‫‪http://www.balligho.

com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تم تحميل هذا الكتاب‬
‫من مكتبة موقع‬
‫"بّلغوا عّني ولو آية"‬

‫رسالتنا‪ :‬يصل الكثير من الناس بعض الرسائل اللكترونية عن السلم ويقومون‬
‫صصنا هذه‬
‫بحذفها أو تجاهلها بحجة أنها طويلة ويثقل عليهم قراءتها‪ .‬لذلك خ ّ‬
‫الصفحة للشتراك في عظة يومية قصيرة أو حديث شريف أو آية تصل إلى بريد‬
‫المشترك بحيث لن يصعب قرائتها والستفادة منها راجيا من المولى عز وجل‬
‫الجر والثواب‪ .‬مثال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪" :‬بلّـغوا عنّـي ولو‬
‫‪".‬آية‬
‫للشتراك في هذه الخدمة الرجاء زيارة موقعنا "بلّـغوا عنّـي ولو آية" في السفل‬
‫‪ :‬وتسجيل البريد اللكتروني‬
‫‪http://www.balligho.com‬‬
‫‪ :‬أو عن طريق إرسال رسالة ولو فارغة إلى‬
‫‪subscribe@balligho.com‬‬
‫‪.‬ويمكنكم أيضا أن تتصفحوا الرشيف بالحاديث المرسلة مسبقًا‬
‫ن في السلم سنة حسنة‪ ،‬فعمل بها‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من س ّ‬
‫بعده‪ ،‬كتب له مثل أجر من عمل بها‪ .‬ول ينقص من أجورهم شيء‪ ...‬الحديث‪.‬‬
‫فاحرصوا يرحمكم ال على نشرها فكل من يزور الموقع ويستفيد منه عن طريقك‬
‫تكسب من الجر الكثير وإن قام بدوره بالعمل بها ونشرها أيضا فكلنا نكسب أمثل‬
‫‪.‬أجورهم ول ينقص من الجر شيئا‬

‫والسّنة‬
‫منهاجنا‪َ :‬‬
‫و َ‬
‫دة إلى الك َِتا ِ‬
‫ب َ‬
‫ع ْ‬
‫ف ال ُ‬
‫بِ َ‬
‫مة‬
‫سل َ ِ‬
‫هم ِ َ‬
‫ف ْ‬
‫ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ةة ةةةةة ةةة ةةةةةة ةةةة ةةةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة‬
‫)ةةةة ةةة ةةةةةةةة ةةة ةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة ةةة‬
‫ةةةةةةةة(‬
‫الكتاب ‪ :‬موسوعة البحوث والمقالت العلمية‬
‫جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة‬
‫حوالي خمسة آلف وتسعمائة مقال وبحث‬
‫علي بن نايف الشحود‬
‫العلم النقي ‪ ،‬كما يسميه الداعون إليه ‪ ..‬ليس معنيا ً بالسلمة‪ ،‬بمفهومها‬
‫)المؤدلج(‪ ،‬وهو ما يدافع عنه المهتمون به‪ ،‬والداعون إليه‪ ..‬ضد دعوى من‬
‫يتصدى لسلمة العلم‪ ،‬ويش ّ‬
‫ككون بنوايا الداعين للسلمة‪ ،‬بدعوى الحزبية‬
‫والدلجة‪ .‬ينطلق مفهوم العلم النقي من مبدأ أن الفضائيات العربية‪،‬‬
‫بوضعها الحالي تمارس تأثيرا ً سيئًا‪ ،‬واعتداًء منظمًا‪ ،‬على منظومة الخلق‬
‫العربية السلمية‪ ،‬وتسهم في تسطيح اهتمامات النسان العربي‪ ،‬وإعاقة‬
‫ة إلى تغييبه عن واقعه‪ .‬إن‬
‫موه الثقافي‪ ،‬والجتماعي‪ ،‬والسياسي‪ ،‬إضاف ً‬
‫ن ّ‬
‫الحتجاج على ما تبثه الفضائيات العربية‪ ،‬والتحذير من خطرها على الدين‬
‫والهوية ‪ ..‬كما يرى الداعون إلى إعلم عربي نقي‪ ،‬أمر مشروع‪ ،‬وله ما‬
‫وغه من واقع تلك الفضائيات‪.‬‬
‫يس ّ‬
‫الفضائيات السلمية‪:‬‬
‫حرية الختيار ‪: Freedom of choice‬‬
‫بعيدا ً عن جدل المصطلح‪ ،‬وأسلمة العلم‪ ،‬ومفهوم العلم النقي‪ ،‬يجب‬
‫القرار ابتداًء‪ ،‬أن انطلق البث العلمي السلمي قد حقق قيمة عليا ‪ ..‬هي‬
‫مبدأ )حق الختيار( للنسان العربي‪.‬‬
‫من المتفق عليه أنه ل يمكن الحديث عن إعلم )حقيقي(‪ ،‬يعكس نبض‬
‫الشارع‪ ،‬وتوجهات الناس‪ ،‬إل في بيئة )ديمقراطية( حّرة‪ ،‬تكفل حق التعبير ‪..‬‬
‫وحق اختيار مصدر المعلومات‪ ،‬الذي يعّرض النسان نفسه له‪ .‬لقد صارت‬
‫حرية الختيار والتعبير‪ ،‬بعد البث الفضائي السلمي حقيقة قائمة‪ ،‬وحقا ً أصيل ً‬
‫للمشاهد العربي‪ ،‬المحافظ منه على وجه التحديد‪ .‬أصبح بوسع ذلك المشاهد‬
‫أن يختار نوع )الشاشة(‪ ،‬التي يجلس أمامها‪ ،‬والرسالة العلمية التي‬
‫يستقبلها‪.‬‬
‫الطار النظري ‪: Theoretical Framework‬‬
‫تقوم العملية التصالية ‪ ،Communication Process‬على عناصر أربعة‪ :‬المرسل‬
‫)‪ ،(SENDER‬والرسالة ‪ ، MESSAGE‬والقناة ‪ ، CHANNEL‬والمستقبل‬
‫‪.RECIEVER‬‬
‫ً‬
‫يمكن تفسير وفهم عمل العلم السلمي‪ ..‬الفضائي منه تحديدا‪ ،‬من خلل‬
‫إطار نظري يقوم على نظّريتين لهما علقة بعنصرين من عناصر العملية‬
‫التصالية‪ .‬الولى لها علقة بالمرسل ) ‪ ،( SENDER‬أو المؤسسة العلمية‪،‬‬
‫قِبل ‪ ..‬أو الجمهور )‪.( RECIEVER‬‬
‫والثانية مرتبطة بالمست َ ْ‬
‫النظرية الولى‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نظرية المسؤولية الجتماعية ‪Social Responsibility Theory‬‬
‫إذا كانت نظرية الحرية قد ظهرت كرد فعل على تعسف النظم الشمولية‪،‬‬
‫عرف في الوسط العلمي ‪ ..‬بنظرية‬
‫ومصادرتها لحق التعبير‪ ،‬من خلل ما ُ‬
‫السلطة ‪ ،Authority Theory‬فإن نظرية المسؤولية الجتماعية‪ ،‬ولدت بسبب‬
‫الستخدام الخاطئ لمفهوم الحرية‪ ،‬في وسائل العلم ‪ ..‬ذلك الذي مهدت له‬
‫نظرية الحرية سوء الستخدام لمفهوم الحرية‪ ،‬سواء كان من قبل م ّ‬
‫لك تلك‬
‫الوسائل أو من قبل ) العلميين ( أنفسهم‪ .‬لقد أفرطت نظرية الحرية‬
‫‪ Freedom Theory‬في إعلء حرية الفرد على حساب مصلحة المجتمع‪ ،‬وبالغت‬
‫في منح الفرد الحق في التنصل والتحرر من أي مسؤولية اجتماعية‪ ،‬أو قيمة‬
‫أخلقية في ظل هذه النظرية‪ ،‬ومع تحول العلم إلى صناعة صار ُينظر إلى‬
‫كل شيء‪ ،‬على أنه )سلعة( ‪ ..‬حتى المبادئ والقيم‪ ،‬وأصبح جني المال هدفا ً‬
‫بحد ذاته‪ ،‬ولم يعد للجشع الفردي حدود‪.‬‬
‫ً‬
‫في مقابل ذلك‪ ،‬ترى نظرية المسؤولية الجتماعية‪ ،‬أن للفرد حقا‪ ،‬وللمجتمع‬
‫أيضا ً حقوقًا‪ ،‬بوصفه مجموعة أفراد لهم حقوقهم‪ ،‬وينخرطون في الوقت‬
‫نفسه‪ ،‬في )مؤسسات( اجتماعية‪ ،‬تسعى لخدمة الصالح العام ‪ ..‬وتحتاج‬
‫لذلك‪ ،‬إلى حماية من نزوات الفراد‪ ،‬وتسلط الرغبات الفردية‪ .‬على المستوى‬
‫العلمي سعت نظرية المسؤولية الجتماعية للحد من تحكم الرغبات‬
‫الشخصية‪ ،‬وتأثير الراء الفردية في نسق الحياة العامة للجماعة ‪ ..‬و لتحقيق‬
‫توازن بين حرية التعبير‪ ،‬ومصلحة المجتمع‪" :‬حريتك تنتهي‪ ،‬حيث تبدأ حقوق‬
‫الخرين"‪ .‬تبدو معادلة دقيقة ‪ ..‬لكن الشعور بالمسؤولية الجتماعية‪ ،‬هو الذي‬
‫يحققها‪ .‬إعلميًا‪ :‬المؤسسة العلمية‪ ،‬تضطلع بمهام و وظائف اجتماعية‬
‫جوهرية في حياة الناس‪ ..‬ولها دور تربوي وتثقيفي‪ ،‬وليست مجّرد منبر لفرد‪،‬‬
‫أو مجموعة أفراد‪ ،‬يمارسون من خلله رغباتهم‪ ،‬عبر سطوة رأس المال‪.‬‬
‫وجد القائمون على العلم السلمي‪ ،‬أن نظرية المسؤولية الجتماعية‪ ،‬هي‬
‫القرب لتمثيل الفكرة السلمية إعلميًا‪ ،‬والكثر تعبيرا ً عن مفهوم العلم‪،‬‬
‫الذي يحمل رسالة‪ ،‬وملتزم أخلقيًا‪ ..‬وهو ما يسعون لتطبيقه في عالم الواقع‬
‫لكبح جماح النفلت الخلقي‪ .‬وهي كذلك النظرية التي يمكن من خللها‬
‫تحقيق الصالح العام‪ ،‬ولجم طغيان الهواء الفردية‪.‬‬
‫النظرية الثانية‪:‬‬
‫نظرية الستخدامات والشباع ‪Uses and Gratification Theory‬‬
‫مع ازدهار صناعة العلم‪ ،‬اعتمد بعض العاملين في مجال العلم‪ ،‬على هذه‬
‫النظرية‪ ،‬لتسويغ السياسة العلمية التي ينتهجونها ‪ ..‬إنتاجا ً وممارسة‪ .‬تقوم‬
‫النظرية على تفسير سلوك الجمهور تجاه وسائل العلم‪ ،‬على أساس من‬
‫استخدام الفراد للوسائل‪ ،‬وما يحققه استخدامهم لها من إشباع نفسي‬
‫وفكري‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫جاءت هذه النظرية لتقلب المعادلة كما يقال‪ .‬كان الجزء الكبير من بحوث‬
‫العلم‪ ،‬والدراسات‪ ،‬يتناول تأثير وسائل العلم في الجمهور‪ ،‬عبر )الرسائل(‬
‫العلمية‪ ،‬ويركز على‪:‬‬
‫ماذا )يصنع العلم( بالناس؟‬
‫نظرية الستخدامات والشباع‪ ،‬طرحت السؤال بشكل معاكس‪:‬‬
‫ماذا )يصنع الناس( بوسائل العلم؟‬

‫‪3‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بناء على النظرية‪ ،‬فإن اهتمامات أفراد الجمهور‪ ،‬وعادات المشاهدة عندهم‪،‬‬
‫والغرض الذي يعرضون أنفسهم لوسائل العلم من أجله‪ ،‬هو الذي يحدد ما‬
‫ض في وسائل العلم‪ .‬الزعم كان‪ ،‬أن المؤسسات العلمية‪،‬‬
‫ي ُن ْت َ ْ‬
‫ج ‪ ..‬أو ي ُعَْر ْ‬
‫ووسائل العلم‪ ،‬ل )تتعمد( إنتاج وبث مواد إعلمية بعينها‪ .‬إنها فقط ‪..‬‬
‫)تساير( رغبة المشاهد وميوله‪ ،‬الذي يطلب هذا النوع من البرامج‪ ،‬ويستخدم‬
‫وسائل العلم للحصول عليها‪ ..‬ليتحقق له الشباع‪.‬‬
‫مفهوم نظرية الستخدامات والشباع‪ ،‬هو الذي رّوج فيما يبدو لمقولة شعبية‬
‫سادت في الوساط العلمية العربية ‪ ..‬وهي ‪" :‬الجمهور عاوز كده" ! كانت‬
‫هذه العبارة ُتقال‪ ،‬في سياق )الدفاع( عن موجة من البرامج الهابطة‬
‫والمسفة‪ ،‬غمرت‪ ،‬وما زالت تغمر وسائل العلم العربية‪.‬‬
‫أثبتت تجربة العلم السلمي‪ ،‬وتنامي الشريحة المهتمة به‪ ،‬من خلل‬
‫توظيف نظرية الستخدامات والشباع أن المشاهد العربي ليس مجرد كائن‬
‫غرائزي ‪ ..‬يلهث خلف الترفيه الرخيص‪ ،‬والثارة العارية‪ .‬أثبتت كذلك‪ ،‬زيف‬
‫ما امتلك حق الختيار‪ ،‬استخدم الوسيلة‬
‫مقولة إن "الجمهور عاوز كده"‪ .‬إنه ل ّ‬
‫ً‬
‫العلمية‪ ،‬في تحقيق إشباع نفسي وفكري‪ ،‬سام ٍ ومتحضر‪ ..‬بعيدا عن سطوة‬
‫الغريزة‪ ،‬وبرامج التسطيح الفكري‪ ،‬وعروض الترفيه الهابطة التافهة‪.‬‬
‫المعيار الخلقي‪:‬‬
‫يحكم العمل العلمي‪ ،‬من منظور إسلمي‪ ،‬معايير أخلقية صارمة‪ .‬القاعدة‬
‫العامة التي تحكم أي نشاط بشري‪ ،‬على أساس من هذا المنظور هي‪:‬‬
‫الممارسة ليست غاية بحد ذاتها‪ ،‬بل بما تحققه من )فضيلة( ‪ .Virtue‬كما أن‬
‫الممارسة نفسها‪ ..‬إذا كانت صحيحة‪ُ ،‬تعد ّ نوعا ً من العمل الصالح ‪Good‬‬
‫‪ ،Deed‬الذي ينال المسلم بسببه‪ ،‬الجر من الله‪.‬‬
‫ً‬
‫الفضيلة هنا‪ ،‬معنى عام ‪ ..‬لكل ما دعت إليه الشريعة‪ ،‬وما تراه حسنا‪ ،‬من‬
‫دف و َ‬
‫ة العمل العلمي‬
‫غاي َ‬
‫قول أو فعل‪ .‬وهي كذلك ‪ ..‬أي الفضيلة‪ ،‬هَ َ‬
‫قق بأي وسيلة‪ .‬هذه الرؤية للعمل العلمي‬
‫السلمي‪ ،‬لكن هذه الغاية‪ ،‬ل ُتح ّ‬
‫خضعت لنقاشات طويلة‪ ،‬وتبلورت عن معيار أخلقي‪ ،‬يحدد طبيعة عمل‬
‫الوسيلة العلمية‪ ،‬وشكل الممارسة العلمية‪ .‬تمحور مفهوم المعيار‬
‫الخلقي ‪ ..‬بشكل رئيس حول مسألتين لهما علقة بالوسيلة العلمية‪ ..‬من‬
‫حيث هي )قناة( ‪ ،medium‬ومن حيث هي )رسالة( ‪ .message‬هاتان المسألتان‬
‫هما‪ :‬المرأة والفن‪.‬‬
‫المرأة‪:‬‬
‫تحتل قضية المرأة ‪ ..‬الصدارة في أي مسألة خلفية بين السلميين وغيرهم‪.‬‬
‫ل يمكن فهم أصل الخلف ‪ ..‬الذي يؤدي إلى سوء الفهم دون معرفة موقع‬
‫المرأة في الشريعة السلمية‪ ،‬ورؤيتها للدور الذي تضطلع به في السرة‬
‫والمجتمع المسلم ‪ ..‬ثم مفهوم الحلل والحرام‪ ،‬في العلقة بين الرجل‬
‫والمرأة‪.‬‬
‫ل ينظر السلم إلى المرأة ‪-‬بعكس ما يظنه كثيرون‪ -‬على أنها كائن أقل من‬
‫الرجل‪ ،‬وعضو منتقص الحقوق‪ .‬في واقع المر‪ ،‬تمنح الشريعة السلمية‬
‫المرأة كثيرا ً من الحقوق في الحياة العامة‪ .‬بل إنها في بعض الجوانب لها من‬
‫الحقوق أكثر مما للرجل‪.‬‬
‫تثير حماية السلم للمرأة‪ ،‬والضوابط التي يضعها للحيلولة دون استغللها‬
‫علمات استفهام كبيرة‪ .‬شرح العلقة بين الرجل والمرأة‪ ،‬والسئلة التي‬
‫تثيرها طبيعة دور كل منهما‪ ..‬كما قرره السلم ل يمكن الجابة عنها‪ ،‬من‬
‫خلل عزوها إلى نسبية ثقافية‪ ،‬تصوغ تلك العلقة‪ ،‬وتحدد ذلك الدور‪ .‬قاعدة‬
‫‪4‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الحلل والحرام في السلم ل تخضع لمفهوم النسبية الثقافية‪ ،‬بل تأخذ‬
‫الحكام وفق هذه القاعدة أبعادا ً قطعية نهائية بحيث ل يمكن اللتفاف عليها‬
‫وغ‪.‬‬
‫تحت أي مس ّ‬
‫العلقة بين الرجل والمرأة‪ ،‬واضحة الحدود والمعالم‪ ،‬مثلما أن دور المرأة‬
‫في المجتمع واضح ومحدد‪ .‬سوء الفهم ‪ ،‬حول موقف السلم من المرأة‪،‬‬
‫والدور الذي حدده لها ناشئ من عملية إسقاط مفردات نظام ثقافي مغاير‪،‬‬
‫على مجتمعات إسلمية تشكلت وفق ثقافة ل تقبل تمييع الحدود بين‬
‫الجنسين‪ ،‬ول تسمح بتداخل أدوارهما‪.‬‬
‫ً‬
‫واقع المرأة ‪-‬على الغلب‪ -‬في وسائل العلم حاليا‪ ،‬ينطلق من فلسفة‬
‫صناعة العلم القائمة في معظمها على استغلل المرأة فيما يشد الرجل‬
‫إليها‪ ..‬وهو تحديدا ً جسدها‪ .‬توظيف المحسوس لدى المرأة لجذب الرجل‪..‬‬
‫ولها إلى )شيء( ‪،Subject‬‬
‫يرفضه السلم؛ لنه يلغي كينونة المرأة‪ ،‬ويح ّ‬
‫ويزدري قيمتها النسانية‪ .‬حدود الحلل‬
‫)‪(3 /‬‬
‫والحرام‪ ،‬كما يقررها السلم‪ ،‬تمنع إيجاد أوضاع تشجع على استغلل المرأة‪،‬‬
‫أو تدفعها لتجاوز الحدود‪ ،‬التي ُوضعت لحمايتها ‪ ..‬تحت أي ذريعة‪ .‬السلم‬
‫كذلك‪ ،‬قرر شكل وإطار العلقات بين الرجل والمرأة‪ ،‬ومستوى التصال‬
‫والتواصل بينهما ‪ ..‬وحدد بشكل قاطع دور كل واحد منهما‪ .‬على أساس من‬
‫ذلك ل يمكن )افتراض( علقة من أي نوع بينهما‪ ،‬غير ما هو محدد أساسًا‪ ،‬ول‬
‫اختلق أدوار‪ ،‬غير التي رسمت لكل منهما ‪ ..‬ابتداء‪ .‬لنه ل مكان لعلقة‬
‫)متخّيلة( ‪ ،‬ول لدوار )مفترضة( ‪ ..‬في مسائل الحلل والحرام‪.‬‬
‫برزت )مشكلة( المرأة في وسائل العلم العربية‪ ،‬حين نظر لطبيعة‬
‫مشاركتها‪ ،‬وفق منظور ثقافي دخيل‪ ،‬وعندما تم )ت َ ْ‬
‫شِييئَها( ‪ ..‬وفق ذلك‬
‫المنظور‪ ،‬فصار يمكن عرضها‪ ،‬ضمن سلوك استهلكي‪ .‬فهي يجب أن تظهر‬
‫بشكل وهيئة مقبولة ‪ ..‬للرجل‪ .‬وهي كذلك‪ ،‬يجب أن تكون ضمن )رسالة‬
‫إعلمية(‪ ،‬تشتمل على إغراء بمتابعتها‪ ،‬من قبل الرجال‪ .‬المرأة في العلم‬
‫السلمي‪ ،‬غير مقبول أن يتم تحويلها إلى شيء‪ ،‬أو )سلعة( ‪ ..‬يحكمها قانون‬
‫العرض والطلب‪ .‬ظهور المرأة في العلم السلمي‪ ،‬محكوم بالضوابط‬
‫العامة للشريعة‪ ،‬التي تحدد دورها في الحياة اليومية‪ .‬مثلما أنه ل يمكن وجود‬
‫ممارسة )مفترضة( للمرأة في الحياة العامة‪ ،‬غير ما قررته الشريعة لها‪ ،‬فإنه‬
‫كذلك‪ ،‬ل يمكن الحديث عن )ممارسة إعلمية( للمرأة‪ ،‬في ظل ظروف‬
‫وأوضاع‪ ..‬غير تلك التي تمارسها في حياتها اليومية‪ ،‬المنضبطة بأحكام‬
‫الشريعة‪ .‬هذا الواقع‪ ،‬وضع حدودا ً وضوابط ‪ ،‬على عمل المرأة‪ ،‬وظهورها في‬
‫وسائل العلم‪ .‬تتسع هذه الحدود وتضيق ‪ ،‬بقدر ما تقترب المرأة‪ ،‬أو تبتعد‪..‬‬
‫عن أحكام السلم‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫العلم السلمي أيضا‪ ،‬بوصفه نشاطا بشريا لفراد مسلمين‪ ،‬محكوم بقاعدة‬
‫الحلل والحرام ‪ ..‬التي يؤمن بها أولئك الفراد‪ ..‬ول يستطيع أن يخرج عليها‪،‬‬
‫ليظل يحمل صفة العلم السلمي‪ ،‬ويبقى القائمون عليه‪ ،‬يوصفون بأنهم‬
‫مسلمون ملتزمون في ممارستهم العلمية‪ ،‬بما في ذلك رؤيتهم لدور المرأة‬
‫في العلم‪.‬‬
‫الفن‪:‬‬
‫الفن للفن‪ ..‬أو الفن للرسالة ‪..‬؟‬

