وأحسممن الطممرق‬
‫دة‪ ،‬لّنه باستقامته يكون أقممرب إلممى‬
‫ما‪ ،‬وهو الجا ّ‬
‫الذي يكون مستقي ً‬
‫المكممان المقصممود مممن غيممره‪ ،‬فل يضم ّ‬
‫ل فيممه سممالكه‪ ،‬ول يممترّدد ول‬
‫يتحّير‪.‬‬
‫والمستقيم هنا مستعار للحق البّين الذي ل ُتخالطه شبهة باطممل‪،‬‬
‫فهو كال ّ‬
‫ن‬
‫طريق الممذي ل تتخّللمه بنيممات‪ .‬ثممم قمال‪ :‬والظهمر عنمدي أ ّ‬
‫صراط المستقيم‪ :‬المعممارف الصممالحات كّلهمما مممن اعتقمماد‬
‫المراد بال ّ‬
‫وعمل )‪.(2‬‬
‫صممراط المسممتقيم‪ ،‬كممما‬
‫هذه بعض أقوال المف ّ‬
‫سرين في معنى ال ّ‬
‫ورد في سورة الفاتحة‪.‬‬
‫صراط المستقيم سممبق ذكممر‬
‫وحيث وردت آيات كثيرة ذكر فيها ال ّ‬
‫ن معناها من هذا المعنى الذي سبق تقريره‪ ،‬ولبيممان ذلمك‬
‫بعضها‪ ،‬فإ ّ‬
‫أذكر تفسير بعض هذه اليات بإيجاز‪:‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(1/19‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير التحرير والتنوير )‪.(1/1/190‬‬

‫‪73‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫م(‬
‫ص مَرا ٍ‬
‫م إ ِل َممى ِ‬
‫قممال ‪ -‬تعممالى ‪َ) :-‬وا ْ‬
‫م ْ‬
‫ط ُ‬
‫م وَهَ مد َي َْناهُ ْ‬
‫جت َب َي ْن َمماهُ ْ‬
‫س مت َِقي ٍ‬
‫ددناهم فأرشممدناهم إلممى‬
‫)النعام‪ :‬من الية ‪ (87‬قال مجاهد‪ :‬وسم ّ‬
‫ج فيممه‪ ،‬وهممو السمملم‬
‫ج‪ ،‬وذلك دين الله الممذي ل ِ‬
‫ع مو َ َ‬
‫طريق غير معو ّ‬
‫الذي ارتضاه رّبنا لنبيائه‪ ،‬وأمر به عباده)‪.(1‬‬
‫صَرا ُ‬
‫ط َرب ّ َ‬
‫وفي قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَهَ َ‬
‫ست َِقيمًا( )النعممام‪ :‬مممن‬
‫ذا ِ‬
‫م ْ‬
‫ك ُ‬
‫الية ‪ (126‬قال الطبري‪ :‬هو صراط ربك ‪ -‬يقممول‪ :‬طريممق رب ّممك‪،‬‬
‫ما ل اعوجاج فيه )‪.(2‬‬
‫ودينه الذي ارتضاه لنفسه ديًنا‪ ،‬وجعله مستقي ً‬
‫َ‬
‫ن هَ م َ‬
‫ه(‬
‫ص مَرا ِ‬
‫ذا ِ‬
‫وفممي قمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬وَأ ّ‬
‫م ْ‬
‫س مت َِقيما ً فَممات ّب ُِعو ُ‬
‫طي ُ‬
‫)النعام‪ :‬من الية ‪ (153‬قال الطبري‪ :‬هو صراطه‪ ،‬يعني طريقه‬
‫ست َِقيمًا( )النعام‪ :‬من الية ‪ (153‬يعني‬
‫م ْ‬
‫ودينه الذي ارتضاه لعباده‪ُ ) ،‬‬
‫ما ل اعوجاج به عن الحق )‪.(3‬‬
‫قوي ً‬
‫وفي قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬قُ ْ‬
‫م(‬
‫صَرا ٍ‬
‫داِني َرّبي إ َِلى ِ‬
‫ل إ ِن ِّني هَ َ‬
‫م ْ‬
‫ط ُ‬
‫سمت َِقي ٍ‬
‫)النعام‪ :‬من اليممة ‪ (161‬قال الطــبري‪ :‬يقممول‪ :‬قممل لهممم‪ :‬إّننممي‬
‫أرشدني ربي إلى ال ّ‬
‫طريق القممويم‪ ،‬هممو ديممن اللممه الممذي ابتعثممه بممه‪،‬‬
‫وذلك الحنيفّية المسلمة‪ ،‬فوّفقني له )‪.(4‬‬
‫صمَراط َ َ‬
‫ما أ َ ْ‬
‫وفي سورة العراف‪َ) :‬قا َ‬
‫ك‬
‫م ِ‬
‫غموَي ْت َِني َل َقُْعمد َ ّ‬
‫ن ل َُهم ْ‬
‫ل فَب ِ َ‬
‫ن لبني آدم‬
‫م ْ‬
‫ست َِقي َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫م( )العراف‪ (16:‬قال الطبري‪ :‬يقول‪ :‬لجلس ّ‬
‫ق‪،‬‬
‫صراطك المستقيم‪ ،‬يعني طريقك القممويم‪ ،‬وذلممك ديممن اللممه الح م ّ‬
‫وهو السلم وشرائعه‪.‬‬
‫ونقل نحو ذلك عن مجاهد )‪.(5‬‬
‫‪ - 1‬تفسير الطبري )‪.(7/262‬‬
‫‪ - 2‬تفسير الطبري )‪.(8/32‬‬
‫‪ - 3‬تفسير الطبري )‪.(8/87‬‬
‫‪ - 4‬تفسير الطبري )‪.(8/111‬‬
‫‪ - 5‬تفسير الطبري )‪.(8/134‬‬

‫‪74‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ص مَراطا ً‬
‫وفي قوله ‪ -‬تعالى ‪ -‬في سورة مريممم‪) :‬فَممات ّب ِعِْني أ َهْ مدِ َ‬
‫ك ِ‬
‫صممرك هممدي‬
‫َ‬
‫سوِي ًّا( )مريم‪ :‬من الية ‪ (43‬قال الطبري‪ :‬يقممول‪ :‬أب ّ‬
‫ال ّ‬
‫طريق المستوي الذي ل تض ّ‬
‫ل فيه إن لزمته‪ ،‬وهو دين الله الذي ل‬
‫اعوجاج فيه)‪.(6‬‬
‫ط‬
‫ن ِباْل ِ‬
‫ص مَرا ِ‬
‫ن ل ي ُؤْ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وفي قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَإ ِ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫خَرةِ عَ ِ‬
‫جممة ال ّ‬
‫طريممق‪،‬‬
‫ن( )المؤمنون‪ (74:‬قال الطبري‪ :‬يقول عممن مح ّ‬
‫ل ََناك ُِبو َ‬
‫سبيل‪ ،‬وذلك دين الله الذي ارتضاه لعباده العادلون)‪.(7‬‬
‫وقصد ال ّ‬
‫دا‪،‬‬
‫صراط في جميع هذه اليات معًنى واح ً‬
‫وبهذا يّتضح أن معنى ال ّ‬
‫سياق‪.‬‬
‫وإن اختلفت العبارة وال ّ‬

‫‪ - 6‬تفسير الطبري )‪.(16/90‬‬
‫‪ - 7‬تفسير الطبري )‪.(18/44‬‬

‫‪75‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الصلة بين الوسطية والصراط المستقيم‬
‫صراط المستقيم يد ّ‬
‫ل على الوسطّية‬
‫مما تق ّ‬
‫دم يّتضح أن معنى ال ّ‬
‫في مفهومها ال ّ‬
‫صمة أن‬
‫ي الذي سبق تقريمره‪ ،‬وبخا ّ‬
‫شرعي الصطلح ّ‬
‫ما لمفهمموم الوسممطّية وإطلقهمما قممد تحّقممق فممي معنممى‬
‫ما جعلته لز ً‬
‫صراط المستقيم‪ ،‬فالخيرّية والبينّية ظاهرتان في هذا المر‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫صمَرا َ‬
‫م(‬
‫م ْ‬
‫سمت َِقي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫فنجد في سورة الفاتحممة ل ّ‬
‫ممما قممال‪) :‬اهْمدَِنا ال ّ‬
‫ط ال ّمذي َ‬
‫صَرا َ‬
‫م( )الفاتحممة‪:‬‬
‫)الفاتحة‪ (6:‬عّرفه فقال‪ِ ) :‬‬
‫ت عَل َي ْهِ م ْ‬
‫مم َ‬
‫ن أن ْعَ ْ‬
‫ِ َ‬
‫ن(‬
‫م َول ال ّ‬
‫مغ ْ ُ‬
‫من الية ‪ (7‬ثم ح ّ‬
‫ب عَل َي ْهِ م ْ‬
‫دده فقممال‪) :‬غَي ْمرِ ال ْ َ‬
‫ضممو ِ‬
‫ضمماّلي َ‬
‫صراط المستقيم طريق الخيار‪ ،‬وهم‬
‫)الفاتحة‪ :‬من الية ‪ (7‬فجعل ال ّ‬
‫ديقين وال ّ‬
‫صالحين‪.‬‬
‫ص ّ‬
‫شهداء وال ّ‬
‫الذين أنعم الله عليهم من النبّيين وال ّ‬
‫ضالين‪.‬‬
‫وهو بين طريقي المغضوب عليهم وال ّ‬
‫ن يَ َ‬
‫شمماءُ‬
‫وكذلك في سورة البقرة قال اللمه ‪ -‬تعمالى ‪) :-‬ي َْهم ِ‬
‫دي َ‬
‫مم ْ‬
‫م()البقرة‪ :‬من الية ‪ (142‬فقال بعممدها مباشممرة‪:‬‬
‫صَرا ٍ‬
‫إ َِلى ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ُ‬
‫ست َِقي ٍ‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫دث‬
‫م ً‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬مممن اليممة ‪ (143‬وقممد تح م ّ‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫)وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫سرون عن الكاف في هذه الية‪ ،‬وذكر غيممر واحممد أن )الكمماف(‬
‫المف ّ‬
‫مة وس ً‬
‫صراط المستقيم )‪.(1‬‬
‫للّربط بين جعلهم أ ّ‬
‫طا وهدايتهم لل ّ‬
‫حا فممي ذكممر بعممض الحمماديث الممتي وردت فممي‬
‫ونمزيد المر وضو ً‬
‫ذلك‪:‬‬

‫فعن جابر بن عبد الله ‪ ‬قال‪  :‬كّنا عند النبي‪ ،‬‬

‫طخ ّ‬
‫فخ ّ‬
‫طا‬

‫طخ ّ‬
‫ط خطين عن يمينه‪ ،‬وخ ّ‬
‫وخ ّ‬
‫طين عن يساره‪ ،‬ثم وضع يده علممى‬
‫الخ ّ‬
‫ط الوسط‪ ،‬فقال‪ :‬هذا سبيل الله‪ ،‬ثممم تل هممذه اليممة‪) :‬وأن هممذا‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير التحرير والتنوير )‪ ،(2/1/15‬وتفسير الطبري )‪.(2/6‬‬

‫‪76‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سب ُ َ‬
‫ل فتفّرق بكم عن سممبيله(‬
‫ما فاّتبعوه ول تّتبعوا ال ّ‬
‫صراطي مستقي ً‬
‫‪.(1) ‬‬
‫وذكر القرطبي في تفسيره‪ ،‬قال‪ :‬ذكر الطبري فممي آداب‬
‫الّنفوس حدثنا محمد بن عبد العلى الصممنعاني‪ ،‬قممال‪ :‬حممدثنا محمممد‬
‫صراط‬
‫بن ثور‪ ،‬عن معمر‪ ،‬عن أبان‪ ،‬أن رجل قال لبن مسعود‪ :‬ما ال ّ‬
‫المستقيم؟ قال‪ :‬تركنا محمممد‪  ،‬فممي أدنمماه‪ ،‬وطرفممه فممي الجنممة‪،‬‬
‫م رجال يدعون من مّر بهممم‪،‬‬
‫وعن يمينه جواد‪ ،‬وعن يساره جواد‪ ،‬وث ّ‬
‫فمن أخممذ فممي تلمك الجممواد انتهممت بممه إلممى الن ّممار‪ ،‬ومممن أخممذ علممى‬
‫َ‬
‫ن هَ م َ‬
‫ذا‬
‫صممراط انتهممى بممه إلممى الجن ّممة‪ ،‬ثممم قممرأ ابممن مسممعود‪) :‬وَأ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ست َِقيمًا( )النعام‪ :‬من الية ‪.(2)(153‬‬
‫صَرا ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫طي ُ‬
‫مل فيما سبق يّتضح لنا ما يلي‪:‬‬
‫وبالتأ ّ‬
‫مممة الوسممطّية وذروة‬
‫‪ -1‬أ ّ‬
‫صــراط المســتقيم‪ :‬يمثممل ق ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫جة قاطعة في ذلك‪.‬‬
‫سنامها وأعلى درجاتها‪ ،‬وآيتا الفاتحة والبقرة ح ّ‬
‫‪ -2‬أن الوسطّية تعني الخيرّية‪ ،‬سواء أكانت خير الخيرين أو‬
‫خيًرا بين شّرين أو خيًرا بيممن أمريممن متفمماوتين‪ ،‬وقممد سممبق تفصمميل‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ن المقياس لتحديد الخيرّية هو الشرع‪ ،‬وليممس همموى‬
‫‪ -3‬أ ّ‬
‫ن مفهوم الوسطّية عنممد كممثير‬
‫الّناس أو ما تعارفوا عليه أو ألفوه‪ ،‬فإ ّ‬
‫من الناس تعنممي الّتنممازل أو الّتسمماهل بممل والمداهنممة أحيان ًمما‪ ،‬حيممث‬
‫‪ - 1‬أخرجه ابن ماجة )‪ (1/6‬رقم )‪ .(11‬قال البوصيري في الزوائد )‪ :(1/45‬هذا إسناد فيه مقال من أجل مجالد بن سعيد‪ .‬قلت‪ :‬مجالد بن سعيد هو ابن عمير الهمداني أبو‬
‫عمرو الكوفي‪ .‬قال الحافظ في التقريب ص )‪ :(520‬ليس بالقوي‪ ،‬وقد تغير في آخر عمره‪ .‬اهم‪ .‬ولكن يشهد لهذا الحديث ما رواه عبد الله بن مسعود‪ ،‬قال‪ :‬خط لنا رسول‬
‫ط خطو ً‬
‫طا‪ ،‬ثم قال‪" :‬هذه سبيل الله"‪ .‬ثم خ ّ‬
‫الله‪ ،‬صلى الله عليه وسلم خ ّ‬
‫طا عن يمينه وعن شماله‪ ،‬وقال‪" :‬هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"‪ .‬ثم قرأ‪) :‬وأن‬
‫ما فاّتبعوه(‪] .‬سورة النعام‪ ،‬الية‪ .[163 :‬أخرجه أحمد )‪ .(397 /3‬والدارمي )‪ (79 ،1/78‬رقم )‪ .(202‬وحسنه اللباني كما في المشكاة رقم )‪ (166‬ونقل‬
‫هذا صراطي مستقي ً‬
‫عن الحاكم تصحيحه‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪ ،(7/138‬والوسطية في السلم لفريد عبد القادر ص )‪.(23‬‬

‫‪77‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫يختارون المر بين الخير والشّر وهو إلى الشمّر أقمرب فممي حقيقتممه‬
‫ومآله‪ ،‬وهم يحسبون أّنهم يحسنون صنًعا‪.‬‬
‫ن هناك عوامل كثيرة‪ ،‬وأصول معتبرة‬
‫‪ -4‬أ ّ‬

‫)‪(1‬‬

‫تجب مراعاتها‬

‫عند تحديد مفهوم الوسطّية وتطبيقها على أمر من المور‪ ،‬حيث إن‬
‫دي إلممى خلف ذلممك ومجانيممة‬
‫قصممر النظممر علممى أمممر دون آخممر يممؤ ّ‬
‫صواب‪.‬‬
‫لل ّ‬
‫‪ -5‬وخلصة المر‪ :‬أّنه يجب عند النظر في أيّ أمر من المممور‬
‫لتحديممد علقتممه بالوسممطية ومممدى قربممه أو بعممده منهمما دقّممة الّنظممر‬
‫والعتبار في حقيقة هذا المر دون القتصار على ظاهره فقممط‪ ،‬ثممم‬
‫دة ‪ -‬كممما‬
‫إلى أي هذه السس هو أقرب‪ ،‬مراعًيا فممي ذلممك أمممور ع م ّ‬
‫سابقة ‪ -‬وكّلهما تنطلمق ممن القواعمد ال ّ‬
‫شمرعية‬
‫أشرت في الفقرة ال ّ‬
‫ضمموابط المنهجي ّممة‪ ،‬فممإذا اّتضممح قربممه فممي حقيقتممه ومممآله إلممى‬
‫وال ّ‬
‫ممما‬
‫صراط المستقيم فهو داخل في الوسطّية التي نتحممدث عنهمما‪ ،‬أ ّ‬
‫ال ّ‬
‫إذا كان إلى الغلوّ أو الجفمماء أو الفممراط أو الّتفريممط أقممرب حقيقممة‬
‫ومآل فليس من الوسطّية في شيء‪ ،‬وإن حسبه الّناس كذلك‪ ،‬وقممد‬
‫زّلت في هذه المسألة عقول وأقدام‪.‬‬

‫‪ - 1‬يختلف ذلك باختلف الحوال والقضايا‪ ،‬ولكل حالة ما يناسبها ضمن الضوابط الشرعية‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ملمح الوسطّية‬
‫ف بها‪ ،‬وُتمّيزها عن غيرها‪ ،‬بمجممموع‬
‫للوسطّية ملمح وسمات تح ّ‬
‫تلك الملمح ل بآحادها‪.‬‬
‫سمممات والملمممح‪ ،‬باسممتقراء‬
‫م تلممك ال ّ‬
‫صلت إلى تحديد أهم ّ‬
‫وقد تو ّ‬
‫مة بيممن المممم‪ ،‬وكممذلك‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬وما ورد في وسطّية هذه ال ّ‬
‫ما كتبه بعض الذين بحثوا في الوسطّية‪.‬‬
‫مة أساسّية في مثل هممذا البحممث‪،‬‬
‫إ ّ‬
‫ن تحديد هذه الملمح مه ّ‬
‫حتى ل تكون الوسطّية مجال لصحاب الهواء وأرباب ال ّ‬
‫شهوات‪.‬‬
‫ن الوسطّية مرتبة عزيزة المنال‪ ،‬غالية الّثمن‪ ،‬كيف ل وهي‬
‫ذلك أ ّ‬
‫مة‪ ،‬ومحور تمّيزها بين المم؟! جعلها الله خاص مّية مممن‬
‫سمة هذه ال ّ‬
‫ما منه وفضل )ذ َل ِ َ‬
‫ض ُ‬
‫ن يَ َ‬
‫ه‬
‫ك فَ ْ‬
‫شمماءُ َوالل ّم ُ‬
‫ل الل ّهِ ي ُؤِْتيهِ َ‬
‫خصائصها‪ ،‬تكّر ً‬
‫مم ْ‬
‫ُ‬
‫م( )الحديد‪ :‬من الية ‪.(21‬‬
‫ل ال ْعَ ِ‬
‫ذو ال َْف ْ‬
‫ض ِ‬
‫ظي ِ‬
‫م سمات الوسطّية ما يلي‪:‬‬
‫إ ّ‬
‫ن أه ّ‬
‫)أ( الخيرّية‪.‬‬
‫)ب( الستقامة‪.‬‬
‫)جم( اليسر ورفع الحرج‪.‬‬
‫)د( البينّية‪.‬‬
‫)هم( العدل والحكمة‪.‬‬
‫سمات يندرج تحتها عدد من آحادها‪.‬‬
‫وكل سمة من هذه ال ّ‬
‫وسأعرض لكل سمة بما ُيناسب المقممام‪ ،‬ويفممي بممالغرض‪ ،‬واللممه‬
‫الموّفق والمعين‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن هذه الملمح بمجموعها تصمملح ضمماب ً‬
‫طا لتحديممد‬
‫وأحسب أ ّ‬
‫سؤال الذي ل ب مد ّ أن يممرد فممي‬
‫الوسطّية ومعرفتها‪ ،‬بما يجيب عن ال ّ‬
‫أذهان الكثيرين‪:‬‬

‫‪80‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫أين ضابط الوسطّية؟ وكيف نميّزها عن غيرها؟‬
‫أول‪ :‬الخيرّية‬

‫ك جعل ْنمماك ُ ُ‬
‫ة‬
‫مم ً‬
‫قال اللممه ‪ -‬تعممالى ‪ -‬فممي سممورة البقممرة‪) :‬وَك َمذ َل ِ َ َ َ َ‬
‫مأ ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سطا ً ل ِت َ ُ‬
‫كوُنوا ُ‬
‫س( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ (143‬وقممال‬
‫شه َ َ‬
‫وَ َ‬
‫داَء عَلى الّنا ِ‬
‫ُ‬
‫س( )آل عمممران‪:‬‬
‫مة ٍ أ ُ ْ‬
‫م َ‬
‫خرِ َ‬
‫ج ْ‬
‫خي َْر أ ّ‬
‫في سورة آل عمران‪) :‬ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫من الية ‪ (110‬وقد ذكرت أن ممن معماني الوسمطّية الخيرّيمة‪ ،‬قمال‬
‫ابن كثير ‪ -‬رحمه الله ‪ :-‬والوسممط هنمما‪ :‬الخيممار والجممود‪ ،‬كممما يقممال‬
‫لقريش أوسط العرب نسًبا وداًرا‪ ،‬أي خيرها )‪.(1‬‬
‫ُ‬
‫س(‬
‫م مة ٍ أ ُ ْ‬
‫م َ‬
‫خرِ َ‬
‫جم ْ‬
‫خي ْمَر أ ّ‬
‫وفي تفسيره لقوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ت ِللن ّمما ِ‬
‫)آل عمممران‪ :‬مممن اليممة ‪ (110‬قممال‪ :‬يعنممي خيممر الّنمماس للّنمماس‪،‬‬
‫والمعنى‪ :‬أّنهم خير المم وأنفع الّناس للّناس‪ ،‬إلى أن قال‪ :‬كما في‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من اليممة ‪(143‬‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫الية الخرى‪) :‬وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫أي خياًرا )‪.(2‬‬
‫ممة الوسممط(‪ :‬فمإن‬
‫مممة )أ ّ‬
‫وقال الطبري‪ :‬مقّرًرا خيرّية هممذه ال ّ‬
‫ُ‬
‫ة( )آل عمممران‪ :‬مممن‬
‫م َ‬
‫مم ٍ‬
‫خي ْمَر أ ّ‬
‫سأل سائل فقال‪ :‬وكيف قيممل‪) :‬ك ُن ْت ُم ْ‬
‫مة خير المم‬
‫الية ‪(110‬؟ وقد زعمت أن تأويل هذه الية أن هذه ال ّ‬
‫ما‬
‫مة لقوم كانوا خياًرا فتغّيروا ع ّ‬
‫التي مضت‪ ،‬وإّنما يقال‪ :‬كنتم خير أ ّ‬
‫كانوا عليه؟!‬
‫قيل‪ :‬إن معنى ذلك بخلف ما ذهبت إليه‪ ،‬وإّنما معنمماه أنتممم خيممر‬
‫َ‬
‫م قَِلي ٌ‬
‫ل( )النفال‪ :‬مممن اليممة ‪ (26‬وقممد‬
‫مة‪ ،‬كما قيل‪َ) :‬واذ ْك ُُروا إ ِذ ْ أن ْت ُ ْ‬
‫أ ّ‬
‫م( )العراف‪ :‬من‬
‫م قَِليل ً فَك َث َّرك ُ ْ‬
‫قال في موضع آخر‪َ) :‬واذ ْك ُُروا إ ِذ ْ ك ُن ْت ُ ْ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/190‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/391‬‬

‫‪81‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن‬
‫الية ‪ (86‬فإدخال كان فمي مثمل همذا وإسمقاطها بمعنمى واحمد‪ ،‬ل ّ‬
‫الكلم معروف معناه‪.‬‬
‫م( )العراف‪ :‬من اليممة ‪(86‬‬
‫ولو قال ‪ -‬أي ً‬
‫ضا ‪ -‬في ذلك قائل‪) :‬ك ُن ْت ُ ْ‬
‫مة‪ ،‬كممان‬
‫مة‪ ،‬أو وجدتم خير أ ّ‬
‫بمعنى الّتمام‪ ،‬كان تأويله‪ :‬خلقتم خير أ ّ‬
‫حا)‪.(1‬‬
‫معنى صحي ً‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا(‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫وفي تفسيره لقوله ‪ -‬تعالى‪) :‬وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫ما الّتأويممل فممإّنه جمماء بممأن الوسممط‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪ (143‬قال‪ :‬وأ ّ‬
‫ن الخيار من الّناس عدولهم )‪.(2‬‬
‫العدل‪ ،‬وذلك معنى الخيار‪ ،‬ل ّ‬
‫ما فسر به معنممى الوسممطّية الممتي‬
‫ما سبق يّتضح أن الخيرّية م ّ‬
‫وم ّ‬
‫مممة‪ ،‬فممما هممي هممذه الخيري ّممة الممتي‬
‫ذكرها الله من خصممائص هممذه ال ّ‬
‫مة؟‬
‫نعرف بها وسطّية هذه ال ّ‬
‫قال الطبري في تفسير آية الخيرّية‪:‬‬
‫مة ُأخرجت للّناس‪ ،‬إذ كنتممم‬
‫وقال آخرون‪ :‬معنى ذلك‪ :‬كنتم خير أ ّ‬
‫شروط التي وصممفهم ‪ -‬جم ّ‬
‫بهذه ال ّ‬
‫ل ثنمماؤه ‪ -‬بهمما‪ ،‬فكممان تأويممل ذلممك‬
‫مممة تممأمرون بممالمعروف‪ ،‬وتنهممون عممن المنكممر‪،‬‬
‫عندهم‪ :‬كنتممم خيممر أ ّ‬
‫وُتؤمنون بالله‪ ،‬أخرجوا للّناس في زمانكم )‪.(3‬‬
‫قال رشيد رضا‪:‬‬
‫مممة ُأخرجممت للن ّمماس‪،‬‬
‫والحق أقول‪ :‬إ ّ‬
‫مة ما فممتئت خيممر أ ّ‬
‫ن هذه ال ّ‬
‫حّتى تركت المر بالمعروف‪ ،‬والّنهي عن المنكر‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(4/45‬‬
‫‪ - 2‬انظر تفسير الطبري )‪.(2/7‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(4/44‬‬

‫‪82‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مممة هنمما بممالمر‬
‫ثم قال‪ :‬وقد بي ّممن الفخممر الممرازي كممون وصممف ال ّ‬
‫مممة‬
‫بممالمعروف‪ ،‬والّنهممي عممن المنكممر‪ ،‬واليمممان عل ّممة لكونهمما خيممر أ ّ‬
‫ُأخرجت للّناس‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ن هممذا الكلم مسممتأنف والمقصممود منممه بيممان عل ّممة تلممك‬
‫واعلممم أ ّ‬
‫الخيرّية‪ ،‬كما تقول‪ :‬زيد كريم‪ ،‬يطعم الّناس ويكسمموهم‪ ،‬ويقمموم بممما‬
‫يصلحهم‪.‬‬
‫وتحقيق الكلم أّنه ثبت في أصول الفقه أن ذكممر الحكممم مقرون ًمما‬
‫بالوصممف المناسممب لممه يممد ّ‬
‫ل علممى كممون ذلممك الحكممم معّلل بممذلك‬
‫الوصف‪.‬‬
‫ممة‪ ،‬ثمم ذكمر‬
‫فهنا حكم ‪ -‬تعالى ‪ -‬بثبوت وصمف الخيرّيمة لهمذه ال ّ‬
‫عقيبه هذا الحكم وهذه ال ّ‬
‫طاعات‪ ،‬أعنممي المممر بممالمعروف‪ ،‬والّنهممي‬
‫عن المنكر‪ ،‬واليمان‪ ،‬فوجب كون تلك الخيرّية معّللة بهذه العبادات‬
‫)‪.(1‬‬
‫وقال القاسمي‪:‬‬
‫ثم بّين وجه الخيري ّممة بممما لممم يحصممل مجممموعه لغيرهممم‪ ،‬بقمموله‪:‬‬
‫)تأ ْ‬
‫ن ِبال ْ‬
‫ه( )آل عمران‪:‬‬
‫ع‬
‫ن‬
‫و‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ت‬
‫و‬
‫ف‬
‫رو‬
‫ع‬
‫م‬
‫رو‬
‫م‬
‫َ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫من ْك َرِ وَت ُؤْ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مُنو َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ضملوا علممى غيرهممم ممممن قممال ‪-‬‬
‫من اليمة ‪ (110‬فبهممذه الصممفات ف ّ‬
‫ممما ك َمماُنوا‬
‫تعالى ‪ -‬فيهم‪) :‬ك َمماُنوا ل ي َت َن َمماهَوْ َ‬
‫س َ‬
‫ن ُ‬
‫من ْك َمرٍ فَعَل ُمموهُ ل َب ِئ ْ َ‬
‫ن عَم ْ‬
‫ض(‬
‫ن ُنممؤْ ِ‬
‫ن( )المممائدة‪) (79:‬وَي َُقوُلممو َ‬
‫ي َْفعَُلممو َ‬
‫م ُ‬
‫ض وَن َك ُْفممُر ب ِب َْعمم ٍ‬
‫ن ب ِب َْعمم ٍ‬
‫)النساء‪ :‬من الية ‪.(150‬‬
‫سعود‪:‬‬
‫قال أبو ال ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(4/60‬‬

‫‪83‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ه( )آل عمممران‪ :‬مممن اليممة ‪ (110‬أي إيمان ًمما متعل ًّقمما‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫)وَت ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫بك ّ‬
‫ل ما يجب أن يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجممزاء‪ ،‬وإّنممما‬
‫لم ُيصّرح به تفصيل لظهور أّنه الذي يؤمن بممه المؤمنممون‪ ،‬ولليممذان‬
‫بأّنه هو اليمان بالله ‪ -‬تعالى ‪ -‬حقيقة)‪.(1‬‬
‫وقد وردت بعض الحاديث التي تد ّ‬
‫مة منها‪:‬‬
‫ل على خيرّية هذه ال ّ‬
‫‪ -1‬روى الترمذي فممي تفسمميره لهممذه اليممة أن رسممول اللممه‪ ،‬‬
‫مة أنتم خيرها وأكرمها على الله ‪.(2)‬‬
‫قال‪  :‬إّنكم تّتمون سبعين أ ّ‬
‫‪ -2‬وقال ‪ُ  ‬أعطيت ممما لممم ُيعممط أحممد مممن النبيمماء‪ ،‬فقلنمما‪ :‬يمما‬
‫رسول الله ما هو؟ فقال‪ :‬نصمُر بممالّرعب‪ ،‬وُأعطيممت مفاتيممح الرض‪،‬‬
‫مممتي خيممر المممم‬
‫ميت أحم َ‬
‫د‪ ،‬وجعل الّتراب لي طهوًرا‪ ،‬وجعلت أ ّ‬
‫وس ّ‬
‫‪.(3)‬‬
‫مممة‪ ،‬الممتي‬
‫فهذه الحاديث مع آية آل عمران تممبّين خيري ّممة هممذه ال ّ‬
‫مة وس ً‬
‫سممرون بيممن معنيممي الخيري ّممة‬
‫طا‪ ،‬وقممد جمممع المف ّ‬
‫جعلها الله أ ّ‬
‫والوسطّية‪ ،‬حتى جاء أحدهما تفسيًرا للخر‪ ،‬كما مّر معنا‪.‬‬
‫مّية بيان معنى الخيرّية‪ ،‬فسممأذكر أبممرز أوجممه هممذه الخيري ّممة‪،‬‬
‫وله ّ‬
‫ليّتضح لنا معنى الوسطّية‪.‬‬
‫مة‬
‫أبرز أوجه خيرية هذه ال ّ‬
‫قال الستاذ سيد قطب‪:‬‬

‫)‪(4‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(4/936‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه الترمذي )‪ (5/211‬رقم )‪ .(3001‬وابن ماجة )‪ (2/1433‬رقم )‪ (4288‬وأحمد )‪ .(5/5‬والدارمي )‪ (2/404‬رقم )‪ .(2760‬قال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن‪ .‬ووافقه‬
‫اللباني كما في المشكاة رقم )‪.(6285‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه أحمد )‪ .(158 ،1/98‬قال الهيثمي في مجمع الزوائد )‪ :(266 ،1/265‬وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل‪ ،‬وهو سيئ الحفظ‪ .‬قال الترمذي‪ :‬صدوق‪ ،‬وقد تكّلم فيه‬
‫بعض أهل العلم من قبل حفظه‪ ،‬وسمعت محمد بن إسماعيل ‪ -‬يعني البخاري ‪ -‬يقول‪ :‬كان أحمد بن حنبل‪ ،‬وإسحاق بن إبراهيم‪ ،‬والحميد يحتجون بحديث ابن عقيل‪ .‬قلت‪:‬‬
‫فالحديث حسن‪ .‬والله أعلم‪ .‬اهم‪.‬‬
‫صل في ذلك‪.‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬وسطّية أهل ال ُ‬
‫سّنة ص )‪ .(224‬فقد ف ّ‬

‫‪84‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مة أخرجت للّناس‪ ،‬ل عن مجاملة‪ ،‬ول عن محاباة‪ ،‬ول‬
‫فهي خير أ ّ‬
‫وا كممبيًرا ‪ -‬وليممس‬
‫عن مصادفة أو جزاف‪ - ،‬تعالى الله عممن ذلممك علم ّ‬
‫ن‬
‫توزيع الختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون‪) :‬ن َ ْ‬
‫حمم ُ‬
‫ه( )المممائدة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(18‬كل إّنممما هممو العمممل‬
‫أ َب ْن َمماُء الل ّمهِ وَأ َ ِ‬
‫حب ّمماؤُ ُ‬
‫اليجممابي لحفممظ الحيمماة البشممرّية مممن المنكممر‪ ،‬وإقامتهمما علممى‬
‫دد المعروف والمنكر)‪.(1‬‬
‫المعروف‪ ،‬مع اليمان الذي ُيح ّ‬
‫ن هذه الخيرّية لها أسباب‪ ،‬ولهما حقيقممة‪ ،‬حقيقممة ل بمد ّ أن توجمد‬
‫إ ّ‬
‫ور ذهنممي‪،‬‬
‫فممي الواقممع‪ ،‬وأن تممرى فممي الحيمماة‪ ،‬وليسممت مج مّرد تص م ّ‬
‫وفلسفة غائبة‪.‬‬
‫مممة‪ ،‬فقممد ترتفمع لتبلمغ‬
‫إ ّ‬
‫ن هذه الخيرّية مسألة نسممبّية بالنسمبة لل ّ‬
‫ال ّ‬
‫ضلة‪ ،‬وقممد‬
‫صحابة والقرون المف ّ‬
‫ذروة‪ ،‬كما كانت الحال في جيل ال ّ‬
‫تنحسر في مجموعات وأفراد‪ ،‬كما هي في القرون المتأخرة‪ ،‬وذلك‬
‫تبًعا لوجود مقومات الخيرّية وصيانتها‪.‬‬

‫ُ‬
‫ت‬
‫م مة ٍ أ ُ ْ‬
‫م َ‬
‫خرِ َ‬
‫جم ْ‬
‫خي ْمَر أ ّ‬
‫‪ -1‬اليمان بالله‪ :‬قال ‪ -‬سممبحانه ‪) :-‬ك ُن ْت ُم ْ‬
‫ْ‬
‫ه( )آل‬
‫ن ب ِممالل ّ ِ‬
‫من ْك َمرِ وَت ُؤْ ِ‬
‫من ُممو َ‬
‫ف وَت َن ْهَوْ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫س ت َأ ُ‬
‫ن عَم ِ‬
‫ِللّنا ِ‬

‫عمران‪ :‬من الية ‪ .(110‬فقرن اللممه ‪ -‬ج م ّ‬
‫ل وعل ‪ -‬بيممن خيري ّممة هممذه‬
‫مة واليمان به ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬بممل جعممل اليمممان هممو سممبب الخيري ّممة‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫والمر بالمعروف‪ ،‬والّنهي عن المنكر فممرع عممن اليمممان‪ ،‬وأثممر مممن‬
‫آثاره‪.‬‬
‫ور خيرّيممة دون إيمممان بممالله ‪ -‬تعممالى ‪-‬؟‬
‫وهــل يمكــن أن نتصمم ّ‬
‫ن‬
‫واليمان بالله ‪ -‬تعالى ‪ -‬يشمل جميع أبممواب اليمممان والسمملم‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(4/447‬‬

‫‪85‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫العلماء ذكروا أن السمملم واليمممان إذا اجتمعمما افترقمما‪ ،‬وإذا افترقمما‬
‫اجتمعا‪ ،‬وهنا جاء ذكر اليمان وحده‪ ،‬فهو يشمل اليمان والسلم‪.‬‬
‫وعند الّتأمل في معنى اليمان كما ورد في حممديث جبريممل‬
‫المشهور‪ ،‬قال‪:‬‬

‫‪‬‬

‫أن تممؤمن بممالله وملئكتممه وكتبممه ورسممله واليمموم‬

‫الخر‪ ،‬وتؤمن بالقدر خيره وشّره ‪ .(1) ‬نجد ال ّ‬
‫شمول والتكامل‪ ،‬كممما‬
‫ن كُ ّ‬
‫ما أ ُن ْزِ َ‬
‫سو ُ‬
‫ل‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل إ ِل َي ْهِ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ن َرب ّهِ َوال ْ ُ‬
‫ل بِ َ‬
‫قال ‪ -‬سبحانه‪) :-‬آ َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫آمن بممالل ّه وملئ ِك َت ِمه وك ُتبمه ورسمل ِه ل نَفمرقُ بيم َ‬
‫ه(‬
‫س مل ِ ِ‬
‫حمدٍ ِ‬
‫ِ َ ُِ ِ َُ ُ ِ‬
‫نأ َ‬
‫ن ُر ُ‬
‫ِ َ َ‬
‫َ َ ِ‬
‫مم ْ‬
‫َْ َ‬
‫ُ ّ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪.(285‬‬
‫فاليمــان بــالله يشمممل المممور العقدّيممة والعملّيممة‪ ،‬الظمماهرة‬
‫والباطنة‪ ،‬ما يتعّلق منها بعالم الغيب وال ّ‬
‫شممهادة‪ ،‬ممما كممان منهمما فممي‬
‫دنيا أو الخرة‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ممما قممد يتصمموّره كممثير مممن‬
‫واليمان بالله أعمق دللممة وأثمًرا م ّ‬
‫ممما‬
‫الّناس‪ ،‬فليس هو مجّرد الّتصديق كما ف ّ‬
‫سره بعض المتكّلميممن‪ ،‬م ّ‬
‫أودي بكثير من الّناس إلى اعتنمماق مبممدأ الرجمماء‪ ،‬وهممم ل يعلمممون‪،‬‬
‫سمملوك والّتفسممير فّرغمموا اليمممان مممن معنمماه الحقيقممي‬
‫وهم بهذا ال ّ‬
‫صحيح‪.‬‬
‫ومدلوله ال ّ‬
‫وإّنما هو علم واعتقاد وعمل‪ ،‬والسلم من لوازم اليمممان‪،‬‬
‫فمقتضى اليمان بالله وكتبه ورسله‪ ،‬يستلزم العمل بما أمر به الله‬

‫في كتابه‪ ،‬وعلى لسان رسوله‪ ،‬‬

‫ولهذا فممإن شممرط اليمممان فممي‬

‫ما يشمله من أركان اليمان والسلم‪.‬‬
‫تحقيق الخيرّية جاء مغنًيا ع ّ‬

‫‪ - 1‬أخرجه مسلم )‪ (39 ،1/38‬رقم )‪ .(9 ،8‬وأبو داود )‪ (4/224‬رقم )‪ .(4695‬والترمذي )‪ (9 ،5/8‬رقم )‪ (2601‬وغيرهم‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ولذلك فإّننا قبل أن نحكم بخيرّية جماعة أو فممرد أو عمممل‪ ،‬ل ب مد ّ‬
‫من الّتحّقق في توافر شرط اليمان فيه بمعناه ال ّ‬
‫شامل المتكامممل‪،‬‬
‫ن أ َهْم ُ‬
‫م ()آل‬
‫ن َ‬
‫ب ل َك َمما َ‬
‫خي ْممرا ً ل َهُم ْ‬
‫فقد قال ‪ -‬سبحانه‪) :-‬وَل َوْ آ َ‬
‫ل ال ْك ِت َمما ِ‬
‫مم َ‬
‫دعون اليممان‪ ،‬ولكمن العمبرة‬
‫عمران‪ :‬ممن اليمة ‪ .(110‬ممع أّنهمم يم ّ‬
‫دعاوى‪.‬‬
‫بالحقائق ل بال ّ‬
‫ه( )آل عمران‪ :‬مممن‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫مل في قوله‪ -‬تعالى‪) :-‬وَت ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وعند الّتأ ّ‬
‫الية ‪ (110‬أجد أن فيه معنى الخير والنشاء‪ ،‬فهو خبر عممن حقيقممة‬
‫مة‪ ،‬حيث تمّيزت عممن غيرهمما فممي شمممول هممذا‬
‫واقعة بإيمان هذه ال ّ‬
‫اليمان واستمراره‪ ،‬ويكفي دليل عن شمول إيمانها شممهادتها لبعممض‬
‫رسل الله يوم القيامة بأنهم قد بّلغمموا رسممالة رّبهممم إلممى أقمموامهم‪.‬‬
‫هلها لهذه الخيرّية‪.‬‬
‫فهذا اليمان الموجود والمتحّقق أ ّ‬
‫ثم فيه معنى النشاء والطلممب‪ ،‬حيممث جعممل مممن لمموازم الخيري ّممة‬
‫ممة‬
‫وجود همذا اليممان‪ ،‬فكمما أن هممذا اليمممان موجممود فمي هممذه ال ّ‬
‫ن على من أراد من أفراد هذه‬
‫ضلة‪ ،‬فإ ّ‬
‫صة القرون المف ّ‬
‫بجملتها وبخا ّ‬
‫مممة أن يكممون مممن خيارهمما أن ُيحّقممق معنممى اليمممان فممي نفسمه‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫بمعناه ال ّ‬
‫شامل المتكامل‪.‬‬
‫فإذا تحّقق اليمممان تحّققممت الخيري ّممة‪ ،‬وإذا تحّققممت الخيري ّممة فممي‬
‫صممورتها ال ّ‬
‫شممرعية وجممدنا الوسممطّية فممي أسمممى معانيهمما‪ ،‬مقرونممة‬
‫بأقوى أركانها ومبانيها‪.‬‬
‫‪ -2‬المر بالمعروف‪ ،‬والنهي عــن المنكــر‪ :‬مممن خصممائص‬
‫مة العملّية قيامهمما بممالمر بممالمعروف‪ ،‬والّنهممي عممن المنكممر‪،‬‬
‫هذه ال ّ‬

‫‪87‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫م مة ٍ أ ُ ْ‬
‫م َ‬
‫مُرو َ‬
‫خرِ َ‬
‫س ت َمأ ُ‬
‫جم ْ‬
‫خي ْمَر أ ّ‬
‫وهممذه شممهادة اللممه لهمما‪) :‬ك ُن ْت ُم ْ‬
‫ت ِللن ّمما ِ‬
‫ر( )آل عمران‪ :‬من الية ‪.(110‬‬
‫ف وَت َن ْهَوْ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫من ْك َ ِ‬
‫ن عَ ِ‬
‫والمر بالمعروف والّنهي عن المنكر أوجبه الله علممى مممن قبلنمما‪،‬‬
‫سمرائي َ‬
‫ل عََلمى‬
‫ن ك ََفمُروا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ن ب َِنمي إ ِ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫ولكنهم فّرطوا وضّيعوا )ل ُعِ َ‬
‫وا وَ َ‬
‫م ذ َل ِ َ‬
‫ن ك َمماُنوا ل‬
‫داوُد َ وَ ِ‬
‫دو َ‬
‫كاُنوا ي َعْت َ ُ‬
‫ن َ‬
‫عي َ‬
‫لِ َ‬
‫ك بِ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ما عَ َ‬
‫ص ْ‬
‫سا ِ‬
‫سى اب ْ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن( )المائدة‪.(79 ،78:‬‬
‫كاُنوا ي َْفعَُلو َ‬
‫ي َت ََناهَوْ َ‬
‫س َ‬
‫ن ُ‬
‫من ْك َرٍ فَعَُلوهُ ل َب ِئ ْ َ‬
‫ن عَ ْ‬
‫مة لقيامها بالمر بالمعروف والّنهي عن‬
‫ونجد مصداق خيرّية هذه ال ّ‬
‫ث رسول الله‪  ،‬إلى يومنا الحاضر وهذا الّركن‬
‫المنكر‪ ،‬أّنه منذ ب ُعِ َ‬
‫العظيم لم ينقطع ولم يترك كما فعل بنو إسرائيل‪.‬‬
‫قد نجد ضعًفا في زمان من الزمنة أو مكان من المكنممة‪ ،‬ولكن ّممه‬
‫مة آمًرا أو ناهي ًمما ولممو كممانوا قل ّممة‬
‫ل يصبح حالة مستقّرة‪ ،‬ول تعدم ال ّ‬

‫قليلة‪ ،‬وهذا مصداق قول الرسممول‪  ،‬‬

‫مممتي‬
‫ل تممزال طائفممة مممن أ ّ‬

‫ظاهرين على الحقّ ل يضّرهم من خذلهم حّتى يأتي أمممر اللممه وهممم‬
‫كذلك ‪ .(1) ‬الحديث‪.‬‬
‫ساعة‪ ،‬وهي طائفممة‬
‫فالطائفة المنصورة موجودة إلى قيام ال ّ‬
‫ظاهرة آمرة بالمعروف‪ ،‬ناهية عن المنكر‪.‬‬
‫وكما ذكممرت فممي موضمموع اليمممان‪ ،‬فممإن ذكممر المممر بممالمعروف‬
‫والّنهي عن المنكر في هذه الية خبًرا وإنشاًء‪ ،‬فهو خبر عممن حقيقممة‬
‫ن المممر بممالمعروف‪ ،‬والّنهممي عممن المنكممر‬
‫واقعة ومستمّرة‪ ،‬حيممث إ ّ‬
‫مة إلى قيام الساعة‪ ،‬وهو كممذلك )إنشمماء( فمممن‬
‫مستمّر في هذه ال ّ‬
‫أراد الخيرّية فل بد ّ أن يقوم بهممذا الّركممن العظيممم‪ ،‬حممتى تتحّقممق لممه‬
‫‪ - 1‬أخرجه مسلم )‪ (3/1523‬رقم )‪ .(1920‬وأبو داود )‪ (4/98‬رقم )‪ .(4252‬وابن ماجة )‪ (2/1304‬رقم )‪ .(3952‬وأحمد )‪.(5/278‬‬

‫‪88‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مة‪ ،‬ففيه معنى المممر ‪-‬‬
‫الخيرّية التي جعلها الله من خصائص هذه ال ّ‬
‫ضا‪.-‬‬
‫أي ً‬
‫وقد يسأل سائل‪ :‬أليس المر بالمعروف‪ ،‬والّنهي عن المنكممر‬
‫عا عن اليمان‪ ،‬فلماذا أفرده دون سائر أبواب اليمان العملّية؟‬
‫فر ً‬
‫خص الجواب على هذا السؤال بما يلي‪:‬‬
‫وأل ّ‬
‫‪ -1‬أهمّية المر بالمعروف‪ ،‬والّنهي عــن المنكــر‪ ،‬وأثممره‬
‫المباشر في تحقيق الخيرّية دون سواه‪.‬‬
‫‪ -2‬أن المــر بــالمعروف‪ ،‬والّنهــي عــن المنكــر‪ ،‬سممياج‬
‫اليمان‪ ،‬وركن أساس لبقائه وحمايته‪.‬‬
‫ممما المممر‬
‫صــة غيــر متعدّيــة‪ ،‬أ ّ‬
‫‪ -3‬أن أغلــب العمــال خا ّ‬
‫ن نفعه ل يقتصر علممى فمماعله بممل‬
‫بالمعروف‪ ،‬والّنهي عن المنكر‪ ،‬فإ ّ‬
‫ي‬
‫يتع ّ‬
‫داه إلى المأمور والمنهي‪ ،‬وكذلك إلى المر المأمور به والمنهمم ّ‬
‫عنه‪ ،‬فمثل المر بالصلة‪ ،‬ل يقتصر نفع هذا المر علممى جهممة واحممدة‬
‫دة أطراف‪:‬‬
‫بل يشمل ع ّ‬
‫)أ( المر‪ :‬حيث قام بما أوجبه الله عليه‪ ،‬وهذه عبممادة لممه نفعهمما‬
‫وأجرها‪.‬‬
‫)ب( المأمور‪ :‬حيث ينتفع بهذا المر إن استجاب له‪ ،‬وقد يكممون‬
‫هذا المر سبًبا لهدايته‪.‬‬
‫)جم( المأمور به‪ :‬فممإن المممر بالصمملة سممبيل للمحافظممة عليهمما‬
‫واستمرارها‪ ،‬وهذا فيه من الّنفع العظيم ما ل يخفى‪.‬‬
‫‪ -4‬أن المر بــالمعروف‪ ،‬والّنهــي عــن المنكــر لممه صممفة‬
‫ال ّ‬
‫شمول‪ ،‬فليس متعل ًّقا بعمل معّين‪ ،‬بل يشمممل كممل معممروف وكممل‬

‫‪89‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫منكر‪ ،‬بينما سائر العمال نجدها أعمال مخصوصممة معينممة‪ ،‬فالصمميام‬
‫يتعّلق بعمل مخصوص‪ ،‬والّزكاة والحج وغيرهما كذلك‪ .‬ولممذلك فهممو‬
‫يشترك مع اليمان في صممفة ال ّ‬
‫شمممول‪ ،‬حيممث إن المممر بممالمعروف‬
‫يشمل جميع أبواب اليمان والسلم‪.‬‬

‫والرسول‪ ،‬‬

‫قال في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري‪:‬‬

‫‪‬‬

‫من رأى منكم منكًرا فليغّيره بيده‪ ،‬فإن لممم يسممتطع فبلسممانه‪ ،‬فممإن‬
‫)‪(1‬‬
‫من َك ّمًرا‬
‫لم يستطع فبقلبه‪ ،‬وذلك أضعف اليمممان ‪ . ‬فجمماء المنكممر ُ‬
‫هنا دللة على عمومه‪ ،‬أي‪ :‬أيّ منكر يراه المسلم‪ ،‬فهو يشمممل كممل‬
‫منكر‪ ،‬كما أن المر يشمل كل معروف‪ ،‬فيدخل في ذلممك جميممع ممما‬
‫شرعه الله‪ ،‬فيؤمر به وينهى عن مخالفته )‪.(2‬‬
‫ما سبق يتبّين لنا أن المر بالمعروف‪ ،‬والّنهي عن المنكر‪ ،‬من‬
‫وم ّ‬
‫مة‪ ،‬والمر بالمعروف‪ ،‬والّنهي عممن المنكممر‪،‬‬
‫أبرز أوجه خيرّية هذه ال ّ‬
‫ددة‪ ،‬وليس محصوًرا بحالة أو صفة واحدة كممالكلم مثل‪،‬‬
‫له صور متع ّ‬
‫بل قد يكون باليد أو اللسان أو العمل ‪ -‬كالقممدوة مثل ‪ -‬فمممن صمّلى‬
‫أمام الناس لم يقوموا إلى الصلة فهو داخل في المممر بممالمعروف‪،‬‬
‫دق لُيقتممدى بممه‪ ،‬فهممو مممن المممر‬
‫وإن لممم يتكل ّممم‪ ،‬وكممذلك مممن تص م ّ‬
‫بالمعروف‪ ،‬ومن خرج من مجلس فيه منكر فإّنه من تغييممر المنكممر‪،‬‬
‫َ‬
‫ولو لم يتكّلم‪) .‬وإ َ َ‬
‫م‬
‫ن يَ ُ‬
‫ت ال ّ ِ‬
‫ضو َ‬
‫خو ُ‬
‫ض عَن ْهُ م ْ‬
‫ذا َرأي ْ َ‬
‫ن ِفي آَيات ِن َمما فَ مأعْرِ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َِ‬
‫ه( )النعممام‪ :‬مممن اليممة ‪ (68‬وأضممعف‬
‫حّتى ي َ ُ‬
‫ث غَي ْمرِ ِ‬
‫دي ٍ‬
‫حم ِ‬
‫ضوا فِممي َ‬
‫خو ُ‬
‫َ‬
‫أبواب تغيير المنكر أن يكون في القلب كما ورد في الحديث‪.‬‬
‫وأخيًرا‪:‬‬
‫‪ - 1‬أخرجه مسلم )‪ (1/69‬رقم )‪ .(49‬وأبو داود )‪ (1/297‬رقم )‪ .(1140‬والنسائي )‪ (8/111‬رقم )‪ (5008‬وغيرهم‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(4/63‬‬

‫‪90‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫فإّنه إذا تحّقممق اليمممان بمعنمماه ال ّ‬
‫شممامل المتكامممل‪ ،‬وجمماء المممر‬
‫بممالمعروف‪ ،‬والنهممي عممن المنكممر‪ ،‬يحمموطه ويحرسممه‪ ،‬فإّننمما سممنرى‬
‫الخيرّية التي أخبرنا الله بها ماثلة أمام أعيننا‪ ،‬ل يزيغ عنها إل هالك‪.‬‬
‫مة‪ ،‬وما عداهما من أوجه فأرى أنها‬
‫هذه أبرز أوجه خيرّية هذه ال ّ‬
‫داخلة فيما ذكرت دللة أو ضمًنا‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬الستقامة‬
‫الوسطّية اسممتقامة‪ ،‬ولممو لممم تكممن علممى نهممج السممتقامة لكممانت‬
‫ممما إفممراط أو تفريممط‪ ،‬وذلممك ضممد الوسممطّية‬
‫انحرافًمما‪ ،‬والنحممراف إ ّ‬
‫ومباين لها‪ ،‬كما سبق بيان ذلك‪.‬‬
‫وهناك شعور لدى بعض الّناس أن الوسطّية تعني التنممازل ‪ -‬ولممو‬
‫قليل‪ -‬عن حقيقة المر والّنهممي‪ ،‬ولقممد عب ّممر أحممد البمماحثين عممن هممذا‬
‫ال ّ‬
‫شعور الذي يختلج في صدور بعض الّناس‪ ،‬حيث طممرح سممؤال وّرد‬
‫مممة‪ ،‬بحيممث ل‬
‫ما قاله‪ :‬هممل المقصممود بالوسممطّية مرونممة ال ّ‬
‫عليه‪ ،‬وم ّ‬
‫تصطدم بالفكار والمبادئ الخرى عند اللتقاء بها‪ ،‬بل قابلّيتها للخذ‬
‫ممما عنممدها‪ ،‬مممن أجممل تنممازل الط ّممرف‬
‫والعطاء والّتنازل عممن جممزء م ّ‬
‫الخر‪ ،‬واللتقاء عند نقطة وسط ُترضي جميع الطراف؟‬
‫ثم رد ّ على هذا المسلك وبّين مخالفته لحقيقة الوسطّية )‪.(1‬‬
‫ن من ملمح الوسطّية‪ ،‬بممل وضمموابطها السممتقامة‪،‬‬
‫ومن هنا فإ ّ‬
‫ولممذلك فمممن اّدعممى الوسممطّية مممع خروجممه عممن السممتقامة‪ ،‬فهممذه‬
‫ليست الوسطّية ال ّ‬
‫شرعية في شيء‪ ،‬بممل هممي وسممطّية نسممبّية غيممر‬
‫دث عنها‪.‬‬
‫التي نتح ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬الوسطّية في السلم لفريد عبد القادر ص )‪.(14‬‬

‫‪91‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫دث عن ملمح الوسممطّية ‪ -‬أن‬
‫ن من المناسب ‪ -‬ونحن نتح ّ‬
‫ولذا فإ ّ‬

‫ُأبّين معنى الستقامة وحدودها ليتضح المراد‪:‬‬

‫ث عليها‪ ،‬فالله ‪ -‬جمم ّ‬
‫ل‬
‫فقد وردت آيات كثيرة تأمر بالستقامة وتح ّ‬
‫وعل ‪ -‬يقول لرسوله‪َ)  ،‬فاستقم ك َ ُ‬
‫مع َ م َ‬
‫ك َول‬
‫ما أ ِ‬
‫ن ت َمما َ‬
‫ب َ‬
‫ت وَ َ‬
‫مْر َ‬
‫ْ َِ ْ َ‬
‫مم ْ‬
‫وا( )هود‪ :‬من الية ‪ .(1121‬وفي سورة الشورى‪) :‬فَل ِذ َل ِ َ‬
‫ك فَمماد ْعُ‬
‫ت َط ْغَ ْ‬
‫َ‬
‫واستقم ك َ ُ‬
‫م( )الشورى‪ :‬من الية ‪.(15‬‬
‫ما أ ِ‬
‫واَءهُ ْ‬
‫مْر َ‬
‫َ ْ َِ ْ َ‬
‫ت َول ت َت ّب ِعْ أهْ َ‬
‫موا ت َت َن َمّز ُ‬
‫ل‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫وقال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬إ ِ ّ‬
‫ما ْ‬
‫س مت ََقا ُ‬
‫ه ث ُم ّ‬
‫ن قَمماُلوا َرب ّن َمما الل ّم ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ة أ َّل ت َ َ‬
‫ملئ ِك َم ُ‬
‫حَزن ُمموا وَأب ْ ِ‬
‫شمُروا ِبال ْ َ‬
‫خمماُفوا َول ت َ ْ‬
‫جن ّمةِ ال ّت ِممي ك ُن ْت ُم ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫عَل َي ْهِم ُ‬
‫َ‬
‫موا عَل َممى‬
‫دو َ‬
‫ُتوعَ ُ‬
‫ن( )فصلت‪ .(30:‬وفممي سممورة الجممن‪) :‬وَأل ّموِ ا ْ‬
‫سمت ََقا ُ‬
‫َ‬
‫دقًا( )الجمممن‪ .(16:‬وفممي سممورة فصمملت‪:‬‬
‫ماًء غَم َ‬
‫ريَقةِ َل ْ‬
‫م َ‬
‫سَقي َْناهُ ْ‬
‫الط ّ ِ‬
‫َ‬
‫ه( )فصلت‪ :‬من الية‬
‫ه َوا ِ‬
‫موا إ ِل َي ْهِ َوا ْ‬
‫حد ٌ َفا ْ‬
‫ست َغِْفُرو ُ‬
‫ست َِقي ُ‬
‫م إ ِل َ ٌ‬
‫ما إ ِل َهُك ُ ْ‬
‫)أن ّ َ‬
‫مة ومكانتها‪.‬‬
‫ن منمزلة الستقا ّ‬
‫‪ .(6‬فهذه اليات وغيرها تبي ّ‬
‫صممراط المسممتقيم اسممتقامة علممى ديممن اللممه‬
‫وحيممث إ ّ‬
‫ن لممزوم ال ّ‬
‫وشرعه‪ ،‬وهذا عين الوسطّية وجوهرهمما‪ ،‬فسممأقف مممع )السممتقامة(‬
‫وقفة مناسبة‪ ،‬تعريًفا وبياًنا‪.‬‬
‫تعريف الستقامة‪:‬‬
‫قال الراغب‪ :‬استقامة النسممان لزومممه للمنهممج المسممتقيم نحممو‪:‬‬
‫موا( )فصمملت‪ :‬مممن اليممة ‪.(1)(30‬‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫)إ ِ ّ‬
‫ما ْ‬
‫س مت ََقا ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫ن َقاُلوا َرب َّنا الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫وقال ابن القّيم‪ :‬الستقامة ضد ال ّ‬
‫طغيان‪ ،‬وهممو مجمماوزة الحممدود‬
‫في كل شيء)‪.(2‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬المفردات للراغب مادة )قوم(‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬مدارج السالكين )‪.(2/104‬‬

‫‪92‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقال القرطبي‪ :‬الستقامة‪ :‬الستمرار فممي جهممة واحممدة مممن‬
‫غير أخذ في جهة اليمين وال ّ‬
‫شمال )‪.(1‬‬

‫وقال ابن القيم‪ :‬قال عمر ‪‬‬

‫السممتقامة‪ :‬أن تسممتقيم علممى‬

‫المر والّنهي‪ ،‬ول ت َُروغُ َروَ َ‬
‫ن الّثعالب)‪.(2‬‬
‫غا َ‬
‫سممداد‪،‬‬
‫وقال ابن القيم ‪ -‬أي ً‬
‫ضا ‪ :-‬فممأمر بالسممتقامة وهممي ال ّ‬
‫والصابة في الن ّّيات والقوال والعمال‪.‬‬
‫دين‪ ،‬وهممي‬
‫ثم قال‪ :‬فالستقامة‪ :‬كلمة جامعممة‪ ،‬آخممذة بمجممامع ال م ّ‬
‫صدق‪ ،‬والوفاء بالعهد)‪.(3‬‬
‫القيام بين يدي الله على حقيقة ال ّ‬
‫ضا‪.‬‬
‫سر بعضها بع ً‬
‫وهذه المعاني متقاربة‪ ،‬ويف ّ‬
‫أحاديث في الستقامة‪:‬‬

‫في صحيح مسلم عن سفيان بن عبد اللممه ‪‬‬

‫قممال‪:‬‬

‫‪‬‬

‫قلممت يمما‬

‫دا غيممرك؟‬
‫رسول الله! قل لي فممي السمملم قممول ل أسممأل عنممه أحم ً‬
‫قال‪" :‬قل آمنت بالله‪ ،‬ثم استقم"‬

‫وعن ثوبان ‪ ‬عن النمبي‪ ،‬‬

‫‪‬‬

‫)‪.(4‬‬

‫قمال‪:‬‬

‫‪‬‬

‫اسمتقيموا ولمن تحصموا‪،‬‬

‫صمملة‪ ،‬ولممن يحممافظ علممى الوضمموء إل‬
‫واعلممموا أن خيممر أعمممالكم ال ّ‬
‫مؤمن ‪.(5) ‬‬

‫وفي صحيح مسلم عن أبي هريممرة ‪‬‬
‫ددوا وقاربوا‪ ،‬واعلموا أّنه لن ينجو أحد منكممم بعملممه‪ ،‬قممالوا‪:‬‬
‫‪‬س ّ‬

‫قممال‪ :‬قممال رسممول اللممه‪،‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(9/107‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬مدارج السالكين )‪ ،(2/104‬وتفسير الطبري )‪.(24/115‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬مدارج السالكين )‪.(2/105‬‬
‫‪ - 4‬أخرجه مسلم )‪ (1/65‬رقم )‪ .(38‬وأحمد )‪.(3/413‬‬
‫‪ - 5‬أخرجه ابن ماجة )‪ (102 ،1/101‬رقم )‪ .(277‬ومالك في الموطأ )‪ (1/34‬رقم )‪ .(36‬وأحمد )‪ .(282 ،280 ،5/277‬قال البوصيري في زوائد ابن ماجة )‪ :(1/122‬هذا‬
‫الحديث رجاله ثقات أثبات إل أنه منقطع بين سالم وثوبان فإنه لم يسمع منه بل خوف‪ .‬لكن له طريق أخرى متصلة أخرجها أبو داود الطيالسي في مسنده‪ ،‬وأبو يعلى‬
‫الموصلي‪ ،‬والدارمي‪ ،‬وابن حبان في صحيحه من طريق حسان بن عطية أن أبا كبشة حدثه أنه سمع ثوبان‪ .‬اهم‪ .‬وصححه اللباني كما في الرواء رقم )‪.(412‬‬

‫‪93‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مدني الله برحمة منممه‬
‫ول أنت يا رسول الله؟ قال‪ :‬ول أنا‪ ،‬إل أن يتغ ّ‬
‫وفضل ‪.(1) ‬‬

‫وفي مسند المام أحمد عن أنس بممن مالممك ‪ ‬عممن النممبي‪ ،‬‬
‫قال‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ل يستقيم إيمان عبد حتى يسممتقيم قلبممه‪ ،‬ول يسممتقيم قلبممه‬

‫حّتى يستقيم لسانه ‪.(2) ‬‬
‫عما وموقوًفما‪:‬‬
‫وفمي روايمة الترممذي عمن أبمي سمعيد مرفو ً‬
‫ن العضاء كّلهمما تكّفممر اللسممان‪ ،‬فتقممول‪ :‬ات ّممق اللممه‬
‫أصبح ابن آدم فإ ّ‬
‫‪‬‬

‫إذا‬

‫فينا‪ ،‬فإّنما نحن بك‪ ،‬فإن استقمت استقمنا‪ ،‬وإن اعوججت اعوججنمما‬
‫‪‬‬

‫)‪.(3‬‬

‫وروى الترمذي عن أنس بن مالك ‪  ‬أن رسول الله‪ ،‬‬

‫قممرأ‪:‬‬

‫موا( قال‪" :‬قممد قالهمما الن ّمماس‪ ،‬ثممم‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫)إ ِ ّ‬
‫ما ْ‬
‫ست ََقا ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫ن َقاُلوا َرب َّنا الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫من استقام" ‪.(4) ‬‬
‫كفر أكثرهم‪ ،‬فمن مات عليها فهو م ّ‬
‫أقوال العلماء في الستقامة‪:‬‬

‫سئل الصديق ‪‬‬
‫ُ‬

‫عن السممتقامة فقممال‪ :‬أل تشممرك بممالله شمميًئا‪.‬‬

‫قال ابن القيم‪ :‬يريد الستقامة على محض الّتوحيد )‪.(5‬‬
‫موا ت َت َن َّز ُ‬
‫ل‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫وفي قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬إ ِ ّ‬
‫ما ْ‬
‫ست ََقا ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫ن َقاُلوا َرب َّنا الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ة أ َّل ت َ َ‬
‫ملئ ِك َم ُ‬
‫حَزن ُمموا وَأب ْ ِ‬
‫شمُروا ِبال ْ َ‬
‫خمماُفوا َول ت َ ْ‬
‫جن ّمةِ ال ّت ِممي ك ُن ْت ُم ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫عَل َي ْهِم ُ‬
‫)‪(6‬‬
‫سلف الستقامة فقالوا‪:‬‬
‫دو َ‬
‫ُتوعَ ُ‬
‫سر ال ّ‬
‫ن( )فصلت‪ .(30:‬ف ّ‬
‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ .(7/182‬ومسلم )‪ (4/2170‬رقم )‪.(1816‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه أحمد )‪ .(3/198‬قال الهيثمي في المجمع )‪ :(1/58‬وفي إسناده علي بن مسعدة‪ ،‬وّثقه جماعة‪ ،‬وضعفه آخرون‪ .‬اهم‪ .‬قال الحافظ في التقريب ص )‪ :(405‬صدوق‬
‫له أوهام‪.‬‬
‫ضا‪ -‬وحسنه اللباني كما في صحيح الجامع رقم )‪.(351‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه الترمذي )‪ (4/523‬رقم )‪ .(2407‬وأحمد )‪ ،(3/96‬وعزاه السيوطي في الجامع لبن خزيمة والبيهقي ‪ -‬أي ً‬
‫‪ - 4‬أخرجه الترمذي )‪ (5/351‬رقم )‪ .(3250‬قال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن غريب‪ .‬وضّعفه اللباني كما في ضعيف الجامع رقم )‪.(4079‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬مدارج السالكين )‪.(2/104‬‬
‫‪ - 6‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪ ،(24/114‬ومدارج السالكين )‪.(2/104‬‬

‫‪94‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫قــال عمــر ‪‬‬

‫اسممتقاموا للممه بطمماعته‪ ،‬ولممم يروغمموا روغممان‬

‫الّثعالب‪.‬‬

‫وقال عثمان بن عفان ‪‬‬
‫دوا الفرائض‪.‬‬
‫وقال علي بن أبي طالب ‪ ‬استقاموا‪ :‬أ ّ‬
‫سرها ابن عباس ‪.‬‬
‫وبمثل ذلك ف ّ‬

‫استقاموا‪ :‬أخلصوا العمل لله‪.‬‬

‫وقــال شــيخ الســلم ابــن تيميــة‪ :‬اسممتقاموا علممى محّبتممه‬
‫وعبودّيته‪ ،‬فلم يلتفتوا عنه ُيمنة ول ُيسرة‪.‬‬
‫ومن أقوال العلماء في الستقامة‪:‬‬
‫قــال ابــن القيــم‪ :‬السممتقامة تتعّلممق بممالقوال‪ ،‬والفعممال‪،‬‬
‫والحوال‪ ،‬والن ّّيات‪ ،‬فالستقامة فيها‪ :‬وقوعها لله‪ ،‬وبالله‪ ،‬وعلى أمممر‬
‫الله‪.‬‬
‫وقــال شــيخ الســلم ابــن تيميــة‪ :‬أعظممم الكرامممة لممزوم‬
‫الستقامة)‪.(1‬‬
‫وأختممم الكلم عممن السممتقامة بممما قمماله ابممن القي ّممم فممي مممدارج‬
‫مة بالوسممطّية‪ ،‬وأن ّممه ل‬
‫ال ّ‬
‫ممما يّتضممح معممه علقممة السممتقا َ‬
‫سممالكين م ّ‬
‫استقامة بل وسطّية‪ ،‬ول وسطّية دون استقامة‪.‬‬
‫قممال‬

‫)‪(2‬‬

‫وهممي ‪ -‬أي السممتقامة ‪ -‬علممى ثلث درجممات‪ :‬الدرجممة‬

‫الولى‪ :‬الستقامة على الجتهاد في القتصاد‪ ،‬ل عادًيا رسممم العلممم‪،‬‬
‫ول متجاوًزا حد ّ الخلص‪ ،‬ول مخالًفا نهج السّنة‪.‬‬
‫من‬
‫قال ابن القيم شار ً‬
‫حا قول الهروي‪ :‬هممذه درجممة تتضمم ّ‬
‫دا‪ ،‬وهممو‬
‫دا فيه‪ ،‬وهممو بممذل المجهممود‪ ،‬واقتصمما ً‬
‫سّنة أمور‪ :‬عمل واجتها ً‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬مدارج السالكين )‪.(2/105‬‬
‫‪ - 2‬أي أبو إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫السلوك بين طرفي الفراط ‪ -‬وهو الجور على الّنفممس ‪ -‬والّتفريممط‬
‫بالضاعة‪.‬‬
‫ووقوًفا مع ما يرسمه العلم‪ ،‬ل وقوفًمما مممع داعممي الحممال‪ ،‬وإفممراد‬
‫المعبود بالرادة‪ ،‬وهو الخلص‪.‬‬
‫ووقوع العمال علممى المممر‪ ،‬وهممو متابعممة السممنة‪ .‬فبهممذه المممور‬
‫درجة استقامتهم‪ ،‬وبالخروج عممن واحممد منهمما‬
‫م لهل هذه ال ّ‬
‫السّتة تت ّ‬
‫جا جزئّيا‪.‬‬
‫ما خرو ً‬
‫ما خرو ً‬
‫جا كلّيا‪ ،‬وإ ّ‬
‫يخرجون عن الستقامة‪ ،‬إ ّ‬
‫سلف يذكرون هذين الصلين كثيًرا‪ ،‬وهما‪:‬‬
‫وال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫م‬
‫القتصاد في العمال‪ ،‬والعتصممام بالسمّنة‪ ،‬فممإ ّ‬
‫شمميطان يشم ّ‬
‫ضا عن كمال‬
‫قلب العبد ويختبره‪ ،‬فإن رأى فيه داعية للبدعة‪ ،‬وإعرا ً‬
‫صمما علممى‬
‫النقياد للسّنة‪ ،‬أخرجه عن العتصام بها‪ ،‬وإن رأى فيممه حر ً‬
‫دة طلب لها‪ :‬لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها‪ ،‬فأمره‬
‫السّنة‪ ،‬وش ّ‬
‫بالجتهاد‪ ،‬والجور على الّنفس‪ ،‬ومجاوزة حد ّ القتصاد فيها‪ ،‬قائل له‪:‬‬
‫إن هذا خير وطاعة‪ ،‬والّزيادة والجتهاد فيها أكمل‪ ،‬فل تفتر مع أهممل‬
‫الفتور‪ ،‬ول تنم مع أهل الّنوم‪ ،‬فل يزال يحّثه ويحّرضه‪ ،‬حّتى يخرجممه‬
‫دها‪ ،‬كممما أن الّول خممارج عممن هممذا‬
‫عن القتصاد فيها‪ ،‬فيخرج عن ح ّ‬
‫د‪ ،‬فكذا هذا الخر خارج عن الحد ّ الخر )‪.(1‬‬
‫الح ّ‬
‫وهممذا حممال الخمموارج الممذين يحقممر أهممل السممتقامة صمملتهم مممع‬
‫صلتهم‪ ،‬وصيامهم مع صيامهم‪ ،‬وقراءتهم مع قراءتهم‪ ،‬وكل المرين‬
‫خممروج عممن السممّنة إلممى البدعممة‪ ،‬لكممن هممذا إلممى بدعممة الّتفريممط‬
‫والضاعة‪ ،‬والخر إلى بدعة المجاوزة والسراف‪.‬‬
‫‪ - 1‬تأمل هذا الكلم تجد علقته بالوسطّية وثيقة‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ســلف‪ :‬ممما أمممر اللممه بممأمر إل ولل ّ‬
‫شمميطان فيممه‬
‫وقال بعض ال ّ‬
‫ما إلى مجاوزة‪ ،‬وهي الفراط‪ ،‬ول يبالي‬
‫نمزغتان‪ :‬إما إلى تفريط‪ ،‬وإ ّ‬
‫بأّيهما ظفر‪ ،‬زيادة أو نقصان )‪.(1‬‬
‫وهذا الكلم عن الستقامة هو عين الوسطّية وجوهرها‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬اليسر ورفع الحرج‬
‫ن من أّول ما يتبادر إلى أذهاننا عندما ننطممق كلمممة )الوسممطّية(‬
‫إ ّ‬
‫ن مممن‬
‫هو معنى اليسر والّتيسير‪ ،‬ورفع الحرج‪ ،‬وهذا الفهم صحيح فإ ّ‬
‫أبرز سمات الوسطّية‪ :‬الّتيسير ورفع الحرج‪.‬‬
‫دين هو دين )الوسط(‪ ،‬فل غلوّ ول‬
‫ن هذا ال ّ‬
‫وقد تقّرر فيما مضى أ ّ‬
‫جفاء‪ ،‬ول إفراط ول تفريط‪.‬‬
‫واليسر ورفع الحرج مرتبممة عاليممة بيممن الفممراط وبيممن التفريممط‪،‬‬
‫دد والتن ّ‬
‫طع وبين الهمال والتضييع‪.‬‬
‫وبين التش ّ‬
‫قال الدكتور‪ /‬صالح بن حميد‪:‬‬
‫سهولة راجع إلى العتدال والوسط‪ ،‬فل‬
‫سماحة وال ّ‬
‫رفع الحرج وال ّ‬
‫إفراط ول تفريط‪ ،‬فالتن ّ‬
‫طع والّتشديد حرج من جانب عسر التكليف‪،‬‬
‫دي إليممه مممن تعطيممل المصممالح‬
‫والفراط)‪ (2‬والّتقصير حممرج فيممما يممؤ ّ‬
‫ك جعل ْنمماك ُ ُ‬
‫وعدم تحقيق مقاصد ال ّ‬
‫ة‬
‫مم ً‬
‫شرع‪ .‬قال ‪ -‬تعالى‪) :-‬وَك َمذ َل ِ َ َ َ َ‬
‫مأ ّ‬
‫ْ‬
‫سممط هممو منبممع الكمممالت‪،‬‬
‫سممطًا( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(143‬فالتو ّ‬
‫وَ َ‬
‫سماحة ورفممع الحممرج علممى الحقيقممة هممو فممي سمملوك‬
‫والّتخفيف وال ّ‬
‫طريق الوسط والعدل)‪.(3‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬مدارج السالكين )‪.(2/107‬‬
‫‪ - 2‬الصحيح والتفريط‪ ،‬ولعله خطأ مطبعي‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬رفع الحرج في الشريعة السلمية ص )‪.(13‬‬

‫‪97‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ولهمّية بيان عناية السلم بهذا الجانب وتأكيممده عليممه‪ ،‬فسممأذكر‬
‫سمملف مممن‬
‫بعممض ممما ورد فممي ذلممك مممن الكتمماب والسممنة‪ ،‬وأئمممة ال ّ‬
‫سممرين حممول آيممات‬
‫صممحابة وغيرهممم‪ ،‬مممع ذكممر أقمموال بعممض المف ّ‬
‫ال ّ‬
‫الّتيسير ورفع الحرج‪.‬‬
‫مع التنبيه إلى أّنني لن أستقصي ما ورد في ذلممك لصممعوبته أّول‪،‬‬
‫ولعدم الحاجة إلى ذلك ثانًيا‪ ،‬حيث يغني القليممل عممن الكممثير‪) .‬وعممن‬
‫البحر اجتزاء بالوشل(‪.‬‬
‫وقبل أن أدخل في ذكر الدّلة مممن الكتمماب والسمّنة أذكممر تعريًفمما‬
‫موجًزا للتيسير ورفع الحرج فأقول‪:‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪.‬‬

‫أول‪ :‬تعريف اليسر والوسع‪:‬‬
‫قال البقاعي في تفسيره ‪ -‬نقل عن الحرالــي‪ :-‬اليسممر‬
‫عمل ل ُيجهد الّنفس ول ُيثقل الجسم )‪.(2‬‬
‫ونقل هذا القول القاسمي في تفسيره )‪.(3‬‬
‫وقال الرازي‪ :‬في معنى الوسع‪ :‬إّنه ما يقدر النسان عليممه‬
‫ضيق وال ّ‬
‫ما أقصممى‬
‫ش ّ‬
‫سهولة‪ ،‬ل في حال ال ّ‬
‫سعة وال ّ‬
‫في حال ال ّ‬
‫دة‪ ،‬وأ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن أن الوسمع بمذل‬
‫مى جه ً‬
‫طاقة فيس ّ‬
‫دا ل وسًعا‪ ،‬قال‪ :‬وغلط من ظ ّ‬
‫المجهود)‪.(4‬‬
‫وقال ابن منظور في تعريف اليسر‪:‬‬
‫اليسر‪ :‬الّلين والنقياد‪.‬‬

‫)‪(5‬‬

‫‪.‬‬

‫سعة والغنى‪.‬‬
‫والميسرة‪ :‬ال ّ‬
‫‪ - 1‬انظر لكل ما سيأتي كتاب‪ :‬رفع الحرج في الشريعة السلمية للدكتور صالح بن حميد ص )‪ (46‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير البقاعي )‪.(3/62‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(3/427‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير الرازي )‪.(14/79‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬لسان العرب مادة )يسر(‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وتيسير الشيء واستيسر‪ :‬تسّهل‪.‬‬
‫واليسر‪ :‬ضد ّ العسر‪.‬‬
‫ويقول الدكتور‪ /‬صالح بن حميد بعد أن ذكر بعــض هــذه‬
‫القوال‪:‬‬
‫يظهر من ذلك أن اليسر والوسع‪ :‬ما ُيقدم عليه النسان من غير‬
‫أن يلحقه مشّقة زائدة‪ ،‬ومن غير أن يحتاج لبممذل كم ّ‬
‫ل ممما لممديه مممن‬
‫ن ما ذكممره ابممن حممزم فممي‬
‫طاقة ومجهود‪ ،‬وعّقب قائل‪ :‬ومن هذا فإ ّ‬
‫ممما ممما‬
‫أصممول الحكممام مممن أ ّ‬
‫ن‪) :‬العسممر والحممرج ممما ل يسممتطاع‪ ،‬أ ّ‬
‫ن‬
‫استطيع فهو يسر(‪ .‬ليس بدقيق‪ ،‬ول سّيما في إطلق الشرع‪ ،‬إذ أ ّ‬
‫هناك أموًرا يسممتطيع المكل ّممف عملهمما‪ ،‬مممع لحمموق مشمّقة أو عسممر‪،‬‬
‫فجاء الّتخفيف فيها إلى ما هو أيسر‪ ،‬ولو بممذل غايممة جهممده وطمماقته‬
‫لقممام بهمما‪ ،‬ومنممه يتممبين أن عممدم السممتطاعة ليسممت معيممار العسممر‬
‫ال ّ‬
‫شرعي)‪.(1‬‬
‫وأختم أقوال العلماء في تعريــف اليســر والوســع بمــا‬
‫قاله الزمخشري‪" :‬إن الوسممع هممو ممما يسممع النسممان ول يضمميق‬
‫عليه‪ ،‬ول يحرج فيه‪ ،‬فالله ل يكّلف الّنفس إل ما يّتسع فيممه طوقهمما‪،‬‬
‫ويتّيسر عليه دون مدى غاية ال ّ‬
‫طاقة والمجهود‪ ،‬فقد كان فممي طاقممة‬
‫ج‬
‫النسان أن يصّلي أكثر من الخمس‪ ،‬ويصوم أكثر مممن شممهر‪ ،‬ويح م ّ‬
‫جة" )‪.(2‬‬
‫أكثر من ح ّ‬
‫ن تعريفممه‬
‫ما رفع الحرج فإ ّ‬
‫هذا ما يتعّلق بتعريف اليسر والوسع‪ ،‬أ ّ‬
‫يستلزم تعريف الحرج أول‪ :‬قال في لسان العرب‪:‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬رفع الحرج في الشريعة السلمية ص )‪.(46‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬الكشاف )‪.(1/408‬‬

‫‪99‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الحرج‪ :‬الثم‪.‬‬
‫وقال أحمد بن يحيى‪ :‬والّتحريج‪ :‬الّتضييق‪.‬‬
‫وقال ابن الثير‪ :‬الحرج في الصل‪ :‬الضيق‪.‬‬
‫جماج فمي موضمع آخمر‪.‬‬
‫ضميق‪ ،‬ونسمبه للّز ّ‬
‫وقيل‪ :‬الحرج‪ :‬أضميق ال ّ‬
‫وحّرج فلن على فلن‪ :‬إذا ضّيق عليه)‪.(1‬‬
‫دى إلممى‬
‫ما في الصطلح‪) :‬كل ما أ ّ‬
‫هذا تعريف الحرج في اللغة‪ ،‬أ ّ‬
‫مشّقة زائدة في البدن أو الّنفس أو المال حال أو مآل()‪.(2‬‬
‫جع َ م َ‬
‫ن‬
‫م فِممي ال م ّ‬
‫ما َ‬
‫ل عَل َي ْك ُم ْ‬
‫قال ابن عباس في قوله‪ -‬تعالى‪) :-‬وَ َ‬
‫دي ِ‬
‫ج( )الحج‪ :‬من الية ‪ .(78‬توسعة السلم‪ ،‬ما جعممل اللممه مممن‬
‫ِ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫حَر ٍ‬
‫الّتوبة والكّفارات)‪.(3‬‬
‫دين واسممًعا ولممم‬
‫وقال ال ّ‬
‫ضحاك في تفسير الية‪ :‬جعممل المم ّ‬
‫يجعله ضي ًّقا)‪.(4‬‬
‫دين عليكم ولكن جعله واسممًعا‬
‫وقال مقاتل بن حيان‪ :‬لم يضيق ال ّ‬
‫لمن دخله‪ ،‬وذلك أّنه ليس مما فرض عليهم فيه إل وقد ساق إليهممم‬
‫عند الضطرار فيه رخصة)‪.(5‬‬
‫وبعد هذا الّتعريف للحرج يكون رفع الحرج هو‪:‬‬
‫ضحة في الّتعريف‪ .‬ويتوجه‬
‫دي إلى هذه المشاقّ المو ّ‬
‫)إزالة ما يؤ ّ‬
‫الّرفع والزالة إلى حقوق الله ‪ -‬سبحانه وتعممالى ‪ -‬لّنهمما مبني ّممة علممى‬
‫ممما بارتفمماع‬
‫ما بارتفاع الثم عنممد الفعممل‪ ،‬وإ ّ‬
‫المسامحة‪ ،‬ويكون ذلك إ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ضمميق الممتي‬
‫طلب للفعممل‪ ،‬وحينممما يرتفممع كممل ذلممك ترتفممع حالمة ال ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬لسان العرب مادة )حرج(‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬رفع الحرج في الشريعة السلمية ص )‪.(47‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(17/206‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(17/207‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬الدر المنثور )‪.(4/372‬‬

‫‪100‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫يعانيها المكّلف حينما يستشممعر أن ّممه يقممدم علممى ممما ل ُيرضممي اللممه‪،‬‬
‫ي‪.‬‬
‫ي والخوف من العقاب الخرو ّ‬
‫وهذا هو الحرج النفس ّ‬
‫ي حينما يكون الّتكليف شاّقا فيأتي العفممو‬
‫كما يرتفع الحرج الحس ّ‬
‫ف عممن الفعممل الموقممع فممي‬
‫ممما بممالك ّ‬
‫من اللممه ‪ -‬سممبحانه وتعممالى ‪ -‬إ ّ‬
‫ما بإباحة الفعل عند الحاجة إليه()‪.(1‬‬
‫الحرج‪ ،‬وإ ّ‬
‫ففي قوله‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬حينما سئل عن الّترتيب بين أعمال يوم‬
‫الّنحر من الّرمي والحلق وال ّ‬
‫طواف والّنحر‪  :‬افعممل ول حممرج ‪.(2) ‬‬
‫إباحة لترك الّترتيب بين هذه ال ّ‬
‫مممن لممم يرت ّممب‬
‫شعائر‪ ،‬ورفع للثممم ع ّ‬
‫كممترتيب رسممول اللممه‪  ،‬فممي نسممكه حينممما قممال‪  :‬خممذوا عن ّممي‬
‫مناسككم ‪.(3) ‬‬
‫دلممة‬
‫وبعد أن تبّين لنا معنى الّتيسير والوسع ورفع الحرج أذكممر ال ّ‬
‫سلف في ذلك‪:‬‬
‫على ذلك من الكتاب والسّنة‪ ،‬وأقوال ال ّ‬

‫‪ - 1‬رفع الحرج في الشريعة السلمية ص)‪.(48‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه البخاري )‪ .(188 ،2/187‬ومسلم )‪ (949 ،2/948‬رقم )‪ .(1306‬وأبو داود )‪ (2/211‬رقم )‪ .(2014‬والنسائي )‪ (5/272‬رقم )‪ .(3067‬وابن ماجة )‪،2/1013‬‬
‫‪ (1014‬رقم )‪.(3052 ،3051 ،3050‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه مسلم )‪ (2/943‬رقم )‪ .(1297‬وأبو داود )‪ (2/201‬رقم )‪ .(1970‬وأحمد )‪ .(378 ،367 ،337 ،332 ،318 ،3/301‬والنسائي )‪ (5/270‬رقم )‪ (3062‬وغيرهم‪.‬‬

‫‪101‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الدلة من القرآن الكريم‪:‬‬
‫ن الله قممد‬
‫دين دين يسر‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن هذا ال ّ‬
‫دا ُتبّين أ ّ‬
‫وردت آيات كثيرة ج ّ‬
‫ممة فيمما يشمقّ عليهما‪ ،‬حيمث لمم يكّلفهما إل‬
‫رفع الحرج عن همذه ال ّ‬
‫وسعها‪.‬‬
‫وسأذكر أدّلة الّتيسير‪ ،‬ثم أدّلة رفع الحرج‪ ،‬ثم أدّلة عدم الّتكليممف‬
‫بغير الوسع وال ّ‬
‫طاقة‪.‬‬
‫س مَر‬
‫م ال ْي ُ ْ‬
‫‪ -1‬أدلة التيسير والتخفيف قال الله ‪ -‬تعالى‪) :-‬ب ِك ُم ُ‬
‫سَر( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(185‬‬
‫م ال ْعُ ْ‬
‫ريد ُ ب ِك ُ ُ‬
‫َول ي ُ ِ‬
‫وقال ‪ -‬سممبحانه ‪) :-‬يريمد الل ّم َ‬
‫ن‬
‫م وَ ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫خّفم َ‬
‫سمما ُ‬
‫هأ ْ‬
‫ُ ِ ُ‬
‫خل ِمقَ اْل ِن ْ َ‬
‫ف عَن ْك ُم ْ‬
‫ُ‬
‫ضِعيفًا( )النساء‪.(28:‬‬
‫َ‬

‫سُر َ‬
‫سَرى( )العلى‪.(8:‬‬
‫ك ل ِل ْي ُ ْ‬
‫وقال ‪) ‬وَن ُي َ ّ‬
‫ر‬
‫سممرا ً إ ِ ّ‬
‫وقال في سورة النشراح‪) :‬فَإ ِ ّ‬
‫ممعَ ال ْعُ ْ‬
‫سرِ ي ُ ْ‬
‫معَ ال ْعُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫سم ِ‬
‫سرًا( )الشرح‪.(6 ،5:‬‬
‫يُ ْ‬
‫ل ل َمه مم َ‬
‫وفي سورة ال ّ‬
‫جع َ م ْ‬
‫سممرًا(‬
‫ه يَ ْ‬
‫ممرِهِ ي ُ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ق الل ّ َ‬
‫طلق‪) :‬وَ َ‬
‫ُ ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ي َت ّ ِ‬
‫)الطلق‪ :‬من الية ‪.(4‬‬
‫جع َ ُ‬
‫وقال ‪ -‬ج ّ‬
‫سممرًا( )الطلق‪:‬‬
‫سي َ ْ‬
‫سرٍ ي ُ ْ‬
‫ه ب َعْد َ عُ ْ‬
‫ل من قائل ‪َ ) :-‬‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫من الية ‪.(7‬‬
‫مة‪.‬‬
‫هذه بعض اليات التي تفيد الّتيسير على هذه ال ّ‬
‫قال القاسمي في تفسير أية البقممرة‪ :‬قممال الشممعبي‪ :‬إذا اختلممف‬
‫عليك أمران‪ ،‬فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق لهذه الية)‪.(1‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(3/427‬‬

