‫‪http://www.balligho.

com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تم تحميل هذا الكتاب‬
‫من مكتبة موقع‬
‫"بّلغوا عّني ولو آية"‬

‫رسالتنا‪ :‬يصل الكثير من الناس بعض الرسائل اللكترونية عن السلم ويقومون‬
‫صصنا هذه‬
‫بحذفها أو تجاهلها بحجة أنها طويلة ويثقل عليهم قراءتها‪ .‬لذلك خ ّ‬
‫الصفحة للشتراك في عظة يومية قصيرة أو حديث شريف أو آية تصل إلى بريد‬
‫المشترك بحيث لن يصعب قرائتها والستفادة منها راجيا من المولى عز وجل‬
‫الجر والثواب‪ .‬مثال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪" :‬بلّـغوا عنّـي ولو‬
‫‪".‬آية‬
‫للشتراك في هذه الخدمة الرجاء زيارة موقعنا "بلّـغوا عنّـي ولو آية" في السفل‬
‫‪ :‬وتسجيل البريد اللكتروني‬
‫‪http://www.balligho.com‬‬
‫‪ :‬أو عن طريق إرسال رسالة ولو فارغة إلى‬
‫‪subscribe@balligho.com‬‬
‫‪.‬ويمكنكم أيضا أن تتصفحوا الرشيف بالحاديث المرسلة مسبقًا‬
‫ن في السلم سنة حسنة‪ ،‬فعمل بها‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من س ّ‬
‫بعده‪ ،‬كتب له مثل أجر من عمل بها‪ .‬ول ينقص من أجورهم شيء‪ ...‬الحديث‪.‬‬
‫فاحرصوا يرحمكم ال على نشرها فكل من يزور الموقع ويستفيد منه عن طريقك‬
‫تكسب من الجر الكثير وإن قام بدوره بالعمل بها ونشرها أيضا فكلنا نكسب أمثل‬
‫‪.‬أجورهم ول ينقص من الجر شيئا‬

‫والسّنة‬
‫منهاجنا‪َ :‬‬
‫و َ‬
‫دة إلى الك َِتا ِ‬
‫ب َ‬
‫ع ْ‬
‫ف ال ُ‬
‫بِ َ‬
‫مة‬
‫سل َ ِ‬
‫هم ِ َ‬
‫ف ْ‬
‫ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ةة ةةةةة ةةة ةةةةةة ةةةة ةةةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة‬
‫)ةةةة ةةة ةةةةةةةة ةةة ةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة ةةة‬
‫ةةةةةةةة(‬
‫الكتاب ‪ :‬موسوعة البحوث والمقالت العلمية‬
‫جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة‬
‫حوالي خمسة آلف وتسعمائة مقال وبحث‬
‫علي بن نايف الشحود‬
‫وما هي وظيفة النبي عليه الصلة والسلم؟ قال‪ } :‬وَأ َن َْزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ك الذ ّك َْر {‬
‫ما ن ُّز َ‬
‫ن]‪] { [44‬سورة النحل[ ‪.‬‬
‫م ي َت َ َ‬
‫فك ُّرو َ‬
‫م وَل َعَل ّهُ ْ‬
‫ل إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫س َ‬
‫لماذا ؟ } ل ِت ُب َي ّ َ‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫ولذلك فان النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ كافة الوسائل في البلغ والبيان‪،‬‬
‫جعَ َ‬
‫ل ي َُناِدي‪َ ]:‬يا ب َِني فِهْرٍ َيا ب َِني‬
‫ص َ‬
‫فا فَ َ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫م عََلى ال ّ‬
‫ي َ‬
‫َ‬
‫صعِد َ الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ج‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ع‬
‫ط‬
‫ت‬
‫س‬
‫ي‬
‫م‬
‫ل‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫ل‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ال‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ج‬
‫ف‬
‫عوا‬
‫م‬
‫ت‬
‫ج‬
‫ا‬
‫تى‬
‫ح‬
‫ش‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ق‬
‫ن‬
‫طو‬
‫ب‬
‫ل‬
‫‬‫ي‬
‫د‬
‫ْ‬
‫ِ َ ْ ٍ َ ّ‬
‫ْ َ ْ َ ِ ْ ْ َ ُ َ‬
‫ّ ُ‬
‫َ َ‬
‫ْ َ َ ُ‬
‫عَ ِ ّ ِ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫س َ‬
‫م‬
‫ش‪ -‬فَ َ‬
‫م ل َوْ أ ْ‬
‫ما هُوَ فَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫أْر َ‬
‫خب َْرت ُك ُ ْ‬
‫ل‪] :‬أَرأي ْت َك ُ ْ‬
‫سوًل ل ِي َن ْظ َُر َ‬
‫ب وَقَُري ْ ٌ‬
‫جاَء أُبو ل َهَ ٍ‬
‫خيًل بال ْوادي تريد أ َن تِغير عَل َيك ُ َ‬
‫َ‬
‫جّرب َْنا عَل َي ْ َ‬
‫ك‬
‫ما َ‬
‫أ ّ‬
‫م َ‬
‫ي[ َقاُلوا ن َعَ ْ‬
‫م ُ‬
‫م أك ُن ْت ُ ْ‬
‫ْ ْ‬
‫م َ‬
‫صد ّقِ ّ‬
‫ن َ ْ ِ َ ِ ُ ِ ُ ْ ُ َ‬
‫قا َ َ‬
‫ب ت َّبا ل َ َ‬
‫صد ًْقا َقا َ‬
‫ب َ‬
‫ن ي َد َيْ عَ َ‬
‫ك‬
‫د[ فَ َ‬
‫دي ٍ‬
‫ش ِ‬
‫ل‪]:‬فَإ ِّني ن َ ِ‬
‫إ ِّل ِ‬
‫ذيٌر ل َك ُ ْ‬
‫ل أُبو ل َهَ ٍ‬
‫ذا ٍ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫سائ َِر ال ْي َوْم ِ أ َل ِهَ َ‬
‫ب]‪] { [1‬سورة‬
‫ب وَت َ ّ‬
‫ت يَ َ‬
‫ذا َ‬
‫َ‬
‫ت‪ } :‬ت َب ّ ْ‬
‫معْت ََنا فَن ََزل َ ْ‬
‫ج َ‬
‫دا أِبي ل َهَ ٍ‬
‫المسد[‪ .‬رواه البخاري ومسلم ‪.‬‬
‫وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطوف على القبائل‪ :‬فعن َرِبيعَ َ‬
‫ن عَّبادٍ‬
‫ة بْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ج ٌ‬
‫ي َقا َ‬
‫ل َ‬
‫ه‬
‫ه عَلي ْ ِ‬
‫شا ّ‬
‫معَ أِبي َر ُ‬
‫ال ّ‬
‫ب أن ْظ ُُر إ َِلى َر ُ‬
‫صّلى الل ُ‬
‫ل إ ِّني ل َ َ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫سو ِ‬
‫ديل ِ ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫سو ُ‬
‫حو َ ُ‬
‫ج ٌ‬
‫قَبائ ِ َ‬
‫صلى‬
‫م ي َت ْب َعُ ال َ‬
‫ق ُ‬
‫مةٍ ي َ ِ‬
‫ل وَ ِ‬
‫ضيٌء ُذو ُ‬
‫لأ ْ‬
‫ل وَوََراَءهُ َر ُ‬
‫ف َر ُ‬
‫وَ َ‬
‫ج ّ‬
‫سل َ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫سو ُ‬
‫قو ُ‬
‫م‬
‫قِبيلةِ وَي َ ُ‬
‫م عَلى ال َ‬
‫ن إ ِّني َر ُ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ل اللهِ إ ِلي ْك ْ‬
‫سل َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ل‪َ ] :‬يا ب َِني فل ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شرِ ُ‬
‫كوا ب ِهِ َ‬
‫ه وََل ت ُ ْ‬
‫ما‬
‫حّتى أن ْ ِ‬
‫صد ُّقوِني َ‬
‫شي ًْئا وَأ ْ‬
‫ن ت َعْب ُ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ن الل ّهِ َ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫مُرك ُ ْ‬
‫آ ُ‬
‫ن تُ َ‬
‫فذ َ ع َ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خُر‬
‫م َ‬
‫قالت ِهِ قال ال َ‬
‫م ِ‬
‫ب َعَثِني ب ِ ِ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ه[ فإ ِذا فَرغ َر ُ‬
‫ن َ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫سول اللهِ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫فاَءك ُْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م‬
‫حل َ َ‬
‫و‬
‫زى‬
‫ع‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ال‬
‫خوا‬
‫ل‬
‫س‬
‫ت‬
‫ن‬
‫أ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫م‬
‫د‬
‫ري‬
‫ي‬
‫ذا‬
‫ه‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ف‬
‫ني‬
‫ب‬
‫يا‬
‫ه‬
‫ُ ِ ُ ِ ْ ْ ْ َ ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫ٍ ِ ّ َ‬
‫ف ِ َ َِ‬
‫خل ْ ِ‬
‫ِ‬
‫َ ُ‬
‫َ َ ُ ّ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مُعوا‬
‫س‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ف‬
‫ة‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ض‬
‫وال‬
‫ة‬
‫ع‬
‫د‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫َ‬
‫ء‬
‫جا‬
‫ما‬
‫لى‬
‫إ‬
‫ش‬
‫ي‬
‫ق‬
‫أ‬
‫ن‬
‫ب‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ما‬
‫ني‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫َ‬
‫َ ّ َِ‬
‫ِ ِ ِ ْ ِ ْ ِ َ ّ ِ‬
‫َ َ‬
‫َ ْ َ‬
‫ِ ْ‬
‫ْ ٍ ِ‬
‫َ ِ ِ َْ ِ‬
‫ل عَمه أ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب ‪ .‬رواه أحمد‪ ،‬حديث‬
‫ه‬
‫ل‬
‫بو‬
‫قا‬
‫ذا‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫بي‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ُ‬
‫ق‬
‫ف‬
‫ه‬
‫عو‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ت‬
‫ل‬
‫و‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ ِ‬
‫ه َ َُِّ ُ‬
‫لَ ُ‬
‫ّ ُ ُ َ ٍ‬
‫َ ْ‬
‫صحيح ‪.‬‬
‫ورحل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بقاع أخرى‪ ،‬وذهب إلى الطائف ليبلغ‬
‫دا ل كبيًرا ول صغيًرا ‪.‬‬
‫الحق ولم يكن يحابي أح ً‬
‫وكان عليه الصلة والسلم يناظر لجل بيان الحق‪ :‬كما ناقش وفد نصارى‬
‫مث َ َ‬
‫ل‬
‫نجران لما جاءوا إليه في شأن عيسى عليه السلم وقال الله‪ } :‬إ ِ ّ‬
‫ن َ‬
‫ن فَي َ ُ‬
‫م َقا َ‬
‫ن]‪{ [59‬‬
‫خل َ َ‬
‫م َ‬
‫سى ِ‬
‫ِ‬
‫ه ِ‬
‫كو ُ‬
‫ل آد َ َ‬
‫عي َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ب ثُ ّ‬
‫ق ُ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ ك َ َ‬
‫ن ت َُرا ٍ‬
‫ه كُ ْ‬
‫م ْ‬
‫مث َ ِ‬
‫]سورة آل عمران[ ‪.‬‬
‫وكان النبي عليه الصلة والسلم يكرر الكلمة‪ ،‬إذا تكلم بكلمة أعادها ثلثا‬
‫حتى تفهم عنه من أجل البيان‪.‬‬
‫وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بقول فصل لو عده العاد‬
‫لحصاه‪ ،‬ولم يكن يستعجل استعجاًل ل يفهم معه السامع ‪.‬‬
‫ه‬
‫وكان يرفع صوته للبيان‪ :‬قال عبد الله بن عمرو‪:‬ت َ َ‬
‫خل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫ف عَّنا الن ّب ِ ّ‬
‫‪2‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قتنا الصَلة ونحن نتوضأ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ْ‬
‫سافَْرَنا َ‬
‫ها فَأد َْرك ََنا وَقَد ْ أْرهَ َ ْ َ‬
‫ّ ُ ََ ْ ُ ََ َ ّ‬
‫فَرةٍ َ‬
‫م ِفي َ‬
‫عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‪ ] :‬وَي ْ ٌ‬
‫ن‬
‫ل ل ِْلع ْ َ‬
‫ب ِ‬
‫صوْت ِ ِ‬
‫ح عََلى أْر ُ‬
‫س ُ‬
‫فَ َ‬
‫م َ‬
‫ن الّناِر‪َ -‬‬
‫جعَل َْنا ن َ ْ‬
‫قا ِ‬
‫جل َِنا فََناَدى ب ِأعَْلى َ‬
‫م ْ‬
‫مّرت َي ْ ِ‬
‫أ َوْ ث ََلًثا‪ [-‬رواه البخاري ومسلم‪ .‬وكذلك فإنه صنع المنبر ليصعد عليه ليكون‬
‫أبين و أوضح ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وكان عليه الصلة والسلم أبعد الناس عن أساليب التعمية واللغاز‬
‫والشارات الخفية‪ :‬ولما فتح عليه الصلة والسلم مكة كان هناك نفر قد‬
‫سبوا النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬فأمر بإهدار دمائهم ومنهم ابن خطل وابن‬
‫قا بأستار الكعبة فقتل ابن خطل ‪،‬‬
‫أبي سرح أمر أن يقتلوه‪ ،‬ولو رأوه متعل ً‬
‫َ‬
‫وأ َما اب َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫صلى‬
‫ن عَ ّ‬
‫ما د َ َ‬
‫ها ْ‬
‫خت َب َأ ِ‬
‫فا َ‬
‫ن بْ‬
‫ما َ‬
‫عا َر ُ‬
‫ن أِبي َ‬
‫ن فَل ّ‬
‫عن ْد َ عُث ْ َ‬
‫سْرٍح فَإ ِن ّ ُ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫َ ّ ْ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫صلى‬
‫حّتى أوْقَ َ‬
‫جاَء ب ِهِ َ‬
‫س إ ِلى الب َي ْعَةِ َ‬
‫ه عَلى َر ُ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ف ُ‬
‫سل َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫م الّنا َ‬
‫سو ِ‬
‫ْ‬
‫ه فَن َظ ََر إ ِل َي ْهِ ث ََلًثا ك ُ ّ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫م فَ َ‬
‫ي الل ّهِ َباي ِعْ عَب ْد َ الل ّهِ فََرفَعَ َرأ َ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫س ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ل َيا ن َب ِ ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ذ َل ِ َ‬
‫ج ٌ‬
‫قا َ‬
‫م أقْب َ َ‬
‫ل‬
‫حاب ِهِ فَ َ‬
‫ه ب َعْد َ ث ََل ٍ‬
‫م َر ُ‬
‫كا َ‬
‫ص َ‬
‫ن ِفيك ُ ْ‬
‫ل‪] :‬أ َ‬
‫ث ثُ ّ‬
‫ك ي َأَبى فََباي َعَ ُ‬
‫ل عََلى أ ْ‬
‫م إ َِلى هَ َ‬
‫ما ن َد ِْري‬
‫ه[ فَ َ‬
‫ن ب َي ْعَت ِهِ فَي َ ْ‬
‫ف ْ‬
‫ث َرآِني ك َ َ‬
‫شيد ٌ ي َ ُ‬
‫حي ْ ُ‬
‫ت يَ ِ‬
‫َر ِ‬
‫ذا َ‬
‫قو ُ‬
‫قاُلوا َ‬
‫قت ُل ُ ُ‬
‫ف ُ‬
‫دي عَ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ما ِفي ن َ ْ‬
‫ف ِ‬
‫يأ ْ‬
‫َيا َر ُ‬
‫ت إ ِلي َْنا ب ِعَي ْن ِك قال‪] :‬إ ِن ّ ُ‬
‫مأ َ‬
‫سك أل أوْ َ‬
‫سول اللهِ َ‬
‫ه ل ي َن ْب َِغي ل ِن َب ِ ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫تَ ُ‬
‫ن[ رواه أبوداود والنسائي ‪ .‬هذا ليس من شأن النبي‪،‬‬
‫ه َ‬
‫خائ ِن َ ُ‬
‫كو َ‬
‫نل ُ‬
‫ة العْي ُ ِ‬
‫النبي واضح في كلمه‪ ،‬واضح في أفعاله‪ ،‬ليس عنده إشارات خفية‪.‬‬
‫وحتى لما مات عليه الصلة والسلم عند موته ولسانه يقبض مع روحه جاهد‬
‫َ‬
‫جعَ َ‬
‫صّلى‬
‫حّتى َ‬
‫م[ َ‬
‫مان ُك ُ ْ‬
‫ت أي ْ َ‬
‫مل َك َ ْ‬
‫ما َ‬
‫صَلة َ وَ َ‬
‫ي الل ّهِ َ‬
‫صَلةَ ال ّ‬
‫لكي يقول لنا‪] :‬ال ّ‬
‫ل ن َب ِ ّ‬
‫ه‪ .‬رواه أحمد وابن‬
‫ما ي َ ِ‬
‫جل ِ ُ‬
‫م ي ُل َ ْ‬
‫ص ب َِها ل ِ َ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫سان ُ ُ‬
‫صد ْرِهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫في ُ‬
‫جَها ِفي َ‬
‫ماجة ‪.‬‬
‫ومن بيانه عليه الصلة والسلم أنه ل ُيمكن أن ُيؤخر ما يحتاج إليه الناس عن‬
‫وقت الحاجة‪ ،‬وهي القاعدة العظيمة‪ ':‬ل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة'‪:‬‬
‫ويجب على المفتين عندما يسألون‪ ،‬ويعرفون الحق أن يجيبوا بل مواربة‪ ،‬أن‬
‫يجيبوا بل تلعب‪ ،‬أن يجيبوا بصريح العبارة‪ ،‬أن يجيبوا جواًبا يفهمه الناس ‪.‬‬
‫إن من المصائب اليوم‪ :‬أن يسأل بعض المفتين‪ ،‬فيسكت ‪.‬‬
‫ويسأل بعضهم‪ ،‬فيجيب إجابة مغماة معماة‪ ،‬ل يعرف ما هو القصد فيها ‪.‬‬
‫ومن أكبر المصائب في هذا الباب أن يسأل‪ ،‬فيجيب بالباطل؛ إرضاًء لفلن‬
‫وعلن ‪.‬‬
‫يا عباد الله ‪ ..‬إن أضرار عدم البيان شنيعة‪ :‬منها‪:‬‬
‫خفوت دين الله ‪..‬وخفاء الحق ‪ ..‬واستشراء المنكر؛ لنه لم ي ُب َّين فهو‬
‫يستشري وينتشر ‪ ..‬وخذلن أهل الحق‪ ،‬لو بين لنتعش أهل الحق‪ ،‬وانتصر‬
‫ما لهم ‪ ..‬ومن أكبر المصائب لعدم التبيين‪ :‬وقوع‬
‫أهل الحق‪ ،‬وكان ذلك دع ً‬
‫ً‬
‫العامة في الضلل‪ ،‬وي ََتخذ الناس رؤوسا جهال‪ ،‬يفتون بغير علم‪ ،‬فيضلون‬
‫ويضلون ‪.‬‬
‫وكان المام أحمد رحمه الله يقدر موقعه في المة‪ ،‬و أن الناس ينظرون‬
‫إليه‪ :‬ولذلك لما طلب منه القول بخلق القرآن أبي‪ ،‬ولما هدد بالقتل‪ ،‬وقال له‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫قت ُُلوا أ َن ْ ُ‬
‫تلميذه‪ :‬يا أستاذ قال الله تعالى‪ } :‬وََل ت َ ْ‬
‫كا َ‬
‫م إِ ّ‬
‫ف َ‬
‫ن ب ِك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ما]‪] { [29‬سورة النساء[ ‪ .‬قال ‪ :‬يا مروذي‪ ،‬اخرج فانظر‪ ،‬فخرج إلى‬
‫َر ِ‬
‫حي ً‬
‫قا ل يحصيهم إل الله والصحف في أيديهم والقلم‬
‫الساحة قال‪ :‬فرأيت خل ً‬
‫والمحابر‪ ،‬قال لهم المروذي ‪:‬ماذا تعملون ؟ قالوا‪ :‬ننتظر ما يقول أحمد‬
‫ُ‬
‫ض ّ‬
‫ل هؤلء كلهم ‪.‬‬
‫فنكتبه‪ ،‬فقال المام أحمد ‪ :‬يا مروذي أ ِ‬

‫‪3‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والبويطي رحمه الله الشافعي لما امتحن في قضية خلق القرآن لم يجب‪:‬‬
‫فقال له والي مصر المكلف من قبل الخليفة بامتحانه وتعذيبه حتى يقر‪ ،‬قال‬
‫له بينه وبينه علقة حسنة‪ :‬قل فيما بيني وبينك‪ ،‬لماذا ل تريد أن تكتب وتقر‬
‫بما أمر به الخليفة ؟ قال‪ :‬إنه يقتدي بي مائة ألف ول يدرون المعنى‪ ،‬ناس‬
‫من العامة تقلدني ل تستطيع أن تميز‪ ،‬فأمر به فحمل إلى بغداد‪ ،‬فقال‬
‫البويطي رحمه الله‪ :‬لئن دخلت عليه‪ -‬يعني‪ :‬الخليفة‪ -‬لصدقن‪ ،‬ولموتن في‬
‫حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه مات في هذا الشأن قوم في‬
‫حديدهم ‪.‬‬
‫ُ‬
‫ي رج ٌ‬
‫ل من أهل زمانه إلى ملك كان‬
‫ونقل ابن كثير رحمه الله عن وهب‪ :‬أت ِ َ‬
‫يفتن الناس على أكل لحم الخنزير‪ ،‬فأعظم الناس مكانه‪ ،‬وهالهم أمره‪ ،‬وهذا‬
‫ما يحبه الناس‪ ،‬والملك يريد أن يفتن الناس على أكل لحم‬
‫رجل كان عال ً‬
‫الخنزير‪ ،‬وأشفق الناس على هذا العالم‪ ،‬فقال له صاحب شرطة الملك سًرا‬
‫بينه وبينه‪ :‬أيها العالم اذبح جديا مما يحل لك أكله ثم ادفعه إلى حتى اصنعه‬
‫لك على حده فإذا دعا الملك بلحم الخنزير أمرت به فوضع أي الجدي بين‬
‫يديك فتأكل منه حلًل ويرى الملك والناس أنك إنما أكلت لحم الخنزير‪ ،‬فذبح‬
‫ذلك العالم جدًيا‪ ،‬ثم دفعه إلى صاحب الشرطة فصنعه له‪ ،‬و أمر الطباخين‬
‫إذا أمر الملك أن يقدم إلى هذا العالم لحم الخنزير أن يضعوا بين يديه لحم‬
‫ذلك الجدي ‪ .‬واجتمع الناس لينظروا أمر هذا العالم هل يأكل أم ل ؟ وقالوا‪:‬‬
‫إن أكل أكلنا وان امتنع امتنعنا‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫فجاء الملك‪ ،‬فدعا لهم بلحوم الخنازير‪ ،‬فوضعت بين أيديهم‪ ،‬ووضع بين يدي‬
‫ذلك العالم لحم ذلك الجدي الحلل المذكى‪ ،‬فألهمه الله‪ ،‬فقال‪ :‬هب أنى‬
‫ه أنا ‪ -‬يقول لنفسه‪ ، -‬فماذا أصنع بمن ل‬
‫أكلت لحم الجدي الذي أعلم ِ‬
‫حل ّ ُ‬
‫يعلم‪ ،‬والناس إنما ينتظرون أكلي ليقتدوا بي‪ ،‬وهم يعلمون أني إنما أكلت‬
‫لحم الخنزير‪ ،‬فيأكلون اقتداء بي‪ ،‬فأكون ممن يحمل أوزارهم يوم القيامة‪ ،‬ل‬
‫أفعل والله‪ ،‬وإن قتلت وحرقت بالنار ‪ .‬وأبى أن يأكل‪ ،‬فجعل صاحب الشرطة‬
‫يغمز إليه‪ ،‬ويومي إليه‪ ،‬ويأمره بأكله أي إنما هو لحم الجدي‪ ،‬فأبى أن يأكل‪،‬‬
‫ثم أمره الملك أن يأكل‪ ،‬فأبى‪ ،‬فألحوا عليه فأبى‪ ،‬فأمر الملك صاحب‬
‫الشرطة بقتله فلما ذهبوا به ليقتلوه‪ ،‬قال له صاحب الشرطة‪ :‬ما منعك أن‬
‫تأكل اللحم الذي ذكيته أنت ودفعته إلي أظننت أني أتيتك بغيره وخنتك فيما‬
‫ائتمنتني عليه؟ ‪ ،‬قال له العالم ‪ :‬قد علمت أنه هو‪ ،‬ولكن خفت أن يتأسى‬
‫الناس بي‪ ،‬وهم إنما ينتظرون أكلي منه ول يعلمون إل أني إنما أكلت لحم‬
‫الخنزير‪ ،‬قال‪ :‬وكذلك كل من ُأريد على أكله فيمن يأتي من الزمان يقول ‪:‬‬
‫قد أكله فلن فأكون فتنة لهم ‪ ،‬فقتل رحمه الله ‪ .‬ونقل ابن كثير بعدها‬
‫العبارة‪ ':‬اتقوا زلة العاِلم فإنه إذا زل زل بزلته عاَلم' ‪.‬‬
‫صا في هذا الزمان الذي كثر فيه الجهل‪ ،‬وقل‬
‫إن بيان الحق أمر عظيم وخصو ً‬
‫فيه العلم‪ ،‬وكثر فيه أهل الباطل ونعيقهم‪ :‬وقد قال عمر بن عبد العزيز لما‬
‫تولى الخلفة في زمن عافية المة وقوتها قال ‪':‬إني أعالج أمرا ل يعين عليه‬
‫إل الله‪ ،‬قد فني عليه الكبير‪ ،‬وكبر عليه الصغير‪ ،‬وهاجر عليه العرابي حتى‬
‫حسبوه ديًنا ل يرون الحق غيره' ‪ .‬فهو يستشعر عظم المسئولية‪ :‬كيف سيغير‬
‫قا‪ ،‬فماذا نقول نحن عن عصرنا !‬
‫الن في واقع انحرافات ظنها الناس ح ً‬
‫من أعذار عدم الخبار بالحكم ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إذا سئل النسان‪ ،‬وهو ليعلم‪ ،‬فيجب أن يقول‪ :‬ل أعلم‪ ،‬ول يتكلم بما ل يعلم‪،‬‬
‫فكيف يقول لنفسه‪ :‬إن سكت كتمت العلم ول يوجد عنده علم أصل ‪.‬‬
‫وكذلك إن كان يظن ظًنا‪ ،‬والسائل يجره قل فيها ‪..‬أفتى فيها ‪..‬هيا عجل‪ ،‬فإنه‬
‫ل ينزلق ول يتكلم إل بما يقطع أنه يعرفه وأنه حق ‪.‬‬
‫أن تكون المسألة المسئول عنها لم تقع بعد‪ ،‬فإذا كانت لم تقع بعد بعيدة‬
‫الوقوع‪ ،‬فانه يسع العالم أن يسكت ‪.‬‬
‫أن يتبين للمسؤول أن السائل ل يطلب الحق‪ ،‬يريد فتوى ليستغلها‪ ،‬أو يأتي‬
‫على نية إذا قال لنا الشيخ ما نحب أخذنا به‪ ،‬وإل تركناه‪ ،‬وهذا فعل اليهود‪:‬‬
‫} ‪...‬إ ُ‬
‫خ ُ‬
‫م هَ َ‬
‫حذ َُروا‪] { [41]...‬سورة المائدة[ ‪.‬‬
‫ذا فَ ُ‬
‫م ت ُؤْت َوْه ُ َفا ْ‬
‫ذوه ُ وَإ ِ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ن أوِتيت ُ ْ‬
‫أي‪ :‬اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فاستفتوه إن أجابكم بما تريدون‬
‫جاُءو َ‬
‫م‬
‫ك َفا ْ‬
‫ن َ‬
‫خذوه‪ ،‬وان لم تؤتوه فاحذروا‪ ،‬فماذا قال الله لنبيه‪ } :‬فَإ ِ ْ‬
‫حك ُ ْ‬
‫بينه َ َ‬
‫م‪] { [42]...‬سورة المائدة[ ‪ .‬فأنت بالخيار‪ ،‬غير ملزم‬
‫ض عَن ْهُ ْ‬
‫ََُْ ْ‬
‫م أوْ أعْرِ ْ‬
‫بالبيان هنا لقصد السائل الباطل‪.‬‬
‫أل يكون الجواب مؤدًيا إلى مفسدة أعظم ‪ ،‬ومن خوف المفسدة أن يكون‬
‫عقل السائل ل يحتمل الجواب ‪.‬‬
‫جوُّز في حالت أن يكتم العلم إذا خشي التعذيب‬
‫أما التعذيب والكراه فانه ي ُ َ‬
‫الذي ل يطيقه‪ ،‬أو القتل إل إذا كان جوابه سيترتب عليه إضلل المة فإنه‬
‫يجب عليه أن يتحمل القتل ويجود بنفسه لله تعالى ويتكلم بالحق ل غير ‪.‬‬
‫وكذلك لو كان الشيء الذي يخشى القتل من أجله ل يترتب عليه فوات علم‬
‫يحتاجه الناس ‪.‬‬
‫وكذلك إذا كان غيره أعلم منه في البلد فيجوز أن يحيل عليه ول يتكلم‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬اذهبوا فاسألوا فلًنا أعلم مني‪ ،‬وكان الصحابة تأتيهم المسألة تدور‬
‫فيها بينهم حتى ترجع إلى الول كلهم يخشى الفتيا ‪.‬‬
‫و أما السباب غير الصحيحة لكتم العلم ‪ ،‬فمثل ‪:‬‬
‫الخوف على المنصب والجاه‪ :‬فهذا قيصر عرف الحق لكن لما لحظ أنه إذا‬
‫أعلنه فإن قومه سيخلعونه من الملك‪ ،‬رجع عنه عدو الله‪ ،‬فمات على‬
‫دا ‪ ،‬فكان يجب عليه أن يبلغ‬
‫النصرانية‪ ،‬فهذا سبب غير مبرر لكتم الحق أب ً‬
‫خل ِعَ من الملك ‪.‬‬
‫الحق ولو ُ‬
‫وكذلك الخلع من الوظيفة‪ :‬قال ابن القيم ‪ :‬ناظرت بعض علماء النصارى‬
‫فلما تبين له الحق بهت‪ ،‬فقلت له وأنا وهو خاليين ‪ :‬ما يمنعك الن من اتباع‬
‫الحق ؟ قال ‪ :‬إذا قدمت على هؤلء الحمير‪-‬هكذا لفظه‪ ،‬قال ابن القيم يعني‪:‬‬
‫أتباعه‪ -‬فرشوا لنا البسط تحت حوافر دابتي‪ ،‬وحكموني في أموالهم‬
‫ونساءهم ولم يعصوني فيما آمرهم به‪ ،‬و أنا ل أعرف صنعة‪ ،‬ول احفظ قرآًنا‪،‬‬
‫وا‪ ،‬ول فقه‪ ،‬فلو أسلمت؛ لدرت في السواق أتكفف الناس‪ ،‬ل أنا بقيت‬
‫ول نح ً‬
‫على منصبي في النصرانية‪ ،‬ول أنا صاحب علم فأترأس في السلم‪ ،‬فمن‬
‫الذي يطيب نفسا بهذا !! فقلت له‪ :‬هذا ل يكون وكيف تظن بالله أنك إذا‬
‫آثرت رضاه على هواك أنه يخزيك ويذلك ويحوجك‪ ،‬ولو فرضنا أن هذا أصابك‬
‫فما ظفرت به من الحق والنجاة من النار فيه أتم العوض عما فاتك أهم مما‬
‫يفوتك‪ ،‬قال‪ :‬دعنا الن من هذا !!‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫دا ‪ .‬اللهم إنا نسألك أن تجعلنا‬
‫إًذا‪ :‬هذه أشياء ل يسوغ كتم الحق من أجلها أب ً‬
‫من الذين يقولون بالحق وبه يعدلون‪ ،‬نسألك فعل الخيرات‪ ،‬وترك المنكرات‪،‬‬

‫‪5‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وحب المساكين‪ ،‬وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين‪ ،‬اللهم‬
‫انصر المجاهدين‪ ،‬وأعلي كلمة الدين‪ ،‬واكبت اليهود والصليبيين والمشركين‪،‬‬
‫اللهم زلزلهم‪ ،‬اللهم انصرنا عليهم‪ ،‬سبحان ربك رب العزة عما يصفون‪،‬‬
‫وسلم على المرسلين‪ ،‬والحمد لله رب العالمين ‪.‬‬
‫من خطبة‪':‬أيها الدعاة ‪ ..‬بينوا دين الله' للشيخ‪ /‬محمد بن صالح المنجد‬
‫)‪(5 /‬‬
‫أيها الرجال كفوا !‬
‫زينب بنت فهد البابطين‬
‫>‪TD/‬‬
‫إن الناظر في عالمنا اليوم يرى كثرة التدخل في شؤون الغير ‪ ،‬وعالم المرأة‬
‫له قصب السبق في ذلك ؛ فأقحم في ميدان فسيح مفتوح على مصراعيه‬
‫لكل والج بحجة الدفاع عن حقوق المرأة تارة ‪ ،‬وإنصاف المرأة تارة أخرى ؛‬
‫فدين كره لنه لم يعطي المرأة حقها ! ودولة لم تعترف بذاك الدين ؛ لنه‬
‫سيقف حجر عثرة أما تقدم المرأة ! ؛ ودولة أزيلت من الخارطه ؛ لنها زادت‬
‫المرأة تخلفا ً ؟ والدولة الخرى تصب عليها النظار لن المراة فيها لم تسر‬
‫مع الركب ‪.......‬‬
‫ومؤسسة قلعت من جذورها بحجة تطوير المرأة ‪ ،‬ورئيس دولة لن يشهد‬
‫احتفال ً معتبرا ً لن المرأة ستكون فيه محتجبة ! ‪.‬وأناس زج بهم في عالم‬
‫السجون بتهمة وقوفهم أمام تقدم المرأة ‪ .‬وكم ‪ ....‬وكم ‪.....‬فأشبه ما تكون‬
‫المرأة في عصر التقدم والحضارة بمسمار جحا ! ‪.‬فأصبحت المرأة ذريعة‬
‫لتصفية بعض الحسابات ‪ ،‬ووسيلة لتحقيق الطماع الدنوية ؛ لسيما العسكرية‬
‫أوالتجارية ‪.‬‬
‫ولهذا تكثر الصيحات والنداءت والتوجعات بين الفينة والخرى ترتفع تارة‬
‫وتهبط أخرى معلبة بثوب الرحمة والشفقة على المرأة ورد حقوقها‬
‫إليها ‪.....‬وإضافة تخلف كثير من الدول عن مصافاة الدول المتقدمة إلى حال‬
‫وضع المرأة فيها ؛ مع أن جل الدول التي نسبت إليها هذا السبب ‪ ،‬وأخذت‬
‫على عاتقها تحسين وضع المرأة بزعمهم لم يزدها ذلك إل تخلفا ً فلهم الذين‬
‫سايروا تلك الدول المتقدمة سياسيًا‪ ،‬أو اقتصاديا ً ‪ ،‬أو صناعيا ً ‪.......‬ولهم‬
‫الذين حافظوا على حال وضع المرأة عندهم ‪.‬‬
‫وإن عجبك ليصل إلى منتهاه حين ترى أن هذه الصيحات والتوجعات تخرج‬
‫من شقائق النساء ‪ ،‬فهل هو رحمة بهن ‪ ،‬أو الحسان بأنهن ل يستطعن أن‬
‫يطالبن بحقوقهن ‪ ،‬أو أن وراء الكمة ما وراءها ‪ ،‬مع أن هناك فئام من‬
‫المجتمع يتعطشون إلى من يأخذ لواء المطالبة بحقوقهم كالفقراء والشباب‬
‫العاطلين عن العمل ‪ ،‬والعمال ‪ .....‬فحولوا موجة صيحاتكم وتوجعاتكم إليهم‬
‫وانشغلوا بأنفسكم ـ بارك الله فيكم ـ‬
‫مع أن هذه الشعارات قد ظهرت حقيقتها للعالم بجلء ‪ ،‬وانتكست في أول‬
‫مسيرتها الذي على إثره بدأت الصيحات تلو الصيحات تتطالب بعودة المرأة‬
‫إلى وضعها الحقيقي في جميع أنحاء العالم ‪ ،‬لسيما في الدول التي تزعم‬
‫أنها أعطتها حقوقها ‪ ،‬وأحلت عنها قيود الحرية ‪ .‬ومع هذه كله إل أن هناك‬
‫مؤامرة تحاك ضد المرأة السعودية من الخارج بمباركة من الداخل من فئام‬
‫من الناس ممن تلوثت ثقافتهم بأفكار الغرب ممن لم يرضيهم حال المرأة‬
‫السعودية من كرامة وحشمة وعمل لئق بها ما بين مد ّ وجزر ؛ إل أن يقظة‬

‫‪6‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫القائمين على هذا المجتمع المبارك ـ وفقهم الله ـ وحذر المجتمع من هذا‬
‫المؤامرة المغطاة بثوب الرحمة والحب والحرص على تقدم المرأة السعودية‬
‫تخمد في مهدها ؛ إل أن أصحاب هذه المؤامرة ل يهنأ لهم بال حتى نبدأ من‬
‫حيث انتهى الناس ‪ ،‬فهم يعيدون الكرة تلو الخرى مستغلين منفذ الضعف ‪،‬‬
‫والجو المناسب ‪ ،‬وانشغال المة بالمور الصعاب ‪ ،‬ولهذا نلحظ أن الصيحات‬
‫صحفنا ‪ ،‬وشدة إلحاٍح على ولة‬
‫والتوجعات لحال المرأة بدأت تطفوا على ُ‬
‫المر بتغير حال المرأة بعد أحداث سبتمبر ‪.‬‬
‫وما إن تصبح صبيحة كل يوم إل وتصّبحك بعض الصحف بالمرأة السعودية‬
‫واختناقاتها ؛ إل ويتبادر إلى ذهنك حال المرأة في العصر الحجري ‪ ،‬والخرى‬
‫تبادرك بمطالبة لبعض حقوق المرأة كفتح مدرجات الملعب أمام المرأة‬
‫السعودية ‪ .‬وما إن يعقد مؤتمر صحفي مع بعض المسئولين إل وتنهال عليه‬
‫جملة من السئلة تدور في فلك المرأة ؛ مع أن القائمين على هذا البلد‬
‫المبارك من لدن عهد المؤسس إلى هذا الوقت لم يألوا جهدا ً في إنصاف‬
‫المرأة ‪ ،‬وإعطائها حقوقها ‪ ،‬وتوفير كل ما يناسبها مراعيا ً في ذلك جانب‬
‫حفظ العرض ‪ ،‬وطبيعة المرأة السعودية ‪ ،‬بدأ ً بالهم فالهم ‪ ،‬لنهم يعلمون‬
‫أن كيان المرأة كيان ل يستهان به ؛ بصلحه تصلح شرائح كثيرة من‬
‫المجتمع ‪ .‬ولسان حالهم يقول ‪ :‬لم نفتح الدنيا بأمهات ما جنات وإنما فتحناها‬
‫بأمهات عفيفات ‪.‬وما نشاهده اليوم من تقدم في التعليم ‪ ،‬ودور التربية ‪،‬‬
‫وتغطية شاملة في كثير من مجالت المرأة بفريق نسائي كامل إل شاهد‬
‫ن تكلم ‪ ،‬وطالب ‪،‬‬
‫على ذلك الهتمام ‪ .‬ولهذا نستطيع أن نجيب بكل ثقة َ‬
‫م ْ‬
‫وألح أن ُتقحم المرأة في مجالت ليست من اختصاصها أن يناقش و ل يلقي‬
‫شوارد الفكار جزافا ً ‪ ،‬وليعلم أن المرأة السعودية ليست بدرجة كافية من‬
‫الغباء حتى تصطادها خيوط هذه المؤامرة ‪ ،‬وأن وضعها الديني والعرفي‬
‫يساعدها في الوقوف أمام هذا الشعارات ‪ ،‬وأن ولة المر لها بالمرصاد ‪.‬‬
‫وأن المرأة في هذا البلد وصلت إلى درجة علية من التعليم والثقافة والوعي‬
‫تؤهلها بالمطالبة بحقوقها لو ُنقص شيٌء منها ‪ ،‬وأنها ليست بحاجة إلى وكلء‬
‫خول أحدا ً ممن انطلت عليه هذه الصيحات‬
‫ومحامين عنها ‪ ،‬وأنها لم ت ُ ّ‬
‫والشعارات من بنات جلدتها ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫فيأيها الرجال كفوا واشتغلوا بأنفسكم فقد كفيتم ‪ .‬أختي ‪ :‬كوني على حذر‬
‫من تلك الشعارات البراقة ‪ ،‬ول تكوني جسرا ً تمرر عليه تلك الشعارات ؛ فإن‬
‫وراء الكمة ما وراءها ‪ ،‬واعتبري بحال وضع المرأة في المجتمعات التي‬
‫تلقفت مثل هذه الشعارات ‪ ،‬وانخدعت بها ؛ فالسعيد من ُوعظ بغيره ‪.‬‬
‫عجبا ً ممن يزعم أن المرأة السعودية مهضوم حقها ويدندن حول وضعها‬
‫السياسي ‪ ،‬وقيادة السيارة ‪ ،‬والندية الرياضية ‪ ،‬والتجنيد العسكري‬
‫‪..........‬وغير ذلك مما ل يناسب دين المرأة ‪ ،‬و مقوماتها الجسمية ‪ ،‬أو‬
‫وضعها العرفي ‪ .‬فطبيعة المرأة ل يناسبها كثير ممن يدندن حولها دعاة‬
‫حقوق المرأة ‪ ،‬ولو عرفوا تلك الطبيعة حق المعرفة ‪ ،‬لخمدت تلك الصيحات‬
‫والتوجعات ‪ ،‬فالمرأة لها ظروفها الفسيولوجة التي تختلف بها تماما ً عن‬
‫الرجل اختلفا ً كثيرا ً ‪ ،‬فهي تمر عليها أطوار غريبة ‪ ،‬فمثل ً حالها من بدء‬
‫الحمل إلى الوضع مع أنها أشهر معدودة فأقرب الناس إليها ـ وهو زوجها ـ قد‬
‫ل يحسن ل التعامل ول التكيف معها ‪ ،‬فما بالك بالبعدين ‪ !.......‬فليس بهذا‬

‫‪7‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الكلم تنقص بحق المرأة ‪ ،‬فأنا واحدة من هذا العالم ؛ لكن أهل مكة أدرى‬
‫الناس بشعابها ‪ ،‬وصاحب الدار أعلم الناس بما في داخل الدار ‪ ،‬وقد علم كل‬
‫أناس مشربهم ‪.‬‬
‫وفي الخير نعيد تكرار المطالبة بالكف عن صيحات وتوجعات الترهات‬
‫والخزعبلت ؛ حتى تنام المرأة وهي قريرة العين بعيد عنها هاجس الخوف‬
‫عقباه ‪ ،‬وأن ُيبدأ بها من حيث انتهى الناس ! ‪.‬‬
‫من أن ُتقحم إلى ما ل تحمد ُ‬
‫وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ‪.‬‬
‫أختكم‬
‫زينب بنت فهد البابطين‬
‫جامعة المام محمد بن سعود السلمية‬
‫)‪(2 /‬‬
‫أيها الشاب الفطن‬
‫دار القاسم‬
‫أخي الحبيب‪...‬‬
‫أرجو أن تقرأ هذه الرسالة بنفس الهدوء الذي كتبت لك به بعيدا عن النفعال‬
‫أو اتخاذ موقف سلبي قبل أن تستكمل قراءتها فالعاقل الفطن من يستمع‬
‫ويقرأ للنهاية ثم هو و شأنه !‬
‫قد يقوم البعض منا بأعمال يكون دافعه لها الشهوة المجردة دون التفكير‬
‫المتعقل لعواقبها ومن ذلك ما يقوم به المعاكس للنساء لذا نقول له‪ :‬دعنا‬
‫نقف معك قليل ونلقي الضوء على ما تقوم به‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ إن الفتاة التي تعاكسها هي من أفراد مجتمعك ويعني ذلك أنك تساهم‬
‫في إفساده إرضاء لشهوتك وكان من المفترض ـ وأنت ابن السلم ـ أن‬
‫؟!‬
‫تسهم في إصلحه‪ .‬فهل ترضى لمجتمعك وفتياته الفساد ‍‬
‫‪ 2‬ـ إن الفتاة التي تعاكسها وتسعى إلى أن تفعل بها الفاحشة أو أنك قد‬
‫فعلت‪ :‬إنما هي في المستقبل إن لم تكن زوجة لك فهي زوجة لقريبك أو‬
‫لحد من المسلمين وكذلك الفتاة التي عاكسها غيرك وساهم في إفسادها قد‬
‫يبتليك الله بها عقوبة لك في الدنيا قال تعالى‪ :‬الخبيثات للخبيثين ]النور‪.[26:‬‬
‫‪ 3‬ـ إن فساد النساء يعني فساد المجتمع وقد يبدأ من شخصك أو مما تساهم‬
‫في تنشيطه وينتهي في المستقبل مع قريباتك ومن أفسدتها اليوم أنت أو‬
‫غيرك قد تكون صديقة لزوجتك أو أختك أو قريبتك ويقمن بإفسادها ودللتها‬
‫على طريق الغواية‪ ..‬فهن جزء ل يتجزأ من مجتمعك وقد حذر نبيك من مغبة‬
‫المر فقال ‪ } :‬فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني اسرائيل كانت‬
‫في النساء { ]رواه مسلم[‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ إن كانت الفتاة ترضى أن ترتبط معك في علقة محرمة فما ذنب أهلها‬
‫بتدنيسك لعرضهم؟ ثم هل طواعيتها لك عذر مقبول لعتدائك؟! بمعنى آخر‬
‫لو أن أحدا من الناس بنى علقة غير مشروعة مع أحد قريباتك ثم اكتشفت‬
‫ذلك فهل يكفيك عذرا أن يقول لك من هتك عرضك‪ :‬هي التي دعتني لذلك‬
‫لتغفر له خطيئته؟ وأسوق لك حديث الشاب الذي جاء إلى الرسول فقال له‪:‬‬
‫} ائذن لي في الزنا فقال ‪ :‬أتحبه لمك لبنتك لزوجتك لعمتك لخالتك‪ ،‬وكان‬
‫يقول‪ :‬ل والله يا رسول الله جعلني الله فداك فقال ‪ :‬ول الناس يحبونه‬
‫لبناتهم وأخواتهم وعماتهم وخالتهم‪ ،‬أو كما قال { ]رواه أحمد عن أبي‬
‫أمامة[‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ 5‬ـ لو خيرت بين الموت أو أن يهتك عرضك ماذا تختار؟ إذا كيف ترضى‬
‫لنفسك الوقوع في محارم الناس؟! قال الرسول ‪ } :‬من قتل دون أهله فهو‬
‫شهيد { ]رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو صحيح[‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ ما هو الشعور الذي ينتابك وأنت تعيش في مجتمع خنته وهتكت محارمه‬
‫وأفسدت نسائه؟‬
‫‪ 7‬ـ هل يكفيك من الفاحشة أن تقوم بها مرة ـ مرتين ـ ثلث أم أن الشيطان‬
‫يريد لك الهلك؟ فالمر ل يتوقف وهو مسلسل سقوط خطير في دنياك‬
‫وآخرتك قال تعالى‪ :‬إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه‬
‫ليكونوا من أصحاب السعير ]فاطر‪.[6:‬‬
‫‪ 8‬ـ سمعت عن القول المأثور ) الجزاء من جنس العمل ( فهل أنت مستعد‬
‫أن تبتلى في عرضك الن أو حتى بعد حين مقابل التنفيس عن شهواتك؟ قد‬
‫تقول‪ :‬أتوب قبل أن أتزوج أو أرزق بنتا ! فأسألك‪ :‬هل تضمن أن الله يقبل‬
‫توبتك ول يبتليك؟! قال تعالى‪ :‬وجزاء سيئة سيئة مثلها ]الشورى‪ .[40:‬واعلم‬
‫أن الذئاب كثير ولك أم وأخت وزوجة وبنت وابنةعم وابنة خال‪ ..‬فاحذر وانتبه‬
‫!‬
‫قال الشافعي رحمه الله‪:‬‬
‫عفوا تعف نساؤكم في المحرم *** وتجنبوا ما ل يليق بمسلم‬
‫إن الزنى دين فإن أقرضته *** كان الوفاء بأهل بيتك فاعلم‬
‫‪ 9‬ـ إذا صنف الناس إلى صنفين‪ :‬مصلحين ومفسدين فأين تصنف نفسك؟‬
‫وقد نهى الله عز وجل عن الفساد قال تعالى‪ :‬ول تفسدوا الرض بعد‬
‫إصلحها‪] ..‬العراف‪.[56:‬‬
‫‪ 10‬ـ ما هو شعورك وأنت تفعل الفاحشة بزانية يدخل عليك والداك وإخوانك‬
‫وكل صديق يثق بك ويحبك وكل عدو يود أن يشمت بك ثم الناس كلهم‬
‫ويرونك على هذه الحال بل ما هو موقفك وأنت بعيد عن أعينهم في مأمن‬
‫لكن عين الله تراك؟ وهل تذكرت وقوفك بين يدي الله في أرض المحشر‬
‫عندما } ينصب لكل غادر لواء فيقال‪ :‬هذه غدرة فلن { كما جاء في الحديث‬
‫الذي رواه البخاري‪.‬‬
‫‪ 11‬ـ إن كنت ذكيا وحاذقا واستطعت بذكائك التلعب بأعراض المسلمين‬
‫دون أن يكتشف أمرك فما هو موقفك من قول الله تعالى‪ :‬ول تحسبن الله‬
‫غافل عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه البصار ]إبراهيم‪:‬‬
‫‪.[42‬‬
‫‪ 12‬ـ هل تظن أن ستر الله عليك في هذا العمل كرامة؟ ل بل قد يكون‬
‫استدراجا لك لتموت على هذا العمل وتلقي الله به } إن الله ليملي للظالم‬
‫حتى إذا أخذه لم يفلته { ]رواه البخاري ومسلم[‪ } ،‬ومن مات على شيء‬
‫بعثه الله عليه { ]السلسلة الصحيحة‪.[282 /1:‬‬
‫‪ 13‬ـ ثم لنفترض أن الله ستر عليك‪ ،‬أفل تستحي منه وتتوب‪ ،‬وإلى متى‬
‫وأنت تفعل الذنوب؟!‬
‫‪ 14‬ـ نهاية طريق حياتك الموت ثم توفى كل نفس ما كسبت ]البقرة‪،[281:‬‬
‫؟! إذا لماذا ل تستعد‬
‫فهل تستطيع أن تشذ عن الخلق وتغير هذا الطريق ‍‬
‫للموت وما بعده والقبر وظلمته والصراط وزلته !؟! واعلم أنك تموت وحدك‪،‬‬
‫وتبعث وحدك‪ ،‬وتحاسب وحدك‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪9‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ 15‬ـ روى البخاري في صحيحه أن رسول الله قال‪ } :‬إنه أتاني الليلة آتيان‬
‫وإنهما قال لي انطلق ـ وذكر الحديث حتى قال‪ :‬فأتينا على مثل التنور فإذا‬
‫فيه لغط وأصوات فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم‬
‫لهب من أسفل منهم‪ ،‬فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا { فلما سأل عنهم‬
‫الملئكة قالوا‪ } :‬وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور‬
‫فإنهم الزناة والزواني {‪ .‬فهل تود أيها الشاب أن تكون منهم؟!‬
‫‪ 16‬ـ قد تقول ل أستطيع الزواج لغلء المهور فهل الحل الوقوع في الحرام؟!‬
‫ثم إن سلوكك طريق الحرام تواجهك فيه مصاعب وتسعى جادا لتذليلها‬
‫بجهدك ومالك وفكرك وأنت مأزور غير مأجور فلماذا ل تكون لك هذه الهمة‬
‫في طريق الحلل فتواجه الصعوبات‪ ،‬وأنت مأجور لك الجر وحسن المثوبة‬
‫والذكر الحسن؟ قال ‪ } :‬ثلث حق على الله عونهم ـ ذكر منهم ـ الناكح يريد‬
‫العفاف { ]أخرجه الترمذي والنسائي وحسنه اللباني[‪.‬‬
‫فماذا تختار؟‬
‫إن ممارسة الشيء والستمرار عليه مدعاة لحبه والدعوة إليه فيخشى على‬
‫من داوم فعل هذه الفاحشة أن يستسيغها حتى في أهله بعد حين فيصبح‬
‫ديوثا والعياذ بالله من ذلك‪.‬‬
‫أخي المسلم‪...‬‬
‫قد تكون المرأة التي بدأت معها علقة غير مشروعة عن طريق الهاتف‬
‫متزوجة وفي لحظة ضعف أو غياب وعي استرسلت معك في الحديث ثم‬
‫قمت بالتسجيل كالعادة ثم بدأت بتهديدها‪ ..‬الخ‪ ،‬هل تعلم أنك بهذا العمل قد‬
‫ارتكبت جريمة شنعاء؟!! ليس في حق المرأة فقط بل وفي حق زوجها الذي‬
‫أفسدت عليه زوجته والرسول يقول‪ } :‬ليس منا من خبب ـ أفسد ـ امرأة‬
‫على زوجها { ]رواه أبو داود[‪ ،‬ثم في حق أطفالها إن كان لديها أطفال فما‬
‫ذنبهم أن يدنس عرضهم ويفرق بين أبويهم وقد يكون ذلك أيضا سببافي‬
‫ضياعهم وانحرافهم‪ .‬والمسؤول عن ذلك كله هو أنت فما هو عذرك أمام‬
‫الله؟‬
‫وختاما‪...‬‬
‫نتمنى أن ل تكون ممن قال الله فيهم‪ :‬وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة‬
‫بالثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ]البقرة‪ ،[206:‬ولكن عد إلى الله واعلم‬
‫جب ما قبلها واسع إلى االتوبة النصوح قبل أن توسد في قبرك‬
‫أن التوبة ت َ ُ‬
‫وتحصى عليك أعمالك‪.‬‬
‫قال تعالى‪ :‬فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور‬
‫رحيم ]المائدة‪.[39:‬‬
‫وقال تعالى‪ :‬قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ل تقنطوا من رحمة‬
‫الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم‪ ،‬وأنيبوا إلى الله‬
‫وأسلموا له‪] ..‬الزمر‪.[54-53:‬‬
‫أخي الشاب‪..‬‬
‫اغتنم شبابك قبل هرمك وحياتك قبل موتك واجعل هذا الذكاء وهذه الفطنة‬
‫لنفع السلم والمسلمين ورفع شأن راية الدين‪ .‬جعلك الله هاديا مهديا إماما‬
‫في الخير والهدى ورزقنا جميعا العفاف والتقى‪ ،‬وصلى الله على نبينا محمد‬
‫وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬

‫‪10‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أيها الشباب هذا طريق الرزق‬
‫د‪ .‬فيصل بن سعود الحليبي ‪11/8/1424‬‬
‫‪07/10/2003‬‬
‫تواجه المة اليوم داًء خطيًرا ‪ ،‬ووباًء مستشرًيا‪ ،‬يستهدف أهم شريحة فيها‪،‬‬
‫ويقصد عنصًرا حيوًيا من عناصر سؤددها ونهوضها‪ ،‬ومع هذا فإنه ليس داءا ً‬
‫صا أكثر للنتشار والسريان‪ ،‬حتى بدأت‬
‫جدي ً‬
‫دا ‪ ،‬ولكنه وجد في هذا الزمن فر ً‬
‫بعض المجتمعات تتأقلم معه ‪ ،‬وتبرر له ذيوعه ‪ ،‬وتتشاغل عن أخطاره ‪،‬‬
‫وتنسب آثاره الموبوءة إلى أسباب أخرى !!‬
‫إنه داء البطالة الذي سرى في دماء شبابنا ‪ ،‬يقتل فيهم همتهم ‪ ،‬ويستل منهم‬
‫انتماءهم لدينهم وأمتهم ‪ ،‬ويقعدهم عن العطاء ‪ ،‬ويقنعهم بالكسل ‪ ،‬مصوًّرا‬
‫لهم أنهم فريسة قلة فرص العمل ‪ ،‬وأن هذه هي أقدارهم فحسب ‪ ..‬وأن هذا‬
‫هي أرزاقهم التي ُ‬
‫كتبت لهم!‪.‬‬
‫ولعل من المجدي في حل هذه المشكلة أل يترك الشباب العاطل عن العمل‬
‫يخوض غمار هذه القضية وحده ‪ ،‬مع قلة خبرته ‪ ،‬وكثرة المغريات حوله؛ بل‬
‫أن نعزز صلتنا بشبابنا‪ ،‬ونقرب إليهم طريق العمل الشريف ونسهله لهم‪،‬‬
‫ونرشدهم إلى أول الطريق‪ ،‬مشرفين على خطواتهم فيه‪ ،‬ولعلي هنا في هذه‬
‫العجالة أضع معالم يسيرة ومحددة في ذلك‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬إقناع الشباب بشرف العمل ‪ ،‬وأنه من سنن النبياء والشرفاء ‪ ،‬فما من‬
‫نبي إل ورعى الغنم‪ ،‬وكان النبي‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬رزقه تحت رمحه ‪،‬‬
‫ضا‬
‫ح نجاًرا ‪ ،‬وبالمقابل فإنه لبد من إقناعه أي ً‬
‫وكان داود ُ حداًدا ‪ ،‬وكان نو ٌ‬
‫بدناءة البطالة والتكال على الخرين ‪ ،‬فقد سئل الرسول ‪-‬صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ :-‬أيّ الكسب أطيب ‪ ،‬فقال ‪" :‬عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" ]رواه‬
‫البزار وصححه الحاكم[ ‪.‬‬
‫ويقول عمر ‪-‬رضي الله عنه‪" :-‬أرى الفتى فيعجبني ‪ ،‬فإذا قيل ل حرفة له‬
‫سقط من عيني"‪ ،‬ويقول كذلك ‪" :‬ل يقعدن أحدكم عن طلب الرزق وهو‬
‫يقول‪ :‬اللهم ارزقني‪ ،‬فقد علمتم أن السماء ل تمطر ذهًبا ول فضة"‪.‬‬
‫ولقد شوهد الصديق ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬في اليوم التالي لتوليه خلفة المة بعد‬
‫الرسول ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قد جعل على رأسه حزمة من الثياب‬
‫متوجًها بها إلى السوق ليبيعها‪.‬‬
‫أما أبو الوليد الباجي العالم المالكي ‪ -‬رحمه الله؛ فقد آجر نفسه لحراسة‬
‫درب بغداد في الليل؛ ليستعين بأجرته في النهار‪.‬‬
‫وكان إبراهيم بن أدهم ‪-‬رحمه الله‪ -‬يسقي ويرعى ويعمل بالكراء‪ ،‬ويحفظ‬
‫البساتين ويحصد بالنهار ويصلي بالليل‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬أمرهم بتقوى الله تعالى ‪ ،‬والتضرع إليه ‪ ،‬وسؤاله التوفيق والسداد ‪،‬‬
‫جعَ ْ‬
‫ه‬
‫ه يَ ْ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ق الل ّ َ‬
‫في أن يدلهم على باب من أبواب الرزق ‪ ،‬لن من ) َ‬
‫م ْ‬
‫ن ي َت ّ ِ‬
‫ب(‪.‬‬
‫م ْ‬
‫حي ْ ُ‬
‫حت َ ِ‬
‫ه ِ‬
‫س ُ‬
‫ث َل ي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫خَر ً‬
‫جا وَي َْرُزقْ ُ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ثالًثا‪ :‬أن يؤمن الشباب بأن العمل الشريف عبادة ينال عليها الجر والثواب‬
‫لمر النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬بذلك ‪ ،‬فإنه قال ‪َ" :‬ل َن يأ ْ ُ َ‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫خذ َ أ َ‬
‫ْ َ‬
‫حب ْل َ ُ‬
‫حد ُك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫ب عََلى ظ َهْرِهِ فَي َِبيعََها فَي َك ُ ّ‬
‫ه ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ه ب َِها وَ ْ‬
‫مةِ ال ْ َ‬
‫ي بِ ُ‬
‫خي ٌْر ل ُ‬
‫جهَ ُ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫حْز َ‬
‫حط َ ِ‬
‫م ْ‬
‫فَي َأت ِ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سأ َ‬
‫ه" ]رواه البخاري[‪.‬‬
‫يَ ْ‬
‫من َُعو ُ‬
‫س أعْط َوْه ُ أوْ َ‬
‫ل الّنا َ‬
‫رابًعا‪ :‬تذكيرهم بوجوب التوكل على الله في طلب الرزق ‪ ،‬فإن الرسول‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن عَلى‬
‫م ت َت َوَك ُّلو َ‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬يقول في الحديث الصحيح ‪" :‬ل َوْ أن ّك ُ ْ‬‫ح بِ َ‬
‫طاًنا" ]رواه‬
‫دو ِ‬
‫صا وَت َُرو ُ‬
‫ما ي َْرُزقُ الط ّي َْر ت َغْ ُ‬
‫الل ّهِ َ‬
‫خ َ‬
‫م كَ َ‬
‫حقّ ت َوَك ّل ِهِ ل ََرَزقَك ُ ْ‬
‫ما ً‬
‫أحمد وغيره[‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫سا‪ :‬أل يترددوا في قبول أيّ عمل يعلم يقينا ً أنه يرضي الله تعالى ولو‬
‫خام ً‬
‫بمقابل يسير ‪ ،‬فالرزق الحلل يباركه الله تعالى ‪ ،‬والحرام ممحوق البركة في‬
‫الدنيا والخرة ‪.‬‬
‫وما المرء إل حيث يجعل نفسه ‪... ...‬‬
‫ففي صالح العمال نفسك فاجعل‬
‫سا‪ :‬أل يجعلوا أعين الناس مانعا ً لهم من مزاولة أعمالهم التي تيسرت‬
‫ساد ً‬
‫لهم‪ ،‬فإن مسافة اللف ميل تبدأ بخطوة ‪ ،‬لكنها خطوة مشحونة بالعزم ‪،‬‬
‫وصدق الرادة ‪.‬‬
‫سابًعا‪ :‬أن يح ّ‬
‫ذر الشباب أن يقعوا فريسة لستدرار أموال الناس والتذلل بين‬
‫أيديهم؛ وقد رزقهم الله أسباب الرزق ‪ ،‬من قوة وعقل وشباب وصحة ‪ ،‬فلقد‬
‫كان النبي‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬يربي أصحابه على العمل والكد ‪ ،‬ويحذرهم‬
‫من عار المسألة وذل الفتقار للخلق‪.‬‬
‫ً‬
‫فها هو ذا عبد الرحمن بن عوف ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬يخرج من مكة مهاجرا ‪ ،‬ل‬
‫يملك من ماله إل ما يرتديه من الثياب ‪ ،‬فيقدم المدينة فقيرا ً ‪ ،‬فعرض عليه‬
‫أخوه من النصار سعد بن الربيع ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬أن يناصفه ماله فأبى ذلك ‪،‬‬
‫وقال ‪ :‬دلوني على السوق ‪ ،‬فنزل وعمل في التجارة ‪ ،‬حتى أصبح من أغنياء‬
‫الصحابة ‪ ،‬ينفق على الجيوش في سبيل الله ‪ ،‬ويسير القوافل لنصرة دين‬
‫الله ‪ ،‬ولما مات وأرادوا تقسيم تركته يقولون‪ :‬لو رفعت أي حجر من بيته‬
‫لرأيت قطعة من الذهب‪.‬‬
‫ثامًنا‪ :‬أن يذ ّ‬
‫صا في بداية طريق العمل بأهمية الصبر ‪ ،‬وأنه‬
‫كر الشباب وخصو ً‬
‫مفتاح الرزق ‪ ،‬وأن ُيحكى لهم عن الجداد كيف عاشوا وصبروا حتى فتح لهم‬
‫ما قالوا‪:‬‬
‫الله كنوز الرض ‪ ،‬وقدي ً‬
‫إني رأيت وفي اليام تجربة ‪... ...‬‬
‫للصبر عاقبة محمودة الثر‬
‫وق ّ‬
‫ل من جد ّ في أمر يحاوله ‪... ...‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫استصحب الصبر إل فاز بالظفر‬
‫تاسًعا‪ :‬أن نقضي على أسباب انقطاع الشباب من العمل بعد التصال به ‪،‬‬
‫وذلك بدعمهم نفسًيا ومادًيا ‪ ،‬وأل نتركهم وحدهم بل عون أو مساعدة ‪.‬‬
‫عاشًرا‪ :‬أن نحثهم على الخلص في أعمالهم ‪ ،‬والمثابرة فيها ‪ ،‬والمانة في‬
‫تحمل مسؤوليتها ‪ ،‬والتميز في أدائها؛ فإن الله يقول ‪) :‬إنا ل نضيع أجر من‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ل‬
‫مُنوا َل ت َ ُ‬
‫أحسن عمل( ‪ ،‬ويقول كذلك ‪َ) :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ه َوالّر ُ‬
‫خوُنوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن( ‪ ،‬ويقول النبي‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬في‬
‫وَت َ ُ‬
‫مو َ‬
‫م ت َعْل َ ُ‬
‫م وَأن ْت ُ ْ‬
‫ماَنات ِك ُ ْ‬
‫خوُنوا أ َ‬
‫الحديث الصحيح ‪" :‬إن الله يحب إذا عمل أحدنا عمل ً أن يتقنه"‪.‬‬
‫أسأل الله تعالى أن يوفق أمتنا لما فيه خير لها في الدنيا والخرة‬
‫)‪(2 /‬‬
‫أيها الطالب كيف تقضي عطلتك الصيفية؟‬
‫الشيخ المين الحاج محمد أحمد*‬
‫ً‬
‫الفراغ نعمة إن استغل استغلل ً حسنا‪ ،‬ولكن سرعان ما ينقلب إلى نقمة‬
‫وبلء إن لم ُيعرف قدره‪ ،‬فما أكثر الجاهلين بقيمة هذه النعمة المغبونين فيها‪،‬‬

‫‪12‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس‪ ،‬الصحة والفراغ"‪ ،‬ولهذا جاء في المثل‪:‬‬
‫"الوقت من ذهب"‪ ،‬و"الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"‪ ،‬سيما مع‬
‫اجتماع المال والشباب‪" :‬إن الفراغ‪ ،‬والشباب‪ ،‬والجدة مفسدة للمرء أي‬
‫مفسدة"‪.‬‬
‫واجب أولياء المور في البيوت‪ ،‬والمدارس‪ ،‬والمراكز الصيفية‪ ،‬ووزارة‬
‫الشباب‪ ،‬وغيرها من المؤسسات‪ ،‬أن تعد البرامج النافعة‪ ،‬وتضع الخطط‬
‫الهادفة لستغلل طاقات الشباب والستفادة من مواهبهم وقدراتهم‬
‫وملكاتهم الذهنية والجسدية‪ ،‬خاصة في العطل الصيفية‪ ،‬بما فيه نفع لهم‬
‫ولهليهم ولمجتمعهم‪ ،‬وبما يحول بينهم وبين النحرافات والممارسات‬
‫الخاطئة السالبة‪ ،‬فهم أمانة في أعناقهم‪.‬‬
‫وسائل الستفادة من الشباب في العطل الصيفية لها مساران‪:‬‬
‫‪ .1‬فردي‪.‬‬
‫‪ .2‬جماعي‪.‬‬
‫المساران ينبغي أن يشمل الغراض التالية‪:‬‬
‫‪ .1‬العمال الجادة المفيدة له ولهله ولمجتمعه‪.‬‬
‫‪ .2‬تنمية مقدراته وملكاته ومواهبه‪.‬‬
‫‪ .3‬الترويح البريء‪.‬‬
‫‪ .4‬صرفه عما يضره‪.‬‬
‫الجانب الفردي‬
‫• مساعدة والديه وأهله في عملهم‪ ،‬زراعيا ً كان أم حرفيًا‪ ،‬أم تجارة‪ ،‬ونحوها‪.‬‬
‫• الطلع العام‪.‬‬
‫• زيارة القارب وصلة الرحام والصدقاء‪.‬‬
‫ً‬
‫• ممارسة أي عمل يكتسب منه إن كان محتاجا‪ ،‬والجتهاد في توفير قدر من‬
‫احتياجاته الدراسية‪.‬‬
‫• تنمية مواهبه وملكاته بالتدريب على ما يهواه‪.‬‬
‫• حضور الدروس في المساجد والمحاضرات‪.‬‬
‫• ارتياد المكتبات العامة‪.‬‬
‫الجانب الجماعي‬
‫يحتاج إلى إنشاء مراكز صيفية‪ ،‬مكتبات عامة‪ ،‬حوافز مالية وتشجيعية قيمة‪،‬‬
‫وسائل ترحيل‪ ،‬عمل استبيان يوضح ميول واتجاهات ورغبات الطلب‪ ،‬وعلى‬
‫ضوئه يقسمون إلى هذه المجالت‪:‬‬
‫• قوافل جماعية‪ ،‬دعوية‪ ،‬تعليمية‪ ،‬تثقيفية‪ ،‬لمناطق السودان المختلفة‪.‬‬
‫• دورات لتحفيظ القرآن‪.‬‬
‫مر الجماعية‪.‬‬
‫• العُ َ‬
‫• الرحلت الجماعية لبعض المناطق السياحية‪ ،‬والصناعية‪ ،‬والزراعية‪.‬‬
‫• معسكرات مقفولة‪.‬‬
‫• دورات علمية هادفة مكثفة‪.‬‬
‫• الشتراك في مواسم الحصاد‪.‬‬
‫• دورات تقوية‪.‬‬
‫• عمل حلقات لمحو المية وتعليم الكبار‪.‬‬
‫• المساهمة في العمال الطوعية والنسانية‪.‬‬
‫• حملت نظافة للماكن العامة‪.‬‬
‫• حملت تشجير للشوارع الرئيسية‪.‬‬
‫• عمل دورات توعية‪ ،‬مرورية وغيرها‪.‬‬
‫‪13‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫• معسكرات رياضية‪.‬‬
‫• معسكرات عسكرية‪.‬‬
‫• إعداد صحف ومجلت حائطية في المساجد والمدارس والندية وغيرها‪.‬‬
‫• معسكرات لتعليم السباحة والرماية‪.‬‬
‫الحرص والتشجيع على التي في طول العام وفي العطلة خاصة‬
‫• الصلوات المكتوبة في المساجد‪.‬‬
‫• حضور الدروس التي تقام في المساجد‪.‬‬
‫• الرتباط بالمسجد‪ ،‬عن طريق التأذين‪ ،‬وكنسه‪ ،‬ونظافته‪ ،‬وتشجيره‪ ،‬وعمل‬
‫صحف‪.‬‬
‫• حضور المحاضرات والشتراك في الدورات التعليمية‪.‬‬
‫• العتماد على النفس في غسل وكي الملبس ونحوها‪.‬‬
‫• قراءة والستماع إلى المفيد النافع في الدين والدنيا‪.‬‬
‫• التعلق بمعالي المور‪ ،‬وأن يكون للمرء هدف يسعى لتحقيقه في عمره‬
‫القصير‪.‬‬
‫الحذر من التي‬
‫• كثرة النوم‪.‬‬
‫• كثرة الولوج والخروج في المواقع الساقطة‪.‬‬
‫• الهتمام بسفاسف المور‪ ،‬نحو تشجيع الفرق الرياضية‪ ،‬وقراءة ما يتعلق‬
‫بها وبالفن في الصحف ونحوها‪.‬‬
‫• الجلوس في الطرقات والدكات والميادين العامة‪.‬‬
‫• مصاحبة الشرار والخروج والدخول معهم‪.‬‬
‫• الدخول على النساء الجانب‪.‬‬
‫• الذهاب إلى السواق والجلوس في المقاهي والمطاعم‪.‬‬
‫• متابعة المسلسلت والستماع للغاني‪.‬‬
‫• الجلوس من غير عمل‪.‬‬
‫هل تعلم أيها الشاب أن المام الشافعي جلس للفتيا والتدريس وهو في سن‬
‫الخامسة عشرة؟ وأن أسامة بن زيد رضي الله عنه قاد الجيش في غزوة‬
‫مؤتة ولم يبلغ العشرين؟ وأن أعلم هذه المة بالحلل والحرام معاذ بن جبل‬
‫رضي الله عنه مات وعمره أربع وثلثون سنة؟ وهل تعلم أنه لن تزول قدماك‬
‫عن الصراط حتى ُتسأل فيما ُتسأل "عن شبابك فيما أبليت"؟ وأن الشباب‬
‫هم عدة هذه المة ونصرتها في جميع العصور؟‬
‫وفقك الله لما يحب ويرضى‪ ،‬وبصرك لما فيه خيرك في الدنيا والدين‪ ،‬وآخر‬
‫دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم على أشرف النبياء‬
‫والمرسلين‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫أيها الظلمة ‪ ..‬رويدا ‪..‬‬
‫فإن موعدكم الصبح أليس الصبح بقريب‬
‫د ‪ /‬إبراهيم بن عثمان الفارس‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد‬
‫المين وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد ‪:‬‬
‫إن الناظر في أحوال الناس اليوم ليرى أمرا عجبا من ظهور الظلم وتفشيه‬
‫وتكشيره عن أنيابه ‪ ...‬وتمر علي حالت مريعة من الظلم الظاهر البين‬

‫‪14‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والتي يقف المرء أمامها محتارا يضرب كفا على أخرى من وصول الناس إلى‬
‫هذه الدرجة من السؤ ‪.‬‬
‫فهذا زوج يظلم زوجته ول يبالي ‪..........‬‬
‫وذاك أب ل يلقي بال للظلم الذي يوقعه على بعض أبناءه ‪..........‬‬
‫وثالث يظلم أمه لكي يرضي زوجه ‪..........‬‬
‫وتاجر يظلم من استأمنه على ماله ‪..........‬‬
‫وصاحب عقار يظلم من يتعامل معه ‪..........‬‬
‫وكبير يظلم من هو دونه ‪..........‬‬
‫ومسئول يظلم مرؤوسه ‪..........‬‬
‫وهكذا تكبر الدائرة وتتضخم ‪ .............‬فإلى هؤلء أوجه هذا النداء ‪:‬‬
‫أيها الظالم ‪:‬‬
‫السلم عليكم ورحمة الله وبركاته ‪:‬‬
‫ل تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ً ******* فالظلم آخره يفضي إلى الندم‬
‫تنام عيناك والمظلوم منتبه ******* يدعو عليك وعين الله لم تنم‬
‫والظلم مجاوزة النسان حده ‪ ،‬واستطالته بالجور على غيره ‪ ،‬وهو إحدى‬
‫طبائع النفس البشرية ‪ ،‬تظهره القوة ‪ ،‬ويخفيه الضعف ‪.‬‬
‫والظلم من شيم النفوس فإن تجد ******* ذا عفة فلعله ل يظلم‬
‫وقد حذر السلم من الظلم أشد التحذير ‪ ،‬وبين آثاره المشينة ‪ ،‬وعواقبه‬
‫الوخيمة ‪ ،‬ونتائجه المدمرة ‪ ،‬على الفرد والمجتمع ‪.‬‬
‫* فقال سبحانه وتعالى ) وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (‬
‫] الشعراء ‪[ 227‬‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن ( ] القصص ‪[ 50‬‬
‫دي ال َ‬
‫م الظال ِ ِ‬
‫ه ل ي َهْ ِ‬
‫* وقال) إ ِ ّ‬
‫قو ْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مي َ‬
‫* وقال عز وجل ) إنه ل يفلح الظالمون ( ] النعام ‪[ 21‬‬
‫سِبي ُ‬
‫ن ِفي‬
‫ل عََلى ال ّ ِ‬
‫س وَي َب ُْغو َ‬
‫مو َ‬
‫ما ال ّ‬
‫ن ي َظ ْل ِ ُ‬
‫* وقال تبارك وتعالى ) إ ِن ّ َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫حقّ أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫م عَ َ‬
‫م ( ] الشورى ‪[ 42‬‬
‫ذا ٌ‬
‫ض ب ِغَي ْرِ ال ْ َ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫ك ل َهُ ْ‬
‫الْر ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫ه َ‬
‫م ُ‬
‫ما ي ُؤَ ّ‬
‫مو َ‬
‫* وقال) وََل ت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫خُرهُ ْ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ما ي َعْ َ‬
‫غافًِل عَ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سب َ ّ‬
‫م ل ِي َوْم ٍ‬
‫َ‬
‫تَ ْ‬
‫صاُر( ] ابراهيم ‪[ 42‬‬
‫ش َ‬
‫ص ِفيهِ اْلب ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م الزِفةِ إ ِذ ْ ال ُ‬
‫جرِ كاظ ِ ِ‬
‫دى ال َ‬
‫بل َ‬
‫قلو ُ‬
‫م ي َوْ َ‬
‫حَنا ِ‬
‫* وقال سبحانه وتعالى ) وَأنذِْرهُ ْ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫ما ِلل ّ‬
‫ميم ٍ وََل َ‬
‫فيٍع ي ُطاع ُ ( ] غافر ‪[ 18‬‬
‫ش ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫* وعن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال ) يا عبادي إني حرمت الظلم على‬
‫نفسي ‪ ،‬وجعلته بينكم محرما ‪ ،‬فل تظالموا …الحديث (‬
‫* وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم قال ) الظلم ظلمات يوم القيامة (‬
‫* وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫) انصر أخاك ظالما أو مظلوما ‪ ،‬فقال رجل ‪ :‬يا رسول الله أنصره إذا كان‬
‫مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟ قال تحجزه أو تمنعه من الظلم‬
‫‪،‬فإن ذلك نصره (‬
‫أما والله إن الظلم شؤم ******* وما زال الظلوم هو الملوم‬
‫إلى ديان يوم الدين نمضي ******* وعند الله تجتمع الخصوم‬
‫ستعلم في المعاد إذا التقينا ******* غدا ً عند المليك من الظلوم‬
‫ويقول المام الشافعي رحمه الله تعالى ) بئس الزاد إلى المعاد ‪ ،‬العدوان‬
‫على العباد (‬
‫أما ميمون بن مهران فيقول) الظالم والمعين على الظلم والمحب له سواء (‬
‫‪15‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أيها الظالم ‪:‬‬
‫اعلم إن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب ‪ ،‬فإنه مهما كان ذليل ً‬
‫ضعيفا ً ‪ ،‬أو مهانا ً وضيعا ً ‪ ،‬فإن الله ناصره على من ظلمه ‪ ،‬ومؤيده على من‬
‫اعتدى عليه ‪ ،‬فالله تبارك وتعالى يرفع دعوة المظلوم إليه فوق الغمام‬
‫ويقول لها ) وعزتي وجللي ‪ ،‬لنصرنك ولو بعد حين ( ‪ ،‬والمظلوم ل ترد‬
‫دعوته ‪ ،‬ولو كان كافرا أو فاجرا ‪ ،‬فإن كفره أو فجوره إنما هو على نفسه ‪،‬‬
‫فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ‪ ،‬قال قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ) ثلثة ل ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر ‪ ،‬والمام العادل ‪ ،‬ودعوة‬
‫المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ‪ ،‬ويقول الرب ‪:‬‬
‫وعزتي لنصرنك ولو بعد حين ( وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) دعوة المظلوم مستجابة وإن كان‬
‫فاجرا ‪ ،‬ففجوره على نفسه ( وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا ‪،‬‬
‫فإنه ليس دونها حجاب(‬
‫وهذا تحذير شديد ‪ ،‬وإنذار ووعيد ‪ ،‬موجه من المصطفى صلى الله عليه‬
‫وسلم للظالمين ‪ ،‬حيث يقول }) إن الله عز وجل يملي للظالم فإذا أخذه لم‬
‫يفلته ( ثم قرأ ) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم‬
‫شديد(] هود ‪{ [ 102‬‬
‫ويقول أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه ) إياك ودعوات المظلوم ‪ ،‬فإنهن‬
‫يصعدن إلى الله كأنهن شرارات من نار(‬
‫الظلم نار فل تحقر صغيرته ******* لعل جذوة نار أحرقت بلدا‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ويقول شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله ) إن الله يقيم الدولة العادلة وإن‬
‫كانت كافرة ‪ ،‬ول يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة (‬
‫أيها المظلوم صبرا ً ل تهن ******* إن عين الله يقظى ل تنام‬
‫نم قرير العين واهنأ خاطرا ً ******* فعدل الله دائم بين النام‬
‫وإن أمهل الله يوما ً ظالما ً ******* فإن أخذه شديد ذي انتقام‬
‫أيها الظالم ‪:‬‬
‫اعلم أن الظلم عند الله عز وجل يوم القيامة له دواوين ثلثة ‪:‬‬
‫ديوان ل يغفر الله منه شيئا وهو الشرك به ‪ ،‬فإن الله ل يغفر أن يشرك به ‪.‬‬
‫َ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫شَر َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫شاءُ‬
‫ك ب ِهِ وَي َغْ ِ‬
‫ه َل ي َغْ ِ‬
‫ما ُدو َ‬
‫فُر أ ْ‬
‫يقول عز وجل ) إ ِ ّ‬
‫ك لِ َ‬
‫فُر َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫شرِ ْ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ما ( ] النساء ‪ [ 48‬ويقول سبحانه‬
‫ك ِبالل ّهِ فَ َ‬
‫ما عَ ِ‬
‫ظي ً‬
‫قد ْ افْت ََرى إ ِث ْ ً‬
‫وَ َ‬
‫م ْ‬
‫شْر َ‬
‫شرِ ْ‬
‫وتعالى ) وَإ ِذ ْ َقا َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ي َل ت ُ ْ‬
‫ك‬
‫ل لُ ْ‬
‫ك ِبالل ّهِ إ ِ ّ‬
‫ما ُ‬
‫ن ِلب ْن ِهِ وَهُوَ ي َعِظ ُ ُ‬
‫ق َ‬
‫ه َياب ُن َ ّ‬
‫م ( ] لقمان ‪[ 13‬‬
‫م عَ ِ‬
‫ظي ٌ‬
‫ل َظ ُل ْ ٌ‬
‫وديوان ل يترك الله تعالى منه شيئا ً ‪ ،‬وهو ظلم العباد بعضهم بعضا ً ‪ ،‬فإن الله‬
‫تعالى يستوفيه كله ‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم قال ) من كانت عنده مظلمة لخيه فليتحلله منها فإنه‬
‫ليس ثم دينار ول درهم من قبل أن يؤخذ لخيه من حسناته فإن لم يكن له‬
‫حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه(‬
‫وديوان ل يعبأ الله به ‪ ،‬وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه عز وجل ‪ ،‬فإن‬
‫هذا الديوان أخف الدواوين ‪ ،‬وأسرعها محوا ً ‪ ،‬فإنه يمحى بالتوبة ‪ ،‬والستغفار‬
‫‪ ،‬والحسنات الماحية ‪ ،‬والمصائب المكفرة ‪ ،‬ونحو ذلك فعن أنس بن مالك‬

‫‪16‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ) قال الله تبارك وتعالى‬
‫يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ول أبالي يا‬
‫ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ول أبالي يا‬
‫ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الرض خطايا ثم لقيتني ل تشرك بي شيئا‬
‫لتيتك بقرابها مغفرة ( بخلف ديوان الشرك فإنه ل يمحى إل بالتوحيد ‪،‬‬
‫وديوان المظالم ‪ ،‬ل يمحى إل بالخروج منها إلى أربابها ‪ ،‬واستحللهم منها ‪،‬‬
‫ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلثة عند الله عز وجل ‪ ،‬حرم الجنة على‬
‫أهله ‪ ،‬فل تدخل الجنة نفس مشركة ‪ ،‬وإنما يدخلها أهل التوحيد ‪ ،‬فإن التوحيد‬
‫هو مفتاح بابها ‪ ،‬فمن لم يكن معه مفتاح ‪ ،‬لم يفتح له بابها ‪.‬‬
‫أيها الظالم ‪:‬‬
‫علمت مما سبق ‪ ،‬إن الظلم مرتعه وخيم ‪ ،‬وعاقبته أليمة ‪ ،‬وآثاره سيئة ‪ ،‬وقد‬
‫بين الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز ‪ ،‬الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه‬
‫ول من خلفه عاقبة الظلمة فالله الله في نفسك التي بين جنبيك أحفظها في‬
‫الدنيا من الفات الخطيرة ومنها الظلم لتسعد في الخرة وتنعم ‪ ،‬وترتاح في‬
‫الدنيا وتغنم ‪.‬‬
‫والسلم عليكم ورحمة الله وبركاته ‪.‬‬
‫مع تحيات أخوك‬
‫)‪(2 /‬‬
‫أيها العاصي ويحك أقلع‬
‫أحبتي ‪:‬‬
‫اسمحوا لي أن أرجع بأسماعكم إلى الوراء آلف السنين ‪ ،‬ولكن آمل أن‬
‫يكون هذا الرجوع فيه استصحاب لعيني البصيرة ‪.‬‬
‫إنها اللحظات التي تسبق وجود النسان في هذه الدنيا ‪.‬‬
‫انظر ‪00‬‬
‫انظر ‪ 00‬هذا راكع وهذا ساجد ‪.‬‬
‫الكون كله يوحد الله ‪ 000‬كله طائع لموله ‪.‬‬
‫اسمع زجل التسبيح يسمع في كل الرجاء ‪.‬‬
‫تسبحه نغمات الطيور * * * يسبحه الظل تحت الشجر‬
‫يسبحه النبع بين المروج * * * وبين الفروع وبين الثمر‬
‫يسبحه النور بين الغصون * * * يسبحه المساء وضوء القمر‬
‫الله‬
‫الشمس والبدر من أنوار حكمته * * * والبر والبحر فيض من عطاياه‬
‫الطير سبحه والوحش مجده * * * والموج كبره والحوت ناجاه‬
‫والنمل تحت الصخور الصم قدسه * * * والنحل يهتف حمدا في خلياه‬
‫الله‬
‫" وإن من شيء إل يسبح بحمده ولكن ل تفقهون تسبيحهم " ‪.‬‬
‫أحبتي ‪:‬‬
‫حدث أذهل البشرية ‪ 00‬هذا آدم قد خلقه الله من طين ثم أمر الله الملئكة‬
‫بالسجود له إذا نفخ فيه الروح " فسجد الملئكة كلهم أجمعون إل إبليس أبى‬
‫أن يكون مع الساجدين " ‪.‬‬
‫قبحك الله يا إبليس لقد عصيت ملك الملوك وتكبرت على من خلقك ولم تك‬
‫شيئا فحق عليه اللعنة إلى يوم الدين ‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إنها المعصية وعلى رأسها الكفر بالله ‪.‬‬
‫ولكن منذ ذلك اليوم تسمع في دنيانا هذه عن معاص في حق الملك ما‬
‫يشيب من هوله الولدان ‪.‬‬
‫آدم عليه السلم يسكنه ربه الجنة فيوسوس إليه اللعين إبليس فيقع آدم في‬
‫المعصية ‪.‬‬
‫نعم عصى آدم ثم ماذا ‪ " ،‬وعصى آدم ربه فغوى " إنها الغواية بعيدا عن‬
‫الله ‪ ،‬ولكن آدم الذي اجتباه ربه تلقى كلمات من ربه فتاب عليه وهدى ‪.‬‬
‫أخي ‪:‬‬
‫عينا البصيرة التي حدثتك عنها قبيل قليل تظهر خروج آدم من الجنة بمعصية‬
‫واحدة ‪ ،‬فيا ويح من هو خارجها ثم يوالي المعصية تلو المعصية ‪.‬‬
‫من نعصى ؟‬
‫ثم ليت شعري من نعصى ؟ !‬
‫إنه‬
‫الله‬
‫الذي خلقنا من العدم وأسبغ علينا وافر النعم ‪.‬‬
‫أيها العاصي‬
‫أل تستحي ؟ !!!‬
‫سك من أعطاك إياه ؟ و كم و كم تعرضنا للهلك‬
‫حياتك كلها هبة من ؟ ن َ َ‬
‫ف َ‬
‫فحفظنا والفضل له ‪ ،‬و نعمه تغمرنا والفضل له ‪.‬‬
‫أل استحى المرء من كثرة نعمه علينا ؟ ‪.‬‬
‫هب البعث لم تأتنا رسله * * * وجاحمة النار لم توقدِ‬
‫أليس من الواجب المستحق * * * حياء العباد من المنعم‬
‫الله‬
‫فيا عجبا كيف يعصى ال له أم كيف يجحده الجاحد‬
‫وفي كل شيء له آية * * * تدل على أنه واحد‬
‫فإن لم يقنع الترغيب فإن نذر الله إلينا تترى ‪:‬‬
‫" إن بطش ربك لشديد * إنه هو يبدئ ويعيد * وهو الغفور الودود * ذو‬
‫العرش المجيد * فعال لما يريد "‬
‫ولو شاء ربك لما أبقى على ظهرها من دابة " ولو يؤاخذ الله الناس بما‬
‫كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة "‬
‫وإل فأين عاد الشداد الذين جابوا الصخر بالواد ؟ أين فرعون ذي الوتاد الذين‬
‫طغوا في البلد فأكثروا فيها الفساد ؟ أين ثمود؟ أين القياصرة ؟ أين‬
‫الكاسره ؟ ‪.‬‬
‫والجواب ‪ " :‬فلما آسفونا انتقمنا منهم أجمعين " أي فلما أغضبونا انتقمنا‬
‫منهم "‪.‬‬
‫" فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد " ‪.‬‬
‫ولماذا نقلع ؟‬
‫أخي إما أنك تستشعر حرارة المعصية أو أنك ل تشعر بها ‪.‬‬
‫‪ ،‬فإن كنت ل تشعر فويحك أسرع لنه الران ‪ ،‬وهل تدري ما الران ؟‬
‫طبقة تغطي القلب لكثرة المعاصي فل يشعر بعدها بحرارة الذنب ‪.‬‬
‫قال تعالى " كل بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " ‪.‬‬
‫أي أنه حصل هذا الران بسبب كسب الذنوب والمعاصي ‪.‬‬
‫رأيت الذنوب تميت القلوب * * * وقد يورث الذل إدمانها‬
‫وترك الذنوب حياة القلوب * * * وخير لنفسك عصيانها‬
‫‪18‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ ،‬فهل يعقل أنك وصلت إلى هذا ؟‬
‫فإن كان ذلك كذلك فأسرع وأقلع وعد وأنب ‪.‬‬
‫‪ ،‬وإن كنت تستشعر فهذا أوجب لن تسارع إلى القلع ‪.‬‬
‫إنها المعصية ‪:‬‬
‫تظلم الوجه ‪ :‬قال عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما ‪ :‬إن للسيئة سوادا‬
‫في الوجه ‪.‬‬
‫وتضيق الصدر ‪ " :‬فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للسلم ومن يرد أن‬
‫يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء "‪.‬‬
‫وتظلم القلب وتميته ‪:‬‬
‫رأيت الذنوب تميت القلوب * * * وقد يورث الذل إدمانها‬
‫وترك الذنوب حياة القلوب * * * وخير لنفسك عصيانها‬
‫وتحرم نور العلم ‪:‬‬
‫قال المام الشافعي ‪:‬‬
‫شكوت إلى وكيع سوء حفظي * * * فأرشدني إلى ترك المعاصي‬
‫وقال اعلم بأن العلم نور * * * ونور الله ل يهدى لعاصي‬
‫وتحرم الرزق ‪ :‬روى أحمد من حديث ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم قال ‪ :‬إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ‪.‬‬
‫ناهيكم يا عباد الله بما يحل بالبلد والعباد من قحط وجدب وانتشار للمراض‬
‫والوبئة وما يحل من زلزل مدمرة وبراكين حارقة ورياح وأعاصير عاصفة مع‬
‫البتلء بجور السلطان وتسلط العداء ‪.‬‬
‫وفي ظل هذا الفساد العام يموت السمك في الماء والطيور في الهواء ‪.‬‬
‫يقول أبو هريرة رضي الله عنه ‪ :‬والذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت هزل‬
‫في وكرها بظلم الظالم ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إنه فساد عام في الدنيا كلها ل يحلو للحياة معه طعم ‪ ،‬وصدق الله إذ يقول ‪:‬‬
‫" ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي‬
‫عملوا لعلهم يرجعون " ‪.‬‬
‫فإلى متى يا عباد الله ؟ !‬
‫اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا وأمددنا‬
‫بأموال وبنين واجعل لنا جنات واجعل لنا أنهارا ‪.‬‬
‫عباد الله ‪:‬‬
‫كل هذا هين أمام ما ينتظر في الدار الخرة من عذاب أليم وخزي مقيم‬
‫الغمسة الواحدة فيه تنسي نعيم الدنيا كله ‪.‬‬
‫" ول تحسبن الله غافل عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه‬
‫البصار مهطعين مقنعي رؤسهم ل يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ‪0000‬‬
‫يوم تبدل الرض غير الرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار وترى‬
‫المجرمين يومئذ مقرنين في الصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم‬
‫النار * ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب "‪.‬‬
‫فإلى متى يا عباد الله ؟ !‬
‫اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا وأمددنا‬
‫بأموال وبنين واجعل لنا جنات واجعل لنا أنهارا ‪.‬‬
‫أحبتي ‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إن من نعم الله علينا جميعا أن فتح لنا بابا للتوبة ل يغلق إلى يوم القيامة‬
‫ونادى علينا جميعا ‪ ،‬فيا ترى لماذا يدعونا ؟‬
‫" يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى " ‪.‬‬
‫سبحان الله ما أحلم الله المعصية في حقه ثم ينادي علينا ‪:‬‬
‫" وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون " ‪.‬‬
‫فاللهم توبة تمحوا بها ما سلف وما كان ‪.‬‬
‫وصلي وسلم يا ربي على خير تواب أواب نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله‬
‫وصحبه وكل أواب ‪.‬‬
‫كتبها من يرجو عفو ربه ‪/‬‬
‫أيمن سامي‬
‫المشرف العام على موقع الفقه‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ن لكم في القتصاد لعبرة !‬
‫أيها الليبراليون ‪ ..‬وإ ّ‬
‫‪02-3-2006‬‬
‫بقلم عبدالله الخزمري‬
‫"‪...‬إن هذا النجاح يوصلنا إلى حقيقة دامغة وهي أن الشعوب السلمية‬
‫رفضت رفضا ً مطلقا ً منطلقات الليبرالية القتصادية استجابة لمر الله وأمر‬
‫رسوله وتحملت جراء ذلك الكثير من العنت والتعب حتى فرضت قناعتها‪"...‬‬
‫تتناقل وسائل العلم هذه اليام عزم كثيرٍ من البنوك المريكية فتح نوافذ‬
‫للتمويل السلمي تلبية لرغبات عملئها المتزايدة للتمويل وفق ضوابط‬
‫الشريعة السلمية ‪.‬‬
‫ً‬
‫إذًا‪ ،‬لم تعد الحاجة لفتح نوافذ إسلمية للتمويل والمتاجرة مقتصرةً على البلد‬
‫السلمية وإنما تجاوزتها لفتح معاملت مصرفية إسلمية في بنوك غربية‬
‫تعمل في مجتمعات ليبرالية خالصة ‪.‬‬
‫مثل هذه التجربة الثرة والغنية يجب أل نغفلها وأن نثير النقاش حول دللتها‬
‫وإيحآتها الفكرية والسياسية والجتماعية‪ .‬فكما يعلم الجميع أن عمر‬
‫المعاملت المصرفية في البنوك وشركات التمويل ل يتجاوز عقدين الى ثلثة‬
‫عقود من الزمن ‪ .‬وقد كان القتصاديون ينظرون بتحفظ كبير إلى نجاح فكرة‬
‫ما يسمى بالقتصاد السلمي جهل ً منهم بغزارة البدائل السلمية حينا ً‬
‫وانحرافا ً فكريا ً ومنهجيا ً أحيانا ً أخرى ‪.‬‬
‫وقد ترتب على هذه النظرة السوداوية قيام البنوك في فترة الستينات‬
‫والسبعينات في مجملها على نظام المصرفية الرأسمالية المعروفة والتي‬
‫تعتمد الفائدة " الربا" وسيلة للقراض أو القتراض متجاهلة النصوص الكثيرة‬
‫والمتوافرة والدالة على حرمة هذه المعاملت وخطرها على الفرد والمجتمع‪،‬‬
‫بل ومتجاهلة رفض المجتمعات السلمية لهذه المعاملت وهروبها منها ‪.‬‬
‫استطاعت بعض الشركات والمصارف قراءة الواقع قراءة صحيحة فتلمست‬
‫تطلع شريحة كبيرة من الناس إلى البديل السلمي فقامت بإنشاء مصرفية‬
‫إسلمية بأسلوب عصري يستفيد من التقدم التكنولوجي والمعطيات‬
‫القتصادية ويتوافق في الجانب الخر مع الضوابط السلمية التي وردت بها‬
‫النصوص وأجمع عليها علماء المة ‪ .‬ولم تكن دهشة المتابعين فقط من كثرة‬
‫البدائل والحلول السلمية بل ومن سرعة نجاح تلك الحلول والبدائل وتفوقها‬
‫على بدائلها التقليدية ‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أما أرباح و نتائج المصارف السلمية ونجاحاتها المتتالية في كل برامجها‬
‫وأفكارها الخلقة فقد أصبحت حديث كل القتصاديين محليا ً وعالميا ً بالرغم‬
‫من حداثة التجربة وقلة الموارد ‪ .‬وكنتيجة طبيعية لهذا النجاح بدأ العديد من‬
‫البنوك والمصارف العربية والخليجية تحديدا ً فتح نوافذ استثمارية وتمويلية‬
‫إسلمية ولحق بها بعد ذلك الكثير من المصارف العالمية ‪.‬‬
‫ويجب أن ننبه هنا إلى نقطة مهمة في هذا السياق أل وهي أن الوعي‬
‫الشرعي والستثماري المتنامي لدى المجتمعات السلمية أصبح يفرق‬
‫وبشكل واضح بين بنك وأخر حتى ولو كانا يقدمان نفس الخدمات‬
‫الستثمارية الشرعية وبدأت مطالبة من نوع جديد وهي أن تقيم البنوك‬
‫وشركات التمويل هيئات شرعية محترمة من الجمهور ليس لوضع الضوابط‬
‫الشرعية للمعاملت المختلفة فقط وإنما أيضا ً للرقابة الفعلية على مدى‬
‫جدية البنك في تطبيقه لهذه الضوابط ورصد التجاوزات وتصحيح الخطاء‬
‫متى وجدت ‪.‬‬
‫أيها السادة ‪ :‬إن هذا النجاح يوصلنا إلى حقيقة دامغة وهي أن الشعوب‬
‫السلمية رفضت رفضا ً مطلقا ً منطلقات الليبرالية القتصادية استجابة لمر‬
‫الله وأمر رسوله وتحملت جراء ذلك الكثير من العنت والتعب حتى فرضت‬
‫قناعتها على النخب القتصادية المثقفة والتكتلت القتصادية وأجبرت‬
‫ز‬
‫المصارف للتحول ولو تدريجيا ً إلى المصرفية السلمية بما تحمله من تمي ٍ‬
‫ونجاح أثبتته النتائج الرائعة التي ينعم بها كل الطرفين المصارف ودور‬
‫التمويل في جانب والمسلم الذي أصبح ينام مرتاح الضمير قرير العين بعيدا ً‬
‫عن ظلل الرهبة من الحرب التي كانت تعلنها تلك القلع على الله في‬
‫الجانب الخر ‪.‬‬
‫كانت هذه ليبرالية القتصاديين وكيف تحولت مع الوقت إلى مثلبة وعيب تتبرأ‬
‫منه البنوك يوما ً بعد أخر حتى أصبح رؤساء البنوك والمسؤلون فيها يؤكدون‬
‫أنهم ل يكتفون بتقديم البديل السلمي فقط وإنما يعينون هيئات شرعية في‬
‫بنوكهم لتأخذ على أيديهم إن هم أخطأوا أو تجاوزوا الخطوط الحمراء؛ بل‬
‫ودفع هذا الضغط الشعبي الكثير من البنوك إلى أن تتحول بكامل معاملتها‬
‫إلى البدائل الشرعية لتحضى بجزٍء من الكعكة التي تقدمها الشعوب لكل من‬
‫يتوافق عمله مع معتقدات هذه الشعوب وأفكارها وسلوكها ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ويبقى السؤال الن ‪ :‬هل يعي دعاة الليبرالية سياسيا ً واجتماعيا ً فداحة الخطأ‬
‫الذي يرتكبونه في حق وجودهم وشعبيتهم‪ ،‬وهل لهم أن ينظروا إلى هذه‬
‫التجربة بعين المعتبر بغيره‪.‬؟! فإن كانوا يريدون أن يكون لهم موطأ قدم في‬
‫مجتمعاتنا السلمية فليقيموا برامجهم وفق الضوابط الشرعية ومن يدري‬
‫فقد نحتاج في يوم ٍ من اليام لمطالبتهم ليس فقط بأن تكون منطلقاتهم‬
‫شرعية وإنما ليكون لديهم هيئات للرقابة الشرعية حتى تطمئن قلوبنا إلى أن‬
‫ما يدعون إليه من برامج إصلحية مزعومة منسجمة فكرا ً وسلوكا ً مع‬
‫معتقدات المة وثوابتها ‪.‬‬
‫فكم من مدٍع وصل ً بليلى ‪ ....‬ولكن‪ ....‬هل تقر لهم ليلى بذاك ‪.‬‬
‫وان كانت ليلى ل تستطيع الن لسبب أو لخر أن تبدي وجهة نظرها في‬
‫أدعياء الحب فل نشك بأنها ستستطيع ذلك !‬

‫‪21‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(2 /‬‬
‫أيها المتطاولون المسرفون‪ ..‬لو عرفتم محمدا ً لسلمتم له طائعين!!‬
‫د‪ .‬أسماء الحسين ‪12/1/1427‬‬
‫‪11/02/2006‬‬
‫أبهذا الرحيم تهزؤون؟! كيف من رجل السلم الول تسخرون أيها‬
‫الخاسرون؟! بل كيف على الله الخالق تتجرؤون؟!!‬
‫أيها المتحاملون جهل ً وغرورا ً في الدنمرك وفي السويد‪ ،‬في أوروبا وفي‬
‫أمريكا‪ ،‬وفي إسرائيل‪ ،‬في الشرق والغرب‪ ،‬وفي كل مكان من هذا العالم ما‬
‫عُِبد الله بشيء مثل العقل‪ ،‬وما تصفون أو تعتدون به قول ً أو كتابة أو رسمًا‪،‬‬
‫وما تفعلون من منكرات‪ ،‬وما تتطاولون على رموز الدين‪ ،‬وما تسيئون‬
‫لمقدسات المسلمين ودستورهم الخالد القويم‪ ،‬ل يدل على عقل أو بصيرة‬
‫بل مؤشر جهل وضلل خطير‪ ،‬وفأل شقاء أكيد!‬
‫نعم إنه الجهل؛ الجهل بالله تعالى ومكانته وشدة عقوبته‪ ،‬والجهل بالدين‬
‫السلمي الذي لم يكن يوما ً ظاهرة ستتلشى أو تضعف بل عقيدة تسمو‬
‫وتبقى‪ ،‬ودين يسود ويقوى‪ ،‬فيدخل فيه الناس أفواجا ً إلى أن تقوم الساعة‪،‬‬
‫دين قيم مهيمن خالد‪ ،‬دين يحترم النبياء والمرسلين‪ ،‬ويقر احترامهم‪ ،‬بل‬
‫ويستلزم وجوبا ً اليمان بهم‪ ،‬كما هو الجهل بالسيد القائد العظيم رسول رب‬
‫العالمين خاتم النبياء والمرسلين الشاهد المبشر النذير الرحمة المهداة‬
‫للعالمين‪ ،‬من اقترن اسمه بتوحيد الله الخالق القدير‪ ،‬ومع عظمة هذا الرجل‬
‫المرسل بالحق تراه ل يريد علوا ً في الرض ول تمجيدًا‪ ،‬بل اتباعا ً ونجاة‬
‫للعالمين كافة من عذاب الله المهين‪.‬‬
‫ويا أمة السلم في كل مكان من هذا العالم‪:‬‬
‫صباح الحقائق المتكشفة لكل أعمى بصيرة منكم!‬
‫أسعد الله صباحكم بكل حقيقة تنجلي‪ ..‬هل ترون الحقائق بوضوح تتكشف‬
‫تظهر الن واقعا ً ملموسا ً ودليل ً إضافيا ً على ما يدور حولنا نحن المسلمين‪،‬‬
‫وما ُيحاك ضدنا؟ هل عرفتم الخ من العدو‪ ،‬والصاحب من المخادع الكاذب؟‬
‫هل نعرف الحقيقة الن؟ هل ندرك من هو الخر؟ ذاك الذي لطالما حسبناه‬
‫ضنا رمزا ً للحضارة والرقي‪ ،‬وهو ليس إل مخالفا ً ومؤكدا ً أنه ل يرضى‬
‫أو بع ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عنكم وعن إسلمكم يا من ترضون بالله تعالى ربا وبالسلم دينا وبمحمد‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬نبيا ً ورسو ً‬‫ل؟!‬
‫أما أنتم يا من بضاعتهم ُرّدت إليهم‪ ،‬أيها الناطحون برؤوسكم الجبال‬
‫الشامخة‪:‬‬
‫هل تعرفون رسول الله هذا الذي إياه له تتعرضون؟! ل والله ما عرفتموه‪ ،‬لو‬
‫عرفتم محمدا ً يا شعوب غير السلم –المتطاولون منكم خاصة‪ -‬عليه أفضل‬
‫الصلة وأكمل السلم‪ -‬حق المعرفة لسلمتم لمرسله الله الواحد‪ ،‬بل لبكيتم‬
‫ندما ً أن تتعرضوا لشخصه الطاهر المطهر‪ ،‬أو أن تريدوا النيل منه بل وتصروا‬
‫على ذلك!!‬
‫كيف لمن هو مضرب المثل في حسن الخلق والصلح وقدوة في أحسن‬
‫الداب ومدرسة في أروع الشمائل‪ ،‬رمز الحلم والرفق والرحمة والعفو عند‬
‫المقدرة‪ ،‬والحب للخير والعمار والسلم‪ ،‬المتسامح الكريم الذي لم يزده مع‬
‫كثرة الذى إل صبرًا‪ ،‬وعلى إسراف الجاهل إل حلمًا‪ ،‬الشكور لربه الصابر‬
‫المين أصدق الناس لهجة‪ ،‬وألينهم عريكة‪ ،‬وأوفاهم ذمة‪ ،‬وأشدهم حياء‪ ،‬من‬
‫كان خلقه القرآن‪ ،‬ومن أدبه ربه فأحسن تأديبه‪ ،‬قال الله تعالى مخاطبا ً له‬