‫‪5‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫النقاش ما زال قائما ً ‪ ..‬وسيبقى ‪ ،‬حول مسألة أن للفن قيمة قائمة بذاتها‪،‬‬
‫خارج أي سياق ثقافي‪ .‬يجادل الذين يؤمنون بمبدأ "الفن للفن" ‪ ..‬أن الفن‬
‫ى )الحقيقة(‬
‫يجب أل ّ يخضع لي قيد أخلقي‪ ،‬وأن يكون معبرا ً ع ّ‬
‫ما يسم ّ‬
‫النسانية‪ ،‬في شكلها الول‪ .‬بناء على رأي هؤلء‪ ،‬الديان‪ ،‬والقوانين الخلقية‬
‫التي يضعها النسان‪ ،‬أشياء محدثة وليست قديمة‪ ،‬تنطلق في تقييد الفن‬
‫بضوابط أخلقية ‪ ..‬بدافع من طبيعتها المؤدلجة‪ .‬الفن‪ ..‬على ضوء هذه‬
‫الرؤية‪ ،‬هو المعّبر عن روح البداع التي ل تعترف بحدود ول قيود من أي نوع‪.‬‬
‫أدلجة الفن بإخضاعه للمعايير الخلقية‪ -‬كما يقولون‪ -‬يؤدي إلى خنق البداع ‪.‬‬
‫النحات مثل ً ‪ ..‬برأيهم‪ ،‬الذي ينحت جسدا ً عاريًا‪ ،‬يعرض إبداعا ً و)فنًا( ‪،Art‬‬
‫وليس معنيا ً بمفهوم )الباحية( ‪ ،Pornography‬الذي ترفضه المعايير والضوابط‬
‫الخلقية‪ .‬إنه يقدم )رسالة( جمالية‪ ..‬ليس أكثر‪ .‬يضيف هؤلء كذلك‪ ،‬أن‬
‫المعيار الخلقي نسبي‪ ،‬يختلف من ثقافة لثقافة‪ ،‬ومن فرد لخر‪ ،‬داخل‬
‫الثقافة الواحدة‪.‬‬
‫مبدأ الفن لجل الفن‪ ،‬فتح الباب لممارسات‪ ،‬وسلوكيات كثيرة فيها تجاوز‬
‫لمسلمات أخلقية واجتماعية ‪ ..‬كلها صار يدرجها أصحابها تحت مفهوم الفن‪.‬‬
‫في العلم الظاهرة كانت أوضح؛ إذ انتهكت كثيرا ً من القطعيات الدينية‬
‫والعراف الجتماعية‪ ،‬وتم التعدي على محرمات دينية‪ ،‬أو التقليل من رموز‬
‫مقدسة‪ ..‬باسم الفن والبداع‪.‬‬
‫مقابل الفن لجل الفن ُوجدت دعوة‪ :‬الفن للرسالة‪ .‬يؤمن أصحاب هذه‬
‫الرؤية بالقيمة الجمالية للفن‪ ..‬وأن الجمال قيمة أخلقية بحد ذاته‪ .‬لكن أنصار‬
‫هذا التجاه يرون أن الفن إذا تجّرد من رسالته الخلقية‪ ،‬واتكأ على الذائقة‬
‫الفطرية فقط في تقديم الجمال‪ ..‬يهبط إلى مستوى العرض الغريزي‪ ،‬الذي‬
‫ت إليها الفلسفات‬
‫لم تهذبه الخلق التي جاءت بها الرسالت السماوية‪ ،‬أو َدع ْ‬
‫الخلقية‪ .‬الفن بوصفه عمل ً إبداعيًا‪ ،‬ليس فعل ً مجردا ً من أي قيمة‪ .‬كل عمل‬
‫يحمل رسالة‪ ،‬وكل رسالة تنطوي على قيمة‪ .‬الترفيه مثل ً ‪ ..‬رسالة إعلمية‪،‬‬
‫مة )قيمة(‪.‬‬
‫وممارسة تشتمل في جوهرها على إبداع‪ ،‬وفي ثناياها يوجد ث ّ‬
‫إذا ً ‪ ..‬ل يوجد ترفيه بريء‪ ،‬ول توجد )رسالة( ل تحمل قيمة‪ .‬كل رسالة‬
‫إعلمية تحتوي بالضرورة ‪ -‬ضمن أشياء أخرى‪ -‬على مجموعة قيم ‪Value-‬‬
‫‪.Loaded Messages‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫هذه الفلسفة هي ما يقوم عليه مبدأ‪ :‬الفن من أجل الرسالة‪ .‬القائمون على‬
‫العلم السلمي‪ ،‬يصفونه بأنه )إعلم رسالي( ‪ .‬ضمن هذا الوصف‪ ،‬كل‬
‫أنشطة العلم يجب أن تحمل في طياتها رسالة‪ .‬هذه الرسالة‪ ..‬هي في‬
‫جوهرها رسالة السلم‪ ..‬أو رسالة من )رسائل( السلم‪ .‬الفن ‪ ..‬بصفته أحد‬
‫أهم الممارسات العلمية‪ ،‬سواء كان دراما‪ ،‬أو ترفيه‪ ،‬ل يخرج‪ ..‬من وجهة‬
‫النظر السلمية‪ ،‬عن هذه القاعدة‪" :‬الفن من أجل الرسالة"‪ .‬الرسالة‬
‫العلمية السلمية كذلك‪ ،‬لبد أن ت ُؤَّدى من خلل الوسائل المشروعة‪ .‬قاعدة‬
‫الحلل والحرام ل تغيب‪ ،‬بل تحكم مضمون الرسالة ‪) ..‬القيمة التي تحملها(‪،‬‬
‫مثلما تحكم الوسيلة التي تنقل الرسالة‪ .‬الوسيلة هنا‪ ،‬ليست فقط الوسيط‬
‫‪ ،Medium‬الذي يحمل الرسالة‪ ،‬بل كذلك اللية التي يتم التعبير عن الرسالة‬
‫من خللها‪ ،‬سواء كان نصا ً ‪ ،Text‬أو صورة ‪ .Picture‬معالجة قضية تتناول دور‬
‫المرأة في المجتمع مث ً‬
‫ل‪ ،‬ل تتم من منظور العلم السلمي من خلل‬

‫‪6‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫سيناريو‪ ،‬يشتمل على )نص( و )صورة( ‪ ،‬لعلقة متخّيلة )دراميًا(‪ ،‬بين رجل‬
‫وامرأة ‪ ..‬ل يمت أحدهما للخر بصلة‪.‬‬
‫سؤال الهوية‪:‬‬
‫مسألة ) الهوية (‪ ،‬هي أبرز ما تثيره دعوات السلمة‪ ،‬وما لفتت النظر إليه‬
‫تجربة العلم السلمي‪ ،‬من خلل البث الفضائي‪ .‬هناك ملمحان في هذه‬
‫المسألة‪ .‬الملمح الول‪ ،‬له صلة بالدين والمنظومة الخلقية‪ ،‬والثاني له علقة‬
‫باللغة‪ .‬تتعرض المة لخطر استلب حضاري‪ ،‬يتهدد هويتها‪ .‬يحدث هذا‪ ،‬من‬
‫خلل ممارسة إعلمية‪ ،‬ساهمت في إضعاف صلة الجيال العربية بدينهم‪..‬‬
‫وتمردهم على نظامه الخلقي‪ ،‬عبر بث فضائي مكثف‪ ،‬فيه تجاوز كثير‬
‫وكبير‪ ،‬لكل ما هو ثابت وأخلقي‪ .‬صنعت تلك الفضائيات كذلك‪ ،‬قطيعة بين‬
‫تلك الجيال‪ ،‬ولغتها الم‪ ..‬من خلل طغيان العاميات المحلية الهجينة‪ ،‬واللغة‬
‫الجنبية على اللسان العربي‪ .‬أورث هذا الواقع وضعا ً قريبا ً من حال فقدان‬
‫الهوية ‪ ،Miss of identity‬بسبب آثاره السلبية على الدين واللغة‪.‬‬
‫الدين والمنظومة الخلقية‪:‬‬
‫انعزل السلم في الفضائيات العربية‪ ،‬في برنامج )ديني( أسبوعي أو يومي‪،‬‬
‫لشيخ يجلس أمام الكاميرا‪ ،‬يتحدث ساعة من الزمن‪ ،‬في شؤون ل علقة‬
‫للناس بها‪ .‬إلى جانب البرنامج الديني‪ ،‬تمتلئ ساعات البث الخرى‪ ،‬التي قد‬
‫تمتد إلى أكثر من )‪ (20‬ساعة‪ ،‬بكل ما هو غير ديني‪ ،‬وأحيانا ً )غير إسلمي(‪.‬‬
‫إبتداء من الفلم الجنبية المترجمة‪ ،‬أو المدبلجة‪ ،‬وانتهاء بأغاني )الفيديو‬
‫كليب(‪ .‬تمتلىء هذه الفلم بكثير مما يناقض السلم فكريا ً وأخلقيًا‪ ..‬وأحيانا ً‬
‫ة الفلم‬
‫يسخر من بعض قيمه وتعاليمه‪ .‬بل إن بعض هذه الفلم ‪ ..‬خاص ً‬
‫دي‪ ،‬لمباديء السلم حين تروج‬
‫المترجمة والمدبلجة تعبر عن موقف ض ّ‬
‫لسلوب حياة يصادم الخلق العربية السلمية في أساسها‪ ،‬مثل العرض‬
‫)المحايد( للمشاهد المخلة‪ ،‬والعلقات المحرمة‪ ،‬والخيانة الزوجية‪ ،‬ونكاح‬
‫المحارم‪ .‬أغاني الفيديو كليب التي أصبح لها قنوات عربية‪ ،‬مستقلة بذاتها‪،‬‬
‫ليست إل عرضا ً رخيصا ً ومباشرا ً لجساد النساء‪ ،‬ولمشاهد جنسية فاضحة ‪..‬‬
‫وتهييجا ً فجا ً وساقطًا‪ ،‬لغرائز الشباب‪.‬‬
‫إضعاف الوازع الديني‪ ،‬وانتهاك المحرمات‪ ،‬الذي أصبح سمة لزمة‪ ،‬لغالب‬
‫البث الفضائي العربي ‪ ..‬احيانا ً بذرائع سياسية‪ ،‬باسم تجفيف منابع التطرف‪-‬‬
‫أوجد حال ً من فقدان الهوية‪ ،‬وأفرز وضعا ً أخلقيا ً هشًا‪ ،‬تفشت في ظله‬
‫الجريمة الخلقية‪ .‬لقد تشكلت‪ ،‬بفعل هذه الفضائيات )ثقافة( موازية ‪ ..‬غير‬
‫جوهرية‪ ،‬على خصام مع جوهر الثقافة الصلية‪ .‬لم يعد معظم الشباب‬
‫العربي‪ ،‬على وجه الخصوص‪ ،‬يعبر في سلوكه‪ ..‬عن ثقافة عربية شرقية ‪..‬‬
‫محافظة‪ ،‬فضل ً عن أن تكون إسلمية‪ .‬كما أن )القيم( الغربية التي اكتسبها‪،‬‬
‫من تعرضه للفضائيات العربية‪ ،‬لم تجعله يتحلى بصفات الشخصية الغربية‬
‫)الجادة(‪ ،‬التي حققت إنجازات‪ ،‬على الصعيد الفكري والتقني‪ .‬التحلل‬
‫الخلقي للمجتمعات الغربية وآثاره على النظام السري‪ ،‬والنسق‬
‫الجتماعي‪ ..‬إضافة إلى تفشي المراض‪ ،‬الناتجة عن العلقات الجنسية‬
‫المحرمة‪ ،‬أصبح أكثر مظاهر الحضارة الغربية حضورًا‪ ،‬في المجتمعات‬
‫العربية‪.‬‬
‫المهتمون بالعلم السلمي‪ ،‬بعد مطالعات عميقة‪ ،‬لتأثير وسائل العلم على‬
‫الجمهور ‪ ..‬مما ورد في الدراسات الكثيرة والمكثفة‪ ،‬التي أجريت في‬
‫مر لوسائل العلم‪ ،‬بما تبثه‬
‫المجتمعات الغربية نفسها ‪ ..‬أدركوا الدور المد ّ‬

‫‪7‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من رسائل إعلمية‪ ،‬على المتلقي العربي‪ ،‬خصوصا ً ثوابته وقيمه الدينية‪ .‬لم‬
‫يعد قول ً جزافًا‪ ،‬الحديث عن‬
‫)‪(5 /‬‬
‫وجود غربة حقيقية عن تعاليم الدين في أوساط الشعوب العربية‪ ..‬ساهمت‬
‫الفضائيات العربية‪ ،‬بشكل كبير فيها‪ .‬بل إن هذا الواقع أفضى إلى نشوء‬
‫تيارات شبابية متطرفة نزعت إلى العنف للتصدي لما تعتقد أنه عملية تدمير‬
‫مقصودة لمنظومة المة الخلقية‪ ،‬وتهديد لوجودها‪ .‬هذه الحقيقة هي ما دفع‬
‫بعض الجهات والفراد‪ ،‬لتبني عمل إعلمي إسلمي مؤسساتي‪ ،‬يأخذ على‬
‫عاتقة المحافظة على هوية المة‪ ،‬ويصون أبرز مقومات وجودها ‪ ..‬وذلك‬
‫بحماية دينها ومنظومتها الخلقية‪ ،‬من هجمة )ثقافة( الفضائيات العربية‪.‬‬
‫اللغة‪:‬‬
‫َ‬
‫م مظاهر الهوية‪ ،‬وهي كذلك‪ ،‬عنوان شخصية‬
‫اللغة وعاء الحضارة‪ ،‬وأ َ‬
‫حد أه ّ‬
‫المة ‪ ..‬ومن أهم أسباب وحدتها‪ .‬حوت اللغة العربية ميراث المة الحضاري‪،‬‬
‫وساهمت في حفظ وحدتها الفكرية والجغرافية لقرون طويلة‪ .‬تتراجع اللغة‬
‫العربية الن‪ ،‬بشكل كبير‪ ،‬على ألسنة أبنائها‪ ،‬أمام سيطرة اللهجات العامية‬
‫المحلية‪ ،‬ومنافسة لغة هجين‪ ..‬خليط من بعض كلمات عربية‪ ،‬وكثير من‬
‫مفردات إنجليزية‪ .‬تساهم الفضائيات العربية بشكل رئيس في تكريس هذا‬
‫الوضع الكارثي للغة العربية؛ إذ تكاد تكون كل البرامج الناطقة بـ )العربية(‪،‬‬
‫تتحدث بهذه العامّيات‪ ،‬أو باللغة الهجين‪ .‬يستوي في ذلك ‪ ..‬البرنامج‬
‫الجتماعي‪ ،‬أو السياسي‪ .‬أما الدراما )العربية( فكلها بل استثناء ناطقة‬
‫بالعامية‪.‬‬
‫ً‬
‫على الرغم من أن العالم العربي ينتظم سياسيا في جامعة الدول العربية‪،‬‬
‫ة العامّيات‪،‬‬
‫التي تؤكد انتماء شعوبه إلى قومية واحدة ولسان واحد‪ ،‬إل أن غَل َب َ ْ‬
‫يجعل التواصل بين الشعوب العربية‪ ،‬أمرا ً صعبا ً ومتعذرا ً ‪ .‬كان متوقعا ً أن‬
‫تؤّدي الفضائيات العربية‪ ،‬بوصفها إعلما ً جماهيريا ً ‪،Communication Mass‬‬
‫دورا ً جوهريًا‪ ..‬في توحيد الشعوب العربية‪ ،‬وتعزيز تواصلها بتقليص العامية‪،‬‬
‫ونشر اللغة العربية؛ إذ معلوم ‪ ..‬أن وحدة اللغة‪ ،‬تساهم في عملية دمج‬
‫الشعوب الناطقة بها‪ ،‬وتعمل على صياغتها في وحدة قومية واحدة ‪National‬‬
‫‪ .Integration‬لكن الذي حدث خلف ذلك‪ :‬تكريس العامية‪ ،‬وتقليل فرص‬
‫التواصل والتفاهم‪.‬‬
‫يسعى العلم السلمي‪ ،‬باستخدامه اللغة العربية الفصحى‪ ،‬عبر البث‬
‫الفضائي‪ ،‬لعادة العتبار للغة العربية‪ ،‬من أجل حفظ هوية المة‪ ،‬والسعي‬
‫لوحدتها ‪ ..‬وتعزيز تواصل شعوبها‪.‬‬
‫جدل المهني والديني‪:‬‬
‫اصطدمت المحاولت لتأسيس إعلم إسلمي ‪ ..‬في البداية بآراء فقهية‪،‬‬
‫تحفظت كثيرًا‪ ،‬على استخدام بعض تقنيات الممارسة المهنية العلمية‪،‬‬
‫وعلى التوسع في استخدام تقنيات أخرى‪ .‬المدرسة الفقهية السلمية‬
‫بمذاهبها الربعة فوجئت بالعملية العلمية‪ ،‬وتطوراتها المتسارعة‪ ،‬وبالدور‬
‫ولت إلى صناعة‪،‬‬
‫الجوهري والحيوي‪ ،‬الذي صارت وسائل العلم ‪ ..‬بعد أن تح ّ‬
‫تقوم به في المجتمعات‪ .‬وجد الفقهاء‪ ،‬ورجال الفكر السلمي أنفسهم أمام‬
‫ضل ً عن رفضها‪ .‬كما أن الموقف السلبي‪ ،‬الذي ل‬
‫ظاهرة ل يمكن تجاهلها‪ ،‬ف ْ‬
‫يتفاعل مع حدث بمثل هذه الضخامة‪ ،‬ويعيد تكييفه‪ ،‬ضمن النسق الحضاري‬