‫‪102‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سرون في تفسيرهم لهذه اليات أن الله أراد لهذه‬
‫وقد ذكر المف ّ‬
‫مة اليسر ولم يرد لها العسر)‪.(1‬‬
‫ال ّ‬
‫دللة على‬
‫‪ -2‬أدلة رفع الحرج من أقوى الدّلة وأصرحها في ال ّ‬
‫جع َ َ‬
‫ج(‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫م فِممي الم ّ‬
‫ما َ‬
‫ل عَل َي ْك ُ ْ‬
‫رفع الحرج قوله ‪ -‬تعالى‪) :-‬وَ َ‬
‫مم ْ‬
‫دي ِ‬
‫حمَر ٍ‬
‫)الحج‪ :‬من الية ‪.(78‬‬
‫دين واسًعا ولم يجعلممه‬
‫قال الطبري في تفسير هذه الية‪ :‬جعل ال ّ‬
‫ضي ًّقا)‪.(2‬‬
‫وقال ابن كثير‪ :‬أي‪ :‬ما كّلفكم ما ل تطيقون وما ألزمكممم بشمميء‬
‫جا)‪.(3‬‬
‫جا ومخر ً‬
‫يشقّ عليكم إل جعل الله لكم فر ً‬
‫جع َ َ‬
‫م ِ‬
‫ري مد ُ‬
‫ن َ‬
‫ه ل ِي َ ْ‬
‫ل عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ريد ُ الل ّ ُ‬
‫وقال‪ -‬سبحانه‪َ ) :-‬‬
‫ج وَل َك ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن يُ ِ‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫حَر ٍ‬
‫م تَ ْ‬
‫ن( )المممائدة‪ :‬مممن اليممة‬
‫شمك ُُرو َ‬
‫م ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫ه عَل َي ْك ُ ْ‬
‫مت َ ُ‬
‫م ن ِعْ َ‬
‫م وَل ِي ُت ِ ّ‬
‫ل ِي ُط َهَّرك ُ ْ‬
‫‪.(6‬‬
‫ضممى َول‬
‫مْر َ‬
‫س عَل َممى ال ّ‬
‫ضمعََفاِء َول عَل َممى ال ْ َ‬
‫وفي سورة التوبة‪) :‬ل َي ْم َ‬
‫ج إِ َ‬
‫ه(‬
‫سممول ِ ِ‬
‫عََلى ال ّم ِ‬
‫صم ُ‬
‫ح مَر ٌ‬
‫ن َ‬
‫ممما ي ُن ِْفُقممو َ‬
‫دو َ‬
‫جم ُ‬
‫حوا ل ِل ّمهِ وََر ُ‬
‫ن َ‬
‫ن ل يَ ِ‬
‫ذا ن َ َ‬
‫ذي َ‬
‫)التوبة‪ :‬من الية ‪.(91‬‬
‫ما َ‬
‫ممما‬
‫ي ِ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫ج ِفي َ‬
‫وقال في سورة الحمزاب‪َ ) :‬‬
‫مم ْ‬
‫ن عَل َممى الن ّب ِم ّ‬
‫ح مَر ٍ‬
‫ه( )الحزاب‪ :‬من الية ‪.(38‬‬
‫ه لَ ُ‬
‫ض الل ّ ُ‬
‫فََر َ‬
‫َ‬
‫ج َول عَل َممى‬
‫حمَر ٌ‬
‫ممى َ‬
‫س عَل َممى اْلعْ َ‬
‫وفي سورتي الفتح والنممور‪) :‬ل َْيم َ‬
‫َْ‬
‫ج( )النور‪ :‬من الية ‪.(61‬‬
‫حَر ٌ‬
‫ض َ‬
‫حَر ٌ‬
‫ج َ‬
‫ج َول عََلى ال ْ َ‬
‫م ِ‬
‫ري ِ‬
‫العَْر ِ‬
‫مممة‪،‬‬
‫وفي هذه اليات دللة ظاهرة على رفع الحرج علممى هممذه ال ّ‬
‫جا‪ ،‬وبعض هذه اليات وإن كممانت‬
‫ن الله لم يجعل في الّتشريع حر ً‬
‫وأ ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪ (2/156‬وتفسير ابن كثير )‪ (1/217‬وغيرهما‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(17/207‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/236‬‬

‫‪103‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن الّتخفيمف‬
‫مما‪ ،‬فكمأ ّ‬
‫صة في أحكام معّينة‪ ،‬ولكّننا نجمد الّتعليمل عا ّ‬
‫خا ّ‬
‫ورفع الحرج في هذه الحكام والفروض بإعممادة الشمميء إلممى أصممله‬
‫دي إلى الحرج لسممبب‬
‫مة‪ ،‬فكل شيء يؤ ّ‬
‫وهو رفع الحرج عن هذه ال ّ‬
‫عا إلى الصل والقاعدة‪.‬‬
‫م فهو معفوّ عنه‪ ،‬رجو ً‬
‫ص أو عا ّ‬
‫خا ّ‬
‫‪ -3‬أدلة عدم التكليف بما يضــاد الوســع والطاقــة قممال‪-‬‬
‫سعََها( )البقرة‪:‬‬
‫سبحانه‪ -‬في سورة البقرة‪) :‬ل ي ُك َل ّ ُ‬
‫ه ن َْفسا ً إ ِّل وُ ْ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫ما ل َ‬
‫ه(‬
‫طاقَ َ‬
‫ة ل ََنا ب ِ ِ‬
‫من الية ‪ .(286‬وفي الية نفسها‪َ) :‬رب َّنا َول ت ُ َ‬
‫مل َْنا َ‬
‫ح ّ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪.(286‬‬
‫وقال الله‪ -‬تعممالى‪ -‬كممما فممي الحممديث الصممحيح‪:‬‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫وكذلك قوله‪َ) :‬رب َّنا ل ت ُ َ‬
‫ل عَل َي َْنا‬
‫سيَنا أ َوْ أ َ ْ‬
‫ؤا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن نَ ِ‬
‫خط َأَنا َرب َّنا َول ت َ ْ‬
‫خذ َْنا إ ِ ْ‬
‫ن قَب ْل َِنا( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(286‬‬
‫ن ِ‬
‫ه عََلى ال ّ ِ‬
‫ما َ‬
‫مل ْت َ ُ‬
‫ح َ‬
‫صرا ً ك َ َ‬
‫إِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫‪‬‬

‫قممد فعلممت‬

‫)‪(1‬‬

‫‪‬‬

‫قال الشيخ الدكتور‪ /‬صالح بــن حميــد‪) :‬والوسممع ممما يسممع‬
‫النسان فل يعجز عنه ول يضيق عليه ول يحرج فيه‪ ،‬فقوله‪ -‬تعالى‪:-‬‬
‫سمعََها( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ (286‬أي‪ :‬ل‬
‫)ل ي ُك َل ّم ُ‬
‫ه ن َْفسما ً إ ِّل وُ ْ‬
‫ف الل ّم ُ‬
‫يحملها إل ما تسعه وتطيقه ول تعجز عنه أو يحرجها دون مدى غايممة‬
‫ال ّ‬
‫طاقة‪ ،‬فل يكّلفها بما يتوقّممف حصمموله علممى تمممام صممرف القممدرة‪،‬‬
‫ن عامة أحكام السلم تقع في هذه الحدود‪ ،‬ففي طاقممة النسممان‬
‫فإ ّ‬
‫ن‬
‫وقدرته التيان بأكثر من خمس صلوات وصيام أكثر من شهر‪ ،‬ولك ّ‬
‫مة اليسر ولم يرد بهمما‬
‫الله جّلت قدرته ووسعت رحمته أراد بهذه ال ّ‬
‫العسر()‪.(2‬‬

‫‪ - 1‬أخرجه مسلم )‪ (1/116‬رقم )‪.(126‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬رفع الحرج في الشريعة السلمية ص )‪ ،(69‬وتفسير القرطبي )‪.(3/426‬‬

‫‪104‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن التكليــف بحــدود الوســع وال ّ‬
‫طاقــة‬
‫ومن الدّلة على أ ّ‬
‫ف ن َْفس ما ً إ ِّل‬
‫ت ل ن ُك َل ّ ُ‬
‫حا ِ‬
‫مُنوا وَعَ ِ‬
‫قوله‪ -‬تعالى‪َ) :-‬وال ّ ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫نآ َ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫وسعها ُأول َئ ِ َ َ‬
‫ن( )لعراف‪.(42:‬‬
‫م ِفيَها َ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫جن ّةِ هُ ْ‬
‫كأ ْ‬
‫ُ ْ َ َ‬
‫ف ن َْفس ما ً إ ِّل‬
‫ويقممول‪ -‬سممبحانه‪ -‬فممي سممورة المؤمنممون‪َ) :‬ول ن ُك َل ّم ُ‬
‫سعََها( )المؤمنون‪ :‬من الية ‪.(62‬‬
‫وُ ْ‬
‫ي‪ :‬فسنة الله جارية على أّنه ل يكلف الّنفوس إل‬
‫قال القاسم ّ‬
‫وسعها )‪.(1‬‬
‫بل جاء تقرير هذه القاعدة عند ذكر بعض الحكام الجزئّية فقال‪-‬‬
‫ف‬
‫ف ل ت ُك َّلم ُ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن وَك ِ ْ‬
‫ن ِبمال ْ َ‬
‫موُْلودِ ل َ ُ‬
‫سبحانه‪) :-‬وَعََلى ال ْ َ‬
‫سموَت ُهُ ّ‬
‫ه رِْزقُهُ ّ‬
‫سعََها( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(233‬‬
‫س إ ِّل وُ ْ‬
‫ن َْف ٌ‬
‫ن قُمدَِر‬
‫سعَةٍ ِ‬
‫ن َ‬
‫وكذلك في سورة الطلق‪) :‬ل ِي ُن ِْفقْ ُذو َ‬
‫سمعَت ِهِ وَ َ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫ممما آَتاهَمما(‬
‫ه ل ي ُك َل ّم ُ‬
‫ه فَل ْي ُن ِْفقْ ِ‬
‫ه ن َْفسما ً إ ِّل َ‬
‫ف الل ّم ُ‬
‫ما آت َمماهُ الل ّم ُ‬
‫م ّ‬
‫عَل َي ْهِ رِْزقُ ُ‬
‫)الطلق‪ :‬من الية ‪.(7‬‬
‫ما َ‬
‫ل ال ْي َِتيم ِ إ ِّل ِبممال ِّتي‬
‫وكذلك‪ -‬أي ً‬
‫ضا‪ -‬في سورة النعام‪َ) :‬ول ت َْقَرُبوا َ‬
‫َ‬
‫شد ّهُ وَأ َوُْفوا ال ْك َي ْ َ‬
‫حّتى ي َب ْل ُغَ أ َ ُ‬
‫ف‬
‫ط ل ن ُك َل ّ ُ‬
‫س ِ‬
‫ل َوال ْ ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫ن َ‬
‫يأ ْ‬
‫ن ِبال ِْق ْ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫هِ َ‬
‫سعََها( )النعام‪ :‬من الية ‪.(152‬‬
‫ن َْفسا ً إ ِّل وُ ْ‬
‫ن الّتكليممف بحسممب الوسممع‬
‫هذه هي اليممات الممتي وردت مبّينممة أ ّ‬
‫وال ّ‬
‫طاقة‪ ،‬ول ش ّ‬
‫ن الحكام ال ّ‬
‫شرعية إذا كانت مطلوبة في حممدود‬
‫كأ ّ‬
‫الوسممع والسممتطاعة دون بلمموغ غايممة ال ّ‬
‫دللممة‬
‫طاقممة‪ ،‬ففممي ذلممك ال ّ‬
‫دين‪،‬‬
‫ن اليسممر سمممة هممذا ال م ّ‬
‫الظ ّمماهرة علممى أن الحممرج مرفمموع‪ ،‬وأ ّ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(12/4405‬‬

‫‪105‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سمممحة‬
‫صّية من خصائصه‪ ،‬فهي الحنيفي ّممة ال ّ‬
‫والّتوسعة على العباد خا ّ‬
‫ت فيها ول مشّقة)‪.(1‬‬
‫والوسطّية التي ل عَن َ َ‬

‫الدلة من السنة النبوية‪:‬‬
‫سممو ٌ‬
‫ل‬
‫جاء في سورة براءة وصممف الرسممول‪)  ،‬ل ََقمد ْ َ‬
‫م َر ُ‬
‫جمماَءك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ن َر ُ‬
‫ف‬
‫ؤو ٌ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن أن ُْف ِ‬
‫م َ‬
‫م ب ِممال ْ ُ‬
‫ص عَل َي ْك ُم ْ‬
‫ممما عَن ِت ّم ْ‬
‫زيٌز عَل َي ْهِ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ريم ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ِ ْ‬
‫ح ِ‬
‫م عَ ِ‬

‫َرِحيٌم( )التوبة‪ .(128:‬وكذلك فقممد جمماءت الحمماديث عنممه‪ ،‬‬

‫تممبين‬

‫و‪ ،‬بل ترك‪،‬‬
‫دين‪ ،‬وتحمل الّنهي عن الّتش ّ‬
‫يسر هذا ال ّ‬
‫دد والّتع ّ‬
‫مق والغل ّ‬
‫مته وخشية من أن يشقّ عليها‪ ،‬وهذا‬
‫‪ ‬كثيًرا من العمال رحمة بأ ّ‬
‫دين وسماحته )‪.(2‬‬
‫يخالف يسر ال ّ‬
‫وسأذكر بعض الحاديث التي تؤك ّممد حقيقممة يسممر السمملم وبعممده‬
‫ما يخرج عن منهج الوسطّية‪.‬‬
‫ع ّ‬
‫وعت أسمماليب رسممول اللممه‪،‬‬
‫وقممد تنم ّ‬

‫‪‬‬

‫متممه لهممذه‬
‫فممي تمموجيه أ ّ‬

‫الحقائق وتأصيلها‪.‬‬
‫دين ديممن‬
‫ن هممذا ال م ّ‬
‫حا فممي بيممان أ ّ‬
‫فنجد في الحاديث ما جاء صري ً‬

‫سماحة‪ ،‬وأّنه‪ ،‬‬
‫اليسر وال ّ‬

‫ث بذلك‪.‬‬
‫ب ُعِ َ‬

‫ن رسول اللممه‪ ،‬‬
‫فقد روت عائشة‪ -‬رضي الله عنها‪ -‬أ ّ‬

‫قممال‪:‬‬

‫‪‬‬

‫سًرا ‪.(3) ‬‬
‫إ ّ‬
‫ما مي ّ‬
‫ن الله لم يبعثني معن ًّتا ول متعن ًّتا‪ ،‬ولكن بعثني معل ّ ً‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬رفع الحرج ص )‪.(73‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬رفع الحرج ص )‪ ،(75‬والشارة للغلو والمشقة‪.‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه مسلم )‪ (2/1105‬رقم )‪.(1478‬‬

‫‪106‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ممما بعثهممما إلممى‬
‫وقال لمعمماذ بممن جبممل وأبممي موسممى الشممعري ل ّ‬
‫سرا وب َ ّ‬
‫شرا ول ت ُن َّفرا ‪.(1) ‬‬
‫سرا ول ُتع ّ‬
‫اليمن‪  :‬ي َ ّ‬
‫دين يسممر ولممن يشمماد ّ‬
‫ن ال م ّ‬
‫وقال‪  ،‬مب َي ًّنا حقيقة هذا الدين‪  :‬إ ّ‬
‫ددوا وقاربوا وأبشروا ‪.(2) ‬‬
‫دين أحد إل غلبه‪ ،‬فس ّ‬
‫ال ّ‬

‫وروى ابن عباس عنه‪  ،‬‬

‫أنه قال لما قيل له‪ :‬يمما رسممول اللممه!‬

‫سمحة"‬
‫أي الديان أح ّ‬
‫ب إلى الله؟ قال‪" :‬الحنيفّية ال ّ‬
‫وجاء في روايات أخرى‪:‬‬
‫وفي رواية‪:‬‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫)‪.(3‬‬

‫سمحة ‪.(4) ‬‬
‫ُبعثت بالحنيفّية ال ّ‬

‫سمحة ‪.(5) ‬‬
‫ب ال ّ‬
‫ن أح ّ‬
‫إ ّ‬
‫دين إلى الله الحنيفّية ال ّ‬

‫وعن عروة الفقيمي‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬قال‪  :‬كن ّمما ننتظممر النممبي‪،‬‬
‫مما قضمى‬
‫‪ ‬فخرج يقطممر رأسمه مممن وضمموء أو غسمل فصمّلى‪ ،‬فل ّ‬
‫صلة جعل الّناس يسألونه‪ :‬يا رسمول اللمه! أعلينما ممن حمرج فمي‬
‫ال ّ‬
‫ن دين اللمه‪ -‬عمّز وجم ّ‬
‫ل‪-‬‬
‫كذا‪ ،‬فقال رسول الله‪"  ،‬ل أّيها الّناس‪ :‬إ ّ‬
‫ن دين الله‪ -‬عّز وجمم ّ‬
‫ن دين الله‪ -‬عّز وج ّ‬
‫ل‪-‬‬
‫ل‪ -‬في يسر‪ ،‬إ ّ‬
‫في يسر‪ ،‬إ ّ‬
‫في يسر"‬

‫‪‬‬

‫)‪ .(6‬وممما خيممر رسممول اللممه‪ ،‬‬

‫ما )‪.(7‬‬
‫أيسرهما ما لم يكن إث ً‬
‫وفي مسند المام أحمد‪ ،‬قال‪ :‬قال‪،‬‬

‫‪‬‬

‫بيممن أمريممن إل اختممار‬

‫ن خيمر دينكمم أيسمره‪،‬‬
‫إ ّ‬

‫ن خير دينكم أيسره ‪.(8) ‬‬
‫إ ّ‬
‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ .(5/108‬ومسلم )‪ (3/1359‬رقم )‪.(1733‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه البخاري )‪.)1/15‬‬
‫قا )‪ (1/15‬قال الهيثمي في مجمع الزوائد )‪ :(1/65‬رواه أحمد والطبراني في الكبير والوسط والبزار‪ ،‬وفيه ابن إسحاق وهو مدلس‪،‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه أحمد )‪ .(1/236‬والبخاري معل ً‬
‫ولم يصّرح بالسماع‪ .‬اهم‪ .‬وحسن الحافظ إسناده في الفتح )‪.(1/117‬‬
‫‪ - 4‬أخرجه أحمد )‪ .(5/266‬قال الهيثمي في المجمع‪ :(5/282) :‬رواه أحمد والطبراني‪ ،‬وفيه علي بن يزيد اللهاني وهو ضعيف‪.‬‬
‫‪ - 5‬قال الهيثمي في المجمع )‪ .(1/65‬رواه الطبراني في الوسط‪ ،‬وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري منكر الحديث‪.‬‬
‫‪ - 6‬أخرجه أحمد )‪ .(5/69‬قال الهيثمي في المجمع )‪(1/67‬؛‪ :‬رواه أحمد والطبراني في الكبير وأبو يعلى وفيه عاصم بن هلل‪ ،‬وثقه أبو حاتم وأبو داود‪ ،‬وضعفه النسائي‬
‫وغيره‪ .‬قال الحافظ في التقريب ص )‪ :(286‬فيه لين‪.‬‬
‫‪ - 7‬أخرجه أحمد )‪ .(5/32) ،(4/338‬قال الهيثمي في المجمع )‪ :(1/66‬رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح‪.‬‬
‫‪ - 8‬قال الهيثمي في المجمع )‪ :(4/18‬رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقال‪ ،‬‬

‫في حديث محجن بن الدرع‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ن الله تعممالى رضممي‬
‫إ ّ‬

‫مة اليسير وكره لها العسير ‪.(1) ‬‬
‫لهذه ال ّ‬
‫دين وسماحته‪.‬‬
‫وهذه الحاديث صريحة في بيان يسر هذا ال ّ‬

‫ونجد من أساليبه‪ ،‬‬

‫في هممذا الجممانب ممما ورد فممي الّنهممي عممن‬

‫الغلوّ والتن ّ‬
‫طع‪.‬‬
‫فعن ابن عّباس‪ -‬رضي الله عنهما‪ -‬قال‪ :‬قممال رسممول اللممه‪،‬‬

‫‪‬‬

‫دين‬
‫دين فإّنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ فممي ال م ّ‬
‫إّياكم والغلوّ في ال ّ‬
‫)‪.(2‬‬

‫وعن ابن مسعود‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬قممال‪ :‬قممال رسممول اللممه‪  ،‬‬
‫هلك المتن ّ‬
‫طعون ‪ ‬قالها ثلًثا )‪.(3‬‬
‫وعن أنس بممن مالممك‬

‫‪ ‬أن رسممول اللممه‪ ،‬‬

‫كممان يقممول‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ل‬

‫تُ ّ‬
‫ددوا علممى‬
‫ممما شم ّ‬
‫دد الله عليكممم‪ ،‬فممإ ّ‬
‫شددوا على أنفسكم فيش ّ‬
‫ن قو ً‬
‫ديارات‬
‫صمموامع وال م ّ‬
‫أنفسهم فش ّ‬
‫دد الله عليهم‪ ،‬فتلك بقايمماهم فممي ال ّ‬
‫رهبانّية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ‪.(4) ‬‬

‫ضا‪ -‬‬
‫ومن أساليبه‪ -‬أي ً‬

‫متممه‪:‬‬
‫ترك العمل مخافة المشمّقة علممى أ ّ‬

‫صممة صمملة الّتراويممح‪  ،‬حيممث صمملى‪ ،‬‬
‫ومن ذلممك ق ّ‬

‫ذات ليلممة فممي‬

‫رمضان فصمّلى بصمملته نمماس‪ ،‬ثممم صمّلى القابلممة فكممثر الن ّمماس‪ ،‬ثممم‬
‫اجتمعوا في الليلة الّثالثة أو الّرابعة فلممم يخممرج إليهممم‪ ،‬فلممما أصممبح‬
‫‪ - 1‬قال الهيثمي في المجمع )‪ :(4/18‬رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح‪.‬‬
‫ضا‪ -‬اللباني‬
‫‪ - 2‬أخرجه النسائي )‪ (5/268‬رقم )‪ .(3057‬وابن ماجة )‪ (2/1008‬رقم )‪ (3029‬وأحمد )‪ ،(347 ،1/215‬وصححه الحاكم )‪ ،(1/466‬ووافقه الذهبي‪ ،‬وصححه ‪ -‬أي ً‬
‫كما في السلسلة الصحيحة رقم )‪ ،(1283‬وصحيح الجامع رقم )‪.(2680‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه مسلم )‪ (4/2055‬رقم )‪ .(2670‬وأبو داود )‪ (4/201‬رقم )‪ .(4608‬وأحمد )‪.(1/386‬‬
‫‪ - 4‬أخرجه أبو داود )‪ (277 ،4/276‬رقم )‪ ،(4904‬وأخرجه أبو يعلى‪ ،‬كما في المطالب العالية )‪ (1/117‬رقم )‪ (422‬وفي إسناد هذا الحديث‪ :‬سعيد بن عبد الرحمن بن أبي‬
‫دا‪..‬‬
‫ضا ‪ -‬في التهذيب )‪ :(4/57‬ذكره ابن حبان في الثقات‪ ،‬وروى له أبو داود حديًثا واح ً‬
‫العمياء؛ مختلف في توثيقه‪ .‬قال الحافظ في التقريب ص )‪ (238‬مقبول‪ .‬وقال ‪ -‬أي ً‬
‫وذكر هذا الحديث‪ .‬قال الهيثمي في مجمع الزوائد )‪ :(6/259‬رجاله رجال الصحيح‪ ،‬غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء وهو ثقة!! وضعف هذا الحديث العلمة اللباني‬
‫كما في ضعيف الجامع رقم )‪ ،(6232‬والقرب حسن هذا السناد‪ .‬والله ‪ -‬تعالى ‪ -‬أعلم‪.‬‬

‫‪108‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ي‬
‫قال‪" :‬قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكممم إل أن م ّ‬
‫خشيت أن ُتفرض عليكم" ‪ ‬وفي الّرواية الخرى‪  :‬فتعجزوا عنها‬
‫‪‬‬

‫)‪.(1‬‬

‫وعن أبي هريرة ‪ ‬أن رسول اللمه‪ ،‬‬

‫قمال‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ق‬
‫لمول أن أشم ّ‬

‫سواك عند كل صلة ‪.(2) ‬‬
‫متي لمرتهم بال ّ‬
‫على أ ّ‬
‫متممه‪:‬‬
‫بل إّنه يعمل العمل فيندم على ذلك مخافة المشمّقة علممى أ ّ‬
‫فقد روت عائشة ‪ -‬رضي الله عنها‪  -‬أن رسول الله‪  ،‬خرج من‬
‫عندها وهو مسرور ثم رجممع إليهمما وهممو كئيممب‪ ،‬فقممال‪" :‬إن ّممي دخلممت‬
‫الكعبة‪ ،‬ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها‪ ،‬إن ّممي أخمماف‬
‫متي"‬
‫أن أكون قد شققت على أ ّ‬
‫متممه وكرهممه للمش مّقة‬
‫ووصممل مممن رحمتممه‪  ،‬وتيسمميره علممى أ ّ‬
‫عليهم ما يفيده هذا الحديث الذي رواه أبو قتممادة‪ ،‬حيممث قممال‪  ،‬‬
‫‪‬‬

‫)‪.(3‬‬

‫صممبي‬
‫ول فيها فأسمممع بكمماء ال ّ‬
‫إّني لقوم إلى ال ّ‬
‫صلة وأنا أريد أن أط ّ‬
‫مه ‪.(4) ‬‬
‫وز كراهية أن أشقّ على أ ّ‬
‫فأتج ّ‬
‫ومن أساليبه في ذلك نهيه‪  ،‬لصحابه عممن أعمممال تممؤدي إلممى‬
‫المشّقة والعسر‪:‬‬
‫‪ ‬فقد جاء رجل إلممى رسممول اللممه‪  ،‬فقممال‪ :‬إن ّممي لتممأخّر عممن‬
‫صبح من أجل فلن مما يطيل بنا ‪ ‬قال أبو مسعود النصمماري‬
‫صلة ال ّ‬
‫راوي الحديث‪ :‬فما رأيت النبي‪  ،‬غضب فممي موعظممة ق م ّ‬
‫ط أش مد ّ‬

‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ .(1/222‬ومسلم واللفظ له )‪ (1/524‬رقم )‪.(761‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه البخاري )‪ .(1/214‬ومسلم )‪ (1/220‬رقم )‪.(252‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه أبو داود )‪ (2/215‬رقم )‪ .(2029‬وابن ماجة )‪ (1019 ،2/1018‬رقم )‪ .(3064‬وضّعفه اللباني كما في ضعيف الجامع رقم )‪.(2085‬‬
‫‪ - 4‬أخرجه البخاري )‪ .(1/173‬وأبو داود )‪ (1/209‬رقم )‪.(789‬‬

‫‪109‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ما غضب يومئذ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫م ّ‬
‫ن من ورائه الكبير‪ ،‬والضعيف‪ ،‬وذا الحاجة‬
‫الّناس فليوجز‪ ،‬فإ ّ‬
‫‪‬‬

‫م‬
‫أّيها الناس إن منكم منّفريممن‪ ،‬فممأّيكم أ ّ‬
‫‪‬‬

‫)‪.(1‬‬

‫‪ ‬ودخل مّرة المسجد فإذا حبل ممدود بين سمماريتين فقممال‪ :‬ممما‬
‫هذا الحبل؟ فقالوا‪ :‬حبل لزينب‪ ،‬فإذا فترت تعّلقممت بممه‪ ،‬فقممال‪ ،‬‬
‫حّلوه‪ ،‬ليص ّ‬
‫ل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد ‪.(2) ‬‬

‫صحيحين وغيرهما عن أنس بن مالممك ‪ ‬‬
‫وجاء في ال ّ‬
‫خا يهادي بين ابنيه‪ ،‬فقال‪ :‬مما بمال همذا؟ قمالوا‪ :‬نمذر أن‬
‫‪ ‬رأى شي ً‬
‫أن النممبي‪،‬‬

‫ن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني‪ ،‬وأمره أن يركب‬
‫يمشي‪ ،‬قال‪ :‬إ ّ‬
‫)‪.(3‬‬

‫ومثل ذلك ‪ ‬قصة الثلثممة الممذين سممألوا عممن عبممادة الرسممول‪ ،‬‬
‫ممما أنمما فأصمموم ول‬
‫فلما علموا ذلك كأّنهم تقاّلوهم‍ا! فقممال أحممدهم‪ :‬أ ّ‬
‫ج‬
‫دا‪ ،‬وقممال الخممر‪ :‬ل أتممزو ّ‬
‫صلي الليل أب ً‬
‫أفطر‪ ،‬وقال الخر‪ :‬أ ّ‬
‫ما أنا فأ ّ‬
‫ما والله إني أخشاكم‬
‫النساء‪ ،‬فقال ‪ ‬أأنتم الذين قلتم كذا وكذا‪ ،‬أ َ‬
‫ي أصوم وأفطر‪ ،‬وأصّلي وأرقد‪ ،‬وأتزوج الّنسمماء‪،‬‬
‫لله وأتقاكم له‪ ،‬لكن ّ‬
‫فمن رغب عن سّنتي فليس مّني ‪.(4) ‬‬
‫وأختم هذه الحاديث بهذا الحديث الذي رواه الممدارقطني بسممنده‬
‫عن نافع عن عبد الله بن عمممر‪ -‬رضممي اللممه عنهممما‪ -‬قممال‪:‬‬

‫‪‬‬

‫خممرج‬

‫رسول الله‪  ،‬في بعض أسفاره فسار ليل فمّر على رجل جالس‬
‫عند مقراة له‪ -‬وهي الحوض الذي يجتمع فيه الماء‪ -‬فقال لممه عمممر‪:‬‬
‫سباع الليلة في مقراتك؟‬
‫ت ال ّ‬
‫يا صاحب المقراة‪ :‬ول َغَ ْ‬
‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ .(173 ،1/172‬ومسلم )‪ (1/340‬رقم )‪.(467 ،466‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه البخاري )‪ .(2/48‬ومسلم )‪ (1/542‬رقم )‪.(784‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه البخاري )‪ .(7/234‬ومسلم )‪ (1264 ،3/1263‬رقم )‪.(1643 ،1642‬‬
‫‪ - 4‬أخرجه البخاري )‪ .(6/116‬ومسلم بمعناه )‪ (2/1020‬رقم )‪.(1401‬‬

‫‪110‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫فقال له النبي‪ ،‬‬

‫"يا صاحب المقراة ل تخبره‪ ،‬هذا متكّلف‪ ،‬لها‬

‫ما حملت في بطونها‪ ،‬ولنا ما بقي شراب طهور"‬

‫‪‬‬

‫)‪.(5‬‬

‫دين‬
‫ومممما سممبق مممن هممذه الحمماديث يتممبّين لنمما سممماحة هممذا ال م ّ‬
‫دي إلى المشّقة والعسر‪.‬‬
‫دد وما يؤ ّ‬
‫ويسره‪ ،‬وبعده عن الغلوّ والّتش ّ‬

‫‪ - 5‬سنن الدارقطني )‪.(1/26‬‬

‫‪111‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫أقوال السلف‬

‫)‪(1‬‬

‫ممما سممواه‪ ،‬بممل إن‬
‫ما ذكرته من الدّلة من الكتاب والسّنة يغني ع ّ‬
‫جة في ذلك‪.‬‬
‫حا ح ّ‬
‫دا صحي ً‬
‫آية واحدة أو حديًثا واح ً‬
‫دين وسممماحته ووسممطّيته‬
‫ن قضممّية يسممر هممذا المم ّ‬
‫ولكممن لبيممن أ ّ‬
‫جا عملّيا‪ ،‬استجابة لله ورسوله‪ ،‬فسممأذكر بعممض ممما ورد‬
‫أصبحت منه ً‬
‫سلف في هذا الباب‪ ،‬مع الختصار دون إخلل أو إقلل‪.‬‬
‫عن ال ّ‬
‫صحابة في ذلك‪:‬‬
‫يقول عبد الله بن مسعود ‪ ‬مبي ًّنا منهج ال ّ‬
‫ي ل ت ُممؤمن‬
‫ن بمن قممد مممات‪ ،‬فممإ ّ‬
‫ن الحم ّ‬
‫"من كان منكم مستّنا فليست ّ‬
‫مة‪ ،‬أبّرها‬
‫عليه الفتنة‪ ،‬أولئك أصحاب محمد‪  ،‬كانوا أفضل هذه ال ّ‬
‫قلوًبا‪ ،‬وأعمقها علًما‪ ،‬وأقّلها تكل ًّفا‪ ،‬اختممارهم اللممه لصممحبة نممبيه‪ ،‬‬
‫ولقامة دينه‪ ،‬فاعرفوا لهم فضلهم‪ ،‬واّتبعوهم على أثرهم وسيرتهم‪،‬‬
‫فإّنهم كانوا على الهدي المستقيم" )‪.(2‬‬
‫ضا‪ -‬إّياكم والّتن ّ‬
‫مممق‪ ،‬وعليكممم بممالعتيق‬
‫وقال‪ -‬أي ً‬
‫طع‪ ،‬إي ّمماكم والّتع ّ‬
‫)‪.(3‬‬

‫وقال أنس بن مالك ‪ ‬كن ّمما عنممد عمممر ‪‬‬

‫فسمممعته يقممول‪:‬‬

‫"نهينا عن الّتكّلف" )‪.(4‬‬
‫صمميغة وإن كممان لهمما‬
‫قال الدكتور‪ /‬صالح بن حميــد‪ :‬هممذه ال ّ‬
‫حكم المرفوع‪ ،‬غير أّنها تد ّ‬
‫ل على البعد عن الّتكّلف هممو منهممج عمممر‬
‫صحابة )‪.(5‬‬
‫وغيره من ال ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬رفع الحرج )‪ (87‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪ - 2‬إغاثة اللهفان )‪ (1/159‬ورفع الحرج ص )‪.(87‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬إغاثة اللهفان )‪ (1/159‬ورفع الحرج ص )‪.(88‬‬
‫‪ - 4‬انظر إغاثة اللهفان )‪ (1/159‬ورفع الحرج ص )‪.(88‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬رفع الحرج ص )‪.(88‬‬

‫‪112‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقد مّر عمر‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬في طريق فسقط عليه شيء من‬
‫ميزاب‪ ،‬فقال رجل مع عمر‪ :‬يمما صمماحب الميممزاب‪ ،‬ممماؤك طمماهر أو‬
‫نجس؟ فقال عمر‪ :‬يا صاحب الميزاب‪ :‬ل تخبرنا‪ ،‬ومضى )‪.(1‬‬
‫وروي أن عبد الله بن عمر‪ -‬رضي الله عنهما‪ -‬سممئل عممن الجبممن‬
‫الممذي تصممنعه المجموس؟ فقمال‪ :‬ممما وجممدته فممي سموق المسملمين‬
‫اشتريته ولم أسأل عنه )‪.(2‬‬
‫ن أيسممرهما‬
‫وقال المام الشعبي‪ :‬إذا اختلف عليك أمران فممإ ّ‬
‫ري مد ُ‬
‫م ال ْي ُ ْ‬
‫ه ب ِك ُم ُ‬
‫ري مد ُ الل ّم ُ‬
‫س مَر َول ي ُ ِ‬
‫أقربهما إلى الحقّ لقوله‪ -‬تعالى‪) :-‬ي ُ ِ‬
‫سَر( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(185‬‬
‫م ال ْعُ ْ‬
‫ب ِك ُ ُ‬
‫وقال معمر وسفيان الثوري‪ :‬إنما العلم أن تسمع بالّرخصة‬
‫ما الّتشديد فيحسنه كل أحد)‪.(3‬‬
‫من ثقة‪ .‬فأ ّ‬
‫ن أن أحبهممما‬
‫وقال إبراهيم النخعي‪ :‬إذا تخالجك أمممران فظ م ّ‬
‫إلى الله أيسرهما )‪.(4‬‬
‫وروي عن مجاهد وقتادة وعمر بن عبــد العزيــز‪ :‬أفضممل‬
‫سمَر( )البقممرة‪:‬‬
‫م ال ْي ُ ْ‬
‫ه ب ِك ُم ُ‬
‫ريمد ُ الل ّم ُ‬
‫المرين أيسرهما لقوله‪ -‬تعالى‪) :-‬ي ُ ِ‬
‫من الية ‪.(5)(185‬‬
‫دا‪ ،‬وما مضى فيه الكفاية‪ -‬إن شاء الله‪.-‬‬
‫والثار في هذا كثيرة ج ّ‬
‫وبعد‪:‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬إغاثة اللهفان )‪ (1/154‬ورفع الحرج ص )‪.(89‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬جامع العلوم والحكم ص )‪ (269‬ورفع الحرج ص )‪.(91‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬جامع بيان العلم وفضله ص )‪ ،(285‬ورفع الحرج ص )‪.(92‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬رفع الحرج ص )‪ ،(92‬والثار لبي يوسف ص )‪.(196‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬المغني )‪ ،(3/150‬ورفع الحرج ص )‪.(92‬‬

‫‪113‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مممة‬
‫فإ ّ‬
‫مل لهذه الثار من الكتاب والسّنة وأقوال سمملف ال ّ‬
‫ن المتأ ّ‬
‫يلحظ أن هذا المعنى غائب عن واقممع وفهممم كممثير مممن المسمملمين‪،‬‬
‫وقليل منهم من يدرك هذه الحقيقة ويتعامل معها‪ ،‬حيممث إن ّممه يوجممد‬
‫صحيحة‪ ،‬ولكن عند‬
‫هناك من لو سئل عن هذا المر لجاب الجابة ال ّ‬
‫مل في واقعه وتعممامله والممتزامه ومنهجممه ل نجممد إل الفممراط أو‬
‫التأ ّ‬
‫الّتفريط‪.‬‬
‫والعجب أن بعض هؤلء كأّنه أغير على دين الله مممن رسممول‬
‫جع َ َ‬
‫الله‪  ،‬بل من الله‪ -‬ج ّ‬
‫م فِممي‬
‫ما َ‬
‫ل عَل َي ْك ُم ْ‬
‫ل وعل‪ -‬الذي يقول‪) :‬وَ َ‬
‫سَر‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫ال ّ‬
‫م ال ْي ُ ْ‬
‫ه ب ِك ُ ُ‬
‫ريد ُ الل ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫حَرٍج( )الحج‪ :‬من الية ‪ .(78‬ويقول‪) :‬ي ُ ِ‬
‫دي ِ‬
‫ول يريد بك ُم ال ْعسر( )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(185‬ويقول‪) :‬يريد الل ّ َ‬
‫ن‬
‫هأ ْ‬
‫ُ ِ ُ‬
‫ُ‬
‫َ ُ ِ ُ ِ ُ ُ ْ َ‬
‫ضمِعيفًا( )النسمماء‪ .(28:‬وهممذا ل يعنممي‪-‬‬
‫م وَ ُ‬
‫يُ َ‬
‫خّف َ‬
‫ن َ‬
‫سمما ُ‬
‫خل ِقَ اْل ِن ْ َ‬
‫ف عَن ْك ُ ْ‬
‫دين يسر‪ ،‬وهو ما‬
‫جة أن هذا ال ّ‬
‫ضا‪ -‬الّتفريط والّتساهل والّتهاون بح ّ‬
‫أي ً‬
‫ن تحديمد مفهموم‬
‫صرين والعصماة أفعمالهم‪ ،‬فمإ ّ‬
‫يبّرر به كثير من المق ّ‬
‫اليسر والّتوسعة إلممى ال ّ‬
‫شممارع ل إلممى أهممواء الن ّمماس ورغبمماتهم وممما‬
‫ألفوه ودرجمموا عليممه‪ ،‬فل إفممراط ول تفريممط‪ ،‬ول غلموّ ول جفمماء )كل‬
‫م إن قض مّية الّتيسممير والّتوسممعة قض مّية‬
‫طرفي قصد المور ذميم(‪ .‬ث ّ‬
‫صور بعممض‬
‫منهج متكامل وليست تتعّلق بجزئّية أو جزئّيات كما قد يت ّ‬
‫الّناس‪.‬‬
‫وبهذا الّتعريف وال ّ‬
‫ن هممذا المممر ينممدرج فممي‬
‫شــمول نممدرك أ ّ‬
‫مة‪ ،‬وخاصممّية مممن‬
‫منهج الوسطّية التي هي سمة من سمات هذه ال ّ‬
‫خصائصها‪ ،‬فلممن نسممتطيع أن نممدرك حقيقممة الوسممطّية إل إذا فهمنمما‬
‫سمة اليسممر والّتوسممعة ورفممع الحممرج‪ ،‬وإل تصممبح الوسممطّية معنممى‬

‫‪114‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مفر ً‬
‫غا من حقيقته‪ ،‬وقول نظرّيا ل وجود له في الواقع‪ ،‬وبذلك يفقممد‬
‫دين خاصّية لها أثرها في حياة الّناس ومآلهم‪.‬‬
‫هذا ال ّ‬
‫عا البينّية‬
‫راب ً‬
‫ن البينّية من لوازم وصفات الوسممطّية‪،‬‬
‫ذكرت في مبحث سابق أ ّ‬
‫حا وبياًنا‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫وحيث ذكرت ذلك مختصًرا فإّني أزيده هنا وضو ً‬
‫ن إطلق لفممظ البيني ّممة يممد ّ‬
‫ل علممى وقمموع شمميء بيممن شمميئين أو‬
‫إ ّ‬
‫سا أو معنى‪.‬‬
‫أشياء‪ ،‬وقد يكون ذلك ح ّ‬
‫ن )الوسممطّية( ل بمد ّ أن تّتصممف بالبيني ّممة‪ ،‬فإّننمما ل‬
‫وعندما نقممول‪ :‬إ ّ‬
‫نعني مجّرد البينّية ال ّ‬
‫ن‬
‫ن المر أعمق ممن ذلمك‪ ،‬حيمث إ ّ‬
‫ظرفّية‪ ،‬بل إ ّ‬
‫هذه الكلمة تعطمي مممدلول عملي ّمما علممى أن همذا المممر فيمه اعتمدال‬
‫وتوازن وُبعد عن الغلوّ والّتطرف أو الفراط والّتفريط‪.‬‬
‫وبهذا تكون البينّية صفة مدح‪ ،‬ل مجّرد ظرف عابر‪.‬‬
‫ومن هذا الّتفسممير جمماءت علقممة البيني ّممة بالوسممطّية‪ ،‬وقممد رأيممت‬
‫جمهوًرا من العلماء ربطمموا بيممن الوسممطّية والبيني ّممة‪ ،‬ول غرابممة فممي‬
‫ن لهذا أصل في اللغة والشتقاق‪ ،‬كما سبق بيان ذلك‪ ،‬وهممو‬
‫ذلك‪ ،‬فإ ّ‬
‫المتبادر إلى الذهان عند إطلق هذه الكلمة‪.‬‬
‫ولهمّية هذه القضّية‬

‫)‪(1‬‬

‫فسأذكر بعض أقوال العلممماء‪ ،‬ومممن قممال‬

‫بذلك منهم في القديم والحديث‪:‬‬
‫ن‬
‫‪ -1‬المــام الطــبري‪ :‬حيممث قممال فممي تفسمميره‪ :‬وأنمما أرى أ ّ‬
‫الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنممى الجممزء‪ ،‬الممذي هممو‬
‫دار‪.‬‬
‫بين طرفين‪ ،‬مثل وسط ال ّ‬
‫‪ - 1‬وذلك أن أحد الباحثين أّلف رسالة علمية وبناها على عدم التلزم بين الوسطّية والبينّية‪ ،‬واعتبر أن ذلك خطأ ممن قال به‪ ،‬وهو الستاذ فريد عبد القادر في رسالته‪:‬‬
‫الوسطّية في السلم‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سممطهم‬
‫وأرى أن الله‪ -‬تعالى ذكره‪ -‬إّنما وصفهم بأّنهم وسممط لتو ّ‬
‫هب‪،‬‬
‫دين‪ ،‬فل هم أهل غلوّ فيه‪ ،‬غلوّ الّنصارى الذين غلممو بممالّتر ّ‬
‫في ال ّ‬
‫وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه‪.‬‬
‫دلوا كتمماب اللممه‪،‬‬
‫ول هم أهل تقصير فيممه تقصممير اليهممود الممذين بم ّ‬
‫سممط‬
‫وقتلوا أنبيائهم‪ ،‬وكذبوا على رّبهم‪ ،‬وكفروا به‪ ،‬ولكنهممم أهممل تو ّ‬
‫ب المممور إلممى اللممه‬
‫واعتدال فيه‪ ،‬فوصفهم اللممه بممذلك‪ ،‬إذ كممان أحم ّ‬
‫أوسطها)‪.(1‬‬
‫ت كلمه سابًقا‪ ،‬وُأعيممد‬
‫‪ -2‬شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬وقد ذكر ُ‬
‫بعضه هنا‪ ،‬حيث قال في العقيدة الواسطّية‪:‬‬
‫ن الفرقة الناجيممة أهممل السمّنة والجماعممة يؤمنممون بممذلك‪ ،‬كممما‬
‫فإ ّ‬
‫يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ول تعطيل‪ ،‬ومممن‬
‫مممة‬
‫مة‪ ،‬كممما أ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫غير تكييف ول تمثيل‪ ،‬بل هم الوسط في فرق ال ّ‬
‫هي الوسط في المم‪.‬‬
‫فهمم وسمط فمي بماب صمفات اللمه‪ -‬تعمالى‪ -‬بيمن أهمل الّتعطيمل‬
‫الجهمّية‪ ،‬وأهل الّتمثيل المشّبهة‪.‬‬
‫وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرّية والقدرّية وغيرهم‪.‬‬
‫وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدّية من القدرّية وغيرهم‪.‬‬
‫دين بيممن الحروري ّممة والمعتزلممة وبيممن‬
‫وفي باب أسماء اليمان وال ّ‬
‫المرجئة والجهمّية‪.‬‬
‫وفي أصحاب رسول الله بين الرافضة والخوارج )‪.(2‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(2/6‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬شرح العقيدة الواسطّية ص )‪.(124‬‬

‫‪116‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن الوسط هو العدل والخيممار‪،‬‬
‫‪ -3‬رشيد رضا حيث قال‪ :‬قالوا‪ :‬إ ّ‬
‫ن الّزيادة على المطلمموب فممي المممر إفممراط‪ ،‬والّنقممص عنممه‬
‫وذلك أ ّ‬
‫دة‬
‫تفريممط وتقصممير‪ ،‬وكممل مممن الفممراط والّتفريممط مي ْممل عممن الجمما ّ‬
‫القويمة‪ ،‬فهو شّر ومذموم‪ ،‬فالخيار هو الوسمط بيمن طرفمي الممر‪،‬‬
‫أي المتوسط بينهما‪.‬‬
‫ن الوسط‬
‫ضا‪ -‬أ ّ‬
‫ثم ذكر قول لستاذه محمد عبده حيث إّنه يرى‪ -‬أي ً‬
‫سط بين أمرين مع كونه خياًرا )‪.(1‬‬
‫هو المتو ّ‬
‫‪ -4‬يوسف القرضاوي فقمد قممال‪ :‬ونعنممي بهمما‪ -‬أي الوسمطّية‪-‬‬
‫سممط أو الّتعممادل بيممن طرفيممن متقممابلين أو متضمماّدين‪ ،‬بحيممث ل‬
‫التو ّ‬
‫ينفرد أحدهما بالّتأثير‪ ،‬ويطرد الطرف المقابل‪ ،‬وبحيث ل يأخممذ أحممد‬
‫الطرفين أكثر من حّقه‪ ،‬ويطغى على مقابله‪ ،‬ويحيف عليه‪ ،‬ثم ذكممر‬
‫بعض المثلة في ذلك )‪.(2‬‬
‫‪ -5‬محمد قطب حيث بين في كتابه "منهج الّتربيممة السمملمّية"‬
‫ن الوسطّية هي الّتوازن‪ ،‬والّتوازن هو العدل‪ ،‬حيث قال في قمموله‪-‬‬
‫أ ّ‬
‫ك جعل ْنمماك ُ ُ‬
‫سممطًا( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪.(143‬‬
‫مم ً‬
‫تعالى‪) :-‬وَك َمذ َل ِ َ َ َ َ‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫ْ‬
‫وس ً‬
‫طا في كل شيء‪ ،‬متوازنين‪ ،‬في كل ما تقومون به من نشاط‪.‬‬
‫ن الوسطّية تعني الّتوفيق بيممن أشممياء كممثيرة‪ ،‬كممالّتوفيق‬
‫ثم بين أ ّ‬
‫بين مطالب الفممرد الواحممد‪ ،‬وبيممن مطممالب الجممموع‪ ،‬والّتوفيممق بيممن‬
‫العمل للعاجلة والجلة‪ ...‬وهكذا)‪.(3‬‬
‫ســعدي‪ ،‬وانظممر ممما قمماله فممي‬
‫‪ -6‬عبد الرحمن بن ناصر ال ّ‬
‫رسالة القواعد الحسان لتفسممير القممرآن‪ ،‬القاعمدة )‪ :(24‬وبالجملمة‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(2/4‬‬
‫مة للسلم ص )‪ ،(127‬والوسطّية في السلم لفريد عبد القادر ص )ج(‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬الخصائص العأ ّ‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬منهج التربية السلمية )‪.(1/28‬‬

‫‪117‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سممط فممي كممل شمميء بيممن خلقيممن‬
‫فإن الله العليم الحكيم أمممر بالتو ّ‬
‫ك جعل ْنمماك ُ ُ‬
‫سممطًا(‬
‫مم ً‬
‫ذميميممن‪ ،‬تفريممط وإفممراط‪ ،‬وقممال‪) :‬وَك َمذ َل ِ َ َ َ َ‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫ْ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪.(1)(143‬‬
‫‪ -7‬عمر سليمان الشقر‪ ،‬فقممد اعتممبر الوسممطّية هممي المممر‬
‫الوسط بين أمرين متطّرفين‪ ،‬حيث قال‪ :‬مممن المعضمملت الممتي لممم‬
‫ينجح المشّرعون من البشر في حّلها الّتطّرف في الّتشريع‪ ،‬فبعممض‬
‫القوانين تجنح إلمى أقصممى اليسمار‪ ،‬وبعمض آخمر يجنممح إلممى أقصممى‬
‫سط والعتدال‪.‬‬
‫اليمين‪ ،‬وقّلما يوّفق واضعو القوانين إلى التو ّ‬
‫وقال في موضع آخر‪ :‬وإذا نظرت إلى ال ّ‬
‫شريعة السلمية وجدتها‬
‫وس ً‬
‫طا في كل أحكامها‪ ،‬فأحكامها بين الغالي والجافي)‪.(2‬‬
‫‪ -8‬عمر بهــاء الــدين الميــري‪ ،‬فقممد تنمماول الوسممطّية مممن‬
‫مممة‬
‫منطلق التو ّ‬
‫سط بين شيئين‪ ،‬حتى إّنه اعتبر من وسطّية هممذه ال ّ‬
‫ممما قممال‪ :‬وقممد كممان مممن‬
‫التو ّ‬
‫سط الجغرافي في المكان والمناخ‪ .‬وم ّ‬
‫مة أن جعل وسممطّيتها فممي كممل‬
‫تدبير الله الحكيم العليم في هذه ال ّ‬
‫مجال‪:‬‬
‫فهي موطن الّرسالة الولممى‪ ،‬وفممي سمماحتها الحضممارّية المش مّعة‬
‫المترامية الطراف‪ -‬من بعد‪ -‬في مناخ محتمل‪ ،‬وجوّ مسعف‪ ،‬ل في‬
‫مممدة قطبي ّممة‪،‬‬
‫مناطق بركاني ّممة زلزالي ّممة‪ ،‬ول لظيممة اسممتوائّية‪ ،‬ول متج ّ‬
‫حيث تقعد قساوة الطبيعة بالنسان عن الحركة والّنشاط والعمممار‬
‫الحضاري‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬القواعد الحسان ص )‪.(90‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬خصائص الشريعة السلمية ص )‪ ،(87 ،86‬والوسطّية في السلم لفريد عبد القادر )و(‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫م‪ ،‬حيممث كممانت مهممابط‬
‫وهي وسط في موقعهمما الجغرافممي المه م ّ‬
‫مة السلمّية الولى‪.‬‬
‫الوحي‪ ،‬أرض السلم‪ ،‬ومهد ال ّ‬
‫فهي الوسمط بيمن ال ّ‬
‫شممال والجنموب‪ ،‬والشمرق والغمرب‪ ،‬وهمي‬
‫مركز الوصل بين إفريقيا وآسمميا‪ ،‬وطممرف ممتمد ّ مممن أوروبمما‪ ،‬وهممي‬
‫الّرباط البريّ بين ال ّ‬
‫طرق المائّية )‪.(1‬‬
‫ما الوسطّية فممي السمملم فهممي‬
‫‪ -9‬يوسف كمال‪ ،‬حيث قال‪ :‬أ ّ‬
‫حممدود لمنهممج الحركممة فممي طريممق مسممتقيم إلممى هممدف‪ ،‬بعيممد عممن‬
‫ضلل‪.‬‬
‫دي لل ّ‬
‫انحرافات في سبل شّتى تؤ ّ‬
‫سممط‬
‫قال عنه فريد عبد القادر‪ :‬إل أّنه قد لزم عرضه فكممرة الّتو ّ‬
‫بين أمرين )‪.(2‬‬
‫ومن خلل ما سبق يّتضح لنا أن صممفة البيني ّممة أمممر أساسممي فممي‬
‫ن هؤلء العلماء والك ُّتاب اعتبروا هذا المر قضّية‬
‫تحديد الوسطّية‪ ،‬وأ ّ‬
‫مسّلمة في تحديدهم‪ ،‬وتعريفهم للوسطّية‪.‬‬
‫ن البينّية صفة لزمممة‬
‫وقد ذكرت الدّلة من القرآن والسّنة على أ ّ‬
‫للوسطّية‪ ،‬وذلك في مبحث )تحرير معنى الوسطّية(‪.‬‬
‫وهذه البينّية ليست مجّرد ال ّ‬
‫دللة‬
‫ظرفّية‪ ،‬وإّنما هي التي تعطي ال ّ‬
‫م الخيري ّممة‪ ،‬فهممذه هممي‬
‫مة والعممدل‪ ،‬ومممن ثم ّ‬
‫علممى الت ّمموازن والسممتقا ّ‬
‫الوسطّية الحّقة‪ .‬وبهذا يّتضح لنا الخطأ الذي وقع فيه السممتاذ فريممد‬
‫م‬
‫عبد القادر عندما ذهب إلى أ ّ‬
‫ن الوسطّية ل تستلزم البينّية‪ ،‬ومن ث م ّ‬
‫قام بتخطئة من ذهب إلممى ذلممك كشمميخ السمملم ابممن تيميممة وغيممره‬
‫من ذكرت سابًقا‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫م ّ‬
‫مته في ضوء الفقه الحضاري ص )‪ ،(58‬والوسطّية في السلم ص )و( لفريد عبد القادر‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬وسطية السلم وأ ّ‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬مستقبل الحضارة ليوسف كمال ص )‪ ،(127‬والوسطّية في السلم ص )ز(‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫لقمد ر ّ‬
‫سمابقة حمول موضموع الوسمطّية علمى‬
‫كمزت ال ّ‬
‫دراسمات ال ّ‬
‫سط بين أمرين‪) .‬ثم قال(‪:‬‬
‫مفهوم الّتو ّ‬
‫سممط بيممن أمريممن مسمميطرة علممى الذهممان‬
‫فكممانت فكممرة الّتو ّ‬
‫والعقول أثناء البحث لظهار وسطّية السلم‪ ،‬مع الّتعممبير عممن هممذه‬
‫دراسممات‬
‫الوسطّية بالخيرّية‪)،‬ثم حكم عليهمما قممائل(‪ :‬فكممانت هممذه ال ّ‬
‫تخلط أثناء البحث بين ملبسات صحيحة‪ ،‬ونتائج غير صحيحة‪.‬‬
‫ثم ذكر أمثلة تد ّ‬
‫ل على عدم فهمه لممما ذهممب إليممه أولئك العلم‪،‬‬
‫م قام بالحكم الجائر إّياه )‪.(1‬‬
‫ومن ث ّ‬

‫‪ - 1‬انظر رسالته‪ :‬وسطّية السلم ص )ب(‪ ،‬ومن هنا فإني أنصح طلب العلم بعدم التعجل بتخطئة العلماء والمفكرين‪ ،‬وهذا ل يعني عصمتهم‪ ،‬ولكن كما قال الشاعر‪ :‬وكم‬
‫حا وآفته من الفهم السقيم‪.‬‬
‫من عاتب قول صحي ً‬

‫‪120‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫العدل والحكمة‬

‫أّما العدل فقد صّح فيه الحديث عن رسول الله‪ ،‬‬

‫سممر‬
‫حيث ف ّ‬

‫ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪ (143‬بقمموله‪ :‬عممدول‪:‬‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫قوله‪ -‬تعالى‪) :-‬أ ّ‬
‫وذلك في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري‪ ،‬حيمث‬

‫قال‪  ،‬‬

‫والوسط والعدل ‪.(1) ‬‬

‫مة وس ً‬
‫طا ‪ ‬عدول )‪.(2‬‬
‫وفي رواية الطبري‪ :‬قال‪  :‬أ ّ‬
‫م ل بد من العدل في اختيممار‬
‫وقد بّينت أ ّ‬
‫ن الوسطّية بينّية‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫دة أمور‪.‬‬
‫هذا المر الذي بين أمرين أو ع ّ‬
‫ن أحمد الشممياء‬
‫قال القرطبي‪ :‬والوسط‪ :‬العدل‪ ،‬وأصل هذا أ ّ‬
‫أوسطها‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬قال علماؤنا‪ :‬أنبأنا ربنمما‪ -‬تبممارك وتعممالى‪ -‬فممي كتممابه بممما‬
‫أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة‪ ،‬وتولية خطير الشهادة على‬
‫جميع خلقه‪ ،‬فجعلنا أول مكاًنا‪ ،‬وإن كّنا آخًرا زمان ًمما‪ ،‬كممما قممال‪ ،‬عليممه‬
‫السلم‪  :‬نحن الخرون الولون ‪ .(3) ‬وهذا دليل على أن ّممه ل يشممهد‬
‫إل العدول‪ ،‬ول ينفذ قول الغير على الغير إل أن يكون عدل )‪.(4‬‬
‫ما يد ّ‬
‫ما‬
‫ل على أ ّ‬
‫ن العدل من ملمح الوسطّية قول الطبري‪ :‬وأ ّ‬
‫وم ّ‬
‫ن الخيممار‬
‫ن الوسط العدل‪ ،‬وذلك معنى الخيار‪ ،‬ل ّ‬
‫الّتأويل فإّنه جاء بأ ّ‬
‫من الّناس عدولهم )‪.(5‬‬
‫سلف في ذلك‪.‬‬
‫ثم ساق الدّلة من السّنة وأقوال ال ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪ .(2/7‬والحديث أخرجه الترمذي )‪ (5/190‬رقم )‪ (2961‬وأحمد )‪ (3/9‬وعندهما "عدل" بدل "عدول"‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(2/6‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه البخاري )‪ .(1/211‬ومسلم )‪ (2/585‬رقم )‪.(855‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(2/155‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(2/7‬‬

‫‪121‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن في لفممظ الوسممط إشممعاًرا‬
‫وقال رشيد رضا‪ :‬قال الستاذ‪ :‬إ ّ‬
‫ن المسمملمين خيممار وعممدول‬
‫بالسببّية‪ ،‬فكأّنه دليل على نفسه‪ ،‬أي‪ :‬أ ّ‬
‫لّنهم وسط )‪.(1‬‬
‫وإذا كان الوسط شيء بين شيئين‪ ،‬فإّنه يلممزم لن يكممون وس م ً‬
‫طا‬
‫شرعًيا أن يكون عدل‪ ،‬لّنه إذا لم يكن كذلك مال وانحرف إلى أحممد‬
‫ال ّ‬
‫ممما إلممى الّتفريممط‪ ،‬وهممذا خممروج عممن‬
‫ما إلى الفممراط‪ ،‬وإ ّ‬
‫طرفين‪ ،‬إ ّ‬
‫م خممروج عممن الوسممط‪ ،‬ولممذلك جمماءت صممفة‬
‫حقيقة العدل‪ ،‬ومممن ثم ّ‬
‫سمط همو‬
‫حا ممن ملممح الوسمطّية‪ ،‬وبيمان همذا‪ :‬أ ّ‬
‫الحكمة ملم ً‬
‫ن التو ّ‬
‫سط يكون بمراعاة جميع الطممراف‪،‬‬
‫سط معنوي‪ ،‬وتحديد هذا التو ّ‬
‫تو ّ‬
‫تحقيًقمما للمصممالح‪ ،‬ودرًءا للمفاسممد‪ ،‬وهممذه هممي الحكمممة ال ّ‬
‫شممرعّية‪.‬‬
‫ن الوسطّية أمممر نسممبي‪ ،‬يخضممع تحديممده لعوامممل‬
‫وبعبارة أخرى‪ :‬فإ ّ‬
‫دة لبد ّ من مراعاتها‪ ،‬ول يتحّقق ذلك إل بإتقان الحكمة‪.‬‬
‫ع ّ‬
‫ضوء على هذه الحقيقة أذكر بعض ما‬
‫ومن أجل إلقاء مزيد من ال ّ‬
‫سرين‪ ،‬وتعريفات العلماء)‪.(2‬‬
‫ورد في الحكمة من أقوال المف ّ‬
‫قال عبد الرحمن بن سعدي‪:‬‬
‫صممائبة‪ ،‬والعقممول‬
‫الحكمممة‪ :‬هممي العلمموم الّنافعممة‪ ،‬والمعممارف ال ّ‬
‫صواب في القمموال والفعممال‪،‬‬
‫المس ّ‬
‫ددة‪ ،‬واللباب الرزينة‪ ،‬وإصابة ال ّ‬
‫ثم قال‪ :‬وجميع المور ل تصلح إل بالحكمة التي هممي وضممع الشممياء‬
‫مواضممعها‪ ،‬وتنمممزيل المممور منازلهمما‪ ،‬والقممدام فممي مح م ّ‬
‫ل القممدام‪،‬‬
‫والحجام في موضع الحجام‪..(3) .‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(2/4‬‬
‫‪ - 2‬انظر المزيد من التفصيل لتعريف الحكمة‪ :‬رسالة المؤلف )الحكمة(‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن سعدي )‪.(1/332‬‬

‫‪122‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقال سيد قطب‪ :‬الحكمة‪ :‬القصممد والعتممدال‪ ،‬وإدراك العلممل‬
‫صممائب مممن‬
‫صممالح ال ّ‬
‫والغايات‪ ،‬والبصمميرة المسممتنيرة الممتي تهممديه لل ّ‬
‫الحركات والعمال )‪. (1‬‬
‫دللمة علممى صملة الحكمممة‬
‫وكلم ابمن سمعدي وسمّيد فمي غايمة ال ّ‬
‫بالوسطّية‪.‬‬
‫قال ابن القّيم‪ :‬وأحسممن ممما قيممل فممي الحكمممة قممول مجاهممد‬
‫ومالك‪ :‬إّنها معرفة الحقّ والعمل به‪ ،‬والصابة في القول والعمل‪.‬‬
‫وهممذا ل يكممون إل بفهممم القممرآن‪ ،‬والفقممه فممي شممرائع السمملم‪،‬‬
‫وحقائق اليمان )‪.(2‬‬
‫وقال في موضع آخر‪ :‬هي‪ :‬فعل ما ينبغي‪ ،‬على الوجه الممذي‬
‫ينبغي‪ ،‬في الوقت الذي ينبغي )‪.(3‬‬
‫وقوله‪) :‬على الوجه الذي ينبغي( من أقوى دللت الوسطّية‪.‬‬
‫وقال في موضع آخر‪ :‬الحكمة‪ :‬أن تعطي كل شيء حّقه‪ ،‬ول‬
‫خره عنه )‪.(4‬‬
‫ده‪ ،‬ول تعجله عن وقته‪ ،‬ول تؤ ّ‬
‫ديه ح ّ‬
‫تع ّ‬
‫ما سبق‪ :‬أن الحكمة لبمد ّ مممن اعتبارهمما عنممد تحديممد‬
‫ونخلص م ّ‬
‫معنممى الوسممطّية‪ ،‬بممل إن اللممتزام بالوسممطّية وعممدم الجنمموح إلممى‬
‫الفراط أو الّتفريط هو عين الحكمة وجوهرها‪.‬‬
‫ممما عمماجل أو‬
‫وذلك أ ّ‬
‫ن الخروج عن الوسطّية لممه آثمماره السمملبّية‪ ،‬إ ّ‬
‫آجل‪ ،‬وهذا ُيخالف الحكمة وُينافيها‪.‬‬
‫ضح ذلك‪:‬‬
‫ومن المثلة التي تو ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(1/312‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬التفسير القيم ص )‪.(226‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬مدارج السالكين )‪.(2/479‬‬
‫‪ - 4‬انظر مدارج السالكين )‪.(2/478‬‬

‫‪123‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫صلة لسبع سنين‪ ،‬وضربه عليها ضرًبا غير مبّرح بعممد‬
‫أمر البن بال ّ‬
‫سممط فممي هممذه القضممية ظمماهًرا بيممن‬
‫بلوغ العاشممرة‪ ،‬فإّننمما نجممد التو ّ‬
‫الفراط وبين الّتفريط‪ ،‬وهذه هي الحكمة‪ ،‬حيث فمّرق بيممن مممن لممم‬
‫سابعة‪ ،‬وبين من بلغها‪ ،‬وكذلك من بلغ العاشرة يختلف أمره‪،‬‬
‫يبلغ ال ّ‬
‫ما سبق‪ ....‬وهكممذا‪ ،‬فقممد نم مّزل المممور‬
‫ثم من أدرك الحلم يختلف ع ّ‬
‫منازلها‪ ،‬ووضع الشياء مواضعها‪.‬‬
‫ُ‬
‫خي ْممرا ً ك َِثيممرًا(‬
‫ي َ‬
‫م َ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫حك ْ َ‬
‫ن ي ُؤْ َ‬
‫وصدق الله العظيم‪) :‬وَ َ‬
‫ة فََقمد ْ أوت ِم َ‬
‫م ْ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪.(269‬‬
‫دليل تطبيقي لهذه الملمح‬
‫بعد أن بّينت ملمح الوسطّية سأذكر دليل عملّيا تممبرز فيممه جميممع‬
‫هذه الملمح‪ ،‬حيث يمث ّممل أعلممى درجممات الوسممطّية‪ :‬عممن أنممس بممن‬

‫مالممك ‪ ‬قممال‪  :‬جمماء ثلثممة رهممط إلممى بيمموت أزواج النممبي‪ ،‬‬
‫يسألونه عن عبادته‪ ،‬فلما أخبروا كمأّنهم تقاّلوهما‪ ،‬فقمالوا‪ :‬أيمن نحمن‬
‫دم مممن‬
‫من النبي‪ ،‬صلى الله عليه وسلم؟ فقد غفمر اللمه لمه مما تقم ّ‬
‫خر‪.‬‬
‫ذنبه وما تأ ّ‬
‫دا‪ ،‬وقممال آخممر‪ :‬أنمما أصمموم‬
‫ما أنا فأصمّلي الليممل أبم ً‬
‫فقال أحدهم‪ :‬أ ّ‬
‫دا‪.‬‬
‫دهر ول أفطر‪ ،‬وقال آخر‪ :‬أنا أعتزل الّنساء فل أتزّوج أب ً‬
‫ال ّ‬

‫فجمماء رسممول اللممه‪ ،‬صمملى اللممه ‪ ‬فقممال‪ :‬إن ّممي لخشمماكم للممه‪،‬‬
‫وأتقاكم له‪ ،‬لكّني أصمموم وأفطممر‪ ،‬وأصمّلي وأرقممد‪ ،‬وأتممزّوج النسمماء‪،‬‬
‫سّنتي فليس مّني ‪.(1) ‬‬
‫فمن رغي عن ُ‬

‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ .(6/116‬ومسلم بمعناه )‪ (2/1020‬رقم )‪.(1401‬‬

‫‪124‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وسأذكر ملمح الوسطّية واحممدة واحممدة‪ ،‬ممع بيمان موضممعها ممن‬
‫الحديث‪:‬‬
‫أول‪ :‬الخيرّية‪:‬‬

‫م‬
‫وهذا يّتضح من قوله‪   ،‬إن ّممي لخشمماكم للممه‪ ،‬وأتقمماكم لممه ‪ ‬ث م ّ‬
‫ن أّنه يأخذ بالوسممطّية‪ :‬فيصمموم ويفطممر‪ ،‬ويصمّلي وينممام‪ ،‬ويممتزّوج‬
‫يبي ّ‬
‫الّنساء‪ ،‬فلول أن هذا العمل ل يعارض الخشية والّتقمموى‪ ،‬بممل يط ّممرد‬
‫معهما لم يذكرها في هممذا المقممام‪ ،‬واسممتخدم هممذا أفعممل التفضمميل‬
‫"أخشاكم ‪ -‬أتقاكم" وهي أعلى درجات الخيرّية‪.‬‬
‫فاّتضح أن هذه الوسطّية التي يرشممدنا إليهمما رسممول اللممه‪ ،‬صمملى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬تمّثل الخشممية والّتقمموى‪ ،‬وهممذه هممي الخيري ّممة فممي‬
‫أفضل صورها‪.‬‬

‫ثانًيا‪ :‬الستقامة‪ :‬وتممبرز هممذه الحقيقممة فممي قمموله‪  ،‬‬
‫رغب عن سّنتي فليس مّني‬

‫فمممن‬

‫‪‬‬

‫إذن فالستقامة هي بممأن يصمموم ويفطممر‪ ،‬وينممام ويرقممد‪ ،‬ويممتزّوج‬
‫الّنساء‪ ،‬والخروج عنها انحراف عممن السممتقامة‪ ،‬فهممذا العمممل الممذي‬
‫يمّثل الوسطّية‪ ،‬ل نقول إّنه ل ُيعارض الستقامة؛ بل هممو السممتقامة‬

‫بعينهمما‪ ،‬حيممث جعلممه الرسممول‪ ،‬‬

‫مممن س مّنته‪ ،‬وهممل السممتقامة إل‬

‫اللتزام بسّنته والخذ بها‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬اليسر ورفع الحرج‪ :‬وهذا أمر جل ّممي وبي ّممن‪ ،‬فنحممن بيممن‬
‫عملين وردا في هذا الحديث‪:‬‬
‫تبّتل وامتناع عن الّنسمماء والمّزواج مممع ممما فممي ذلممك مممن مشمّقة‬
‫وحرج‪.‬‬

‫‪125‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫دة‬
‫ويقابله تزّوج الّنساء مع ما في ذلك من قضمماء المموطر‪ ،‬والمممو ّ‬
‫والّرحمة‪ ،‬وإنجاب الولد‪.‬‬

‫الول يمثل النحراف عن سنة النبي‪ ،‬‬

‫مع ما فيه مممن مشممّقة‬

‫وعسر‪ ،‬والثماني يمّثمل الوسمطّية ممع مما فيمه ممن تخفيمف وتيسمير‬
‫ورحمة‪ ،‬ودفع للحرج‪.‬‬
‫صيام‪ ،‬والقيام‪.‬‬
‫وقل مثل ذلك في ال ّ‬
‫إذن فالوسممطّية فممي اليسممر ورفممع الحممرج‪ ،‬وليممس فممي الّتكل ّممف‬
‫والمشّقة والعََنت‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫عا‪ :‬البينّية‪:‬‬
‫راب ً‬
‫والمثلة تبرهن على ذلك‪:‬‬
‫‪ -1‬امتناع عن الّزواج مطل ً‬
‫قا ‪ -‬إفراط‪.‬‬
‫ويقابله الّتفريط وهو اّتباع ال ّ‬
‫شهوات دون وازع أو قيد‪.‬‬
‫ضوابط ال ّ‬
‫وبينهما‪ :‬قضاء ال ّ‬
‫شممرعّية‪،‬‬
‫شهوة والوطر‪ ،‬ولكن ضمن ال ّ‬
‫ويتمّثل في الّزواج وهذا هو الوسط‪ ،‬وهو المشروع‪.‬‬
‫‪ -2‬صيام دائم ‪ -‬إفراط‪.‬‬
‫ما ‪ -‬تفريط‪.‬‬
‫الفطار دائ ً‬
‫الصمميام أحياًنمما ‪ -‬والفطممر أحياًنمما ‪ -‬وسممط بيممن المريممن ‪ -‬وهممو‬
‫المشروع في ضوابطه الشرعّية‪.‬‬
‫‪ -3‬القيام مطل ً‬
‫قا ‪ -‬إفراط‪.‬‬
‫النوم مطل ً‬
‫قا ‪ -‬تفريط‪.‬‬
‫القيممام والنمموم حسممب ال ّ‬
‫طاقممة ودون تكل ّممف ‪ -‬وسممط‪ ،‬وهممذا هممو‬
‫المشروع‪.‬‬
‫سا‪ :‬العــدل والحكمــة‪ :‬وتممبرز صممفة العممدل بممالّنظر إلممى‬
‫خام ً‬
‫مطالب الّنفس وواجبات العبادة‪ ،‬فقد جعل لك ّ‬
‫ل منها نصمميًبا‪ ،‬فعممدل‬
‫ب وحقّ الّنفس‪ ،‬ولممم يكممن فممي ذلممك حيممف أو شممطط‪،‬‬
‫بين حقّ الّر ّ‬
‫وحاشاه من ذلك‪.‬‬
‫ملهمما‪،‬‬
‫ما الحكمة‪ :‬فممإّنه بممالّنظر إلممى قممدرة الّنفممس ومممدى تح ّ‬
‫أ ّ‬
‫وغفلة هؤلء القوم عن قدرتهم في فورة الحماس والنمدفاع‪ ،‬فجماء‬
‫الرسول‪  ،‬يضع المور مواضعها‪ ،‬ويجعلها في مسارها ال ّ‬
‫طممبيعي‪،‬‬

‫‪127‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ب العمل إلى الله ما داوم عليه صمماحبه‬
‫ن أح ّ‬
‫فإ ّ‬

‫)‪(1‬‬

‫ولممو الممتزم هممؤلء‬

‫ن هممذا الفعممل نفسممه‬
‫مإ ّ‬
‫الّرجممال بممما قممالوا لتعبمموا عمماجل أو آجل‪ .‬ثم ّ‬
‫مخالفممة لصممريح الحكمممة وحقيقتهمما‪ ،‬وذلممك أن الحكمممة هممي وضممع‬
‫الشيء في موضعه‪ ،‬والصابة في القول والعمل‪ ،‬وهذا هو عيممن ممما‬
‫جه إليه‪. ،‬‬
‫و ّ‬
‫ي لملمــح الوســطّية فممي‬
‫ومن خلل هذا الّتطبيق العمل ّ‬
‫ما يسمماعد علممى فهممم الوسممطّية‪،‬‬
‫ضوء هذا الحديث‪ ،‬يّتضح المراد‪ ،‬م ّ‬
‫واستنباطها في المباحث التالية إن شاء الله‪.‬‬

‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ .(1/16‬ومسلم )‪ (1/542‬رقم )‪.(785‬‬

‫‪128‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫القرآن يقرر منهج الوسطّية‬
‫ة للّناس ونوًرا‪ُ ،‬يخرج به اللممه مممن شمماء‬
‫نمزل القرآن الكريم هداي ً‬
‫مممن ال ّ‬
‫ظلمممات إلممى النممور‪ ،‬ولممزوم منهممج الوسممطّية عيممن الهدايممة‪،‬‬
‫ة ترسممم منهممج‬
‫وحقيقتهمما‪ ،‬ولممذلك فقممد جمماءت اليممات مستفيضمم ً‬
‫الوسطّية وتد ّ‬
‫ل عليه‪.‬‬
‫والوسطّية ليست محصورةً في جزئية من الجزئيات‪ ،‬بل ول فممي‬
‫ل شممام ٌ‬
‫ركن من الركان! وإنما هي منهج متكام ٌ‬
‫ل‪ ،‬ل ينفصممل بعضممه‬
‫عن بعض‪ ،‬فالسلم كّله وس ٌ‬
‫مة الوسط‪:‬‬
‫مة هي أ ّ‬
‫ط‪ ،‬ولذلك فهذه ال ّ‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(143‬‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫)وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫والذين يغفلممون عممن هممذه الحقيقممة يغفلممون عممن جمموهر القممرآن‬
‫ومقاصده‪.‬‬
‫ومن هذا المنطلق جاء القرآن الكريم مقّرًرا لمنهج الوسطّية في‬
‫أبواب العبادات‪ ،‬والعتقمماد‪ ،‬والحكممم والتحمماكم‪ ،‬وفممي بمماب الجهمماد‪،‬‬
‫والمممر بممالمعروف‪ ،‬والنهممي عممن المنكممر‪ ،‬وغيرهمما مممن البممواب‬
‫والمجالت‪.‬‬
‫والنماظر فمي كتماب اللمه ل يتلمو بضمع آيمات إل ويجمد فيهما ذلمك‬
‫صراحة أو إيماًء‪.‬‬
‫ولذلك فإن الذين حصروا الحديث عن الوسطّية في اليات الممتي‬
‫جاء فيها لفظ )الوسط( أو ما اشتق منه‪ ،‬قصروا الكممل علممى بعممض‬
‫أجزائه‪ ،‬وإل فإن بعض اليات التي لم يرد فيها لفظ الوسممط جمماءت‬
‫أقوى دللة على الوسطّية من آيات ورد فيها هذا اللفظ‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ملين‬
‫وبياًنا لهذه الحقيقة وتجلية لها‪ ،‬سنعيش مع كتمماب اللممه متممأ ّ‬
‫بعض ما ورد فيه‪ ،‬تقريًرا لهذا المنهج وتأصيل له‪.‬‬
‫وتسهيل للوصول إلى الهدف‪ ،‬سأذكر كل باب وبعض ما ورد فيممه‬
‫ن الممراد ممن إيرادهما‪،‬‬
‫من آيات‪ ،‬معل ًّقا علمى بعمض اليمات بمما ُيمبي ّ‬
‫ودللتها على المنهج الذي نحن بصدده‪.‬‬
‫متين‪:‬‬
‫وأنبه إلى نقطتين مه ّ‬
‫الولى‪ :‬أن اليات الممتي سممأذكرها ليسممت علممى سممبيل الحصممر‬
‫والستقصاء‪ ،‬وإنما اكتفيت من اليات بما كان أكثر دللة من سممواه‪،‬‬
‫لن المراد‪ ،‬هو بيان تقرير القرآن لمنهج الوسمطّية‪ ،‬ل الحممديث عممن‬
‫كل آية وردت ُتقّرر منهج الوسطّية‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن البواب التي سأذكرها هي أبرز البواب الممتي تصمملح‬
‫منطلًقا للحديث عن هذا المنهج‪ ،‬وبخاصممة أن انحممراف النمماس فيهمما‬
‫عن منهج الوسطّية أكثر من غيرها‪ ،‬ول يعني ذلك أن ماعداها ليممس‬
‫ما‪.‬‬
‫مه ّ‬
‫وهذه البواب هي‪:‬‬
‫‪ -1‬العتقاد‪.‬‬
‫‪ -2‬التشريع والتكليف‪.‬‬
‫‪ -3‬العبادة‪.‬‬
‫‪ -4‬الشهادة والحكم‪.‬‬
‫‪ -5‬المر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪.‬‬
‫‪ -6‬الجهاد في سبيل الله‪.‬‬
‫‪ -7‬المعاملة والخلق‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫‪ -8‬كسب المال وإنفاقه‪.‬‬
‫‪ -9‬مطالب النفس وشهواتها‪.‬‬
‫وقد أجد آية من اليممات تصمملح دليل فممي أكممثر مممن بمماب‪ ،‬ولكن ّممي‬
‫سألحقها بأقرب هذه البواب إليها‪ ،‬مراعاة للختصار ودفًعا للّتكرار‪.‬‬
‫دا من اليات الدالة على الوسطّية غير داخلممة‬
‫وحيث إن هناك عد ً‬
‫تحت أي باب من هذه البممواب‪ ،‬فسممأجعلها تحممت عنمموان‪) :‬شممواهد‬
‫ملة لها‪.‬‬
‫ما لهذه البواب ومك ّ‬
‫أخرى(‪ ،‬تكون ختا ً‬
‫وسأفتتح الحديث عن تقرير القرآن لمنهممج الوسممطّية بوقفممة مممع‬
‫سورة الفاتحة‪ ،‬في ضوء ما ورد فيها عن هذا المنهج‪.‬‬
‫سداد‪.‬‬
‫ومن الله استمد ّ العون وأسأله الّتوفيق وال ّ‬
‫وقفة مع سورة الفاتحة‬
‫أجد خير بداية لبيان المنهج القرآني في تقرير الوسطّية أن أقف‬
‫م الكتاب‪ ،‬حيث إنها من أولهما إلممى آخرهما تقمّرر هممذه الحقيقمة‬
‫مع أ ّ‬
‫وتؤكدها‪.‬‬
‫ولكن أبممرز آيممة فيهمما ناطقممة بممذلك هممي قمموله ‪ -‬تعممالى – )اهْمدَِنا‬
‫صَرا َ‬
‫م( )الفاتحة‪ .(6:‬وما بعدها‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ست َِقي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫ال ّ‬
‫وهذه الية صريحة في تحديد المنهممج الوسممط‪ ،‬ذلممك أن ّممه بي ّممن أن‬
‫هذا الصّراط هو صراط الذين أنعم الله عليهم‪.‬‬
‫ن‬
‫مممة مممن أهممل التأويممل جميعًمما علممى أ ّ‬
‫قال الطممبري‪ :‬أجمعممت ال ّ‬
‫صراط المستقيم هو ال ّ‬
‫ح الذي ل اعوجاج فيه‪ ،‬وكذلك‬
‫طريقُ الواض ُ‬
‫ال ّ‬
‫ذلك في لغة جميع العرب‪ ،‬فمن ذلك قول جرير الخطفي‪:‬‬
‫إذا اعوج الموارد مستقيم‬

‫أميـــر المـــؤمنين علـــى‬

‫‪131‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ط‬
‫صــــــــــــــــــــــــــرا ٍ‬

‫قال ابن عباس‪:‬‬
‫م( )الفاتحممة‪ (6:‬يقممول‪ :‬ألهمنمما ال ّ‬
‫صَرا َ‬
‫طريممق‬
‫م ْ‬
‫س مت َِقي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫)اهْدَِنا ال ّ‬
‫ج له)‪.(1‬‬
‫الهادي‪ ،‬وهو دين الله الذي ل عَوَ َ‬
‫ثم قال‪ :‬وك ّ‬
‫سبيل وسالك غيممر المنهممج القممويم‬
‫ل حائد عن قصد ال ّ‬
‫ل عند العرب‪ ،‬لضلله وجه ال ّ‬
‫فضا ّ‬
‫طريق )‪.(2‬‬
‫صراط المستقيم هو منهممج الوسممط‪ ،‬حيممث‬
‫وقد بّين الله لنا أن ال ّ‬
‫ن(‬
‫م َول ال ّ‬
‫مغ ْ ُ‬
‫ب عَل َي ْهِ ْ‬
‫قال واصًفا الصراط المستقيم‪) :‬غَي ْرِ ال ْ َ‬
‫ضو ِ‬
‫ضاّلي َ‬
‫)الفاتحة‪ :‬من الية ‪ (7‬ومنهج المغضوب عليهم يمثل التفريط‪ ،‬بينممما‬
‫و‬
‫يمثممل منهممج ال ّ‬
‫ضممالين الفممراط‪ ،‬فهممما منهجممان دائران بيممن الغلمم ّ‬
‫والجفاء‪.‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬غير صراط المغضوب عليهم‪ ،‬وهم الممذين فسممدت‬
‫ضالين‪ ،‬وهم الممذين‬
‫إرادتهم‪ ،‬فعلموا الحقّ وعدلوا عنه‪ ،‬ول صراط ال ّ‬
‫ضللة‪ ،‬ل يهتدون إلى الحق )‪.(3‬‬
‫فقدوا العلم‪ ،‬فهم هائمون في ال ّ‬
‫وبهذا يّتضح لنا أن هناك ثلثة سبل‪ :‬سبيل الذين أنعم الله عليهم‪،‬‬
‫وسبيل المغضوب عليهم‪ ،‬وسبيل الضالين‪.‬‬
‫ونحن مأمورون باللتزام بسبيل الذين أنعم الله عليهمم‪ ،‬لّنمه همو‬
‫صراط المستقيم‪ ،‬وهمو المنهمج الوسمط بيمن طريقيمن منحرفيمن‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫وهممما طريقمما اليهممود والنصممارى‪ ،‬وكممل طريممق منحممرف عممن منهممج‬
‫صراط المستقيم فله ح ّ‬
‫ظ‪ .‬من أحد هذين السبيلين‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(1/73،74‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(1/84‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/29‬‬

‫‪132‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مة تعني الوسطّية كما توضممحها آيممة الفاتحممة‪ ،‬وكممما‬
‫ولن الستقا َ‬
‫ددة تممدعو إلممى‬
‫حّررت ذلك فممي مبحممث سممابق‪ ،‬جمماءت اليممات متعم ّ‬
‫متقاربة‪ ،‬وهي تممدور بيممن الخممبر‬
‫الستقامة بأساليب متع ّ‬
‫ددة وألفاظ ُ‬
‫والنشاء‪ .‬ومن هذا المنطلق‪ ،‬وبعد أن تقّرر أن طريق الستقامة هو‬
‫مة الوسط‪ ،‬فإن كل آية وردت في الستقامة فهي آية في‬
‫طريق ال ّ‬
‫دعوة إليها‪.‬‬
‫تحقيق الوسطّية وال ّ‬
‫ضما منهما دللمة علمى‬
‫دا أذكمر بع ً‬
‫واليات في هذا البماب كمثيرة جم ّ‬
‫المراد‪ ،‬وبياًنا لهذا المنهج‪.‬‬
‫قال ‪ -‬سبحانه ‪َ) :-‬فاستقم ك َ ُ‬
‫مع َ َ‬
‫وا(‬
‫ما أ ِ‬
‫ن َتا َ‬
‫ب َ‬
‫ت وَ َ‬
‫مْر َ‬
‫ْ َِ ْ َ‬
‫ك َول ت َط َْغمم ْ‬
‫م ْ‬
‫ك َفادعُ واستقم ك َ ُ‬
‫)هود‪ :‬من الية ‪ .(1121‬وقال‪) :‬فَل ِذ َل ِ َ‬
‫ت َول‬
‫ما أ ِ‬
‫مممْر َ‬
‫ْ َ ْ َِ ْ َ‬
‫َ‬
‫م( )الشورى‪ :‬من الية ‪.(15‬‬
‫واَءهُ ْ‬
‫ت َت ّب ِعْ أهْ َ‬
‫وأجد في همماتين اليممتين ممما يسممتحقّ الّتنممبيه عليممه‪ ،‬ونحممن بصممدد‬
‫وا(‬
‫الحديث عن الوسطّية‪ ،‬وذلك أّنه قال في الية الولممى‪َ) :‬ول ت َط ْغَم ْ‬
‫مة‪ ،‬والطغيممان هممو‬
‫)هممود‪ :‬مممن اليممة ‪ (1121‬بعممد أن أمممر بالسممتقا ّ‬
‫مجاوزة الحد ّ )‪ .(1‬وهو خروج عن منهج الوسطّية إلى النحراف عن‬
‫السبيل‪.‬‬
‫َ‬
‫م( )الشممورى‪ :‬مممن اليممة‬
‫واَءهُ ْ‬
‫وفي الية الثانية‪ :‬قال‪َ) :‬ول ت َت ّب ِعْ أهْ م َ‬
‫مة‪ ،‬وانحممراف عممن منهممج‬
‫‪ (15‬واتبمماع الهمموى خممروج عممن السممتقا َ‬
‫الوسط‪.‬‬
‫ن‬
‫وتتواصل اليات في هذا الشأن‪ ،‬ففي سورة البقرة‪) :‬ي َهْ م ِ‬
‫دي َ‬
‫مم ْ‬
‫يَ َ‬
‫م( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(142‬وفممي آل‬
‫ص مَرا ٍ‬
‫شمماُء إ ِل َممى ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ُ‬
‫س مت َِقي ٍ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(9/107‬‬

‫‪133‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫م( )آل‬
‫صمَرا ٍ‬
‫م ب ِممالل ّهِ فََق مد ْ هُ مدِيَ إ ِل َممى ِ‬
‫ن ي َعْت َ ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ُ‬
‫ص ْ‬
‫عمران‪) :‬وَ َ‬
‫م ْ‬
‫سمت َِقي ٍ‬
‫َ‬
‫س مت َِقيما ً‬
‫ن هَ َ‬
‫ص مَرا ِ‬
‫ذا ِ‬
‫عمران‪ :‬من الية ‪ .(101‬وفي النعام‪) :‬وَأ ّ‬
‫م ْ‬
‫طي ُ‬
‫ه( )النعام‪ :‬من الية ‪ .(153‬وفيها‪) :‬قُ ْ‬
‫داِني َرّبي إ َِلممى‬
‫ل إ ِن ِّني هَ َ‬
‫َفات ّب ُِعو ُ‬
‫حِنيفمًا( )النعممام‪ :‬مممن اليممة‬
‫مل ّم َ‬
‫ة إ ِب َْرا ِ‬
‫ست َِقيم ٍ ِدينا ً قَِيمما ً ِ‬
‫صَرا ٍ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫هيم َ‬
‫ط ُ‬
‫َ‬
‫‪ .(161‬وفي النحل‪) :‬وضرب الل ّه مث َل ً رجل َي َ‬
‫م ل ي َْق مدُِر‬
‫نأ َ‬
‫َ َ َ َ‬
‫ما أب ْك َم ُ‬
‫ح مد ُهُ َ‬
‫ُ َ‬
‫َ ُ ْ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫خي ْرٍ هَ ْ‬
‫يٍء وَهُوَ ك َ ّ‬
‫عََلى َ‬
‫وي‬
‫ت بِ َ‬
‫ه ل ي َأ ِ‬
‫ما ي ُوَ ّ‬
‫ل يَ ْ‬
‫جه ْ ُ‬
‫ولهُ أي ْن َ َ‬
‫ل عََلى َ‬
‫م ْ‬
‫ش ْ‬
‫سمت َ ِ‬
‫هو ومن يأ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م( )النحل‪ .(76:‬وفممي‬
‫قي‬
‫ت‬
‫س‬
‫م‬
‫ط‬
‫را‬
‫ص‬
‫لى‬
‫ع‬
‫و‬
‫ه‬
‫و‬
‫ل‬
‫د‬
‫ع‬
‫ل‬
‫با‬
‫ر‬
‫م‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ َ َ‬
‫ُ َ َ َ ْ َ ُ‬
‫ٍ‬
‫ك إ ِن ّ َ‬
‫ي إ ِل َي ْ َ‬
‫س ْ‬
‫م(‬
‫ذي ُأو ِ‬
‫صَرا ٍ‬
‫ك عََلى ِ‬
‫ك ِبال ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫الزخرف‪َ) :‬فا ْ‬
‫ط ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫ح َ‬
‫سممت َِقي ٍ‬
‫)الزخرف‪.(43:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫جهِ مهِ أهْ م َ‬
‫مك ِب ّما ً عَل َممى وَ ْ‬
‫دى أ ّ‬
‫شي ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫وفي سورة الملك‪) :‬أفَ َ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫م( )الملك‪.(22:‬‬
‫صَرا ٍ‬
‫سوِي ّا ً عََلى ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫شي َ‬
‫ط ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ست َِقي ٍ‬
‫ن‬
‫إلى غير ذلك من اليات‪ ،‬حيث إن كل واحدة منهمما دال ّممة علممى أ ّ‬
‫صراط المستقيم هو ال ّ‬
‫طريق الذي أمرنا باّتباعه واجتناب ما عداه‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫ضمملل‬
‫لّنه هو طريق الحقّ والعممدل والوسممط‪ ،‬وممما عممداه طريممق ال ّ‬
‫صراط المستقيم‪ ،‬وهاهو ال ّ‬
‫شمميطان ُيعلممن‬
‫والغواية والنحراف عن ال ّ‬
‫مما أ َ ْ‬
‫غموَي ْت َِني‬
‫هذه الحقيقة قائل كما ذكر الله في سورة العراف‪) :‬فَب ِ َ‬
‫صَراط َ َ‬
‫م( )العراف‪ :‬مممن اليممة ‪ ،(16‬وصممدق‬
‫م ِ‬
‫َل َقْعُد َ ّ‬
‫م ْ‬
‫ست َِقي َ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫ن ل َهُ ْ‬
‫شأ الل ّه يضلل ْه وم من ي َ ْ‬
‫ه عَل َممى‬
‫ن يَ َ ِ‬
‫ش مأ ي َ ْ‬
‫ُ ُ ْ ِ ُ َ َ ْ َ‬
‫جعَل ْم ُ‬
‫الله العظيم‪ .‬إذ يقول‪َ ) :‬‬
‫م ْ‬
‫م( )النعام‪ :‬من الية ‪.(39‬‬
‫صَرا ٍ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ُ‬
‫ست َِقي ٍ‬
‫وكما بدأنا في آيات الدعوة للستقامة نختم بها‪ ،‬قال ‪ -‬سبحانه ‪:-‬‬
‫م‬
‫موا َفل َ‬
‫م َول ُ‬
‫خموْ ٌ‬
‫ن اّلم ِ‬
‫)إ ِ ّ‬
‫ما ْ‬
‫هم ْ‬
‫ف عَل َي ْهِم ْ‬
‫سمت ََقا ُ‬
‫ه ث ُم ّ‬
‫ن قَمماُلوا َرب َّنما الّلم ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن( )الحقاف‪.(13:‬‬
‫حَزُنو َ‬
‫يَ ْ‬

