‫الباب الرابع‪ -‬شبهات حول الرسول صلى الله عليه‬

‫وسلم‬

‫)‪ (1‬زواج الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫أ‪.‬د‪ .‬بكر بن زكي عوض‬
‫السؤال‪:‬‬
‫السلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪.‬‬
‫حدثني أحد الصدقاء الثقات أنه دخل على إحدى غرف الدردشة‬
‫الصوتية ووجد فيها مسلمين ونصارى يتناقشون عن الديانتين‪,‬‬
‫ولحظ أن أكثر موضوع كان يحرج المسلمين هو زواج الرسول –‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬من تسع نساء‪ ،‬وسؤالي هو‪ :‬هل يمكن‬
‫أن أجد لديكم شرحا ً مفصل ً لهذه الزيجات وظروفها والحكمة‬
‫منها؟ وجزاكم الله خيرًا‪.‬‬
‫الجواب‪:‬‬
‫الحمد لله‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫أخي السائل‪ :‬إن تعدد الزوجات معروف في الرسالت السابقة‬
‫كما هو معروف في رسالة السلم وحياة الرسول –عليه الصلة‬
‫والسلم‪.-‬‬
‫ً‬
‫وإذا كنت تناقش نصرانيا أو تريد أن تناقشه فإليك التي‪:‬‬
‫)‪ (1‬إن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وغيرهم قد‬
‫عددوا الزوجات ووصل المر بهم إلى الزواج من مئة مثل داود‬
‫الذي لم يكتف بتسع وتسعين حتى تزوج تمام المئة بعد موت‬
‫زوجها‪ ،‬وسليمان كانت له ثلثمائة زوجة وأربعمائة جارية كما في‬
‫العهد القديم مصدر التشريع الول عند النصارى)ما جئت لنقص‬
‫بل لكمل(‪.‬‬
‫)‪ (2‬كافة نصوص العهد القديم تأذن بالتعدد وتبيحه للفراد رسل ً‬
‫أو بشرًا‪.‬‬
‫)‪ (3‬لم يرد نص واحد يحرم التعدد في النصرانية وقد تأثر‬
‫النصارى بالبلد التي نشروا فيها النصرانية‪ ،‬ففي أفريقيا يأذنون‬
‫بالتعدد ويبيحون الزواج للقساوسة‪ ،‬وفي أوروبا يحرمون التعدد‬
‫ويحرمون الزواج على القساوسة ويبيحون الصداقة‪.‬‬
‫)‪ (4‬النص الذي يستشهد به النصارى على تحريم التعدد هو)أما‬
‫علمتم أن الخالق منذ البدء جعلهما ذكرا ً وأنثى وقال لهذا يترك‬
‫الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فما جمعه الله ل يفرقه إنسان(‪.‬‬
‫فجعلوا من ضمير الفراد في قوله‪" :‬امرأته" أن الرجل ل يتزوج‬
‫‪1‬‬

‫إل بامرأة واحدة‪ .‬والنص قد فهم على غير وجهه‪ ،‬فالمسيح حين‬
‫سئل "أيحل لحدنا أن يطلق امرأته لي علة كانت‪ "...‬كانت‬
‫إجابته كما سبق‪.‬‬
‫)‪ (5‬أن الجابة ل صلة لها بالتعدد بل بالنهي عن الطلق ل التزوج‪.‬‬
‫)‪ (6‬المسيحية تأذن بالتعدد بالتتابع ولكنها ترفضه بالجمع وينتهي‬
‫التعدد عند الرابعة متتابعا ً حتى ل يكون النسان غاويًا‪ ،‬وتسمح‬
‫بالخلة والصديقة بدون حد ول عد‪.‬‬
‫)‪ (7‬كان العرب يجمعون بين أربعين امرأة في وقت واحد كدليل‬
‫على الرجولة وطلب للولد‪.‬‬
‫)‪ (8‬بالنسبة لتعدد زوجات الرسول –صلى الله عليه وسلم‪ -‬فإنه‬
‫يرجع إلى أسباب اجتماعية وتشريعية وسياسية يمكن بيانها –‬
‫والله أعلم‪ -‬على النحو التالي‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬السباب الجتماعية‪:‬‬
‫)‪ (1‬زواجه من خديجة – رضي الله عنها‪ -‬وهذا أمر اجتماعي أن‬
‫يتزوج البالغ العاقل الرشيد وكان – عليه الصلة والسلم ‪ -‬في‬
‫سن الخامسة والعشرين وظلت معه وحدها حتى توفيت وهو في‬
‫سن الخمسين‪.‬‬
‫)‪ (2‬تزوج بعدها بالسيدة سودة بنت زمعة وكانت أرملة لحاجة‬
‫بناته الربع إلى أم بديلة ترعاهن وتبصرهن بما تبصر به كل أم‬
‫بناتها‪.‬‬
‫)‪ (3‬حفصة بنت عمر بن الخطاب تزوجها بعد وفاة زوجها‬
‫إكراما ً لبيها سـ ‪3‬هـ‪.‬‬
‫)‪ (4‬زينب بنت خزيمة استشهد زوجها في أحد فتزوجها سـ‬
‫‪4‬هـ‪.‬‬
‫)‪ (5‬أم سلمة هند بنت أمية توفى زوجها ولها أولد فتزوجها سـ‬
‫‪4‬هـ‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬السباب التشريعية‪:‬‬
‫)‪ (1‬زواجه من عائشة – رضي الله عنها ‪ -‬فلقد كان بوحي‪،‬‬
‫حيث رآها في المنام ورؤيا النبياء وحي‪.‬‬
‫)‪ (2‬زينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة الذي كان يدعى زيد‬
‫بن محمد بالتبني فنزل قول الله تعالى‪) :‬وما جعل أدعياءكم‬
‫أبناءكم( ]الحزاب‪) [4 :‬ادعوهم لبائهم هو أقسط عند الله(‬
‫]الحزاب‪ [5 :‬وبعد خلف مع زوجها طلقت منه وأمر الرسول –‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬أن يتزوجها لقامة الدليل العملي على‬
‫بطلن التبني‪ ،‬وذلك سنة خمسة للهجرة‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬السباب السياسية‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫ كان لبعض زيجات الرسول – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬بعدا ً‬‫سياسيا ً من حيث ائتلف القلوب والحد من العداوة وإطلق‬
‫السرى‪ ...‬إلخ‪ ،‬ومن هن‪:‬‬
‫)‪ (1‬جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من خزاعة وقعت‬
‫في السر‪ ،‬تزوجها سنة ‪ 6‬هـ‪.‬‬
‫)‪ (2‬أما حبيبة رملة بنت أبي سفيان‪ ،‬تنصر زوجها وبقيت على‬
‫إسلمها‪ ،‬وكان للزواج منها كبير الثر في كسر حدة أبي سفيان‬
‫في العداء للسلم‪ ،‬حتى هداه الله‪.‬‬
‫)‪ (3‬صفية بنت حيي بن أخطب كانت من سبي خيبر أعتقها‬
‫الرسول وتزوجها سـ ‪7‬هـ‪.‬‬
‫)‪ (4‬ميمونة بنت الحارث تزوجها سـ ‪7‬هـ‪.‬‬
‫مات من هؤلء اثنتان في حياة الرسول وهما خديجة وزينب بنت‬
‫خزيمة وتوفى الرسول – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬عن تسع‪.‬‬
‫وأما الجواري فهما مارية القبطية التي ولدت إبراهيم وتوفى‬
‫صغيرًا‪ ،‬وريحانة بنت زيد القرطية‪.‬‬
‫إذن التعدد بدأ في سن الثالثة والخمسين من عمره فهل هذا‬
‫دليل الشهوة‪ ،‬ومن يشتهِ هل يتزوج الثيبات وأمهات الولد‬
‫والرامل‪ ،‬كيف وقد عرض عليه خيرة بنات قريش فأبى!‬
‫إن التعدد كله لحكم منها – فضل ً عما سبق ‪ -‬بيان كل ما يقع في‬
‫بيت النبوة من أحكام عمل ً بقوله تعالى‪) :‬واذكرن ما يتلى في‬
‫بيوتكن من آيات الله والحكمة( ]الحزاب‪ ,[34 :‬وإذا كان الحكم‬
‫الشرعي ل يثبت بخبر الواحد غالبا ً فإن للتعدد أثره في إثبات‬
‫الحكام بالتواتر‪ ،‬كما أن زوجات الرسول – صلى الله عليه وسلم‬
‫ اختلفت أحوالهن بين غنى وفقرٍ وحسب ونسب وبساطة لكل‬‫من يتزوج بأي صورة من هذه الصور قدوة في حياة الرسول –‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬مع زوجته التي تطابق حال زوجه‬
‫وتعددهن فيه بيان لكل ما يمكن أن يقع من النساء داخل البيت‬
‫كالغيرة والصبر والتآمر وطلب الدنيا؟ والتواضع ونشر العلم‬
‫والرضى‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫إن بسط الكلم في هذا المر متعذر في هذه العجالة واقرأ‬
‫زوجات النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬لبنت الشاطئ‪ .‬تعدد‬
‫الزوجات لحمد عبد الوهاب‪ .‬الرحيق المختوم )الجزء الثاني(‬
‫للمباركفوري‪.‬‬
‫‪--------------‬‬‫)‪ (2‬حول عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫وموقف القرآن من العصمة‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫‪3‬‬

‫هناك من ل يعترفون بأن الرسول معصوم عن الخطأ ‪ ،‬ويقدمون‬
‫الدلة على ذلك بسورة ]عبس وتولى[ وكذلك عندما جامل‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم زوجاته‪ ،‬ونزلت الية الكريمة التي‬
‫تنهاه عن ذلك )انتهى(‪.‬‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫إن عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وكذلك عصمة كل‬
‫الرسل ‪ -‬عليهم السلم ‪ -‬يجب أن تفهم في نطاق مكانة‬
‫حى إليه‪ ..‬أي أنه ‪-‬‬
‫الرسول‪ ..‬ومهمة الرسالة‪ ..‬فالرسول‪ :‬بشر ُيو َ‬
‫مع بشريته ‪ -‬له خصوصية التصال بالسماء ‪ ،‬بواسطة الوحي‪..‬‬
‫ولذلك فإن هذه المهمة تقتضى صفات يصنعها الله على عينه‬
‫فيمن يصطفيه ‪ ،‬كي تكون هناك مناسبة بين هذه الصفات وبين‬
‫هذه المكانة والمهام الخاصة الموكولة إلى صاحبها‪.‬‬
‫والرسول مكلف بتبليغ الرسالة‪ ،‬والدعوة إليها‪ ،‬والجهاد في سبيل‬
‫إقامتها وتطبيقها‪ ..‬وله على الناس طاعة هي جزء من طاعة الله‬
‫ سبحانه وتعالى‪)-‬أطيعوا الله وأطيعوا الرسول(‪) ,‬قل أطيعوا‬‫الله والرسول(‪) ,‬من يطع الرسول فقد أطاع الله(‪) ,‬قل إن كنتم‬
‫تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله(‪ ،‬ولذلك كانت عصمة الرسل‬
‫فيما يبلغونه عن الله ضرورة من ضرورات صدقهم والثقة في‬
‫هذا البلغ اللهي الذي اختيروا ليقوموا به بين الناس‪ ..‬وبداهة‬
‫سل الرسالة إذا لم يتخير‬
‫مْر ِ‬
‫العقل ‪ -‬فضل ً عن النقل ‪ -‬تحكم بأن ُ‬
‫الرسول الذي يضفى الصدق على رسالته ‪ ،‬كان عابًثا‪ ..‬وهو ما‬
‫يستحيل على الله‪ ،‬الذي يصطفى من الناس رسل ً تؤهلهم‬
‫حجة على‬
‫العصمة لضفاء الثقة والصدق على البلغ اللهي‪ ..‬وال ُ‬
‫الناس بصدق هذا الذي يبلغون‪.‬‬
‫وفى التعبير عن إجماع المة على ضرورة العصمة للرسول فيما‬
‫يبلغ عن الله‪ ،‬يقول الشيخ محمد عبده عن عصمة الرسل ‪ -‬كل‬
‫الرسل‪ ..." :-‬ومن لوازم ذلك بالضرورة‪ :‬وجوب العتقاد بعلو‬
‫فطرتهم‪ ،‬وصحة عقولهم‪ ،‬وصدقهم في أقوالهم‪ ،‬وأمانتهم في‬
‫تبليغ ما عهد إليهم أن يبلغوه‪ ،‬وعصمتهم من كل ما يشوه السيرة‬
‫البشرية‪ ،‬وسلمة أبدانهم مما تنبو عنه البصار وتنفر منه الذواق‬
‫السليمة‪ ،‬وأنهم منزهون عما يضاد شيًئا من هذه الصفات‪ ،‬وأن‬
‫أرواحهم ممدودة من الجلل اللهي بما ل يمكن معه لنفس‬
‫إنسانية أن تسطو عليها سطوة روحانية‪ ..‬إن من حكمة الصانع‬
‫الحكيم ‪ -‬الذي أقام النسان على قاعدة الرشاد والتعليم ‪ -‬أن‬
‫يجعل من مراتب النفس البشرية مرتبة ُيعد ّ لها‪ ،‬بمحض فضله‪،‬‬
‫ن يصطفيه من خلقه‪ ،‬وهو أعلم حيث يجعل رسالته‪،‬‬
‫بعض َ‬
‫م ْ‬
‫يميزهم بالفطرة السليمة‪ ،‬ويبلغ بأرواحهم من الكمال ما يليقون‬
‫‪4‬‬

‫معه للستشراق بأنوار علمه‪ ،‬والمانة على مكنون سره‪ ،‬مما لو‬
‫انكشف لغيرهم انكشافه لهم لفاضت له نفسه‪ ،‬أو ذهبت بعقله‬
‫جللته وعظمته‪ ،‬فيشرفون على الغيب بإذنه‪ ،‬ويعلمون ما سيكون‬
‫من شأن الناس فيه ‪ ،‬ويكونون في مراتبهم العلوية على نسبة‬
‫من العالمين‪ ،‬نهاية الشاهد وبداية الغائب ‪ ،‬فهم في الدنيا كأنهم‬
‫ليسو من أهلها ‪ ،‬هم وفد الخرة في لباس من ليس من سكانها‪..‬‬
‫أما فيما عدا ذلك ‪] -‬أي التصال بالسماء والتبليغ عنها[ ‪ -‬فهم‬
‫بشر يعتريهم ما يعترى سائر أفراده ‪ ،‬يأكلون ويشربون وينامون‬
‫ويسهون وينسون فيما ل علقة له بتبليغ الحكام ‪ ،‬ويمرضون‬
‫وتمتد إليهم أيدي الظلمة ‪ ،‬وينالهم الضطهاد ‪ ،‬وقد يقتلون"‪.‬‬
‫فالعصمة ‪ -‬كالمعجزة ‪ -‬ضرورة من ضرورات صدق الرسالة ‪،‬‬
‫ومن مقتضيات حكمة من أرسل الرسل ‪ -‬عليهم السلم ‪..-‬‬
‫وإذا كان الرسول ‪ -‬كبشر ‪ -‬يجوز على جسده ما يجوز على‬
‫أجساد البشر‪ ..‬وإذا كان الرسول كمجتهد قد كان يمارس الجتهاد‬
‫والشورى وإعمال العقل والفكر والختيار بين البدائل في مناطق‬
‫وميادين الجتهاد التي لم ينزل فيها وحى إلهي‪ ..‬فإنه معصوم في‬
‫مناطق وميادين التبليغ عن الله ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬لنه لو جاز‬
‫عليه الخطأ أو السهو أو مجانبة الحق والصواب أو اختيار غير‬
‫الولى في مناطق وميادين التبليغ عن الله لتطرق الشك إلى‬
‫صلب الرسالة والوحي والبلغ ‪ ،‬بل وإلى حكمة من اصطفاه‬
‫حجة على الناس‪ ..‬كذلك كانت العصمة صفة‬
‫وأرسله ليكون ُ‬
‫أصيلة وشر ً‬
‫طا ضرورًيا من شروط رسالة جميع الرسل ‪ -‬عليهم‬
‫السلم ‪ ..-‬فالرسول في هذا النطاق ‪ -‬نطاق التبليغ عن الله ‪-‬‬
‫)وما ينطق عن الهوى * إن هو إل وحى يوحى(‪ .‬وبلغة ما هو‬
‫بقول بشر‪ ،‬ولذلك كانت طاعته فيه طاعة لله‪ ،‬وبغير العصمة ل‬
‫يتأتى له هذا المقام‪.‬‬
‫أما اجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ل وحى فيه‪،‬‬
‫والتي هي ثمرة لعماله لعقله وقدراته وملكاته البشرية‪ ،‬فلقد‬
‫كانت تصادف الصواب والولى ‪ ،‬كما كان يجوز عليها غير ذلك‪..‬‬
‫ومن هنا رأينا كيف كان الصحابة‪ ،‬رضوان الله عليهم في كثير من‬
‫المواطن وبإزاء كثير من مواقف وقرارات وآراء واجتهادات‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه ‪ -‬قبل الدلء بمساهماتهم‬
‫سنة والسيرة‪:‬‬
‫في الرأي ‪ -‬هذا السؤال الذي شاع في ال ّ‬
‫"يا رسول الله‪ ،‬أهو الوحي؟ أم الرأي والمشورة؟‪ "..‬فإن قال‪:‬‬
‫إنه الوحي‪ .‬كان منهم السمع والطاعة له ‪ ،‬لن طاعته هنا هي‬
‫طاعة لله‪ ..‬وهم يسلمون الوجه لله حتى ولو خفيت الحكمة من‬
‫هذا المر عن عقولهم‪ ،‬لن علم الله ‪ -‬مصدر الوحي ‪ -‬مطلق‬
‫‪5‬‬

‫وكلى ومحيط‪ ،‬بينما علمهم نسبى‪ ،‬قد تخفى عليه الحكمة التي ل‬
‫يعلمها إل الله‪ ..‬أما إن قال لهم الرسول ‪ -‬جواًبا عن سؤالهم ‪:-‬‬
‫إنه الرأي والمشورة‪ ..‬فإنهم يجتهدون ‪ ،‬ويشيرون ‪ ،‬ويصوبون‪..‬‬
‫ما ‪ ،‬وإنما هو واحد من‬
‫لنه صلى الله عليه وسلم هنا ليس معصو ً‬
‫المقدمين في الشورى والجتهاد‪ ..‬ووقائع نزوله عن اجتهاده إلى‬
‫اجتهادات الصحابة كثيرة ومتناثرة في كتب السنة ومصادر‬
‫السيرة النبوية ‪ -‬في مكان القتال يوم غزوة بدر‪ ..‬وفى الموقف‬
‫من أسراها‪ ..‬وفى مكان القتال يوم موقعة ُأحد‪ ..‬وفى مصالحة‬
‫بعض الحزاب يوم الخندق‪ ..‬إلخ‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫ولن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أراد الله له أن يكون‬
‫القدوة والسوة للمة‪) :‬لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‬
‫لمن كان يرجو الله واليوم الخر وذكر الله كثيًرا(‪.‬‬
‫وحتى ل يقتدي الناس باجتهاد نبوي لم يصادف الولى‪ ،‬كان نزول‬
‫الوحي لتصويب اجتهاداته التي لم تصادف الولى‪ ،‬بل وعتابه ‪-‬‬
‫أحياًنا ‪ -‬على بعض هذه الجتهادات والختيارات من مثل‪) :‬عبس‬
‫وتولى * أن جاءه العمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر‬
‫فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك‬
‫أل يزكى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه‬
‫تلهى(‪ .‬ومن مثل‪) :‬يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى‬
‫مرضاة أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة‬
‫أيمانكم والله مولكم وهو العليم الحكيم * وإذ أسر النبي إلى‬
‫بعض أزواجه حديًثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عّرف بعضه‬
‫وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني‬
‫العليم الخبير(‪ .‬ومن مثل‪) :‬ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى‬
‫يثخن في الرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الخرة والله‬
‫عزيز حكيم * لول كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب‬
‫عظيم(‪.‬‬
‫وغيرها من مواطن التصويب اللهي للجتهادات النبوية فيما لم‬
‫يسبق فيه وحى‪ ،‬وذلك حتى ل يتأسى الناس بهذه الجتهادات‬
‫المخالفة للولى‪.‬‬
‫فالعصمة للرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فيما يبلغ عن الله‬
‫شرط لزم لتحقيق الصدق والثقة في البلغ اللهي‪ ،‬وبدونها ل‬
‫يكون هناك فارق بين الرسول وغيره من الحكماء والمصلحين‪،‬‬
‫ومن ثم ل يكون هناك فارق بين الوحي المعصوم والمعجز وبين‬
‫الفلسفات والبداعات البشرية التي يجوز عليها الخطأ‬
‫والصواب‪ ..‬فبدون العصمة تصبح الرسالة والوحي والبلغ قول‬
‫بشر‪ ،‬بينما هي ‪ -‬بالعصمة ‪ -‬قول الله ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬الذي‬
‫‪6‬‬

‫مب َّلغ هي‬
‫بلغه وبينه المعصوم ‪ -‬عليه الصلة والسلم ‪ ..-‬فعصمة ال ُ‬
‫ضا ‪ -‬الشرط لنفى العبث‬
‫الشرط لعصمة البلغ‪ ..‬بل إنها ‪ -‬أي ً‬
‫وثبوت الحكمة لمن اصطفى الرسول وبعثه وأوحى إليه بهذا‬
‫البلغ‬
‫‪---------------------‬‬‫)‪ (3‬دعوى‪ :‬خلو الكتب السابقة من البشارة برسول‬
‫السلم‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫زعموا أن محمدا ً صلى الله عليه وسلم ليس برسول‪ .‬وبنوا هذا‬
‫الزعم على أربع شعب هي‪:‬‬
‫‪ .1‬إن العهد والنبوة والكتاب محصورة في نسل إسحق ل‬
‫إسماعيل‪.‬؟!‬
‫ً‬
‫‪ .2‬إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يأت بمعجزات‪.‬؟!‬
‫‪ .3‬إن القرآن من نوادر العمال النسانية ‪ ،‬فليس هو معجزًا)‬
‫‪(1‬؟!‬
‫‪ .4‬إن الكتب السابقة ‪ -‬التوراة وملحقاتها والناجيل ‪ -‬خلت من‬
‫البشارة برسول السلم؟!‬
‫الرد على الشبة‪:‬‬
‫ولكن قبل أن نواجهها مواجهة مباشرة أريد أن أقدم كلمة موجزة‬
‫بين يدي هذه المواجهة ‪ ،‬رأيت أن تقديمها من أوجب الواجبات‬
‫في هذا المجال‪.‬‬
‫وجود "البشارات" وعدمها سواء‪ ..‬أجل‪ :‬إن وجود البشارات‬
‫فا سواء‪ ،‬وجودها مثل عدمها‪،‬‬
‫وعدمها في الكتب المشار إليها آن ً‬
‫وعدمها مثل وجودها‪ .‬فرسالة رسول السلم صلى الله عليه‬
‫وسلم ليست في حاجة إلى دليل يقام عليها من خارجها‪ ،‬بحيث‬
‫إذا لم يوجد ذلك الدليل "الخارجي" بطلت ‪ -‬ل سمح الله ‪ -‬تلك‬
‫الرسالة؛ فهي رسالة دليلها فيها‪ ،‬ووجود البشارات بها في كتب‬
‫متقدمة ‪ -‬زمنا ‪ -‬عليها ل يضيف إليها جديدًا‪ ،‬وعدم وجود تلك‬
‫البشارات ل ينال منها شيئا ً قط‪.‬‬
‫فهي حقيقة قائمة بذاتها لها سلطانها الغني عما سواها‪ .‬ودليلها‬
‫قائم خالد صالح للفحص في كل زمان ومكان‪ ،‬باق بقاء رسالته‬
‫أبد الدهر أشرق ولم يغب‪ ،‬ظهر ولم يختف‪ ،‬قوى ولم يضعف‪.‬‬
‫عل ولم يهبط‪ ،‬إنه دليل صدق النبياء كلهم‪ .‬فكل النبياء مضوا‬
‫ولم يبق من أدلة صدقهم إل ما جاء في هذا الدليل "القرآن‬
‫العظيم" حيث شهد لهم بالصدق والوفاء وأنهم رسل الله‬
‫المكرمون‪..‬‬

‫‪7‬‬

‫فل يظنن أحد ُ أننا حين نتحدث عن بشارات الكتب السابقة‬
‫برسول السلم إنما نتلمس أدلة نحن في حاجة إليها لثبات‬
‫صدق رسول السلم في دعواه الرسالة‪ .‬فرسول السلم ليس‬
‫في حاجة إلى "تلك البشارات" حتى ولو سلم لنا الخصوم‬
‫بوجودها فله من أدلة الصدق ما لم يحظ به رسول غيره‪.‬‬
‫وستعالج البشارة به صلى الله عليه وسلم على قسمين‪:‬‬
‫‪ -1‬بشاراته صلى الله عليه وسلم في التوراة‪.‬‬
‫‪ -2‬بشاراته صلى الله عليه وسلم في النجيل‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬البشارات في التوراة تعددت البشارات برسول السلم في‬
‫التوراة وملحقاتها‪ ،‬ولكن اليهود أزالوا عنها كل معنى صريح‪،‬‬
‫وصيروها نصوصا ً احتمالية تسمح لهم بصرفها عنه صلى الله عليه‬
‫وسلم ومع هذا فقد بقيت بعد تعديلها وتحريفها قوية الدللة على‬
‫معناها "الصلي" من حملها على رسول السلم صلى الله عليه‬
‫وسلم لن حملها على غيره متعذر أو متعسر أو محال‪.‬‬
‫فهي أشبه ما تكون برسالة مغلقة محي "عنوانها" ولكن صاحب‬
‫الرسالة قادر ‪ -‬بعد فضها ‪ -‬أن يثبت اختصاصها به ‪ ،‬لن الكلم "‬
‫الداخلي " الذي فيها يقطع بأنها " له " دون سواه؛ لما فيها من‬
‫"قرائن" وبينات واضحة ونعرض ‪ -‬فيما يلى ‪ -‬بعضا ً منها‪:‬‬
‫"وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل‬
‫قبل موته"‪.‬‬
‫فقال‪" :‬جاء الرب من سيناء ‪ ،‬وأشرق لهم من ساعير ‪ ،‬وتلل من‬
‫جبل فاران")‪.(2‬‬
‫في هذا النص إشارة إلى ثلث نبوات‪:‬‬
‫الولى‪ :‬نبوة موسى عليه السلم التي تلقاها على جبل سيناء‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬نبوة عيسى عليه السلم وساعير هي قرية مجاورة لبيت‬
‫المقدس ‪ ،‬حيث تلقى عيسى عليه السلم أمر رسالته‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وجبل فاران هو المكان‬
‫الذي تلقى فيه ‪ -‬عليه الصلة والسلم ‪ -‬أول ما نزل عليه من‬
‫الوحي وفاران هي مكة المكرمة مولد ومنشأ ومبعث محمد‬
‫صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وهذه العبارة ‪ -‬مرة أخرى ‪ -‬تضمنت خبرا ً وبشارتين‪:‬‬
‫فالخبر هو تذكير موسى بفضل الله عليه حيث أرسله إليهم‬
‫رسو ً‬
‫ل‪.‬‬
‫والبشارتان‪:‬‬
‫الولى‪ :‬خاصة بعيسى عليه السلم‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬خاصة بمحمد صلى الله عليه وسلم‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫وموقف اليهود منهما النفي‪ :‬فل الولى بشارة بعيسى ابن مريم‬
‫ول الثانية بشارة برسول السلم‪.‬‬
‫أما موقف النصارى فإن النفي ‪ -‬عندهم ‪ -‬خاص ببشارة رسول‬
‫السلم‪ .‬ولهم في ذلك مغالطات عجيبة ‪ ،‬حيث قالوا إن "فاران"‬
‫هي "إيلت" وليست مكة‪ .‬وأجمع على هذا "الباطل" واضعو‬
‫موا‬
‫كتاب‪ :‬قاموس الكتاب المقدس‪ .‬وهدفهم منه واضح إذ لو َ‬
‫سل ّ ُ‬
‫بأن "فاران" هي مكة المكرمة ‪ ،‬للزمهم إما التصديق برسالة‬
‫رسول السلم ‪ ،‬وهذا عندهم قطع الرقاب أسهل عليهم من‬
‫الذعان له!! أو يلزمهم مخالفة كتابهم المقدس ‪ ،‬ولم يقتصر‬
‫ورود ذكر "فاران" على هذا الموضع من كتب العهد القديم ‪ ،‬فقد‬
‫ورد في قصة إسماعيل عليه السلم مع أمه هاجر حيث تقول‬
‫التوراة‪ :‬إن إبراهيم عليه السلم استجاب لسارة بعد ولدة هاجر‬
‫ابنها إسماعيل وطردها هي وابنها فنزلت وسكنت في "برية‬
‫فاران")‪ .(3‬على أنه يلزم من دعوى واضعي قاموس الكتاب‬
‫المقدس من تفسيرهم فاران بإيلت أن الكذب باعترافهم وارد‬
‫في التوراة‪ .‬لنه لم يبعث نبي من "إيلت" حتى تكون البشارة‬
‫صادقة‪ .‬ومستحيل أن يكون هو عيسى عليه السلم ؛ لن العبارة‬
‫تتحدث عن بدء الرسالت وعيسى تلقى النجيل بساعير وليس‬
‫بإيلت‪.‬‬
‫فليست " فاران " إل " مكة المكرمة " وباعتراف الكثير منهم ‪،‬‬
‫وجبل فاران هو جبل " النور " الذي به غار حراء ‪ ،‬الذي تلقى فيه‬
‫رسول السلم صلى الله عليه وسلم بدء الوحي‪.‬‬
‫وهجرة إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة المكرمة " فاران " أشهر‬
‫من الشمس‪.‬‬
‫وترتيب الحداث الثلثة في العبارة المذكورة‪:‬‬
‫جاء من سيناء وأشرق من ساعير وتلل من فاران‪ .‬هذا الترتيب‬
‫الزمنى دليل ثالث على أن " تلل من جبل فاران " تبشير قطعى‬
‫برسول السلم صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وفي بعض " النسخ " كانت العبارة‪" :‬واستعلن من جبل فاران"‬
‫بدل "تلل"‪.‬‬
‫وأيا ً كان اللفظ فإن "تلل" و"استعلن" أقوى دللة من "جاء"‬
‫و"أشرق" وقوة الدللة هنا ترجع إلى "المدلولت " الثلثة‪.‬‬
‫فالشراق جزء من مفهوم "المجيء" وهكذا كانت رسالة عيسى‬
‫بالنسبة لرسالة موسى )عليهما السلم(‪.‬‬
‫أما تلل واستعلن فهذا هو واقع السلم ‪ ،‬رسول ورسالة وأمة ‪،‬‬
‫إلى أن يرث الله الرض ومن عليها‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫هذه المغالطة )فاران هي إيلت( لها مثيل حيث تزعم التوراة أن‬
‫هاجر أم إسماعيل عندما أجهدها العطش هي وابنها إسماعيل‬
‫بعد أن طردا من وجه "سارة" طلبت الماء فلم تجده إل بعد أن‬
‫لقيا ملك " الرب " في المكان المعروف الن " ببئر سبع " ؟!‬
‫وأنها سميت بذلك لذلك‪..‬؟! وكما كذبت فاران دعوى "إيلت"‬
‫ك ّ‬
‫؟ وستظل فاران ‪ -‬مكة‬
‫ذبت "زمزم الطهور" دعوى "بئر سبع" ‍‬
‫المكرمة ‪ -‬وزمزم الطهور "عملقين" تتحطم على صخورهما كل‬
‫مزاعم الحقد والهوى‪.‬‬
‫ويجيء نص آخر في التوراة ل محمل له إل البشارة برسول‬
‫السلم صلى الله عليه وسلم مهما غالط المغالطون‪.‬‬
‫وهو قول الله لموسى حسب ما تروى التوراة‪:‬‬
‫"أقيم لهم نبيا ً من وسط إخوتهم مثلك ‪ ،‬وأجعل كلمي في فمه‬
‫فيكلمهم بكل ما أوصيه به ‪ ،‬ويكون أن النسان الذي ل يسمع‬
‫لكلمي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه")‪.(4‬‬
‫حدث هذا حسب روايات التوراة وعدا ً من الله لموسى في آخر‬
‫عهده بالرسالة ‪ ،‬وكان يهمه أمر بني إسرائيل من بعده ‪ ،‬فأعلمه‬
‫الله ‪ -‬حسب هذه الرواية التوراتية ‪ -‬أنه سيبعث فيهم رسول مثل‬
‫موسى عليه السلم‪.‬‬
‫ولقوة دللة النص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقد‬
‫وقف أهل الكتابين ‪ -‬اليهود والنصارى ‪ -‬موقفين مختلفين هدفهما‬
‫واحد ‪ ،‬وهو أن النص ليس بشارة برسول السلم‪.‬‬
‫أما اليهود فلهم فيه رأيان‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن العبارة نفسها ليست خبرا ً بل هي نفي ‪ ،‬ويقدرون قبل‬
‫الفعل "أقيم" همزة استفهام يكون الستفهام معها "إنكاريًا"‬
‫وتقدير النص عندهم هكذا " أأقيم لهم نبيا ً من وسط إخوتهم‬
‫مثلك؟!‬
‫بطلن هذا الرأي وهذا الرأي باطل ولن نذهب في بيان بطلنه‬
‫إلى أكثر من كلم التوراة نفسها‪ .‬وذلك ؛ لنه لو كان النص كما‬
‫ذكروا بهمزة استفهام إنكاري محذوفة هي في قوة المذكور لكان‬
‫الكلم نفيا ً فع ً‬
‫ل‪ ..‬ولو كان الكلم نفيا ً لما صح أن يعطف عليه‬
‫قوله بعد ذلك‪:‬‬
‫"ويكون أن النسان الذي ل يسمع لكلمي الذي يتكلم به باسمي‬
‫أنا أطالبه " ؟! فهذا المقطع إثبات قطعا ً فهو مرتب على إقامة‬
‫النبي الذي وعد به المقطع الذي قبله‪ .‬فدل هذا " العطف " على‬
‫أن المقطع السابق وعد خبرى ثابت ل نفي‪ .‬ويترتب على ذلك‬
‫بطلن القول الذاهب إلى تقدير الستفهام‪..‬؟!‬

‫‪10‬‬

‫الثاني‪ :‬وقد أحس اليهود ببطلن القول بالستفهام فاحتاطوا‬
‫للمر وقالوا ل مانع أن يكون النص خبرا ً ووعدا ً مثبتا ً ‪ ،‬ولكنه ليس‬
‫المقصود به عيسى ابن مريم عليه السلم ول محمد بن عبد الله‬
‫رسول السلم صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬بل المراد به نبى من‬
‫أنبياء إسرائيل يوشع بن نون فتى موسى‪ ،‬أو صموئيل‪..‬؟!‬
‫موقف النصارى‪:‬‬
‫أما النصارى فيحملون البشارة في النص على عيسى عليه‬
‫السلم وينفون أن يكون المراد بها رسول السلم صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬وقد علمنا قبل أن اليهود ينفون أن تكون لعيسى‬
‫عليه السلم‪.‬‬
‫وللنصارى مغالطات عجيبة في ذلك إذ يقولون إن النبي الموعود‬
‫به ليس من بنى إسماعيل بل من بنى إسرائيل‪ .‬ومحمد‬
‫إسماعيلي فكيف يرسل الله إلى بنى إسرائيل رجل ً ليس‬
‫منهم‪.‬؟! كما قالوا إن موسى أتى بمعجزات ومحمد لم يأت‬
‫بمعجزات فكيف يكون مثله‪ .‬وقد رددنا على هذه الفرية فيما‬
‫تقدم‪.‬‬
‫الحق الذي ل جدال فيه‪:‬‬
‫والواقع أن كل ما ذهب إليه اليهود والنصارى باطل‪ .‬باطل‪ .‬ولن‬
‫نذهب في بيان بطلنه إلى أبعد من دللة النص المتنازع عليه‬
‫نفسه‪ .‬أما الحق الذي ل جدال فيه فإن هذا النص ليس له محمل‬
‫مقبول إل البشارة برسول السلم صلى الله عليه وسلم وإليكم‬
‫البيان‪:‬‬
‫إن النص المتنازع عليه يقيد البشارة بالنبي الموعود به فيه‬
‫بشرطين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنه من وسط إخوة بنى إسرائيل‪.‬‬
‫وثانيهما‪ :‬أنه مثل موسى عليه السلم صاحب شريعة وجهاد‬
‫لعداء الله وهذان الشرطان ل وجود لهما ل في يوشع بن نون ‪،‬‬
‫ول في صموئيل كما يدعى اليهود في أحد قوليهم‪.‬‬
‫ول في عيسى عليه السلم كما يدعى النصارى‪.‬‬
‫أما انتفاء الشرط الول فلن يوشع وصموئيل وعيسى من بنى‬
‫إسرائيل وليسو من وسط إخوة بنى إسرائيل‪.‬‬
‫ولو كان المراد واحدا ً منهم لقال في الوعد‪ :‬أقيم لهم نبيا ً‬
‫منهم‪ ..‬؟! هذا هو منهج الوحي في مثل هذه المور كما قال في‬
‫شأن النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫)هو الذي بعث في الميين رسول ً منهم‪ .(5)(...‬وكما جاء على‬
‫لسان إبراهيم وإسماعيل )عليهما السلم( )ربنا وابعث فيهم‬
‫رسول ً منهم‪.(6)(...‬‬
‫‪11‬‬

‫وأما انتفاء الشرط الثاني ‪ ،‬فلن‪ :‬ل صموئيل ول يوشع ول عيسى‬
‫ابن مريم كانوا مثل "موسى" عليه السلم‪.‬‬
‫فموسى كان صاحب شريعة ‪ ،‬ويوشع وصموئيل وعيسى وجميع‬
‫الرسل الذين جاءوا بعد موسى عليه السلم من بنى إسرائيل لم‬
‫يكن واحدا ً منهم صاحب شريعة ‪ ،‬وإنما كانوا على شريعة موسى‬
‫عليه السلم‪.‬‬
‫ً‬
‫وحتى عيسى ما جاء بشريعة ولكن جاء متمما ومعدل ً فشريعة‬
‫موسى هي الصل‪ .‬إن عيسى كان مذكرا ً لبنى إسرائيل ومجددا ً‬
‫الدعوة إلى الله على هدى من شريعة موسى عليه السلم !!‬
‫ي البشارة ‪ -‬وبين موسى‬
‫فالمثلية بين هؤلء ‪ -‬وهي أحد شرط ْ‬
‫عليه السلم ل وجود لها؟!‬
‫الشرطان متحققان في رسول السلم صلى الله عليه وسلم‬
‫وبنفس القوة والوضوح اللذين انتفي الشرطان بهما عمن ذكروا‬
‫من النبياء ثبت ذلك الشرطان لمحمد بن عبد الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪:‬‬
‫فهو من نسل إسماعيل ‪ ،‬وإسماعيل أخو إسحق ‪ ،‬الذي هو أبو‬
‫يعقوب المسمى إسرائيل‪ .‬فهو من وسط إخوة بنى إسرائيل ‪-‬‬
‫بنو عمومتهم ‪ -‬وليس من إسرائيل نفسها‪ .‬وبهذا تحقق الشرط‬
‫ي البشارة‪:‬‬
‫الول من شرط ْ‬
‫ومحمد ‪ -‬عليه الصلة والسلم ‪ -‬صاحب شريعة جليلة الشأن لها‬
‫سلطانها الخاص بها ‪ -‬جمعت فأوعت ‪ -‬مثلما كان موسى ‪ -‬أكبر‬
‫رسل بنى إسرائيل ‪ -‬صاحب شريعة مستقلة كانت لها منزلتها‬
‫التي لم تضارع فيما قبل من بدء عهد الرسالت إلى مبعث‬
‫عيسى عليه السلم‪.‬‬
‫وبهذا يتحقق الشرط الثاني من شرطى البشارة وهو " المثليه "‬
‫بين موسى ومحمد )عليهما صلوات الله وسلمه( ‪ ،‬فعلى القارئ‬
‫أن يتأمل ثم يحكم‪.‬‬
‫في المزامير المنسوبة إلى داود عليه السلم وردت كثير من‬
‫العبارات التي ل يصح حمل معناها إل على رسول السلم‪ .‬ومن‬
‫ذلك قول داود كما تروى التوراة‪:‬‬
‫" أنت أبرع جمال ً من بنى البشر‪ .‬انسكبت النعمة على شفتيك‪،‬‬
‫لذلك باركك الله إلى البد‪ .‬تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار ‪،‬‬
‫جللك وبهاؤك‪ .‬وبجللك اقتحم‪ .‬اركب من أجل الحق والدعة‪..‬‬
‫بتلك المسنونة في قلب أعداء الملك ‪ -‬يعنى الله ‪ -‬شعوب تحتك‬
‫يسقطون‪ ..‬من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن البتهاج أكثر‬
‫من رفقائك " )‪.(7‬‬

‫‪12‬‬

‫اسمعي يانيت وأميلي أذنك ‪ ،‬وانسي شعبك وبيت أبيك ‪ ،‬فيشتهي‬
‫الملك الملك حسنك ؛ لنه هو سيدك فاسجدي له‪ .‬وبنت صور‬
‫أغنى الشعوب تترضى وجهك بهدية‪ .‬كلها مجد ابنة الملك في‬
‫خدرها‪ .‬منسوجة بذهب ملبسها مطرزة ‪ ،‬تحضر إلى الملك في‬
‫إثرها عذارى صاحباتها مقدمات إليك يحضرن بفرح وابتهاج‬
‫يدخلن إلى قصر الملك‪ .‬عوضا ً عن آبائك يكون بنوك نقيمهم‬
‫رؤساء في كل الرض اذكر اسمك في كل دور فدور من أجل‬
‫ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والبد " وقفة مع هذا الكلم في‬
‫المقطع الول )أ( ل تنطبق الوصاف التي ذكرها داود إل على‬
‫رسول السلم صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫فهو الذي قاتل بسيفه في سبيل الله وسقطت أمامه شعوب‬
‫عظيمة كالفرس والروم‪.‬‬
‫وهو الممسوح بالبركة أكثر من رفقائه النبياء ؛ لنه خاتم‬
‫النبيين ‪ ،‬ورسالته عامة خالدة )وما أرسلناك إل رحمة للعالمين ()‬
‫‪.(8‬‬
‫ولم يترك رسول هدى وبيانا مثلما ترك رسول السلم في‬
‫القرآن الحكيم ‪ ،‬وفي أحاديثه وتوجيهاته ‪ ،‬التي بلغت مئات اللف‬
‫‪ ،‬وتعددت المصادر التي سجلتها ‪ ،‬وفيها من روائع البيان ‪ ،‬وصفاء‬
‫اللفاظ ‪ ،‬وشرف المعاني ما ليس في غيرها‪.‬‬
‫أما المقطع الثاني )ب( فهو أوصاف للكعبة الشريفة‪ .‬فهي التي‬
‫تترضاها المم بالهدايا‪ .‬وهي ذات الملبس المنسوجة بالذهب‬
‫والمطرزة ‪ ،‬وهي التي يذكر اسمها في كل دور فدور وتأتيها‬
‫قوافل" الحجيج " رجال ً ونساًء من كل مكان فيدخل الجميع في "‬
‫قصر الملك " ويحمدها الناس إلى البد؛ لن الرسالة المرتبطة‬
‫بها رسالة عامة‪ :‬لكل شعوب الرض النس والجن‪ .‬بل والملئكة‪.‬‬
‫وفي مواسم الحج يأتيها القاصدون من جميع بقاع الرض‬
‫مسلمين‪ ،‬ورعايا مسلمين من بلد ليست مسلمة‪ .‬خالدة‪ :‬لم ينته‬
‫العمل بها بوفاة رسولها‪ ،‬كما هو الحال فيما تقدم‪ .‬وإنما هي دين‬
‫الله إلى البد البيد‪.‬‬
‫وأشعيا وسفره من أطول أسفار العهد القديم ملئ بالشارات‬
‫الواضحة التي تبشر برسول السلم صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ولول‬
‫المنهج الذي أخذنا به هنا وهو عدم التطويل لذكرنا من ذلك‬
‫الكثير؛ ولذا فإننا نكتفي بهذا المقطع لدللته القوية على ما‬
‫نقول‪:‬‬
‫" قومي استنيري؛ لنه قد جاء نورك ‪ ،‬ومجد الرب أشرق عليك‪..‬‬
‫لنه ها هي الظلمة تغطى الرض والظلم الدامس المم‪ .‬أما‬

‫‪13‬‬

‫عليك فيشرق الرب ‪ ،‬ومجده عليك يرى‪ .‬فتسير المم في‬
‫نورك ‪ ،‬والملوك في ضياء إشراقك‪.‬‬
‫ارفعي عينيك حوالي وانظري‪ .‬قد اجتمعوا كلهم جاءوا إليك‪ .‬يأتي‬
‫بنوك من بعيد‪ ،‬وتحمل بناتك على اليدي ‪ ،‬حينئذ تنظرين وتنيرين‬
‫ويخفق قلبك ويتسع ؛ لنه تحول إليك ثروة البحر ‪ ،‬ويأتي إليك‬
‫غنى المم تغطيك كثرة الجمال بكران مديان ‪ ،‬وعيفة كلها تأتي‬
‫من شبا‪ .‬تحمل ذهًبا ولباًنا ‪ ،‬وتبشر بتسابيح الرب‪ .‬كل غنم قيدار‬
‫تجتمع إليك‪ .‬كباش نبايوت تخدمك تصعد مقبولة على مذبحي‪،‬‬
‫وأزين بيت جمالي‪.‬‬
‫من هؤلء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها‪ .‬إن الجزائر‬
‫تنتظرني وسفن ترشيش في الول لتأتى من بعيد ‪ ،‬وفضتهم‬
‫وذهبهم معهم ل سم الرب إلهك…)‪.(9‬‬
‫وبنو الغريب يبنون أسوارك‪ ،‬وملوكهم يخدمونك‪ ..‬وتفتح أبوابك‬
‫دائما نهارا ً وليل ً ل تغلق ‪ ،‬ليؤتى إليك بغنى المم وتقاد ملوكهم‪)...‬‬
‫‪.(10‬‬
‫دللة هذه النصوص‪:‬‬
‫بل أدنى ريب فإن هذا الكلم المنسوب إلى أشعيا وصف لمكة‬
‫المكرمة وكعبتها الشامخة‪.‬‬
‫فالمقطع الول إنما هو حديث عن موسم الحج المبارك فيه‬
‫يجتمع بنوها حولها من كل مكان وفيه لمحة قوية جدا ًُ إلى نحر‬
‫الهدى صبيحة العيد‪ .‬ألم يشر النص إلى غنم قيدار‪ ،‬وقيدار هوولد‬
‫إسماعيل عليه السلم الذي تشعبت منه قبائل العرب‪ .‬ثم ألم‬
‫ينص على المذبح الذي تنحر عليه الذبائح؟ كما أشار النص ثلث‬
‫إشارات تعد من أوضح الدلة على أن المراد بهذا النص مكة‬
‫المكرمة‪ .‬وتلك الشارات هي طرق حضور الحجاج إليها‪ .‬ففي‬
‫القديم كانت وسائل النقل‪ :‬ركوب الجمال‪ .‬ثم السفن‪ .‬أما في‬
‫العصر الحديث فقد جدت وسيلة النقل الجوى "الطائرات"‬
‫وبشارة أشعيا تضمنت هذه الوسائل الثلث على النحو التي‪:‬‬
‫‪ -1‬الجمال ‪ ،‬قال فيها‪ :‬تغطيك كثرة الجمال!!‬
‫‪ -2‬السفن ‪ ،‬قال فيها‪ :‬وسفن ترشيش تأتي ببنيك من بعيد!‬
‫‪ -3‬النقل الجوى‪ ،‬وفيه يقول‪ :‬من هؤلء الطائرون كسحاب‬
‫وكالحمام إلى بيوتها؟!!‬
‫أليس هذا أوضح من الشمس في كبد السماء‪.‬‬
‫على أن النص ملئ بعد ذلك بالدقائق والسرار ‪ ،‬ومنها أن مكة‬
‫مفتوحة البواب ليل ً ونهارا ً لكل قادم في حج أو عمرة!!‬

‫‪14‬‬

‫ومنها أن خيرات المم تجبى إليها من كل مكان ‪ ،‬والقرآن يقرر‬
‫هذا المعنى في قول الله تعالى‪) :‬أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى‬
‫إليه ثمرات كل شيء()‪.(11‬‬
‫ومنها أن بنى الغريب )يعنى غير العرب( يبنون أسوارها‪ .‬وكم من‬
‫اليدي العاملة الن‪ ،‬وذوي الخبرات يعملون فيها ويشيدون قلعها‬
‫فوق الرض وتحت الرض ومنها أنه ما من عاصمة من عواصم‬
‫العالم إل دخلت في محنة من أهلها أو من غير أهلها إل هذه‬
‫"العاصمة المقدسة"‪ ,‬فظلت بمأمن من غارات الغائرين وكيد‬
‫الكائدين‪ ،‬ومثلها المدينة المنورة‪.‬‬
‫ن الله بها عليها‪ .‬أليس البترول من‬
‫ومنها كثرة الثروات التي َ‬
‫م ّ‬
‫ثروات البحر العظمى التي تفجرت أرض الحجاز وشبه الجزيرة‬
‫منه عيونا ً دفاقة بمعدل لم تصل إليه أمة من المم‪ .‬أضف إلى‬
‫ذلك سبائك الذهب والفضة‪.‬‬
‫والحديث عن مكة المكرمة حديث عن رسول السلم ؛ لن‬
‫مجدها لم يأت إل على يدي بعثته صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫هذه الحقائق ل تقبل الجدل‪ .‬ومع هذا فإن أهل الكتاب )وخاصة‬
‫اليهود( يحملون هذه الوصاف على مدينة "صهيون" ولهذا فإنهم‬
‫عمدوا إلى النص وعدلوه ليصلح لهذا الزعم‪ .‬ولكننا نضع المر‬
‫بين يدي المنصفين من كل ملة‪ .‬أهذه الوصاف يمكن أن تطلق‬
‫على مدينة "صهيون"‪.‬‬
‫لقد خرب " بيت الرب " في القدس مرارا ً وتعرض لعمال‬
‫شنيعة على كل العصور‪ .‬أما الكعبة الشريفة والمسجد الحرام‬
‫فلم يصل أحد إليهما بسوء ‪ ،‬ثم أين ثروات البحر والبر التي تجبى‬
‫إلى تلك المدينة وأهلها )إلى الن( يعيشون عالة على صدقات‬
‫المم‪.‬‬
‫جوّا ً ‪ ،‬وهل أبوابها‬
‫وأين هي المواكب التي تأتى إليها برا ً وبحرا ً و َ‬
‫مفتوحة ليل ً ونهارا ً ‪ ،‬وأين هم بنوها الذين اجتمعوا حولها‪.‬‬
‫وما صلة غنم قيدار وكباش مدين بها‪ .‬وأين هو التسبيح الذي‬
‫؟ إن هذه المغالطات ل‬
‫يشق عنان السماء منها‪ ..‬وأين‪ ..‬وأين‪‍ ..‬‬
‫تثبت أمام قوة الحق ‪ ،‬ونحن يكفينا أن نقيم هذه الدلة من كتبهم‬
‫على صدق الدعوى ‪ ،‬ول يهمنا أن يذعن القوم لما نقول فحسبك‬
‫من خصمك أن تثبت باطل ما يدعيه أمام الحق الذي تدافع عنه‪.‬‬
‫والفاصل بيننا ـ في النهاية ـ هو الله الذي ل ُيبدل القول لديه‪.‬‬
‫وتنسب التوراة إلى نبي يدعى "حبقوق" من أنبياء العهد القديم ‪،‬‬
‫وله سفر صغير قوامه ثلثة إصحاحات‪.‬‬
‫تنسب إليه التوراة نصوصا ً كان يصلي بها‪ .‬تضمنها الصحاح‬
‫الثالث من سفره‪ .‬وهذا الصحاح يكاد يكون كله بشارة برسول‬
‫‪15‬‬

‫السلم صلى الله عليه وسلم‪ .‬وإليكم مقاطع منه‪" :‬الله جاء من‬
‫تيمان‪ ،‬والقدوس من جبل فاران ـ سله ـ جلله غطى السماوات‪.‬‬
‫والرض امتلت من تسبيحه وكان لمعان كالنور له من يديه شعاع‬
‫‪ ،‬وهناك استتار قدرته‪ .‬قدامه ذهب الوبأ‪ .‬وعند رجليه خرجت‬
‫الحمى‪ .‬وقف وقاس الرض‪ ،‬نظر فرجف المم ودكت الجبال‬
‫الدهرية‪ ،‬وخسفت آكام القوم‪.‬‬
‫مسالك الزل يسخط دست المم ‪ ،‬خرجت لخلص شعبك‪...‬‬
‫سحقت رأس بيت الشرير معريا ً الساس حتى العنق‪ ...‬سلكت‬
‫البحر بخيلك‪.(12)..‬‬
‫دللت هذه الشارات‪:‬‬
‫ل يستطيع عاقل عالم بتاريخ الرسالت ومعاني التراكيب أن‬
‫يصرف هذه النصوص على غير البشارة برسول السلم صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ .‬فالجهتان المذكورتان في مطلع هذا المقطع‬
‫وهما‪ :‬تيمان‪ :‬يعنى اليمن‪ ،‬وجبل فاران‪ :‬يعنى جبل النور الذي‬
‫بمكة المكرمة التي هي فاران‪ .‬هاتان الجهتان عربيتان‪ .‬وهما رمز‬
‫لشبه الجزيرة العربية التي كانت مسرحا ً أوليا ً لرسالة محمد‬
‫صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫فليس المراد إذن نبيا ً من بنى إسرائيل؛ لنه معلوم أن رسل بنى‬
‫إسرائيل كانت تأتى من جهة الشام شما ً‬
‫ل‪ .‬ل من جهة بلد‬
‫العرب‪ .‬وهذه البشارة أتت مؤكدة للبشـارة المماثلة ‪ ،‬التي تقدم‬
‫ذكرها من سفر التثنية ‪ ،‬وقد ذكرت أن الله‪ :‬تلل أو استعلن من‬
‫جبل فاران‪.‬‬
‫بيد أن بشارة التثنية شملت الخبار بمقدم موسى عليه السلم‬
‫والتبشير بعيسى عليه السلم وبمحمد صلى الله عليه وسلم أما‬
‫بشـارة حبقوق فهي خاصة برسول السلم صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ .‬ولو لم يكن في كلم حبقوق إل هذا "التحديد" لكان ذلك‬
‫كافيا ً في اختصاص بشارته برسول السلم صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ,‬ومع هذا فقد اشتمل كلم حبقوق على دلئل أخرى ذات‬
‫مغزى‪:‬‬
‫منها‪ :‬الشارة إلى كثرة التسبيح حتى امتلت منه‬
‫•‬
‫الرض‪ ..‬؟!‬
‫ومنها‪ :‬دكه صلى الله عليه وسلم لعروش الظلم‬
‫•‬
‫والطغيان وقهر الممالك الجائرة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن خيل جيوشه ركبت البحر ‪ ،‬وهذا لم يحدث إل‬
‫•‬
‫في ظل رسالة السلم‪.‬‬
‫على أن كلم حبقوق ملئ بالرمز والشارات مما يفيدنا في هذا‬
‫المجال ولكننا نتجاوزه لمرين‪:‬‬
‫‪16‬‬

‫أحدهما‪ :‬أن في الشارات الصريحة غناء عنها‪.‬‬
‫وثانيهما‪ :‬عدم التطويل ـ هنا ـ كما اتفقنا‪.‬‬
‫بشاراته صلى الله عليه وسلم في العهد الجديد أسفار العهد‬
‫الجديد )الناجيل والرسائل( حافلة بالنصوص التي يتعين أن تكون‬
‫"بشارات" برسول السلم صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫تلك البشـارات تعـلن أحيانا ً في صورة الوعـد بملكوت الله أو‬
‫ملكوت السماوات‪ .‬وأحيانا أخـرى بالـروح القـدس‪ .‬ومرات‬
‫باسـم المعـزى أو الفارقليط ‪ ،‬وهي كلمة يونانية سيأتي فيما بعد‬
‫معناها ‪ ،‬تلك هي صورة البشارات في الناجيل في صيغها‬
‫المعروفة الن‪.‬‬
‫ففي إنجيل متى وردت هذه العبارة مسـندة إلى يحيى عليه‬
‫السلم المسمى في الناجيل‪ :‬يوحنا المعمدان‪ .‬وفيها يقول‪:‬‬
‫"توبوا ؛ لنه قد اقترب ملكوت السماوات")‪.(13‬‬
‫فمن هو ملكوت السماوات الذي بشر به يحيى؟! هل هو عيسى‬
‫عليه السلم ـ كما يقول النصارى؟!‬
‫هذا احتمال‪ ..‬ولكن مّتى نفسه يدفعه حيث روى عن عيسى عليه‬
‫السلم نفس العبارة‪" :‬توبوا ؛ لنه قد اقترب ملكوت‬
‫السماوات")‪.(14‬‬
‫فلـو كان المراد بملكـوت السماوات ـ هذه ـ عيسى عليه السلم‬
‫لما وردت هذه "البشارة" على لسان عيسى؛ إذ كيف يبشر‬
‫بنفسه ‪ ،‬وهو قائم موجود ‪ ،‬والبشـارة ل تكون إل بشئ محـبوب‬
‫سيأتي‪ ،‬كما أن النذار ـ قسيمه ـ ل يكون إل بشيء "مكروه" قد‬
‫يقع‪.‬‬
‫فكلهما‪ :‬التبشير والنذار ـ أمران مستقبلن‪.‬‬
‫إن ورود هذه العبارة عن عيسى نفسه تخصيص لذلك العموم‬
‫المستفاد من عبارة يحيى عليهما السلم‪.‬‬
‫فدل ذلك على أن المراد بملكوت السماوات رسول آخر غير‬
‫عيسى‪ .‬ولم يأت بعد عيسى ـ باعتراف الجميع ـ رسول غير‬
‫رسول السلم صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫فدل ذلك على أنه هو المراد بملكوت السماوات في عبارة‬
‫عيسى عليه السلم ـ قول ً واحدا ً ـ وباحتمال أرجح في عبارة‬
‫يحيى؛ إذ ل مانع عندنا ـ أن يكون يحيى عليه السلم قد بشر بها‬
‫بعيسى عليه السلم‪.‬‬
‫أما بشارة عيسى فل موضع لها إل الحمل ـ القطعي ـ على‬
‫رسول السلم صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫مّتى‬
‫وفي صيغة الصلة التي علمها المسيح لتلميذه ـ كما يروي َ‬
‫مّتى في هذا‬
‫نفسه ـ بشارة أخرى بنبي السـلم‪ .‬وهذا هو نص َ‬
‫‪17‬‬

‫"فصلوا أنتم هكذا‪ :‬أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت‬
‫ملكوتك")‪.(15‬‬
‫ووردت هذه الصيغة في إنجيل لوقا هكذا‪" :‬متى صليتم فقـولوا‪:‬‬
‫أبانا الذي في السماوات ليتقـدس اسمك ليأت ملكوتك‪.(16)"..‬‬
‫ويذكر لوقا أن المسيح جمع تلميذه‪ ،‬وعلمهم كيف يقهرون‬
‫الشياطين‪ ،‬ويشفـون المراض ثم قال‪" :‬وأرسلهم ليكرزوا ـ أي‬
‫يبشروا ـ بملكوت الله")‪.(17‬‬
‫أما مرقس فيسند هذه البشارة إلى المسيح نفسه إذ يقول‪" :‬جاء‬
‫يسوع إلى الجبل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول‪ :‬قد كمل‬
‫الزمان واقترب ملكوت الله " )‪.(18‬‬
‫فهـؤلء ثلثة من التلمذة يتفقـون على أن يحيى وعيسى )عليهما‬
‫السلم( قد بشرا بملكوت الله الذي اقترب‪.‬‬
‫فمن المراد بملكوت الله إذا لم يكن هو رسول السلم صلى الله‬
‫عليه وسلم؟! وأكاد أجزم بأن عبارة "المسيح ‪ ،‬قد كمل الزمان"‬
‫ل تعني سوى انتهاء عصر الرسالت الموقوتة وإقبال الرسالة‬
‫الخالدة!!‬
‫أما يوحنا صاحب رابع الناجيل‪ .‬فإنه يذكر هذه البشارات في‬
‫مواضع متعددة من إنجيله‪ .‬ومن ذلك ما يرويه عن المسيح عليه‬
‫السلم " الذي ل يحبني ل يحفظ كلمي‪ ،‬والكلم الذي تسمعونه‬
‫ليس لي بل للب الذي أرسلني‪ .‬بهذا كلمتكم وأنا عندكم‪ .‬وأما‬
‫المعزى )اسم فاعل من الفعل المضعف العين عزى()‪ (19‬الروح‬
‫القدس‪ ،‬الذي سيرسله الب باسمي فهو يعلمكم كل شيء‬
‫ويذكركم بما قلته لكم")‪.(20‬‬
‫كما يروي يوحنا قول المسيح ـ التي ـ مع تلميذه‪" :‬إنه خير لكم‬
‫أن انطلق‪ .‬إن لم أنطلق ل يأتيكم المعزى‪ ،‬ولكن إن ذهبت‬
‫أرسله إليكم‪ .‬ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية‪ ،‬وعلى بر‬
‫وعلى دينونة")‪.(21‬‬
‫ويروي كذلك قول المسيح لتلميذه‪" :‬وأما إذا جاء ذاك روح الحق‬
‫‪ ،‬فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لنه ل يتكلم من نفسه‪ .‬بل كل‬
‫ما يسمع يتكلم به ‪ ،‬ويخبركم بأمور آتية "‪ ..‬؟!)‪.(22‬‬
‫فمن هو المعزى أو روح القدس أو روح الحق الذي بشر به‬
‫المسيح عليه السلم حسبما يروى يوحنا؟!‬
‫معَّرى أو الروح القدس ل يأتي إل‬
‫إن المسيح يقول‪ :‬إن ذلك ال ُ‬
‫معَّرى أو‬
‫بعد ذهاب المسيح‪ ،‬والمسيح ـ نفسه ـ ُيقـّر بأن ذلك ال ُ‬
‫َ‬
‫ج ّ‬
‫ل منه شأنا‪ ،‬وأعم نفعا ً وأبقى أثرًا‪ ،‬ولذلك قال لتلميذه‪:‬‬
‫الروح أ َ‬
‫معَّرى‪.‬‬
‫خير لكم أن أنطلق‪ .‬إن لم أنطلق ل يأتيكم ال ُ‬

‫‪18‬‬

‫وكلمة "خير" أفعل تفضيل بمعنى أكثر خيرا ً لكم ذهابي ليأتيكم‬
‫مَعـّزى" مسـاوًيا للمسيح في الدرجة لكانا‬
‫المعزى ولو كان "ال ُ‬
‫مستويين في الخيرية ولما ساغ للمسيح أن يقول خير لكم أن‬
‫أنطلق‪.‬‬
‫ومن باب أولى لو كان "المعّزى" أقل فضل ً من المسيح‪ .‬فعبارة‬
‫المسيح دليل قاطع على أنه بشر بمن هو أفضل منه ‪ ،‬ل مساٍو‬
‫له ول أقل‪.‬‬
‫معَّرى أو الروح بأوصـاف ليست‬
‫ثم يصف المسيح ذلك ال ُ‬
‫موجـودة في المسيح نفسه عليه السلم‪.‬‬
‫ومن تلك الوصاف‪:‬‬
‫أ ـ إنه يعلم الناس كل شيء‪ .‬وهذا معناه شمول رسالته لكل‬
‫مقومات الصلح في الدنيا والدين‪ .‬وذلك هو السلم‪.‬‬
‫ب ـ إنه يبكت العالم على خطية‪ .‬والشاهد هنا كلمة " العالم "‬
‫وهذا معناه شمول السلم لكل أجـناس البشر ‪ ،‬عربا وعجما ً ‪،‬‬
‫في كل زمان ومكان‪ .‬ولم توصف شريعة بهذين الوصفين إل‬
‫السلم‪.‬‬
‫جـ ـ إنه يخـبر بأمور آتية ‪ ،‬ويذكـر بما مضى‪ .‬وقد تحقق هذا في‬
‫رسالة محمد صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫فأخبر بأمور آتية لم يخبر بها من سبقه أو أخبروا ولكن ليس على‬
‫وجه التفصيل والتأكيد الذي كان على يديه صلى الله عليه وسلم‬
‫فكم في القرآن من أمور أخبر بها قبل أن تقع فوقعت كما أخبر ‪،‬‬
‫وكم فيه من الخبار بما سيكون في الحياة الخرة من أوصاف‬
‫الجنة ‪ ،‬والنار ‪ ،‬والبعث ‪ ،‬وعلمات الساعة ‪ ،‬وتخاصم أهل النار ‪،‬‬
‫وحوار أصحاب الجنة مع " رجال العراف " ‪ ،‬وندم من باعوا‬
‫دينهم بدنياهم‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫وذكر بما مضى من أحوال المم ‪ ،‬وقيام الحضارات ثم سقوطها‬
‫وأحوال المرسلين وما بلغوا به أقوامهم والشهادة لهم بالصدق‬
‫والمانة والخلص والوفاء ‪ ،‬ومسلك بعض القوام من رسلهم‬
‫والصراع الذي دار بين المحقين وأهل الباطل ‪ ،‬وعاقبة بعض‬
‫المكذبين‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫ثم استوعبت رسالته الحياة كلها فأرست قواعد العتقاد الصحيح‬
‫وسنت طرق العبادة المثمرة ‪ ،‬ووضعت أصول التشريع في كل‬
‫ما هو متعلق بالحياة عاجلها وآجلها ‪ ،‬ووضحت العلقة السليمة‬
‫بين المخلوق والخالق ‪ ،‬وبين الناس بعضهم بعضًا‪ .‬وحررت‬
‫العقول ‪ ،‬وطهرت القلوب ورسمت طريق الهدى لكل نفس‬
‫ولكل جماعة ولكل أمة‪ .‬أي أنها أرشدت إلى كل شيء‪ .‬وعلمت‬
‫كل شيء مما يحتاج تعلمه إلى وحي وتوقيف‪!..‬‬
‫‪19‬‬

‫ذلك هو السلم ‪ ،‬ول شيء غير السلم‪.‬‬
‫وشهدت ـ فيما شهدت ـ للمسيح عليه السلم بأنه رسول كريم‬
‫أمين أدى رسالته وبشر وأنذر بنى إسرائيل‪ ,‬وأنه عبده ورسوله‬
‫)ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون()‪.(23‬‬
‫وشهادة رسول السلم لعيسى عليه السلم منصوص عليها في‬
‫بشارات عيسى نفسه به )صلى الله عليه وسلم(‪ .‬فاسمع إلى‬
‫يوحنا وهو يروى عن المسيح عليه السلم قوله التي‪" :‬ومتى جاء‬
‫المعّزى الذي سأرسله " أنا " إليكم من الب روح الحق من عند‬
‫الب ينبثق فهـو يشهـد لي‪ ..‬وتشهـدون أنتم أيضا ً لنكم معي من‬
‫البتداء")‪.(24‬‬
‫روح القـدس هذا‪ ،‬أو المعّزى ‪ ،‬أو روح الحق ل يمكن أن يكون‬
‫عيسى ؛ لن عـيسى لم يبشر بنفسـه ‪ ،‬وهو كان موجودا ً ساعة‬
‫قال هذا ول يمكن أن يكون المراد به نبيا ً بعد عيسى غير محمد‬
‫)صلى الله عليه وسلم( لننا متفقون على أن عيسى لم يأت‬
‫بعده نبي قبل رسول السلم صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫فتعين أن يكون روح القدس ‪ ،‬أو المعّزى ‪ ،‬أو روح الحق تبشيرا‬
‫بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ فيه تجتمع تلك الوصاف ‪ ،‬كما‬
‫يتحقق فيه معنى "الفضلية" إذ هو خاتم النبيين‪ ،‬الذي جاء‬
‫بشريعة خالدة عامة‪ ،‬وعلى هذا حملنا قبل قول عيسى‪ :‬خير لكم‬
‫معَّزى " وهذا إقرار من‬
‫أن أنطلق‪ .‬إن لم أنطلق ل يأتيكم ال ُ‬
‫مب َ ّ‬
‫شر وكفي بذلك شواهد‪.‬‬
‫عيسى بأن المبشر به أفضل من ال ُ‬
‫أما البشارة باسم "الفارقليط" فقد خلت منها الترجمات العربية‬
‫المعاصرة للكتاب المقـدس‪.‬‬
‫ومعـلوم أن الكتاب المقدس خضع للترجمات وطبعات متعددة ؛‬
‫لدرجة أن الترجمات العربية لتختلف من نسخة إلى أخرى اختلفا‬
‫بينًا‪.‬‬
‫وتحت يدي ـ الن ـ نسختان من الطبعـات العربية كلتاهما خاليتان‬
‫من كلمة الفارقليط‪ ،‬وموضوع مكانها كلمة المعزى‪.‬‬
‫بيد أنني وجدت أن ابن القيم ‪ ،‬وابن تيمية ‪ ،‬كل منهما قد نقل‬
‫عن نسخ خطية كانت معاصرة لهما نصوصا ً فيها التصريح باسم‬
‫"الفارقليط" كما أن الشيخ رحمت الله الهندي )رحمه الله( نقل‬
‫في كتابه "إظهار الحق" نصوصا ً "عن ترجمات عربية ترجع إلى‬
‫أعوام‪ 1821 :‬ـ ‪ 1831‬ـ ‪1844‬م وتمت في لندن معنى‬
‫"الفارقليط"‪ :‬كلمة يونانية معناها واحد مما يأتي‪:‬‬
‫الحامد ـ الحماد ـ المحمود ـ الحمد‪ .‬أو معناها كل ما تقدم‪.‬‬
‫فمعنى "فارقليط" يدور حول الحمد وجميع مشتقاته المشار‬
‫إليها‪.‬‬
‫‪20‬‬

‫وكل واحد منها يصح إطلقه على رسول السلم صلى الله عليه‬
‫ماد والمحمود والحمد ‪ ،‬والمحمد‪.‬‬
‫وسلم فهو الحامد والح ّ‬
‫وفي الطبعات ـ اللندنية ـ المتقدم ذكرها ورد النص هكذا‪" :‬إن‬
‫كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي‪ .‬وأنا أطلب من الب فيعطيكم‬
‫فارقليط آخر‪ ،‬ليثبت معكم إلى البد"‪.‬‬
‫"الفارقليط" روح القـدس الذي يرسله الب باسمي هو يعلمكم‬
‫كل شيء‪ ،‬وهو يذكركم كل ما قلته لكم")‪.(25‬‬
‫ومقارنة هذين النصـين بالنص المقابل لهما الذي نقلناه آنفا عن‬
‫إنجيل يوحنا من الطبعات العربية الحديثة تريك أن الطبعات‬
‫الحديـثة حـذفت كلمة " الفارقليط " ووضعت مكانها كلمة "‬
‫المعزى " كما تريك أن الطبعات الحديثة حذفت جملة‪ " :‬ليثبت‬
‫معـكم إلى البد " وهو نص على خلود السلم على أنهم عادوا‬
‫واعترفوا بأن كلمة " المعزى " التي في الطبعات الحديثة للكتاب‬
‫المقـدس أصلها مترجـم عن كلمة يونانية لفظا ً ومعنى وهي "‬
‫باراكليتس " ومعناها المعزى ‪ ،‬وليست " فارقليط " أو " بارقليط‬
‫" التي معناها الحماد والحامد‪ ...‬والتي يتمسك بها المسلمون!‬
‫وهذه المحاولت مردودة لسببين‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬ليس نحن ـ المسلمين ـ الذين قاموا بعمل بالطبعات‬
‫القديمة التي فيها " الفارقليط " وإنما طبعها النصارى قديمًا‪.‬‬
‫فعملهم حجة على الطبعات الحديثة‪ ,‬وهم غير متهمين في‬
‫عملهم هذا‪.‬‬
‫وثانيهما‪ :‬ولو كانت الكلمة "هي‪ :‬الباراكليتس" فلماذا خلت منها‬
‫الطبعات القديمة والنسخ المخطوطة؟!‬
‫بل ولماذا خلت منها الطبعات الحديثة؟!‬
‫وأًيا كان المدار‪ :‬فارقليط ‪ ،‬أو باراكليتس ‪ ،‬أو المعزى ‪ ،‬أو الروح‬
‫القدس فنحن ل نعول على الكلمة نفسها بقدر ما نعول على‬
‫الوصاف التي أجريت عليها‪ .‬مثل يعلمكم كل شيء ـ يمكث‬
‫معكم إلى البد‪.‬‬
‫فهـذه الوصـاف هي لرسـول السـلم صلى الله عليه وسلم‬
‫ومهما اجتهدتم في صرفها عنه فلن تنصرف‪.‬‬
‫ولهم " شبهة " أخرى يحلو لهم تردادها وهي‪ :‬محمد صلى الله‬
‫عليه وسلم عربي الجنس واللسان ‪ ،‬فكيف يرسله الله إلى أمم‬
‫وأجناس غير عربية‪ ..‬وكيف يكلف الله الناس برسالة ل يعرفون‬
‫لغتها ول عهد لهم بالتحدث معها‪ .‬وكيف يستطيعون أن يفهموا‬
‫؟!‬
‫القرآن ‪ ،‬وتوجيهات رسول السلم ‪ ،‬وهما باللغة العربية ‍‬
‫رد الشبهة‪:‬‬
‫نرد عليها من طريقين‪:‬‬
‫‪21‬‬

‫الول‪ :‬وهو مستمد من واقـع القـوم أنفسهم‪ .‬فهم يدعون تبعا ً‬
‫لما قال "بولس" أن عيسى عليه السلم مرسل لخلص العالم‬
‫كله‪ .‬وأنه أمر حوارييه أن يكرزوا كل العالم برسالة الخلص ‪،‬‬
‫وفي أيامنا هذه كثرت المنشورات التي تقول‪ :‬المسيح مخلص‬
‫العالم‪ .‬وهنا نسأل القوم سؤا ً‬
‫ل‪ :‬أية لغة كانت لغة المسيـح عليه‬
‫السلم وحوارييه ؟! هل هي العبرانية أم اليونانية؟! وأيا كان‬
‫الجواب فإن المسيح كان يتكلم لغة واحدة‪ .‬وأوحى إليه النجيل‬
‫بلغة واحدة‪ ..‬فعلى أي أساس إذن قلتم‪ :‬إنه منقذ لكل العالم؟!‬
‫هل كل العالم كان وما يزال يعرف لغة المسيح ؟! أم أن العالم‬
‫أيام المسيح كان يتكلم بعدة لغات‪ ..‬والن يتكلم بمئات اللغات؟!‬
‫فإن كنتم قد ادعيتم أن المسيح هو منقذ كل العالم مع تسليمكم‬
‫بأنه كان يتكلم بلغة واحدة فلماذا تنكرون على رسول السلم أن‬
‫يكون مرسل ً لكل العالم‪.‬؟! وما الفرق بين رسول السلم صلى‬
‫الله عليه وسلم والمسيح عليه السلم حتى تحظروا عليه ما‬
‫استبحتموه للمسيح؟! أهذا عدل‪ ..‬أهذا إنصاف!!‬
‫وإن تنازلتم عن عالمية المسيح فأنتم مدينون!!‬
‫الثاني‪ :‬وهو مستمد من طبيعة السلم‪ .‬ومن تاريخه الطويل‬
‫الحافل بكل عجيب‪.‬‬
‫نعم‪ :‬إن محمدا ً صلى الله عليه وسلم عربي اللسان ‪ ،‬والجنس ‪،‬‬
‫والقرآن العظيم الذي جاء به عربي اللسان‪ ،‬عالمي التوجيه‬
‫والتشريع والسلطان‪ .‬ووحدة اللغة في السلم مثل وحدة‬
‫العقيدة فيه‪ .‬ولم يحل دون انتشار السلم بين المم والشعوب‬
‫غير العربية أن لغة رسالته عربية ورسوله عربي ورواده الوائل‬
‫عرب‪ .‬هذه العتبارات لم تحل دون نشر السلم لجميع شعوب‬
‫الرض باختلف لغاتها وعقائدهـا وأجناسها‪.‬‬
‫ما‪ ،‬وهذه أبرز ملمحه‪:‬‬
‫وكان سلوك الدعوة إلى السلم حكي ً‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬إن صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم أرسل رسله‬
‫يحملون رسائله وكتبه إلى كل رؤساء القبائل وملوك المم‬
‫والشعوب ‪ ،‬وقد بدأت هذه الطريقة بعد وقوع صلح الحديبية ‪،‬‬
‫وكل حامل رسالة أو كتاب إلى رئيس أو ملك كان على علم بلغة‬
‫من هم المبعوث إليهم‪.‬‬
‫فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل دحية بن خليفة‬
‫الكلبي‪.‬‬
‫وأرسل إلى المقوقس عظيم القبـط بمصـر حاطب بن أبى‬
‫بلتعة‪ .‬وأرسل إلى كسرى عبد الله بن حذافة السهمي‪.‬‬
‫وأرسل إلى الحارث بن أبى شمر الغساني شجاع بن ذهب‬
‫السدى‪ .‬وكان هؤلء الرسل عالمين بلغات من أرسلوا إليهم‪.‬‬
‫‪22‬‬

‫كما كان صلى الله عليه وسلم يحتفظ بمترجمين يترجمون له ما‬
‫يرد من رسائل لغتها غير العربية‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬إن الملوك والرؤساء كان لديهم مترجمون ـ كذلك ـ‬
‫يترجمون لهم ما يرد من رسول السلم أو يقومون بالترجمة من‬
‫العربية إلى غيرها ‪ ،‬ومن غير العربية إلى العربية في حالة ما إذا‬
‫كان " المرسل " وفدا ً يحمل رسائل شفوية للتبليغ‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬إن اليهود وكثيرا ً من النصارى كانوا يعرفون اللسان‬
‫العربي ‪ ،‬ومن النصارى من هم عـرب خلص كنصـارى نجـران ‪،‬‬
‫كما أن العجم من الفرس والروم كان من بينهم عرب يعايشونهم‬
‫ويقيمون بينهم‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬كان صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم يحض أصحابه‬
‫على تعلم لغات المم ومما يروى عنه ـ عليه الصلة السلم ـ‬
‫قوله‪ :‬من تعلم لغة قوم أمن غوائلهم‪.‬‬
‫خامسًا‪ :‬لما اجتازت الدعوة مرحلة الدعوة بالرسالة والكتاب‬
‫والوفد ‪ ،‬والبعث ‪ ،‬ودخلت في مرحلة الفتح كان الجنود‬
‫المسلمون ينشرون اللغة العربية كما ينشرون السلم نفسه‪.‬‬
‫وما من أرض حل بها السلم إل وقد حلت بها اللغة العربية‬
‫تعضده ‪ ،‬وتؤازره في انسجام عجيب ‪ ،‬فقضت اللغة العربية على‬
‫لغات المم والشعوب وحلت هي محلها‪ .‬قضت على القبطية في‬
‫مصر وعلى الفارسية في الشام وعلى البربرية في شمال غرب‬
‫أفريقيا كما قضت على السريانية وغيرها من اللغات ‪ ،‬وأصبحت‬
‫هي لغة الحياة والدارة والكتابة والنشر والتأليف‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬قام العرب المسلمون بترجمة ما دعت إليه المصلحة‬
‫من تراث المم المفتوحة ‪ ،‬ففتحوا نوافذ الفكر ‪ ،‬والثقافة ‪،‬‬
‫والمعرفة لمن ل يعرف غير العربية من العرب المسلمين‪ .‬كما‬
‫ترجموا من الفكر السلمي ما يصلح ضرورة لغير العرب من‬
‫المسلمين فنقلوه من العربية إلى غير العربية وفاًء بحق الدعوة‬
‫والتبليغ‪.‬‬
‫سابعًا‪ :‬أقبل غير العرب من الذين دخلوا السلم على تعلم‬
‫العربية وتركوا لغاتهم الصلية وأصبحوا عربي اللسان واللغة‪.‬‬
‫ومن هـؤلء أعلم ل يحصون كان لهم فضل عظيم في إنماء‬
‫الفكر السلمي منهم اللغويون ‪ ،‬والنحويون ‪ ،‬والبيانيون ‪،‬‬
‫والفقـهاء ‪ ،‬والصوليون ‪ ،‬والمفسرون ‪ ،‬والمحدثون ‪ ،‬والمتكلمون‬
‫‪ ،‬والفلسفة ‪ ،‬والمناطـقة ‪ ،‬والرياضيون ‪ ،‬والطباء ‪ ،‬والفلكيون ‪،‬‬
‫بل والشعراء والدباء والرحالة والجغرافيون ‪ ،‬وغيرهم ‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫إن كل مجال من مجـالت النشـاط العلمي في السلم نبغ فيه‬
‫كثير من غير العرب بعد تعلمهم اللغة العربية التي كانوا فيها مثل‬
‫‪23‬‬

‫أنجب وأحذق وأمهر أبنائها‪ .‬ولو رحنا نحصى هؤلء لضاق بنا‬
‫السهل والوعر ‪ ،‬فلتكن الشارة إليهم نائبا ً عن ذلك التفصيل غير‬
‫المستطاع‪.‬‬
‫إن وحدة اللغة في السلم لم تحل دون نشر السلم ‪ ،‬فلم يمض‬
‫طويل من الزمن حتى بلغت الدعوة مشارق الرض ومغاربها‪.‬‬
‫وصلت إلى الهند والصين في أقصى الشرق ‪ ،‬وإلى شواطئ‬
‫المحيط الطلسي في أقصى الغرب وإلى بلد النوبة جنوبا ً وإلى‬
‫جبال البرانس جنوبي فرنسا شما ً‬
‫ل‪ .‬وتوطدت في قلب الكون‪:‬‬
‫الحجاز واليمن والشام وفارس وبلد ما بين النهرين وما وراء‬
‫النهرين ومصر وجنوب الوادي‪ ،‬وتركت اللغة العربية الواحدة‬
‫آثارها في كل قطر أشرقت فيه شمس السلم ‪ ،‬وحتى ما فارقه‬
‫السلم ـ كأسبانيا ـ ما تزال حضارة السلم وآثار العربية تغزو‬
‫كل بيت فيها‪.‬‬
‫وكما استوعب السلم مناهج الصلح في كل مجالت الحياة‬
‫النسـانية استوعـبت شقيقته الكبرى " اللغة العربية " كل أنماط‬
‫التعبير ووسعت بسلطانها كل وسائل التسجيل والتدوين‪..‬‬
‫وامتلكت ناصية البيان الرائع الجميل ‪ ،‬فهي لغة علم ‪ ،‬ولغة فن‬
‫ومشاعر ‪ ،‬ووجدان‪ .‬وقانون وسلم وحرب ‪ ،‬ودين ودنيا‪.‬‬
‫إن أكثر من ألف مليون مسلم ينتشرون في ربوع الرض الن لم‬
‫يعجز الكثير منهم من غير العرب عن حفظ كتاب الله " القرآن‬
‫العظيم " ويتلونه كما أنزل بلسان عربي فصيح‪ .‬فإذا عاد إلى‬
‫حديثه اليومي لجأ إلى لغة أمه وأبيه وبيئته‪.‬‬
‫ومسلم غير عربي استطاع أن يحفظ أو يقرأ القرآن بلغته العربية‬
‫الفصحى لهو قادر ـ لو أدى المسلمون العرب واجبهم نحو لغة‬
‫التنزيل ـ أن يقرأ بها كتب الحديث‪ ،‬والفقه‪ ،‬والتشريع‪ ،‬والنحو‪،‬‬
‫والصرف ‪ ،‬والبلغة ‪ ،‬والدب وسائر العلوم والفنون‪.‬‬
‫ولكنه ذنب العـرب المسـلمين ل ذنب اللغة‪ .‬فهي مطواعة لمن‬
‫يريد أن يتقنها إن وجد معلما ً مخلصًا‪ .‬والمل كبير ـ الن ـ في أن‬
‫يلتقي كل المسلمين على لغة واحدة ‪ ،‬كما التقوا على عقيدة‬
‫واحدة‪.‬‬
‫إن رسـول السـلم صلى الله عليه وسلم عالمي الدعوة وإن‬
‫كان عربي اللسان والجنس‪.‬‬
‫وإن السلم الحنيف عالمي التوجيه والسلطان وإن كانت لغة‬
‫تنزيله عربية ورسوله عربيا ً ‪ ،‬ورواده الوائل عربًا‪.‬‬
‫‪-----------------‬‬‫)‪ (1‬رددنا على هذه الدعاءات في " السلم في مواجهة‬
‫الستشراق في العالم " مرجع سبق ذكره‪.‬‬
‫‪24‬‬

‫)‪ (2‬سفر التثنية‪ :‬الصحاح )‪ (33‬الفقرات )‪.(2-1‬‬
‫)‪ (3‬سفر التكوين )‪.(21 - 21‬‬
‫)‪ (4‬سفر التثنية‪ :‬الصحاح )‪ (18‬الفقرات )‪.(19 - 18‬‬
‫؟ أي‬
‫ويكون المعنى عليه‪ :‬كيف أقيم لهم نبيا ً من وسط إخوتهم ‍‬
‫ل أفعل هذا‪.‬‬
‫)‪ (5‬الجمعة‪.2 :‬‬
‫)‪ (6‬البقرة‪.129 :‬‬
‫)‪ (7‬المزمور )‪ (45‬الفقرات )‪ (17 - 2‬مع الحذف اليسير‪(8) .‬‬
‫النبياء‪.107 :‬‬
‫)‪ (9‬مكان النقط هنا كلم لم نذكره هو " قدوس إسرائيل لنه‬
‫مجدك " ؟! وهذا مقطع مضاف بكل تأكيد والهدف منه صرف‬
‫الكلم عن معناه الظاهر!!‬
‫)‪ (10‬سفر أشعياء الصحاح )‪ (60‬الفقرات )‪ (12-4‬مع حذف‬
‫يسير‪.‬‬
‫)‪ (11‬القصص‪.57 :‬‬
‫)‪ 3) (12‬ـ ‪ 3‬ـ ‪ (15‬مع الحذف‪.‬‬
‫)‪ (13‬الصحاح )‪ (3‬الفقرة )‪.(2‬‬
‫)‪ (14‬الصحاح )‪ (4‬الفقرة )‪.(17‬‬
‫)‪ (15‬الصحاح )‪ (6‬الفقرة )‪9‬ـ ‪.(10‬‬
‫)‪ (16‬الصحـاح )‪ (11‬الفقـرة )‪.(2‬‬
‫)‪ (17‬الصحاح )‪ (9‬الفقرة )‪.(2‬‬
‫)‪ (18‬الصحاح )‪ (1‬الفقرة )‪ 14‬ـ ‪.(15‬‬
‫)‪ (19‬هذا إيضاح وليس من النص‪.‬‬
‫)‪ (20‬الصحاح )‪ (14‬الفقرات )‪ 24‬ـ ‪.(26‬‬
‫)‪ (21‬الصحاح )‪ (16‬الفقرتان )‪ 7‬ـ ‪.(8‬‬
‫)‪ (22‬الصحاح )‪ (16‬الفقرة )‪.(13‬‬
‫)‪ (23‬مريم‪.34 :‬‬
‫)‪ (24‬الصحاح )‪ (15‬فقرتا )‪ 26‬ـ ‪.(27‬‬
‫)‪ (25‬انظر كتاب " إظهار الحق " ص ‪ 528‬للشيخ رحمت الله‬
‫الهندي تحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا‪ .‬نشر دار التراث‪.‬‬
‫‪-----------------------‬‬‫)‪ (4‬قوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم زناة من‬
‫أصحاب الجحيم!‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫ما ذنب النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يقع قومه ومن‬
‫أرسل إليهم في خطيئة الزنا أو أن يكونوا من أصحاب الجحيم؟!!‬
‫‪25‬‬

‫مادام هو صلوات الله وسلمه عليه قد برئ من هذه الخطيئة‬
‫ولسيما في مرحلة ما قبل النبوة‪ ،‬وكانت مرحلة الشباب التي‬
‫يمكن أن تكون إغراًء له ولمثاله أن يقعوا في هذه الخطيئة؛‬
‫لسيما وأن المجتمع الجاهلي كان يشجع على ذلك‪ ,‬وكان الزنا‬
‫فيه من المور العادية التي يمارسها أهل الجاهلية شباًنا وشيًبا‬
‫ضا‪ .‬وكان للزنا فيه بيوت قائمة يعترف المجتمع بها‪ ،‬وُتعلق على‬
‫أي ً‬
‫أبوابها علمات يعرفها بها الباحثون عن الخطيئة‪ ،‬وتعرف بيوت‬
‫البغايا باسم أصحاب الرايات‪.‬‬
‫ومع هذا العتراف العلني من المجتمع الجاهلي بهذه الخطيئة‪،‬‬
‫ومع أن ممارستها للشباب وحتى للشيب لم تكن مما يكره‬
‫دا صلى الله عليه‬
‫المجتمع أو يعيب من يمارسونه؛ فإن محم ً‬
‫دا‪ ,‬بل شهدت كل كتب السير والتواريخ له‬
‫وسلم لم يقع فيها أب ً‬
‫صلى الله عليه وسلم بالطهارة والعفة وغيرهما من الفضائل‬
‫الشخصية التي يزدان بها الرجال وتحسب في موازين تقويمهم‬
‫وتقديرهم‪ ،‬وأرسله الله سبحانه ليغير هذا المنكر‪.‬‬
‫هذه واحدة‪ ,‬والثانية‪ :‬أن الرسالة التي دعا بها ودعا إليها محمد‬
‫صلى الله عليه وسلم حّرمت الزنا تحريما ً قاطعا ً وحملت آياتها‬
‫في القرآن الكريم عقابا ً شديدا ً للزاني والزانية يبدأ بعقوبة بدنية‬
‫هي أن يجلد كل منهما مائة جلدة قاسية يتم تنفيذها علنا ً بحيث‬
‫يشهدها الناس لتكون عبرة وزجرا ً لهم عن التورط فيها كما تقول‬
‫الية الكريمة‪) :‬الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة‬
‫ول تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم‬
‫الخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين( )‪.(1‬‬
‫فإذا كان الزانيان محصنين أي كل منهما متزوج ارتفعت العقوبة‬
‫إلى حد ّ العدام رميا ً بالحجارة حتى الموت‪.‬‬
‫ول تقف العقوبة عند ذلك‪ ,‬بل نرى أن رسالة محمد صلى الله‬
‫ن يمارسون هذه الخطيئة في مرتبة دونية من‬
‫عليه وسلم تضع َ‬
‫م ْ‬
‫البشر حتى لكأنهم صنف منحط وشاذ عن بقية الطهار السوياء‬
‫فتقول الية الكريمة عنهم‪) :‬الزاني ل ينكح إل زانية أو مشركة‬
‫ن أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين( )‬
‫والزانية ل ينكحها إل زا ٍ‬
‫‪.(2‬‬
‫من الذي يحمل المسئولية عن الخطيئة؟ فإذا كان محمد صلى‬
‫الله عليه وسلم قد طهر من هذه الخطيئة في المجتمع الذي كان‬
‫يراها عادية ومألوفة‪ ،‬ثم كانت رسالته صلى الله عليه وسلم‬
‫تحرمها التحريم القاطع والصريح‪ ،‬وتضع مرتكبيها في مرتبة‬
‫النحطاط والشذوذ عن السوياء من البشر‪..‬‬

‫‪26‬‬

‫م ي ُعَّير محمد صلى الله عليه وسلم بأن بعض قومه زناة؟ وهل‬
‫فل ِ َ‬
‫يصح في منطق العقلء أن يعيبوا إنسانا ً بما في غيره من‬
‫العيوب؟!! وأن يحملوه أوزار الخرين وخطاياهم؟!!‬
‫وهنا يكون للمسألة وجه آخر يجب التنويه إليه وهو خاص‬
‫بالمسئولية عن الخطيئة أهي فردية خاصة بمن يرتكبونها؟ أم أن‬
‫آخرين يمكن أن يحملوها نيابة عنهم ويؤدون كفارتها؟!‬
‫إن السلم يمتاز بأمرين مهمين‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬أن الخطيئة فردية يتحمل من وقع فيها وحده عقوبتها‪ ,‬ول‬
‫يجوز أن يحملها عنه أو حتى يشاركه في حملها غيره وصريح‬
‫آيات القرآن يقول‪) :‬ل يكلف الله نفسا ً إل وسعها لها ما كسبت‬
‫وعليه ما اكتسبت()‪ .(3‬ثم‪) :‬ول تكسب كل نفس إل عليها ول تزر‬
‫وازرة وزر أخرى()‪ .(4‬وورد هذا النص في آيات كثيرة‪.‬‬
‫أما المر الثاني‪ :‬فيما أقره السلم في مسألة الخطيئة فهو أنها‬
‫ل تورث‪ ،‬ول تنقل من مخطئ ليتحمل عنه وزره آخر حتى ولو‬
‫بين الباء وأبنائهم وفي هذا يقول القرآن الكريم‪) :‬واتقوا يوما ً ل‬
‫تجزى نفس عن نفس شيئًا()‪.(5‬‬
‫)هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت()‪.(6‬‬
‫)ليجزى الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب()‪.(7‬‬
‫)يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها()‪.(8‬‬
‫)ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم ل يظلمون()‪.(9‬‬
‫)كل نفس بما كسبت رهينة()‪.(10‬‬
‫وغير هذا كثير مما يؤكد ما أقّره السلم من أن الخطايا فردية‬
‫وأنها ل تورث ول يجزى فيها والد عن ولده‪ ،‬ول مولود هو جاز عن‬
‫والده شيئًا‪.‬‬
‫م ُيلم محمد صلى الله عليه وسلم ويعاب‬
‫وما دام المر كذلك فل ِ َ‬
‫شخصه أو تعاب رسالته بأن بعض أهله أو حتى كلهم زناة مارسوا‬
‫الخطيئة التي كان يعترف بها مجتمعه ول يجزى فيها شيئا ً أو‬
‫ينقص الشرف والمروءة أو يعاب بها عندهم من يمارسها؟!‬
‫وحسب محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يقع أبدا ً في هذه‬
‫الخطيئة ل قبل زواجه ول بعده‪ ،‬ثم كانت رسالته دعوة كبرى إلى‬
‫التعفف والتطهر وإلى تصريف الشهوة البشرية في المصرف‬
‫الحلل الذي حض السلم عليه وهو النكاح الشرعي الحلل‪ ،‬ودعا‬
‫المسلمين إلى عدم المغالة في المهور تيسيرا ً على الراغبين‬
‫في الحلل‪ ،‬حتى كان الرسول صلى الله عليه وسلم يزوج الرجل‬
‫بأقل وأيسر ما يملك من المال‪ ،‬وأثر عنه صلى الله عليه وسلم‬
‫أن شابا ً جاءه يرغب إليه في الزواج وما كان معه ما يفي بالمراد‬

‫‪27‬‬

‫فقال له صلى الله عليه وسلم‪] :‬التمس ولو خاتما ً من حديد[)‬
‫‪.(11‬‬
‫أكثر من هذا أنه صلى الله عليه وسلم كان يزوج بعض الصحابة‬
‫بما يحفظ من القرآن الكريم‪.‬‬
‫لهذا لم تقع خطايا الزنا في المجتمع في العهد النبوي كله إل في‬
‫ندرة نادرة‪ ،‬ربما لن الحق سبحانه شاء أن تقع وأن يقام فيها‬
‫الحد الشرعي ليسترشد بها المجتمع في مستقبل اليام؛ كتشريع‬
‫تم تطبيقه في حالت محددة يكون هاديا ً ودليل ً في القضاء‬
‫والحكم‪.‬‬
‫هذا عن اتهام محمد صلى الله عليه وسلم بأن أهله زناة‪ ،‬وهو‬
‫كما أوضحنا اتهام متهافت ل ينال من مقام النبوة ول يرتقى إلى‬
‫أقدام صاحبها صلى الله عليه وسلم‪ .‬وقد أتينا عليه بما تستريح‬
‫إليه ضمائر العقلء وبصائر ذوى القلوب النقية‪.‬‬
‫أما عن اتهامه صلى الله عليه وسلم بأن أهله من أصحاب‬
‫الجحيم‪ ،‬فهي شهادة لجلل التشريع الذي أنزله الحق ‪ -‬على‬
‫محمد فأكمل به الدين وأتم به النعمة‪.‬‬
‫بل إن ما يعيبون به محمدا ً صلى الله عليه وسلم من أن أهله من‬
‫أصحاب الجحيم ليس أبدا ً عيًبا في منطق العقلء ذوى النصفة‬
‫والرشد؛ بل إنه وسام تكريم لمحمد صلى الله عليه وسلم‬
‫وى‬
‫ولرسالته الكاملة والخاتمة في أن التشريع الذي نزلت به س ّ‬
‫بين من هم أقرباء محمد صلى الله عليه وسلم وبين من هم‬
‫غرباء عنه في جميع الحكام ثوابا ً وعقوبة‪.‬‬
‫بل إن التشريع الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم نص‬
‫صراحة على التزام العدل خاصة حين يكون أحد أطرافه ذا قربى‬
‫فقال القرآن‪) :‬ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا‬
‫للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم‬
‫أصحاب الجحيم()‪ .(12‬وقوله‪) :‬وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا‬
‫قربى()‪.(13‬‬
‫أما في السنة النبوية فحديث المرأة المخزومية ـ من بني مخزوم‬
‫ذوى الشرف والمكانة ـ التي ارتكبت جريمة السرقة وهى جريمة‬
‫عقوبتها حد ّ السرقة وهو قطع يد السارق كما تنص عليه آيات‬
‫القرآن‪ ،‬وشغل بأمرها مجتمع المدينة لئل يطبق عليها الحد ّ‬
‫فتقطع يدها وهى ذات الشرف والمكانة فسعوا لدى أسامة بن‬
‫ب رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ -‬أن يشفع لها لدى‬
‫زيد – ح ّ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلم رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم فقال‪] :‬أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب‬
‫فقال‪ :‬يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق‬
‫‪28‬‬

‫فيهم الشريف تركوه‪ ،‬وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد‪،‬‬
‫وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها[)‬
‫‪.(14‬‬
‫وعليه فكون بعض آل محمد وذوي قرباه من أصحاب الجحيم‬
‫كأبي لهب عمه الذي نزلت فيه سورة المسد‪) :‬تبت يدا أبى لهب‬
‫وتب()‪ (15‬وغيره ممن كان نصيًرا لهم مع بقائه على شركه‪..‬‬
‫كون هؤلء من أصحاب الجحيم لنهم بقوا على شركهم ولم‬
‫تنفعهم قرابتهم لمحمد صلى الله عليه وسلم هو في الواقع‬
‫وت في العدل بين‬
‫شهادة تقدير تعطى لمحمد ورسالته التي س ّ‬
‫القريب وبين الغريب‪ ،‬ولم تجعل لعامل القرابة أدنى تأثير في‬
‫النحياز ضد الحق لصالح القريب على الغريب‪ .‬وما قاله‬
‫المبطلون هو في الحق وسام وليس باتهام‪.‬‬
‫وصلى الله وسلم على النبي العظيم‪.‬‬
‫‪-------------------------‬‬‫)‪ (1‬النور‪.2 :‬‬
‫)‪ (2‬النور‪.3 :‬‬
‫)‪ (3‬البقرة‪.286 :‬‬
‫)‪ (4‬النعام‪.164 :‬‬
‫)‪ (5‬البقرة ‪.48‬‬
‫)‪ (6‬يونس‪.30 :‬‬
‫)‪ (7‬إبراهيم‪.51 :‬‬
‫)‪ (8‬النحل‪.111 :‬‬
‫)‪ (9‬الجاثية‪.22 :‬‬
‫)‪ (10‬المدثر‪.38 :‬‬
‫)‪ (11‬رواة البخاري ]كتاب النكاح[‪.‬‬
‫)‪ (12‬التوبة‪.113 :‬‬
‫)‪ (13‬النعام‪.152 :‬‬
‫)‪ (14‬رواة البخاري ]كتاب أحاديث النبياء[‪.‬‬
‫)‪ (15‬المسد‪.1 :‬‬
‫‪------------------‬‬‫)‪ (5‬مات النبي صلى الله عليه وسلم بالسم‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫حين تصاب القلوب بالعمى بسبب ما يغشاها من الحقد‬
‫والكراهية يدفعها حقدها إلى تشويه الخصم بما يعيب‪ ،‬وبما ل‬
‫يعيب‪ ،‬واتهامه بما ل يصلح أن يكون تهمة‪ ،‬حتى إنك لترى من‬
‫يعيب إنسانا ً مثل ً بأن عينيه واسعتان‪ ,‬أو أنه أبيض اللون طويل‬
‫‪29‬‬

‫القامة‪ ،‬أو مثل ً قد أصيب بالحمى ومات بها‪ ،‬أو أن فلنا ً من الناس‬
‫قد ضربه وأسال دمه؛ فهذا كأن تعيب الورد بأن لونه أحمر مث ً‬
‫ل؛‬
‫سا وعجًزا‪.‬‬
‫وغير ذلك مما يستهجنه العقلء ويرفضونه ويرونه إفل ً‬
‫إن محمدا ً صلى الله عليه وسلم قدمت له امرأة من نساء اليهود‬
‫شاة مسمومة فأكل منها فمات صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وينقلون عن تفسير البيضاوي‪ :‬أنه لما فتحت خيبر واطمأن الناس‬
‫سألت زينب بنت الحارس ‪ -‬وهى امرأة سلم بن مشكم‬
‫)اليهودي( ‪ -‬عن أي الشاة أحب إلى محمد صلى الله عليه‬
‫وسلم؟ فقيل لها‪ :‬إنه يحب الذراع لنه أبعدها عن الذى‪ ,‬فعمدت‬
‫م ل يلبث أن يقتل‬
‫إلى عنزة لها فذبحتها‪ ,‬ثم عمدت إلى س ّ‬
‫مت به الشاة‪ ،‬وذهبت بها جارية لها إلى الرسول‬
‫لساعته فس ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم وقالت له‪ :‬يا محمد هذه هدية أهديها إليك‪.‬‬
‫وتناول محمد الذراع فنهش منها‪ ..‬فقال صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع والكتف تخبرني بأنها مسمومة؛ ثم‬
‫سار إلى اليهودية فسألها‪ :‬لم فعلت ذلك؟ قالت‪ :‬نلت من قومي‬
‫ما نلت‪ ...‬وكان ذلك بعد فتح "خيبر" أحد أكبر حصون اليهود في‬
‫المدينة‪ ,‬وأنه صلى الله عليه وسلم قد عفا عنها‪.‬‬
‫ثم يفصحون عن تفسير البيضاوي‪ :‬أنه صلى الله عليه وسلم لما‬
‫اقترب موته قال لعائشة ـ رضي الله عنهاـ‪" :‬يا عائشة هذا أوان‬
‫انقطاع أبهري)‪.(1‬‬
‫فليس في موته صلى الله عليه وسلم بعد سنوات متأثًرا بذلك‬
‫سم إل أن جمع الله له بين الحسنيين‪ ،‬أنه لم يسلط عليه من‬
‫ال ّ‬
‫ضا كتب له النجاة من كيد‬
‫يقتله مباشرة‪ ,‬وعصمه من الناس‪ ,‬وأي ً‬
‫الكائدين‪ ,‬وكذلك كتب له الشهادة ليكتب مع الشهداء عند ربهم‪,‬‬
‫وما أعظم أجر الشهيد‪.‬‬
‫ضا‪ ..‬ل شك أن عدم موته بالسم فور أكله للشاة المسمومة‬
‫وأي ً‬
‫ما من‬
‫وحياته بعد ذلك سنوات ُيعد معجزة من معجزاته‪ ،‬وع َل َ ً‬
‫قا‬
‫أعلم نبوته يبرهن على صدقه‪ ،‬وعلى أنه رسول من عند الله ح ً‬
‫ويقيًنا‪.‬‬
‫جله له‬
‫وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يموت في الجل الذي أ ّ‬
‫رغم تأثره بالسم من لحظة أكله للشاة المسمومة حتى موته بعد‬
‫ذلك بسنوات‪.‬‬
‫‪000000000000000000000000‬‬
‫)‪ (1‬البهران‪ :‬عرقان متصلن بالقلب‪ ,‬وإذا قطعا كانت الوفا‬
‫‪--------------------------‬‬‫)‪ (6‬تعدد زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫‪30‬‬

‫قالوا إنه صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫تزوج زوجة ابنه بالتبني )زيد بن حارثة(‪.‬‬
‫•‬
‫أباح لنفسه الزواج من أي امرأة تهبه نفسها )الخلصة‬
‫•‬
‫أنه شهواني(‪.‬‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫الثابت المشهور من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه لم يتزوج‬
‫إل بعد أن بلغ الخامسة والعشرين من العمر‪.‬‬
‫والثابت كذلك أن الزواج المبكر كان من أعراف المجتمع‬
‫عّزا‬
‫الجاهلي رغبة في الستكثار من البنين خاصة ليكونوا للقبيلة ِ‬
‫ومنعة بين القبائل‪.‬‬
‫ومن الثابت كذلك في سيرته الشخصية صلى الله عليه وسلم‬
‫اشتهاره بالستقامة والتعفف عن الفاحشة والتصريف الشائن‬
‫الحرام للشهوة‪ ،‬رغم امتلء المجتمع الجاهلي بشرائح من‬
‫الزانيات اللتي كانت لهن بيوت يستقبلن فيها الزناة ويضعن‬
‫عليها " رايات " ليعرفها طلب المتع المحرمة‪.‬‬
‫ومع هذا كله ـ مع توفر أسباب النحراف والسقوط في الفاحشة‬
‫في مجتمع مكة ـ لم ُيعَرف عن الرسول محمد صلى الله عليه‬
‫وسلم إل التعفف والطهارة بين جميع قرنائه؛ ذلك لن عين‬
‫السماء كانت تحرسه وتصرف عنه كيد الشيطان‪.‬‬
‫وي ُْرَوى في ذلك أن بعض أترابه الشباب أخذوه ذات يوم إلى أحد‬
‫مواقع المعازف واللهو فغ ّ‬
‫شاه الله بالنوم فما أفاق منه إل حين‬
‫أيقظه أترابه للعودة إلى دورهم‪.‬‬
‫هذه واحدة‪..‬‬
‫أما الثانية فهي أنه حين بلغ الخامسة والعشرين ورغب في‬
‫الزواج لم يبحث عن "البكر" التي تكون أحظى للقبول وأولى‬
‫للباحثين عن مجرد المتعة‪ .‬وإنما تزوج امرأة تكبره بحوالي‬
‫ما‪ ،‬ثم إنها ليست بكًرا بل هي ثيب‪ ،‬ولها أولد‬
‫خمسة عشر عا ً‬
‫كبار أعمار أحدهم يقترب من العشرين؛ وهي السيدة خديجة‬
‫وفوق هذا كله فمشهور أنها هي التي اختارته بعد ما لمست‬
‫بنفسها ـ من خلل مباشرته لتجارتها ـ من أمانته وعفته وطيب‬
‫شمائله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫والثالثة أنه صلى الله عليه وسلم بعد زواجه منها دامت عشرته‬
‫بها طيلة حياتها ولم يتزوج عليها حتى مضت عن دنياه إلى رحاب‬
‫الله‪ .‬وقضى معها ‪ -‬رضي الله عنها ‪ -‬زهرة شبابه وكان له منها‬
‫أولده جميًعا إل إبراهيم الذي كانت أمه السيدة "مارية" القبطية‪.‬‬
‫والرابعة أنه صلى الله عليه وسلم عاش عمره بعد وفاتها ‪ -‬رضي‬
‫الله عنها ‪ -‬محّبا لها يحفظ لها أطيب الذكريات ويعدد مآثرها وهي‬
‫‪31‬‬

‫مآثر لها خصوص في حياته وفي نجاح دعوته فيقول في بعض ما‬
‫قال عنها‪ ] :‬صدقتني إذ كذبني الناس وأعانتني بمالها [‪ .‬بل كان‬
‫صلى الله عليه وسلم ل يكف عن الثناء عليها والوفاء لذكراها‬
‫والترحيب بمن كن من صديقاتها‪ ،‬حتى أثار ذلك غيرة السيدة‬
‫عائشة ‪ -‬رضي الله عنها‪.‬‬
‫أما تعدد زوجاته صلى الله عليه وسلم فكان كشأن غيره من‬
‫النبياء له أسبابه منها‪:‬‬
‫أو ً‬
‫مُر محمد صلى الله عليه وسلم في أول زواج له‬
‫ل‪ :‬كان ع ُ ْ‬
‫صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة تجاوز الخمسين وهي‬
‫ن التي تنطفئ فيها جذوة الشهوة وتنام الغرائز الحسية بدنّيا‪،‬‬
‫الس ّ‬
‫وتقل فيها الحاجة الجنسية إلى النثى وتعلو فيها الحاجة إلى من‬
‫يؤنس الوحشة ويقوم بأمر الولد والبنات اللتي تركتهم خديجة ‪-‬‬
‫رضي الله عنها ‪.-‬‬
‫وفيما يلي بيان هذا الزواج وظروفه‪.‬‬
‫الزوجة الولى‪ :‬سودة بنت زمعة‪ :‬كان رحيل السيدة خديجة ‪-‬‬
‫رضي الله عنها ‪ -‬مثير أحزان كبرى في بيت النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم وفي محيط الصحابة ‪ -‬رضوان الله عليهم ‪ -‬إشفاًقا عليه‬
‫من الوحدة وافتقاد من يرعى شئونه وشئون أولده‪ .‬ثم تصادف‬
‫فقدانه صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب نصيره وظهيره‬
‫ى العام الذي رحل فيه نصيراه خديجة وأبو طالب عام‬
‫و ُ‬
‫س ّ‬
‫م َ‬
‫الحزن‪.‬‬
‫في هذا المناخ‪ ..‬مناخ الحزن والوحدة وافتقاد من يرعى شئون‬
‫الرسول وشئون أولده سعت إلى بيت الرسول واحدة من‬
‫المسلمات ُتسمى خولة بنت حكيم السلمية وقالت‪ :‬له يا رسول‬
‫الله كأني أراك قد دخلتك خّلة لفقد خديجة فأجاب صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ] :‬أجل كانت أم العيال وربة البيت[‪ ،‬فقالت يا رسول‬
‫الله‪ :‬أل أخطب عليك ؟‪.‬‬
‫فقال الرسول صلى الله عليه وسلم‪ :‬ولكن – من بعد خديجة ؟!‬
‫فذكرت له عائشة بنت أبى بكر فقال الرسول‪ :‬لكنها ما تزال‬
‫صغيره فقالت‪ :‬تخطبها اليوم ثم تنتظر حتى تنضج‪ ..‬قال الرسول‬
‫ولكن من للبيت ومن لبنات الرسول يخدمهن ؟ فقالت خولة‪ :‬إنها‬
‫سودة بنت زمعة‪ ،‬وعرض المر على سودة ووالدها‪ :‬فتم الزواج‬
‫ودخل بها صلى الله عليه وسلم بمكة‪.‬‬
‫وهنا تجدر الشارة إلى أن سودة هذه كانت زوجة للسكران بن‬
‫عمرو وتوفي عنها زوجها بمكة فلما حّلت تزوجها الرسول صلى‬
‫الله عليه وسلم وكانت أول امرأة تزوجها صلى الله عليه وسلم‬
‫بعد خديجة‪ ،‬وكان ذلك في رمضان سنة عشر من النبوة‪.‬‬
‫‪32‬‬

‫وعجب المجتمع المكي لهذا الزواج لن "سودة" هذه ليست‬
‫فا لم المؤمنين‬
‫بذات جمال ول حسب ول تصلح أن تكون خل ً‬
‫خديجة التي كانت عند زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بها‬
‫جميلة وضيئة وحسيبة تطمح إليها النظار‪.‬‬
‫وهنا أقول للمرجفين الحاقدين‪ :‬هذه هي الزوجة الولى للرسول‬
‫بعد خديجة‪ ،‬فهي مؤمنة هاجرت الهجرة الولى مع من فّروا‬
‫بدينهم إلى الحبشة وقد قَب ِ َ‬
‫ل الرسول زواجها حماية لها وجبًرا‬
‫لخاطرها بعد وفاة زوجها إثر عودتهما من الحبشة‪.‬‬
‫وليس الزواج بها سعاَر شهوة للرسول ولكنه كان جبًرا لخاطر‬
‫امرأة مؤمنة خرجت مع زوجها من أهل الهجرة الولى إلى‬
‫الحبشة ولما عادا توفي زوجها وتركها امرأة تحتاج هي وبنوها‬
‫إلى من يرعاهم‪.‬‬
‫الزوجة الثانية بعد خديجة‪ :‬عائشة بنت أبى بكر الذي يقول عنه‬
‫ى في‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم‪" :‬إن من آمن الناس عل ّ‬
‫ذا خليل ً لتخذت أبا بكر خلي ً‬
‫ماله وصحبته أبا بكر‪ ،‬ولو كنت متخ ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ولكن أخوة السلم‪."..‬‬
‫ومعروف من هو أبو بكر الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم متحدثا ً عن عطائه للدعوة " ما نفعني ما ٌ‬
‫ل قط ما نفعني‬
‫مال أبى بكر "‪ ،‬وأم عائشة هي أم رومان بنت عامر الكناني من‬
‫الصحابيات الجليلت‪ ،‬ولما توفيت نزل رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم إلى قبرها واستغفر لها وقال‪" :‬اللهم لم يخف عليك ما‬
‫لقيت أم رومان فيك وفي رسولك صلى الله عليه وسلم"‪ ،‬وقال‬
‫عنها يوم وفاتها‪:‬‬
‫"من سّره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم‬
‫رومان" ولم يدهش مكة نبأ المصاهرة بين أعز صاحبين؛ بل‬
‫استقبلته كما تستقبل أمًرا متوقعًا؛ ولذا لم يجد أي رجل من‬
‫المشركين في هذا الزواج أي مطعن ‪ -‬وهم الذين لم يتركوا‬
‫مجال ً للطعن إل سلكوه ولو كان زوًرا وافتراء‪.‬‬
‫وتجدر الشارة هنا إلى أن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫ما ليس بدعا ول غريًبا لن هذا‬
‫بفتاة بينه وبينها قرابة خمسين عا ً‬
‫المر كان مألوًفا في ذلك المجتمع‪ .‬لكن المستشرقين ومن‬
‫تحمل قلوبهم الحقد من بعض أهل الكتاب ‪ -‬على محمد صلى‬
‫ما للرسول وتشهيًرا‬
‫الله عليه وسلم ‪ -‬جعلوا من هذا الزواج اتها ً‬
‫به بأنه رجل شهواني غافلين بل عامدين إلى تجاهل ما كان واقًعا‬
‫في ذلك المجتمع من زواج الكبار بالصغيرات كما في هذه‬
‫النماذج‪:‬‬