‫‪8‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الخاص به‪ ،‬ومقومات الثقافة المحلية‪ ،‬يؤدي إلى نتائج خطيرة‪ ،‬تنسحب آثارها‬
‫على الدور الحضاري للمة‪ ،‬وعلى تماسك النظام الجتماعي والخلقي‬
‫ن مهنّيتين‬
‫للمجتمع‪ ،‬وتنعكس آثاره السلبية على سلوك الفراد‪ .‬أبرَز ت ْ‬
‫قنيَتي ْ‬
‫إعلمّيتين‪ ،‬ثار حولهما جدل فقهي هما‪ :‬الصورة والموسيقى‪.‬‬
‫الصورة‪:‬‬
‫ق ْ‬
‫طعّيات‬
‫لم ينل شيء من الوعيد والنكير‪ ،‬في أدبيات الفقه السلمي‪ ،‬بعد ال َ‬
‫المحرمة‪ ،‬تحريما ً أبديًا‪ ،‬مثل ذلك الذي ناله التصوير‪ .‬منذ البداية‪ ..‬اتخذ‬
‫م التوحيد‪ ،‬الذي يقوم عليه أصل‬
‫السلم موقفا ً حادا ً ورافضا ً للتصوير‪ .‬فَهْ ُ‬
‫العتقاد في السلم‪ ،‬يساعد في معرفة الموقف الحدي‪ ،‬الذي اتخذه التشريع‬
‫السلمي‪ ،‬من الصورة والتصوير‪ .‬يقف التوحيد نقيضا ً للشرك‪ ،‬الذي هو‬
‫إشراك الله سبحانه في العبادة بصيغ شتى‪ ،‬لكنه في أظهر أشكاله‪ ،‬يتمثل‬
‫بالوثنية‪ ،‬التي تقوم على عبادة )الصور( والتماثيل‪.‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫العلقة الظاهرة بين التماثيل وبين الصنام‪ ،‬والوثنية وطقوسها الشركية‪ ،‬خلق‬
‫ارتباطا ً ل شعوريًا‪ ،‬وعلقة غير ظاهرة‪ ،‬بين )الصورة( والصنام‪ ،‬بوصفها‬
‫ذريعة إلى )الشرك(‪ .‬اعتمدت الراء الفقهية التي قالت بتحريم التصوير على‬
‫أحاديث صريحة عن الرسول ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬فيها تحريم للتصوير‪،‬‬
‫ووعيد للمصورين‪ .‬الموقف الفقهي الصارم‪ ،‬في تحريم التصوير على إطلقه‪،‬‬
‫منع طويل ً ‪ ..‬أي مشاركة فاعلة للسلميين في العملية العلمية‪ .‬هجمة‬
‫الفضائيات العربية التي ملت السماء العربية بقنوات ‪ ..‬تبث كل ما يهدد المة‬
‫في دينها‪ ،‬ولغتها‪ ،‬وهويتها‪ ،‬جعل القيادات الفكرية السلمية تطلق صيحات‬
‫التحذير حول خطورة )الغياب( عن مجال حيوي كهذا‪ .‬استشعار الخطر حيال‬
‫واقع الفضائيات العربية‪ ،‬دفع بعض الفقهاء‪ ،‬إلى القول بأن مناط التحريم في‬
‫التصوير‪ ،‬هو العلقة المباشرة‪ ،‬بين الشرك وعبادة التماثيل‪ ،‬التي هي شكل‬
‫من أشكال التصوير‪ .‬هذا الرأي حّرض الفقهاء‪ ،‬لعادة النظر في حكم‬
‫سم منه فقط‪ ،‬مثل النحت وصناعة‬
‫صر تحريم التصوير‪ ،‬على المج ّ‬
‫التصوير‪ ،‬وَقَ ْ‬
‫ً‬
‫مّثل هذا الجتهاد الفقهي‪ ،‬تطورا غير مسبوق‪ ،‬في النظر إلى قضية‬
‫التماثيل‪َ .‬‬
‫التصوير‪ .‬بناًء على ذلك‪ ،‬اعتبر التصوير الفوتوغرافي‪ ،‬وكذلك التصوير‬
‫ي عنه‪.‬‬
‫التلفزيوني‪ ،‬غير داخلين في التصوير المحرم‪ ،‬والمنه ّ‬
‫م مسألة التصوير فقهيا ً فتح الباب لتجاوز أهم العقبات الفقهية والمهنية‬
‫َ‬
‫ح ْ‬
‫س ُ‬
‫أمام قيام عمل إعلمي إسلمي حديث‪ .‬مع ثورة التصال ودخول العالم‬
‫العربي تجربة البث الفضائي ظهرت تجارب فضائية )إسلمية( أخذت مكانها‬
‫في الفضاء العربي‪ ،‬واقتطعت حصة ل بأس بها‪ ،‬من جمهور الفضائيات‬
‫العربية‪.‬‬
‫الموسيقا‪:‬‬
‫هناك أحاديث شريفة‪ ،‬عن الرسول ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬تنص صراحة على‬
‫تحريم الموسيقى‪ .‬جاء ذلك تحديدا ً ضمن أحاديث نبوية تحرم الغناء وآلت‬
‫الطرب التي وصفتها الحاديث بـ )المعازف(‪ .‬العلماء الذين خرجوا على‬
‫الجماع بتحريم الغناء‪ ،‬والموسيقى التي تصاحبه‪ ،‬اشترطوا للتحريم أن يكون‬
‫ة وأداًء‪ .‬هذا الرأي لم يلق قبول ً لدى جمهور علماء‬
‫الغناء فاحشا ً ‪ ..‬كلم ً‬
‫المسلمين؛ فظل الرفض للغناء قائمًا‪ ،‬وبقي الموقف من الموسيقا‪ ،‬موضع‬
‫جدل‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الجدل حول الموسيقا زاد واتسع مع نمو وسائل العلم‪ ،‬وازدياد استخدام‬
‫الموسيقى في تلك الوسائل ‪ ..‬في غير الغناء ‪ .‬تطور الوضع بعد ذلك‪ ،‬حتى‬
‫صارت الموسيقى تستخدم في أمور أخرى غير وسائل العلم‪ .‬الجدل تطور‪،‬‬
‫واتخذ شكل الخلف على المصطلح‪ ،‬وصار السؤال‪ :‬هل هي موسيقا ‪،music‬‬
‫أم مؤثرات صوتية ‪.. Sound Effects‬؟‬
‫أصبحت المؤثرات الصوتية‪ ،‬جزءا ً أساسيا ً من تقنيات العمل العلمي‪ ،‬مثل‬
‫الضاءة‪ ،‬والصورة‪ ،‬و )الجرافيكس( ‪ .‬مع تطور تقنية الصوتيات الحديثة‪ ،‬التي‬
‫تستخدم الكمبيوتر في مزج الصوات‪ ،‬لم تعد اللت الموسيقية وحدها هي‬
‫وسيلة إنتاج المؤثرات الصوتية‪ .‬التقدم التقني في إنتاج المؤثرات الصوتية‪،‬‬
‫جعل الجدل الفقهي القديم حول الموسيقا‪ ،‬محل نقاش‪ ،‬وموضع نظر‪.‬‬
‫ً‬
‫اعتبر المهتمون بالعلم السلمي‪ ،‬تقنية إنتاج المؤثر الصوتي‪ ،‬فتحا ً كبيرا في‬
‫أسلمة العمل العلمي‪ ،‬وممارسته بطريقة مهنية حديثة‪ .‬صار هناك كلم عن‬
‫)بديل صوتي( للموسيقى‪ ،‬يتم مزجه الكترونيًا‪ ،‬من مجموع أصوات ُتستقى‬
‫من الطبيعة‪ ،‬ويقوم بدور المؤثر الصوتي الفقهاء اعتبروا ذلك حل ً )شرعيًا( ‪..‬‬
‫ومثل ذلك انطلقة مهنية للعمل العلمي الفضائي السلمي‪ ،‬وتجاوزا ً‬
‫لمشكلة أخرى‪ ،‬اقترنت بالتصوير‪ ..‬وظلت فترة طويلة عقبة تحول دون‬
‫مشاركة فاعلة للسلميين‪ ،‬في النشاط العلمي‪.‬‬
‫خاتمة‪:‬‬
‫دة‬
‫تمثل تجربة القنوات السلمية‪ ،‬عمل ً جديدا ً ومختلفًا‪ ،‬بكل المقاييس‪ .‬ج ّ‬
‫التجربة واختلفها ليس في مهنية العمل‪ ،‬أو في استخدام تقنية جديدة ‪..‬‬
‫خاصة بها‪ ،‬غير موجودة عند غيرها من القنوات‪ .‬التفرد كان في )الثورة(‬
‫النوعية‪ ،‬التي أحدثتها القنوات السلمية‪ ،‬في مجال البث الفضائي‪ .‬في وقت‬
‫لم تلتزم القنوات الفضائية الخرى‪ ،‬بأي ضابط يحكم طبيعة البث ونوعه‪ ،‬إل‬
‫ما كان له علقة بالتنظيمات )القانونية( في البلد الذي تعمل فيه ‪ ..‬وضعت‬
‫القنوات السلمية معايير صارمة ‪ ..‬أخلقيا ً ومهنيًا‪ ،‬تحكم سياستها في البث‪.‬‬
‫الحرية غير الملتزمة بقيود من أي نوع أعطى الفضائيات غير السلمية‬
‫هامشا ً كبيرا ً جدا ً للعمل‪ .‬في المقابل ‪ ..‬المعايير والضوابط الخلقية للقنوات‬
‫دت من استخدامها لكل ما هو‬
‫السلمية ضيقت هامش العمل لديها‪ ،‬وح ّ‬
‫)متاح(‪ ،‬في مجال العمل التلفزيوني ‪ ..‬مما يمكن أن )يجذب( المشاهدين‪،‬‬
‫بمختلف شرائحهم‪ ،‬كما هو حال الفضائيات الخرى‪.‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫مٌر آخر ُيحسب للقنوات الفضائية السلمية أنها نجحت في امتحان وإثبات‬
‫أ ْ‬
‫مبدأ "التعرض الختياري" ‪ ،Selective Exposure‬كأحد أهم الفروض التي تفسر‬
‫م التفاعل معها‪.‬‬
‫عملية اكتساب المعلومات ‪ ، Information Acquirement‬ومن ث ّ‬
‫وفق هذه الفرضية‪ ،‬فإن الفرد يختار أن يعّرض نفسه لمصدر معلومات‬
‫)معين(‪ ،‬ويتفاعل معه‪ ،‬ويتأثر بما فيه من معلومات ‪ ..‬ويكتسبها‪ ،‬على أساس‬
‫من احتياجه‪ .‬هذه النتيجة‪ ،‬تؤكد الحاجة لتوسيع هامش الختيار أمام المشاهد‬
‫العربي‪ ،‬بتشجيع قيام قنوات جادة‪ ،‬تسهم في الرتقاء بالوعي والثقافة‪ ،‬كما‬
‫أنها ‪-‬كذلك‪ -‬تدحض الزعم بربط تنامي السلوك المحافظ‪ ،‬والصحوة الدينية‪،‬‬
‫في أوساط المجتمعات العربية‪ ،‬بنفوذ أفراد ‪ ..‬أو مجموعات غامضة‪ ،‬تمارس‬
‫ضغوطا ً على الناس‪ ،‬لقناعهم بأفكارها‪ .‬التعرض الختياري‪ ،‬قرار شخصي‬
‫بحت‪ ،‬يتم بمعزل عن أي نفوذ لطرف خارجي‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إذا كانت أبرز الملمح النوعية لتجربة القنوات السلمية قدرُتها على تقديم‬
‫مضمون جاد‪ ،‬واستقطاب جمهور يهتم به ‪ ..‬في ظل أنماط متعددة لسلوك‬
‫إعلمي استهلكي‪ ،‬يعتمد على الثارة ‪ ..‬بمختلف أشكالها‪ ،‬فإنه يجب القرار‬
‫أن تجربة القنوات السلمية‪ ،‬ل تخلو من قصور مهني‪ ...‬حداثة التجربة‪،‬‬
‫ونقص الكوادر المدربة‪ ،‬من أهم السباب‪ ،‬وغياب الرؤية أحيانا ً ‪ ..‬سبب آخر‬
‫دعاء كذلك أن كل )الهداف( التي تقول القنوات الفضائية‬
‫مهم‪ .‬ل يمكن ال ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫السلمية إنها وضعتها‪ ،‬جزءا من سياستها‪ ،‬بوصفها إعلما إسلميا ‪ ..‬قد‬
‫تحققت‪ .‬استخدام العامية في تلك القنوات‪ ،‬ما زال موجودًا‪ ،‬وإن كان بنسبة‬
‫أقل من غيرها من القنوات‪ .‬بعض القنوات السلمية كذلك لم تستطع أن‬
‫تتخلص من الطابع المحّلي للبلد الذي تبث منه‪ ،‬خصوصا ً الهتمام بالحداث‬
‫ق ْ‬
‫طرّية‪ ،‬على حساب قضايا المة والحداث العالمية‪ .‬كما تسود‬
‫والفعاليات ال ُ‬
‫هيمنة الطابع الشخصي ‪ ..‬لمالكيها‪ ،‬أو القائمين عليها‪ ،‬فتؤثر على السمة‬
‫العامة لبرامجها‪ ،‬وعلى مستواها المهني‪.‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫العلم السلمي وخطر العولمة‬
‫ماد ‪8/6/1424‬‬
‫سهيلة زين العابدين ح ّ‬
‫‪06/08/2003‬‬
‫للعلم تأثير جد كبير وخطير على أنماط السلوك وطرائق التفكير‪ ،‬ول سيما‬
‫القنوات التلفازية الفضائية والنترنت‪ ،‬وهذا التأثير قد يكون سلبيا ً فيسهم في‬
‫ذوباننا في الخر‪ ،‬وفي إعدادنا تمام العداد لقبول العولمة والتسليم بها‬
‫كحقيقة مسلم بها‪ ،‬وهذا ما تعمل عليه للسف أغلب وسائل العلم في‬
‫عالمنا العربي والسلمي‪ ،‬من صحف ومجلت‪ ،‬وقنوات فضائية‪ ،‬ومواقع‬
‫للنترنت عربية وأجنبية‪ ،‬وأفلم سينمائية‪.‬‬
‫ومنها ما يكون إيجابيا ً في تصحيح كثير من المفاهيم‪ ،‬وأنماط السلوك‬
‫وطرائق التفكير‪ ،‬للحفاظ على هويتنا السلمية‪ ،‬ولتكوين رأي عام سليم تجاه‬
‫قضايا المة‪ ،‬والقنوات الفضائية ومواقع النترنت التي تسعى لتحقيق هذه‬
‫الهداف قليلة قد ل يتجاوز عددها عدد أصابع اليدين‪ ،‬في حين نجد الخرى قد‬
‫ما‬
‫يصل عددها إلى المئة‪ ،‬إضافة إلى القنوات الجنبية التي تبلغ المئات‪ ،‬وم ّ‬
‫يؤسف له حقا ً ما تقوم به بعض الشبكات التلفازية العربية المتخصصة من‬
‫شراء مواد سينمائية من بعض القنوات المريكية والوربية التي تبث أفلم‬
‫الرعب أو الفلم الباحية التي تؤثر سلبا ً على سلوك وأخلقيات أولدنا‪ ،‬وهذه‬
‫الفلم في الغالب يقوم على إنتاجها وتمويلها اليهود الصهاينة الذين يمتلكون‬
‫ن أكثر‬
‫معظم شركات إنتاج الفلم المريكية؛ إذ تشير بعض الحصائيات إلى أ ّ‬
‫من ‪ %90‬من العاملين في الحقل السينمائي المريكي إنتاجا ً وإخراجا ً وتمثيل ً‬
‫وتصويرا ً ومونتاجا ً هم من اليهود‪ ،‬وقالت صحيفة " الخبار المسيحية الحرة "‬
‫ن‬
‫عام ‪1938‬م عن سيطرة الصهيونية على صناعة السينما المريكية ‪" :‬إ ّ‬
‫صناعة السينما في أمريكا يهودية بأكملها‪ ،‬يتحكم فيها اليهود دون أن ينازعهم‬
‫فيها أحد‪ ،‬ويطردون منها كل من ل ينتمي إليهم أو ل يصانعهم‪ ،‬وجميع‬
‫ما من اليهود أو من صنائعهم‪ ،‬ولقد أصبحت هوليود بسببهم‬
‫العاملين فيها إ ّ‬
‫سدود العصر الحديث حيث تنحر الفضيلة‪ ،‬وتنشر الرذيلة‪ ،‬وتسترخص‬
‫العراض‪ ،‬وتنهب الموال دون رادع أو وازع‪ ،‬وهم يرغمون كل من يعمل‬
‫لديهم على تعميم ونشر مخططهم الجرامي تحت ستائر خادعة كاذبة‪ ،‬وبهذه‬

‫‪11‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الساليب القذرة أفسدوا الخلق في البلد‪ ،‬وقضوا على مشاعر الرجولة‬
‫مثل للجيال المريكية"‪ ،‬وختمت الصحيفة قولها‪" :‬أوقفوا‬
‫والحساس‪ ،‬وعلى ال ُ‬
‫هذه الصناعة المجرمة لّنها أضحت أعظم سلح يملكه اليهود لنشر دعايتهم‬
‫المضللة الفاسدة"‪.‬‬
‫كما يمتلك اليهود الصهاينة كبرى شبكات التلفاز العالمية‪ ،‬فبشراء عروض‬
‫القنوات الجنبية‪ ،‬والتنافس فيما بينها على ذلك فيه ترويج للفكر الصهيوني‬
‫وتحقيق أهدافه‪ ،‬وفيه دعم مادي لها‪.‬‬
‫وهم يسيطرون أيضا ً على كثير من وكالت النباء العالمية‪ ،‬ومركز‬
‫المعلومات‪ ،‬ويمتلكون أدوات متقدمة في صناعة العلم وفنونه؛ إذ يمتلك‬
‫الصهاينة أربع وكالت أنباء عالمية من خمس‪ ،‬كوكالة رويتر البريطانية‪،‬‬
‫والسوشيتد برس واليونايتد برس المريكيتْين‪ ،‬ووكالة هافاس الفرنسية‪،‬‬
‫وهذا يعني أن الذي يتحكم في صياغة وصناعة الخبر هم اليهود الصهاينة‪،‬‬
‫وإعلمنا في عالمْينا العربي والسلمي للسف الشديد يتلقى هذه الخبار من‬
‫هذه الوكالت‪.‬‬
‫أسلوب المواجهة‬
‫والسؤال الذي يطرح نفسه هو‪ :‬كيف يتسنى للعلم في العالم السلمي أن‬
‫يتغلب على إعلم ٍ هذه قوته؟‬
‫للسف الشديد؛ فإننا نفتقر إلى إعلم إسلمي بما تحمله هذه الكلمة من‬
‫معنى‪ ،‬فنحن ل نستطيع أن نعتبر إعلمنا إسلميا ً من خلل بعض القنوات‬
‫الفضائية المحدودة‪ ،‬أو من خلل بعض المجلت السلمية‪ ،‬وبعض مواقع‬
‫النترنت السلمية‪ ،‬فهذه ل تشكل شيئا ً يذكر أمام مئات الصحف والمجلت‬
‫وعشرات القنوات ومواقع الشبكة العنكبوتية التي تسير في فلك الصهيونية‬
‫والغرب‪ ،‬وتسهم في تقديم كل ما من شأنه نشر الفساد والنحلل‪ ،‬والسير‬
‫على نمط السلوك الغربي‪ ،‬وطرز الحياة الغربية‪ ،‬والتي تسلط الضواء من‬
‫خلل برامجها على من يتبنون الفكر الغربي بكل ما فيه من إباحية وإلحاد‪،‬‬
‫وجعلت منهم رموزا ً أدبية وفكرية لهذه المة‪ ،‬ومنحتهم الجوائز والوسمة في‬
‫مشت حملة الفكر السلمي‪ ،‬وعّتمت عليهم‪ ،‬وأغلقت أبوابها‬
‫حين نجدها ه ّ‬
‫ن هناك مفكرين إسلميين تسلط عليهم‬
‫في وجوههم‪ .‬قد يقول البعض إ ّ‬
‫الضواء‪ ،‬وأقول هنا إّنهم قلة قلية ل تشكل حقيقة عدد مفكري المة‬
‫وعلمائها‪ ،‬وتسلط الضواء على هؤلء حتى ل يوجه إليها نقد بعدم تقديمها‬
‫لعلماء ومفكرين إسلميين‪ ،‬وللطلب الملح من القراء والمشاهدين‬
‫ما يواجههم من‬
‫والمستمعين لمعرفة موقف الدين من قضايا العصر‪ ،‬وم ّ‬
‫ن أغلب القائمين على العلم في عالمنا العربي‬
‫مشاكل‪ ،‬فللسف الشديد أ ّ‬
‫والسلمي بجميع وسائله من ذوي الفكر العلماني‪ ،‬لذا فهم يروجون لمن‬
‫يوافق أهواءاهم وتوجهاتهم الفكرية‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫فنحن ل نستطيع التغلب على الحملت الصهيونية والغربية الموجهة الن‬
‫بضراوة ضد السلم والمسلمين‪ ،‬ومحاربة كل ما هو إسلمي في أي مكان‬
‫في العالم إل ّ إذا جعلنا القيادات العلمية في عالمنا العربي والسلمي من‬
‫ن لدينا إعلما ً‬
‫الوسطيين من حملة الفكر السلمي‪،‬عندئذ نستطيع القول إ ّ‬
‫إسلميًا‪.‬‬
‫مقترحات إعلمية للمواجهة‬