‫‪134‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ممماءً‬
‫ريَقةِ َل ْ‬
‫وفي سورة الجن‪) :‬وَأل ّوِ ا ْ‬
‫م َ‬
‫س مَقي َْناهُ ْ‬
‫ست ََقا ُ‬
‫موا عََلى الط ّ ِ‬
‫ن َ‬
‫شاَء‬
‫ن هُوَ إ ِّل ذِك ٌْر ل ِل َْعال َ ِ‬
‫دقًا( )الجمن‪ .(16:‬وفي الّتكوير‪) :‬إ ِ ْ‬
‫غَ َ‬
‫ن لِ َ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫منك ُ َ‬
‫م( )التكوير‪.(28 ،27:‬‬
‫مأ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ست َِقي َ‬
‫ِ ْ ْ‬
‫ن القرآن كله دعوة للستقامة والسير علممى‬
‫ص في أ ّ‬
‫وهذه الية ن ّ‬
‫و( )التكوير‪ :‬من الية ‪ (27‬يعني‬
‫ي‪) :‬إ ِ ْ‬
‫المنهج الح ّ‬
‫ن هُ َ‬
‫ق‪ ،‬قال القرطب ّ‬
‫ي‪ :‬موعظممة‬
‫القممرآن )إ ِّل ذِك ْمٌر ل ِل ْعَممال َ ِ‬
‫ن( )التكمموير‪ :‬مممن اليممة ‪ (27‬أ ْ‬
‫مي َ‬
‫شاَء منك ُم َ‬
‫ن َ‬
‫م( )التكمموير‪ (28:‬أي يتبممع الحممق‬
‫مأ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫س مت َِقي َ‬
‫ِ ْ ْ‬
‫وزجر‪) .‬ل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫وُيقيم عليه )‪.(1‬‬
‫ومممما سممبق يّتضممح لنمما أن سممورة الفاتحممة وضممَعت القاعممدة‬
‫مت المنهج وحددت معالمه‪ ،‬ثم جمماءت اليممات بعممد‬
‫والمنطلق‪ ،‬ورس َ‬
‫ذلك مقّررة لذلك‪ ،‬وداعية إليه‪.‬‬
‫أول‪ :‬العتقاد‬
‫لقممد جمماء تقريممر القممرآن لمنهممج الوسممطّية فممي العقيممدة شممامل‬
‫ي‬
‫ومتكممامل‪ ،‬وذلممك أ ّ‬
‫ن العقيممدة هممي السمماس‪ ،‬وعليهمما البنمماء‪ ،‬فممأ ّ‬
‫انحراف فيها يسري على ما سواها ويؤثر فيه‪.‬‬
‫والعقيدة من أوسع البواب وأكملها‪ ،‬حيث تشممتمل علممى اليمممان‬
‫بالله وملئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله‪ ،‬واليوم الخر‪ ،‬وبالقدر خيره‪ ،‬وشّره‪.‬‬
‫دة موضمموعات‬
‫وكممل قسممم مممن هممذه القسممام يشممتمل علممى عم ّ‬
‫وأجزاء‪.‬‬
‫وسأسلك في بيان تقريممر القممرآن للوسممطّية ‪ -‬فممي بعممض أبممواب‬
‫اليممممان ‪ -‬المنهمممج الجممممالي )‪ .(2‬دون المممدخول فمممي التفاصممميل‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(19/343‬‬
‫‪ - 2‬سأقتصر على ركني اليمان بالله ورسله‪ ،‬لنهما إذا تحققا على الوجه الصحيح‪ ،‬فتحقق غيرهما من لوازم ذلك‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫والجزئيات‪ ،‬لن ذلك ُيؤدي بنا إلى الّتفريع والدخول فممي الجزئيممات‪،‬‬
‫مما ل يستلزمه مثل هذا البحث‪ ،‬ول تدعو الحاجة إليه هنا‪.‬‬
‫مختممارة‬
‫وما سيرد في ثنايا ذلك مممن جزئيممات فليسممت إل أمثلممة ُ‬
‫للوصول إلى تحقيق المعنى المراد وتقريره‪.‬‬
‫إن أعظممم أصممول اليمممان وأعلهمما مرتبممة هممو اليمممان بممالله‪،‬‬
‫وتوحيده‪ ،‬توحيده في ربوبيته‪ ،‬وألوهيته‪ ،‬وأسمائه‪ ،‬وصفاته‪.‬‬
‫ولقممد ضمّلت طمموائف كممثيرة فممي هممذا البمماب‪ ،‬فهممم بيممن إفممراط‬
‫وتفريط‪ ،‬وغلو وجفاء‪.‬‬
‫فنجد من الناس ‪ -‬كاليهود ‪ -‬من وصف الله ‪ -‬جل وعل ‪ -‬بصممفات‬
‫ص بها بعض المخلوقين‪ ،‬وشبهوا الخالق بالمخلوق‪،‬‬
‫الّنقص التي يخت ّ‬
‫فقالوا‪ :‬إّنه بخيل! وإّنه فقير! وإّنه لما خلق السماوات والرض تعب‬
‫فاستراح يوم السبت! إلى غير ذلك من صفات النقص التي ل تليممق‬
‫به ‪ -‬سبحانه ‪.!‍! -‬‬
‫وجاء آخممرون ‪ -‬كالنصممارى ‪ -‬فوصممفوا المخلمموق بصممفات الخممالق‬
‫خّتص بها‪ ،‬فشّبهوا المخلوق بالخالق‪ ،‬حيث قالوا‪ :‬إن اللممه هممو‬
‫التي ي ْ‬
‫المسيح ابن مريم‪ .‬وقالوا‪ :‬المسمميح ابممن اللممه‪ .‬وقممالوا‪ :‬إن المسمميح‬
‫يخلق‪ ،‬ويرزق‪ ،‬ويغفر‪ ،‬ويرحم‪ ،‬ونحو ذلك )‪.(1‬‬
‫بممل هنمماك مممن أنكممر وجممود اللممه ‪ -‬ج م ّ‬
‫ل وعل ‪ ،-‬وآخممرون ادعمموا‬
‫َ‬
‫م اْل َعْل َممى( )النازعمممات‪ :‬مممن اليممة ‪.(24‬‬
‫اللوهية كفرعون‪) .‬أن َمما َرب ّك ُم ُ‬
‫ري( )القصص‪ :‬من الية ‪.(38‬‬
‫م ِ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫م ُ‬
‫ما عَل ِ ْ‬
‫وقال‪َ ) :‬‬
‫م ْ‬
‫ن إ ِل َهٍ غَي ْ ِ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬وسطّية أهل السنة ص )‪.(257‬‬

‫‪136‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وجاء القرآن بالمنهج الوسط‪ ،‬وأنكر علممى كممل فريممق مممن هممؤلء‬
‫وغيرهم ما ارتكبوه في جنب الله ‪ -‬تعالى الله عما يقول الظممالمون‬
‫وا كبيًرا ‪.-‬‬
‫عل ّ‬
‫حا‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫وأزيد المور وضو ً‬
‫ر! وهممذه‬
‫جمماء اليهممود فوصممفوا اللممه ‪ -‬جممل وعل ‪ -‬بالبخممل والفق م ‍‬
‫؟! وهممذا القممول‬
‫الصفات ل تليممق بالبشممر‪ ،‬فكيممف بحممق اللممه تعممالى ‍‬
‫والعتقاد انحراف في العقيدة وضلل مبين‪.‬‬
‫ه قَوْ َ‬
‫ه‬
‫ل ال ّم ِ‬
‫س ِ‬
‫ن قَمماُلوا إ ِ ّ‬
‫فرد ّ الله عليهم بقوله‪) :‬ل ََقد ْ َ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫معَ الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫فَقير ونح َ‬
‫حمقّ وَن َُقممو ُ‬
‫ل‬
‫م اْل َن ْب َِياَء ب ِغَي ْمرِ َ‬
‫سن َك ْت ُ ُ‬
‫ن أغْن َِياُء َ‬
‫ما َقاُلوا وَقَت ْل َهُ ُ‬
‫ب َ‬
‫ِ ٌ ََ ْ ُ‬
‫ذوُقوا عَ َ‬
‫ُ‬
‫ق( )آل عمران‪.(181:‬‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ذا َ‬
‫ح ِ‬
‫ري ِ‬
‫روى ال ّ‬
‫صممديق‬
‫طبريّ بسنده عن ابن عباس‪ ،‬قال‪ :‬دخل أبو بكر ال ّ‬

‫سمما كممثيًرا‪ ،‬قممد اجتمعمموا إلممى‬
‫‪ ‬بيت المدارس‪ ،‬فوجد مممن يهممود نا ً‬
‫حب ْممر‬
‫رجل منهم يقال له فنحاص‪ ،‬كان من علمائهم وأحبارهم‪ ،‬ومعه َ‬

‫ُيقال له أشيع‪ ،‬فقال أبو بكر ‪‬‬

‫لفنحاص‪ :‬ويحممك يمما فنحمماص‪ ،‬اتممق‬

‫دا رسممول اللممه‪ ،‬قممد جمماءكم‬
‫الله وأسلم‪ ،‬فوالله إنك لتعلممم إن محمم ً‬
‫بالحق من عند الله‪ ،‬تجدونه مكتوب ًمما عنممدكم فممي التمموراة والنجيممل‪،‬‬
‫قال فنحاص‪ :‬والله يا أبا بكر ما بنمما إلممى اللممه مممن فقممر‪ ،‬وإنممه إلينمما‬
‫لفقير‪ ،‬وما نتضّرع إليه كما تضّرع إلينا‪ ،‬وإّنا عنه لغنياء‪ ،‬ولو كان عّنا‬
‫غنًيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم‪ ،‬ينهاكم عن الّربا ويعطيناه‪،‬‬
‫ولو كان غنّيا عّنا ما أعطانمما الّربمما‪ ،‬فغضممب أبممو بكممر‪ ،‬فضممرب وجممه‬
‫فنحاص ضربة شديدة‪ ،‬وقال‪ :‬والذي نفسي بيممده‪ ،‬لممول العهممد الممذي‬
‫بيننا وبينك لضربت عنقك يمما عممدو اللممه‪ ،‬فاكممذبونا ممما اسممتطعتم إن‬

‫‪137‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫كنتم صادقين‪ ،‬فذهب فنحاص إلى رسول اللممه ‪‬‬
‫انظر ما صنع بي صاحبك‪ ،‬فقال رسول الله ‪ ‬لبي بكر‪ :‬ما حملك‬
‫فقممال يمما محمممد‬

‫ن عممدوّ اللممه قممال قممول‬
‫على ممما صممنعت؟ فقممال‪ :‬يمما رسممول اللممه‪ ،‬إ ّ‬
‫ما‪ ،‬زعم أن الله فقير‪ ،‬وأنهم عنه أغنياء‪ ،‬فلما قال ذلك غضممبت‬
‫عظي ً‬
‫لله مما قال‪ ،‬فضربت وجهه‪ ،‬فجحد ذلمك فنحماص‪ ،‬وقمال‪ :‬مما قلمت‬
‫دا عليممه‬
‫ذلك‪ ،‬فأنمممزل اللممه ‪ -‬تبممارك وتعممالى ‪ -‬فيممما قممال فنحمماص ر ّ‬
‫ه قَوْ َ‬
‫ه فَِقي مٌر‬
‫ل ال ّم ِ‬
‫س ِ‬
‫ن قَمماُلوا إ ِ ّ‬
‫وتصديًقا لبي بكر‪) :‬ل ََقد ْ َ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫معَ الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن أ َغْن َِياُء( )آل عمران‪ :‬من الية ‪ (181‬الية‪.‬‬
‫وَن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫وأورد ال ّ‬
‫دا من الروايممات ُتؤك ّممد سممبب هممذا الن ّممزول )‪.(1‬‬
‫طبريّ عد ً‬
‫ت‬
‫وكذلك لما قال اليهود يد الله مغلولة‪ ،‬نمزل قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وََقال َ ِ‬
‫َ‬
‫ممما قَمماُلوا ب َم ْ‬
‫مغُْلول َم ٌ‬
‫ت أي ْم ِ‬
‫ل ي َم َ‬
‫داهُ‬
‫م وَل ُعِن ُمموا ب ِ َ‬
‫ديهِ ْ‬
‫ة غُل ّم ْ‬
‫ال ْي َهُممود ُ ي َمد ُ الل ّمهِ َ‬
‫ف يَ َ‬
‫شاُء( )المممائدة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(64‬ورد ّ عليهممم‬
‫ن ي ُن ِْفقُ ك َي ْ َ‬
‫مب ْ ُ‬
‫َ‬
‫سوط ََتا ِ‬
‫ن اللممه خلممق السممماوات والرض فممي سممتة أيممام‪ ،‬ثممم‬
‫في قممولهم‪ :‬إ ّ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫استراح في اليوم السابع‪ ،‬فقممال‪) :‬وَل ََق مد ْ َ‬
‫ماَوا ِ‬
‫خل َْقن َمما ال ّ‬
‫سم َ‬
‫ت َواْلْر َ‬
‫َ‬
‫ق‪.(2)(38:‬‬
‫ب( ) ّ‬
‫سَنا ِ‬
‫ما ِفي ِ‬
‫م ّ‬
‫ما َ‬
‫ست ّةِ أّيام ٍ وَ َ‬
‫ما ب َي ْن َهُ َ‬
‫وَ َ‬
‫ن ل ُُغو ٍ‬
‫م ْ‬
‫ن هذه اليات وأمثالها جاءت لترد ّ على هؤلء وأمثالهم‪،‬‬
‫والشاهد أ ّ‬
‫وفي الوقت الذي جاءت لترد ّ على هذا النحراف فإنها ُتقّرر المنهممج‬
‫الحق‪ ،‬وما يجب على المؤمن أن يعتقده في جنب الله ‪ -‬تعالى ‪.-‬‬
‫دعاها لنفسه في قصممة‬
‫وكذلك نجد الرد ّ على من أنكر اللوهية وا ّ‬
‫إبراهيم مممع نمممروذ حيممث ذكرهمما اللممه فممي سممورة البقممرة‪ ،‬فقممال ‪-‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مل ْ َ‬
‫ك‬
‫ج إ ِب َْرا ِ‬
‫م ت ََر إ َِلى ال ّ ِ‬
‫م ِفي َرب ّهِ أ ْ‬
‫حا ّ‬
‫ذي َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ن آَتاهُ الل ّ ُ‬
‫هي َ‬
‫سبحانه ‪) :-‬أل َ ْ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(4/194‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/229‬‬

‫‪138‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ُ‬
‫ل إبراهيم ربي ال ّذي يحيي ويميت قَمما َ َ ُ‬
‫ت قَمما َ‬
‫ل‬
‫حي ِممي وَأ ِ‬
‫ل أن َمما أ ْ‬
‫ميم ُ‬
‫َُ ِ ُ‬
‫إ ِذ ْ َقا َ ِ ْ َ ِ ُ َ ّ َ ِ ُ ْ ِ‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ي َأ ِْتي ِبال ّ‬
‫ب‬
‫ت ب َِها ِ‬
‫ق فَأ ِ‬
‫س ِ‬
‫إ ِب َْرا ِ‬
‫م فَإ ِ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ش ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫هي ُ‬
‫مْغممرِ ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫شرِ ِ‬
‫م ِ‬
‫م ال ّ‬
‫ن( )البقرة‪.(258:‬‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ه ل ي َهْ ِ‬
‫ت ال ّ ِ‬
‫دي ال َْقوْ َ‬
‫ذي ك ََفَر َوالل ّ ُ‬
‫فَب ُهِ َ‬
‫مي َ‬
‫ه(‬
‫م فِممي َرب ّم ِ‬
‫ج إ ِب َْرا ِ‬
‫حمما ّ‬
‫قممال ابممن كممثير فممي قمموله ‪ -‬تعممالى ‪َ ) :-‬‬
‫هي م َ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪ (258‬أي‪ :‬وجود ربه‪ ،‬وذلك أّنه أنكر أن يكون لممه‬
‫ه‬
‫ن إ ِل َم ٍ‬
‫م ِ‬
‫ت ل َك ُم ْ‬
‫مم ُ‬
‫ممما عَل ِ ْ‬
‫إله غيره‪ ،‬كما قال بعممده فرعممون لملئه‪َ ) :‬‬
‫مم ْ‬
‫ري( )القصص‪ :‬من الية ‪.(1)(38‬‬
‫غَي ْ ِ‬
‫أما النصمارى فقممد شمبهوا المخلمموق بالخمالق وأضممفوا عليمه مممن‬

‫صفات والخصائص ما ل يليممق إل بممالله ‪‬‬
‫ال ّ‬

‫فقممالوا عممن المخلمموق‬

‫كقولهم في عيسى‪ :‬إنه يخلق ويرزق‪ ،‬ويغفر ويرحممم‪ ،‬ويتمموب علممى‬
‫الخلق‪ ،‬ويثيب وُيعاقب‪ ،‬إلى غير ذلك من خصائص الربوبية‪ ،‬وصفات‬
‫اللوهية التي ل تكون إل للممه ‪ -‬سممبحانه ‪-‬‬

‫)‪(2‬‬

‫وهممم بهممذا القممول قممد‬

‫ن‬
‫جعلمموا المسمميح‪ ،‬عليممه السمملم‪ ،‬إلهًمما‪ ،‬فجمماء القممرآن الكريممم ليممبي ّ‬
‫انحرافهم وخروجهممم عممن الصممراط المسممتقيم‪ ،‬فقممال ‪ -‬سممبحانه ‪:-‬‬
‫مل ِم ُ‬
‫م قُ ْ‬
‫ك‬
‫م ِ‬
‫)ل ََقد ْ ك ََفَر ال ّ ِ‬
‫سي ُ‬
‫ن َقاُلوا إ ِ ّ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ل فَ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ه هُوَ ال ْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مم ْ‬
‫ح اب ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫شيئا ً إ َ‬
‫ن ي ُهْل ِ َ‬
‫ن ِفمي‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫سمي َ‬
‫ن أَراد َ أ ْ‬
‫ن الل ّهِ َ ْ ِ ْ‬
‫ه وَ َ‬
‫مم ُ‬
‫م وَأ ّ‬
‫مْرَيم َ‬
‫ن َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫مم ْ‬
‫ح اْبم َ‬
‫م َ‬
‫َْ‬
‫َْ‬
‫مل ْم ُ‬
‫ممما‬
‫ممما ي َ ْ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ج ِ‬
‫ض َ‬
‫ك ال ّ‬
‫خل ُمقُ َ‬
‫ممما ب َي ْن َهُ َ‬
‫ض وَ َ‬
‫سم َ‬
‫ميعا ً وَل ِل ّمهِ ُ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫الْر ِ‬
‫ه عََلى ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫يَ َ‬
‫ديٌر( )المممائدة‪ .(17:‬وقممال‪) :‬ل ََقمد ْ ك ََفمَر‬
‫يٍء قَم ِ‬
‫شاُء َوالل ّ ُ‬
‫ش ْ‬
‫م ي َن ْت َُهوا‬
‫ه َوا ِ‬
‫ه َثال ِ ُ‬
‫ما ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫حد ٌ وَإ ِ ْ‬
‫ن َقاُلوا إ ِ ّ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ن إ ِل َهٍ إ ِّل إ ِل َ ٌ‬
‫ث َثلث َةٍ وَ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م عَ َ‬
‫م( )المائدة‪.(73:‬‬
‫ن ك ََفُروا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ما ي َُقوُلو َ‬
‫م ّ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ن ل َي َ َ‬
‫عَ ّ‬
‫ذي َ‬
‫س ّ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/313‬‬
‫سنة ص )‪.(273‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬وسطّية أهل ال ُ‬

‫‪139‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ومن ضلل النصارى وانحرافهم أنهم سّبوا الله ‪‬‬

‫وتنّقصوه من‬

‫الوجه الذي أرادوا به تعظيمممه‪ ،‬حيممث قممالوا‪ :‬إن المسمميح ابممن اللممه‪.‬‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫)وََقال َ ِ‬
‫ه( )التوبة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(30‬وقممد رد ّ‬
‫سي ُ‬
‫صاَرى ال ْ َ‬
‫ت الن ّ َ‬
‫ح اب ْ ُ‬
‫الله عليهم وعلى أمثالهم مثل هذا القول وبين أّنه انحراف وضمملل‪،‬‬
‫ه(‬
‫ها نفسمه‪) :‬وََقماُلوا ات ّ َ‬
‫فقال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬منممز ً‬
‫سمب ْ َ‬
‫ه وََلمدا ً ُ‬
‫حان َ ُ‬
‫خمذ َ الّلم ُ‬
‫م‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪ .(116‬وقال‪) :‬وََقاُلوا ات ّ َ‬
‫خذ َ الّر ْ‬
‫جئ ْت ُ ْ‬
‫ن وََلدا ً ل ََقد ْ ِ‬
‫ح َ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫شْيئا ً إ ِد ّا ً ت َ َ‬
‫جب َمما ُ‬
‫ه وَت َن ْ َ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫ض وَت َ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ت ي َت ََفط ّْر َ‬
‫كاد ُ ال ّ‬
‫خ مّر ال ْ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ماَوا ُ‬
‫س َ‬
‫ش مقّ اْلْر ُ‬
‫هَدا ً أ َن دعَوا ِللرحمن وَلدا ً وما ينبِغي ِللرحم َ‬
‫ن ك ُم ّ‬
‫ل‬
‫ن ي َت ّ ِ‬
‫خذ َ وَل َممدا ً إ ِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫َ َ ََْ‬
‫ّ ْ َ ِ َ‬
‫ّ ْ َ ْ‬
‫ّ ْ َ ِ‬
‫َْ‬
‫ن عَب ْممدًا( )مريممم‪.(93-88:‬‬
‫ماَوا ِ‬
‫ض إ ِّل آِتي الّر ْ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫ح َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م ِ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫ت َواْل َْرض أ َّنى ي َ ُ‬
‫ماَوا ِ‬
‫وقال في سورة النعام‪) :‬ب َ ِ‬
‫ه وَل َد ٌ‬
‫كو ُ‬
‫ديعُ ال ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫س َ‬
‫ِ‬
‫يٍء وَهُوَ ب ِك ُ ّ‬
‫خل َقَ ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ل َ‬
‫م( )النعممام‪:‬‬
‫ة وَ َ‬
‫حب َ ٌ‬
‫صا ِ‬
‫يٍء عَِلي ٌ‬
‫ن لَ ُ‬
‫وَل َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫ش ْ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫‪.(101‬‬
‫وهناك مممن أرادوا تنمممزيه اللممه ‪ -‬جممل وعل ‪ -‬فنفمموا عنممه أسممماءه‬

‫وصفات الكمال الممتي وصممف بهمما نفسممه‪ ،‬ووصممفه بهمما رسمموله‪ ،‬‬
‫فجاءت اليات الكثيرة التي تثبممت للممه صممفات الكمممال وأسممماء ذي‬
‫م( )الفاتحممة‪:‬‬
‫ن الّر ِ‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫ن الّر ْ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫الجلل‪ ،‬ومنها‪) :‬ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ح ْ‬
‫مي َ‬
‫حي ِ‬
‫م ِ‬
‫ت كُ ّ‬
‫ل َ‬
‫يٍء( )العممراف‪ :‬مممن اليممة‬
‫مِتي وَ ِ‬
‫‪ ،2‬م ‪ .(3‬وقوله‪) :‬وََر ْ‬
‫سع َ ْ‬
‫ح َ‬
‫شم ْ‬
‫مل ِم ُ‬
‫م‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ك ال ُْق م ّ‬
‫سممل ُ‬
‫س ال ّ‬
‫ه إ ِّل هُموَ ال ْ َ‬
‫ذي ل إ ِل َم َ‬
‫‪ .(156‬وقال‪) :‬هُوَ الل ّ ُ‬
‫دو ُ‬
‫مت َك َب ّمُر( )الحشممر‪ :‬مممن اليممة ‪.(23‬‬
‫مهَي ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫جب ّمماُر ال ْ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫م ُ‬
‫م ُ‬
‫ن ال ْعَ ِ‬
‫م( )الفتح‪ :‬من الية ‪ .(6‬إلى غير ذلك مممن‬
‫)وَغَ ِ‬
‫ض َ‬
‫م وَل َعَن َهُ ْ‬
‫ه عَل َي ْهِ ْ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫اليات‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وخلصة القول‪:‬‬
‫إن القممرآن جمماء لي ُممبّين انحممراف أولئك المنحرفيممن‪ ،‬ويممرد عليهممم‬
‫ق‪ ،‬وُيبّين ما يجب أن يعتقممده‬
‫ضللهم‪ ،‬وانحرافهم‪ ،‬وُيقّرر المنهج الح ّ‬
‫سممو ُ‬
‫ممما‬
‫ن الّر ُ‬
‫ل بِ َ‬
‫المسلم في الله‪ ،‬من اليمان بممه ‪ -‬جممل وعل ‪) .-‬آ َ‬
‫مم َ‬
‫ن ُ‬
‫كم ّ‬
‫أ ُن ْزِ َ‬
‫ه( )البقمرة‪ :‬مممن اليمة‬
‫ن ِبمالل ّ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل إ ِل َي ْهِ ِ‬
‫من ُممو َ‬
‫لآ َ‬
‫ن َرّبمهِ َوال ْ ُ‬
‫مم َ‬
‫م ْ‬
‫ه( )البقرة‪ :‬من الية ‪) .(136‬قُ ْ‬
‫ن‬
‫مّنا ِبالل ّ ِ‬
‫ل هُوَ الّر ْ‬
‫ح َ‬
‫‪ُ) .(285‬قوُلوا آ َ‬
‫ممم ُ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫من ُمموا ب ِممالل ّ ِ‬
‫من ُمموا آ ِ‬
‫ه( )الملممك‪ :‬مممن اليممة ‪) .(29‬ي َمما أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫مّنا ب ِ ِ‬
‫نآ َ‬
‫آ َ‬
‫ذي َ‬
‫سل ِهِ ُأول َئ ِ َ‬
‫ك‬
‫ه( )النساء‪ :‬من الية ‪َ) .(136‬وال ّ ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫مُنوا ِبالل ّهِ وَُر ُ‬
‫وََر ُ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن( )الحديد‪ :‬من الية ‪.(19‬‬
‫ديُقو َ‬
‫ص ّ‬
‫هُ ُ‬
‫م ال ّ‬

‫وكذلك يجب أن يثبت لله ما يثبته لنفسه أو أثبته له رسمموله‪ ،‬‬
‫وينفي عنه ما نفاه عنه نفسه أو نفاه عنه رسوله‪. ،‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫سَنى َفاد ْ ُ‬
‫عوهُ ب َِها وَذ َُروا اّلمم ِ‬
‫ماُء ال ْ ُ‬
‫ح ْ‬
‫قال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬وَل ِل ّهِ اْل ْ‬
‫س َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن( )العممراف‪.(180:‬‬
‫ي ُل ْ ِ‬
‫مل ُممو َ‬
‫جَزوْ َ‬
‫سي ُ ْ‬
‫دو َ‬
‫ح ُ‬
‫مائ ِهِ َ‬
‫ن ِفي أ ْ‬
‫ممما ك َمماُنوا ي َعْ َ‬
‫ن َ‬
‫س َ‬
‫عممن منهممج الوسممطّية الممذي‬
‫عوا الرحم َ‬
‫عوا‬
‫ممما ت َمد ْ ُ‬
‫اد ْ ُ‬
‫ن أي ّا ً َ‬
‫ّ ْ َ َ‬

‫فاللحاد في أسماء الله وصفاته خممروج‬
‫عوا الل ّ َ‬
‫ل اد ْ ُ‬
‫َ‬
‫رسمه القرآن وأثبته‪) .‬قُ ِ‬
‫ه أو ِ‬
‫َ‬
‫سَنى( )السممراء‪ :‬ممن اليممة ‪ .(110‬والممذين يصمفون‬
‫ماُء ال ْ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه اْل ْ‬
‫س َ‬
‫فَل َ ُ‬
‫الله بغير ما وصف به نفسه في كتممابه أو علممى لسممان رسمموله‪ ،‬‬
‫ن‬
‫صممراط المسممتقيم‪) .‬إ ِ ّ‬
‫ُيلحدون في آيات الله‪ ،‬وهذا انحراف عممن ال ّ‬
‫ن عَل َي َْنا ()فصلت‪ :‬من الية ‪.(40‬‬
‫ن ِفي آَيات َِنا ل ي َ ْ‬
‫ن ي ُل ْ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫خَفوْ َ‬
‫دو َ‬
‫ح ُ‬
‫ذي َ‬
‫والله ‪ -‬جل وعل ‪ -‬لممه صممفات الكمممال وأسممماء الجلل‪ :‬ل ُيشممبه‬
‫مث ْل ِمهِ َ‬
‫و‬
‫س كَ ِ‬
‫أح ً‬
‫دا من خلقه‪ ،‬ول ْيشبهه أحد من خلقه‪) .‬ل َي ْم َ‬
‫يءٌ وَهُم َ‬
‫شم ْ‬
‫صيُر( )الشورى‪ :‬من الية ‪.(11‬‬
‫ميعُ ال ْب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ال ّ‬

‫‪141‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫دا‪ ،‬جاءت مثبتممة ونافيممة‪ ،‬ومنمممزهة‬
‫واليات في كتاب الله كثيرة ج ّ‬
‫الله عما يصفه به الواصممفون‪ - ،‬تعممالى اللممه عممما يقممول الجاحممدون‬
‫ه( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة‬
‫وا كبيًرا – )وَقَمماُلوا ات ّ َ‬
‫سمب ْ َ‬
‫ه وَل َممدا ً ُ‬
‫حان َ ُ‬
‫خمذ َ الل ّم ُ‬
‫عل ّ‬
‫ن( )النعام‪ :‬مممن اليممة ‪) .(100‬ل‬
‫ما ي َ ِ‬
‫صُفو َ‬
‫سب ْ َ‬
‫‪ُ ) .(116‬‬
‫ه وَت ََعاَلى عَ ّ‬
‫حان َ ُ‬
‫شرِ ُ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ن‬
‫جعَل ُممو َ‬
‫ن( )التوبة‪ :‬من اليممة ‪) .(31‬وَي َ ْ‬
‫كو َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ه إ ِّل هُوَ ُ‬
‫ه عَ ّ‬
‫حان َ ُ‬
‫إ ِل َ َ‬
‫ممما‬
‫ل ِل ّهِ ال ْب ََنا ِ‬
‫س مب ْ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ه( )النحل‪ :‬مممن اليممة ‪ُ ) .(57‬‬
‫ت ُ‬
‫ه وَت َعَمماَلى عَ ّ‬
‫حان َ ُ‬
‫حان َ ُ‬
‫ه‬
‫مين ِم ِ‬
‫ت ب ِي َ ِ‬
‫ي َُقوُلو َ‬
‫ن عُل ُوّا ً ك َِبيممرًا( )السممراء‪َ) .(43:‬وال ّ‬
‫مط ْوِي ّمما ٌ‬
‫ت َ‬
‫ماَوا ُ‬
‫سم َ‬
‫شرِ ُ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ن( )الزممر‪ :‬من الية ‪ .(67‬وصممدق اللممه‬
‫كو َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ُ‬
‫ه وَت ََعاَلى عَ ّ‬
‫حان َ ُ‬
‫ل هُو الل ّ َ‬
‫م يَ ُ‬
‫ه‬
‫هأ َ‬
‫ن َلمم ُ‬
‫م ُيول َد ْ وَل َ ْ‬
‫م ي َل ِد ْ وَل َ ْ‬
‫مد ُ ل َ ْ‬
‫ص َ‬
‫حد ٌ الل ّ ُ‬
‫ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫كمم ْ‬
‫العظيم‪) .‬قُ ْ َ‬
‫َ‬
‫د( )الخلص‪.(4-1:‬‬
‫ح ٌ‬
‫ك ُُفوا ً أ َ‬
‫ومما سبق يتضح لنا صفاء عقيدة التوحيد وسلمتها من تأويل‬
‫المممؤولين وجحممد الجاحممدين‪ ،‬وتشممبيه المش مّبهين‪ ،‬وأن الجميممع قممد‬
‫صراط المستقيم‪ ،‬نفي ًمما أو إثبات ًمما‪ ،‬إفراط ًمما أو تفريط ًمما‪،‬‬
‫انحرفوا عن ال ّ‬
‫ولذلك جاءت اليات تلو اليات‪ ،‬إثبات ًمما ونفي ًمما‪ ،‬وإنكمماًرا ورّدا وتنمممزيًها‪،‬‬
‫لتقّرر المنهج الحق بين الغلوّ والجفاء‪ ،‬والنفي والثبات‪ ،‬مما يليق به‬
‫دست أسماؤه‪ ،‬وعل وعّز شأنه وسلطانه‪.‬‬
‫ سبحانه ‪ -‬وتق ّ‬‫ونجد من أصول العتقاد اليمان برسل الله‪ ،‬عليهممم وعلممى نبينمما‬
‫أفضل الصلة والسلم‪ ،‬وذلك يقتضي إنمزالهم منازلهم التي أنمزلهم‬
‫الله إّياها‪.‬‬
‫وعنممد دراسممة أحمموال المممم فممي هممذه القضممية نجممد الضممطراب‬
‫والتناقض والغلوّ والجفاء‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وكما ذكرنا اليهود والنصارى مثليممن للنحممراف فممي بمماب اليمممان‬
‫ضا ‪ -‬للنحراف في بمماب اليمممان‬
‫بالله‪ ،‬فسأذكرهما هنا نموذجين ‪ -‬أي ً‬
‫بالرسل‪ ،‬وذلك لن القرآن‪ ،‬ذكرهما في مواضع عدة‪ ،‬ولنهما أشممهر‬
‫ُ‬
‫مة محمد‪. ،‬‬
‫أمتين قبل أ ّ‬
‫ولنأخذ موقف اليهود من أنبياء الله ورسله‬

‫)‪(1‬‬

‫‪.‬‬

‫‪ -1‬أّنهم فّرقوا بيــن اللــه ورســله‪ ،‬وآمنمموا ببعممض الرسممل‬
‫وكفروا ببعض‪ ،‬بمجمّرد الّتشمّهي والعممادة‪ ،‬ل عممن دليممل قممادهم إلممى‬
‫ذلك‪ ،‬فإنه ل سبيل إلى ذلك‪ ،‬بل بمجّرد الهمموى والعصممبية‬
‫تعالى ‪( :-‬إن ال ّذين يك ُْفرون بالل ّه ورس مل ِه ويري مدو َ‬
‫ن‬
‫نأ ْ‬
‫ِ َ َ ُ َ ِ ِ َُ ُ ِ َُ ِ ُ َ‬
‫ِ ّ‬
‫ن ي َُفّرقُمموا ب َي ْم َ‬
‫الل ّه ورسل ِه ويُقوُلون نؤْمن ببعض ونك ُْفر ببعض ويريدو َ‬
‫خمم ُ‬
‫ذوا‬
‫ن ي َت ّ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫َ ُ ِ ُ َِْ ٍ ََ ُ َِْ ٍ َُ ِ ُ َ‬
‫ِ َُ ُ ِ ََ‬
‫)‪(2‬‬

‫قممال ‪-‬‬

‫سِبي ً‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫ل( )النسمماء‪ (150:‬وهممذا المممر وإن كممان يشممترك فيممه‬
‫ك َ‬
‫ب َي ْ َ‬
‫اليهود والنصارى‪ ،‬ولكنه في اليهود أكثر‪.‬‬
‫‪ -2‬أنهم خذلوا أنبياءهم‪ ،‬ونقضوا العهود التي أخذوها عليهم‪ ،‬قممال‬
‫سممرائي َ‬
‫ي‬
‫ سبحانه ‪) :-‬وَل ََقد ْ أ َ َ‬‫ل وَب َعَث ْن َمما ِ‬
‫ه ِ‬
‫ميَثاقَ ب َن ِممي إ ِ ْ‬
‫من ْهُم ُ‬
‫خذ َ الل ّ ُ‬
‫م اث ْن َم ْ‬
‫كمم ل َئ ِ َ‬
‫م الّز َ‬
‫شَر ن َِقيبا ً وََقا َ‬
‫عَ َ‬
‫كماةَ‬
‫صملةَ َوآت َي ُْتم ُ‬
‫مُتم ُ‬
‫ن أقَ ْ‬
‫مع َ ُ ْ‬
‫ه إ ِّنمي َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م ال ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫سممنا ً َل ُك َّف مَر ّ‬
‫ه قَْرضما ً َ‬
‫م وَأقَْر ْ‬
‫ح َ‬
‫م ب ُِر ُ‬
‫م الل ّم َ‬
‫ضمت ُ ُ‬
‫ممموهُ ْ‬
‫سمِلي وَعَّزْرت ُ ُ‬
‫من ْت ُ ْ‬
‫َوآ َ‬
‫حت ِهَمما اْل َن ْهَمماُر( )المممائدة‪:‬‬
‫م وََل ُد ْ ِ‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫خل َن ّك ُ ْ‬
‫سي َّئات ِك ُ ْ‬
‫عَن ْك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ج ِ‬
‫من الية ‪.(12‬‬
‫دا)‪ (3‬ولكممن‬
‫وآيات أخذ العهد والميثاق على بني إسرائيل كثيرة ج م ً‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ممما ن َْق ِ‬
‫م وَ َ‬
‫جعَل ْن َمما قُل ُمموب َهُ ْ‬
‫م ل َعَن ّمماهُ ْ‬
‫ميث َمماقَهُ ْ‬
‫ض مه ِ ْ‬
‫ماذا كانت النتيجة‪) :‬فَب ِ َ‬
‫ممما ذ ُك ّمُروا ب ِمهِ َول‬
‫سي َ ً‬
‫حظ ّما ً ِ‬
‫وا ِ‬
‫َقا ِ‬
‫سمموا َ‬
‫حّرُفو َ‬
‫ة يُ َ‬
‫ضعِهِ وَن َ ُ‬
‫م ّ‬
‫ن َ‬
‫ن ال ْك َل ِ َ‬
‫م َ‬
‫م عَ ْ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ذلك رسالة وسطّية أهل السنة ص )‪ (286‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(2/396‬‬
‫صا بذلك‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفصيل ذلك في كتاب العهد والميثاق في القرآن للمؤلف حيث تجد فصل خا ّ‬

‫‪143‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ت ََزا ُ‬
‫م( )المائدة‪ :‬من الية ‪ .(13‬ونقممض العهممد‬
‫ل ت َط ّل ِعُ عََلى َ‬
‫خائ ِن َةٍ ِ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫والغدر ُينبئ عن مكانة النبياء في نفوسهم وعقيدتهم فيهم‪.‬‬
‫صوا بعض النبياء والرسممل‪ ،‬عليهممم الصمملة والسمملم‪،‬‬
‫‪ -3‬أنهم تنّق ُ‬
‫ورممموهم بارتكمماب كبممائر الممذنوب‪ ،‬ورممموهم بالنقممائص والعيمموب‪،‬‬
‫والتوراة ‪ -‬المحرفة ‪ -‬مليئة بهذا اللون‪ ،‬وفيها من الخممزي والعممار ممما‬
‫يَندى له الجبين‪.‬‬
‫فنسبوا لهارون‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬أّنه صنع لهم العجممل الممذي عبممدوه‬
‫من دون الله‪ ،‬ورموا نبي الله سليمان‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬بأنه في أواخر‬
‫أّيامه مال إلى ممالة نسائه على عبادة الوثان‪ ،‬وبني لهممن المعابممد‬
‫صا في إيمانه بربه ‪.‬‬
‫والوثان‪ ،‬وأّنه لم يكن مخل ً‬

‫حا‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬بأّنه كان يشرب الخمر‪ ،‬واتهممموا داود‬
‫واتهموا نو ً‬
‫ولو ً‬
‫طا‪ ،‬عليهما السلم‪ ،‬بالزنا‪ ،‬إلممى غيممر ذلممك مممن النقممائص والتهممم‬
‫التي يقشعّر لها قلب كل مؤمن )‪.(1‬‬
‫ول ُيسممتغرب ذلممك علممى أولئك الممذين رممموا رسممولهم ونممبيهم‬
‫موسى‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬بالنقائص والعيوب‪ .‬فقممال ‪ -‬سممبحانه ‪ -‬مخممبًرا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫مُنوا ل ت َ ُ‬
‫ه‬
‫كال ّ ِ‬
‫عنهم‪َ) ،‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫سممى فَب َمّرأهُ الل ّم ُ‬
‫ن آذ َْوا ُ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ما َقاُلوا وَ َ‬
‫جيهًا( )الحزاب‪.(69:‬‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫كا َ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ وَ ِ‬
‫م ّ‬
‫‪ -4‬قتلهم النبياء والّرسل‪ ،‬وقد ذكر الله ذلك في القرآن في أكثر‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو ٌ‬
‫م‬
‫ما َ‬
‫ما ْ‬
‫وى أن ُْف ُ‬
‫م َر ُ‬
‫س مت َك ْب َْرت ُ ْ‬
‫س مك ُ ُ‬
‫ل بِ َ‬
‫جاَءك ُ ْ‬
‫من موضع‪) :‬أفَك ُل ّ َ‬
‫ما ل ت َهْ م َ‬
‫ن( )البقرة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(87‬وقممال‪) :‬ل ََقمد ْ‬
‫ريقا ً ت َْقت ُُلو َ‬
‫ريقا ً ك َذ ّب ْت ُ ْ‬
‫م وَفَ ِ‬
‫فََف ِ‬
‫خذ ْنا ميَثاقَ بِني إسرائي َ َ‬
‫َ‬
‫سممو ٌ‬
‫ل‬
‫أ َ َ ِ‬
‫ممما َ‬
‫َ‬
‫م َر ُ‬
‫م ُر ُ‬
‫ل وَأْر َ‬
‫ِ ْ‬
‫جمماَءهُ ْ‬
‫سمل ً ك ُل ّ َ‬
‫سل َْنا إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفصيل ذلك وأدلته في وسطّية أهل السنة ص )‪.(289‬‬

‫‪144‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫َ‬
‫ن( )المممائدة‪.(70:‬‬
‫ريق ما ً ي َْقت ُل ُممو َ‬
‫وى أن ُْف ُ‬
‫س مه ُ ْ‬
‫بِ َ‬
‫ما ل ت َهْ َ‬
‫ريق ما ً ك َمذ ُّبوا وَفَ ِ‬
‫م فَ ِ‬
‫وقال‪) :‬ذ َل َ َ‬
‫م َ‬
‫ر‬
‫ِ‬
‫ن بآَيما ِ‬
‫ت الّلمهِ وَي َْقت ُُلمو َ‬
‫كاُنوا ي َك ُْفمُرو َ‬
‫ك ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ن الن ّب ِّييم َ‬
‫ن ب ِغَْيم ِ‬
‫ق( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(61‬‬
‫ال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫ومن أشهر من قتل اليهود من النبياء زكريا وابنه يحيممى‪ ،‬عليهممما‬
‫السلم)‪.(1‬‬
‫هممذه عقيممدة اليهممود فممي أنبيمماء اللممه ورسممله‪ ،‬والممذي ينظممر إلممى‬
‫مممواقفهم مممع موسممى‪ ،‬عليممه السمملم‪ ،‬وهممو نممبيهم ومنقممذهم مممن‬
‫فرعون‪ ،‬يجد العجب)‪) .(2‬وَإ ِذ ْ َقا َ‬
‫م ُتممؤْ ُ‬
‫ذون َِني‬
‫سى ل َِقوْ ِ‬
‫مو َ‬
‫مهِ َيا قَوْم ِ ل ِ َ‬
‫ل ُ‬
‫وقَد تعل َمو َ‬
‫سو ُ‬
‫م( )الصف‪ :‬من الية ‪ .(5‬فكل مممن‬
‫َ ْ َْ ُ َ‬
‫ن أّني َر ُ‬
‫ل الل ّهِ إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫وقف من النبياء والرسل موقف تفريممط وجفمماء فممي اليهممود أسمموة‬
‫وقدوة‪.‬‬
‫مــا النصــارى فــإن عقيــدتهم فــي النبيــاء والرســل‬
‫أ ّ‬
‫تتلخص في موقفين )‪: (3‬‬
‫الول‪ :‬التفريط والجفاء مع أنبياء الله ورسله ‪ -‬عدا عيسممى‪،‬‬
‫عليه السلم‪ ،‬فلم يؤمنوا ببعضهم‪ ،‬وكفروا بمحمد‪ -  ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫)إن ال ّذين يك ُْفرون بالل ّه ورسل ِه ويريدو َ‬
‫ه‬
‫سل ِ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ِ َ َ ُ َ ِ ِ َُ ُ ِ َُ ِ ُ َ‬
‫ِ ّ‬
‫ن الل ّهِ وَُر ُ‬
‫ن ي َُفّرُقوا ب َي ْ َ‬
‫ويُقوُلون نؤْمن ببعض ونك ُْفر ببع مض ويري مدو َ‬
‫ن ذ َل ِم َ‬
‫خم ُ‬
‫ك‬
‫ن ي َت ّ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ٍ َُ ِ ُ َ‬
‫َ ُ ِ ُ َِْ ٍ ََ ُ َِْ‬
‫ََ‬
‫ذوا ب َي ْم َ‬
‫سِبي ً‬
‫ن‬
‫ن ن ُؤْ ِ‬
‫ل( )النساء‪ .(150:‬قال ابن جرير ‪ -‬رحمه الله – )وَي َُقوُلو َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ض( )النساء‪ :‬من الية ‪ (150‬يعنممي أنهممم يقولممون‪:‬‬
‫ض وَن َك ُْفُر ب ِب َعْ ٍ‬
‫ب ِب َعْ ٍ‬
‫نصدق بهذا ونكذب بهممذا‪ ،‬كممما فعلممت اليهممود فممي تكممذيبهم عيسممى‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪ 6/284‬ووسطّية أهل السنة ص )‪.(296‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفصيل ذلك في ظلل القرآن تفسير سورة الصف‪ ،‬وكتاب العهد والميثاق في القرآن للمؤلف في فصل نقض بني إسرائيل للعهد‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬وسطّية أهل السنة ص )‪.(301‬‬

‫‪145‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ومحمد‪ ،‬‬

‫وتصديقهم بموسى وسممائر النبيمماء قبلهممم بزعمهممم‪،‬‬

‫وكما فعلت النصارى من تكممذيبهم محم مًدا‪ ،‬‬

‫)‪(1‬‬

‫وتصممديقهم بعيسممى‬

‫وسائر النبياء قبله بزعمهم)‪.(2‬‬
‫وقال ‪ -‬تعالى ‪ -‬مبيًنا كفرهم بمحمممد‪)  ،‬وَإ ِذ ْ قَمما َ‬
‫ن‬
‫ل ِ‬
‫عي َ‬
‫سممى اب ْم ُ‬
‫سو ُ‬
‫سرائي َ‬
‫ن‬
‫ن ي َد َيّ ِ‬
‫ص ّ‬
‫ل إ ِّني َر ُ‬
‫م َيا ب َِني إ ِ ْ‬
‫دقا ً ل ِ َ‬
‫م ُ‬
‫ل الل ّهِ إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫مْري َ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫شرا ً برسول يأ ِْتي من بع مدي اس مم َ‬
‫مب َ ّ‬
‫م‬
‫ِ ْ َْ ِ‬
‫ممما َ‬
‫هأ ْ‬
‫َِ ُ ٍ َ‬
‫جمماءَهُ ْ‬
‫م مد ُ فَل َ ّ‬
‫ح َ‬
‫ْ ُ ُ‬
‫الت ّوَْراةِ وَ ُ‬
‫ت َقاُلوا هَ َ‬
‫ن( )الصف‪.(6:‬‬
‫ذا ِ‬
‫ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫س ْ‬
‫حٌر ُ‬
‫مِبي ٌ‬
‫الثاني‪ :‬الغلو والفراط‪ ،‬ويتمثل ذلك في غلوهم في عيسى‪،‬‬
‫عليممه السمملم‪ ،‬حيممث رفعمموه فمموق المكانممة الممتي جعلممه اللممه فيهمما‪،‬‬
‫وأنمزلوه فوق المنمزلة التي أنمزله الله إياها ‪ -‬زعموا ‪.-‬‬
‫دا لله‪ ،‬ورسول نبًيا‪ ،‬وإنما جعلوه هو الله‪ ،‬أو ابن‬
‫فلم يؤمنوا به عب ً‬

‫الله‪ ،‬أو ثالث ثلثة !! بل عبدوه من دون الله ‪‬‬

‫وأضافوا إليممه مممن‬

‫الفعال والعمال ما ل يصح إضافته ونسبته إل إلى الله ‪‬‬

‫)‪.(3‬‬

‫ن‬
‫م ِ‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬ل ََقد ْ ك ََفَر ال ّم ِ‬
‫سممي ُ‬
‫ن قَمماُلوا إ ِ ّ‬
‫ه ه ُ مو َ ا ل ْ َ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫ح اب ْم ُ‬
‫ذي َ‬
‫ث‬
‫ه َثمال ِ ُ‬
‫م( )المائدة‪ :‬من الية ‪) .(72‬ل ََقد ْ ك ََفَر ال ّ ِ‬
‫ن َقماُلوا إ ِ ّ‬
‫ن الّلم َ‬
‫مْري َ َ‬
‫َ‬
‫ذي َ‬
‫ه(‬
‫ن الل ّم ِ‬
‫م ِ‬
‫ة( )المائدة‪ :‬من الية ‪) .(73‬وََقال َ ِ‬
‫َثلث َ ٍ‬
‫سممي ُ‬
‫صاَرى ال ْ َ‬
‫ت الن ّ َ‬
‫ح اب ْم ُ‬
‫)التوبة‪ :‬من الية ‪.(30‬‬

‫وقال ‪ ‬‬

‫ل تطروني كما أطرت النصممارى ابممن مريممم فإنممما أنمما‬

‫عبده فقولوا‪ :‬عبد الله ورسوله ‪.(4) ‬‬

‫‪ - 1‬تحفظ الطبري ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬في مكانه‪ ،‬لنهم في الحقيقة لم يؤمنوا بهم جميًعا‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(9/351‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬وسطّية أهل السنة ص ‪.301‬‬
‫‪ - 4‬أخرجه البخاري )‪ (4/142‬وأحمد )‪.(55 ،47 ،24 ،1/23‬‬

‫‪146‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وهذان الموقفان ‪ -‬أي موقف اليهممود وموقممف النصممارى ‪ -‬يمثلن‬
‫مواقف الناس في النبياء والرسممل فممي جممانب الفممراط والتفريممط‬
‫)‪(1‬‬
‫ما الموقف الحق وهو الذي قرّره القرآن وبينه‪،‬‬
‫والغلو والجفاء ‪ .‬أ ّ‬
‫فإنه بين هذين الموقفين‪ ،‬فهو وسط بين الغلممو والجفمماء‪ ،‬والفممراط‬

‫والتفريط‪ ،‬ويمكن تلخيصه فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬ردّ الله علــى أولئك الـذين انحرفـت عقيــدتهم فـي‬
‫رسل الله وأنبيـائه‪ ،‬ورّدهممم عممن النحممراف إلممى المنهممج الحممق‬
‫تقريًرا لهذا المنهج الذي أمر الله باتباعه واللممتزام بممه‪ ،‬وهممو العممدل‬
‫والصممواب فيممما يجممب أن يعتقممده المسمملم ويعامممل بممه أنبيمماء اللممه‬
‫ورسله‪.‬‬
‫فقد رد ّ الله على الذين فّرقوا بين الله ورسممله‪ ،‬وآمنمموا ببعضممهم‬
‫ن خطممأ اعتقممادهم وضمملل طريقهممم‪ ،‬فقممال ‪-‬‬
‫وكفممروا ببعممض‪ ،‬وبي م ّ‬
‫حّقا ً وَأ َعْت َد َْنا ل ِل ْ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫سبحانه ‪ُ) :-‬أول َئ ِ َ‬
‫عمم َ‬
‫مِهين مًا(‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫كافُِرو َ‬
‫ذابا ً ُ‬
‫ك هُ ُ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫)النساء‪.(151:‬‬
‫قال القرطبي ‪ -‬رحمه الله ‪ :-‬قمموله ‪ -‬تعممالى ‪ُ) :-‬أول َئ ِ َ‬
‫م‬
‫ك ُ‬
‫همم ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫هم فممي‬
‫حّقًا( )النساء‪ :‬مممن اليممة ‪ (151‬تأكيممد يزيممل التممو ّ‬
‫ن َ‬
‫كافُِرو َ‬
‫إيمانهم حين وصفهم بأنهم يقولون نؤمن ببعض‪ ،‬وأن ذلك ل ينفعهم‬

‫إذا كفروا برسوله‪ ،‬وإذا كفروا برسوله فقممد كفممروا بممه ‪‬‬

‫وكفممروا‬

‫مبشرٍ بذلك الرسول‪ ،‬فلذلك صاروا الكافرين حًقا )‪.(2‬‬
‫بكل رسول ُ‬

‫‪ - 1‬قد تكون هناك مواقف لبعض اليهود تتشابه مع موقف النصارى‪ ،‬كقول بعضهم "عزيز ابن الله" وكذلك قد تكون هناك مواقف لبعض النصارى تشابه موقف اليهود‪ ،‬كخذلن‬
‫بعضهم لعيسى وعدم نصرته‪ ،‬والعبرة بالموقف ل بالشخاص سواء أكانوا من اليهود أم النصارى أم المشركين أم غيرهم‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(6/5‬‬

‫‪147‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ما الذين نقضوا العهود والمواثيق التي أخذها الله عليهممم‬
‫أ ّ‬
‫باليمممان بالرسممل ونصممرتهم‪ ،‬فقممد قممال ‪ -‬سممبحانه ‪ -‬مبيًنمما عاقبممة‬
‫ة‬
‫س مي َ ً‬
‫م َقا ِ‬
‫م ِ‬
‫ممما ن َْق ِ‬
‫م وَ َ‬
‫جعَل ْن َمما قُل ُمموب َهُ ْ‬
‫م ل َعَن ّمماهُ ْ‬
‫ميث َمماقَهُ ْ‬
‫ض مه ِ ْ‬
‫جريرتهممم‪) :‬فَب ِ َ‬
‫ممما ذ ُك ّمُروا ب ِمهِ َول ت َمَزا ُ‬
‫ل‬
‫حظ ّما ً ِ‬
‫وا ِ‬
‫سمموا َ‬
‫حّرُفو َ‬
‫يُ َ‬
‫ضمعِهِ وَن َ ُ‬
‫م ّ‬
‫ن َ‬
‫ن ال ْك َل ِ َ‬
‫م َ‬
‫م عَ ْ‬
‫م( )المائدة‪ :‬من اليممة ‪ .(13‬وقممال فممي موضممع‬
‫ت َط ّل ِعُ عََلى َ‬
‫خائ ِن َةٍ ِ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ن عَهْمد َ الّلمهِ‬
‫آخر مبيًنا عاقبة نقض العهد والميثمماق‪َ) :‬وال ّم ِ‬
‫ضممو َ‬
‫ن ي َن ُْق ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صم َ‬
‫ن فِممي‬
‫ل وَي ُْف ِ‬
‫ن ب َعْدِ ِ‬
‫ِ‬
‫دو َ‬
‫سم ُ‬
‫ه ب ِمهِ أ ْ‬
‫ميَثاقِهِ وَي َْقط َُعو َ‬
‫مَر الل ّ ُ‬
‫ما أ َ‬
‫ن َ‬
‫ن ُيو َ‬
‫م ْ‬
‫اْل َ‬
‫ض ُأول َئ ِ َ‬
‫داِر( )الرعد‪.(25:‬‬
‫ر‬
‫م الل ّعْن َ ُ‬
‫سوُء ال ّ‬
‫م ُ‬
‫ة وَل َهُ ْ‬
‫ك ل َهُ ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫والذين كفروا بالنبياء‪ ،‬وفّرقوا بينهم قد نقضوا عهممد اللممه وخممانوا‬
‫مواثيقه‪ ،‬وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ص َ‬
‫ل( )الرعد‪ :‬مممن‬
‫ه ب ِهِ أ ْ‬
‫قال القرطبي‪) :‬وَي َْقط َُعو َ‬
‫مَر الل ّ ُ‬
‫ما أ َ‬
‫ن َ‬
‫ن ُيو َ‬
‫الية ‪ (25‬أي‪ :‬من الرحام‪ ،‬واليمان بجميع النبياء)‪.(1‬‬
‫ما الذين آذوا النبياء‪ ،‬وتنّقصوهم‪ ،‬واتهموهم بأبشممع التهممم‪ ،‬فقممد‬
‫أ ّ‬
‫ما مباشًرا أو غير مباشر‪ ،‬فالذين اتهموا هارون بأنه‬
‫جاء الرد ّ عليهم إ ّ‬
‫أمرهم بالشرك وصنع لهم العجل‪ ،‬قممال اللممه مممبرءا هممارون‪) :‬وَل ََقمد ْ‬
‫ن قَب ْ ُ‬
‫َقا َ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫ن ِ‬
‫م الّر ْ‬
‫م ب ِمهِ وَإ ِ ّ‬
‫هاُرو ُ‬
‫ح َ‬
‫ن َرب ّك ُم ُ‬
‫ممما فُت ِن ْت ُم ْ‬
‫ل َيا قَوْم ِ إ ِن ّ َ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫مم ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ري( )طمه‪.(90:‬‬
‫َفات ّب ُِعوِني وَأ ِ‬
‫طيُعوا أ ْ‬
‫م ِ‬
‫وقال عن سليمان )ن ِعم ال ْعبد إن َ‬
‫ص‪ :‬من الية ‪.(30‬‬
‫ه أّوا ٌ‬
‫ْ َ َ ْ ُ ِّ ُ‬
‫ب( ) ّ‬
‫أما نوح ولوط وداود‪ ،‬عليهم السلم‪ ،‬فقممد قممال اللممه عنهممم وعممن‬
‫غيرهم من النبياء والرسممل الممذين ذكرهممم ‪ -‬سممبحانه ‪ -‬فممي سممورة‬
‫النعام‪ُ) :‬أول َئ ِ َ‬
‫ن ي َك ُْفممْر ب َِهمما‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫م َوالن ّب ُوّةَ فَإ ِ ْ‬
‫ب َوال ْ ُ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫حك ْ َ‬
‫ن آت َي َْناهُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(9/314‬‬

‫‪148‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫هَ ُ‬
‫ن( )النعممام‪ .(89:‬وقممال‬
‫وما ً ل َي ْ ُ‬
‫ري َ‬
‫ؤلِء فََقد ْ وَك ّل َْنا ب َِها قَ ْ‬
‫سوا ب ِهَمما ب ِك َممافِ ِ‬
‫بعد ذلك مزك ًّيا لهم وآمًرا رسوله‪  ،‬أن يقتدى بهم‪ُ) :‬أول َئ ِ َ‬
‫ن‬
‫ك اّلمم ِ‬
‫ذي َ‬
‫ه( )النعام‪ :‬من اليممة ‪ .(90‬وقممال عممن نمموح‪:‬‬
‫ه فَب ِهُ َ‬
‫هَ َ‬
‫م اقْت َدِ ْ‬
‫داهُ ُ‬
‫دى الل ّ ُ‬
‫شم ُ‬
‫ه َ‬
‫ن عَْبدا ً َ‬
‫كورًا( )السممراء‪ .(3:‬وقممال‬
‫)ذ ُّري ّ َ‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫ح إ ِن ّ ُ‬
‫مل َْنا َ‬
‫ح َ‬
‫ة َ‬
‫م ْ‬
‫معَ ُنو ٍ‬
‫ذا اْل َيد إن َ‬
‫داوُد َ َ‬
‫ص‪ :‬من الية ‪.(17‬‬
‫ه أّوا ٌ‬
‫عن داود‪َ) :‬واذ ْك ُْر عَب ْد ََنا َ‬
‫ْ ِ ِّ ُ‬
‫ب( ) ّ‬
‫أممما الممذين قتلمموا النبيمماء والرسممل فممماذا كممانت عمماقبتهم جممزاء‬
‫انحرافهممم عممن الطريممق السمموي؟ تجيممب هممذه اليممات علممى هممذا‬
‫ه‬
‫سمك َن َ ُ‬
‫م الذ ّل ّ ُ‬
‫ن الّلم ِ‬
‫ب ِ‬
‫ة وََبماُءوا ب ِغَ َ‬
‫السؤال‪) :‬وَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ة َوال ْ َ‬
‫ت عَل َي ْهِ ُ‬
‫ضرِب َ ْ‬
‫ضم ٍ‬
‫مم َ‬
‫ذ َل َ َ‬
‫م َ‬
‫حقّ ذ َِلمم َ‬
‫ك‬
‫ِ‬
‫ن بآَيا ِ‬
‫ن ب ِغَي ْرِ ال ْ َ‬
‫ت الل ّهِ وَي َْقت ُُلو َ‬
‫كاُنوا ي َك ُْفُرو َ‬
‫ك ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ن الن ّب ِّيي َ‬
‫وا وَ َ‬
‫ن( )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(61‬وقال ‪ -‬سممبحانه ‪:-‬‬
‫دو َ‬
‫كاُنوا ي َعْت َ ُ‬
‫بِ َ‬
‫ما عَ َ‬
‫ص ْ‬
‫ن‬
‫ن بآَيا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫حمقّ وَي َْقت ُُلمو َ‬
‫ن ب ِغَْيمرِ َ‬
‫ت الّلمهِ وَي َْقت ُُلمو َ‬
‫ن ي َك ُْفُرو َ‬
‫)إ ِ ّ‬
‫ن الن ّب ِّييم َ‬
‫ذي َ‬
‫ال ّمذين ي مأ ْ‬
‫ذاب أ َ‬
‫ن ِبال ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م( )آل‬
‫م‬
‫لي‬
‫م‬
‫ع‬
‫ب‬
‫م‬
‫ه‬
‫ر‬
‫م‬
‫ش‬
‫ب‬
‫ف‬
‫س‬
‫ما‬
‫م‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ط‬
‫م‬
‫س‬
‫ق‬
‫رو‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ َ َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫عمران‪.(21:‬‬
‫وكذلك نجممد رد ّ اللممه علممى النصممارى وغل ّمموهم فممي عيسممى عليممه‬
‫السلم‪ ،‬حيث حكم عليهمم بمالكفر واللعمن‪ ،‬قمال ‪ -‬سمبحانه ‪) :-‬ل ََقمد ْ‬
‫م( )المائدة‪ :‬من اليتين‬
‫م ِ‬
‫ك ََفَر ال ّ ِ‬
‫سي ُ‬
‫ن َقاُلوا إ ِ ّ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ه هُوَ ال ْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ح اب ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه َثال ِ ُ‬
‫ن إ ِل َهٍ‬
‫ما ِ‬
‫‪ .(17،72‬وقال‪) :‬ل ََقد ْ ك ََفَر ال ّ ِ‬
‫ن َقاُلوا إ ِ ّ‬
‫ث َثلث َةٍ وَ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫م‬
‫ه َوا ِ‬
‫ن ك ََفمُروا ِ‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫ما ي َُقوُلو َ‬
‫حد ٌ وَإ ِ ْ‬
‫م ّ‬
‫من ْهُم ْ‬
‫ن ل َي َ َ‬
‫م ي َن ْت َُهوا عَ ّ‬
‫ن لَ ْ‬
‫إ ِّل إ ِل َ ٌ‬
‫ذي َ‬
‫سم ّ‬
‫َ‬
‫عَ َ‬
‫م( )المائدة‪.(73:‬‬
‫ذا ٌ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫صمماَرى‬
‫ن الل ّهِ وَقَممال َ ِ‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬وََقال َ ِ‬
‫ت الن ّ َ‬
‫ت ال ْي َُهود ُ عَُزي ٌْر اب ْ ُ‬
‫َ‬
‫ن الل ّهِ ذ َل ِ َ‬
‫ن ق َ مو ْ َ‬
‫ن ك ََفمُروا‬
‫ل ال ّم ِ‬
‫م ِ‬
‫ضاهُِئو َ‬
‫م يُ َ‬
‫سي ُ‬
‫واهِهِ ْ‬
‫ك قَوْل ُهُ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫م ب ِأفْ َ‬
‫ح اب ْ ُ‬
‫ه أ َّنى ي ُؤْفَ ُ‬
‫ن قَب ْ ُ‬
‫ن( )التوبة‪.(30:‬‬
‫ِ‬
‫كو َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ل َقات َل َهُ ُ‬
‫م ْ‬

‫‪149‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫‪ -2‬إن الحكم على النحراف وبيانه وسيلة مباشرة للوصول‬
‫إلى الطريق الصحيح‪ ،‬والمنهممج المسممتقيم‪ ،‬فبعممد بيممان خطممأ هممؤلء‬
‫الذين انحرفت عقيدتهم وضلوا في رسل الله نأتي إلى بيان المنهممج‬
‫الحق في أنبياء الله ورسله‪ ،‬كما قممرره القممرآن الكريممم‪ ،‬ودعمما إليممه‬
‫في أكثر من موضع‪.‬‬
‫ممما أ ُن ْمزِ َ‬
‫ممما أ ُن ْمزِ َ‬
‫ل إ ِل َممى‬
‫ل إ ِل َي ْن َمما وَ َ‬
‫مّنا ب ِممالل ّهِ وَ َ‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪ُ) :-‬قوُلوا آ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫عي َ‬
‫سممى‬
‫ما ِ‬
‫س مَبا ِ‬
‫إ ِب َْرا ِ‬
‫حاقَ وَي َعُْقو َ‬
‫س َ‬
‫مو َ‬
‫ب َواْل ْ‬
‫ل وَإ ِ ْ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫ي ُ‬
‫ط وَ َ‬
‫س َ‬
‫هي َ‬
‫ممما أوت ِم َ‬
‫عيسى وما ُأوت ِي النبيون من ربهم ل نَفرقُ بي َ‬
‫ه‬
‫حدٍ ِ‬
‫م وَن َ ْ‬
‫نأ َ‬
‫وَ ِ َ‬
‫ن ل َم ُ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫َ ِّّ َ ِ ْ َ ِّ ْ‬
‫َ َ‬
‫ح ُ‬
‫َْ َ‬
‫ُ ّ‬
‫ن( )البقرة‪.(136:‬‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ُ‬
‫دقوا بأنبيممائه‬
‫قال قتادة‪ :‬أمممر اللممه المممؤمنين أن يؤمنمموا ويصمم ّ‬
‫ورسله كلهم‪ ،‬ول يفرقوا بين أحد منهم)‪.(1‬‬
‫ما أ ُن ْزِ َ‬
‫سو ُ‬
‫ن‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل إ ِل َي ْهِ ِ‬
‫من ُممو َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ن َرب ّمهِ َوال ْ ُ‬
‫ل بِ َ‬
‫وقال سبحانه‪) :‬آ َ‬
‫مم ْ‬
‫م َ‬
‫ل آمن بالل ّه وملئ ِك َت ِه وك ُتبه ورسل ِه ل نَفرقُ بي م َ‬
‫ه(‬
‫س مل ِ ِ‬
‫ح مدٍ ِ‬
‫ِ َ ُِ ِ َُ ُ ِ‬
‫نأ َ‬
‫ن ُر ُ‬
‫كُ ّ َ َ ِ ِ َ َ‬
‫مم ْ‬
‫َْ َ‬
‫ُ ّ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪.(285‬‬
‫مل ْن َمما‬
‫وبين الله عبودية النبياء والرسل فقال سبحانه‪) :‬ذ ُّري ّ َ‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫ة َ‬
‫م ْ‬
‫شم ُ‬
‫ه َ‬
‫ن عَب ْممدا ً َ‬
‫عَباد َن َمما‬
‫كورًا( )السمراء‪ .(3:‬وقمال‪َ) :‬واذ ْك ُمْر ِ‬
‫كا َ‬
‫ح إ ِن ّ ُ‬
‫َ‬
‫معَ ُنو ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ص‪.(45:‬‬
‫ب أوِلي اْل َي ْ ِ‬
‫إ ِب َْرا ِ‬
‫حاقَ وَي َعُْقو َ‬
‫س َ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫هي َ‬
‫صاِر( ) ّ‬
‫دي َواْلب ْ َ‬
‫ف‬
‫س مت َن ْك ِ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫أ ّ‬
‫ن الله المنهج الحق فيممه فقممال‪) :‬ل َم ْ‬
‫ما عيسى فقد بي ّ‬
‫ال ْمسي َ‬
‫ن يَ ُ‬
‫ممما‬
‫ن عَْبدا ً ل ِل ّم ِ‬
‫كو َ‬
‫حأ ْ‬
‫َ ِ ُ‬
‫ه( )النسمماء‪ :‬مممن اليممة ‪ .(172‬وقممال‪َ ) :‬‬
‫خل َت من قَبل ِه الرس ُ ُ‬
‫سو ٌ‬
‫ة‬
‫ديَق ٌ‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫صم ّ‬
‫سي ُ‬
‫ل قَد ْ َ ْ ِ ْ ْ ِ ّ ُ‬
‫م إ ِّل َر ُ‬
‫م ُ‬
‫ل وَأ ّ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ح اب ْ ُ‬
‫كاَنا ي َأ ْ ُ‬
‫َ‬
‫ح‬
‫م ِ‬
‫سمي ُ‬
‫ن الط َّعا َ‬
‫مما ال ْ َ‬
‫م( )الممائدة‪ :‬ممن اليمة ‪ (75‬وقمال‪) :‬إ ِن ّ َ‬
‫كل ِ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(1/568‬‬

‫‪150‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ل الل ّه وك َل ِمت َ‬
‫سو ُ‬
‫ه(‬
‫ِ‬
‫ح ِ‬
‫م وَُرو ٌ‬
‫م َر ُ‬
‫عي َ‬
‫من ْم ُ‬
‫مْري َم َ‬
‫ه أل َْقاهَمما إ ِل َممى َ‬
‫ِ َ َ ُ ُ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫سى اب ْ ُ‬
‫مث َ َ‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫سى ِ‬
‫ل ِ‬
‫)النساء‪ :‬من الية ‪) (171‬إ ِ ّ‬
‫ل آد َ َ‬
‫عي َ‬
‫خل ََقم ُ‬
‫عن ْد َ الل ّمهِ ك َ َ‬
‫ن َ‬
‫مث َم ِ‬
‫ن فَي َ ُ‬
‫م َقا َ‬
‫ن( )آل عمران‪.(59:‬‬
‫ِ‬
‫كو ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ب ثُ ّ‬
‫ن ت َُرا ٍ‬
‫ه كُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ما محمد ‪ ‬فقال فيه ‪ -‬سبحانه‪:-‬‬
‫أ ّ‬
‫َ‬
‫جدِ‬
‫سَرى ب ِعَب ْدِهِ ل َي ْل ً ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫جدِ ال ْ َ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي أ ْ‬
‫) ُ‬
‫س ِ‬
‫حَرام ِ إ َِلى ال ْ َ‬
‫س ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حى(‬
‫ما أوْ َ‬
‫صى( )السراء‪ :‬من الية ‪ .(1‬وقال‪) :‬فَأوْ َ‬
‫حى إ َِلى عَب ْدِهِ َ‬
‫اْلقْ َ‬
‫ل ل أ َُقو ُ‬
‫)النجم‪ .(10:‬وقال له الله ‪) ‬قُ ْ‬
‫ه‬
‫دي َ‬
‫م ِ‬
‫ن الّلم ِ‬
‫عْنم ِ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫خمَزائ ِ ُ‬
‫كإ َ‬
‫َ‬
‫ب َول أ َُقو ُ‬
‫ي(‬
‫ممما ي ُممو َ‬
‫مل َم ٌ ِ ْ‬
‫م ال ْغَي ْ َ‬
‫ن أت ّب ِمعُ إ ِّل َ‬
‫م إ ِّني َ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫َول أعْل َ ُ‬
‫حى إ ِل َم ّ‬
‫)النعام‪ :‬من الية ‪.(50‬‬
‫ه‬
‫سممول ِ ِ‬
‫وقممال مبين ًمما حممق رسمموله علممى أمتممه‪) :‬ل ِت ُؤْ ِ‬
‫من ُمموا ب ِممالل ّهِ وََر ُ‬
‫من ُمموا ب ِمهِ‬
‫ه( )الفتح‪ :‬مممن اليممة ‪ .(9‬وقممال‪َ) :‬فال ّم ِ‬
‫نآ َ‬
‫وَت ُعَّزُروهُ وَت ُوَقُّرو ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ُأول َئ ِ َ‬
‫ذي أ ُن ْزِ َ‬
‫ن(‬
‫صُروهُ َوات ّب َُعوا الّنوَر ال ّ ِ‬
‫حو َ‬
‫مْفل ِ ُ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ك هُ ُ‬
‫مع َ ُ‬
‫ل َ‬
‫وَعَّزُروهُ وَن َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سممو َ‬
‫ل(‬
‫ه وَأ ِ‬
‫)العراف‪ :‬من الية ‪ .(157‬وقال‪) :‬وَأ ِ‬
‫طيعُمموا الّر ُ‬
‫طيُعوا الل ّ َ‬
‫ن الله بشممرية النبيمماء والرسممل‪ ،‬فقممال‪:‬‬
‫)المائدة‪ :‬من الية ‪ .(92‬وبي ّ‬
‫)قُ ْ‬
‫ما أ ََنا ب َ َ‬
‫ت‬
‫شٌر ِ‬
‫م( )الكهممف‪ :‬مممن اليممة ‪ .(110‬وقممال‪) :‬قَممال َ ْ‬
‫مث ْل ُك ُ ْ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن إ ِّل ب َ َ‬
‫شمماءُ‬
‫شٌر ِ‬
‫ن نَ ْ‬
‫م إِ ْ‬
‫م ُر ُ‬
‫ن عَل َممى َ‬
‫ه يَ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مث ْل ُك ُ ْ‬
‫سل ُهُ ْ‬
‫ل َهُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫م ّ‬
‫م وَل َك ِ ّ‬
‫ح ُ‬
‫ن َرب ّممي هَ م ْ‬
‫ه( )إبراهيم‪ :‬من الية ‪ .(11‬وقممال‪) :‬قُ م ْ‬
‫ل‬
‫ن ِ‬
‫عَبادِ ِ‬
‫ِ‬
‫حا َ‬
‫س مب ْ َ‬
‫ل ُ‬
‫م ْ‬
‫سو ً‬
‫ت إ ِّل ب َ َ‬
‫ل( )السراء‪ :‬ممن اليمة ‪ .(93‬وممما يرسمم منهمج‬
‫شرا ً َر ُ‬
‫ك ُن ْ ُ‬
‫َ‬
‫ن قَب ِْلمم َ‬
‫ك‬
‫سل ً ِ‬
‫سل َْنا ُر ُ‬
‫التوسط في النبياء قوله ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬وَل ََقد ْ أْر َ‬
‫م ْ‬
‫ة( )الرعد‪ :‬من الية ‪ .(38‬وقال منكممًرا علممى‬
‫م أ َْزَواجا ً وَذ ُّري ّ ً‬
‫وَ َ‬
‫جعَل َْنا ل َهُ ْ‬
‫ل ي َأ ْك ُم ُ‬
‫ل هَ م َ‬
‫ل‬
‫ذا الّر ُ‬
‫المشركين قولهم في محمد‪)  ،‬وََقاُلوا َ‬
‫سممو ِ‬
‫ممما ِ‬
‫َ‬
‫ممما‬
‫م ِ‬
‫الط َّعا َ‬
‫شي ِفي اْل ْ‬
‫ق( )الفرقان‪ :‬من اليممة ‪ .(7‬فقممال‪) :‬وَ َ‬
‫م وَي َ ْ‬
‫س َ‬
‫وا ِ‬

‫‪151‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ْ‬
‫َ‬
‫سل َْنا قَب ْل َ َ‬
‫م ُ‬
‫ن فِممي‬
‫ك ِ‬
‫شممو َ‬
‫م ل َي َأك ُُلو َ‬
‫ن الط ّعَمما َ‬
‫مْر َ‬
‫أْر َ‬
‫م وَي َ ْ‬
‫ن إ ِّل إ ِن ّهُ ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫سِلي َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ق( )الفرقان‪ :‬من الية ‪.(20‬‬
‫اْل ْ‬
‫س َ‬
‫وا ِ‬
‫و‬
‫ومما سبق من اليات اتضمح لنما منممزلة النبيماء والرسمل‪ ،‬وعلم ّ‬
‫مقامهم‪ ،‬والمنهج الحق فيهم‪ ،‬فل يجوز الغلو فيهم مع الغالين قممال‪،‬‬

‫‪‬‬

‫ل تطروني كممما أطممرت النصممارى ابممن مريممم فإنممما أنمما عبممده‪،‬‬

‫فقولوا‪ :‬عبد الله ورسوله ‪ .(1) ‬وقال‪- ،‬‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫يا أيها الناس قولمموا‬

‫بقولكم ول يستجرينكم الشيطان‪ ،‬أنا محمد بمن عبمد اللمه‪ ،‬ورسمول‬

‫ب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله ‪ ‬‬
‫الله‪ ،‬والله ما أح ّ‬

‫)‪.(2‬‬

‫وكممذلك ل يجمموز الحمم ّ‬
‫ط مممن قممدرهم أو انتقاصممهم‪ ،‬بممل يجممب‬
‫احترامهم واليمان بهم وعدم التفريق بينهم‪ ،‬وكذلك يجب تمموقيرهم‬
‫وحفظ جنابهم‪ ،‬فهم صفوة الخلق وأرفعهم مكانممة ومنمممزلة‪ُ) .‬أول َئ ِ َ‬
‫ك‬
‫ه( )النعام‪ :‬من الية ‪.(90‬‬
‫ال ّ ِ‬
‫ه فَب ِهُ َ‬
‫ن هَ َ‬
‫م اقْت َدِ ْ‬
‫داهُ ُ‬
‫دى الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫إن ما ذكرته من تقرير السلم لمنهج الوسطّية في باب اليمممان‬
‫بالله ورسله دليل عملي على ما عداه من أبواب العتقاد‪ ،‬كاليمممان‬
‫بالملئكة والكتب واليوم الخر وبالقدر خيره وشّره‪.‬‬
‫وكما ذكرت سابًقا فليس المراد هو استقصاء ممما ورد فممي ذلممك‪،‬‬
‫وإنما المراد إرساء قواعد الوسمطّية وبيممان أّنهمما منهممج إلهممي‪ ،‬فمممن‬
‫انحرف عنها فقد ض ّ‬
‫ل سواء السبيل‪.‬‬
‫ل َيا أ َهْ َ‬
‫ولذلك جاء قوله تعالى في سورة المائدة‪) :‬قُ ْ‬
‫بل‬
‫ل ال ْك َِتمما ِ‬
‫َ‬
‫ن قَب ْم ُ‬
‫ل‬
‫ض مّلوا ِ‬
‫واَء قَوْم ٍ قَ مد ْ َ‬
‫م غَي َْر ال ْ َ‬
‫ت َغُْلوا ِفي ِدين ِك ُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫حقّ َول ت َت ّب ُِعوا أهْ َ‬
‫َ‬
‫ل( )المائدة‪.(77:‬‬
‫ضّلوا ك َِثيرا ً وَ َ‬
‫وَأ َ‬
‫واِء ال ّ‬
‫ن َ‬
‫سِبي ِ‬
‫س َ‬
‫ضّلوا عَ ْ‬
‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ (4/142‬وأحمد )‪.(55 ،47 ،24 ،1/23‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه أحمد )‪ (3/241‬واللفظ له‪ ،‬وأبو داود )‪ (4/254‬رقم )‪ (4806‬وصححه اللباني كما في صحيح الجامع رقم )‪.(4418‬‬

‫‪152‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫بل قال قبل ذلك في سورة النساء‪َ) :‬يا أ َهْ َ‬
‫ب ل ت َغْل ُمموا فِممي‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫ق( )النسمماء‪ :‬مممن اليممة ‪.(171‬‬
‫م َول ت َُقول ُمموا عَل َممى الل ّمهِ إ ِّل ال ْ َ‬
‫حم ّ‬
‫ِدين ِك ُم ْ‬
‫وهاتان اليتان جاءتا في سياق تقرير مسألة مممن مسممائل العتقمماد‪،‬‬
‫وهي قضية اعتقاد النصارى في عيسى ابن مريم‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬كما‬
‫سبق بيانها‪.‬‬
‫وفي إطار تقرير منهج الوسطّية في العقيدة يأتي قمموله ‪ -‬تعممالى‬
‫ه( )البقممرة‪ :‬مممن‬
‫مل ّةِ إ ِب َْرا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ي َْرغَ ُ‬
‫ه ن َْف َ‬
‫ن َ‬
‫سم ُ‬
‫سمِف َ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫هي َ‬
‫– )و َ َ‬
‫مم ْ‬
‫ب عَ ْ‬
‫م ْ‬
‫الية ‪ .(130‬ومّلة إبراهيم‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬هي الملة الحنيفّية السمحة‬
‫ل إفراط فيها ول تفريط‪.‬‬
‫قال ابن كثير فمي تفسميره لهمذه اليمة‪ :‬فممن تمرك طريقمه همذا‬
‫ومسلكه وملته واتبع طرق الضممللة والغممي فممأيّ سممفه أعظممم مممن‬
‫هذا؟! قال أبو العالية وقتادة‪ :‬نمزلت هذه اليممة فممي اليهممود‪ ،‬أحممدثوا‬
‫طريًقا ليست مممن عنممد اللممه‪ ،‬وخممالفوا ملممة إبراهيممم فيممما أحممدثوه‪،‬‬
‫ما َ‬
‫م ي َُهودِي ّا ً َول‬
‫ن إ ِب َْرا ِ‬
‫كا َ‬
‫هي ُ‬
‫ويشهد لصحة هذا القول قوله ‪ -‬تعالى ‪َ ( :-‬‬
‫مما َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ن( )آل‬
‫شمرِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫صمَران ِي ّا ً وَل َ ِ‬
‫كما َ‬
‫ن َ‬
‫كما َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫سمِلما ً وَ َ‬
‫حِنيفما ً ُ‬
‫نَ ْ‬
‫كي َ‬
‫مم َ‬
‫كم ْ‬
‫عمران‪.(1)(67:‬‬
‫وفي سورة يونس )وأ َ َ‬
‫جه َ م َ‬
‫حِنيفمًا( )يممونس‪ :‬مممن‬
‫ن َ‬
‫ك ِللم ّ‬
‫م وَ ْ‬
‫َ ْ‬
‫ن أقِ ْ‬
‫دي ِ‬
‫حِنيف مًا(‬
‫الية ‪ .(105‬قال ابن كممثير‪ :‬أي أخلممص العبممادة للممه وحممده‪َ ) ،‬‬
‫)يونس‪ :‬من الية ‪ (105‬أي منحرًفا عممن الشممرك‪ ،‬ولهممذا قممال‪َ) :‬ول‬
‫تَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن( )يونس‪ :‬من الية ‪.(2)(105‬‬
‫شرِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫كون َ ّ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/185‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(434/ 2‬‬

‫‪153‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ك المدين ال َْقيمم ول َكم َ‬
‫وفي يوسف‪) :‬ذ َل ِ َ‬
‫ن(‬
‫مممو َ‬
‫س ل ي َعْل َ ُ‬
‫ّ ُ َ ِ ّ‬
‫ّ ُ‬
‫ن أك ْث َمَر الن ّمما ِ‬
‫)يوسف‪ :‬من الية ‪ .(40‬قال ابن كثير فممي تفسمميرها‪ :‬أي هممذا الممذي‬
‫أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلص العمل له هو الممدين المسممتقيم‬
‫الذي أمر الله به)‪.(3‬‬
‫وخلصة القول‪:‬‬
‫ن اليات جاءت متوالية متتالية‪ ،‬تقّرر حقيقة الوسطّية فممي بمماب‬
‫إ ّ‬
‫العتقاد‪ ،‬ا ّ‬
‫طراًدا مع منهج القرآن في تقريره ذلك في جميع البواب‬
‫ كما سيأتي ‪.-‬‬‫ولول خوف الطالممة لممذكرت أمثلممة ُتؤك ّممد هممذه الحقيقممة وتبينهمما‪،‬‬
‫ولكن ل أظن أّنها بعد ذلك تحتاج إلى بيان أو تأكيد‪.‬‬
‫وأشير إلى أنني اقتصرت على بممابي اليمممان بممالله ورسممله‪ ،‬دون‬
‫سواهما من أبواب اليمان‪ ،‬لنه إذا تحّقق اليمان بالله ورسله علممى‬
‫الوجه الصممحيح فممإن ذلممك يسممتلزم تحقممق بقيممة الركممان ل محالممة‪،‬‬
‫والحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬التشريع والتكليف‬
‫ن ملمح الوسطّية اليسممر‪ ،‬ورفممع الحممرج‪ ،‬وهممذا‬
‫سبق أن ذكرت أ ّ‬
‫جع َ م َ‬
‫ل‬
‫ممما َ‬
‫أمر قّرره القرآن في أكثر من موضع‪ ،‬كقوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَ َ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫م ِفي ال ّ‬
‫ريد ُ الل ّم ُ‬
‫عَل َي ْك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫حَرٍج( )الحج‪ :‬من الية ‪ .(78‬وقوله‪) :‬ي ُ ِ‬
‫دي ِ‬
‫سَر( )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(185‬وقوله‪) :‬ل‬
‫م ال ْعُ ْ‬
‫م ال ْي ُ ْ‬
‫ريد ُ ب ِك ُ ُ‬
‫ب ِك ُ ُ‬
‫سَر َول ي ُ ِ‬
‫سمعََها( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ (286‬وممما ذكرتممه‬
‫ي ُك َل ّ ُ‬
‫ه ن َْفسما ً إ ِّل وُ ْ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫هناك مّتصل بما سأذكره هنا في تقرير هذه القضية‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(2/479‬‬

‫‪154‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وسأجعل الحديث عن تقرير القرآن لمنهج الوسطّية في التشريع‬
‫والتكاليف في فقرات متتالية‪ ،‬ليسهل تحرير القضية واستيعابها‪.‬‬
‫مة في الكتاب العزيممز بممأن وضممع عنهمما‬
‫ن الله على هذه ال ّ‬
‫‪ -1‬امت ّ‬
‫مممل مممن‬
‫الصر والغلل التي كانت على من قبلها‪ ،‬ولم يحملها ما َ‬
‫ح ّ‬
‫دين‪.‬‬
‫قبلها‪ ،‬فكان ذلك مظهًرا من مظاهر وسطّية هذا ال ّ‬
‫يقول ‪ -‬تعالى ‪ -‬في وصف نبيه محمد‪  ،‬في كلمه ‪ ‬مع قوم‬
‫م َواْل َ ْ‬
‫غل َ‬
‫ت‬
‫موسى‪ ،‬عليه السمملم‪) :‬وَي َ َ‬
‫ل ال ّت ِممي ك َممان َ ْ‬
‫ص مَرهُ ْ‬
‫ض معُ عَن ْهُ م ْ‬
‫م إِ ْ‬
‫م( )العراف‪ :‬من الية ‪ .(157‬كما أن مممن جملممة دعمماء رسممول‬
‫عَل َي ْهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه عَل َممى‬
‫ح ِ‬
‫ممما َ‬
‫الله‪  ،‬والمؤمنين‪َ) :‬رب َّنا َول ت َ ْ‬
‫مل ْت َم ُ‬
‫ح َ‬
‫صممرا ً ك َ َ‬
‫ل عَل َي ْن َمما إ ِ ْ‬
‫ن قَب ْل َِنا()البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(286‬وقممد جمماء فممي الحممديث‪:‬‬
‫ن ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫"قال الله‪ :‬قد فعلت"‪ .‬وفي رواية‪" :‬قال‪ :‬نعم" )‪.(1‬‬
‫مله أشد ّ المشّقة‪.‬‬
‫والصر هو العهد الثقيل الذي في تح ّ‬
‫والغلل هي ال ّ‬
‫شدائد التي كانت في عبادتهم‪.‬‬
‫مم ْ‬
‫ل عَل َي َْنما‬
‫ح ِ‬
‫روى الطبري عن الربيمع قموله ‪ -‬تعمالى ‪َ) :-‬رب َّنما َول ت َ ْ‬
‫ن قَب ْل ِن َمما( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪(286‬‬
‫ن ِ‬
‫ه عَل َممى ال ّم ِ‬
‫ما َ‬
‫مل ْت َ ُ‬
‫ح َ‬
‫صرا ً ك َ َ‬
‫إِ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫ددته على من قبلنا من أهل الكتاب‪.‬‬
‫يقول‪ :‬الّتشديد الذي ش ّ‬
‫وقال مالك‪ :‬الصر‪ :‬المر الغليظ)‪.(2‬‬
‫دة العمل)‪.(3‬‬
‫وقال سعيد‪ :‬الصر‪ :‬ش ّ‬
‫دا ودينممه مممن أهممل الكتمماب‪ ،‬وضممع‬
‫وقال مجاهد‪ :‬من اتبع محمم ً‬
‫عنهم ما كان عليهم من الّتشديد في دينهم )‪.(4‬‬
‫‪ - 1‬أخرجه مسلم )‪ (1/116‬رقم )‪.(126‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(3/158‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(9/85‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(9/85‬‬

‫‪155‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫قال الطبري‪ :‬وأولى القوال في ذلممك بالصممواب أن يقممال‪ :‬إن‬
‫مممي العهممد الممذي‬
‫الصر‪ :‬هو العهد‪ ،‬وأن معنى الكلم‪ :‬ويضع النبي ال ّ‬
‫كان الله أخذ على بني إسرائيل من إقامة التوراة‪ ،‬والعمل بما فيهمما‬
‫من العمال ال ّ‬
‫شممديدة‪ ،‬كقطممع الجلممد مممن البممول‪ ،‬وتحريممم الغنممائم‪،‬‬
‫ونحو ذلك من العمال التي كانت مفروضممة عليهممم‪ ،‬فنسممخها حكممم‬
‫القرآن )‪.(1‬‬
‫وفي آيتي البقرة والعراف إشارة إلى أنه‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬قد جمماء‬
‫سماحة والوسطّية‪.‬‬
‫بالتيسير وال ّ‬
‫قال الجشمي‪ :‬دّلت آيممة ‪ -‬اليممة العممراف ‪ -‬علممى أن شممريعته‬
‫أسهل ال ّ‬
‫شرائع‪ ،‬وأنه وضع عن أمته كل ثقل كان في المم الماضية‬
‫)‪.(2‬‬
‫وجاء في فوائد أبي عمرو بممن منممدة بسممند صممحيح عممن أبممي بممن‬