‫‪33‬‬

‫ فقد تزوج عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم من‬‫هالة بنت عم آمنة التي تزوجها أصغر أبنائه عبد الله ـ والد‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وتزوج عمر بن الخطاب ابنة على بن أبى طالب وهو أكبر‬
‫‬‫سّنا من أبيها‪.‬‬
‫ وعرض عمر على أبى بكر أن يتزوج ابنته الشابة " حفصة "‬‫وبينهما من فارق السن مثل الذي بين المصطفي صلى الله عليه‬
‫وسلم وبين " عائشة " )‪.(1‬‬
‫كان هذا واقع المجتمع الذي تزوج فيه الرسول صلى الله عليه‬
‫دا من‬
‫وسلم بعائشة‪ .‬لكن المستشرقين والممتلئة قلوبهم حق ً‬
‫بعض أهل الكتاب لم تَر أعينهم إل زواج محمد بعائشة والتي‬
‫جعلوها حدث الحداث ‪ -‬على حد مقولتهم ‪ -‬أن يتزوج الرجل‬
‫الكهل بالطفلة الغريرة العذراء )‪.(2‬‬
‫قاتل الله الهوى حين يعمى البصار والبصائر!‬
‫الزوجة الثالثة‪ :‬حفصة بنت عمر الرملة الشابة‪ :‬توفي عنها زوجها‬
‫حنيس بن حذافة السهمي وهو صحابي جليل من أصحاب‬
‫الهجرتين ‪ -‬إلى الحبشة ثم إلى المدينة ‪ -‬ذلك بعد جراحة أصابته‬
‫في غزوة ُأحد حيث فارق الحياة وأصبحت حفصة بنت عمر بن‬
‫الخطاب أرملة وهي شابة‪.‬‬
‫ملها مثار ألم دائم لبيها عمر بن الخطاب الذي كان‬
‫وكان تر ّ‬
‫ما بعد يوم‪..‬‬
‫يحزنه أن يرى جمال ابنته وحيويتها تخبو يو ً‬
‫وبمشاعر البوة الحانية وطبيعة المجتمع الذي ل يتردد فيه الرجل‬
‫من أن يخطب لبنته من يراه أهل ً لها‪..‬‬
‫بهذه المشاعر تحدث عمر إلى الصديق " أبى بكر " يعرض عليه‬
‫الزواج من حفصة لكن أبا بكر يلتزم الصمت ول يرد باليجاب أو‬
‫بالسلب‪.‬‬
‫فيتركه عمر ويمضى إلى ذي النورين عثمان بن عفان فيعرض‬
‫عليه الزواج من حفصة فيفاجئه عثمان بالرفض‪..‬‬
‫فتضيق به الدنيا ويمضى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫يخبره بما حدث فيكون رد الرسول صلى الله عليه وسلم عليه‬
‫ة خيٌر من عثمان ويتزوج عثمان خيًرا من‬
‫هو قوله‪] :‬يتزوج حفص َ‬
‫حفصة[ )‪.(3‬‬
‫وأدركها عمر ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬بفطرته إذ معنى قول الرسول‬
‫صلى الله عليه وسلم فيما استشعره عمر هو أن من سيتزوج‬
‫ابنته حفصة هو الرسول نفسه وسيتزوج عثمان إحدى بنات‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫وانطلق عمر إلى حفصة والدنيا ل تكاد تسعه من الفرحة وارتياح‬
‫القلب إلى أن الله قد فّرج كرب ابنته‪.‬‬
‫الزوجة الرابعة‪ :‬أم سلمة بنت زاد الراكب‪ :‬من المهاجرين‬
‫الولين إلى الحبشة وكان زوجها )أبو سلمة( عبد الله ابن عبد‬
‫السد المخزومي أول من هاجر إلى يثرب )المدينة( من أصحاب‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم‪ .‬جاءت إلى بيت النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم كزوجة بعد وفاة " أم المساكين زينب بنت خزيمة‬
‫الهللية " بزمن غير قصير‪.‬‬
‫سليلة بيت كريم‪ ،‬فأبوها أحد أجواد قريش المعروفين بلقب زاد‬
‫الراكب؛ إذ كان ل يرافقه أحد في سفر إل كفاه زاده‪.‬‬
‫وزوجها الذي مات عنها صحابي من بني مخزوم ابن عمة‬
‫المصطفي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة ذو‬
‫الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة‪ .‬وكانت هي و زوجها من‬
‫السابقين إلى السلم‪ .‬وكانت هجرتهما إلى المدينة مًعا وقد‬
‫حدث لها ولطفلها أحداث أليمة ومثيرة ذكرتها كتب السير‪ .‬رضي‬
‫الله عن أم سلمة‪..‬‬
‫ول نامت أعين المرجفين‪.‬‬
‫الزوجة الخامسة‪ :‬زينب بنت جحش‪ :‬لم أَر امرأة قط خيًرا في‬
‫الدين من زينب‪ ،‬وأتقى لله وأصدق حديًثا وأوصل للرحم وأعظم‬
‫صدقة وأشد تبديل إل لنفسها في العمل الذي تتصدق وتتقرب به‬
‫إلى الله عز وجل؟)‪.(4‬‬
‫هكذا تحدثت أم المؤمنين عائشة ‪ -‬رضي الله عنها– عن " ضّرتها‬
‫" زينب بنت جحش‪ .‬أما المبطلون الحاقدون من بعض أهل‬
‫ُ‬
‫جب محمد صلى الله عليه وسلم ـ وحاشا له ‪-‬‬
‫الكتاب فقالوا‪ :‬أع ْ ِ‬
‫بزوجة متبناه " زيد بن حارثة " فطلقها منه وتزوجها‪.‬‬
‫ويرد الدكتور هيكل في كتابه "حياة محمد")‪ (5‬صلى الله عليه‬
‫وسلم على هذا فيقول‪ :‬إنها شهوة التبشير المكشوف تارة‬
‫والتبشير باسم العلم تارة أخرى‪ ،‬والخصومة القديمة للسلم‬
‫تأصلت في النفوس منذ الحروب الصليبية هي التي تملى على‬
‫هؤلء جميًعا ما يكتبون‪.‬‬
‫والحق الذي كنا نود أن يلتفت إليه المبطلون الحاقدون على‬
‫السلم ورسوله صلى الله عليه وسلم‪ ..‬هو أن زواج محمد صلى‬
‫الله عليه وسلم من زوجة ابنه بالتبني زيد بن حارثة إنما كان‬
‫لحكمة تشريعية أرادها السلم لبطال هذه العادة ـ عادة التبني ـ‬
‫التي هي في الحقيقة تزييف لحقائق المور كان لها في واقع‬
‫الناس والحياة آثار غير حميدة‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫ولن هذه العادة كانت قد تأصلت في مجتمع الجاهلية اختارت‬
‫السماء بيت النبوة بل نبي الرسالة الخاتمة نفسه صلى الله عليه‬
‫وسلم ليتم على يديه وفي بيته العلن العلمي عن إبطال هذه‬
‫العادة‪.‬‬
‫وتجدر الشارة هنا إلى مجموعة اليات القرآنية التي جاءت إعلنا ً‬
‫عن هذا الحكم المخالف لعادات الجاهلية وتفسيًرا للتشريع‬
‫الجديد في هذه ـ المسألة و في موضوع الزواج بزينب حيث‬
‫تقول‪) :‬ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم‬
‫النبيين()‪.(6‬‬
‫)ادعوهم لبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم‬
‫فإخوانكم في الدين ومواليكم ()‪.(7‬‬
‫)وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك‬
‫واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله‬
‫أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطًرا زوجناكها لكيل يكون‬
‫على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطًرا‬
‫وكان أمر الله مفعو ً‬
‫ل()‪.(8‬‬
‫مرة أخرى نذكر بأن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من‬
‫دا شهوة أو رغبة جنسية وإنما كان أمًرا‬
‫زينب لم تكن وراءه أب ً‬
‫من قدر الله وإرادته لبطال عادة التبني من خلل تشريع يتردد‬
‫صداه بأقوى قوة في المجتمع الجاهلي الذي كانت عادة التبني‬
‫دا مستقًرا فيه‪ ،‬فكان السبيل لبطالها أن‬
‫أصل ً من أصوله وتقلي ً‬
‫يتم التغيير في بيت النبوة وعلى يد الرسول نفسه صلى الله‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫وقد فطنت السيدة " زينب بنت جحش " نفسها إلى هذا المر‬
‫فكانت تباهي به ضراتها وتقول لهن‪ ":‬زوجكن أهاليكن وزوجني‬
‫ماوات")‪.(9‬‬
‫ربي من فوق سبع س َ‬
‫أما لماذا كان زيد بن حارثة نفسه يتردد على الرسول معرًبا عن‬
‫رغبته في تطليق زينب؛ فلم يكن ‪ -‬كما زعم المرجفون ‪ -‬أنه‬
‫شعر أن الرسول يرغب فيها فأراد أن يتنازل عنها له‪..‬‬
‫ولكن لن حياته معها لم تكن على الوفاق أو التواد المرغوب فيه؛‬
‫دا ـ وهي الحسيبة الشريفة‬
‫ذلك أن زينب بنت جحش لم تنس أب ً‬
‫قا عند بعض أهلها‬
‫جا لرجل كان رقي ً‬
‫ضا أنها أصبحت زو ً‬
‫والجميلة أي ً‬
‫ى للرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫وأنه ـ عند الزواج بها ـ كان مول ً‬
‫أعتقه بعد ما اشتراه ممن أسره من قريش وباعه بمكة‪.‬‬
‫فهو ـ وإن تبناه محمد وبات يسمى زيد بن محمد في عرف‬
‫المجتمع المكي كله‪ ،‬لكنه عند العروس الحسيبة الشريفة‬
‫والجميلة أيضا ما يزال ـ كما كان بالمس ‪ -‬السير الرقيق الذي ل‬
‫‪36‬‬

‫حلم من تكون في مثل حالها من الحسب والجمال وليس‬
‫يمثل ُ‬
‫هذا بغريب بل إنه من طبائع الشياء‪.‬‬
‫ومن ثم لم تتوهج سعادتها بهذا الزواج‪ ،‬وانعكس الحال على زيد‬
‫بن حارثة فانطفأ في نفسه توهج السعادة هو الخر‪ ،‬وبات مهيأ‬
‫النفس لفراقها بل لقد ذهب زيد إلى الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم يشكو زينب إليه كما جاء في البخاري من حديث أنس‬
‫قال‪ :‬جاء زيد يشكو إلى الرسول فجعل صلى الله عليه وسلم‬
‫يقول له‪] :‬أمسك عليك زوجك واتق الله[)‪ (10‬قال أنس‪ :‬لو كان‬
‫ما شيًئا لكتم هذا الحديث‪.‬‬
‫النبي كات ً‬
‫لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول له كما حكته الية‪:‬‬
‫أمسك عليك زوجك ول تسارع بتطليقها‪.‬‬
‫وزينب بنت جحش هي بنت عمة الرسول صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫كما سبقت الشارة – وهو الذي زوجها لموله "زيد" ولو كانت به‬
‫رغبة فيها لختارها لنفسه؛ وخاصة أنه رآها كثيرا ً قبل فرض‬
‫الحجاب‪ ،‬وكان النساء في المجتمع الجاهلي غير محجبات فما‬
‫كان يمنعه – إ ً‬
‫ذا – من أن يتزوجها من البداية؟! ولكنه لم يفعل‪.‬‬
‫فالمر كله ليس من عمل الرادة البشرية لهم جميًعا‪ :‬ل لزينب‬
‫ول لزيد ول لمحمد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ولكنه أمر قدري‬
‫شاءته إرادة الله لعلن حكم وتشريع جديدين في قضية إبطال‬
‫عادة "التبني" التي كانت سائدة في المجتمع آنذاك‪.‬‬
‫يؤكد هذا ويدل عليه مجموع اليات الكريمة التي تعلقت‬
‫بالموضوع في سورة الحزاب‪.‬‬
‫أما الجملة التي وردت في قوله تعالى‪) :‬وتخفي في نفسك ما‬
‫الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه()‪ .(11‬فإن ما‬
‫أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم هو كتم ما كان الله قد أخبره‬
‫جا له؛ لكنه لم يصرح به‬
‫ما ما ـ ستكون زو ً‬
‫به من أن زينب ـ يو ً‬
‫خشية أن يقول الناس‪ :‬إنه تزوج زوجة ابنه بالتبني)‪.(12‬‬
‫الزوجة السادسة‪ :‬جويرية بنت الحارث الخزاعية‪ :‬الميرة‬
‫الحسناء التي لم تكن امرأة أعظم بركة على قومها منها فقد‬
‫أعتق الرسول صلى الله عليه وسلم بعد زواجه بها أهل مائة بيت‬
‫من بني المصطلق )التي هي منهم(‪.‬‬
‫كانت ممن وقع في السر بعد هزيمة بني المصطلق من اليهود‬
‫في الغزوة المسماة باسمهم‪ .‬وكاتبها من وقعت في أسره على‬
‫مال فذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لها‪" :‬أو‬
‫خير من ذلك؟ قالت‪ :‬وما هو؟ قال‪ :‬أقضى عنك كتابتك وأتزوجك‪.‬‬
‫قالت‪ :‬وقد أفاقت من مشاعر الهوان والحزن‪ :‬نعم يا رسول‬
‫الله‪ .‬قال‪ :‬قد فعلت")‪.(13‬‬
‫‪37‬‬

‫وذاع الخبر بين المسلمين‪ :‬أن رسول صلى الله عليه وسلم قد‬
‫تزوج بنت الحارث بن ضرار زعيم بني المصطلق وقائدهم في‬
‫هذه الغزوة‪..‬‬
‫معنى هذا أن جميع من بأيديهم من أسرى بني المصطلق قد‬
‫أصبحوا بعد هذا الزواج كأنهم أصهار رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫وإذا تيار من الوفاء والمجاملة من المسلمين للرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم تجسد في إطلق المسلمين لكل من بأيديهم من‬
‫أسرى بني المصطلق وهم يقولون‪ :‬أصهار رسول الله‪ ،‬فل نبقيهم‬
‫أسرى‪.‬‬
‫ومع أن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه السيرة بنت‬
‫سيد قومها والذي جاءته ضارعة مذعورة مما يمكن أن تتعرض له‬
‫من الذل من بعد عزة‪ ..‬فإذا هو يرحمها بالزواج‪ ،‬ثم يتيح لها‬
‫الفرصة لن تعلن إسلمها وبذا تصبح واحدة من أمهات المؤمنين‪.‬‬
‫ويقولون‪ :‬إنه نظر إليها‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬أما أنه نظر إليها فهذا ل يعيبه ـ وربما كان نظره إليها‬
‫ضارعة مذعورة – هو الذي حرك في نفسه صلى الله عليه وسلم‬
‫عاطفة الرحمة التي كان يأمر بها بمن في مثل حالتها ويقول‪:‬‬
‫]ارحموا عزيز قوم ذل[‪ ،‬فرحمها وخيرها فاختارت ما يحميها من‬
‫هوان السر ومذلة العزة من الناس‪.‬‬
‫عا مأذون به عند القدام على الزواج ‪ -‬كما‬
‫على أن النظر شر ً‬
‫في هذه الحالة ‪ -‬وكما أمر به صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه‬
‫عند رغبته في الزواج ‪ -‬قائل ً له‪] :‬انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم‬
‫بينكما[)‪.(14‬‬
‫وقد توفيت في دولة بنى أمية وصلى عليها عبد الملك بن مروان‬
‫وهي في السبعين من العمر ‪ -‬رضي الله عنها‪.‬‬
‫ى ـ عقيلة بنى النضير‪ :‬إحدى‬
‫الزوجة السابعة‪ :‬صفية بنت ُ‬
‫حي ّ‬
‫السبايا اللتي وقعن في السر بعد هزيمة يهود بني النضير أمام‬
‫المسلمين في الوقعة المسماة بهذا السم‪ ،‬كانت من نصيب‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها‪ :‬فماذا في ذلك؟!‬
‫فا‬
‫عا في ذلك؛ وإنما كان موق ً‬
‫ولم يكن عتقه إياها وتزوجها بد ً‬
‫جانب النسانية فيه هو الغلب والسبق‪.‬‬
‫فلم يكن هذا الموقف إعجاًبا بصفية وجمالها؛ ولكنه موقف‬
‫النسانية النبيلة التي يعبر عنها السلوك النبيل بالعفو عند‬
‫المقدرة والرحمة والرفق بمن أوقعتهن ظروف الهزيمة في‬
‫الحرب في حالة الستضعاف والمذلة‪ ,‬ل سيما وقد أسلمن‬
‫وحسن إسلمهن‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫ى" بنت الحارس عقيلة بني‬
‫فقد فعل ذلك مع "صفية بنت ُ‬
‫حي ّ‬
‫النضير )اليهود( أمام المسلمين في الموقعة المعروفة باسم‬
‫دهم مدحورين من‬
‫)غزوة بني قريظة( بعد انهزام الحزاب ور ّ‬
‫وقعة الخندق‪.‬‬
‫الزوجة الثامنة‪ :‬أم حبيبة بنت أبى سفيان نجدة نبوية لمسلمة في‬
‫محنة‪ :‬إنها أم حبيبة "رملة" بنت أبى سفيان كبير مشركي مكة‬
‫وأشد أهلها خصومة لمحمد صلوات الله وسلمه عليه‪.‬‬
‫جا لعبيد الله بن جحش وخرجا مًعا مهاجرين بإسلمهما‬
‫كانت زو ً‬
‫في الهجرة الولى إلى الحبشة‪ ،‬وكما هو معروف أن الحبشة في‬
‫عهد النجاشي كانت هي المهجر المن للفارين بدينهم من‬
‫المسلمين حتى يخلصوا من بطش المشركين بهم وعدوانهم‬
‫عليهم؛ فإذا هم يجدون في – ظل النجاشي – رعاية وعناية لما‬
‫كان يتمتع به من حس إيماني جعله يرحب بأتباع النبي الجديد‬
‫الذي تم التبشير بمقدمه في كتبهم على لسان عيسى بن مريم–‬
‫عليه السلم – كما تحدث القرآن عن ذلك في صورة الصف في‬
‫قوله‪) :‬وإذ قال عيسى بن مريم يا بنى إسرائيل إني رسول الله‬
‫إليكم مصدًقا لما بين يدي من التوراة ومبشًرا برسول يأتي من‬
‫بعدى اسمه أحمد()‪.(15‬‬
‫لكن أم حبيبة بنت أبى سفيان كانت وحدها التي تعرضت لمحنة‬
‫قاسية لم يتعرض لمثلها أحد من هؤلء المهاجرين الوائل إلى‬
‫الحبشة؛ ذلك أن زوجها عبيد الله بن جحش قد أعلن ارتداده عن‬
‫السلم ودخوله في النصرانية وما أصعب وأدق حال امرأة باتت‬
‫في محنة مضاعفة‪ :‬محنتها في زوجها الذي ارتد وخان‪..‬‬
‫ومحنتها السابقة مع أبيها الذي فارقته مغاضبة إياه في مكة منذ‬
‫دخلت في دين الله )السلم(‪..‬‬
‫وفوق هاتين المحنتين كانت محنة الغتراب حيث ل أهل ول وطن‬
‫ثم كانت محنة حملها بالوليدة التي كانت تنتظرها والتي رزقت‬
‫بها من بعد وأسمتها "حبيبة"‪ ..‬كان هذا كله أكبر من عزم هذه‬
‫المسلمة الممتحنة من كل ناحية والمبتلة بالب الغاضب والزوج‬
‫الخائن!!‬
‫لكن عين الله ثم عين محمد صلى الله عليه وسلم سخرت لها‬
‫سر العين ويهون الخطب‪ ،‬وعادت‬
‫من لطف الرعاية وسخائها ما ي ّ‬
‫بنت أبى سفيان تحمل كنية جديدة‪ ،‬وبدل أن كانت " أم حبيبة "‬
‫أصبحت " أم المؤمنين " وزوج سيد المسلمين ‪ -‬صلوات الله‬
‫وسلمه عليه‪.‬‬
‫والحق أقول‪ :‬لقد كان نجاشي الحبشة من خّلص النصارى فأكرم‬
‫وفادة المهاجرين عامة وأم المؤمنين بنت أبى سفيان بصفة‬
‫‪39‬‬

‫خاصة‪ .‬فأنفذ في أمرها مما بعث به إليه رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم أن يخطبها له‪.‬‬
‫وكانت خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم لم حبيبة بنت أبى‬
‫سفيان نعم النقاذ والنجدة لهذه المسلمة المبتلة في الغربة؛‬
‫عوضتها عن الزوج الخائن برعاية سيد البشر صلى الله عليه‬
‫وسلم؛ وعوضتها عن غضب الب "أبى سفيان" برعاية الزوج‬
‫الحاني الكريم صلوات الله عليه‪.‬‬
‫كما كانت هذه الخطبة في مردودها السياسي ـ لطمة كبيرة‬
‫لرأس الكفر في مكة أبى سفيان بن حرب الذي كان تعقيبه على‬
‫زواج محمد لبنته هو قوله‪" :‬إن هذا الفحل ل يجدع أنفه"؛ كناية‬
‫دا لن تنال منه اليام ولن يقوى أهل مكة ‪-‬‬
‫عن العتراف بأن محم ً‬
‫وهو على رأسهم ‪ -‬على هزيمته والخلص منه لنه ينتقل كل يوم‬
‫من نصر إلى نصر‪.‬‬
‫كان هذا العتراف من أبى سفيان بخطر محمد وقوته كأنه‬
‫استشفاف لستر الغيب أو كما يقول المعاصرون‪ :‬تنبؤ بالمستقبل‬
‫القريب وتمام الفتح‪.‬‬
‫فما لبث أن قبل أبو سفيان دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫دا رسول الله‪.‬‬
‫إياه إلى السلم وشهد أل إله إل الله وأن محم ً‬
‫وتقدم أحد الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله‬
‫قائ ً‬
‫ل‪ " :‬إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فهل جعلت له ما يحل‬
‫عقدته ويسكن حقده وغيظه‪ ،‬فقال صلوات الله وسلمه عليه في‬
‫ضمن إعلنه التاريخي الحضاري العظيم لهل مكة عند‬
‫استسلمهم وخضوعهم بين يديه‪:‬‬
‫من دخل داره فهو آمن‪.‬‬
‫•‬
‫ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن‪.‬‬
‫•‬
‫ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ")‪.(16‬‬
‫•‬
‫وانتصر السلم وارتفع لواء التوحيد ودخل الناس في دين الله‬
‫جا‪ .‬وفي مناخ النصر العظيم‪ ..‬كانت هي سيدة غمرتها‬
‫أفوا ً‬
‫السعادة الكبرى بانتصار الزوج ونجاة الب والهل من شر كان‬
‫يوشك أن يحيط بهم‪.‬‬
‫تلكم هي أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبى سفيان التي أحاطتها‬
‫النجدة النبوية من خيانة الزوج وبلء الغربة ووضعتها في أعز‬
‫مكان من بيت النبوة‪.‬‬
‫الزوجة التاسعة‪ :‬ميمونة بنت الحارث الهللية أرملة يسعدها أن‬
‫يكون لها رجل‪ :‬آخر أمهات المؤمنين‪ ..‬توفي عنها زوجها أبو رهم‬
‫بن عبد العّزى العامري؛ فانتهت ولية أمرها إلى زوج أختها‬
‫العباس الذي زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث بنى‬
‫‪40‬‬

‫بها الرسول ـ في " سرف " قرب " التنعيم" على مقربة من‬
‫مكة حيث يكون بدء الحرام للمعتمرين من أهل مكة والمقيمين‬
‫بها‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إنه لما جاءها الخاطب بالبشرى قفزت من فوق بعيرها‬
‫وقالت‪ :‬البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬إنها هي التي وهبت نفسها للنبي والتي نزل فيها قوله‬
‫تعالى‪) :‬وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن‬
‫يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين‪.(17)(..‬‬
‫كانت آخر أمهات المؤمنين وآخر زوجاته صلوات الله وسلمه‬
‫عليه‪.‬‬
‫‪---------------‬‬‫)‪ (1‬تراجم لسيدات بيت النبوة للدكتورة بنت الشاطئ‪ :‬ص ‪250‬‬
‫وما بعدها‪.‬‬
‫)‪ (2‬المصدر السابق‪.‬‬
‫)‪ (3‬انظر سيدات بيت النبوة للدكتورة بنت الشاطئ ص ‪) 324‬‬
‫‪ (4‬صحيح مسلم كتاب الفضائل‪.‬‬
‫)‪ (5‬حياة محمد ص ‪.29‬‬
‫)‪ (6‬الحزاب‪.40 :‬‬
‫)‪ (7‬الحزاب‪.5 :‬‬
‫)‪ (8‬الحزاب‪.37 :‬‬
‫)‪ (9‬رواه البخاري )كتال التوحيد ‪.(6108‬‬
‫)‪ (10‬رواه البخاري )كتاب التوحيد(‪.‬‬
‫)‪ (11‬الحزاب‪.37 :‬‬
‫)‪ (12‬انظر فتح الباري ‪ 371 / 8‬عن سيدات بيت النبوة لبنت‬
‫الشاطئ ص ‪.354‬‬
‫)‪ (13‬رواه البخاري‪ :‬فتح الباري _ كتال النكاح باب ‪.14‬‬
‫)‪ (14‬رواه البخاري‪ :‬فتح الباري ـ كتاب النكاح باب ‪.36‬‬
‫)‪ (15‬الصف‪.6 :‬‬
‫)‪ (16‬رواه البخاري – فتح الباري – " كتاب المغازي "‪.‬‬
‫)‪ (17‬الحزاب‪.50 :‬‬
‫‪--------------------‬‬‫)‪ (7‬محاولة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النتحار‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫الحق الذي يجب أن يقال‪ ..‬أن هذه الرواية التي استندتم إليها ـ يا‬
‫خصوم السلم ـ ليست صحيحة رغم ورودها في صحيح البخاري‬
‫ـ رضي الله عنه ـ؛ لنه أوردها ل على أنها واقعة صحيحة‪ ،‬ولكن‬
‫‪41‬‬

‫أوردها تحت عنوان "البلغات" يعني أنه بلغه هذا الخبر مجرد‬
‫بلغ‪ ،‬ومعروف أن البلغات في مصطلح علماء الحديث‪ :‬إنما هي‬
‫مجرد أخبار وليست أحاديث صحيحة السند أو المتن)‪.(1‬‬
‫وقد علق المام ابن حجر العسقلني في فتح الباري)‪ (2‬بقوله‪:‬‬
‫"إن القائل بلغنا كذا هو الزهري‪ ،‬وعنه حكى البخاري هذا البلغ‪،‬‬
‫وليس هذا البلغ موصول ً برسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وقال الكرماني‪ :‬وهذا هو الظاهر"‪.‬‬
‫هذا هو الصواب‪ ،‬وحاشا أن ُيقدم رسول الله ـ وهو إمام‬
‫المؤمنين ـ على النتحار‪ ،‬أو حتى على مجرد التفكير فيه‪.‬‬
‫ل فإن محمدا ً صلى الله عليه وسلم كان بشرا ً من البشر‬
‫وعلى ك ٍ‬
‫ولم يكن ملكا ً ول مدعًيا لللوهية‪.‬‬
‫والجانب البشرى فيه يعتبر ميزة كان صلى الله عليه وسلم‬
‫يعتني بها‪ ،‬وقد قال القرآن الكريم في ذلك‪) :‬قل سبحان ربى هل‬
‫كنت إل بشرا ً رسو ً‬
‫ل()‪.(3‬‬
‫ومن ثم فإذا أصابه بعض الحزن أو الحساس بمشاعر ما نسميه‬
‫ في علوم عصرنا ‪ -‬بالحباط أو الضيق فهذا أمر عادى ل غبار‬‫عليه؛ لنه من أعراض بشريته صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫خر( الوحي بعد أن تعلق به الرسول صلى الله عليه‬
‫وحين فتر )تأ ّ‬
‫وسلم كان يذهب إلى المكان الذي كان ينزل عليه الوحي فيه‬
‫ب للمكان الذي جمع بينه وبين‬
‫يستشرف لقاء جبريل‪ ،‬فهو مح ّ‬
‫حبيبه بشيء من بعض السكن والطمأنينة‪ ،‬فماذا في ذلك أيها‬
‫الظالمون دائما ً لمحمد صلى الله عليه وسلم في كل ما يأتي وما‬
‫يدع؟ وإذا كان أعداء محمد صلى الله عليه وسلم يستندون إلى‬
‫الية الكريمة‪) :‬فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا‬
‫الحديث أسفًا( )‪.(4‬‬
‫فالية ل تشير أبدا ً إلى معنى النتحار‪ ،‬ولكنها تعبير أدبي عن حزن‬
‫النبي محمد صلى الله عليه وسلم بسبب صدود قومه عن‬
‫السلم‪ ،‬وإعراضهم عن اليمان بالقرآن العظيم؛ فتصور كيف‬
‫كان اهتمام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدعوة الناس‬
‫إلى الله‪ ،‬وحرصه الشديد على إخراج الكافرين من الظلمات إلى‬
‫النور‪.‬‬
‫وهذا خاطر طبيعي للنبي النسان البشر الذي يعلن القرآن على‬
‫لسانه صلى الله عليه وسلم اعترافه واعتزازه بأنه بشر في قوله‬
‫ ردا ً على ما طلبه منه بعض المشركين‪) :-‬وقالوا لن نؤمن لك‬‫حتى تفجر لنا من الرض ينبوعا ً * أو تكون لك جنة من نخيل‬
‫وعنب فتفجر النهار خللها تفجيرا ً * أو تسقط السماء كما‬
‫زعمت علينا كسفا ً أو تأتى بالله والملئكة قبيل ً * أو يكون لك‬
‫‪42‬‬

‫بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل‬
‫علينا كتابا نقرؤه(‪ .‬فكان رده‪) :‬سبحان ربى( متعجبا ً مما طلبوه‬
‫ومؤكدا ً أنه بشٌر ل يملك تنفيذ مطلبهم‪) :‬هل كنت إل بشرا ً‬
‫رسو ً‬
‫ل()‪.(5‬‬
‫أما قولهم على محمد صلى الله عليه وسلم أنه ليست له معجزة‬
‫فهو قول يعبر عن الجهل والحمق جميعًا‪.‬‬
‫حيث ثبت في صحيح الخبار معجزات حسية تمثل معجزة‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬كما جاءت الرسل بالمعجزات‬
‫من عند ربها؛ منها نبع الماء من بين أصابعه‪ ،‬ومنها سماع حنين‬
‫الجذع أمام الناس يوم الجمعة‪ ،‬ومنها تكثير الطعام حتى يكفي‬
‫الجم الغفير‪ ،‬وله معجزة دائمة هي معجزة الرسالة وهى القرآن‬
‫ف َ‬
‫ظ‪ ،‬ووعد ببيانه؛ لذا يظهر بيانه‬
‫ح ِ‬
‫الكريم الذي وعد الله بحفظه فَ ُ‬
‫في كل جيل بما يكتشفه النسان ويعرفه‪.‬‬
‫)‪ (1‬انظر صحيح البخاري ج ‪ 9‬ص ‪ ،38‬طبعة التعاون‪.‬‬
‫)‪ (2‬فتح الباري ج ‪ 12‬ص ‪.376‬‬
‫)‪ (3‬السراء‪.93 :‬‬
‫)‪ (4‬الشعراء‪.3 :‬‬
‫)‪ (5‬السراء‪.93 :‬‬
‫‪------------------‬‬‫)‪ (8‬ولدة النبي محمد صلى الله عليه وسلم عادية‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫س ـ عليه السلم ـ تمت على هبة من الله تبارك وتعالى للسيدة‬
‫العذراء مريم ـ عليها السلم ـ وليس من خلل الزواج بينها وبين‬
‫رجل‪ .‬فبعض أهل الكتاب )النصارى منهم خاصة( يتصورون أن‬
‫كل نبي ل بد أن يولد بمثل هذه الطريقة‪.‬‬
‫وإذا كانت ولدة محمد صلى الله عليه وسلم مثل غيره من‬
‫مليين خلق الله فإن هذا عندهم مما يعيبونه به صلى الله عليه‬
‫وسلم ويطعنون في صحة نبوته‪.‬‬
‫فلم يدركوا أن بشرية محمد صلى الله عليه وسلم هي‬
‫‪-1‬‬
‫واحدة من القسمات التي شاركه فيها كل رسل الله تعالى منذ‬
‫نوح وإبراهيم وغيرهما من بقية رسل الله إلى موسى ـ عليه‬
‫السلم ـ الذين ولدوا جميعا ً من الزواج بين رجل وامرأة‪ .‬ولم‬
‫يولد من غير الزواج بين امرأة ورجل إل عيسى ـ عليه السلم ـ‬
‫وكان هذا خصوصية له لم تحدث مع أي نبي قبله‪ ،‬ولم تحدث‬
‫كذلك مع محمد صلى الله عليه وسلم‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫كانت ولدة محمد صلى الله عليه وسلم إعلنا ً لكونه بشرا ً‬
‫‪-2‬‬
‫من البشر يولد كما يولد البشر ويجرى عليه من الحوال في أكله‬
‫وشربه‪ ،‬وفي نومه وصحوه‪ ،‬وفي رضاه وغضبه وغير ذلك مما‬
‫يجرى على البشر كالزواج والصحة والمرض والموت أيضًا‪.‬‬
‫كان محمد صلى الله عليه وسلم يعتز بهذه البشرية ويراها‬
‫‪-3‬‬
‫سبيله إلى فهم الطبيعة البشرية وإدراك خصائصها وصفاتها‬
‫فيتعامل معها بما يناسبـها‪ ،‬وقد اعتبر القرآن ذلك ميزة له في‬
‫قوله تعالى‪) :‬لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم‬
‫حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم()‪.(1‬‬
‫كما أعلن محمد صلى الله عليه وسلم اعتزازه بهذه‬
‫‪-4‬‬
‫جر‬
‫البشرية وعجزها حين أعلن قومه أنهم لن يؤمنوا به إل إذا ف ّ‬
‫لهم ينابيع الماء من الرض‪ ،‬أو أن يكون له بيت من زخرف‪ ،‬أو‬
‫أن يروه يرقى في السماء وينزل عليهم كتابا ً يقرأونه‪ ،‬فكان رده‬
‫صلى الله عليه وسلم كما حكاه القرآن‪) :‬قل سبحان ربى هل‬
‫كنت إل بشرا ً رسو ً‬
‫ل()‪.(2‬‬
‫لقد قرر القرآن قاعدة كون الرسل من جنس من يرسلون‬
‫‪-5‬‬
‫إليهم؛ بمعنى أن يكون المرسلون إلى الناس بشرا ً من جنسهم‪،‬‬
‫ولو كان أهل الرض من جنس غير البشر لكانت رسل الله إليهم‬
‫من نفس جنسهم وذلك في قوله تعالى‪) :‬قل لو كان في الرض‬
‫ملئكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا ً رسو ً‬
‫ل()‬
‫‪.(3‬‬
‫وعلى المعنى نفسه جاءت دعوة إبراهيم عليه السلم‪) :‬ربنا‬
‫وابعث فيهم رسول منهم يتلو عليهم آياتك()‪ .(4‬وقوله تعالى‪:‬‬
‫)كما أرسلنا فيكم رسول ً منكم يتلو عليكم آياتنا()‪ .(5‬وقوله‬
‫ن الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسول من‬
‫تعالى‪) :‬لقد َ‬
‫م ّ‬
‫أنفسهم()‪ .(6‬وقوله تعالى‪) :‬فأرسلنا فيهم رسول منهم أن اعبدوا‬
‫الله‪ .(7)(..‬وقوله تعالى‪) :‬هو الذي بعث في الميين رسول منهم(‬
‫)‪.(8‬‬
‫وغير هذا كثير مما أكده القرآن وهو المنطق والحكمة التي‬
‫اقتضتها مشيئته ـ تعالى ـ لما هو من خصائص الرسالت التي‬
‫توجب أن يكون المرسل إلى الناس من جنسهم حتى يحسن‬
‫إبلغهم بما كلفه الله بإبلغه إليهم وحتى يستأنسوا به ويفهموا‬
‫عنه‪.‬‬
‫ومن هنا تكون "بشرية الرسول" بمعنى أن يجري عليه ما يجري‬
‫على الناس من البلء والموت ومن الصحة والمرض وغيرها من‬
‫الصفات البشرية فيكون ذلك أدعى لنجاح البلغ عن الله‪.‬‬
‫‪------------------------------‬‬‫‪44‬‬

‫)‪(1‬‬
‫)‪(2‬‬
‫)‪(3‬‬
‫)‪(4‬‬
‫)‪(5‬‬
‫)‪(6‬‬
‫)‪(7‬‬
‫)‪(8‬‬

‫التوبة‪.128 :‬‬
‫السراء‪.93 :‬‬
‫السراء‪.95 :‬‬
‫البقرة‪.195 :‬‬
‫البقرة ‪.151‬‬
‫آل عمران‪.164 :‬‬
‫المؤمنون‪.32 :‬‬
‫الجمعة‪.2 :‬‬

‫‪--------------------‬‬‫)‪ (9‬يحتاج محمد صلى الله عليه وسلم إلى الصلة عليه‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫الحق أن الصلة على محمد‪ ،‬صلى الله عليه وسلم‪ ،‬من ربه ومن‬
‫المؤمنين ليست دليل حاجة‪ ،‬بل هي مظهر تكريم واعتزاز وتقدير‬
‫له من الحق سبحانه‪ ،‬وتقديًرا له من أتباعه‪ ،‬وليست كما يزعم‬
‫الظالمون لسد حاجته عند ربه؛ لن ربه قد غفر له ما تقدم من‬
‫ذنبه وما تأخر‪.‬‬
‫لن أية مقارنة منصفة بين ما كان عليه‪ ،‬صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وبين غيره من أنبياء الله ورسله ترتفع به ليس فقط إلى مقام‬
‫العصمة؛ بل إلى مقام الكمال الذي أتم به الله الرسالت‪ ،‬وأتم‬
‫به التنزيل‪ ،‬وأتم به النعمة‪ ،‬فلم تعد البشرية بعد رسالته‪ ،‬صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬بحاجة إلى رسل ورسالت‪.‬‬
‫لذلك فإن رسالته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي الخاتمة‬
‫والكاملة حملت كل احتياجات البشرية وما يلزمها من تشريعات‬
‫وُنظم ومعاملت‪ ،‬وما ينبغي أن تكون عليه من أخلق وحضارة‬
‫مما افتقدت مثل كماله كل الرسالت السابقة‪.‬‬
‫ب رسالة محمد‪ ،‬صلى الله عليه وسلم‪ ،‬أنها جاءت رحمة‬
‫وحس ُ‬
‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ة‬
‫م ً‬
‫ك إ ِّل َر ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫ح َ‬
‫عامة للبشرية كلها‪ ،‬كما قال القرآن‪ ) :‬وَ َ‬
‫ن()‪.(1‬‬
‫ل ِل َْعال َ ِ‬
‫مي َ‬
‫فلم تكن كما جاء ما قبلها رسالة خاصة بقوم رسولهم‪ ،‬كما قال‬
‫تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫هودا ً َقا َ‬
‫ه()‪.(2‬‬
‫عاد ٍ أ َ‬
‫)وَإ َِلى َ‬
‫م ُ‬
‫ل َيا قَوْم ِ اع ْب ُ ُ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫خاهُ ْ‬
‫صاِلحا ً َقا َ‬
‫ه()‪.(3‬‬
‫مود َ أ َ َ‬
‫ل َيا قَوْم ِ اع ْب ُ ُ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫خاهُ ْ‬
‫)وَإ َِلى ث َ ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫شعَْيبا ً َقا َ‬
‫م ُ‬
‫ه()‪.(4‬‬
‫نأ َ‬
‫ل َيا قَوْم ِ اع ْب ُ ُ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫خاهُ ْ‬
‫)وَإ َِلى َ‬
‫مد ْي َ َ‬
‫وهكذا كل رسول كان مرسل ً إلى قومه‪..‬‬
‫وكانت رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى العالمين وإلى‬
‫الناس كافة‪ ،‬كما جاء في قوله تعالى‪:‬‬
‫‪45‬‬

‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ن()‪.(5‬‬
‫م ً‬
‫ة ل ِل َْعال َ ِ‬
‫ك إ ِّل َر ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫ح َ‬
‫)وَ َ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫ك إ ِّل َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ذيًرا()‪.(6‬‬
‫كافّ ً‬
‫شيرا ً وَن َ ِ‬
‫س بَ ِ‬
‫ما أْر َ‬
‫)وَ َ‬
‫ة ِللّنا ِ‬
‫ورسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت فوق كونها عالمية‪،‬‬
‫فقد كانت هي الخاتمة والكاملة التي ـ كما أشرنا ـ تفي‬
‫باحتياجات البشر جميعًا‪ ،‬وتقوم بتقنين وتنظيم شئونهم المادية‬
‫والمعنوية عبر الزمان والمكان بكل ما فيه خيرهم في الدنيا‬
‫والخرة‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫م‬
‫حد ٍ ِ‬
‫ن رِ َ‬
‫مد ٌ أَبا أ َ‬
‫م َ‬
‫كا َ‬
‫جال ِك ُ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫وفي هذا قال الله تعالى‪َ ) :‬‬
‫م ْ‬
‫سو َ‬
‫ن()‪.(7‬‬
‫ل الل ّهِ وَ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫خات َ َ‬
‫م الن ّب ِّيي َ‬
‫وَل َك ِ ْ‬
‫وقال في وصفه لكمال الدين برسالة محمد صلى الله عليه‬
‫َ‬
‫وسلم )السلم(‪) :‬ال ْيو َ‬
‫مِتي‬
‫َ ْ َ‬
‫م ن ِعْ َ‬
‫ت ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫م وَأت ْ َ‬
‫م ِدين َك ُ ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫مل ْ ُ‬
‫م أك ْ َ‬
‫ً‬
‫م ِدينا()‪.(8‬‬
‫وََر ِ‬
‫سل َ‬
‫م اْل ِ ْ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫ضي ُ‬
‫إن عموم رسالة محمد إلى العالمين‪ ،‬وباعتبارها الرسالة الكاملة‬
‫والخاتمة؛ يعني امتداد دورها واستمرار وجودها إلى أن يرث الله‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ه‬
‫الرض ومن عليها؛ مصداقا ً لقوله تعالى‪) :‬هُوَ ال ّ ِ‬
‫ل َر ُ‬
‫ذي أْر َ‬
‫سول َ ُ‬
‫ه()‪.(9‬‬
‫ن ك ُل ّ ِ‬
‫حقّ ل ِي ُظ ْهَِره ُ ع ََلى ال ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ِبال ْهُ َ‬
‫دي ِ‬
‫دى وَِدي ِ‬
‫‪------------------------------‬‬‫)‪ (1‬النبياء‪.107 :‬‬
‫)‪ (2‬العراف‪.65 :‬‬
‫)‪ (3‬العراف‪.72 :‬‬
‫)‪ (4‬العراف‪.85 :‬‬
‫)‪ (5‬النبياء‪.107 :‬‬
‫)‪ (6‬سبأ‪.28 :‬‬
‫)‪ (7‬الحزاب‪.40 :‬‬
‫)‪ (8‬المائدة‪.3 :‬‬
‫)‪ (9‬التوبة‪ ، 33 :‬الفتح‪ ، 28 :‬والصف‪.9 :‬‬
‫‪---------------------‬‬‫ُ‬
‫مي فكيف عّلم‬
‫)‪ (10‬محمد صلى الله عليه وسلم أ ّ‬
‫القرآن؟!‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫مي إما أن يكون المراد به من ل يعرف القراءة والكتابة أخ ً‬
‫ذا‬
‫وال ّ‬
‫من " المية "‪ ،‬وإما أن يكون المراد به من ليس من اليهود أخ ً‬
‫ذا‬
‫من " الممية "؛ حسب المصطلح اليهودي الذي يطلقونه على‬
‫من ليس من جنسهم‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫فإذا تعاملنا مع هذه المقولة علمنا أن المراد بها من ل يعرف‬
‫القراءة والكتابة فليس هذا مما يعاب به الرسول‪ ،‬بل لعله أن‬
‫دا ودليل ً قوًيا على أن ما نزل عليه من القرآن إنما هو‬
‫يكون تأكي ً‬
‫وحي ُأوحي إليه من الله لم يقرأه في كتاب ولم ينقله عن أحد‬
‫ول تعلمه من غيره‪ .‬بهذا يكون التهام شهادة له ل عليه‪.‬‬
‫حا في قوله‪:‬‬
‫دا صري ً‬
‫وقد رد ّ القرآن على هذه المقولة ر ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صيل ً * قُ ْ‬
‫ل‬
‫ملى ع َلي ْهِ ب ُك َْرة ً وَأ ِ‬
‫سا ِ‬
‫)وََقاُلوا أ َ‬
‫ي تُ ْ‬
‫ن اك ْت َت َب ََها فَهِ َ‬
‫طيُر اْلوِّلي َ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫فورا ً‬
‫ه َ‬
‫ن غَ ُ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫كا َ‬
‫سّر ِفي ال ّ‬
‫م ال ّ‬
‫ض إ ِن ّ ُ‬
‫س َ‬
‫ذي ي َعْل َ ُ‬
‫أن َْزل َ ُ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫حيمًا()‪.(1‬‬
‫َر ِ‬
‫ب النبي المي ـ الذي ل يعرف القراءة ول الكتابة ـ أن‬
‫وحس ُ‬
‫ُ‬
‫يكون الكتاب الذي أنزل عليه معجًزا لمشركي العرب وهم أهل‬
‫الفصاحة والبلغة؛ بل ومتحدًيا أن يأتوا بمثله أو حتى بسورة من‬
‫مثله‪.‬‬
‫كفاه بهذا دليل ً على صدق رسالته وأن ما جاء به ـ كما قال بعض‬
‫كبارهم ـ " ليس من سجع الكهان‪ ،‬ول من الشعر‪ ،‬ول من قول‬
‫البشر "‪.‬‬
‫مي " على معنى أنه‬
‫أما إذا تعاملنا مع مقولتهم عن محمد )إنه " أ ّ‬
‫من المميين ـ أي من غير اليهود ـ فما هذا مما يعيبه‪ .‬بل إنه‬
‫لشرف له أنه من المميين أي أنه من غير اليهود‪.‬‬
‫ذلك لن اعتداد اليهود بالتعالي على من عداهم من " المميين "‪،‬‬
‫واعتبار أنفسهم وحدهم هم الرقى والعظم وأنهم هم شعب الله‬
‫ما مع ما جاء به‬
‫المختار ـ كما يزعمون‪ .‬كل هذا مما يتنافي تما ً‬
‫محمد )من المساواة الكاملة بين بني البشر رغم اختلف‬
‫شعوبهم وألوانهم وألسنتهم على نحو ما ذكره القرآن؛ الذي‬
‫اعتبر اختلف الجناس واللوان واللسنة هو لمجرد التعارف‬
‫دا ـ ل يعطي تميًزا لجنس على جنس‪ ،‬فليس‬
‫والتمايز؛ لكنه ـ أب ً‬
‫في السلم ـ كما يزعم اليهود ـ أنهم شعب الله المختار‪.‬‬
‫ولكن التمايز والتكريم في منظور السلم إنما هو بالتقوى‬
‫َ‬
‫ن‬
‫خل َ ْ‬
‫س إ ِّنا َ‬
‫م ِ‬
‫قَناك ُ ْ‬
‫والصلح؛ كما في الية الكريمة‪َ) :‬يا أي َّها الّنا ُ‬
‫م ْ‬
‫ل ل ِتعارُفوا إ َ‬
‫ُ‬
‫م ُ‬
‫ه‬
‫م ِ‬
‫عن ْد َ الل ّ ِ‬
‫ِ ّ‬
‫ذ َك َرٍ وَأن َْثى وَ َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ن أك َْر َ‬
‫جعَل َْناك ُ ْ‬
‫شُعوبا ً وَقََبائ ِ َ َ َ َ‬
‫م()‪.(2‬‬
‫أ َت ْ َ‬
‫قاك ُ ْ‬
‫‪00000000000000000‬‬
‫)‪ (1‬الفرقان‪.6 – 5 :‬‬
‫)‪ (2‬الحجرات‪.13 :‬‬
‫‪----------------------‬‬‫)‪ (11‬تعّلم محمد صلى الله عليه وسلم من غيره‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫‪47‬‬

‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫وهى من أسوأ المفتريات على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ‬
‫ن هُوَ إ ِّل‬
‫وى * إ ِ ْ‬
‫الذي قال ربه عز وجل عنه‪) :‬وَ َ‬
‫ن ال ْهَ َ‬
‫ما ي َن ْط ِقُ ع َ ِ‬
‫حى()‪.(1‬‬
‫ي ُيو َ‬
‫وَ ْ‬
‫ح ٌ‬
‫لكن الحقد حين يتمكن من قلوب الحاقدين يدفعهم إلى المنكر‬
‫ل ل يقبله‬
‫من القول ومن الزور؛ حتى إنهم ليتجرءون على قو ٍ‬
‫عقل عاقل‪ ،‬ول يجرؤ على مثله إل المفترون‪.‬‬
‫في هذه المقولة زعموا أنه حين كان ينزل عليه الوحي باليات‬
‫التي أثبت العلم الحديث المعاصر أنها من أبرز آيات العجاز‬
‫العلمي في القرآن فيما تتصل بمراحل خلق النسان من سللة‬
‫من طين ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخّلقة وغير‬
‫قا آخر‪..‬‬
‫مخلقة ثم يكون إنشاؤه خل ً‬
‫هّ‬
‫ن هذا خلقه‪ ) :‬فَت ََباَر َ‬
‫زعموا أن كاتب وحيه قال ماد ً‬
‫ك الل ُ‬
‫حا َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن()‪.(2‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خال ِ ِ‬
‫أ ْ‬
‫ح َ‬
‫قي َ‬
‫س ُ‬
‫دا ـ صلى الله عليه وسلم‬
‫ثم أفرطوا في زعمهم؛ فقالوا إن محم ً‬
‫ى‪..‬‬
‫ـ قال له‪ :‬اكتبها فهكذا نزلت عل ّ‬
‫وهنا لبد من وقفة‪:‬‬
‫فأو ً‬
‫ل‪ :‬مما هو ثابت أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا‬
‫نزل عليه الوحي يأخذ العرق يتصبب من جسده‪ ،‬ويكون في غيبة‬
‫عمن حوله‪ ..‬فإذا انقضى الوحي أخذ في ذكر وتلوة ما نزل عليه‬
‫من القرآن‪ ،‬وهذا ما تقّرره كل كتب السيرة‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬معنى ما سبق أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ل يأخذ في‬
‫الملء على كاتب وحيه إل بعد اكتمال نزول الوحي‪ ،‬واكتمال‬
‫نزول اليات المتعلقة بمراحل خلق النسان في سورة "‬
‫المؤمنون "‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬وبهذا يتضح كذب المقولة أن كاتب وحيه ـ صلى الله عليه‬
‫وسلم ـ هو الذي أملها عليه وأنه أمر بإثباتها‪.‬‬
‫رابًعا‪ :‬إن لفظة " تبارك الله " تكررت في القرآن الكريم تسع‬
‫مرات‪ ،‬تلتقي جميعها في مواضع يكون الحديث فيها عن قدرة‬
‫الخالق فيما خلق من مثل قوله تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مُر ت ََباَر َ‬
‫ن()‪.(3‬‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫ه َر ّ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫خل ْقُ َواْل ْ‬
‫)أل ل َ ُ‬
‫مي َ‬
‫ن ع ََلى ع َب ْد ِهِ ل ِي َ ُ‬
‫)ت ََباَر َ‬
‫ذي ن َّز َ‬
‫ذيرًا()‪.(4‬‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ن نَ ِ‬
‫ن ل ِل َْعال َ ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫فْرَقا َ‬
‫مي َ‬
‫مرا ً‬
‫)ت ََباَر َ‬
‫جعَ َ‬
‫جعَ َ‬
‫ل ِفيَها ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫ماِء ب ُُروجا ً وَ َ‬
‫ذي َ‬
‫ل ِفي ال ّ‬
‫سَراجا ً وَقَ َ‬
‫س َ‬
‫مِنيرًا()‪.(5‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ما()‪.(6‬‬
‫ماَوا ِ‬
‫)وَت ََباَرك ال ِ‬
‫ملك ال ّ‬
‫ما ب َي ْن َهُ َ‬
‫ض وَ َ‬
‫س َ‬
‫ه ُ‬
‫ذي ل ُ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫مل ْ ُ‬
‫)ت ََباَر َ‬
‫ك وَهُوَ ع ََلى ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ديٌر()‪.(7‬‬
‫يٍء قَ ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫ذي ب ِي َد ِهِ ال ْ ُ‬
‫ش ْ‬

‫‪48‬‬

‫فلماذا تعّلم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من كاتب وحيه آية "‬
‫المؤمنون " دون غيرها مما جاء في بقية السور؟!!‬
‫‪0000000000000000000‬‬
‫)‪ (1‬النجم‪ 3 :‬ـ ‪.4‬‬
‫)‪ (2‬المؤمنون‪.14 :‬‬
‫)‪ (3‬العراف‪.55 :‬‬
‫)‪ (4‬الفرقان‪.1 :‬‬
‫)‪ (5‬الفرقان‪.61 :‬‬
‫)‪ (6‬الزخرف‪.85 :‬‬
‫)‪ (7‬الملك‪.1 :‬‬
‫‪----------------------‬‬‫)‪ (12‬محمد صلى الله عليه وسلم ُيع ّ‬
‫ظم الحجر السود‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫إنهم في هذه المقولة ـ يريدون أن يتهموه بأنه كان ُيع ّ‬
‫ظم الحجر‬
‫السود ـ بل وُيع ّ‬
‫ظم الكعبة كلها بالطواف حولها‪ ،‬وهي حجر ل‬
‫يختلف ـ في زعمهم ـ عن الحجار التي كانت ُتصنع منها الوثان‬
‫في الجاهلية‪ ،‬وكأن المر سواء!!‬
‫وحقيقة المر أن من بعض ما استبقاه السلم من أحوال‬
‫السابقين ما كان فيه من تعاون على خير أو أمر بمعروف ونهي‬
‫عن منكر‪ ،‬من ذلك ثناء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على‬
‫حلف الفضول "‪ ،‬وهو عمل‬
‫حلف كان في الجاهلية يسمى " ِ‬
‫ِ‬
‫إنساني كريم كان يتم من خلله التعاون على نصرة المظلوم‪،‬‬
‫وفداء السير‪ ،‬وإعانة الغارمين‪ ،‬وحماية الغريب من ظلم أهل‬
‫مكة‪ ،‬وهكذا‪..‬‬
‫وقد أثنى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على هذا الحلف‪،‬‬
‫وقال‪" :‬لو دعيت إلى مثله لجبت"‪.‬‬
‫ضا كان مما استبقاه السلم من فضائل السابقين مما ورثوه‬
‫وأي ً‬
‫عن إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬تعظيمهم للبيت الحرام وطوافهم به؛‬
‫بل وتقبيلهم للحجر السود‪.‬‬
‫وهناك بعض مرويات تقول إن هذا الحجر من أحجار الجنة‪.‬‬
‫وهنا فقط ل يكون أمامنا إل ما ثبت من أن الرسول ـ صلى الله‬
‫عليه وسلم ـ كان ُيقبل الحجر السود عند طوافه بالبيت‪ ،‬وهو ما‬
‫تنطق به الرواية عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‬
‫عن تقبيله لهذا الحجر‪) :‬والله إني لعلم أنك حجر ل تضر ول‬
‫تنفع‪ ،‬ولول أني رأيت رسول الله ُيقبلك ما قبلتك(‪.‬‬
‫وهنا نقول‪:‬‬
‫‪49‬‬

‫من المستحيل أن يكون تقبيل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‬
‫للحجر السود من باب المجاراة أو المشاكلة لعبدة الصنام فيما‬
‫كانوا يفعلون‪.‬‬
‫ضا أن يكون ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد فعل ذلك ‪-‬‬
‫ومستحيل أي ً‬
‫جهه ـ صلى الله‬
‫أي تقبيل الحجر السود ‪ -‬دون وحي أو إلهام و ّ‬
‫دا عن أية شبهة وثنية أو‬
‫دا بعي ً‬
‫عليه وسلم ـ إلى تقبيل الحجر بعي ً‬
‫مجاراة لعبدة الصنام‪.‬‬
‫ولنه صلى الله عليه وسلم قال‪] :‬خذوا عنى مناسككم[؛ فقد‬
‫مار‬
‫أصبح تقبيل الحجر السود من بعض مناسك الحجاج والع ّ‬
‫للبيت الحرام‪.‬‬
‫كما أن تعظيم الحجر السود هو امتثال لوامر الله الذي أمر‬
‫بتعظيم هذا الحجر بالذات‪ ،‬وهو سبحانه الذي أمر برجم حجر آخر‬
‫كمنسك من مناسك الحج؛ فالمر بالنسبة للتعظيم أو الرجم ل‬
‫يعدو كونه إقراًرا بالعبودية لله تعالى وامتثال ً لوامره عز وجل‬
‫ما لحكامه‪.‬‬
‫واستسل ً‬
‫‪----------------------‬‬‫)‪ (13‬كاد محمد صلى الله عليه وسلم أن يفتن‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫ن َ‬
‫دوا‬
‫كا ُ‬
‫أخذوا ذلك من فهم مغلوط ليات سورة السراء‪ ) :‬وَإ ِ ْ‬
‫َ‬
‫ذو َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫فت ُِنون َ َ‬
‫خ ُ‬
‫ك‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫ل َي َ ْ‬
‫فت َرِيَ ع َل َي َْنا غ َي َْره ُ وَِإذا ً َلت ّ َ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ذي أوْ َ‬
‫ك عَ ِ‬
‫َ‬
‫شْيئا ً قَِليل ً * ِإذا ً‬
‫ن ث َب ّت َْنا َ‬
‫م َ‬
‫ك لَ َ‬
‫َ‬
‫ول أ ْ‬
‫ن إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫قد ْ ك ِد ْ َ‬
‫ت ت َْرك َ ُ‬
‫خِليل ً * وَل َ ْ‬
‫َ‬
‫جد ُ ل َ َ‬
‫َلذ َقَْنا َ‬
‫صيرا ً (‬
‫ضعْ َ‬
‫ضعْ َ‬
‫ك ع َل َي َْنا ن َ ِ‬
‫ما ِ‬
‫حَياةِ وَ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫م ل تَ ِ‬
‫ت ثُ ّ‬
‫م َ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫)‪.(1‬‬
‫بعض ما قيل في سبب نزول هذه الية أن وفد ثقيف قالوا‬
‫جلنا سنة حتى نقبض ما ُيهدى‬
‫للرسول‪ ،‬صلى الله عليه وسلم‪ ،‬أ ّ‬
‫مـ‬
‫للهتنا من )الصنام(‪ ،‬فإذا قبضنا ذلك ك ّ‬
‫سرناها وأسلمنا؛ فهَ ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم ـ بقبول ذلك فنزلت الية‪.‬‬
‫م " أي هممت أو قاربت أن تميل‬
‫ن إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫قوله تعالى‪ " :‬ك ِد ْ َ‬
‫ت ت َْرك َ ُ‬
‫لقبول ما عرضوه عليك؛ لول تثبيت الله لك بالرشد والعصمة‪ ،‬ولو‬
‫فعلت لعذبناك ضعف عذاب الحياة وعذاب الممات؛ يعني‪ :‬قاربت‬
‫أن تستجيب لما عرضوه‪ ،‬لكنك بتثبيت الله لم تفعل لعصمة الله‬
‫لك‪.‬‬
‫م‬
‫م على مقربة من الثقافة السلمية يعرفون أن " اله ّ‬
‫ن هُ ْ‬
‫وكل َ‬
‫م ْ‬
‫" ـ أي المقاربة لشيء دون القيام به أو الوقوع فيه ـ ل ُيعتبر‬
‫ضع عن المة وجاء به ما صح‬
‫معصية ول جزاء عليه‪ ،‬وهو مما و ِ‬
‫عن النبي‪ ،‬صلى الله عليه وسلم‪ ،‬قوله‪:‬‬
‫‪50‬‬

‫ضع عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به(؛‬
‫)و ِ‬
‫وعليه‪ ..‬فإنه ل إثم ول شيء ُيؤخذ على محمد ـ صلى الله عليه‬
‫وسلم ـ في ذلك‪.‬‬
‫‪000000000000000000‬‬
‫)‪ (1‬السراء‪.75-73 :‬‬
‫‪-----------------------‬‬‫)‪َ (14‬‬
‫قات َ َ‬
‫ل محمد صلى الله عليه وسلم في الشهر‬
‫الحرام‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫وذلك لما ورد في آيات سورة البقرة‪:‬‬
‫سَألون َ َ‬
‫ل قَِتا ٌ‬
‫ل ِفيهِ قُ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ك عَ‬
‫صد ّ‬
‫شهْرِ ال ْ َ‬
‫)ي َ ْ‬
‫ل ِفيهِ ك َِبيٌر وَ َ‬
‫حَرام ِ قَِتا ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ه أك ْب َُر‬
‫ل اللهِ وَك ُ ْ‬
‫حَرام ِ وَإ ِ ْ‬
‫ج أهْل ِهِ ِ‬
‫خَرا ُ‬
‫جد ِ ا ل َ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫من ْ ُ‬
‫س ِ‬
‫فٌر ب ِهِ َوال َ‬
‫سِبي ِ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن يُ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫فت ْن َ ُ‬
‫ِ‬
‫ة أك ْب َُر ِ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ َوال ْ ِ‬
‫حّتى ي َُر ّ‬
‫م َ‬
‫ل َول ي ََزاُلو َ‬
‫دوك ُ ْ‬
‫قات ُِلون َك ُ ْ‬
‫قت ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ست َ َ‬
‫عوا( )‪.(1‬‬
‫طا ُ‬
‫نا ْ‬
‫ن ِدين ِك ُ ْ‬
‫م إِ ِ‬
‫عَ ْ‬
‫ً‬
‫والمسلمون جميعا وعلى رأسهم إمامهم ورسولهم محمد ـ صلى‬
‫الله عليه وسلم ـ هم أحفظ الناس لحرمة الشهر الحرم وعدم‬
‫القتال فيها‪ ،‬واعتبار القتال فيها حدًثا كبيًرا أو كأنه كبيرة من‬
‫الكبائر‪..‬‬
‫جهوا من أعدائهم من‬
‫لكن ما الذي يفعله المسلمون إذا ما وو ِ‬
‫المشركين بالقتال والعدوان على النفس والموال والعراض‪،‬‬
‫ليس هذا فحسب بل ماذا يفعل المسلمون إذا فوجئوا بمن‬
‫يخرجهم من المسجد الحرام وهم أهله وهم أولى به من‬
‫غيرهم ؟!‬
‫إن قانون " الدفع الحضاري " الذي يقره القرآن الكريم لحماية‬
‫الكون من إفساد المتجبرين والظلمة‪ ،‬ثم لحماية بيوت العبادة‬
‫ضا‪ ،‬والذي عّبرت عنه اليتان‬
‫للمسلمين والنصارى واليهود أي ً‬
‫َ‬
‫ض()‬
‫ض لَ َ‬
‫سد َ ِ‬
‫س ب َعْ َ‬
‫ف َ‬
‫ضهُ ْ‬
‫ت اْلْر ُ‬
‫ول د َفْعُ الل ّهِ الّنا َ‬
‫الكريمتان‪) :‬وَل َ ْ‬
‫م ب ِب َعْ ٍ‬
‫ع‬
‫وا ِ‬
‫م ُ‬
‫س ب َعْ َ‬
‫م ْ‬
‫ض ل َهُد ّ َ‬
‫ضه ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫ول د َفْعُ الل ّهِ الّنا َ‬
‫ص َ‬
‫‪ .(2‬وقوله‪) :‬وَل َ ْ‬
‫م ب ِب َعْ ٍ‬
‫ه‬
‫صَر ّ‬
‫جد ُ ي ُذ ْك َُر ِفيَها ا ْ‬
‫م َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫س ُ‬
‫سا ِ‬
‫ت وَ َ‬
‫وا ٌ‬
‫م الل ّهِ ك َِثيرا ً وَل َي َن ْ ُ‬
‫وَب ِي َعٌ وَ َ‬
‫صل َ َ‬
‫زيٌز()‪ .(3‬هذا القانون القرآني ـ وليس‬
‫ه لَ َ‬
‫صُره ُ إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ن ي َن ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫قوِيّ ع َ ِ‬
‫قانون من ضربك على خدك اليمن فأدر له خدك اليسر ـ هو‬
‫وحده الذي يحمي الكون والناس من إفساد المتجبرين وظلم‬
‫الظالمين‪.‬‬
‫وذلك على أساس أن من يم ّ‬
‫كن الله لهم في الرض بما يمنحهم‬
‫من القوة والثروة والعلم يجب ‪ -‬وبحسب القانون القرآني ‪ -‬أن‬
‫يكونوا صالحين وأخياًرا؛ بمعنى‪ :‬أن يستخدموا قوتهم وثروتهم‬
‫‪51‬‬

‫وعلمهم ل في الطغيان والتجبر‪ ،‬ولكن في حماية القيم النبيلة‬
‫التي ُيحمى بها العدل والحق وتم ّ‬
‫كن لكل ما هو خير‪ ،‬وتنفي كل‬
‫ما هو شر حتى تنعم البشرية بالمن والستقرار‪ ،‬وتعتدل أمور‬
‫الحياة والناس‪.‬‬
‫وهذا ما جاءت الية التالية لليتين السابقتين لتقره؛ حيث يقول‬
‫َ‬
‫وا‬
‫م ِفي اْل َْر‬
‫الله عز وجل‪) :‬ال ّ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫ض أَقا ُ‬
‫مك ّّناهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫موا ال ّ‬
‫صلة َ َوآت َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫عاقِب َ ُ ُ‬
‫الّز َ‬
‫موِر()‪.(4‬‬
‫من ْك َرِ وَل ِل ّهِ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ة اْل ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مُروا ِبال ْ َ‬
‫كاة َ وَأ َ‬
‫ف وَن َهَ ْ‬
‫وا ع َ ِ‬
‫ولن إقرار حقوق عباد الله في أرض الله وحماية المستضعفين‬
‫من بطش المتجبرين ل يقل حرمة عند الله من حرمة الشهر‬
‫الحرم؛ فقد أبيح القتال فيها لمن ُ‬
‫ظلموا من المسلمين ومن‬
‫ُ‬
‫ما وعدواًنا‪.‬‬
‫ُفتنوا في دينهم وأخرجوا من ديارهم ظل ً‬
‫سَألون َ َ‬
‫ل ِفيهِ قُ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل‬
‫شهْرِ ال ْ َ‬
‫وهذا ما تقرره الية‪) :‬ي َ ْ‬
‫حَرام ِ قَِتا ٍ‬
‫ك عَ ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫قَِتا ٌ‬
‫ل اللهِ وَك ُ ْ‬
‫جد ِ ا ل َ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫س ِ‬
‫فٌر ب ِهِ َوال َ‬
‫ل ِفيهِ ك َِبيٌر وَ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫صد ّ ع َ ْ‬
‫حَرام ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن ال ْ َ‬
‫وَإ ِ ْ‬
‫فت ْن َ ُ‬
‫ه أك ْب َُر ِ‬
‫ة أك ْب َُر ِ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ َوال ْ ِ‬
‫ج أهْل ِهِ ِ‬
‫ل َول ي ََزاُلو َ‬
‫خَرا ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫قت ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ست َ َ‬
‫عوا()‪.(5‬‬
‫يُ َ‬
‫طا ُ‬
‫حّتى ي َُر ّ‬
‫م َ‬
‫نا ْ‬
‫ن ِدين ِك ُ ْ‬
‫دوك ُ ْ‬
‫قات ُِلون َك ُ ْ‬
‫م إِ ِ‬
‫م عَ ْ‬
‫‪0000000000000000‬‬
‫)‪ (1‬البقرة‪.217 :‬‬
‫)‪ (2‬البقرة‪.251 :‬‬
‫)‪ (3‬الحج‪.40 :‬‬
‫)‪ (4‬الحج‪.41 :‬‬
‫)‪ (5‬البقرة‪.217 :‬‬
‫‪-----------------------‬‬‫)‪ (15‬محمد صلى الله عليه وسلم مذنب كما في‬
‫القرآن‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫أخذوها من فهمهم الخاطئ في مفتتح سورة "الفتح"‪) :‬ليغفر لك‬
‫الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صرا ً‬
‫طا‬
‫ما()‪ .(1‬فقالوا‪ :‬كتاب محمد يعترف عليه ويصفه بأنه‬
‫مستقي ً‬
‫مذنب!!‬
‫وسيرة محمد سيد الخلق وخاتم النبياء صلى الله عليه وسلم‬
‫كتاب كبير مفتوح استوفي فيه ك ُّتاب سيرته كل شيء في حياته‪.‬‬
‫في صحوه ونومه وفي حربه وسلمه‪ ،‬وفي عبادته وصلواته‪ ،‬في‬
‫حياته مع الناس بل وفي حياته بين أهله في بيته‪.‬‬
‫ليس هذا فحسب‪ ,‬بل إن صحابته حين كانوا يروون عنه حديًثا أو‬
‫فا بالغ الدقة‬
‫يذكرون له عمل ً يصفونه صلى الله عليه وسلم وص ً‬
‫وبالغ التحديد لكافة التفاصيل حتى ليقول أحدهم‪ :‬قال صلى الله‬
‫‪52‬‬

‫عليه وسلم كذا وكان متكئا ً فجلس‪ ،‬أو قال كذا وقد امتل وجهه‬
‫بالسرور وهذا ما يمكن وصفه بلغة عصرنا‪ :‬إنه تسجيل دقيق‬
‫لحياته صلى الله عليه وسلم بالصوت والصورة‪..‬‬
‫جل له شمائله الكريمة فقال عنه‪ :‬إنه‬
‫ثم جاء القرآن الكريم فس ّ‬
‫الرحمة المهداة إلى عباد الله‪) :‬وما أرسلناك إل رحمة للعالمين()‬
‫‪ .(2‬ووصفه بأنه الرؤوف الرحيم بمن أرسل إليهم‪) :‬لقد جاءكم‬
‫رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين‬
‫رؤوف رحيم()‪ .(3‬ثم لخص القرآن مجمل شمائله صلى الله عليه‬
‫وسلم في قوله‪) :‬وإنك لعلى خلق عظيم()‪.(4‬‬
‫أكثر من هذا أن تكفل القرآن بإذاعة حتى ما هو من خلجات‬
‫الرسول وحديث نفسه الذي بينه وبين الله مما ل يطلع الناس‬
‫عليه على نحو ما جاء في سورة الحزاب في أمر الزواج بزينب‬
‫بنت جحش‪ ,‬والذي كان القصد التشريعي فيه إبطال عادة التبني‬
‫من قوله تعالى‪) :‬وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس‬
‫والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي ل‬
‫يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذ قضوا منهن‬
‫وطًرا و كان أمر الله مفعو ً‬
‫ل()‪.(5‬‬
‫أقول‪ :‬مع أن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم هي كتاب مفتوح‬
‫ف التاريخ منه شيئًا‪ ,‬بل وتدخل القرآن ليكشف حتى ما‬
‫لم يخ ِ‬
‫يحدث به نفسه صلى الله عليه وسلم مما ل يطلع عليه الناس‪،‬‬
‫ة ول ذنًبا في قول أو عمل‪.‬‬
‫ولم يذكر له صلى الله عليه وسلم ذل ً‬
‫أفبعد هذا ل يتورع ظالموه من أن يقولوا‪ :‬إنه "مذنب"؟!!!‬
‫ولو كان هؤلء الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم على‬
‫شيء من سلمة النظر وصفاء القلوب لنتبهوا إلى بقية سورة‬
‫الفتح‪ ،‬والتي كانت كلها تثبيتا ً للمؤمنين وللرسول وتبشيًرا لهم‬
‫بالتأييد والنصر‪ ..‬لو كان محمد صلى الله عليه وسلم ‪ -‬كما‬
‫ادعيتم – من المذنبين والعاصين لكان من المستحيل أن يجعله‬
‫الله تعالى ممن يؤيدهم بنوره ويتم عليهم نعمته ويهديهم صرا ً‬
‫طا‬
‫مستقيمًا؛ لن النصر يكون للصالحين ل للمذنبين‪.‬‬
‫ونقف أمام الذنب في منطوق الية‪) :‬ليغفر لك الله ما تقدم من‬
‫ذنبك وما تأخر(‪ ,‬فالذنب هنا ليس مما تعارف عليه الناس من‬
‫الخطأ والثام؛ لن سنة الله تبارك وتعالى هي عصمة جميع أنبيائه‬
‫وفي قمتهم خاتمهم صلى الله عليه وسلم‪ .‬وهذا مما يعرفه‬
‫ويقّره ويقرره أتباع كل الرسالت إل قتلة النبياء ومحّرفي الكلم‬
‫عن مواضعه من اليهود الذين خاضوا في رسل الله وأنبيائه بما‬
‫هو معروف‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫فالذنب هو ما يمكن اعتباره ذنبا ً على مستوى مقام نبوته صلى‬
‫الله عليه وسلم ذنًبا مما تقدره الحكمة اللهية‪ ,‬ل ما تحدده‬
‫أعراف الناس‪.‬‬
‫ومع هذا كله فإن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة‬
‫كانت محل تقدير قومه وإكبارهم له لما اشتهر به صلى الله عليه‬
‫وسلم من العفة والطهر والتميز عن جميع أترابه من الشباب‪,‬‬
‫حتى كان معروًفا بينهم بالصادق المين‪.‬‬
‫أفبعد هذا ل يستحي الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم‬
‫والحاقدون عليه من أهل الكتاب أن يقولوا‪ :‬إنه مذنب؟!! )كبرت‬
‫كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إل كذبا()‪.(6‬‬
‫‪000000000000000‬‬
‫)‪ (1‬الفتح‪.2 :‬‬
‫)‪ (2‬النبياء ‪.117‬‬
‫)‪ (3‬التوبة‪.128 :‬‬
‫)‪ (4‬القلم‪.5 :‬‬
‫)‪ (5‬الحزاب‪.37 :‬‬
‫)‪ (6‬الكهف‪.5 :‬‬
‫‪------------------------‬‬‫)‪ (16‬محمد صلى الله عليه وسلم يحّرم ما أحل الله‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫استند الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم في توجيه هذا‬
‫التهام إلى ما جاء في مفتتح سورة التحريم من قوله تعالى‪) :‬يا‬
‫أيها النبي لم تحّرم ما أح ّ‬
‫ل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله‬
‫غفور رحيم()‪.(1‬‬
‫وهذه الية وآيات بعدها تشير إلى أمر حدث في بيت النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم عاتبته نساؤه وتظاهرن عليه بدوافع الغيرة‬
‫المعروفة عن النساء عامة؛ إذ كان صلى الله عليه وسلم قد‬
‫ما ل يوجد في بيوتهن‪ ،‬فأسر‬
‫دخل عند إحداهن وأكل عندها طعا ً‬
‫إلى إحداهن بالمر فأخبرت به أخريات فعاتبنه فحّرم صلى الله‬
‫عليه وسلم تناول هذا الطعام على نفسه ابتغاء مرضاتهن‪.‬‬
‫والواقعة صحيحة لكن اتهام الرسول بأنه يحّرم ما أحل الله هو‬
‫تصّيد للعبارة وحمل لها على ما لم ترد له‪..‬‬
‫فمطلع الية )لم تحرم ما أحل الله لك( )هو فقط من باب‬
‫"المشاكلة" لما قاله النبي لنسائه ترضية لهن؛ والنداء القرآني‬
‫ما له صلى الله عليه وسلم بتحريم ما أحل الله؛ ولكنه‬
‫ليس اتها ً‬
‫من باب العتاب له من ربه سبحانه الذي يعلم تبارك وتعالى أنه‬
‫‪54‬‬

‫صلى الله عليه وسلم يستحيل عليه أن يحّرم شيًئا أو أمًرا أو‬
‫عمل ً أحّله الله؛ ولكنه يشدد على نفسه لصالح مرضاة زوجاته‬
‫من خلقه العالي الكريم‪.‬‬
‫ول‬
‫ولقد شهد الله للرسول بتمام تبليغ الرسالة فقال‪) :‬ولو تق ّ‬
‫علينا بعض القاويل * لخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين‬
‫* فما منكم من أحد عنه حاجزين()‪.(2‬‬
‫دا صلى الله عليه وسلم يحّرم ما أحل‬
‫وعليه فالقول بأن محم ً‬
‫الله من المستحيلت على مقام نبوته التي ز ّ‬
‫كاها الله تبارك‬
‫وتعالى وقد دفع عنه مثل ذلك بقوله‪) :‬وما ينطق عن الهوى * إن‬
‫هو إل وحى يوحى()‪.(3‬‬
‫فمقولة بعضهم أنه يحّرم هو تحميل اللفظ على غير ما جاء فيه‪،‬‬
‫وما هو إل وعد أو عهد منه صلى الله عليه وسلم لبعض نسائه‪,‬‬
‫فهو بمثابة يمين له كفارته ول صلة له بتحريم ما أحل الله‪.‬‬
‫‪00000000000‬‬
‫)‪ (1‬التحريم‪.1 :‬‬
‫)‪ (2‬الحاقة‪.47 -44 :‬‬
‫)‪ (3‬النجم‪.4 -3 :‬‬
‫‪------------------------‬‬‫)‪ (17‬الشيطان يوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫أ‪.‬د محمود حمدي زقزوق‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم يستندون في هذه‬
‫المقولة إلى أكذوبة كانت قد تناقلتها بعض كتب التفسير من أنه‬
‫صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصلة بالناس سورة‬
‫"النجم"‪ ,‬فلما وصل صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى‪:‬‬
‫)أفرأيتم اللت والعزى* ومناة الثالثة الخرى()‪(1‬؛ تقول الكذوبة‪:‬‬
‫إنه صلى الله عليه وسلم قال‪ :‬ـ حسب زعمهم ـ تلك الغرانيق)‬
‫‪ (2‬العلى وإن شفاعتهن لترتجى‪.‬‬
‫ثم استمر صلى الله عليه وسلم في القراءة ثم سجد وسجد كل‬
‫من كانوا خلفه من المسلمين‪ ,‬وأضافت الروايات أنه سجد معهم‬
‫من كان وراءهم من المشركين!!‬
‫وذاعت الكذوبة التي عرفت بقصة "الغرانيق" وقال ‪ -‬من تكون‬
‫إذاعتها في صالحهم‪ :-‬إن محمدا ً أثنى على آلهتنا وتراجع عما كان‬
‫يوجهه إليها من السباب‪ .‬وإن مشركي مكة سيصالحونه‬
‫وسيدفعون عن المؤمنين به ما كانوا يوقعونه بهم من العذاب‪.‬‬
‫وانتشرت هذه المقولة حتى ذكرها عدد من المفسرين؛ حيث‬
‫ذكروا أن المشركين سجدوا كما سجد محمد صلى الله عليه‬
‫‪55‬‬

‫وسلم‪ ,‬وقالوا له‪ :‬ما ذكرت آلهتنا بخير قبل اليوم‪ .‬ولكن هذا‬
‫الكلم باطل ل أصل له‪.‬‬
‫وننقل هنا عن المام ابن كثير في تفسيره اليات التي اعتبرها‬
‫المرتكز الذي استند إليه الظالمون للسلم ورسوله وهي في‬
‫سورة الحج حيث تقول‪) :‬وما أرسلنا من قبلك من رسول ول نبي‬
‫إل إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى‬
‫الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم()‪ ,(3‬وبعد ذكره‬
‫لليتين السابقتين يقول‪" :‬ذكر كثير من المفسرين هنا قصة‬
‫الغرانيق وما كان من رجوع كثير ممن هاجروا إلى الحبشة‪ ,‬ظّنا‬
‫منهم أن مشركي مكة قد أسلموا"‪.‬‬
‫ثم أضاف ابن كثير يقول‪" :‬ولكنها ‪ -‬أي قصة "الغرانيق" ‪ -‬من‬
‫طرق كثيرة مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح‪ ،‬ثم قال ابن‬
‫كثير)‪ :(4‬عن ابن أبى حاتم بسنده إلى سعيد بن جبير قال‪" :‬قرأ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة "سورة النجم"‪ ,‬فلما بلغ‬
‫هذا الموضع‪) :‬أفرأيتم اللت والعّزى * ومناة الثالثة الخرى(‪ .‬قال‬
‫ابن جبير‪ :‬فألقى الشيطان على لسانه‪ :‬تلك الغرانيق العل وإن‬
‫شفاعتهن لترتجى‪ .‬فقال المشركون‪ :‬ما ذكر آلهتنا بخير قبل‬
‫اليوم‪ ..‬فأنزل الله هذه الية‪) :‬وما أرسلنا من قبلك من رسول ول‬
‫نبي إل إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي‬
‫الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عزيز حكيم( ليقرر العصمة‬
‫والصون لكلمه سبحانه من وسوسة الشيطان"‪.‬‬
‫وربما قيل هنا‪ :‬إذا كان الله تعالى ينسخ ما يلقي الشيطان‬
‫ويحكم آياته فلماذا لم يمنع الشيطان أصل ً من إلقاء ما يلقيه من‬
‫الوساوس في أمنيات النبياء؟! والجواب عنه قد جاء في اليتين‬
‫اللتين بعد هذه الية مباشرة‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬ليجعل ما يلقيه الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض من‬
‫المنافقين والقاسية قلوبهم من الكفار‪ ,‬وهو ما جاء في الية‬
‫الولى منهما‪) :‬ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم‬
‫مرض()‪.(5‬‬
‫ثانيًا‪ :‬ليميز المؤمنين من الكفار والمنافقين‪ ,‬فيزداد المؤمنون‬
‫إيماًنا على إيمانهم؛ وهو ما جاء في الية الثانية‪) :‬وليعلم الذين‬
‫أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن‬
‫الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم()‪.(6‬‬
‫ما وحديًثا قصة الغرانيق‪ .‬ومن القدماء‬
‫هذا‪ :‬وقد أبطل العلماء قدي ً‬
‫المام الفخر الرازي الذي قال ما ملخصه)‪" :(7‬قصة الغرانيق‬
‫باطلة عند أهل التحقيق‪ ,‬وقد استدلوا على بطلنها بالقرآن‬
‫والسنة والمعقول؛ أما القرآن فمن وجوه‪ :‬منها قوله تعالى‪) :‬ولو‬
‫‪56‬‬

‫ول علينا بعض القاويل * لخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه‬
‫تق ّ‬
‫الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين()‪ ,(8‬وقوله سبحانه‪:‬‬
‫)وما ينطق عن الهوى * إن هو إل وحى يوحى()‪ ,(9‬وقوله‬
‫سبحانه حكاية عن رسوله صلى الله عليه وسلم‪) :‬قل ما يكون‬
‫ي()‪.(10‬‬
‫لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إل ما يوحى إل ّ‬
‫وأما بطلنها بالسنة فيقول المام البيهقى‪ :‬روى المام البخاري‬
‫في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة "النجم"‬
‫فسجد وسجد فيها المسلمون والمشركون والنس والجن وليس‬
‫فيها حديث "الغرانيق"‪ ,‬وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة‬
‫ليس فيها البتة حديث الغرانيق‪.‬‬
‫فأما بطلن قصة "الغرانيق" بالمعقول فمن وجوه منها‪:‬‬
‫وز تعظيم الرسول للصنام فقد كفر؛ لن من‬
‫أ ـ أن من ج ّ‬
‫المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه صلى الله عليه وسلم كان‬
‫لنفي الصنام وتحريم عبادتها؛ فكيف يجوز عقل ً أن يثني عليها؟!‬
‫وزنا ذلك لرتفع المان عن شرعـه صلى‬
‫ب ـ ومنها‪ :‬أننا لو ج ّ‬
‫الله عليه وسلم؛ فإنه ل فرق ‪ -‬في منطق العقل ‪ -‬بين النقصان‬
‫في نقل وحى الله وبين الزيادة فيه‪.‬‬
‫‪0000000000000000‬‬
‫)‪ (1‬النجم‪.20- 19 :‬‬
‫)‪ (2‬المراد بالغرانيق‪ :‬الصنام؛ وكان المشركون يسمونها بذلك‬
‫تشبيًها لها بالطيور البيض التي ترتفع في السماء‪.‬‬
‫)‪ (3‬الحج‪.52 :‬‬
‫)‪ (4‬عن‪ :‬التفسير الوسيط للقرآن لشيخ الزهر د‪ .‬طنطاوى ج ‪9‬‬
‫ص ‪ 325‬وما بعدها‪.‬‬
‫)‪ (5‬الحج‪.53 :‬‬
‫)‪ (6‬الحج‪.54 :‬‬
‫)‪ (7‬التفسير السابق‪ :‬ص ‪.321‬‬
‫)‪ (8‬الحاقة‪ 44 :‬ـ ‪.47‬‬
‫)‪ (9‬النجم‪.4 -3 :‬‬
‫)‪ (10‬يونس‪.15 :‬‬
‫=====================‬
‫قصة الغرانيق المكذوبة‬
‫تحت عنوان ‪ ) :‬وحي من الشيطان ( كتب أعداء السلم ما يلي ‪:‬‬
‫َ‬
‫ن قَب ْل ِ َ‬
‫ي‬
‫ك ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫ما أْر َ‬
‫جاء في سورة الحج ‪ )) :‬وَ َ‬
‫ل وَل َ ن َب ِ ّ‬
‫سو ٍ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫س ُ‬
‫قى ال ّ‬
‫إ ِل ّ إ ِ َ‬
‫قي‬
‫مّنى أ َل ْ َ‬
‫ما ي ُل ْ ِ‬
‫طا ُ‬
‫من ِي ّت ِهِ فَي َن ْ َ‬
‫ه َ‬
‫خ الل ُ‬
‫ن ِفي أ ْ‬
‫ذا ت َ َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫م ‪((.‬‬
‫ح ِ‬
‫م َ‬
‫م يُ ْ‬
‫طا ُ‬
‫كي ٌ‬
‫ه ع َِلي ٌ‬
‫ه آَيات ِهِ َوالل ُ‬
‫م الل ُ‬
‫حك ِ ُ‬
‫ن ثُ ّ‬

‫‪57‬‬

‫قال المفسرون ‪ :‬إن محمدا لما كان في مجلس قريش أنزل الله‬
‫عليه سورة النجم فقرأها حتى بلغ أفرأيتم ال ّ‬
‫لت والعّزى ومناة‬
‫دث به‬
‫الثالثة الخرى فألقى الشيطان على لسانه ما كان يح ّ‬
‫نفسه ويتمناه ‪ -‬وهو تلك الغرانيق الُعلى وإن شفاعتهن لُترَتجى ‪.‬‬
‫فلما سمعت قريش فرحوا به ومضى محمد في قراءته فقرأ‬
‫السورة كلها‪ ،‬وسجد في آخرها وسجد المسلمون بسجوده‪ ،‬كما‬
‫سجد جميع المشركين‪ .‬وقالوا‪ :‬لقد ذكر محمد آلهتنا بأحسن‬
‫الذكر‪ .‬وقد عرفنا أن الله يحيي ويميت ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده‬
‫‪.‬‬
‫ونحن نسأل ‪ :‬كيف يتنكر محمد لوحدانية الله ويمدح آلهة قريش‬
‫ليتقرب إليهم ويفوز بالرياسة عليهم بالقوال الشيطانية؟ وما‬
‫الفرق بين النبي الكاذب والنبي الصادق إذا كان الشيطان ينطق‬
‫على لسان كليهما ؟‬
‫الجواب ‪:‬‬
‫هذا الكلم مبني على رواية باطلة مكذوبة ‪ ،‬قال عنها ابن كثير‬
‫وغيره ‪ " :‬لم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح "‬
‫‪.‬‬
‫وقد سئل ابن خزيمة عن هذه القصة فقال ‪ :‬من وضع الزنادقة ‪.‬‬
‫وقال البيهقي ‪ :‬هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ‪ ،‬ورواية‬
‫البخاري عارية عن ذكر الغرانيق ‪.‬‬
‫وقال المام ابن حزم ‪ )) :‬والحديث الذي فيه ‪ :‬وانهن الغرانيق‬
‫العل ‪ ،‬وان شفاعتهن لترجى ‪ .‬فكذب بحت لم يصلح من طريق‬
‫النقل ولمعنى للشتغال به ‪ ،‬إذ وضع الكذب ل يعجز عنه أحد (( ]‬
‫السلم بين النصاف والجحود [ ص ‪69‬‬
‫واستنادا ً إلى القرآن والسنة واللغة والمعقول والتاريخ نفسه فإن‬
‫هذه الرواية باطلة مكذوبة ‪:‬‬
‫‪ -1‬لن أسانيدها واهية وضعيفة فل تصح ‪.‬‬
‫‪ -2‬لن النبى صلى الله عليه وسلم معصوم في تبليغه للرسالة‬
‫محتجين بقوله سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قو ّ َ‬
‫قط َعَْنا‬
‫م لَ َ‬
‫)) وَل َوْ ت َ َ‬
‫ل َل َ‬
‫ه ِبال ْي َ ِ‬
‫خذ َْنا ِ‬
‫ن ثُ ّ‬
‫من ْ ُ‬
‫ل ع َل َي َْنا ب َعْ َ‬
‫ض اْلَقاِوي ِ‬
‫مي ِ‬
‫ن (( ] الحاقة ‪[ 44 :‬‬
‫ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ال ْوَِتي َ‬
‫‪ -3‬لن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحترم الصنام في‬
‫الجاهلية إذ لم يعرف عنه أنه تقرب لصنم بل قال ‪ )) :‬بغض إلي‬
‫الوثان والشعر (( ‪.‬‬
‫ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب ) نصب المجانيق لنسف‬
‫قصة الغرانيق ( للعلمة اللباني رحمه الله في باب كتب‬
‫وأبحاث ‪ ...‬والله الموفق‬
‫‪58‬‬

‫‪-----------------------‬‬‫)‪ (18‬عصمة الرسول – صلى الله عليه وسلم –‬
‫د‪ .‬سلمان بن فهد العودة‬
‫السؤال‪:‬‬
‫لقد تناقشت مع أحد الخوة في مسألة عصمة الرسول ‪ -‬صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ -‬وكان مما قلته له‪ :‬إنه ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫ي‬
‫معصوم من كل زلل‪ ،‬وذلك الخ ‪ -‬غفر الله لنا وله ‪ -‬أنكر عل ّ‬
‫ي قصته ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬مع )ابن أم‬
‫هذا‪ ،‬وأورد عل ّ‬
‫مكتوم( في )عبس وتوّلى(‪ .‬حقيقة يا شيخي لم أجد جوابًا‪،‬‬
‫فأسعفنا بعلمك ‪ -‬دلنا الله وإياك إلى سبيل الرشاد ‪ -‬وأفتنا في‬
‫هذا المر الذي أشكل علينا!!‬
‫الجواب‪:‬‬
‫الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬معصوم فيما يبلغ عن الله؛‬
‫لقوله تعالى‪) :‬وما ينطق عن الهوى إن هو إل وحي يوحى( ]النجم‬
‫ول علينا بعض القاويل لخذنا‬
‫‪ .[4-3 :‬ولهذا قال تعالى‪) :‬ولو تق ّ‬
‫منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه‬
‫حاجزين(‪] ،‬الحاقة ‪ .[47-44 :‬والدلة في هذا المعنى متوافرة‬
‫متكاثرة متواترة على أنه ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬معصوم فيما‬
‫يبلغ عن ربه ‪ -‬عز وجل ‪ -‬ل يقع منه خلف ذلك ل عمدا ً ول سهوا‪ً.‬‬
‫ول يشكل على هذا ما ورد في قصة الغرانيق المشهورة – التي‬
‫أخرجها الضياء في المختارة )‪ (247‬فهو إفك مفترى‪ ،‬وباطل‬
‫مفتعل‪ ،‬والكلم في سورة الحج‪ ،‬وبيان حقيقة معناها له موضع‬
‫آخر غير هذا‪ ،‬ول يشكل عليه أيضا ً كونه ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫ينسى الية أحياًنا‪ ،‬فإن هذا ليس نسيانا ً مطبقا ً مطلقًا‪ ،‬بمعنى أنه‬
‫فظها أصحابه‪ ،‬ودونها الك ُّتاب‪،‬‬
‫ل يتذكرها‪ ،‬كل‪ ،‬بل هو قد قرأها وح ّ‬
‫ولكنها عزبت عنه تلك اللحظة فأسقطها‪ ،‬أو وقف يتذكرها‪ ،‬وهذه‬
‫جبّلة بشرية‪ ،‬ولهذا قال تعالى‪) :‬سنقرئك فل تنسى إل ما شاء‬
‫ِ‬
‫الله إنه يعلم الجهر وما يخفى( ]العلى‪ .[7-6 :‬فهذا مما شاء‬
‫الله‪ ،‬ومما شاء الله أن ينساه ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ .-‬ما‬
‫نسخت تلوته من آي القرآن الكريم‪.‬‬
‫أما ما اجتهد فيه ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬فإنه ل يقر إل على‬
‫صواب‪ ،‬ولذلك "عوتب في شأن السرى ببدر )ما كان لنبي أن‬
‫يكون له أسرى حتى يثخن في الرض‪ (...‬الية‪] ،‬النفال ‪.([67‬‬
‫انظر الترمذي )‪ (3084‬عن عبد ا لله بن مسعود‪ ،‬وأبو داود )‬
‫‪ (2690‬عن عبد الله بن عباس‪.‬‬
‫وعوتب في شأن ابن أم مكتوم‪) :‬عبس وتولى أن جاءه العمى(‬
‫]عبس‪ .[2-1 :‬انظر الترمذي )‪ (3331‬عن عائشة‪.‬‬
‫‪59‬‬

‫وعوتب في شأن زيد بن حارثة وزينب بنت جحش )وتخفي في‬
‫نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه‪(...‬‬
‫الية‪] ،‬الحزاب‪ ،[37 :‬انظر البخاري )‪ (4887‬عن أنس‪.‬‬
‫فكان ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يعلن ذلك لصحابه‪ ،‬ويحفظه‬
‫لهم‪ ،‬ويتلوه عليهم‪ ،‬ويتعبدهم بتلوته‪ ،‬ولم يعبأ بمقالة اليهود‬
‫والمنافقين‪ ،‬ول باضطراب ضعفاء النفوس؛ لن دين الله أعظم‬
‫من ذلك كله‪ ،‬وهذا من أعظم كمالته التي ح ّ‬
‫له الله بها‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫)وإنك لعلى خلق عظيم( ]القلم‪.[4 :‬‬
‫فصلى الله وسلم وبارك عليه‪ ،‬وأدخلنا في شفاعته‪ ،‬وأوردنا‬
‫حوضه‪ ،‬وارزقنا اتباعه ومحبته وإياكم وجميع المسلمين‪.‬‬
‫‪-------------------------‬‬‫)‪ (19‬عصمة الرسول – صلى الله عليه وسلم‬
‫د‪.‬مساعد بن سليمان الطيار‬
‫السؤال‪:‬‬
‫فيما يتعلق بعصمة الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬هل هو‬
‫معصوم من الخطأ؟ أو معنى العصمة هنا أن الله عصمه من‬
‫الناس ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬وإذا كان معصوما ً من الخطأ‬
‫صلوات ربي وسلمه عليه‪ ،‬فما هو التفسير الصحيح لحادثة‬
‫العمى التي نزل فيها قول الله –تعالى‪" -‬عبس وتولى" وجزاكم‬
‫الله خير ونفع بكم‪.‬‬
‫الجواب‪:‬‬
‫وعليكم السلم ورحمة الله وبركاته‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫ن القول بأن الرسول ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬لم يقع منه خطأ‪،‬‬
‫فإ ّ‬
‫مخالف لظاهر القرآن؛ لن الله سبحانه ـ الذي أرسله بالحق‪،‬‬
‫وهو أعلم به ـ قد عاتبه في غير ما آية‪ ،‬ول يكون العتاب إل‬
‫بسبب وقوع خطأ منه ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬وقد يستعظم‬
‫ما أن ذلك ينقص من قدر النبي‬
‫بعض الناس القول بهذا‪ ،‬زاع ً‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬وليس المر كذلك؛ فحق الله أعظم‪،‬‬‫واليمان بكلمه الذي نقله الرسول ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬أولى‬
‫من هذا الزعم‪ ،‬ولو كان في هذه العتابات اللهية له ما ينقص من‬
‫قدره لما ذكرها الله –سبحانه‪ -‬في حقّ خليله محمد ‪-‬صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ -‬والمسلم مطالب بالخذ بظاهر القرآن‪ ،‬ومن تأول‬
‫مثل هذه العتابات اللهية فإنه سيقع في التحريف والتكذيب بخبر‬
‫قا‬
‫م" تعلي ً‬
‫الله –سبحانه‪ -‬وقد ذكرت في كتابي "تفسير جزء ع ّ‬
‫ض ظ َهَْر َ‬
‫ك وِْزَر َ‬
‫ضعَْنا ع َن ْ َ‬
‫ك"‬
‫ذي أ َن ْ َ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫على قوله –تعالى‪": -‬وَوَ َ‬
‫ق َ‬
‫صه ‪" :‬قال ‪:‬‬
‫]الشرح‪ 2 :‬ـ ‪ [3‬ما يتعلق بأمر العصمة‪ ،‬وهذا ن ّ‬
‫مجاهد من طريق ابن أبي نجيح ‪" :‬ذنبك"‪ ،‬قال قتادة من طريق‬
‫‪60‬‬

‫سعيد ومعمر‪) :‬كانت على النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬ذنوب‬
‫قد أثقلته‪ ،‬فغفرها الله له(‪ ،‬وكذا قال ابن زيد‪ .‬وهذه مسألة‬
‫تتعلق بالعصمة‪ ،‬وللناس فيها كلم كثير‪ ،‬وأغلب الكلم فيها عقلي‬
‫ل يعتمد على النصوص‪ ،‬وهذا النص صريح في وقوع الرسول ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬في شيء من الذنوب التي قد غفرها الله‬
‫له‪ ،‬ولكن لم يبّين الله نوع هذه الذنوب‪ ،‬ولذا فل تتعدى ما أجمله‬
‫ص‪ ،‬وقُ ْ‬
‫م ‪.‬ول تفترض مصطلحا ً للعصمة‬
‫ل به تسل ْ‬
‫الله في هذه الن ّ‬
‫من عقلك تحمل عليه أفعال الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪،-‬‬
‫فتدخل بذلك في التأويلت السمجة التي ل دليل عليها من الكتاب‬
‫ول السنة؛ كما وقع من بعضهم في تأويل قوله –تعالى‪" :-‬ليغفر‬
‫لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" ]الفتح ‪ ،[ 2 :‬قال ‪ :‬ما‬
‫تقدم ‪ :‬ذنب أبيك آدم‪ ،‬وما تأخر‪ :‬من ذنوب أمتك‪ ،‬وانظر الشبه‬
‫بين هذا القول وبين قول النصارى في الخطيئة‪ ،‬فالله يقول‪:‬‬
‫"ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك"‪ ،‬وهذا يقول هو ذنب غيره !‬
‫ن في الرسول جانبان ‪ :‬جانب بشري‪،‬‬
‫والله المستعان"‪ .‬واعلم أ ّ‬
‫ما الجانب البشري فهو فيه كالبشر‪ :‬يحب ويكره‪،‬‬
‫وجانب نبوي‪ ،‬أ ّ‬
‫ويرضى ويغضب‪ ،‬ويأكل ويشرب‪ ،‬ويقوم وينام … إلخ‪ ،‬مع ما‬
‫مّيزه الله به في هذا الجانب في بعض الشياء؛ كسلمة الصدر‪،‬‬
‫والقوة في النكاح‪ ،‬وعدم نوم القلب‪ ،‬وغيرها من الخصوصات‬
‫التي تتعلق بالجانب البشري‪ .‬ومن هذا الجانب قد يقع من النبي‬
‫– صلى الله عليه وسلم ‪ -‬بعض الخطاء التي يعاتبه الله عليها‪،‬‬
‫ولك أن تنظر في جملة المعاتبات اللهية للنبي – صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪-‬؛ كعتابه بشأن أسرى بدر‪ ،‬وعتابه بشأن زواجه من زينب‬
‫– رضي الله عنها ‪ ،-‬وعتابه في عبد الله بن أم مكتوم – رضي‬
‫ص الله على هذا الجانب في الرسل‬
‫الله عنه ‪ ،-‬وغيرها‪ ،‬وقد ن ّ‬
‫جميعهم صلوات الله وسلمه عليهم‪ ،‬ومن اليات في ذلك ‪" :‬قل‬
‫سبحان ربي هل كنت إل ّ بشرا ً رسول ً " ]السراء ‪ ،[93 :‬ومن‬
‫الحاديث قوله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪" :-‬إنما أنا بشر‪ ،‬وإنكم‬
‫ي‪ ،‬ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض‪،‬‬
‫تختصمون إل ّ‬
‫وأقضي له على نحو ما أسمع‪ ،‬من حق له أخيه شيئًا‪ ،‬فل يأخذ‪،‬‬
‫فإنما أقطع له من النار" )رواه البخاري )‪ ،(6967‬ومسلم )‬
‫‪(1713‬من حديث أم سلمة –رضي الله عنها‪ .-‬وتكمن العصمة‬
‫ن الله ُينّبه نبيه – صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫في هذا الجانب في أ ّ‬
‫على ما وقع منه من خطأ‪ ،‬وهذا ما ل يتأّتى لحد من البشر غيره‪،‬‬
‫مغفلة ‪ .‬وأما الجانب النبوي‪،‬‬
‫فتأمله فإنه من جوانب العصمة ال ُ‬
‫ن النبي – صلى الله عليه‬
‫وهو جانب التبليغ‪ ،‬فإنه لم يرد البتة أ ّ‬
‫وسلم ‪ -‬خالف فيه أمر الله؛ كأن يقول الله له‪ :‬قل لعبادي يفعلوا‬
‫‪61‬‬

‫كذا فل يقول لهم‪ ،‬أو يقول لهم خلف هذا المر‪ ،‬وهذا لو وقع‬
‫حَر النبي – صلى الله عليه وسلم‬
‫س ِ‬
‫فإنه مخالف للنبوة‪ ،‬ولذا لما ُ‬
‫حُر في الجانب النبوي‪ ،‬بل أّثر في الجانب‬
‫س ْ‬
‫ لم ُيؤّثر هذا ال ّ‬‫البشري انظر ما رواه البخاري )‪ ،(3268‬ومسلم )‪ (2189‬من‬
‫م فجانب التبليغ في‬
‫حديث عائشة – رضي الله عنها‪ ،-‬ومن ث َ ّ‬
‫النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬معصوم‪ ،‬ويدل على هذا الجانب‬
‫قوله تعالى ‪" :‬وما ينطق عن الهوى‪ ،‬إن هو إل ّ وحي يوحى"‬
‫]النجم‪ [4-3 :‬الله أعلم‪.‬‬
‫‪-------------------------‬‬‫ء‬
‫ة تعري النبي صلى الله عليه وسلم أثناء بنا ِ‬
‫)‪ (20‬شبه ٌ‬
‫ة‬
‫الكعب ِ‬
‫أبو عبد العزيز سعود الزمانان‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫سو َ‬
‫ل‬
‫حد ّ ُ‬
‫ث‪" :‬أ ّ‬
‫ن ع َب ْد ِ اللهِ ي ُ َ‬
‫في الصحيحين من حديث َ‬
‫ن َر ُ‬
‫جاب َِر ب ْ َ‬
‫م‪َ -‬‬
‫ق ُ‬
‫ة‪،‬‬
‫ن ي َن ْ ُ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫جاَرة َ ل ِل ْك َعْب َ ِ‬
‫ح َ‬
‫كا َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫معَهُ ُ‬
‫ل َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ُ‬
‫الل ّهِ ‪َ -‬‬
‫قا َ‬
‫ت‬
‫ه‪ .‬فَ َ‬
‫ن أَ ِ‬
‫خي! ل َوْ َ‬
‫حل َل ْ َ‬
‫م ُ‬
‫س‪ ،‬ع َ ّ‬
‫ل لَ ُ‬
‫وَع َل َي ْهِ إ َِزاُر ُ‬
‫ه ال ْعَّبا ُ‬
‫ه‪َ :‬يا اب ْ َ‬
‫من ْك ِب ِ َ‬
‫إ َِزاَر َ‬
‫جاَرة‪َ .‬قا َ‬
‫ه‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ه‪ ،‬فَ َ‬
‫ل‪ :‬فَ َ‬
‫ح َ‬
‫دو َ‬
‫ك‪ُ ،‬‬
‫ك‪ ،‬فَ َ‬
‫جعَل َ ُ‬
‫حل ّ ُ‬
‫ه ع ََلى َ‬
‫جعَل ْت َ ُ‬
‫ما ُرؤيَ ب َعْد َ ذ َل ِ َ ْ‬
‫ق َ‬
‫ه‪َ .‬قا َ‬
‫س َ‬
‫شي ّا ً ع َل َي ْ ِ‬
‫مغْ ِ‬
‫من ْك ِب ِ ِ‬
‫ه‪ ،‬فَ َ‬
‫ل فَ َ‬
‫ط َ‬
‫ع ََلى َ‬
‫ك الي َوْم ِ‬
‫ع ُْرَيانًا"‪.‬‬
‫وبدأ أهل البدع يشنعون؛ كيف تعرى النبي – صلى الله عليه‬
‫وسلم – فهذا كذب على النبي – صلى الله عليه وسلم – كما‬
‫يزعمون‪ ,‬والرد على هؤلء يكون بما يأتي‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬هذا الحديث صحيح السناد ل غبار عليه‪ ,‬فقد أخرجه المام‬
‫البخاري في صحيحه )‪ (364‬كتاب الصلة – باب كراهية التعري‬
‫في الصلة وغيرها‪.‬‬
‫فهذا الحديث قبل بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – وقال‬
‫الزهري – رحمه الله‪" :-‬لما بنت قريش الكعبة لم يبلغ النبي عليه‬
‫الصلة والسلم الحلم"‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬التعري عند أهل العلم يجوز إن كان لمصلحة شرعية‬
‫راجحة‪ ،‬كجواز التعري أثناء العلج‪ ,‬بل ل خلف على جواز أن‬
‫ينظر الطبيب إلى موضع المرض من المرأة عند الحاجة ضمن‬
‫ضوابط شرعية مع تقوى الله وصلح النية‪ ،‬والضرورات تقدر‬
‫بقدرها‪ ،‬فتعري النبي – صلى الله عليه وسلم – كان قبل البعثة‬
‫أو ً‬
‫ل‪ ,‬وثانيا ً كان لمصلحة لكي يضع ثوبه على عاتقه لكي يتقوى بها‬
‫على حمل الحجارة‪ ,‬وعلى قربة يتقرب بها لله جل وعل وهي بناء‬
‫الكعبة‪.‬‬
‫كما حدث لنبي الله موسى عليه السلم لما اتهمه قومه برجولته‬
‫فبّرأه الله مما قالوا‪ ,‬وهذا كما أخرجه الشيخان من حديث أبي‬
‫‪62‬‬

‫هريرة – رضي الله عنه ‪ -‬قال‪َ " :‬‬
‫سَراِئي َ‬
‫ن ع َُراةً‬
‫ل ي َغْت َ ِ‬
‫سُلو َ‬
‫كا َ‬
‫ن ب َُنو إ ِ ْ‬
‫ض‪ ,‬وَ َ‬
‫س ُ‬
‫ه‪،‬‬
‫سى ي َغْت َ ِ‬
‫ل وَ ْ‬
‫كا َ‬
‫م إ َِلى سوأة ب َعْ‬
‫ي َن ْظ ُُر ب َعْ ُ‬
‫مو َ‬
‫حد َ ُ‬
‫ن ُ‬
‫ضه ُ ْ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ه آد َُر )أي ذو‬
‫فَ َ‬
‫ن ي َغْت َ ِ‬
‫سى أ ْ‬
‫مو َ‬
‫معََنا ِإل أن ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫من َعُ ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫قاُلوا‪َ :‬والل ّهِ َ‬
‫س ُ‬
‫جُر‬
‫جرٍ فَ َ‬
‫مّرة ً ي َغْت َ ِ‬
‫ح َ‬
‫فّر ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ه ع ََلى َ‬
‫ل فَوَ َ‬
‫فتق( قال‪ :‬فَذ َهَ َ‬
‫ضعَ ث َوْب َ ُ‬
‫ب َ‬
‫حّتى‬
‫سى ِفي إ ِث ْرِهِ ي َ ُ‬
‫ب ِث َوْب ِ ِ‬
‫جُر! َ‬
‫ح َ‬
‫جُر! ث َوِْبي َ‬
‫ح َ‬
‫قولُ‪ :‬ث َوِْبي َ‬
‫ه! فَ َ‬
‫مو َ‬
‫جمعَ ُ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ن‬
‫سى فَ َ‬
‫سى ِ‬
‫مو َ‬
‫مو َ‬
‫ن َظ ََر ب َُنو إ ِ ْ‬
‫ما ب ِ ُ‬
‫قاُلوا‪َ :‬والل ّهِ َ‬
‫ل إ َِلى سوأة ُ‬
‫م ْ‬
‫بأ ْ‬
‫ه‬
‫َ‬
‫مو َ‬
‫سى فطفق ث َوْب َ ُ‬
‫س‪ ,‬فقام الحجر بعد حتى نظر إليه فأخذ ُ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ة")‪.(1‬‬
‫سب ْعَ ٌ‬
‫ست ّ ٌ‬
‫دبا ِ‬
‫جر َن َ َ‬
‫ح َ‬
‫ن ِبال َ‬
‫جر ضربا؟ فوالله إ ِ ّ‬
‫ح َ‬
‫ِبال َ‬
‫ة أوْ َ‬
‫وقد ثبت هذا الحديث عند الرافضة ورواه إمامهم ووصيهم‬
‫السادس المعصوم كما يزعمون‪ ،‬وقد أخرجه مفسرو الشيعة في‬
‫ضا‪:‬‬
‫تفاسيرهم أي ً‬
‫ ففي تفسير القمي عن أبي بصير‪ ،‬عن أبي عبد الله )ع(‪" :‬أن‬‫بني إسرائيل كانوا يقولون‪ :‬ليس لموسى ما للرجال‪ ,‬وكان‬
‫موسى إذا أراد الغتسال ذهب إلى موضع ل يراه فيه أحد من‬
‫الناس‪ ,‬فكان يوما ً يغتسل على شط نهر وقد وضع ثيابه على‬
‫صخرة فأمر الله الصخرة فتباعدت عنه حتى نظر بنو إسرائيل‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ‬
‫إليه‪ ,‬فعلموا أنه ليس كما قالوا‪ ,‬فأنزل الله‪َ) :‬يـأّيـَها ال ّ ِ‬
‫ن َءا َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ما َقاُلوا ْ وَ َ‬
‫كوُنوا ْ َ‬
‫ل َ تَ ُ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫دالل ِ‬
‫ه ِ‬
‫كال ّ ِ‬
‫عن َ‬
‫كا َ‬
‫مو َ‬
‫م ّ‬
‫سى فَب َّرأه ُ الل ُ‬
‫ن َءاذ َْوا ُ‬
‫ذي َ‬
‫جيًها( ]الحزاب‪.(2)[69/‬‬
‫وَ ِ‬
‫ثم إن مفسرهم الطبرسي في مجمع البيان أثبت هذا الحديث‬
‫فقال‪" :‬إن موسى عليه السلم كان حييا ً ستيرا ً يغتسل وحده‪,‬‬
‫فقال ما يتستر مّنا إل لعيب بجلده إما برص وإما أدرة‪ ,‬فذهب‬
‫مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر‪ ,‬فمر الحجر بثوبه‪ ,‬فطلبه‬
‫موسى عليه السلم‪ ,‬فرآه بنو إسرائيل عريانا ً كأحسن الرجال‬
‫قا‪ ,‬فبرأه الله مما قالوا")‪.(3‬‬
‫خل ً‬
‫قال رئيس علمائهم نعمة الله الجزائري في قصصه )ص ‪:(250‬‬
‫"قال جماعة من أهل الحديث‪ :‬ل استبعاد فيه بعد ورود الخبر‬
‫الصحيح‪ ,‬وإن رؤيتهم له على ذلك الوضع لم يتعمده موسى عليه‬
‫دا ينظر إليه أم ل‪ ,‬وإن مشيه عريانا ً‬
‫السلم‪ ,‬ولم يعلم أن أح ً‬
‫لتحصيل ثيابه مضافا ً إلى تبعيده عما نسبوه إليه‪ ،‬ليس من‬
‫المنفرات"‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬ونقول نحن كذلك أهل السنة والجماعة كما قال‪ :‬ل استبعاد‬
‫فيه بعد ورود الخبر الصحيح‪ ,‬وإن رؤيته له على ذلك الوضع لم‬
‫يتعمده النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬فليس ذلك من المنفرات‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬ليس في الحديث أنه تعرى أمام الناس – صلوات ربي‬
‫وسلمه عليه – فالتعري أمام الناس متعمدا ً من خوارم المروءة‪،‬‬
‫فأين الدليل أن النبي – صلى الله عليه وسلم – مشى أمام‬
‫‪63‬‬

‫الناس عاريا ً ل لشيء وإنما من أجل التعري فقط وأن الكل ينظر‬
‫إليه!!‬
‫فليس في هذا الحديث أن النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬مشى‬
‫وتعرى أمام الناس‪ ،‬وهذا القول له شاهد عند الطبراني في كما‬
‫ذكر ذلك الحافظ في "الفتح"‪" :‬لما بنت قريش الكعبة انفردت‬
‫رجلين رجلين ينقلون الحجارة‪ ،‬فكنت أنا وابن أخي‪ ،‬جعلنا نأخذ‬
‫أزرنا فنضعها على مناكبنا ونجعل عليها الحجارة‪ ،‬فإذا دنونا من‬
‫الناس لبسنا أزرنا‪ ،‬فبينما هو أمامي إذ صرع‪ ,‬فسعيت وهو‬
‫شاخص ببصره إلى السماء قال فقلت لبن أخي‪ :‬ما شأنك؟ قال‪:‬‬
‫نهيت أن أمشي عرياًنا‪ ,‬قال‪ :‬فكتمته حتى أظهر الله نبوته"‪.‬‬
‫خامسًا‪ :‬على افتراض أن التعري لمصلحة ظهرت لمن تعرى أنه‬
‫ذنب‪ ،‬ولكنه ليس من الكبائر‪ ،‬وعقيدتنا أن النبياء معصومون من‬
‫كبائر الذنوب ومن خوارم المروءة‪ ،‬لذلك حينما تعرى أمام عمه‬
‫فقط لم يقر على ذلك وأغشي عليه وما رؤي عرياًنا بعد ذلك‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬نقول للرافضة‪ :‬ما شأنكم وشأن كشف العورات؟!‬
‫فدينكم دين جنس ودعوة للتعري والفاحشة وهذه حقيقة‪.‬‬
‫وسأذكر بعض المور التي تؤكد هذا الدعاء‪:‬‬
‫‪ - 1‬يتهمون النبي بأنه كان ينظر إلى عورات النساء ويخون‬
‫المؤمنين‪ ،‬وينظر إلى امرأة رجل مسلم وهي تغتسل عريانة!!!‬
‫ففي بحار النوار)‪" :(22/217‬قال الرضا‪ :‬إن رسول الله – صلى‬
‫الله عليه وسلم – قصد دار زيد بن حارثة في أمر أراده‪ ,‬فرأى‬
‫امرأته تغتسل فقال لها‪" :‬سبحان الذي خلقك"!!!‬
‫‪ - 2‬يروون عن جعفر بن محمد عليهما السلم قال‪" :‬كان رسول‬
‫الله – صلى الله عليه وسلم – ل ينام حتى يضع وجهه بين ثديي‬
‫فاطمة"‪ ,‬وفاطمة امرأة كبيرة بالغة‪ ,‬فكيف يضع النبي – صلى‬
‫الله عليه وسلم – وجهه بين ثدييها – رضي الله عنها‪.-‬‬
‫‪ - 3‬يزعمون أن إمامهم المعصوم الثاني عشر الغائب عندما‬
‫يظهر أنه سيكون عاريا ً بدون ثياب!! وهذا ما رواه الشيخ‬
‫الطوسي والنعماني عن المام الرضا‪" :‬أن من علمات ظهور‬
‫المهدي أنه سيظهر عاريا ً أمام قرص الشمس"‪ .‬حق اليقين )ص‬
‫‪.(347‬‬
‫‪ - 4‬الرافضة عندهم الدبر ليس من العورة‪ ,‬وهذا ما رواه الكليني‬
‫في الكافي )‪ (6/512‬عن أبي الحسن عليه السلم قال‪" :‬العورة‬
‫عورتان القبل والدبر‪ ،‬فأما الدبر مستور بالليتين‪ ,‬فإذا سترت‬
‫القضيب والبيضتين فقد سترت العورة"‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫‪ - 5‬جواز النظر إلى العورات من غير المسلمين‪ ,‬فعن جعفر‬
‫الصادق قال‪" :‬النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل نظرك إلى‬
‫عورة الحمار"‪ .‬الكافي )‪.(6/512‬‬
‫‪ - 6‬يزعمون أن إمامهم المعصوم الخامس محمد الباقر كان‬
‫يدخل الحمام ويكشف عورته أمام الناس‪ ،‬فعن عبيد الله الدابقي‬
‫ما بالمدينة‪ ...‬فقلت‪ :‬لمن هذا الحمام؟ فقال‬
‫قال‪" :‬دخلت حما ً‬
‫لبي جعفر محمد بن علي عليه السلم فقلت‪ :‬كان يدخله؟ قال‪:‬‬
‫نعم‪ ,‬فقلت‪ :‬كيف كان يصنع؟ قال‪ :‬كان يدخل يبدأ فيطلي عانته‬
‫وما يليها ثم يلف على طرف إحليله ويدعوني فأطلي سائر بدنه‪،‬‬
‫فقلت له يوما ً من اليام‪ :‬الذي تكره أن أراه قد رأيته" ‪ -‬يقصد‬
‫عورته المغلظة‪) .-‬الكافي ‪.(6/508‬‬
‫‪-------------------------‬‬‫)‪ (21‬الرد على شبهة أن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫ما ذبح على الصنم والنصب‬
‫أكل طعا ً‬
‫أبو عبد العزيز سعود الزمانا‬
‫الرد على شبهة أن النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬أكل طعاما‬
‫ذبح على الصنم والنصب‪:‬‬
‫تعريف النصب‪ :‬هي الصنام والحجارة التي كان الكفار يذبحون‬
‫عليها‪.‬‬
‫أخرج المام أحمد )‪ (1/190‬قال‪ :‬حدثنا يزيد حدثنا المسعودي‬
‫عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل عن أبيه‬
‫عن جده قال‪ " :‬كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة‬
‫هو وزيد بن حارثة فمر بهما زيد بن عمرو بن نفيل فدعواه‬
‫إلى سفرة لهما فقال يا ابن أخي إني ل آكل مما ذبح على‬
‫النصب قال فما رئي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أكل‬
‫شيًئا مما ذبح على النصب قال قلت يا رسول الله إن أبي كان‬
‫كما قد رأيت وبلغك ولو أدركك لمن بك واتبعك فاستغفر له قال‬
‫نعم سأستغفر له فإنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة"‪.‬‬
‫الشبهة‪:‬‬
‫قال المبتدعة والزنادقة كيف يذبح الرسول على النصب‬
‫والصنام‪ ،‬وكيف يأكل مما ذبح عليها؟‬
‫الرد‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬رواية )إني ل آكل مما تذبحون على أنصابكم قال‪ :‬فما‬
‫‬‫رؤي النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد ذلك أكل شيئا ً مما ذبح‬
‫على النصب( منكرة ول تصح‪.‬‬
‫ قال الشيخ اللباني – رحمه الله‪" :-‬أخرجه المام أحمد )رقم‬‫‪ (5369‬من حديث ابن عمر‪ ،‬وقد رواه أيضا من حديث سعيد بن‬
‫‪65‬‬