‫‪22‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مثنيا ً عليه‪):‬وإنك لعلى خلق عظيم( الذي ل يرضى لكم إل الجنة‪ ،‬ويصف‬
‫ويمهد طريقها لكم أن ُيقال فيه ما قيل أو يكتب عنه ما كتب؟!‬
‫م‬
‫ن مصطفى بالخير يدعو كضوِء البدرِ زايله الظل ُ‬
‫أمي ٌ‬
‫وانظروا لقطرة من سجاياه عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫جت وجنتاه و ُ‬
‫• لقد ُ‬
‫كسرت رباعيته ودخل "المغفر" في رأسه صلى الله‬
‫ش ّ‬
‫عليه وسلم يوم أحد فقال‪" :‬اللهم اغفر لقومي فإنهم ل يعلمون"‪.‬‬
‫• لم ينتصر لنفسه من مظلمة يوما ً قط ما لم تكن حرمة من محارم الله‪.‬‬
‫• عفا عمن سحره‪.‬‬
‫• تآمر عليه المنافقون‪ ،‬فتجاوز عنهم وسامحهم‪.‬‬
‫• يقابل الساءة بالحسان‪ ،‬والذى بالكرام‪.‬‬
‫• ولم يكن ضعيفا ً بل أشجع إنسان على الطلق‪ ،‬فقد كان يتقي به‬
‫المجاهدون إذا حمي البأس واشتد الحنق‪.‬‬
‫• لم يتراجع عن معركة قط‪ ،‬وكان أقرب المقاتلين إلى العدو‪ ،‬وما لقي كتيبة‬
‫إل كان أول من يضرب‪ ،‬وقد نهى عن قتل النساء والشيوخ الكبار والولدان‪،‬‬
‫وإزهاق النفس المعصومة دون حق‪ ،‬وكذا نهى عن إتلف الزرع‪ ،‬والفساد‬
‫في الرض‪.‬‬
‫• محمد عليه الصلة والسلم نبينا وحبيبنا وقدوتنا كان دائم البشر‪ ،‬لين‬
‫حاش‪ ،‬وقد زكت نفسه عن‬
‫الجانب ليس بفظ‪ ،‬ول غليظ‪ ،‬ول ص ّ‬
‫خاب‪ ،‬ول ف ّ‬
‫َ‬
‫الرياء والكثار وما ل يعنيه‪ ،‬ل يذم أحدًا‪ ،‬ول يعبره‪ ،‬ول يطلب عورته‪ ،‬ول يتكلم‬
‫في غير حاجة‪ ،‬بل فيما يرجو عند الله تعالى ثوابه‪.‬‬
‫• وسع الناس بسطه وخلقه‪ ،‬فصار لهم أبًا‪ ،‬وصاروا عنده في الحق متقاربين‪،‬‬
‫يوّقر الكبير‪ ،‬ويرحم الصغير‪ ،‬ويرفد ذا الحاجة‪ ،‬ويؤنس الغريب‪ ،‬ول فضل لحد‬
‫عنده إل بالتقوى‪.‬‬
‫• يحب –بأبي هو وأمي‪ -‬المساكين ويجالسهم‪ ،‬ول يحقر فقيرًا‪ ،‬ول يدع أحدا ً‬
‫يمشي خلفه‪ ،‬ول يحب أن يتميز بين أصحابه‪ ،‬يتفقد أصحابه‪ ،‬ويؤلف بينهم‬
‫وكان في خدمة أهله‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫• أشد الناس لله تعالى خشية‪ ،‬وأكثرهم له شكرا ً وتواضعًا‪ ،‬ومع أنه أقربهم‬
‫عنده منزلة‪ ،‬مع هذا يقول لمن دخل عليه وقد أصابته منه رعدة‪" :‬هون على‬
‫نفسك فإني لست ملكا ً وإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد"‪.‬‬
‫• مع كل هذا ل يريد إطراء‪ ،‬أو تجاوزا ً في الثناء‪ ،‬بل ل يرضى منا قول ً في‬
‫حق نفسه إل الشهادة بأنه عبد الله ورسوله فحسب‪.‬‬
‫أين هذه السجايا من سجايا ملوك العالم وسادتها؟!‬
‫أنى لمن ينبذ العنف والرهاب والظلم والعتداء على أي إنسان بغير حق‬
‫مهما كانت ديانته‪ ،‬ويحذر من البغي والفساد في الرض‪ ،‬بل ويوصي بالرفق‬
‫حتى للحيوان‪ ،‬ويأمر بالعدل ويحث عليه أن ُيصور بمن يحمل ما هو رمز‬
‫للدمار والخراب والتهديد والرعب فوق رأسه؟!‬
‫إن توقير النبي عليه الصلة والسلم واحترامه واجب أكيد‪ ،‬وفي هذا يقول‬
‫ذي أ ُن ْزِ َ‬
‫ه‬
‫صُروه ُ َوات ّب َُعوا الّنوَر ال ّ ِ‬
‫الله تعالى‪َ...) :‬فال ّ ِ‬
‫معَ ُ‬
‫ل َ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا ب ِهِ وَعَّزُروه ُ وَن َ َ‬
‫ذي َ‬
‫ُأول َئ ِ َ‬
‫ن(]لعراف‪ :‬من الية ‪ .[157‬أما الستخفاف به وبما جاء به‬
‫م ْ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ك هُ ُ‬
‫فما هو من الكفر ببعيد‪ ،‬بل هو كفر عتيد‪ ،‬وعقوبته شديدة حتى لدى المسلم‬
‫أو لو كان فاعله مؤمنًا‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يقول سبحانه‪...):‬قُ ْ َ‬
‫ن‪ ،‬ل ت َعْت َذُِروا قَد ْ‬
‫ست َهْزُِئو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ل أِبالل ّهِ َوآَيات ِهِ وََر ُ‬
‫سول ِهِ ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م(]التوبة‪.[66-65 :‬‬
‫كَ َ‬
‫مان ِك ُ ْ‬
‫م ب َعْد َ ِإي َ‬
‫فْرت ُ ْ‬
‫أيها المناصرون المتبعون يا أحباب الرحمة المهداة‪:‬‬
‫هل يكون ما حدث أو يحدث لكم درسا ً وعبرة وضارة نافعة لتتحدوا وتقوى‬
‫شوكتكم وتتقوا الله حق تقاته وتعظموا الله في قلوبكم حق التعظيم؟ أم‬
‫نعود ُنلدغ من جحر الكافر مرارا ً وتكرارا ً ل سمح الله‪ ،‬وقد صفت سماء‬
‫مداركنا‪ ،‬واتضحت السبل أمامنا لنعبر بمأمن من العدو؟‬
‫يا أحباب محمد‪ ،‬أيها المخلصون الصامدون‪ ،‬أبشروا )ولله العزة ولرسوله‬
‫وللمؤمنين(‪ ،‬رسولكم دليلكم إلى الجنة‪ ،‬إلى السعادة والنعيم‪ ،‬وأنتم أيها‬
‫المستهزئون الطاغون أبشروا أيضا ً فقائدكم يقودكم إلى المقاطعة وليست‬
‫القتصادية في الدنيا وحسب‪ ،‬بل مقاطعة الخير والنعيم عنكم‪ ،‬بل وإلى بئس‬
‫المصير إن أصررتم وتماديتم‪ ،‬وتحسبون أنكم إيانا تعادون بل عداؤكم ليس‬
‫معنا نحن المخلوقين بل مع الله تعالى الخالق العظيم الذي جعل طاعة‬
‫الرسول من طاعته‪ ،‬وحبه من حبه سبحانه‪ ،‬ومن يحارب الله تعالى أو يتجرأ‬
‫على ذلك إل كل ظالم لنفسه مبين‪ .‬إنه سبحانه حسبنا ونعم الوكيل‪ ،‬قال‬
‫تعالى‪):‬إنا كفيناك المستهزئين( ]الحجر‪ ،[95:‬إنها والله بشرى بالنصر من الله‬
‫ه‬
‫ست َهْزُِئوا إ ِ ّ‬
‫لا ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫تعالى وبحوله‪ ،‬وهي سنته في الكون‪ ،‬قال سبحانه‪...):‬قُ ِ‬
‫قد ْ ك َذ ُّبوا‬
‫ن(]التوبة‪ :‬من الية ‪ .[64‬وقال وقوله الحق‪):‬فَ َ‬
‫م ْ‬
‫حذ َُرو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫خرِ ٌ‬
‫ج َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن( ]الشعراء‪ .[6:‬وقال أصدق القائلين‪:‬‬
‫ئو‬
‫ز‬
‫ه‬
‫ت‬
‫س‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ب‬
‫نوا‬
‫كا‬
‫ما‬
‫ُ‬
‫ء‬
‫با‬
‫ن‬
‫أ‬
‫م‬
‫ه‬
‫تي‬
‫أ‬
‫ي‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ُ ِ ِ َ ْ َْ ِ َ‬
‫فَ َ َ ِ ْ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَقَد ْ أن َْزل َْنا‬
‫ن ِ‬
‫ت ال ّ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫حاّدو َ‬
‫ن يُ َ‬
‫)إ ِ ّ‬
‫ه وََر ُ‬
‫ن قَب ْل ِهِ ْ‬
‫ما ك ُب ِ َ‬
‫ه ك ُب ُِتوا ك َ َ‬
‫سول َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ت وَل ِل َ‬
‫ن عَ َ‬
‫ملوا‬
‫ما عَ ِ‬
‫ج ِ‬
‫ت ب َي َّنا ٍ‬
‫آَيا ٍ‬
‫ه َ‬
‫ذا ٌ‬
‫ن ي َوْ َ‬
‫م بِ َ‬
‫ميعا فَي ُن َب ّئ ُهُ ْ‬
‫م الل ُ‬
‫م ي َب ْعَث ُهُ ُ‬
‫ب ُ‬
‫مِهي ٌ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ه عَلى ك ُ ّ‬
‫يٍء َ‬
‫ل َ‬
‫د( ]المجادلة‪.[6:‬‬
‫شِهي ٌ‬
‫أ ْ‬
‫ه وَن َ ُ‬
‫سوه ُ َوالل ُ‬
‫صاهُ الل ُ‬
‫ح َ‬
‫ش ْ‬
‫وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى‬
‫يوم الدين‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫أيها المربون‪ :‬لكل مقام مقال‬
‫ً‬
‫لقد كان صلى الله عليه و سلم رحيما رفيقا‪ ،‬يحدثنا عن رأفته ورحمته أحد‬
‫الشباب من أصحابه؛ فعن مالك بن الحويرث ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬قال‪ :‬أتينا إلى‬
‫النبي صلى الله عليه و سلم ونحن شببة متقاربون‪ ،‬فأقمنا عنده عشرين يوما ً‬
‫وليلة‪ ،‬وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم رحيما ً رفيقًا‪ ،‬فلما ظن أنا قد‬
‫اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا‪ ،‬فأخبرناه قال‪":‬ارجعوا إلى‬
‫أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم‪ ،‬وذكر أشياء أحفظها أو ل أحفظها‪،‬‬
‫وصلوا كما رأيتموني أصلي‪ ،‬فإذا حضرت الصلة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم‬
‫أكبركم" )]‪.([1‬‬
‫لكن حين يتطلب المر الحزم فقد كان صلى الله عليه و سلم كذلك‪ ،‬ففي‬
‫موقف آخر يأتيه شاب من أصحابه شاكيا ً له ما أصابه من المشركين‪ ،‬وقد بلغ‬
‫به الذى والشدة كل مبلغ وهو خباب بن الرت ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬فهاهو يروي‬
‫الموقف فيقول ‪-‬رضي الله عنه‪: -‬أتيت النبي صلى الله عليه و سلم وهو‬
‫متوسد بردة له في ظل الكعبة ‪ -‬وقد لقينا من المشركين شدة ‪ -‬فقلت ‪:‬أل‬
‫تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال‪":‬لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط‬
‫الحديد مادون عظامه من لحم أوعصب‪ ،‬ما يصرفه ذلك عن دينه‪ ،‬ويوضع‬
‫المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين‪ ،‬ما يصرفه ذلك عن دينه‪ ،‬وليتمن‬

‫‪24‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الله هذا المر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إل الله"‬
‫)]‪.([2‬‬
‫ً‬
‫وهاهو في موقف آخر أيضا مع أحد الشباب فعن أسامة بن زيد بن حارثة‬
‫رضي الله عنهما‪ -‬قال‪ :‬بعثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الحرقة‬‫من جهينة‪ ،‬قال‪ :‬فصبحنا القوم فهزمناهم‪ ،‬قال‪ :‬ولحقت أنا ورجل من النصار‬
‫رجل ً منهم قال فلما غشيناه قال ل إله إل الله قال فكف عنه النصاري‪،‬‬
‫فطعنته برمحي حتى قتلته‪ ،‬قال‪ :‬فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه و‬
‫سلم قال‪ :‬فقال لي‪" :‬يا أسامة‪ ،‬أقتلته بعد ما قال ل إله إل الله؟" قال‪ :‬قلت‪:‬‬
‫يا رسول الله‪ ،‬إنما كان متعوذًا‪ ،‬قال‪ ":‬أقتلته بعد ما قال ل إله إل الله؟" قال‪:‬‬
‫فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم)]‪.([3‬‬
‫لقد كان صلى الله عليه و سلم يضع لكل موقف مايناسبه؛ ففي الموقف‬
‫الول شاب يأتي إليه من أصحابه‪ ،‬وهو في آخر أيامه صلى الله عليه و سلم‬
‫فإن غادره لن يلقاه أخرى حتى يموت‪ ،‬وهي فرصة للتعلم والستزادة لن‬
‫تتكرر في حياته‪ ،‬لكنه لرحمته ورفقه صلى الله عليه و سلم لم يؤكد عليه‬
‫البقاء والحتساب لطلب العلم بل لصحبته ومجالسته صلى الله عليه و سلم‪.‬‬
‫بل إن المر يتجاوز ذلك كله ليبادر هو‪ ،‬ويدرك مافي نفوسهم دون أن يطلبوا‬
‫هم منه ذلك؛ فيبادرهم آمرا ً إياهم بأن ينصرفوا إلى أهلهم‪.‬‬
‫وفي الموقف الثاني يأتيه شاب غض الشباب يشتكي إليه شدة الهوال التي‬
‫لقيها من المشركين‪ ،‬فيحمر وجهه ويغير جلسته‪.‬‬
‫ولربما يتصور بعض الناس أنه كان من الولى في الموقف الول الحزم‪،‬‬
‫وتعويد الشاب على الجدية في طلب العلم‪ ،‬وتحمل الغربة وشدتها‪،‬‬
‫والتعاطف في الموقف الثاني مع هذا الذي تعرض للذى وجاء يسأل النبي‬
‫صلى الله عليه و سلم الدعاء‪.‬‬
‫لكنه الحكيم صلى الله عليه و سلم والمربي‪ ،‬وهو الذي يضع لكل مقام‬
‫مايناسبه‪ ،‬فما أجدر من يقتدي به من المربين أن يضع الحزم في موضعه‪،‬‬
‫وأن يضع التعاطف والرفق في موضعه‪.‬‬
‫‪-------------------------------------------------------------------------------‬‬‫)]‪ ([1‬رواه البخاري )‪(631‬‬
‫)]‪ ([2‬رواه البخاري )‪(3852‬‬
‫)]‪ ([3‬رواه البخاري )‪ (6872‬ومسلم )‪(96‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫أيها المسلم ف ّ‬
‫كر فإّنك مكّلف ومسؤول ومحاسب !‬
‫بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي‬
‫‪... ...‬‬
‫‪...‬‬
‫دثون عن " التغيير "‪ ،‬عن تغيير واقعهم من‬
‫كثير من المسلمين اليوم يتح ّ‬
‫دثون‬
‫دثون يتح ّ‬
‫الهزائم والهوان إلى النصر والعّزة ‪ .‬ولكن معظم الذين يتح ّ‬
‫حديث الماني وهم على أراِئكهم لهون ‪ ،‬أو في غفوتهم ساهون‪:‬‬
‫َ‬
‫)ومنه ُ‬
‫ن(‬
‫م إ ِل ّ ي َظ ُّنو َ‬
‫ي وَإ ِ ْ‬
‫ن ال ْك َِتا َ‬
‫مو َ‬
‫مّيو َ‬
‫ن هُ ْ‬
‫ب إ ِل ّ أ َ‬
‫ن ل َ ي َعْل َ ُ‬
‫مأ ّ‬
‫َ ِ ُْ ْ‬
‫مان ِ ّ‬
‫] البقرة‪[ 78 :‬‬
‫دثون عن التغيير ويبحثون عن آليته ‪،‬‬
‫وآخرون يتنقلون هنا وهناك ‪ ،‬يتح ّ‬
‫ويضعون آمالهم وأمانيهم في هذا الموقع أو ذاك ‪ ،‬ليقوم هذا الموقع بالتغيير‬

‫‪25‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المطلوب ‪ ،‬وكأّنه ليس لهم دور ول عليهم مسؤولّية ‪ ،‬ينظرون دائما ً إلى‬
‫غيرهم ل إلى أنفسهم ! ويطالبون غيرهم ول يطالبون أنفسهم ‪.‬‬
‫ومن هؤلء من يصبح تبعا ً لهذا الموقع أو ذاك ‪ُ ،‬يع ّ‬
‫طل قواه الفكرية‬
‫والنفسية ‪ ،‬ويع ّ‬
‫طل علمه ومواهبه وقدراته ‪ ،‬في تبعية عمياء ‪ ،‬يجعل هذا‬
‫الموقع أو ذاك وثنا ً يضع فيه ك ّ‬
‫دم بعد سنين طويلة‬
‫ل آماله وأمانيه ‪ ،‬حتى ُيص َ‬
‫قق المال والحلم والظنون ‪ ،‬ول يقع‬
‫أو قصيرة حين تهوي الصنام ول تتح ّ‬
‫تغيير إل إلى السوأ‪ .‬وإلى ابتلء أشد ّ ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هّ‬
‫ْ‬
‫مّنا ك َذ َل ِ َ‬
‫)وََقا َ‬
‫ما ت َب َّر ُ‬
‫ؤوا ِ‬
‫ن ل ََنا ك َّرةً فَن َت َب َّرأ ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ن ات ّب َُعوا ْ ل َوْ أ ّ‬
‫م الل ُ‬
‫ريهِ ُ‬
‫م كَ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ك يُ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن الّنارِ (‬
‫هم ب ِ َ‬
‫ما ُ‬
‫ن ِ‬
‫سَرا ٍ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫خارِ ِ‬
‫م وَ َ‬
‫ت عَلي ْهِ ْ‬
‫مال َهُ ْ‬
‫أعْ َ‬
‫م َ‬
‫جي َ‬
‫]البقرة ‪[ 167 :‬‬
‫هذه التبعية العمياء ينكرها السلم ويحاربها ‪ .‬وأّول معاني الحرب عليها أن‬
‫جعل الله مصير التابع والمتبوع على الصورة التي عرضناها من التبعية‬
‫العمياء على الضلل ‪ ،‬جعل الله مصير هؤلء وهؤلء في النار ‪ ،‬في جهنم‬
‫وبئس المصير ‪ ،‬يتلومون كما رأينا في اليات السابقة وكما نرى في اليات‬
‫التالية ‪:‬‬
‫ّ‬
‫ست َك ْب َُروا إ ِّنا ك ُّنا ل َك ُْ‬
‫َ‬
‫م ت َب ًَعا فَهَلْ‬
‫ُ‬
‫ضعَ َ‬
‫ن ِفي الّنارِ في َ ُ‬
‫فاء ل ِل ِ‬
‫قول ال ّ‬
‫جو َ‬
‫حا ّ‬
‫)وَإ ِذ ْ ي َت َ َ‬
‫نا ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ست َك ْب َُروا إ ِّنا ك ُ ّ‬
‫ن الّنارِ ‪َ ،‬قا َ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ن عَّنا ن َ ِ‬
‫ه قَد ْ‬
‫ل ِفيَها إ ِ ّ‬
‫مغُْنو َ‬
‫نا ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫صيًبا ّ‬
‫أنُتم ّ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْعَِباِد(‬
‫َ‬
‫حك َ َ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫] غافر ‪[ 48-47 :‬‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫)وََقا َ‬
‫ن ب ِهَ َ‬
‫ذا ال ُ‬
‫ن كَ َ‬
‫ن ي َد َي ْهِ وَلوْ ت ََرى إ ِذِ‬
‫ن وَل ِبال ِ‬
‫فُروا لن ن ّؤْ ِ‬
‫ل ال ِ‬
‫ذي ب َي ْ َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ال ّ‬
‫قو ُ‬
‫قو ْ َ‬
‫ن‬
‫ل يَ ُ‬
‫ض ال َ‬
‫ن ِ‬
‫ل ال ِ‬
‫جعُ ب َعْ ُ‬
‫موُْقوُفو َ‬
‫مو َ‬
‫ضهُ ْ‬
‫م ي َْر ِ‬
‫عند َ َرب ّهِ ْ‬
‫ن َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م إ ِلى ب َعْ ٍ‬
‫َ‬
‫ن ‪َ ،‬قا َ‬
‫ن‬
‫ضعِ ُ‬
‫ست َك ْب َُروا ل ِل ّ ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫فوا ل ِل ّ ِ‬
‫ست ُ ْ‬
‫نا ْ‬
‫نا ْ‬
‫ا ْ‬
‫م ل َك ُّنا ُ‬
‫ست َك ْب َُروا ل َوَْل أنت ُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫مِني َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن ‪ ،‬وََقا َ‬
‫جاءكم ب َ ْ‬
‫ل‬
‫ضعِ ُ‬
‫جرِ ِ‬
‫م ْ‬
‫دى ب َعْد َ إ ِذ ْ َ‬
‫ن الهُ َ‬
‫فوا أن َ ْ‬
‫ست ُ ْ‬
‫ا ْ‬
‫ل كنُتم ّ‬
‫صد َد َْناك ْ‬
‫ن َ‬
‫مي َ‬
‫ح ُ‬
‫م عَ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ست َكب َُروا ب َ ْ‬
‫فَر‬
‫مُرون ََنا أن ن ّك ُ‬
‫ضعِ ُ‬
‫فوا ل ِل ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ست ُ ْ‬
‫نا ْ‬
‫نا ْ‬
‫ل َوالن َّهارِ إ ِذ ْ ت َأ ُ‬
‫ل َ‬
‫مكُر اللي ْ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جعَل َْنا اْلغَْل َ‬
‫جعَ َ‬
‫ما َرأُوا ال ْعَ َ‬
‫ل ِفي‬
‫م َ‬
‫ب وَ َ‬
‫ذا َ‬
‫سّروا الن ّ َ‬
‫ه أن َ‬
‫ِبالل ّهِ وَن َ ْ‬
‫داًدا وَأ َ‬
‫ة لَ ّ‬
‫دا َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫فُروا هَ ْ‬
‫ن(‬
‫ن كَ َ‬
‫ق ال ّ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫جَزوْ َ‬
‫ل يُ ْ‬
‫كاُنوا ي َعْ َ‬
‫ن إ ِّل َ‬
‫ذي َ‬
‫أعَْنا ِ‬
‫] سبأ ‪[ 33-31 :‬‬
‫دث عن التبعية العمياء للكافرين المستكبرين الذين‬
‫هذه اليات الكريمة تتح ّ‬
‫تبعهم المستضعفون ‪ ،‬فلم يشفع لهم ضعفهم أمام المستكبرين عند الله يوم‬
‫القيامة ‪ .‬نورد هذه اليات لتكون نذيرا ً لمن ينتسب إلى السلم ‪ ،‬حتى ل‬
‫يكون تبعا ً لضلل أو فساد ‪ ،‬وحتى يدرك أن التبعية العمياء ل تنقذه من‬
‫ن لنفسه من أعذار ‪ ،‬وحتى يدرك ك ّ‬
‫العذاب إن ض ّ‬
‫ل من ينتسب‬
‫ل بها‪ ،‬مهما ظ ّ‬
‫ً‬
‫ن في نفسه ضعفا ‪ ،‬وأّنه محاسب ما‬
‫إلى السلم أن عليه مسؤولية مهما ظ ّ‬
‫درته زينة الحياة‬
‫دام قد بلغ سن التكليف ‪ ،‬وأّنه ل مفّر من ذلك مهما خ ّ‬
‫الدنيا ‪ ،‬وخدعته أوهامه ‪ ،‬أو خدعه المستكبرون!‬
‫ل مفّر من يوم الحساب فإنه حق ‪ .‬ويوم القيامة ل يغني مولى عن مولى‬
‫شيئا ً ‪ ،‬ويأتي الخلق كّلهم يومئذ يحاسبون فردا ً فردا ً ‪:‬‬
‫قاته َ‬
‫موًْلى َ‬
‫م‬
‫م ال ْ َ‬
‫موًْلى َ‬
‫ل ِ‬
‫مأ ْ‬
‫)إ ِ ّ‬
‫ن ‪ ،‬ي َوْ َ‬
‫ن ي َوْ َ‬
‫شي ًْئا وََل هُ ْ‬
‫عن ّ‬
‫م َل ي ُغِْني َ‬
‫ج َ‬
‫مي َ ُ ُ ْ‬
‫ف ْ‬
‫مِعي َ‬
‫ص ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م(‬
‫زيُز الّر ِ‬
‫من ّر ِ‬
‫صُرو َ‬
‫حي ُ‬
‫ه إ ِن ّ ُ‬
‫م الل ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ‪ ،‬إ ِل َ‬
‫ُين َ‬
‫ه هُوَ العَ ِ‬
‫] الدخان ‪[ 42-40 :‬‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫س‬
‫مل ِك ن َ ْ‬
‫م ال ّ‬
‫م ال ّ‬
‫ن ‪ ،‬ي َوْ َ‬
‫ما ي َوْ ُ‬
‫ما ي َوْ ُ‬
‫م ل تَ ْ‬
‫ما أد َْراك َ‬
‫م َ‬
‫ن‪،‬ث ّ‬
‫ما أد َْراك َ‬
‫)وَ َ‬
‫ف ٌ‬
‫دي ِ‬
‫دي ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫مئ ِذ ٍ ل ِل ّهِ (‬
‫و‬
‫ي‬
‫ر‬
‫م‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ئا‬
‫ي‬
‫ش‬
‫س‬
‫ل ّن َ ْ‬
‫ْ َ ْ ُ َ ْ َ‬
‫ف ٍ‬
‫‪26‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫] النفطار ‪[ 19-17:‬‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫حب َت ِهِ وَب َِنيهِ ‪،‬‬
‫صا ّ‬
‫صا ِ‬
‫نأ ِ‬
‫خ ُ‬
‫مْرُء ِ‬
‫م يَ ِ‬
‫جاء ِ‬
‫)فَإ َِذا َ‬
‫ة ‪ ،‬ي َوْ َ‬
‫خيهِ ‪ ،‬وَأ ّ‬
‫فّر ال َ‬
‫مهِ وَأِبيهِ ‪ ،‬وَ َ‬
‫ت ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫ل ِك ُ ّ‬
‫مئ ِذ ٍ َ‬
‫ه(‬
‫ن ي ُغِْني ِ‬
‫شأ ٌ‬
‫م ي َوْ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ئ ّ‬
‫لا ْ‬
‫مرِ ٍ‬
‫] عبس ‪[ 37-33 :‬‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫)ِإن ك ُ ّ‬
‫م‬
‫دا ‪ ،‬ل َ‬
‫ماَوا ِ‬
‫قد ْ أ ْ‬
‫ن عَب ْ ً‬
‫ض إ ِل آِتي الّر ْ‬
‫من ِفي ال ّ‬
‫صاهُ ْ‬
‫ح َ‬
‫س َ‬
‫ل َ‬
‫ح َ‬
‫م ِ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫مةِ فَْرًدا(‬
‫م ال ِ‬
‫م عَ ّ‬
‫م آِتيهِ ي َوْ َ‬
‫قَيا َ‬
‫دا ‪ ،‬وَك ُلهُ ْ‬
‫وَعَد ّهُ ْ‬
‫] مريم ‪[ 95-93 :‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫هذه الصورة يجب تثبيتها في النفوس أول ً ‪ ،‬حتى تظ ّ‬
‫ل تقرع النفوس والقلوب‬
‫‪ ،‬وتذ ّ‬
‫كرها بهول يوم البعث وهول الحساب ‪ ،‬الحقّ اليقيني الذي ل ش ّ‬
‫ك فيه و‬
‫ل مراء ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫مث ْ َ‬
‫ن(‬
‫م َتنط ِ ُ‬
‫قو َ‬
‫هل َ‬
‫)فَوََر ّ‬
‫ب ال ّ‬
‫ما أن ّك ْ‬
‫ل َ‬
‫حقّ ّ‬
‫ض إ ِن ّ ُ‬
‫س َ‬
‫ماء َوالْر ِ‬
‫] الذاريات ‪[23:‬‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫ل إي وربي إنه ل َحق وما َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ن(‬
‫زي‬
‫ج‬
‫ع‬
‫م‬
‫ب‬
‫م‬
‫ت‬
‫أن‬
‫ق‬
‫و‬
‫ه‬
‫ق‬
‫ح‬
‫أ‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ئو‬
‫سَتنب ِ َ‬
‫)وَي َ ْ‬
‫ِ َ َ ّ ِّ ُ َ ّ َ َ‬
‫ُ ْ ِ ُ ْ ِ ِ َ‬
‫َ ّ ُ َ‬
‫] يونس ‪[ 53 :‬‬
‫ن هذا الحق اليقيني يجعل من ك ّ‬
‫ل إنسان مكّلف شرعا ً مسؤول ً في الدنيا‬
‫إ ّ‬
‫مة الكبيرة ‪ ،‬حقيقة‬
‫والخرة ومحاسبا ً ‪ .‬فإذا لم تثبت هذه الحقيقة الها ّ‬
‫المسؤولية ‪ ،‬إذا لم تثبت في النفس و تستقّر في القلب ‪ ،‬فيكون جزء هام‬
‫من اليمان والتوحيد قد تع ّ‬
‫طل ‪ ،‬ويكون قد فقد النسان الحافز الهام ‪ ،‬الحافز‬
‫اليماني من فطرته التي فطره الله عليها ‪.‬‬
‫والمسؤولية الفردّية بصورتها اليمانية الرّبانية أساس ل غناء عنه لرتباط‬
‫وة اليمان التي أمر الله بها ‪ ،‬ولرتباط المسلم‬
‫المسلم بالمسلم ‪ ،‬ولبناء أخ ّ‬
‫مته المسلمة حقّ الرتباط وأصدقه !‬
‫بأ ّ‬
‫ً‬
‫مة المسلمة الواحدة‬
‫ور تصبح المسؤولّية الفردّية أساسا لبناء ال ّ‬
‫وبهذا التص ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫مة كلها ومستوياتها المختلفة ‪.‬‬
‫في واقعنا اليوم ‪ ،‬وأساسا لبناء مسؤولية ال ّ‬
‫ن " التغيير " أمر هام ‪ .‬وقد يكون التغيير للخير وقد يكون للشّر ‪ .‬والواقع‬
‫إ ّ‬
‫يكشف لنا النماذج من هذه ومن تلك ‪.‬ولكن اللحظات الحالية من واقع‬
‫ن قوى الفتنة والفساد والشّر أوسع في الساحة وأبعد‬
‫المسلمين يكشف أ ّ‬
‫أثرا ً وأكثر جمعا ً للعدة والعدد ‪ .‬والخطر من ذلك أنهم أكثر بذل ً لضللهم‬
‫وفسادهم وفتنتهم ‪ ،‬وأّنهم ي ُ ْ‬
‫شِعلون لهيب ذلك في الرض كّلها ‪.‬‬
‫َ‬
‫م يتساءل المليين من المسلمين و يقولون أّنى هَ َ‬
‫ذا ؟! ويرد ّ عليهم كتاب‬
‫ث ّ‬
‫ُ‬
‫الله‪ ،‬كما رد ّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد معركة أحد ‪:‬‬
‫)ق ُ ْ‬
‫م ‪! ( ...‬‬
‫عند ِ أ َن ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫ل هُوَ ِ‬
‫سك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫] آل عمران ‪[ 165 :‬‬
‫قد يختلف هؤلء على توزيع الغنائم ‪ ،‬ولكنهم ل يختلفون على نشر الفساد‬
‫والشّر والفتنة ‪ .‬وهم كذلك سرعان ما يجدون وسيلة للتفاهم على الغنائم‬
‫وتوزيعها بينهم ‪ ،‬بدل ً من الصراع بينهم ‪.‬‬
‫ويأتي السؤال الذي يعلنه بعضهم ويخفيه بعضهم ‪ :‬لماذا تح ّ‬
‫ل هذه الهزائم‬
‫؟! ويكاد ل يشعر بعض من يتساءلون بهذا‬
‫ح دين ‍‬
‫بالمسلمين ‪ ،‬وهم على أص ّ‬

‫‪27‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السؤال أّنه هو نفسه أحد أسباب هذه الهزائم ؟!‬
‫؟! ولماذا ينزل الذلّ‬
‫لماذا تتساقط ديار المسلمين في أيدي أعداء الله ‍‬
‫والهوان بالمسلمين ؟! ولماذا تمتلئ الرض من دمائهم وأشلئهم هنا وهناك ‪،‬‬
‫وهم ل يستطيعون دفاعا ً عن أنفسهم ؟!‬
‫ك ّ‬
‫ل ما يجري في هذا الكون ‪ ،‬مهما صغر أو كبر ‪ ،‬فإّنه يجري بأمر الله‬
‫وقضائه وقدره ‪ ،‬وبعلمه وبحكمته ‪ .‬فما أصابنا هو من قضاء الله وقدره !‬
‫وقضاء الله حقّ ل ظلم معه أبدا ً ‪ ،‬فالله حّرم الظلم على نفسه وجعله بين‬
‫الناس محّرما ً ‪:‬‬
‫ن بِ َ‬
‫و‬
‫من ُدون ِهِ َل ي َ ْ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ن ي َد ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫حقّ َوال ّ ِ‬
‫ق ِ‬
‫يٍء إ ِ ّ‬
‫ضو َ‬
‫ق ُ‬
‫عو َ‬
‫ضي ِبال ْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫)َوالل ّ ُ‬
‫ه هُ َ‬
‫ش ْ‬
‫ذي َ‬
‫صيُر (‬
‫ميعُ ال ْب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ال ّ‬
‫] غافر ‪[ 20 :‬‬
‫وقال سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ن(‬
‫س أن ُ‬
‫مو َ‬
‫)إ ِ ّ‬
‫ف َ‬
‫م ي َظل ِ ُ‬
‫سهُ ْ‬
‫ه ل َ ي َظ ْل ِ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫م الّنا َ‬
‫شي ًْئا وَلك ِ ّ‬
‫] يونس ‪[ 44 :‬‬
‫إذن ل بد ّ من أن ننظر في أنفسنا ‪ .‬فالخلل هناك ‪ ،‬في النفوس ‪ ،‬وما يجول‬
‫في الصدور ‪ .‬لبد ّ من النظر في ذلك ‪ .‬ول بد ّ من الوقفة اليمانية التي ندعو‬
‫ل مسلم وك ّ‬
‫دة ‪ ،‬بصورة متكررة ‪ ،‬ندعو إليها أنفسنا وندعو ك ّ‬
‫ل‬
‫إليها بش ّ‬
‫ومها ولتدرك أين الخلل والخطأ فتعالجه ‪ ،‬وأين‬
‫جماعة ‪ ،‬لتراجع المسيرة وتق ّ‬
‫الصواب فتمضي عليه‪.‬‬
‫ولكن هذه الوقفة اليمانية تحتاج إلى توافر ميزان حقّ أمين ‪ ،‬توزن به المور‬
‫والحداث والمواقف والرجال دون أن يعصف الهوى والمصالح بحقيقة هذه‬
‫الوقفة والمراجعة والتقويم ‪.‬‬
‫ح الميزان بأيدي الناس إل إذا راجعوا أول ً أنفسهم ‪ ،‬ونظروا في داخلها‬
‫ول يص ّ‬
‫ً‬
‫م نظرة معالجة وتغيير ‪ ،‬حتى يصبح منهاج الله هو‬
‫نظرة محاسبة أول ‪ ،‬ث ّ‬
‫الميزان ‪.‬‬
‫إذا أخذنا الكبر والغرور ‪ ،‬ومضى ك ّ‬
‫ل مّنا على ما هو عليه ‪ ،‬يعيد الخلل والخطأ‬
‫ن الهزائم تتوالى والفواجع‬
‫ويمارسه ‪ ،‬ول يقّر بالخطأ ول يشعر بالخلل ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ً‬
‫ما ابتلًء وتمحيصا ‪:‬‬
‫تمتد ّ ‪ ،‬والبلء يشتد ّ إما عقابا ً وتذكيرا ً وإ ّ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫)َوات ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ص ً‬
‫قوا ْ فِت ْن َ ً‬
‫ش ِ‬
‫موا ْ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ة ل ّ تُ ِ‬
‫ديد ُ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ة َواعْل َ ُ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ن ظ َل َ ُ‬
‫خآ ّ‬
‫ذي َ‬
‫صيب َ ّ‬
‫ب(‬
‫ال ْعِ َ‬
‫قا ِ‬
‫] النفال ‪[ 25 :‬‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ت َعِ ُ‬
‫ذاًبا َ‬
‫م عَ َ‬
‫دا‬
‫م ٌ‬
‫ش ِ‬
‫دي ً‬
‫ظو َ‬
‫معَذ ّب ُهُ ْ‬
‫م أوْ ُ‬
‫مهْل ِك ُهُ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ما الل ّ ُ‬
‫ن قَوْ ً‬
‫م لِ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ة ّ‬
‫تأ ّ‬
‫)وَإ ِذ ْ َقال َ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ي َت ّ ُ‬
‫جي َْنا ال ِ‬
‫ما ذ ُك ُّروا ب ِهِ أن َ‬
‫قو َ‬
‫ما ن َ ُ‬
‫سوا َ‬
‫ن‪ ،‬فَل ّ‬
‫م وَلعَلهُ ْ‬
‫معْذَِرةً إ ِلى َرب ّك ُ ْ‬
‫َقاُلوا ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ما َ‬
‫موا ْ ب ِعَ َ‬
‫ن(‬
‫س ُ‬
‫كاُنوا ْ ي َ ْ‬
‫سوِء وَأ َ َ‬
‫خذ َْنا ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ي َن ْهَوْ َ‬
‫ف ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫س بِ َ‬
‫ن ظ َل َ ُ‬
‫ذا ٍ‬
‫ذي َ‬
‫ب ب َِئي ٍ‬
‫ن عَ ِ‬
‫] العراف ‪[ 165-164 :‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ل مسلم يجب أن يف ّ‬
‫نك ّ‬
‫كر ‪ ،‬يجب أن يستفيد من هذه‬
‫ن هذا كّله يعني أ ّ‬
‫إ ّ‬
‫ّ‬
‫ل إنسان أن ُيفكرّ‬
‫الطاقة التي وضعها الله فيه ‪ .‬وبنظرة أوسع فيجب على ك ّ‬
‫حتى يصل إلى الحقّ واليمان والتوحيد إذا شاء الله له ذلك ‪ ،‬أو يض ّ‬
‫ل إذا‬
‫فسد أمره فأضّله الله ‪ ،‬والله يقضي بالحقّ ول يظلم أحدا ً ‪.‬‬
‫ميه " النهج اليماني للتفكير " ‪ ،‬يتبعه المسلم‬
‫والمسلم له منهج للتفكير نس ّ‬
‫‪28‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حين يف ّ‬
‫كر حتى ل يض ّ‬
‫ل ول يزيغ ‪ .‬ول بد ّ من تدريب المسلم على النهج‬
‫اليماني للتفكير ‪ ،‬حتى ينظر في نفسه النظرة المينة ‪ ،‬ويحاسبها ويعرف‬
‫وة والضعف ‪ ،‬فيجاهد نفسه ليثبت على الحقّ‬
‫مواطن ال ّ‬
‫صلح والشّر ‪ ،‬والق ّ‬
‫وينبذ الباطل ‪.‬‬
‫و‬
‫تنمو طاقة التفكير مع نموّ الطفل كما تنمو سائر قواه ‪ .‬فإ ّ‬
‫ما أن يستمّر النم ّ‬
‫ما أن‬
‫مع الفطرة السليمة برعاية الوالدين المؤمنين وبفضل من الله ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ق‬
‫ينحرف التفكير مع فساد الفطرة بفساد البوين والمجتمع وبقدر من الله ح ّ‬
‫ن التفكير في مرحلة النموّ أو بعض مراحله يحتاج إلى‬
‫‪ .‬وفي جميع الحالت فإ ّ‬
‫ّ‬
‫دم النسان في‬
‫تدريب ورعاية ‪ .‬ويزداد التدريب أهمّية وخطورة كلما تق ّ‬
‫مل المسؤولية ‪ ،‬ويجابه‬
‫وه ‪ ،‬حتى يعرف ويتعّلم‪ ،‬ويؤمن ويتح ّ‬
‫مراحل نم ّ‬
‫المشكلت وينهض لمعالجتها ‪.‬‬
‫ن طاقة التفكير ضرورية للنظر في النفس ولمحاسبتها ومعالجتها في‬
‫إ ّ‬
‫مسيرة من مجاهدة النفس ‪.‬‬
‫ما عرضناه إلى ضرورة توافر قدرات وقواعد حتى يستقيم النظر‬
‫نخلص م ّ‬
‫في النفس ومحاولة تقويمها ومعالجتها ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬اليمان والتوحيد المغروسان في الفطرة ومدى صفائهما ‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬التفكير وعدم تعطيل الطاقة التي وهبها الله لنا ‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬الميزان العادل المين ‪ ،‬توزن به المور والقضايا والمواقف والناس‪.‬‬
‫ف ّ‬
‫كر أيها المسلم ! فإّنك مكّلف ومسؤول ومحاسب ! والتفكير هو أّول تكليف‬
‫كّلف الله به عباده ليعرفوه به ‪ ،‬ويعبدوه به ‪ ،‬ويطيعوه ‪ .‬والتفكير مرتبط‬
‫بالفطرة التي فطر الله الناس عليها ‪ ،‬تحمل اليمان والتوحيد ليروي جميع‬
‫قوى الفطرة ري ّا ً متوازنا ً ‪ ،‬لتؤّدي ك ّ‬
‫ت له ‪.‬‬
‫وة وغريزة الدور الذي ُ‬
‫خِلق ْ‬
‫لق ّ‬
‫دك بالغذاء اّللزم وُتعينك على‬
‫فاحرص على سلمة فطرتك وعُد ْ إليها ‪ ،‬لتم ّ‬
‫الستقامة في التفكير والنهج والكلمة والسلوك ‪.‬‬
‫ولن تستطيع أيها المسلم أن تف ّ‬
‫كر على النهج اليماني للتفكير‪،‬‬
‫حتى ُتغّير ما بنفسك !‬
‫)‪(3 /‬‬
‫أيها المسلمون ماذا تنتظرون بعد كل ما يحدث لكم؟‬
‫ً‬
‫بّثت شبكة »سي بي إس نيوز« الميركية‪ ،‬مساء ‪ 28/4‬صورا لجنود أميركيين‬
‫يع ّ‬
‫ذبون معتقلين مسلمين في سجن »أبو غريب« بطريقة ل يتصور أن فاعلها‬
‫من البشر‪ :‬كومة من المعتقلين عرايا فوق بعضهم‪ ،‬رجل مغطى رأسه‬
‫وجسمه‪ ،‬وأوصلت أسلك كهربائية إلى يديه‪ ،‬وتم إبلغه أنه إذا سقط من‬
‫أعلى صندوق يقف عليه فسيصعق بالكهرباء‪ .‬سجناء ربطوا بالسلك من‬
‫أعضائهم التناسلية‪ ،‬كلب يهاجمون سجناء‪ ...‬شريط فيديو يحوي أكثر من‬
‫ألف صورة‪ ،‬قال عنها رامسفيلد إنه من غير المناسب عرضها؛ لنها بالغة‬
‫الساءة‪ ...‬وكشف تقرير سري للجنة الدولية للصليب الحمر تفاصيل بعدد‬
‫أنواع التعذيب التي تعّرض لها السجناء‪ ،‬وأكد هذا التقرير أن ‪ %90‬من‬
‫السجناء اعتقلوا خطأ في عمليات دهم وحشية‪ ،‬بالغة العنف‪.‬‬
‫أما مسؤولة السجن الضابط جانيس كاربينسكي‪ ،‬فقد ذكرت أن قسم‬
‫التعذيب في السجن كان يخضع للشراف المباشر لضباط الستخبارات‬
‫العسكرية‪ ،‬وكشفت صحيفة »واشنطن بوست« أن وزارة الدفاع الميركية‬
‫كانت قد وافقت سلفا ً على لئحة تتضمن ‪ 20‬وسيلة لستجواب المعتقلين‪،‬‬

‫‪29‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وأن هناك تعليمات رسمية تسمح للمحققين باستخدام أساليب تهدف إلى‬
‫إرهاق المعتقلين جسديا ً ونفسيا ً قبل إخضاعهم للستجواب‪ ،‬ما يعني أن‬
‫ممارسات التعذيب كانت منهجية ومدروسة‪ ،‬وموافقا ً عليها من كبار‬
‫المسؤولين في البنتاغون‪ ،‬وليست فردية أو استثنائية‪ .‬وفي هذا الصدد‪ ،‬أكدت‬
‫صحيفة »واشنطن بوست« أن استخدام كل هذه الساليب يستوجب‬
‫الحصول على إذن من كبار المسؤولين في البنتاغون‪ ،‬وأنه يتعين على‬
‫المحققين أن يثبتوا أن هذه المعاملة القاسية أملتها الضرورة العسكرية‪ ،‬وأن‬
‫يرفقوها بـ »مراقبة طبية ملئمة«‪.‬‬
‫إن عمليات التعذيب هذه بدأت تتكشف فصولها المأساوية منذ أشهر‪ ،‬وقد‬
‫ظهر من التحقيقات أن المسؤولين السياسيين والعسكريين‪ ،‬كانوا على علم‬
‫بتفاصيلها‪ ،‬ولم يكونوا يكترثون بمآسيها‪ ،‬حتى تناولها العلم‪ ،‬وصارت تشكل‬
‫دهم‪ ،‬وإنما أميركا‬
‫ح َ‬
‫فضيحة ل تطال أولئك الذين يحكمون في البيت البيض وَ ْ‬
‫كلها؛ لذلك انبرى الكونغرس إلى التحقيق‪ ،‬ل لمعرفة الحقيقة الضائعة‪ ،‬وإنما‬
‫لتجميل ما يمكن تجميله من تلك الصورة البشعة التي تسقط أميركا حضاريا‪ً،‬‬
‫وتسقط مصداقيتها‪ ،‬ولظهار أن مثل هذه التصرفات غريبة عن القيم‬
‫الميركية‪ ،‬ومن المتوقع أن تنتهي مسرحية الجلسات بكبش فداء لتتخلص من‬
‫العار الذي وصمت به‪.‬‬
‫إن هذه الممارسات تدين أميركا وتهينها أكثر من غيرها‪ ،‬وتبين زيف‬
‫حضارتها‪ ...‬إنها تظهر الوحش الميركي على حقيقته‪ .‬إن أميركا دولة‬
‫متوحشة قامت على المجازر والمذابح والتطهير العرقي والبادة‪ ،‬وتاريخها‬
‫منذ بدايته حتى اليوم ل يخفى على أحد‪ ،‬وهو أكبر شاهد على طبيعتها‬
‫مُثل‪ ،‬دأبهم السيطرة‬
‫الجرامية‪ ،‬وليس لدى حكامها وسياسييها أي قيم أو ُ‬
‫على العالم كله‪ ،‬والتفرد باستعماره‪ ،‬والتفرد بنهب خيراته‪ ،‬لقد أصبح العالم‬
‫غابة يحكمها الوحش الميركي‪ ،‬وعلى جانبه بعض الوحوش التي تخضع‬
‫لتحكمه‪ ،‬وتنتظر ُفتاته‪ ...‬والمسلمون دائما ً هم الضحية‪.‬‬
‫تجاه ما حدث لم يحرك حكام المسلمين المجرمون ساكنا ً ضد أميركا؛ لنهم‬
‫مدانون أكثر منها‪ ،‬ولن سجونهم ملى بالمسلمين‪ ،‬وعمليات التعذيب لهم‬
‫قائمة ليل نهار‪ ،‬وخوفا ً من أن يفتحوا الباب على أنفسهم‪ .‬ومن سخريات ما‬
‫جرى‪ ،‬أن بوش اعتذر لملك الردن عما جرى‪ ...‬وشهد شاهد من أهله‪.‬‬
‫أما المسلمون فقد أصيبوا في الصميم‪ ،‬وتأثروا‪ ،‬وغضبوا‪ ،‬وبكوا‪ ...‬ولكن ذلك‬
‫كله لن يغير واقعا ً فحساب المسلمين آخرهم عند أميركا‪ .‬بل إنهم ليسوا‬
‫بحساب أحد‪ ،‬فمن هم بحساب أنفسهم؟ وماذا منتظرون؟! لقد تداعت عليهم‬
‫المم‪ ،‬وأحيطوا بالظالمين من كل مكان‪ ،‬وكل يوم يمر عليهم يحمل لهم‬
‫مأساة‪ ،‬هل ينتظرون الفرج والمخرج من الله هكذا من غير عمل؟! إنه ل‬
‫مخرج لهم إل بالتقوى‪ ،‬وتقوى الله تفرض عليهم أن يستعينوا به ويعملوا على‬
‫تغيير هذه النظمة الفاسدة‪ ،‬العميلة‪ ،‬المأجورة‪ ،‬وإقامة حكم الله‪ ،‬وجعل‬
‫كلمة الله هي العليا‪.‬‬
‫إن عدم تحرك المسلمين وسكوتهم عما يجري لهم‪ ،‬يطمع بهم حكامهم‬
‫وأعداءهم‪ ...‬إن عليهم أن يرفعوا الخوف من قلوبهم من حكامهم‪ ،‬كما هو‬
‫مرفوع من أعدائهم وأن يعبروا بأقسى التعابير ضدهم‪ ،‬وأن يقوموا بأعمال‬
‫جدية تجعل الخرين يحسبون ألف حساب‪ ،‬وأن يدفعوا أبناءهم من أهل القوة‬
‫لكي يأخذوا على أيدي الحكام الظالمين الذين يحكمون المسلمين بالكفر‪،‬‬
‫ويم ّ‬
‫كنون لميركا ويهود ولدول الغرب في بلدهم‪ ،‬ويمنعون المسلمين من أن‬
‫يأخذوا دورهم في الحياة‪ ...‬إن من طريقة تنفيذ فروض الكفايات‪ ،‬أن يدفع‬
‫‪30‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من ل يستطيع تحقيق الفرض بأنفسهم أي المسلمين‪ ،‬أن يدفعوا الذين‬
‫ً‬
‫يستطيعون من أهل القوة؛ لذلك كان على المسلمين أن ل يتركوا فردا من‬
‫أبنائهم أو معارفهم إل ويحّثونه على القيام بحق الله عليه في إزالة هذه‬
‫النظمة‪ ،‬وإقامة حكم السلم بتسليمه لمن يستطيع الحكم به‪ ،‬للفئة‬
‫المخلصة الواعية التي نذرت نفسها لهذا المر‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إن أهل القوة من أبناء المسلمين يجب أن يندفعوا لقامة حكم الله بقوة؛ وإل‬
‫وقع الثم الكبير عليهم‪ .‬والقيام بذلك فرض عليهم من الله سبحانه‪ ،‬فإذا لم‬
‫يقوموا به فإنهم يقعون بالثم‪ ،‬لذلك كان عليهم أن يقوموا بهذا الفرض لنه‬
‫أمر من الله سبحانه‪ ،‬ويجعلوا أساس القيام بهذا الفرض اليمان بالله‪ ،‬وأن‬
‫الله ينصر من ينصره فهو القوي العزيز‪ .‬وأنه إذا نصر الله عباده فل غالب‬
‫لهم‪ .‬فإن الثقة بنصر الله يجب أن ل تغيب عن بال أهل القوة‪ .‬كذلك عليهم‬
‫أن تكون ثقتهم بالتغيير قوية لن المة معهم‪ ،‬والمة السلمية إذا اجتمع‬
‫أمرها على السلم ل ُتغلب‪ ،‬ذلك وعد من الله غير مكذوب‪ ،‬والواقع يحدثنا‬
‫بذلك؛ فأهل فلسطين لم ُيغلبوا بالرغم من تخلي الحكام الخونة عنهم‬
‫وتسليم أمرهم للمجرم شارون‪ .‬وأهل العراق‪ ،‬وأهل الفلوجة من أهل العراق‬
‫خاصة‪ ،‬ثبتوا أمام أميركا التي تراجعت أمام صمودهم‪ ...‬وأهل الشيشان وأهل‬
‫كشمير‪ ...‬فكيف إذا قام حكم الله‪ ،‬وقاد الخليفة جيوش المسلمين‪ ،‬فإن أحدا ً‬
‫لن يثبت أمامهم‪ ...‬إن مقاومة الشعوب ل ُتغلب‪ ،‬فكيف إذا كان المقاومون‬
‫ل القوة‬
‫مجاهدين‪ ...‬إن المسلمين إنما غُِلبوا بسبب تآمر الحكام عليهم‪ ،‬و َ‬
‫جعْ ِ‬
‫ولوا القوة‬
‫التي بيدهم على المسلمين‪ ...‬إنه ليس على المسلمين إل أن يح ّ‬
‫من يد حاكمهم إلى يدهم‪ ...‬لذلك نقول‪ :‬إن غضب الله كبير على المسلمين‬
‫إذا لم يدفعوا أبناءهم من أهل القوة لخذ الحكم من هؤلء الحكام المجرمين‬
‫بالقوة‪ ،‬وإن غضب الله أكبر على أهل القوة إذا لم يقوموا بحق الله عليهم‪،‬‬
‫من أخذ الحكم من غير أهله وتسليمه إلى أهله‪ ،‬إلى المسلمين‪ ،‬إلى‬
‫المخلصين الواعين الذين نذروا أنفسهم لهذا المر‪ ،‬والذين يعرفون كيف‬
‫يقومون بحق الله إذا قام‪ ،‬بذلك يتحقق نصر الله كما وعد‪ ،‬قال تعالى‪ِ } :‬إن‬
‫َ‬
‫ه فَل َ‬
‫ت أقْ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫صْرك ُ ُ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫م وَي ُث َب ّ ْ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل ّ َ‬
‫م { وقال تعالى‪ِ } :‬إن َين ُ‬
‫ه َين ُ‬
‫َتن ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م { قرآن كريم‬
‫غال ِ َ‬
‫ب لك ْ‬
‫)‪(2 /‬‬
‫أيها المسلمون‪ ..‬صلوا من أجل البابا !!‬
‫أمير سعيد‬
‫موقع مفكرة السلم‬
‫شخصيًا‪ ،‬لن تعتريني الدهشة إذا ما طلب إلينا شيخ الزهر أن نجأر إلى الله‬
‫جب لو‬
‫في صلواتنا راجين منه سبحانه أن يعافي لنا بابا الفاتيكان‪ ,‬ولن أتع ّ‬
‫نشبت المنّية أظفارها في 'الحبر العظم' أن يحثنا ‪-‬رأس المؤسسة الدينية‬
‫المصرية‪ -‬على أن تتراص صفوفنا بعد صلة الجمعة لقامة صلة الغائب على‬
‫الزعيم الروحي الكاثوليكي‪.‬‬
‫ً‬
‫لن يرتفع حاجباي ولن تتسع حدقتاي ‪-‬ذاهل‪ -‬إن سمعت ذلك‪ ،‬فتلك ‪-‬للسف‪-‬‬
‫هي إحدى العراض الجانبية للحالة 'التسامحية' التي تمر بنا‪ ,‬والتي تحدونا أن‬

‫‪31‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نتدخل على أعلى المستويات الدينية الرسمية لنطلب من مسلمة لجأت إلى‬
‫الزهر بكل تاريخه البارق العريق ‪-‬ممثل ً في شيخ الزهر‪ -‬أن تعود لدينها‬
‫َ‬
‫ق ُ‬
‫طوا ْ { ‪ ,‬وتدعونا إلى السكوت عن‬
‫س َ‬
‫السابق درءا ً للفتنة‪ } ,‬أل ِفي ال ْ ِ‬
‫فت ْن َةِ َ‬
‫اختطاف الطبيبتين المسلمتين ماريان وتيريزا ‪-‬ثبتهما الله‪ -‬في جوانتنامو‬
‫الديرة‪ ,‬وتحدونا أن نغض الطرف عن منظمات التنصير تصول في بلداننا‬
‫وتجول ‪-‬كما في الجزائر بصفة خاصة والمغرب العربي عموما ً التي تنجح‬
‫منظماتها كل يوم في حذف اسم مسلم من قائمة المسلمين أو عبر شبكات‬
‫غرف البال توك التي تستهدف مصريين وخليجيين‪ ,-‬وتحدونا أن نطلب من‬
‫محجبات فرنسا على ‪-‬لسان شيخ الزهر‪ -‬أن يخلعن الحجاب تساوقا ً مع‬
‫السلم الفرنسي‪ ,‬وتحدونا أن نمتنع عن الفتاء بشأن الحتلل المريكي‬
‫للعراق لن ' علماء كل بلد يفتون أهلها' بحسب شيخ الزهر‪.‬‬
‫ونعمد إلى نسف هذه القاعدة بالدعوة لعدم مقاطعة النتخابات العراقية‬
‫برغم قرار هيئة علماء العراق بالمقاطعة‪ -‬كما جاء في تصريح شيخ الزهر‬‫أيضًا!!‬
‫لن أندهش إذا ما اختطفت وفاء وماري وماريان وتيريزا واختفت زينب‬
‫وأخواتها‪ ,‬ما دام شيخ أزهرنا يرى الفتنة في إسلم امرأة أو مقاومة محتل‪..‬‬
‫لن‪ ,‬ولم أندهش حين منع الرجل من الحديث لزوار معرض الكتاب قبل‬
‫أسابيع لكيل يتعرض للحراج ساعة يسأله الشباب عن وفاء بأي ذنب‬
‫خطفت؟؟ وكيف استباح لنفسه التطوع لرضاء الباباوات بتسليمها‪ ,‬وحثها‬
‫على كتمان إيمانها ‪-‬مثلما ورد على لسانه‪-‬؟؟‬
‫ولن أندهش إذا ما نقلت إذاعة الفاتيكان عن شيخ الزهر قوله‪' :‬إن قداسة‬
‫ن له كل حب وتقدير‪,‬‬
‫البابا يوحنا بولس الثاني رجل سلم ومحبة‪ ،‬وأنا أك ّ‬
‫ً‬
‫وأدعو الله العلي القدير أن يتم له الشفاء ويزيده عافية'‪ ,‬واصفا إياه بأنه‬
‫'علمة مضيئة في تاريخ الحضارات التي تتلقى وتتعاون على الخير والمنافع'‬
‫ل يتعامل مع مرضه إل بـ 'مشاعر صاحب عقل سليم وخلق كريم يؤدي واجبه‬
‫رغم المرض‪ ،‬ول يتمسك بها إل من أعطاهم الله صدق العزيمة والخلص‬
‫وصدق النية في العمل'‪) .‬مفكرة السلم نقل ً عن إذاعة الفاتيكان‪:‬‬
‫‪.[5/3/2005‬‬
‫ً‬
‫لن أندهش أبدا‪ ,‬وأنا أستمع لمعظم وسائلنا العلمية ‪-‬بما فيها تلك الحيادية‬
‫نوعا ً ما وكذا 'العربية'‪ -‬وهي تطلعنا أول ً بأول على آخر أخبار صحة البابا وكأنه‬
‫من بقية السلف!!‬
‫وحياة هذا البابا أو مماته ل تعنيني كثيرًا؛ إذ استتب المر لرجالت اليهود في‬
‫الفاتيكان بمقدمه‪ ,‬ونفد السهم من قوس الصهيونية‪ ،‬ولم يعد المر قاصرا ً‬
‫على رجل واحد فقط أرسى قواعد هيمنة اليهود على دين الكاثوليك‪..‬‬
‫نعم فبرغم جهوده الجبارة في هذا الصدد‪ ,‬فإن حياته أو مماته لن تعني تغيرا ً‬
‫يذكر حيث أدى الرجل دوره تماما ً ولم يعد في جعبته ما يمنحه لليهود آج ً‬
‫ل‪..‬‬
‫ولنعد للقصة من بدايتها‪..‬‬
‫ّ‬
‫كارلو فوتييل )أو يوحنا بولس الثاني(‪ ,‬تولى منصب بابا الكنيسة الكاثوليكية‬
‫في روما بعد أيام من تسميم البابا السابق يوحنا بولس الول‪ ،‬والذي لم‬
‫صب سوى ثلثين يومًا‪ ،‬وفقا ً لمصادر مسيحية أردنية‪.‬‬
‫ين ّ‬
‫والبابا في حقيقة المر هو منتج متميز لصناعة كاثوليكية‪/‬يهودية مشتركة‪ ,‬مّر‬
‫إنتاجه بعدة مراحل إنتاجية ومحطات دينية واستخبارية فائقة الدقة‪ ,‬بعض‬
‫فه السرية القاسية‪ ,‬وبعضها بات اليوم مكشوفا ً للباحثين‪.‬‬
‫هذه المحطات تغل ّ‬
‫دعي العلم ببواطن المور ول التنجيم‪ ,‬إذ كثير من الحقائق بات متاحا ً‬
‫ولن ن ّ‬
‫‪32‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نستطيع من خلله رسم صورة دقيقة عن هذا الرجل الذي يتمنى له شيخ‬
‫الزهر الشفاء العاجل ليعود إلى عمله المضني والشاق‪ ,‬وقليل منها جاثم في‬
‫باطن الغيب لكنه ل يحول دون رؤية الصورة بخطوطها العريضة على القل‪..‬‬
‫أولى هذه المحطات هي النقطة الفاصلة في حياته‪ ,‬والتي ندعوكم إلى‬
‫اصطحابه منها‪ ,‬تحديدا ً وهو في الثامنة عشرة من عمره‪ ,‬في رحلته من‬
‫التشيك إلى بولندة‪ ,‬حيث كان الرجل يهوديا ً على الشهر من الترجمات‬
‫ما عََبر الحدود‬
‫المنشورة عنه )ل يعترف الفاتيكان بذلك( ثم ب ّ‬
‫دل دينه ل ّ‬
‫التشيكية )موطنه الصلي( إلى بولندة مع بدايات الحرب العالمية الثانية عام‬
‫صر إثر ذلك‬
‫‪) 1939‬حين اعتبر اليهود وقتها أنفسهم مضطهدين(‪ ،‬ثم تن ّ‬
‫فترهبن فصار كاهنا ً في أعقاب الحرب العالمية ‪.1945‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫مة ما يمكن الوقوف عنده ملي ّا ً إذا ما‬
‫وقبل أن نغادر لمحطة أخرى‪ ,‬ث ّ‬
‫استصحبنا رحلة مارتن لوثر من اليهودية إلى المسيحية وتأسيسه‬
‫للبروتستانتية‪ ,‬ورحلة كارل ماركس من اليهودية إلى اللحاد الشيوعي ووضع‬
‫نظريته 'الماركسية'‪ ,‬ورحلة عبد الله بن سبأ من اليهودية إلى السلم ظاهريا ً‬
‫وإنشائه لمّلة الثني عشرية‪ ,‬ورحلة مصطفى كمال )ابن زبيدة اليهودية‪ ,‬حيث‬
‫الب ل يعلمه إل الله( من اليهودية إلى السلم ظاهريا ً وتبّنيه للقومية‬
‫الطورانية التركية‪.‬‬
‫وإذا ما توقفنا عند هؤلء‪ ،‬اقتربنا قليل ً من فهم هذه المحطة الهامة من تاريخ‬
‫الكاهن الكبر‪.‬‬
‫المحطة الثانية تنعطف بنا إلى حياة مهندس الوثيقة البابوية التي صدرت عام‬
‫‪ 1965‬واختصارا ً للجهد هو ذاك كارلو فوتييل )أو يوحنا بولس الثاني فيما بعد(‬
‫الذي كان له 'شرف' وضع هذه 'وثيقة تبرئة اليهود من دم يسوع المسيح'‪,‬‬
‫واليهود عند واضعي الوثيقة المخزية هم أهل المنحة التي أعطاها لهم الرب‬
‫بزعمهم‪ ,-‬وهي أرض كنعان )فلسطين(‪ ,‬وبحسبها فاليهود بريئون من دم‬‫المسيح )اعتقاد المسلمين أن المسيح عليه السلم حقيقة لم يصلب بل رفعه‬
‫الله إليه‪ ,‬وإن كان ذلك ل يعفي اليهود من إرادة التآمر ذاته(‪..‬‬
‫ً‬
‫ثم ثالثة الثافي أتت في طّيات الوثيقة أن 'المسيح كان يهوديا‪ ،‬وسيبقى‬
‫يهوديًا'‪..‬‬
‫وهكذا تمضي عشرون عاما ً على البابا في أحضان الفاتيكان‪ ،‬ل ترّده عن‬
‫أصل يؤمن به ل يفارقه وإن غادر التشيك إلى جمهورية الكرادلة‪..‬‬
‫وج‬
‫المحطة الثالثة من حياة كارلو فوتييل‪ ,‬تلك التي تنقلنا لمشهده وهو يت ّ‬
‫'حبرا ً أعظمًا'‪ -‬كأحد أصغر من يتولون المنصب )‪ 58‬عاما ً حينذاك(‪ -‬على‬
‫رأس الكنيسة الكاثوليكية في العام ‪ ،1979‬بعد أن مات البابا السابق يوحنا‬
‫بولس الول ‪-‬ميتة ياسر عرفات‪ -‬بعد شهر واحد من اعتلئه منصبه الخطير‬
‫وبدون مرض خطير!! حينها وجد كارلو الطريق إلى رأس الفاتيكان معّبدًا‪,‬‬
‫وتوّلى الرجل منصبه‪ ,‬وكانت إحدى فاتحات شهية الباحثين في وضعه المثير‬
‫للجدل بشكل واسع‪ ،‬هو تفرد كارلو من حيث كونه الول منذ خمسة قرون‬
‫دة الكهانة في الفاتيكان من خارج إيطاليا‪ .‬وقد بدأ الرجل من‬
‫الذي يعتلي س ّ‬
‫فوره العمل على ثلثة محاور هي البرز من محاور تحركاته‪:‬‬
‫الول‪ :‬ترسيخ الختراق اليهودي للفاتيكان‪:‬‬
‫جَنت الكنيسة النجيلية‪ ,‬ومد أواصر‬
‫وتدجين الكنيسة الكاثوليكية مثلما د ُ ّ‬

‫‪33‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الصداقة الدينية والسياسية مع 'إسرائيل'‪.‬‬
‫'لو كان المسيح عليه السلم يهوديا؛ فإنه لشرف عظيم لبابا روما أن يكون‬
‫يهوديا هو أيضا'‪ ,‬قال البابا‪ ,‬وزاد‪' :‬إن اليهود أعزاؤنا وأشقاؤنا المحببون‪ ،‬وهم‬
‫بحق الشقيق الكبر'‪..‬‬
‫إن البابا الذي لم يكن قد مضى على مكوثه في منصبه أكثر من ثلث سنوات‬
‫حتى أفاض من 'كرمه' على اليهود‪ ،‬فاعترف بـ'دولة إسرائيل' في العام‬
‫‪) 1982‬عام الجتياح والمذابح الصهيونية الرهيبة في لبنان(‪ ,‬لم تخل نصائحه‬
‫في كتاب تعليماته لـ'المسيحيين' أن يحبوا اليهود لنهم شعب المسيح‬
‫)اليهودي بالطبع وفقا ً للبابا البولندي الجنسية(‪ ,‬أولئك الذين أحاطهم البابا‬
‫بـ'مكرمة' زيارته لكنيسهم في روما وصلته فيه وسط ذهول 'مسيحي'‬
‫الكنيسة الشرقية بعد ذلك بأربع سنوات‪ ،‬ثم توجيهه اللوم أخيرا ً قبل عامين‬
‫من اللفية الثالثة لتباعه المتسببين في ما يقال عن الهولوكوست اليهودي‬
‫الذي ينسب للنازي إقامته لليهود‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬العمل على تفكيك التحاد السوفيتي‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫آخر كتب البابا 'الذاكرة والهوية' الذي يلقى الن رواجا كبيرا بسبب الحالة‬
‫الصحية للبابا‪ ,‬أماط فيه اللثام عن قناعته الشخصية بأن التركي محمد على‬
‫أغا الذي حاول اغتياله أوائل الثمانينات لم يتصرف من تلقاء نفسه‪ ,‬معّبرا ً عن‬
‫اعتقاده بأن الكتلة الشيوعية السابقة ربما كانت وراء مؤامرة محاولة اغتياله‪.‬‬
‫لماذا تقدم تلك الكتلة على محاولة اغتياله؟ الجواب ليس عند البابا‪ ,‬وإنما‬
‫لدى العديد من خبراء السياسة الوروبية الذين يكادون يجمعون على علقة‬
‫سرية باتت معلومة لدى قطاع عريض من الخبراء‪ ،‬تجمع ما بين يوحنا بولس‬
‫وجهاز الستخبارات المريكي‪ ,‬جرى تفعيلها مبكرًا‪ ،‬وبدت أول نتائجها في‬
‫الزيارة التي قام بها كارلو في العام ‪ 1978‬لبلده الثاني بولندة‪ ,‬داقّا ً هناك‬
‫أولى مسامير الكنيسة الكاثوليكية في نعش الشيوعية‪.‬‬
‫والخطة كانت محكمة؛ بولندة ذات الثمانية والثلثين مليون نسمة ‪-‬هم الكثر‬
‫كثافة سكانية بين دول أوربا الشرقية‪ ،‬مقر حلف وارسو‪ ,‬قاعدة اليهود‬
‫الخلفية في أوربا ومفرزة الزعماء الصهاينة‪ ,-‬من هناك تحرك البابا‪ ,‬ومن‬
‫هناك أطلق عباراته النارية‪' :‬إن المسيح ل يقبل أن يكون النسان أداة إنتاج‬
‫فقط‪ ،‬فعلى العامل ورب العمل والدولة والكنيسة نفسها أن يتذكروا أنه ل‬
‫يمكن فصل المسيح عن عمل النسان'‪ ,‬فلتعوا الدرس أتباع منظمة تضامن‬
‫'ليخ فاونسا' الزعيم العمالي المثير للجدل‪ ،‬والذي أضحى بعد ُ زعيما ً لبلده‬
‫كلها‪:‬‬
‫إن المسيح يحارب الشيوعية‪ ,‬ل تكونوا اشتراكيين‪ ,‬نفهم من الكاهن الكبر‪..‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الجموع المحتشدة لم تأكل من عزيمتها و'إيمانها' السنون‪' :‬نريد الله في‬
‫مدارسنا‪ ،‬نريد الله في منازلنا‪ ،‬الله هو ربنا'‪..‬‬
‫ً‬
‫البابا السابق المسموم كان نصيرا ً للعمال والفلحين‪ ,‬لم يكن مناسبا للمرحلة‬
‫فلفظته المرحلة والحياة على حد سواء‪ ,‬ذاك كارلو أنضج فكرا ً وأنسب‬
‫للمرحلة بجذوره الشرقية العريقة وتطلعاته نحو الديمقراطية‪ .‬وعلى ذكر‬
‫الديمقراطية؛ فتلك ليست تدخل ً من الكهنوت في الدنيا ول تنطبق عليها 'دع‬
‫ما لقيصر لقيصر‪ ,‬وما لله لله'‪ ,‬وإنما‪' :‬إن على الكنيسة مشاركة الشعب في‬
‫كفاحه من أجل الديموقراطية'‪ ,‬قال البابا‪..‬‬

‫‪34‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فالديمقراطية إذن ليست نظرية سياسية تجعل للكنيسة سلطانا ً سياسيًا‪,‬‬
‫هكذا أريد للكاثوليكية في تلك اللحظة أن تنطق‪ ,‬ليأتي بعدها الرئيس‬
‫المريكي لـ'يبشر' العالم بالديمقراطية‪ ,‬ويعطف على كلم البابا الكاثوليكي‬
‫كلم رهبان البيت البيض البروتستانتيين‪ ,‬حين بدا الحيز الفكري بينهما ضيقا ً‬
‫بـ'فضل' البابا الذي جمع الشمل ك ٌ‬
‫ل في 'حب إسرائيل'‪) .‬للتذكرة فقط‪,‬‬
‫فالبابا جاء متزامنا ً مع انتخاب رونالد ريجان اليميني رئيسا ً للوليات المتحدة(‪.‬‬
‫البابا ليس كشيخ الزهر ‪-‬الذي يتمنى على الله أن يمن على الول بالشفاء‪,-‬‬
‫له دور سياسي عملق‪ ,‬ألم تر إلى المذيع بالتليفزيون المريكي حين قال‬
‫متحدثا ً عن 'معجزات' البابا‪' :‬في سنة واحدة أسقط عيدي أمين‪ ,‬وأحل حاكما ً‬
‫مسيحيا ً محله وأسقط بوكاسا الحاكم الفريقي المسيحي الذي تجرأ واعتنق‬
‫السلم‪ ،‬أسقطته قوات أكبر دولة كاثوليكية في العالم'‪..‬‬
‫ً‬
‫ودور الرجل في تقويض أركان الشيوعية ل ينكر‪ ,‬تحدث ‪-‬كما ذكرنا آنفا‪ -‬عنه‬
‫كثير من المحللين والكتاب‪ ,‬منهم صاحبا كتاب ' صاحب القداسة' اليطاليان‬
‫اللذان أثبتا فيه العلقة المريبة التي تربط هذا الرجل بجهاز ‪.C.I.A‬‬
‫بيد أننا نعطف بتلك الحادثة المريبة التي تدل على حماسة الرجل ضد‬
‫الشيوعية والشتراكية‪ ,‬وهي بعيدة لكنها قريبة المعنى‪ ,‬في نيكاراجوا حيث‬
‫تورط كاردينال كاثوليكي في النخراط في حكومة شيوعية كوزير للثقافة‪,‬‬
‫عندها لما زاره البابا لم يكترث بتوسلت الكاردينال آرنست التي أبدى فيها‬
‫ولءه للكنيسة‪ ,‬لكن 'الحبر العظم' بكل 'سماحة' وّبخه وأهانه أمام عدسات‬
‫التلفزة‪ ،‬معّنفا ً له على تورطه في حكومة شيوعية )لعل المشهد هذا في‬
‫'تسامحه الديني' يشابه ما أثبتته الصحافة المصرية شبه الرسمية لشيخ‬
‫الزهر وهو يصفع أحد الحضور لخطبة الجمعة التي كان يلقيها بالجامع لما‬
‫اعترض عليه !!(‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫خل استخباريا لفتا للبابا في‬
‫وإذا بعدنا عن الشيوعية ودور البابا‪ ,‬لمسنا تد ّ‬
‫الشرق الوسط‪ ,‬وّثقه تقرير هام للمركز العلمي الفلسطيني من بيت لحم‪,‬‬
‫ن البابا يوحنا بولس السادس‪ ،‬يملك أحد أكبر أجهزة‬
‫جاء فيه‪' :‬من المثير أ ّ‬
‫جمع المعلومات في الراضي الفلسطينية‪ ،‬حيث تزّود الكنائس الكاثوليكية‬
‫ي‪ ،‬و إن‬
‫ل تفصيل ّ‬
‫ي الفاتيكان بأحداث الراضي الفلسطينية و بشك ٍ‬
‫ل يوم ّ‬
‫بشك ٍ‬
‫كان ل يعرف من يستفيد من هذه المعلومات و تحليلها في النهاية'‪ .‬وإن كان‬
‫دعي علمه بالجهة المستفيدة‪ ،‬فإنه على أفضل الحوال حين يكون‬
‫التقرير ل ي ّ‬
‫الفاتيكان مستق ً‬
‫ل‪ ،‬فإنه حينئذ يعد من الجهات الستخبارية‪ ،‬وإل عُد ّ ‪-‬على أسوأ‬
‫الفروض‪ -‬من توابعها 'الستعمارية'‪..‬‬
‫الثالث‪ :‬تحريك قوافل التنصير بأسرع وتيرة شهدتها الكنيسة من أيام الحتلل‬
‫المباشر في القرنين المنصرمين‪:‬‬
‫ليس لدينا إحصاءات دقيقة‪ ,‬لكن بالمكان أن نزعم أن هذا البابا هو أكثر‬
‫بابوات روما من حيث عدد جولته التنصيرية‪ ,‬وغير التنصيرية‪ ,‬فنادرا ً ما تعثر‬
‫على بقعة مهمة في المعمورة لم 'تحظ' بزيارة البابا‪ ,‬ل سيما تلك المسلمة‬
‫التي لم يكن بسهولة متاحا ً من قبل أن يتطلع لزيارتها البابا‪ ,‬كأرض الشام‬
‫المباركة ‪-‬التي كانت مطمع الحملت الصليبية دوما ً وقد زارها إبان احتفالت‬
‫انصرام اللفية الثانية‪ ,-‬وأرض الكنانة التي استقبله فيها سيد طنطاوي وقت‬
‫أن كان مفتيا ً للديار المصرية‪ ,‬وإفريقيا بطولها وعرضها‪ ,‬ل سيما زيارته‬
‫ب فيها لجله صليبا ً في‬
‫للسودان )أو أرض السود( أوائل التسعينات‪ ،‬التي ن ُ ِ‬
‫ص َ‬
‫الساحة الخضراء بطول ‪ 12‬مترًا‪.‬‬
‫وجولته لـ نيجيريا وبنين والجابون وغينيا الفريقية‪.‬‬
‫‪35‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ث أنصاره أن يسيحوا في الرض‬
‫ن عن ح ّ‬
‫والرجل لما أقعده المرض‪ ،‬لم يتوا َ‬
‫مسين خطاه‪ ,‬في تسونامي دعا المنظمات التنصيرية إلى السراع إلى‬
‫متل ّ‬
‫هناك بعد حدوث الزلزال مباشرة‪ ,‬فكانوا هناك بعد قليل من ذلك لم يؤخرهم‬
‫روتين ول إجراءات معقدة‪ ,‬فلقاهم المنكوبون قبل أن ينحسر المد‪.‬‬
‫صرين قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫وفي دارفور لما اعتراها ما اعتراها‪ ،‬خاطب البابا جمعا ً من المن ّ‬
‫'إنني أحدثكم عن دار فور‪ ،‬تلك المنطقة التي تشهد كارثة إنسانية وهي‬
‫موا إليها إنها بحاجة إلى كلمة المسيح'‪ ,‬وفي كل‬
‫بحاجة إلى صلواتكم‪ ،‬هل ّ‬
‫مكان تعّرض لمشكلة من ديار السلم كان البابا هناك أو العديد من أتباعه‪..‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫وليس من عجب أن تقفز عدد المنظمات التنصيرية من ‪ 15‬ألف منظمة إلى‬
‫‪ 27‬ألفا ً في عهده‪ ,‬وهو صاحب التصريح 'لبد أن يتنصر العالم'‪ ,‬وإذا كان‬
‫المسلمون في ازدياد والكاثوليك في تناقص؛ فإن ذلك يصبح آكد‪.‬‬
‫وإذ المر كذلك‪ ،‬فإن الرجل يصبح يسير في اتجاه ل يلتقي أبدا ً مع طموحات‬
‫وتطلعات لجان الحوار بين الديان المنبثقة عن الزهر‪ ،‬وتصبح تمنيات شيخ‬
‫الزهر له بالشفاء العاجل محل تأمل‪..‬‬
‫أما نحن‪ ,‬فلن نصلي أبدا ً من أجل البابا!!‬
‫)‪(4 /‬‬
‫أيهما أخطر؟!‬
‫الكاتب‪ :‬الشيخ أ‪.‬د‪.‬عبد الله قادري الهدل‬
‫كان العراق يرزح تحت نظام حكم استبدادي "دكتاتوري" يتربع على قمته‬
‫شخص واحد‪ ،‬يأمر وينهى ويسجن ويعتقل ويقتل‪ ،‬ويتصرف في شئون‬
‫الشعب الداخلية والخارجية السلمية والحربية‪ ،‬لم تنج من عدوانه طائفة دون‬
‫أخرى‪ ،‬بل لم ينج منه أعوانه وبعض أقاربه وأسرته‪.‬‬
‫هذا الستبداد وهذه الدكتاتورية كانت دكتاتورية فرد واحد في كل أنحاء‬
‫العراق وفي خارجه‪ ،‬لم يكن يجرؤ على الوقوف أمام جبروته أحد من أعوانه‬
‫سواء كانوا مدنيين أو عسكريين‪ ،‬ومعلوم ما ترتب على استبداده من آثار‬
‫خطيرة على شعبه وعلى الشعوب المجاورة‪ ،‬ولكن استبداده "دكتاتوريته"‬
‫كانت سهل الفهم سهلة الزالة للقادرين عليها‪.‬‬
‫وكانت الدارة المريكية في حرب الخليج الثانية قادرة على تلك الزالة بعد‬
‫انتصارها على القوات العراقية في حرب الخليج الثانية‪ ،‬لن المستبد مني‬
‫بخسائر فادحة وهزيمة منكرة‪ ،‬وكانت القوات التي سميت بـ)قوات التحالف(‬
‫ل زالت مسيطرة على المنطقة وكانت قادرة على دخول العاصمة بغداد‬
‫والقضاء على المستبد "الدكتاتور"ولكنها لم تفعل ذلك‪ ،‬بل تركته في مكانه‬
‫يتصرف كما يشاء في شعبه ويهدد بتصريحاته جيرانه‪.‬‬
‫وبدل من القضاء عليه في حينه‪ ،‬خططت لضعاف الشعب المظلوم وحرمانه‬
‫من أقل ما يجب له من حقوق النسان‪ ،‬من الغذاء والدواء والتعليم والمن‬
‫بصفة عامة‪ ،‬لمدة عشر سنوات‪.‬‬
‫وهي في تلك الفترة تحيك المؤامرة ـ ليس على الشعب العراقي وحده ـ‬
‫وإنما على شعوب المنطقة كلها‪ ،‬واضعة تحقيق أهدافها في هذه الشعوب‪،‬‬
‫العراق أنموذجا ومثال يحتذى بعد نجاح خطتها فيه لما تريد تطبيقه في بقية‬

‫‪36‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الشعوب العربية‪.‬‬
‫واتخذت لشرعية عملها في العراق وسائل ودعاوى كاذبة‪ ،‬وأعظمها دعوى‬
‫أن نظام العراق يملك أسلحة دمار شامل يهدد بها جيرانه ـ ومعلوم أن المراد‬
‫بجيرانه هنا عام قصد به الخاص وهي الدولة اليهودية التي كانت ترتعد‬
‫فرائصها من الجيش العراقي الذي يعد أقوى جيش في المنطقة ـ واستبدت‬
‫القيادة الصليبية المريكية بالمر‪ ،‬وداست على تقرير "لجنة تقصي الحقائق"‬
‫التي صرحت بأنها لم تجد في العراق أسلحة دمار شامل‪ ،‬كما داست على‬
‫قرارات هيئة المم المتحدة ـ وبخاصة معارضة بعض الدول الكبرى في‬
‫مجلس المن للغزو المريكي للعراق ـ وأخذت تجمع عملءها من العراقيين‬
‫الذين تربى كثير منهم في مقر المخابرات المريكية "‪ " C.I.A‬وبعض قادة‬
‫الطوائف الحاقدة على غيرها في العراق وفي المنطقة العربية المجاورة‪ ،‬مع‬
‫ما يغلب على ظننا أنها تواطأت معها بعض الدول المجاورة للعراق الطامعة‬
‫في تحويله إلى دولة طائفية تتفق مع مبادئ تلك الدولة وأهدافها‪.‬‬
‫وهدف القيادة المريكية من ذلك كله‪ ،‬إيجاد حكم مستبد "دكتاتوري" جماعي‬
‫معقد يدمر العراق ويجزئه تجزئة يصعب معها توحيده كما تصعب إزالة‬
‫الستبداد الجماعي المعقد‪.‬‬
‫إن هذا الستبداد الجماعي المعقد في العراق يتكون من عناصر من‬
‫المخططين اليهود والقادة الصليبيين من المريكان‪ ،‬ومن بعض الدول‬
‫المجاورة وطوائفها ذات المراجع المحركة لها في داخل العراق وخارجه‪،‬‬
‫ومن بعض الحزاب العراقية ـ في الشمال ـ المتعاونة مع الجميع لمآرب‬
‫خططت ول زالت تخطط لتحقيقها‪.‬‬
‫وهذا الستبداد الجماعي المعقد ينصب على طائفة معينة هي أهل السنة‬
‫الذين وجدت أمريكا منهم الصمود والمقاومة الجهادية التي أقضت مضجعها‬
‫في أفغانستان وفي فلسطين ضد الحليف المدلل "اليهود" وفي العراق الذي‬
‫ظنوا أنهم بعد دخوله بسهولة وإسقاط صنم المستبد "الدكتاتور" السابق قد‬
‫حققوا هدفهم وهو احتلل العراق والعبث به كما يريدون‪.‬‬
‫ومن أهم مظاهر هذا الستبداد الجماعي المعقد اصطفاف القوات المريكية‬
‫وألوية ما سمي بالجيش العراقي في جحافل موحدة لقتل أهل السنة في‬
‫محافظاتهم ومدنهم وقراهم ومنازلهم‪ ،‬وبخاصة في المناسبات التي يرغب‬
‫الفريقان المعتديان تحقيقها في غياب أهل السنة وتحييدهم عن أي مشاركة‬
‫إيجابية في الشأن السياسي العراقي‪ ،‬كما حصل في النتخابات السابقة التي‬
‫جرت في وقت تحترق فيه الفلوجة وغيرها من مناطق أهل السنة‪ ،‬وكما هو‬
‫الحال الن في الستفتاء على الدستور تحت أزيز الطائرات وصواريخ‬
‫الدبابات على الرمادي وغيرها‪.‬‬
‫إنهما استبدادان‪ :‬أحدهما فردي سهل الفهم وسهل الزالة وهو النظام‬
‫العراقي السابق‪ ،‬واستبداد جماعي معقد هو الستبداد اليهودي الصليبي‬
‫الطائفي الحزبي في العراق‪ ،‬فأي الستبدادين أخطر عند أولي اللباب‬
‫)‪(1 /‬‬
‫أيهما أفضل الطلق أم المسامحة؟‬
‫مفكرة السلم ‪ :‬هل تعرف ما هي أخطر علقة إنسانية ؟‬
‫العلقة الزوجية هي من أخطر العلقات النسانية لماذا ؟‬
‫وذلك لنها هي العلقة الوحيدة التي تحدد مستقبل وتاريخ المجتمع بل المة‬

‫‪37‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بأكملها‪.‬‬
‫فالستقرار السري الذي ينتج عن تفاهم وحب ونجاح في العلقة بين‬
‫الزوجين يعطي المجتمع أولًدا منتجين ومتوازنين وبه يعمر الكون وتزدهر‬
‫حا ثم تظهر بعد ذلك العوائق والعقبات‬
‫الدنيا ‪ ,‬لكن الزواج الناجح قد يبدأ ناج ً‬
‫والمشكلت ‪ ،‬وإن لم نحسن التعامل مع هذه المشكلت فستكون حجر عثرة‬
‫أمام النجاح السري‪.‬‬
‫ومن هذه المشكلت عدم الولء للسرة ‪ ،‬فعندما ُتفقد المصداقية والولء فإن‬
‫بنيان السرة يهتز بل وسيتحطم‪.‬‬
‫إن كثيًرا من الزواج ل يحاولون مواجهة التغيرات والتوترات التي تنشا في‬
‫حياتهم ‪ ،‬وإنما يتركون المور تتراكم حتى تصل إلى حد ل ُيحتمل ‪ ،‬والمشكلة‬
‫أنه يصعب على النسان أن يتكلم بهدوء وموضوعية عندما يكون شديد‬
‫النزعاج والغضب ‪ ،‬فنجد الزواج هنا بدل ً من أن يحددوا وقًتا مناسًبا للحديث‬
‫الهادئ والشامل ‪ ،‬فإنهم يحاولون التنفيس عما في أنفسهم من النزعاج‬
‫والغضب بالكلم عن عوارض المشكلة وبسرعة ‪ ،‬وفي أوقات غير مناسبة ‪،‬‬
‫مما يزيد في المشاعر والمواقف السلبية بين الطرفين‪ ...‬إن المشكلت التي‬
‫ل تعالج بشكل سليم تخّرب كل ما هو جيد وحسن في العلقات الزوجية‪.‬‬
‫ول شك هنا أن أسلوب تفكير النسان في تضخيم الحدث وجعله مشكلة‬
‫دا أو أنه يمكنه التعامل مع الحدث بروح معنوية عالية له أثره في‬
‫كبيرة ج ً‬
‫علج المشكلة ‪ ،‬فل يوجد شيء في علج المشاكل الزوجية اسمه مستحيل ‪،‬‬
‫والنسان يستطيع بما أتاه الله من علم وإرادة أن يذلل الصعوبات ويعالج‬
‫المشكلت ‪ ،‬وإذا لم يستطع أن يعالج المشكلة من جذورها فليحاول احتواء‬
‫المشكلة واستيعابها فإن ذلك يخفف عليه وطء المشكلة‪.‬‬
‫ولبد عند التعامل مع المشكلة التي نحن بصددها وهي الخيانة الزوجية‬
‫ما من الحفاظ على عدة أمور‪:‬‬
‫والمشاكل الزوجية عمو ً‬
‫* النظرة الصحيحة للمشاكل الزوجية‪.‬‬
‫* إعطاء المشكلة حجمها الطبيعي‪.‬‬
‫* عدم تضخيم المشكلة أو تعقيدها‪.‬‬
‫* النظر إلى الجانب اليجابي في المشاكل الزوجية‪.‬‬
‫* التعامل مع المشاكل السرية بنفسية مطمئنة أي‪ :‬الرضا بقضاء الله‬
‫والصبر على البتلء‪.‬‬
‫والسؤال الن في حال اكتشاف خيانة الزوج ماذا تفعل الزوجة ؟‬
‫هل تطلب الطلق أم تسامح الزوج وتبدأ حياتها من جديد ؟‬
‫ونحن نرى أنه في حال اكتشاف خيانة الزوج أول ً على المرأة أن تتماسك‬
‫وتبتعد عن الغضب الشديد الذي يطيح بالبيت ولتعلم أن المرأة الذكية ل‬
‫يمكنها فقط أن تحتفظ بزوجها بل يكون في استطاعتها أن تستعيده إليها‬
‫حتى لو انزلق نحو امرأة أخرى‪.‬‬
‫ول شك أن المحبة والود الصادق كفيل بأن يضمد الجراح مهما كانت عميقة ‪،‬‬
‫وجزاء الزوجة التي تتمتع بهذا القدر الكبير من ضبط النفس عادة ما يكون‬
‫مضاعفة حب زوجها له‪.‬‬
‫إذن الستر أولى‪:‬‬
‫إذا كان الزوج ُيرجى منه خير ورجع وندم وتاب عن فعلته ‪ ،‬فإنه يستحب أن‬
‫تستر عليه زوجته ول تفضح أمره ‪ ،‬وعليها أن تنصحه وتذكره بالله؛ لقوله‬
‫ما ستره الله يوم‬
‫صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‪]] :‬من ستر مسل ً‬
‫القيامة[[‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صا‬
‫فالستر مستحب للغريب فما بالنا بالقريب ‪ ,‬فإن الستر هنا أولى وخصو ً‬
‫لما يترتب على الفضيحة من ضرر نفسي واجتماعي للبناء عند افتضاح أمر‬
‫أبيهم‪.‬‬
‫ونحن نقول للزوج‪ :‬حتى وإن أسهمت الزوجة ولو بقدر من السلبية والبتعاد‬
‫وجدانًيا عن الزوج أو بإهمال في جانب من الجوانب ‪ ،‬فإن هذا ليس مبرًرا‬
‫للخيانة الزوجية ‪ ،‬أليس من الولى أن يلجأ هذا الزوج إلى النصح والرشاد‬
‫للزوجة لتهتم بنفسها مثل ً وبيان أهمية ذلك في تقوية العلقة بينهما ‪ ،‬كما‬
‫عليه أن يوفر لزوجته خادمة لتساعدها في المنزل إن استطاع ويشجعها‬
‫ويثني عليها عندما يراها جميلة ومهتمة ‪ ،‬ويفصح لها كيف يريدها أن تكون‬
‫سواء في لبسها وشعرها وغير ذلك من الجوانب التي تلفت نظره فيكون‬
‫دا مع زوجته فيما يريده منها‪.‬‬
‫أكثر تحدي ً‬
‫فقد تكون الزوجة غافلة عن هذه المور ‪ ،‬أو قد ل تعير بعض المور أهمية‬
‫كبرى مع أنها تمثل أهمية كبيرة لدى الزوج ولبد للمرأة أن تهتم بتفهم‬
‫ضا على الزوج تفهم ذلك وتعلم الحتياجات العاطفية‬
‫سيكولوجية زوجها وأي ً‬
‫والفسيولوجية أمر ضروري لستمرار العلقة الزوجية‪.‬‬
‫الطلق أولى‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫أما إذا كان الزوج عاصًيا لربه ‪ ،‬خائن لنفسه ولزوجه ‪ ،‬يترك الصلة أو يؤخرها‬
‫عن مواقيتها ويتخلف عن الجماعة ‪ ،‬ويطيل السهر على الشاشات مع الفلم‬
‫الخليعة والمناظر الهابطة التي تزرع الشر في القلوب وتدفع إلى ارتكاب‬
‫المعاصي ‪ ،‬أو إذا كان الزوج يتعاطى المخدرات أو غيرها ‪ ،‬ومن الطبيعي أن‬
‫تتوفر فيه صفات اللمبالة والستهتار وإهمال الزوجة والبناء فهنا لبد من‬
‫تدخل من ُيردع هذا الزوج ‪ ،‬وللزوجة أن تطلب مساعدة ومشورة من تثق به‬
‫كأن يكون هذا الشخص كبير وحكيم في السرة ‪ ،‬أو أخصائي نفسي أو‬
‫متخصص في الستشارات السرية لديه خبرة في معالجة مثل هذه‬
‫المشاكل‪.‬‬
‫فإذا لم يصل الزوجان إلى حل لهذه المشكلة ‪ ،‬وكان من المستحيل الحياة‬
‫مع مثل هذا الزوج فللزوجة أن تطلب الطلق لتفر بنفسها وأولدها من هذا‬
‫الزوج الضائع‪.‬‬
‫الطلق‪ ...‬أم المسامحة؟ ]‪[2‬‬
‫مفكرة السلم ‪ :‬إذا لم يتوافر الشعور بالمان لدى كل من الزوجين ‪ ،‬فإن‬
‫الولء للمؤسسة الزوجية سينتهي حتما لعدم شعور أحدهما بالمان تجاه‬
‫الخر والطمئنان له ‪ ,‬ولعل حاجة المرأة للشعور بالمان أكثر منها بالنسبة‬
‫للرجل‪.‬‬
‫ولكن عندما يصعب على الزوجين حل المشكلة والتفاهم فيما بينهما واتخاذ‬
‫كل سبل العلج والسعي للصلح بينهما ‪ ،‬وإذا استحالت الحياة ووقع الضرر‬
‫عليهما بسبب خيانة الزوج فهو ل يريد زوجته وهي أيضا ل تريده زوجا لها‬
‫فكما يقال‪ ]] :‬فإن آخر الدواء الكي[[ ‪ ,‬أي الطلق‪.‬‬
‫قال تعالى‪ ]] :‬وإن يتفرقا يغن الله كل من سعته [[‪.‬‬
‫المسامحة والتغيير‬
‫وذلك بأن يحاول كل طرف أن يكون المبادر أول إلى المسامحة والعفو ‪,‬‬
‫وذلك بعد التأكد من انتهاء هذه المشكلة وصلح حال الزوج والرجوع إلى‬

‫‪39‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫طريق الجادة‪.‬‬
‫وغالبا نرى في المشاكل الزوجية أن الزوجين قد ل يصلون إلى قناعة واحدة‬
‫في معرفة من هو المخطئ ومن هو المصيب في موقف معين فنرى كل من‬
‫الزوجين يلوم الخر‪ ،‬ويحاول النتصار لنفسه وهو الدفاع عنها ‪ ،‬والنتقام من‬
‫الخر وكشف عيوبه وتقصيره وقد يكون آخر ما يخطر في ذهن الواحد منهما‬
‫في هذا الموقف أن يعذر الخر ويسامحه‪.‬‬
‫إن المسامحة والمغفرة تحتاج إلى قرار فالمعذرة ليسب مجرد عواطف ‪،‬‬
‫وإنما موقف وقرار وتنفيذ وقد يبقى النسان منفعل وغضبانا حتى بعد‬
‫المسامحة وهذا أمر معتاد إن من السهل أن يقول الواحد‪] :‬فاعف واصفح[‬
‫ولكن التطبيق شيء آخر‪.‬‬
‫ومن الصعوبة أيضا نسيان الساءة وتجاوزها ولكنه مع ذلك يستطيع أن يتخذ‬
‫ذلك القرار ويتجاوز الساءة ويسعى إلى تحديد موعد للجلوس والحديث‬
‫الهادئ في موضوع الخلف ‪ ،‬للتخفيف من المشاعر السلبية ‪ ،‬والسعي لعدم‬
‫احتمال تكرر ما حدث وعادة ما يساعد هذا الحديث على زيادة فهم كل منهما‬
‫للخر ويمكنهما من تحسين الحوار بينهما‪.‬‬
‫ولبد بعد هذا أن يقرر كل منهما بأنه لن يعود لذكر الموضوع في ساعات‬
‫الغضب والختلف وقد يحتاج الزوجان بعد ذلك لبعض الوقت لتتعمق بينهما‬
‫مشاعر الثقة والطمئنان ‪ ,‬ومع المسامحة لبد من التغيير والتغيير يأتي من‬
‫الداخل ل من الخارج يقول تعالى‪ ]] :‬إن الله ل يغير ما بقوم حتى يغيروا ما‬
‫بأنفسهم[[‪.‬‬
‫وهناك مثل حديث يضرب في ذلك‪:‬‬
‫]] شاب في العشرين من عمره قرر أن يغير العالم كله خلل عشرين سنة‪.‬‬
‫وبعد عشرين سنة وحينما صار في الربعين من عمره وجد صعوبة ذلك ‪ ،‬وأنه‬
‫لم يستطع أن يغير العالم فقرر أن يغير بلده خلل عشرين عاما‪.‬‬
‫وبعد عشرين عاما وحينما صار في الستين من عمره وجد أنه لم يصنع شيئا ‪،‬‬
‫فقرر أن يغير من مدينته خلل عشرين عاما‪.‬‬
‫وبعد عشرين عاما وحينما صار في الثمانين من عمره ‪ ،‬قرر أن يغير من‬
‫أسرته‪.‬‬
‫وبعد عشرين عاما وحينما صار في المائة من عمره ‪ ،‬ووجد أنه لم يغير شيئا‬
‫اكتشف أخيرا الحقيقة المرة ]]أن التغيير يبدأ من الذات[[‪.‬‬
‫تعتقد كثير من الزوجات أنها تحاول تغيير زوجها وتطلب منه التغيير ولكن‬
‫دون جدوى ول تفكر هي في تغيير نفسها لتتعامل مع هذا الزوج ‪ ,‬وعلى‬
‫الزوجة أن تنظر لنفسها وتكتب عيوبها وتحاول تغييرها ولكن من الصعب‬
‫على النسان أن يلتفت لنفسه والسهل منه أن ينظر إلى الخرين ويتهمهم‪.‬‬
‫إن التغيير النفسي هو طريق السعادة الزوجية‪ .‬وانظر معي عزيزي القارئ‬
‫إلى هذه القصة الطريفة‪:‬‬
‫أراد شخص أن يدفع الحصان من الخلف إلى المام بضعة أمتار والحصان‬
‫ثابت متصلب يرفض أن يتقدم فرأى الخيال هذا المشهد‬
‫فقال الخيال للرجل‪ :‬هل تسمح لي أن أقدمه لك ؟‬
‫قال‪ :‬تفضل ‪ ،‬فذهب الخيال أمام الحصان ووضع إصبعه البهام في فمه وبدأ‬
‫الحصان يلمس إصبعه وبدأ الخيال يقدم إصبعه والحصان يتبعه إلى المام ثم‬
‫أوقفه عند الهدف المنشود والرجل ينظر إليه باستغراب شديد‪.‬‬
‫ثم التفت الخيال إلى الرجل قائل‪] :‬إذا أردت أن تحرك الحصان ففكر فيما‬
‫يحبه هو ل فيما تريد أنت[‪.‬‬
‫‪40‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نخلص من ذلك بقاعدتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬تغيير الذات لتغيير الخرين‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬فهم النفسية وما يريد الخر ‪ ،‬ومعرفة ما يحب كل طرف وما يكره‬
‫واستثمار ذلك في فن احتواء المشاكل الزوجية‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫أيهما قتل الخر‬
‫أ‪.‬د‪/‬ناصر بن سليمان العمر ‪4/1/1423‬‬
‫‪18/03/2002‬‬
‫جاء في صحيح مسلم عن صهيب أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‬
‫مل ِ ٌ‬
‫ن كان قبلكم ‪ ،‬وكان له ساحٌر ‪ ،‬فلما كبر قال للملك ‪:‬‬
‫ك في َ‬
‫قال ‪ )):‬كان َ‬
‫م ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ي غلما أعلمه السحر ‪ ،‬فبعث إليه غلما يعلمه ‪ ،‬فكان‬
‫إني قد كبر ُ‬
‫ت فابعث إل ّ‬
‫في طريقه إذا سلك راهب ‪ ،‬فقعد إليه وسمع كلمه ‪ ،‬فأعجبه ‪ ،‬فكان إذا أتى‬
‫الساحَر مّر بالراهب وقعد إليه ‪ ،‬فإذا أتى الساحَر ضربه فشكا ذلك إلى‬
‫ت الساحَر فقل حبسني أهلي ‪ ،‬وإذا خشيت أهلك‬
‫الراهب ‪ ،‬فقال ‪ :‬إذا خشي َ‬
‫فقل حبسني الساحر ‪ ،‬فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست‬
‫س ‪ ،‬فقال ‪ :‬اليوم أعلم الساحُر أفضل أم الراهب أفضل ؟ فأخذ حجرا ً‬
‫النا َ‬
‫ب إليك من أمر الساحر فأقتل هذه‬
‫أح‬
‫ب‬
‫الراه‬
‫أمر‬
‫كان‬
‫إن‬
‫م‬
‫الله‬
‫‪:‬‬
‫فقال‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ب‬
‫س ‪ ،‬فأتى الراه َ‬
‫س ‪ ،‬فرماها فقتلها ‪ ،‬ومضى النا ُ‬
‫الدابة حتى يمضي النا ُ‬
‫ي ‪ ،‬أنت اليوم أفضل مني ‪ ،‬قد بلغ من‬
‫فأخبره ‪ ،‬فقال له الراهب ‪ :‬أيْ ُبن ّ‬
‫ت فل تد ّ‬
‫م ي ُْبرئ‬
‫ي ‪ ،‬وكان الغل ُ‬
‫أمرك ما أرى ‪ ،‬وإنك سُتبتلى ‪ ،‬فإن ابُتلي َ‬
‫ل عل ّ‬
‫ال ْ‬
‫س للملك كان‬
‫كم َ‬
‫س من سائر الدواء ‪ ،‬فسمع جلي ٌ‬
‫ه والبرص ويداوي النا َ‬
‫ي ‪ ،‬فأتاه بهدايا كثيرة ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني ‪،‬‬
‫قد عم َ‬
‫ً‬
‫ه‬
‫ت الل َ‬
‫ه فإن أنت آمنت بالله دعو ُ‬
‫فقال ‪ :‬إني ل أشفي أحدا إنما يشفي الل ُ‬
‫َ‬
‫ه ‪ ،‬فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس ‪،‬‬
‫فشفاك فآمن بالله فشفاه الل ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب غيري ؟‬
‫ن رد ّ عليك بصَرك ؟ قال ‪ :‬رّبي ‪ ،‬قال ‪ :‬أوَ لك ر ّ‬
‫فقال له الملك ‪َ :‬‬
‫م ْ‬
‫ذبه حتى د ّ‬
‫قال ‪ :‬ربي وربك الله ‪ ،‬فأخذه فلم يزل يع ّ‬
‫ل على الغلم ؛ فجيء‬
‫بالغلم ‪ ،‬فقال له المل ُ‬
‫ك ‪ :‬أي بني قد بلغ من سحرك ما ت ُْبرئُ الكمه والبرص‬
‫ه ‪ ،‬فأخذه فلم يز ْ‬
‫ل‬
‫وتفعل وتفعل ‪ ،‬فقال ‪ :‬إني ل أشفي أحدا ً إنما يشفي الل ُ‬
‫يعذبه حتى د ّ‬
‫ل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له ‪ :‬ارجع عن دينك ‪،‬‬
‫قه به حتى وقع‬
‫فأبى ‪ ،‬فدعا بالمئشار فوضع المئشاَر في مفرق رأسه فش ّ‬
‫قاه ‪ ،‬ثم جيء بجليس الملك فقيل له ‪ :‬ارجع عن دينك فأبى ‪ ،‬فوضع‬
‫ش ّ‬
‫المئشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ‪ ،‬ثم جيء بالغلم فقيل له‬
‫‪ :‬ارجع عن دينك ‪ ،‬فأبى ‪ ،‬فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه ‪ ،‬فقال ‪ :‬اذهبوا به إلى‬
‫جبل كذا وكذا ‪ ،‬فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإل‬
‫فاطرحوه ‪ ،‬فذهبوا به فصعدوا به الجب َ‬
‫ت‪،‬‬
‫ل ‪ ،‬فقال ‪ :‬اللهم اكفنيهم بما شئ َ‬
‫فرجف بهم الجب ُ‬
‫ل فسقطوا ‪ ،‬وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ‪ :‬ما‬
‫ه ‪ ،‬فدفعهم إلى نفر من أصحابه ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫فعل أصحابك ؟ قال ‪ :‬كفانيهم الل ُ‬
‫اذهبوا به فاحملوه في قرقور ‪ ،‬فتوسطوا به البحَر ‪ ،‬فإن رجع عن دينه وإل‬
‫ت ‪ ،‬فانكفأت بهم السفينة ‪،‬‬
‫م اكفنيهم بما شئ َ‬
‫فاقذفوه فذهبوا به ‪ ،‬فقال ‪ :‬الله ّ‬
‫فغرقوا ‪ ،‬وجاء يمشي إلى الملك ‪ ،‬فقال له الملك ‪ :‬ما فعل أصحابك ؟ قال ‪:‬‬
‫ت بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ه ‪ ،‬فقال للملك ‪ :‬إنك لس َ‬
‫كفانيهم الل ُ‬
‫س في صعيد واحد ‪ ،‬وتصلبني على جذع ثم خذ‬
‫وما هو ؟ قال ‪ :‬تجمع النا َ‬
‫‪41‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫سهما ً من كنانتي‪،،،‬‬
‫ب الغلم ‪ ،‬ثم ارمني ‪،‬‬
‫س ثم قل ‪ :‬باسم الله ر ّ‬
‫ثم ضع السهْ َ‬
‫م في كبد القو ِ‬
‫س في صعيد واحد ‪ ،‬وصلبه على جذع‬
‫فإنك إذا فعل َ‬
‫ت ذلك قتلتني ‪ ،‬فجمع النا َ‬
‫ً‬
‫م في كبد القوس ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬باسم‬
‫السه‬
‫وضع‬
‫ثم‬
‫‪،‬‬
‫كنانته‬
‫من‬
‫ا‬
‫‪ ،‬ثم أخذ سهم‬
‫َ‬
‫م في صدغه ‪ ،‬فوضع يده في صدغه‬
‫الله ر ّ‬
‫ب الغلم ‪ ،‬ثم رماه فوضع السه َ‬
‫س ‪ :‬آمنا برب الغلم ‪ ،،،‬آمنا برب‬
‫في موضع السهم فمات ‪،‬‬
‫فقال النا ُ‬
‫ُ‬
‫ي المل ُ‬
‫ت تحذُر ؟ قد ‪،‬‬
‫ت ما كن َ‬
‫ك فقيل له ‪ :‬أرأي َ‬
‫الغلم ‪ ،،،‬آمنا برب الغلم ‪ ،‬فأت َ‬
‫س فأمر بالخدود بأفواه السكك وأضرم‬
‫والله نزل بك حذُرك ‪ ،‬قد آمن النا ُ‬
‫ن لم يرجع عن دينه فأحموه فيها ‪ ،‬أو قيل له ‪ :‬اقتحم ‪،‬‬
‫النيران ‪ ،‬وقال ‪َ :‬‬
‫م ْ‬
‫ت أن تقع فيها ‪ ،‬فقال لها‬
‫ي لها ‪ ،‬فتقاعس ْ‬
‫ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صب ّ‬
‫مة اصبري فإنك على الحقّ (( ‪.‬‬
‫الغلم ‪ :‬يا أ ّ‬
‫كلما بعد الناس عن عهد النبوة ‪ ،‬ازدادت حاجتهم إلى الرجوع إلى الكتاب‬
‫والسنة ‪ ،‬يتفيئون في ظللهما ‪ ،‬ويشربون من معينهما ‪ ،‬ويهتدون بهديهما ؛‬
‫ت فيكم ما إن تمسكتم به‬
‫التزاما ً بقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ) ترك ُ‬
‫لن تضلوا بعدي أبدا ً ‪ :‬كتاب الله وسنتي ( ففيهما الشفاء والغناء والهدى ‪.‬‬
‫وفي هذه الظروف الحرجة التي تمر بها المة ؛ من تكالب أعدائها عليها‬
‫ن واليأس في قلوب بعض‬
‫ورميهم إياها عن قوس واحدة ‪ ،‬وحيث د ّ‬
‫ب الوه ُ‬
‫المسلمين ‪ ،‬وآخرون حادوا عن الحكمة ‪ ،‬وضلوا عن سواء السبيل ‪ ،‬فقد‬
‫ًًً‬
‫وأصحاب الخدود ‪ ،‬ووجدت فيه من الوقفات‬
‫ت بدراسة حديث الغلم‬
‫قم ُ‬
‫ً‬
‫والدروس والعبر ما أراه علجا ً ناجعا ً لكثير من مشكلت المة ‪ ،‬ومن هنا‬
‫رأيت أن أضع هذه الدراسة أمام أحبتي ؛ لتكون لهم زادا ً في الطريق ‪ ،‬وعونا ً‬
‫على تخطي العقبات والصعاب ‪ ،‬وتجاوز بنيات الطريق ‪ ،‬وسلوكا ً لنهج الحكمة‬
‫ت الحكمة فقد آوتي خيرا ً كثيرا ً " ‪.‬‬
‫" ومن يؤ َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫فأقول مستعينا بالله ومتوكل عليه ؛ سائل إياه التوفيقَ والسداد ‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫‪ (1‬ما أشبه الليلة بالبارحة ‪ ،‬فاستخدام السحرة من ِقبل أهل الدنيا قديم ‪،‬‬
‫وكثير من زعماء العالم ـ اليوم ـ يستخدمون السحرة وأشباه السحرة ‪ ،‬بل‬
‫إن بعض ما يتخذه هؤلء من قرارات مبني على ما يقوله السحرة ويدعونه ‪،‬‬
‫وهو ضلل وإفساد في الرض ‪ ،‬والله ل ُيصلح عمل المفسدين ‪ ،‬وكلما بعد‬
‫الناس عن الدين والهدى والوحي الصادق ؛ لجأوا إلى أمثال هؤلء السحرة‬
‫والكّهان ‪ ،‬فضلوا وأضلوا كثيرا ً وضلوا عن سواء السبيل‬
‫وها من المؤمنين إل في‬
‫‪ ( 2‬أن الرض ل تخلو من مؤمن بالله ‪ ،‬ول يكون خل ّ‬
‫ث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‬
‫آخر الزمان عند قيام الساعة ‪ ،‬وعندما ب ُعِ َ‬
‫كان هناك من الحنفاء ؛ كورقة وغيره ‪ ،‬ولذلك كان هذا الراهب على الدين‬
‫الصحيح ‪ ،‬في أمة ل تعرف لها ربا ً إل الملك ‪ ،‬مع أنه قد يكون في البلدان‬
‫ن ل نعلمهم‪.‬‬
‫الخرى من المؤمنين َ‬
‫م ْ‬
‫في النسان بدينه إذا خاف على نفسه ‪ ،‬ولذلك لم يكن الملك‬
‫‪ ( 3‬جواز تخ ّ‬
‫ً‬
‫ي(‪،‬‬
‫يعرف عن هذا الراهب شيئا ‪ ،‬ولذلك قال الراهب للغلم ) فل تدل عل ّ‬
‫فون بدينهم ‪ ،‬قال سبحانه ‪ " :‬ولول رجال‬
‫وكان في مكة أناس مؤمنون يتخ ّ‬
‫مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير‬
‫علم " ‪.‬‬
‫‪ ( 4‬أن هذا الراهب كان يعمل في السّر ؛ حيث يدعو إلى التوحيد وعبادة الله‬
‫‪42‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ ،‬وهذا من أدلة جواز العمل سرا ً إذا اقتضت المصلحة ذلك ‪ ،‬والدلة في ذلك‬
‫كثيرة جدا ً ‪ ،‬كما في دار الرقم ‪ ،‬ودعوى النسخ ل دليل عليها ‪ ،‬فالحكم يدور‬
‫مع علته وجودا ً وعدما ً ‪،‬ومن الدلة على ذلك حديث حذيفة ‪ )) :‬فابُتلينا حتى‬
‫أصبح أحدنا ل يصلي إل سرا ً (( ‪ ،‬ويدل على ذلك قوله تعالى ‪ " :‬وأوحينا إلى‬
‫موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصَر بيوتا ً واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا‬
‫الصلة وب ّ‬
‫شر المؤمنين "‬
‫ً‬
‫‪ ( 5‬جواز الكذب عند الخوف على النفس ظلما ‪ ،‬وبخاصة أمام العدو ‪.‬‬
‫ه به أمة ؛ نتاج‬
‫‪ ( 6‬أهمية التربية الفردية ؛ حيث إن هذا الغلم الذي أحيا الل ُ‬
‫تربية الراهب ‪ ،‬ومن أقوى أسباب بقاء السلم في روسيا بعد قيام الشيوعية‬
‫هو التربية الفردية سرا ً ‪ ،‬بل هكذا قام السلم أوّ ً‬
‫ل‪.‬‬
‫‪ ( 7‬ذكاء هذا الراهب وفراسته ‪ ،‬حيث تو ّّ‬
‫سم في هذا الغلم النجابة والهلية‬
‫لقيادة أمته ‪ ،‬وإخراجها من الظلمات إلى النور ‪ ،‬فكانت فراسُته في محلها ‪،‬‬
‫وتوقُّعه في موضعه‪.‬‬
‫ّ‬
‫ن ُيتوقع أن‬
‫ي المرّبون بتلميذهم ‪ ،‬ويختارون منهم َ‬
‫م ْ‬
‫وهكذا يجب أن يعتن َ‬
‫ب‬
‫دونهم لذلك كما أعد الراه ُ‬
‫يكون لهم دوٌر في قيادة أمتهم وريادتها ‪ ،‬وُيع ّ‬
‫م‪.‬‬
‫الغل َ‬
‫ن يشاء من عباده المؤمنين ‪،‬‬
‫م‬
‫يد‬
‫على‬
‫يجريها‬
‫الله‬
‫وأن‬
‫‪،‬‬
‫الكرامات‬
‫صحة‬
‫‪(8‬‬
‫ُ‬
‫َ ْ‬
‫وهي وسيلة من وسائل النصر والتأييد والتثبيت ‪ ،‬ومع أهمية اليمان بها ‪،‬‬
‫يجب البعد عن الغلو فيها ‪ ،‬والعتماد عليها ‪ ،‬كما ل يجوز إنكارها ‪ ،‬أو التقليل‬
‫من شأنها ‪ ،‬فل غلوّ ول جفاء ‪ ،‬ول إفراط ول تفريط‪.‬‬
‫ة رسو َ‬
‫ل الله ـ صلى الله عليه وسلم‬
‫‪ ( 9‬البتلء سنة ماضية ‪ ،‬وكما أخبر ورق ُ‬
‫م ‪ ،‬وهي سنة جارية ‪ ،‬فالمرُء‬
‫ـ أنه سي ُْبتلى ‪ ،‬كذلك أخبر هذا الراه ُ‬
‫ب الغل َ‬
‫ُيبتلى على قدر دينه ‪ ،‬وهو مصداق قوله سبحانه ‪ " :‬ألم * أحسب الناس أن‬
‫ُيتركوا أن يقولوا آمنا وهم ل يفتنون " وغير ذلك من اليات والحاديث‬
‫دوا أنفسهم‬
‫الصريحة في هذا الشأن ‪ ،‬ولذا فعلى الدعاة إلى الله أن ُيع ّ‬
‫ه السلمة والعافية ‪.‬‬
‫لذلك ‪ ،‬ول يعلم المسلم من أين يأتيه البلء ‪ ،،،‬نسأل الل َ‬
‫‪ (10‬قوة توحيد هذا الغلم ؛ حيث أعاد الفض َ‬
‫ل لهله ‪ ،‬فقال ‪ )) :‬إنما يشفي‬
‫ه (( وهذا دليل على إيمانه وصدقه وتجرده ‪.‬‬
‫الل ُ‬
‫‪ (11‬أهمية استخدام النعم التي يكرم الله بها المرَء في الدعوة إلى الله‬
‫م الله له بشفاء‬
‫م إكرا َ‬
‫والترفع عن الدنيا وحطامها ‪ ،‬حيث استثمر الغل ُ‬
‫المرضى من أجل خدمة دينه وعقيدته ‪ ،‬بينما هناك آخرون يستخدمون دينهم‬
‫من أجل دنياهم ‪ ،‬بل من أجل دنيا غيرهم ‪ ،‬وهناك من جعل العلم والدعوة‬
‫سب وجمع الحطام )) يبيع ديَنه بعرض من الدنيا (( ‪ ،‬وقد استثمر‬
‫وسيلة للتك ّ‬
‫ف ـ عليه السلم ـ نعمة )) تعبير الرؤيا (( من أجل دعوة أهل السجن ‪،‬‬
‫يوس ُ‬
‫وإظهار براءته ‪ ،‬وبعد ذلك سياسة المة ‪ ،‬وقيادتها بالعدل والتوحيد ‪.‬‬
‫‪ ( 12‬أنه ل مانع من إخبار النسان بما هو مقدم عليه من بلء أو فتنة ‪ ،‬حتى‬
‫يستعد لذلك ‪ ،‬ول ُيفاجأ به ‪ ،‬حيث إن ذلك من وسائل التثبيت ‪ ،‬والصبر على‬
‫ف أحد َ صاحبي السجن بما سيحصل له ‪ ،‬وكذلك أخبر‬
‫الذى ‪ ،‬وقد أخبر يوس ُ‬
‫ورقة رسو َ‬
‫م‬
‫ي الما َ‬
‫ل الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‪ ،‬وأخبر الما ُ‬
‫م الشافع ّ‬
‫أحمد بما سيحصل له من بلء بناًء على رؤيا رآها وهو في مصر ‪ ،‬فأرسل إلى‬
‫أحمد في ذلك‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬

‫‪43‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫س هذا الملك الذي حمد نعمة الله عليه ‪ ،‬وكان جريئا ً‬
‫‪ (13‬ن ِعْ َ‬
‫س جلي ُ‬
‫م الجلي ُ‬
‫ة لئم ‪ ،‬وفقد منصبه ومكانته ‪ ،‬بل ضحى بكل متع‬
‫بالحق ل تأخذه في الله لوم ُ‬
‫الدنيا ‪ ،‬وتحمل الذى والتعذيب ثم الموت ‪ ،‬ونال الشهادة في سبيل الله ‪،‬‬
‫سبين بالدين ‪ " ،،،‬فويل‬
‫فهنيئا ً له ‪ ،،،‬ول نامت أعين الجبناء والمنافقين والمتك ّ‬
‫لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون "‪.‬‬
‫‪ (14‬شجاعة الغلم وقوته في الحق أمام هذا الملك الظالم ‪ ،‬حيث أعلن‬
‫توحيده ‪ ،‬وثبت عليه ‪ ،‬ولقى في ذلك ما لقى‬
‫‪ (15‬أنه ل لوم على من دل ظالما ً على مسلم إذا كان هذا بسبب الذى‬
‫والتعذيب مما ل طاقة له به ‪ ،‬فالنسان له حد في التحمل والصبر ‪ ،‬ول يكلف‬
‫م‬
‫الله نفسا ً إل وسعها ‪ ،‬ول يجوز أن نلوم من عذره الله ‪ ،‬ولذلك لم يلم الغل ُ‬
‫م ‪ ،‬ولكن ذلك ل يكون إل بعد بذل الوسع‬
‫س الملك ‪ ،‬ول الراه ُ‬
‫ب الغل َ‬
‫جلي َ‬
‫والطاقة ‪ ،‬واستنفاذ الفرص‬
‫ً‬
‫ً‬
‫‪ (16‬مع خوف الراهب من الملك ‪ ،‬وإشفاقه من الذى ‪ ،‬فقد ثبت ثباتا عجيبا ‪،‬‬
‫وصمد صمودا ً نادرا ً ‪ ،‬وهو يمثل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‪ )) :‬ل تتمنوا‬
‫لقاء العدو واسألوا الله العافية وإذا لقيتموهم فاصبروا (( ‪ ،‬وقد نال الشهادة‬
‫في سبيل الله صابرا ً محتسبا ً ؛ مقبل ً غير مدبر‪.‬‬
‫وكذلك فعل بالجليس فلم يصده عن دينه مع حداثة عهده بالسلم ‪ ،‬وطول‬
‫مجالسته للملك ‪ ،‬فلقي ربه صابرا ً محتسبا ً ‪ ،‬مقبل ً غير مدبر ‪ ،‬وكذلك بشاشة‬
‫اليمان إذا خالطت القلوب تم ّ‬
‫ت منها ‪ ،‬وفي قصة الجليس وإيمانه وقتله‬
‫كن ْ‬
‫شبه بقصة سحرة فرعون ‪ ،،،‬رحمهم الله أجمعين ‪.‬‬
‫‪ (17‬إكرام الله للغلم بهذه الكرامات من أجل أن يتم أمر الله في نصرة دينه‬
‫وإعلء كلمته على يديه ‪ ،‬ويشرع للمؤمن أن يسأل الله أن يمده بكرامات من‬
‫عنده ؛ تثبيتا ً لقلبه ‪ ،‬وبرهانا ً في دعوته ‪ ،‬وكبتا ً لعدائه وخصومه ‪ ،‬وقد سأل‬
‫ب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم‬
‫إبراهيم ـ عليه السلم ـ ربه ‪ ،‬فقال ‪ " :‬ر ّ‬
‫تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " ‪ ،‬وسأل بنو إسرائيل عيسى ـ عليه‬
‫السلم ـ أن يسأل الله لهم أن ينزل عليهم مائدة من السماء " قالوا نريد أن‬
‫نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين "‬
‫فسأل عيسى ـ عليه السلم ـ ربه فاستجاب له " قال الله إني منزلها عليكم‬
‫فمن يكفر بعد ُ منكم فإني أعذبه عذابا ً ل أعذبه أحدا ً من العالمين "‪.‬‬
‫سم على الله ‪ ،‬فمن عباد الله من لو أقسم على الله‬
‫ويدخل في ذلك ‪ :‬ال َ‬
‫ق َ‬
‫لبره ‪.‬‬
‫‪ (18‬تأمل هذا الدعاء الجامع ‪ )) :‬اللهم اكفنيهم بما شئت (( وهو أولى من‬
‫كثير من الدعية التفصيلية حيث إن تفويض المر لله يغني عن اجتهاد البشر ‪،‬‬
‫ومن يتوكل على الله فهو حسبه ‪ ،‬والخير كل الخير فيما يختاره الله وقد‬
‫يختار النسان في دعائه لهلك عدوه أمرا ً ل يتحقق فيه ما أراد " وعسى أن‬
‫تحبوا شيئا ً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم ل تعلمون " ‪ ،‬بل قد يكون فتنة له‬
‫وبلء ‪ ،‬وقد قيل للحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‪ " :‬ليس لك من المر‬
‫شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " ‪.‬‬
‫‪ ( 19‬كيف عرف الغلم أن الملك لن يستطيع أن يقتله ‪ ،‬وأن طريقة قتله هي‬
‫كما ذكر مع أنه ليس بنبي ؟ قد يكون ذلك إلهاما ً ؛ حيث ذكر النبي ـ صلى‬
‫دثون ‪ ،‬والظاهر أن هذا منهم ‪ ،‬وهي‬
‫ن قبلنا مح ّ‬
‫الله عليه وسلم ـ أن في َ‬
‫م ْ‬
‫كرامة من الله له ‪ ،‬يدل على ذلك ما سبق من كرامات منذ صغره ؛ ابتداء‬
‫من هدايته على يد الراهب وما تل ذلك حتى قتل ـ رحمه الله ـ‪.‬‬
‫‪ (20‬في هذا الحديث دليل على جواز العمليات الستشهادية ‪ ،‬فإذا كان هذا‬
‫‪44‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الغلم قد د ّ‬
‫ل الملك على مقتله من أجل مصلحة غلب على ظنه تحققها ‪،‬‬
‫فمن باب أولى جواز القدام على ما فيه نكاية بالعدو ‪ ،‬وتحقيق مصالح‬
‫كبرى ‪ ،‬ولو كان في ذلك قتل النفس ‪ ،‬والدلة على ذلك كثيرة جدا ً ‪ ،‬والقول‬
‫بالعمليات الستشهادية له ضوابط ‪ ،‬ليس هذا مكان تفصيلها ‪ ،‬ومن أهمها ‪:‬‬
‫غلبة الظن على تحقق النكاية بالعدو ‪ ،‬وإرهابه ‪ ،‬والحد من طغيانه ‪ ،‬على أل‬
‫يترتب على ذلك مفاسد تغلب على تلك المصالح ‪ ،‬ولذلك ل بد أن يكون‬
‫القرار للقيام بمثل تلك العمال صادرا ً عن جهات تتوافر فيها شروط الهلية‬
‫لتخاذ مثل هذه القرارات الخطيرة ‪.‬‬
‫‪(21‬قال سيد ـ رحمه الله ـ ‪ ) :‬في حساب الرض يبدو أن الطغيان قد انتصر‬
‫على اليمان وأن اليمان الذي بلغ تلك الذروة العالية ‪ ،‬في نفوس الفئة‬
‫الخّيرة الكريمة الثابتة المستعلية لم يكن له وزن ول حساب في المعركة‬
‫التي دارت بين اليمان والطغيان في حساب الرض تبدو هذه الخاتمة أسيفة‬
‫أليمة ‪.‬‬
‫ً‬
‫ولكن القرآن يعلم المؤمنين شيئا آخر‪ ،‬ويكشف لهم عن حقيقة أخرى‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫إن الحياة الدنيا وسائر ما يلبسها من لذائذ وآلم ‪ ،‬ومن متاع وحرمان ‪،‬‬
‫ليست هي القيمة الكبرى في الميزان ‪ ،‬وليست هي السلعة التي تقرر‬
‫حساب الربح والخسارة والنصر ليس مقصورا ً على الغلبة الظاهرة ‪ ،‬فهذه‬
‫صورة واحدة من صور النصر الكثيرة ‪ .‬إن الناس جميعا ً يموتون ‪ ،‬وتختلف‬
‫السباب ‪ ،‬ولكن الناس ل ينتصرون جميعا ً هذا النتصار ‪ ،‬ول يرتفعون هذا‬
‫الرتفاع ‪ ،‬ول يتحررون هذا التحرر ‪ ،‬ول ينطلقون هذا النطلق إلى هذه‬
‫الفاق ‪ ،‬إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده ‪ ،‬تشارك الناس‬
‫في الموت ‪ ،‬وتنفرد دون كثير من الناس في المجد ‪ ،‬المجد في المل‬
‫العلى ‪ ،‬وفي دنيا الناس ـ أيضا ً ـ إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الجيال‬
‫بعد الجيال‪.‬‬
‫إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة ‪،‬‬
‫وليست شيئا ً آخر على الطلق ‪ ،‬وإن خصومهم ل ينقمون منهم إل اليمان ‪،‬‬
‫ول يسخطون منهم إل العقيدة ( أ ‪ .‬هـ‬
‫ما أحوجنا إلى هذا الفهم الذي يؤصل قاعدة مهمة من قواعد النصر ‪ ،‬وهي‬
‫أن النتصار هو انتصار المبادئ والثبات عليها ‪ ،‬وليس هو البقاء على ظهر‬
‫ي قد انهزم‬
‫الرض والعيش فيها ‪ ،‬فكم من قتيل قد انتصر ‪ ،‬وكم من ح ّ‬
‫ويعيش كما تعيش النعام ‪ ،‬بل أضل سبيل ً‬
‫يا شيخ صبرا ً مضت أيامنا دول ً ‪... ...‬‬
‫كم من)قتيل(عل والخصم في الحفر‬
‫ل المل َ‬
‫‪ (22‬عجيب أمر هذا الغلم ! لماذا د ّ‬
‫ك على مقتله ؟ ولماذا ‪ ،‬وقد منعه‬
‫الله من كيدهم لم يؤثر البقاء ليبلغ رسالة ربه ‪ ،‬ويدل الناس على الدين الحق‬
‫‪ ،‬وُيبقي على حياته سالما ً ؟ هذا سؤال يتبادر إلى الذهان والفهوم التي لم‬
‫تعرف حقيقة النتصار ‪ ،‬وإل لو تأملت قليل ً لوجدت أن الغلم قد سلك بفعله‬
‫طريق أعظم النتصارات والمجد والخلود ‪.‬‬
‫** إن الغلم قد أدرك بتوفيق من الله وحده ـ أن كلمة واحدة في لحظة‬
‫حاسمة صادقة ‪ ،‬تفعل ما ل تفعله آلف الكلمات في عشرات السنين ‪.‬‬
‫إن الحياة موقف ‪ ،‬يتميز فيها الصادق من غيره ‪ ،‬وقد سنحت فرصة ثمينة ل‬

‫‪45‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يجوز تفويتها ‪ ،‬ول يليق تبرير ضياعها ‪ ،‬وكما قيل ‪ :‬إذا هبت رياحك فاغتنمها ‪،‬‬
‫وقد هبت رياح هذا الغلم ‪ ،‬وهل رياحه إل تبليغ رسالة ربه وإنقاذ قومه‬
‫وعشيرته من النار ‪ ،‬ولو دفع حياته ثمنا ً في سبيل تحقيق هذه الغاية ‪ ،‬وما‬
‫أرخصها من نفس في سبيل تحقيق هذا الهدف العظيم ‪.‬‬
‫** إنه انتصار الفهم ‪ ،‬وانتصار الرادة ‪ ،‬وانتصار العقيدة ‪ ،‬عندما تتحول في‬
‫صدر صاحبها إلى قوة مؤثرة ‪ ،‬وحياة صادقة ‪ ،‬وليست على هامش حياته‬
‫وسلوكه وتفكيره ‪.‬‬
‫إن هذا الغلم قد انتصر عدة مرات في معركة واحدة ‪ ،‬وموقف واحد ‪:‬‬
‫ـ انتصر بقوة فهمه وإدراكه لقصر وأسلم الطرق لنصرة دينه وعقيدته ‪،‬‬
‫وإخراج أمته ومجتمعه من الظلمات إلى النور‪.‬‬
‫ـ وانتصر بقوة إراداته على اتخاذ القرار الحاسم في الوقت المناسب ‪،‬‬
‫متخ ّ‬
‫طيا ً جميع العقبات ‪ ،‬مستعليا ً على الشهوات وحظوظ النفس ‪ ،‬ومتع‬
‫الحياة الدنيا ‪.‬‬
‫ـ وانتصر على هذا الملك الذي أعمى الله بصيرته ‪ ،‬فأخرب ملكه بيده ل بيد‬
‫غيره ‪ ،‬فإنها ل تعمى البصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ‪.‬‬
‫ْ‬
‫سكرة‬
‫مِلك فأعمته َ‬
‫إن الغلم أقدم على ذلك وهو يعي حقيقة ما يفعل ‪ ،‬أما ال َ‬
‫مْلك ‪ ،‬وشهوة السلطان عن أن يدرك ما خطط له هذا الغلم ؛ في هذه‬
‫ُال ُ‬
‫المعركة الفاصلة التي مات فيها فرد ‪ ،‬وحيت أمة ‪ ،‬بل حتى الفرد لم يمت ‪،،،‬‬
‫" ول تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ً بل أحياء عند ربهم يرزقون"‪.‬‬
‫ـ وانتصر الغلم عندما وقع وتحقق ما كان يتصوره ويتوقعه ويخطط له ‪،‬‬
‫وقدم نفسه من أجله ‪ ،‬فآمن الناس وقالوا جميعا ً ‪ :‬آمنا بالله رب الغلم ‪.‬‬
‫إن دقة التخطيط وبراعة التنفيذ وسلمة التقدير ‪ ،‬نجاح باهر وفوز ظاهر ‪،‬‬
‫وما يلقاها إل الذين صبروا وما يلقاها إل ذو حظ عظيم ‪.‬‬
‫ـ وانتصر الغلم عندما فاز بالشهادة في سبيل الله ‪ ،‬فكل الناس يموتون ‪،‬‬
‫ن يستشهدون‪.‬‬
‫ولكن القليل منهم َ‬
‫م ْ‬
‫ه ذِك َْره فيمن بعده ؛ قدوة وأسوة وذكرا ً حسنا ً‬
‫ّ‬
‫ـ وأخيرا ً انتصر عندما خلد الل ُ‬
‫للجيال فجعل الله له لسان صدق في الخرين‪.‬‬
‫‪ (23‬وتتويجا ً لهذه النتصارات المتلحقة تأتي نهاية القصة عندما آمن الناس‬
‫ن جنون الملك‬
‫برب الغلم ‪ ،‬آمنوا بالله وحده وكفروا بالطاغوت ‪ ،‬وهنا ُ‬
‫ج ّ‬
‫وفقد صوابه ‪ ،‬فاستخدم كل ما يملك من وسائل الرهاب والتخويف ‪ ،‬في‬
‫محاولة يائسة للبقاء على هيبته وسلطانه ‪ ،‬وتعبيد الناس له من دون الله‪.‬‬
‫فها هو يحفر الخاديد ‪ ،‬ويوقد النيران ‪ ،‬ويأمر زبانيته وجنوده بإلقاء المؤمنين‬
‫فيها ‪ ،‬وهنا تأتي المفاجأة المذهلة ‪ ،‬فبدل أن يضعف من يضعف ‪ ،‬ويهرب من‬
‫ن أو هرب‪.‬‬
‫يهرب ‪ ،‬ل تسجل الرواية أن أحدا ً منهم تراجع أو َ‬
‫جب ُ َ‬
‫ث فيهم البطولة‬
‫بل نجد القدام والشجاعة والقتحام ‪ ،‬وكأن الغلم قد ب ّ‬
‫دون في اللحاق به ‪ ،‬وهم يتلذذون في تقديم أرواحهم‬
‫والثبات ‪ ،‬وها هم يج ّ‬
‫فداء لدينهم ‪ ،‬تموت الجسام وتحيا عند خالقها ‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫والحالة الفريدة التي وردت في الرواية ‪ ،‬هي تلك المرأة التي خافت على‬
‫حقّ لها أن تخاف ‪ ،‬حيث إن ذلك رحمة وشفقة ل‬
‫رضيعها ـ ل على نفسها ـ و ُ‬
‫ن والشجاعة والقدام ‪ ،‬فطلب منها‬
‫جْبنا ً وخوفا ً ‪ ،‬ولكنها قد أرضعته اليما َ‬
‫ُ‬
‫القدام فأقدمت ‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫س كبارا ً ‪... ...‬‬
‫وإذا كان ِ‬
‫ت النفو ُ‬
‫م‬
‫ت في مرادها الجسا ُ‬
‫تعب ْ‬
‫‪ (24‬أي أمة تلك ؟ وأي قوم أولئك ؟ مع الزمن الطويل الذي عاشوه في‬
‫الظلم ‪ ،‬والسنوات التي استعبدهم فيها هذا الملك ‪ ،‬ومع قصر المدة التي‬
‫عرفوا فيها اليمان فقد عرفوا المنهج حق المعرفة ‪ ،‬وكأنهم عاشوا فيه كما‬
‫عاش الراهب طول عمره ‪ ،‬أو ترّبوا عليه كما تربى الغلم في صباه‪.‬‬
‫إنه اليمان إذا خالط بشاشة القلوب ‪ ،‬ولمس الرواح يفعل العجب ‪.‬‬
‫لقد رأينا في قصة الراهب وجليس الملك والغلم انتصارا ً فرديا ً ‪ ،‬ولكننا في‬
‫ل أن يحدث له في التاريخ مثيل ً‬
‫قصة أولئك المؤمنين نرى انتصارا ً جماعيا ً ‪ ،‬ق ّ‬
‫كما حدث لسحرة فرعون " فألقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب‬
‫العالمين "‪.‬‬
‫إن كل هذه النتصارات المتلحقة ثمرة طبيعية لصفاء العقيدة ‪ ،‬ووضوح‬
‫المنهج ‪ ،‬وسلمة الطريق ‪ ،‬ومن ثم الفهم العميق لحقيقة النتصار‪.‬‬
‫فهل يعي ذلك أولئك الذين يرْون أن حياتهم تحت حماية عدوهم بذل‬
‫واستصغار مع شيء قليل من حطام الدنيا ؛ خير لهم من الموت بشرف وعّز‬
‫وكرامة ‪.‬‬
‫ن عليه ‪... ...‬‬
‫الهوا‬
‫يسهل‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن يه ْ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫إيل‬
‫ت‬
‫ي‬
‫بم‬
‫لجرح‬
‫ما‬
‫ّ ٍ‬
‫ُ‬
‫وصدق عنترة ‪:‬‬
‫قني ماَء الحياةِ بذل ّةٍ ‪... ...‬‬
‫ل تس ِ‬
‫ب ْ‬
‫س الحنظل‬
‫ل فاسقني بالعّز كأ َ‬
‫‪ ( 25‬وقبل أن نغادر هذه القصة العجيبة يرد سؤال في الذهان ‪:‬‬
‫ماذا ح ّ‬
‫ل بهذا الملك وحاشيته وجنده ؟‬
‫وهل ذهبت دماء هؤلء المؤمنين وأرواحهم دون انتقام من الله ممن قتلهم ؟‬
‫إننا ل نجد في القرآن ول في السنة أي ذِ ْ‬
‫كر لهؤلء الظلمة ‪ ،‬وماذا كان‬
‫ت آية‬
‫م ‪ ،،،‬ورد ْ‬
‫مصيرهم في الدنيا ‪ ،‬ولله في ذلك حكم قد تخفى علينا ‪ .‬نع ْ‬
‫في آخر قصتهم فيها دعوة لهم وتحذير ‪ " :‬إن الذين فتنوا المؤمنين‬
‫والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق " ‪ .‬ولكن سنة‬
‫الله الجارية" فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا ً علينا نصر المؤمنين" وقال‬
‫سبحانه لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‪ " :‬فإما نذهبن بك فإنا منهم‬
‫منتقمون " ‪َ .‬ووعْد ُ الله الذي ل يتخلف ‪ " :‬إن ربك لبالمرصاد " ‪ .‬والعزاء‬
‫للمؤمنين على مّر الجيال ‪ " :‬إنهم يكيدون كيدا ً * وأكيد كيدا ً * فمّهل‬
‫الكافرين أمهلهم رويدا ً " ‪ .‬والحذر الحذر من اليأس والقنوط وسوء الظن‬
‫ن الله‬
‫بالله ‪ " :‬إنه ل ييأس من روح الله إل القوم الكافرون " ‪ " ،‬ول تحسب ّ‬
‫ف وعده رسله إن الله‬
‫ن الله مخل َ‬
‫غافل ً عما يعمل الظالمون " ‪ " .‬ول تحسب ّ‬
‫عزيز ذو انتقام "‪.‬‬
‫وبعد ‪:‬‬
‫أخي الكريم ‪ ،‬وبعد هذه السياحة في هذه القصة العجيبة ‪ ،‬والجولت البطولية‬
‫؛ التي لم يلتبس فيها الحق بالباطل ‪ ،‬ول النور بالظلم ـ اسأل نفسك بتجّرد ‪:‬‬
‫من الذي انتصر في هذه المعركة الفاصلة ؟‬
‫َ‬
‫مِلك أم الغلم ؟‬
‫أهو ال َ‬
‫هل انتصر المل أو المؤمنون ؟‬
‫سه ‪ ،‬وتتغير الرسوم والشخاص والدول ‪ ،‬وتبقى الحقائق‬
‫والتاريخ ُيعيد نف َ‬
‫والثوابت والمبادئ ‪.‬‬
‫‪47‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫" إن الرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " ‪.‬‬
‫والسلم عليكم ورحمة الله وبركاته ‪،،‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫أيوب عليه السلم النبي الصابر(‬
‫َ‬
‫ن ُ‬
‫سنا ومن‬
‫شُرورِ أن ْ ُ‬
‫ف ِ‬
‫فُرهُ وَن َُعوذ ُ ب ِهِ ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫ال َ‬
‫ه وَن َ ْ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ نحمده و ن َ ْ‬
‫ست َِعين ُ ُ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫ضل ِ ْ‬
‫ض ّ‬
‫ه‪ ،‬وأ ْ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫شهَد ُ أ ْ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ل َفل هادِيَ ل َ ُ‬
‫ه‪ ،‬وَ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ه فَل َ ُ‬
‫ن ي َهْدِ الل ّ ُ‬
‫سيئات أعمالنا‪َ ,‬‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ه‪ ،‬وأ ْ‬
‫م‬
‫س ات ّ ُ‬
‫م َ‬
‫شهَد ُ أ ّ‬
‫مدا عَب ْد ُه ُ وََر ُ‬
‫قوا َرب ّك ُ ُ‬
‫سول ُ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫ه إ ِل ّ الل ّ ُ‬
‫ل ِإل َ‬
‫ه ? يا أي َّها الّنا ُ‬
‫جال ً ك َِثيرا ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫خل َ‬
‫حد َةٍ وَ َ‬
‫اّلذي َ‬
‫جها‪ ،‬وَب َ ّ‬
‫س َوا ِ‬
‫ث ِ‬
‫خلقَ ِ‬
‫م ِ‬
‫من ُْهما رِ َ‬
‫مْنها َزوْ َ‬
‫قك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ف ٍ‬
‫م َرِقيبًا?‬
‫وَِنساًء‪ ،‬وات ّ ُ‬
‫ه كا َ‬
‫مإ ّ‬
‫ه الذي َتساَءُلو َ‬
‫ن ب ِهِ والْرحا َ‬
‫ن عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن إ ِل ّ وأن ْت ُ ْ‬
‫حقّ ُتقات ِهِ َول ت َ ُ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫موت ُ ّ‬
‫]النساء‪ ? .[1:‬يا أي َّها الذي َ‬
‫ّ‬
‫قوا الّله وَُقوُلوا قَوْل ً‬
‫منوا ات ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫مون? ]آل عمران‪ ? .[102 :‬يا أي َّها الذين آ َ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ه فَ َ‬
‫مأ ْ‬
‫م‪ ،‬وي َغْ ِ‬
‫س ِ‬
‫قد ْ‬
‫صل ِ ْ‬
‫ه وََر ُ‬
‫َ‬
‫سول ُ‬
‫ن ي ُط ِِع الل َ‬
‫م‪ ،‬وَ َ‬
‫م ذ ُُنوب َك ْ‬
‫فْر لك ْ‬
‫عمالك ْ‬
‫ح لك ْ‬
‫ديدا ي ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ظيما? ]الحزاب‪.[71:‬‬
‫َفاَز فَوَْزا عَ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن ? ] سورة‬
‫? َياأي َّها ال ّ ِ‬
‫صلةِ إ ِ ّ‬
‫مُنوا ا ْ‬
‫ه َ‬
‫ن الل َ‬
‫نآ َ‬
‫معَ ال ّ‬
‫صب ْرِ َوال ّ‬
‫ست َِعيُنوا ِبال ّ‬
‫ري َ‬
‫ذي َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫البقرة الية‪ [ 153 :‬وقال ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪" : -‬ما أعطي أحد عطاء‬
‫خيرا ً له وأوسع من الصبر"‪.‬وبعد‪:‬‬
‫فالنسان مخلوق ضعيف ل يستطيع القيام بالعباء والتكاليف إل بالستعانة‬
‫والعانة‪ ،‬وتختلف توجهات الناس وطرائقهم في استعاناتهم فهناك من‬
‫يستعين بالمخلوقات كمن يستعين بالجن‪ ،‬أو الملئكة أو الكهنة‪ ،‬وهناك من‬
‫يستعين بالدول والمخلوقين فيما ل يقدرون عليه‪ .‬فمثلهم كمثل الغريق الذي‬
‫يستنجد بالغريق طالبا ً منه النجاة؟!‬
‫أما المؤمنون فقد أمرهم الله أن يستعينوا على أمورهم وأن يواجهوا الحياة‬
‫وأحداثها وفتنها وابتلءاتها بالرضى والصبر واللجوء إلى الله سبحانه فهو‬
‫الولي الحميد الرؤوف الرحيم القوي العزيز‪.‬‬
‫وقد تحدثنا عن جوانب من الصبر في بيان فضله وأهميته في كل شأن من‬
‫كر وُنذ ّ‬
‫شؤون الحياة واليوم َنذ ُ‬
‫كر بنماذج من الصابرين على البلء من أنبياء‬
‫الله ورسله عليهم الصلة والسلم‪.‬‬
‫صبر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلم في القيام بأمر الله فقد أخبرنا الله‬
‫حن هذين النبيين الكريمين‪ ،‬فقد كلف الله إبراهيم في رؤيا‬
‫في كتابه كيف امت ُ ِ‬
‫منامية أن يذبح ولده إسماعيل‪ ،‬فيتجه بصبر عجيب لطاعة أمر ربه ‪ ،‬فيقول‬
‫َ‬
‫ي َقا َ‬
‫مَنام ِ أ َّني‬
‫ه ال ّ‬
‫ي إ ِّني أَرى ِفي ال ْ َ‬
‫معَ ُ‬
‫ما ب َل َغَ َ‬
‫لبنه إسماعيل‪ ? :‬فَل َ ّ‬
‫ل َياب ُن َ ّ‬
‫سعْ َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ماَذا ت ََرى? ]الصافاتك ‪ [102‬أي أمرني ربي بذبحك في رؤيا‬
‫أذ ْب َ ُ‬
‫ك َفانظ ُْر َ‬
‫منامية ‪ ،‬ورؤيا النبياء حق ‪ ،‬فيقول البن البار بأبيه الطائع لربه ? َقا َ َ‬
‫ت‬
‫ل َياأب َ ِ‬
‫افْعَ ْ‬
‫ن َ‬
‫ن ? ]الصافات‪.[102:‬‬
‫ه ِ‬
‫جد ُِني إ ِ ْ‬
‫مُر َ‬
‫شاَء الل ّ ُ‬
‫ست َ ِ‬
‫ما ت ُؤْ َ‬
‫ل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫وأسلما أمرهما إلى الله صابرين‪ ،‬وشرعا في تنفيذ التكليف‪ ،‬فلما ظهر صدق‬
‫إسلمهما وتسليمهما وطاعتهما لله رب العالمين‪ ،‬أنزل الله لهما كبش الفداء‪،‬‬
‫وتوقف أمر ذبح الوالد لولده‪ ،‬وتم الذبح للكبش‪ ،‬ثم كانت سنة الضاحي فيما‬
‫بعد‪.‬‬
‫وفي عرض القرآن الكريم لهذه القصة والحادثة إشادة بفضيلة الصبر على‬
‫تنفيذ أوامر الله مهما كانت شاقة وصعبة على النفس‪ ،‬وفيها توجيه لعداد‬
‫النفس للصبر على المكاره والمصائب المرتقبة والقدام عليها بشجاعة‬
‫وبطولة‪ ،‬وهو نموذج فريد من روائع الصابرين‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يقول الله تعالى في سورة الصافات في معرض ذكر قصة إبراهيم مع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن)‪(98‬وََقا َ‬
‫ب إ َِلى َرّبي‬
‫س َ‬
‫ل إ ِّني َذاهِ ٌ‬
‫دا فَ َ‬
‫قومه ? فَأَراُدوا ب ِهِ ك َي ْ ً‬
‫م اْل ْ‬
‫جعَل َْناهُ ْ‬
‫فِلي َ‬
‫ن)‪(100‬فَب َ ّ‬
‫م)‬
‫صال ِ ِ‬
‫ب ِلي ِ‬
‫سي َهْ ِ‬
‫شْرَناهُ ب ِغَُلم ٍ َ‬
‫ب هَ ْ‬
‫ديِني)‪َ(99‬ر ّ‬
‫َ‬
‫ن ال ّ‬
‫حي َ‬
‫م ْ‬
‫حِلي ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي ‪– ? ...‬أي صار شابا ً قادرا ً على السعي والكسب‬
‫ع‬
‫س‬
‫ال‬
‫ه‬
‫ع‬
‫م‬
‫غ‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ما‬
‫ل‬
‫ف‬
‫(‬
‫‪101‬‬
‫ّ َ َ َ َ ُ‬
‫ّ ْ َ‬
‫ل يابني إني أ َرى في ال ْمنام أ َني أ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ماَذا ت ََرى َقا َ‬
‫ْ‬
‫ل‬
‫ر‬
‫ظ‬
‫فان‬
‫ك‬
‫ح‬
‫ب‬
‫ذ‬
‫َ َ ِ ّ‬
‫ِ‬
‫والعمل‪َ ... ? -‬قا َ َ ُ َ ّ ِ ّ‬
‫َ ُ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت افْعَ ْ‬
‫ن َ‬
‫ما‬
‫ه ِ‬
‫َياأب َ ِ‬
‫جد ُِني إ ِ ْ‬
‫ما أ ْ‬
‫مُر َ‬
‫سل َ َ‬
‫ن)‪(102‬فَل َ ّ‬
‫شاَء الل ّ ُ‬
‫ست َ ِ‬
‫ما ت ُؤْ َ‬
‫ل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫َ‬
‫ت الّرؤَْيا إ ِّنا ك َذ َل ِ َ‬
‫ك‬
‫ن َياإ ِب َْرا ِ‬
‫ن)‪(103‬وََناد َي َْناه ُ أ ْ‬
‫ه ل ِل ْ َ‬
‫صد ّقْ َ‬
‫هي ُ‬
‫وَت َل ّ ُ‬
‫م)‪(104‬قَد ْ َ‬
‫جِبي ِ‬
‫ن هَ َ‬
‫م)‬
‫ن)‪(106‬وَفَد َي َْناه ُ ب ِذِب ٍْح عَ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن)‪ (105‬إ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫نَ ْ‬
‫ذا ل َهُوَ ال ْب ََلُء ال ْ ُ‬
‫زي ال ْ ُ‬
‫مِبي ُ‬
‫سِني َ‬
‫ج ِ‬
‫ظي ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م)‪(109‬ك َذ َل ِ َ‬
‫زي‬
‫‪(107‬وَت ََرك َْنا عَلي ْهِ ِفي ال ِ‬
‫م عَلى إ ِب َْرا ِ‬
‫ك نَ ْ‬
‫سل ٌ‬
‫ن)‪َ (108‬‬
‫هي َ‬
‫ري َ‬
‫ج ِ‬
‫خ ِ‬
‫ن? ]الصافات‪.[110-98:‬‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫سِني َ‬
‫إنه استسلم وصبر عظيم عجيب‪ ،‬فقد حصل المقصود من الختبار والطاعة‬
‫وظهرت مبادرة إبراهيم لربه‪ ،‬وبذله ولده للقربان ‪ ،‬كما ضحى ببدنه للنيران‪،‬‬
‫وجعل ماله مبذول ً للضيفان ‪ ..‬إنها نماذج فريدة ومعالم هادية تنير دروب‬
‫البشرية طوال عهودها ودهورها‪.‬‬
‫ومن روائع أمثلة الصبر على المصائب والمكاره التي يبتلي الله بها عباده‬
‫صبر نبي الله أيوب عليه السلم‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫فقد كان أيوب عليه السلم عبدا ً صالحا ً ‪ ،‬امتحنه الله بالغنى فبسط له الرزق‬
‫الكثير ‪ ،‬ورزقه الهل والبنين فكان من الشاكرين‪ ،‬وقد ذكر المؤرخون أنه‬
‫كان أميرا ً غنيا ً محسنًا‪ ،‬ثم امتحنه الله بالمصائب ‪ ،‬فقد المال والهل والولد ‪،‬‬
‫ونشبت به المراض المضنية المضجرة ‪ ،‬فكان من الصابرين‪ ،‬وتلقى كل ذلك‬
‫بالحمد والثناء على ربه‪ ،‬وبالتسليم والرضى‪ ،‬فكان في حالتي السراء‬
‫والضراء مثال ً رائعا ً لعباد الله الصالحين ‪ ،‬إذ كان شاكرا ً أيام النعمة ‪ ،‬ثم كان‬
‫صابرا ً أيام المصائب المتوالية ‪ ،‬وكانت له امرأة مؤمنة من أحفاد يوسف عليه‬
‫السلم ‪ ،‬رافقته زمن نعمته وصحته‪ ،‬وزمن بؤسه وبلئه‪ ،‬فكانت في الحالتين‬
‫مع زوجها شاكرة صابرة‪ .‬ومن اللطائف في قصة أيوب عليه السلم‪ ،‬أن‬
‫الشيطان حاول أن يفسد نفسه‪ ،‬فيوسوس له بأن يضجر من المصائب التي‬
‫تكاثرت عليه‪ ،‬ويتسخط على المقدور ‪ ،‬فلم يظفر الشيطان بما أراد فحاول‬
‫أن يدخل إليه عن طريق زوجته ‪ ،‬فوسوس لها ‪ ،‬فجائت إلى أيوب وفي‬
‫نفسها الضجر مما أصابه من بلء ‪ ،‬وأرادت أن تحرك قلبه ببعض ما في‬
‫نفسها‪ ،‬فغضب أيوب ‪ ،‬وقال لها‪ :‬كم لبثت في الرخاء؟ قالت‪ :‬ثمانين –أي‬
‫ثمانين عامًا‪-‬قال لها‪ :‬كم لبثت في البلء؟ قالت سبع سنين‪ .‬قال‪ :‬أما أستحيي‬
‫أن أطلب من الله رفع بلئي‪ ،‬وما قضيت فيه مدة رخائي!! ولما اشتد به‬
‫الضر‪ ،‬وطال الزمن‪ ،‬وهجره الناس حتى زوجته الوفية‪ ،‬واجتاز فترة المتحان‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ت أْر َ‬
‫سِني ال ّ‬
‫م ّ‬
‫ح ُ‬
‫ضّر وَأن ْ َ‬
‫بنجاح ‪ ،‬فكان عبدا ً صبورا ً نادى ربه ‪ ? :‬أّني َ‬
‫ن ?‪.‬‬
‫الّرا ِ‬
‫ح ِ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫م الّرا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ت أْر َ‬
‫سِني ال ّ‬
‫كما قال تعالى‪ ? :‬وَأّيو َ‬
‫م ّ‬
‫ح ُ‬
‫ضّر وَأن ْ َ‬
‫ه أّني َ‬
‫ب إ ِذ ْ َناَدى َرب ّ ُ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه فَك َ َ‬
‫ن‬
‫ش ْ‬
‫م ً‬
‫ة ِ‬
‫ه وَ ِ‬
‫ما ب ِهِ ِ‬
‫م َر ْ‬
‫ن ُ‬
‫ست َ َ‬
‫‪َ(83‬فا ْ‬
‫ح َ‬
‫معَهُ ْ‬
‫م َ‬
‫مث ْلهُ ْ‬
‫ضّر َوآت َي َْناه ُ أهْل ُ‬
‫فَنا َ‬
‫جب َْنا ل َ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن? ]النبياء‪[84-83:‬‬
‫ِ‬
‫عن ْدَِنا وَذِكَرى ل ِلَعاب ِ ِ‬
‫دي َ‬
‫أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين‪ ،‬يبين افتقاره إلى الله تعالى ‪ ،‬لطفا ً‬
‫في السؤال‪ ،‬وحفظا ً للدب في الخطاب‪ .‬إنه دعاء وتضرع وافتقار ‪ ،‬ل جزع‬
‫ه‬
‫ول شكاية‪ ،‬ولذا قال سبحانه مثنيا ً عليه‪ ...? :‬إ ِّنا وَ َ‬
‫م ال ْعَب ْد ُ إ ِن ّ ُ‬
‫صاب ًِرا ن ِعْ َ‬
‫جد َْناه ُ َ‬
‫‪49‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫ب? ] ص‪[44:‬‬
‫أّوا ٌ‬
‫فاستجاب الله دعاءه وكشف ما به من ضر وآتاه أهله ومثلهم معهم وعوضه‬
‫شيئا ً كثيرًا‪ .‬وقد بين الله تعالى لنا في سورة "ص" كيف جاء الفرج إلى أيوب‬
‫فقال سبحانه‪ ? :‬واذ ْك ُر عَبدنا أ َيوب إذ ْ نادى رب َ‬
‫شي ْ َ‬
‫سِني ال ّ‬
‫ب‬
‫طا ُ‬
‫م ّ‬
‫ه أّني َ‬
‫ْ ْ ََ ّ َ ِ َ َ َ ّ ُ‬
‫ص ٍ‬
‫ن ب ِن ُ ْ‬
‫َ‬
‫ه أ َهْل َُ‬
‫ب)‪(42‬وَوَهَب َْنا ل َُ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وَعَ َ‬
‫ه‬
‫را‬
‫ش‬
‫و‬
‫د‬
‫ر‬
‫با‬
‫ل‬
‫س‬
‫ت‬
‫غ‬
‫م‬
‫ذا‬
‫ه‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ض‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ب)‪(41‬اْرك ُ ْ ِ ِ ْ ِ‬
‫َ ِ ٌ َ َ ٌ‬
‫ُ َ َ‬
‫ذا ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫خذ ْ ب ِي َدِ َ‬
‫ه‬
‫ب)‪(43‬وَ ُ‬
‫م ً‬
‫ب بِ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ة ِ‬
‫وَ ِ‬
‫ضرِ ْ‬
‫ضغًْثا َفا ْ‬
‫م َر ْ‬
‫ح َ‬
‫معَهُ ْ‬
‫م َ‬
‫مث ْل َهُ ْ‬
‫مّنا وَذِك َْرى ِلوِْلي اْلل َْبا ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب ? ]ص‪.[44-41 :‬‬
‫حن َ ْ‬
‫ه أّوا ٌ‬
‫ث إ ِّنا وَ َ‬
‫وََل ت َ ْ‬
‫م العَب ْد ُ إ ِن ّ ُ‬
‫صاب ًِرا ن ِعْ َ‬
‫جد َْناه ُ َ‬
‫لقد أوحى الله إليه أن يضرب الرض برجله‪ ،‬فامتثل ما أمر به‪ ،‬فأنبع الله له‬
‫عينا باردة الماء‪ ،‬وأمره أن يغتسل فيها ويشرب منها ‪ ،‬فأذهب الله عنه ما‬
‫كان يجده من اللم والذى ‪ ،‬والسقم والمرض الذي كان بجسده ظاهرا ً‬
‫وباطنًا‪ ،‬وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة‪ ،‬وجمال ً تاما ً ومال ً كثيرًا‪،‬‬
‫حتى صب له من المال صبًا‪ ،‬فقد جاء عن النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬أنه‬
‫قال‪" :‬بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب‪ ،‬فجعل أيوب يحثى‬
‫في ثوبه‪ ،‬فناداه ربه عز وجل‪ :‬يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال‪ :‬بلى‬
‫يارب‪ ،‬ولكن ل غنى لي عن بركتك"‪ ..‬وأخلف الله له أهله وضاعف له العدد‪.‬‬
‫وفي أثناء مرضه كان قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط على أمر طوى‬
‫خذ ْ ب ِي َدِ َ‬
‫ك‬
‫القرآن ذكره‪ ،‬فأنزل الله عليه ما يتحلل به من يمينه فقال له ‪ ? :‬وَ ُ‬
‫ث ‪ ] ? ...‬ص‪ [44:‬أي خذ بيدك حزمة صغيرة من‬
‫حن َ ْ‬
‫ِ‬
‫ب ب ِهِ وََل ت َ ْ‬
‫ضرِ ْ‬
‫ضغًْثا َفا ْ‬
‫حشيش أو أعواد خفيفة فيها مائة عود أو أكثر‪ ،‬فاضرب به زوجتك‪ ،‬وتحلل‬
‫بذلك من يمينك‪.‬‬
‫أيها الخوة المؤمنون وهكذا يذكر الله لنا أمثلة الصابرين الشاكرين ليكونوا‬
‫لنا أسوة حسنة نقتدي بهم ‪ ،‬فنصبر مثل صبرهم‪ ،‬أو مثل بعض صبرهم‪ ،‬كلما‬
‫اقتضت حكمة الله تعالى أن يبتلينا بشيء من مصائب الحياة الدنيا في‬
‫النفس ‪ ،‬أو في الموال أو الولد ‪ ،‬أو في الثمرات ‪ ،‬حتى يكون لنا عنده أجر‬
‫الصابرين ‪ ،‬ونرتقي عنده إلى منازل المحسنين المقربين العابدين أولو‬
‫اللباب‪.‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫? قُ ْ‬
‫ة‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫سن َ ٌ‬
‫ل َيا ِ‬
‫م ل ِل ِ‬
‫عَبادِ ال ِ‬
‫سُنوا ِفي هَذِهِ الد ّن َْيا َ‬
‫نأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫قوا َرب ّك ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب? ]الزمر‪.[10:‬‬
‫م ب ِغَي ْرِ ِ‬
‫سعَ ٌ‬
‫ض الل ّهِ َوا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫صاب ُِرو َ‬
‫ح َ‬
‫جَرهُ ْ‬
‫ة إ ِن ّ َ‬
‫سا ٍ‬
‫ما ي ُوَّفى ال ّ‬
‫وَأْر ُ‬
‫يبين رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬في أحاديث كثيرة فضل الصابرين‬
‫على البلء‪ ،‬ومالهم من أجر عظيم عند الله عز وجل‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫من ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬قال‪" :‬يقول الله تعالى‪ :‬ما لعبدي المؤمن عندي من جزاء إذا قبضت‬
‫صفيه من أهل الدنيا‪ ،‬ثم احتسبه إل الجنة" أي‪ :‬احتسب أجره عند الله صابرا ً‬
‫على قضائه وقدره‪.‬‬
‫وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬عن الطاعون؟ فأخبر أنه كان عذابا ً يبعثه الله تعالى على من يشاء ‪،‬‬
‫فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين ‪ ،‬فليس عبد يقع في الطاعون فيمكث في‬
‫بلده صابرا ً محتسبا ً ‪ ،‬يعلم أنه ل يصيبه إل ما كتب الله له‪ ،‬إل كان له مثل أجر‬
‫شهيد"‪.‬‬
‫وعن أنس رضي الله عنه قال‪ :‬سمعت رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫يقول "إن الله عزوجل قال‪ :‬إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما‬

‫‪50‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الجنة"‪.‬‬
‫وفي البخاري عن عطاء بن رباح قال‪ :‬قال لي ابن عباس‪ :‬أل أريك امرأة من‬
‫أهل الجنة؟ قلت بلى‪ ،‬قال هذه المرأة السوداء أتت النبي ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬فقالت يا رسول الله إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫)إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك‪ ،‬فقالت‬
‫أصبر‪ ،‬فقالت إني أتكشف فادع الله أن ل أتكشف فدعا لها(‪.‬‬
‫وفي الموطأ من حديث عطاء بن يسار أن رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬قال‪ :‬إذا مرض العبد يبعث الله له ملكين‪ ،‬فقال انظروا ماذا يقول‬
‫لعواده‪ ،‬فإن هو إذا جاءوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله وهو أعلم‪،‬‬
‫فيقول إن لعبدي إن توفيته أن أدخله الجنة وإن أنا شفيته أن أبدله لحما ً خيرا‬
‫من لحمه‪ ،‬ودما ً خيرا ً من دمه‪ ،‬وأن أكفر عنه سيئاته"‪.‬‬
‫وفي الصحيح من حديث أسامة بن زيد قال‪ :‬أرسلت ابنة النبي ‪ -‬صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ -‬إليه أن ابنا ً لي احتضر فائتنا ‪ ،‬فأرسل يقرئها السلم ويقول إن‬
‫لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب ‪،‬‬
‫فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل‬
‫وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال‪ ،‬فُرفع الصبي إلى رسول الله ‪ -‬صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ ، -‬فأقعده في حجره ونفسه تقعقع كأنها شن ‪ ،‬ففاضت‬
‫عيناه ‪ ،‬فقال سعد يا رسول الله ما هذا؟ قال هذه رحمة جعلها الله في‬
‫قلوب من يشاء من عباده‪ ،‬وإنما يرحم الله عباده الرحماء( نسأل الله تعالى‬
‫أن يجعلنا من المؤمنين الصادقين الصابرين وأن يعيننا على ذكره وشكره‬
‫وحسن عبادته‪.‬‬
‫صحيح البخاري‪ :‬كتاب الزكاة‪ :‬باب‪ :‬الستعفاف عن المسألة‪ :‬الحديث رقم‪):‬‬
‫‪. (6105‬‬
‫سنن النسائي‪ :‬كتاب الغسل و التيمم‪ .‬باب الستتار ثم الغتسال ‪ :‬برقم‪) :‬‬
‫‪. (409‬‬
‫صحيح البخاري‪ :‬باب العمل الذي يبتغي به وجه الله‪ :‬برقم‪. (6060) :‬‬
‫صحيح البخاري‪ :‬كتاب الطب‪ :‬باب أجر الصابر في الطاعون ‪ :‬برقم‪):‬‬
‫‪. (5402‬‬
‫حبيبتيه‪ :‬عينيه‬
‫صحيح البخاري‪ :‬باب فضل من ذهب بصره ‪. (5329 ) :‬‬
‫صحيح البخاري‪ :‬باب فضل من يصرع من الريح‪. (5328):‬‬
‫موطأ مالك ‪ :‬باب ما جاء في أجر المريض ‪ :‬برقم‪. (1682):‬‬
‫تتحرك وتضطرب‪ ،‬والشن القربة‬
‫صحيح البخاري‪ :‬باب قول النبي صلى الله عليه وسلم‪ ,‬كتاب الجنائز يعذب‬
‫الميت ببعض بكاء أهله برقم‪. (1224 ):‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫أي ُّتها القافلة ‪..‬‬
‫د‪ .‬فيصل بن سعود الحليبي ‪2/5/1425‬‬
‫‪20/06/2004‬‬
‫ت‬
‫أيتها القافلة‪ ..‬مع هدأة التاريخ‪ ..‬ومن بين ضواحي جذوره العتيقة انطلق ْ‬
‫ك أفضل‬
‫ك المباركة‪ ،‬تحفك رعاية الرحمن سبحانه‪ ،‬ويقود ركاب ِ‬
‫مواكب ِ‬
‫المخلوقين‪ ،‬بأهداف واحدة‪ ،‬وغايات نبيلة‪،‬‬

‫‪51‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫قد بعث ْنا في ك ُ ّ ُ‬
‫جت َن ُِبوا ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫ت(‪.‬‬
‫)وَل َ َ ْ َ َ َ ِ‬
‫ه َوا ْ‬
‫ن اعْب ُ ُ‬
‫مةٍ َر ُ‬
‫غو َ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫لأ ّ‬
‫سول ً أ ِ‬
‫ك‬
‫ت‪ ..‬مشحونة بالعزم‪ ،‬مملوءة بالتفاؤل‪ ،‬قد حمل ِ‬
‫هكذا انطلق ِ‬
‫ت على رواحل ِ‬
‫كل ألوان الصبر الجميل‪ ،‬وتزودت بالتقوى‪ ،‬موقنة بالوصول وإن طال‬
‫الطريق‪.‬‬
‫ولم تكن مسيرتك هادئة الليل أو مسرورة النهار‪ ،‬بل كانت مشوبة بالحذر‪،‬‬
‫تتخطفها رياح الباطل‪ ،‬وتحوم حولها ذئاب الحقد‪ ،‬ويق ّ‬
‫طع سكونها نباح الجهل‬
‫ت غير آبهةٍ بهذا أو ذاك‪ ..‬ل تقفين‪ ..‬ول تتحولين‪..‬‬
‫ونقيق الضحالة‪ ،‬هكذا سر ِ‬
‫ول حتى تستريحين‪ ..‬فيا لك من قافلة !!‬
‫ك هذا الصرار‬
‫عجيبة أنت أيتها القافلة ‪ ..‬وأعجب شيء يستوقفني في ِ‬
‫الغريب‪ ،‬فمع كل السدود‪ ..‬أنت سائرة‪ ،‬ومع كل القيود‪ ..‬أنت ماضية‪ ،‬تسيرين‬
‫سّرا‪ ..‬وتمضين جهًرا‪ ..‬هكذا خفاقة الراية‪ ..‬عالية ل تعرف النزول أو الوقوع‬
‫صوبت نحوها السهام المسمومة‪ ،‬أو قصدتها الرماح البغيضة‪.‬‬
‫ولو ُ‬
‫ك ل يعرف الخمول‪ ..‬ألم يقتل‬
‫ك تتأبى على الزهاق‪ ..‬وأيّ عزم ل ِ‬
‫أي روٍح ل ِ‬
‫ك ما زلت تسيرين‪!! ..‬‬
‫ك من أنبياء ورسل وخلفاء وقادة وعظماء؟! لكن ِ‬
‫ربان ِ‬
‫أو لم يستحرِ الذبح في أبنائك عبر التاريخ فلقوا من العذاب ما تئن له الرض‬
‫ك ما زلت تسيرين‪ !!..‬أو لم تقطع أوصال أتباعك‬
‫وتبكي له السماء؟! لكن ِ‬
‫ك ما زلت تسيرين‪ !! ..‬أو‬
‫لكن‬
‫أوطانهم‪..‬‬
‫وتتباعد‬
‫لغاتهم‪..‬‬
‫ما وشعوًبا‪ ..‬تتباين‬
‫ِ‬
‫أم ً‬
‫ك هو روحك التي ل يمكن أن‬
‫يمكن أن يكون هذا القرآن الذي يتلوه أصحاب ِ‬
‫تزول‪..‬؟! هنيًئا لك هذه الروح‪ ..‬لكن احذري فالعداء له بالمرصاد‪) ،‬وََقا َ‬
‫ل‬
‫مُعوا ل ِهَ َ‬
‫ن(‪ ،‬وامضي به‬
‫ذا ال ْ ُ‬
‫ن كَ َ‬
‫ال ّ ِ‬
‫م ت َغْل ُِبو َ‬
‫فُروا ل ت َ ْ‬
‫وا ِفيهِ ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫س َ‬
‫ن َوال ْغَ ْ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن(‪.‬‬
‫ه َ‬
‫م الّرا ِ‬
‫ح ِ‬
‫حاِفظا وَهُوَ أْر َ‬
‫خي ٌْر َ‬
‫ح ُ‬
‫راشدة قوية فـ ) الل ُ‬
‫مي َ‬
‫غير أني أيتها ‪-‬القافلة الكريمة‪ -‬ألمح في عينيك لمعاًنا مثيًرا‪ ..‬ل أدري‪ ..‬أهي‬
‫إهللة دموع ‪ ..‬أم بريق أمل‪..‬؟!‬
‫ت أحبابك تغص بهم سجون الظلمة‪،‬‬
‫ك عليها‪ ..‬وقد رأي ِ‬
‫أما الدموع‪ ..‬فل ألوم ِ‬
‫وتتناثر جثثهم هنا وهناك‪ ،‬ويسبي ظعائنك أرذل الخلق وأحقرهم عند الله‪،‬‬
‫ويعتدي على ديارك ومقدساتك ق ّ‬
‫طاع الطريق فل تتحّرك لنصرتك الجيوش‪،‬‬
‫ول تنهض من أجلك الدول‪.‬‬
‫وأما المل؛ فهو الذي آمل أن يكون بريقه في عينيك‪ ..‬ولم ل وهذه طلئع‬
‫التضحية بالنفوس تقدم نفسها رخيصة من أجلك‪ ..‬تتلذذ بالموت في سبيل‬
‫وصولك سالمة قوية آمنة‪ ،‬وهذه الصوات الشجية ترتل القرآن في كل صقٍع‬
‫وبلد‪ ،‬قد أحبته من صميم فؤادها‪ ،‬وأقسمت على السير تحت ظلله الوارفة‪،‬‬
‫ولم ل تأملين‪ ..‬وهذه جهات الخير والبذل تتنافس في مدك بالعون‬
‫دا في عطائها‪ ،‬ول تقصر في سخائها‪ ،‬والناس من‬
‫والمساعدة‪ ،‬ل تألو جه ً‬
‫حولها تفرح بالنفرة في سبيل الخير؟!‪ ..‬فلتبرق عيناك بالمل‪ ..‬فإن‬
‫الطموحات الكبار ما زالت تشق طريقها نحو هدفك المنشود‪ ،‬تنظر لك‬
‫الطريق‪ ،‬وتحرسك من أذى المتربصين بك‪.‬‬
‫أل سيري أيتها القافلة نحو النصر‪ ،‬ل تلتفتي لنعيق التخذيل‪ ،‬ول لهمهمات‬
‫الذائبين‪ ،‬حتى تردي على حوض الحبيب –صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬هناك حيث‬
‫تلتقي القلوب العاملة الصابرة ‪ ،‬فتلتئم الجروح ‪ ،‬ويحسن اللقاء ‪ ،‬قال النبي –‬
‫دي أ َث ََرةً َ‬
‫وا‬
‫حّتى ت َل ْ َ‬
‫ش ِ‬
‫ن ب َعْ ِ‬
‫صب ُِروا َ‬
‫ست ََروْ َ‬
‫م َ‬
‫صلى الله عليه وسلم‪" :-‬إ ِن ّك ُ ْ‬
‫ديد َة ً َفا ْ‬
‫ق ُ‬
‫ض" ]رواه البخاري[ ‪.‬‬
‫م عََلى ال ْ َ‬
‫صّلى الّله عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫سول َ ُ‬
‫الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫حو ْ ِ‬
‫ُ‬
‫مِتي َ‬
‫ل َ‬
‫ويقول صلى الله عليه وسلم‪" :‬ل ت ََزا ُ‬
‫حقّ َل‬
‫طائ ِ َ‬
‫ف ٌ‬
‫ة ِ‬
‫ن عََلى ال ْ َ‬
‫نأ ّ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫ظاهِ ِ‬
‫خذ َل َهم حتى يأ ْت ِ َ‬
‫م ك َذ َل ِ َ‬
‫ك " ]رواه مسلم[‪.‬‬
‫يَ ُ‬
‫مُر الل ّهِ وَهُ ْ‬
‫يأ ْ‬
‫م َ‬
‫ضّرهُ ْ‬
‫ن َ ُ ْ َ ّ َ َ‬
‫م ْ‬

‫‪52‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من ب َعْدِ الذ ّك ْر أ َ ّ َ‬
‫عَباِدي‬
‫وصدق القائل‪) :‬وَل َ َ‬
‫ض ي َرِث َُها ِ‬
‫ن الْر َ‬
‫قد ْ ك َت َب َْنا ِفي الّزُبورِ ِ ْ‬
‫ِ‬
‫ن(‬
‫حو َ‬
‫صال ِ ُ‬
‫ال ّ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫َ‬
‫جهِْز عليه‬
‫أ ْ‬
‫شعر‪:‬د‪ .‬عبد الرحمن العشماوي‬
‫َ‬
‫جهَز ذلك الجنديّ المتوحش على ذلك الجريح في أحد مساجد الفّلوجة‬
‫حينما أ ْ‬
‫درًا‪.‬‬
‫ن دمه سيذهب هَ ْ‬
‫الصامدة كان على يقين ‪ ...‬أ ّ‬
‫َ‬
‫جهِْز عليه بط َْلقةٍ من ‪ii‬ناِر‬
‫أ ْ‬
‫َ‬
‫جهِْز عليهِ كما تشاُء ‪ii‬فإّنما‬
‫أ ْ‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫مةٍ قد ‪ii‬فّرط ْ‬
‫هو واحد ٌ من أ ّ‬
‫ش احتلل ِ َ‬
‫مّزقْ ب َِر ّ‬
‫ه‬
‫م ُ‬
‫ك ‪ii‬جس َ‬
‫َ‬
‫شا ِ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫س‬
‫رأ‬
‫‪ii‬‬
‫ة‬
‫دنيئ‬
‫ال‬
‫ك‬
‫ت‬
‫َ‬
‫ق‬
‫بطل‬
‫ر‬
‫ج‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫فَ ْ‬
‫ه‬
‫جْر ول ت َ ْ‬
‫ش العقا َ‬
‫فَ ّ‬
‫ب ‪ii‬فإن ّ ُ‬
‫خ َ‬
‫َ‬
‫س أوّ َ‬
‫ه‬
‫ت بقتل ِ ِ‬
‫نظ ِ‬
‫فْر َ‬
‫ل َ‬
‫هو لي َ‬
‫م ْ‬
‫ت أصاب ُِعها فما َ‬
‫ت ‪ii‬بها‬
‫شد ّ ْ‬
‫لن َ ْ‬
‫م ‪ii ،‬إّنما‬
‫ه حرا ٌ‬
‫م ُ‬
‫م دَ ُ‬
‫هو مسل ٌ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫ن ‪ii‬دخلت َ ُ‬
‫ت بي َ‬
‫آذي َ‬
‫ت اللهِ حي َ‬
‫ه‬
‫ت بالقدم ِ الرخيصةِ ‪ii‬سا َ‬
‫دن ّ ْ‬
‫ح ُ‬
‫س َ‬
‫ً‬
‫خِترا تمشي على ‪ii‬أشلئ َِنا‬
‫مت َب َ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سى‬
‫ما كا َ‬
‫ن أوّل مسجدٍ ذاقَ ‪ii‬ال َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫م الذي‬
‫ل‬
‫ظ‬
‫ال‬
‫د‬
‫شاه‬
‫عيسى‬
‫ن‬
‫َ‬
‫لو أ ّ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫شى برايا ِ‬
‫صد ّك ُ ْ‬
‫لَ َ‬
‫ت الجهادِ ‪ii‬ل ِ َ‬
‫ي اللهِ مث ُ‬
‫مد ٍ‬
‫مح ّ‬
‫ل ‪ُ ii‬‬
‫عيسى نب ّ‬
‫م َنصارى للمسيِح ‪ii ،‬وإ ِّنما‬
‫لَ ْ‬
‫ست ُ ْ‬
‫وا ‪ii‬بها‬
‫جي ّ ٌ‬
‫م ِ‬
‫هَ َ‬
‫ة َرعَْناُء لم ت َْرعَ ْ‬
‫ُ‬
‫هذا قَِتيل َ‬
‫ل‬
‫ك بين ن َ ْ‬
‫صرٍ ‪ii‬عاج ٍ‬
‫أ َط ْ َ ْ‬
‫ت َ‬
‫ة‬
‫ة ُرو ِ‬
‫معَ َ‬
‫حهِ ‪ii‬برصاص ٍ‬
‫ش ْ‬
‫فأ َ‬
‫َ‬
‫ه أم َ‬
‫ل الشهادةِ ‪ii ،‬وانتَهى‬
‫أك ْ َ‬
‫سب ْت َ ُ‬
‫والله لول أ ُ‬
‫ت‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫م ْ‬
‫مَتنا ‪َii‬ر َ‬
‫نأ ّ‬
‫م َ‬
‫وى‬
‫َ‬
‫ت لقوْ ِ‬
‫خ َ‬
‫ضعَ ْ‬
‫ك واستبد ّ بها ‪ii‬اله َ‬
‫ّ‬
‫لول تنكُبها طريقَ ‪َii‬رشاِدها‬
‫والله لول ضع ُ ُ‬
‫ما‬
‫ِ‬
‫َ ْ‬
‫مت َِنا ‪ii‬ل َ َ‬
‫فأ ّ‬
‫ك ‪ii‬مسجدا ً‬
‫ل غَد ْرِ َ‬
‫ت ب ِرِ ْ‬
‫ما وَط ِئ ْ َ‬
‫وَل َ َ‬
‫ج ِ‬
‫مد َّنسا ً‬
‫س فيهِ ‪ُ ii‬‬
‫ولما شرب َ‬
‫ت الكأ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ة ‪ii‬كلها‬
‫ملم ُ‬
‫مك ‪ ،‬فال َ‬
‫أنا ل أُلو ُ‬
‫ك ّ‬
‫ن ‪ii‬تشاغَُلوا‬
‫ل ال َ‬
‫ملمةِ للذي َ‬
‫َ‬
‫ك ّ‬
‫سوا‬
‫ن ‪ii‬تناف ُ‬
‫ل ال َ‬
‫ملمةِ للذي َ‬
‫ة‬
‫با ُ‬
‫عوا الكرام َ‬
‫لباَء ‪ii‬بشهو ٍ‬
‫ة وا ِ‬
‫ضائّيات ِِهم‬
‫ن على ‪ii‬ف َ‬
‫مو َ‬
‫يَتشات َ ُ‬
‫ْ‬
‫دها‬
‫ت ت َل َ‬
‫فَّلوج ُ‬
‫ة العََزما ِ‬
‫قى ‪ii‬وح َ‬
‫ُ‬
‫و ُ‬
‫وى‬
‫غثاُء أ ّ‬
‫مت َِنا على با ِ‬
‫ب ‪ii‬اله َ‬
‫جن ْد َ آك ِل َةِ اللحوم ِ إلى ‪ii‬مَتى‬
‫يا ُ‬
‫‪53‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫م ‪(ii‬‬
‫م على آثارِ ) ِ‬
‫ِ‬
‫ماوِي ّك ُ ْ‬
‫كي َ‬
‫سْرت ُ ْ‬
‫ة الشجاعةِ إ ِّنما‬
‫ما هذهِ صف ُ‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫ت ‪ii‬أكذوب ً‬
‫ن الحضارةُ !! أصبح ْ‬
‫أي َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ل تَ ْ‬
‫صرِ ‪ ،‬فهْوَ ‪ii‬هزيم ٌ‬
‫فَر ُ‬
‫حوا بالن ّ ْ‬
‫ُ‬
‫وي‬
‫ع‬
‫ر‬
‫ي‬
‫‪ii‬‬
‫ل‬
‫ن‬
‫م‬
‫ر‬
‫ص‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ل‬
‫ينا‬
‫أّنى َ‬
‫ّ ْ َ َ ْ‬
‫َْ َ ِ‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫ت‪،‬أ ْ‬
‫فَّلوج َ‬
‫ج ٍ‬
‫ة العََزما ِ‬
‫حل َب ْ َ‬
‫ت ‪َ ii‬‬
‫خ َ‬
‫قى ‪ii‬شاهدا ً‬
‫ف ي َب ْ َ‬
‫أ َث َُر الجريمةِ سو َ‬
‫ُ‬
‫قدٍ ول ‪ii‬استنكاِر‬
‫ش من ن َ ْ‬
‫مِتي ‪ ...‬ل ت َ ْ‬
‫جيُء نصُر ِ‬
‫َ‬
‫ن ت َْرفَعُ ‪ii‬أ ّ‬
‫سي َ ِ‬
‫خ َ‬
‫ك حي َ‬
‫ُ‬
‫مةِ ‪ii‬الملياِر‬
‫أ‬
‫من‬
‫د‬
‫واح‬
‫هو‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ت ‪ii‬بالعاِر‬
‫لل‬
‫فتج‬
‫دينها‬
‫في‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫قلةِ ‪ii‬استحقاِر‬
‫م ْ‬
‫وان ْظْر إليهِ ب ُ‬
‫َ‬
‫سطاِر(‬
‫ب ) بالب ُ ْ‬
‫صعَد ْ إلى المحرا ِ‬
‫وا ْ‬
‫ُ‬
‫ت معاني ‪ii‬الّثاِر‬
‫مةٍ ن َ ِ‬
‫سي َ ْ‬
‫من أ ّ‬
‫ُ‬
‫مةٍ منزوعةِ ‪ii‬الظفاِر‬
‫من أ ّ‬
‫ت خيو َ‬
‫ط ‪ِii‬إزاِر‬
‫َ‬
‫حب ْل ً ول َرب َط َ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ه بطبائِع ‪ii‬الشراِر‬
‫حللت َ ُ‬
‫ً‬
‫فاِر‬
‫متباهيا بعقيدةِ ‪ii‬الك ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫م ْ‬
‫وم َ‬
‫ة خادٍع ‪ii‬مكاِر‬
‫شي َ َ‬
‫ت ِ‬
‫شي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ة ‪ii‬استكباِر‬
‫شي َ َ‬
‫ف ِ‬
‫فوقَ المصاح ِ‬
‫مْنهاِر‬
‫صْر ِ‬
‫وبكى نهاي َ‬
‫حهِ ‪ii‬ال ُ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ضاِر‬
‫يجري وما فيكم من الوْ َ‬
‫مختاِر‬
‫عن ظ ُل ْ ِ‬
‫صَرةِ ‪ii‬ال ُ‬
‫مك ُ ْ‬
‫م ‪ ،‬ولن ُ ْ‬
‫ن بنا عن ) ‪ii‬الضراِر(‬
‫يترّفعا ِ‬
‫َ‬
‫ب بكم إلى ‪ii‬الوَْزاِر‬
‫صلي ُ‬
‫جن َ َ‬
‫َ‬
‫ح ال ّ‬
‫ة ‪ii‬داِر‬
‫م‬
‫ر‬
‫ح‬
‫و‬
‫ب‬
‫محرا‬
‫ر‬
‫مقدا‬
‫ُ ْ َ َ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خياِر‬
‫‪ii‬‬
‫ز‬
‫أع‬
‫قى‬
‫ل‬
‫ة‬
‫وشهاد‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫فاِر‬
‫حتى د ََنا من َرب ّهِ ‪ii‬الغ ّ‬
‫ب َ‬
‫واِر‬
‫ك ما اقت ََرفْ َ‬
‫ق ‪ii‬ب َ َ‬
‫ت إلى طري ِ‬
‫ّ‬
‫زمام ِ مرك َِبها إلى ‪ii‬ال ّ‬
‫شطاِر‬
‫ب ِ‬
‫م َ‬
‫ي إلى ‪ii‬الجّزاِر‬
‫ش ْ‬
‫و َ‬
‫ت بل وَعْ ٍ‬
‫ّ‬
‫صغاِر‬
‫حتى هَوَ ْ‬
‫ت في ذِلةٍ و َ‬
‫َ‬
‫ت َيدا َ‬
‫سةٍ ‪ii‬لجداِر‬
‫فَرِ َ‬
‫م َ‬
‫ك ب ِل ْ‬
‫ح ْ‬
‫َ‬
‫ت فيهِ عبادة َ الخياِر‬
‫وقَطعْ َ‬
‫َ‬
‫ت براءةَ السحاِر‬
‫بالموبقا ِ‬
‫ُ‬
‫ماِري‬
‫م َ‬
‫مِتي ‪ii‬و ُ‬
‫مخادٍع من أ ّ‬
‫ل ُ‬
‫قيَثاِر‬
‫ي ‪ii‬وال ِ‬
‫جد ِ ِ‬
‫عن م ْ‬
‫هم بالّنا ِ‬
‫ق غانيةٍ و ُ‬
‫ع ْ‬
‫قاِر‬
‫ب ‪ii‬عُ َ‬
‫في ِ‬
‫شْر ِ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫ماِر‬
‫ب ‪ii‬قِ َ‬
‫قَت َل َ ْ‬
‫ت ُرجولت َُهم ول ِعْ ِ‬
‫َ‬
‫ن فظائعَ ‪ii‬الخباِر‬
‫متجاهلي َ‬
‫ف الُغزاةِ وقسوةَ الخطاِر‬
‫صل َ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫مذلةِ ‪ii‬ساِري‬
‫يَ ْ‬
‫ري بهم نحوَ ال َ‬
‫س ِ‬
‫ن في دّوامةِ العصاِر‬
‫و‬
‫ت َب ْ َ‬
‫ق ْ َ‬
‫ساُروا و َ‬
‫يا َ‬
‫ساِر‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫شّر ‪َ ii‬‬
‫شّر َ‬
‫م ْ‬
‫داِر‬
‫ي من صفا ِ‬
‫ن ‪ii‬الغ ّ‬
‫ه َ‬
‫ت الخائ ِ‬
‫‪54‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ة ‪ii‬السراِر‬
‫ت مكشوف َ‬
‫ما ب َد َ ْ‬
‫ل ّ‬
‫َ‬
‫ح ْ‬
‫َأل َ‬
‫ت بكم في ُ‬
‫ق ْ‬
‫فرةِ القذارِ‬
‫َ‬
‫صَغاِر‬
‫ل ‪ِ ii‬‬
‫عن هَت ْ ِ‬
‫ض وقَت ْ ِ‬
‫ك أعرا ٍ‬
‫َ‬
‫صرةِ ‪ii‬القّهاِر‬
‫ل ت َي ْأ ِ‬
‫سي من ن ُ ْ‬
‫عَد ْل ً ي َهّز ضمائر ا َ‬
‫لحراِر‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ة ‪ii‬ا َ‬
‫لنصاِر‬
‫وراي‬
‫د‬
‫الجها‬
‫م‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫عَل َ َ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫َأصلها ثابت وفرعها في السماء ) ‪( 1‬‬
‫د‪ .‬عبد الكريم بكار‬
‫سيظل للكلمة أثرها الفعال في تغيير أفكار الناس وأمزجتهم ومشاعرهم‬
‫وواقعهم‪ ،‬وذلك إذا استوفت شروطا ً معينة‪.‬‬
‫وليس أدل على رفعة مكانة الكلمة في حياة البشر من أن النبياء‪ -‬عليهم‬
‫الصلة والسلم ‪ -‬كانوا يجيدون استخدامها في التعبير عن الحقائق الراسخة‬
‫والربط بينها وبين واقع البشر ورصيد الفطرة المتبقي لديهم‪.‬‬
‫فهذا نوح ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬يجادل قومه باستفاضة‪ ،‬حتى ضج قومه من ذلك‬
‫َ‬
‫دال ََنا( ]هود‪ ،[32 :‬وهذا إبراهيم‬
‫ج َ‬
‫ح قَد ْ َ‬
‫حين قالوا‪َ) :‬قاُلوا َيا ُنو ُ‬
‫ت ِ‬
‫جاد َل ْت ََنا فَأك ْث َْر َ‬
‫ عليه السلم ‪ -‬يكرمه الله ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬فيهبه من قوة الحجة ما يفحم قومه‪:‬‬‫ن َرب ّ َ‬
‫)وت ِل ْ َ‬
‫من ن ّ َ‬
‫م‬
‫جت َُنا آت َي َْنا َ‬
‫ح ِ‬
‫جا ٍ‬
‫م عََلى قَوْ ِ‬
‫ها إب َْرا ِ‬
‫ك َ‬
‫شاُء إ ّ‬
‫مهِ ن َْرفَعُ د ََر َ‬
‫ح ّ‬
‫ك ُ‬
‫كي ٌ‬
‫ت ّ‬
‫هي َ‬
‫م( ]النعام‪.[83 :‬‬
‫عَِلي ٌ‬
‫حل ُ ْ‬
‫قُهوا قَوِْلي(‬
‫ف َ‬
‫ساِني * ي َ ْ‬
‫ل عُ ْ‬
‫وهذا موسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬يقول‪) :‬وا ْ‬
‫من ل ّ َ‬
‫قد َة ً ّ‬
‫]طه‪ ،[28 ،27 :‬ثم يطلب من الله ‪ -‬تعالى ‪-‬أن يتفضل عليه بإشراك هارون‬
‫َ‬
‫سانا ً‬
‫معه في التبليغ لفصاحة لسانه حين يقول‪) :‬وأ َ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ص ُ‬
‫خي هَُرو ُ‬
‫مّني ل ِ َ‬
‫ن هُوَ أفْ َ‬
‫َ‬
‫خا ُ َ‬
‫ن( ]القصص‪.[34 :‬‬
‫صد ّقُِني إّني أ َ َ‬
‫فَأْر ِ‬
‫ه َ‬
‫سل ْ ُ‬
‫ي رِْدءا ً ي ُ َ‬
‫ف أن ي ُك َذ ُّبو ِ‬
‫معِ َ‬
‫م قَوْل ً ب َِليغًا( ]النساء‪:‬‬
‫م ِفي َأن ُ‬
‫ف ِ‬
‫سهِ ْ‬
‫والله ‪ -‬تعالى ‪-‬يقوم لخاتم أنبيائه‪) :‬وُقل ل ّهُ ْ‬
‫‪.[63‬‬
‫هّ‬
‫وكل هذا قبس مما نسبه الباري ‪ -‬جل وعل ‪ -‬لنفسه حين قال‪) :‬قُ ْ‬
‫ل فَل ِل ِ‬
‫شاَء ل َهداك ُ َ‬
‫ة فَل َوْ َ‬
‫ن( ]النعام‪ [149 :‬وحجج النبيين‬
‫ة الَبال ِغَ ُ‬
‫ج ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ال ُ‬
‫ج َ‬
‫َ َ ْ‬
‫مِعي َ‬
‫ومضامين خطابهم للخلق ‪ -‬في الصول ‪ -‬واحدة أو تكاد‪ ،‬مما يجعل جذور‬
‫الكلمة الطيبة ضاربة في أعماق الزمن من لدن نوح ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬إلى‬
‫خاتمهم محمد ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬وهذا يجعل حركة التاريخ كلها في‬
‫د‪ ،‬هو‪ :‬التأكيد على أهمية الكلمة الطيبة في إنقاذ البشرية من‬
‫ق عام ٍ واح ٍ‬
‫سيا ٍ‬
‫الضللة‪.‬‬
‫ونحن في كثير من الحيان نستخف بقيمة الكلمة‪ ،‬ومع أهمية العمل إل أن‬
‫لكل منهما مجاله الذي ل يصلح فيه غيره‪ ،‬وفى تاريخنا السلمي أمثلة كثيرة‬
‫جدا ً غّيرت فيها الكلمة مسار شخص أو مدينة‪ ،‬بل قارة‪ ،‬فمما يذكرون في‬
‫هذا الصدد أن وفدا ً من بعض بلد أفريقية وفد حاجًا‪ ،‬فالتقى بالمام مالك بن‬
‫أنس صاحب المذهب؛ فأثنى مالك على والي ذلك البلد خيرًا‪ ،‬وتمنى لو‬
‫رزقت المدينة مثله في عدله وصلحه‪.‬‬
‫فبلغ ذلك والي ذلك البلد الفريقي‪ ،‬فأمر بتدريس كتب مالك في بلده‪ ،‬وأدى‬
‫ذلك إلى انتشار المذهب المالكي في أرجاء أفريقية!‬
‫وما أظن أن ما حدث كان يخطر للمام على بال‪.‬‬
‫وقد تغني الكلمة الواحدة غناء جيش أو جيوش‪ ،‬كما حدث في غزوة الحزاب‬

‫‪55‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حين أسلم نعيم بن مسعود‪ ،‬واستخدم عدم علم المشركين بذلك في تبديد‬
‫الثقة بين قريش واليهود على ما هو مشهور‪.‬‬
‫وقد أدركت الشركات والمؤسسات التجارية قيمة الكلمة في التأثير على‬
‫المشتري ودفعه إلى شراء ما ل يحتاج له‪ ،‬قال أحدهم‪ :‬لو كان لي عشرة‬
‫ت دعاية بالتسعة الباقية‪.‬‬
‫دولرات لتاجرت بواحدٍ وصنع ُ‬
‫وإذا أردت أن تشل فاعلية شخص ما‪ ،‬فيكفى أن تقنعه‪ :‬أن عمله غير ذي‬
‫فائدة‪.‬‬
‫والية التي نحن بصددها زاخرة بالمعاني والصور التي تجعل الكلمة في أرقى‬
‫حال جمال ً وكمال ً ونفعًا‪.‬‬
‫َ‬
‫م ت ََر‬
‫ولنقرأ الية وما تلها لنقتبس شيئا ً من نورها‪ ،‬قال الله ‪ -‬جل وعل ‪) :-‬أل َ ْ‬
‫َ‬
‫ة كَ َ‬
‫ت وفَْرعَُها ِفي‬
‫ة ط َي ّب َ ً‬
‫م ً‬
‫ك َي ْ َ‬
‫ش َ‬
‫ضَر َ‬
‫ف َ‬
‫صل َُها َثاب ِ ٌ‬
‫مث َل ً ك َل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫جَرةٍ ط َي ّب َةٍ أ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫مَثا َ‬
‫ماِء * ت ُؤِْتي أك ُل ََها ك ُ ّ‬
‫م‬
‫ل ِ‬
‫ضرِ ُ‬
‫ن َرب َّها وي َ ْ‬
‫ال ّ‬
‫س ل َعَل ّهُ ْ‬
‫ه ال ْ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫س َ‬
‫ن ِبإذ ْ ِ‬
‫ل ِللّنا ِ‬
‫حي ٍ‬
‫ّ‬
‫ن( ]إبراهيم‪ ،[25-24 :‬لقد شبه الباري ‪-‬عز اسمه ‪ -‬الكلمة الطيبة‬
‫ي َت َذ َكُرو َ‬
‫بشجرة طيبة‪ ،‬وهذه الشجرة الطيبة تتصف بثلث صفات أساسية‪ :‬ثبات‬
‫أصلها وعمق جذورها‪ ،‬ثم ذهاب فروعها وأفنانها في السماء‪ ،‬ثم نفعها الدائم‬
‫للخلق باستمرار أكلها وثمارها‪.‬‬
‫ولنفصل القول في تنزيل هذه الصفات على الكلمة الطيبة‪.‬‬
‫‪ - 1‬ثبات الصول‪ :‬حين نعرف أن أصول دعوات النبياء ‪ -‬عليهم السلم ‪-‬‬
‫واحدة‪ ،‬تركزت في الدعوة إلى التوحيد الخالص وعبادة الله ‪ -‬تعالى ‪-‬وإقامة‬
‫الحق والعدل في الرض وإعمارها بما يسمح بإقامة مجتمع التوحيد؛ ندرك أي‬
‫جذور ضاربة تمتلكها الكلمة الطيبة على اتساع أمداء الزمان والمكان‪ ،‬وندرك‬
‫أي رصيد من المنطق العام الذي بناه النبياء تستند إليه‪ ،‬وأي رصيد ضخم‬
‫من الفطرة يؤازرها في عملية البلغ المبين‪.‬‬
‫وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬قال‪ :‬قال رسول الله ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ « :-‬أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا‬
‫والخرة‪ ،‬والنبياء إخوة لعلت‪ ،‬أمهاتهم شتى ودينهم واحد »‪.‬‬
‫قال ابن حجر‪ :‬ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد‪ ،‬وهو التوحيد وإن اختلفت‬
‫فروع الشرائع ‪]-‬فتح الباري ‪ [489/6‬فالكلمة الطيبة إرث موروث متصل‬
‫بالنبياء ‪-‬عليهم الصلة والسلم‪.-‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ولكن المشكلة أن التفريق بين الصول والفروع قد ل يتهيأ لكل الناس مما‬
‫يجعل الخلط بينهما واردًا‪ ،‬وحينئذ فقد يجمد ما ينبغي أن يتطور‪ ،‬وقد يتطور‬
‫ما ينبغي أن يثبت‪.‬‬
‫واليوم نتيجة لعلميات الضغط الفكري التي تمارسها التيارات المادية‪ ،‬نجد أن‬
‫كثيرا ً من الكتاب والمفكرين الذين لهم صبغة إسلمية بدأوا يتزحزحون عن‬
‫كثير من مواقعهم‪ ،‬مصطحبين معهم أفكارا ً أو أحكاما ً عليها الجماع‪ ،‬أو‬
‫السواد العظم من علماء المسلمين‪ ،‬بل بعض الصول التي ليست موضع‬
‫نزاع‪.‬‬
‫ويحضرني هنا ما كتبه أحد الذين لهم نفس إسلمي عن لقائه مع القسس‬
‫الذين يعيشون في بعض بلدان العالم السلمي‪ ،‬حيث أثنوا على كتاباته‪،‬‬
‫وسألوه عن الوضع الذي ينبغي أن يكونوا عليه وهم يعيشون بين المسلمين؟‬
‫وقد أجابهم بقوله‪ :‬أول ما نطلبه من النصراني الذي يعيش بيننا أن يتمسك‬

‫‪56‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بنصرانيته…! ! وهذا المطلب عجيب غريب‪ ،‬وهو غني عن كل تعليق‪.‬‬
‫فهل يصح لهذا و أضرابه أن يدعي أنه يكمل مهمة نبيه ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬في تبليغ الرسالة وهداية الخلق؟ !‪.‬‬
‫وقريب من هذا الفتاوى التي صفق لها كثيرا ً الذين في قلوبهم مرض‪ ،‬من‬
‫أمثال‪ :‬إباحة الربا الذي تتعامل به البنوك اليوم‪ ،‬ومن مثل‪ :‬القول بعدم وجود‬
‫حد للردة في الشريعة…‪.‬الخ‪ .‬وإذا استمر هذا النهج على ما هو عليه اليوم‬
‫فسنجد أنفسنا أمام دين يقبل كل إضافة كما يقبل أي حذف‪ ،‬ويصبح قابل ً‬
‫للتشكيل على ما يشتهي أهل الهواء والشهوات‪ ،‬لنه صار شيئا ً ليس بذي‬
‫طعم ول لون ول رائحة… ولكن ذلك لن يكون ‪ -‬بإذن الله ‪ -‬ما نشط أهل‬
‫الحق في توضيحه والذود عن حياضه‪.‬‬
‫‪ - 2‬مرونة الساليب وتنوعها‪ :‬على مقدار ما تكون جذور الكلمة الطيبة‬
‫وأصولها راسخة ثابتة تكون أساليبها مرنة نامية منوعة‪ ،‬وهذا في حد ذاته أحد‬
‫مقتضيات ثبات الصول؛ فأحوال البشر وأفهامهم مختلفة‪ ،‬ولذلك تعدد النبياء‬
‫عليهم الصلة والسلم‪ -‬وتنوعت شرائعهم‪ ،‬وصدق الله العظيم إذ يقول‪:‬‬‫َ‬
‫م( ]إبراهيم‪ ،[14 :‬فالرسول‬
‫ن قَوْ ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ل إل ّ ب ِل ِ َ‬
‫من ّر ُ‬
‫ما أْر َ‬
‫ن ل َهُ ْ‬
‫)و َ‬
‫مهِ ل ِي ُب َي ّ َ‬
‫سا ِ‬
‫سو ٍ‬
‫يكلم الناس بلغتهم التي يتكلمون بها على أوسع ما تحمله هذه الكلمة من‬
‫دللت‪ ،‬والهدف هو‪ :‬أن يبين لهم ما يدعو إليه‪ ،‬وقد أخذ السلوب القرآني من‬
‫ذ‪ ،‬وتحداهم وطاولهم في التحدي‪ ،‬وأقام عليهم الحجج الدامغة‬
‫العرب كل مأخ ٍ‬
‫التي تناسب أوضاعهم الفكرية آنذاك‪.‬‬
‫واللغة في أبسط تعاريفها هي‪ :‬مجموعة المكانات التعبيرية في بيئة من‬
‫البيئات‪ ،‬وهذه المكانات التعبيرية تتسع باتساع حضارة اللغين بها‪ ،‬واتساع‬
‫غنى الخلفيات الثقافية لديهم‪ ،‬وهذه المكانات دائمة التغيير والتشكل تمر‬
‫بعين الطوار التي يمر بها الكائن الحي من الولدة إلى الموت وما بينهما من‬
‫مراحل‪.‬‬
‫ولغتنا الفصحى تنمو ضمن أطر صارمة‪ ،‬فالفاعل لن ينمو ليصبح مجرورا‪ً،‬‬
‫والمضاف إليه لن ينمو ليكون مرفوعًا‪ ،‬ولكن بين تلك الطر مساحات واسعة‬
‫شاسعة تتحرك فيها اللغة على مستوى التراكيب والدللت والصوات‪ ،‬وتلك‬
‫الحركة تساير وتناغم شللت الثقافة في المة في تنوعها ودرجة عنفها‪.‬‬
‫لغة العصر‪:‬‬
‫من سمات حركة التاريخ أن دور العبادة تظل كهوفا ً لنوٍع أو لنواٍع من العلم‬
‫مهما ساءت أحوال المة الثقافية‪ ،‬وعلى امتداد تاريخنا السلمي كان علماء‬
‫الشرع يشكلون السواد العظم من الكتاب والباحثين والمفكرين‪ ،‬مما جعل‬
‫اللغة التي يتكلم بها الصفوة من الناس هي عين اللغة التي يتحدث بها‬
‫الدعاة‪ ،‬لنهم هم الذين شكلوها‪ ،‬وعلى ألسنتهم تطورت ونمت‪...‬‬
‫ولكن الزمان قد اختلف‪ ،‬حيث إن اللغة التي يتكلم بها النخبة اليوم تكونت‬
‫من جهد ثقافي متنوع‪ ،‬فأجهزة العلم والجرائد والمجلت والقصص‬
‫والروايات والكتب التي صنفها باحثون تنوعت ثقافاتهم مضامين وأساليب‪،‬‬
‫وبفعل وسائل التصالت الحديثة صار العالم بمثابة قرية صغيرة تكثفت فيها‬
‫الراء والتجاهات والثقافات‪...‬‬
‫وكان في هذا تحد ٍ عظيم لكل من يريد مخاطبة الناس والتأثير فيهم‪ ،‬إذ أن‬
‫الخلفية الثقافية للمخاطبين صارت أكثر تعقيدا ً بسبب ثراء الساحة الثقافية‬
‫وتنوعها‪ ،‬مما أسفر عن وجود حواجز كثيرة‪ ،‬على الكلمة أن تتجاوزها قبل‬
‫الستقرار في الذهن أو العاطفة‪ ،‬كما صار التزام الدقة في أداء الكلمة‬
‫شرطا أساسيا للحيلولة دون أن يساء فهمها‪ ،‬كما صار اختيار العبارات‬
‫‪57‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المناسبة للحقيقة التي ُيراد إيصالها للمخاطب أمرا ً ضروريا ً جدًا‪.‬‬
‫فإذا كانت الحقيقة التي نريد توصيلها أدبية أو حضارية فإن العبارة القادرة‬
‫على اختراق الحجب هي التي تحمل في تركيبها قابلية تعدد المعاني عند‬
‫مختلف الدارسين‪ ،‬بحيث يكون لكل منهم فيها خطة من التفسير و التأويل‪،‬‬
‫بشرط أن يكون ذلك ضمن طاقة التركيب اللغوي الذي بين يديه‪.‬‬
‫أما الحقيقة العلمية الكونية أو العقدية أو الفقهية‪ :‬فينبغي أن تصاغ بعبارة‬
‫غاية في الدقة ل تدع مجال ً إل لمعنى واحد‪ ،‬كما أن في تلك المعنى ل يجد‬
‫دقة صياغته إل في تلك العبارة‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫فإذا لم يراع المتحدث أو الكاتب هذا أحدثت عباراته للناس فتنًا‪ ،‬وأوقعته في‬
‫الريبة مع سلمة قصده‪ ،‬وفتحت عليه من نوافذ النقد ما ل قبل له به‪.‬‬
‫من خصائص لغة العصر‪:‬‬
‫يتمخض عن تلطم الفكار والثقافات المختلفة قناعات ومفاهيم عند السواد‬
‫العظم من الناس‪ ،‬وهذه المفاهيم قد تكون صحيحة‪ ،‬وقد ل تكون لنها ل‬
‫ترتكز في أكثر المر على حقائق موضوعية بقدر ما تنبع من قوة الفعاليات‬
‫على الساحات الثقافية والفكرية‪ ،‬وهذه القناعات تشكل مفردات التركيب‬
‫الذهني لدى الناس‪ ،‬مما يجعل امتصاصهم للمعلومات التي يطلعون عليها ذا‬
‫سمات خاصة تنسجم مع ذلك التركيب‪.‬‬
‫وحينئذ فإن الداعية مطالب بمعرفة تلك القناعات والمفاهيم‪ ،‬كما أنه مطالب‬
‫بتحسس التركيب الذهني السائد في عصره حتى يخاطب الناس بلسانهم‪،‬‬
‫ومن هذه الخصائص‪ :‬أ‪ -‬اعتماد الحصاء بدل ً عن الفلسفة‪:‬‬
‫كانت الفلسفة تسمى ملكة العلوم‪ ،‬وذلك بسبب تأثير منهج أرسطو في‬
‫منحنيات الفكر البشري ومساراته‪ ،‬وقد كان الناس إلى عهد قريب يسمون‬
‫من أوتي فيهم مقدرة خاصة على التعبير بـ )الفيلسوف(‪ ،‬بل إن بلدا ً مثل‬
‫بريطانيا مازال يستخدم كلمة )فلسفة( في شهادات التخصصات العليا لديه‪.‬‬
‫وقد تأثر الفكر السلمي قديما ً بالمنطق الرسطاليسي‪ ،‬وتسربت مقولته‬
‫وأقيسته إلى كثير من كتب الصول والفقه والعربية‪ ،‬بل والعقيدة‪.‬‬
‫ذلك الفكر الذي ل يقيم للتجربة أدنى وزن‪ ،‬ومن الطرائف المتناقلة في هذا‪:‬‬
‫أن أرسطو كان يزعم أن أسنان الرجل أكثر من أسنان المرأة! ولو أن زوجته‬
‫فتحت فمها وعد ّ أسنانها لعرف أن زعمه حديث خرافة‪..‬‬
‫وقد أدركت أوربة في أوائل عصر نهضتها أل نهضة ول تقدم قبل نبذ الفكر‬
‫الرسطي القياسي‪ ،‬ثم التجاه إلى التجريب لتتويجه ملكا ً على العلوم‬
‫المادية‪ ،‬ومن ذلك اليوم بدأت قناعات الناس تنحو منحى لغة الرقم‬
‫لستفتائها والبناء عليها‪ ،‬وهذه نقطة إيجابية إذا أحسنا التعامل معها‪ ،‬ولكن‬
‫كثيرين مّنا مازالوا غير واعين لهذه الحقيقة‪ ،‬مما يجعلهم يستمرون في سوق‬
‫الحجج العقلية مع توفر أرقام واقعية تدعم قوله‪ ،‬وتؤيده‪ ،‬فعلى سبيل المثال‪:‬‬
‫فإن تقديم نماذج واقعية ذات أرقام محددة على ما يكن أن ينتج من المن‬
‫والرخاء نتيجة تطبيق الحدود والنظام القتصادي السلمي ‪ -‬أجدى وأنجع‬
‫بكثير من سرد مجلدات من العلل والحجج العقلية التي تشرح فوائد اللتزام‬
‫بالسلم‪ ،‬أو تلك التي توضح سلبيات الربا وتطبيق القوانين الوضعية‪.‬‬
‫ومن المفيد هنا أن نقول‪ :‬إن أرسطو أنشأ فن الجدل ليسد الثغرات التي‬
‫يتركها الستقراء الناقص للحداث والفكار؛ كما أنشئت فلسفة التاريخ فيما‬

‫‪58‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بعد لتسد النقص في التفاصيل التاريخية‪ ،‬أما اليوم فقد أضحى الحصاء إحدى‬
‫أهم سمات عصرنا البارزة‪ ،‬مما يسهل استخدامه حتى نخفف من الجدل‬
‫والمماحكات اللفظية العقيمة‪.‬‬
‫‪ http://www.albayan-magazine.com‬المصدر‪:‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫أ ََوكلما عاهدوا عهدا ً نبذه فريق منهم؟!‬
‫د‪ .‬سامي بن إبراهيم السويلم ‪1/4/1424‬‬
‫‪01/06/2003‬‬
‫سورة البقرة من أعظم سور القرآن‪ ،‬وقد استغرق وصف حال بني إسرائيل‬
‫أكثر من ‪ 100‬آية‪ ،‬ولم يكن ذلك من باب التسلية القصصية أو الترف‬
‫الخباري؛ بل كان لحكم وغايات عظيمة‪ ،‬من أهمها‪ :‬أن يعتبر المسلمون من‬
‫حال بني إسرائيل‪ ،‬وأل يكونوا مثلهم‪ ،‬ول يسيروا بسيرتهم‪.‬‬
‫وكان مما انتقده القرآن على اليهود نقضهم العهود‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬أو كلما‬
‫عاهدوا عهدا ً نبذه فريق منهم بل أكثرهم ل يؤمنون{ ]البقرة ‪ .[100‬فذم‬
‫اليهود على تشرذمهم وتمزق كلمتهم وكثرة انقسامهم‪ ،‬ولذلك كلما عاهدوا‬
‫عهدا ً انشقت عنهم طائفة‪ ،‬ونبذت العهد ونقضته‪ .‬وإذا كان هذا مما ذم الله‬
‫تعالى به اليهود؛ فمن البدهي أن ينهى المسلمين عنه‪ ،‬وأن يأمرهم بخلفه‪،‬‬
‫وهو ما جاء في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم‪" :‬ذمة المسلمين‬
‫واحدة يسعى بها أدناهم"‪ ،‬وفي المسند والسنن أنه عليه الصلة والسلم‬
‫قال‪" :‬المسلمون تتكافأ دماؤهم‪ ،‬يسعى بذمتهم أدناهم‪ ،‬ويجير عليهم‬
‫أقصاهم‪ ،‬وهم يد على من سواهم"‪.‬‬
‫وهذا الحديث من جوامع الكلم ومن أمارات النبوة‪ ،‬إذ جمع المعاني العظيمة‬
‫في عبارات يسيرة؛ فقوله عليه الصلة والسلم‪" :‬يسعى بذمتهم أدناهم" أي‪:‬‬
‫من أعطى من المسلمين عهدا ً لكافر؛ فإن سائر المسلمين يلتزمون بهذا‬
‫العهد‪ ،‬ولو كان الذي أعطاه من أدنى المسلمين في سّلم القرار السياسي‬
‫والعسكري‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫من كافرا حرم على‬
‫وفي شرح السنة‪" :‬أي أن واحدا من المسلمين إذا أ ّ‬
‫ً‬
‫عامة المسلمين دمه‪ ،‬وإن كان هذا المجير أدناهم‪ ،‬مثل‪ :‬أن يكون عبدا‪ ،‬أو‬
‫امرأة‪ ،‬أو عسيفا ً تابعًا‪ ،‬أو نحو ذلك‪ ،‬فل يخفر ذمته‪".‬‬
‫وأوضح مثال على ذلك قصة أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها في‬
‫الصحيحين وغيرهما‪ ،‬أنها أجارت رجل ً من المشركين‪ ،‬فبلغها أن أخاها علي‬
‫بن أبي طالب رضي الله عنه سيقتله‪ ،‬فشكت ذلك للنبي صلى الله عليه‬
‫وسلم؛ فقال عليه السلم‪" :‬قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ‪".‬‬
‫ً‬
‫فليس من شأن المسلمين أن يكونوا كاليهود )كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق‬
‫منهم(؛ بل هم يد واحدة وكلمتهم واحدة‪ ،‬ويسعى بذمتهم أدناهم كما قال‬
‫المصطفى عليه الصلة السلم‪.‬‬
‫"نفي لهم بعهدهم"‬
‫وفي صحيح مسلم )‪ (1787‬أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال‪ :‬ما‬
‫منعني أن أشهد بدرا ً إل أني خرجت أنا وأبي‪ ،‬فأخذنا كفار قريش‪ ،‬قالوا إنكم‬
‫تريدون محمدًا؟ فقلنا‪ :‬ما نريده‪ ،‬ما نريد إل المدينة‪ ،‬قال حذيفة رضي الله‬
‫عنه‪ :‬فأخذوا مّنا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ول نقاتل معه‪ ،‬فأتينا‬
‫رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬فأخبرناه الخبر‪ ،‬فقال‪ " :‬انصرفا‪ ،‬نفي‬

‫‪59‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم"‪.‬‬
‫فها هو النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬في حالة حرب مع المشركين‪ ،‬ومع ذلك‬
‫يفي لهم بعهدهم ويستعين الله عليهم!‪ .‬ول عجب أن كان حليفه النصر‪ ،‬فالله‬
‫ل ينصر قوما ً بالغدر والخيانة }إن الله ل يحب الخائنين{]النفال ‪.[58‬‬
‫من رجل ً‬
‫وفي مسند أحمد وغيره أن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قال‪" :‬من أ ّ‬
‫على دمه فقتله؛ فإنه يحمل لواء الغدر يوم القيامة"‪ ،‬وفي لفظ‪" :‬إذا اطمئن‬
‫الرجل إلى الرجل‪ ،‬ثم قتله؛ رفع له لواء الغدر يوم القيامة"‪ ،‬وفي رواية‪" :‬من‬
‫من رجل ً على دمه فقتله؛ فأنا برئ من القاتل‪ ،‬وإن كان المقتول كافرًا"‬
‫أ ّ‬
‫)السلسلة الصحيحة حديث ‪.(440‬‬
‫فكيف ننتظر النصر إذا تبرأ منا رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪-‬؟‬
‫وقد ذكر أهل العلم ممن تصدى لهذا الموضوع ما أورده المفسرون عند قوله‬
‫تعالى‪} :‬إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله ل يحب كل خوان كفور{‬
‫]الحج ‪ .[38‬قال القرطبي‪" :‬روي أنها نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة‪،‬‬
‫وآذاهم الكفار‪ ،‬وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة ; أراد بعض مؤمني مكة‬
‫أن يقتل من أمكنه من الكفار ويغتال ويغدر ويحتال ‪ ،‬فنزلت هذه الية؛ فوعد‬
‫فيها سبحانه بالمدافعة‪ ،‬ونهى أفصح نهي عن الخيانة والغدر"‪ .‬فهل تجد عن‬
‫السلف أوضح من هذا البيان؟!‬
‫وتأمل كيف ربطت الية بين دفاع الله عن المؤمنين وبين التحذير من الخيانة‪،‬‬
‫وما يتضمنه ذلك من أن المؤمنين ليس من شأنهم الخيانة‪ ،‬وأن نصر الله ل‬
‫يتنزل على الخائنين‪.‬‬
‫"ول تخن من خانك"‬
‫ليست النتهازية من أخلق المسلمين‪ ،‬ول مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" من‬
‫مبادئهم‪ .‬فل يكفي أن تكون الغاية مشروعة؛ بل ل بد أن تكون الوسيلة إليها‬
‫مشروعة كذلك‪ .‬أما التوسل للمشروع بالممنوع فهذا مما قرر أهل العلم أنه‬
‫من الحيل المذمومة المنهي عنها )انظر إعلم الموقعين‪ ،‬دار ابن الجوزي‪،‬‬
‫‪.(5/302‬‬
‫وفي المسند أن بشير بن الخصاصية قال للنبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ " :-‬إن‬
‫لنا جيرة من بني تميم ل تشد لنا قاصية إل ذهبوا بها‪ ،‬وإنها تجيء لنا من‬
‫أموالهم أشياء أفنأخذها؟" فقال عليه الصلة والسلم‪" :‬ل"‪ .‬وثبت عن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬من طرق أنه قال‪" :‬أد المانة إلى من ائتمنك ول‬‫تخن من خانك" )الصحيحة ‪.(423‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إن الفرق بيننا وبين أعدائنا أننا أصحاب رسالة وقيم وحضارة تهدي البشرية‬
‫وتقودها إلى الفضيلة‪ ،‬أما هم فهم ل يريدون سوى العلو في الرض بأي‬
‫طريق كان‪ .‬فل يجوز أن نكون مثلهم ول أن نجاريهم في أساليبهم الدنيئة‪.‬‬
‫والغريب أن من يتبعون هذه الساليب إذا قيل لهم‪ :‬إن المعركة غير متكافئة‬
‫ول بد للنصر من شروطه وأسبابه‪ ،‬قالوا‪ :‬إن النصر ل يكون بالعدد ول بالعدة‬
‫وإنما باليمان‪ ،‬ثم هم يلجؤون إلى ما ينافي اليمان! فاليمان يوجب الصدق‬
‫والوفاء ويحرم الغدر والخيانة‪ .‬فكيف ننتصر على أعدائنا إذا لم نكن نملك ل‬
‫العدد ول العدة‪ ،‬ول موجبات اليمان؟!‬
‫"وآمنهم من خوف"‬
‫ً‬
‫لقد أمر الله تعالى قريشا بعبادته بعد أن ذكر منته عليهم بالمن‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫‪60‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫}فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف{‪ ،‬فرتب‬
‫المر بالتوحيد وعبادة الله وحده على المن من الخوف والطعم من الجوع‪،‬‬
‫وهو مما يبين أن السلم إنما ينتشر في بيئة المن والستقرار والرخاء‪ ،‬ل‬
‫في بيئة الخوف والجوع والقلق‪ .‬ومن دعاء النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬كل‬
‫شهر عند رؤية الهلل‪" :‬اللهم أهله علينا بالمن واليمان والسلمة والسلم"‬
‫رواه أحمد وغيره‪.‬‬
‫ً‬
‫ول شك أن السلم لم يأت ليبدل أمن الناس خوفا؛ بل العكس هو الصحيح‪،‬‬
‫وهذه إنما هي شبهة المشركين الذين قالوا للنبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪:-‬‬
‫}إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا{؛ فرد الله عليهم بقوله‪} :‬أولم‬
‫نمكن لهم حرما ً آمنا ً يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا ً من لدنا ولكن أكثرهم ل‬
‫يعلمون{ ]القصص ‪.[57‬‬
‫قال يحيى بن سلم‪" :‬يقول‪ :‬كنتم آمنين في حرمي‪ ،‬تأكلون رزقي‪ ،‬وتعبدون‬
‫غيري‪ ،‬أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي؟!" )تفسير القرطبي(‪.‬‬
‫وإنما يكون الخوف عقوبة من الله على من خالف أمره‪ ،‬كما قال سبحانه في‬
‫القرية التي كفرت بأنعم الله‪} :‬فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا‬
‫يصنعون{‪ .‬فكيف يستحل مسلم أن يجلب الخوف والقلق للمجتمع السلمي‬
‫باسم السلم؟ وإذا كان النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪) -‬كما في صحيح‬
‫مسلم( قد دعا على من شق على المسلمين بقوله‪" :‬اللهم من ولي من أمر‬
‫أمتي شيئا ً فشق عليهم فاشقق عليه"‪ ،‬فكيف بمن يتسبب في أعظم‬
‫المشقة أل وهي الخوف والضطراب والفوضى‪ ،‬مع كونه ل يملك من وليتهم‬
‫شيئًا؟!‬
‫من استعجل شيئا ً قبل أوانه عوقب بحرمانه‬
‫قضت حكمة الله –تعالى‪ -‬في خلقه وأمره أنه }لكل أجل كتاب{ ]الرعد‬
‫‪ ،[38‬وأنه }ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون{ ]الحجر ‪ .[5‬وأن سنة‬
‫الله ‪-‬تعالى‪ -‬ل مبدل لها‪} :‬فلن تجد لسنة الله تبديل ً ولن تجد لسنة الله‬
‫تحويل{ ]فاطر ‪ .[43‬فمن رام خرق هذه السنن أو اللتفاف عليها كانت‬
‫النتيجة نقيض مقصوده‪ ،‬وقد أدرك أهل العلم هذا المعنى من نصوص كثيرة‪،‬‬
‫وعبروا عنه بالقاعدة المعروفة‪ :‬من استعجل شيئا ً قبل أوانه عوقب بحرمانه‪،‬‬
‫ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الخمر‪ -‬كما في الصحيح‪" :-‬من شربها‬
‫في الدنيا لم يشربها في الخرة"‪ ،‬وقال‪ " :‬ل تلبسوا الحرير ول الديباج‪ ،‬ول‬
‫تشربوا في آنية الذهب والفضة‪ ،‬ول تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا‬
‫ولنا في الخرة"‪.‬‬
‫ُ‬
‫ومن أهم ما تراعى فيه هذه القاعدة الصلح والتغيير‪ ،‬ولهذا أمر النبي عليه‬
‫الصلة والسلم بالصبر في مكة ‪ 13‬عاما ً على أصناف الضطهاد والتنكيل‬
‫والستبداد‪ ،‬ولم يكن ذلك عبثا ً ول مضيعة للوقت؛ بل كان بناًء تدريجيا ً لقاعدة‬
‫المجتمع المسلم‪ ،‬التي سيقوم عليها فيما بعد‪ .‬ولذلك قال عمر ‪-‬رضي الله‬
‫عنه‪" :-‬إنما ينقض السلم عروة عروة من نشأ في السلم ولم يعرف‬
‫الجاهلية"‪ .‬فالجاهلية التي أشار إليها رضي الله عنه هي التي صمد‬
‫المسلمون أمامها دون رفع السلح طوال العهد المكي‪ ،‬فصبروا وثبتوا حتى‬
‫تمكن اليمان في قلوبهم‪ ،‬وتجردوا من حظوظ أنفسهم‪ ،‬وأصبح انتصارهم لله‬
‫ تعالى‪ -‬ولدينه‪ ،‬ل لنفسهم وأهوائهم‪.‬‬‫ول يرتاب عاقل أن منهج العنف مخالف لسنة الله ‪ -‬تعالى‪ -‬وشرعه‪ ،‬ولذلك‬
‫قال صلى الله عليه وسلم‪ " :‬إن الله يحب الرفق في المر كله"‪ ،‬وقال‪" :‬إن‬
‫الله رفيق يحب الرفق‪ ،‬ويعطي على الرفق ما ل يعطي على العنف‪ ،‬وما ل‬
‫‪61‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يعطي على سواه"‪ ،‬وفي رواية‪" :‬ل يكون الرفق في شيء إل زانه‪ ،‬ول ينزع‬
‫من شيء إل شانه"‪ ،‬وفي رواية‪" :‬من يحرم الرفق يحرم الخير" )هذه‬
‫الروايات في الصحيحين(‪.‬‬
‫والعنف نتيجة لستعجال النتائج‪ ،‬وقلة الصبر‪ ،‬ومغالبة سنن الله الكونية‪ .‬ولكن‬
‫النتيجة الطبيعية للعنف هي في الغالب نقيض مقصود صاحبه‪ ،‬فيترتب عليه‬
‫استفحال المنكر وتسلط العداء أكثر من ذي قبل‪ ،‬ولو لم يكن من مساوئ‬
‫هذا المنهج إل هذا لكفى‪ ،‬فكيف والشرع جاء بذمه‪ ،‬والتحذير منه‪ ،‬والمر‬
‫بضده؟‬
‫)‪(2 /‬‬
‫والله تعالى شرع القتال حتى ل تكون فتنة‪ ،‬أما إذا كان القتال والمواجهة‬
‫المسلحة هي نفسها تفضي إلى الفتنة‪ ،‬فهي محرمة لنها مناقضة لمقصود‬
‫الشرع‪ ،‬وفي صحيح البخاري أن رجلين أتيا إلى ابن عمر ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬في‬
‫فتنة ابن الزبير‪ ،‬فقال له‪ ":‬إن الناس صنعوا‪ ،‬وأنت ابن عمر‪ ،‬وصاحب النبي ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬فما يمنعك أن تخرج؟ فقال‪ " :‬يمنعني أن الله حرم‬
‫دم أخي"‪ ،‬فقال‪ :‬ألم يقل الله‪ } :‬وقاتلوهم حتى ل تكون فتنة{؟ فقال‪" :‬‬
‫قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله‪ ،‬وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون‬
‫فتنة ويكون الدين لغير الله"‪.‬‬
‫وفي صحيح مسلم أن سعد بن أبي وقاص ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬لما اجتنب الفتنة‬
‫التي جرت بين الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم جميعًا‪ -‬قال له رجل‪ :‬ألم يقل الله‬
‫}وقاتلوهم حتى ل تكون فتنة{؟ فقال سعد‪ " :‬قد قاتلنا حتى ل تكون فتنة‪،‬‬
‫وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة"‪.‬‬
‫ومن تناقض أنصار العنف أنهم يبررون موقفهم بأن الرفق ل يأتي بنتيجة‪ ،‬وأن‬
‫المة تنحر من أقصاها إلى أقصاها‪ ،‬ولم نفعل من أجلها شيئًا‪ .‬فإذا ما وقعت‬
‫عمليات العنف‪ ،‬وتبين أن ضررها أضعاف نفعها‪ ،‬وأن المة لم تزدد بذلك‬
‫سوى نحرا ً وذل ً وانهزامًا‪ ،‬وقيل لهم‪ :‬ماذا استفدنا من العنف؟ قالوا‪ :‬ليست‬
‫العبرة بالنتائج‪ ،‬وإنما بالمبادئ! ولكن ألم تتركوا المبادئ من أجل النتائج؟ فل‬
‫استمساك بالمبادئ‪ ،‬ول تحقيق للنتائج!‬
‫"متاع قليل"‬
‫ً‬
‫كان النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬يتألم كثيرا إذا رأى من قومه جحود الحق‬
‫ومكابرة الرسالة‪ ،‬وهي أوضح من الشمس للعيان‪ ،‬ونزل القرآن مرارا ً يعاتبه‬
‫في المبالغة في هذا الجانب‪} :‬لعلك باخع نفسك أل يكونوا مؤمنين إن نشأ‬
‫ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين{ ]الشعراء ‪،[3‬‬
‫وقوله تعالى }باخع نفسك{ أي قاتلها من الغم والحسرة على عدم إيمانهم‪،‬‬
‫َ‬
‫فقا ً‬
‫ن َ‬
‫ن ك َب َُر عَل َي ْ َ‬
‫ي نَ َ‬
‫تأ ْ‬
‫ك إ ِعَْرا ُ‬
‫كا َ‬
‫وقال جل شأنه‪} :‬وَإ ِ ْ‬
‫نا ْ‬
‫ست َط َعْ َ‬
‫ضهُ ْ‬
‫ن ت َب ْت َغِ َ‬
‫م فَإ ِ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م ِبآي َةٍ وَلوْ َ‬
‫دى‬
‫م عَلى الهُ َ‬
‫هل َ‬
‫سّلما ً ِفي ال ّ‬
‫ض أوْ ُ‬
‫معَهُ ْ‬
‫ج َ‬
‫شاَء الل ُ‬
‫ماِء فَت َأت ِي َهُ ْ‬
‫س َ‬
‫ِفي الْر ِ‬
‫َفل ت َ ُ‬
‫جاهِِلين{‬
‫ن ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫كون َ ّ‬
‫]النعام‪. [35:‬‬
‫فمن ظن أنه سيجمع الناس على الهدى‪ ،‬أو أنه سيمحو الكفر من على وجه‬
‫الرض‪ ،‬فهو من الجاهلين‪ ،‬بنص القرآن؛ بل ثبت في صحيح مسلم أن الساعة‬
‫تقوم والروم أكثر الناس‪ ،‬فإذا رأى المسلم علو الكافرين في الرض‬
‫وظهورهم فيها؛ فليعلم أن الدنيا بأسرها ل تساوي عند الله تعالى جناح‬
‫بعوضة‪ ،‬وأن مصير هؤلء يتحدد في الخرة‪ ،‬وليس في الدنيا‪} :‬ل يغرنك تقلب‬