‫كعممب ‪ ‬قممال‪ :‬أقرأنممي النممبي‪ ،‬‬

‫دين عنممد اللممه الحنيفي ّممة‬
‫"إن الم ّ‬

‫سمحة ل اليهوديمة ول النصمرانية"‪ .‬قمال العلئي‪ :‬وهمذا إنمما نسمخ‬
‫ال ّ‬
‫لفظه وبقي معناه )‪.(3‬‬
‫ولبيان وسطّية السلم في الّتكاليف في ضوء ما شرعه الله في‬

‫كتابه‪ ،‬وعلى لسان رسوله‪ ،‬‬

‫أذكر نماذج من الحكام التي جاءت‬

‫في التوراة التي بين أيديهم‪ ،‬يتبّين منها الغلل والصار الممتي كممانت‬
‫عليهم )‪.(4‬‬
‫جاء في سفر الخروج في الصحاح الحادي والعشرين‪:‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(9/85‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(7/2882‬‬
‫‪ - 3‬انظر قواعد العلئي لوحة )‪ ،(27‬نقل عن رفع الحرج في الشريعة ص )‪.(158‬‬
‫‪ - 4‬انظر لما سيأتي‪ :‬رفع الحرج في الشريعة ص )‪.(158‬‬

‫‪156‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫"من شتم أباه وأمه ُيقتل قتل‪ .‬إذا نطح ثور رجل أو امممرأة وكممان‬
‫حا من قبل‪ ،‬وقد أشممهد علممى صمماحبه ولممم يضممبطه فقتممل‬
‫الثور نطا ً‬
‫رجل أو امرأة فالثور يرجم وصاحبه يقتل"‪.‬‬
‫وفي الصحاح الخامس والثلثين وفي السفر نفسه‪" :‬ول تأخممذوا‬
‫فدية عن نفس القاتل المذنب للموت بل إنه يقتل"‪.‬‬
‫س‬
‫وفي الصحاح الحادي عشر من سممفر اللوييممن‪" :‬كممل مممن مم ّ‬
‫سا إلى المساء‪ ،‬وكل ما تضممطجع عليممه فممي طمثهمما‬
‫حائ ً‬
‫ضا يكون نج ً‬
‫س‬
‫سا‪ ،‬وكممل ممما تجلممس عليممه يكممون نج ً‬
‫يكون نج ً‬
‫سمما‪ ،‬وكممل مممن مم ّ‬
‫سا إلى المساء"‪.‬‬
‫فراشها يغسل ثيابه‪ ،‬ويستحم بماء‪ ،‬ويكون نج ً‬
‫وفي الصحاح الثاني والعشرين من سفر التثنية‪" :‬ل تحرث علممى‬
‫ثور وحمار مًعا‪ ،‬ول تلبس ثوًبا مختل ً‬
‫طا صوًفا وكتاًنا مًعا"‪.‬‬
‫قال الدكتور صالح بن حميد بعد أن ساق هممذه النممماذج‪ :‬وأصممدق‬
‫من ذلك وأبلغ قول الحق ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬في الكتاب الذي ل يممأتيه‬
‫ن‬
‫الباطل من بين يديه ول خلفه‪ ،‬تنمزيل من حكيم حميد‪) :‬فَب ِظ ُل ْم ٍ ِ‬
‫مم َ‬
‫ه‬
‫ت أُ ِ‬
‫ن َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫م ط َي َّبا ٍ‬
‫ال ّ ِ‬
‫دوا َ‬
‫ها ُ‬
‫ن َ‬
‫صد ّهِ ْ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫حل ّ ْ‬
‫مَنا عَل َي ْهِ ْ‬
‫حّر ْ‬
‫م وَب ِ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫م عَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ك َِثيممرًا( )النسمماء‪ (160:‬وقمموله ‪ -‬سممبحانه ‪ -‬فممي بيممان أنممواع مممن‬
‫مَنمما ُ‬
‫كمم ّ‬
‫ل ِذي‬
‫ن َ‬
‫المحرمات عليهم بسبب بغيهم‪) :‬وَعََلى ال ّ ِ‬
‫دوا َ‬
‫ها ُ‬
‫حّر ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ُ‬
‫ت‬
‫ظ ُُف مرٍ وَ ِ‬
‫ممما َ‬
‫شم ُ‬
‫ن ال ْب ََق مرِ َوال ْغَن َمم ِ َ‬
‫مل َم ْ‬
‫ح َ‬
‫ما إ ِّل َ‬
‫مه ُ َ‬
‫حو َ‬
‫من َمما عَل َي ْهِ م ْ‬
‫حّر ْ‬
‫مم َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خت َل َ َ‬
‫ط ب ِعَظ ْمم ٍ ذ َل ِم َ‬
‫م وَإ ِن ّمما‬
‫ما ا ْ‬
‫ك َ‬
‫ما أوِ ال ْ َ‬
‫م ب ِب َغْي ِهِم ْ‬
‫جَزي ْن َمماهُ ْ‬
‫واَيا أوْ َ‬
‫ظ ُُهوُرهُ َ‬
‫ح َ‬
‫ن( )النعام‪.(146:‬‬
‫صادُِقو َ‬
‫لَ َ‬
‫مممة‬
‫ن به علممى هممذه ال ّ‬
‫وكل ذلك ساقه الله في كتابه لبيان ما امت ّ‬
‫ح ّ‬
‫م‬
‫من التخفيف‪ ،‬والتيسير والتسهيل‪ ،‬ونعت نبيه‪  ،‬بأّنه‪) :‬وَي ُ ِ‬
‫ل ل َهُ م ُ‬

‫‪157‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫م َواْل َ ْ‬
‫غل َ‬
‫ل ال ّت ِممي‬
‫م ال ْ َ‬
‫خَبائ ِ َ‬
‫الط ّي َّبا ِ‬
‫ث وَي َ َ‬
‫ت وَي ُ َ‬
‫حّر ُ‬
‫ص مَرهُ ْ‬
‫ضعُ عَن ْهُ م ْ‬
‫م عَل َي ْهِ ُ‬
‫م إِ ْ‬
‫َ‬
‫م( )العراف‪ :‬من الية ‪.(157‬‬
‫ت عَل َي ْهِ ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫وقد ذكر علماؤنا ‪ -‬رحمهم الله ‪ -‬شيًئا مممن الصممار والغلل الممتي‬
‫كانت على من قبلنا‪ ،‬منها‪ :‬قطع موضع النجاسة من الثمموب أو منممه‪،‬‬
‫ومممن البممدن‪ ،‬وإحممراق الغنممائم‪ ،‬وتحريممم السممبت‪ ،‬وقطممع العضمماء‬
‫ديممة‪،‬‬
‫الخاطئة‪ ،‬وتعّين القصاص في العمد والخطأ مممن غيممر شممرع ال ّ‬
‫وأمروا بقتممل أنفسممهم علمممة علممى التوبممة‪ ،‬وطلممب منهممم أداء ربممع‬
‫المال في الزكاة‪ ،‬وعدم جواز الصلة إل في البيعة‪ ،‬وحرمة الجممماع‬
‫في أّيام الصوم بعد العتمة والّنوم‪ ،‬وحرمة الطعام بعد النوم‪ ،‬وعدم‬
‫صبح على الباب‪.(1) .‬‬
‫الّتطهير بالتيمم‪ ،‬وكتابة ذنب اّلليل بال ّ‬
‫ومما سبق يّتضح دللة آيتي البقرة والعراف علممى تقريممر منهممج‬
‫الوسطّية في الّتشريع والّتكليف‪.‬‬
‫سمما فمموق طاقتهمما‪،‬‬
‫‪ -2‬وردت آيات كثيرة ُتبّين أن الله ل ُيكل ّممف نف ً‬
‫ه‬
‫سا إل وسعها وقممدرتها‪ ،‬قممال ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬ل ي ُك َل ّم ُ‬
‫ول ُيكّلف نف ً‬
‫ف الل ّم ُ‬
‫ما‬
‫سعََها( )البقرة‪ :‬من الية ‪) .(286‬ل ي ُك َل ّ ُ‬
‫ن َْفسا ً إ ِّل وُ ْ‬
‫ه ن َْفسا ً إ ِّل َ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫س معََها(‬
‫آَتاهَمما( )الطلق‪ :‬مممن اليممة ‪ .(7‬وقممال‪) :‬ل ت ُك َل ّم ُ‬
‫س إ ِّل وُ ْ‬
‫ف ن َْف م ٌ‬
‫)البقممرة‪ :‬ممن اليمة ‪ (233‬وقمال ‪ -‬جممل فمي عله ‪) :-‬وَأ َوُْفموا ال ْك َي ْم َ‬
‫ل‬
‫سمعََها( )النعممام‪ :‬ممن اليمة‬
‫ط ل ن ُك َّلم ُ‬
‫سم ِ‬
‫َوال ْ ِ‬
‫ميمَزا َ‬
‫ف ن َْفسما ً إ ِّل وُ ْ‬
‫ن ِبال ِْق ْ‬
‫ف ن َْفس ما ً إ ِّل‬
‫ت ل ن ُك َل ّم ُ‬
‫حا ِ‬
‫من ُمموا وَعَ ِ‬
‫‪ (152‬وقال‪َ) :‬وال ّم ِ‬
‫صممال ِ َ‬
‫نآ َ‬
‫مل ُمموا ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ف ن َْفس ما ً إ ِّل‬
‫سعََها( )العراف‪ :‬من الية ‪ (42‬وقال تعممالى‪َ) :‬ول ن ُك َل ّم ُ‬
‫وُ ْ‬
‫ق( )المؤمنون‪ :‬من الية ‪.(62‬‬
‫ب ي َن ْط ِقُ ِبال ْ َ‬
‫سعََها وَل َد َي َْنا ك َِتا ٌ‬
‫وُ ْ‬
‫ح ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬لكل ما سبق كتاب رفع الحرج في الشريعة ص )‪ (158‬وما بعده‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ه ن َْفسما ً إ ِّل‬
‫وعلممى الرغممم مممن أن قمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬ل ي ُك َل ّم ُ‬
‫ف الل ّم ُ‬
‫سعََها( )البقرة‪ :‬من الية ‪ (286‬ظاهر الدللة على عدم الّتكليف إل‬
‫وُ ْ‬
‫فممي حممدود القممدرة والميسممرة‪ ،‬إل أن اللممه ‪ -‬سممبحانه وتعممالى ‪ -‬قممد‬
‫أعقب هذه الجملة بدعاء على لسان عباده المؤمنين‪ ،‬ي ُممبّين فيممه أن‬
‫ن عليهم من عدم المؤاخذة بالخطأ والّنسمميان‪ ،‬وح م ّ‬
‫ط الصممار‬
‫ما امت ّ‬
‫والغلل‪ ،‬وعدم الّتكليف بممما ل ُيطمماق‪ ،‬وقممد انتظممم ذلمك فممي ثلثممة‬
‫أمور‪:‬‬
‫الول‪ :‬قمموله ‪ -‬تعممالى ‪َ) :-‬رب ّن َمما ل ت ُ َ‬
‫خط َأ ْن َمما(‬
‫سمميَنا أ َوْ أ َ ْ‬
‫ؤا ِ‬
‫ن نَ ِ‬
‫خ مذ َْنا إ ِ ْ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪.(286‬‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ه عََلى اّلمم ِ‬
‫ح ِ‬
‫ما َ‬
‫الثاني‪ :‬قوله‪َ) :‬رب َّنا َول ت َ ْ‬
‫مل ْت َ ُ‬
‫ح َ‬
‫صرا ً ك َ َ‬
‫ل عَل َي َْنا إ ِ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن قَب ْل َِنا( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(286‬‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ممما ل َ‬
‫ه(‬
‫طاقَم َ‬
‫ة ل َن َمما ب ِم ِ‬
‫الثالث‪ :‬قمموله ‪ -‬تعممالى ‪َ) :-‬رب ّن َمما َول ت ُ َ‬
‫مل ْن َمما َ‬
‫ح ّ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪ .(286‬قال البقاعي تعلي ً‬
‫قا على هذه الية‪:‬‬
‫وقد عرف الله عباده المؤمنين مواقممع نعمممه مممن دعمماء رّتبممه علممى‬
‫ممما بممأنه لممم يؤاخممذهم بممما‬
‫الخف فالخف على سممبيل التعلممي‪ ،‬إعل ً‬
‫اجترحوه نسياًنا‪ ،‬ول بما قارفوه خطأ‪ ،‬ول حمل عليهم ثقل‪ ،‬بل جعل‬
‫ملهم فوق طاقتهم‪ ،‬مع أّنه لممه جميممع‬
‫شريعتهم خفيفة سمحة‪ ،‬ول ح ّ‬
‫ذلك‪ ،‬وأّنه عفا عنهم في سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم‪.(1).‬‬
‫قال الدكتور‪ /‬صالح بن حميد معل ًّقا على آيات عدم الّتكليف‬
‫بما ل ُيطمماق‪ :‬ولشم ّ‬
‫ن الحكممام ال ّ‬
‫شممرعية إذ كمانت مطلوبممة فممي‬
‫كأ ّ‬
‫حدود الوسع والستطاعة دون بلوغ غاية ال ّ‬
‫دللممة‬
‫طاقة‪ ،‬ففي ذلممك ال ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪ ،(3/733‬وانظر‪ :‬لما سبق كتاب رفع الحرج في الشريعة ص )‪.(71‬‬

‫‪159‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ال ّ‬
‫ن الشريعة مبنية علمى التيسمير‪،‬‬
‫ظاهرة على أن الحرج مرفوع‪ ،‬وأ ّ‬
‫وعدم التعسير‪ ،‬فهي حنيفّية سهلة سمممحة )وسممطّية(‪ ،‬فللممه الحمممد‬
‫والمّنة)‪.(1‬‬
‫وقال المام الطبري‪ :‬يعنممي بممذلك ‪ -‬ج م ّ‬
‫ف‬
‫ل ثنمماؤه ‪) :-‬ل ي ُك َل ّم ُ‬
‫دها إل بممما‬
‫سمعََها( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ (286‬فيتعبم ّ‬
‫ه ن َْفسما ً إ ِّل وُ ْ‬
‫الل ّم ُ‬
‫يسعها‪ ،‬فل يضّيق عليها‪ ،‬ول يجهدها)‪.(2‬‬
‫دللممة علممى أن هنمماك تكليًفمما‬
‫ففي كلم الطبري ‪ -‬رحمه اللممه ‪ -‬ال ّ‬
‫وأمًرا بالتعبد‪ ،‬ولكنه في حممدود الوسممع والطاقممة‪ ،‬ل تضممييق فيممه ول‬
‫إجهاد‪ ،‬وهذه حقيقة الوسطّية‪.‬‬
‫ف‬
‫وقال رشيد رضا في تفسير قوله ‪ -‬تعــالى ‪) :-‬ل ي ُك َّلمم ُ‬
‫سعََها( )البقرة‪ :‬من الية ‪ (286‬ول ُيحاسبها إل علممى‬
‫ه ن َْفسا ً إ ِّل وُ ْ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ما كّلفها‪ ،‬والّتكليف هو اللزام بما فيه كلفة‪ ،‬والوسع ما تسعه قدرة‬
‫النسان من غير حرج ول عسر‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬همو ممما يسممهل عليمه‬
‫من المور المقدور عليها‪ ،‬وهو ما دون مدى طاقته‪.‬‬
‫دين أل ُيكل ّممف‬
‫ن شأنه ‪ -‬تعالى ‪ -‬وسممنته فممي شممرع ال م ّ‬
‫والمعنى‪ :‬أ ّ‬
‫عباده ما ل يطيقون )‪.(3‬‬
‫ن هممذه اليممات ُتق مّرر منهممج الوسممطّية فممي‬
‫وخلصة القـول‪ :‬إ ّ‬
‫التكليف‪ ،‬فهناك أوامممر ونممواهي‪ ،‬ولكنهمما فممي حممدود الوسممع‪ ،‬وعممدم‬
‫المشّقة‪ ،‬وليس فيها تضييق وعسر وإحراج‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬رفع الحرج في الشريعة ص )‪.(73‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(3/154‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(3/145‬‬

‫‪160‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫‪ -3‬ومممما يؤك ّممد ويقمّرر منهممج الوسممطّية فممي التشممريع والّتكليممف‬
‫ه‬
‫ري مد ُ الل ّم ُ‬
‫اليات التي وردت برفممع الحممرج‪ ،‬كقمموله ‪ -‬تعممالى ‪َ ) :-‬‬
‫ممما ي ُ ِ‬
‫جع َ َ‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ج( )المائدة‪ :‬من الية ‪ .(6‬وقوله‪) :‬هُوَ ا ْ‬
‫ن َ‬
‫ل ِي َ ْ‬
‫جت ََبمماك ُ ْ‬
‫ل عَل َي ْك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫حَر ٍ‬
‫جع َ َ‬
‫ج( )الحج‪ :‬من اليممة ‪ .(78‬وقمموله‪:‬‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫م ِفي ال ّ‬
‫ما َ‬
‫ل عَل َي ْك ُ ْ‬
‫وَ َ‬
‫م ْ‬
‫دي ِ‬
‫حَر ٍ‬
‫ما َ‬
‫ه( )الحممزاب‪ :‬ممن‬
‫ي ِ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫ه َلم ُ‬
‫ض الّلم ُ‬
‫ج ِفي َ‬
‫) َ‬
‫مما َفمَر َ‬
‫م ْ‬
‫ن عََلى الن ّب ِ ّ‬
‫حَر ٍ‬
‫الية ‪.(38‬‬
‫ومثل ذلك اليات التي جاءت تنفي الحرج عن فئة معينة‪ ،‬كقمموله‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ج َول‬
‫حمَر ٌ‬
‫مممى َ‬
‫س عَل َممى اْلعْ َ‬
‫ تعالى ‪ -‬في سورتي النور والفتح‪) :‬ل َي ْ َ‬‫َْ‬
‫َ‬
‫ج( )الفتممح‪ :‬مممن اليممة ‪.(17‬‬
‫حمَر ٌ‬
‫ض َ‬
‫حَر ٌ‬
‫ج َ‬
‫ج َول عََلى ال ْ َ‬
‫م ِ‬
‫ريم ِ‬
‫عَلى العَْر ِ‬
‫وبعد أن بّين ‪ -‬سبحانه ‪ -‬جواز الزواج من زوجة البن المتبنممي حيممث‬

‫زوج رسول الله ‪ ‬من زينب بعد طلق زيد لها‪ ،‬قممال ‪ -‬سممبحانه ‪:-‬‬
‫كون عََلى ال ْم مؤْمِنين ح مرج فممي أ َ‬
‫م إِ َ‬
‫وا‬
‫وا‬
‫ز‬
‫ج أ َد ْ ِ‬
‫ُ ِ َ َ َ ٌ ِ‬
‫ذا قَ َ‬
‫ْ‬
‫ي ل يَ ُ َ‬
‫عي َممائ ِهِ ْ‬
‫ضم ْ‬
‫َ‬
‫)ل ِك َ ْ‬
‫ِ‬
‫ن وَ َ‬
‫طرًا( )الحزاب‪ :‬من الية ‪.(37‬‬
‫ِ‬
‫من ْهُ ّ‬
‫سممماحة‬
‫قال الدكتور‪ /‬صالح بن حميــد‪ :‬إن رفممع الحممرج‪ ،‬وال ّ‬
‫والسممهولة راجممع إلممى الوسممط والعتممدال‪ ،‬فل إفممراط ول تفريممط‪،‬‬
‫فالتنطع والّتشديد حممرج فممي جممانب عسممر التكمماليف‪ ،‬والفممراط‬

‫)‪(2‬‬

‫والتقصير حرج فيما يؤدي إليه مممن تعطممل المصممالح وعممدم تحقيممق‬
‫مقاصد الشرع‪.‬‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫سممماحة ورفممع‬
‫‪ .(143‬فالتوسط هممو منبممع الكمممالت‪ ،‬والّتخفيممف وال ّ‬
‫الحرج على الحقيقة هو في سلوك طريق الوسط والعدل‪.(3).‬‬
‫‪ - 1‬الية‪.(61) :‬‬
‫‪ - 2‬الصحيح‪ :‬والتفريط‪ ،‬ولعله خطأ مطبعي‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬رفع الحرج في الشريعة ص )‪.(13‬‬

‫‪161‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ســرون فــي آيــتي المــائدة والحــج‪ :‬إن اللممه ‪-‬‬
‫قــال المف ّ‬
‫سبحانه وتعالى ‪ -‬ما كّلف عباده ما ل يطيقون‪ ،‬وممما ألزمهممم بشمميء‬
‫جا‪.‬‬
‫جا ومخر ً‬
‫يشقّ عليهم إل جعل الله لهم فر ً‬
‫ولقد كانت ال ّ‬
‫مممة‬
‫شدائد والعزائم في المم‪ ،‬فأعطى الله هممذه ال ّ‬
‫دا قبلها‪ ،‬رحمة من الله وفضل‪.‬‬
‫من المسامحة واللين ما لم يعط أح ً‬
‫يقول ابن العربي‪ :‬ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحممرج‬
‫لطال المرام )‪.(1‬‬
‫ممما إل‬
‫قال الطوفي الحنبلي‪ :‬إن الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬لم يشرع حك ً‬
‫وأوسع الطريق إليه ويسره‪ ،‬حتى لم يبق دونه حرج ول عسر‪.‬‬
‫وقال‪ :‬ويحتج بهذه اليممة ونحوهمما مممن رأى أنممه إذا تعممارض فممي‬
‫مسممألة حكمممان اجتهاديممان خفيممف وثقيممل يرجممح الخفيممف دفًعمما‬
‫للحرج)‪.(2‬‬
‫ويقّرر ذلك الكيا الطبري حيث يقول‪ :‬ويحتج به فممي نفممي الحممرج‬
‫سمممحة‪ .‬وقممد عل ّممق علممى ذلممك‬
‫وال ّ‬
‫ضيق المنافي ظاهره للحنيفي ّممة ال ّ‬
‫القرطبي بقوله‪ :‬وهذا بّين)‪.(3‬‬
‫وقال رشيد رضا في تفسير آية المائدة‪:‬‬
‫ولما بّين فرض الوضوء وفرض الغسممل‪ ،‬وممما يحم ّ‬
‫ل محلهممما عنممد‬
‫تعم ّ‬
‫ذرهما أو تعسمّرهما‪ ،‬تممذكيًرا بهممما ومحافظممة علممى معنممى التعب ّممد‬
‫فيهما ‪ -‬وهو التيمم ‪ -‬بّين حكمة شرعهما لنا مبتدًئا ببيان قاعدة مممن‬
‫جع َ م َ‬
‫أعظم قواعد هذه ال ّ‬
‫ل‬
‫ه ل ِي َ ْ‬
‫ريمد ُ الل ّم ُ‬
‫شريعة السمحة‪ .‬فقممال‪َ ) :‬‬
‫ممما ي ُ ِ‬
‫ج( )المائدة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(6‬أي‪ :‬ممما ُيريممد اللممه ليجعممل‬
‫م ِ‬
‫ن َ‬
‫عَل َي ْك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫حَر ٍ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬أحكام القرآن لبن العربي )‪ (3/1293‬ورفع الحرج في الشريعة ص )‪.(60‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬الشارات اللهية ص )‪ (132‬مخطوط‪ ،‬ورفع الحرج ص )‪.(61‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪ (3/432‬ورفع الحرج ص )‪.(61‬‬

‫‪162‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫جمما‬
‫ضمما ‪ -‬حر ً‬
‫عليكم فيما شرعه لكم في هذه الية ‪ -‬ول في غيرها أي ً‬
‫ما‪ .‬أي‪ :‬أدنى ضيق وأقل م ّ‬
‫شقة‪ ،‬لنه ‪ -‬تعممالى ‪ -‬غن ّممي عنكممم‪ ،‬رءوف‬
‫رحيم بكم‪ ،‬فهو ل يشرع إل ما فيه الخير والنفع لكم)‪.(1‬‬
‫جع َ َ‬
‫م ِفممي‬
‫ما َ‬
‫ل عَل َي ْك ُ ْ‬
‫وقال ابن كثير في قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَ َ‬
‫حَرٍج( )الحج‪ :‬من الية ‪ .(78‬أي ما كّلفكم ما ل تطيقممون‪،‬‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫ال ّ‬
‫م ْ‬
‫دي ِ‬
‫جمما‪،‬‬
‫جمما ومخر ً‬
‫وما ألزمكم بشيء يشقّ عليكم إل جعل اللممه لكممم فر ً‬
‫ولهذا قال‪ ،‬عليممه السمملم‪  :‬بعثممت بالحنيفي ّممة السمممحة ‪ .(2) ‬وقممال‬
‫لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن‪:‬‬

‫‪‬‬

‫ب ّ‬
‫شر ول ُتنّفممرا‬

‫سرا ‪ .(3) ‬والحاديث فممي هممذا كممثيرة‪ ،‬ولهممذا قممال ابممن‬
‫سرا ول ُتع ّ‬
‫وي ّ‬
‫جع َ َ‬
‫حَرٍج( )الحج‪ :‬مممن‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫م ِفي ال ّ‬
‫ما َ‬
‫ل عَل َي ْك ُ ْ‬
‫عباس في قوله‪) :‬وَ َ‬
‫م ْ‬
‫دي ِ‬
‫الية ‪ (78‬يعني من ضيق )‪.(4‬‬
‫وقد اتضح لنا مما سبق أن آيات رفع الحرج دليل واضممح وبرهممان‬
‫قاطع على وسطّية هذا الدين في تشريعه وتكاليفه‪.‬‬
‫‪ -4‬ونواصل ذكممر الدلممة مممن القممرآن الكريممم فممي بمماب الّتشممريع‬
‫دين‪ ،‬وسّر من‬
‫والّتكليف التي تقّرر منهج الوسطّية‪ ،‬وأنه سمة هذا ال ّ‬
‫أسرار عظمته‪ ،‬وهذه اليات هي آيات الّتخفيف والّتيسير‪.‬‬
‫س مَر(‬
‫م ال ْعُ ْ‬
‫م ال ْي ُ ْ‬
‫ري مد ُ ب ِك ُم ُ‬
‫ه ب ِك ُم ُ‬
‫ري مد ُ الل ّم ُ‬
‫س مَر َول ي ُ ِ‬
‫قال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬ي ُ ِ‬
‫سممُر َ‬
‫)البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(185‬وقممال ‪ -‬جمم ّ‬
‫ك‬
‫ل فممي عله ‪) :-‬وَن ُي َ ّ‬
‫ر‬
‫سممرا ً إ ِ ّ‬
‫سَرى( )العلى‪ .(8:‬وقال‪) :‬فَإ ِ ّ‬
‫ممعَ ال ْعُ ْ‬
‫سمرِ ي ُ ْ‬
‫معَ ال ْعُ ْ‬
‫ل ِل ْي ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫سم ِ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(6/258‬‬
‫‪ - 2‬تقدم تخريجه ص )‪.(110‬‬
‫‪ - 3‬تقدم تخريجه ص )‪.(109‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/236‬‬

‫‪163‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫يسرًا( )الشمممرح‪ .(5،6:‬وقممال‪) :‬يريمد الل ّم َ‬
‫ق‬
‫م وَ ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫خّفم َ‬
‫هأ ْ‬
‫ُ ِ ُ‬
‫ُ ْ‬
‫خل ِم َ‬
‫ف عَن ْك ُم ْ‬
‫ُ‬
‫ضِعيفًا( )النساء‪.(28:‬‬
‫ن َ‬
‫سا ُ‬
‫اْل ِن ْ َ‬
‫مة اليسر والّتخفيف‪ ،‬ونفي‬
‫فهذه اليات تبّين أن الله أراد بهذه ال ّ‬
‫إرادة العسر والمشّقة‪.‬‬
‫وهذه اليات وإن كان بعضها ورد في سياق قضية خاصممة‪ ،‬كاليممة‬
‫الولممى وردت فممي شممأن الّرخصممة فممي الصمميام إل أن المممراد منهمما‬
‫سممرين‪ ،‬ومثممل ذلممك آيممة‬
‫العموم‪ ،‬كما صرح بذلك غير واحد من المف ّ‬
‫النساء‪ ،‬فقد وردت في سياق ما أبيح من نكاح الماء عند العجز عن‬
‫سرين أن المممراد عممموم‬
‫الحرائر‪ .‬إل أن الذي صرح به كثير من المف ّ‬
‫الّتخفيف في ال ّ‬
‫شريعة‪ ،‬وإرادة التيسير ورفع المشّقة)‪.(1‬‬
‫ضممحاك‪ :‬اليسممر الفطممر فممي‬
‫قال القرطــبي‪ :‬قممال مجاهممد وال ّ‬
‫صوم في السفر‪ .‬قال القرطبي‪ :‬والوجه‪ :‬عممموم‬
‫ال ّ‬
‫سفر‪ .‬والعسر‪ :‬ال ّ‬
‫ل عَل َي ْ ُ‬
‫جَعمم َ‬
‫م‬
‫ما َ‬
‫كمم ْ‬
‫اللفظ في جميع أمور الدين‪ ،‬كما قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَ َ‬
‫ج( )الحج‪ :‬من الية ‪.(2)(78‬‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫ِفي ال ّ‬
‫م ْ‬
‫دي ِ‬
‫حَر ٍ‬
‫ري مد ُ‬
‫م ال ْي ُ ْ‬
‫ه ب ِك ُم ُ‬
‫ريد ُ الل ّ ُ‬
‫س مَر َول ي ُ ِ‬
‫وقال رشيد رضا في الية‪) :‬ي ُ ِ‬
‫سَر( )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(185‬وهذا تعليل لما قبله‪ ،‬أي‪ :‬يريد‬
‫م ال ْعُ ْ‬
‫ب ِك ُ ُ‬
‫فيما شرعه من هذه الرخصة في الصيام‪ ،‬وسممائر ممما يشممرعه لكممم‬
‫ما ل عسر فيه)‪.(3‬‬
‫من أحكام‪ ،‬أن يكون دينكم يسًرا تا ّ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬رفع الحرج في الشريعة ص )‪.(68‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(2/301‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(2/164‬‬

‫‪164‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقال ابن كثير في قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬يري مد الل ّم َ‬
‫م‬
‫ن يُ َ‬
‫خّف م َ‬
‫هأ ْ‬
‫ُ ِ ُ‬
‫ف عَن ْك ُم ْ‬
‫ُ‬
‫ض مِعيفًا( )النسمماء‪ .(28:‬أي‪ :‬فممي شممرائعه‪ ،‬وأوامممره‪،‬‬
‫وَ ُ‬
‫ن َ‬
‫سا ُ‬
‫خل ِقَ اْل ِن ْ َ‬
‫ونواهيه‪ ،‬وما يقدره لكم )‪.(4‬‬
‫مة‪ ،‬وفي كممل شمميء فيممه يسممر )‪.(2‬‬
‫وقال مجاهد‪ :‬أي في نكاح ال ّ‬
‫ومن هنمما نخلممص إلممى أن آيممات التيسممير والّتخفيممف جمماءت لرسمماء‬
‫دين‪ ،‬وذلك أن الوسطّية ركن مممن أركممان ديمومممة هممذا‬
‫قواعد هذا ال ّ‬
‫دين وعالميته‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫‪ -5‬وأختم هذا الباب بذكر بعض الدّلة العلمية التي تؤك ّممد‬
‫وسطّيه هذا الدين في باب الّتشريع والتكليف‪:‬‬
‫سمِع‬
‫مو ِ‬
‫ن عََلمى ال ْ ُ‬
‫)أ( قال ‪ -‬تعالى ‪ -‬في شأن المطلقات‪) :‬وَ َ‬
‫مت ُّعوهُ ّ‬
‫ن(‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫حّق ما ً عَل َممى ال ْ ُ‬
‫مَتاع ما ً ب ِممال ْ َ‬
‫مْقت ِرِ قَد َُرهُ َ‬
‫قَد َُرهُ وَعََلى ال ْ ُ‬
‫س مِني َ‬
‫حّقما ً‬
‫مط َل َّقا ِ‬
‫ف َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مت َمماعٌ ب ِممال ْ َ‬
‫ت َ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪ .(236‬وقال‪) :‬وَل ِل ْ ُ‬
‫ن( )البقرة‪ .(241:‬والقضية تدور على عدة محاور؛ فإممما‬
‫عََلى ال ْ ُ‬
‫مت ِّقي َ‬
‫أل يكون هناك أي تمتيع للمطلقة‪ ،‬وهذا له آثمماره السمملبية‪ ،‬وبخاصممة‬
‫على المطّلقة التي ستستقبل حياة جديدة‪ ،‬تحتاج إلى تخفيممف وقممع‬
‫ال ّ‬
‫ما أن يكون هناك تمتيع مغّلظ‪ ،‬وهذا‬
‫طلق وأثره ح ّ‬
‫سّيا ومعنوّيا‪ .‬وإ ّ‬
‫فيه إثقال على الزوج المطلق‪.‬‬
‫وإما أن تكون هناك متعة ُيراعى فيهمما ظممروف الممزوج وإمكانمماته‪،‬‬
‫مع عدم إهمال حقّ المطلقة في المتعة‪.‬‬
‫عا من لممدن‬
‫وهذا هو المر الوسط الذي أقّره القرآن‪ ،‬وأصبح شر ً‬
‫حكيم عليم‪.‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪ (1/479‬وتفسير القاسمي )‪.(5/1201‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(5/30‬‬

‫‪165‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫َ‬
‫)ب( قال ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬ل ي ُ َ‬
‫ن‬
‫ؤا ِ‬
‫مممان ِك ُ ْ‬
‫ه ب ِممالل ّغْوِ فِممي أي ْ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫خذ ُك ُ ُ‬
‫م وَل َك ِم ْ‬
‫يُ َ‬
‫م( )البقرة‪ .(225:‬وفممي‬
‫ؤا ِ‬
‫ه غَُفوٌر َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫حِلي ٌ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫ت قُُلوب ُك ُ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫خذ ُك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ن يُ َ‬
‫سورة المائدة‪) :‬ل ي ُ َ‬
‫م‬
‫ؤا ِ‬
‫ؤا ِ‬
‫خ مذ ُك ُ ْ‬
‫مان ِك ُ ْ‬
‫ه ِبالل ّغْوِ ِفي أي ْ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫خذ ُك ُ ُ‬
‫م وَل َك ِم ْ‬
‫َ‬
‫ن( )المائدة‪ :‬من الية ‪.(89‬‬
‫ما َ‬
‫م اْلي ْ َ‬
‫ما عَّقد ْت ُ ُ‬
‫بِ َ‬
‫وموضــوع الحنــث فــي اليميــن‪ ،‬إممما أن يكممون فيممه كفممارة‬
‫بإطلق‪ ،‬أو ل يكون فيه كفارة بإطلق‪ ،‬أو التفصيل‪.‬‬
‫والمر الول‪ :‬فيه من المشّقة والعسر ما ل يخفى‪.‬‬
‫دي إلممى السممتهانة بمماليمين‪ ،‬وهممو قممادح مممن‬
‫والمر الثاني‪ُ :‬يؤ ّ‬
‫قوادح اليمان‪.‬‬
‫ما التفصيل‪ :‬وهو التفريق بين لغو اليميممن الممذي يصممعب التحممرز‬
‫أ ّ‬
‫ما ما عممداه ففيممه الكفممارة ال ّ‬
‫شممرعية صمميانة‬
‫منها‪ ،‬فهذا معفو عنه‪ ،‬أ ّ‬
‫لليمين والقسم‪ ،‬فهذا هو المر الوسط‪ ،‬فل إفراط فيه ول تفريط‪.‬‬
‫ن يُ َ‬
‫ممما‬
‫ؤا ِ‬
‫م بِ َ‬
‫خمذ ُك ُ ْ‬
‫)جم( قال ‪ -‬تعالى ‪ -‬في بيان كفارة اليمين‪) :‬وَل َك ِم ْ‬
‫شمرة مسمماكين مم َ‬
‫َ‬
‫ممما‬
‫سم ِ‬
‫ممما َ‬
‫ه إ ِط ْعَمما ُ‬
‫ن أو ْ َ‬
‫ط َ‬
‫ن فَك َّفمماَرت ُ ُ‬
‫م اْلي ْ َ‬
‫عَّقمد ْت ُ ُ‬
‫م عَ َ َ ِ َ َ ِ َ ِ ْ‬
‫تط ْعِمون أ َهِْليك ُم أ َو كسوته َ‬
‫م‬
‫جمد ْ فَ ِ‬
‫ُ‬
‫م أو ْ ت َ ْ‬
‫ُ َ‬
‫صمَيا ُ‬
‫م يَ ِ‬
‫ن ل َم ْ‬
‫ريمُر َرقَب َمةٍ فَ َ‬
‫ْ ْ ِ ْ َُُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ح ِ‬
‫ذا حل َْفتم واحَف ُ َ‬
‫َ‬
‫َثلث َةِ أ َّيام ٍ ذ َل ِ َ‬
‫م( )المائدة‪:‬‬
‫م إِ َ َ ُ ْ َ ْ‬
‫مان َك ُ ْ‬
‫ظوا أي ْ َ‬
‫مان ِك ُ ْ‬
‫ك ك َّفاَرةُ أي ْ َ‬
‫من الية ‪.(89‬‬
‫والوسطّية في هذه الية من ثلثة وجوه‪:‬‬
‫ن إطعام المساكين ُيراعممى فممي نوعيممة الطعممام أو الكسمموة‬
‫‪ -1‬أ ّ‬
‫الوسط في ذلك‪ ،‬وجعل المقياس الذي ُيرجع إليممه فممي اختيممار هممذا‬
‫الوسط إطعام الرجل لهله أو كسمموتهم‪ ،‬فينظممر فممي ذلممك ويخممرج‬
‫الوسط منه‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ضا ‪.-‬‬
‫وفي هذا تتحقق الوسطّية من وجهين ‪ -‬أي ً‬
‫الول‪ :‬مراعاة الوسط في حق كل إنسان‪ ،‬فلم يؤخذ من أعلى‬
‫ضا ‪.-‬‬
‫ماله أو أدناه‪ ،‬بل الوسط منه‪ ،‬مراعاة للفقير ‪ -‬أي ً‬
‫الثاني‪ :‬مراعاة الفرق بين حال الغني والفقير والمتوسط‪ ،‬وهذا‬
‫فيه من معنى الوسطّية ما فيه‪ ،‬فلم يأت الحكم بالتسوية بينهم‪.‬‬
‫ممما الطعممام‪ ،‬أو‬
‫‪ -2‬أّنه جعل الكفارة تدور على أحد ثلثممة أمممور‪ :‬إ ّ‬
‫الكسوة‪ ،‬أو العتاق‪ ،‬والحالف مخي ّممر بينهمما دون إلممزام بواحممد منهمما‪،‬‬
‫وهذا فيه من التوسعة والتيسير ما ل يخفى‪.‬‬
‫‪ -3‬إذا لم يجد الحالف أو لم يستطع على أي نوع من هذه الثلثممة‬
‫انتقل إلى الصيام‪ ،‬وهذه رحمة من الله وتوسعة على عباده‪.‬‬
‫وبهذا اجتمعت أطراف الوسطّية في هممذه القضممية‪ ،‬وهممي قضممية‬
‫جزئية يسيرة‪ ،‬فل شك أن ممما كممان أعلممى منهمما وأش مد ّ كلفممة تكممون‬
‫مراعاة الوسطّية فيه من باب أولى‪ ،‬لن الله غني عًنا وعن أعمالنا‪،‬‬
‫ولكن الّتشريع ميدان للمتحان والبتلء‪ ،‬والله بنا رءوف رحيم‪.‬‬
‫)د( كذلك نلحظ الوسطّية فممي هممذا التشممريع‪ ،‬قممال ‪ -‬سممبحانه ‪:-‬‬
‫ل ل َك ُمم الط ّيبممات وط َعممام ال ّمذي ُ‬
‫حم ّ‬
‫حم ّ‬
‫م‬
‫ب ِ‬
‫م أُ ِ‬
‫ن أوت ُمموا ال ْك ِت َمما َ‬
‫َّ ُ َ َ ُ‬
‫)ال ْي َوْ َ‬
‫ل ل َك ُم ْ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫حم ّ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫ت ِ‬
‫من َمما ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ت ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫صمَنا ُ‬
‫ت َوال ْ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫صمَنا ُ‬
‫م َوال ْ ُ‬
‫ل ل َهُم ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫وَط ََعا ُ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫مم َ‬
‫مم َ‬
‫ذا آتيتموهُ ُ‬
‫ال ّذي ُ‬
‫ن غَي ْمَر‬
‫ح ِ‬
‫ب ِ‬
‫م ْ‬
‫نأ ُ‬
‫ن أوُتوا ال ْك َِتا َ‬
‫ن ُ‬
‫م إِ َ َ ْ ُ ُ‬
‫ن قَب ْل ِك ُ ْ‬
‫ص مِني َ‬
‫جمموَرهُ ّ‬
‫ّ‬
‫م ْ‬
‫ِ َ‬
‫ن( )المممائدة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(5‬والوسممطّية‬
‫ذي أ َ ْ‬
‫مت ّ ِ‬
‫سافِ ِ‬
‫خم ِ‬
‫خم َ‬
‫م َ‬
‫ن َول ُ‬
‫ُ‬
‫دا ٍ‬
‫حي َ‬
‫تبرز في موضوع الطعام‪ ،‬وموضوع النكاح من أهل الكتمماب‪ ،‬مممما ل‬
‫يحتاج إلى شرح أو تفصيل‪.‬‬

‫‪167‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫)هممم( وكممذلك نممرى إقممرار منهممج الوسممطّية فممي موضمموع ال ّ‬
‫طلق‬
‫مه فلم يحرم ال ّ‬
‫حا دون قيممد أو شممرط أو‬
‫متا ً‬
‫طلق‪ ،‬ولم يجعله ُ‬
‫وأحكا ُ‬
‫وصف‪.‬‬
‫ن فيها المرأة من طلقة واحممدة‬
‫بل إّنه فّرق بين الحالت التي تبي ُ‬
‫أو من ثلث طلقات‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫ول شك أن موضوع ال ّ‬
‫طلق وأحكامه من أقوى الدلممة علممى هممذا‬
‫المنهج الذي روعيممت فيممه أحمموال وأوضمماع تتعل ّممق بالرجممل والمممرأة‬
‫والسرة‪.‬‬
‫واليات الممتي وردت فممي سممورتي البقممرة وال ّ‬
‫طلق هممي البرهممان‬
‫على ذلك‪.‬‬
‫هذه بعض الدّلة العمليممة علممى الوسممطّية الممتي رسمممها القممرآن‪،‬‬
‫وأكدها في أكثر من موضع في باب التشريع والّتكاليف‪.‬‬
‫ومن خلل ما سبق‪ ،‬اتضحت المنطلقات الساسية التي ت ُممبّين‬
‫المنهج ال ّ‬
‫شرعي في الّتشريع والّتكليف‪ ،‬حيث ذكرت أن اللممه وضممع‬
‫عّنا الصر والغلل المتي كمانت علمى ممن قبلنما‪ ،‬وأن اللمه ل ُيكّلمف‬
‫سا إل وسممعها‪ ،‬وممما آتاهمما‪ ،‬وآيممات‬
‫سا فوق طاقتها‪ ،‬بل ل يكّلف نف ً‬
‫نف ً‬
‫رفع الحرج دللة قوّية على متانة هذا المنهج في وسممطّية الّتشممريع‪،‬‬
‫يؤكد ذلك ويقّرره ما صاحب ذلك من يسر ورفع للعسممر والمشممقة‪.‬‬
‫ن‬
‫كممل ذلمك أوصملنا للحقيقممة المتي اسمتهدفناها‪ ،‬وبممدأنا بهما‪ ،‬وهممي أ ّ‬
‫القرآن الكريم عنى عناية تامة في رسم منهج الوسطّية وتثبيته‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫العبادة‬

‫)‪(1‬‬

‫عن أنس بن مالك ‪ ‬قال‪  :‬جاء ثلثة رهممط إلممى بيمموت أزواج‬
‫النبي‪  ،‬يسألون عن عبادته‪ ،‬فلما ُأخبروا كأنهم تقاّلوهمما‪ ،‬فقممالوا‪:‬‬
‫أين نحن من النبي‪ ،‬صلى الله عليه وسلم؟ قد ُ‬
‫غفر له ما تقدم مممن‬
‫خر‪.‬‬
‫ذنبه وما تأ ّ‬
‫دا‪.‬‬
‫ما أنا فأصلي الليل أب ً‬
‫فقال أحدهم‪ :‬أ ّ‬
‫وقال الخر‪ :‬أنا أصوم الدهر ول أفطر‪.‬‬
‫دا‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬أما أنا فل أتزوج النساء أب ً‬

‫فجاء رسول الله‪ ،‬‬

‫فقال‪ :‬إني لخشاكم لله وأتقاكم له‪ ،‬لكنممي‬

‫أصوم وأفطر‪ ،‬وأصلي وأرقد‪ ،‬وأتزوج النساء‪ ،‬فمن رغب عن سممنتي‬
‫فليس مني ‪.(2) ‬‬

‫وعن أنس بن مالك ‪ ‬قال‪  :‬دخل النممبي‪ ،‬‬

‫المسممجد‪ ،‬فممإذا‬

‫حبل ممدود بين ساريتين فقال‪ :‬ما هممذا الحبممل؟ فقممالوا‪ :‬هممذا حبممل‬
‫لزينب‪ ،‬فإذا فترت تعّلقت به‪ ،‬فقال النبي‪  ،‬حّلوه‪ ،‬ليصل أحممدكم‬
‫نشاطه‪ ،‬فإذا فتر فليرقد ‪.(3) ‬‬

‫وعن عائشة ‪ -‬رضي الله عنهمما ‪  -‬أن النممبي‪ ،‬‬

‫دخممل وعنممدها‬

‫امرأة قال‪ :‬من همذه؟ قمالت‪ :‬فلنمة‪ ،‬تمذكر ممن صملتها‪ ،‬قمال‪ :‬ممه‪،‬‬
‫عليكم بما تطيقون‪ ،‬فوالله ل يمل الله حتى تم ّ‬
‫لوا ‪‬‬
‫دين إليه ما داوم عليه صاحبه )‪.(4‬‬
‫ب ال ّ‬
‫وكان أح ّ‬

‫‪ - 1‬الحديث عن العبادة سيشمل معناها الخاص والعام‪.‬‬
‫‪ - 2‬تقدم تخريجه ص )‪.(59‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه البخاري )‪ ،(48/ 2‬ومسلم )‪ (1/542‬رقم )‪.(784‬‬
‫‪ - 4‬أخرجه البخاري )‪ ،(2/48‬ومسلم )‪ (1/542‬رقم )‪.(785‬‬

‫‪169‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫هذه الحاديث صريحة في رسم منهج الوسممطّية فممي العبممادة‬
‫فالحديث الول في غاية البيان والوضمموح‪ ،‬والحممديث الثمماني ‪ -‬قصممة‬
‫ث علمى القتصماد فمي العبمادة‪،‬‬
‫زينب ‪ -‬قال فيه ابن حجر‪ :‬فيمه الحم ّ‬
‫مق فيها‬
‫والنهي عن التع ّ‬
‫"عليكم بممما تطيقممون"‪ :‬أي اشممتغلوا مممن العمممال بممما تسممتطيعون‬
‫)‪(1‬‬

‫ضما ‪:-‬‬
‫والثمالث قمال فيمه ابمن حجمر ‪ -‬أي ً‬

‫المداومة عليه‪ ،‬فمنطوقه يقتضي المر بالقتصار على ما ُيطاق من‬
‫العبادة‪ ،‬ومفهومه يقتضي النهي عن تكّلف ما ل ُيطاق )‪.(2‬‬
‫دا ‪ -‬جمماءت علممى نسممق‬
‫وهذه الحاديث ‪ -‬وأمثالها ‪ -‬وهي كثيرة ج ّ‬
‫ما جاء فممي القممرآن فممي تحديممده مسممار العبممادة فممي ضمموء المنهممج‬
‫الوسط‪ ،‬وتشنيعه على أولئك الممذين خرجمموا بالعبممادة عممن مسممارها‬
‫الصحيح‪.‬‬
‫دده القممرآن الكريممم‪،‬‬
‫ج في بيان ذلك الطممار الممذي ح م ّ‬
‫وقبل أن أل ّ‬
‫ن من المناسب ذكر المناهممج السممائدة فيممما يتعل ّممق بالعبممادة‬
‫وأرى أ ّ‬
‫طا وإفرا ً‬
‫تفري ً‬
‫طا‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫المنهج الول‪ :‬ويمثله اليهود في تفريطهم وجفائهم‪ ،‬فلو نظرنا‬
‫إلى التوراة ‪ -‬بعد تحريفها ‪ -‬لوجممدنا أن تقممديس المممادة غلممب علممى‬
‫بنودها‪ ،‬فل تقرأ في أسفار التوراة ذكًرا للخممرة‪ ،‬حممتى ممما ورد فيهمما‬
‫من وعد ووعيد فإنما هو متعّلق بالدنيا فقط‪ ،‬فل يعممل ال ّ‬
‫شمخص إل‬
‫لتحقيق كسب عاجل‪ ،‬أو خوًفا من عقوبة عاجلة‪.‬‬

‫‪ - 1‬فتح الباري )‪.(3/37‬‬
‫‪ - 2‬فتح الباري )‪ (1/102‬وانظر‪ :‬الغلو في الدين ص )‪.(78‬‬

‫‪170‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫َ‬
‫ه‬
‫بل بالغوا وطبقوا ماديتهم حتى في معرفة الله‪ ،‬فقالوا‪) :‬أرَِنا الل ّ َ‬
‫ن ل َم َ‬
‫حت ّممى ن َمَرى‬
‫جهَْر ً‬
‫ن ن ُمؤْ ِ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ة( )النساء‪ :‬من الية ‪ .(153‬وقالوا‪) :‬ل َم ْ‬
‫ة( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(55‬‬
‫جهَْر ً‬
‫ه َ‬
‫الل ّ َ‬
‫ووفًقا لهممذا التصممور المممادي الممدنيوي أغممرق هممؤلء فممي تقممديس‬
‫المحسوسممات‪ ،‬واتخممذوها طريًقمما للرقممي‪ ،‬وأصممبحت القيممم الماديممة‬
‫محور الحيمماة‪ ،‬وتحممول النسممان فممي نظممر هممؤلء إلممى آلممة تتحمّرك‪،‬‬
‫ومعدة تهضم‪ ،‬وكائن يلهو‪.‬‬
‫وقد وصفهم القرآن الكريــم‪ ،‬وبيممن مممدى تعّلقهممم بالحيمماة‬
‫وحرصهم عليها‪ ،‬فقممال ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬ول َتجمدنه َ‬
‫س عَل َممى‬
‫مأ ْ‬
‫َ َ ِ َُّ ْ‬
‫حمَر َ‬
‫ص الن ّمما ِ‬
‫ة( )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(96‬أي حياة‪ ،‬حتى لو كممانت حيمماة البهممائم‬
‫حَيا ٍ‬
‫َ‬
‫من ّوْهُ أ ََبدًا( )البقرة‪ :‬من‬
‫ن ي َت َ َ‬
‫ونحوها‪ .‬وذلك لنهم يخشون الموت‪) :‬وَل َ ْ‬
‫الية ‪ .(95‬لنهممم ربطمموا غممايتهم بالممدنيا‪ ،‬فعملهممم للممدنيا‪ ،‬وعبممادتهم‬
‫لمآرب دنيوية‪ :‬فإذا انتهت الدنيا فقد فاتهم كل شيء‪.‬‬
‫فهم بهذا أغرقوا في الشهوات‪ ،‬وعبدوا أنفسهم للماديممات‪ ،‬فهممم‬
‫حي َمما‬
‫ت وَن َ ْ‬
‫ي إ ِّل َ‬
‫مممو ُ‬
‫حَيات َُنا المد ّن َْيا ن َ ُ‬
‫كمشركي قريش الذين قالوا‪َ ) :‬‬
‫ما هِ َ‬
‫ما ي ُهْل ِك َُنا إ ِّل الد ّهُْر( )الجاثمية‪ :‬من الية ‪.(1)(24‬‬
‫وَ َ‬
‫وهذا المنهج يمثل التفريط في أسوأ صوره وحالته‪ ،‬ولذلك أمرنا‬
‫ر‬
‫الله أن نستعيذ منممه فممي كممل صمملة‪ ،‬ونسممأله أن يجّنبنمما إّيماه‪) .‬غَي ْم ِ‬
‫م( )الفاتحة‪ :‬من الية ‪.(7‬‬
‫مغ ْ ُ‬
‫ب عَل َي ْهِ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ضو ِ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬لما سبق الوسطّية في السلم د‪ /‬زيد الزيد ص )‪.(39‬‬

‫‪171‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫أما المنهج الثاني وهو المنهج القائم على الروحانيممات‪ ،‬وذلممك‬
‫بإعلئها وتمجيدها‪ ،‬وأغرقوا في مفهوم العبادة والرهبنة‪ ،‬ويمثل هممذا‬
‫المنهج النصارى‪ ،‬وهو منهج الفراط والغلو‪.‬‬
‫وابتممدع النصممارى رهبانيممة قاسممية علممى النفممس‪ ،‬تح مّرم الممزواج‪،‬‬
‫وتكبت الغرائز‪ ،‬وترفض كل أشكال الزينة‪ ،‬وطيبممات الممرزق‪ ،‬وتممرى‬
‫سا من عمل الشيطان‪ ،‬وبالغوا في العبادة‪ ،‬وأخرجوهمما عممن‬
‫ذلك رج ً‬
‫كيفيتها‪ ،‬وعن المراد منها‪ ،‬وأصبحت رهبانية غاليممة مشمموهة‪ ،‬معذبممة‬
‫ة‬
‫للجسمماد‪ ،‬ابتممدعوها مممن أنفسممهم‪ ،‬بل حجممة أو برهممان‪) .‬وََرهَْبان ِّيمم ً‬
‫ق‬
‫اب ْت َد َ ُ‬
‫ما ك َت َب َْنا َ‬
‫عو َ‬
‫ممما َرعَوْهَمما َ‬
‫م إ ِّل اب ْت ِغَمماَء رِ ْ‬
‫حم ّ‬
‫ن الل ّمهِ فَ َ‬
‫ها عَل َي ْهِ ْ‬
‫ها َ‬
‫وا ِ‬
‫ضم َ‬
‫عاي َت َِها( )الحديد‪ :‬من الية ‪ .(27‬ولذلك كانت حممالهم ومممآلهم‪) :‬هَ م ْ‬
‫ل‬
‫رِ َ‬
‫ص مَلى ن َممارا ً‬
‫أ ََتا َ‬
‫ة َ‬
‫مئ ِذٍ َ‬
‫ص مب َ ٌ‬
‫مل َم ٌ‬
‫شع َ ٌ‬
‫دي ُ‬
‫ة َنا ِ‬
‫عا ِ‬
‫خا ِ‬
‫ث ال َْغا ِ‬
‫ح ِ‬
‫شي َةِ وُ ُ‬
‫ك َ‬
‫جوهٌ ي َوْ َ‬
‫ة تَ ْ‬
‫ة( )الغاشية‪.(1)(4-1:‬‬
‫مي َ ً‬
‫حا ِ‬
‫َ‬
‫وهذا المنهج يمثل الفراط والغلو‪ ،‬وهو الموجه الثماني ممن وجموه‬
‫صراط المستقيم‪ ،‬ولذلك ُأمرنا بممأن نسممأل اللممه أن‬
‫النحراف عن ال ّ‬
‫ن( )الفاتحة‪ :‬من الية ‪.(7‬‬
‫يجّنبنا إياه؛ )َول ال ّ‬
‫ضاّلي َ‬
‫وأمام هذا الغلو المادي الذي يمّثل التفريط فممي العبممادة‪ ،‬والغلممو‬
‫الروحاني الذي يمثل الفراط فيها والتفريممط فممي حممق البممدن‪ ،‬جمماء‬
‫سممبل‪ ،‬وأعممدل‬
‫السمملم لُيصممحح المسممألة‪ ،‬ويهممدي النمماس لقمموم ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫طرق‪ ،‬طريق الوسط بين عبادة المادة ونسيان حق ال مّروح‪ ،‬وبيممن‬
‫إرهاق الروح ونسيان حق البدن‪ ،‬ليعطممي كممل ذي ح مقّ حّقممه‪ ،‬وفًقمما‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬الوسطّية في السلم د‪ /‬زيد الزيد ص )‪.(41‬‬

‫‪172‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫صمميب َ َ‬
‫ما آَتا َ‬
‫ك‬
‫داَر اْل ِ‬
‫س نَ ِ‬
‫ه ال ّ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫لقوله ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬واب ْت َِغ ِفي َ‬
‫خَرةَ َول ت َن ْ َ‬
‫ن الد ّن َْيا( )القصص‪ :‬من الية ‪.(77‬‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫ونجد أن القرآن الكريم قممد قمّرر هممذا المنهممج فممي آيممات كممثيرة‪،‬‬
‫تنتظم فيما يلي‪:‬‬
‫أول‪ :‬اليات التي تبّين انحراف أولئك الذين صرفوا العبممادة عممن‬
‫ْ‬
‫وجهها الصحيح‪ ،‬وذلك مثل قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬قُ ْ َ‬
‫مُروّني‬
‫ل أفَغَي َْر الل ّهِ ت َمأ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫صد ّ َ‬
‫ت ت َعْب ُد ُ ِ‬
‫جاهُِلو َ‬
‫أعْب ُد ُ أي َّها ال ْ َ‬
‫كان َ ْ‬
‫ها َ‬
‫ن( )الزمر‪ .(64:‬وقوله‪) :‬وَ َ‬
‫ممم ْ‬
‫ن َقموْم ٍ َ‬
‫ن الل ّهِ إ ِن َّها َ‬
‫ن( )النممل‪ .(43:‬وقموله‪ُ) :‬قم ْ‬
‫ل‬
‫ت ِ‬
‫ُ‬
‫كمان َ ْ‬
‫ري َ‬
‫مم ْ‬
‫دو ِ‬
‫كمافِ ِ‬
‫َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ضّرا ً َول ن َْفع مًا( )المممائدة‪ :‬مممن‬
‫ن ِ‬
‫م َ‬
‫ن ُ‬
‫دو َ‬
‫أت َعْب ُ ُ‬
‫ك ل َك ُ ْ‬
‫ما ل ي َ ْ‬
‫ن الل ّهِ َ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫خم ُ‬
‫م إ ِّل‬
‫ن ات ّ َ‬
‫ذوا ِ‬
‫الية ‪ .(76‬وقوله‪َ) :‬وال ّم ِ‬
‫ن ُ‬
‫ممما ن َعْب ُمد ُهُ ْ‬
‫دون ِمهِ أوْل ِي َمماَء َ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ِفي مهِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ل ِي َُقّرُبون َمما إ ِل َممى الل ّمهِ ُزل َْفممى إ ِ ّ‬
‫ممما هُ م ْ‬
‫م فِممي َ‬
‫م ب َي ْن َهُ م ْ‬
‫حك ُم ُ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫ن‬
‫يَ ْ‬
‫ن( )الزمر‪ :‬من الية ‪ .(3‬ومثل ذلك قوله‪) :‬وَ ِ‬
‫خت َل ُِفو َ‬
‫س َ‬
‫مم ْ‬
‫مم َ‬
‫ن الن ّمما ِ‬
‫خيمر اط ْممأ َن بمه وإ َ‬
‫يعبد الل ّه عََلى حرف فَإ َ‬
‫ة‬
‫ه فِت ْن َم ٌ‬
‫َ ّ ِ ِ َِ ْ‬
‫َ ْ ٍ ِ ْ‬
‫َُْ ُ‬
‫صمماب َت ْ ُ‬
‫صمماب َ ُ‬
‫َ‬
‫نأ َ‬
‫نأ َ‬
‫ه َ ْ ٌ‬
‫خَرةَ ذ َل ِم َ‬
‫ن(‬
‫ك ه ُ مو َ ا ل ْ ُ‬
‫جهِهِ َ‬
‫سَر الد ّن َْيا َواْل ِ‬
‫خ ِ‬
‫س مَرا ُ‬
‫ب عََلى وَ ْ‬
‫ان َْقل َ َ‬
‫خ ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مِبي م ُ‬
‫)الحج‪.(11:‬‬
‫فهذه اليات وأمثالها ترسممم منهممج الوسممطّية فممي العبممادة ببيممان‬
‫انحراف طريق هؤلء الذين قلبوا العبادة على وجهها الصحيح‪.‬‬
‫ه‬
‫قال ابن كثير في قموله ‪ -‬تعمالى ‪) :-‬وَ ِ‬
‫ن ي َعُْبمد ُ الّلم َ‬
‫س َ‬
‫مم ْ‬
‫مم َ‬
‫ن الّنما ِ‬
‫ف( )الحج‪ :‬مممن اليممة ‪ (11‬قممال مجاهممد وقتممادة وغيرهممما‪:‬‬
‫حْر ٍ‬
‫عََلى َ‬
‫)على حرف( على شك‪.‬‬

‫‪173‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقال غيرهم‪ :‬على طرف‪ ،‬ومنممه حممرف الحبممل‪ ،‬أي‪ :‬طرفممه‪ ،‬أي‪:‬‬
‫دخممل فممي الممدين علممى طممرف‪ ،‬فممإن وجممد ممما يحبممه اسممتقر وإل‬
‫انشمر‬

‫)‪(1‬‬

‫‪.‬‬

‫ص فممي دللممة اليممة‬
‫وانظر إلى قول القرطبي‪ ،‬حيممث إن قمموله نم ّ‬
‫على المراد‪ .‬قال‪) :‬على حممرف(‪ .‬علممى شم ّ‬
‫ك‪ ،‬قمماله مجاهممد وغيممره‪.‬‬
‫وحقيقته أنه على ضممعف فممي عبممادته‪ ،‬كضممعف القممائم علممى حممرف‬
‫مضطرب فيه‪ ،‬وحرف كل شيء‪ :‬طرفه وشفيره وحده‪ ،‬ومنه حرف‬
‫دد‪.‬‬
‫الحبل‪ ،‬وهو أعله المح ّ‬
‫وقيل‪) :‬على حرف(‪ ،‬أي علممى وجممه واحممد‪ ،‬وهممو أن يعبممده علممى‬
‫سممراء‬
‫سممراء دون الض مّراء‪ ،‬ولممو عبممدوا اللممه علممى الشممكر فممي ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫والصبر على الضّراء لما عبدوا الله على حرف‪.‬‬
‫وقيل‪) :‬على حرف(‪ .‬على شرط)‪.(2‬‬
‫م إ ِّل ل ِي َُقّرُبوَنما إ َِلمى‬
‫مما ن َعُْبمد ُهُ ْ‬
‫وقال ابن كثير في قوله ‪ -‬تعالى ‪َ ) :-‬‬
‫الل ّهِ ُزل َْفى( )الزممر‪ :‬مممن اليمة ‪ .(3‬أي ليشممفعوا لنما ويقّربونما عنمده‬
‫جوا في جاهليتهم‪ :‬لبيك‬
‫منمزلة‪ ،‬ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا ح ّ‬
‫ل شريك لك‪ ،‬إل شري ً‬
‫كا هو لك‪ ،‬تملكه وما ملك‪ ،‬وهذه الشممبهة هممي‬
‫دهر وحديثه‪ ،‬وجاءتهم الرسل‪،‬‬
‫التي اعتمدها المشركون في قديم ال ّ‬
‫دهمما والنهمي عنهمما‪ ،‬والممدعوة‬
‫صلوات الله وسلمه عليهم أجمعين‪ ،‬بر ّ‬
‫إلى إفراد العبادة لله وحمده ل شمريك لمه‪ ،‬وأن همذا شميء اخمترعه‬
‫المشركون من عند أنفسهم لم يممأذن اللممه فيممه‪ ،‬ول رضممي بممه‪ ،‬بممل‬
‫أبغضه ونهى عنه)‪.(3‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/209‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(12/17‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/45‬‬

‫‪174‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ثانًيا‪ :‬اليات التي جاءت تأمر بعبادة الله وحممده‪ ،‬وتصممف عبممادته‬
‫بالستقامة‪ ،‬وبأن عبادته هي الكلمة السممواء‪ ،‬وغيممر ذلممك مممما يممدل‬
‫ضلل‪:‬‬
‫على أن عبادته هي الطريق الوسط السالم من النحراف وال ّ‬
‫ل ي َمما أ َهْ م َ‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬قُ ْ‬
‫واٍء ب َي ْن َن َمما‬
‫م مة ٍ َ‬
‫وا إ ِل َممى ك َل ِ َ‬
‫ل ال ْك ِت َمما ِ‬
‫سم َ‬
‫ب ت َعَممال َ ْ‬
‫وبينك ُ َ‬
‫شرِ َ‬
‫ك ب ِمهِ َ‬
‫ه َول ن ُ ْ‬
‫ش مْيئًا( )آل عمممران‪ :‬مممن اليممة‬
‫م أّل ن َعْب ُد َ إ ِّل الل ّ َ‬
‫َََْ ْ‬
‫دوهُ هَ م َ‬
‫ذا‬
‫م َفاعْب ُ ُ‬
‫‪ .(64‬وقال في أكثر من موضع)‪) (1‬إ ِ ّ‬
‫ه َرّبي وََرب ّك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫صَرا ٌ‬
‫م( )آل عمران‪.(51:‬‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ست َِقي ٌ‬
‫ط ُ‬
‫حّتى ي َأ ْت ِي َ َ‬
‫وقال‪َ) :‬واعْب ُد ْ َرب ّ َ‬
‫ن( )الحجر‪ (99:‬واليممات الممتي‬
‫ك َ‬
‫ك ال ْي َِقي ُ‬
‫دا‪ ،‬فممما مممن نممبي إل قممال‬
‫جاءت تممأمر بعبممادة اللمه وحممده كممثيرة جم ّ‬
‫وا‬
‫لقومه‪" :‬يا قوم اعبدوا الله"‪ .‬قال الطبري في قوله تعممالى‪) :‬ت َعَممال َ ْ‬
‫واٍء( )آل عمران‪ :‬من الية ‪ .(64‬يعني بذلك ‪ -‬ج ّ‬
‫ل ثنمماؤه‬
‫مةٍ َ‬
‫إ َِلى ك َل ِ َ‬
‫س َ‬
‫ قل يا محمد لهل الكتمماب‪ ،‬وهممم أهممل التمموراة والنجيممل ‪ -‬تعممالوا‪:‬‬‫موا إلى كلمة سواء‪ ،‬يعني إلى كلمة عدل بيننا وبينكم‪.‬‬
‫هل ّ‬
‫حد الله فل نعبد غيره‪ ،‬ونبرأ من كممل‬
‫والكلمة العدل‪ :‬هي أن نو ّ‬
‫معبود سواه‪ ،‬فل نشرك به شيًئا)‪.(2‬‬
‫م( )آل عمممران‪:‬‬
‫وقال ابن كثير في الية نفسها‪َ ) :‬‬
‫واٍء ب َي ْن ََنا وَب َي ْن َك ُ ْ‬
‫س َ‬
‫من الية ‪ (64‬أي‪ :‬عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها‪ ،‬ثم فسممرها‬
‫َ‬
‫شرِ َ‬
‫ك ب ِهِ َ‬
‫ه َول ن ُ ْ‬
‫ش مْيئًا( )آل عمممران‪ :‬مممن اليممة‬
‫بقوله‪) :‬أّل ن َعْب ُد َ إ ِّل الل ّ َ‬
‫ما ول طاغوت ًمما ول نمماًرا ول شمميء‪ ،‬بممل‬
‫‪ .(64‬ل وثًنا ول صليًبا ول صممن ً‬
‫نفرد العبادة لله وحده ل شريك له‪ ،‬هذه دعوة جميع الرسل‪) ،‬وَل ََقد ْ‬
‫‪ - 1‬ففي سورة مريم‪ ،‬الية‪) (36) :‬وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم(‪ .‬وفي سورة الزخرف‪ ،‬الية‪) (64) :‬إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط‬
‫مستقيم(‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(3/301‬‬

‫‪175‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫َ‬
‫بعث ْنا في ك ُ ّ ُ‬
‫جت َن ُِبوا ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫ت( )النحممل‪:‬‬
‫ََ َ ِ‬
‫ه َوا ْ‬
‫ن اعْب ُ ُ‬
‫مةٍ َر ُ‬
‫غو َ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫لأ ّ‬
‫سول ً أ ِ‬
‫من الية ‪.(1)(36‬‬
‫وقال رشيد رضا‪ :‬قممال السممتاذ المممام فممي قمموله ‪ -‬تعممالى ‪:-‬‬
‫واٍء( )آل عمران‪ :‬من الية ‪ (64‬لما نكلوا دعاهم‬
‫مةٍ َ‬
‫وا إ َِلى ك َل ِ َ‬
‫س َ‬
‫)ت ََعال َ ْ‬
‫إلى أمممر آخممر‪ ،‬هممو أصممل الممدين وروحممه الممذي اتفقممت عليممه دعمموة‬
‫النبياء‪ ،‬وهو سممواء بيممن الفريقيممن‪ ،‬أي عممدل ووسممط ل يرجممح فيممه‬
‫َ‬
‫ه( )آل عمممران‪:‬‬
‫طرف على آخر‪ ،‬وقد ف ّ‬
‫سره بقوله‪) :‬أّل ن َعْب ُمد َ إ ِّل الل ّم َ‬
‫من الية ‪ (64‬الية)‪.(2‬‬
‫ص في الوسطّية في العبادة‪ ،‬وهممي‬
‫وبهذا يتضح لنا أن هذه الية ن ّ‬
‫عبادة الله وحده‪.‬‬
‫صمَرا ٌ‬
‫دوهُ هَم َ‬
‫ط‬
‫ذا ِ‬
‫م َفاعْب ُم ُ‬
‫ما قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬إ ِ ّ‬
‫ه َرب ّممي وََرب ّك ُم ْ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫أ ّ‬
‫م( )آل عمران‪ .(51:‬فقد قــال الطــبري فــي معناهــا‪:‬‬
‫م ْ‬
‫ست َِقي ٌ‬
‫ُ‬
‫ذلك هو الطريق القويم‪ ،‬والهدي المتين الذي ل اعوجاج فيه )‪.(3‬‬
‫ه َرب ّممي وََرب ّ ُ‬
‫دوهُ هَ م َ‬
‫ذا‬
‫م َفاعْب ُم ُ‬
‫وقال في آية مريــم‪) :‬وَإ ِ ّ‬
‫كمم ْ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫صممَرا ٌ‬
‫م( )مريممم‪ .(36:‬يقممول‪ :‬هممذا الممذي أوصمميتكم بممه‪،‬‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫سممت َِقي ٌ‬
‫ط ُ‬
‫وأخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم‪ ،‬الذي من سمملكه‬
‫نجا‪ ،‬ومن ركبه اهتدى‪ ،‬لنه دين الله الذي أمر به أنبياءه )‪.(4‬‬
‫وقال القاسمي‪:‬‬
‫صَرا ٌ‬
‫دوهُ هَ َ‬
‫م( )مريم‪ :‬من الية ‪ (36‬أي‪ :‬قممويم‪،‬‬
‫ذا ِ‬
‫)َفاعْب ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫ست َِقي ٌ‬
‫ط ُ‬
‫من اتبعه رشد وهدى‪ ،‬ومن خالفه ض ّ‬
‫ل وغوى )‪.(5‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/371‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(3/325‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(3/283‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(16/85‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(11/4137‬‬

‫‪176‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقممد سمبق أن بّينمت أن الوسمطّية تعنممي السممتقامة وأن قمموله ‪-‬‬
‫صَرا َ‬
‫م( )الفاتحممة‪ .(6:‬ممن أقموى الدلمة‬
‫م ْ‬
‫ست َِقي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫تعالى ‪) :-‬اهْدَِنا ال ّ‬
‫على منهج الوسطّية‪ ،‬كما يقّرره القرآن الكريم‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬اليات المتي جماءت فمي بعمض أنمواع العبمادة فممي معناهمما‬
‫الخاص كالصلة والدعاء وغيرهما‪ ،‬حيث نجد فيها أمًرا بالتزام منهممج‬
‫الوسممط‪ ،‬ونهي ًمما عممن الضمماعة أو الرهبنممة‪ ،‬وهممو ممما يمثممل الفممراط‬
‫والتفريط‪.‬‬
‫وسأذكر بعض اليات التي وردت في ذلك‪ ،‬مقتصًرا على ما ُيممبّين‬
‫المراد‪ ،‬مع بيان دللة الية على الوسطّية‪.‬‬
‫م الله الفراط في العبادة والغلو فيها‪ ،‬حيمث قمال فمي حمق‬
‫‪ -1‬ذ ّ‬
‫م إ ِّل‬
‫ة اب ْت َد َ ُ‬
‫عو َ‬
‫بني إسرائيل من النصارى‪) :‬وََرهَْبان ِي ّ ً‬
‫ما ك َت َب َْناهَمما عَل َي ْهِ م ْ‬
‫ها َ‬
‫م‬
‫حق ّ ر ِ َ‬
‫ما َرعَوْ َ‬
‫من ُمموا ِ‬
‫عاي َت َِها َفآت َي ْن َمما ال ّم ِ‬
‫ها َ‬
‫اب ْت َِغاَء رِ ْ‬
‫من ْهُم ْ‬
‫نآ َ‬
‫ن الل ّهِ فَ َ‬
‫ذي َ‬
‫وا ِ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫ن( )الحديد‪ :‬من الية ‪.(27‬‬
‫م َفا ِ‬
‫م وَك َِثيٌر ِ‬
‫سُقو َ‬
‫أ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫جَرهُ ْ‬
‫قال القاسمممي‪ :‬الرهبانيممة هممي المبالغممة فممي العبممادة‪ ،‬والرياضممة‬
‫والنقطاع عن الناس‪ ،‬وإيثار العزلة والتبتل )‪.(1‬‬
‫مممة‬
‫وقــال ابــن كــثير‪" :‬ورهبانيممة ابتممدعوها" أي ابتممدعتها أ ّ‬
‫م( )الحديد‪ :‬من الية ‪ (27‬أي‪ :‬ما شرعناها‬
‫ما ك َت َب َْنا َ‬
‫ها عَل َي ْهِ ْ‬
‫النصارى‪َ ) .‬‬
‫عاي َت َِها(‬
‫حق ّ ر ِ َ‬
‫ما َرعَوْ َ‬
‫ها َ‬
‫لهم‪ ،‬وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم‪) ،‬فَ َ‬
‫)الحديد‪ :‬من الية ‪ (27‬أي‪ :‬فما قاموا بما التزموه حق القيام‪ ،‬وهممذا‬
‫م لهم من وجهين‪:‬‬
‫ذ ّ‬
‫أحدهما‪ :‬البتداع في دين الله ما لم يأمر به الله‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(16/5698‬‬

‫‪177‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الثاني‪ :‬في عممدم قيممامهم بممما الممتزموه‪ ،‬مممما زعممموا أنمه قربمة‬

‫يقّربهم إلى الله ‪‬‬

‫)‪.(1‬‬

‫و‬
‫وهذه الّرهبانية التي ابتدعها النصارى لم يشرعها الله‪ ،‬وهي غلمم ّ‬
‫في العبادة‪ ،‬ولذلك كانت النتيجة عدم قدرتهم على المحافظة عليها‬
‫لمشّقتها وصعوبتها‪.‬‬
‫م( )الحديممد‪ :‬مممن اليممة‬
‫ما ك َت َب َْناهَمما عَل َي ْهِ م ْ‬
‫وقول الله ‪ -‬جل وعل ‪َ ) :-‬‬
‫‪ (27‬دليل على أن الله ل يشرع ول يكّلف بما فيه غلوّ ومشّقة‪ ،‬كما‬
‫سبق بيانه‪.‬‬
‫ولقد اعترف عدد من متأخري النصارى بخطأ هذا الغلوّ والرهبنممة‬
‫التي ابتدعها أسلفهم‪ ،‬وأنها ليست من دين الله‪ ،‬ونحن لسنا بحاجمة‬
‫إلى ذلك لن الله قد بين هذا المر في كتابه‪ ،‬ولكممن هممذا العممتراف‬
‫له دللته التي ل تخفى‪ .‬وقد ذكر القاسمي بعممض هممذه العترافممات‬
‫تفصيل‪ ،‬أذكر نتًفا منها)‪.(2‬‬
‫ن الرهبنممة قممد‬
‫قممال صماحب ريحانمة النفمموس ‪ -‬وهممو نصمراني‪ :-‬إ ّ‬
‫هم بممأن النفمراد عممن معاشممرة النماس‪ ،‬واسممتعمال‬
‫نشأت مممن التممو ّ‬
‫التقشفات والتأملت الدينية‪ ،‬هي ذات شأن عظيممم‪ ،‬ولكممن ل يوجممد‬
‫سند لهذا الوهم فممي الكتممب المقدسممة‪ ،‬لن مثممال المسمميح‪ ،‬ومثممال‬
‫رسله يضادانه باستقامة‪ .‬ثم قممال‪ :‬ونحممن نقممول بكممل جممرأة‪ :‬إنممه ل‬
‫يوجد في جميع الكتاب المقدس مثممال للرهبنممة‪ ،‬ول يوجممد أمممر مممن‬
‫أوامره يلزم بها‪ ،‬بل العكس‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/315‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(16/5698‬‬

‫‪178‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وفممي كتمماب الممبراهين النجيليممة ضممد الباطيممل البابويممة‪ :‬إن ذم‬
‫الزيجة خطأ‪ ،‬لنها عمل الفضل‪ ،‬لن الرسول أخبر بأن الزواج خيممر‬
‫من التوّقد بنار ال ّ‬
‫شهوة‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬ومن المعلوم أن الطبيعة البشرية تغصب النسان علممى‬
‫استيفاء حقها‪ ،‬ومن العدل أن نستوفيه ‪ -‬إلى أن قال ‪ :-‬ولذلك نرى‬
‫كثيًرا من القساوسة والسمماقفة والشمامسممة‪ ،‬ل بممل مممن البممابوات‬
‫المممدعين بالعصممة‪ ،‬قممد تكردسموا فممي هموة الزنما‪ ،‬لعمدم تحصممنهم‬
‫بالزواج الشرعي‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬فالطريقة الرهبانية هي اختراع شيطاني قبيح‪ ،‬لممم يكممن‬
‫له رسم في الكتب المقدسة‪ ،‬ول في أجيال الكنيسة الولى‪.‬‬
‫وختم كلمه ‪ -‬الطويل ‪ -‬بقمموله‪ :‬ول تتسممع الصممحف لشممرح جميممع‬
‫الضرار التي وقعت على العالم بسبب الرهبنات‪.‬‬
‫قال القاسمي معقًبا على ذلك‪ :‬وهو حجة عليهم منهم )‪.(1‬‬

‫هذه نتيجة الرهبنة والفراط والغلوّ الذي ذمه الله‪ ،‬فقال‪َ) :‬يا أ َهْ َ‬
‫ل‬
‫ب ل ت َغُْلمموا ِفممي ِدين ِ ُ‬
‫م( )النسمماء‪ :‬مممن اليممة ‪ .(171‬وقممال‪:‬‬
‫كمم ْ‬
‫ال ْك َِتمما ِ‬
‫م( )الحديد‪ :‬من الية ‪.(27‬‬
‫ة اب ْت َد َ ُ‬
‫ما ك َت َب َْنا َ‬
‫عو َ‬
‫)وََرهَْبان ِي ّ ً‬
‫ها عَل َي ْهِ ْ‬
‫ها َ‬
‫‪ -2‬وكممما ذم اللممه الغلمموّ والرهبنممة فقممد ذم التفريممط والتضممييع‬
‫خل ْم ٌ َ‬
‫عوا‬
‫ضمما ُ‬
‫م َ‬
‫والهمممال‪ ،‬فقممال ‪ -‬سممبحانه ‪) :-‬فَ َ‬
‫خل َم َ‬
‫ف ِ‬
‫فأ َ‬
‫ن ب َعْ مدِهِ ْ‬
‫مم ْ‬
‫صلةَ َوات ّب َُعوا ال ّ‬
‫ن غَي ًّا( )مريممم‪ .(59:‬قممال ابممن‬
‫سو ْ َ‬
‫وا ِ‬
‫ف ي َل َْقوْ َ‬
‫ت فَ َ‬
‫ال ّ‬
‫شه َ َ‬
‫كثير مبيًنا دللة هذه الية على الخروج عن منهج الوسطّية‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(16/5700‬‬

‫‪179‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫لممما ذكممر اللممه ‪ -‬تعممالى ‪ -‬حممزب السممعداء‪ ،‬وهممم النبيمماء‪ ،‬عليهممم‬
‫دين‬
‫السلم‪ ،‬ومن اتبعهم من القممائمين بحممدود اللممه‪ ،‬وأوامممره‪ ،‬المممؤ ّ‬
‫ف(‬
‫م َ‬
‫فرائض الله‪ ،‬التاركين لزواجره‪ ،‬وذكر أنه )فَ َ‬
‫خْلمم ٌ‬
‫خل َ َ‬
‫ف ِ‬
‫ن ب َعْدِهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ة( )مريممم‪ :‬مممن‬
‫ضا ُ‬
‫صل َ‬
‫)مريم‪ :‬من الية ‪ (59‬أي قرون أخر‪) .‬أ َ‬
‫عوا ال ّ‬
‫الية ‪ (59‬وإذا أضاعوها فهم لما سممواها مممن الواجبممات أضمميع‪ ،‬لنهمما‬
‫عماد الدين وقوامه‪ ،‬وخير أعمال العباد‪ ،‬وأقبلوا على شهوات الممدنيا‬
‫سمميلَقون غي ّمما‪،‬‬
‫وملذها‪ ،‬ورضوا بالحياة الدنيا واطمممأنوا بهمما‪ ،‬فهممؤلء َ‬
‫أي‪ :‬خسارة يوم القيامة)‪.(1‬‬
‫وقال الشنقيطي في تفسير الية‪ :‬فخلف مممن بعممد أولئك‬
‫النبيين خلف‪ ،‬أي‪ :‬أولد سوء‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬إن هممذا الخلممف السمميئ الممذي خلممف مممن بعممد أولئك‬
‫النبيين الكرام كان من صفاتهم القبيحة أنهم أضاعوا الصلة‪ ،‬واتبعوا‬
‫الشهوات‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬فإذا عرفممت كلم العلممماء فممي اليممة الكريمممة‪ ،‬وأن اللممه‬
‫ي الذي هممو الشممّر‬
‫تو ّ‬
‫عد فيها من أضاع الصلة‪ ،‬واتبع الشهوات‪ ،‬بالغ ّ‬
‫العظيم‪ ،‬والعممذاب الليممم‪ ،‬فمماعلم أنممه أشممار إلممى هممذا المعنممى فممي‬
‫م الممذين يضمميعون الصمملة ول يحممافظون‬
‫مواضع أخر‪ ،‬كقمموله فممي ذ ّ‬
‫عليها وتهديدهم‪( :‬فَوَي ْ ٌ‬
‫ن( )الماعون‪(4:‬‬
‫ل ل ِل ْ ُ‬
‫م َ‬
‫صّلي َ‬
‫ن( )الماعون‪(5:‬‬
‫سا ُ‬
‫(ال ّ ِ‬
‫هو َ‬
‫م َ‬
‫صلت ِهِ ْ‬
‫ن هُ ْ‬
‫ن َ‬
‫م عَ ْ‬
‫ذي َ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/137‬‬

‫‪180‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫م ي َُرا ُ‬
‫ن( )الماعون‪ .(6:‬وأشار في مواضع كممثيرة إلممى‬
‫(ال ّ ِ‬
‫ؤو َ‬
‫ن هُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ذم الذين يّتبعممون ال ّ‬
‫م‬
‫شممهوات‪ ،‬وتهديممدهم‪ ،‬كقمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬ذ َْرهُم ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ن( )الحجر‪.(3:‬‬
‫سو ْ َ‬
‫مو َ‬
‫ل فَ َ‬
‫ف ي َعْل َ ُ‬
‫م اْل َ‬
‫مت ُّعوا وَي ُل ْهِهِ ُ‬
‫ي َأك ُُلوا وَي َت َ َ‬
‫ويفهم من مفهوم مخالفممة اليممة الكريمممة أن الخلممف الطيممبين ل‬
‫يضمميعون الصمملة‪ ،‬ول يّتبعممون ال ّ‬
‫شممهوات‪ ،‬وقممد أشممار إلممى هممذا فممي‬
‫مواضممع كممثيرة مممن كتممابه‪ ،‬كممما فممي سممورة المممؤمنين فممي وصممف‬
‫َ‬
‫س‬
‫ن َ‬
‫خا َ‬
‫مَقا َ‬
‫ف َ‬
‫ما َ‬
‫المؤمنين‪ ،‬وكقوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَأ ّ‬
‫م َرب ّهِ وَن ََهى الن ّْف َ‬
‫م ْ‬
‫مأ َْوى( )النازعمات‪.(41 ،40:‬‬
‫جن ّ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫وى فَإ ِ ّ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫ة هِ َ‬
‫ن ال ْهَ َ‬
‫عَ ِ‬
‫و‬
‫‪ -3‬وبعممد أن ذكممرت اليممات الممتي تممدل علممى النهممي عممن الغل م ّ‬
‫والفراط أو التفريط والتضييع أذكر بعض اليات الممتي تممأمر بممالتزام‬
‫الوسط بين الفراط والتفريط‪.‬‬
‫ن ذ َل ِم َ‬
‫صلت ِ َ‬
‫ك‬
‫ك َول ت ُ َ‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬ول ت َ ْ‬
‫خافِ ْ‬
‫جهَْر ب ِ َ‬
‫ت ب ِهَمما َواب ْت َمِغ ب َي ْم َ‬
‫سِبي ً‬
‫ل( )السراء‪ :‬من الية ‪.(110‬‬
‫َ‬

‫قال ابن كثير‪:‬‬
‫قال المام أحمد‬

‫)‪(1‬‬

‫حدثنا هشيم‪ ،‬حدثنا أبو بشر عممن سممعيد بممن‬

‫جبير عن ابن عباس‪ ،‬قال‪ :‬نمزلت هذه الية ورسول الله‪ ،‬‬

‫متمموار‬

‫صلت ِ َ‬
‫ت ب َِها( )السممراء‪ :‬مممن اليممة ‪(110‬‬
‫ك َول ت ُ َ‬
‫بمكة‪َ) :‬ول ت َ ْ‬
‫خافِ ْ‬
‫جهَْر ب ِ َ‬
‫قال‪ :‬كان إذا صلى بأصحابه رفممع صمموته بممالقرآن‪ ،‬فلممما سمممع ذلممك‬
‫المشركون سّبوا القرآن وسّبوا من أنمزله‪ ،‬ومن جاء به‪ ،‬قال‪ :‬فقال‬
‫‪ - 1‬المسند )‪.(215 ،1/23‬‬

‫‪181‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬لنبيه‪ ،‬‬

‫"ول تجهممر بصمملتك"‪ .‬أي بقراءتممك فيسمممع‬

‫ت ب ِهَمما( )السممراء‪ :‬مممن اليممة‬
‫المشركون فيسبوا القممرآن‪َ) ،‬ول ت ُ َ‬
‫خممافِ ْ‬
‫‪ (110‬عن أصحابك فل تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنممك‪َ) .‬واب ْت َمِغ‬
‫سِبي ً‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫ل( )السراء‪ :‬من اليممة ‪ (110‬أخرجمماه فممي الصممحيحين‬
‫ك َ‬
‫ب َي ْ َ‬
‫)‪ (1‬من حديث أبي بشر جعفر بن إياس به )‪.(2‬‬
‫وقال أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابممن عبمماس‪ :‬نمممزلت فممي‬
‫الدعاء )‪.(3‬‬
‫قال القرطبي‪:‬‬
‫صمملت ِ َ‬
‫ك َول‬
‫روى مسمملم عممن عائشممة فممي قمموله ‪َ) ‬ول ت َ ْ‬
‫جهَ مْر ب ِ َ‬
‫ت ب َِها( )السراء‪ :‬من الية ‪ (110‬قالت‪ :‬أنمزل هذا فممي الممدعاء‬
‫تُ َ‬
‫خافِ ْ‬
‫)‪ .(4‬والشاهد أن هذه الية تأمر بالتوسط بيممن أمريممن منهممي عنهممما‪،‬‬
‫س مِبي ً‬
‫ن ذ َل ِم َ‬
‫ل(‬
‫ك َ‬
‫وهما الجهر الشديد أو المخافتة والسممرار )َواب ْت َمِغ ب َي ْم َ‬
‫)السراء‪ :‬من الية ‪.(110‬‬
‫سم َ‬
‫وقال ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬واذ ْك ُمْر َرب ّم َ‬
‫ن‬
‫خيَف م ً‬
‫ض مّرعا ً وَ ِ‬
‫ك فِممي ن َْف ِ‬
‫دو َ‬
‫ة وَ ُ‬
‫ك تَ َ‬
‫ل ()لعراف‪ :‬من الية ‪.(205‬‬
‫جهْرِ ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن ال َْقوْ ِ‬
‫م َ‬
‫قال القرطبي‪) :‬ودون الجهر( أي دون الرفع فممي القممول‪ ،‬أي‪:‬‬
‫سِبي ً‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫ل( )السممراء‪ :‬مممن اليممة‬
‫ك َ‬
‫أسمع نفسك‪ ،‬كما قال‪َ) :‬واب ْت َِغ ب َي ْ َ‬
‫‪ .(110‬أي بين الجهر والمخافتة )‪.(5‬‬
‫وقال ابن كثير‪:‬‬
‫‪ - 1‬صحيح البخاري )‪ .(5/229‬ومسلم )‪ (1/329‬رقم )‪.(446‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/68‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/69‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪ .(10/344‬وانظر‪ :‬صحيح مسلم )‪ (1/329‬رقم )‪.(447‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(7/355‬‬

‫‪182‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ة( )العمراف‪ :‬ممن اليمة ‪ (205‬أي اذكمر ربمك فمي‬
‫خيَفم ً‬
‫ضّرعا ً وَ ِ‬
‫)ت َ َ‬
‫ن‬
‫جهْ مرِ ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫دو َ‬
‫نفسك رغبة ورهبة‪ ،‬وبالقول ل جهًرا‪ ،‬ولهذا قال‪) :‬وَ ُ‬
‫مم َ‬
‫ل( )العراف‪ :‬من الية ‪ .(205‬وهكذا يستحب أن يكممون الممذكر‪،‬‬
‫ال َْقوْ ِ‬
‫ل يكون نداء وجهًرا بليًغا )‪.(1‬‬
‫م( )التغممابن‪ :‬مممن اليممة‬
‫ممما ا ْ‬
‫سمت َط َعْت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫وقال ‪ -‬تعالى – )َفات ُّقوا الل ّم َ‬
‫‪.(16‬‬
‫قال ابن كثير‪:‬‬
‫أي جهدكم وطاقتكم‪.‬‬
‫وروى ابن أبي حاتم عممن سممعيد بممن جممبير فممي قمموله ‪ -‬تعممالى ‪:-‬‬
‫َ‬
‫ن( )آل عمران‪ :‬من‬
‫مو َ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫م ُ‬
‫ن إ ِّل وَأن ْت ُ ْ‬
‫حقّ ت َُقات ِهِ َول ت َ ُ‬
‫)ات ُّقوا الل ّ َ‬
‫موت ُ ّ‬
‫الية ‪ .(102‬وقال‪ :‬لما نمزلت هممذه اليممة اشممتد علممى القمموم العمممل‬
‫فقاموا حتى ورمت عراقيبهم‪ ،‬وتقّرحت جباههم فأنمزل الله ‪ -‬تعالى‬
‫م(‬
‫ممما ا ْ‬
‫سمت َط َعْت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫ هذه الية‪ ،‬تخفيًفمما علممى المسمملمين‪) :‬فَممات ُّقوا الل ّم َ‬‫)التغابن‪ :‬من الية ‪ .(16‬فنسخت الية الولى)‪.(2‬‬
‫ودللة الوسطّية على هذا القول واضحة جلية‪.‬‬