‫زيد بن عمرو )‪ (1648‬وفيه زيادة منكرة‪ ،‬وهي تتنافي مع التوجيه‬
‫الحسن الذي وجه به الحديث المؤلف وهي قوله بعد‪) :‬إني ل آكل‬
‫مما تذبحون على أنصابكم( قال‪ :‬فما رؤي النبي – صلى الله‬
‫عليه وسلم – بعد ذلك أكل شيئا ً مما ذبح على النصب‪ ,‬وعلة هذه‬
‫الزيادة أنها من رواية المسعودي وكان قد اختلط وراوي هذا‬
‫الحديث عنه يزيد بن هارون سمع منه بعد اختلطه‪ ،‬ولذلك لم‬
‫يحسن صنعا حضرة الستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر حيث صرح‬
‫في تعليقه على المسند أن إسناده صحيح‪ ،‬ثم صرح بعد سطور‬
‫أنه إنما صححه مع اختلطه لنه ثبت معناه من حديث ابن عمر‬
‫بسند صحيح يعني هذا الذي في الكتاب‪ ،‬وليس فيه الزيادة‬
‫المنكرة‪ ،‬فكان عليه أن ينبه عليها حتى ل يتوهم أحد أن معناها‬
‫ثابت أيضا ً في حديث ابن عمر"‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬حكم على هذه الزيادة بالنكارة المام الذهبي أيضا‪،‬‬
‫‬‫فالرواية أخرجها البزار)‪ (2755‬والنسائي في الكبرى )‪(8188‬‬
‫والطبراني )‪ (4663‬وأبو يعلى )‪ (7211‬من طريق محمد بن‬
‫عمرو عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي‬
‫بلتعة عن أسامة بن زيد عن زيد بن حارثة قال خرجت مع رسول‬
‫الله‪ ...‬الحديث‪.‬‬
‫قال الذهبي في سير أعلم النبلء )‪ ":(222-1/221‬في سنده‬
‫محمد – يعني ابن عمرو بن علقمة ‪ -‬ل يحتج به‪ ،‬وفي بعضه‬
‫نكارة بينة "‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬وهذا العبارة منكرة‪" :‬شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا‪"...‬‬
‫‬‫وهي نكارة بينة كما قال الذهبي‪ ،‬وهذا نص في أنهم ذبحوها‬
‫للنصب ل عليه فقط‪ ،‬وهذه الجملة ل تحتمل ول تليق بالنبي –‬
‫صلى الله عليه وسلم – وفي سندها محمد بن عمرو بن علقمة‬
‫قال فيه الحافظ‪ ":‬صدوق له أوهام " وقال الجوزجاني وغيره‪":‬‬
‫ليس بقوي"]‪ [1‬وقال الذهبي في سير أعلم النبلء )‪-1/221‬‬
‫‪" :(222‬ل يحتج به"‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬الرواية الصحيحة هي كما جاءت في صحيح البخاري‪،‬‬
‫‬‫قال البخاري ) ‪ (5499‬حدثنا معّلى بن أسد قال‪ :‬حدثنا عبد‬
‫العزيز يعني ابن المختار قال‪ :‬أخبرنا موسى بن عقبة قال‪:‬‬
‫أخبرني سالم‪ :‬أنه سمع عبد الله يحدث‪ ،‬عن رسول الله صلى‬
‫ح‪)-،‬‬
‫الله عليه وسلم‪ " :‬أنه لقي زيد بن عمرو بن ن ُ َ‬
‫فيل بأسفل ب َل ْد َ َ‬
‫مكان في طريق التنعيم‪ ،‬ويقال‪ :‬هو واد( ‪ -‬وذاك قبل أن ُينزل‬
‫دم إلى رسول‬
‫على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي‪ ،‬ف ُ‬
‫ق ّ‬
‫الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم‪ ،‬فأبى أن يأكل منها‪،‬‬

‫‪66‬‬

‫ثم قال‪" :‬إني ل آكل مما تذبحون على أنصابكم‪ ،‬ول آكل إل مما‬
‫ُ‬
‫ذكر اسم الله عليه"‪.‬‬
‫وقال البخاري) ‪ (3826‬حدثني محمد بن أبي بكر قال‪ :‬حدثنا‬
‫فضيل بن سليمان قال‪ :‬حدثنا موسى بن عقبة قال‪ :‬حدثنا سالم‬
‫بن عبد الله‪ ،‬عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما‪ ":‬أن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح‪،‬‬
‫قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي‪ ،‬فقدمت‬
‫إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة‪ ،‬فأبى أن يأكل منها‪ ،‬ثم‬
‫قال زيد‪ :‬إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم‪ ،‬ول آكل إل‬
‫ما ذكر اسم الله عليه‪ .‬وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش‬
‫ذبائحهم‪ ،‬ويقول‪ :‬الشاة خلقها الله‪ ،‬وأنزل لها من السماء الماء‪،‬‬
‫وأنبت لها من الرض‪ ،‬ثم تذبحونها على غير اسم الله‪ .‬إنكارا‬
‫ما له"‪.‬‬
‫لذلك وإعظا ً‬
‫قال ابن بطال – رحمه الله ‪ ":-‬كانت السفرة لقريش‬
‫‬‫فقدموها للنبي – صلى الله عليه وسلم – فأبى أن يأكل منها‪،‬‬
‫فقدمها النبي – صلى الله عليه وسلم – لزيد بن عمرو‪ ،‬فأبى أن‬
‫يأكل منها‪ ،‬وقال مخاطبا ً لقريش الذين قدموها أو ً‬
‫ل‪" :‬إنا ل نأكل‬
‫ما ذبح على أنصابكم ") عمدة القاري ‪.(11/540‬‬
‫خامسًا‪ :‬أين ما يدل في الحديث أن النبي – صلى الله عليه‬
‫‬‫وسلم – أكل من هذه السفرة؟ فليس في الحديث أنه – صلى‬
‫الله عليه وسلم – أكل منها‪ ،‬وإنما غاية ما في الحديث أن‬
‫السفرة قدمت للنبي – صلى الله عليه وسلم – ولزيد ولم يأكل‬
‫منها‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬فهذا هو الثابت في الصحيح أن النبي – صلى الله‬
‫‬‫عليه وسلم – عرضت وقدمت له السفرة فامتنع أن يأكل منها‪،‬‬
‫نعم جاء عند أحمد )‪ (2/69‬من طريق عفان عن وهيب عن‬
‫موسى‪ .‬وأخرجه أحمد )‪ (2/90‬من طريق يحيى بن آدم عن زهير‬
‫عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر بلفظ‪ ":‬فقدم إليه‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل‬
‫منها ثم قال‪" :‬إني ل آكل ما تذبحون على أنصابكم ول آكل إل‬
‫مما ذكر اسم الله عليه "‪.‬‬
‫فمما سبق بيانه يتضح أن رواية صحيح البخاري أن السفرة‬
‫قدمت للنبي – صلى الله عليه وسلم – فرفض أن يأكل منها‪ ،‬ثم‬
‫قدمت لزيد ولم يأكل منها‪ ،‬فل وجه لطعن طاعن أو لمز لمز‬
‫ولله الحمد‪.‬‬
‫ولو افترضنا صحة الرواية التي جاءت عند أحمد‪ ،‬وأن النبي –‬
‫صلى الله عليه وسلم – قدم السفرة لزيد‪ ،‬فكذلك ل يوجد دليل‬
‫‪67‬‬

‫على أنها ذبحت على نصب أو ذبحت لصنم‪ ،‬وإن كان قد يفهم‬
‫منها هذا ولكنها ليست صريحة‪.‬‬
‫سابعًا‪ :‬قال الخطابي في " أعلم الحديث " ‪":3/1657‬‬
‫‬‫امتناع زيد بن عمرو من أكل ما في السفرة إنما كان من أجل‬
‫خوفه أن يكون اللحم الذي فيها مما ذبح على النصاب فتنزه من‬
‫أكله‪ ،‬وقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ل يأكل من‬
‫ذبائحهم التي كانوا يذبحونها لصنامهم‪ ،‬فأما ذبائحهم لمأكلتهم‬
‫فإنا لم نجد في شيء من الخبار أنه كان يتنزه منها‪ ،‬ولنه كان ل‬
‫يرى الذكاة واقعة إل بفعلهم قبل نزول الوحي عليه‪ ،‬وقبل تحريم‬
‫ذبائح أهل الشرك‪ ،‬فقد كان بين ظهرانيهم‪ ،‬مقيما ً معهم‪ ،‬ولم‬
‫ُيذكر أنه كان يتميز عنهم إل في أكل الميتة‪ ،‬وكانت قريش‬
‫وقبائل من العرب تتنزه في الجاهلية عن أكل الميتات‪ ،‬ولعله –‬
‫صلى الله عليه وسلم – لم يكن يّتسع إذ ذاك لن يذبح لنفسه‬
‫الشاة ليأكل منها الشلو أو البضعة‪ ،‬ول كان فيما استفاض من‬
‫أخباره أنه كان يهجر اللحم ول يأكله‪ ،‬وإذا لم يكن بحضرته إل‬
‫ذكاة أهل الشرك ول يجد السبيل إلى غيره‪ ،‬ولم ينزل عليه في‬
‫تحريم ذبائحهم شيء‪ ،‬فليس إل أكل ما يذبحونه لمأكلتهم بعد أن‬
‫تنزه من الميتات تنزيها ً من الله عز وجل له‪ ،‬واختيارا ً من جهة‬
‫الطبع لتركها استقذارا ً لها‪ ،‬وتقززا ً منها‪ ،‬وبعد أن يجتنب الذبائح‬
‫لصنامهم عصمة من الله عز وجل له لئل يشاركهم في تعظيم‬
‫الصنام بها"‪.‬‬
‫ثامنًا‪ :‬قال السهيلي‪ ":‬فإن قيل‪ :‬فالنبي – صلى الله عليه‬
‫‬‫وسلم – كان أولى من زيد بهذه الفضيلة‪ ،‬فالجواب أنه ليس في‬
‫الحديث أنه – صلى الله عليه وسلم – أكل منها‪ ،‬وعلى تقدير أن‬
‫يكون أكل‪ ،‬فزيد إنما كان يفعل ذلك برأي يراه ل بشرع بلغه‪،‬‬
‫وإنما كان عند أهل الجاهلية بقايا من دين إبراهيم‪ ،‬وكان في‬
‫شرع إبراهيم تحريم الميتة‪ ،‬ل تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه‪،‬‬
‫وإنما نزل تحريم ذلك في السلم‪ ،‬والصح أن الشياء قبل‬
‫الشرع ل توصف بحل ول بحرمة‪ ،‬مع أن الذبائح لها أصل في‬
‫تحليل الشرع واستمر ذلك إلى نزول القرآن‪." ...‬‬
‫ وقال القاضي عياض في عصمة النبياء قبل النبوة‪ ":‬إنها‬‫كالممتنع‪ ،‬لن النواهي إنما تكون بعد تقرير الشرع‪ ،‬والنبي –‬
‫صلى الله عليه وسلم – لم يكن متعبدا ً قبل أن يوحى إليه بشرع‬
‫من قبله على الصحيح‪."...‬‬
‫تاسعًا‪ :‬ومن التوجيهات كذلك كما قال الشيخ اللباني –‬
‫‬‫رحمه الله ‪ ":-‬توهم زيد أن اللحم المقدم إليه من جنس ما حرم‬
‫الله‪ ،‬ومن المقطوع به أن بيت محمد – صلى الله عليه وسلم –‬
‫‪68‬‬

‫ل يطعم ذبائح الصنام‪ ،‬ولكن أراد الستيثاق لنفسه والعلن عن‬
‫مذهبه‪ ،‬وقد حفظ محمد له ذلك وسّر به"]‪.[2‬‬
‫عاشرًا‪ :‬قال الذهبي – رحمه الله‪ ":-‬لو افترض أن زيد بن‬
‫‬‫حارثة هو الذي ذبح على النصب فقد فعله من غير أمر النبي –‬
‫صلى الله عليه وسلم – إل أنه كان معه‪ ،‬فنسب ذلك إليه‪ ،‬لن‬
‫زيدا ً لم كن معه من العصمة والتوفيق ما أعطاه لنبيه‪ ،‬وكيف‬
‫يجوز ذلك وهو عليه السلم قد منع زيدا ً أن يمس صنمًا‪ ،‬وما‬
‫مسه هو قبل نبوته‪ ،‬فكيف يرضى أن يذبح للصنم‪ ،‬هذا محال"‪.‬‬
‫وقال أيضا‪" :‬أن يكون ذبح لله واتفق ذلك عند صنم كانوا يذبحون‬
‫عنده"]‪[3‬‬
‫ نتيجة البحث‪:‬‬‫‪ :-1‬ليس في الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم –‬
‫‬‫ذبح على النصب أو أكل مما ذبح على النصب‪ ،‬وغاية ما في‬
‫الحديث أن السفرة قدمت للنبي – صلى الله عليه وسلم – ولزيد‬
‫ولم يأكل منها‪.‬‬
‫‪ :-2‬الرواية التي في صحيح البخاري أن السفرة قدمت للنبي –‬
‫صلى الله عليه وسلم – فرفض أن يأكل منها‪ ،‬ثم قدمت لزيد ولم‬
‫يأكل منها‪ ،‬فل وجه لطعن طاعن أو لمز لمز ولله الحمد‪.‬‬
‫‪ :-3‬جاءت رواية عند أحمد أن النبي – صلى الله عليه وسلم –‬
‫قدم السفرة لزيد‪ ،‬وامتنع زيد أن يأكل منها‪ ،‬وكذلك ل يوجد أي‬
‫دليل على الذبح للنصب أو للصنم‪ ،‬وإن كان يفهم منها هذا ولكنها‬
‫ليست صريحة‪.‬‬
‫‪ :-4‬امتناع زيد بن عمرو من أكل ما في السفرة إنما كان من‬
‫أجل خوفه أن يكون اللحم الذي فيها مما ذبح على النصاب‬
‫فتنزه من أكله‪ ،‬وقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ل‬
‫يأكل من ذبائحهم التي كانوا يذبحونها لصنامهم‪.‬‬
‫‪ :-5‬قال الذهبي – رحمه الله‪" :-‬لو افترض أن زيد بن حارثة هو‬
‫الذي ذبح على النصب فقد فعله من غير أمر النبي – صلى الله‬
‫عليه وسلم – إل أنه كان معه‪ ،‬فنسب ذلك إليه‪ ،‬لن زيدا ً لم يكن‬
‫معه من العصمة والتوفيق ما أعطاه الله لنبيه‪ ،‬وكيف يجوز ذلك‬
‫وهو عليه السلم قد منع زيدا ً أن يمس صنمًا‪ ،‬وما مسه هو قبل‬
‫نبوته‪ ،‬فكيف يرضى أن يذبح للصنم‪ ،‬هذا محال"‪.‬‬
‫‪ :-6‬أما ما جاء في بعض الروايات التي فيها )إني ل آكل مما‬
‫تذبحون على أنصابكم( قال‪ :‬فما رؤي النبي – صلى الله عليه‬
‫وسلم – بعد ذلك أكل شيئا ً مما ذبح على النصب( وهذه الرواية‬
‫منكرة‪ ،‬حكم عليها بالنكارة المام الذهبي والمام اللباني –‬
‫رحمهما الله ‪.-‬‬
‫‪69‬‬

‫وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫‪00000000000000000‬‬
‫]‪ [1‬المغني في الضعفاء ترجمة رقم ‪.5879‬‬
‫]‪ )[2‬فقه السيرة ص ‪.(82‬‬
‫]‪ )[3‬سير أعلم النبلء ‪.(1/135‬‬
‫‪-------------------------‬‬‫)‪(22‬شبهة حول زواج النبي صلى الله عليه وسلم من‬
‫زينب بنت جحش والرد عليها‬
‫أبو عبد الله الذهبي‬
‫الحمد لله والصلة و الصلة و السلم على رسول الله‪ ،‬ثم أما‬
‫بعد‪:‬‬
‫أحبتي في الله شاء الله عز وجل ول مرد لمشيئته أن يطلق زيد‬
‫بن حارثة زوجته حينما تعذر بقاء الحياة الزوجية بينه و بينها على‬
‫الوجه المطلوب‪ ،‬و مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في‬
‫النفوس بحكم العادة ل يسهل التخلص منه‪ ،‬فقد كانت عادة‬
‫التبني ل تزال قائمة في نفوس الناس‪ ،‬و ليس من السهل‬
‫التغلب على الثار المترتبة عليها‪ ،‬و من أهم هذه الثار أن الب ل‬
‫يتزوج امرأة من تبناه بعد وفاته أو طلقه لزوجته‪ ،‬فاختار الله‬
‫تعالى لهذه المهمة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم و أمره‬
‫بالزواج من زينب بنت جحش بعد طلقها من زيد‪.‬‬
‫و بعد أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب رضي الله‬
‫عنها‪ ،‬أثار هذا الزواج أحاديث همز و لمز و أقاويل كثيرة من قبل‬
‫المشركين والمنافقين‪ ،‬فقد قالوا‪ :‬تزوج محمد حليلة ابنه زيد بعد‬
‫أن طلقها‪ ،‬كما وأن للمستشرقين و من شايعهم في العصر‬
‫الحاضر‪ ،‬أحاديث في هذا الموضوع‪ ،‬فاتخذوا من هذه الحادثة‬
‫ذريعة للطعن في رسول الله صلى الله عليه و سلم‪.‬‬
‫والذي أريد أن أتحدث عنه اليوم هو الرد على هؤلء‬
‫المستشرقين الذين اتخذوا من هذه القضية مدخل ً للطعن في‬
‫نبي الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬كما و أنهم تناولوا زواجه صلى‬
‫الله عليه وسلم بهذا العدد‪ ،‬فجعلوا منه مادة للنيل منه صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬و وصفوه بأشياء ينبو عنها القلم‪.‬‬
‫و لما كان هذا المر من الخطورة بمكان لتعلقه بأشرف خلق‬
‫الله على الطلق ‪ -‬و كان كل من يطلق لسانه في هذا الصدد‬
‫يقول‪ :‬لسنا نبتدع شيئًا‪ ،‬فها هي كتب التفسير و كتب السير‬
‫تحكي ذلك ‪ ،-‬لذا سأقوم الن بعرض تلك الروايات التي اعتمدوا‬
‫جه لسانيدها‬
‫عليها رواية رواية‪ ،‬متبعا ً كل رواية منها ببيان ما و ّ‬

‫‪70‬‬

‫من نقد‪ ،‬ثم أتبع ذلك بنقدها جميعا ً من جهة متونها‪ ،‬و موقف‬
‫الئمة المحققين من هذه الروايات‪.‬‬
‫يقو الله تعالى‪} :‬وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه‬
‫أمسك عليك زوجك واتق الله‪ ،‬و تخفي في نفسك ما الله مبديه‪،‬‬
‫و تخشى الناس والله أحق أن تخشاه‪ ،‬فلما قضى زيد منها وطرا ً‬
‫زوجناكها لي ل يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا‬
‫قضوا منهن وطرا ً وكان أمر الله مفعو ً‬
‫ل{]الحزاب‪[37/‬‬
‫إن السبب في طلق زيد لزينب ومن ثم زواج النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم منها؛ هو ما كان بين زيد و بين زينب من خلفات‪ ،‬و‬
‫أنه لم يكن بينهما وئام يؤمل معه أن تبقى الحياة الزوجية بينهما‪،‬‬
‫فطلقها بمحض اختياره و رغبته‪ ،‬و كان رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم ينهاه عن ذلك‪ ،‬و قد كان الله عز وجل قد أعلم نبيه‬
‫صلى الله عليه وسلم أن زيدا ً سيطلق زينب‪ ،‬و أنه ستكون زوجة‬
‫له‪ ،‬و أنه صلى الله عليه وسلم كان يخفي هذا و يخشى من‬
‫مقولة الناس‪ ،‬أنه تزوج مطلقة من كان يدعى إليه‪ ،‬فعاتبه ربه‬
‫على ذلك‪ .‬انظر‪ :‬جامع البيان للطبري)‪ (22/11‬و تفسير القرآن‬
‫العظيم لبن كثير)‪ ،(3/489‬و انظر البخاري) برقم ‪.(4787‬‬
‫خلصة ما جاء في كتب التفسير والتي استدل بها المستشرقون‬
‫أن هناك سببا ً آخر لطلق زينب‪ ،‬هو أن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم رأى زينب فجأة و هي في ثياب المنزل فأعجبته‪ ،‬و وقع‬
‫في قلبه حبها‪ ،‬فتكلم بكلم يفهم منه ذلك‪ ،‬إذ سمعه زيد فبادر‬
‫إلى طلقها تحقيقا ً لرغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬و أن‬
‫زيدا ً شاوره في طلقها‪ ،‬و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ينهاه عن ذلك‪ ،‬لكن في قلبه ضد هذا‪ ،‬و أنه كان راغبا ً في طلق‬
‫زيد لها ليتزوجها‪ ،‬و فوق ذلك فقد أقر الله رسوله على ما فعل‪،‬‬
‫م يخفي هذا والله سيبديه‪.‬‬
‫بل عاتبه ل ِ َ‬
‫و رغم شناعة ما جاء في هذه الروايات‪ ،‬و هذا الفهم للية‬
‫الكريمة التي تتحدث عن طلق زيد لزينب و زواج النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم بها‪ ،‬إل أنه قد جاز على أئمة فضلء‪ ،‬ففسروا به‬
‫الية الكريمة‪ ،‬وأثبتوا ذلك صراحة في كتبهم وتفاسيرهم‪.‬‬
‫ومن هؤلء الئمة‪ :‬ابن جرير الطبري في كتابه جامع البيان)‬
‫‪ ،(22/12‬عند تفسيره الية ولم يذكر غيره‪.‬‬
‫و منهم‪ :‬الرازي في تفسيره)‪ ،(13/184‬حيث ذكر نحوا ً من كلم‬
‫ابن جرير‪.‬‬
‫ومنهم‪ :‬ابن القيم في كتابه الجواب الكافي)ص ‪ ،(247‬حيث‬
‫ذكره في معرض سوقه لحكايات في عشق السلف الكرام‬
‫والئمة العلم‪.‬‬
‫‪71‬‬

‫ومنهم‪ :‬الزمخشري في تفسيره)‪.(3/262‬‬
‫وأحسن ما يعتذر به عن هؤلء الئمة وأتباعهم ممن ذهب يفسر‬
‫الية بهذا‪ ،‬أنهم عدوا هذا منه صلى الله عليه وسلم من عوارض‬
‫البشرية‪ ،‬كالغضب والنسيان‪ ،‬و لكنهم لم يستحضروا شناعة هذا‬
‫التفسير للية‪ ،‬و نسبة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬و‬
‫لم يدققوا في الروايات التي وصلتهم من جهة أسانيدها و متونها‬
‫كما فعل غيرهم‪ ،‬ونحن نسأل الله أن يثيبهم على اجتهادهم وأن‬
‫يغفر لهم‪.‬‬
‫والن إلى نقد الروايات‪..‬‬
‫الرواية الولى ذكرها ابن سعد في طبقاته)‪ (8/101‬و من طريقه‬
‫ساقها ابن جرير في تاريخه)‪ :(3/161‬قال‪ :‬أخبرنا محمد بن عمر‪،‬‬
‫قال‪ :‬حدثني عبد الله بن عامر السلمي‪ ،‬عن محمد بن يحيى بن‬
‫حبان‪ ،‬قال‪ :‬جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت زيد بن‬
‫حارثة يطلبه‪ ،‬و كان زيد إنما يقال له‪ :‬زيد بن محمد‪ ،‬فربما فقده‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة فيقول‪" :‬أين زيد؟‬
‫فجاء منزله يطلبه‪ ،‬فلم يجده‪ ،‬و تقوم إليه زينب بنت جحش‬
‫ضل ً أي وهي لبسة ثياب نومها ‪ ،-‬فأعرض رسول الله‬
‫زوجته فُ ُ‬
‫صلى الله عليه وسلم عنها‪ ،‬فقالت‪ :‬ليس هو هاهنا يا رسول الله‬
‫فادخل بأبي أنت وأمي‪ ،‬فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫أن يدخل‪ ،‬و إنما عجلت أن تلبس لما قيل لها‪ :‬رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم على الباب فوثبت عجلى‪ ،‬فأعجبت رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فولى و هو يهمهم بشيء ل يكاد يفهم منه‬
‫إل‪ :‬سبحان مصّرف القلوب‪ ،‬فجاء زيد إلى منزله‪ ،‬فأخبرته امرأته‬
‫أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزله‪ ،‬فقال زيد‪ :‬أل‬
‫قلت له أن يدخل؟ قالت‪ :‬قد عرضت ذلك عليه فأبى‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فسمعت شيئًا؟ قالت‪ :‬سمعته يقول حين ولى تكلم بكلم ل‬
‫أفهمه‪ ،‬و سمعته يقول‪ :‬سبحان الله العظيم‪ ،‬سبحان مصرف‬
‫القلوب‪ ،‬فجاء زيد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهل دخلت؟ بأبي‬
‫وأمي يا رسول الله‪ ،‬لعل زينب أعجبتك فأفارقها‪ ،‬فيقول رسول‬
‫الله‪" :‬أمسك عليك زوجك"‪ ،‬فما استطاع زيد إليها سبيل ً بعد ذلك‬
‫اليوم‪ ،‬فيأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره‪،‬‬
‫فيقول رسول الله‪" :‬أمسك عليك زوجك"‪ ،‬فيقول‪ :‬يا رسول الله‬
‫أفارقها‪ ،‬فيقول رسول الله‪" :‬احبس عليك زوجك"‪ ،‬ففارقها زيد‬
‫واعتزلها و حلت يعني انقضت عدتها قال‪ :‬فبينا رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم جالس يتحدث مع عائشة‪ ،‬إلى أن أخذت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم غشية‪ ،‬فسري عنه و هو يبتسم‬
‫‪72‬‬

‫و هو يقول‪" :‬من يذهب إلى زينب يبشرها أن الله قد زوجنيها من‬
‫السماء؟" وتل رسول الله صلى الله عليه وسلم } وإذ تقول‬
‫للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك‪ {..‬الية‪،‬‬
‫القصة كلها‪.‬‬
‫قالت عائشة‪ :‬فأخذني ما قرب و ما بعد لما يبلغنا من جمالها‪،‬‬
‫وأخرى هي أعظم المور وأشرفها ما صنع الله لها‪ ،‬زوجها الله‬
‫من السماء‪ ،‬و قلت‪ :‬هي تفخر علينا بهذا‪ ،‬قالت عائشة‪ :‬فخرجت‬
‫سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتد فتحدثها‬
‫بذلك‪ ،‬فأعطتها أوضاحا ً حلي من الفضة عليها‪.‬‬
‫وإسناد هذه الرواية فيه علل ثلث‪ ،‬واحدة منها تكفي لرد هذه‬
‫الرواية‪:‬‬
‫العلة الولى‪ :‬أنها مرسلة‪ ،‬فمحمد بن يحيى بن حبان تابعي‪ ،‬يروي‬
‫عن الصحابة‪ ،‬و يروي أيضا ً عن التابعين‪ ،‬كعمر بن سليم و‬
‫العرج‪ ،‬و غيرهما‪)،‬ت ‪ 121‬هـ( و عمره) ‪ 74‬سنة(‪ ،‬فهو لم يدرك‬
‫القصة قطعا ً و لم يذكر من حدثه بها‪ .‬التهذيب)‪.(508-9/507‬‬
‫العلة الثانية‪ :‬عبد الله بن عامر السلمي‪ ،‬ضعيف بالتفاق‪ ،‬بل‬
‫قال فيه البخاري‪ :‬ذاهب الحديث‪ ،‬و قال أبو حاتم‪ :‬متروك‪.‬‬
‫التهذيب)‪ ،(5/275‬و ميزان العتدال)‪.(2/448‬‬
‫العلة الثالثة‪ :‬محمد بن عمر‪ ،‬و هو الواقدي‪ ،‬إخباري كثير الرواية‪،‬‬
‫لكنه متروك الحديث‪ ،‬ورماه جماعة من الئمة بالكذب و وضع‬
‫الحديث‪ .‬ميزان العتدال)‪.(3/664‬‬
‫الرواية الثانية‪ :‬ذكرها ابن جرير في تفسيره)‪ (22/13‬قال‪ :‬حدثني‬
‫يونس‪ ،‬قال‪ :‬أخبرنا ابن وهب‪ ،‬قال‪ :‬قال ابن زيد‪ :‬كان النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم قد زّوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش بنت‬
‫عمته‪ ،‬فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ً يريده وعلى‬
‫الباب ستر من شعر‪ ،‬فرفعت الريح الستر فانكشفت و هي في‬
‫حجرتها حاسرة‪ ،‬فوقع إعجابها في قلب النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فلما وقع ذلك كرهت الخر‪ ،‬فجاء فقال‪ :‬يا رسول الله‬
‫إني أريد أن أفارق صاحبتي‪ ،‬قال‪" :‬مالك؟ أرابك منها شيء؟"‬
‫قال‪ :‬ل‪ ،‬والله ما رابني منها شيء يا رسول الله‪ ،‬ول رأيت إل‬
‫خيرًا‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬أمسك عليك‬
‫زوجك واتق الله"‪ ،‬فذلك قول الله تعالى } وإذ تقول للذي أنعم‬
‫الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في‬
‫نفسك ما الله مبديه {‪ ،‬تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها‪.‬‬
‫و هذه الرواية فيها علتان‪:‬‬

‫‪73‬‬

‫العلة الولى‪ :‬أنها معضلة‪ ،‬فابن زيد و هو عبد الرحمن بن زيد بن‬
‫أسلم ليس بصحابي ول تابعي‪ ،‬فقد سقط من السناد راويان أو‬
‫أكثر‪.‬‬
‫العلة الثانية‪ :‬أن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذا ضعيف باتفاق‬
‫المحدثين‪ ،‬بل صرح بعضهم بأنه متروك الحديث‪ ،‬قال البخاري‬
‫وأبو حاتم‪ :‬ضعفه علي بن المديني جدًا‪ ،‬وقال أبو حاتم‪ :‬كان في‬
‫الحديث واهيًا‪ ،‬و جاء عن الشافعي أنه قال‪ :‬قيل لعبد الرحمن بن‬
‫زيد بن أسلم‪ :‬حدثك أبوك عن جدك أن رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم قال‪ :‬إن سفينة نوح طافت بالبيت و صلت خلف‬
‫المقام ركعتين؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬و لهذا لما ذكر رجل لمالك حديثا ً‬
‫منقطعا ً قال له‪ :‬اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه‬
‫عن نوح‪ .‬و أقوال الئمة في تضعيفه كثيرة‪ ،‬و هو رجل صالح في‬
‫نفسه لكنه شغل بالعبادة والتقشف عن حفظ الحديث فضعف‬
‫جدًا‪ .‬التهذيب)‪ .(6/178‬و يروى عنه شيء كثير في التفسير‪ ،‬فما‬
‫كان من رأيه في فهم القرآن‪ ،‬فهذا ينظر فيه‪ ،‬وأما ما يرويه‬
‫مسندا ً فغير مقبول‪ ،‬فكيف إذا أرسل الحديث؟!‪.‬‬
‫الرواية الثالثة‪ :‬ذكرها أحمد في مسنده)‪ ،(150-3/149‬قال‪:‬‬
‫حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال‪ :‬حدثنا حماد بن زيد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫ثابت عن أنس قال‪ :‬أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل‬
‫زيد بن حارثة فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأته‬
‫زينب‪ ،‬وكأنه دخله ل أدري من قول حماد أو في الحديث فجاء‬
‫زيد يشكوها إليه‪ ،‬فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‪" :‬أمسك‬
‫عليك زوجك واتق الله‪ ،‬قال‪ :‬فنزلت } واتق الله و تخفي في‬
‫نفسك ما الله مبديه { إلى قوله } زوجناكها { يعني زينب‪.‬‬
‫مؤمل بن إسماعيل قواه بعض الئمة‪ ،‬و وصفه أكثرهم بأنه كثير‬
‫الخطأ يروي المناكير‪ ،‬قال يعقوب بن سفيان‪ :‬حديثه ل يشبه‬
‫حديث أصحابه‪ ،‬و قد يجب على أهل العلم أن يقفوا عن حديثه‪،‬‬
‫فإنه يروي المناكير عن ثقات شيوخه‪ ،‬و هذا أشد‪ ،‬فلوا كانت هذه‬
‫المناكير عن الضعفاء لكنا نجعل له عذرًا‪ .‬و قال محمد بن نصر‬
‫المروزي‪ :‬المؤمل إذا انفرد بحديث وجب أن يتوقف و يتثبت فيه‪،‬‬
‫لنه كان سيء الحفظ كثير الغلط‪ .‬التهذيب)‪.(10/381‬‬
‫و حديثه هذا قد رواه جماعة من الثقات من أصحاب حماد فلم‬
‫يذكروا أول الحديث‪ ،‬وإنما ذكروا مجيء زيد يشكوا زينب‪ ،‬و قول‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم له‪ ،‬و نزول الية‪ .‬البخاري)برقم‬
‫‪ (7420‬والترمذي) برقم ‪ (3212‬والنسائي) برقم ‪.(11407‬‬
‫الرواية الرابعة‪ :‬رواها ابن جرير في تفسيره)‪ ،(22/13‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫بشر‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا يزيد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا سعيد عن قتادة‪ } :‬وإذ تقول‬
‫‪74‬‬

‫للذي أنعم الله عليه { و هو زيد أنعم الله عليه بالسلم‪:‬‬
‫} وأنعمت عليه { أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫} أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله‬
‫مبديه {‪ ،‬قال‪ :‬وكان يخفي في نفسه ود ّ أنه طلقها‪ ،‬قال الحسن‪:‬‬
‫ما أنزلت عليه آية كانت أشد منها قوله } واتق الله وتخفي في‬
‫نفسك ما الله مبديه {‪ ،‬و لو كان نبي الله صلى الله عليه وسلم‬
‫كاتما ً شيئا ً من الوحي لكتمها } وتخشى الناس والله أحق أن‬
‫تخشاه {‪ ،‬قال خشي نبي الله صلى الله عليه وسلم مقالة‬
‫الناس‪.‬‬
‫و روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة هذه القصة مختصرة‪،‬‬
‫ي‬
‫قال‪ :‬جاء زيد بن حارثة فقال‪ :‬يا رسول الله إن زينب اشتد عل ّ‬
‫لسانها‪ ،‬وأنا أريد أن أطلقها‪ ،‬فقال له‪" :‬اتق الله وأمسك عليك‬
‫زوجك"‪ ،‬قال‪ :‬والنبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يطلقها و‬
‫يخشى مقالة الناس‪ .‬فتح الباري)‪.(8/524‬‬
‫وقتادة هو بن دعامة السدوسي أحد الئمة الحفاظ‪ ،‬مشهور‬
‫بالتفسير‪ ،‬فما فسره من فهمه لليات فينظر فيه‪ ،‬وما ذكره‬
‫رواية فإن العلماء أخذوا عليه كثرة التدليس‪ ،‬فاشترطوا لصحة‬
‫حديثه أن يصرح بالسماع‪ ،‬و هذا إذا ذكر السناد‪ ،‬فإما ما يرسله‬
‫ول يذكر بعده في السناد أحدا ً كما في روايته لهذه القصة فهو‬
‫ضعيف جدًا‪ ،‬قال الشعبي‪ :‬كان قتادة حاطب ليل‪ ،‬و قال أبو‬
‫عمرو بن العلء‪ :‬كان قتادة وعمرو بن شعيب ل يغث عليهما‬
‫شيء‪ ،‬يأخذان عن كل أحد‪ .‬التهذيب)‪ .(356-8/351‬و كان يحيى‬
‫بن سعيد القطان ل يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا‪ ،‬و يقول‪ :‬هو‬
‫بمنزلة الريح‪ .‬جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلئي) ص‬
‫‪.(101‬‬
‫على أن روايته لتفسير الية ليس فيه تفصيل كما في الروايات‬
‫الخرى‪ ،‬و يمكن رد روايته إلى الروايات الصحيحة في تفسير‬
‫د( أي علم أن زيدا ً سيطلقها ول‬
‫الية‪ ،‬فيكون معنى) أحب( و) و ّ‬
‫بد بإلهام الله له ذلك‪ ،‬وتكون خشيته من مقالة الناس حينئذ ٍ أن‬
‫يقولوا‪ :‬تزوج حليلة ابنه‪.‬‬
‫الرواية الخامسة‪ :‬ذكرها القرطبي في تفسيره)‪ (14/190‬قال‬
‫مقاتل‪ :‬زّوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من‬
‫زيد فمكثت عنده حينًا‪ ،‬ثم إنه عليه السلم أتى زيدا ً يوما ً يطلبه‪،‬‬
‫م نساء‬
‫فأبصر زينت قائمة‪ ،‬و كانت بيضاء جميلة جسيمة من أت ّ‬
‫قريش‪ ،‬فهويها وقال‪" :‬سبحان الله مقلب القلوب"‪ ،‬فسمعت‬
‫زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد‪ ،‬ففطن زيد فقال‪ :‬يا رسول الله‬
‫ي و تؤذيني‬
‫ائذن لي في طلقها‪ ،‬فإن فيها كبرًا‪ ،‬تعظم عل ّ‬
‫‪75‬‬

‫بلسانها‪ ،‬فقال عليه السلم‪" :‬أمسك عليك زوجك واتق الله"‪ ،‬و‬
‫ضله في‬
‫مت َ َ‬
‫ف ّ‬
‫قيل‪ :‬إن الله بعث ريحا ً فرفعت الستر و زينب ُ‬
‫منزلها‪ ،‬فرأى زينب فوقعت في نفسه‪ ،‬و وقع في نفس زينب أنه‬
‫وقعت في نفس النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لما جاء يطلب‬
‫زيدًا‪ ،‬فجاء زيد فأخبرته بذلك‪ ،‬فوقع في نفس زيد أن يطلقها‪.‬‬
‫هذه الرواية لم يذكروا لها إسنادا ً إلى مقاتل‪ ،‬و لو صحت إلى‬
‫مقاتل لم يفدها شيئًا‪ ،‬فإن مقاتل ً وهو مقاتل بن سليمان فيما‬
‫يظهر قد كذبه جمع من الئمة ووصفوه بوضع الحديث‪ ،‬و تكلوا‬
‫في تفسيره‪ .‬أنظر ترجمته في التهذيب)‪.(285-10/279‬‬
‫الرواية السادسة‪ :‬قال ابن إسحاق‪ :‬مرض زيد بن حارثة فذهب‬
‫إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده و زينب ابنة جحش‬
‫امرأته جالسة عن رأس زيد‪ ،‬فقامت زينب لبعض شأنها‪ ،‬فنظر‬
‫إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طأطأ رأسه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫"سبحان مقلب القلوب والبصار"‪ ،‬فقال زيد‪ :‬أطلقها لك يا‬
‫رسول الله‪ ،‬فقال‪ :‬ل"‪ ،‬فأنزل الله عز وجل } وإذ تقول للذي‬
‫أنعم الله عليه وأنعمت عليه‪ {...‬إلى قوله }وكان أمر الله مفعول ً‬
‫{‪ .‬تعدد نساء النبياء و مكانة المرأة في اليهودية والمسيحية‬
‫والسلم اللواء أحمد عبد الوهاب) ص ‪.(68‬‬
‫هذه الرواية لم يذكروا لها إسنادًا‪ ،‬و لم أقف عليها في سيرة ابن‬
‫هشام‪.‬‬
‫و بعد أن تبين ضعف هذه الروايات وسقوطها من جهة أسانيدها‪،‬‬
‫فلننظر فيها من جهة متونها وما فيها من اضطراب ونكارة‪ ،‬من‬
‫عدة وجوه‪-:‬‬
‫الوجه الول‪ :‬تناقض الروايات المذكورة‪ ،‬ففي بعضها أن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم زار زيد بن حارثة و هو غائب‬
‫فاستقبلته زينب‪ ،‬و في بعضها أن زيدا ً كان مريضًا‪ ،‬فزاره رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬و كان عليه أفضل الصلة وأتم‬
‫التسليم جالسا ً هو و زيد و زينب‪ ،‬فكيف يكون زيد غائبا ً و مريضا ً‬
‫في فراشه في وقت واحد‪.‬؟!‬
‫الوجه الثاني‪ :‬والروايات التي ذكرت أن رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم زار زيدا ً اختلفت في كيفية رؤية الرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم لزينب رضي الله عنها‪ ،‬فرواية تقول بأنه كان واقفا ً‬
‫بالباب فخرجت إليه‪ ،‬و رواية بأنه كان واقفا ً بباب زيد فرفعت‬
‫الريح ستر الشعر فرآها فأعجبته‪.‬‬
‫الوجه الثالث‪ :‬تتفق الروايات على أن إعجاب النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم بزينب ووقوع حبها في قلبه جاء متأخرًا‪ ،‬أي بعد أن‬
‫تزوجها زيد رضي الله عنه‪ ،‬و هذا شيء عجيب‪ ،‬فلقد ولدت زينب‬
‫‪76‬‬

‫ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاوز الثانية عشرة من‬
‫عمره‪ ،‬و شبت وترعرعت أمامه‪ ،‬فهي ابنة عمته‪ ،‬ألم يلحظ‬
‫مفاتنها إل متأخرًا‪ ،‬و بعد أن صارت زوجة لدعّيه‪ ،‬و هو الذي‬
‫زوجها له‪ ،‬والحجاب لم ينزل بعد‪ ،‬فقد نزل صبيحة عرسها‪ ،‬أل‬
‫يكون شاهدها‪ ،‬فلوا كان يهواها أو وقعت في قلبه لما منعه شيء‬
‫من زواجها‪ ،‬فإشارة منه صلى الله عليه وسلم كافية لن يقدموها‬
‫له‪ ،‬بل قد ورد أنه وهبت نفسها له‪ .‬أنظر كلم ابن العربي حول‬
‫هذا الوجه في كتابه أحكام القرآن)‪.(3/1543‬‬
‫الوجه الرابع‪ :‬لو افترضنا جدل ً أن حبها وقع في قلبه صلى الله‬
‫عليه وسلم متأخرا ً بعد رؤيته لها عند زيد بن حارثة‪ ،‬فبأي شيء‬
‫يمكن تفسير ما صدر منه صلى الله عليه وسلم و فهم منه زيد و‬
‫زينب أنها وقعت في قلبه‪ ،‬سواء كان ذلك تسبيحا ً أو طأطأة‬
‫للرأس‪ ،‬أو غير ذلك؟! كيف ذلك و هو الذي نهي عن أن يخبب‬
‫الرجل امرأة غيره عليه؟ أفيعمل ما قد نهي أمته عنه؟! فعن أبي‬
‫هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ):‬من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا( أبو‬
‫داود) برقم ‪ (5170‬بسند صحيح‪.‬‬
‫ولو افترضنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد‬
‫إفهامها ذلك‪ ،‬وإنما صدر منه ذلك عفوا ً دون قصد‪ ،‬فكيف بما‬
‫ذكروا أنه عقد عليه قلبه من محبته و رغبته أن يطلقها زيد‬
‫ليتزوجها؟ ولو نسب ذلك إلى آحاد المسلمين لكان ينبغي تبرئته‬
‫من ذلك‪.‬‬
‫وفوق ذلك كله كيف يعاتبه الله كما تقول هذه الروايات لنه‬
‫أخفي ذلك عن الناس و لم يعلن أنه يحب زوجة زيد‪ ،‬وأنه يود لو‬
‫صوٌّر مثل هذا كاف في ظهور بطلن هذه‬
‫طلقها ليتزوجها؟ ت َ َ‬
‫الروايات‪.‬‬
‫الوجه الخامس‪ :‬هذه الروايات التي فسروا بها الية لو لم يرد‬
‫غيرها لم يصح أن يفسر بها كتاب الله تعالى‪ ،‬لسقوطها إسنادا ً‬
‫ومتنًا‪ ،‬فكيف و قد وردت روايات أخرى في تفسير الية تفسيرا ً‬
‫منطقيا ً ل إشكال فيه ول نكارة‪ ،‬فالذي يخفيه صلى الله عليه‬
‫وسلم هو ما أعلمه ربه أنه ستصبح زوجة له‪ ،‬و الذي يخشاه هو‬
‫مقولة الناس إنه تزوج حليلة من كان يدعى إليه‪.‬‬
‫والغريب في المر أن بعض المفسرين ترك هذه الروايات‬
‫الصحيحة و التي ل مطعن فيها‪ ،‬و ذكر تلك الروايات الشاذة‬
‫الغريبة‪ ،‬و منهم من لم يذكرها لكنه ذهب يفسر اليات على‬
‫ضوئها‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫و إذا اتضح الن سقوط تلك الروايات سندا ً و متنا ً فإنه ل يفوتني‬
‫هنا أن أسجل مواقف بعض الئمة المحققين من المفسرين‬
‫وغيرهم الذي وقفوا أمام هذه الروايات موقفا ً حازما ً صلبًا‪،‬‬
‫فمنهم من ذكرها و فندها‪ ،‬و منهم من أضرب عنها صفحا ً بعد‬
‫الشارة إلى ضعفها و نكارتها‪.‬‬
‫قال ابن العربي بعد أن ذكر ملخص هذه الروايات‪ ،‬و بين عصمة‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬هذه الروايات كلها ساقطة السانيد‪.‬‬
‫أحكام القرآن)‪.(3/1543‬‬
‫قال القرطبي بعد أن ذكر التفسير الصحيح لما كان يخفيه صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬وما الذي كان يخشاه من الناس‪ :‬وهذا القول‬
‫أحسن ما قيل في تأويل هذه الية‪ ،‬وهو الذي عليه أهل التحقيق‬
‫من المفسرين والعلماء الراسخين‪ ،‬كالزهري والقاضي بكر بن‬
‫العلء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم‪ .‬فأما ما‬
‫روي أن النبي صلى الله عليه وسلم هوى زينب امرأة زيد وربما‬
‫جان لفظ عشق فهذا إنما صدر عن جاهل‬
‫م ّ‬
‫أطلق بعض ال ُ‬
‫بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا‪ ،‬أو مستخف‬
‫بحرمته‪ .‬الجامع لحكام القرآن)‪.(14/191‬‬
‫وقال ابن كثير بعد أن ذكر الروايات الصحيحة‪ :‬ذكر ابن أبي حاتم‬
‫وابن جرير هاهنا آثارا ً عن بعض السلف رضي الله عنهم أحببنا أن‬
‫نضرب عنها صفحا ً لعدم صحتها فل نوردها‪ ،‬و قد روى المام‬
‫أحمد هاهنا أيضا ً حديثا ً من رواية حماد بن زيد عن ثابت عن أنس‬
‫رضي الله عنه فيه غرابة تركنا سياقه أيضًا‪ .‬تفسير القرآن‬
‫العظيم)‪.(3/491‬‬
‫و قال ابن حجر بعد أن ذكر الروايات الصحيحة‪ :‬و وردت آثار‬
‫أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري و نقلها كثير من المفسرين‬
‫ل ينبغي التشاغل بها‪ .‬فتح الباري)‪.(8/524‬‬
‫و هناك ث ُّلة كبيرة من علماء السلم في العصر الحاضر تفطنوا‬
‫لمثل هذه الخبار‪ ،‬ورمقت أبصارهم ما تنطوي عليه من مداخل‬
‫خطيرة ل تليق بمقام النبياء‪ ،‬فأنار الله بصائرهم لكشف النقاب‬
‫عن هذه الثار الدخيلة‪ ،‬فكان لهم الفضل في التنبيه وإيقاظ‬
‫الفكر السلمي للتصدي لكل دسيسة يراد منها النيل من قداسة‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬أو تشويه الحقائق التاريخية‬
‫في تراث السلم‪.‬‬
‫يقول الشيخ محمد رشيد رضا‪ :‬وللقصاص في هذه القصة كلم ل‬
‫ينبغي أن يجعل في حيز القبول‪ ،‬و يجب صيانة النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم عن هذه الترهات التي نسبت إليه زورا ً و بهتانًا‪.‬‬
‫محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ص ‪.(275‬‬
‫‪78‬‬

‫و خلصة المر‪..‬‬
‫كان زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش‬
‫لهلل ذي القعدة من العام الخامس الهجري و هي بنت خمس‬
‫وثلثين‪ .‬ابن سعد في الطبقات)‪.(8/114‬‬
‫روى البخاري في صحيحه) برقم ‪ :(7420‬أن زيدا ً جاء يشكو‬
‫زوجته‪ ،‬فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول‪" :‬اتق الله‬
‫وأمسك عليك زوجك"‪ ،‬قالت عائشة‪ :‬لو كان رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم كاتما ً شيئًا‪ ،‬لكتم هذه‪ ،‬فكانت تفخر على أزواج‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬تقول‪ :‬زوجكن أهاليكن‪ ،‬و زوجني‬
‫الله من فوق سبع سماوات‪.‬‬
‫و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫‪--------------------------‬‬‫)‪ (23‬علة كثرة زواج النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫* الحمد لله وكفى وسلم على عباده الذين اصطفى‪.......‬وبعد‪:‬‬
‫أخرج البخاري في كتاب النكاح‪:‬‬
‫ْ‬
‫س‪}:‬هَ ْ‬
‫ل‪َ :‬قا َ‬
‫جب َي ْرٍ َقا َ‬
‫ت‬
‫ل ت ََزوّ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ن َ‬
‫ت؟ قُل ُ‬
‫ج َ‬
‫ل ِلي اب ْ ُ‬
‫عَ ْ‬
‫ن ع َّبا ٍ‬
‫سِعيد ِ ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ساًء{‪.‬‬
‫ن َ‬
‫مةِ أك ْث َُر َ‬
‫ج فَإ ِ ّ‬
‫َل‪َ .‬قالَ‪ :‬فَت ََزوّ ْ‬
‫ها ن ِ َ‬
‫خي َْر هَذ ِهِ اْل ّ‬
‫قال في الشرح‪:‬‬
‫قوله )فإن خير هذه المة أكثرها نساء( قيد بهذه المة ليخرج‬
‫مثل سليمان عليه السلم‪ ,‬فإنه كان أكثر نساء‪ ,‬وكذلك أبوه داود‪,‬‬
‫ووقع عند الطبراني من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن‬
‫عباس " تزوجوا فإن خيرنا كان أكثرنا نساء " قيل المعنى خير‬
‫أمة محمد من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما‬
‫عدا ذلك من الفضائل‪ .‬والذي يظهر أن مراد ابن عباس بالخير‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ ,‬وبالمة أخصاء أصحابه; وكأنه أشار‬
‫حا ما آثر النبي صلى‬
‫إلى أن ترك التزويج مرجوح‪ ,‬إذ لو كان راج ً‬
‫الله عليه وسلم غيره‪ ,‬وكان النبي صلى الله عليه وسلم ‪ -‬مع‬
‫كونه أخشى الناس لله وأعلمهم به ‪ -‬يكثر التزويج لمصلحة تبليغ‬
‫الحكام التي ل يطلع عليها الرجال‪ ,‬ولظهار المعجزة البالغة في‬
‫خرق العادة لكونه كان ل يجد ما يشبع به من القوت غالبا‪ ,‬وإن‬
‫وجد كان يؤثر بأكثره‪ ,‬ويصوم كثيًرا ويواصل‪ ,‬ومع ذلك فكان‬
‫يطوف على نسائه في الليلة الواحدة‪ ,‬ول يطاق ذلك إل مع قوة‬
‫البدن‪ ,‬وقوة البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقويات من‬
‫مأكول ومشروب‪ ,‬وهي عنده نادرة أو معدومة‪ .‬ووقع في "‬
‫الشفاء " أن العرب كانت تمدح بكثرة النكاح لدللته على‬
‫الرجولية‪ ,‬إلى أن قال‪ :‬ولم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه‪ ,‬بل‬
‫زاده ذلك عبادة لتحصينهن وقيامه بحقوقهن واكتسابه لهن‬
‫‪79‬‬

‫وهدايته إياهن وكأنه أراد بالتحصين قصر طرفهن عليه فل‬
‫يتطلعن إلى غيره‪ ,‬بخلف العزبة فإن العفيفة تتطلع بالطبع‬
‫البشري إلى التزويج‪ ,‬وذلك هو الوصف اللئق بهن‪.‬‬
‫* والذي تحصل من كلم أهل العلم في الحكمة في استكثاره من‬
‫النساء عشرة أوجه تقدمت الشارة إلى بعضها‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عنه ما يظن به‬
‫المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك‪.‬‬
‫ثانيها‪ :‬لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم‪.‬‬
‫ثالثها‪ :‬للزيادة في تألفهم لذلك‪.‬‬
‫رابعها‪ :‬للزيادة في التكليف حيث كلف أن ل يشغله ما حبب إليه‬
‫منهن عن المبالغة في التبليغ‪.‬‬
‫خامسها‪ :‬لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزاد أعوانه على من‬
‫يحاربه‪.‬‬
‫سادسها‪ :‬نقل الحكام الشرعية التي ل يطلع عليها الرجال‪ ,‬لن‬
‫أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله‪.‬‬
‫سابعها‪ :‬الطلع على محاسن أخلقه الباطنة‪ ,‬فقد تزوج أم حبيبة‬
‫وأبوها إذ ذاك يعاديه‪ ,‬وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها‪ ,‬فلو لم‬
‫يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرن منه‪ ,‬بل الذي وقع أنه كان‬
‫أحب إليهن من جميع أهلهن‪.‬‬
‫ثامنها‪ :‬ما تقدم مبسو ً‬
‫طا من خرق العادة له في كثرة الجماع مع‬
‫التقلل من المأكول والمشروب وكثرة الصيام والوصال‪ ,‬وقد أمر‬
‫من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم‪ ,‬وأشار إلى أن كثرته تكسر‬
‫شهوته فانخرقت هذه العادة في حقه صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫تاسعها وعاشرها‪ :‬ما تقدم نقله عن صاحب " الشفاء " من‬
‫تحصينهن والقيام بحقوقهن‪ ,‬والله أعلم‪.‬‬
‫جمعه ورتبه وكتبه الفقير‬
‫د‪ /‬السيد العربي بن كمال‪.‬‬
‫‪--------------------------‬‬‫)‪ (24‬شبهات وتهم ضد مقام النبوة‬
‫شبهات وتهم ضد مقام النبوة)‪(1‬‬
‫قال الله تبارك وتعالى‪) :‬إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله‬
‫في الدنيا والخرة وأعد لهم عذاًبا مهيًنا( ]الحزاب ‪.[57 :‬‬
‫ما من نبي ول رسول أرسله الله عز وجل إل واجه أعداء يكذبونه‬
‫ويشككون الناس في صدق نبوته وهذه سنة من سنن الله عز‬
‫وجل قال تعالى‪) :‬كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين النس‬
‫والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك‬
‫ما فعلوه فذرهم وما يفترون( ]النعام ‪.[112 :‬‬
‫‪80‬‬

‫ولم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم بدعا ً بين الرسل فقد واجه ما‬
‫واجهه إخوته من النبياء من التكذيب والعناد والقتال والتشريد‬
‫والسجن والطرد والستهزاء ولكن ذلك لم يثنه عن دعوته ولم‬
‫يف ّ‬
‫ل في عزيمته بل كان ثابتا ً كالطود الشم فصبر وهانت عليه‬
‫نفسه في سبيل الله عز وجل حتى نصره الله عز وجل ورفع له‬
‫ذكره إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫وقد اتهم نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه كاذب وقيل شهواني‬
‫وقالوا عنه ساحر وكاهن وشاعر ومجنون وأتهم بأنه عدواني‬
‫ومتعصب وإرهابي وهذه التهم مجرد شبهات واهية تسقط عند‬
‫أول وهلة من التعرف على شخصيته ودراسة سيرته وتتبع سنته‬
‫صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وفيما يلي نستعرض كل شبهة أثيرت حول نبينا صلى الله عليه‬
‫وسلم ونفندها بحجج منيرة كالشمس في رائعة النهار‪.‬‬
‫الشبهة الولى‪ :‬قولهم عنه‪) :‬كاذب(‪:‬‬
‫الشبهة الثانية‪:‬قولهم عنه )ساحر‪ ،‬كاهن‪ ،‬مجنون(‪:‬‬
‫الشبهة الثالثة‪) :‬قالوا أساطير الولين اكتتبها فهي تملي عليه‬
‫بكرة وأصيل(‪:‬‬
‫الشبهة الرابعة‪ :‬وهي من شبه المستشرقين الحديثة وصفهم له‬
‫صلى الله عليه وسلم بأنه )شهواني(‪:‬‬
‫الشبهة الخامسة‪ :‬من أعظم الشبه والفتراء‪ :‬وصف النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم بأنه )إرهابي دموي سفاك للدماء(‪:‬‬
‫الشبهة الولى‪ :‬قولهم عنه‪) :‬كاذب(‪:‬‬
‫هذه أضعف فرية افتريت على نبينا صلى الله عليه وسلم‬
‫وأضعف شبهة يمكن أن يتشبث بها أحد قديما ً أو حديثًا‪ ،‬وذلك لما‬
‫اشتهر عنه صلى الله عليه وسلم منذ طفولته من صدق الحديث‬
‫وأمانة في الخلق حتى كانت من أوضح صفاته وأخلقه التي تميز‬
‫بها‪ ،‬حتى أنه كان يسمى في الجاهلية بالمين لصدقه وأمانته‬
‫صلى الله عليه وسلم ومما يثبت ذلك ما جرى في قصة بناء‬
‫قريش للكعبة قبل بعثته صلى الله عليه وسلم واختلفهم على‬
‫وضع الحجر السود حتى كادوا يقتتلون بسبب إرادة كل قبيلة أن‬
‫تفوز بشرف وضع الحجر السود في مكانه ولما اشتد الخلف‬
‫فيما بينهم وأصرت كل قبيلة على الفوز بهذا الشرف أراد أحد‬
‫عقلئهم أن يضع حدا ً للخلف فقال لهم حكموا بينكم أول داخل‬
‫عليكم من باب الصفا فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فلما‬
‫رأوه مقبل ً قالوا‪ :‬هذا محمد المين رضينا به حكمًا‪ .‬ففي هذه‬
‫القصة وقد حدثت قبل البعثة أكبر دليل على اشتهاره بالصدق‬
‫والمانة فيما بينهم‪.‬‬
‫‪81‬‬

‫ومما يثبت اشتهاره بالصدق بين قريش وعدم شكهم في صدق‬
‫حديثه حديث أبي سفيان مع هرقل وسؤال هرقل حينما سأل أبا‬
‫سفيان‪ :‬هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال‪ :‬ل ثم‬
‫رد هرقل في آخر الحديث بحكمة قل من يفطن لها إذ قال‪:‬‬
‫وسألتك أتتهمونه بالكذب فقلت‪ :‬ل فعلمت أنه لن يدع الكذب‬
‫على الناس ثم يكذب على الله تعالى و الحديث في صحيح‬
‫البخاري‪..‬‬
‫ومما يثبت نفي الكذب عنه ما ورد في حديث ركانة بن عبد يزيد‬
‫في السنن بإسناد فيه كلم‪ .‬وكان شديد العداوة للنبي صلى الله‬
‫عليه وسلم والستهزاء به فقال يوما ً للنبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫يا ابن أخي بلغني عنك أمر ولست بكذاب فإن صرعتني علمت‬
‫أنك صادق‪ ،‬لقد أثبت صدقه بنفي الكذب عنه مع شدة العداوة‬
‫وكثرة استهزاءه بالنبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في السير‪.‬‬
‫وقد روى الترمذي عن علي أن أبا جهل قال له‪ :‬إنا ل نكذبك‪،‬‬
‫ولكن نكذب بما جئت به فأنزل الله تعالى فيهم‪) :‬فإنهم ل‬
‫يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون( ]النعام ‪.[33 :‬‬
‫وقد اشتهر بين قريش صدقه صلى الله عليه وسلم حتى إن أبا‬
‫طالب لما أخبره نبينا صلى الله عليه وسلم بخبر الصحيفة التي‬
‫كتبتها قريش وأن الرضة قد أكلتها ولم تترك فيها إل كلمة واحدة‬
‫ج قريش حتى فتحوا الكعبة‬
‫هي )باسمك اللهم( قام أبو طالب يحا ّ‬
‫وأخرجوا الصحيفة ووجدوها حقا ً كما قال نبينا صلى الله عليه‬
‫وسلم فوبخهم أبو طالب بقوله شعرا ً في هذا‪:‬‬
‫وقد كان في أمر الصحيفة عبرة ***متى ما يخبر غائب القوم‬
‫ُيعجب‬
‫محا الله منها كفرهم وعقوقهم*** وما نقموا من ناطق الحق‬
‫معرب‬
‫ُ‬
‫فأصبح ما قالوا من المر باط ً‬
‫ل*** ومن يختلق ما ليس بالحق‬
‫ُيكذب‬
‫وقد كانت علمات الصدق تلوح على محياه صلى الله عليه وسلم‬
‫حتى قال عبد الله بن سلم الحبر اليهودي في قصة إسلمه أنه‬
‫لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ونظر في وجهه قال‪ :‬فلما‬
‫تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب(‪).‬رواه ابن ماجه‬
‫وغيره(‪.‬‬
‫ولو لم تكن فيه آيات مبينة**** كانت بديهته تأتيك بالخبر‬
‫‪000000000000‬‬
‫شبهات وتهم ضد مقام النبوة)‪(2‬‬
‫الشبهة الثانية‪:‬قولهم عنه )ساحر‪ ،‬كاهن‪ ،‬مجنون(‪:‬‬
‫‪82‬‬

‫وهذه الصفات التي وصفه بها كفار قريش لما جاءهم بالحق ولم‬
‫يستطيعوا له رد فجنحوا إلى هذه التهم والوصاف حتى يصدوا‬
‫الناس عنه إذ أنه ل يجلس إليه أحد فيعرض عليه السلم ويقرأ‬
‫القرآن على مسامعه إل أخذ بلب جليسه وأسر قلبه فأراد‬
‫المعاندون بإثارة هذه الشبهة أن يصدوا الناس عن الجلوس إليه‬
‫وسماعه خاصة في المواسم التي يجتمع فيها الناس من أنحاء‬
‫الجزيرة العربية‪.‬‬
‫هذا عتبة بن ربيعة جاء مندوبا ً لقريش لمفاوضة النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم حتى يترك دعوته فيقول له‪ :‬يا ابن أخي إنك منا حيث‬
‫قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب‪ ،‬وإنك قد‬
‫أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلمهم‬
‫وعبت به آلهتهم ودينهم‪ ،‬ثم عرض عليه المال والملك وعرض‬
‫عليه ما استطاعه من الغراء حتى إذا فرغ عتبة من كلمه‬
‫ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع إليه فقال‪ :‬أقد فرغت‬
‫يا أبا الوليد؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬فاسمع مني‪ .‬قال‪ :‬أفعل‪ .‬فقال‬
‫الحبيب صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم )حــم* تنزيل من الرحمن الرحيم(‪.‬‬
‫]فصلت ‪.[2 : 1‬‬
‫ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وقد ألقى عتبة‬
‫يديه وراء ظهره معتمدا ً عليهما وهو يسمع منصتا ً حتى انتهى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجد‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫)قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك( سيرة ابن‬
‫هشام‪!!.‬‬
‫وعاد عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض‪ :‬نحلف بالله قد‬
‫جاءكم أبا الوليد بغير الوجه الذي ذهب به‪ .‬فلما جلس إليهم‬
‫قالوا‪ :‬ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال‪ :‬ورائي أني سمعت قول ً والله‬
‫ما سمعت مثله قط‪ ،‬والله ما هو بالشعر ول بالسحر ول بالكهانة‪،‬‬
‫أطيعوني واجعلوها لي‪ ،‬وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه‬
‫فاعتزلوه فو الله ليكونن لقولـه الذي سمعت منه نبأ عظيم‪.‬‬
‫فهذا عتبة بن ربيعة وهو من صناديد قريش وسادتهم بعدما سمع‬
‫القرآن وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ينفي أن يكون‬
‫شاعرا ً أو كاهنا ً أو ساحرًا‪.‬‬
‫وهذا النضر بن الحارث سيد آخر من سادة قريش وكبير من‬
‫كبرائهم ممن كفر حسدا ً وحقدا ً يقوم في قريش ذات يوم‬
‫ويقول‪ :‬يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له‬
‫بحيلة بعد‪ ،‬فقد كان فيكم محمد غلما ً حدثًا‪ ،‬أرضاكم فيكم‬
‫وأصدقكم حديثا ً وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغه‬
‫‪83‬‬

‫الشيب‪ .‬وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر ل والله ما هو بساحر‬
‫لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم‪ ،‬وقلتم كاهن‪ ،‬ل والله ما هو‬
‫بكاهن قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم‪ .‬وقلتم شاعر‪،‬‬
‫ل والله ما هو بشاعر قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه‬
‫ورجزه‪ .‬قلتم مجنون ل والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما‬
‫هو بخنقه ول وسوسته ول تخليطه‪ .‬يا معشر قريش فانظروا في‬
‫شأنكم فإنه والله قد نزل لكم أمر عظيم‪ .‬فهذه شهادتين من‬
‫أعدى أعداءه تثبت كذبهم وافتراءهم عليه سيرة ابن هشام‪..‬‬
‫الشبهة الثالثة‪) :‬قالوا أساطير الولين اكتتبها فهي تملي عليه‬
‫بكرة وأصيل(‪:‬‬
‫اتهم المشركون نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه جمع أساطير‬
‫الولين من الرواة الذين كانوا يتناقلونها ثم كتبها فهو يلقيها عليهم‬
‫ليدعي بذلك الوحي‪.‬‬
‫وقد بّين القرآن الكريم الرد على مثل هذه الشبهة ومفاده أنه‬
‫كان صلى الله عليه وسلم أميا ً ل يقرأ ول يكتب‪ .‬وأنه لم يخرج‬
‫من مكة ولم يسافر إلى البلد التي تكثر فيها هذه القصص‬
‫والساطير التي ادعتها عليه قريش ثم إن ما جاءهم به محكم ل‬
‫لبس فيه ول اختلف ول عجمة ول اعوجاج فيه على عكس ما‬
‫كان يتناقل في عصرهم من أساطير يكذب بعضها بعضًا‪.‬‬
‫وتحداهم أن يأتوا بمثله فلما عجزوا تحداهم أن يأتوا بسورة‬
‫واحدة مثله فلما عجزوا تحداهم أن يأتوا بعشر آيات مثله‪ ،‬ولن‬
‫يستطيعوا ولو اجتمع الجن كلهم والنس على أن يأتوا بمثله‪ ،‬وما‬
‫ما ليفضح عجزهم وكذبهم وبهتانهم‪ ،‬وهذه المم‬
‫زال التحدي قائ ً‬
‫وصلت في العصر الحديث إلى اقتحام الفضاء وتطويع الكائنات‬
‫فهل يستطيعون ولو اجتمعوا أن يأتوا بآية مثله؟‬
‫)قل لئن اجتمعت النس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ل‬
‫يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيًرا( ]السراء ‪.[88 :‬‬
‫)أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم‬
‫من دون الله إن كنتم صادقين( ]يونس ‪.[38 :‬‬
‫)أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من‬
‫استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين( ]هود ‪.[13 :‬‬
‫وأنى لهم أن يأتوا بمثله وهو تنزيل من رب العالمين الحكيم‬
‫العليم وهو القاهر فوق عباده وهو اللطيف الخبير‪.‬‬
‫الشبهة الرابعة‪ :‬وهي من شبه المستشرقين الحديثة وصفهم له‬
‫صلى الله عليه وسلم بأنه )شهواني(‪:‬‬
‫حين تزوج إحدى عشرة امرأة بينما منع أتباعه من الزيادة على‬
‫أربع نساء‪.‬‬
‫‪84‬‬

‫والجواب على هذه الشبهة‪:‬‬
‫أنه ينبغي أن ُيعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا ً‬
‫قط إل عائشة – رضي الله عنها – كما أنه صلى الله عليه وسلم‬
‫إبان شبابه وفتوته لم يتزوج سوى خديجة – رضي الله عنها –‬
‫حين كان عمره خمسا ً وعشرين سنة وهي امرأة كبيرة فلو كان‬
‫ذا شهوة لما اكتفى بها وهي المرأة الكبيرة في السن فلم يتزوج‬
‫عليها حتى توفيت – رضي الله عنها‪.‬‬
‫وكان زواجه بعائشة – رضي الله عنها – إكراما ً لصديقه وأحب‬
‫الناس إليه وأوفاهم لـه وأكثرهم إخلصا ً له ولدعوته‪.‬‬
‫وكذلك كان زواجه بحفصة بنت عمر بن الخطاب إكراما ً لبيها‬
‫ثاني رجل في السلم وثاني وزراءه وإذا لم يكرم عمر بن‬
‫الخطاب فمن يكرم إذًا؟! وأما زواجه بأم حبيبة وأم سلمة وسودة‬
‫وميمونة وأم المساكين وهن أرامل فكان إيواًء لهن لما فقدن‬
‫أزواجهن ولما أصابهن من عذاب واضطهاد في ذات الله تعالى‪.‬‬
‫وزّوجه ربه تبارك وتعالى زينب بنت جحش وهو كاره لذلك خشية‬
‫من قول الناس‪» :‬محمد تزوج امرأة ابنة زيد« الذي تبناه قبل‬
‫السلم فأراد الله عز وجل أن يهدم قاعدة التبني التي كانت‬
‫ة في المجتمع الجاهلي حيث كان للبن المتبنى عند العرب‬
‫متأصل ً‬
‫في الجاهلية جميع الحرمات والحقوق التي كانت للبن الحقيقي‬
‫سواء بسواء‪ ،‬فكان أقوى معول لهدم هذه القاعدة أن أمر الله‬
‫عز وجل نبيه أن ينكح زوجة زيد بعدما طلقها وقد كان ابنا ً لـه‬
‫بالتبني في الجاهلية ليستقر عند العرب عدم جواز التبني‪.‬‬
‫وكان زواجه لصفية وجويرية مسحا ً لدموعها وإذهابا ً لحزنهما‬
‫لموت زوجيهما في معركة قتال دارت بين رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم وبين رجالهما‪.‬‬
‫كما أن من فوائد زواجه صلى الله عليه وسلم ما كان شائعا ً عند‬
‫العرب من احترام للمصاهرة إذ كانوا يرون مناوأة ومحاربة‬
‫الصهار سبة وعارا ً على أنفسهم‪ .‬فلما تزوج النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم بأم سلمة المخزومية لم يقف خالد بن الوليد‬
‫المخزومي من المسلمين موقفه الشديد الذي وقفه بأحد‪،‬‬
‫وكذلك أبو سفيان قائد المشركين لم يواجه رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم بأي محاربة بعد زواجه بابنته أم حبيبة‪،‬وكذلك ل‬
‫نرى من قبيلتي بني المصطلق وبني النضير أي استفزاز وعداء‬
‫بعد زواجه بجويرية وصفية‪.‬‬
‫ومن أعظم وأجل مقاصد نكاحه صلوات ربي وسلمه عليه أنه‬
‫كان مأمورا ً بتزكية وتعليم الناس ولما كان من المبادئ التي قام‬
‫عليها بناء المجتمع المسلم أل يختلط الرجال بالنساء كانت‬
‫‪85‬‬

‫الحاجة داعية إلى وجود نساء مختلفات العمار والمواهب )وهن‬
‫أمهات المؤمنين( فيزكيهن النبي صلى الله عليه وسلم ويربيهن‬
‫ويعلمنهن ليقمن من بعده بتربية نساء المسلمين فيكفين مؤنة‬
‫التبليغ في النساء‪ ،‬وقد كان لمهات المؤمنين فض ٌ‬
‫ل كبير في نقل‬
‫أحواله صلى الله عليه وسلم المنزلية للناس‪.‬‬
‫أفترى رجل ً يدع الزواج في شبابه من النساء ويقتصر على امرأة‬
‫كبيرة في السن كخديجة أو كسودة حتى يصل الخمسين من‬
‫عمره ثم فجأة يجد في نفسه شهوة عارمة فيتزوج بمثل هذا‬
‫العدد الكبير من النساء؟!‪.‬‬
‫اللهم إن هذا ل يقولـه إنسان عاقل بل ل يقوله إل مكابر فاجر‪.‬‬
‫الشبهة الخامسة‪:‬من أعظم الشبه والفتراء‪ :‬وصف النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم بأنه )إرهابي دموي سفاك للدماء(‪:‬‬
‫وهذه التهمة إنما يذيعها المستشرقون في العصر الحديث‬
‫تشكيكا ً في دعوته وصدق نبوته صلى الله عليه وسلم فقد ثبت‬
‫عنه صلى الله عليه وسلم من الحلم والحتمال والعفو عند‬
‫المقدرة والصبر على المكاره الشيء الكثير جدًا‪.‬‬
‫وكل حليم عرفت منه زلة وحفظت عنه هفوة ولكنه صلى الله‬
‫عليه وسلم لم يزدد مع كثرة الذى إل صبرا ً وعلى إسراف‬
‫خّير رسول‬
‫الجاهل إل حلمًا‪ ،‬قالت عائشة – رضي الله عنها‪ :‬ما ُ‬
‫الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إل اختار أيسرهما ما لم‬
‫يكن إثما ً فإن كان إثما ً كان أبعد الناس عنه‪ ،‬وما انتقم لنفسه إل‬
‫أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها أخرجه البخاري‪ ،‬وكان أبعد‬
‫ً‬
‫ى‪.‬‬
‫الناس غضبا وأسرعهم رض ً‬
‫وقد كان من أعظم دلئل نبوته التي وردت في كتب أهل الكتاب‪.‬‬
‫والتي آمن على مثلها من آمن منهم مثل عبد الله بن سلم‬
‫وسلمان الفارسي وغيرهما أن حلمه يسبق غضبه‪.‬‬
‫وقد كان العفو والصفح أحب إليه من النتقام كما في القصص‬
‫التالية‪:‬‬
‫* تصدى لـه غورث بن الحارث ليفتك به صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫ورسول الله صلى الله عليه وسلم مطرح تحت شجرة وحده‬
‫قائل ً )من القيلولة وهو نوم وسط النهار( دون حرس‪ ،‬وأصحابه‬
‫قائلون كذلك‪ .‬وذلك في غزاة‪ ،‬فلم ينتبه رسول الله صلى الله‬
‫ت في يديه‬
‫عليه وسلم إل وغورث قائم على رأسه‪ ،‬والسيف مصل ٌ‬
‫وقال‪ :‬من يمنعك مني؟ فقال صلى الله عليه وسلم‪» :‬الله«‪.‬‬
‫فسقط السيف من يد غورث‪ ،‬فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫وقال‪» :‬من يمنعك«؟ قال غورث‪ :‬كن خير آخذ فتركه وعفا عنه‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫فعاد إلى قومه فقال‪ :‬جئتكم من عند خير الناس‪) .‬أخرجه المام‬
‫أحمد وهو في البخاري مختصرًا(‪.‬‬
‫* لما دخل المسجد الحرام صبيحة الفتح ووجد رجالت قريش‬
‫جالسين مطأطي الرؤوس ينتظرون حكم رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم الفاتح فيهم‪ ،‬فقال‪» :‬يا معشر قريش ما تظنون أني‬
‫فاعل بكم«؟ قالوا‪ :‬أخ كريم وابن أخ كريم‪ ،‬قال‪» :‬اذهبوا فأنتم‬
‫الطلقاء« )حسن إسناده ابن حجر في فتح الباري( فعفا عنهم‬
‫بعدما ارتكبوا من الجرائم ضده وضد أصحابه ما ل يقادر قدره‪،‬‬
‫ول يحصى عده‪ ،‬ومع هذا فقد عفا عنهم ولم يعنف ولم يضرب‪.‬‬
‫ولم يقتل فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫* سحره لبيد بن العصم اليهودي )القصة في صحيح البخاري(‪،‬‬
‫فعفا عنه ولم يؤاخذه‪ .‬بل لم يثبت أنه لمه أو عاتبه مجرد لوم أو‬
‫عتاب‪ .‬فضل ً عن المؤاخذة والعقاب‪.‬‬
‫* تآمر عليه المنافقون وهو في طريق عودته من تبوك إلى‬
‫المدينة تآمروا عليه ليقتلوه وعلم بهم وقيل له فيهم فعفا عنهم‪،‬‬
‫وقال‪) :‬ل ُيتحدث أن محمدا ً يقتل أصحابه( )القصة في صحيح‬
‫البخاري(‪.‬‬
‫* لم يذكر في غزوة من الغزوات أنه اعتدى على أحد أو غزا‬
‫قوما ً مسالمين بل كانت غزواته وسراياه موجهة إلى من بدأه‬
‫بالعداوة وحاول الكيد للسلم والمسلمين‪ ،‬وكان يأمر أمراءه إذا‬
‫أرسلهم أن ل يقتلوا امرأة ول طفل ً ول عجوزا ً ول راهبا ً معتزل ً‬
‫في صومعته وكان ينهاهم عن التحريق بالنار وإفساد الزرع‪.‬‬
‫وقد غّير النبي صلى الله عليه وسلم أغراض الحروب وأهدافها‬
‫التي كانت تضطرم نار الحرب لجلها في الجاهلية‪ ،‬فبينما كانت‬
‫الحرب عبارة عن النهب والسلب والقتل والغارة والظلم والبغي‬
‫والعدوان وأخذ الثأر والفوز بالوتر وكبت الضعيف وتخريب‬
‫العمران وتدمير البنيان وهتك حرمات النساء والقسوة على‬
‫الضعيف والولئد والصبيان وإهلك الحرث والنسل والعبث‬
‫والفساد في الرض في الجاهلية‪ ،‬إذ صارت هذه الحرب في‬
‫السلم جهادا ً في تحقيق أهداف نبيلة وأغراض سامية وغايات‬
‫محمودة يعتز بها المجتمع النساني في كل زمان ومكان وغدت‬
‫الحرب جهادا ً في تخليص النسان من نظام القهر والعدوان‪.‬‬
‫إن تحول المجتمع إلى نظام العدل والنصف بدل ً عن نظام يأكل‬
‫فيه القوي الضعيف‪ ،‬حتى يصير المجتمع إلى نظام يصير فيه‬
‫القوي ضعيفا ً حتى يؤخذ الحق منه وصارت بذلك الحرب جهادا ً‬
‫لتخليص المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين‬
‫يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من‬
‫‪87‬‬

‫لدنك وليا ً واجعل لنا من لدنك نصيرًا‪ .‬وصارت جهادا ً في تطهير‬
‫أرض الله من الغدر والخيانة والثم والعدوان وغدت وسيلة‬
‫لبسط المن والسلمة والرأفة والرحمة ومراعاة الحقوق‬
‫والمروءة‪.‬‬
‫ض يكون‬
‫ض إلى خيرٍ مح ٍ‬
‫أومن قام بتبديل الحرب من شّر مح ٍ‬
‫ك للدماء؟‪.‬‬
‫إرهابيا ً أو سفا ٍ‬
‫أفترى من يأمر بهذا العدل والنصاف والرحمة والرأفة حتى مع‬
‫العدو أثناء القتال يمكن أن يوصف بأنه إرهابي أو قاتل أو سفاك‬
‫للدماء؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!!‬
‫علما ً بأن جميع البلد التي فتحها بالسيف ظهر فيها السلم‬
‫وانتشر وثبت أهلها على السلم‪ ،‬مما يؤكد أن انتشار السلم‬
‫وثباته لصفاته الذاتية فيه وليس انتشاره عائدا ً إلى نشره بالقوة‬
‫والسيف فقط كما أن أكثر بقاع السلم وبلده مما فتح سلما ً‬
‫دون حرب أو قتال كما ثبت ذلك في دواوين السيرة وكتب‬
‫التاريخ‪.‬‬
‫إن هذه الشبه والتهم التي يطلقها أعداء السلم على نبينا صلى‬
‫الله عليه وسلم لم تكن يوما ً لتوهي من عضد الرسالة أو‬
‫الرسول الذي بعث بها‪) :‬يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم‬
‫ويأبى الله إل أن يتم نوره ولو كره الكافرون( ]التوبة ‪.[32 :‬‬
‫بل ربما كانت هذه الشبه فأل خير لهذا الدين إذ أنه ومنذ ظهور‬
‫فجر النبوة المحمدية كانت هذه الشبه والتهامات سببا ً وباعثا ً‬
‫قويا ً في إقبال الناس على دعوته صلى الله عليه وسلم فكلما‬
‫زادت التهم زاد تحري الناس وسؤالهم عن الرسول والرسالة‬
‫فيقودهم ذلك إلى النبهار بأضواء النبوة حتى يسلمهم ذلك إلى‬
‫الدخول في دين الله أفواجا ً والحمد لله أول ً وآخرًا‪.‬‬
‫وقولنا لمن يروج هذه الشبه والتهم هو ما قاله حسان ابن ثابت‬
‫في المنافحة عن النبي صلى الله عليه وسلم والذب عنه وهو‬
‫أجمل ما قيل في الذب عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم‬
‫يستطع أحد أن يحلق إلى ما دون هذا فضل ً عن أن يساميه وأّنى‬
‫لهم ذلك وهو المؤيد بروح القدس‪ ،‬يقول – رضي الله عنه‪:‬‬
‫ت عنه **** وعند الله في ذاك الجزاُء‬
‫ت محمدا ً فأجب ُ‬
‫هجو َ‬
‫هجوت مباركا ً برا ً حنيفا ً **** أمين الله شيمته الوفاُء‬
‫ت له بكفء؟**** فشركما لخير كما الفداُء‬
‫أتهجوه ولس َ‬
‫فإن أبي ووالده وعرضي *** لعرض محمد منكم وقاُء‬
‫وإذا كان هذا ما قاله مؤمن به‪ ،‬فإن ما ورد عن أعداءه من الثناء‬
‫عليه كثيٌر جدا ً – والحق ما شهدت به العداء – فهذا الدكتور‬
‫مايكل هارت الذي ألف كتاب )المائة الوائل( يضع في المقام‬
‫‪88‬‬

‫الول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويعلل ذلك بقوله‪)) :‬إن‬
‫اختيار المؤلف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليكون في رأس‬
‫القائمة التي تضم الشخاص الذين كان لهم أعظم تأثير عالمي‬
‫في مختلف المجالت‪ ،‬إن هذا الختيار ربما أدهش الكثير من‬
‫القراء )يقصد بهم القراء من غير المسلمين الذين ألف لهم‬
‫الكتاب‪ ،‬وإل فإن المسلمين يعتقدون عقيدة جازمة بأن محمد‬
‫صلى الله عليه وسلم هو خير الثقلين( إلى حد قد يثير بعض‬
‫التساؤلت‪ ،‬ولكن في اعتقاد المؤلف أن محمدا ً صلى الله عليه‬
‫وسلم كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى‬
‫وأبرز في كل المستويين الديني والدنيوي‪.‬‬
‫لقد أسس محمد صلى الله عليه وسلم ونشر أحد أعظم الديان‬
‫في العالم‪ ،‬وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظام‪.‬‬
‫ففي هذه اليام وبعد مرور ثلثة عشر قرنا ً تقريبا ً على وفاته‪،‬‬
‫فإن تأثيره ل يزال قويا ً وعارمًا((*‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬
‫*كتاب )المائة الوائل في المقدمة( للدكتور مايكل هارت‬
‫‪-------------------------‬‬‫)‪ (25‬الثـار النبويـة‬
‫المجيب د‪ .‬ناصر بن عبد الرحمن الجديع‬
‫عضو هيئة التدريس بجامعة المام محمد بن سعود السلمية‬
‫السؤال‬
‫أثناء زيارتي لتركيا رأيت في متحف )طوب قابي سراي( في‬
‫اسطنبول قاعة للمانات المقدسة‪ ،‬تضم آثارا ً نبوية؛ شعرات‬
‫للرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ورسالته للمقوقس‪ ،‬وبردته‪،‬‬
‫وأشياء أخرى‪ ،‬ولم ألحظ ما يدل على ثبوت ذلك تاريخيًا‪.‬‬
‫فما حقيقة هذه الثار‪ ،‬و هل يصح أنها نبوية؟‬
‫الجواب‬
‫ليس هنالك ما يدل على ثبوت صحة نسبة هذه الثار ونحوها إلى‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قال صاحب كتاب )الثار النبوية( المحقق أحمد تيمور باشا ص‬
‫‪ 78‬بعد أن سرد الثار المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫بالقسطنطينية )اسطنبول(‪) :‬ل يخفى أن بعض هذه الثار محتمل‬
‫الصحة‪ ،‬غير أنا لم نر أحدا ً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي‪ ،‬فالله‬
‫سبحانه أعلم بها‪ ،‬وبعضها ل يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها‬
‫من الريب ويتنازعها من الشكوك( الخ‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫ول شك في مشروعية التبرك بآثار نبينا محمد صلى الله عليه‬
‫وسلم في حياته وبعد وفاته‪ ،‬ولكن الشأن في حقيقة وجود شيء‬
‫من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم في العصر الحاضر‪.‬‬
‫وإن مما يضعف هذه الحقيقة ما جاء في صحيح البخاري)‪(3/186‬‬
‫عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه أنه قال‪) :‬ما ترك رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ً ول دينارًا‪ ،‬ول عبدا ً ول‬
‫أمة‪ ،‬ول شيئا ً إل بغلته البيضاء‪ ،‬وسلحه‪ ،‬وأرضا ً جعلها صدقة(‬
‫فهذا يدل على قّلة ما خّلفه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد‬
‫موته من أدواته الخاصة ‪.‬‬
‫وأيضا ً فقد ثبت فقدان الكثير من آثار الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم على مدى اليام والقرون؛ بسبب الضياع‪ ،‬أو الحروب‪،‬‬
‫والفتن ونحو ذلك‪.‬‬
‫ومن المثلة على ذلك فقدان البردة في آخر الدولة العباسية‪،‬‬
‫حيث أحرقها التتار عند غزوهم لبغداد سنة ‪656‬هـ ‪ ،‬وذهاب نعلين‬
‫ينسبان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في فتنة تيمور لنك‬
‫بدمشق سنة ‪803‬هـ ‪.‬‬
‫ويلحظ كثرة ادعاء وجود وامتلك شعرات منسوبة إلى الرسول‬
‫صلى الله عليه وسلم في كثير من البلدان السلمية في العصور‬
‫المتأخرة‪ ،‬حتى قيل إن في القسطنطينية وحدها ثلثا ً وأربعين‬
‫شعرة سنة ‪1327‬هـ ‪ ،‬ثم أهدي منها خمس وعشرون‪ ،‬وبقي‬
‫ثماني عشرة‪.‬‬
‫ولذا قال مؤلف كتاب )الثار النبوية( ص ‪ 82‬بعد أن ذكر أخبار‬
‫التبرك بشعرات الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل أصحابه‬
‫رضي الله عنهم‪) :‬فما صح من الشعرات التي تداولها الناس بعد‬
‫بذلك فإنما وصل إليهم مما ُقسم بين الصحاب رضي الله عنهم ‪،‬‬
‫غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها(‪.‬‬
‫دعى الن من وجود بعض الثار‬
‫ومن خلل ما تقدم فإن ما ي ُ ّ‬
‫النبوية في تركيا أو غيرها سواًء عند بعض الجهات‪ ،‬أو عند بعض‬
‫الشخاص موضع شك‪ ،‬يحتاج في إثبات صحة نسبته إلى الرسول‬
‫صلى الله عليه وسلم إلى برهان قاطع‪ ،‬يزيل الشك الوارد‪ ،‬ولكن‬
‫أين ذلك؟ ولسيما مع مرور أكثر من أربعة عشر قرنا ً من الزمان‬
‫على وجود تلك الثار النبوية‪ ،‬ومع إمكان الكذب في ادعاء نسبتها‬
‫إلى الرسول صلى الله عليه وسلم للحصول على بعض الغراض‪،‬‬
‫كما ُوضعت الحاديث ونسبت إليه صلى الله عليه وسلم كذبا ً‬
‫وزورًا‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫وعلى أي حال فإن التبرك السمى والعلى بالرسول ‪-‬صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ -‬هو اتباع ما أثر عنه من قول أو فعل‪ ،‬والقتداء به‪،‬‬
‫والسير على منهاجه ظاهرا ً وباطنًا‪.‬‬
‫‪-------------------------‬‬‫)‪ (26‬الرد على شبهة اهتمامه صلى الله عليه وسلم‬
‫بالدنيا والغنائم‬
‫الكاتب‪ :‬الشبكة السلمية‬
‫من الشبه التي أثارها أعداء السلم‪ ،‬ورّوجوا لها بهدف تشويه‬
‫شخصية محمد ٍ صلى الله عليه وسلم‪ ،‬للوصول إلى الطعن في‬
‫دعونه من أنه كان صاحب مطامع‬
‫دعوته‪ ،‬وإبعاد الناس عنها‪ ،‬ما ي ّ‬
‫دنيوية‪ ،‬لم يكن يظهرها في بداية دعوته في مكة‪ ،‬ولكنه بعد‬
‫هجرته إلى المدينة بدأ يعمل على جمع الموال والغنائم من خلل‬
‫الحروب التي خاضها هو وأصحابه‪ ،‬ابتغاء تحصيل مكاسب مادية‬
‫وفوائد معنوية‪.‬‬
‫وممن صرح بذلك "دافيد صمويل مرجليوت " المستشرق‬
‫النجليزي اليهودي‪ ،‬حيث قال‪" :‬عاش محمد هذه السنين الست‬
‫بعد هجرته إلى المدينة على التلصص والسلب والنهب‪ ..‬وهذا‬
‫يفسر لنا تلك الشهوة التي أثرت على نفس محمد‪ ،‬والتي دفعته‬
‫إلى شن غارات متتابعة‪ ،‬كما سيطرت على نفس السكندر من‬
‫قبل ونابليون من بعد "‪.‬‬
‫والحق‪ ،‬فإن الناظر في سيرته صلى الله عليه وسلم‪ ،‬والمتأمل‬
‫في تاريخ دعوته‪ ،‬يعلم علم اليقين أنه صلى الله عليه وسلم لم‬
‫يكن يسعى من وراء كل ما قام به إلى تحقيق أي مكسب دنيوي‪،‬‬
‫يسعى إليه طلب الدنيا واللهثون وراءها‪ ،‬وهذا رد إجمالي على‬
‫هذه الشبهة‪ ،‬أما الرد التفصيلي فبيانه فيما يلي‪:‬‬
‫ذكر في هذه الشبهة ل يوجد عليه دلي ٌ‬
‫‪-1‬أن ما ُ‬
‫ل في واقع حياة‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬إذ لو كان كما قيل لعاش‬
‫عيش الملوك‪ ،‬في القصور والبيوت الفارهة‪ ،‬ولتخذ من الخدم‬
‫والحراس والحشم ما يكون على المستوى المتناسب مع تلك‬
‫المطامع المزعومة‪ ،‬بينما الواقع يشهد بخلف ذلك‪ ،‬إذ كان في‬
‫شظف من العيش‪ ،‬مكتفيا ً بما يقيم أود الحياة‪ ،‬وكانت هذه حاله‬
‫صلى الله عليه وسلم منذ أن رأى نور الحياة إلى أن التحق‬
‫ن بيوته صلى الله عليه وسلم‬
‫بالرفيق العلى‪ ،..‬يشهد لهذا أ ّ‬
‫كانت عبارة عن غرف بسيطة ل تكاد تتسع له ولزوجاته‪.‬‬
‫وكذلك الحال بالنسبة لطعامه وشرابه‪ ،‬فقد كان يمر عليه الشهر‬
‫والشهران ل توقد ناٌر في بيته‪ ،‬ولم يكن له من الطعام إل‬
‫‪91‬‬

‫السودان ‪ -‬التمر والماء‪ ،-‬فعن عائشة رضي الله عنها قالت‬
‫لعروة‪) :‬ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلل‪ ،‬ثم الهلل‪ ،‬ثلثة أهلة‬
‫في شهرين‪ ،‬وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ناٌر‪ ،‬فقلت‪ :‬يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت‪ :‬السودان‪،‬‬
‫التمر والماء( متفق عليه‪ .‬وسيرته صلى الله عليه وسلم حافلة‬
‫بما يدل على خلف ما يزعمه الزاعمون‪.‬‬
‫عرف به النبي صلى‬
‫‪-2‬ثم إن هذه الشبهة تتناقض مع الزهد الذي ُ‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬وحث عليه أصحابه‪ ،‬فقد صح عنه أنه قال‪) :‬إن‬
‫مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها(‬
‫متفق عليه‪ ،‬وقرن في التحذير بين فتنة الدنيا وفتنة النساء‪،‬‬
‫فقال‪) :‬إن الدنيا حلوة خضرة‪ ،‬وإن الله مستخلفكم فيها‪ ،‬فينظر‬
‫كيف تعملون‪ ،‬فاتقوا الدنيا واتقوا النساء‪ ،‬فإن أول فتنة بنى‬
‫إسرائيل كانت في النساء( رواه مسلم‪.‬‬
‫‪-3‬ومما يدحض هذه الشبهة وينقضها من أساسها أن أهل مكة‬
‫عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المال والملك‬
‫والجاه من أجل أن يتخلى عن دعوته‪ ،‬فرفض ذلك كله‪ ،‬وفضل‬
‫أن يبقى على شظف العيش مع الستمرار في دعوته‪ ،‬ولو كان‬
‫من الراغبين في الدنيا لما رفضها وقد أتته من غير عناء‪.‬‬
‫ن الوصايا التي كان يزود بها قواده تدل على أنه صلى الله‬
‫‪-4‬أ ّ‬
‫عليه وسلم لم يكن طالب مغنم ول صاحب شهوة‪ ،‬بل كان هدفه‬
‫الوحد والوحيد إبلغ دين الله للناس‪ ،‬وإزالة العوائق المعترضة‬
‫سبيل الدعوة‪ ،‬فها هو يوصي معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما‬
‫أرسله إلى اليمن بقوله‪) :‬إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب‪،‬‬
‫فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى‪ ،‬فإذا عرفوا‬
‫ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم‬
‫وليلتهم‪ ،‬فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في‬
‫أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم‪ ،‬فإذا أقروا بذلك فخذ‬
‫منهم وتوق كرائم أموال الناس ( رواه البخاري‪.‬‬
‫فهو صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أحدًا‪ ،‬قبل دعوته إلى‬
‫السلم‪ ،‬الذي تصان به الدماء والحرمات‪.‬‬
‫‪-5‬ومما ُيرد به على هذه الفرية أن رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم قد ارتحل من الدنيا ولم يكن له فيها إل أقل القليل‪ ،‬ففي‬
‫الصحيح عن عمرو بن الحارث قال ‪ ) :‬ما ترك رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم عند موته درهمًا‪ ،‬ول دينارًا‪ ،‬ول عبدًا‪ ،‬ول أمة‪ ،‬ول‬
‫شيئا ً إل بغلته البيضاء‪ ،‬وسلحه وأرضا ً جعلها صدقة ( رواه‬
‫البخاري‪ ،‬وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت‪) :‬توفي‬

‫‪92‬‬

‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكله‬
‫ذو كبد‪ ،‬إل شطر شعير في رف لي( متفق عليه‪.‬‬
‫‪-6‬وكما قيل‪ :‬فإن الحق ما شهدت به العداء‪ ،‬فقد أجرى الله‬
‫على ألسنة بعض عقلء القوم عبارات تكذب هذه الشبهة‪ ،‬من‬
‫ذلك ما قاله "كارليل" ‪" :‬أيزعم الكاذبون أن الطمع وحب الدنيا‬
‫هو الذي أقام محمدا ً وأثاره‪ ،‬حمق وأيـم الله‪ ،‬وسخافة وهوس "‪.‬‬
‫ويقول‪" :‬لقد كان زاهدا ً متقشفا ً في مسكنه‪ ،‬ومأكله‪ ،‬ومشربه‪،‬‬
‫وملبسه‪ ،‬وسائر أموره وأحواله‪ ..‬فحبذا محمد من رجل خشن‬
‫اللباس‪ ،‬خشن الطعام‪ ،‬مجتهد في الله‪ ،‬قائم النهار‪ ،‬ساهر الليل‪،‬‬
‫دائبا ً في نشر دين الله‪ ،‬غير طامع إلى ما يطمع إليه أصاغر‬
‫الرجال‪ ،‬من رتبة‪ ،‬أو دولة‪ ،‬أو سلطان‪ ،‬غير متطلع إلى ذكر أو‬
‫شهوة "‪.‬‬
‫‪-7‬وما زعمه المستشرق اليهودي "مرجليوت" من أن انتقام‬
‫رسول صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة كان لسباب‬
‫مصطنعة وغير كافية‪ ،‬فجوابه أن الواقع خلف ذلك‪ ،‬إذ أبرم النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم مع اليهود معاهدة تقرهم على دينهم‪،‬‬
‫وتؤمنهم في أنفسهم وأموالهم‪ ،‬بل تكفل لهم نصرة مظلومهم‪،‬‬
‫وحمايتهم‪ ،‬ورعاية حقوقهم‪ ،‬ولم يكن في سياسته صلى الله عليه‬
‫وسلم إبعادهم‪ ،‬ومصادرة أموالهم إل بعد نقضهم العهود‬
‫والمواثيق‪ ،‬ووقوعهم في الخيانة والمؤامرة‪.‬‬
‫وبعد‪ :‬فل حجة لمن يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان‬
‫صاحب مطامع دنيوية‪ ،‬يحرص عليها‪ ،‬ويسعى في تحصيلها‪ ،‬وإنما‬
‫هي دعوة صالحة نافعة‪ ،‬تعود بالخير على متبعيها في الدنيا‬
‫والخرة‪ ،‬والحمد لله رب العالمين‬
‫‪-------------------------‬‬‫سب النبي المين صلى الله عليه وسلم سب لجميع‬
‫المسلمين‬
‫إعداد‪ /‬زكريا حسيني‬
‫دا يوافي نعمه ويكافئ مزيده‪،‬‬
‫الحمد لله رب العالمين حم ً‬
‫والصلة والسلم التمان الكملن على خير الخلق‪ ،‬سيد ولد آدم‪،‬‬
‫حامل لواء الحمد‪ ،‬نبي الهدى والرحمة‪ ،‬وعلى آله وصحبه‪ ،‬الذين‬
‫جاهدوا معه‪ ،‬وبلغوا رسالة الّله للناس‪ ،‬رضي الّله عنهم أجمعين‪.‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م وَل ِد ٍ كانت‬
‫ه عنهما أ ّ‬
‫مى كانت له أ ّ‬
‫ن أع ْ َ‬
‫»عن ابن عباس رضي الل ّ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫ها فل ت َن ْت َِهي‪،‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم وَت َ َ‬
‫قعُ فيه‪ ،‬فَي َن َْها َ‬
‫شت ِ ُ‬
‫م النب ّ‬
‫ي‬
‫ت تَ َ‬
‫جُر َ‬
‫وَي َْز ُ‬
‫ت ليلةٍ جعل ْ‬
‫جُر! قال‪ :‬فلما كان ذا َ‬
‫ها فل ت َن َْز ِ‬
‫قعُ في الّنب ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم وتشتمه‪ ،‬فأخذ المْغول فوضعه في بطنها‬
‫‪93‬‬

‫طف ٌ‬
‫ت ما هنالك‬
‫ل‪ ،‬فَل َط َ َ‬
‫جل َي َْها ِ‬
‫واتكأ عليه فقتلها فوقع بين رِ ْ‬
‫خ ْ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫ما أصب َ‬
‫م! َفل ّ‬
‫ح ذ ُك َِر ذلك لرسو ِ‬
‫بالد ّ ِ‬
‫َ‬
‫ل ما فَعَ َ‬
‫ه رجل ً فَعَ َ‬
‫فجمع الناس فقال‪» :‬أن ْ ُ‬
‫ل‪ ،‬لي عليه حقّ‬
‫شد ُ الل ّ َ‬
‫م«‪ .‬فقام العمى يتخطى الناس وهو ي َت ََزل َْز ُ‬
‫ل حتى قعد بين‬
‫إل ّ قا َ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسو َ‬
‫ل الّله‪ ،‬أنا‬
‫ي النب ّ‬
‫ي َد َ ِ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫حب ُُها‪ ،‬كانت ت َ ْ‬
‫جُرها فل‬
‫صا ِ‬
‫ك وتقعُ فيك فأن َْهاها فل ت َن َْتهي‪ ،‬وأْز ُ‬
‫شت ِ ُ‬
‫ة‪ ،‬فلما كان‬
‫جُر‪ ،‬ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين‪ ،‬وكانت بي رفيق ً‬
‫ت َن َْز ِ‬
‫م َ‬
‫ت المْغو َ‬
‫ل فوضعته في‬
‫البارح َ‬
‫ة جعلت تشت ُ ِ‬
‫ك وتقعُ فيك‪ ،‬فأخذ ُ‬
‫ْ‬
‫ت عليها حتى قتلتها ! فقال النبي صلى الله عليه‬
‫بطنها‪ ،‬واتكأ ُ‬
‫وسلم‪» :‬أل ا ْ‬
‫هدٌر«‪.‬‬
‫مها َ‬
‫دوا أ ّ‬
‫شه َ ُ‬
‫ن دَ َ‬
‫هذا الحديث أخرجه المام أبو داود في سننه في كتاب الحدود‪،‬‬
‫باب الحكم فيمن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم )‬
‫‪ ،(4361‬وأخرجه المام النسائي في سننه في كتاب المحاربة‬
‫باب الحكم فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم برقم )‬
‫‪ ،(4075‬وأخرجه الحاكم في المستدرك برقم )‪،(8044‬‬
‫والدارقطني والطبراني في الكبير‪ ،‬وصححه الشيخ اللباني في‬
‫إرواء الغليل )‪ (5/92‬برقم )‪ (1251‬وقال‪ :‬إسناده صحيح على‬
‫شرط مسلم‪.‬‬
‫شرح ألفاظ الحديث‪/‬‬
‫ُ‬
‫د«‪ :‬أي غير مسلمة ولذلك كانت تجترئ على ذلك المر‬
‫م وَل َ ٍ‬
‫»أ ّ‬
‫الشنيع‪.‬‬
‫مه‪.‬‬
‫»تقع فيه«‪ :‬أي ت َِعيبه وتذمه؛ يقال‪ :‬وقع فيه أي عاَبه وذ ّ‬
‫»فل تنزجر«‪ :‬أي‪ :‬فل تمتنع‪.‬‬
‫مغْوَ َ‬
‫ف‬
‫ل« بكسر الميم وسكون الغين المعجمة؛ ِ‬
‫»فأخذ ال ِ‬
‫ه سي ٍ‬
‫شب ْ ُ‬
‫ت ِثياِبه فَي ُغَ ّ‬
‫قصير يشتمل به الرج ُ‬
‫ة‬
‫طيه‪ ،‬وقيل حديدة ٌ دقيق ٌ‬
‫ل تح َ‬
‫سو ْ ٌ‬
‫ط في جوفه سيف دقيق يشده الفات ِ ُ‬
‫ك‬
‫ض‪ ،‬وقيل هو َ‬
‫لها حد ّ ما ٍ‬
‫طه ليغتا َ‬
‫خ أبي داود‬
‫س ِ‬
‫على وَ َ‬
‫ل به النا َ‬
‫س‪ ،‬وقد جاء في بعض نس ِ‬
‫»المعول« بالعين المهملة‪ ،‬وهو آلة حديدية تستعمل في الخطر‪.‬‬
‫»واتكأ عليها«‪ :‬أي تحامل عليها‪.‬‬
‫دا لها‪ ،‬والظاهر أنه لم‬
‫»فوقع بين رجليها طفل« لعله كان ول ً‬
‫يمت‪.‬‬
‫ت‪.‬‬
‫»فَل َط َ َ‬
‫ت« أي لوّث َ ْ‬
‫خ ْ‬
‫»ما هناك« أي من الفراش‪.‬‬
‫»ذ ُك َِر ذلك لرسول الّله صلى الله عليه وسلم « أي ذ ُك َِر ذلك‬
‫قت ْ ُ‬
‫ل‪.‬‬
‫ال َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ه رج ً‬
‫»فقال‪ :‬أن ْ ُ‬
‫م عليه‪.‬‬
‫ل« أي أسأله بالله وأقْ ِ‬
‫س ُ‬
‫شد ُ الل ّ َ‬
‫»لي عليه حق«‪ :‬أي يجب عليه طاعتي وإجابة دعوتي‪.‬‬
‫‪94‬‬

‫»ي َت ََزل َْز ُ‬
‫ل«‪ :‬وفي النسائي »يدلدل«‪ .‬وكلهما بمعنى يتحرك‬
‫م ْ‬
‫شيته‪.‬‬
‫ويضطرب في ِ‬
‫»قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم « أي قعد أمام النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫»مثل اللؤلؤتين« في الحسن والبهاِء وصفاء اللون‪.‬‬
‫»أ َل َ ا ْ‬
‫مَها هَد ٌَر«‪ :‬أ َل َ بالتخفيف أداة تنبيه‪ ،‬وإهدار دمها‪،‬‬
‫دوا أ ّ‬
‫شه َ ُ‬
‫ن دَ َ‬
‫أي إبطاله‪ ،‬وأنه ل قصاص عليه في قتلها‪ .‬قال السندي في‬
‫شرحه على سنن النسائي‪ :‬لعل النبي صلى الله عليه وسلم علم‬
‫بالوحي صدق قوله‪ .‬واعتذار السندي هنا بقوله )لعل النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم علم بالوحي صدق قوله لبيان أن ل يجوز لحاد‬
‫الناس فعل هذا الرجل العمى لن هذا من وظائف إمام‬
‫المسلمين(‪.‬‬
‫ب رسول الله صلى الله عليه‬
‫س ّ‬
‫أقوال العلماء في قتل من َ‬
‫وسلم‪:‬‬
‫قال السندي رحمه الّله‪ :‬في الحديث دليل على أن الذمي إذا لم‬
‫يكف لسانه عن الّله ورسوله فل ذمة له‪ ،‬فيحل قتله‪.‬‬
‫ب رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫سا ّ‬
‫قال المنذري‪ :‬فيه أن َ‬
‫ُيقتل‪ ،‬وقد قيل‪ :‬إنه ل خلف في أن سابه من المسلمين يجب‬
‫قتله‪ ،‬وإنما الخلف إذا كان ذمًيا‪ ،‬فقال الشافعي‪ :‬يقتل وتبرأ منه‬
‫م‬
‫الذمة‪ ،‬وقال أبو حنيفة‪ :‬ل يقتل؛ ما هم عليه من الشرك أعظ ُ‬
‫ن الشرك أعظم من سب النبي صلى الله عليه وسلم(‬
‫)أي أ ّ‬
‫ن َ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم من اليهود‬
‫شت َ َ‬
‫وقال مالك‪َ :‬‬
‫م النب ّ‬
‫م ْ‬
‫والنصارى ُقتل‪ ،‬إل ّ أن يسلم‪ .‬انتهى كلم المنذري‪ .‬نقل ً عن عون‬
‫المعبود‪.‬‬
‫ي رضي الله عنه‪» :‬أن‬
‫ولقد روى أبو داود أي ً‬
‫ضا من حديث عل ّ‬
‫ي َُهودّية كانت تشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقع فيها‬
‫فخنقها رج ٌ‬
‫ت فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ل حتى مات ْ‬
‫دمها«‪ ،‬وصححه الشيخ اللباني في الرواء تحت رقم )‪(1251‬‬
‫‪ ،5/91‬وقال‪ :‬إسناده صحيح على شرط الشيخين‪ ،‬ويشهد له‬
‫حديث ابن عباس رضي الله عنهما ‪ -‬الذي معنا‪.‬‬
‫قال صاحب عون المعبود‪ :‬فيه دليل على أنه يقتل من يشتم‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ .‬ثم قال‪ :‬وقد نقل ابن المنذر التفاق‬
‫ب النبي صلى الله عليه وسلم وجب قتله‪ .‬وقال‬
‫على أن من س ّ‬
‫ما‪ .‬وقال‬
‫الخطابي‪ :‬ل أعلم خلًفا في وجوب قتله إذا كان مسل ً‬
‫ب النبي صلى الله عليه‬
‫ابن بطال‪ :‬اختلف العلماء في من س ّ‬
‫وسلم‪ ،‬فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن‬
‫مالك‪ :‬يقتل من سبه صلى الله عليه وسلم منهم إل أن يسلم‪،‬‬
‫‪95‬‬

‫وأما المسلم فُيقتل من غير استتابة‪ .‬ونقل ابن المنذر عن الليث‬
‫والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهودي ونحوه‪ .‬وروى‬
‫عن الوزاعي ومالك في المسلم أنها ردة يستتاب منها‪ ،‬وعن‬
‫ما فهي ردة‪.‬‬
‫الكوفيين إن كان ذمًيا ع ُّزَر وإن كان مسل ً‬
‫موقف اليهود من النبي محمد صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان اليهود أول‬
‫من أظهروا الحقد والحسد لرسول الّله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬عاهدهم ووادعهم‪ ،‬وكان‬
‫المنتظر من أمثالهم أن يكونوا أول من يصدقه ويتبعه‪ ،‬وقد كانوا‬
‫يستفتحون به على المشركين‪ ،‬ويخبرونهم أنه أظلهم زمان آخر‬
‫النبياء‪ ،‬وأنهم إن ظهر فسوف يتبعونه ويقاتلونهم معه‪ ،‬وهم‬
‫دا حق وأن السلم حق كما‬
‫يعرفون ذلك؛ يعرفون أن محم ً‬
‫يعرفون أبناءهم‪ ،‬فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به‪ ،‬ولقد جاءهم‬
‫المر من الّله عز وجل أن يؤمنوا به‪ ،‬وأن يفوا بعهده ليوفي‬
‫بعهدهم‪ ،‬ونهاهم أن يكونوا أول كافر به‪ ،‬لكن هيهات‪ ،‬فإن قلوبهم‬
‫قا أول‬
‫قد امتلت بالحسد عليه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وكانوا ح ً‬
‫من كفر بمحمد ٍ ودين محمد ٍ صلوات الّله وسلمه عليه‪ ،‬ولم‬
‫يكتفوا بالكفر به‪ ،‬بل حاولوا قتله بكل ما يستطيعون‪ ،‬وبكل ما‬
‫أوتوا من قوة ومن مكر ودهاء وكيد للسلم ولنبي السلم‪.‬‬
‫موقف بني قينقاع من الرسول صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫ضا للعهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى‬
‫فأول قبائل اليهود نق ً‬
‫الله عليه وسلم هم بنو قينقاع وذلك في شوال من السنة الثانية‬
‫من الهجرة بعد غزوة بدر مباشرة‪ ،‬فحاربهم الرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فنزلوا على حكمه‪ ،‬وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد‬
‫ي ‪ -‬وكانوا حلفاءه ‪ -‬فوهبهم له‪ ،‬وأخرجهم من المدينة‬
‫الّله بن أب ّ‬
‫إلى أذرعات‪.‬‬
‫موقف بني النضير مع النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫ثم نقض بنو النضير العهد‪ ،‬وقد أرادوا الغدر برسول صلى الله‬
‫عليه وسلم عندما خرج إليهم يستعين بهم في دية رجلين من بني‬
‫عامر قتلهما عمرو بن أمية على سبيل الخطأ‪ ،‬وكان بين بني‬
‫عامر وبني النضير عقد وحلف‪ ،‬فلما أتاهم يستعينهم قالوا‪ :‬نعم‪،‬‬
‫ثم خل بعضهم ببعض وعزموا على قتله صلى الله عليه وسلم‬
‫بإلقاء صخرة على رأسه وهو جالس بجوار جدار من جدرهم‪،‬‬
‫فأوحي الّله تعالى إليه بذلك‪ ،‬فقام منصرًفا‪ ،‬ثم حاصرهم وأجلهم‬
‫إلى خيبر والشام‪ .‬وفي رواية لبن مردويه‪ :‬أن اليهود بعد غزوة‬
‫بدر كاتبتهم قريش‪ ،‬فأجمعوا على الغدر برسول الّله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬اخرج إلينا‬
‫‪96‬‬

‫في ثلثة من أصحابك‪ ،‬ويلقاك ثلثة من علمائنا‪ ،‬فإن آمنوا بك‬
‫اتبعناك‪ ،‬ففعل صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فاشتمل اليهود الثلثة على‬
‫الخناجر‪ ،‬فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من النصار‬
‫مسلم تخبره بأمر بني النضير‪ ،‬فأخبر أخوها النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم قبل أن يصل إليهم‪ ،‬فرجع وصبحهم بالكتائب فحصرهم ثم‬
‫أجلهم‪.‬‬
‫موقف بني قريظة من الرسول صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫تمالت قريظة مع قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫ة على قتاله وقتال من معه من‬
‫مع ً‬
‫ج ِ‬
‫م ْ‬
‫وتحزبت مع الحزاب‪ُ ،‬‬
‫المسلمين‪ ،‬ناقضة عهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وذلك في غزوة الحزاب‪ ،‬فما كان من النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم إل أن توجه إليهم بأمر من الّله تعالى‪ ،‬حين نزل جبريل‬
‫على النبي صلى الله عليه وسلم مخبًرا إياه أن الملئكة لم تضع‬
‫أسلحتها‪ ،‬فانهض بمن معك إلى بني قريظة‪ ،‬فأمر رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم مؤذًنا يؤذن في الناس‪ :‬من كان سامًعا‬
‫مطيًعا فل يصلين العصر إل ّ في بني قريظة‪.‬‬
‫موقف يهود خيبر معه صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫كان يهود خيبر من أكبر المحرضين للمشركين الوثنيين على قتال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬بل كانوا من أهم السباب في‬
‫تجميع الحزاب للقضاء على السلم ونبي السلم‪ ،‬فلذلك بعدما‬
‫استقر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهدأت‬
‫أحوال المسلمين بها تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم وتوجه إلى‬
‫خيبر‪ ،‬لتأديبهم بسبب نقضهم العهد الذي بينهم وبين رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫ولقد بّين القرآن الكريم موقف اليهود من السلم والمسلمين‬
‫في أكثر من آية منه‪ ،‬ومن أجمعها قوله تعالى‪) :‬لتجدن أشد‬
‫الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم‬
‫مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين‬
‫ورهبانا وأنهم ل يستكبرون )‪ (82‬وإذا سمعوا ما أنزل إلى‬
‫الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق‬
‫يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين( ]المائدة‪ ،[83 ،82 :‬هذا‬
‫موقف اليهود من السلم ونبي السلم عند ظهوره‪ ،‬وبداية‬
‫انتشار دينه‪.‬‬
‫فما موقف أعداء السلم اليوم؟‬
‫لقد تفنن أعداء السلم في كل مكان باتهام السلم بأنه دين‬
‫الرهاب‪ ،‬وذلك يرجع إلى إساءة ربما صدرت من بعض المنتمين‬
‫إلى هذا الدين! وهؤلء العداء؛ أل يعرفون عن السلم إل ّ هذه‬
‫‪97‬‬