‫‪62‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الذين كفروا في البلد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد{ ]آل عمران‬
‫‪.[197-196‬‬
‫كما يجب أل نيأس من رحمة الله – تعالى‪ -‬بهذه المة ونصره لعباده‬
‫المؤمنين‪ ،‬ومن قال هلك الناس فهو أهلكهم‪ ،‬ولكن حكمة الله ‪ -‬تعالى‪ -‬فوق‬
‫عقول البشر وأجل من أن يحيط بها مخلوق‪ ،‬وكما أمرنا أن نستجيب لمر‬
‫الله الشرعي؛ فنحن مأمورون بالستجابة لمره الكوني‪.‬‬
‫أما المصادمة والمواجهة مع السنن اللهية‪ ،‬فستكون نتيجتها كما قال الصادق‬
‫ت ل أرضا ً قطع ول ظهرا ً أب‬
‫المصدوق عليه الصلة والسلم‪" :‬إن المنب ّ‬
‫)‪(3 /‬‬
‫ُأماه‬
‫بقلم الدكتورعدنان علي رضا النحوي‬
‫ظري أ ُماه ل ُو ت َر َ َ‬
‫مي ان ْ ُ‬
‫سى‬
‫ُقو ِ‬
‫ك ال َ‬
‫ّ ُ ْ َ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫صد ْرِ َ‬
‫عَي ْن َا وَ ُ‬
‫ض ّ‬
‫ي لِ َ‬
‫حَنا ِ‬
‫مين ِ‬
‫هّ‬
‫ت ي َن ْ ُ‬
‫س ِ‬
‫وَت َب َ ّ‬
‫شر ظ ِل ُ‬
‫مو ْ ُ‬
‫مي َوال َ‬
‫َ‬
‫ب في طّيات ِهِ ال ّ‬
‫ن‬
‫ش َ‬
‫وَت َِغي ُ‬
‫فَتا ِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫قني ‪ ،‬وَهَلْ‬
‫ي ي َد َا ت َُعان ِ ُ‬
‫م ّ‬
‫ُ‬
‫دي إل ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫دا‬
‫ي‬
‫ك‬
‫ذا‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ه‬
‫و‬
‫د‬
‫ق‬
‫و‬
‫؟‬
‫قوى‬
‫ْ‬
‫َ ْ َ َ َ ْ ِ‬
‫تَ‬
‫َ َ ِ‬
‫ُ‬
‫ع‬
‫سا ِ‬
‫وَت َك َل ّ ِ‬
‫م ٌ‬
‫ماهُ إّني َ‬
‫مي ! أ ّ‬
‫ن‬
‫ل ُغَ َ‬
‫من ْ ِ‬
‫ص ٌ‬
‫ة الوََداِع و ُ‬
‫ت ل ِب ََيا ِ‬
‫ت‬
‫خُلودِ و َ‬
‫ت ِإلى ال ُ‬
‫سك َن ْ ِ‬
‫َ‬
‫حّتى َ‬
‫خال َط َ ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ثا‬
‫حد‬
‫ال‬
‫ة‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ك‬
‫ه‬
‫ج‬
‫و‬
‫ت‬
‫ما‬
‫س‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫قَ َ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫َ‬
‫وى‬
‫صوَُر ال َ‬
‫مّثل ْ‬
‫وت َ َ‬
‫ت ُ‬
‫منيةِ َوان ْط َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ل وَ َ‬
‫م ٌ‬
‫ن‬
‫جةِ ال ْ‬
‫غاب ب ِل ّ‬
‫أ َ‬
‫حَزا ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫قها ال ُ‬
‫ماه ُ أطل َ َ‬
‫ماَز َ‬
‫ج ْ‬
‫فؤاد ُ وَ َ‬
‫أ ّ‬
‫ن‬
‫ج َ‬
‫دا ِ‬
‫م ع ُ ال َ ْ‬
‫م َ‬
‫واِح َ‬
‫صو ْ َ‬
‫َ‬
‫فا ِ‬
‫ت الن ّ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ذي غاد َْرت ِ‬
‫ت ال ِ‬
‫ت للب َي ْ ِ‬
‫قل ْ ِ‬
‫وَن ُ ِ‬
‫ن‬
‫على ال َك ْ َ‬
‫ة َ‬
‫مل َ ً‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫حين َا ً ! ُ‬
‫فا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة وَكأّنها‬
‫ت فِي ْهِ لي ْل ً‬
‫ضي ْ ِ‬
‫وَق َ‬
‫َ‬
‫فاني‬
‫س بِ َ‬
‫ض العُ ْ‬
‫عُ ْ‬
‫مرِ لي ْ َ‬
‫مٌر وب َعْ ُ‬
‫يل ْقي عَل َيك بنوك من أ َ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ه‬
‫د‬
‫كبا‬
‫ُ ِ‬
‫ِ ِ ْ‬
‫ْ ِ َُ ِ ِ ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫تا‬
‫ه‬
‫ع‬
‫م‬
‫د‬
‫م‬
‫ب‬
‫ب‬
‫ذو‬
‫ت‬
‫ا‬
‫ع‬
‫ط‬
‫قِ َ َ‬
‫ُ ِ َ ْ َ ٍ َّ ِ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ص ْ‬
‫خر ٍ‬
‫جان ِ َ‬
‫س َ‬
‫وَأ َ‬
‫ما َ‬
‫ى إَذا َ‬
‫ب َ‬
‫م ّ‬
‫س ً‬
‫ل ََذاب ََها في ث َوَْرةِ الب ُْر َ‬
‫ن‬
‫كا ِ‬
‫****‬
‫****‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫س ّ‬
‫َيا أّيها ال َ‬
‫م َ‬
‫ج َ‬
‫ن َ‬
‫سد ُ ال ُ‬
‫جى أي ْ َ‬
‫ن‬
‫ه في َ‬
‫ق وَ َ‬
‫ُ‬
‫مل ْت َ ُ‬
‫ح ّ‬
‫جَنا ِ‬
‫خافِ ٍ‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫ن أغ ِ‬
‫م َ‬
‫وَ َ‬
‫ض ْ‬
‫وارٍِح ب ََرد َ ْ‬
‫ج َ‬
‫ت وَعَي ْ ٍ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫وَفَم ٍ ي ُكت ّ ُ‬
‫سّرهُ وَب ََنا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صولَها‬
‫ن الّرَواي َ ُ‬
‫ة إذ ْ ت َلو ِ‬
‫ت فُ ُ‬
‫أي ْ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫حائ ِ َ‬
‫ص َ‬
‫وت َ‬
‫فها ي َد ُ الْزما ِ‬
‫وَط َ َ‬
‫****‬

‫‪63‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫****‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫َيا أي َّها ال ِ ْ‬
‫ن ُ‬
‫وا ُ‬
‫موعُك ْ‬
‫ج ُ‬
‫ن أي ْ َ‬
‫خ َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫سَعى ت ُ ِ‬
‫ب ال ُ‬
‫مطي ّ َ‬
‫ت ْ‬
‫جث َ‬
‫قل ُ‬
‫ما ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫مب َل ّ ٌ‬
‫ل‬
‫و‬
‫ى‬
‫س‬
‫أ‬
‫ر‬
‫س‬
‫ك‬
‫ن‬
‫م‬
‫ف‬
‫ر‬
‫ط‬
‫َوال ْ ُ ُ ْ ِ ُ َ ً َ ُ‬
‫خط ْوُ ِفيهِ َتمهّ ُ‬
‫ن‬
‫َوال ْ َ‬
‫ل الّر َهَْبا ِ‬
‫ُ‬
‫جا ُ‬
‫ل ك َأّنما‬
‫ك الّر َ‬
‫م ت َب ْك ِي ْ ِ‬
‫َيا أ ّ‬
‫على ُ‬
‫ن‬
‫ت َ‬
‫م نِ ْ‬
‫سوَة ٌ ب َك ّ ْ‬
‫هُ ْ‬
‫شّبا ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫خ ْ‬
‫َأل ُ‬
‫سَعاة ُ ب ِ َ‬
‫فَرةٍ ي َطوي ال ّ‬
‫ساطهُ ْ‬
‫ن‬
‫ساب َ ُ‬
‫مي ْ َ‬
‫قو َ‬
‫ي َت َ َ‬
‫س ال َ‬
‫وارِ َ‬
‫دا ِ‬
‫ن فَ َ‬
‫****‬
‫****‬
‫ُ‬
‫حب َا ً‬
‫َ‬
‫صا ِ‬
‫ت وَك ْ‬
‫جب ْ ُ‬
‫مالي عَ ِ‬
‫َ‬
‫م أوَد ّع ُ َ‬
‫ُ‬
‫مٍع َقاني‬
‫ه ب ِد َ ْ‬
‫ب أوْدِعُ ُ‬
‫في الت ّْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع‬
‫دا ِ‬
‫م ٌ‬
‫م َ‬
‫ت عَلي ْك َ‬
‫م هَطل ْ‬
‫َيا قَب ُْر ك َ ْ‬
‫َ‬
‫نأ ْ‬
‫ن‬
‫سب َ َ‬
‫ت ِ‬
‫ش َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫حّرك ْ َ‬
‫ت َوك ْ‬
‫ق ْ‬
‫جا ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ة إ ِن َّها‬
‫م َ‬
‫َوالي َوْ َ‬
‫مو َ‬
‫م أوْدِعُك ال ُ‬
‫مَعاِني‬
‫و‬
‫ى‬
‫و‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫س‬
‫ّ‬
‫ف‬
‫د ُن َْيا ت َن َ‬
‫ُ َ ْ َ َ ً َ َ‬
‫فو عَل َي ْ َ‬
‫ه‬
‫ي َغْ ُ‬
‫ن الن ّ ِ‬
‫ك ِ‬
‫سيم ِ عَل ِي ْل ُ ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ل فَوْقَ َ‬
‫وَي ُط ِ ّ‬
‫ن‬
‫ك َوارِ ُ‬
‫ف الغْ َ‬
‫صا ِ‬
‫****‬
‫****‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ت لَنا‬
‫َيا أ ّ‬
‫مَرابعٌ ب َ َ‬
‫سم ْ‬
‫ن َ‬
‫م أي ْ َ‬
‫م َ‬
‫منازِ ٌ‬
‫ن‬
‫دت وَط ِي ْ ُ‬
‫سعِ َ‬
‫ل َ‬
‫ب َ‬
‫وَ َ‬
‫كا ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت ظ ِللها‬
‫ش إَذا ن ََزل ِ‬
‫كان َ ْ‬
‫ت ت َهِ ّ‬
‫َ‬
‫ماني‬
‫مو ُ‬
‫ب َوحل ْوِ أ َ‬
‫وَت َ ُ‬
‫ج في ط ََر ٍ‬
‫َ‬
‫حةٍ‬
‫ح ِ‬
‫موع َ َبرا َ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫ي الد ّ ُ‬
‫م َ‬
‫وَل َك ْ‬
‫تل َ‬
‫َ‬
‫خد ّيّ ظ ِ ّ‬
‫نَ َ‬
‫ن‬
‫على َ‬
‫ت َ‬
‫لأ َ‬
‫شَر ْ‬
‫ما ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫متي وَطلقتي‬
‫ت فب َ ْ‬
‫فَإ َِذا ُ‬
‫س َ‬
‫سرِْر ُ‬
‫وَإ َِذا َ‬
‫ساني‬
‫مِعي وَل ِ َ‬
‫مد ْ َ‬
‫ت فَ َ‬
‫شك َوْ ُ‬
‫َ‬
‫ت وَقُد ِْتني‬
‫ي‬
‫ش‬
‫خ‬
‫ما‬
‫ل‬
‫تني‬
‫وَد َفَعْ ِ‬
‫ّ َ ِ ْ ُ‬
‫ن إيماِني‬
‫ت ِ‬
‫ت وَزِد ْ ِ‬
‫ما َ‬
‫ضل َل ْ ُ‬
‫لَ ّ‬
‫م ْ‬
‫ها‬
‫موِع ي َُرد ّ َ‬
‫عَ َ‬
‫ن ل ِل ْد ّ ُ‬
‫جبا ً ِإذا ً َ‬
‫م ْ‬
‫جَناِني‬
‫م ال ِ‬
‫ن ُيعيد ُ َ‬
‫ي َوْ َ‬
‫ق وَ َ‬
‫م ْ‬
‫فَراَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫سى‬
‫م‬
‫ض َ‬
‫سأ ْ‬
‫ساني ال َ‬
‫كني وَأن ْ َ‬
‫ِبال ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م ٌ‬
‫م قَد ْ أ َْبكاِني‬
‫ل ذ ََوى َوالي َوْ َ‬
‫أ َ‬
‫****‬
‫****‬
‫ُ‬
‫سي َا ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ت قَي ْد َا َقا ِ‬
‫َيا أ ّ‬
‫مو ْ ُ‬
‫م فَك ال َ‬
‫ك غَل َئ ِ َ‬
‫ن‬
‫ح ِ‬
‫ت عَن ْ ِ‬
‫وَط ََر ْ‬
‫ل ال ِن ْ َ‬
‫سا ِ‬
‫ك غَي َْر آب ِهَةٍ ل ََها‬
‫خل ْ َ‬
‫ت َ‬
‫وَت ََرك ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫م الّثاني‬
‫د ُن َْيا وآث َْر ِ‬
‫ت الّنعي َ‬
‫****‬
‫****‬
‫‪1952‬‬
‫‪64‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫· ديوان الرض المباركة ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إباحة العقل ‪ ..‬أم عقل الباحية ؟!‬
‫‪15-6-2006‬‬
‫بقلم أحمد دعدوش‬
‫"‪...‬حين أعلن العقل عن اختراع حبوب منع الحمل‪ ،‬وتخاطفت اليدي ذلك‬
‫العقار السحري الذي رفع صوت فرويد عاليا ً بعد أن تمكن من كسر آخر قيود‬
‫الحياء الفطري في النسان‪"...‬‬
‫لم يدر في خلد الثائرين على الدين الكهنوتي في عصور النهضة أن يعجز‬
‫العقل النساني عن إنقاذ البشرية من الهلك‪ ،‬إذ حسبوا أن استبدال العقل‬
‫باللهوت سيخلصهم من تسلط الثاني على الول‪ ،‬وأن عصر ازدهار النسانية‬
‫قد لحت بوادره ليخلصها من مآسي الماضي ‪.‬‬
‫ولكن لم يلبث العقل أن أعلن عجزه عن سد هذا الفراغ‪ ،‬فحدا به المر إلى‬
‫افتراض ازدواجية الحقائق‪ ،‬بل وغياب الحقائق المطلقة بالكلية‪ ،‬كما لم تجدِ‬
‫محاولته البهلوانية في رسم سياسات بناء الدولة والمجتمع‪ ،‬وصياغة النظم‬
‫الخلقية والضوابط الجتماعية‪ ،‬إذ سقطت المرجعية المقدسة بالجملة‪ ،‬وحل‬
‫العقل المْثقل بالهوى والنقص البشري بديل عن أي مصدر آخر ‪.‬‬
‫مع بداية القرن العشرين‪ ،‬كان العالم قد دخل عصر الزمة‪ ،‬تلك التي انتهت‬
‫إلى اشتعال الحروب التاريخية المدمرة‪ ،‬والتي كادت تأتي على كل ما أبدعه‬
‫العقل حتى ساعته ‪ .‬أسرع العقل من جديد لحتواء الزمة بعد أن فرغت‬
‫الوحشية من دورها‪ ،‬وُبني العالم من جديد على اليديولوجيا‪ ،‬ليعود الصراع‬
‫بين عقلين يتنافسان لقيادة العالم‪ ،‬إما بالصراع الطبقي الذي سيقود إلى‬
‫حكم البروليتاريا )الطبقة الكادحة(‪ ،‬أو بصعود البرجوازية )الطبقة الوسطى(‬
‫لحلل الديمقراطية ومبادئ الليبرالية‪ ،‬فالمر سيان بينهما‪ ،‬إذ يسود العقل‬
‫ويسقط المقدس‪ ،‬ويصبح الفرد إله نفسه‪ ،‬فماذا كانت النتيجة ؟‬
‫في عام ‪ 1957‬خرج المتظاهرون اللمان للتنديد بأول فيلم إباحي يتم‬
‫تصويره في عصر ازدهار العقل‪ ،‬ولعل أحدا ً من أولئك الغاضبين لم يخطر‬
‫بباله أن العقل الذي تم تنصيبه إلها ُيعبد سيسقط قريبا تحت أقدام‬
‫المومسات ‪.‬‬
‫في عام ‪ 1961‬أعلن العقل عن اختراع حبوب منع الحمل‪ ،‬وتخاطفت اليدي‬
‫ذلك العقار السحري الذي رفع صوت فرويد عاليا ً بعد أن تمكن من كسر آخر‬
‫قيود الحياء الفطري في النسان‪ ،‬وما هي إل سنوات معدودة حتى انتشرت‬
‫الملبس النسائية القصيرة في لندن وباريس ونيويورك‪ ،‬وتناقل الشباب‬
‫أسطوانات البيتلز والروك آند رول‪ ،‬وخرج اللوف للتمرد في الرياف وعلى‬
‫قارعة الطرق في حملت منظمة تحت أسماء الهيبية والبوهيمية‪ ،‬وصارت‬
‫دخائن الماريجوانا وروايات ساغان ودي بوفوار أكثر شيوعا من الكتب‬
‫المدرسية ‪.‬‬
‫أما اليوم‪ ،‬فيقف أنصار الحزبين الديمقراطي والجمهوري في أمريكا على‬
‫طرفي حلبة الصراع‪ ،‬رافعين شعارات التأييد والرفض للجهاض والشذوذ‬
‫الجنسي‪ ،‬في الوقت الذي يعلن كل الطرفين عجزهما ‪ -‬وبكل تواضع ‪ -‬عن‬
‫إثبات أحقية أي منهما في امتلك الحقيقة‪ ،‬ليس لشيء إل لنها نسبية‪،‬‬

‫‪65‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فالعقل وحده هو الحكم هنا‪ ،‬ومن ذا الذي يدعي رجاحة عقله على عقول‬
‫الخرين ؟‬
‫بالنتيجة‪ ،‬يقف اليوم طالب في إحدى الجامعات المريكية ليوزع منشورات‬
‫بين زملئه حول رأيهم في الباحية‪ ،‬ويحتج ‪ -‬معتمدا على حقه الليبرالي ‪ -‬ضد‬
‫إغلق الجامعة لقناتها التلفزيونية بعد بثها لبعض الفلم الباحية التي قام‬
‫ببطولتها‪ ،‬كما تتصاعد الحملة في جامعات أخرى بعد قيام الطالبات بحقهن‬
‫في إقامة عرض للملبس الداخلية تحت اسم الجامعة‪ ،‬ويتساءلن عن حق‬
‫الخرين في منعهن من ذلك تحت مظلة الحرية الشخصية ‪.‬‬
‫أما حفل الوسكار فقد وجد نفسه مضطرا لقبول فيلم يحكي قصة شابين‬
‫لوطيين من رعاة البقر‪ ،‬حيث يجري ولول مرة استعطاف الجمهور تجاه‬
‫"حاجات" هذه الفئة من المجتمع‪ ،‬بعد أن تمادى في ظلمهم وإقصائهم ‪.‬‬
‫في ظل هذا النفلت "العقلني" للخلق الليبرالية‪ ،‬يتساءل الكاتب المريكي‬
‫ويلسون براين كي في كتابه المترجم إلى العربية تحت عنوان "خفايا‬
‫الستغلل الجنسي في وسائل العلم" عن المصير الذي سينتهي إليه‬
‫المواطن المريكي‪ ،‬وهو يرزح تحت وابل من الستغلل الجنسي المكشوف‬
‫عبر وسائل العلم التي بدأت فعل ً باغتصاب العقل المريكي وتوجيهه نحو‬
‫مصالح الطغمة المتنفذة‪ ،‬وتراه ينتقل في الصفحات الثلثمئة وعشرون بين‬
‫حقيقة مؤلمة وأخرى‪ ،‬مما يعمق الشعور بأفول عصر تأله العقل المتماهي‬
‫في الجسد‪ ،‬ويضع السؤال المحرج بإلحاح على من يملكون في أيديهم‬
‫مفاتيح الهداية النسانية‪ ،‬فهل سيفعل المسلمون شيئًا‪ ،‬أم أن الليبرالية‬
‫العربية ستطل برأسها في زهو بإنجازات العقل الغربي‪ ،‬وتلعن التخلف الذي‬
‫وقف حائل دون اللحاق بكل هذه الحضارة‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إتباع حتى الممات ‪...‬‬
‫‪...‬‬
‫يسري صابر فنجر ‪...‬‬
‫>‪... TD/‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه َرب ّكَ‬
‫َ‬
‫الحمد لله الذي كتب الفناء على خلقه " ك ّ‬
‫ن وَي َب ْ َ‬
‫قى وَ ْ‬
‫ج ُ‬
‫ل َ‬
‫ن عَلي َْها فا ٍ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫م" )الرحمن‪26:‬ـ ‪ (27‬الحمد لله الذي جعل الدنيا دار مفر ل‬
‫ُذو ال ْ َ‬
‫جل ِ‬
‫ل َوال ِك َْرا ِ‬
‫دار مستقر ‪ ،‬وإن الخرة هي دار القرار وما من يوم يمضي إل ويقرب للخرة‬
‫‪ ،‬وما من حي إل ويسعى إلى موته ‪ ،‬ورحم الله الحسن البصري حين قال ‪ :‬يا‬
‫ابن آدم إنما أنت أيام ‪ ،‬فإذا ذهب يومك ‪ ،‬ذهب بعضك ‪ ،‬والليل والنهار يعملن‬
‫فيك ‪ ،‬فاعمل أنت فيهما ‪.‬‬
‫فالحمد لله أول ً وآخرا ً ‪ ،‬والحمد لله في الحياة وبعد الممات ‪ ،‬الحمد لله كما‬
‫ينبغي لجلل وجه وعظيم سلطانه‪.‬‬
‫وأصلي وأسلم على النبي محمد القدوة والسوة في الحياة والممات في‬
‫السراء والضراء ‪ ،‬في المنشط والمكره ‪ ،‬صلى الله عليه وعلى آله وصحبه‬
‫ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد‬
‫فقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هيئته وشأنه وموته وكيانه كله‬
‫ري َ‬
‫لله " قُ ْ‬
‫نل َ‬
‫ه‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ماِتي ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫م ْ‬
‫ل إِ ّ‬
‫صلِتي وَن ُ ُ‬
‫ك لَ ُ‬
‫م َ‬
‫حَيايَ وَ َ‬
‫كي وَ َ‬
‫ن َ‬
‫مي َ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وبذ َل ِ َ ُ‬
‫ْ‬
‫ت وَأَنا أوّ ُ‬
‫ن( )النعام‪ (163 _162:‬وورث ذلك عنه ـ‬
‫سل ِ ِ‬
‫كأ ِ‬
‫م ْ‬
‫ل ال ُ‬
‫مْر ُ‬
‫َِ‬
‫مي َ‬
‫صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ أجمعين ‪ ،‬ووّرثوه لجيلين‬
‫‪66‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫متعاقبين هم ) التابعون وأتباع التابعين ( فكانوا هم حملة لواء الحق وتواصوا‬
‫س‬
‫به فنالوا الخيرية ‪ ،‬كما أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‪َ " :‬‬
‫خي ُْر الّنا ِ‬
‫م" رواه البخاري )‪ (3378‬ومسلم )‬
‫م ال ّ ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ن ي َُلون َهُ ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ن ي َُلون َهُ ْ‬
‫قَْرِني ث ُ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫‪(4601‬‬
‫ثم نال هذا الميراث دائما ً وأبدا ً العلماء الذين هم شموس الحق وضياء‬
‫عدول كل خلف كما قال النبي ـ صلى الله عليه‬
‫المعرفة ونور الهداية وهم ُ‬
‫عدوله " رواه البيهقي وصححه‬
‫وسلم ـ ‪ " :‬يحمل هذا العلم من كل خلف ُ‬
‫اللباني‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫ما الفضل إل لهل العلم إنهم *** على الهدى لمن استهدى أدلء‬
‫ول شك أن العلماء هم أعلى الناس منزلة وأكثرهم فضل ً بعد النبياء لنهم‬
‫يحملون ما حملوا ويؤدون ما أدوا ‪ ،‬فالعلماء أقرب الناس لله خشية وأتقاهم‬
‫خ َ‬
‫زيٌز‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫ماُء إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عَبادِهِ ال ْعُل َ َ‬
‫شى الل ّ َ‬
‫له سبحانه قال تعالى " إ ِن ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ه عَ ِ‬
‫فوٌر" )فاطر‪ (28:‬؛ لذلك استحقوا من الله ـ عز وجل ـ الثواب الجزيل‬
‫غَ ُ‬
‫مُلوا‬
‫مُنوا وَعَ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫والعطاء الجميل ‪ ،‬الذي قال الله ـ عز وجل ـ فيه ‪ ":‬إ ِ ّ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ت ُأول َئ ِ َ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ري ِ‬
‫حا ِ‬
‫ن تَ ْ‬
‫م َ‬
‫خي ُْر ال ْب َرِي ّةِ َ‬
‫صال ِ َ‬
‫جّنا ُ‬
‫عن ْد َ َرب ّهِ ْ‬
‫جَزاؤُهُ ْ‬
‫ك هُ ْ‬
‫ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ت عَد ْ ٍ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫ش‬
‫خ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ضوا‬
‫ر‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ي‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ا‬
‫بد‬
‫أ‬
‫ها‬
‫في‬
‫ن‬
‫دي‬
‫ل‬
‫خا‬
‫ر‬
‫ها‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ها‬
‫ُ َُْ ْ ََ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫حت ِ َ‬
‫َْ ُ ِ ِ َ ْ َ ِ َ‬
‫َْ ُ َ ِ ِ َ ِ َ َ َ ِ َ‬
‫ه" )البينة‪ (8 _7:‬ويقبض الله العلم بموت العلماء ‪ ،‬ويبكيهم الحجر والمدر‬
‫َرب ّ ُ‬
‫والبحر والنهر والنجم والشجر والسهل والوادي يبكيهم الخضر واليابس ‪،‬‬
‫والساكن والمتحرك تبكيهم السماء والرض ‪ ،‬والشمس والقمر ‪ ،‬فضل ً عن‬
‫النس والجن ‪.‬‬
‫قال الجاحظ ‪:‬‬
‫ً‬
‫يطبب العيش أن تلقى حليما *** غَ َ‬
‫ذاه العلم والرأي المصيب‬
‫ليكشف عنك حيلة كل ريب *** وفضل العلم يعرفه الريب‬
‫وكان من علماء هذا الخلف وأئمة هذا القرن سماحة الشيخ عبد العزيز بن‬
‫عبد الله بن باز فقد قضى الله قضائه بالحق ‪ ،‬فألحق بالرفيق العلى ـ‬
‫سماحة الشيخ ـ مودعا ً بالدعاء ‪ ،‬محفوفا ً بالثناء ‪ ،‬جاءه الجل فشق إليه‬
‫حيا َ‬
‫ب كل طبيب ‪ ،‬فقبض‬
‫الطريق ‪ ،‬وأماط عنه ِ‬
‫طه الشفيق ‪ ،‬ونضا عنه ط ِ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ملك الموت وديعته في الرض ‪ ،‬ثم استودع مسامعنا من ذكره اسما باقيا ‪،‬‬
‫ومحا عن البصار من شخصه رسما ً فانيا ً ‪ ،‬فالحمد لله بارئ النسم بما شاء ‪،‬‬
‫ومصرفها فيما شاء وقابضها حيث شاء اللهم هذا عبدك وابن عبدك نشأ في‬
‫المأمور به من طاعتك ‪ ،‬ومات على الحق في عبادتك وعاش ما بينهما‬
‫مجاهدا ً في سبيل دينك ‪ ،‬ناطقا ً بالحق في مرضاتك ‪ ،‬ذابا ً بقلمه ولسانه عن‬
‫كتابك وسنة رسولك ‪ ) .‬بتصرف من كلم العلمة محمود شاكر في وفاة‬
‫العلمة أحمد شاكر رحم الله الجميع(‬
‫فكانت حياة ـ سماحة الشيخ رحمه الله ـ موصولة بحياة السلف الكرام ‪،‬‬
‫لذلك كانت خاتمته ووصيته وموته وتشييع جنازته موصولة أيضا ً بخاتمتهم‬
‫ووصاياهم ووفاتهم وجنائزهم ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ ‪.‬‬
‫أما حياة ـ سماحة الشيخ رحمه الله ـ فمعلومة للجميع ‪ ،‬للقاصي والداني ‪،‬‬
‫للصغير والكبير ‪ ،‬فماذا يخط القلم عن شخصه ‪ ،‬وأين هي العبارات التي‬
‫توافق ما كان عليه في حياته ‪ ،‬إن العرابي لما نظر إلى القمر فقال إن قلت‬
‫‪ :‬رفعك الله فقد رفعك الله ‪ ،‬وإن قلت ‪ :‬جملك الله فقد جملك الله ‪ ،‬فماذا‬
‫أقول في هذا الخلق العالي والسمت الرفيع والدب الجم ‪.‬‬
‫أما خاتمته ووصاياه ‪ :‬فقد قضى ـ سماحة الشيخ ـ ليلته الخيرة بين صلة‬
‫‪67‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وتسبيح ودعاء وصلة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن من ينظر‬
‫نظرة تأمل لخر أعمال الشيخ ووصاياه ثم ينظر نفس النظرة إلى حجة وداع‬
‫النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجد أمورا ً ثلثة ‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫المر الول ‪ :‬إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان من آخر وصاياه " الصلة‬
‫‪ .....‬الصلة " وكان آخر ما كتب ـ سماحة الشيخ رحمه الله تعالى ـ رسالة‬
‫عن ) الجمع والقصر في الصلة ( ‪.‬‬
‫المر الثاني ‪ :‬قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها " إن دمائكم وأموالكم‬
‫عليكم حرام " وكان آخر مطوية كتبها ـ سماحة الشيخ رحمه الله تعالى ـ عن‬
‫المر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪.‬‬
‫المر الثالث ‪:‬قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها " استوصوا بالنساء‬
‫خيرا " وكان آخر ما وقع عليه ـ سماحة الشيخ رحمه الله تعالى ـ بيان عن‬
‫مكانة المرأة ومنزلتها وإعطائها حقوقها الشرعية ‪ ،‬وكأني بسماحة الشيخ‬
‫رحمه الله تعالى اتبع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خاتمة حياته ‪ ،‬فحمد‬
‫الله وسبح واستغفر إحساسا ً منه لقرب أجله ‪ ،‬كما كانت سورة النصر إيذانا ً‬
‫لقرب أجل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما فهم ذلك ابن عباس ـ رضي‬
‫الله عنه ـ ووافقه عمر ـ رضي الله عنه ـ ‪.‬‬
‫وذلك كله من توفيق الله ورعايته لعبده المؤمن ‪ ،‬فمن نوى إتباع النبي ـ‬
‫صلى الله عليه وسلم ـ وعاش على ذلك ‪ ،‬مات على ذلك وبعث على ذلك‬
‫وحشر مع من أحب ‪.‬‬
‫أما جنازة ـ سماحة الشيخ ـ ‪ :‬فهي تذكرنا بما في بطون الكتب عن أئمتنا‬
‫العلم وسلفنا الكرام أمثال المام أحمد بن حنبل وشيخ السلم ابن تيمية‬
‫وغيرهم ‪.‬‬
‫واس مع الدار‬
‫فقد نقل الذهبي قول ال ّ‬
‫سلمي ‪ :‬حضرت جنازة أبي الفتح الق ّ‬
‫قطني ‪ ،‬فلما نظر إلى الجمع قال ‪ :‬سمعت أبا سهل بن زياد يقول ‪ :‬سمعت‬
‫عبد الله بن أحمد يقول ‪ :‬سمعت أبي يقول ‪ :‬قولوا لهل البدع ‪ :‬بيننا وبينكم‬
‫دق الله ـ عز وجل ـ قول المام أحمد ‪ ،‬فكانت جنازته‬
‫يوم الجنائز ‪ ،‬وقد ص ّ‬
‫ّ‬
‫هاب الوّراق يقول ‪ :‬ما‬
‫فوق الوصف والحصر ‪ ،‬قال الخلل ‪ :‬سمعت عبد الو ّ‬
‫بلغنا أن جمعا ً في الجاهلية ول في السلم مثله ) يعني ‪ :‬من شهد الجنازة (‬
‫رز على الصحيح ‪ ،‬فإذا هو من ألف ألف ‪،‬‬
‫حو ُ‬
‫مس َ‬
‫حتى بلغنا أن الموضع ُ‬
‫ح ِ‬
‫وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب ‪ ،‬ينادون من أراد الوضوء ‪.‬‬
‫س ٌ‬
‫كوني ‪ :‬حضرت جنازة شريك ‪ ،‬وجنازة أبي بكر بن عيا ش‬
‫مام ال ّ‬
‫وقال أبو ه ّ‬
‫‪ ،‬ورأيت حضور الناس ‪ ،‬فما رأيت جمعا ً قط مثل هذا ) يعني ‪:‬جنازة أبي عبد‬
‫الله ( ‪.‬‬
‫أما عن جنازة ـ سماحة الشيخ رحمه الله تعالى ـ وأصداء وفاته على قلوب‬
‫المة السلمية جمعاء وألسنتها ووسائل إعلمها فقد صنف فيها تصانيف‬
‫جمعت بين أحاسيس مرهفة وقلوب محزنة وأضواء متهافتة ‪ ،‬وألسنة ما‬
‫قالت إل ما يرضي الرب ـ عز وجل ـ فقد كان رحمه الله مثال ً حيا ً ملموسا ً‬
‫عاش في خضم فتن القرن العشرين لله وبالله وعلى الله ‪ ،‬ومثال ً حيا ً أيضا ً‬
‫لجيل الصحوة المباركة في الوسطية السمحة بل إفراط ول تفريط فكان‬
‫يجابه هؤلء بالرفق واللين والحجة واليقين ‪،‬فرحم الله سماحة الشيخ وغفر‬
‫له وأجزل له المثوبة‬

‫‪68‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وختاما‪ .‬فإن أردنا أن نموت متبعين فل بد أن نلزم أنفسنا باتباع نبينا وما كان‬
‫عليه سلفنا الكرام في منشطنا ومكرهنا ونترك كل سبيل يقذف بنا في أهواء‬
‫المحن والفتن " ربنا اغفر لنا ولخواننا الذين سبقونا باليمان ول تجعل في‬
‫قلوبنا غل ً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم " وآخر دعوانا أن الحمد لله رب‬
‫العالمين‪... .‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫إتحاف التقياء بفوائد من حديث الغرباء‬
‫طه أحمد المراكشي‬
‫‪abouabdlbar@yahoo.com‬‬
‫الحمد لله مسدي النعم‪,‬ومحي الرمم‪,‬وباعث محمد بشيرا ونذيرا‬
‫للمم‪,‬صلوات الله عليه وسلمه عليه‪,‬وعلى آله وصحبه أولي العزائم‬
‫والهمم‪,‬وبعد‬
‫روى المام مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪ ":‬بدأ السلم غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى‬
‫للغرباء"‬
‫هذا الحديث الشريف من دلئل النبوة وأمارات صدقه صلى الله عليه وسلم‬
‫في ما أخبر به‪,‬وهو من جوامع كلمه وفواتحه وخواتمه التي اختصه الله بها‬
‫دون المخلوقين‪,‬ففيه جملة نافعة من الحكم والداب الصالحة‪ ,‬وفيه تثبيت‬
‫لهل الحق‪ ,‬وبيان أن السلم في أمكنة وأزمنة يعود غريبا بينهم ثم يظهر كما‬
‫كان أول المر غريبا ثم ظهر‪,‬ولهذا قال‪":‬سيعود غريبا كما بدأ"‪,‬فهو لما بدأ‬
‫كان غريبا ثم ظهر وعرف واستنار نوره استنارة الشمس في النهار وطار‬
‫ذكره في المصار‪,‬وصار الناس يتكلمون به واصطبغوا بفضائله وتمشت فيهم‬
‫أخلقه كما يتكلم الناس اليوم بالحداثة ‪,‬فكذلك يعود حتى ل يعرف ثم يظهر‬
‫ويعرف‪.‬فيقل من يعرفه في أثناء المر كما كان من يعرفه أول‪.‬‬
‫وقد أتت على أعداء هذه الملة قرون ليقولون فيها هل للسلم أثر؟‪,‬ثم‬
‫أضلهم زمان صاروا يقولون فيه هل يقف شيء أمامه؟‬
‫هذه أمارة ظاهرة في هذه الديانة المباركة‪,‬بدأت غريبة ولم تزل تقوى حتى‬
‫انتشرت وعمت‪,‬فهكذا تتغرب في كثير من المكنة والزمنة ثم تظهر حتى‬
‫يقيم الله منارها ويعلي كلمتها ويعز أهلها‪.‬‬
‫وقد ذكروا أن عمر بن عبد العزيز لما ولي‪ ,‬قد تغرب كثير من السلم على‬
‫كثير من الناس حتى كان منهم من ل يعرف تحريم الخمر‪.‬فأظهر الله به في‬
‫السلم ما كان غريبا‪,‬وقد حكى الستاذ الفاضل "عثمان قدري مكانسي" عن‬
‫غربة الدين والخمار في الجزائر في السبعينات من القرن الغابر‪,‬ثم بعد ذلك‬
‫كيف صارت الديار الجزائرية شعلة دينية وقادة‪,‬بعد دروس شرائع السلم‬
‫وأحكامه‪,‬ولهذا جاء في الحديث"إن الله يبعث لهذه المة في رأس كل مائة‬
‫سنة من يجدد لها دينها" والتجديد إنما يكون بعد انطماس السبل وخفاء‬
‫معالم الدين‪,‬فتأمل‪.‬‬
‫ثم إن الغربة والظهور تكون في أمكنة دون أخرى وفي أزمنة مختلفة‪,‬وقد‬
‫يجتمع في زمن واحد في دارين من ديار المسلمين أو أكثر كل المرين‪,‬وهذا‬
‫واقع محسوس مشهود‪,‬فانك ترى بعض البلد السلمية الدين فيها ظاهر‬
‫والشعائر قائمة والسنة عالية مذكورة‪,‬وفي أخرى غلب عليها أهل الحداثة‬
‫والعلمنة وتغولت فيها الضللة‪ ,‬فاستضعفوا أهل المعرفة واليمان ‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ومع هذا فان أهل السلم مهما حصل لهم من الذى والغتراب فل يجوز أن‬
‫يكون ذلك باعثا لهم على الشك في نصر الله لهم والرتياب‪,‬ول أن يغتموا‬
‫بقلة من يعرف حقيقة السلم‪,‬ول تضيق صدورهم بذلك ول يقع لهم شك في‬
‫دينهم‪,‬كما كان المر حين بدأ‪,‬قال تعالى"فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك‬
‫فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك" بل إنه كلما خذل السلم ناس من‬
‫أهله أتى الله بقوم يحبهم ويحبونه فيتولون المؤمنين دون الكافرين‬
‫ويجاهدون في سبيل الله ل يخافون لومة لئم كما قال سبحانه" فإن يكفر بها‬
‫هؤلء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين" وأبوبكروالصحابة هم ممن جاء‬
‫الله بهم حين ارتدت العرب‪,‬وأهل اليمن أيضا وقد قالت جماعة من السلف‬
‫أن قول الله تعالى" يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي‬
‫الله بقوم يحبهم ويحبونه" أنها في الصحابة الذين قاتلوا أهل الردة‪,‬وليست‬
‫الية مختصة بهم بل تشملهم وتشمل غيرهم‪,‬والقاعدة المعروفة عند الفقهاء‬
‫أن العبرة بعموم اللفظ ل بخصوص السبب‪,‬فيدخل فيها من أهل هذا الزمن‬
‫أصحاب الحركات السلمية القائمة بالدين‪ -‬بعد تخاذل العلماء وانتكاث‬
‫الحكام‪ -‬والناظر إلى أعمال هذه الحركات السلمية يجدها قد بارك الله فيها‬
‫وشملها بألطافه وكلها بالليل والنهار‪ ,‬فرغم قلة الحيلة وضعف العوان‬
‫وتعدي الفجار‪,‬فقد حفظوا دعائم السلم وعضدوا الدين وحموا البيضة‬
‫وأقاموا المنار‪.‬‬
‫وكذلك يحتاج أهل الغربة إلى معرفة البراهين والدلة العقلية الدالة على‬
‫صحة السلم‪,‬نظير ما احتاجوا إليه في أول المر‪,‬والقرآن طافح بالدلة‬
‫المنطقية والقيسة الشمولية والتمثيلية الصحيحة‪,‬وضرب المثال‬
‫العقلية‪,‬وذكر اليات الفاقية والنفسية الباهرة‪,‬والبراهين اليقينية الساطعة‬
‫فعليهم استقرائها فيه وتفهمها لتثبيت أنفسهم واستزادة يقينهم‪,‬ومحاجة‬
‫خصومهم ‪.‬‬
‫والحق ل يعرف بكثرة التباع ولكن الحق هو ما كان حقا في نفسه‪,‬وقد قال‬
‫بعض السلف"اتبع سبل الهدى وإن قل السالكون واجتنب سبل الردى وإن‬
‫كثر الهالكون" فل يقتضي إذا صار غريبا أن المتمسك به يكون في شر‪,‬بل هو‬
‫أسعد الناس كما قال في تمام الحديث"فطوب للغرباء" وطوبى من‬
‫الطيب‪,‬فيكون يكون من جنس السابقين الولين الذين اتبعوه لما كان‬
‫غريبا‪.‬وهم في الخرة أعلى الناس درجة وأرفعهم رتبة بعد النبياء عليهم‬
‫السلم بما صبروا‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وجاء في الحديث"إن أمامكم أياما الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر‬
‫للعامل فيها أجر خمسين رجل يعمل مثله عمله " ‪.‬‬
‫وروى ابو داود الطيالسي مرفوعا ‪":‬أمتي كالمطر ل يدرى أوله خيرأم آخره"‬
‫فهؤلء الذين عضوا على دينهم بالنواجذ في أزمنة الغربة أولها وآخرها وما‬
‫بين ذلك جمعهم جامع الغربة في إيمانهم لكثرة الكفاروصبرهم على أذاهم‬
‫وتمسكهم بدينهم‪,‬فالواخر إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة‬
‫ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك‬
‫أيضا غرباء‪,‬وزكت أعمالهم كما زكت أعمال أوائلهم‪.‬‬
‫قال القاضي أبو بكر بن العربي"‬
‫ب عظيم هو ابتداء الدين والسلم‪،‬‬
‫والمر بالمعروف والنهي عن المنكر با ٌ‬

‫‪70‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وهو أيضا ً انتهاؤه‪ ،‬وقد كان قليل ً في ابتداء السلم‪ ،‬وصعب المرام‪ ،‬لغلبة‬
‫فار على الحق‪ ،‬وفي آخر الزمان أيضا ً يعود كذلك‪ ،‬لوعد الصادق‪ ،‬صّلى‬
‫الك ّ‬
‫ّ‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬بفساد الزمان‪ ،‬وظهور الفتن‪ ،‬وغلبة الباطل‪ ،‬واستيلء‬
‫التبديل والتغيير على الحق من الخلق‪ ،‬وركوب من يأتي سنن من مضى من‬
‫ن سنن من قبلكم شبرا ً‬
‫أهل الكتاب‪ ،‬كما قال‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪ " :‬لتركب ّ‬
‫ب لدخلتموه" وقال‪ ،‬صّلى‬
‫ب خر ٍ‬
‫بشبر وذراعا ً بذراع‪ ،‬حتى لو دخلوا جحر ض ٍ‬
‫ً‬
‫الله عليه وسّلم‪" :‬بدأ السلم غريبًا‪ ،‬وسيعود غريبا كما بدأ" فل بد‪ ،‬والله‬
‫تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق‪ ،‬أن يرجع السلم إلى واحد‪ ،‬كما بدأ من‬
‫واحد‪ ،‬ويضعف المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬حتى إذا قام من قائم مع‬
‫احتواشه بالمخاوف وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه كان له من‬
‫الجر أضعاف ما كان لمن كان متم ّ‬
‫دعاة إلى الله‬
‫كنا ً منه معانا ً عليه بكثرة ال ّ‬
‫تعالى‪".‬اه‬
‫وهذا الذي قاله القاضي أبوبكر رضي الله عنه‪,‬في أن السلم يرجع إلى واحد‬
‫كما بدأ من واحد يحتمله قول النبي صلى الله عليه وسلم"ثم يعود غريبا كما‬
‫بدأ" وهذا إنما يكون في آخر الدنيا أما قبل ذلك فل‬
‫قال الستاذ الحافل أحمد بن تيمية رضي الله عنه‪":‬ويحتمل أنه في آخر الدنيا‬
‫ل يبقى مسلما إل قليل‪.‬وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب‬
‫الساعة‪.‬وحينئذ يبعث الله ريحا تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ثم تقوم‬
‫الساعة‪,‬وأما قبل ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم"ل تزال طائفة من‬
‫أمتي ظاهرين على الحق‪,‬ل يضرهم من خالفهم ول من خذلهم‪,‬حتى تقوم‬
‫الساعة" وهذا الحديث في الصحيحين‪.‬‬
‫ثم قال "فقد أخبر الصادق المصدوق أنه ل تزال طائفة ممتنعة من أمته على‬
‫الحق أعزاء ل يضرهم المخالف و ل خلف الخاذل‪.‬فأما بقاء السلم غريبا‬
‫ذليل في الرض كلها قبل الساعة فل يكون هذا‪".‬اه‬
‫والواجب على المومن إذا رأى تغير الحوال وتغول أهل الضلل واستفحال‬
‫الشر والزيغ‪,‬وكثر الطاعنين في الملة من الملحدة ومرضى القلوب‪,‬الواجب‬
‫عليه أن يصبر ويحتسب‪,‬مع التوكل والثبات على دين السلم‪,‬وأن يومن بالله‬
‫مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وأن العاقبة للتقوى‪.‬وهو منهي عن الجزع‬
‫وأن ينوح كما ينوح أهل المصائب‪,‬ويستغفر لذنبه ويسبح ربه بالغدو‬
‫والبكار‪.‬فان وعد الله حق‪ .‬والله نسأل أن يعلي بفضله كلمتي الحق‬
‫والدين‪,‬ويذل بقدرته وقيوميته أهل الفساد الظالمين‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫إثبات وجود الخالق و دعاوى الملحدين‬
‫أ‪.‬د‪ .‬عمر عبد العزيز*‬
‫مقدمة‪:‬‬
‫ض ّ‬
‫ل كثير‬
‫لقد أراد المولى عز وجل أن يبتلى بني آدم حتى يمحص عباده‪ ،‬ف َ‬
‫من بني آدم وكفروا بالمولى عز وجل‪ ،‬فكان أن أرسل الرسل مبشرين‬
‫ومنذرين‪ ،‬وأعطى كل رسول من اليات ما يعينه على أداء رسالته فتبعه من‬
‫تبعه‪ ،‬وأصر على الكفر الكثير‪ .‬وقد اختلفت اليات من رسول لخر – عليهم‬
‫السلم – وكانت آية خاتم النبياء المرسل للناس كافة القرآن الكريم ‪..‬‬
‫ما على من تبعه وآمن‬
‫معجزة دائمة‪ ،‬يتجدد إعجازه في كل زمان‪ ،‬وكان لزا ً‬
‫به أن يحمل الرسالة من بعده لُيخرج الناس من الظلمات إلى النور وينقذهم‬

‫‪71‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من عذاب الخرة‪.‬‬
‫واستمر المسلمون حيًنا من الدهر يحملون التكليف‪ ،‬فحملوا الّرسالة للصين‬
‫شرًقا وإلى الندلس غرًبا‪ ،‬ثم توقف المد السلمي المنظم وراح ينتشر‬
‫بفضل التجارة والمهاجرة‪ ،‬ثم تكالبت بلد الكفر على خلفة المسلمين‬
‫ن‬
‫وبلدهم حتى انزوى السلم في العبادات والحوال الشخصية؛ ونحمد الله بأ ّ‬
‫زماننا هذا قد شهد بداية الصحوة السلمية وعودة الوعي السلمي المتكامل‬
‫للدين والدولة‪.‬‬
‫والنظرة العالمية للسلم تحتم علينا أن نتوقف للتفكر في حال المم‬
‫الموجودة حالًيا وتوجهاتها العقائدية لستقراء الحجج والتفكر في أسلم‬
‫الطرق للدعوة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫والحديث في بحثنا هذا سيختصر على شريحة من البشر اضلهم الشيطان‬
‫ما معتمدين في ذلك على‬
‫فكفروا بالمولى عز وجل‪ ،‬وأنكروا وجوده تما ً‬
‫فرضية اتخذوها ديًنا‪ .‬ولربما يتساءل سائل أل يجدر بنا أن نتفكر في حالنا‬
‫الن ونسعى لنواجه التحديات الخارجية والداخلية؟ ولمثل هذا نتذكر مًعا‬
‫غزوة الخندق حيث تحرك الكفار بعدتهم وعتادهم وكبر أعدادهم يريدون‬
‫دا صلى الله عليه وسلم وصحبه في المدينة‪ ...‬قريش وغطفان من‬
‫محم ً‬
‫الخارج وبنو قريظة من الداخل وهنالك ُزلزل المؤمنون ‪ ...‬ومن كانوا؟‬
‫أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير البشر )إذ جاءوكم من فوقكم‬
‫ومن أسفل منكم وإذ زاغت البصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله‬
‫دا( ]الحزاب‪.[11-10 :‬‬
‫الظنون‪ ،‬هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزال ً شدي ً‬
‫فاقترح سلمان الفارسي – رضي الله عنه – حفر الخندق حول المدينة حيث‬
‫وافقه رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬وعند الحفر اعترضت الصحابة‬
‫صخرة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وحمل المعول وسمى الله‬
‫وهوى على الصخرة‪ ،‬ثم هتف رسول الله صلى الله عليه وسلم مكبًرا‪:‬‬
‫"الله أكبر ُأعطيت مفاتيح فارس‪ ،‬ولقد أضاء لي منها قصور الحيرة ومدائن‬
‫كسرى‪ ،‬وإن أمتى ظاهرة عليهم"‪ .‬ثم رفع المعول وهوى به على الصخرة‬
‫مرة ثانية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫"أعطيت مفاتيح الروم‪ ،‬ولقد أضاء لي منها قصورها الحمراء وإن أمتي‬
‫ن المنافقين في المدينة كان لسان حالهم يقول أي‬
‫ظاهرة عليها" وبل شك فإ ّ‬
‫ورطة نحن فيها ومحمد صلى الله عليه وسلم يحلم بقصور كسرى والروم‪،‬‬
‫)وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إل‬
‫غروًرا( ]الحزاب‪ .[12 :‬ولكن هو وعد الله الحق‪) ،...‬يريدون ليطفئوا نور الله‬
‫بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون( ]الصف‪ .[8 :‬وقد اختار الله‬
‫رسوله صلى الله عليه وسلم إلى جواره‪ ،‬وترك فينا القرآن والسنة‪ ،‬وحمل‬
‫ما علينا أن نتفكر‬
‫كل من آمن بالله ورسوله عبء التبليغ عنه‪ .‬ولذا كان لزا ً‬
‫في كل حين في حال المم في هذا الزمان‪ ،‬ونعد لهم ما استطعنا من قوة‬
‫لنخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫البشرية والدعوة السلمية‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫لقد بدأ الله – سبحانه وتعالى – إعداد رسوله صلى الله عليه وسلم للدعوة‬
‫منذ صغره‪ ،‬حيث اصطفاه من خيار قريش نسًبا ثم جعله صادًقا أميًنا هيًنا ليًنا‬
‫حتى ل ينفض الناس عنه قبل سماع دعوته‪ .‬وعندما بدأ رسول الله صلى الله‬

‫‪72‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن العدو‬
‫عليه وسلم دعوته جمع قريش وقال لهم "أرأيتم إن حدثتكم أ ّ‬
‫مصبحكم أو ممسيكم أكنتم مصدقي؟ قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪" :‬فإني نذير لكم من‬
‫بين عذاب شديد")‪ .(1‬وقد قالوا قولهم هذا لنهم ما عهدوا عليه كذًبا أو سوء‬
‫خلق‪ ،‬وهذه هي القاعدة الولى للداعية التي أوضحها الله لنا في رسوله‪،‬‬
‫فيجب أن يتصف من يدعو لله سبحانه وتعالى بحسن الخلق والصدق سواء‬
‫صا أم دولة‪ .‬وأذكر في هذا الخصوص حادثة صغيرة حدثت في‬
‫أن كان شخ ً‬
‫محطة "يوستن" بلندن وأنا أجلس على أحد مقاعد المحطة‪ ،‬وعلى مقربة‬
‫مامن عمرهاولم تمر لحظات‬
‫مني تجلس امرأة إنجليزية تقارب الستين عا ً‬
‫حتى رأيت شاًبا أفريقًيا‪ ،‬حليق الرأس والذقن يضع على رأسه قبعة ويرتدي‬
‫ضا له‪،‬‬
‫"جاكيت وبنطلون" ويحمل في يديه كوًبا من الشاي وبالخرى أغرا ً‬
‫ما معها وبعد قليل‬
‫وجلس هذا الشاب بقرب تلك المرأة وحياها وبدأ حديًثا عا ً‬
‫سألها عن دينها فقالت انها مسيحية فقال لها بأنه مسلم وليس هنالك فرق‬
‫بين السلم والمسيحية وأننا نعبد نفس الله مع وجود اختلفات‪ .‬فسألته من‬
‫أين هو؟‪ ،‬فأجاب بأنه "‪ ".......‬ثم سألته عما أتى به لنجلترا‪ ،‬فقال لها بسبب‬
‫الحروب الدائرة في بلده "بين المسلمين" ثم راح يحدثها عن السلم وهي‬
‫تجيب عيله باقتضاب وامتعاض يعرف معناه كل من عاشرهم لمدة‪ ،‬فلسان‬
‫حالها يقول‪ :‬مالي وإسلمك الذي فعل بك ما فعل!‪.‬‬
‫وهكذا فإن مصداقية حديثه عن السلم قد كذبها واقعه وحاله وواقع بلده‪،‬‬
‫فما كان من تلك المرأة إل أن تنصرف عنه‪ .‬ومعظم المسلمين الموجودين‬
‫بالغرب والشرق كانوا يعكسون أسوأ صورة للسلم وللمسلم‪ ،‬وإن كان‬
‫حالهم الن قد تغير كثيًرا في اتجاه السلم الحق‪.‬‬
‫والخارج من بلد السلم يجد ملل ً كثيرة ل تختلف عما كان عليه حال البشر‬
‫العقائدي في بدايات رسالة السلم‪ .‬وكان البشر في عهد رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم ينقسمون للقسام العقائدية التية‪:‬‬
‫‪ -1‬مؤمنون بمبدأ اللوهية ووجود الخالق‬
‫أ ‪ -‬المسلمون ‪:‬‬
‫ مؤمنون‬‫ منافقون )قالت العراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا( ]الحجرات‪:‬‬‫ما( ]النساء‪.[138:‬‬
‫‪) ،[14‬بشر المنافقين بأن لهم عذاًبا ألي ً‬
‫ب ‪ -‬الكفار‪:‬‬
‫ أهل الكتاب‪) :‬واذكر كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاًرا‬‫دا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي‬
‫حس ً‬
‫الله بأمره إن الله على كل شيء قدير( ]البقرة‪.[109 :‬‬
‫ المشركون‪ :‬عبدة الصنام‪) :‬ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله‬‫شاهدين على أنفسم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون(‬
‫]التوبة‪.[17 :‬‬
‫ عبدة الشياطين والنار والشخاص‪) :‬وقال فرعون يا أيها المل ما علمت لكم‬‫حا لعلي أطلع‬
‫من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فأجعل لي صر ً‬
‫إلى إله موسى وإني لظنه من الكاذبين(]القصص‪.[38 :‬‬
‫‪ -2‬غير مؤمنين بمبدأ اللوهية أو وجود الخالق‪:‬‬
‫)وقالوا ما هي إل حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إل الدهر وما لهم بذلك‬
‫من علم إن هم إل يظنون( ]الجاثية‪.[4:‬‬
‫ورغم أن أعداد البشر الن قد بلغت أكثر من "‪ "6‬مليار نسمة فإننا نجد أنهم‬
‫ن حوالي ربعهم من المسلمين‬
‫لم يختلفوا كثيًرا في أقسامهم العقائدية‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪73‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وربعهم من أهل الكتاب‪ ،‬والبقية إما أنهم ل يؤمنون بالله البتة أو أشركوا به‪.‬‬
‫ن الله سبحانه وتعالى في مخاطبته للبشر في القرن السابع‬
‫بمعنى آخر فإ ّ‬
‫الميلدي كان يعلم بأن خطابه عز وجل سيكون مستمًرا لنفس الفئات إلى‬
‫يوم القيامة‪.‬‬
‫ومن هذا الكم الهائل من البشر الذين ل يؤمنون بالله نسبة كبيرة تتخذ من‬
‫الداروينية وغيرها ذريعة جدلية للتهرب من حقيقة وجود الخالق‪ ،‬وربما‬
‫مجموعة كبيرة ممن يطلق عليهم أهل الكتاب قد كفروا بالله واتبعوا تفسير‬
‫هذه النظرية هروًبا من رجالت دينهم‪.‬‬
‫وقد حاول كثير من المنظمات والفراد خوض سبل الدعوة في بلد الغرب‬
‫والشرق الكافرة‪ ،‬ولكن مازالت ثمار مجهوداتهم ضعيفة للغاية؛ والمستوى‬
‫العلمي والقتصادي لهل تلك البلد يتطلب دراية أكبر بأحوالهم وطرق‬
‫النقاش معهم حتى يمكن للمسلم توصيل وجهة نظره‪ ،‬وهذا بل شك يستدعي‬
‫العمل على إزالة الحواجز ليصال كلمة المولى عز وجل لخلقه‪ ،‬وإعداد ما‬
‫استطعنا من قوة لذلك‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وبعض المسلمين أنفسهم يفتقرون إلى هذا البعد العلمي وعلى أعلى‬
‫المستويات العلمية‪ ،‬فقد حدث في ندوة نظمتها جمعية الطلبة المسلمين‬
‫بمانشستر عن العجاز العلمي في القرآن‪ ،‬وتطرق فيها للداروينية‪ ،‬حدث أن‬
‫قال طالب دكتوراه في التاريخ السلمي من قطر عربي‪ :‬وماذا يهمنى‬
‫كمسلم هذا العجاز‪ ،‬فأنا والحمد لله أؤمن بالله ومتبع السلم ول حاجة لي‬
‫ن المر كله‬
‫لضاعة وقتي في هذه المور؟ وكان رد منظم الندوة عليه بأ ّ‬
‫للدعوة في سبيل الله ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم اتبع نفس‬
‫المنطق لما خرج السلم من مكة‪.‬‬
‫وقد صارت الداروينية ديًنا للبعض ل يقبل الجدال فيها‪ ،‬فهذا عميد إحدى‬
‫كليات الطب الغربية في مؤتمر يعرض أبحاًثا عن انتقال الكهارل في غشاء‬
‫سر كل هذه‬
‫الخليا‪ ..‬يقف ليقول هنالك مجال لم نتطرق له البتة وهو كيف نف ّ‬
‫قا لنظرية الختيار الطبيعي وهي النظرية التي اعتمد عليها‬
‫التغيرات وف ً‬
‫داروين في تفسير التطور‪ .‬وهذا يمثل قمة الصرح العلمي في الجامعة ورغم‬
‫ذلك فهو ليمانه بالداروينية ل يرى مفسًرا لكل مجريات الكون وغيرها‪.‬‬
‫القرآن والحجج‪:‬‬
‫لقد حث الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجتهد في‬
‫الدعوة ويبشر وينذر )يا أيها المدثر‪ ،‬قم فأنذر( ]المدثر‪.[2-1 :‬‬
‫ص عليه من القصص ما يؤيد استعمال الحجج في الرد على الكفار فسيدنا‬
‫وق ّ‬
‫موسى – عليه السلم – طلب من المولى عز وجل أن يرسل معه هارون‬
‫لنه أفصح منه في المخاطبة )وأخي هارون هو أفصح منى لساًنا فأرسله‬
‫معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون( ]القصص‪.[34:‬‬
‫وسيدنا إبراهيم – عيله السلم – قد حاج الملك‪:‬‬
‫)ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ إبراهيم ربي‬
‫الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس‬
‫من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله ل يهدي القوم‬
‫الظالمين( ]البقرة‪ .[258:‬وقد دعانا المولى عز وجل للجدال بالتي هي‬
‫أحسن‪) :‬ول تجادلوا أهل الكتاب إل بالتي هي أحسن إل الذين ظلموا منهم‬

‫‪74‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له‬
‫مسلمون( ]العنكبوت‪.[46:‬‬
‫ودعانا أل نسب الذين يدعون من دون الله )ول تسبوا الذين يدعون من دون‬
‫الله فيسبوا الله عدًوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم‬
‫مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون( ]النعام‪.[109:‬‬
‫ن استعمال الحجج القرآنية أمر رباني وسنة نبوية يجب‬
‫مما سبق يتضح جلًيا أ ّ‬
‫اتباعه في سبيل الدعوة لله وأنه أحد الساليب المكملة للطرح العملي‬
‫للسلم‪.‬‬
‫القرآن والتفاسير‪:‬‬
‫أورد د‪ .‬محمد حسين الذهبي دراسة تفصيلية للتفسير والمفسرين نقتطف‬
‫ونختصر منها التي‪:‬‬
‫ن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفهم القرآن جملة وتفصيل‪.‬‬
‫إ ّ‬
‫وتفاوت الصحابة في فهمهم لمعاني القرآن الكريم‪ ،‬وأوضح لهم رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم الكثير منه‪ ،‬كما اجتهدوا في فهم بعض المعاني وأخذوا‬
‫من أهل الكتاب بعضها‪ .‬واستعانوا في اجتهادهم بمعرفة أوضاع اللغة‬
‫وأسرارها‪ ،‬ومعرفة عادات العرب‪ ،‬ومعرفة أحوال اليهود والنصارى في‬
‫جزيرة العرب وقت نزول القرآن‪ ،‬زيادة على قوة فهمهم وسعة إدراكهم‪،‬‬
‫ومن مميزات التفسير في هذه المرحلة ندرة الستنباط العلمي للحكام‬
‫الفقهية من اليات القرآنية نظًرا لتحادهم في العقيدة‪ .‬ثم جاء التابعون‬
‫واتبعوا نفس السس السابقة‪ ،‬إل أنه قد ظهر فيهم من ُيعمل عقله في‬
‫تفسير بعض اليات ودخلت في التفاسير كثير من السرائيليات والنصرانيات‪.‬‬
‫وتلى ذلك عهد التدوين للتفسير في بداية العهد الموي‪ .‬وفي العهد العباسي‬
‫دونت تفاسير؛ اختلط فيها الفهم العقلي بالتفسير النقلي حتى كاد يقتصر‬
‫تفسير من برع في فن من فنون العلم على العلم الذي برع فيه‪ ،‬فصاحب‬
‫النحو تراه ل هم له إل العراب‪ ،‬وصاحب العلوم العقلية تراه ُيعنى في‬
‫تفسيره بأقوال الحكماء والفلسفة كالفخر الرازي‪.‬‬
‫واعتمدت التفاسير المأثورة الموجودة حالًيا كجامع البيان في تفسيرالقرآن‬
‫للطبري‪ ،‬وتفسير القرآن العظيم لبن كثير لما جاء في القرآن نفسه من‬
‫البيان والتفصيل لبعض آياته‪ ،‬وما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وما نقل عن الصحابة والتابعين‪ .‬وقد كان الطبري ل يؤيد المفسرين برأيهم‪.‬‬
‫والمراد بالرأي الجتهاد بعد معرفة المفسر لكلم العرب ومعرفته لللفاظ‬
‫العربية ووجوه دللتها ووقوفه على أسباب النزول ومعرفته بالناسخ‬
‫والمنسوخ من آيات القرآن‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء من قديم الزمان في جواز التفسير بالرأي‪ ،‬ووقف‬
‫فين متعارضين‪:‬‬
‫المفسرون إزاء هذا الموضوع موقِ َ‬
‫)‪(3 /‬‬
‫ما أديًبا متسًعا في‬
‫ الول‪ :‬ل يجوز لحد تفسير شيء من القرآن وإن كان عال ً‬‫معرفة الدلة والفقه والنحو والخبار والثار‪ ،‬وإنما له أن ينتهي لما روي عن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة رضي‬
‫الله عنهم‪ ،‬أو من الذين اخذوا عنهم من التابعين‪ .‬ودليلهم على ذلك قول الله‬
‫تعالى في سورة السراء‪) :‬ول تقف ما ليس لك به علم( وقول رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪" :‬من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ")‪.(2‬‬

‫‪75‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ الثاني‪ :‬جواز التفسير بالجتهاد لقول الله تعالى‪:‬‬‫)أفل يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها( ]محمد‪ ،[24:‬وقوله )ولو ردوه‬
‫إلى الرسول وألي المر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم( ]النساء‪ ،[8:‬وأن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا لبن عباس فقال‪" :‬اللهم فقهه في الدين‬
‫وعلمه تأويله"‪.‬‬
‫ن الجمود على المنقول تقصير وتفريط والخوض في‬
‫والرأي المأخوذ به أ ّ‬
‫التفسير لكل انسان غلو وافراط‪.‬‬
‫ما بالعلوم التية‪:‬‬
‫وقد اشترط العلماء لمن يريد أن يفسر برأيه أن يكون مل ً‬
‫اللغة والنحو الصرف والشتقاق وعلوم البلغة والقصص والناسخ والمنسوخ‬
‫والحاديث المبينة للتفسير والموهبة‪ ،‬ومن أمثلة التفاسير بالرأي الجائز‬
‫"مفتاح الغيب" للفخر الرازي‪ ،‬وتفسير "الجللين"‪.‬‬
‫وقد بدأ التفسير العلمي للقرآن من قديم الزمان وهو التفسير الذي يحكم‬
‫الصطلحات العلمية في عبارات القرآن ويجتهد في استخراج مختلف العلوم‬
‫والراء الفلسفية‪ ،‬وكان منهم الغزالي وجلل الدين السيوطي‪ ،‬وأضاف‬
‫المؤلف بأن العلوم متغيرة‪ ،‬ويقين اليوم العلمي قد يدخله الشك في‬
‫المستقبل بسبب تطور النظريات‪ ،‬وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه‬
‫وبين ماجد ّ من نظريات وقوانين علمية‪ .‬ومن التفاسير العلمية تفسير الشيخ‬
‫طنطاوي جوهري "‪" "1940-1870‬الجواهر في تفسير القرآن الكريم" حيث‬
‫عني المؤلف بإظهار الظواهر الكونية والعلمية بالتفصيل على حسب ما ظهر‬
‫في زمانه من علوم‪ ،‬وأراد بذلك لفت النظار للكم الهائل من اليات الكونية‬
‫"سبعمائة"‪ ،‬ولم يجد تفسيره القبول من الكثيرين‪ .‬وربما في تفسير سيد‬
‫قطب "في ظلل القرآن")‪ (3‬نجد البعد عن الغلو في الجانبين‪ ،‬حيث نجد‬
‫الكاتب رحمه الله استند على المأثور وأخذ من الرأي المقبول بغير أن يجزم‬
‫بمراد الله – سبحانه وتعالى – من آياته‪.‬‬
‫وكان لذكر هذا أهمية كبيرة في موضوعنا هذا‪ ،‬حيث يتبين لنا الطريق في‬
‫استعمال آيات القرآن بالصورة الجائزة‪ ،‬ونسأل الله أن يهدينا سواء السبيل‬
‫فيما أردنا أيضاحه من الحجج القرآنية‪.‬‬
‫اللحاد والداروينية‪:‬‬
‫تنتسب الحركة الفكرية الداروينية إلى الباحث النجليزي تشارلز داروين)‪)(4‬‬
‫‪ (5‬الذي صاحب رحلة السفينة "بيقل" من سنة ‪ 1831‬إلى ‪1836‬م كعالم‬
‫طبيعة‪ ،‬مما أتاح له الفرصة لمراقبة الحياء المختلفة في الماء واليابسة‪،‬‬
‫وكان نتاج ذلك كتابه "أصل النواع" الذي صدر في عام ‪1859‬م الذي ط ََرح‬
‫ن أصل الحياة كان خلية في‬
‫فيه نظريته في النشوء والرتقاء‪ ،‬معتبًرا أ ّ‬
‫ن منشأ الحياة كان في الماء حيث‬
‫مستنقع آسن قبل مليين السنين‪ ،‬أي أ ّ‬
‫تكونت الخلية الولى ثم تطورت لكائنات ذات خليا متعددة‪ ،‬واستمرت في‬
‫التطور من أحياء صغيرة إلى أكبر وخرجت من الماء‪ ،‬وبدأت تقفز ثم تكونت‬
‫لها أرجل ولبعضها أجنحة حتى ظهر النسان على الرض‪.‬‬
‫وتفترض هذه النظرية التي‪:‬‬
‫‪ -1‬أصل كل الحياء من الماء‪.‬‬
‫ون‬
‫‪ -2‬بدأت الحياة بتكوين خلية ذات تركيب سهل ثم ارتقت في تكوينها لتك ّ‬
‫الكائنات الخرى‪.‬‬
‫‪ -3‬أن النواع المختلفة جميعها من منشأ واحد‪.‬‬
‫‪ -4‬استمرارية الحياة وتطورها اعتمد على التنافس من أجل الحياة وكان‬
‫دا في ذلك‬
‫البقاء للحسن تبًعا للختيار الطبيعي "‪ "Natural Selection‬معتم ً‬
‫‪76‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫على نظرية مالتوس في التطور السكاني‪.‬‬
‫عا جديدة مع مرور الحقاب‪.‬‬
‫‪ -5‬الفروق الفردية داخل النوع الواحد تنتج أنوا ً‬
‫‪ -6‬الطبيعة تعطي وتحرم بخبط عشواء‪.‬‬
‫ما‪،‬‬
‫عا‬
‫بخمسين‬
‫مارك‬
‫الفرنسي‬
‫العالم‬
‫وفكرة التطور هذه قد سبقه عليها‬
‫ً‬
‫وربما كانت بدايات التفكير فيها منذ القرن السادس الميلدي‪ .‬ووجد داروين‬
‫ن نظريته‬
‫ن داروين لم يكفر بوجود الله إل أ ّ‬
‫ما يهودًيا لنشر نظريته‪ ،‬ورغم أ ّ‬
‫دع ً‬
‫كما علق عليها العالم الفرنسي قريس‪" :‬هي أكبر النظريات المادية المضادة‬
‫ن أصل النسان قرد؛ بل هي فكرة عالم آخر‬
‫ن داروين لم يقل بأ ّ‬
‫للدين‪ ،‬كما أ ّ‬
‫يدعى هيقل أدخلها في عام ‪ .1868‬ووجد كارل ماركس في كل هذا ضالته‬
‫لينفي وجود الله عز وجل‪ ،‬ويفسر كل الكون على المادية المعتمدة على‬
‫الكفر بالله‪.‬‬
‫ضا؛ نسبة لنفكاك‬
‫جا في أوربا المسيحية أي ً‬
‫وقد وجدت هذه النظرية روا ً‬
‫الناس من سلطان الكنيسة في ذلك القرن‪ ،‬ولتضارب آراء الكنيسة الدينية‬
‫مع بعض الساسيات العلمية‪ .‬وقد تعرضت هذه النظرية لكثير من النقد‬
‫العلمي مما حذا بمروجيها للتغيير فيها وإدخال قانون الطفرات "‪"Mutation‬‬
‫لتفسير تطور النواع المختلفة‪ ،‬كما أرغموا على العتراف بوجود أصول عدة‬
‫للنواع المختلفة‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫إن أسوأ ما تمخضت عنه هذه النظرية هو استعمالها في إنكار وجود الخالق‪،‬‬
‫ن معظم علماء العلوم الوربية وتابعيهم قد‬
‫ورغم انحسار القتناع بها إل أ ّ‬
‫ن التخلي عنها يعني بالنسبة لهم قبول ما‬
‫اتخذوها ديًنا ل يقبل النقاش‪ ،‬وإ ّ‬
‫رفضوه أول ً وهو وجود الله – سبحانه وتعالى –‪ ،‬وكتاب الحياء الجزيئية‬
‫المرجع الساس في الجامعات الوربية؛ يعتمد على النظرية في تفسير‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫دمت ِ‬
‫ه‪ ،‬كما أ ّ‬
‫ق ّ‬
‫الظواهر الصحية في النسان ويسب النجيل والتوراة في ُ‬
‫ن نظرية‬
‫البديل لرفض النظرية هو قبول مبدأ الخالق كما قال أحدهم "إ ّ‬
‫النشوء والرتقاء غير ثابتة علمًيا ول سبيل إلى إثباتها بالبرهان‪ ،‬ونحن ل نؤمن‬
‫ن الخيار الوحيد بعد ذلك هو اليمان بالخلق الخاص المباشر")‪،(6‬‬
‫بها إل أ ّ‬
‫والناظر للنظرية بتجرد يجد أنها مجهود جبار في البحث والستنباط‪ .‬فإقراره‬
‫ن الماء يعنى الحياة في‬
‫بأن أصل الحياء الماء أمر فيه كثير من الصحة‪ ،‬إذ أ ّ‬
‫ن كل الحياء يمثل جزًءا كبيًرا من تركيبها "‪ %60‬من النسان"‬
‫كوكبنا ورغم ا ّ‬
‫ولكن ل يعنى هذا بأنها كلها نشأت في الماء‪.‬‬
‫وقد أخبرنا المولى عز وجل بذلك‪) :‬وجعلنا من الماء كل شيء حي( ]النبياء‪:‬‬
‫‪) [30‬والله خل كل دابة من ماء( ]النور‪) [45 :‬ألم نخلقكم من ماء مهين(‬
‫]المرسلت‪.[20:‬‬
‫ن إقراره بأن أصل الحياء‬
‫والفرق واضح بأن المر ليس تطوًرا بل خلق‪ .‬كما أ ّ‬
‫ضا جانب من الصحة‪ ،‬إذ ليس كل الحياء أصلها خلية‬
‫خلية واحدة فيه أي ً‬
‫واحدة‪ ،‬بل أصل كل نوع خلية واحدة‪ ،‬فالنسان يبدأ بخلية واحدة من تلقيح‬
‫البويضة بالحيوان المنوي‪ ،‬ول يحتاج المر لكثر من تسعة أشهر وعشرة أيام‬
‫ون إنسان آخر‪ ،‬أي بمعنى أنه بطريقة تواجده هذه من خلية واحدة لم‬
‫لتك ّ‬
‫يحتاج لمليين السنين وهذا زيادة في العجاز‪ .‬ويجب أل يستهان بأمر الخلية‪..‬‬
‫فالسؤال الساسي كيف تكونت الخلية‪ ،‬فالناظر للخلية وطريقة تركيبها‬
‫وعملها‪ ،‬بداية من نواتها والجينات التي بها وصناعة البروتينات وانتقالها‪،‬‬

‫‪77‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وتنظيم الكهارل وتنظيم عمل الغشاء والمحافظة على مكوناتها بالطرق‬
‫الموزونة المختلفة ونهاية بانقسامها‪ ،‬يجد أن التحدي في تكوين الخلية‪ ،‬وليس‬
‫في تكوين الحيوان من الخلية‪ ،‬ومع ما يحدث الن من تلقيح خارجي‬
‫للبويضات قد يأتي اليوم الذي توضع فيه البويضة الملقحة خارج رحم المرأة‬
‫لتنتج بشًرا آخر‪ ،‬وحتى الستنساخ بدأ بخلية من جسم الحيوان‪ .‬وكل‬
‫التفسيرات التي وضعت لتفسير بداية الخلية وجيناتها أمر افتراضي خيالي ل‬
‫غير‪ ،‬وقد كان تحدي المولى عز وجل ليس في خلق النسان فقط بل في‬
‫أساس خلق النسان من خلية‪) :‬أفرأيتم ما تمنون‪ ،‬أأنتم تخلقونه أم نحن‬
‫الخالقون( ]الواقعة‪.[59-58:‬‬
‫والحديث عن تطور الخلية الحادية للمتعددة ثم للحياء المختلفة؛ أمر‬
‫افتراضي اعتمد على تفسير ظاهرة الموجود مع اكتشافات الحفريات‬
‫ومعرفة تاريخها‪ ،‬فقد وجدت الخليا الحادية قبل بليون عام أو أكثر‪ ،‬وظهرت‬
‫اللفقاريات قبل "‪ "600 – 500‬مليون سنة مع الديدان والحشرات‪ ،‬وبدأت‬
‫الفقاريات في الظهور قبل ‪ 450‬مليون سنة ومثلها السماك‪ ،‬وظهرت‬
‫الفقاريات البرية قبل ‪ 350‬مليون سنة‪ ،‬وظهرت الثديات قبل ‪ 180‬مليون‬
‫سنة والطيور قبل ‪ 135‬مليون سنة‪ ،‬وأول إنسان قبل حوالي ‪ 6‬مليون سنة‬
‫على حسب ما ذكر في نتائج حفرياتهم‪ .‬وحالًيا في عالم الحيوانات فقط يوجد‬
‫ن الخليا الحادية مازالت موجودة‬
‫حوالي ‪ 1.5‬مليون نوع)‪ .(7‬وبل شك فإ ّ‬
‫ن هنالك من الحياء ما هو‬
‫حتى الن كالباكتريا من غير أن نرى لها تطوًرا‪ ،‬وأ ّ‬
‫موجود بصورته التي وجد بها في سحيق الزمان‪ ،‬وهذه المعلومات يمكن أن‬
‫يستنبط منها بالتأكيد بأن الحيوانات في الرض لم تظهر دفعة واحدة بكل‬
‫أنواعها‪ ،‬وقد قال المولى عز وجل‪) :‬قل سيروا في الرض فانظروا كيف بدأ‬
‫الخلق ثم الله ينشئ النشأة الخرة‪ ،‬إن الله على كل شيء قدير( ]العنكبوت‪:‬‬
‫‪.[20‬‬
‫ولكن ل يمكن أن نستنتج من غير برهان بأن النواع الخيرة كانت نتاج تطور‬
‫النواع الولى بالطفرات والصدفة‪ ،‬بدليل تواجد الحياء ذات الخليا الواحدة‬
‫حتى يومنا هذا‪.‬‬
‫ن التنافس قد يكون بين‬
‫وقانون الختيار الطبيعي أمر يرفضه الواقع‪ ،‬إذ أ ّ‬
‫النوع الواحد فمثل ً ل توجد علقة بين غذاء النباتات وغذاء الحيوانات‪ ،‬ول‬
‫علقة بين غذاء معظم الحشرات وغذاء النسان‪ ،‬فعلم التنافس إذن؟! وقد‬
‫ما للقوى‪ ،‬فقد يقتل الحيوان‬
‫أوضح موريس بكاي بأ ّ‬
‫ن الغلبة ليست دائ ً‬
‫الضعيف الحيوان القوي وقد يتزاوج القوي مع أضعف الناث‪ ،‬وفي كل‬
‫الحوال فقد أثبت بأن أحياء النوع الواحد على حسب جيناتها ل يمكن أن‬
‫ن‬
‫تتحول لنوع آخر بالسهولة الموضوعة بها نظرية الطفرات‪ ،‬حيث إ ّ‬
‫التغييرات الطبيعية الناتجة في الفراد في الغالب ل تنتقل للبناء ول يمكن‬
‫لعاقل أن يتخيل بأن كل هذا النظام الكوني قد كان نتاج الصدفة وخبط‬
‫عشواء‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫وما يهمنا هنا ليس إثبات النظرية أو دحضها‪ ،‬فستأتي نظريات وتذهب أخرى‪،‬‬
‫ولكن المهم في المر استعمال هذه النظرية أو غيرها في نفس وجود الخالق‬
‫عز وجل‪ .‬وتكليفنا بحمل الرسالة للناس كافة يحتم علينا التف ُ‬
‫كر فيها‪ ،‬إذ‬
‫هم رسول الله صلى‬
‫بسببها سيهلك كثير من الناس في عذاب جهنم وقد كان َ‬

‫‪78‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الله عليه وسلم إنقاذ الناس من النار‪.‬‬
‫وقد تصدى كثير من المسيحيين لهذه النظرية ورفضوها‪ ،‬وتصدى لها بعض‬
‫المسلمين منهم مالك بن نبي)‪ (8‬ووحيد الدين خان)‪ (9‬والشهيد سيد قطب‪،‬‬
‫وقد تحدث عنها الشهيد سيد قطب في كتابه خصائص التصور السلمي‬
‫ومقوماته فقال "ولكن السادة الوضعيين حين كفروا بإله الكنيسة ثم كفروا‬
‫بإله العقل لم يذهبوا لما هو أهدى‪ ..‬لقد اقاموا من الطبيعة إلًها‪ ..‬ولكن ما‬
‫هي هذه الطبيعة‪ ،‬ما هي هذه الطبيعة التي خلقت "العقل" والتي كما يقولون‬
‫"تنقش الحقيقه في العقل"؟ أهي كائن محدد؟ أهي ذات كلية؟ أم هي هذه‬
‫الشياء المتفرقة من أجرام وأشكال وحركات وهيئآت؟؛ أهي شيء له حقيقة‬
‫مستقلة عن تصور العقل النساني لها؟؛ أم هي الصورة التي تنطبع في‬
‫العقل عن المحسوسات التي يدركها؟‪ ،‬أهي شيء له حقيقة في ذاته؟؛ وما‬
‫ينطبق في العقل قد يطابق حقيقتها وقد ل يطابقها؟" وإذا كانت هذه الطبيعة‬
‫قد خلقت العقل البشري فهل هي "خالق" له إيجابية الخلق من العدم؟‬
‫ولماذا إذن خلق العقل في النسان ولم تخلقه في الحيوان أو النبات؟ أهي‬
‫ذات إرادة مميزة مختارة؟ تختار كائن بعينه من الكائنات لتمنحه هذه المنحة‬
‫الفريدة؟ أم إذا كانت حقيقتها ل تتجلى إل في الفكر البشري افل يكون ظهور‬
‫فا على وجود العقل البشري؟ فكيف تكون هذه‬
‫هذه الحقيقة إذن متوق ً‬
‫الطبيعة خالقة له بينما هي ل تظهر إل فيه؟‪.‬‬
‫ن من يؤمنون بوجود النسان نتاج‬
‫وكل هذه التساؤلت بنيت على أساس أ ّ‬
‫الطبيعة قد جعلوا منها إلًها‪ ..‬وهم لم يفعلوا‪ ..‬وقد جنحوا لتفسير مبدأ الخلق‬
‫بالطبيعة هروًبا من القرار بوجود خالق ذي عقل وكينونة‪ ،‬ويضعون عقولهم‬
‫بعد ذلك فوق الطبيعة ومتحكمة في متغيراتها‪.‬‬
‫القرآن والخالق‪:‬‬
‫إن المتدبر لكلم المولى عز وجل يجد أنه قد خاطب عقول الناس بكل‬
‫مستوياتها‪ ،‬حيث لفت أنظارهم لمور عامة مرئية أمامهم‪ ،‬تنطبق تفاصيلها‬
‫على كل خصوصيات الحياة ويكون كل جديد من العلم فيها زيادة في تفاصيل‬
‫إعجازها حتى يستمر المثل المذكور في القرن السابع الميلدي يحمل نفس‬
‫مقدرات العجاز في كل الزمان‪ .‬وهذه حكمة المولى عز وجل‪ ،‬ولو أراد‬
‫الناس أل يعملوا عقولهم لفعل‪ ،‬ولما كان لنا الختيار بمشيئته‪ ،‬ولكنه عز وجل‬
‫اختار لنا منهج الختيار ووهبنا الفئدة وأرسل لنا الرسل مبشرين ومنذرين‪،‬‬
‫ووجه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجاهد بالقرآن )فل تطع الكافرين‬
‫وجاهدهم به جهاًدا كبيًرا( ]الفرقان‪.[52 :‬‬
‫فإذا نظرنا لليات الخاصة بالدعوة لله سبحانه وتعالى‪ ،‬نجد أن معظمها يقيم‬
‫الحجة على كل من ينكر وجود الخالق سواء اعتمد في ذلك على النظرية‬
‫ب بعض المسلمين بتفوقه المادي وراحوا‬
‫الداروينية أم ل؛ وقد أذهل الغر ُ‬
‫يحاولون التوفيق بين النظرية وبعض اليات القرآنية)‪ (12)(11)(10‬مثل ما‬
‫ورد في سورة نوح )مالكم ل ترجون لله وقاًرا‪ ،‬وقد خلقكم أطواًرا‪ ،‬ألم تروا‬
‫كيف خلق الله سبع سموات طباقا‪ ،‬وجعل القمر فيهن نوًرا وجعل الشمس‬
‫جا‪ ،‬والله أنبتكم من الرض نباًتا( ]اليات‪ .[17-13 :‬فتمسكوا بقوله عز‬
‫سرا ً‬
‫وجل "أطواًرا" على أنه يعني التطور‪ ،‬وغاب عنهم أساس الخلف بأن الله‬
‫سبحانه وتعالى قد قال "خلقكم" أي بقدرته وحكمته أوجدنا من العدم في‬
‫أطوار من نطفة لعلقه لمضغة حتى يكتمل تكوين النسان‪.‬‬
‫وقد حاول د‪ .‬كريم الدين حسنين التوفيق بين ما هو مشاهد من حقائق علمية‬
‫قا في تفسيره ليات سورة ]العنكبوت‪[20-19 :‬‬
‫وما هو غير معروف مطل ً‬
‫‪79‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير‪ ،‬وقل‬
‫سيروا في الرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الخرة إن‬
‫مطلق للخلق أمر لم‬
‫الله على كل شيء قدير( حيث اشار إلى أ ّ‬
‫ن البدء ال ُ‬
‫يشهده الله لحد من خلقه بينما عملية النشوء أو النشوئية كما سماها فهي‬
‫سرها بعملية التطور والنشوء‬
‫ما خاطبنا فيه الله بـ)أولم يروا كيف ُيبدئ‪ (...‬وف ّ‬
‫بطريقة متطورة البداء ثم العادة أي النشوئية والتي توافق نظرية التطور‬
‫مطلق القدرة اللهية الذي ل‬
‫الداروينية‪ ،‬أما خلق النسان فيدخل في نطاق ُ‬
‫يرتبط بالتطور )ثم الله ينشئ النشأة الخرة‪.(13)(...‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫والداروينية تنكر وجود مدبر لحركة التطور‪ ،‬والهم من ذلك أن الله سبحانه‬
‫وتعالى لو أراد لنا أن نوجد في هذا الكون بطريقة التطور لفعل‪ ،‬ولكنه خلق‬
‫آدم ومنه حواء وجعل منهما ذرية البشر‪ .‬وقد كان من قدرته أن عكس مجرى‬
‫النظرية فجعل من بعض البشر قردة وخنازير )قل هل أنبئكم بشر من ذلك‬
‫مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد‬
‫الطاغوت أولئك شر مكاًنا وأضل عن سواء السبيل( ]المائدة‪) ،[60 :‬فلما‬
‫عتو عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين( ]العراف‪.[166 :‬‬
‫فالمر الساسي الذي يهمنا ليس التطور؛ وإنما إنكار الخالق باستعمال‬
‫النظرية أو غيرها‪ .‬وسنحاول أن نتفكر في بعض الحجج والظواهر التي بينها‬
‫المولى عز وجل في قرآنه الكريم بالخطوات التية‪:‬‬
‫‪ -1‬ذكر الظاهرة‪.‬‬
‫‪ -2‬عرض معظم اليات القرآنية التي ذكرت فيها الظاهرة كحجة وذلك حتى‬
‫يثبين أهميتها‪.‬‬
‫‪ -3‬تفسير إحدى اليات التي تؤكد الظاهرة من أحد التفاسير المأثورة "ابن‬
‫كثير" ثم ذكر تفسيرها من ظلل القرآن‪.‬‬
‫‪ -4‬محاولة تحليل الظاهرة كحجة علمية كدليل على وجود الخالق‪.‬‬
‫)سنريهم أياتنا في الفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف‬
‫بربك أنه على كل شيء شهيد( ]فصلت‪.[53 :‬‬
‫‪ /1‬الذكر والنثى‪:‬‬
‫‪) .1‬يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من‬
‫نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في‬
‫الرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفل ً ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم‬
‫من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيل يعلم من بعد علم شيًئا وترى‬
‫الرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج(‬
‫]الحج‪.[5 :‬‬
‫‪) .2‬أولم يروا إلى الرض كم أنبتا فيها من كل زوج كريم( ]الشعراء‪.[7:‬‬
‫‪) .3‬وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم( ]لغمان‪.[10 :‬‬
‫‪) .4‬وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج( ]ق‪.[7:‬‬
‫‪) .5‬يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها(‬
‫]النساء‪.[1:‬‬
‫‪ .6‬ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين( ]المؤمنون‪.[27:‬‬
‫‪) .7‬ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون( ]الذاريات‪.[49 :‬‬
‫‪) .8‬وأنه خلق الزوجين الذكر والنثى( ]النجم‪.[45 :‬‬

‫‪80‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪) .9‬فجعل منه الزوجين الذكر والنثى( ]القيامة‪.[39 :‬‬
‫‪) .10‬والذي خلق الزواج كلها وجعل لكم من الفلك والنعام ما تركبون(‬
‫]الزخرف‪.[12 :‬‬
‫جا من نبات شتى( ]طه‪.[53 :‬‬
‫أزوا‬
‫به‬
‫فأخرجنا‬
‫ماء‬
‫السماء‬
‫‪) .11‬وأنزل من‬
‫ً‬
‫جا( ]الشورى‪.[11 :‬‬
‫‪) .12‬والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزوا ً‬
‫جا( ]النبأ‪.[8 :‬‬
‫‪) .13‬وخلقناكم أزوا ً‬
‫وقال المولى عز وجل في سورة يس‪:36 :‬‬
‫‪) .14‬سبحان الذي خلق الزواج كلها مما تنتب الرض ومن أنفسهم ومما ل‬
‫يعلمون( وورد في تفسير ابن كثير)‪) (14‬سبحان الذي خلق الزواج كلها( أي‬
‫من زروع وثمار ونبات )ومن أنفسهم( فجعلهم ذكر وأنثى )ومما ل يعلمون(‬
‫أي مخلوقات شتى ل يعرفونها وفي ظلل القرآن)‪ (15‬ورد التي‪:‬‬
‫"ويلتفت عنهم بعد هذه اللمسة الرقيقه ليسبح الله الذي أطلع لهم النبت‬
‫جا ذكراًنا وإناًثا كالناس وكغيرهم من خلق الله الذي‬
‫والجنان وجعل الزرع أزوا ً‬
‫ل يعلمه سواه‪ .‬وهذه التسبيحة تنطلق في أوانها في موضعها وترتسم معها‬
‫حقيقة ضخمة من حقائق هذا الوجود‪ ،‬حقيقة وحدة الخلق‪ ،‬وحدة القاعدة‬
‫جا‪ ،‬النبات فيها كالنسان ومثل ذلك‬
‫والتكوين فقد خلق الله الحياء أزوا ً‬
‫ن هذه الوحدة لتشي بوحدة اليد المبدعة التى‬
‫غيرهما "مما ل يعلمون" وإ ّ‬
‫توجد قاعدة التكوين مع اختلف الشكال والحجام والنواع والجناس‬
‫والخصائص والسمات في هذه الحياء التي ل يعلم علمها إل الله‪ ،‬ومن يدري‬
‫فربما كانت هذه قاعدة الكون كله حتى الجماد"‪.‬‬
‫والناظر لهذا الكم من اليات التي يقرر فيها المولى عز وجل حقيقة مرئية لنا‬
‫من أنفسنا وربما ل نراها في بعض خلقه وهي أنه أمامنا ذكر وأنثى من كل‬
‫حي يجعلنا نتساءل إذا كان المولى عز وجل قد ذكر هذه اليات كدللة على‬
‫الخلق وبالتالي وجود الخالق‪ ،‬فما يد القدرة الدالة على الخالق في ذلك؟‪.‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫وحملت هذا السؤال للكمبيوتر بجامعة مانشستر أبحث عن تفسير وجود‬
‫قا لنظرية التطور وفي كل المراجع التي وجدتها‬
‫الذكر والنثى على الرض وف ً‬
‫ل يوجد أي تفسير‪ ،‬إل تفسير واحد هو افتراض يدعو للسخرية فقد تخيل‬
‫الكاتب بأنه في مبدأ الكون كانت هنالك خليا صغيرة وأخرى كبيرة‪ ،‬وفي‬
‫سبيل البحث عن الغذاء اخترقت الخليا الصغيرة الخليا الكبيرة وبدأ التزاوج‪،‬‬
‫ول يوجد تفسير لما تلى هذه الخطوة الخيالية التي ل برهان عليها البته‪ ،‬أي‬
‫ن وجود الذكر والنثى معضلة ل يمكن حلها بنظرية التطور أو بأي‬
‫بمعنى أ ّ‬
‫خيال آخر لن المعنى البسيط لوجود الذكر والنثى واختلف طرق التناسل‬
‫في الحيوانات المختلفة والنباتات يحتم وجود مبرمج ومخطط يعرف نهايات‬
‫ن استمرارية النوع يتطلب توالده فجعل له‬
‫الشياء الناتجة منذ بدايتها‪ ،‬ويعلم أ ّ‬
‫جا مكمل ً ليتم التناسل بطريقة معينة ينتج عنها أحياء جدد‪ .‬وبالطبع فإن‬
‫زو ً‬
‫ن يقول‪) :‬سبحان الذي‬
‫ذلك ل مجال للصدفة فيه بقدرة الخالق‪ ،‬فكان ح ً‬
‫قا أ ّ‬
‫خلق الزواج كلها(‪.‬‬
‫وربما يتساءل أحدهم‪ :‬فما بال الباكتريا تنقسم؟ والجابة البسيطة‪ :‬وهل‬
‫ندري كل شيء عن الباكتريا حتى نقر بأنه ليس فيها الذكر والنثى؟‪ .‬وقد‬
‫حدثنى محاضر في علم الباكتريا بأنه في البحث عن أسباب انتقال صفات‬
‫الباكتريا المضادة للمضادات الحيوية لبعضها البعض وجد بأنه ينطلق من‬

‫‪81‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الباكتريا نتوء ليلتصق بالباكتريا الخرى ثم تنتقل المعلومات بينهم "‬
‫‪ "Conjugation‬ولربما كان ذلك بداية اكتشاف الزواج في الحياء أحادية‬
‫الخليا‪.‬‬
‫ن المولى عز وجل يوضح لكل الناس بأنه من ينكر وجود الخالق فليفسر لنا‬
‫إ ّ‬
‫وجود الزواج في هذه الرض‪) .‬بل نقذف بالحق على الباطل فيدمفعه فاذا‬
‫هو زاهق( ]النبياء‪ ،[18:‬والله أعلم بما يريد في آياته‪.‬‬
‫‪ /2‬الرزق‪ :‬الغذاء‪:‬‬
‫‪) .1‬الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم( ]الروم‪.[40:‬‬
‫‪) .2‬وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات( ]غافر‪.[64:‬‬
‫‪) .3‬أمن يبدؤ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والرض( ]النمل‪:‬‬
‫‪.[64‬‬
‫‪) .4‬وكأين من دابة ل تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم( ]العنكبوت‪.[60 :‬‬
‫‪) .5‬ويعبدون من دون الله ما ل يملك لهم رزًقا( ]النحل‪.[73 :‬‬
‫‪) .6‬وفي السماء رزقكم وما توعدون( ]الذاريات‪.[22 :‬‬
‫‪) .7‬إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين( ]الذاريات‪.[58 :‬‬
‫وقد قال المولى عز وجل في سورة ]هود الية‪[6:‬‬
‫‪) .8‬وما من دابة في الرض إل على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها‬
‫كل في كتاب مبين(‪.‬‬
‫وفسرت في تفسير ابن كثير)‪ (16‬بأن الله سبحانه وتعالى قد أخبر بأنه‬
‫متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الرض صغيرها وكبيرها‪ ،‬وأنه يعلم‬
‫مستقرها أي يعلم أين منتهى سيرها في الرض وأين تأوي إليه من وكرها‬
‫وهو مستودعها‪.‬‬
‫وقال صاحب الظلل)‪ (17‬وهذه صورة أخرى من صور العلم الشامل‬
‫المرهوب‪ ،‬هذه الدواب وكل ما تحرك على الرض فهو دابة من إنسان‬
‫وحيوان وزاحفة وهامة‪ ،‬ما من دابة من هذه الدواب التي تمل وجه البسيطة‬
‫وتكمن في باطنها وتخفى في دروبها ومساربها‪ ،‬ما من دابة من هذه الدواب‬
‫التي ل يحيط بها حصر ول يكاد يلم بها احصاء إل وعند الله علمها وعليه رزقها‬
‫وهي تعلم أين تستقر وأين تكمن‪ ،‬من أين تجيء وأن تذهب‪ ،‬ويزيد على‬
‫مجرد العلم تقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذه الحشد الذي يعجز عن‬
‫ما كالبعوضة‬
‫تصوره الخيال حتى أ ّ‬
‫ما حًيا مهضو ً‬
‫ن بعضها يتناول رزقه د ً‬
‫والبرغوث"‪.‬‬
‫ن أنواع الغذية المختلفة باختلف أنواع الحياء أمر يدعو للدهشة والتساؤل‪:‬‬
‫إ ّ‬
‫كيف كان لكل هذه الحياء أن يتوفر لها الغذاء المناسب؟ قال تعالى‪:‬‬
‫)والرض مددناها وألقينا في رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون(‬
‫]الحجر‪ ،[19 :‬والنباتات تتغذى بالتمثيل الضوئي ومحاليل الرض‪ ،‬والحيوانات‬
‫تتغذى على النباتات واللحوم‪ ،‬والطيور بعضها يتغذى على النباتات وبعضها‬
‫على اللحوم‪ ،‬والحشرات بعضها يتغذى على الرحيق وعصارات النباتات وبقايا‬
‫أكل النسان وبعضها يتغذى على الدماء! فإذا كان الغذاء الول للخليا الولى‬
‫من الوفرة بحيث أنها تكون خليا متعددة فلم التنافس إذن؟ وإذا كان كل نوع‬
‫ن غذاؤه‬
‫غذاؤه يختلف عن الخر‪ ،‬فكيف علمت الخلية التي ستنتهي لنبات بأ ّ‬
‫سيكون متوفًرا‪ ،‬والتي ستنتهي لضفدعة بأن الحشرات ستكون متوفرة لها؟‬
‫ن‬
‫ن هذا أمر يستحيل حدوثه بالصدفة والتنافس وإنما يتطلب مدبًرا يعرف بأ ّ‬
‫إ ّ‬
‫وجود النحلة يستدعي وجود غذاء لها‪ ،‬ووجود الزهور يستدعي وجود غذاء‬
‫مختلف‪ ،‬ووجود غذاء للجميع يحتاج لمكونات وأساسيات يجب توفرها في‬
‫‪82‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الرض والسماء مثل الماء والكربون والكسجين‪ .‬فلذلك ذكر المولي عز‬
‫وجل آيات الرزق كدليل واضح على قدرته وعلى أن هذا النظام يستدعي‬
‫وجود خالق‪) ..‬الله الذي خلقكم ثم رزقكم (‪.‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫وقد يختلف الغذاء حتى في النوع الواحد وبين الذكر والنثى‪ ،‬وهذا ما نراه في‬
‫ن أنثى البعوض تتغذى على الدم بينما الذكر يتغذى من‬
‫أمر البعوض فإ ّ‬
‫ن بيضة البعوضة توضع في الماء وتكون حتى اكتمال نموها‬
‫الزهور! رغم أ ّ‬
‫ذات غذاء واحد‪ ..‬كما نجد بأن أنثى البعوض لها تركيب فمي يمكنها من غرز‬
‫خرطومها في جلد النسان أو الحيوان بينما ينعدم ذلك عند الذكر‪ ..‬فكيف‬
‫حدث أن الظروف الطبيعية الواحدة أنتجت أحياء ذات طرق غذائية مختلفة‬
‫في النوع الواحد؟ ولذلك ما كان لله أن يستحي أن يضرب مثل ً بالبعوضة )إن‬
‫الله ل يستحي أن يضرب مثل ً ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون‬
‫أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثل ً يضل به‬
‫كثيًرا ويهدي به كثيًرا وما يضل به إل الفاسقين( ]البقرة‪.[26 :‬‬
‫والنباتات رغم أنواعها المتعددة؛ إل أن غذاءها في معظم الحوال واحد‪) .‬إن‬
‫الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ذلكم‬
‫الله فأنى تؤفكون( ]النعام‪) ،[95 :‬وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير‬
‫فا أكله والزيتون والرمان متشابًها وغير‬
‫معروشات والنخل والزرع مختل ً‬
‫متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ول تسرفوا إنه ل يحب‬
‫المسرفين( ]النعام‪) ،[141 :‬وفي الرض قطع متجاورات وجنات من أعناب‬
‫وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض‬
‫في الكل إن في ذلك ليات لقوم يعقلون( ]الرعد‪.[4 :‬‬
‫وحتى النوع المسقي بالماء الواحد ينتج أشكال ً مختلفة‪ ..‬فكيف يفسر ذلك‬
‫من غير خالق؟‪.‬‬
‫ثم لماذا كل هذا الجمال في الزهور والخضرة في الشجار‪) ..‬من كل زوج‬
‫بهيج(‪ ..‬وإلى أي مغزى يتجه التطور بالنواحي الجمالية في النباتات‪..‬‬
‫التناسل‪ ..‬أمر يحدث في الصبار كما يحدث في الزهور‪ ..‬وحتى لو كان لهذا‬
‫السبب فمن أدرى الزهور بأنها ستجذب النحل؟؛ وهل كانت الزهور حين‬
‫كانت خلية واحدة تعلم بما سيحيط بها؟ إنه بل شك صنع العزيز القدير‪.‬‬
‫‪ /3‬الحياة والموت‪:‬‬
‫‪) .1‬وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا( ]النجم‪.[14 :‬‬
‫‪) .2‬كيف تكفرون بالله وكنتم أمواًتا فأحياكم( ]البقرة [‪.‬‬
‫‪) .3‬إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير( ]فصلت‪.[39 :‬‬
‫‪) .4‬وأنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون( ]الحجر‪.[23 :‬‬
‫‪) .5‬أنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير( ]ق‪.[43 :‬‬
‫‪) .6‬إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم( ]يس‪.[12 :‬‬
‫‪) .7‬والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير( ]آل عمران‪.[56 :‬‬
‫‪) .8‬الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عمل وهو العزيز الغفور(‬
‫]الملك‪.[2 :‬‬
‫‪) .9‬ل إله إل هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله( ]العراف‪.[158 :‬‬
‫‪) .10‬إن الله له ملك السماوات والرض( ]التوبة‪.[116 :‬‬
‫‪) .11‬هو يحيي ويميت وإليه ترجعون( ]يونس‪.[56 :‬‬

‫‪83‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪) .12‬ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي ويميت( ]الحج‪.[6 :‬‬
‫‪) .13‬وهو الذي يحيي ويميت وله اختلف الليل والنهار( ]المؤمنون‪.[80 :‬‬
‫‪) .14‬هو الذي يحيي ويميت وله اختلف الليل والنهار( ]غافر‪.[68 :‬‬
‫‪) .15‬ل إله إل هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الولين( ]الدخان‪.[8 :‬‬
‫‪) .16‬له ملك السماوات والرض يحيي ويميت( ]الحديد‪.[2 :‬‬
‫‪) .17‬يحييكم ثم يميتكم ثم إليه ترجعون( ]البقرة‪.[28 :‬‬
‫‪) .18‬وجعلنا من الماء كل شيء حي( ]النبياء‪.[30 :‬‬
‫‪) .19‬يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الرض بعد‬
‫موتها( ]الروم‪.[19 :‬‬
‫‪) .20‬الم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم‬
‫ن الله يأتي‬
‫ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم قإ ّ‬
‫بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله ل يهدي‬
‫القوم الظالمين(‪.‬‬
‫وقد ورد في تفسير ابن كثير)‪)" (18‬ربي الذي يحيي ويميت( أي إنما الدليل‬
‫على وجوده حدوث هذه الشياء المشاهدة بعد عدمها‪ ،‬وعدمها بعد وجودها‪،‬‬
‫وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة لم تحدث بنفسها فل بد لها من‬
‫موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده ل شريك له"‪.‬‬
‫وقال صاحب الظلل في نفس الية)‪" (19‬والحياء والماتة هما الظاهرتان‬
‫المكررتان في كل لحظة المعروضتان لحس النسان وعقله وهما في الوقت‬
‫نفسه السر الذي يحير‪ ،‬والذي يلجئ الدراك البشري إلجاء إلى مصدر آخر‬
‫غير جدي وإلى أمر غير أمر المخاليق ول بد من اللتجاء إلى اللوهية القادرة‬
‫على النشاء والفناء لحل هذا اللغز الذي يعجز عنه كل الحياء"‪.‬‬
‫)‪(9 /‬‬
‫وقد حدث أن دار نقاش مع فتاة انجليزية عن العقائد فقالت بأنها ل تؤمن‬
‫بوجود خالق وإنما هي حياتها الدنيا وتريد أن تعيشها بمطالبها‪ ،‬فقلت لها‬
‫سؤال بسيط لو استطعت أن تجيبي عليه يمكنك أن تعيشي حياتك كما‬
‫ما‪ ..‬وأين ستذهبين‬
‫تشائين فقالت ما هو؟ فقلت لها‪ :‬أين كنت قبل أربعين عا ً‬
‫بعد الموت؟ فقالت‪ :‬ل أدري فقلت لها أل يدعوك هذا للتفكر في ماهية‬
‫الحياة‪ ..‬وكيف أنت الن حية‪ ..‬ولم تموتين؟ فقالت ل يهمني كثيًرا‪ ..‬فقلت‬
‫لها‪ :‬ولكن يهمني أنا أمرك لنني أعلم أين كنت وإلى أين ستذهبين وحينها‬
‫م ل تعطين لهذا المر قدره من‬
‫رأيت الحيرة والضطراب عليها‪ ..‬فأضفت ل ِ َ‬
‫ن السلم‬
‫التفكير‪ ..‬وإن توصلت بأن هذه الحياة ل بد لها من واهب فتذكري بأ ّ‬
‫هو طريق النجاة‪ ..‬وهذه نفس الحجة أن الله يحيي ويميت‪ ..‬أمر اختص به ول‬
‫أحد يشاركه فيه‪.‬‬
‫ن تجمعها في أعضاء وأحياء ل يعني البتة بأنها‬
‫وإذا نظرنا للخليا‪ ..‬نجد أ ّ‬
‫ستكون كائًنا حًيا رغم حياة الخليا‪ ،‬فبعث الحياة في الكائن الحي مختلف‬
‫ما عن حياة الخليا‪ ..‬ويتضح هذا في نقل العضاء‪ ،‬فنجد إنساًنا يعيش‬
‫تما ً‬
‫بقلب رجل آخر متوفي‪ ..‬فقلت المتوفي مازال يعمل كخليا وعضو‪ ،‬والقول‬
‫ن تطور الحياء كان من خليا ل يمكن أن يحدث إل أن تبعث فيه الحياة‪ ،‬ول‬
‫بأ ّ‬
‫يمكن أن تفسر إل بوجود قوة أخرى غير مادية‪ ..‬وأمر الموت أعجب‪ ،‬فلو‬
‫قارنت بين ميت وحي بقربه لن تتمكن أن تعرف كيف مات هذا وما مصدر‬
‫حياة الخر‪ ..‬وعلى حسب نظرية الختيار الطبيعي فإن البقاء للقوى‪ ..‬ولكن‬