‫وأخيًرا‪ :‬نقف أمام قوله ‪ -‬تعالى ‪ -‬في سورة المزمممل‪) :‬ي َمما أ َي ّهَمما‬
‫َ‬
‫ل إّل قَِليل ً ن ِصَف َ‬
‫م ُ‬
‫ل‬
‫ص ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ْ ُ‬
‫مّز ّ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ه أوِ ان ُْق ْ‬
‫ه قَِليل ً أوْ زِد ْ عَل َي ْهِ وََرت ّ ِ‬
‫ل قُم ِ الل ّي ْ َ ِ‬
‫ن َرب ّم َ‬
‫ن ت َْرِتي ً‬
‫ك‬
‫ل( )المزمل‪ .(4-1:‬ثم قال فممي آخممر السممورة‪) :‬إ ِ ّ‬
‫ال ُْقْرآ َ‬
‫ك تُقو َ‬
‫يع ل َ َ‬
‫ه وَ َ‬
‫ن‬
‫طائ َِف ٌ‬
‫ن اّلمم ِ‬
‫ة ِ‬
‫م أد َْنى ِ‬
‫م أن ّ َ َ ُ‬
‫ه وَث ُل ُث َ ُ‬
‫صَف ُ‬
‫َْ ُ‬
‫ل وَن ِ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ي الل ّي ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ن ث ُل ُث َ ِ‬
‫ل والنهممار عَل ِم َ‬
‫مع َ َ‬
‫م‬
‫صمموهُ فَت َمما َ‬
‫ن تُ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ب عَل َي ْك ُم ْ‬
‫َ‬
‫ك َوالل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ح ُ‬
‫ن ل َم ْ‬
‫ه ي َُقمد ُّر الل ّي ْم َ َ ّ َ َ‬
‫ُ‬
‫ن( )المزمل‪ :‬من الية ‪.(20‬‬
‫سَر ِ‬
‫ما ت َي َ ّ‬
‫َفاقَْرأوا َ‬
‫ن ال ُْقْرآ ِ‬
‫م َ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(2/281‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/376‬‬

‫‪183‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ُ‬
‫ن‬
‫سمَر ِ‬
‫ممما ت َي َ ّ‬
‫قال ابن كثير فممي تفسمميره لهممذه اليممة‪) :‬فَمماقَْرأوا َ‬
‫مم َ‬
‫ن( )المزمل‪ :‬مممن اليممة ‪ .(20‬أي مممن غيممر تحديممد بمموقت‪ ،‬أي‪:‬‬
‫ال ُْقْرآ ِ‬
‫ولكن قوموا من الليل ما تيسر‪ ،‬وعبر عن الصلة بالقراءة‪ ،‬كما قال‬
‫صلت ِ َ‬
‫ك( )السراء‪ :‬من اليممة ‪.(110‬‬
‫في سورة )سبحان(‪َ) :‬ول ت َ ْ‬
‫جهَْر ب ِ َ‬
‫أي بقراءتك)‪.(1‬‬
‫وقال القرطبي‪:‬‬
‫م( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(187‬قيممل‪ :‬أي فتمماب‬
‫قوله‪) :‬فََتا َ‬
‫ب عَل َي ْك ُ ْ‬
‫عليكم من فرض القيام إذ عجزتم‪ ،‬وأصل التوبة الرجوع‪ ،‬فممالمعنى‪:‬‬
‫رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف‪ ،‬ومن عسر إلى يسر)‪.(2‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫ن‬
‫فقد اتضح لنا مممن خلل ممما سممبق فممي هممذا البمماب مممن آيممات أ ّ‬
‫الوسطّية أصل فممي بمماب العبممادة فممي معناهمما الخمماص والعممام‪ ،‬وأن‬
‫الغلوّ والجفاء‪ ،‬والفراط والتفريط منفيان عنها كما نفيا عن غيرها‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/438‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(19/53‬‬

‫‪184‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الشهادة والحكم‬
‫ك جعل ْنماك ُ ُ‬
‫ة‬
‫مم ً‬
‫سبق معنما فمي تفسمير قموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬وَك َمذ َل ِ َ َ َ َ‬
‫مأ ّ‬
‫ْ‬
‫سممرها بقمموله‪:‬‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من اليممة ‪ .(143‬أن الرسممول‪  ،‬ف ّ‬
‫وَ َ‬

‫)‪(1‬‬
‫سرها‪  ،‬بالشممهادة‪ ،‬حيممث ذكممر شممهادة هممذه‬
‫"عدول" ‪ .‬وكذلك ف ّ‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫سممطا ً‬
‫مم ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫مة لنوح‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬ثم قرأ‪)  ،‬وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫ال ّ‬
‫َ‬
‫ل ِت َ ُ‬
‫كوُنوا ُ‬
‫س( )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(143‬الية )‪.(2‬‬
‫شه َ َ‬
‫داَء عَلى الّنا ِ‬
‫مل للخر‪ ،‬لن الشهادة‬
‫منافاة بين التفسيرين‪ ،‬بل أحدهما مك ّ‬
‫ول ُ‬

‫المعتبرة عند الله ما كانت عدل‪.‬‬
‫ومن هذا المنطلق فقد جاءت آيات كثيرة تبّين وجوب العممدل‬
‫ضما ‪ -‬والشمهادة همي إحمدى‬
‫فمي الشمهادة‪ ،‬وكمذلك فمي الحكمم ‪ -‬أي ً‬
‫دمات الحكم في كثير من الحكام‪ ،‬بل في كلها إذا اعتبرنا إقممرار‬
‫مق ّ‬
‫المرء على نفسه شهادة‪ ،‬وهو كذلك‪.‬‬
‫وإذا كان العدل يعني الوسط‪ ،‬كما تقمّرر‪ ،‬فممإن أمممر اللممه بالعممدل‬
‫في الشهادة والحكم هو أمر وإقرار لمنهج الوسطّية‪ ،‬ويّتضح ذلممك ‪-‬‬
‫تفصيل ‪ -‬من خلل ما سيأتي ‪ -‬إن شاء الله ‪:-‬‬
‫َ‬
‫من ُمموا ُ‬
‫كون ُمموا‬
‫‪ -1‬قال ‪ -‬تعالى ‪ -‬في سورة النساء‪َ) :‬يا أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫شهداَء ل ِل ّه ول َو عََلى أ َنُفسك ُ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫س ِ‬
‫وا ِ‬
‫ط ُ َ َ‬
‫ن ِبال ِْق ْ‬
‫ْ ِ ْ‬
‫ن َواْلقَْرِبي َ‬
‫م أو ِ ا ل ْ َ‬
‫ِ َ ْ‬
‫مي َ‬
‫قَ ّ‬
‫وال ِد َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫إن يك ُن غَن ِيا ً أ َو فَقيرا ً َفالل ّ َ‬
‫ن ت َعْمدُِلوا‬
‫ّ ْ ِ‬
‫وى أ ْ‬
‫ه أوْل َممى ب ِهِ َ‬
‫ُ‬
‫ممما َفل ت َت ّب ِعُمموا ال ْهَم َ‬
‫ِ ْ َ ْ‬
‫َ‬
‫خِبيممرًا( )النسمماء‪:‬‬
‫ن َ‬
‫مل ُممو َ‬
‫ه ك َمما َ‬
‫ضوا فَمإ ِ ّ‬
‫ووا أوْ ت ُعْرِ ُ‬
‫وَإ ِ ْ‬
‫ممما ت َعْ َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫ن ت َل ْ ُ‬
‫‪ .(135‬ولنتأمل ما قاله الطبري في تفسيره للية‪ ،‬فإننا نجد الدللممة‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪ .(2/7‬والحديث أخرجه الترمذي )‪ (5/190‬رقم )‪ (2961‬وأحمد )‪ (3/9‬وعندهما "عدل" بدل "عدول"‪.‬‬
‫مة وس ً‬
‫طا(‪ .‬في أول هذه الرسالة‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير قوله تعالى‪) :‬وكذلك جعلناكم أ ّ‬

‫‪185‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫البينة في هذه الية على منهج العدل والوسط‪ ،‬والّتحذير من الحيف‬
‫والجور واتباع الهوى‪ ،‬وإليك بعض ما قال‪:‬‬
‫َ‬
‫من ُمموا ُ‬
‫ط(‬
‫سم ِ‬
‫وا ِ‬
‫يقول الله لهممم‪) :‬ي َمما أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫ن ِبال ِْق ْ‬
‫نآ َ‬
‫مي َ‬
‫كون ُمموا قَ م ّ‬
‫ذي َ‬
‫)النساء‪ :‬من الية ‪ .(135‬يقول‪ :‬ليكن من أخلقكم وصفاتكم القيممام‬
‫بالقسط‪ ،‬يعني العدل ) ُ‬
‫ه( )النساء‪ :‬من اليممة ‪ (135‬معنمماه‪:‬‬
‫داَء ل ِل ّ ِ‬
‫شه َ َ‬
‫قوموا بالقسممط للممه عنممد شممهادتكم‪ ،‬أو حيممن شممهادتكم )وَل َموْ عَل َممى‬
‫َ‬
‫م( )النساء‪ :‬من الية ‪ .(135‬يقول‪ :‬ولو كانت شمهادتكم علمى‬
‫أن ُْف ِ‬
‫سك ُ ْ‬
‫أنفسممكم‪ ،‬أو علممى والممديكم أو أقربيكممم‪ ،‬فقوممموا فيهمما بالقسممط‬
‫والعدل‪ ،‬وأقيموا على صحتها بأن تقولوا فيها الحق‪ ،‬ول تميلمموا فيهمما‬
‫لغني لغناه على فقير‪ ،‬ول لفقيمر لفقمره علمى غنمي فتجموروا‪ ،‬فمإن‬
‫وى بين حكم الغني والفقيممر فيممما ألزمكممم أّيهمما النمماس‬
‫الله الذي س ّ‬
‫من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل أولى بهما‪ ،‬وأحقّ منكم‪،‬‬
‫لنه مالكهما‪ ،‬وأولى بهما دونكم‪ ،‬فهممو أعلممم بممما فيهمما مصمملحة كممل‬
‫واحد منهما في ذلممك‪ ،‬وفممي غيممره مممن المممور كلهمما منكممم‪ ،‬فلممذلك‬
‫أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما‪.‬‬
‫َ‬
‫ن ت َعْدُِلوا( )النساء‪ :‬من اليممة ‪ .(135‬فل تتبعمموا‬
‫وى أ ْ‬
‫)َفل ت َت ّب ُِعوا ال ْهَ َ‬
‫أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بهمما‪ ،‬ولكممن قوممموا‬
‫دوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها بالعدل لمممن‬
‫فيه بالقسط‪ ،‬وأ ّ‬
‫شهدتم عليه وله‪.‬‬
‫والتعبير بالغني والفقير هو في مقام العدو أو القريب كما سيأتي‬
‫في آيتي المائدة والنعام‪ ،‬ويمكن استعماله في المموجهين كممما يممدل‬
‫عليه كلم الطبري‪ ،‬فقد يكون بعض الناس مع الغنممي ضممد الفقيممر ‪-‬‬

‫‪186‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وهو الغالب ‪ ،-‬وقد يكون البعض مع الفقير لفقره‪ ،‬ضد الغني لغناه‪،‬‬
‫ولكل حالة ما يناسبها‪.‬‬
‫َ‬
‫مُنوا ُ‬
‫ن ل ِل ّمهِ ُ‬
‫داءَ‬
‫وا ِ‬
‫‪ -2‬قال ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ش مه َ َ‬
‫نآ َ‬
‫مي َ‬
‫كوُنوا قَ م ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ب‬
‫ن قَوْم ٍ عََلى أ َّل ت َْعمدُِلوا ا ْ‬
‫س ِ‬
‫عمدُِلوا هُموَ أْقمَر ُ‬
‫شَنآ ُ‬
‫ط َول ي َ ْ‬
‫ِبال ِْق ْ‬
‫من ّك ُ ْ‬
‫جرِ َ‬
‫وى( )المائدة‪ :‬من الية ‪.(8‬‬
‫ِللت ّْق َ‬
‫قال الطبري في معنى الية‪ :‬يعني بذلك ‪ -‬ج م ّ‬
‫ل ثنمماؤه ‪ :-‬يمما‬
‫أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد‪ ،‬ليكن من أخلقكممم وصممفاتكم‬
‫القيام لله‪ ،‬شهداء بالعدل في أوليممائكم وأعممدائكم‪ ،‬ول تجمموروا فممي‬
‫ددت لكم في أعدائكم لعممداوتهم‬
‫أحكامكم وأفعالكم‪ ،‬فتجاوزوا ما ح ّ‬
‫ددت لكممم فممي أحكممامي وحممدودي فممي‬
‫صممروا فيممما ح م ّ‬
‫لكممم‪ ،‬ول تق ّ‬
‫دي‪ ،‬واعملمموا فيممه‬
‫أوليائكم لوليتهم‪ ،‬ولكن انتهوا في جميعهم إلى ح ّ‬
‫بأمري)‪.(1‬‬
‫وهممذا التفسممير لليممة واضممح الدللممة علممى منهممج الوسممطّية فممي‬
‫الشهادة والحكم‪ ،‬ومثل ذلك تفسير ابن كثير‪ ،‬حيث قال في قمموله ‪-‬‬
‫م َ‬
‫ن قَ موْم ٍ عَل َممى أ َّل ت َعْ مدُِلوا( )المممائدة‪ :‬مممن‬
‫شَنآ ُ‬
‫تعالى ‪َ) :-‬ول ي َ ْ‬
‫من ّك ُ ْ‬
‫جرِ َ‬
‫الية ‪ .(8‬أي‪ :‬ل يحملّنكم بغممض قمموم علممى تممرك العممدل فيهممم‪ ،‬بممل‬
‫استعملوا العدل فممي كممل أحممد‪ ،‬صممديًقا كممان أو عممدّوا‪ ،‬ولهممذا قممال‪:‬‬
‫َ‬
‫وى( )المائدة‪ :‬من الية ‪.(2)(8‬‬
‫)اعْدُِلوا هُوَ أقَْر ُ‬
‫ب ِللت ّْق َ‬
‫من ّ ُ‬
‫م‬
‫وقد جاء قبل هذه اليــة قــوله ‪ -‬تعــالى ‪َ) :-‬ول ي َ ْ‬
‫كمم ْ‬
‫جرِ َ‬
‫َ‬
‫شنآن قَوم أ َ‬
‫ُ‬
‫دوا( )المممائدة‪:‬‬
‫م‬
‫ع‬
‫م‬
‫ك‬
‫دو‬
‫ص‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ن ت َعْت َم ُ‬
‫حمَرام ِ أ ْ‬
‫جدِ ال ْ َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫سم ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ َ ُ ْ ٍ‬
‫من الية ‪.(2‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(6/141‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(2/30‬‬

‫‪187‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫قال الطبري في تفسيرها‪ :‬فتأويممل اليممة إذن‪ :‬ل يحملّنكممم‬
‫بغض قمموم لن صممدوكم عممن المسممجد الحممرام أيهمما المؤمنممون‪ .‬أن‬
‫دوا حكم الله فيهم‪ ،‬فتجاوزوه إلى ما نهمماكم عنممه‪ ،‬ولكممن ألزممموا‬
‫تعت ّ‬
‫طاعة الله فيما أحببتم وكرهتم)‪.(1‬‬
‫ما العتداء على من‬
‫وقال رشيد رضا في تفسيره للية‪ :‬وأ ّ‬
‫تبغضونهم فل ُيباح لكم وأنتم ح ّ‬
‫حممرم‪،‬‬
‫ل‪ ،‬كما أّنه ل ُيباح لكممم وأنتممم ُ‬
‫دوكم عن المسجد الحرام من قبل‪ ،‬وهممذا ل يمنممع مممن‬
‫وإن كانوا ص ّ‬
‫الجزاء على العتداء بالمثل‪ ،‬لنه نهى عممن اسممتئناف العتممداء علممى‬
‫سبيل النتقام‪ ،‬فإن من يحمله البغض والعداوة على العتممداء علممى‬
‫من يبغضه يكون منتصًرا لنفسه ل للحق‪ ،‬وحينئذ ل يراعي المماثلممة‬
‫ول يقف عند حدود العدل)‪.(2‬‬
‫‪ -3‬ومثل هذه الية قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَإ ِ َ‬
‫ن‬
‫م َفاعْمدُِلوا وَل َموْ ك َمما َ‬
‫ذا قُل ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ذا قُْرَبى()النعام‪ :‬من الية ‪.(152‬‬
‫قال الطبري‪ :‬يعني ‪ -‬تعالى ذكره ‪ -‬بقوله‪) :‬وَإ ِ َ‬
‫م َفاعْدُِلوا(‬
‫ذا قُل ْت ُ ْ‬
‫)النعام‪ :‬من الية ‪ (152‬وإذا حكمتم بين النمماس فتكلمتممم‪ ،‬فقولمموا‬
‫الحق بينهم‪ ،‬واعدلوا‪ ،‬وأنصفوا‪ ،‬ول تجمموروا‪ ،‬ولممو كممان الممذي يتمموجه‬
‫الحق عليممه والحكممم ذا قرابممة لكممم‪ ،‬ول يحملّنكممم قرابممة قريممب‪ ،‬أو‬
‫صداقة صديق‪ ،‬حكمتم بينه وبين غيره‪ ،‬أن تقولمموا غيممر الحممق فيممما‬
‫احتكمتم إليه فيه )‪.(3‬‬
‫وقــال القرطــبي‪ :‬قممموله ‪ -‬تعمممالى ‪) :-‬وَإ ِ َ‬
‫م َفاعْمممدُِلوا(‬
‫ذا قُل ْت ُممم ْ‬
‫ن َ‬
‫ذا‬
‫من الحكام والشممهادات‪) ،‬وَل َموْ ك َمما َ‬
‫)النعام‪ :‬من الية ‪ (152‬يتض ّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(6/69‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(6/129‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(8/86‬‬

‫‪188‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫قُْرب َممى( )النعممام‪ :‬مممن اليممة ‪ .(152‬أي ولممو كممان الحممق علممى مثممل‬
‫دم في النساء)‪.(1‬‬
‫قراباتكم‪ ،‬كما تق ّ‬
‫مل ليممتي المممائدة والنعممام‪ ،‬فوجممدت أن كل‬
‫وقد وقفت متــأ ّ‬
‫منهما تممأمر بالعممدل وهممو طريممق الوسممط‪ ،‬ولكممن كممل آيممة اختصممت‬
‫بمعنى ليس في الخرى‪ ،‬فآية المائدة تنهى عن الحيف والجمور فمي‬
‫حق العدّو‪ ،‬وأن عداوته وبغضه ل يجمموز أن يكممون حممائل دون العممدل‬
‫ما‪ ،‬فهي تنهي عمن الفمراط والغلمو بالنسمبة‬
‫في حقه‪ ،‬شهادة أو حك ً‬
‫لصدور الحكم ضده‪ ،‬وعن التفريط والجفاء بالنسممبة لحفممظ حقمموقه‬
‫وما يجب له‪.‬‬
‫أما آيــة النعــام فإنهمما ُتح م ّ‬
‫ق‬
‫ذر مممن الميممل والفممراط فممي ح م ّ‬
‫القريب‪ ،‬مما يكون سبًبا لعدم ثبوت الحممق عليممه‪ ،‬وهممذا غلممو منهممي‬
‫عنه‪ ،‬كما تنهى عن التفريط في حممق خصمممه بسممبب القرابممة‪ ،‬فممإن‬
‫عدم أداء الشممهادة محابمماة للقريممب فيممه تفريممط فممي حممق الخصممم‬
‫وضياع للحقوق‪ .‬ومن هنا فإن همماتين اليممتين بمجموعهممما ترسمممان‬
‫خط الوسطّية‪ ،‬وترشدان إليه‪ ،‬وتحذران مممن الحيممف والميممل سممواء‬
‫طا أو تفري ً‬
‫أكان إفرا ً‬
‫طا‪.‬‬
‫ب القريممب إلممى شممهادة ال مّزور‬
‫و أو ح م ّ‬
‫وقد يؤدي بغض العــد ّ‬
‫والكذب‪ ،‬فيحكم على العممدوّ بممما ليممس عليممه‪ ،‬ويحكممم للقريممب بممما‬
‫ليس له‪ ،‬وكل هذا خروج عن العممدل‪ ،‬ومممن الظلممم الممذي ل يرضمماه‬
‫دا‪.‬‬
‫الله أب ً‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪ ،(7/137‬و)‪.(5/410‬‬

‫‪189‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ما آية النساء فإنهمما جمعممت بيممن المعنييممن كممما هممو واضممح مممن‬
‫أ ّ‬
‫سياقها‪ ،‬وتفسير الطبري لها‪ ،‬وإن كانت لمعنى ما في سورة النعام‬
‫أقرب منها لما في سورة المائدة‪.‬‬
‫‪ -4‬ونجد تطبيًقا عملي ّمما لمممدلول هممذه اليممات ممما ذكممره اللممه فممي‬
‫سورة يوسف في قصة زوجة العزيز مع يوسف‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬حين‬
‫ر( )يوسممف‪:‬‬
‫ه ِ‬
‫ت قَ ِ‬
‫ست َب ََقا ال َْبا َ‬
‫راودته عن نفسه‪َ) :‬وا ْ‬
‫ص ُ‬
‫ب وَقَد ّ ْ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫ن د ُب ُ ٍ‬
‫َ‬
‫ب(‬
‫سمي ّد َ َ‬
‫ها ل َم َ‬
‫من اليممة ‪ .(25‬وهنمما حممدثت المفاجممأة )وَأل َْفي َمما َ‬
‫دى ال ْب َمما ِ‬
‫)يوسف‪ :‬من الية ‪ .(25‬وبسرعة مذهلة يدرك المممرأة كيممد النسمماء‪:‬‬
‫م( )يوسف‪ :‬مممن اليممة ‪ ،(28‬فتقلممب الممدعوى علممى‬
‫ن عَ ِ‬
‫)إ ِ ّ‬
‫ظي ٌ‬
‫ن ك َي ْد َك ُ ّ‬
‫َ‬
‫ن أ ََراد َ ب ِأ َهْل ِ َ‬
‫ن أ َوْ عَ َ‬
‫ب‬
‫ذا ٌ‬
‫س َ‬
‫سوءا ً إ ِّل أ ْ‬
‫ما َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ك ُ‬
‫جَزاُء َ‬
‫ت َ‬
‫يوسف‪َ) :‬قال َ ْ‬
‫ج َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫م( )يوسف‪ :‬من الية ‪ .(25‬وهذه دعوى خطيممرة‪ ،‬ولكممن يوسممف‪،‬‬
‫أِلي ٌ‬
‫عليه السلم‪ ،‬يرد ّ هممذه الممدعوى‪) :‬قَمما َ‬
‫سممي(‬
‫ن ن َْف ِ‬
‫ي َراوَد َت ْن ِممي عَم ْ‬
‫ل ه ِم َ‬
‫)يوسف‪ :‬من الية ‪ ،(26‬ووقع العزيز في إشكال فممي هممذه القضممية‪،‬‬
‫ن الرجممل هممو الممذي‬
‫وبخاصة إذا كممانت امممرأة‪ ،‬لن العممادة الغالبممة أ ّ‬
‫يعتدي عليها‪ ،‬ل أن تعتدي هي عليممه‪ ،‬وفممي هممذه اللحظممات الحرجممة‬
‫شاهد م َ‬
‫يأتي الفرج‪) :‬وَ َ‬
‫ل‬
‫ه قُ مد ّ ِ‬
‫ن قَ ِ‬
‫ن ك َمما َ‬
‫ن أهْل َِها إ ِ ْ‬
‫صم ُ‬
‫مي ُ‬
‫ن قُب ُم ٍ‬
‫مم ْ‬
‫شهِد َ َ ِ ٌ ِ ْ‬

‫ن َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫و‬
‫ه قُد ّ ِ‬
‫ن قَ ِ‬
‫ت وَهُوَ ِ‬
‫كا َ‬
‫ن وَإ ِ ْ‬
‫ن د ُب ُرٍ فَك َذ َب َ ْ‬
‫ص ُ‬
‫صد َقَ ْ‬
‫مي ُ‬
‫فَ َ‬
‫ت وَهُ َ‬
‫م ْ‬
‫كاذِِبي َ‬
‫م َ‬
‫ن( )يوسف‪ ،26:‬م ‪ ،(27‬إنها شهادة عجيبة تنطق بالعممدل‬
‫ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫صادِِقي َ‬
‫م َ‬
‫والصدق‪ ،‬مع قرابته للمرأة‪.‬‬

‫فقد وضع أمام العزيز ميزاًنا دقيًقا دون حيف أو محاباة‪ ،‬وبدأ بممما‬
‫يتعّلق بالرجل أول‪ ،‬وما أشبه فعل يوسف‪ ،‬عليه السمملم بممه‪ ،‬عنممدما‬

‫‪190‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫بدأ بأوعية إخوته قبل وعاء أخيه‪ ،‬ثم ذكر ما يتعّلق بممالمرأة‪ ،‬ويظهممر‬
‫العدل في هذا من خلل ما يلي‪:‬‬
‫)أ( فعدم كتمانه للشهادة دليل على عممدم محابمماته للمممرأة وهممي‬
‫قريبته‪.‬‬
‫)ب( البداءة بيوسف وعدم اقتصاره على ما يتعلق بممالمرأة يممد ّ‬
‫ل‬
‫على أنه ل يحابي يوسف‪ ،‬عليه السمملم‪ .‬وهنمما صممدر الحكممم العممادل‬
‫ن د ُب ُمرٍ قَمما َ‬
‫ه‬
‫ه قُد ّ ِ‬
‫ما َرأى قَ ِ‬
‫ل إ ِن ّم ُ‬
‫ص ُ‬
‫المبني على شهادة العدل‪) :‬فَل َ ّ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫من ك َيدك ُن إن ك َيدك ُن عَظيمم يوسم ُ َ‬
‫ن هَ م َ‬
‫ري‬
‫ذا َوا ْ‬
‫ِ ٌ ُ ُ‬
‫ف أعْمرِ ْ‬
‫ض ع َم ْ‬
‫ِ ْ ْ ِ ّ ِ ّ ْ َ ّ‬
‫س مت َغِْف ِ‬
‫ن( )يوسف‪.(29 ،28:‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ت ِ‬
‫ك ك ُن ْ ِ‬
‫ك إ ِن ّ ِ‬
‫ل ِذ َن ْب ِ ِ‬
‫خاط ِِئي َ‬
‫م َ‬
‫‪ -5‬وردت آيات كثيرة تأمر بالعدل‪ ،‬وتنهى عن الهوى‪ ،‬وذلك مثممل‬
‫قوله ‪ -‬تعالى – )إن الل ّه يأ ْمرك ُ َ‬
‫َ‬
‫ت إ ِل َممى أ َهْل ِهَمما وَإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫مان َمما ِ‬
‫ن ت ُمؤَ ّ‬
‫مأ ْ‬
‫ِ ّ‬
‫دوا اْل َ‬
‫َ َ ُ ُ ْ‬
‫َ‬
‫ل( )النسمماء‪ :‬مممن اليممة ‪.(58‬‬
‫ن تَ ْ‬
‫سأ ْ‬
‫َ‬
‫حك ُ ُ‬
‫مت ُم ْ‬
‫حك َ ْ‬
‫ممموا ِبال ْعَمد ْ ِ‬
‫م ب َي ْم َ‬
‫ن الن ّمما ِ‬
‫وقوله ‪ -‬تعالى ‪ -‬في سورة النحل‪) :‬إن الل ّ ْ‬
‫ن‬
‫ل َواْل ِ ْ‬
‫ِ ّ‬
‫ح َ‬
‫ه ي َأ ُ‬
‫َ‬
‫سمما ِ‬
‫مُر ِبال ْعَ مد ْ ِ‬
‫ْ‬
‫ح َ‬
‫م‬
‫ن ال َْف ْ‬
‫ي ي َعِظ ُك ُم ْ‬
‫شمماِء َوال ْ ُ‬
‫من ْك َمرِ َوال ْب َغْم ِ‬
‫وَِإيت َمماِء ِذي الُقْرب َممى وَي َن ْهَممى عَم ِ‬
‫ن( )النحمل‪ ،(90:‬وكمذلك قموله ‪ -‬تعمالى ‪ -‬فمي سمورة‬
‫م َتمذ َك ُّرو َ‬
‫ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫العراف‪) :‬قُ ْ َ‬
‫ط( )العراف‪ :‬من الية ‪ ،(1)(29‬وفممي‬
‫س ِ‬
‫مَر َرّبي ِبال ِْق ْ‬
‫لأ َ‬
‫ض مل ّ َ‬
‫ن‬
‫وى فَي ُ ِ‬
‫س ِبال ْ َ‬
‫سورة )ص(‪َ) :‬فا ْ‬
‫حك ُ ْ‬
‫ك عَ م ْ‬
‫حقّ َول ت َت ّب ِِع ال ْهَ َ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ص‪ :‬من الية ‪ (26‬وقريب من هممذه اليممة ممما جمماء فممي‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫َ‬
‫ه( ) ّ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫ك َفادعُ واستقم ك َ ُ‬
‫سورة الشورى )فَل ِذ َل ِ َ‬
‫م‬
‫ما أ ِ‬
‫واءَهُ ْ‬
‫م مْر َ‬
‫ْ َ ْ َِ ْ َ‬
‫ت َول ت َت ّب ِمعْ أهْ م َ‬
‫ُ‬
‫ت ِل َعْدِ َ‬
‫ما أ َن َْز َ‬
‫وَقُ ْ‬
‫م( )الشممورى‪:‬‬
‫ب وَأ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ل ب َي ْن َك ُ ُ‬
‫مْر ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ت بِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫لآ َ‬
‫ن ك َِتا ٍ‬
‫م ْ‬
‫ممما‬
‫ن َ‬
‫م فََعاقُِبوا ب ِ ِ‬
‫من الية ‪ (15‬ونجد في سورة النحل‪) :‬وَإ ِ ْ‬
‫ل َ‬
‫عاقَب ْت ُ ْ‬
‫مث ْ ِ‬
‫‪ - 1‬العبرة بعموم اللفظ ل بخصوص السبب‪.‬‬

‫‪191‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ه( )النحل‪ :‬من الية ‪ ،(126‬واليات فمي مثمل همذا المعنمى‬
‫ُ‬
‫م بِ ِ‬
‫عوقِب ْت ُ ْ‬
‫كثيرة ومعلومة‪ ،‬وكلها تممأمر بالعممدل‪ ،‬وتنهممى عممن البغممي والعممدوان‪،‬‬
‫وهذه دللة الوسطّية‪ ،‬والنهي عن الفراط والتفريط‪.‬‬
‫‪ -6‬ومن الدلة العملية على وجوب التزام العدل وعممدم البغممي أو‬
‫ن قُت ِ َ‬
‫مظ ُْلوما ً فََقد ْ‬
‫ل َ‬
‫العدوان قوله ‪ -‬تعالى ‪ -‬في سورة السراء‪) :‬وَ َ‬
‫م ْ‬
‫سممل ْ َ‬
‫ه َ‬
‫صممورًا(‬
‫سممرِ ْ‬
‫كمما َ‬
‫َ‬
‫طانا ً َفل ي ُ ْ‬
‫جعَل َْنمما ِلمموَل ِي ّهِ ُ‬
‫ن َ‬
‫ل إ ِّنمم ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ف ِفممي ال َْقْتمم ِ‬
‫)السراء‪ :‬من الية ‪ .(33‬فهنا ثلث حالت ‪ -‬طرفان ووسط ‪-‬‬
‫أ‪ -‬ضياع حمقّ أوليمماء المقتممول‪ ،‬كممما يقممع فممي كممثير مممن الزمنممة‪،‬‬
‫وتحمممي هممذا الضممياع أنظمممة ودول وبخاصممة فممي عصممرنا الحاضممر‪،‬‬
‫وبال ّ‬
‫ما أو واقعًمما‪ ،‬وهممو‬
‫ما نظا ً‬
‫ذات الدول التي ألغت عقوبة العدام‪ ،‬إ ّ‬
‫الكثر ‪ -‬وبخاصة إذا كان القاتل شريًفا فهيهات أن يؤخذ الحق منه‪.‬‬
‫ب‪ -‬أن يأخذ أولياء المقتول أكممثر مممما لهممم‪ ،‬وهممو السممراف فممي‬
‫القتل‪ ،‬وهذا ما كان يجري في الجاهلية‪ ،‬ويوجد في عصرنا الحاضممر‬
‫في بعض المجتمعات التي تأخذ بالثأر‪ ،‬فتقتل غير القاتممل دون ذنممب‬
‫ما وثأًرا‪.‬‬
‫إل أنه من أقرباء القاتل‪ ،‬أو تقتل أكثر من فرد انتقا ً‬
‫صا‪ ،‬أو تؤخذ الدية‪ ،‬أو يكون العفو برضممى‬
‫ج‪ -‬أن يقتل القاتل ِقصا ً‬
‫أولياء القتيل‪ .‬والحالة الولى تمثل الّتفريط‪.‬‬
‫والحالة الثانية تمثل الّتعدي والفراط‪.‬‬
‫والحالة الثالثة هي العدل والوسط‪.‬‬
‫جعَل ْن َمما‬
‫ولقد نمزل القرآن بالحالة الثالثة‪ ،‬فقمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬فََقمد ْ َ‬
‫سل ْ َ‬
‫طانًا( )السراء‪ :‬من الية ‪ (33‬إثبات للحالمة الثالثمة‪ ،‬ونفمي‬
‫ل ِوَل ِي ّهِ ُ‬
‫للحالة الولى‪ ،‬فإثبات الحقّ نفممي للتفريممط وإضمماعة الممدم‪ ،‬وقمموله‪:‬‬

‫‪192‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ل( )السممراء‪ :‬مممن اليممة ‪ (33‬نهممي عممن الحالممة‬
‫سرِ ْ‬
‫)َفل ي ُ ْ‬
‫ف ِفي ال َْقت ْ ِ‬
‫دي والفراط‪.‬‬
‫الثانية‪ ،‬وهي التع ّ‬
‫ن‬
‫صواب في ذلك من تأّول‪ :‬أ ّ‬
‫قال الطبري‪ :‬وأولى التأويلين بال ّ‬
‫السلطان الذي ذكر الله ‪ -‬تعمالى ‪ -‬فمي همذا الموضمع مما قماله ابمن‬
‫دية‪ ،‬وإن‬
‫عباس‪ :‬من أن لولي القتيل القتل إن شاء‪ ،‬وإن شاء أخذ ال ّ‬

‫شاء العفو‪ ،‬لصحة الخبر عن رسول الله‪ ،‬‬
‫‪‬‬

‫أّنه قال يوم فتح مكة‪:‬‬

‫أل ومن قتل له قتيل فهممو بخيممر النظريممن بيممن أن يقتممل أو يأخممذ‬

‫الدية ‪.(1) ‬‬
‫ل( )السراء‪ :‬من الية ‪ (33‬يقول‪ :‬فل‬
‫سرِ ْ‬
‫وقوله‪َ) :‬فل ي ُ ْ‬
‫ف ِفي ال َْقت ْ ِ‬
‫ما غير قاتله‪.‬‬
‫تقتل بالمقتول ظل ً‬
‫ن أهل الجاهليممة كممانوا يفعلممون ذلممك‪ ،‬إذا قتممل رجممل رجل‬
‫وذلك أ ّ‬
‫عمد ولى القتيل إلى ال ّ‬
‫شريف من قبيلة القاتل فقتله بممولّيه‪ ،‬وتممرك‬

‫القاتل‪ ،‬فنهى الله ‪ ‬عن ذلك عباده‪ ،‬وقال لرسوله‪ ،‬‬

‫قتممل غيممر‬

‫القاتل بالمقتول معصية وسرف‪ ،‬فل تقتل به غير قمماتله‪ ،‬وإن قتلممت‬
‫القاتل بالمقتول فل تمثل به )‪.(2‬‬
‫وقال القاسمي‪ :‬أي ومن قتل بغير حق ‪ -‬مممما تقممدم – )فََق مد ْ‬
‫ه( )السراء‪ :‬من الية ‪ (33‬الذي بينه وبينممه قرابممة تمموجب‬
‫جعَل َْنا ل ِوَل ِي ّ ِ‬
‫َ‬
‫طانًا( )السراء‪ :‬من الية ‪ (33‬أي‪ :‬تسمل ّ ً‬
‫سل ْ َ‬
‫طا علممى‬
‫المطالبة بدمه‪ُ ) .‬‬
‫القاتل في القتصاص منه‪ ،‬أو حجة يثب بها عليه‪ ،‬وحينئذ فل ُيسرف‬
‫في القتل‪ ،‬أي‪ :‬فل يقتل غير القاتل‪ ،‬ول اثنين والقاتل واحممد‪ ،‬كعممادة‬
‫ن‬
‫ه ك َمما َ‬
‫الجاهليممة‪ ،‬كممان إذا ُقتممل منهممم واحممد قتلمموا بممه جماعممة‪) ،‬إ ِن ّم ُ‬
‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ .(8/38‬ومسلم )‪ (2/988‬رقم )‪.(1355‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(15/81‬‬

‫‪193‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن الله‬
‫صورًا( )السراء‪ :‬من الية ‪ (33‬تعليل للنهي‪ .‬يعني‪ :‬حسبه أ ّ‬
‫َ‬
‫من ْ ُ‬
‫قد نصره بأن أوجب له القصاص‪ ،‬فل يستزد على ذلك)‪.(1‬‬
‫وبهممذا المثممال ومممن خلل ممما سممبق مممن آيممات اتضممح لنمما منهممج‬
‫الوسطّية فمي الشمهادة والحكمم‪ ،‬لن اللمه أممر بالعمدل ونهمى عمن‬
‫الظلم والبغي‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(10/3926‬‬

‫‪194‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫المر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
‫مهمما قيامهمما بممواجب المممر‬
‫مممة الخيري ّممة لسممباب مممن أه ّ‬
‫نممالت ال ّ‬
‫بالمعروف‪ ،‬والّنهي عن المنكر‪ ،‬واستمرار الخيرّية مرهون بالسباب‬
‫درجة الرفيعة‪.‬‬
‫التي نالت بها هذه ال ّ‬
‫ن هنمماك فئات‬
‫والواقع المشاهد اسممتمرار للواقممع الماضممي فممي أ ّ‬
‫دا تركمموا المممر‬
‫كممثيرة ض مّلت فممي هممذا البمماب‪ ،‬فهنمماك كممثيرون ج م ّ‬
‫دا‪،‬‬
‫صممروا فيهمما تقصمميًرا شممدي ً‬
‫بممالمعروف‪ ،‬والنهممي عممن المنكممر‪ ،‬أو ق ّ‬
‫وهؤلء سمملكوا سممبيل الّتفريممط‪ ،‬وآخممرون ‪ -‬وهممم أقممل مممن أولئك ‪-‬‬
‫قاموا بالمر بالمعروف ونهوا عن المنكر‪ ،‬ولكنهم لم يعرفوا مراتبممه‬
‫ودرجاته وحدوده‪ ،‬أو لم يلممتزموا بهمما‪ ،‬فوقممع كممثير منهممم فممي الغلممو‬
‫والفراط‪.‬‬
‫سممبيل المسممتقيم‪،‬‬
‫والقّلة القليلة ‪ -‬ماضًيا وحاضًرا ‪ -‬مممن سمملك ال ّ‬
‫وال ّ‬
‫طريق القويم‪ ،‬والتزم بالمنهممج الوسممط الممذي شممرعه اللممه علممى‬
‫لسان رسوله‪. ،‬‬
‫وعناية بهذا الركممن العظيممم‪ ،‬ومممن أجممل القيممام بممه علممى المموجه‬
‫المشروع جمماءت اليممات تلممو اليممات تممبّين حكمممه‪ ،‬وترسممم معممالمه‬
‫وحدوده‪ ،‬وتزجر‪ ،‬عن النحراف به وعنه ذات اليمين وذات الشمال‪.‬‬
‫وكل هذه اليات في دللتها جاءت لتقّرر منهج الوسطّية‪ ،‬وتصون‬
‫هذا الركن عن النحراف والتبديل‪ ،‬والتضييع والهمال‪.‬‬
‫وسأختار بعض اليات التي تبّين هذه الحقيقممة وتممد ّ‬
‫ل عليهمما‪ ،‬فممي‬
‫ضوء المنهج الذي سلكته فيما مضى‪:‬‬

‫‪195‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ُ‬
‫س‬
‫م مة ٍ أ ُ ْ‬
‫م َ‬
‫خرِ َ‬
‫جم ْ‬
‫خي ْمَر أ ّ‬
‫‪ -1‬قممال ‪ -‬سممبحانه وتعممالى ‪) :-‬ك ُن ْت ُم ْ‬
‫ت ِللن ّمما ِ‬
‫ْ‬
‫ه( )آل عمممران‪:‬‬
‫ن ب ِممالل ّ ِ‬
‫من ْك َرِ وَت ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ف وَت َن ْهَوْ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫ت َأ ُ‬
‫ن عَ ِ‬
‫من الية ‪.(110‬‬
‫خي مر أ ُم مة أ ُ‬
‫س(‬
‫ما‬
‫م‬
‫ن‬
‫لل‬
‫ت‬
‫م‬
‫ج‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫م َ ْ َ ّ ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫قال ابن كثير في تفسير الية‪) :‬ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫)آل عمران‪ :‬من الية ‪ (110‬يعني خير الناس للناس‪ ،‬والمعنى أنهم‬
‫ْ‬
‫ف‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫ن ب ِممال ْ َ‬
‫خير المم‪ ،‬وأنفع النمماس للنمماس‪ ،‬ولهممذا قممال‪) :‬ت َمأ ُ‬
‫ه( )آل عمممران‪ :‬مممن اليممة ‪- (110‬‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫من ْك َرِ وَت ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وَت َن ْهَوْ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن عَ ِ‬
‫ممة كمل‬
‫إلى أن قال ‪ :-‬والصحيح ان همذه اليمة عاممة فمي جميمع ال ّ‬

‫قرن بحسبه‪ ،‬وخير قرونهم الذين بعث فيهم‪  ،‬ثم الذين يلممونهم‪،‬‬
‫ك جعل ْنمماك ُ ُ‬
‫ة‬
‫مم ً‬
‫ثم الذين يلونهم‪ ،‬كما قال في الية الخرى‪) :‬وَك َمذ َل ِ َ َ َ َ‬
‫مأ ّ‬
‫ْ‬
‫سطًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪ (143‬أي‪ :‬خياًرا)‪.(1‬‬
‫وَ َ‬
‫ضممحت ذلممك فممي‬
‫والشاهد هنا أن الخيرّية تعني الوسطّية‪ ،‬كممما و ّ‬
‫مبحث )ملمح الوسطّية(‪ ،‬ولذلك فلبد أن يكممون المممر بممالمعروف‪،‬‬
‫والنهي عن المنكر‪ُ ،‬يحّقق هذه الخاصية‪ ،‬وينطلق من ضوابطها‪.‬‬
‫‪ -2‬نعى الله على الذين أضمماعوا المممر بممالمعروف‪ ،‬والنهممي عممن‬
‫ن‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫ذي َ‬
‫المنكر‪ ،‬وتركمموا الممدعوة إلممى اللممه فقممال ‪ -‬سممبحانه ‪) :-‬ل ُعِم َ‬
‫م ذ َل ِ َ‬
‫سرائي َ‬
‫ك‬
‫داوُد َ وَ ِ‬
‫ك ََفُروا ِ‬
‫ن َ‬
‫عي َ‬
‫ل عََلى ل ِ َ‬
‫ن ب َِني إ ِ ْ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫سا ِ‬
‫م ْ‬
‫سى اب ْ ِ‬
‫وا وَ َ‬
‫س‬
‫ن ك َمماُنوا ل ي َت َن َمماهَوْ َ‬
‫دو َ‬
‫كاُنوا ي َعْت َم ُ‬
‫ن ُ‬
‫من ْك َمرٍ فَعَل ُمموهُ ل َب ِئ ْ َ‬
‫عَ َ‬
‫ن عَم ْ‬
‫ص ْ‬
‫َ‬
‫ن( )المائدة‪.(79 ،78:‬‬
‫كاُنوا ي َْفعَُلو َ‬
‫م‬
‫ن َواْل َ ْ‬
‫م الّرّبان ِّيو َ‬
‫م اْل ِث ْ َ‬
‫ن قَوْل ِهِ ُ‬
‫ول ي َن َْهاهُ ُ‬
‫حَباُر عَ ْ‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬ل َ ْ‬
‫َ‬
‫ن( )المممائدة‪ .(63:‬وقممال ‪-‬‬
‫صمن َُعو َ‬
‫سم ْ‬
‫م ال ّ‬
‫س َ‬
‫ح َ‬
‫وَأك ْل ِهِم ُ‬
‫ممما ك َمماُنوا ي َ ْ‬
‫ت ل َب ِئ ْ َ‬
‫ما‬
‫بِ َ‬
‫ممما‬
‫َ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/391‬‬

‫‪196‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫خذ َ الل ّه ميَثاقَ ال ّذي ُ‬
‫س َول‬
‫سبحانه ‪) :-‬وَإ ِذ ْ أ َ َ‬
‫ُ ِ‬
‫ن أوُتوا ال ْك َِتا َ‬
‫ب ل َت ُب َي ّن ُن ّ ُ‬
‫ِ َ‬
‫ه ِللّنمما ِ‬
‫م َوا ْ‬
‫ه فَن َب َم ُ‬
‫ممما‬
‫س َ‬
‫ش مت ََرْوا ب ِمهِ ث َ َ‬
‫ذوهُ وََراَء ظ ُهُممورِهِ ْ‬
‫مممون َ ُ‬
‫ت َك ْت ُ ُ‬
‫من ما ً قَِليل ً فَب ِئ ْ َ‬
‫يَ ْ‬
‫ن‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫ن( )آل عمران‪ .(187:‬وقال ‪ -‬جل وعل ‪) :-‬إ ِ ّ‬
‫شت َُرو َ‬
‫ن ي َك ْت ُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫دى ِ‬
‫ن ال ْب َي َّنا ِ‬
‫ما أن َْزل َْنا ِ‬
‫ت َوال ْهُ َ‬
‫ن ب َعْمدِ َ‬
‫َ‬
‫س فِممي ال ْك ِت َمما ِ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ممما ب َي ّن ّمماهُ ِللن ّمما ِ‬
‫ُأول َئ ِ َ‬
‫ن( )البقرة‪.(159:‬‬
‫م الّل ِ‬
‫عُنو َ‬
‫ه وَي َل ْعَن ُهُ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ك ي َل ْعَن ُهُ ُ‬
‫قال ابن كثير في الية الولى‪َ ) :‬‬
‫ر‬
‫كاُنوا ل ي َت ََناهَوْ َ‬
‫ن ُ‬
‫ن عَ ْ‬
‫من ْك َم ٍ‬
‫دا عن‬
‫ه( )المائدة‪ :‬من الية ‪ .(79‬أي‪ :‬كان ل ينهى أحد منهم أح ً‬
‫فَعَُلو ُ‬
‫ارتكاب المآثم‪ ،‬والمحارم‪ ،‬ثم ذمهم على ذلك ليح ّ‬
‫ذر أن يرتكب مثل‬
‫ما َ‬
‫ن( )المممائدة‪ :‬مممن اليممة‬
‫كاُنوا ي َْفعَل ُممو َ‬
‫س َ‬
‫الذي ارتكبوه‪ ،‬فقال‪) :‬ل َب ِئ ْ َ‬
‫‪.(79‬‬
‫وقال القرطبي‪َ ) :‬‬
‫ن( )المائدة‪ :‬من الية ‪ (79‬أي‬
‫كاُنوا ل ي َت ََناهَوْ َ‬
‫ما َ‬
‫ن( )المائدة‪ :‬مممن اليممة‬
‫كاُنوا ي َْفعَُلو َ‬
‫ل ينهى بعضهم بع ً‬
‫س َ‬
‫ضا‪ ( .‬ل َب ِئ ْ َ‬
‫‪ (79‬ذم لتركهم النهي‪ ،‬وكذا من بعدهم يذم من فعل فعلهم )‪.(1‬‬
‫ن‬
‫م الّرب ّممان ِّيو َ‬
‫ول ي َن ْهَمماهُ ُ‬
‫وقال الطبري فــي اليــة الثانيــة‪) :‬ل َم ْ‬
‫حَباُر( )المائدة‪ :‬من الية ‪ .(63‬هل ّ ينهى هممؤلء الممذين يسممارعون‬
‫َواْل َ ْ‬
‫في الثم والعدوان وأكل الرشمماء فممي الحكممم مممن اليهممود مممن بنممي‬
‫إسممرائيل ربممانيوهم‪ ،‬وهممم أئمتهممم المؤمنممون‪ ،‬وساسممتهم العلممماء‬
‫بسياستهم وأحبارهم‪ ،‬وهم علماؤهم وقوادهم‪.‬‬
‫ما َ‬
‫ن()المائدة‪ :‬من الية ‪ (63‬وهذا قسممم مممن‬
‫صن َُعو َ‬
‫س َ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫)ل َب ِئ ْ َ‬
‫الله أقسم به‪ ،‬يقممول ‪ -‬تعممالى ذكممره ‪ :-‬أقسممم‪ :‬لممبئس الصممنيع كممان‬
‫يصنع هؤلء الربانيون والحبار في تركهم نهي الذين يسارعون منهم‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(6/253‬‬

‫‪197‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫سممحت‪ ،‬عممما كممانوا يفعلممون مممن ذلممك‪،‬‬
‫في الثم والعدوان‪ ،‬وأكممل ال ّ‬
‫خمما للعلممماء مممن‬
‫وكان العلماء يقولون‪ :‬ما في القرآن أش مد ّ آيممة توبي ً‬
‫هذه الية‪ ،‬ول أخوف عليهم منها‪ ،‬ثم روي عن ابن عباس قمموله‪ :‬ممما‬
‫خا من هذه الية‪.‬‬
‫في القرآن آية أشد توبي ً‬
‫ضحاك قوله‪ :‬ما في القرآن آية أخمموف عنممدي‬
‫وكذلك روي عن ال ّ‬
‫منها‪ ،‬إّنا ل ننهى )‪.(1‬‬
‫وقال القرطبي‪ :‬ودلت الية على أن تارك النهي عممن المنكممر‬
‫كمرتكب المنكر‪ ،‬فالية توبيخ للعلممماء فممي تممرك المممر بممالمعروف‪،‬‬
‫والنهي المنكر )‪.(2‬‬
‫ن‬
‫وقال ابن كثير في الية الثالثة‪) :‬وَإ ِذ ْ أ َ َ‬
‫ميَثاقَ ال ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫خذ َ الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ُ‬
‫ب( )آل عمران‪ :‬من الية ‪.(187‬‬
‫أوُتوا ال ْك َِتا َ‬
‫هذا توبيخ من الله وتهديد لهل الكتاب‪ ..‬إلى أن قممال‪ :‬وفممي هممذا‬
‫تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم‪ ،‬فيصمميبهم ممما أصممابهم‪ ،‬ويسمملك‬
‫بهم مسلكهم‪ ،‬فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلممم النممافع‪،‬‬
‫الدا ّ‬
‫صالح‪ ،‬ول يكتمون منه شيًئا)‪.(3‬‬
‫ل على العمل ال ّ‬
‫ومعنى الية الرابعة قريب من معنى هذه الية)‪.(4‬‬
‫والخلصة أن هذه اليات ‪ -‬وأمثالها ‪ -‬جمماءت لتممبّين خطممورة تممرك‬
‫المر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪ ،‬وأن تضييع هممذا الركممن وعممدم‬
‫صراط المستقيم‪.‬‬
‫القيام به انحراف عن ال ّ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(6/298‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(6/237‬‬
‫‪ - 3‬انظر تفسير ابن كثير )‪.(436/ 1‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/200‬‬

‫‪198‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وهي بهذا تح ّ‬
‫ذر المؤمنين من سوء عاقبة هممذا المممر‪ ،‬وترشممدهم‬
‫إلى طريق الحق والسلمة والّنجاة‪.‬‬
‫‪ -3‬وإذا كان ترك المر بالمعروف‪ ،‬والنهي عممن المنكممر‪ ،‬انحممراف‬
‫صراط المستقيم‪ ،‬وهممو منهممج المغضمموب عليهممم مممن‬
‫وخروج عن ال ّ‬
‫اليهود وأشباههم‪ ،‬فإن هناك انحراًفا آخممر قممد ل ينتبممه لممه كممثير مممن‬
‫الناس‪ ،‬وهو أن يأمر النسان وينهى‪ ،‬ولكنه ل يلتزم بما يدعو الناس‬
‫إليه‪ ،‬وينهاهم عنه‪ ،‬ولممذلك جمماءت اليممات تممبين خطممأ هممذا المسمملك‬
‫وسوء هذا الفعل‪.‬‬
‫َ‬
‫قال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬أ َتأ ْمرون الناس بممال ْبر وتنسمو َ‬
‫م‬
‫َ ُ ُ َ ّ َ ِ ِّ ََْ َ ْ َ‬
‫ن أن ُْف َ‬
‫م وَأن ْت ُم ْ‬
‫سمك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ن( )البقرة‪.(44:‬‬
‫ب أَفل ت َعِْقُلو َ‬
‫ن ال ْك َِتا َ‬
‫ت َت ُْلو َ‬
‫َ‬
‫ن ك َُبممَر‬
‫وقال ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ما ل ت َْفعَُلو َ‬
‫م ت َُقوُلو َ‬
‫ن َ‬
‫مُنوا ل ِ َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن( )الصف‪.(3 ،2:‬‬
‫مْقتا ً ِ‬
‫ما ل ت َْفعَُلو َ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ أ ْ‬
‫ن ت َُقوُلوا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ما أِريممد ُ أ ْ‬
‫وقال ‪ -‬جل وعل ‪ -‬حكاية عن شعيب‪ ،‬عليه السلم‪) :‬وَ َ‬
‫خال َِفك ُم إَلى ما أ َنهاك ُم عَنه إ ُ‬
‫ممما‬
‫أُ َ‬
‫صممل َ‬
‫َ َْ ْ ْ ُ ِ ْ‬
‫ممما ا ْ‬
‫ت وَ َ‬
‫س مت َط َعْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ن أِري مد ُ إ ِّل اْل ِ ْ‬
‫ْ ِ‬
‫ه( )هود‪ :‬من الية ‪.(88‬‬
‫ت َوِْفيِقي إ ِّل ِبالل ّ ِ‬
‫وأنّبه هنا إلى أن النحممراف ليممس بممأمره بممالمعروف‪ ،‬ونهيممه عممن‬
‫المنكر‪ ،‬وإنما لمخالفة فعله قوله‬

‫)‪(1‬‬

‫قال ابن كثير والغرض أن الله‬

‫مهممم علممى أمرهممم‬
‫ تعالى ‪ -‬ذمهم على هذا الصنيع‪ ،‬وليس المراد ذ ّ‬‫بممالبر مممع تركهممم لمه‪ ،‬بممل علممى تركهممم لممه‪ ،‬فممإن المممر بممالمعروف‬
‫معروف‪ ،‬وهو واجب على العالم‪ ،‬ولكن الواجب والولى بالعممالم أن‬
‫يفعله مع من أمرهم به‪ ،‬ول يتخّلف عنهممم‪ ،‬كممما قممال شممعيب‪ ،‬عليممه‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬القول البين الظهر للشيخ عبد العزيز الراجحي ص )‪.(49‬‬

‫‪199‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه( )هممود‪ :‬مممن اليممة‬
‫ن أُ َ‬
‫ما أِريد ُ أ ْ‬
‫م عَن ْ ُ‬
‫ما أن َْهاك ُ ْ‬
‫م إ َِلى َ‬
‫خال َِفك ُ ْ‬
‫السلم‪) :‬وَ َ‬
‫‪.(1)(88‬‬
‫َ ْ‬
‫س ب ِممال ْب ِّر‬
‫مُرو َ‬
‫قال القرطبي في قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬أت َأ ُ‬
‫ن الن ّمما َ‬
‫وتنسو َ‬
‫م( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(44‬‬
‫ََْ َ ْ َ‬
‫ن أن ُْف َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫فالتأويل الذي يد ّ‬
‫ل على صحته ظاهر التلوة إ ً‬
‫ذا‪ :‬أتأمرون النمماس‬
‫بطاعة الله‪ ،‬وتتركون أنفسكم تعصيه!! فهل تأمرونها بما تأمرون به‬
‫حا إليهم ما أتوا به‪.‬‬
‫الناس من طاعة ربكم‪ ،‬فعّيرهم بذلك‪ ،‬ومقب ّ ً‬
‫َ‬
‫ن( )البقرة‪ :‬من الية ‪ (44‬أفل تفقهون وتفهمون قبممح‬
‫)أَفل ت َعِْقُلو َ‬
‫ما تأتون من معصيتكم ربكم التي تأمرون الناس بخلفها‪ ،‬وتنهممونهم‬
‫عن ركوبها‪ ،‬وأنتم راكبوها‪ ،‬وأنتم تعلمون أن الذي عليكممم مممن حممق‬
‫الله وطاعته في اتباع محمد واليمان به‪ ،‬وربما جاء بممه‪ ،‬مثممل الممذي‬
‫على من تأمرونه باتباعه)‪.(2‬‬
‫قال قتادة‪ :‬كممان بنممو إسممرائيل يممأمرون النمماس بطاعممة اللممه‪،‬‬
‫وبتقواه وبالبّر‪ ،‬ويخالفون‪ ،‬فعيرهم الله )‪.(3‬‬
‫وقال ابن جريج‪ :‬أهل الكتماب والمنممافقون كمانوا يمأمرون النمماس‬
‫بالصلة والصوم‪ ،‬ويدعون العمل بما يأمرون به الناس‪ ،‬فعّيرهم الله‬
‫بذلك‪ ،‬فمن أمر بخير فليكن أشد ّ الناس فيه مسارعة )‪.(4‬‬
‫َ‬
‫ن( )البقرة‪ :‬من الية‬
‫وقال رشيد رضا في قوله‪) :‬أَفل ت َعِْقُلو َ‬
‫سممفة‪ ،‬مثممل مممن‬
‫‪ (44‬يعني أل يوجد فيكم عقل يحبسكم عن هذا ال ّ‬
‫كانت هذه حاله‪ ،‬كمثل رجل أمامه طريق مضيء نصبت فيه العلم‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/85‬‬
‫‪ - 2‬انظر تفسير الطبري )‪.(1/259‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(1/258‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(1/258‬‬

‫‪200‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫والصوى‪ ،‬بحيث ل يض ّ‬
‫ممما‬
‫ل سالكه‪ ،‬ثم هممو يسمملك طريًقمما آخممر مظل ً‬
‫صمما نصممحه أل يمشممي‬
‫طامس العلم‪ ،‬وكّلما لقممي فممي طريقممه شخ ً‬
‫معه‪ ،‬وأن يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه)‪.(1‬‬
‫وأختم أقوال العلماء في هممذه اليممة بممما قممال عبممد الرحمممن بممن‬
‫سعدي‪ :‬فإن الكمال أن يقوم النسممان بممالواجبين‪ ،‬والنقممص الكاممل‬
‫ما قيامه بأحدهما دون الخر‪ ،‬فليس فممي رتبممة الول‪،‬‬
‫أن يتركهما‪ ،‬وأ ّ‬
‫ضمما ‪ -‬فممإن النفمموس مجبولممة علممى عممدم‬
‫وهممو دون الخيممر )‪ - (2‬وأي ً‬
‫النقيمماد لمممن ُيخممالف قمموله فعلممه‪ ،‬فاقتممداؤهم بالفعممال أبلممغ مممن‬
‫اقتدائهم بالقوال المجردة )‪.(3‬‬
‫َ‬
‫ن ك َب ُمَر‬
‫أما آيتا الصف‪َ) .‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ممما ل ت َْفعَل ُممو َ‬
‫م ت َُقوُلو َ‬
‫ن َ‬
‫مُنوا ل ِ َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن( )الصممف‪ .(2،3:‬فإنهممما وإن‬
‫مْقتا ً ِ‬
‫ممما ل ت َْفعَل ُممو َ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ أ ْ‬
‫ن ت َُقول ُمموا َ‬
‫َ‬
‫كانتا في قضممية خاصممة كممما ذكممر المفسممرون‪ ،‬فممإن العممبرة بعممموم‬
‫سبب‪ ،‬كمما هممو مقمّرر عنممد الصمموليين‪ .‬ولممذلك‬
‫اللفظ ل بخصوص ال ّ‬
‫َ ْ‬
‫س ب ِممال ْب ِّر( )البقممرة‪ :‬مممن‬
‫مُرو َ‬
‫فإن دللتها كدللة أية البقرة‪) :‬أت َأ ُ‬
‫ن الّنا َ‬
‫الية ‪ (44‬الية‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ممما‬
‫ن أُ َ‬
‫ما أِريد ُ أ ْ‬
‫م إ ِل َممى َ‬
‫خممال َِفك ُ ْ‬
‫وقال الطبري في آية هود‪) :‬وَ َ‬
‫َ‬
‫ه( )هود‪ :‬من الية ‪ (88‬يقول‪:‬‬
‫م عَن ْ ُ‬
‫أن َْهاك ُ ْ‬
‫وما أريد أن أنهاكم عن أمر‪ ،‬ثم أفعل خلفه‪ ،‬بممل ل أفعممل إل بممما‬
‫ما أنهاكم عنه)‪.(4‬‬
‫آمركم به‪ ،‬ول أنتهي إل ع ّ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(1/296‬‬
‫‪ - 2‬أي دونه بالثم وشناعة وقبح الفعل‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن سعدي )‪.(1/82‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(12/103‬‬

‫‪201‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ص علممى النمماس‬
‫وقال الّنخعــي‪ :‬ثلث آيممات منعتنممي أن أقمم ّ‬
‫)أ َتأ ْمرون الناس بال ْبر وتنسو َ‬
‫م( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪(44‬م ‪،‬‬
‫َ ُ ُ َ ّ َ ِ ِّ ََْ َ ْ َ‬
‫ن أن ُْف َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه( )هود‪ :‬من الية ‪َ) ، (88‬يمما‬
‫ن أُ َ‬
‫ما أِريد ُ أ ْ‬
‫م عَن ْ ُ‬
‫ما أن َْهاك ُ ْ‬
‫م إ َِلى َ‬
‫خال َِفك ُ ْ‬
‫)و َ َ‬
‫َ‬
‫ن( )الصف‪.(2)(2:‬‬
‫أي َّها ال ّ ِ‬
‫ما ل ت َْفعَُلو َ‬
‫م ت َُقوُلو َ‬
‫ن َ‬
‫مُنوا ل ِ َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬

‫)‪(1‬‬

‫والشاهد من قول النخعممي أن هممذه اليممات مممدلولها واحممد‪ ،‬وهممو‬
‫النهممي عممن مثممل هممذا الفعممل‪ ،‬وبيممان خطممورة هممذا النحممراف عممن‬
‫سوي‪.‬‬
‫صراط ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫‪ -4‬وإذا كممان إهمممال المممر بممالمعروف‪ ،‬والنهممي عممن المنكممر‪ ،‬أو‬
‫صراط المستقيم‪ ،‬وخممروج عممن‬
‫مخالفة الفعل للقول انحراف عن ال ّ‬
‫منهج الوسطّية‪ ،‬فإن أعظم أنواع النحراف فممي هممذا البمماب هممو ممما‬
‫بّينه الله تعالى فمي سمورة التوبممة ممما همو ممن سممات المنمافقين‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫مُرو َ‬
‫ت ب َعْ ُ‬
‫مَنممافُِقو َ‬
‫ض َيممأ ُ‬
‫ضممهُ ْ‬
‫مَنافَِقمما ُ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫وأخلقهممم‪) :‬ال ْ ُ‬
‫ممم ْ‬
‫ن ب َْعمم ٍ‬
‫ف( )التوبة‪ :‬من الية ‪.(67‬‬
‫معُْرو ِ‬
‫من ْك َرِ وَي َن ْهَوْ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫ن عَ ِ‬
‫قــال رشــيد رضــا‪ :‬أي أهممل النفمماق مممن الرجممال والنسمماء‬
‫متشابهون فيه وصفا وعمل‪ ،‬كأن كل منهم عين الخر‪ ،‬كما قيل‪:‬‬
‫هل تلد الحية إل الحيــة!!‬

‫تلـــك العصـــا مـــن هـــذه‬
‫العصـــــــــــــــــــــــــية‬

‫ْ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫من ْك َرِ وَي َن َْهمموْ َ‬
‫مُرو َ‬
‫ن ِبممال ْ ُ‬
‫ثممم بيممن هممذا التشممابه بقمموله‪َ) :‬يممأ ُ‬
‫عمم ِ‬
‫شرعي ما ينكممره ال ّ‬
‫ف( )التوبة‪ :‬من الية ‪ (67‬المنكر ال ّ‬
‫شممرع‬
‫معُْرو ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ويستقبحه‪ ،‬والمنكر العقلي والفطري ما تستنكره العقول الراجحة‪،‬‬
‫‪ - 1‬هذه اليات يجب أن تكون دافعة للعمل ل للتوقف عن الدعوة‪ ،‬وكلم المام من باب بيان عظم شأن هذه اليات وغفلة الناس عنها‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(18/80‬‬

‫‪202‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫والفطر السليمة‪ ،‬لمنافاته للفضممائل‪ ،‬والمنممافع الفرديممة‪ ،‬والمصممالح‬
‫مة‪ ،‬وال ّ‬
‫شرع هو القسطاس المستقيم في ذلك كله‪.‬‬
‫العا َ‬
‫والمعروف‪ :‬ما ُيقابل المنكر مقابلة تضاد‪.‬‬
‫ضا؟ الكذب والخيانة وإخلف‬
‫ومن المنكر الذي يأمر به بعضهم بع ً‬
‫الوعود‪ ،‬والفجور‪ ،‬والغدر بنقض العهود‪.‬‬
‫ومن المعروف الذي ينهون عنه‪ :‬الجهاد‪ ،‬وبذل المال فممي سممبيل‬
‫الله‪ ،‬للقتال وغير القتال )‪.(1‬‬
‫ويقول سيد قطممب وهممو يفسممر هممذه اليممة ويممبين وجممه انحممراف‬
‫المنافقين‪ :‬أما سلوكهم ‪ -‬أي المنافقين ‪ -‬فهو المر بالمنكر‪ ،‬والنهي‬
‫عن المعروف‪ ،‬وهم حين يأمرون بممالمنكر‪ ،‬وينهممون عممن المعممروف‪،‬‬
‫سا‪ ،‬وغم مًزا ولم مًزا‪ ،‬لنهممم ل‬
‫سا وهم ً‬
‫يستخفون بهما‪ ،‬ويفعلون ذلك د ّ‬
‫ن(‬
‫م ال َْفا ِ‬
‫سُقو َ‬
‫يجرءون على الجهر إل حين يؤمنون‪) .‬إ ِ ّ‬
‫ن هُ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مَنافِِقي َ‬
‫)التوبة‪ :‬من الية ‪ .(67‬فهم خممارجون عممن اليمممان‪ ،‬منحرفممون عممن‬
‫ال ّ‬
‫طريق‪ ،‬وقد وعدهم الله مصيًرا كمصير الكفار)‪.(2‬‬
‫وبهذا يّتضح لنا أن هذا المسلك أسوأ ألمموان النحممراف فممي بمماب‬
‫المر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪.‬‬
‫صريحة على أن المممر‬
‫‪ -5‬ومن اليات التي جاءت تحمل ال ّ‬
‫دللة ال ّ‬
‫بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪ ،‬هو الطريق الصحيح‪ ،‬والمنهج الحق‪،‬‬
‫وأّنه ل يستوي من قام به‪ ،‬ومن أهمله وفّرط فيه‪ ،‬قوله ‪ -‬تعالى ‪:-‬‬
‫ُ‬
‫)ل َيسوا سواًء م َ‬
‫ت الل ّمهِ آن َمماءَ‬
‫مم ٌ‬
‫مم ٌ‬
‫ن آي َمما ِ‬
‫ة ي َت ْل ُممو َ‬
‫ْ ُ‬
‫ة َقائ ِ َ‬
‫بأ ّ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫ن أه ْ ِ‬
‫ِ ْ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫ف‬
‫ن ِبالل ّهِ َوال ْي َوْم ِ اْل ِ‬
‫ن ي ُؤْ ِ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫مُنو َ‬
‫دو َ‬
‫ج ُ‬
‫س ُ‬
‫م يَ ْ‬
‫ن ِبممال ْ َ‬
‫خرِ وَي َأ ُ‬
‫ل وَهُ ْ‬
‫الل ّي ْ ِ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(10/533‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(3/1673‬‬

‫‪203‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ت وَُأول َئ ِ َ‬
‫ن(‬
‫ن ِفي ال ْ َ‬
‫سارِ ُ‬
‫صممال ِ ِ‬
‫ك ِ‬
‫خي َْرا ِ‬
‫عو َ‬
‫وَي َن ْهَوْ َ‬
‫من ْك َرِ وَي ُ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫حي َ‬
‫م َ‬
‫ن عَ ِ‬
‫)آل عمران‪.(114 ،113:‬‬
‫واءً ( )آل‬
‫سوا َ‬
‫قال ابن كثير في تفسيره لهذه الية‪) :‬ل َي ْ ُ‬
‫س َ‬
‫عمران‪ :‬من الية ‪ (113‬أي‪ :‬ليسوا كّلهم على حد ّ سواء‪ ،‬بممل منهممم‬
‫ُ‬
‫المؤمن ومنهم‪ ،‬المجرم‪ ،‬ولهذا قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬م َ‬
‫ة‬
‫م ٌ‬
‫بأ ّ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫ن أه ْ ِ‬
‫ِ ْ‬
‫ة( )آل عمران‪ :‬من اليممة ‪ (113‬أي‪ :‬قائمممة بممأمر اللممه‪ ،‬مطيعممة‬
‫م ٌ‬
‫َقائ ِ َ‬
‫لشرعه‪ ،‬متبعة نبي الله‪ ،‬فهي قائمة يعني مستقيمة)‪.(1‬‬
‫مة التي ليست كذلك‪ ،‬ولم تتصممف بهممذه‬
‫ومفهوم هذه الية أن ال ّ‬
‫مة منحرفة ضالة زائغة‪.‬‬
‫الصفات‪ ،‬فهي أ ّ‬
‫‪ -6‬واليات السابقة جاءت مقمّررة أن المممر بممالمعروف‪ ،‬والنهممي‬
‫عن المنكر‪ ،‬هو طريممق الخيري ّممة والسممتقامة‪ ،‬وأن ممما عممداه طريممق‬
‫ضللة‪.‬‬
‫النحراف وال ّ‬
‫ولكن المر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪ ،‬يختلف من حال إلممى‬
‫ور أن ّممه قممام بممه قممد‬
‫حال‪ ،‬ومن مقام إلى مقام‪ ،‬فليس كممل مممن تصم ّ‬
‫صواب فممي ذلمك‪ ،‬فكمم ممن داعيمة يمأمر وينهممى ‪ -‬اسممتجابة‬
‫وافق ال ّ‬
‫لليات الداعية لذلك على وجه العموم ‪ -‬ضم ّ‬
‫ل فممي هممذا المممر‪ ،‬ولممم‬
‫يوّفق للمنهج الوسط‪ ،‬وهو المنهج الحق‪ ،‬فقد يتكّلم في مقام يجممب‬
‫سكوت‪ ،‬وقد يغلظ في حممال تجممب فيهمما الليممن والرفممق‪ ،‬وقممد‬
‫فيه ال ّ‬
‫يلين القول فيما ل يجدي فيه إل الغلظة والشدة‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫ولذلك جاءت اليمات تمبّين المنهمج القمويم فمي مثمل همذا الممر‪،‬‬
‫وترسم الطريق المستقيم الذي قد يخفى على الكثيرين‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/397‬‬

‫‪204‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ولصعوبة التفصيل في هذا المر‪ ،‬فسأذكر بعض اليات التي تبّين‬
‫هذا المنهج وتدل عليه‪.‬‬
‫س مّبوا‬
‫ن ي َد ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫سّبوا ال ّ ِ‬
‫ن ُ‬
‫عو َ‬
‫ن الل ّهِ فَي َ ُ‬
‫)أ( قال ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬ول ت َ ُ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫دوا ً ب ِغَي ْرِ ِ ْ‬
‫م( )النعام‪ :‬من الية ‪.(108‬‬
‫ه عَ ْ‬
‫الل ّ َ‬
‫عل ٍ‬
‫قال ابن عباس‪ :‬قالت قريش‪ :‬يمما محمممد‪ :‬لتنتهيممن عممن س مّبك‬
‫ن ربك‪ ،‬فنهاهم الله أن يسّبوا أوثانهم‪ .‬وقممال قتممادة‪:‬‬
‫آلهتنا‪ ،‬أو لنهجو ّ‬

‫ب الكفار اللممه ‪‬‬
‫كان المسلمون يسّبون أصنام الكّفار‪ ،‬فيس ّ‬

‫عممدًوا‬

‫بغير علم‪ ،‬فأنمزل الله هذه الية)‪.(1‬‬
‫وانظر ‪ -‬رحمك الله ‪ -‬إلى ما قاله القرطبي‪ :‬قال العلماء‪ :‬حكمها‬
‫مة على كل حال‪ ،‬فمتى كان الكافر في منعة وخيف‬
‫باق في هذه ال ّ‬
‫ب السمملم أو النممبي‪  ،‬أو اللممه ‪ ‬فل يحمم ّ‬
‫ل لمسمملم أن‬
‫أن يس م ّ‬
‫ب صلبانهم‪ ،‬ول دينهم‪ ،‬ول كنائسمهم‪ ،‬ول يتعمّرض إلمى مما ُيمؤدي‬
‫يس ّ‬
‫إلى ذلك‪ ،‬لنه بمنمزلة البعث على المعصية)‪.(2‬‬
‫ب الكّفممار وأصممنامهم أن‬
‫وقال ابن الغرس‪ :‬إنه متى خيف من س ّ‬
‫يسّبوا الله أو رسوله أو القرآن‪ ،‬لم يجز أن يسممبوا ول دينهممم‪ ،‬وهممي‬
‫أصل في قاعدة سد ّ الذرائع)‪.(3‬‬
‫وبعد هذا التأصيل لمدلول هذه الية‪ ،‬أذكر بعممض ممما قيممل حولهمما‬
‫فيما يتعّلق بالمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪.‬‬
‫قال السيوطي‪ :‬وقد يستد ّ‬
‫ل بهمما علممى سممقوط وجمموب المممر‬
‫بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪ ،‬إذا خيف مممن ذلممك مفسممدة أقمموى‪،‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬القولين في تفسير ابن كثير )‪.(2/164‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(7/61‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(6/2463‬‬

‫‪205‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وكذا كل فعل مطلوب ترّتب على فعله مفسدة أقوى مممن مفسممدة‬
‫تركه )‪.(4‬‬
‫صل بعض العلماء في المسألة‪ ،‬ومن هؤلء الحاكم‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫وف ّ‬
‫والذي يجب علينا بيان بغضها‪ ،‬وأنه ل تجوز عبادتها‪ ،‬وأنها ل تضمّر ول‬
‫ب‪ ،‬ولهممذا قممال أميممر‬
‫تنفع‪ ،‬وأّنها ل تستحقّ العبادة‪ ،‬وهممذا ليممس بس م ّ‬
‫المؤمنين يوم صفين‪ :‬ل تسّبوهم‪ ،‬ولكن اذكروا قبيح أفعالهم )‪.(1‬‬
‫دين‪ ،‬لئل يتشاغل‬
‫وقال الرازي‪ :‬وفي الية تأديب لمن يدعو إلى ال ّ‬
‫بما ل فائدة له في المطلوب‪ ،‬لن وصف الجمادات بأنها ل تضممّر ول‬
‫تنفع‪ ،‬يكفي في القدح في إلهيتها‪ ،‬فل حاجة مع ذلك إلى شتمها)‪.(2‬‬
‫وأختم هذا الكلم النفيس حول الية‪ ،‬بما قاله الزمخشري‪ :‬قممال‪:‬‬
‫ح الّنهممي عنممه؟ وإنممما‬
‫ب اللهة حق وطاعة‪ ،‬فكيممف صم ّ‬
‫ت‪ :‬س ّ‬
‫فإن قل َ‬
‫ح الّنهي عن المعاصي؟‬
‫يص ّ‬
‫ب طاعة علم أنها تكون مفسممدة‪ ،‬فتخممرج عممن أن تكممون‬
‫قلت‪ُ :‬ر ّ‬
‫طاعة‪ ،‬فيجب النهي عنها لنها معصممية‪ ،‬ل لنهمما طاعممة كممالنهي عممن‬
‫ل ال ّ‬
‫المنكر‪ ،‬وهو من أج ّ‬
‫طاعات‪ ،‬فإذا علم أّنه يؤدي إلى زيادة الش مّر‬
‫انقلممب معصممية‪ ،‬ووجممب الّنهممي عممن ذلممك‪ ،‬كممما يجممب الّنهممي عممن‬
‫المنكر)‪.(3‬‬
‫ومما سبق يّتضح أن القرآن الكريم قممد وضممع قاعممدة فممي رسممم‬
‫ما‪ ،‬وكممذلك‬
‫منهج الوسطّية‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن الحكم يدور مممع علتممه وجمموًدا وعممد ً‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(6/2463‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(6/2463‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الرازي‪ ،‬وتفسير القاسمي )‪.(6/2463‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬الكشاف‪ ،‬وتفسير القاسمي )‪.(6/2463‬‬

‫‪206‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫فمن الحق النظر إلممى مممآلت المممور دون الوقمموف عنممد ظواهرهمما‬
‫فقط‪.‬‬
‫ن الوسطّية في الدعوة إلممى‬
‫)ب( ونقف وقفة أخرى يتضح فيها أ ّ‬
‫الله والمر بالمعروف‪ ،‬والنهممي عممن المنكممر مسممألة نسممبّية تختلممف‬
‫باختلف ملبساتها والظروف المحيطة بها‪.‬‬
‫فإن هناك من يرى أن المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬يجممب‬
‫ما بالّلين‪ ،‬وخفض الجممانب‪ ،‬ويسممتد ّ‬
‫ل بقمموله ‪ -‬تعممالى ‪:-‬‬
‫أن يكون دائ ً‬
‫ه ي ََتمذ َك ُّر أ َْو‬
‫)اذ ْهَب َمما إ ِل َممى فِْرعَموْ َ‬
‫ه َقموْل ً ل َّينما ً ل َعَّلم ُ‬
‫ه ط َغَممى فَُقممول َلم ُ‬
‫ن إ ِّنم ُ‬
‫خ َ‬
‫شى( )طمه‪،43:‬م ‪ ،(44‬ووجه استدلله من اليممة‪ :‬أن فرعممون قممد‬
‫يَ ْ‬
‫بلغ من العتوّ والطغيان والكبر ما لم يبلغممه أحممد مممن البشممر‪ ،‬حيممث‬
‫دعى اللوهية‪ ،‬ومع ذلك يأمر الله بالنممة القممول لممه‪ ،‬والّرفممق معممه‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫فإذا كان ذلك مع فرعون‪ ،‬فإن من هو دونه بالجرم والثم أولى منه‬
‫بالّرفق والّلين‪.‬‬
‫دة والغلظ فممي القممول مطلًقمما‪،‬‬
‫وآخممرون يممرون وجمموب الشمم ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ي َ‬
‫جاهِ مدِ ال ْك ُّفمماَر َوال ْ ُ‬
‫من َممافِِقي َ‬
‫ويستدّلون بقوله ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬يا أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫َواغْل ُ ْ‬
‫ن‬
‫م( )التوبة‪ :‬من الية ‪ .(73‬وقوله سبحانه‪َ) :‬قات ُِلوا اّلمم ِ‬
‫ظ عَل َي ْهِ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ة( )التوبممة‪ :‬مممن اليممة ‪.(123‬‬
‫م ِغل ْظ َم ً‬
‫م ِ‬
‫ج ُ‬
‫دوا ِفيك ُم ْ‬
‫ن ال ْك ُّفارِ وَل ْي َ ِ‬
‫ي َُلون َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫وقول موسى لفرعون‪) :‬وَإ ِّني َل َظ ُن ّ َ‬
‫مث ْب ُممورًا( )السممراء‪:‬‬
‫ك َيا فِْرعَموْ ُ‬
‫ن َ‬
‫من الية ‪ .(102‬فيقولون‪ :‬إن هذه اليات تدل علممى وجمموب الغلظ‬
‫والشدة مع هؤلء‪ ،‬وأن اللين يكون مع المؤمنين‪ ،‬لقمموله ‪ -‬تعممالى ‪:-‬‬
‫ح َ‬
‫ن( )الحجر‪ :‬من الية ‪ ،(88‬وأمثالها‪.‬‬
‫)َوا ْ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫جَنا َ‬
‫ض َ‬
‫ك ل ِل ْ ُ‬
‫خِف ْ‬
‫مِني َ‬

‫‪207‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫والحمق أن همذه اليمات همي المتي تؤكمد صمحة مما قلتمه ممن أن‬
‫ف بهمما مممن قممرائن‬
‫الوسطّية مسألة نسبية‪ ،‬تختلف بمماختلف ممما يحم ّ‬
‫وأحوال‪ ،‬يجب اعتبارها في مثل هذه المسائل‪.‬‬
‫والقول المثل أن ّممه يجممب النظممر فممي مجممموع الدلممة‪ ،‬وعممدم‬
‫القتصار على بعضها دون الخر‪ ،‬فضل عممن ضممرب بعضممها ببعممض ‪-‬‬
‫كما يفعل أصحاب الهواء ‪.-‬‬
‫وهذا المسلك ‪ -‬مسملك النظمر فمي جميمع الدلمة ‪ -‬سمميؤدي إلمى‬
‫إعمال كل دليل في موضممعه‪ ،‬دون إهمممال الممدليل الخممر أو الغفلممة‬
‫عنه‪.‬‬
‫ولننظر ‪ -‬الن ‪ -‬فيما ذكرته من أدّلة كل من الفريقيممن‪ ،‬فنجممد أن‬
‫أمر الله لموسممى وهمارون‪ ،‬عليهممما السملم‪ ،‬باسممتعمال الرفمق ممع‬
‫فرعون‪ ،‬كان في أول رسالة موسى‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬كممما يممد ّ‬
‫ل عليممه‬
‫سياق اليات في سورة طه‪ ،‬ولذلك جاء المممر معّلل برجمماء إسمملمه‬
‫خ َ‬
‫شى( )طمه‪.(44:‬‬
‫ه ي َت َذ َك ُّر أ َوْ ي َ ْ‬
‫ه قَوْل ً ل َّينا ً ل َعَل ّ ُ‬
‫وانقياده )فَُقول ل َ ُ‬
‫قال ابن كثير ‪ -‬بعد أن ذكر أقوال المفسرين في القول الليممن ‪:-‬‬
‫والحاصل من أقوالهم إن دعوتهما له تكون بكلم رقيممق لي ّممن سممهل‬
‫رفيق‪ ،‬ليكون أوقع في النفوس‪ ،‬وأبلغ وأنجممع‪ ،‬كممما قممال ‪ -‬تعممالى ‪:-‬‬
‫ل َرب ّ َ‬
‫ي‬
‫مو ْ ِ‬
‫ك ِبال ْ ِ‬
‫سن َةِ وَ َ‬
‫عظ َةِ ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫)اد ْعُ إ َِلى َ‬
‫جادِل ْهُ ْ‬
‫مةِ َوال ْ َ‬
‫حك ْ َ‬
‫م ِبال ِّتي هِ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫ن( )النحل‪ :‬من الية ‪.(125‬‬
‫أ ْ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬

‫‪208‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫خ َ‬
‫شممى( )طمممه‪ :‬مممن اليممة‬
‫ه ي َت َمذ َك ُّر أ َوْ ي َ ْ‬
‫قال الحسن البصري‪) :‬ل َعَل ّ ُ‬
‫‪ (44‬يقول‪ :‬ل تقل أنت يا موسى وأخوك هارون أهلكه قبل أن أعذر‬
‫إليه )‪.(1‬‬
‫وقال القاسمي‪ :‬وظاهر أن الرجاء في )لعلممه( إنممما هممو منهممما ل‬
‫ح منه‪ ،‬ولذا قال القاضي‪ :‬أي باشرا المممر علممى‬
‫من الله‪ ،‬فإّنه ل يص ّ‬
‫رجائكما وطمعكما‪ ،‬أنه يثمر ول يخيب سعيكما‪ ،‬فإن الراجي مجتهد‪،‬‬
‫واليس متكّلف‪.‬‬
‫والفائدة في إرسالهما‪ ،‬والمبالغة عليهما في الجتهاد ‪ -‬مع علمممه‬
‫بأنه ل يؤمن ‪ -‬إلزام الحجة‪ ،‬وقطع المعذرة‪ ،‬وإظهممار ممما حممدث فممي‬
‫تضاعيف ذلك من آيات )‪.(1‬‬
‫ما آية السراء فإنها جاءت في نهاية المطاف مع فرعممون‪ ،‬ولممما‬
‫أ ّ‬
‫لم تنفع جميع اليات التي جاء بها موسى‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬وهممي تسممع‬
‫آيات عظيمة‪ ،‬فلم يكن بد من الغلظ له في القول )وَإ ِّني َل َظ ُن ّ َ‬
‫ك َيا‬
‫مث ُْبورًا( )السراء‪ :‬مممن اليممة ‪ .(102‬أي هالك ًمما‪ ،‬فممإن الثبممور‪:‬‬
‫فِْرعَوْ ُ‬
‫ن َ‬
‫الهلك والخسران )‪ .(2‬والدليل علممى أن هممذا المممر كممان فممي نهايممة‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫المر معه قوله ‪ -‬تعالى ‪ -‬بعد هذه اليممة‪) :‬فَ مأَراد َ أ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫س مت َِفّزهُ ْ‬
‫مم َ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫ميعًا( )السراء‪.(103:‬‬
‫ج ِ‬
‫ه َ‬
‫مع َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ض فَأغَْرقَْناهُ وَ َ‬
‫م ْ‬
‫الْر ِ‬
‫َ‬
‫ن َواغْل ُم ْ‬
‫ظ‬
‫ي َ‬
‫جاهِدِ ال ْك ُّفاَر َوال ْ ُ‬
‫أ ّ‬
‫مَنافِِقي َ‬
‫ما قوله ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬يا أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫من ُمموا قَممات ُِلوا‬
‫م( )التوبة‪ :‬من الية ‪ .(73‬وقمموله‪) :‬ي َمما أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫نآ َ‬
‫عَل َي ْهِ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ة()التوبممة‪ :‬مممن اليممة‬
‫م ِغل ْظ َم ً‬
‫م ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫جم ُ‬
‫دوا ِفيك ُم ْ‬
‫ن ال ْك ُّفممارِ وَل ْي َ ِ‬
‫ن ي َُلون َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/153‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(11/4182‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(10/337‬‬

‫‪209‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ضا ‪ -‬في آخر العهد النبوي‪ ،‬حيث إن سممورة‬
‫‪ .(123‬فإن هذا كان ‪ -‬أي ً‬
‫التوبة من آخر ما نمزل من القرآن‪ ،‬وكذلك سورة الّتحريم متأخرة‪.‬‬
‫ن الرسول‪،‬‬
‫ومعنى هذا أ ّ‬

‫‪‬‬

‫قممد خمماطب المشممركين قبممل ذلممك‪،‬‬

‫ودعاهم إلى الله باللين‪ ،‬واستخدم معهم جميع وسائل الرفق‪ ،‬حممتى‬
‫سيف والغلظة‪.‬‬
‫لم يعد ُيجدي معهم إل ال ّ‬
‫وكممذلك المنممافقون‪ ،‬لممم تجممد معهممم وسممائل المهادنممة والمموعظ‪،‬‬
‫والرفق واللين‪ ،‬فكان لبد ّ من الغلظ لهم بالقول‪ ،‬كالغلظ للكّفمار‬
‫سيف‪.‬‬
‫بال ّ‬
‫وخلصة القول‪ :‬إن اللين والغلظ‪ ،‬أمران مشروعان‪ ،‬ل يجوز‬
‫القتصار على أحدهما دون الخر في كل الحوال‪ ،‬وإنممما الحممق هممو‬
‫استخدام كل واحد منهما في موضعه‪ .‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫ووضع الندي فــي موضــع‬

‫مضّر كوضع الســيف فــي‬
‫ُ‬

‫الســـــــــيف بـــــــــالعل‬

‫موضـــــــــع النـــــــــدى‬

‫)ج( وأخي مًرا نممأتي لكلمممة الفصممل فممي هممذه القضممية‪ :‬إذا كممانت‬
‫الوسطّية في هذا الباب تختلف بمماختلف الحممال والمح م ّ‬
‫ل‪ ،‬والّزمممان‬
‫ضابط لذلك؟‬
‫والمكان‪ ،‬فما هو ال ّ‬
‫والجواب حسمممه القممرآن الكريممم فممي آيممة واحممدة‪ ،‬حيممث قممال ‪-‬‬
‫ل َرب ّ َ‬
‫ة‬
‫مو ْ ِ‬
‫ك ِبال ْ ِ‬
‫سممن َ ِ‬
‫عظ َةِ ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫سبحانه وتعالى ‪) :-‬اد ْعُ إ َِلى َ‬
‫مةِ َوال ْ َ‬
‫حك ْ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫ن( )النحل‪ :‬من الية ‪.(125‬‬
‫يأ ْ‬
‫وَ َ‬
‫ح َ‬
‫جادِل ْهُ ْ‬
‫س ُ‬
‫م ِبال ِّتي هِ َ‬

‫‪210‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ضابط‪ ،‬والفيصل في ذلك‪ ،‬فحيممث كممانت الحكمممة‬
‫فالحكمة هي ال ّ‬
‫كانت الوسطّية‪ ،‬وحيث فقدت فإن هناك انحراًفا إلى ذات اليمين أو‬
‫ذات الشمال‪.‬‬
‫ولع ّ‬
‫ل من المناسب أن أختم هذا المبحممث بتعريممف الحكمممة كممما‬
‫عرفها العلماء‪.‬‬
‫قممال إبراهيممم النخعممي‪ :‬الحكمممة‪ :‬الفهممم‪ .‬وقممال زيممد بممن أسمملم‪:‬‬
‫الحكمة‪ :‬العقل‪ .‬وقال مالك‪ :‬وإنممه ليقممع فممي قلممبي أن الحكمممة هممو‬
‫الفقممه فممي ديممن اللممه‪ ،‬وأمممر يممدخله اللمه فممي القلمموب مممن رحمتممه‬
‫وفضله)‪.(1‬‬
‫وقال عبممد الرحمممن بممن سممعدي‪ :‬الحكمممة‪ :‬هممي العلمموم الّنافعممة‪،‬‬
‫ددة‪ ،‬واللبمماب الّرزينممة‪ ،‬وإصممابة‬
‫صائبة‪ ،‬والعقممول المسم ّ‬
‫والمعارف ال ّ‬
‫صواب في القوال والفعال‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ثم قممال‪ :‬وجميممع المممور ل تصمملح إل بالحكمممة‪ ،‬الممتي هممي‪ :‬وضممع‬
‫الشممياء مواضممعها‪ ،‬وتنمممزيل المممور منازلهمما‪ ،‬والقممدام فممي محممل‬
‫القدام‪ ،‬والحجام في موضع الحجام )‪.(2‬‬
‫سرت الحكمة بأنها معرفممة حقممائق الشممياء‬
‫وقال ابن عاشور‪ :‬وف ّ‬
‫على ما هي عليه‪ ،‬بما تبلغه الطاقممة‪ ،‬أي‪ :‬بحيممث ل تلتبممس الحقممائق‬
‫المتشابهة بعضها مع بعض‪ ،‬ول يغلط في العلل والسباب )‪.(3‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬هذه القوال الثلثة ‪ -‬في تفسير ابن كثير ‪ .1/322‬ورسالة الحكمة للمؤلف ص )‪.(17‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن سعدي )‪.(1/332‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير )‪.(3/61‬‬