‫‪12‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عندما يكون لدينا إعلم إسلمي علينا أن ننشئ وكالة أنباء عالمية إسلمية‬
‫تصيغ الخبر صياغة صحيحة تتوافق مع طبيعة الحدث وملبساته وخلفياته‪ ،‬وأن‬
‫نقدم برامج تتفق مع قيم ومبادئ ديننا‪ ،‬ول تخالف أسس العقيدة السلمية‬
‫وأخلقيات هذا الدين‪ ،‬وتسهم في تكوين رأي عام عالمي سليم تجاه قضايانا‪،‬‬
‫ت وكتبا ً‬
‫وتعمل على الحفاظ على الهوية السلمية‪ ،‬وأن تصدر صحفا ً ومجل ٍ‬
‫بمختلف اللغات الجنبية إلى جانب اللغة العربية‪ ،‬وأن تبث قنوات فضائية‪،‬‬
‫ومواقع للنترنت بمختلف اللغات تعرض قيم ومبادئ السلم وتاريخه وفكره‬
‫وقضاياه‪ ،‬والسؤال الذي يطرح نفسه هو‪:‬‬
‫كيف يستطيع العلم في العالم السلمي ‪،‬وقد دخل فضاء العولمة عبر‬
‫القمار الصناعية ومحطات البث التلفزيوني خارج الحدود أن ينهض بالمة‬
‫ويحافظ على هويتها واستقلليتها؟‬
‫ن العلم في العالم السلمي ل يستطيع‬
‫وأقول هنا جوابا ً عن هذا السؤال‪ :‬إ ّ‬
‫النهوض بهذا الدور مالم يكن إعلما ً إسلميًا؛ إذ كيف يستطيع القيام بهذا‬
‫الدور‪ ،‬ومعظم القيادات العلمية فيه علمانية‪ ،‬ولن يكون العلم في عالمنا‬
‫العربي والسلمي إعلما ً إسلميا ً إل ّ إذا تولت قيادته قيادات إعلمية ذات‬
‫توجه إسلمي‪ ،‬والتزمت بميثاق "جاكرتا" للعلم السلمي الذي وّقعت عليه‬
‫ما يقرب من ‪ 450‬شخصية إعلمية إسلمية قبل حوالي ‪ 23‬عامًا‪ ،‬ومن أهم‬
‫بنود هذا الميثاق‪:‬‬
‫‪ -1‬ترسيخ اليمان بقيم السلم ومبادئه الخلقية‪.‬‬
‫‪ -2‬العمل على تكامل الشخصية السلمية‪.‬‬
‫‪ -3‬تقديم الحقيقة له خالصة في حدود الداب السلمية‪.‬‬
‫‪ -4‬توضيح واجباته تجاه الخرين وبحقوقه وحرياته الساسية‪.‬‬
‫‪ -5‬العمل على جمع كلمة المسلمين‪ ،‬ودعوتهم إلى التحلي بالعقل والخوة‬
‫السلمية والتسامح في حل مشكلتهم‪ ،‬مع اللتزام بمجاهدة الستعمار‬
‫واللحاد في كل أشكاله والعدوان في شتى صوره والحركات الفاشية‬
‫والعنصرية‪ ،‬وبمجاهدة الصهيونية واستعمارها الستيطاني المدعم بأشكال‬
‫القمع والقهر التي يمارسها العدو الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني‬
‫والشعوب العربية‪.‬‬
‫‪ -6‬التدقيق فيما يذاع وينشر ويعرض حماية للمة السلمية وبقيمها‬
‫ومقدساتها ودرء الخطار عنها‪.‬‬
‫‪ -7‬أداء رسالتهم في أسلوب عف كريم حرصا ً على شرف المهنة‪ ،‬وعلى‬
‫الداب السلمية‪ ،‬فل يستخدمون ألفاظا ً نابية‪ ،‬ول ينشرون صورا ً خليعة‪ ،‬ول‬
‫يتعاملون بالسخرية والطعن الشخصي والقذف والسب والشتم وإثارة الفتن‪،‬‬
‫ونشر الشائعات وسائر المهاترات‪.‬‬
‫‪ -8‬المتناع عن نشر كل ما يمس الداب العامة أو يوحي بالنحلل الخلقي‪ ،‬أو‬
‫يرغب في الجريمة والعنف والنتحار‪ ،‬أو يبعث الرعب‪ ،‬أو يثير الغرائز سواء‬
‫بطريق مباشر أو غير مباشر‪ ،‬واليقظة الكاملة لمواجهة الفكار والتيارات‬
‫المعادية للسلم‪.‬‬
‫‪ -9‬المتناع عن إذاعة ونشر العلن التجاري في حال تعارضه مع الخلق‬
‫العامة والقيم السلمية‪.‬‬
‫‪ -10‬اللتزام بنشر الدعوة السلمية والتعريف بالقضايا السلمية‪ ،‬والدفاع‬
‫عنها‪ ،‬وتعريف الشعوب السلمية بعضها ببعض‪ ،‬والهتمام بالتراث السلمي‪،‬‬
‫والتاريخ والحضارة السلمية‪ ،‬ومزيد العناية باللغة العربية‪ ،‬والحرص على‬
‫سلمتها ونشرها بين أبناء المة السلمية‪ ،‬وبالخصوص بين القليات‬
‫‪13‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السلمية‪.‬‬
‫‪ -11‬إحلل الشريعة السلمية محل القوانين الوضعية لسترجاع السيادة‬
‫التشريعية للقرآن الكريم والسنة النبوية‪.‬‬
‫ن هذا من أهم الوسائل التي تم ّ‬
‫كن إعلمنا من النهوض بالمة‬
‫اعتقد أ ّ‬
‫السلمية‪ ،‬والمحافظة على هويتها واستقللها‪ ،‬ولكن أين العلم العربي‬
‫والسلمي من‬
‫)‪(2 /‬‬
‫العلم السلمي ودوافع المسؤولية فيه‬
‫)‪(2/2‬‬
‫بقلم ‪ :‬الستاذ محمد خير رمضان يوسف‬
‫سا ‪ :‬خشية الّله في السر والعلن ‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫خشية الله تعالى والخوف من عقابه ووعيده إحدى الدوافع الرئيسة للجهر‬
‫بالحق وعدم اتباع الباطل ‪ .‬وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم ُتذ ّ‬
‫كر‬
‫ب عليه في الصغيرة والكبيرة ‪ ،‬وأن‬
‫س ُ‬
‫سي ُ َ‬
‫حا َ‬
‫المؤمن بما يؤول إليه أمره‪ ،‬وما َ‬
‫الفضل له أن يزن أعماله قبل أن توزن ‪ ،‬ويفاجأ بما لم يقدر مسؤوليته فيما‬
‫فعله‪ .‬وقد تنوع السلوب البلغي والبياني والنفسي في هذه اليات في‬
‫المجتمع ومركز كل فرد ونشاطه الجتماعي ‪.‬‬
‫)أ( نداء اليمان ‪:‬‬
‫جه من الله تعالى هو لمن‬
‫والمقصود من ذكر هذه الفقرة أن النداء المو ّ‬
‫قنون أخباره الواردة في القرآن الكريم والحديث‬
‫يؤمنون بالغيب ‪ ،‬ويتي ّ‬
‫جه‬
‫الصحيح‪ ،‬ويتصورون اليوم الخر كما أخبر به‪ .‬أما من ليؤمن بالغيب فل ُيو ّ‬
‫إليه مثل هذا ‪ .‬إذ كيف يقال لمن ليؤمن بالله واليوم الخر إنك إذا لم تعدل‬
‫حَرم من‬
‫ما وست ُ ْ‬
‫ولم تتق الله في نفسك وأهلك ومجتمعك فستنال عذاًبا ألي ً‬
‫النعيم الخالد؟ ‪ ..‬ومن هنا نستنتج أن خشية الله محصورة في المؤمنين؛‬
‫ور منهم الخشية ‪،‬‬
‫لنهم هم الذين يؤمنون بالغيب ‪ .‬أما غير المؤمنين فل ي َُتص ّ‬
‫ور في حقهم الدافعُ الحقيقي لعتبار المسؤولية كما هو بيت‬
‫ومن ثم فل ي ُت َ َ‬
‫ص ّ‬
‫ً‬
‫القصيد في حديثنا هذا! أي أنه لي ُعَْتمد عليهم رجال مخلصين في أعمالهم‬
‫لبناء الوطن ‪ ،‬والمجتمع المسلم ‪ ،‬وتربية أجياله ‪.‬‬
‫ولنسرد بعض اليات الكريمة التي تبين أن خشية الله الحي فيمن يؤمنون‬
‫بالغيب‪:‬‬
‫ب? )يس‪. (11:‬‬
‫ن ات ّب َعَ الذ ّك َْر وَ َ‬
‫خ ِ‬
‫حما َ‬
‫ي الّر ْ‬
‫?إ ِّنما ت ُن ْذُِر َ‬
‫ن ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫ش َ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫خ َ‬
‫ن? )النبياء‪.(49 :‬‬
‫شفِ ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ِ‬
‫قو ْ َ‬
‫شو ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ساعَةِ ُ‬
‫ب وَهُ ْ‬
‫ن َرب ّهُ ْ‬
‫م ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫?ا َل ّذِي ْ َ‬
‫َ‬
‫?ق ْ‬
‫ي عَ َ‬
‫م? )النعام ‪. (51 :‬‬
‫ل إ ِّني أ َ‬
‫خا ُ‬
‫ذا َ‬
‫ف إِ ْ‬
‫صي ْ ُ‬
‫ن عَ َ‬
‫ت َرب ّ ْ‬
‫ب ي َوْم ٍ عَظ ِي ْ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ح َ‬
‫م? )النعام ‪. (51 :‬‬
‫ن يَ َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫خافُوْ َ‬
‫شُرْوا ِإلى َرب ّهِ ْ‬
‫?وَأن ْذِْر ِبه الذِي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ص َ‬
‫خ َ‬
‫سوَْء‬
‫م وَي َ َ‬
‫ل وَي َ ْ‬
‫ن يَ ِ‬
‫خافُوْ َ‬
‫شو ْ َ‬
‫مَر الله ِبه أ ْ‬
‫صل ُوْ َ‬
‫ن ُ‬
‫ن َرب ّهُ ْ‬
‫ما أ َ‬
‫ن َ‬
‫ن ي ّوْ َ‬
‫?َوال ّذِي ْ َ‬
‫ب? )الرعد‪.(21:‬‬
‫ال ِ‬
‫ح َ‬
‫سا ِ‬
‫)ب( الترغيب والترهيب ‪:‬‬
‫الخشية من الله تعالى ُتوِلد في نفس المرء الرغبة في رضائه وطلب ثوابه ‪،‬‬
‫وهو اعتراف منه بضعفه أمام خالقه وتسليم بأمره وتنفيذ لوامره‪ .‬كما ت َب َْعث‬
‫في نفسه الرهبة من اليوم الكبر ‪ .‬حيث سيجازى ك ٌ‬
‫ل بما عمل وقدم ‪ .‬فل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن?‬
‫وا لَنا َ‬
‫خا ِ‬
‫شعِي ْ َ‬
‫ينفع إل العمل الصالح ‪ .‬قال تعالى ‪? :‬وَي َد ْعُوْن ََنا َرغًَبا وََرهًَبا وَكان ُ ْ‬
‫)النبياء‪(90:‬‬

‫‪14‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫?يبتغُون إلى ربهم الوسيَلة أ َيه َ‬
‫ن عَ َ‬
‫ذاَبه?‬
‫مَته وَي َ َ‬
‫خافُوْ َ‬
‫ن َر ْ‬
‫جو ْ َ‬
‫ب وَي َْر ُ‬
‫م أقَْر ُ‬
‫َ ِّ ْ َ ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ُّ ْ‬
‫ََْ ْ َ ِ‬
‫)السراء‪.(57 :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عْيد?‬
‫م َ‬
‫ي وَ َ‬
‫ن َ‬
‫ف وَ ِ‬
‫خا َ‬
‫خا َ‬
‫قا ِ‬
‫ض ِ‬
‫?وَل َن ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫م ذال ِك ل ِ َ‬
‫مْنم ب َعْدِهِ ْ‬
‫سك ِن َن ّك ُ ْ‬
‫م الْر َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫)إبراهيم‪.(14:‬‬
‫)ج( التخويف بالعقوبة الدنيوية ‪:‬‬
‫وهو نوع من أنواع الوعيد ‪ .‬وفيه تلميح إلى أن النفس النسانية تختلف من‬
‫شخص إلى آخر‪ ،‬ومن جيل إلى جيل‪ ،‬ومن بيئة إلى أخرى‪ .‬ولكل فئة أو طبقة‬
‫أساليب خاصة للردع ‪ .‬فهذا يرتدع بالتخويف من النار‪ ،‬وآخر بعقوبة عاجلة ‪،‬‬
‫أما بمرض أو فقر أو ابتلء بالمل أو الجاه ‪.‬‬
‫والمهم في القول هنا أن الذي يأخذ بهذه العَِبر ويستفيد من هذه الدروس‬
‫ويتعظ بهذه الخبار‪ ،‬هو المؤمن الحقيقي ‪ .‬الذي عندما يسمع مثل هذا الخبر‬
‫يرى وكأن الذنب مثل جبل يريد أن يقع عليه ‪ .‬فيخشى الله ويرتدع ‪.‬‬
‫مث ْ َ‬
‫قال عز وجل ‪? :‬وََقا َ‬
‫ب‪.‬‬
‫ن َياقَوْم ِ إ ِّني أ َ َ‬
‫خا ُ‬
‫م ِ‬
‫ل ي َوْم ِ ال ْ‬
‫ف عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ل ال ّذِيْ آ َ‬
‫حَزا ِ‬
‫م َ‬
‫مث ْ َ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ما ل ِلعَِباِد?‬
‫ب قَوْم ِ ن ُوٍْح وّ َ‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫ه ي ُرِي ْد ُ ظل ً‬
‫ما الل ُ‬
‫م وَ َ‬
‫ن ب َعْدِهِ ْ‬
‫عاد ٍ وّ ث َ ُ‬
‫ل د َأ ِ‬
‫م ْ‬
‫مود َ َوالذِي ْ َ‬
‫)غافر‪.(31-30:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م?‬
‫خال ِ ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫م فِت ْن َ ٌ‬
‫ة أوْ ي ُ ِ‬
‫ن تُ ِ‬
‫م عَذا ٌ‬
‫ره أ ْ‬
‫فو ْ َ‬
‫?فَل ْي َ ْ‬
‫ب أل ِي ْ ٌ‬
‫صي ْب َهُ ْ‬
‫صي ْب َهُ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ن عَ ْ‬
‫حذ َرِ ال ّذِي ْ َ‬
‫م ِ‬
‫)النور‪.(63:‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫وا ات ّ ُ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ي ِ‬
‫ماب َ ِ‬
‫ن ‪ .‬فَإ ِ ْ‬
‫ن الّرَبا إ ِ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫م ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ه وَذ َُرْوا َ‬
‫وا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫من ِي ْ َ‬
‫م َ‬
‫ق َ‬
‫ق ْ‬
‫من ُ ْ‬
‫?َيآ أي َّها ا ْل ّذِي ْ َ‬
‫سوِله ‪) ?...‬البقرة‪.(279-278 :‬‬
‫تَ ْ‬
‫وا ب ِ َ‬
‫ن اللهِ وََر ُ‬
‫ب ّ‬
‫حْر ٍ‬
‫م َ‬
‫وا فَأذ َن ُ ْ‬
‫فعَل ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا‬
‫ن يّ ْ‬
‫ساًدا أ ْ‬
‫سَعو َ‬
‫حارُِبو َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ما َ‬
‫ض فَ َ‬
‫سوَله وَي َ ْ‬
‫ه وََر ُ‬
‫ن الل َ‬
‫?إ ِن ّ َ‬
‫قت َل ُ ْ‬
‫جَزآُء ال ّذِي ْ َ‬
‫ن ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ض ذال ِ َ‬
‫م‬
‫ف أوْ ي ُن ْ َ‬
‫وا أوْ ت ُ َ‬
‫ن ِ‬
‫وا ِ‬
‫م ِ‬
‫خل َ ٍ‬
‫م وَأْر ُ‬
‫ك لهُ ْ‬
‫جلهُ ْ‬
‫قطعَ أي ْدِي ْهِ ْ‬
‫أوْ ي ُ َ‬
‫م َ‬
‫ف ْ‬
‫م ْ‬
‫صلب ُ ْ‬
‫ن الْر ِ‬
‫خَرةِ عَ َ‬
‫م? )المائدة‪.(33:‬‬
‫م ِفي ال ِ‬
‫ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ب عَظ ِي ْ ٌ‬
‫خْزيٌ ِفي الد ّن َْيا وَل َهُ ْ‬
‫)د( عدم اتباع الهوى ‪:‬‬
‫وهناك معارضة بين خشية الله وبين اتباع الهوى‪ .‬فالذي يتبع هواه ليخشى‬
‫الله حق خشيته‪ ،‬والذي يخشى الله ليتبع هواه ‪ .‬بل يتبع المنهج الذي أمر الله‬
‫تعالى به ‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مأواى?‬
‫م َرب ّهِ وَن ََهى الن ّ ْ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫جن ّ َ‬
‫خا َ‬
‫ن ال َ‬
‫ن الَهواى فإ ِ ّ‬
‫قا َ‬
‫ي ال َ‬
‫ف َ‬
‫ما َ‬
‫?وَأ ّ‬
‫ف َ‬
‫ة هِ َ‬
‫م ْ‬
‫س عَ ِ‬
‫)النازعات‪.(40:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫َ‬
‫سط ْ ّ َ‬
‫ك ل َقْت ُل َ َ‬
‫ط ي ّدِيَ إ ِل َي ْ َ‬
‫ى ي َد َ َ‬
‫ه‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫ي أَ َ‬
‫خا ُ‬
‫س ٍ‬
‫ما أَنا ب َِبا ِ‬
‫ن بَ َ‬
‫ف الل َ‬
‫ي َ‬
‫ك ِإن ْ‬
‫قت ُل َن ِ ْ‬
‫?ل َئ ِ ْ‬
‫ت إ ِل ّ‬
‫ن? )المائدة‪.(28:‬‬
‫ب الَعال َ ِ‬
‫َر ّ‬
‫مي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‪) ?..‬النفال‪.(48:‬‬
‫ن إ ِّني أ َ‬
‫خا ُ‬
‫مال َت ََروْ َ‬
‫ف الل َ‬
‫م إ ِّني أراى َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ريٌء ّ‬
‫?إ ِن ّ ْ‬
‫ي بَ ِ‬
‫ضل ّ َ‬
‫ه? )ء‪.(26:‬‬
‫ل الل ِ‬
‫حقّ وَل َت َت ّب ِِع الَهواى فَي ُ ِ‬
‫س ِبال ْ َ‬
‫?َفا ْ‬
‫ن َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫سب ِي ْ ِ‬
‫ك عَ ْ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫)هـ( خشية الله وحده ‪:‬‬
‫ب‬
‫وهنا تأتي العزيمة والقوة ‪ ،‬ويتبين فيها المؤمن الحقيقي من الذي لم تشرئ ّ‬
‫سه باليمان‪ .‬فالحياة الجادة ‪ ،‬والمسؤولية المناطة بالمسلم تتطلب منه أن‬
‫نف ُ‬
‫يبين عزيمته ويظهر رأيه كما يطلب منه السلم‪ .‬وليخشى في الله لومة لئم‬
‫‪ .‬وليخاف بشًرا ناصيته بيد الله ‪ .‬هو مخلوق ليملك إل قوة إنسانية محدودة‬
‫هبّنه صوته وسلحه وجنده ‪ .‬فإن‬
‫ليمده الله بعون ولقوة من عنده ‪ .‬ولُير ِ‬
‫ماعند الله أكبر وأجزى ‪ .‬وأمامه أحدى الحسنيين ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قَتا ُ‬
‫شي َةِ الله أوْ أ َ‬
‫خ ْ‬
‫خ َ‬
‫سك َ‬
‫م يَ ْ‬
‫م ال ِ‬
‫شد ّ‬
‫شو ْ َ‬
‫ما ك ُت ِ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ل إ َِذا فَرِي ْقٌ ّ‬
‫ب عَل َي ْهِ ُ‬
‫?فَل َ ّ‬
‫ن الّنا َ‬
‫خ ْ‬
‫ة? )النساء‪.(77:‬‬
‫َ‬
‫شي َ ً‬