‫‪84‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫القوي قد يموت قبل الضعيف‪ ،‬أي بمعنى أن فناء الخليات ل يقترن بصحتها‬
‫فقط‪ ،‬إنما بوجود قوة غير مادية بداخل ذلك الحي‪ .‬أليس هذا بدليل كاف بأن‬
‫أمر الحياة والموت ل يقتصر على مادة البدان فقط؟ وأليس هذا بدليل أن‬
‫الحياة والموت من أمر الحي القيوم؟ ولله العزة والجلل‪.‬‬
‫‪ /4‬الطير‪:‬‬
‫‪) .1‬ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء( ]النحل‪.[79 :‬‬
‫‪) .2‬وسخرنا مع داؤود الجبال يسبحن والطير( ]النبياء‪.[79 :‬‬
‫‪) .3‬الم تر أن الله يسبح له من في السماوات والرض والطير صافات كل‬
‫قد علم صلته وتسبيحه( ]النور‪.[41 :‬‬
‫علمنا منطق الطير( ]النمل‪:‬‬
‫‪) .4‬وورث سليمان داؤود وقال يا أيها الناس ُ‬
‫‪.[16‬‬
‫‪) .5‬وحشر لسليمان جنوده من الجن والنس والطير( ]النمل‪.[17 :‬‬
‫‪) .6‬وتفقد الطير فقال مالي ل أرى الهدهد( ]النمل‪.[20 :‬‬
‫‪) .7‬ولقد آتينا داؤود منا فضل ً يا جبال أوبي معه والطير( ]سبأ‪.[10 :‬‬
‫‪) .8‬والطير محشورة كل له أواب( ]ص‪.[19 :‬‬
‫وقال تعالى في سورة الملك الية‪:19 :‬‬
‫‪) .9‬أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إل الرحمن إنه‬
‫بكل شيء بصير(‪.‬‬
‫وورد في تفسير ابن كثير)‪" :(20‬أي تارة يصففن أجنحتهن في الهواء وتارة‬
‫حا "ما يمسكهن" أي في الجو "إل الرحمن" اي بما‬
‫حا وتنشر جنا ً‬
‫تجمع جنا ً‬
‫سخر لهن من رحمته ولطفه"‪.‬‬
‫وقال صاحب الظلل)‪ (21‬في الية‪" :‬وهذه الخارقة التي تقع في كل لحظة‬
‫تنسينا بوقوعها المتكرر ما تشي به من القدرة والعظمة ولكن تأمل هذا‬
‫الطير وهو يصف جناحيه وفردهما ثم يقبضهما وهو في الحالين يظل في‬
‫الهواء والرحمن يمسكهن بنواميس الوجود المتناسقة"‪.‬‬
‫الناظر لهذه اليات يستنتج بأن الطير أمة مثلنا ومثل كل أمم الحياء وإنهم‬
‫يسبحون ويعبدون الله وأن لهم لغة علمها الله عز وجل لسليمان – عليه‬
‫السلم –‪ .‬وهذه حقائق تصديقها يستدعى اليمان بالله‪ ..‬والباحث في تطور‬
‫الطيور يجد خيال ً ل سند له فإذا كان تطور الخلية مقروًنا بوجود الغذاء لها‬
‫فما الحاجة لن يطير المسافات الخيالية‪ ،‬ولماذا نجد كل هذا الختلف في‬
‫الشكال والنواع بين النعام والعصافير والنسور‪ ..‬كلها طيور وغذاؤها يختلف‬
‫وشكلها يختلف وحجمها يختلف‪ ..‬ثم لم الهجرة من مكان لخر‪ ،‬وكيف تعرف‬
‫طريقها ذاهبة وآتية؟ وفي طائر "الموتون" كما ذكر موريس بكاي)‪ (22‬أمر‬
‫يستدعى التعجب فهو طائر يوجد باستراليا‪ ..‬ويبدأ هجرته من ساحل استراليا‬
‫ويتجه شرًقا في الباسفيك ويلتف حول شاطئ اليابان وبعد راحة قليلة في‬
‫إحدى الجزر يتجه جنوًبا إلى الشاطئ الغربي لمريكا حتى يصل كالفورنيا‬
‫ومن هناك ينطلق حتى يرجع إلى استراليا‪ ..‬في رحلة ستة اشهر يقطع فيها‬
‫قرابة ‪ 15.000‬ميل ل تتغير في خط سيرها أو زمانها والعجب من ذلك أنها‬
‫تترك صغارها لوحدهم باستراليا وما أن يقوى عودهم حتى يبدأوا نفس‬
‫الرحلة بغير دليل‪ ،‬فمن علمهم الطريق‪ ..‬ومن وضع فيهم كل هذه المعلومات‬
‫عن الماكن المختلفة والمسافات والزمن‪ ..‬ل يمكن أن تكون الصدفة )تبارك‬
‫الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير(‪.‬‬
‫‪ /5‬الحيوانات‪:‬‬
‫‪) .1‬والنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون( ]النحل‪.[5 :‬‬
‫‪85‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪) .2‬وإن لكم في النعام لعبرة‪ ،‬نسقيكم مما في بطونها من بين فرث ودم‬
‫صا سائًغا للشاربين( ]النحل‪.[66 :‬‬
‫لبًنا خال ً‬
‫‪) .3‬ومن الناس والدواب والنعام مختلف ألوانه( ]فاطر‪.[28 :‬‬
‫)‪(10 /‬‬
‫‪) .4‬خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من النعام ثمانية‬
‫قا بعد خلق في ظلمات ثلث ذلكم الله‬
‫أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خل ً‬
‫ربكم له الملك‪ ،‬ل إله إل هو فأنى تصرفون( ]الزمر‪.[6:‬‬
‫جا‪] (..‬الشورى‪.[11:‬‬
‫جا ومن النعام أزوا ً‬
‫‪) .5‬جعل لكم من أنفسكم أزوا ً‬
‫‪) .6‬الله الذي جعل لكم النعام لتركبوا منها ومنها تأكلون( ]غافر‪.[79 :‬‬
‫ما فهم لها مالكون( ]يس‪:‬‬
‫‪) .7‬أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعا ً‬
‫‪.[71‬‬
‫‪) .8‬وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون( ]الجاثية‪.[4 :‬‬
‫وقال تعالى في سورة النور الية‪:45 :‬‬
‫‪) .9‬والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من‬
‫يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله‬
‫على كل شيء قدير(‪.‬‬
‫وجاء في تفسير ابن كثير)‪" :(23‬يذكر الله قدرته التامة وسلطانه العظيم في‬
‫خلق أنواع المخلوقات على اختلف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها من‬
‫ماء واحد )فمنهم من يمشي على بطنه( كالحية وما شاكلها )ومنهم من‬
‫يمشي على رجلين( كالنسان والطير )ومنهم من يمشي على أربع( كالنعام‬
‫وسائر الحيوانات ولهذا قال‪) :‬يخلق الله ما يشاء("‪.‬‬
‫ورد في ظلل القرآن)‪" :(24‬وهذه الحقيقة الضخمة التي يعرضها القرآن‬
‫بهذه البساطة حقيقة أن كل دابة خلقت من ماء قد تعني وحدة العنصر‬
‫الساسي في تركيب الحياء جميًعا‪ ،‬وهو الماء وقد تعني ما يحاول العلم‬
‫الحديث أن يثبته من أن الحياة خرجت من البحر ونشأت أصل ً في الماء ثم‬
‫تنوعت النواع وتفرعت الجناس‪ ،‬ولكننا نحن على طريقتنا في عدم تعليق‬
‫الحقائق القرآنية الثابتة على النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل ل‬
‫نزيد على هذه الشارة شيًئا بإثبات الحقيقة القرآنية‪ ،‬منها الزواحف تمشي‬
‫على بطنها‪ ،‬ومنها النسان والطير يمشي على قدمين‪ ،‬ومنها الحيوان يمشي‬
‫على أربع‪ ،‬كل أولئك وفق سنة الله ومشيئته وليس فلتة ول مصادفة"‪.‬‬
‫ورغم أن وجود النعام والحيوانات ككل دليل قاطع على وجود المدبر‪ ..‬إل‬
‫أنني توقفت كثيًرا عند هذه الية متفكًرا في أمر هذا المشي لم ذكره الله‬
‫سبحانه وتعالى من دون حركات الجسم‪ ..‬فلول المشي والحركة بوضع هذه‬
‫الدنيا لفنيت معظم الحيوانات‪ ..‬فكيف تجد غذاءها؟ وكيف تتناسل؟ وكيف‬
‫تحتمي؟ ولهذا أعطاها الخالق قدرة الحركة وأعطاها الوسيلة لذلك‪ ،‬ولو‬
‫كانت قد تطورت من خلية بالصدفة لنتهت لنوع واحد من طرق الحركة‪..‬‬
‫ولننظر ما قاله موريس بكاي)‪ (25‬في كتابه ما هو أصل النسان‪" :‬إنه من‬
‫الصعوبة في بعض الحيان التمييز بين التغيير في الشكل النافع والضار‪ ،‬فمثل ً‬
‫لقد فقدت الثعابين أطرافها ولكن ل يعني هذا بأنها وضعت في مرتبة أقل‬
‫حيث أن فقدان الطراف قد صاحبه تغيير هيكلي وحشوي كبيران ونجد أن‬
‫قا للداروينية"‪.‬‬
‫علماء الحيوانات في حيرة من تفسير هذه التغييرات وف ً‬
‫قا إنها معضلة بالنسبة لهم ولذلك ذكرها المولى عز وجل‪ ...‬وستكون‬
‫ح ً‬

‫‪86‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫معضلة لكل من يريد أن يهرب من الفراد بوجود خالق‪ ..‬لن وجوده أمر‬
‫حتمي لظهورها‪.‬‬
‫وفي ذكر الحيوانات هدانا المولى عز وجل للنظر في خلق نواع واحد منها‬
‫)أفل ينظرون إلى البل كيف خلقت( ]الغاشية‪ ،[17 :‬فلماذا البل بالذات؟‬
‫والعرب كانت لديهم الغنام والبقر والخيل‪ ..‬وقد ورد في تفسيرها عند ابن‬
‫كثير)‪" :(26‬يقول الله تعالى آمًرا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالةعلى‬
‫قدرته وعظمته‪ ..‬فإنها خلق عجيب وتركيبها غريب فإنها في غاية القوة‬
‫والشدة وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف‪ ،‬وتؤكل‬
‫وينتفع بفروها ويشرب لبنها وتبهوا بذلك لن العرب غالب دوابهم كانت‬
‫البل"‪ .‬وقال صاحب الظلل)‪" :(27‬والبل حيوان العربي الول‪ ،‬عليها يسافر‬
‫ويحمل ومنها يشرب ويأكل ومن أوبارها وجلودها يلبس وينزل‪ ،‬فهي مورده‬
‫الول للحياة‪ ،‬ثم إن لها خصائص تفردها من بين الحيوان فهي على قوتها‬
‫وضخامتها وضلعة تكوينها ذلول يقودها الصغير فتنقاد‪" ..‬أفل ينظرون إلى‬
‫خلقها وتكوينها ثم يتدبرون كيف خلقت على هذا النحو المناسب لوظيفتها‬
‫المحقق لغاية خلقها المتناسق مع بيئتها ووظيفتها جميًعا! إنهم لم يخلقوها‬
‫وهي لم تخلق نفسها فل يبقى إل أن تكون من إبداع المبدع المتفرد بصنعته‬
‫التي تدل عليه وتقطع بوجوده كما تشؤ بتدبيره وتقديره"‪.‬‬
‫)‪(11 /‬‬
‫واختيار الدعوة للنظر للبل ليست قاصرة على العرب فقط‪ ..‬وقد اكتشف لنا‬
‫غير العرب من خصائصها العجيبة ما يدل على استمرارية الدعوة للعجاز‪،‬‬
‫فنجد مثل ً أنها يمكن أن تشرب كميات كبيرة من الماء في وقت قصيرة كما‬
‫يمكنها أن تصبر على عدمه لمد طويل‪ ..‬وكيف تخزن هذا الماء وكيف تعيد‬
‫استعماله‪ ..‬أمر يحير‪ ..‬ثم إن لها مقدرة على المحافظة على درجة حرارتها‬
‫تتذبذب فيها درجة الحرارة بطريقة تختلف عن بقية الحيوانات وفوق هذا ل‬
‫نجد لها شبيًها في تسلسل الحيوانات لنقول بأنها تطورت من ذلك‪ ،‬فجعلها‬
‫الله آية لكل البشر لينظروا فيها ويبحثوا في تركيبها ووظائفها وتوالدها‬
‫ليكتشفوا من السرار التي تثبت وجود الخالق ول شك‪.‬‬
‫‪ /6‬الجن‪:‬‬
‫‪) .1‬والجان خلقناه من قبل من نار السموم( ]الحجر‪.[27 :‬‬
‫‪) .2‬لم يطمثهن إنس قبلهم ول جان( ]الرحمن‪.[74 :‬‬
‫‪) .3‬يا معشر الجن والنس الم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي(‬
‫]النعام‪.[130 :‬‬
‫‪) .4‬ولقد ذرأنا لجهنم كثيًرا من الجن والنس لهم قلوب ل يفقهون بها ولهم‬
‫أعين ل يبصرون بها ولهم آذان ل يسمعون بها أولئك كالنعام بل هم أضل‬
‫أولئك هم الغافلون( ]العراف‪.[179 :‬‬
‫‪) .5‬وما خلقت الجن والنس إل ليعبدون( ]الذاريات‪.[56 :‬‬
‫‪) .6‬يا معشر الجن والنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات‬
‫والرض فانفذوا ل تنفذون إل بسلطان( ]الرحمن‪.[33 :‬‬
‫‪) .7‬قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآًنا عجبا يهدي‬
‫إلى الرشد فآمنا به( ]الجن‪.[1 :‬‬
‫‪) .8‬وإنا ظننا أن لن تقول النس والجن على الله كذبا( ]الجن‪.[5 :‬‬
‫قا(‬
‫‪) .9‬وإنه كان رجال من النس يعوذون برجال من الجن فزادوهم ره ً‬

‫‪87‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫]الجن‪.[6 :‬‬
‫‪) .10‬وتمت كلمة ربك لملن جهنم من الجنة والناس أجمعين( ]السجدة‪:‬‬
‫‪.[13‬‬
‫‪) .11‬الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس( ]الناس‪.[6 :‬‬
‫وقد قال المولى عز وجل في سورة الرحمن اليات‪:16-15 :‬‬
‫‪) .12‬وخلق الجان من مارج من نار‪ ،‬فبأي آلء ربكما تكذبان(‪.‬‬
‫وورد في تفسير ابن كثير)‪)" :(28‬من مارج من نار( من لهب النار من‬
‫أحسنها‪ ..‬وكيفية خلقه من نار مسألة خارجة عن حدود العلوم البشرية‬
‫والمصدر الواحد فيها هو هذا القرآن"‪ .‬وقال صاحب الظلل)‪" :(29‬والمارج‬
‫المشتعل المتحرك كألسنة النار مع الرياح! وللجان القدرة على الحياة في‬
‫هذه الرض مع النس ولكنا ل ندري كيف يعيش الجان وقبيله‪ ،‬وأما المر‬
‫المستيقن فهو أنهم مخاطبون بهذا القرآن"‪.‬‬
‫لقد كان العرب يؤمنون بالجن‪ ،‬وكان ركبهم قبل السلم حين يحل بواد‬
‫يستأذن صاحب الوادي من الجن‪ ،‬وبعضهم قد عبد الجن لذلك عندما تحدث‬
‫الله سبحانه وتعالى عن الجن كان خطابه اقرارًيا توضيحًيا لمر لم ينكروه مع‬
‫عدم رؤيتهم له‪ ..‬وفي هذه الية عرفنا مم خلق‪ ..‬من نار‪ ..‬ربما ضوء وحرارة‬
‫فما هي أهمية ذلك؟‪ ،‬إن وجود مخلوقات أو أحياء غير مادية بالنسبة‬
‫لموضوعنا هذا يعني هدم كل النظرية‪ ،‬وبل شك فإن كفر من تبع النظرية‬
‫بوجود المولى عز وجل تله انكار وجود الملئكة والجن من الحياء التي ل‬
‫نراها‪ ،‬فهل إن أثبتنا وجود هذه الحياء من الجن سيبقى شيء من النظرية؟‬
‫بل شك ل‪ ،‬ولكن كيف السبيل؟ وهل يجوز ذلك؟‪ ،‬وإننا لنعرف من القرآن‬
‫الكثير عن الجان فإنه يسمع ويرى ولهم قلوب‪ ،‬ومنهم الصالح والطالح‪،‬‬
‫ما وسيحاسبون؛ وبعضهم يدخل الجنة‬
‫ومنهم الرجال‪ ،‬ومكلفون مثلنا تما ً‬
‫وبعضهم يدخل النار أي أنه ل فرق بيننا وبينهم‪ ..‬فتخيل مخلوق مثلك له آذان‬
‫وأعين وقلب ويسمع ويرى ويؤمن ويكفر ويتخاطب ويأكل ورغم ذلك ل نراه‬
‫بعين ول بمجهر وقد أفرد الله سورة كاملة لهم "الجن" وخاطبهم مع النس‬
‫في كل سورة الرحمن )فبأي آلء ربكما تكذبان(‪.‬‬
‫وربما ذلك بسبب دعوة سيدنا سليمان – عليه السلم – ‪ ..‬ولكن لم يحجر‬
‫التعاون مع الجن‪ ،‬وجوز ابن تيمية الستعانة بالصالحين منهم في عمل الخير‬
‫كالعلج وغيره‪ ..‬وهذا يعني إمكانية التصال بهم‪ ..‬فهل هناك طريقة لثبات‬
‫وجودهم؟ وفي نقاش دار بين مسلم وكافر متبع للداروينية سأل المسلم‬
‫الكافر‪ :‬هل تؤمن بالجن؟ فقال‪ :‬ل فقال له‪ :‬ما رأيك أن آخذك إليه‪،‬‬
‫دا لن إثبات وجود أحياء غير مادية‬
‫فاضطرب الكافر الوربي اضطراًبا شدي ً‬
‫يعني بل شك أن تطوى صفحات النظرية إلى يوم البعث والحساب‪ ..‬وحسبنا‬
‫أن نعلم أن وجود مخلوقات أخرى تتفق معنا في كل الوظائف والتكاليف‬
‫ما في التركيب أمر ل يمكن أن يوجد إل بوجود خالق وجب‬
‫وتختلف عنا تما ً‬
‫علينا أن نعبده‪ ..‬وتبارك الله أحسن الخالقين‪.‬‬
‫‪ /7‬الحشرات‪:‬‬
‫ً‬
‫‪) .1‬إن الله ل يستحي أن يضرب مثل ما بعوضة فما فوقها( ]البقرة‪.[26 :‬‬
‫‪) .2‬فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلت(‬
‫]العراف‪.[133 :‬‬
‫‪) .3‬خشًعا أبصارهم يخرجون من الجداث كأنهم جراد منتشر( ]القمر‪.[7 :‬‬
‫‪) .4‬مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيًتا وإن‬
‫أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون( ]العنكبوت‪.[41 :‬‬
‫‪88‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(12 /‬‬
‫‪) .5‬وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوًتا ومن الشجر ومما‬
‫يعرشون( ]النحل‪.[68 :‬‬
‫‪) .6‬حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ل‬
‫يحطمنكم سليمان وجنوده وهم ل يشعرون( ]النمل‪.[18 :‬‬
‫ولنبدأ بقول الكاتب الفرنسي موريس بكاي)‪ (30‬عن الحشرات‪:‬‬
‫"إن الحشرات من الحياء التي لم يحدث لها أي تطور منذ ظهورها على‬
‫الرض أوليس هذا أمر عجيب! لقد توقفت عند ذكر الله سبحانه وتعالى‬
‫للحشرات‪ ..‬البعوض والجراد والقمل والعنكبوت والنحل والنمل والذباب حتى‬
‫أن ثلث سور من القرآن مسماة على أسماء حشرات‪ ..‬وكان للقرار السابق‬
‫ن الحشرات لم يلحظ فيها أي تطور مدعاة للتفكر في هذه المخلوقات‬
‫بأ ّ‬
‫التي ذكرها الله – سبحانه وتعالى – في كتابه مدلل ً على مقدرته‪ .‬وسنكتفي‬
‫بالحديث عن الحشرات الجتماعية‪ ..‬النمل والنحل‪ ،‬فقد جاء في تفسير ابن‬
‫كثير)‪ (31‬في تفسير قوله تعالى‪) :‬حتى آتوا على وادي النمل‪ (...‬أي حتى إذا‬
‫مر سليمان – عليه السلم – بمن معه من الجيوش والجنود على وادي‬
‫النمل‪ ،‬قالت‪ ،‬نملة يا أيها النمل‪ ...‬اي خافت على النمل أن تحطمها الخيول‬
‫بحوافرها فأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم‪ ،‬ففهم ذلك سليمان منها‪...‬‬
‫وقد روى ابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال‪ :‬خرج سليمان – عليه‬
‫السلم – يستسقى فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى‬
‫السماء وهي تقول‪ :‬اللهم إنا خلق من خلقك ول غنى لنا عن سقياك وإل‬
‫قيُتم بدعوة غيركم"‪.‬‬
‫س ِ‬
‫تسقنا تهلكنا‪ ..‬فقال سليمان ارجعوا فقد ُ‬
‫وقال صاحب الظلل)‪" :(32‬قالت نملة لها صفة الشراف والتنظيم على‬
‫النمل السارح في الوادي – ومملكة النمل كمملكة النحل دقيقة التنظيم‬
‫تتنوع فيها الوظائف وتؤدي كلها بنظام عجيب يعجز البشر غالًبا عن اتباع مثله‬
‫على ما أوتوا من عقل راق وإدراك عال – قالت هذه النملة للنمل بالوسيلة‬
‫التي تتفاهم بها أمة النمل وباللغة المتعارفة بينها قالت للنمل‪ :‬ادخلوا‬
‫مساكنكم كي ل يحطمكم سليمان وجنوده وهم ل يشعرون بكم‪ ...‬ونقف هنا‬
‫أمام خارقتين ل خارقة واحدة خارقة إدارك سليمان لتحذير النملة لقومها‪،‬‬
‫وخارقة إدارك النملة أن هذا سليمان وجنوده‪ ،‬فأما الولى فهي مما علمه‬
‫الله لسليمان وسليمان إنسان ونبي‪ ،‬فالمر بالقياس إليه أقرب من الخارقة‬
‫الخرى البادية في مقالة النملة‪ ،‬فقد تدرك النملة أن هؤلء خلق أكبر‪ ،‬وأنهم‬
‫يحطمون النمل إذا داسوه وقد يهرب النمل من الخطر بحكم ما أودع الله‬
‫فيه من القوى الحافظة للحياة‪ ،‬أما أن تدرك النملة أن هذه الشخوص هي‬
‫سليمان وجنوده فهي تلك الخارقة التي تخرج على المألوف وتحسب في‬
‫عداد الخوارق في مثل هذه الحال‪.‬‬
‫والمتدبر لهذه الية يرى بأن الله – سبحانه وتعالى – قد أخبرنا بأن النمل أمة‬
‫مثلنا تؤمن بالله وتعرف الرسل‪ ،‬وأن النمل يعيش حياة اجتماعية‪ ،‬أي يعيش‬
‫معيشة تكافلية توزع فيها المهام فمنها الملكة ومنها الشغالت والذكور‬
‫وبعض النمل يخزن غذاءه وزرعه‪ ،‬وبعضها يرعى في ذلك الموكب الرهيب‬
‫والجيوش الجرارة المتحركة‪ ..‬اختار لنا الله – سبحانه وتعالى – حديث نملة ل‬
‫يعنينا أمرها ول يهمنا إن تحطمت مساكنها‪ ،‬ولكن يهم المولى عز وجل أن‬
‫يظهرها لنا في هذا الموقف ككائن له كينونته المقدرة وله حياته ومخاوفه‪..‬‬
‫ليلفت نظرنا إلى أممه الخرى‪ ..‬ولكن تصديق هذا المر يستدعى اليمان‬

‫‪89‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بالله عز وجل‪ ..‬وذكر المولى عز وجل هذه الحشرة لمر يستدعى التفكر ‪..‬‬
‫فإنها حشرة لم يعرف عنها أي تطور وتعيش حياة اجتماعية تماثل حياة أرقى‬
‫الحياء‪ ..‬فكيف ظهرت للوجود‪ ..‬وكيف يعقل بأن تكون أكثر رقًيا في نظامها‬
‫من كل الحيوانات‪ ..‬بل كل هذا من الحق‪ ..‬المولى عز وجل؛ فأمر هذه النملة‬
‫في الدعوة لله مثل جيش سليمان السائر ليقاتل من أجل إعلء كلمة الله ‪.‬‬
‫والنحل ل يختلف عن النمل فهي حشرات اجتماعية‪ ..‬وفي تفسير ابن كثير)‬
‫‪ (33‬عن الية؛ )وأوحى ربك إلى النحل ‪ (...‬المراد بالوحي هنا اللهام والهداية‬
‫والرشاد للنحل أن تتخذ من الجبال بيوًتا تأوي إليها ومن الشجر ومما‬
‫يعرشون‪ ،‬ثم أذن الله تعالى لها إذًنا قدرًيا تسخيرًيا أن تأكل من كل الثمرات‬
‫وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها أي سهلة عليها حيث‬
‫شاءت من هذا الجو العظيم والبراري الشاسعة والودية والجبال الشاهقة ثم‬
‫تعود كل واحدة منها إلى خليتها فتبني الشمع من أجنحتها وتتقيأ العسل من‬
‫فيها ثم تعاود نشاطها إلى ما شاء الله‪.‬‬
‫والنحل يعيش في مجموعات اجتماعية قد يصل عددها في الخلية الواحدة‬
‫إلى )‪ (80.000‬من النحل والعمل تقوم به إناث النحل واستمرار الخلية‬
‫يعتمد على استمرار الملكة‪ ..‬وتقوم الشغالت بالدفاع عن الخلية‪ ..‬أي كأنها‬
‫دولة قائمة بذاتها‪ ،‬أمر ل يمكن أن يعقل بأنه نتاج تطور‪ ..‬كيف علمت النحلة‬
‫الولى بأنها ستجد من يرافقها في رحلة حياتها وينتظم معها في كل هذا‬
‫التنظيم؟ لبد لهذا من مدبر )أفمن يخلق كمن ل يخلق أفل تذكرون(‪.‬‬
‫)‪(13 /‬‬
‫ضا حشرة )يا‬
‫والتحدي الذي وصفه الله تعالى لكل من يدعي الخلق‪ ..‬كان أي ً‬
‫ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له‪ ،‬إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا‬
‫ذباًبا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيًئا ل يستنقذوه منه ضعف الطالب‬
‫والمطلوب( ]الحج‪.[73 :‬‬
‫وقال ابن كثير)‪" :(34‬يقول تعالى منبًها على حقارة الصنام وسخافة عقول‬
‫عابديها )يا أيها الناس ضرب مثل( أي لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به‬
‫)فاستمعوا له( أي أنصتوا وتفهموا )إن الذين‪ (..‬أي لو اجتمع جميع ما تعبدون‬
‫من الصنام والنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على‬
‫ذلك"‪.‬‬
‫وعلق صاحب الظلل)‪ (35‬على ذلك‪" :‬وخلق الذباب مستحيل كخلق الجمل‬
‫والفيل لن الذباب يحتوي على ذلك السر المعجز سر الحياة فيستوي في‬
‫استحالة خلقه مع الجمل والفيل ولكن السلوب القرآني المعجز يختار الذباب‬
‫الصغير الحقير لن العجز عن خلقه يلقي في الحس ظل الضعف أكثر مما‬
‫دعي بأنه ليس هناك‬
‫يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل!" فلكل من ي ّ‬
‫خالق‪ ..‬أو أن هنالك طريقة للخلق غير الله عز وجل‪ ..‬فليخلق ذبابة‪ ..‬ولنطبق‬
‫ذلك على الداروينية‪:‬‬
‫‪ .1‬الذباب حشرة‪ ..‬ولم يوجد أي تطور في الحشرات!‬
‫‪ .2‬الذبابة تتغذى على أنواع مختلفة ‪ ..‬ولها أشكال مختلفة‪.‬‬
‫‪ .3‬الذبابة ذكر وأنثى‪ ..‬وتتناسل فكيف يفسر التطور ذلك!‬
‫‪ .4‬الذبابة حية ‪ ..‬تطير وتأكل وتتبرز وتموت‪ ..‬فما سر ذلك؟‪.‬‬
‫فهذه الحشرة الصغيرة لوحدها تؤكد بأن لها خالق وأنها حجة لمن يدعي‬
‫قا قول المولى عز وجل‪) :‬سنريهم آياتنا في الفاق‬
‫وجودها بالصدفة‪ ..‬وح ً‬

‫‪90‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وفي أنفسهم(‪.‬‬
‫‪ -8‬خلق النسان وخلق السموات والرض‪:‬‬
‫ُ‬
‫قا هل‬
‫وهذا يترك للقارئ للبحث والتفكر والتدبر للجابة‪ .‬من كل ما ذكر ساب ً‬
‫يمكن للنسان والسموات والرض أن تظهر لحيز الوجود بالصدفة‪ ،‬حتى‬
‫نطرح في تفكر آخر الدعوة لله من خللها‪.‬‬
‫الخلصة‪:‬‬
‫إن الدعوة لله تعالى بواسطة العلوم الطبيعية لها أثر في غاية الضرورة في‬
‫هذا العصر الذي يثق بالعلم ثقة كبيرة‪ ،‬ول ريب أن التجربة والبرهان لهي من‬
‫أصدق الدلة وأظهرها في إثبات الحقائق والقرار بها‪ ،‬ولهذا كان استخدام‬
‫الحجج القرآنية والبرهنة عليها من الهمية بمكان في هذا المضمار‪ ،‬ول شك‬
‫أن العلوم الطبيعية ول سيما علم الحياء‪ ،‬يمكنها أن تساهم مساهمة إيجابية‬
‫سا يومئ‬
‫في مسائل العقيدة والتوحيد‪ ،‬فهي التي تشكل مرتكًزا محسو ً‬
‫بالحقائق القرآنية ويدل على الرؤى العقدية عند المسلمين والتي يمكن‬
‫عبرها دحض دعوى الملحدين والمنكرين للخالق ووجوده‪.‬‬
‫‪---------‬‬‫)‪ (1‬الحديث‪ ،‬رواه البخاري‪.‬‬
‫)‪ (2‬رواه الترمذي‪.‬‬
‫)‪ (3‬سيد قطب‪ :‬تفسير القرآن العظيم‪.‬‬
‫)‪ (4‬الموسوعة المبشرة في الديان والمذاهب المعاصرة‪ ،‬ص ‪.211‬‬
‫)‪ (5‬موريس بكاي‪ :‬ما هو أصل النسان‪ ،‬ص ‪.34‬‬
‫)‪ (6‬عبد السيد الزبير‪ :‬كتاب اليمان بين العلم والقرآن‪ ،‬ص ‪.39‬‬
‫)‪ (7‬موريس بكاي‪ :‬ما أصل النسان‪ ،‬ص ‪.28‬‬
‫)‪ (8‬الظاهرة القرآنية‪.‬‬
‫)‪ (9‬وحيد الدين خان‪ :‬السلم يتحدى‪ ،‬مدخل علمى إلى اليمان‪.‬‬
‫)‪ (10‬الموسوعة الميسرة في الديان والمذاهب المعاصرة‪ ،‬ص ‪.217‬‬
‫ملخص إدريس وعلي موسى‪ :‬الكون والحياة‪ :‬من العدم حتى ظهور‬
‫)‪ُ (11‬‬
‫النسان‪.‬‬
‫معاصرة‪.‬‬
‫)‪ (12‬محمد شحرور‪ :‬الكتاب والقرآن‪ ،‬قراءة ُ‬
‫)‪ (13‬د‪ .‬كريم حسين‪ :‬الخلق بين العنكبوتية والداروينية والحقيقة القرآنية‪،‬‬
‫ص ‪.2001 ،263‬‬
‫)‪ (14‬تفسير القرآن العظيم لبن كثير‪ ،‬المجلد الثاني‪ ،‬ص ‪.700‬‬
‫)‪ (15‬في ظلل القرآن‪ ،‬الجزء الخامس ص ‪.2967‬‬
‫)‪ (16‬تفسير ابن كثير المجلد الثاني‪ ،‬ص ‪.538‬‬
‫)‪ (17‬في ظلل القرآن الجزء الرابع‪ ،‬ص ‪.1856‬‬
‫)‪ (18‬تفسير القرآن العظيم لبن كثير المجلد الول‪ ،‬ص ‪.388‬‬
‫)‪ (19‬في ظلل القرآن‪ ،‬الجزء الول‪ ،‬ص ‪.297‬‬
‫)‪ (20‬تفسير القرآن العظيم لبن كثير‪ ،‬المجلد الرابع‪.470 ،‬‬
‫)‪ (21‬في ظلل القرآن‪ ،‬الجزء الثالث‪ ،‬ص ‪.3642‬‬
‫)‪ (22‬موريس بكاي‪ :‬ما هو أصل النسان‪ ،‬ص ‪.74‬‬
‫)‪ (23‬تفسير القرآن العظيم لبن كثير‪ ،‬المجلد الثالث‪ ،‬ص ‪.371‬‬
‫)‪ (24‬في ظلل القرآن‪ ،‬الجزء الرابع‪ ،‬ص ‪.42‬‬
‫)‪ (25‬موريس بكاي‪ ،‬ما أصل النسان‪ ،‬ص ‪.42‬‬
‫)‪ (26‬تفسير القرآن العظيم لبن كثير‪ ،‬المجلد الرابع‪ ،‬ص ‪.597‬‬
‫)‪ (27‬في ظلل القرآن‪ ،‬الجزء الثالث‪ ،‬ص ‪.389‬‬
‫‪91‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪ (28‬تفسير القرآن العظيم لبن كثير‪ ،‬المجلد الرابع‪ ،‬ص ‪.321‬‬
‫)‪ (29‬في ظلل القرآن‪ ،‬الجزء السادس‪ ،‬ص ‪.3451‬‬
‫)‪ (30‬موريس بكاي‪ :‬ما هو أصل النسان‪ ،‬ص ‪.49‬‬
‫)‪ (31‬تفسير القرآن العظيم لبن كثير‪ ،‬المجلد الثالث‪ ،‬ص ‪.445‬‬
‫)‪ (32‬في ظلل القرآن‪ ،‬الجزء الخامس‪ ،‬ص ‪.2636‬‬
‫)‪ (33‬تفسير القرآن العظيم لن كثير‪ ،‬الجزء الثاني‪ ،‬ص ‪710‬‬
‫)‪ (34‬تفسير القرآن العظيم لبن كثير‪ ،‬الجزء الثاني‪ ،‬ص ‪.295‬‬
‫)‪ (35‬في ظلل القرآن‪.‬‬
‫* أستاذ وعميد كلية الطب بجامعة الرباط الوطني – السودان‬
‫)‪(14 /‬‬
‫إجراء عملية جراحية في رمضان‪ ،‬يمكن إرجاؤها‬
‫المجيب ‪ ...‬أ‪.‬د‪ .‬سعود بن عبدالله الفنيسان‬
‫عميد كلية الشريعة بجامعة المام محمد بن سعود السلمية سابقا ً‬
‫التصنيف ‪ ...‬الفهرسة‪ /‬كتاب الصيام‪ /‬صيام أهل العذار‪/‬صوم الكبير والمريض‬
‫التاريخ ‪24/8/1424 ...‬هـ‬
‫السؤال‬
‫أنا بحاجة لجراء عملية جراحية ضرورية وغير مستعجلة جدًا‪ ،‬ولكن بسبب‬
‫طبيعة عملي أفضل أن أجريها في رمضان‪ ،‬فهل لي ذلك؟ علما ً أنها توجب‬
‫علي الفطار في مدة العلج بعد العملية خلل الشهر‪ ،‬أفيدوني جزاكم الله‬
‫عنا خيرًا‪ ،‬والسلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪.‬‬
‫الجواب‬
‫الحمد لله وحده‪ ،‬والصلة والسلم على رسول الله‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫نعم يجوز لك أن تجري هذه العملية في رمضان ما دامت ضرورية لك في‬
‫هذا الشهر أو غيره ما دام التبكير بإجرائها في صالح عملك‪ ،‬وعليك قضاء ما‬
‫أفطرته من رمضان‪ ،‬ول عليك إثم ‪ -‬إن شاء الله ‪ ،-‬وإن استطعت تأجيل‬
‫العملية إلى ما بعد رمضان حتى تسلم من القضاء لهذه اليام التي أفطرتها ل‬
‫سيما وأنك ستفطر شهر رمضان كله فهو أحسن‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إجلس بنا نؤمن ساعة‬
‫مقدمة‬
‫لماذا نحتاج إلى التربية اليمانية ؟‬
‫الول ‪ :‬اليمان هو أفضل العمال‬
‫الثاني ‪ :‬اليمان مناط النجاة يوم القيامة‬
‫الثالث ‪ :‬تفاوت الناس يوم القيامة على أساس اليمان‬
‫الرابع‪ :‬اليمان يزيد وينقص‬
‫الخامس‪ :‬الدعوة في الشرع إلى تجديد اليمان وتعاهده‬
‫السادس ‪ :‬اليمان هو الزاد في مواجهة الشهوات‬
‫السابع ‪:‬اليمان هو المعين على التوبة‬
‫الثامن ‪:‬اليمان هو المعين على الثبات عند البتلء‬
‫التاسع ‪:‬اليمان هو زاد الداعية‬

‫‪92‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العاشر‪:‬اليمان هو الحل المثل لكثير من المشكلت التربوية‬
‫مقدمة‬
‫الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن‬
‫سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له‪ ،‬وأشهد‬
‫أن ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا ً عبده ورسوله ‪ ،‬أما‬
‫بعد‪:‬‬
‫فعنوان حديثنا الليلة‪) :‬اجلس بنا نؤمن ساعة( وهي مقولة لمعاذ رضي الله‬
‫عنه كان يقولها لصحابه‪ ،‬وهو حديث عن التربية اليمانية وحاجتنا إليها‪ ،‬وهو‬
‫ليس خطابا ً للمربين والموجهين وحدهم؛ فالتربية أعم وأشمل من أن تكون‬
‫قاصرة على مايتلقاه المرء من الخرين؛ فتربية النسان لنفسه ورعايته لها‬
‫جزء من أداء المسؤولية الفردية التي حمله الله إياها‪) ،‬ل تزر وازرة وزر‬
‫أخرى(‪) ،‬وأن ليس للنسان إل ما سعى(‪) ،‬ونرثه ما يقول ويأتينا فردًا( )إن‬
‫كل من في السماوات والرض إل آت الرحمن عبدا ً * لقد أحصاهم وعدهم‬
‫عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا( ‪.‬‬
‫هذه النصوص وغيرها تقرر المسؤولية الفردية‪ ،‬وأن كل إنسان مسؤول عن‬
‫خاصة نفسه في عمله وسلوكه وحياته‪ ،‬ثم هو نتيجة هذه المسؤولية‬
‫سيحاسب وحده‪ ،‬وسيلقى الله عز وجل وحده‪.‬‬
‫هذا مدخل بين يدي هذا الموضوع حتى ل نتصور أن الموضوع ل يعنينا بدرجة‬
‫مهمة أو أن الموضوع إنما يخص المربين‪ ،‬ذلك أنه وإن كان المربون لهم‬
‫نصيب من هذا الحديث ‪ ،‬إل أننا يجب أن نقوم بتربية أنفسنا وندرك مسؤوليتنا‬
‫تجاه أنفسنا‪ ،‬وينبغي أن يراجع كل منا نفسه ويشعر أنه وإن رزقه الله من‬
‫يحسن تربيته وتوجيهه‪ ،‬وصار قدوة له أن ذلك ل يعفيه من المسؤولية عن‬
‫نفسه بأن يجتهد في تربيتها وإصلحها‪ ،‬وأن يتعرف على السباب والوسائل‬
‫التي تعينه على التربية السليمة لنفسه ‪.‬‬
‫التربية معشر الشباب لها جوانب عده‪ ،‬التربية إنما تسعى لكتمال شخصية‬
‫النسان‪ ،‬وأن تكون هي الشخصية المسلمة التي تمتثل بأمر الله عز وجل‬
‫وتنتهي عما نهى الله تبارك وتعالى عنه‪ ،‬ول شك أن النفس لها جوانب‬
‫متعددة باعتبار أنها تسعى إلى تكميل النفس‪ ،‬وتسعى إلى الرقي بها‬
‫فالنسان يحتاج إلى أن يربي نفسه في ميدان التعلم وطلب العلم وتحصيله‪،‬‬
‫ويحتاج إلى أن يربي نفسه في ميدان الخلق والسلوك‪ ،‬والتعامل مع الناس‪،‬‬
‫ويحتاج إلى أن يربي نفسه في ميدان العمل والبذل والعطاء في ميادين‬
‫كثيرة‪ ،‬وهكذا فالتربية لتقف عند جانب واحد‪.‬‬
‫ومن أهم هذه الجوانب وآكدها التربية اليمانية‪ ،‬وقد آثرنا استخدام هذا‬
‫المصطلح لنه هو المصطلح الذي يربط الناس باللفاظ الشرعية‪ ،‬باليمان‬
‫الذي دلت عليه النصوص المتظافرة المتواترة‪ ،‬فأنت عندما تقرأ في كتاب‬
‫الله عز وجل أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم كم تتكرر لديك كلمة اليمان‪،‬‬
‫وصف الناس باليمان‪ ،‬أو وصفهم بانتفاء اليمان عنهم‪ ،‬أو الدعوة لليمان أو‬
‫بيان أثر اليمان ونتيجته وثمرته‪ ،‬ل يكاد يخطئك ذلك في أي آية من كتاب الله‬
‫عز وجل تقرؤها‪ ،‬أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬بل كل ذلك إنما مداره‬
‫على اليمان لن المر الذي يؤمر به المرء أو الذي ينهى عنه من حكم أو‬
‫خلق أو سلوك‪ ،‬والوعد والوعيد والخبار عن الهالكين والناجين‪ ،‬كل ذلك‬
‫مرتبط بدائرة اليمان فحين يؤمر المرء بأمر فإنه يؤمر بمقتضى اليمان‬
‫ونتيجته‪ ،‬وحين ينهى عن أمر فإنه ينهى عن ذلك بمقتضى إيمانه‪ ،‬وحين يأتي‬
‫إخبار الله عز وجل عما أعد للصالحين الصادقين فإن هذا إخبار عن جزاء أهل‬
‫‪93‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫اليمان وثمرة اليمان‪ ،‬وحين يخبر تبارك وتعالى عن عذاب المعرضين‬
‫الغافلين فهو إخبار عن عذاب أولئك الذين تنكبوا طريق اليمان وضلوا عنه‪،‬‬
‫وقصص الولين والخرين هي أيضا ً قصص أولئك الذين أعرضوا عن اليمان‪،‬‬
‫أو استجابوا لليمان )فلول كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إل قوم يونس لما‬
‫آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا( ‪،‬فما قص الله عز وجل‬
‫إنما هو قرية آمنت فجازاها الله عز وجل بجزاء المؤمنين في الدنيا والخرة‪،‬‬
‫أو قرية أعرضت عن اليمان فعاقبها الله عز وجل وأخذها نكال الدنيا ونكال‬
‫الخرة‪.‬‬
‫آثرنا أن نستعمل هذا المصطلح و أن نتحدث حول هذا اللفظ لنه المصطلح‬
‫الذي جاء الشرع به ودلت عليه في نصوص القرآن والسنة‪ ،‬وتواترت نصوص‬
‫السلف في الحديث حول هذا المر كما سيأتي شيء من ذلك ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وقد يستعمل الناس مصطلحات كالتربية الروحية أو غيرها وهي جوانب‬
‫بعضها إما هو موروث من أهل التصرف‪ ،‬أو موروث من النصارى‪ ،‬أو هو لفظ‬
‫مستحدث‪ ،‬وكلما اقتربنا والتزمنا باللفاظ الشرعية كان ذلك أولى ‪.‬‬
‫لماذا نحتاج إلى التربية اليمانية ؟‬
‫يكاد يكون حديثنا هذه الليلة منحصرا ً في الجابة عن هذا السؤال‪ ،‬إننا نحتاج‬
‫للتربية اليمانية لجملة أمور‪ ،‬منها‪:‬‬
‫الول‪ :‬اليمان هو أفضل العمال‪:‬‬
‫عن أبي هريرة ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬أن رسول الله ) سئل أي العمل أفضل؟‬
‫فقال‪" :‬إيمان بالله ورسوله" قيل‪ :‬ثم ماذا؟ قال‪" :‬الجهاد في سبيل الله"‬
‫قيل‪ :‬ثم ماذا؟ قال‪" :‬حج مبرور" متفق عليه‪.‬‬
‫وعن أبي ذر رضي الله عنه قال سألت النبي ‪ r‬أي العمل أفضل؟ قال‪:‬‬
‫"إيمان بالله وجهاد في سبيله" قلت‪ :‬فأي الرقاب أفضل؟ قال‪" :‬أعلها ثمنا ً‬
‫وأنفسها عند أهلها…" متفق عليه‪.‬‬
‫وعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة أنه سمعه يحدث عن رسول الله ‪r‬‬
‫أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله واليمان بالله أفضل‬
‫العمال‪ .‬رواه مسلم‪.‬‬
‫ولو استعرضت ما أجاب به صلى الله عليه وسلم أولئك الذين سألوه عن‬
‫أفضل العمال لوجدت أن هذه الجابات ‪-‬مع اختلفها وتنوعها حسب تنوع‬
‫حال السائل‪ -‬إل أنها كلها مدارها على اليمان؛ فجعل صلى الله عليه وسلم‬
‫أفضل هذه العمال هو اليمان بالله عز وجل ‪.‬‬
‫وحين جاء وفد عبد قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا ‪ :‬يا رسول‬
‫الله لقد حال بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر فل نصل إليك إل في الشهر‬
‫الحرام فمرنا بأمر فصل نأمر به من وراءنا‪ ،‬قال صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫آمركم بأربع‪ ،‬وأنهاكم عن أربع قال ‪ :‬آمركم باليمان بالله وحده‪ ،‬أتدرون ما‬
‫اليمان ؟ ثم ذكر صلى الله عليه وسلم شيئا ً من شرائع اليمان ‪ .‬والمقصود‬
‫أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله هذا الوفد أن يأمرهم بأمر فصل‬
‫ن وراَءهم إذ هم‬
‫حين سأله هؤلء أن يبين لهم أمرا ً يستغنون به ويعلمون به َ‬
‫م ْ‬
‫ل يستطيعون أن يصلوا إليه إل في الشهر الحرام أمرهم صلى الله عليه‬
‫وسلم باليمان بالله وحده ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬اليمان مناط النجاة يوم القيامة‪:‬‬

‫‪94‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عن أبي هريرة ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬قال‪ :‬قال رسول الله ‪":r‬ل تدخلون الجنة‬
‫حتى تؤمنوا‪ ،‬ول تؤمنوا حتى تحابوا‪ ،‬أول أدلكم على شيء إذا فعلتموه‬
‫تحاببتم؟ أفشوا السلم بينكم"رواه مسلم‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬تفاوت الناس يوم القيامة على أساس اليمان‪:‬‬
‫وهذا التفاوت له ميادين منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬تفاوت الناس على الصراط على أساس اليمان‪ ،‬فهم يؤتون نورا ً على قدر‬
‫إيمانهم )يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم(‪.‬‬
‫والله عز وجل أمر عباده في الدنيا أن يسيروا على صراطه المستقيم‪،‬‬
‫فيقول تبارك وتعالى آمرا ً إياهم بسؤاله الهداية ‪):‬اهدنا الصراط المستقيم( ‪،‬‬
‫)وأن هذا صراطي مستقيما ً فاتبعوه ول تتبعوا السبل( فأمر الله عز وجل‬
‫الناس أن يسيروا على الصراط المستقيم في الدنيا‪ ،‬والمرء ل يستطيع أن‬
‫يبصر الصراط إل بالنور؛ فيبصر الصراط المستقيم في الدنيا بنور اليمان‬
‫فكلما قوي إيمان المرء في الدنيا أعطاه الله عز وجل بصيرة يبصر بها‬
‫الصراط أمامه حتى ل يضل ول يزيغ؛ فيصبح يرى الطريق أمامه واضحا ً جليا ً‬
‫وإنما يلبس على المرء ويضل بسبب إعراضه كما قال تبارك وتعالى )ونقلب‬
‫أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون *‬
‫ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قب ً‬
‫ل(‬
‫إلى آخر اليات ‪.‬‬
‫ويوم القيامة ي ُعْ َ‬
‫طى نورا ً على الصراط في الدار الخرة كما أعطي هذا النور‪،‬‬
‫فعلى قدر إيمانه وسيره على الصراط المستقيم في الدنيا ُيؤَتى نورا ً يوم‬
‫القيامة‪ ،‬وعلى قدر ثباته على صراط الدنيا يكون ثباته على الصراط يوم‬
‫القيامة‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تفاضل أهل الجنة فيما بينهم على أساس اليمان ‪ .‬فعن أبي سعيد‬
‫الخدري رضي الله عنه أن النبي ‪ r‬قال ‪" :‬إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف‬
‫من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الفق من المشرق أو‬
‫المغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬تلك منازل النبياء ل يبلغها‬
‫غيرهم‪ ،‬قال‪" :‬بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا‬
‫المرسلين"رواه مسلم‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تفاوت العصاة من الموحدين في النار مرتبط باليمان ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫عن معبد بن هلل العنزي قال اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس‬
‫بن مالك –رضي الله عنه‪ -‬وذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث‬
‫الشفاعة‪ ،‬فإذا هو في قصره فوافقناه يصلي الضحى‪ ،‬فاستأذنا فأذن لنا وهو‬
‫قاعد على فراشه‪ ،‬فقلنا لثابت‪ :‬ل تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة‪،‬‬
‫فقال يا أبا حمزة هؤلء إخوانك من أهل البصرة جاءوك يسألونك عن حديث‬
‫الشفاعة‪ ،‬فقال‪ :‬حدثنا محمد ‪ r‬قال‪ " :‬إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم‬
‫في بعض فيأتون آدم‪...‬الحديث‪ ،‬وفيه‪ :‬فأقول يا رب أمتي أمتي‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل‪،‬‬
‫خّر له ساجدًا‪ ،‬فيقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬ارفع‬
‫ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أ َ ِ‬
‫مع لك‪ ،‬وسل تعط‪ ،‬واشفع تشفع‪ ،‬فأقول‪ :‬يا رب أمتي أمتي‬
‫رأسك‪ ،‬وقل ي ُ ْ‬
‫س َ‬
‫فيقول انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان‬
‫فأخرجه‪ ،‬فأنطلق فأفعل‪ ،‬ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا‪،‬‬

‫‪95‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فيقول‪ :‬يا محمد‪ ،‬ارفع رأسك‪ ،‬وقل يسمع لك‪ ،‬وسل تعط‪ ،‬واشفع تشفع‪،‬‬
‫فأقول‪ :‬يا رب أمتي أمتي‪ ،‬فيقول‪ :‬انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى‬
‫أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل" رواه‬
‫البخاري‪.‬‬
‫وفي حديث الشفاعة الطويل‪..." :‬فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد‬
‫تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم‪،‬‬
‫يقولون‪ :‬ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا‪ ،‬ويصومون معنا‪ ،‬ويعملون معنا‪ ،‬فيقول‬
‫الله تعالى‪ :‬اذهبوا‪ ،‬فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه‪،‬‬
‫ويحرم الله صورهم على النار‪ ،‬فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه‪،‬‬
‫وإلى أنصاف ساقيه‪ ،‬فيخرجون من عرفوا‪ ،‬ثم يعودون‪ ،‬فيقول‪ :‬اذهبوا فمن‬
‫وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه‪ ،‬فيخرجون من عرفوا‪ ،‬ثم‬
‫يعودون‪ ،‬فيقول‪ :‬اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه‪،‬‬
‫فيخرجون من عرفوا‪ "..‬متفق عليه‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬اليمان يزيد وينقص‪:‬‬
‫من عقيدة أهل السنة أن اليمان يزيد وينقص وأن أهله يتفاضلون فيه‪،‬‬
‫والدلة على ذلك مشهورة‪ ،‬قال المام البخاري في صحيحه ‪ :‬كتاب اليمان‪،‬‬
‫باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بني السلم على خمس‪ ،‬وهو قول‬
‫وفعل يزيد وينقص قال تعالى‪):‬ليزدادوا إيمانا ً مع إيمانهم( ‪) ،‬ويزيد الله الذين‬
‫اهتدوا هدى( ‪) ،‬والذين اهتدوا زادهم هدا ً وآتاهم تقواهم( ‪)،‬ويزداد الذين آمنوا‬
‫إيمانًا( وقوله‪) :‬أيكم زادته هذه إيمانًا( وقوله جل ذكره ‪):‬فاخشوهم فزادهم‬
‫إيمانًا( وقوله تعالى‪):‬فما زادهم إل إيمانا ً وتسليمًا( ثم حين أورد هذه اليات‬
‫نقل القول بذلك عن أبي القاسم الللكائي في السنة عن الشافعي وأحمد‬
‫وإسحاق وأبي عبيدة وأيضا ً قال رحمه الله لقيت أكثر من ألف رجل من‬
‫العلماء بالمصار فما رأيت أحدا ً يختلف في أن اليمان قول وعمل ويزيد‬
‫وينقص‪.‬‬
‫وينبني على مسألة زيادته ونقصه مسألة أخرى وهي تفاضل أهل اليمان فيه‬
‫فإذا كان يزيد وينقص فهذا يعني أن أهله يتفاضلون فيه كما في الصحيحين‬
‫من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫ي وعليهم قمص منها ما‬
‫عليه وسلم‪ " :‬بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عل ّ‬
‫يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك ورأيت عمر بن الخطاب عليه قميص يجره "‬
‫وب على هذا الحديث‬
‫قالوا ‪ :‬فما أولت ذلك يا رسول الله‪ ،‬قال‪" :‬الدين "‪.‬وب ّ‬
‫الحافظ ابن مندة في كتابه اليمان باب ذكر ما يدل على أن المؤمنين‬
‫يتفاضلون في اليمان وفضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال‪ :‬هذا‬
‫حديث مجمع على صحته‪.‬‬
‫المقصود إذا ً أن من المور المقررة عند أهل السنة أن اليمان يزيد وينقص‬
‫وأن أهله يتفاضلون فيه‪ ،‬وهذا يدعو النسان إلى أن يحرص على زيادة إيمانه‬
‫قدر المكان ويحرص إذا علم أن أهل اليمان يتفاضلون فيه أن يسعى إلى أن‬
‫يصعد إلى المراتب العالية في هذا اليمان‪ ،‬وفي المقابل أيضا ً أن يحمي‬
‫إيمانه من أن يصيبه النقص ‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬الدعوة في الشرع إلى تجديد اليمان وتعاهده‪:‬‬
‫روى الحاكم والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله‬
‫عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬إن اليمان ليخلق في جوف‬
‫أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله تعالى أن يجدد اليمان في قلوبكم" ‪.‬‬
‫وروى ابن أبي شيبة في اليمان وعبد الله بن المام أحمد في السنة عن‬
‫‪96‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال‪ :‬القلوب أربعة ‪ :‬قلب أجرد كأنما فيه‬
‫سراج يزهر فذلك قلب المؤمن‪ ،‬وقلب أغلف فذلك قلب الكافر‪ ،‬وقلب‬
‫مصفح فذلك قلب المنافق‪ ،‬وقلب فيه إيمان ونفاق‪ ،‬ومثل اليمان فيه كمثل‬
‫شجرة يسقيها ماء طيب ومثل النفاق فيه كمثل قرحة يمدها قيح ودم فأيهما‬
‫غلب عليه غلبه ‪ .‬هذا روي عن حذيفة موقوفا ً عليه‪ ،‬وقد رواه بعضهم مرفوعا ً‬
‫إلى النبي صلى الله عليه وسلم والموقوف أصح ‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫وروى ابن أبي شيبة في اليمان عن علقمة أنه كان يقول لصحابه ‪ :‬امشوا‬
‫بنا نزدد إيمانا‪ ،‬وروى أيضا ً ابن أبي شيبة في اليمان والمام أحمد وأبو عبيدة‬
‫في اليمان والبخاري تعليقًا‪ ،‬وصحح ذلك الحافظ ابن حجر عن معاذ رضي‬
‫الله عنه أنه قال ‪ :‬اجلس بنا نؤمن ساعة ‪ .‬يعني نذكر الله تعالى ‪.‬‬
‫وروى عن أسود بن هلل قال ‪ :‬كان معاذ يقول للرجل من إخوانه ‪ :‬اجلس بنا‬
‫نؤمن ساعة‪ ،‬فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه على كل حال ‪.‬‬
‫والنصوص كثيرة في الدعوة إلى تجديد اليمان وتعاهده في النفوس‪ ،‬وقد‬
‫صنف السلف في ذلك كتبا ً خاصة في اليمان‪ ،‬والمقصود أن هذه الدعوة‬
‫سواًء ما خاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته وأمرهم أن يسألوا الله‬
‫عز وجل أن يجدد اليمان في قلوبهم وأن يزيدهم‬
‫إيمانا ً ‪ ,‬أو ما ورد عن سلف المة هذا يدعونا إلى أن نسعى إلى تعاهد اليمان‬
‫في نفوسنا وزيادته في قلوبنا‪.‬‬
‫وهو أيضا ً يدفع ويدعو من يتولى التربية أن يجعل هذه القضية من أهم‬
‫القضايا ومن الولويات التي يتربى عليها الجيل والناشئة‪ ،‬ولعلنا نتساءل ونحن‬
‫قد سمعنا هذه النصوص عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أن‬
‫أحدهم كان يقول لصاحبه اجلس بنا نؤمن ساعة أو يقول امشوا بنا نزدد‬
‫إيمانًا‪ ..‬كم هي المجالس التي نجلسها مع إخواننا؟ وكم يستغرق حديثنا عن‬
‫هذه القضايا من وقتنا‪ ،‬وهل نحن حين نجلس مثل هذه المجالس يذ ّ‬
‫كر بعضنا‬
‫بعضا ً في قضايا اليمان والخوف من الله عز وجل ونسعى إلى أن تكون هذه‬
‫المجالس تزيدنا إيمانًا؟ أو بعبارة أخرى أحدنا كثيرا ً ما يلقى أخاه في الله فأّيا‬
‫كان هذا اللقاء فهل هو يشعر حين يلقاه ويتحدثان أنهما يزدادان إيمانا؟ أو أنه‬
‫يلقاه كما يلقى غيره‪ ،‬بل ربما كانت بعض المجالس إنما هي مدعاة لقسوة‬
‫القلب والبعد عن الله تبارك وتعالى‪ .‬وليس بالضرورة أن يكون الحديث في‬
‫قضايا اليمان والخوف من الله عز وجل ‪ ،‬موعظة يلقيها إنسان بعد الصلة‪،‬‬
‫أو مجلس علم يحضره‪ ،‬ليس بالضرورة هذا ول ذاك‪ ،‬فأنت تتحدث مع أخيك‬
‫في مجلس أو في سيارة أو حتى في الهاتف أو هنا وهناك‪ -‬أيا كان هذا‬
‫المجلس‪-‬هل يسمع أحدكم من أخيه وصية أو تذكيرا ً بالله عز وجل فيزداد‬
‫بعضنا إيمانا ً من ذلك؟ وإذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا‬
‫جلسوا تواصوا وزاد إيمانهم وهم منهم في اليمان والصلح والتقوى فغيرهم‬
‫من باب أولى‪.‬‬
‫السادس‪ :‬اليمان هو الزاد في مواجهة الشهوات‬
‫ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‪ :‬سبعة يظلهم الله في ظله يوم ل‬
‫ظل إل ظله‪ ،‬وذكر منهم‪ :‬رجل دعته امرأة إلى نفسها فقال‪ :‬إني أخاف الله‬
‫عز وجل‪ ،‬فالذي منعه من مواقعة ما حرم الله تبارك وتعالى خوفه من الله‬
‫عز وجل وإيمانه بالله تبارك وتعالى‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وقال تعالى )زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير‬
‫المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والنعام والحرث ذلك متاع‬
‫الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب( فيخبر تبارك وتعالى أن الشهوات قد‬
‫زينت للناس وهذا‪ ،‬في أصل الفطرة بل مثيرات‪ ،‬فما بالكم بهذا العصر الذي‬
‫نعيشه وقد فتحت فيه البواب على مصراعيها‪ ،‬وصارت الشهوات تلحق‬
‫الشاب‪ ،‬وتلحق الفتاة‪ ،‬وتلحق الصغير والكبير في السوق والشارع بل حتى‬
‫في المنزل‪ ،‬وصار الناس يشتكون من جحيم هذه الشهوات وآثارها وكيف أنها‬
‫تصرف الكثير عن طاعة الله عز وجل وتجرف الكثير وربما كانت سببا ً في‬
‫النحراف والغواية عافانا الله عز وجل وإياكم من ذلك‪ ،‬ولو تأملت حال الكثير‬
‫ممن ضلوا وتنكبوا الطريق لوجدت أنهم إنما أتوا من قبل هذا الباب ومن هذا‬
‫المدخل ‪ .‬ويتساءل ما العلج وما الحل الن أمام هذا السيل الجارف من‬
‫الشهوات‪ ،‬التي صار النسان ل يكاد يستطيع أن يمنع أبناءه عنها ول يستطيع‬
‫المصلحون في المجتمع أن يمنعوا الناس من مقارفتها ول من رؤيتها‪ ،‬سواء‬
‫مايعرض على الشاشة أو في المجلت أو في الصحف؟حتى لو عوفي‬
‫النسان من هذا كله ولم تتهيأ له في منزله‪ ،‬فإن الشاب قد ل يعدم أن يحدثه‬
‫زميله في الفصل عن شيء من ذلك أو يدله عليه‪.‬‬
‫فالمقصود أن هذه الشهوات أصبحت مشكلة الجميع‪ ،‬سواء أكان الشاب‬
‫نفسه الذي يخاف على نفسه هذه الشهوات وآثارها‪ ،‬أم الب الذي يخاف‬
‫على أبنائه‪ ،‬أم الم التي تخاف على أولدها‪ ،‬أم الستاذ والمربي الذي يخاف‬
‫على هذا النشء الذي تعاهده في التربية والصلح‪ ،‬يخاف أن تجرفه هذه‬
‫السيول فتفسد في لحظات ما بناه هو في دهور وسنوات‪ ،‬صارت مشكلة‬
‫فعل ً يعاني منها الكثير ويتساءلون ما الحل ؟‬
‫)‪(4 /‬‬
‫الحل في اليمان‪ ،‬الحل في تربية التقوى في النفوس‪ ،‬اليمان الذي يجعل‬
‫الشاب ويجعل الفتاة يعرضان عن أبواب هذه الشهوات وطرقها‪ ،‬الذي يجعله‬
‫يغض بصره ابتداًء‪ ،‬الذي يجعله يشعر أن لديه قضية أكبر من قضية الشهوة‪،‬‬
‫فبدل أن يفكر في الشهوة‪ ،‬وبدل أن تسيطر عليه صار مشغول ً بالله والدار‬
‫الخرة‪ ،‬صار مشغول ً بالسعي لزيادة اليمان وتحقيق تقوى الله عز وجل ‪،‬‬
‫مشغول ً بعيوب نفسه ومعاصيها وكيف يصلح نفسه‪ ،‬همه الشوق إلى لقاء‬
‫الله عز وجل‪ ،‬وأنسه بذكر الله تبارك وتعالى وتلوة كتابه وعبادته تبارك‬
‫وتعالى‪ ،‬فصار لسان حاله يقول للناس –وهو يراهم صرعى الشهوات ‪ :-‬يا‬
‫قوم أنتم في واد ٍ وأنا في واد‪ ،‬لكم هم ولي هم آخر‪.‬‬
‫فحين يقوى اليمان في النفس تصبح هذه حالة الشاب وهذا لسان حاله‪،‬‬
‫فيكون هذا بإذن الله عاصما ً له وحاميا ً له حتى لو أتته الشهوات تسعى إليه‬
‫فإنه يعرض عنها ويصبح ويقول كما حكى صلى الله عليه وسلم عن الذي‬
‫تعرضت له الفتنة ‪ :‬إني أخاف الله عز وجل‪ ،‬وكما قال تبارك وتعالى عن‬
‫يوسف عليه السلم ‪):‬معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي(‪.‬‬
‫ً‬
‫إننا نعيش اليوم مرحلة عمت فيها فتن الشهوات‪ ،‬وأصبحت تؤرق كثيرا من‬
‫الصالحين ويخشون من أثرها‪ ،‬وهذا مدعاة لن نراجع برامجنا التربوية‪ ،‬وأن‬
‫يتساءل المربون علم يربى الناس وعلم تربى المة الن؟‬
‫المليين من المسلمين يرون أبواب الشهوات مفتوحة أمامهم‪ ،‬ويرون أبواب‬
‫ة أمامهم فماذا يتلقون من الزاد في‬
‫الفتن والضلل بكل ألوانه مشرع ً‬

‫‪98‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مواجهتها؟ ماذا يتلقى الطلب في مدارسهم ؟ وماذا تتلقى الطالبات في‬
‫مدارسهن ؟ هل يتلقون ويتعلمون ما يربي اليمان في النفوس‪ ،‬وما يقوي‬
‫اليمان‪ ،‬ويصل بالله عز وجل؟‬
‫ماذا يسمع هؤلء في وسائل العلم ؟ وماذا يقرؤون في الصحف التي يرونها‬
‫صباح مساء ؟ ما مدى اعتناء وسائل التوجيه التي تخاطب الناس وتحدث‬
‫المليين بتربية اليمان والتقوى في النفوس؟‬
‫فإذا كانت المة جادة في الصلح‪ ،‬وإذا كان شأن الدين والعقيدة قضية يعني‬
‫المة فعل ً فيجب أن توجه وسائل التربية والتوجيه في المة إلى غرس‬
‫اليمان في النفوس‪ ،‬وإلى توجه وسائل التربية والتوجيه كلها في المجتمع‬
‫لتحقيق هذه القضية‪ ،‬وماذا تريد المة من إنسان متعلم مثقف لكن قلبه خواء‬
‫من اليمان بالله عز وجل وتقواه ؟ وماذا تريد المة من فتاة متعلمة لكنها ل‬
‫تخشى الله عز وجل طرفة عين ؟‬
‫وهذا يدعو الب أيضا ً إلى أن يعيد النظر في وسائل تربيته لبنائه‪ ،‬وأن يدرك‬
‫أن القضية ل تنتهي عند حد أمر أبنائه بالصلة‪ ،‬ونهيهم عن مصاحبة جلساء‬
‫السوء‪ ،‬ل تقف عند أمرهم بالطاعة ونهيهم عن المعصية‪ ،‬بل هو يحتاج إلى‬
‫أن يجعل جو البيت جو إيمان‪ ،‬يجعل البيت ُيرّبى على اليمان والصلح‬
‫والتقوى‪ ،‬إذا كان ابنه يخرج في الشارع فيرى مظاهر الغراء والثارة وما‬
‫يدعو للفساد‪ ،‬ثم يأتي للبيت فل يرى إل المجلة أو ما تعرضه الشاشة‪ ،‬أو هو‬
‫على أحسن الحوال ل يجد في البيت ما يزيده إيمانا ً وتقوى‪ ،‬وإذا كان والده‬
‫صالحا ً وكانت أمه صالحة فإنه لن يجد منهم إل مجرد المر والنهي فقط‪.‬‬
‫والمربون الذين يتولون تربية الشباب هم الخرون بحاجة إلى مزيد مراجعة‪،‬‬
‫وأن ينظروا أين تقف التربية اليمانية في سلم الولويات التربوية لديهم؟ هل‬
‫هي مهمة وأساسية أم ل ؟‬
‫إن العناية بهذا الجانب وإعطاءه الولوية يختصر عليهم مراحل طويلة‪،‬‬
‫ويحمي هذا النشء من مؤثرات كثيرة‪.‬‬
‫وهذا يدعو الشاب نفسه إلى أن يتعاهد نفسه وهو يشعر بالخطر الداهم الذي‬
‫يحاصره ويهدده‪ ،‬يدعوه إلى أن يرى أن من مسؤوليته تجاه نفسه أن يتعاهد‬
‫اليمان في نفسه وأن يحرص على زيادة اليمان وتربيته في نفسه‪ ،‬وأن‬
‫يشعر أنه إن خسر ووقع في براثن الشهوات أو الشبهات خسر إيمانه وخسر‬
‫دنياه وآخرته وهي قضية ل تحتمل المخاطرة أبدا ً ‪.‬‬
‫السابع ‪ :‬اليمان هو المعين على التوبة‪:‬‬
‫سه في المعصية في حالة ضعف أو غفلة واستيلء‬
‫قد ُتوِقع النسا َ‬
‫ن نف ُ‬
‫الشيطان عليه‪ ،‬فإذا كان قد تربى على اليمان وعلى التقوى لله عز وجل‬
‫فإنه سرعان ما يستفيق ويبادر بالتوبة )وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة‬
‫عرضها السماوات والرض أعدت للمتقين* الذين ينفقون في السراء‬
‫والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين*‬
‫والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم( إذا ً‬
‫هذه حال المتقين‪ ،‬إذا وقعوا في معصية أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله عز‬
‫وجل فتجاوزا هذه المعصية‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫وفي آية أخرى يقول تبارك وتعالى ‪):‬إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من‬
‫الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون *وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم ل‬

‫‪99‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يقصرون( فالمتقون قد يصيبهم طائف من الشيطان‪ ،‬وقد يسول لهم‬
‫الشيطان فيوقعهم في أمر محرم أو تقصير في واجب شرعي‪ ،‬لكن هذا‬
‫اليمان والتقوى في نفوسهم سرعان ما يدعوهم إلى التوبة والرجوع إلى‬
‫الله عز وجل والزدياد من الحسنات؛ فيزدادوا إيمانا ً بعد إيمانهم ويعملوا من‬
‫الطاعات أضعاف ما عملوا من السيئات حتى يكون ذلك مدعاة لتطهير‬
‫أنفسهم من السيئات ورجسها وزيادة إيمانهم بعد ذلك‪.‬‬
‫إذا ً فصاحب اليمان حتى لو واقع المعصية فإنه أقرب الناس وأدعاهم إلى‬
‫المبادرة بالتوبة والقلع والستغفار منها‪.‬‬
‫الثامن ‪ :‬اليمان هو المعين على الثبات عند البتلء‬
‫أخبر الله تعالى أن من لوازم اليمان أن ُيبتلى النسان ‪):‬أحسب الناس أن‬
‫يتركوا أن يقولوا آمنا وهم ل يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله‬
‫الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين( ‪)،‬ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي‬
‫في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله( وتأمل كيف جاء التعبير في الية )من‬
‫يقول آمنا( فلم يقل من يؤمن بالله لنه لو آمن بالله حق اليمان لما حصل‬
‫له هذا المر‪ ،‬كما قال هرقل لبي سفيان ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬حين سأله عن‬
‫أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال‪ :‬هل يرتد أحد من أصحابه سخطة‬
‫لدينه؟ قال ‪ :‬ل‪ ،‬قال ‪ :‬كذلك اليمان إذا خالطت بشاشته القلوب ل تفارقه‬
‫أبدًا‪.‬‬
‫والذي يعين النسان على الثبات بإذن الله عند البتلء وعند الغراء إنما هو‬
‫اليمان بالله عز وجل‪ ،‬وأولئك الذين يعبدون الله على حرف هم أسرع الناس‬
‫استجابة لداعي الفتنة والغراء )ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن‬
‫أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والخرة‬
‫ذلك هو الخسران المبين( ‪.‬‬
‫التاسع ‪ :‬اليمان هو زاد الداعية‪:‬‬
‫إن الداعية إلى الله عز وجل وطالب العلم هم أحوج الناس إلى التربية‬
‫اليمانية‪ ،‬ولماذا الداعية وطالب العلم بالذات؟‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬لن اليمان بالله هو المعين على أمور الدعوة‪ ،‬فقد كان النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم قبل أن يأتيه الوحي يتحنث في غار حراء ويتعبد الليالي ذات‬
‫العدد‪ ،‬فكان يحتاج إلى الصلة بالله عز وجل واليمان به تبارك وتعالى حتى‬
‫يكون ذلك خير معين له على القيام بأعباء هذه الدعوة‪.‬‬
‫وحين أتاه الوحي شرع الله له الجتهاد في العبادة والطاعة )يا أيها المزمل *‬
‫قم الليل إل قليل ً * نصفه أو انقص منه قليل ً * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيل ً‬
‫* إنا سنلقي عليك قول ً ثقي ً‬
‫ل( هذا المر بقيام الليل والجتهاد بالطاعة لنه‬
‫ً‬
‫قى عليه قول ً ثقيل ً ‪) ،‬إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قي ً‬
‫ل(‪.‬‬
‫سي ُل ْ َ‬
‫ثانيا ً ‪:‬لن الداعي إلى الله عز وجل وطالب العلم عرضة للفات‪ ،‬عرضة‬
‫للعجاب بالنفس‪ ،‬عرضة للرياء‪ ،‬وعرضة لن يسير وراء بريق الشهوة‪ ،‬والذي‬
‫يعينه ويحميه من ذلك هو اليمان بالله عز وجل‪ ،‬فاليمان يشعره بأن كل ما‬
‫يقدمه إنما هو لله عز وجل ‪ ،‬والذي يجعله يشعر بذنوبه وتقصيره في جنب‬
‫الله سبحانه‪ ،‬والذي يجعله يشعر بأن ما قدم لن ينجيه إل برحمة الله تبارك‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬أن الداعية يدعو الناس لليمان بالله عز وجل‪ ،‬وإذا كان المرء فاقدا ً‬
‫لشيء كيف يستطيع أن يعطيه‪ ،‬وإذا كان يحتاج أن يربي الناس على اليمان‬
‫بالله عز وجل وتقواه وهو فاقد لليمان والتقوى‪ ،‬وإذا كان يريد أن ينهى‬
‫الناس عن معاصي الله عز وجل ‪ ،‬ويأمرهم بتقواه وهو يعاني من الجفاء في‬
‫‪100‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قلبه‪ ،‬يعاني من الضعف في إيمانه‪ ،‬يعاني من الخور في هذا الجانب فكيف‬
‫يستطيع أن يحقق هذا المر ؟ )أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم‬
‫تتلون الكتاب( ‪)،‬يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مال تفعلون * كبر مقتا ً عند‬
‫الله أن تقولوا مال تفعلون( ‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬أن الذي يدعو إلى الله عز وجل هو أكثر الناس عرضة للبلء‬
‫والمتحان‪ ،‬والذي يعينه على الثبات هو اليمان بالله عز وجل ‪ ،‬ولهذا تأتي‬
‫الوصية بالتسبيح أو الصلة والتوجه إلى الله عز وجل في كتاب الله عقب‬
‫ذكر مايكيده الكفار بالنبي ‪ ، r‬ول تكاد تجد أمرا ً للنبي صلى الله عليه وسلم‬
‫بالصبر على ما يواجهه من أذى ومن ابتلء إل ويعقب بالمر بالتسبيح والمر‬
‫بالصلة والمر بالطاعة لله عز وجل‪ ،‬لماذا ؟ لنه هو الزاد المعين على الصبر‬
‫)فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب *‬
‫ومن الليل فسبحه وأدبار السجود( ويقول )فاصبر على ما يقولون واهجرهم‬
‫هجرا ً جمي ًً‬
‫ل( ويقول‪) :‬واذكر اسم ربك بكرة وأصيل ً * ومن الليل فاسجد له‬
‫وسبحه ليل ً طوي ًً‬
‫ل( ‪.‬‬
‫وقد تكرر ذلك كثيرا ً في السور المكية‪ :‬في سورة هود ‪،‬والسراء ‪ ,‬وطه‪،‬‬
‫والنسان‪ ،‬والمزمل‪.‬‬
‫العاشر‪ :‬اليمان هو الحل المثل لكثير من المشكلت التربوية‪:‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫كثيرا ً ما نشتكي من قسوة القلب والفتور والجرأة على المعاصي‪ ،‬كثيرا ً ما‬
‫نشتكي ونتساءل عن النحراف بعد الهدى وهي ظاهرة بدأت تكثر في هذا‬
‫العصر وبالذات في هذه السنوات الخيرة فما الحل لذلك؟‬
‫ل شك أن أعظم علج لمثل هذه المشكلة إنما هو اليمان بالله تبارك‬
‫وتعالى‪ ،‬والعتناء بالتربية اليمانية‪ ،‬أن نربي أنفسنا على اليمان بالله عز‬
‫وجل ‪ ،‬وأن يربى الجيل ويربى الشباب على اليمان بالله تبارك وتعالى ‪،‬‬
‫ويغرس اليمان في النفوس حينها سنجد أن هذه الظواهر تقل وتتلشى كما‬
‫قال هرقل لبي سفيان لما سأله قال ‪ :‬هل يرتد أحدا ً من أصحابه سخطا ً‬
‫لدينه ؟ قال ‪ :‬ل‪ ،‬قال ‪:‬كذلك اليمان إذا خالطت بشاشته القلوب ل تفارقه‬
‫أبدًا‪.‬‬
‫لما مات النبي صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد كان عامة الذين ارتدوا‬
‫من الذين قال الله عنهم ‪) :‬قالت العراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا‬
‫أسلمنا ولما يدخل اليمان في قلوبكم( ‪ ،‬أما السابقون الولون‪ :‬أهل بدر‬
‫وأهل بيعة الرضوان الذين جاهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬والذين‬
‫دخل اليمان في قلوبهم فلم يرتد أحد منهم‪.‬‬
‫ومن المشكلت التي يعاني منها كثير من الشباب أنه إذا ابتعد عن إخوانه‬
‫ضعف وربما تجرأ على المعاصي‪ ،‬وربما تغيرت حاله وتبدلت‪.‬‬
‫ومن المشكلت التي نشتكي منها العلقات العاطفية التي تكون بين الشباب‬
‫أو بين الفتيات‪ ،‬والتي بدأت تنتشر في المجتمع حتى بدأت العدوى تسير إلى‬
‫مجتمعات الصالحين والناس الخيار‪.‬‬
‫المقصود أننا نعاني من مشكلت تربوية كثيرة‪ ،‬ويتردد السؤال ويتكرر ما‬
‫الحل لهذه المشكلة ؟ وما العلج لتلك ؟ ل شك أن الحل لهذه المشكلت هو‬
‫في تعميق التربية اليمانية هو تعميق اليمان في النفوس‪ ،‬والصلة بالله عز‬
‫ما واحدا ً نختصر الطريق على أنفسنا بدل ً من أن‬
‫وجل وحين نجعل الهم ه ّ‬
‫‪101‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نذهب نعالج كل مشكلة على حدة‪.‬‬
‫بل إن هذه المشكلت لو عالجناها بعلج بعيد ٍ عن التربية اليمانية فسيبقى‬
‫علجا ً مؤقتًا‪ ،‬سيبقى علجا ً ل يتوجه إلى مصدر الداء‪.‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫إحدى عشر وسيلة للتأثير في القلوب‬
‫هذه سهام لصيد القلوب‪ ،‬أعني تلك الفضائل التي تستعطف بها القلوب‪،‬‬
‫وتستر بها العيوب وتستقال بها العثرات‪ ،‬وهي صفات لها أثر سريع وفّعال‬
‫على القلوب‪ ،‬فإليك أيها المحب سهاما ً سريعة ما أن تطلقها حتى تملك بها‬
‫القلوب فاحرص عليها‪ ،‬وجاهد نفسك على حسن التسديد للوصول للهدف‬
‫واستعن بالله‪.‬‬
‫الوسيلة الول‪ :‬البتسامة ‪:‬‬
‫قالوا هي كالملح في الطعام‪ ،‬وهي أسرع سهم تملك به القلوب وهي مع ذلك‬
‫عبادة وصدقة‪ ) ،‬فتبسمك في وجه أخيك صدقة ( كما في الترمذي‪ ،‬وقال عبد‬
‫الله ابن الحارث ) ما رأيت أحدا ً أكثر تبسما ً من رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم(‪.‬‬
‫الوسيلة الثانية ‪ :‬البدء بالسلم ‪:‬‬
‫سهم يصيب سويداء القلب ليقع فريسة بين يديك لكن أحسن التسديد ببسط‬
‫الوجه والبشاشة‪ ،‬وحرارة اللقاء وشد الكف على الكف‪ ،‬وهو أجر وغنيمة‬
‫فخيرهم الذي يبدأ بالسلم‪ ،‬قال عمر الندي )خرجت مع ابن عمر فما لقي‬
‫صغيرا ً ول كبيرا ً إل سلم عليه(‪ ،‬وقال الحسن البصري )المصافحة تزيد في‬
‫المودة( والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ‪ ) :‬ل تحقرن من المعروف شيئا‬
‫ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق (‪ .‬وفي الموطأ أنه صلى الله عليه وسلم‬
‫قال ‪ ) :‬تصافحوا يذهب الغل‪ ،‬وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء ( قال ابن عبد‬
‫البر هذا يتصل من وجوه حسان كلها‪.‬‬
‫الوسيلة الثالثة ‪ :‬الهدية ‪:‬‬
‫ولها تأثير عجيب فهي تذهب بالسمع والبصر والقلب‪ ،‬وما يفعله الناس من‬
‫تبادل الهدايا في المناسبات وغيرها أمر محمود بل ومندوب إليه على أن ل‬
‫يكلف نفسه إل وسعها‪ ،‬قال إبراهيم الزهري )خّرجت لبي جائزته فأمرني أن‬
‫أكتب خاصته وأهل بيته ففعلت‪ ،‬فقال لي تذ ّ‬
‫كر هل بقي أحد أغفلناه ؟ قلت ل‬
‫قال بلى رجل لقيني فسلم علي سلما ً جميل ً صفته كذا وكذا‪ ،‬اكتب له عشرة‬
‫دنانير( انتهى كلمه‪.‬‬
‫انظروا أّثر فيه السلم الجميل فأراد أن يرد عليه بهدية ويكافئه على ذلك‪.‬‬
‫الوسيلة الرابعة ‪ :‬الصمت وقلة الكلم إل فيما ينفع ‪:‬‬
‫وإياك وارتفاع الصوت وكثرة الكلم في المجالس‪ ،‬وإياك وتسيد المجالس‬
‫وعليك بطيب الكلم ورقة العبارة )فالكلمة الطيبة صدقة( كما في‬
‫الصحيحين‪ ،‬ولها تأثير عجيب في كسب القلوب والتأثير عليها حتى مع العداء‬
‫فضل ً عن إخوانك وبني دينك‪ ،‬فهذه عائشة رضي الله عنها قالت لليهود‬
‫) وعليكم السام واللعنة( فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ) :‬مهل ً‬
‫يا عائشة فإن الله يحب الرفق في المر كله( متفق عليه‪ ،‬وعن أنس رضي‬
‫الله عنه قال‪ ،‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ) :‬عليك بحسن الخلق‬
‫وطول الصمت فو الذي نفسي بيده ما تجمل الخلئق بمثلهما ( أخرجه أبو‬
‫يعلى والبزار وغيرهما‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن الورع ُ التقي لسانه …… حذر الكلم وإنه لمفوه‬
‫قد يخز ُ‬
‫الوسيلة الخامس‪ :‬حسن الستماع وأدب النصات ‪:‬‬
‫وعدم مقاطعة المتحدث فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ل يقطع‬
‫الحديث حتى يكون المتكلم هو الذي يقطعه‪ ،‬ومن جاهد نفسه على هذا أحبه‬
‫الناس وأعجبوا به بعكس الخر كثير الثرثرة والمقاطعة‪ ،‬واسمع لهذا الخلق‬
‫العجيب عن عطاء قال ‪ ) :‬إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم‬
‫أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد(‪.‬‬
‫الوسيلة السادسة ‪ :‬حسن السمت والمظهر‪:‬‬
‫وجمال الشكل واللباس وطيب الرائحة‪ ،‬فالرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫يقول ‪ ) :‬إن الله جميل يحب الجمال ( كما في مسلم‪ .‬وعمر ابن الخطاب‬
‫يقول ) إنه ليعجبني الشاب الناسك نظيف الثوب طيب الريح (‪ ،‬وقال عبد‬
‫الله ابن أحمد ابن حنبل ) إني ما رأيت أحدا ً أنظف ثوبا و ل أشد تعهدا لنفسه‬
‫وشاربه وشعر رأسه وشعر بدنه‪ ،‬ول أنقى ثوبا وأشده بياضا من أحمد ابن‬
‫حنبل(‪.‬‬
‫الوسيلة السابعة ‪ :‬بذل المعروف وقضاء الحوائج ‪:‬‬
‫سهم تملك به القلوب وله تأثير عجيب صوره الشاعر بقوله‪:‬‬
‫ن‬
‫إحسا‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم …فطالما استعبد النسا َ‬
‫ب‬
‫بل تملك به محبة الله عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم ‪ ) :‬أح ُ‬
‫الناس إلى الله أنفعهم للناس (‪ ،‬والله عز وجل يقول } وأحسنوا إن الله‬
‫يحب المحسنين {‪.‬‬
‫إذا أنت صاحبت الرجال فكن فتى ……‪ ..‬مملوك لكل رفيق‬
‫وكن مثل طعم الماء عذبا وباردا ……… على الكبد الحرى لكل صديق‬
‫عجبا ً لمن يشتري المماليك بماله كيف ل يشتري الحرار بمعروفه‪ ،‬ومن‬
‫انتشر إحسانه كثر أعوانه‪.‬‬
‫الوسيلة الثامن‪ :‬بذل المال ‪:‬‬
‫فإن لكل قلب مفتاح‪ ،‬والمال مفتاح لكثير من القلوب خاصة في مثل هذا‬
‫الزمان‪ ،‬والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ‪ ) :‬إني لعطي الرجل وغيره‬
‫أحب إلى منه خشية أن يكبه الله في النار ( كما في البخاري‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫صفوان ابن أمية فر يوم فتح مكة خوفا من المسلمين بعد أن استنفذ كل‬
‫جهوده في الصد عن السلم والكيد والتآمر لقتل رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فيعطيه الرسول صلى الله عليه وسلم المان ويرجع إلى النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم ويطلب منه أن يمهله شهرين للدخول في السلم‪ ،‬فقال له‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لك تسير أربعة أشهر‪ ،‬وخرج مع رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين والطائف كافرًا‪ ،‬وبعد حصار الطائف‬
‫وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر في الغنائم يرى صفوان يطيل‬
‫النظر إلى وادٍ قد امتل نعما ً وشاء ورعاء‪.‬‬
‫فجعل عليه الصلة والسلم يرمقه ثم قال له يعجبك هذا يا أبا وهب؟‬
‫قال نعم‪ ،‬قال له النبي صلى الله عليه وسلم هو لك وما فيه‪.‬‬
‫فقال صفوان عندها ‪ :‬ما طابت نفس أحد بمثل هذا إل نفس نبي‪ ،‬اشهد أن ل‬
‫إله إل الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪.‬‬
‫لقد استطاع الحبيب صلى الله عليه وسلم بهذه اللمسات وبهذا التعامل‬

‫‪103‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العجيب أن يصل لهذا القلب بعد أن عرف مفتاحه‪.‬‬
‫فلماذا هذا الشح والبخل؟ ولماذا هذا المساك العجيب عند البعض من‬
‫الناس؟ حتى كأنه يرى الفقر بين عينيه كلما هم بالجود والكرم والنفاق‪.‬‬
‫الوسيلة التاسعة ‪ :‬إحسان الظن بالخرين والعتذار لهم ‪:‬‬
‫فما وجدت طريقا أيسر وأفضل للوصول إلى القلوب منه‪ ،‬فأحسن الظن‬
‫بمن حولك وإياك وسوء الظن بهم وأن تجعل عينيك مرصدا ً لحركاتهم‬
‫وسكناتهم‪ ،‬فتحلل بعقلك التصرفات ويذهب بك كل مذهب‪ ،‬واسمع لقول‬
‫المتنبي‪:‬‬
‫إذا ساء فعل المرِء ساءت ظنونه …… وصدق ما يعتاده من توهم‬
‫عود نفسك على العتذار لخوانك جهدك فقد قال ابن المبارك ) المؤمن‬
‫يطلب معاذير إخوانه‪ ،‬والمنافق يطلب عثراتهم (‪.‬‬
‫الوسيلة العاشرة ‪ :‬أعلن المحبة والمودة للخرين ‪:‬‬
‫فإذا أحببت أحدا ً أو كانت له منزلة خاصة في نفسك فأخبره بذلك فإنه سهم‬
‫يصيب القلب ويأسر النفس ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ) إذا أحب‬
‫أحدكم صاحبه فليأته في منزله فليخبره أنه يحبه ( كما في صحيح الجامع‪،‬‬
‫وزاد في رواية مرسلة ) فإنه أبقى في اللفة وأثبت في المودة(‪ ،‬لكن بشرط‬
‫أن تكون المحبة لله‪ ،‬وليس لغرض من أغراض الدنيا كالمنصب والمال‪،‬‬
‫والشهرة والوسامة والجمال‪ ،‬فكل أخوة لغير الله هباء‪ ،‬وهي يوم القيامة‬
‫عداء )الخلء يومئذ بعضهم لبعض عدو إل المتقين(‪.‬‬
‫والمرء مع من أحب كما قال صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يعني يوم القيامة ‪ ،-‬إذا‬
‫ق للتأثير على القلوب‪ .‬فإما مجتمع‬
‫فإعلن المحبة والمودة من أعظم الطر ِ‬
‫مليء بالحب والخاء والئتلف‪ ،‬أو مجتمع مليء بالفرقة والتناحر والختلف‪،‬‬
‫لذلك حرص صلى الله عليه وسلم على تكوين مجتمع متحاب فآخى بين‬
‫المهاجرين والنصار‪ ،‬حتى عرف أن فلنا صاحب فلن‪ ،‬وبلغ ذلك الحب أن‬
‫يوضع المتآخيين في قبر واحد بعد استشهادهما في إحدى الغزوات‪ ،.‬بل أكد‬
‫صلى الله عليه وسلم على وسائل نشر هذه المحبة ومن ذلك قوله صلوات‬
‫الله وسلمه عليه )ل تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا‪ ،‬ول تؤمنوا حتى تحابوا‪ ،‬أول‬
‫أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلم بينكم( كما في مسلم‪.‬‬
‫وللسف‪ ،‬فالمشاعر والعواطف والحاسيس الناس منها على طرفي نقيض ‪،‬‬
‫فهناك من يتعامل مع إخوانه بأسلوب جامد جاف مجرد من المشاعر‬
‫والعواطف‪ ،‬وهناك من يتعامل معهم بأسلوب عاطفي حساس رقيق ربما‬
‫وصل لدرجة العشق والعجاب والتعلق بالشخاص‪ .‬والموازنة بين العقل‬
‫والعاطفة يختلف بحسب الحوال والشخاص‪ ،‬وهو مطلب ل يستطيعه كل‬
‫أحد لكنه فضل الله يؤتيه من يشاء‪.‬‬
‫الوسيلة الحادي عشر‪ :‬المداراة ‪:‬‬
‫فهل تحسن فن المداراة؟ وهل تعرف الفرق بين المداراة والمداهنة؟ روى‬
‫البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ) أن رجل‬
‫استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فلما راءه قال بئس أخو العشيرة‪،‬‬
‫فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه‪ ،‬فلما‬
‫انطلق الرجل‪ ،‬قالت له عائشة يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت كذا‬
‫وكذا‪ ،‬ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬يا عائشة متى عهدتني فاحشًا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم‬
‫القيامة من تركه الناس لقاء فحشه( قال ابن حجر في الفتح )وهذا الحديث‬
‫أصل في المداراة( ونقل قول القرطبي ) والفرق بين المداراة والمداهنة أن‬
‫‪104‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المداراة بذل الدنيا لصلح الدنيا أو الدين أو هما معا‪ ،‬وهي مباحة وربما‬
‫استحبت‪ ،‬والمداهنة ترك الدين لصلح الدنيا (‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫إذا فالمداراة لين الكلم والبشاشة للفساق وأهل الفحش والبذاءة‪ ،‬أول ً اتقاء‬
‫لفحشهم‪ ،‬وثانيا لعل في مداراتهم كسبا ً لهدايتهم بشرط عدم المجاملة في‬
‫الدين‪ ،‬وإنما في أمور الدنيا فقط‪ ،‬وإل انتقلت من المداراة إلى المداهنة فهل‬
‫تحسن فن المداراة بعد ذلك؟ كالتلطف والعتذار والبشاشة والثناء على‬
‫الرجل بما هو فيه لمصلحة شرعية‪ ،‬وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫أنه قال ) مداراة الناس صدقة ( أخرجه الطبراني وابن السني‪ ،‬وقال ابن‬
‫بطال ) المداراة من أخلق المؤمنين‪ ،‬وهي خفض الجناح للناس‪ ،‬وترك‬
‫الغلظ لهم في القول‪ ،‬وذلك من أقوى أسباب اللفة( ‪.‬‬
‫المصدر ‪ :‬بتصرف من شريط طريقنا للقلوب‪.‬‬
‫))إحدى عشر وسيلة للتأثير على القلوب لبراهيم الدويش ((‪.‬‬
‫الكاتب ‪:‬سعود المرزوق‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫إحراقهم تجربة لحراقنا!‬
‫الكاتب‪ :‬الشيخ أ‪.‬د‪.‬عبد الله قادري الهدل‬
‫مناطق أهل السنة في العراق تحرقها القوات الصليبية اليهودية‪ ،‬والجيش‬
‫المسمى بـ)الجيش العراقي( الذي تدرب خارج حدود العراق‪ ،‬ودخل العراق‬
‫بأسلحته ومعداته تحت حماية المحتلين الذين يبدو أنهم قد عقدوا مع زعماء‬
‫هذا الجيش صفقة لتدمير أهل السنة في العراق أول‪ ،‬ثم تمكينهم في‬
‫المنطقة ثانيا‪ ،‬ليطوقوا بهم بعض الدول العربية في الخليج‪ ،‬وفي غيره‪.‬‬
‫وإن ما جرى ويجري من عدوان القوات المريكية وفيلق بدر وأتباعه من‬
‫الجيش الذي تولى تدريبه هذا الفيلق بالتعاون مع هذه القوات إن ما جرى‬
‫ويجري من الجانبين على مناطق أهل السنة منذ ثلث سنوات لدليل واضح‬
‫على أن الفريقين قد قررا حرق المحافظات والمدن السنية والقضاء على‬
‫الخضر واليابس فيها وإرغام من بقي فيها على قيد الحياة‪ ،‬للخضوع‬
‫والسيطرة الكاملة للطائفة التي نصبها المحتل وسلمها مقاليد المور تمهيدا‬
‫لضم العراق إلى الدولة التي انطلقت منها تلك الطائفة مؤتمرة بأوامرها‪،‬‬
‫منفذة أوامر مراجعها الصادرة من خارج العراق وداخله‪.‬‬
‫وما الفدرالية التي يطالبون بإدراجها في مسودة الدستور إل دليل آخر على‬
‫تحقيق أهداف خطيرة في المنطقة‪.‬‬
‫إن دول الخليج العربي تعلم بما يحاك ضدها وضد شعوبها‪ ،‬ولكنها ل زالت‬
‫تلتزم الساليب الدبلوماسية كما جرت العادة ولم تقف إلى الن الموقف‬
‫الذي يقيها ويقي شعوبها من التخطيط الطائفي الذي يستهدف فصل‬
‫المنطقة الجنوبية من العراق لضمها إلى الدولة التي يدين لها‪ ،‬ولتضم إليها‬
‫بعد التمكن من ذلك مناطق أخرى‪ ،‬قد تكون دول مجاورة بأكملها‪.‬‬
‫فعلى أهل السنة من الحكام والشعوب جميعا أن ينتبهوا لذلك ويتركوا‬
‫المجاملت مع من قد يبادلونهم إياها بألسنتهم ويحفرون لهم بأيديهم‪.‬‬
‫وإن على العلماء والمفكرين ورجال السياسة والعلم أن يبرزوا للناس‬

‫‪105‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الحقيقة المرة التي تحيكها الطائفة المتواطئة مع المحتلين ولم تعد خافية‬
‫على أحد‪ ،‬فقد ظهرت نذرها واضحة في اليمن‪ ،‬وظهر ارتباطها بمثيلتها في‬
‫دول أخرى في أكثر من بلد من دول الخليج وغيرها‪ ،‬وكلها مرتبطة بمركزها‬
‫المعروف‪.‬‬
‫وإن السكوت على ما جرى ويجري من إحراق أهل السنة في العراق‬
‫ستترتب عليه مخاطر عظيمة‪ ،‬على أهل السنة في غير العراق‪ ،‬لن إحراق‬
‫أهل السنة في العراق ما هو إل تجربة لتطبيق إحراق بقية دول أهل السنة‬
‫المجاورة‪.‬‬
‫وإن قادة أمريكا الذين تورطوا في احتلل العراق‪ ،‬سوف ل يخرجون منه إل‬
‫بعد أن يحققوا أهدافهم التي من أهمها القضاء على أية قوة ل تستسلم لها‬
‫استسلما كامل‪ ،‬وإذا لم يتحقق لها ذلك فستتخذ كل وسيلة لشعال الحروب‬
‫في المنطقة‪ ،‬أو تسليمها لمن تثق في تحالفه معها تحالفا يضمن لها ما تريد‪،‬‬
‫ول ينبغي أن تخدعنا تصريحات الجانبين المتحالفين التي يدل ظاهرها على‬
‫خلف حاد بينهما فمكرهما غير مأمون‪ ،‬والقرائن شاهدة‪.‬‬
‫وهاهي الصوات العراقية من غالب الطوائف الخبيرة بما يجري‪ ،‬تحذر من‬
‫تدخل سياسي وعسكري من دولة مجاورة تدخل سافرا‪.‬‬
‫فالسكوت على إحراق المحتلين وعملئهم المتواطئين معهم لمناطق أهل‬
‫السنة‪ ،‬سيعقبه ما ل تحمد عقباه على الساكتين‪ ،‬فهل ننتظر مصير‬
‫المظلومين من إخواننا السنة في العراق؟!‬
‫))واتقوا فتنة ل تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة((‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إحساس الميت بزائريه‬
‫السؤال ‪:‬‬
‫هل الميت يفرح بزيارة أقاربه و يتباهى بين الموتى بالزيارة ؟‬
‫الجواب ‪:‬‬
‫زيارة القبور سّنة مؤكدة للرجال ‪ ،‬مشروعة للنساء من غير إكثار فقد روى‬
‫ل ‪َ :‬قا َ‬
‫ن أ َِبيهِ َقا َ‬
‫ل‬
‫ما َ‬
‫ن ُ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫ن ب َُري ْد َة َ عَ ْ‬
‫الترمذي و النسائي و ابن ماجة عَ ْ‬
‫ن بْ ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫قُبورِ ف َ‬
‫ن زَِياَرةِ ال ُ‬
‫قد ْ‬
‫َر ُ‬
‫ت ن َهَي ْت ُك ْ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه وسلم ‪ » :‬قد ْ كن ْ ُ‬
‫م عَ ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خَرة َ « ‪ .‬قال الترمذي‬
‫ها فإ ِن َّها ت ُذ َكُر ال ِ‬
‫مهِ فُزوُرو َ‬
‫م َ‬
‫أذِ َ‬
‫مد ٍ ِفى زَِياَرةِ قب ْرِ أ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ن لِ ُ‬
‫ح‪.‬‬
‫ص ِ‬
‫دي ٌ‬
‫ح ِ‬
‫حي ٌ‬
‫ث َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ن َ‬
‫س ٌ‬
‫كر الخرة و يستعد ّ لها كّلما زار القبور و تف ّ‬
‫ي فهو يتذ ّ‬
‫كر في‬
‫للح‬
‫بالنسبة‬
‫هذا‬
‫ّ‬
‫حال أهلها ‪.‬‬
‫ما الميت فالصحيح أّنه يسمع كلم زائريه ‪ ،‬و الدّلة على ذلك كثيرة منها ما‬
‫أ ّ‬
‫َ‬
‫ك ‪ -‬رضي الله‬
‫مال ِ ٍ‬
‫س بن َ‬
‫رواه الشيخان و أبو داود و النسائي و أحمد عَ ْ‬
‫ن أن َ ِ‬
‫ْ‬
‫ل ‪َ :‬قا َ‬
‫عنه ‪َ -‬قا َ‬
‫ضعَ ِفى‬
‫ن العَب ْد َ إ َِذا وُ ِ‬
‫ى الل ّهِ صلى الله عليه وسلم ‪ » :‬إ ِ ّ‬
‫ل نَ َب ِ ّ‬
‫َ‬
‫م«‪.‬‬
‫ص َ‬
‫ه لي َ ْ‬
‫معُ قَْرع َ ن َِعال ِهِ ْ‬
‫س َ‬
‫ه إ ِن ّ ُ‬
‫حاب ُ ُ‬
‫قَب ْرِهِ وَت َوَّلى عَن ْ ُ‬
‫هأ ْ‬
‫و روى الشيخان و النسائي و أحمد عَن أ َبى ط َل ْح َ َ‬
‫ن رسول الل ّهِ صلى الله‬
‫ةأ ّ‬
‫َ‬
‫ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ع ْ‬
‫قذُِفوا ِفى‬
‫ش فَ ُ‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ق‬
‫د‬
‫دي‬
‫نا‬
‫ص‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫ج‬
‫ر‬
‫م ب َد ْرٍ ب ِأْرب َعَةٍ وَ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫مَر ي َوْ َ‬
‫عليه وسلم أ َ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ري َ‬
‫ش ِ‬
‫ٍ‬
‫ط َوى – و هو البئر ‪ -‬م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ث ‪ ،‬وَ َ‬
‫م ْ‬
‫واِء ب َد ْرٍ َ‬
‫خب ِ ٍ‬
‫خِبي ٍ‬
‫كا َ‬
‫ث ُ‬
‫ن أط ْ َ‬
‫ِ ْ‬
‫ِ ّ‬
‫ن َإ َِذا ظهََر عَلى قَوْم ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حلت ِهِ فَ ُ‬
‫مَر ب َِرا ِ‬
‫م الّثال ِ َ‬
‫صةِ ث َل َ َ‬
‫شد ّ‬
‫ما كا َ‬
‫ن ب ِب َد ْرٍ الي َوْ َ‬
‫أَقا َ‬
‫ث‪،‬أ َ‬
‫ل ‪ ،‬فَل ّ‬
‫م ِبال ْعَْر َ‬
‫ث ل ََيا ٍ‬
‫شى واتبعه أ َ‬
‫ما ن َُرى ي َن ْ َ‬
‫م َ‬
‫جت ِهِ ‪،‬‬
‫حا َ‬
‫ض َ‬
‫ص َ‬
‫عَل َي َْها َر ْ‬
‫ه وََقاُلوا َ‬
‫حاب ُ ُ‬
‫َ ََّ ُ‬
‫م َ‬
‫حل َُها ‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫ْ‬
‫طل ِقُ إ ِل ّ ل ِب َعْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جعَ َ‬
‫م عََلى َ‬
‫ن‬
‫ش َ‬
‫م » َيا فُل َ ُ‬
‫ى ‪ ،‬فَ َ‬
‫َ‬
‫حّتى َقا َ‬
‫م وَأ ْ‬
‫م ب ِأ ْ‬
‫ماِء آَبائ ِهِ ْ‬
‫س َ‬
‫مائ ِهِ ْ‬
‫س َ‬
‫ل ي َُناِديهِ ْ‬
‫فةِ الّرك ِ ّ‬
‫‪106‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بن فُل َن ‪ ،‬ويا فُل َن بن فُل َن ‪ ،‬أ َيسرك ُم أ َنك ُ َ‬
‫جد َْنا‬
‫ه فَإ ِّنا قَد ْ وَ َ‬
‫ََ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫م الل ّ َ‬
‫م أط َعْت ُ ُ‬
‫َ ُ ّ ْ ّ ْ‬
‫ٍ‬
‫ُ ْ َ‬
‫ٍ‬
‫ْ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مُر ‪َ :‬يا‬
‫قا « ‪ .‬قال ف َ‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫م َ‬
‫قا ‪ ،‬فهَل وَ َ‬
‫ما وَعَد ََنا َرب َّنا َ‬
‫قال عُ َ‬
‫ما وَعَد َ َرب ّك ْ‬
‫م َ‬
‫جد ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سول اللهِ صلى الله عليه‬
‫ح لَها ف َ‬
‫م ِ‬
‫سادٍ ل أْرَوا َ‬
‫نأ ْ‬
‫قال َر ُ‬
‫ج َ‬
‫َر ُ‬
‫ما ت ُكل ُ‬
‫سول اللهِ ‪َ ،‬‬
‫م ْ‬
‫فس محمد بيده ‪ ،‬ما أ َنتم بأ َسمع ل ِما أ َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م«‪.‬‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫قو‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ذى‬
‫ل‬
‫وا‬
‫»‬
‫‪:‬‬
‫وسلم‬
‫َ ِ َ‬
‫ِ ُْ ْ‬
‫ُ ُ َ ّ ٍ َِ ِ ِ َ ُْ ْ ِ ْ َ َ َ‬
‫ت ‪ :‬المستفاد من هذين الحديثين و غيرهما هو إثبات سماع الميت كلم‬
‫قل ُ‬
‫دثه ) كما في حديث أبي طلحة و قوله صلى الله عليه و سّلم لعمر ( و‬
‫مح ّ‬
‫دم ( ‪.‬‬
‫س بحركة مشّيعيه ) كما في حديث أنس المتق ّ‬
‫يح ّ‬
‫ما ابتهاجه و مباهاته بزيارة أهله ‪ ،‬فقد أثبته بعض أهل العلم ‪ ،‬و ل أعلم فيه‬
‫أ ّ‬
‫ً‬
‫دليل ً صحيحا من الكتاب و السّنة ‪.‬‬
‫و من المقّرر أن أهل السّنة و الجماعة يقفون في اليمان بالغيب عند ما‬
‫أثبته الله تعالى أو رسوله ‪ ،‬و ل يجاوزونه أو يتكّلمون فيه بآرائهم أو عقولهم‬
‫ما يسوغ فيه الجتهاد ‪ ،‬بل هو‬
‫المجّردة ‪ ،‬إذ إ ّ‬
‫ن الخوض في الغيبّيات ليس م ّ‬
‫من القول على الله بغير علم ‪.‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ؤاد َ ك ّ‬
‫ف َ‬
‫ل‬
‫صَر وَ ال ُ‬
‫قال تعالى ‪ ) :‬وَ ل ت َ ْ‬
‫س لك ب ِهِ ِ‬
‫ق ُ‬
‫م إِ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫س ْ‬
‫عل ٌ‬
‫ف َ‬
‫معَ وَ الب َ َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫ك َ‬
‫ً‬
‫ُأول َئ ِ َ‬
‫سُئول ( ] السراء ‪. [ 36 :‬‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ن عَن ْ ُ‬
‫حسن الختام ‪.‬‬
‫ه أسأل لي و للسائل و القراء ُ‬
‫و الل َ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إحساس مؤلم أن أكون مسلما ول اعرف قيمة السلم‬
‫إحساس مؤلم أن أكون مسلما ول اعرف قيمة السلم‬
‫إحساس مؤلم‪..‬أن يطول البعاد مع الله سبحانه و تعالى‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن يخونني لساني لحظة الموت ول ينطق بالشهادتين‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أل استطيع أن أجيب على سؤال الملكين في القبر‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن يقول الله لي يوم القيامة‪ :‬عبدي استهونت بلقائي؟‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أل نكون من الفائزين يوم القيامة‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن يقول لنا النبي يوم القيامة‪...‬‬
‫‪.‬سحقا سحقًا‪...‬‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن نتكلم عن فنان بالساعات ول نستطيع أن نتكلم عن الله‬
‫وقدرته لمدة خمس دقائق‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن نرى شبابنا يقلد الغرب تقليد أعمى وينسى الرسول‬
‫)صلى الله عليه وسلم (‬
‫*إحساس مؤلم‪..‬أن يضيع منا وقت الصلة‬
‫* إحساس مؤلم‪ ..‬عندما نحفظ الغاني‪....‬ول نحفظ شيء من كتاب الله‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬عندما يهجر القرآن و يوضع على الرفوف‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن يمتلئ ميزان سيئاتي و يخف ميزان حسناتي‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن ينتهي المتحان و تسحب منى ورقة الجابة وأنا لم اكتب‬
‫فيها شيئا‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن أساعد في نشر الفاحشة لتدمير شباب المسلمين‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن نترك أولدنا فريسة للتليفزيون و المسلسلت و الفلم‬
‫تبث فيهم القيم الهابطة وتميع الدين في عقولهم‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬عندما يصبح فنان أو لعب كرة هو قدوتي ول اعرف شيئا‬
‫عن الرسول )صلى الله عليه وسلم(‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬عندما نترك أعداء السلم يخدعون المرأة المسلمة‬