‫‪211‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقممال سمميد قطممب‪ :‬الحكمممة‪ :‬القصممد والعتممدال‪ ،‬وإدراك العلممل‬
‫صممالح الصممائب مممن‬
‫والغايات‪ ،‬والبصمميرة المسممتنيرة الممتي تهممديه لل ّ‬
‫الحركات والعمال )‪.(1‬‬
‫وجماع الحكمة في قول ابن القيم‪ :‬فعل ما ينبغممي‪ ،‬علممى المموجه‬
‫الذي ينبغي‪ ،‬في الوقت الذي ينبغي)‪.(2‬‬
‫وبعد‪ :‬فإن منهج القممرآن فممي تقريممر الوسممطّية فممي بمماب المممر‬
‫ي‪ ،‬زادته‬
‫بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪ ،‬والدعوة إلى الله واضح جل ّ‬
‫هذه الدلة بياًنا وتفصيل‪.‬‬
‫م البممواب ‪ -‬العمليممة ‪ -‬الممتي يجممب أن يتحمّرى‬
‫وهذا الباب من أهم ّ‬
‫فيها الدعاة وطلب العلم منهج القرآن‪ ،‬ويلممتزموا بممه‪ ،‬حممتى ل تممزل‬
‫العقول والقدام‪ ،‬فيقعوا في الغلو والفممراط‪ ،‬نتيجممة الحممماس غيممر‬
‫المنضبط‪ ،‬أو يقعوا في الّتفريط والّتهاون اسمتجابة لرغبممات النفمس‬
‫وشهواتها‪.‬‬
‫ول تغــل فــي شــيء مــن‬

‫كل طرفــي قصــد المــور‬

‫المــــــــر واقتصــــــــد‬

‫ذميــــــــــــــــــــــــــــم‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(1/312‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬مدارج السالكين )‪ ،(2/479‬وانظر‪ :‬لكل ما سبق رسالة الحكمة للمؤلف ص )‪ (16‬وما بعدها‪.‬‬

‫‪212‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الجهاد في سبيل الله‬
‫الجهاد في سبيل الله ذروة سنام السلم‬

‫)‪(1‬‬

‫ض إلممى أن‬
‫وهو ممما ٍ‬

‫ساعة )‪.(2‬‬
‫تقوم ال ّ‬
‫ول عّزة للمة ول فخر ول سؤدد إل بإقامة هذا الركن العظيم‪.‬‬
‫وما تركت أمة الجهاد في سبيل اللممه إل ذل ّممت وضممعفت‪ ،‬وهممانت‬
‫م على خلقه‪.‬‬
‫على الله ومن ث ّ‬
‫ما وحممديًثا ‪ -‬فممي موضمموع الجهمماد فممي‬
‫ولقد انقسم النمماس ‪ -‬قممدي ً‬
‫سبيل الله إلى ثلث طوائف‪:‬‬
‫‪ -1‬فطائفة يغلب عليها الحماس‪ ،‬والندفاع‪ ،‬والقدام‪ ،‬ومممن‬
‫حرصها على ذلك أفرطت في موضوع الجهمماد‪ ،‬ولممذلك وقعممت فممي‬
‫سلبيات ما ل يخفى‪.‬‬
‫مزالق كبيرة‪ ،‬وكان لهذا المر من ال ّ‬
‫‪ -2‬وطائفة في مقابل هذه ال ّ‬
‫طائفة‪ ،‬فّرطت فممي الجهمماد‬
‫ما لضمماعة وإماتممة هممذا الّركممن العظيممم‪،‬‬
‫في سبيل الله‪ ،‬وتسعى دائ ً‬
‫وإذا دعا داعي الجهاد‪ ،‬انتفضت خوًفا وفرًقا وذعًُرا‪ ،‬وذهبت تلتمممس‬
‫العذار للتخّلف والقعود‪.‬‬
‫سممطت بيممن الط ّممائفتين‪،‬‬
‫ما الطائفة الثالثة فهي الممتي تو ّ‬
‫‪ -3‬أ ّ‬
‫حبت الجهاد‪ ،‬ورغبت فيه‪ ،‬وسعت إليه‪ ،‬ولكن ذلك لم يممدفعهم لن‬
‫فأ ّ‬
‫ضوابط ال ّ‬
‫شرعية في‬
‫يستعجلوا الشيء قبل أوانه‪ ،‬ولذلك التزموا بال ّ‬
‫العداد للجهاد‪ ،‬وإعلنه‪ ،‬والستمرار فيه‪.‬‬

‫‪ - 1‬ورد ذلك في حديث أخرجه الترمذي ) ‪ (13 /5‬رقم )‪ ،(2616‬وابن ماجة )‪ (1314 /2‬رقم )‪ ،(3973‬قال الترمذي‪ :‬حسن صحيح‪.‬‬
‫ض مع البر والفاجر"‪ .‬وذكر قوله‪ ،‬صلى الله عليه وسلم‪" :‬الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"‪ .‬وقد روى أبو داود )‬
‫‪ - 2‬ترجم البخاري في الصحيح باب "الجهاد ما ٍ‬
‫ض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال‪،‬‬
‫‪ :(18 /3‬عن أنس بن مالك قال‪ :‬قال رسول الله‪ ،‬صلى الله عليه وسلم‪" :‬ثلثة من أصل اليمان" وذكر منها‪" :‬والجهاد ما ٍ‬
‫ول يبطله جور جائر ول عدل عادل"‪ .‬حديث رقم )‪ (2532‬وفي إسناده يزيد بن أبي ن ُ ْ‬
‫سلمي‪ :‬مجهول من الخامسة‪ .‬انظر‪ :‬التقريب ص )‪.) 605‬‬
‫شَبة ال ّ‬

‫‪213‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وكذلك إذا دعا داعي الجهاد‪ ،‬لم يقعدوا مع القاعدين‪ ،‬ولم يّثبطوا‬
‫مع المّثبطين‪ ،‬بل سارعوا إلى إجابة المنادي غير خائفين أو وجلين‪.‬‬
‫ن خطممأ الطممائفتين‪ ،‬الولممى والثانيممة‪ :‬الغاليممة‬
‫ولقد جاء القرآن يبي ّ‬
‫ق‪ ،‬منهممج‬
‫م يرسم المنهج الح م ّ‬
‫رطة والمفّرطة‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫والجافية‪ ،‬المْف ِ‬
‫ال ّ‬
‫دا على خطورة الفراط والّتفريط‪ ،‬داعًيا إلممى‬
‫طائفة الوسط‪ ،‬مؤك ً‬
‫الجهمماد فممي سممبيل اللممه‪ ،‬إذا تمموافرت أسممبابه ودواعيممه‪ ،‬وتحّققممت‬
‫شروطه وضوابطه‪ .‬وسأبّين أسلوب القرآن في إقرار المنهج الحق‪،‬‬
‫صراط المستقيم‪.‬‬
‫وال ّ‬
‫دللة إلى ال ّ‬
‫ولنقف مع تشخيص القرآن لل ّ‬
‫طائفة الولى‪:‬‬
‫َ‬
‫سممرائي َ‬
‫ن ب َعْ مدِ‬
‫ل ِ‬
‫مل ِ ِ‬
‫ن ب َِني إ ِ ْ‬
‫م ت ََر إ َِلى ال ْ َ‬
‫قال الله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬أل َ ْ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫ل الل ّمهِ قَمما َ‬
‫مِلكا ً ن َُقات ِ ْ‬
‫ل‬
‫م اب ْعَ ْ‬
‫ل فِممي َ‬
‫مو َ‬
‫ث ل ََنا َ‬
‫ي ل َهُ ُ‬
‫ُ‬
‫سمِبي ِ‬
‫سى إ ِذ ْ َقاُلوا ل ِن َب ِ ّ‬
‫ل عَسيتم إن ك ُت ِب عَل َيك ُم ال ْقتا ُ َ‬
‫ما ل ََنمما أ َّل ن َُقاِتمم َ‬
‫هَ ْ‬
‫ل‬
‫ْ ُ ِ َ‬
‫َ‬
‫َ ُْ ْ ِ ْ‬
‫ل أّل ت َُقات ُِلوا َقاُلوا وَ َ‬
‫َ‬
‫م ال ِْقَتا ُ‬
‫ل‬
‫ل الل ّهِ وَقَد ْ أ ُ ْ‬
‫جَنا ِ‬
‫ما ك ُت ِ َ‬
‫خرِ ْ‬
‫ِفي َ‬
‫ب عَل َي ْهِ ُ‬
‫ن دَِيارَِنا وَأب َْنائ َِنا فَل َ ّ‬
‫م ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫م ِبال ّ‬
‫ن( )البقرة‪.(246:‬‬
‫ظال ِ ِ‬
‫وا إ ِّل قَِليل ً ِ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫مي َ‬
‫ت َوَل ّ ْ‬
‫هذه الية خّلد الله فيهمما قصممة مممن قصممص بنممي إسممرائيل‪ ،‬الممتي‬
‫انحرفوا فيها عن السبيل القويم‪ ،‬وال ّ‬
‫طريق المستقيم‪.‬‬
‫ها نحن نرى الحماس والندفاع للجهاد في سبيل الله‪ ،‬ويطممالبون‬
‫نبيهم‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬بإعلن الجهاد واختيار قائد يقودهم إليه‪.‬‬
‫ويأتي نبّيهم‪ ،‬ويسممألهم سممؤال يحمممل الحقيقممة‪) :‬هَم ْ‬
‫ن‬
‫م إِ ْ‬
‫ل عَ َ‬
‫سمي ْت ُ ْ‬
‫م ال ِْقَتا ُ‬
‫ل أ َّل ت َُقات ُِلوا( )البقرة‪ :‬من اليممة ‪(246‬؟ وهنمما يممأتي‬
‫ك ُت ِ َ‬
‫ب عَل َي ْك ُ ُ‬
‫ما ل ََنا أ َّل ن َُقات ِ َ‬
‫ل‬
‫الجواب الذي ير ّ‬
‫ل ِفي َ‬
‫ما‪) :‬وَ َ‬
‫مسون دائ ً‬
‫دده المتح ّ‬
‫س مِبي ِ‬
‫ن دَِيارَِنا وَأ َب َْنائ َِنا( )البقرة‪ :‬من الية ‪ ، (246‬وكيممف‬
‫الل ّهِ وَقَد ْ أ ُ ْ‬
‫جَنا ِ‬
‫خرِ ْ‬
‫م ْ‬

‫‪214‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫م ال ِْقت َمما ُ‬
‫ه‬
‫وا إ ِّل قَِليل ً ِ‬
‫ما ك ُت ِ َ‬
‫م َوالل ّم ُ‬
‫من ْهُم ْ‬
‫ب عَل َي ْهِم ُ‬
‫كانت النتيجة‪) :‬فَل َ ّ‬
‫ل ت َوَل ّم ْ‬
‫م ِبال ّ‬
‫ن( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(246‬‬
‫ظال ِ ِ‬
‫عَِلي ٌ‬
‫مي َ‬
‫دعوى‬
‫صة وتفاصمميلها نعمايش مشماهد تب ّ‬
‫خممر همذه الم ّ‬
‫وفي ثنايا الق ّ‬
‫ك عَل َينمما ونحم َ‬
‫والحماس‪ ،‬وأول ذلك‪َ) :‬قاُلوا أ َّنى ي َ ُ‬
‫مل ْ ُ‬
‫ق‬
‫نأ َ‬
‫كو ُ‬
‫حم ّ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫َْ ََ ْ ُ‬
‫ه( )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(247‬وتبدأ رحلة الجهاد‪ ،‬ويبدأ معها‬
‫ك ِ‬
‫مل ْ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫ه‬
‫تحقق ما قاله نبيهم في خوفه من عدم صممدقهم وثبمماتهم‪) :‬إ ِ ّ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫ر( )البقرة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(249‬والنتيجممة )فَ َ‬
‫ه إ ِّل‬
‫شمرُِبوا ِ‬
‫من ْم ُ‬
‫مب ْت َِليك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫م ب ِن َهَ ٍ‬
‫م( )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(249‬وبعد ذلك تقول فئة من البقيممة‬
‫قَِليل ً ِ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫الباقية‪) :‬ل َ‬
‫ه( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة‬
‫طاقَ م َ‬
‫جن ُممودِ ِ‬
‫ت وَ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫ة ل َن َمما ال ْي َموْ َ‬
‫جمماُلو َ‬
‫‪.(249‬‬
‫وأخيًرا ل يثبت إل فئة أقل مممن القليممل‪ ،‬ولعممل هممذه الفئة الممتي‬
‫قتلت جالوت‪ ،‬وانتصرت بعد ثباتها لمم تكمن ممن أولئك المتحمسمين‬
‫المندفعين‪ ،‬الذين كانوا أول الهاربين والمتخاذلين‪.‬‬
‫م‬
‫ممما ك ُت ِم َ‬
‫ب عَل َي ْهِ م ُ‬
‫قال القرطبي فــي قــوله ‪ -‬تعــالى ‪) :-‬فَل َ ّ‬
‫ال ِْقَتا ُ‬
‫ل( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(246‬أخممبر ‪ -‬تعممالى ‪ -‬أنممه لممما فممرض‬
‫عليهم القتال ورأوا الحقيقة‪ ،‬ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب‪،‬‬
‫وا( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ (246‬أي‬
‫وأن نفوسهم ربما قد تممذهب )ت َوَل ّم ْ‬
‫اضممطربت نيمماتهم وفممترت عزائمهممم‪ ،‬وهممذا شممأن المممم الممتنعممة‪،‬‬
‫المائلة إلى الدعة‪ ،‬تتمنى الحرب أوقات النفة‪ ،‬فإذا حضرت الحرب‬
‫كعت وانقادت لطبعها‪.‬‬

‫‪215‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وعن هذا المعنى نهى النبي‪ ،‬‬

‫بقمموله‪:‬‬

‫وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا‬
‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫)‪(1‬‬

‫ل تتمنمموا لقمماء العممدو‬

‫رواه الئمة‪.‬‬

‫ثممم أخممبر اللممه عممن قليممل منهممم أنهممم ثبتمموا علممى النيممة الولممى‪،‬‬
‫واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله ‪ -‬تعالى ‪.(2) -‬‬
‫وقال ابن عباس‪ :‬شممربوا علممى قممدر يقينهممم‪ ،‬فشممرب الكفممار‬
‫شرب الهيم‪ ،‬وشرب العاصون دون ذلك‪ ،‬وانصرف من القمموم سممتة‬
‫وسبعون ألًفا ‪ -‬قيل كان عددهم ثمانين ألًفا ‪ -‬وبقي بعض المممؤمنين‬
‫لم يشرب شيًئا‪ ،‬وأخذ بعضهم الغرفة‪.‬‬
‫وقال ابن عباس والسدي‪ :‬جاز معه في النهر أربعممة آلف رجممل‪،‬‬
‫فيهم من شرب‪ ،‬فلما نظروا إلى جالوت وجنوده‪ ،‬رجممع منهممم ثلثممة‬
‫آلف وستمائة وبضعة وثمانون )‪.(3‬‬
‫وهذا نموذج آخر من نماذج المتحمســين للقتــال‪ ،‬الممذي‬
‫أفرطمموا فممي طلبممه والسممعي إليممه‪ ،‬فلمما تحقممق لهممم ذلممك خممالفت‬
‫أفعالهم أقوالهم‪.‬‬
‫وإذا كان المثل الول كان في بني إسرائيل‪ ،‬فإن هذا المثممل فممي‬

‫أمة محمد‪ ،‬‬

‫وهذا يؤكد حقيقة مهمة أن ذلك النموذج يتكممرر فممي‬

‫كل عصر وحين‪ ،‬وها نحن نراه ماثل أمام أعيننا في زمننا الحاضر‪.‬‬
‫والحماس هو الحماس‪ ،‬والنهاية هي النهاية‪ ،‬وها هي اليات تممذكر‬
‫البداية والنهاية‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ِقيم َ‬
‫م‬
‫م ت َمَر إ ِل َممى ال ّم ِ‬
‫م ك ُّفمموا أي ْمدِي َك ُ ْ‬
‫ل ل َهُم ْ‬
‫قال ‪ -‬سممبحانه ‪) :-‬أل َم ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫صلةَ َوآُتوا الّز َ‬
‫م ال ِْقَتا ُ‬
‫ل إِ َ‬
‫م‬
‫ريقٌ ِ‬
‫ما ك ُت ِ َ‬
‫من ُْهمم ْ‬
‫ب عَل َي ْهِ ُ‬
‫كاةَ فَل َ ّ‬
‫وَأِقي ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫ذا فَ ِ‬
‫‪ - 1‬أخرجه البخاري )‪ (24 ،4/9‬ومسلم )‪ (1362 /3‬رقم )‪.(1742‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(244 /3‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪ .(3/254‬وبالنسبة لعددهم ومقدار من رجع منهم من أخبار بني إسرائيل والمهم أن الكثر هم الذين رجعوا‪.‬‬

‫‪216‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫خ ْ‬
‫شي َةِ الل ّهِ أ َوْ أ َ َ‬
‫خ ْ‬
‫خ َ‬
‫ت عَل َي َْنا‬
‫شد ّ َ‬
‫س كَ َ‬
‫يَ ْ‬
‫شي َ ً‬
‫شو ْ َ‬
‫م ك َت َب ْ َ‬
‫ة وََقاُلوا َرب َّنا ل ِ َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫َ‬
‫مَتاعُ الد ّن َْيا قَِلي ٌ‬
‫ب قُ ْ‬
‫ال ِْقَتا َ‬
‫خْيممٌر‬
‫خَرةُ َ‬
‫ول أ َ ّ‬
‫ل َواْل ِ‬
‫خْرت ََنا إ َِلى أ َ‬
‫ل َ‬
‫ري ٍ‬
‫ج ٍ‬
‫ل لَ ْ‬
‫ل قَ ِ‬
‫ن فَِتي ً‬
‫ل( )النساء‪.(77:‬‬
‫مو َ‬
‫ن ات َّقى َول ت ُظ ْل َ ُ‬
‫لِ َ‬
‫م ِ‬
‫قال الطبري‪ :‬ذكر أن هذه الية نمزلت في قمموم مممن أصممحاب‬

‫رسول الله‪ ،‬‬

‫كانوا قد آمنوا به‪ ،‬وصدقوه قبل أن يفممرض عليهممم‬

‫الجهاد‪ ،‬وقد فرض عليهم الصلة والزكمماة‪ ،‬وكممانوا يسممألون اللممه أن‬
‫يفرض عليهم القتال‪ ،‬فلما فرض عليهممم القتممال شممق عليهممم ذلممك‪،‬‬
‫وقالوا ما أخبر الله عنهم في كتابه‪.‬‬
‫روى الطبري بسنده عن ابن عباس أن عبممد الرحمممن بممن عمموف‬

‫وأصحاًبا له أتوا النبي‪ ،‬‬

‫فقالوا‪ :‬يا رسول الله كنا فممي عممز ونحممن‬

‫مشركون‪ ،‬فلما آمنمما صممرنا أذلممة‪ ،‬فقممال‪:‬‬
‫تقاتلوا فلما حوله الله إلى المدينة ُأمر بالقتال فكفوا‪ ،‬فأنمزل الله ‪-‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ِقي َ‬
‫م ‪ .‬الية )‪.(1‬‬
‫م ت ََر إ َِلى ال ّ ِ‬
‫م ك ُّفوا أي ْدِي َك ُ ْ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫تبارك وتعالى ‪ :-‬أل َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫‪‬‬

‫إنممي أمممرت بممالعفو فل‬

‫ولننظممر فيممما قمماله سمميد قطممب فممي هممذه اليممة حيممث يشممخص‬
‫الحقيقة في أدق تصوير‪ ،‬قال‪:‬‬
‫يعجممب اللممه ‪ -‬سممبحانه ‪ -‬مممن أمممر هممؤلء النمماس الممذين كممانوا‬
‫يتدافعون حماسة إلى القتال‪ ،‬ويستعجلونه‪ ،‬وهممم فممي مكممة يتلقممون‬
‫الذى والضطهاد والفتنة من المشركين‪ ،‬حين لم يكممن مأذون ًمما لهممم‬
‫في القتال للحكمة التي يريدها الله‪.‬‬
‫فلما أن جاء الوقت المناسب الذي قدره الله‪ ،‬وتهيممأت الظممروف‬
‫المناسبة‪ ،‬وكتب عليهم القتال ‪ -‬فممي سممبيل اللممه ‪ -‬إذا فريممق منهممم‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪ .(5/170‬والحديث أخرجه النسائي )‪ (6/3‬رقم )‪ .(3086‬والبيهقي في السنن )‪ (9/11‬والحاكم في المستدرك )‪ ،(2/307‬وقال‪ :‬صحيح على شرط‬
‫البخاري ولم يخرجاه‪ .‬ووافقه الذهبي ‪ -‬وانظر‪ :‬الدر المنثور )‪.(2/328‬‬

‫‪217‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫شديد الجزع‪ ،‬شديد الفزع‪ ،‬حتى ليخش الذين أمروا بقتمالهم ‪ -‬وهمم‬
‫ناس من البشر‪ -‬كخشية الله‪ ،‬القهار الجبار‪ ،‬أو أشد خشية‪ ،‬وإذا هم‬
‫ت عَل َي ْن َمما ال ِْقت َمما َ‬
‫ل(‬
‫م ك َت َب ْم َ‬
‫يقولون في ‪ -‬حسرة وخوف وجزع ‪َ) :-‬رب َّنا ل ِ َ‬
‫)النساء‪ :‬من الية ‪.(77‬‬
‫إن أشد ّ الناس حماسة وانممدفا ً‬
‫عا وتهمموًرا‪ ،‬قممد يكونممون هممم أش مد ّ‬
‫د‪ ،‬وتقممع الواقعممة‪ ،‬بممل‬
‫الناس جز ً‬
‫عا‪ ،‬وانهياًرا وهزيمة‪ ،‬عندما يجد ّ الج ّ‬
‫ور والحماسممة‬
‫إن هممذه قممد تكممون القاعممدة‪ ،‬ذلممك أن النممدفاع والتهم ّ‬
‫الفائقة ‪ -‬غالًبا ما تكون منبعثة من عدم التقدير لحقيقة الّتكاليف‪ ،‬ل‬
‫عن شجاعة واحتمال وإصرار‪ ،‬كما أنهمما قممد تكممون منبعثممة عممن قلممة‬
‫الحتمممال‪ ،‬قلممة احتمممال الذى‪ ،‬والض مّيق والهزيمممة‪ ،‬فتممدفعهم قلممة‬
‫الحتمال إلى طلب الحركة‪ ،‬والدفع والنتصار بأي شكل دون تقممدير‬
‫لتكاليف الحركة‪ ،‬والدفع والنتصار‪ ،‬حتى إذا ووجهوا بهممذه التكمماليف‬
‫عا‬
‫وروا‪ ،‬فكانوا أول الصف جز ً‬
‫كانت أثقل مما قدروا‪ ،‬وأشقّ مما تص ّ‬
‫ونكممول وانهيمماًرا‪ ،‬علممى حيممن يثبممت أولئك الممذين كممانوا يمسممكون‬
‫دون للمممر‬
‫أنفسممهم‪ ،‬ويحتملممون الضمميق والذى بعممض المموقت‪ ،‬ويع م ّ‬
‫عممدته‪ ،‬والمتهممورون المنممدفعون المتحمسممون يحسممبونهم إذ ذاك‬
‫ضعاًفا‪ ،‬ول يعجبهم تمهلهم‪ ،‬ووزنهم للمور‪ ،‬وفي المعركة يتممبين أي‬
‫الفريقين أكثر احتمال‪ ،‬وأي الفريقين ‪ -‬كان ‪ -‬أبعد نظًرا كذلك )‪.(1‬‬
‫إنها الحقيقة التي عّبر عنهمما سمميد ‪ -‬رحمممه اللممه ‪ ،-‬تلممك الحقيقممة‬
‫التي ل يدركها إل من عاشها‪ ،‬وذاق مرارة هممذا اللممون مممن النممدفاع‬
‫والحماس‪ ،‬مممما نممراه ممماثل أمممام أعيننمما فممي صممنف مممن النمماس‪ ،‬ل‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(2/712‬‬

‫‪218‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫يقدرون عواقب المور‪ ،‬ويثورون لقل السباب‪ ،‬غافلين عن السممنن‬
‫الربانيممة‪ ،‬والحكممام الشممرعية‪ ،‬والقممدرات البشممرية‪ ،‬متصممورين أن‬
‫طيبتهم وحسن نيتهم‪ ،‬ومقصدهم تكفي سبًبا لنتصارهم‪.‬‬
‫وكما جاءت آية النسمماء‪ ،‬فقممد جمماءت آيممة الصممف‪ ،‬تعالممج القضممية‬
‫َ‬
‫ممما ل‬
‫نفسها‪ ،‬وتبين الحقيقة ذاتها‪َ) :‬يا أي َّها ال ّم ِ‬
‫م ت َُقول ُممو َ‬
‫ن َ‬
‫من ُمموا ل ِم َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن( )الصف‪.(2،3:‬‬
‫مْقتا ً ِ‬
‫ما ل ت َْفعَُلو َ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ أ ْ‬
‫ت َْفعَُلو َ‬
‫ن ت َُقوُلوا َ‬
‫ن ك َب َُر َ‬
‫قال ابن كثير‪ :‬وحملوا الية ‪ -‬أي الجمهور ‪ -‬علممى أنهمما نمممزلت‬
‫حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم‪ ،‬فلما فرض نكل بعضممهم‪ ،‬كقمموله ‪-‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ِقي َ‬
‫م( )النساء‪ :‬من الية‬
‫م ت ََر إ َِلى ال ّ ِ‬
‫م ك ُّفوا أي ْدِي َك ُ ْ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫تعالى ‪) :-‬أل َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫‪ (77‬الية‪ ،‬وهكذا هذه الية معناها‪ ،‬كما قال علي بن أبي طلحة عن‬
‫َ‬
‫ممما ل‬
‫ابن عباس في قوله ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫م ت َُقوُلو َ‬
‫ن َ‬
‫مُنوا ل ِ َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن( )الصف‪ .(2:‬قال‪ :‬كان ناس من المممؤمنين قبممل أن يفممرض‬
‫ت َْفعَُلو َ‬

‫الجهاد يقولون‪ :‬لوددنا أن الله ‪‬‬

‫دلنمما علممى أحممب العمممال إليممه‬

‫فنعمل به‪ ،‬فأخبر الله نبيه أن أحب العمممال إيمممان بممه لشممك فيممه‪،‬‬
‫وجهاد أهل معصية الذين خالفوا اليمان‪ ،‬ولم يقممروا بممه‪ ،‬فممما نمممزل‬
‫الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين‪ ،‬وشق عليهممم أمممر اللممه‪ ،‬فقممال‬
‫َ‬
‫ن(‬
‫الله ‪ -‬سممبحانه ‪) :-‬ي َمما أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫ممما ل ت َْفعَل ُممو َ‬
‫م ت َُقول ُممو َ‬
‫ن َ‬
‫من ُمموا ِلم َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫)الصف‪.(1)(2:‬‬
‫هممذه حقيقممة النممدفاع والحممماس‪ ،‬عنممدما ل ينضممبط بالضمموابط‬
‫الشرعية ول السنن الربانية‪ .‬إنه انحراف عن المنهج الحق‪ ،‬انحراف‬
‫يمثل الغلو والفممراط‪ ،‬ومممن ثممم فهممو خممروج عممن المنهممج الوسممط‪،‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/357‬‬

‫‪219‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫المنهج الذي ل يلغي العتبارات المتعددة قبل اتخاذ القرار الحاسم‪،‬‬
‫لخطورة هذه القضية وآثارها بعد ذلك‪.‬‬
‫ولعل في هذه اليــات عظــة وذكــرى لولئك المغــالين‪،‬‬
‫وعبرة لهؤلء المتعجلين المندفعين‪.‬‬
‫إن المنهج الذي يسلكه أولئك ل يؤدي إلى الهداف الممتي شممرع‬
‫من أجلها الجهمماد‪ ،‬بممل قممد يكممون سممبًبا لتعطيممل الجهمماد‪ ،‬أو تممأخيره‬
‫سنوات وسنوات‪ ،‬ومن استعجل شيًئا قبل أوانه عوقب بحرمانه‪.‬‬
‫وكما جاءت اليات تعالج قضية الفراط والغلو‪ ،‬فقد جاءت تعالممج‬
‫قضية التفريط والتضييع‪.‬‬
‫فإذا كممان أولئك المتحمسممون والمنممدفعون قممد خممالفوا الصممراط‬
‫المستقيم في قضية مشروعية الجهمماد‪ ،‬فممإن المثبطيممن والقاعممدين‬
‫يمثلون المموجه الخممر للنحممراف والضمملل‪ .‬وقممد جمماءت اليممات تلممو‬
‫اليات تبين خطورة هذه الفئة‪ ،‬وما تحدثه من خلل وانحراف‪.‬‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫خل َ‬
‫م ِ‬
‫ل الل ّم ِ‬
‫خل ُّفممو َ‬
‫قال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬فَمرِ َ‬
‫ف َر ُ‬
‫مْقعَمدِهِ ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫ح ال ْ ُ‬
‫سممو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وك َر ُ َ‬
‫ل الل ّمهِ وَقَمماُلوا ل‬
‫م وَأن ُْف ِ‬
‫جاهِم ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫هوا أ ْ‬
‫م فِممي َ‬
‫س مه ِ ْ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫دوا ب ِمأ ْ‬
‫سمِبي ِ‬
‫م َ‬
‫َ ِ‬
‫حّر قُ ْ‬
‫م أَ َ‬
‫ن( )التوبممة‪:‬‬
‫حّرا ً ل َموْ ك َمماُنوا ي َْفَقهُممو َ‬
‫شد ّ َ‬
‫ل َناُر َ‬
‫ت َن ِْفُروا ِفي ال ْ َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫‪ .(81‬ثم يبين الله خطورة ما صنع هؤلء‪ ،‬يتضح ذلممك‪ .‬مممن العقوبممة‬

‫القاسية التي أمر الله رسمموله‪ ،‬‬

‫أن يعمماقب بهمما هممؤلء جممزاء ممما‬

‫صنعوا‪:‬‬
‫طائَفة منهم َفاستأ ْ‬
‫ك ل ِل ْ‬
‫َ‬
‫جع َ َ‬
‫ج فَُق م ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫رو‬
‫م‬
‫خ‬
‫نو‬
‫ذ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ َ‬
‫ن َر َ‬
‫)فَإ ِ ْ‬
‫ه إ َِلى َ ِ ٍ ِ ْ ُ ْ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫ل ل َم ْ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م ب ِممال ُْقُعودِ أ َوّ َ‬
‫ل‬
‫تَ ْ‬
‫م َر ِ‬
‫خُر ُ‬
‫ضمميت ُ ْ‬
‫ي عَد ُوّا ً إ ِن ّك ُم ْ‬
‫ن ت َُقات ُِلوا َ‬
‫جوا َ‬
‫مع ِ َ‬
‫ي أَبدا ً وَل َ ْ‬
‫مع ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ص ّ‬
‫م‬
‫معَ ال ْ َ‬
‫حدٍ ِ‬
‫ل عََلى أ َ‬
‫مّرةٍ َفاقْعُ ُ‬
‫ت أَبدا ً َول ت َُق ْ‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫دوا َ‬
‫َ‬
‫ن َول ت ُ َ‬
‫خال ِِفي َ‬

‫‪220‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن( )التوبممة‪:‬‬
‫م َفا ِ‬
‫سمُقو َ‬
‫م ك ََفُروا ِبالل ّهِ وََر ُ‬
‫ماُتوا وَهُ ْ‬
‫سول ِهِ وَ َ‬
‫عََلى قَب ْرِهِ إ ِن ّهُ ْ‬
‫‪.(84 ،83‬‬
‫َ‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬وإ َ ُ‬
‫ع‬
‫نآ ِ‬
‫مم َ‬
‫جاهِم ُ‬
‫مُنوا ِبالل ّهِ وَ َ‬
‫سوَرةٌ أ ْ‬
‫ت ُ‬
‫دوا َ‬
‫ذا أن ْزِل َ ْ‬
‫َِ‬
‫رسول ِه استأ ْذ َن َ ُ‬
‫ن(‬
‫م معَ ال َْقا ِ‬
‫عم ِ‬
‫ل ِ‬
‫َ ُ ِ ْ َ َ‬
‫ن َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫دي َ‬
‫م وََقاُلوا ذ َْرَنا ن َك ُم ْ‬
‫ك أوُلوا الط ّوْ ِ‬
‫)التوبة‪.(86:‬‬
‫وقال ‪ -‬جل وعل ‪ -‬مبيًنا خطورة القعود عن سبيل اللممه‪ُ) :‬قمم ْ‬
‫ن‬
‫ل إِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ج ُ‬
‫َ‬
‫وا ٌ‬
‫ل‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫م وَعَ ِ‬
‫م وَأْزَوا ُ‬
‫كمما َ‬
‫م وَأ ْ‬
‫شمميَرت ُك ُ ْ‬
‫كمم ْ‬
‫وان ُك ُ ْ‬
‫م وَأب َْنمماؤُك ُ ْ‬
‫ن آَبمماؤُك ُ ْ‬
‫ممم َ‬
‫خمم َ‬
‫َ‬
‫ب إ ِل َي ْ ُ‬
‫خ َ‬
‫م‬
‫جاَرةٌ ت َ ْ‬
‫ساد َ َ‬
‫مو َ‬
‫حمم ّ‬
‫ضوْن ََها أ َ‬
‫ن ت َْر َ‬
‫شو ْ َ‬
‫ها وَت ِ َ‬
‫م َ‬
‫ن كَ َ‬
‫كمم ْ‬
‫ها وَ َ‬
‫اقْت ََرفْت ُ ُ‬
‫ساك ِ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مرِهِ‬
‫ِ‬
‫صوا َ‬
‫جَهادٍ ِفي َ‬
‫ن الل ّهِ وََر ُ‬
‫ه ب ِمأ ْ‬
‫ي الل ّم ُ‬
‫سول ِهِ وَ ِ‬
‫سِبيل ِهِ فَت ََرب ّ ُ‬
‫حت ّممى ي َمأت ِ َ‬
‫م َ‬
‫ن( )التوبة‪.(24:‬‬
‫م ال َْفا ِ‬
‫ه ل ي َهْ ِ‬
‫دي ال َْقوْ َ‬
‫َوالل ّ ُ‬
‫سِقي َ‬
‫دا القاعدين عن الجهاد في سبيل‬
‫دا ومتوع ً‬
‫وقال ‪ -‬جل وعل ‪ -‬مهد ً‬
‫َ‬
‫ذا ِقي َ‬
‫م إِ َ‬
‫ه‬
‫ل الل ّم ِ‬
‫الله‪َ) :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫م ان ِْفُروا ِفي َ‬
‫ل ل َك ُ ُ‬
‫ما ل َك ُ ْ‬
‫مُنوا َ‬
‫نآ َ‬
‫س مِبي ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫اّثاقَل ْت ُ ْ َ‬
‫ن اْل ِ‬
‫حَياةِ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا ِ‬
‫ض أَر ِ‬
‫مَتاعُ ال ْ َ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ما َ‬
‫خَرةِ فَ َ‬
‫ضيت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫م إ ِلى الْر ِ‬
‫َ‬
‫س مت َب ْدِ ْ‬
‫خَرةِ إ ِّل قَِلي ٌ‬
‫م عَم َ‬
‫ل‬
‫الد ّن َْيا ِفي اْل ِ‬
‫ذابا ً أِليم ما ً وَي َ ْ‬
‫ل إ ِل ّ ت َن ِْف مُروا ي ُعَ مذ ّب ْك ُ ْ‬
‫ه عَل َممى ك ُم ّ‬
‫ل َ‬
‫ضّروهُ َ‬
‫ديٌر( )التوبممة‪:‬‬
‫يٍء قَم ِ‬
‫م َول ت َ ُ‬
‫شْيئا ً َوالل ّ ُ‬
‫وما ً غَي َْرك ُ ْ‬
‫شم ْ‬
‫قَ ْ‬
‫‪.(39 ،38‬‬
‫َ‬
‫ست َأ ْذِن ُ َ‬
‫دوا‬
‫ن ِبالل ّهِ َوال ْي َوْم ِ اْل ِ‬
‫جا ِ‬
‫ن ي ُؤْ ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫همم ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫خممرِ أ ْ‬
‫مُنو َ‬
‫وقال‪) :‬ل ي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س مت َأ ْذِن ُ َ‬
‫نل‬
‫ك ال ّم ِ‬
‫م وَأن ُْف ِ‬
‫ممما ي َ ْ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫م ب ِممال ْ ُ‬
‫ه عَِلي م ٌ‬
‫م َوالل ّم ُ‬
‫س مه ِ ْ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫ب ِمأ ْ‬
‫ذي َ‬
‫مت ِّقي َ‬
‫م َ‬
‫ن(‬
‫ن ِبالل ّهِ َوال ْي َوْم ِ اْل ِ‬
‫ي ُؤْ ِ‬
‫دو َ‬
‫م ي َت ََرد ّ ُ‬
‫مُنو َ‬
‫م ِفي َري ْب ِهِ ْ‬
‫م فَهُ ْ‬
‫ت قُُلوب ُهُ ْ‬
‫خرِ َواْرَتاب َ ْ‬
‫)التوبة‪.(44،45:‬‬
‫َ‬
‫سَق ُ‬
‫ن ي َُقو ُ‬
‫طوا‬
‫وقال‪) :‬وَ ِ‬
‫ل ائ ْذ َ ْ‬
‫ن ِلي َول ت َْفت ِّني أل ِفي ال ِْفت ْن َةِ َ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ة ِبال ْ َ‬
‫ن( )التوبة‪.(49:‬‬
‫حيط َ ٌ‬
‫م ِ‬
‫ن َ‬
‫وَإ ِ ّ‬
‫م لَ ُ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬

‫‪221‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقال ‪ -‬جل ذكره ‪ -‬مصوًرا حالة أولئك الممذين ل يريممدون الجهمماد‪:‬‬
‫ة وذ ُكمر فيهمما ال ْقتمما ُ َ‬
‫)فَمإ َ ُ‬
‫ن فِممي‬
‫ت ال ّم ِ‬
‫ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ت ُ‬
‫ل َرأي ْم َ‬
‫حك َ َ‬
‫سمموَرةٌ ُ‬
‫ذا أن ْزِل َم ْ‬
‫مم ٌ َ ِ َ ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫ِ‬
‫ن إ ِل َي ْم َ‬
‫ت(‬
‫م مو ْ ِ‬
‫ي عَل َي ْمهِ ِ‬
‫مغ ْ ِ‬
‫ض ي َن ْظ ُمُرو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ك ن َظ َمَر ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫قُل ُمموب ِهِ ْ‬
‫م مَر ٌ‬
‫مم َ‬
‫شم ّ‬
‫)محمد‪ :‬من الية ‪.(20‬‬

‫إلى غير ذلك من اليات التي تبّين خطممورة هممذا المسمملك وسمموء‬
‫عاقبة أصحابه في الدنيا والخرة)‪.(1‬‬
‫ونقف مع تفسير هذه اليات‪ ،‬وما قيل في معناهمما‪ ،‬مممع القتصممار‬
‫على ما تدعو الحاجة إليه‪ :‬قال الطبري في معنمى قموله ‪ -‬تعمالى ‪:-‬‬
‫ه( )التوبة‪ :‬من الية ‪(81‬‬
‫م َ‬
‫خل َ‬
‫م ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫خل ُّفو َ‬
‫)فَرِ َ‬
‫ف َر ُ‬
‫مْقعَدِهِ ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫ح ال ْ ُ‬
‫سو ِ‬
‫فرح الذين خلفهممم اللممه مممع الغممزو مممع رسمموله والمممؤمنين‪ ،‬وجهمماد‬
‫ه( )التوبة‪ :‬مممن اليممة ‪ (81‬يقممول‪:‬‬
‫خل َ‬
‫أعدائه بمقعدهم ) ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ف َر ُ‬
‫سو ِ‬
‫بجلوسممهم فممي منممازلهم خلف رسممول اللممه‪ ،‬يقممول‪ :‬علممى الخلف‬

‫لرسول الله في جلوسه ومقعده وذلك أن رسول اللممه‪ ،‬‬

‫أمرهممم‬

‫بالنفر إلى جهاد أعداء الله‪ ،‬فخالفوا أمره‪ ،‬وجلسوا في منازلهم)‪.(2‬‬
‫َ‬
‫م إِ َ‬
‫ذا‬
‫وقال ابن كثير في قوله ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ما ل َك ُ ْ‬
‫مُنوا َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ل ل َك ُم ان ِْفروا ِفي سمبيل الل ّمهِ اث ّمماقَل ْت ُم إل َممى اْل َ‬
‫ِقي َ‬
‫ض( )التوبممة‪ :‬مممن‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ ِ ِ‬
‫ُ‬
‫ْ ِ‬
‫ِ‬
‫الية ‪ (38‬الية‪ .‬هذا شروع في عتاب من تخلممف عممن رسممول اللممه‪،‬‬
‫دة الحمّر‬
‫‪ ‬في غممزوة تبمموك حيممن طممابت الثمممار والظلل فممي شم ّ‬
‫وحمارة القيظ )‪.(3‬‬
‫وقال في قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬اسمتأ ْذ َن َ ُ‬
‫م وَقَمماُلوا‬
‫ل ِ‬
‫ْ َ َ‬
‫من ْهُم ْ‬
‫ك أول ُمموا الط ّموْ ِ‬
‫ن( )التوبة‪ :‬من الية ‪.(86‬‬
‫معَ ال َْقا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ن َ‬
‫دي َ‬
‫ذ َْرَنا ن َك ُ ْ‬
‫‪ - 1‬تعتبر سورة التوبة السورة التي فضحت المتخلفين عن الجهاد وبينت سوء مصيرهم وحكم الله فيهم‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(10/200‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(2/357‬‬

‫‪222‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ما للمتخلفين عن الجهاد‪ ،‬الناكلين عنه‪،‬‬
‫يقول ‪ -‬تعالى ‪ -‬منكًرا وذا ً‬
‫مع القدرة عليه ووجود السعة والطول‪ .‬واستأذنوا الرسول‪  ،‬في‬
‫ن( )التوبممة‪ :‬مممن اليممة ‪(86‬‬
‫ممعَ ال َْقا ِ‬
‫عم ِ‬
‫ن َ‬
‫دي َ‬
‫القعود‪ ،‬وقمالوا‪) :‬ذ َْرن َمما ن َك ُم ْ‬
‫ورضوا لنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء‪ ،‬وهممن الخوالممف‬
‫بعد خروج الجيش‪ ،‬فإذا وقع الحممرب كممانوا أجبممن النمماس‪ ،‬وإذا كممان‬
‫ممما‪ ،‬كممما قممال ‪ -‬تعممالى ‪ -‬عنهممم فممي اليممة‬
‫أمن كانوا أكثر النمماس كل ً‬
‫َ‬
‫خو ُ َ‬
‫م َ‬
‫ن إ ِل َي ْ َ‬
‫الخرى‪) :‬فَإ ِ َ‬
‫ذي‬
‫كاّلمم ِ‬
‫ك تَ ُ‬
‫م ي َن ْظ ُُرو َ‬
‫ذا َ‬
‫دوُر أعْي ُن ُهُ ْ‬
‫ف َرأي ْت َهُ ْ‬
‫جاَء ال ْ َ ْ‬
‫َ‬
‫ت فَإ ِ َ‬
‫ي ُغْ َ‬
‫داٍد(‬
‫ب ال ْ َ‬
‫سمن َةٍ ِ‬
‫خ مو ْ ُ‬
‫م ب ِأل ْ ِ‬
‫مو ْ ِ‬
‫شى عَل َي ْهِ ِ‬
‫حم َ‬
‫ذا ذ َهَ َ‬
‫ف َ‬
‫سمل َُقوك ُ ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫)الحزاب‪ :‬من الية ‪.(1)(19‬‬
‫سمت َأ ْذِن ُ َ‬
‫نل‬
‫ك اّلم ِ‬
‫مما ي َ ْ‬
‫وقال رشيد رضما فممي قمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬إ ِن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ر( )التوبة‪ :‬من اليممة ‪ (45‬اليممة‪ :‬والمعنممى‪:‬‬
‫ن ِبالل ّهِ َوال ْي َوْم ِ اْل ِ‬
‫ي ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫خ ِ‬
‫إنما يستأذنك بالتخلف عن الجهاد الذين ل يؤمنممون بممالله ول بمماليوم‬
‫ممما يفمموت عليهممم بعممض‬
‫الخر‪ ،‬لنهم يرون بممذل المممال للجهمماد مغر ً‬
‫منافعهم به‪ ،‬ول يرجون عليه ثواًبا كما يرجو المؤمنون‪.‬‬
‫ضا للقتل المذي ليمس‬
‫ما ومتاعب‪ ،‬وتعر ً‬
‫ويرون الجهاد بالنفسي آل ً‬
‫بعممده حيمماة عنممدهم‪ ،‬فطبيعممة كفرهممم بممالله واليمموم الخممر تقتضممي‬
‫كراهتهم للجهاد‪ ،‬وفرارهم منه ما وجدوا له سبيل)‪.(2‬‬
‫ذابا ً‬
‫م ع َم َ‬
‫وقال سيد قطب في قوله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬إ ِل ّ ت َن ِْف مُروا ي ُعَمذ ّب ْك ُ ْ‬
‫أ َِليمًا( )التوبة‪ :‬من الية ‪.(39‬‬
‫والخطاب لقوم معينين في موقف معين‪ ،‬ولكنه عام في مدلوله‪،‬‬
‫لكل ذي عقيدة في الله‪ ،‬والعذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الخرة‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(2/380‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(10/469‬‬

‫‪223‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وحده‪ ،‬فهو كذلك عذاب الدنيا‪ ،‬عذاب الذلمة المتي تصميب القاعمدين‬
‫عن الجهاد والكفاح‪ ،‬والغلبة عليهم للعداء‪ ،‬والحرمان من الخيرات‪،‬‬
‫واسممتغللها للمعممادين‪ ،‬وهمم ممع ذلمك كلمه يخسممرون ممن النفموس‬
‫والموال أضعاف ما يخسرون في الكفاح والجهمماد‪ ،‬ويقممدمون علممى‬
‫مذبح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء‪.‬‬
‫وما من أمة تركت الجهمماد إل ضممرب اللممه عليهمما الممذل‪ ،‬فممدفعت‬
‫مرغمة صاغرة لعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح العداء‪.‬‬
‫ست َب ْدِ ْ‬
‫م( )التوبممة‪ :‬مممن اليممة ‪ .(39‬يقومممون علممى‬
‫)وَي َ ْ‬
‫وما ً غَي َْرك ُم ْ‬
‫ل قَ ْ‬
‫العقيدة‪ ،‬ويؤدون ثمن العزة‪ ،‬ويستعلون على أعداء الله)‪.(1‬‬
‫هذه بعض اليات التي جاءت تبين انحراف المثبطين عن الجهمماد‪،‬‬
‫ن‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫م الل ّم ُ‬
‫القاعدين عنه‪ ،‬الذين وصفهم الله بقوله‪) :‬قَمد ْ ي َعْل َم ُ‬
‫معَموِّقي َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫س إ ِّل قَِلي ً‬
‫ل(‬
‫ن ِل ِ ْ‬
‫ِ‬
‫م إ ِل َي َْنمما َول َيممأُتو َ‬
‫م هَُلمم ّ‬
‫وان ِهِ ْ‬
‫كمم ْ‬
‫ن ال َْبممأ َ‬
‫خمم َ‬
‫م َوال َْقممائ ِِلي َ‬
‫)الحزاب‪.(18:‬‬
‫والنتيجة التي نخلص منها بعد بيان طرفي النحراف‪ ،‬سواء الذين‬
‫أفرطوا وغلوا‪ ،‬أم الذين فرطوا وجفوا‪ ،‬تلكم النتيجممة هممي أن هنمماك‬
‫جا وس ً‬
‫طا ل إفراط فيه ول تفريط‪.‬‬
‫منه ً‬
‫وذلكم أن الجهمماد ذروة سممنام السمملم وركممن مممن أركممانه‪ ،‬وهممو‬
‫ماض إلى أن يأتي أمر الله‪ ،‬وما ترك قوم الجهاد في سبيل اللممه إل ّ‬
‫ّ‬
‫دوهم‪ .‬والجهمماد لممه شممروطه‬
‫ذلوا‪ ،‬وضممعفوا‪ ،‬وسمملط اللممه عليهممم عم ّ‬
‫وضوابطه‪ ،‬وأسبابه وموانعه‪ ،‬فإذا توافرت السباب وانتفت الموانممع‪،‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(3/1655‬‬

‫‪224‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ي على الجهاد‪ ،‬ووجممب‬
‫وتحّققت الشروط وجب أن ُينادي المنادي ح ّ‬
‫على القادرين أن يستجيبوا للنداء‪ ،‬فرض عين أو فرض كفاية‪.‬‬
‫وهذا هو المنهج الوسط الذي جمماءت اليممات الكممثيرة تممدعو إليممه‬
‫صمملة‬
‫وتممأمر بممه وتحممث عليممه‪ ،‬وجمماءت السممنة شممارحة ومبّينممة‪ ،‬ومف ّ‬
‫سمملم والموادعممة‬
‫لحكممام الجهمماد‪ ،‬كممما جمماءت مبينممة أحكممام ال َ‬
‫والمعاهدات‪.‬‬
‫ما وحممديًثا ‪ -‬فممي بيممان هممذه القضممية‪،‬‬
‫وقممد عنممي العلممماء ‪ -‬قممدي ً‬
‫وأشبعوها بحًثا وتفصيل‪ ،‬وهم بذلك لم يدعوا مجال لنحراف منحرف‬
‫بدعوى الجهل وعدم الوضوح‪.‬‬
‫وأخيًرا أختم هذا المبحث بذكر بعض اليات التي تدعو إلى‬
‫الجهاد‪ ،‬وتثني على المجاهدين‪ ،‬أولئك الممذين ل يتممأخرون لحظممة إذا‬
‫دعا داعي الجهاد‪ ،‬وهم كذلك يستجيبون لممداعي السمملم والموادعممة‬
‫إذا جاء وقتها‪ ،‬وتوافرت أسباب السلم ودواعيه‪.‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫قممال ‪ -‬سممبحانه ‪) :-‬ان ِْفممُروا ِ‬
‫جا ِ‬
‫همم ُ‬
‫خَفافمما ً وَث َِقممال ً وَ َ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫دوا ِبممأ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن( )التوبممة‪:‬‬
‫م َ‬
‫وَأن ُْف ِ‬
‫مممو َ‬
‫م إِ ْ‬
‫م ِفي َ‬
‫م ت َعْل َ ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُم ْ‬
‫خي ٌْر ل َك ُ ْ‬
‫ل الل ّهِ ذ َل ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫س مت َأ ْذِن ُ َ‬
‫ك‬
‫‪ .(41‬وقال مبيًنا صفة المؤمنين إذا دعا داعممي الجهمماد )ل ي َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن ب ِممالل ّهِ َوال ْي َموْم ِ اْل ِ‬
‫م وَأن ُْف ِ‬
‫ن ي ُؤْ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫جاهِم ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫خمرِ أ ْ‬
‫مُنو َ‬
‫س مه ِ ْ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫دوا ب ِمأ ْ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ن( )التوبة‪.(44:‬‬
‫م ِبال ْ ُ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫َوالل ّ ُ‬
‫مت ِّقي َ‬
‫َ‬
‫ل(‬
‫م مؤ ْ ِ‬
‫ي َ‬
‫ض ال ْ ُ‬
‫ن عَل َممى ال ِْقت َمما ِ‬
‫مِني َ‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪َ) :-‬يا أي َّها الن ّب ِم ّ‬
‫ح مّر ِ‬
‫ه(‬
‫ل الل ّم ِ‬
‫م ل ت َُقات ُِلو َ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ما ل َك ُ ْ‬
‫)النفال‪ :‬من الية ‪ .(65‬وقال‪) :‬وَ َ‬
‫سمِبي ِ‬
‫)النساء‪ :‬من الية ‪.(75‬‬
‫وهذه بعض اليات التي تأمر بالقتال‪:‬‬

‫‪225‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫م َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ة( )التوبممة‪ :‬مممن اليممة‬
‫كافّ ً‬
‫كافّ ً‬
‫شرِ ِ‬
‫ما ي َُقات ُِلون َك ُ ْ‬
‫ة كَ َ‬
‫)وََقات ُِلوا ال ْ ُ‬
‫كي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م( )التوبة‪ :‬مممن اليممة ‪.(12‬‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫ن ل َهُ ْ‬
‫م ل أي ْ َ‬
‫ة ال ْك ُْفرِ إ ِن ّهُ ْ‬
‫‪) (36‬فََقات ُِلوا أئ ِ ّ‬
‫ر(‬
‫ن ب ِممالل ّهِ َول ب ِممال ْي َوْم ِ اْل ِ‬
‫ن ل ي ُؤْ ِ‬
‫)َقات ُِلوا ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ذي َ‬
‫خم ِ‬
‫ة وَي َ ُ‬
‫حّتى ل ت َ ُ‬
‫ن‬
‫ن فِت ْن َ ٌ‬
‫ن ال ّ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫‪) .(29‬وََقات ُِلوهُ ْ‬
‫دي ُ‬
‫ه(‬
‫ن فِت ْن َم ٌ‬
‫ه ل ِّلم ِ‬
‫ن الم ّ‬
‫ة وَي َك ُممو َ‬
‫حّتى ل ت َك ُممو َ‬
‫م َ‬
‫ن ك ُّلم ُ‬
‫الية ‪) .(193‬وََقات ُِلوهُ ْ‬
‫دي ُ‬
‫)النفال‪ :‬من الية ‪.(39‬‬

‫)التوبممة‪ :‬مممن اليممة‬
‫ه( )البقممرة‪ :‬مممن‬
‫ل ِل ّ ِ‬

‫وقال مبيًنا فضل المجاهدين في سبيل الله‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫مُنوا وَ َ‬
‫م وَأن ُْف ِ‬
‫)ال ّ ِ‬
‫جاهَ ُ‬
‫جُروا وَ َ‬
‫ها َ‬
‫دوا ِفي َ‬
‫س مه ِ ْ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫ل الل ّهِ ب ِأ ْ‬
‫نآ َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ وَُأول َئ ِ َ‬
‫ن ي ُب َ ّ‬
‫ة‬
‫ة ِ‬
‫ج ً‬
‫مم ٍ‬
‫م ب َِر ْ‬
‫م ال َْفممائ ُِزو َ‬
‫م د ََر َ‬
‫ح َ‬
‫م َرب ّهُم ْ‬
‫شمُرهُ ْ‬
‫ك هُ م ُ‬
‫أعْظ َ ُ‬
‫م( )التوبمة‪،20:‬م ‪َ) .(21‬ول‬
‫جّنا ٍ‬
‫ِ‬
‫ن وَ َ‬
‫ه وَرِ ْ‬
‫مِقيم ٌ‬
‫م ُ‬
‫م ِفيَهما ن َِعيم ٌ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫وا ٍ‬
‫ض َ‬
‫تحسبن ال ّمذين قُت ِل ُمموا فممي سمبيل الل ّمه أ َمواتما ً بم ْ َ‬
‫م‬
‫حي َمماٌء ِ‬
‫ِ‬
‫لأ ْ‬
‫َ‬
‫عن ْمد َ َرب ّهِم ْ‬
‫ِ ْ َ‬
‫َ ِ ِ‬
‫ِ َ‬
‫َ ْ َ َ ّ‬
‫يرزُقون( )آل عمران‪) .(169:‬يا أ َيها ال ّمذين آمنمموا هَ م ْ َ‬
‫م عَل َممى‬
‫ِ َ َ ُ‬
‫َ‬
‫ُْ َ‬
‫ل أد ُل ّك ُم ْ‬
‫َ َّ‬
‫َ‬
‫ن عَ َ‬
‫ن فِممي‬
‫ب أِليم ٍ ت ُؤْ ِ‬
‫م ِ‬
‫دو َ‬
‫جاهِم ُ‬
‫سول ِهِ وَت ُ َ‬
‫مُنو َ‬
‫تِ َ‬
‫ن ِبالل ّهِ وََر ُ‬
‫جيك ُ ْ‬
‫جاَرةٍ ت ُن ْ ِ‬
‫ذا ٍ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن(‬
‫م َ‬
‫م وَأن ُْف ِ‬
‫مممو َ‬
‫م إِ ْ‬
‫َ‬
‫م ت َعْل َ ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُم ْ‬
‫خي ْمٌر ل َك ُم ْ‬
‫م ذ َل ِك ُم ْ‬
‫سمك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫ل الل ّهِ ب ِمأ ْ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫)الصف‪.(11 ،10:‬‬
‫وأختم هذه اليات ‪ -‬آيات الجهاد ‪ -‬بهاتين اليتين‪:‬‬
‫ن‬
‫وي ال َْقا ِ‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫عم ُ‬
‫قال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬فممي سممورة النسمماء‪) :‬ل ي َ ْ‬
‫مم َ‬
‫س مت َ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫دو َ‬
‫جاهِم ُ‬
‫م َ‬
‫ن غَي ُْر أوِلي ال ّ‬
‫ن فِممي َ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫ل الل ّمهِ ب ِمأ ْ‬
‫ضَررِ َوال ْ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫س مِبي ِ‬
‫مِني َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض َ‬
‫ن‬
‫م عَل َممى ال َْقا ِ‬
‫عم ِ‬
‫م وَأن ُْف ِ‬
‫جاهِ ِ‬
‫وَأن ُْف ِ‬
‫م َ‬
‫م فَ ّ‬
‫س مه ِ ْ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫ن ب ِأ ْ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫سه ِ ْ‬
‫دي َ‬
‫م َ‬
‫دي َ‬
‫ض َ‬
‫ن‬
‫ن عََلى ال َْقا ِ‬
‫ج ً‬
‫عمم ِ‬
‫جاهِ ِ‬
‫م َ‬
‫سَنى وَفَ ّ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫د ََر َ‬
‫ح ْ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ة وَك ُّل ً وَعَد َ الل ّ ُ‬
‫دي َ‬
‫دي َ‬
‫َ‬
‫ظيمًا( )النساء‪.(95:‬‬
‫جرا ً عَ ِ‬
‫أ ْ‬

‫‪226‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ها ْ‬
‫ن‬
‫م مؤ ْ ِ‬
‫ش مت ََرى ِ‬
‫وقممال ‪ ‬فممي سممورة التوبممة‪) :‬إ ِ ّ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫مِني َ‬
‫مم َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫جن ّ َ‬
‫ل الل ّمهِ فَي َْقت ُل ُممو َ‬
‫ة ي َُقات ُِلو َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫م ب ِأ ّ‬
‫ن فِممي َ‬
‫أن ُْف َ‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫وال َهُ ْ‬
‫م وَأ ْ‬
‫سه ُ ْ‬
‫س مِبي ِ‬
‫م َ‬
‫ن أ َوْفَممى‬
‫ن وَ ْ‬
‫عدا ً عَل َي ْهِ َ‬
‫وَي ُْقت َُلو َ‬
‫ن وَ َ‬
‫حّقا ً ِفي الت ّوَْراةِ َواْل ِن ْ ِ‬
‫مم ْ‬
‫ل َوال ُْق مْرآ ِ‬
‫جي م ِ‬
‫م ب ِمهِ وَذ َل ِم َ‬
‫ك هُ موَ ال َْف موُْز‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫ب ِعَهْدِهِ ِ‬
‫ن الل ّهِ َفا ْ‬
‫ذي َباي َعْت ُ ْ‬
‫شُروا ب ِب َي ْعِك ُ ُ‬
‫م َ‬
‫م( )التوبة‪.(111:‬‬
‫ال ْعَ ِ‬
‫ظي ُ‬
‫ومما يؤكد وسطية هذا المنهــج اســتجابتهم لمــر اللــه‬
‫َ‬
‫ن‬
‫بالدخول في السلم‪ ،‬كاستجابتهم لمره بالقتال‪) :‬ي َمما أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫ذي َ‬
‫ش مي ْ َ‬
‫سل ْم ِ َ‬
‫ت ال ّ‬
‫م‬
‫ة َول ت َت ّب ُِعوا ُ‬
‫مُنوا اد ْ ُ‬
‫كافّ ً‬
‫وا ِ‬
‫خُلوا ِفي ال ّ‬
‫ه ل َك ُم ْ‬
‫ن إ ِن ّم ُ‬
‫آ َ‬
‫طا ِ‬
‫خط ُ َ‬
‫ح ل َهَمما وَت َوَك ّم ْ‬
‫ل‬
‫جن َم ْ‬
‫سمل ْم ِ َفا ْ‬
‫جن َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن( )البقممرة‪) .(208:‬وَإ ِ ْ‬
‫حمموا ِلل ّ‬
‫عَد ُوّ ُ‬
‫مِبي ٌ‬
‫ه( )النفال‪ :‬من الية ‪ ،(61‬ولكن السلم ل يعنممي الستسمملم‬
‫عََلى الل ّ ِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫والذل‪َ) :‬فل ت َهُِنوا وَت َد ْ ُ‬
‫م اْل َعْل َوْ َ‬
‫عوا إ َِلى ال ّ‬
‫معَك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن َوالل ّ ُ‬
‫سل ْم ِ وَأن ْت ُ ُ‬
‫م وَل َم ْ‬
‫يت ِرك ُ َ‬
‫م( )محمد‪.(35:‬‬
‫مال َك ُ ْ‬
‫م أعْ َ‬
‫َ َ ْ‬

‫‪227‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الخلق والمعاملة‬

‫سئلت عائشة ‪ -‬رضممي اللممه عنهمما ‪ -‬عممن خلممق رسممول اللممه‪ ،‬‬
‫ُ‬
‫فقالت‪" :‬كان خلقه القرآن"‬

‫وقد أثنى الله على رسوله‪ ،‬‬

‫ك ل َعََلى ُ ُ‬
‫فقال‪) :‬وَإ ِن ّ َ‬
‫م(‬
‫ق عَ ِ‬
‫ظيم ٍ‬
‫خل م ٍ‬

‫)القلم‪.(4:‬‬
‫أما المعاملة فهي قرينة الخلق‪ ،‬حيممث إن معاملممة المممرء‬
‫نتاج طبيعي لخلقه‪ ،‬ولقد رسم القرآن المنهج السوي لما يجممب أن‬
‫تكون عليه أخلق المسلم ومعاملته‪.‬‬
‫وهــذا البــاب يســوده الغلــو والجفــاء‪ ،‬وينممدر فيممه المنهممج‬
‫الوسط‪ ،‬ولذلك فقد عني القرآن الكريم بممه عنايممة خاصممة‪ ،‬وجمماءت‬
‫اليات تترى توضممح هممذا المنهممج‪ ،‬وتممدعو إليممه‪ ،‬وتربممي المممة عليممه‪،‬‬
‫طا أو تفري ً‬
‫وا أو جفاء‪ ،‬إفرا ً‬
‫طا‪.‬‬
‫وتحذر مما يضاده غل ً‬
‫ولطول الموضوع وتشعبه‪ ،‬وكثرة اليات الواردة فيه‪ ،‬نظممًرا‬
‫لتعدد أجزائه ومنطلقاته‪ ،‬فسأقتصر على اختيار نماذج متفرقة تممبين‬
‫عناية القرآن الكريم به‪ ،‬فممي ضمموء المنهممج الممذي سمملكته فممي هممذا‬
‫البحث‪ ،‬ومن الله استمد العون والتوفيق‪.‬‬
‫الكبر والطغيان خلق ذميم‪ ،‬ذمه اللممه فممي أكممثر مممن موضممع فممي‬
‫كتابه‪ ،‬لما له من الثار السلبية على الفرد والمجتمع‪ ،‬والكبر خممروج‬
‫عن المنهج الوسط إلى الفراط والغلو وحب الذات‪ .‬والتفريط فممي‬
‫حق الخرين‪.‬‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪ -‬مبيًنا أثر الكبر على النسان‪ ،‬وكيف أنه يممؤدي إلممى‬
‫ر‬
‫ن ِفي آي َمما ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫جادُِلو َ‬
‫ن يُ َ‬
‫الحيلولة بينه وبين اليمان‪) .‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ت الل ّمهِ ب ِغَي ْم ِ‬

‫‪228‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫طا َ‬
‫سمت َعِذ ْ ب ِممالل ّهِ‬
‫ص ُ‬
‫م إِ ْ‬
‫م ب ِب َممال ِِغيهِ َفا ْ‬
‫ُ‬
‫ما هُ ْ‬
‫م إ ِّل ك ِب ٌْر َ‬
‫دورِهِ ْ‬
‫ن أَتاهُ ْ‬
‫ن ِفي ُ‬
‫سل ْ َ ٍ‬
‫صيُر( )غافر‪.(56:‬‬
‫ميعُ ال ْب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ه هُوَ ال ّ‬
‫إ ِن ّ ُ‬
‫ت‬
‫ن ِفممي آَيمما ِ‬
‫قال ابن كثير في تفسير الية‪) :‬ال ّ ِ‬
‫جادُِلو َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ذي َ‬
‫طا َ‬
‫م( )غافمر‪ :‬من الية ‪ (35‬أي‪ :‬يممدفعون الحممق‬
‫الل ّهِ ب ِغَي ْرِ ُ‬
‫ن أَتاهُ ْ‬
‫سل ْ َ ٍ‬
‫بالباطل‪ ،‬ويردون الحجج الصممحيحة بالشممبه الفاسممدة‪ ،‬بل برهممان ول‬
‫م إ ِّل ك ِب ٌْر( )غممافر‪ :‬مممن اليممة ‪ (56‬أي‪:‬‬
‫ص ُ‬
‫حجة من الله )إ ِ ْ‬
‫دورِهِ ْ‬
‫ن ِفي ُ‬
‫ما في صدورهم إل كبر على اتباع الحق واحتقار لمن جاءهم به)‪.(1‬‬
‫ن ك ُم ّ‬
‫وقال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وََقا َ‬
‫ل‬
‫م ِ‬
‫مو َ‬
‫ت ب َِرب ّممي وََرب ّك ُم ْ‬
‫سى إ ِّني عُذ ْ ُ‬
‫ل ُ‬
‫مم ْ‬
‫ب( )غافر‪ .(27:‬وقال‪) :‬ك َذ َل ِ َ‬
‫ه‬
‫ن ب ِي َوْم ِ ال ْ ِ‬
‫مت َك َب ّرٍ ل ي ُؤْ ِ‬
‫ح َ‬
‫ك ي َط ْب َمعُ الل ّم ُ‬
‫ُ‬
‫سا ِ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫عََلى ك ُ ّ‬
‫س ِفممي‬
‫مت َك َب ّرٍ َ‬
‫ب ُ‬
‫جّباٍر( )غافر‪ :‬من الية ‪ .(35‬وقال‪) :‬أل َي ْ َ‬
‫ل قَل ْ ِ‬
‫وى‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫مْثوىً ل ِل ْ ُ‬
‫م َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫ن( )الزمر‪ :‬من الية ‪ (60‬وقال‪) :‬فَل َب ِئ ْ َ‬
‫مث ْم َ‬
‫ري َ‬
‫مت َك َب ّ ِ‬
‫ن( )النحمل‪ :‬من الية ‪.(29‬‬
‫ال ْ ُ‬
‫ري َ‬
‫مت َك َب ّ ِ‬
‫َْ‬
‫مَرح ما ً إ ِن ّم َ‬
‫ق‬
‫ن تَ ْ‬
‫خ مرِ َ‬
‫ض َ‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪َ) :-‬ول ت َ ْ‬
‫ك ل َم ْ‬
‫مم ِ‬
‫ش فِممي الْر ِ‬
‫َ‬
‫ل ُ‬
‫طو ً‬
‫جَبا َ‬
‫ل( )السراء‪.(37:‬‬
‫ن ت َب ْل ُغَ ال ْ ِ‬
‫اْلْر َ‬
‫ض وَل َ ْ‬
‫خ مد ّ َ‬
‫ك‬
‫ص معّْر َ‬
‫ومن وصايا لقمان لبنه كما ذكر اللممه ‪َ) ‬ول ت ُ َ‬
‫ِللّناس ول ت َمش ِفي اْل َ‬
‫ب كُ ّ‬
‫خوٍر(‬
‫ر‬
‫ل فَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫مَرحا ً إ ِ ّ‬
‫ل ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ض َ‬
‫خَتا ٍ‬
‫ْ‬
‫ِ َ‬
‫ْ ِ‬
‫ِ‬
‫)لقمان‪.(18:‬‬
‫قال ابن كثير في تفسيرها‪ :‬قال ابن عباس‪ :‬يقول ل تتكممبر‬
‫فتحتقر عباد الله‪ ،‬وتعرض عنهم بوجهك إذا كّلموك)‪.(2‬‬
‫واليات في ذم الكبر والنهي عنه‪ ،‬وبيان عاقبة المتكممبرين كممثيرة‬
‫دا‪.‬‬
‫ج ً‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/84‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/446‬‬

‫‪229‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ومن اليات التي جاءت تنهي عن بعض الخلق الممقوتة‪ ،‬قوله ‪-‬‬
‫كإ َ‬
‫َ‬
‫شي ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ت‬
‫وا ِ‬
‫ض ِ‬
‫تعالى ‪َ) :-‬واقْ ِ‬
‫صوْت ِ َ ِ ّ‬
‫ك َواغْ ُ‬
‫صد ْ ِفي َ‬
‫ن أن ْك ََر اْل ْ‬
‫ن َ‬
‫ض ْ‬
‫صمم َ‬
‫م ْ‬
‫ر( )لقمان‪.(19:‬‬
‫ح ِ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫صو ْ ُ‬
‫لَ َ‬
‫مي ِ‬
‫ونهى الله ‪ -‬سبحانه ‪ -‬عن كتمان الشهادة لممما لهمما مممن آثممار فممي‬
‫إضاعة الحقوق وسوء المعاملة بين الناس‪ ،‬فقال ‪ -‬جممل وعل ‪َ) :-‬ول‬
‫موا ال ّ‬
‫ه( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(283‬‬
‫م قَل ْب ُ ُ‬
‫ه آث ِ ٌ‬
‫مَها فَإ ِن ّ ُ‬
‫ن ي َك ْت ُ ْ‬
‫شَهاد َةَ وَ َ‬
‫ت َك ْت ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫ومن سوء أخلق بني إسرائيل ما ذكممره اللممه عنهممم بقمموله‪) :‬وَإ ِذ ْ‬
‫ن لَ َ‬
‫ة( )البقرة‪ :‬من الية‬
‫جهَْر ً‬
‫ن ن ُؤْ ِ‬
‫ه َ‬
‫ك َ‬
‫مو َ‬
‫حّتى ن ََرى الل ّ َ‬
‫م َيا ُ‬
‫قُل ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫سى ل َ ْ‬
‫‪.(55‬‬
‫قال عبد الرحمن بن سعدي‪:‬‬
‫وهذه غاية الجرأة على الله وعلى رسوله)‪.(1‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن سعدي )‪.(1/86‬‬

‫‪230‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقال ابن عاشور‪:‬‬
‫تذكير بنعمة أخرى نشأت بعد عقاب على جفا طبع)‪.(1‬‬
‫ونقض العهد والميثاق خلق فاسد ومعاملة ممقوتة‬

‫)‪(2‬‬

‫ولذلك جمماء‬

‫ذم الناكثين العهممود الخممائنين للمواثيممق والعقممود‪ ،‬قممال ‪ -‬سممبحانه ‪:-‬‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ه ب ِم ِ‬
‫ن ب َعْدِ ِ‬
‫ن عَهْد َ الل ّهِ ِ‬
‫)َوال ّ ِ‬
‫ميَثاقِهِ وَي َْقط َُعو َ‬
‫ضو َ‬
‫ن ي َن ُْق ُ‬
‫مَر الل ّم ُ‬
‫ما أ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫أَ‬
‫ن ِفي اْل َ‬
‫ض ُأول َئ ِ َ‬
‫َ‬
‫داِر(‬
‫ر‬
‫دو‬
‫س‬
‫ف‬
‫ْ‬
‫ي‬
‫و‬
‫ل‬
‫ص‬
‫يو‬
‫ن‬
‫م الل ّعْن َ ُ‬
‫ِ‬
‫سوءُ المم ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫م ُ‬
‫ة وَل َهُ ْ‬
‫ك ل َهُ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ما ن َْق ِ‬
‫م وَ َ‬
‫جعَل ْن َمما قُل ُمموب َهُ ْ‬
‫م ل َعَن ّمماهُ ْ‬
‫ميث َمماقَهُ ْ‬
‫ض مه ِ ْ‬
‫)الرعد‪ .(25:‬وقال‪) :‬فَب ِ َ‬
‫ة( )المائدة‪ :‬من الية ‪.(13‬‬
‫سي َ ً‬
‫َقا ِ‬
‫وفي مقابل الكممبر نجممد الممذل والضممعف والخممور‪ ،‬وبخاصممة أمممام‬
‫أعداء اللمه‪ ،‬فمإنه خلمق ل يرضماه اللمه ‪ -‬جمل وعل ‪ ،-‬فلمذلك قمال ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ :-‬واصًفا المؤمنين بما هم عليه من خلق رفيع‪) :‬أ َذِل ّمةٍ عَل َممى‬
‫عّزةٍ عََلى ال ْ َ‬
‫ن( )المائدة‪ :‬من الية ‪.(54‬‬
‫ن أَ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ري َ‬
‫مِني َ‬
‫كافِ ِ‬
‫ومن هنا‪ ،‬ودللة على أن الذل مسممبة وعممار‪ ،‬وليممس خلًقمما رفيعًمما‬
‫وسيرة محمودة‪ ،‬بين الله أنه جعله عقوبة لمن عصاه‪ ،‬وتكممبر علممى‬
‫ة‬
‫س مك َن َ ُ‬
‫م الذ ّل ّم ُ‬
‫رسله وهداه‪ ،‬فقال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬وَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ة َوال ْ َ‬
‫ت عَل َي ْهِ م ُ‬
‫ض مرِب َ ْ‬
‫ه( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(61‬‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ب ِ‬
‫وََباُءوا ب ِغَ َ‬
‫ض ٍ‬
‫م َ‬
‫وقال‪) :‬ضربت عَل َيهم الذ ّل ّ ُ َ‬
‫ما ث ُِقُفوا( )آل عمران‪ :‬مممن اليممة‬
‫ن َ‬
‫ِْ ُ‬
‫ُ َِ ْ‬
‫ة أي ْ َ‬
‫جم َ‬
‫خ ُ‬
‫م‬
‫ن ات ّ َ‬
‫ب ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ضم ٌ‬
‫م غَ َ‬
‫ذوا ال ْعِ ْ‬
‫‪ .(112‬وقال‪) :‬إ ِ ّ‬
‫ل َ‬
‫ن َرب ّهِ م ْ‬
‫س مي ََنال ُهُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا( )العراف‪ :‬من الية ‪.(152‬‬
‫وَذِل ّ ٌ‬
‫ة ِفي ال ْ َ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير )‪.(2/504‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفصيل ذلك في رسالة المؤلف‪ :‬العهد والميثاق في القرآن الكريم‪.‬‬

‫‪231‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫قال سيد قطب مبيًنا أثر الذل علــى هــؤلء اليهــود‪ ،‬إن‬
‫فترة الذلل التي قضوها تحت حكم فرعممون الطاغيممة قممد أفسممدت‬
‫دا عميًقا‪.‬‬
‫فطرتهم إفسا ً‬
‫دا للفطممرة مممن الممذل الممذي ينشممئه الطغيممان‬
‫وليممس أشممد إفسمما ً‬
‫الطويل‪ ،‬والذي يحطم فضائل النفممس البشممرية‪ ،‬ويحلممل مقوماتهمما‪،‬‬
‫ويغرس فيهمما المعممروف مممن طبمماع العبيممد‪ ،‬اسممتخذاء تحممت سمموط‬
‫الجلد‪ ،‬وتمردا حين يرفع عنها السوط‪ ،‬وتبطًرا حين يتاح لهمما شمميء‬
‫من النعمة والقوة‪.‬‬
‫وهكذا كانت إسرائيل‪ ،‬وهكذا هي في كل حين‬

‫)‪(1‬‬

‫‪.‬‬

‫وإذا كان هؤلء قد ضرب الله عليهم الذلة في الحياة الدنيا‪ ،‬فممإن‬
‫ضمما ‪ -‬جممزاء هممؤلء وغيرهممم ممممن ُدعممي إلممى عبممادة اللممه‬
‫الذلممة ‪ -‬أي ً‬
‫خاشع ً َ‬
‫م ذِل ّم ٌ‬
‫ة وَقَمد ْ‬
‫فاستكبر وأبى‪ ،‬قال ‪ -‬تعالى ‪َ ِ َ ) :-‬‬
‫م ت َْرهَُقهُم ْ‬
‫صاُرهُ ْ‬
‫ة أب ْ َ‬
‫ن( )القلممم‪ .(43:‬وقممال‪:‬‬
‫مو َ‬
‫سم ُ‬
‫ك َمماُنوا ي ُمد ْعَوْ َ‬
‫م َ‬
‫ن إ ِل َممى ال ّ‬
‫سممال ِ ُ‬
‫جودِ وَهُ م ْ‬
‫خاشع ً َ‬
‫ة ذ َل ِم َ‬
‫ن(‬
‫م ذِل ّم ٌ‬
‫م ال ّم ِ‬
‫دو َ‬
‫ذي ك َمماُنوا ُيوعَم ُ‬
‫) َ ِ َ‬
‫ك ال ْي َموْ ُ‬
‫م ت َْرهَُقهُم ْ‬
‫صمماُرهُ ْ‬
‫ة أب ْ َ‬
‫)المعارج‪.(44:‬‬
‫وقممال ‪ -‬سممبحانه ‪ -‬ممتن ًمما علممى عبمماده حيممث أعزهممم بعممد الذلممة‬
‫َ‬
‫م‬
‫م أ َذِل ّم ٌ‬
‫ه ل َعَل ّك ُم ْ‬
‫ة فَممات ُّقوا الل ّم َ‬
‫ه ب ِب َمد ْرٍ وَأن ْت ُم ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫صَرك ُ ُ‬
‫والنكسار‪) :‬وَل ََقد ْ ن َ َ‬
‫تَ ْ‬
‫ن( )آل عمران‪.(123:‬‬
‫شك ُُرو َ‬
‫وخلصة المر‪ :‬أن هذه اليات تدل على أن تلك الخلق مما ل‬
‫يقممره الشممرع لمخالفتهمما للمنهممج الحممق والطريممق السمموي‪ ،‬ولممذلك‬
‫جاءت اليات تبين ما يجب أن يكون عليه المسلم من خلممق صممادق‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(1/72‬‬

‫‪232‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫دا عن الخلق الذميم سواء كان إفرا ً‬
‫طمما أو‬
‫وحسن في المعاملة‪ ،‬بعي ً‬
‫تفري ً‬
‫طا‪ ،‬وهذه اليات هي التي ترسممم المنهممج الوسممط فممي الخلق‬
‫والمعاملة‪.‬‬

‫قال ‪ -‬تعمالى ‪ -‬مثنًيما علمى نمبيه‪ ،‬‬

‫ك ل َعََلمى ُ ُ‬
‫)وَإ ِّنم َ‬
‫م(‬
‫ق عَ ِ‬
‫ظيم ٍ‬
‫خلم ٍ‬

‫)القلم‪.(4:‬‬
‫ت فَظ ّما ً‬
‫مة ٍ ِ‬
‫ما َر ْ‬
‫م وَل َوْ ك ُن ْم َ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫ن الل ّهِ ل ِن ْ َ‬
‫ح َ‬
‫وقال ‪ -‬جل وعل ‪) :-‬فَب ِ َ‬
‫م َ‬
‫غَِليمم َ‬
‫حوِْلمم َ‬
‫م‬
‫ك َفمماعْ ُ‬
‫ضمموا ِ‬
‫ن َ‬
‫ب َلن َْف ّ‬
‫م َوا ْ‬
‫سممت َغِْفْر ل َُهمم ْ‬
‫ف عَن ُْهمم ْ‬
‫ظ ال َْقْلمم ِ‬
‫ممم ْ‬
‫َ‬
‫وَ َ‬
‫ر( )آل عمران‪ :‬من الية ‪.(159‬‬
‫م ِفي اْل ْ‬
‫شاوِْرهُ ْ‬
‫م ِ‬
‫ْ‬
‫ن(‬
‫ض َ‬
‫ف وَأ َ ْ‬
‫وقممال‪ُ ) :‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫مممْر ِبممال ْعُْر ِ‬
‫خممذِ ال ْعَْفمموَ وَأ ُ‬
‫عممرِ ْ‬
‫جمماهِِلي َ‬
‫عمم ِ‬
‫)العراف‪.(199:‬‬
‫ن ات ّب َعَم َ‬
‫حم َ‬
‫ن( )الشممعراء‪:‬‬
‫وقال‪َ) :‬وا ْ‬
‫م مؤ ْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫جَنا َ‬
‫ض َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ك لِ َ‬
‫خِف ْ‬
‫مِني َ‬
‫مم َ‬
‫مم ِ‬
‫‪.(215‬‬
‫وقال ‪ -‬جل وعل ‪ -‬واصًفا عباده المؤمنين وما هم عليه من خلممق‬
‫َْ‬
‫شممو َ َ‬
‫م ُ‬
‫ض‬
‫رفيع‪ ،‬ومعاملة حسنة‪) :‬وَ ِ‬
‫ن ال ّ م ِ‬
‫عَباد ُ الّر ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ح َ‬
‫ذي َ‬
‫م ِ‬
‫ن عَلممى الْر ِ‬
‫ونا ً وَإ ِ َ‬
‫سلمًا( )الفرقان‪ (63:‬ثممم قممال‪( :‬‬
‫ذا َ‬
‫جاهُِلو َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن َقاُلوا َ‬
‫خاط َب َهُ ُ‬
‫هَ ْ‬
‫ن الّزوَر وَإ ِ َ‬
‫ن ل يَ ْ‬
‫م مّروا ك َِرام مًا( )الفرقممان‪:‬‬
‫َوال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫شه َ ُ‬
‫مّروا ب ِممالل ّغْوِ َ‬
‫ذا َ‬
‫ذي َ‬
‫‪ (72‬وهذا قمة الخلق وحسن الطوية‪ ،‬ولذلك قال في آيممات أخممرى‪:‬‬
‫ن إِ َ‬
‫ذا ذ ُك ّمُروا ب ِهَمما َ‬
‫ممدِ‬
‫ن ِبآيات َِنا ال ّ ِ‬
‫ما ي ُؤْ ِ‬
‫حوا ب ِ َ‬
‫سمب ّ ُ‬
‫سم ّ‬
‫جدا ً وَ َ‬
‫خمّروا ُ‬
‫ح ْ‬
‫)إ ِن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫م ُ‬
‫ن( )السجدة‪ .(15:‬أما غيرهم فكما أخممبر اللممه‬
‫ست َك ْب ُِرو َ‬
‫م ل يَ ْ‬
‫م وَهُ ْ‬
‫َرب ّهِ ْ‬
‫م َ‬
‫ذا ِقي َ‬
‫كاُنوا إ ِ َ‬
‫ن( )الصممافات‪:‬‬
‫س مت َك ْب ُِرو َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ه إ ِّل الل ّ ُ‬
‫م ل إ ِل َ َ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫عنهم (إ ِن ّهُ ْ‬
‫‪ ،(35‬وفرق شاسع بين الخلقين‪.‬‬

‫‪233‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ومما أمر الله به عباده‪ ،‬تربية على الخلممق الحسممن‪ ،‬ودفعًمما لكيممد‬
‫ع‬
‫الشيطان ونمزغه ما قاله ‪ -‬سبحانه ‪ -‬فممي سممورة المؤمنممون‪) :‬اد ْفَم ْ‬
‫ة نح َ‬
‫َ‬
‫ن( )المؤمنون‪.(96:‬‬
‫ما ي َ ِ‬
‫صُفو َ‬
‫يأ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ح َ‬
‫م بِ َ‬
‫ن أعْل َ ُ‬
‫سي ّئ َ َ َ ْ ُ‬
‫س ُ‬
‫ِبال ِّتي هِ َ‬
‫ع‬
‫سمي ّئ َ ُ‬
‫سمن َ ُ‬
‫ة اد ْفَم ْ‬
‫وي ال ْ َ‬
‫ة َول ال ّ‬
‫ح َ‬
‫وقال في سورة فصمملت‪َ) :‬ول ت َ ْ‬
‫سمت َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذي ب َي ْن َ َ‬
‫ن فَإ ِ َ‬
‫ممما‬
‫ح ِ‬
‫ذا ال ّ ِ‬
‫ي َ‬
‫ه عَ َ‬
‫يأ ْ‬
‫ح َ‬
‫م وَ َ‬
‫ميم ٌ‬
‫داوَةٌ ك َمأن ّ ُ‬
‫ك وَب َي ْن َ ُ‬
‫ه وَل ِم ّ‬
‫س ُ‬
‫ِبال ِّتي هِ َ‬
‫ح ّ‬
‫ما ي َن َْزغَن ّ َ‬
‫ها إ ِّل ُ‬
‫ن‬
‫ما ي ُل َّقا َ‬
‫ي ُل َّقا َ‬
‫ك ِ‬
‫ظ عَ ِ‬
‫ها إ ِّل ال ّ ِ‬
‫ذو َ‬
‫ظيم ٍ وَإ ِ ّ‬
‫صب َُروا وَ َ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫م( )فصمملت‪-34:‬‬
‫سم ِ‬
‫ه هُ موَ ال ّ‬
‫ن ن َْزغٌ َفا ْ‬
‫ميعُ ال ْعَِلي م ُ‬
‫ست َعِذ ْ ِبالل ّهِ إ ِن ّم ُ‬
‫طا ِ‬
‫‪.(36‬‬
‫وكذلك أمر الله بالوفــاء بــالعهود والمواثيــق والعقــود‪،‬‬
‫وذلك من صميم المعاملة التي يجب أن تكون بيممن المسمملمين‪ ،‬بممل‬
‫َ‬
‫مُنوا‬
‫حتى ولو كانت مع الكافرين‪ ،‬فقال ‪ -‬جل وعل ‪َ) :-‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫م ِ‬
‫أوُْفوا ِبال ْعُُقوِد( )المائدة‪ :‬من الية ‪ (1‬وقال‪) :‬إ ِّل ال ّم ِ‬
‫عاهَ مد ْت ُ ْ‬
‫مم َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫شيئا ً ول َم يظ َمماهروا عَل َيك ُم َ‬
‫م ْ‬
‫موا‬
‫شرِ ِ‬
‫مأ َ‬
‫م َ ْ َ ْ ُ‬
‫حممدا ً فَمأت ِ ّ‬
‫ْ ْ‬
‫صوك ُ ْ‬
‫م لَ ْ‬
‫ن ثُ ّ‬
‫ال ْ ُ‬
‫م ي َن ُْق ُ‬
‫ِ ُ‬
‫كي َ‬
‫م( )التوبة‪ :‬من الية ‪.(4‬‬
‫م عَهْد َهُ ْ‬
‫إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن ب ِعَهْ مدِ الل ّمهِ َول‬
‫ب ال ّم ِ‬
‫ن ُيوفُممو َ‬
‫وقممال‪) :‬إ ِن ّ َ‬
‫ممما ي َت َمذ َك ُّر أول ُممو اْلل ْب َمما ِ‬
‫ذي َ‬
‫ق( )الرعمد‪،19:‬م ‪ .(20‬وقمال‪) :‬وَأ َوْفُمموا ب ِعَْهمدِ الّلمهِ إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ميَثا َ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ضو َ‬
‫ي َن ُْق ُ‬
‫َ‬
‫م ك َِفيل ً‬
‫َ‬
‫كيدِ َ‬
‫ن ب َعْد َ ت َوْ ِ‬
‫ها وَقَد ْ َ‬
‫ما َ‬
‫م َول ت َن ُْق ُ‬
‫ه عَل َي ْك ُ ْ‬
‫م الل ّ َ‬
‫جعَل ْت ُ ُ‬
‫ضوا اْلي ْ َ‬
‫عاهَد ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن( )النحممل‪ .(91:‬وقممال‪) :‬وَأوْفُمموا ِبال ْعَهْ مدِ إ ِ ّ‬
‫ممما ت َْفعَل ُممو َ‬
‫إِ ّ‬
‫م َ‬
‫ه ي َعْل َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ال ْعَهْد َ َ‬
‫ؤو ً‬
‫س ُ‬
‫ل( )السمراء‪ :‬من الية ‪.(34‬‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫ومن الخلق التي أمر الله بها‪ ،‬ممما أمممر بممه الممزوج عنممدما‬
‫يطلق زوجته طلًقا رجعًيا‪ ،‬حيث قممال‪) :‬وَإ ِ َ‬
‫ن‬
‫م الن ّ َ‬
‫ذا ط َل ّْقت ُم ُ‬
‫سمماءَ فَب َل َغْ م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سم ُ‬
‫س ُ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫معْمُرو ٍ‬
‫سمّر ُ‬
‫معُْرو ٍ‬
‫أ َ‬
‫ف أو ْ َ‬
‫ف َول ت ُ ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ن فَأ ْ‬
‫كوهُ ّ‬
‫حوهُ ّ‬
‫كوهُ ّ‬
‫جل َهُ ّ‬