‫‪15‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مًنا قَل ِي ْ ً‬
‫ن وَل َت َ ْ‬
‫خ َ‬
‫خ َ‬
‫ل? )المائدة‪. (44:‬‬
‫س َوا ْ‬
‫?فَل َ ت َ ْ‬
‫ي ثَ َ‬
‫وا الّنا َ‬
‫شت َُرْوا ِبآياات ِ ْ‬
‫شو ْ ِ‬
‫ش ُ‬
‫م? )المائدة‪.(54:‬‬
‫ل اللهِ وَل َي َ َ‬
‫م َ‬
‫خافُوْ َ‬
‫جاهِد ُوْ َ‬
‫?ي ُ َ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ن ل َوْ َ‬
‫سب ِي ْ ِ‬
‫ة ل َئ ِ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ن?‬
‫م وَ َ‬
‫ف أوْل َِياَءه فل ت َ َ‬
‫ن يُ َ‬
‫خو ّ ُ‬
‫مؤ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫م الشي ْطا ُ‬
‫م ُ‬
‫ن كن ْت ُ ْ‬
‫خافوْهُ ْ‬
‫ما ذال ِك ُ‬
‫?إ ِن ّ َ‬
‫من ِي ْ َ‬
‫خافوْ ِ‬
‫)آل عمران‪.(175 :‬‬
‫)و( الهداية والعلم سببان للخشية ‪:‬‬
‫قَهه الله في دينه ‪ ،‬وهداه إلى صراطه‪ ،‬وجّنبه زيغ الشيطان ‪،‬وكله‬
‫فمن ف ّ‬
‫بحفظه ورعايته‪ .‬ليضل به الطريق وليتيه ولو كان في مجتمع جاهلي‪ .‬والعلم‬
‫يبعث في النفس البهار والكبار لبديع صنع الله تعالى‪ ،‬ولذاته وأسمائه‬
‫وصفاته عز وجل ‪ .‬فترى المؤمن الخاشع يبتعد عن الرذائل والمعاصي‬
‫والمنكرات ‪ .‬ويقبل على تهذيب نفسه وتربية أسرته وإصلح مجتمعه ‪.‬‬
‫ك ِإلى َرب ّ َ‬
‫?وَأ َهْدِي َ َ‬
‫خشى? )النازعات‪(19:‬‬
‫ك فَت َ ْ‬
‫مال ََنا أ َل ّ ن َت َوَك ّ َ‬
‫سب ُل ََنا? )إبراهيم‪.(12:‬‬
‫ل َ‬
‫على اللهِ وَقَد ْ هَ َ‬
‫داَنا ُ‬
‫?وَ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ما? )طه‪.(112:‬‬
‫ن فَل ي َ َ‬
‫خا ُ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫حا ِ‬
‫ل ِ‬
‫ما وَلهَ ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫ض ً‬
‫ف ظل ً‬
‫ت وَهُوَ ُ‬
‫ن ي ّعْ َ‬
‫?وَ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ٌ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فوٌْر? )فاطر‪. (28:‬‬
‫ه عَزِي ٌْز غ ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ِ‬
‫خشاى الله ِ‬
‫عَباِده العُلمآُء إ ِ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫?إ ِن ّ َ‬
‫م ْ‬
‫)ز( رضى الله ‪ ..‬وتأييده لمن يخشاه ‪:‬‬
‫إن الذي يخشى الله وُيح ّ‬
‫كم شرعه في أقواله وأفعاله‪ ،‬فيطيع ما أمر به‪،‬‬
‫وينتهي عما نهى عنه‪ ،‬إنما يجلب بذلك رضى الله وتوفيقه وعونه له‪ .‬ورضاء‬
‫الله أقصى مايتمناه المؤمن‪ .‬بل هو أعلى الدرجات التي يمنحها الله لعباده‬
‫المؤمنين يوم القيامة عندما يسكنهم الجنة‪.‬‬
‫وا عَْنه ذال ِ َ‬
‫ي َرّبه? )البينة‪. (8:‬‬
‫ن َ‬
‫خ ِ‬
‫?َر ِ‬
‫م وََر ُ‬
‫ك لِ َ‬
‫ه عَن ْهُ ْ‬
‫ي الل ُ‬
‫ش َ‬
‫م ْ‬
‫ض ْ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫ن? )البقرة‪. (38:‬‬
‫دايَ فَل َ َ‬
‫خو ْ ٌ‬
‫حَزن ُوْ َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ن ت َب ِعَ هُ َ‬
‫م وَل َهُ ْ‬
‫ف عَلي ْهِ ْ‬
‫?ف َ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫معَ ُ‬
‫?َقا َ‬
‫معُ وَأراى? )طه‪. (46:‬‬
‫ل ل َت َ َ‬
‫كما أ ْ‬
‫س َ‬
‫ي َ‬
‫خاَفا إ ِن ّن ِ ْ‬
‫سابًعا ‪ :‬حب المبدأ والحماس للتبليغ ‪:‬‬
‫إذا كنا قد بينا في الفقرة السابقة أن خشية الله تعالى دافع أساسي للشعور‬
‫بالمسؤولية ‪ ،‬فل يعني هذا أن العلقة بين المسلم والعلم بدينه قائمة على‬
‫الخوف والرهبة فقط ‪ .‬لن أساس عقيدة المسلم هو اليمان‪ ،‬والتسليم بما‬
‫جاء به السلم عقيدة وشريعة‪ .‬واليمان بالمبدأ يعني حّبه والتفاني في‬
‫الدعوة إليه والذب عنه ‪ ،‬لنه يمثل الحياة الفكرية والروحية التي ليرى عنها‬
‫المرء بديل ً ‪ ،‬ولو أدى ذلك إلى التأثير في نفسه وأهله وماله كما يحدث‬
‫للدعاة المخلصين والمجاهدين في سبيل الله ‪.‬‬
‫ومن ثم نرى أن اليمان العميق والحماس للتبليغ يمثلن أهم أركان‬
‫المسؤولية العلمية في السلم ‪ ..‬فاليمان الكامل يصنع البطال ‪ ،‬وينفخ‬
‫فيهم روح الحركة والتحفز‪ ،‬ولهيب الجهاد والمعركة‪ ،‬ويفتح أمامهم نور‬
‫سب َ َ‬
‫ل الرشد والصلح‪ .‬ولتخبو هذه الحركة في قلبه‬
‫الدعوة والهداية‪ ،‬و ُ‬
‫مادامت روحه في جسده ‪ ،‬ولينطفئ حماسها مادام قلبه ينبض بالحياة‪ .‬وإذا‬
‫كان اليمان مستمًرا على هذا النحو‪ ،‬فإن الدعوة المنبثقة منه تبقى مستمرة‬
‫نافذة في كيانه وجوارحه‪ ،‬ودافًعا للمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬والعمل‬
‫الصالح ‪.‬‬
‫وعلى الداعية أن يكون ثابًتا في إيمانه‪ ،‬لتهزه قوة الكفر‪ ،‬وليزعزعه بلء‬
‫ومحنة ‪ .‬أما اليمان الضعيف‪ ،‬فإنه أدعى إلى التهالك والسقوط وعدم‬
‫الثبات ‪ .‬فليكاد يصمد أمام اختبار يسير ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫صاب َْته‬
‫صاَبه َ‬
‫ه َ‬
‫?وَ ِ‬
‫ن ِبه وَإ ِ ْ‬
‫مأ ّ‬
‫ف فَإ ِ ْ‬
‫حْر ٍ‬
‫على َ‬
‫خي ٌْر ناط َ‬
‫ن ي َعْب ُد ُ الل َ‬
‫س َ‬
‫نأ َ‬
‫نأ َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مب ِْين?)‬
‫ة نان ْ َ‬
‫هو ال ُ‬
‫جِهه َ‬
‫ب َ‬
‫خَرةَ ذال ِك ُ‬
‫سَر الد ّن َْيا َوال ِ‬
‫فِت ْن َ ٌ‬
‫خ ِ‬
‫سَرا ُ‬
‫على وَ ْ‬
‫قل َ‬
‫خ ْ‬
‫ن ال ُ‬
‫‪. (15‬‬
‫‪16‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(2 /‬‬
‫وإن لنا العبرة في حياة نوح عليه السلم مع قومه‪ ،‬فقد لبث معهم ألف سنة‬
‫ما‪ ،‬وهو ليكل من الدعوة وليمل من التبليغ‪ .‬ولم يؤثر هذا‬
‫إل خمسين عا ً‬
‫الوقت الطويل وهذا العراض المستمر على إيمانه أو دعوته من يأس أو‬
‫قنوط؛ بل بقي كذلك‪ ،‬مطيًعا لربه‪ ،‬مبلًغا لعقيدته‪ ،‬حتى أتاهم أمر الله ‪ .‬وهكذا‬
‫قا‪ ،‬بحرارة وحماس‪ ،‬يأخذ‬
‫ينبغي أن يكون اليمان في قلب الداعية‪ ،‬ثابًتا وعمي ً‬
‫عليه كل حسه وكيانه‪ ،‬فل يشعر إل أنه وجد لداء وظيفة في هذه الحياة‪،‬‬
‫يطّبقها في سائر وظائفه‪(16).‬‬
‫ثامًنا ‪ :‬أمثلة توضيحية عن الخشية من الله وقول الحق‬
‫‪ -1‬نماذج تطبيقية عن الشعور بالمسؤولية‪:‬‬
‫ونقتصر في هذه الفقرة على بعض ماورد في سيرة الفاروق عمر رضي الله‬
‫عنه‪:‬‬
‫دا على ولة القاليم‪ ،‬يبتدع الوسائل‬
‫كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شدي ً‬
‫التي تضمن له استمرار الطلع على مايجرونه في مناطقهم من العمال‪،‬‬
‫ويبالغ في التصال بالرعايا ومعرفة مايشكونه من الظلم والحيف‪ .‬وقد سن‬
‫دستوًرا لتصرفات الولة اشتمل على المبادئ الساسية التية ‪:‬‬
‫)أ( أنه كان ُيحصي مكاسب الوالي عقاًرا ومنقول ً ومال ً قبل الولية ليحاسبه‬
‫بها على مازاده بعد الولية مما ليدخل في عداد الزيادة المعقولة‪ .‬ومن تعلل‬
‫بالتجارة لم يقبل منه دعواه لنه كان يقول للولة‪ :‬إنما بعثناكم ولة ولم‬
‫نبعثكم تجاًرا‪.‬‬
‫)ب( أنه كان يرصد لهم الرقباء والعيون من حولهم ليبلغوه ماظهر وماخفي‬
‫من أمرهم‪ .‬حتى كان الوالي من كبار الولة وصغارهم يخشى من أقرب‬
‫الناس إليه أن يرفع نبأه إلى الخليفة ‪.‬‬
‫)ج( أنه بعث وكلء مختصين يجمعون شكايات الشاكين والمتظلمين ويتولى‬
‫التحقيق والمراجعة فيها ليستوفي البحث فيما يرفعه إليه الوكلء والرقباء ‪.‬‬
‫)د( أمره للولة والعمال أن يدخلوا إلى أوطانهم نهاًرا إذا رجعوا إليها من‬
‫مراكز حكمهم ليظهر معهم ماحملوه في عودتهم ويتصل خبره بالحراس‬
‫والرصاد الذين يقيمهم على ملقي الطريق‪.‬‬
‫)هـ( استقدامه للولة في كل موسم من مواسم الحج ليحاسبهم ويسمع‬
‫مايقولون وماُيقا ُ‬
‫ل فيهم‪ ،‬وعليهم شهود ممن يشاء أن يحضر الموسم من‬
‫أهل البلد)‪ .(17‬فكان العمال يخافون الفتضاح على رؤوس الشهاد‪،‬‬
‫فيتجنبون ظلم الرعية‪ ،‬ويسيرون بين الناس بالعدل والنصاف‪(18).‬‬
‫ذكر المام الطبري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‪ :‬لئن عشت إن‬
‫شاء الله لسيرن في الرعية حو ً‬
‫ل‪ ،‬فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني‪.‬‬
‫أما عمالهم فل يرفعونها إلى‪ ،‬وأما هم فل يصلون إلى؛ فأسير إلى الشام‬
‫فأقيم بها شهرين‪ ،‬ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين‪ ،‬ثم أسير إلى‬
‫مصر فأقيم بها شهرين‪ ،‬ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين‪ ،‬ثم أسير‬
‫إلى الكوفة فأقيم بها شهرين‪ ،‬ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين‪ ،‬والله‬
‫لنعم الحول هذا!)‪(19‬‬
‫لما جاء عام الجوع وأصاب المنطقة قحط شديد‪ ،‬أقسم عمر أل يذوق‬
‫السمن ويأكل طيًبا حتى يفتح الله على المسلمين‪ .‬وبقى عامه على هذا‬
‫الحرمان والمسلمون يرون حاله فيشفقون عليه من الجهد الذي يبذله‪ ،‬حتى‬
‫بسر وجهه من أكل الزيت مع قلة الطعام الذي يتناوله ورداءته‪ ،‬حتى لقد ذكر‬

‫‪17‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أحد الصحابة بالحرف‪" :‬كنا نقول‪ :‬لو لم يدفع الله عام الرمادة لظننا أن عمر‬
‫ما بأمر المسلمين" ‪ .‬ويرجوه أصحابه أن يرأف بنفسه ويشفقون‬
‫سيموت ه ً‬
‫عليه من الجهد الذي يبذله‪ ،‬ويبيحون له – عن طيب خاطر منهم – أن يأخذ‬
‫من بيت المال مايصلح به شأنه؛ ولكنه يرفض ذلك ويصّر على رفضه الحاسم‬
‫قائ ً‬
‫ل‪ :‬وكيف يعنيني أمر الرعية إذا لم يمسنى مايمسهم؟ إنه هنا يقدم لنا‬
‫شعاًرا اجتماعًيا‪ ،‬هو جوهر العدل الجتماعي وروحه الصيلة‪ .‬شعاًرا لتفسره‬
‫الكلمات‪ ،‬إنما موقف عمر نفسه وهو يعاني مع أمته من أجل أن يعمق‬
‫اهتمامه بمآسيها ومتاعبها وأحزانها)‪.(20‬‬
‫‪ -2‬نماذج تطبيقية من الجهر بالحق ‪:‬‬
‫ة الناس أن يقول بحق إذا‬
‫ن رجل ً هيب ُ‬
‫يقول عليه الصلة والسلم‪" :‬أل ليمنع ّ‬
‫علمه")‪.(21‬‬
‫س؟ فقال‪ :‬العلماء‪ .‬قِي ْ َ‬
‫سئ ِ َ‬
‫ل له‪ :‬فمن السفلة؟ قال‪:‬‬
‫ُ‬
‫ل ابن المبارك‪َ :‬‬
‫ن النا ُ‬
‫م ِ‬
‫الذي يأكل بدينه‪.‬‬
‫حبس معاوية عن الناس أعطياتهم ذات مرة‪ ،‬وجاء يخطب على المنبر‪ ،‬فقام‬
‫إليه أبومسلم الخولني معاتًبا ومحاسًبا على حبس العطاء عن الناس‪ ،‬وقال‬
‫دك ول كد ّ أبيك ولكد ّ أمك‪.‬‬
‫له يامعاوية‪ ،‬إنه ليس من ك ّ‬
‫فغضب معاوية وغادر المنبر قائل ً للناس‪ :‬مكانكم‪ .‬وغاب عنهم ساعة ثم رجع‬
‫إليهم فقال‪ :‬إن أبا مسلم كلمني بكلم أغضبني وإني سمعت رسول الله‬
‫خل ِقَ من نار‪،‬‬
‫صلى الله عليه وسلم يقول‪" :‬الغضب من الشيطان‪ ،‬والشيطان ُ‬
‫فأ ُ النار بالماء‪ ،‬فإذا غضب أحدكم فليغتسل" وإني ذهبت فاغتسلت‪.‬‬
‫وإنما ت ُط ْ َ‬
‫دي ول كد ّ أبي‪ .‬فهلموا إلى أعطياتكم!‬
‫وصدق أبو مسلم‪ .‬إنه ليس من ك ّ‬
‫لقد عرف أبومسلم مسؤولية العالم‪ ،‬فأدى واجبه في النصيحة للمام ‪.‬‬
‫وعرف معاوية مسؤولية الحاكم‪ ،‬فاستجاب لمن حاسبه في الحق‪ ،‬ولم تأخذه‬
‫العزة بالثم‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫لما وقعت الحرب بين مصر والحبشة‪ ،‬وتوالت الهزائم على مصر بسبب‬
‫وقوع الختلف بين قواد جيشها ‪ .‬ضاق صدر الخديوي إسماعيل لذلك فجمع‬
‫عدًدا من علماء الزهر ليجتمعوا أمام القبلة القديمة في الجامع الزهر‬
‫للبتهال والدعاء بطلب النصر‪ .‬ولكن مع ذلك ظلت أخبار هزائم الجيش‬
‫المصري تتوالى‪ .‬فذهب الخديوي إلى هؤلء العلماء‪ ،‬وأعلمهم باستغرابه لعدم‬
‫استجابة دعائهم وقال‪ :‬إنكم لستم العلماء الذين تعهدهم من رجال السلف‬
‫الصالح‪ ،‬فإن الله لم يدفع بكم ولبدعائكم شيًئا!‬
‫دا قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫فوجم العلماء لكلم الخديوي إل شي ً‬
‫خا واح ً‬
‫)هذا منك يا إسماعيل! فقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫"لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر‪ ،‬أو ليسلطن الله عليكم شراركم‬
‫ب لهم"(‪.‬‬
‫جا ُ‬
‫ست َ َ‬
‫فيدعو خياركم فل ي ُ ْ‬
‫فسأل الخديوي الشيخ الزهري الذي جابهه بكلمة الحق وصيحة الصدق ‪:‬‬
‫ وماذا صنعنا حتى ينزل بنا هذا البلء ؟‬‫فأجابه ‪:‬‬
‫ أليست المحاكم المختلطة قد فتحت بقانون يبيح الربا؟ أليس الزنا برخصة؟‬‫حا؟‬
‫أليس الخمر مبا ً‬
‫دد الشيخ للخديوي المنكرات التي تشيع في مصر بل إنكار‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫وع ّ‬

‫‪18‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فكيف تنتظر النصر من السماء؟!‬
‫وأطرق الخديوي ملًيا ثم قال له‪:‬‬
‫ صدقت صدقت)‪.(22‬‬‫تاسًعا ‪ :‬الولء القلبي )‪.(23‬‬
‫حسم العلم السلمي قضية من أهم القضايا التي تشغل بال العلميين‪،‬‬
‫وتؤثر على مايتعرضون له من قضايا وموضوعات‪ ،‬وهي قضية الولء أو‬
‫النتماء‪ .‬فقد أثبتت البحاث والتجارب العلمية أن النسان أًيا كانت ثقافته‬
‫وجنسيته في حاجة إلى الشعور بالنتماء إلى شيء‪ ،‬والعمل من أجله‪.‬‬
‫والولء في جوهره نوع من الرقابة الذاتية للفرد على سلوكه وتصرفاته‬
‫وأقواله‪ ،‬بحيث تعكس الخضوع والنقياد للجهة التي يشعر الفرد بالنتماء إليها‬
‫بصورة ليمكن أن تحققها حتى أقسى القوانين وأصرمها‪ ،‬لنه يختص بمنطقة‬
‫القلب‪ ،‬حيث الحب والكره‪ ،‬وليستطيع سوى صاحبه أن يمنحه عن طيب‬
‫خاطر وطواعية ‪ .‬أما القهر فل يؤدي إل إلى تظاهر فقط من الشخص بالحب‬
‫والولء‪.‬‬
‫والعلم السلمي – وقد استهدف إعداد الدعاة المخلصين للدعوة – كان لبد‬
‫له أن يتعرض لقضية الولء ‪ .‬فالولَء فيها محسوم من البداية لله سبحانه‬
‫َ‬
‫ص?)‬
‫ن ال َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫وتعالى‪ .‬فهو أغنى الغنياء عن الشرك ‪ .‬قال تعالى‪? :‬أل َ للهِ الد ّي ْ ُ‬
‫ك ن َْعبد ُ وَإ ِّيا َ‬
‫‪? (24‬إ ِّيا َ‬
‫ن?)‪ .(25‬فالله تعالى يريد عباًدا يشعرون نحوه‬
‫ك نَ ْ‬
‫ست َعِي ْ ُ‬
‫بالحب ويتنازلون باختيارهم عن كل مايغضب الله‪ .‬ولذلك ?ل َ إ ِك َْراه َ ِفي‬
‫ن?)‪ .(26‬وإذا كان الله تعالى يريد أن يخضع أعناًقا بالقهر فما أسهل أن‬
‫الد ّي ْ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شأ ت ُن َّز ْ‬
‫ن نّ َ‬
‫م لَها‬
‫ماِء آي َ ً‬
‫يفعله ‪ .‬قال تعالى ‪? :‬إ ِ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ت أعَْناقُهُ ْ‬
‫ة فَظل ْ‬
‫س َ‬
‫م ّ‬
‫ل عَلي ْهِ ْ‬
‫م َ‬
‫ن?)‪ .(27‬إنما يريد سبحانه عباًدا يدينون بالحب ويشعرون بالولء‪،‬‬
‫َ‬
‫خا ِ‬
‫ضعِي ْ َ‬
‫ويتقلبون في كل روحاتهم وسكناتهم في رضوان الله‪ ،‬كما قال تعالى‪? :‬قُ ْ‬
‫ل‬
‫ن?)‪.(28‬‬
‫ب الَعال َ ِ‬
‫ي للهِ َر ّ‬
‫م ْ‬
‫إِ ّ‬
‫ي وَن ُ ُ‬
‫م َ‬
‫حَيايَ وَ َ‬
‫ي وَ َ‬
‫ن َ‬
‫مي ْ َ‬
‫مات ِ ْ‬
‫سك ِ ْ‬
‫صل َت ِ ْ‬
‫ويعني الولء لله الولء لكتابه الكريم‪ ،‬ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيما‬
‫صح عنه من قول أو عمل‪ .‬وبذلك يكون ولء القيم والمبادئ الخالدة وليس‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ل‬
‫ه َوالّر ُ‬
‫وا الل َ‬
‫ولء مرتبطا ً بأشخاص أو هيئات أو جهات قال تعالى ?وَأط ِي ْعُ ْ‬
‫ن?)‪.(29‬‬
‫مو ْ َ‬
‫م ت ُْر َ‬
‫ح ُ‬
‫ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫ومن خلل الولء لله يتحقق هدف العلم السلمي في إيجاد رجال إعلم‬
‫يقولون الحق‪ ،‬وليخشون في الله لومة لئم‪ .‬وفي كل موقف أو قضية‬
‫يبرزون جوانب الخير والحق والصدق والمانة‪ ،‬وليرضون الغش والتدليس ‪.‬‬
‫وهدف العلم السلمي من إقرار مبدأ الولء القلبي لله هو تحويل الكثرة‬
‫المؤمنة إلى كل واحد ٍ متماسك ‪.‬‬
‫***‬
‫الهوامش ‪:‬‬
‫)‪ (15‬سورة الحج ‪ ،‬الية ‪.11‬‬
‫)‪ (16‬انظر صفات مقدمي البرامج السلمية للمؤلف ‪ ،‬ص ‪) 22-20‬باختصار(‬
‫‪.‬‬
‫)‪ (17‬مثل عليا من قضاء السلم ‪ .‬محمود الباجي‪ .‬تونس‪ :‬المكتبة الشرقية ‪،‬‬
‫‪1376‬هـ ‪ ،‬ص ‪.45‬‬
‫)‪ (18‬القضاء في السلم ‪ .‬عطية مشرقة ‪ .‬ط ‪ .2‬د‪ .‬م‪ :‬شركة الشرق‬
‫الوسط ‪1966 ،‬م ‪ ،‬ص ‪.101‬‬
‫)‪ (19‬تأريخ المم والملوك ‪ .‬جعفر بن جرير الطبري ‪ .‬د‪ .‬م‪ :‬دار القاموس‬
‫الحديث ؛ بيروت‪ :‬مكتبة البيان )نسخة مصورة(‪ ،‬ج ‪ 5‬ص ‪. 18‬‬
‫‪19‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪ (20‬العدل الجتماعي‪ .‬عماد الدين خليل‪ – .‬بيروت ‪ :‬مؤسسة الرسالة‪،‬‬
‫د‪.‬ت‪ ،‬ص ‪.100‬‬
‫)‪ (21‬هو من حديث أبي سعيد الخدري‪ ،‬من خطبة خطبها رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم رواها أحمد في المسند بطولها ‪ ،3:19‬في السنن‪" ،‬كتاب‬
‫الفتن"‪ ،‬باب ما جاء ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى‬
‫يوم القيامة" ‪ ،‬ورواه ‪ ،‬مختصًرا كما أثبته أحمد في المسند ‪ ،71 ،3:5‬وابن‬
‫ماجه في السنن‪" ،‬كتاب الفتن"‪ ،‬باب المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪.‬‬
‫انظر تخريج الحديث في كتاب "المتنبي" لمحود شاكر‪.‬‬
‫)‪ (22‬انظر مسؤولية العلماء في السلم‪ .‬أحمد محمد جمال‪ – .‬مكة‬
‫المكرمة‪ :‬دارالثقافة ‪1386) ،‬هـ‪ ،‬ص ‪.28-27 ،22-20‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫)‪ (23‬انظر – باختصار‪ -‬مبادئ العلم السلمي‪ .‬محمد منير حجاب ‪– .‬‬
‫)السكندرية( ‪ :‬د‪ .‬ن‪1402 ،‬هـ ‪1982 ،‬م‪ ،‬ص ‪ 74-73‬وقد تم استبدال‬
‫)نظرية العلم السلمي( التي تكررت في الفقرة بـ )العلم السلمي(‬
‫بتصريح وتوجيه من المؤلف نفسه ‪.‬‬
‫)‪ (24‬سورة الزمر ‪ ،‬الية ‪.3‬‬
‫)‪ (25‬سورة الفاتحة ‪ ،‬الية ‪.5‬‬
‫)‪ (26‬سورة البقرة ‪ ،‬الية ‪.256‬‬
‫)‪ (27‬سورة الشعراء ‪ ،‬الية ‪.4‬‬
‫)‪ (28‬سورة النعام ‪ ،‬الية ‪.162‬‬
‫)‪ (29‬سورة آل عمران ‪ ،‬الية ‪.132‬‬
‫***‬
‫)‪(5 /‬‬
‫العلم السلمي ودوافع المسؤولية فيه‬
‫)‪(1/2‬‬
‫بقلم ‪ :‬الستاذ محمد خير رمضان يوسف‬
‫إن أهم ما يتميز به رجل العلم السلمي هو مسؤوليته عما يقدمه ‪ ،‬ليس‬
‫أمام السلطات في الدنيا فقط ‪ ،‬فلربما افتعل أفانين للتخلص منها ‪ ،‬أو التجأ‬
‫إلى من يحميه خارج دائرة الحكومة ؛ لكن الخاصية الساسية فيه هي شعوره‬
‫بأنه مسؤول أمام الله تعالى يوم القيامة فيما يقدمه من معلومات ونقد‬
‫وتحليلت‪ ،‬ويعلم أن الله مطلع على ضميره وخلجات نفسه‪ ،‬وسيحاسبه على‬
‫إفساده وخيانته أشد الحساب ‪.‬‬
‫إن الذي يريد منه السلم هو الوازع الديني ‪ ،‬وخشية خالقه ‪ ،‬والخوف منه‬
‫جد ُ ك ُ ّ‬
‫ضًرا‬
‫ل نَ ْ‬
‫ن َ‬
‫ت ِ‬
‫ما عَ ِ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫عز وجل‪ .‬قال تعالى‪? :‬ي َوْ َ‬
‫خي ْرٍ ُ‬
‫مل َ ْ‬
‫س ّ‬
‫م تَ ِ‬
‫م ْ‬
‫ف ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دا?)‪.(1‬‬
‫ت ِ‬
‫ماعَ ِ‬
‫دا ب َعِي ْ ً‬
‫م ً‬
‫سوٍء ت َوَد ّ ل َوْ أ ّ‬
‫ن ُ‬
‫ن ب َي ْن ََها وَب َي َْنه أ َ‬
‫مل َ ْ‬
‫وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ويتمثل الهدف من دراسة هذا الفصل في بيان مصدر الشعور بالمسؤولية ‪،‬‬
‫أو الدافع الغيبي الذي يدفع رجل العلم لتتبع المنهج السلمي ‪ ،‬وليس‬
‫الهدف تعداد المسؤوليات المنوطة به !‪.‬‬
‫فماهي الساسيات التي تحدد منهج هذه المسؤولية العلمية؟ وماهي المور‬
‫التي يجب على العلمي أن يلتزم بها في داخله وعلى الساحة العلمية‬