‫‪107‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ويكشفون عوراتها ويغررون بها تحت مسمى التحرر ويجعلونها تكره دينها‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬عندما نهجر سنة النبي صلى الله عليه و سلم‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬عندما يقبل الله تعالى الكثير من عباده ويفتح لهم باب‬
‫التوبة وارفض أن أرجع إلى الله‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن تخلو البيوت من التدين و طاعة الله وان تمتلئ‬
‫بالخلفات نتيجة للبعد عن الله‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أل نربى أولدنا على الدين ونرمى بهم في جهنم ونحن ل‬
‫ندري‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن يضيع عمري ول اعرف المهمة التي خلقني الله من‬
‫اجلها‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أل يكون هدفنا الساسي هو إرضاء الله و دخول الجنة‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن نركب القطار ول ندرك أننا حتما سننزل منه في محطة‬
‫ما‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أل يكون حب السلم و الغيرة على الدين يجرى في دمي‬
‫وفي عروقي‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن يغفر الله و يرحم و يسامح و يعفو ونحن في إصرار‬
‫على المعصية‬
‫* إحساس مؤلم‪ ..‬أن تنتشر الرشوة و الربا الزنا وأكل المال الحرام بين‬
‫المسلمين‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن ترى اهلك و أصحابك في بعد عن الله ول تنصحهم‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن يموت احد والدي و هو غاضب علي‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن يدخل الصالحون الجنة و يتبوؤوا أماكنهم ول أكون معهم‬
‫* إحساس مؤلم‪..‬أن من يحافظ على دينه أصبح غريبا متطرفا‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إحسان الم إلى أبنائها العصاة‬
‫السؤال ‪:‬‬
‫صرين في أداء ما افترض الله عليهما من واجبات ‪،‬‬
‫أنا أم لولدين عاصَيين مق ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫و هما متزوجان ويعيشان بعيدا عني ‪ ،‬و أحيانا يحتاجون لمساعدتي الماّدية ‪،‬‬
‫فتدفعني عاطفة المومة لمساعدتهم ‪ ،‬و إعطائهم ما ُيفّرج ك َُرب َُهم ‪ ،‬عمل ً‬
‫ة ‪(...‬‬
‫بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ) :‬من فّرج عن مؤمن كرب ً‬
‫الحديث ‪.‬‬
‫ة‬
‫ة في تصّرفي هذا ‪ ،‬و هل ينالني أجر من فّرج عن مسلم ٍ كرب ً‬
‫فهل أنا مصيب ٌ‬
‫من ك َُرب الدنيا ‪ ،‬فيفّرج الله عّني بها ُ‬
‫ة من ك َُرب يوم القيامة ؟‬
‫كرب ً‬
‫الجواب ‪:‬‬
‫استشهاد الخت السائلة بحديث ) من فّرج عن مؤمن ‪ ( ...‬يؤ ّ‬
‫كد لنا بأن ما‬
‫يقترفه أبناها من معاصي واقعٌ في دائرة الصغائر و الكبائر ‪ ،‬و ليس فيه شيئ‬
‫ج من اليمان كالكفر العتقادي ) كجحود الخالق ‪ ،‬أو الستخفاف‬
‫مخر ٌ‬
‫بالدين ‪ ،‬أو إنكار معلوم ٍ منه بالضرورة ‪ ،‬أو نحو ذلك ( ‪ ،‬و ل الكفر العملي‬
‫حرمة ‪.‬‬
‫كترك الصلة بالكّلية أو استحلل المحّرمات المعلومةِ ال ُ‬
‫و ما دام البناء في دائرة السلم فل َيح ُ‬
‫ظر الشرع ب ِّرهم و الحسان إليهم ‪ ،‬و‬
‫العمل على تفريج ك َُرِبهم ‪ ،‬و إن كانوا من أهل الفسوق و العصيان ‪.‬‬
‫ة على تذكيرهم بالله ‪ ،‬و دعوتهم إلى التوبة‬
‫مهم المداوم َ‬
‫و يجب على أ ّ‬
‫‪108‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫النصوح ‪ ،‬مع ترغيبهم في الثواب و ترهيبهم من العقاب ‪ ،‬عمل ً بقوله تعالى ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جاَرة ُ عَل َي َْها‬
‫مُنوا ُقوا أ َن ْ ُ‬
‫س وَ ال ْ ِ‬
‫م َناًرا وَُقود ُ َ‬
‫) َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ح َ‬
‫ف َ‬
‫م وَ أهِْليك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ة ِغل ٌ‬
‫ن ( ] التحريم‬
‫م وَ ي َ ْ‬
‫ملئ ِك َ ٌ‬
‫ظ ِ‬
‫مُرو َ‬
‫فعَُلو َ‬
‫صو َ‬
‫ش َ‬
‫ما ي ُؤْ َ‬
‫ن َ‬
‫مَرهُ ْ‬
‫ما أ َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫داد ٌ ل ي َعْ ُ‬
‫‪.[6:‬‬
‫و معنى هذه الية كما في تفسير ابن جرير الطبري أي ‪ :‬علموا بعضكم بعضا ً‬
‫م َ‬
‫ل به من طاعة الله ‪ ,‬و‬
‫مونه النار ‪ ,‬و تدفعونها عنه إذا ع ِ‬
‫ما تقون به من ُتعل ّ ُ‬
‫اعملوا بطاعة الله ‪ ...‬و علموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به‬
‫أنفسهم من النار ‪.‬اهـ‪.‬‬
‫ً‬
‫م الشّبان المقصودين من السؤال سببا في‬
‫و عسى الله أن تعالى يجعل أ ّ‬
‫هدايتهم ‪ ،‬فيكون لها من الجر مثل أجورهم ‪.‬‬
‫َ‬
‫روى مسلم و أصحاب السنن و أحمد عَ َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سو َ‬
‫صلى‬
‫ن أِبي هَُري َْرةَ أ ّ‬
‫ن َر ُ‬
‫ٌ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫مث ْ ُ‬
‫م َقا َ‬
‫ه‬
‫ن دَ َ‬
‫جرِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫لأ ُ‬
‫ن ال ْ‬
‫دى كا َ‬
‫عا إ ِلى هُ ً‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن ت َب ِعَ ُ‬
‫جورِ َ‬
‫نل ُ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫سل َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ضلل َةٍ َ‬
‫ص ذ َل ِ َ‬
‫مث ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ل‬
‫ل ي َن ْ ُ‬
‫ن دَ َ‬
‫ن الث ْم ِ ِ‬
‫ن عَل َي ْهِ ِ‬
‫ك ِ‬
‫كا َ‬
‫عا إ َِلى َ‬
‫نأ ُ‬
‫شي ًْئا ‪ ،‬وَ َ‬
‫جورِهِ ْ‬
‫ق ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫م َ‬
‫شي ْئا ( ‪.‬‬
‫ه ‪ ،‬ل ي َن ْ ُ‬
‫ن آَثا ِ‬
‫ص ذ َل ِك ِ‬
‫مهِ ْ‬
‫ن ت َب ِعَ ُ‬
‫آَثام ِ َ‬
‫ق ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫ي‬
‫س ِ‬
‫سعْد ٍ َر ِ‬
‫ه أّنه َ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫ه عَن ْ ُ‬
‫ي الل ُ‬
‫معَ الن ّب ِ ّ‬
‫ض َ‬
‫سهْ ِ‬
‫و روى الشيخان و غيرهما عَ ْ‬
‫ل بْ ِ‬
‫هّ‬
‫قو ُ‬
‫م يَ ُ‬
‫م َ‬
‫ي رضي الله عنه ‪ ) :‬وَ الل ِ‬
‫ل ي َوْ َ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫خي ْب ََر يقول لعل ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫مرِ الن ّعَم ِ ( ‪.‬‬
‫ح‬
‫ن‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ر‬
‫ي‬
‫خ‬
‫د‬
‫ح‬
‫وا‬
‫ل‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ك‬
‫ب‬
‫دى‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ن‬
‫لَ ْ ُ ْ َ ِ َ ُ‬
‫ِ ْ ُ ْ‬
‫َ ِ ٌ َ ٌْ‬
‫ب للم مساعدة أبنائها العصاة و الحسان إليهم ‪ ،‬كانت‬
‫فإذا جاز أو استح ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫جديرة بالثواب عند الله تعالى ‪ ،‬فقد قال تعالى ‪ ) :‬إ ِّنا ل ن ُ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ضيعُ أ ْ‬
‫ح َ‬
‫جَر َ‬
‫س َ‬
‫م ْ‬
‫مل ( ] الكهف ‪ ، [ 30 :‬و قال سبحانه ‪ ) :‬هَ ْ‬
‫ن(‬
‫سا ُ‬
‫ن ِإل ال ْ‬
‫جَزاُء ال ْ‬
‫ل َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫عَ َ‬
‫سا ِ‬
‫] الرحمن ‪. [ 60 :‬‬
‫َ‬
‫و روى مسلم و أصحاب السنن عدا النسائي و أحمد عن أِبي هَُري َْرة َ َقا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ُ‬
‫سو ُ‬
‫َقا َ‬
‫ب‬
‫ن نَ ّ‬
‫ن ك ُْرب َ ً‬
‫ة ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫ن ُ‬
‫م‪َ ):‬‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ن كَر ِ‬
‫ف َ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫م ْ‬
‫س عَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫سَر‬
‫الد ّن َْيا ن َ ّ‬
‫ه كْرب َ ً‬
‫معْ ِ‬
‫ب ي َوْم ِ ال ِ‬
‫ة ِ‬
‫سرٍ ي َ ّ‬
‫ن يَ ّ‬
‫سَر عَلى ُ‬
‫مةِ وَ َ‬
‫قَيا َ‬
‫ه عَن ْ ُ‬
‫س الل ُ‬
‫ن كَر ِ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫ة‬
‫ست ََرهُ الله ِفي الد ّن َْيا َوال ِ‬
‫ه عَل َي ْهِ ِفي الد ّن َْيا َوال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ما َ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫سل ِ ً‬
‫ست ََر ُ‬
‫خَرةِ وَ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫خيهِ ( ‪.‬‬
‫نأ ِ‬
‫كا َ‬
‫ن ال ْعَب ْد ِ َ‬
‫َوالل ّ ُ‬
‫ن ال ْعَب ْد ُ ِفي عَوْ ِ‬
‫ه ِفي عَوْ ِ‬
‫هذا ‪ ،‬و بالله التوفيق ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إحفظ الله يحفظك ]‪[2‬‬
‫الحمد لله والصلة والسلم على رسول الله ‪..‬‬
‫وبعد ‪ :‬فهذه تكملة لبيان حديث وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبن‬
‫عباس رضي الله عنهما ‪.‬‬
‫فقوله " واعلم أن المة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إل‬
‫بشيء قد كتبه الله عليك ُرفعت القلم وجفت الصحف" يعد ّ تعبيًرا عن قدر‬
‫الله جل وعل ‪ ,‬وأن جميع الشياء النافعة والضارة تجري بقدره تعالى ‪ ,‬وأنه‬
‫ليمكن أن يتم شيء بغير قدره ولو اجتمع أهل الرض جميعا على ذلك‪ ,‬وذلك‬
‫ُيشعر النسان بالطمأنينة إلى واقعه الذي يعيش فيه من غنى أو فقر ‪ ,‬وصحة‬
‫أو مرض ونحو ذلك‪ ,‬فيجب أن ُيفهم أثر الناس في حصول الشياء على أنه‬
‫سبب لظهور قدر الله سبحانه في عالم الواقع ‪ ,‬وبالتالي فإنهم لُيحمدون‬
‫على خير وليلمون على شر إل بمقدار كونهم سببا في ذلك‪ ,‬ل على أنهم هم‬
‫الموجدون له ‪.‬‬
‫وإذا أيقن العبد أن الله تعالى قد كتب له وعليه وهو في بطن أمه رزقه‬

‫‪109‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وأجله وشقي أو سعيد كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أحدكم‬
‫يجمع في بطن أمه أربعين يوما )]‪ , ([1‬ثم علقة مثل ذلك‪ ,‬ثم يكون مضغة‬
‫مثل ذلك ‪ ,‬ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع ‪ :‬برزقه وأجله وشقي أو سعيد ‪ ,‬ثم‬
‫ينفخ فيه الروح" )]‪ ([2‬إذا أيقن العبد بذلك فإنه ليطلب الرزق والهداية إل‬
‫من الله تعالى ‪ ,‬ويعلم أنه لن يتأخر ساعة ولن يتقدم عن أجله الذي قدره‬
‫الله سبحانه له ‪.‬‬
‫وقوله " جفت القلم وطويت الصحف" تعبير بليغ عن انتهاء تقدير القدار‬
‫منذ الزل وأنها لن تتغير ولن تتبدل ‪.‬‬
‫واليمان بقدر الله تعالى على هذا النحو يبعث على الشجاعة والقدام على‬
‫المخاطر ‪ ,‬لن الذي يدفع إلى التردد والجبن هو الخوف على النفس ورجاء‬
‫البقاء مدة أطول في هذه الحياة ‪ ,‬فإذا علم النسان أن أجله محدد فإنه‬
‫يدرك أن إقدامه على المخاطر لن يقدم من أجله وأن إحجامه عنها لن يؤخر‬
‫ذلك‪.‬‬
‫كما أن اليمان بالقدر يبعث على اليقين وذلك بعدم الحزن على ماوقع من‬
‫المكروه أو فات من المحبوب ‪ ,‬وعدم البطر و الختيال والفخر بما وقع من‬
‫المحبوب كما قال الله جل وعل‪) :‬ما أ َ‬
‫ض وََل ِفي‬
‫صيب َةٍ ِفي اْل َْر‬
‫م ِ‬
‫ب ِ‬
‫صا َ‬
‫من ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ك عَلى الل ّه يسير()لك َيَل تأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا‬
‫س‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ها‬
‫أ‬
‫ر‬
‫َأن ُ‬
‫َ‬
‫ل َأن ن ّب ْ َ َ ِ ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ب ّ‬
‫سك ُ ْ‬
‫م إ ِّل ِفي ك َِتا ٍ‬
‫ِ َ ِ ٌ ِ ْ َ َ ْ‬
‫من قَب ْ ِ‬
‫ب كُ ّ‬
‫خوٍر(]الحديد ‪:‬‬
‫م وََل ت َ ْ‬
‫ل فَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه َل ي ُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫فَر ُ‬
‫ل ُ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫ما آَتاك ُ ْ‬
‫حوا ب ِ َ‬
‫ما َفات َك ُ ْ‬
‫عََلى َ‬
‫خَتا ٍ‬
‫‪[23– 22‬‬
‫فقد أخبر الله سبحانه بأن جميع المصائب التي تقع في الرض وفي أنفس‬
‫الناس قد كتبها عنده في كتاب وقدرها قبل أن تقع ليكون يقين الناس بذلك‬
‫دافعا لهم إلى عدم الحزن على وجود النقم وعدم الفرح بوجود النعم الذي‬
‫يؤدي إلى الفخر على الناس والخيلء ‪.‬‬
‫ومما يؤدي إلى عدم الحزن على المصائب شعور المصاب بها بأن عاقبتها‬
‫خير له في دينه وأخراه بما يثاب عليه من الرضا بقضاء الله تعالى وقدره‬
‫والصبر على المكروه ‪.‬‬
‫وقوله " تعّرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " قال الحافظ ابن‬
‫رجب رحمه الله تعالى ‪ :‬يعني أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى‬
‫حقوقه في حال رخائه فقد تعرف بذلك إلى الله وصار بينه وبين ربه معرفة‬
‫خاصة فعرفه ربه في الشدة ورعى له تعّرفه إليه في الرخاء فنجاه من‬
‫الشدائد بهذه المعرفة ‪ ,‬وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه‬
‫ومحبته له وإجابته لدعائه ‪ ,‬فمعرفة العبد لربه نوعان ‪ :‬أحدهما المعرفة‬
‫العامة وهي معرفة القرار به والتصديق واليمان ‪ ,‬وهي عامة للمؤمنين ‪,‬‬
‫والثاني معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والنقطاع إليه‬
‫والنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له ‪ ,‬وهذه المعرفة الخاصة‬
‫هي التي يدور حولها العارفون ‪.‬‬
‫ضا لعبده نوعان ‪ :‬معرفة عامة وهي علمه تعالى بعباده‬
‫قال ‪ :‬ومعرفة الله أي ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫خل ْ‬
‫واطلعه على ما أسّروه وما أعلنوه ‪ ,‬كما قال‪) :‬وَل َ‬
‫قد ْ َ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫م َ‬
‫ن وَن َعْل ُ‬
‫قَنا ا ِ‬
‫فسه ونح َ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫د( )قـ ‪ ( 16 :‬وقال )ال ِ‬
‫ل ال ْوَِري ِ‬
‫ب إ ِل َي ْهِ ِ‬
‫ن َ‬
‫ن أقَْر ُ‬
‫ت ُوَ ْ‬
‫سوِ ُ‬
‫ذي َ‬
‫حب ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫س ب ِهِ ن َ ْ ُ ُ َ َ ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن كَبائ َِر ال ِث ْم ِ َوال َ‬
‫وا ِ‬
‫مغْ ِ‬
‫ن َرب ّك َوا ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫جت َن ُِبو َ‬
‫يَ ْ‬
‫م ب ِك ْ‬
‫فَرةِ هُوَ أعْل ُ‬
‫سعُ ال َ‬
‫م َ‬
‫ش إ ِل الل َ‬
‫ح َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫إ ِذ ْ أن َ‬
‫و‬
‫م فل ت َُزكوا أن ُ‬
‫جن ّ ٌ‬
‫ف َ‬
‫سك ْ‬
‫مَهات ِك ْ‬
‫نأ ّ‬
‫مأ ِ‬
‫ض وَإ ِذ ْ أنت ُ ْ‬
‫شأكم ّ‬
‫م هُ َ‬
‫ة ِفي ب ُطو ِ‬
‫م َ‬
‫ن الْر ِ‬
‫َ‬
‫قى( )النجم ‪( 32 :‬‬
‫ن ات ّ َ‬
‫م بِ َ‬
‫أعْل َ ُ‬
‫م ِ‬
‫والثاني معرفة خاصة وهي تقتضى محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه‬
‫وإنجاؤه من الشدائد ‪.‬‬
‫‪110‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال ‪ :‬وخّرج الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم قال ‪" :‬من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر‬
‫الدعاء في الرخاء" ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫قال ‪ :‬وخّرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية أبي يزيد الرقاشي عن أنس‬
‫رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪ " :‬إن يونس عليه الصلة‬
‫والسلم لما دعا في بطن الحوت قالت الملئكة عليهم السلم‪ :‬يارب هذا‬
‫صوت معروف من بلد غريبة فقال الله عز وجل ‪ :‬أما تعرفون ذلك ؟ قالوا ‪:‬‬
‫ومن هو ‪ :‬قال‪ :‬عبدي يونس ‪ ,‬قالوا ‪ :‬عبدك يونس الذي لم يزل ُيرفع له‬
‫عمل متقّبل ودعوة مستجابة ؟ ! قال‪ :‬نعم ‪ ,‬قالوا ‪ :‬يارب أفل ترحم ماكان‬
‫يصنع في الرخاء فتنجيه من البلء ؟ قال‪ :‬بلى ‪ ,‬قال ‪ :‬فأمر الحوت فطرحه‬
‫في العراء " ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وقال الضحاك بن قيس ‪ :‬اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة ‪,‬‬
‫إن يونس عليه الصلة والسلم كان يذكر الله تعالى ‪ ,‬فلما وقع في بطن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ث ِفي ب َط ْن ِهِ إ ِلى‬
‫ن()ل َل َب ِ َ‬
‫سب ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫الحوت قال الله تعالى ‪) :‬فَل َوَْل أن ّ ُ‬
‫حي َ‬
‫م ْ‬
‫ن( ]الصافات ‪ - [144– 143:‬وإن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر‬
‫ي َوْم ِ ي ُب ْعَُثو َ‬
‫ت قَب ْ ُ‬
‫ل‬
‫الله ‪ ,‬فلما أدركه الغرق قال‪ :‬آمنت ‪ ,‬فقال الله تعالى‪):‬آل َ‬
‫صي ْ َ‬
‫ن وَقَد ْ عَ َ‬
‫وَ ُ‬
‫ن( )يونس ‪] ( 91 :‬يونس ‪. ([3]) [91:‬‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ت ِ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫كن َ‬
‫دي َ‬
‫م َ‬
‫قوله " واعلم أن في الصبر على ماتكره خيرا كثيرا" في هذا بيان للمقام‬
‫الثاني من مقامات مواجهة القدار المؤلمة ‪ ,‬وهو الصبر على البلء ‪ ,‬وذلك‬
‫فيما إذا لم يتحقق للنسان المقام الول وهو الرضا بقدر الله تعالى ‪ ,‬وهذا‬
‫المقام مبني على اليقين التام بأن ماجرى هو بقدر الله سبحانه ‪ ,‬وعلمة‬
‫الرضا السرور بما جرى والفرح بما يترتب عليه من الجر الجزيل ‪ ,‬والرضا‬
‫بقضاء الله وقدره هو الكمال‪ ,‬أما المقام الثاني وهو الصبر على البلء فهو‬
‫واجب على المسلم لن عدم الصبر يعد ّ تسخطا واعتراضا على قدر الله‬
‫سبحانه ‪.‬‬
‫وقوله " واعلم أن النصر مع الصبر " واضح من النصوص الشرعية الكثيرة‬
‫م َ‬
‫شْيئًا( ]آل عمران ‪:‬‬
‫صب ُِروا ْ وَت َت ّ ُ‬
‫قوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫م ك َي ْد ُهُ ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫كقول الله تعالى )وَِإن ت َ ْ‬
‫ّ‬
‫ن( ]النفال ‪ [46:‬وقول رسول الله‬
‫صب ُِروا ْ إ ِ ّ‬
‫ه َ‬
‫ن الل َ‬
‫معَ ال ّ‬
‫‪ [120‬وقوله )َوا ْ‬
‫ري َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد "واعلموا أن لكم النصر ماصبرتم" ‪ ,‬كما‬
‫هو واضح من واقع المعارك السلمية كبدر ومؤتة واليرموك والقادسية ‪.‬‬
‫وقوله " وأن الفرج مع الكرب " يعني أن نزول الفرج من الله تعالى يكون‬
‫عند اشتداد البلء‪ ,‬وهذا يعطي المسلم أمل ً في عدم اليأس من رحمة الله‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫" وأن مع العسر يسرا " فالعسر ل يدوم على المؤمنين وإن طال فإن نهايته‬
‫اليسر من الله تعالى‪.‬‬
‫‪---------------------------‬‬‫)]‪ ( [1‬يعني نطفة – كما جاء في حديث شعبة – فتح الباري ‪. - 11/479‬‬
‫)]‪ ( [2‬صحيح البخاري ‪ ,‬رقم ‪ , 6594‬القدر ) ‪ , (11/477‬صحيح مسلم ‪,‬‬
‫رقم ‪ , 2643‬القدر)ص ‪. (2036‬‬
‫)]‪ ( [3‬جامع العلوم والحكم ‪. 166-165/‬‬

‫‪111‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(2 /‬‬
‫إحفظ لسانك‬
‫الحمد لله الكريم الوهاب‪ ،‬هازم الحزاب‪ ،‬ومنشئ السحاب‪ ،‬ومنزل الكتاب‪،‬‬
‫ومسبب السباب‪ ،‬وخالق الناس من تراب‪ ،‬الواحد الحد‪ ،‬العزيز الماجد‪،‬‬
‫المتفرد بالتوحيد والتمجيد‪ ،‬ليس له مثل ول نديد‪ ،‬هو المبدئ المعيد‪ ،‬الفعال‬
‫ما‬
‫وا أحد‪ ،‬لم يزل حكي ً‬
‫لما يريد‪ ،‬جل عن اتخاذ الصاحبة والولد‪ ،‬ولم يكن له كف ً‬
‫ما خبيًرا‪ ،‬ول يعزب عنه مثقال ذرة سبحانه وبحمده‪ ،‬خلق الشياء‬
‫قديًرا علي ً‬
‫بقدرته‪ ،‬ودبرها بمشيئته‪ ،‬وقهرها بجبروته‪ ،‬وذللها بعزته‪ ،‬فذلت له الرقاب‪،‬‬
‫وحارت في ملكوته فطن ذوي اللباب‪ ،‬وقامت بكلمته السماوات السبع‬
‫والرض المهاد‪ ،‬وثبتت الجبال الرواسي‪ ،‬وجرت الرياح اللواقح‪ ،‬وسار في جو‬
‫السماء السحاب‪ ،‬وقامت البحار‪ ،‬وهو الله الواحد القهار‪ ،‬مغشي الليل النهار‪،‬‬
‫خضع لعظمته المتعززون المتكبرون‪ ،‬وخشع له المترفعون‪ ،‬واستكان لربوبيته‬
‫حَزن المر‬
‫المتعظمون‪ ،‬ودان طو ً‬
‫عا وكًرها له الخلق أجمعون‪ ،‬نحمده على َ‬
‫وسهله‪ ،‬ونحمده كما حمد نفسه وكما حمده الحامدون من جميع خلقه‪،‬‬
‫وض أمره إليه‪ ،‬وأقر أنه ل ملجأ ول منجى منه إل‬
‫ونستعينه استعانة من ف ّ‬
‫إليه‪ ،‬نستغفره استغفار مقّر بذنبه‪ ،‬معترف بخطيئته‪ ،‬ونشهد أن ل إله إل الله‪،‬‬
‫وحده ل شريك له‪ ،‬له الملك وله الحمد‪ ،‬وهو على كل شيء قدير‪ .‬شهادة‬
‫َ‬
‫مته‪ ،‬ومن ل غنى به طرفة عين عن رحمته؛ إقراًرا‬
‫عبده‪ ،‬وابن عبده‪ ،‬وابن أ َ‬
‫صا لربوبيته‪ ،‬فهو العالم بما تبطنه الضمائر‪ ،‬وما تنطوي عليه‬
‫بوحدانيته‪ ،‬وإخل َ‬
‫السرائر‪ ،‬وما تغيض الرحام وما تزداد‪ ،‬وكل شئ عنده بمقدار‪ .‬وأشهد أن‬
‫دا عبده ونبيه ورسوله إلى خلقه‪ ،‬وأمينه على وحيه‪ ،‬أشرف من وطئ‬
‫محم ً‬
‫الحصى بنعله‪ ،‬بلغ عن الله رسالته‪ ،‬ونصح له في برياته‪ ،‬وجاهد في الله حق‬
‫الجهاد‪ ،‬وقاتل أهل البغي والزيغ والعناد والفساد؛ حتى تمت كلمة الله‪ ،‬وقطع‬
‫دابر الفساد‪ ،‬صلوات الله عليه وسلمه‪ -‬من قائد إلى الهدى‪ -‬وعلى آل بيته‬
‫الطاهرين‪ ،‬وعلى أصحابه المنتخبين‪ ،‬وعلى أزواجه الطاهرات أمهات‬
‫المؤمنين‪ ،‬ومن سار على نهجهم واقتدى بهديهم من الفقهاء والزهاد والدعاة‬
‫ما كثيًرا‬
‫العاملين المشمرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين‪ ،‬وسلم تسلي ً‬
‫آمين آمين‪.‬‬
‫إن أصدق الحديث كتاب الله‪ ،‬وخير الهدى هدى رسول الله‪ ،‬صلى الله وسلم‬
‫ن إل‬
‫عليه وآله ومن واله‪ } ( .‬يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و ل تموت ّ‬
‫و أنتم مسلمون( { ] آل عمران‪ ( .[ 102 :‬يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي‬
‫ث منهما رجال ً كثيرا ً ونساء‪،‬‬
‫خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها وب ّ‬
‫ً‬
‫واتقوا الله الذي تساءلون به و الرحام إن الله كان عليكم رقيبا( { ] النساء‪:‬‬
‫‪.[ 1‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫فْر‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫م وَي َغْ ِ‬
‫س ِ‬
‫?َيا أي َّها ال ِ‬
‫صل ِ ْ‬
‫ه وَقولوا قوْل َ‬
‫مالك ْ‬
‫م أعْ َ‬
‫ح لك ْ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ديدا‪ .‬ي ُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ظيما?]الحزاب‪[71-70:‬‬
‫هف َ‬
‫وزا عَ ِ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول ُ‬
‫ن ي ُط ِِع الل َ‬
‫م وَ َ‬
‫م ذ ُُنوب َك ُ ْ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫قد ْ فاَز ف ْ‬
‫م ْ‬
‫أما بعد‪ :‬فالله تعالى أمركم ـ أيها المؤمنون ـ بتقواه وأن تقولوا قول ً سديدا ً‬
‫مستقيما ً عدل ً ووعدكم على ذلك إصلح أعمالكم ومغفرة ذنوبكم‪.‬‬
‫أيها المؤمنون‪ ،‬إن اللسان من نعم الله الجليلة‪ ،‬ولطائف صنعه البديعة‪ ،‬به‬
‫تتكلمون وتنطقون وعما في قلوبكم وأنفسكم تعربون‪ .‬به يعبر النسان عن‬
‫بغيته وُيفصح عن مشاعره‪ ،‬به يطلب حاجته ويدافع عن نفسه‪ ،‬ويعبر عن‬
‫مكنون فؤاده‪ ،‬يحادث جليسه ويآنس رفيقه فإنه ل تعب في إطلقه ول مشقة‬
‫في تحريكه‪ ،‬له في الخير مجال رحب كالذكر والشكر والكلمة الطيبة وقراءة‬

‫‪112‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫القرآن وغير ذلك الكثير‪.‬‬
‫فإن لسان المرء مفتاح قلبه إذا هو أبدى ما يقول من الفم‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‪.‬‬
‫م نَ ْ‬
‫جعَل ل ُ‬
‫وقد امتن الله به عليكم لتشكروه وتعبدوه قال تعالى‪? :‬أل َ ْ‬
‫ه عَي ْن َي ْ ِ‬
‫سانا ً وَ َ‬
‫ن? وقال سبحانه‪? :‬الرحمن )‪ (1‬علم القرآن )‪ (2‬خلق النسان‬
‫ش َ‬
‫وَل ِ َ‬
‫فت َي ْ ِ‬
‫)‪ (3‬علمه البيان?‪ .‬فبه يتمايز الكفر من اليمان‪ ،‬ويفترق أولياء الرحمن عن‬
‫أولياء الشيطان؛ به يبلغ العبد وارف الجنان وبه يهوي في دركات النيران؛‬
‫ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة‪" :‬إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها‬
‫يزل بها إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب"‪ .‬وفي رواية البخاري‪" :‬إن‬
‫العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ل يلقي لها بال ً يرفعه الله بها درجات‬
‫في الجنة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ل يلقي لها بال ً يهوي‬
‫بها في نار جهنم"‪ .‬وروى المام أحمد والترمذي عن بلل بن الحارث رضي‬
‫الله عنه قال‪:‬‬
‫قال رسول الله‪" :‬إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن‬
‫أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم القيامة‪ ،‬وإن‬
‫الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب‬
‫الله تعالى بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه"‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ولذلك كان علقمة رحمه الله وهو أحد رواة هذا الحديث يقول‪" :‬كم من كلم‬
‫قد منعنيه حديث بلل بن الحارث"‪ .‬فكان يمتنع عن كثير من الكلم حتى ل‬
‫يسجل عليه قول أو ترصد عليه كلمة من اللغو الذي ل فائدة فيه‪ :‬قد أفلح‬
‫المؤمنون الذين هم في صلتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون‬
‫]المؤمنون‪.[3-1:‬‬
‫ويقول الله عز وجل‪ :‬إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما‬
‫يلفظ من قول إل لديه رقيب عتيد ]ق‪.[18-17:‬‬
‫في هذه الية تذكير للمؤمنين برقابة الله عز وجل التي ل تتركه لحظة من‬
‫اللحظات‪ ،‬ول تغفل عنه في حال من الحوال‪ ،‬فيما يصدر عنه من أقوال‪ ،‬وما‬
‫يخرج من فمه من كلمات؛ كل قول محسوب له أو عليه‪ ،‬وكل كلمة مرصودة‬
‫في سجل أعماله‪ :‬ما يلفظ من قول إل لديه رقيب عتيد ]ق‪ .[18-17:‬يسجله‬
‫الملكان في الدنيا ويوم القيامة ينكشف الحساب ويكون الجزاء‪.‬‬
‫فاتقوا الله عباد الله واحذروا ألسنتكم فإنها من أعظم ما يوقعكم في أسباب‬
‫الهلك واحفظوها فإن حفظها من أسباب الفوز والنجاة فقد تكفل صلى الله‬
‫عليه وسلم لمن حفظ لسانه أو صان منطقه بالجنة دار السلم؛ ففي الصحيح‬
‫من حديث سهل بن سعد قال‪ :‬قال صلى الله عليه وسلم‪" :‬من يضمن لي‬
‫مابين لحييه ومابين رجليه أضمن له الجنة"‪ .‬متفق عليه‪ .‬وفي الترمذي أن‬
‫معاذا ً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخله الجنة‪ ،‬ويباعده عن‬
‫النار فأخبره صلى الله عليه وسلم ببعض أبواب الخير وصنوف البر ثم قال‬
‫صلى الله عليه وسلم‪" :‬أل أخبرك بملك ذلك كله"‪ .‬قال معاذ‪ :‬بلى يا رسول‬
‫الله؛ فأخذ بلسان نفسه وقال‪" :‬كف عليك هذا"‪ .‬فقلت‪ :‬يا رسول الله! وإنا‬
‫لمؤاخذون بما نتكلم به فقال‪" :‬ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على‬
‫وجوههم إل حصائد ألسنتهم"‪.‬‬
‫فاتقوا الله عباد الله واحفظوا ألسنتكم عن كل ما يغضب الله ويسخطه‬
‫وقيدوها بلجام الشرع فإن حفظ اللسان وصيانته من علمات اليمان بالله‬

‫‪113‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫واليوم الخر قال صلى الله عليه وسلم‪" :‬من كان يؤمن بالله واليوم الخر‬
‫فليقل خيرا ً أو ليصمت"‪ ،‬متفق عليه‪.‬‬
‫وقد أحسن من قال في التحذير من آفات اللسان‪:‬‬
‫ن *** ل َيلدغَن ّ َ‬
‫فظ لسان َ َ‬
‫ن‬
‫ِاح َ‬
‫ك إّنه ُثعبا ُ‬
‫ك أّيها النسا ُ‬
‫ه ال ُ‬
‫ن‬
‫شجعا ُ‬
‫كم في المقاب ِرِ من لديِغ ِلساِنه *** كانت تها ُ‬
‫ب ِنزال َ ُ‬
‫ولكن تساهل الخلق في الحتراز عن آفاته والحذر من مصا ئده‪ ،‬وأصبح آلة‬
‫الشيطان في استغواء النسان‪ ،‬إذا ُترك له العنان يصول ويجول‪ ،‬يتحدث عن‬
‫فلن ويغتاب فلن‪ ،‬يستهزئ بهذا ويشتم هذا‪ .‬وقلة هم الذين أمسكا بعنانه‪،‬‬
‫ووقفوا به عن مال يعنيهم‪.‬‬
‫وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها‬
‫عليه كلها‪ ،‬ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر‬
‫الله وما اتصل بها من الطاعات‪.‬‬
‫وقد أحسن المام الشافعي‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬حين قال‪:‬‬
‫إذا شئت أن تحيا سليما ً من الذى *** ودينك موفور وعرضك صّين‬
‫لسانك ل تذكر به عورة امرئ *** فكّلك عورات وللناس ألسن‬
‫ن‬
‫وعينك إن أبدت إليك معايبا ً *** فدعها وقل ‪ :‬يا عين للناس أعي ُ‬
‫ن‬
‫وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى *** وفارق ولكن بالتي هي أحس ُ‬
‫** آفات اللسان كثيرة متنوعة‪ ،‬ولها في القلب حلوة ولها بواعث من الطبع‪،‬‬
‫ول نجاة من خطرها إل بالصمت أو التحرز من الكلم‪ ،‬ومنها‪ :‬الكلم فيما ل‬
‫يعني‪ ،‬الفحش والسب واللعن‪ ،‬السخرية والستهزاء‪ ،‬كثرة المزاح‪ ،‬إفشاء‬
‫السر وإخلف الوعد والكذب‪ ،‬الغيبة‪ ،‬والنميمة‪ ،‬وغيرها من الفات التي حذر‬
‫الله – جل و عل‪ -‬منها و أخبر أنها من العمال التي تحصى على ابن آدم‬
‫ويحاسب عليها‪ .‬والكلم أسيرك فإذا خرج من فيك صرت أنت أسيره‪ ،‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬من كان يؤمن بالله واليوم الخر فليقل‬
‫خيرا ً أو ليصمت"‪ ،‬وحتى فضول الكلم الذي دون الضرر فإنه حسرات يوم‬
‫القيامة‪ ،‬قال بعض السلف‪ُ :‬يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره‪،‬‬
‫فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات‪.‬‬
‫عّبر تعالى عن أهمية الكلمة وعظيم أثرها واستمرار نتاجها الطيب في قوله‬
‫عّز وج ّ‬
‫ة كشجرةٍ طيبة أصلها ثابت‬
‫ل‪) :‬ألم تر كيف ضرب الله مثل ً كلمة طيب ً‬
‫وفرعها في السماء تؤتي أك ُُلها ك ّ‬
‫ل حين بإذن رّبها‪ ،‬ومثل كلمةٍ خبيثةٍ كشجرة‬
‫خبيثة اجتثت من فوق الرض ما لها من قرار(‪.‬‬
‫دين‪:‬‬
‫فالكلمة سكين ذو ح ّ‬
‫إذا كانت حسنة وهادفة تنطلق من إرادة واعية ونية خير للبشر‪ ،‬فهي تصنع‬
‫جه الناس نحو الخير والبناء والصلح‪.‬‬
‫الحضارة والرقي وتبني المجتمع وتو ّ‬
‫)وهدوا إلى الطّيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد( الحج‪.24/‬‬
‫مل المسؤولية‪ ،‬فهي‬
‫وإذا كانت سيئة تنطلق من إرادة العبث واللهو وعدم تح ّ‬
‫تقضي على كل صلح وخير‪ ،‬وتهدم ما تبقى من سلمة في نفوس البشر‬
‫وتعيث الفساد في ربوع البلد وبين العباد‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ومن هنا أيها الخوة كان حريا ً بالمسلم أن يضبط لسانه‪ ،‬ويسائل نفسه قبل‬
‫أن يتحدث عن جدوى الحديث وفائدته؟ فإن كان خيرا ً تكلم وإل سكت‬
‫والسكوت في هذه الحالة عبادة يؤجر عليها‪ ،‬وصدق رسول الله إذ يقول‪:‬‬

‫‪114‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)ومن كان يؤمن بالله واليوم الخر فليقل خيرا ً أو ليصمت( رواه البخاري‬
‫ومسلم‪.‬‬
‫واللسان هو ترجمان القلب‪ ،‬وقد كلفنا الله عز وجل أن نحافظ على استقامة‬
‫قلوبنا واستقامة القلب مرتبطة باستقامة اللسان‪ ،‬ففي الحديث الذي رواه‬
‫المام أحمد‪" :‬ل يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه‪ ،‬ول يستقيم قلبه حتى‬
‫يستقيم لسانه"‪.‬‬
‫وروى الترمذي عن رسول الله قال‪" :‬إذا أصبح ابن آدم فإن العضاء كلها‬
‫تكفر اللسان تقول‪ :‬اتق الله فينا فإنما نحن بك‪ ،‬فإن استقمت استقمنا‪ ،‬وإن‬
‫اعوججت اعوججنا"‪.‬‬
‫إن كثيرا ً من المراض التي تصيب العلقات الجتماعية من غيبة‪ ،‬ونميمة‪،‬‬
‫وسب‪ ،‬وشتم‪ ،‬وقذف‪ ،‬وخصام‪ ،‬وكذب‪ ،‬وزور وغيرها … فللسان فيها أكبر‬
‫النصيب‪ ،‬وإذا سمح النسان للسانه أن يلغو في هذه العراض وغيرها كان‬
‫عرضة للنهاية التعيسة وإلفلس في الخرة‪ ،‬وشتان بين إفلس الدنيا وإفلس‬
‫الخرة‪.‬‬
‫روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال‪" :‬أتدرون من‬
‫المفلس؟ قالوا‪ :‬المفلس فينا من ل درهم له ول متاع‪ ،‬قال‪ :‬المفلس من‬
‫أمتي من يأتى يوم القيامة بصلة وصيام وزكاة‪ ،‬ويأتي وقد شتم هذا‪ ،‬وقذف‬
‫هذا‪ ،‬وأكل مال هذا‪ ،‬وسفك دم هذا‪ ،‬وضرب هذا‪ ،‬فيعطى هذا من حسناته‪،‬‬
‫وهذا من حسناته‪ ،‬فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من‬
‫خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار"‬
‫وبالمقابل أيها الخوة فإن ضبط المؤمن للسانه ومحافظته عليه وسيلة‬
‫لضمان الجنة بإذن الله‪ ،‬وهذا وعد رسول الله‪" :‬من يضمن لى ما بين لحييه‬
‫)يعني لسانه( وما بين رجليه )يعني فرجه( أضمن له الجنة" أخرجه البخاري‪.‬‬
‫لقد كان خوف السلف من آفات اللسان عظيمًا‪ .‬فهذا عبد الله بن مسعود‬
‫رضي الله عنه يقول‪) :‬وما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان (‪.‬‬
‫وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول‪ :‬أنصف أذنيك من فيك‪ ،‬فإنما جعلت‬
‫أذنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تكلم به‪.‬‬
‫وقال عمر رضي الله عنه‪ :‬من كثر كلمه كثر سقطه‪ ،‬ومن كثر سقطه كثرت‬
‫ذنوبه‪ ،‬ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به‪.‬‬
‫وكان ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بلسانه ويقول‪ :‬ويحك قل خيرا تغنم‪،‬‬
‫واسكت عن سوء تسلم‪ ،‬وإل فاعلم أنك ستندم‪.‬‬
‫فاتقوا الله عباد الله واضبطوا ألسنتكم‪ ،‬وحاسبوا أنفسكم قبل أن تتلفظوا‪،‬‬
‫فما كان خيرا ً فتكلموا به‪ ،‬وما كان سوءا ً فدعوه‪ ،‬واحذروا من آفات اللسان‬
‫فإنها ل تزال بالمرء حتى تهلكه‪.‬‬
‫إن آفات اللسان كثيرة ومتنوعة‪ ،‬منها بذاءة في اللفاظ وفحش فى الكلم‪ ،‬و‬
‫سب ولعن وشتم بأساليب عديدة‪ ،‬تجري على اللسنة بسهولة ويسر‪ ،‬ودون‬
‫تفكير في العاقبة‪ ،‬ول تطيب المجالس عند البعض‪ ،‬ول يحلو الحديث إل بهذه‬
‫الساليب الساقطة التي تناقض الحياء الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن‪،‬‬
‫والنكى من ذلك والشد أن بعض النفوس استمرأته‪ ،‬ويرون أنه من باب‬
‫المزاح والتسلية وقضاء الوقات وتحلية المجالس‪ ،‬وما علم هؤلء أنهم وقعوا‬
‫بذلك في الفسق وأضاعوا أوقاتهم‪ ،‬وحملوا أنفسهم الوزار‪.‬‬
‫يقول رسول الله‪" :‬سباب المسلم فسوق"‪ .‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وفي حديث البيهقي‪" :‬إن العبد ليقول الكلمة ل يقولها إل ليضحك بها‬
‫المجلس يهوى به أبعد ما بين السماء وإلرض‪ ،‬وإن المرء ليزل عن لسانه‬
‫‪115‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أشد مما يزل عن قدميه"‪.‬‬
‫ويقول عليه الصلة والسلم في الحديث الصحيح‪" :‬إياكم والفحش فإن الله ل‬
‫يحب الفحش ول التفحش"‪.‬‬
‫ويقول فيما روى الترمذي‪" :‬ليس المؤمن بالطعان ول اللعان ول الفاحش ول‬
‫البذيء"‪.‬‬
‫فاتقوا الله أيها المسلمون وراقبوا أقوالكم وأعمالكم ول تدعوا للشيطان‬
‫عليكم سبي ً‬
‫ل‪ :‬وقل لعبادى يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الشيطان كان للنسان عدوا مبينا ]السراء‪.[53:‬‬
‫إن آفات اللسان عديدة وكثيرة‪ ،‬ويمكن القول أنها ل تحصى‪ ،‬فهي بعدد‬
‫كلمات النسان‪.‬‬
‫وكل كلمة سيئة فهي آفة‪ ،‬فيصبح معيار سعادة النسان أو شقائه هو ما‬
‫يجري على لسانه‪.‬‬
‫إن ما يقع على اللسان من ألم وعذاب وعقاب أكثر مما تتعرض له باقي‬
‫الجوارح‪ ،‬كما قال صلى الله عليه وسلم‪" :‬يعذب الله اللسان بعذاب ل يع ّ‬
‫ذب‬
‫ب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئًا؟ فيقال‬
‫به شيئا ً من الجوارح فيقول‪ :‬يا ر ّ‬
‫سفك الدم الحرام‪،‬‬
‫له‪ :‬خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الرض ومغاربها‪ ،‬ف ُ‬
‫وانتهب المال الحرام‪ ،‬وانتهك بها الفرج الحرام‪ ،‬وعزتي وجللي لعذبنك‬
‫بعذاب ل أعذب به شيئا ً من الجوارح"‪.‬‬
‫ولما كانت هذه الفات كثيرة إلى حد ل يمكن تقصيها سنقف على بعضها مما‬
‫يشكل أساس مساوى ء اللسان والمخل بقاعدة "القول السديد"‪.‬‬
‫‪ -1‬الغيبة‪:‬‬
‫ً‬
‫ة كثيرا من المجالس ال ما رحم ربك؛ ما‬
‫الغيبة وما أدراك ما الغيبة؟ فاكه ُ‬
‫سلم منها ال من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى‪ :‬الغيبة عْرفها أهل‬
‫العلم بأنها ذكر العيب بظهر الغيب‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫إن الناظر في حال أكثر الناس اليوم لسيما أوقات الفراغ وإلجتماعات يرى‬
‫أمرا ً عجبًا‪ ،‬وخطبا ً جل ً‬
‫ل‪ ،‬يرى الناس‪ ،‬صغيرهم وكبيرهم‪ ،‬ذكرهم وأنثاهم‪،‬‬
‫شبابهم وشيبهم‪ ،‬قد أطلقوا ألسنتهم‪ ،‬وتساهلوا في الحتراز عن آفاتها‬
‫وغوائلها يرى خوضا ً في الباطل‪ ،‬وتحدثا ً بالمعاصي‪ ،‬وترويجا ً للمنكرات‪ ،‬يرى‬
‫جهرا ً بالسوء من القول‪ ،‬فيرى الكذب والغيبة والنميمة‪ ،‬ويرى شهادة الزور‬
‫والفاحش من القول يرى السب واللعن يرى اللغو والتشاغل بما يضر ول‬
‫ف ُ‬
‫د?‬
‫ظ ِ‬
‫ما ي َل ْ ِ‬
‫ب عَِتي ٌ‬
‫ل ِإل ل َد َي ْهِ َرِقي ٌ‬
‫يفيد كأننا لم نسمع قول الله تعالى‪َ ? :‬‬
‫ن قَوْ ٍ‬
‫م ْ‬
‫ما َقاُلوا?‪.‬‬
‫سن َك ْت ُ ُ‬
‫وكأن الله تعالى لم يقل‪َ ? :‬‬
‫ب َ‬
‫عباد الله هذه آفات خطيرة وأمراض فتاكة تورط فيها كثيٌر من الناس إل أن‬
‫أخطرها جرما ً وأكثرها انتشارا ً وأصعبها علجا ً ذلك الداء الدوي الذي يهدم‬
‫المجتمع ويفكك بنيانه ويقوض عرا التواصل فيه ويقصم أواصر الحب وإلخاء‬
‫فيوغر الصدور ويشحن النفوس ويفسد المودة ويبذر بذور العداء‪ ،‬ذلك الخلق‬
‫المنحرف الدنيء الذي يبث الضغائن ويربي الحقاد ويشيع الفاحشة والفساد‬
‫بين المؤمنين أتدرون ما هي تلك الفة وماهو ذلك البلء أيها الخوان؟‬
‫إنها الغيبة التي نطق القرآن العظيم بقبحها وتحريمها قال الله تعالى‪َ? :‬ول‬
‫حب أ َحدك ُ َ‬
‫َ‬
‫ن ي َأ ْك ُ َ‬
‫ه? وقد نهى‬
‫م أَ ِ‬
‫ل لَ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ب ب َعْ ُ‬
‫ي َغْت َ ْ‬
‫مو ُ‬
‫مْيتا ً فَك َرِهْت ُ ُ‬
‫خيهِ َ‬
‫ح َ‬
‫م ب َْعضا ً أي ُ ِ ّ َ ُ ْ‬
‫ضك ُ ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عنها النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا وحذر منها تحذيرا عظيما فقال صلى‬

‫‪116‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الله عليه وسلم‪) :‬كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه( رواه‬
‫مسلم‪ ،‬وروى أحمد وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪) :‬الربا‬
‫ثلثة وسبعون بابا ً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه وإن أربى الربا استطالة‬
‫المرء في عرض الرجل المسلم( والحديث ل بأس به‪.‬‬
‫م كبير استهان به أكثر الناس وإنها من أربى الربا‬
‫أيها المؤمنون إن الغيبة جر ٌ‬
‫وأعظم الفجور‪.‬‬
‫أيها المؤمنون‪ ،‬إن الله تعالى أعد للوالغين في أعراض المسلمين عذابا ً‬
‫شديدا ً ونكال ً عظيما ً ففي مسند المام أحمد بسند جيد عن أنس رضي الله‬
‫عنه مرفوعًا‪" :‬لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون‬
‫وجوههم وصدورهم فقلت‪ :‬من هؤلء يا جبريل! فقال هؤلء الذين يأكلون‬
‫لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" فاتقوا الله عباد الله فإن الغيبة كبيرة‬
‫من كبائر الذنوب وعظائم الثام‪ .‬أيها المؤمنون‪ ،‬احفظوا ألسنتكم من الغيبة‬
‫ومن كل آفة مهلكة فكم من إنسان جرد لسانه مقراضا ً للعراض بكلمات‬
‫تنضح فحشا ً وقبحا ً وألفاظ تنهش العراض نهشا ً إسراف في قبيح القول‬
‫وسيئه تجن على العباد وانتهاك لحرماتهم همز ولمز حط وتنقيص فهذا‬
‫طويل‪ ،‬وذاك قصير‪ ،‬وهذا أحمق‪ ،‬وذاك غبي وهذا كذا وهذا كذا‪ .‬ففي‬
‫المجلس الواحد تسمع من الوقيعة في الخلق والغيبة للناس ما يقلق النفس‬
‫السوية‪ ،‬ويفسد الطوية‪ ،‬ويعكر القلب السليم‪ ،‬ويؤذي عباد الله المؤمنين فإنا‬
‫لله وإنا إليه راجعون‪.‬‬
‫استهتار بالخلق واستخفاف بالحرمات سفه في العقل وضلل في الدين فإن‬
‫الكلمة الواحدة من الغيبة لو مزجت أي خلطت بماء البحر لمزجته أي لغيرت‬
‫لونه فما بالكم بالمجالس الطوال والكلمات العراض التي يتفوه بها هؤلء‬
‫ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫حسبك من صفية كذا وكذا تعني أنها قصيرة فقال‪) :‬لقد قلت كلمة لو مزجت‬
‫بماء البحر لمزجته(‪.‬‬
‫فاحذروا أيها المؤمنون‪ ،‬احذروا هذه المجالس فإنها مجالس شر وبلء تؤكل‬
‫فيها لحوم المؤمنين وتنتهك فيها حرماتهم وتهدر أعراضهم فهي من أسباب‬
‫العطب وموارد الهلك‪.‬‬
‫والواجب على من جلس في هذه المجالس النكار على أهلها فإن في ذلك‬
‫خيرا ً عظيمًا‪ ،‬فيه القيام بما أوجب الله تعالى من إنكار المنكر حيث قال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم )من رأى منكم منكرا ً فليغيره بيده‪ ،‬فإن لم‬
‫يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه( وفيه الذب عن أعراض المسلمين‬
‫وفي ذلك عظيم الجر وجزيل العطاء ففي المسند قال صلى الله عليه‬
‫وسلم‪) :‬من ذب عن عرض أخيه بالغيبة – أي في غيبته– كان حقا ً على الله‬
‫أن يعتقه من النار(فاتقوا الله أيها المؤمنون وذبوا عن أعراض إخوانكم مروا‬
‫المغتاب المتهوك بالمعروف وانهوه عن المنكر فإن لم تستطيعوا النكار عليه‬
‫فل يجوز لكم البقاء معه وهو على هذه الحال من أكل لحوم المسلمين‬
‫فقوموا عنه حتى يخوض في حديث غيره‪.‬‬
‫اتقوا الله عباد الله وذروا ظاهر الثم وباطنه‪ ،‬ذروا الغيبة والسيئ من القول ـ‬
‫أيها المؤمنون ـ فإنه مما يحبط الحسنات ويذهب المروءات ويولج العبد‬
‫الدركات‪.‬‬
‫أيها المؤمنون‪ :‬إن الغيبة التي نهى الله ورسوله عنها ما فسره النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم لما سئل عنها فقال‪ ) :‬ذكرك أخاك بما يكره( فهذا ميزان‬
‫قسط؛ وضابط عدل لتمييز الغيبة عن غيرها فكل من ذكر غيره بما يكرهه‬
‫‪117‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في غيبته فقد وقع في الغيبة ل محالة‪.‬‬
‫ومن المعروف أن الحيوان الوحيد الذي يأكل لحم أخيه ميتا هو الكلب‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫درك قبح الغيبة فقدر أن الذي أغتيب هو أنت؟ أترضى أن يقع‬
‫إذا أردت أن ت ُ ْ‬
‫الناس في عرضك فتكون حديث المجالس كان نبينا صلى الله عليه وسلم‬
‫يحذر من الغيبة قال جابر‪ :‬كنا مع النبيصلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح‬
‫منتنة قال صلى الله عليه وسلم أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين‬
‫يغتابون المؤمنين رواه المام احمد في مسنده الغيبة سلعة رائجة فأن لله‬
‫وإن اليه راجعون؛ الزوجة تغتاب زوجها والزوج يغتابها؛ والطالب يغتاب معلمه‬
‫والموظف يغتاب رئيسه ورفقائه في العمل والقريب قد آذى قريبه؛ وحدث‬
‫ول حرج كغيبة الجار لجاره والجير لرب العمل‪.‬‬
‫كان السلف يعدون ترك الغيبة من صالح العمال؛ قال وهيب أبن الوردي‪:‬‬
‫والله لترك الغيبة عندي أحب الي من التصدق بجبل من ذهب؛ وقال عمر‬
‫عليكم بذكر الله فأنه شفاء؛ وإياكم وذكر الناس فأنه داء؛ قال الحسن‬
‫البصري يا أبن أدم إنك لن تصيب حقيقة اليمان حتى لتعيب الناس بعيب هو‬
‫فيك؛ كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتلقون بالب ُ ْ‬
‫شر‬
‫وليغتابون عند الغيبة ويرون ذلك أفضل العمال؛ ويرون خلفه عادة‬
‫المنافقين؛ قال بعضهم أْدركنا السلف وهم ليرون العبادة في الصوم ول في‬
‫الصلة ولكن في الكف عن أعراض المؤمنين؛‪ :‬كان سلفنا الصالح أهل التقى‬
‫والورع ُيبِغضون الغيبة ويذمون أهلها أشد الذم؛ سمع علي بن الحسين رجل‬
‫يغتاب آخر فقال له إياك والغيبة فأنها إدام كلب الناس؛ وقال أبو عوف‬
‫دخلت علىمحمد ابن سيرين رحمه الله فنلت من عرض الحجاج ابن يوسف‬
‫عنده وكان الحجاج حاكما ً ظالما ً فقال لي محمد ابن سيرين يا أبا عوف إن‬
‫الله حكم عدل فكما ينقم من الحجاج كذلك ينتقم للحجاج؛‪ :‬غيبة الناس‬
‫والوقوع في أعراضهم تسلطهم على حسناتك في يوم الدين‪.‬؟ كان الحسن‬
‫البصري رحمه الله إذا بلغه أن أحدا ً إغتابه يرسل اليه بهدية ويقول له على‬
‫لسان الرسول بلغني يا ُأخي أنك أهديت الي حسناتك وهي يقينا ً أعظم من‬
‫هديتي هذه‪ :‬قال أبو أمامة إن العبدليعطى كتابه يوم القيامة فيرى فيه‬
‫حسنات لم يعملها؛ فيقول يارب أنا لي بهذا فيقول له هذا بما أغتابك الناس‬
‫ت مغتابا ً أحدا ً‬
‫وأنت ل تشعر؛ كان عبد الله ابن المبارك رحمه الله يقول لو ك ُن ْ ُ‬
‫لغتبت والدي لنهما أحق بحسناتي من غيرهما؛ قال سعيد ابن جبير رحمه‬
‫الله إن العبد ليعمل الحسنات الكثيرة فل يراها في صحائفه فيقول يا رب أين‬
‫حسناتى فيقال له ذهبت بأغتيابك الناس وهم ليعلمون )من عمل صالحا‬
‫فلنفسه ومن اساء فعليها وما ربك بظلم للعبيد (؛ وفي الصحيحين أن رجل‬
‫قال في مالك أبن الدخشم ذاك منافق ليحب الله ورسوله فرد عليه النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم وقال لتقل ذلك ال تراه قد قال ل اله ال الله يريد‬
‫بذلك وجه الله؛ وفيهما أن رجل قال في كعب أبن مالك حبسه برداه ونظره‬
‫في عطفيه؛ فرد عليه معاذ بن جبل رضي الله عنه وقال بئس ما قلت؛ والله‬
‫يارسول الله ما علمنا عليه ال خيرا‪ :‬وإياكح والصغاء الي الغيبة على سبيل‬
‫التعجب؛ فأنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيندفع فيها؛‬
‫وأحيانا ً يقول لمن يغتاب الناس عنده أسكت وهو راغب في سماع تلك الغيبة‬
‫ومائل اليها قلبه‪ :‬يقول نبينا صلى الله عليه وسلم ليؤمن أحدكم حتى يحب‬

‫‪118‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لخيه ما يحب لنفسه كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه !‬
‫تأمل أخي في قول مالك أبن دينار رحمه الله ثم أستمع لحاديث المجالس‪:‬‬
‫قال رحمه الله كفى بالمرء إثما ً اليكون صالحا ً ثم يجلس في المجالس ويقع‬
‫في أعراض الصالحين؟ نرى بعض الناس سلم منه أهل الفجور والفسق ولم‬
‫يسلم منه أخوانه الصالحون؛ يتتبع زلتهم ويفرح بعثراتهم إذا أراد أن تتجه اليه‬
‫النظار أو أن يرفع نفسه في مجلس ما لم يجد سبيل ً ال الوقوع في أعراض‬
‫الصالحين يغتاب العلماء والقضاة والدعاة الي منهج السلف وإلئمة‬
‫والمؤذنين والقراء ويغتاب ولة المر ليرفع نفسه؛ وللنفس في ذلك حظ؛‬
‫فكأنه يقول إن خطء هؤلء يبرر أخطائي ويعفيني من المحاسبة على ذنوبي‬
‫وإجرامي ونسي أن أوليك البرار إن أخطائوا فخطائهم عن إجتهاد وهم‬
‫مأجورون؛ فكيف يساوي بهم المصر على الذنب والفجور ليله ونهاره؟‬
‫)‪(5 /‬‬
‫ق الله جل‬
‫فيامن ليخلو مجلس له من غيبة و وقوع في أعراض المؤمنين؛ إت ِ‬
‫وعل وأعلم أنك ناقص القدر عند الله وعند الناس؛ إن كنت تطلب بالغيبة‬
‫رضا جلسائك فأعلم أن من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه‬
‫وأسخط عليه الناس فأشتغل بعيوب نفسك عن عيوب الناس؛ كل نفس بما‬
‫كسبت رهينة؛ اترضى أن يفوز الناس بحسناتك وأجورك وتبوى أنت بالثم‬
‫وهم بما نالوه من ِقبلك فرحون فأى صفقة أخسر من هذه إذا كنت تغتاب‬
‫أهل الفضل والسنة لترفع من شأنك فبئس ما صنعت والله ثم والله‬
‫ليفضحنك الله على روؤس الشهاد؛ يقول الله سبحانه وتعالى كما في‬
‫الحديث القدسي من عادى لي وليا ً فقد أذنته بالحرب؛ أين هم الذين اغتابوا‬
‫وتكلموا في المام أحمد إمام أهل السنة؛ وشيخ السلم ابن تيمية؛ وابن‬
‫القيم؛ وإلمام المجدد ابن عبد الوهاب؛ وابن باز والعثيمين وغيرهما من أهل‬
‫العلم والفضل؛ أين أولئك الذين اغتابوهم فضحهم الله جل وعل على روؤس‬
‫مفرط أياك وسوء الظن‬
‫الشهاد وأنجى عباده المؤمنين وخلصهم؛ أيها العبد ال ُ‬
‫بأخوانك وإذا أطلعت على هفوة مسلم فانصحه في السر ول تفضحه ل‬
‫يخدعنك الشيطان بغيبة ذلك المسيء وإذا ما وعظته فلء تعظه وأنت‬
‫مسرور باطلعك على نقصه لينظر اليك بعين التعظيم وتنظر اليه بعين‬
‫الحتقار؛ ولكن عظ أخاك وقصدك الحسان اليه وقد أصابك الحزن لما وقع‬
‫ه وأنت مشفق عليه‬
‫منه من خطء وإجرام تقصد تخليصه من نار جهنم؛ عظ ُ‬
‫محب له لترضى لنفسك بغيبته‪.‬‬
‫ة‬
‫صوَرٍ مستثنا ٍ‬
‫ُ‬
‫أيها المؤمنون‪ ،‬إن الغيبة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع أهل العلم وحكى‬
‫مة أعلم كابن حزم والنووي وابن حجر والغزالي‬
‫الجماعَ على تحريمها أئ ّ‬
‫ة‬
‫والقرطبي و غيرهم‪ ،‬ولم ير ّ‬
‫صوَرٍ مستثنا ٍ‬
‫خصوا في شيٍء منها سوى سّتة ُ‬
‫سن من‬
‫من التحريم للحاجة إليها في جلب المصالح و درء المفاسد‪ ،‬و قد أح َ‬
‫مها في قوله‪:‬‬
‫نظ َ َ‬
‫ح ليس بغيبة في ستة *** متظلم ٍ ومعرف ومحذر‬
‫القد ْ ُ‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ومجاهرٍ فسقا ومستف ٍ‬
‫ت ومن *** طلب العانة في إزالة ُ‬
‫منك ٍ‬
‫فمن ذلك المظلوم فإن له أن يتظلم بذكر من ظلمه واغتيابه عند من له‬
‫قدرة على إنصافه وإحقاق حقه‪ ،‬ومن الصور النصيحة للمسلمين في دينهم‬
‫ودنياهم كذكر أهل الفسق والشر والكفر والبدع ليحذر المسلمون من‬

‫‪119‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فسقهم وشرهم أو ليأخذوا على أيديهم ويمنعوهم من الفساد‪.‬‬
‫من المور التي لتدخل في الغيبة المحرمة بل هي من النصيحة ذكر أهل‬
‫الهواء والفتنة وبيان مخالفاتهم وتحذير أهل اليمان منهم فليس ذا من الغيبة‬
‫المحرمة‪ :‬ها هو نبينا صلى الله عليه وسلم يذكر المسيح الدجال ويبين فتنته‬
‫ومخرجه وما معه من المور العظام ثم يوصي أهل السلم بالبعد عنه وعدم‬
‫مصاحبته ومن سمعه فلينأ عنه وليهرب بدينه فهل هذا ياعباد الله من الغيبة‪:‬‬
‫وها هو رجل يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذنوا له بئس‬
‫أخو العشيرة؛ فهل هذا من الغيبة أيضًا‪ :‬ولما قال ذو الخويصرة يا محمد‬
‫إعدل فأنك لم تعدل قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق هذا الرجل‬
‫يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلتكم عند صلتهم وقراتكم عند قراتهم‬
‫يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فهل هذا من الغيبة‪ :‬أم من‬
‫النصيحة؟ فرق معاشر المؤمنين بين الغيبة والنصيحة إنما يعرف ذلك أهل‬
‫العلم قال رجل للمام أحمد وقد سمعه يقع في رجل ويحذر منه وكان أحمد‬
‫شديدا في ذلك فقد قال في حق الكرابيسي؛ هتكه الله الخبيث؛ فقال ذلك‬
‫الرجل للمام أحمد‪ :‬لتغتب المسلمين؛ فقال المام أحمد‪ :‬ياهذا إنما نحن‬
‫نغتاب للمسلمين؛ ولما وقع قتادة وكان من أئمة السلف لما وقع وتكلم في‬
‫عمرو بن عبيد المبتدع وحذر منه قال عاصم الحول العلماء يقع بعضهم في‬
‫بعض فقال له قتادة يا أحول وما تدري أن الرجل إذا أحدث ينبغي أن يذكر‬
‫ليحذر والذي يقول لتذكروا أهل الهواء والفتنة ويحتج بأنها غيبة هو أحد‬
‫رجلين إما جاهل حقه أن يأخذ سبورة ويجالس علماء السنة والتوحيد‪ :‬وإما‬
‫أنه رجل سيء القصد يميل اليهم أو هو منهم كما قال عقبة أبن علقمة كنت‬
‫عند أرطاه أبن المنذري فسئل عن الرجل يماشي أهل السنة فاذا ذ ُك َِر أهل‬
‫الهواء قال دعونا منهم لتذكروهم فقال أرطاه أبن المنذري‪ :‬هو منهم‬
‫ليلبس عليكم أمره قال فتعجبت من ذلك وذهبت الي الوزاعي وكان كشافا ً‬
‫عن هذه المور إذا بلغته فسالته فقال صدق أرطاه القول ما قال‪:‬هذا ينهى‬
‫عن ذكرهم متى يُعلموا ومتى ُيحذروا إذا لم يبين ذكرهم وقيل للمام أحمدلما‬
‫تكلم في ُأناس وحذر منهم قيل له ياأمام أحمد أما تخشى أن تكون هذه غيبة‬
‫ت أنت؛ فمتى يعلم الناس الصحيح من السقيم‪:‬‬
‫ت أنا وسك َ‬
‫قال إذا سك ُ‬
‫ل الهواء والبدع وليستغل هذا المر‬
‫فأنتبهوا بارك الله فيكم من تحايل أه ِ‬
‫وهو تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الغيبة فأنه كما حذر منها؟ حذر‬
‫من أهل الهواء والفتن بأعيانهم وأوصافهم والله الموفق والهادي الي سوى‬
‫السبيل‪.‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫*على المسلم أن يتقي الله تعالى العلي الكبير حق تقواه فيما يأتي ويذر‬
‫وعلى المؤمن أن يتحقق من المصلحة في الكلم عن الغير وأن يتيقن أن هذا‬
‫المتكلم فيه ممن تجوز غيبته فإن اشتبه عليه المر فالسلمة ل يعدلها شيء‬
‫ولن تخطئ بالسكوت والعفو خير من أن تخطئ في الغيبة والعقوبة وإلصل‬
‫أن أخاك المسلم محفوظ الغيبة مصون العرض‪.‬‬
‫أيها المؤمنون‪ ،‬إن على العبد المؤمن أن ل يلج في الكلم عن الغير إل على‬
‫بصيرة وأن يقصد بكلمه النصح لله ورسوله وللمسلمين قال شيخ السلم‬
‫ابن تيمية رحمه الله‪" :‬لبد له ـ أي لمن يتكلم في غيره بما يكره في غيبته ـ‬
‫من حسن النية فلو تكلم بحق لقصد العلو في الرض والفساد كان بمنزلة‬

‫‪120‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من يقاتل حمية ورياء‪ ،‬وإن تكلم لجل الله تعالى مخلصا ً له الدين كان من‬
‫المجاهدين في سبيل الله من ورثة النبياء خلفاء الرسل"‪.‬‬
‫أيها المؤمنون‪ ،‬إن الغيبة تعظم بحسب حال المغتاب فليست غيبة عامة‬
‫الناس ودهمائهم كغيبة أهل العلم والتقى والصلح قال شيخ السلم رحمه‬
‫الله‪ " :‬ولذلك تغلظت الغيبة بحسب حال المؤمن فكلما كان أعظم إيمانا ً كان‬
‫اغتيابه أشد "‪.‬‬
‫فاتقوا الله أيها المؤمنون واحفظوا ألسنتكم وصونوها فإنه من ترك لسانه‬
‫مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار‪،‬‬
‫فكم هم الذين تكلموا في أول المر بحق وهدى ثم استزلهم الشيطان فولغوا‬
‫في أعراض إخوانهم زيغا ً وهوى‪.‬‬
‫كما ينبغي للمؤمن أن ل يتعرض لغيبة أحد مطلقا ً لن هذا يعني انصرافه عن‬
‫عيوب نفسه بحسب قول النبي صلى الله عليه وسلم‪" :‬رحم الله امريًء‬
‫انشغل بعيوبه عن عيوب الناس"‪.‬‬
‫ّ‬
‫مة الثلثة‪ ،‬و‬
‫وليعَلم أ ّ‬
‫ب كهذا ل بد ّ من توفر شروط التوبة العا ّ‬
‫ن للتوبة من ذن ٍ‬
‫هي‪:‬‬
‫‪ .1‬القلع عن الذنب‪.‬‬
‫‪ .2‬الندم على ما فات من فعله‪.‬‬
‫‪ .3‬العزم على عدم العودة إليه مستقب ً‬
‫ل‪.‬‬
‫من أساء إليه‪.‬‬
‫و يضاف إلى هذه الشروط أن يتحّلل م ّ‬
‫من أساء‬
‫وعلى التائب منها أن يراعي المصلحة و المفسدة قبل أن يعتذر م ّ‬
‫إليهم‪ ،‬فإن لم تكن الغيبة قد ب ََلغت المغتاب فالولى عدم طلب السماح منه‪،‬‬
‫والكتفاء بالرجوع عن الغيبة أمام من سمعها‪ ،‬و تبرئة ساحة من طالته‬
‫بالرجوع عنها‪ ،‬والتعريف بمحاسنه والثناء عليه بما فيه‪.‬‬
‫ن الواقع في‬
‫أ ّ‬
‫ما إذا كانت الغيبة قد بلغت المقصود بها‪ ،‬فإن غََلب على ظ ّ‬
‫ن إصلح‬
‫ن من سيعتذر منهم يقبلون اعتذاره بادرهم به‪ ،‬و إن رأى أ ّ‬
‫الغيبة أ ّ‬
‫ّ‬
‫ذات البين يمكن تحقيقها بالتلطف و تقديم الهدايا إليهم فَعل‪ ،‬ود ََرَء سيئاته‬
‫بحسنات مثلها أو أكبر منها‪.‬‬
‫ً‬
‫وإن غَلب على ظّنه أن اعتذاره لن ُيجديَ معهم نفعا‪ ،‬أو أّنه قد يؤدي إلى‬
‫زيادة الفرقة و الضغينة في النفوس‪ ،‬فليلجأ إلى الحسان إليهم بالدعاء‪ ،‬و‬
‫ما يسوؤهم أو يسيء إليهم‪ ،‬لع ّ‬
‫ل الله يلهم الصفح‪،‬‬
‫ذكر محاسنهم‪ ،‬و الك ّ‬
‫فع ّ‬
‫و يقيل عثرة َ صاحبهم فيغفر له‪ ،‬وهو أهل التقوى و أهل المغفرة‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير سورة الحجرات‪ ) :‬قال الجمهور‬
‫من العلماء‪ :‬طريق المغتاب للناس في توبته أن ُيقلع عن ذلك‪ ،‬و يعزم على‬
‫أن ل يعود‪ ،‬و هل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع‪ ،‬و أن يتحلل من الذي‬
‫اغتابه‪.‬‬
‫و قال آخرون‪ :‬ل ُيشترط أن يتحلله فإنه إذا أعلمه بذلك رّبما تأذى أشد مما‬
‫إذا لم يعلم بما كان منه‪ ،‬فطريقه إذا ً أن ُيثني عليه بما فيه في المجالس التي‬
‫كان يذمه فيها‪ ،‬و أن يرد عنه الغيبة بحسبه و طاقته لتكون تلك بتلك (‪.‬‬
‫ص و الجماع‪ .‬عن حذيفة بن اليمان‬
‫‪ .2‬النميمة‪ ،‬وهي كالغيبة في التحريم بالن ّ‬
‫ن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬ل يدخل الجّنة‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬أ ّ‬
‫مام"‪ .‬و في رواية‪ ) :‬قتات(‪ ،‬والمعنى واحد‪ ،‬و قيل ] كما في فتح الباري [‪:‬‬
‫ن ّ‬
‫الفرق بين القتات و النمام أن النمام الذي يحضر فينقلها والقتات الذي‬
‫يتسمع من حيث ل يعلم به ثم ينقل ما سمعه‪.‬‬
‫والنميمة من السباب الموجبة لعذاب القبر‪ ،‬ففي المتفق عليه عن ابن‬
‫‪121‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على قبرين‬
‫عّباس رضي الله عنهما‪ ،‬أ ّ‬
‫فقال ‪ ":‬أما إنهما ليعذبان‪ ،‬وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي‬
‫بالنميمة‪ ،‬وأما الخر فكان ل يستتر من بوله"‪.‬‬
‫‪ .3‬تتّبع ز ّ‬
‫لت العلماء‪ ،‬والتذّرع بها إلى الطعن في بعضهم‪ ،‬و النيل من آخرين‪،‬‬
‫ب عن‬
‫ن ذلك من النصيحة لله ولرسوله‪ ،‬ومن الذ ّ‬
‫واّتخاُذهم عََرضًا‪ ،‬بدعوى أ ّ‬
‫شريعته الغراء المطّهرة‪.‬‬
‫رويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله‪ ) :‬وي ٌ‬
‫ل للتباع من عثرات العاِلم (‪.‬‬
‫قيل‪ :‬و كيف ذاك؟ قال‪ ) :‬يقول العالم شيئا ً برأيه ثم يجد من هو أعلم منه‬
‫برسول الله صلى الله عليه وسلم فيترك قوله ذلك‪ ،‬ثم يمضي التباع (‬
‫] الموافقات‪ ،‬للشاطبي‪ 318 / 3 :‬و الفتاوى الكبرى‪ ،‬لبن تيمّية‪ .[ 96 / 6 :‬و‬
‫عنه رضي الله عنه‪ ،‬أّنه قال‪ ) :‬وي ٌ‬
‫ل للعالم من التباع (؛ أي لما يتابعونه فيه و‬
‫يتناقلونه عنه من الزلت‪.‬‬
‫جراح كما جاء في‬
‫مَثل الذباب ل يقعون إل على ال ِ‬
‫فليّتق الله أقوام مثلهم ك َ‬
‫ض من عاشوا في زمنه‪.‬‬
‫وصف شيخ السلم ابن تيمّية رحمه الله بع َ‬
‫)‪(7 /‬‬
‫ل‬
‫س ل ُتش ِ‬
‫ه *** أش ِ‬
‫فق على ال َ‬
‫يا ناط َ‬
‫م ُ‬
‫ل العالي لت َك ْل ِ َ‬
‫جب َ ِ‬
‫ح الجب ِ‬
‫فق على الرأ ِ‬
‫‪ .4‬السب وبذاءة اللسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )ليس‬
‫المؤمن بالطعان ول باللعان ول بالفاحش ول بالبذئ( وقد عرف عن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬انه لم يكن فاحشا ول متفحشا ول صاخبا ً في‬
‫السواق ول يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح والفحش هو التعبير عن‬
‫المور المستقبحة بالعبارات الصريحة اما السب فاخبثه واكفره )سب الدين(‬
‫وهو ردة باجماع المسلمين وبه يحبط العمل والعياذ بالله قال تعالى‪) :‬ان‬
‫الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا وإلخرة واعد لهم عذابا مهينا(‬
‫وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪) :‬سباب المسلم فسوق وقتاله كفر(‪.‬‬
‫‪ .5‬اللعن ـ واللعن عبارة عن الدعاء بالطرد وإلبعاد من الله تعالى وذلك غير‬
‫جائز ال على من اتصف بصفة تبعده من الله وهو الكفر والظلم بأن يقول‬
‫لعنة الله على الظالمين وعلى الكافرين وكل شخص ثبتت لعنته شرعا‬
‫كقولك )فرعون لعنة الله( ابو جهل لعنه الله لنه ثبت ان هؤلء ما توا على‬
‫الشرك والكفر ول يجوز ان يرمى مسلم بفسق او كفر من غير تحقيق‪.‬‬
‫‪ .6‬السخرية‪:‬‬
‫قرهم ويستهين بهم بقول أو إشارة‬
‫وهي الستهزاء بالخرين وذكرهم بما يح ّ‬
‫أو فعل بحيث يؤدي للضحك عليهم وإلهانة لهم‪ ،‬وهذا المر إنما يصدر من‬
‫أهل الغفلة وناقصي العقول لن الله تعالى يقول‪" :‬يا أيها الذين آمنوا ل‬
‫يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ً منهم"‪.‬‬
‫‪ .7‬التنابز باللقاب‪:‬‬
‫وهو خطاب الخرين بأسماء يكرهونها لنها تشعرهم بالذم وقد جاء في ذلك‪:‬‬
‫"ول تنابزوا باللقاب بئس السم الفسوق بعد اليمان"‪.‬‬
‫‪ .8‬اللغو‪:‬‬
‫ً‬
‫وهو الكلم الذي ل فائدة منه مطلقا حيث ل يفيد في دنيا ول آخرة‪ ،‬والنسان‬
‫ينبغي أن يكون مترفعا ً عن سفاسف المور‪ ،‬والله يقول في محكم كتابه‪" :‬قد‬
‫أفلح المؤمنون‪ ..‬والذين هم عن اللغو معرضون"‪ .‬فينبغي على العاقل ال‬
‫يتكلم فيما ل يعنيه بل يجب عليه ان يكثر من تسبيح الله تعالى وذكره قال‬

‫‪122‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صلى الله عليه وسلم‪ :‬من حسن اسلم المرء تركه مال يعنيه وقال عمر بن‬
‫عبدالعزيز رضى الله عنه )ان من اكثر الموت وذكره رضى من الدنيا باليسير‬
‫ـ ومن عد كلمه من عمله قل كلمه ل فيما يعنيه(‬
‫قال تعالى )لخير في كثير من نجواهم ال من أمر بصدقه او معروف او‬
‫اصلح بين الناس(‪.‬‬
‫وقال الربيع بن خيثم رحمه الله يقول )ل خير في الكلم ال في تسع( ‪-1‬‬
‫تهليل ‪ -2‬تكبير ‪ -3‬وتسبيح ‪ -4‬وتحميد ‪ -5‬وسؤالك من الخير ‪ -6‬وتعوذك من‬
‫الشر ‪ -7‬وامرك بالمعروف ‪ -8‬ونهيك عن المنكر ‪ -9‬وقراءتك للقرآن‪.‬‬
‫‪ .9‬شهادة الزور‪:‬‬
‫فالزور تمويه الباطل بما يوهم أنه حق‪ ،‬وهو يشمل الكذب وكل لهو باطل‬
‫كالغناء والفحش‪ ،‬ومن صفات المؤمنين أنهم‪" :‬والذين ل يشهدون الزور"‪.‬‬
‫‪ .10‬المراء والجدل ـ وهذه آفة المجالس‪ ،‬وليكاد مجلس يسلم منها والمراء‬
‫هو كل اعتراض على كلم الغير باظهار خلل فيه في اللفظ أو في المعنى‬
‫والجدال هو قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلمه قال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪) :‬انا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء‬
‫وان كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وان كان مازحا وببيت‬
‫في اعلى الجنة لمن حسن خلقه (‪.‬‬
‫‪ .11‬الخصومة‪ :‬فهي توغر الصدر وتهيج الغضب وتورث العداوة ومنها ينشأ‬
‫الحقد والغل والحسد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )إن أبغض‬
‫الرجال الى الله اللد الخصم( وقال بعضهم اياك والخصومة فانها تمحق‬
‫الدين‬
‫‪ .12‬التشدق في الكلم وتكلف الفصاحة وهذا من التصنع المذموم قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم )هلك المتنطعون( قالها ثلثا والمتنطعون‬
‫هم المبالغون في المور والمجاوزن الحدود في اقوالهم وافعالهم وقال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ان من شرار امتي الذين غذو بالنعيم الذين‬
‫يطلبون الوان الطعام والوان الثياب ويتشدقون بالكلم‪.‬‬
‫ول يدخل في هذه الفة تحسين الفاظ الخطابة والتذكر من غير افراط‬
‫واغراب فان المقصود منها تحريك القلوب وتشويقها وقبضتها وبسطتها‬
‫فلرشاقة اللفظ تأثير‪.‬‬
‫‪ .13‬الغناء والشعر المذموم قال صلى الله عليه وسلم‪) :‬ان من الشعر‬
‫لحكمة(‪.‬‬
‫فالمحمود الذى يدعو الى مكرمة ويشد العزائم لمقاتلة الكفار ويدعو الى‬
‫العودة الى الله شريطة ان يخلو من الختلط ول يصدر من امرأة ول يصاحبه‬
‫آلت موسيقية‪ .‬أما المذموم فهو الذى يدعو الى رذيلة ويثير الغرائز الكامنة‬
‫ويصاحبه اختلط وتبرج وغير ذلك فقائله آثم والمستمع شريك المتكلم‬
‫‪ .14‬المزاح كذبا‬
‫وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ول يقول ال حقا فيجب عدم‬
‫الفراط في المزاح قال صلى الله عليه وسلم )ل تكثر الضحك فان كثرة‬
‫الضحك تميت القلب(‪.‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫ة‬
‫ط الكلم‪ ،‬وإرسال المقال‪ ،‬وهذه آف ٌ‬
‫‪ .15‬السترسال في القيل والقال‪ ،‬وَبس ِ‬
‫ة‪ ،‬ح ّ‬
‫ذر منها صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة‬
‫موِبق ٌ‬
‫ُ‬
‫‪123‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫رضي الله عنه‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬إن الله‬
‫يرضى لكم ثلثا ً ويكره لكم ثلثا ً فيرضى لكم أن تعبدوه ول تشركوا به شيئا ً‬
‫وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ً ول تفرقوا ويكره لكم قيل وقال‪ ،‬وكثرة‬
‫السؤال‪ ،‬وإضاعة المال"‪.‬‬
‫** فضائل اللسان‪:‬‬
‫كما سبق القول أن آفات اللسان ل تحصى كذلك فإن فضائل اللسان‬
‫ومحاسنه ل حصر لها عند أهل الفضل وإليمان‪ ،‬ولعل كل كلمة تصدر منهم‬
‫هي فضيلة وكل مقولة حسنة وكرامة‪،‬‬
‫‪ -1‬الصدق‪:‬‬
‫وهو من الصفات الخالصة للنسان المؤمن كما أّنه من صفات الله تعالى‬
‫ورسوله صلى الله عليه وسلم‪" :‬هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله‬
‫ورسوله"‪.‬‬
‫يقول عّز وج ّ‬
‫ل‪" :‬يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"‪.‬‬
‫‪ -2‬القول الحسن‪:‬‬
‫ْ‬
‫وهو من وصايا الله تعالى للمؤمنين؛ إذ يقول‪" :‬وقل لعبادي يقولوا التي هي‬
‫أحسن"‪.‬‬
‫وهو القول المتأدب الجميل الخالي من الخشونة والشتم وسوء المر‪،‬‬
‫والكلم بهذه الصفة يقع في قلوب الخرين فيترك آثارا ً حسنة تعود بالخير‬
‫على ك ِل َ الطرفين حتى أن الله أوصى موسى وهارون أن يأتيا جبارا ً مثل‬
‫فرعون‪" :‬فقول له قول ً لينا ً لعله يتذكر أو يخشى"‪.‬‬
‫وبهذا المقام يرتفع النسان من مقام السوء والمبادلة بالمثل‪" :‬وإذا خاطبهم‬
‫الجاهلون قالوا سلمًا"‪ ،‬أي رّدوا ردا ً سالما ً من الثم أو الشتم ولم ينحدروا‬
‫إلى مقام المسيئين‪ ،‬وهذا مقام ل يناله إل ّ من أخلصه الله لنفسه‪،‬‬
‫ظ عظيم"‪.‬‬
‫"وما يلقاها إل ّ الذين صبروا وما يلقاها إل ّ ذو ح ٍ‬
‫‪ -3‬خفض الصوت‪:‬‬
‫إن للحديث آدابا ً منها خفض الصوت‪ ،‬والكلم دون جدال وصخب وصياح‪ ،‬مما‬
‫يقلل من شأن المتحدث ويسلب منه الوقار والحياء‪ ،‬لذلك كانت وصية لقمان‬
‫لبنه في جملة مواعظه له‪" :‬واغضض من صوتك"‪.‬‬
‫جه عبده في‬
‫خصوصا ً في حال النقاش والحوار لثبات الحجج فإن الله يو ّ‬
‫كيفية المناقشة بقوله‪" :‬وجادلهم بالتي هي أحسن"‪ .‬ومن جملة معاني "التي‬
‫هي أحسن" أن يتكلم بصوت هاديء ومنخفض بشكل يعكس الثقة بالنفس‬
‫والتمكن من الفكرة‪.‬‬
‫* اجتمع قيس بن ساعدة وأكثم بن صيفي‪ ،‬فقال أحدهما لصاحبه‪:‬‬
‫كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟‬
‫صى‪ ،‬وقد وجدت خصلة إن استعملها النسان‬
‫فقال‪ :‬هي أكثر من أن ت ُ ْ‬
‫ح َ‬
‫سترت العيوب كلها‪.‬‬
‫قال‪ :‬ما هي؟ قال‪ :‬حفظ اللسان‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬ما ندمت على ما لم أقل مرة‪ ،‬وندمت على ما قلت مرارا‪ً.‬‬
‫و‪ :‬أنا على رد ّ ما لم أقل أقدر مني على رد ّ ما قلت‪.‬‬
‫و‪:‬ما لم أتكلم بكلمة ملكتها‪ ،‬فإذا تكلمت بها ملكتني‪.‬‬
‫و‪ :‬العجب ممن يتكلم بكلمة إن ُرفعت ضرت‪ ،‬وإن لم ُترفع لم تنفع‪.‬‬
‫** إخوتي‪ ..‬تداركوا أنفسكم قبل أن تفاجئوا يوم القيامة بذنوب كالجبال من‬
‫آفات وسقطات اللسان‪ ..‬يتعلق بك من بهته و يمسك بك من اغتبته‪ ..‬ويقبض‬
‫على رقبتك من استهزأت به‪ ..‬حديثك تنساه بمجرد إطلق الكلمة و انتهاء‬
‫‪124‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ى عليك قال تعالى‪ ":‬أحصاه الله و نسوه" موقوف‬
‫المجلس‪ ..‬و لكنه محص ً‬
‫ُ‬
‫أنت حتى يقتص منك‪ ..‬يؤخذ من حسناتك لهم فإن فنيت‪ ..‬أخذ من سيئاتهم‬
‫فحطت عليك‪..‬؟! مصيبة أن تفجع في ذلك اليوم بمثل هذا و أنت أحوج ما‬
‫تكون للحسنة الواحدة‪..‬‬
‫** النجاة في الصمت‬
‫عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال‪) :‬قال رسوال الله صلى‬
‫الله عليه وسلم )من صمت نجا( رواه الترمذي‪.‬‬
‫اخي المسلم ـ اختي المسلمة‪ :‬هذه وصية عظيمة وهى قليلة المبنى كثيرة‬
‫المعنى واعلم اخي المسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان افصح‬
‫الناس واعذبهم كلما واسرعهم اداء واحلهم منطقا حتى ان كلمه ليأخذ‬
‫بمجامح القلوب ويسبي الرواح ويشهد له بذلك اعداؤه ـ وكان صلى الله‬
‫عليه وسلم اذا تكلم تكلم بكلم مفصل مبين تقول السيدة عائشة رضى الله‬
‫عنها )ماكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا ولكن كان‬
‫يتكلم بكلم بين مفصل يحفظه من جلس اليه( وكان كثيرا ما يعيد الكلم ثلثا‬
‫ليعقل عنه وكان طويل السكوت ل يتكلم في غير حاجة ويتكلم بجوامع الكلم‬
‫فصل لفضول فيه ولتقصير وكان ليتكلم فيما ل يعنيه وكان ليتكلم ال فيما‬
‫يرجو ثوابه‪ ،‬ووصية اليوم التي نتحدث عنها تعتبر من جوامع كلمه صلى الله‬
‫عليه وسلم فلقد كان من هديه كما ذكرنا سابقا طويل السكوت ل يتكلم في‬
‫غير في حاجة وها هو يوصينا فيقول‪) :‬من صمت نجا( فاعلم اخي المسلم‪:‬‬
‫اللسان يعد اخطر عضو في النسان قال عنه المام الغزالي رحمه الله تعالى‬
‫)صغير حجمه عظيم طاعته وجرمه(‬
‫فمن كل ما سبق ذكره يتضح لنا ان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫علج لهذه الفة ال وهو )من صمت نجا( ـ فليت كل مسلم ومسلمة قبل ان‬
‫ينطق بالكلمة يفكر فيها وفى عاقبتها ويتقى الله في هذه النعمة لن اللسان‬
‫نعمة بدل ان اسخرها في معصية اجعلها طاعة لله رب العالمين فلنكثر من‬
‫الذكر وقراءة القرآن الكريم وإلستغفار والصلة والسلم على رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫)‪(9 /‬‬
‫و المرُء – يا عباد َ اللهِ ‪ -‬بأصغََريه‪ :‬قلب ِهِ و لساِنه ] كما قال عمرو بن معد‬
‫يكُرب [ و على صلحهما و فسادهما يكون صلح النسان أو فساده‬
‫ع َ‬
‫ي بشيٍء من‬
‫إذا تبّين ِ‬
‫ظم الداء فل بد ّ من التماس الدواء‪ ،‬و دواء من ابتل َ‬
‫آفات اللسان أن يبادر إلى القلع و التوبة إلى الله تعالى قبل أن ل يكون‬
‫درهم و ل دينار‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وابون‪.‬‬
‫فلنبادر يا عباد الله إلى التوّبة‪ ،‬إذ كلنا خطاء‪ ،‬و خير الخطائين الت ّ‬
‫اللهم اهدنا لحسن الخلق ل يهدي لحسنها إل أنت‪ ،‬واصرف عنا سيئها ل‬
‫يصرف عنا سيئها إل أنت‪.‬‬
‫اللهم طهر قلوبنا من النفاق وألسنتنا من الكذب والفحش يارب العالمين‪.‬‬
‫اللهم حبب إلينا اليمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان‬
‫واجعلنا من الراشدين‪.‬‬
‫)‪(10 /‬‬

‫‪125‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إخبار الخاطب بمرض المخطوبة‬
‫السؤال ‪:‬‬
‫أنا فتاة مريضة بالسكر فهل أخبر من يريدون خطبتي بالمرض قبل‬
‫الخطوبة ؟‬
‫الجواب ‪:‬‬
‫أقول مستعينا ً بالله تعالى ‪:‬‬
‫ً‬
‫إذا كان المرض الذي تعاني منه المخطوّبة مستفحل ً فتاكا ُيخشى أن يعيقها أو‬
‫وه البناء و نحو‬
‫يودي بحياتها ‪ ،‬أو تترّتب على كتمانها مفسدة كبيرة كتش ّ‬
‫ن في كتمانه‬
‫ذلك ؛ فالواجب عليها أو على ولّيها إخطار الخاطب بالمر ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن‬
‫تغرير و غش ‪ ،‬و قد روى مسلم و أبو داود و الترمذي و ابن ماجة و أحمد عَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه وسلم َقا َ‬
‫سو َ‬
‫س‬
‫أِبى هَُري َْرة َ ‪ .‬أ ّ‬
‫ن َر ُ‬
‫ل‪َ »:‬‬
‫ش فَل َي ْ َ‬
‫ن غَ ّ‬
‫م ْ‬
‫مّنا « ‪.‬‬
‫س ِ‬
‫ِ‬
‫مّنى « و في رواية ‪ » :‬فَل َي ْ َ‬
‫مت به‬
‫ما يظهر عادةً كح ّ‬
‫ما ع ّ‬
‫ب الشباب و السمنة ‪ ،‬أو م ّ‬
‫ما إن كان المرض م ّ‬
‫أ ّ‬
‫ّ‬
‫مرض السكري أو ارتفاع ضغط الدم‬
‫البلوى في العصر الحديث كاليسير من َ‬
‫و ما إلى ذلك فل أرى موجبا ً لعلم الخاطب أو غيره به ‪.‬‬
‫و الله أعلم ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إخراج زكاة الفطر نقدا ً‬
‫المجيب ‪ ...‬أ‪.‬د‪ .‬سعود بن عبدالله الفنيسان‬
‫عميد كلية الشريعة بجامعة المام محمد بن سعود السلمية سابقا ً‬
‫التصنيف ‪ ...‬الفهرسة‪ /‬فقه المناسبات‪/‬شوال‬
‫التاريخ ‪28/09/1425 ...‬هـ‬
‫السؤال‬
‫ً‬
‫ً‬
‫هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا بدل من الطعام ‪ ،‬وذلك لحاجة الناس الن‬
‫إلى النقد أكثر من الطعام ؟‬
‫الجواب‬
‫إخراج القيمة في زكاة الفطر اختلف فيها العلماء على قولين ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬المنع من ذلك ‪ .‬قال به الئمة الثلثة مالك ‪ ،‬والشافعي ‪ ،‬وأحمد ‪،‬‬
‫وقال به الظاهرية أيضا ً ‪ ،‬واستدلوا بحديث عبد الله بن عمر في الصحيحين "‬
‫فرض رسول الله زكاة الفطر صاعا ً من تمر ‪ ،‬أو صاعا ً من بر ‪ ،‬أو صاعا ً من‬
‫شعير ‪)،‬وفي رواية أو صاعا ً من أقط(‪ ،‬على الصغير والكبير من المسلمين ‪.‬‬
‫ووجه استدللهم من الحديث ‪ :‬لو كانت القيمة يجوز إخراجها في زكاة الفطر‬
‫لذكرها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ول يجوز تأخير البيان عن وقت‬
‫الحاجة ‪ ،‬وأيضا ً نص في الحديث الخر " أغنوهم في هذا اليوم"‪ ،‬وقالوا‪ :‬غنى‬
‫الفقراء في هذا اليوم يوم العيد يكون فيما يأكلون حتى ل يضطروا لسؤال‬
‫الناس الطعام يوم العيد ‪.‬‬
‫ً‬
‫والقول الثاني ‪ :‬يجوز إخراج القيمة ) نقودا أو غيرها ( في زكاة الفطر ‪ ،‬قال‬
‫به المام أبو حنيفة وأصحابه ‪ ،‬وقال به من التابعين سفيان الثوري ‪ ،‬والحسن‬
‫البصري ‪ ،‬والخليفة عمر ابن عبد العزيز ‪ ،‬وروي عن بعض الصحابة كمعاوية‬
‫بن أبي سفيان ‪ ،‬حيث قال ‪ " :‬إني لرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا ً‬
‫من تمر " ‪ ،‬وقال الحسن البصري ‪ " :‬ل بأس أن تعطى الدراهم في صدقة‬
‫الفطر " ‪ ،‬وكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عامله في البصرة ‪ :‬أن يأخذ‬

‫‪126‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من أهل الديون من أعطياتهم من كل إنسان نصف درهم ‪ ،‬وذكر ابن المنذر‬
‫في كتابه )الوسط( ‪ :‬إن الصحابة أجازوا إخراج نصف صاع من القمح ؛ لنهم‬
‫رأوه معادل ً في القيمة للصاع من التمر ‪ ،‬أو الشعير ‪.‬‬
‫ومما سبق يتبين أن الخلف قديم وفي المر سعة ‪ ،‬فإخراج أحد الصناف‬
‫المذكورة في الحديث يكون في حال ما إذا كان الفقير يسد حاجته الطعام‬
‫في ذلك اليوم يوم العيد ‪ ،‬وإخراج القيمة يجوز في حال ما إذا كانت النقود‬
‫أنفع للفقير كما هو الحال في معظم بلدان العالم اليوم ‪ ،‬ولعل حديث رسول‬
‫الله – صلى الله عليه وسلم – " أغنوهم في هذا اليوم" ‪ ،‬يؤيد هذا القول ؛‬
‫لن حاجة الفقير الن ل تقتصر على الطعام فقط ‪ ،‬بل تتعداه إلى اللباس‬
‫ونحوه ‪ ، ..‬ولعل العلة في تعيين الصناف المذكورة في الحديث ‪ ،‬هي‪:‬‬
‫الحاجة إلى الطعام والشراب وندرة النقود في ذلك العصر ‪،‬حيث كانت أغلب‬
‫مبايعاتهم بالمقايضة‪ ،‬وإذا كان المر كذلك فإن الحكم يدور مع علته وجودا ً‬
‫وعدما ً ‪ ،‬فيجوز إخراج النقود في زكاة الفطر للحاجة القائمة والملموسة‬
‫للفقير اليوم ‪ .‬والله أعلم ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إخلص ساعة نجاة البد‬
‫رضوان سلمان حمدان‬
‫‪E-mail: radwan_hamdan@yahoo.com‬‬
‫قال الغزالي رحمه الله "فلذلك قيل‪ :‬من سلم له من عمره لحظة خالصة‬
‫لوجه الله نجا‪ ,‬وذلك لعزة الخلص وعسر تنقية القلب عن الشوائب"‬
‫إن المة المسلمة ل تخلو من الخير فهي أمة الخير إلى يوم الدين وما يصيبها‬
‫اليوم إنما هو مرض ل تلبث أن تتعافى منه بالرجوع إلى صيدلية السلم‪,‬‬
‫ومن أنجع الدواء اليوم "الخلص" في النية والقول والعمل‪....‬‬
‫اهتم السلم بعمل الباطن )القلب( اهتماما كبيرا ً وبنى عليه عمل الجوارح‬
‫)الظاهر( فل يصلح الظاهر إل بصلح الباطن‪ ,‬وأهم أعمال الباطن "الخلص"‬
‫والذي هو شرط لقبول العمال الصالحة عن الشعبي عن النعمان بن بشير‬
‫قال سمعته يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأهوى‬
‫النعمان بإصبعيه إلى أذنيه ‪) :‬إن الحلل بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات‬
‫ل يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع‬
‫في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه‬
‫أل وإن لكل ملك حمى أل وإن حمى الله محارمه أل وإن في الجسد مضغة‬
‫إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله أل وهي القلب(‪.‬‬
‫رواه مسلم‬
‫ودليل إرادة التوحيد أن الله تعالى ذكر بعد المر بالعبادة إقامة الصلة وإيتاء‬
‫الزكاة وهي من أعمال الجوارح ومن أهم أعمال الجوارح ‪ ,‬أفردتا لبيان‬
‫أهميتهما أول ‪ ,‬ولتكونا نموذجين ومثلين لعمال الجوارح الظاهرة ؛ فالصلة‬
‫عبادة البدن والزكاة عبادة المال وباقي أعمال السلم إما بدنية وإما مالية‬
‫وإما تجمع بينهما ‪ ,‬فكانت الصلة والزكاة نموذجين تامين لباقي العمال‪.‬‬
‫إن الله تعالى عندما يذكر العبادة ويأمر بها يقرنها بالسم العََلم على الذات‬
‫اللهية " الله " السم الجامع لكل أسماء الله وصفاته ولم يذكر تعالى اسما‬
‫آخر مع العبادة والمر بها‪.‬‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ذي‬
‫سانا وَب ِ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫يقول تعالى‪َ} :‬واعْب ُ ُ‬
‫ح َ‬
‫دوا ْ الل ّ َ‬
‫ه وَل ت ُشرِكوا ب ِهِ شْيئا وَِبال َ‬
‫وال ِد َي ْ ِ‬
‫‪127‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ب‬
‫جارِ ِذي ال ْ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫صا ِ‬
‫سا ِ‬
‫جارِ ال ْ ُ‬
‫قْرَبى َوال ْ َ‬
‫ن َوال ْ َ‬
‫م َ‬
‫مى َوال ْ َ‬
‫قْرَبى َوال ْي ََتا َ‬
‫ح ِ‬
‫ب َوال ّ‬
‫جن ُ ِ‬
‫كي ِ‬
‫َ‬
‫من َ‬
‫خورا‬
‫خَتال ً فَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫كا َ‬
‫ح ّ‬
‫م إِ ّ‬
‫ِبال َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ُ‬
‫ب َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مان ُك ُ ْ‬
‫ت أي ْ َ‬
‫مل َك َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ل وَ َ‬
‫جن ِ‬
‫سِبي ِ‬
‫ب َواب ْ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{الزمر‬
‫م ْ‬
‫ه ال ّ‬
‫ب ِبال َ‬
‫ً{النساء ‪}36‬إ ِّنا أنَزلَنا إ ِلي ْك الك َِتا َ‬
‫خِلصا ل ُ‬
‫ه ُ‬
‫حقّ فاعْب ُدِ الل َ‬
‫دي َ‬
‫‪}2‬قُل الل ّ َ‬
‫ه ِديِني{الزمر ‪14‬‬
‫م ْ‬
‫خِلصا ً ل ّ ُ‬
‫ه أعْب ُد ُ ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ول تجد في القرآن المر بعبادة الرحمن أو الملك أو القدوس‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫َْ‬
‫فاسم "الله" دا ٌ‬
‫ما‬
‫ماَوا ِ‬
‫ل بذاته على التوحيد }َر ّ‬
‫ب ال ّ‬
‫ما ب َي ْن َهُ َ‬
‫ض وَ َ‬
‫س َ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صط َب ِْر ل ِعَِباد َت ِهِ هَ ْ‬
‫مي ّا{مريم ‪65‬‬
‫س ِ‬
‫ه َ‬
‫مل ُ‬
‫ل ت َعْل ُ‬
‫َفاعْب ُد ْه ُ َوا ْ‬
‫إن الدعوة إلى التوحيد مقترنة بالخلص فلم يأمر تعالى أن نخلص في‬
‫توحيدنا له سبحانه بمعنى لم يقل وما أمروا إل ليعبدوا الله ويخلصوا بل جاء‬
‫الخلص بصيغة "التلّبس" بمعنى ل توحيد بل إخلص فإذا لم يكونوا مخلصين‬
‫فهم غير موحدين‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وى‬
‫ه عَلى ت َ ْ‬
‫نأ ّ‬
‫س ب ُن َْيان َ ُ‬
‫وهذا هو الساس الذي يبنى عليه الدين كله ‪ },‬أفَ َ‬
‫س َ‬
‫ق َ‬
‫م ْ‬
‫خير َأم م َ‬
‫س ب ُن َْيان َ ُ َ‬
‫ى َ‬
‫هارٍ َفان َْهاَر ب ِهِ ِفي‬
‫ش َ‬
‫ف َ‬
‫ِ‬
‫جُر ٍ‬
‫فا ُ‬
‫ن الل ّهِ وَرِ ْ‬
‫نأ ّ‬
‫س َ‬
‫ّ ْ‬
‫ن َ ٌْ‬
‫وا ٍ‬
‫ض َ‬
‫م َ‬
‫ه عَل َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن {التوبة ‪109‬‬
‫دي ال َ‬
‫م الظال ِ ِ‬
‫ه ل ي َهْ ِ‬
‫َنارِ َ‬
‫قو ْ َ‬
‫م َوالل ُ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫مي َ‬
‫وكل بناء ل يقوم على قواعد سليمة ومتينة ل يوشك حتى ينهار ويسقط ولن‬
‫ف‬
‫يصمد أمام أبسط الهزات والحركات‪} ,‬وَ ِ‬
‫حْر ٍ‬
‫ه عََلى َ‬
‫من ي َعْب ُد ُ الل ّ َ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫خير اط ْمأ َن به وإ َ‬
‫فَإ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سَر الد ّن َْيا‬
‫خ‬
‫ه‬
‫ه‬
‫ج‬
‫و‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ل‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ان‬
‫ة‬
‫َ َ‬
‫ه فِت ْن َ ٌ‬
‫َ ْ ِ ِ َ ِ‬
‫َ ّ ِ ِ َِ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫صاب َت ْ ُ‬
‫صاب َ ُ‬
‫نأ َ‬
‫نأ َ‬
‫ه َ ٌْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن {الحج ‪11‬‬
‫بي‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫را‬
‫س‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ه‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ة‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ُ‬
‫َواْل ِ َ َ ِ‬
‫ْ َ ُ‬
‫ُ ِ ُ‬
‫ُ َ‬
‫وكان هذا هو السر في أن جعل الخلص مع التوحيد في هذه الية ولم يجعله‬
‫مع إقام الصلة وإيتاء الزكاة ‪ ,‬لن متانة البنيان بمتانة قواعده والعكس‬
‫صحيح‪ .‬هنا يكون الدين القائم الثابت الراسخ المعتدل المستقيم ‪ ,‬إن علماءنا‬
‫الجلء أدركوا هذا المر واعتنوا به عناية فائقة فكانوا يصدرون به أعمالهم ‪,‬‬
‫فالبخاري رحمه الله يبدأ جامعه الصحيح بالحديث الجليل الصحيح الذي رواه‬
‫عن عمر بن الخطاب ‪ ,‬قال‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫)إنما العمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا‬
‫يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه(‪ .‬رواه البخاري‬
‫ونلحظ هنا تصدر الحديث ب"إنما" التي هي "أداة حصر تفيد هنا تقوية الحكم‬
‫المذكور بعدها‪ .‬و "أل" في العمال للستغراق فالسياق يؤكد شمول العمال‬
‫التي تتوقف على المقاصد والنيات صحة وكما ً‬
‫ل" منهل الواردين شرح رياض‬
‫الصالحين د‪ .‬صبحي الصالح‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ثم أليس في الفاتحة التي هي مفتتح القرآن الكريم افتتاح بالخلص "فالحمد‬
‫لله" فيها الخلص لله وحده و "إياك نعبد وإياك نستعين" فيها الخلص لله‬
‫وحده‪ ,‬ومعنى الخلص هنا واضح بّين‪.‬‬
‫ومن ذكر وإرادة الخلص بصور مختلفة في القرآن الكريم قوله تعالى‪":‬في‬
‫قو َ‬
‫مث َ ُ‬
‫م ِفي‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ن ُينفِ ُ َ‬
‫وال َهُ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫سبيل الله" فهي تعني الخلص يقول تعالى‪ّ } :‬‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ل ِفي ك ُ ّ‬
‫سَناب ِ َ‬
‫ف‬
‫ع ُ‬
‫ضا ِ‬
‫مئ َ ُ‬
‫ه يُ َ‬
‫ة َ‬
‫ل َ‬
‫ل ُ‬
‫سب ْعَ َ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫حب ّةٍ َوالل ُ‬
‫سنب ُلةٍ ّ‬
‫حب ّةٍ أنب َت َ ْ‬
‫ل الل ّهِ ك َ َ‬
‫مث َ ِ‬
‫سِبي ِ‬
‫ّ‬
‫من ي َ َ‬
‫م {البقرة ‪261‬‬
‫ه َوا ِ‬
‫سعٌ عَِلي ٌ‬
‫شاُء َوالل ُ‬
‫لِ َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫ن يُ َ‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫معْت َ ِ‬
‫ل اللهِ ال ِ‬
‫ح ّ‬
‫دوا إ ِ ّ‬
‫م وَل ت َعْت َ ُ‬
‫}وََقات ِلوا ِفي َ‬
‫ب ال ُ‬
‫ن الل َ‬
‫قات ِلون َك ْ‬
‫دي َ‬
‫ذي َ‬
‫سِبي ِ‬
‫البقرة ‪190‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ومنه قوله تعالى‪} :‬ق ْ‬
‫م‬
‫خ ُ‬
‫ل ِإن ت ُ ْ‬
‫م أوْ ت ُب ْ ُ‬
‫ص ُ‬
‫ه وَي َعْل ُ‬
‫ه الل ُ‬
‫م ُ‬
‫دوه ُ ي َعْل ْ‬
‫دورِك ْ‬
‫فوا َ‬
‫ما ِفي ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه عَلى كل َ‬
‫ديٌر {آل عمران‬
‫يٍء ق ِ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ما ِفي ال ّ‬
‫ض َوالل ُ‬
‫ت وَ َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫ما ِفي الْر ِ‬
‫‪128‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪}29‬قُ ْ‬
‫ن {النعام ‪162‬‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ماِتي ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫م ْ‬
‫ل إِ ّ‬
‫صل َِتي وَن ُ ُ‬
‫م َ‬
‫حَيايَ وَ َ‬
‫كي وَ َ‬
‫ن َ‬
‫مي َ‬
‫ومثل ذلك كثير‪...‬‬
‫*جوائز المخلصين في الدنيا والخرة‪:‬‬
‫قون أ َموال َهم في سبيل الل ّه ك َمث َل حبة َ‬
‫سَناب ِ َ‬
‫مث َ ُ‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ب‬
‫س‬
‫ت‬
‫ت‬
‫ب‬
‫أن‬
‫ن ُينفِ ُ َ ْ َ ُ ْ ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ِ َ ِ َ ّ ٍ ََ ْ َ ْ َ َ‬
‫‪ّ } -1‬‬
‫َ ِ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ِفي ك ُ ّ‬
‫من ي َ َ‬
‫م {البقرة‬
‫ع ُ‬
‫ضا ِ‬
‫مئ َ ُ‬
‫ه َوا ِ‬
‫ه يُ َ‬
‫ة َ‬
‫ل ُ‬
‫سعٌ عَِلي ٌ‬
‫شاُء َوالل ّ ُ‬
‫ف لِ َ‬
‫حب ّةٍ َوالل ّ ُ‬
‫سنب ُل َةٍ ّ‬
‫من ي َ َ‬
‫شاُء" يقول ابن كثير‪ :‬أي بحسب إخلصه في عمله‬
‫ع ُ‬
‫ضا ِ‬
‫ه يُ َ‬
‫ف لِ َ‬
‫‪َ" 261‬والل ّ ُ‬
‫‪.‬‬
‫"فُرب عمل صغير تعظمه النية وُرب عمل كبير تصغره النية" كما قال ابن‬
‫المبارك رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫‪ -2‬وجائزة ثانية للمخلصين أن الخلص يحفظ القلب نقيا طاهرا نظيفا ل يغل‬
‫ول يحقد ول يخون‪ .‬عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه‬
‫عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‪) :‬نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها‬
‫وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلث ل يغل عليهن‬
‫قلب مسلم إخلص العمل لله ومناصحة أئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن‬
‫الدعوة تحيط من ورائهم(‪.‬‬
‫‪ -3‬مصعب بن سعد عن أبيه ‪) :‬أنه ظن أن له فضل على من دونه من‬
‫أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم إنما‬
‫ينصر الله هذه المة بضعيفها بدعوتهم وصلتهم وإخلصهم(‪.‬‬
‫‪ -4‬إن الله ينجي عبده من الشدائد والفات المهلكة‪ .‬عبد الله بن عمر رضي‬
‫الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪) :‬انطلق ثلثة‬
‫رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من‬
‫الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه ل ينجيكم من هذه الصخرة إل أن تدعوا‬
‫الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران‬
‫وكنت ل أغبق قبلهما أهل ول مال فناء بي في طلب شيء يوما فلم أرح‬
‫عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق‬
‫قبلهما أهل أو مال فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق‬
‫الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج‬
‫عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئا ل يستطيعون الخروج قال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم وقال الخر اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب‬
‫الناس إلي فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين‬
‫فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها‬
‫ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت ل أحل لك أن تفض الخاتم إل بحقه‬
‫فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت‬
‫الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن‬
‫فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم ل يستطيعون الخروج منها قال النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم وقال الثالث اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم‬
‫غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الموال‬
‫فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أد إلي أجري فقلت له كل ما ترى من‬
‫أجرك من البل والبقر والغنم والرقيق فقال يا عبد الله ل تستهزىء بي‬
‫فقلت إني ل أستهزئ بك فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا اللهم فإن‬
‫كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة‬
‫فخرجوا يمشون(‪ .‬رواه البخاري‬
‫)‪(2 /‬‬