‫‪234‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ل ذ َل ِ َ‬
‫ن ي َْفعَ ْ‬
‫ه( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة‬
‫ِ‬
‫ضَرارا ً ل ِت َعْت َ ُ‬
‫م ن َْف َ‬
‫س ُ‬
‫ك فََقد ْ ظ َل َ َ‬
‫دوا وَ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫‪ .(231‬ومثل ذلك الية التي جاءت في سورة الطلق‪) :‬فَأ ْ‬
‫كوهُ ّ‬
‫َ‬
‫ف( )الطلق‪ :‬من الية ‪.(2‬‬
‫معُْرو ٍ‬
‫معُْرو ٍ‬
‫ن بِ َ‬
‫بِ َ‬
‫ف أوْ َفارُِقوهُ ّ‬
‫وكذلك من العدل وحسممن الخلممق فممي المعاملممة ممما جمماء بممالمر‬
‫بالوفمماء بالكيممل‪ ،‬قممال سممبحانه‪) :‬وَأ َوُْفمموا ال ْك َْيمم َ‬
‫ل إِ َ‬
‫م وَزُِنمموا‬
‫ذا ك ِل ُْتمم ْ‬
‫ِبال ِْق ْ َ‬
‫م( )السممراء‪ :‬مممن اليممة ‪ (35‬وقممال‪) :‬فَمأ َوُْفوا‬
‫م ْ‬
‫س ال ْ ُ‬
‫سمت َِقي ِ‬
‫سمطا ِ‬
‫َْ‬
‫ال ْك َي ْ َ‬
‫س أَ ْ‬
‫ض‬
‫ن َول ت َب ْ َ‬
‫م َول ت ُْف ِ‬
‫ل َوال ْ ِ‬
‫س ُ‬
‫ميَزا َ‬
‫خ ُ‬
‫شَياَءهُ ْ‬
‫سوا الّنا َ‬
‫دوا ِفممي الْر ِ‬
‫ن( )العممراف‪ :‬مممن اليممة‬
‫م َ‬
‫صل ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫م إِ ْ‬
‫م ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫خي ٌْر ل َك ُ ْ‬
‫حَها ذ َل ِك ُ ْ‬
‫ب َعْد َ إ ِ ْ‬
‫مِني َ‬
‫‪.(85‬‬
‫ولذلك شنع الله على أولئك الذين حادوا على المنهج الوسط في‬
‫الكيممل والميممزان‪ ،‬فقممال‪) :‬وَي ْم ٌ‬
‫ن إِ َ‬
‫ذا اك ْت َمماُلوا عَل َممى‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫ل ل ِل ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫مط َّفِفيم َ‬
‫خسمرو َ‬
‫ذا ك َمماُلوهُ َ‬
‫ن ُأول َئ ِ َ‬
‫ن وَإ ِ َ‬
‫ك‬
‫م يُ ْ ِ ُ َ‬
‫ست َوُْفو َ‬
‫س يَ ْ‬
‫م أوْ وََزن ُمموهُ ْ‬
‫ْ‬
‫ن أل ي َظ ُم ّ‬
‫الّنا ِ‬
‫َ‬
‫م( )المطففين‪.(5-1:‬‬
‫ن ل ِي َوْم ٍ عَ ِ‬
‫مب ُْعوُثو َ‬
‫م َ‬
‫أن ّهُ ْ‬
‫ظي ٍ‬
‫ومن الخلق التي أمر الله بها ما جاء في سورة المجادلة‪َ) :‬يا أ َي َّها‬
‫ذا ِقي َ‬
‫مُنوا إ ِ َ‬
‫ح‬
‫ال ّ ِ‬
‫سم ُ‬
‫م َ‬
‫سم ُ‬
‫حوا ي َْف َ‬
‫س َفافْ َ‬
‫م ت ََف ّ‬
‫حوا فِممي ال ْ َ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫سم ِ‬
‫جممال ِ ِ‬
‫ذا ِقي َ‬
‫شُزوا َفان ْ ُ‬
‫ل ان ْ ُ‬
‫م وَإ ِ َ‬
‫شُزوا( )المجادلة‪ :‬من الية ‪.(11‬‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫الل ّ ُ‬
‫وإذا تأملنا سورة الحجرات وما فيهمما مممن أخلق عاليممة أمممر اللممه‬
‫بها‪ ،‬ونهى عن سيئ الخلق وأرذلها‪ ،‬علمنمما الجهممد المبممذول لتربيممة‬
‫هذه المة على الخلق القويمة‪ ،‬وتجنيبها ما وقعت فيه بعض المممم‬
‫ما واليهممود‬
‫السابقة من أراذل الخلق وسفسافها كأهل الكتاب عمو ً‬
‫صا‪.‬‬
‫خصو ً‬

‫‪235‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مممل همماتين اليممتين لممترى كيممف يرسممم القممرآن الكريممم منهممج‬
‫وتأ ّ‬
‫الوسطية‪.‬‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪ -‬في سورة القصص مخبًرا عما جممرى بيممن موسممى‬
‫ل إني أ ُريد أ َ ُ‬
‫حم َ‬
‫ي‬
‫وشعيب )‪ (1‬عليهما السلم‪َ) :‬قا َ ِ ّ‬
‫حم َ‬
‫ك إِ ْ‬
‫ن أن ْك ِ َ‬
‫ِ ُ ْ‬
‫دى اب ْن َت َم ّ‬
‫ْ‬
‫حجج فَإ َ‬
‫َ‬
‫عن ْمدِ َ‬
‫ت عَ ْ‬
‫ك‬
‫ن ِ‬
‫َ‬
‫شممرا ً فَ ِ‬
‫ي ِ َ ٍ ِ ْ‬
‫ن ت َأ ُ‬
‫ن عََلى أ ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ن أت ْ َ‬
‫جَرِني ث َ َ‬
‫مم ْ‬
‫مان ِ َ‬
‫هات َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫شمقّ عَل َي ْم َ‬
‫ن َ‬
‫ن أَ ُ‬
‫ن(‬
‫صممال ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫جد ُِني إ ِ ْ‬
‫ممما أِريمد ُ أ ْ‬
‫ك َ‬
‫شمماَء الّلم ُ‬
‫سمت َ ِ‬
‫وَ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫حي َ‬
‫مم َ‬
‫)القصص‪.(27:‬‬
‫ل‬
‫وقال في سورة النساء‪) :‬ل ي ُ ِ‬
‫سمموءِ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫جهَْر ِبال ّ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫ن ال َْق موْ ِ‬
‫مم َ‬
‫م وَ َ‬
‫ميعا ً عَِليمًا( )النساء‪.(148:‬‬
‫س ِ‬
‫كا َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ن ظ ُل ِ َ‬
‫إ ِّل َ‬
‫م ْ‬
‫وأختم هذا المبحث بهذه الوقفة المهمة‪:‬‬
‫لما أثنى الله على رسوله‪  ،‬لحسن خلقه‪ ،‬فقال‪) :‬وَإ ِن ّ َ‬
‫ك ل َعََلممى‬
‫ُ ُ‬
‫ن‬
‫ق عَ ِ‬
‫م( )القلممم‪ (4:‬قممال بعممد عممدة آيممات‪) :‬وَ ّ‬
‫دوا َلمموْ ُتممد ْهِ ُ‬
‫ظيمم ٍ‬
‫خلمم ٍ‬
‫ن( )القلم‪.(9:‬‬
‫فَي ُد ْهُِنو َ‬
‫قال ابن عباس‪:‬‬
‫لو ترخص لهم فيرخصون)‪.(2‬‬
‫والوقفة هنا‪ :‬هناك مممن يتصممور أن مممن لمموازم حسممن الخلممق‬
‫المداهنة والمصانعة‪.‬‬
‫بممل تعجممب إذا سمممعت مممن يممرى أن ذلممك مممن أسممس الممدعوة‬
‫وأساليبها‪.‬‬
‫وهذا خلل في الفهم‪ ،‬وقصممور فممي التصممور‪ ،‬وذلممك أنممه فممي‬

‫السمورة المتي أثنمى اللمه فيهمما علممى رسموله‪ ،‬‬

‫لخلقممه الرفيعممة‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(13/270‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/403‬‬

‫‪236‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن َول‬
‫ن فَي ُد ْهُِنو َ‬
‫العظيمة‪ ،‬نفى عنه المداهنة والمصانعة‪) .‬وَ ّ‬
‫دوا ل َوْ ت ُد ْهِ ُ‬
‫ت ُط ِعْ ك ُ ّ‬
‫ن( )القلم‪ ،9:‬م ‪ (10‬مع التنبيه إلى أن هناك فرقمما‬
‫حّل ٍ‬
‫ل َ‬
‫ف َ‬
‫مِهي ٍ‬
‫بين المداهنة المحرمة‪ ،‬والمدرارة المشروعة فليعلم ذلك)‪.(1‬‬
‫هذه بعض الخلق التي ذكرها الله في القرآن الكريم‪،‬‬
‫جاءت لممتربي المممة علممى الخلق الفاضمملة‪ ،‬والمعاملممة المسممتقيمة‬
‫دون تكبر وبطر وغمط لحقوق الناس‪ ،‬أو ضعف وخور وذلة‪.‬‬
‫لقد اتصف اليهود بالكبر والتعالي والغطرسة حتى على أنبيممائهم‪،‬‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ورسمملهم‪ ،‬عليهممم السمملم‪ ،‬بممل علممى ربهممم ‪ -‬جل وعل ‪) :-‬أرِن َمما الل ّم َ‬
‫ة( )النساء‪ :‬من الية ‪) (153‬اد ْعُ ل ََنا َرب ّ َ‬
‫ك( )البقممرة‪ :‬مممن اليممات‬
‫جهَْر ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت وََرب ّ َ‬
‫ك فََقاِتل( )المائدة‪ :‬من الية ‪.(24‬‬
‫‪َ) (70 ،68،69‬فاذ ْهَ ْ‬
‫ب أن ْ َ‬
‫واتصف النصارى بالذل والجبن‪ ،‬حتى كممان مممما يتوارثممونه‪.‬‬
‫"إذا صفعك أحد على خدك اليسر فأدر له خدك اليمممن"‪ .‬أممما هممذه‬
‫المة فقد ربيممت علممى العممزة والكرامممة‪ ،‬مممع سمممو الخلممق وحسممن‬
‫التعامل‪ ،‬حتى مع العداء‪ ،‬بل وأثناء القتال والطعان‪ ،‬وهذه درجة لم‬
‫تصل إليها أمة من المم الماضية‪ ،‬ولن تصل إليها أي أمممة حاضممرة‪:‬‬
‫ول عجممب فممي ذلممك فإنهمما أمممة السمملم‪ ،‬المممة الوسممط )وَك َمذ َل ِ َ‬
‫ك‬
‫ُ‬
‫جعل ْنمماك ُ ُ‬
‫م َ‬
‫مم ً‬
‫م مةٍ‬
‫َ َ َ‬
‫ة وَ َ‬
‫خي ْمَر أ ّ‬
‫سممطًا( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪) .(143‬ك ُن ْت ُم ْ‬
‫مأ ّ‬
‫ْ‬
‫س( )آل عمران‪ :‬من الية ‪ (110‬ورسولها‪  ،‬قال فيه‬
‫أُ ْ‬
‫خرِ َ‬
‫ج ْ‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫ك ل َعََلى ُ ُ‬
‫موله‪) :‬وَإ ِن ّ َ‬
‫م( )القلم‪.(4:‬‬
‫ق عَ ِ‬
‫ظي ٍ‬
‫خل ٍ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬كتاب‪ :‬القول البين الظهر للراجحي ص )‪ (115‬فقد بين ذلك‪.‬‬

‫‪237‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫كسب المال وإنفاقه‬
‫قضية المال من القضايا الكممبرى الممتي عنممي بهمما السمملم كسمًبا‪،‬‬
‫وحف ً‬
‫ظا‪ ،‬وإنفاًقا‪.‬‬
‫وذلك أن المال عصب الحيــاة‪ ،‬وهممو بالنسممبة للحيمماة الممدنيا‬
‫كالماء الذي يمشي في غصون الشجر‪ ،‬وكالممدماء الممتي تجممري فممي‬
‫عروق البشر‪.‬‬
‫ولقد سلك الناس ‪ -‬ول يزالون ‪ -‬مسالك شتى في هذا المال‪،‬‬
‫كسًبا‪ ،‬وجمًعا‪ ،‬وإنفاًقا‪.‬‬
‫والكثرة الكاثرة‪ ،‬والغالبية العظمى ضلوا الطريق‪ ،‬وحادوا عن‬
‫سواء السبيل‪.‬‬
‫ولذلك جــاء القــرآن الكريــم مبين ًمما خطممورة هممذا النحممراف‪،‬‬
‫وهادًيا إلى الصراط المستقيم‪.‬‬
‫وفي ضوء المنهج الذي أشرت إليه مممراًرا‪ ،‬سممأذكر بعممض ممما‬
‫ورد فممي كتمماب اللممه مممن آيممات تممبين خطمموط النحممراف‪ ،‬وطريممق‬
‫الوسط الذي يجممب أن يسمملكه المؤمنممون‪) .‬أ( في جمــع المــال‬
‫وحبه‪:‬‬
‫وردت عممدة آيممات تممبين خطممورة النهممماك فممي جمممع المممال‬
‫والمبالغة‪ ،‬والفراط في حبممه‪ ،‬وقممد وردت هممذه اليممات فممي سممياق‬
‫الذم لذلك‪ .‬ومن تلك اليات‪:‬‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وتأ ْك ُُلون الترا َ َ‬
‫ما َ‬
‫مممًا(‬
‫ما ً وَت ُ ِ‬
‫ََ‬
‫حب ّا ً َ‬
‫ل ُ‬
‫حّبو َ‬
‫ج ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ث أك ْل ً ل َ ّ‬
‫َ َّ‬
‫)الفجر‪.(20 ،19:‬‬

‫‪238‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقد برر المتخلفون عممن الجهمماد مممن المنممافقين وغيرهممم سممبب‬
‫ل لَ َ‬
‫سي َُقو ُ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫ن ِ‬
‫خل ُّفممو َ‬
‫تخلفهم‪ ،‬بانشغالهم بأموالهم وأولدهم‪َ ) :‬‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫مم َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب َ‬
‫وال َُنا وَأ َهُْلوَنا( )الفتح‪ :‬من الية ‪.(11‬‬
‫شغَل َت َْنا أ ْ‬
‫اْلعَْرا ِ‬
‫م َ‬
‫ه عََلى ذ َل ِ َ‬
‫ك لَ َ‬
‫شممِهيد ٌ‬
‫سا َ‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬إ ِ ّ‬
‫ن اْل ِن ْ َ‬
‫ن ل َِرب ّهِ ل َك َُنود ٌ وَإ ِن ّ ُ‬
‫خي ْرِ ل َ َ‬
‫د( )العاديات‪.(8-6:‬‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ش ِ‬
‫دي ٌ‬
‫ح ّ‬
‫ه لِ ُ‬
‫وَإ ِن ّ ُ‬
‫َ‬
‫م الت ّ َ‬
‫م‬
‫س مو ْ َ‬
‫مممو َ‬
‫كاث ُُر َ‬
‫مَقمماب َِر ك َّل َ‬
‫ن ث ُم ّ‬
‫ف ت َعْل َ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫حّتى ُزْرت ُ ُ‬
‫وقال‪) :‬أل َْهاك ُ ُ‬
‫ن( )التكاثر‪.(4:‬‬
‫سوْ َ‬
‫مو َ‬
‫ك َّل َ‬
‫ف ت َعْل َ ُ‬
‫َ‬
‫ل ل ِك ُ ّ‬
‫وقال‪) :‬وَي ْ ٌ‬
‫ن‬
‫مَزةٍ ال ّ ِ‬
‫بأ ّ‬
‫سم ُ‬
‫مممال ً وَعَ مد ّد َهُ ي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ح َ‬
‫مع َ َ‬
‫ج َ‬
‫مَزةٍ ل ُ َ‬
‫ل هُ َ‬
‫ة( )الهمزة‪.(4-1:‬‬
‫ه أَ ْ‬
‫م ِ‬
‫ن ِفي ال ْ ُ‬
‫خل َد َهُ ك َّل ل َي ُن ْب َذ َ ّ‬
‫حط َ َ‬
‫مال َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ممما‬
‫ب وَت َم ّ‬
‫ت ي َم َ‬
‫ب َ‬
‫وقال ‪ -‬جل وعل ‪ -‬عن أبي لهممب‪) :‬ت َب ّم ْ‬
‫دا أب ِممي ل َهَم ٍ‬
‫َ‬
‫صَلى َنارا ً َ‬
‫ب( )المسد‪.(3-1:‬‬
‫س َ‬
‫ب َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ذا َ‬
‫ه وَ َ‬
‫مال ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫أغَْنى عَن ْ ُ‬
‫ت ل َهَ ٍ‬
‫سي َ ْ‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬مخبًرا عمن سيؤتى كتابه بشماله يمموم القيامممة‬
‫َ‬
‫حيث سيقول متحسًرا‪َ) :‬يا ل َي ْت ََها َ‬
‫ه(‬
‫ضي َ َ‬
‫ت ال َْقا ِ‬
‫كان َ ِ‬
‫مممال ِي َ ْ‬
‫ما أغَْنى عَن ّممي َ‬
‫ة َ‬
‫)الحاقة‪.(28 ،27:‬‬
‫َ‬
‫ست َغَْنى( )العلق‪.(7 ،6:‬‬
‫ن ل َي َط َْغى أ ْ‬
‫سا َ‬
‫وقال‪) :‬ك َّل إ ِ ّ‬
‫ن َرآهُ ا ْ‬
‫ن اْل ِن ْ َ‬
‫َ‬
‫ل ب َعْد َ ذ َل ِ َ‬
‫وقال‪) :‬عُت ُ ّ‬
‫ن َ‬
‫ن( )القلممم‪،13:‬‬
‫ن ك َمما َ‬
‫ك َزِني مم ٍ أ ْ‬
‫ذا َ‬
‫ل وَب َِني م َ‬
‫ممما ٍ‬
‫‪.(14‬‬
‫ه إِ َ‬
‫دى( )الليل‪.(11:‬‬
‫ذا ت ََر ّ‬
‫مال ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ما ي ُغِْني عَن ْ ُ‬
‫وقال‪) :‬وَ َ‬
‫َ َ‬
‫مممال ً وَأ َعَمّز ن ََفممرا ً‬
‫من ْم َ‬
‫وقال‪) :‬فََقا َ‬
‫صا ِ‬
‫حاوُِرهُ أَنا أك ْث َُر ِ‬
‫حب ِهِ وَهُوَ ي ُ َ‬
‫ك َ‬
‫ل لِ َ‬
‫ل ممما أ َظ ُم َ‬
‫خ َ‬
‫ن ت َِبيمد َ هَمذِهِ أ َب َممدًا(‬
‫وَد َ َ‬
‫م ل ِن َْف ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ل َ‬
‫سمهِ قَمما َ َ‬
‫ه وَهُموَ ظ َممال ِ ٌ‬
‫جن ّت َم ُ‬
‫ّ‬
‫)الكهف‪.(35 ،34:‬‬

‫‪239‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقصة قارون فيها العظة والعبرة‪ ،‬والتحذير مممن الفممراط‬
‫ن‬
‫في حب الدنيا‪ ،‬وعدم أداء حق الله فيها‪َ) :‬وآت َي َْناهُ ِ‬
‫ممما إ ِ ّ‬
‫ن ال ْك ُُنمموزِ َ‬
‫م َ‬
‫صب َةِ ُأوِلي ال ُْقوّةِ إ ِذ ْ َقا َ‬
‫هل‬
‫ح إِ ّ‬
‫ه ل ت َْفَر ْ‬
‫مَفات ِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ُ‬
‫ه قَوْ ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ح ُ‬
‫َ‬
‫ه ل َت َُنوُء ِبال ْعُ ْ‬
‫ن( )القصص‪ :‬مممن اليممة ‪ (76‬ثممم يممذكر اللممه حالممة مممن‬
‫ب ال َْفرِ ِ‬
‫يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫حي َ‬
‫مهِ فِممي ِزين َت ِمهِ قَمما َ‬
‫ن‬
‫حالت بطممره وفرحممه‪) :‬فَ َ‬
‫ل ال ّم ِ‬
‫ج عَل َممى قَموْ ِ‬
‫خمَر َ‬
‫ذي َ‬
‫ُ‬
‫حم ّ‬
‫مث ْ َ‬
‫ه ل َم ُ‬
‫ظ‬
‫ت ل ََنا ِ‬
‫ذو َ‬
‫ي قَمماُرو ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫ن إ ِن ّم ُ‬
‫ل َ‬
‫حَياةَ الد ّن َْيا َيا ل َي ْ َ‬
‫ممما أوت ِم َ‬
‫يُ ِ‬
‫ه‬
‫م( )القصص‪ .(79:‬وممماذا كممانت النتيجممة‪) :‬فَ َ‬
‫دارِ ِ‬
‫عَ ِ‬
‫سمْفَنا ب ِمهِ وَب ِم َ‬
‫خ َ‬
‫ظي ٍ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫ه ِ‬
‫ممما ك َمما َ‬
‫ن ُ‬
‫كا َ‬
‫ن الل ّمهِ وَ َ‬
‫صمُرون َ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ض فَ َ‬
‫ن فِئ َةٍ ي َن ْ ُ‬
‫اْلْر َ‬
‫مم َ‬
‫دو ِ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫ن( )القصص‪ (81:‬ولم يخسر الدنيا فقط بل والخرة‪) :‬ت ِل ْ َ‬
‫ك‬
‫من ْت َ ِ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ري َ‬
‫ص ِ‬
‫ن عُل ُموا ً فِممي اْل َ‬
‫سممادا ً‬
‫ر‬
‫داُر اْل ِ‬
‫جعَل ُهَمما ل ِل ّم ِ‬
‫دو َ‬
‫ريم ُ‬
‫خَرةُ ن َ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ض َول فَ َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ذي َ‬
‫ن ل يُ ِ‬
‫ِ‬
‫ن( )القصص‪.(83:‬‬
‫َوال َْعاقِب َ ُ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫مت ِّقي َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ب وَل َهْموٌ وَِزين َم ٌ‬
‫حي َمماةُ المد ّن َْيا ل َعِم ٌ‬
‫ممما ال ْ َ‬
‫ممموا أن ّ َ‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬اعْل َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَت َ َ‬
‫ب ال ْك ُّفمماَر‬
‫وَت ََفا ُ‬
‫ل غَي ْ ٍ‬
‫جم َ‬
‫ث أعْ َ‬
‫ل َواْلْولدِ ك َ َ‬
‫كاث ٌُر ِفي اْل ْ‬
‫خٌر ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫مث َ ِ‬
‫وا ِ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫م يَ ُ‬
‫طامًا()الحديد‪ :‬من الية ‪.(20‬‬
‫ن ُ‬
‫كو ُ‬
‫م ي َِهي ُ‬
‫صَفّرا ً ث ُ ّ‬
‫ج فَت ََراهُ ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫ن ََبات ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫هممذه بعممض اليممات الممتي تممبين خطمموط النحممراف عممن الصممراط‬
‫دا‪.‬‬
‫المستقيم في جمع المال وحبه‪ ،‬واليات كثيرة ج ً‬
‫ولجل المزيد من إلقاء الضوء على هممذه القضممية فسممأذكر شمميًئا‬
‫من أقوال المفسرين حول بعض هذه اليات‪:‬‬
‫َ‬
‫م الت ّك َمماث ُُر( )التكمماثر‪(1:‬‬
‫قال الطبري في قمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬أل ْهَمماك ُ ُ‬
‫ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المممال والعممدد عممن طاعممة ربكممم‪،‬‬
‫وعما ينجيكم من سخطه عليكم‪.‬‬

‫‪240‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وروي عن النبي‪ ،‬‬

‫كلم يدل على أن معناه التكاثر بالمال)‪.(1‬‬

‫ل ل ِك ُ ّ‬
‫وقال ابن كثير في قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَي ْ ٌ‬
‫ة‬
‫مَز ٍ‬
‫مَزةٍ ل ُ َ‬
‫ل هُ َ‬
‫ه( )الهمممزة‪ ،1:‬م ‪ (2‬الهممماز بممالقول واللممماز‬
‫ال ّم ِ‬
‫ذي َ‬
‫مممال ً وَعَمد ّد َ ُ‬
‫م مع َ َ‬
‫ج َ‬
‫بالفعل‪ ،‬يعني يزدري الناس وينتقص بهم‪.‬‬
‫ه( )الهمزة‪ (2:‬أي‪ :‬جمعه بعضه على بعض‪،‬‬
‫)ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫مال ً وَعَد ّد َ ُ‬
‫مع َ َ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫عى( )المعمارج‪ (18:‬قمال‬
‫معَ فَأوْ َ‬
‫وأحصى عده‪ ،‬كقوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَ َ‬
‫ج َ‬
‫مممال ً‬
‫السدي وابن جرير وقممال محمممد بممن كعممب فممي قمموله‪َ ) :‬‬
‫م مع َ َ‬
‫ج َ‬
‫ه( )الهمزة‪ :‬من الية ‪ (2‬ألهاه ماله بالنهار‪ ،‬هذا إلى هذا‪ ،‬فممإذا‬
‫وَعَد ّد َ ُ‬
‫كان الليل نام كأنه جيفة منتنة‪.‬‬
‫َ‬
‫ه( )الهمزة‪ (3:‬أي‪ :‬يظممن أن جمعممه المممال‬
‫ه أَ ْ‬
‫بأ ّ‬
‫س ُ‬
‫)ي َ ْ‬
‫ح َ‬
‫خل َد َ ُ‬
‫مال َ ُ‬
‫ن َ‬
‫يخلده في هذه الدار‪) .‬ك َّل( )الهمزة‪ :‬مممن اليممة ‪ (4‬أي‪ :‬المممر ليممس‬
‫كما زعم ول كما حسب )‪.(2‬‬
‫خي ْمرِ ل َ َ‬
‫د( )العاديممات‪:‬‬
‫ب ال ْ َ‬
‫شم ِ‬
‫دي ٌ‬
‫ح ّ‬
‫ه لِ ُ‬
‫وقال في قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَإ ِن ّ ُ‬
‫‪ .(8‬أي‪ :‬وإنه لحب الخير وهو المال لشديد‪ ،‬وفيه مذهبان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن المعنى وإنه لشديد المحبة للمال‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬وإنه لحريص بخيل من محبة المال‪.‬‬
‫وكلهما صحيح )‪.(3‬‬
‫ر(‬
‫ب ال ْ َ‬
‫حم ّ‬
‫ه لِ ُ‬
‫وقال القرطــبي فــي اليــة نفســها‪) :‬وَإ ِن ّم ُ‬
‫خي ْم ِ‬
‫ن ت َمَر َ‬
‫ك‬
‫)العاديات‪ :‬من الية ‪ (8‬أي‪ :‬المال‪ ،‬ومنه قوله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬إ ِ ْ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪ .(283 /30‬ويشير إلى ما رواه عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال‪ :‬انتهيت إلى رسول الله‪ ،‬صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وهو يقرأ )ألهاكم التكاثر(‬
‫وهو يقول‪" :‬يقول ابن آدم‪ :‬مالي مالي!! وهل لك من مالك إل ما أكلت فأفنيت‪ ،‬أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت"‪ .‬أخرجه مسلم رقم )‪ (2958‬والترمذي )‪ (417 /5‬رقم‬
‫)‪ - (3354‬والنسائي )‪ (238 /6‬رقم )‪ (3613‬وأحمد )‪.(26 ،24 /4‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/548‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/542‬‬

‫‪241‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫خْيرًا( )البقرة‪ :‬من الية ‪) (180‬ل َ َ‬
‫د( )العاديات‪ :‬من اليممة ‪ (8‬أي‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫دي ٌ‬
‫لقوي في حبه للمال‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬لشديد‪ :‬لبخيل‪ .‬ويقال للبخيل‪ :‬شديد ومتشدد‪.‬‬
‫ممما‪،‬‬
‫قال ابن زيد‪ :‬سمي المال خيًرا‪ ،‬وعسى أن يكون شممًرا وحرا ً‬
‫ولكن الناس يعدونه خيًرا‪ ،‬فسماه الله خيًرا لذلك)‪.(1‬‬
‫َ‬
‫ب(‬
‫سم َ‬
‫ممما ك َ َ‬
‫ه وَ َ‬
‫مممال ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ممما أغْن َممى عَن ْم ُ‬
‫وقممال فممي قمموله ‪ -‬تعممالى ‪َ ) :-‬‬
‫)المسد‪ (2:‬أي‪ :‬ما دفممع عنممه عممذاب اللممه ممما جمممع مممن المممال‪ ،‬ول‬
‫كسب من جاه‪.‬‬

‫قال ابن عباس‪ :‬لما أنذر رسول الله‪ ،‬‬

‫عشيرته بالنار قممال‬

‫أبو لهب‪ :‬إن كان ما يقول ابن أخي حًقا فإني أفممدي نفسممي بمممالي‬
‫َ‬
‫ب( )المسد‪.(2)(2:‬‬
‫س َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ه وَ َ‬
‫مال ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ما أغَْنى عَن ْ ُ‬
‫وولدي‪ ،‬فنمزل‪َ ) :‬‬
‫حّبمما ً‬
‫ممما َ‬
‫وقال الطبري في قوله ‪ -‬تعــالى ‪) :-‬وَت ُ ِ‬
‫ل ُ‬
‫حّبممو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫مًا( )الفجممر‪ (20:‬وتحبممون المممال أيهمما النمماس واقتنمماءه حب ًمما كممثيًرا‬
‫َ‬
‫ج ّ‬
‫دا‪.‬‬
‫شدي ً‬
‫من قولهم‪ :‬حم الماء في الحوض‪ :‬إذا اجتمع‪.‬‬
‫دا‪.‬‬
‫ما" أي‪ :‬حًبا شدي ً‬
‫قال قتادة‪" :‬حًبا ج ً‬
‫وقال الضحاك‪ :‬يحبون كثرة المال)‪.(3‬‬
‫وقال القاسمي في آية الكهف‪" :‬وكممان لممه" أي‪ :‬لصمماحب‬
‫الجنتين‪" ،‬ثمر" أي أنواع من المال غير الجنتين‪ ،‬من "ثمر ممماله" إذا‬
‫كممثر‪) ،‬فََقمما َ‬
‫ه( )الكهممف‪ :‬مممن اليممة ‪ (34‬أي‪:‬‬
‫صمما ِ‬
‫حب ِهِ وَهُ موَ ي ُ َ‬
‫حمماوُِر ُ‬
‫ل لِ َ‬
‫يراجعه الكلم‪ ،‬تعبيًرا له بالفقر‪ ،‬وفخمًرا عليممه بالمممال والجممماه‪) :‬أ َن َمما‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(20/162‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(20/238‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(30/184‬‬

‫‪242‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫َ‬
‫َ‬
‫من ْ َ‬
‫ما‪.‬‬
‫أك ْث َُر ِ‬
‫مال ً وَأعَّز ن ََفرًا( )الكهف‪ :‬من الية ‪ (34‬أي أنصاًرا وحش ً‬
‫ك َ‬
‫خ َ‬
‫ه( )الكهف‪ :‬من اليممة ‪ (35‬أي بصمماحبه يطمموف بممه فيهمما‪،‬‬
‫)وَد َ َ‬
‫ل َ‬
‫جن ّت َ ُ‬
‫ويفاخره بها)‪.(1‬‬
‫ن‬
‫سمما َ‬
‫وقــال ابــن كــثير فــي قــوله ‪ -‬تعــالى ‪) :-‬ك َّل إ ِ ّ‬
‫ن اْل ِن ْ َ‬
‫َ‬
‫ست َغَْنى( )العلق‪ (6،7:‬يخبر ‪ -‬تعممالى ‪ -‬عممن النسممان‬
‫ل َي َط َْغى أ ْ‬
‫ن َرآهُ ا ْ‬
‫أنه ذو فرح‪ ،‬وأشر بطر‪ ،‬وطغيان‪ ،‬إذا رأى نفسه قممد اسممتغنى وكممثر‬
‫ن إ ِل َممى َرب ّم َ‬
‫جعَممى(‬
‫ك الّر ْ‬
‫ماله‪ ،‬ثم تهممدده وتوعممده ووعظممه‪ ،‬فقممال‪) :‬إ ِ ّ‬
‫)العلق‪.(2)(8:‬‬
‫وأختم أقــوال المفســرين بمــا قــاله ســيد قطــب فــي‬
‫مطلع تفسيره ليات سورة القصص‪ ،‬في قصة قارون‪ ،‬حيممث‬
‫قال‪ :‬والن تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم‪ ،‬وكيف‬
‫ينتهي بالبوار مع البغممي والبطممر‪ ،‬والسممتكبار علممى الخلممق‪ ،‬وجحممود‬
‫نعمة الخالق‪.‬‬
‫وتقرر حقيقة القيم‪ ،‬فترخص من قيمممة المممال والزينممة إلممى‬
‫جانب قيمة اليمان والصلح‪ ،‬مع العتدال والتمموازن فممي السممتمتاع‬
‫بطيبات الحياة دون علو في الرض ول فساد‪.‬‬
‫ح( )القصص‪ :‬من الية ‪(76‬‬
‫ثم فسر قوله‪) :‬ل ت َْفَر ْ‬
‫فرح الزهو المنبعث من العتزاز بالمال‪ ،‬والحتفال بالثراء‪ ،‬والتعلممق‬
‫)‪(3‬‬

‫قائل‪ :‬ل تفرح‬

‫بالكنوز‪ ،‬والبتهاج بالملك والستحواذ‪.‬‬
‫ل تفرح فرح البطر الذي ينسي المنعممم بالمممال‪ ،‬وينسممي نعمتممه‪،‬‬
‫وما يجب لها من الحمد والشكران‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(11/4058‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/528‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/528‬‬

‫‪243‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ل تفرح فرح الذي يستخفه المال‪ ،‬فيشممغل بممه قلبممه‪ ،‬ويطيممر لممه‬
‫لبه‪ ،‬ويتطاول به على العباد)‪.(4‬‬
‫واليات التي مضت وكلم المفسرين حولها ُيعطممي الدللممة علممى‬
‫المنهج الخاطئ الذي يسلكه كثير من الناس في جمع المال‪ ،‬حيممث‬
‫أفرطوا في ذلك وبالغوا فيه‪ ،‬وكانت النتيجة الطبيعية أن أصبح هممذا‬
‫المال وبال عليهم في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫إن السلم ليس ضد جمع المال ‪ -‬كما قد يتوهم البعض ‪ -‬بل إنممه‬
‫أمر مشروع جاءت اليات الكثيرة تممبين مشممروعيته وأهميتممه‪ ،‬ومممن‬
‫ه‬
‫ل الل ّم ِ‬
‫م ِ‬
‫ن َ‬
‫ذلك قوله ‪ -‬تعالى ‪ -‬مبيًنا أن المال من الله‪َ) :‬وآُتوهُ ْ‬
‫ممما ِ‬
‫م ْ‬
‫م( )النور‪ :‬من الية ‪ (33‬وقال ممتن ًمما علممى بنممي إسممرائيل‪:‬‬
‫ال ّ ِ‬
‫ذي آَتاك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م أ َك ْث ََر ن َِفيرًا( )السراء‪ :‬مممن اليممة‬
‫ن وَ َ‬
‫جعَل َْناك ُ ْ‬
‫م ب ِأ ْ‬
‫مد َد َْناك ُ ْ‬
‫)وَأ ْ‬
‫ل وَب َِني َ‬
‫وا ٍ‬
‫م َ‬
‫‪ .(6‬ويقول نوح لقومه داعًيا إياهم إلى اليمممان‪ ،‬ومبين ًمما عاقبممة ذلممك‬
‫ماَء عَل َي ْ ُ‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫في الممدنيا قبمل الخممرة‪) :‬ي ُْر ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫ممدِد ْك ُ ْ‬
‫ممد َْرارا ً وَي ُ ْ‬
‫كم ْ‬
‫سم َ‬
‫سم ِ‬
‫َ‬
‫جع َ ْ‬
‫جع َ ْ‬
‫م أ َن َْهارًا( )نوح‪.(12 ،11:‬‬
‫جّنا ٍ‬
‫ت وَي َ ْ‬
‫م َ‬
‫ن وَي َ ْ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫ب ِأ ْ‬
‫ل وَب َِني َ‬
‫وا ٍ‬
‫م َ‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬آمًرا بالمحافظة على المال الذي هو مممن اللممه‪:‬‬
‫َ‬
‫جع َ َ‬
‫م قَِيامًا( )النساء‪ :‬مممن‬
‫م ال ِّتي َ‬
‫)َول ت ُؤُْتوا ال ّ‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫وال َك ُ ُ‬
‫سَفَهاَء أ ْ‬
‫م َ‬
‫ما ُ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا( )الكهف‪ :‬من اليممة‬
‫ن ِزين َ ُ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ل َوال ْب َُنو َ‬
‫الية ‪ (5‬وقال‪) :‬ال ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪ (46‬وقال‪) :‬وأ َورث َك ُ َ‬
‫م ت َط َُأوهَمما(‬
‫م أْر َ‬
‫م وَأْرضا ً ل َم ْ‬
‫وال َهُ ْ‬
‫م وَأ ْ‬
‫م وَدَِياَرهُ ْ‬
‫ضه ُ ْ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫َ َْ‬
‫)الحزاب‪ :‬من الية ‪.(27‬‬
‫إذن فكما أن القرآن الكريم يحذر من الغمراق فمي حمب الممال‪،‬‬
‫وقضاء الحياة في جمعممه وتحصمميله دون أداء حممق اللممه فيممه‪ ،‬ويممبين‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(5/2710‬‬

‫‪244‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫عاقبممة مممن كممانت هممذه حمماله‪ ،‬فممإنه ل يرضممى بالرهبنممة والتصمموف‬
‫صمميب َ َ‬
‫ن الممد ّن َْيا(‬
‫ك ِ‬
‫س نَ ِ‬
‫والعممراض عممن المممال بالكليممة‪َ) .‬ول ت َْنمم َ‬
‫ممم َ‬
‫)القصص‪ :‬من الية ‪ (77‬بل إنه يقر جمممع المممال وتحصمميله‪ ،‬ويشممرع‬
‫السبل الصحيحة لذلك‪ ،‬وهذا ما سيتضح في الفقرة التالية‪:‬‬
‫)ب( في كسب المال‬
‫توصمملنا فممي الفقممرة السممابقة إلممى أن القممرآن الكريممم بيممن لنمما‬
‫خطوط النحراف في جمع المال وحبه‪ ،‬واتضمح لنما أن جممع الممال‬
‫مشروع‪ ،‬ولكن النحراف يكون في الفراط فيه أو التفريط‪ ،‬وكذلك‬
‫سا أو عاًرا‪ ،‬بممل هممو أمممر جبلممي فطممري‪ ،‬ل‬
‫فإن حب المال ليس رج ً‬
‫ينفي ذلك إل مكابر أو شمماذ‪ ،‬والشممذوذ يؤكممد القاعممدة‪ :‬وإنممما المممر‬
‫المنهي عنه هو الغلو فممي حبممه وتقديسممه‪ ،‬والتوسممط فممي ذلممك هممو‬
‫ما ُ‬
‫ت‬
‫ن ِزين َ ُ‬
‫صممال ِ َ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ل َوال ْب َُنو َ‬
‫حا ُ‬
‫حي َمماةِ ال مد ّن َْيا َوال َْباقِي َمما ُ‬
‫المشروع‪) :‬ال ْ َ‬
‫ت ال ّ‬
‫خي مر أ َ‬
‫ً‬
‫عن ْمد َ َرب ّم َ‬
‫ب‬
‫ما‬
‫م‬
‫ن‬
‫لل‬
‫ن‬
‫م‬
‫ي‬
‫ز‬
‫)‬
‫(‬
‫‪46‬‬
‫مف‪:‬‬
‫م‬
‫)الكه‬
‫ل(‬
‫م‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫خي ْمٌر ِ‬
‫ّ‬
‫حم ّ‬
‫س ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫واب ما ً وَ َ ْ ٌ‬
‫ك ثَ َ‬
‫ِ‬
‫ال ّ‬
‫ب‬
‫مَقن ْط َمَرةِ ِ‬
‫ن َوال َْقن َمما ِ‬
‫ت ِ‬
‫وا ِ‬
‫ن الن ّ َ‬
‫طيرِ ال ْ ُ‬
‫ن ال مذ ّهَ ِ‬
‫مم َ‬
‫سمماِء َوال ْب َِني م َ‬
‫مم َ‬
‫ش مه َ َ‬
‫ث ذ َل ِ َ‬
‫حي َمماةِ المد ّن َْيا‬
‫ضةِ َوال ْ َ‬
‫حْر ِ‬
‫مت َمماعُ ال ْ َ‬
‫مةِ َواْل َن َْعام ِ َوال ْ َ‬
‫َوال ِْف ّ‬
‫م َ‬
‫ك َ‬
‫سو ّ َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫خي ْ ِ‬
‫ب( )آل عمران‪.(14:‬‬
‫ه ِ‬
‫عن ْد َهُ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫َوالل ّ ُ‬
‫مآ ِ‬
‫س ُ‬
‫ومممن هنمما جمماءت اليممات تممبين الخطمموط العريضممة والمنطلقممات‬
‫الشرعية في كسب المال وتحصيله‪ ،‬وجاءت القاعدة الممتي تفرعممت‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫م الّربا( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة‬
‫ه ال ْب َي ْعَ وَ َ‬
‫عنها كل القواعد‪) :‬وَأ َ‬
‫حّر َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫‪.(275‬‬

‫‪245‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫إذن فكسب المال مشروع‪ ،‬ولكن ليممس كممل طريممق يممؤدي إلممى‬
‫ذلك جائز ومحمود‪.‬‬
‫فل نحرم ما أحل الله من وسائل الكسممب المباحممة‪ ،‬ول نبيممح‬
‫ما حرم الله من الوسائل الممنوعة‪) :‬ول تُقوُلوا ل ِما تص ُ َ‬
‫م‬
‫ف أل ْ ِ‬
‫َ َ ِ‬
‫َ َ‬
‫سممن َت ُك ُ ُ‬
‫حل ٌ‬
‫ل وَهَم َ‬
‫ب هَ َ‬
‫ن‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫ب إِ ّ‬
‫م ل ِت َْفت َمُروا عَل َممى الل ّمهِ ال ْك َمذِ َ‬
‫ذا َ‬
‫ذا َ‬
‫ال ْك َذِ َ‬
‫حمَرا ٌ‬
‫ذي َ‬
‫ن( )النحل‪.(116:‬‬
‫حو َ‬
‫ب ل ي ُْفل ِ ُ‬
‫ن عََلى الل ّهِ ال ْك َذِ َ‬
‫ي َْفت َُرو َ‬
‫وســأذكر بعـض مــا ورد مــن آيـات تنهممي عممن بعممض أوجممه‬
‫جا وسم ً‬
‫طا فممي‬
‫الكسب المحرمة‪ ،‬ليتضح من خلل ذلك أن هناك منه ً‬
‫ذلك ل إفراط ول تفريط‪:‬‬
‫فقد نهى الله عن الربا‪ ،‬وبين أنه من الكسمب المحممرم بمل غلمظ‬
‫الله في عقوبة هذا الكسب‪ ،‬الممذي أفممرط فيممه كممثير مممن النمماس‪- ،‬‬
‫وبخاصة في عصرنا الحاضر ‪ -‬حتى قل أن يسمملم أحممد مممن الربمما أو‬
‫من غباره‪ ،‬والله المستعان‪.‬‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫م الّربا( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة‬
‫ه ال ْب َي ْعَ وَ َ‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَأ َ‬
‫حّر َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ْ‬
‫ذي‬
‫م ال ّم ِ‬
‫‪ (275‬وقممال‪) :‬ال ّم ِ‬
‫ممو َ‬
‫ن َيمأك ُُلو َ‬
‫مما ي َُقممو ُ‬
‫ن إ ِّل ك َ َ‬
‫ن الّربما ل ي َُقو ُ‬
‫ذي َ‬
‫ش مي ْ َ‬
‫ه ال ّ‬
‫س( )البقممرة‪ :‬مممن اليممة ‪ (275‬وقممال‪:‬‬
‫ي َت َ َ‬
‫ن ِ‬
‫طا ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خب ّط ُم ُ‬
‫مم ّ‬
‫مم َ‬
‫ت( )البقرة‪ :‬من اليممة ‪ (276‬وقممال‪:‬‬
‫صد ََقا ِ‬
‫م َ‬
‫حقُ الل ّ ُ‬
‫)ي َ ْ‬
‫ه الّربا وَي ُْرِبي ال ّ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ي ِ‬
‫)َيا أي َّها ال ّم ِ‬
‫ن الّربمما إ ِ ْ‬
‫ن ك ُن ْت ُم ْ‬
‫ه وَذ َُروا َ‬
‫من ُمموا ات ُّقمموا الل ّم َ‬
‫نآ َ‬
‫مم َ‬
‫ممما ب َِقم َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫من ُمموا ل ت َمأ ْك ُُلوا الّربمما‬
‫ن( )البقرة‪ (278:‬وقال‪) :‬ي َمما أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ُ‬
‫ذي َ‬
‫مِني َ‬
‫َ‬
‫ة( )آل عمران‪ :‬من الية ‪.(130‬‬
‫ضاعََف ً‬
‫م َ‬
‫أ ْ‬
‫ضَعافا ً ُ‬

‫‪246‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وكذلك من طرق الكسب المحرمة‪ :‬الميسممر‪ ،‬وهممو القمممار‪ ،‬كممما‬
‫قال ابن كثير وغيره)‪ .(1‬وقد جاءت بعض اليات تبين حكمه وأن الله‬
‫قد حرمه‪ .‬قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬يس َ‬
‫َ‬
‫سرِ قُ م ْ‬
‫ممما‬
‫ع‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ألو‬
‫ن ال ْ َ‬
‫َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫ل ِفيهِ َ‬
‫مرِ َوال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ما( )البقرة‪ :‬مممن اليممة‬
‫ما أك ْب َُر ِ‬
‫ن ن َْفعِهِ َ‬
‫مه ُ َ‬
‫س وَإ ِث ْ ُ‬
‫م ك َِبيٌر وَ َ‬
‫إ ِث ْ ٌ‬
‫م ْ‬
‫مَنافِعُ ِللّنا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ما ال ْ َ‬
‫س ِ‬
‫مي ْ ِ‬
‫م رِ ْ‬
‫صمما ُ‬
‫ب َواْلْزل ُ‬
‫م مُر َوال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫‪ (219‬وقال‪) :‬إ ِن ّ َ‬
‫جم ٌ‬
‫س مُر َواْلن ْ َ‬
‫مم ْ‬
‫طا َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ريد ُ ال ّ‬
‫ل ال ّ‬
‫ع‬
‫ن ُيوقِ َ‬
‫نأ ْ‬
‫شي ْ َ ُ‬
‫حو َ‬
‫م ت ُْفل ِ ُ‬
‫ن َفا ْ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫جت َن ُِبوهُ ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫عَ َ‬
‫طا ِ‬
‫م ِ‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫ن ذِ ْ‬
‫ضاَء ِفي ال ْ َ‬
‫كممرِ الّلممهِ‬
‫مي ْ ِ‬
‫داوَةَ َوال ْب َغْ َ‬
‫م ال ْعَ َ‬
‫صد ّك ُ ْ‬
‫مرِ َوال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫ب َي ْن َك ُ ُ‬
‫سرِ وَي َ ُ‬
‫م عَ ْ‬
‫وعَن الصلة فَه ْ َ‬
‫ن( )الممائدة‪.(91 ،90:‬‬
‫من ْت َُهو َ‬
‫م ُ‬
‫ل أن ْت ُ ْ‬
‫ّ ِ َ‬
‫َ ِ‬
‫وكمذلك ممن أوجمه الكسمب المحرمممة السممرقة‪ .‬قمال ‪ -‬تعممالى ‪:-‬‬
‫َ‬
‫سَبا( )المائدة‪ :‬من‬
‫سارِقَ ُ‬
‫ما َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫سارِقُ َوال ّ‬
‫)َوال ّ‬
‫جَزاًء ب ِ َ‬
‫ة َفاقْط َُعوا أي ْدِي َهُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت ي َُباي ِعْن َ َ‬
‫جاَء َ‬
‫ي إِ َ‬
‫ن‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ك عََلممى أ ْ‬
‫ذا َ‬
‫مَنا ُ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫الية ‪ .(38‬وقال‪َ) :‬يا أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫ش ميئا ً ول يس مرقْن ول يزِني من ول يْقتل ْم َ‬
‫ل يُ ْ‬
‫ن َول‬
‫ن ِبالل ّهِ َ ْ َ َ ْ ِ َ َ َ ْ‬
‫ن أْولد َهُ م ّ‬
‫َ َ َ ُ َ‬
‫شرِك ْ َ‬
‫َ‬
‫يأ ِْتين ببهتان يْفترينه بي َ‬
‫صممين َ َ‬
‫ف‬
‫ن َول ي َعْ ِ‬
‫ن أي ْ ِ‬
‫معْمُرو ٍ‬
‫ن وَأُر ُ‬
‫ك فِممي َ‬
‫جل ِهِ ّ‬
‫ديهِ ّ‬
‫َ َ ُِْ َ ٍ َ َ ِ َ ُ َْ َ‬
‫م( )الممتحنة‪.(12:‬‬
‫ه غَُفوٌر َر ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫ن َوا ْ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ست َغِْفْر ل َهُ ّ‬
‫فََباي ِعْهُ ّ‬
‫ن‬
‫ومن الكسممب المحممرم أكممل مممال اليممتيم‪ .‬قممال ‪ -‬سممبحانه ‪) :-‬إ ِ ّ‬
‫ْ‬
‫ال ّذين يأ ْك ُُلو َ‬
‫م ن َممارا ً‬
‫وا َ‬
‫ممما ي َمأك ُُلو َ‬
‫َ‬
‫ِ َ َ‬
‫ن فِممي ب ُط ُممون ِهِ ْ‬
‫مى ظ ُْلم ما ً إ ِن ّ َ‬
‫ل ال ْي ََتا َ‬
‫نأ ْ‬
‫م َ‬
‫سِعيرًا( )النساء‪.(10:‬‬
‫صل َوْ َ‬
‫ن َ‬
‫وَ َ‬
‫سي َ ْ‬
‫وبالجملة فكل مال ُأخذ بالباطل فهو محرم‪ ،‬ولذلك جاءت اليات‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫وال َك ُ ْ‬
‫تنهى عن أكل المال بالباطل‪ .‬فقال ‪ -‬سبحانه ‪َ( :-‬ول ت َأك ُُلوا أ ْ‬
‫م َ‬
‫كام ل ِتأ ْك ُُلوا فَريقا ً من أ َ‬
‫س‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫ّ‬
‫ح ّ ِ َ‬
‫ل وَت ُد ُْلوا ب َِها إ َِلى ال ْ ُ‬
‫ْ‬
‫ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ ْ‬
‫م ِبال َْباط ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن( )البقرة‪.(188:‬‬
‫مو َ‬
‫م ت َعْل َ ُ‬
‫ِباْل ِث ْم ِ وَأن ْت ُ ْ‬
‫سا على‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪ ،(1/255‬وزاد المسير )‪ (1/240‬حيث قال ابن الجوزي‪ :‬العلماء أجمعوا على أن القمار حرام‪ ،‬وإنما ذكر الميسر من بينه‪ ،‬وجعل كله قيا ً‬
‫الميسر‪ ،‬والميسر إنما يكون قماًرا في الجزر خاصة‪ ،‬وقال‪ :‬قال ابن عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة في آخرين‪ :‬الميسر‪ :‬هو القمار‪.‬‬

‫‪247‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن‬
‫وقال مبيًنا سبب تحريم الطيبات على بني إسرائيل‪) :‬فَب ِظ ُل ْم ٍ ِ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫ت أُ ِ‬
‫ن َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫م ط َي َّبا ٍ‬
‫ال ّ ِ‬
‫دوا َ‬
‫ها ُ‬
‫ن َ‬
‫صد ّهِ ْ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫حل ّ ْ‬
‫مَنا عَل َي ْهِ ْ‬
‫حّر ْ‬
‫م وَب ِ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫م عَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫خذهم الربا وقَمد نهمموا عَنمه وأ َك ْل ِهم َ‬
‫َ‬
‫وا َ‬
‫ل‬
‫مأ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫ك َِثيرا ً وَأ ْ ِ ِ ُ ّ َ ْ ُ ُ‬
‫س ِبال َْباط ِم ِ‬
‫مم َ‬
‫ْ ُ َ‬
‫ل الن ّمما ِ‬
‫وَأ َعْت َد َْنا ل ِل ْ َ‬
‫م عَ َ‬
‫ذابا ً أ َِليمًا( )النساء‪.(161 ،160:‬‬
‫ن ِ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫وقممال‪) :‬إن ك َِثيممرا ً ممن اْل َحبممار والرهْبممان ل َيمأ ْك ُُلو َ‬
‫وا َ‬
‫س‬
‫َ‬
‫ْ َ ِ َ ّ َ ِ َ‬
‫ِ ّ‬
‫نأ ْ‬
‫مم َ‬
‫ِ َ‬
‫ل الن ّمما ِ‬
‫ل( )التوبة‪ :‬من الية ‪.(34‬‬
‫ِبال َْباط ِ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪َ) :-‬يا أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫م ب َي ْن َك ُم ْ‬
‫وال َك ُ ْ‬
‫من ُمموا ل ت َمأك ُُلوا أ ْ‬
‫نآ َ‬
‫مم َ‬
‫ذي َ‬
‫بال ْباطل إّل أ َ‬
‫ن تَ ُ‬
‫م( )النسمماء‪ :‬مممن اليممة‬
‫را‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫م‬
‫ع‬
‫ة‬
‫ر‬
‫جا‬
‫ت‬
‫ن‬
‫كو‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫ض ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫من ْك ُم ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ َ ِ ِ ِ‬
‫ٍ‬
‫‪.(29‬‬
‫قال ابن الجوزي مبيًنا معنى الباطل هنا‪ :‬ل يأكل بعضكم‬
‫أموال بعض‪ ،‬قال القاضي أبو يعلى‪:‬‬
‫والباطل على وجهين‪ :‬أحدهما أن يأخممذه بغيممر طيممب نفممس‬
‫من مالكه‪ ،‬كالسرقة‪ ،‬والغضب‪ ،‬والخيانة‪.‬‬
‫والثــاني‪ :‬أن يأخممذه بطيممب نفسممه‪ ،‬كالقمممار والغنمماء‪ ،‬وثمممن‬
‫الخمر)‪.(1‬‬
‫وقال القرطبي‪ :‬والمعنى‪ :‬ل يأكممل بعضممكم مممال بعممض بغيممر‬
‫حق‪ ،‬فيدخل في هذا‪ :‬القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق‪ ،‬وما‬
‫ل تطيب به نفس مالكه‪ ،‬أو حرمته الشممريعة‪ ،‬وإن طممابت بممه نفممس‬
‫حلوان الكاهن‪ ،‬وأثمان الخمور والخنازير وغير‬
‫مالكه‪ ،‬كمهر البغي‪ ،‬و ُ‬
‫ذلك‪ ،‬ثم قال‪ :‬من أخذ مال غيره ل على وجه إذن الشرع فقد أكلممه‬
‫بالباطل‪ ،‬ومن الكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنممك‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬زاد المسير )‪.(1/194‬‬

‫‪248‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مبطممل‪ ،‬فممالحرام ل يصممير حلل بقضمماء القاضممي‪ ،‬لنممه إنممما يقضممي‬
‫بالظاهر‪ ،‬وهذا إجماع في الموال )‪.(1‬‬
‫جا وس ً‬
‫طا في كسب المال‪.‬‬
‫ومما سبق يتضح أن هناك منه ً‬
‫فالقول بإباحــة جميــع المعــاملت قممول باطممل‪ ،‬وهممو مممن‬
‫التفريممط‪ .‬وكممذلك التشممديد‪ ،‬وجعممل أن الصممل فممي الكتسمماب هممو‬
‫التحريم إل ما ورد نص في إباحته قول باطل‪ ،‬وهو من الفراط‪.‬‬
‫والقــول الصــحيح وهمممو الوسمممط أن الصمممل فمممي المممبيوع‬
‫والمعمماملت الحممل والباحممة‪ ،‬إل ممما ورد النممص بتحريمممه ومنعممه‬

‫)‪(2‬‬

‫سواء كان المنع بدليل خاص أو عام‪ ،‬فممن الخمماص تحريمم الميسمر‬
‫والربا والسرقة ونحوها‪ ،‬ومن العام ما يدخل تحت الضرر أو الظلممم‬
‫أو الغرر ونحو ذلك مما هو مفصل في كتب الفقه والحكام‪.‬‬
‫)جـ( إنفاق المال‬
‫وبعد أن تبين لنا تقرير القرآن لمنهج الوسمطية فممي جمممع المممال‬
‫وكسبه‪ ،‬نقف أخيًرا مع المنهج الشرعي في إنفاق المال كمما قممرره‬
‫القرآن الكريم‪.‬‬
‫والناس في هذه المسألة طرفان ووسط‪:‬‬
‫فهنمماك القابضممون أيممديهم‪ ،‬البخلء بممأموالهم‪ ،‬المقممترون علممى‬
‫أنفسهم وأهليهم‪ ،‬فضل عمن سواهم‪.‬‬
‫وعلــى النقيــض مــن هــؤلء‪ ،‬آخممرون مسممرفون مممترفون‪،‬‬
‫باسطو أيديهم كل البسط‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(2/338‬‬
‫‪ - 2‬للعلماء كلم في هذه القضية‪ ،‬وتفصيل في هذه القاعدة‪ ،‬انظر‪ :‬مثل تفسير القرطبي )‪ (3/356‬تجد بيان ذلك‪.‬‬

‫‪249‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وبيممن هممؤلء وأولئك قلممة مممن النمماس سمملكوا السممبيل القممويم‪،‬‬
‫والتزموا العدل والعتدال‪ ،‬واتخذوا بين ذلك سبيل )‪.(1‬‬
‫وقد نـزلت اليات من لدن عليم حكيم‪ ،‬تممبين سمملمة هممذا‬
‫المنهممج‪ ،‬وتممأمر بممه‪ ،‬وتحممث عليممه‪ ،‬مممع النهممي عممن سمملوك أي مممن‬
‫المنهجين المنحرفين‪ ،‬وبيان عاقبة ذلك عاجل وآجل )‪.(2‬‬
‫وسأذكر من اليات ما يبين هذا المنهج ويقرره‪ ،‬دون إيجماز مخمل‬
‫أو إطناب ممل‪ ،‬بل سأتخذ بين ذلك سبيل‪:‬‬
‫فبالنســبة للطــرف الول‪ ،‬وهممم القابضممون أيممديهم‪ ،‬البخلء‬
‫بأموالهم‪ ،‬جاءت اليات تبين انحراف هممذا المنهممج‪ ،‬وتنهممى عممن هممذا‬
‫م‬
‫ن ي َب ْ َ‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫خل ُممو َ‬
‫المسلك‪ ،‬فقال ‪ -‬سبحانه ‪َ) :-‬ول ي َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ممما آت َمماهُ ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫ذي َ‬
‫سمب َ ّ‬
‫م بَ ْ‬
‫ل هُوَ َ‬
‫ه‬
‫ضل ِهِ هُوَ َ‬
‫ما ب َ ِ‬
‫خل ُمموا ب ِم ِ‬
‫ه ِ‬
‫سي ُط َوُّقو َ‬
‫ن فَ ْ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫شّر ل َهُ ْ‬
‫خْيرا ً ل َهُ ْ‬
‫الل ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫ت واْل َ‬
‫ض ()آل عمران‪ :‬من اليممة‬
‫ر‬
‫ميَرا ُ‬
‫مةِ وَل ِل ّهِ ِ‬
‫ي َوْ َ‬
‫ث ال ّ‬
‫س َ‬
‫م ال ِْقَيا َ‬
‫ْ‬
‫ماَوا ِ َ‬
‫ِ‬
‫ب كُ ّ‬
‫ن‬
‫ن ي َب ْ َ‬
‫ل فَ ُ‬
‫م ْ‬
‫‪ (180‬وقال ‪ -‬جل وعل ‪) :-‬ل ي ُ ِ‬
‫خورٍ اّلمم ِ‬
‫خُلممو َ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُ‬
‫ذي َ‬
‫خَتا ٍ‬
‫ْ‬
‫ن ي َت َموَ ّ‬
‫د(‬
‫س ِبال ْب ُ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ح ِ‬
‫ميم ُ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫ل ف َ مإ ِ ّ‬
‫مُرو َ‬
‫ن الّلم َ‬
‫ل وَ َ‬
‫وَي َأ ُ‬
‫ن الن ّمما َ‬
‫هموَ ال ْغَن ِم ّ‬
‫مم ْ‬
‫خم ِ‬
‫)الحديد‪.(24 ،23:‬‬
‫ه‬
‫ض مل ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫ما آت َمماهُ ْ‬
‫وقال مبيًنا خصلة من خصال المنافقين‪) :‬فَل َ ّ‬
‫مم ْ‬
‫ن( )التوبة‪.(76:‬‬
‫بَ ِ‬
‫ضو َ‬
‫معْرِ ُ‬
‫م ُ‬
‫وا وَهُ ْ‬
‫خُلوا ب ِهِ وَت َوَل ّ ْ‬
‫َ‬
‫هم ُ‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫ل الل ّم ِ‬
‫ن ل ِت ُن ْ ِ‬
‫ؤلِء ت ُمد ْعَوْ َ‬
‫فُقمموا فِممي َ‬
‫وقال سبحانه‪) :‬هَمما أن ْت ُم ْ‬
‫سمِبي ِ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫خ ْ‬
‫خ ُ‬
‫م‬
‫ما ي َب ْ َ‬
‫ن ي َب ْ َ‬
‫ن ي َب ْ َ‬
‫ن ن َْف ِ‬
‫فَ ِ‬
‫ي وَأن ْت ُ ُ‬
‫سهِ َوالل ّ ُ‬
‫ل فَإ ِن ّ َ‬
‫ل وَ َ‬
‫م َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ه ال ْغَن ِ ّ‬
‫ل عَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫م ل يَ ُ‬
‫س مت َب ْدِ ْ‬
‫م(‬
‫ال ُْفَق مَراُء وَإ ِ ْ‬
‫وا ي َ ْ‬
‫مث َممال َك ُ ْ‬
‫كون ُمموا أ ْ‬
‫م ث ُم ّ‬
‫وم ما ً غَي َْرك ُم ْ‬
‫ل قَ ْ‬
‫ن ت َت َوَل ّم ْ‬
‫)محمد‪. (38:‬‬
‫‪ - 1‬أي‪ :‬بين المنهجين المتطرفين‪.‬‬
‫ما محسوًرا(‪] .‬سورة السراء‪ ،‬آية‪ .[29 :‬ومن الجل قوله‪) :‬سيطوقون ما‬
‫‪ - 2‬من بيان العاجل قوله تعالى‪) :‬ول تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ول تبسطها كل البسط فتقعد ملو ً‬
‫بخلوا به يوم القيامة(‪] .‬سورة آل عمران‪ ،‬الية‪.[180 :‬‬

‫‪250‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪) :-‬قُ ْ‬
‫مةِ َرّبي‬
‫ن َ‬
‫ن َر ْ‬
‫كو َ‬
‫ح َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ل ل َوْ أن ْت ُ ْ‬
‫خَزائ ِ َ‬
‫َ‬
‫ق وَ َ‬
‫خ ْ‬
‫ن قَُتورًا( )السراء‪.(100:‬‬
‫م َ‬
‫شي َ َ‬
‫سا ُ‬
‫كا َ‬
‫ن اْل ِن ْ َ‬
‫م َ‬
‫سك ْت ُ ْ‬
‫ِإذا ً َل ْ‬
‫ة اْل ِن َْفا ِ‬

‫قال ابن كثير في هذه الية‪ :‬يقول ‪ -‬تعممالى ‪ -‬لرسمموله‪ ،‬‬

‫قل لهم يا محمد لو أنكم أيها الناس تملكممون التصممرف فممي خممزائن‬
‫الله لمسكتم خشية النفمماق‪ ،‬قممال ابممن عبمماس وقتممادة‪ :‬أي‪ :‬الفقممر‬
‫دا‪ ،‬لن هممذا مممن‬
‫خشممية أن ت ُممذهبوها‪ ،‬مممع أنهمما ل تنفممد ول تفممرغ أب م ً‬
‫طباعكم وسجاياكم‪ ،‬ولهذا قال‪" :‬وكممان النسممان قتمموًرا"‪ .‬قممال ابممن‬
‫عا‪.‬‬
‫عباس وقتادة‪ :‬أي‪ :‬بخيل منو ً‬
‫َ‬
‫س‬
‫ب ِ‬
‫م نَ ِ‬
‫ك فَ مِإذا ً ل ي ُؤْت ُممو َ‬
‫مل ْ ِ‬
‫صي ٌ‬
‫وقال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬أ ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫م ل َهُ ْ‬
‫ن الن ّمما َ‬
‫م َ‬
‫ن َِقيرًا( )النساء‪ .(53:‬أي‪ :‬لو أن لهم نصيًبا في ملمك اللمه ممما أعطمموا‬
‫دا شيًئا ول مقدار نقير‪.‬‬
‫أح ً‬
‫والله ‪ -‬تعالى ‪ -‬يصف النسان من حيث هممو ‪ -‬إل مممن وفقممه اللممه‬
‫وهداه ‪ -‬فإن البخل والجزع والهلع صفة له‪ ،‬ويممدل هممذا علممى كرمممه‬
‫وجوده وإحسانه ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪.(1)-‬‬
‫وقال القرطبي‬
‫ه‬
‫ي َب ْ َ‬
‫خُلو َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ما آَتاهُ ُ‬
‫ن بِ َ‬

‫ن‬
‫ن اّلمم ِ‬
‫في قوله ‪ -‬تعــالى ‪َ) :-‬ول ي َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ذي َ‬
‫سممب َ ّ‬
‫م بَ ْ‬
‫ل هُوَ َ‬
‫م( )آل‬
‫ضل ِهِ هُوَ َ‬
‫ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫ش مّر ل َهُ م ْ‬
‫خْيرا ً ل َهُ ْ‬
‫م ْ‬

‫عمران‪ :‬من الية ‪ (180‬هذه الية نمزلت في البخل بالمال‪ ،‬والنفاق‬
‫في سبيل الله‪ ،‬وأداء الزكاة المفروضة‪.‬‬
‫والبخل في اللغة‪ :‬أن يمنع النسان الحق الممواجب‪ ،‬فأممما مممن‬
‫منع ممما ل يجممب عليممه فليممس ببخيممل‪ ،‬لنممه ل يممذم بممذلك‪ .‬ثممم قممال‪:‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/66‬‬

‫‪251‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫واختلف في البخل والشح‪ ،‬هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فقيل‪:‬‬
‫البخل‪ :‬المتناع من إخراج ما حصل عندك‪.‬‬
‫والشح‪ :‬الحرص على تحصيل ما ليس عندك‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إن الشح هو البخل مع حممرص‪ ،‬وهممو الصممحيح‪ ،‬لممما رواه‬

‫مسلم عن جابر بن عبممد اللممه‪ ،‬أن رسممول اللممه‪ ،‬‬

‫قممال‪:‬‬

‫‪‬‬

‫اتقمموا‬

‫الظلم فإن الظلم ظلمات يمموم القيامممة‪ ،‬واتقمموا الشممح فممإن الشممح‬
‫أهلك من كان قبلكم‪ ،‬حملهممم علممى أن سممفكوا دممماءهم واسممتحلوا‬
‫محارمهم‬
‫‪‬‬

‫وهذا يردّ قول من قال‪ :‬إن البخل منع الواجب‪ ،‬والشح‪ :‬منممع‬
‫المستحب‪ ،‬إذ لو كممان الشممح منممع المسممتحب لممما دخممل تحممت هممذا‬
‫الوعيد العظيم‪ ،‬والذم الشديد الذي فيه هلك الدنيا والخرة )‪.(1‬‬
‫وكما جاءت اليات محذرة من عاقبــة البخــل والتقــتير‪،‬‬
‫فقد جاءت ناهية عن الطرف المقابل وهو السراف والتبذير‪.‬‬
‫ت َ‬
‫ل‬
‫س ِ‬
‫ه َوال ْ ِ‬
‫فقال ‪ -‬سبحانه ‪َ) :-‬وآ ِ‬
‫ذا ال ُْقْرَبى َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ْ‬
‫حّق ُ‬
‫سممِبي ِ‬
‫ن َواب ْ َ‬
‫كي َ‬
‫ش مي ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن‬
‫كاُنوا إ ِ ْ‬
‫شَيا ِ‬
‫َول ت ُب َذ ّْر ت َب ْ ِ‬
‫طا ُ‬
‫ن وَك َمما َ‬
‫وا َ‬
‫ذيرا ً إ ِ ّ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫خ َ‬
‫مب َذ ِّري َ‬
‫طي ِ‬
‫ل َِرب ّهِ ك َُفورًا( )السراء‪.(27 ،26:‬‬
‫هل‬
‫م َ‬
‫وقال ‪ -‬جل وعل ‪َ) :-‬وآت ُمموا َ‬
‫ه ي َموْ َ‬
‫صممادِهِ َول ت ُ ْ‬
‫س مرُِفوا إ ِن ّم ُ‬
‫حّق م ُ‬
‫ح َ‬
‫ن( )النعام‪ :‬من الية ‪.(141‬‬
‫يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫سرِِفي َ‬
‫ذيرًا( )السراء‪:‬‬
‫قال القاسمي في تفسير آية السراء‪َ) :‬ول ت ُب َذ ّْر ت َب ْ ِ‬
‫من الية ‪ (26‬أي‪ :‬بوجه من الوجوه‪ ،‬بالنفاق في محرم أو مكممروه‪،‬‬
‫أو على من ل يستحق‪ ،‬فتحسبه إحساًنا إلى نفسك أو غيممرك‪ .‬قممال‪:‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪ .(293-4/291‬والحديث أخرجه مسلم )‪ (4/1996‬رقم )‪.(2578‬‬

‫‪252‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وفي الكشمماف‪ :‬كممانت الجاهليممة تنحممر إبلهمما وتتياسممر عليهمما‪ ،‬وتبممذر‬
‫أموالها في الفخر والسمعة‪ ،‬وتذكر ذلممك فممي أشممعارها‪ ،‬فممأمر اللممه‬
‫بالنفقة في وجوهها مما يقرب منه ويزلف‪.‬‬
‫ن َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن( )السممراء‪ :‬مممن اليممة ‪(27‬‬
‫كاُنوا إ ِ ْ‬
‫ش مَيا ِ‬
‫وا َ‬
‫)إ ِ ّ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫خ َ‬
‫مب َذ ِّري َ‬
‫طي ِ‬
‫أي‪ :‬أمثالهم في كفران نعمة المال بصرفه فيما ل ينبغي‪ ،‬وهذا غاية‬
‫المذمة لنه ل شر من الشيطان‪.‬‬
‫وقال‪ :‬قال أبو السعود‪ :‬وتخصيص هذا الوصممف بالممذكر مممن بيممن‬
‫سائر أوصممافه القبيحممة‪ ،‬لليممذان بممأن التبممذير الممذي هممو عبممارة عممن‬
‫صرف نعممم اللمه ‪ -‬تعمالى ‪ -‬إلمى غيمر مصممرفها‪ ،‬ممن بماب الكفمران‬
‫المقابل للشكر الذي هو عبارة عن صرفها إلى ممما خلقممت هممي لممه‪،‬‬
‫والتعرض لوصف الربوبيممة للشممعار بكمممال عتمموه‪ ،‬فممإن كفممر نعمممة‬
‫الرب‪ ،‬مممع كممون الربوبيممة مممن أقمموى الممدواعي إلممى شممكرها‪ ،‬غايممة‬
‫الكفران‪ ،‬ونهاية الضلل والطغيان‪.‬‬
‫وقال‪ :‬وقد استدل بالية ممع منمع إعطماء الممال كلمه فمي سمبيل‬
‫الخير‪ ،‬ومن منع الصدقة بكل ماله )‪.(1‬‬
‫هل‬
‫وقال الطبري مبيًنا مدلول آية النعام‪َ) ،‬ول ت ُ ْ‬
‫سرُِفوا إ ِن ّ ُ‬
‫ن()النعام‪ :‬من الية ‪ (141‬قال‪ :‬بعد أن ذكممر أقمموال‬
‫يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫سرِِفي َ‬
‫العلماء‪ :‬والصواب من القممول فمي ذلممك عنمدي أن يقممال‪ :‬إن اللمه ‪-‬‬
‫سرُِفوا( )النعام‪ :‬من الية ‪ (141‬عن جميع‬
‫تعالى ‪ -‬نهى بقوله‪َ) :‬ول ت ُ ْ‬
‫معاني السراف‪ ،‬ولم يخصص منها معنى دون معنى‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي )‪.(10/3921‬‬

‫‪253‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وإذا كــان ذلــك كــذلك‪ ،‬وكممان السممراف فممي كلم العممرب‪:‬‬
‫الخطاء بإصابة الحق في العطية‪ ،‬إما بتجاوز حده في الزيادة‪ ،‬وإممما‬
‫)‪(1‬‬
‫ة‪،‬‬
‫بتقصير عن حده الواجب‬
‫ما أن المفممرق ممماله مبممارا ً‬
‫كان معلو ً‬
‫والباذَله للناس حتى أجحفت به عطيته‪ ،‬مسممرف بتجمماوزه حممد اللممه‬

‫إلى ما كيفته له‪.‬‬
‫وكذلك المقصر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه‪ ،‬وذلممك كمنعممه‬
‫ما ألزمه إيتاءه منه أهل سهمان الصممدقة‪ ،‬إذا وجبممت فيممه‪ ،‬أو منعممه‬
‫من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها‪.‬‬
‫وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه‪.‬‬
‫كل هؤلء فيما فعلوا من ذلك مسرفون‪ ،‬داخلون في معنممى مممن‬
‫سمرُِفوا( )النعممام‪:‬‬
‫أتى ما نهى الله عنه مممن السمراف بقمموله‪َ) :‬ول ت ُ ْ‬
‫من الية ‪ (141‬في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم‪.(2).‬‬
‫لسممراف ضممدان قممد نهممى اللممه‬
‫وبهذا يتضح لنــا أن البخممل وا ِ‬
‫عنهما‪ ،‬وحرمهما على عباده‪ ،‬كل طرفي قصد المور ذميم‪.‬‬
‫وإذا كانت اليات السابقة‪ ،‬بيّنت كل واحدة منها أحد طرفي‬
‫النحراف وح ّ‬
‫ذرت منه‪ ،‬فإنها تدل بمفهومها على أن طريق الوسط‪،‬‬
‫هو طريق الستقامة‪ ،‬وبخاصة إذا نظرنا إلى مجموع اليات السابقة‬
‫لسراف والبخل ل يمثلن المنهج الصحيح‪.‬‬
‫التي تدل على أن ا ِ‬
‫ومع ذلك فقد جاءت آيات تممد ّ‬
‫ل صممراحة علممى انحممراف كممل مممن‬
‫ص بعضممها علممى طريممق الوسممط‪ ،‬وأنممه‬
‫الطرفيممن المممذكورين‪ ،‬وين م ّ‬
‫المنهج الحق الذي يجب اللتزام به والسير فيه‪.‬‬
‫‪ - 1‬ممن قال بذلك وفسر به السراف‪ :‬سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب‪ ،‬كما ذكر الطبري في تفسيره )‪ .(8/61‬ولكن السراف إذا أطلق يراد به التبذير‪ ،‬وما يقابل البخل‬
‫لسراف بالبخل فيه نظر‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫والتقتير‪ ،‬قال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوا ً‬
‫ما(‪] .‬سورة الفرقان‪ ،‬آية‪ .[67 :‬وتفسير ا ٍ‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(8/61‬‬

‫‪254‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫قممال ‪ -‬تعممالى ‪ -‬فممي وصممف المممؤمنين‪) :‬وال ّمذين إ َ َ‬
‫م‬
‫ذا أن َْفُقمموا ل َم ْ‬
‫َ‬
‫ِ َ ِ‬
‫م ي َْقت ُُروا وَ َ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫وامًا( )الفرقان‪.(67:‬‬
‫كا َ‬
‫يُ ْ‬
‫سرُِفوا وَل َ ْ‬
‫ك قَ َ‬
‫ن ب َي ْ َ‬
‫ة إ َِلى عُن ُِق َ‬
‫ل ي َد َ َ‬
‫جع َ ْ‬
‫سممط َْها‬
‫مغُْلول َ ً‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪َ) :-‬ول ت َ ْ‬
‫ك َول ت َب ْ ُ‬
‫ك َ‬
‫كُ ّ‬
‫سورًا( )السراء‪.(29:‬‬
‫س ِ‬
‫م ْ‬
‫ح ُ‬
‫ل ال ْب َ ْ‬
‫مُلوما ً َ‬
‫ط فَت َْقعُد َ َ‬
‫قال ابن كثير في الية الفرقــان‪) :‬واّلممذين إ َ َ‬
‫م‬
‫ذا أن َْفُقمموا ل َم ْ‬
‫َ‬
‫ِ َ ِ‬
‫م ي َْقت ُُروا( )الفرقان‪ :‬من الية ‪ (67‬أي ليسوا بمبذرين في‬
‫يُ ْ‬
‫سرُِفوا وَل َ ْ‬
‫إنفاقهم‪ ،‬فيصرفون فوق الحاجة‪ ،‬ول بخلء على أهليهممم‪ ،‬فيقصممرون‬
‫في حقهم‪ ،‬فل يكفونهم‪ ،‬بل عممدل خيمماًرا‪ ،‬وخيممر المممور أوسممطها‪ ،‬ل‬
‫هذا ول هذا‪.‬‬
‫)و َ َ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫وامًا( )الفرقان‪ :‬من الية ‪ (67‬كما قال ‪ -‬تعممالى‬
‫كا َ‬
‫ك قَ َ‬
‫ن ب َي ْ َ‬
‫ة إ ِل َممى عُن ُِق م َ‬
‫ل ي َمد َ َ‬
‫س مط َْها ك ُم ّ‬
‫جع َ م ْ‬
‫ط(‬
‫مغُْلول َم ً‬
‫سم ِ‬
‫‪َ) :‬ول ت َ ْ‬‫ل ال ْب َ ْ‬
‫ك َول ت َب ْ ُ‬
‫ك َ‬
‫)السراء‪ :‬من الية ‪.(1)(29‬‬
‫ل َيمد َ َ‬
‫جَعم ْ‬
‫ة إ ِل َممى‬
‫مغُْلوَلم ً‬
‫وقممال الطممبري فممي آيمة السممراء‪َ) :‬ول ت َ ْ‬
‫ك َ‬
‫عُن ُِق َ‬
‫ك( )السراء‪ :‬من الية ‪.(29‬‬
‫وإنما معنى الكلم‪ :‬ول تمسك يا محمد يدك بخل عممن النفقممة‬
‫في حقوق اللممه‪ ،‬فل تنفممق فيهمما شمميًئا‪ ،‬إمسمماك المغلولممة يممده إلممى‬
‫سط َْها ك ُ ّ‬
‫ط( )السممراء‪:‬‬
‫س ِ‬
‫ل ال ْب َ ْ‬
‫عنقه‪ ،‬الذي ل يستطيع بسطها‪َ) .‬ول ت َب ْ ُ‬
‫من اليممة ‪ (29‬يقممول‪ :‬ول تبسممطها بالعطيممة كممل البسممط‪ ،‬فتبقممى ل‬
‫مُلوممما ً‬
‫شيء عندك‪ ،‬ول تجد إذا سئلت شيًئا تعطيه سائلك‪) .‬فَت َْقُعممد َ َ‬
‫سورًا( )السراء‪ :‬من الية ‪ (29‬يقول‪ :‬فتقعد يلومممك سممائلوك إذا‬
‫م ْ‬
‫ح ُ‬
‫َ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/325‬‬

‫‪255‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫لم تعطهم حيممن سممألوك‪ ،‬وتلمموم نفسممك علممى السممراع فممي مالممك‬
‫وذهابه)‪.(1‬‬
‫ومما يدل علــى الوســطية فــي النفقــة قمموله ‪ -‬تعممالى ‪:-‬‬
‫)ل ِي ُن ِْفقْ ُ‬
‫ه‬
‫ه فَل ْي ُن ِْفقْ ِ‬
‫سعَةٍ ِ‬
‫ن َ‬
‫ذو َ‬
‫ما آَتاهُ الل ّ ُ‬
‫م ّ‬
‫ن قُدَِر عَل َي ْهِ رِْزقُ ُ‬
‫سعَت ِهِ وَ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ممما آَتاهَمما( )الطلق‪ :‬مممن اليممة ‪ .(7‬وهممذا مممن‬
‫ل ي ُك َل ّ ُ‬
‫ه ن َْفسما ً إ ِّل َ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫الوسطية النسبية التي يراعى فيها حال المنفق‪ ،‬وممما جممرت العممادة‬
‫به ونحو ذلك‪.‬‬
‫در النفقممة بحسممب الحالممة مممن المنِفممق‪،‬‬
‫قال القرطبي‪ :‬فتق م ّ‬
‫والحاجة من المنَفق عليه بالجتهاد على مجرى حياة العادة‪ ،‬فينظممر‬
‫المفتي إلى قدر حاجة المنَفق عليه‪ ،‬ثممم ينظممر إلممى حالممة المنَفممق‪،‬‬
‫فإن احتملت الحالة أمضاها عليممه‪ ،‬وإن اقتصممرت حممالته علممى حالممة‬
‫دها إلى قدر احتماله)‪.(2‬‬
‫المنفق عليه ر ّ‬
‫حا جلّيا في الجمع‬
‫من خلل ما سبق ظهر لنا منهج الوسطية واض ً‬
‫والكسب‪ ،‬وإنفاق المال‪.‬‬
‫لفممراط والتفريممط‪،‬‬
‫ودل م ّ‬
‫ت اليممات السممابقة علممى النهممي علممى ا ِ‬
‫ووجوب اللتزام بالمنهج الوسط‪ ،‬وجممماع ذلممك قممول اللممه العظيممم‪،‬‬
‫)وال ّذين إ َ َ‬
‫ن ذ َل ِم َ‬
‫وام مًا(‬
‫م ي َْقت ُمُروا وَك َمما َ‬
‫م يُ ْ‬
‫سرُِفوا وَل َم ْ‬
‫ذا أن َْفُقوا ل َ ْ‬
‫ك قَ َ‬
‫ن ب َي ْم َ‬
‫َ ِ َ ِ‬
‫)الفرقان‪ .(67:‬ومن أصدق من الله قيل‪.‬‬
‫ومما سبق في تقرير وسطية السمملم فممي جمممع المممال وكسممبه‬
‫وإنفمماقه يّتضممح انحممراف كممل مممن المنهممج الرأسمممالي والمنهممج‬
‫الشتراكي)‪.(3‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(15/76‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(18/170‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬الوسطية في السلم د‪ /‬زيد الزيد ص )‪.(56‬‬

‫‪256‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫فالنظام الرأسمالي يقوم على حرية الفرد في عمل ما يروق لممه‬
‫من العمال التجارية‪.‬‬
‫فهي تعنــي حريــة الســتثمار‪ ،‬وحريممة الفممرد فممي التملممك‪،‬‬
‫الحرية المطلقة‪ ،‬فهو حمّر فممي البحممث عممن الربممح بشممتى الوسممائل‬
‫والطرق‪.‬‬
‫دها ضابط أو قيد‪ ،‬حتى‬
‫س‪ ،‬ول يح ّ‬
‫والملكية الفردية مق ّ‬
‫دسة‪ ،‬ل تم ّ‬
‫دت هذه الملكية لحتكار المالك للسلعة‪.‬‬
‫لو أ ّ‬
‫إن هممذه الحريممة بممل هممذه الفوضمموية المطلقممة ‪ -‬كممان لهمما نتممائج‬
‫عكسية على المجتمع‪ ،‬حيث أوقدت نار الحتكار والنانية الفردية‪.‬‬
‫ولت الحياة القتصادية إلى شممريعة غمماب‪ ،‬يأكممل فيهمما‬
‫وبالتالي تح ّ‬
‫القوي الضعيف‪.‬‬
‫وأّدى هذا إلى تكدس رءوس الممموال فممي يممد طبقممة معينممة مممن‬
‫أصحاب رءوس الموال‪ ،‬ويقابلهم طبقة العمال الذين ل حممول لهممم‬
‫وة‪.‬‬
‫ول ق ّ‬
‫ويقابل المنهج الرأسمممالي المنهممج الشممتراكي‪ ،‬حيممث قممام علممى‬
‫فكممرة وفلسممفة انتقمال السميطرة علممى الممال مممن أيمدي أصمحاب‬
‫رءوس الموال إلى أيدي الطبقة العاملة‪ .‬حيث قامت علممى أسممس‬
‫من أبرزها‪:‬‬
‫‪ -1‬إلغــاء الملكيــة الفرديــة‪ ،‬وتممأميم الممتلكممات التجاريممة‬
‫والصناعية‪ ،‬بدعوى مصلحة الجميع‪ ،‬والفممراد يممؤدون أعمممال للدولممة‬
‫نظير أجور متساوية‪.‬‬
‫‪ -2‬توزيع السلع والمنتوجات الستهلكية كل وفق حاجته‪.‬‬

‫‪257‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫فالقتصمماد الشممتراكي يعتمممد علممى ‪ -‬دعمموى ‪ -‬تغليممب مصمملحة‬
‫المجتمع‪ ،‬ويجعل الدولة مالكة لكممل شمميء‪ ،‬وموجهممة للقتصمماد‪ ،‬فل‬
‫يكاد يوجه للفراد حقوق تذكر‪ ،‬من التملك والتنقل أو اختيار العمل‪،‬‬
‫فأفقر الغني ولم ُيغن الفقير‪.‬‬
‫وبهذا فإن فممي هممذين النظممامين يتمثممل الفممراط والتفريممط فممي‬
‫أبشع صورة‪.‬‬
‫لسلم ‪ -‬فكما سبق بيان منهج القرآن في ذلك ‪ -‬يختلف عن‬
‫أ ّ‬
‫ما ا ِ‬
‫هذين النظامين اختلًفا جذرّيا‪.‬‬
‫ة المجتمع في وقممت واحممد‪ ،‬فهممو‬
‫فهو آخذ بمصلحة الفرد ومصلح َ‬
‫يحترم الملكية الفردية ويقّرها‪ ،‬لنها توافق الفطرة النسانية‪ ،‬ولكنه‬
‫ل يقّرها مطلقة من كل قيودها‪ ،‬بل جعل لها ضمموابط وقيممود تحممول‬
‫دون العتداء على مصلحة المجتمع‪ ،‬وكذلك يحترم مصلحة المجتمع‬
‫دون التعدي على مصلحة الفرد‪.‬‬
‫لرث والوصممية والزكمماة والصممدقة وغيممر ذلممك مممن وجمموه‬
‫ففيممه ا ِ‬
‫النفاقُ المشروعة‪.‬‬
‫ش وغيرهمما مممن وجمموه الكتسمماب‬
‫كما حّرم الحتكار والّربمما والغم ّ‬
‫المحّرمة )‪.(1‬‬
‫وبهذا تحّققت الوسطّية في أبهى صورها‪ ،‬الوسطية الممتي توافممق‬
‫ل لِ َ ْ‬
‫دي َ‬
‫ق‬
‫س عَل َي َْها ل ت َب ْ ِ‬
‫الفطرة وتنميها‪) :‬فِط َْر َ‬
‫ت الل ّهِ ال ِّتي فَط ََر الّنا َ‬
‫خل ِ‬
‫ك الدين ال َْقيم ول َكن أ َ‬
‫ْ‬
‫الل ّهِ ذ َل ِ َ‬
‫َ‬
‫ن( )الروم‪ :‬من الية‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ر‬
‫ث‬
‫ك‬
‫ّ‬
‫مو َ‬
‫س ل ي َعْل َ ُ‬
‫َ‬
‫ّ ُ َ ِ ّ‬
‫ّ ُ‬
‫ِ‬
‫‪.(30‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬الوسطية في السلم د‪ /‬زيد الزيد ص )‪ (56‬وما بعدها‪.‬‬

‫‪258‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مطالب النفس وشهواتها‬
‫ب ال ّ‬
‫ن‬
‫ت ِ‬
‫وا ِ‬
‫حم ّ‬
‫س ُ‬
‫مم َ‬
‫ش مه َ َ‬
‫قال الله ‪ -‬سبحانه وتعممالى ‪ُ) :-‬زي ّم َ‬
‫ن ِللن ّمما ِ‬
‫ل‬
‫ضمةِ َوال ْ َ‬
‫مَقن ْط َمَرةِ ِ‬
‫ن َوال َْقن َمما ِ‬
‫ب َوال ِْف ّ‬
‫الن ّ َ‬
‫طيرِ ال ْ ُ‬
‫ن المذ ّهَ ِ‬
‫خي ْم ِ‬
‫مم َ‬
‫ساِء َوال ْب َِني َ‬
‫ث ذ َل ِ َ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫حْر ِ‬
‫عن ْد َهُ ُ‬
‫مَتاعُ ال ْ َ‬
‫مةِ َواْل َن َْعام ِ َوال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫م َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا َوالل ّ ُ‬
‫ك َ‬
‫سو ّ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫س ُ‬
‫ب( )آل عمران‪.(14:‬‬
‫ال ْ َ‬
‫مآ ِ‬
‫قال سيد قطب‪ :‬صياغة الفعل للمجهول ‪ -‬هنا ‪ -‬تشير إلممى أن‬
‫من هذا الميممل‪ ،‬فهممو محب ّممب ومزيممن‪ ،‬وهممذا‬
‫تركيبهم الفطري قد تض ّ‬
‫لنسممان هممذا الميممل إلممى هممذه‬
‫تقرير للواقع من أحد جممانبيه‪ ،‬ففممي ا ِ‬
‫الشهوات‪ ،‬وهو جزء من تكمموينه الصمميل‪ ،‬ل حاجممة إلممى إنكمماره‪ ،‬ول‬
‫إلى استنكاره في ذاته‪ ،‬فهو ضروري للحيمماة البشممرية‪ ،‬كممي تتأصممل‬
‫وتنمو وتطرد)‪.(1‬‬
‫وقال رشيد رضا بعممد أن بيممن اختلف المفسممرين فممي إسممناد‬
‫التزيين في هذا المقام‪ ،‬فأسنده بعضهم إلى اللممه‪ ،‬وأسممنده بعضممهم‬
‫إلى الشمميطان‪ .‬قممال‪ :‬وغفممل الجميممع عممن كممون الكلم فممي طبيعممة‬
‫البشر‪ ،‬وبيان حقيقة المر في نفسه‪ ،‬ل في جزئياته‪ ،‬وأفراد وقائعه‪،‬‬
‫فالمراد أن الله ‪ -‬تعمالى ‪ -‬أنشمأ النماس علمى همذا وفطرهمم عليمه‪،‬‬
‫ومثل هذا ل يجوز إسناده إلى الشيطان بحال‪ ،‬وإّنما يسممند إليممه ممما‬
‫حمما‪،‬‬
‫قد يعد ّ هو من أسبابه‪ ،‬كالوسوسة التي تزيممن للنسممان عمل قبي ً‬
‫ولذلك لم يسند إليه القرآن إل تزيين العمال‪ ،‬قممال ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬وَإ ِذ ْ‬
‫طا َ‬
‫م ال ّ‬
‫ن‬
‫شي ْ َ ُ‬
‫مال َهُ ْ‬
‫ن أعْ َ‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫م( )النفال‪ :‬من اليممة ‪ (48‬وقممال‪) :‬وََزي ّم َ‬
‫َزي ّ َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ما َ‬
‫م ال ّ‬
‫ن( )النعام‪ :‬من الية ‪.(43‬‬
‫مُلو َ‬
‫طا ُ‬
‫كاُنوا ي َعْ َ‬
‫ن َ‬
‫ل َهُ ُ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(1/373‬‬