‫التصرفات التي يتبرأ منها السلم وأهله؟ إنهم صموا آذانهم‬
‫وا ‪ -‬وهم يظهرون للناس أنهم أهل العقل‬
‫وأغلقوا عقولهم وتغاب َ ْ‬
‫والذكاء والفهم ‪ -‬عن أن يتعرفوا على السلم وسماحته‪ ،‬وأنه‬
‫الدين الحق الذي ارتضاه الّله تبارك وتعالى لعباده‪ ،‬وأنهم ‪ -‬أعداء‬
‫هذا الدين ‪ -‬ما نهضوا ول عرفوا تطوًرا ول رقًيا إل باقتباسهم من‬
‫هذا الدين ما جعلهم يصلون إلى ما وصلوا إليه من رقي ورفعة‪.‬‬
‫ثم تجرأ أعداء السلم على نبي السلم عليه الصلة والسلم‪،‬‬
‫فصوروه بصور ل تليق بأراذل الناس وسفهائهم فضل ً عن‬
‫المؤمنين الصالحين‪ ،‬وفضل ً عن رسل الّله وأنبيائه الذين هم خير‬
‫البشر‪ ،‬بل خير الخلق‪.‬‬
‫سبب جرأة أعداء السلم على نبي السلم‪:‬‬
‫إن هذه الجرأة إنما نشأت وظهرت بسبب ضعف المسلمين‬
‫وجهل الكثير منهم بهذا الدين الحق‪ ،‬الذي قال الّله جل جلله‬
‫فيه‪) :‬إن الدين عند الله السلم(‪ ،‬وقال سبحانه‪) :‬ومن يبتغ غير‬
‫السلم دينا فلن يقبل منه وهو في الخرة من الخاسرين(‪ .‬بل إن‬
‫كثيًرا من المسلمين انبهروا بما عليه أعداء السلم من زخرف‬
‫الحياة الدنيا‪ ،‬فنظروا إلى الدين على أنه أمٌر هامشي‪ ،‬ل يهتمون‬
‫به إل بعد أن يفرغوا من أمور الدنيا‪ ،‬ولو علموا أن سعادتهم في‬
‫الدنيا والخرة إنما هي في نسبتهم إلى هذا الدين وتمسكهم به‪،‬‬
‫ضوا عليه بالنواجذ‪ ،‬ولم يفرطوا في شيء منه‬
‫لتمسكوا به وع َ ّ‬
‫دا‪.‬‬
‫أب ً‬
‫ب لجميع المسلمين وطعن‬
‫ب النبي صلى الله عليه وسلم س ّ‬
‫س ّ‬
‫في دينهم‪:‬‬
‫معلوم أن رسل الّله عليهم صلوات الّله وتسليماته يأتون‬
‫برسالت الّله ليبلغوها إلى أقوامهم‪ ،‬فهم واسطة بين الّله وبين‬
‫ب نبًيا من النبياء فقد طعن في رسالته‪ ،‬ول شك‬
‫عبادة‪ ،‬فمن س ّ‬
‫أن الطعن في الرسول والرسالة طعن في المرسل ‪ -‬سبحانه ‪-‬‬
‫وبذلك نستطيع أن نعرف لماذا أهدر النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫دم اليهودية التي آذته وسبته‪ ،‬وإذا كان المشرك ل يعرف لله عز‬
‫ي من‬
‫وجل ح ً‬
‫قا ول يرجو له وقاًرا فل يستغرب منه س ّ‬
‫ب لنب ّ‬
‫النبياء‪ ،‬أما اليهود فإنهم أهل كتاب‪ ،‬أرسل الّله تعالى إليهم رسول ً‬
‫وأنزل عليهم كتاًبا‪ ،‬وفي كتابهم تعظيم شأن هذا النبي‪ ،‬فمن آذاه‬
‫أو سبه فإنما يكفر بما عنده من العلم‪ ،‬ويكتم الحق وهو يعلم‪.‬‬
‫وحينما يسب الكفار المعاصرون نبي السلم فإن هذا السب‬
‫ب‬
‫والستهزاء والسخرية إنما هو طعن في دين السلم وس ّ‬
‫للمسلمين جميًعا الذين يدينون بدين السلم‪ ،‬لذلك وجب على‬
‫عا عن أنفسهم وعن دينهم وعن نبيهم‪.‬‬
‫المسلمين أن يهبوا دفا ً‬
‫‪98‬‬

‫ب في‬
‫قال شيخ السلم في »الصارم المسلول«‪ :‬وضرر الس ّ‬
‫الحقيقة إنما يعود إلى المة بفساد دينها وذل عصمتها وإهانة‬
‫مستمسكها‪ ،‬وإل ّ فالرسول صلوات الّله وسلمه عليه في نفسه‬
‫ل يتضرر بذلك‪ .‬ا هـ‪) .‬ص ‪.(443‬‬
‫واجب المة تجاه نبيها صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫يجب على كل مسلم من المسلمين تجاه نبّيه صلى الله عليه‬
‫وسلم ما يأتي‪:‬‬
‫‪ -1‬التعزير والتوقير‪ ،‬والذب عن سنته صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫والتعزير كما في التفسير تأييده بالمعونة والنصرة ول يكون ذلك‬
‫إل باتباع سنته‪.‬‬
‫‪ -2‬تصديقه فيما أخبر‪ ،‬وطاعته فيما أمر‪ ،‬والنتهاء عما نهى عنه‪.‬‬
‫‪ -3‬حبه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وتقديم محبته على النفس والوالد‬
‫والولد والناس أجمعين‪ ،‬ويظهر ذلك في اتباعه والقتداء به‬
‫وحده‪.‬‬
‫‪ -4‬الحذر من الستهزاء بشيء من سنته‪ ،‬أو َرد ّ شيء منها‬
‫بالعقل‪.‬‬
‫‪ -5‬محبة آل بيته وأزواجه وأصحابه‪ ،‬والتقرب إلى الّله تعالى‬
‫بحبهم‪.‬‬
‫‪ -6‬بيان حال من يطعن في صحابته أو أهل بيته‪.‬‬
‫‪ -7‬تربية أبناء المسلمين على محبة رسول الّله صلى الله عليه‬
‫وسلم والقتداء به‪ ،‬وتعريفهم حقوقه صلى الله عليه وسلم على‬
‫المة‪.‬‬
‫‪ -8‬التخلق بأخلقه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬والقتداء به في‬
‫سلوكه‪.‬‬
‫‪ -9‬التعرف على سيرته صلى الله عليه وسلم وجهاده من أجل‬
‫تبليغ رسالة ربه‪.‬‬
‫‪ -10‬وعلى العلماء أن يعملوا على‪:‬‬
‫أ‪ -‬إحياء سنته صلى الله عليه وسلم في نفوس الناس‪.‬‬
‫ب‪ -‬التمييز بين الصحيح والضعيف مما ُينقل عنه من سنته‪.‬‬
‫جـ‪ -‬التحذير من البدع في الدين التي أساءت إلى السلم‪.‬‬
‫د‪ -‬التحذير من الغلو فيه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬بل ينزل منزلته‬
‫التي أنزله الّله تعالى إياها‪.‬‬
‫هـ‪ -‬الرد على الشبهات والباطيل التي يثيرها أعداء السلم‬
‫وتفنيدها‪.‬‬
‫‪ -11‬على المة السلمية أن تتصدى للعلم الغربي واليهودي‪،‬‬
‫والرد على ما يثيرونه من شبهات حول السلم ونبي السلم‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫ضا أن ُتعنى عناية فائقة بالدعوة إلى السلم‪،‬‬
‫‪ -12‬وعلى المة أي ً‬
‫ودعم الدعاة ليقوموا بواجبهم تجاه الدين‪.‬‬
‫نسأل الّله تعالى أن يرد كيد العداء وأن يبطل مكرهم‪ ،‬وأن يعز‬
‫دينه ويعلي كلمته‪ ،‬وأن يوفق المسلمين للدفاع عن دينهم‪ ،‬والذود‬
‫عن نبيهم‪ ،‬والذب عن سنته صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وأن يجمع‬
‫كلمتهم على الحق‪ ،‬إنه ولي ذلك والقادر عليه‪.‬‬
‫والحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫====================‬
‫إيماض البرق في خلق سيد الخلق صلى وسلم عليه‬
‫الحق‬
‫فضيلة الشيخ علي بن عبد الخالق القرني‬
‫الحمد لله الذي قد أنزل كتابه وللرسول أرسل‪..‬‬
‫اللهم لك الحمد حمدا ً يليق بجلل وجهك وعظيم سلطانك‪..‬‬
‫ولك الحمد زنة عرشك وعدد خلقك ورضا نفسك ومداد كلماتك‪..‬‬
‫ل تشكر نعمتك إل بنعمتك‪ ..‬ول تنال كرامتك إل برحمتك‪..‬‬
‫أنت أهل الثناء والمجد ** فامنن بجميل من الثناء المواتي‬
‫يا محب الثناء والمدح إني ** من حيائي خواطري في شتاتي‬
‫حمدنا وثنائنا ليس إل **هبة منك يا عظيم الهبات‬
‫لو نظمنا قلئد من جمان ** ومعان خلبة بالمئات‬
‫لو برينا الشجار أقلم شكر ** بمداد من دجلة والفرات‬
‫لو نقشنا ثنائنا من دمانا ** أو بذلنا أرواحنا الغاليات‬
‫أو وصلنا نهارنا بدجانا ** في صلة وألسن ذاكرات‬
‫أو قطعنا مفاوز من لهيب ** ومشينا بأرجل حافيات‬
‫أو بكينا دما وفاضت عيون ** بلهيب المدامع الحارقات‬
‫ما أبنا عن همسة من معاني ** في حنايا نفوسنا ماكينات‬
‫أي شيء أبقى وأنقى وأرقى ** من حروف بمدحكم مترعات‬
‫فالق الحب والنوى جل شائنا‪ ..‬لم يزل مرغما أنوف الطغاة‪..‬‬
‫الولي المتين ما خاب ظن لنفوس في فضله طامعات‪ ..‬الحمد‬
‫لك ل ند لك‪ ..‬والملك لك من عالم الذر الخفي إلى الفلك‪ ..‬ما‬
‫عام أو ما طار فيه أو سلك‪ ..‬ما كان من إنس وجن أو ملك‪ ..‬إل‬
‫وقد شهدوا بأن الملك لك‪ ..‬الحمد لله على توفيقه ومنه وفضله‬
‫وجوده‪ ..‬وصلوات الله والسلم ما ناح طير اليك والحمام‪ ..‬على‬
‫النبي المصطفى البشير الهاشمي المجتبى النذير وآله‪ ..‬ما انبلج‬
‫الصباح وصحبه ما هبت الرياح‪ ..‬بذكر الله ترتاح القلوب‪ ..‬ودنيانا‬
‫بذكراه تطيب‪ ..‬من شاء في ظل السعادة هجعته‪ ..‬فهنا تشاد‬
‫صروحها وتقام‪ ..‬أورام نسيان الهموم فهاهنا‪ ..‬تنسى الهموم‬

‫‪100‬‬

‫وتنسخ اللم‪ ..‬سبحان من ل هدي إل هديه‪ ..‬نفنى ويبقى الواحد‬
‫العلم‪..‬‬
‫أي فلذات الكباد وثمرات الفؤاد‪ ..‬فتيان الحمى وجنود الهدى‪..‬‬
‫معاقد المل ورجال العمل‪ ..‬قادة السفينة في موج كالجبال‪..‬‬
‫وليل خافت الذبال‪ ..‬حداة القافلة في خضم العواصف الهوج‬
‫والملتويات العوج‪..‬‬
‫نظر الله هذه الوجوه التي أحسبها في الخير قد رقت أندائها‪..‬‬
‫وتجاوبت أصدائها‪ ..‬وغردت أطيارها‪ ..‬وتنفست أزهارها‪ ..‬وفاح‬
‫أريج أصائلها وأسحارها‪ ..‬فالسعد واليمان في بسماتها‪ ..‬والورد‬
‫والريحان من نسماتها‪ ..‬في هذه الليلة الغراء‪ ..‬التي ل أرى فيها‬
‫إل المغوار وأب المغوار‪ ..‬والرجال وأبناء الرجال وأحفاد الرجال‪..‬‬
‫أحييكم بتحية السلم تحية ظامئ لريكم ورياكم‪ ..‬ومتطلع‬
‫لسهيلكم وثرياكم‪ ..‬تحية البوة للبنوة‪ ..‬والشيخوخة للفتوة‪..‬‬
‫والقرابة للخوة‪ ..‬فالسلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪ ..‬تصافح‬
‫مواطن الحساس من نفوسكم‪ ..‬وتخالط معاقد اليمان من‬
‫قلوبكم‪ ..‬وتحرك أوتار الحمية في صدوركم‪ ..‬سائلين لكم التأييد‬
‫من ذي العرش المجيد‪ ..‬وزيادة في النعيم‪ ..‬وسيادة تدفع إلى‬
‫حرم العز من ثنية التنعيم‪..‬‬
‫أهل بني طه ونون والضحى‪ ..‬وبني تبارك والكتاب المحكم‪ ..‬وبني‬
‫الباطح والمشاعر والصفا‪ ..‬والركن والبيت العتيق وزمزم‪..‬‬
‫حياكم الله وأحياكم للمة‪ ..‬ترفعون منارها‪ ..‬وتورون نارها‪..‬‬
‫وتقومون منئآدها‪ ..‬وتصلحون فسادها‪ ..‬وتنفقون كسادها‪..‬‬
‫وتحسنون تهيئتها وإعدادها‪ ..‬فتملكون قيادها‪ ..‬وتستنشقون رندها‬
‫وعرارها وشيحها وقيصومها وريحانها‪..‬‬
‫جمع الهداية قد شرفت منزل ** قدر المنازل عن سناها نازل‬
‫كم سرت فيها نحو ربعك منشدا ** لك يا منازل في القلوب‬
‫منازل‬
‫معشر الخوة‪ ......‬غير خاف على الغبي والنبيه‪ ..‬والحليم‬
‫والسفيه‪ ..‬أننا نعيش مرحلة حرجة لم يسبق لها مثال‪ ..‬المة كثير‬
‫فيما يعد العادون لكنهم مع هذا العدد مبددون‪..‬‬
‫مدوا يدا لغريب بات يقطعها ** وكان يلثمها لو أنه لطما‬
‫أسراهم في سجون البغي ما عرفوا ** لون الحياة وقتلهم بل‬
‫قودي‬
‫بنوا اللقيطة داسوا حرمة الصحف ** واستأسد الغي حين‬
‫استنوق الرشدوا‬
‫يهان كتاب الله في حملة إذلل منظمة‪ ..‬فل تنشق مرارة ول تثور‬
‫حرارة‪ ..‬فتتخذ مواقف تدل على الثأر للكرامة‪..‬‬
‫‪101‬‬

‫ماذا سيبقى من كرامة ديننا ** لما تداس وتستباح مصاحف‬
‫ردود أفعال هلهيل‪ !!..‬ل تتناسب مع فداحة المصيبة ومقدار‬
‫الهانة‪ !!..‬فلم يجد أبرهة حتى من يقول‪ :‬أنا رب السرى‬
‫وللمصحف رب يحميه‪ ..‬فوا ذله‪!!!..‬‬
‫في زمان الصقور صرنا حماما ** كيف يحيا مع الصقور الحماما؟‬
‫وقع السقف يا صناديد قومي ** أوى صاحون أنتم أم نياما‬
‫ل يهين الجموع إل رضاها ** رضي الناس بالهوان فهانوا‬
‫ول عجب إذا أرخصت نفسك عند ** قوم فل تغضب عليهم إن‬
‫أساءوا‬
‫لو كنت من هاشم لم تستبح صحفي ** بنوا اللقيطة من قرد ابن‬
‫نصرانيا‬
‫أمة تداعى عليها العداء‪ ..‬فإذا هي في عمومها غثاء ل منفعة ول‬
‫غناء‪ ..‬في اضطراب واحتراب‪ ..‬السرائر منها بليت‪ ..‬والصحائف‬
‫نشرت‪ ..‬والدفائن نبشت‪..‬‬
‫ب‬
‫فهي والحداث تستهدفها ** تعشق اللهو وتعشق الطر َ‬
‫ب‬
‫تساق إلى الذبح خاضعة ** وترفع للذابحين الذن َ‬
‫تتلمس الهداية من مطالع الظلل‪ ..‬وتطلب الشفاء بأسباب‬
‫المرض العضال‪ ..‬تبحث عن الدليل وهو معها وحي من ربها‪..‬‬
‫يراد لها ومنها أن تفزع إلى عدوها‪ ..‬تتعادى لرضائه‪ !! ..‬وتتمادى‬
‫بإغوائه‪ !!..‬تتنازل عن عقلها لعقله وإن كان مأفونا‪ !!..‬وعن‬
‫فكرها لفكره وإن كان مجنونا‪ !!..‬يراد لها أن تلقح فضائلها‬
‫برذائله‪ !!..‬وتهزأ بماضيها افتتانا بحاضره‪ !!..‬وتسخر من رجالها‬
‫إعجابا برجاله‪ !!..‬وتنسى تاريخها لتحفظ تاريخه‪ !!..‬وتحتقر‬
‫لسانها احتراما للسانه‪ !!..‬وتحت ضغط ما يراد لها تضاءلت فيها‬
‫السوابق‪ ..‬وتصاهلت عرج الحمير‪ ..‬وترجل الجنس اللطيف‪..‬‬
‫مخلفا فينا شبابا للنوثة ينتمي‪ ..‬ونطق الرويبضة والتافه‪ ..‬وأشار‬
‫بالرأي البليد للذكا‪ ..‬وتؤم أشباه الرجال نسائها‪ ..‬خابت ذكور إذ‬
‫تأمهم نساء‪ ..‬ووئدت الخلق بأيدي نساء بلحى‪ ..‬من كل ذي وجه‬
‫لو الناصفاته تندى لكان من الفضيحة يقطر‪..‬‬
‫بئس المناخ لقد حسبت هوائه ** دنسا وأن بحاره ل تطهر‬
‫كل ذلك عبر شبكات وقنوات وصحف ومجلت‪ ..‬نظ َّر لها‬
‫المفسدون‪ ..‬واستحوذ عليها المستهترون‪ ..‬لو اطلعت عليها‬
‫لوليت منها فرارا ولمئت منها رعًبا‪ ..‬ولزالوا يخصفون عليها‬
‫زخرف القول غرورا‪ ..‬واتخذوا معها القرآن مهجورا‪ ..‬تنفث‬
‫السموم وتحمل النفاق والتدجيل‪ ..‬فإذا الحق باطل والباطيل‬
‫حقوق والفك أثوم قيل‪ ..‬شعاراها من ذا يعيب هز البطون‪ ..‬وذاك‬

‫‪102‬‬

‫من روائع الفنون‪ ..‬الدين أن تبدوا ظريفا مرنا‪ ..‬وإن عبدت نعجة‬
‫أو وثنا‪..‬‬
‫ما الدين بالعفاف والصلة ** الدين خذ فيه خفة وهات‬
‫فيها أعذب مطرب هو الحمار‪ ..‬وشر مزعج هو الهزار‪ ..‬وأشجع‬
‫الشجعان ذاك الرنب‪ ..‬والليث رمز الجبن ل تعجب‪ ..‬دنيا العلم‬
‫تقليب الحقائق‪ ..‬وتظهر العلقم حلو الرائق‪ ..‬فأفرزت لنا جيل‬
‫غالبه مظلم الروح‪ ..‬بليد الذهن‪ ..‬ضعيف الرادة‪ ..‬يترنح كالذي‬
‫يتخبطه الشيطان من المس‪ ..‬سقط متاع ل يباع ول يبتاع‪ ..‬دٍو‬
‫كحال الطبل‪ ..‬ما في جوفه شيء‪ ..‬ولكن للمسامع يشغل‪ ..‬هبل‬
‫إذا اجتمعوا صاحوا‪ ..‬كأنهم ثعالب ظبحت بين النواويس‪ ..‬رؤاهم‬
‫أهدافهم ما عرضت إل رأيت عجبا‪ ..‬ترى ناسا يتمنون العمى‪..‬‬
‫وآخرين يحمدون الصمم‪!!..‬‬
‫معشر الخوة‪ .....‬إن بلئنا ليس في هجمة عدونا فحسب‪ ..‬بل إن‬
‫من بلئنا فئة من بني جلدتنا‪ ..‬هي بمثابة بوق عدونا‪ !!..‬ل دور لها‬
‫سوى ترديد كلمه لكن بصوت أعلى‪ !!..‬آله صماء يديروها على‬
‫ما شاء‪ !!..‬ويريدها على ما شاء‪ !!..‬يحركها للفتنة فتتحرك‪..‬‬
‫لتغطي الشمس بغربال‪ ..‬وتطاول العماليق بالتنبال‪ !!..‬يدعوها‬
‫لتفريق الصفوف فتستجيب وتجيد التخريب‪ !!..‬يريدها حمى تنهك‬
‫فتكون طاعون ُيهلك‪ !!..‬يريدها لسانا فتكون لسانا ً وعينا ً وأذنا ً‬
‫ويدا ً ورجل ً ومقراضا ً للقطع وفأسا ً للقلع ومعول ً للصدع‪ !!..‬ما‬
‫يشاء العدو إخماد حركة إل كانت على يديها الهلكة‪ !!..‬قد تهيأت‬
‫فيها أدوات الفتنة‪ ..‬فجنسها وفردها غبي العين عن طلب‬
‫المعالي‪ ..‬وفي السوءات شيطان مريد‪ !!..‬بينه وبين أمته إدغام‬
‫بغير غنة‪ !!..‬كما تدغم اللم في اللم فل يظهر إل المتحرك‪!!..‬‬
‫طويل اليد اليسرى وأما يمينه فليس لها في المكرمات بنان‪!!..‬‬
‫يهدم المة ويدعي إنهاضها‪!!..‬‬
‫يا من حملت الفأس تهدمها على أنقاضها ** أقعد فما أنت الذي‬
‫يسعى إلى إنهاضها‬
‫كـم قلت أمراض البــلد ** وأنــت مــن أمراضــها‬
‫وتحت وطأة تداعي العداء‪ ..‬خرج مدافعون عن السلم بمنطق‬
‫الضعفاء العجزة‪ ..‬يتمسكون بالقشة لينفوا عنهم التهمة‪ ..‬فل‬
‫السلم نصروا‪ !!..‬ول لعدائه كسروا‪ !!..‬فضروا وما نفعوا‪ !!..‬بل‬
‫سوغوا وميعوا وخلطوا البعر بالدر الثمين‪ !!..‬فلم يميز بين غث‬
‫وسمين‪ !!..‬فجاءوا بالكفن في ثياب العرس‪ !!..‬وعرضوا النوائح‬
‫في مواكب الفرح‪ !!..‬فصارت المة في عمومها تمثال‪ ..‬ل يؤوي‬
‫ن‬
‫م الل ّ ُ‬
‫مه ُ ُ‬
‫ما ظ َل َ َ‬
‫بل يغري‪ ..‬وسراب يخدعوا ول يروي‪)..‬وَ َ‬
‫ه وََلـك ِ ْ‬
‫ن(‪)..‬قُ ْ‬
‫م(‪ ..‬إن أمة تتزحزح‬
‫عند ِ أ َن ْ ُ‬
‫َأن ُ‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫ل هُوَ ِ‬
‫مو َ‬
‫ف َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫م ي َظ ْل ِ ُ‬
‫سه ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫‪103‬‬

‫عن دينها مقدار شعرة‪ ..‬تنأى عن مراق الفلح والعزة سبعين‬
‫ذراعا‪ !!..‬ومع هذا كله فهي أمة مرحومة‪ ..‬ل تزال فيها طائفة‬
‫على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة‪ ..‬فما زال في الكرخ زند‬
‫يوري بالمرخ نلمح شعلته‪ ..‬وما زلنا نرى من السنان صفحته‪..‬‬
‫ل تقل ذلت فما يصدق ** أن يستذل الفار ليث الجمي‬
‫مـا غفـا طرفـي ** ول قلبي سها‬
‫لم أزل ألمح في روضتنا ** وجنة الورد وأهداب المها‬
‫لم أزل أحمل في ذاكرتي ** صورة النجم الذي فوق السها‬
‫والناس مثل الرض منها بقعة ** تلقي بها خبثا وأخرى مسجد‬
‫لهذا كله كانت هذه الكلمات بعنوان‪:‬‬
‫))إيماض البرق في خلق سيد الخلق صلى وسلم عليه الحق((‬
‫خفق القلب له لما ومض ** بارق شب الجوى لما برق‬
‫خلته من بين أسداف الدجى ** أمل من بعد يأس قد برق‬
‫إيماض يقول‪ :‬إن المعركة مع أعداء الله ليست معركة خاطفة‬
‫م‬
‫ن يُ َ‬
‫سريعة‪ !!..‬لكنها شاقة طويلة مستمرة‪)!!..‬وَل َ ي ََزاُلو َ‬
‫قات ُِلون َك ُ ْ‬
‫ست َ َ‬
‫عوْا(‪ ..‬نحتاج معها إلى طول‬
‫طا ُ‬
‫م َ‬
‫ى ي َُر ّ‬
‫َ‬
‫نا ْ‬
‫عن ِدين ِك ُ ْ‬
‫دوك ُ ْ‬
‫م إِ ِ‬
‫حت ّ َ‬
‫نفس‪ ..‬وشدة صبر‪ ..‬وعمق إيمان‪ ..‬ورسوخ يقين‪ ..‬وبذل جهد‪..‬‬
‫وتظافر جهود‪ ..‬لستنقاذ الغثاء من دوامة السيل‪ ..‬فالسيل فيه‬
‫غرق وويل‪ ..‬ورسولنا صلى الله عليه وسلم في ذلك أسوة‪ ..‬فإن‬
‫لم نجعل النقاذ نهجا‪ ..‬فسوف تضيق بالدمع المآقي‪!!..‬‬
‫إيماض يقول‪ :‬لئن تخلينا اليوم عن كل وسائل النتصار المادية‪..‬‬
‫فقد بقي في أيدينا سلح من أنضى السلحة‪ ..‬ل يقوم له شيء)َل‬
‫ي َأ ِْتيهِ ال َْباط ِ ُ‬
‫ه(‪ ..‬والله ما هي إل نفحة‬
‫ن َ‬
‫ف ِ‬
‫خل ْ ِ‬
‫ن ي َد َي ْهِ وََل ِ‬
‫ل ِ‬
‫م ْ‬
‫من ب َي ْ ِ‬
‫من نفحاته‪ ..‬تهب على هذا القطيع المبدد‪ ..‬فإذا قلوبهم مجتمعة‪..‬‬
‫ونوافرهم متآلفة‪ ..‬وأخلقهم شاما‪..‬‬
‫كلمات رب العالمين بها ** سما عقل وفيها للظلم كواشف‬
‫إيماض يقول‪ :‬زمزم فينا ولكن أين من يقنع الدنيا بجدوى‬
‫زمزم‪..‬؟؟!!‬
‫إيماض يقول‪ :‬إن الدعوة إلى الله بأخلق السلم‪ ..‬روح تجري‪..‬‬
‫ونفحة تسري‪ ..‬حقيقة جذابة‪ ..‬ليس بين النفوس وبين الذعان‬
‫لها إل إشراقها عليها‪..‬‬
‫ولولها لساوى الليث ذئبا ** وساوى الصارم الماضي قرابا‬
‫يشهد بذلك العقل والنقل والقريب والغريب والموالي والمعادي‪..‬‬
‫يذكر الستاذ النجار أن أحد عقلء الغرب وقف يخاطب جمعا ً من‬
‫المسلمين يقول‪ :‬يا أيها المسلمون إنكم لن تستطيعوا أن‬
‫تسايروا الغرب اليوم‪ ..‬ل اقتصاديا ول عسكريا ول سياسيا ول‬
‫إعلميا‪ !!..‬ولكنكم تستطيعون هذا الغرب المتكبر المتغطرس‬
‫‪104‬‬

‫المستعلي يجثوا على ركبهم أمامكم بالسلم‪ !!..‬ثم يقول إيتوني‬
‫بأربعين شابا ً يحسنون فهم هذا الدين فهما دقيقا‪ ..‬ويحسنون‬
‫تطبيقه على أنفسهم تطبيق دقيقًا‪ ..‬ويحسنون عرضه على الناس‬
‫بلغة العصر عرضا دقيقًا‪ ..‬وأنا أظمن لكم أن أفتح بهم‬
‫المريكيتين الشمالية والجنوبية‪!!..‬‬
‫حالـه‪:‬‬
‫ً‬
‫ولسوف تشرق شمسكم بسمائهم ** يوما وليست بعد ذلك‬
‫تغرب‬
‫والتاريخ أثبت أن انتشار السلم في بقاع من آسيا ورقاع من‬
‫أفريقيا‪ ..‬لم يكن بجيوش ول حشود‪ ..‬بل بأخلق السلم التي كان‬
‫يتعامل بها معهم تجار السلم‪!!..‬‬
‫ليس بعد اليقين يا عين شك ** أكد الفعل ما حواه الكلم‬
‫إيماض يقول‪ :‬أننا نعيش أزمة أخلق وإننا أمة الخلق‪ ..‬وإنما‬
‫المم الخلق‪..‬‬
‫إذا الخلق قد ولى ذووها ** فقل يا موت مر بنا سريعا‬
‫إيماض يقول‪ :‬أل ما أحوج المة الغافلة المنقطعة عن القافلة‪..‬‬
‫إلى صور مثالية عليا لخلق فاضلة‪ ..‬وليس ذلك إل في أخلق‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم الزاكيا‪..‬‬
‫سل الشيح عنها والخزامى ورندها ** وطيب مغانيها وصفو‬
‫الجداول‬
‫فالورد والريحان عرف عبيرها ** والمسك كدرة ماءها والعنبر‬
‫إيماض يقول‪ :‬والله وبالله وتالله‪ ..‬ل نعرف أحدا ً كمله الله بكل‬
‫فضيلة ونزهه عن كل رذيلة‪ ..‬مثل رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪!!..‬‬
‫فلن ترى في وصفه مثيل ** مستوجب ثنائي الجميل‬
‫فهو ختام الرسل باتفاق ** وأفضل الخلق على الطلق‬
‫ما فضيلة إل وهي صفته إتمام مكارم الخلق مـن مهمة بعثته‪..‬‬
‫خلقه‪ .‬فقالت تنثر الدر عبقريا‬
‫سئلت عائشة رضي الله عنها عن ُ‬
‫عجيبا ** ليس من مسقط ول من عمان‬
‫خلق سني دعا القرآن له‪ ..‬إل‬
‫قالت‪ " :‬كان خلقه القرآن "‪ ..‬ما ُ‬
‫خلق سيء حذر منه القرآن‪..‬‬
‫كان أول عامل به وداع إليه‪ ..‬وما ُ‬
‫إل كان أول مجتنب له ومحذر منه‪..‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه(‪..‬‬
‫خال ِ َ‬
‫ن أُ َ‬
‫ما أِريد ُ أ ْ‬
‫م ع َن ْ ُ‬
‫ما أن َْهاك ُ ْ‬
‫م إ َِلى َ‬
‫فك ُ ْ‬
‫وحاله)وَ َ‬
‫في وجهه قسمات قد دللن على** ما ضمه القلب من أخلق‬
‫قرآن‬
‫دوا(‪..‬‬
‫إيماض يقول‪):‬وَِإن ت ُ ِ‬
‫طيُعوه ُ ت َهْت َ ُ‬

‫‪105‬‬

‫فكن في إتباع المصطفى مثل عصبة ** وراء خبير في ملغم‬
‫بقعة‬
‫فمن ينحرف يردى ومن يتبع يفز ** وبين الردى والفوز زح‬
‫بخطوة‬
‫فلزم صفاته وإياك الملل ** إن يستطل الوصف ولم يستطل‬
‫اجعله نصب العين والقلب ول ** تعدل به فهو يضاهي المث َ‬
‫ل‬
‫ُ‬
‫قد ْ َ‬
‫ة(‪ ..‬صلح‬
‫إيماض فحواه‪):‬ل َ َ‬
‫سو َ ٌ‬
‫كا َ‬
‫ل الل ّهِ أ ْ‬
‫م ِفي َر ُ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫سو ِ‬
‫القدوة صلح التباع‪ ..‬وإن صلحت العين صلح سواقيها‪ ..‬وإن رشد‬
‫المربي كان موسى‪ ..‬وإن هو ضل كان السامري‪..‬‬
‫إنه إيماض برق يكاد يخطف بصر زنيم‪ ..‬ليس يعرف من أبوه‪..‬‬
‫نبطي من زجاج مظلم‪ ..‬نسبة ل يعرف إل بالسراج‪ ..‬من أسخن‬
‫الله عينه وأدنى هلكه وحينا‪ ..‬فكشف عن لكنته‪ ..‬وصرح‬
‫بسوءته‪ ..‬يتطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم‪..‬‬
‫ويطعن في رسالته وفي خلقه‪ ..‬بل وفي نسبه‪ ..‬ويا لله‪..‬‬
‫يريد بقوله تدنيس شمس ** وأين الشمس من دنس وعار‬
‫ضريبان سلحه الفسا‪ ..‬نعوذ بالله وبالله نعوذ‪ ..‬قد جف من ماء‬
‫الكرامة وجهه‪ ..‬لكنه واقحة ولؤم ينقط‪ ..‬لو أن صاعقة هوت‪..‬‬
‫ما أثرت في وجه الوقح العديم الماء‪ ..‬ل تعجبن إذا امتحنت‬
‫بسخفه‪ ..‬فالحر ممتحن بأولد الزنا‪ !!..‬إنه شواظ يقول‪:‬‬
‫أرعد وأبرق يا سخيف فما ** على آساد غيل من نباح جراء‬
‫أخسأ رقيع فليس كفؤك غير ** ما يجري من العفاج والمعاء‬
‫لو ذات سوار لطمتني‪ ..‬والضرورة دعتني‪ ..‬ولول الضرورة لم‬
‫آته‪ ..‬وعند الضرورات آتي الكنيف!!‬
‫آل أرغم الله معطسك من شآن‪ ..‬مغالط أنتن من حلتيت‪ ..‬وأثقل‬
‫من كبريت‪ ..‬وأهدى إلى الظلل من خريت‪ ..‬وعريت وهريت‪..‬‬
‫وقطعت وفريت‪ ..‬وأحرقت وذريت‪ ..‬وأذبت وأجريت‪َ ..‬أغريت أم‬
‫ُأغريت‪ ..‬وضريت أم ضريت‪ ..‬وتطوعت أم كريت‪ ..‬أل خبت‪ ..‬لو‬
‫ضربت الجبل بالزجاج ألف ضربة ما انكسر‪ !!..‬ولو سترت الصبح‬
‫بكل شيء ما أنستر‪ !!..‬إنه خيار من خيار من خيار زكاه الله‬
‫ض ّ‬
‫ما‬
‫صا ِ‬
‫ما َ‬
‫وى(‪ ..‬ونطقه)وَ َ‬
‫م وَ َ‬
‫حب ُك ُ ْ‬
‫وكفاه‪ ..‬زكى استقامته) َ‬
‫ل َ‬
‫ما غ َ َ‬
‫ه َ‬
‫ب‬
‫ديد ُ ال ْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫ما ك َذ َ َ‬
‫وى(‪ ..‬وفؤاده) َ‬
‫م ُ‬
‫وى(‪ ..‬وعلمه)ع َل ّ َ‬
‫ق َ‬
‫ن ال ْهَ َ‬
‫َينط ِقُ ع َ ِ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ما ط ََغى(‪ ..‬وصدره‬
‫ال ْ ُ‬
‫صُر وَ َ‬
‫ما َرأى(‪ ..‬وبصره) َ‬
‫ؤاد ُ َ‬
‫ما َزاغ َ ال ْب َ َ‬
‫َ‬
‫ك وِْزَر َ‬
‫عن َ‬
‫صد َْر َ‬
‫ح لَ َ‬
‫م نَ ْ‬
‫ك(‪..‬‬
‫ضعَْنا َ‬
‫ك * وَوَ َ‬
‫شَر ْ‬
‫وذكره)أل َ ْ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫ك ل ََعلى ُ ُ‬
‫سل َْنا َ‬
‫خلقه)وَإ ِن ّ َ‬
‫ك إ ِّل‬
‫و ُ‬
‫ق عَ ِ‬
‫ما أْر َ‬
‫م(‪ ..‬وزكاه كله)وَ َ‬
‫ظي ٍ‬
‫خل ٍ‬
‫ن(‪..‬‬
‫م ً‬
‫ة ل ّل َْعال َ ِ‬
‫َر ْ‬
‫ح َ‬
‫مي َ‬
‫فإذا كتاب الله أثنى مفصحا ** كان القصور قصارى كل فصيح‬
‫وأين دوي الذباب والزنبور من نغم الفرقان والزبور‪..‬‬
‫‪106‬‬

‫فما على البدر أن قالوا به كلف ** ول على المسك أن المسك‬
‫مفتوت‬
‫وطالما أخلي الياقوت جمر غضا ** ثم انطفى الجمر والياقوت‬
‫ياقوت‬
‫ومن العجائب والعجائب جمة أن تسخر القرعاء بالفرعاء‪!!..‬‬
‫والشمس ل تخفى محاسنها وإن غطى عليها برقع النواء‪..‬‬
‫لكن أنى يرى الشمس خفاش يلحظها ** والشمس تبهر أبصار‬
‫الخفافيش‬
‫إيماض يقول‪ :‬إن رسول الله عليه وسلم مث ٌ‬
‫ل أعلى‪ ..‬لقصى ما‬
‫يبلغه البشر من مراق الكمال‪ ..‬وغاية تنقطع دونها المال‪ ..‬يقول‬
‫الصديق من رجح إيمانه بإيمان المة‪ :‬أما كلفتموني أخلق رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ ..‬والله ما ذاك عندي ول عند أحد من‬
‫الناس‪ ..‬والله ما في طاقة متحدث ولو ألقت إليه البلغة أعنتها‪..‬‬
‫أن يتقصى أخلقه ويستوربها‪ ..‬لكنها تتحدث عن نفسها‪..‬‬
‫فالمسك ما قد شف عن ** ذاته ل ما غدا ينعته بائعه‬
‫فحسبي وحسبكم أن ُنني َ‬
‫خ ركائبنا على ساحل بحر مسك أخلقه‪..‬‬
‫لنظفر منه الليلة بدرة‪ ..‬وعلى روض ريحان خلله‪ ..‬لنشتم منها‬
‫نفحه‪ ..‬فيكون العنوان‪:‬‬
‫))إيماض البرق في شجاعة سيد الخلق((‬
‫خلق‪ ..‬في هذه‬
‫وأنا على يقين أني لن أبلغ‪ ..‬من تأمل هذا ال ُ‬
‫الدقائق‪ ..‬إل مقدار ما يبلغه واصف الشمس وهو ل يعرف منها إل‬
‫أنها كوكب ينسخ طلوعه سواد الليل‪!!..‬‬
‫ماذا عسى بلـغاء اليوم قائلة ** من بعد ما نطقت حم تنزيل‬
‫موضع النجم ل ينال بباع ل تقسه بغيره في جناس‪ ..‬سبع الغاب‬
‫ليس مثل السباع‪ ..‬ما عسى أجمله من ورق العرار إلى العبير‬
‫والعنبر‪ ..‬في خير من حملت أنثى ووضعت‪ ..‬وخير حاف على‬
‫الدنيا ومنتعل‪ ..‬إن هي إل دماجيل للعضد‪ ..‬وقلئد للجيد‪ ..‬عجزت‬
‫فيها عن أداء الواجب‪ ..‬وأحاول الجبر بالمسنون‪ ..‬وفضل الله‬
‫على من يشاء ليس بممنوع ول ممنون‪ ..‬وكلن ينفق على قدر‬
‫استطاعته‪ ..‬وهو ابن ساعته‪ ..‬من لم يقل له ربي أعيت عليه‬
‫مطالبه‪ ..‬أسألك اللهم أن تجعلها لوجهك العلى وأن تقبلها‪..‬‬
‫أقول والله تعالى المستعان ومن بغيره استعان ل يعان‪..‬‬
‫شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شجاعته‪..‬؟! تناقلتها‬
‫الخبار‪ ..‬وسارت مسير الشمس في رائعة النهار‪ ..‬حدث عنها ل‬
‫حرج‪ ..‬بمكان ل يجهل‪ ..‬ومنزلة ل تدفع‪ ..‬تناقلها الرواة بكل فج‪..‬‬
‫وأهدتها الحواضر للبوادي‪ ..‬وحسبه أنه نبي‪ ..‬وأنه أبو الشجعان‬
‫وصانعهم‪ ..‬على عينيه ملك الشجاعة فهي طوع زمامه‪ ..‬ولغيره‬
‫‪107‬‬

‫جمحت وليست تركب‪ ..‬والذي رفع السماء وعلم آدم السماء‪..‬‬
‫ما شهدت الغبراء أشجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم‪..‬‬
‫ول أثبت منه قلبا‪ ..‬كان طودا ل يتزعزع‪ ..‬شامخا ل يتزلزل‪ ..‬ل‬
‫ترهبه الزمات‪ ..‬ول تهزه الحوادث والملمات‪..‬‬
‫تروى أحاديث الوغى عن بأسه ** فالسيف يسند والعوالي تطلق‬
‫وما رآه فارس إل استتر ** في فعل النجوم عاين القمر‬
‫وحسبه أنه نبي‪ .....‬كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس حين‬
‫خرج على قومه بدعوة ينكرونها جميعا‪ ..‬وليس له من معين‬
‫سوى ربه‪ ..‬فصدع بها في جميع الماكن والزمان والحوال‪..‬‬
‫فوق الجبل وفي المسجد وفي الطريق والسوق‪ ..‬في المنازل‬
‫والمواسم والحواضر والبوادي حتى في المقابر‪ ..‬في الحضر‬
‫والسفر والمن والقتال والصحة والمرض‪ ..‬وحين يزور وحين‬
‫يزار‪ ..‬دعا من أحبوه ومن أبغضوه‪ ..‬ومن استمعوا له ومن‬
‫أعرضوا عنه‪ ..‬خطيبه يقارع الخطباء‪ ..‬وشاعره ينازل الشعراء‪..‬‬
‫دعاته يجوبون الفاق‪ ..‬في استنفار دعوي لم تملك قريش أمامه‬
‫إل أن تقول‪ :‬ل تسمعوا لهذا القران والغوا فيه لعلكم تغلبون‪!!..‬‬
‫بذل كل وسعه‪ ..‬واستخدم كل أسلوب ووسيلة مشروعة‪ ..‬في‬
‫حلم وأناة وهدوء‪ ..‬قذف بالحق على الباطل‪ ..‬فأزاح العلل وسد‬
‫الخلل‪ ..‬وقال ما يرضي الله وإن أغضب البشر‪ ..‬فذهب الزبد‬
‫جفاء وطاعنا حتى لم يجد من مطاعن‪ ..‬ونازل حتى لم يجد من‬
‫منازل‪ ..‬وبقي صلى الله عليه وسلم قدوة‪ ..‬يصبوا إليها كل من‬
‫عرف الحق‪ ..‬وبالحق يدين مثل‪ ..‬أعلى لنفس جمعت‪ ..‬سطوة‬
‫العادل في أنس الحليم‪ ..‬فهو الحياء ما حل في بلد إل بإذن الله‬
‫أحياه‪ ..‬وحسبه أنه نبي‪..........‬‬
‫كان أشجع الناس‪ ..‬حين قوطع وحوصر مع بني هاشم في شعب‬
‫لسنوات بل ميرة‪ ..‬حتى اضطروا لكل ورق الشجر‪ ..‬وسمع‬
‫صوت الصبية يتضائون من شد الجوع‪ ..‬فصبر وما وهن وما‬
‫ضعف وما استكان‪ ..‬حتى انتصر وسقطت المقاطعة‪ ..‬وأحق الله‬
‫الحق وأبطل الباطل‪ ..‬وكذلك الحق ل يتغير أصله وسوسه‪ ..‬وإن‬
‫تغير لبوسه‪..‬‬
‫ففي المعادن ما تمضي برونقه ** يد الصباغر ل يصدأ الذهب‬
‫والصخر في ظل العقيدة عسجد والل في ظل العقيد ماء‪..‬‬
‫والعز في كنف العزيز ومن عبد العبيد أذله الله‪..‬‬
‫وحسبه انه نبي‪ ........‬كان صلى الله عليه وسلم شجاعا أشجع‬
‫من الشجاعة‪ ..‬وأشد في الحق من الشدة‪..‬‬
‫ماضي العزيمة والسيوف كليلة ** طلق المحيا والخطوب دواجي‬

‫‪108‬‬

‫سعى كفار قريش إلى عمه أبي طالب فقالوا‪ :‬يا أبا طالب إن لك‬
‫فينا سنا ومنزلة وشرفا‪ ..‬وإنا قد إستنهيناك في ابن أخيك فلم تنه‬
‫عنا‪ ..‬وإنا والله ل نصبر على ذلك‪ ..‬فإما أن تكفه عنا أو ننازلك‬
‫وإياه حتى يهلك أحد الفريقين ثم انصرفوا‪ ..‬فعظم عليه فراق‬
‫قومه ولم يطب نفسا بإسلم ابن أخيه لهم وخذلنه‪ ..‬فبعث إلى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له‪ :‬يا ابن أخي أبقي علي‬
‫وعلى نفسك ول تحملني من المر مال أطيق‪ ..‬فظن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم أنه خاذله‪ ..‬فحلق وحدق ببصره إلى‬
‫السماء‪ ..‬ووقفت الدنيا مشدودة السمع لما تفتر عنه شفتا‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ..‬وأصاخ الكون وأنصت التاريخ‬
‫لكلمة التي يتوقف عليها مصير السعادة البشرية والحضارة‬
‫النسانية‪ ..‬فقال‪ :‬أترون هذه الشمس ‪.‬؟! قالوا‪ :‬نعم ‪ !.‬ففي‬
‫تصميم يفل الحديد‪ ..‬وعزيمة ل تعرف الهزيمة‪ ..‬وتحد يقهر‬
‫الخصوم اللد‪ ..‬وإصرار يقتحم البحر بجزره والمد‪ ..‬قال كلمة‬
‫صريحة ل يقبل معناها التأويل‪ ..‬ببلغة لو قست سحبانا بها ألفيته‬
‫ذا منطق تمتامي‪ ..‬قال‪ :‬والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من‬
‫إن يشعل أحدكم من هذه شمسي شعلة نار‪ ..‬والله لو وضعوا‬
‫الشمس في يميني والقمر في يساري‪ ..‬على أن أترك هذا المر‬
‫ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه‪ ..‬ثم استعبر وبكى‬
‫وولى‪ ..‬كأنما أنفاسه حرجف‪ ..‬وبين جنبيه لظى واقده‪ ..‬لو مادت‬
‫الجبال من تحته‪ ..‬أو خرت الفلك ما زعزع‪!..‬‬
‫يا لقوة اليمان وجلل البطولة‪ ..‬رجل يظن أنه تخلى عنه ناصره‬
‫الوحيد من أهله‪ ..‬ثم يقف هذا الموقف العظيم‪ ..‬إنه ثبات النبوة‪..‬‬
‫إن يكن أعزل فالحق له سيف ولمه ** فهو في جيش من‬
‫اليمان ما فل لهامه‬
‫وقف أبو طالب مأخوذا بما سمع ورأى‪ ..‬وهو في قرارة نفسه‬
‫يقول‪ :‬والله ما هذا إل نبي كريم ‪ ..‬بلغ أسمى درجات الثقة بالله‬
‫رب العالمين‪ ..‬فلن ينكس على عقبيه لنه يأوي إلى ركن شديد‪..‬‬
‫فما عليه وبين جنبيه دين‪ ..‬لو أراد به صم الجبال لما قرت‬
‫رواسيها‪ ..‬ثم يناديه أقبل يا ابن أخي فأقبل صلى الله عليه وسلم‬
‫فقال له‪ :‬إذهب فقل ما أحببت والله ل أسلمك لشيء أبدا‪ ..‬والله‬
‫لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفيًنا‪ ..‬حالـه‪:‬‬
‫قم وأبلغ نوره للعلمين ** قم واسمعه البرايا أجمعين‬
‫إن تكون في مثل نيران الخليل ** أسمع النمرود توحيد الجليل‬
‫فلم يزل يجهر بالتوحيد ول يخاف سطوة العبيد‪ !..‬وحسبه أنه نبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪.......‬‬

‫‪109‬‬

‫كان أشجع الناس صلى الله عليه وسلم‪ ..‬عرضت عليه المغريات‬
‫من مال وملك وشرف وجاه ونساء‪ ..‬نظير أن يتنازل عن دعوته‬
‫فأبى ذلك العرض وازدراه ورفضه‪..‬‬
‫متميزا كالليث ديس عرينه ** متوثبا يدعوا الرجال نزالي‬
‫ل تذكروا نار الصواعق عنده ** نار الصواعق عنده كذبالي‬
‫قال قائل قريش‪ :‬يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما‬
‫أتيتم له بحيله‪ ..‬قد كان محمد غلما حدثا فيكم‪ ..‬أصدقكم حديثا‬
‫وأعظمكم أمانة‪ ..‬حتى إذا رأيتم الشيب في صدغيه قلتم ساحر‬
‫كاهن شاعر مجنون‪ ..‬والله ما هو بذلك فانظروا في شأنكم‪ ..‬وما‬
‫معهم إل العناد وما بهم من العقل من النصاف مثقال درهم‪..‬‬
‫أجمعوا رأيهم على أن يفاوض ويغرى بالدنيا والنساء‪ ..‬وهو القائل‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ " :‬فاتقوا الدنيا واتقوا النساء "‪ ..‬انتدبوا‬
‫لتلك المهمة أبا الوليد بن عتبة‪ ..‬فأتى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم وقال‪ :‬يا محمد أنت خير أم هاشم؟! أنت خير أم عبد‬
‫المطلب؟! أنت خير أم عبد الله؟! فلم يجبه رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ..‬لنه يريد هدايته‪ ..‬فمن الحكمة أن ل يدخل معه‬
‫في معارك جانبيه تعيقه عن ذلك الهدف‪ ..‬لقد كان بإمكانه صلى‬
‫الله عليه وسلم أن يقول أنا أفضل وصدق‪ ..‬فهو سيد ولد آدم‬
‫أجمعين‪ ..‬لكنه بذلك قد يضيع الفرصة الذهبية من هداية هذا‬
‫الرجل‪ ..‬وكان بإمكانه أن يثني على آباءه بما فيهم من صفات‬
‫حميدة‪ ..‬لكنه بذلك يتيح الفرصة أن يلزمه بما يترتب على ذلك‬
‫من إتباع دينهم‪ ..‬وقد فعل ولذا آثر بحكمته عدم الجابة‪..‬‬
‫فالسؤال ل يستحق ذلك‪ ..‬لنه ليس في صميم الموضوع الذي‬
‫عقد من أجله الحوار‪ ..‬فهم عتبة ذلك فقال‪ :‬إن كنت تزعم أن‬
‫هؤلء خير منك‪ ..‬فقد عبدوا اللهة التي عبت‪ ..‬وإن كنت تزعم‬
‫أنك خير منهم‪ ..‬فقل حتى نسمع قولك‪ ..‬والله ما رئينا سخلة‬
‫أشئم على قومه منك‪ ..‬فرقت جماعتنا‪ ..‬وعبت ديننا‪ ..‬وفضحتنا‪..‬‬
‫والله ما ننتظر إل مثل صيحة الحبلى‪ ..‬فيقوم بعضنا إلى بعض‬
‫بالسيوف‪ ..‬فنقتتل حتى نتفانى‪ ..‬وياله من عور عن الحقيقة‪..‬‬
‫لبد في العور من تيه ومن صلفا ** لنهم يحسبون الناس أنصافا‬
‫من أين يدري الفضل معدومه ** ل يعرف المعـروف إل ذووه‬
‫تظن بعض القـوم علمـة ** وهو إذا ينـطق بوم يـفوه‬
‫ثم ألقى عتبة حباله وعصيه‪ ..‬إغراءات تغشى البصائر‪ ..‬وتزيغ‬
‫البصار‪ ..‬بلغة مسمومة‪ ..‬ما لمست مستشرفا لها‪ ..‬إل أهدته‬
‫السم ونزعت منه الروح‪ ..‬وأبقت الجسم‪ ..‬وكم لعبت بهذا‬
‫النغمات من نشاز أصابع من على أوتار‪ ..‬فلم يبالي الصادقون‬
‫بما وقع منها وطار‪ ..‬قال‪ :‬يا محمد إن كان إن ما بك المال جمعنا‬
‫‪110‬‬

‫لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مال‪ ..‬وإن كنت تريد شرفا‬
‫سودناك فل نقطع أمرا دونك‪ ..‬وإن كنت تريد ملكا ملكناك‪ ..‬وإن‬
‫كان شيئا تراه ل تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب حتى‬
‫نبرئك‪ ..‬وإن كان إن ما بك النسا فاختر من أجمل نساء قريش‬
‫عشًرا‪ ..‬يا محمد قل نسمع‪..‬‬
‫فلوا كان الحديد للينوه ** ولكن كان أشد من الحديد‬
‫في حلم ورحابة صدر‪ ..‬أعرض عن كرهات عتبة وأغضى عن‬
‫سبابه‪ ..‬وقال في أدب النبوة يكنيه‪ :‬أفرغت يا أبا الوليد‪..‬؟ قال‪:‬‬
‫نعم‪ !..‬فأعلن موقفه الحاسم بشجاعة نادرة‪ ..‬دون مراوغة أو‬
‫مداهنة أو استعطاف أو استلطاف‪ ..‬لن قضيته قضية عقيدة‬
‫تقوم على الصراحة والبيان فل تنازل ول إدهان‪..‬‬
‫كالكوكب الدري تلقاه ** العز بين يديه والجاه‬
‫والرض في عينيه خردله ** وعلى عبيد الرض نعله‬
‫قذف باطلهم بأوائل فصلت ‪ ..‬فالشمس منها سطعت وحسمت‪..‬‬
‫ورفعت الحجاب‪ ..‬وأثارت العجاب‪ ..‬ومحت السلب باليجاب‪..‬‬
‫ه قُْرآنا ً‬
‫زي ٌ‬
‫ن الّر ِ‬
‫م}‪ {2‬ك َِتا ٌ‬
‫ن الّر ْ‬
‫ت آَيات ُ ُ‬
‫صل َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ل ّ‬
‫ب فُ ّ‬
‫م َ‬
‫)حم}‪َ {1‬تن ِ‬
‫حي ِ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َل‬
‫ع ََرب ِي ّا ً ل ّ َ‬
‫شيرا ً وَن َ ِ‬
‫ن}‪ {3‬ب َ ِ‬
‫مو َ‬
‫م فَهُ ْ‬
‫ض أك ْث َُرهُ ْ‬
‫قوْم ٍ ي َعْل َ ُ‬
‫ذيرا ً فَأع َْر َ‬
‫ن}‪..({4‬‬
‫مُعو َ‬
‫يَ ْ‬
‫س َ‬
‫عتبة يسمع القرآن من فم من أنزل عليه القرآن‪ ..‬فيلقي يديه‬
‫خلف ظهره وقد فغر فوه مأخوذا بسلطان البيان‪ ..‬ورسول الله‬
‫قد استحضر عظمة الله الذي خاطبه به‪ ..‬يتلوه بكل أحاسيسه‬
‫ومشاعره‪ ..‬ويهوي به على إغراءاتهم ومطامعهم‪..‬‬
‫فكان الي صاعقة عليهم ** تشب على مطامعهم سعيرا‬
‫كذالك السيف أمضى وهو هاو ** واقطع مضربا منه شهيرا‬
‫ق ْ َ‬
‫لما بلغ قول الله)فَإ َ‬
‫مث ْ َ‬
‫ة‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫ضوا فَ ُ‬
‫صا ِ‬
‫ق ً‬
‫صا ِ‬
‫ق ِ‬
‫ن أع َْر ُ‬
‫ِ ْ‬
‫ة ّ‬
‫ل أنذ َْرت ُك ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫د(‪ ..‬هب عتبة مذعورا قد خيل إليه أن الصاعقة حلت‬
‫َ‬
‫مو َ‬
‫عاد ٍ وَث َ ُ‬
‫به‪ ..‬فأمسك بفم النبي صلى الله عليه وسلم يناشده الله والرحم‬
‫ع‬
‫إل صمت‪ ..‬فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)..‬فَوَقَ َ‬
‫قل َُبوا ْ‬
‫ما َ‬
‫ن}‪ {118‬فَغُل ُِبوا ْ هَُنال ِ َ‬
‫حقّ وَب َط َ َ‬
‫ك َوان َ‬
‫مُلو َ‬
‫ال ْ َ‬
‫كاُنوا ْ ي َعْ َ‬
‫ل َ‬
‫ن}‪ ..({119‬انقلب إلى قومه فلما راؤه قالوا‪ :‬نحلف بالله‬
‫َ‬
‫ري َ‬
‫صاِغ ِ‬
‫لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به‪!!..‬‬
‫قد نطقت بضعفه العيون ** ما أبلغ العيون إذ تبين‬
‫بادروه‪ ..‬ما وراءك يا أبا الوليد‪..‬؟؟ فقال وقد آمن بسلطان اللغة‬
‫والبيان وإن لم يؤمن بالقران‪ :‬ما هو والله إل أن جئته فعرضت‬
‫عليه ما عرضت‪ ..‬ثم سمعت منه قول والله ما سمعت مثله‬
‫قط‪ !..‬والله ما هو بالسحر ول بالكهانة ول الشعر ما فقهت إل‬
‫َ‬
‫مث ْ َ‬
‫د( فأمسكت بفيه‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫قة ِ َ‬
‫صا ِ‬
‫ق ً‬
‫صا ِ‬
‫مو َ‬
‫عاد ٍ وَث َ ُ‬
‫ة ّ‬
‫قوله‪)..‬أنذ َْرت ُك ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫‪111‬‬

‫وناشدته أن يكف‪ ..‬ولقد علمتم أن محمد إذا قال شيئا لم‬
‫يكذب‪ ..‬يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا‬
‫الرجل وما هو فيه‪ ..‬والله ليكونن قوله بالذي سمعته نبأ عظيم‪..‬‬
‫قالوا‪ :‬سحرك والله يا أبا الوليد‪ !!..‬فعاد كالكلب بالوصيد‪ ..‬وكان‬
‫قريبا على صحة‪ ..‬فقد داخلته حروف العلل ول عجب‪!!..‬‬
‫من يكن للجرب خل‪ ..‬ليس يخلوا من إصابة‪ ..‬وهل يبصر الرمداء‬
‫شمس الضحى ‪.‬؟؟ وهل يحس بطعم العذب من إيف في‬
‫م ُنورِهِ وَل َوْ ك َرِه َ ال ْ َ‬
‫ن(‪..‬‬
‫كافُِرو َ‬
‫مت ِ ّ‬
‫ه ُ‬
‫الفم‪..‬؟؟)َوالل ّ ُ‬
‫معشر الخوة‪:‬‬
‫إنها إشارة منه صلى الله عليه وسلم في شجاعة فذة‪ ..‬مفادها ل‬
‫لقاء بين الحق والباطل‪ ..‬ل إجتماع بين النور والظلم‪ ..‬الختلف‬
‫جوهري يستحيل معه اللقاء على شيء في منتصف الطريق‪..‬‬
‫المر ل يحتاج إلى مراوغة ول مساومة‪ ..‬ليس إل الخروج عن‬
‫الكفر بجملته إلى السلم بجملته‪ ..‬وإل فالبراءة التامة‪ّ)..‬لي‬
‫ع َمِلي ول َك ُم ع َمل ُك ُم َأنتم بريُئون مما أ َع ْم ُ َ‬
‫ما‬
‫م ّ‬
‫ريٌء ّ‬
‫َ‬
‫َ ِ ّ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ل وَأن َا ْ ب َ ِ‬
‫َ ْ ُ ْ َ ِ‬
‫ُ‬
‫ن(‪ ..‬إن قوة الهجمة اليوم على الدين‪ ..‬ينبغي أن تقابل برد‬
‫ملو َ‬
‫ت َعْ َ‬
‫في غاية الوضوح‪ ..‬بعيدا عن التعميم والتمييع‪ ..‬فالمر جد ل هزل‬
‫ن(‪ ..‬ل بد من الوضوح التام‪ ..‬في‬
‫ن فَي ُد ْه ُِنو َ‬
‫فيه‪)..‬وَ ّ‬
‫دوا ل َوْ ت ُد ْه ِ ُ‬
‫َ‬
‫القضايا المصيرية التي ل تحتمل إل وجها واحدا‪)..‬قُ ْ‬
‫ل َيا أي َّها‬
‫َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن}‪..({2‬‬
‫دو َ‬
‫ما ت َعْب ُ ُ‬
‫كافُِرو َ‬
‫ن}‪َ {1‬ل أع ْب ُد ُ َ‬
‫من يملك النبع لن يحتاج من ظمأ ** إلى الدلء ولن يحتاج‬
‫للقرب‬
‫يا ابن السلم‪ ..‬إن الرؤوس التي رفعها السلم تأبى أن تخضع‬
‫لغير السلم‪ ..‬وإن اللسنة التي استقامة على قول الحق‪ ..‬تأبى‬
‫أن يلويها لوي لغير الحق‪ ..‬السلم دعوة ربانية ل مجال فيها‬
‫للمساومات‪ ..‬مهما كانت الدوافع والغراءات والمبررات‪ ..‬فإذا‬
‫نثر الحب وتساقطت العصافير‪ ..‬وطرح الب وتهافتت اليعافير‪..‬‬
‫فكن ليثا ديس عرينه‪ ..‬ووسم عرنينه‪ ..‬وأبرق وأرعد‪ ..‬وقلها بمل‬
‫الفم‪ ..‬مطعم خبيث ل يأكله إل الخاطئون‪ ..‬والذي خلق الضب‬
‫وأنبت النجم والب‪ ..‬وفلق النوى والحب‪ ..‬لو حالف بطن الراحة‬
‫الشعر‪ ..‬وسقطت السماء على الغبراء‪ ..‬وصار الشرق غربا‬
‫والشمال جنوبا‪ ..‬فإني لرجوا الله أن ل يزل لي قدم‪ ..‬ول يزيغ‬
‫لي بصر‪ ..‬ول أحيد عن مبدأ حق‪ ..‬إني على بينة من ربي‪..‬‬
‫أل يا قبح الله شهوة أبيع بها ديني‪ !!..‬وأعق بها سلفي‪ !!..‬وأهين‬
‫بها نفسي‪ !!..‬وأهدم شرفي‪ !!..‬وأكون عارا على أمتي‪!!..‬‬
‫عرى العقيدة جلت عن مساومة ** ما قيمتي في المل من غير‬
‫معتقدي‬
‫‪112‬‬

‫هل يصير الحر عبدا آبقا‪..‬؟! هل يصير الصقر مثل الرخم‪..‬؟! هل‬
‫يتيه الشهم في أوهامه ينحني بعد بلوغ القمم‪..‬؟!‪..........‬‬
‫ل‪ ..........‬ل يكون العير مهرا ل يكون‪ ..‬المهر مهر‪ ..‬المهر مهر‪..‬‬
‫وحسب أنه نبي‪....‬‬
‫كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس‪ ..‬كبير الهمة‪ ..‬ل ينقض‬
‫عزمه‪ ..‬ول ينكث عقده‪..‬‬
‫أصالة عزم أخجلت كل صارم ** من البيض حتى خاف أن يتجردا‬
‫وحسب الفتى من عزمه خير ** صاحب يؤازره في كل خطب‬
‫يئوده‬
‫فإن لم يكن للمرء من عزماته ** نصير فأخلق أن تخيب جذوده‬
‫أشار الشباب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أحد‪..‬‬
‫بالخروج إلى المشركين خارج المدينة‪ ..‬وكان صلى الله عليه‬
‫وسلم يرى القتال داخلها‪ ..‬فنزل على رأيهم‪ ..‬وعلم الله أنه ما به‬
‫إليهم من حاجة‪ ..‬ولكن ليستن به من بعده من القادة‪ ..‬كما قال‬
‫الحسن رحمه الله‪ ..‬صلى بالمسلمين ثم دخل منزله‪ ..‬فتدجج‬
‫بسلحه وخرج في كامل عدته‪ ..‬وأمرهم بالخروج إلى العدو‪..‬‬
‫فندم ذوي الرأي منهم حين شعروا أنه أشاروا عليه بخطه كان‬
‫يفضل غيرها‪ ..‬فقالوا‪ :‬يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك‬
‫فامكث واصنع ما شئت‪ ..‬فأتى بالعجاز في باب اليجاز‪ ..‬وقال‬
‫بقلب أسد في همة تدك الجبل الشم والخصم اللد‪ :‬ما كان لنبي‬
‫إذا لبس لمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه‪..‬‬
‫ماض البصيرة غلب إذا اشتبهت ** مسالك الرأي صاد الباز‬
‫بالحجل‬
‫إن قال برا وإن ناداه منتصر ** لبى وإن هم لم يرجع بل نفلي‬
‫وحسبه أنه نبي‪ ..........‬كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس‪..‬‬
‫هو للصديق كما يحب وللعدى ** عند الكريهة ضيغم زئار‬
‫يجتمعون على حربه‪ ..‬ويحرض بعضهم بعضا‪ ..‬للوقوف في‬
‫وجهه‪ ..‬وعدم التقصير في عداوته‪ ..‬ويتطاولون عليه بالسخرية‪..‬‬
‫وهو صامد كالجبل الشهيق في علياءه‪ ..‬يقرر أن ما جاء به‬
‫سينفذ‪ ..‬لو كان الثمن إهلك هؤلء الصناديد‪ ..‬وحاله‪:‬‬
‫إن قومي تجمعوا وبقتلي تحدثوا ** ل أبالي بجمعهم كل جمع‬
‫مؤنث‬
‫يقول عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما‪ :‬اجتمع أشراف قريش‬
‫في الحجر‪ ..‬فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ..‬قالوا‪ :‬ما‬
‫رأينا مثل صبرنا على هذا الرجل‪ ..‬سفه أحلمنا‪ ..‬وعاب ديننا‪..‬‬
‫وفرق جماعتنا فبين هم كذلك‪ ..‬إذ طلع عليهم رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ..‬فأقبل يمشي حتى أستلم الركن‪ ..‬وعداته منه‬
‫‪113‬‬

‫تغص وتشرق‪ ..‬فمغرب من غيظه ومشرق‪ ..‬ثم مر بهم وهو‬
‫يطوف بالبيت‪ ..‬فغمزوه ببعض ما يقول‪ ..‬وأشاروا بأعينهم‬
‫وحواجبهم‪ ..‬وهروا هرير المجحرات اللواهث‪ ..‬قال ابن عمر‪:‬‬
‫فعرفت ذلك في وجهه إذ تغير‪ ..‬وظهرت عليه علمات الغضب‪..‬‬
‫ثم مضى فغمزوه بمثلها‪ ..‬ثم مضى فغمزوه بمثلها‪ ..‬فإذا‬
‫السكون تحرك‪ ..‬وإذا الخمود تلهب‪ ..‬وإذا السكوت كلم‪..‬‬
‫يستنزل الهلك من أعلى منابره‪ ..‬ويستوي عنده الرعديد‬
‫والبطل‪ ..‬فسل حساما من بيان فهومه‪ ..‬فرد سيوف الغي‬
‫مفلولة الحد‪ ..‬قال ‪ :‬تسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس‬
‫محمد بيده‪ ..‬لقد جئتكم بالذبح‪ ..‬أل إنها لو تنزلت على جبل‪..‬‬
‫أهوت به وهو خاشع‪ ..‬فأخذت القوم كلمته‪ ..‬حتى ما منهم رجل‬
‫إل كأنما على رأسه طائر‪..‬‬
‫حال الجريظ دون القريظ‪ ..‬صادف در السل در يدفعه‪ ..‬في‬
‫هضبته ترفعه وتضعه‪ ..‬وإن أشدهم وصات على إيذاءه‪ ..‬ليرفؤه‬
‫ويسكنه بأحسن ما يجد من القول‪ ..‬يا أبا القاسم انصرف راشدا‬
‫والله ما كنت جهول‪ ..‬والله ما كان جهول صلى الله عليه وسلم‪..‬‬
‫لكنه جبل الوقار رسا وأشرف ** واعتلى وسما فطأطأت التلل‬
‫رؤوس‬
‫من أنكر الفضل الذي أوتيته ** جحد العيان وأنكر المحسوس‬
‫كذلك كان إذا غضب‪ ..‬ول يغضب إل لله ثم ل يقوم لغضبه شيء‪..‬‬
‫فإذا أوثير رأيت بركان رمى ** حمما ودك الرض زلزال‬
‫ترى الرجال وقوفا بعد فتكته ** بهم يظنون أحياء وقد قتلوا‬
‫وحسبه أنه نبي‪ ............‬كان صلى الله عليه وسلم أشجع‬
‫الناس‪ ..‬أدركته القائلة في إحدى غزواته في واد كثير العظاح‪..‬‬
‫فنزل تحت سمرة وعلق بها سيفه‪ ..‬وتفرق عنه أصحابه‪ ..‬فجاء‬
‫أعرابي فاختلط سيفه وسله‪ ..‬ويا لله عدو متمكن وسيف شاهر‬
‫وموت حاضر‪ ..‬يقول‪ :‬يا محمد أتخافني‪..‬؟؟ فل نفس جزعت ول‬
‫حال تغيرت ول روعة حصلت‪ !!..‬وما كان إل الرعد دعوى‬
‫هديده‪ ..‬يقول‪ .........:‬ل‪........‬‬
‫كأنما الليث شبيه له ** فهو أخو الليث لم وأب‬
‫من اتق الله فأسد الشرى ** لديه مثل الكلب العاوية‬
‫قال‪ :‬فمن يمنعك مني يا محمد‪..‬؟؟ فاستحضر عظمة الله‬
‫وقدرته ونصرته لولياءه‪ ..‬وقال‪..‬‬
‫يهوي فصيح القول من لهواته ** كالصخر يهبط من ذرى ثهلن‬
‫‪ ............‬الله‪ ...........‬فخارت قواه وانحلت وسقط السيف من‬
‫يده وأمكن من نفسه‪ ..‬وقال‪ :‬كن خير آخذ يا محمد فعفا عنه‬
‫يتألفه‪ ..‬فالله ما أشجعه وما أحلمه‪..‬‬
‫‪114‬‬

‫تهوي الجبال الراسيات وحلمه ** في الصدر ل يهوي ول يتزعزع‬
‫رجع العرابي إلى قومه يقول جئتكم من عند خير الناس‪ ..‬حاله‪:‬‬
‫قضيت التعجب من أمره ** فصرت أطالع باب البدل‬
‫وحسبه أنه نبي‪ ..........‬كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس‪..‬‬
‫خبيرا بفنون المنازلة‪ ..‬يزلزل الخصم فيوهي بنيانه‪ ..‬يقوض‬
‫أركانه‪ ..‬يرعب جنانه‪..‬‬
‫عزيمته ترد الغمد سيفا ** وحكمة تر السيف غمدا‬
‫إن تعدوا يا سيف لتستعينه ** أجاب قبل أن تتم سينه‬
‫ثبت في سنن الترمذي رحمه الله‪ ..‬أن ركانة مصارع لم يضع أحد‬
‫جنبه على الرض‪ ..‬طلب منازلة رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ومصارعته تبجحا بقوته وإعجابا ببنيته وسطوته‪ ..‬معه ثلث‬
‫مئة من الغنم وقال‪ :‬يا محمد هي لك أن تصارعني‪..‬؟؟‬
‫وساوس إبليس تغشى النظر ** وتخفي عن العقل نور الفكر‬
‫أي ركان أرح المطية ول تكن ** كمحاول صيد النجوم من المياه‬
‫الركد‬
‫هل لك أن تصارعني يا محمد‪..‬؟؟ فرأى رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم في هذا العرض وسيلة لهدف أسمى من المصارعة‪..‬‬
‫وهو إسلم هذا الرجل مع توظيف هذه الطاقة المتفجرة لعلء‬
‫كلمة الله‪ ..‬ل يريد صرعه ل يريد قتله‪ ..‬وإنما يريد حياته‪ ..‬فما هو‬
‫إل الغيث‪ ..‬أما وقوعه خصب‪ ..‬وأما ماؤء فطهور صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ..‬عامله صلى الله عليه وسلم على أنه غريق بحاجة إلى‬
‫من ينتشله‪ ..‬حاله‪:‬‬
‫يا رب حيران لو شئته ** تدا ظمئآن لو شئت وردت‬
‫يقول له‪ :‬وما تجعل لي إن صرعتك‪..‬؟؟ فقال‪ :‬مئة من الغنم‪..‬‬
‫فصارعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرعه‪ ..‬فقال ركانة‪:‬‬
‫هل لك في العود‪..‬؟؟ قال صلى الله عليه وسلم‪ :‬وما تجعل لي‬
‫إن صرعتك‪..‬؟؟ قال‪ :‬مئة أخرى فصارعه رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم فصرعه‪..‬‬
‫هو بالله وهل يخشى انهزاما ** من يكون الله في الدنيا نصيره‬
‫قال‪ :‬هل لك في العود‪..‬؟؟ قال صلى الله عليه وسلم‪ :‬وما تجعل‬
‫لي إن صرعتك‪..‬؟؟ قال المئة الباقية فصارعه رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم وصرعه‪ ..‬ثم بقي عليه كسرت شوكته ومالت‬
‫هامته‪ ..‬ارتطم بالرض ظهره هوى بأسه وهوت قواه‪ ..‬ومع ذلك‬
‫فقد ذهب ماله وصار حاله‪:‬‬
‫وإني لمقدام وعندك هائب ** وفي الحي سحفان وندك باقل‬

‫‪115‬‬

‫ثم قال‪ :‬يا محمد والله ما وضع جنبي على الرض أحد قبلك‪ ..‬وما‬
‫ي منك وأنا أشهد أن ل إله إل الله وأنك رسول‬
‫كان أحد أبغض إل ّ‬
‫ي منك اليوم‬
‫الله‪ ..‬حاله‪ :‬والله ما على الرض أحد أحب إل ّ‬
‫وأسبلت العينان منه بواكف ** من الدمع يجري بعد سح بوابلي‬
‫والليل ولى والظلم تبددا ** والصبح أشرق والضياء تجددا‬
‫فصار حال ركانة‪ ..‬عملت الجزم بي‪ ..‬وخفضت مني محل‬
‫النصب‪ ..‬ثم رفعت حالي‪ ..‬قام عنه صلى الله عليه وسلم ورد‬
‫عليه غنمه‪ ..‬وهدفه هدايته‪ ..‬فما الدنيا والله ببغيته‪ ..‬يرى الدنيا‬
‫وإن عظمت وجلت لديه‪ ..‬أقل من شسع النعال‪ ..‬ومن شيمة‬
‫العضب المهند‪ ..‬أنه يخاف ويرجى مغمدا ومجردا‪ ..‬وحسبه أنه‬
‫نبي‪.....‬‬
‫تبلى عظامي وفيها من محبته ** حب مقيم وشوق غير منصرم‬
‫كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس‪ ..‬ل يجارى في قوة رأيه‬
‫وإدراكه وبعد نظره فطن‪..‬‬
‫تكاد العمي تبصر الدجى لو ** أنها اكتحلت بنور ذكائه‬
‫وقف ضد رغبات أصحابه يوم الحديبية حين بركت ناقته فأعلن‬
‫مقسما‪ ..‬والذي نفسي بيده ل يسألونني خطة يعظمون فيها‬
‫حرمات الله إل أعطيتهم‪ ..‬حاله‪ :‬مع حرمات الله فديتك بالسويدا‬
‫من فؤادي‪ ..‬ومن حدقي فديتك بالسواد‪ ..‬دارت المفاوضات‬
‫وسدت قريش السبل وأشيع مقتل عثمان رضي الله عنه‪ ..‬فبايع‬
‫أصحابه تحت الشجرة على الموت وعدم الفرار‪ ..‬وتحت ذلك‬
‫التصميم أرسلت قريش سهيل للصلح‪..‬‬
‫ول ملمة إن هابوا وإن حرجوا ** ل يزار الليث إل فرق الغنم‬
‫أجبتهم معلنا بالسيف منصلتا ** ولو أجبت بغير السيف لم تجبي‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم يفاوض من مركز قوة‪ ..‬ويتنازل في‬
‫بعد نظر وأصالة رأي‪ ..‬عن بسم الله إلى باسمك اللهم‪ ..‬وعن‬
‫رسول الله إلى محمد ابن عبدالله‪..‬‬
‫عذب المناهل غير أن ورودها ** نار المنايا حوله تتأجج‬
‫وكانت قريش إذ تأبى لشرطها ** كباحثت عن مدية تستثيرها‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل برد من جاء من‬
‫المسلمين مهاجرا ول العكس‪ ..‬ويعلل ويقول‪ :‬من ذهب منا إليهم‬
‫فأبعده الله‪ ..‬ومن جاءنا فرد جعل الله له فرجا ومخرجا‪ ..‬وثقل‬
‫ذلك على المسلمين وذهلوا عن أنفسهم‪ ..‬لما أعيد أبو جندل‬
‫رضي الله عنه إلى أبيه يرفس في قيوده‪ ..‬يضربه أبوه في وجهه‬
‫ويأخذ بتلبيبه وهو يستصرخ‪ ..‬أأرد إلى المشركين وقد جئت‬
‫مسلما‪..‬؟؟‬

‫‪116‬‬

‫فاضطرمت القلوب واضطربت‪ ..‬وزلزل الهم قاصيهم ودانيهم‪..‬‬
‫حتى السماء رأوها غير ما عهدوا‪ ..‬أما الصديق رضي الله عنه‬
‫فقد تلقى ذلك بالرضا والتسليم‪ ..‬فكان قلبه على قلب محمد‬
‫صلى الله عليه وسلم حاله‪:‬‬
‫والكف ليس الزند ينكر قربه ** والعين ل يقسوا عليها المحجر‬
‫من لحمه لحمي ومن دمه دمعي ** وعلى محبته أموت وأحشر‬
‫أما عمر رضي الله عنه لعظم الوارد عليه‪ ..‬أبى إل أن يعلن عما‬
‫في نفسه فيقول‪ :‬يا رسول الله ألست نبي الله حقا‪..‬؟؟ ألسنا‬
‫المسلمين‪..‬؟؟ أليسوا بالمشركين‪..‬؟؟ ألسنا على الحق وهم‬
‫على الباطل‪..‬؟؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي عمر‬
‫حرية إبداء رأيه ‪ ..‬مع تسديده بل عقاب ول تجريم‪ ..‬ويقول لعمر‬
‫في كل ذلك‪ :‬بلى‪ ..‬بلى‪ ..‬فيقول عمر‪ :‬فلم نعطي الدنية في ديننا‬
‫يا رسول الله‪ ..‬فيقول صلى الله عليه وسلم إني رسول الله‬
‫ولست أعصيه وهو ناصري‪ ..‬ويذعن الفاروق ويؤنب نفسه بعد‪..‬‬
‫وماهي والله إل غيرة على السلم منه‪ ..‬فهم بعدها هو وغيره‬
‫إنما يحقق المكاسب العليا للسلم‪ ..‬فهو السنة النبوية والسياسة‬
‫الشرعية التي يجب أن تقتفى‪ ..‬فأذعنوا وندموا وعرفوا قصورهم‬
‫فاقتصروا‪..‬‬
‫أخاطب البرق إن يسقي ديارهم ** ولو أراد بدمعي أو أراد دمي‬
‫معشر الخوة‪:‬‬
‫ومع ما فيه الصحابة من غم ل مزيد عليه‪ ..‬لم يخرجوا عن طوع‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ..‬وهم يرون سهيل فردا في‬
‫جيش يتمادى في تفاوضه‪ ..‬فلم ينله أحد بأذى وإنما مرجعهم‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ..‬ورسول الله يسعه بالحلم‬
‫حتى وصل إلى الغاية المنشودة من الصلح‪ ..‬وانبلج الصبح فإذا‬
‫الصلح فتح‪ ..‬والغبن في الظاهر نصر‪ ..‬سمعوا كلم الله‬
‫وعظمت حرمات الله‪..‬‬
‫وكلما أوقدوا نارا بها احترقوا ** وأحدثوا الحرب فيهم يحدث‬
‫الحرب‬
‫هكذا تبدوا شجاعة وسياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫العملقة‪ ..‬إلى جانب سطحية التفكير لدى زعماء المشركين‪..‬‬
‫فشرطهم الذي اشترطوه تعنتا واستعلء‪ ..‬كان وبال عليهم حيث‬
‫سبب لهم حروبا عصابات على أيدي أبي بصير وصحبه لم‬
‫يحسبوا لها حسابا‪..‬‬
‫حتى أقامت رؤوسا كان يحبلها ** أجلف قوم وفي أعناقهم صعر‬
‫فقدوا الهدف العلى من الصلح‪ ..‬وهو تأمين طريقهم إلى‬
‫الشام‪ ..‬فعادوا خاضعين ذليلين يعلنون تنازلهم عن شرطهم‬
‫‪117‬‬

‫الجائر‪ ..‬ويرجون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤوي‬
‫كل من جاءه من المسلمين‪..‬‬
‫فصار لواء الحق بالنصر خافقا ** وظل لواء الشرك بالذل يقهر‬
‫فما هو في صورته الظاهرة ظيم للمسلمين‪ ..‬هو عز وفتح ونصر‬
‫مبين‪ ..‬نزلت السكينة على المؤمنين ودخل في دين الله أضعاف‬
‫ما دخل قبل من المشركين‪ ..‬وما فتح في السلم فتح قبله كان‬
‫أعظم منه‪ ..‬وتم تحييد قريش وتكبيلها بهذه المعاهدة‪ ..‬فلم‬
‫يفكروا في الحرب لعشر سنين‪ !!..‬فحول المسلمون المعركة‬
‫إلى اليهود وغيرهم من المجرمين‪..‬‬
‫عافوا المذلة في الدنيا فعندهم ** عز الحياة وعز الموت سياني‬
‫تلكم هي الشجاعة حقا يا معشر الخوة‪:‬‬
‫تريث في غير عجلة‪ ..‬تثبت في تؤدة‪ ..‬بعد نظر في أصالة رأي‪..‬‬
‫لزم الوحي مع اتهام الرأي‪ ..‬قضاء المصالح على أحسن وجه‪..‬‬
‫درء المفاسد في أجمل هيئة‪..‬‬
‫من يلقي النار بالنار يزهدها ** لهبا إطفائه يغدوا محال‬
‫الحد والشدة ليست لوازم قوة‪ ..‬والتعقل والمدارات ليست‬
‫مؤشرات ضعف‪ ..‬والحزم والقوة والشجاعة حقا فعل ما ينبغي‬
‫كما ينبغي في الوقت الذي ينبغي‪!!..‬‬
‫وريث المثابر أمضى خطا ** وأبلغ من قفزات الصخب‬
‫وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬ليس الشديد‬
‫بالسرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"‬
‫والسيف ل يمضي بدون روية ** والرأي ل يمضي بغير مهند‬
‫وقد يدفع النسان عن نفسه الذى ** بمقوله إن لم يدافعه باليد‬
‫كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس‪ ..‬خاض غمار الحروب‬
‫في سبيل الله‪ ..‬لعلء كلمة الله حتى لم تكن فتنة وكان الدين‬
‫كله لله‪..‬‬
‫أزال ظلم الغي عن نير الهدى ** وحكم سيف الحق في كل‬
‫باطل‬
‫مضى فعله المشتق من مصدر العل ** فصح له منه اشتقاق‬
‫اسم فاعل‬
‫في يوم حنين اختل نظام جيشه وانفض عنه معظمه‪ ..‬وهو ثابت‬
‫في الميدان ل يبرح‪ ..‬مقبل ل يدبر‪ ..‬ظاهر ل يتوارى‪ ..‬وكيف‬
‫يتوارى عن الموت‪ ..‬من يوقن أن موته انتقال من حياة نصب‬
‫ومشقة‪ ..‬إلى ما اشتهت نفسه ولذت عينه‪ ..‬يركض بغلته البيضاء‬
‫في نحر العدو‪ ..‬ويترجل عنها حينا‪ ..‬فل يرى أحد أشد منه يومئذ‪..‬‬
‫كالسيل في دفعاته‪ ..‬والسيف في عزماته‪ ..‬والموت في وثباته‪..‬‬
‫يشهر نفسه وهو هدف العدو العلى‪ ..‬ويزأر‪ ..‬هلموا إلي أيها‬
‫‪118‬‬

‫الناس‪ ..‬أنا رسول الله‪ ..‬أنا محمد ابن عبد الله‪ ..‬أنا النبي ل‬
‫كذب‪ ..‬أنا ابن عبد المطلب‪..‬‬
‫تخرج اللفاظ من فيه كما ** تخرج الدرة من جوف الصدف‬
‫له عزمة لو صادمت ركن يذبل ** ورضوى لهدت يذبل ومحت‬
‫رضوى‬
‫مناديه ينادي‪ :‬يا أصحاب السمرة‪ ..‬يا أصحاب سورة البقرة‪ ..‬فجر‬
‫النداء مكامن الباء‪ ..‬وثاب الفار منهم ولبى‪ ..‬وأما الصوت وحاله‪:‬‬
‫يا رسول الله هانا ذا‪..‬‬
‫أنا بعض منك والكف على ** كل حال ل تضيع المعصم‬
‫وحمي الوطيس وبذل النفيس‪ ..‬ورمى رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم وجوه القوم بقبضة من تراب قائل‪ :‬شاهت الوجوه‬
‫فما خلق الله إنسانا منهم‪ ..‬إل ملئت عيناه من تلك القبضة فولوا‬
‫مدبرين‪..‬‬
‫قد زلزل الرعب أيديهم وأرجلهم ** وعاد ثعلب قفر ذلك السد‬
‫فمجدل ومرمل وموسد ومضرج ومضمخ ومخضب‪ ..‬ونزلت‬
‫ْ‬
‫السكينة على المؤمنين‪)..‬فَ ُ‬
‫داب ُِر ال ْقَوْم ِ ال ّ ِ‬
‫مد ُ‬
‫موا ْ َوال َ‬
‫قط ِعَ َ‬
‫ح ْ‬
‫ن ظ َل َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن(‪..‬‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫مي َ‬
‫ومن لذ بالله في دربه ** كفاه المهيمن من كل شر‬
‫كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس على الطلق‪ ..‬فر عنه‬
‫الكماة البطال غير مرة ‪ .‬وما أحصيت غير مرة‪ ..‬ذهل عنه‬
‫الشجعان ووجم الفرسان غير مرة‪ ..‬ولم يحفظ له وجمة‪..‬‬
‫على الزعازع والهوال والباس ** لو مادت الرض يبقى الشامخ‬
‫الراسي‬
‫ما وقعت هيعة أو صيحة أو فزع‪ ..‬إل تقلد السيف في عنقه وبادر‬
‫ظهر الفرس يسبق إلى العدو‪ ..‬يستبرأ الخبر ويطمئن أصحابه‬
‫بشعار‪ ..‬لن تراعوا لن تراعوا‪..‬‬
‫ليس يدنوا الخوف منه أبدا ** ليس غير الله يخشى أحدا‬
‫يغدوا وهوج الذاريات رواكد ** ويبيت يسري والكواكب نوموا‬
‫وحسبه أنه نبي‪ .......‬كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع‬
‫الناس يحقر كل ما يسميه الناس خطرا‪ ..‬يثبت حين تزلزل أقدام‬
‫البطال رهبا‪ ..‬موقفه أقرب موقف من عدوه‪ ..‬إذا اتقدت جمرة‬
‫الحرب آوى الناس إليه وإحتموا بظله‪..‬‬
‫يتقي الموت به أشياعه ** حين جف الريق وانشق البصر‬
‫يشهد بذلك غصن من دوحته وجزء من جملته‪ ..‬يؤكد العيان‬
‫بالبيان ويؤد الصطاح بالمصباح‪ ..‬إنه علي رضي الله عنه فارس‬
‫الفرسان وفتى الفتيان‪ ..‬البطل المقدام همام الهمام الليث‬

‫‪119‬‬

‫الكرار‪ ..‬مفرق كتائب الكفار من روي في شجاعته مشهود‬
‫الخبار‪ ..‬ما أمسك بذراع علج إل حار وانقطع نفسه وخار‪..‬‬
‫لو عاين السد الضرغام لمته ** ما ليم أن ظن رعبا أنه السد‬
‫يقول علي رضي الله عنه في رسول الله صلى الله عليه وسلم‪..‬‬
‫ولقد رأيتنا يوم بدر وقد حمي البأس واحمرت الحدق‪ ..‬ونحن نلوذ‬
‫ونتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو‬
‫وأشدنا بأسا‪ ..‬وإن الشجاع منا للذي يحاذي به‪..‬‬
‫له من بديع العزم ما لو تلوته ** على جبل لنهال في الدوي ربده‬
‫له هيبة في قوله وفعاله ** فلوا شاهدته السد كانت تهابه‬
‫هذه شهادة علي‪ ..‬وحسبه أنه رسول نبي‪..........‬‬
‫ل تسألن القوافي عن شجاعته ** إن شئت فاستنطق القران‬
‫والصحف‬
‫كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس لم يمل صدره هول قط‪..‬‬
‫وما كر إل كان أول طاعن ول عاينته الخيل إل اقشعرت‪..‬‬
‫يكون أمام الخيل أول طاعن ** ويضرب أخراها إذا هي ولت‬
‫ي ابن خلف قال بعد بدر متهددا‪ ..‬إني لي فرسا أعلفه‬
‫روي أن أب ّ‬
‫كل يوم فرقا من ذرة أقتل عليها محمدا‪..‬‬
‫ظل عنك المحال يا من تعنى ** ليس يلقى الرجال غير الرجال‬
‫ي ** ودونه خياطف إلود صعاب مراتبه‬
‫هيهات لقد رمت أمرا يا أب ّ‬
‫ي أراداها ** رأى نفسه أذل من القرد‬
‫شماريخ لو أن أب ّ‬
‫م تَ ُ‬
‫فُروا ْ إ َِلى‬
‫ن كَ َ‬
‫ف ُ‬
‫ن َوال ّ ِ‬
‫سُين ِ‬
‫م ي ُغْل َُبو َ‬
‫م َ‬
‫كو ُ‬
‫ح ْ‬
‫)فَ َ‬
‫سَرة ً ث ُ ّ‬
‫ن ع َل َي ْهِ ْ‬
‫قون ََها ث ُ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ح َ‬
‫ن(‪ ..‬بلغت المقالة رسول الله صلى الله عليه‬
‫شُرو َ‬
‫م يُ ْ‬
‫َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫وسلم وهو بالمدينة‪ ..‬بل أنا أقتله عليها إن شاء الله‪ ..‬وحاله‪:‬‬
‫ي ثوابها‬
‫فأنتم وعدتم بالهدية قبلنا ** فكان علينا يا أب ّ‬
‫ي‬
‫وفي يوم أحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم أب ّ‬
‫فآذنوني‪ ..‬لنه صلى الله عليه وسلم ل يلتفت في القتال وراءه‪..‬‬
‫هزبر تفادى السد من وثباته ** لو مربض عنه يحيد الكابر‬
‫إذا ما رأته العين غير لونها ** له واقشعرت من عراه الدوائر‬
‫ي يركض فرسه متدرعا بالحديد مملوء الوطاب من سوء‬
‫أقبل أب ّ‬
‫أدب الخطاب‪..‬‬
‫لو أن خفة عقله في رجله ** سبق الغزال ولم يفته الرنب‬
‫يبحث عن حتفه بظلفه ** ويجدع مارن أنفه بكفه‬
‫يصيح بأعلى صوته‪ :‬يا محمد ل نجوت إن نجوت‪ ..‬يا محمد ل‬
‫نجوت إن نجوت‪ ..‬فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬يا‬
‫رسول الله ما كنت صانع حين يغشاك فقد أتاك‪ ..‬وإن شئت‬
‫عطف عليه بعضنا فكفاكه‪ ..‬فأبى صلى الله عليه وسلم أشد‬
‫الباء‪..‬‬
‫‪120‬‬

‫بطل تشيعه السود إذا غزى ** حتى وثقنا أنها من جنده‬
‫قنصت مهابته البزات وصادت ** السد الكماة قشاعم من جرده‬
‫فصاح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما أبى‪ :‬نوصيك‬
‫بالبغل شرا فإنه ابن الحمار‪ ..‬رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫لم يبادره‪ ..‬بل تركه يرعد وهو في غاية السكون والتؤدة‬
‫والهدوء‪..‬‬
‫وهدوء أمواج البحار تأهب ** للمد يكتسح الشواطىء صرصرا‬
‫إذا رأيت الموج في البحر سكن ** فالموت كامن لغراق السفن‬
‫ما أحد يشبهه صلى الله عليه وسلم ول يكون له إذا جد الجد‪..‬‬
‫يتلشى البحر في نيرانه ** ويخاف البحر من طوفانه‬
‫ي تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة ثم‬
‫ولما دنى أب ّ‬
‫هزها‪ ..‬وحاله‪:‬‬
‫اقترب الوعد وحان الهلك ** وكل ما تحذره قد أتاك‬
‫ثم انتفض بالحرمة كما ينتفض البعير‪ ..‬فتطاير الصحابة من حوله‬
‫تطاير الشعارير‪ ..‬هيبة له حتى إذا رضيها عطف عليها بالفاء ل‬
‫جة بين درعه وبيضته‪ ..‬فأقتلعه‬
‫بثم‪ ..‬فضربه بها في عنقه في فر َ‬
‫من على فرسه فخر‪..‬‬
‫فلم يزده الله إل هوانا ** وهو مهتضم حقير‬
‫وكان كفاقع عينيه عمدا ** فأصبح ل يضيء لها النهار‬
‫جعل يخور كما يخور الثور‪ ..‬قتلني محمد‪ ..‬قتلني محمد‪ ..‬وعاد‬
‫عواء بعد نبح هريره‪..‬‬
‫متبرقعا لؤما كأن عيونه ** طليت حواجبها عنية قاري‬
‫لم تغني عنه سيوف الهند مصلتتا ** لما أتته سيوف الواحد‬
‫الصمد‬
‫جاءه أصحابه يقولون‪ :‬أبا عامر والله ما بك من بأس ولو كان‬
‫الذي بك بعين أحدنا ما ضره‪ ..‬فقال‪ :‬واللت والعزى لو كان الذي‬
‫بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون‪ ..‬أليس قال لقتلنك‪ !!..‬والله‬
‫لو بصق علي لقتلني‪ ..‬فأصمت منهم كل من كان ينطق‪!!..‬‬
‫وما هم إل بائل من مخافتي ** وآخر منهم ظل بالريق يشرق‬
‫ي بالصفقة الخاسرة ** وضيع الدنيا والخرة‬
‫وباء أب ّ‬
‫وهلك في طريقهم إلى مكة ول يجني الظالم إل على نفسه‪..‬‬
‫ومن ينزوا في أرض تسوخ فإنه ** على قدر ما ينزو يغوص‬
‫ويغرق‬
‫شجاعة أعجزت قولي ** وفخري أن يلم بها لماما‬
‫ولول إحتقار السد شبهتها به ** ولكنها معدودة في البهائم‬
‫كل الذي قلت شيء من شجاعته ** ما زدت إل لعلي زدت‬
‫نقصانا‬
‫‪121‬‬

‫فمن رام من شجاعة المختار كل الخبار‪ ..‬فدونه نزح البحار وما‬
‫هذه كلها إل إيماض برق باختصار‪!!..‬‬
‫ألفاظها نمت على مضمونها ** وصدورها دلت على العجاز‬
‫قولوا لشباه الرجال تصنعا ** إل تكونوا مثله فتقنعوا‬
‫معشر الخوة‪:‬‬
‫خلق‪ ..‬ما قام لله ناصح وما نفح‬
‫أما إنه لول اليمان مقرونا بهذا ال ُ‬
‫عن السلم منافح‪ ..‬إن الشجاعة ليست منازلة في الحروب‬
‫فحسب‪))!!..‬الشجاعة(( تكليف يلتزم المسلم أداءه في السلم‬
‫والحرب‪ ..‬المر والنهي عن المنكر في عالم ضال))شجاعة((‪..‬‬
‫الدعوة إلى الصلح في أمة فاسدة النظم))شجاعة((‪ ..‬الثبات‬
‫أمام الشبهات والشهوات))شجاعة((‪ ..‬فعل أوامر الله والكف‬
‫عن نواهي الله))شجاعة((‪ ..‬الدفاع عن النفس والمال والعرض‬
‫والدين والمظلوم))شجاعة((‪ ..‬ثبات المسلمة أمام شبهات أدعياء‬
‫تحرير المرأة))شجاعة((‪..‬‬
‫هكذا كوني ول تخشي أذى ** من أحب الشهد قاس البرا‬
‫النفاق في السراء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن‬
‫الناس))شجاعة((‪ ..‬المجاهدة على ذلك كله))شجاعة((‪..‬‬
‫وكل شجاعة في المرء تغني ** ول مثل الشجاعة في الحكيم‬
‫معشر الخوة‪:‬‬
‫خلق نصر السلم على يدي أبي بكر رضي الله عنه يوم‬
‫بهذا ال ُ‬
‫الردة‪ ..‬والمام أحمد رحمه الله يوم المحنة‪..‬‬
‫وإن لم يسر نجل السري بسيره ** فل بدع إن طال العدى إنه‬
‫دعي‬
‫خلق هو الذي ترجم معنى ل إله إل الله في قلب عبدالله‬
‫هذا ال ُ‬
‫رضي الله عنه ابن رأس النفاق أبي‪ ..‬حين بلغه أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم مر بأبيه ودعاه‪ ..‬فخمر أنفه وقال‪ :‬غبر‬
‫علينا ابن أبي كبشة إليك عنا فقد آذانا نتن حمارك‪ ..‬فغضب‬
‫ه‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫وما ً ي ُؤ ْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫عبدالله لله‪ ..‬وفي ظلل قول الله‪َ)..‬ل ت َ ِ‬
‫جد ُ ق َ ْ‬
‫ه وَل َوْ َ‬
‫م(‪ ..‬أتى‬
‫َوال ْي َوْم ِ اْل ِ‬
‫ن َ‬
‫دو َ‬
‫وا ّ‬
‫ه وََر ُ‬
‫كاُنوا آَباءهُ ْ‬
‫سول َ ُ‬
‫حاد ّ الل ّ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫خرِ ي ُ َ‬
‫رسول الله وقال‪ :‬يا رسول الله والذي أكرمك بالهدى ودين الحق‬
‫لن شئت لتيتك برأسه‪ ..‬حاله‪:‬‬
‫وإني لرجوا أن أنال بقتله ** من الله أجرا مثل أجر المرابط‬
‫فقال صلى الله عليه وسلم‪ .....:‬ل‪ ......‬ولكن بر أباك وأحسن‬
‫صحبته‪ ..‬والحال‪:‬‬
‫فما البحر الخضم يعاب يوما ** إذا بالت بجانبه القرود‬
‫خلق مع اليمان هو الذي حرك الغيرة في قلب الشيخ‬
‫هذا ال ُ‬
‫المحاربي‪ ..‬حين رأى منكرا على الحجاج ل يسعه السكوت عليه‪..‬‬
‫‪122‬‬

‫فأنكر عليه وهو يستشعر أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان‬
‫جائر‪ ..‬فقال له‪ :‬أسكت وأغرب والله لقد هممت أن أخلع لسانك‬
‫فأضرب بها وجهك‪..‬‬
‫فقال الشيخ بعزيمة جبارة لو ** حملت أحدا لما شعرت له‬
‫بكلل‬
‫سبحان الله إن صدقناك أغضبناك وإن غششناك أغضبنا الله‪ ..‬ول‬
‫والله الذي ل إله إل هو‪ ..‬لغضب المير أهون من غضب الله‪..‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه( ثم مضى‪ ..‬وحاله‪:‬‬
‫ري إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ضأ ْ‬
‫)وَأفَوّ ُ‬
‫م ِ‬
‫فما دحضت رجلي ول زل مقولي ** ول طاش عقلي يوم تلك‬
‫الزلزل‬
‫وما أنا ممن تقبل الضيم نفسه ** ويرضى بما يرضى به كل‬
‫مائق‬
‫خلق مع اليمان هو الذي جعل عبادة في فتنة القول بخلق‬
‫هذا ال ُ‬
‫القرآن يصدع ويقول‪ :‬كلم الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه‬
‫يعود‪ ..‬ثم كان حجة يفهم من يقول بذلك القول‪ ..‬حين دخل يوما‬
‫على الواثق وقال‪ :‬يا أمير المؤمنين أعظم الله أجرك في‬
‫القرآن‪ !!..‬قال‪ :‬ويلك القرآن يموت‪ !!..‬قال‪ :‬يا أمير المؤمنين‬
‫كل مخلوق يموت‪ ..‬ثم موه عليه ومخرق‪ ..‬قال‪ :‬بالله يا أمير‬
‫المؤمنين من يصلي بالناس التراويح إذا مات القرآن‪..‬‬
‫فأعاد الحر منهم حائرا ** وثنا منهم المنطيق مفحما‬
‫سيرت سفنهم في بحره ** فهوت في قعره والتطما‬
‫سدت الطريق وأغص بالريق ويئس من الساحل الغريق‪!!..‬‬
‫وإن رغمت أنوف من أناس ** فقل يا رب ل ترغم سواه‬
‫كلم السيف يوما ** لتبلغ مثل ما بلغ الكلم‬
‫وما كانت ِ‬
‫خلق مع اليمان هو الذي جعل دعاة القيم يزدرون حطام‬
‫هذا ال ُ‬
‫الدنيا وينظرون بشفقة ورثاء لمن يلهث ورائها كخادم لسيده‪..‬‬
‫تراه يشفق من تضييع درهمه ** وليس يشفق من دين يضيعه‬
‫حداه في درهمه أعز عندي من وحيد أمه كل المنى في ضمه‬
‫وشمه‪ ..‬فرفعوا أصواتهم إنما هذه الحياة الدنيا متاع‪ ..‬من هؤلء‬
‫شاعر مسلم شجاع استنفر فوجب عليه النفير‪ ..‬لما سمع يا خيل‬
‫الله اركبي وبالجنة ابشري‪ ..‬خرج مجاهدا في سبيل الله أمسكت‬
‫به زوجته وهي تبكي وتقول‪ :‬كيف تخرج وتتركني‪..‬؟! إلى من‬
‫تدعني‪..‬؟! فكر وتأمل ورأى أن ل عذر له فولى وهو يغالب‬
‫عواطفه‪ ..‬يقول‪:‬‬
‫باتت تذكرني بالله قاعدة ** والدمع ينهل من شانيه سبل‬
‫يا بنت عمي كتاب الله أخرجني ** كرها وهل أمنع الله ما فعل‬
‫فإن رجعت فرب الكون أرجعني ** وان لحقت بربي فابتغي بدل‬
‫‪123‬‬

‫ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرني ** أو ضارع من ضنا لم يستطع‬
‫هول‬
‫ثم مضى شجاعا آثر الله ورسوله والدار الخرة وجعل الدنيا دابة‬
‫يركبها يستخدمها ول يخدمها حداءه‪..‬‬
‫اختر لنفسك منزل تعلوا به ** أو مت كريما تحت ظل القسطل‬
‫موت الفتى في عزة خير له ** من أن يعيش أسير طرف أكحل‬
‫عبد الله‪...........‬‬
‫من يرضى بالعير يهجر كاهل الفرس ** أتطلب جيفة الغربان يا‬
‫خير الشياهين‬
‫خذها رافعيا إذا رأيت أمة فتنت بدنياها‪ ..‬فاعلم أنها أمة جبانة‬
‫مأكولة مفلولة‪ ..‬فلو شهرت السيف الماضي‪ ..‬لقاتل في يدها‬
‫بروح ملعقة‪ ..‬ولو رعدت بالسطول المهول‪ ..‬لصلصل كآنية‬
‫المطبخ‪..‬‬
‫أسود لدى البيات عند نسائهم ** ولكنهم عند الهياج نقانق‬
‫إذا أبصروا شخصا يقولون جحفل ** وجبن الفتى سيف لعينيه‬
‫بارق‬
‫فل رحم الله امرأ باع دينه ** بدنيا سواه وهو للحق رامق‬
‫‪........ .. .. .. .. ..‬‬
‫خلق مع خوف الله هو الذي جعل القاسم ابن محمد رحمه‬
‫هذا ال ُ‬
‫الله أحد الفقهاء السبعة يقول لمن سأله عن شيء ل يعلمه‪ :‬ل‬
‫أعلمه‪ ..‬ل أحسنه‪ ..‬فجعل يقول الرجل‪ :‬إني أرسلت إليك ل‬
‫أعرف غيرك‪ !!..‬فقال القاسم‪ :‬ل تنظر إلى طول لحيتي وكثرة‬
‫الناس حولي‪ ..‬والله ل أحسنه‪ ..‬ووالله لن يقطع لساني أحب‬
‫ي من أن أتكلم بما ل علم لي به‪..‬‬
‫إل ّ‬
‫نأى بأعطافه من خوفه ورسا ** بأصله وسما بالنف والراسي‬
‫فقال شيخ من قريش كان بجنبه‪ :‬إلزمها فوالله ما رأيتك في‬
‫مجلس أنبل منك اليوم‪!!..‬‬
‫تحكي السماء إذا أنوارها لمعت ** برج ببرج ونبراسا بنبراس‬
‫كم شارب عسل فيه منيته ** وكم تقلد سيفا من به ذبحا‬
‫)فَم َ‬
‫س ب ِغَي ْرِ ِ ْ‬
‫ض ّ‬
‫م(‪..‬‬
‫ذبا ً ل ِي ُ ِ‬
‫ن افْت ََرى ع ََلى الل ّهِ ك َ ِ‬
‫م ِ‬
‫م ّ‬
‫ن أظ ْل َ ُ‬
‫ل الّنا َ‬
‫َ ْ‬
‫عل ٍ‬
‫م ِ‬
‫خلق مع القرآن هو الذي جعل الشيخ ابن باز رحمه الله‬
‫هذا ال ُ‬
‫أسد إذا علم بظلم يقع على المسلمين أو عدوان على شريعة‬
‫رب العالمين‪..‬‬
‫الحلم شيمته ولكن حينما ** يعصى الله فإنما هو ضيغم‬
‫فل يغرنك وجه راق منظره ** فالنصل فيه المنايا وهو بسام‬
‫يقول المجذوب رحمه الله‪ :‬حينما كان الشيخ للجامعة السلمية‬
‫صدر حكم بقتل أحد الدعاة في بلد ما فاعترى الشيخ ما يعتري‬
‫‪124‬‬

‫المؤمن من غم في هذه النازلة التي تستهدف السلم‪ ..‬فنفسه‬
‫تخذل عنه يقول المجذوب‪ :‬فكلفني بصياغة برقة لحاكم ذلك‬
‫البلد‪ ..‬قال‪ :‬فكتبتها بقلب منذر يقطر غيرة وغضبا وجئت بها‬
‫وكلي يقين أنه سيدخل على لهجتها من التعديل ما يجعلها إلى‬
‫لغة المسئولين المنذرين‪ ..‬لكنه حطم كل توقعاتي‪ !!..‬فأقرها‬
‫مدا ً‬
‫قت ُ ْ‬
‫من ي َ ْ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مت َعَ ّ‬
‫منا ً ّ‬
‫ل ُ‬
‫جميعا ثم قال أضف إليها قول الله‪)..‬وَ َ‬
‫َ‬
‫ذابا ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه عَ َ‬
‫م َ‬
‫خاِلدا ً ِفيَها وَغ َ ِ‬
‫ض َ‬
‫جَزآؤ ُه ُ َ‬
‫فَ َ‬
‫ه وَأع َد ّ ل ُ‬
‫ه ع َلي ْهِ وَلعَن َ ُ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫جهَن ّ ُ‬
‫ظيمًا(‪ ..‬وأرسلت الرسالة وقضى الله قضاءه وقد أدى الشيخ‬
‫عَ ِ‬
‫ما عليه رحمه الله‪ ..‬وحالـه‪:‬‬
‫وما كل نفس تحمل الذل إنني ** رأيت احتمال الذل شأن‬
‫البهائم‬
‫ول خير في العيدان إل صلبها ** ول ناهضات الطير إل صقورها‬
‫ول عجب يا معشر الخوة فقد نقل عنه أنه قال يوما‪ :‬والله منذ‬
‫عقلت إلى اليوم ما أعلم أني عملت عمل لغير الله‪..‬‬
‫تعود صدق القول حتى لو أنه ** تكلف قول غيره ل يجيده‬
‫فرحمه الله‪.............‬‬
‫خلق مع الحق هو الذي جعل شابا مسلما يدخل في جموع‬
‫هذا ال ُ‬
‫النصارى‪ ..‬ليفحم كبيرهم حين وقف يتحدث عن عيسى عليه‬
‫السلم ويضعه في منزلة الله ويقول‪ :‬من قال آمنت بعيسى إله‬
‫لم يضره شيء ولم يتعرض لذى‪ !!..‬واستمر بعقول الناس‬
‫ويداعب خيالهم وآمالهم بتعاليل ل تطفىء الغليل‪!!..‬‬
‫كلم كل ما فيه هراء ** وأشخاص الحكاية أغبياء‬
‫فقل أين التصامم والعماء ‪..‬؟! لكن أعذب الصوات عند الحمير‬
‫صوت الحمار‪ ..‬عندما انتهى قام الشاب المسلم الشجاع وسأله‬
‫قائل‪ :‬هل فعل أنت تؤمن حق اليمان بأن من قال آمنت بعيسى‬
‫إله ل يضره شيء‪..‬؟! قال القس‪ :‬نعم‪ !!..‬فأخرج الشاب كأسا‬
‫استجلس بها الراكب واستركب بها الجالس وقال‪ :‬إن في هذه‬
‫الكأس سما نوعه كذا ودرجة تأثيره كذا أرجوا أن تثبت لنا‬
‫بطريقة عمليه تترجم صدق إيمانك بما قلت وتشرب بما في‬
‫داخل هذه الكأس‪..‬؟!‬
‫فمحا بنور الحق آية ليلهم ** وتطايروا كالحمر لقت قسورا‬
‫اتضح الحق‪ ..‬والقس افتضح ‪ ..‬إسود وجه‪ ..‬وأربد وهدد وأرعد‪..‬‬
‫ثم لن الجعد وسكن الرعد‪ ..‬وحاله‪:‬‬
‫ل مساس‪ ..‬لله المر من قبل ومن بعد‪ ..‬كالسامري يقول إن‬
‫حركته دعني ‪ ..‬فليس علي غير إزاري‪!!..‬‬
‫كذلك يعلوا الحق والحق واضح ** ويسهل كعب الزور والزور‬
‫عاثر‬
‫‪125‬‬

‫خلق مع اليمان هو الذي جعل المهلب يعرض عن من‬
‫هذا ال ُ‬
‫شتمه وأقذعه وبهته بما ليس فيه‪ ..‬ولما قيل له‪ :‬لما ل ترد‬
‫عليه‪..‬؟! قال‪ :‬ل أعرف مساوئه وأخشى الله أن أبهته بما ليس‬
‫فيه‪!!..‬‬
‫ومن الناس اسود خدر**ومن الناس ذباب وطنين‬
‫خلق مع إيمان كالجبال هو الذي حرك سيف الله ليث‬
‫وهذا ال ُ‬
‫السلم وفارس المشاهد‪ ..‬أبا سليمان خالد رضي الله عنه فدمر‬
‫جيش مهران الفارسي مع نصارى العرب بأكمله‪ ..‬دون أن يخسر‬
‫جنديا واحدا‪!!..‬‬
‫يستسهل الصعب إن هاجت حفيظته ** ل يشاور إل السيف إن‬
‫غضبا‬
‫لما إلتقى جيش السلم بجيش الفرس مع النصارى العرب قال‬
‫أحد نصارى العرب لمهران الفارسي‪ :‬دعنا وخالدا نحن العرب‬
‫أعلم بقتال العرب‪ ..‬فقدمه مهران الفارسي ليتقي به‪..‬‬
‫وكيف يجيء البغل يوما بحاجة ** تسر وفيه للحمار نصيب‬
‫ولكن‪...........‬؟!‬
‫وإذا الحمار بأرض قوم لم ** يروا خيل قالوا أغروا محجل‬
‫بلغت المقالة خالدا رضي الله عنه فعزم على أن يلقن المغرور‬
‫درسا لكل مغرور ويخبره أي رجال حرب هم المسلمون‪ ..‬وفي‬
‫أناة القطاة ووثوب السد قام عاشق المفاجأة من ل ينام ول‬
‫ينيم‪ ..‬ول يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه‪ ..‬وقال‪:‬‬
‫إني حامل عليه بعينه ومينه‪!!..‬‬
‫فما كان إل الليث انهوه الطوى ** وما كان إل السيف فارقه‬
‫الغمد‬
‫خرج إليه في جريدة من الخيل وهو مشغول بتسوية صفوف‬
‫جيشه وجيشه منشغل بالنظر إلى خالد‪ ..‬ما عسى أن يفعل أمام‬
‫عشرات اللف وبينا هم غارقون في دهشتهم‪ ..‬إذ انقض خالد‬
‫في أسلوب صاعق مفاجىء كالبرق الخاطف والرعد القاصف‬
‫والريح العاصف‪ ..‬على المغرور فاختطفه من بين يدي جيشه كأنه‬
‫ذباب‪..‬‬
‫ذباب طار في لهواته ليث ** كذاك الليث يلتهم الذباب‬
‫حمله على فرسه كما يحمل الصبي الرضيع ليرجع به إلى‬
‫المسلمين‪ ..‬وحاله‪:‬‬
‫فلو كنت حر العرض أو ذا حفيظة ** غلبت ولكن لم تلدتك‬
‫الحرائر‬
‫ثم قال له خالد نفس مقالته‪ :‬نحن العرب أعلم بقتال العرب‪ ..‬ثم‬
‫قده بالسيف ورماه على الجسر وقال‪ :‬هكذا فاصنعوا بهم‪ ..‬لله‬
‫‪126‬‬

‫در أبي سليمان‪ ..‬إنتضح بحره فأغرق‪ !!..‬وقدح زنده فأحرق‪!!..‬‬
‫فصار حيهم ميتا وهذرهم صمتا وجبالهم ل ترى فيها عوجا ول‬
‫أمتا‪ ..‬لم يتحملوا الصدمة فلذوا بالفرار‪!!..‬‬
‫وضاقت الرض حتى صار هاربهم ** إذا رأى غير شيء ظنه رجل‬
‫فركبهم المسلمون يقتلون ويأسرون ويسبون وهرب من هرب‬
‫منهم إلى الحصن ثم نزلوا على رأيه فدمر جيشهم بأكمله ولم‬
‫يخسر من جيشه‪!!..‬‬
‫ل يغمد السيف إل بعد ملحمة ** ول يعاقب إل بعد تحذير‬
‫بعض المواقف يا رجال حرائر ** والبعض يا ابن الكرمين إماء‬
‫ما جاء سيف الله من خمارة ** ما أنجبته الليلة الحمراء‬
‫حالـه‪:‬‬
‫أناضل عن دين عظيم وهبته ** عطاء مقل مهجتي وحياتيا‬
‫فممتثل لله أسلم وجهه ** يقول أنا وحدي سأحمي دينيا‬
‫بظهري ببطني بالذراع بمقلتي ** بجنبي بعظم الصدر حتى‬
‫التراقيا‬
‫على ذروة التوحيد تخفق رايتي ** وتحت روابيها تصب دمائيا‬
‫بمثل هذا الشجاعة في إيمان بالله ترتفع راية الله‪ ..‬في أرض‬
‫الله‪ ..‬وعندها يفرح المؤمنون بنصر الله‪ ..‬ل توهمه بعيدا إنما‬
‫التي قريب‪!..‬‬
‫لكن النصر ل يأتي ** جزافا بائنا عن مقصدي‬
‫لكنه بالصبر واليمان**ل الفعل الردي‬
‫يا قوموا إن الله أكبر**من جموع المعتدي‬
‫فامضوا على نهج الرسول**وعزمه المتوقدي‬
‫تجمل أيها السي**وبث الخير في الناسي‬
‫وقرب فارس اليمان**واطرد فارس اليأسي‬
‫ليزرع دربنا وردا**ويتحفنا بريحاني‬
‫ويقطع مارد الشواك**في رفق وإحساني‬
‫ويسقي من معين الوحي ** عذبا كل ظمآني‬
‫أيها الجيل‪:‬‬
‫إن سلحنا الذي ل يفل هو إيماننا‪ ..‬فكلما قوي إيماننا ازداد يقيننا‬
‫مُنوا(‪..‬‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ه يُ َ‬
‫بتحقق وعد الله بالدفاع عنا‪)..‬إ ِ ّ‬
‫نآ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫دافِعُ ع َ ِ‬
‫أيها الجيل‪:‬‬
‫مالنا من فائت أضعناه من خصال أسلفنا‪ ..‬وحرمناه بسوء‬
‫فعالنا‪ ..‬مثل الشجاعة بل تهور ول حماقة‪ ..‬ولعمر الله‪ ..‬إن تلك‬
‫الشجاعة لم تمت إنما هي كامنة‪ !!..‬ولم تنطفىء شعلتها فهي‬
‫في كنف القرآن والسنة آمنة‪ !!..‬وما دامت نفحات الوحي‬