‫‪20‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ليؤدي رسالته من واقع مسؤوليته الدينية؟‬
‫سيتوضح لنا كل هذا بإذن الله من خلل مايلي‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬اليمان بالغيب ‪:‬‬
‫ن‬
‫ن ي ُؤْ ِ‬
‫من ُوْ َ‬
‫وصف الله تعالى المتقين في أول سورة البقرة بقوله‪? :‬ا َل ّذِي ْ َ‬
‫ُ‬
‫ل إ ِل َي ْ َ‬
‫ما أن ْزِ َ‬
‫ك‬
‫م ي ُن ْفِ ُ‬
‫ن ي ُؤْ ِ‬
‫صل َة َ وَ ِ‬
‫ب وي ُ ِ‬
‫من ُوْ َ‬
‫قو ْ َ‬
‫مو ْ َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ما َرَزقَْناهُ ْ‬
‫م ّ‬
‫قي ْ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫ن‪َ .‬وال ّذِي ْ َ‬
‫ُ‬
‫ن قَب ْ ُ‬
‫ن?)‪.(2‬‬
‫ل وَِبال ِ‬
‫زل ِ‬
‫م ي ُوْقِن ُوْ َ‬
‫خَرةِ هُ ْ‬
‫وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ما أن ْ ِ‬
‫يقول سيد قطب رحمه الله ‪ :‬اليمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها النسان‪،‬‬
‫فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي ليدرك إل ما تدركه حواسه‪ ،‬إلى مرتبة النسان‬
‫الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحّيز الصغير المحدد الذي‬
‫تدركه الحواس‪ .‬أو الجهزة التي هي امتداد للحواس وهي نقلة بعيدة الثر‬
‫في تصور النسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي ‪ ،‬ولحقيقة‬
‫القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود ‪ ،‬وفي إحساسه بالكون وماوراء الكون‬
‫من قدرة وتدبير ‪ .‬كما أنها بعيدة الثر في حياته على الرض ‪ ،‬فليس من‬
‫يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير‬
‫الذي تدركه بديهته وتبصيرته ؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه‬
‫وأعماقه ‪ ،‬ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل مايدركه وعيه‬
‫في عمره القصير المحدود‪ ،‬وأن وراء الكون ظاهره وخافيه‪ ،‬حقيقة أكبر من‬
‫الكون‪ ،‬هي التي صدر عنها‪ ،‬واستمد من وجودها وجوده ‪ ..‬حقيقة الذات‬
‫للهية التي لتدركها البصار ولتحيط بها العقول ‪.‬‬
‫ا ِ‬
‫وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدد والتمزق‬
‫خَلق له ‪ ،‬وما لم توهب القدرة للحاطة به ‪ ،‬وماليجدي‬
‫والنشغال بما لم ي ُ ْ‬
‫شيًئا أن تنفق فيه ‪ .‬إن الطاقة الفكرية التي وهبها النسان ‪ ،‬وهبها ليقوم‬
‫بالخلفة في هذه الرض ‪ ،‬فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة ‪ ،‬تنظر‬
‫فيها ‪ ،‬وتتعمقها وتتقصاها ‪ ،‬وتعمل وتنتج ‪ ،‬وتنمي هذه الحياة وتجملها ‪ ،‬على‬
‫أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحية التي تتصل مباشرة بالوجود كله‬
‫وخالق الوجود ‪ ،‬وعلى أن تدع للمجهول حصته في الغيب الذي لتحيط به‬
‫العقول ‪...‬‬
‫ثم يقول ‪:‬‬
‫لقد كان اليمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء النسان عن عالم‬
‫البهيمة ‪ .‬ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان ‪ ،‬كجماعة الماديين في كل‬
‫زمان ‪ ،‬يريدون أن يعودوا بالنسان القهقري ‪ ..‬إلى عالم البهيمة الذي لوجود‬
‫فيه لغير المحسوس ! ويسمون هذا "تقدمية" وهو النكسة التي وقى الله‬
‫ب"‬
‫ن ي ُؤْ ِ‬
‫من ُوْ َ‬
‫ن ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫المؤمنين إياها ‪ ،‬فجعل صفتهم المميزة صفة ‪" :‬ا َل ّذِي ْ َ‬
‫والحمد لله على نعمائه ‪ ،‬والنكسة للمنتكسين والمرتكسين)‪.(3‬‬
‫والغيب يتناول كل ما قاله الله تعالى وصح عن رسوله صلى الله عليه وسلم‬
‫مما ليدركه الحس ‪ .‬وأركان اليمان الساسية كما بينها الرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم هي اليمان بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر والقضاء‬
‫والقدر‪..‬‬
‫ثانًيا‪ :‬الجزاء في السلم ‪:‬‬
‫نطاق الجزاء في السلم واسع وشامل شمول السلم لجميع شؤون الحياة ‪،‬‬
‫ومن ثم فأجزية السلم تتعلق بأمور العقيدة والخلق والعبادات‬
‫والمعاملت ‪ .‬فكل مخالفة لهذه المور لها جزاؤها في الخرة ‪ ،‬وقد يكون لها‬
‫ضا ‪.‬‬
‫جزاء في الدنيا أي ً‬
‫والجزاء في الدنيا ليمنع الجزاء في الخرة عن المخالف العاصي إل إذا‬
‫‪21‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫اقترنت معصيته بالتوبة النصوح ‪ .‬والتوبة النصوح تقوم على الندم على ما‬
‫اقترفه النسان ‪ ،‬وعلى العزم الكيد على عدم العودة إلى هذه المخالفة ‪،‬‬
‫وعلى التحلل من حقوق الغير إذا كانت معصية تتعلق بهذه الحقوق ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫عا‬
‫وقد ترتب على هذا الجزاء الخروي خضوع المسلم لحكام الشريعة خضو ً‬
‫اختيارًيا في السر والعلن خوًفا من عقاب الله ‪ ،‬وحتى لو استطاعت الفلت‬
‫من عقاب الدنيا ‪ ،‬لن العقاب الخروي ينتظره ول يستطيع الفلت منه ؛‬
‫ولهذا إذا ارتكب المسلم جريمة أو معصية في غفلة من إيمانه طلب إقامة‬
‫العقوبة عليه بمحض اختياره ‪ .‬فهذا ماعٌز اعترف أمام الرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم بجريمة الزنى وطلب إقامة الحد ّ "العقوبة" عليه ‪ .‬وهكذا تنزجر‬
‫النفوس عن مخالفة القانون السلمي ‪ ،‬إما بدافع الحترام له والحياء من‬
‫الله تعالى ‪ ،‬وإما بدافع الخوف من العقاب الجل الذي ينتظر المخالفين ‪.‬‬
‫وفي هذا وذاك أعظم ضمان لزجر النفوس عن المخالفة والعصيان)‪.(4‬‬
‫ثالًثا ‪ :‬اليمان باليوم الخر)‪:(5‬‬
‫ليست حياة النسان هذه إل مقدمة لحياته الخرة ‪ ،‬فهي حياة طارئة مؤقتة‬
‫وتلك حياة خالدة سرمدية ‪ .‬وهذه ناقصة وتلك كاملة‪ .‬وفي ذلك اليوم سيوزن‬
‫الخير والشر ‪ ،‬والبر والثم ‪ ،‬والفضيلة والرذيلة ‪ ،‬واليمان والكفر‪ ،‬والخلق‬
‫لرادات والعواطف والهواجس‬
‫والملكات ‪ .‬وستقاس فيه النيات وا ِ‬
‫والحاسيس وسائر أفعال القلوب ‪ .‬ليحاسب فيه النسان على وزن الخبز‬
‫دا من الفقراء والمساكين‪ ،‬ولعلى عدد الدراهم التي أعطاها‬
‫الذي أطعمه أح ً‬
‫دا من السائلين والمحرومين ‪ ،‬وإنما يحاسب فيه على النية التي حملته‬
‫أح ً‬
‫على هذا الكرم والسخاء ‪ ،‬لن القانون فيه ليكون مادًيا ‪ ،‬وإنما يكون معنوًيا ‪.‬‬
‫وفي ذلك يقول جل شأنه ‪:‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫س َ‬
‫ل‬
‫مث ْ َ‬
‫م نَ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ط ل ِي َوْم ِ ال ِ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ن كا َ‬
‫شي ًْئا وّإ ِ ْ‬
‫?وَن َ َ‬
‫ق ْ‬
‫مةِ فَل ت ُظل ُ‬
‫قَيا َ‬
‫ضعُ ال ْ َ‬
‫ف ٌ‬
‫وازِي ْ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن?)‪.(6‬‬
‫ن َ‬
‫حا ِ‬
‫حب ّةٍ ِ‬
‫ل أت َي َْنا ب َِها وَكفى ب َِنا َ‬
‫َ‬
‫سب ِي ْ َ‬
‫خْرد َ ٍ‬
‫م ْ‬
‫وفي ذلك اليوم ستحدث للفعال نتائجها الحقيقية المتفقة مع العقل والعدل ‪،‬‬
‫ولتجري فيه القوانين المادية ول السباب المادية كما هي تجري اليوم في‬
‫نظامنا الحاضر‪ .‬فمث ً‬
‫ل‪ :‬المال والجاه والحسب والنسب والكياسة والفطانة‬
‫وسلطة اللسان وكثرة الوسائل المادية وقوة الحلفاء والصدقاء والقرباء‬
‫وسعيهم وشفاعتهم ‪ :‬كل هذه من السباب التي تنقذ النسان في نظامنا‬
‫الحاضر من نتائج كثير من أقواله وأفعاله ؛ ولكنها ستفقد تأثراتها في نظام‬
‫الحياة الخرة ‪ ،‬فل يترتب فيه على كل فعل من أفعال النسان ولعلى كل‬
‫قول من أقواله إل النتيجة التي يجب أن تترتب عليه على مقتضي من العقل‬
‫والعدل والحق والصواب‪:‬‬
‫قب َ ُ‬
‫من َْها َ‬
‫س َ‬
‫من َْها‬
‫ش َ‬
‫شي ًْئا وّل َي ُ ْ‬
‫ن نَ ْ‬
‫جزِيْ ن َ ْ‬
‫?َوات ّ ُ‬
‫ة وّل َي ُؤْ َ‬
‫فاعَ ٌ‬
‫خذ ُ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ما ل ّت َ ْ‬
‫وا ي َوْ ً‬
‫ف ٌ‬
‫س عَ ْ‬
‫ق ْ‬
‫ف ٍ‬
‫عَد ْ ٌ‬
‫ن?)‪.(7‬‬
‫صُروْ َ‬
‫ل وّل َهُ ْ‬
‫م ي ُن ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م أوّ َ‬
‫م وََرآَء‬
‫خل ْ‬
‫?وَل َ َ‬
‫ما َ‬
‫ما َ‬
‫خوّلَناك ْ‬
‫م ّ‬
‫مّرةٍ وّت ََركت ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫قَناك ْ‬
‫موَْنا فَُراداى ك َ‬
‫جئ ْت ِ ُ‬
‫قد ْ ِ‬
‫َ‬
‫شَر َ‬
‫م ُ‬
‫م ُ‬
‫ع‬
‫قد ْ ت َ َ‬
‫كآَء ل َ َ‬
‫ش َ‬
‫قط ّ َ‬
‫م فِي ْك ُ ْ‬
‫م أن ّهُ ْ‬
‫مت ُ ْ‬
‫ن َزعَ ْ‬
‫فَعآَءك ُ ُ‬
‫معَك ُ ْ‬
‫ماَنراى َ‬
‫م وَ َ‬
‫ظ ُهُوْرِك ُ ْ‬
‫م ال ّذِي ْ َ‬
‫ض ّ‬
‫ن?)‪.(8‬‬
‫مو ْ َ‬
‫م وَ َ‬
‫م ت َْزعُ ُ‬
‫ماك ُن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ل عَن ْك ُ ْ‬
‫ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫رابًعا ‪ :‬حاجة النسان إلى عقيدة اليوم الخر‪:‬‬
‫معنى إيمان المرء بهذه العقيدة أن ليرى نفسه في هذه الدنيا كائًنا حًرا‬
‫قا ؛ ولكن كائًنا ذا تبعة ومسؤولية ‪ ،‬وليؤدي جملة أعماله وتصرفاته إل‬
‫طلي ً‬

‫‪22‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫على شعور تام من أن عليه تبعة كل حركة من حركاته ‪ ،‬وأنه مسؤول عنها‬
‫في حياته المقبلة ‪ ،‬وأن سعادته أو شقاءه في مستقبله ليتوقف إل على‬
‫أعماله الصالحة أو السيئة في حاضره ‪ .‬ومعنى عدم إيمانه بها أن يرى نفسه‬
‫قا لتبعه عليه ولمسؤولية ‪ ،‬وليؤدي جملة أعماله وليرتب جملة‬
‫كائًنا حًرا طلي ً‬
‫تصرفاته في هذه الحياة إل على الظن بأنه ليس مسؤول ً عنها ‪ ،‬وأنه لتترتب‬
‫عليها نتيجة حسنة أو سيئة في حياة أخرى بعد هذه الحياة ‪.‬‬
‫ومن التأثير اللزم لخلو ذهن النسان من عقيدة اليوم الخر أو عدم إيمانه بها‬
‫أنه ليطمح ببصره إل إلى النتائج المترتبة على أعماله في هذه الدنيا وليحكم‬
‫على شيء بالمنفعة أو المضرة إل باعتبار هذه النتائج فحسب ‪ .‬إنه يحترز عن‬
‫أكل السم وليضع يده في النار لماذا ؟ لنه يعلم أنه لبد أن يذوق وبال هذين‬
‫الفعلين ونتائجهما السيئة في حياته هذه ‪ .‬وأما الظلم والكذب والخيانة والغدر‬
‫والغيبة والزنا وما إليها من الفعال التي لتظهر نتائجها السيئة في هذه الحياة‬
‫كاملة فإنما يحترز عنها على قدر مايخاف من ظهور نتائجها السيئة في حياته‬
‫هذه ‪ ،‬وليتردد في اقترافها حينما ليرى نتيجة سيئة تترتب عليها أو يرجو أن‬
‫ينال بها منفعة مادية في هذه الدنيا نفسها ‪..‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫أما الذي يقول بعقيدة اليوم الخر‪ ،‬فل يطمح ببصره إلى النتائج العاجلة‬
‫المترتبة على أعماله في هذه الحياة وحسب ؛ وإنما يطمح ببصره إلى نتائجها‬
‫الحقيقية المتربة عليها في حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا ‪ ،‬وليحكم على‬
‫فعل بالمنفعة أو المضّرة إل على اعتبار تلك النتائج ‪ ،‬فهو كما يكون على‬
‫يقين من أن السم مهلك والنار مؤلمة ‪ ،‬كذلك يكون على يقين من أن الظلم‬
‫والكذب والغدر والخيانة والزنا كلها أفعال مهلكة مؤلمة ‪ ،‬وهو كما يعتقد أن‬
‫الخبز والماء نافعان ‪ ،‬كذلك يعتقد أن العدل والمانة نافعان ‪ ،‬ويقول بنتيجة‬
‫معينة يقينية لكل فعل من أفعاله ولو لم تظهر في هذه الحياة أص ً‬
‫ل‪(9)...‬‬
‫سا ‪ :‬آثار اليمان باليوم الخر إعلمًيا وخلقًيا)‪(10‬‬
‫خام ً‬
‫وهذا البعد الغيبي في الطرح العلمي مما يميز العلم السلمي عن غيره‬
‫من نظم العلم المطبقة في واقع الحياة اليوم ‪ .‬فبه تتحقق الموازنة بين‬
‫ماهو مادي وماهو معنوي‪ .‬وبه تتحقق أعلى درجات الثارة النفسية لما يبعث‬
‫في النفس من طموح ومايثير فيها من خوف ‪ ،‬ومايقدمه من سعة في‬
‫مدلول معنى الحياة ‪.‬‬
‫والخبار عن الغيب في المستقبل هنا ضرب من العلم التحذيري والتبشيري‬
‫مًعا ‪ ،‬ويتيح للناس فرصة العداد لمواجهة احتمالت المستقبل بما يكفل لهم‬
‫سلمة المواقف ويحقق لهم الطمأنينة ويحفزهم على العمل المثمر‪ ،‬وبذلك‬
‫ترقي الخلق وتزكو الحياة ‪ ،‬ويحقق الخبار غاياته في بناء الحياة النسانية‬
‫الكريمة في رشد ونماء ‪...‬‬
‫واليمان باليوم الخر على الوجه الصحيح مفض إلى سلمة النفس ورشد‬
‫التصور واستقامة السلوك ورقي الحياة ‪ ،‬وهو ضمانه ليقظة القلب وعلو‬
‫الهمة واستعلء النفس وترفعها في مراقبة تورث الحسان وتحقق إنسانية‬
‫قا إلى التمايز‬
‫النسان ‪ ،‬ولتصبح أهداف الحياة أعلى من ضروراتها ‪ ،‬تطل ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫وا‬
‫مئ ِذ ٍ ي ّت َ َ‬
‫م تَ ُ‬
‫ساعَ ُ‬
‫فّرقُوْ َ‬
‫قو ْ ُ‬
‫الحق بين الناس ‪? :‬وَي َوْ َ‬
‫م ال ّ‬
‫نآ َ‬
‫ن ‪ .‬فَأ ّ‬
‫ة ي َوْ َ‬
‫من ُ ْ‬
‫ما الذِي ْ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا ِبآَيات َِنا‬
‫نك َ‬
‫حا ِ‬
‫وَعَ ِ‬
‫حب َُروْ َ‬
‫ضةٍ ي ّ ْ‬
‫ي َروْ َ‬
‫صال ِ َ‬
‫ن ‪ .‬وَأ ّ‬
‫ت فَهُ ْ‬
‫وا ال ّ‬
‫فُرْوا وَكذ ّب ُ ْ‬
‫ما الذِي ْ َ‬
‫م فِ ْ‬
‫مل ُ ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن?)‪ .(11‬وقال عز من قائل‪? :‬قُلْ‬
‫خَرةِ فأْولئ ِك ِفي العَ َ‬
‫وَل ِ َ‬
‫قآِء ال ِ‬
‫ضُروْ َ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ب ُ‬
‫ذا ِ‬
‫‪23‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ي عَ َ‬
‫مئ ِذ ٍ فَ َ‬
‫ي أَ َ‬
‫صَر ْ‬
‫خا ُ‬
‫قد ْ‬
‫ذا َ‬
‫ف إِ ْ‬
‫ه ي َوْ َ‬
‫ف عَن ْ ُ‬
‫ب ي َوْم ٍ عَظ ِي ْم ٍ ‪َ .‬‬
‫صي ْ ُ‬
‫ن يّ ْ‬
‫ن عَ َ‬
‫م ْ‬
‫ت َرب ّ ْ‬
‫إ ِن ّ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن?)‪.(12‬‬
‫مه َوذال ِك ال َ‬
‫َر ِ‬
‫فوُْز ال ُ‬
‫ح َ‬
‫مب ِي ْ ُ‬
‫الخبار في هذا النص مسوق لتأكيد تحقق وقوع يوم الجزاء ‪ ،‬وهو في الوقت‬
‫نفسه للنذار والتحذير من الستمرار في الكفر‪ ،‬بل هو غاية التحذير ‪ ،‬لن‬
‫خوف الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الصورة يحمل غيره على الفزع ‪.‬‬
‫وهو كذلك دعوة غير مباشرة إلى القتداء به صلى الله عليه وسلم مما يعني‬
‫علو شأن العلم الذي يتوسل إلى غاياته في أساليب ذكية تشعر المتلقي‬
‫بقدرته على الفهم وعلو ثقة المرسل به ‪...‬‬
‫والخوف الذي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلنه للناس في هذا‬
‫دا لوقوع يوم الجزاء ‪ ،‬يشفع ببيان تأكيدي‬
‫النص بهذا الجلء والوضوح تأكي ً‬
‫َ‬
‫م ُرد ّْوا إ ِلى‬
‫تهديدي آخر في سياق الخبار عن يوم القيامة هو قوله تعالى ‪? :‬ث ُ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن?)‪.(13‬‬
‫حا ِ‬
‫سَرعُ ال ْ َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫م وَهُوَ أ ْ‬
‫حك ْ ُ‬
‫حقّ أل َ ل َ ُ‬
‫موْل َهُ ُ‬
‫اللهِ َ‬
‫سب ِي ْ َ‬
‫وهو نص ظاهر الدللة على أن المراد العلم بوقوع يوم القيامة تحذيًرا‬
‫للناس وتنبيًها لهم من مغبة الوقوع فيما يؤدي بهم إلى الهلك يومئذ ‪ .‬والذين‬
‫يعرضون عن هذا البلغ على الرغم من وضوحه وجلئه وعلى الرغم من‬
‫ضخامة الحقائق المعروضة من خلله يستحقون الهمال والعراض ‪? :‬وَذِرَ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫س‬
‫ل نَ ْ‬
‫ن ات ّ َ‬
‫حَياةُ الد ّن َْيا وَذ َك ّْر ِبه أ ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن ت ُب ْ َ‬
‫وا وّغَّرت ْهُ ْ‬
‫خذ ُْوا دِي ْن َهُ ْ‬
‫ف ٌ‬
‫م ل َعًِبا وّل َهْ ً‬
‫ال ّذِي ْ َ‬
‫ل كُ ّ‬
‫ن ت َعْدِ ْ‬
‫خذ ُ‬
‫ي وّل َ َ‬
‫ل ل ّي ُؤْ َ‬
‫ش ِ‬
‫س ل ََها ِ‬
‫في ْعٌ وَ إ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫سب َ ْ‬
‫بِ َ‬
‫ت ل َي ْ َ‬
‫ل عَد ْ ٍ‬
‫ن اللهِ وَل ِ ّ‬
‫ن د ُوْ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫من َْها أولئ ِ َ‬
‫مي ْم ٍ وّعَ َ‬
‫م َ‬
‫ما‬
‫ح ِ‬
‫ب ِ‬
‫ن أب ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ن َ‬
‫شَرا ٌ‬
‫ما ك َ َ‬
‫م بّ َ‬
‫ب أل ِي ْ ٌ‬
‫وا ل َهُ ْ‬
‫وا ب ِ َ‬
‫م ْ‬
‫سب ُ ْ‬
‫سل ُ ْ‬
‫ك ال ّذِي ْ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن?)‪.(14‬‬
‫و‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ي‬
‫وا‬
‫ن‬
‫كا‬
‫ُ‬
‫ْ َ ُ ْ َ‬
‫ففي النص الكريم أمر بالعراض عن المكذبين مع التذكير بالقرآن والتحذير‬
‫من نقمة الله وعذابه يوم القيامة ‪ ،‬والمر بتركهم إما للتقليل من شأنهم‬
‫وتهديدهم أو ترك معاشرتهم وملطفتهم ‪...‬‬
‫***‬
‫الهوامش ‪:‬‬
‫)‪ (1‬سورة آل عمران ‪ ،‬الية ‪.30‬‬
‫)‪ (2‬سورة البقرة ‪ ،‬اليتان ‪. 4-3‬‬
‫)‪ (3‬في ظلل القرآن ‪ ،‬سيد قطب ‪ ،‬ج ‪ 1‬ص ‪. 40-39‬‬
‫)‪ (4‬أصول الدعوة ‪ .‬عبد الكريم زيدان ‪ ،‬ص ‪) 70-69‬باختصار( ‪.‬‬
‫)‪ (5‬انظر هذه الفقرة – بتفصيل أكثر – في كتاب ‪ :‬اليمان بالله وملئكته‬
‫وكتبه ورسله واليوم الخر ‪ .‬أبو العلى المودودي‪ .‬د‪ .‬م‪ :‬دار الخلفة ؛‬
‫السكندرية ‪ :‬توزيع دار الدعوة ‪ ،‬د‪ .‬ت )الحضارة السلمية ‪ ..‬أسسها‬
‫ومبادئها( ص ‪. 262 – 260 ، 237‬‬
‫)‪ (6‬سورة النبياء ‪ ،‬الية ‪. 47‬‬
‫)‪ (7‬سورة البقرة ‪ ،‬الية ‪. 48‬‬
‫)‪ (8‬سورة النعام ‪ ،‬الية ‪. 94‬‬
‫)‪ (9‬المصدر السابق )باختصار( ص ‪. 269-267‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫)‪(10‬انظر ماورد تحت هذا العنوان باختصار في كتاب ‪ :‬أصول العلم‬
‫السلمي وأسسه‪ :‬دراسة تحليلية لنصوص الخبار في سورة النعام ‪ .‬سيد‬
‫محمد ساداتي الشنقيطي ‪ ،‬ج ‪ 2‬ص ‪ 125 ، 22 ، 81-80‬وانظر بعض‬
‫المصادر التي اعتمد عليها هناك ‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬
‫)‪(11‬سورة‬
‫)‪(12‬سورة‬
‫)‪(13‬سورة‬
‫)‪(14‬سورة‬
‫***‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الروم ‪ ،‬اليات ‪. 16-14‬‬
‫النعام ‪ ،‬اليتان ‪. 16-15‬‬
‫النعام ‪ ،‬الية ‪. 62‬‬
‫النعام ‪ ،‬الية ‪. 70‬‬
‫)‪(4 /‬‬