‫‪259‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ما الحقائق وطبائع الشممياء فل تسممند إل ّ إلممى الخممالق الحكيممم‪،‬‬
‫وأ ّ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫ة ل َهَمما‬
‫ض ِزين َم ً‬
‫الذي ل شممريك لممه‪ ،‬قممال ‪) ‬إ ِن ّمما َ‬
‫جعَل ْن َمما َ‬
‫ممما عَلممى الْر ِ‬
‫ل ِنبل ُوهُم أ َيه َ‬
‫م ً‬
‫ل( )الكهف‪.(1)(7:‬‬
‫مأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ن عَ َ‬
‫َْ َ ْ ُّ ْ‬
‫س ُ‬
‫وبعد أن تّقررت هذه الحقيقة‪ :‬وهي أن الميل إلى شهوات الممدنيا‬
‫أمر فطري مركوز في خلق النسان‪ ،‬فإن الناس أمام هذه الحقيقة‬
‫طرفان ووسط‪.‬‬
‫فهناك من وقف أمام هذا الميل موقًفا مغالًيا‪ ،‬فحّرم على نفسممه‬
‫الطيبات وغيرها‪ ،‬ومنعها من الملّذ‪ ،‬وممما ُفطممرت عليممه مممن الممزواج‬
‫والمال وأطايب الملبس والمآكل‪ ،‬وهؤلء يمثلهممم رهبممان النصممارى‬
‫وغلة الصوفية‪ ،‬وابتدع النصارى رهبانية قاسية على النفممس‪ ،‬تحممرم‬
‫الزواج‪ ،‬وتكبت الغرائز‪ ،‬وترفض كل أشكال الزينة‪ ،‬وطيبات الممرزق‪،‬‬
‫جمما‬
‫سا من عمل الشيطان‪ ،‬وأصبح هذا النمممزوع مممذهًبا رائ ً‬
‫وتراها رج ً‬
‫)‪.(2‬‬
‫فهممؤلء رأوا الجسممد سممجًنا للممروح‪ ،‬يحممول بينهمما وبيممن أشممواقها‬
‫العالية‪ ،‬وشفافيتها السامية‪ ،‬فاخترعوا الرياضيات الروحيممة الشمماقة‪،‬‬
‫وله إلممى شممبح هزيممل‪،‬‬
‫التي تقوم على إرهاق الجسممد وتعممذيبه‪ ،‬وتحم ّ‬
‫يسممكن المغمماور والمقممابر والكهمموف‪ ،‬وينفممر مممن كممل الصمملت‬
‫لنسانية)‪.(3‬‬
‫ا ِ‬
‫وهؤلء أفرطوا وغلوا‪ ،‬وخرجوا عن سواء السبيل‪.‬‬
‫والطممرف المقابممل لهممؤلء‪ ،‬هممم الممذين انسمماقوا وراء شممهوات‬
‫ي‬
‫أنفسهم‪ ،‬واعتبروا الحياة الدنيا هي الغاية والنهاية‪ ،‬وقالوا‪َ ) :‬‬
‫ممما هِ م َ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(3/239‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للندوي ص )‪ ،(186‬والوسطية في السلم ص )‪.(42‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬المسلمون بين التشديد والتيسير للعودة ص ‪ ،13‬والوسطية في السلم ص ‪.44‬‬

‫‪260‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ما ي ُهْل ِك َُنا إ ِّل الد ّهُْر( )الجاثمية‪ :‬من اليممة‬
‫ت وَن َ ْ‬
‫إ ِّل َ‬
‫حَيا وَ َ‬
‫مو ُ‬
‫حَيات َُنا الد ّن َْيا ن َ ُ‬
‫‪.(24‬‬
‫فأغرقوا في الشهوات‪ ،‬وعبدوا أنفسممهم للماديممات‪ ،‬ولممم يعرفمموا‬
‫لهم هدًفا سامًيا يسعون إليمه‪ ،‬غيمر منممافع الممدنيا العاجلمة‪ ،‬ولممذائذها‬
‫الفانية‪.‬‬
‫وأصبحوا كالنعام‪ ،‬بل هم أض ّ‬
‫ل سبيل‪.‬‬
‫وهذا المنهج سقطت فيه الكثير من اليديولوجيات‪ ،‬وتبعه ملييممن‬
‫البشر‪ ،‬الذين ارتموا في أحضان النفعية الغربية المادية‪ ،‬أو سممقطوا‬
‫في مخالب المادية الماركسية‪ ،‬التي تعيممث فممي الرض فسمماًدا مممن‬
‫حيث يشعرون أو ل يشعرون‪.‬‬
‫وهؤلء فّرطوا وضّيعوا‪ ،‬وضّلوا عن سواء السبيل‪.‬‬
‫وبين هؤلء وأولئك جاء القرآن بالمنهج العدل الوسممط‪ ،‬فمماعترف‬
‫لنسان إلى تلبية فطرته‪ ،‬وتحقيق بعممض رغبمماته‪ ،‬دون حجممر‬
‫بحاجة ا ِ‬
‫أو كبت‪.‬‬
‫ولكنه لم يترك له الحبل على غاربه‪ ،‬بل وضع الضوابط والحدود‪،‬‬
‫ن له مهمة سامية يسعى إليها أشرف من الدنيا وما فيها‪.‬‬
‫نأ ّ‬
‫وبي ّ‬
‫ن الن ما جاء في القرآن تجاه كل طرف‪ ،‬ثم تقريره للمنهممج‬
‫ونبي ّ‬
‫الوسط‪.‬‬
‫ما الطرف الول وهم الذين غلمموا وأفرطمموا‪ ،‬فقممد جمماءت بعممض‬
‫أ ّ‬
‫اليات التي ترد ّ هذا المنهج وتبين انحرافه‪ ،‬فقممال ‪ -‬سممبحانه ‪) :-‬قُم ْ‬
‫ل‬
‫ق قُ م ْ‬
‫ي‬
‫ة الل ّهِ ال ِّتي أ َ ْ‬
‫م ِزين َ َ‬
‫ت ِ‬
‫ج ل ِعَِبادِهِ َوالط ّي َّبا ِ‬
‫خَر َ‬
‫ن َ‬
‫حّر َ‬
‫َ‬
‫ل هِم َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ن المّرْز ِ‬

‫‪261‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫مةِ ك َذ َل ِ َ‬
‫ص ُ‬
‫ت‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا َ‬
‫ص ً‬
‫ل اْليا ِ‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫مُنوا ِفي ال ْ َ‬
‫ة ي َوْ َ‬
‫م ال ِْقَيا َ‬
‫نآ َ‬
‫ك ن َُف ّ‬
‫خال ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن( )العراف‪.(32:‬‬
‫مو َ‬
‫ل َِقوْم ٍ ي َعْل َ ُ‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬قُ ْ‬
‫ما‬
‫وا ِ‬
‫ما ظ َهََر ِ‬
‫ما َ‬
‫حّر َ‬
‫من َْها وَ َ‬
‫ش َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ح َ‬
‫ي ال َْف َ‬
‫م َرب ّ َ‬
‫َ‬
‫ش مرِ ُ‬
‫م ي ُن َمّز ْ‬
‫ن تُ ْ‬
‫ه‬
‫ل ب ِم ِ‬
‫حقّ وَأ ْ‬
‫ي ب ِغَي ْرِ ال ْ َ‬
‫ممما ل َم ْ‬
‫كوا ب ِممالل ّهِ َ‬
‫ن َواْل ِث ْ َ‬
‫م َوال ْب َغْ َ‬
‫ب َط َ َ‬
‫َ‬
‫سل ْ َ‬
‫ن( )العراف‪.(33:‬‬
‫مو َ‬
‫طانا ً وَأ ْ‬
‫ُ‬
‫ما ل ت َعْل َ ُ‬
‫ن ت َُقوُلوا عََلى الل ّهِ َ‬
‫وقال‪) :‬يا أ َ‬
‫مممما فِممي اْل َ‬
‫س ك ُل ُ‬
‫حلل ً ط َّيبمًا( )البقممرة‪:‬‬
‫ر‬
‫موا‬
‫م‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ها‬
‫ي‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ض َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫من الية ‪.(168‬‬
‫َ‬
‫م َوا ْ‬
‫ش مك ُُروا‬
‫ن ط َي َّبا ِ‬
‫مُنوا ك ُُلوا ِ‬
‫وقال‪َ) :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ما َرَزقْن َمماك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫نآ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن( )البقرة‪.(172:‬‬
‫دو َ‬
‫م إ ِّياهُ ت َعْب ُ ُ‬
‫ل ِل ّهِ إ ِ ْ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫قال ابن كثير في قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬قُ ْ‬
‫ه‬
‫م ِزين َ َ‬
‫ة الل ّم ِ‬
‫ن َ‬
‫حّر َ‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫ق( )العراف‪ :‬من الية ‪.(32‬‬
‫ال ِّتي أ َ ْ‬
‫ت ِ‬
‫ج ل ِعَِبادِهِ َوالط ّي َّبا ِ‬
‫خَر َ‬
‫م َ‬
‫ن الّرْز ِ‬
‫دا على من حّرم شيًئا من المآكل والمشارب أو‬
‫يقول ‪ -‬تعالى ‪ -‬ر ّ‬
‫الملبس من تلقاء نفسه من غير شرع من الله‪ ،‬قل يا محمد لهؤلء‬
‫حرمون بآرائهم الفاسممدة وابتممداعهم‪:‬‬
‫المشركين الذين يحرمون ما ي ُ ّ‬
‫)قُ ْ‬
‫ه( )العراف‪ :‬من اليممة ‪(32‬‬
‫ة الل ّهِ ال ِّتي أ َ ْ‬
‫م ِزين َ َ‬
‫ج ل ِعَِبادِ ِ‬
‫خَر َ‬
‫ن َ‬
‫حّر َ‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫أي‪ :‬هممي مخلوقممة لمممن آمممن بممالله وعبممده فممي الحيمماة الممدنيا‪ ،‬وإن‬
‫شركهم فيها الكفار حبا ً في الدنيا‪ ،‬فهي لهم خاصة يمموم القيامممة‪ ،‬ل‬
‫يشركهم فيها أحد من الكفار)‪.(1‬‬
‫وقال الطبري في قوله ‪ -‬تعـالى ‪) :-‬قُ م ْ‬
‫ي‬
‫ممما َ‬
‫ح مّر َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫م َرب ّم َ‬
‫ن( )العراف‪ :‬من الية ‪.(33‬‬
‫وا ِ‬
‫ما ظ َهََر ِ‬
‫من َْها وَ َ‬
‫ش َ‬
‫ح َ‬
‫ما ب َط َ َ‬
‫ال َْف َ‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(2/211‬‬

‫‪262‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫يقول الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬ذكره لنبيه محمد‪ ،‬‬

‫قممل يمما محمممد لهممؤلء‬

‫المشركين الذين يتجّردون من ثيممابهم للطممواف بممالبيت‪ ،‬ويحرمممون‬
‫أكل طيبات ما أحل الله لهم من رزقه‪ ،‬أّيها القوم إن الله لم يحممّرم‬
‫حل ذلك لعباده المؤمنين وطّيبه لهممم‪ ،‬وإّنممما حممرم‬
‫ما تحرمونه‪ ،‬بل أ ّ‬
‫ي القبائح من الشياء‪ ،‬وهي الفواحش‪ ،‬ما ظهر منها فكان علنية‪،‬‬
‫رب ّ‬
‫وما بطن منها فكان سّرا في خفاء‪.‬‬
‫َ‬
‫ممما‬
‫ثم فسّر ‪ -‬قوله تعالى ‪ -‬في آخر الية‪) :‬وَأ ْ‬
‫ن ت َُقوُلوا عََلى الّلممهِ َ‬
‫ن( )العراف‪ :‬من اليممة ‪ (33‬فقممال‪ :‬يقممول وأن تقولمموا‪ :‬إن‬
‫مو َ‬
‫ل ت َعْل َ ُ‬
‫الله أمركم بالتعري والتجرد للطواف بالبيت‪ ،‬وحرم عليكم أكل هذه‬
‫النعام الممتي حرمتموهمما وسمميبتموها‪ ،‬وجعلتموهمما وصممائل وحمموامي‪،‬‬
‫وغيممر ذلممك مممما ل تعلمممون أن اللممه حرمممه‪ ،‬أو أمممر بممه أو أبمماحه‪،‬‬
‫فتضيفوا إلى الله تحريمه وحظره والمر به‪.‬‬
‫فإن ذلك ‪ -‬أي هذا القول ‪ -‬هو الذي حرمممه اللممه عليكممم دون ممما‬
‫تزعمون أن الله حرمه‪ ،‬أو تقولممون إن اللممه أمركممم بممه‪ ،‬جهل ً منكممم‬
‫بحقيقة ما تقولون‪ ،‬وتضيفونه إلى الله)‪.(1‬‬
‫وقال رشيد رضا مفسرا ً قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬قُم ْ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫ح مّر َ‬
‫ل َ‬
‫مم ْ‬
‫ق( )العممراف‪ :‬مممن‬
‫ة الل ّهِ ال ِّتي أ َ ْ‬
‫ِزين َ َ‬
‫ت ِ‬
‫ج ل ِعَِبادِهِ َوالط ّي ّب َمما ِ‬
‫خَر َ‬
‫مم َ‬
‫ن المّرْز ِ‬
‫الية ‪.(32‬‬
‫حرمت العممرب فممي جاهليتهمما زينممة اللبمماس فممي الطممواف تعبممدا ً‬
‫وقربة‪ ،‬وحرم بعضهم أكل بعض الطيبات مممن الدهممان وغيرهمما فممي‬
‫حال الحرام بالحج كذلك‪ ،‬وحّرموا مممن الحممرث والنعممام ممما بّينممه ‪-‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(8/167‬‬

‫‪263‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫تعالى ‪ -‬في سورة النعام‪ ،‬وحّرم غيرهم من الوثنيين وأهمل الكتماب‬
‫كثيًرا من الطيبات والزينة كممذلك‪ ،‬فجمماء ديممن الفطممرة الجممامع بيممن‬
‫مصالح البشر فممي معاشممهم ومعممادهم‪ ،‬المطهممر المربممي لرواحهممم‬
‫وأجسادهم‪ ،‬ينكر هذا التحكم والظلم للنفس‪ ،‬فالستفهام في قوله‪:‬‬
‫)قُ ْ‬
‫م( )العراف‪ :‬من الية ‪ (32‬إنكاري‪ ،‬يدل علممى أن هممذا‬
‫ن َ‬
‫حّر َ‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫التحريم من وساوس الشمميطان‪ ،‬ل مممما أوحمماه ‪ -‬تعممالى ‪ -‬إلممى مممن‬
‫سبق من المرسلين)‪.(1‬‬
‫صراط المستقيم‪.‬‬
‫وبهذا يّتضح انحراف هذا المنهج وبعده عن ال ّ‬
‫ومثلما جاءت اليات مبينة حكممم اللممه فممي هممذا الطممرف‪ ،‬جمماءت‬
‫كذلك تبين انحراف الطرف المقابل وميله عممن الحممق‪ ،‬وهممم الممذين‬
‫تركمموا العنممان لنفسممهم تعبممث كيفممما تشمماء‪ ،‬وترتممع كالنعممام فيممما‬
‫اشتهت وهوت‪ ،‬دون حسيب أو رقيب أو ضابط‪.‬‬
‫خل ْ ٌ َ‬
‫ضا ُ‬
‫م َ‬
‫قال ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪) :-‬فَ َ‬
‫صلةَ‬
‫خل َ َ‬
‫ف ِ‬
‫فأ َ‬
‫ن ب َعْدِهِ ْ‬
‫عوا ال ّ‬
‫م ْ‬
‫َوات ّب َُعوا ال ّ‬
‫ن غَي ًّا( )مريم‪.(59:‬‬
‫سو ْ َ‬
‫وا ِ‬
‫ف ي َل َْقوْ َ‬
‫ت فَ َ‬
‫شه َ َ‬
‫َ‬
‫وقال ‪ -‬ج م ّ‬
‫ن‬
‫ري مد ُ ال ّم ِ‬
‫ن ي َت ُممو َ‬
‫ري مد ُ أ ْ‬
‫ب عَل َي ْك ُم ْ‬
‫ل وعل ‪َ) :-‬والل ّم ُ‬
‫ذي َ‬
‫م وَي ُ ِ‬
‫ه يُ ِ‬
‫َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ظيمًا( )النساء‪.(27:‬‬
‫مي ْل ً عَ ِ‬
‫ن تَ ِ‬
‫وا ِ‬
‫تأ ْ‬
‫ي َت ّب ُِعو َ‬
‫ميُلوا َ‬
‫شه َ َ‬
‫ْ‬
‫ممما ت َأ ْك ُم ُ‬
‫ل‬
‫وقممال عمّز ذكممره‪َ) :‬وال ّم ِ‬
‫ن وَي َمأك ُُلو َ‬
‫مت ّعُممو َ‬
‫ن كَ َ‬
‫ن ك ََفمُروا ي َت َ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م( )محمد‪ :‬من الية ‪.(12‬‬
‫اْلن َْعا ُ‬
‫مْثوىً ل َهُ ْ‬
‫م َوالّناُر َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مم ُ‬
‫ن(‬
‫س مو ْ َ‬
‫مممو َ‬
‫ل فَ َ‬
‫ف ي َعْل َ ُ‬
‫م اْل َ‬
‫مت ّعُمموا وَي ُل ْهِهِم ُ‬
‫م ي َمأك ُُلوا وَي َت َ َ‬
‫وقال‪) :‬ذ َْرهُم ْ‬
‫)الحجر‪.(3:‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير المنار )‪.(8/387‬‬

‫‪264‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫َ‬
‫م فِممي‬
‫ض ال ّ ِ‬
‫وقال‪) :‬وَي َوْ َ‬
‫م ط َي ّب َممات ِك ُ ْ‬
‫ن ك ََفُروا عََلى الّنارِ أذ ْهَب ْت ُ ْ‬
‫م ي ُعَْر ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن عَ َ‬
‫م‬
‫ذا َ‬
‫جَزوْ َ‬
‫م تُ ْ‬
‫َ‬
‫م ب َِها َفال ْي َوْ َ‬
‫م الد ّن َْيا َوا ْ‬
‫ممما ك ُن ْت ُم ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫مت َعْت ُ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫حَيات ِك ُ ُ‬
‫ب ال ْهُممو ِ‬
‫َْ‬
‫ن( )الحقمماف‪:‬‬
‫س مُقو َ‬
‫ض ب ِغَي ْرِ ال ْ َ‬
‫ست َك ْب ُِرو َ‬
‫م ت َْف ُ‬
‫تَ ْ‬
‫ممما ك ُن ْت ُم ْ‬
‫حقّ وَب ِ َ‬
‫ن ِفي الْر ِ‬
‫‪.(20‬‬
‫ن ي َُقو ُ‬
‫ممما‬
‫وقال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬فَ ِ‬
‫ل َرب َّنا آت َِنا ِفي ال مد ّن َْيا وَ َ‬
‫س َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ق()البقرة‪ :‬من الية ‪.(200‬‬
‫ن َ‬
‫ه ِفي اْل ِ‬
‫خَرةِ ِ‬
‫لَ ُ‬
‫م ْ‬
‫خل ٍ‬
‫دل علممى ضمملل هممؤلء وانحرافهممم‪ ،‬حيممث‬
‫فهذه اليات وأمثالها تم ّ‬
‫فّرطوا بركونهم إلى الحياة الدنيا وشهواتها‪ ،‬وتفصيل لهذا النحممراف‬
‫أذكر بعض أقوال المفسرين حول معنى هذه اليات‪.‬‬
‫ن‬
‫ري مد ُ ال ّم ِ‬
‫ن ي َت ّب ِعُممو َ‬
‫ذي َ‬
‫قال الطبري في قــوله ‪ -‬تعــالى ‪) :-‬وَي ُ ِ‬
‫َ‬
‫ال ّ‬
‫ظيمًا( )النساء‪ :‬من الية ‪ (27‬يقول‪ :‬يريممد‬
‫مي ْل ً عَ ِ‬
‫ن تَ ِ‬
‫وا ِ‬
‫تأ ْ‬
‫ميُلوا َ‬
‫شه َ َ‬
‫الذين يطلبون ل ّ‬
‫ذات الدنيا وشممهوات أنفسممهم فيهمما‪ ،‬أن تميلمموا عممن‬
‫أمر الله ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬فتجمموروا عنممه بإتيممانكم ممما حمّرم عليكممم‪،‬‬
‫دا‪.‬‬
‫ما‪ ،‬جوًرا وعدول عنه شدي ً‬
‫وركوبكم معاصيه ميل عظي ً‬
‫ثم قال بعممد أن ذكممر أقمموال العلممماء فممي المممراد بالممذين يتبعممون‬
‫الشهوات‪ :‬فأولى المعاني باليممة ممما د ّ‬
‫ل عليممه ظاهرهمما دون باطنهمما‬
‫الذين ل شاهد عليه من أصل أو قياس‪.‬‬
‫وإذا كممان ذلممك كممذلك كممان داخل فممي الممذين يّتبعممون الشممهوات‪:‬‬
‫اليهود والنصارى والّزناة‪ ،‬وكل متبع باطل‪ ،‬لن كل متبع ما نهاه اللممه‬
‫عنه فمتبع شهوة نفسه)‪.(1‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(5/28‬‬

‫‪265‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن ك ََف مُروا‬
‫وقــال ابــن كــثير فــي قــوله ‪ -‬تعــالى ‪َ) :-‬واّلمم ِ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫ن ك َما ت َأ ْك ُ ُ َ‬
‫م( )محمد‪ :‬من الية ‪ .(12‬قممال‪ :‬أي‬
‫مت ُّعو َ‬
‫ل اْلن َْعا ُ‬
‫ن وَي َأك ُُلو َ َ‬
‫ي َت َ َ‬
‫ما‪،‬‬
‫ما وقض م ً‬
‫في دنياهم يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل النعممام خض م ً‬
‫وليس لهم همة إل ذلك‪ ،‬ولذلك ثبت في الصحيح‪  :‬المممؤمن يأكممل‬
‫د‪ ،‬والكافر يأكل في سبعة أمعاء ‪.(1) ‬‬
‫في معي واح ٍ‬
‫َ‬
‫م ِفمي‬
‫م ط َي َّبات ِك ُ ْ‬
‫وقال القرطبي في قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬أذ ْهَب ْت ُ ْ‬
‫م ب َِها( )الحقاف‪ :‬من اليممة ‪ .(20‬أي‪ :‬تمتعتممم‬
‫َ‬
‫م الد ّن َْيا َوا ْ‬
‫مت َعْت ُ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫حَيات ِك ُ ُ‬
‫بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات‪ ،‬يعني المعاصي‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬أي أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي‪.‬‬
‫قال ابن بحر‪ :‬الطيبات‪ :‬الشباب والقمموة‪ ،‬مممأخوذ مممن قممولهم‪:‬‬
‫وته‪.‬‬
‫ذهب أطيباه‪ ،‬أي‪ :‬شبابه وق ّ‬
‫قال القرطبي‪ :‬قلت‪ :‬القول الول أظهر‪ ،‬ثم ساق الدلة علممى‬

‫صحة هذا القول‪ ،‬وذلك بتفسير عمر ‪‬‬

‫لليممة وغيممره مممن السمملف‬

‫)‪.(2‬‬
‫ف‬
‫ضا ‪ -‬فــي قــوله ‪ -‬تعــالى ‪) :-‬فَ َ‬
‫خل َم َ‬
‫وقال القرطبي ‪ -‬أي ً‬
‫خل ْ ٌ َ‬
‫صلةَ َوات ّب َُعوا ال ّ‬
‫ت( )مريم‪ :‬من اليممة‬
‫ضا ُ‬
‫م َ‬
‫وا ِ‬
‫ِ‬
‫فأ َ‬
‫ن ب َعْدِهِ ْ‬
‫عوا ال ّ‬
‫شه َ َ‬
‫م ْ‬

‫‪ (59‬عن علي‪ ،‬‬

‫هو مممن بنممي المشمميد‪ ،‬وركممب المنظممور‪ ،‬ولبممس‬

‫المشهور‪.‬‬
‫قلممت ‪ -‬أي القرطممبي ‪ :-‬الشممهوات عبممارة عممما يوافممق النسممان‪،‬‬
‫يشتهيه ويلئمه ول يتقيه‪ ،‬وفي الصممحيح‪:‬‬

‫‪‬‬

‫حّفممت الجن ّممة بالمكمماره‪،‬‬

‫وحّفت النار بالشهوات ‪.(3)‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪ (4/175‬والحديث أخرجه البخاري )‪.(6/200‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(16/200‬‬
‫حجبت الجنة بالمكاره"‪.‬‬
‫حجبت النار بالشهوات و ُ‬
‫ضا )‪ (7/186‬عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ " ُ‬
‫‪ - 3‬أخرجه مسلم )‪ (4/2174‬رقم )‪ (2822‬وهو عند البخاري أي ً‬

‫‪266‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وما ذكر عن علي ‪‬‬

‫جزء من هذا)‪.(1‬‬

‫وأختم أقوال المفســرين بمــا قــاله ســيد فــي تفســير‬
‫َ‬
‫م‬
‫م ِفي َ‬
‫م ال مد ّن َْيا َوا ْ‬
‫مت َعْت ُ ْ‬
‫س مت َ ْ‬
‫حي َممات ِك ُ ُ‬
‫م ط َي َّبات ِك ُ ْ‬
‫قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬أذ ْهَب ْت ُ ْ‬
‫ب ِهَمما( )الحقمماف‪ :‬مممن اليممة ‪ (20‬قممد كممانوا يملكممون الطيبممات إذن‪،‬‬
‫دخروا للخرة منهمما شمميًئا‪،‬‬
‫ولكنهم استنفذوها في الحياة الدنيا‪ ،‬فلم ي ّ‬
‫واستمتعوا بها غير حاسبين فيها للخرة حساًبا‪.‬‬
‫استمتعوا بها استمتاع النعام للحصول علممى اللممذة بالمتمماع‪ ،‬غيممر‬
‫ناظرين فيها للخرة‪ ،‬ول شاكرين لله نعمته‪ ،‬ول متورعين فيهمما عممن‬
‫م كانت لهم دنيا ولم تكن لهم آخرة )‪.(2‬‬
‫فاحش أو حرام‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫ن التفريممط مممذموم‪،‬‬
‫وهذه اليات وكلم المفسرين حولها بّينممت أ ّ‬
‫وعاقبته وخيمة‪ ،‬وأّنه مجافاة للطريق السوي‪ ،‬والصراط المستقيم‪.‬‬
‫ددة ل لبــس فيهــا ول‬
‫وننتهي بعد ذلك إلــى نتيجــة مح ـ ّ‬
‫غمــوض‪ ،‬وهممي أن تحريممم الطيبممات وممما أح م ّ‬
‫ل اللممه لعبمماده غلممو‬
‫وإفراط‪ ،‬ومثل ذلك ‪ -‬في ال ّ‬
‫ذم ‪ -‬اتباع الشهوات وعدم منممع النفممس‬
‫ممما‪ ،‬فهممذا تفريممط‪ .‬والطريممق العممدل‬
‫مممما تشممتهي حلل كممان أو حرا ً‬
‫دده وُتبّينه اليات التالية‪:‬‬
‫والمنهج الوسط ما بين ذلك‪ ،‬وهو ما تح ّ‬
‫عن ْمد َ ك ُم ّ‬
‫خ ُ‬
‫جدٍ وَك ُل ُمموا‬
‫م ُ‬
‫م ِ‬
‫قال ‪ -‬تعالى ‪َ) :-‬يا ب َِني آد َ َ‬
‫م ْ‬
‫سم ِ‬
‫ل َ‬
‫ذوا ِزين َت َك ُم ْ‬
‫َوا ْ‬
‫ن( )العممراف‪ .(31:‬فهممذه‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫شَرُبوا َول ت ُ ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫سرُِفوا إ ِن ّ ُ‬
‫سرِِفي َ‬
‫من أوضح اليات دللة على المراد‪ ،‬حيث حددت معالم هذا المنهممج‪،‬‬
‫فلباس الزينة مشروع‪ ،‬ومثل ذلك الكل والشرب مما أباح الله‪ ،‬ولو‬
‫كان فيه زيادة على الحاجة والضرورة‪ ،‬ولكن المنهي عنمه أن يكممون‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(11/125‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(6/3264‬‬

‫‪267‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫هناك إسراف وتبممذير‪ ،‬سمواء كممان السممراف فممي النمموع أو الكممم أو‬
‫العادة‪.‬‬
‫وما أجمل ما قاله القرطبي في هممذا البمماب‪ ،‬حيممث قممال‪ :‬والممذي‬
‫يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه‪ :‬على المرء أن يأكل ما وجد‪ ،‬طيًبمما‬
‫كان أو قفاًرا‪ ،‬ول يتكّلف الطيب ويتخذه عادة‪ ،‬وقد كممان النممبي‪ ،‬‬
‫يشممبع إذا وجممد‪ ،‬ويصممبر إذا عممدم‪ ،‬ويأكممل الحلمموى إذا قممدر عليهمما‪،‬‬
‫ويشرب العسل إذا اتفق له‪ ،‬ويأكل اللحم إذا تيسر‪ ،‬ول يعتمد أصل‪،‬‬

‫ول يجعلممه ديممدًنا‪ ،‬ومعيشممة النممبي‪ ،‬‬

‫معلومممة‪ ،‬وطريقممة الصممحابة‬

‫منقولة)‪.(1‬‬
‫خم ُ‬
‫م(‬
‫م ُ‬
‫وقال الطبري في هذه اليــة‪) :‬ي َمما ب َن ِممي آد َ َ‬
‫ذوا ِزين َت َك ُم ْ‬
‫عن ْمد َ ك ُم ّ‬
‫)العراف‪ :‬من الية ‪ (31‬من الكسمماء واللبمماس‪ِ ) ،‬‬
‫جدٍ‬
‫م ْ‬
‫سم ِ‬
‫ل َ‬
‫وَك ُُلوا( )العراف‪ :‬من الية ‪ (31‬من طيبات ما رزقتكم وحللته لكممم‪،‬‬
‫)َوا ْ‬
‫شَرُبوا( )العراف‪ :‬من الية ‪ (31‬ممن حلل الشممربة‪ ،‬ول ُتحّرمموا‬
‫إل ما حّرمت عليكم في كتابي‪ ،‬أو على لسان رسولي محمد‪. ،‬‬
‫ثم قال‪ :‬عن ابن عباس قال‪ :‬أح ّ‬
‫ل الله الكل والشرب ما لم يكن‬
‫سرًفا أو مخيلة‪.‬‬
‫ن(‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫حمم ّ‬
‫م ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫وروي عممن ابممن عبمماس فممي قمموله‪) :‬إ ِّنمم ُ‬
‫سممرِِفي َ‬
‫)العراف‪ :‬من الية ‪.(31‬‬
‫قال‪ :‬في الطعام والشراب‪.‬‬
‫وقال السدي‪ :‬ل تسرفوا في التحريم‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(16/202‬‬

‫‪268‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ما‪ ،‬ذلك السراف‪.‬‬
‫وقال ابن زيد‪ :‬ل تأكلوا حرا ً‬
‫ن( )العراف‪ :‬من اليممة ‪ (31‬يقممول‪:‬‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫وقوله‪) :‬إ ِن ّ ُ‬
‫سرِِفي َ‬
‫ده‪ ،‬في حلل أو حرام‪ ،‬الغالين فيما أح ّ‬
‫ل‬
‫إن الله ل يحب المتعدين ح ّ‬
‫الله أو حّرم بإحلل الحرام‪ ،‬وبتحريم الحلل‪ ،‬ولكنمه يجمب أن ُيحّلمل‬
‫ما أح ّ‬
‫ل ويحّرم ما حّرم‪ ،‬وذلك العدل الذي أمر به)‪.(1‬‬
‫وقال ابن كثير‪ :‬قال بعض السلف‪ :‬جمع الله الطممب كلممه فممي‬
‫نصف الية‪) :‬وَك ُُلوا َوا ْ‬
‫سرُِفوا( )العممراف‪ :‬مممن اليممة ‪(31‬‬
‫شَرُبوا َول ت ُ ْ‬
‫وقال البخاري قال ابن عباس‪ :‬كل ما شممئت والبممس ممما شممئت‪ ،‬ممما‬
‫أخطأتك خصلتان‪ :‬سرف ومخيلة)‪.(2‬‬
‫ومن الدلة على الوسطية والعتدال في مطالب النفممس قمموله ‪-‬‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫حلل ً ط َّيبما ً َول ت َت ّب ُِعموا‬
‫س ك ُُلموا ِ‬
‫ض َ‬
‫م ّ‬
‫تعالى ‪َ) :-‬يا أي َّها الّنما ُ‬
‫مما ِفمي الْر ِ‬
‫شي ْ َ‬
‫ت ال ّ‬
‫ن( )البقرة‪ .(168:‬فقوله‪) :‬ك ُُلوا(‬
‫ُ‬
‫وا ِ‬
‫م عَد ُوّ ُ‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫ن إ ِن ّ ُ‬
‫مِبي ٌ‬
‫طا ِ‬
‫خط ُ َ‬
‫هم مممن التحريممم جهل أو‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪ (168‬إباحة لما قممد يتممو ّ‬
‫شي ْ َ‬
‫ت ال ّ‬
‫ن( )البقرة‪ :‬من الية ‪(168‬‬
‫وا‪ .‬وقوله‪َ) :‬ول ت َت ّب ُِعوا ُ‬
‫وا ِ‬
‫طا ِ‬
‫خط ُ َ‬
‫غل ّ‬
‫نهى عن الحرام‪ ،‬والسراف حرام‪ ،‬فهو منهي عنه‪.‬‬
‫قال الطبري في الية‪ :‬يا أيها الناس كلمموا مممما أحللممت لكممم‬

‫من الطعمممة علممى لسممان رسممولي محمممد‪ ،‬‬

‫فطيبتممه لكممم‪ ،‬مممما‬

‫تحرمونه على أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل‪ ،‬وممما أشممبه‬
‫ذلك‪ ،‬مما لم أحّرمه عليكم‪ ،‬دون ممما حّرمتممه عليكممم مممن المطمماعم‬
‫والمآكل فنجسته؛ من ميتة ودم ولحم خنمزير‪ ،‬وما ُأهممل بممه لغيممري‪.‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(8/162‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪ .(2/210‬وصحيح البخاري )‪.(7/33‬‬

‫‪269‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ودعوا خطوات الشميطان المذي يموبقكم فيهلككمم ويموردكم مموارد‬
‫العطب‪.‬‬
‫ثم قال بعد أن بّين أقوال العلماء في المراد بخطوات الشيطان‪:‬‬
‫وهذه القوال قريب معنى بعضها من بعممض‪ ،‬غيممر أن حقيقممة تأويممل‬
‫الكلمة هو ما بّينت من أنها ُبعممد ممما بيممن قممدميه‪ ،‬ثممم تسممتعمل فممي‬
‫جميع آثاره وطرقه على ما قد بّينت)‪.(1‬‬
‫ن ي َُقو ُ‬
‫ل َرب َّنا آت َِنا ِفممي الممد ّن َْيا‬
‫ومن الدلة قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَ ِ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ب الّنمارِ ُأول َئ ِ َ‬
‫عم َ‬
‫مما‬
‫ة وَقَِنا َ‬
‫سن َ ً‬
‫ة وَِفي اْل ِ‬
‫سن َ ً‬
‫ب ِ‬
‫م نَ ِ‬
‫صمي ٌ‬
‫ذا َ‬
‫خَرةِ َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫م ّ‬
‫ك ل َهُم ْ‬
‫ب( )البقرة‪.(202 ،201:‬‬
‫ريعُ ال ْ ِ‬
‫ح َ‬
‫ه َ‬
‫كَ َ‬
‫سُبوا َوالل ّ ُ‬
‫سا ِ‬
‫س ِ‬
‫قال ابن كثير في هذه الية‪:‬‬
‫جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا‪ ،‬وصممرفت كممل ش مّر‪ ،‬فممإن‬
‫كل الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلمموب دنيمموي‪ ،‬مممن عافيممة ودار‬
‫رحبممة‪ ،‬وزوجممة حسممنة‪ ،‬ورزق واسممع‪ ،‬وعلممم نممافع‪ ،‬وعمممل صممالح‪،‬‬
‫ومركب هّين‪ ،‬وثناء جميل‪ ،‬إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبممارات‬
‫المفسرين‪ ،‬ول منافاة بينها‪ ،‬فإنهمما كلهمما مندرجممة فممي الحسممنة فممي‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫ما الحسنة في الخرة‪ ،‬فأعلى ذلك دخول الجنة‬
‫وأ ّ‬
‫المن من الفزع الكبر في العرصات‪ ،‬وتيسير الحساب‪ ،‬وغيممر ذلممك‬
‫)‪(2‬‬

‫وتوابعه‪ ،‬من‬

‫من أمور الخرة الصالحة‪.‬‬
‫ما النجاة من النار فهو يقتضي تيسممير أسممبابه فممي الممدنيا‪ ،‬مممن‬
‫وأ ّ‬
‫اجتناب المحارم والثام‪ ،‬وترك الشبهات والحرام)‪.(3‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(2/76‬‬
‫‪ - 2‬وأعلى منها لذة النظر إلى وجه الله الكريم‪ ،‬ولكنه ل يكون إل لمن دخل الجنة‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/243‬‬

‫‪270‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن‬
‫ومن الدلة التي تصلح في هذا المقام قمموله ‪ -‬تعممالى ‪َ) :-‬وال ّم ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ظون إّل عََلى أ َزواجه َ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫م َفممإ ِن ّهُ ْ‬
‫مان ُهُ ْ‬
‫ت أي ْ َ‬
‫مل َك َ ْ‬
‫ما َ‬
‫م أو ْ َ‬
‫ْ َ ِ ِ ْ‬
‫جه ِ ْ‬
‫م ل ُِفُرو ِ‬
‫هُ ْ‬
‫حافِ ُ َ ِ‬
‫ك فَُأول َئ ِ َ‬
‫ن اب ْت ََغى وََراَء ذ َل ِ َ‬
‫ن( )المؤمنممون‪:‬‬
‫مُلو ِ‬
‫دو َ‬
‫م ال َْعا ُ‬
‫ك هُ ُ‬
‫ن فَ َ‬
‫غَي ُْر َ‬
‫مي َ‬
‫م ِ‬
‫‪.(7-5‬‬
‫قال ابن كثير في تفسـيره لليـة‪ :‬أي والممذين قممد حفظمموا‬
‫فروجهم مممن الحممرام‪ ،‬فل يقعممون فيممما نهمماهم اللمه عنهممم مممن زنمما‬
‫ولواط‪ ،‬ل يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم‪ ،‬أو ممما ملكممت‬
‫أيمانهم من السراري‪ ،‬ومن تعاطى ما أحل ّممه اللممه فل لمموم عليممه ول‬
‫ن( )المؤمنون‪ :‬من الية ‪.(1)(6‬‬
‫مُلو ِ‬
‫م غَي ُْر َ‬
‫حمرج‪ ،‬ولهمذا قال‪) :‬فَإ ِن ّهُ ْ‬
‫مي َ‬
‫ووجه الستدلل من هذه الية على منهج الوسطّية أنه أبمماح لهممم‬
‫بعممض مطممالب أنفسممهم كممالزواج والتسممري‪ ،‬وهممذا هممو الطريممق‬
‫ضمما ‪ -‬حممّرم التعممدي‬
‫المشممروع لشممباع هممذه الغريممزة‪ ،‬ولكنممه ‪ -‬أي ً‬
‫والسراف والفراط والتفريط‪ ،‬وذلك بإتيان ما حرم اللممه مممن الزنمما‬
‫واللواط‪ ،‬بل والستمناء على القول الراجح من أقوال العلماء)‪.(2‬‬
‫وأختم الكلم في هذا المبحث بما قاله سيد قطب أثنمماء تفسمميره‬
‫ب ال ّ‬
‫ن‬
‫ت ِ‬
‫وا ِ‬
‫حم ّ‬
‫س ُ‬
‫ن الن ّ َ‬
‫سمماِء َوال ْب َِني م َ‬
‫مم َ‬
‫ش مه َ َ‬
‫لقوله ‪ -‬تعالى ‪ُ) :-‬زي ّ َ‬
‫ن ِللن ّمما ِ‬
‫َْ‬
‫ضةِ َوال ْ َ‬
‫مَقن ْط ََرةِ ِ‬
‫َوال َْقَنا ِ‬
‫ب َوال ِْف ّ‬
‫م َ‬
‫سو ّ َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫طيرِ ال ْ ُ‬
‫ن الذ ّهَ ِ‬
‫خي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫مةِ َوالن َْعممام ِ‬
‫ث ذ َِلم َ‬
‫ب( )آل‬
‫ه ِ‬
‫حمْر ِ‬
‫عن ْمد َهُ ُ‬
‫مت َمماعُ ال ْ َ‬
‫َوال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫حَيماةِ المد ّن َْيا َوالّلم ُ‬
‫ك َ‬
‫ممآ ِ‬
‫سم ُ‬
‫عمران‪ (14:‬حيث قال‪:‬‬
‫ب شممهوات الرض إلممى‬
‫في الية واحدة يجمع السياق القرآني أح ّ‬
‫نفس النسان‪ :‬النساء والبنين والممموال المكدسممة والخيممل والرض‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/239‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفصيل ذلك في تفسير القرطبي )‪.(12/105‬‬

‫‪271‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫المخصبة والنعام‪ ،‬وهي خلصة للرغائب الرضية‪ ،‬إممما بممذاتها‪ ،‬وإممما‬
‫بما تستطيع أن توفره لصحابها من لذائذ أخرى‪.‬‬
‫ب ال ّ‬
‫ت( )آل عمممران‪ :‬مممن اليممة ‪ (14‬فهممي‬
‫وا ِ‬
‫ح ّ‬
‫س ُ‬
‫ش مه َ َ‬
‫)ُزي ّ َ‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫شهوات مستحبة مستلذة‪ ،‬وليست مستقذرة ول كريهة‪ ،‬والتعممبير ل‬
‫يدعو إلى استقذارها وكراهيتها‪ ،‬إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها‬
‫وبواعثها‪ ،‬ووضعها في مكانها ل تتعداه‪ ،‬ول تطغى على ما هممو أكممرم‬
‫في الحياة وأعلى‪.‬‬
‫وهنا يمتاز السلم بمراعاته للفطرة البشــرّية‪ ،‬وقبمموله‬
‫بواقعها‪ ،‬ومحاولة تهذيبها ورفعها‪ ،‬ل كبتها وقمعها‪ ،‬إننا نممرى السمملم‬
‫قد ضمن سلمة الكائن النساني من الصراع بيممن شممطري النفممس‬
‫البشرية‪ ،‬بين نوازع الشهوة واللممذة‪ ،‬وأشممواق الرتفمماع والتسممامي‪،‬‬
‫وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والعتدال)‪.(1‬‬
‫هذه هي الوسطية التي رسمها القرآن الكريممم فيممما يتعلممق‬
‫بمطالب النفس وشهواتها‪.‬‬
‫وهو بهــذا يمثــل الواقعيــة والحكمــة‪ ،‬ويمموازن بيممن نمموازع‬
‫النفس البشرية وحقائق العبودية وتكاليفها‪.‬‬
‫عاشًرا‪ :‬شواهد أخرى‬
‫وبعد أن ذكرت اليات التي جاءت تقّرر منهج الوسطّية في إطممار‬
‫البواب الماضية‪ ،‬فإن هناك آيات أخرى ليست داخلممة فممي أي بمماب‬
‫من البواب السابقة دخول مباشًرا‪ .‬وهممي تممد ّ‬
‫ل دللممة واضممحة علممى‬
‫هذا المنهج وتؤكده )‪.(2‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(1/373‬‬
‫‪ - 2‬قد ترد آيات يبدو منها لول وهلة دخولها تحت باب من البواب السابقة‪ ،‬ولكن عند التأمل سنجد أن هناك فرًقا في وجه الدللة آثرت معه إفرادها هنا‪ ،‬مع وجود شيء من‬
‫الشتراك هناك‪.‬‬

‫‪272‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ولذلك سأذكر بعض هذه اليات دون استطراد في التفسممير‬
‫أو التعليق‪ ،‬وإنما سأكتفي بذكر الية مع الشارة إلممى وجممه الدللممة‪،‬‬
‫وذكر قول لحد المفسرين أو قولين‪ ،‬بما يؤدي الغرض ويحققه‪.‬‬
‫َ‬
‫هم َ‬
‫م(‬
‫ن َ‬
‫دي ل ِل ِّتمي ِ‬
‫ن ي َْهم ِ‬
‫ذا ال ُْقمْرآ َ‬
‫‪ -1‬قال الله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬إ ِ ّ‬
‫ي أْقموَ ُ‬
‫هم َ‬
‫)السراء‪ :‬من الية ‪.(9‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬يمدح الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬كتممابه العزيممز الممذي أنمممزله‬

‫علمى رسموله محممد‪ ،‬‬

‫وهمو القمرآن بمأنه يهمدي لقموم الطمرق‪،‬‬

‫وأوضح السبل)‪.(1‬‬
‫َ‬
‫م( )السراء‪ :‬مممن اليممة‬
‫ي أقْوَ ُ‬
‫وقال القرطبي‪ :‬ومعنى )ل ِل ِّتي هِ َ‬
‫‪ (9‬أي الطريقة التي هي أسد ّ وأعدل وأصوب)‪.(2‬‬
‫وبهذا التفسير فإن الوسطّية داخلممة فممي هممذه الهدايممة مممن بمماب‬
‫أولى‪ ،‬لنها متضمّنة للعدل والستقامة‪.‬‬
‫جُزوعا ً‬
‫ه ال ّ‬
‫خل ِقَ هَُلوعا ً إ ِ َ‬
‫ن ُ‬
‫شّر َ‬
‫سا َ‬
‫‪ -2‬قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬إ ِ ّ‬
‫م ّ‬
‫ن اْل ِن ْ َ‬
‫س ُ‬
‫ذا َ‬
‫وَإ ِ َ‬
‫ن( )المعارج‪.(22 -19:‬‬
‫ه ال ْ َ‬
‫م ّ‬
‫مُنوعا ً إ ِّل ال ْ ُ‬
‫خي ُْر َ‬
‫س ُ‬
‫ذا َ‬
‫م َ‬
‫صّلي َ‬
‫قال القرطبي‪ :‬الهلع في اللغة‪ :‬أشد الحممرص‪ ،‬وأسمموأ الجممزع‬
‫وأفحشه‪.‬‬
‫والمعنى‪ :‬أنه ل يصبر على خير ول شّر حتى يفعل فيهممما ممما ل‬
‫ينبغي‪.‬‬
‫والمنوع‪ :‬هو الذي أصاب المال منع منه حق الله ‪ -‬تعالى ‪.-‬‬
‫سه الخير لممم يشممكر‪ ،‬وإذا‬
‫وقال أبو عبيدة‪ :‬الهلوع‪ :‬هو الذي إذا م ّ‬
‫مسه الضّر لم يصبر)‪.(3‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/26‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(10/225‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(18/290‬‬

‫‪273‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫‪ -3‬قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬أ َما من استغنى فَأ َ‬
‫َ‬
‫ما عَل َي ْم َ‬
‫ك أ َّل‬
‫ت‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ َ ِ ْ ََْ‬
‫ص ّ‬
‫دى وَ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي َّز ّ‬
‫جاَء َ‬
‫خ َ‬
‫ه ت َل َّهى( )عبس‪-5:‬‬
‫سَعى وَهُوَ ي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ك يَ ْ‬
‫ت عَن ْ ُ‬
‫شى فَأن ْ َ‬
‫ما َ‬
‫كى وَأ ّ‬
‫م ْ‬
‫‪.(10‬‬
‫قال ابن كثير مبيًنا دللتها على الوسطية‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ممما الغنممي‬
‫صم ّ‬
‫نا ْ‬
‫دى( )عبممس‪ (5،6:‬أي‪ :‬أ ّ‬
‫ت ل َم ُ‬
‫ست َغَْنى فَأن ْ َ‬
‫ما َ‬
‫)أ ّ‬
‫ه تَ َ‬
‫م ِ‬
‫ممما عَل َي ْم َ‬
‫ك أ َّل ي َّزك ّممى( )عبممس‪ (7:‬أي‪:‬‬
‫فأنت تعرض له لعله يهتدي‪) ،‬وَ َ‬
‫بمطالب منه إذا لم يحصل له زكاة ‪ -‬وهي الهداية ‪.-‬‬
‫َ‬
‫جاَء َ‬
‫خ َ‬
‫شى( )عبممس‪،8:‬م ‪ (9‬أي‪ :‬يقصممدك‬
‫سَعى وَهُوَ ي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ك يَ ْ‬
‫ما َ‬
‫)وَأ ّ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ه ت َل َّهمى( )عبمس‪ (10:‬أي‪:‬‬
‫ت عَْنم ُ‬
‫ويؤمك‪ ،‬ليهتدي بما تقمول لمه‪َ) ،‬فمأن ْ َ‬
‫تتشاغل‪.‬‬

‫ومن هنا أمر الله تعالى رسوله‪ ،‬‬

‫دا‪ ،‬بممل‬
‫ص بالنممذار أح م ً‬
‫أل يخ ّ‬

‫يسمماوي فيممه بيممن الشممريف والضممعيف‪ ،‬والفقيممر والغنممي‪ ،‬والسممادة‬
‫والعبيد‪ ،‬والرجال والنساء‪ ،‬والصغار والكبار‪ ،‬ثم الله يهدي من يشمماء‬
‫إلى صراط مستقيم‪ ،‬وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة)‪.(1‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن إِ َ‬
‫ه‬
‫سا ُ‬
‫ما اْل ِن ْ َ‬
‫مم ُ‬
‫ه وَن َعّ َ‬
‫م ُ‬
‫ه فَمأك َْر َ‬
‫ما اب َْتلهُ َرب ّ ُ‬
‫ذا َ‬
‫‪ -4‬قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬فَأ ّ‬
‫َ‬
‫ل ربي أ َ‬
‫ْ‬
‫ه فَي َُقممو ُ‬
‫ما إ ِ َ‬
‫ل َرب ّممي‬
‫م‬
‫ر‬
‫ك‬
‫فَي َُقو ُ َ ّ‬
‫ما اب َْتلهُ فََقد ََر عَل َي ْمهِ رِْزقَم ُ‬
‫ذا َ‬
‫ن وَأ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ن( )الفجر‪.(15،16:‬‬
‫أَ َ‬
‫هان َ ِ‬
‫وهذا المر فيه إفراط وتفريط‪ ،‬قال ابن كممثير مبين ًمما ذلممك‪،‬‬
‫حا طريق الستقامة في ذلك‪.‬‬
‫وموض ً‬
‫سممع اللممه‬
‫يقول ‪ -‬تعالى ‪ -‬منكًرا على النسممان فممي اعتقمماده إذا و ّ‬
‫عليه في الرزق ليختبره في ذلك‪ ،‬فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له‪،‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/470‬‬

‫‪274‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫َ‬
‫ن‬
‫س مُبو َ‬
‫وليس كذلك بل هو ابتلء وامتحممان‪ ،‬كممما قممال ‪-‬تعممالى‪) :-‬أي َ ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ت َبم ْ‬
‫لل‬
‫م ِفمي ال ْ َ‬
‫خْيمَرا ِ‬
‫م ِبمهِ ِ‬
‫مما ن ُ ِ‬
‫ن نُ َ‬
‫سمارِعُ ل َُهم ْ‬
‫ن َ‬
‫ممد ّهُ ْ‬
‫أن ّ َ‬
‫ل وَب َِنيم َ‬
‫مما ٍ‬
‫مم ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ن( )المؤمنون‪.(56 ،55:‬‬
‫شعُُرو َ‬
‫وكذلك فممي الجممانب الخممر‪ ،‬إذا ابتله وامتحنممه وضمّيق عليممه فممي‬
‫الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له‪.‬‬
‫)ك َّل( أي ليس المر كما زعم‪ ،‬ل في هذا‪ ،‬ول في هذا‪ ،‬فممإن اللممه‬
‫ب‪ ،‬ويضيق علممى مممن يحممب‬
‫ب ومن ل يح ّ‬
‫تعالى يعطي المال من يح ّ‬
‫ب‪ ،‬وإنما المدار في ذلك علممى طاعممة اللممه فممي كممل مممن‬
‫ومن ل يح ّ‬
‫الحالين‪ ،‬إذا كان غنّيا بأن يشكر الله على ذلك‪ ،‬وإذا كان فقيمًرا بممأن‬
‫يصبر)‪.(1‬‬
‫َ‬
‫س مقٌ ب ِن َب َمأ ٍ‬
‫م َفا ِ‬
‫‪ -5‬قال ‪ -‬تعممالى – )ي َمما أي ّهَمما ال ّم ِ‬
‫ن َ‬
‫من ُمموا إ ِ ْ‬
‫جمماَءك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫فَت َب َي ُّنوا( )الحجرات‪ :‬من الية ‪.(6‬‬
‫ما قبوله مطلًقمما‪ ،‬وهممذا‬
‫والموقف من الخبر إذا جاء من الفاسق إ ّ‬
‫ده مطلًقا‪ ،‬وهذا تفريط‪ ،‬فقد يصدق خبره‪ ،‬وإممما التثبممت‬
‫إفراط‪ ،‬أو ر ّ‬
‫والتبين‪ ،‬وهذا هو الوسط وهو المشروع‪.‬‬
‫قال القرطبي‪ :‬في الية دليل على قبول خبر الواحممد إذا كممان‬
‫عدل‪ ،‬لنه إنما أمر فيها بالتثبيت عند نقل خممبر الفاسممق‪ ،‬ومممن ثبممت‬
‫فسقه بطل قوله فممي الخبممار إجماعًمما‪ ،‬لن الخممبر أمانممة‪ ،‬والفسممق‬
‫قرينة يبطلها‪ ،‬وقمد اسمتثنى الجممماع ممن ذلمك ممما يتعلمق بالمدعوى‬
‫والجحود‪ ،‬وإثبات حق مقصود على الغير )‪.(2‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/509‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(16/312‬‬

‫‪275‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقال ابن كــثير‪ :‬يممأمر ‪ -‬تعممالى ‪ -‬بممالتثبت فممي خممبر الفاسممق‬
‫ليحتاط له‪ ،‬لئل يحكم بقوله فيكون في نفس المممر كاذب ًمما أو مخطًئا‬
‫)‪.(3‬‬
‫‪ -6‬قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬ووصينا اْلنسان بوال ِديه حمل َت ُ‬
‫هنا ً عََلممى‬
‫ه وَ ْ‬
‫َ َ ّ َْ‬
‫م ُ‬
‫هأ ّ‬
‫ِْ َ َ ِ َ َ ْ ِ َ َ ْ ُ‬
‫عامي َ‬
‫وال ِمد َي ْ َ‬
‫نا ْ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫صمميُر وَإ ِ ْ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫صال ُ ُ‬
‫ن وَفِ َ‬
‫ك إ ِل َم ّ‬
‫شك ُْر ل ِممي وَل ِ َ‬
‫نأ ِ‬
‫ه ِفي َ َ ْ ِ‬
‫وَهْ ٍ‬
‫َ‬
‫س ل َم َ‬
‫ش مرِ َ‬
‫دا َ‬
‫ن تُ ْ‬
‫ممما‬
‫ك ب ِمهِ ِ‬
‫ك عَل َممى أ ْ‬
‫جاهَ م َ‬
‫َ‬
‫م َفل ت ُط ِعْهُ َ‬
‫عل ْم ٌ‬
‫ك ب ِممي َ‬
‫ممما ل َي ْم َ‬
‫ل مم َ‬
‫ي( )لقمممان‪:‬‬
‫صا ِ‬
‫ن أن َمما َ‬
‫معُْروفا ً َوات ّب ِعْ َ‬
‫ما ِفي الد ّن َْيا َ‬
‫حب ْهُ َ‬
‫وَ َ‬
‫ب إ ِل َم ّ‬
‫س مِبي َ َ ْ‬
‫‪ (15 ،14‬والمر يدورعلى ثلثة أوجه‪:‬‬
‫إما الطاعة وحسن الصحبة والحسان‪ ،‬وإما البراء منهممما مطلًقمما‬
‫فل طاعة ول صحبة ول إحسان‪ ،‬وإمما التوسمط‪ ،‬وهمو عمدم الطاعمة‬
‫في معصية الله‪ ،‬مممع الحسممان إليهممما‪ ،‬وحسممن الصممحبة‪ ،‬وهممذا هممو‬
‫الوسط وهو المشروع‪.‬‬
‫وقريب ممن همذا المعنمى مما جماء فممي سممورة الممتحنمة‪ ،‬قممال ‪-‬‬
‫م‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫م فِممي ال م ّ‬
‫ن وَل َم ْ‬
‫م ي َُقممات ُِلوك ُ ْ‬
‫ن ل َم ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫سبحانه ‪) :-‬ل ي َن َْهاك ُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫دي ِ‬
‫ه عَ ِ‬
‫خرجوك ُم ممن ديممارك ُ َ‬
‫سم ُ‬
‫ب‬
‫ه يُ ِ‬
‫م وَت ُْق ِ‬
‫حم ّ‬
‫م إِ ّ‬
‫مأ ْ‬
‫يُ ْ ِ ُ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫طوا إ ِل َي ْهِم ْ‬
‫ن ت َب َّروهُم ْ‬
‫ْ ِ ْ َِ ِ ْ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫ن اّلمم ِ‬
‫سمم ِ‬
‫مْق ِ‬
‫م ِفممي المم ّ‬
‫ن َقممات َُلوك ُ ْ‬
‫م الّلمم ُ‬
‫ممما ي َن َْهمماك ُ ُ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫طي َ‬
‫دي ِ‬
‫عمم ِ‬
‫خراجك ُم َ‬
‫ن‬
‫وَأ َ ْ‬
‫م ِ‬
‫مأ ْ‬
‫خَر ُ‬
‫م وَ َ‬
‫ن ت َوَل ّموْهُ ْ‬
‫ْ‬
‫م وَظ َمماهَُروا عَل َممى إ ِ ْ َ ِ‬
‫ن دَِيارِك ُ ْ‬
‫جوك ُ ْ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫م ال ّ‬
‫م فَُأول َئ ِ َ‬
‫ن( )الممتحنة‪.(9:‬‬
‫مو َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ك هُ ُ‬
‫ي َت َوَل ّهُ ْ‬
‫والدللة في الية واضحة جلية‪.‬‬
‫‪ -7‬ومشاقة الله ورسوله خروج عن منهج الوسطّية‪ ،‬ولمذلك جماء‬
‫َ‬
‫ذمها في القرآن في أكثر من موضع‪ ،‬قال ‪ -‬سبحانه ‪) :-‬ذ َِلمم َ‬
‫م‬
‫ك ِبممأن ّهُ ْ‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/308‬‬

‫‪276‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ه َ‬
‫ن يُ َ‬
‫َ‬
‫شم ِ‬
‫ديد ُ‬
‫ه ف َ مإ ِ ّ‬
‫ه وََر ُ‬
‫ه وََر ُ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫سممول َ ُ‬
‫ق الل ّم َ‬
‫ه وَ َ‬
‫سممول َ ُ‬
‫شاّقوا الل ّ َ‬
‫مم ْ‬
‫شمماقِ ِ‬
‫ال ْعَقاب( )النفال‪ .(13:‬وقال‪) :‬ذ َل َ َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ه وََر ُ‬
‫ه وَ َ‬
‫سول َ ُ‬
‫شاّقوا الل ّ َ‬
‫ك ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ِ‬
‫ممم ْ‬
‫ه َ‬
‫يُ َ‬
‫ب( )الحشر‪.(4:‬‬
‫ش ِ‬
‫ه فَإ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫شاقّ الل ّ َ‬
‫ديد ُ ال ْعَِقا ِ‬
‫قال سيد قطب في تفسيره للية الثانية‪ :‬والمشممماقة أن‬
‫يأخذوا لهم شّقا غير شق اللمه‪ ،‬وجانًبما غيمر جمانبه‪ ،‬وقمد جعمل اللمه‬
‫جانبه هو جانب رسوله‪  ،‬حين وصممف عل ّممة اسممتحقاقهم للعممذاب‬
‫في صدر الية‪ ،‬فاكتفى في عجزها بمشاقة الله وحده‪ ،‬فهي تشمممل‬
‫مشاقة الرسول وتتضمنها‪.‬‬
‫ثم ليقف المشاّقون في ناحية أمام الله ‪ -‬سبحانه ‪ -‬وهممو موقممف‬
‫جح قبيح‪ ،‬حين يقف المخاليق في وجه الخالق ُيشاّقونه )‪.(1‬‬
‫فيه تب ّ‬
‫َْ‬
‫س َ‬
‫ض‬
‫‪ -8‬قال ‪ -‬تعالى ‪) :-‬وَل َوْ ب َ َ‬
‫ط الل ّ ُ‬
‫ه الّرْزقَ ل ِعَِبادِهِ ل َب َغَ ْ‬
‫وا فِممي الْر ِ‬
‫ن ي ُن َّز ُ‬
‫ما ي َ َ‬
‫صيٌر( )الشورى‪.(27:‬‬
‫ه ب ِعَِبادِهِ َ‬
‫خِبيٌر ب َ ِ‬
‫شاُء إ ِن ّ ُ‬
‫ل ب َِقد َرٍ َ‬
‫وَل َك ِ ْ‬
‫سممعه وكث ّممره‬
‫قال الطبري‪ :‬ولو بسممط اللممه الممرزق لعبمماده‪ ،‬فو ّ‬
‫ده الله لهم إلى غير ذلك الممذي‬
‫عندهم لبغوا‪ ،‬فتجاوزوا الحد ّ الذي ح ّ‬
‫ده لهم في بلده بركمموبهم فممي الرض ممما حظممره عليهممم‪ ،‬ولكنممه‬
‫ح ّ‬
‫ينمّزل رزقهم بقدر لكفايتهم الذي يشاء منه)‪.(2‬‬
‫وقال ابن كثير‪ :‬أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الممرزق لحملهممم‬
‫ذلك على البغي والطغيان‪ ،‬من بعضهم على بعض أشًرا وبطًرا‪.‬‬
‫وقال قتادة‪ :‬كان يقال‪ :‬خير العيش ما ل يلهيك ول يطغيك )‪.(3‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(6/3522‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري )‪.(25/30‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(4/115‬‬

‫‪277‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ودللة هذه الية‪ :‬أن وسطّية الممرزق تممؤدي إلممى وسممطية العمممل‬
‫والعبادة‪ ،‬والفراط يؤدي إلى الفراط والتفريط‪ ،‬فأصبحت وسممطّية‬
‫الرزق مانعة من الطغيان والبغي‪.‬‬
‫‪ -9‬ومما ُيد ّ‬
‫لفممراط والتفريممط قمموله ‪ -‬تعممالى ‪) :-‬وَإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ل على ذ ّ‬
‫ما ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م إِ َ‬
‫ذا‬
‫سي ّئ َ ٌ‬
‫م ً‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫ن تُ ِ‬
‫حوا ب َِها وَإ ِ ْ‬
‫ة فَرِ ُ‬
‫س َر ْ‬
‫م َ‬
‫ديهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ما قَد ّ َ‬
‫ة بِ َ‬
‫صب ْهُ ْ‬
‫ح َ‬
‫أذ َقَْنا الّنا َ‬
‫م ي َْقن َ ُ‬
‫ن( )الروم‪ .(36:‬ومثل هممذا المعنممى قمموله ‪ -‬تعممالى ‪ -‬عممن‬
‫طو َ‬
‫هُ ْ‬
‫المنافقين‪.‬‬
‫ن أ ُعْ ُ‬
‫مُز َ‬
‫م‬
‫طوا ِ‬
‫صد ََقا ِ‬
‫ن ي َل ْ ِ‬
‫)و َ ِ‬
‫ضوا وَإ ِ ْ‬
‫من َْها َر ُ‬
‫ت فَإ ِ ْ‬
‫ن َلمم ْ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ك ِفي ال ّ‬
‫م ْ‬
‫خ ُ‬
‫من َْها إ ِ َ‬
‫ن( )التوبممة‪ (58:‬ثممم يممبين لهممم المنهممج‬
‫سم َ‬
‫وا ِ‬
‫طو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذا هُم ْ‬
‫ي ُعْط َ ْ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫م َر ُ‬
‫م الل ّم ُ‬
‫ممما آت َمماهُ ُ‬
‫ضمموا َ‬
‫الحممق الممذي يجممب أن يسمملكوه‪) :‬وَل َموْ أن ّهُ م ْ‬
‫ه إ ِن ّمما إ ِل َممى‬
‫ه ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫ه وََقاُلوا َ‬
‫ضل ِهِ وََر ُ‬
‫ه َ‬
‫ح ْ‬
‫وََر ُ‬
‫سممول ُ ُ‬
‫سي ُؤِْتيَنا الل ّ ُ‬
‫سب َُنا الل ّ ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن( )التوبة‪.(59:‬‬
‫الل ّهِ َراِغُبو َ‬
‫قال القاسمي في الية الولى‪) :‬وإ َ َ‬
‫ة( )الروم‪:‬‬
‫م ً‬
‫س َر ْ‬
‫ح َ‬
‫ذا أذ َقَْنا الّنا َ‬
‫َِ‬
‫حوا ب ِهَمما( )الممروم‪ :‬مممن‬
‫من الية ‪ (36‬أي‪ :‬نعمة من صحة وسعة )فَرِ ُ‬
‫دا وشكًرا‪.‬‬
‫الية ‪ (36‬أي‪ :‬بطًرا وفخًرا‪ ،‬ل حم ً‬
‫ت‬
‫سي ّئ َ ٌ‬
‫ن تُ ِ‬
‫ة( )الروم‪ :‬من الية ‪ (36‬أي‪ :‬ش ّ‬
‫)وَإ ِ ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ممما َقممد ّ َ‬
‫دة )ب ِ َ‬
‫صب ْهُ ْ‬
‫َ‬
‫م( )الروم‪ :‬من الية ‪ (36‬أي‪ :‬مممن المعاصممي والثممام‪) :‬إ ِ َ‬
‫م‬
‫أي ْ ِ‬
‫ذا هُ م ْ‬
‫ديهِ ْ‬
‫ي َْقن َ ُ‬
‫ن( )الروم‪ :‬من الية ‪ (36‬أي‪ :‬ييأسون من روح الله‪.‬‬
‫طو َ‬
‫قال‪ :‬هذا إنكار على النسان من حيممث هممو‪ ،‬إل مممن عصمممه اللممه‬
‫ت‬
‫ووفّقه‪ ،‬فإن النسان إذا أصابته نعمة بطممر وقممال‪) :‬ذ َهَ م َ‬
‫ب ال ّ‬
‫س مي َّئا ُ‬
‫خمموٌر( )هممود‪ :‬مممن اليممة ‪ (10‬أي يفممرح فممي نفسممه‪،‬‬
‫ح فَ ُ‬
‫ه ل ََفرِ ٌ‬
‫عَّني إ ِن ّ ُ‬
‫ويفخر على غيره‪.‬‬

‫‪278‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫دة قنط وأيس أن يحصل بعد ذلك خير بالكلية‪ ،‬ثممم‬
‫وإذا أصابته ش ّ‬
‫بين المنهج الوسط‪.‬‬
‫ت( )هممود‪:‬‬
‫حا ِ‬
‫صب َُروا وَعَ ِ‬
‫قال الله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬إ ِّل ال ّ ِ‬
‫صممال ِ َ‬
‫مل ُمموا ال ّ‬
‫ن َ‬
‫ذي َ‬
‫مممن اليممة ‪ (11‬أي‪ :‬صممبروا فممي الضممراء‪ ،‬وعملمموا الصممالحات فممي‬
‫الّرخاء‪ ،‬كما ثبت في الصحيح‪ :‬عجًبا للمؤمن‪ ،‬ل يقضي الله له قضاء‬
‫إل كان خيًرا له‪ ،‬إن أصابته سراء شكر‪ ،‬فكان خيًرا لممه‪ ،‬وإن أصممابته‬
‫ضراء صبر‪ ،‬فكان خيًرا له)‪.(1‬‬
‫وأشير إلى الية التي وردت قبل هذه الية‪ ،‬وهي تدل على فساد‬
‫مسلك من خرج عن منهج الستقامة‪ ،‬وانحراف ُيمنة وُيسرة‪ ،‬قال ‪-‬‬
‫م إِ َ‬
‫سبحانه ‪) :-‬وَإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫س ُ‬
‫ن إ ِل َي ْمهِ ث ُم ّ‬
‫م ُ‬
‫وا َرب ّهُم ْ‬
‫ذا َ‬
‫س الن ّمما َ‬
‫مم ّ‬
‫مِنيِبيم َ‬
‫ضمّر د َعَم ْ‬
‫شرِ ُ‬
‫م يُ ْ‬
‫ة إِ َ‬
‫أَ َ‬
‫ن( )الروم‪.(33:‬‬
‫م ً‬
‫ريقٌ ِ‬
‫م ِ‬
‫كو َ‬
‫ه َر ْ‬
‫م ب َِرب ّهِ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ح َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذاقَهُ ْ‬
‫ذا فَ ِ‬
‫‪ -10‬وانظر نتيجة الخروج عن منهج الوسممطية والعتممدال وشممكر‬
‫ن‬
‫النعمة فيما قصه الله علينا فممي هممذه اليممات‪) :‬وَ َ‬
‫جعَل ْن َمما ب َي ْن َهُم ْ‬
‫م وَب َي ْم َ‬
‫ال ُْقَرى ال ِّتي َباَرك َْنا ِفيَها ُقرىً َ‬
‫سمميُروا ِفيَهمما‬
‫سي َْر ِ‬
‫ظاهَِرةً وَقَد ّْرَنا ِفيَها ال ّ‬
‫َ‬
‫ع مد بي م َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ي وَأّياما ً آ ِ‬
‫ممموا أن ُْف َ‬
‫نأ ْ‬
‫س مه ُ ْ‬
‫س مَفارَِنا وَظ َل َ ُ‬
‫ن فََقاُلوا َرب َّنا َبا ِ ْ َ ْ َ‬
‫مِني َ‬
‫ل ََيال ِ َ‬
‫فَجعل ْناهُ َ‬
‫ن فِممي ذ َل ِم َ‬
‫ت ل ِك ُم ّ‬
‫م ك ُم ّ‬
‫ل‬
‫حاِدي َ‬
‫ك َليمما ٍ‬
‫ق إِ ّ‬
‫مأ َ‬
‫م َ‬
‫ل ُ‬
‫مّزقْن َمماهُ ْ‬
‫ث وَ َ‬
‫َ َ َ ْ‬
‫ممّز ٍ‬
‫ش ُ‬
‫صّبارٍ َ‬
‫كوٍر( )سمبأ‪.(19 ،18:‬‬
‫َ‬
‫قال ابمن كمثير‪ :‬وذلمك أنهمم بطمروا همذه النعممة‪ ،‬وأحّبموا مفماوز‬
‫ومهامممة يحتمماجون فممي قطعهمما إلممى الممزاد والرواحممل والسممير‬
‫والمخاوف‪ ،‬كما طلب بنو إسرائيل من موسممى أن يخممرج اللممه لهممم‬
‫مما ُتنبت الرض‪ ،‬من بقلهمما وقّثائهمما وُفومهمما وعدسممها وبصمملها‪ ،‬مممع‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي ص )‪ .(4780‬والحديث أخرجه مسلم )‪ .(4/2295‬رقم )‪.(2999‬‬

‫‪279‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ن وسلوى وما يشتهون مممن مآكممل‬
‫أنهم كانوا في عيش رغيد‪ ،‬في م ّ‬
‫َ‬
‫و‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫س مت َب ْدُِلو َ‬
‫ومشارب‪ ،‬وملبس مرتفعة‪ ،‬ولهذا قال لهم‪) :‬أت َ ْ‬
‫ذي هُ م َ‬
‫َ‬
‫خي ٌْر( )البقرة‪ :‬من الية ‪.(61‬‬
‫ذي هُوَ َ‬
‫أد َْنى ِبال ّ ِ‬
‫وقال ‪) ‬وك َ َ‬
‫مِعي َ‬
‫شت ََها( )القصص‪ :‬مممن‬
‫م أهْل َك َْنا ِ‬
‫ت َ‬
‫ن قَْري َةٍ ب َط َِر ْ‬
‫َ ْ‬
‫م ْ‬
‫الية ‪.(58‬‬
‫وانظر ممماذا كممانت النتيجممة‪) :‬فَجعل ْنمماهُ َ‬
‫م ك ُم ّ‬
‫ل‬
‫حمماِدي َ‬
‫َ َ َ‬
‫مأ َ‬
‫مّزقْن َمماهُ ْ‬
‫ث وَ َ‬
‫ْ‬
‫ق( )سمممبأ‪ :‬ممن اليمة ‪ (19‬قمال ابممن كممثير‪ :‬أي جعلنماهم حمديًثا‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫مّز ٍ‬
‫للناس‪ .‬وسمًرا يتحدثون به من خيرهم‪ ،‬وكيف مكر الله بهم‪ ،‬وفمّرق‬
‫شملهم بعممد الجتممماع واللفممة والعيممش الهنيممء‪ ،‬تفرقمموا فممي البلد‬
‫هاهنا وهاهنا‪ ،‬ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا‪ :‬تفرقوا أيدي‬
‫سبأ‪ ،‬وأيادي سبأ‪ ،‬وتفرقوا شذر مذر)‪.(1‬‬
‫َ‬
‫و‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ست َب ْدُِلو َ‬
‫ما بنو إسرائيل فكان أمرهم كما أخبر الله‪) :‬أت َ ْ‬
‫أ ّ‬
‫ذي هُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خْيمٌر اهْب ِ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ت‬
‫هموَ َ‬
‫ذي ُ‬
‫طموا ِ‬
‫أد َْنى ِبال ّ ِ‬
‫م وَ ُ‬
‫صمرا ً َفمإ ِ ّ‬
‫مما َ‬
‫ضمرِب َ ْ‬
‫سمأل ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫كم ْ‬
‫م ْ‬

‫ه( )البقمرة‪ :‬ممن اليمة‬
‫سك َن َ ُ‬
‫م الذ ّل ّ ُ‬
‫ن الّلم ِ‬
‫ب ِ‬
‫ة وََباُءوا ب ِغَ َ‬
‫م ْ‬
‫ة َوال ْ َ‬
‫عَل َي ْهِ ُ‬
‫ض ٍ‬
‫مم َ‬
‫‪.(61‬‬

‫‪ -11‬الطغيان خروج عن السممتقامة‪ ،‬بممل هممو مضمماد لهمما ومبمماين‪،‬‬
‫م الطغمماة وتنهممى عممن الطغيممان‪ ،‬وتممأمر‬
‫ولممذلك جمماءت اليممات تممذ ّ‬
‫بالستقامة‪:‬‬
‫قال ‪ -‬تعالى – )َفاستقم ك َ ُ‬
‫مع َ م َ‬
‫وا(‬
‫ما أ ِ‬
‫ن ت َمما َ‬
‫ب َ‬
‫ت وَ َ‬
‫مْر َ‬
‫ْ َِ ْ َ‬
‫ك َول ت َط ْغَ م ْ‬
‫مم ْ‬
‫)هود‪ :‬من الية ‪.(1121‬‬

‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(3/533‬‬

‫‪280‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫ه ط َغَممى( )طممه‪.(43:‬‬
‫وقال عن فرعمون‪) :‬اذ ْهَب َمما إ ِل َممى فِْرعَموْ َ‬
‫ن إ ِّنم ُ‬
‫َ‬
‫م مأ َْوى(‬
‫ج ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫حَياةَ الد ّن َْيا فَإ ِ ّ‬
‫ن ط ََغى َوآث ََر ال ْ َ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫حي م َ‬
‫ما َ‬
‫وقال‪) :‬فَأ ّ‬
‫م هِم َ‬
‫م ْ‬
‫)النازعمات‪.(39-37:‬‬
‫ُ‬
‫وقال‪) :‬فَل ِذ َل ِ َ‬
‫ت( )الشممورى‪ :‬مممن اليممة‬
‫ممما أ ِ‬
‫ك َفاد ْعُ َوا ْ‬
‫م مْر َ‬
‫م كَ َ‬
‫س مت َِق ْ‬
‫‪.(15‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دقًا(‬
‫ممماءً غَ م َ‬
‫ريَق مةِ َل ْ‬
‫وقممال‪) :‬وَأل ّموِ ا ْ‬
‫م َ‬
‫س مَقي َْناهُ ْ‬
‫س مت ََقا ُ‬
‫موا عَل َممى الط ّ ِ‬
‫)الجمن‪.(16:‬‬
‫ومن ترك الطغيان واستقام فقد التزم منهممج الوسممط والعتممدال‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطا ً ()البقرة‪ :‬من الية ‪.(143‬‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫)وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫وإلى هنا نصل إلــى نهايــة بيممان القممرآن لمنهممج الوسممطّية‪،‬‬
‫وتقريره لذلك والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات‪.‬‬

‫‪281‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫الخاتمة‬
‫ممما‬
‫م الصممالحات‪ ،‬وأشممكره شممكًرا عظي ً‬
‫الحمد لله الذي بنعمته تت م ّ‬
‫على ما أوله من فضل وعون وتوفيممق‪ ،‬وأصمملي وأسمملم علممى نبينمما‬
‫محمد‪ ،‬وآله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫فقد ذكرت في مقدمة هذه الرسالة أن البحث جاء ُيعالممج قضممية‬
‫الوسطية من حيث جهل كثير من الناس بها‪ ،‬وما ترت ّممب علممى ذلممك‬
‫من إفراط وتفريط‪.‬‬
‫ولذا فإّني أجد من المناسب أن ألخص ما توصلت إليه فممي هممذه‬
‫الرسالة فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬ذكرت تعريفات العلماء لكلمة )وسط(‪ ،‬وخلصة ما ذكروا‬
‫ما عّبر عنه محمد باكريم‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫وكيفما تصّرفت هذه اللفظة نجدها ل يخرج معناهمما عممن معمماني‪:‬‬
‫العدل والفضل والخيرية‪ ،‬والنصف والبينية والتوسط بين الطرفين‪.‬‬
‫ضا ‪ -‬ما ذكره فريد عبد القادر‪ ،‬حيث قممال‪ :‬اسممتقّر‬
‫وذكرت ‪ -‬أي ً‬
‫عنممد العممرب أنهممم إذا أطلقمموا كلمممة )وسممط( أرادوا معمماني الخيممر‬
‫والعدل والنصفة والجودة والرفعة والمكانة العلّية‪.‬‬
‫وختمممت ممما قيممل فممي معنممى )الوسممط( بممما ذكممره ابممن عاشممور‬
‫خصه‪:‬‬
‫ومل ّ‬
‫والوسط اسم للمكان الواقممع بيممن أمكنممة ُتحيممط بممه‪ ،‬أو للشمميء‬
‫محيطة به‪ ،‬ليس هو إلممى بعضممها أقممرب منممه إلممى‬
‫الواقع بين أشياء ُ‬

‫‪282‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫عرًفا‪ ،‬ولما كان الوصول إليه ل يقع إل بعد اخممتراق ممما يحيممط‬
‫بعض ُ‬
‫به أخذ فيه معنى الصيانة والعزة‪.‬‬
‫فمن أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيممار مممن لمموازم‬
‫ممما إطلق‬
‫معنى الوسط عرًفا‪ ،‬فأطلقوه على الخيار النفيس كناية‪ .‬أ ّ‬
‫الوسط على الصفة الواقعة عدل بين خلقين ذميمين فيهممما إفممراط‬
‫وتفريط‪ ،‬فذلك مجاز‪.‬‬
‫وقد شاع هذان الطلقان حتى صارا حقيقتين عرفيتين‪.‬‬
‫دة‬
‫‪ -2‬ذكرت ورود كلمــة )وســط( فممي القممرآن الكريممم بع م ّ‬
‫تصاريف‪ ،‬حيث وردت خمس مرات‪ ،‬في البقممرة بلفممظ‪" :‬وس م ً‬
‫طا" و‬
‫سطى"‪.‬‬
‫"الوُ ْ‬
‫سط"‪.‬‬
‫وفي المائدة بلفظ‪" :‬أوْ َ‬
‫سط َُهم"‪.‬‬
‫وفي القلم بلفظ‪" :‬أوْ َ‬
‫س ْ‬
‫طن"‪.‬‬
‫وفي العاديات بلفظ‪" :‬فَوَ َ‬
‫وبينت مممدلول كممل كلمممة فممي ضمموء أقمموال المفسممرين‪ ،‬وكممذلك‬
‫ذكرت مدى دللة كل لفظة على معنى الوسطية‪.‬‬
‫‪ -3‬استشــهدت ببعــض الحــاديث الممتي وردت وفيهمما لفممظ‬
‫)وسط(‪.‬‬
‫قد ذكرت )‪ (12‬حديًثا شرحت فيها معنى كممل لفظممة‪ ،‬وهممل هممي‬
‫من الوسط أو الوسطية؟‬
‫‪ -4‬وفي ختــام تعريــف الوســطية حممررت معناهمما‪ ،‬وبينممت‬
‫المراد من هذا المصطلح عند إطلقه‪ ،‬وكان مما قلت‪:‬‬

‫‪283‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وقد تأملت ما ورد في القرآن والسنة والمممأثور مممن كلم‬
‫العرب فيما أطلق وأريد به مصطلح )الوسطية(‪ ،‬فتوصمملت إلممى أن‬
‫هذا المصطلح ل يصح إطلقه إل إذا توافر فيه صفتان‪:‬‬
‫)أ( الخيرية أو ما يدل عليها‪.‬‬
‫)ب( البينية‪ ،‬سواء كانت حسية أو معنوية‪ .‬فإذا جاء أحد الوصفين‬
‫دون الخر فل يكون داخل في مصطلح الوسطية‪.‬‬
‫‪ -5‬هناك أسس لبد منها لفهم الوسطية‪ ،‬وتلممك السممس‬
‫مطردة مع وصفي الخيرية والبينية‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫)أ( الغلو والفراط‪.‬‬
‫)ب( الجفا والتفريط‪.‬‬
‫)ج( الصراط المستقيم فالصراط المســتقيم يمثممل الخيريممة‬
‫ويحقق معناها‪ ،‬وهو وسط بين الغلو والجفاء‪ ،‬وهو كذلك وسط بيممن‬
‫الفراط والتفريط‪.‬‬
‫حا‪ ،‬ثم توصلت إلى‬
‫وقد وقفت مع هذه السس الثلثة مبيًنا وشار ً‬
‫عدة حقائق أهمها‪:‬‬
‫أن الصــراط المســتقيم يمثــل قمــة الوســطية‪ ،‬وذروة‬
‫سنامها‪ ،‬وأعلى درجاتها‪.‬‬
‫أنه يجب عند النظر فممي أي أمممر مممن المممور لتحديممد علقتممه‬
‫بالوسطية‪ ،‬ومدى قربه أو بعده منها دقة النظر والعتبار في حقيقة‬
‫المر دون القتصار على ظاهره فقط‪ ،‬ثم إلى أي هذه السممس هممو‬
‫أقرب‪ ،‬مراعاة في ذلك عدة أمور أشرت إليها في ذلك المبحث‪.‬‬

‫‪284‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫فإذا اتضح قربه في حقيقته ومآله إلممى الصممراط المسممتقيم فهممو‬
‫داخل فممي الوسممطية‪ ،‬أممما إذا كممان إلممى الفممراط والتفريممط أقممرب‬
‫حقيقة ومآل‪ ،‬فليس مممن الوسممطية فممي شمميء‪ ،‬وإن حسممبه النمماس‬
‫كذلك‪.‬‬
‫‪ -6‬للوسممطية ملمممح وسمممات تحممف بهمما وتميزهمما عممن غيرهمما‪،‬‬
‫بمجموع تلك الملمح ل بآحادها‪.‬‬
‫صلت إلى تحديممد أهممم تلممك السمممات والملمممح باسممتقراء‬
‫وقد تو ّ‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬وما ورد في وسطية هذه المة بيممن المممم‪ ،‬وكممذلك‬
‫ما كتبه بعض الباحثين في ضوء الكتاب والسنة‪.‬‬
‫إن تحديد تلك الملمح مهمممة أساسممية‪ ،‬حممتى ل تكممون الوسممطية‬
‫مجال لصحاب الهواء وأرباب الشهوات‪.‬‬
‫وقد توصلت إلى أن أهم سمات الوسطية ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬الخيرية‪.‬‬
‫‪ -2‬الستقامة‪.‬‬
‫‪ -3‬اليسر ورفع الحرج‪.‬‬
‫‪ -4‬البينية‪.‬‬
‫‪ -5‬العدل والحكمة‪ .‬وكل سمة من هذه السمات يندرج تحتهمما‬
‫بعض آحادها‪ .‬وأشرت إلممى أن هممذه الملمممح تصمملح ضمماب ً‬
‫طا لتحديممد‬
‫الوسطية ومعرفتها‪ ،‬بما يجيب على السؤال الذي يرد في الذهان‪.‬‬
‫أين ضابط الوسطية؟ وكيف نميزها عن غيرها؟‬
‫‪ -7‬نـزل القرآن الكريم هداية للناس ونوًرا‪ ،‬يخرج الله به من‬
‫شاء من الظلمات إلى النور‪ ،‬ولممزوم منهممج الوسممطية عيممن الهدايممة‬

‫‪285‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وجوهرهمما‪ ،‬ولممذلك فقممد جمماءت اليممات مستفيضممة ترسممم منهممج‬
‫الوسطية وتدل عليه‪ .‬والوسطية ليسمت محصممورة فممي جزئيممة مممن‬
‫الجزئيات‪ ،‬بل ول في ركن واحد من الركان‪ ،‬وإنما هي منهج شامل‬
‫متكامل‪ ،‬ل ينفصل بعضمه عمن بعمض‪ ،‬فالسملم كلمه وسممط‪ ،‬وهمذه‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫سطًا( )البقمرة‪ :‬مممن اليمة‬
‫م ً‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫المة أمة الوسط‪) .‬وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫‪.(143‬‬
‫والذين يغفلون عممن هممذه الحقيقممة يغفلممون عممن حقيقممة القممرآن‬
‫وهداياته‪.‬‬
‫ومن هذا المنطلق بينممت ‪ -‬بالتفصمميل ‪ -‬تقريممر القممرآن لمنهممج‬
‫الوسطية في أبواب كثيرة‪ ،‬أجملها فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬العتقاد‪.‬‬
‫‪ -2‬التشريع والتكليف‪.‬‬
‫‪ -3‬العبادة‪.‬‬
‫‪ -4‬الشهادة والحكم‪.‬‬
‫‪ -5‬المر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪.‬‬
‫‪ -6‬الجهاد في سبيل الله‪.‬‬
‫‪ -7‬المعاملة والخلق‪.‬‬
‫‪ -8‬كسب المال وإنفاقه‪.‬‬
‫‪ -9‬مطالب النفس وشهواتها‪.‬‬
‫وختمت هذه البواب بباب ضمنته شواهد متفرقة‪ ،‬تممدل علممى‬
‫منهج الوسطية وتأمر به‪ .‬هذا بالضافة إلى ممما ذكرتممه فممي أول‬

‫‪286‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫هذا المبحث من دللة سورة الفاتحة على هذا المنهج في عدة آيات‬
‫منها‪.‬‬
‫ومن خلل هذه البواب اتضح لنا أن الوسطية منهج حياة وتشريع‬
‫متكامل‪ ،‬ل يقبل التجزئة والتفريق‪ ،‬وأن أدلة الوسممطية ليسممت هممي‬
‫التي ورد فيها لفممظ )الوسممط( فقممط‪ ،‬بممل أعممم مممن ذلممك وأشمممل‪،‬‬
‫واليات التي جاءت تدل دللممة صممريحة علممى منهممج الوسممطية تربممو‬
‫على العشرات‪ ،‬إذ هي في عداد المئات‪.‬‬
‫‪ -8‬وبعد بيان موجز للمسائل العلمية التي توصلت إليها فممي هممذا‬
‫البحث‪ ،‬أذكر أهم النتائج العملية التي نخرج بهمما مممن هممذه الدراسممة‬
‫العلمية‪.‬‬
‫)أ( أن أهممم أسممباب نشمموء جماعممات الغلممو بيممن المنتسممبين إلممى‬
‫الدعوة في همذا العصمر همو الجهمل بحقيقمة الوسمطية‪ ،‬بمل الجهمل‬
‫بمكانتها في السلم‪.‬‬
‫)ب( وكذلك أجد من السباب الرئيسية لقبول ما يطلقممه العممداء‬
‫علممى الممدعاة الصممادقين مممن ألقمماب وأوصمماف‪ :‬كممالتطرف والغلممو‪،‬‬
‫والتزمت والتشدد‪ ،‬ونحوها‪ ،‬مممن أبممرز أسممباب قبولهمما ورواجهمما بيمن‬
‫الناس لسببين‪:‬‬
‫‪ -1‬الجهــل بحقيقــة الوســطية الشــرعية‪ ،‬وتصممور أولئك‬
‫العامة أن الوسطية التي أمر الله بها تعني التساهل والتنازل واتباع‬
‫شممهوات النفممس ورغباتهمما‪ ،‬ولهممذا تجممدهم يسممتخدمون هممذا الفهممم‬
‫سا لرمي الدعاة بتلك الوصاف واللقاب‪.‬‬
‫مقيا ً‬

‫‪287‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫‪ -2‬السبب الثاني وهو أهم من الول فممي قمموة التممأثير‪ :‬عممدم‬
‫ممارسممة الوسممطية علممى وجههمما الصممحيح مممن قبممل بعممض الممدعاة‬
‫والملتزمين‪ ،‬حيث تجد خلل في تطبيقها أتاح للعداء فرصة اقتنمماص‬
‫بعض الخطاء والهفوات‪ ،‬ومن ثم إقناع كثير من الناس بصممحة تلممك‬
‫الدعاوى وتلبيس هذه التهم الباطلة‪.‬‬
‫)ج( وأخلص إلى حقيقة عملية تكون هي المخرج مما نعانيه تجاه‬
‫موضوع الوسطية‪ ،‬وتتمثل هذه الحقيقة فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬بذل الجهود العلمية من قبل العلماء وطلب العلم فممي بحممث‬
‫موضوع الوسطية‪ ،‬واستفراغ الوسع في ذلممك‪ ،‬حيممث أرى أن هنمماك‬
‫جوانب مهمة لم تعط حقها من البحث والدراسة‪.‬‬
‫‪ -2‬عقد الندوات والمحاضرات لبيان أهميممة الموضمموع وحقيقتممه‪،‬‬
‫وأثره اليجابي في حياة الناس‪.‬‬
‫‪ -3‬الممارسة العلمية الواقعية لمنهج الوسطية من قبممل العلممماء‬
‫وطلب العلم والدعاة‪ ،‬مممما يتيممح للنمماس أن يممروا القممدوة الصممالحة‬
‫التي هم في أمس الحاجة إليها‪.‬‬
‫‪ -4‬تربية المة على هذا المنهج تربية عملية شماملة‪ ،‬ممما يقضمي‬
‫علممى الخلممل الموجممود فممي محيممط المجتمممع المسمملم سممواء أكممان‬
‫طا أو تفري ً‬
‫إفرا ً‬
‫طا‪.‬‬
‫سا فممي فهممم الوسممطية وممارسمماتها مممن‬
‫‪ -5‬وأخيًرا فإن هناك لب ً‬
‫قبل بعض الجماعات والدعاة‪ ،‬وهممذا اللبممس أدى إلممى أنهممم خلطمموا‬
‫حا وآخر سيًئا‪ ،‬فرأينا التنازل مع العممداء باسممم المصمملحة‪،‬‬
‫عمل صال ً‬

‫‪288‬‬

‫‪http://www.almoslim.net‬‬

‫الوسطية في ضوء القرآن الكريم )للشيخ ناصر العمر(‬

‫وضعًفا في حقيقة الولء والبراء بحجة تأل