‫‪127‬‬

‫تلمس القلوب والعقول على أيدي القدوات فلبد من يوم يتحرك‬
‫فيه ذلك العرق المخبوء ليأتي بالعجائب‪!!..‬‬
‫إن الرماح حدائد منبوذة ** حتى يثقف جنبيها سمهر‬
‫أيها الجيل الخاطب‪:‬‬
‫الشجاعة عقيلة كرام ل يساق في مهرها بهرج الكلم‪ !!..‬إنها‬
‫كريمة بيت ل تنال بلو أو ليت‪ !!..‬إنما تنال باليمان الثابت‪..‬‬
‫يظاهره مجاهدة ومصابرة‪ ..‬وقوة توكل في ثقة وحلم وأناة‬
‫وشدة بأس‪ ..‬بل يأس ول طمع ول فزع‪ ..‬مع نظر في سير أنبياء‬
‫الله‪ ..‬وكثرة ذكر لله وحبس للنفس مع منهم كذلك من عباد‬
‫الله‪...‬‬
‫ترنوا إلى تلك الوجوه التي ** فيها يضيء الليل بل يرحل‬
‫سب ُل ََنا(‪..‬‬
‫)َوال ّ ِ‬
‫جاهَ ُ‬
‫ن َ‬
‫م ُ‬
‫دوا ِفيَنا ل َن َهْد ِي َن ّهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫من رام نيل الشيء قبل أوانه ** رام انتقال يلملم وعسيب‬
‫ومستعجل الشيء قبل الوان ** يصيب الخسارة ويجني التعب‬
‫أيها الجيل‪:‬‬
‫الحق ساهر والعدو وقح كافر‪ ..‬لم يعد يخشى من التصريح بنا‪..‬‬
‫يريد فعله في ديار المسلمين‪ ..‬ألفاظه محددة صريحة ل تورية‪..‬‬
‫فعلى المة أخذ الحذر في تعقل ووعي‪ ..‬ل يجر المة إلى معركة‬
‫ليست مستعدة لها‪ ..‬الهجمة عظيمة لو قدر لها أن تنجح فلن‬
‫تبقي ولن تذر‪ !!..‬وعندها تتحول المة عافاها الله‪ ..‬إلى رعاة‬
‫خنازير لعباد صليب‪!!..‬‬
‫فيا أمتي فكري في المصير ** فان الحساب علينا عسير‬
‫فلنطرح التصرفات الرعناء جانبا‪ ..‬لسنا دعاة حرب اليوم‪ ..‬بل‬
‫في حالة دفاع عن ضرورياتنا‪ ..‬من دين ونفس ومال وعرض‬
‫ومقدسات بكل وسيلة تنفع ول تضر‪ ..‬وليس يكون ذلك إل برد‬
‫المر إلى أهله الذين يستنبطونه‪ ..‬لسنا في حالة هجوم لكن علينا‬
‫أن نشعر من تسول له نفسه أن يقترب من حياضنا‪ ..‬أننا لسنا‬
‫اللقمة السائغة بل اللقمة المرة‪ !!..‬التي لن يشعر معها بسعادة‬
‫إن حاول بلعها أبدا‪ ..‬بل تسد حلقه حتى تقضي عليه والله غالب‬
‫على أمره‪..‬‬
‫أعداء الله مسلكهم خائب وكيدهم حابط‪ ..‬وسعيهم في ضلل‬
‫صر‪..‬‬
‫وأخرتهم خزي ووبال‪ ..‬ولم يبق منا نحن إل أن ننصر الله ل ِن ُن ْ َ‬
‫ت‬
‫م وَي ُث َب ّ ْ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫ه َين ُ‬
‫حققوا الشرط يحقق الله الجزاء‪ِ)..‬إن َتن ُ‬
‫َ‬
‫م(‪..‬‬
‫أقْ َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫عبد الله‪ ..‬تعرف سبيل المجرمين من كتاب رب العالمين‪ ..‬وجدد‬
‫اليمان وأكد التوحيد وزد نون التوكيد‪..‬‬
‫خذ يا مليك فكلنا ** من بحر جودك والعطا‬
‫‪128‬‬

‫خذ من سويدانا ** قرابين المحبة والول‬
‫ما ظل ماء في البحار ** وطار طير في السما‬
‫أيها الجيل‪:‬‬
‫إنما السائل من لون الناء‪ ..‬إن تأنيث السماء جبن يورث تأنيث‬
‫الشمائل والطباع‪ ..‬والظاهر يؤثر على الباطن‪ ..‬لقد كان‬
‫المسلمون على عدوهم صخورا وجنادل‪ ..‬يوم كان منهم صخر‬
‫وجندل‪!!..‬‬
‫وكانوا عليهم غصصا وسموما يوم كان فيهم مرة وحنظل‪!!..‬‬
‫وكانوا عليهم حسكا وشوكا يوم كان فيهم قتادة وعوسجا‪ !!..‬ول‬
‫يرضى بالسماء والكنى واللقاب الرخوة إل العبيد‪ !!..‬وما شاعت‬
‫هذه الرخاوة يوم كان المسلمون سادة ‪ !!..‬وما راجت بينهم إل‬
‫عندما أضاعوا السيادة والقيادة‪ !!..‬أما والله لو نادى منادي‬
‫ببعض هذه السماء في حظرة عمر رضي الله عنه لهاجت شرته‬
‫وبادرت بالجواب درته‪!!..‬‬
‫فإن لم يكن حسن فعال فليكن ** قوة اسم وكنية ولقب وحسن‬
‫فال‬
‫وعادت النصل أن يزهى بجوهره ** وليس يعمل إل في يدي‬
‫بطل‬
‫أيها الجيل‪:‬‬
‫المسلمون جسد واحد‪ ..‬ودار السلم دار واحدة‪ ..‬ل تقبل‬
‫القسمان‪ !!..‬فإذا حاول تفريقها محاول‪ ..‬سفهته السواحل باتحاد‬
‫أمواجها‪ ..‬وصدمته الجبال بتناوح أثباجها‪ ..‬واشتباه فجاجها‪..‬‬
‫وكذبته الصحاري بسرابها وسراجها‪ ..‬ومراتع غزلنها ونعاجها‬
‫ومراعي أذوادها وأعراجها‪..‬‬
‫لن نبلغ المال في دربنا ** ما لم نوحد سيرنا في اللقاء‬
‫وهل يهز العضو إذا لم ** تكن العضاء ذات التقاء‬
‫إن الخلف جبن وفشل وذهاب ريح‪ ..‬والشاهد وحي الله‪ ..‬ل يكاد‬
‫ف‬
‫يذكر الحزاب بلفظ الجمع إل في مقام الهزيمة والخلف)َفا ْ‬
‫خت َل َ َ‬
‫م(‪ ..‬ول يكاد يذكر الحزب بلفظ مفرد إل في‬
‫ب ِ‬
‫حَزا ُ‬
‫اْل َ ْ‬
‫من ب َي ْن ِهِ ْ‬
‫َ‬
‫ن(‪ ..‬لقد مللنا‬
‫م ْ‬
‫ن ِ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫حْز َ‬
‫مقام الخير والفلح)أَل إ ِ ّ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ب الل ّهِ هُ ُ‬
‫جمع التكسير لكثرة ما تردد‪ ..‬وسئمنا منه لكثرة ما تعدد ونتطلع‬
‫لجمع السالم الصحيح يحدوا ويغرد‪..‬‬
‫إن التفرق شر كله‪ ..‬وشره ما كان في الدين‪ ..‬وأشنعه ما كان‬
‫عن هوى‪ ..‬ونتيجته التعادي‪ ..‬وأثره السخرية من الدين‪ ..‬وما‬
‫أعظم جناية مسلم‪ ..‬يقيم من عمله الفاسد‪ ..‬حجة على دينه‬
‫الصحيح‪..‬‬
‫إذا افترقت آراء قوم تشتتوا ** ولم يرجعوا إل بعار التخاذل‬
‫‪129‬‬

‫نريد مواجهة عدونا فل يكون بأسنا بيننا‪..‬‬
‫نريد إقامة فرض فل تشغلونا بالخلف في نافل‪..‬‬
‫نريد بالسلم العاليا فل تنزلوا به بالخلف السافل‪..‬‬
‫هّ‬
‫ْ‬
‫ل الل ِ‬
‫الخلف شر كله والعدو يستهدف الجمع كله)َواع ْت َ ِ‬
‫موا ب ِ َ‬
‫ص ُ‬
‫حب ْ ِ‬
‫فّرُقوْا(‪..‬‬
‫ميعا ً وَل َ ت َ َ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫أرضنا أرض كتاب الله فيها**كملت دائرة الوحي الخيره‬
‫شهدت مبعث خير الناس لما**تتمم الخلق في أكرم سيره‬
‫يئس الشيطان أن يعبد فيها**فانبرى يطلب تفريق العشيره‬
‫اجمعوا الراء كي نبي بناءا**دونه تهوي الساطيل المغيره‬
‫واحذوا أن يوقد الشيطان فيكم**لهب التحريش يا أهل الجزيره‬
‫فاِتقوا أكناف ورد الحب**حتى يجد البائس والشاتي عبيره‬
‫أيها الجيل‪:‬‬
‫ما غرد بلبل بغير حنجرة‬
‫قل من يحتقر الليث تقدم ** حينما تسمع عن قرب زئيره‬
‫والله لن نجاري المم ونفوقها في ميادين الحياة‪ ..‬إل))بالسلم‬
‫وأخلقه((‪ ..‬فإن لم يكن فنحن هازلون في جد الزمان‪!!..‬‬
‫مغترون بالخوف بعهده المان‪ !!..‬سائرون إلى الورا بهدى‬
‫الشيطان‪ !!..‬من تطلع إلى ثوب العز فليحكه بأنامله‪..‬‬
‫وليجلبه بعوامله وإل فشاعر الذي يقول‪ :‬ما حك جلدك صارخ في‬
‫واد ** وسيبويه نافخ في رماد‬
‫يا من يداوي الجرح من دائه ** مهل فلن تحظى بطعم الشفا‬
‫ماذا يفيد الظامئين المنى ** إن لم يروا ماء بذاك السقا‬
‫أيها الجيل‪:‬‬
‫ظل سبيل من وها سقائه‪ ..‬ومن أريق بالفلة ماؤه‪ ..‬ل تطلب‬
‫الحكمة من عند غيرك‪ ..‬فعندك معدن الحكمة كتاب وسنة‪ ..‬ل‬
‫تتطفل على موائد الغير فعندك الجفنة الرائدة‪..‬‬
‫هل يطلب الماء ممن يشتكي عطشا**أو يطلب الثوب ممن‬
‫جسمه عاري‬
‫جَهادا ً‬
‫جاه ِد ْ ُ‬
‫العمل‪ ..‬العمل‪ ..‬بكتاب الله تلك نصرته حقا)وَ َ‬
‫هم ب ِهِ ِ‬
‫ك َِبيرًا(‪ ..‬ل تكونن كبارق ليس في برقه ندى‪!!..‬‬
‫أوقد من الحق للراجين نبراسا ** واقرع ليقاظ أهل الكهف‬
‫أجراسا‬
‫وأبشر‪...........‬أبشر فإنك رأس والعل جسد ** والمجد وجه‬
‫وأنت السمع والبصر‬
‫ولم تزل نخلة السلم باسقة مليئة بعذوق التمر والرطب‪ ..‬وإن‬
‫الفقاقيع تطفوا ثم يمضينا‪!!..‬‬

‫‪130‬‬

‫ل يأس‪ ....‬فالنخلة الشماء كانت بذرة تحت التراب والموجة‬
‫الرعناء كانت قطرة فوق السحاب‪!!..‬‬
‫ل يأس‪ ...‬فالفجر يولد رغم أشباح الظلم والشمس تشرق رغم‬
‫أطباق القتام‪!!..‬‬
‫ل يأس‪ ...‬فالريح ل تهوى سوى قمم الجبال والطير ل ترقى‬
‫سوى الشجر الطوال والورد ل يزدان إل فوق أطراف التلل‪!!..‬‬
‫ل يأس‪ ...‬إن أظلمت فستنجلي وكمثل ما حملت تضع‪!!..‬‬
‫ل يأس‪ ...‬إن ضاقت الرض على بلبل فسوف يشدو في رحاب‬
‫السماء‪!!..‬‬
‫أيها الرافع في وجه غصون الشوك ما أخفيت بال‪!....‬‬
‫إنني أملك في وجه المآسي السود رايات اتزان‪!.....‬‬
‫إنني أبصر شمسا تشرئب الرض في شوق إليها يتسامى‬
‫الخشبان‪!.....‬‬
‫وأرى نهرا من النور يغني فيتيه الشاطئان‪!......‬‬
‫وأرى القصواء تحيي في رمال البيد أقوى مهرجان‪!......‬‬
‫وارى بلقاء سعد وأبا محجل والسيف اليماني وأطراف‬
‫السنان‪!.....‬‬
‫وأرى اليرموك تستعذب صوت النهروان‪!......‬‬
‫أيها الرافع في وجه غصون الشوك ما أخفيت بان‪!.......‬‬
‫مرحبا بالموت في عز ويا بعد هوان‪!.......‬‬
‫َ‬
‫ن ِإن ُ‬
‫ن(‪..‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫م ال َع ْل َوْ َ‬
‫)وَل َ ت َهُِنوا وَل َ ت َ ْ‬
‫كنُتم ّ‬
‫حَزُنوا وَأنت ُ ُ‬
‫مِني َ‬
‫هو الله الذي يخشى‪..‬‬
‫هو الله الذي يحيي‪..‬‬
‫هو الله الذي يحمي‪..‬‬
‫وأهل الرض كل الرض‪ ..‬ل والله ما ضروا ول نفعوا‪ ..‬ول رفعوا‬
‫صب ُِروا ْ‬
‫ول خفضوا‪ ..‬فما لقيته في الله فل تجزع ول تيأس)وَِإن ت َ ْ‬
‫م َ‬
‫شْيئا (‪..‬‬
‫وَت َت ّ ُ‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫م ك َي ْد ُهُ ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫سيروا فإن لكم خيل ومضمارا ** وفجروا الصخر ريحانا ونوارا‬
‫وذكرونا بأيام لنا سلفت ** فقد نسينا شرحبيل وعمارا‬
‫وإن الفجر مرتقب بل ريب سيأتينا ** ويمل نوره أرجاء هذي‬
‫الرض يحيينا‬
‫وإنا لنأمل نصر الليوث وأن يلقم الحجر النابح‪ ...!!..‬إلهنا قد تم‬
‫ما أردنا وغاية انتهائي ما قصدنا‪...‬‬
‫إيماض لمع ومر‪ ..‬نقطة من يم‪ ..‬وقرطعب من جم وعبر‪ ..‬ووخز‬
‫إبر‪ ..‬وجمل من الخلق سمعنا ومبتداها ول زلنا في انتظار‬
‫الخبر‪ ..‬فإيعاب هدي المصطفى وخلله عسير‪ ..‬فمن يقوى على‬
‫حصر النجم‪ ..‬أرجوا الله أن يهز بهذا اليماض جامدا‪ ..‬ويؤز إلى‬
‫‪131‬‬

‫الخير خامدا‪ ..‬لنجني شيئا من ثمرة النية‪ ..‬ونغير أواخر السماء‬
‫المبينة‪ ..‬فإن تم فبيان وتوكيد‪ ..‬وذاك ما نريد‪ ..‬وإل فهو بث‬
‫ونفث‪ ..‬ومعراج صعود لمن يريد‪ ..‬ربما تبلغ يوما كلماتي‬
‫للقلوب‪ ..‬والله يقضي بهبات جمة‪ ..‬لي ولكم ولجميع المة‪..‬‬
‫ونسأل الله القبول والرضا‪ ..‬والختم بالحسنى إذا العمر انقضى‪..‬‬
‫اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا‪ ..‬وقلة حيلتنا‪ ..‬وهواننا على الناس‪..‬‬
‫أنت رب المستضعفين وأنت ربنا وأنت أرحم الراحمين‪ ..‬نعوذ‬
‫بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات من أن تنزل بنا غضبك‪..‬‬
‫لك العتبى حتى ترضى‪ ..‬ول حول ول قوة إل بك‪ ..‬يا من ل يهزم‬
‫جنده‪ ..‬ول يغلب أولياؤه‪ ..‬أنت حسبنا ومن كنت حسبه فقد‬
‫كفيته‪ ..‬حسبنا الله ونعم الوكيل‪ ..‬حسبنا الله ونعم الوكيل‪..‬‬
‫حسبنا الله ونعم الوكيل‪ ..‬والحمد لله على إتمامه‪ ..‬ثم صلة الله‬
‫مع سلمه‪ ..‬على النبي وأله وصحبه وحزبه وكل مؤمن به‪..‬‬
‫سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن ل إله إل أنت أستغفرك وأتوب‬
‫إليك‪..‬‬
‫===================‬
‫وجاء دور البابا‪ ..‬جرائم كرسي البابوية بحق المة‬
‫السلمية‬
‫شريف عبد العزيز‬
‫‪shreef@islammemo.cc‬‬

‫مفكرة السلم‪ :‬نعم لقد عاد منصب البابوية ليمارس دوره‬
‫التاريخي والريادي في قيادة الحرب البدية والمفتوحة ضد المة‬
‫السلمية‪ ,‬هذا الدور الذي خفت صوته وإن بقي أثره مع قيام‬
‫الثورة الصناعية في أوروبا ودخولها في طور العلمانية‬
‫والماسونية المعادية‪ ,‬والتي تعادي الدين ممثل ً في الكنيسة‪,‬‬
‫وذلك بعد النحرافات الهائلة التي وقعت من قادة الكنيسة‬
‫ورموزها‪ ,‬عاد كرسي البابوية لدوره القديم في توجيه وتدشين‬
‫الحملت الصليبية من جديد على العالم السلمي‪ ,‬عاد البابا‬
‫ليمنح صكوك الغفران وتذاكر دخول الجنة لمن يستجيب للنداء‬
‫المقدس! ويذهب لشرب دماء المسلمين وخيراتهم‪ ,‬ولقد كنا‬
‫أول من نبه على خطورة هذا البابا المحارب في المقال المعنون‬
‫بـ"بعد اختيار بابا من ألمانيا هل ينتظر المسلمون حرًبا صليبية‬
‫سا‬
‫جديدة؟!"‪ ,‬وذلك عند إعلن اختيار بينيدكت السادس عشر رأ ً‬
‫دا للكنيسة الكاثوليكية‪ ,‬وأن هذا البابا يضطرم بروح صليبية‬
‫جدي ً‬
‫خالصة وعنيفة ضد السلم والمسلمين ستدفعه ل محالة‬
‫للتحضير لحرب صليبية على العالم السلمي ربما تكون الكبر‬

‫‪132‬‬

‫والعنف في تاريخ المسلمين وربما تكون أولى الملحم‬
‫المذكورة في السنن‪.‬‬
‫ونحن في هذا المقام لسنا بصدد تفنيد الباطيل والكاذيب التي‬
‫حشا بها البابا محاضرته المشهورة عن السلم والنبي صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ,‬فهي شبهات ممجوجة وترهات سبق لكثير من‬
‫العلماء الفذاذ أن ردوا عليها وأفحموا عباد الصليب وغيرهم فيها‪,‬‬
‫ولكننا سنرد على هذا الدعي الكذاب شبهته التي حاول أن يعتذر‬
‫بها عن إساءته المتعمدة للسلم ورسوله صلى الله عليه وسلم‪,‬‬
‫وذلك عندما قال‪ :‬إن كلمي فهم بالخطأ‪ ,‬وإنني أريد من هذه‬
‫المحاضرة أن أؤكد مفهوم نبذ العنف ضد الخرين باسم الدين‪,‬‬
‫وه مفهوم الجهاد عند المسلمين ودوره‬
‫وهو بذلك يريد أن يش ّ‬
‫البارز في نشر السلم وهداية البشر‪ ,‬ووصمه بالوحشية‬
‫والتعصب‪ ,‬وردنا على هذه الفرية ل يكون بذكر منزلة الجهاد‬
‫وقدره في السلم وأهدافه ودوافعه‪ ,‬فهي أمور قد قتلت بحًثا‬
‫فا‪ ,‬وإنما يكون كشف زيف هذه الدعوى من الدعي‬
‫وتصني ً‬
‫بييندكت بكشف الدور التاريخي والبارز لكرسي البابوية في شن‬
‫الحملت الصليبية ضد العالم السلمي من ألف سنة وحتى الن‪.‬‬
‫أصل الحروب الصليبية‪:‬‬
‫ترجع فكرة الحروب ذات الطابع الديني الخالص لكرسي البابوية‬
‫التي أضفت على الصراع الخالد بين المسلمين والنصارى صفة‬
‫الصليبية المتعصبة‪ ,‬وخلل هذا الصراع الطويل برز العديد من‬
‫الباباوات الذين كان لهم دور بارز في تأجيج المشاعر العدائية‬
‫ضد السلم والمسلمين تمثلت في حملت صليبية عالمية على‬
‫المة المحمدية منهم ما يلي‪:‬‬
‫· البابا حنا العاشر‪:‬‬
‫يعتبر البابا حنا العاشر ]‪ [928-914‬أول من نادى بطرد‬
‫المسلمين من الحوض الغربي للبحر المتوسط؛ بدًءا بجنوب‬
‫إيطاليا وجزر البحر المتوسط وجنوب غربي فرنسا ثم إسبانيا‪,‬‬
‫وهي الفترة التي كانت دولة السلم في الندلس وقتها في أوج‬
‫قوتها ومجدها تحت قيادة عبد الرحمن الناصر أول من تلقب‬
‫ضا‬
‫بأمير المؤمنين في الندلس‪ ,‬وكان البحارة المسلمون وقتها أي ً‬
‫مسيطرين على حوض البحر المتوسط وفتحوا الكثير من الجزر‬
‫وهددوا روما نفسها بغارات قوية كادت واحدة منها أن تفتح روما‬
‫وذلك سنة ‪ 324‬هجرية‪ ,‬وكانت البابوية وقتها في حالة صراع‬
‫مرير ضد المبراطور أوتو الكبير عطلت دعوات حنا العاشر‬
‫وخططه نحو شن حرب صليبية ضد المسلمين‪.‬‬
‫· البابا إسكندر الثاني‪:‬‬
‫‪133‬‬

‫يعتبر إسكندر الثاني ]‪ [1073-1061‬أول من استخدم فكرة‬
‫صكوك الغفران كورقة لتحميس الوروبيين على حرب‬
‫المسلمين‪ ,‬وذلك عندما دعاهم سنة ‪1063‬م‪455-‬هـ لنجدة‬
‫إخوانهم السبان في الندلس من نير المسلمين‪ ,‬مع العلم أن‬
‫المسلمين كانوا وقتها في أضعف حالتهم تحت حكم ملوك‬
‫الطوائف‪ ,‬وقد أسفرت هذه الدعوة عن واحدة من أشد المجازر‬
‫البشرية روعة عندما شن نصارى أوروبا حربا صليبية بقيادة قائد‬
‫فرسان البابوية على مدينة بربشتر في شرق الندلس سنة‬
‫‪1064‬م‪456-‬هـ راح ضحيتها أربعون ألف مسلم ومسلمة غير‬
‫آلف السارى من البنات والصبيان‪.‬‬
‫· البابا جريجوري السابع‪:‬‬
‫يعتبر البابا جريجوري السابع هو أكبر وأهم من تولى منصب‬
‫البابوية في التاريخ الكنسي كله‪ ,‬وهو مؤسس فكرة الحملت‬
‫الصليبية الشهيرة على العالم السلمي بالشام ومصر‪ ,‬وقد تولى‬
‫البابوية خلفا لسكندر الثاني سنة ‪1073‬م‪466-‬هـ‪ ,‬وهو بالمناسبة‬
‫ألماني الصل‪ ,‬وكانت وليته للبابوية نقطة تحول فاصلة في حياة‬
‫البابوية‪ ,‬إذ أصبح البابا من عهده هو سيد العالم النصراني وسيد‬
‫أوروبا المطلق وصاحب السلطة الكبر والهم على نصارى العالم‬
‫القديم‪ ,‬وقد أثبت ذلك في صراعه ضد المبراطور هنري الرابع‬
‫الذي اضطر للتوجه إلي قلعة كانوسا حيث مقر إقامة البابا‬
‫جريجوري السابع طلًبا لمغفرة البابا وصفحه بعد أن ثار عليه‬
‫شعبه وقواده‪ ,‬وإمعاًنا في إظهار السيادة والقوة تركه جريجوري‬
‫ثلثة أيام حافًيا عاري الرأس على الجليد حتى يرضي عنه‪ ,‬هذا‬
‫البابا أول من أشعل الحملت الصليبية على المة السلمية‪,‬‬
‫ولكن العمر لم يطل ليشهد انطلق هذه الحملت حيث هلك سنة‬
‫‪1088‬م وترك ذلك لتلميذه النجيب أوربان الثاني‪.‬‬
‫· البابا أوربان الثاني‪:‬‬
‫وقد أخذ على عاتقه إدخال الحملت الصليبية موضع التنفيذ‪ ,‬وقد‬
‫قام بجولة أوروبية واسعة لحشد الرأي العام واستثارة الهمم‬
‫الصليبية من أجل ذلك‪ ,‬ثم دعا لمؤتمر مصيري في كليرمونت‬
‫بفرنسا في ‪ 27‬نوفمبر سنة ‪1095‬م‪ ,‬وفيه أطلق صيحته‬
‫الشهيرة ]إنها إرادة الرب[‪ ,‬وأمر كل مسيحي ومسيحية بالخروج‬
‫لنجدة القبر المقدس من أيدي الكفرة ]يعني المسلمين[ ثم‬
‫أفاض في حديث مليء بالكذب والباطيل عن الضطهادات التي‬
‫يتعرض لها النصارى والحجيج ببلد المسلمين‪ ,‬فأدى ذلك لشتعال‬
‫روح حماسية عارمة بأوروبا نحو حرب المسلمين والخروج إلى‬
‫بلدهم‪ ,‬وقد أرسل أوربان أحد الرهبان المتعصبين واسمه‬
‫‪134‬‬

‫بطرس الناسك‪ ,‬وكان ذا موهبة خطابية فائقة‪ ,‬فطاف أوروبا‬
‫بأسرها يدعو النصارى لمحاربة المسلمين‪ ,‬ونتيجة لخطب‬
‫ومواعظ بطرس الناسك الحماسية والمليئة بالمؤثرات من بكاء‬
‫وعويل وأكاذيب خرج مئات اللف من نصارى أوروبا استجابة‬
‫لنداء البابا ورغبة في المغفرة ودخول الجنة بزعمهم‪ ,‬وذلك بل‬
‫نظام ول ترتيب ول قيادة‪ ,‬وهي الحملة المعروفة باسم حملة‬
‫الرعاع والتي أبادها السلجقة‪ ،‬ومؤرخو أوروبا يغفلون ذكر هذه‬
‫الحملة ول يعدونها من ضمن الحملت الصليبية‪ ،‬ثم تلت هذه‬
‫الحملة الفاشلة حملة المراء وكان معظمهم من فرنسا وقدرت‬
‫بمليون مقاتل صليبي وذلك سنة ‪ 1099‬م _ ‪ 490‬هـ‪ ,‬وهي‬
‫الحملة التي تنجح في إقامة أربع إمارات صليبية بالشام وذلك‬
‫بطرابلس وأنطاكية وبيت المقدس والرها‪ ,‬وذلك بعد سفك دم‬
‫قرابة المليون مسلم ومسلمة‪ ،‬والجدير بالذكر أن أوربان الثاني‬
‫قد هلك قبل أن يفرح بنجاحات الحملة بأرض الشام‪.‬‬
‫· البابا أوجينيوس الثالث‪:‬‬
‫وكان يعتلي كرسي البابوية سنة ‪ 1144‬م ـ ‪ 539‬هـ عندما‬
‫استطاع المير المجاهد عماد الدين زنكي أن يفتح الرها‪ ،‬فأصدر‬
‫أوجينيوس الثالث مرسوما ً داعيا ً أوروبا لحملة صليبية جديدة على‬
‫بلد السلم للثأر للدين الحق بزعمه! وقد أطلق على هذا‬
‫المرسوم عنوان ]قدر السلف[‪ ,‬وبالفعل استجاب لويس السابع‬
‫وكويزاد الثالث ملكا فرنس وألمانيا لنداء البابا وشنا الحملة‬
‫الصليبية الثانية والتي تحطمت على أبواب دمشق سنة ‪ 543‬هـ ـ‬
‫‪1148‬م‪.‬‬
‫· البابا باسكوال الثاني‪:‬‬
‫وهو الذي أنشأ جماعة فرسان المستشفى‪ ,‬والمعروفة في‬
‫المراجع العربية بالسبتارية‪ ,‬وذلك سنة ‪ 1113‬م ـ ‪ 509‬هـ‬
‫وكانت في البداية رعاية مرضى حجاج بيت المقدس وخدمتهم ثم‬
‫تحولت لجماعة حربية شديدة البأس والتعصب تحت قيادة‬
‫الراهب اليطالي جيرار الملقب بحامي فقراء المسيح‪.‬‬
‫· البابا كالكتس الثاني‪:‬‬
‫وهو الذي أنشأ جماعة فرسان معبد سليمان أو الداوية كما هو‬
‫معروف في المراجع العربية‪ ,‬وكانت مهمتهما حماية طريق‬
‫الحجاج‪ ،‬وهذه الجماعة من أشد الجماعات الصليبية تعصبا ً وحقدا ً‬
‫على المسلمين وحماسة في قتالهم‪ ،‬وهذه الجماعة وسابقتها‬
‫عملت على تنمية الروح الصليبية الخالصة ونشر فكرة التطوع‬
‫ونذر النفس لمحاربة المسلمين‪ ،‬وكانت تقوم على فكرة المزج‬
‫بين الرهبنة والجندية‪ ,‬ومعظم فرسانها من الرهبان والقساوسة‪,‬‬
‫‪135‬‬

‫وكان المسلمون إذا ظفروا بأي أسير من هاتين الجماعتين قتلوه‬
‫فورا ً لكثرة جرائمهم ووحشيتهم ضد المسلمين‪ ،‬وكانت هاتان‬
‫الجماعتان تحت الشراف المباشر لبابا روما‪ ,‬ولهما من‬
‫المتيازات والقطاعات ما يكفيهم عن العمل والتفرغ لقتال‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫· البابا جريجوري الثامن‪:‬‬
‫بعد أن حقق المسلمون بقيادة صلح الدين انتصارهم العالمي‬
‫وحرروا بيت المقدس سنة ‪ 583‬هـ ـ ‪1187‬م‪ ،‬خّر ميتا ً من هول‬
‫الصدمة البابا أوربان الثالث‪ ،‬وخلفه البابا جريجوري الثامن وكان‬
‫شيخا ً كبيرًا‪ ,‬ولكنه سعى بكل جهده لشن حملة صليبية ثالثة على‬
‫العالم السلمي‪ ,‬فأرسل خطابا ً عاما ً لنصارى أوروبا ووعدهم فيه‬
‫بالمغفرة الكاملة لجميع خطاياهم‪ ،‬وفرض عليهم صياما ً في كل‬
‫يوم جمعة على مدى خمس سنوات قادمة‪ ،‬وفرض عليهم ضريبة‬
‫تقدر بـ ‪ %10‬من دخولهم عرفت باسم ضريبة صلح الدين‪,‬‬
‫والمتناع عن أكل اللحوم في أيام السبت والربعاء من كل‬
‫أسبوع‪ ،‬وقد أدى هذا الخطاب لحماسة جارفة عمت أنحاء أوروبا‬
‫أسفرت عن الحملة الصليبية الثالثة والمعروفة باسم حملة‬
‫الملوك‪.‬‬
‫· البابا أنوسنت الثالث‪:‬‬
‫تولي البابا أنوسنت الثالث كرسي البابوية سنة ‪1198‬م ـ ‪ 595‬هـ‬
‫وكان صغيرا ً نوعا ً ما مقارنة لمن سبقوه من الباباوات‪ ،‬وهذا البابا‬
‫أحدث تغيرات خطيرة وجذرية بمكانة كرسي البابوية أشبه ما‬
‫يكون بجريجوري السابع‪ ،‬حيث كان يرى أن البابا يجب أن يكون‬
‫صاحب سلطة روحية وزمانية أو نوعا ً من القسيس الملك‪،‬‬
‫ورفض أن يكون دور البابا منحصرا ً في مجرد الدعوة للحملت‬
‫الصليبية ومنح صكوك الغفران‪ ،‬بل يجب أن يكون المر كله تحت‬
‫سيطرة البابوية‪ ،‬لذلك كان أنوسنت الثالث أكثر الباباوات محاربة‬
‫للمسلمين وشنا ً للحملت الصليبية ضدهم‪ ،‬وهو أول من حول‬
‫دفة الهجوم من الشام إلى مصر مركز الثقل في العالم‬
‫السلمي وقتها‪ ،‬وبالفعل أثمرت جهود أنوسنت الثالث لشن‬
‫الحملة الصليبية الرابعة وذلك سنة ‪600‬هـ ـ ‪1204‬م والتي تعتبر‬
‫أفشل الحملت الصليبية؛ حيث توجهت للقسطنطينية عاصمة‬
‫بيزنطة بدل ً من بلد السلم‪ ،‬وذلك بسبب العداء المذهبي بين‬
‫البيزنطيين الرثوذكس والفرنجة الكاثوليك‪.‬‬
‫ورغم هذا الفشل الذريع لنوسنت الثالث في الحملة الرابعة إل‬
‫أنه عاد وأرسل حملة أخرى سنة ‪ 1216‬م ـ ‪612‬هـ‪ ,‬وقد اختار‬
‫هذه السنة تحديدا ً بناًء على تفسيره المحرف لبعض نصوص‬
‫‪136‬‬

‫الكتاب المحرف عندهم‪ ،‬حيث كان يفسر ما ورد في سفر الرؤيا‬
‫من أن عدد سنوات عمر الوحش هو ‪ 666‬والوحش في تفسيره‬
‫هو السلم‪ ،‬وإذا كان ظهور السلم بحسابه سنة ‪ 622‬ميلدية و‬
‫‪ 666‬تكون السنة التي توقع فيها نهاية السلم سنة ‪1288‬م؛‬
‫لذلك كان أنوسنت على يقين بأن حملته ستقرب المسلمين‬
‫والسلم من هذه النهاية‪ ,‬ولكنه سرعان ما هلك سنة ‪1216‬م‬
‫قبل أن تتم الستعدادات لهذه الحملة‪ ,‬وكان هلكه بشرى كبيرة‬
‫للمسلمين فإنه من أهم وأخطر الشخصيات التي تولت كرسي‬
‫البابوية‪ ,‬وكان النصارى في أوروبا يقولون عنه‪] :‬إنه أدنى من الله‬
‫وأعلى من البشر‪ ،‬قاضي القضاة الذي ل يقاضيه أحد[‪.‬‬
‫· هونريوس الثالث‪:‬‬
‫وهو الذي خلف البابا أنوسنت الثالث وسار على نهجه واستكمل‬
‫الدور الذي بدأه في شن الحملة الصليبية الخامسة على‬
‫دا لسياسة أنوسنت الثالث أرسل هونريوس‬
‫المسلمين‪ ,‬وتأكي ً‬
‫مبعوًثا من طرفه هو الكاردينال البرتغالي "بلجيوس" لقيادة‬
‫ضا عسكرًيا وميدانًيا‪ ,‬وكان‬
‫الحملة‪ ,‬ليس فقط روحًيا وإنما أي ً‬
‫بلجيوس هذا تلمي ً‬
‫ذا نجيًبا لنوسنت الثالث يؤمن بكل مبادئه‪,‬‬
‫ها على المسلمين‪ ,‬شديد اليمان بفكرة‬
‫ويفيض كراهية وكر ً‬
‫الحروب الصليبية‪ ,‬ولكنه كان ل يصلح بالمرة للقيادة العسكرية‪,‬‬
‫فهو ضيق الفق‪ ,‬عديم الخبرة‪ ,‬مستبد‪ ,‬مغرم بنفسه‪ ,‬شديد‬
‫العناد‪ ,‬وهي خصال كلها كانت متوافرة في أستاذه أنوسنت‪,‬‬
‫ضا هي الخصال التي ستؤدي لفشل الحملة التي قادها على‬
‫وأي ً‬
‫دمياط سنة ‪1221‬م‪618-‬هـ‪.‬‬
‫· جريجوري التاسع‪:‬‬
‫حا عن النفسية البابوية‬
‫دا حقيقًيا وواض ً‬
‫وهذا البابا يعتبر تجسي ً‬
‫المليئة بالحقد والكراهية للسلم والمسلمين‪ ,‬ذلك أن أكبر ملوك‬
‫أوروبا وقتها وهو المبراطور "فريدريك الثانى" قد تل ّ‬
‫كأ في‬
‫الخروج لقتال المسلمين بسبب عدم اقتناعه بفكرة الحروب‬
‫ما بالحرمان‬
‫الصليبية بالكلية‪ ,‬ما حدا بالبابا أن يصدر مرسو ً‬
‫الكنسي والطرد من الرحمة بحقه وذلك سنة ‪1227‬م‪624-‬هـ‪,‬‬
‫وأجبره على الخروج في حملة صليبية على بلد السلم‪ ,‬وهي‬
‫الحملة السادسة‪ ,‬ولقد استطاع فريدريك أن يستولي على بيت‬
‫المقدس عن طريق التفاوض مع ملك مصر الذليل الجبان‬
‫"محمد الكامل اليوبي"‪ ,‬وذلك من غير ضربة سيف واحدة‪ ,‬فما‬
‫كان من جريجوري التاسع إل أن أصدر قراًرا ثانًيا بحرمان‬
‫فريدريك من الجنة! وأطلق عليه لقب الزنديق الكبر‪ ,‬وقال‬
‫كلمته الشهيرة والتي تعبر بصدق عن النفسية الحاقدة على‬
‫‪137‬‬

‫الدين وأهله‪ :‬إن الملوك الصليبيين يذهبون لسفك دماء‬
‫المسلمين‪ ,‬وليس للتفاوض معهم‪ .‬وبعدها شنت البابوية حرًبا ل‬
‫هوادة فيها ضد أسرة فريدريك كلها وأبادتها بالكلية‪ ,‬ودبرت عدة‬
‫محاولت لغتيال فريدريك ولكنها باءت بالفشل‪ ,‬وذلك كله لن‬
‫فريدريك رفض النصياع لوامر البابا في قتال المسلمين‪.‬‬
‫· أنوسنت الرابع‪:‬‬
‫وهو أول بابا في تاريخ البابوية يفكر في تشكيل حلف نصراني –‬
‫وثني ضد العالم السلمي‪ ,‬وذلك عندما أرسل إلى خان المغول‬
‫عا شريًرا لمحاربة العالم السلمي والجهتين‬
‫يعرض عليه مشرو ً‬
‫الشرقية والشمالية من أجل إبادة المسلمين بالكلية‪ ,‬وقد أوفد‬
‫البابا الشرير من أجل استمالة المغول المئات من الوربيات‬
‫الزانيات من أجل إغواء المغول كخليلت وعشيقات‪ ,‬وكان لهذا‬
‫السلح مفعول السحر خاصة أيام الطاغية هولكو‪ ,‬ولكن هذه‬
‫المحاولت ورغم كثرتها وتأثيرها الجزئي إل أنها فشلت في‬
‫النهاية بسبب إصرار الخان على خضوع البابا والوروبيين له ودفع‬
‫الجزية السنوية له‪.‬‬
‫ولما فشلت مساعي أنوسنت الرابع اتجه نحو إعلن حرب صليبية‬
‫ما‬
‫جديدة على العالم السلمي كانت الكبر والفضل تنظي ً‬
‫حا وقيادة؛ إذ ندب لقيادة الحملة ملك فرنسا "لويس‬
‫وتسلي ً‬
‫التاسع" وخلع عليه لقب قديس‪ ,‬وكان لويس التاسع شديد‬
‫اليمان بفكرة الحروب الصليبية ووجوب محاربة المسلمين‪,‬‬
‫وذلك سنة ‪ 1249‬م ـ ‪ 647‬هـ‪ ،‬ولكن هذه الحملة كان مصيرها‬
‫الفشل الذريع كسابقتها‪.‬‬
‫بعد ذلك عمت روح من الفتور في أرجاء أوروبا وفقدت البابوية‬
‫حماستها المتقدة‪ ,‬وانشغل الباباوات خلل هذه الفترة بمشاكلهم‬
‫الداخلية مع قادة الدول الوروبية والصراع ضد أسرة‬
‫الهوهنشتاوفن اللمانية والحركات اللحادية في جنوب فرنسا‪،‬‬
‫باستثناء المحاولت التي قام بها البابا كليمنت الرابع وخليفته‬
‫نيكولس الرابع من أجل تشكيل حلف بين المغول والصليبيين‬
‫للتصدي لدولة المماليك القوية الخذة في النمو والتمدد نحو‬
‫الشام وحدود العراق‪ ,‬وذلك سنة ‪1267‬م ـ ‪1274‬م‪.‬‬
‫وظل المر هكذا حتى ظهرت الدولة العثمانية في منطقة‬
‫الناضول‪ ,‬وذلك في أوائل القرن الثامن الهجري وأواسط القرن‬
‫الرابع عشر الميلدي‪.‬‬
‫· البابا كليمانس السادس‪:‬‬
‫وهو أول الباباوات دعوة لتكوين حلف صليبي مقدس! ضد الدولة‬
‫العثمانية الناشئة في آسيا الصغرى أو الناضول‪ ,‬وذلك سنة‬
‫‪138‬‬

‫‪1344‬م ـ ‪ 744‬هـ‪ ,‬وكانت الستجابة في بدايتها ضعيفة‬
‫ومحدودة‪ ،‬ولكنها مع الوقت أخذت في التوسع والزدياد‪ ،‬خاصة‬
‫مع الحماسة الدينية المتأججة في قلوب ملوك قبرص التي‬
‫أصبحت من أخطر البؤر الصليبية على السلم والمسلمين في‬
‫هذه الفترة‪.‬‬
‫· البابا أوربان الخامس‪:‬‬
‫ويعتبر أوربان الخامس أول الباباوات الداعين لحرب صليبية ضد‬
‫العثمانيين ولكن بجنود من النصارى الرثوذكس‪ ,‬وذلك سنة‬
‫‪ 1364‬هـ ـ ‪ 765‬هـ‪ ،‬وذلك أن إمبراطور بيزنطة وقتها قد تحول‬
‫للمذهب الكاثوليكي من أجل إغراء البابا والدول الوروبية‬
‫الكاثوليكية بمساعدته ضد قوة العثمانيين المتنامية‪ ,‬وذلك أيام‬
‫السلطان مراد الول‪ ،‬وقد استجاب لدعوة أوربان الخامس كل‬
‫من لويس ملك المجر وبولندا وأمراء البوسنة والصرب ورومانيا‬
‫وشكلوا حلفا ً صليبيا ً مقدسًا‪ ،‬ولكن هذا الحلف مني بهزيمة‬
‫ساحقة عند نهر مارتيزا بالقرب من أدرنة‪ ،‬وهذه الهزيمة الكبيرة‬
‫جعلت أوربان يجن جنونه ويكلف ملك قبرص الصليبي واسمه‬
‫]بطرس الول[ بغزو ميناء السكندرية وإيقاع أكبر قدر من‬
‫الخسائر البشرية فيها‪ ،‬وكان بطرس شديد الصليبية واليمان‬
‫بوجوب قتال المسلمين‪ ,‬فاستجاب على الفور لدعوة البابا وقاد‬
‫حملة صليبية نزلت بالسكندرية سنة ‪1365‬م ـ ‪ 767‬هـ‪ ,‬وارتكبت‬
‫هذه الحملة مجزرة بشرية مروعة راح ضحيتها عشرات اللف‬
‫من أهل السكندرية‪ ,‬ثم غادرها بطرس مسرعا ً قبل أن يقوم‬
‫المسلمون بنجدة المدينة‪ ,‬وكما قال المؤرخون ]دخل السكندرية‬
‫لصا ً وخرج منها لصًا[‪.‬‬
‫· البابا بونيفاس التاسع‪:‬‬
‫وهو البابا الذي كان معاصرا ً للفتوحات العظيمة التي قام بها‬
‫السلطان مراد الول ثم خليفته بايزيد الصاعقة الذي حقق‬
‫انتصارات باهرة على الجبهة الوروبية جعلته يسيطر على معظم‬
‫أجراء البلقان ويحكم حصاره على القسطنطينية‪ ،‬ما دعا بالبابا‬
‫فا صليبًيا فيه كل الوروبيين‬
‫يونيفاس التاسع إلى أن يعلن حل ً‬
‫الكاثوليك والرثوذكس‪ ,‬وكان الكبر في القرن الرابع عشر‬
‫والضخم في تاريخ الصراع بين الصليبيين والعثمانيين‪ ,‬وذلك سنة‬
‫‪800‬هـ ـ ‪1396‬م‪ ,‬ولول مرة يقاتل الكاثوليك جنبا ً إلى جنب مع‬
‫الرثوذكس ضد المسلمين‪ ،‬ولقد انتصر بايزيد على هذا الحلف‬
‫الصليبي الضخم في معركة نيكوبوليس انتصارا ً رائعا ً وقال بايزيد‬
‫مقولته الشهيرة‪] :‬سأفتح إيطاليا وسأطعم حصاني هذا الشعير‬
‫في مذبح القديس بطرس بروما[‪ ,‬وهي المقولة التي أدخلت‬
‫‪139‬‬

‫الرعب والفزع في قلوب نصارى أوروبا عموما ً وكرسي البابوية‬
‫صا‪.‬‬
‫خصو ً‬
‫· البابا أوجين الرابع‪:‬‬
‫وهذا البابا ترجمة عملية للغدر والخيانة ونقض العهود‪ ،‬وذلك أن‬
‫الدولة العثمانية كانت قد وّقعت معاهدة سلم لمدة ‪ 10‬سنوات‬
‫مع الدول الوروبية‪ ,‬وذلك سنة ‪1442‬م ـ ‪ 846‬هـ‪ ,‬ولم يكن‬
‫أوجين الرابع راضًيا عن هذه المعاهدة‪ ,‬فأرسل من طرفه‬
‫الكاردينال اليطالي الشرير "سيزاريني" فطاف على ملوك‬
‫أوروبا وحّرضهم على نقض المعاهدة مع العثمانيين وأحلهم من‬
‫وزر ذلك‪ ,‬واصطحب معه صكوك غفران موقعة من البابا أوجين‬
‫الرابع لكل من يشترك في هذه الحملة‪ ,‬فاستجاب لندائه كل‬
‫ملوك أوروبا وعلى رأسهم "لديساس" ملك المجر‪ ،‬وكانت أخبار‬
‫اعتزال مراد الثاني الحكم لبنه محمد الثاني‪ ،‬ثم تفرغه للعبادة‬
‫قد وصلت لوجين الرابع‪ ,‬فقرر استغلل الفرصة للهجوم على‬
‫العالم السلمي‪ ,‬وذلك سنة ‪1448‬م ـ ‪ 852‬هـ‪ ،‬ولكن مؤامراته‬
‫الشريرة تحطمت تحت سيوف العثمانيين الذين أنزلوا هزيمة‬
‫ساحقة على التحالف الصليبي‪ ،‬وقتل "لديساس" في المعركة‬
‫ومعه الكاردنيال الشرير "سيزارينى"‪.‬‬
‫· البابا نيقول الخامس‪:‬‬
‫وهو البابا الذي كان من قدره أن يكون على كرسي البابوية سنة‬
‫‪1453‬م ـ ‪ 857‬هـ‪ ,‬وهي سنة فتح القسطنطينية على يد‬
‫العثمانيين بقيادة محمد الفاتح‪ ،‬فحاول نيقول الخامس توحيد‬
‫الصف النصراني المتشرذم ودعا إلى مؤتمر دولي في روما لشن‬
‫حرب صليبية جديدة على المسلمين لسترجاع القسطنطينية‪,‬‬
‫ولكنه فشل في ذلك‪ ,‬فأصيب بالهم والحزن وقتله الكمد سنة‬
‫‪1455‬م‪ ،‬وحاول خليفته بيوس الثاني تأجيج المشاعر الصليبية‬
‫بكل ما أوتي من مقدرة خطابية وحنكة سياسية‪ ,‬ولكنه فشل‬
‫بسبب الخلفات الداخلية بين الدول الوروبية‪ ,‬والعجيب‬
‫والمضحك في نفس الوقت أن بيوس الثاني قد أرسل بخطاب‬
‫للسلطان محمد الفاتح يدعوه فيها إلى دخول النصرانية ودعمها‪,‬‬
‫ووعده بأنه سيكفر عنه خطاياه إن هو أعتنق النصرانية مخلصًا!‬
‫· البابا جويلس الثاني‪:‬‬
‫فا صليبًيا ضد العثمانيين أيام السلطان بايزيد‬
‫وهو الذي شكل حل ً‬
‫الثاني مستغل ً حالة الصراع على الحكم بين بايزيد الثاني وأخيه‬
‫المير "جم"‪ ,‬فكلف البولنديين بالهجوم على مولدافيا التابعة‬
‫للعثمانيين‪ ،‬وشجع الرومانيين على الثورة على العثمانيين في‬
‫غرب البلد‪ ,‬وضم لهذا الحلف فرنسا والمجر وإيطاليا‪.‬‬
‫‪140‬‬

‫· البابا إسكندر السادس‪:‬‬
‫وهو البابا الذي اشترى المير "جم" من فرسان القديس يوحنا‪,‬‬
‫وكان أسيرا ً عندهم في جزيرة رودوس‪ ,‬وساوم عليه أخاه‬
‫السلطان بايزيد الثاني من أجل وقف المساعدات عن مسلمي‬
‫الندلس‪ ,‬ووقف تهديدات العثمانيين لسواحل اليونان‪ ،‬ولكن‬
‫بايزيد رفض هذه المساومة الرخيصة‪ ،‬فما كان من إسكندر‬
‫السادس إل أن قتل المير "جم"‪ ,‬ثم دعا إلى حلف صليبي جديد‬
‫ضد العثمانيين اشتركت فيه فرنسا وإسبانيا‪ ,‬وذلك سنة ‪ 1499‬م‬
‫ـ ‪ 905‬هـ‪ ،‬فرد بايزيد بكل قوة على هذه الجريمة الصليبية بنصر‬
‫بحري كبير على البنادقة في خليج لبياتو‪.‬‬
‫· البابا بيوس الخامس‪:‬‬
‫خلل فترة حكم السلطان سليم الول وولده سليمان القانوني‬
‫بلغت الدولة العثمانية أوج قوتها واتساعها‪ ,‬وذلك من سنة ‪918‬هـ‬
‫ـ ‪1512‬م حتى سنة ‪974‬هـ ـ ‪1566‬م‪ ،‬وكانت أوروبا وقتها تعيش‬
‫حالة من الفوضى والصراع السياسي والديني وانقسامات كبيرة‬
‫فـ"فرنسوا الول" ملك فرنسا ينافس المبراطور شارلكان على‬
‫كرسي الحكم للمبراطورية الرومانية المقدسة! وكان الراهب‬
‫اللماني مارتن لوثر مؤسس المذهب البروتستانتي ينافس بابا‬
‫الكاثوليك ليو العاشر‪ ،‬وهذه الصراعات المتأججة مع قوة‬
‫العثمانيين المتنامية عطلت الحروب الصليبية عند كرسي البابوية‪.‬‬
‫وفي نفس السنة التي مات فيها سليمان القانوني تولى فيها‬
‫كرسي البابوية رجل في غاية الخطورة وهو بيوس الخامس الذي‬
‫وضع مشروعا ً بابويا ً لجمع شمل الدول الوروبية المتنافسة‬
‫وتوحيد قواها برا ً وبحرا ً تحت قيادة البابوية‪ ,‬كما كان الحال أيام‬
‫أنوسنت الثالث‪ ،‬واستطاع بيوس الخامس أن يقنع ملك فرنسا‬
‫شارل الخامس بنقض عهوده مع العثمانيين‪ ،‬وازدادت وتيرة‬
‫العداد لحرب صليبية جديدة بعد نجاح العثمانيين في فتح جزيرة‬
‫قبرص سنة ‪979‬هـ ـ ‪1571‬م‪ ،‬وبالفعل نجحت الحملة الصليبية‬
‫البابوية التي كان يقودها المير "دون خوان"‪ ,‬وهو أخ غير شرعي‬
‫لملك إسبانيا فيليب الثاني‪ ،‬وهو أيضا ً الذي قضى على ثورة‬
‫المسلمين في غرناطة قبل ذلك بثلث سنوات‪ ،‬نجح في هزيمة‬
‫الساطيل العثمانية في معركة ليبانتو سنة ‪979‬هـ ـ ‪1571‬م‪،‬‬
‫وكانت أول هزيمة بحرية ينالها العثمانيون منذ أكثر من ‪100‬‬
‫سنة‪ ،‬ما جعل الوروبيون يهللون لهذا النصر الكبير‪ ,‬وقام بيوس‬
‫الخامس بعمل قداس خاص بالمناسبة افترى فيه على الله عز‬
‫وجل الكذب وقال‪] :‬إن النجيل قد عنى دون خوان نفسه حيث‬
‫ب ّ‬
‫شر بمجيء رجل من الله يدعي حنا[‪.‬‬
‫‪141‬‬

‫وبعدها حاول بيوس الخامس التصال بأعداء العثمانيين مثل شاه‬
‫الصفويين طهماسب وملك الحبشة وإمام اليمن‪ ،‬وسرت روح‬
‫صليبية خالصة في العالم الوروبي وفورة حماسية شديدة ضد‬
‫العالم السلمي‪.‬‬
‫· جريجوري العاشر‪:‬‬
‫بعد انتصار ليبانتو سنة ‪979‬هـ ـ ‪1571‬م لم يحقق الصليبيون‬
‫انتصارات كبرى على العثمانيين زعماء العالم السلمي‪ ،‬وسرت‬
‫روح من الفتور في الجانبين وانشغل كلهما بمشاكله الداخلية‬
‫وصراعاته القليمية‪ ،‬وظل المر على هذا المنوال حتى تولي‬
‫كرسي البابوية "جريجوري العاشر" وعلى ما يبدو أن أي بابا‬
‫يتلقب بهذا اللقب عادة يكون ذا طموحات صليبية خطيرة ضد‬
‫العالم السلمي‪ ،‬فمنذ أن تولي جريجوري العاشر المنصب أخذ‬
‫في الدعوة إلى تشكيل حلف مقدس ضد العثمانيين‪ ,‬مستغل ً‬
‫حالة الفوضى داخل الدولة العثمانية نتيجة تولي السلطان محمد‬
‫الرابع السلطنة وكان ابن سبع سنوات‪ ،‬وقد قرر جريجوري‬
‫الستفادة من قوة روسيا القيصرية الصاعدة فضمها للحلف على‬
‫الرغم من أن الروس أرثوذكس‪ ،‬وكذلك ضم في حلفه النمسا‬
‫رغم عصيان ملوكها الدائم لوامر البابوية‪ ,‬ولكن وجود أسرة‬
‫كوبريلي في منصب الصدارة العظمى داخل الدولة العثمانية‬
‫عطل مشروع جريجوري العاشر حتى جاء خلفه حنا الخامس‬
‫عشر‪ ,‬والذي استغل فشل الجيوش العثمانية في فتح فيينا‬
‫عاصمة النمسا سنة ‪1094‬هـ ـ ‪1681‬م في تأجيج مشاعر العداء‬
‫الصليبي ضد العالم السلمي‪ ,‬وكان هذا التاريخ هو تاريخ تحول‬
‫كفة الصراع لصالح الصليبيين‪ ،‬وأيضا ً تاريخ خفوت صوت البابوية‬
‫وبروز نجم روسيا القيصرية التي ستدخل في حرب صليبية‬
‫طويلة وشرسة نيابة عن العالم الصليبي ضد الدولة العثمانية‬
‫زعيمة العالم السلمي‪.‬‬
‫وفي هذه الفترة ظهرت الثورة الصناعية وما صاحبها من محافل‬
‫ماسونية وأفكار علمانية تحارب الدين ممثل ً في الكنيسة وحصلت‬
‫حالة من الفصام النكد بين الدين والحياة في أوروبا‪ ،‬وأصبح دور‬
‫البابا منحصرا ً في الجوانب الروحية‪ ،‬بل تعرض منصب البابوية‬
‫نفسه لللغاء أيام حكم موسوليني في إيطاليا‪ ,‬ولكن الحقيقة‬
‫الثابتة والتي ل يستطيع أحد أن يجادل فيها أو يحاول أن يخفيها‬
‫أن أثر البابا ظل باقيا ً في كل الحروب والصراعات التي نشبت‬
‫بعد ذلك بين العالم السلمي وأعدائه الغربيين‪ ،‬فلقد كان الطابع‬
‫الصليبي والحقد الديني بارزا ً في كل هذه الحروب والصراعات‪،‬‬
‫وعشرات السنيين التي جثم خللها الغرب على العالم السلمي‬
‫‪142‬‬

‫في صورة احتلل كانت الصليبية والعداوة الدينية طافحة في‬
‫كافة أعمال وتحركات الغرب‪ ،‬والمجازر الوحشية والمروعة التي‬
‫قام بها الحتلل الفرنسي في الجزائر والمغرب ودول غرب‬
‫إفريقيا ومثيلتها التي قام بها الحتلل الروسي في القوقاز‬
‫ووسط آسيا‪ ،‬وغير ذلك كثير يعتبر خير دليل على الحقد الصليبي‬
‫الطافح في هذه الحروب‪ ,‬والذي يرجع الفضل الول في إبرازه‬
‫وتأجيجه ثم تثبيته لكرسي البابوية‪.‬‬
‫ثم في الوقت الحاضر ماذا يسمي المشئوم بينيدكت السادس‬
‫عشر حرب البوسنة والمجازر المروعة التي قام بها الصرب‬
‫الكفرة بحق مسلمي البوسنة‪ ,‬حيث ذبحوا قرابة النصف مليون‬
‫مسلم‪ ,‬وما قام به الروس الكفرة في حروب الشيشان بحق‬
‫مسلمي القوقاز‪ ،‬وما يسمى حروب أمريكا على أفغانستان ثم‬
‫العراق وما يسمي حرب لبنان ونيجيريا وساحل العاج وإندونيسيا‬
‫الداخلية‪ ,‬حيث وثب النصارى في هذه البلد على مسلميها‬
‫وارتكبوا سلسلة من المجازر المروعة والتي يندى جبين البشرية‬
‫لمثلها‪.‬‬
‫فهل يعقل أو يصح بعد ذلك أن يتكلم عن الحرية ونبذ العنف‬
‫باسم الدين من يجلس على كرسي غارق في الدماء‪ ,‬ويد أسلفه‬
‫ملطخة بدماء المسلمين عبر سنوات الصراع البدي بين الكفر‬
‫واليمان‪.‬‬
‫وعلى ما يبدو أن دور كرسي البابوية قد عاد ليطل برأسه من‬
‫جديد ليتبوأ مكانه الريادي في قيادة العالم النصراني في حربه‬
‫المستمرة ضد العالم السلمي‪ ,‬وما يدرينا لعل هذا البابا‬
‫المحارب سيكون شرارة البدء لسلسلة الملحم الكبرى التي‬
‫ستقع في آخر الزمان بين الروم والمسلمين‪ .‬الله أعلم!!‬
‫===============‬
‫رسالة إلى العقل والقلب‬
‫بقلم طارق أبو عبد الله‬
‫أما فكرت في نفسك قط من عساه يكون ذلك الرجل الذي‬
‫شغل البشرية بما جاء به إلى يومنا هذا و ُبعثت به من العدم أمة‬
‫كانت تعيش في جاهلية عمياء فأصبحت في غضون سنوات قليلة‬
‫دولة راسخة الركان وحضارة مزدهرة امتدت في جميع أنحاء‬
‫المعمورة ل يقف في وجهها شيء؟‬
‫أما تأملت كيف استطاع رجل بمفرده – لو كان بمفرده – أن‬
‫يحدث أكبر تغيير شهده التاريخ و هو على يقين بما جاء به و ما‬
‫سيصل إليه من أول يوم بدأ فيه دعوته؟ ألم تسأل ما الذي جناه‬
‫هذا الرجل لنفسه من متاع الدنيا مقابل تحمله مشاق هذه‬
‫‪143‬‬

‫الدعوة و الصبر على أذى قومه و تكذيبهم ثم جهادهم عليها‬
‫جهادا كبيرا؟ إذا أردنا الجابة عن هذه السئلة فلبد أن نبدأ من‬
‫البداية التاريخية التي يتفق عليها المصدقون به و المكذبون من‬
‫قومه و من أهل الكتاب من وقت عاش إبراهيم عليه السلم‪.‬‬
‫هناك في تلك البقعة المباركة حيث ترك النبي إبراهيم عليه‬
‫السلم ولده الرضيع إسماعيل وزوجته هاجر وحدهما في‬
‫الصحراء بأمر من ربه وسافر إلى الشام تولى الله أمر الصبي و‬
‫عا صافًيا و ماء معيًنا بمعجزة إلهية‬
‫أمه و فجر لهما بئر زمزم ينبو ً‬
‫باقية إلى يومنا هذا يرتوي منها الحجاج و المعتمرون من جميع‬
‫أنحاء الرض ثم ألف الله حولهم قلوب مجموعة من البدو‬
‫فعاشت معهما حول الماء ونما بينهم الفتى إسماعيل وتعلم‬
‫لغتهم حتى أمر الله إبراهيم عليه السلم أن يعيد بناء البيت‬
‫الحرام بعد أن هدمه طوفان نوح عليه السلم لكي يعبد الناس‬
‫عنده ربهم‪.‬‬
‫فرفع إبراهيم و إسماعيل قواعد البيت وأذن إبراهيم في الناس‬
‫بحج البيت فلبى الناس النداء ‪ -‬وما زالوا يلبون إلى يومنا هذا –‬
‫وظل هذا البيت آية و قبلة للناس تحج إليه العرب و تعظمه أشد‬
‫التعظيم ول ينكر حقه وفضله يهودي ول نصراني حتى أن الملك‬
‫النصراني الذي أراد هدمه – وهو أبرهة – كي ينصرف الناس عنه‬
‫إلى كنيسة بناها بالحبشة رد الله كيده في نحره وأرسل عليه‬
‫طيًرا من السماء ترميه بحجارة ملتهبة أهلكته و جنوده في حادثة‬
‫خلدها القرآن في سورة كاملة]‪ [1‬لم ينكرها أي من مشركي‬
‫العرب وهم الذين كانوا يتلهفون لكي يجدوا خطأ واحدا في‬
‫القرآن‪ .‬و في نفس هذا العام ُولد من بني إسماعيل بجوار البيت‬
‫ذلك الفتي اليتيم المي الذي عرف بين عشيرته بالصادق المين‬
‫وعاش بينهم أربعين سنة كان فيها مثال الصدق و الشهامة‬
‫والخلق الفاضلة فنشأ حنيفا على ملة أبيه إبراهيم ل يشارك‬
‫حّبب إليه‬
‫قومه في عبادتهم للوثان ول في لهوهم و لعبهم و ُ‬
‫الخلوة فكان يخلو بنفسه في أحد جبال مكة يعبد ربه و يتأمل في‬
‫ملكوت السماوات والرض حتى نزل عليه روح القدس و أمين‬
‫الوحي جبريل عليه السلم فأقرأه أولى آيات القرآن الكريم‪:‬‬
‫ْ‬
‫م ْ َ‬
‫ق‪ .‬اقَْرأ ْ وََرب ّ َ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫ك‬
‫ق‪َ .‬‬
‫ذي َ‬
‫ن ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫)اقَْرأ ِبا ْ‬
‫خل َ َ‬
‫خل َقَ ا ْ ِ‬
‫ن ع َل ٍ‬
‫َ‬
‫م ِبال ْ َ َ‬
‫م‪ (.‬فعاد محمد‬
‫م‪ .‬ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫اْلك َْر ُ‬
‫لن َ‬
‫م ي َعْل َ ْ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫م‪ .‬ع َل ّ َ‬
‫ذي ع َل ّ َ‬
‫ماِْ‬
‫قل ِ‬
‫يرجف بها فؤاده فدخل على خديجة زوجته قائل زملوني‪ ,‬زملوني‬
‫دا‪ ،‬إنك‬
‫]‪ [2‬وأخبرها بما حدث فقالت‪ " :‬كل والله ما يخزيك الله أب ً‬
‫لتصل الرحم‪ ،‬وتحمل الكل‪ ،‬وتكسب المعدوم‪ ،‬وتقري الضيف‪،‬‬
‫وتعين على نوائب الحق"‪.‬‬
‫‪144‬‬

‫صر في‬
‫ثم ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان امرًءا تن ّ‬
‫الجاهلية‪ ،‬وكان يكتب الكتاب العبراني‪ ،‬فيكتب من النجيل‬
‫خا كبيًرا قد عمي‪،‬‬
‫بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب‪ ،‬وكان شي ً‬
‫فقالت له خديجة‪ :‬يا بن عم‪ ،‬اسمع من ابن أخيك‪ .‬فقال له ورقة‪:‬‬
‫يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫خبر ما رأى‪ ،‬فقاله له ورقة‪ :‬هذا الناموس الذي نّزل الله على‬
‫عا]‪ ،[3‬ليتني أكون حًيا إذ يخرجك قومك‪.‬‬
‫موسى‪ ،‬يا ليتني فيها جذ ً‬
‫و هذه كانت البداية‪ ..‬بداية الرسالة‪.‬‬
‫و الن نعود لنسأل أنفسنا نفس السئلة السابقة‬
‫دا من عند الله عز و‬
‫هل كان هذا الرجل بمفرده أم أنه كان مؤي ً‬
‫جل؟‬
‫فا منه أم يكفي أن‬
‫حا و منص ً‬
‫ي أن أتخذ موق ً‬
‫فا واض ً‬
‫و هل يجب عل ّ‬
‫أسير هكذا كما سار أبائي و أجدادي ول أشغل نفسي بأمره؟‬
‫إن العقل الراجح و البحث المحايد إذا نظر في دعوى محمد –‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬للنبوة ذلك المر العظيم فعليه أن يبحث‬
‫في ثلثة أمور على القل هي‪:‬‬
‫‪ .1‬حياة محمد وسيرته وأخلقه وتعامله مع أعدائه فضل ً عن‬
‫أصحابه‪.‬‬
‫‪ .2‬ما جاء به محمد وما دعا إليه من عقائد و شرائع و معاملت‪.‬‬
‫‪ .3‬موقفه من النبياء السابقين الذين يتفق الناس على نبوتهم‬
‫وأصحاب الديانات الخرى من أهل الكتاب وموقف أهل الكتاب‬
‫منه‪.‬‬
‫وقبل أن نستطرد في هذا البحث أود أن نتفق مًعا على قاعدة‬
‫في غاية الوضوح والبداهة وهي أن العقيدة الصحيحة المنزلة من‬
‫عند الله في السماء لهداية البشر إلى ربهم يجب أن تكون هي‬
‫أوضح المور وأبسط المسائل ل يكتنفها الغموض والتعقيد ول‬
‫ضا أن تكون مبنية على أدلة‬
‫يختلجها التكلف أو التناقض ويجب أي ً‬
‫قوية واضحة وضوح الشمس ل على الظنون والوهام ويجب أل‬
‫تحتاج الحقيقة إلى السب والشتم واختلق الكاذيب للقناع بها‬
‫ويجب أن يفهمها الناس على اختلف عقولهم وأفهامهم بدون‬
‫الحاجة إلى الخوض في متاهات الفلسفة والسفسطة‪.‬‬
‫فإذا اطمئن قلبك لسلمة هذا المنهج ونمت في نفسك روح‬
‫البحث عن الحق في هذا المر الخطير فالجزء الول من هذه‬
‫الرسالة الصغيرة يضع أمامك خطو ً‬
‫طا رئيسية وعلمات في‬
‫طريق بحثك لك أن تقرأها وتعرضها على قلبك وعقلك ثم تتبع ما‬
‫تطمئن إليه نفسك و ينشرح له صدرك‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫وأما الجزء الثاني فيناقش جانًبا آخر من قضية الدين – أهم قضية‬
‫في حياة النسان الدنيوية والخروية ‪ -‬وهي مناقشة عقلنية‬
‫لبعض العقائد التي تربي بعضنا عليها بدون أن يعطي نفسه‬
‫فرصة للتفكر فيها بهدوء إيماًنا بأن النسان السوي هو الذي‬
‫يحترم عقله و فطرته ول يسير كالقطيع مغمض العينين في أمر‬
‫قد يترتب عليه سعادته البدية أو شقاؤه البدي و لكنه الذي‬
‫يعمل عقله وفكره ول يعطلهما ويسأل ربه في كل وقت أن‬
‫يهديه الصراط المستقيم الذي يوصله إليه‬
‫النبي المي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫)أ َ َ‬
‫س وَب َ ّ‬
‫ر‬
‫مأ ْ‬
‫حي َْنا إ ِلى َر ُ‬
‫ن أوْ َ‬
‫جبا أ ْ‬
‫س عَ َ‬
‫كا َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ل ّ‬
‫ن أنذ ِرِ الّنا َ‬
‫ج ٍ‬
‫ش ِ‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫مُنوْا(؟‬
‫ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫كل من قرأ سيرة محمد وأخباره وأيامه من الباحثين المنصفين‬
‫غير المسلمين أجمعوا على أن هذا الرجل قد اجتمعت فيه كل‬
‫صفات الكمال البشري من حسن الخلق ورجاحة العقل وسلمة‬
‫الفطرة ورقة الطبع والشجاعة وبلغة اللسان‪.‬‬
‫هذا الفيلسوف النجليزي )توماس كارليل( الحائز على جائزة‬
‫نوبل يقول في كتابه البطال‪ " :‬لقد أصبح من أكبر العار على أي‬
‫فرد متحدث هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين‬
‫داع مزّور‪.‬‬
‫السلم كذب‪ ،‬وأن محمدا ً خ ّ‬
‫وإن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه القوال السخيفة‬
‫داها ذلك الرسول ما زالت السراج‬
‫المخجلة؛ فإن الرسالة التي أ ّ‬
‫المنير مدة اثني عشر قرنا ً لنحو مائتي مليون من الناس‪ ،‬أفكان‬
‫أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه‬
‫المليين الفائقة الحصر والحصاء أكذوبة وخدعة؟!‬
‫إلى أن قال‪ " :‬وعلى ذلك‪ ،‬فلسنا ن َعُد ّ محمدا ً هذا قط رجل ً كاذبا ً‬
‫متصنعًا‪ ،‬يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغيته‪ ،‬ويطمح إلى درجة‬
‫ملك أو سلطان‪ ،‬أو إلى غير ذلك من الحقائر‪ .‬وما الرسالة التي‬
‫داها إل حق صراح‪ ،‬وما كلمته إل قول صادق‪.‬‬
‫أ ّ‬
‫فق‪ ،‬وهذه حقيقة تدفع كل باطل‪،‬‬
‫مل ّ‬
‫كل‪ ،‬ما محمد بالكاذب‪ ،‬ول ال ُ‬
‫حجة القوم الكافرين‪.‬‬
‫وتدحض ُ‬
‫ثم ل ننسى شيئا ً آخر‪ ،‬وهو أنه لم يتلق دروسا ً على أستاذ أبدًا‪،‬‬
‫وكانت صناعة الخط حديثه العهد إذ ذاك في بلد العرب ـ وعجيب‬
‫ُ‬
‫ة العرب ـ ولم يقتبس محمد من نور أي إنسان آخر‪،‬‬
‫مي َ َ‬
‫وأيم الله أ ّ‬
‫ولم يغترف من مناهل غيره‪ ،‬ولم يكن إل كجميع أشباهه من‬
‫النبياء والعظماء‪ ،‬أولئك الذين أشّبههم بالمصابيح الهادية في‬
‫ظلمات الدهور‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫وقد رأيناه طول حياته راسخ المبدأ‪ ،‬صادق العزم بعيدًا‪ ،‬كريما ً‬
‫ل‪ ،‬حرًا‪ ،‬رج ً‬
‫ب َّرا‪ ،‬رؤوفًا‪ ،‬تقيًا‪ ،‬فاض ً‬
‫ل‪ ،‬شديد الجد‪ ،‬مخلصًا‪ ،‬وهو مع‬
‫ذلك سهل الجانب‪ ،‬لّين العريكة‪ ،‬جم البشر والطلقة‪ ،‬حميد‬
‫العشرة‪ ،‬حلو اليناس‪ ،‬بل ربما مازح وداعب‪ ،‬وكان ـ على العموم‬
‫ة مشرقة من فؤاد صادق؛ لن من الناس‬
‫ـ تضيء وجهه ابتسام ٌ‬
‫من تكون ابتسامته كاذبة ككذب أعماله وأقواله "‪ .‬ويقول‪ " :‬كان‬
‫عاد ً‬
‫ل‪ ،‬صادق النية‪ ،‬كان ذكي اللـب‪ ،‬شهم الفؤاد‪ ،‬لوذعيًا‪ ،‬كأنما‬
‫بين جنبيه مصابيح كل ليل بهيم‪ ،‬ممتلئا ً نورًا‪ ،‬رجل ً عظيما ً‬
‫بفطرته‪ ،‬لم تثقفه مدرسة‪ ،‬ول هذبه معلم‪ ،‬وهو غني عن ذلك"‪.‬‬
‫و بعد أن أفاض )كارليل( في إنصاف النبي محمد ختم حديثه‬
‫بهذه الكلمات‪" :‬هكذا تكون العظمة· هكذا تكون البطولة·هكذا‬
‫تكون العبقرية"‪.‬‬
‫أما )ل مارتين( الفيلسوف الفرنسي فيدافع بحرارة عن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم وينفي بصرامة وقوة أن يكون كاذبا ً أو‬
‫مفتريا ً على الله فيقول‪:‬‬
‫)إن حياة محمد‪ ،‬وقوة كقوة تأمله وتفكيره وجهاده‪ ،‬ورباطة‬
‫جأشه لتثبيت أركان العقيدة السلمية··· إنه فيلسوف وخطيب‬
‫ومشرع وهاد للنسانية إلى العقل وناشر للعقائد المعقولة‬
‫الموافقة للذهن وهو مؤسس دين ل فرية فيه ومنشئ عشرين‬
‫دولة في الرض وفاتح دولة في السماء من ناحية الروح والفؤاد‪،‬‬
‫فأي رجل أدرك من العظمة النسانية ما أدرك محمد وأي آفاق‬
‫بلغ إنسان من مراتب الكمال ما بلغ محمد· ويقول في موضع‬
‫آخر‪" :‬أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله‬
‫محمد دراسة واعية‪ ،‬وأدركت ما فيها من عظمة وخلود‪ ،‬ومن ذا‬
‫الذي يجرؤ على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد؟! ومن هو‬
‫الرجل الذي ظهر أعظم منه‪ ،‬عند النظر إلى جميع المقاييس‬
‫التي ُتقاس بها عظمة النسان؟! إن سلوكه عند النصر وطموحه‬
‫الذي كان مكرسا ً لتبليغ الرسالة وصلواته الطويلة وحواره‬
‫السماوي هذه كلها تدل على إيمان كامل م ّ‬
‫كنه من إرساء أركان‬
‫العقيدة‪ .‬إن الرسول والخطيب والمشرع والفاتح ومصلح العقائد‬
‫الخرى الذي أسس عبادة غير قائمة على تقديس الصور هو‬
‫محمد‪ ،‬لقد هدم الرسول المعتقدات التي تتخذ واسطة بين‬
‫الخالق والمخلوق]‪"[4‬‬
‫و هذا )جوتة( الديب اللماني‪"" :‬إننا أهل أوربا بجميع مفاهيمنا‪،‬‬
‫لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد‪ ،‬وسوف ل يتقدم عليه أحد‪،‬‬
‫ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا النسان‪ ،‬فوجدته في‬

‫‪147‬‬

‫النبي محمد… وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو‪ ،‬كما نجح محمد‬
‫الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد"]‪[5‬‬
‫ويقول الديب الروسي)ليو تولستوي( والذي حرمته الكنيسة‬
‫بسبب آرائه الحرة الجريئة‪:‬‬
‫"أنا واحد من المبهورين بالنبي محمد الذي اختاره الله الواحد‬
‫لتكون آخر الرسالت على يديه‪ ،‬وليكون هو أيضا ً آخر النبياء …‬
‫ويكفيه فخرا ً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق‪ ،‬وجعلها تجنح‬
‫للسكينة والسلم‪ ،‬وفتح لها طريق الرقي والمدينة"]‪[6‬‬
‫ويقول العلمة )شيريل(‪ ،‬عميد كلية الحقوق بفيينا‪" :‬إن البشرية‬
‫لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها"‪.‬‬
‫فهل ترى أن كل هؤلء الدباء والمفكرين – ولول قصر الرسالة‬
‫لذكرت أكثر من ذلك‪ -‬من مختلف الجنسيات قد اخطأوا في مدح‬
‫محمد؟ أو أنهم أجمعوا علي الثناء عليه بمحض الصدفة؟ أم أنهم‬
‫كانوا غير مشهورين فأرادوا أن ينالوا الشهرة من خلل مدحهم‬
‫له – صلى الله عليه و سلم‪-‬؟ أم أن هذه الشخصية العظيمة‬
‫تستحق فعل الثناء والمدح؟ ترى هذا الرجل الذي لبث بين‬
‫ظهراني قوم جاهليين و ظل فيهم أربعين سنة ل يشاركهم في‬
‫عبادتهم للوثان و ل يقارف منكًرا مدة شبابه كله حتى إذا بلغ من‬
‫العمر أربعين سنة وأصبح إلى الشيخوخة أقرب منه إلى الشباب‬
‫أتى بهذا المر العظيم بعزيمة أمضى من السيف وأمل أسطع‬
‫من البرق ل يكل ول يمل حتى أدى رسالته ونجح في مهمته هل‬
‫يمكن أن يكون مزّورا؟‬
‫هؤلء أهل مكة قالوا له بألسنتهم قبل أن يبلغهم الدعوة "ما‬
‫جربنا عليك كذبا قط" وكانوا يودعون عنده أماناتهم حتي بعد أن‬
‫جهر بالدعوة لنه عندهم ما زال الصادق المين ولو كذب مرة‬
‫واحدة لما آمن به أحد منهم فهل تراه يذر الكذب على الناس ثم‬
‫يكذب على الله؟ وقد بلغ من حسن أخلقه أن الرجل كان يأتيه‬
‫قبل أن يسلم وهو أشد الناس كراهية له – صلى الله عليه وسلم‬
‫– فما يمكث معه إل قليل حتى يقوم من عنده داعًيا قومه قائل ً‬
‫لهم جئتكم من عند خير الناس و قد أصبح أحبهم إليه –صلى الله‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫فا مع الناس فهل يتحمل أن يتكلف‬
‫هب أن أخلقه هذه كانت تكل ً‬
‫ضا داخل بيته مع زوجاته و بناته – على كثرتهن – أم أنه كان‬
‫أي ً‬
‫يحسن معاشرتهن]‪ [7‬ويقول‪) :‬خيركم خيركم لهله و أنا خيركم‬
‫لهلي( حتى أن أول من آمن به و صدقه زوجته خديجة؟ وحينما‬
‫سئلت زوجاته عن حاله في بيته قالت كان في مهنة أهله ‪ -‬تعني‬
‫في خدمة أهله ‪ -‬فإذا حضرت الصلة خرج فصلى وفي حديث‬
‫‪148‬‬

‫آخر كان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل‬
‫أحدكم في بيته ولم يضرب بكفه امرأة قط وكان يستئذن زوجاته‬
‫مّرض في بيت إحداهن و كان يداعبهن وسابق‬
‫إذا أراد أن ي ُ َ‬
‫قا‬
‫عائشة زوجته مرتين فسبقته وسبقها وكان يمزح ول يقول إل ح ً‬
‫وكان يدعو أصحابه إلى إحسان عشرة النساء ويقول‪):‬اتقوا الله‬
‫ن بأمانة الله( وكان يقول أن خير‬
‫في النساء‪ ،‬فإنكم أخذتموه ّ‬
‫الدراهم هو الدرهم الذي ينفقه الرجل على أهل بيته‬
‫بل إن خادمه أنس بن مالك يقول‪] :‬خدمت النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم عشر سنين‪ ،‬فما قال لي‪ :‬أف‪ ،‬ول‪ :‬لم صنعت؟ ول‪ :‬أل‬
‫صنعت]‪.‬وكانت آخر وصيته قبل موته )الصلة الصلة وما ملكت‬
‫أيمانكم( يوصي بالمحافظة على الصلة وإحسان معاملة الخدم‬
‫والعبيد‪.‬‬
‫سئل شيًئا يملكه‬
‫و كان –صلى الله عليه وسلم‪ -‬أكرم الناس فما ُ‬
‫وقال ل وكان يعطي عطاء من ل يخشى الفقر وكان مثال ً في‬
‫ما تحت ظل شجرة و سيفه‬
‫الحلم والصفح فقد روي أنه كان نائ ً‬
‫معلق عليها فجاء أعرابي فأخذ السيف وقال يا محمد من يمنعك‬
‫مني فقال ‪ :‬الله‪ .‬فسقط السيف من يد الرجل فأخذه النبي و‬
‫قال له‪ :‬من يمنعك أنت الن مني؟ فقال‪ :‬ل أحد‪ .‬فعفا عنه‬
‫وانصرف الرجل وقسم مرة مال ً بين ناس فجاءه أعرابي فجذبه‬
‫من طرف ردائه و قال‪ :‬هذه قسمة ما أريد بها وجه الله‪ .‬فغضب‬
‫رسول الله و ما زاد على أن قال‪) :‬ومن يعدل إذا لم يعدل الله‬
‫ورسوله؟ رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا و صبر و كان‬
‫أرحم الناس و أرضاهم بقضاء الله( انظر إليه و قد فاضت روح‬
‫ابنه إبراهيم بين يديه فقال وهو تدمع عيناه‪ " :‬تدمع العين ويحزن‬
‫القلب‪ ،‬ول نقول إل ما يرضى ربنا‪ ،‬والله يا إبراهيم إنا بك‬
‫لمحزونون "‪ .‬و كان أشجع الناس حتى أن الصحابة كانوا يحتمون‬
‫به في المعركة إذا اشتد وطيسها و حمي أوارها‪ .‬أفما آن للعاقل‬
‫أن يفكر‪ :‬هل يمكن أن تجتمع كل هذه الشمائل‪-‬التي لم تتغير‬
‫طوال حياة صاحبها‪ -‬إل في نبي كريم متبع لملة أبيه إبراهيم؟ هل‬
‫جنى محمد – صلى الله عليه وسلم – لنفسه من دعوته تلك شيًئا‬
‫من متاع الدنيا الزائل أم أنه كان يربط الحجر والحجرين على‬
‫بطنه من الجوع و يقول اللهم ل عيش إل عيش الخرة ]‪[8‬؟ ألم‬
‫يكن يظل بالشهر والشهرين ول توقد في بيته نار و يقول‪) :‬اللهم‬
‫اجعل رزق آل محمد كفافًا( في حين أنك ترى في كل دين آخر‬
‫ما يكفل للكهنة ورجال الدين فيه مصادر الثروة والغنى]‪ [9‬فما‬
‫الذي صبره على ذلك إن لم يكن من الصادقين؟ وما الذي حمله‬
‫على أل يقبل غلو أصحابه في حبه ومدحه فتراه ل يرفع نفسه‬
‫‪149‬‬

‫عن قدره ويقول لصحابه‪) :‬ل تطروني كما أطرت النصارى‬
‫عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله و رسوله( وفي‬
‫إحدى المواقف جلست جويريات يضربن بالدف صبيحة عرس‬
‫إحدى نساء النصار وجعلن يضربن بالدف ويندبن من قتل من‬
‫أبائها يوم بدر‪ ،‬إذ قالت إحداهن‪ :‬وفينا نبي يعلم ما في غد‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫)دعي هذا‪ ،‬و قولي بالذي كنت تقولين( ومصداق ذلك في كتاب‬
‫َ‬
‫ه وَل َوْ ُ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ما َ‬
‫ت‬
‫سي ن َ ْ‬
‫ك ل ِن َ ْ‬
‫ف ِ‬
‫فعا ً وَل َ َ‬
‫كن ُ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫ضّرا ً إ ِل ّ َ‬
‫الله‪ُ " :‬قل ل ّ أ ْ‬
‫خير وما مسن ِي السوُء إ َ‬
‫َ‬
‫ذيٌر‬
‫ن أن َا ْ إ ِل ّ ن َ ِ‬
‫ت ِ‬
‫ِ ْ‬
‫م ال ْغَي ْ َ‬
‫ّ‬
‫ب لَ ْ‬
‫ست َك ْث َْر ُ‬
‫أع ْل َ ُ‬
‫ن ال ْ َ ْ ِ َ َ َ ّ َ‬
‫م َ‬
‫ن"‬
‫شيٌر ل ّ َ‬
‫قوْم ٍ ي ُؤ ْ ِ‬
‫وَب َ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫و لما توفي أحد المهاجرين قالت عنه امرأة من النصار‪ :‬رحمة‬
‫الله عليك يا أبا السائب‪ ،‬فشهادتي عليك‪ :‬لقد أكرمك الله‪ .‬فقال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪):‬وما يدريك أن الله أكرمه(‪ .‬فقلت‪:‬‬
‫بأبي أنت يا رسول الله‪ ،‬فمن يكرمه الله؟ فقال‪):‬أما هو فقد‬
‫جاءه اليقين‪ ،‬والله إني لرجو له الخير‪ ،‬والله ما أدري‪ ،‬وأنا رسول‬
‫دا‪.‬‬
‫دا بعده أب ً‬
‫الله‪ ،‬ما يفعل بي(‪ .‬قالت‪ :‬فو الله ل أزكي أح ً‬
‫ة أن‬
‫أترى لو كان محمد يتحامى الكذب دهاء وسياسة خشي ً‬
‫دا عن خلف ما يقول ما الذي كان‬
‫يكشف الغيب قريًبا أو بعي ً‬
‫يمنعه أن يتقول ما يشاء في شأن ما بعد الموت وهو ل يخشى‬
‫من يراجعه فيه ول يهاب حكم التاريخ عليه؟ لقد منعه الخلق‬
‫العظيم و تقدير المسئولية الكبرى أمام حاكم آخر أعلى من‬
‫التاريخ و أهله]‪[10‬‬
‫ضا؟‬
‫هب أنه كان يكذب على الناس أفكان يكذب على نفسه أي ً‬
‫فقد كان مجموعة من الصحابة يحرسون النبي حتي نزلت هذه‬
‫َ‬
‫من ّرب ّ َ‬
‫ل إ ِل َي ْ َ‬
‫فعَ ْ‬
‫ما ُأنزِ َ‬
‫سو ُ‬
‫ل‬
‫م تَ ْ‬
‫ك ِ‬
‫الية‪َ " :‬يا أي َّها الّر ُ‬
‫ك وَِإن ل ّ ْ‬
‫ل ب َل ّغْ َ‬
‫م َ‬
‫س " فقال لهم‪) :‬أيها‬
‫ك ِ‬
‫ه ي َعْ ِ‬
‫ت رِ َ‬
‫ص ُ‬
‫ه َوالل ّ ُ‬
‫سال َت َ ُ‬
‫ما ب َل ّغْ َ‬
‫فَ َ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫سا بعدها و‬
‫الناس‪ ،‬انصرفوا فقد عصمني الله( ]‪[11‬ولم يتخذ حر ً‬
‫قد وقف وحده في ميدان المعركة وسط المشركين و قد تفرق‬
‫أصحابه من حوله و هو يهتف‪ :‬أنا النبي ل كذب أنا ابن عبد‬
‫المطلب فمن ذا الذي حماه وعصمه حتى بلغ الرسالة كاملة‬
‫قا تمام الثقة من‬
‫وأدى المانة أوفى أداء؟ وما الذي جعله واث ً‬
‫النصر والتمكين لدينه حتى في أحلك المواقف وأقسى الزمات]‬
‫‪ [12‬فيبشر أصحابه بعروش كسري وقيصر في حين أن اليهود‬
‫والعرب يحاصرونهم من أسفل منهم ومن فوقهم وقد زاغت‬
‫دا من الله الذي‬
‫البصار وبلغت القلوب الحناجر إل إن كان موعو ً‬
‫ل يخلف الميعاد بالنصر والتمكين؟ هبه امتل رجاء ببقاء هذه‬
‫الدعوة و ظهورها ما دام يتعهدها بنفسه فمن الذي تكفل له بعد‬
‫موته ببقائها وحمايتها وسط أمواج المستقبل العاتية؟ وكيف‬
‫‪150‬‬

‫عَبر الزمان ما يفت في‬
‫يجيئه اليقين في ذلك و هو يعلم من ِ‬
‫حّرف؟]‬
‫عضد هذا اليقين فكم من نبي ُقتل وكم من كتاب فقد أو ُ‬
‫‪ [13‬هل رأيت كاهًنا أو ساحًرا أو عراًفا جاءه مثل هذا اليقين‬
‫الذي ل يتزعزع و الثبات الذي ل يتردد؟؟‬
‫ومن الذي ألف حوله قلوب أصحابه و جمعهم على دعوته بعد أن‬
‫كانوا قبائل متناحرة ل يجمعهم نظام ول ينقادون تحت لواء]‪[14‬؟‬
‫أرأيت كيف استجابوا له في النهاية إذ دعاهم إلى ترك دين أبائهم‬
‫وأجدادهم إلى عبادة الله وحده وترك النفة والفخر إلى ضرب‬
‫الظهور بالسياط إن شربوا الخمر أو قذفوا إنسانا و قطع اليدي‬
‫إن سرقوا أو أفسدوا في الرض؟ فمن الذي حول طباعهم من‬
‫الغلظة والبداوة وبعد أن كان أحدهم يأنف أن تسبق ناقته ناقة‬
‫أخرى إلى رفق السلم و رحمته وتواضعه فأصبح السيد والعبد‬
‫يقفان متجاورين في الصلة؟ ومن الذي كان يجيب دعائه إذا دعا‬
‫لحد من أصحابه؟ ألم يدع ُ للمدينة المنورة بأكملها أل يدخلها‬
‫طاعون فما دخلها وباء إلى اليوم؟ ألم يدع لقبيلة بأكملها أمام‬
‫أصحابه أن تسلم وتأتيه فأسلمت عن بكرة أبيها؟ أتراه يغامر لو‬
‫كان كاذًبا بأمر كهذا؟ أيمكن لرجل أمي أن يغامر ويزعم أنه نبي‬
‫يؤمن بجميع النبياء من قبله من أول آدم مروًرا بموسى وعيسى‬
‫عليهما السلم ويجعل الكفر بواحد منهم كالكفر بالجميع ثم‬
‫يتحدى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الموجودين في عهده –‬
‫بل إلى قيام الساعة – ويناقشهم في أخص أمور دينهم بل‬
‫ويفضحهم ويواجههم بتحريفهم لكتب أنبيائهم؟ لقد بلغ من تحديه‬
‫إياهم أنه لما هاجر توجه إلى أحد معاقل اليهود في الجزيرة‬
‫العربية وهي يثرب ‪-‬وكان يمكنه أن يهاجر إلى أرض ليس بها أهل‬
‫كتاب فما الذي دعاه إلى ذلك لو كان من الكاذبين؟ قل لي بربك‬
‫لو كان هذا الدين من عند نفسه وليس من عند الله فما حاجته‬
‫لليمان بالنبياء السابقين ويدخل في هذه المواجهات]‪ [15‬مع‬
‫اليهود والنصارى ويعلن أن إلـهه وإلـههم واحد ولكنهم هم الذين‬
‫غيروا شريعته وبدلوا وحرفوا‪ .‬ثم إنك تجد أن علماء اليهود‬
‫دا وجماعات ويتبعون‬
‫والنصارى المنصفين يدخلون في دينه أفرا ً‬
‫شريعته منذ أن بعثه الله و إلى اليوم‪ [16].‬إن الكثيرين منهم‬
‫عندما يتجردون من الهواء والنزعات الشخصية والعصبية فإنهم‬
‫سرعان ما يبصرون الحق ويعتنقونه بل إن عددا ً من‬
‫المستشرقين والمبشرين النصارى الذين بدئوا حملتهم مصممين‬
‫على القضاء على السلم وإظهار عيوبه المزعومة‪ ،‬أصبحوا هم‬
‫أنفسهم مسلمين‪ ،‬وما ذلك إل لن للحق حجته الدامغة التي ل‬

‫‪151‬‬

‫َ‬
‫م يَ ُ‬
‫ة َأن‬
‫م آي َ ً‬
‫كن ل ّهُ ْ‬
‫سبيل إلى إنكارها‪ .‬قال الله عز وجل‪ " :‬أوَل َ ْ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ل "‪.‬‬
‫ماء ب َِني إ ِ ْ‬
‫ه ع ُل َ َ‬
‫م ُ‬
‫ي َعْل َ َ‬
‫ثم كيف يمكن لرجل عادي – لو كان عادًيا – أن يؤلف وحده‬
‫شريعة محكمة ل تدع أمًرا من أمور النسان إل ونظمته على‬
‫الوجه المثل بدًءا من طريقة الكل والشرب حتى نظام الحكم‬
‫فما تركت خيًرا من أمور الدنيا إل وأمرت به ول شًرا إل و نهت‬
‫عنه ويشهد بذلك مفكرو الغرب أنفسهم والدراسات الحديثة‬
‫والفضل ما شهدت به العداء‪ .‬وما زالت إلى اليوم هذه الشريعة‬
‫معينا ل ينضب للباحثين والعلماء يستخرجون منها من الحكم‬
‫الباهرة والحكام الدقيقة ما يدعو الناس لليمان والتصديق‪[17].‬‬
‫كيف أمكن لرجل بمفرده‪ -‬لو كان بمفرده‪ -‬أن يحدث أكبر تغيير‬
‫ديني وحضاري وسياسي واجتماعي في العالم استمر إلى الن‬
‫حتى إن مفكري الغرب عندما اجتمعوا لكي يحددوا المائة الوائل‬
‫دا على‬
‫الذين كان لهم أكبر تأثير في تاريخ البشرية جعلوا محم ً‬
‫رأسهم وظهر ذلك في كتاب المائة الوائل لمايكل هارت]‪[18‬ألم‬
‫تمر على أمة السلم مائتا عام إل وكان المسلمون يعيشون‬
‫نهضة علمية في شتى المجالت في حين كانت أوروبا ترزح تحت‬
‫جبال من الجهل والتخلف والخرافات؟!‬
‫ثم ألم يكن أولى به لو كان يدعي النبوة أن يخفف من تكاليف‬
‫الشريعة لقصى درجة ممكنة لكي يستكثر من التباع ول ينفر‬
‫الناس من الدخول في الدين الجديد ]‪ [19‬لكنك ترى أنه أخبرنا‬
‫أن الله فرض علينا خمس صلوات في اليوم و الليلة منها ما‬
‫يوافق ساعات نوم النسان و أمرنا بزكاة تؤخذ من أغنيائنا لترد‬
‫على فقرائنا و أمرنا بصيام شهر كامل كل عام و بحج بيت الله‬
‫الحرام مع ما في ذلك من مشقة للبعض ثم حض بعد ذلك على‬
‫أداء الزيادة من هذه الطاعات و قيام الليل تقرًبا إلى الله ثم‬
‫المر بالحسان إلى الخلق بمختلف أنواع البر وصلة الرحام‬
‫والقارب وإن قطعوا والعفو عن النام إن ظلموا والمر‬
‫بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ثم النهي‬
‫عن لذائذ النفوس و شهواتها المحرمة كالزنا وكل ما يدعو إليه‬
‫من نظر أو لمس أو تبرج وشرب الخمر وأكل الربا ثم يكون بعد‬
‫ذلك أول الناس التزاما بما يدعو إليه حتى في خلوته حين يظن‬
‫أن ل يراه بشر بل و يزيد على أصحابه في الطاعة ما ل يطيقونه‬
‫هم]‪ .[20‬فما الذي حمله على ذلك إن لم يكن من الصادقين في‬
‫عبادته لربه و في نبوته؟ هل الذي يأمر بهذه الوامر يمكن أن‬
‫َ‬
‫من َ‬
‫من َ‬
‫سقا ً ّل‬
‫ن َفا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫كا َ‬
‫منا ً ك َ َ‬
‫ن ُ‬
‫يكون كاذًبا على الله؟)أفَ َ‬
‫ن( أل تعجب أنه مع كل تكليفات السلم هذه فإنه أوسع‬
‫وو َ‬
‫يَ ْ‬
‫ست َ ُ‬
‫‪152‬‬

‫الديان انتشاًرا و ذلك باعتراف غير المسلمين ويقبل عليه الناس‬
‫من جميع الفئات والعمار حتى الطفال‪ [21].‬لو كان محمد كاذًبا‬
‫فلماذا تركه الله ينشر دعوته طوال ‪ 23‬سنة بدون أن يعاقبه أو‬
‫على القل بكشف كذبه للناس ولو بزلة لسان؟!‬
‫أو كان صدفة أن يولد هذا النبي و يحيا أكثر عمره بجوار بيت الله‬
‫الحرام الذي بناه إبراهيم عليه السلم و ما زالت آثار إبراهيم‬
‫موجودة فيه إلى اليوم ثم يتخذه قبلة في صلته؟ ومن الذي‬
‫حفظ الكعبة من التدمير على يد إبرهة والمشركين وحفظ‬
‫مكانتها ومهابتها في قلوب المؤمنين؟ تـرى لو أن هذا الدين كان‬
‫من تأليفه فهل تكون الكعبة المشرفة من بنائه أم تكون بئر‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫من‬
‫حقّ ِ‬
‫ل ِبال ْ َ‬
‫س قَد ْ َ‬
‫م الّر ُ‬
‫جاءك ُ ُ‬
‫زمزم من حفره؟!) َيا أي َّها الّنا ُ‬
‫ت‬
‫م وَِإن ت َك ْ ُ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫ماَوا ِ‬
‫م َفآ ِ‬
‫فُروا ْ فَإ ِ ّ‬
‫ما ِفي ال ّ‬
‫س َ‬
‫ن ل ِل ّهِ َ‬
‫خْيرا ً ل ّك ُ ْ‬
‫ّرب ّك ُ ْ‬
‫َوال َْرض وَ َ‬
‫كيمًا(‬
‫ح ِ‬
‫ه ع َِليما ً َ‬
‫كا َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ِ‬
‫النبأ العظيم‬
‫م وَل َ أ َد َْرا ُ‬
‫)ُقل ل ّوْ َ‬
‫م‬
‫كم ب ِهِ فَ َ‬
‫ت ِفيك ُ ْ‬
‫قد ْ ل َب ِث ْ ُ‬
‫ه ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫ما ت َل َوْت ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ن(‬
‫من قَب ْل ِهِ أفَل َ ت َعْ ِ‬
‫قُلو َ‬
‫مرا ً ّ‬
‫عُ ُ‬
‫كل المؤرخين مجمعون على أن النبي نشأ أمًيا ل يعرف القراءة‬
‫والكتابة وأنه لم يكن يقرض الشعر في حياته بينما كانت العرب‬
‫تفتخر ببراعتها البلغية ويقيمون السواق يتباهون فيها بالقصائد‬
‫الطوال والمعلقات الجياد ولم يكن لمحمد أي شأن يذكر في هذا‬
‫المضمار من قريب أو بعيد‪ .‬ثم ماذا؟ ثم خرج علهم محمد بين‬
‫عشية وضحاها بآيات بينات غاية في البلغة وجمال النظم تحدى‬
‫بها قومه بل تحدى بها العالم كله ‪-‬وهكذا الرسل تأتي بمعجزات‬
‫من جنس ما برع فيه أقوامهم ليكون أبلغ في العجاز‪ -‬وقال‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫هـ َ‬
‫ذا‬
‫ل َ‬
‫ن ع ََلى أن ي َأُتوا ْ ب ِ ِ‬
‫معَ ِ‬
‫نا ْ‬
‫س َوال ْ ِ‬
‫جت َ َ‬
‫لن ُ‬
‫مث ْ ِ‬
‫ج ّ‬
‫تا ِ‬
‫للناس‪) :‬لئ ِ ْ ِ‬
‫مث ْل ِهِ وَل َوْ َ‬
‫ض ظ َِهيرًا(‪ .‬فانظر إلى‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن بِ ِ‬
‫ن ب َعْ ُ‬
‫كا َ‬
‫ن ل َ ي َأُتو َ‬
‫ضه ُ ْ‬
‫قْرآ ِ‬
‫م ل ِب َعْ ٍ‬
‫هذا النفي المؤكد بل الحكم المؤبد هل يستطيع عربي يدري ما‬
‫يقول أن يصدر هذا الحكم وهو يعلم أن مجال المساجلت مفتوح‬
‫بين العرب على مصراعيه؟ ألم يكن يخشى أن يثير هذا التحدي‬
‫حميتهم الدبية فيهبوا لمنافسته وهم جميع حذرون؟ سل نفسك‬
‫لو طوعت لمحمد نفسه أن يصدر هذا الحكم على أهل عصره‬
‫فكيف يصدره على الجيال القادمة إلى يوم القيامة بل على‬
‫النس والجن؟ ثم سلها ألم يفز القرآن في هذا التحدي فلم يهم‬
‫بمعارضته أحد إل باء بالعجز الواضح والفشل الفاضح على مر‬
‫العصور والدهور‪ [22] .‬لقد نزل هذا التحدي إلى أن يأتوا بعشر‬
‫سور مثله فما استطاعوا ثم نزل أكثر إلى سورة واحدة تضارع‬
‫أقصر سور القرآن و أعلن أنهم لن يستطيعوا فهل سمعت أن‬
‫‪153‬‬

‫رجل ً ألف سورة مثل سور القرآن تلقاها العالم بمثل ما تلقى به‬
‫القرآن؟ سل نفسك كيف ظل القرآن محفو ً‬
‫ظا إلى اليوم كما‬
‫حافِ ُ‬
‫ن( يتناقله‬
‫ظو َ‬
‫ه لَ َ‬
‫وعد الله‪) :‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ن ن َّزل َْنا الذ ّك َْر وَإ ِّنا ل َ ُ‬
‫ح ُ‬
‫المسلمون جيل بعد جيل متواتًرا]‪ [23‬بينهم بنفس اللغة ل تتغير‬
‫فيه كلمة ول حرف ول حركة تشكيل بطريقة هي أعلى طرق‬
‫الرواية تثبًتا وحف ً‬
‫قدت أو غ ُّيرت‬
‫ظا في حين أن غيره من الكتب فُ ِ‬
‫أو اندثرت لغاتها الصلية‪ .‬سل التاريخ كم مرة تسلط الكفار على‬
‫المسلمين فأثخنوا فيهم القتل و أكرهوا أمما منهم على الكفر و‬
‫أحرقوا الكتب و هدموا المساجد و صنعوا ما كان يكفي القليل‬
‫منه لضياع هذا القرآن ُ‬
‫كل أو بعضا كما ُفعل بالكتب من قبله لول‬
‫أن يد العناية تحرسه فبقي وسط هذه المعامع رافعا راياته و‬
‫أعلمه حافظا آياته و أحكامه‪[24]...‬‬
‫ألم تعجب كيف يسره الله القرآن للحفظ ما لم ييسر لي كتاب‬
‫آخر فتجد أن الطفل يبلغ السادسة من عمره وقد حفظ القرآن‬
‫كله وقد يكون مع ذلك أعمى! كيف يحدث ذلك النسجام العجيب‬
‫بين الفطرة البشرية و بين القرآن إل أن يكون خالق النفس‬
‫البشرية هو نفسه مصدر هذا القرآن؟‬
‫ثم إنك إذا تأملت طريقة نزول القرآن رأيت عجًبا‪...‬فإنه لم ينزل‬
‫جملة واحدة من السماء لكن كان ينزل مفرًقا حسب الوقائع‬
‫والحوال فربما نزلت بدايات سورة ول تنزل خواتيمها أو‬
‫أواسطها إل بعد عشر سنين تكون خللها نزلت سور أخرى‬
‫وختمت أو لم تختم فإذا هبط جبريل على النبي بآيات جمع النبي‬
‫أصحابه ليكتبوا وراءه ثم يقول ضعوا آية كذا في سورة كذا في‬
‫موضع كذا وآية كذا في سورة كذا وهكذا فتوضع الية في مكانها‬
‫الذي نزلت من أجله في أول السورة أو وسطها أو آخرها بين‬
‫آيتين قد تكونا نزلتا قبلها بعشر سنين فتقرأ السورة فل تحس‬
‫بأي تنافر بين أجزائها‪ .‬ثم إن الية توضع مكانها الذي نزلت من‬
‫ما ول تأخيًرا حتى‬
‫أجله ول يتغير هذا المكان بعد ذلك أب ً‬
‫دا ل تقدي ً‬
‫اكتمل هذا الكتاب المعجز في أجمل صورة و أعظم تركيب فأي‬
‫تدبير محكم وأى تقدير مبرم وأى علم محيط ل يضل ول ينسى‬
‫ول يتردد كان قد أعد لهذه المواد المبعثرة نظامها وهداها إلى ما‬
‫قدره لها حتى صيغ منها ذلك العقد النظيم وسرى بينها هذا‬
‫َ‬
‫ن وَل َوْ َ‬
‫ر‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫قْرآ َ‬
‫المزاج العجيب؟ ]‪)[25‬أفَل َ ي َت َد َب ُّرو َ‬
‫م ْ‬
‫عند ِ غ َي ْ ِ‬
‫خت ِ َ‬
‫لفا ً ك َِثيًرا(‬
‫دوا ْ ِفيهِ ا ْ‬
‫ج ُ‬
‫الل ّهِ ل َوَ َ‬
‫و الن سل نفسك هل رأيت كتاًبا ألف بهذه الطريقة أبد الدهر؟‬
‫وهل يستطيع كاتب أن يؤلف كتاًبا في مدة ثلث وعشرين سنة ل‬
‫يؤلفه مرتًبا ولكن مفرًقا قطًعا قطعا ً على غير ترتيب ل يقدم فيه‬
‫‪154‬‬

‫ول يؤخر ولكن يملي من وحي ضميره العبارات والجمل مفرقة‬
‫بين الحوادث والسنين فتجد كل جملة لها مكانا ينتظرها بين‬
‫جاراتها ل يجور ول يجار عليه وكأنه أحصى ما سوف تلده اليام‬
‫من مفاجآت الحوادث المستقبلية صغيرة وكبيرة في مدى دهره‬
‫در ما سوف تتطلبه تلك النوازل من كلم فقدر لكل حادثة‬
‫ثم ق ّ‬
‫قدرها؟! فكيف لو كان أمًيا ل يقرأ ما يكتب له؟!!‬
‫هذا من جهة مبناه فإذا نظرت إلى محتواه وجدت من العجاز‬
‫في المعاني ما ل يقل عن العجاز في النظم و المباني‪[26].‬‬
‫ذلك أن القرآن حوى بين طياته كل ما يحتاج النسان إليه في‬
‫حياته لكي يحيا حياة طيبة صالحة‪ .‬تحدث القرآن عن وحدانية الله‬
‫عز وجل وأقام عليها البراهين العقلية القاطعة وذكر من صفات‬
‫الرب الحسنى وأفعاله الكريمة وسننه في خلقه ومظاهر نعمه‬
‫عليهم ما يزيد إيمان المؤمنين ويرقق قلوب الكافرين وذكر من‬
‫آيات الله المبثوثة في كونه ودعا النسان للنظر والتأمل فيها‬
‫وتحدث عن نشأة النسان والغرض من خلقه ومصيره بعد موته‬
‫ثم أخبره كيف يعبده ويتقرب إليه بأنواع العبادات البدنية والمالية‬
‫والقلبية و تضمن الخبار عن عالم الغيب من الملئكة و الجن‬
‫والشياطين وكذا الخبار عن قصص المم السابقة وأحوالهم مع‬
‫أنبيائهم وعقاب الله للقوام الظالمين بما جعله الله عبرة لكل‬
‫معتبر ورد القرآن على شبهات المشركين وحذر المعاندين‬
‫وأنذرهم وبشر المؤمنين وثّبـتهم وحاور أهل الكتاب فأسكتهم‬
‫وضرب للناس من كل شيء مثل ً وتحدث عن أهوال يوم القيامة‬
‫وعلماته وذكر ما أعده الله لعباده المؤمنين في جنات النعيم وما‬
‫جا يسير‬
‫ينتظر الكافرين من عذاب أليم ثم رسم للنسان منه ً‬
‫دا ووضع له ضوابط تضمن له و‬
‫عليه في حياته وحد له حدو ً‬
‫لمجتمعه السعادة الكاملة والمن التام فذكر أحكام المعاملت‬
‫المالية وأحكام النكاح والطلق و البيع والشراء والد َْين والميراث‬
‫وأحكام المارة والقضاء والحدود والقصاص حتى آداب الستئذان‬
‫والنظر والثياب ذكر القرآن منها ما يكفل للمجتمع طهارته و‬
‫للنسان عفافه و كرامته حتى مأكل النسان ومشربه أباح له كل‬
‫طيب و حرم عليه كل خبيث على التفصيل و الجمال وذكر أيضا‬
‫آداب التعامل مع الوالدين و إن كانوا غير مسلمين ومع الزوجة و‬
‫ذوي الرحام وإن كانوا غير بارين حتى الخدم و العبيد و الرامل‬
‫والمطلقات واليتام لم ينسهم القرآن حتى الطفل الرضيع‬
‫ما َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫سي ًّا(‬
‫ك نَ ِ‬
‫كا َ‬
‫والرجل العمى والعرج ذكرهم الله)وَ َ‬
‫وهكذا لم تخل آية في القرآن من حكمة وموعظة أو بشارة أو‬
‫إنذار أو أمر أو نهي لما فيه مصلحة العباد الدينية والدنيوية فلله‬
‫‪155‬‬

‫قا و كم‬
‫درها من آيات كم ألنت قلبا قاسيا و كم فتحت عقل مغل ً‬
‫شفت وساوس صدر مريض‪.‬‬
‫فهو معجزة كبيرة وشاملة وغنية تتجاوز كل الزمنة والمكنة‪،‬‬
‫وتلبي جميع المطالب النسانية بدًء من العقائد وانتهاًء بأصغر‬
‫من ّرب ّ َ‬
‫الداب الجتماعية‪)[27] .‬فَل َ ت َ ُ‬
‫ك‬
‫حقّ ِ‬
‫ك ِفي ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ه إ ِن ّ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫مْري َةٍ ّ‬
‫وَلـك َ‬
‫ن(‬
‫س ل َ ي ُؤ ْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫َ ِ ّ‬
‫ن أك ْث ََر الّنا ِ‬
‫فإذا نظرنا إلى القصص القرآني سنجد أنه حوى أحسن القصص‬
‫وقًعا في النفوس وأصدقها أحداثا و أكثرها عبرة في الوقت الذي‬
‫كانت كتب اليهود والنصارى حافلة بالمغالطات التاريخية وقصص‬
‫العاهرات و نسبة النقائص والفواحش للنبياء بينما القرآن قصصه‬
‫في أرفع درجات السمو الخلقي و الكمال النساني‪ .‬وإن تعجب‬
‫فعجب قول من يدعي زوًرا وبهتاًنا أن القرآن استقى أخباره‬
‫التاريخية من الكتب الموجودة بأيدي أهل الكتاب في عهده!! و‬
‫كأن القرآن لم يفضح تزويرهم صراحة و يواجههم بتحريفهم و‬
‫يكشف مغالطاتهم]‪ [28‬ثم إنك تجد أن القرآن يحوي تفاصيل‬
‫دقيقة لم تذكرها هذه الكتب وكفاك بقصتي يوسف وموسى‬
‫عليهما السلم دليل‪[29] .‬‬
‫فهل كان صدفة أن توافق أخبار القرآن عن المم السابقة و‬
‫أنبيائهم الصحيح المحرر]‪ [30‬من علوم أهل الكتاب و تزيد عليها‬
‫و أما ما داخلها من التحريف و التغيير فل يأبه له القرآن بل‬
‫يصححه و يفضحه أحيانا كثيرة؟ و ممن؟ من رجل أمي ل يقرأ ول‬
‫يكتب!!‬
‫كفاك بالعلم في المي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم؟‬
‫دا اطلع على أخبار الولين فهل تراه اتخذ عند الله‬
‫هب أن محم ً‬
‫دا أن تصدق اليام ما أخبر به من أمور المستقبل ولو بعد‬
‫عه ً‬
‫مئات السنين؟ فقد أخبر القرآن عن حوادث ستقع في المستقبل‬
‫ما‪ .‬فمثل ذكر القرآن عن أناس معينين أنهم‬
‫وحدثت كما أخبر تما ً‬
‫لن يسلموا وسيموتون على الكفر مثل أبي لهب وامرأته حمالة‬
‫الحطب والوليد بن المغيرة فمن أين علم محمد أن هؤلء لن‬
‫يسلموا؟! وكيف لم يخش أن تطوع لحدهم نفسه فيعلن إسلمه‬
‫دا؟ فيا عجًبا لهذه اليات هل كانت مؤلفة‬
‫نفاقا لكي يحرج محم ً‬
‫من حروف و كلمات أم كانت أغلل ً وضعت في أعناقهم إلى‬
‫البد؟ ومثل آخر في أول سورة الروم حيث دار بين الفرس‬
‫الوثنيين و الروم النصارى أهل الكتاب معركة هزم فيها الفرس‬
‫الروم ففرح المشركون بذلك لنهم وثنيون مثلهم و حزن‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫من‬
‫ض وَ ُ‬
‫المسلمون فنزلت )الم‪ .‬غ ُل ِب َ ِ‬
‫ت الّرو ُ‬
‫هم ّ‬
‫م‪ِ .‬في أَد َْنى الْر ِ‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫ل وَ ِ‬
‫مُر ِ‬
‫ضِع ِ‬
‫من ب َعْد ُ‬
‫ن‪ِ .‬في ب ِ ْ‬
‫سي َغْل ُِبو َ‬
‫م َ‬
‫ن ل ِل ّهِ اْل ْ‬
‫ب َعْد ِ غ َل َب ِهِ ْ‬
‫سِني َ‬
‫‪156‬‬