‫‪129‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ -5‬إن المخلص يرفع الله درجاته ويزداد رفعة‪ :‬عن عامر بن سعد بن أبي‬
‫وقاص عن أبيه رضي الله عنه قال‪) :‬كان رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت إني قد بلغ بي من الوجع‬
‫وأنا ذو مال ول يرثني إل ابنة أفأتصدق بثلثي مالي قال ل فقلت بالشطر‬
‫فقال ل ثم قال الثلث والثلث كبير أو كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من‬
‫أن تذرهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إل‬
‫أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك فقلت يا رسول الله أخلف بعد‬
‫أصحابي قال إنك لن تخلف فتعمل عمل صالحا إل ازددت به درجة ورفعة ثم‬
‫لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون اللهم أمض لصحابي‬
‫هجرتهم ول تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة يرثى له رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة(‪ .‬رواه البخاري‬
‫‪ -6‬من يتخلف عن العمل الصالح لعدم قدرته واستطاعته فهو شريك‬
‫للعاملين في الجر‪ .‬عن أبي سفيان عن جابر قال‪) :‬كنا مع النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم في غزاة فقال إن بالمدينة لرجال ما سرتم مسيرا ول قطعتم‬
‫واديا إل كانوا معكم حبسهم المرض(‪ .‬رواه مسلم‬
‫‪ -7‬ويكفي جائزة الفوز بالجنة عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من النصار أنه أتى رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم فقال‪) :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله قد‬
‫حرم على النار من قال ل إله إل الله يبتغي بذلك وجه الله(‪ .‬رواه البخاري‬
‫* كيف نحقق الخلص؟‪:‬‬
‫‪ -1‬أول أمر يعين العبد على الخلص تعظيم الله رب العالمين في النفس‪,‬‬
‫فإذا علم العبد أن الله تعالى يعلم سره وجهره وأنه تعالى معه أينما كان وانه‬
‫يراه في كل حركة وسكنة عندئذ يخلص العمل لله وحده فمن يخدع الناس ل‬
‫خائ ِن َ َ ْ َ‬
‫دوُر {غافر ‪.19‬‬
‫ما ت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫خ ِ‬
‫ص ُ‬
‫ن وَ َ‬
‫يستطيع خداع رب الناس‪} .‬ي َعْل َ ُ‬
‫في ال ّ‬
‫ة العْي ُ ِ‬
‫قل ّب َ َ‬
‫ذي ي ََرا َ‬
‫م{‬
‫م * وَت َ َ‬
‫ن تَ ُ‬
‫ك ِ‬
‫س ِ‬
‫ج ِ‬
‫}ال ّ ِ‬
‫قو ُ‬
‫ه هُوَ ال ّ‬
‫ك ِفي ال ّ‬
‫ميعُ ال ْعَِلي ُ‬
‫ن* إ ِن ّ ُ‬
‫سا ِ‬
‫دي َ‬
‫حي َ‬
‫الشعراء ‪220-218‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫وى‬
‫ما ِفي الْر‬
‫ن ِ‬
‫ماَوا ِ‬
‫من ن ّ ْ‬
‫ما ي َكو ُ‬
‫م ت ََر أ ّ‬
‫ما ِفي ال ّ‬
‫ض َ‬
‫ت وَ َ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ه ي َعْل َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫}أل َ ْ‬
‫ج َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫من ذ َل ِ َ‬
‫ك وََل أ َك ْث ََر إ ِّل‬
‫م وََل َ‬
‫م وََل أد َْنى ِ‬
‫سادِ ُ‬
‫سةٍ إ ِّل هُوَ َ‬
‫م َ‬
‫سهُ ْ‬
‫خ ْ‬
‫ث ََلث َةٍ إ ِّل هُوَ َراب ِعُهُ ْ‬
‫هُو معه َ‬
‫ما َ‬
‫ه ب ِك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫يٍء‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ما عَ ِ‬
‫مةِ إ ِ ّ‬
‫مُلوا ي َوْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قَيا َ‬
‫م ي ُن َب ّئ ُُهم ب ِ َ‬
‫كاُنوا ث ُ ّ‬
‫ن َ‬
‫َ َ َ ُ ْ‬
‫ش ْ‬
‫م أي ْ َ‬
‫م {المجادلة ‪7‬‬
‫عَِلي ٌ‬
‫واليات في ذلك كثيرة‪...‬‬
‫‪ -2‬أن يحرص العبد على رضا الله وحده دون النظر إلى مدح الناس أو ذمهم‬
‫عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪ ) :‬من أرضى الله‬
‫بسخط الناس‪ ،‬كفاه الله‪ ،‬ومن أسخط الله برضا الناس‪ ،‬وكله الله إلى‬
‫الناس( صحيح ابن حبان‪.‬‬
‫‪ -3‬أن يحرص العبد على إخفاء العمل عن الناس ما استطاع إلى ذلك سبيل‬
‫حتى ل يدخل شيء في نفسه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫قال ‪) :‬سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم ل ظل إل ظله إمام عادل‬
‫وشاب نشأ في عبادة الله ورجل ذكر الله في خلء ففاضت عيناه ورجل قلبه‬
‫معلق في المسجد ورجلن تحابا في الله ورجل دعته امرأة ذات منصب‬
‫وجمال إلى نفسها قال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى ل‬
‫تعلم شماله ما صنعت يمينه(‪.‬البخاري‬
‫‪ -4‬أن يتوجه العبد إلى الله سبحانه بأن يرزقه الخلص ويستعين به وحده‬
‫على ذلك‪,‬وصدق الشاعر‪:‬‬
‫‪130‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إذا لم يكن عون من الله للفتى‪ ........‬فأول ما يجني عليه اجتهاده‬
‫‪ -5‬كثرة الدعاء فإن الدعاء ينشئ في النفس الحب والتذلل والخضوع‬
‫ن{‬
‫خ ْ‬
‫ضّرعا ً وَ ُ‬
‫والقنوت لله رب العالمين }اد ْ ُ‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫في َ ً‬
‫معْت َ ِ‬
‫ح ّ‬
‫م تَ َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ة إ ِن ّ ُ‬
‫عوا ْ َرب ّك ُ ْ‬
‫دي َ‬
‫العراف ‪55‬‬
‫* مهما أخفى المرائي رياءه ونفاقه فإن الله سيكشفه بأن يخطئ ويزل‬
‫َ‬
‫لسانه ويقوم بأعمال تكشف حقيقته }وَل َوْ ن َ َ‬
‫م‬
‫م فَل َعََرفْت َُهم ب ِ ِ‬
‫ماهُ ْ‬
‫سي َ‬
‫شاء َلَري َْناك َهُ ْ‬
‫قول والل ّه يعل َ َ‬
‫م {محمد ‪30‬‬
‫م ِفي ل َ ْ‬
‫مال َك ُ ْ‬
‫م أعْ َ‬
‫ن ال ْ َ ْ ِ َ ُ َ ْ ُ‬
‫وَل َت َعْرِفَن ّهُ ْ‬
‫ح ِ‬
‫فمهما أخفى عيبته سُيفضح حتمًاكما قال الشاعر‪:‬‬
‫ومهما تكن عند امرئ من خليقة ‪ ......‬وإن خالها تخفى على الناس‬
‫*على العبد أن يعلم أن الناس جميعا ُيبعثون يوم القيامة على نياتهم‪ ,‬عائشة‬
‫رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪) :‬يغزو جيش‬
‫الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الرض يخسف بأولهم وآخرهم قالت قلت يا‬
‫رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم‬
‫قال يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم(‪ .‬رواه البخاري‬
‫فاحرص أخي المسلم أن تقوم يوم القيامة كما وصف الله تعالى‪}:‬وُ ُ‬
‫جوهٌ‬
‫ة{القيامة ‪23-22‬‬
‫ة* إ َِلى َرب َّها َناظ َِر ٌ‬
‫ضَر ٌ‬
‫مئ ِذ ٍ ّنا ِ‬
‫ي َوْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قَها‬
‫ة*ت َْرهَ ُ‬
‫ر‬
‫ب‬
‫غ‬
‫ها‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ذ‬
‫ئ‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫ه‬
‫جو‬
‫و‬
‫و‬
‫بقوله‪}:‬‬
‫تعالى‬
‫وصف‬
‫ممن‬
‫تكون‬
‫أن‬
‫وإياك‬
‫ََ ٌ‬
‫َ ُ ُ ٌ َ ْ َ ِ ٍ َ َْ‬
‫ة{عبس ‪41-40‬‬
‫قَت ََر ٌ‬
‫*إن للخلص آثار يلمسها المسلم في نفسه وعمله‪:‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫فالخلص يدعو العبد إلى الحسان في العمل‪ ,‬عن عائشة‪) :‬أن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم قال‪ :‬إن الله يحب إذا عمل أحدكم عمل ً أن يتقنه( مسند‬
‫عائشة‬
‫إن الخلص يجعل العبد يهتم بنوع العمل ل بشكله أو حجمه‪ ,‬عن أبي هريرة‬
‫قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪) :‬إن الله ل ينظر إلى صوركم‬
‫وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم(‪ .‬رواه مسلم‬
‫الله تعالى يبارك العمل القليل الدائم بإخلص ول ينظر إلى العمل الخالي من‬
‫جعَل َْناه ُ هََباء‬
‫مُلوا ِ‬
‫ما عَ ِ‬
‫ل فَ َ‬
‫ن عَ َ‬
‫مَنا إ َِلى َ‬
‫الخلص مهما بلغت كثرته‪},‬وَقَدِ ْ‬
‫م ٍ‬
‫م ْ‬
‫منُثورا ً {الفرقان ‪.23‬‬
‫ّ‬
‫أسأل الله العظيم أن يرزقنا الخلص وأن يثيبنا عليه‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫إدارة الثقافة‬
‫د‪ .‬عبد الكريم بكار ‪28/2/1426‬‬
‫‪07/04/2005‬‬
‫لو عدنا إلى أدبّياتنا عبر القرون الماضية لوجدنا أن معظم تنظيرنا للشؤون‬
‫ب عليها بوصفها علوما ً واختصاصات معرفّية منظمة‪.‬‬
‫الثقافية كان ينص ّ‬
‫وربما سادت تلك النظرة بسبب قلة ما في أيدينا من المعارف والمعطيات‬
‫دد الحتياجات‪.‬‬
‫دد الجوانب ومتع ّ‬
‫المتعلقة بالنسان باعتباره كائنا ً متع ّ‬
‫أما اليوم فإن المفهوم )النثروبولوجي( للثقافة آخذ في النتشار والرسوخ؛‬
‫حيث إن هناك اعتقادا ً متزايدا ً بمحدودّية تأثير )العلم المجّرد( في صياغة‬

‫‪131‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السلوك النساني‪ ،‬وفي توجيه حركة الحياة اليومية‪ .‬الثقافة كما بلورها علماء‬
‫النسان هي ذلك النسيج المكون من العقائد والمفاهيم والنظم والعادات‬
‫ددة من الرض‪ .‬إنها طريقة عيش‬
‫والتقاليد وط ُُرز الحياة السائدة في بقعة مح ّ‬
‫شعب بعينه‪ ،‬أو هي ما يجعل الحياة جديرة بالعيش‪ ،‬وكثير من مكونات‬
‫الثقافة يستعصي على التخطيط والتنظيم؛ لنها تشكل الخلفّية )اللواعية(‬
‫لكل تخطيط وتنظيم‪ .‬إن تنوع العناصر المكونة للثقافة يمنحها قوة هائلة في‬
‫مواجهة الوافدات الجنبّية‪ ،‬وما يمكن أن تتعرض لها من ضغوطات داخلّية‪.‬‬
‫إنه حين يتعرض أحد أنساق الثقافة للهجوم أو الهون‪ ،‬فإنها تعتمد في‬
‫استمرارها واستعادة حيوّيتها على باقي أنساقها‪ ،‬لكن نقطة قوة الثقافة هذه‬
‫وناتها في أحيان كثيرة إلى ما‬
‫وع مك ّ‬
‫هي أيضا ً نقطة ضعفها؛ حيث يعّرضها تن ّ‬
‫يشبه النقسام على الذات بسبب التصادم بين بعض أنساقها؛ وهذا ما يجعلنا‬
‫في حاجة إلى ما سميناه )إدارة الثقافة(‪.‬‬
‫أود ّ هنا أن أدلي بالملحظتين التيتين في هذه القضية‪:‬‬
‫‪ -1‬في كل مجتمع نوعان من الثقافة‪ :‬ثقافة عليا‪ ،‬وثقافة شعبّية أو ثقافة نخبة‬
‫وثقافة جماهيرّية‪ .‬الثقافة العليا تتكون بطريقة واعية وتكون أكثر دراية ببنيتها‬
‫العميقة‪ ،‬وذلك لننا نتملكها عن طريق القراءة والتأمل والحوار الرفيع‬
‫والمقارنة وطرح السئلة‪ ..‬أما الثقافة الشعبّية فإنها ليست كذلك‪ ،‬إنها تتكون‬
‫بطريقة غير واعية وغير مقصودة‪ ،‬حيث يتشربها أبناء المجتمع ويتشبعون بها‬
‫كما يتنفسون الهواء‪ .‬ونقطة ضعفها هذه هي نقطة قوتها؛ حيث إن اختراقها‬
‫من قبل الثقافات الجنبية يكون عسيرا ً بسبب عشوائّيتها وكتامتها ورقابة‬
‫ددة عليها‪ .‬أما الثقافة العليا والتي نبدأ بنشرها منذ الصف الول‬
‫المجتمع المش ّ‬
‫البتدائي إلى ما ل نهاية‪ .‬هذه الثقافة هي التي تمثل المة أمام المم الخرى‪،‬‬
‫وهذا ما يجعلها على درجة حسنة من المرونة والقدرة على التكيف وتمثل‬
‫الرموز الثقافية الجنبية‪ ،‬أي أن كثيرا ً من القتباس والتطوير يأتي عن‬
‫طريقها‪ .‬تنظيمها وتمثيلها الخارجي لثقافة المة يعّرضها لمرين مزعجين‪:‬‬
‫الول‪:‬سهولة اختراقها؛ حيث إن طريقة اكتسابها الواعية تفتح الطريق لغزوها‬
‫وبالتالي تحويرها وتهجينها‪.‬‬
‫الثاني‪:‬جفول الوعي الشعبي من أصحابها والشعور بأنهم يتجاوزون حدودهم‬
‫إلى درجة يسوغ معها اتهامهم بخيانة المة وبيعها للغرباء‪ .‬ومع أن شيئا ً من‬
‫هذا ينطبق فعل ً على بعض المثقفين إل أن المشكلة أن الثقافة الشعبّية ل‬
‫تملك المعايير المنهجّية‪ ،‬ول السس المنطقّية التي تمكنها من الحكم الراشد‬
‫على تصرفات النخبة‪ ،‬مما يجعل موقفها شاعريا ً أكثر من أن يكون عقلنيًا‪.‬‬
‫وهي بدافع من الخوف من النقطاع تلجأ في كسب قضيتها إلى التيارات‬
‫النخبوّية الكثر محافظة وتقليدّية لتقدم لها العون في كبح اندفاع التيارات‬
‫المتحّررة والمتطلعة إلى التحديث‪ .‬وهذا يجعل من الثقافة الشعبّية عامل ً‬
‫مهما ً في زيادة النقسام بين تيارات الثقافة العليا‪.‬‬
‫يمكن القول‪ :‬إن تطوير الثقافة الشعبّية وتخليصها من العادات والسلوكات‬
‫الخاطئة يقع على عاتق الصفوة أصحاب الثقافة العليا‪ ،‬لكن من الصعب أن‬
‫يحصلوا على الستجابة لمناشداتهم وطروحاتهم ما داموا موضع شك وريبة‬
‫من أولئك الذين يحتاجون لخدماتهم‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪132‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في العالم السلمي قامت الثقافات الوطنية والمحلية منذ أمد بعيد بإفراغ‬
‫ف في الثقافة السلمّية المستندة إلى الكتاب‬
‫ض والك ّ‬
‫طاقاتها على الح ّ‬
‫ً‬
‫والسنة‪ ،‬واجتهادات الفقهاء‪ ،‬وصار من غير الممكن المضي قدما في تطوير‬
‫أيّ شأن محلي بعيدا ً عن مدلولت هذه الثقافة ورمزّياتها وتحديداتها‪ .‬وهذا‬
‫يعني أن ثقافة النخبة ل تستطيع أن تصبح قوة محّركة للناس ما لم تتشرب‬
‫روح الدين‪ ،‬وما لم تلتزم بقطعياته وأ ُ ُ‬
‫طره العامة‪ .‬إننا في مرحلة حرجة يحتاج‬
‫فيها كل من يروم الصلح إلى ولء الناس وحماستهم وتضحياتهم؛ لن المفكر‬
‫ل يملك أكثر من ناصية التنظير‪ ،‬والجماهير التي ستتحمل عبء التنفيذ؛ ولهذا‬
‫فل بد ّ من الستحواذ على رضاها وإعجابها‪ .‬وستكون النخبة في وهم كبير إذا‬
‫ظّنت أنها تستطيع إحداث تغييرات كبرى من غير مساندة حقيقية من طيف‬
‫واسع من أبناء المة‪ .‬وقد أثبتت التجارب الكثيرة السلمّية وغير السلمّية أن‬
‫كل حمل يتم خارج رحم المة هو أشبه بالحمل الكاذب‪ .‬وحين يجافي أهل‬
‫الرؤية والخبرة روح الدين فإنهم يسلمون زمام المة إلى عناصر تملك الكثير‬
‫من الحماسة والندفاع والقليل من البصيرة والفهم لمتطلبات المرحلة‪.‬‬
‫إن طاقة ثقافة المة تكمن في المستوى الشعبي منها‪ ،‬على حين أن عقلها‬
‫ورشدها في المستوى الصفوي‪ .‬وهذا التفاوت هو دائما ً مصدر للتوتر والنزاع‪،‬‬
‫لكن في الوقت ذاته يمكن أن يكون مصدرا ً للتطوير نحو الحسن والقوم إذا‬
‫أدرنا العلقة بينهما بما هو مطلوب من الذكاء والوعي‪.‬‬
‫‪ -2‬إن تنوع النساق المكونة للثقافة يحيل دائما ً على إمكانية حدوث الصدام‬
‫دد‪ .‬ويبدو أن أشد أنواع التوتر تلك‬
‫وع والتع ّ‬
‫والنزاع‪ ،‬كما هو الشأن في التن ّ‬
‫التي تقع بين الثقافة بوصفها )هُوِّية( وسمات خاصة بالمة‪ ،‬وبين الثقافة‬
‫بوصفها تعبيرات عن ن ََزعات استهلكية أو تعبيرات عن تحّركات لتلبية حاجات‬
‫الجسد‪ ،‬أو تعبيرات عن التكيف مع ظروف ومعطيات شديدة القسوة‪ .‬وكّلما‬
‫أوغل الناس في مدارج الحضارة اشتد ُأوار الصراع بين هذين النسقين من‬
‫أنساق الثقافة؛ ذلك لن ثقافة الُهوّية تتسم بالتعالي عن النشغال بالواقع‪،‬‬
‫وتنزع نحو المطلق‪ .‬على حين أن التحضر يزيد وعي الناس نحو مصالحهم‪،‬‬
‫ويفتح شهّيتهم على الستهلك‪ ،‬مما يفضي في نهاية المطاف إلى تضخم‬
‫الثقافة المتعّلقة بتسيير الحياة اليومية وتحقيق المنافع الشخصية‪ ،‬وهذا يجعل‬
‫الناس يشعرون ويظهرون بأنهم أكثر دنيوّية‪ ،‬وهو ما يثير حساسّية الترميزات‬
‫العميقة للُهوّية في الثقافة السلمّية‪.‬‬
‫من الواضح اليوم أن ثقافة ما بعد الحداثة تشجع على انبعاث الُهوّيات في كل‬
‫أنحاء العالم من خلل عمل غير مقصود‪ ،‬وهو المناداة بالنسبّية الثقافّية‬
‫والتأكيد على انعدام الطر والمرجعّيات‪ ،‬وجعل الحقيقة شيئا ً تابعا ً للثقافة‪.‬‬
‫مل العولمة المهمة حين نعتمد نظام التجارة أداة أساسية في تسليع كثير‬
‫وتك ّ‬
‫ً‬
‫من مظاهر الحياة‪ ،‬وجعلها أمورا جاهزة للمتاجرة والمساومة‪ .‬إن هذا الدفق‬
‫الهائل من الرموز والصور الستهلكّية يساعد ‪-‬على نحو استثنائي‪ -‬على‬
‫انتشار الُهوّيات المقاتلة دفاعا ً عن الوجود‪ ،‬وقد ل يكون أمامنا لدارة الصراع‬
‫المحتدم في عمق الثقافة على هذا الصعيد إل أن ندعم النشطة الروحّية‬
‫والدبّية والجتماعّية ذات النفع العام‪ ،‬وأن نحاول إضفاء المعنى على‬
‫النشطة الدنيوّية من خلل الحرص على شرعيتها‪ ،‬وشرح ما يمكن أن يجعلها‬
‫موصولة بالعمال الخروّية‪ .‬وما لم نفعل ذلك فإننا سنعاني من النقسام‬
‫والتمزق في أعماق ثقافتنا‪ ،‬وسنشعر بالكثير من تشتت الجذور وضياع‬
‫الهداف الكبرى‬

‫‪133‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(2 /‬‬
‫إدارة الفكر‬
‫د‪ .‬محمد بن سعود البشر ‪10/3/1426‬‬
‫‪19/04/2005‬‬
‫المتأمل في موروثنا الفكري والثقافي والعلمي يجد ثراء يدعو للفخر‬
‫والعتزاز بما أنتجه العقل العربي المسلم في فروع المعرفة كافة‪ ،‬فل يكاد‬
‫فرع من فروع المعرفة أو العلوم يخلو من اسم عربي مسلم أبدع وتفوق‬
‫وساهم في صناعة الحضارة النسانية الحقيقية‪ ،‬إن لم يكن له فضل السبق‬
‫في وضع قواعد ومبادئ كثير من العلوم والمعارف التي قامت عليها الحضارة‬
‫الغربية المعاصرة‪ ،‬وفي هذا السياق تبرز أسماء كثيرة من العلم العرب‬
‫والمسلمين‪ ،‬مثل ابن سينا‪ ،‬وجابر بن حيان‪ ،‬وابن النفيس‪ ،‬وابن الهيثم‪،‬‬
‫والرازي‪ ،‬وابن رشد‪ ،‬ول تنتهي قائمة هؤلء العلم حتى عصرنا هذا‪ ..‬رغم كل‬
‫ما تمر به أمتنا العربية والسلمية من انكسارات وما تعيشه من ضعف‬
‫وتقهقر‪ ..‬تتضح شواهده على أصعدة كثيرة‪.‬‬
‫لكن‪ ..‬كيف يكون لنا هذا الميراث الفكريّ الضخم‪ ،‬والذي لم ينقطع حتى‬
‫الن‪ ،‬ول نصعد إلى مرتبة أعلى في ركب الحضارة وقائمة المم المتقدمة؟‬
‫إن الجابة عن هذا السؤال المنطقي تكمن في أننا ل نجيد إدارة أو توظيف‬
‫ما تنتجه عقول أمتنا من فكر وعلم وإبداع‪ ،‬ونفتقد القدرة على التعامل بروح‬
‫الفريق أو الستفادة من تراكم المعارف والعلوم التي نبغ فيها أسلفنا‪،‬‬
‫والدليل على هذا أن أرفف مكتباتنا ومراكز بحوثنا تزدحم بمئات بل آلف‬
‫الدراسات والبحاث العلمية التي تقدم حلول ً لكثير من مشاكل مجتمعنا‪ ،‬ول‬
‫يستفاد منها لعدة أسباب‪:‬‬
‫أولها‪ :‬إن أصحاب هذه الدراسات أرادوا بها الترقي أو الحصول على درجة‬
‫علمية بدرجة أكبر من السهام في خدمة بلدهم‪ ،‬فغلب على إنتاجهم النظرية‬
‫البحتة والتي تفتقد إلى الليات العملية للستفادة منه‪.‬‬
‫وثانيها‪ :‬إن كثيرا ً من مجتمعاتنا تتوهم أن الفكر غاية في ذاته‪ ،‬وليس وسيلة‬
‫دم‪ ،‬وعلج قضايا المجتمع‪ ،‬لذا نجد أن الحتفاء بالفكر‬
‫ور والتق ّ‬
‫لصناعة التط ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫والمفكرين ل يصل أبدا إلى دعم منتجهم الفكري ليصبح اختراعا علميا أو‬
‫عمل ً إبداعيًا‪ ،‬أو فكريا ً أو مشروعا ً اقتصاديا ً يستفيد منه أبناء المة‪ ..‬هذا إذا‬
‫لم ُيمارس على الفكر والمفكرين نوع ٌ من الوصاية المقّيدة للحرية في‬
‫إعمال العقل‪ .‬كما هو حادث في كثير من البلدان العربية والسلمية‪ ،‬وهي‬
‫الوصاية والقيود التي دفعت بالعقول العربية المفكرة إلى الفرار للخارج بحثا ً‬
‫عن مناخ أفضل‪ ،‬وُيضاف لذلك أننا نفتقد لمؤسسات إدارة الفكر التي تمتلك‬
‫القدرة على الستفادة من المنتج الفكري على الرغم من الهتمام الملحوظ‬
‫بعلوم الدارة أو الفكر الداري في كثير من بلدنا في الونة الخيرة‪ ..‬وغياب‬
‫مثل هذه المؤسسات يجعل من المنتج الفكري مجّرد بضاعة تعاني الكساد‪.‬‬
‫إن إدارة الفكر وتوظيفه لخدمة المجتمع تفوق كثيرا ً قدرة المفكر أو العالم‬
‫أو الباحث الفردّية مهما اجتهد في ذلك‪ ،‬وهو المر الذي تنبه إليه الغرب‪،‬‬
‫سسات التي تتولى هذه المسؤولية‪ ،‬والتي يجتمع فيها العلماء في‬
‫فأنشأ المؤ ّ‬
‫صص ما‪ ،‬أو الباحثون المهتمون بمجال بعينه‪ ،‬فظهرت جمعيات أو هيئات‬
‫تخ ّ‬
‫شديدة التخصص في مجالت المعرفة المختلفة‪ ،‬ومن خلل دعم الدول لهذه‬
‫الكيانات‪ ،‬سواء بالدعم المباشر من قبل الحكومات‪ ،‬أو ما تقدمه لها‬
‫مؤسسات القطاع الخاص‪ ،‬من دعم وتمويل مقابل الستفادة مما تنتجه‬

‫‪134‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عقول أعضائها من أفكار واختراعات وإبداعات‪.‬‬
‫أما في بلدنا‪ ،‬فإن هذه الكيانات – إن وجدت‪ -‬فإنها تعاني من ضعف مصادر‬
‫التمويل‪ ،‬وجهل كثير من مؤسسات القطاع الخاص‪ ،‬بل والحكومي بأهمية‬
‫ول المفكر داخلها إلى مجرد‬
‫دورها‪ ،‬لذا ظلت هذه الكيانات مجرد مكاتب‪ ،‬وتح ّ‬
‫موظف يمارس أعمال ً بينها وبين الواقع مسافات شاسعة‪ ..‬ليتراجع الفكر‬
‫والمفكر إلى هامش المجتمع بدل ً من أن يكون في الطليعة قائدا ً في اتجاه‬
‫النهضة والتقدم‪.‬‬
‫وخلصة القول‪ :‬إنه إذا أردنا أن يقود الفكر الحراك الجتماعي ويوجهه الوجهة‬
‫المثل‪ ،‬فل بد أن نتجاوز العشوائية في إدارة المنتج العقلي‪ ،‬وأن نعلم أنه إذا‬
‫كانت الدارة هي رأس الحربة وحجر الزاوية لنجاح أي عمل‪ ،‬فإن إدارة الفكر‬
‫هي محرك القاطرة‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إدارة المرأة للرجال‬
‫المجيب ‪ ...‬أ‪.‬د‪ .‬سعود بن عبدالله الفنيسان‬
‫عميد كلية الشريعة بجامعة المام محمد بن سعود السلمية سابقا ً‬
‫التصنيف ‪ ...‬الفهرسة‪ /‬فقه السرة‪ /‬قضايا المرأة ‪/‬عمل المرأة‬
‫التاريخ ‪19/07/1425 ...‬هـ‬
‫السؤال‬
‫السلم عليكم ورحمة الله وبركاته‪.‬‬
‫يوجد لدينا مدرسة إسلمية في أحد المساجد‪ ،‬قام المام المسؤول عن‬
‫المسجد‪ ،‬والمركز السلمي بتعيين إحدى الخوات كمديرة للمدرسة‪ ,‬علما ً‬
‫أن هنالك معلمين ومعلمات‪ ،‬رجال ً و نساء في المدرسة‪ ,‬قام بعض الخوة‬
‫الكرام بتبليغ إدارة المدرسة بأن ذلك ل يجوز شرعًا‪ ،‬ولقد وافقت الخت التي‬
‫قد عينت كمديرة للمدرسة أن تترك الوظيفة إذا تم إثبات أن هذا ل يصح‬
‫شرعا ً بفتوى شرعية‪ ،‬ما حكم تعيين المرأة كمديرة للمدرسة؟ وما حكم‬
‫المدرسين الذين يعملون تحت المديرة إذا بقي الوضع على حاله؟ وهل يوجد‬
‫دليل من القرآن أو السنة؟ أفيدونا‪،‬وجزاكم الله خيرًا‪.‬‬
‫الجواب‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫المرأة في السلم شقيقة الرجل‪ ،‬وعامة التكاليف والحكام الشرعية هي‬
‫والرجل سواء‪ ،‬إل ما دل الدليل على اختصاصها به‪ ،‬فكل خطاب في القرآن‬
‫أو السنة بيا أيها الناس‪ ،‬أو يا أيها الذين آمنوا‪ ،‬فالمرأة مخاطبة به تماما ً‬
‫كالرجل‪ ،‬إل ما اقتضته الفطرة بالتمييز بينها وبينه‪ ،‬وقد ورد عن أم سلمة –‬
‫رضي الله عنها‪ -‬سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم‪ -‬يقول‪" :‬أيها‬
‫الناس"‪ ،‬وكانت في شغل فتركته وأسرعت ملبية للنداء‪ ،‬فاستغرب من كان‬
‫عندها‪ ،‬فقالت لهم‪ :‬أنا من الناس‪ ،‬والمرأة عليها مسؤولية في تقويم المجتمع‬
‫وإصلحه عن طريق المر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب الستطاعة‬
‫ْ‬
‫قال تعالى‪" :‬وال ْمؤْمنون وال ْمؤْمنات بعضه َ‬
‫ف‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫ض ي َأ ُ‬
‫َ ُ ِ ُ َ َ ُ ِ َ ُ َْ ُ ُ ْ‬
‫م أوْل َِياُء ب َعْ ٍ‬
‫هَ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن الّزكاةَ وَي ُ ِ‬
‫من ْك َرِ وَي ُ ِ‬
‫طيُعو َ‬
‫صلة َ وَي ُؤُْتو َ‬
‫مو َ‬
‫وَي َن ْهَوْ َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول ُ‬
‫ن الل َ‬
‫قي ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن عَ ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُأول َئ ِ َ‬
‫م"‬
‫ح ِ‬
‫زيٌز َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫سي َْر َ‬
‫ك َ‬
‫كي ٌ‬
‫ن الل َ‬
‫م الل ُ‬
‫مهُ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ه عَ ِ‬
‫]التوبة‪ ،[71:‬فالرجل والمرأة في دين السلم هما سواء في الولية بعضهم‬
‫سك به بعض الناس في منع ولية‬
‫على بعض إل ما خصه الدليل‪ ،‬وما قد يتم ّ‬

‫‪135‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المرأة عن الرجل قوله تعالى‪" :‬الرجال قوامون على النساء بما فضل الله‬
‫بعضهم على بعض وبما أنفقوا"]النساء‪ [34 :‬فالقوامة في الية معللة بعلتين‪،‬‬
‫الولى تفضيل جنس الرجال على جنس النساء أي دون تخصيص رجل معين‪،‬‬
‫على امرأة بعينها‪ ،‬والثانية كون الرجل هو المطالب بالنفقة على المرأة‪ ،‬كما‬
‫في قوله تعالى‪" :‬ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن‬
‫درجة"]البقرة‪ [228 :‬فالدرجة إذا ً إحدى علتي القوامة‪ ،‬وهي النفقة‪ ،‬وأيضا ً‬
‫قد يتمسك أولئك بالحديث الصحيح عن النبي – صلى الله عليه وسلم‪" -‬لن‬
‫يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري)‪ ،(4425‬والمراد به الولية العامة‬
‫للدولة أي ل تكون رئيسة ول ملكة‪ ،‬ول أميرة للمؤمنين‪ ،‬وهذا ما يفيده لفظ‬
‫)أمرهم( في الحديث‪ ،‬أما ولية بعض النساء على بعض الرجال فليس هناك‬
‫نصوص شرعية من القرآن أو السنة تمنع منها‪ ،‬بل أجاز بعض العلماء ‪-‬كأبي‬
‫حنيفة وابن جرير الطبري وابن حزم‪ ،-‬أن تتولى المرأة القضاء في الفصل‬
‫بين الناس في غير الحدود والقصاص‪ ،‬والقضاء أشبه بالولية العامة‪ ،‬وعليه‬
‫فل بأس أن تتولى المرأة إدارة المدرسة في مركزكم السلمي‪ ،‬وعليها أن‬
‫تلتزم بالحجاب الشرعي وعدم الخلوة بأحد من الرجال الجانب‪ ،‬وأن تحسن‬
‫الخطاب وتأمر بالخير‪ ،‬وتنهي عن الشر‪ ،‬ول تخضع بالقول فيطمع الذي في‬
‫قلبه مرض‪ ،‬وهذا الجواب إذا لم يترتب على تعيين هذه المرأة مديرة‬
‫المدرسة شقاق ونزاع يلزم منه الفرقة والخلف‪ ،‬فإن لزم حصول هذا تعين‬
‫اختيار الرجل لدارة المدرسة؛ ليزول به الشقاق والنزاع‪ .‬والله أعلم‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إدراج بعض المسائل التعبدية في عداد المعتقدات‬
‫الحمد لله حمد َ الشاكرين ‪ ،‬و صلى الله و سلم و بارك على نبيه محمدٍ المين‬
‫‪ ،‬و آله و صحبه أجمعين ‪ ،‬ثم أما بعد ‪.‬‬
‫فقد استشكل على بعض من درس العقيدة الصحيحة ورود بعض العبادات‬
‫في سياق المتون العقدية المتضمنة لمسائل اليمان و المور التصديقية ‪ ،‬و‬
‫سألني إزالة اللبس عنه فأجبته إلى ذلك ‪ ،‬و قلت مستعينا ً بالله تعالى ‪:‬‬
‫ل ُيستغرب إدراج بعض المسائل التعبدية في عداد المعتقدات ‪ ،‬و ذكر بعض‬
‫الفروع في كتب الصول ‪ ،‬فقد كثر هذا في كتب الئمة الثقات رضوان الله‬
‫عليهم أجمعين ‪ ،‬و من ذلك قول المام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله في‬
‫عقيدته ‪ ) :‬و نرى المسح على الخفين في السفر و الحضر ‪ ،‬كما جاء في‬
‫الثر ( ‪.‬‬
‫و نحو ذلك إدراج المام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله‬
‫لمسائل من قبيل تحريم النياحة نكاح المتعة ‪ ،‬و إيجاب المر بالمعروف و‬
‫النهي عن المنكر ] انظر ‪ :‬فصل الخطاب في بيان عقيدة الشيخ محمد بن‬
‫عبد الوهاب ‪ ،‬ص ‪. [ 40 :‬‬
‫و على هذا درج كثير من العلماء ‪ ،‬و هذا ليس من قبيل الخلط بين مسائل‬
‫الصول و الفروع ‪ ،‬أو إحلل مسألة في غير محلها ‪ ،‬و لكن له أسبابه و‬
‫مسوغاته ؛ و منها ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬الرد على المبتدعة الذين عدوا بعد المنهيات من شعائر الدين ‪،‬‬
‫كالرافضة الذين شرعوا النياحة و اللطم و العويل على الئمة و أهل البيت‬
‫الطاهرين سّنة جارية إلى يوم القيامة ‪ ،‬يتقربون بها إلى الله ‪ ،‬إلى جانب ما‬
‫يخالط طقوس اللطميات من ترهات و شركيات ‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫و لما عد ّ الروافض النياحة مسألة عقدية في دينهم ‪ ،‬ورد ذكرها في كتب‬
‫العقائد عند أهل السنة ‪ ،‬ليس لعتبارها مسألة من مسائل التوحيد و‬
‫العتقاد ‪ ،‬و لكن لبيان خلل اعتقاد من تقرب إلى الله ) أو إلى الولياء و‬
‫الصالحين !! ( بها ‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬بيان فساد بعض الصول التي بنى عليها المبتدعة حكمهم الفقهي في‬
‫مْين باطلين ؛ أولهما ‪ :‬ما‬
‫آحاد المسائل ‪ ،‬كإنكار المسح على الخفين ‪ ،‬بَزعْ َ‬
‫نسبوه زورا ً و بهتانا ً إلى أئمة أهل البيت أنهم أجمعوا على المنع من المسح ‪،‬‬
‫و اعتبروا صلة المتوضئ بدون غسل الرجلين باطلة و إن كان ماسحا ً على‬
‫الخفين ‪ ،‬و كذلك صلة من ائتم به ‪ ،‬و ما أكثر ما زعم القوم إجماع أهل‬
‫البيت عليه ‪ ،‬و هو أبعد ما يكون عن مسائل الجماع ‪.‬‬
‫ً‬
‫ل السنة و اعتبار ذلك شعارا من‬
‫و ثانيهما ‪ :‬تعمد المبتدعة مخالف َ‬
‫ة أه ِ‬
‫شعارات أهل البدع ‪ ،‬كما هو الحال في موقفهم في مسألة المسح على‬
‫الخفين ‪ ،‬المجمع على مشروعيته عند من يعتد بإجماعهم ‪.‬‬
‫لذلك ناسب أن تذكر هذه المسألة في كتب أصول العتقاد لبيان فساد‬
‫الصول الذي اعتمد عليه المبتدعة في بيان حكمها ‪ ،‬و هو رد الجماع الثابت ‪،‬‬
‫و العتداد بإجماع أهل البيت دون غيرهم رغم تعذر إثباته ‪ ،‬و زعم الجماع‬
‫فيما ذاع فيه الخلف ‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬الرد على المبتدعة الذين اعتبروا اللتزام ببعض الفروع ) على فرض‬
‫مشروعيتها ( شعارا ً لمذهبهم ‪ ،‬كقولهم في التقّية ‪ :‬ل دين لمن ل تقّية له ‪ ،‬و‬
‫قولهم في المتعة ‪ :‬من لم يتمتع فليس بشيعي ‪.‬‬
‫و كفى لمعرفة بطلن هذين القولين تأمل ظاهرهما ‪.‬‬
‫سّنية‬
‫أما وجه ذكر مسائل من قبيل تحريم المتعة و التقية في كتب الصول ال ُ‬
‫‪ ،‬فهو البراءة من البدعة و أهلها ‪ ،‬فنحن نذكر قولهم ‪ :‬ل دين لمن ل تقية له ‪،‬‬
‫ثم نبين فساد مذهبهم المقارب بين التقية و النفاق في هذه المسألة ‪ ،‬و وجه‬
‫مخالفتنا لهم فيها ‪.‬‬
‫و نذكر قولهم ‪ :‬من لم يتمتع فليس بشيعي ‪ ،‬لنعقبه بحكاية الجماع المعتَبر‬
‫عند أهل الحق على تحريم نكاح المتعة ‪ ،‬و نبين بالتالي مفاصلتنا لهلها الذين‬
‫اعتبروها أمارة فاصلة تميزهم عن العالمين ‪.‬‬
‫و أخيرا ً ‪ ،‬ل غضاضة إذن في إيراد بعض مسائل العبادات في كتب أصول‬
‫الدين ‪ ،‬حينما تقتضي مصلحة إظهار الحق ذلك ‪ ،‬و ل يعني ذلك أنها مسائل‬
‫ملحقة بمسائل الصول من حيث الحكم على المخالف فيها تبديعا ً أو تفسيقا ً‬
‫أو تكفيرا ً ‪ ،‬بل هي مسائل فقهية تزم بزمامه ‪ ،‬و يحكم عليها بأحكامه ‪.‬‬
‫هذا و الله الهادي إلى سواء السبيل ‪ ،‬و بالله التوفيق ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إذا أردت أن تكون مستجاب الدعوة‬
‫أمير بن محمد المدري ‪...‬‬
‫‪ -1‬أخلص لله في دعائك ول تدعو إل الله سبحانه‪ ،‬فإن الدعاء عبادة من‬
‫ل القربات‪ ،‬ول يقبل الله من ذلك‬
‫العبادات‪ ،‬بل هو من أشرف الطاعات وأفض ِ‬
‫َ‬
‫عوا ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫جد َ ل ِلهِ فَل ت َد ْ ُ‬
‫إل ما كان خالصا لوجهه الكريم‪ ،‬قال الله تعالى‪) :‬وَأ ّ‬
‫م َ‬
‫سا ِ‬
‫ن ال َ‬
‫َ‬
‫وَ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫حدًا( الجن‪ ، 18:‬وقال تعالى‪َ) :‬فاد ْ ُ‬
‫خل ِ ِ‬
‫ه ال ّ‬
‫معَ الل ّهِ أ َ‬
‫نل ُ‬
‫ه ُ‬
‫عوا ْ الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ن وَل ْ‬
‫دي َ‬
‫صي َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن( غافر‪ ، 14 :‬و عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى‬
‫كرِهَ الكافُِرو َ‬
‫الله عليه وسلم قال له‪)) :‬إذا سألت فاسأل الله‪ ،‬وإذا استعنت فاستعن‬

‫‪137‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بالله(( رواه أحمد )‪ ،(307 ،1/293‬والترمذي )‪ ،(2511‬وصححه اللباني في‬
‫صحيح الجامع )‪(7957‬‬
‫‪ -2‬إصبر ول تستعجل الجابة ‪:‬فإن نفذ صبرك فأنت الخاسر ‪ ..‬أسأت الدب‬
‫مع الله ‪ ،‬فصرت احد رجلين ‪ :‬إما منان وإما بخيل ‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي‬
‫الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬يستجاب لحدكم ما‬
‫لم يعجل‪ ،‬يقول‪ :‬دعوت فلم يستجب لي(( رواه البخاري في الدعوات )‬
‫‪ ،(6340‬ومسلم في الذكر والدعاء )‪ .(2735‬وعنه أنه صلى الله عليه وسلم‬
‫قال‪)) :‬ل يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم‪ ،‬ما لم‬
‫يستعجل((‪ .‬قيل‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬ما الستعجال؟ قال‪)) :‬يقول‪ :‬قد دعوت‪ ،‬وقد‬
‫دعوت‪ ،‬فلم أر يستجيب لي‪ ،‬فيستحسر عند ذلك‪ ،‬ويدع الدعاء(( رواه مسلم‬
‫في الذكر والدعاء )‪.(2735‬‬
‫وقال ابن القيم‪" :‬ومن الفات التي تمنع أثر الدعاء أن يتعجل العبد ويستبطئ‬
‫الجابة فيستحسر ويدع الدعاء‪ ،‬وهو بمنزلة من بذر بذرا ً أو غرس غرسا ً‬
‫فجعل يتعاهده ويسقيه‪ ،‬فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله" الجواب‬
‫الكافي )ص ‪.(10‬‬
‫‪ -3‬تب الى الله من كل المعاصي وأعلن الرجوع الى الله تعالى ‪ ،‬فإن اكثر‬
‫اولئك الذي يشكون من عدم اجابة الدعاء آفتهم المعاصي فهي خلف من كل‬
‫مصيبة ‪.‬‬
‫قال عمر بن الخطاب ) رضي الله عنه ( ‪ :‬بالورع عما حرم الله يقبل الله‬
‫الدعاء والسبيح ‪،‬قال بعض السلف ‪ :‬ل تستبطئ الجابة وقد سددت طرقها‬
‫بالمعاصي‬
‫اخي ‪ :‬ان مثل العاصي في دعائه كمثل رجل حارب ملكا من ملوك الدنيا‬
‫ونابذه العداوة زمنا طويل ‪ ،‬وجاءه مرة يطلب إحسانه ومعروفة ‪ .‬فما ظنك‬
‫أخي بهذا الرجل ؟ اتراه ُيدرك مطلوبه ؟ كل فانه لن يدرك مطلوبه ال اذا‬
‫صفا الود بينه وبين ذلك الملك ‪.‬‬
‫‪ -4‬إحرص على اللقمة الحلل ‪ :‬فل تدخل بطنك حراما …‪ .‬فإنه إذا اتصف‬
‫العبد بذلك لمس اثر الجابة في دعائة ووجد اثارا طيبة لذلك … قال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫))أيها الناس إن الله طيب ل يقبل ال طيبا وان الله امر المؤمنين بما أمر به‬
‫المرسلين ‪ ،‬فقال ‪ ) :‬يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا اني بما‬
‫تعملون عليم (( المؤمنون ‪ 51 :‬وقال ‪ ) :‬يا أيها الذين أمنوا كلوا من طيبات‬
‫ما رزقناكم (( البقرة ‪. 172 :‬‬
‫ثم ذكر الرجل يطيل السفر ‪ ،‬أشعث اغبر يمد يديه الى السماء يارب يارب‬
‫ومطعمه حرام ! ومشربه حرام ! وملبسه حرام ! وغذي بالحرام ! فأنى‬
‫يستجاب لذلك ؟ ! (( رواه مسلم والترمذي‬
‫فهذا سعد بن أبي وقاص ) رضي الله عنه ( اشتهر بإجابة الدعاء … فكان إذا‬
‫دعا ارتفع دعاؤه واخترق الحجب فل يرجع إل بتحقيق المطلوب ! ‪.‬‬
‫يقول ‪ :‬ما رفعت الى فمي لقمة إل وأنا عالم من اين مجيئها ؟ ! ومن أين‬
‫خرجت ‪ .‬ذاك هو سر استجابة الدعاء ‪..‬اللقمة الحلل‬
‫‪ -5‬أحسن الظن بالله تعالى‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬ادعوا الله وأنتم موقنون بالجابة‪ ،‬فإن الله ل‬
‫يستجيب دعاء من قلب غافل له(( أخرجه الترمذي )‪( 3479‬وحسنه اللباني‬
‫في صحيح الجامع )‪ ، 245‬وعنه أنه صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬يقول الله‬
‫عز وجل‪ :‬أنا عند ظن عبدي بي‪ ،‬وأنا معه حيث يذكرني(( رواه البخاري )‬
‫‪138‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ ،(7405‬ومسلم )‪ ، (2675‬فل يمنعنك أخي من الدعاء ما تعلم من نفسك‬
‫فقد أجاب الله دعاء شر الخلق ابليس وهو شر منك ‪.‬‬
‫‪ -6‬إحضر قلبك مع الدعاء ‪ ،‬وتدبر معاني ما تقول‪ ،‬لقوله صلى الله عليه‬
‫وسلم فيما تقدم‪)) :‬واعلموا أن الله ل يستجيب دعاء من قلب غافل له((‪.‬‬
‫‪ -7‬ل تعتدي في الدعاء‪ ،‬والعتداء هو كل سؤال يناقض حكمة الله‪ ،‬أو يتضمن‬
‫عوا ْ‬
‫مناقضة شرعه وأمره‪ ،‬أو يتضمن خلف ما أخبر به‪ ،‬قال الله تعالى‪ } :‬اد ْ ُ‬
‫ن { العراف‪ ،55:‬فمن ذلك‪:‬‬
‫خ ْ‬
‫عا وَ ُ‬
‫ضّر ً‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫في َ ً‬
‫معْت َ ِ‬
‫ح ّ‬
‫م تَ َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ة إ ِن ّ ُ‬
‫َرب ّك ُ ْ‬
‫دي َ‬
‫أن تسأل الله تعالى ما ل يليق بك من منازل النبياء‪،‬أو نتنطع في السؤال‬
‫بذكر تفاصيل يغني عنها العموم‪،‬أو تسأل ما ل يجوز لك سؤاله من العانة‬
‫على المحرمات‪،‬أو تسأل ما ل يفعله الله‪ ،‬مثل أن تسأله تخليدك إلى يوم‬
‫القيامة‪ ،‬أو ترفع صوتك بالدعاء الى غير ذلك ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫‪ -8‬مر بالمعروف وانهى عن المنكر‪ ،‬فعن حذيفة رضي الله عنه قال‪ :‬قال‬
‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن‬
‫المنكر‪ ،‬أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا ً منه‪ ،‬فتدعونه فل يستجاب‬
‫لكم(( ‪ -‬رواه الترمذي في الفتن )‪ (2169‬وحسنه‪ ،‬وأحمد )‪،(5/288‬‬
‫‪ -9‬اذا دعوت الله تعالى فلتبدأ أول ‪ :‬بحمده والثناء عليه تبارك وتعالى ثم‬
‫بعدها ‪ :‬بالصلة والسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ..‬ثم ابدأ بعد ذلك‬
‫في دعائك ومسألتك ‪.‬‬
‫‪ -10‬استقبل القبلة‪ ،‬واختر أحسن اللفاظ وأنبلها وأجمعها للمعاني وأبينها‪ ،‬ول‬
‫أحسن مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة‪ ،‬لنها أكثر بركة‪ ،‬ولنها جامعة‬
‫للخير كله‪.‬‬
‫‪ -11‬أدع الله دعاء الراغب الراهب المستكين ‪ ..‬الخاضع ‪ ..‬المتذلل الفقير‬
‫الى ما عند ربه تبارك وتعالى ‪ .‬أدع بلسان الذلة والفتقار ل بلسان الفصاحة‬
‫والنطلق ‪.‬‬
‫أخي ‪:‬أدع دعاء عبد فقير إلى ما عند ربه تعالى … محتاجا الى فضلة‬
‫واحسانه … مقرا بذنوبه … خاضعا خضوع المقصرين … يرى انه ل يملك‬
‫لنفسه ضرا ول نفعا ‪ ،‬قال ابن القيم رحمه الله‪ :" :‬إذا اجتمع عليه قلبه‬
‫وصدقت ضرورته وفاقته وقوي رجاؤه فل يكاد يرد دعاؤه" ‪،‬وقال ابن عطاء "‬
‫تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه ‪ ،‬تحقق بذلك يمدك بعزه ‪ ،‬تحقق بعجزك‬
‫يمدك بقدرته ‪ ،‬تحقق بضعفك يمدك بقوته "‪.‬‬
‫أخي ‪ .‬إذا انكسر العبد بين يديه وبكى وتذلل وأشهد الله فقره إلى ربه في‬
‫كل ذراته الظاهرة والباطنة عندها فليبشر بنفحات ونفحات من فضل الله‬
‫ورحمته وجوده وكرمه‪.‬‬
‫‪ -12‬ترصد لدعائك الوقات الشريفة وتخّير وقت الطلب ‪ :‬كعشية عرفة من‬
‫السنة‪ ،‬ورمضان من الشهر‪ ،‬وخاصة العشر الواخر منه‪ ،‬وبالخص ليلة القدر‪،‬‬
‫ويوم الجمعة من السبوع‪ ،‬ووقت السحر من ساعات الليل‪ ،‬وبين الذان‬
‫والقامة ‪،‬وعند سماع صوت الديك ‪،‬وعند التحام الصفوف في القتال ‪ ،‬وعند‬
‫نزول الغيث ‪.‬‬
‫‪ -13‬إغتنم الحالت الفاضلة‪ :‬كالسجود‪ ،‬ودبر الصلوات‪ ،‬والصيام‪ ،‬وعند اللقاء‪،‬‬
‫وعند نزول الغيث‪.‬‬
‫‪ -14‬إستغ ّ‬
‫ل حالت الضرورة والنكسار‪ ،‬وساعات الضيق والشدة‪ :‬كالسفر‪،‬‬

‫‪139‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والمرض‪ ،‬وكونك مظلوما‪.‬‬
‫‪ -15‬إرفع يديك وابسط كفيك‪ ،‬فعن أبي موسى رضي الله عنه قال‪)) :‬دعا‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه‪ ،‬ورأيت بياض إبطيه(( أخرجه‬
‫البخاري في المغازي )‪ ،(4323‬ومسلم في فضائل الصحابة )‪ ،(2498‬وعن‬
‫سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬إن الله حي كريم‪،‬‬
‫يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا ً خائبتين(( صححه اللباني‬
‫في صحيح الجامع )‪.(1757‬‬
‫دم بين يدي دعائك عمل صالحا كصلة او صيام او صدقة … ال ترى‬
‫‪ -16‬ق ِ‬
‫اخي ان الدعاء بعد الصلوات ارجي للجابة ‪ .‬لنه وقع بعد عمل صالح ‪،‬‬
‫فالدعء يرفعه العمل الصالح ‪ ،‬فجرب اخي أن تدعو عقب دمعة من خشية‬
‫الله ‪ ،‬أو حاجة مسلم قضيتها ‪ ،‬أو صدقة في ظلم الليل بذلتها ‪ ،‬أو جرعة‬
‫ملتها ما انفذتها وسرى سرعة الجابة ‪.‬‬
‫غيظ تح ّ‬
‫‪ -17‬إخفض صوتك في دعائك …‪ .‬فان الداعي مناج لربه تبارك وتعالى ‪،‬‬
‫والله تعالى يعلم السر واخفي ‪.‬‬
‫‪ -18‬أدع الله بأسمائه الحسنى لنها حسنة في السماع والقلوب ‪ ،‬وهي تدل‬
‫على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وافضاله ‪) ،‬لله السماء الحسنى فادعوه‬
‫بها ( العراف ‪.180 :‬‬
‫‪ -19‬توسل الى الله بأعمالك الصالحة التي وفقك الله إليها ‪ ..‬فالعمل الصالح‬
‫نعم الشفيع لصاحبة في الدنيا والخرة اذا كان صاحبة مخلصا فيه ‪.‬‬
‫‪ -20‬كن عبدا ً ملحاحا ً علي ربك سبحانه بتكرير ذكر ربوبيته‪ ،‬وهو أعظم ما‬
‫يطلب به إجابة الدعاء‪ ،‬فإن اللحاح يدل على صدق الرغبة‪ ،‬والله تعالى يحب‬
‫الملحين في الدعاء‪ ،‬وأعلم أن من يكثر قرع الباب يوشك أن يقتح له ‪.‬‬
‫‪ -21‬إجزم في دعائك وأعزم في المسألة‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي الله عنه‬
‫قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬إذا دعا أحدكم فل يقل‪ :‬اللهم‬
‫اغفر لي إن شئت‪ ،‬اللهم ارحمني إن شئت‪ ،‬ولكن ليعزم المسألة‪ ،‬وليعظم‬
‫الرغبة‪ ،‬فإن الله ل يتعاظمه شيء أعطاه(( رواه البخاري في الدعوات‪) :‬‬
‫‪ ،(6339‬ومسلم في الذكر والدعاء‪ :‬باب العزم بالدعاء )‪ (2679‬واللفظ له‬
‫خص الوالدين‪ ،‬وأهل الفضل‬
‫‪ -22‬إبدأ بنفسك‪ ،‬ثم ادعو لخوانك المسلمين‪ ،‬و ُ‬
‫من العلماء والصالحين‪ ،‬ومن في صلحه صلح المسلمين‪.‬‬
‫‪ -23‬اشهد مجالس الذكر ‪ :‬فالله يستجيب دعاء من يشهدون مجالس الذكر‬
‫ويغفر لهم ببركة جلوسهم فيقول ‪" :‬أشهدكم يا ملئكتي اني قد غفرت لهم "‬
‫‪ ،‬فيقول ملك من الملئكة ‪:‬فيهم فلن ليس منهم وانما جاء لحاجة ‪ ،‬فيقول‬
‫"فيقول ‪:‬هم القوم ل يشقى بهم جليسهم " رواه الشيخان واحمد عن ابي‬
‫هريرة‬
‫أخي ارتد ثياب الصالحين تحسب منهم ‪،‬وزاحم بمنكبيك مجالسهم‪،‬ترحم‬
‫بسببهم ‪.‬‬
‫‪ -24‬كن من هؤلء ‪ :‬فالله يستجيب للمضطر إذا دعاه ‪،‬وللمظلوم ولو كان‬
‫فاجرا ً أو كافرًا‪،‬ولمن يدعولخيه بظهر الغيب وللوالدين على ولدهما وللمام‬
‫العادل وللمسافر حتى يرجع وللمريض حتى يبرأ ‪،‬وللصائم حتى يفطر ‪،‬فإذا‬
‫استطعت أن تكون واحدا ً من هؤلء فافعل ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬

‫‪140‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أخيرا ً ‪ :‬أخي ل تظن أن دعواتك تخيب فإن لم ترى جوابًا‪..‬‬
‫فربما لم يجبك ‪،‬لنه قد دفع عنك من البلء مال تعرف ‪.‬‬
‫وربما لم يجبك لعلمه أن كف حسناتك لت ترجح يوم القيامة إل بتأخير هذه‬
‫الدعوات الى يوم القيامة ‪.‬‬
‫وربما لم يجبك لعلمه أن ما طلبت شر لك ‪،‬فالمال الذي طلبت ربما أطغاك‬
‫وأفسدك ‪ ،‬وإن كان ولدا ً ربما كبر فعقك وأجهدك ‪،‬وإن كان عمل ً ربما فتح لك‬
‫بابا من الحرام فكم من محبوب في مكروه وعسى أن تحبوا شيئا ً وهو شر‬
‫لكم والله يعلم وانتم لتعلمون‬
‫وربما لم يجبك لنك أدخلت الحرام في رزقك ‪ ،‬أو أسكنت شهوة في قلبك‪.‬‬
‫وربما ما أجابك لنه يريد أن يسمع الحاحك وانينك في السحار وفي جوف‬
‫الليل ‪،‬‬
‫والله تعالى أعلى وأعلم‬
‫أمير بن محمد المدري‬
‫إمام وخطيب مسجد اليمان – اليمن – عمران ‪...‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك‪"...‬‬
‫هذه كلمات حفظتها في صغر سني عندما قالها والدي حفظه الله موبخا ً أحد‬
‫مال ! وهي من أكثر الكلمات التي أسمعها‬
‫أخوتي والذي اعتدى على أحد الع ّ‬
‫دائما من والدي حفظه الله‪ ،‬ول زال يرددها حين يرى ظلما ً يقع على أحد‬
‫الضعفاء الذين ليملكون حول ً ول قوة إل بالله سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫تعود هذه الكلمات لذاكرتي كلما مّر علي ِذكر أحد المسئولين ‪ -‬الذين يتهاون‬
‫في حقوق الناس فيبخصها أو يتعمد ظلمهم فيسعى إلى قطع أرزاقهم‬
‫ويتحكم في حال الضعفاء إما بضربهم أو سجنهم أو شتمهم ‪ -‬فأتساءل حينها‪:‬‬
‫مع بهذه المقولة‪ ،‬و هل يدرك كل مسئول وصاحب منصب‬
‫كم من مسئول س ِ‬
‫هذه الكلمات؟!‬
‫و هل يتذكر هؤلء المسئولون وأصحاب المناصب الحكمة التي تقول ) لو‬
‫دامت لغيرك ما وصلت إليك (‬
‫و هل يتذكر هؤلء أن مصيرهم المحتوم مهما طال إما أن يموت أو يحال إلى‬
‫التقاعد أو العجز ثم يصبح في المجتمع نسيا منسيا ولنا عبرة في الخرين من‬
‫الطغاة وغيرهم وكل الظلمة وأعوانهم والذين ألقاهم الناس في مزبلة‬
‫التاريخ بين شريد وطريد وخائف مذعور أو رهين اعتقال سلبت منهم النعمة‬
‫وأحاطت بهم المحن ونزعت عنهم الكرامة وأصبحوا عبرة لمن يعتبر ‪.‬‬
‫ل ال ّ‬
‫ه َ‬
‫م ُ‬
‫ن‬
‫مو َ‬
‫بل هل يتفكرون في قوله تعالى )وَل َ ت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ما ي َعْ َ‬
‫غافِل ً عَ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سب َ ّ‬
‫َ‬
‫م ل ِي َوْم ٍ ت َ ْ‬
‫صاُر (؟ و هل يتعظون من قول النبي صلى‬
‫ش َ‬
‫ما ي ُؤَ ّ‬
‫خُرهُ ْ‬
‫إ ِن ّ َ‬
‫ص ِفيهِ الب ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫الله عليه وسلم ) من أعان على خصومة بظلم أو يعين على ظلم لم يزل‬
‫في سخط الله حتى ينزع ( رواه ابن ماجة ‪ ،‬وقوله صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫)إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ( وفي حديث أبي ذر رضي الله‬
‫عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه‬
‫قال‪" :‬يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي‪ ،‬وجعلته بينكم محرما ً فل‬
‫تظالموا‪ ،‬يا عبادي كلكم ضال إل من هديته‪ ،‬فاستهدوني أهدكم ( ؟‬
‫در لهم أن يحكموا‬
‫مساكين هم المسئولون وأصحاب المناصب الذين قٌ ِ‬
‫الناس‪ ،‬فظلموهم و تعالوا عليهم‪ ،‬مساكين!‬

‫‪141‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أن على المسئولين وأصحاب السلطة من الحكام والوزراء أن يتقوا الله‬
‫فيمن تحت أيديهم وأن يخافوا الله في الضعفاء ومن ليس لهم حول ول قوة‬
‫إل بالله وليتذكروا أن لهؤلء أطفال وزوجات وأن يتقوا عاقبة الظلم ومصير‬
‫كل ظالم متكبر وأن مآله إلى القبر وكذلك أعوان الظلمة وهم عيون للظلمة‬
‫وأيديهم التي يبطشون بها وعقولهم التي يفكرون !!‬
‫قيل ليحيى البرمكي وهو في السجن يا أبت أبعد المر والنهي صرنا إلى هذه‬
‫الحال‪ ،‬قال لعلها دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها‪.‬‬
‫لتظلمن إذا ما كنت مقتدرا ً *** فالظلم آخره يأتيك بالندم‬
‫نامت عيونك والمظلوم منتبه *** يدعو عليك وعين الله لم تنم‬
‫حكي أن الحجاج حبس رجل ظلما فكتب إليه رقعة فيها‪:‬‬
‫قد مضى من بؤسنا أيام ومن نعيمك أيام‪ ،‬والموعد القيامة‪ ،‬والسجن جهنم‪،‬‬
‫والحاكم ل يحتاج إلى بينة‪ ،‬وكتب في آخرها‪:‬‬
‫وقال أبو العتاهية‪:‬‬
‫ستعلم يا نؤم إذا التقينا ‪ ...‬غدا عند الله من الظلوم‬
‫ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ‪ ...‬وما زال المسيء هو الظلوم‬
‫أماوالله إ ّ‬
‫ظلم شؤ ٌ‬
‫دين نمضي ‪ ...‬وعند الله تجتمع الخصوم‬
‫إلى ديّان يوم ال ّ‬
‫ستعلم في الحساب إذا التقينا غدا ً عند الله من الملوم‬
‫وذكر الظلم في مجلس ابن عباس رضي الله عنه فقال كعب ‪ :‬إني لجد في‬
‫كتاب الله المنزل أن الظلم يخرب الديار فقال ابن عباس ‪ :‬تصديقه في‬
‫القرآن العظيم ) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا (‬
‫فيا أيها المسئول‪:‬‬
‫هل إتعظت بغيرك من الظلمة فإن لكل ظالم نهاية ‪ ،‬ول يبقى للنسان إل ما‬
‫قدمه من خير وسيذكره الناس بالخير والتاريخ مليء بأصحاب الخير وأصحاب‬
‫الشر ‪ ،‬فماذا يبقى للنسان إل عمله وذكره الحسن بين الناس لنه حتما‬
‫سيموت وسيقف أم رب العباد !!‬
‫و هل إتقيت دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام يقول الله ) وعزتي‬
‫وجللي لنصرنك ولو بعد حين ( و يقول صلى الله عليه وسلم ) اتقوا دعوة‬
‫المظلوم فإنه تصعد إلى السماء كأنها شرارة ( و أن ) ثلث دعوات يستجاب‬
‫لهن ل شك فيهن ‪ ،‬دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد لولده ‪( .‬‬
‫و أرحموا من في الرض يرحمكم من في السماء‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إذا سألت فسأل الله‬
‫مع المصطفى صلى الله عليه وسلم‬
‫د‪ /‬خالد سعد النجار‬
‫>‪TD/‬‬
‫عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫) من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ‪ ،‬ومن أنزلها بالله أوشك الله‬
‫له بالغنى ‪ ،‬إما بموت عاجل أو غنى عاجل ( )‪(1‬‬
‫من أجل مقاصد الشريعة السلمية صيانة شخصية المسلم عن التبذل ‪،‬‬
‫وحفظ ماء وجهه عن المهانة ‪ ،‬وهذا منبثق من عقيدة صافية خالصة تربط‬
‫المسلم دائما بالله القدير ‪ ،‬في السراء والضراء ‪ ،‬والعسر واليسر ‪،‬‬
‫والمنشط والمكره ‪ ...‬لنه تعالى الغني بإطلق ‪ ،‬المعطي المانع ‪ ،‬الضار‬

‫‪142‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫النافع ‪ ،‬الخافض الرافع ‪ ،‬القوي الجامع‬
‫فالمؤمن في دوحة السلم قلبه معلق بالسماء ‪ ،‬إذا سأل سأل الله ‪ ،‬وإذا‬
‫استعان استعان بالله ‪ ،‬هو تعالى حسبه وعضده ونصيره به يصول وبه يجول‬
‫وبه يقاتل‬
‫) من أصابته فاقة ( أي حاجة شديدة وأكثر استعمالها في الفقر وضيق‬
‫المعيشة ) فأنزلها بالناس ( أي عرضها عليهم وأظهرها بطريق الشكاية لهم‬
‫وطلب إزالة فاقته منهم ‪ ،‬وخلصته أن من اعتمد في سدها على سؤالهم‬
‫) لم تسد فاقته ( أي لم تقض حاجته ولم تزل فاقته ‪ ،‬وكلما تسد حاجة‬
‫أصابته أخرى أشد منها ‪ ،‬لتركه القادر على حوائج جميع الخلق الذي ل يغلق‬
‫بابه وقصد من يعجز عن جلب نفع نفسه ودفع ضرها ) ومن أنزلها بالله ( بأن‬
‫اعتمد على موله ) أوشك الله ( أي أسرع وعجل ) بالغنى ( أي اليسار ) إما‬
‫بموت عاجل ( قيل بموت قريب له غني فيرثه ‪ ،‬ولعل الحديث مقتبس من‬
‫قوله تعالى } ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث ل يحتسب ‪،‬‬
‫ومن يتوكل على الله فهو حسبه { الطلق ‪ )3-2‬أو غنى ( أي يسار ) عاجل (‬
‫أي بأن يعطيه مال ويجعله غنيا )‪(2‬‬
‫وسؤال الله تعالى وحسن اللتجاء إليه مع الستعفاف عن سؤال الناس أصل‬
‫عظيم من أصول الدين شواهده كثرة من الكتاب والسنة ‪ ،‬قال تعالى‬
‫قراء ال ّذي ُ‬
‫َ‬
‫ن َ ً‬
‫ض‬
‫} ل ِل ْ ُ‬
‫ست َ ِ‬
‫ن أح ِ‬
‫طيُعو َ‬
‫ل الل ّهِ ل َ ي َ ْ‬
‫صُروا ْ ِفي َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ِ َ‬
‫ف َ َ‬
‫ضْربا َ ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫حافا ً‬
‫جاهِ ُ‬
‫ن الت ّعَ ّ‬
‫ف ت َعْرِفُُهم ب ِ ِ‬
‫ل أغْن َِياء ِ‬
‫س إ ِل ْ َ‬
‫سأُلو َ‬
‫ف ِ‬
‫م ال ْ َ‬
‫يَ ْ‬
‫م ل َ يَ ْ‬
‫ح َ‬
‫ماهُ ْ‬
‫سي َ‬
‫سب ُهُ ُ‬
‫ن الّنا َ‬
‫م َ‬
‫م { البقرة ‪ 273‬قال المفسرون ‪:‬‬
‫ما ُتنفِ ُ‬
‫ن َ‬
‫قوا ْ ِ‬
‫خي ْرٍ فَإ ِ ّ‬
‫ه ب ِهِ عَِلي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫وَ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫جاهِ ُ‬
‫ف ( أي من أجل تعففهم عن‬
‫ن الت ّعَ ّ‬
‫ل ( أي بحالهم )أغْن َِياء ِ‬
‫ف ِ‬
‫م ال َ‬
‫) يَ ْ‬
‫ح َ‬
‫سب ُهُ ُ‬
‫م َ‬
‫السؤال والتلويح به قناعة بما أعطاهم مولهم ورضا عنه وشرف النفس‬
‫م ( بما يظهر لذوي اللباب من صفاتهم ‪ ،‬قال السدي ‪ :‬هي‬
‫) ت َعْرِفُُهم ب ِ ِ‬
‫ماهُ ْ‬
‫سي َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫حافا (‬
‫س إ ِل َ‬
‫سألو َ‬
‫أثر الفاقة والحاجة في وجوههم وقلة النعمة ) ل ي َ ْ‬
‫ن الّنا َ‬
‫اللحاف ‪ :‬اللحاح وهو اللزوم وأن ل يفارق إل بشيء يعطاه ‪ ،‬وقيل معنى‬
‫الية ‪ :‬إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا فيكون النفي متوجها إلى القيد‬
‫وحده ‪ ،‬والصحيح أنه نفي للسؤال واللحاف جميعا فمرجع النفي إلى القيد‬
‫ومقيده كقوله } ول شفيع يطاع { غافر ‪ 18‬وفيه تنبيه على سوء طريقة من‬
‫يسأل الناس إلحافا واستحباب المدح والتعظيم للمتعفف عن ذلك ‪ ،‬قال ابن‬
‫عبد البر ‪ :‬من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته‬
‫ومذهب أهل الورع فيه ما حكاه الثرم عن أحمد بن حنبل وقد سئل عن‬
‫المسألة متى تحل ؟ قال ‪ :‬إذا لم يكن عنده ما يغديه ويعشيه على حديث‬
‫سهل بن الحنظلية ‪ .‬قيل لبي عبد الله ‪ :‬فإن أضطر إلى المسألة ؟ قال هي‬
‫مباحة له إذا اضطر ‪ .‬قيل له ‪ :‬فإن تعفف ؟ قال ذلك خير له ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬ما‬
‫أظن أحد يموت من الجوع ‪ ،‬الله يأتيه برزقه ثم ذكر حديث أبي سعيد‬
‫الخدري ) ومن يستعفف يعفه الله ( وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم قال له ) تعفف ( )‪ (3‬قال أبو بكر ‪ :‬وسمعته ُيسأل عن الرجل ل يجد‬
‫شيئا أيسأل الناس أم يأكل الميتة ؟ فقال ‪ :‬أيأكل الميتة وهو يجد من يسأله‬
‫هذا شنيع ‪ ،‬قال وسمعته يسأل ‪ :‬هل يسأل الرجل لغيره ‪ ،‬قال ‪ :‬ل ولكن‬
‫يعرض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه قوم حفاة عراة‬
‫مجتابي النمار فقال ) تصدقوا ( ولم يقل أعطوهم )‪ ،(4‬وقال ) أل رجل‬
‫يتصدق على هذا ؟ ( )‪ (5‬قال أبو بكر ‪ :‬قيل له ] يعني أحمد بن حنبل [‬
‫فالرجل يذكر الرجل فيقول إنه محتاج فقال ‪ :‬هذا تعريض وليس به بأس إنما‬
‫المسألة أن يقول أعطه ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬ل يعجبني أن يسأل المرء لنفسه فكيف‬
‫‪143‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لغيره والتعريض هنا أحب إلي ‪ .‬وقال إبراهيم بن ادهم ‪ :‬سؤال الحاجات من‬
‫الناس هي الحجاب بينك وبين الله تعالى فأنزل حاجتك بمن يملك الضر‬
‫والنفع وليكن مفزعك إلى الله تعالى يكفيك الله ما سواه وتعيش مسرورا )‬
‫‪(6‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وقال صلى الله عليه وسلم ) ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ول‬
‫اللقمة ول اللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف واقرءوا إن شئتم يعني قوله‬
‫} ل يسألون الناس إلحافا { ( )‪ ) (7‬ل تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله‬
‫وليس في وجهه مزعة لحم ( )‪ ) (8‬المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه‬
‫فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إل أن يسأل الرجل ذا سلطان أو‬
‫في أمر ل يجد منه بدا ( )‪ ) (9‬من سأل شيئا وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر‬
‫من جمر جهنم قالوا ‪ :‬وما يغنيه؟ قال ‪ :‬قدر ما يغديه ويعشيه ( )‪) (10‬من‬
‫استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله ومن استكفى كفاه الله ومن سأل‬
‫وله قيمة أوقية فقد ألحف ( )‪ (11‬وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن‬
‫ناسا من النصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه‬
‫فأعطاهم حتى إذا نفد ما عنده قال ) ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم‬
‫‪ ،‬ومن يستعفف يعفه الله ‪ ،‬ومن يستغن يغنه الله ‪ ،‬ومن يصبر يصبره الله ‪،‬‬
‫وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر ( )‪(12‬‬
‫يقول ابن الجوزي ‪ :‬لما تلمحت تدبير الصانع في سوق رزقي بتسخير‬
‫السحاب وإنزال المطر برفق والبذر دفين تحت الرض كالموتى قد عفن‬
‫ينتظر نفخة من صور الحياة فإذا أصابته اهتز خضرا ‪ ،‬وإذا انقطع عنه الماء‬
‫مد يد الطلب يستعطي وأمال رأسه خاضعا ولبس حلل التغير ‪ ،‬فهو محتاج‬
‫إلى ما أنا محتاج إليه من حرارة الشمس وبرودة الماء ولطف النسيم وتربية‬
‫الرض ‪ ،‬فسبحان من أراني كيف تربيتي في الصل‬
‫فيا أيتها النفس التي قد اطلعت على بعض حكمه قبيح بك والله القبال على‬
‫غيره ‪ ،‬ثم العجب كيف تقبلين على فقير مثلك ‪ ،‬يناديني لسان حاله ] بي مثل‬
‫ما بك [ ‪ ،‬فارجعي إلى الصل الول واطلبي من المسبب ‪ ،‬ويا طوبى لك إن‬
‫عرفتيه ‪ ،‬فإن عرفانه ملك الدنيا والخرة )‪(13‬‬
‫‪alnaggar66@hotmail.com‬‬
‫‪-----------------------------‬‬‫الهوامش‬
‫)‪ (1‬رواه أبو داود ــ كتاب الزكاة رقم ‪ 1642‬وأحمد ــ مسند المكثرين من‬
‫الصحابة رقم ‪ ،3675‬ورواه الترمذي بنحوه في كتاب الزهد رقم ‪، 2326‬‬
‫ورواه الحاكم وقال صحيح وأقره الذهبي ‪ ،‬والحديث حسنه اللباني في صحيح‬
‫الجامع وقال ) حسن ( انظر حديث رقم ‪ 6041 :‬في صحيح الجامع ‪(2) .‬‬
‫أنظر عون المعبود ــ كتاب الزكاة ــ ج ‪ 5‬ص ‪ 46‬ط دار الفكر ‪ ،‬وفيض القدير‬
‫للمناوي ج ‪ 2‬ص ‪ (3) 132‬حديث أبي سعيد الخدري ) ومن يستعفف يعفه‬
‫الله ( رواه مسلم ــ كتاب الزكاة رقم ‪ 1745‬وسيأتي نصه في نهاية المقال ‪،‬‬
‫وحديث أبي ذر رواه أحمد وأبو داود وصححه اللباني ) صحيح ( انظر حديث‬
‫رقم‪ 7819 :‬في صحيح الجامع ‪ ،‬و نصه كالتي ) يا أبا ذر! أرأيت إن أصاب‬
‫الناس جوع شديد ل تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع ؟‬
‫تعفف ; يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد ‪-‬‬

‫‪144‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يعني القبر ‪ -‬كيف تصنع ؟ اصبر ; يا أبا ذر ‪ :‬أرأيت إن قتل الناس بعضهم‬
‫بعضا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع ؟ اقعد في بيتك وأغلق‬
‫عليك بابك قال ‪ :‬فإن لم أترك ؟ قال ‪ :‬فأت من كنت معه فكن فيهم قال ‪:‬‬
‫فآخذ سلحي ؟ قال‪ :‬إذن تشاركهم فيما هم فيه ولكن إن خشيت أن يردعك‬
‫شعاع السيف فألق من طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك‬
‫ويكون من أصحاب النار ( )‪ (4‬الحديث رواه مسلم ــ كتاب الزكاة رقم‬
‫‪ (5) 1691‬رواه أحمد وأبو داود عن أبي سعيد)صحيح( انظر حديث رقم‪:‬‬
‫‪ 2652‬في صحيح الجامع‪ (6) .‬انظر تفسير القاسمي ] محاسن التأويل [ ج‬
‫‪ 3/4‬ص ‪ 350‬ط دار الفكر ‪ ،‬وتفسير القرطبي ج ‪ 2‬ص ‪ 1266‬ط دار الغد‬
‫العربي – مصر )‪ (7‬رواه البخاري عن أبي هريرة ــ كتاب التفسير ‪ -2 ،‬سورة‬
‫البقرة ‪ -48 ،‬باب ل يسألون الناس إلحافا )‪ (8‬رواه البخاري ــ كتاب الزكاة‬
‫رقم ‪ ، 1381‬ومسلم واللفظ له ــ كتاب الزكاة رقم ‪ (9) 1724‬رواه أحمد‬
‫وأبو داود عن سمرة )صحيح( انظر حديث رقم‪ 6695 :‬في صحيح الجامع )‬
‫‪ (10‬رواه أحمد وأبو داود عن سهل بن الحنظلية )صحيح( انظر حديث رقم‪:‬‬
‫‪ 6280‬في صحيح الجامع )‪ (11‬رواه أحمد والنسائي عن أبي سعيد ) صحيح (‬
‫انظر حديث رقم‪ 6027 :‬في صحيح الجامع )‪ (12‬رواه مسلم ــ كتاب الزكاة‬
‫رقم ‪ (13) 1745‬صيد الخاطر ــ ابن الجوزي ص ‪ 84‬ط دار الحديث القاهرة‬
‫بتصرف‬
‫)‪(2 /‬‬
‫إذا سرق السارق فاقطعوا يده‬
‫الكاتب‪ :‬الستاذ محمد أحمد الوزير‬
‫الحمد لله رب العالمين ‪ ،‬وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه‬
‫وسلم‬
‫أما بعد ‪:‬‬
‫فإن من المسائل التي وقع النقاش حولها في الدرس مع فضيلة شيخنا‬
‫القاضي العلمة ‪ /‬محمد بن إسماعيل العمراني هو الحتجاج بحديث ))إذا‬
‫سرق السارق فاقطعوا يده‪ ،‬فإن عاد فاقطعوا رجله‪ ،‬فإن عاد فاقطعوا يده‪،‬‬
‫فإن عاد فاقطعوا رجله‪ (( ،‬ففضيلته ممن يرى ضعفه ‪ ،‬ونقل له في الدرس‬
‫من بعض الطلبة أن الشيخ اللباني يصححه ‪ ،‬فلما طلب من أخرجه لم يجب‬
‫عليه فأردت تخريجه والكلم عليه وبيان الراجح من القوال فيه فأقول ‪:‬‬
‫متن الحديث ‪:‬‬
‫عن أبي هريرة عن النبي صلى الّله عليه وسلم‪ ،‬قال‪ :‬إذا سرق السارق‬
‫فاقطعوا يده‪ ،‬فإن عاد فاقطعوا رجله‪ ،‬فإن عاد فاقطعوا يده‪ ،‬فإن عاد‬
‫فاقطعوا رجله‪ ،‬انتهى‪ .‬والواقدي فيه مقال "‪.‬‬
‫تخريج الحديث ‪:‬‬
‫أخرجه الدارقطني في "سننه" عن الواقدي عن ابن أبي ذئب عن خالد بن‬
‫سلمة‪ ،‬أراه عن أبي سلمة عن أبي هريرة به ‪.‬‬
‫علة الحديث ‪:‬‬
‫وعلة الحديث هو محمد بن عمر الواقدي ‪ ،‬وهو متروك بل متهم بالكذب ‪،‬‬
‫فالحديث من طريقة ضعيف جدا ‪ ،‬ومثله ل يقبل في الشواهد والمتابعات ‪.‬‬
‫الشواهد لهذا الحديث ‪:‬‬
‫• وللحديث شاهد عدة وهي على التالي ‪:‬‬

‫‪145‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫• الشاهد الول ‪ :‬أخرجه أبو داود )‪ (1‬من طريق مصعب بن ثابت عن محمد‬
‫بن المنكدر عن جابر‪ ،‬قال‪ :‬جيء بسارق إلى النبي صلى الّله عليه وسلم‬
‫فقال‪ :‬اقتلوه‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول الّله إنما سرق‪ ،‬فقال‪ :‬اقطعوه‪ ،‬فقطع‪ ،‬ثم‬
‫جيء به الثانية‪ ،‬فقال‪ :‬اقتلوه‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول الّله إنما سرق‪ ،‬قال اقطعوه‪،‬‬
‫فقطع‪ ،‬ثم جيء به الثالثة‪ ،‬فقال‪ :‬اقتلوه‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول الّله‪ ،‬إنما سرق‪،‬‬
‫قال‪ :‬اقطعوه‪ ،‬فقطع‪ ،‬ثم جيء به الرابعة‪ ،‬فقال‪ :‬اقتلوه‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول‬
‫الّله إنما سرق‪ ،‬قال‪ :‬اقطعوه‪ ،‬فقطع‪ ،‬ثم جيء به الخامسة‪ ،‬فقال‪ :‬اقتلوه‪،‬‬
‫قال جابر‪ :‬فانطلقنا به‪ ،‬فقتلناه‪ ،‬ثم اجتررناه‪ ،‬فألقيناه في بئر‪ ،‬ورمينا عليه‬
‫الحجارة‪. ،‬‬
‫قال النسائي‪ :‬حديث منكر‪ ،‬ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث‪،‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫طرق المتابعة ‪:‬‬
‫ولكن جاء لمحمد بن مصعب متابعة قوية ـ وإن كان مثله ل يقبل في‬
‫المتابعات ـ من طريق هشام بن عروة عن ابن المنكدر ‪ ،‬به ‪ ..‬الحديث (( ‪.‬‬
‫الطريق الولى ‪ :‬أخرجها الدارقطني في "سننه" عن محمد بن يزيد بن سنان‬
‫ثنا أبي ثنا هشام بن عروة عن محمد ين المنكدر عن جابر ‪ ...‬به ((‬
‫الطريق الثانية ‪ :‬وأخرجه أيضا ً عن عائذ بن حبيب عن هشام به‪،‬‬
‫الطريق الثالثة ‪ :‬وأخرجه الدارقطني أيضا ً عن سعيد بن يحيى ثنا هشام به ‪...‬‬
‫(( ‪.‬‬
‫كلم أئمة الحديث على طرق المتابعة ‪:‬‬
‫وقد تكلم الئمة على الطرق الثلث على التالي ‪:‬‬
‫الكلم على الطريق الولى ‪:‬‬
‫قال الزيلعي في نصب الراية‪ :‬ومحمد بن يزيد فيه مقال ‪.‬‬
‫وقال اللباني ‪ :‬ومحمد بن زياد وأبوه ضعيفان ‪.‬‬
‫الكلم على الطريق الثانية ‪:‬‬
‫قال الزيلعي في الطريق الثانية ‪ :‬وعائذ بن حبيب شيعي له مناكير ‪.‬‬
‫قال اللباني ‪ :‬وعائذ هذا صدوق كما في التقريب ‪.‬‬
‫الكلم على الطريق الثالثة ‪:‬‬
‫قال الزيلعي ‪ :‬وسعيد بن يحيى هو ابن صالح اللخمي‪ ،‬فيه مقال‪.‬‬
‫قال اللباني ‪ :‬بعد نقل كلم الزيلعي ‪ ،‬قلت ‪ :‬هو ـ أي المقال ـ يسير ‪ ،‬ل يمنع‬
‫من الحتجاج بحديثه ‪ ،‬و)قال الحافظ( في التقريب ‪:‬‬
‫)) صدوق وسط ‪ ،‬ما له في البخاري سوى حديث واحد (( ‪.‬‬
‫• الشاهد الثاني ‪ :‬أخرجه النسائي في "سننه" عن حماد بن سلمة أنبأ يوسف‬
‫بن سعد عن الحارث بن حاطب اللخمي أن النبي صلى الّله عليه وسلم أتي‬
‫بلص‪ ،‬فقال‪ :‬اقتلوه‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول الّله إنما سرق‪ ،‬قال‪ :‬اقتلوه‪ ،‬قالوا‪ :‬يا‬
‫رسول الّله إنما سرق‪ ،‬قال‪ :‬اقطعوه‪ ،‬فقطع‪ ،‬ثم سرق‪ ،‬فقطعت رجله‪ ،‬ثم‬
‫سرق على عهد أبي بكر‪ ،‬حتى قطعت قوائمه كلها‪ ،‬ثم سرق الخامسة‪ ،‬فقال‬
‫أبو بكر‪ :‬كان رسول الّله صلى الّله عليه وسلم أعلم بهذا‪ ،‬حين قال‪ :‬اقتلوه‪،‬‬
‫انتهى‪ .‬ورواه الطبراني في "معجمه"‪ ،‬والحاكم في "المستدرك"‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫لسناد‪ ،‬ولم يخرجاه ‪.‬‬
‫صحيح ا ِ‬
‫قال الذهبي في التلخيص ‪ :‬بل منكر ‪.‬‬
‫• الشاهد الثالث ‪ :‬أخرجه أبو نعيم في "كتاب الحلية ‪ -‬في ترجمة أصحاب‬
‫الصفة" عن حرام بن عثمان عن معاذ بن عبد الّله عن عبد الّله بن زيد‬
‫الجهني أن رسول الّله صلى الّله عليه وسلم‪ ،‬قال‪ :‬من سرق متاعًا‪ ،‬فاقطعوا‬
‫‪146‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يده‪ ،‬فِإن سرق‪ ،‬فاقطعوا رجله‪ ،‬فِإن سرق‪ ،‬فاقطعوا يده‪ ،‬فِإن سرق‪،‬‬
‫فاقطعوا رجله‪ ،‬فِإن سرق فاضربوا عنقه‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫وقال الزيلعي ‪ :‬تفرد به حرام بن عثمان‪ ،‬وهو من الضعف بالمحل العظيم‪،‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫• الشاهد الرابع ‪ :‬أخرجه الدارقطني في "سننه" ‪ ،‬والطبراني في "معجمه"‬
‫عن الفضل بن المختار عن عبيد الّله بن موهب عن عصمة بن مالك‪ ،‬قال‪:‬‬
‫سرق مملوك أربع مرات‪ ،‬والنبي صلى الّله عليه وسلم يعفو عنه‪ ،‬ثم سرق‬
‫الخامسة‪ ،‬فقطع يده‪ ،‬ثم السادسة‪ ،‬فقطع رجله‪ ،‬ثم السابعة‪ ،‬فقطع يده‪ ،‬ثم‬
‫الثامنة‪ ،‬فقطع رجله‪ ،‬وقال عليه السلم‪ :‬أربع بأربع‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫قال المام الريلعي ‪ :‬ووهم عبد الحق في "أحكامه" فعزاه للنسائي‪ ،‬وتعقبه‬
‫ابن القطان في‬
‫)‪(1 /‬‬
‫"كتابه"‪ ،‬وقال‪ :‬ليس هذا الحديث بوجه عند النسائي‪ ،‬انتهى‪ .‬وهو حديث‬
‫ضعيف‪،‬‬
‫لسناد‪،‬‬
‫لرسال‪ ،‬وضعف ا ِ‬
‫وقال عبد الحق‪ :‬هذا ل يصح ل ِ‬
‫ً‬
‫وقال شيخنا الذهبي في "ميزانه"‪ :‬إنه يشبه أن يكون موضوعا‪ ،‬وضعف‬
‫الفضل بن المختار عن جماعة من غير توثيق‪.‬‬
‫• الشاهد الخامس ‪ :‬أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" أخبرنا ابن جريج‬
‫أخبرني عبد ربه بن أبي أمية أن الحارث بن عبد الّله بن أبي ربيعة‪ ،‬وعبد‬
‫الرحمن بن سابط‪ ،‬قال‪ :‬أتي النبي صلى الّله عليه وسلم بعبد‪ ،‬فقيل‪ :‬يا‬
‫رسول الّله هذا عبد قد سرق‪ ،‬ووجدت سرقته معه‪ ،‬وقامت البينة عليه‪ ،‬فقال‬
‫رجل‪ :‬يا نبي الّله هذا عبد بني فلن‪ ،‬أيتام ليس لهم مال غيره‪ ،‬فتركه‪ ،‬ثم أتي‬
‫به الثانية‪ ،‬فتركه‪ ،‬ثم أتي به الثالثة‪ ،‬فتركه‪ ،‬ثم أتي به الرابعة‪ ،‬فتركه‪ ،‬ثم أتي‬
‫به الخامسة‪ ،‬فقطع يده‪ ،‬ثم السادسة‪ ،‬فقطع رجله‪ ،‬ثم السابعة‪ ،‬فقطع يده‪،‬‬
‫ثم الثامنة‪ ،‬فقطع رجله‪ ،‬ثم قال‪ :‬أربع بأربع‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫وعن عبد الرزاق رواه إسحاق ابن راهويه في "مسنده" بسنده‪ ،‬ومتنه‪،‬‬
‫• وكذلك رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" حدثنا محمد ابن أبي بكر عن ابن‬
‫جريج أخبرني عبد ربه ابن أبي أمية بن الحارث عن الحارث بن عبد الّله به‪.‬‬
‫قال البيهقي عقب إخراجه ‪ :‬وهو مرسل حسن بإسناد صحيح ‪.‬‬
‫قال الشيخ اللباني ‪ :‬وابن أبي أمية لم يوثقه أحد ‪ ،‬وقال في التقريب‬
‫)) مجهول (( ‪.‬‬
‫المناقشة والترجيح ‪:‬‬
‫أقول ‪ :‬والناظر المتأمل في الشواهد والمتابعات ‪ ،‬ستبين له التالي ‪:‬‬
‫أن الشاهد الول ‪ :‬إذا نظرنا إلى المتابعات ‪ ،‬يتضح صحيح السناد من طريق‬
‫جابر‪ ،‬ول يلزم من صحة السناد صحة المتن ‪ ،‬ولذلك فإنه ل يعلم أن أحدا من‬
‫العلماء قال إن السارق يقتل والحديث بهذا مشكل الحتجاج به على القطع ‪،‬‬
‫فإن قالوا ‪ :‬يحتج به على الزيادة على اليد والرجل ‪ ،‬فيقال ‪ :‬فلما لم تقولوا‬
‫بالقتل ‪ ،‬فإن قالوا منسوخ ‪ ،‬قلنا وكذا الحديث بأكمله ‪ ،‬خاصة وقد قال المام‬
‫‪ :‬ابن قدامة في المغني ) ‪: (272 / 10‬‬
‫وأما حديث جابر ففي حق شخص استحق القتل بدليل أن النبي صلى الله‬
‫عليه وآله وسلم أمر به في أول مرة وفي كل مرة ‪ ، (( ....‬وبناء على قوله‬
‫فإن الحديث خارج عن محل النزاع ‪.‬‬

‫‪147‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والظاهر والله أعلم أن الحديث الحتجاج به على الزيادة على قطع الرجل‬
‫فيه نظر ‪ ،‬خاصة وقد قال المام النسائي عقب إخراجه أنه حديث منكر ‪،‬‬
‫ولعله أن النكارة من جهة المتن لمعارضته للحاديث‬
‫قوله‪ :‬والحديث طعن فيه الطحاوي‪...‬‬
‫ الثار‪ :‬روى مالك في "الموطأ" عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن‬‫رجل ً من اليمن أقطع اليد والرجل قدم‪ ،‬فنزل على أبي بكر الصديق‪ ،‬فشكى‬
‫إليه أن عامل اليمن ظلمه‪ ،‬فكان يصلي من الليل‪ ،‬فيقول‪ :‬أبو بكر‪ :‬وأبيك ما‬
‫ليلك بليل سارق‪ ،‬ثم إنهم فقدوا عقدا ً لسماء بنت عميس‪ ،‬امرأة أبي بكر‬
‫الصديق‪ ،‬فجعل الرجل يطوف معهم‪ ،‬ويقول‪ :‬اللهم عليك بمن بّيت أهل هذا‬
‫البيت الصالح‪ ،‬فوجدوا الحلي عند صائغ‪ ،‬زعم أن القطع جاءه به‪ ،‬فاعترف‬
‫القطع‪ ،‬أو شهد عليه‪ ،‬فأمر به أبو بكر‪ ،‬فقطعت يده اليسرى‪ ،‬وقال‪ :‬أبو بكر‬
‫لدعاؤه على نفسه أشد ّ عليه من سرقته‪ ،‬انتهى‪ .‬ورواه عبد الرزاق في "‬
‫مصنفه" أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة‪ ،‬قالت‪ :‬قدم على‬
‫أبي بكر رجل أقطع‪ ،‬فشكى إليه أن يعلى بن أمية قطع يده ورجله في‬
‫سرقة‪ ،‬وقال‪ :‬والّله ما زدت على أنه كان يوليني شيئا ً من عمله‪ ،‬فخنته في‬
‫فريضة واحدة‪ ،‬فقطع يدي‪ ،‬ورجلي‪ ،‬فقال له أبو بكر‪ :‬إن كنت صادقا‬
‫فلقيدنك منه‪ ،‬فلم يلبثوا إل قليل ً حتى فقد آل أبي بكر حليا ً لهم‪ ،‬فاستقبل‬
‫القبلة‪ ،‬ورفع يده‪ ،‬وقال‪ :‬أظهر من سرق أهل هذا البيت الصالح‪ ،‬قال‪ :‬فما‬
‫انتصف النهار حتى عثروا على المتاع عنده‪ ،‬فقال له أبو بكر‪:‬‬
‫ويلك! إنك لقليل العلم بالّله‪ ،‬فقطع أبو بكر يده الثانية‪ ،‬قال ابن جريج‪ :‬وكان‬
‫اسمه جبر‪ ،‬أو جبير‪ ،‬وكان أبو بكر يقول‪ :‬لجرأته على الّله أغيظ عندي من‬
‫سرقته‪ ،‬انتهى‪ .‬قال محمد بن الحسن في "موطأه"‪ :‬قال الزهري‪ :‬ويروى عن‬
‫عائشة‪ ،‬قالت‪ :‬إنما كان الذي سرق حلي أسماء أقطع اليد اليمنى‪ ،‬فقطع أبو‬
‫بكر رجله اليسرى‪ ،‬وكانت تنكر أن يكون أقطع اليد والرجل‪ ،‬قال‪ :‬وكان ابن‬
‫شهاب أعلم بهذا الحديث من غيره‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫قوله‪ :‬روي عن علي رضي الّله عنه أنه قال‪ :‬إني لستحيي من الّله أن ل أدع‬
‫له يدا ً يأكل بها‪ ،‬ويستنجي بها‪ ،‬ورجل ً يمشي عليها‪ ،‬قلت‪ :‬رواه محمد بن‬
‫الحسن في "كتاب الثار"‪ ،‬وأخبرنا أبو حنيفة عن عمرو بن مرة عن عبد الّله‬
‫بن سلمة عن علي بن أبي طالب‪ ،‬قال‪ :‬إذا سرق السارق قطعت يده‬
‫اليمنى‪ ،‬فإن عاد قطعت رجله اليسرى‪ ،‬فإن عاد ضمنه السجن‪ ،‬حتى يحدث‬
‫خيرًا‪ ،‬إني أستحيي من الّله أن أدعه ليس له يد يأكل بها‪ ،‬ويستنجي بها‪،‬‬
‫ورجل يمشي عليها‪ ،‬انتهى‪ .‬ومن طريق محمد بن الحسن رواه الدارقطني‬
‫في "سننه" بسنده ومتنه‪ ،‬ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" أخبرنا معمر عن‬
‫جابر عن الشعبي‪ ،‬قال‪ :‬كان علي ل يقطع إل اليد والرجل‪ ،‬وإن سرق بعد‬
‫ذلك سجنه‪ ،‬ويقول‪ :‬إني لستحيي من الّله أن ل أدع له يدا ً يأكل بها‪،‬‬
‫ويستنجي‪ ،‬انتهى‪ .‬ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" حدثنا حاتم بن إسماعيل‬
‫عن جعفر بن محمد عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬كان علي ل يزيد على أن يقطع السارق‬
‫يدا ً ورج ً‬
‫ل‪ ،‬فإذا أتى به بعد ذلك‪ ،‬قال‪ :‬إني لستحيي أن أدعه ل يتطهر لصلته‪،‬‬
‫ولكن احبسوه‪ ،‬انتهى‪ .‬وأخرجه البيهقي عن عبد الّله بن سلمة عن علي أنه‬
‫أتي بسارق‪ ،‬فقطع يده‪ ،‬ثم أتي به‪ ،‬فقطع رجله‪ ،‬ثم‬
‫أتي به‪ ،‬فقال‪ :‬أقطع يده؟ بأي شيء يتمسح؟ وبأي شيء يأكل؟ أقطع رجله!‬

‫‪148‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫على أي شيء يمشي؟ إني لستحيي من الّله‪ ،‬ثم ضربه‪ ،‬وخلده في السجن‪،‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫ أثر آخر‪ :‬قال ابن أبي شيبة حدثنا أبو خالد عن حجاج عن عمرو بن دينار أن‬‫نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن السارق‪ ،‬فكتب إليه بمثل قول علي‪،‬‬
‫حدثنا أبو خالد عن حجاج عن سماك عن بعض أصحابه أن عمر استشارهم‬
‫في سارق‪ ،‬فأجمعا على مثل قول علي‪ ،‬انتهى‪ .‬حدثنا أبو أسامة عن عبد‬
‫الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول أن عمر قال‪ :‬إذا سرق فاقطعوا يده‪،‬‬
‫ثم إن عاد فاقطعوا رجله‪ ،‬ول تقطعوا يده الخرى‪ ،‬وذروه يأكل بها‪ ،‬ويستنجي‬
‫بها‪ ،‬ولكن احبسوه عن المسلمين‪ ،‬انتهى‪ .‬وأخرج عن النخعي قال‪ :‬كانوا‬
‫يقولون‪ :‬ل يترك ابن آدم مثل البهيمة ليس له يد يأكل بها‪ ،‬ويستنجي بها‪،‬‬
‫انتهى‪.‬‬
‫ي بقية الصحابة فحجهم‪ ،‬قلت‪ :‬في "التنقيح" قال سعيد‬
‫قوله‪ :‬وبهذا حاج عل ّ‬
‫بن منصور‪ :‬ثنا أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حضرت علي بن أبي طالب أتي برجل مقطوع اليد والرجل‪ ،‬قد سرق‪ ،‬فقال‬
‫لصحابه‪ :‬ما ترون في هذا؟ قالوا‪ :‬اقطعه يا أمير المؤمنين‪ ،‬قال‪ :‬قتلته إذًا‪،‬‬
‫وما عليه القتل‪ ،‬بأي شيء يأكل الطعام؟! بأي شيء يتوضأ للصلة؟! بأي‬
‫شيء يغتسل من جنابته؟! بأي شيء يقوم على حاجته؟!‪ ،‬فرده إلى السجن‬
‫أيامًا‪ ،‬ثم أخرجه‪ ،‬فاستشار أصحابه‪ ،‬فقالوا مثل قولهم الول‪ ،‬وقال لهم مثل‬
‫ما قال أول مرة‪ ،‬فجلده جلدا ً شديدًا‪ ،‬ثم أرسله‪ ،‬وقال سعيد أيضًا‪ :‬حدثنا أبو‬
‫الحوص عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عائذ‪ ،‬قال‪ :‬أتي عمر بن‬
‫الخطاب بأقطع اليد والرجل‪ ،‬قد سرق‪ ،‬فأمر أن تقطع رجله‪ ،‬فقال علي‪ :‬قال‬
‫الّله تعالى‪? :‬إنما جزاء الذين يحاربون الّله? الية‪ ،‬فقد قطعت يد هذا‪ ،‬فل‬
‫ينبغي أن تقطع رجله‪ ،‬فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها‪ ،‬إما أن تعزره‪ ،‬وإما‬
‫أن تودعه السجن‪ ،‬فاستودعه السجن‪ ،‬انتهى‪ .‬وهذا الثاني رواه البيهقي في‬
‫"سننه"‪.‬‬
‫?‬
‫)‪ (1‬نصب الراية‪ ،‬الصدار للزيلعي كتاب السرقة‪) .‬فصل(‪ .‬باب ما يقطع فيه‬
‫وما ل يقطع‪.‬‬
‫ً‬
‫عند أبي داود في "الحدود باب السارق يسرق مرارا" ص ‪ - 249‬ج ‪.2‬‬
‫عند الدارقطني في "الحدود" ص ‪ - 364‬ج ‪.2‬‬
‫عند النسائي في "السرقة ‪ -‬باب قطع الرجل من السارق بعد اليد" ص ‪261‬‬
‫ ج ‪ ،2‬وفي "المستدرك ‪ -‬في الحدود ‪ -‬باب حكاية سارق قتل في الخامسة"‬‫ص ‪ - 382‬ج ‪.4‬‬
‫ّ‬
‫عند أبي نعيم في "الحلية ‪ -‬في ترجمة عبد الله بن زيد الجهني"‪.‬‬
‫عند الدارقطني في "الحدود" ص ‪ 346‬وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص‬
‫‪ - 275‬ج ‪ :6‬رواه الطبراني‪ ،‬وفيه الفضل بن المختار‪ ،‬وهو ضعيف‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫هكذا في النسخ التي نراجع عليها‪ ،‬ويتضح بالتأمل أن هنا سقطا ً )البجنوري(‪.‬‬
‫عند مالك في "الموطأ ‪ -‬في حد السرقة" ص ‪.354‬‬
‫عند محمد في "الموطأ ‪ -‬في الحدود ‪ -‬باب السارق يسرق‪ ،‬وقد قطعت يده‪،‬‬
‫أو يده ورجله" ص ‪ ،234‬وعند الدارقطني في "الحدود" ص ‪ - 365‬ج ‪.2‬‬
‫عند الدارقطني في "الحدود" ص ‪.332‬‬
‫عند البيهقي في "السنن" ص ‪ - 273‬ج ‪.8‬‬
‫)‪(3 /‬‬

‫‪149‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إذا علمت كل هذا لماذا ل تصلي‬
‫ إذا علمت ‪ :‬أن الله عز وجل يأمرك بالصلة ؟… قال تعالى ‪ } :‬حافظوا‬‫على الصلوات والصلة الوسطى وقوموا لله قانتين { ‪.‬‬
‫ إذا علمت ‪ :‬أن الصلة وصية النبي صلى الله عليه وسلم قبل‬‫الموت!!‪...‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت ‪" :‬‬
‫الصلة ‪ ،‬الصلة ‪ ،‬وما ملكت إيمانكم " ‪.‬‬
‫ إذا علمت ‪ :‬أن الصلة مفتاح كل خير !!‪ ...‬قال ابن قيم الجوزية رحمه‬‫الله ‪ } :‬الصلة مجلبة للرزق ‪ ،‬حافظة للصحة ‪ ،‬دافعة للذى ‪ ،‬طاردة‬
‫للدواء ‪ ،‬مقوية للقلب ‪ ،‬مبيضة للوجه ‪ ،‬مفرحة للنفس ‪ ،‬مذهبة للكسل ‪،‬‬
‫منشطة للجوارح ‪ ،‬ممدة للقوى ‪ ،‬شارحة للصدر ‪ ،‬منورة للقلب ‪ ،‬حافظة‬
‫للنعم ‪ ،‬دافعة للنقم ‪ ،‬جالبة للبركة ‪ ،‬مبعدة من الشيطان ‪ ،‬مقربة من‬
‫الرحمن { ‪.‬‬
‫ إذا علمت ‪ :‬أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‪ } :‬بين الرجل وبين الكفر‬‫ترك الصلة {‬
‫ إذا علمت ‪ :‬أن تارك الصلة مع المجرمين في جهنم !!‪ ...‬قال تعالى } كل‬‫نفس بما كسبت رهينة إل أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين‬
‫ما سلككم في سقر ؟ قالوا ‪ :‬لم نك من المصلين { ‪.‬‬
‫ إذا علمت ‪ :‬أن الصلة مكفرة للذنوب !!… قال رسول الله صلى الله عيه‬‫وسلم ‪ " :‬ما من مسلم يتطهر ‪ ،‬فيتم الطهور الذي كتب الله عليه ‪ ،‬فيصلي‬
‫هذه الصلوات الخمس ال كانت كفارة لما بينهن{ ‪.‬‬
‫ إذا علمت ‪ :‬أن المحافظة على الصلة سبيل لدخول الجنة !!‪ ...‬قال رسول‬‫الله صلى الله عليه وسلم ‪ } :‬من حافظ على الصلوات الخمس ‪ ،‬ركوعهن ‪،‬‬
‫وسجودهن ‪ ،‬ومواقيتهن ‪ ،‬وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة ‪ ،‬أو قال ‪-:‬‬
‫وجبت عليه الجنة ‪ ،‬أو قال ‪ -:‬حرم على النار { ‪.‬‬
‫ إذا علمت ‪ :‬أنها أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من أعماله!!‪ ...‬قال‬‫الرسول صلى الله عليه وسلم ‪ } :‬إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة‬
‫من عمله صلته ‪ ،‬فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ‪ ،‬وإن فسدت فقد خاب‬
‫وخسر ‪ ،‬فإن انتقص من فريضته شئ قال الرب عز وجل ‪ :‬انظروا هل لعبدي‬
‫من تطوع فيكمل منها ما انتقص من فريضته ‪ ،‬ثم سائر أعماله على هذا "‬
‫وبعد هذا كله أخي في الله لماذا ل تصلي وترحم نفسك من الوقوع في‬
‫الكفر؟؟‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إذا فشت الفاحشة سهل ارتكابها ‪2/10/1425‬‬
‫أ‪.‬د‪ .‬ناصر بن سليمان العمر‬
‫الحمد لله والصلة والسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن واله‪.‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫ما زلنا في رحاب سورة يوسف _عليه السلم_ والتي تعالج جملة من القضايا‬
‫التربوية التي تحفظ الفرد والمجتمع‪ ،‬ومن تلك القضايا أن إفشاء المنكرات‬
‫وتدوالها بين الناس يسهل على ضعاف النفوس ارتكابها كذلك من القضايا‬
‫المهمة‪ ،‬أن الشماتة مرتدة على صاحبها ل محالة‪ ،‬فمن لم يستطع أن يأخذ‬
‫بيد المبتلى فليكف عنه شره‪ ،‬وليتق الخوض في أعراض الناس؛ لنها سبيل‬
‫البلء في الدنيا والهلك يوم الحساب‪ ،‬فالنسوة لما عمدن إلى التفكه بامرأة‬