‫العلم السلمي ‪..‬ضرورة عصرية د‪ .‬أحمد حسن محمد*‬
‫يعتبر التصال النساني فطرة فطر الله عليها البشرية منذ نشأتها الولى‪,‬‬
‫فقد كان التكليف الول الذي أمر الله به آدم عليه السلم بعد خلقه هو مهمة‬
‫البلغ و التوضيح و الفهام‪ ,‬وذلك في أول إتصال بملئكة العرش‪ ..‬حيث يقول‬
‫الحق سبحانه )يا آدم انبئهم بأسمائهم‪ (...‬البقرة ‪ 33‬ومضت سيرة الحياة‬
‫النسانية ضمن سلسلة علقات متعددة تقوم على اتصال النسان بالنسان‬
‫أفرادا ً وجماعات وأمما ً حتى أمكن تنظير هذه الفطرة ضمن سلسلة من‬
‫العلوم و المعارف كان منها العلم‪ .‬والعلم بدأ ينقل المعلومة من شخص‬
‫أو أشخاص إلى آخرين ‪ ,‬وذلك عن طريق الكلمة المنطوقة لتصل مباشرة‬
‫من الفم إلى الذن من دون وسيط أو وسيلة‪ ,‬بجانب نقل هذه الكلمة أيضا ً‬
‫عن طريق البصر مباشرة كما هو الحال في الصورة أو الرسم‪ ,‬وظلت حاستا‬
‫السمع و البصر )الذن و العين( هما المدخلين الساسيين لدراك الكلمة التي‬
‫تمثل رسالة مقصودة من جانب مرسلها إلى آخر مستهدف بها‪ ,‬أي أداة‬
‫للتفاهم وزيادة المعرفة‪ .‬حتى كان التطور السريع الذى صاحب العمليات‬
‫التصالية عامة والعلم بصفة خاصة‪ .‬حيث أصبحت هذه الكلمة أو المعلومة‬
‫التي اصطلح عليها باسم الرسالة العلمية تنقل من شخص أو أشخاص إلى‬
‫عالم متسع من المتلقين عن طريق الذن‪ ,‬ولكن بوسيلة جديدة وجهاز جديد‬
‫عرف بالراديو‪ ..‬وتنتقل ايضا ً على أنظار وعيون المليين عن طريق التلفاز أو‬
‫السينما أو غيرهما‪ ,‬من الوسائل المرئية الحديثة مما جعل العملية العلمية‬
‫تتحول شكل ومضمونا وهدفا حيث لم تعد مجرد خبر ينقل أو تسلية فى وقت‬
‫فراغ ‪ ,‬بل اصبحت تمثل نشاطا هادفا يسعى الى العديد من الهداف التي‬
‫تتركز في معظمها على التأثير و القناع بهدف أحداث التغيير والتحويل نحو‬
‫أهداف ومبادئ وقيم يسعى اليها صاحب الرسالة ومرسلها سواء كان ذلك‬
‫فى عالم القيم والمثل أو التجاهات و المبادئ و المذاهب‪ .‬وبهدف إستمالة‬
‫المتلقي )السامع أو الرائي( واعتناقه لقيم ومبادئ صاحب الرسالة‪.‬‬
‫العلم و الصراع العالمي‬
‫ومع تطور الحياة السياسية والجتماعية تعددت الدول وقامت معظمها على‬
‫مبادئ وأفكار وقيم مختلفة وكل دولة تسعي لسيادة مبادئها وانتشار أفكارها‬
‫وإخضاع الخرون لما يرونه من مبادئ وإتجاهات‪ ,‬فكان هذا الصراع العالمي‬
‫الذى اتخذ شكل الحروب و القتال و الغزو العسكري‪ .‬وظهر العلم كسلح‬
‫خطير فى هذا الصراع الدولي سيما بعد أن توفرت له وسائل متطورة لها‬
‫قدرة الوصول إلى أي مجتمع وجماعاته وبسهولة وبساطة ‪ ,‬فحظي العلم‬
‫بذلك باهتمام كبير من جانب الدول والمجتمعات والهيئات في عالمنا‬
‫المعاصر‪ ,‬وأصبحت الرسالة العلمية تحمل فكر مرسلها لتعمل في مجالت‬
‫النشاط النساني كافة سياسيا ً واقتصاديا ً واجتماعيا ً وفنيا ً ‪ ,‬فكان العلم بذلك‬
‫قوة فاعلة تربط المجتمع النساني بمضامين واتجاهات متعددة بغرض‬

‫‪25‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫التحويل و القناع ومن ثم التباع والولء‪ .‬وما نشاهده اليوم من هذا الفيض‬
‫الهائل من البرامج المسموعة والمقروءة و المرئية التي تحملها اجهزة‬
‫متطورة يوما ً بعد يوم لدليل واضح على خطورة وأهمية العلم بالنسبة لي‬
‫جماعة أو دولة تتطلع للسيادة والنتشار‪ .‬وعلى الرغم من إيجابيات هذه‬
‫الثورة العلمية والوسائل المتطورة في مجال التثقيف والخبار وربط‬
‫المجتمع البشري بما يحدث في أنحاء العالم لحظة بلحظة وما تحقق من‬
‫وعي ويقظة فكرية بين الجيال الجديدة في هذا العالم فإنها لم تخل من‬
‫سلبيات خطيرة ومظاهر سالبة إنجرفت إليها الكثير من محطات الرسال‬
‫والبث ودور النشر و الطباعة سواء كان ذلك بغرض الهدم المقصود لما‬
‫تعارف عليه الناس من قيم ومثل أو الكسب المادي والنتشار وكلها ول شك‬
‫قادت نحو آثار سالبة ظهرت فى العديد من الدول وخصوصا فى مجال الفكر‬
‫و الثقافة والداب العامة‪ ,‬مما أوجد صراعا رهيبا فى عقول الناشئة‬
‫ومعارضات)سالبة( من جانب المفكرين و المربين‪ ,‬فوقع العالم في حيرة‬
‫نتيجة هذا الصراع بين ثقافات متعارضة ودول مختلفة ليضع الجيال الحالية‬
‫في حيرة بل واحيانا في ضياع وتيه‪..‬ولعل من مساوئ هذه الهجمات و‬
‫الفكار ما كان منها بغرض الستهداف والعتداء والفتراء على نظم بعينها او‬
‫مبادئ سائدة بغرض تحقيق انصراف الناس عن هذه المبادئ أو الثورة على‬
‫هذه النظم بما يحقق سيطرة افكار ونظم الجهات التي تقف خلف هذه‬
‫الرسائل والبرامج العلمية الغازية‪.‬‬
‫العالم السلمي والثورة العلمية‬
‫)‪(1 /‬‬
‫لما كان العالم السلمي جزءا ً ل يتجزأ عن غيره من الدول والمجتمعات التى‬
‫تتعرض لما يبث من برامج إعلمية مختلفة‪ ,‬فقد كان طبيعيا ً أن تتأثر كثير من‬
‫هذه المجتمعات المسلمة بمضامين وأهداف الرسائل العلمية الصادرة من‬
‫أجهزة العلم المختلفة سيما بعد سيطرة الشبكات الذاعية والقمار‬
‫الصناعية‪..‬ولما كانت المصادر العلمية في معظمها بعيدة عن هدى السلم‬
‫ومبادئه أو على القل غير حريصة على تقديم مفاهيم السلم وتوجيهاته‬
‫ضمن مضامين برامجها‪ ,‬فقد أتاح ذلك سيطرة ملموسة على ما يصل العقل‬
‫المسلم من برامج منحرفة عن هدى الله حتى أصبحت مثل هذه البرامج‬
‫قضايا مسلما ً بها لدى بعض الناشئة حيث ل بديل عنها تقدمه الدول‬
‫والجماعات السلمية التى كانت‪-‬بل ومازالت‪ -‬ل تملك تقنيات التصال‬
‫الحديثة أو التنظير والتأصيل السلمي للرسالة العلمية‪ .‬ولعل من أهم‬
‫السباب التي حالت دون تقدم المجتمعات السلمية فى مجال العلم‬
‫الحديث ووسائله ما يلي‪-:‬‬
‫أول‪ :‬تركيز علماء المسلمين وطلب العلم وجامعاتهم على العناية بالعلوم‬
‫الشرعية والصول السلمية ودراسة اللغة العربية‪..‬وهذا أمر طبيعى‬
‫ومطلوب دائما ً ولشك ‪ ,‬ولكن المر كان يتطلب بذل الجهد والعناية بالعلوم‬
‫الحديثة والفنون النسانية الجديدة ومنها العلم دراسة وتأصيل ونقدا ً‬
‫وتحليل ً ‪ ,‬بما يوفر طاقات علمية قادرة على السهام بالجديد الملتزم بهدى‬
‫الله سواء في مجال البرامج أو التقنيات أو القوى البشرية المدربة‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬لما كان العلم الموجه لدول المسلمين صادرا عن مصادر أقل ما يقال‬
‫عنها أنها بعيدة عن السلم وغير متحمسة لنشر مبادئه إن لم تكن معادية‬

‫‪26‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تماما فإن هذه الرسائل جاءت متأثرة بعادات وتقاليد أصحابها التي كانت فى‬
‫معظمها مخالفة لشرع الله سواء في المضمون أو الشكل أو الخراج‪ ,‬مما‬
‫أوجد معارضة من المسلمين عامة‪ ,‬وعلمائهم خاصة‪ ,‬حتى اعتبر البعض أن‬
‫ماتقدمه وسائل العلم فى حكم المحرم شرعا ً بل وصل المر عند بعض‬
‫المتشددين بتحريم الجهزة التى تحمل مثل هذه البرامج وظل ذلك المر‬
‫لفترة طويلة أتاحت سيادة البرامج الغربية‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬عندما أدرك المسلمون خطورة العلم واستحالة صد ما تبثه الوسائل‬
‫المختلفة ومنع تأثيرها على الناشئة خاصة والمجتمع عامة لم يكن أمام‬
‫المتحمسين والحريصين سوى النموذج الغربي في البرامج تصويرا ً وإخراجا‪ً.‬‬
‫رابعا‪ :‬إن محاولة تأهيل جيل إعلمي متخصص في فنون العلم وتقنياته كان‬
‫عن طريق توجيه هذا الجيل نحو المؤسسات العلمية في بلد الغرب فعادوا‬
‫يحملون تقنية الغرب‪ ,‬بل وفكر الغرب‪ ,‬فنشأ جيل إعلمي يحمل أسم‬
‫السلم ويفكر بعقل الغرب الذي ينكر السلم مبادئه‪.‬‬
‫من أجل هذه السباب وغيرها أصبح العالم السلمي في معظمه عالة على‬
‫العالم الغربي مستوردا ً لبرامجه وفنونه بل وأفكاره ونظرياته‪ ,‬مما يجعلنا‬
‫نطرح السؤال التي‪ :‬ما هي ضرورة العلم السلمي؟ إن الواقع الذي‬
‫تعيشه معظم المجتمعات السلمية في صراعها مع التيارات الوافدة والفكار‬
‫المادية التي تحملها أجهزة إعلم لها قدرة التأثير والتجديد والقناع‪ ,‬لشك أنه‬
‫ليتفق تماما مع ما يجب أن تكون عليه هذه المة المسلمة من مكانة‬
‫وريادة ‪ ,‬والتي أشار اليها كتاب الله عز وجل )وكذلك جعلناكم أمة وسطا ً‬
‫لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا(‪ .‬البقرة ‪ 143‬وليس‬
‫هذا أمر خيار أن تكون كذلك أو ل تكون‪ ,‬بل هو فرض على أمة السلم أن‬
‫تتولى الدعوة والبلغ بأحكام الله الداعية للفضيلة والصلح بل ومحاربة‬
‫المنكرات وكل ما يفسد عقائد الناس أو ينحرف بسلوكهم‪ ,‬يقول الحق‬
‫سبحانه‪ ) :‬ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن‬
‫المنكر وأولئك هم المفلحون(‪ .‬آل عمران ‪ 1.4‬ويؤكد على ذلك رسول الله‬
‫صلي الله عليه وسلم فى قوله‪:‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ن بالمعروف و لتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم عذابا فيدعوا‬
‫) لتأمر ّ‬
‫خياركم فل يستجاب لهم( ويستحيل على المة أن تكون كذلك بغير وسائل‬
‫وق على وسائل غير المسلمين مما‬
‫فاعلة قادرة على التحدى والصمود والتف ّ‬
‫يتطلب ضرورة الهتمام بالعلم ووسائله وتجّند له الطاقات والخذ بأفضل‬
‫الساليب والوسائل وأفضلها سواء فى مجال البرمجة والتقنية‪ ,‬ومن نعمة‬
‫الخالق على هذه المة أن شرع لها دينا ً هاديا ً وأرسل إليها رسول مرشدا‪..‬دين‬
‫يتعامل مع مظاهر الحياة كافة ومواقف النسانية على إختلفها‪ ,‬فإذا ضعفت‬
‫الشخصية السلمية أمام هذا الفيض والكم الهائل من التيارات المعادية‬
‫والمبادئ المستحدثة فليس ذلك مطلقا ً لعجز في القدرة على الستجابة‬
‫لمحدثات ولمستجدات العصر‪ ,‬ولكن لن الكثير من المسلمين فقدوا روح‬
‫المبادرة على التغيير‪ ,‬وبالتالي فقدوا حركة الجتهاد و التطوير الباني‪ ,‬فعاشوا‬
‫عالة على غيرهم في كثير من مجالت المعرفة والتقنية وكان العلم من‬
‫أبرزها‪..‬ومع مستحدثات القرن التاسع عشر‪ ,‬وما بعده إمتد الغزو الغربي‬
‫على نطاقه الواسع فاستيقظ العقل المسلم ليجد هذه التحدي الصارخ‬