‫من ي َ َ‬
‫زيُز‬
‫مئ ِذ ٍ ي َ ْ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫فَر ُ‬
‫صُر َ‬
‫ح ال ْ ُ‬
‫وَي َوْ َ‬
‫صرِ الل ّهِ َين ُ‬
‫ن ب ِن َ ْ‬
‫شاُء وَهُوَ ال ْعَ ِ‬
‫م(‬
‫الّر ِ‬
‫حي ُ‬
‫و لقد صدق الله وعده فتمت للروم الغلبة على الفرس بإجماع‬
‫المؤرخين في أقل من تسع سنين و كان يومها هو اليوم الذي‬
‫انتصر فيه المسلمون على المشركين في غزوة بدر‪ .‬فكيف‬
‫حدث ذلك بهذه الدقة إل إذا كان الذي صدرت هذه اليات عن‬
‫علمه هو الذي صدرت هذه الحوادث عن مشيئته و حكمه؟‬
‫أما عن اليات التي تتحدث عن خلق الكون وخلق النسان و‬
‫الليل و النهار و الجبال و البحار والرياح و السحب والمطر‬
‫والحيوان والنبات و النجوم والكواكب و الشمس و القمر والرض‬
‫و السماء فقد ذكر القرآن من أسرارها في كلمات وجيزة ما‬
‫كانت تعجز علوم الدنيا حين نزل القرآن أن تتوقعه و لم يكتشفها‬
‫العلم إل في العصر الحديث و ما وقف أمامها فطاحل العلماء‬
‫مبهورا أن يكون رجل أمي قد أتى بكلم مثل هذا منذ ألف و‬
‫أربعمائة سنة!! ألم يخبر القرآن بأن للجبال أوتاد و أن البحر‬
‫مسجور و الرياح لواقح و السحب ثقال و الكائنات أزواج و‬
‫السماء ذات رجع و الرض ذات صدع والليل و النهار مكوران‬
‫على بعض و الشمس و القمر بحسبان و مواقع النجوم أمرها‬
‫عظيم]‪ !![31‬هل كان أحد في ذلك الوقت يعرف المراحل‬
‫الدقيقة لخلق الجنة في بطون أمهاتها أو يعرف أن الذي يرتفع‬
‫في الجو يضيق صدره من صعوبة التنفس أو أن كل شيء خلق‬
‫من ماء أو أن الحديد نزل من السماء ليستقر في الرض و لم‬
‫يتكون داخلها كما يتكون البترول مثل أو أن السماء تتسع‬
‫باستمرار أو أن هناك أنواعا من النجوم مختفية عن النظار تسير‬
‫في السماء تكنس ما حوله وصفها بأنها جوار كنس أو أن‬
‫السماوات والرض كانتا في بداية الخلق قطعة واحدة فتقها‬
‫َ‬
‫ت الل ّهِ ُتنك ُِرون(؟ كل هذه الحقائق‬
‫م آَيات ِهِ فَأيّ آَيا ِ‬
‫ريك ُ ْ‬
‫الله؟)وَي ُ ِ‬
‫التي أثبتتها العلوم الحديثة وغيرها يذكرها القرآن في غاية‬
‫الوضوح و أمثالها في السنة النبوية كثير و أسلم بسببها كثير من‬
‫العلماء]‪[32‬فما الذي حمل محمدا على ذكر هذه الحقائق لقوم‬
‫أميين ومن الذي ضمن له أن العلم سوف يثبت صحتها يوما من‬
‫اليام؟ ]‪ [33‬هذا غير اليات التي تسبر أغوار النفس البشرية‬
‫وتخبر بما يجول في خاطرها سواء كانت هذه النفس نفس‬
‫مؤمن مصدق أو كافر معاند أو كتابي مرتاب‪ .‬ألم تنزل اليات‬
‫تفضح المنافقين الموجودين في المدينة و تخبر بخطرات‬
‫مّنا ُقل‬
‫نفوسهم؟ ألم يدع العراب اليمان فنزلت)َقال َ ِ‬
‫ت اْل َع َْرا ُ‬
‫بآ َ‬
‫َ‬
‫م( ألم‬
‫ما ي َد ْ ُ‬
‫مُنوا وَل َ ِ‬
‫م ت ُؤ ْ ِ‬
‫ما ُ‬
‫كن ُقوُلوا أ ْ‬
‫ن ِفي قُُلوب ِك ُ ْ‬
‫لي َ‬
‫مَنا وَل َ ّ‬
‫سل َ ْ‬
‫لّ ْ‬
‫خ ِ‬
‫لاِْ‬
‫‪157‬‬

‫يكن الولى لو كانت هذه دعوة شخصية أل ينفر محمد التباع من‬
‫حوله بل يستكثر منهم و يحتفظ بهم في صفه؟]‪ [34‬ناهيك عن‬
‫التأثير الكبير الذي أحدثه القرآن في نفوس أصحاب النبي يقول‬
‫الستاذ فتح الله كولن‪ " :‬لقد أحدث القرآن في أول عهده‬
‫بالنـزول وأول عهده بتشريفه الدنيا تأثيًرا ل يمكن تصوره في‬
‫الرواح وفي العقول والقلوب أضا‪ ،‬بحيث أن درجة الكمال التي‬
‫وصلت إليها الجيال التي نشأت في جوه النوراني كانت معجزة‬
‫قائمة بذاتها ل نحتاج معها إلى ذكر أي نوع آخر من معجزاته‪ .‬ول‬
‫يمكن العثور على أي أمثال لهم في مستواهم من ناحية التدين‬
‫والتفكير وأفق الفكر والخُلق ومعرفة أسرار العبودية‬
‫فالحقيقة أن القرآن قد أنشأ جيل من الصحابة آنذاك ل نبالغ إن‬
‫قلنا إنهم كانوا في مستوى الملئكة‪ .‬وحتى اليوم فهو يقوم بتنوير‬
‫قلوب المتوجهين إليه الناهلين من نبعه‪ ،‬ويهمس في أرواحهم‬
‫دعون أنفسهم بكل أحاسيسهم‬
‫أسرار الوجود‪ .‬والذين ي َ َ‬
‫ومشاعرهم وقلوبهم وقابلية راكهم تسبح في جوه الذي ل مثيل‬
‫لـه سرعان ما تتغير عواطفهم وأفكارهم‪ ،‬ويحس كل واحد منهم‬
‫بأنه قد تغير بمقياس معين وأنه أصبح يعيش في عالم آخر")هَ َ‬
‫ذا‬
‫ن( ويمكنك أن تقرأ في‬
‫ة لِ َ‬
‫م ٌ‬
‫س وَ ُ‬
‫قوم ٍ ُيوقُِنو َ‬
‫هدىً وََر ْ‬
‫ح َ‬
‫بَ َ‬
‫صائ ُِر للّنا ِ‬
‫القرآن لكي تشعر بهذا بنفسك فهو تاح على النترنت‪.‬‬
‫والن آن لنا أن نسأل أنفسنا هذا السؤال‪ :‬من أين أتى محمد‬
‫بالقرآن؟ هناك ثلثة احتمالت ل رابع لها‪ .‬إما أن يكون من كلم‬
‫محمد نفسه وإما أن يكون من كلم شخص آخر كان يتصل به‬
‫محمد بصورة غير معروفة في جميع الماكن والزمنة ليتلقى منه‬
‫اليات و إما أن يكون وحيا من عند الله أوحاه إليه عن طريق‬
‫الملك الذي أنزل على جميع النبياء من قبل و هو روح القدس‬
‫جبريل عليه السلم كما أخبر بذلك القرآن نفسه‪.‬‬
‫فإذا نظرنا إلى الحتمال الول سنجد أن القرآن صريح في لنه ل‬
‫صنعة فيه لمحمد ول لحد من الخلق لكنه منزل من عند الله‬
‫بلفظه ومعناه‪ .‬فأى مصلحة لمحمد لو كان القرآن من كلمه أن‬
‫ينسب بضاعته لغيره وينسلخ منها انسلخا ولو انتحلها لما وجد‬
‫أحدا من البشر يعارضه ويزعمها لنفسه؟ إن قومه أنفسهم قد‬
‫استبعدوا هذا الحتمال‪ -‬أن يكون القرآن من تأليف محمد‪ -‬لنه‬
‫عاش بينهم أربعين سنة يحضر مشاهدهم و يتعامل معهم ولم تبد‬
‫َ‬
‫م‬
‫عليه أثارة من تلك العلوم التي ل عهد لهم بها قبل ذلك‪) .‬أ ْ‬
‫م لَ ْ‬
‫ن( ثم إنك تقرأ كلم النبي وأحاديثه‬
‫منك ُِرو َ‬
‫ي َعْرُِفوا َر ُ‬
‫ه ُ‬
‫م لَ ُ‬
‫م فَهُ ْ‬
‫سول َهُ ْ‬
‫في كتب السنة و تقرأ القرآن فل تحس بأنهما خرجا من ذات‬
‫المنبع بل تجد الفرق في السلوب بينهما واضحا هذا خطاب إلهي‬
‫‪158‬‬

‫و ذاك كلم بشري‪ ..‬ثم لماذا لم يحو القرآن لو كان من عند‬
‫محمد خطرات نفسه و آلمه و أحزانه المختلفة التي مرت به و‬
‫هو الذي مرت به الحداث الجسام مثل وفاة زوجته خديجة وعمه‬
‫أبي طالب في عام واحد و محاصرة المشركين له و لصحابه في‬
‫أحد شعاب مكة ثلث أعوام و مقتل عمه حمزة ووفاة جميع‬
‫أبنائه في حياته إل فاطمة ولكنك ل ترى إشارة لذلك في القرآن‪.‬‬
‫وهل تكون اليات التي تعاتب النبي في القرآن و توجهه و تأمره‬
‫و تنهاه من وضعه؟ أيكون من عنده ثم يجعل فيه حين دعا على‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س لَ َ‬
‫مرِ َ‬
‫م أ َْو‬
‫ك ِ‬
‫يٌء أوْ ي َُتو َ‬
‫ب ع َل َي ْهِ ْ‬
‫ن ال ْ‬
‫بعض المشركين)ل َي ْ َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ن( أم يكون من عنده ثم يقول فيه‬
‫مو َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫م فَإ ِن ّهُ ْ‬
‫ي ُعَذ ّب َهُ ْ‬
‫س َ‬
‫خ َ‬
‫ه‬
‫في ِفي ن َ ْ‬
‫ديهِ وَت َ ْ‬
‫لنفسه)وَت ُ ْ‬
‫مب ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫خ ِ‬
‫س َوالل ّ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ما الل ّ ُ‬
‫ك َ‬
‫شى الّنا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫خ َ‬
‫ه‬
‫حقّ َأن ت َ ْ‬
‫ما أ َ‬
‫م تُ َ‬
‫أ َ‬
‫حّر ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ي لِ َ‬
‫شاه( أو يقول فيه)َيا أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫لَ َ‬
‫م( و ذلك حين أقسم‬
‫ه غَ ُ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫مْر َ‬
‫حي ٌ‬
‫ك َوالل ّ ُ‬
‫ت أْزَوا ِ‬
‫ضا َ‬
‫ك ت َب ْت َِغي َ‬
‫أل يتناول نوعا معينا من الطعام؟ بل إنه عبس مرة في وجه‬
‫رجل مسلم أعمى جاء يسأله عن شيء لنه كان مشغول بدعوة‬
‫أشراف قريش إلى السلم فنزلت سورة عرفت بسورة عبس ‪,‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما ي ُد ِْري َ‬
‫ه‬
‫س وَت َوَّلى }‪ {1‬أن َ‬
‫ك ل َعَل ّ ُ‬
‫مى }‪ {2‬وَ َ‬
‫جاءه ُ اْلع ْ َ‬
‫بدايتها‪):‬ع َب َ َ‬
‫ي َّز ّ‬
‫ه الذ ّك َْرى(‬
‫كى }‪ {3‬أ َوْ ي َذ ّك ُّر فََتن َ‬
‫فعَ ُ‬
‫ألم يكن أولى به – لو كان كما يدعي المبطلون كاذًبا – أن يكتم‬
‫هذه اليات؟‬
‫بل كانت تنزل به النوازل من شأنها أنها تحفزه إلى القول و‬
‫كانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم بحيث لو كان المر إليه‬
‫لوجد له مقال و مجال و لكنه كانت تمضى به الليالى و اليام‬
‫تتبعها الليالى و اليام و ل يجد فى شأنها قرآنا يقرؤه على الناس‪.‬‬
‫ألم يرجف المنافقون بحديث الفك عن زوجه عائشة رضي الله‬
‫عنها و أبطأ الوحي و طال المر و الناس يخوضون حتى بلغت‬
‫القلوب الحناجر و هو ل يستطيع إل أن يقول بكل تحفظ و‬
‫احتراس " إني ل أعلم عنها إل خيرا" ثم إنه بعد أن بذل جهده‬
‫في التحري و السؤال و استشارة الصحاب و مضى شهر بأكمله‬
‫و الكل يقولون ما علمنا عليها من سوء لم يزد على أن قال لها‬
‫آخر المر " يا عائشة أما إنه بلغني كذا و كذا فإن كنت بريئة‬
‫فسيبرئك الله و إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله " هذا‬
‫كلمه بوحي ضميره و هو كما ترى كلم البشر الذي ل يعلم‬
‫ديق المتثبت الذي ل يتبع الظن و ل يقول ما‬
‫الغيب و كلم الص ّ‬
‫ليس له به علم على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه‬
‫الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلًنا براءتها و مصدًرا‬
‫الحكم المبرم بشرفها و طهارتها‪ .‬فماذا كان يمنعه‪ -‬لو أن أمر‬
‫‪159‬‬

‫القرآن إليه‪ -‬أن يتقول هذه الكلمة الحاسمة من قبل ليحمى بها‬
‫عرضه و بذب بها عن عرينه و ينسبها إلى الوحي السماوي‬
‫لتنقطع ألسنة المتخرصين؟ و لكنه ما كان ليذر الكذب على‬
‫َ‬
‫قوّ َ‬
‫خذ َْنا‬
‫الناس و يكذب على الله ]وَل َوْ ت َ َ‬
‫ل‪َ .‬ل َ َ‬
‫ل ع َل َي َْنا ب َعْ َ‬
‫ض اْلَقاِوي ِ‬
‫كم م َ‬
‫ه‬
‫م لَ َ‬
‫ما ِ‬
‫قط َعَْنا ِ‬
‫ه ِبال ْي َ ِ‬
‫ِ‬
‫نأ َ‬
‫حد ٍ ع َن ْ ُ‬
‫ن‪ .‬فَ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن‪ .‬ث ُ ّ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ُ ّ ْ‬
‫ه ال ْوَِتي َ‬
‫مي ِ‬
‫ن[ ]‪[35‬‬
‫َ‬
‫حا ِ‬
‫زي َ‬
‫ج ِ‬
‫دا من‬
‫والن إذا انتقلنا إلى الحتمال الثاني – وهو أن يكون أح ً‬
‫النس أو الجن قد أوحى بهذا القرآن العظيم والشريعة الكاملة‬
‫إلى محمد – فبرغم من تهاوي كثير من أركان هذا الحتمال بما‬
‫سبق ذكره إل أنه ل مانع من مناقشة بعض ما قد يحيك في صدر‬
‫المتشكك أو يقذف به الشيطان في فؤاد المرتاب‪ .‬أول الذي‬
‫يردد هذه الشبهة يلزمه أن يخبرنا من هو هذا الشخص – سواء‬
‫كان إنسا أم جنا ‪ -‬الذي آتاه الله علوم الولين والخرين وأطلعه‬
‫على الغيب و ما هو كائن إلى يوم القيامة و زوده بالعلوم‬
‫والمعارف الحديثة التي لم تكن لتخطر على بال أوسع الناس‬
‫خيال حينئذ فأخرج لنا هذا الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتب‬
‫السماوية و مهيمنا عليها ل يأتيه الباطل من بين يديه و ل من‬
‫خلفه!! ل شك أن هذا الشخص ‪ -‬لو كان موجودا لكان عربيا لن‬
‫القرآن بلسان عربي مبين – فهل تظن أن بين العرب الذين كانوا‬
‫يعيشون في جاهلية عمياء في ذلك الوقت من كان يمكنه أن‬
‫يفيض قلبه عن بعض علوم هذا الكتاب؟ هب أن هذا كان صحيحا‬
‫في الكتاب فمن أين أتى النبي بالسنة ‪ -‬وهي جميع أقواله‬
‫وأفعاله‪ -‬وبها من العجاز ما يداني إعجاز القرآن؟ وهل كان‬
‫محمد ذو الذكاء الثاقب والفطنة الحادة مخدوعا طوال ‪ 23‬سنة ]‬
‫‪ [36‬يظن أنه يوحي إليه من عند الله و ما هو من عند الله؟!! إن‬
‫أى قارئ في سيرة النبي محمد ليلحظ بكل وضوح أنه كان‬
‫صادقا في دعوته وفي جهاده – أو على القل كان يظن ذلك –‬
‫فهل تظن أن رحمة الله وعدله وكرمه كانت تترك رجل بهذه‬
‫الخلق النبيلة و السجايا الكريمة والنوايا الصادقة التي شهد‬
‫عليها أعداؤه ُيغرر به طوال هذه المدة؟؟ و لماذا لم يعلن هذا‬
‫الشخص عن ذاته –لو كان موجودا –ويعرفنا بنفسه أو ينسب هذا‬
‫القرآن لشخصه فينال بذلك عز الدنيا وشرف الدهر؟! ما الذي‬
‫جناه هذا الشخص لنفسه من دعوة الناس لليمان بالله و اليوم‬
‫الخر واللتزام بالخلق الفاضلة؟ ثم كيف يمكنه أن يضع شريعة‬
‫فذة ونظاما كامل للحياة شهد بروعته الفلسفة والمفكرون غير‬
‫المسلمين؟ هب أن هذا حدث أيمكنه أيضا أن ينصر هذه الدعوة‬
‫من محاولت وأدها المستمرة وُيم ّ‬
‫كن لهذا الدين في الرض إلى‬
‫‪160‬‬

‫يومنا هذا ويحفظ مصادره الساسية من الضياع على مدار‬
‫التاريخ؟ إن هذا مما تأباه العقول السليمة والفطر السوية وصدق‬
‫ت ب ِهِ ال ّ‬
‫ما‬
‫شَيا ِ‬
‫م وَ َ‬
‫ما َينب َِغي ل َهُ ْ‬
‫ن‪ .‬وَ َ‬
‫ما ت َن َّزل َ ْ‬
‫الله إذ يقول‪):‬وَ َ‬
‫طي ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫خَر‬
‫معَ اللهِ إ ِلها آ َ‬
‫ست َ ِ‬
‫معُْزولو َ‬
‫طيُعو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫يَ ْ‬
‫ن‪.‬فَل ت َد ْع ُ َ‬
‫مِع ل َ‬
‫س ْ‬
‫ن‪ .‬إ ِن ّهُ ْ‬
‫م عَ ِ‬
‫فَت َ ُ‬
‫ن(‬
‫ن ِ‬
‫كو َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫معَذ ِّبي َ‬
‫م َ‬
‫والن لم يبق إل أن يكون وحيا من عند الله أوحاه إلى محمد‬
‫ليخرج الناس من الظلمات إلى النور عن طريق رسول كريم هو‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫ديثا ً ي ُ ْ‬
‫ديقَ ال ّ ِ‬
‫ص ِ‬
‫فت ََرى وََلـ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫جبريل عليه السلم) َ‬
‫كن ت َ ْ‬
‫ذي ب َي ْ َ‬
‫ل كُ ّ‬
‫صي َ‬
‫ل َ‬
‫ن( ولم يبق إل‬
‫ة لّ َ‬
‫ي َد َي ْهِ وَت َ ْ‬
‫م ً‬
‫قوْم ٍ ي ُؤ ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫مُنو َ‬
‫دى وََر ْ‬
‫يٍء وَهُ ً‬
‫ح َ‬
‫ش ْ‬
‫أن تقرأ آيات القرآن وكلم النبي بنفسك وتتدبرهما بعقلك وقلبك‬
‫وانظر هل يكون هذا إل تنزيل من لدن حكيم عليم؟‬
‫البشارة‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫مب َ ّ‬
‫مد‬
‫من ب َعْ ِ‬
‫ل ي َأِتي ِ‬
‫هأ ْ‬
‫دي ا ْ‬
‫شرا ب َِر ُ‬
‫ح َ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫وَ ُ‬
‫سو ٍ‬
‫بالرغم مما نال الكتب السابقة كالتوراة والنجيل من تحريف و‬
‫تبديل إل أن الله شاء أن تبقى البشارة بالنبي محمد إلى يومنا‬
‫هذا واضحة وضوح الشمس يراها كل من له عينان نذكرها إن‬
‫شاء الله لكي تطمئن بها قلوب و تبتهج بها أرواح‪ .‬أما في العهد‬
‫القديم فإننا نجد موسى عليه السلم يبشر بظهور نبي ورسول‬
‫مثله فعندما ينـزل موسى عن جبل الطور بعد ما كلمه ربه يقول‬
‫مخاطبا ً بني إسرائيل‪:‬‬
‫" قال لي الرب‪ :‬قد أحسنوا في ما تكلموا‪ .‬أقيم لهم نبيا ً من‬
‫وسط إخوتهم مثلك‪ ،‬وأجعل كلمي في فمه‪ ،‬فيكلمهم بكل ما‬
‫أوصيه به‪ ،‬ويكون أن النسان الذي ل يسمع لكلمي الذي يتكلم‬
‫به باسمي أنا أطالبه‪ ،‬وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلما ً‬
‫لم أوصه أن يتكلم به‪ ،‬أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى‪ ،‬فيموت‬
‫ذلك النبي‪.‬‬
‫وإن قلت في قلبك‪ :‬كيف نعرف الكلم الذي لم يتكلم به الرب؟‬
‫صر‪ ،‬فهو الكلم‬
‫فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم ي ِ‬
‫الذي لم يتكلم به الرب‪ ،‬بل بطغيان تكلم به النبي‪ ،‬فل تخف منه‬
‫")التثنية ‪.(22 – 17 / 18‬‬
‫والنص كما هو واضح يتحدث عن نبي عظيم يأتي بعد موسى‬
‫عليه السلم‪ ،‬ويذكر صفات هذا النبي‪ ،‬والتي نستطيع من خللها‬
‫معرفة من يكون‪.‬ويزعم النصارى أن هذا النبي قد جاء‪ ،‬وهو‬
‫عيسى عليه السلم‪،‬‬
‫لكن النص دال على نبينا صلى الله عليه وسلم‪ ،‬إذ ل دليل عند‬
‫النصارى على تخصيصه بالمسيح‪ ،‬إذ يذكر النص التوراتي أوصاف‬
‫هذا المبعوث المبشر به‪:‬‬
‫‪161‬‬

‫‪ ((1‬أنه نبي " أقيم لهم نبيا ً "‪ ،‬والنصارى يدعون للمسيح اللهية‪،‬‬
‫بل يدعي الرثوذكس أنه الله نفسه‪ ،‬فكيف يقول لهم‪ :‬أقيم نبيًا‪،‬‬
‫ول يقول‪ :‬أقيم نفسي‪.‬‬
‫‪ ((2‬أنه من غير بني إسرائيل‪ ،‬بل هو من بين إخوتهم أي أبناء‬
‫عمومتهم "من وسط إخوتهم"‪ ،‬وعمومة بني إسرائيل هم بنو‬
‫عيسو بن إسحاق‪ ،‬وبنو إسماعيل بن إبراهيم‪.‬‬
‫ومن المعهود في التوراة إطلق لفظ " الخ " على ابن العم‪،‬‬
‫وعليه فهذا النبي يحتمل أن يكون من العرب تحقيقا ً للبركة‬
‫الموعودة في نسل إسماعيل‪ ،‬وقد يكون من بني عيسو بكر‬
‫إسحاق‪ .‬لكن أحدا ً من بني عيسو لم يدع أنه النبي المنتظر‪.‬‬
‫)‪ (3‬هذا النبي من خصائصه أنه مثل موسى الذي لم يقم في بني‬
‫إسرائيل نبي مثله‪ ،‬وفي التوراة السامرية ما يمنع صراحة قيام‬
‫مثل هذا النبي فقد جاء فيها‪ " :‬ول يقوم أيضا ً نبي في بني‬
‫إسرائيل كموسى الذي ناجاه الله")التثنية ‪.(4/10‬‬
‫وهذه الخصلة‪ ،‬أي المثلية لموسى متحققة في نبينا صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ممتنعة في المسيح‪ ،‬حيث نرى الكثير من أمثلة‬
‫التشابه بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬والتي ل نجدها‬
‫في المسيح‪ ،‬من ذلك ميلدهما الطبيعي‪ ،‬وزواجهما‪ ،‬وكونهما‬
‫صاحبا شريعة‪ ،‬وكل منهما بعث بالسيف على عدوه‪ ،‬وكلهما قاد‬
‫أمته‪ ،‬وملك عليها‪ ،‬وكلهما بشر‪ ،‬بينما تزعم النصارى بأن المسيح‬
‫إله‪ ،‬وهذا ينقض كل مثل لو كان‪.‬‬
‫)‪ (4‬من صفات هذا النبي أنه أمي ل يقرأ ول يكتب‪ ،‬والوحي الذي‬
‫يأتيه وحي شفاهي‪ ،‬يغاير ما جاء النبياء قبله من صحف مكتوبة"‬
‫وأجعل كلمي في فمه"‪ ،‬وقد كان المسيح عليه السلم‬
‫قارئًا)انظر لوقا ‪.(18-4/16‬‬
‫)‪ (5‬أنه يتمكن من بلغ كامل دينه‪ ،‬فهو " يكلمهم بكل ما أوصيه‬
‫به "‪ .‬وهو وصف منطبق على محمد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقد‬
‫كان من أواخر ما نزل من القرآن عليه صلى الله عليه وسلم‬
‫َ‬
‫قوله تعالى‪):‬ال ْيو َ‬
‫مِتي‬
‫َ ْ َ‬
‫م ن ِعْ َ‬
‫ت ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫م وَأت ْ َ‬
‫م ِدين َك ُ ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫مل ْ ُ‬
‫م أك ْ َ‬
‫م ِدينًا(‬
‫وََر ِ‬
‫سل َ َ‬
‫م ال ِ ْ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫ضي ُ‬
‫وقبيل وفاة موسى عليه السلم ساق خبرا ً مباركا ً لقومه بني‬
‫إسرائيل‪ ،‬فقد جاء في سفر التثنية‪" :‬هذه البركة التي بارك بها‬
‫موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته‪ ،‬فقال‪ :‬جاء الرب من‬
‫سيناء‪ ،‬وأشرق لهم من سعير‪ ،‬وتلل من جبل فاران‪ ،‬وأتى من‬
‫ربوات القدس‪ ،‬وعن يمينه نار شريعة‪)"....‬التثنية ‪(.3-33/1‬‬
‫وجبل فاران هو جبل بمكة ويؤيد ذلك ما تقوله التوراة عن‬
‫إسماعيل‪ " :‬كان الله مع الغلم فكبر‪.‬وسكن في البرية وكان‬
‫‪162‬‬

‫ينمو رامي قوس‪ ،‬وسكن في برية فاران‪ ،‬وأخذت له أمه زوجة‬
‫من أرض مصر ")التكوين ‪ (.(21-21/20‬فالمقصود إذن بتلل‬
‫الرب من جبل فاران هو بعثة النبي محمد من مكة ليكون إماما‬
‫للمؤمنين ورحمة للعالمين‬
‫أما في العهد الجديد فإننا نجد البشارة أيضا واضحة ففي متى‬
‫‪ 43:21‬قال المسيح لليهود‪):‬أقول لكم‪ :‬إن ملكوت الله سينزع‬
‫من أيديكم ويسلم إلى شعب يؤدي ثمره‪ (.‬فمن يا ترى هذا‬
‫الشعب؟ إن تلميذ المسيح كانوا من بني إسرائيل حتى بولس‬
‫كان من بني إسرائيل أيضا ولهذا ل يمكن تفسير كلم المسيح أن‬
‫المقصود به هم تلميذه‪ .‬ول يمكن أن يكون مقصود المسيح هم‬
‫الوثنيون الذين اعتنقوا مبادئ بولس وإل أي ثمرة هذه التي أداها‬
‫الوثنيون لمبادئ المسيح وأي ملكوت لله هذا الذي سلم‬
‫للوثنيين؟ لم يبق إذن إل أن يكون مقصود المسيح هم المسلمون‬
‫الذين عظموا المسيح وأمه ورفعوا راية التوحيد في الرض‬
‫وحملوا لواء العبودية لله رب العالمين‪ .‬وفي إنجيل يوحنا)‪-1/19‬‬
‫‪ (21‬أرسل اليهود من أورشليم بعض الكهنة واللويين يسألون‬
‫يوحنا‪» :‬من أنت؟« فاعترف ولم ينكر‪ ،‬بل أكد قائل‪» :‬لست أنا‬
‫المسيح«‪ .‬فسألوه‪» :‬ماذا إذن؟ هل أنت إيليا؟« قال‪» :‬لست‬
‫إياه!«؛ »أو أنت النبي؟« فأجاب‪» :‬ل« نجد ذكرا لثلثة أشخاص‬
‫هم إيليا والمسيح والنبي‪ .‬فمن يا ترى يكون هذا النبي الذي كان‬
‫اليهود ينتظرونه غير النبي محمد؟ وفي موضع آخر من إنجيل‬
‫يوحنا حيث يبشر بمجيء النبي المنتظر يقول المسيح موصيا ً‬
‫تلميذه‪ " :‬إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي‪ ،‬وأنا أطلب من‬
‫الب فيعطيكم معزيا ً آخر‪ ،‬ليمكث معكم إلى البد‪ ،‬روح الحق‬
‫الذي ل يستطيع العالم أن يقبله‪ ،‬لنه ل يراه ول يعرفه‪ ،‬وأما أنتم‬
‫فتعرفونه لنه ماكث معكم‪ ،‬ويكون فيكم‪ ...‬إن أحبني أحد يحفظ‬
‫كلمي‪ ،‬ويحبه أبي وإليه نأتي‪ ،‬وعنده نصنع منـز ً‬
‫ل‪ .‬الذي ل يحبني‬
‫ل يحفظ كلمي‪ ،‬والكلم الذي تسمعونه ليس لي‪ ،‬بل للب الذي‬
‫أرسلني‪ ،‬بهذا كلمتكم وأنا عندكم‪ ،‬وأما المعزي الروح القدس‬
‫الذي سيرسله الب فهو يعلمكم كل شيء‪ ،‬ويذكركم بكل ما قلته‬
‫لك‪ ..‬قلت لكم الن قبل أن يكون‪ ،‬حتى متى كان تؤمنون ")يوحنا‬
‫‪.(30 – 14/15‬‬
‫وفي الصحاح الذي يليه يعظ المسيح تلميذه طالبا ً منهم حفظ‬
‫وصاياه‪ ،‬ثم يقول‪" :‬إن لي أمورا ً كثيرة أيضا ً لقول لكم‪ ،‬ولكن ل‬
‫تستطيعون أن تحتملوا الن‪ ،‬وأما متى جاء ذاك‪ ،‬روح الحق‪ ،‬فهو‬
‫يرشدكم إلى جميع الحق‪ ،‬لنه ل يتكلم من نفسه بل كل ما‬

‫‪163‬‬

‫يسمع يتكلم به‪ ،‬ويخبركم بأمور آتية‪ ،‬ذاك يمجدني لنه يأخذ مما‬
‫لي ويخبركم")يوحنا ‪(-16/14)15/26‬‬
‫ونبينا محمد هو روح الحق الذي مكثت تعاليمه إلى البد وعلمنا‬
‫كل شيء وهو الذي مجد المسيح فنزهه مما نسبه إليه اليهود‬
‫ن‬
‫وى‪ .‬إ ِ ْ‬
‫وهو الذي ل يتكلم من قبل نفسه ولكن) َ‬
‫ن ال ْهَ َ‬
‫ما َينط ِقُ ع َ ِ‬
‫ه َ‬
‫وى(‪.‬‬
‫ديد ُ ال ْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫ي ُيو َ‬
‫هُوَ إ ِّل وَ ْ‬
‫م ُ‬
‫حى‪ .‬ع َل ّ َ‬
‫ق َ‬
‫ح ٌ‬
‫وليس المقصود بقوله‪ " :‬ل يستطيع العالم أن يقبله‪ ،‬لنه ل يراه‬
‫ول يعرفه‪ ،‬وأما أنتم فتعرفونه لنه ماكث معكم" الرؤية البصرية‬
‫والمعرفة الحسية‪ ،‬بل المعرفة اليمانية‪ .‬ومثله ما جاء في‬
‫يوحنا"أجاب يسوع‪ :‬لستم تعرفونني أنا‪ ،‬ول أبي‪ ،‬لو عرفتموني‬
‫لعرفتم أبي أيضًا")يوحنا ‪)8/19‬ومثله في الناجيل كثير(‪.‬‬
‫و كلمة المعزي التي في الترجمة الحالية للنجيل هي ترجمة‬
‫خاطئة للكلمة اليونانية البارقليط الموجودة كما هي في تراجم‬
‫عالمية أخري والتي كانت موجودة حتى القرن التاسع عشر كما‬
‫هي في الترجمة العربية للنجيل مما يدل على أنها اسم علم‪.‬‬
‫وفي تفسير كلمة " بارقليط " اليوناني نقول‪ :‬إن هذا اللفظ‬
‫اليوناني الصل‪ ،‬ل يخلو من أحد حالين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنه "باراكلي توس"‪ .‬فيكون بمعنى‪ :‬المعزي والمعين‬
‫والوكيل‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنه " بيروكلوتوس "‪ ،‬فيكون قريبا ً من معنى‪ :‬محمد‬
‫وأحمد‪.‬‬
‫ويقول أسقف بني سويف النبا أثناسيوس في تفسيره لنجيل‬
‫يوحنا " إن لفظ بارقليط إذا حرف نطقه قليل ً يصير "بيركليت"‪،‬‬
‫ومعناه‪ :‬الحمد أو الشكر‪ ،‬وهو قريب من لفظ أحمد"‪.‬‬
‫ويسأل عبد الوهاب النجار الدكتور كارلو نيلنو – الحاصل على‬
‫الدكتوراه في آداب اليهود اليونانية القديمة‪ -‬عن معنى كلمة "‬
‫بيركلوتس " فيقول‪ " :‬الذي له حمد كثير"‪.‬‬
‫ويرى عبد الحد داود أن تفسير الكنيسة للبارقليط بأنه " شخص‬
‫يدعى للمساعدة أو شفيع أو محام أو وسيط " غير صحيح‪ ،‬فإن‬
‫كلمة بارقليط اليونانية ل تفيد أيا ً من هذه المعاني‪ ،‬فالمعزي في‬
‫اليونانية يدعى)باركالوف أو باريجوريس(‪ ،‬والمحامي تعريب‬
‫للفظة)سانجرس(‪ ،‬وأما الوسيط أو الشفيع فتستعمل له لفظة "‬
‫ميديتيا "‪ ،‬وعليه فعزوف الكنيسة عن معنى الحمد إلى أي من‬
‫هذه المعاني إنما هو نوع من التحريف‪ .‬يقول الدكتور سميسون‬
‫في كتاب "الروح القدس أو قوة في العالي"‪" :‬السم المعزي‬
‫ليس ترجمة دقيقة جدًا"‪ .‬بل إن أدوين جونس في كتابه " نشأة‬
‫الديانة المسيحية" يعترف بأن معنى البارقليط‪ :‬محمد‪ ،‬لكنه‬
‫‪164‬‬

‫يطمس اعترافه بكذبة ل تنطلي على أهل العلم والتحقيق‪،‬‬
‫فيقول بأن المسيحيين أدخلوا هذا السم في إنجيل يوحنا جهل ً‬
‫منهم بعد ظهور السلم وتأثرهم بالثقافة الدينية للمسلمين‪.‬‬
‫ومما يؤكد أن لفظة روح الله دالة على النبياء أيضًا‪ ،‬ما جاء في‬
‫رسالة يوحنا الولى‪" :‬فل تؤمنوا أيها الحباء بكل روح من الرواح‪،‬‬
‫بل امتحنوا الرواح حتى تعلموا هل هي من عند الله أم ل؟ لن‬
‫كثيرين من النبياء الكذبة برزوا إلى هذا العالم ")يوحنا)‪-4/1 (1‬‬
‫‪ ،(2‬فالنبياء الصادقون هم روح الله‪ ،‬والنبياء الكذبة هم روح‬
‫الشيطان‪.‬‬
‫وبين يوحنا كيفية معرفة روح الحق من روح الضلل‪ ،‬فقال‪" :‬‬
‫بهذا تعرفون روح الله‪ :‬كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد‬
‫جاء في الجسد فهو من الله‪ ،‬وكل روح ل يعترف بيسوع المسيح‬
‫أنه قد جاء في الجسد فليس من الله‪ ،‬وهذا هو روح ضد المسيح‬
‫الذي سمعتم أنه يأتي‪ ،‬والن هو في العالم")يوحنا)‪(.6 - 4/2 (1‬‬
‫ورسولنا هو روح الحق بدليل قول يوحنا‪ ،‬لنه يعترف بالمسيح أنه‬
‫رسول من عند الله‪ ،‬وأنه جسد‪ ،‬وأنه من الله كما سائر الناس‬
‫هم من الله أي الله خلقهم‪.‬أما تفسير الكنيسة للبارقليط بأنه‬
‫روح القدس بالمعنى الذي وضعته للقنوم فهو تفسير خاطئ‬
‫عقلًيا لعدة أمور‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬أن نصوص العهد القديم صريحة في أن الروح القدس كان‬
‫دا أثناء حياة المسيح والنبياء قبله يؤيدهم ويؤيد أتباعهم]‬
‫موجو ً‬
‫‪[37‬في حين أن النبوءة فيها " إذا لم أذهب فإنه ل يأتيكم "‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬أن النصارى يعتقدون باتحاد أقنومي المسيح وروح القدس‬
‫فكيف يكونا متحدين ويرسل أحدهما الخر؟؟‬
‫ثالًثا‪ :‬قال المسيح عن البارقليط‬
‫يلزم من يقول هذا أن يخبرنا ما الذي قدمه هذا القنوم للعالم‬
‫خلل اللفي عام الماضية فمكث فيه للبد وذكرهم بكل ما قاله‬
‫المسيح ولم يستطع العالم أن يقبله وما هي النبوءات التي أخبر‬
‫بها مؤلفو العهد الجديد وحدثت بالفعل‪[38] .‬‬
‫رابًعا‪ :‬قول المسيح عن البارقليط كل ما يسمع يتكلم به يدل‬
‫على أنه يتكلم في حين أن اعتقاد النصارى في الروح القدس أنه‬
‫ضا على أن كلمه ليس من عند نفسه و لكنه يبلغ‬
‫يلهم و يدل أي ً‬
‫ما يسمعه في حين يعتقد النصارى أن الروح القدس إله مساو‬
‫لله فكيف يكون إلها ول يتكلم من عند نفسه؟‬
‫سا‪ :‬قوله قلت لكم قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون‬
‫خام ً‬
‫دا أصل أثناء‬
‫يوحي بأن الذي يتحدث عنه المسيح لم يكن موجو ً‬
‫دا و يوحي أيضا بأن‬
‫الكلم في حين أن الروح القدس كان موجو ً‬
‫‪165‬‬

‫هذا الشخص الذي يتحدث عنه المسيح سوف تدعو الناس‬
‫لليمان بنفسه ولكن أكثر الناس لن يقبلوه لذا دعا المسيح‬
‫تلميذه لليمان به في حين أن تأثير الروح القدس الذي يدعيه‬
‫النصارى في إلهام كتبة الناجيل تأثير خفي ل يستلزم من أحد‬
‫اليمان بشيء محدد يترتب عليه ثواب وعقاب ويجعل المسيح‬
‫يركز عليه بهذه الطريقة‪.‬‬
‫وبذلك فإننا نرى في البارقليط النبوءة التي ذكرها القرآن‬
‫سو ُ‬
‫سَراِئي َ‬
‫الكريم)وَإ ِذ ْ َقا َ‬
‫ه‬
‫ل ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ل إ ِّني َر ُ‬
‫م َيا ب َِني إ ِ ْ‬
‫عي َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫سى اب ْ ُ‬
‫ْ‬
‫إ ِل َي ْ ُ‬
‫مب َ ّ‬
‫من‬
‫ل ي َأِتي ِ‬
‫ن ي َد َيّ ِ‬
‫ص ّ‬
‫شرا ً ب َِر ُ‬
‫ن الت ّوَْراةِ وَ ُ‬
‫دقا ً ل ّ َ‬
‫كم ّ‬
‫م َ‬
‫سو ٍ‬
‫م َ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫د(‪.‬‬
‫ب َعْ ِ‬
‫م ُ‬
‫هأ ْ‬
‫دي ا ْ‬
‫ح َ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫إلى الذين تهفو أرواحهم شوقا إلى نور الله‪ ..‬إلى الذين تساءلت‬
‫عقولهم كثيرا فلم يجدوا لهم آذانا صاغية ولم يجدوا جوابا شافيا‪..‬‬
‫إلى كل من اشتاق لن يعرف الحقيقة ناصعة البياض ل لبس فيها‬
‫ول غموض‪ ..‬ها قد آن الوان لذلك‬
‫السلم‬
‫َ‬
‫ً‬
‫قب َ َ‬
‫ن‬
‫سل َم ِ ِدينا فَلن ي ُ ْ‬
‫ه وَهُوَ ِفي ال ِ‬
‫خَرةِ ِ‬
‫ل ِ‬
‫من ي َب ْت َِغ غ َي َْر ال ِ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫وَ َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫ال ْ َ‬
‫خا ِ‬
‫ري َ‬
‫س ِ‬
‫عندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما السلم كان أول ما‬
‫قال‪):‬أن تعبد الله ول تشرك به( وإذا نظرت في القاموس عن‬
‫معنى كلمة إسلم ستجد أن معناها الحرفي لها هو الذعان‬
‫والنقياد والستسلم‪ .‬ولما كان كل موصوف له من اسمه نصيب‬
‫فالسلم إذن يعني أن ُتسلم الوجه والقلب والجوارح وجميع‬
‫أمورك لله رب العالمين فل تكون عبادتك وقصدك وتوجهك في‬
‫جميع تصرفاتك إل إلى إلـه واحد هو الله عز وجل وأن تنقاد‬
‫بجسدك وقلبك وروحك لمر الله ونهيه وأن تستسلم لحكمه‬
‫وتقف عند حدوده هذا باختصار هو السلم‪).‬قُ ْ‬
‫صل َِتي‬
‫ل إِ ّ‬
‫ن َ‬
‫ه وَب ِذ َل ِ َ‬
‫ري َ‬
‫ن‪ .‬ل َ َ‬
‫ك‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ماِتي ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫م ْ‬
‫وَن ُ ُ‬
‫ك لَ ُ‬
‫م َ‬
‫حَيايَ وَ َ‬
‫كي وَ َ‬
‫مي َ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ت وَأن َا ْ أوّ ُ‬
‫ن(‬
‫سل ِ ِ‬
‫أ ِ‬
‫م ْ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫مْر ُ‬
‫مي َ‬
‫واليمان بالله على النحو السابق يستلزم عدة أمور منها أن‬
‫تؤمن أن الله واحد في ذاته ل قسيم له ول ند له ول معبود بحق‬
‫سواه وأن تؤمن بربوبيته سبحانه فل شريك له أي أنه وحده هو‬
‫خالق السماوات والرض من العدم وأنه هو وحده الذي يملك‬
‫أمور جميع الخلئق من خلق ورزق وإماتة وإحياء قال تعالى)قُ ْ‬
‫ل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من ي َْرُزقُ ُ‬
‫مل ِ ُ‬
‫من‬
‫ماِء َوال َْر‬
‫ك ال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫صاَر وَ َ‬
‫س ْ‬
‫من ي َ ْ‬
‫ضأ ّ‬
‫س َ‬
‫كم ّ‬
‫َ‬
‫معَ والب ْ َ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫مَر‬
‫ت وَي ُ ْ‬
‫يُ ْ‬
‫ت ِ‬
‫مي ّ ِ‬
‫ي ِ‬
‫ن ال َ‬
‫خرِ ُ‬
‫ج ال َ‬
‫خرِ ُ‬
‫من ي ُد َب ُّر ال ْ‬
‫ي وَ َ‬
‫مي ّ َ‬
‫ج ال َ‬
‫ن ال َ‬
‫ح ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫ما َ‬
‫ذا‬
‫ل أفَل َ ت َت ّ ُ‬
‫ه فَ ُ‬
‫سي َ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫قو َ‬
‫قوُلو َ‬
‫فَ َ‬
‫حقّ فَ َ‬
‫ه َرب ّك ُ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ن‪ .‬فَذ َل ِك ُ ُ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ضل َ ُ‬
‫ن(‬
‫صَرُفو َ‬
‫حقّ إ ِل ّ ال ّ‬
‫ب َعْد َ ال ْ َ‬
‫ل فَأّنى ت ُ ْ‬
‫‪166‬‬

‫س‬
‫و أن الله له السماء الحسنى والصفات العلى فل شبيه له)ل َي ْ َ‬
‫مث ْل ِهِ َ‬
‫صيُر(]‪ [39‬وأنه منزه عن النقص‬
‫ميعُ الب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫كَ ِ‬
‫يٌء وَهُوَ ال ّ‬
‫ش ْ‬
‫ل هُو الل ّ َ‬
‫م ي َل ِد ْ‬
‫هأ َ‬
‫مد ل َ ْ‬
‫ص َ‬
‫حد ٌ الل ّ ُ‬
‫ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫والقصور و عن الزوجة والولد)قُ ْ َ‬
‫كن ل ّه ك ُ ُ َ‬
‫م يَ ُ‬
‫د( وأنه ل يشبه أحدا من خلقه فهو‬
‫ح ٌ‬
‫فوً أ َ‬
‫ُ‬
‫م ُيوَلد وَل َ ْ‬
‫وَل َ ْ‬
‫فوق خلقه أجمعين محيط بهم بعلمه وسمعه وبصره وهو أقرب‬
‫إلى العبد من حبل الوريد له السلطان والقهر‪ ،‬والخلق والمر‬
‫ما‬
‫السماوات مطويات بيمينه‪ ،‬والخلئق مقهورون في قبضته)وَ َ‬
‫َْ‬
‫شيٍء ِفي ال َّ‬
‫ساَوا ِ َ‬
‫َ‬
‫ض( وهو أول‬
‫جَزه ُ ِ‬
‫كا َ‬
‫ه ل ِي ُعْ ِ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫من َ ْ‬
‫ت وَل ِفي الْر ِ‬
‫خر ليس بعده شيء فل يفني ول يموت ول‬
‫ليس قبله شيء وآ ِ‬
‫سنة ول نوم و ل يحدث أمر في هذا الكون إل بقضائه‬
‫تأخذه ِ‬
‫وقدره‪ ،‬وحكمته ومشيئته‪ .‬فما شاء كان‪ ،‬وما لم يشأ لم يكن ل‬
‫يخرج عن مشيئته لفتة ناظر‪ ،‬ول فلتة خاطر بل هو المبدئ‬
‫م‬
‫المعيد‪ ،‬الفعال لما يريد)وَهُوَ ال ْ َ‬
‫قاه ُِر فَوْقَ ِ‬
‫ح ِ‬
‫عَباد ِهِ وَهُوَ ال ْ َ‬
‫كي ُ‬
‫خِبيُر( ل راد لمره‪ ،‬ول معقب لحكمه ول مهرب لعبد عن‬
‫ال ْ َ‬
‫معصيته‪ ،‬إل بتوفيقه ورحمته ول قوة له على طاعته‪ ،‬إل بمشيئته‬
‫وإرادته فلو اجتمع النس والجن‪ ،‬والملئكة والشياطين على أن‬
‫يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته‪ ،‬لعجزوا‬
‫خال ِقُ ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ه إ ِل ّ هُوَ َ‬
‫يٍء َفاع ْب ُ ُ‬
‫دوهُ‬
‫م ل إ َِلـ َ‬
‫ه َرب ّك ُ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫عن ذلك‪).‬ذ َل ِك ُ ُ‬
‫ش ْ‬
‫ل‪ .‬ل ّ ت ُد ْرك ُه ال َب ْصار وهُو ي ُد ْر ُ َ‬
‫كي ٌ‬
‫وَهُوَ ع ََلى ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫صاَر‬
‫يٍء وَ ِ‬
‫ِ ُ‬
‫ك الب ْ َ‬
‫َ ُ َ َ‬
‫ش ْ‬
‫ِ‬
‫خِبيُر(‪.‬لذا فهو وحده المستحق للعبادة‪.‬‬
‫ف ال ْ َ‬
‫طي ُ‬
‫وَهُوَ الل ّ ِ‬
‫والعبادة‪ :‬هي اسم جامع لكل ما يحبه الله من أعمال القلوب‬
‫والجوارح –فل يستعان إل به ول ُيتوكل إل عليه ول ُيخاف إل منه‬
‫ول يرجى إل إياه هذا هو التوحيد الذي دعا إليه جميع النبياء فكان‬
‫ما ل َ ُ‬
‫ه( واليمان‬
‫كل منهم يقول لقومه)اع ْب ُ ُ‬
‫ن إ َِلـهٍ غ َي ُْر ُ‬
‫كم ّ‬
‫ه َ‬
‫دوا ْ الل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫بالله يستلزم من العبد أن يؤمن بجميع رسله من لدن آدم حتى‬
‫محمد – صلى الله عليه وسلم – وهو خاتمهم وأفضلهم وبالكتب‬
‫المنزلة على هذه الرسل مثل التوراة والنجيل والقرآن وأن‬
‫ن(‬
‫م يَ ُ‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫س ل َِر ّ‬
‫قو ُ‬
‫تؤمن بملئكة الله و اليوم الخر)ي َوْ َ‬
‫م الّنا ُ‬
‫مي َ‬
‫حين يجمع الله الناس ثم يحاسبهم و يدخل المؤمنين الجنة ‪-‬دار‬
‫كرامته ويع َ‬
‫ذب الكافرون في النار‪ .‬وللسلم أركان ل يتم إل بها‬
‫هي شهادة أل إله إل الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلة‬
‫وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيل‪.‬‬
‫هذا هو السلم عقيدة صافية نقية ل تعقيد فيها ول ألغاز ول‬
‫أسرار يستأثر بها البعض دون البعض‪ .‬دين ل يتعارض مع الفطرة‬
‫البشرية‪ .‬دين يجعل مسئولية النسان أمام الله وحده ويجعل كل‬
‫إنسان مسئول عن عمله وحده فل تزر وازرة وزر أخرى‪ .‬دين ل‬
‫يجعل بين الله والنسان وساطة ول تباع فيه صكوك غفران ول‬
‫‪167‬‬

‫يملك أحد ‪ -‬حتى النبي نفسه ‪ -‬أن يغفر لحد أو يدخله الجنة بل‬
‫يجعل علقة النسان بربه علقة مباشرة‪ .‬دين جعل قلب النسان‬
‫معلقا بربه ل بصورة ول تمثال ول قطعة خشب أو حديد على أى‬
‫شكل كانت‪ .‬دين ل طبقية فيه ول أفضلية لحد دون أحد إل‬
‫بالتقوى والعمل الصالح قال رسول الله لبنته فاطمة‪):‬يا فاطمة‬
‫بنت محمد سليني من مالي ما شئت ل أغني عنك من الله شيًئا(‪.‬‬
‫دين ل يفرق في حدوده بين وزير و غفير قال رسول الله‪) :‬وأيم‬
‫الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها(‪ .‬دين يحترم‬
‫عقل النسان ول يحجر على تفكيره بل دعا إلى التفكير والنظر‬
‫والتدبر في آيات الله المتلوة والمبثوثة في كونه]‪ .[40‬دين ل‬
‫يتعارض مع مستجدات العلم و مطالب الحياة مهما تقدمت‬
‫بالنسان العهود‪ .‬دين وضع أفضل منهج للتعامل مع غرائز‬
‫النسان فل رهبانية معقدة ]‪ [41‬ول إباحية منحلة ولكن منهج‬
‫وسط يعترف بحاجات النسان و يوفر له أطهر السبل لشباعها‪.‬‬
‫دين لم تقم فيه سلطة مقدسة تحكم باسم الله زاعمة أن حقها‬
‫في الحكم والتشريع مستمد من قرابتها أو تفويضها من الله ولم‬
‫تظهر فيه كنيسة تستذل رقاب الناس بوصفها الممثلة لبن الله;‬
‫المستمدة لسلطانها من سلطان البن أو سلطان القنوم‪[42].‬‬
‫دين عّرف النسان بنفسه ومكانه في هذا الكون وحرره من‬
‫عبوديته لذاته أو لبشر مثله و أخبره بالغاية من وجوده في هذه‬
‫دون(‪ .‬جعل السلم‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫س إ ِّل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫ق ُ‬
‫الحياة وهي)وَ َ‬
‫لن َ‬
‫ج ّ‬
‫ن َوا ْ ِ‬
‫حياة النسان كلها تصب في هذه الغاية فصار لها معنى وصارت‬
‫كل حركة من حركات النسان يبتغي بها وجه الله حتى اللقمة‬
‫يضعها الرجل في فم زوجته يثاب عليها من الله‪ .‬السلم ليس‬
‫مجرد شعائر منفصلة عن الحياة تؤدي في دور العبادة ولكنه‬
‫منهج متكامل للحياة جاء ليتولى قيادة الحياة البشرية وتنظيمها‬
‫وتوجيهها وصيانتها فما ترك جانبا من جوانب الحياة إل تناوله‬
‫بالرعاية والصلح‪ .‬السلم لم يغفل غرائز النسان أو يتجاهلها‬
‫ولكنه يعترف بها وير ّ‬
‫شـدها ]‪ .[43‬السلم هو الدين الذي أنشأ‬
‫من ظلمات الجاهلية في غضون مائتي عاما حضارة أذهلت‬
‫العالم و صارت مؤلفاتها هي المورد العلمي الول لجامعات‬
‫أوروبا في حين أن النصرانية احتاجت إلى نحو من ألف‬
‫وخمسمائة سنة لكي تنشئ ما يمكن أن يدعى حضارة مسيحية!!‬
‫]‪ [44‬والسلم هو الدين الذي يقف اليوم في مواجهة جميع أديان‬
‫العالم التي توحدت ضده مما يدل على أنه هو الحق إذ أن‬
‫الباطل يتعدد والحق ل يتعدد‪ .‬وهو الدين الوحيد الذي يضع أنبياء‬
‫الله في أسمى مكانة وأرفع منزلة و يجعلهم معصومين من‬
‫‪168‬‬

‫الزلل و المعاصي‪ .‬وهو الدين الذي صلته هي أجمل الصلوات‬
‫وأخشعها يقف فيها الغني بجوار الفقير في صفوف منتظمة‪..‬‬
‫الكل سواسية يناجون ربهم ويسألونه وحده المغفرة بل غناء ول‬
‫موسيقى ول تصفيق‪ [45].‬دين متميز حتى في ندائه للصلة‬
‫بالذان‪ .‬فالذان له معنى ويحوى ركائز العقيدة وليس مجرد‬
‫صلصة أجراس أو ضجيج أبواق‪ .‬دين جعل نظافة البدن وطهارة‬
‫النسان شعيرة من شعائره التي ل تجد لها مثيل في غيره‪ .‬دين‬
‫ل يحتاج أتباعه لجراء تغييرات وتعديلت فيه كلما جد عليهم جديد‬
‫لن شريعته منزلة من عند الله العليم الحكيم الذي يعلم كل‬
‫شيء وأثبت التاريخ و التجارب البشرية أنها الوحيدة الصالحة‬
‫لقيادة ركب الحياة في كل زمان ومكان‪ .‬وهو الدين الذي نقلت‬
‫إلينا تصرفات نبيه وأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته كاملة‬
‫ووجدناها مثال للخلق الفاضل المستقيم وهو الذي ظل كتابه‬
‫محفوظا بحفظ الله منذ نزل إلى اليوم فتجد الية التي تطبع‬
‫اليوم في أحدث المصاحف هي نفسها التي كانت مكتوبة على‬
‫الجريد أيام الرسول والية التي يتلوها المسلم المريكي هي‬
‫َ‬
‫ما ي ُك َذ ّب ُ َ‬
‫س‬
‫ك ب َعْد ُ ِبال ّ‬
‫نفسها التي يتلوها المسلم الصيني‪).‬فَ َ‬
‫ن‪ .‬أل َي ْ َ‬
‫دي ِ‬
‫الل ّ َ‬
‫ن(]‪[46‬‬
‫حاك ِ ِ‬
‫حك َم ِ ال ْ َ‬
‫ه ب ِأ ْ‬
‫ُ‬
‫مي َ‬
‫المسيح عليه السلم‬
‫سَراِئي َ‬
‫وََقا َ‬
‫من‬
‫م ِ‬
‫ل اع ْب ُ ُ‬
‫سي ُ‬
‫ح َيا ب َِني إ ِ ْ‬
‫ه َ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫ه َرّبي وََرب ّك ُ ْ‬
‫دوا ْ الل ّ َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ْ‬
‫ما ِلل ّ‬
‫شرِ ْ‬
‫يُ ْ‬
‫ن‬
‫ك ِبالل ّهِ فَ َ‬
‫جن ّ َ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ه ع ََليهِ ال ْ َ‬
‫قد ْ َ‬
‫حّر َ‬
‫مأَواه ُ الّناُر وَ َ‬
‫ة وَ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫صار‪.‬‬
‫ِ‬
‫ن أن َ‬
‫م ْ‬
‫يتبوأ المسيح عيسى بن مريم وأمه عليهما السلم مكانة سامية‬
‫في السلم فالمسيح هو كلمة الله و روح منه ألقاها إلى مريم‬
‫عليهما السلم وهو بشر كما أن الرسل جميعا من البشر وهو‬
‫رسول من أولي العزم من الرسل ]‪ [47‬وهم أفضل الرسل‬
‫جميًعا و ً‬
‫ذكر في القرآن أكثر من ‪ 25‬مرة وأمه مريم بنت عمران‬
‫من أفضل نساء العالمين لم ُتذكر امرأة باسمها في القرآن‬
‫غيرها‪ .‬قال تعالى في سورة آل عمران‪:‬‬
‫ك‬
‫صط َ َ‬
‫صط َ َ‬
‫مل َئ ِك َ ُ‬
‫)وَإ ِذ ْ َقال َ ِ‬
‫فا ِ‬
‫ك وَط َهَّر ِ‬
‫فا ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مْري َ ُ‬
‫ة َيا َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ك َوا ْ‬
‫ها ْ‬
‫دي َواْرك َِعي‬
‫ج ِ‬
‫ساء ال َْعال َ ِ‬
‫س ُ‬
‫م اقْن ُِتي ل َِرب ّ ِ‬
‫ك َوا ْ‬
‫ع ََلى ن ِ َ‬
‫مْري َ ُ‬
‫ن }‪َ {42‬يا َ‬
‫مي َ‬
‫كم َ‬
‫ما ُ‬
‫حيهِ إ َِلي َ‬
‫ت‬
‫ب ُنو ِ‬
‫كن َ‬
‫ك وَ َ‬
‫َ‬
‫ن أنَباء ال ْغَي ْ ِ‬
‫ن }‪ {43‬ذ َل ِ َ ِ ْ‬
‫معَ الّراك ِِعي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما ُ‬
‫ف ُ‬
‫م إ ِذ ْ‬
‫م ي َك ْ ُ‬
‫م إ ِذ ْ ي ُل ْ ُ‬
‫ت ل َد َي ْهِ ْ‬
‫كن َ‬
‫م وَ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ل َ‬
‫م أي ّهُ ْ‬
‫مه ُ ْ‬
‫قون أقْل َ َ‬
‫ل َد َي ْهِ ْ‬
‫ه ي ُب َ ّ‬
‫ة‬
‫يَ ْ‬
‫ملئ ِك َ ُ‬
‫م ٍ‬
‫ن }‪ {44‬إ ِذ ْ َقال َ ِ‬
‫خت َ ِ‬
‫شُر ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫مو َ‬
‫ك ب ِك َل ِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مْري َ ُ‬
‫ة َيا َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ص ُ‬
‫ة‬
‫جيها ً ِفي الد ّن َْيا َوال ِ‬
‫ح ِ‬
‫خَر ِ‬
‫م ِ‬
‫سي ُ‬
‫عي َ‬
‫ها ْ‬
‫م وَ ِ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ّ‬
‫سى اب ْ ُ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫مهْد ِ وَك َهْل ً وَ ِ‬
‫وَ ِ‬
‫س ِفي ال ْ َ‬
‫ن }‪ {45‬وَي ُك َل ّ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫م الّنا َ‬
‫م َ‬
‫قّرِبي َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ب أّنى ي َ ُ‬
‫سِني ب َ َ‬
‫شٌر‬
‫صال ِ ِ‬
‫كو ُ‬
‫ت َر ّ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ن ِلي وَل َد ٌ وَل َ ْ‬
‫ن }‪َ {46‬قال َ ْ‬
‫ال ّ‬
‫حي َ‬
‫‪169‬‬

‫َ‬
‫ه ُ‬
‫َقا َ‬
‫شاُء إ ِ َ‬
‫ما ي َ َ‬
‫كن‬
‫ما ي َ ُ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ذا قَ َ‬
‫ل ك َذ َل ِ ِ‬
‫قول ُل َ ُ‬
‫مرا ً إ ِن ّ َ‬
‫ضى أ ْ‬
‫خل ُقُ َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫فَي َ ُ‬
‫جي َ‬
‫ل( }‬
‫م َ‬
‫ب َوال ْ ِ‬
‫ه ال ْك َِتا َ‬
‫كو ُ‬
‫لن ِ‬
‫حك ْ َ‬
‫م ُ‬
‫ن }‪ {47‬وَي ُعَل ّ ُ‬
‫ة َوالت ّوَْراة َ َوا ِ‬
‫‪.({48‬‬
‫وقد كانت حياة المسيح مليئة بالمعجزات من لحظة ولدته حتى‬
‫رفعه إلى السماء فقد كانت ولدته معجزة إلهية جعلها الله آية‬
‫للعالمين حيث ولد من غير أب و قد وصف الله أحداث ولدته في‬
‫سورة مريم ]‪[48‬فقال تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫كانا ً َ‬
‫شْرقِي ّا ً }‪{16‬‬
‫)َواذ ْك ُْر ِفي ال ْك َِتا‬
‫ت ِ‬
‫ن أهْل َِها َ‬
‫م إ ِذ ِ انت َب َذ َ ْ‬
‫مْري َ َ‬
‫ب َ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫شرا ً‬
‫مث ّ َ‬
‫ل ل ََها ب َ َ‬
‫َفات ّ َ‬
‫م ِ‬
‫ت ِ‬
‫سل َْنا إ ِل َي َْها ُرو َ‬
‫ح َ‬
‫من ُ‬
‫جابا ً فَأْر َ‬
‫حَنا فَت َ َ‬
‫دون ِهِ ْ‬
‫خذ َ ْ‬
‫َ‬
‫ك ِإن ُ‬
‫من َ‬
‫قي ّا ً }‪{18‬‬
‫ت إ ِّني أ ُ‬
‫ت تَ ِ‬
‫من ِ‬
‫عوذ ُ ِبالّر ْ‬
‫َ‬
‫كن َ‬
‫ح َ‬
‫سوِي ّا ً }‪َ {17‬قال َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سو ُ‬
‫َقا َ‬
‫ت أّنى‬
‫بل ِ‬
‫ك ِلهَ َ‬
‫ل َرب ّ ِ‬
‫ما أَنا َر ُ‬
‫ك غلما َزك ِي ّا }‪َ {19‬قال ْ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫يَ ُ‬
‫مأ ُ‬
‫ك ب َغِي ّا ً }‪َ {20‬قا َ‬
‫سِني ب َ َ‬
‫ك‬
‫ل ك َذ َل ِ ِ‬
‫كو ُ‬
‫ن ِلي غ َُل ٌ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫شٌر وَل َ ْ‬
‫م يَ ْ‬
‫م وَل َ ْ‬
‫َ‬
‫مرا ً‬
‫ك هُوَ ع َل َ‬
‫مّنا وَ َ‬
‫َقا َ‬
‫ة ِللّنا‬
‫م ً‬
‫ه آي َ ً‬
‫كا َ‬
‫س وََر ْ‬
‫ن وَل ِن َ ْ‬
‫ي هَي ّ‬
‫ل َرب ّ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ة ّ‬
‫ح َ‬
‫جعَل َ ُ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ها‬
‫م ْ‬
‫جاء َ‬
‫كانا ً قَ ِ‬
‫ق ِ‬
‫صي ّا ً }‪ {22‬فَأ َ‬
‫ضي ّا ً }‪ {21‬فَ َ‬
‫ت ب ِهِ َ‬
‫ه َفانت َب َذ َ ْ‬
‫مل َت ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ّ‬
‫سيا ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫جذِع الن ّ ْ‬
‫م َ‬
‫ت َيا لي ْت َِني ِ‬
‫ت نَ ْ‬
‫ت قب ْل هَذا وَكن ُ‬
‫م ّ‬
‫خلةِ قال ْ‬
‫ض إ ِلى ِ‬
‫ال َ‬
‫خا ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫جعَ َ‬
‫ك‬
‫دا َ‬
‫ها ِ‬
‫من ِ‬
‫حت َ ِ‬
‫ك تَ ْ‬
‫ل َرب ّ ِ‬
‫حَزِني قَد ْ َ‬
‫حت َِها أل ت َ ْ‬
‫من ت َ ْ‬
‫سي ّا }‪ {23‬فََنا َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫جن ِي ّا }‬
‫جذ ِْع الن ّ ْ‬
‫ك ُرطبا َ‬
‫ساقِط ع َلي ْ ِ‬
‫سرِي ّا }‪ {24‬وَهُّزي إ ِلي ْ ِ‬
‫خل ة ِ ت ُ َ‬
‫َ‬
‫ك بِ ِ‬
‫َ‬
‫ن ال ْب َ َ‬
‫‪ {25‬فَك ُِلي َوا ْ‬
‫قوِلي‬
‫حدا ً فَ ُ‬
‫ن ِ‬
‫شرِ أ َ‬
‫شَرِبي وَقَّري ع َْينا ً فَإ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ما ت ََري ِ ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫ت بِ ِ‬
‫م ِإن ِ‬
‫ت ِللّر ْ‬
‫م ال ْي َوْ َ‬
‫سي ّا ً }‪ {26‬فَأت َ ْ‬
‫ن أك َل ّ َ‬
‫ح َ‬
‫إ ِّني ن َذ َْر ُ‬
‫ن َ‬
‫صوْا ً فَل َ ْ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫ت َ‬
‫ت‬
‫م لَ َ‬
‫شْيئا ً فَرِي ّا ً }‪َ {27‬يا أ ْ‬
‫جئ ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫مَها ت َ ْ‬
‫خ َ‬
‫قد ْ ِ‬
‫مْري َ ُ‬
‫ه َقاُلوا َيا َ‬
‫مل ُ ُ‬
‫قَوْ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ما َ‬
‫ك ب َغِي ّا ً }‪{28‬‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ن أُبو ِ‬
‫كا َ‬
‫هاُرو َ‬
‫مَرأ َ‬
‫تأ ّ‬
‫كان َ ْ‬
‫سوٍْء وَ َ‬
‫كا ْ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صب ِي ّا }‪َ {29‬قا َ‬
‫فَأ َ‬
‫ل‬
‫ت إ ِلي ْهِ َقالوا كي ْ َ‬
‫من كا َ‬
‫ن ِفي ال َ‬
‫م َ‬
‫ف ن ُكل ُ‬
‫شاَر ْ‬
‫مهْد ِ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫جعَل َِني ن َب ِي ّا ً }‪ {30‬وَ َ‬
‫ب وَ َ‬
‫ي ال ْك َِتا َ‬
‫جعَل َِني ُ‬
‫مَباَركا ً أي ْ َ‬
‫إ ِّني ع َب ْد ُ الل ّهِ آَتان ِ َ‬
‫َ‬
‫حي ّا ً }‪ {31‬وَب َّرا ً‬
‫صَلةِ َوالّز َ‬
‫ما ُ‬
‫ت َ‬
‫م ُ‬
‫ما د ُ ْ‬
‫كاةِ َ‬
‫كن ُ‬
‫َ‬
‫صاِني ِبال ّ‬
‫ت وَأوْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫جّبارا َ‬
‫ت‬
‫ش ِ‬
‫جعَلِني َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ي ي َوْ َ‬
‫سل ُ‬
‫قي ّا }‪َ {32‬وال ّ‬
‫م وُِلد ّ‬
‫وال ِد َِتي وَل ْ‬
‫م ع َل ّ‬
‫بِ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫حي ّا ً }‪ {33‬ذ َل ِ َ‬
‫م قَوْ َ‬
‫ل‬
‫ك ِ‬
‫م أب ْعَ ُ‬
‫ث َ‬
‫ت وَي َوْ َ‬
‫وَي َوْ َ‬
‫عي َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫مو ُ‬
‫مأ ُ‬
‫سى اب ْ ُ‬
‫ق‬
‫ال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ه إِ َ‬
‫ذا‬
‫ن ل ِل ّهِ أن ي َت ّ ِ‬
‫خذ َ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫كا َ‬
‫مت َُرو َ‬
‫من وَل َد ٍ ُ‬
‫حان َ ُ‬
‫ن }‪َ {34‬‬
‫ذي ِفيهِ ي َ ْ‬
‫َ‬
‫كن فَي َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫قو ُ‬
‫م‬
‫ما ي َ ُ‬
‫ن }‪ {35‬وَإ ِ ّ‬
‫كو ُ‬
‫قَ َ‬
‫ه َرّبي وََرب ّك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫مرا ً فَإ ِن ّ َ‬
‫ضى أ ْ‬
‫َ‬
‫صَرا ٌ‬
‫دوه ُ هَ َ‬
‫م‬
‫م }‪َ {36‬فا ْ‬
‫خت َل َ َ‬
‫ب ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫ذا ِ‬
‫حَزا ُ‬
‫ف اْل ْ‬
‫َفاع ْب ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫من ب َي ْن ِهِ ْ‬
‫قي ٌ‬
‫ط ّ‬
‫فَوَي ْ ٌ‬
‫م ْ‬
‫ظيم(‬
‫ن كَ َ‬
‫شهَد ِ ي َوْم ٍ ع َ ِ‬
‫فُروا ِ‬
‫ل ل ّل ّ ِ‬
‫من ّ‬
‫ذي َ‬
‫ثم أمده الله بالمعجزات الدالة على نبوته كما أمد الرسل من‬
‫سول ً‬
‫قبله بالمعجزات‪ .‬قال تعالى حاكيا عن عيسى بن مريم‪):‬وََر ُ‬
‫إَلى بِني إسراِئي َ َ‬
‫خل ُقُ ل َ ُ‬
‫جئ ْت ُ ُ‬
‫ن‬
‫م أ َّني أ َ ْ‬
‫َ‬
‫كم ّ‬
‫من ّرب ّك ُ ْ‬
‫كم ِبآي َةٍ ّ‬
‫ل أّني قَد ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ِ ْ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن اللهِ وَأب ْرِ ُ‬
‫ف ُ‬
‫ئ‬
‫ن كهَي ْئةِ الطي ْرِ فأن ُ‬
‫خ ِفيهِ في َكو ُ‬
‫ن طْيرا ب ِإ ِذ ْ ِ‬
‫الطي ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن الل ّهِ وَأن َب ّئ ُ ُ‬
‫ما‬
‫ما ت َأك ُُلو َ‬
‫ص وَأ ْ‬
‫ن وَ َ‬
‫كم ب ِ َ‬
‫حِيـي ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫الك ْ َ‬
‫ه والب َْر َ‬
‫موَْتى ب ِإ ِذ ْ ِ‬
‫م ِإن ُ‬
‫ن ِفي ذ َل ِ َ‬
‫ن }‪{49‬‬
‫ك لي َ ً‬
‫ت َد ّ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫خُرو َ‬
‫كنُتم ّ‬
‫ة ل ّك ُ ْ‬
‫ن ِفي ب ُُيوت ِك ُ ْ‬
‫مِني َ‬
‫‪170‬‬

‫ل لَ ُ‬
‫ح ّ‬
‫م‬
‫ن الت ّوَْراةِ وَِل ُ ِ‬
‫ض ال ّ ِ‬
‫ن ي َد َيّ ِ‬
‫ذي ُ‬
‫ص ّ‬
‫حّر َ‬
‫دقا ً ل ّ َ‬
‫وَ ُ‬
‫كم ب َعْ َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫جئ ْت ُ ُ‬
‫ه‬
‫م َفات ّ ُ‬
‫ه وَأ ِ‬
‫ن }‪ {50‬إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫من ّرب ّك ُ ْ‬
‫كم ِبآي َةٍ ّ‬
‫م وَ ِ‬
‫ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫طيُعو ِ‬
‫صَرا ٌ‬
‫هـ َ‬
‫م(‬
‫دوه ُ َ‬
‫ست َ ِ‬
‫ذا ِ‬
‫م َفاع ْب ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫قي ٌ‬
‫ط ّ‬
‫َرّبي وََرب ّك ُ ْ‬
‫ثم يذكر الله ختام قصة عيسى مع بني إسرائيل عندما كذبوه و‬
‫لم َ‬
‫َ‬
‫صاِري إ َِلى‬
‫س ِ‬
‫سى ِ‬
‫ما أ َ‬
‫عي َ‬
‫من ْهُ ُ‬
‫كفروا به‪ ):‬فَل َ ّ‬
‫ن أن ََ‬
‫ح ّ‬
‫م ال ْك ُفَْر َقا َ َ ْ‬
‫ل ال ْحواريون نح َ‬
‫الل ّهِ َقا َ‬
‫مّنا ِبالل ّهِ َوا ْ‬
‫شهَد ْ ب ِأّنا‬
‫صاُر الل ّهِ آ َ‬
‫ن أن َ‬
‫َ َ ِّ َ َ ْ ُ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫مو َ‬
‫ت َوات ّب َعَْنا الّر ُ‬
‫م ْ‬
‫ل َفاك ْت ُب َْنا َ‬
‫ما أنَزل َ ْ‬
‫مّنا ب ِ َ‬
‫ن }‪َ {52‬رب َّناآ َ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن }‪ {54‬إ ِذ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ه َ‬
‫شاه ِ ِ‬
‫خي ُْر ال َ‬
‫ه َوالل ُ‬
‫مكَر الل ُ‬
‫مكُروا وَ َ‬
‫ن }‪ {53‬وَ َ‬
‫ري َ‬
‫دي َ‬
‫ماك ِ ِ‬
‫مط َهُّر َ‬
‫ك وََرافِعُ َ‬
‫مت َوَّفي َ‬
‫َقا َ‬
‫ن‬
‫ه َيا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ك ِ‬
‫عي َ‬
‫ي وَ ُ‬
‫سى إ ِّني ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ك إ ِل َ ّ‬
‫ن ات ّب َُعو َ‬
‫ع ُ‬
‫م‬
‫ن كَ َ‬
‫ذي‬
‫ذي‬
‫كَ َ‬
‫جا ِ‬
‫فُروا ْ إ َِلى ي َوْم ِ ال ْ ِ‬
‫ك فَوْقَ ال ّ ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫فُروا ْ وَ َ‬
‫مة ِ ث ُ ّ‬
‫قَيا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫إ ِل َ‬
‫ما ُ‬
‫ما‬
‫خت َل ِ ُ‬
‫م ِفيهِ ت َ ْ‬
‫فو َ‬
‫م فَأ ْ‬
‫ن }‪ {55‬فَأ ّ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫م ِفي َ‬
‫م ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫حك ُ ُ‬
‫جعُك ُ ْ‬
‫مْر ِ‬
‫ي َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ذابا ً َ‬
‫م عَ َ‬
‫من‬
‫ن كَ َ‬
‫ديدا ً ِفي الد ّن َْيا َوال ِ‬
‫ش ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ما ل َُهم ّ‬
‫خَرةِ وَ َ‬
‫فُروا ْ فَأع َذ ّب ُهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫حا ِ‬
‫مُنوا وَع َ ِ‬
‫ما ال ّ ِ‬
‫ّنا ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫ت فَي ُوَّفيهِ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ن }‪ {56‬وَأ ّ‬
‫مُلوا ْ ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫ص ِ‬
‫ُ‬
‫ب ال ّ‬
‫ك ن َت ُْلوه ُ ع َل َي ْ َ‬
‫ن }‪ {57‬ذ َل ِ َ‬
‫ن‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ح ّ‬
‫أ ُ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫جوَرهُ ْ‬
‫م َ‬
‫مي َ‬
‫مث َ َ‬
‫م‬
‫سى ِ‬
‫ل ِ‬
‫ح ِ‬
‫الَيا ِ‬
‫كيم ِ }‪ {58‬إ ِ ّ‬
‫ت َوالذ ّك ْرِ ال ْ َ‬
‫ل آد َ َ‬
‫عي َ‬
‫عند َ الل ّهِ ك َ َ‬
‫ن َ‬
‫مث َ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫كن فَي َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ك فَل َ‬
‫من ّرب ّ َ‬
‫م َقا َ‬
‫خل َ َ‬
‫َ‬
‫حقّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن }‪ {59‬ال َ‬
‫كو ُ‬
‫لل ُ‬
‫ب ثِ ّ‬
‫ق ُ‬
‫من ت َُرا ٍ‬
‫تَ ُ‬
‫ن(‬
‫م ْ‬
‫من ال ْ ُ‬
‫كن ّ‬
‫ري َ‬
‫مت َ ِ‬
‫وذلك أن اليهود حاولوا قتل عيسى عليه السلم فنجاه الله منهم‬
‫وتوفاه بالنوم ثم رفعه إلى السماء الثالثة فهو يحيا فيها حتى‬
‫ينزل قبل يوم القيامة و ُألقى شبهه على شخص غيره فأخذه‬
‫سى‬
‫ح ِ‬
‫م ِ‬
‫سي َ‬
‫عي َ‬
‫م إ ِّنا قَت َل َْنا ال ْ َ‬
‫اليهود وقتلوه‪ .‬قال تعالى عنهم‪):‬وَقَوْل ِهِ ْ‬
‫سو َ‬
‫ن ُ‬
‫ن‬
‫م وَإ ِ ّ‬
‫م َر ُ‬
‫ه ل َهُ ْ‬
‫شب ّ َ‬
‫ما قَت َُلوه ُ وَ َ‬
‫ل الل ّهِ وَ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ما َ‬
‫صل َُبوه ُ وَل َك ِ ْ‬
‫اب ْ َ‬
‫ش ّ‬
‫في َ‬
‫ن‬
‫خت َل َ ُ‬
‫نا ْ‬
‫ن ِ‬
‫م ب ِهِ ِ‬
‫ك ِ‬
‫فوا ِفيهِ ل َ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ما ل َهُ ْ‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫عل ْم ٍ إ ِّل ات َّباع َ الظ ّ ّ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه إ ِل َي ْهِ وَ َ‬
‫قينًا‪ .‬ب َ ْ‬
‫ما( و‬
‫ح ِ‬
‫ما قَت َُلوه ُ ي َ ِ‬
‫زيزا ً َ‬
‫كا َ‬
‫كي ً‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ل َرفَعَ ُ‬
‫وَ َ‬
‫ه عَ ِ‬
‫عندما ينزل عيسى بن مريم في آخر الزمان فإنه سوف يكسر‬
‫الصليب ول يقبل إل السلم وتندحر الملل الكافرة ويعم السلم‬
‫وتكثر البركة وُترفع الشحناء والضغينة قال صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫" النبياء إخوة لعلت دينهم واحد وأمهاتهم شتى وأنا أولى الناس‬
‫بعيسى بن مريم لنه لم يكن بيني وبينه نبي وإنه نازل فإذا‬
‫رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض سبط‬
‫كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل بين ممصرتين فيكسر الصليب‬
‫ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويعطل الملل حتى ُيهلك الله في‬
‫زمانه الملل كلها غير السلم ويهلك الله في زمانه المسيح‬
‫الدجال الكذاب وتقع المنة في الرض حتى ترتع البل مع السد‬
‫جميعا والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان‬
‫والغلمان بالحيات ل يضر بعضهم بعضا فيمكث ما شاء الله أن‬
‫يمكث ثم ُيتوفى فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه‪[49] "..‬وقد‬
‫‪171‬‬

‫وردت على لسان نبينا عدة نصوص في فضل المسيح ومريم‬
‫الصديقة عليهما السلم فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‪):‬ما‬
‫من مولود يولد إل والشيطان يمسه حين يولد‪ ،‬فيستهل صارخا‬
‫من مس الشيطان إياه‪ ،‬إل مريم وابنها( وقال)كمل من الرجال‬
‫كثير‪ ،‬ولم يكمل من النساء‪ :‬إل مريم ابنة عمران‪ ،‬وآسية امرأة‬
‫فرعون( وقال‪):‬رأى عيسى بن مريم رجل ً يسرق فقال له‪:‬‬
‫أسرقت؟ قال‪ :‬كل‪ ،‬والذي ل إله إل هو‪ ،‬فقال عيسى‪ :‬آمنت بالله‬
‫وكذبت عيني( وقال عن الرجل الذي يؤمن بعيسى قبل أن يسمع‬
‫عن محمد)صلى عليه وسلم(‪):‬إذا آمن بعيسى‪ ،‬ثم آمن بي فله‬
‫أجران( وقال‪-‬وهذا الحديث بشرى لكل نصراني‪):-‬من شهد أن ل‬
‫إله إل الله وحده ل شريك له وأن محمدا ً عبده ورسوله‪ ،‬وأن‬
‫عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه‪،‬‬
‫والجنة حق‪ ،‬والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل(‬
‫]‪ [50‬وقد كانت رسالة المسيح عليه السلم متممة لرسالة‬
‫موسى و مبشرة برسالة محمد باسمه الصريح كما مر بنا –‬
‫"حتى متى كان تؤمنون" – وكانت لبني إسرائيل فقط و لم تكن‬
‫هي الرسالة الخيرة للبشرية لذلك لم يشأ الله أن يظل النجيل‬
‫ول كلم المسيح محفو ً‬
‫ظا بكامله للناس‪.‬‬
‫والن بعد أن عرفت نظرة السلم للمسيح عليه السلم فإني‬
‫سائلك‪ :‬ترى لو كان هذا الدين من عند محمد ولم يكن محمد‬
‫رسول من عند الله ما الذي دعاه لن ينظر للمسيح هذه النظرة‬
‫المعتدلة بعيدا عن غلو النصارى إلى تقديسه وانحراف اليهود إلى‬
‫عدائه؟ ألم يكن أحرى به لو كان كاذبا أن ينحاز إلى إحدى‬
‫الطائفتين لكي ينال تأييدها بدل من أن يواجههما جميعا؟ ما الذي‬
‫كان يمنعه لو كان كاذبا أن يدعى أن إلهه الذي يعبده هو المسيح‬
‫–ولم يكن لينكر عليه أحد– فينال بذلك تأييد الدولة الرومانية‬
‫ه‬
‫سول ِ ِ‬
‫القوية بالضافة لنصارى الجزيرة العربية؟)َفآ ِ‬
‫مُنوا ْ ِبالل ّهِ وََر ُ‬
‫ُ‬
‫ن(‪.‬‬
‫ذي ي ُؤ ْ ِ‬
‫ي ال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫م ت َهْت َ ُ‬
‫مات ِهِ َوات ّب ُِعوه ُ ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫ن ِبالل ّهِ وَك َل ِ َ‬
‫ي ال ّ‬
‫م ُ‬
‫م ّ‬
‫الن ّب ِ ّ‬
‫والن لنحاول مناقشة بعض ما يعتقده الناس في المسيح عليه‬
‫دا عن التعصب العمى‪.‬‬
‫السلم بهدوء بعي ً‬
‫لعلك إذا سألت أفراد السرة النصرانية الواحدة عن طبيعة‬
‫المسيح عليه السلم تسمع إجابات شتى فمن قائل هو الله –‬
‫تعالى الله عما يصفون – و من قائل هو ابن الله والمثقف منهم‬
‫سيقول لك إن به جزء بشري يسمى ناسوتا و جزء إلهي يسمي‬
‫لهوتا!! وهذا انعكاس للغموض الذي يكتنف شخصية المسيح‬
‫لدى النصارى و للتعقيد الذي أقحمته الكنيسة في مسألة الله‬
‫وهي التي من المفترض أن تكون من أبسط أمور العقيدة لدى‬
‫‪172‬‬

‫النسان‪ .‬ويتفق عموم النصارى على أن هذا الله أو نصف الله‬
‫لم يكن بالقوة الكافية حتى نالت منه يد البشر بالتعذيب والهانة‬
‫والصلب في حادثة هي أشبه بالتمثيليات الدرامية أو الساطير‬
‫البدائية منها إلى الحقيقة اللهية! ومن العجيب أن ُيعتقد أن هذه‬
‫الجريمة الكبرى من البشر في حق الله إنما كانت سببا لخلص‬
‫البشر و مغفرة خطاياهم وذنوبهم التي هي أقل خطًرا بكثير من‬
‫محاولة قتل الله نفسه!! ولن كل من هذه العقائد أصبحت‬
‫مسلمات راسخة في عقول كثير من الناس غير خاضعة للنقاش‬
‫ول التفكير فهذه دعوة لكل باحث عن الحقيقة بصدق لكي يعيد‬
‫النظر فيما يعتقده و تربى عليه ولم تتح له فرصة للنقاش فيه‬
‫من قبل‪.‬‬
‫هب أنك أخطأت في حق والدك خطأ يسيًرا وأغضبته وبينما أنت‬
‫نادم وتحاول أن ترضي أباك إذا بأخيك الصغر تأخذه عاطفة‬
‫الخوة و التضحية فتفتق ذهنه عن فكرة غبية وهي أن يضحي‬
‫بنفسه من أجلك فيسلم لك نفسه لكي تقتله أمام أبيك و بذلك‬
‫يتحمل هو الثم عنك وتنجو أنت من تبعة الذنب ووخز الضمير‬
‫فهل تقبل أنت أو يقبل أبوك هذا الكلم؟؟ فكيف لو اقترح عليك‬
‫أخوك أن تقتل والدك نفسه تكفيًرا عن خطيئتك؟! بالطبع هذا‬
‫كلم ل يقبله عقل‪ .‬ولكن لماذا تقبله في حادثة الصلب المزعومة‬
‫وترضاه للمسيح عليه السلم ول ترضاه لخيك الصغير؟ لعلك‬
‫تجيب بأن المسيح ما نزل إلى الرض أصل ً إل لهذه المهمة وهي‬
‫التضحية بنفسه لكي يغفر الله خطايا البشر! وإني أسألك‪ :‬الذي‬
‫يريد أن يضحي بنفسه من أجل إنسان يتحمل عنه اللم أم‬
‫يتحمل منه اللم؟؟! هل خطيئة آدم بأكله من الشجرة تكفرها‬
‫خطيئة اليهود بمحاولة قتل المسيح؟ وهل ضاقت رحمة الله عز‬
‫وجل الذي يقبل التوبة عن عباده ووسعت رحمته كل شيء أن‬
‫يغفر لدم خطيئته ‪ -‬وهو الذي تاب بعدها واستغفر وأناب]‪-[51‬‬
‫فظل ناقما على البشر كل هذه المدة حتى ينزل بنفسه سبحانه‬
‫متجسدا في هيئة مخلوق ضعيف كي ترتكب البشرية هذه‬
‫الجريمة النكراء في حقه ثم تسقط عنها أوزارها مكافأة لها؟ هل‬
‫من العدل أن يذنب آدم فُيصلب المسيح؟ ألم يذكر العهد القديم‬
‫أن النفس التي تخطيء هي تموت وأن كل إنسان مسئول عن‬
‫عمله وأن الله يقبل توبة التائبين؟]‪[52‬هل من العقل أن تزعم‬
‫أن الله تاب على بولس الذي كان العدو الول لتلميذ المسيح‬
‫وللمؤمنين ولم يتب على آدم الذي خلقه الله بيديه وأسجد له‬
‫ما على رؤوس الشهاد؟‬
‫ملئكته إل بعد أن يعلق المسيح عارًيا تما ً‬
‫وإذا كان المسيح قد نزل من أجل ذلك فلماذا جاء في إنجيل‬
‫‪173‬‬

‫متى صراخ المسيح قبل أن يقتل كما يزعمون لما وضع على‬
‫الصليب » إيلي إيلي‪ ،‬لم شبقتني‪ ،‬أي‪ :‬إلهي إلهي‪ ،‬لماذا تركتني؟‬
‫« متى ‪ 27/46‬وجاء في يوحنا ‪ 11/53‬أن المسيح هرب من‬
‫طالبيه مرارًا!! أينزل من أجل ذلك ثم يهرب ويصرخ ويستغيث‬
‫بالله كي يخلصه بينما ترى كثيًرا من المجرمين والقتلة يتقدمون‬
‫للقتل بقدم ثابتة وجأش رابط أم أنه كان يجهل مهمته على‬
‫دا ونقارن المسيح بالقتلة والمجرمين ألم‬
‫الرض؟ ولم نذهب بعي ً‬
‫يأمر الله إبراهيم بذبح ولده فما كان من الولد إل أن استجاب‬
‫لمر الله صابرا محتسبا بدون أن يسأل حتى عن العلة؟ هل من‬
‫منطقي لو كان المسيح هو الله أن يكون أقل شجاعة من بعض‬
‫خلقه؟!‬
‫وإذا كانت هذه هي مهمة المسيح فلماذا عندما بشر النبياء‬
‫بالمسيح لم يبشروا به على أنه المخلص الذي سوف يخلص‬
‫البشرية من ذنبها الموروث ولكن بشروا به على أنه نبي صاحب‬
‫رسالة وفقط بدون ذكر أي شيء عن حادثة الصلب المزعومة‪-‬‬
‫التي كانت سُتعد أهم حادثة في حياة المسيح لو كانت مهمته حقا‬
‫أن يعلق على الصليب؟؟ وكيف نفسر النصوص التي تخبر عن‬
‫رضا الله عن الشعب أو عن أمة من المم إذا كانت البشرية كلها‬
‫كانت ما زالت موصومة بهذا الذنب القديم ولم يخلصها منه أحد‬
‫بعد؟ وهل من الرحمة أن تكون مهمة المسيح هي تحمل اللم‬
‫والتعذيب عن البشر بقتله على الصليب ثم يكون جزاء من لم‬
‫يؤمن أن المسيح مات على الصليب وظل يعبد الله كما كان‬
‫يعبده إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى من قبل المسيح هو‬
‫العذاب في النار؟ لو كان ذلك كذلك لكانت حادثة الصلب نقمة‬
‫على البشر وليست رحمة لهم إل إذا كانت حادثة الصلب هذه قد‬
‫افتدت جميع الناس من النار وسيدخل المؤمن والكافر الجنة في‬
‫النهاية!!‬
‫وإذا كان الصلب قد حط عن البشر خطاياهم فما فائدة تعاليم‬
‫المسيح والرسل من قبله إذا كان تكفير خطايا البشر مضمون و‬
‫أكيد لهذه الدرجة؟ ولماذا قال المسيح إن كل كلمة باطلة يتكلم‬
‫بها الناس‪ ،‬سوف يؤدون عنها الحساب في يوم الدينونة‪ .‬فإنك‬
‫بكلمك تبرر‪ ،‬وبكلمك تدان؟]‪ [53‬وما الذي سيمنع النسان أن‬
‫يرتكب أكبر الفواحش وأعظم المنكرات إذا علم أن الخلص‬
‫مضمون؟ ولماذا الحاجة إلى التعميد الذي تفعله الكنيسة بكل‬
‫مولود إذا كانت حادثة الصلب المزعومة هذه قد غفرت للنسان‬
‫خطيئته ]‪[54‬؟ وإذا كان كل مولود يرث نصيبا من هذه خطيئة‬
‫أبيه آدم فهل ورثت مريم وابنها عليهما السلم أيضا هذه الخطيئة‬
‫‪174‬‬

‫من أبيهما آدم عليه السلم؟ وماذا عن ظلم البشر بعضهم لبعض‬
‫هل يتحملها الصليب أيضا فل قصاص بينهم ول عدل أم أن هذه‬
‫خارج الموضوع؟ وماذا عن الذنوب التي ارتكبتها البشرية بعد‬
‫المسيح إلى اليوم من يكفرها؟ أم تراها تحتاج لمسيح جديد لكي‬
‫يقتله أحد الشقياء فتسقط عن البشر بقية خطاياهم؟ إننا نفهم‬
‫أن الذي يضحي بشيء فإنه يضحي به من أجل شخص آخر أو‬
‫لسترضاء من هو أعلى منه وأقدر كما ذبح إبراهيم الكبش فداًء‬
‫لسماعيل وتقربا إلى الله بذلك فإذا كان الله نفسه هو الذي‬
‫ضحى بولده –تعالى الله عما يصفون‪ -‬فمن أجل من يا ترى فعل‬
‫مل ِ ُ‬
‫ذلك وليس في الكون من هو أعظم منه؟ )قُ ْ‬
‫ن‬
‫ك ِ‬
‫من ي َ ْ‬
‫ل فَ َ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫ن أ ََراد َ َأن ي ُهْل ِ َ‬
‫الل ّهِ َ‬
‫من ِفي‬
‫م ِ‬
‫سي َ‬
‫شْيئا ً إ ِ ْ‬
‫ه وَ َ‬
‫م ُ‬
‫م وَأ ّ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫ح اب ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مل ْ ُ‬
‫ما‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ج ِ‬
‫ض َ‬
‫ك ال ّ‬
‫خل ُقُ َ‬
‫ما ب َي ْن َهُ َ‬
‫ض وَ َ‬
‫س َ‬
‫ميعا ً وَل ِل ّهِ ُ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫الْر ِ‬
‫ه ع ََلى ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫يَ َ‬
‫ديٌر(؟ إن من يقرأ الروايات المختلفة‬
‫يٍء قَ ِ‬
‫شاُء َوالل ّ ُ‬
‫ش ْ‬
‫لحادثة الصلب في الناجيل سيجد بينها تناقضات ل يمكن الجمع‬
‫بينها فمثل من يقارن تفاصيل المحاكمة والصلب والقيامة‬
‫واكتشاف قبره ومن رآه عند قيامته وماذا قال على الصليب ومن‬
‫حمل الصليب وغير ذلك في الروايات المختلفة سيجد اختلفات‬
‫واضحة تدل على أن القصة واهية من أساسها أو أن كتابها‬
‫اعتمدوا على الشاعات والساطير وليست وحيا من الله ]‪![55‬‬
‫إنه ل يكاد أحد يتصور أن المسيح الذي كان يصوم ويتحمل الصبر‬
‫عن المأكل والمشرب ويقضي السابيع ل ينال فتات العيش هو‬
‫الذي كان على خشبة الصليب يستغيث بأعدائه و يطلب منهم أن‬
‫يسقوه إذ تملكه الظمأ وهو الذي طالما كان يقول)أن لي خبزا‬
‫لستم تعرفونه(]‪[56‬حتى بطرس رئيس الحواريين كان يقسم‬
‫على أنه ل يعرف الرجل الذي على الصليب)متى ‪.(72:26‬‬
‫لقد جعلت حادثة الصلب المزعومة هذه من المسيح عليه السلم‬
‫شخصية أسطورية مخلصة بدل من شخصية النبي المعلم الذي‬
‫يرشد الناس إلى الهدى والنور‪ .‬شخصية يلجأ إليها الناس في‬
‫السراء والضراء بعد أن كانوا يلجئون إلى الله‪ .‬حادثة الصلب‬
‫جعلت عبادة النسان مركزة حول المسيح عليه السلم بعد أن‬
‫كانت لله وحده‪ .‬ولكي ل يصير المسيح ندا لله في هذا الدين‬
‫الجديد تم اختلق الكذبة الثانية التي هي أكبر من أختها بادعاء أن‬
‫المسيح هو الله نفسه –سبحانه وتعالى عما يصفون‪ .‬ولخطورة‬
‫ضا بشيء من التفصيل‪:‬‬
‫هذه المسألة فسنناقشها أي ً‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬هل يليق برب السماوات والرض ومن فيهن أن يتجسد في‬
‫صورة طفل رضيع يخرج من فرج امرأة ضعيفة ثم يمر بمراحل‬
‫نمو النسان المختلفة يأكل الطعام ويخرج الفضلت حتى إذا‬
‫‪175‬‬

‫جا لقي من البشر صنوف الهانة‬
‫اكتمل نموه وصار رجل ً ناض ً‬
‫والتعذيب ألوانا؟ هل كان هذا المخلوق الضعيف الذي يلتقم ثدي‬
‫أمه هو كان يدبر أمور جميع الكائنات في الوقت الذي ل يستطيع‬
‫هو أن يدبر أمر طعامه وشرابه؟ ]‪ [57‬أم أنه كان يمسك‬
‫السماوات والرض أن تزول وهو في بطن أمه؟ أل ترى أنه من‬
‫المخجل أن نساوي الله بالبشر؟ هل يمكن لللـه العظيم أن يحل‬
‫في جسد ضعيف له بداية ونهاية؟ وأين هو هذا الجسد‪ -‬جسد‬
‫المسيح ‪ -‬الن؟ هل فني الجسد وهلك بمجرد صعود المسيح‬
‫للسماء أم أن هذا الجسد الذي يحتاج للطعام خالد وليست له‬
‫نهاية؟ وإذا كان الجسد تعرض للفناء فهل يفنى الله أو تفنى‬
‫صفة من صفات اللـه؟؟ وهل كلم السيد المسيح الذي في‬
‫النجيل يوحي بأنه كلم إله قادر قهار يخاطب عبيده أم كلم‬
‫معلم رفيق يخاطب تلميذه؟ ولماذا لم يأمر المسيح تلميذه‬
‫بالسجود له صراحة إن كان هو الله فهذا على القل أفضل من‬
‫السجود لصوره وتماثيله داخل الكنيسة؟! ]‪ [58‬لماذا لم يخبر‬
‫صراحة أنه هو الله ‪ -‬إن كان كذلك – فيحسم القضية ويقطع‬
‫الشك؟ هل من العدل لو كان المسيح هو الله أن يترك أهم‬
‫قضية في هذا الكون يكتنفها الغموض وتحيط بها الشبهات‬
‫ويتركها عرضة لراء الرجال وأهواء الملوك في المجامع؟ لماذا‬
‫حا على لسانه‬
‫حا صري ً‬
‫صا واض ً‬
‫لم يخلف لنا في العهد الجديد ن ً‬
‫يخبر فيه أنه هو الله فيريح المليين من ظلمات الشك؟‬
‫وماذا عن الحواريين‪ :‬هل كانوا يعاملون المسيح على أنه إله‬
‫يمشي على الرض أم نبي إنسان ومعلم متواضع ولذا سموا‬
‫تلميذ؟]‪ [59‬هل يمكن أن يكون للله تلميذ؟؟ ولو كانوا يعبدون‬
‫المسيح فكيف أمكنهم أن يبقوا داخل هيكل اليهود بعد رفعه‬
‫حوالي ثلثة عقود يعبدونه يوميا وسط اليهود الذين يعبدون الله؟]‬
‫‪ [60‬انظر إلى بطرس في)أعمال ‪ (22:2‬يقول‪ " :‬أيها الرجال‬
‫السرائيليون اسمعوا هذه القوال‪ .‬يسوع الناصري رجل قد‬
‫تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده‬
‫في وسطكم كما أنتم أيضا تعلمون"‪ .‬فهل عرفت أنت عن‬
‫المسيح ما لم يعرفه الحواريون؟ أيكون المسيح إلـها ول يستطيع‬
‫أن يدفع عن نفسه أذى حفنة من اليهود؟ أتقبل أن تعبد إلها‬
‫فا؟ أيكون المسيح هو الله ثم يأتي إلى عبد من عبيده لكي‬
‫ضعي ً‬
‫يعتمد منه ويكمل نفسه؟ ألم يذكر العهد الجديد أن المسيح جاء‬
‫إلى يحيى‪-‬يوحنا المعمدان‪ -‬لكي يعتمد منه؟ إن المسيح لو كان‬
‫هو الله لسجد له يحيى حال فهل كان يحيى يجهل ربه؟ ]‪ [61‬وإذا‬
‫كان المسيح هو الله فهل يمكن أن يموت الله؟ إن نصوص العهد‬
‫‪176‬‬

‫القديم تنفي ذلك يكل صراحة انظر مثل في إرمياء ‪):10:10‬أما‬
‫الرب فهو الله الحق‪ ،‬الله الحي( وفي حزقيال)‪ :(3:18‬حي أنا‬
‫يقول الرب‪ .‬وفي دانيال ‪" 26:6‬هو الله الحي القيوم إلى البد"‬
‫ومن الذي كان يخاطبه المسيح في الناجيل بلفظ أبي وإلهي إن‬
‫كان هو الب والله أم أنه كان يخاطب نفسه؟ انظر قول المسيح‬
‫عليه السلم‪):‬وهذه الحياة البدية أن يعرفوك أنت الله الحقيقي‬
‫وحدك‪ ،‬ويسوع الذي أرسلته( يوحنا ‪ .3 :17‬وقوله‪ »:‬إني أصعد‬
‫إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم « يوحنا ‪20:18‬وقوله عن نفسه‪:‬‬
‫"أنا ل اقدر أن أفعل من نفسي شيئا ً ")يوحنا ‪ (5/30‬لذا عجز أن‬
‫يعد ابني زبدي بالملكوت)متى ‪ ،(20/23‬ولما سماه أحدهم‬
‫صالحا ً قال‪" :‬لم تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحا ً إل واحد‪ ،‬وهو‬
‫الله")لوقا ‪ .(20-18/18‬وأخبر في مرقص ‪ 32:13‬أنه ل يعلم‬
‫وقت يوم القيامة ولكن الله هو الذي يعلمها فهل يكون المسيح‬
‫هو الله ويجهل ما يعلمه الله؟ أم أن العلم والرادة والصلح‬
‫صفات للجسد وليست صفات للروح؟ ومن الذي كان يصلي له‬
‫المسيح إن كان هو اللـه؟! ألم يذكر العهد الجديد أن المسيح‬
‫كان يعبد الله؟ أكان المسيح يعبد نفسه؟ وهل استعمال المسيح‬
‫لمصطلح ابن النسان عن نفسه تكرارا ومرارا في‬
‫النجيل)ذكرت ‪ 81‬مرة( إل تأكيدا لبشريته وبراءته مما سينسبه‬
‫الناس إليه؟ بل إن المسيح قال عن نفسه صراحة أنه نبي إنسان‬
‫ففي يوحنا)‪ (8/40‬قال)أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه‬
‫من الله( وفي لوقا ‪ 4/25‬قال »الحق أقول لكم‪ :‬ما من نبي‬
‫يقبل في بلدته‪ « .‬فهل بعد شهادة المسيح لنفسه شهادة أخرى؟‬
‫وفي لوقا ‪ 7/17‬قال الناس أمامه بعد أن أحيا ميتا]‪[62‬بإذن الله‬
‫»قد قام فينا نبي عظيم وتفقد الله شعبه!« وفي متى)‪ (8:9‬بعد‬
‫أن رأى الجموع معجزاته "تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس‬
‫سلطاًنا مثل هذا" فهل يا ترى كان الجموع يمجدون المسيح أم‬
‫رب المسيح؟ وإذا كان المسيح إلها فماذا عن أم المسيح عليه‬
‫السلم هل هي الخرى إلهة أم ماذا؟ وهل يمكن للمخلوق أن يلد‬
‫الخالق]‪[63‬‬
‫وأما إن كنت تعتقد أن الله تعالي عن أن يشابه خلقه أو أن يقتل‬
‫على أيديهم وأنه كان وما زال في السماء فوق جميع خلقه و ل‬
‫يخرج أحد منهم عن قبضته لكن له ولد هو المسيح أرسله إلي‬
‫الرض لهذه الغاية وهو أن يتعذب بأيدي البشر من أجل البشر‬
‫فقل لي بربك من أين علمت أن لله ولد؟؟ أمن الكتاب‬
‫المقدس؟ فإن الكتاب المقدس يعتبر البشر جميعا أبناء الله‬
‫بمعنى أن الله هو الذي يطعمهم ويرزقهم ل أبنائه على الحقيقة]‬
‫‪177‬‬

‫ل ِإن َ‬
‫‪ [64‬كما أطلق على أنبياء آخرين هذا الوصف]‪).[65‬قُ ْ‬
‫ن‬
‫كا َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن وَل َد ٌ فَأ ََنا أ َوّ ُ‬
‫ض‬
‫ماَوا ِ‬
‫ل ال َْعاب ِ ِ‬
‫ن َر ّ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ِللّر ْ‬
‫ب ال ّ‬
‫ن‪ُ .‬‬
‫س َ‬
‫ح َ‬
‫دي َ‬
‫م ِ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫َر ّ ْ‬
‫ن( ثم ما حاجة الله لكي يتخذ ولدا و هو‬
‫ص ُ‬
‫ما ي َ ِ‬
‫فو َ‬
‫ش عَ ّ‬
‫ب العَْر ِ‬
‫ما‬
‫الغني عن خلقه أجمعين؟)َقاُلوا ْ ات ّ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ه وََلدا ً ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َبل ل ّ ُ‬
‫حان َ ُ‬
‫خذ َ الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ض كُ ّ‬
‫ن( وهل هذا الولد كانت حياته‬
‫ماَوا ِ‬
‫ه َقان ُِتو َ‬
‫ِفي ال ّ‬
‫ل لّ ُ‬
‫س َ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫سرمدية مثل حياة الله عز وجل أم أنه حادث على هذا الكون؟‬
‫فإن كان حادثا فهو مخلوق مثله كبقية مخلوقات الله عز وجل‬
‫َ‬
‫ه‬
‫وإل فكيف يكون مولودا وسرمديا في نفس الوقت؟)ل َوْ أَراد َ الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ما ي َ َ‬
‫صط َ َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫وا ِ‬
‫ن ي َت ّ ِ‬
‫فى ِ‬
‫حد ُ‬
‫سب ْ َ‬
‫أ ْ‬
‫شاُء ُ‬
‫ه هُوَ الل ّ ُ‬
‫حان َ ُ‬
‫خل ُقُ َ‬
‫م ّ‬
‫خذ َ وََلدا ً ّل ْ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫قّهاُر( وهل مشيئة هذا الولد تابعة لمشيئة الرب أم أن له إرادة‬
‫ال ْ َ‬
‫مستقلة؟ وهل النسان مأمور بعبادة الرب وحده أم الرب وما‬
‫تنسب له من ولد؟ هل تستقيم الحياة إذا عبد النسان أكثر من‬
‫إله؟‬
‫ن الل ّهِ َر ّ ْ‬
‫)ل َوْ َ‬
‫ما‬
‫ه لَ َ‬
‫ما آل ِهَ ٌ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫كا َ‬
‫سد ََتا فَ ُ‬
‫ف َ‬
‫ش عَ ّ‬
‫ة إ ِّل الل ّ ُ‬
‫ن ِفيهِ َ‬
‫ب العَْر ِ‬
‫ن( ثم هل ضاقت السبل على رب الرض والسماوات فلم‬
‫ص ُ‬
‫يَ ِ‬
‫فو َ‬
‫يجد وسيلة لتكفير خطيئة آدم إل التضحية بولده‪-‬بفرض وجود‬
‫الولد؟ و كيف تنزه الرهبان والقساوسة عن اتخاذ الولد وتنسب‬
‫ت َوال َْرض أ َّنى ي َ ُ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ذلك لله رب العالمين؟)ب َ ِ‬
‫ه وَل َد ٌ‬
‫كو ُ‬
‫ديعُ ال ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫س َ‬
‫ِ‬
‫م تَ ُ‬
‫يٍء وهُوَ ب ِك ُ ّ‬
‫خل َقَ ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ل َ‬
‫م(‬
‫ة وَ َ‬
‫حب َ ٌ‬
‫صا ِ‬
‫يٍء ع َِلي ٌ‬
‫كن ل ّ ُ‬
‫وَل َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫ش ْ‬
‫أما قضية التثليث وهي اعتقاد أن الله إلـه واحد مكون من ثلثة‬
‫أقانيم مختلفة فهي ثالثة الثافي و اللغز المحير والمعضلة‬
‫الكبرى التي ورثها رجال الكنيسة عن أسلفهم على علتها وذلك‬
‫أن آباء الكنيسة ال َُول لم يكتفوا بنسبة الولد لرب العالمين لكنهم‬
‫أضافوا لله شريكا ثالثا هو روح القدس وجعلوا الثلثة واحدا‬
‫والواحد ثلثة‪ .‬ويبدو أن الوقت لم يسعف النصارى الوائل لكي‬
‫يضعوا تفسيًرا مقنعا لهذا فقد شغلتهم الختلفات الكثيرة وعقد‬
‫المجامع الكنسية و تكفير بعضهم بعضا واختيار الناجيل لذا فإن‬
‫علماء النصارى المعاصرين أنفسهم يعترفون بصعوبة فهم حقيقة‬
‫التثليث فيقول أحدهم‪ :‬إن الثالوث سر يصعب إدراكه وإن من‬
‫يحاول إدراك سر الثالوث كمن يحاول وضع مياه المحيط كله في‬
‫كفه]‪ [66‬ويقول القمص باسيليوس إسحق‪ " :‬أجل إن هذا‬
‫التعليم عن التثليث يفوق إدراكنا " ]‪ [67‬فهل يعقل أن تكون‬
‫الحقيقة الكبرى في هذا الكون بهذا القدر من التعقيد؟ وأين ذكر‬
‫التثليث في العهد القديم ]‪ [68‬الذي تنضح نصوصه بالتوحيد؟ هل‬
‫يمكن أن يكون التثليث حقيقة ول يأتي له ذكر على لسان أي نبي‬
‫من النبياء في الكتاب المقدس بل ولم يعلمها المسيح لتلميذه‬
‫ولم يسمع بها أحد منهم في حين ل تكاد تخلو سورة في القرآن‬
‫‪178‬‬

‫َ‬
‫عي َ‬
‫ب‬
‫حاقَ ي َعْ ُ‬
‫م تَ ُ‬
‫ما ِ‬
‫ن إ ِب َْرا ِ‬
‫قو َ‬
‫س َ‬
‫ن إِ ّ‬
‫قوُلو َ‬
‫من التوحيد؟ )أ ْ‬
‫ل وَإ ِ ْ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫س َ‬
‫هي َ‬
‫ل أ ََأنتم أ َع ْل َ َ‬
‫َ‬
‫سَبا َ‬
‫ط َ‬
‫صاَرى قُ ْ‬
‫ه( فالجملة‬
‫كاُنوا ْ ُ‬
‫َوال ْ‬
‫م أم ِ الل ّ ُ‬
‫ُ‬
‫ُ ْ‬
‫هودا ً أوْ ن َ َ‬
‫اليتيمة التي تثبت التثليث في يوحنا)‪ (1‬ستعرف في آخر الرسالة‬
‫أنها مدرجة ولم تكن في النسخ القديمة‪ .‬ولكن على العكس‬
‫هناك نصوص تفند هذا الدعاء انظر مثل قول المسيح عليه‬
‫السلم‪):‬اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد( مرقص ‪29 :12‬‬
‫أل ترى أن هذه الجملة تعني ل إله إل الله؟ ولو كان ما يدعيه‬
‫النصارى صحيحا لقال المسيح "اسمع يا إسرائيل أنا إلهك رب‬
‫واحد وثلثة أقانيم" وإل لكان المسيح غير أمينا‪[69] .‬وأيضا هناك‬
‫قول المسيح أيضا‪):‬وهذه الحياة البدية أن يعرفوك أنت الله‬
‫الحقيقي وحدك‪ ،‬ويسوع الذي أرسلته( يوحنا ‪.3 :17‬دليل آخر‬
‫على التوحيد فهل هذه الجملة الصريحة يفهم منها عاقل أن الله‬
‫مكون من ثلثة أقانيم؟ ول عجب أل نجد في الكتاب المقدس‬
‫ذكرا لثالوث ول سادوس فإن أمر الروح القدس نفسه ظل‬
‫مشكل على القوم ثمانية قرون إلى عام ‪ 879‬م حتى عقدوا‬
‫المجمع الكنسي الثامن ليبحثوا أمره‪ .‬وما روح القدس إل ملك‬
‫من الملئكة‪ -‬وهو جبريل عليه السلم ‪ -‬أرسله الله بالوحي‬
‫للنبياء والرسل ويؤيد الله به المؤمنين‪ ،‬ونصوص العهد القديم‬
‫والجديد شاهدة في أن روح القدس حل في كثير من النبياء‪،‬‬
‫وفي الحواريين وفي غيرهم‪ ،‬و يأتي روح القدس بمعنى القوة‬
‫والنصر والتأييد ولم يرد على لسان أى نبي أن الروح القدس إله‬
‫قوُلوا ْ ع ََلى الل ّهِ إ ِل ّ‬
‫مع الله)َيا أ َهْ َ‬
‫م وَل َ ت َ ُ‬
‫ب ل َ ت َغُْلوا ْ ِفي ِدين ِك ُ ْ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫سو ُ‬
‫ها‬
‫ه أ َل ْ َ‬
‫قا َ‬
‫ح ِ‬
‫م ِ‬
‫سي ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫م َر ُ‬
‫عي َ‬
‫مت ُ ُ‬
‫ل الل ّهِ وَك َل ِ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ما ال ْ َ‬
‫حقّ إ ِن ّ َ‬
‫سى اب ْ ُ‬
‫ة انت َُهوا ْ‬
‫سل ِهِ وَل َ ت َ ُ‬
‫قوُلوا ْ ث َل َث َ ٌ‬
‫ه َفآ ِ‬
‫م وَُرو ٌ‬
‫مُنوا ْ ِبالل ّهِ وَُر ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ح ّ‬
‫مْري َ َ‬
‫إ َِلى َ‬
‫َ‬
‫ه أن ي َ ُ‬
‫ما ِفي‬
‫َ‬
‫ه َوا ِ‬
‫كو َ‬
‫سب ْ َ‬
‫حد ٌ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه وَل َد ٌ ل ّ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫حان َ ُ‬
‫ه إ َِلـ ٌ‬
‫ما الل ّ ُ‬
‫م إ ِن ّ َ‬
‫خْيرا ً ل ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫كي ً‬
‫ح‬
‫ض وَك َ َ‬
‫سَتنك ِ َ‬
‫م ِ‬
‫فى ِبالل ّهِ وَ ِ‬
‫سي ُ‬
‫ل‪ّ .‬لن ي َ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫ماَوات وَ َ‬
‫س َ‬
‫ما ِفي الْر ِ‬
‫َأن ي َ ُ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫سَتنك ِ ْ‬
‫ملئ ِك َ ُ‬
‫قّرُبو َ‬
‫كو َ‬
‫من ي َ ْ‬
‫ن وَ َ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫ن ع َْبدا ً ل ّل ّهِ وَل َ ال ْ َ‬
‫ف عَ ْ‬
‫َ‬
‫مُلوا ْ‬
‫ح ُ‬
‫ِ‬
‫مُنوا ْ وَع َ ِ‬
‫ما ال ّ ِ‬
‫ج ِ‬
‫م إ َِليهِ َ‬
‫سي َ ْ‬
‫ست َك ْب ِْر فَ َ‬
‫عَباد َت ِهِ وَي َ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ميعًا‪ .‬فَأ ّ‬
‫شُرهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫م وََيزيد ُ ُ‬
‫ما ال ّ ِ‬
‫حا ِ‬
‫من فَ ْ‬
‫مأ ُ‬
‫صال ِ َ‬
‫ضل ِهِ وَأ ّ‬
‫هم ّ‬
‫جوَرهُ ْ‬
‫ت فَي ُوَّفيهِ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م عَ َ‬
‫ن‬
‫سَتنك َ ُ‬
‫من ُ‬
‫دو َ‬
‫ج ُ‬
‫فوا ْ َوا ْ‬
‫ا ْ‬
‫ن ل َُهم ّ‬
‫ذابا ً أُليما ً وَل َ ي َ ِ‬
‫ست َك ْب َُروا ْ فَي ُعَذ ّب ُهُ ْ‬
‫دو ِ‬
‫صيرًا( وأما المسيح فقد خلقه الله من أم بدون أب‬
‫الل ّهِ وَل ِي ّا ً وَل َ ن َ ِ‬
‫كما خلق حواء من أب بدون أم ونفخ فيه من روحه كما نفخ في‬
‫آدم من روحه وأحيا له الموتى كما أحيا الموتى لنبياء عديدين‬
‫من قبل فهل نقول على آدم وحواء وهؤلء النبياء أنهم أقانيم‬
‫ضا؟ أل ترى أنه لو كان المسيح وروح القدس إلهين من دون‬
‫أي ً‬
‫الله لكان ممكنا أن يريد كل واحد منهم شيء غير الخر؟ فمن‬
‫الذي تنفذ إرادته في هذه الحالة؟ أم أن كل منهما إلـه ناقص‬
‫‪179‬‬