‫‪150‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العزيز والشماتة بها بعد أن شاع خبرها وقعن في ذات البلء‪ .‬يقول _تعالى_‪:‬‬
‫ل ن ِسوة ٌ في ال ْمدينة ا َ‬
‫حب ّا ً‬
‫سهِ قَد ْ َ‬
‫شغَ َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫زيزِ ت َُراوِد ُ فََتا َ‬
‫ف ِ‬
‫"وََقا َ ْ َ ِ‬
‫فَها ُ‬
‫مَرأ ُ‬
‫َ ِ َ ِ ْ‬
‫ها عَ ْ‬
‫ت ال ْعَ ِ‬
‫ن" )يوسف‪..(30:‬فأو ً‬
‫ل‪ :‬في قوله‪" :‬وََقا َ‬
‫سوَة ٌ ِفي‬
‫إ ِّنا ل َن ََرا َ‬
‫ها ِفي َ‬
‫ل نِ ْ‬
‫ل ُ‬
‫ضل ٍ‬
‫مِبي ٍ‬
‫ة"‪ ،‬دليل على أن الخبر قد انتشر مع أن المر كان سرًا‪ ،‬وحاول العزيز‬
‫دين َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ولكن كانت محاولة ضعيفة عندما قال ليوسف ولمرأته – أي امرأة العزيز –‬
‫"يوس ُ َ‬
‫ن هَ َ‬
‫ن" )يوسف‪:‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ت ِ‬
‫ك ك ُن ْ ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫ك إ ِن ّ ِ‬
‫ري ل ِذ َن ْب ِ ِ‬
‫ذا َوا ْ‬
‫ُ ُ‬
‫ف أعْرِ ْ‬
‫خاط ِِئي َ‬
‫م َ‬
‫ض عَ ْ‬
‫ف ِ‬
‫‪ (29‬فانتشر الخبر‪ ،‬وكل سر جاوز الثنين شاع ‪ ،‬وهذا جانب مهم جدا ً في‬
‫التعامل مع الخبار الخاصة‪.‬‬
‫ومن أخطر القضايا الجتماعية إفشاء السرار الخاصة‪ ،‬فكيف إذا كان مثل‬
‫ل ن ِسوة ٌ في ال ْمدينة ا َ‬
‫ت‬
‫هذا الخبر الذي يلحق العار والشنار بصاحبه "وََقا َ ْ َ ِ‬
‫مَرأ ُ‬
‫َ ِ َ ِ ْ‬
‫ه"‪ ،‬ثم ل يصح إل الصحيح‪ .‬كيف؟ هؤلء النسوة لم‬
‫ن نَ ْ‬
‫زيزِ ت َُراوِد ُ فََتا َ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ها عَ ْ‬
‫ال ْعَ ِ‬
‫يقلن‪ :‬إنه حدثت المراودة من يوسف‪ ،‬ول مراودة بين يوسف وامرأة العزيز‬
‫ل ن ِسوة ٌ في ال ْمدينة ا َ‬
‫ه" يعني هي التي‬
‫ن نَ ْ‬
‫زيزِ ت َُراوِد ُ فََتا َ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫"وََقا َ ْ َ ِ‬
‫مَرأ ُ‬
‫َ ِ َ ِ ْ‬
‫ها عَ ْ‬
‫ت ال ْعَ ِ‬
‫تراود‪ ،‬وهذه شهادة ليوسف أن المراودة كانت من امرأة العزيز وليست من‬
‫يوسف‪ ،‬وهذا يؤكد القاعدة المعروفة ل يصح إل الصحيح ‪ ،‬والمرأة بهتت‬
‫يوسف _عليه السلم_ ومع ذلك ل يصح إل الثابت‪ ،‬ولذلك أقول لصحاب‬
‫ت أو كذب‬
‫المواقف‪ ،‬إذا كان موقفك سليما ً وصحيحا ً فاطمئن حتى لو به ّ‬
‫عليك‪ ،‬سرعان ما يزول الكذب ويزول البهتان وتزول الشاعة ول يصح إل‬
‫الصحيح "ا َ‬
‫سهِ قَد ْ َ‬
‫ها ِفي‬
‫شغَ َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫حب ّا ً إ ِّنا ل َن ََرا َ‬
‫زيزِ ت َُراوِد ُ فََتا َ‬
‫ف ِ‬
‫فَها ُ‬
‫مَرأ ُ‬
‫ْ‬
‫ها عَ ْ‬
‫ت ال ْعَ ِ‬
‫ن"‪.‬‬
‫َ‬
‫ل ُ‬
‫ضل ٍ‬
‫مِبي ٍ‬
‫وهنا وقفة عجيبة‪ :‬الذي يسمع هذه الية يتصور أن هؤلء النسوة صالحات أو‬
‫طيبات؛ لنهن حكمن على امرأة العزيز أنها في ضلل مبين‪ ،‬لماذا تراود‬
‫فتاها؟ ولماذا تراود يوسف؟ والواقع ليس كذلك‪ .‬فهذا أول ً مكر‪ ،‬وكما بين‬
‫ن" )يوسف‪ :‬من الية ‪ ،(31‬ثم أيضا ً بقية‬
‫س ِ‬
‫ما َ‬
‫ت بِ َ‬
‫معَ ْ‬
‫الله _جل وعل_ "فَل َ ّ‬
‫مك ْرِهِ ّ‬
‫القصة تؤكد على أنهن واصلن المراودة مع امرأة العزيز‪ ،‬وطلبن من يوسف‬
‫_عليه السلم_ أن يستجيب لمرأة العزيز‪ ،‬ألم يقلن قبل ذلك إنها في ضلل‬
‫مبين؟ والعبرة هنا أن البعض يريد أن يفشي سرا ً لبعض إخوانه أو أن ينقل‬
‫خبرا ً فيظهر في موقف المنكر‪ ،‬فيقول‪ :‬أرأيت كيف فعل فلن _هداه الله_‬
‫وهو غير صادق في هذا المر‪ ،‬وإنما أراد أن يفشي السر‪ ،‬وأن ينقل الخبر‬
‫لمن لم يسمعه‪ ،‬وإل فلم يكن صادقا ً ول ناصحًا‪.‬‬
‫ن" )يوسف‪ :‬من‬
‫وهكذا فعلت النسوة عندما قلن‪" :‬إ ِّنا ل َن ََرا َ‬
‫ها ِفي َ‬
‫ل ُ‬
‫ضل ٍ‬
‫مِبي ٍ‬
‫الية ‪ ،(30‬وهذا نوع من المكر الذي يقع فيه بعض الناس‪ ،‬فإذا بلغه خبر خاص‬
‫عن بعض إخوانه‪ ،‬قال‪ :‬أرأيت فلنا ً وقع في هذا المر‪ ،‬الله المستعان‪ ،‬يا‬
‫إخوتي فلن صاحبنا وصديقنا وقع في أمر عظيم يجب أن نقف معه‪ ،‬وهو‬
‫يكذب ل يريد أن يقف معه ول أن يساعده‪ ،‬ولكن أراد أن يفشي سره وأن‬
‫ت‬
‫س ِ‬
‫ما َ‬
‫معَ ْ‬
‫ينقل خبره للخرين بهذه الطريقة التي هي نوع من المكر‪" .‬فَل َ ّ‬
‫ن" )يوسف‪ :‬من الية ‪ ،(31‬وهنا جاء مرة أخرى كيد النساء‪ ،‬وهنا جاء‬
‫بِ َ‬
‫مك ْرِهِ ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م" )يوسف‪ :‬من الية ‪ ،(28‬فلما سمعت بمكرهن جعلت هذه‬
‫ن عَ ِ‬
‫"إ ِ ّ‬
‫ظي ٌ‬
‫ن كي ْد َك ّ‬
‫الخطة العجيبة الغريبة من أجل أن توقع هؤلء النسوة وتبرئ نفسها لتعذر‬
‫فيما فعلت‪ ،‬ففعلت ما فعلت‪ ،‬أي دعتهن وأعدت لهن هذا العداد للطعام‬
‫ومتكأ‪ ،‬آتت كل واحدة منهن سكينًا‪ ،‬ثم قالت ليوسف‪ :‬اخرج عليهن‪ ،‬فلما‬
‫خرج عليهن‪ ،‬لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن ما هذا بشرا إن هذا إل‬
‫ملك كريم‪ .‬هذا نوع أيضا ً نوع من مكر النساء ومكر امرأة العزيز‪ ،‬وهي امرأة‬
‫قادرة تملك السلطة والقوة‪ ،‬ففعلت هذا الفعل‪.‬‬
‫‪151‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(1 /‬‬
‫ثم تأملوا شماتة هؤلء النسوة من امرأة العزيز "وََقا َ‬
‫دين َةِ‬
‫م ِ‬
‫ل نِ ْ‬
‫سوَة ٌ ِفي ال ْ َ‬
‫ا َ‬
‫َ‬
‫سهِ قَد ْ َ‬
‫ن"‬
‫شغَ َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫حب ّا ً إ ِّنا لن ََرا َ‬
‫زيزِ ت َُراوِد ُ فََتا َ‬
‫ف ِ‬
‫ها ِفي َ‬
‫فَها ُ‬
‫ل ُ‬
‫مَرأ ُ‬
‫ْ‬
‫ضل ٍ‬
‫ها عَ ْ‬
‫ت ال ْعَ ِ‬
‫مِبي ٍ‬
‫)يوسف‪ ،(30:‬هذه شماتة وليست نصيحة‪ ،‬وهذا مزيد إفشاء للخبر‪ ،‬فارتدت‬
‫الشماتة عليهن‪ ،‬ولذلك حدث منهن ما حدث‪ ،‬فلما وضعت لهن ما وضعت‬
‫وحدث ما حدث‪ ،‬قلن‪ :‬حاش لله ما هذا بشرا ً إن هذا إل ملك كريم‪ .‬قالت‪:‬‬
‫فذلكن الذي لمتنني فيه‪ .‬يعني بينت أن هذا هو الذي أنتن أنكرتنه ولمتنني‬
‫فيه‪ ،‬فإذن هن شريكات ويطلبن من يوسف _عليه السلم_ أن يستجيب‬
‫للمرأة‪ ،‬فهذا دليل أن الشماتة ترتد على صاحبها‪ ،‬ولذلك يا أخي الكريم‪ ،‬إذا‬
‫علمت أن أخاك قد ابتلي فل تشمت به‪ ،‬وق ّ‬
‫ل أن يشمت إنسان بإنسان إل‬
‫وقع في مثل ما وقع فيه‪ ،‬وقد ورد أثر قيل إنه حديث وهو ليس بحديث "ل‬
‫تشمت بأخيك فيعافيه الله ويبتليك" هذه حكمة وهي صحيحة‪ ،‬كم من الناس‬
‫شمت بأحد إخوانه فابتله الله _جل وعل_‪ ،‬وعاقبه الله _جل وعل_‪ .‬فإذا‬
‫رأيت المبتلى فاحمد الله _جل وعل_‪ ،‬واسأله السلمة والعافية حتى ل تقع‬
‫في مثل ما وقع فيه‪.‬‬
‫وفي موضوع البتلء‪ ،‬نجد هناك من يشمت فيمن ابتلي بدينه ويتعاطفون مع‬
‫من ابتلي بدنياه‪ ،‬ومن ابتلي في دينه أعظم ممن ابتلي في دنياه؛ لن الدنيا‬
‫أمرها سهل‪ ،‬تذهب وتأتي‪ ،‬ولكن الدين أمره عظيم‪ ،‬فلنقف مع إخواننا ول‬
‫نشمت بأحد سواء كان في أمر دين أو أمر دنيا‪.‬‬
‫ق‬
‫وقفة أخرى المكر ل يأتي إل بالمكر‪ ،‬فلما مكرن بها مكرت بهن‪َ" ،‬ول ي َ ِ‬
‫حي ُ‬
‫َ‬
‫ه" )فاطر‪ :‬من الية ‪.(43‬‬
‫ئ إ ِّل ب ِأهْل ِ ِ‬
‫سي ّ ُ‬
‫مك ُْر ال ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫وهنا مسألة مهمة جدًا‪ .‬إذا فشت المعصية سهل ارتكابها‪ ،‬وهذا باب يغفل عنه‬
‫الكثير‪ ،‬إذا فشت المعصية في بلد أو مجتمع أو أسرة سهل ارتكابها‪ .‬إذا‬
‫استطعنا أن نفهم هذه الحقيقة استطعنا أن نتعامل مع كثير من القضايا‪،‬‬
‫كيف؟ الصل هو الستر على المسلم إل من أفشى المعصية بشكل ل يصلح‬
‫ن‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫الستر عليه فيعاقب‪ ،‬ولذلك ذكر الله _تعالى_ في سورة النور "إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫حبو َ‬
‫ْ‬
‫م عَ َ‬
‫ح َ‬
‫ة‬
‫شيعَ ال ْ َ‬
‫م ِفي الد ّن َْيا َوال ِ‬
‫ش ُ‬
‫فا ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ة ِفي ال ّ ِ‬
‫ن تَ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫نأ ْ‬
‫يُ ِ ّ َ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫مُنوا ل َهُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن" )النور‪ .(19:‬إذا تساهل الناس فأفشوا المعصية‬
‫مو َ‬
‫م ل ت َعْل ُ‬
‫م وَأن ْت ُ ْ‬
‫ه ي َعْل ُ‬
‫َوالل ّ ُ‬
‫ارتكبها كثير من الخرين الذين لم يكونوا ليرتكبونها لو لم تفش‪ ،‬كانوا‬
‫يتهيبون من الوقوع فيها‪.‬‬
‫فإدراك هذه القاعدة وهذا المفهوم يحصر المعصية‪ ،‬بينما إفشاؤها يسهل‬
‫ارتكابها على كثير من الناس‪ ،‬مثل ً إذا علمت أن أحد أبنائك وقع في معصية‪،‬‬
‫الصل أن تستر عليه وتعالج الموضوع بحكمة؛ لنه إذا أفشي بين أفراد‬
‫السرة أنه يرتكب هذه المعصية كشرب الدخان مث ً‬
‫ل‪ ،‬يسهل ارتكاب المعصية‬
‫منه ومن غيره ويزداد‪ ،‬ولذلك نلحظ أنه لو حكم وشهد رجلن بأن رجل ً قد‬
‫قتل رجل ً فإنه تقبل شهادتهما ويقتص منه‪ ،‬بينما في موضوع الزنا‪ ،‬الفاحشة‬
‫لبد من أربعة شهود‪ ،‬لماذا؟ لن موضوع الزنا من ناحية الفاحشة أعظم‬
‫وأخطر على المجتمع‪ ،‬ومن ارتكب الزنا وشهد أربعة فهذا قد أفشى وفضح‬
‫نفسه‪ ،‬أما لو شهد ثلثة بأنهم رأوه يفعل الفاحشة‪ ،‬ل تقبل شهادتهم بل يقام‬
‫عليهم حد القذف‪ .‬كل هذا من أجل أل تفشو الفاحشة في الذين آمنوا‪،‬‬
‫فمحاصرة الفحشاء والمنكر من عوامل استقرار المجتمع‪ ،‬هذا جانب يغفل‬
‫عنه البعض ويتساهلون فيه ويخطئون في التعامل مع أبنائهم ومع من حولهم‪.‬‬
‫نسأل الله أن يحفظ مجتمعاتنا من الفساد‪ ،‬وأن يرد كيد الذين يسعون‬

‫‪152‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لشاعة الفاحشة بين المسلمين عبر القنوات وغيرها من سائل العلم‪،‬‬
‫وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫إذا كان حر الصيف يؤذيك‬
‫دار القاسم‬
‫الحمد لله والصلة والسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن واله‪ ،‬أما‬
‫بعد‪:‬‬
‫فيأخي الكريم‪ :‬إن في تقلب الليل والنهار وتحول الفصول عبرة وعظة لنا‪،‬‬
‫ن ِفي ذ َل ِ َ‬
‫ه الل ّي ْ َ‬
‫ك ل َعِب َْرة ً ّل ُوِْلي‬
‫كما قال ربنا تبارك وتعالى ? ي ُ َ‬
‫ل َوالن َّهاَر إ ِ ّ‬
‫قل ّ ُ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ل اللي ْ َ‬
‫جعَ َ‬
‫صارِ ?] النور‪ ،[44:‬وقال ج ّ‬
‫ة‬
‫خل َ‬
‫ف ً‬
‫ل َوالن َّهاَر ِ‬
‫ل شأنه‪ ? :‬وَهُوَ ال ِ‬
‫ذي َ‬
‫اْلب ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ش ُ‬
‫ن أَراد َ أن ي َذ ّك َّر أوْ أَراد َ ُ‬
‫كور ?] الفرقان‪ [62:‬قال بعض السلف‪ :‬من عجز‬
‫لّ َ‬
‫م ْ‬
‫بالليل كان له في أول النهار مستعتب ‪ -‬أي فرصة للعتذار والستغفار‪ -‬ومن‬
‫عجز بالنهار كان له في الليل مستعتب‪.‬‬
‫ً‬
‫وإذا كان مثل هذا في الليل والنهار‪ ،‬فهو أيضا في تعاقب الفصول التي هي‬
‫أيام وليال‪ ..‬فإن فيها عبرة للمعتبرين‪ ،‬وذكرى للمتذكرين‪ ،‬جعلنا الله وإياك‬
‫منهم‪.‬‬
‫أخي الحبيب‪ :‬حديثي إليك في هذه السطر عن فصل من هذه الفصول‪،‬‬
‫ولعلك عرفته من خلل عنوان هذه الوريقات التي بين يديك‪ ،‬نعم‪ ..‬إنه فصل‬
‫الصيف‪ ..‬هذا الفصل الذي يذ ّ‬
‫كر حّره بأمور كثيرة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫تذكر قول النبي كما في الصحيحين‪ ) :‬اشتكت النار إلى ربها‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رب‬
‫أكل بعضي بعضًا‪ ،‬فاذن لها بنفسين؛ نفس في الشتاء ونفس في الصيف‪،‬‬
‫فأشد ما تجدون من الحر من سموم جهنم‪ ،‬وأشد ما تجدون من البرد من‬
‫زمهرير جهنم ( فالمؤمن يتذكر النار‪ ،‬عند رؤيته لمور كثيرة‪ :‬منها تذكره لها‬
‫كلما لفحته رياح الصيف وألهبت وجهه الناعم بحرها‪ ..‬ويقول في نفسه‪ :‬إذا‬
‫كان هذا من نفس جهنم فكيف بجهنم نفسها؟؟!! عياذا ً بالله تعالى منها‪.‬‬
‫وإذا كنا‪ -‬أخي الحبيب ‪ -‬ل نحتمل نار الدنيا وهي جزء من تسعة وستين جزءا ً‬
‫من نار الخرة‪ ،‬فما الشأن في نار الخرة؟؟!! ولذا قال بعض السلف‪ :‬لو‬
‫أخرج أهل النار منها إلى نار الدنيا لقالوا فيها ألفي عام‪ .‬يعني أنهم ينامون‬
‫فيها ويرونها بردًا‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬تذكر أحوال السلف الصالح ‪ -‬رحمهم الله‪ -‬الذين كانت قلوبهم‬
‫حية‪ ..‬نعم أخي‪ ..‬فكل ما يرونه ويشاهدونه في الدنيا يذكرهم بالخرة‪ ..‬ومن‬
‫ذلك أن بعض السلف كان إذا شرب الماء البارد في الصيف بكى وتذكر أمنية‬
‫أهل النار حينما يشتهون الماء‪ ،‬فيحال بينهم وبينه‪ ،‬ويقولون لهل الجنة‪? :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه >‪ ]?<FONT/‬العراف‪. [50:‬‬
‫ماء أوْ ِ‬
‫ضوا ْ عَل َي َْنا ِ‬
‫أِفي ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ما َرَزقَك ُ ُ‬
‫م ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫ومن ذلك‪ :‬أن بعض السلف كان إذا دخل الحمام في الصيف وشعر بحر‬
‫المكان تذكر النار‪ ،‬وتذكر يوم تطبق النار على من فيها وتوصد عليهم‪ ،‬ويقال‬
‫لهم‪ :‬خلود فل موت‪ ،‬فإذا خرجوا من الحمام أحدث ذلك التذكر لهم عبادة‪.‬‬
‫ب على رأسه ماء من الحمام فوجده‬
‫ومن ذلك أيضًا‪ :‬أن بعض الصالحين ص ّ‬
‫ق ُر ُ‬
‫م‬
‫ؤو ِ‬
‫ب ِ‬
‫ص ّ‬
‫سهِ ُ‬
‫شديد الحر‪ ،‬فبكى وقال‪ :‬ذكرت قوله تعالى‪ ? :‬ي ُ َ‬
‫من فَوْ ِ‬
‫م ?] الحج‪ [29 :‬فل إله إل الله ما أشد تذكرهم‪ ..‬وما أعظم اعتبارهم!!‬
‫ح ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫مي ُ‬
‫ورأى عمر بن عبدالعزيز ‪ -‬رحمه الله‪ -‬قوما ً في جنازة قد هربوا من الشمس‬
‫إلى الظل‪ ،‬وتوقوا الغبار‪ ،‬فبكى‪ ،‬ثم أنشد‪:‬‬

‫‪153‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من كان حين تصيب الشمس جبهته أو الغبار‪ ،‬يخاف الشين والشعثا‬
‫ويألف الظ ّ‬
‫ل كي تبقي بشاشته فسوف يسكن يوما ً راغما ً جدثا‬
‫في ظ ّ‬
‫مها الليثا‬
‫ل مقفرة غبراء مظلمة يطيل تحت الثرى في غ ّ‬
‫تجّهزي بجهاز تبلغين به يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا‬
‫وكان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حّر الظهيرة‪ ،‬يذكر انصراف الناس من‬
‫موقف الحساب إلى الجنة أو النار‪ ،‬فإن الساعة تقوم يوم الجمعة‪.‬‬
‫أخي الحبيب‪ :‬وليس هذا فحسب! فهم ‪ -‬رضي الله عنهم‪ -‬رغم انعدام وسائل‬
‫التكييف والراحة ـ التي ننعم بها في زماننا والحمد لله ـ إل أن ذلك لم‬
‫يقطعهم عن طاعة من الطاعات‪ ،‬مهما كانت مشقتها على النفس‪ ،‬ومن تلك‬
‫الطاعات التي كانت ل تنقطع في مثل هذه الحال‪ :‬الجهاد في سبيل الله‬
‫تعالى‪ ،‬ولعل أول ما يخطر في بالك تلك الغزوة العظيمة غزوة تبوك‪ ،‬التي‬
‫خرج فيها سيد الخلق ـ بأبي هو وأمي ـ ‪ ،‬ومعه أصحابه ‪ -‬رضي الله عنهم ‪-‬‬
‫في شدة الحر‪ ،‬والتي لم تمنعهم عن النفير في الجهاد؛ لنهم صدقوا ما‬
‫عاهدوا الله عليه‪ ،‬ولكنها منعت المنافقين الذين قالوا كما أخبر الله عنهم ?‬
‫حّر ? ] التوبة‪ [81:‬فجاءهم الجواب المناسب لمقالتهم‪:‬‬
‫وََقاُلوا ْ ل َ َتن ِ‬
‫فُروا ْ ِفي ال ْ َ‬
‫َ‬
‫حّرا ً ل ّوْ َ‬
‫? قُ ْ‬
‫مأ َ‬
‫ن ? ] التوبة‪ [81:‬أما من تخلف من‬
‫ف َ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫قُهو َ‬
‫شد ّ َ‬
‫ل َناُر َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫الصحابة الصادقين بغير عذر‪ ،‬فقد تاب الله عليهم بعد ذلك في قصة مشهور‪.‬‬
‫أخي الحبيب‪ :‬بعضنا يعجز عن مجاهدة نفسه على القيام ببعض الطاعات‪،‬‬
‫ً‬
‫ى في‬
‫وهو منطرح على فراشه الوثير تحت المكيف‪ ،‬آمنا في سربه‪ ،‬معاف ً‬
‫بدنه‪ ،‬عنده من ألوان الطعام الشيء الكثير‪ ،‬ومع ذلك يتثاقل عن صلة الفجر‬
‫ة مع المسلمين‪ ،‬أو يتكاسل عن القيام بحقوق الوالدين‪ ،‬وصلة الرحام‪..‬‬
‫جماع ً‬
‫إلى غيرها من أبواب الخير‪ ،‬أو يظن بمثل هؤلء أن يجاهدوا أعداء المة وهم‬
‫لم يستطيعوا جهاد أنفسهم؟!!‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ومن ذلك أيضا ً حرصهم على الصيام في الصيف لعظيم ثوابه‪ ،‬ولهذا كان معاذ‬
‫بن جبل وغيره من السلف ‪ -‬رضي الله عنهم ‪ -‬يتأسف عند موته على‪..‬‬
‫أتدري على ماذا؟ أتظنه أسف عن قصر لم يشّيده؟! أم تراه أسف على‬
‫صفقة تجارية لم يربحها؟! أم على إمرأة حسناء لم ينكحها؟! كل‪ ،‬ل هذا ول‬
‫ذاك‪ ..‬بل أسف على ظمأ الهواجر‪ ..‬ولهذا كان بعض الصالحين يحرص على‬
‫صيام أشد أيام الصيف حرًا‪ ،‬فيقال له في ذلك‪ ،‬فيقول‪ :‬إن السعر إذا رخص‪،‬‬
‫اشتراه كل أحد وهذا ـ وربي ـ من علو الهمة‪.‬‬
‫فيا عبدالله‪ :‬جاهد نفسك على هذه الطاعة العظيمة‪ ،‬التي اختصها الله –‬
‫سبحانه ‪ -‬من بين العبادات بقوله الصوم لي وأنا أجزي به >‪(<B/‬كما في‬
‫الصحيحين‪ ،‬جاهدها ولو يوما ً في كل عشرة أيام‪ ،‬فإن الحسنة بعشر أمثالها‪،‬‬
‫وإن ألم العطش في اليوم الحار سيذهب في أول شربة ماء‪ ،‬أما أجره؛‬
‫فأرجو الله تعالى أن تناله بل وتسّر به يوم يقال في الدار الخرة ? ك ُُلوا‬
‫َ‬
‫َوا ْ‬
‫خال ِي َةِ >‪ ]?<FONT/‬الحاقة‪ ، [24:‬ويوم‬
‫سل َ ْ‬
‫م ِفي اْل َّيام ِ ال ْ َ‬
‫ما أ ْ‬
‫فت ُ ْ‬
‫شَرُبوا هَِنيئا ً ب ِ َ‬
‫ينادى الصائمون ليقال لهم‪ :‬ادخلوا من باب الريان‪.‬‬
‫أخي‪ :‬إن صيام الفرض يشترك معك فيه كل رجل من المسلمين‪ ،‬فأين همتك‬
‫العالية؟ أين همتك التي ل ترضى بالوقوف عند الفرض في أعمال الخير؟ أين‬
‫سلفك الصالح مع حرصهم على إتقان الفرائض لم يكونوا يتوقفون عندها‪ ،‬بل‬
‫سمت هممهم إلى الذروة في المسابقة إلى الخيرات؛ لنهم يعلمون أن‬

‫‪154‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫سلعة الله ـ وهي الجنة ـ غالية‪ ،‬وأن دخولها وإن كان لن يتم إل برحمة الله‬
‫تعالى‪ ،‬إل أن العمل سبب لذلك‪:‬‬
‫ومن يطلب الحسناء لم يغله المهر‬
‫أخي الحبيب‪ :‬إن بعض الناس ربما هرب في الجازة الصيفية من الحر‬
‫الشديد الذي يصطبغ به جو الجزيرة العربية‪ ،‬ربما هرب إلى أماكن باردة‪ ،‬أو‬
‫معتدلة‪ ،‬وهذا ل محذور فيه ـ إذا كان ذلك السفر مضبوطا ً بضوابط الشرع ـ‬
‫إل أن الملحظ أن بعض الناس‪ -‬هداهم الله ‪ -‬يظن أنه بسفره للخارج قد‬
‫خرج عن مراقبة الله‪ ..‬فتراه يقتحم النار بأفعاله‪ ،‬نظر محّرم‪ ..‬سماع محّرم‪..‬‬
‫مراقص‪ ،‬مشروبات محّرمة‪ ..‬فواحش ـ والعياذ بالله ـ فإلى أولئك الفارين‬
‫من الحر‪ ،‬والواقعين في أسباب غضب الرب جل جلله يقال لهم‪ :‬إلى أين‬
‫تفرون؟ ومن أي شيء تهربون؟ إن المنافقين عصوا الله تعالى بجلوسهم في‬
‫ظلل المدينة هربا ً من الحّر‪ ،‬وتركهم رسول الله وأصحابه ‪-‬رضي الله عنهم‪-‬‬
‫في حّر الرمضاء استعدادا ً لقتال العدو‪ ،‬فياليتكم ـ معاشر الفاّرين ـ تحولون‬
‫هروبكم من الحر خارج البلد إلى جهاد في سبيل الدعوة إلى الله تعالى‪،‬‬
‫ونشر السلم بصورته الصحيحة‪ ،‬كما خرج قدوتكم وحبيبكم للجهاد وقتال‬
‫أعداء الله‪ ،‬ونشر السلم بين الناس‪ ،‬ليسعدوا به كما سعدت به أنت‪ ،‬وسعد‬
‫به أهلك وعشيرتك‪.‬‬
‫إن الجهاد الذي نطالبك به‪ ،‬ل يحتاج إلى حمل السلح الثقيل ! ول يحتاج إلى‬
‫خبرة بأساليب الحرب! بل هو جهاد‪ ،‬بالقدوة الحسنة التي تترجمها بأخلق‬
‫السلم‪ ،‬والبعد عن المحرمات‪ ،‬وجهاد بالكلمة الطيبة‪ ،‬في دعوة من تلقيه‬
‫من الناس ـ في أي أرض تذهب إليها ـ مسلما ً كان أم كافرًا‪ ،‬كل حسب ما‬
‫يناسبه‪.‬‬
‫ولعلك تعتذر بأنك لست من حملة العلم الشرعي! أو لست من الدعاة! وما‬
‫هذا ـ أيها الحبيب ـ بعذر‪ ،‬فمكاتب دعوة الجاليات منتشرة في كل مكان‪،‬‬
‫وفيها كتب نافعة لغلب لغات أهل العالم‪ ،‬وهل يكلفك ـ أيها الغّيور على دينك‬
‫ـ الذهاب إليها لتأخذ معك بعض الكتب أو الشرطة التي تناسب لغة البلد‬
‫التي ستسافر إليها؟ لتكون بذلك داعية خير‪ ،‬ورسول سلم‪ ،‬وحامل دعوة‪،‬‬
‫وما يدريك! فلعل الله تعالى أن يهدي على على يديك أحدا ً في سفرتك هذه‬
‫إلى السلم‪ ،‬فهو ـ والله ـ خير لك من الدنيا وما فيها‪ ،‬وغير خاف عليك أن‬
‫كل عمل صالح يعمله ذلك الذي اهتدى على يديك‪ ،‬فسيكون في ميزان‬
‫حسناتك‪.‬‬
‫أخي ‪ ..‬رعاك الله‪:‬تمتع بما أحل الله لك‪ ،‬من وسائل تكييف‪ ،‬وراحة‪ ،‬وسفر‪،‬‬
‫ولكن‪ ..‬إياك أن تكون ممن يهرب من حر الدنيا ويقع فيها بسبب التعرض‬
‫للحر الكبر في نار جهنم أعاذنا الله وإياك والمسلمين منها‪ ،‬وتذكر ـ حفظك‬
‫م الدعوة إلى دينك ولو بإهداء كتيب أو‬
‫الله ـ أنك بخير عظيم مادمت تحمل ه ّ‬
‫إيصال شريط‪ ،‬ول يكن ذلك الهندوسي القابع في زوايا بعض المزارع أو تلك‬
‫الراهبة التي تعيش في غابات أفريقيا‪ ،‬ل يكن هؤلء خيرا ً منا في الدعوة‪ ،‬مع‬
‫أنهم يدعون إلى أديانهم الباطلة‪ ،‬ونحن ندعو ـ وبكلفة قليلة ـ إلى خير الديان‬
‫وخاتمتها وأكملها‪.‬‬
‫أسأل الله تعالى أن يحفظك وأن يبارك فيك أينما كنت‪ ،‬وأن يعيذنا وإياك من‬
‫أسباب غضبه‪ ،‬وأليم عقابه‪ ،‬وأن يجعلنا جميعا ً من الدعاة إلى سبيله على‬
‫بصيرة‪.‬‬
‫وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(2 /‬‬
‫إذا نشرت المرأة‬
‫السؤال ‪:‬‬
‫ما الحكم فى الزوجة التي ل تطيع زوجها ‪ ،‬فهي تصر على ان تضع العطور‬
‫عند الخروج من المنزل وتقول ان رائحتها ليست ظاهرة وكذلك ارتداء‬
‫ملبس يرفضها الزوج مع العلم بانها محجبة وتراعى الله فى زيها و كذلك‬
‫إصرارها على العمل حتى اذا ادى ذلك الي الطلق وهى تقول ان الزوج يبالغ‬
‫فى ارائة و طلباتة ‪-‬فما هو رأى الدين فى ذلك وما هو حكم الله؟ وماذا يفعل‬
‫الزوج معها ومع كل هذا العند و التحدى هل يطلقها؟‬
‫الجواب ‪:‬‬
‫أقول مستعينا ً بالله تعالى ‪:‬‬
‫يتضمن سؤالكم عدة مسائل تحتاج إلى بيان كل منها على حدة ‪:‬‬
‫المسألة الولى ‪ :‬طاعة الزوج واجبة على زوجته ما لم يأمر بمعصية ‪ ،‬و من‬
‫حقه عليها بذل نفسها و عدم التمنع من بذل ما عليها من استمتاع و خدمة‬
‫بالمعروف و يلزمها طاعته في ترك المور المستحبة كالصيام و سفر الحج ‪،‬‬
‫و الحج الذي ليس بواجب و أن ل تخرج من بيته إل بإذنه و ل تدخله أحدا ً إل‬
‫برضاه و أن تحفظه في نفسها و ولده و ماله و أما طاعتها له في المور‬
‫الواجبة شرعا ً فهي ألزم و أولى بالصون و المراعاة ‪.‬‬
‫غير أن الطاعة الواجبة للزوج على زوجته مشروطة بكون المأمور به مما‬
‫أباحه الله تعالى أو ندب إليه أو أوجبه ‪ ،‬أما إن كان معصية فل سمع و طاعة‬
‫فيها ‪ ،‬كائنا ً من كان مصدرها ؛ زوجا ً أو غيَر زوٍج ‪ ،‬و ل تجوز مجارات رغبات‬
‫ن‬
‫أحد ٍ باقتراف ما حّرم الله ‪ ،‬إذ ل طاع َ‬
‫ق في معصية الخالق ‪ ،‬و لك ّ‬
‫ة لمخلو ٍ‬
‫الطاعة في المعروف ‪.‬‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ن‬
‫أ‬
‫عنه‬
‫الله‬
‫رضي‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ع‬
‫أحمد‬
‫و‬
‫النسائي‬
‫و‬
‫داود‬
‫روى الشيخان و أبو‬
‫ّ ِّ ّ‬
‫ْ َِ ّ‬
‫ما ال ّ‬
‫صلى الله عليه و سلم َقا َ‬
‫ف(‪.‬‬
‫طاعَ ُ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ة ِفي ال ْ َ‬
‫ل ‪ ) :‬إ ِن ّ َ‬
‫و إذا تبين للمرأة وجوب طاعتها لزوجها ‪ ،‬و سألها أمرا ً ل معصية فيه ‪ ،‬أو‬
‫ب ‪ ،‬أو نهاها عن مكروهٍ أو محّرم ‪ ،‬فمن الحري بها أن ل‬
‫صرَفها عن غير واج ٍ‬
‫تفرط فيما افترض عليها من طاعته ‪ ،‬و لها لقاء ذلك حافزان عظيمان ‪:‬‬
‫أولهما ‪ :‬أن يبادرها الزوج بأداء حقوقها و ما أوجبه الله تعالى عليه تجاهها ‪،‬‬
‫مث ْ ُ‬
‫ف ( ] البقرة ‪. [ 228 :‬‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫ذي عَل َي ْهِ ّ‬
‫لقوله تعالى ‪ ) :‬وَ ل َهُ ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الية الكريمة ‪ :‬أيْ وَ ل َهُ ّ‬
‫ن ‪ ،‬فَل ْي ُؤَد ّ ك ُ ّ‬
‫ما إ َِلى‬
‫ل َوا ِ‬
‫حد ِ‬
‫حق ّ ِ‬
‫جال ِ‬
‫ما ِللّر َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫عََلى الّر َ‬
‫من ْهُ َ‬
‫مْثل َ‬
‫ل عَل َي ْهِ ّ‬
‫جا ِ‬
‫م ْ‬
‫مَعاوَِية ْبن‬
‫ال َ‬
‫ح ِ‬
‫ح ِ‬
‫ديث ب َْهز ْبن َ‬
‫ف ‪ ...‬وَ ِفي َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن ُ‬
‫جب عَل َي ْهِ ِبال ْ َ‬
‫ما ي َ ِ‬
‫خر َ‬
‫كيم عَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه قا َ‬
‫ق َ‬
‫جة‬
‫دة ال ُ‬
‫حقّ َزوْ َ‬
‫ما َ‬
‫ج ّ‬
‫ن َ‬
‫حي ْ َ‬
‫َ‬
‫ل ‪َ :‬يا َر ُ‬
‫سول الله َ‬
‫ده أن ّ ُ‬
‫ن أِبيهِ عَ ْ‬
‫شي ْرِيّ عَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫رب‬
‫ض‬
‫سو َ‬
‫سْيت َول ت َ ْ‬
‫حدَنا ؟ قال ‪ ) :‬أ ْ‬
‫أ َ‬
‫ها إ َِذا ا ِكت َ َ‬
‫مت وَ ت َك ُ‬
‫ن ت ُطِعمَها إ َِذا طعِ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫جر ِإل ِفي ال ْب َْيت ( وَ َقا َ‬
‫ن‬
‫جه وَ ل ت ُ َ‬
‫ل ا ِْبن عَّباس ‪ :‬إ ِّني ل ُ ِ‬
‫بأ ْ‬
‫ح ّ‬
‫قّبح وَ ل ت َهْ ُ‬
‫ال ْوَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مث ْ ُ‬
‫ل‬
‫ن الّله ي َ ُ‬
‫ما أ ِ‬
‫ن ِ‬
‫مْرأة ل ّ‬
‫بأ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ن ت َت ََزّين ِلي ال ْ َ‬
‫مْرأةِ ك َ َ‬
‫أت ََزّين ل ِل ْ َ‬
‫قول ‪ ) :‬وَ ل َهُ ّ‬
‫ف ( ‪.‬اهـ‪.‬‬
‫ال ّ ِ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫ذي عَل َي ْهِ ّ‬
‫و ثانيهما ‪ :‬تحصيل الجر الجزيل عند الله تعالى ‪ ،‬و نيل رضاه ‪ ،‬لما روي عن‬
‫سّلم ‪:‬‬
‫أم سلمة َر ِ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ه عَْنها ‪ ،‬قالت ‪ :‬قال َر ُ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫سول الل ّهِ َ‬
‫ض َ‬
‫مذِيّ وَ حسنه ‪،‬‬
‫ض دخلت الجنة ( َرَواهُ الت ّْر ِ‬
‫) أيما امرأة ماتت و زوجها عنها را ٍ‬
‫و الحاكم و صححه ‪.‬‬
‫و روى أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ‪ ،‬قال ‪:‬‬

‫‪156‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ‪ ) :‬إذا صلت المرأة خمسها و صامت‬
‫شهرها و حفظت فرجها و أطاعت زوجها قيل لها ‪ :‬ادخلي من أي أبواب‬
‫الجنة شئت ( ‪ .‬و روى نحوه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله‬
‫عنه ‪.‬‬
‫و معنى هذا الحديث كما بينه المام المناوي في فيض القدير ‪ ) :‬إذا صلت‬
‫المرأة خمسها ( المكتوبات الخمس ) و صامت شهرها ( رمضان غير أيام‬
‫الحيض إن كان ) و حفظت ( و في رواية أحصنت ) فرجها ( عن الجماع‬
‫المحرم و السحاق ) و أطاعت زوجها ( في غير معصية ) دخلت ( لم يقل‬
‫تدخل إشارة إلى تحقق الدخول ) الجنة ( إن اجتنبت مع ذلك بقية الكبائر أو‬
‫تابت توبة نصوحا ً أو عفي عنها ‪.‬اهـ‪.‬‬
‫خر ‪ ،‬و يحسن‬
‫فالواجب على كل من الزوجين أن يتقي الله في الزوج ال َ‬
‫إليه ‪ ،‬محتسبا ً في ذلك جزيل الجر ‪ ،‬و عظيم الثواب عند الملك الوهاب ‪،‬‬
‫ب سليم ٍ ‪.‬‬
‫يوم ل ينفع مال و ل بنون إل من أتى الله بقل ٍ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إذا نشزت الزوجة‬
‫السؤال ‪:‬‬
‫فما هو رأى الدين فى ذلك وما هو حكم الله؟ وماذا يفعل الزوج معها ومع‬
‫كل هذا العند و التحدى هل يطلقها؟‬
‫الجواب ‪:‬‬
‫أقول مستعينا ً بالله تعالى ‪:‬‬
‫إذا عصت المرأة زوجها فيما تجب عليها فيه طاعته فهي آثمة ‪ ،‬و خاصة إذا‬
‫أصّرت على ذلك غير مبالية برضاه من عدمه ‪ ،‬بل حتى بإيقاع الطلق عليها‬
‫بسبب ذلك ‪.‬‬
‫و على الزوج و الحال كذلك أن ل يتعجل بإيقاع طلق أو فراق بل يسعى‬
‫للصلح بقدر المستطاع ‪ ،‬و معالجة ما قد يحدث من نشوذ زوجته بما يناسب‬
‫ما جعله الله بينهما من المودة و الرحمة ‪ ،‬و ل يتجاوز ما هو مقرر شرعا ً في‬
‫ض َ‬
‫جا ُ‬
‫ه‬
‫ما فَ ّ‬
‫مو َ‬
‫هذه الحال كما في قوله تعالى ‪ ) :‬الّر َ‬
‫ن عََلى الن ّ َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ساِء ب ِ َ‬
‫وا ُ‬
‫ل قَ ّ‬
‫قوا م َ‬
‫َ‬
‫ضهُ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ف ُ‬
‫ما أ َن ْ َ‬
‫ت َ‬
‫صال ِ َ‬
‫ب َعْ َ‬
‫حافِظا ٌ‬
‫ت قان َِتا ٌ‬
‫حا ُ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ض وَ ب ِ َ‬
‫م فال ّ‬
‫م َ‬
‫ِ ْ‬
‫م عَلى ب َعْ ٍ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن نُ ُ‬
‫ن ِفي‬
‫ه وَ اللِتي ت َ َ‬
‫ح ِ‬
‫ن وَ اهْ ُ‬
‫خافو َ‬
‫ما َ‬
‫فظ الل ُ‬
‫ب بِ َ‬
‫ل ِل ْغَي ْ ِ‬
‫جُروهُ ّ‬
‫ن فعِظوهُ ّ‬
‫شوَزهُ ّ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ن عَل ِّيا‬
‫كا َ‬
‫سِبيل ً إ ِ ّ‬
‫ن فَإ ِ ْ‬
‫جِع وَ ا ْ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن أط َعْن َك ُ ْ‬
‫ضا ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫م َفل ت َب ُْغوا عَل َي ْهِ ّ‬
‫ضرُِبوهُ ّ‬
‫ك َِبيًرا ( ] النساء ‪. [ 34 :‬‬
‫و ليس هذا مقام التوسع في عرض وسائل حل الخلفات الزوجية ‪ ،‬لن‬
‫المقام مقام فتيا و ليس مجلس قضاء ‪ ،‬و من القيام بواجب النصيحة للزوج‬
‫– و قد ط ُل َِبت في السؤال – حّثه على أن يستفتي أهل العلم و يستشير أهل‬
‫الخبرة و الدراية في بلده فيما شجر بينه و بين أهله ‪ ،‬و ل يفتأ يراجع نفسه و‬
‫يحاسبها بين الفترة و الفترة ‪ ،‬فقد يكون هو المخطئ المحقوق و إن بدا له‬
‫خلف ذلك في بداية المر ‪ ،‬و لذلك أرشد الله تعالى إلى الحتكام إلى طرف‬
‫ثالث في الخلفات الزوجية ‪ ،‬لن من ينظر من خارج موقع الحدث يكون‬
‫من هو طرف فيها ‪.‬‬
‫أقدر على إدراك حقائق المور و معالجتها م ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ش َ‬
‫خ ْ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫ن أهْل ِهِ وَ َ‬
‫ما َفاب ْعَُثوا َ‬
‫قال تعالى ‪ ) :‬وَ إ ِ ْ‬
‫حكما ّ‬
‫حكما ّ‬
‫قاقَ ب َي ْن ِهِ َ‬
‫فت ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫خِبيرا ( ] النساء ‪:‬‬
‫ن عَِليما َ‬
‫ه كا َ‬
‫ما إ ِ ّ‬
‫ري َ‬
‫ن الل َ‬
‫ه ب َي ْن َهُ َ‬
‫ق الل ُ‬
‫دا إ ِ ْ‬
‫أهْل َِها ِإن ي ُ ِ‬
‫صلحا ي ُوَف ِ‬
‫‪. [ 85‬‬

‫‪157‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ه أسأل أن يوفقنا جميعا ً لخير القول و العمل ‪ ،‬و أن يعصمنا من‬
‫هذا و الل َ‬
‫الضللة و الزلل ‪ ،‬و أن يصلح ذات بيننا و يؤلف بين قلوبنا ‪ ،‬و يأخذ بأيدينا إلى‬
‫ما فيه رضاه عّنا ‪.‬‬
‫و صلى الله و سلم و بارك على نبّيه محمد ‪ ،‬و آله ‪ ،‬و صحبه أجمعين ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إذا هبت رياحك فاغتنمها ‪2/4/1426‬‬
‫أ‪.‬د‪ .‬ناصر بن سليمان العمر‬
‫الحمد لله والصلة والسلم على رسول الله وبعد‪ ،‬ل تزال وقفات سورة‬
‫يوسف متصلة ول يزال الحديث عن قوال الله‪" :‬قال اجعلني على خزائن‬
‫الرض" مستمرًا‪ ،‬وفي هذه الوقفة أنبه على استغلل الفرص المناسب‬
‫واستثمارها‪ ،‬كما استثمر نبي الله يوسف هذه الفرصة‪ ،‬ومن تأمل سيرة نبي‬
‫الله يوسف يتضح له بجلء أنه لم يكن غرا ً ساذجا ً حاشاه بل كان يستثمر‬
‫الفرص بدقة متناهية وفي كل لحظة‪ ،‬استثمر الفرصة عندما جاءه السجينان‬
‫وقال له‪ :‬عبر لنا الرؤيا‪ ،‬فوجدها فرصة مواتية لن يدعوهما إلى الله _جل‬
‫وعل_ قبل أن يعّبرها لهم‪.‬‬
‫واستثمر الفرصة عندما أراد أن يخرج الساقي فوجدها فرصة لن يقول‬
‫اذكرني عند ربك‪.‬‬
‫واستثمر الفرصة عندما جاؤوا وطلبوا منه تعبير الرؤيا فعبرها لهم ولم يمتنع‬
‫لدراكه ما قد يترتب على ذلك‪.‬‬
‫واستثمر الفرصة عندما قيل له اخرج من السجن‪ ،‬فوجدها فرصة سانحة‬
‫لكي ما يظهر براءته ويشهرها على المل‪.‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫واستثمر الفرصة عندما قابل الملك وعرض عليه هذا العرض "إ ِن ّ َ‬
‫م لد َي َْنا‬
‫ك الي َوْ َ‬
‫مكي َ‬
‫ن" فوجدها فرصة مناسبة لطلب الولية على خزائن مصر‪.‬‬
‫نأ ِ‬
‫مي ٌ‬
‫َ ِ ٌ‬
‫فهل ننحن نقتنص الفرص المناسبة في الوقت المناسب؟ وهل نستثمر‬
‫الفرص التي تسنح في حياتنا لجل الدين كما فعل يوسف؟ كم أضعنا من‬
‫الفرص؟‬
‫وهل هذا كان دأب سلفنا؟ عكاشة _رضي الله تعالى عنه_ عندما ذكر النبي‬
‫_صلى الله عليه وسلم_ السبعين ألفا ً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ول‬
‫عقاب‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول الله ادع الله أن أكون منهم قال‪ :‬أنت منهم‪ ،‬وقال‬
‫للخر سبقك بها عكاشة!‬
‫وورد عند مسلم أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال‪" :‬يأمر الله بإخراج‬
‫أربعة من النار فيعرضون على الله فيقول واحد منهم يا رب إذ أخرجتني منها‬
‫فل تعدني إليها فيقول الله _جل وعل_ ل تعيدوه" وهذا ضرب من استثمار‬
‫الفرص‪.‬‬
‫ورجل آخر مّر في الطريق فوجد غصن شجرة فأزاله فُغفر له‪.‬‬
‫و ثالثة بغي وجدت كلبا ً فسقته فُغفر لها‪.‬‬
‫كل ذلك استثمار للفرص‪ ،‬فانظر كيف كانت عاقبته‪ ،‬فهل نستثمر الفرص؟‬
‫كما استثمرها هؤلء‪.‬‬
‫أم نضيعها واحدة إثر أخرى‪ ،‬ثم نلبس بعدها متأسفين حادبين على أمر المة!‬
‫مفرطين في جنب الله؟‬
‫وفقني الله وإياكم للحرص على ما ينفعنا‪ ،‬والشتغال بما يصلحنا‪ ،‬وصلى الله‬
‫وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(1 /‬‬
‫إذن المسامحة‬
‫مفكرة السلم ‪ :‬إن الزواج علقة قائمة على الحب والثقة والحترام في‬
‫المقام الول وهناك ثلثة أشياء إذا انعدمت في الحياة الزوجية كان الزواج‬
‫غير ناجح وسينتهي عند منتصف الطريق أو عند أول نقطة خلف بين‬
‫الزوجين هذه الثلثية هي‪:‬‬
‫عدم الثقة عدم الحترام عدم الشعور بالمان‬
‫عدم الثقة‪ :‬فإذا ُفقدت الثقة بين الزوجين ضعف الولء والرتباط بالسرة‬
‫عا‪.‬‬
‫وحل الشك محل الثقة وظهرت المشاكل تبا ً‬
‫عرى السرة‪ ،‬وأي‬
‫توثيق‬
‫في‬
‫دا‬
‫ُ‬
‫عدم الحترام‪ :‬الحترام بين الزوجين مهم ج ً‬
‫مظهر من مظاهر عدم الحترام سيكون بل شك سبًبا في تحطم السرة‬
‫وانهيارها‪ .‬وهنا تفقد العلقة الزوجية جوها وودها وولءها ويتمنى كل من‬
‫الزوجين الفراق‪.‬‬
‫ومن احترام الزوج لزوجته أن يستمع إليها إذا تكلمت‪ ،‬وأن يستشيرها ويأخذ‬
‫برأيها إن كان صواًبا‪ ،‬ول يستهزأ بها أمام الخرين سواء الهل أو الولد‪،‬‬
‫وعدم تشويه صورتها أمام نفسها ومقارنتها بغيرها من النساء أو أنها ل تصلح‬
‫أن تكون زوجة لن هذا له أثره السيئ على نفسية الزوجة‪ .‬وفي سيرة‬
‫رسولنا صلى الله عليه وسلم الكثير من المواقف التي تعلمنا مبدأ الحترام‬
‫وتقدير المشاعر الزوجية عند معاملته لزوجاته صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫عدم الشعور بالمان‪ :‬إذا لم يتوافر الشعور بالمان لدى كل الزوجين فإن‬
‫ما‪ ،‬وذلك لعدم شعور أحدهما بالمان‬
‫الولء للمؤسسة الزوجية سينتهي حت ً‬
‫تجاه الخر والطمئنان لتصرفاته‪ .‬وإذا أعطت الزوجة لزوجها الحب والحنان‬
‫والتضحية ونسيت نفسها ثم قوبل هذا العطاء وهذه التضحية بالنكران أو‬
‫الخيانة فإن ذلك يحطم الزوجة‪.‬‬
‫ومن علمات المان أن يبث كل من الزوجين همومه للخر ويتحدث كل منهما‬
‫عن طموحه وأحلمه‪ ،‬ويردد بين حين وآخر أنه بحاجة للطرف الخر وأنه‬
‫يشكر الله تعالى أن جمع بينهما في علقتهما الزوجية وهذا من الشعار‬
‫بالمان في القول‪ ،‬فدفاع كل واحد منهما عن الخر عن ماله واسمه وسمعته‬
‫وعمله بل وحتى عن عيوبه وأخطائه‪ ،‬هذا ما يزيد شعورهما بالرتياح وتحقيق‬
‫المن‪ .‬ولعل حاجة المرأة للشعور بالمان أكثر منها بالنسبة للرجل ولهذا‬
‫حا معها وأخبرها عن حبك وعن‬
‫نقول للزوج ل تتضايق من ذلك‪ ،‬وكن صري ً‬
‫صا إن كانت امرأة صالحة وتستحق ذلك‪.‬‬
‫حاجتك لها‪ ،‬وخصو ً‬
‫ورأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أعلنها صراحة ليشعر زوجته‬
‫السيدة عائشة رضي الله عنها بالمان‪ .‬حيث قال لها في حديث أم زرع‬
‫ك كأبي زرع لم زرع لكني ل أطلق[[‪.‬‬
‫تل ِ‬
‫الطويل‪]] :‬كن ُ‬
‫فاعفوا واصفحوا‪:‬‬
‫وذلك بأن يحاول كل طرف أن يكون المبادر أول ً إلى المسامحة والعفو‪ ،‬فإنه‬
‫ل يمكن تجنب وقوع سوء فهم أو اختلف أو مشكلة في أي علقة زوجية‪،‬‬
‫وحتى في أحسن العائلت كما ُيقال‪ ،‬ويمكن لهذه الختلفات والمشاكل أن‬
‫تترك أثاًرا سيئة على الزوجين إن لم يحسنا التصرف معها وخاصة أن الناس‬
‫يمكن أن يروا المور من زوايا متعددة ومتباينة‪ ،‬وقد ل يصلون إلى قناعة‬
‫واحدة في معرفة من هو المخطئ ومن هو المصيب في موقف معين‪ .‬فنرى‬
‫كل ً من الزوجين يلوم الخر‪ ،‬ويحاول النتصار لنفسه والدفاع عنها‪ ،‬والنتقام‬

‫‪159‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من الخر‪ ،‬وكشف عيوبه وتقصيره‪ .‬وقد يكون آخر ما يخطر في ذهن الواحد‬
‫منهما في هذا الموقف أن يعذر الخر ويسامحه أو يعتذر إليه‪.‬‬
‫وكما أن الحب عبارة عن اتخاذ قرار برعاية الطرف الخر ومساعدته‪ ،‬وكذلك‬
‫المسامحة والمغفرة تحتاج إلى قرار مشابه‪ ،‬فالمعذرة ليست مجرد عواطف‬
‫وإنما موقف وقرار وتنفيذ‪ ،‬وقد يبقى النسان منفعل ً وغضباًنا وحتى بعد‬
‫المسامحة‪ ،‬وهذا أمر معتاد‪.‬إنه من السهل أن يقول الواحد‪' :‬اعف واصفح'‬
‫ولكن التطبيق شيء آخر‪.‬‬
‫ضا أن يحاول النسان نسيان الساءة وتجاوزها‪ ،‬ولكنه مع‬
‫ومن الصعوبة أي ً‬
‫ذلك يستطيع أن يتخذ ذلك القرار ويتجاوز الساءة‪ ،‬ويسعى إلى تحديد موعد‬
‫للجلوس والحديث الهادئ في موضوع المشكلة‪ ،‬للتخفيف من المشاعر‬
‫السلبية‪ ،‬والسعي لتخفيف احتمال تكرار ما حدث‪ .‬ويمكن للزوجين في هذه‬
‫الجلسة التعبير عن مشاعرهما لما حدث ليس من باب النتقاد‪ ،‬وإنما‬
‫لمشاركة الطرف الخر المشاعر والفكار والعواطف‪.‬‬
‫والعادة أن يساعد هذا الحديث على زيادة فهم كل منهما للخر‪ ،‬ويمكنهما من‬
‫تحسين الحوار بينهما‪ .‬ولبد بعد هذا من أن يقرر كل منهما بأنه لن يعود لذكر‬
‫الموضوع في ساعات الغضب والختلف‪ .‬وقد يحتاج الزوجان بعد ذلك لبعض‬
‫الوقت لتتعمق بينهما مشاعر الثقة والطمئنان‪.‬ويحتاجان لبناء جدار من الثقة‬
‫عال يقيهما شر الخلف وسوء فهم بعضهما لبعض‪.‬‬
‫وقاكما الله تعالى شر الخلف والختلف وحفظ بيتكما من كل سوء وشر‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إذن ولي المر بقنوت النوازل‬
‫المجيب ‪ ...‬أ‪.‬د‪ .‬سعود بن عبدالله الفنيسان‬
‫عميد كلية الشريعة بجامعة المام محمد بن سعود السلمية سابقا ً‬
‫التصنيف ‪ ...‬الفهرسة‪ /‬كتاب الصلة‪ /‬صلة التطوع‪/‬الوتر والقنوت‬
‫التاريخ ‪28/2/1424 ...‬‬
‫السؤال‬
‫ونحن نرى ما يجري في العراق الن من مآسي فهل يشرع لنا القنوت؟ وهل‬
‫يشترط الذن من ولي المر بدعاء القنوت؟ وهل هناك ضابط للدعاء في‬
‫قنوت النوازل؟‬
‫الجواب‬
‫نقتطف لك جزءا ً من بحث للشيخ‪ :‬د ‪ 0‬سعود بن عبد الله الفنيسان جوابا ً‬
‫على سؤالك‪:‬‬
‫الدعاء مخ العبادة وهو أقوى سلح يوجهه المسلم إلى العدو مباشرة دون‬
‫خسائر مادية أو بشرية‪ ،‬وأفضل ما يكون في صلب الصلة وما شرع القنوت‬
‫في النوازل إل من أجل الدعاء حيث العباد يناجون ربهم‪ ،‬فالقنوت جزء من‬
‫الصلة كتلوة القرآن والتسبيح في الركوع والسجود فل فرق بين هذا وذاك‬
‫فكل الحالين سنة ثابتة واجبة التباع فل يجوز لحد كائنا ً من كان أن يمنع‬
‫الناس من الصلة جماعة يناجون فيها ربهم عندما تنزل بهم نازلة أو تحل‬
‫قريبا ً من دارهم‪ ،‬كما ل يجوز لحد أن يزيد أو ينقص في أركان وواجبات‬
‫الصلة قال تعالى‪":‬وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"‪،‬‬
‫وقال‪":‬وما كان لمؤمن ول مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ً أن يكون لهم‬
‫الخيرة من أمرهم" فل يجوز أن يمنع المظلوم أن يدعو على ظالمه؛‬

‫‪160‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لحديث‪":‬اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب"‪ ،‬كما ل يجوز‬
‫لحد أن يمنع المسلم أن يدعو لخوانه المسلمين المستضعفين والمضطهدين‬
‫في كل مكان من الرض لما جاء في الحديث "إذا دعا المسلم لخيه لظهر‬
‫الغيب قال الملك ولك مثل ذلك"‪.‬‬
‫هل القنوت في النوازل من المصالح المرسلة؟‬
‫المصلحة المرسلة قاعدة من قواعد الصول التبعية في الشرعية تأتي بعد‬
‫الصول الربعة )الكتاب والسنة والجماع والقياس(‪.‬‬
‫ومعنى كونها تبعية‪ ،‬أي‪ :‬أنها ليست أصل ً بنفسها بل تابعة لحد هذه الصول‬
‫الربعة‪ ،‬ومعنى كونها مرسلة أي مطلقة خالية من الدليل الخاص على موضع‬
‫النزاع أو البحث إذ لو كان عليه دليل للحق بالكتاب إن كان الدليل آية أو‬
‫بالسنة إن كان الدليل حديثا ً أو أثرًا‪ ،‬والقنوت في النازلة –محل النزاع‪ -‬ورد‬
‫فيه دليل خاص بعينه‪ ،‬كالحديثين المشار إليهما أعله‪ ،‬فل يدخل حينئذ قنوت‬
‫النازلة تحت المصلحة المرسلة بحال‪ ،‬ومثال المصلحة المرسلة التي يجوز‬
‫للحاكم التدخل فيها بالمر أو المنع‪ :‬كصيد الطيور وبيع السلح في زمن معين‬
‫ل على الطلق لن صيد الطيور وبيع السلح هو في الصل مباح بأدلة الباحة‬
‫الشرعية العامة وهذه الباحة غير محددة بزمن أو حال أو هيئة فمتى رأى‬
‫ولي المر في المنع أو الجواز مصلحة راجحة للمة جاز له المر أو المنع من‬
‫ذلك ووجب على الناس اللتزام والتباع‪.‬‬
‫وتحديد النازلة ليس موكول ً لحد بعينه ول أعلم أحدا ً من العلماء خصصها‬
‫بولي المر حيث النازلة كارثة وضرر عام يلحق بالمة يحسه الناس كلهم ول‬
‫تختلف على وقوعه أو وصفه أنظار الناس ولو كان موكول ً لولي المر أو آحاد‬
‫الناس لرتبط بهؤلء تشريع الصلة بأركانها وواجباتها وسننها وهذا معلوم‬
‫بطلنه لكل ذي عينين‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ويجب أن يعلم أنه ليس من السنة في دعاء القنوت أن يخرج عن سبب‬
‫النازلة فيدعى على عموم الكفار بالموت والهلك‪ ،‬والنازلة التي نزلت‬
‫بالمسلمين هي الظلم والعتداء عليهم بتدمير بلدهم وأخذ أموالهم وانتهاك‬
‫حرماتهم‪ ،‬فالعلة في الدعاء على الكفار في النوازل هي تجدد العتداء‬
‫والظلم على المسلمين‪ ،‬أما تكذيب الكفار لما جاء به النبياء وعداوتهم‬
‫للمسلمين فهي ملزمة للكفر دوما ً وأبدًا‪ ،‬منذ كفر إبليس بربه وأهبطه من‬
‫السماء إلى الرض إلى قيام الساعة فوصف اليهود والنصارى بالكفر وصف‬
‫كاشف ل ينتج الحكم وهو الدعاء عليهم بالهلك‪ ،‬أما الظلم والعتداء فهو‬
‫الوصف المؤسس المنتج للحكم المذكور )القنوت(‪ ،‬وسنة الله أن الكفار أكثر‬
‫عددا ً من المسلمين قال تعالى‪":‬وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين"‪،‬‬
‫وحديث‪":‬يا آدم أخرج بعث النار فيخرج من كل مئة تسعة وتسعون"‪ ،‬وما ورد‬
‫من آثار في الدعاء على الكفار من أهل الكتاب فيراد بهم المحاربون منهم‬
‫للمسلمين‪ ،‬وكان عمر بن الخطاب –رضي الله عنه‪ -‬إذا أبطأ عليه خبر‬
‫جيوش المسلمين قنت فكان مما قاله ذات مرة‪":‬اللهم ألعن كفرة أهل‬
‫الكتاب الذين يكذبون رسلك ويقاتلون أوليائك" فوصفهم بالكفر والتكذيب‬
‫ليس جديدا ً وكونهم يقاتلون أولياء الله في عهده –رضي الله عنه‪ -‬هي العلة‬
‫المسببة للدعاء عليهم باللعنة والهلك‪ ،‬ومن لم يقاتلنا ل ندعو عليه بل ندعو‬
‫م ِفي‬
‫م يُ َ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫قات ُِلوك ُ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫له بالهداية وهذا معنى قول الله "ل ي َن َْهاك ُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه عَ ِ‬
‫‪161‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫خرجوك ُم من ديارك ُ َ‬
‫س ُ‬
‫ب‬
‫م وَت ُ ْ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ق ِ‬
‫ح ّ‬
‫م إِ ّ‬
‫مأ ْ‬
‫م يُ ْ ِ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫طوا إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫ن ت َب َّروهُ ْ‬
‫ْ ِ ْ َِ ِ ْ‬
‫ن وَل َ ْ‬
‫دي ِ‬
‫ً‬
‫ن"]الممتحنة‪ ،[8:‬فإن القرآن يفسر بعضه بعضا‪ ،‬ومعنى ذلك أن من‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫ال ْ ُ‬
‫طي َ‬
‫سالمنا سالمناه‪ ،‬ومن اعتدى علينا قاتلناه‪ ،‬أما منع ولي المر الناس من‬
‫القنوت أصل ً فل يجوز له ول تلزم طاعته فيه‪ ،‬لن القنوت في النازلة سنة‬
‫نبوية ثابتة بدليلها الخاص وهي عبادة محضة فل تدخل تحت نظر ولي المر‪،‬‬
‫فهي كتحية المسجد تتعين إذا حصل موجبها وهو الدخول‪ ،‬وسيأتي لهذا مزيد‬
‫بيان قريبًا‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫إرادة الصمود في شعر الميري حسام عبد القادر صالح*‬
‫"لعل من أبرز جنايات السياسة على الدب البّناء والفن الرفيع أن اعتقلت‬
‫الستاذ عمر بهاء الميري سفيًرا لسورية في كراتشي وجدة فترة من الزمن‬
‫بعد أن أمضى جانًبا من العمر الذي مازال فتًيا صاحبه‪ .‬في مختلف العمال‪..‬‬
‫خلف مكتب أنيق وأضابير منسقة تغص بمقررات وتقارير تفرضها طبيعة‬
‫العمل الدبلوماسي والتخطيط السياسي الدقيق‪ ..‬وقليلون من عامة الشعب‬
‫عا ‪..‬‬
‫وجماهير المسلمين هم الذين يعرفون الستاذ الميري شاعًرا مطبو ً‬
‫رقيق اللفظ في جزالة ‪ ..‬عميق الفكرة في وضوح ‪ ..‬غزير النتاج في غير‬
‫عا فيما يسيل من مشاعره وأحاسيسه المرفهة على‬
‫تبذل أو اسفاف ‪ ..‬مبد ً‬
‫الورق ليعلن عن شاعر كسبته دنيا السياسة وخسرته دنيا القلم والفكر‬
‫والجمال‪"..‬‬
‫هكذا وصف الديب الستاذ يوسف العظم الشاعر الراحل عمر بهاء الدين‬
‫الميري‪.‬‬
‫لمحة عن حياة الميري‪:‬‬
‫الميري سوري الصل ولد عام ‪1920‬م ونشأ وأتم دراسته في الدب والعلوم‬
‫والفلسفة في حلب‪ ،‬ودرس الدب وفقه اللغة في السوربون بباريس‬
‫والحقوق في الجامعة السورية بدمشق‪..‬‬
‫مارس )الميري( المحاماة في نقابة المحامين بحلب وترأس المعهد العربي‬
‫السلمي بدمشق ورحل إلى المغرب أستاًذا لكرسي السلم والتيارات‬
‫المعاصرة في دار الحديث الحسنية بالرباط عام ‪1955‬م زائًرا ومحاضًرا في‬
‫جامعات الرياض والمام محمد بن سعود والزهر والجزائر والكويت وصنعاء‬
‫وعدد من الجامعات السلمية في باكستان وتركيا وأندونيسيا‪.‬‬
‫صا‪ ،‬شارك في الدفاع عن )القدس( وحمل‬
‫وقد كان سياسًيا إسلمًيا مخل ً‬
‫دا مع جيش النقاذ خلل حرب فلسطين عام ‪1948‬م‪ ،‬وأسهم‬
‫السلح مجاه ً‬
‫سا للجانب السياسي فيها‪ ،‬ومثل‬
‫في تأسيس حركة )سورية الحرة( وكان رئي ً‬
‫سورية وزيًرا وسفيًرا في وزارة الخارجية‪ ،‬وتوفي رحمه الله عام ‪1994‬م‪،‬‬
‫ودفن بالمدينة المنورة‪.‬‬
‫شاعرية الميري‪:‬‬
‫الميري شاعر منذ بواكير عمره‪ ،‬يحكي عن نفسه ويقول‪.." :‬بدأت أقول‬
‫الشعر وأنا طفل في التاسعة وأحرقت ديواني الول وأنا ابن اثنتي‬
‫عشرة ‪ (1)"..‬وعن شعره قال العقاد‪" :‬دعاء يتكرر‪ ،‬ويتجدد ول يتغير‪ ،‬يطالعه‬
‫القارئ‪ ،‬فيسعد بسحر البيان كما يسعد بصدق اليمان")‪ (2‬ويتحدث عن‬
‫شاعريته واسلميته المام الراحل الشيخ محمد البشير البراهيمي – رحمه‬
‫الله – فقال‪" :‬الشاعرية في شاعرنا الميري قوية مشبوبة موهوبة جياشة‬

‫‪162‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تستند على حظ من البيان العربي غير قليل وثروة من اللغة محيطة بالمعاني‬
‫وان ليمان صاحبنا الوزير الشاعر وتقواه وتربيته الدينية ومحافظته على‬
‫الشعائر دخل ً كبيًرا في تكوين شاعريته واضفاء جلل الدين عليها‪.(3)"..‬‬
‫آثار الميري الفكرية‪:‬‬
‫كان الميري مثار اهتمام الوساط الدبية – محلًيا وعالمًيا – وقد وصفه أكثر‬
‫من ناقد وأديب ب)اقبال العرب( اشارة إلى شاعر السلم الكبير محمد‬
‫اقبال – رحمه الله –‪ ،‬وقد وضع الستاذ محمد قطب )الميري( في كتابه‬
‫الرائع )منهج الفن السلمي( ضمن خمسة‪ ،‬أربعتهم سكينة بنت الحسين‬
‫وابن الرومي وطاغور ومحمد اقبال‪ ،‬وذكره الشاعر الدكتور عبد الرحمن‬
‫العشماوي في كتابه )علقة الدب بشخصية المة( على رأس قائمة من‬
‫الشعراء والدباء والسلميين الذين غرسوا في تربة الدب السلمي روائع‬
‫ابداعاتهم)‪ (4‬وكان )الميري( حاضًرا في دراسات العديد من المستشرقين‬
‫وترجمت بعض قصائده إلى عدد من اللغات‪.‬‬
‫الميري والحركة السلمية‪:‬‬
‫لم يكن )الميري( شاعًرا وأديًبا فحسب‪ ،‬بل كان من رموز الحركة السلمية‬
‫دا من رّواد العمل السلمي المعاصر‪ ،‬وكانت له علقاته الواسعة مع‬
‫ورائ ً‬
‫رجالت المة وقاداتها وكان قدوة عملية في إرساء أدب الخلف بين من‬
‫يتعامل معهم من السلميين وأشعاره تشهد على رحلته الخاصة لصلح‬
‫"ذات بين" وقع هنا أو هناك‪ ،‬وكان – رحمه الله – ذا خلق جم وصدر رحيب‪.‬‬
‫إرادة الصمود في شعر الميري‪:‬‬
‫وبعد؛ فإن أجمل وأروع وأكرم ما يسجل للميري في هذه الساعات العصيبة‬
‫من تاريخ أمتنا الزاحفة نحو المجد‪ ،‬أن ينزل الميري الميدان بشعره في‬
‫عصر كثر فيه المتآمرون على كرامة المة وأمجاد التاريخ من شعراء الجنس‬
‫والغراء والشهوة‪.‬‬
‫ولعل أبرز ما يشتفه الناظر من شعر )الميري( ‪ ..‬تلك الرادة الصلبة‬
‫والصمود الشامخ في مواجهة شدائد الحياة ومفاتن الدنيا ومغريات‬
‫الشهوات‪ ،‬على خلف شعراء ادعوا الحداثة زورا وسقطوا عند أول اختبار‬
‫للصلبة‪ ،‬وعاشوا أذلة الشهوات والمغريات تحت ثياب المرونة وواقعية الدب‬
‫ولفتات الفن للفن‪ .‬و)الميري( يصور – في روعة – الحقيقة المركبة في‬
‫النفس البشرية أل وهي الصراع بين الغرائز والهواء الدنيا‪ ،‬وبين المبادئ‬
‫والمثل العليا‪ ،‬ويختصر ذلك في جمالية مبدعة‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫"في نفسه ملك‪ ..‬يلفه حلك ‪ ..‬كأنه فلك ‪"..‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إن )الميري( يصور الغراء وهو يستدرك النسان عن طريق الخطيئة‬
‫والنحراف‪ ،‬ويصور استجابة النفس حتى لنوشك أن نقول أنه ل قدرة للنفس‬
‫الضعيفة على المقاومة‪ ،‬ثم يصور لنا انتصار المثل والمبادئ على نوازع الشر‬
‫ومهاوي الضلل تصويًرا يجعلنا نوقن أن نفس المؤمن ل تهزم‪ ،‬وإن الشيطان‬
‫على الدوام يجثو في النهاية عند قدمي المؤمن الصادق في ضراعة ذليلة‬
‫وتسليم مخذول‪ ،‬ويقول الميري‪:‬‬
‫الميري والشباب‪:‬‬
‫إن الذي يقرب )الميري( من أجيال الشباب الناهضة انه )ل يرتدي مسوح‬
‫دا بأسلوب المر والنهي الجاف‪ ،‬بل إنه في‬
‫الوعاظ ليقف فينا موجها ً ومرش ً‬

‫‪163‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫شعره يبدو انساًنا ككل الناس له غرائزه وميوله وفيه نقاط الضعف المركبة‬
‫في النفس؛ ومن يقرأ جل قصائده يلمس أنه كيف كان صادًقا في نقل‬
‫تجاربه إلينا بصراحة وبل مواربة ل كما يفعل بعض المتظاهرين الذين يريدون‬
‫أن يوهموا الناس بأنهم من طينة أخرى‪ ،‬وإن وسوسات الشيطان وأحابيله‬
‫ليس لها في حياتهم أي دور ول في سلوكهم أي تأثير)‪ (5‬وله من أبيات‪:‬‬
‫وأنت تجد )الميري( يتألم من مفاتن الجمال ومغريات تستهويه وتصيبه‪،‬‬
‫فيلوذ بجوار ربه ويعوذ بوزره‪ ،‬ويعترف بعجره وضعفه‪ ،‬وقد تلقى العلم في‬
‫باريس الخلبة حيث الفتنة والغواء وهو شاب ناشئ غض الشباب فحافظ‬
‫على شرفه ومروءته وعاش عالًيا وغيره في سقوط‪ ..‬ومن قصيدته الرائعة‬
‫)ضراعة ثائر( يقول‪:‬‬
‫الميري وصراع الهدى والهوى‪:‬‬
‫وهذا الصراع العنيف الذي عاشه الميري – الشاعر النسان – ضد الثقلة‬
‫والهبوط والقيد والضرورة القاهرة والتيه والنحراف لم يخلد به إلى التسليم‬
‫والتكالية وادعاء ضغط الواقع‪ ،‬بل حمل المسئولية وسار بكل إيجابية؛ يقول‬
‫عنه صديقه الزبيري شاعر اليمن‪) :‬ظلت مشاعر صاحبنا مشغولة بهذه‬
‫الحرب الخفية مع عوامل الغراء والفتنة وفورة الشباب ل يصرفها عنه إل‬
‫نشاطه السلمي فقد كان هذا هو المجال الوحيد الذي يستطيع الهروب إليه‬
‫من مرارة هذا الصراع‪ ،‬لذلك يقول زملؤه الذين عاصروه في باريس وفي‬
‫غير باريس بأن جهاده في سبيل القضية السلمية لم يكن في يوم من اليام‬
‫كما كان في فرنسا وطن المغريات والمفاتن ومن أبياته‪:‬‬
‫لقد تسامى )الميري(بغريزته وحولها إلى قوة يناضل بها عن السلم فحمل‬
‫ما من أعباء الحركة السلمية‪ ،‬ولكنه في شعره يطلق‬
‫على عاتقه عبًئا ضخ ً‬
‫نفسه على سجيتها فيتجلى فيها اللم والضيق من مرارة هذا الصراع وفي‬
‫صمود المسلم وإصرار المجاهد يقول‪:‬‬
‫النصر مع الصبر‪:‬‬
‫إننا في عصر الهزائم والستدراك هذا‪ ،‬أشد ما نحتاج إليه هو الصمود والصبر‪،‬‬
‫ليتحقق ما نرجوه من نصر‪ ،‬فإن المسلم يوقن أن النصر مع الصبر‪ ،‬وجهاد‬
‫النفس يسبق كل جهاد‪ ،‬فإذا لم ننتصر في معركتنا الصغيرة مع ذواتنا ودنيانا‬
‫ما على جهلنا وتأخرنا وتخلفنا‪ ،‬ولن يكون لنا‬
‫وهوانا وشيطاننا فلن ننتصر يو ً‬
‫عندها في معين النهضة منهل‪ ،‬وهذا )الميري( يدعو إلى الصبر والصمود‬
‫بلغته الخاصة‪ ،‬فيقول في مقطوعته )زفرة(‪:‬‬
‫الميري ‪ ..‬مع الله‪:‬‬
‫ما في غمرة صراعه يتطلع إلى الله في حرقة ولهفة أل يدعه‬
‫و)الميري( دائ ً‬
‫يهوي؛ ولم يستطع الميري نشر شعره – تأدًبا – قبل أن يكون عن الله ومع‬
‫الله‪ ،‬فنشر أول دواوينه وكان بعنوان مع الله وهاهو ذا يناجي ربه في‬
‫مقطوعته )شكوى( بقوله‪:‬‬
‫عندما يغيب الصمود‪:‬‬
‫ويرسم )الميري( – بحزن – صورة الواقع السلمي عندما يفارقه الصمود‪،‬‬
‫فتبرز الدنيا في أركانه‪ ،‬وينقلب الميزان؛ فيعلو الفاجر ويعجز الثقة‪:‬‬
‫ويخاطب )الميري( المستقبل الغائب‪ ،‬في لوحة شعرية رائعة أسماها‬
‫)افتحي الباب(‪ ..‬وكأنه قد رسم للغيب بابا والمسلم طارقه‪:‬‬
‫ول تهدأ نفسه حتى يعلن عزمه على خوض الصعاب مادام الله معه في‬
‫طريقه ومساره‪:‬‬
‫عا‪:‬‬
‫مرفو‬
‫–‬
‫عنه‬
‫الله‬
‫رضي‬
‫–‬
‫حذيفة‬
‫عن‬
‫الشريف‬
‫النبوي‬
‫الحديث‬
‫وهنا نتذكر‬
‫ً‬
‫‪164‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫"يأتي على الناس زمان ل ينجو فيه إل من دعا دعاء الغريق"‪ ،‬و)الميري( ل‬
‫عا مع نفسه والصعاب إل ويستغيث بربه أن يسدد خطاه‪ ،‬ويكمل‬
‫يخوض صرا ً‬
‫مشواره في مقطوعته السابقة ويقول‪:‬‬
‫إرادة الصمود وإرادة التغيير‪:‬‬
‫كان هذا هو )الميري( في شعره وصموده والتجاءه لربه‪ ،‬ونحن اليوم إذ‬
‫نواجه الحملة الصليبية الجديدة على عالمنا السلمي‪ ،‬وسيل العلم الموجه‬
‫على ثوابتنا بل سدود‪ ،‬وافرازات العولمة تلف مجتمعاتنا‪ ،‬وتبعات الحاضر‪،‬‬
‫وتطلعات المستقبل‪ ،‬في أعناقنا‪ ..‬ل خيار لنا سوى تقوية صفوفنا الداخلية‬
‫بارادة الصمود حيال عاديات العصر‪ ،‬والصبر على واجبات التغيير في ثقة‬
‫بالنصر من الله العزيز الحكيم‪ ..‬وهذا ديدن )الميري( في شعره‪:‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫فإن )الميري( ‪ ..‬ذلك الشاعر الشفيف‪ ،‬هو ذلك السياسي الوزير والمجاهد‬
‫الكاديمي السفير؛ فنحسبه – والله حسبه – قد سعى نحو المعالي‪ ،‬فأصبح‬
‫للسياسيين قدوة‪ ،‬وللشعراء ندوة‪ ،‬وللشباب الحيارى في دواوينه حظوة؛ فقد‬
‫ما في‬
‫تكلم كثيًرا عن اصطراع الهدى والهوى‪ ،‬والعفة والشهوة‪ ،‬لكنه كان دائ ً‬
‫انتصار؛ وهذا النموذج هو ما يشتاق إليه شباب اليوم شوًقا‪ ،‬ويهتزون لذكره‬
‫طرًبا‪ ..‬أن كان قبلهم من رجال الحركة السلمية وأدبائها من أحس‬
‫بمواجعهم وخاض صراعهم؛ بل من أخمد نار هواه‪ ..‬وانتشى في عله ‪ ..‬أل‬
‫رحم الله الميري‪.‬‬
‫‪---------‬‬‫)‪(1‬ديوان ألوان طيف – عمر بهاء الدين الميري – ‪ – 14‬بدون تاريخ‬
‫)‪(2‬ديوان مع الله – عمر بهاء الدين الميري – ‪ – 240‬دار الفتح – بيروت –‬
‫‪1392‬هـ‬
‫)‪(3‬المرجع السابق – ‪.219‬‬
‫)‪(4‬علقة الدب بشخصية المة – د‪/‬عبد الرحمن العشماوي – ‪ – 150‬مطبعة‬
‫العبيكان‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫إرشاد السئلة‬
‫د‪ .‬عبد الكريم بكار ‪21/9/1425‬‬
‫‪04/11/2004‬‬
‫كلمة )النهضة( من الكلمات الكثر استخداما ً في حياتنا المعاصرة‪ .‬وحين‬
‫يشيع استخدام كلمة على نطاق واسع فإنها تجتذب الكثير من المعاني‬
‫م شعث تلك الدللت ومراجعتها من‬
‫والدللت الفرعية‪ ،‬ويصبح العمل على ل ّ‬
‫المور المهمة‪ ،‬حيث يتوقف على ذلك الكثير من الشياء‪.‬‬
‫نحن في حاجة إلى طرح السئلة من أجل إعادة تحديد التعريفات‬
‫والمصطلحات ومن أجل إضاءة حقول الممارسة الدعوية والصلحية‪.‬‬
‫وكل ذلك من أجل الشعور بأننا ما زلنا نعمل في المسار الصحيح‪.‬‬
‫إن السئلة هي وليدة التأمل العميق‪ .‬التأمل هو التفكير في التفكير أي‬
‫تسليط نور الوعي على ذاته كي يصبح على دراية أفضل بملحظاته ومقولته‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الفقر في السئلة سيعني قطعا ً الفقر في الجابات لن السوية الذهنية‬
‫المطلوبة لكل منهما واحدة‪ .‬وأشعر أننا ل نميل إلى طرح الكثير من السئلة‬
‫حول ما نن ّ‬
‫ظر له خشية أن نجد أنفسنا وقد حوصرنا بأسئلة ل أجوبة لها‪ .‬إن‬
‫أي حقيقة هي ذات طبقات متعددة‪ ،‬وإن اجتراح أي طبقة وفهم كنهها‬
‫وجوهرها يحتاج إلى معارف ومفاهيم أكثر تفصيل ً ودقة‪ ،‬وإن براعتنا في طرح‬
‫السئلة تعني أننا بدأنا نتحسس الطبقات الكثر عمقا ً في مسائل التخلف‬
‫والنهوض الحضاري‪.‬‬
‫م الدعوي والصلحي ذلك منذ وقت مبكر؛ فهذا‬
‫وقد أدرك المثقلون باله ّ‬
‫ً‬
‫الكواكبي يعقد مؤتمرا ً وهميا في مكة المكرمة‪ ،‬حيث يتخيل قدوم وفود من‬
‫كل أصقاع العالم السلمي من أجل التداول والتفاكر والتذاكر في الزمة‬
‫الحضارية التي يعاني منها المسلمون‪ .‬وقد رأى المؤتمرون –كما سجل ذلك‬
‫الرجل في كتابه )أم القرى(‪ -‬أن تتركز مداولتهم في العثور على أجوبة‬
‫لسؤالين أساسيين هما‪:‬‬
‫السؤال الول‪ :‬ما العلل والدواء التي تفتك بالمة السلمية حتى انتهت إلى‬
‫الوضعية التي هي فيها؟‬
‫أما السؤال الثاني فقد كان‪ :‬ما الدوية والعلجات التي تحتاجها المة حتى تبرأ‬
‫من أدوائها؟‬
‫وبالطبع فقد ذكر المؤتمرون –كما تخيل الكواكبي‪ -‬الكثير من العلل‪ ،‬ووصفوا‬
‫الكثير من العلجات‪ .‬والذي يبعث السى في النفس أن يظل معظم ما‬
‫نطرحه اليوم من أسئلة‪ ،‬وما نقدمه من الجوبة قريبا ً جدا ً مما ذكرته الوفود‬
‫السلمية قبل ما يزيد على قرن من الزمان!!‬
‫هذا يعني أن قدرتنا على حسم السئلة والنزاع من كثير من الجوبة ما زالت‬
‫محدودة‪.‬‬
‫نحن هنا نريد أن نطرح بعض السئلة التي نظن أنها ستحرض الوعي لدينا‬
‫على النتقال من الدراك العام إلى إدراك أكثر عمقا ً وأكثر تفصي ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ حين نتحدث عن نهضة المة السلمية وعن الدور الحضاري الذي يمكن أن‬‫سن مواقعنا داخل المنظومة الحضارية السائدة‪،‬‬
‫تقوم به‪ ،‬فهل نريد أن نح ّ‬
‫فنتحول في إطار الصول والشروط الحضارية التي وضعها الغرب من أمة‬
‫تستهلك المنتجات الحضارية إلى أمة تسهم في إنتاجها‪ ،‬مما يعني تدعيم‬
‫الحضارة الحالية وتعزيز استمرارها مع إنكارنا للقواعد التي قامت عليها‬
‫وإنكارنا لدبياتها ورمزياتها؟‬
‫ إذا كان هذا غير ملئم لنا لنه يوقعنا في نوع من التناقض المنهجي‪ ،‬فهل‬‫نريد إًذا أن نؤسس حضارة جديدة تحاكي في أصولها ومنطلقاتها وأهدافها‬
‫الحضارة السلمية التي وضع لبنتها الولى نبينا –صلى الله عليه وسلم‪-‬؟‬
‫ إذا كان هذا هو المقصود‪ ،‬هل يتم هذا في ظل استمرار الحضارة الغربية‪،‬‬‫مما يعني إنشاء حضارة منافسة تستلهم عقائد ومبادئ ومثل ً مغايرة لما في‬
‫الحضارة الغربية؟ أو أن المقصود هو دورة حضارية جديدة تعم العالم‪ ،‬يكون‬
‫للعرب والمسلمين فيها دور الريادة والقيادة‪ ،‬مما يعني أن الحضارة التي‬
‫نريد لها أن تقوم لن تقوم إل على أنقاض الحضارة الغربية؟‬
‫ الخيار الول يعني أن علينا أن ننشئ نظما ً جديدة في المجالت السياسية‬‫والقتصادية والتعليمية والتربوية والصناعية والدارية؛ لن ما لدينا من نظم‬
‫تراثية موروثة في هذه المجالت غير كاف لتسيير دفة الحياة العصرية‪،‬‬
‫وبعضه غير ملئم ول صالح‪ .‬فهل نملك المكانات للقيام بهذا العمل الكبير؟‬
‫ومن أين تكون البداية‪.‬‬
‫‪166‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أما الخيار الثاني فإنه يعني أن المطلوب منا الن هو العمل على هزيمة‬
‫الحضارة الغربية وهدم أركانها تمهيدا ً لتشييد حضارة إسلمية تحل محلها‪.‬‬
‫والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو‪ :‬هل مثل هذا العمل ممكن أم أنه من‬
‫المور شبه المستحيلة بالنسبة إلينا وإلى غيرنا؟‬
‫ وفي كل الحوال هل يمكن للعالم السلمي أن ينشئ حضارة منافسة أو‬‫بديلة عن الحضارة الغربية وهو مشرذم وموزع على ما يزيد على خمسين‬
‫دولة؟ وبالتالي فهل يكون علينا أول ً أن نسعى إلى توحيد المسلمين وجمع‬
‫كلمتهم قبل أن نفكر في إنشاء حضارة بديلة أو منافسة؟ وإلى أي حد يمكن‬
‫القيام بهذا المر في ظل التخلف الموجود الن وفي ظل الرتباطات الوثيقة‬
‫القائمة بين معظم الدول السلمية والدول الغربية‪ ،‬حيث إن العلقات‬
‫التجارية بين الدول السلمية أضعف بكثير من العلقات القائمة بينها وبين‬
‫الدول الغربية؟‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ علينا بعد هذا أن نتساءل‪ :‬لماذا لم نستطع عبر قرن ونصف من الزمان‬‫استيعاب التطورات الحضارية والتقنية والصناعية التي حدثت في العالم من‬
‫حولنا‪ ،‬وما العوامل التي أدت إلى بقائنا على هامش الحضارة عوضا ً عن أن‬
‫نكون في لجتها؟‬
‫هل كان ذلك بسبب بعدنا عن السلم؟ أو كان بسبب الستعمار وتآمره‬
‫علينا؟ أو كان بسبب عدم وقوفنا من الغرب موقف التلميذ النجيب كما فعلت‬
‫اليابان؟ أو كان بسبب تمسكنا بعادات وتقاليد بالية وموروثة عن عصور‬
‫النحطاط؟‬
‫ً‬
‫إذا كان الجواب إن واحدا منها هو السبب فكيف يتم التغلب عليه؟ وإذا كانت‬
‫هذه السباب تقف مجتمعة وراء ما نحن فيه‪ ،‬فما وزن كل سبب منها في‬
‫تعثر النهضة؟‬
‫في كل الحوال كيف يمكننا أن نعمم هذه السئلة وأشباهها‪ ،‬وكيف يمكن‬
‫إيصال ما يتبلور من أجوبة عليها على أمة تشكل اليوم أكثر من خمس سكان‬
‫العالم؟‬
‫لم أرد من هذه التساؤلت بعث اليأس والدفع في اتجاه مغلق‪ ،‬وإنما أردت‬
‫أن أوضح أن ما نظنه بدهيا ً وسهل ً ل يكون دائما ً كذلك‬
‫إرشاد السئلة )‪(2/2‬‬
‫د‪ .‬عبد الكريم بكار ‪5/10/1425‬‬
‫‪18/11/2004‬‬
‫ذكرت في المقالة السابقة أن في إمكاننا جعل السئلة التي نلقيها على‬
‫أنفسنا مفاتيح للفهم وأدوات ليقاظ الوعي‪ .‬والحقيقة أن المسيرة العلمية‬
‫والبحثية تعتمد دائما ً على حركة جدلية مستمرة بين التحديات والستجابة لها‪.‬‬
‫التحديات كثيرا ً ما تتبدى في أشكال من السئلة والتساؤلت‪ .‬والستجابة لها‬
‫تتبدى في محاولت اكتشاف الجوبة الصحيحة لها‪ .‬وإن كل خطوة يخطوها‬
‫العلم نحو المام تنطوي في أعماقها على طرف من السئلة وطرف آخر من‬
‫الجوبة‪ .‬وهكذا فبعد كل جواب هناك سؤال جديد‪ .‬ومن خلل جدلية السؤال‬
‫سن‬
‫والجواب ترتقي المعرفة وتتكشف سنن الله –تعالى‪ -‬في الخلق‪ ،‬ويتح ّ‬
‫الفهم في حركة حلزونية صاعدة‪.‬‬
‫المنطق يقضي أن نطرح أول ً السئلة الكبرى‪ ،‬ثم نتدرج نحو السئلة الصغرى‪.‬‬

‫‪167‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وفي مجال التخلف والنهوض هناك سؤالن كبيران –كما سبق أن أشرت‪-‬‬
‫الول هو‪ :‬لماذا تخلف المسلمون؟ أو لماذا تخّلف المسلمون‪ ،‬وتقدم غيرهم؟‬
‫والسؤال الثاني‪ :‬ما الذي علينا أن نقوم به من أجل النهوض بالمة؟ وفي‬
‫إطار هذين السؤالين لدينا بحر من السئلة الصغيرة‪ .‬وأعتقد أن علينا حتى‬
‫ننعم بخيرات التساؤل فإن علينا أن نجعل منه عنصرا ً مهما ً في تكوين الجو‬
‫السري في البيوت والجو التعليمي في المدارس‪ .‬وحتى يتم شيء من ذلك‬
‫على نحو مقبول فإننا في حاجة إلى شيئين أساسيين‪:‬‬
‫‪ -1‬قدر ملئم من الحرية الفكرية والعلمية‪ ،‬حيث تحاول جهات عديدة إضفاء‬
‫نوع من التساق الشكلي على الواقع السائد‪ ،‬واليحاء بالتالي على أن ما هو‬
‫قائم طبيعي أو اليحاء بأنه )ليس في المكان أبدع مما كان(‪ .‬والتساؤل‬
‫يكسر ذلك التساق‪.‬‬
‫‪ -2‬الشعور بعدم الكتمال وأن الكمال شيء نرومه ونناهزه‪ ،‬وليس شيئا ً‬
‫نستحوذ عليه‪ .‬والتساؤل أداة مهمة على طريق السعي نحو تلك المناهزة‪.‬‬
‫والن لنطرح بعض التساؤلت الجزئية مع ذكر بعض ما يمكن أن يش ّ‬
‫كل‬
‫إجابات لها‪:‬‬
‫ لماذا فقدت كلمة )الخوة السلمية( رونقها إلى درجة تكاد تصبح معها‬‫خالية من أي مضمون؟!‬
‫هل لن هذا هو الشيء الطبيعي في ظل تفتح الوعي على المصالح الخاصة؟‬
‫أو لن تصويرنا لمعنى )الخوة( كان يشتمل دائما ً على نوع من المبالغة؟ أو‬
‫أن هذا يحدث بسبب ضعف الرابطة السلمية على المستوى السياسي‬
‫فانعكس على المشاعر والمواقف الشعبية؟ أو أن السبب الحقيقي يعود إلى‬
‫النكفاء على الذات القطرية الذي نشاهده اليوم على مستوى العالم‬
‫السلمي؟ أو أن السبب يكمن في ضعف اليمان وضعف اللتزام حيث ل‬
‫معنى للخوة السلمية في ظل وهن الساس الذي تقوم عليه؟ أو أن‬
‫حساسيتنا نحو التنوع الثقافي عالية‪ ،‬مما يسبب لنا النفور من بعضنا بسبب‬
‫ما لدينا من خصوصيات وأنماط سلوكية؟‬
‫ً‬
‫ لماذا نجد الفساد الداري في معظم البلد السلمية متفشيا إلى حد أنه‬‫أصبح وباء متوطنًا؟ ولماذا تعجز معظم الدول السلمية عن إجراء انتخابات‬
‫نزيهة تعكس إرادات الناس واختياراتهم مع أن المفترض في كل من يرجو‬
‫الله ويخشى عقابه أن يكون على خلف ذلك؟ هل هذا يعود إلى أننا أخفقنا‬
‫في إرساء تقاليد إدارية تحترم النزاهة وتجّرم الخروج على النظم والقوانين‬
‫السارية؟ أو أن هذا يعود إلى رواسب عهود النحطاط حيث الصولة للقوي‬
‫والهوان للضعيف؟ أو أن هذا يعود إلى هشاشة التربية المنزلية في مسائل‬
‫الشعور بالواجب وأداء الحقوق والخضوع لرأي الغلبية فيما هو من قبيل‬
‫الجتهاد؟ أو أنه يعود إلى عدم وجود العقوبات الرادعة لكل من يمارس‬
‫التزوير‪ ،‬ويأخذ الرشوة؟ أو أن ذلك يعود إلى قلة القدوات التي تقدم نماذج‬
‫رفيعة في النزاهة والستقامة المالية؟ أو ماذا‪...‬؟‪.‬‬
‫ لماذا أخفقنا في حياتنا التعليمية في تحبيب الناشئة للقراءة والكتابة‪،‬‬‫فالنسان المسلم اليوم ل يقرأ –في المتوسط‪ -‬أكثر من ست دقائق‪ ،‬على‬
‫حين يقرأ الفرد في الدول الصناعية يوميا ً ما معدله ثماني وثلثون دقيقة؟!‬
‫)‪(2 /‬‬

‫‪168‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هل هذا يعود إلى بلء التخلف العام الذي نعيش فيه حيث لم تستطع‬
‫السياسات المختلفة اعتماد العلم مدخل ً للنمو والرتقاء وحل المشكلت؟ أو‬
‫أن ذلك يتطلب عناية خاصة في البيوت والمدارس‪ ،‬وتلك العناية غير ممكنة‬
‫في ظل ازدحام الفصول الدراسية وفي ظل انتشار المية لدى الباء‬
‫والمهات‪ ،‬ووجود مستوى متدن جدا ً من التحصيل المعرفي؟ أو أن هذا يعود‬
‫إلى غلبة النزعة التجارية على حياتنا العامة‪ ،‬حيث ُيلقى في روع الطالب أن‬
‫الدراسة للنجاح‪ ،‬والنجاح للشهادة‪ ،‬والشهادة للوظيفة‪ ،‬والوظيفة من أجل‬
‫المال‪ ،‬والمال من أجل المتعة والرفاهية‪ ،‬مما يشجع على السعي للحصول‬
‫على النجاح بأدنى جهد ممكن؟‬
‫ لماذا نجد أن معظم المسلمين فقراء أو تحت خط الفقر مع اعتقادنا أننا‬‫نمتلك أفضل منهجية للتعامل مع المال واستثماره وتنميته؟ هل سبب هذا هو‬
‫الجهل الضارب أطنابه في زمان يشكل العلم شيئا ً جوهريا ً في ثراء المم؟ أو‬
‫أن السبب يعود إلى فقر البيئة وقلة الموارد؟ أو أن السبب الجوهري يكمن‬
‫في سوء إدارة الموارد المتاحة وتبديد الثروات؟ أو أن ذلك يعود إلى الخفاق‬
‫من ما يحتاجه الشباب من‬
‫في إقامة مؤسسات ومشروعات صناعية كبرى تؤ ّ‬
‫فرص عمل؟ أو أن ذلك يعود إلى عدم مواكبة خطط التنمية للزيادة‬
‫السكانية؟ أو أن سبب ذلك هو فقد روح المبادرة لدى كثير من المسلمين‬
‫وحلول التواكل في محل التوكل والفوضى في محل التنظيم والنحراف في‬
‫محل الستقامة‪.‬‬
‫إن هناك الكثير من السئلة الضافية حول كل ما ذكر وحول غيره مما لم‬
‫نذكره‪ .‬وهناك أيضا ً الكثير من الجوبة المحتملة‪.‬‬
‫ول يسوغ في الرؤية السلمية تفسير الظواهر الكبرى بعامل واحد‪ ،‬مما يعني‬
‫أن خلف كل مشكلة من المشكلت التي نعاني منها عددا ً من السباب‬
‫المتنوعة‪ .‬وحين نتأكد من ذلك فإن علينا أن نحاول معرفة وزن كل سبب من‬
‫تلك السباب‪ ،‬ومعرفة أولويات المعالجة وبم تكون البداية‪ .‬والله الهادي‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫إرشاد الخيار إلى تعليم الوضوء والصلة وآداب الدعاء ومهمات الذكار‬
‫ن الّرحيم ِ‬
‫ِبسم ِ اللهِ الّرحم ِ‬
‫ي الصالحين ‪ ،‬وأشهد أن‬
‫الحمد لله رب العالمين ‪ ،‬أشهد أن ل إله إل هو ‪ ،‬ول ّ‬
‫ه عليهِ وعلى آل ِهِ وسّلم عبده ورسوله ‪ ،‬وبعد ‪:‬‬
‫محمدا ً صّلى الل ُ‬
‫فهذه نبذة مختصرة لتعليم الوضوء والصلة للمبتدئ على طريقة السؤال‬
‫والجواب ‪ ،‬ويتلوها شيء من آداب الدعاء ‪ ،‬وفضل الذكر ‪ ،‬وأهم أذكار اليوم‬
‫والليلة ‪ ،‬نسأل الله تعالى أن ينفع بها المسلمين وأن يجعل أعمالنا خالصة‬
‫لوجهه الكريم ‪ ،‬ويتقبلها مّنا أنه هو السميع العليم‪.‬‬
‫أول ‪ :‬صفة الوضوء‬
‫س‪ :‬ما هو أّول شيء أبدأ به إذا أردت الوضوء ؟‬
‫ً‬
‫ج ‪ :‬إذا قمت إلى الصلة ‪ ،‬وأردت الوضوء ‪ ،‬فابدأ أوّل بالنّية ‪ ،‬وهي أن تنوي‬
‫ضأ للصلة ‪ ،‬أو تنوي رفع الحدث ‪.‬‬
‫بقلبك أن تتو ّ‬
‫س‪ :‬وكيف تكون النية ؟‬
‫فظ بها اللسان ‪ ،‬بمعنى أن تستحضر بقلبك أن‬
‫ج ‪ :‬تكون النية بالقلب ‪ ،‬ول يتل ّ‬
‫غسل هذه العضاء ‪ ،‬هو وضوء لفعل الصلة ‪ ،‬أو لرفع الحدث ‪ ،‬وليس‬
‫للتبّرد ‪ ،‬أو للتنظف مثل ‪ ،‬واعلم أن هذه النية تأتي تلقائيا في الغالب ‪ ،‬ول‬
‫‪169‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تحتاج منك إلى تكّلف استحضارها مادمت قائما للصلة ‪.‬‬
‫س‪ :‬وما معنى الحدث ؟‬
‫ج ‪ :‬الحدث هو كون النسان على وصف في بدنه يمنع من الصلة ‪ ،‬مثل أن‬
‫يكون قد أخرج ريحا ‪ ،‬أوقضى حاجته ‪ ،‬ولم يتوضأ بعد ُ للصلة ‪.‬‬
‫س ‪ :‬ثم ماذا أفعل بعد النية ؟‬
‫ه تعالى قائل ) بسم الله ( ‪.‬‬
‫مى الل َ‬
‫ج ‪ُ :‬تس ّ‬
‫مام ؟‬
‫س ‪ :‬وكيف أصنع إن كنت في موضع يكره فيه ذكر الله تعالى كالح ّ‬
‫ج ‪ :‬تسمى الله في نفسك بل تلفظ بلسانك ‪ ،‬ويكفي إن شاء الله تعالى ‪.‬‬
‫س ‪ :‬وماذا لو نسيت التسمية ؟‬
‫ج ‪ :‬التسمية تسقط بالنسيان ‪ ،‬فإن نسيتها صح الوضوء ‪ ،‬ول يجب عليك‬
‫إعادته ‪.‬‬
‫س ‪ :‬ثم ماذا أصنع بعد التسمية ؟‬
‫ج ‪ :‬تغسل كفّيك ثلثا ‪ ،‬ثم تتمضمض بإدخال الماء إلى الفم ‪ ،‬وتدويره فيه ثم‬
‫جه لتخرجه منه ‪ ،‬ثم تستنشق الماء بإدخاله داخل النف بجذب النفس قليل‬
‫تم ّ‬
‫ً‬
‫‪ ،‬ثم تستنثر ‪ ،‬بمعنى تخرج الماء من النف بدفعه بالنفس خارجا ‪ ،‬حتى تغسل‬
‫داخل الفم والنف ‪.‬‬
‫س‪ :‬هل يكون غسل الفم والنف بالمضمضة والستنشاق والستنثار بغرفة‬
‫واحدة ‪ ،‬أم بغرفتين اثنتين ‪ ،‬واحدة للفم ‪ ،‬وواحدة للنف ؟‬
‫ج ‪ :‬السنة أن يكون بغرفة واحدة تأخذ بعضها في الفم ‪ ،‬وبعضها تستنشقه‬
‫بالنف ‪ ،‬وإذا فعلت بغرفتين أجزأ وصح ‪.‬‬
‫س‪ :‬ثم ماذا بعد المضمضة والستنشاق ؟‬
‫ج ‪ :‬تغسل وجهك من منابت الشعر أعلى الوجه إلى الذقن ‪ ،‬ومن الذن إلى‬
‫الذن بما فيه البياض الذي بين الذن والعارض ‪ ،‬وتغسل ظاهر اللحية فقط ‪،‬‬
‫إل إن كانت اللحية خفيفة ‪ ،‬وُيرى الجلد من تحتها ‪ ،‬فتغسل ظاهرها ‪ ،‬وما‬
‫تحتها أيضا‪.‬‬
‫س‪ :‬ثم ماذا بعد غسل الوجه ؟‬
‫ج ‪ :‬تغسل يديك مع مرفقيك ‪ ،‬بحيث تستوعب جميع العضو بمرور الماء‬
‫عليه ‪ ،‬ثم تمسح جميع ظاهر الرأس من حد الوجه ‪ ،‬إلى ما يسمى قفا ‪ ،‬ومنه‬
‫البياض الذي فوق الذنين ‪ ،‬والفضل أن تمر بيديك من مقدم الرأس إلى‬
‫القفا ‪ ،‬ثم تقبل من القفا إلى مقدم الرأس ‪ ،‬وأما ما استرسل من الشعر‬
‫زيادة على ما فوق الرأس فل يجب غسله ‪ ،‬وبنفس الماء الذي مسحت به‬
‫الرأس ‪ ،‬تكمل فتمسح الذنين ‪ ،‬باطنهما وظاهرهما ‪ ،‬بإدخال السبابتين في‬
‫الصماخ ‪ ،‬وأما البهامان فتمسح بهما ظاهر الذنين ‪ ،‬فعن ابن عباس )أن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه ‪ ،‬وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ( رواه‬
‫الترمذي وصححه ‪.‬‬
‫س‪ :‬ثم ماذا بعد مسح الرأس ؟‬
‫ج ‪ :‬تغسل الرجلين غسل كامل ‪ ،‬مع الكعبين والعقبين ‪ ،‬والكعبان هما‬
‫العظمان اللذان في أسفل الساق ‪ ،‬فلكل قدم كعبان بارزان على الجانبين‬
‫أسفل الساق ‪ ،‬والعقب هو آخر شيء القدم من الخلف ‪.‬‬
‫س‪ :‬كم مرة أغسل كل عضو من هذه العضاء ‪.‬‬
‫ج ‪ :‬يكفي مرة واحدة ‪ ،‬والفضل ثلث مرات ‪ ،‬إل مسح الرأس فيكون مرة‬
‫واحدة ‪.‬‬
‫س‪ :‬هل هناك سنن أخرى يستحب فعلها ؟‬
‫ج‪ :‬نعم ما تقدم كّله واجب ‪ ،‬ويستحب أن يزيد المتوضىء تخليل اللحية‬
‫‪170‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الكثيفة ‪ ،‬أما الخفيفة التي يرى الجلد من تحتها فقد تقدم أنه يجب غسل ما‬
‫تحتها ‪ ،‬لكن الكثيفة يغسل ظاهرها فقط ‪ ،‬ويستحب مع ذلك تخليلها بأن‬
‫يدخل يده المبللة بالماء داخلها كالمشط ‪.‬‬
‫ويستحب أن يبالغ في الستنشاق إل إذا كان صائما‪ ،‬لئل يدخل الماء إلى‬
‫الجوف ‪.‬‬
‫ويستحب أيضا تخليل الصابع بأن يدخل أصابع اليد بين أصابع القدمين ويخلل‬
‫ما بينها بالماء‪.‬‬
‫ويستحب أن يقول بعد الفراغ ‪ :‬أشهد أن لإله إل الله ‪ ،‬وحده لشريك له ‪،‬‬
‫وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ‪ ،‬قال النبي صلى الله عليه وسلم )من قالها‬
‫بعد الوضوء فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ( رواه مسلم ‪0‬‬
‫ويستحب أن يكون مستحضرا بقلبه أنه في عبادة لله تعالى من أول الوضوء‬
‫م ثوابه ‪ ،‬وتكثر حسناته ‪.‬‬
‫إلى آخره ‪ ،‬فانه بذلك يعظ ُ ُ‬
‫س ‪ :‬وماهي نواقض الوضوء ؟‬
‫ج ‪ :‬نواقض الوضوء هي ‪ :‬خروج الريح ‪ ،‬والبول ‪ ،‬والغائط ‪ ،‬وزوال العقل‬
‫بإغماء أو نوم ‪ ،‬ومس الذكر بدون حائل ‪ ،‬وأكل لحم البل ‪0‬‬
‫س ‪ :‬هل يجب الستنجاء بمعنى غسل الذكر والدبر قبل كل وضوء ؟‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ج ‪ :‬ليجب إل إذا قضى حاجته ببول أو غائط ‪ ،‬فمن أخرج ريحا أو استيقظ‬
‫من النوم ‪ ،‬ول يحتاج إلى فعل البول أو الغائط ‪ ،‬فله أن يتوضأ بل غسل ذكره‬
‫ودبره ‪0‬‬
‫س‪ :‬من استيقظ من النوم هل يدخل يديه في الناء مباشرة ليتوضأ ؟‬
‫ج ‪ :‬من استيقظ من نوم الليل خاصة ‪ ،‬ل يدخل يديه في الناء حتى يغسلهما‬
‫ثلثا خارج الناء أول ً ‪ ،‬وهذا الغسل ليس من الوضوء ‪ ،‬وانما يكون بعد‬
‫الستيقاظ من نوم الليل فقط وقبل الوضوء ‪ ،‬قال الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم ) إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الناء‬
‫ثلثا ‪ ،‬فان أحدكم ل يدري أين باتت يده ( رواه مسلم‬
‫س ‪ :‬ما هو الحديث الوارد في صفة الوضوء ؟‬
‫ج ‪ :‬عن عثمان رضي الله عنه أنه دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلث مرات‬
‫فغسلهما ثم أدخل يمينه في الناء فمضمض واستنثر‪ ،‬ثم غسل وجهه ثلثا‬
‫ويديه إلى المرفقين ثلث مرات ‪ ،‬ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلث‬
‫مرات إلى الكعبين ثم قال ‪ :‬رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ‬
‫نحو وضوئي هذا ( متفق عليه‬
‫ثانيا ‪ :‬صفة الصلة‬
‫س‪ :‬ما هو أّول شيء أبدأ به إذا أردت الصلة ؟‬
‫ج ‪ :‬أول شيء هو النية ومحّلها القلب‪ ،‬ول تتلفظ بها بلسانك ‪ ،‬ومعنى النية أن‬
‫تستحضر في قلبك أنك تريد الصلة ‪ ،‬وتعيّنها بقلبك إن كانت فريضة الوقت ‪،‬‬
‫أو نافلة ‪ ،‬أو صلة الكسوف مثل ‪ ،‬أو صلة جنازة ‪ ،‬فتتذكر بقلبك قبل أن تكّبر‬
‫تعيين الصلة التي تريد أن تصّليها ‪.‬‬
‫س ‪ :‬ثم ماذا بعد النّية ؟‬
‫ج ‪ :‬أّول شيء تفعله بعد النية أن تستقبل القبلة ‪ ،‬وأنت منتصب قائما ‪ ،‬إل إن‬
‫كنت مريضا عاجزا عن القيام فل بأس أن تصّلى جالسا ‪ ،‬فان لم يستطع‬
‫صلى أن يصّلي جالسا ‪ ،‬فإّنه يصّلى مضطجعا‪ ،‬ويستقبل القبلة بوجهه ‪.‬‬
‫الم ّ‬
‫‪171‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫س ‪ :‬ثم ماذا أفعل ؟‬
‫ج ‪ :‬ثم ترفع يديك حذو منكبيك ‪ ،‬أو إلى فروع أذنيك مكبرا قائل ) الله أكبر (‪،‬‬
‫ولك أن ترفع ثم تكبر ‪ ،‬أو تكبر ثم ترفع ‪ ،‬واجعل يديك ممدودتين مضمومتي‬
‫الصابع ‪ ،‬واستقبل بكفيك القبلة ‪ ، ،‬ويجب أن تسمع نفسك تكبيرة الحرام ‪،‬‬
‫أو تحرك لسانك بالحروف على القل ‪ ،‬ول يكفي أن تمررها على قلبك‬
‫فحسب‪.‬‬
‫س ‪ :‬ثم ماذا أفعل ؟‬
‫ج ‪ :‬ثم تضع كفك اليمنى ‪ ،‬على ظهر كفك اليسرى والرسغ والساعد ‪ ،‬على‬
‫صدرك ‪ ،‬بحيث تكون الكف اليمنى منبسطة ‪ ،‬بعضها على ظهر الكف‬
‫اليسرى ‪ ،‬وبعضها على رسغ اليسرى ‪ ،‬وبعضها على أول جزء من الساعد ‪،‬‬
‫أو إن شئت فاقبض باليمنى على اليسرى ‪.‬‬
‫س‪ :‬وأين يكون موضع بصري ؟‬
‫ج ‪ :‬ثم ترمي ببصرك إلى موضع سجودك ‪ ،‬ول تلتفت ‪ ،‬ولترفع بصرك إلى‬
‫ي صّلى الله عليه وسّلم ‪ ،‬زجر عن رفع البصر إلى السماء‬
‫السماء ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن النب ّ‬
‫في أثناء الصلة ‪.‬‬
‫س ‪ :‬ثم ماذا أقول ؟‬
‫م وبحمدك ‪ ،‬وتبارك اسمك ‪،‬‬
‫الله‬
‫سبحانك‬
‫)‬
‫وهو‬
‫الستفتاح‬
‫ج‪ :‬ثم تقرأ دعاء‬
‫ّ‬
‫دك أي سلطانك وملكك ‪ ،‬أي تعالى‬
‫ج ّ‬
‫وتعالى جدك ‪ ،‬ول إله غيرك ( ‪ ،‬ومعنى َ‬
‫سلطانك فل يماثله ‪ ،‬ول يعلو عليه سلطان ‪.‬‬
‫ثم تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ‪ ،‬فتقول ) أعوذ بالله من الشيطان‬
‫الرجيم ( أو ) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ( ‪.‬‬
‫ثم تقول ) بسم الله الرحمن الرحيم ( ‪.‬‬
‫س ‪ :‬ثم ماذا أقرأ ؟‬
‫ج ‪ :‬ثم تقرأ الفاتحة ‪ ،‬بجميع حروفها ‪ ،‬ويجب عليك إخراج الحروف بطريقة‬
‫صحيحة ‪ ،‬فإن الّلحن فيها إذا كان يغّير المعنى يبطلها ‪ ،‬فتبطل الصلة ‪،‬‬
‫ولتصح الصلة بدون قراءة الفاتحة في كل ركعة منها ‪.‬‬
‫ثم تقول آمين بعد قراءة الفاتحة ‪ ،‬سواء كنت إماما ‪ ،‬أو مأموما ‪ ،‬أو منفردا ‪،‬‬
‫لكن إن كنت مأموما فل تسبق بها المام ‪ ،‬بل قلها معه ‪.‬‬
‫س ‪ :‬ثم ماذا أقرأ بعد الفاتحة ؟‬
‫ج ‪ :‬ثم اقرأ بعد الفاتحة سورة ‪ ،‬أو ما تحفظ من القرآن ‪ ،‬وقراءة سورة‬
‫كاملة ولو قصيرة أفضل ‪ ،‬وإذا كنت في الركعة الثالثة والرابعة لصلة‬
‫رباعية ‪ ،‬مثل الظهر‪ ،‬أو العصر ‪ ،‬أو العشاء ‪ ،‬فاقرأ الفاتحة فقط ‪ ،‬وكذلك في‬
‫الركعة الثالثة لصلة المغرب ‪ ،‬وإذا أردت أن تزيد بعد الفاتحة قراءة سورة ‪،‬‬
‫فلبأس أن تفعل ذلك أحيانا ‪.‬‬
‫س ‪ :‬ثم بعد القراءة ماذا أصنع ؟‬
‫ج ‪ :‬ثم اركع رافعا يديك ‪ ،‬كما رفعتهما في أول تكبيرة دخلت بها الصلة قائل‬
‫) الله أكبر ( ‪ ،‬فإذا انحنيت راكعا ‪ ،‬فضع كفيك على ركبتيك قابضا عليهما ‪،‬‬
‫وّفرج أصابعك ‪ ،‬وباعد عضديك عن جنبيك ‪ ،‬وابسط ظهرك ل تجعله محنيا ‪،‬‬
‫وسه ‪ ،‬لكن اجعله مستقيما منبسطا ‪ ،‬واجعل رأسك في مستوى الظهر‬
‫ولتق ّ‬
‫حياله ‪ ،‬ل تخفضه إلى أسفل ‪ ،‬ولترفعه إلى أعلى ‪ ،‬واطمئن في ركوعك حتى‬
‫تستقر العضاء ‪ ،‬وقل سبحان ربي العظيم وبحمده ‪ ،‬أو سبحان ربي‬
‫العظيم ‪ ،‬مرة على القل ‪ ،‬وثلث مرات أفضل ‪ ،‬وكلما زدت فهو أفضل ‪ ،‬إل‬
‫إذا كنت إماما ‪ ،‬فل تشق بطول الركوع على الناس ‪.‬‬
‫دوس‬
‫ق‬
‫بوح‬
‫س‬
‫)‬
‫‪:‬‬
‫الذكر‬
‫هذا‬
‫وان شئت زد على قولك ) سبحان ربي العظيم (‬
‫ّ‬
‫ُ ّ‬
‫‪172‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ب الملئكة والروح ( أو ) سبحان ذي الجبروت ‪ ،‬والملكوت ‪ ،‬والكبرياء ‪،‬‬
‫‪،‬ر ّ‬
‫والعظمة ( ‪ ،‬ول تقرأ القرآن في الركوع ‪ ،‬ولفي السجود ‪.‬‬
‫ي إن كنت في صلة الجماعة ‪ ،‬فباعدت عضدي عن جنبي قد يتأذى‬
‫س ‪ :‬لكن ّ‬
‫جاري في الصف ؟‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ج ‪ :‬إن كنت في صلة الجماعة ‪ ،‬وخشيت أن تؤذي جارك فل تفعل في‬
‫الصلة ما يؤذيه ‪ ،‬وإن كنت منفردا فاجتهد أن تفعل من السنن ما تقدر عليه‪.‬‬
‫س ‪ :‬ثم ماذا أفعل بعد الركوع ؟‬
‫ج ‪ :‬ثم ارفع رأسك من الركوع حتى تعتدل قائما ‪ ،‬ويرجع كل عظم إلى‬
‫موض