‫ما َ‬
‫ب‬
‫ما ات ّ َ‬
‫ه ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن إ ِل َهٍ ِإذا ً ل ّذ َهَ َ‬
‫كا َ‬
‫معَ ُ‬
‫ن َ‬
‫من وَل َد ٍ وَ َ‬
‫خذ َ الل ّ ُ‬
‫اللوهية؟ ) َ‬
‫م ْ‬
‫ضه ُ ْ َ‬
‫كُ ّ‬
‫ما‬
‫ما َ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫خل َقَ وَل َعََل ب َعْ ُ‬
‫ض ُ‬
‫ن الل ّهِ ع َ ّ‬
‫ل إ ِل َهٍ ب ِ َ‬
‫م ع َلى ب َعْ ٍ‬
‫ن( وإذا كان الثلثة هم واحد فكيف يموت أحدهم على‬
‫ص ُ‬
‫يَ ِ‬
‫فو َ‬
‫الصليب ويبقى اثنان لم يموتا؟! المفروض إن كان الثلثة واحد‬
‫والواحد ثلثة أن يموتوا جميعا أو يحيوا جميعا‪ .‬ولكن لما كان الله‬
‫ل يموت كان يستلزم ذلك أنه لو كان هناك ‪ 3‬أقانيم أن يموت‬
‫أحدهم فقط دون الخرين وهذا يعني أن الثلثة أقانيم منفصلة‬
‫وغير متحدة وهذا ينافي عقيدة التوحيد التي جاء بها النبياء‬
‫جميعا‪ .‬فكما ترى إن عقيدة الثالثوث والصلب ل تنسجمان معا‬
‫بصورة منطقية ول يمكن أن تكون هي الحق‪.‬‬
‫إن عقلء الغرب بدأوا يدركون هذه الخدعة الكبرى فقد ظهر عام‬
‫‪ 1977‬كتاب اسمه "أسطورة تجسيد الله" ‪The Myth of God‬‬
‫‪Incarnate‬كتبه سبعة من كبار رجال اللهوت البريطانيين بما فيهم‬
‫رئيس لجنة مذهب كنيسة إنجلترا يعلنون فيه إنكار ألوهية‬
‫المسيح ويقرون ببشريته فقط‪[70].‬وقد أدلت مجلة تايم)‪27‬‬
‫فبراير ‪ (1978‬بحثا هاما اشتغلت به دوائر جامعات وكنائس‬
‫العالم الغربي وهو ظاهرة الدعوة إلى بشرية المسيح والمعارضة‬
‫للوهيته جاء فيه‪ :‬إن موجة الرفض لفكرة ألوهية المسيح أو‬
‫ازدواج طبيعته تزداد قوة وانتشارا في أوساط المفكرين‬
‫اللهوتيين سواء في الجامعات أو في الكنائس الغربية وهؤلء‬
‫الرافضون يعلقون أنه ل يوجد في النجيل ولم يثبت عن المسيح‬
‫القول بألوهيته ويؤكدون أنه عليه السلم بشر عادي‪ [71] .‬وفي‬
‫سنة ‪ 1993‬ألقي البابا يوحنا بولس الثاني خطابه الرسولي‬
‫وأشار فيه إلى النفصال المتزايد بين الكنيسة والرأي العام‬
‫النصراني وذلك لعدم تصديق النصارى للعقيدة النصرانية الحالية‬
‫كما طالب النصارى بعدم مناقشة العقيدة النصرانية والتسليم‬
‫العمى بها‪ .‬فهل يمكن أن يكلف الله البشر باليمان بعقيدة هذا‬
‫شأنها؟؟‬
‫في البدء كانت الكذبة‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وم َ‬
‫ذبا ً أوْ َقا َ‬
‫ح‬
‫ل أوْ ِ‬
‫ن افْت ََرى ع ََلى الل ّهِ ك َ ِ‬
‫م ِ‬
‫م ُيو َ‬
‫ي وَل َ ْ‬
‫م ّ‬
‫ن أظ ْل َ ُ‬
‫ي إ ِل َ ّ‬
‫ح َ‬
‫َ َ ْ‬
‫م ِ‬
‫إ ِل َي ْهِ َ‬
‫يٌء‬
‫ش ْ‬
‫إذا نظرنا في تاريخ النصرانية لنعرف كيف تسربت هذه الوثنية‬
‫إليها سنرى أن أتباع المسيح عليه السلم بعد رفعه إلى السماء‬
‫ظلوا يعبدون الله الواحد الحد في الهيكل تنفيذا لتعاليم المسيح‬
‫عليه السلم‪ ] :‬إلى طريق أمم ل تمضوا وإلى مدينة للسامريين‬
‫ل تدخلوا بل اذهبوا بالحري إلى خراف بني إسرائيل الضالة [‬
‫متى ‪ 6 ،5 / 10‬ولكنهم مع اضطهاد اليهود لهم حتى ل ينازعوهم‬
‫‪180‬‬

‫السلطة الدينية داخل الهيكل تحولوا إلى عبادة الله في البيوت‬
‫الواسعة وكان الذي يقود عمليات الضطهاد ضد أتباع المسيح‬
‫رجل يهودي اسمه شاؤول من طائفة الفريسيين أشد الطوائف‬
‫اليهودية بغضا للمسيح ولكن ظل للحواريين كيانا منظما و ظلوا‬
‫متمسكين بتعاليم المسيح بأل يمضوا إلى طريق المم وظلت‬
‫دعوتهم مستمرة ثم حدث أمر غريب فقد تحول شاول فجأة من‬
‫عدو لدود ظالم إلى رسول قديس يوحى إليه!! بدون مقدمات‬
‫دخل شاؤول النصرانية ذاكرا أنه رأى نورا غامرا سمع منه صوتا‬
‫إلهيا أعطاه إنجيل ً إلهًيا بدون أن يذكر أي شهود على هذه‬
‫الحادثة!! وانتقل شاؤول فجأة من كرسي الجلد إلى كـرسي‬
‫المحامي ثم أطلق على نفسه اسم بولس ثم أصبح بعدها أهم‬
‫شخصية في تاريخ المسيحية باعتراف المؤرخين للثار والتغييرات‬
‫الكبيرة التي حدثت بسببه حتى إن المسيحية تسمى باسمه أحيانا‬
‫فيقال مسيحية بولس‪ [72] .‬ثم أخذ بولس يدعو الناس إلى ما‬
‫كان غائًبا عن تلميذ المسيح وما كان غائبا عن المسيح نفسه‬
‫طوال حياته على الرض من أمور مثل تجسيد الله وألوهية‬
‫المسيح ونظرية المخلص وعقيدة الفداء والصلب والخطيئة‬
‫الصلية والتي كانت عند المم الوثنية التي أراد بولس أن تنتشر‬
‫فيها دعوته مع اختلف السماء‪[73].‬‬
‫وهنا يحق لنا أن نسأل عدة أسئلة إذا كان بولس رسول ً له كل‬
‫هذه الهمية فلماذا لم يبشر المسيح تلميذه بنبوته؟؟ إن ذلك لم‬
‫يحدث بدليل ما جاء في أعمال الرسل‪ :‬و لما جاء شاؤول بولس‬
‫إلى أورشاليم حاول أن يلتصق بالتلميذ وكان الجميع يخافونه غير‬
‫مصدقـين أنه تلميـذ]‪ !![74‬ولماذا لم يختره المسيح ليكون من‬
‫تلميذه و يتلقى عنه مباشرة قبل أن يرفع إلى السماء؟ ولنا أن‬
‫نسأل أيضا كيف ينتقل رجل فجأة من الكفر المحض إلى النبوة‬
‫والرسالة بدون أن يمر بأي مرحلة وسيطة ولم يكن أي من‬
‫دا‬
‫النبياء السابقين كافًرا قط فضل عن أن يكون عدًوا لدو ً‬
‫للدعوة؟ ولماذا ل نجد أي نص في كتاب سماوي يدل أو يشير‬
‫إليه أو يصفه‪ ،‬فرسائله تعد شهادة منه لنفسه فهي غير مقبولة‪،‬‬
‫وكذلك ما كتب بتأثير منه؟ ولماذا لم يؤيده الله بمعجزة كما أيد‬
‫موسى عليه السلم حين كلمه وكما أيد جميع النبياء؟ وما فائدة‬
‫رسالته بعد رفع المسيح مباشرة إل إن كان المسيح لم يبلغ‬
‫رسالة ربه على الوجه الكمل حاشاه من ذلك؟ وكيف عرف‬
‫بولس فجأة بعد أن سمع الصوت أن الذي يخاطبه هو صوت‬
‫الرب وليس شيطانا؟ و لماذا لم يذهب بولس بعد تنصره مباشرة‬
‫إلى التلميذ ليتلقى عنهم دين المسيح بل ذهب إلى الجزيرة‬
‫‪181‬‬

‫العربية ]‪ [75‬ومكث بعيدا ً عن التلميذ ثلث سنين‪ ،‬ثم لقي اثنين‬
‫منهم فقط لمدة خمسة عشر يوما ً )انظر غلطية ‪(19 -1/18‬‬
‫و لو كانت هذه التغييرات التي أحدثها بولس وحيا من عند الله‬
‫ألم يكن أولى أن ينال هذا الشرف أحد تلميذ المسيح الذين‬
‫آمنوا به في حياته وصحبوه و نالهم الضطهاد في سبيل دينه من‬
‫هذا الذي كان يحارب دعوة المسيح؟ بل ألم يكن أولى أن يخبر‬
‫بها المسيح صراحة ول يدعها لشخصية يكتنفها الريبة والغموض؟‬
‫و لماذا لم يذكر بولس اسم شاهد واحد على القل على قصة‬
‫الرؤية هذه؟ ألم يقر المسيح بأن شهادته هو لنفسه وحدها ل‬
‫تكفي وإنما يلزم شهادة أخرى معه كما نصت على ذلك التوراة؟‬
‫]‪ [76‬فهل بولس أفضل أم المسيح؟؟ وماذا عن الختلفات في‬
‫قصة رؤية بولس المزعومة بين الروايات المختلفة التي تضحض‬
‫هذه الواقعة؟ ]‪.[77‬‬
‫إن للرسل علمات من أظهرها أن يكونوا في الدرجة القصوى‬
‫من حسن الخلق والسجايا الكريمة فهل تحقق هذا في بولس؟‬
‫إذا نظرت في نصوص العهد الجديد ستجد له مواقف تطفح‬
‫غرورا ونفاقا وكذبا في سبيل تحقيق أهدافه فتجده يقول‪":‬صرت‬
‫لليهود كيهودي‪ ..‬وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس…و‬
‫للذين بل ناموس كأني بل ناموس…صرت للكل كل‬
‫شيء")كورنثوس)‪ .21-9/20(1‬فهو يريد أن ينشر دين الله‬
‫بالكذب والطرق الملتوية وانظر إليه عندما خاف من الجند قال‬
‫لهم‪" :‬أيجوز لكم أن تجلدوا إنسانا ً رومانيًا"فذهب القائد بنفسه‬
‫إلى بولس وسأله‪" :‬أأنت حقا روماني؟" فأجاب‪" :‬نعم!" فقال‬
‫القائد‪" :‬أنا دفعت مبلغا كبيرا من المال لحصل على الجنسية‬
‫الرومانية"‪ .‬فقال بولس‪" :‬وأنا حاصل عليها بالولدة!«أعمال‬
‫‪28-22/25‬فانظر إلى هذا الكذب البواح مع أنه يهودي فريسي‬
‫ابن فريسي كما في)أعمال ‪ (6:23‬وهو يسيء الدب مع الله‬
‫قائل بل ذوق " لن جهالة الله أحكم من الناس‪ ،‬وضعف الله‬
‫أقوى من الناس")كورنثوس)‪ (1/25(1‬ويقول عن التوراة)لو كان‬
‫العهد السابق بل عيب‪ ،‬لما ظهرت الحاجة إلى عهد آخر يحل‬
‫محله( عبرانيين)‪ (8/7‬ويقول مستحل ً المحرمات‪ " :‬كل الشياء‬
‫تحل لي")كورنثوس)‪[78] (6/12(1‬بالضافة لنه جعل نفسه‬
‫ما فوق النبياء جميًعا يدين العالم كله بما‬
‫حوارًيا بل قدي ً‬
‫سا معصو ً‬
‫فيهم الملئكة الذين جعل المسيح دونهم بقليل ]‪ [79‬انظر‬
‫عبرانيين ‪ 9/2‬و كورنثوس)‪3-6/2(1‬‬
‫ولم يكتف بولس بذلك ولكنه مل العهد الجديد بأرائه المحضة ثم‬
‫جعلها وحيا مقدسا من عند الله فتراه يقول)ِإذا ً من ُزّوج فحسنا‬
‫‪182‬‬

‫يفعل ومن ل ي َُزوج يفعل أحسن()كورنثوس)‪ (7/39 (1‬فهل هذا‬
‫يتفق مع فطرة الله التي فطر الناس عليها؟ وماذا يحدث لو‬
‫طبق جميع الناس هذه النصيحة الغبية؟ حتى رسائله الشخصية‬
‫البحتة التي ل تعني أي شيء بالنسبة للناس جعلها وحيا أيضا من‬
‫عند الله فيقول في رسالته إلى تيموثاوس "سلم على برسكا‬
‫وأكيل‪ ،‬وعائلة أونيسيفورس‪ .‬أراستس مازال في مدينة‬
‫ضا‪ .‬اجتهد‬
‫كورنثوس‪ .‬أما تروفيموس‪ ،‬فقد تركته في ميليتس مري ً‬
‫أن تجيء إلي قبل حلول الشتاء‪.‬يسلم عليك إيوبولس‪ ،‬وبوديس‪،‬‬
‫ولينوس‪ ،‬وكلوديا‪ ،‬والخوة جميعا(‪ .‬فما علقة هذه السلمات‬
‫ضا في هذه‬
‫والتحيات بوحي الله للعالمين؟ وهو ل ينسى ردائه أي ً‬
‫الرسالة فيقول( وعندما تجيء‪ ،‬أحضر معك ردائي الذي تركته‬
‫عند كاربس في ترواس‪ ،‬وكذلك كتبي‪ ،‬وبخاصة الرقوق‬
‫المخطوطة‪ (!!.‬فهل هذا كلم مقدس؟‬
‫إن المسيح عليه السلم قد بشر ببولس رسول للشيطان ل‬
‫رسول للرحمن فقال‪" :‬ل تظنوا أني جئت لنقض الناموس أو‬
‫النبياء ما جئت لنقض بل لكمل فإني الحق أقول لكم‪ :‬إلى أن‬
‫تزول السماء والرض ل يزول حرف واحد من الناموس حتى‬
‫يكون الكل‪ ،‬فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس‬
‫هكذا يدعى‪ :‬أصغر في ملكوت السماوات")متى ‪ ،(19-5/17‬و‬
‫بولس معناها "الصغير"( وهو الذي نقض وصايا المسيح ووصايا‬
‫موسى عليهما السلم التي قال عنها المسيح " إ ن أردت أن‬
‫تدخل الحياة فاحفظ الوصايا "‪ .‬متى ] ‪ [ 16 :19‬وقال أيضا " »‬
‫على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم‬
‫أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه ولكن حسب أعمالهم ل تعملوا‬
‫لنهم يقولون ول يفعلون‪ ((.‬متى ] ‪ [ 1 :23‬فقد أحل بولس‬
‫شرب الخمر ودعا إليها صراحة وأحل أكل لحم الخنزير وحلل‬
‫ذبيحة الصنم وأبطل مفهوم النجاسة و حرم الختان –مع أن‬
‫المسيح قد اختتن]‪ -[80‬وألغى تقديس يوم السبت وقال عن‬
‫الشريعة التي كان المسيح من أشد الناس تمسكا بها أنها )لم‬
‫توصل الذين كانوا يعبدون الله بحسبها ولو إلى أدنى درجات‬
‫الكمال(]‪ [81‬ثم وصل به الحال إلى أن ألغى الشريعة معلل ذلك‬
‫بكل وقاحة بأن الشريعة تجلب الغضب‪ ،‬وحيث ل تكون شريعة ل‬
‫تكون معصية ] رومية ‪ [ 15 :4‬وقال "لذا نحن ‪ -‬أي بولس‪ -‬نقرر‬
‫تبرير أعمال النسان من خلل إيمانه‪ ،‬بدون التزامه بالشريعة " ]‬
‫‪ ][82‬رومية ‪ [ 28 :3‬فجعل بولس فصل تاما بين اليمان والعمل‬
‫وجعل المطلوب من الشخص فقط كي ينجو أن يؤمن أن‬
‫المسيح مات على الصليب كفارة لخطاء البشرية ثم ل عليه بعد‬
‫‪183‬‬

‫ذلك أن يفعل ما يريد طالما آمن بالمخلص فالنجاة ستأتيه‬
‫أوتوماتيكيا!! حتى أنه أخبر أن الكافر الذي ل يؤمن بالمسيح قد‬
‫يدخل الجنة إذا كان متزوجا من امرأة مؤمنة)كورنثيوس ‪-8:7 1‬‬
‫‪[83](16‬‬
‫ول يخفى ما لهذا العتقاد من أثر في التسبب في النحلل‬
‫الخلقي و الفوضى الجتماعية‪ .‬و على عكس ذلك قال يعقوب‬
‫تلميذ المسيح في رسالته‪ " :‬قائ ً‬
‫ل‪):‬يا إخوتي‪ ،‬هل ينفع أحدا أن‬
‫يدعي أنه مؤمن‪ ،‬وليس له أعمال تثبت ذلك‪ ،‬هل يقدر إيمان مثل‬
‫هذا أن يخلصه؟( ]‪ [14:2‬و قوله " وهذا يؤكد لك‪ ،‬أيها النسان‬
‫الغبي‪ ،‬أن اليمان الذي ل تنتج عنه أعمال هو إيمان ميت " ]‪:2‬‬
‫‪[20‬‬
‫و قد دعي بولس في الدنيا بالصغير‪ ،‬ولسوف يدعى في الخرة‬
‫أصغر جزاء تبديله للناموس والوصايا‬
‫غير أن أخطر الشروخ التي أصابت جدار المسيحية على يد‬
‫بولس على الطلق هي الوثنية المتمثلة في عقائد تجسيد الله و‬
‫صلبه وأكل لحمه ودمه في العشاء الرباني وغير ذلك مما نبت‬
‫من أفكاره الفلسفية]‪ [84‬أو معتقدات الشعوب الخرى التي أراد‬
‫للمسيحية أن تنتشر فيها‪ .‬يقول شارل جنيبر" إن الدراسة‬
‫المفـصلة لرسائل بولس الكبرى تـكشف لنا النـقاب عن مزيج‬
‫من الفكار فـيبدو لول وهـلة غريًبا حـقـا فهي مزيج من الفكار‬
‫اليـهودية ثم من المفاهـيم المنـتشرة في الوساط الوثنـية‬
‫اليونانية ومن الذكريات النجـيلية والساطير الشرقية" ]‪[85‬‬
‫ويبدو أن هم بولس الول الذي استطاع تحويل المسيحية من‬
‫دعوى قومية إلى بني إسرائيل كما كانت في عهد المسيح إلى‬
‫دعوة عالمية كان الستكثار من التباع و المؤمنين الجدد من أبناء‬
‫المم المجاورة لذا صاغ لهم من معتقداتهم القديمة دينه الجديد‬
‫الذي ل يمت للمسيح بصلة إل اسمه ويدل على ذلك التشابه‬
‫الشديد بين عقائد النصارى الحالية والعقائد الوثنية القديمة‪[86] .‬‬
‫فكما أن اللهة عند الرومان تتجسد على شكل مخلوقات وتصارع‬
‫البشر جعل بولس إلهه الجديد كذلك وكما أن البشرية في نظر‬
‫الحضارات القديمة تحتاج إلى منقذ يخلصها من اللعنة جعل‬
‫بولس ذلك في دينه الجديد ومن أمثلة ذلك ديانة )مثرا( الذي‬
‫كانوا يسمونه في أوروبا)مثرا إله الخلص( والمثراوية تحوي‬
‫ضا حتى أن بعض الباحثين‬
‫المعمودية والعشاء الرباني]‪ [87‬أي ً‬
‫أعلن في وضوح أن النصرانية هي المثراوية في ثوبها الجديد‬
‫ولهذا قيل »لم تتنصر الروم ولكن ترّومت النصارى«‪ .‬يقـول د‪.‬‬
‫جـنيبر‪ ] :‬ورأى بولس بوضوح أيضـا أن التباع الجـدد من‬
‫‪184‬‬

‫المشركـين لم يكـونوا ليتقـبلوا كل القـبول)فـضيحـة الصليب(أنه‬
‫يجـب تفـسير ميتـة عـيسى المشيـنة تفـسيًرا مرضيـا يجـعـل‬
‫منها واقـعـة ذات مغـزى ديني عـميق‪ ..‬وأعـمل بولس فكـره في‬
‫هـذه المشكلة‪ ..‬ووضـع لها حل ً كان له صـدى بالغ المـدى‪ ..‬لقـد‬
‫تجـاهل فكـره عـيسى الناصري)المسيح عـليه السلم( ولم يتجـه‬
‫إل إلى عـيسى المصلوب)الشخـصية التي اخـترعـها بولس(‬
‫فـتصوره شخـصية إلهـية تسـبق العـالم نفـسه في الوجـود‪..‬‬
‫دا طويـل ً حتى نزل‬
‫رجـل سماوي احـتفـظ به الله إلى جانبه أمـ ً‬
‫إلى الرض لينـشيء فـيها حـقـا بشـريـا جـديدة يكـون هو دمها‪[..‬‬
‫]‪[88‬‬
‫فإذا نظرنا إلى موقف تلميذ المسيح من بولس فبرغم من أن‬
‫بعضهم تقبله في البداية عمل بحسن الظن الذي علمهم إياه‬
‫المسيح إل أنهم عارضوا دعوته ووقفوا في وجهها بعد أن ظهرت‬
‫لهم بدعه المهلكة ودليل ذلك اختفاء ذكرهم عن عالم المسيحية‬
‫بعد ظهور بولس‪ ،‬فقد اختفت كتاباتهم وحوربت‪ ،‬ولم ينج منها إل‬
‫إنجيل برنابا ورسالة يعقوب المضمنة في رسائل العهد الجديد‬
‫والتي تمتلئ بمخالفة بولس وخاصة في مسألة الفداء‪.‬حتى برنابا‬
‫وهو الوحيد الذي قدم بولس إلى التلميذ نفر منه بعد ذلك‬
‫واختلف معه وتركه واختفى ذكره من العهد الجديد بعد هذه‬
‫الحادثة و لو كان بولس رسول من عند الله حقا لما تركه تلميذ‬
‫المسيح عليه السلم]‪.[89‬‬
‫وقد ظل المؤمنون من أتباع التلميذ الذين كانت لهم رسائلهم‬
‫ضا يعبدون الله على شريعة المسيح بدون أن يتأثروا‬
‫وكتبهم أي ً‬
‫ببدع بولس وحارب الكثير منهم دعوة بولس واتهموه بأنه أفسد‬
‫الديانة المسيحية بعد أن عجز عن القضاء عليها بالسيف‬
‫والسلطان فدخل في المسيحية وأخرجها من التوحيد إلى الوثنية‪.‬‬
‫حتى بدأ تدخل السلطة وانعقاد المجامع الكنسية‪ .‬وفي ذلك يقول‬
‫الشاعر القروي السوري رشيد سليم الخوري ‪-‬المولود في أسرة‬
‫أرثوذكسية‪ " :‬إن الكنيسة ظلت حتى مطلع القرن الرابع‬
‫الميلدي تعبد الله على أنه الواحد الحد وأن يسوع المسيح عبده‬
‫ورسوله حتى تنصر قسطنطين عاهل الروم وتبعه خلق كثير من‬
‫رعاياه اليونان والرومان فأدخلوا بدعة التثليث وجعلوا لله سبحانه‬
‫دا شاركوه منذ الزل في خلق السماوات والرض‬
‫وتعالى أندا ً‬
‫وتدبير الكوان ومالهم السقف النطاكي مكاريوس فثار زميله‬
‫السقف أريوس على هذه البدعة ثورة عنيفة شطرت الكنيسة‬
‫واتسع بين الطائفتين نطاق الجدل حتى أدى إلى القتتال وفاز‬
‫أريوس بالحجة القاطعة في المجامع بيد أن السلطة وضعت‬
‫‪185‬‬

‫ثقلها في الميزان فأسكتت صوت الحق وأنفذت صوت الباطل‬
‫واستمر المسيحيون يعمهون في ضللتهم "‪.‬‬
‫وقضية المجامع هذه أمرها عجيب‪ .‬فإزاء تعدد مذاهب النصارى‬
‫في المسيح عليه السلم وتعدد أناجيلهم كذلك التي بلغت أكثر‬
‫من خمسين إنجيل ً كما تذكر بعض الروايات تم عقد المجامع‬
‫الكنسية وأولها مجمع نقية عام ‪ 325‬م الذي اجتمع فيه أكثر من‬
‫ألف أسقف لكي يحددوا طبيعة المسيح عليه السلم ويختاروا‬
‫الناجيل المعترف بها من ضمن عشرات الناجيل وبرغم أن ‪338‬‬
‫أسقفا فقط هم من قالوا بألوهية المسيح إل أن المبراطور‬
‫الروماني قسطنطين انحاز إلى هذا الرأي –وهو القرب إلى‬
‫وثنيته‪ -‬وانفض المجمع على لعن أريوس الذي يقول بالتوحيد‬
‫ونفيه وطرد من قال برأيه وحرق كتبه واختيار أربعة أناجيل فقط‬
‫هي أناجيل يوحنا ولوقا ومتى ومرقص التي كانت تعزز عقيدة‬
‫ألوهية المسيح وحرق بقية الناجيل وقتل كل من يثبت اقتناؤه لها‬
‫وأما الرسائل السبع فلم يعترف المجمع المذكور بالكثير منها‪،‬‬
‫وإنما تم العتراف بها فيما بعد وهذا القدر من التاريخ يتفق عليه‬
‫جل المؤرخين‪ .‬وهكذا تحققت نبوءة المسيح وهي‬
‫قوله)ستطردون خارج المجامع‪ ،‬بل سيأتي وقت يظن فيه من‬
‫يقتلكم أنه يؤدي خدمة لله‪ .‬وهم يفعلون هذا بكم لنهم لم يعرفوا‬
‫أبي‪ ،‬ول عرفوني( يوحنا ‪ 2:16‬و إنا لنعجب أشد العجب من دين‬
‫يتم اختيار عقائده وكتبه بهذه الطريقة‪ ...‬هل يمكن أن يترك الله‬
‫الناس في حيرة بدون بينة واضحة أو كتاب منير فيحددوا طبيعة‬
‫إلههم وكتبهم المقدسة من خلل المؤتمرات التي تتلعب فيها‬
‫الهواء والمصالح وحب الرياسة وتقلبات السياسة بالنفوس‬
‫البشرية؟]‪[90‬أم أن الحق كان واضحا ولكن اختلف الكهنة‬
‫والعلماء وإتباع الهواء أذهب به؟ ولماذا تم رفض بقية الناجيل‬
‫برغم أن الشخاص الذين كتبوها تعتبرهم الكنيسة قديسين؟‬
‫ولماذا كانت هذه الربعة فقط هي وحي الله وما عداها ليس‬
‫وحيا؟)‪ (91‬وما الذي يضمن أن قرارات هذه المجامع هي‬
‫قرارات معصومة من الخطأ وهي التي كانت قلما كان يسلم‬
‫أعضاؤها من الختلف بل كانت تنتهي غالبا بلعن بعضهم بعضا!!‬
‫ل شك أن أي عاقل ل يقبل أن يتحدد دينه واعتقاده و هو أهم ما‬
‫لديه بهذه الطريقة‪.‬‬
‫و برغم نتيجة هذه المجامع وانحياز المبراطور الروماني لوثنية‬
‫روما في شكلها الجديد واضطهاد الدولة الرومانية لتباع أريوس‬
‫فإنه ظل من النصارى من يعبد الله وحده واستمر من عقلء‬
‫النصارى ومصلحيهم من كل جيل من يستيقظ عقله ليعلن فساد‬
‫‪186‬‬

‫مبدأ التثليث والتجسد من حين لخر فيناله ما يناله من التهام‬
‫بالهرطقة والتكفير والحرمان من دخول الجنة من الكنيسة حتى‬
‫بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فانتصر لتباع التوحيد‬
‫وأصبحوا ظاهرين من حينها و تولت أمة السلم أمر الدعوة إلى‬
‫عبادة الله وحده و ما زال يلبي هذه الدعوة إلى اليوم كل من‬
‫استمع لنداء عقله وفطرته وقلبه من علماء النصارى وعوامهم‬
‫على السواء‪[92].‬‬
‫على أن فساد النصرانية لم يقتصر في أمر اللوهية ولكن جعلت‬
‫الكنيسة لنفسها سلطة مغفرة الذنوب ودخول الجنة وجعلت‬
‫لذلك صكوكا فأقحمت نفسها بين العبد وربه و احتكرت لنفسها‬
‫حق تفسير النجيل بل وقراءته ]‪[93‬وجعلت لنفسها أسرارا ل‬
‫يجوز للناس الطلع عليها و أدخلت بدعة تقديس مريم عليها‬
‫السلم وتقديس أشخاص عاديين وبدعة القربان المقدس وادعت‬
‫عصمة البابا]‪[94‬بل صار البابا يتلقى من الرب مباشرة وجعلت‬
‫السجود للصور والتماثيل والصلبان كعباد الوثان داخل الكنائس‪-‬‬
‫وهي جمادات ل تنفع ول تضر‪[95] -‬فأصبح تعلق النصراني بتمثال‬
‫المسيح وصورته والصليب بعد أن كان بالله و وبدلت التشريعات‬
‫التي كانت سائدة أيام المسيح كالصوم وحرمت الطلق وحولت‬
‫اتجاه القبلة من بيت المقدس إلى مشرق الشمس وابتدعت‬
‫الرهبنة التي تقوم على تعذيب الجسد وأوقدت شرارة سلسلة‬
‫من الحروب الهمجية عرفت في التاريخ باسم الحروب الصليبية‬
‫و صادرت الكنيسة عقول الناس وأفكار العلماء واضطهدتهم‬
‫فأشعلت الصراع النكد مع العلم وظلت أوروبا تعيش في عصور‬
‫الظلم مئات السنين حتى نبذ أهلها الدين وضاقوا ذرعا بتسلط‬
‫الكنيسة وطغيانها فظهرت عدة ثورات وحركات إصلحية]‬
‫‪[96‬نادت بالتحرر من سلطة الكنيسة وُرِفع شعار اللدينية وحينها‬
‫فقط بدأ ما يعرف بعصر النهضة الوروبية!!‬
‫يكتبون الكتاب بأيديهم‬
‫َ‬
‫فَوَي ْ ٌ‬
‫هـ َ‬
‫ه‬
‫م يَ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫عند ِ الل ّ ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ب ب ِأي ْ ِ‬
‫ل ل ّل ّ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن ال ْك َِتا َ‬
‫ن ي َك ْت ُُبو َ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ديهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫منا ً قَِليل ً‬
‫ل ِي َ ْ‬
‫شت َُروا ْ ب ِهِ ث َ َ‬
‫أنزل الله على عيسى عليه السلم النجيل وقال عنه في‬
‫دى‬
‫ن ي َد َي ْهِ ِ‬
‫ن الت ّوَْراةِ وَهُ ً‬
‫ص ّ‬
‫القرآن)ِفيهِ هُ ً‬
‫دقا ً ل ّ َ‬
‫دى وَُنوٌر وَ ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫ن( و هذا الكتاب المبارك هو الذي كان يسمى‬
‫عظ َ ً‬
‫مو ْ ِ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ة ل ّل ْ ُ‬
‫وَ َ‬
‫قي َ‬
‫بالنجيل فقط غير منسوب إلى مؤلف من البشر وقد علمه‬
‫المسيح عليه السلم لتلميذه ووردت إشارات عنه في الكتاب‬
‫المقدس ]‪[97‬إل أنه يبدو أن هذا النجيل قد تعرض للفقد مع‬
‫معظم كتابات التلميذ التي كانوا يكتبون فيها مذكراتهم و‬
‫‪187‬‬

‫تسجيلهم للحداث ووصاياهم وقد عرفت أيضا باسم الناجيل إثر‬
‫المحاولت الغاشمة من الكنيسة للقضاء عليها وحرقها وقتل‬
‫مقتنيها‪ .‬و قد بلغت هذه الكتب أكثر من خمسين إنجيل و منها‬
‫إنجيل برنابا وإنجيل الطفولة وُينسب لمتى الحواري وإنجيل‬
‫فيليب وُينسب لفيليب الحواري وإنجيل المصريين وُينسب‬
‫لمرقص الحواري و إنجيل الثنى عشر رسول و إنجيل العبرانيين‬
‫أو الناصريين و إنجيل السبعين وينسب لتلمس وإنجيل مريم‬
‫المجدلية وإنجيل الحياة وإنجيل الولدة وإنجيل التذكرة وإنجيل‬
‫مرقيون وقد تم رفض أكثر هذه الناجيل بعد مجمع نيقية وبقيت‬
‫شذرات منها في المكتبات القديمة إل أن إنجيل برنابا منها هو‬
‫الذي ذاع صيته وانتشر و ترجم إلى لغات عديدة‪ .‬وقد جاء ذكر‬
‫إنجيل برنابا في ثنايا قرارات الكنسية منذ القرن الرابع الميلدي‬
‫تحرض على منع قراءته مثل قرار البابا ديماسوس عام ‪ 366‬م‬
‫وقرار البابا جلسيوس الول الذي جلس على كرسي البابوية عام‬
‫‪ 492‬م يحرم فيه قراءة عدة كتب منها إنجيل برنابا‪.‬ويتفق‬
‫المؤرخون على أن أقدم نسخة عثروا عليها لهذا النجيل‪ ،‬نسخة‬
‫مكتوبة باللغة اليطالية‪ ،‬عثر عليها كريمر أحد مستشاري ملك‬
‫بروسيا‪ ،‬و ذلك فى سنة ‪ .1709‬و قد انتقلت النسخة مع بقية‬
‫مكتبة ذلك المستشار فى سنة ‪ 1738‬إلى البلط الملكي بفيّنا‪ .‬و‬
‫كانت تلك النسخة هى الصل لكل نسخ هذا النجيل في اللغات‬
‫التي ترجم إليها‪ .‬وبرنابا كاتب هذا النجيل هو أحد حواريي‬
‫المسيح‪ ،‬واسمه يوسف بن لوي بن إبراهيم وجاء في العهد‬
‫الجديد أنه باع حقله وجاء ووضعه عند أرجل تلميذ المسيح)انظر‬
‫أعمال ‪ ،(37 – 5/36‬عرف بصلحه وتقواه وقد ذهب برنابا‬
‫للدعوة في أنطاكية‪" ..‬ووعظ الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم‬
‫القلب‪ ،‬لنه كان رجل ً صالحا ً وممتلئا ً في الروح القدس واليمان‪،‬‬
‫فانضم إلى الرب جمع غفير ")أعمال ‪ (24 – 11/22‬و يعتبر‬
‫إنجيل برنابا وثيقة إدانة ضد التحريف الذي أحدثه بولس الكذاب‬
‫وبابوات الكنيسة من بعده في النصرانية وشاهدا على صدق‬
‫النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ أنه يقر بوحدانية الله عز‬
‫وجل و ببشرية المسيح عليه السلم ويبشر برسول السلم‬
‫باسمه الصريح محمد لذا لم تعترف به الكنيسة وحرمت قراءته‬
‫ولكن يأبى الله إل أن يتم نوره فالكتاب مترجم للعربية ومتاح‬
‫للجميع]‪[98‬وهذا ل يعني أنه خالي من الخطاء فهو كأي عمل‬
‫بشري معرض لذلك لكنه أقرب الناجيل إلى الصواب‪ .‬وهذه‬
‫إحدى فقراته يبشر المسيح فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم "‬
‫فأجاب يسوع‪....‬الحق أقول لكم إن كل نبى متى جاء فإنه إنما‬
‫‪188‬‬

‫يحمل علمة رحمة الله لمة واحدة فقط‪ .‬و لذلك لم يتجاوز‬
‫كلمهم الشعب الذى أرسل إليهم‪ .‬و لكن رسول الله متى جاء‪.‬‬
‫يعطيه الله ما هو بمثابة خاتم‪ .‬فيحمل خلصا و رحمة لمم الرض‬
‫الذين َيقبلون تعليمه‪ .‬و سيأتى بقوة على الظالمين‪ .‬و يبيد عبادة‬
‫الصنام بحيث يخزى الشيطان‪ .‬لّنه هكذا وعد الله إبراهيم‬
‫قائل)أنظر فإني بنسلك أبارك كل قبائل الرض و كما ح ّ‬
‫طمت يا‬
‫إبراهيم الصنام تحطيما هكذا سيفعل نسلك"(‪.‬‬
‫أما التوراة فلم تسلم هي الخرى من التلعب والتحريف فقد آتى‬
‫الله موسى الكتاب فيه هدى ونور ومن كل شيء موعظة‬
‫وتفصيل لكل شيء لكن أحبار السوء الذين ورثوا الكتاب كانوا‬
‫يشترون به ثمنا قليل فيخفون كثيرا من أجزائه للهروب من‬
‫أحكامه غالبا وكسب المال ويكتبون بدل منها كتبا بأيديهم ثم‬
‫يقولون هذا من عند الله حتى تحول الكتاب إلى هذه المجموعة‬
‫المشوهة أخلقيا وعلميا من السفار التي تعرف بالعهد القديم‬
‫بعضها لمؤلفين مجهولين كما ذكر مراجعو الطبعة المنقحة‬
‫‪RSV‬مثل سفر صموئيل وسفر أخبار اليام]‪[99‬والتي ل نجد بينها‬
‫ن‬
‫التوراة كما كانت على عهد موسى‪ .‬وصدق الله إذ يقول)وَإ ِ ّ‬
‫فريقا ً يل ْوو َ‬
‫و‬
‫سُبوه ُ ِ‬
‫ن أل ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ب ل ِت َ ْ‬
‫َ ُ َ‬
‫ح َ‬
‫ب وَ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬
‫سن َت َُهم ِبال ْك َِتا ِ‬
‫ما هُ َ‬
‫م َ‬
‫م لَ َ ِ‬
‫هّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ب وَي َ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫عند ِ الل ِ‬
‫ما هُوَ ِ‬
‫ن هُوَ ِ‬
‫ِ‬
‫قولو َ‬
‫عند ِ اللهِ وَ َ‬
‫ن الك َِتا ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ن( وهذا ل يمنع أن يكون‬
‫وَي َ ُ‬
‫مو َ‬
‫ن ع ََلى الل ّهِ ال ْك َذ ِ َ‬
‫قوُلو َ‬
‫م ي َعْل َ ُ‬
‫ب وَهُ ْ‬
‫في هذه السفار أثارة من علم النبياء وبقايا من وحي السماء‪،‬‬
‫لكنها غارت في بحور من تخليط البشر وتحريفهم وسترى أمثلة‬
‫على ذلك ولذلك فإن فَِرق النصارى مختلفون في كتابهم‬
‫المقدس أشد الختلف فتجد مثل البروتوستانت ‪-‬وهم أشد الفرق‬
‫تعظيما له ولذلك سموا بالنجيليين‪ -‬ل يعترفون بسبعة أسفار من‬
‫كتاب الكاثوليك وتوجد اختلفات كثيرة في السفار المعترف بها‬
‫لديهم بين كتابهم وكتاب الكاثوليك فأي الكتابين هو الصحيح؟؟‬
‫هذا بالضافة للسفار المفقودة ومشار إليها في ثنايا العهد القديم‬
‫مثل كتاب حروب الرب المذكور في سفر العدد ‪14:21‬و كتاب‬
‫ياشر المذكور في يشوع ‪.10:13‬‬
‫و أما الناجيل المعترف بها اليوم‪ -‬وهي إنجيل مّتى‪ ،‬وإنجيل‬
‫مرقص‪ ،‬وإنجيل لوقا‪ ،‬وإنجيل يوحنا التي ضمنتها الكنيسة مع‬
‫رسائل بولس و بقايا التوراة المحرفة في كتاب واحد أسمته‬
‫الكتاب المقدس فبالرغم من أي من كتـاب هذه الناجيل لم يدع‬
‫اللهام لنفسه وإنما اعترف بعضهم بأن ما كتبه هو مجرد تسجيل‬
‫للحداث حسبما يراها هو فإن الكنيسة تصر على هذه الدعوة‬
‫ولكن ما بهذه الناجيل من أخطاء وتناقضات]‪[100‬يكشف زيف‬
‫‪189‬‬

‫هذه الدعوة بكل وضوح‪ .‬يقول روبرت كيل تسلر]‪[101‬في كتاب‬
‫حقيقة الكتاب المقدس‪ " :‬أما ما يخص العهد الجديد فإن النص‬
‫ون بين أعوام)‬
‫الصلي ‪-‬وهو ليس لدينا كما ذكرنا من قبل ‪ -‬قد تك ّ‬
‫‪ (50‬و)‪ (200‬بعد الميلد‪ ،‬وهذه مدة كبيرة من الزمن بعد وفاة‬
‫يسوع‪ ،‬بل إن)‪ (50‬سنة لتعد أيضا ً فترة زمنية كبيرة وفي هذا‬
‫الزمن استطاعت بعض الساطير أن تجد لها طريقا ً تنتشر فيه‪،‬‬
‫في وقت لم يعد فيه شهود عيان عند تكوين معظم النصوص‬
‫الصلية وهنا يجب علينا أن نتذكر‪ :‬كم من الساطير نشأت فقط‬
‫بعد عدة سنوات بسيطة من حريق جيوفارا؟ " وإذا لم تكن‬
‫مصدقا بوجود الشاعات في الناجيل فقل لي بربك من أين‬
‫عرف المؤلفون الحداث التي تلت القبض على شبيه المسيح إذا‬
‫كان كل التلميذ قد تركوه وهربوا كما هو مذكور في متى ‪56:26‬‬
‫ومرقس ‪ 50:14‬إل عن طريق الشاعات؟‬
‫أول هذه الخطاء هي نسبة الناجيل نفسها لصحابها فهي نسبة‬
‫تعتريها الشكوك وتحوم حولها الشبهات من كل جانب‪.‬أما بالنسبة‬
‫لنجيل يوحنا فقد كتب في أواخر القرن الول الميلدي في حين‬
‫أن يوحنا الحواري كما يقول بعض المؤرخين مات مشنوقا سنة‬
‫‪44‬م على يد غريباس الول وهو كما يذكر مؤلفه مكتوب خصيصا‬
‫لثبات إلوهية المسيح فقد ظلت الناجيل نحو قرن من الزمان‬
‫ليس فيها نص على إلوهية المسيح فالساقفة اعتنقوا إلوهية‬
‫المسيح قبل وجود النص الذي يدل عليها ولما أرادوا أن يحتجوا‬
‫على خصومهم لم يجدوا مناصا من أن يلتمسوا دليل ناطقا بذلك‬
‫فكتب أحدهم أو بعضهم هذا النجيل]‪ .[102‬تقول دائرة المعارف‬
‫البريطانية‪" :‬يعتقد كثير من العلماء أن نسبة هذا النجيل إلى‬
‫يوحنا الحواري غير صحيحة"]‪ [103‬وجاء في الترجمة المسكونية‬
‫للنجيل كلم مماثل لذلك‪ .‬ولول خشية التطويل لذكرت أراء عددا‬
‫من الباحثين بأسمائهم ولكن أكتفي بذكر كلم القس فهيم عزيز‬
‫بعد طرحه لسؤال من كاتب إنجيل يوحنا‪ :‬يجيب القس فهيم‬
‫عزيز‪ " :‬هذا السؤال صعب‪ ،‬والجواب عنه يتطلب دراسة واسعة‬
‫غالبا ً ما تنتهي بالعبارة‪ :‬ل يعلم إل الله وحده من الذي كتب هذا‬
‫النجيل "‪ .‬وهذه شهادة من أهلها ل تحتاج معها لشهادة أخرى‪.‬‬
‫أما إنجيل متى فقد جاء في مقدمة الرهبانية اليسوعية لنجيل‬
‫متى‪ " :‬أما المؤّلف‪ ،‬فالنجيل ل يذكر عنه شيئا ً وأقدم تقليد‬
‫كنسي ينسبه إلى الرسول متى‪ ..‬ولكن البحث في النجيل ل‬
‫يثبت ذلك الرأي أو يبطله على وجه حاسم‪ ،‬فلما كنا ل نعرف‬
‫اسم المؤلف معرفة دقيقة يحسن بنا أن نكتفي ببعض الملمح‬
‫المرسومة في النجيل نفسه‪." ...‬‬
‫‪190‬‬

‫أما مرقس ولوقا فلم يكونا من تلميذ المسيح عليه السلم يقول‬
‫المفسر دنيس نينهام مفسر مرقس‪ " :‬لم يوجد أحد بهذا السم‬
‫عرف أنه كان على صلة وثيقة‪ ،‬وعلقة خاصة بيسوع‪ ،‬أو كانت له‬
‫شهرة خاصة في الكنيسة الولى "‪ .‬وقال بطرس قرماج في‬
‫كتابه " مروج الخبار في تراجم البرار " عن مرقس‪" :‬كان ينكر‬
‫ألوهية المسيح "‪ .‬وأما لوقا فقد كفانا عناء البحث في أقوال‬
‫المؤرخين إذ يقول بنفسه في مقدمة إنجيله " إذ كان كثيرون قد‬
‫أخذوا بتأليف قصة في المور المتيقنة عندنا‪ ،‬كما سلمها إلينا‬
‫الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما ً للكلمة‬
‫رأيت أنا أيضا ً ‪ -‬إذ قد تتبعت كل شيء من الول بتدقيق ‪ -‬أن‬
‫أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس‪ ،‬لتعرف صحة الكلم‬
‫ت به " فالذين كانوا في البدء هم التلميذ و هو يعلن‬
‫الذي عّلم َ‬
‫أنه لم يكن معهم‪[104] .‬‬
‫أما عن النسخ الصلية التي كتبت منها هذه الناجيل فيقول‬
‫موريس نورن في " دائرة المعارف البريطانية "‪ " :‬إن أقدم‬
‫نسخة من الناجيل الرسمية الحالية كتب في القرن الخامس بعد‬
‫المسيح‪ ،‬أما الزمان الممتد بين الحواريين والقرن الخامس فلم‬
‫يخلف لنا نسخة من هذه الناجيل الربعة الرسمية‪ ،‬وفضل ً عن‬
‫استحداثها وقرب عهد وجودها منا‪ ،‬فقد حرفت هي نفسها تحريفا ً‬
‫ذا بال‪ ،‬خصوصا ً منها إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا" وهذا يعني أن‬
‫هذه الناجيل منقطعة السند]‪[105‬فضل عن أن هذه النسخ‬
‫القديمة ليست باللغة الصلية التي كتبت بها الناجيل ول ُيعلم من‬
‫ترجمها ول متى ترجمت!! ول توجد أي طريقة علمية لثبات أن‬
‫هذه النسخ هي نفسها التي كانت موجودة في القرنين الول‬
‫والثاني الميلدي إل المقارنة بين عدة نسخ من هذه المخطوطات‬
‫لنفس النجيل ل تعتمد على بعضها البعض وحينها لن تكون‬
‫المقارنة بالتأكيد في صالح الكتاب المقدس!! حتى عملية النسخ‬
‫نفسها قبل اختراع الطباعة ل يمكن التسليم بدقتها نظرا لنه لم‬
‫يكن محفوظا عن ظهر قلب في صدور الرجال كالقرآن ولتغير‬
‫اللغة ومعاني الكلمات عبر القرون المتطاولة فضل عن أن‬
‫اللغات مختلفة في ثرائها اللغوي عن بعض وقد توجد كلمات في‬
‫لغة ل يوجد نظير لها في لغة أخرى لذا ل يمكن التسليم بالدقة‬
‫الكاملة لمن ترجم كلم المسيح مثل من الرامية ثم إلى اليونانية‬
‫ثم إلى اللتينية والعربية وأي ادعاء بأن الكتاب الحالي هو كتاب‬
‫مقدس يلزم أن يكون جميع المترجمين الذين ترجموه قديسين‬
‫أو موحي إليهم من الروح القدس فهل تضمن الكنيسة ذلك؟ ]‬
‫‪[106‬‬
‫‪191‬‬

‫لكن حدث اكتشافان أثريان هامان في أواسط القرن العشرين‬
‫قد يؤديان لحدوث انقلب في النظرة للكتاب المقدس والعقيدة‬
‫النصرانية من أساسها‪ .‬الول هو مخطوطات كثيرة ترجع للقرن‬
‫الول الميلدي]‪[107‬أو قبله تخص جماعات مسيحية موحدة‬
‫عاشت في هذه الفترة عثر عليها أحد البدو صدفة داخل أوان من‬
‫الفخار في كهوف قمران بجوار البحر الميت عام ‪ 1947‬لذا هي‬
‫تعرف بمخطوطات البحر الميت))‪ .Dead Sea Scrolls‬هذه‬
‫المخطوطات كتب عنها الدكتور ف‪ .‬البراين و هو عمدة في علم‬
‫آثار النجيل‪ " :‬إنه ل يوجد أدني شكل في العالم حول صحة هذا‬
‫المخطوط و سوف تعمل هذه الوراق ثورة في فكرتنا عن‬
‫المسيحية‪ ،‬و قال عنها القس)أ‪ .‬باول ديفيز( في كتابه عن‬
‫مخطوطات البحر الميت]‪)[108‬إن مخطوطات البحر الميت و‬
‫هي من أعظم الكتشافات أهمية منذ قرون عديدة‪ ،‬قد تغير‬
‫الفهم التقليدي للنجيل(‪ .‬ويعتقد كثير من العلماء أن هذه‬
‫المجموعة التي كتبت المخطوطات هي من السينيين ويعتقد‬
‫آخرون أنهم من البيونيين الذين كانوا يعتقدون بوحدانية الله‬
‫وبشرية المسيح عليه السلم و تنكروا لبولس الكذاب و قد‬
‫اضطهدهم الرومان‪ .‬وتتحدث الوثائق صراحة عن التنبؤ بمسيحين‬
‫سوف يرسلهما الله للعالم أحدهما سيكون من نسل هارون‬
‫وإسرائيل)يعقوب( عليهما السلم و ستكون مهمته محصورة في‬
‫التوجيه الديني)‪ (priestly messiah‬ويسميه أتباعه بمعلم البر والتقوى)‬
‫‪ (Teacher of Righteousness‬ولكن أحد الكهنة وهو الكاهن الشرير‬
‫‪ Wicked)(Priest‬سوف يخونه من أجل المال ويحاول تسليمه لعدائه‬
‫لكن الله يعاقبه هو بأن يسلمه إليهم و يجعلهم يقتلونه وتتحدث‬
‫أيضا المخطوطات عن الكذاب)‪[Man of lies)[109‬الذي لوث اسم‬
‫المعلم واحتقر التعاليم وأضل الكثيرين وواضح أن معلم البر‬
‫والتقوى هو المسيح عليه السلم والكاهن الخائن هو يهوذا الذي‬
‫دل الرومان على مكانه فمكر الله به وألقى عليه شبه المسيح‬
‫وأما الكذاب فهو بولس الذي لوث اسم المسيح ونسب إليه ما‬
‫لم يقله وأضل المليين من بعده‪ .‬وأما المسيح الخر الذي تتحدث‬
‫عنه المخطوطات فهو الذي سوف تشرق شمسه على كل العالم‬
‫لتبدد الظلمات وسوف تكون كلماته كوحي السماء وسوف يحكم‬
‫سيفه على جميع العالم وسوف ُيرسل لجميع أبناء عصره و يمحو‬
‫الجيل الذي بعث فيه الشر من العالم وسوف يختلق الناس‬
‫الكاذيب عنه]‪ [110‬وقد وردت له ولصحابه صفات كثيرة في‬
‫هذه المخطوطات تنطبق على النبي محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫وأصحابه ويمكنك أن تقرأ في هذه المخطوطات بنفسك فهي‬
‫‪192‬‬

‫موجودة في العديد من المكتبات العامة ومترجمة للعربية‬
‫والنجليزية وموجود فصول منها على النترنت‪.‬‬
‫وأما الكتشاف الثاني فهو مكتبة كاملة من الكتابات المسيحية‬
‫القديمة عثر عليها في نجع حمادي ‪((Nag Hammadi Library‬بمصر وهي‬
‫موجودة الن بالمتحف القبطي في القاهرة و من ضمن محتويات‬
‫هذه المكتبة إنجيل توماس)توما( وهو يحوي سردا لقوال المسيح‬
‫عليه السلم وإنجيل فيليب وإنجيل الحق وإنجيل المصريين‪ ،‬إلى‬
‫جانب بعض كتابات منسوبة للحواريين‪ ،‬مثل كتاب جيمس‪-‬‬
‫يحمس في المصرية‪ -‬و بعكس الناجيل الربعة المعروفة فلم يرد‬
‫أي ذكر لقصة الصلب المزعومة في مكتبة نجع حمادي بل ورد‬
‫تكذيب صريح لها‪ .‬و محتويات هذه المكتبة أيضا مترجمة ومتاحة‬
‫للباحثين ومن أمثلة ما ورد في إنجيل بطرس على لسان‬
‫بطرس)رأيته يبدو وكأنهم يمسكون به فقلت ما هذا الذي أراه يا‬
‫سيد هل هو أنت حقا من يأخذون؟ أم أنهم يدقون قدمي ويدي‬
‫شخص آخر قال لي)المخلص( من يدقون المسامير في يديه‬
‫ي شبهه في العار‬
‫وقدميه هو البديل فهم يضعون الذي بقي ف ّ‬
‫ى( وتدل الرسومات الموجودة على أغلفة‬
‫انظر إليه وانظر إل ّ‬
‫مجلدات هذه المكتبة على أن المسيحيين الوائل في مصر كانوا‬
‫يتخذون مفتاح الحياة الذي يرمز لخلود الروح عند المصريين‬
‫القدماء كرمز للمسيح عليه السلم وليس الصليب الروماني‬
‫المعروف الن و من يذهب إلى المتحف القبطي في القاهرة يجد‬
‫أن مفتاح الحياة هو الصليب الوحيد الذي يرمز لقيامة المسيح‬
‫خلل القرون الثلثة الولى للميلد‪ .‬ولم تستخدم الكنائس‬
‫المسيحية الصليب الروماني إل منذ النصف الثاني من القرن‬
‫الرابع عندما أصبحت كنيسة روما مسيطرة على الحركة‬
‫المسيحية‪ ،‬ومع هذا فإن ذلك الصليب لم يصبح مقبول لدى عامة‬
‫المسيحيين إل بعد أن أعلنت الكنيسة الرومانية عن العثور في‬
‫مدينة القدس على ما قيل إنه الصليب الخشبي الذي مات عليه‬
‫يسوع‪ .‬ثم تطور المر بعد ذلك‪ -‬خلل القرن الخامس‪ -‬عندما‬
‫وضعت الكنيسة الرومانية صور لجسد المسيح على الصليب‬
‫الخشبي‪[111].‬‬
‫إذا عدنا إلى الكتاب المقدس الموجود بين أيدي الناس اليوم‬
‫على اختلف نسخه ‪ -‬وأخذنا ننظر في متنه وجدنا عجًبا بدًءا من‬‫التناقضات الصارخة بين رواية مؤلفي هذا الكتاب للحداث و‬
‫القصص الخيالية التي نسجت عن المسيح بل عن الله عز وجل‬
‫التي ل يمكن أن يقبلها عقل و الكلم الفاحش الذي يتناول‬
‫الجنس و النساء بصورة خارجة عن الحياء ونسبة جميع الخطايا‬
‫‪193‬‬

‫للنبياء بدءا من شرب الخمر والسرقة حتى الزنا والكفر بالله عز‬
‫وجل مما أدى لظهور علم كامل في الغرب يعرف بعلم نقد‬
‫الكتاب المقدس]‪[112‬يعتمد على إجراء البحوث العصرية و‬
‫المقارنة بين النسخ والمخطوطات الموجودة لمعرفة الخطاء‬
‫الموجودة في هذا الكتاب والتي أوصلها بعضهم إلى ما يزيد عن‬
‫‪ 20‬ألف خطأ!! ]‪[113‬‬
‫وإذا أردت أمثلة فأول هذه الختلفات التي تلفت النظر هي‬
‫التباين الصارخ في سلسلة نسب المسيح بين إنجيلي متى ولوقا‬
‫فهما مختلفان اختلفا يصعب الجمع بينهما سواء في عدد أجداد‬
‫المسيح أو في أسمائهم ومثال ذلك عندما وصلت السلسلة إلى‬
‫داود عليه السلم جعل متى المسيح من ولد سليمان الملك بينما‬
‫جعله لوقا من ولد ناثان بن داود وهما أخوان ول يعقل أن يكون‬
‫المسيح من ذرية أخوين!! ثم إذا تأملت في سلسلة متى ستجد‬
‫أنه ذكر للمسيح أربع جدات هن ثامار وراحاب وراعوث و وزوجة‬
‫داود التي كانت لوريا الحثي و لكل واحدة من هؤلء الربع سوءة‬
‫تذكرها التوراة‪ ،‬فأما ثامار فهي التي ولدت فارص‪-‬وهو مذكور‬
‫ضمن أجداد المسيح‪ -‬زنا من والد أزواجها الذين تعاقبوا عليها‬
‫واحدا ً بعد واحد‪).‬انظر قصتها مع يهوذا في التكوين ‪.(30 - 38/2‬‬
‫وأما زوجة أوريا الحثي فهي التي تتهم التوراة ‪ -‬زورا ً ‪ -‬داود بأنه‬
‫فجر بها‪ ،‬فحملت‪ ،‬ثم دفع داود بزوجها إلى الموت‪ ،‬وتزوجها بعد‬
‫وفاته‪).‬انظر القصة الكاذبة في صموئيل)‪ .(4 - 11/1 (2‬وأما‬
‫راحاب زوجة سلمون‪ ،‬وأم بوعز‪ ،‬وكلهما من أجداد المسيح ‪-‬‬
‫حسب متى ‪ ،-‬فراحاب هي التي قال عنها يشوع‪" :‬امرأة زانية‬
‫اسمها راحاب ")يشوع ‪ ،(2/1‬وذكر قصة زناها في سفره‪ .‬وأما‬
‫راعوث فهي راعوث المؤابية والتوراة تقول‪ " :‬ل يدخل عموي ول‬
‫مؤابي في جماعة الرب‪ ،‬حتى الجيل العاشر ")التثنية ‪.(3 / 23‬‬
‫ولحسن الحظ هذه المرة فإن المسيح ليس داخل ً في هذا الطرد‬
‫من جماعة الرب‪ ،‬إذ هو الجيل الثاني والثلثون لها]‪ .[114‬فهل‬
‫يعقل أن يكون المسيح عليه السلم ولد زنا؟؟! إن اعتقاد بطلن‬
‫هذه القصص الكاذبة أهون بكثير من اعتقاد أن أجداد المسيح‬
‫زناة‪ .‬لكن الدهى من ذلك وأمّر هو أن كل من النجيلين بدل من‬
‫أن ينسب المسيح إلى مريم عليها السلم نسبه إلى يوسف‬
‫النجار!! أي أن هذه السلسلسة الطويلة من النسب هم أباء‬
‫وأجداد يوسف النجار وليسوا أباء المسيح فما هي علقة المسيح‬
‫بيوسف النجار؟؟ ترى هل خاف كاتبا النجيل من اليهود فنسبا‬
‫إلى مريم ما كان اليهود يرمونها به زورا وبهتانا فجعلوا المسيح‬
‫من ذرية يوسف النجار؟؟‬
‫‪194‬‬

‫و ل يقف التناقض بين الناجيل عند نسب المسيح ولكن‬
‫الختلفات بينها تشمل أسماء تلميذ المسيح الثنى عشر إذ يقدم‬
‫العهد الجديد أربع قوائم للتلميذ الثني عشر تختلف كل واحدة‬
‫عن الخرى في متى)‪ ،(4 - 10/1‬ومرقس)‪ ،(3/16‬لوقا)‪(6/14‬‬
‫وأعمال)‪ .(1/13‬وكذا تشمل الختلفات رواية أحداث كثيرة تروى‬
‫عن المسيح بل وتجد التناقض على لسان المسيح نفسه فمثل‬
‫تجد في متى)‪ (14 :11‬المسيح يقول عن يحيى أنه إيلي وفي‬
‫يوحنا)‪)28-19 :1‬يحيى ينكر أنه إيليا و في إنجيل متى ‪-18 :16‬‬
‫‪ 19‬سمى المسيح سمعان بطرس وأعطاه مفاتيح ملكوت‬
‫ً‬
‫السموات وقال له كل ما تربطه على الرض يكون مربوطا في‬
‫السماوات‪ ،‬وكل ما تحله على الرض يكون محلول ً في السماوات‬
‫بينما في نفس الصفحة قال له " اذهب عني يا شيطان‪.‬أنت‬
‫معثرة لي"‪ 23 :16‬ويذكر يوحنا أن المسيح قضى ثلثة أعياد‬
‫فصح في نبوته بينما تذكر الناجيل الثلثة الخرى أن المسيح‬
‫مارس النبوة عاما واحدا …إلى غير ذلك من عشرات بل مئات‬
‫الختلفات الصارخة في نصوص العهد القديم والجديد على‬
‫السواء مثل التناقضات بين روايات حادثة الصلب المشار إليها‬
‫آنفا فهل يا ترى يوحي الله بكلم يناقض بعضه بعضا؟ حاشاه‬
‫وكل‪ .‬إذا لبد أن هذه الروايات هي من كلم بشر يخطئون‬
‫ويصيبون ويتعصبون ويتقلبون وأما أن يأتوا بكلم مقدس من عند‬
‫أنفسهم فهذا ما ل يستطيعون! كل هذه التناقضات دعت الب‬
‫كاننجسير ‪Kannengiesser‬أستاذ معهد باريس الكاثوليكي في كتابه‬
‫اليمان بالقيامة وقيامة اليمان]‪[115‬أن يقول ما معناه‪ " :‬ل‬
‫ينبغي اعتبار روايات الناجيل حقائق لنها نصوص مكتوبة تبعا‬
‫للمناسبة أو نتيجة نضال جماعات متصارعة تسعى كل منها لنفاذ‬
‫نظرتها " وذكر الب روجيت ‪ Roguet‬من باريس أيضا في كتابه‬
‫مقدمة للناجيل كلما مثل هذا ]‪[116‬و أما عن النبؤات الكاذبة‬
‫التي لم يحدث أي منها إلى الن فلم يبخل مؤلفو العهد الجديد‬
‫بها ومن أظهرها نبوءة المسيح في)متى ‪ (34-24:29‬بأن القيامة‬
‫ستحدث في حياة الجيل الذي كان معه وقد مضى أكثر من‬
‫أربعين جيل ولم تقم القيامة!!‬
‫وأما عن نسبة النقائص لله عز وجل فالكتاب المقدس قد صور‬
‫الرب تبارك وتعالى بصورا ً ل تليق أبدا ً بجلله سبحانه وتعالى‪،‬‬
‫ووصفه بأقبح الصفات‪ .‬فمثل تجد في سفر صموئيل الثاني ] ‪:22‬‬
‫‪ [ 9‬أن الرب له أنف يخرج منه دخان وله فم يخرج منه نار)كتنين‬
‫ضخم( يقول كاتب السفر‪):‬عندئذ ارتجت الرض وتزلزلت‪.‬‬
‫ارتجفت أساسات السماوات واهتزت لن الرب غضب‪ .‬نفث أنفه‬
‫‪195‬‬

‫دخانا‪ ،‬و نار آكلة من فمه‪ ،‬جمر اشتعلت منه‪ (..‬بينما يجعل‬
‫صاحب سفر ناحوم ] ‪[ 3 :1‬السحاب غبار رجل الله!!!‬
‫يقول)طريق الرب في الزوبعة والعاصفة‪ ،‬والغمام غبار قدميه(‬
‫أما صاحب سفر العدد فإنه يصف الرب بأنه)يجثم كأسد‪ ،‬ويربض‬
‫كلبوة‪ !![ 9 :24 ] (.‬و ل يختلف مؤلف المزمور كثيرا عن أصحابه‬
‫فإنه شبه الرب تبارك وتعالى بأنه ينام ويسكر ويصرخ عاليا ً من‬
‫شدة الخمر فيقول في ] ‪))[ 65 :78‬فاستيقظ الرب كنائم كجبار‬
‫معيط من الخمر يصرخ عاليا ً من الخمر(()تعالى الله عما‬
‫يصفون( إلى غير ذلك من نصوص العهد القديم التي تجعل الرب‬
‫يصارع النسان بل وُيهزم ويتعب وينسى ويغار و يبكي و يحزن‬
‫ويندم لنه خلق النسان ‪ -‬التكوين ] ‪ [ 5 :6‬و أما في العهد‬
‫الجديد فإن صاحب سفر رؤيا يوحنا يجعل الله في صورة خروف‬
‫له سبعة قرون وسبع أعين)هؤلء سيحاربون الخروف والخروف‬
‫ب الرباب وملك الملوك ] ‪ !!([ 14 :17‬ويتحدث‬
‫يغلبهم لنه ر ّ‬
‫العهد الجديد أيضا بسوء أدب عن الله قائل "الروح يفحص كل‬
‫شيء حتى أعماق الله")كورنثوس)‪ .(2/10 (1‬وينسب الكتاب‬
‫المقدس لله المر بالزنا والسرقة فأول ما يبدأ به هوشع سفره‬
‫يقول‪ ":‬أول ما كلم الرب هوشع قائ ً‬
‫ل‪ :‬اذهب خذ لنفسك امرأة‬
‫زانية وأولد زنى لن الرض قد زنت زنى" فهل يعقل أن يكون‬
‫هذا الكلم وحي من عند الله؟ أما المسيح عليه السلم فلم‬
‫يسلم أيضا من سوء أدب مؤلفي العهد الجديد المجهولين ولم‬
‫يقف الفتراء إلى جعل المسيح من ذرية زناة ولكنهم ذكروا أن‬
‫الشيطان قد أخذ المسيح عليه السلم لكي يختبره وصعد به فوق‬
‫قمة جبل‪)-‬متى ‪ !!(15-1:1‬فهل يمكن أن يكون المسيح نبيا ثم‬
‫يكون للشيطان سلطان عليه؟]‪[117‬فماذا لو كان إلها أو ابنا‬
‫للله؟!! كما اتهموا المسيح أيضا بشرب الخمر‪-‬وهو ما يخالف‬
‫تعاليم التوراة‪ -‬في قوله لليهود‪" :‬جاء ابن النسان يأكل ويشرب‪.‬‬
‫فيقولون‪ :‬هوذا إنسان أكول وشريب خمر‪ ،‬محب للعشارين‬
‫والخطاة")متى ‪ .(11/9‬و اتهموه بقسوة القلب فينقل لوقا عن‬
‫المسيح أمرا ً غريبا ً قاله للجموع التي تتبعه‪ " :‬إن كان أحد يأتي‬
‫إلي‪ ،‬ول يبغض أباه وأمه وأولده وإخوانه حتى نفسه أيضا ً فل‬
‫يقدر أن يكون تلميذا ً ")لوقا ‪ (27 - 14/26‬وتبع رجل المسيح ثم‬
‫جاءه يستأذنه ليدفن أباه‪ ،‬فيذكر متى أن المسيح نهاه وقال‪" :‬‬
‫اتبعني‪ .‬ودع الموتى يدفنون موتاهم ")متى ‪ ،(8/22‬واستأذنه‬
‫تلميذ آخر في وداع أهله‪ ،‬فلم يأذن له)لوقا ‪ (62-9/61‬وجعلوه‬
‫يتبرم من قضاء حوائج الناس فتقرأ في متى" تقدم إليه رجل‬
‫جاثيا ً له‪ ،‬وقائ ً‬
‫ل‪ :‬يا سيد ارحم ابني‪ ،‬فإنه يصرع ويتألم شديدًا‪،‬‬
‫‪196‬‬

‫ويقع كثيرا ً في النار‪ ،‬وكثيرا ً في الماء‪ .‬وأحضرته إلى تلميذك‪،‬‬
‫فلم يقدروا أن يشفوه‪ .‬فأجاب يسوع‪ ،‬وقال‪ :‬أيها الجيل غير‬
‫المؤمن الملتوي‪ .‬إلى متى أكون معكم‪ .‬إلى متى احتملكم‪.‬‬
‫ي ههنا‪).‬متى ‪ ،(16-17/14‬وقصة مثلها في)متى ‪/ 15‬‬
‫قدموه إل ّ‬
‫‪ .(28 - 22‬ونسبوا إليه اتهام النبياء قبله بأنهم سراق ولصوص‬
‫في قوله‪ ":‬جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص‪ .‬ولكن‬
‫الخراف لم تسمع لهم" )يوحنا ‪ -..(12-10/7‬وقد طال السباب‬
‫المنسوب للمسيح تلميذه وخاصته‪ ،‬فقد قال لتلميذيه اللذين لم‬
‫يعرفاه‪ " :‬أيها الغبيان والبطيئا القلوب في اليمان بجميع ما تكلم‬
‫به النبياء")لوقا ‪ ،(24/25‬ومن عجائب العهد الجديد أنه يعتبر‬
‫المسيح ملعونا ً فيقول‪" :‬المسيح افتدانا من لعنة الناموس‪ ،‬إذ‬
‫صار لعنة لجلنا‪ ،‬لنه مكتوب‪ :‬ملعون كل من عّلق على‬
‫خشبة")غلطية ‪ ،(3/12‬ول تقف البذاءة عند ذلك فلم تسلم‬
‫أعراض النبياء السابقين أيضا من التهم الشنيعة والجرائم‬
‫البشعة‪ .‬فقد جعل العهد القديم نبي الله نوح عليه السلم يشرب‬
‫الخمر ويسكر ويتعرى!! سفر التكوين ] ‪ [ 20 :9‬ونبي الله لوط‬
‫يزني بابنتيه!! سفر التكوين ] ‪ .[ 30 :19‬نبي الله داود يزني‬
‫بزوجة جاره ويدبر مؤامرة دنيئة ضده اغتاله فيها!!!سفر صموئيل‬
‫الثاني ] ‪ [ 2 :11‬نبي الله هارون يكفر ويدعو اليهود إلى عبادة‬
‫العجل!!وهذا في سفر الخروج ] ‪ [2 :32‬ونبي الله سليمان‬
‫يخالف وصايا الرب ويتزوج من نساء المم اللتي يغوين قلبه‬
‫للهتهن فيكفر في أواخر حياته ويعبد الوثان!! سفر الملوك‬
‫الول ] ‪ [1 :11‬فهل هؤلء الذين اصطفاهم الله على خلقه‬
‫وشرفهم لحمل رسالته يمكن أن يكونوا كذلك؟ هل يمكن أن‬
‫َ‬
‫يكون كذلك من قال عنهم القرآن )وجعل ْناهُ َ‬
‫مرَِنا‬
‫م ً‬
‫دو َ‬
‫ة ي َهْ ُ‬
‫ن ب ِأ ْ‬
‫م أئ ِ ّ‬
‫َ َ َ َ ْ‬
‫َ‬
‫كاةِ وَ َ‬
‫صلةِ وَِإيَتاَء الّز َ‬
‫م فِعْ َ‬
‫كاُنوا ل ََنا‬
‫ل ال َ‬
‫خي َْرا ِ‬
‫وَأوْ َ‬
‫ت وَإ َِقا َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫م ال ّ‬
‫ن(؟؟وهل يعقل أن يرتكب النبياء الذين اختارهم الله هذه‬
‫َ‬
‫عاب ِ ِ‬
‫دي َ‬
‫الفواحش ويكون البابوات الذين تختارهم الكنيسة معصومين؟‬
‫ما رموا مريم العذراء عليها السلم بالزنا‬
‫وهل يمكن أن نأمن قو ً‬
‫وهي تحيا بينهم على أعراض أنبياء ماتوا من مئات السنين؟؟‬
‫وكأي كتاب قليل البضاعة فقير المحتوى يراد له أن يروج بين‬
‫العامة ويحقق أعلى الرباح فيطعمه مؤلفه ببعض الكلم الجنسي‬
‫الذي يخاطب في النسان غريزته ل عقله أو كأي مجلة لم تعد‬
‫تجد ما تجذب به قارئها إل أن تصدر صفحاتها بصور فاضحة قام‬
‫مؤلفو العهد القديم بوضع السفر سيء السمعة الذي طالما‬
‫أحرج الكنيسة بمحاولة تفسيره وتبرير وجوده في كتاب يفترض‬
‫أن يكون مقدسا وهو سفر نشيد النشاد‪ .‬هذا السفر الذي لم يكد‬
‫‪197‬‬

‫يترك جزءا من جسد المرأة إل وتغزل به وشبب به يدعي‬
‫أصحاب الكتاب المقدس أن الله أوحاه إلى نبيه سليمان فمثل‬
‫في إنشاد)‪ (4-7/1‬تقرأ‪ " :‬ما أجمل رجليك بالنعلين يا بنت‬
‫الكريم! دوائر فخذيك مثل الحلي صنعة يدي صناع‪ .‬سرتك كأس‬
‫مدورة ل يعوزها شراب ممزوج‪ .‬بطنك صبرة حنطة مسيجة‬
‫بالسوسن‪ .‬ثدياك كخشفتين توأمي ظبية‪ " .‬فهل يمكن أن يكون‬
‫هذا الكلم الذي يستحي الرجل أن ُيقرئه أبناءه وحيا من عند‬
‫الله؟؟]‪[118‬هذا بخلف قصص الزواني والعاهرات وزنا المحارم‬
‫والعري والخيانة التي يحفل بها الكتاب المقدس ولول خشية‬
‫الطالة وتدنيس صفحات هذه الرسالة لنقلت لك ما يندى له‬
‫الجبين من ذلك ولكن هذه بعض الشارات ويمكنك أن ترجع إليها‬
‫بنفسك حزقيال ] ‪ , [ 19 :23‬حزقيال ] ‪ , [ 35 :16‬هوشع ] ‪:1‬‬
‫‪ , [ 2‬صموئيل الثاني ] ‪ , [ 11 :12‬إشعياء ] ‪ ،, [ 2 :20‬اشعيا ]‬
‫‪ , [ 16 :3‬القضاة ] ‪ , [ 1 :16‬راعوث ] ‪ , [ 4 :3‬لملوك الول ]‬
‫‪ , [ 3 ،1 :1‬التكوين ] ‪ , [ 13 :38‬حزقيال ] ‪.[ 1 :23‬‬
‫أما عن الخطاء العلمية والتاريخية في الكتاب المقدس)إن كنت‬
‫ما زلت تعتقد أنه مقدس( فحدث ول حرج‪ .‬فيذكر سفر التكوين‬
‫مثل مرة أن الله خلق النباتات والحيوانات أول ً ثم خلق النسان‬
‫بعد ذلك التكوين)‪ (27 - 20 :1‬ومرة أخرى أن الله قد خلق‬
‫النسان أول ً ثم خلق الشجار والحيوانات‪ .‬التكوين)‪(19 ،7 :2‬‬
‫وهذا الخطأ يعرفه علماء اللهوت‪ .‬ويذكر العهد القديم أيضا أن‬
‫ولدة إبراهيم كانت في القرن العشرين من بداية الوجود‬
‫النساني وبالتحديد في عام ‪ 1948‬من بداية الخليقة و بتقدير‬
‫الفترة بين إبراهيم و عيسى عليهما السلم من نصوص العهد‬
‫القديم سنجد أن عمر البشرية على ظهر الرض لم يتجاوز ‪6‬‬
‫ألف سنة فقط!! في حين أن هذا بخلف المسلم به من أن‬
‫حضارات قامت قبل ‪ 5‬ألف سنة من الميلد حيث عثر على‬
‫مصنوعات بشرية تعود لكثر من خمسة آلف سنة قبل الميلد‪.‬‬
‫وعثرت بعثة جامعة القاهرة على آثار بشرية في منطقة الفيوم‬
‫ترجع لعشرات اللف من السنين‪ .‬وتذكر دائرة المعارف‬
‫البريطانية أن الثار النسانية في فلسطين ترجع لمائتي ألف‬
‫سنة‪ ،‬وصدق الله العظيم إذ يؤكد أن البشرية ضاربة جذورها في‬
‫َ‬
‫س وَقُُرونا ً‬
‫التاريخ قرونا ً طويلة‪ ،‬فيقول‪):‬وَ َ‬
‫حا َ‬
‫ص َ‬
‫عادا ً وَث َ ُ‬
‫ب الّر ّ‬
‫مود َ وَأ ْ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫ك ك َِثيرًا(‬
‫ب َي ْ َ‬
‫ومن الخطاء العلمية زعم التوراة أن الرض مسطحة‪ ،‬ولها زوايا‬
‫موافقة بذلك المستوى العلمي السائد حين كتابتها‪ ،‬فتقول‪ " :‬قد‬
‫جاءت النهاية على زوايا الرض الربع)حزقيال ‪].(7/2‬‬
‫‪198‬‬

‫‪[119‬ويمكنك الحصول على المزيد من المثلة من كتاب العالم‬
‫الفرنسي المسلم موريس بوكاي دراسة الكتب المقدسة في‬
‫ضوء المعارف الحديثة]‪[120‬فهل بعد كل ذلك يقول قائل أن‬
‫القرآن اقتبس من التوراة والنجيل؟؟‬
‫هذا كله بخلف الزيادات الطفيفة أو التعديلت أو الضافات التي‬
‫ما زالت في تغير وتحريف مستمر كلما ترجم النجيل أو نسخ أو‬
‫طبع طبعة جديدة منذ كتبت الناجيل أول مرة وإلى اليوم‬
‫ويمكنك ببساطة التأكد من ذلك بمراجعة نسختين من الكتاب‬
‫المقدس بينهما فترة زمنية كافية أو مختلفتين في اللغة إذا كنت‬
‫تجيد كل اللغتين‪[121].‬‬
‫فإذا علمنا كل هذا ل نستغرب إذا ً أن يقول دكتور ‪W.Graham Scroggie‬‬
‫وهو أحد أبرز المنصرين في العالم من معهد ‪Moody Bible Institute‬في‬
‫كتابه " هل الكتاب المقدس كلم الله؟ "نعم إن الكتاب المقدس‬
‫من وضع البشر‪ ،‬بالرغم من إنكار البعض)من المسيحيين( ِلهذا‬
‫القول من قبيل الحماسة وليس عن علم‪ ،‬فقد خطت أقلم‬
‫البشر هذه السفار بعباراتهم‪ ،‬بعد أن خطرت على عقولهم‪،‬‬
‫فصدرت بأسلوب البشر وتحمل صفاتهم‪ " .‬ا‪.‬هـ‪[122].‬‬
‫خاتمة‬
‫َ‬
‫ل َيا أهْ َ‬
‫)قُ ْ‬
‫م‬
‫مة ٍ َ‬
‫واء ب َي ْن ََنا وَب َي ْن َك ُ ْ‬
‫ب ت ََعال َوْا ْ إ َِلى ك َل َ َ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫شرِ َ‬
‫ك ب ِهِ َ‬
‫ه وَل َ ن ُ ْ‬
‫ضَنا‬
‫شْيئا ً وَل َ ي َت ّ ِ‬
‫خذ َ ب َعْ ُ‬
‫أل ّ ن َعْب ُد َ إ ِل ّ الل ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قوُلوا ْ ا ْ‬
‫ن(‪.‬‬
‫ن الل ّهِ فَِإن ت َوَل ّوْا ْ فَ ُ‬
‫مو َ‬
‫شه َ ُ‬
‫من ُ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫دوا ْ ب ِأّنا ُ‬
‫ب َْعضا ً أْرَبابا ً ّ‬
‫دو ِ‬
‫وفي الختام ها قد عرضت عليك رسالتي وبقي دورك أنت و قد‬
‫تعمدت أن أذكر لك عناوين المواقع و أسماء الكتب والعلماء‬
‫باللغة النجليزية لكي تتأكد بنفسك ومجال الختيار مفتوح أمامك‬
‫لكن تمهل فهذا ليس اختيارا عاديا لكنه أهم اختيار في حياتك‬
‫وبعد حياتك واعلم أن من رحمة الله أن جعل الحق واضحا وضوح‬
‫الشمس لذا فلن يغني أحد عنك من الله شيئا إن ضللت عنه أو‬
‫أضلوك عنه فأنت إنسان عاقل مسئول بمفردك أمام الله و أنت‬
‫لن تخسر شيئا بالتفكير فيما ذكرته لك والتأكد منه ولكن عليك‬
‫أن تكون مخلصا في طلب الحق وأن تكون مستعدا أن تؤثره‬
‫على غيره كما فعل نبي الله إبراهيم عليه السلم فلك فيه أسوة‬
‫حسنة‪ .‬فتوجه إلي السماء بقلبك وروحك ‪ -‬إلى ربك الذي خلقك ‪-‬‬
‫بدون أن تتمثله بصورة أو تمثال فالله أعظم من أن يشابه ما‬
‫صنعته أيدي البشر واسأله أن يهديك الطريق الموصل إليه‬
‫وعندما تعرف الحق فاعلم أنك قد عرفت الله حقا فاصبر من‬
‫أجله وصابر عليه فقد سبقك كثيرون إليه وتحملوا من أجله ولكن‬

‫‪199‬‬

‫احذر أن تحجب النور عن قلبك إن أبصرته فقد ل تراه مرة‬
‫أخرى‪.‬‬
‫ويسرنا أن نتلقى تعليقاتك واستفساراتك على البريد‪:‬‬
‫‪ask.about.islam@gmail.com‬‬

‫وهذه بعض المواقع التي يمكنك أن تستعين بها في رحلتك‬
‫اليمانية‬
‫الحوار السلمي المسيحي ‪http://arabic.islamicweb.com/christianity‬‬
‫ابن مريم‪ ..‬المسيح الحق ‪http://www.ebnmaryam.com‬‬
‫الحقيقة‪ ..‬المسيحية في الميزان ‪http://www.alhakekah.com‬‬
‫التوضيح لدين المسيح ‪http://www.tawdeeh.com‬‬
‫الحقيقة العظمى ‪http://www.truth.org.ye‬‬
‫الجامع لحوار النصارى ‪http://www.aljame3.com‬‬
‫موسوعة العجاز العلمي في القرآن والسنة ‪http://www.55a.net‬‬
‫‪ http://www.halimo.com‬شبهات وهمية عن السلم‬
‫‪---------------------------‬‬‫]‪ [1‬هي سورة الفيل‬
‫]‪ [2‬أي غطوني‬
‫]‪ [3‬أي شاًبا قويا لكي أنصرك‬
‫]‪)[4‬السفر إلى الشرق( ص ‪277‬‬
‫]‪)[5‬شمس الله تسطع على الغرب( زيغريدهونكه)‪.(465‬‬
‫]‪ [6‬نقل عن كتاب ربحت محمدا و لم أخسر المسيح للدكتور عبد‬
‫المعطي الدالتي‬
‫]‪ [7‬عن عائشة رضي الله عنها قالت‪ :‬قال لي رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪):‬إني لعلم إذا كنت عني راضية‪ ،‬وإذا كنت علي‬
‫غضبى( قالت‪ :‬فقلت‪ :‬من أين تعرف ذلك؟ فقال‪):‬أما إذا كنت‬
‫عني راضية‪ ،‬فإنك تقولين‪ :‬ل ورب محمد‪ ،‬وإذا كنت غضبى‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫ل ورب إبراهيم(‪ .‬قالت‪ :‬قلت‪ :‬أجل والله يا رسول الله‪ ،‬ما أهجر‬
‫إل اسمك‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن هُوَ إ ِل ّ ذ ِك َْرى‬
‫جرا ً إ ِ ْ‬
‫م ع َل َي ْهِ أ ْ‬
‫]‪ [8‬قال الله عز وجل‪ُ) :‬قل ل ّ أ ْ‬
‫سأل ُك ُ ْ‬
‫ن(‬
‫ل ِل َْعال َ ِ‬
‫مي َ‬
‫]‪ [9‬فتجد ان الكنيسة مثل ادعت لنفسها حق مغفرة الذنوب‬
‫فيأتي المذنب فاضحا نفسه و يجلس بين يدي بشر مثله يخطئ و‬
‫يذنب ربما أكثر منه ثم يعترف أمامه بذنوبه ثم يمن عليه هذا‬
‫الشخص الخطاء بالمغفرة و ذلك في مقابل مبلغا من المال‬
‫يتبرع به أو يشتري به صكا يعرف بصك الغفران كما كان يحدث‬
‫في الماضي‬
‫]‪ [10‬النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز ص ‪37 -36‬‬
‫‪200‬‬

‫]‪ [11‬وقد كان هذا الموقف سببا في إسلم صحفية أمريكية‬
‫عندما سمعت به‬
‫]‪ [12‬عن خباب بن الرت قال‪ :‬شكونا إلى رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة‪ ،‬قلنا له‪ :‬أل‬
‫تستنصر لنا‪ ،‬أل تدعو الله لنا؟ قال‪):‬كان الرجل فيمن قبلكم يحفر‬
‫له في الرض‪ ،‬فيجعل فيه‪ ،‬فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه‬
‫فيشق باثنتين‪ ،‬وما يصده ذلك عن دينه‪ .‬ويمشط بأمشاط الحديد‬
‫ما دون لحمه من عظم أو عصب‪ ،‬وما يصده ذلك عن دينه‪ ،‬والله‬
‫ليتمن هذا المر‪ ،‬حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت‪ ،‬ل‬
‫يخاف إل الله‪ ،‬أو الذئب على غنمه‪ ،‬ولكنكم تستعجلون(‪.‬‬
‫]‪ [13‬النبأ العظيم‪ .‬بتصرف‬
‫َ‬
‫َ‬
‫]‪ [14‬قال تعالى‪) :‬هُوَ ال ّذ ِيَ أي ّد َ َ‬
‫ف‬
‫ن }‪ {62‬وَأل ّ َ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫صرِهِ وَِبال ْ ُ‬
‫ك ب ِن َ ْ‬
‫مِني َ‬
‫َ‬
‫بين قُُلوبهم ل َو َ‬
‫قت ما ِفي ال َ‬
‫م‬
‫ما أل ّ َ‬
‫ر‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ف‬
‫أن‬
‫ج ِ‬
‫ض َ‬
‫ن قُُلوب ِهِ ْ‬
‫ف ْ‬
‫ميعا ً ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت ب َي ْ َ‬
‫ْ‬
‫ِِ ْ ْ‬
‫َْ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م(‪.‬‬
‫ه أل َ‬
‫ح ِ‬
‫زيٌز َ‬
‫كي ٌ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫ف ب َي ْن َهُ ْ‬
‫ن الل َ‬
‫وََلـك ِ ّ‬
‫ه عَ ِ‬
‫]‪ [15‬ومنها أنه دعا النصارى مرة إلى المباهلة و هي أن يجمعوا‬
‫أطفالهم و نساءهم و أنفسهم في مكان واحد ثم يبتهلوا إلى بأن‬
‫يجعل لعنته على الكاذبين فما أجابوا‬
‫]‪ [16‬و أولهم كان ورقة بن نوفل كما مر في المقدمة ثم كان‬
‫عبد الله بن سلم و هو من علماء اليهود و فضلئهم و كعب‬
‫الحبار و هو من علمائهم أيضا و من النصارى فقد آمن به‬
‫النجاشي ملك الحبشة مع أنه لم يره و لم يخش على ملكه منه‬
‫وقال عندما سمع القرآن "إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج‬
‫من مشكاة واحدة " و غيرهم كثير و في العصور الوسطى هناك‬
‫مثل القس الندلسي بن محمد عبد الله الترجماني‬
‫الميروقي‪،‬الذي ألف بعد إسلمه كتاب تحفة الريب في الرد على‬
‫أهل الصليب و في عصرنا الحالي هناك مثل القس دافيد بنجامين‬
‫الكلداني كان قسيسا للروم من طائفة الكلدان و بعد إسلمه‬
‫تسمى بعبد الحد داوود و ألف كتاب النجيل و الصليب و القس‬
‫إسحاق هلل مسيحه الذي كان رئيس لجان التنصير في شمال‬
‫أفريقيا و قصته التي يرويها بنفسه مسجلة هنا‬
‫‪ :http://media.islamway.com/lessons/several//converts.rm‬و كذا القس المصري‬
‫إبراهيم خليل فلوبرس الستاذ السابق بكلية اللهوت النجيلية‬
‫الذي حصل على ماجستير من جامعة برينستون المريكية في‬
‫مجال التهجم على السلم ثم سمى نفسه إبراهيم خليل أحمد و‬
‫الشماس الدكتور وديع أحمد وهذا هو موقعه‪:‬‬
‫‪ http://www.wadee3.5u.com‬و القس المصري "فوزي صبحي سمعان"‬
‫الذي أسلم هو وأبوه وأخته لله رب العالمين و يعمل الن مدرسا‬
‫‪201‬‬

‫وض"‬
‫للدين السلمي و كذا ال ُ‬
‫ق ّ‬
‫مص المصري "عزت إسحاق مع ّ‬
‫الذي صار داعية مسلما و هؤلء و غيرهم يمكنك قراءة قصصهم‬
‫من‪ http://tanseer.jeeran.com/priests.html :‬أما من غير العرب فهم كثيرون‬
‫أيضا فمنهم القس المريكي يوسف استس و هذا هو موقعه‬
‫‪ /http://www.islamtomorrow.com‬و هذه مجموعة من اليهود المعاصرين‬
‫الذين دخلوا في السلم ‪/ /http://www.jews-for-allah.org‬‬
‫]‪ [17‬و هل أدل على ذلك من حكم الطلق الذي أباحه السلم‬
‫كحل أخير حين تصل المشاكل بين الزوجين إلى طريق مسدود و‬
‫حرمته الكنيسة فلما ظهر أن منعه يصادم طبيعة البشر و ظهرت‬
‫كثير من المراض الجتماعية نتيجة لتحريمه – كالزنا مثل – أباحته‬
‫كثير من الدول اليوم‪ .‬و كذلك تحريم السلم لكل لحم الخنزير و‬
‫إباحة الكنيسة له ثم ظهر علميا أن الخنزير هو المسبب لمرض‬
‫اللتهاب السحائي المخي وأنفلونزا الخنزير كما أنه تعيش في‬
‫أمعائه الدودة الشريطية التي تنتقل إلى أمعاء من يأكلها وتسبب‬
‫له التهاب العصاب وارتفاع ضغط الدماغ و قد وجد الطباء‬
‫مؤخرا دودة في مخ امرأة بعد تناولها وجبة لحم خنزير هذا‬
‫بالضافة إلى صفات الخنزير التي تنتقل إلى آكلها مثل انعدام‬
‫الغيرة و هذا مشاهد‪.‬‬
‫]‪ [18‬ترجم للعربية بعنوان الخالدون مائة أعظمهم محمد ويقول‬
‫مايكل هارت فيه‪" :‬كان محمد الرجل الوحيد في التاريخ الذي‬
‫نجح في مهمته إلى أقصى حد‪ ،‬سواء على المستوى الديني أم‬
‫على المستوي الزمني"‬
‫]‪ [19‬كما فعل مدعي النبوة الكذاب الذي سيأتي ذكره في‬
‫النصف الثاني من الرسالة‬
‫]‪ [20‬فقد كان قيام الليل في حقه صلى الله عليه و سلم فرضا‬
‫فيقوم من ثلث الليل إلى ثلثيه كل ليلة في حين أنه في حق بقية‬
‫المسلمين تطوع‬
‫]‪ [21‬و ذلك برغم بليين الدولرات التي تنفقها المؤسسات‬
‫التبشيرية النصرانية للصد عن سبيل الله‪.‬‬
‫]‪ [22‬النبأ العظيم ص ‪48‬‬
‫]‪ [23‬و معنى تواتر الخبر أن يتناقله جمع كبير من الناس يستحيل‬
‫تواطؤهم على الكذب عن جمع كبير مثلهم و هكذا إلى يومنا هذا‬
‫فقارن بين هذه الطريقة و الطريقة التي نقلت بها الكتب الخرى‬
‫كما في آخر الرسالة‬
‫]‪ [24‬ذلك بأن الذي يمسكه أن يزول هو الذي يمسك السماوات‬
‫و الرض أن تزول‪.‬‬
‫]‪ [25‬النبأ العظيم بتصرف‬
‫‪202‬‬

‫]‪ [26‬يقول بروفيسور الرياضيات المريكي المسلم جيفري لنغ‬
‫في كتابيه حتى الملئكة تسأل و الصراع من أجل اليمان‪):‬القرآن‬
‫هذا الكتاب الكريم قد أسرني بقوة‪ ،‬وتمّلك قلبي‪ ،‬وجعلني‬
‫أستسلم لله‪ ،‬والقرآن يدفع قارئه إلى اللحظة القصوى‪ ،‬حيث‬
‫دى للقارئ أنه يقف بمفرده أمام خالقه وإذا ما اتخذت القرآن‬
‫يتب ّ‬
‫بجدية فإنه ل يمكنك قراءته ببساطة‪ ،‬فهو يحمل عليك‪ ،‬وكأن له‬
‫حقوقا ً عليك! وهو يجادلك‪ ،‬وينتقدك وُيخجلك ويتحداك … لقد‬
‫منزل القرآن كان‬
‫كنت على الطرف الخر‪ ،‬وبدا واضحا ً أن ُ‬
‫يعرفني أكثر مما أعرف نفسي … لقد كان القرآن يسبقني دوما ً‬
‫في تفكيري‪ ،‬وكان يخاطب تساؤلتي(‬
‫]‪ [27‬للمفكر التركي محمد فتح الله كولن‪ .‬وله أيضا‪ ":‬لقد أتى‬
‫القرآن بنظرة متميزة للكون وللشياء وللنسان بأسلوب غاية‬
‫في الروعة والسحر‪ .‬لنه يتناول النسان ككل ضمن الوجود‬
‫بأكمله‪ ،‬ول يهمل أيّ شيء‪ ،‬بل يضع كل شيء مهما كان صغيرا‬
‫في مكانه المناسب‪ .‬الجزاء فيه رتبطة ارتباطا وثيقا ودقيقا‬
‫بالكل‪ ،‬والجوبة المختلفة عن أدق السئلة التي تخطر على بال‬
‫النسان في هذا المعرض الكوني الهائل ترد فيه‪ .‬وبينما يقوم‬
‫بتحليل أدق المسائل الموجودة سواء في عالم الشهود أم فيما‬
‫وراء الستار حتى أدق تفاصيلها‪ ،‬ل يدع هناك أي تردد أوبهة أو‬
‫علمة استفهام في العقول‪ .‬أجل! إن القرآن في جميع هذه‬
‫التفاصيل الدقيقة التي يوردها ل يدع أي فراغ في هذا الموضوع‬
‫ل في العقول ول في القلوب ول في المشاعر ول في المنطق‪،‬‬
‫لنه يحيط بعقل النسان وبأحاسيسه وبمشاعره وإدراكه"‬
‫]‪ [28‬لم يكن النجيل قد ترجم للعربية بعد أثناء حياة النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم‬
‫]‪ [29‬فمثل ذكر القرآن عن فرعون موسى بعد أن غرق في‬
‫البحر)فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية( وعندما تم‬
‫دراسة مومياء منفتاح التي يظن أنها لفرعون موسى في فرنسا‬
‫بواسطة فريق من علماء التشريح توصلوا إلى أن سبب وفاته هو‬
‫الغرق فعل و نلحظ أن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي ذكر بقاء‬
‫جثة فرعون محفوظة بعد غرقه – فهل كان محمد على علم‬
‫ببراعة المصريين في التحنيط؟ ثم أسلم رئيس الفريق الفرنسي‬
‫و هو الدكتور موريس بوكاي و عكف على دراسة القرآن‬
‫والنجيل والتوراة لمدة عشر سنين ثم ألف كتاب القرآن‬
‫والنجيل والتوراة والعلم الذي أصبح من أكثر الكتب انتشارا‬
‫وترجم لعدة لغات عالمية‬

‫‪203‬‬

‫]‪ [30‬فترى مثل في قصة أصحاب الكهف عند أهل الكتاب أنهم‬
‫عاشوا في الكهف ثلثمائة سنة شمسية وفي القرآن أنهم)لبثوا‬
‫في كهفهم ثلث مائة سنين وازدادوا تسًعا( و هذه السنون‬
‫التسعة هي فرق ما بين عدد السنين الشمسية والقمرية فانظر‬
‫إلى هذا الحساب الدقيق في أمة أمية ل تقرأ ول تحسب! – النبأ‬
‫العظيم‬
‫]‪ [31‬الجبال ممتدة في باطن الرض من أسفل فهي تشبه الوتد‬
‫و السحب يصل وزن الواحدة منها إلى أكثر من عشرة مليين‬
‫طن من الماء على هيئة بخار و الرياح تحمل حبوب اللقاح فتلقح‬
‫الزهار و تسير السحب المشحونة كهربيا حتى تلمس بعضها‬
‫فيحدث التفريغ الكهربي و البحر تخرج من قيعانه صهارات و‬
‫حمم بركانية ملتهبة تم تصويرها بالغواصات الحديثة وللمزيد من‬
‫صور العجاز العلمي يمكنك الرجوع إلى ‪www.55a.net‬‬
‫]‪ [32‬منهم مثل الدكتور كيث مور ‪Keith Moore‬عالم الجنة الشهير‬
‫صاحب كتاب ‪The Developing Human‬الذي ترجم لكثر من ‪ 25‬لغة‬
‫ووقف مرة في أحد المؤتمرات قائل‪:‬‬
‫"إن التعبيرات القرآنية عن مراحل تكون الجنين في النسان‬
‫لتبلغ من الدقة والشمول مالم يبلغه العلم الحديث‪ ,‬وهذا إن دل‬
‫علي شئ فإنما يدل علي أن هذا القرآن ليمكن أن يكون إل كلم‬
‫ن‬
‫م ال ّ ِ‬
‫الله‪ ,‬وأن محمدا ً رسول الله" وصدق الله إذ يقول)وَل ِي َعْل َ َ‬
‫ذي َ‬
‫ُأوتوا ال ْعِل ْ َ‬
‫من ّرب ّ َ‬
‫ن‬
‫مُنوا ب ِهِ فَت ُ ْ‬
‫ك فَي ُؤ ْ ِ‬
‫حقّ ِ‬
‫ُ‬
‫م وَإ ِ ّ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ه قُُلوب ُهُ ْ‬
‫ت لَ ُ‬
‫خب ِ َ‬
‫م أن ّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م(‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫صَرا ٍ‬
‫مُنوا إ ِلى ِ‬
‫ه لَهاد ِ ال ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ّ‬
‫نآ َ‬
‫الل ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫قي ٍ‬
‫ق‬
‫]‪ [33‬إنه الله العليم الحكيم‪ .‬قال تعالى‪َ ):‬‬
‫ريهِ ْ‬
‫سن ُ ِ‬
‫م آَيات َِنا َِفي اْلَفا ِ‬
‫َ‬
‫فسهم حتى يتبين ل َه َ‬
‫َ‬
‫ف ب َِرب ّ َ‬
‫ه ع ََلى‬
‫م ي َك ْ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ك أن ّ ُ‬
‫حقّ أوَل َ ْ‬
‫م أن ّ ُ‬
‫وَِفي أن ُ ِ ِ ْ َ ّ َ َ َ ّ َ ُ ْ‬
‫كُ ّ‬
‫يٍء َ‬
‫ل َ‬
‫شِهيد(‬
‫ش ْ‬
‫]‪ " [34‬تعاوا نعيد النظر فيما نعتقد" تاليف حسن يوسف‬
‫]‪ [35‬النبأ العظيم‬
‫َ‬
‫]‪ [36‬حتى أنه قيل له‪ ):‬وَل َوْل َ أن ث َب ّت َْنا َ‬
‫م‬
‫ك لَ َ‬
‫قد ْ ِ‬
‫ن إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫كد ّ‬
‫ت ت َْرك َ ُ‬
‫م لَ‬
‫شْيئا ً قَِليل ً }‪ِ {74‬إذا ً ّل َذ َقَْنا َ‬
‫َ‬
‫ضعْ َ‬
‫ضعْ َ‬
‫ما ِ‬
‫حَياةِ وَ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫ت ثُ ّ‬
‫م َ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫جد ُ ل َ َ‬
‫صيرًا(‬
‫ك ع َل َي َْنا ن َ ِ‬
‫تَ ِ‬
‫]‪ [37‬انظر مثل لوقا ‪ 26:2‬و ‪ 67:1‬و ‪15:1‬‬
‫]‪" [38‬هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم؟"‬
‫للدكتور‪ .‬منقذ بن محمود السقار‪ ....‬بتصرف‬
‫]‪ [39‬فأين هذا من رؤيا يوحنا التي وصف الله فيها بأنه خروف‬
‫ذو سبعة قرون؟!!‬
‫]‪ [40‬في حين قرر مجمع روما سنة ‪ 1215‬ما يلي‪" :‬على الناس‬
‫أن يتلقوا قول الكنيسة بالقبول وافق العقل أو خالفه وعلى‬
‫‪204‬‬

‫المسيحي إذا لم يستسغ عقله قول قالته الكنيسة أو مبدأ دينيا‬
‫أعلنته عليه أن يروض عقله على قبوله فإذا لم يستطع فعليه أن‬
‫يشك في عقله ول يشك في قول البابا"!!‬
‫]‪ [41‬وأنت ترى نتائج هذه الرهبانية في عدد حوادث الغتصاب‬
‫التي اقترفها رجال الكنيسة حتى أن عدد القسس الذين ارتكبوا‬
‫جرائم من هذا النوع وأعلن عنها في الجرائد في الوليات‬
‫المتحدة وحدها يصل إلى ‪ 1608‬قسيسا و هذه بعض مواقع‬
‫ضحايا العتداءات الجنسية لرجال الكنيسة الغربية‪:‬‬
‫‪ http://www.snapnetwork.org‬و ‪ http://www.thelinkup.org‬و‬
‫‪ http://www.survivorsfirst.org‬أما نتائج الباحية المنحلة بين عوام‬
‫النصارى في أكثر دول العالم فواضحة ول تحتاج إلى بيان!‬
‫]‪ [42‬من تفسير "في ظلل القرآن" بتصرف‬
‫]‪" [43‬السلم ليس فلسفة ولكنه منهاج حياة‪ ..‬ومن بين سائر‬
‫الديان نرى السلم وحده‪ ،‬يعلن أن الكمال الفردي ممكن في‬
‫جل هذا الكمال إلى ما بعد إماتة الشهوات‬
‫الحياة الدنيا‪ ،‬ول يؤ ّ‬
‫الجسدية‪ ،‬ومن بين سائر الديان نجد السلم وحده يتيح للنسان‬
‫أن يتمتع بحياته إلى أقصى حد ٍ من غير أن يضيع اتجاهه الروحي‬
‫دقيقة واحدة‪ ،‬فالسلم ل يجعل احتقار الدنيا شرطا ً للنجاة في‬
‫الخرة‪ ..‬وفي السلم ل يحق لك فحسب‪ ،‬بل يجب عليك أيضا ً أن‬
‫تفيد من حياتك إلى أقصى حدود الفادة‪ ..‬إن من واجب المسلم‬
‫أن يستخرج من نفسه أحسن ما فيها ( من كتاب)السلم على‬
‫مفترق الطرق( للمفكر محمد أسد)كان يهوديا وأسلم( ص ‪-19‬‬
‫‪25‬‬
‫]‪ [44‬المستشرق روم لندو في)السلم والعرب( ص)‪(246-9‬‬
‫]‪[45‬وكم من أناس دخلوا السلم بسبب رؤيتهم للمسلمين وهم‬
‫يصلون‪ .‬يقول المفكر الفرنسي رينان‪" :‬السلم دين النسان‪..‬‬
‫وكلما دخلت مسجدا ً هزني الخشوع وشعرت بالحسرة لني‬
‫فُروا ْ‬
‫ن كَ َ‬
‫ما ي َوَد ّ ال ّ ِ‬
‫لست مسلمًا" وصدق الله العظيم إذ يقول)ّرب َ َ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ل َوْ َ‬
‫م ُ‬
‫ف‬
‫سو ْ َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫ل فَ َ‬
‫م ْ‬
‫م ال َ‬
‫مت ُّعوا ْ وَي ُل ْهِهِ ُ‬
‫م ي َأك ُُلوا ْ وَي َت َ َ‬
‫ن‪ .‬ذ َْرهُ ْ‬
‫كاُنوا ْ ُ‬
‫مي َ‬
‫ن(‬
‫مو َ‬
‫ي َعْل َ ُ‬
‫]‪ [46‬هذه المور وغيرها جعلت الكثيرين يدخلون السلم بمجرد‬
‫سماعهم عنه أو تعاملهم مع المسلمين وإل كيف انتشر السلم‬
‫في الصين وروسيا وجنوب إفريقيا والمريكتين؟؟‬
‫]‪ [47‬وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله‬
‫عليهم وتسليماته‬

‫‪205‬‬

‫]‪ [48‬ولحظ أن القرآن سمى سورة كاملة بسورة مريم و سورة‬
‫أخرى باسم آل عمران ولم يسم سورا باسم فاطمة أو عائشة أو‬
‫آل محمد‬
‫]‪ [49‬رواه أحمد في مسنده‪.‬‬
‫]‪ [50‬و قال أيضا "ما من أحد يسمع بي من هذه المة ول يهودي‬
‫ول نصراني فل يؤمن بي إل دخل النار"‪.‬‬
‫]‪ [51‬قال تعالى‪):‬وقُل ْنا يا آدم اسك ُ َ‬
‫ْ‬
‫ج َ‬
‫من َْها‬
‫جن ّ َ‬
‫ة وَك ُل َ ِ‬
‫ك ال َ‬
‫ت وََزوْ ُ‬
‫ن أن َ‬
‫َ َ َ َ ُ ْ ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َر َ‬
‫هـذ ِهِ ال ّ‬
‫ن}‬
‫ما وَل َ ت َ ْ‬
‫قَرَبا َ‬
‫حي ْ ُ‬
‫ن الظال ِ ِ‬
‫جَرة َ فَت َكوَنا ِ‬
‫ث ِ‬
‫ش َ‬
‫غدا ً َ‬
‫شئ ْت ُ َ‬
‫مي َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫طوا ْ‬
‫كاَنا ِفيهِ وَقُل َْنا اهْب ِ ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫ما َ‬
‫ما ال ّ‬
‫ن ع َن َْها فَأ ْ‬
‫ما ِ‬
‫خَر َ‬
‫طا ُ‬
‫م ّ‬
‫جه ُ َ‬
‫‪ {35‬فَأَزل ّهُ َ‬
‫َ‬
‫ن}‬
‫ست َ َ‬
‫مَتاع ٌ إ َِلى ِ‬
‫ب َعْ ُ‬
‫م ْ‬
‫قّر وَ َ‬
‫ض ُ‬
‫ض ع َد ُوّ وَل َك ُ ْ‬
‫ضك ُ ْ‬
‫حي ٍ‬
‫م ل ِب َعْ ٍ‬
‫م ِفي الْر ِ‬
‫م‬
‫‪ {36‬فَت َل َ ّ‬
‫ب الّر ِ‬
‫ما ٍ‬
‫م ِ‬
‫وا ُ‬
‫ت فََتا َ‬
‫قى آد َ ُ‬
‫حي ُ‬
‫ب ع َل َي ْهِ إ ِن ّ ُ‬
‫من ّرب ّهِ ك َل ِ َ‬
‫ه هُوَ الت ّ ّ‬
‫}‪({37‬‬
‫]‪ [52‬مثال ذلك » ل تموت الباء لجل البنين‪ ،‬ول البنون يموتون‬
‫لجل الباء‪ ،‬بل كل واحد يموت لجل خطيته « أيام ‪.25/4 -2‬‬
‫و‪ » :‬الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله « رومية ‪.2/6‬و في‬
‫التوراة »وكلم الرب موسى وهارون قائ ً‬
‫ل‪ :‬افترزا من بين هذه‬
‫م‬
‫الجماعة فاني أفنيهم في لحظة‪ .‬فخّرا على وجهيهما وقال‪ :‬الله ّ‬
‫اله أرواح جميع البشر‪ ،‬هل يخطئ رجل واحد فتسخط على كل‬
‫الجماعة« العدد ‪ ،26/23‬واستجاب له فعذب بني قورح فقط‪.‬‬
‫وأيضا)وأنتم تقولون لماذا ل يحمل البن من إثم الب‪ .‬أما البن‬
‫فقد فعل حقا ً وعدل ً حفظ جميع فرائضي وعمل بها فحياة يحيا‪.‬‬
‫النفس التي تخطيء هي تموت‪ .‬البن ل يحمل من إثم الب‪،‬‬
‫والب ل يحمل من إثم البن‪ .‬بّر الباّر عليه يكون‪ ،‬وشر الشرير‬
‫عليه يكون‪ ...‬فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها‬
‫وحفظ كل فرائضي وفعل حقا ً وعدل ً فحياة ً يحيا‪ .‬ل يموت‪ ،‬كل‬
‫معاصيه التي فعلها ل تذكر عليه في بره( حزقيال ‪.22-19 :18‬‬
‫]‪ [53‬متى ‪36 :12‬‬
‫]‪ [54‬كل مولود في السلم يولد على الفطرة مبرئا من كل‬
‫خطيئة كالصفحة البيضاء ثم هو مسئول عن نفسه أمام الله ل‬
‫يحاسب إل على سعيه‬
‫]‪ [55‬استنتج المفكر البريطاني إينوك باول ‪Enoch Powell‬في كتابه‬
‫تطور النجيل)‪ (The Evolution of the Gospel‬بعد أن قام بإعادة ترجمة‬
‫إنجيل متى من اليونانية إلى أن قصة الصلب لم تكن موجودة في‬
‫النص الصلي للناجيل ولكنها أضيفت في مرحلة متقدمة‬
‫]‪ [56‬المسيح والتثليث‪ -‬د‪ .‬محمد وصفي‬

‫‪206‬‬

‫س ُ‬
‫سو ٌ‬
‫ل‬
‫ل قَد ْ َ‬
‫ت ِ‬
‫م ِ‬
‫سي ُ‬
‫من قَب ْل ِهِ الّر ُ‬
‫م إ ِل ّ َر ُ‬
‫خل َ ْ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ما ال ْ َ‬
‫]‪ّ )[57‬‬
‫ح اب ْ ْ ُ‬
‫ُ‬
‫ة َ‬
‫م‬
‫دي َ‬
‫م انظ ُْر ك َي ْ َ‬
‫ق ٌ‬
‫م الَيا ِ‬
‫ه ِ‬
‫ص ّ‬
‫ن الط َّعا َ‬
‫ت ثُ ّ‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫م ُ‬
‫وَأ ّ‬
‫ف ن ُب َي ّ ُ‬
‫كاَنا ي َأك ُل َ ِ‬
‫انظ ُْر أ َّنى ي ُؤ ْفَ ُ‬
‫ن(‬
‫كو َ‬
‫كان ل ِب َ َ‬
‫م‬
‫ب َوال ْ ُ‬
‫ه ال ْك َِتا َ‬
‫ما َ َ َ‬
‫م َوالن ّب ُوّة َ ث ُ ّ‬
‫حك ْ َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫شرٍ أن ي ُؤ ْت ِي َ ُ‬
‫]‪َ ) [58‬‬
‫كن ُ‬
‫س ُ‬
‫قو َ‬
‫ما‬
‫يَ ُ‬
‫كوُنوا ْ ِ‬
‫ن الل ّهِ وََلـ ِ‬
‫عَبادا ً ّلي ِ‬
‫من ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫كوُنوا ْ َرّبان ِّيي َ‬
‫دو ِ‬
‫ل ِللّنا ِ‬
‫ما ُ‬
‫ُ‬
‫ن(‬
‫سو َ‬
‫ن ال ْك َِتا َ‬
‫مو َ‬
‫م ت َد ُْر ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ب وَب ِ َ‬
‫م ت ُعَل ّ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫]‪ [59‬تقول دائرة معارف لروس‪" :‬إن تلميذ المسيح الولين‬
‫الذين عرفوا شخصيته وسمعوا قوله كانوا أبعد الناس في‬
‫العتقاد بأنه أحد القانيم الثلثة‪ ...‬وما كان بطرس تلميذ المسيح‬
‫يعتبر المسيح أكبر من رجل يوحى إليه‪.‬‬
‫]‪ [60‬انظر أعمال)‪ (2/46‬واقرأ ما كتبه الدكتور ‪Robert Alley‬الستاذ‬
‫بجامعة ‪ " : Richmond‬إن الفقرات التي يتكلم فيها المسيح عن ابن‬
‫الله هي إضافات متأخرة تمثل ما كانت الكنيسة تعتقده وادعاء‬
‫مثل هذا ل يتناسب مع حياة المسيح التي نتخيلها‪ .‬فأول ثلثة‬
‫عقود بعد)موت المسيح( كانت المسيحية فرعا بداخل الديانة‬
‫اليهودية وأول ثلثة عقود في تاريخ الكنيسة كان وجودها داخل‬
‫هيكل اليهود ول يمكن تصور أبدا أن أتباع المسيح كانوا يعلنون‬
‫ألوهية المسيح تحت هذه الظروف" و مما يجدر ذكره أن هذا‬
‫الرجل فقد منصبه كرئيس قسم الديان بالجامعة لقوله " ل‬
‫يمكنني أن أتخيل ولو لدقيقة واحدة أن المسيح امتلك الشجاعة‬
‫الكافية لكي بدعي اللوهية لنفسه"‬
‫]‪ [61‬من " المسيح والتثليث" للدكتور محمد وصفي‪ -‬بتصرف‬
‫]‪ [62‬جاء في العهد القديم أن أنبياء آخرين قد حصلت لهم‬
‫معجزة إحياء الموتى انظر حزقيال)‪ (10-1:37‬وملوك أول)‬
‫‪ (24-17:17‬وملوك ثاني)‪(27-22:4‬‬
‫َ‬
‫مَنا‬
‫]‪ [63‬قال تعالى عن المسيح عليه السلم‪):‬إ ِ ْ‬
‫ن هُوَ إ ِّل ع َب ْد ٌ أن ْعَ ْ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ل(‬
‫ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫مث َل ً ل ّب َِني إ ِ ْ‬
‫جعَل َْناه ُ َ‬
‫]‪ [64‬جاء تفسير مصطلح ابن الله بمعنى المؤمن بالله‪):‬وأما‬
‫الوصف الذي قَِبلوه فأعطاهم سلطانا ً أن يصيروا أولد الله أي‬
‫المؤمنون بْاسمه( يوحنا‪12 :1 :‬‬
‫]‪ [65‬انظر ‪):‬خروج ‪ ،22 :4‬مزمور ‪ ،7 :2‬وأخبار اليام الول ‪:22‬‬
‫‪ ،10.9‬متى ‪ ،9 :5‬ولوقا ‪ 38 :3‬و أما إطلق المسيح هذا الوصف‬
‫عن نفسه فلم يرد إل في مكانين بإصحاحي ‪ 11 ,5‬بإنجيل يوحنا‪.‬‬
‫يقول ‪Hastings‬في قاموسه للكتاب المقدس إن استعمال المسيح‬
‫لهذا المصطلح هو أمر مشكوك فيه ويقول شارل جنيبر‪" :‬‬
‫والنتيجة الكيدة لدراسات الباحثين‪ ،‬هي‪ :‬أن المسيح لم يدع قط‬
‫أنه هو المسيح المنتظر‪ ،‬ولم يقل عن نفسه إنه ابن الله‪ ...‬فتلك‬
‫‪207‬‬

‫لغة لم يبدأ في استخدامها سوى المسيحيين الذين تأثروا بالثقافة‬
‫اليونانية"‬
‫انظر‪ :‬المسيحية‪ ،‬نشأتها وتطورها‪ ،‬ص‪.50.‬‬
‫]‪ [66‬من كتاب سر الزل‪.‬‬
‫]‪ [67‬من كتابه‪ :‬الحق‪.‬‬
‫]‪ [68‬جاء في دائرة المعـارف المريكـية عن عـقـيدة التثـليث ]‪..‬‬
‫أن عـقـيدة التثـليث هي العـقـيدة المسيحـية التي تقـول‬
‫بالطبيعـة الثلثية للله هي عـقـيدة ليست من تعـاليم العـهد‬
‫القـديم ول توجـد في أي مكان بين ثناياه‪ [..‬دائرة المعـارف‬
‫المريكـية ط ‪1959‬‬
‫وقد اعترف كبار علماء اللهوت في قاموس الكتاب المقدس أن‪:‬‬
‫مادة التثليث لم ترد في الكتاب المقدس ويظن أن أول من‬
‫صاغها هو ترنفيان في القرن الثاني الميلدي وقد خالفه الكثيرون‬
‫ولكن مجمع نيقية أقر التثليث عام ‪ 325‬أ‪.‬هـ‪ .‬فانظر كيف يحفل‬
‫الكتاب المقدس بقصص الزانيات والزواني ويخلو من أهم مبادئ‬
‫العقيدة النصرانية!!‬
‫]‪ .[69‬ومن يدري لعل هذه الجملة تروق لباء الكنيسة يوما‬
‫فيضيفونها في طبعات الكتاب المقدس الجديدة بدل من الجملة‬
‫الصلية!!‬
‫]‪ [70‬جاء في مقدمة هذا الكتاب‬
‫] ‪The writers of this book are convinced that another major theological development‬‬
‫‪is called for in this last part of the Twentieth Century. The need arises from growing‬‬
‫‪knowledge of Christian origins and involves a recognition that Jesus was(as he is‬‬
‫‪presented in Acts 2.21) “A man approved by God “ for a special role within the‬‬
‫‪Divine purpose, and that the later conception of him as God Incarnate, The Second‬‬
‫‪Person of the Holy Trinity living a human life, is a mythological or poetic way of‬‬
‫‪ .[ .expressing his significance for us‬وترجمتها‬

‫و ترجمته‪ ] :‬إن ك ُّتاب هذا الكتاب مقتنعين بأن هناك‪ ،‬في هذا‬
‫الجزء الخير من القرن العشرين‪ ،‬حاجة ماسة لتطور عقائدي‬
‫كبير آخر‪ .‬هذه الحاجة أوجدتها المعرفة المتزايدة لصول‬
‫المسيحية‪ ،‬تلك المعرفة التي أصبحت تستلزم العتراف بعيسى‬
‫أنه كان)كما يصفه سفر أعمال الرسل‪ " :(2/21 :‬رجل أيده الله‬
‫" لداء دور خاص ضمن الهدف اللـهي‪ ،‬و أن المفهوم المتأخر‬
‫عن عيسى و الذي صار يعتبره " الله المتجسد و الشخص الثاني‬
‫من الثالوث المقدس الذي عاش حياة إنسانية " ليس في الواقع‬
‫إل طريقة تعبير أسطورية و شعرية عما يعنيه عيسى المسيح‬
‫بالنسبة إلينا ]‬

‫‪208‬‬

‫]‪ [71‬انظر عدد ‪ 8‬أبريل ‪ 98‬بعنوان ‪ The Search For Jesus‬و ‪15‬‬
‫أغسطس ‪ 88‬بعنوان ‪Who Was Jesus‬و ‪ 12‬أبريل ‪ 2004‬بعنوان ‪Why‬‬
‫‪ ?Did Jesus Have To Die‬و ‪ 18‬ديسمبر ‪ 95‬بعنوان ‪Is the Bible Fact or‬‬
‫‪ ?Fiction‬فكلها أمثلة توضح حيرة النسان الغربي إزاء هذه العقيدة‬
‫الغامضة‬
‫]‪ [72‬وهنا أطلب من القارئ أن يحاول بنفسه تطبيق المعايير‬
‫التي وضعناها في أول الرسالة للحكم على أي إنسان يدعي‬
‫النبوة والرسالة على بولس هذا‪.‬‬
‫]‪ [73‬يقول دجـوستاف ليون "ولو قـيل للحـواريـين الثنى عـشر‬
‫أن الله تجـسد في يسـوع‪ .‬ما أدركـوا هذه الفـضيحـة ولرفـعـوا‬
‫أصواتهم محـتجـين" حـياة الحـقائق ‪ /‬ص ‪ ،163‬و ‪187‬‬
‫]‪ [74‬أعمال ‪9/26‬‬
‫]‪ [75‬تقول دائرة المعارف البريطانية في الجابة عن هذا‬
‫السؤال‪" :‬إن ارتحاله إليها كان لحاجته إلى جو هادئ صامت‬
‫يتمكن فيه من تفكير في موقفه الجديد‪ ،‬وأن القضية الساس‬
‫عنده هي تفسير الشريعة حسب تجاربه الحديثة"‪.‬‬
‫]‪ [76‬يوحنا ‪ 8/17‬ويلحظ هنا أنه جعل الشهادة الخرى هي‬
‫شهادة الله عز وجل له‪ .‬فهل بعد هذا نقول أن الله هو‬
‫المسيح؟؟!‬
‫]‪ [77‬فقد ذكر في أعمال الرسل إصحاح ‪ 9/7‬أن الرجال‬
‫المسافرين معه وقفوا يسمعون الصوت بينما في إصحاح ‪22/9‬‬
‫المسافرون لم يسمعوا الصوت وفي أعمال ‪ 9/4‬أن بولس‬
‫"وحده سقط على الرض"ينما المسافرون وقفوا‪ ،‬وفي الرواية‬
‫الثالثة أن الجميع‬
‫سقطوا‪ ،‬فقد جاء فيها " سقطنا جميعا على الرض" أعمال‬
‫‪26/14‬‬
‫]‪ [78‬وهذا يعطينا فكرة عن الهداف التي كانت تحرك بولس‪.‬‬
‫فأين هذا من قول الله للنبي أكثر من مرة في القرآن " اتق الله‬
‫"؟‬
‫]‪ [79‬فأين هذا من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وقوله)ل‬
‫تفضلوني على يونس بن متى( وقول الله له‪):‬ليس لك من المر‬
‫شيء(؟‬
‫]‪ [80‬لوقا ‪21:2‬‬
‫]‪ [81‬عبرانيين ‪7/17‬‬
‫]‪ [82‬قال فرانس أوفربيك ‪)Frans Overbeck‬أحد قيادات رجال‬
‫اللهوت الحرار(‪ :‬إن كل الجوانب الحسنة التي تشهدها‬
‫المسيحية ترجع إلى عيسى‪ ،‬أما الجوانب السيئة)وهي تطغي‬
‫‪209‬‬

‫على الجوانب الحسنة بأضعاف مضاعفة( فقد أحدثها بولس فيها‪.‬‬
‫)مبادئ المسيحية(‬
‫]‪ [83‬يقول إريك بروك ‪Erick Brock‬في كتاب مبادئ المسيحية ‪Die‬‬
‫‪Grundlagen desChristentums‬عن بولس‪ " :‬إن أهم جذور كل البلء الذي‬
‫أصاب المسيحية جاءت من أفكاره‪ ،‬وكم نحن الن في حاجة إلى‬
‫أن نشير مرارا ً إلى أن الحقيقة تؤكد أن كل المفكرين الحرار‬
‫المعتدلين قد أشاروا إلى أن المبادئ الخربة التي تتبناها‬
‫المسيحية اليوم ما هي إل مبادئ مخزية ولكن لم يرق الحال‬
‫للكنيسة لتخلصنا من هذه الرسائل والفكار البوليسية"‪.‬‬
‫]‪ [84‬يقول جوستاف لوبون كان بولس مفـطوًرا على فـرط‬
‫الخـيال وكانت نـفسه مملؤة بذكريات الفـلسفة )حـياة‬
‫الحـقائق( ص ‪187 ،163‬‬
‫]‪ [85‬لمسيحـية نشأتها وتطورها ‪ /‬شارل جـنيبر ص ‪ 70‬ويقول‬
‫أيضا ]‪ ..‬لقـد تطورت المسيحية إلى تأليف ديني تجـمع فيه سائر‬
‫العـقائد الخـصبة والشعـائر النابعـة من العاطفة الدينية الوثـنية‬
‫قامت المسيحـية بترتيبهـا وتركـيبها وأضفـت إليها النسـجام[‬
‫وراجع كتاب ‪ The Bible Myths and their Parallels in other Religions‬لمؤلفه‬
‫‪T.W Doane‬وكتاب ‪Mythology Christianity and‬‬
‫لمؤلفه ‪John Mackinnon Robertson‬‬
‫]‪ [86‬يقول الدكتور خالد شلدريك الذي أسلم بعد أن فهم عقيدة‬
‫التثليث‪" :‬إن عقيدة الب والبن من عقائد الوثنيين القدماء فإن‬
‫البوذيين يعبدون بوذا في طفولته مع أمه ياما في نفس الصورة‬
‫التي نراها منقوشة في كل كنيسة للمسيح في طفولته مع أمه‬
‫مريم واتخذ النصارى من عيد الوثنيين للعتدال الخريفي ‪25‬‬
‫ديسمبر موعد ولدة الشمس عندهم عيدا لميلد المسيح" وقد‬
‫كان الثالوث موجودا أيضا في ديانات وثنية سابقة ففي الهند كان‬
‫عندهم الثالوث اللهي براهما و كريشنا و سيفا وكان عند‬
‫المصريين القدماء الثالوث إيزيس وأوزوريس وحورس وصدق‬
‫صاَرى‬
‫الله العظيم إذ يقول)وََقال َ ِ‬
‫ن الل ّهِ وََقال َ ْ‬
‫ت الن ّ َ‬
‫ت ال ْ َي َُهود ُ ع َُزي ٌْر اب ْ ُ‬
‫ن الل ّهِ ذ َل ِ َ‬
‫ن قَوْ َ‬
‫ضاه ِ ُ‬
‫ن‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫ؤو َ‬
‫م يُ َ‬
‫سي ُ‬
‫واه ِهِ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ك قَوْل ُُهم ب ِأفْ َ‬
‫ح اب ْ ُ‬
‫َ‬
‫ه أّنى ي ُؤ ْفَ ُ‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫ن( وهذا من إعجاز القرآن‬
‫كَ َ‬
‫فُروا ْ ِ‬
‫كو َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ل َقات َل َهُ ُ‬
‫أنه أخبرنا كيفية نشأة عقيدة النصارى في المسيح‪ .‬فهل كان‬
‫محمد على اطلع بتاريخ الحضارات القديمة؟‬
‫]‪ [87‬يعلق المؤرخ أرنولد توينبي على مسألة أكل لحم المسيح‬
‫وشرب دمه بأن سكان منطقة البحر المتوسط كانوا قديما‬
‫يفعلون ذلك تقربا إلى أحد آلهة النبات التي تنبت عناصر الخبز‬
‫والنبيذ في هذه المناطق وقد انتقلت هذه الطقوس إلى‬
‫‪210‬‬

‫المسيحية عن طريقهم وليس لها أصل في الدين المسيحي‪ .‬أ‪.‬هـ‬
‫والن أيها القارىء الفطن هل تظن حقا أن الخبز والخمر يتحول‬
‫إلى جسد المسيح حقا؟ وإذا كان المسيح هو الله فهل يصير‬
‫الخبز والخمر لحم الله ودمه؟؟ أللله لحم ودم كالبشر؟! أل‬
‫تستحي أو تشمئز من أن تأكل لحم إلهك وتشرب دمه؟!!‬
‫]‪ [88‬المسيحـية نشأتها ‪ /‬جـنيبر ص ‪ 105‬وجاء في كتاب يسوع‬
‫المسيح للقس بولس إلياس‪):‬لقد لقح الفكر المسيحي بالفكار‬
‫الوثنية وقد حافظت الكنيسة المسيحية على تقاليد الشعوب‬
‫الوثنية و على تنوع الطقوس عند مختلف الطوائف( ثم يستطرد‬
‫قائل)إنه في مفتتح القرن السابع الميلدي كتب البابا غريغورس‬
‫الول إلى القديس أوغسطينوس قائل‪" :‬دع البريطانيين وعاداتهم‬
‫واترك لهم أعيادهم الوثنية واكتف بتنصير تلك العياد والعادات‬
‫مكتفيا بوضع إله المسيحيين موضع آلهة الوثنيين"(‬
‫]‪ [89‬تكررت قصة بولس بحذافيرها في السلم مع رجل يهودي‬
‫يدعى عبد الله بن سبأ لم ير النبي قط دخل السلم نفاقا‬
‫ومواراة بعد وفاة النبي وأثار الفتن ضد عثمان بن عفان و نسب‬
‫اللوهية لعلي بن أبي طالب وظهرت بسببه عقيدة التشيع التي‬
‫أخذت كثيرا مما عند ديانة الفرس وهذا يدل على الدور الخبيث‬
‫الذي يلعبه اليهود لتشويه العقائد على مر التاريخ‪.‬‬
‫]‪ [90‬و من أمثلة ذلك ما صدر عن المجمع الفاتيكاني الثاني في‬
‫الستينات من تبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلم ضاربا‬
‫بنصوص الكتاب المقدس عرض الحائط إكراما لليهود!!‬
‫]‪ [91‬يقول العالم اللماني تولستوي في مقدمة إنجيله الخاص‬
‫الذي وضع فيه ما يعتقد صحته‪ " :‬ل ندري السر في اختيار‬
‫الكنيسة هذا العدد من الكتب وتفضيلها إياه على غيره‪ ،‬واعتباره‬
‫مقدسا ً منزل ً دون سواه مع كون جميع الشخاص الذين كتبوها‬
‫في نظرها رجال قديسون‪ ...‬ويا ليت الكنيسة عند اختيارها لتلك‬
‫الكتب أوضحت للناس هذا التفضيل‪...‬إن الكنيسة أخطأت خطأ ل‬
‫يغتفر في اختيارها بعض الكتب ورفضها الخرى واجتهادها‪." ..‬و‬
‫قال جـون لوريمر في تاريخ الكـنيسة عن هذه الناجـيل ]‪ ..‬لم‬
‫يصلنا إلى الن معـرفة وافـية عن الكـيفـية التي اعـتبرت بها‬
‫الكـتب المقـدسة كـتب قانونية‪ [..‬فإذا كانت قـد فـرضت بالقـوة‬
‫فـمن الذي فـرضها ولمصلحـة من؟ وإذا كان ليس هـناك معـرفة‬
‫عن كـيفـية اخـتيارها لتكـون كـتًبا قانونية فـكـيف تكـون‬
‫مقـدسة؟‬
‫]‪ [92‬هذا مثال واحد من آلف المثلة وهو للمريكية‪Barbara A. :‬‬
‫‪ Brown‬التي أسلمت في أوائل التسعينات وألفت كتاب ‪A closer look‬‬
‫‪211‬‬

‫‪ :at Christianity‬ويمكنك قراءته من هنا‬
‫‪http://home.swipnet.se/islam/books/Closer-Look/frcont13.htm‬‬

‫ويمكنك التعرف على نماذج أخرى ممن دخل السلم من‬
‫‪http://thetruereligion.org/modules/xfsection‬‬

‫]‪ [93‬فقد ظل مكتوبا باللغة اليونانية حتى القرن السادس عشر‬
‫عندما تم ترجمته للغة اللتينية التي يعرفها الناس وقد دفع أحد‬
‫المترجمين حياته ثمنا لهذه الجريمة!!‬
‫]‪ [94‬وجعلت الكنيسة البابا نائبا للمسيح على الرض وبالتالي‬
‫فأرائه غير قابلة للنقاش‪ ،‬وما يحدده في العقيدة يعتبر قضـايا‬
‫شي ْ َ‬
‫ريد ُ ال ّ‬
‫ن َأن‬
‫طا ُ‬
‫يقينية حتى كاد البابا أن يكون إلها رابعا)وَي ُ ِ‬
‫ضل َل ً ب َِعيدًا(!!‬
‫يُ ِ‬
‫م َ‬
‫ضل ّهُ ْ‬
‫]‪ [95‬برغم ما جاء في سفر الخروج‪).:‬ل يكن لك آلهة أخرى‬
‫أمامي‪ ،‬ل تصنع لك تمثال ً منحوتًا‪ ،‬ول صورة مما في السماء‬
‫فوق‪ ،‬وما في الرض من تحت‪ ،‬وما في الماء من تحت الرض‪ ،‬ل‬
‫تسجد لهن‪ ،‬ول تعبدهن؛ لني أنا الرب إلهك‪ ،‬إله غيور( ‪-20/3‬‬
‫‪6‬ولو كان استعمال هذه الصور والصلبان صوابا لستعملت أيام‬
‫المسيح أو في الثلثة أجيال الولى على القل‬
‫]‪ [96‬مثل حركة البروتستانت وهي تعني بالعربية المعارضين‬
‫التي تزعمها مارتن لوثر في القرن السادس عشر هي تخلو من‬
‫كثير من هذه المظاهر الوثنية واستعباد البشر الذي عند طوائف‬
‫النصارى الخرى‬
‫]‪ [97‬مثل ما جاء على لسان بولس‪ " :‬إني أتعجب أنكم تنتقلون‬
‫هكذا سريعا ً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر ليس‬
‫هو‪ ،‬غير أنه يوجد قوم يزعجونكم‪ ،‬ويريدون أن تحولوا إنجيل‬
‫المسيح " غلطية ‪ 8-1/6‬ويقول مرقس‪ " :‬من يهلك نفسه من‬
‫أجلي ومن أجل النجيل فهو يخلصها ")مرقس ‪ .(8/35‬ويقول‪"،‬‬
‫ل اللهِ َقائ ِ ً‬
‫ل‪ ،‬ي ُب َ ّ‬
‫من ْط َ َ‬
‫ل‪»15 :‬قَدِ‬
‫سوع ُ إ َِلى ِ‬
‫قة ِ ا ل ْ َ‬
‫ان ْط َل َقَ ي َ ُ‬
‫شُر ب ِإ ِن ْ ِ‬
‫جي ِ‬
‫جِلي ِ‬
‫مل َ ُ‬
‫م َ‬
‫ل‬
‫ه‪ .‬فَُتوُبوا َوآ ِ‬
‫ت الل ِ‬
‫ن َواقْت ََر َ‬
‫ما ُ‬
‫مُنوا ِبال ِن ْ ِ‬
‫كو ُ‬
‫ب َ‬
‫ل الّز َ‬
‫اك ْت َ َ‬
‫جي ِ‬
‫")مرقص ‪ (16-1/15‬فأي إنجيل ترى كان هذا الذي يعنيه‬
‫المسيح؟؟ أكان يدعو الناس لليمان بإنجيل لم ُيكتب بعد؟؟‬
‫]‪ [98‬ويمكنك قراءة بعض فصوله بالعربية من‪:‬‬
‫‪ /http://www.multimania.com/barnaba‬وبالنجليزية من ‪http://www.barnabas.net‬‬
‫وهذه مقدمة إنجيل برنابا يوضح فيها سبب تأليفه لهذا الكتاب‪:‬‬
‫برنابا رسول يسوع الناصري المسمى المسيح يتمنى لجميع‬
‫سكان الرض سلما ً و عزاًء‪ -2 .‬أيها العزاء إن الله العظيم‬
‫العجيب)وهي تسمية ل تصح لله( قد افتقدنا في هذه اليام‬
‫الخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم واليات التي‬

‫‪212‬‬

‫اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى‪-3.‬‬
‫مبشرين بتعليم شديد الكفر‪ -4 .‬داعين المسيح ابن الله‪-5 .‬‬
‫ورافضين الختان الذي أمر الله به دائمًا‪ -6 .‬مجوزين كل لحم‬
‫نجس‪ -7 .‬الذين ضل في عدادهم أيضا ً بولس الذي ل أتكلم عنه‬
‫إل مع بالغ السى‪ -8 .‬وهو السبب الذي لجله أسطر ذلك الحق‬
‫الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا ول‬
‫يضلكم الشيطان فتهلكون في دينونة الله‪ -9 .‬وعليه فاحذروا كل‬
‫أحد يبشركم بتعليم جديد مضاد لما أكتبه لتخلصوا خلصا ً أبديًا‪.‬‬
‫]‪ [99‬عجيب أن يقرأ النسان في العهد القديم معتقدا بقدسيته‬
‫بدون أن يدري على القل أسماء مؤلفي أسفاره!!‬
‫]‪ [100‬جاء في مجلة ‪LOOK‬عام ‪ 1952‬في مقال بعنوان حقيقة‬
‫الكتاب المقدس أن العهد الجديد وحده به نحو ‪20‬ألف خطأ!!‬
‫]‪Robert Kehl. Zeller [101‬‬
‫]‪ [102‬جاء في خاتمة إنجيل يوحنا"هذا هو التلميذ الذي يشهد‬
‫بهذا‪ ،‬وكتب هذا‪ ،‬ونعلم أن شهادته حق ")يوحنا ‪ .(24 / 21‬فهذه‬
‫الفقرة كما يقول المحققون دليل على عدم صحة نسبة النجيل‬
‫إلى يوحنا‪ ،‬إذ هي تتحدث عن يوحنا بصيغة الغائب‪ .‬إل إذا كانت‬
‫من إضافة أحد الناسخين أو المترجمين بدون إشارة منه بذلك‬
‫وفي هذه الحالة ما الذي يضمن أل تكون أجزاء أخرى هي من‬
‫إضافة الناسخين؟‬
‫]‪ [103‬يمكنك مراجعة ذلك بنفسك في الموسوعة البريطانية في‬
‫أي مكتبة عامة تحت كلمة ‪ Bible‬أو ‪Gospel‬‬
‫]‪ [104‬يفهم من هذه المقدمة أمور أخرى منها‪ :‬أن إنجيله‬
‫خطاب شخصي‪ ،‬وأنه دّونه بدافع شخصي‪ ،‬وأن له مراجع نقل‬
‫عنها بتدقيق‪ ،‬وأن كثيرين كتبوا غيره‪ ،‬ولم يذكر لوقا في مقدمته‬
‫شيئا ً عن إلهام إلهي ألهمه الكتابة أو وحي من روح القدس نزل‬
‫عليه‪ .‬نقل عن)هل العهد الجديد كلم الله(‬
‫]‪ [105‬فأين هذا من دقة تدوين الحاديث النبوية التي ُيعرف‬
‫سلسلة رواتها من أول رجل سمعها من النبي إلي آخر رجل في‬
‫السلسلة يرويها اليوم للناس كما سمعها و كل منهم يقول‪ :‬قال‬
‫فلن حدثنا فلن؟؟‬
‫]‪ [106‬جاء في مقدمة الطبعة المريكية المعدلة عام ‪ 1952‬أن‬
‫طبعة الملك جيمس حوت أخطاء جسيمة كثيرة جدا!‬
‫]‪ [107‬يوجد اختلف بين علماء التاريخ حول تاريخ ولدة المسيح‬
‫عليه السلم‬
‫]‪.Davies, A. Powell. The Meaning of the Dead Sea Scrolls [108‬‬
‫]‪ [109‬ويسمى أيضا ‪Spouter or Preacher of lies‬‬
‫‪213‬‬

‫]‪ [110‬انظر ‪ 4Q541 frag. 9 col. I‬ونبينا محمد هو الذي حارب أعداءه‬
‫وحكم سيفه و بالتالي ل تنطبق هذه الصفات على غيره‪ .‬والله‬
‫اعلم‬
‫]‪ [111‬مخطوطات البحر الميت ‪ -‬أحمد عثمان ص ‪147 -127‬‬
‫]‪ [112‬من أوائل من كتب فيه ريشارد سيمون ))‪Richard Simon‬في‬
‫كتابه التاريخ النقدي للعهد القديم ‪"."Critical History of the Old Testament‬‬
‫]‪ [113‬وما جاء على لسان الب كارل رانير في المجمع‬
‫المسكوني الفاتيكاني الثاني الذي انتهى عام ‪ 1965‬قوله‪ " :‬لقد‬
‫أصبح من الصعب تصديق الناجيل من كثرة ما تم بها من تحريف‬
‫وقد ألح العديد من رجال الكهنوت في المجمع على ضرورة‬
‫القيام بمراجعة الناجيل حتى ل يصاب المسيحيون بالحباط‬
‫وحتى ل يتعرض المثقفون للفضيحة وحتى ل تتعرض العقيدة‬
‫المسيحية نفسها للسخرية!!"‬
‫]‪)[114‬هل العهد الجديد كلمة الله( ص ‪151‬‬
‫]‪""Foi en la Resurrection, Resurrection de la foi [115‬‬
‫]‪.Initiation to the Gospels [116‬‬
‫]‪ [117‬عن أبي هريرة‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬قال‪):‬إن‬
‫عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ‪ -‬أو إن الشيطان‪ -‬ليقطع‬
‫علي الصلة‪ ،‬فأمكنني الله منه‪ ،‬فأردت أن أربطه إلى سارية من‬
‫سواري المسجد‪ ،‬حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم‪ ،‬فذكرت قول‬
‫أخي سليمان‪} :‬رب اغفر لي وهب لي ملكا ل ينبغي لحد من‬
‫بعدي{( فرده الله خاسئا‬
‫]‪ [118‬يقول)ول ديورانت( فى كتابه المشهور قصة الحضارة‬
‫"مهما يكن من أمر هذه الكتابات الغرامية فان وجودها في العهد‬
‫القديم سر خفي‪ ....‬ولسنا ندرى كيف غفل أو تغافل رجال الدين‬
‫عما في هذه الغاني من عواطف شهوانية وأجازوا وضعها في‬
‫الكتاب المقدس" الجزء ‪ 3‬صفحة ‪.388‬‬
‫]‪ [119‬من كتاب هل العهد القديم كلمة اللـه؟؟ د‪ .‬منقذ السقار‬
‫‪ [Maurice Bucaille, The Bible, The Quran and Science[120‬يمكنك قراءته من‪:‬‬
‫‪http://home.swipnet.se/islam/books/maurice/frcont15.htm‬‬

‫]‪ [121‬يقول الدكتور روبرت في كتابه " حقيقة الكتاب المقدس‬
‫"‪ ":‬ل يوجد كتاب على الطلق به من التغييرات والخطاء‬
‫والتحريفات مثل ما في الكتاب المقدس "‪ ،‬وينقل روبرت أن آباء‬
‫الكنيسة يعترفون بوقوع التحريف عن عمد‪ ،‬وأن الخلف بينهم‬
‫محصور فيمن قام بهذا التحريف‪ .‬ومن الطريف أن د‪ .‬روبرت قد‬
‫أعد لمطبعة " تسفنجلي " مذكرة علمية تطبع مع الكتاب‬
‫المقدس‪ ،‬ثم منع من طبعها‪ ،‬ولما سئل عن السبب في منعها‬
‫‪214‬‬

‫قال‪ " :‬إن هذه المذكرة ستفقد الشعب إيمانه بهذا الكتاب "‪.‬‬
‫ولعل أهم أمثلة تحريف الطبعات قاطبة ما جاء في رسالة يوحنا‬
‫الولى " فإن الذين يشهدون)في السماء هم ثلثة الب والكلمة‬
‫والروح القدس‪ ،‬وهؤلء الثلثة هم واحد‪ ،‬والذين يشهدون في‬
‫الرض( هم ثلثة الروح والماء والدم‪ ،‬والثلثة هم في الواحد‬
‫")يوحنا)‪ ،(8 - 5/7 (1‬والفقرة الولى التي تتحدث عن شهود‬
‫السماء غير موجودة في النسخ القديمة‪ ،‬وقد كتب إسحاق نيوتن‬
‫رسالة بلغت خمسين صفحة أثبت فيها تحريف هذه العبارة التي‬
‫بقيت في سائر الطبعات والتراجم بلغات العالم المختلفة إلى‬
‫أواسط هذا القرن‪ .‬وكانت بعض الطبعات العربية القديمة قد‬
‫وضعتها بين هللين لتدل على عدم وجودها في المخطوطات‬
‫القديمة كما في ترجمة الشرق الوسط ‪1933‬م‪ ،‬ومثلها صنعت‬
‫طبعة دار الكتاب المقدس في الشرق الوسط‪ ،‬لكن الفقرة‬
‫موجودة بدون أهلة في سائر التراجم العربية سوى ترجمة العالم‬
‫الجديد البرتسنتية وترجمة الكاثوليك العربية المسماة بالرهبانية‬
‫اليسوعية‪ ،‬فإنهما أزالتاها‪ ،‬واعتبرتا نص التثليث المهم نصا ً دخيل ً‬
‫ملحقا ً بالكتاب المقدس‪ .‬وفي عام ‪1952‬م أصدرت لجنة تنقيح‬
‫الكتاب المقدس نسخة)‪ ،(R. S. V‬النسخة القياسية المراجعة‪ ،‬وكان‬
‫ر‬
‫هذا النص ضمن ما حذفه المنقحون‪ ،‬لكن هذا التنقيح لم يس ِ‬
‫على مختلف تراجم النجيل العالمية‪ .‬وكذلك ما جاء مرقص)‬
‫‪ (20-16/9‬فإنها موجودة في بعض النسخ دون بعض فقد ذكر‬
‫جورج بوست في قاموس الكتاب المقدس أنها لم تكن في‬
‫الكتب القديمة وغير ذلك من نصوص مثل يوحنا ‪ 53:7‬ويوحنا‬
‫‪ 11- 8:1‬ومتى ‪17:21‬‬
‫]‪ [122‬من كتابه هل الكتاب المقدس كلم الله ص ‪17‬‬
‫=================‬
‫مفاهيم أساسية لدراسة السيرة النبوية‬
‫محمد جلل القصاص‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫المقدمة وتشمل بيان‪:‬‬
‫أهمية وضع ضوابط لقراءة السيرة النبوية‬
‫)السيرة النبوية ـ على صاحبها الصلة والسلم ـ هي في الحقيقة‬
‫عبارة عن الرسالة التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫إلى المجتمع البشرى قوًل وفعًل‪ ،‬وتوجيها وسلو ً‬
‫ب بها‬
‫كا‪ ،‬وقَل َ َ‬
‫دل مكان السيئة الحسنة‪ ،‬وأخرج بها الناس من‬
‫موازين الحياة‪ ،‬فب ّ‬
‫الظلمات إلى النور‪ ،‬ومن عبادة العباد إلى عبادة الله(‬

‫‪215‬‬

‫أي أنها ـ بلغة القوم ـ حركة من حركات الصلح التي عرفتها‬
‫البشرية‪.‬‬
‫واليوم يتنادى كثيرون للصلح الديني والجتماعي والقتصادي‬
‫والسياسي‪ ...‬الخ‪ .‬وكثير من هؤلء يدعي النتساب للدين وأنه‬
‫ينطلق من ثوابت الدين الكلية ويستوقد من سيرة الحبيب صلى‬
‫الله عليه وسلم شعلة يستضيء بها في رحلة)الصلح( التي يقوم‬
‫بها‪.‬‬
‫والحقيقة أن الكل يذهب للسيرة بخلفية فكرية مسبقة فَيبُتر‬
‫ويجتزئ وينقل ما يريد مما يحقق له أهدافه‪ ،‬وقد رأينا أن‬
‫العلمانيين ومن بذروا بذور العلمانية في عالمنا السلمي كـ)طه‬
‫حسين( و)ورفاعة الطهطاوي( قد كتبوا في السيرة النبوية‪.‬‬
‫ولكنها طريقة أهل الهواء والبدع الذين يعتقدون ثم يستدلون‪ ،‬أو‬
‫الذين يذهبون إلى النصوص ليأتوا بها على هواهم‪.‬‬
‫لذا كان لبد من وضع ضوابط لدراسة السيرة النبوية‪.‬‬
‫ولما كانت الخلفية الفكرية للكاتب أو المتحدث تنعكس على‬
‫أفكاره المكتوبة أو المقروءة ول بد‪ ،‬رأينا ـ ممن يتكلمون في‬
‫السيرة من دعاة الصحوة السلمية المباركة ـ من ل يرى في‬
‫السيرة إل السيف والجهاد‪ ،‬ومنهم من ل يرى إل الشخاص‪،‬‬
‫ويحاول أن يصور المر على أنه بطولت شخصية‪ ،‬وتنحصر رؤيته‬
‫في عبقرية الشخص وتوصيف الحدث دون ربطه بغيره أو النظر‬
‫إلى فقه الحدث وما فيه من التشريعات‪.‬‬
‫فغالب الطرح الموجود للسيرة النبوية يغلب عليه إثبات الوقائع‬
‫ووصف تطور الحداث وذكر النتائج‪.‬وهو أمر جيد إن كان الخطاب‬
‫موجه فقط للعوام من الناس‪.‬‬
‫وقد حاولت في هذه الرسالة أن أضع بعض الصول لدراسة‬
‫السيرة النبوية‪ .‬ولم تقع عيني على دراسة مشابه لشيوخنا‬
‫الكرام‪ ،‬لذا بذلت ما استطعت من الجهد وأعترف بأن المر‬
‫مازال يحتاج إلى مزيد من الدراسة‪ ،‬والله أسأل أن يبارك لي في‬
‫كلماتي وأن ينفع بها‪.‬‬
‫أول‪ :‬أهمية دراسة السيرة النبوية‪:‬‬
‫ب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عبادة‪ ،‬قال تعالى‪):‬‬
‫ح ّ‬
‫‪1‬ـ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م(‪].‬الحزاب‪ :‬الية ‪[6‬‬
‫ن أن ُ‬
‫ف ِ‬
‫ن ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫سهِ ْ‬
‫ي أوَْلى ِبال ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫مِني َ‬
‫الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حّتى أ ُ‬
‫ن‬
‫ذي ن َ ْ‬
‫سي ب ِي َد ِهِ َل ي ُؤ ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫وفي الحديث " فَوَ ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫م َ‬
‫نأ َ‬
‫حد ُك ُ ْ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫ه"‬
‫ن َوال ِد ِهِ وَوَل َد ِ ِ‬
‫ب إ ِل َي ْهِ ِ‬
‫ح ّ‬
‫أ َ‬
‫م ْ‬
‫شام ٍ َقا َ‬
‫ن هِ َ‬
‫ه‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ل‪ :‬ك ُّنا َ‬
‫ي َ‬
‫معَ الن ّب ِ ّ‬
‫وفي البخاري عن ع َب ْد َ الل ّهِ ب ْ َ‬
‫خ ّ‬
‫قا َ‬
‫مُر‪َ :‬يا‬
‫ب فَ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م وَهُوَ آ ِ‬
‫ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ه عُ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫خذ ٌ ب ِي َد ِ ع ُ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫طا ِ‬
‫مَر ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫سو َ‬
‫ل َ‬
‫ل‬
‫سي فَ َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ف ِ‬
‫يٍء إ ِّل ِ‬
‫ي ِ‬
‫ح ّ‬
‫تأ َ‬
‫َر ُ‬
‫ل الل ّهِ َلن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ش ْ‬
‫م ْ‬
‫ب إ ِل َ ّ‬
‫‪216‬‬

‫حّتى أ َ ُ‬
‫ن‬
‫ذي ن َ ْ‬
‫ف ِ‬
‫م‪َ " :‬ل َوال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫سي ب ِي َد ِهِ َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ب إ ِل َي ْ َ‬
‫قا َ‬
‫ب‬
‫ك " فَ َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ف ِ‬
‫ك ِ‬
‫ح ّ‬
‫تأ َ‬
‫ه اْل َ‬
‫ح ّ‬
‫أ َ‬
‫ن َوالل ّهِ َلن ْ َ‬
‫مُر فَإ ِن ّ ُ‬
‫ه عُ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫م ْ‬
‫قا َ‬
‫مُر‬
‫سي فَ َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ف ِ‬
‫ي ِ‬
‫م‪ " :‬اْل َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن َيا ع ُ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫إ ِل َ ّ‬
‫قا َ‬
‫مَتى‬
‫ساع َةِ فَ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫" وجاء رجل إلى النبي صلى الله فسأله ع َ ْ‬
‫َ‬
‫ت ل ََها؟ َقا َ‬
‫ة َقا َ‬
‫ما َ‬
‫ل ‪َ :‬ل‬
‫ساع َ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ذا أع ْد َد ْ َ‬
‫ل ـ صلى الله عليه وسلم ـ‪ :‬وَ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫َ‬
‫ل‪" :‬‬
‫م فَ َ‬
‫يَء إ ِّل أّني أ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ب الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت‪َ :‬قا َ‬
‫حَنا ب ِ َ‬
‫ي‬
‫حَنا ب ِ َ‬
‫ش‬
‫م‬
‫ل أن َ‬
‫يٍء فََر َ‬
‫ما فَرِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫س فَ َ‬
‫حب َب ْ َ‬
‫معَ َ‬
‫ت َ‬
‫أن ْ َ‬
‫ٌ‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫قوْ ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫صّلى الل ّه ع َل َيه وسل ّم أ َنت مع من أ َحببت َقا َ َ‬
‫ب‬
‫س فَأَنا أ ُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ْ ِ َ َ َ ْ َ َ َ َ ْ ْ َْ َ‬
‫ُ‬
‫ل أن َ ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ن أكو َ‬
‫جو أ ْ‬
‫مَر وَأْر ُ‬
‫ه ع َلي ْهِ وَ َ‬
‫معَهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫م وَأَبا ب َكرٍ وَع ُ َ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ي َ‬
‫الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م‪.‬‬
‫ل بِ ِ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫بِ ُ‬
‫مال ِهِ ْ‬
‫ل أع ْ َ‬
‫م أع ْ َ‬
‫نل ْ‬
‫حّبي إ ِّياهُ ْ‬
‫مث ْ ِ‬
‫والقتداء به ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أحد ركني السلم الذي‬
‫قام عليهما)الخلص والمتابعة(‪ ،‬قال تعالى )لقد كان لكم في‬
‫رسول الله أسوة لمن كان يرجوا الله واليوم الخر وذكر الله‬
‫كثيًرا( ] الحزاب‪ .[ 21:‬وهو أيضا الترجمة الحقيقية للمحبة قال‬
‫الله تعالى‪) :‬قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر‬
‫لكم ذنوبكم والله غفور رحيم(] آل عمران‪[ 31 :‬‬
‫ومن أمحل المحال أن يحب المرء من يجهل أوصافه وأحواله‪،‬‬
‫ومن أمحل المحال أن يقتدي المرء بمن ل يعرف شيًئا عن‬
‫سيرته وهديه‪ ،‬من هنا تأتي أهمية شرح السيرة النبوية لتوضيح‬
‫صفاته وأحواله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ليعرفها من جهل فيحب‬
‫ويتبع‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ وتعّلم السيرة النبوية عبادة فقد جاء عن علي بن الحسين‬
‫رضي الله عنهما أنه قال‪ " :‬كنا ُنعّلم مغازي النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم كما نعلم السورة من القرآن"‪.‬‬
‫وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص‪» :‬كان أبي‬
‫يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعدها علينا‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬هذه مآثر آبائكم فل تضيعوا ذكرها«)‪.(1‬‬
‫‪ 3‬ـ وإذا أعملنا قاعدة " الوسائل لها أحكام المقاصد " ـ وهو‬
‫ممكن هنا ـ وجدنا أن السيرة النبوية إحدى وسائل التعبد‪ ،‬تأخذ‬
‫حكم الغاية التي تصل إليها‪ .‬وبعض الغايات عبادات واجبة‪ ،‬وبعض‬
‫الغايات دفاع عن الحبيب صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ وفي السيرة توضيح لكثير من معاني القرآن الكريم‪ ،‬كتلك‬
‫اليات التي تتكلم عن الغزوات في سورة آل عمران‪ ،‬والتوبة‬
‫والحزاب والفتح والحشر‪ ،...‬كما أن في دراسة السيرة النبوية‬
‫بيان لكثير من أسباب النزول‪ .‬فهناك سور بأكملها تتكلم عن‬
‫غزوة مثل سورة النفال التي تتكلم عن غزوة بدر‪ ،‬وسورة التوبة‬
‫التي تتكلم عن غزوة تبوك‪ ،‬وسورة الحشر التي تتكلم عن جلء‬
‫‪217‬‬

‫بني النضير‪ ،‬وهناك آيات كثيرة في سورة آل عمران تتحدث عن‬
‫دا ل بد من دراسة السيرة‬
‫غزوة أحد‪ ،‬وحتى تفهم هذه اليات جي ً‬
‫النبوية‪.‬‬
‫‪5‬ـ ولما كانت القدوة لبد منها في حياة الناشئة كان ل بد من‬
‫تعلم السيرة النبوية‪ ،‬لعطاء الجيال نماذج طيبة طاهرة‪ ،‬من‬
‫الصحابة والتابعين‪ ،‬وطرد النماذج الجاهلية أو الخيالية التي تعطى‬
‫للطفال فيما يعرض على الشاشات المرئية أو في القصص‬
‫المكتوبة مما عمت به البلوى هذه اليام‪ .‬ففي السيرة نماذج حية‬
‫للقادة العظماء وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وفي السيرة نماذج حّية للزهاد وعلى رأسهم النبي محمد صلى‬
‫الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وفي السيرة نماذج للتجار الناجحون المخلصون التقياء‪ .‬وفي‬
‫السيرة أفضل النماذج للمربين وعلى رأسهم النبي محمد صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬وفي السيرة أسمى نماذج الصبر والثبات والجد‬
‫في الحصول على المراد‪.‬‬
‫ول بد من عقد المقارنة بين هذه النماذج الخيالية المكذوبة التي‬
‫ل يستفيد منها القارئ وخاصة الناشئة شيء‪ ،‬وبين نماذج البطولة‬
‫الحية الموجودة في السيرة النبوية‪.‬‬
‫بل ل بد من عقد المقارنة بين عظماء التاريخ السلمي وعلى‬
‫رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وباقي الجبابرة الذين‬
‫استخفوا قومهم فأطاعوهم‪ ،‬والذين ملكوا على الناس بالسيف‪،‬‬
‫ولم يتركوا أثرا لهم ُيحي ذكرهم بالخير بين الناس كما كان حال‬
‫من رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ واليوم دار الزمان دورة أخرى‪ ،‬وصار الكفر هو القوة‬
‫العظمى الوحيدة على وجه الرض ففرض علينا ما هو مرفوض‬
‫في ديننا‪ ،‬وتبعه كثير من قومنا رغبة ورهبة‪ ،‬ول بد من التصدي‬
‫لهذه الحالة والوقوف بوجهها‪ ،‬لذا كان ل بد من معرفة كيف عالج‬
‫رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المر من قبل‪ .‬وُتعرض‬
‫السيرة النبوية كنموذج للصلح ورد الناس إلى دين الله‪.‬‬
‫وأحاول ـ بحول الله وقوته ـ عرض بعض المفاهيم التي ل بد منها‬
‫ـ من وجهة نظري ـ لمن يريد دراسة السيرة النبوية أو عرضها‬
‫على الناس‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬السيرة النبوية وصحة المصادر‪:‬‬
‫يعاني النصارى واليهود من الشك الكبير في تراثهم الديني‪ ...‬كل‬
‫تراثهم الديني؛ بل في أقدس ما لديهم وهو ما يسمونه)الكتاب‬
‫المقدس(‪ ،‬فهم مختلفون أو قل يجهلون الكثير عن الشخصيات‬
‫التي كتبت)العهد القديم( وكذا من كتبوا الناجيل )القانونية منها‬
‫‪218‬‬

‫وغير القانونية(‪ ،‬والكلم في التشكيك فيمن كتبوا الناجيل‬
‫مشهور ومعلوم‪ ،‬والمعلومات عن الصول التي تمت الترجمة‬
‫منها تكاد تكون معدومة‪ ،‬والحديث عن ما يسمونهم بــ)الباء‬
‫محتكر بين طائفة معينة‪ ،‬ومن يدخل منهم‬
‫الولون( حديث ُ‬
‫السلم يتكلم بأنه كله كذب ولول ذلك لخرج للعوام‪ ،‬فهم إذا في‬
‫شك كبير من كتابهم وتراثهم الفكري والتاريخي‪ ،‬وهو مصداق‬
‫قول الله تعالى‪):‬وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك‬
‫منه مريب( ويستر عيبهم أن الدين حكر على الحبار والرهبان‪،‬‬
‫وأن العوام ليس لهم من الدين سوى بعض القضايا الذهنية التي‬
‫يعتقدونها كقضية الفداء والصلب مثل عند النصارى‪ ،‬وبعض‬
‫الشعائر التعبدية التي يلتزم بها القليل‪ .‬ول يلم عليها الباقين‪.‬‬
‫هذا حال أقرب الديانات لنا ـ النصرانية ـ والمر أسوء في‬
‫اليهودية والبوذية وغيرهما من الديانات الخرى‪.‬‬
‫أما نحن المسلمين فنعرف عن نبينا صلى الله عليه وسلم‬
‫وصحابته الكرام رضوان الله عليهم كل شيء‪ ...‬نعرف عنه صلى‬
‫الله عليه وسلم مأكله ومشربه وملبسه ومشيته وجلسته‪ ،‬وكيف‬
‫كان ينام‪ ،‬وكيف كان يضحك‪ ،‬وما كان يحب من الشياء‪ ،‬ومن‬
‫كان يحب ويكره من الشخاص‪ ،‬ونعرف صلته وغزواته‪ ،‬وحاله‬
‫في بيته مع نسائه وأطفاله وأحفاده‪ ،‬ونعرف عن نبينا ما ل يعرفه‬
‫أحدنا عن أبيه‪.‬‬
‫مّنة من الله عظيمة يجب التنبيه عليها لمن يعرض السيرة‬
‫وهذه ِ‬
‫النبوية على الناس‪ ،‬فنحن حين نعرض السيرة النبوية نتكلم عن‬
‫عْلم مدون‪ ،‬وليس عن قصص مفترى‪ .‬ونتكلم عن حقائق‬
‫ِ‬
‫وأشخاص معروفة ومعلومة وليس عن أشخاص وهمية‪.‬‬
‫ويعرف أهمية هذا من يناظر النصارى ويختلط بهم‪.‬‬
‫وأمًرا آخر يجب التنبيه عليه وهو أن الكتب التي تأخذ منها السيرة‬
‫النبوية ومنها كتب التفسير تثبت الروايات الضعيفة والمكذوبة‬
‫دا وجود هذه الروايات في كتب‬
‫للرد عليها وتضعيفها‪ .‬فل يعني أب ً‬
‫السير أنها صحيحة فل بد من اللتفات إلى التعليق الذي يذكره‬
‫المؤلف على القصة أو الرواية‪.‬‬
‫مثل قصة الغرانيق العل التي أوردها المفسرون في سورة النجم‬
‫ولم يقل أحد منهم أن القصة صحيحة‪ ،‬بمعنى أنه نزل في القرآن‬
‫آيات تقول عن)اللت( و)العزى( " أنهم هم الغرانيق العل وإن‬
‫ما من اليام آيات من‬
‫شفاعتهم لترتجى" فلم تكن هذه أب ً‬
‫دا يو ً‬
‫كتاب الله وتم نسخها أو حذفها‪ .‬ولم يذكرها المفسرون من باب‬
‫التأيد‪ ،‬وإنما من باب التكذيب والرد على من يقول بها‪.‬‬

‫‪219‬‬

‫ومثال ذلك أيضا ما يقال عن الحمار)يعفور( الذي كلم النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم يوم خيبر‪ ،‬وما يقال من أن رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم رأى زينب في ثياب شفافة فأعجبته وسعى في‬
‫طلقها من زيد ليتزوجها هو صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫ضا‬
‫هذه الروايات ومثلها ترد في كتب السير وكتب التفسير أي ً‬
‫لتكذبيها والرد عليها‪.‬‬
‫وليس مجرد وجودها هو إثبات لها كما يفتري أهل الكتاب‪.‬‬
‫فالواجب على من يعرض السيرة أن ينبه على هذا المر‪.‬‬
‫وقد يبدو للقارئ أن هذا المر بسي ً‬
‫طا ل يستحق الوقوف عنده‬
‫والتنبيه عليه‪ ،‬إل أنك حين تعلم أن دعاة الكفر ينقلون هذه‬
‫الشياء لمن يسمعونهم من المسلمين والنصارى ويقولون لهم ها‬
‫نحن ننقل لكم من كتب أئمتهم الكبار)بن كثير( و)القرطبي(‬
‫و)الجللين(‪ ...‬الخ يتبين لك مدى أهمية التنبيه على هذا المر‪،‬‬
‫وعلى هذا المسلك الفاسد الذي هو في حقيقة أمره كذب ليس‬
‫إل‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم المفترى عليها‪:‬‬
‫ب للحبيب صلى الله عليه وسلم ليس حدًثا‬
‫ما يحدث اليوم من س ّ‬
‫عابًرا قامت به صحيفة سيئة الخلق نفثت به عن حقدها في عدد‬
‫ملئت قلوبهم‬
‫م حفنه من أراذل الكفار ُ‬
‫من أعدادها‪ ،‬وليس هو ه ّ‬
‫غي ً‬
‫قا على شخص الحبيب صلى الله عليه وسلم فقاموا‬
‫ظا وحن ً‬
‫يمثلون وينكتون ويسخرون‪ .‬بل لو كان المر كذلك لكان مما‬
‫يسعه الصدر على عظمه إذ أن مجاراة السفهاء أمر يترفع عنه‬
‫العقلء‪ ...‬ولكن‪..‬المر أعمق من هذا كله‪.‬‬
‫ت‬
‫هذه المور ليست إل كما يقول الله عز وجل‪ ...):‬قَد ْ ب َد َ ِ‬
‫خفي صدورهُ َ‬
‫ال ْبغْضاء م َ‬
‫ت‬
‫م الَيا ِ‬
‫ما ت ُ ْ ِ‬
‫َ َ‬
‫م أك ْب َُر قَد ْ ب َي ّّنا ل َك ُ ُ‬
‫ُ ُ ُ ْ‬
‫م وَ َ‬
‫واه ِهِ ْ‬
‫ن أفْ َ‬
‫ِ ْ‬
‫ُ‬
‫ِإن ُ‬
‫ن()آل عمران‪ :‬من الية ‪ .(118‬وهاأنذا أنادي‬
‫م ت َعْ ِ‬
‫قلو َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫العقلء‪ .‬فهل يسمعون؟‪ ...‬وهل يجيبون؟‪ ...‬وليت أولى العزم من‬
‫من يلبون؟‬
‫العقلء َ‬
‫من قبل كان النصارى في حملتهم)التبشيرية( يتكلمون عن‬
‫النصرانية‪ ...‬يبترون ويكذبون ويبدون قليل ً ويخفون كثيًرا كي‬
‫ُيظهروا دينهم المحرف في صورة يتقبلها الخر‪ .‬واتخذوا مما‬
‫يسمى بحوار الديان‪ ...‬هذا الحوار الذي يجرى مع علماء‬
‫الدين)الرسميين( وسيلة ليقولوا لمن يخاطبونهم من ضعاف‬
‫المسلمين في أدغال أفريقيا وجنوب شرق أسيا أن السلم‬
‫يعترف بنا ول يتنكر لنا فكله خير ـ بزعمهم وهم كاذبون آثمون ـ‪.‬‬
‫وكانت حملتهم على السلم حملة على شعائره‪ ...‬يتكلمون‬
‫عن)التعدد( وعن)الطلق( وعن)الحدود( وعن)الجهاد(‬
‫‪220‬‬

‫وعن)الميراث( وعن ناسخ القرآن ومنسوخه‪ ،‬ثم في الفترة‬
‫الخيرة وخاصة بعد انتشار الفضائيات ودخولها كل البيوت تقريًبا‪،‬‬
‫صا‪ ،‬أخذ‬
‫وكذا بعد ظهور تقنية النترنت عمو ً‬
‫ما والبالتوك خصو ً‬
‫القوم منحى آخر وهو التركيز على شخص الحبيب صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ .‬قاموا ينقضون السلم بتشويه صورة النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم‪.‬‬
‫ْ‬
‫سه دعاة الكفر ثوب‬
‫ودعك من كلم الراذل‪ ،‬هناك طر ٌ‬
‫ح ي ُلب ِ ُ‬
‫دعون أنه الحقيقة التي ل مراء فيها‪ ،‬يخاطبون بهذا‬
‫الِعلمية وي ّ‬
‫الهراء قومهم ومن يتوجهون إليهم بالتنصير!!‬
‫هذا توجه عام داخل حملت التنصير اليوم‪.‬‬
‫والمر بّين لمن له أدنى متابعة لما يتكلم به القوم‪ .‬وما حدث في‬
‫الصحف الوربية هو طفح لما ُيخاطب به القوم في الكنائس‬
‫وغرف البالتوك وبعض الفضائيات عن نبي السلم صلى الله‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫فهم يحاضرون ويؤلفون عن)أخلق نبي السلم(‪ ،‬يتكلمون عن‬
‫زواجه بتسع من النساء ـ وقد اجتمع عند سليمان عليه السلم‬
‫سبعمائة من النساء وهذا في كتابهم ـ‪ ،‬وعن زواجه من عائشة‬
‫ومن زينب ومن صفية ـ رضي الله عنهن‪ ،‬وعن غزواته صلى الله‬
‫عليه وسلم؛ وبطريقة البتر للنصوص واعتماد الضعيف والشاذ‬
‫والمنكر من الحديث يخرجون بكلمهم الذي يشوهون به صورة‬
‫الحبيب صلى الله عليه وسلم‪ .‬ولكنه في الخير يبدو للمستمع أن‬
‫هذا كلم)بن كثير( و)الطبري( و)بن سعد( علماء السلم‪ .‬فيظن‬
‫المخاطبون أنها الحقيقة التي يخفيها)علماء( السلم!!‬
‫دعاة النصرانية يغرفون من وعاء الشيعة الكدر النجس حين‬
‫يتكلمون عن أمهات المؤمنين وعن صحابة النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم بل وفي كلمهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا‪،‬‬
‫ويغرفون من وعاء)القرآنيون( الذين يتركون السنة تشكي ً‬
‫كا في‬
‫ثبوتها أو في عصمة الحبيب صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫والمطلوب هو قراءة جيدة لما يحدث‪ ،‬والتصدي له على أرض‬
‫الواقع‪ .‬ل نريد ثورة كلمية‪ ،‬وغضبة ل يفهم منها)الخر( إل أنها‬
‫نفرة المتعصب‪ ،‬نريد قطع الطريق على هؤلء وإحباط كيدهم‪،‬‬
‫وإنقاذ الناس من الكفر بربهم‪.‬‬
‫مطلوب خطاب أكاديمي يجفف منابع المنصرين‪ ،‬أعني ما يقوله‬
‫القرآنيون والشيعة على شخص الحبيب صلى الله عليه وسلم‬
‫ونسائه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن‪ .‬وما يفتريه النصارى‬
‫بالبتر للنص واعتماد المكذوب والشاذ والضعيف من الحديث‪.‬‬

‫‪221‬‬

‫ي بهذا طلبة درجات التخصص العليا في الكليات الشرعية‪.‬‬
‫ومعن ٌ‬
‫ما ما‪.‬‬
‫وإن أخذ المر وقتا ولكنه سيثمر بإذن الله يو ً‬
‫ومطلوب خطاب لعامة الناس يبين لهم كيف كان نبيهم صلى الله‬
‫دا كل البعد عما يقولوه النصارى‪ ،‬وأن ما يقال‬
‫عليه وسلم بعي ً‬
‫محض كذب‪ ،‬وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان كل الكمال‬
‫وجملة الجمال صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ويأخذ شخص الحبيب صلى‬
‫ما أكبر ممن يعرضون السيرة النبوية على‬
‫الله عليه وسلم اهتما ً‬
‫الناس‪.‬‬
‫تالله ما حملت أنثى ول وضعت * * * مثل النبي رسول المة‬
‫الهادي‪.‬‬
‫وأعرض الن واحدة من الشبهات التي يتكلم بها النصارى على‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم والرد عليها‪ ،‬ليعرف قومنا كيف‬
‫ملة في ما ُيعرض من السيرة النبوية‪ ،‬وخاصة المسموعة‬
‫مهْ َ‬
‫أنها ُ‬
‫صرون‪.‬‬
‫التي تصل إلى العوام‪ ،‬وهم من يستهدفهم المن ّ‬
‫م‬
‫يتكلمون بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شهوانًيا ل ه ّ‬
‫له إل النساء‪ ،‬مستندين في ذلك على أن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم تزوج بتسعة من النساء‪ ،‬وزواجه من عائشة رضي الله‬
‫عنها وهي في التاسعة من عمرها‪ ،‬وزواجه زينب زوجة زيد بن‬
‫حارثة ابنه بالتبني‪ ،‬وكذا زواجه من بعض السبايا‪ .‬ويسمون هذه‬
‫السماء بغير‬
‫وما يجهله الكثيرون هو أن التعدد لم يأت به السلم ابتداًء وإنما‬
‫هو المعمول به في المم من قبل‪ ...‬كذا كان إبراهيم عليه‬
‫السلم‪ ،‬وكذا كان يعقوب عليه السلم‪ ،‬وكان داود عليه السلم‬
‫كذلك‪ ،‬وكان لسليمان عليه السلم من الزوجات والجواري‬
‫سبعمائة كما يقول كتاب النصارى)المقدس(‪.‬‬
‫وكان تعدد الزوجات منتشًرا عند الفراعنة‪ ،‬وعند العرب قبل‬
‫السلم‪ ،‬وعند شعوب وسط وشرق وجنوب شرق أسيا‪ ،‬وعند‬
‫الشعوب الوثنية في إفريقيا‪ ،‬بل ظلت الكنيسة حتى القرن‬
‫السابع عشر تعترف بالتعدد‪ ،‬ول يوجد نص صريح في العهد‬
‫الجديد)النجيل( يمنع التعدد‪ ،‬أما العهد القديم)التوراة والمزامير‬
‫ورسائل بعض النبياء( ففيها نصوص كثيرة صريحة تبين شرعية‬
‫التعدد‪.‬‬
‫عا من الرسل‪.‬‬
‫فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن بد ً‬
‫منكر بل أتى بما هو‬
‫والسلم في إباحته للتعدد لم يأت بجديد ٍ ُ‬
‫عا وعقل ً وواقًعا‬
‫معروف معمول به بين جميع الناس‪ ،‬والمنكر شر ً‬
‫هو عدم إباحة التعدد‪.‬‬

‫‪222‬‬

‫ثم لو افترضنا جدل ً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كما يقول‬
‫النصارى ـ وحاشاه صلى الله عليه وسلم ـ فهذا ليس بعيب عند‬
‫النصارى أنفسهم‪.‬‬
‫حا عليه السلم شرب الخمر وتعرى وضاجع بنتاه‪،‬‬
‫فعندهم أن نو ً‬
‫ويفترون على نبي الله لوط عليه وعلى نبينا أفضل الصلة‬
‫والسلم أن ابنتاه سقتاه الخمر فشرب حتى ذهب عقله‪ ،‬ثم قام‬
‫فزنى بإحداهما ليلة كاملة‪ ،‬وفي الليلة الثانية تكررت الفعلة مع‬
‫البنت الثانية‪ .‬قطع الله لسانهم‪ .‬وإن تعجب فمن قول كبير‬
‫الضالين في مصر)شنودة( حين راح يبرر هذه الفعلة بقولة‪):‬أن‬
‫ابنتي لوط قد فعلتا ذلك لتنجبا منه نسل ً مؤمنًا(‪ .‬أغفل عن‬
‫وا‬
‫الحكمة نبي الله لوط وفطن إليها شنودة؟!! وهل ينتشر عض ً‬
‫من سكر حتى الثمالة؟!‬
‫َ‬
‫دا كله كذب‪.‬‬
‫أب ً‬
‫وعندهم أن نبي الله سليمان عليه السلم ولد ُ زنى أنجبه داود‬
‫حين زنى بـزوجة أمير الجيش أوريا الحثي‪ ،‬وأنه ـ سليمان عليه‬
‫السلم ـ ارتد في أخر عمره و عبد الصنام و بنى لهم المعابد‪،‬‬
‫وذلك حين غوته النساء‪.‬‬
‫وعندهم أن نبي الله يعقوب ـ عليه السلم ـ سرق مواشي حميه‬
‫وخرج بأهله خلسة دون أن يعلمه‪.‬‬
‫وكذا أن راوبين زنى بزوجة أبيه يعقوب وعلم يعقوب بذلك الفعل‬
‫القبيح و سكت عنه‪.‬‬
‫بل لم يسلم منهم المسيح ـ عليه السلم ـ فعندهم أن المسيح‬
‫عيسي بن مريم ـ عليه السلم ـ من نسل الزنى‪ .‬وذلك طبقا ً لما‬
‫ورد في إنجيل متى)‪) (10-1‬أن عيسى بن سليمان بن داوود و‬
‫جدهم الكبر فارض الذي هو من الزنا من يهوذا بن يعقوب(‪.‬‬
‫فلو حاكمناهم إلى كتابهم لما وجدنا ما يقولونه عيًبا‪ .‬وإنما أردت‬
‫دا إل‬
‫من هذا العرض أن يعلم القارئ أن القوم ل يقدسون أح ً‬
‫الحبار والرهبان‪ ،‬الذين يعتقدون فيهم العصمة‪ ،‬وأنهم لو تحاكموا‬
‫لكتابهم ما عابوا شيًئا على محمد صلى الله عليه وسلم مما‬
‫يفترونه عليه‪.‬‬
‫ثم لم يكن الحبيب صلى الله عليه وسلم هذا الشخص الذي‬
‫تأخذه النظرة‪ ،‬ويجري وراء النساء هنا وهناك‪ ،‬كما يفترون‪،‬‬
‫وسيرته شاهد على ذلك‪ .‬فقد تزوج رسول الله صلى الله عليه‬
‫ما وهي بنت‬
‫وسلم خديجة بنت خويلد وهو ابن أربعةٍ وعشرين عا ً‬
‫ة‬
‫ما‪ .‬وكانت متزوجة من رجلين قبله‪ .‬وظل معها خمس ً‬
‫أربعين عا ً‬
‫ما‪ ...‬إلى أن ُتوفيت رضي الله عنها‪،‬أي حتى بلغ‬
‫وعشرين عا ً‬
‫عمره الخمسين‪ ،‬وكانت هي في الخامسة والستين‪ .‬أي أنه قضى‬
‫‪223‬‬

‫ن يمنع‪ ،‬بل كانت هناك‬
‫معها فترة الشباب‪ ،‬ولم يكن يومها دي ٌ‬
‫الرايات الحمر تنصب على البيوت‪ ،‬وهي رايات البغايا تنادي‬
‫دا صلى الله عليه وسلم كانت له‬
‫الرجال‪ ،‬ولم يسمع أن محم ً‬
‫نزوات الشباب التي لم تكن محرمة في ذلك اليوم‪ .‬بل كان‬
‫م ّ‬
‫ل النداء‪ .‬ثم ماتت خديجة رضي الله عنه وبقي‬
‫الداعي إليها ل ي َ َ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وفّيا لها بعد وفاتها يذكرها‬
‫ة رضي الله عنها‪ :‬كان رسول‬
‫بخير‪ ،‬حتى قالت أم المؤمنين عائش ُ‬
‫الله ‪-‬صلى الله عليه وآله وسلم‪ -‬ل يكاد يخرج من البيت حتى‬
‫ما من اليام‪،‬‬
‫يذكر خديجة‪ ،‬فيحسن الثناء عليها‪ ،‬فذكرها يو ً‬
‫فأخذتني الغيرة فقلت‪ :‬هل كانت إل عجوًزا قد أبدلك الله خيًرا‬
‫منها‪ ،‬فغضب ثم قال‪" :‬ل والله ما أبدلني الله خيرا منها‪ ،‬آمنت إذ‬
‫كفر الناس‪ ،‬وصدقتني إذ كذبني الناس‪ ،‬وواستني بمالها إذ‬
‫حرمني الناس‪ ،‬ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء"‪.‬‬
‫وكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم‪" :‬خير نسائها خديجة بنت‬
‫خويلد‪ ،‬وخير نسائها مريم بنت عمران"‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عائ ِ َ‬
‫ن َ‬
‫ش َ‬
‫حد ٍ‬
‫ة َر ِ‬
‫ت ع َلى أ َ‬
‫ما ِغْر ُ‬
‫ت َ‬
‫ه ع َن َْها َقال ْ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ض َ‬
‫وفي البخاري ع َ ْ‬
‫ما‬
‫ت ع ََلى َ‬
‫ج َ‬
‫خ ِ‬
‫ِ‬
‫دي َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن نِ َ‬
‫ة وَ َ‬
‫ما ِغْر ُ‬
‫م َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫ساِء الن ّب ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ما‬
‫م ي ُك ْث ُِر ذ ِك َْر َ‬
‫كا َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ها وَُرب ّ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫َرأي ْت َُها وَل َك ِ ْ‬
‫َ‬
‫ح ال ّ‬
‫ما‬
‫م يُ َ‬
‫ق َ‬
‫ج َ‬
‫خ ِ‬
‫دي َ‬
‫ص َ‬
‫قط ّعَُها أع ْ َ‬
‫ذ َب َ َ‬
‫ة فَُرب ّ َ‬
‫ضاًء ث ُ ّ‬
‫شاة َ ث ُ ّ‬
‫م ي َب ْعَث َُها ِفي َ‬
‫دائ ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل‪ :‬إ ِن َّها َ‬
‫قو ُ‬
‫ت‬
‫ة فَي َ ُ‬
‫مَرأة ٌ إ ِّل َ‬
‫ج ُ‬
‫خ ِ‬
‫دي َ‬
‫كان َ ْ‬
‫ن ِفي الد ّن َْيا ا ْ‬
‫ه لَ ْ‬
‫ه ك َأن ّ ُ‬
‫ت لَ ُ‬
‫قُل ْ ُ‬
‫م ي َك ُ ْ‬
‫ت وَ َ‬
‫وَ َ‬
‫ن ِلي ِ‬
‫من َْها وَل َد ٌ‬
‫كا َ‬
‫كان َ ْ‬
‫أتسائل‪ :‬أهذا حال من يبحث عن الشهوة؟‬
‫كم كان عمر خديجة يوم ماتت؟‬
‫ما‪.‬‬
‫خمس وستون عا ً‬
‫فعلم يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟‬
‫أعلى شهوة كان يقضيها معها؟‬
‫وما ُيشتهى في امرأة قاربت السبعين من عمرها‪.‬‬
‫بل والله على ألفة وعشرة‪ .‬وتلك شيم الرجال‪..‬‬
‫أخو الخنا‪ ...‬ل يقر له قرار‪ ،‬ول يعرف اللفة والعشرة‪ ،‬وإنما يوم‬
‫هنا ويوم هناك‪.‬‬
‫ة من‬
‫ماتت خديجة وتركت للنبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ست ً‬
‫البناء‪ ...‬أربعة بنات منهن من قارب سن الزواج‪ ،‬وولدان‬
‫صغيران‪....‬‬
‫ولم يفكر صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه في الزواج‪ ،‬بل‬
‫ظل فترة من الزمن بل زواج حتى جاءته خولة بنت حكيم رضي‬
‫الله عنها زوجة عثمان بن مظعون وعرضت على رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم الزواج من ثيب عجوز‪ ...‬هي سودة بنت‬
‫‪224‬‬

‫ما لولده‪ ،‬وعرضت عليه‬
‫مَعة رضي الله عنها‪ ،‬وأرضاها لتكون أ ً‬
‫َز ْ‬
‫صلى الله عليه وسلم الزواج من عائشة رضي الله عنها لتوطد‬
‫العلقة بينه وين صاحبه أبي بكر رضي الله عنه‪ .‬فتزوج بعد ذلك‬
‫بسودة رضي الله عنها وكانت امرأة ضخمة ثبطة)بطيئة الحركة(‬
‫مصبية)ذات أولد( ل حاجة لها في الرجال‪ .‬هكذا يصفونها‪ .‬وليس‬
‫ُ‬
‫هذا حال من يبحث عن شهوته‪ ،‬وإنما حال من يبحث عن أم‬
‫لولده الست الذين تركتهم له خديجة رضي الله عنها‪.‬‬
‫وتزوج من عائشة رضي الله عنها‪ ،‬ولم يكن الزواج في هذا‬
‫السن)التاسعة( عيب‪ ،‬فقد كان تكلم لخطبة عائشة رضي الله‬
‫عنها جبير بن المطعم بن عدي قبل رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وكان هذا المر ـ زواج الكبير من الصغيرة ـ أمر عادي في‬
‫هذه اليام فقد تزوج عبد المطلب مع ابنه عبد الله ببنت عم آمنة‬
‫بنت وهب التي في نفس سنها في ليلة واحدة‪ ،‬وكان يومها قد‬
‫تجاوز المائة عام‪ .‬وتزوج عمرو بن العاص وأنجب وهو بن اثنا‬
‫ما‪.‬‬
‫عشر عا ً‬
‫ولو كان في هذا المر عيب لم تكن قريش واليهود ليتركونه‬
‫لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الذين كانوا يفتعلون‬
‫الكاذيب للنيل منه صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫ومريم العذراء أنجبت المسيح عليه السلم وهي في الثانية عشر‬
‫من عمرها‪ ،‬كما تقول الموسوعة الكاثوليكية‪ ،‬أي أنها حملت وهي‬
‫في الحادية عشر‪ ،‬وكانت مخطوبة قبل ذلك‪ ،‬وكان يوسف النجار‬
‫خطيبها قد تجاوز الثمانين من عمره‪.‬‬
‫دودب‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ثم لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكهل ُ‬
‫الظهر الذي ل يقوم من مجلسه إل بغيره‪ ،‬بل كان صلى الله عليه‬
‫مع حتى يكسل‪ ،‬ويركب الخيل‬
‫جا ِ‬
‫وسلم فتّيا من أشد الرجال‪ ،‬ي ُ َ‬
‫ما‪...‬‬
‫ويلبس الحديد‪ ،‬ويثبت حين يفر البطال‪ ...‬و ِ‬
‫ما‪ ...‬قسي ً‬
‫سي ً‬
‫أسود الشعر واللحية‪ .‬بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫ولو أن عائشة رضي الله عنها زفت إليه مكرهه لما أحبته هذا‬
‫الحب‪ .‬ولم تكن السيدة عائشة هذه الطفلة الغافلة التي ل تفقه‬
‫شيًئا‪ ،‬رمى بها أبوها وأمها إلى رجل عجوز كما يرسم لكم‬
‫الخيال‪ ..‬بل كانت من أعقل النساء‪ ،‬وهذا أمر معروف مشهور‪.‬‬
‫ليس المقام مقام تفصيل في الرد على شبهات النصارى وإنما‬
‫أضرب مثال ً لما أقترحه على من يعرض السيرة النبوية‪ .‬فهذا أمر‬
‫مستجد ويحتاج إلى معالجة خاصة‪ ،‬وقد شرحت نموذجا لبيان‬
‫ُ‬
‫قولي‪.‬‬

‫‪225‬‬

‫أقول‪ :‬ل بد من الوقوف مع هذه القضية وبيان أن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم كان بشًرا يعتريه ما يعتري البشر من حب‬
‫النساء والولد‪ ،‬ومن الحاجة إلى الطعام والشراب‪ ،‬وما إلى ذلك‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬البعثة المحمدية)السيرة النبوية( حلقة من حلقات الدعوة‬
‫إلى التوحيد‪:‬‬
‫ت‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ق ُ‬
‫خلق الله عز وجل الناس لعبادته وحده ل شريك له)وَ َ‬
‫ن( فكان آدم عليه السلم نبًيا مرسل ً ‪ ،‬ثم‬
‫س إ ِّل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫ال ْ ِ‬
‫لن َ‬
‫دو ِ‬
‫ج ّ‬
‫ن َوا ْ ِ‬
‫كانت ذريته من بعده على التوحيد ألف عام حتى ظهر الشرك‪.‬‬
‫وأرسل نوح عليه السلم يدعو الناس إلى التوحيد‪ ،‬ومن يومها‬
‫وموكب الدعوة إلى الله يسير‪.‬‬
‫دعوة الكل بما فيها دعوة محمد صلى الله عليه وسلم هي‬
‫السلم بمفهومه العام‪ ،‬الستسلم لله‪ ...‬إخلص العبادة لله عز‬
‫وجل بشقيها الطاعة والنسك‪ ،‬أو الشرائع والشعائر‪.‬‬
‫وموجز دعوتهم ـ عليهم الصلة والسلم ـ أنها دعوة واحدة إلى‬
‫منهج "التوحيد" بكل فروعه وأنواعه وموالة أهله‪ ،‬وما يستلزمه‬
‫ذلك من نبذ الشرك بكل صورة وألوانه‪ ،‬ومعاداة أهله‪.‬‬
‫وفي القرآن جاء التعبير عن الرسالت جميعا ً بأنها كتاب واحد‬
‫ُ‬
‫قال تعالى‪َ ):‬‬
‫مب َ ّ‬
‫ن‬
‫حد َة ً فَب َعَ َ‬
‫ة َوا ِ‬
‫م ً‬
‫كا َ‬
‫ن ُ‬
‫ث الل ّ ُ‬
‫سأ ّ‬
‫ن الّنا ُ‬
‫ري َ‬
‫ه الن ّب ِّيي َ‬
‫ش ِ‬
‫ن وََأنَز َ‬
‫ما‬
‫حقّ ل ِي َ ْ‬
‫ب ِبال ْ َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫س ِفي َ‬
‫حك ُ َ‬
‫معَهُ ُ‬
‫ل َ‬
‫وَ ُ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫منذ ِِري َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫خت َل َ ُ‬
‫ما ا ْ‬
‫ا ْ‬
‫خت َل َ َ‬
‫ن أوُتوه ُ ِ‬
‫ف ِفيهِ إ ِل ّ ال ّ ِ‬
‫ما َ‬
‫جاءت ْهُ ُ‬
‫من ب َعْد ِ َ‬
‫فوا ْ ِفيهِ وَ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن‬
‫خت َل َ ُ‬
‫ما ا ْ‬
‫فوا ْ ِفيهِ ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫م فَهَ َ‬
‫مُنوا ْ ل ِ َ‬
‫نآ َ‬
‫دى الل ّ ُ‬
‫ت ب َْغيا ً ب َي ْن َهُ ْ‬
‫ال ْب َي َّنا ُ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫من ي َ َ‬
‫م(‪ .‬وقال‬
‫ست َ ِ‬
‫صَرا ٍ‬
‫شاُء إ َِلى ِ‬
‫ه ي َهْ ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ط ّ‬
‫دي َ‬
‫حقّ ب ِإ ِذ ْن ِهِ َوالل ّ ُ‬
‫قي ٍ‬
‫َ‬
‫تعالى)ل َ َ َ‬
‫ن‬
‫ب َوال ْ ِ‬
‫سل ََنا ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫سل َْنا ُر ُ‬
‫قد ْ أْر َ‬
‫معَهُ ُ‬
‫ت وَأنَزل َْنا َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ع‬
‫ل ِي َ ُ‬
‫ش ِ‬
‫ح ِ‬
‫س ِ‬
‫س ِبال ْ ِ‬
‫مَنافِ ُ‬
‫ط وَأنَزل َْنا ال ْ َ‬
‫قو َ‬
‫ق ْ‬
‫ديد ٌ وَ َ‬
‫ديد َ ِفيهِ ب َأ ٌ‬
‫م الّنا ُ‬
‫زيٌز(‪.‬‬
‫ب إِ ّ‬
‫صُره ُ وَُر ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫س وَل ِي َعْل َ َ‬
‫ه ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫من َين ُ‬
‫ه قَوِيّ ع َ ِ‬
‫ِللّنا ِ‬
‫َ‬
‫ما ي ُد ِْري َ‬
‫ذي أنَز َ‬
‫ك‬
‫حقّ َوال ْ ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫ب ِبال ْ َ‬
‫ل ال ْك َِتا َ‬
‫ن وَ َ‬
‫وقال تعالى‪):‬الل ّ ُ‬
‫ل َعَ ّ‬
‫ه‬
‫ن ي َك ْ ُ‬
‫مل ً‬
‫ساع َ َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫ة )إ ِ ّ‬
‫ب(‪ ،‬و ُ‬
‫ري ٌ‬
‫ن ِبالل ّهِ وَُر ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ج ْ‬
‫ذي َ‬
‫ة قَ ِ‬
‫َ‬
‫فُر‬
‫ض وَن َك ْ ُ‬
‫سل ِهِ َوي ُ‬
‫ن أن ي ُ َ‬
‫ن ن ُؤ ْ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫ن الل ّهِ وَُر ُ‬
‫م ُ‬
‫فّرُقوا ْ ب َي ْ َ‬
‫وَي ُ ِ‬
‫ن ب ِب َعْ ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ل‪ .‬أوَْلـئ ِ َ‬
‫سِبي ً‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫خ ُ‬
‫ن‬
‫ن أن ي َت ّ ِ‬
‫كافُِرو َ‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫ك َ‬
‫ك هُ ُ‬
‫ذوا ْ ب َي ْ َ‬
‫ض َوَي ُ ِ‬
‫ب ِب َعْ ٍ‬
‫قا ً وَأع ْت َد َْنا ل ِل ْ َ‬
‫ن عَ َ‬
‫مِهينًا(‪..‬‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫ذابا ً ّ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ف‬
‫ما ا ْ‬
‫خت َل َ‬
‫ن ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫فالدين عند الله واحد)إ ِ ّ‬
‫سل َ ُ‬
‫عند َ اللهِ ال ِ ْ‬
‫م وَ َ‬
‫دي َ‬
‫ال ّذي ُ‬
‫من‬
‫ب إ ِل ّ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن أوُْتوا ْ ال ْك َِتا َ‬
‫م وَ َ‬
‫م ب َْغيا ً ب َي ْن َهُ ْ‬
‫م ال ْعِل ْ ُ‬
‫جاءهُ ُ‬
‫من ب َعْد ِ َ‬
‫ِ َ‬
‫ب( وليس هناك تعدد أديان‬
‫ي َك ْ ُ‬
‫ريعُ ال ْ ِ‬
‫فْر ِبآَيا ِ‬
‫ت الل ّهِ فَإ ِ ّ‬
‫ح َ‬
‫ن الل ّهِ َ‬
‫سا ِ‬
‫س ِ‬
‫وإنما تعدد رسالت‪ .‬ولذلك من الخطأ العتقاد بتعدد الديان‪.‬‬
‫ن(‪ ،‬ومعرف أن‬
‫ت قَوْ ُ‬
‫مْر َ‬
‫ح ال ْ ُ‬
‫وتدبر قول الله تعالى)ك َذ ّب َ ْ‬
‫سِلي َ‬
‫م ُنو ٍ‬
‫حا عليه الصلة والسلم‪ ،‬وإنما لما‬
‫قوم نوح لم يكذبوا إل نبيهم نو ً‬

‫‪226‬‬

‫كانت الدعوات واحدة‪ ،‬أعتبر تكذيب قوم نوح لرسولهم نوح عليه‬
‫السلم تكذيب للرسل جميًعا‪.‬‬
‫من ي َب ْت َِغ غ َي َْر‬
‫فالدين عند الله السلم ول يقبل من الناس غيره)وَ َ‬
‫قب َ َ‬
‫ن( هو‬
‫سل َم ِ ِدينا ً فََلن ي ُ ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ه وَهُوَ ِفي ال ِ‬
‫خا ِ‬
‫خَرةِ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ال ِ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫س ِ‬
‫م ال ْ َ‬
‫وا ِ‬
‫دين إبراهيم عليه السلم قال تعالى‪):‬وَإ ِذ ْ ي َْرفَعُ إ ِب َْرا ِ‬
‫عد َ‬
‫هي ُ‬
‫ق َ‬
‫ل منا إن َ َ‬
‫عي ُ‬
‫م‪َ.‬رب َّنا‬
‫ل َرب َّنا ت َ َ‬
‫ما ِ‬
‫س ِ‬
‫قب ّ ْ ِ ّ ِ ّ‬
‫ن ال ْب َي ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ت ال ّ‬
‫ت وَإ ِ ْ‬
‫ميعُ ال ْعَِلي ُ‬
‫ك أن َ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ةل َ‬
‫نل َ‬
‫سك ََنا‬
‫م ً‬
‫م ً‬
‫مَنا ِ‬
‫ك وَ ِ‬
‫َوا ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ك وَأرَِنا َ‬
‫سل ِ َ‬
‫ة ّ‬
‫من ذ ُّري ّت َِنا أ ّ‬
‫سل ِ َ‬
‫جعَلَنا ُ‬
‫مي ْ َ ِ‬
‫ب ع َل َي َْنا إ ِن ّ َ‬
‫م( وقال تعالى‪):‬إ ِذ ْ َقا َ‬
‫ه‬
‫ب الّر ِ‬
‫وا ُ‬
‫وَت ُ ْ‬
‫ه َرب ّ ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫حي ُ‬
‫ك أن َ‬
‫ت الت ّ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َقا َ‬
‫ن(‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫ت ل َِر ّ‬
‫لأ ْ‬
‫أ ْ‬
‫م ُ‬
‫سل َ ْ‬
‫سل ِ ْ‬
‫مي َ‬
‫صى ب َِها‬
‫وهو دين يعقوب عليه السلم وبنيه من بعده قال الله )وَوَ ّ‬
‫ن‬
‫صط َ َ‬
‫م ب َِنيهِ وَي َعْ ُ‬
‫إ ِب َْرا ِ‬
‫م ال ّ‬
‫ي إِ ّ‬
‫قو ُ‬
‫ن فَل َ ت َ ُ‬
‫فى ل َك ُ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫هي ُ‬
‫ها ْ‬
‫موت ُ ّ‬
‫دي َ‬
‫ب َيا ب َن ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ت إ ِذ ْ َقا َ‬
‫م ُ‬
‫ل‬
‫ضَر ي َعْ ُ‬
‫قو َ‬
‫ح َ‬
‫داء إ ِذ ْ َ‬
‫شه َ َ‬
‫مو َ‬
‫ن‪).‬أ ْ‬
‫م ْ‬
‫مو ْ ُ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫إ َل ّ وَأنُتم ّ‬
‫ه آَبائ ِ َ‬
‫دي َقاُلوا ْ ن َعْب ُد ُ إ َِلـهَ َ‬
‫م‬
‫ك إ ِب َْرا ِ‬
‫من ب َعْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ت َعْب ُ ُ‬
‫هي َ‬
‫ك وَإ َِلـ َ‬
‫ل ِب َِنيهِ َ‬
‫عي َ‬
‫ن( وجاء على‬
‫حاقَ إ َِلـها ً َوا ِ‬
‫ما ِ‬
‫مو َ‬
‫حدا ً وَن َ ْ‬
‫س َ‬
‫م ْ‬
‫ل وَإ ِ ْ‬
‫وَإ ِ ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫س َ‬
‫ح ُ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫مّنا ِبآَيا ِ‬
‫م ِ‬
‫ما َتن ِ‬
‫مّنا إ ِل ّ أ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ق ُ‬
‫لسان قوم موسى عليه السلم )وَ َ‬
‫َ‬
‫ن(‪)،‬وََقا َ‬
‫ل‬
‫سل ِ ِ‬
‫ما َ‬
‫م ْ‬
‫صْبرا ً وَت َوَفَّنا ُ‬
‫َرب َّنا ل َ ّ‬
‫جاءت َْنا َرب َّنا أفْرِغ ْ ع َل َي َْنا َ‬
‫مي َ‬
‫منُتم ِبالل ّهِ فَعَل َي ْهِ ت َوَك ُّلوا ْ ِإن ُ‬
‫سى َيا قَوْم ِ ِإن ُ‬
‫كنُتم‬
‫مو َ‬
‫مآ َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫ف‬
‫م‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫ت‬
‫إن‬
‫ف‬
‫)‬
‫السلم‬
‫عليه‬
‫نوح‬
‫لسان‬
‫على‬
‫وجاء‬
‫ن(‬
‫مي‬
‫ل‬
‫س‬
‫م‬
‫ِ َ َ ُْ ْ َ‬
‫ّ َْ ِ ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫نأ ُ‬
‫سأل ْت ُ ُ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫جرِيَ إ ِل ّ ع َلى اللهِ وَأ ِ‬
‫كو َ‬
‫تأ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫جرٍ إ ِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫َ‬
‫مْر ُ‬
‫كم ّ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ن(‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫مي َ‬
‫وجاء على لسان يوسف عليه السلم )رب قد آتيتني من الملك‬
‫وعلمتني من تأويل الحاديث فاطر السموات والرض أنت ولي‬
‫في الدنيا والخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين( ] يوسف‪:‬‬
‫‪[ 101‬‬
‫وجاء على لسان الحواريين )فلما أحس عيسى منهم الكفر قال‬
‫من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله‬
‫واشهد بأنا مسلمون( ] آل عمران‪.[ 52 :‬‬
‫وفي آية أخرى )وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي‬
‫قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون( ] المائدة‪[ 111 :‬‬
‫من‬
‫ه ِ‬
‫وجاء في خطاب سليمان عليه السلم إلى أهل اليمن )إ ِن ّ ُ‬
‫ي وَأ ُْتوِني‬
‫م‪ .‬أ َّل ت َعُْلوا‬
‫حي‬
‫م‬
‫ن الّر ِ‬
‫سم ِ الل ّهِ الّر ْ‬
‫ما َ‬
‫ه بِ ْ‬
‫ُ‬
‫ح َ‬
‫ن وَإ ِن ّ ُ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫ع َل َ ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت ِقي َ‬
‫ذا ع َْر ُ‬
‫ل أهَك َ‬
‫ه هُوَ وَأوِتيَنا‬
‫سل ِ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ما َ‬
‫م ْ‬
‫ت كأ ن ّ ُ‬
‫ك قال ْ‬
‫جاء ْ‬
‫ن(‪)،‬فل ّ‬
‫ُ‬
‫مي َ‬
‫ن(‪ ،‬وجاء على لسان الملئكة وهم‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫من قَب ْل َِها وَك ُّنا ُ‬
‫ال ْعِل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫من َ‬
‫ن‬
‫يتكلمون عن قوم لوط عليه السلم‪):‬فَأ ْ‬
‫ن ِفيَها ِ‬
‫كا َ‬
‫خَر ْ‬
‫جَنا َ‬
‫م َ‬
‫ن(‪ ،‬فالدين واحد‬
‫سل ِ ِ‬
‫جد َْنا ِفيَها غ َي َْر ب َي ْ ٍ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ما وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ت ّ‬
‫مِنين‪ .‬فَ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫مي َ‬
‫م َ‬
‫َ َ َ‬
‫ن‬
‫س ب ِِعي َ‬
‫سى اب ْ ِ‬
‫وإن تعدد الرسالت‪ .‬وفي الحديث "أَنا أوْلى الّنا ِ‬

‫‪227‬‬

‫ُ‬
‫م َ‬
‫شّتى‬
‫خَرةِ َواْل َن ْب َِياءُ إ ِ ْ‬
‫م ِفي الد ّن َْيا َواْل ِ‬
‫خوَة ٌ ل ِعَّل ٍ‬
‫مَهات ُهُ ْ‬
‫تأ ّ‬
‫مْري َ َ‬
‫َ‬
‫د"‬
‫م َوا ِ‬
‫ح ٌ‬
‫وَِدين ُهُ ْ‬
‫ونجد في السيرة النبوية ربط بين الشخاص التي عاصرت رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم وبين من سبقوا‪ُ .‬يشبه أبو بكر رضي‬
‫الله عنه بمؤمن آل فرعون‪ ،‬وعروة بن مسعود الثقفي بالرجل‬
‫الذي جاء من أقصى المدينة يسعى‪ ،‬وعقبة بن معيط بقاتل ناقة‬
‫صالح عليه السلم‪ .‬وأبو جهل بفرعون‪ ،‬وأمية بن أبي الصلت‬
‫ن ل ِك ُ ّ‬
‫ي‬
‫بالذي آته الله آياته فانسلخ منها‪ ...‬وقريب من هذا " إ ِ ّ‬
‫ل ن َب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حواريا وحواري الزبير " و"ل ِك ُ ّ ُ‬
‫ُ‬
‫مةِ أُبو‬
‫ن وَأ ِ‬
‫مة ٍ أ ِ‬
‫ن هَذ ِهِ اْل ّ‬
‫لأ ّ‬
‫مي ُ‬
‫مي ٌ‬
‫َ َ ِّ َ َ َ ِ ّ ّ َُْ‬
‫ح"‪.‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ع ُب َي ْد َة َ ب ْ ُ‬
‫جّرا ِ‬
‫وحين عرض السيرة النبوية على الناس ل بد من الحرص على‬
‫تبين هذا الحبل الممدود بين عباد الله وعباد الشيطان على مر‬
‫العصور‪ ،‬والقرآن الكريم يستخدم مع المكذبين للرسالة في كل‬
‫العصور نفس الوصف فهم المل‪ ...‬الذين استكبروا‪ .‬وجاء التعبير‬
‫عن رفض دعوة الرسل ـ كل الرسل ـ بأنه عبادة للشيطان قال‬
‫تعالى)أ َل َم أ َع ْهد إل َيك ُم يا بِني آد َ‬
‫شي ْ َ‬
‫دوا ال ّ‬
‫م‬
‫طا َ‬
‫م أن ّل ت َعْب ُ ُ‬
‫َ ْ ِ ْ ْ َ َ‬
‫َ َ‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫ن إ ِن ّ ُ‬
‫ْ‬
‫ن(‬
‫ع َد ُوّ ّ‬
‫مِبي ٌ‬
‫والمطلوب هو توضيح هذا الربط بين عباد الله في كل زمان‬
‫ومكان‪ ،‬وبين عباد الشيطان في كل زمان ومكان من خلل‬
‫دراسة السيرة النبوية‪ .‬وبيان أن السيرة النبوية ما هي إل حلقة‬
‫من حلقات الدعوة إل الله عبر التاريخ‪ ،‬هي رسالة الله إلى‬
‫البشرية بعد أن انحرفوا لردهم إلى الدين الحق‪ .‬وهذا الربط‬
‫ضا يحدث نوع من النس بين مسلمي اليوم ومسلمي المس‪.‬‬
‫أي ً‬
‫خامسا‪ :‬لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم للعرب فقط‪:‬‬
‫بعض ممن يشرحون السيرة النبوية‪ ،‬يحصرون أحداث السيرة‬
‫في العهد المكي بين الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين‬
‫وبين قريش‪ ،‬مما يفهم منه أن الدعوة كانت محلية‪ ،‬علما بأن‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم خرج إلى الطائف‪ ،‬وكان يعرض‬
‫نفسه على القبائل في الحج‪ ،‬وجاءه الجن واستمعوا إليه‪ ،‬وجاءه‬
‫فريق من نصارى الحبشة والشام حين سمعوا به صلى الله عليه‬
‫وسلم فتلى عليهم القرآن وأسلموا‪ .‬وفيهم نزل قول الله‬
‫قوْ َ‬
‫م‬
‫م ال ْ َ‬
‫تعالى‪.‬في سورة القصص‪):‬وَل َ َ‬
‫ل ل َعَل ّهُ ْ‬
‫صل َْنا ل َهُ ُ‬
‫قد ْ و َ ّ‬
‫ن‪ .‬وَإ ِ َ‬
‫ذا ي ُت َْلى‬
‫من قَب ْل ِهِ ُ‬
‫هم ب ِهِ ي ُؤ ْ ِ‬
‫ب ِ‬
‫ي َت َذ َك ُّرون‪ .‬ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫ن آت َي َْناهُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن‪.‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫من ّرب َّنا إ ِّنا ك ُّنا ِ‬
‫حقّ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫من قَب ْل ِهِ ُ‬
‫مّنا ب ِهِ إ ِن ّ ُ‬
‫م َقاُلوا آ َ‬
‫ع َل َي ْهِ ْ‬
‫مي َ‬
‫ك يؤ ْتو َ‬
‫ُ‬
‫صب َُروا وَي َد َْر ُ‬
‫ة‬
‫سي ّئ َ َ‬
‫جَر ُ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫ؤو َ‬
‫مّرت َي ْ‬
‫نأ ْ‬
‫أوْل َئ ِ َ ُ َ ْ َ‬
‫سن َةِ ال ّ‬
‫ح َ‬
‫ن بِ َ‬
‫هم ّ‬
‫ما َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن‪ .‬وَإ ِ َ‬
‫ه وََقاُلوا ل ََنا‬
‫م ُينفِ ُ‬
‫س ِ‬
‫وَ ِ‬
‫مُعوا الل ّغْوَ أع َْر ُ‬
‫قو َ‬
‫ذا َ‬
‫ضوا ع َن ْ ُ‬
‫ما َرَزقَْناهُ ْ‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن(‪.‬‬
‫م َل ن َب ْت َِغي ال ْ َ‬
‫سَل ٌ‬
‫م َ‬
‫م ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫مال ُك ُ ْ‬
‫م أع ْ َ‬
‫مال َُنا وَل َك ُ ْ‬
‫أع ْ َ‬
‫جاه ِِلي َ‬
‫‪228‬‬

‫وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه إلى‬
‫الحبشة لتكوين نواة أخرى احتياطية للدعوة السلمية‪ ،‬ولم يكن‬
‫سبب الهجرة هو الهروب من التعذيب كما تتكلم بعض المصادر‪،‬‬
‫وإنما أصح من ذلك أن يقال أنها كانت لتكوين نواة احتياطية‬
‫للدعوة السلمية‪ ،‬يدل على ذلك كون من هاجروا إلى الحبشة‬
‫ممن لهم شوكة في مكة مثل جعفر بن أبي طالب وعثمان بن‬
‫عفان‪...‬‬
‫وكونهم لم يرجعوا بعد الهجرة مباشرة بل بعد سبع سنيين من‬
‫الهجرة حين استقرت الدولة السلمية بوضوح‪.‬‬
‫وبعد ذلك كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الملوك‬
‫يدعوهم إلى السلم‪ ،‬فقد كانت الدعوة عالمية من يومها الول‬
‫وفي كل مراحلها‪.‬‬
‫أضف إلى ذلك البشارات التي كان يتكلم بها الرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم من فتح فارس والشام‪.‬‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫وجاء في الحديث " ت ُ ْ‬
‫مُلو َ‬
‫ن فَي َت َ َ‬
‫سو َ‬
‫فت َ ُ‬
‫ن فَي َأِتي قَوْ ٌ‬
‫م ي ُب ِ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ح ال ْي َ َ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن أَ َ‬
‫م لوْ َ‬
‫ح‬
‫ن وَت ُ ْ‬
‫م‬
‫ة َ‬
‫دين َ ُ‬
‫م ِ‬
‫فت َ ُ‬
‫مو َ‬
‫كاُنوا ي َعْل ُ‬
‫خي ٌْر لهُ ْ‬
‫م َوال َ‬
‫طاع َهُ ْ‬
‫م وَ َ‬
‫ب ِأهْل ِهِ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن أَ َ‬
‫م‬
‫م‬
‫مُلو َ‬
‫ن فَي َت َ َ‬
‫سو َ‬
‫الشام فَي َأِتي قَوْ ٌ‬
‫م ي ُب ِ ّ‬
‫طاع َهُ ْ‬
‫م وَ َ‬
‫ن ب ِأهِْليهِ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫م ل َوْ َ‬
‫م‬
‫ن وَت ُ ْ‬
‫ة َ‬
‫دين َ ُ‬
‫م ِ‬
‫فت َ ُ‬
‫مو َ‬
‫ح ال ْعَِراقُ فَي َأِتي قَوْ ٌ‬
‫كاُنوا ي َعْل َ ُ‬
‫خي ٌْر ل َهُ ْ‬
‫َوال ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫نأ َ‬
‫و‬
‫ة َ‬
‫دين َ ُ‬
‫م ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ن فَي َت َ َ‬
‫سو َ‬
‫ي ُب ِ ّ‬
‫خي ٌْر ل َهُ ْ‬
‫م َوال ْ َ‬
‫طاع َهُ ْ‬
‫م وَ َ‬
‫ن ب ِأهِْليهِ ْ‬
‫ح ّ‬
‫م لَ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن"‬
‫مو َ‬
‫كاُنوا ي َعْل َ ُ‬
‫ذا هَل َ َ‬
‫ذا هَل َ َ‬
‫سَرى ب َعْد َه ُ وَإ ِ َ‬
‫وفي الحديث "إ ِ َ‬
‫صُر‬
‫سَرى فََل ك ِ ْ‬
‫ك كِ ْ‬
‫ك قَي ْ َ‬
‫ف َ‬
‫سي ب ِي َد ِهِ ل َت ُن ْ َ‬
‫ذي ن َ ْ‬
‫ل الل ّهِ‬
‫ف ِ‬
‫صَر ب َعْد َه ُ َوال ّ ِ‬
‫ما ِفي َ‬
‫ن ك ُُنوُزهُ َ‬
‫فََل قَي ْ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ق ّ‬
‫"‬
‫س‬
‫ب فَي َفْت َ ُ‬
‫ن َ‬
‫وفي الحديث " ت َغُْزو َ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫حَها الل ّ ُ‬
‫م َفارِ َ‬
‫زيَرة َ ال ْعََر ِ‬
‫ج ِ‬
‫جا َ‬
‫ل‬
‫م فَي َ ْ‬
‫فَي َ ْ‬
‫ن الد ّ ّ‬
‫م ت َغُْزو َ‬
‫فت َ ُ‬
‫م ت َغُْزو َ‬
‫فت َ ُ‬
‫ن الّرو َ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫حَها الل ّ ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫حَها الل ّ ُ‬
‫ه"‪.‬‬
‫فَي َ ْ‬
‫فت َ ُ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ح ُ‬
‫دا التنبيه‬
‫فالدعوة كانت عالمية من يومها الول‪ ،‬ومن المهم ج ً‬
‫على هذا المر‪ .‬فهناك من يردد أن الدعوة كانت محلية عربية‪،‬‬
‫قرشية‪ .‬ثم تحت أطماع استعمارية أصبحت عالمية‪ .‬هذا حديث‬
‫نفر غير قليل من)العقلنيين(‪.‬‬
‫سادسا‪ :‬حال البشرية قبل البعثة المحمدية‪:‬‬
‫هذه الفقرة متممة لما قبلها‪.‬‬
‫كثير ممن يتناول دراسة السيرة النبوية يتناول فقط حال الجاهلية‬
‫في الجزيرة العربية فقط‪ ،‬بل يختزل البعض المر أكثر من ذلك‬
‫فل يتكلم إل عن حال قريش‪ ،‬وكأنه صلى الله عليه وسلم لم‬
‫يبعث إل إلى العرب!‪.‬‬

‫‪229‬‬

‫ومن فضلة القول أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث للناس‬
‫كافة‪ ،‬وأن نور السلم أضاء جنبات المعمورة كلها بعد قرن من‬
‫وفاته صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫إخواني الكرام!‬
‫لم يكن حال البشرية خارج الجزيرة العربية خير من حالها في‬
‫الجزيرة العربية‪ ،‬ل في الناحية الدينية ول في الناحية الجتماعية‪،‬‬
‫ول في الناحية القتصادية‪ .‬لم تكن البشرية قبل محمد صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬تعرف أيا من أنواع الرقي المادي أو التكريم‬
‫للنسان‪.‬‬
‫في الفرس‪:‬‬
‫كانت المحرمات النسبية التي تعارف على حرمتها أهل القاليم‬
‫المتواضعة موضع خلف ونقاش عندهم‪ ،‬حتى أن يزدجر الثاني‬
‫الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلدي تزوج بنته‪ ،‬ثم‬
‫قتلها‪ ،‬وبهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس الميلدي‬
‫جا أخته‪.‬‬
‫كان متزو ً‬
‫ولم يكن هذا معصية بل كان قربة يتقربون به إلى الله‪!!.‬‬
‫وفيهم ظهرت دعوة )ماني( التي تدعو إلى العزوبية وترك الزواج‬
‫استعجال ً لفناء البشرية‪ ،‬ومع أن صاحب هذه الدعوة قتل إل أن‬
‫دعوته ظل لها أنصار إلى ما بعد الفتح السلمي‪.‬‬
‫وفيهم ظهرت دعوة )مزدك( التي دعت إلى أن يكون الناس‬
‫سواء في كل شيء‪ ،‬في الموال وفي النساء‪ ،‬ولقت هذه‬
‫جا كبيًرا‪ ،‬حتى صاروا ل يعرف الرجل ولده ول‬
‫الدعوى روا ً‬
‫المولود أباه‪.‬‬
‫وكان الكاسرة يدعون أنهم تجري في عروقهم دم إلهي‪ ،‬وكان‬
‫الناس ينظرون إليهم كآلهة ويعتقدون أن في طبيعتهم شيًئا علوًيا‬
‫سا‪ ،‬فل يجري اسمهم على لسانهم‪ ،‬ول يجلسون في‬
‫مقد ً‬
‫مجالسهم‪ ،‬وليس لحد حق عليهم‪ ،‬وأن ما يعطونه لحد إنما هو‬
‫صدقه وتكرم من غير استحقاق‪ ،‬وليس للناس قبلهم إل السمع‬
‫والطاعة‪.‬‬
‫ما على الطبقية المؤسسة على‬
‫ودون ذلك كان المجتمع قائ ً‬
‫اعتبار الحرفة والنسب‪ ،‬وكان من قواعد السياسة أن يقنع كل‬
‫واحد بمركزه الذي منحه نسبه‪ ،‬ولم يكن يسمح لحد أن يتخذ‬
‫حرفة غير الحرفة التي خلقها الله لها‪ ،‬ولم يكن الملوك يولون‬
‫وضيعا وظيفة من وظائفهم‪.‬‬
‫ثم هم جميعهم أهل فارس كانوا ينظرون إلى المم الخرى نظرة‬
‫ازدراء وامتهان‪ ،‬ويلقبونها بألقاب فيها احتقار وسخرية‪ ،‬ويرون أن‬

‫‪230‬‬

‫بهم ما ليس في غيرهم من أسباب الرفعة والعلو‪ ،‬وأن الله قد‬
‫دا‪.‬‬
‫خصهم بمواهب ومنح لم يشرك فيها معهم أح ً‬
‫وفي ناحية الشعائر التعبدية‪ ،‬كانت الديانة عندهم هي عبادة النار‪،‬‬
‫والنار ل توحي لعبادها بشريعة ول ترسل رسول ً ول تتدخل في‬
‫شئون حياتهم‪ ،‬لذا أصبحت الديانة عند المجوس عبارة عن‬
‫طقوس يؤدونها في أماكن خاصة وأوقات خاصة‪ ،‬أما في أمورهم‬
‫فكانوا أحرارا يسيرون على أهوائهم‪ ،‬أو ما يؤدي إليه تفكيرهم‪ ،‬أو‬
‫ما توحي به مصالحهم ومنافعهم‪.‬‬
‫وفي الهند والصين كانت البوذية‪ ،‬وهي ديانة أرضية تدعو إلى قمع‬
‫شهوات النفس وترك الدنيا وما فيها ثم تحولت إلى الوثنية بعد‬
‫أن عبدت بوذا‪ ،‬وتسرب إلى مناهج العبادة السحر والوهام‪.‬‬
‫وكانت اللهة متعددة حتى أصحبت المعادن كالذهب والفضة‬
‫آلهة‪ ،‬والحيوانات آلهة والجرام الفلكية آلهة‪ ،‬وبعض الشخاص‬
‫التاريخية آلهة‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫ضا‪.‬‬
‫وكانت ذات الطبقية موجودة أي ً‬
‫أما اليهودية فلم تكن تصلح لحمل مشعل الحضارة للبشرية‪ ،‬فقد‬
‫تحولت لديانة مرتبطة بالجنس‪ ،‬ل ترى عليها في المم الخرى‬
‫من سبيل‪ ،‬فلم تكن لدى اليهود نية لهداية البشرية وإنما للنيل‬
‫منها‪ ،‬وتحقيق أطماعهم على حساب الخرين‪.‬‬
‫والمسيحية ديانة لم تعرف التطبيق في أرض الواقع‪ ،‬فلم تكن‬
‫المسيحية في عهدها الول من التفصيل والوضوح ومعالجة‬
‫مسائل النسان‪ ،‬بحيث تقوم عليها حضارة أو تسير في ضوئها‬
‫دولة‪ ،‬ثم جاءها)شاؤول اليهودي( المعروف بـ)بولس الرسول(‬
‫فطمس نورها وطعمها بخرافات الجاهلية التي انتقل منها‬
‫والوثنية الرومية التي نشأ عليها‪ ،‬وقضى قسطنطين على البقية‬
‫جا من الخرافات اليونانية‪،‬‬
‫الباقية‪ ،‬حتى أصبحت النصرانية مزي ً‬
‫والوثنية الرومية‪ ،‬والفلطونية المصرية والرهبانية‪ ،‬كما يقول‬
‫صاحب كتاب )ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين(‪.‬‬
‫وأصبحت بعد زيادات المحرفين وتأويل الجاهلين‪ ،‬تحول بين‬
‫مر العصور ديانة وثنية‬
‫النسان والعلم والفكر‪ ،‬وأصبحت على َ‬
‫يقدس أهلها القديسين والصور المعلقة في الكنائس‪ .‬حتى أن‬
‫أصحابها الوائل لو بعثوا لما استطاعوا التعرف على شي من‬
‫ديانتهم‪.‬‬
‫وحدث أن انقسم النصارى إلى ما يعرف اليوم بالكاثوليك‬
‫و)الرثوذكس( تبًعا لختلفهم في طبيعة المسيح عليه السلم‪،‬‬
‫وكان مذهب الدولة هو المذهب الكاثوليكي‪ .‬وقاموا باضطهاد من‬
‫خالفهم المذهب‪ ،‬فرجال كانوا يعذبون ثم يقتلون غرًقا‪ ،‬ورجال‬
‫‪231‬‬

‫كانوا يشعلون فيهم النار وهم أحياء موثقون‪ ،‬و غير ذلك من‬
‫الفظائع‪.‬‬
‫وكانت ذات الطبقية الموجودة في غيرهم‪ ،‬فكانت بعض الممالك‬
‫تزرع وتحصد‪ ،‬وتحمل زرعها على دوابها وأكتافها لخزينة الدولة‪.‬‬
‫وانشر ت الرشوة والفساد الداري في الدولة‪ ،‬والفساد الخلقي‬
‫بين عوام الناس‪.‬‬
‫وباقي الشعوب الوثنية في أفريقيا كانت تعيش عيشة أقرب‬
‫للبهيمية منها للنسانية‪.‬‬
‫هذا هو حال البشرية قبل البعثة المحمدية على صاحبها أفضل‬
‫الصلة والسلم‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬ومن المهم ونحن ندرس السيرة أو نعرضها على الناس‬
‫أن نوضح حال البشرية قبل البعثة المحمدية‪ ،‬وذلك لن فريقا من‬
‫عّباد الصليب اليوم يقولون بأن البشرية كانت في أوج حضارتها‬
‫ثم جاء العرب ـ يعنون المسلمين ـ وهدموا هذه الحضارة‪ .‬فكان‬
‫ل بد من التعريج على حال البشرية قبل البعثة المحمدية لبيان‬
‫أي حضارة كانت وهدمها السلم‪ .‬وبيان أي حضارة أقامها‬
‫السلم‪ ،‬وبيان كيف أن السلم كان نور ورحمة من الله للبشرية‬
‫لمن آمن منها ولمن كفر‪.‬‬
‫وهناك فريق آخر أخبث من هذا الفريق‪ ،‬يتكلم بأنها كانت حركة‬
‫سياسية كغيرها من الحركات ويعرض السيرة النبوية من هذا‬
‫القبيل‪ ،‬وأن الفتوحات ما هي إل أحد أشكال الحتلل‪ ،‬وأنه هبت‬
‫ثورات فيما بعد لمقاومة هذا الحتلل ورفع الظلم عن الناس‪.‬‬
‫ويذهب يقرأ السيرة النبوية بهذه الطريقة‪.‬‬
‫دا‬
‫ونحتاج إلى طرح للسيرة النبوية يبين أن الدعوة ما كانت أب ً‬
‫قرشية أو عربية‪ ،‬ولم تكن الحركات التي ظهرت في التاريخ‬
‫السلمي وخاصة الفرق التي ظهرت في القرون الولى حركات‬
‫شعوبية ـ باستثناء حركة الزنوج والتي لم تستمر ولم تترك أي أثر‬
‫فكري أو منهجي في حياة الناس ـ ضد العرب بل كانت حركات‬
‫عقدية منحرفة‪ ،‬وكان رؤوسها عرب وسبب نشأتها خلفات دينية‪.‬‬
‫وهذا الطرح ل بد أن يعمل على ربط العقيدة الصحيحة‪...‬‬
‫وأهداف الدعوة الكلية التي هي تعبيد الناس لله بأحداث السيرة‬
‫النبوية‪.‬‬
‫وهذا يستلزم قراء جديدة للسيرة النبوية‪ ،‬ولعل فيما يأتي مزيد‬
‫بيان‬
‫سابعا‪ :‬طبيعة الخطاب الدعوي في مكة وحدة الهداف‬
‫والمنطلقات‪:‬‬

‫‪232‬‬

‫في الجاهلية الولى كان المال دولة بين الغنياء‪ ...‬قِّلة غنية‬
‫و َ‬
‫كثرة بالكاد تجد قوت يومها‪.‬‬
‫وفي الجاهلية الولى كانت الحروب تأكل الرجال على ناقة أو لن‬
‫سا سبقت أختها‪ !.‬وفي الجاهلية الولى كان الزنا وكانت الخمر‬
‫فر ً‬
‫وكان وأد البنات وبيع الحرار‪ .‬وفي الجاهلية الولى كان الشرك‬
‫الكبر)شرك النسك وشرك الطاعة(‪ُ ...‬تدعى الصنام من دون‬
‫الله وُينذر لها وُيذبح عندها‪ ،‬وكان شرك الطاعة‪ ...‬ي ُ َ‬
‫شّرع المل‬
‫ويتبع العوام‪ .‬ولم تخل الجاهلية من المصلحين‪ ،‬الذين يسعون‬
‫في إصلح ذات البين وحقن الدماء ورفع الظلم عن الضعفاء‪.‬‬
‫وحين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يضع يده في يد‬
‫أحد من هؤلء ألبته‪ .‬بكلمات أخر‪:‬‬
‫ُرغم أن الدعوة السلمية كانت تدعوا لمثل ما كان يدعو إليه‬
‫كثير من المصلحين من مكارم الخلق إل أنها لم تضع يدها في‬
‫يد أحد من هؤلء‪.‬‬
‫ذلك لنه وإن اتحدت الهداف فإن المنطلقات متغايرة‪ .‬فهؤلء‬
‫دوافعهم شتى‪ ..‬تدفعهم المروءة ويدفعهم الثناء الحسن ويدفعهم‬
‫عرف الباء‪ ،‬أما المسلمون فيدفعهم طاعة الله ورسوله ول‬
‫ينبغي أن يكون لهم دافع غير ذلك‪.‬‬
‫وهؤلء تقف أهدافهم عند إصلح الدنيا؛ والمسلمون يصلحون‬
‫الدنيا للخرة‪.‬‬
‫وشتان‪.‬‬
‫ومن يتدبر أحداث السيرة النبوية وما كان ي َت َن ََز ُ‬
‫ل في بداية البعثة‬
‫يجد أن الدعوة السلمية بدأت بتعريف الناس بربهم‪ ..‬بأسمائه‬
‫وصفاته وآثار ذلك في مخلوقاته‪ ..‬كيف أنه الحي القيوم الرحيم‬
‫الرحمن ذي الجلل والكرام مالك الملك القريب المجيب‪ ..‬الخ‪،‬‬
‫ثم بترسيخ نظرية الثواب والعقاب وذلك بتعريفهم بالجنة)دار‬
‫من‬
‫ص عليهم خبر من سبقوا‪َ ،‬‬
‫الثواب( وبالنار)دار العقاب(‪ ،‬وقُ ّ‬
‫أطاعوا منهم كيف كانت عاقبتهم ومن عصوا منهم ماذا فعل الله‬
‫بهم‪ .‬واقرءوا ما نزل من القرآن في مكة‪.‬‬
‫ثم جاءت التشريعات باسم الله الذي عرفوه بأسمائه وصفاته‬
‫ن يدي الثواب والعقاب‪.‬‬
‫وب َي ْ َ‬
‫فمثل ً قيل لهم‪ :‬الله ـ الذي عرفوه ـ يأمركم بالصلة‪ ،‬ومن فعل‬
‫فله الجنة ـ التي عرفوها ـ ومن عصى فله النار ـ التي عرفوها ـ‪.‬‬
‫والله الذي عرفتموه يأمركم بالزكاة ومن أطاع فثوابه الجنة التي‬
‫عرفتموها‪ ،‬ومن عصى فله النار التي عرفتموها‪.‬‬
‫لذا استقامت النفوس محبه ورهبة لله وخوًفا من النار وطمعا‬
‫في الجنة‪.‬‬
‫‪233‬‬

‫وبهذا يتضح منطلق الدعوة السلمية وهدفها‪ ،‬وهو تعبيد الناس‬
‫لله‪ ...‬تعريفهم بربهم ليعظموه ويوقروه ويسبحوه‪ ،‬وإصلح الدنيا‬
‫ـ يجيء تبًعا وليس أصل ً ـ‪ ،‬ثم الفوز بالجنة‪.‬‬
‫ولهذا لم يرتد من أسلم‪ ،‬ولم يتلكأ في سيره إلى الله‪.‬‬
‫وعلى من يعرض السيرة النبوية على الناس ـ أو يقرؤها ـ عليه‬
‫أن يلتفت لهذا‪ .‬وأن ينتبه إلى أن الخطاب الدعوي كان في‬
‫الساس أخروي تنطلق منه باقي شئون الحياة‪.‬‬
‫وفي بيعة العقبة الثانية وغيرها من أحداث العهد المكي دليل‬
‫على ذلك‪.‬‬
‫وأزيد المر بياًنا فأقول‪:‬‬
‫نعم‪ .‬في العهد المكي كانت الدعوة السلمية في خطابها الموجه‬
‫للجاهلية يومها‪ ،‬كانت مصرة على أن تبدأ من اليوم الخر ترغيبا‬
‫وترهيبا‪.‬‬
‫تحاول أن تجعل القلوب معلقة بما عند ربها ترجوا رحمته‬
‫وتخشى عقابه‪ .‬ويكون كل سعيها دفعا للعقاب وطلًبا للثواب‬
‫فتكون الدنيا بجملتها مطية للخرة‪.‬‬
‫على هذا تربى الصحابة رضوان الله عليهم‪.‬بل ورسول الله ـ‬
‫صلى الله عليه وسلم ـ هو أيضا تربى على هذا المعني ‪ ،‬فقد كان‬
‫ما‬
‫يتنزل عليه بأبي هو وأمي وأهلي صلى الله عليه وسلم )وَإ ِ ّ‬
‫م أ َوْ ن َت َوَفّي َن ّ َ‬
‫ن ُرِي َن ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ض ال ّ ِ‬
‫شِهيد ٌ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫م ثُ ّ‬
‫جعُهُ ْ‬
‫مْر ِ‬
‫ك فَإ ِل َي َْنا َ‬
‫ذي ن َعِد ُهُ ْ‬
‫ك ب َعْ َ‬
‫ما ن ُرِي َن ّ َ‬
‫م‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ض ال ّ ِ‬
‫ن( ]يونس‪) [40 :‬وَإ ِ ْ‬
‫فعَُلو َ‬
‫ذي ن َعِد ُهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ع ََلى َ‬
‫ك ب َعْ َ‬
‫ما ع َل َي ْ َ‬
‫أ َوْ ن َت َوَفّي َن ّ َ‬
‫ب(‪.‬‬
‫ك ال َْبلغ ُ وَع َل َي َْنا ال ْ ِ‬
‫سا ُ‬
‫ح َ‬
‫ك فَإ ِن ّ َ‬
‫ولهذا استقامت النفوس تبذل قصارى جهدها في أمر الدنيا ترجوا‬
‫جدا ً‬
‫م ُر ّ‬
‫س ّ‬
‫كعا ً ُ‬
‫به ما عند الله فكان حالهم كما وصف ربهم )ت ََراهُ ْ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫وانا ً ِ‬
‫م ِفي وُ ُ‬
‫ن الل ّهِ وَرِ ْ‬
‫ن فَ ْ‬
‫ي َب ْت َُغو َ‬
‫جوه ِِهم ّ‬
‫ماهُ ْ‬
‫سي َ‬
‫ضل ً ّ‬
‫م ْ‬
‫ض َ‬
‫م َ‬
‫ن أث َ ِ‬
‫جوِد(‬
‫س ُ‬
‫ال ّ‬
‫فهذا وصف للظاهر)ُر ّ‬
‫ن‬
‫ن فَ ْ‬
‫جدًا( ووصف للباطن)ي َب ْت َُغو َ‬
‫س ّ‬
‫كعا ً ُ‬
‫ضل ً ّ‬
‫م َ‬
‫وانًا(‪ ،‬والسياق يوحي بأن هذه هي هيئتهم الملزمة لهم‬
‫الل ّهِ وَرِ ْ‬
‫ض َ‬
‫التي يراهم الرائي عليها حيثما يراهم‪ .‬كما يقول صاحب الظلل‬
‫رحمه الله‪.‬‬
‫واقرأ آيات الحكام في كتاب الله لتطالع هذا الصرار من النص‬
‫القرآني على وضع صورة الخرة عند كل أمر ونهي ضمن السياق‬
‫بواحدة من دللت اللفظ‪ ،‬المباشرة منها أو غير المباشر)دللة‬
‫الشارة أو التضمن أو القتضاء أو مفهوم المخالفة‪ ..‬الخ(‪.‬‬
‫فمثل يقول الله تعالى‪) :‬وي ْ ٌ‬
‫ن إِ َ‬
‫ذا اك َْتاُلوا ْ ع ََلى‬
‫مط َ ّ‬
‫ن‪ .‬ال ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ل ل ّل ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫في َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذا َ‬
‫ن‪ .‬وَإ ِ َ‬
‫ن‬
‫م يُ ْ‬
‫خ ِ‬
‫سُرو َ‬
‫ست َوُْفو َ‬
‫س يَ ْ‬
‫م أو وَّزُنوهُ ْ‬
‫كاُلوهُ ْ‬
‫ن‪ .‬أَل ي َظ ُ ّ‬
‫الّنا ِ‬

‫‪234‬‬

‫ُأول َئ ِ َ َ‬
‫ب‬
‫م يَ ُ‬
‫ن‪ .‬ل ِي َوْم ٍ ع َ ِ‬
‫س ل َِر ّ‬
‫مب ُْعوُثو َ‬
‫قو ُ‬
‫م‪ .‬ي َوْ َ‬
‫ك أن ُّهم ّ‬
‫م الّنا ُ‬
‫ظي ٍ‬
‫ن(‬
‫ال َْعال َ ِ‬
‫مي َ‬
‫فتدبر كيف يأتي المر بعدم تطفيف الكيل حين الشراء وبخسه‬
‫َ‬
‫جعَ َ‬
‫ض‬
‫حين البيع؟ ومثله قول الله تعالى )هُوَ ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ل ل َك ُ ُ‬
‫م اْلْر َ‬
‫من ّرْزقِهِ وَإ ِل َي ْهِ الن ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫شوُر(‬
‫مَناك ِب َِها وَك ُُلوا ِ‬
‫شوا ِفي َ‬
‫ذ َُلول ً َفا ْ‬
‫فهنا أمر بالسعي على الرزق‪ ،‬وتذكير بأن هناك نشور ووقوف‬
‫بين يدي الله عز وجل‪ ،‬فيسأل المرء عن كسبه من أين أتى وإلى‬
‫أين ذهب؟‬
‫بل واقرأ عن اليات التي تتحدث عن الطلق في سورة البقرة‬
‫ن‬
‫تجد أنها تختم باسم أو اسمين من أسماء الله عز وجل &quo