‫‪27‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لحضارته وأفكاره ومبادئه مما جعل المواجهة أمرا حتميا ً ‪ .‬إن هذه المواجهة‬
‫أصبحت ضرورة ل خيارا ً ‪ ,‬فالسلم يرفض مواقف السلبية بين السلم‬
‫ومجتمعه‪ ,‬كما يرفض الضغط و الجبار لصالح مبادئ وأفكار واتجاهات‬
‫تتعارض مع هدى الله وذلك بعد أن حرر السلم النسان من قيود القهر‬
‫وكلفه أعباء المسؤلية عن إرادة الختيار‪ .‬ومن هنا تبرز ضرورة العلم‬
‫السلمي الذي يحمل هدى الله ليس لمجرد المواجهة ورد الفعل فقط‪ ,‬بل‬
‫لعزاز كلمة الله من خلل أجهزة ووسائل يقوم عليها متخصصون مدربون‬
‫مؤمنون برسالة السلم ) فلول نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى‬
‫الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون( التوبة ‪ 22‬ويسعى‬
‫العلم المهتدي بهدى الله إلى تحقيق أمور مهمة نذكر منها‪ -:‬أول‪ :‬مواجهة‬
‫حالة الضياع التى يعيشها المجتمع المعاصر عامة ومجتمع المسلمين خاصة‬
‫بما يعيد التوازن السليم بين فطرة النسان ومستحدثات العصر الفكرية منها‬
‫والمادية‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬تحقيق مواجهة إيجابية فاعلة أمام حملت غير المسلمين ممن يعادون‬
‫السلم إما جهل ً به أو حقدا عليه‪ ,‬وذلك من خلل أجهزة ووسائل متطورة‬
‫تواكب مطلوبات العصر‪ ,‬بما يحقق إعلما قادرا ومتميزا ً يقوم على المنهج‬
‫العلمى الصحيح‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬تقديم السلم ومبادئه وفق أصوله التى جاءت في كتاب الله وسنة‬
‫رسوله عليه الصلة و السلم‪ ,‬ونقد ما لصق به من شبهات وافتراءات من‬
‫خلل برامج تجمع بين قوة الحجة وفن القناع والتأثير بجانب الجاذبية وحسن‬
‫العرض‪.‬‬
‫أن علمنا المعاصر في أشد الحاجة إلي هذا النوع من العلم الذي بدأ بفضل‬
‫من الله يظهر من خلل جهود بدت متواضعة ولكنها تنمو يوما ً بعد يوم بما‬
‫يبشر بنجاحها وخصوصا ً بعدما ظهر واضحا ً إقبال الكثيرين من أهل الصلح‬
‫على التعامل معها والستجابة لمضامينها‪ .‬ومن هنا ولهذه السباب وغيرها‬
‫تظهر أهمية العلم القائم على هدى الله وفق منهج إسلمي يقوم على‬
‫التأهيل العلمي المعاصر وبين المضمون الهادف والعرض الج ّ‬
‫ذاب‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫العلم الرشيد وحماية الدماغ من الغسيل‬
‫بقلم‪ :‬أ‪ .‬د‪ .‬فاتن مرسي‬
‫البحث العلمي المتقصي الدقيق واستقراء الواقع يقودان إلى التأكيد على‬
‫وجود ما يسمى ب )غسيل الدماغ الجماهيري )‪ Washing Mass Brain‬ونحن‬
‫ندرك ونعرف منذ البداية أن هذا الصطلح غير مطروق في أي دراسة‬
‫تعرضت لغسيل الدماغ‪ ،‬ولكن المقابلة العلمية والعملية لما يجري‪ ،‬وقياسه‬
‫على تقنيات‪ ،‬وآليات عمل غسيل الدماغ سيقودنا إلى العتراف بأن غسيل‬
‫الدماغ يتم ويمارس على الجماهير‪ ،‬متتبعين ومستخدمين الساليب نفسها‬
‫التي تستخدم على المستوى الفردي‪ ،‬ذلك لن العالم يشهد الن كثيرا ً من‬
‫الجهات التي تخطط إعلميا ً للتأثير على الشعوب وعلى أنماط تفكيرها أو‬
‫انتمائها لفكر معين‪ ،‬مما يمكن تسميته بعمليات غسيل الدماغ الجماعي‪ .‬إل‬
‫أن العلم الوطني الصادق يترك أثر السحر في حماية الدماغ من أي غزو‪ ،‬أو‬
‫غسيل خارجي مستهدف‪ ،‬فالعلم الصادق له تأثيره العميق سواء على‬
‫الجماهير بل حتى على الكفاءة القتالية لدى الجيوش‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ففي المدرسة العسكرية السلمية لنا الكثير من المثلة على دور العلم‬
‫الصادق وأثره الكبير والحيوي في الكفاءة القتالية لدى الجند‪ ،‬نذكر منها أنه‬
‫عندما علم رسولنا الكريم‪ ،‬القائد } من عيونه وأرصاده‪ ،‬أن قافلة لقريش‬
‫في طريق عودتها من الشام إلى مكة‪ ،‬أمر أصحابه بالخروج لعتراضها‪،‬‬
‫وقال‪" :‬هذه عير قريش فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها" لكن أبا سفيان‬
‫عرف بأمر خروج المسلمين‪ ،‬فبعث إلى مكة يستنفر قريشا ًَ لنجدته‪ ،‬إذ كانت‬
‫قوة القافلة ثلثين أو أربعين رج ً‬
‫ل‪ ،‬وعلم الرسول الكريم والقائد العظيم‬
‫} بأمر خروج قريش لقتاله‪ ،‬وذلك في غزوة بدر الكبرى‪ ..‬فتبدل الموقف‪،‬‬
‫ولم يعد المر "اعتراض قافلة" بل أصبح "مواجهة مباشرة" بين المسلمين‬
‫وقوة المشركين من قريش‪ ،‬المر الذي تطلب قرارا ً جديدا ً أمام ذلك التحدي‬
‫الخطير الذي يواجهونه لول مرة منذ هجرتهم إلى المدينة‪ ،‬وهو مجابهة‬
‫حربية حاسمة‪ ،‬تعد في حقيقتها أول "اختبار عملي" حاسم للسلم‪ ،‬وكان‬
‫للنتيجة التي سوف تسفر عنها المعركة آثار بعيدة المدى على الدعوة وعلى‬
‫مستقبلها وعلى هيبة المسلمين‪ ،‬وقد عبر الرسول } عن ذلك وهو يهتف‬
‫بربه‪" :‬اللهم هذه قريش قد أتت بخيلئها تحاول أن تكذب رسولك"‪ ،‬اللهم‬
‫نصرك الذي وعدتني‪ .‬اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل السلم‪ ،‬ل تعبد‬
‫في الرض"‪.‬‬
‫في ذلك الموقف العظيم يعلمنا الرسول الكريم } درسا ً عظيما ً في مجال‬
‫العلم‪ ،‬يتعلق بموقف القيادة إذا ما علمت أن الجيش سوف يواجه عدوا ً‬
‫متفوقا ً في العدد والعدة‪ :‬فهل تخفى تلك المعلومات عنه خوفا ً على الروح‬
‫المعنوية أم تعلنها؟‪ .‬لقد قرر رسول الله } أن القيادة الرشيدة هي التي تعلن‬
‫حقائق الموقف وتبصر الجيش بحجم التحدي الذي يواجهه‪ ،‬وضراوة المعركة‬
‫التي سوف يدخلها ثم تتخذ في الوقت نفسه من التدابير ما يمكنها من‬
‫مواجهة التحدي بثبات واقتدار‪ ،‬ومن التغلب على تفوق العدو أو تجريده من‬
‫فاعليته وهذا هو ما فعله الرسول }‪.‬‬
‫فقد أعلن } كل ما حصل عليه من معلومات بصدق وصراحة ووضوح‪ ،‬فحين‬
‫علم بخروج قريش عن بكرة أبيها للقتال قال‪" :‬هذه مكة قد ألقت إليكم أفلذ‬
‫أكبادها"‪ ..‬وحين استنبط القوة العددية لقريش من استجوابه لسيرين‬
‫أحضرهما إليه رجال الستطلع قبل المعركة‪ ،‬أعلن ذلك على الفور فقال‪:‬‬
‫"القوم بين التسعمائة واللف"‪ ،‬وذلك رغم أنه يعلم أن قوة المسلمين ثلث‬
‫ذلك العدد!‪ ..‬وحين عرف أن العدو أصبح قريبا ً جدا ً من بدر أعلن فورا ً عن‬
‫موقعه‪ :‬وراء الكثيب بالعدوة القصوى )والعدوة القصوى أي حافة الوادي‬
‫البعيدة من المدينة(‪..‬‬
‫لقد كان من نتائج العلم الصادق بحقائق الموقف‪ ،‬إجماع المسلمين على‬
‫قبول التحدي والتصميم على دخول المعركة ضد كفار قريش‪ ،‬وقد عبر عن‬
‫ذلك قول المهاجرين‪" :‬اذهب أنت وربك فقاتل إنا معكما مقاتلون‪ ،‬فوالذي‬
‫بعثك بالحق‪ ،‬لو سرت بنا إلى برك الغماد )موضع في اليمن( لجالدنا معك‬
‫من دونه حتى تبلغه" وقول النصار‪" :‬فامض لما أردت فنحن معك‪ ،‬فوالذي‬
‫بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا‬
‫رجل واحد‪ "..‬وقد أظهر المسلمون في بدر ما ل يحصى من صور الشجاعة‬
‫وقوة العقيدة وإرادة القتال وحب الشهادة في سبيل الله‪ ،‬وفرح المؤمنون‬
‫بنصر الله‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪29‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بذلك يتأكد المبدأ الحكيم الذي أرساه رسول الله } وهو ضرورة العلم‬
‫الصادق بحقائق الموقف‪ ،‬وعدم إخفاء المعلومات الحقيقية‪ ،‬حتى ل نترك‬
‫الجماهير أو أفراد الجيوش للوقوع كفريسة لغسيل الدماغ‪ ،‬وإذا كان معظم‬
‫الباحثين المعاصرين يميل لموضوع غسيل الدماغ إلى اعتباره "تكتيكًا"‬
‫يستخدم على المستوى الفردي‪ ،‬أي عند ممارسته على الفراد‪ ،‬وأنه ل‬
‫يستخدم عادة وإن حدث واستخدم ل يكون ناجحا ً على مستوى الجماهير‪ ،‬إل‬
‫أن استقراء الواقع الذي نعايشه اليوم والمتمثل خاصة في أسلوب إسرائيل‬
‫والغرب وأمريكا في غسيل أدمغة العالم العربي والسلمي بالكاذيب‬
‫والضاليل‪ ،‬يؤكد وجود ما يمكن تسميته عن يقين بعمليات غسيل الدماغ‬
‫الجماعي‪ ..‬لكن ما هو أصل ً غسيل الدماغ؟‪.‬‬
‫بين مرحلة التخلي ومرحلة التحلي‬
‫تتزاحم التعاريف التي تسعى إلى تفسير غسيل الدماغ كما تتزاحم‬
‫المسميات‪ ،‬فمقابل هذا المصطلح سنجد مجموعة من الوصاف التي تحاول‬
‫وصف هذا السلوب النفسي الذي يسعى إلى تحرير الفكر أو السلوك‬
‫البشري ضد رغبة النسان وعقيدته أو إرادته أو سابق ثقافته وتعليمه‪ ،‬ومن‬
‫هذه المسميات الوصفية لهذه الوسيلة التقنية المخططة نجد ما يلي‪:‬‬
‫إعادة تقويم‪ -‬بناء الفكار‪.‬‬
‫التحويل‪ -‬التحرير المذهبي‪ -‬الفكري‪.‬‬
‫القناع الخفي‪.‬‬
‫التلقين المذهبي‪.‬‬
‫ولكننا من جماع الدراسات المستفيضة لتقنيات عمل غسيل الدماغ كأسلوب‬
‫نفسي يسعى لتغيير التجاهات‪ ،‬عملنا على وضع هذا التعريف الذي جعلناه‬
‫وصفا ً دقيقا ً لهذه العملية وهو‪) :‬القناع القسري المقنن( أي القناع الذي‬
‫يمارس ضد رغبة الفرد وإرادته مستخدما ً طرائق تقنية وأساليب إجرائية ذات‬
‫مواصفات قياسية معيارية‪.‬‬
‫ولمزيد من فهم هذا التعريف ل بد من التعرض بشئ من التفصيل لهذه‬
‫العملية‪ ،‬ثم نطرح السلوب المستخدم اليوم على المستوى الواسع جماهيريا ً‬
‫لنقف على أبعاد ما أسميناه ب )غسيل الدماغ الجماهيري )‪Washing Mass‬‬
‫‪ .Brain‬ولفهم ميكانيكية عملية غسيل الدماغ يمكننا وضع هذه المعادلة ثم‬
‫نفصل القوة على مستوى العمل الفردي‪:‬‬
‫غسيل الدماغ‪ :‬ضغوط )إجهاد عقلي ‪ +‬قابلية لليحاء( ‪ +‬تعليم قسري )ثواب‬
‫وعقاب( = الستجابة الشرطية‪.‬‬
‫وفي عمليات غسيل الدماغ التي تتم وتمارس على الفراد يمكننا أن نحدد‬
‫مرحلتين أساسيتين هما مرحلة التخلي ومرحلة التجلي‪ ..‬وهكذا نجد أن‬
‫الحملة الغربية لتشويه الصورة العربية والسلمية تسعى بإصرار وعناد‬
‫لتقديم العرب والمسلمين باعتبارهم متخلفين برابرة وأنهم عدوانيون‬
‫وإرهابيون بسبب انتمائهم العقائدي والحضاري والثقافي‪.‬‬
‫وبالرجوع إلى الشكل والمعادلت التي ذكرناها آنفا ً ومحاولة عقد مقارنة بينها‬
‫وبين ما يجري ضد أمتنا من حملت سنجد أن ثمة تطابقا ً كبيرًا‪ ،‬حيث لجأت‬
‫الدول التي تمارس الهجوم عبر الحملت العلمية الدعائية النفسية المعادية‬
‫والغزو الثقافي وغسيل الدماغ الجماهيري والتخريب الفكري والتشويه‬
‫الحضاري‪ ..‬لجأت هذه الجهات إلى استخدام تقنيات وآليات عمل غسيل‬
‫الدماغ‪ ،‬ولكن بتطبيقها هذه المرة على مستوى الشعوب‪ ..‬فقد عمدت إلى‬
‫أساليب العزل والحصار والحرمان ثم أساليب التخويف والتهديد‪ ،‬ل بل كانت‬
‫‪30‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تضطر أحيانا ً إلى شن الحروب مباشرة التي تشبه أساليب العقاب والتعذيب‬
‫على المستوى الفردي‪ ،‬وذلك من خلل قوتها الذاتية أو جهات أخرى خارجية‬
‫أو داخلية‪.‬‬
‫كل ذلك كان ينعكس مباشرة على الشعوب وهي تقع تحت وطأة عمليات‬
‫العزل والحرمان‪ ،‬والتهديد و العقاب بأن يزج بها في دوامة من فقدان الثقة‬
‫والجهاد والوهن والشعور بالضعف والعجز وعدم القدرة على المجابهة‬
‫ومشاعر العجز عن التعبير وإبداء الرأي‪ ،‬فيتملكها الحساس بالقهر حيث‬
‫تترافق هنا الحملة مع عمليات التركيز على تحطيم القوى المعنوية الصلبة‬
‫التي تتحصن بها المة‪ ،‬كالمعنويات والرادة واليمان بالمعتقدات والقيم‬
‫والمصير والهداف المستقبلية والقدرة على المقاومة والثبات‪ ،‬ويترافق كل‬
‫ذلك أيضا ً بعمليات نفسية أخرى هي الستهجان والستحسان حيث يتم إشعار‬
‫هذه الشعوب الجمهور المستهدف بأن الناس جميعا ً تستهجن هذه الفكار‬
‫والمفاهيم والمسلكيات التي لم تعد مقبولة‪ ،‬كما يتم إشعار الجماهير بأن‬
‫الناس جميعا ً والدنيا كلها تستحسن هذه الفكار والمفاهيم الجديدة‬
‫والمطروحة‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وفي هذه الحالة ونتيجة لكل هذه الخطوات المعمقة تنهار الدفاعات النفسية‬
‫للمة ويتفشى الشعور بالخوف والذعر بسبب اضطراب العمليات العقلية‬
‫وازدياد التوتر والتنبيه العصبي والوقوع في براثن الشك والحيرة والقلق‬
‫وعدم الثقة بأي شئ‪ ،‬ومع تكرار هذه العملية وإشعار الجمهور المستهدف‬
‫بإصرار القائمين عليها على الستمرار وعدم التراجع حتى يتم تبني الفكار‬
‫الجديدة‪ ..‬تبدأ وسائل العلم المواجهة بالتخفيف من عوامل الضغط ثم‬
‫رفعها كعمليات الحصار أو العمليات الحربية‪ ،‬والتهديد الدائم بها مع تقبل‬
‫الفكار والمفاهيم الجديدة والذعان لنتهاج السلوكيات المطلوبة حيث يبدأ‬
‫الربط الشرطي‪ ،‬وتظهر الستجابات الشرطية حيث يرتبط رفض ونبذ الفكار‬
‫والمفاهيم الجديدة مع الحصار والتهديد‪ ،‬بينما يرتبط تقبل وتبني الفكار‬
‫والمفاهيم مع الرخاء والزدهار والوعود البراقة بالرفاهية المنتظرة‪ ..‬وهكذا‬
‫يتم التخلي عن الفكار والقيم والهداف القديمة وتحل محلها الفكار‬
‫المطلوب تبنيها من قبل الشعوب‪ ،‬وهذه هي بالضبط عملية غسيل الدماغ‬
‫واقعيا ً على مستوى الشعوب‪.‬‬
‫وغني عن البيان القول بأن هذا السلوب يعتمد على مدى نضج الشعوب‬
‫ودرجة التعلم والثقافة ومدى اليمان والتمسك بالقيم والهداف الستراتيجية‬
‫والعقائدية فهناك ثمة دلئل متزايدة على هجمة ثقافية بهدف فرض ثقافة‬
‫حضارية غربية منتصرة‪ ،‬ومحاصرة الثقافات الوطنية وتهميش دورها داخل‬
‫مجتمعاتها‪.‬‬
‫العلم الصادق يحمي المة من النهيار‬
‫إذن فالعلم الصادق هو الذي يحمي الفراد والشعوب من الوقوع في فخ‬
‫غسيل الدماغ‪ ،‬كما أن إخفاء المعلومات عن تفوق العدو من الخطاء التي ل‬
‫يجب أن يقع فيها القائد المسلم‪ ،‬لن الحالة المعنوية التي قد يتصور البعض‬
‫أن الخفاء يحافظ عليها‪ ،‬سوف تنهار بمجرد بدء القتال الذي سوف ُيظهر‬
‫حتما ً جوانب تفوق العدو‪ ،‬وسوف يشكل ذلك مفاجأة تصدم الفراد المقاتلين‪،‬‬
‫صدمة أكبر من موضوع التفوق ذاته‪ ،‬وتؤدي إلى فقدهم الثقة في قيادتهم‬

‫‪31‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫التي أخفت عنهم حقائق الموقف‪ ،‬المر الذي سيؤدي حتما ً إلى تعرضهم‬
‫المباشر لغسيل الدماغ من قبل العدو وأجهزته وعملئه‪.‬‬
‫ونذكر في هذا المجال مثال ً يوضح بجلء أهمية العلم الصادق وأثره اليجابي‬
‫في حماية الفراد من غسيل الدماغ وأيضا ً أثره اليجابي في الكفاية القتالية‪،‬‬
‫ففي غزوة تبوك عام )‪ (9‬هجرية أعلن الرسول } عن وجهته صراحة لرجاله‬
‫حتى يقدروا ما تنطوي عليه الغزوة من مشاق السفر الطويل )أكثر من ‪700‬‬
‫كم( وشدة الحر‪ ،‬وقوة الروم وأتباعهم من نصارى العرب‪ ،‬ولكي يستعدوا لها‬
‫الستعداد النفسي والمادي الكافيين على حد سواء‪ ..‬وقد وصف أبن هشام‬
‫ذلك الموقف فقال‪" :‬إن رسول الله } أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك‬
‫في زمان من عسرة الناس وشدة من الحر وجدب من البلد‪ ..‬وحين طابت‬
‫الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظللهم‪ ،‬ويكرهون الشخوص على‬
‫الحال من الزمان الذي هم عليه وكان رسول الله } قلما يخرج في غزوة إل‬
‫كنى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد )يقصد( له إل ما كان من‬
‫غزوة تبوك‪ ،‬فإنه بينها للناس لبعد الشقة )المسير( وشدة الزمان وكثرة‬
‫العدو الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته‪ ،‬فأمر الناس بالجهاز‪ ،‬وأخبرهم‬
‫أنه يريد الروم‪."..‬‬
‫كان من نتائج هذا العلم الصادق الذي كسر به رسول الله } القاعدة التي‬
‫درج عليها في إخفاء اتجاه عملياته‪ ،‬أن خرج المسلمون إلى تبوك وتحملوا‬
‫مشقات شديدة وتحملوا الجوع والعطش مدة طويلة حتى قال عمر بن‬
‫الخطاب { كما جاء في كتاب‪" :‬سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ج‬
‫‪ 5‬ص ‪" "646‬خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد‪ ،‬فنزلنا منزل ً أصابنا فيه عطش‬
‫حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع‪ ،‬حتى أن الرجل لينحر بعيره‪ ،‬فيعصر فرثه‬
‫فيشربه‪ ،‬ثم يجعل ما بقي من الماء على كبده"‪.‬‬
‫وكان من هذا التاريخ أيضا ً أن المسلمين تدافعوا نحو تجهيز جيش العسرة بما‬
‫يحتاجه من أموال وسلح ومؤن‪ ،‬فقد بلغ عدده ثلثون ألف رجل‪ ،‬فقد قدم أبو‬
‫بكر { ماله كله‪ ،‬وقدم عمر بن الخطاب { نصف ماله‪ ،‬وجهز عثمان بن عفان‬
‫{ ثلث الجيش )‪ 000.10‬رجل( وحتى الضعفاء من المسلمين تقدموا بالقليل‬
‫الذي يقدرون عليه‪ ..‬وطلبت جماعة من المسلمين أن يعطيهم الرسول } ما‬
‫يركبونه فلم يجد‪ ،‬فتولوا وهم يبكون لنهم ل يجدون ما ينفقون‪ ،‬ولذلك سموا‬
‫البكائين وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم‪ ،‬فقال تعالى‪ :‬ليس على الضعفاء‬
‫ول على المرضى ول على الذين ل يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله‬
‫ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم‪ ،‬ول على الذين إذا ما‬
‫أتوك لتحملهم قلت ل أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع‬
‫حزنا أل يجدوا ما ينفقون )سورة التوبة ‪.(92-91‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫هكذا نرى مدى أثر العلم الصادق في نفوس الناس والمقاتلين‪ ،‬أفرادا ً‬
‫وشعوبًا‪ ،‬وهكذا نجد أيضا ً كما ذكرنا أن هدف هذه الحملت المعادية هو تفريغ‬
‫العقول العربية السلمية من قيم ورموز ومتعلقات حضارتهم وإعادة تعبئتها‬
‫بقيم ومتعلقات ورموز الثقافة والحضارة الغربية‪ ،‬وذلك في الجانب الفكري‬
‫فقط بعيدا ً عن التكنولوجيا المتطورة والعلوم الحديثة المتقدمة ومن ثم‬
‫وبالترافق مع الساليب الخرى تتم عملية القتناع والتقبل للفكار الجديدة‬
‫على المستوى الفكري للمة‪ ،‬ثم تبدأ مشاعر الحب والعتزاز بهذه الفكار‬

‫‪32‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫على المستوى العاطفي الوجداني للمة مما يجعل السلوكيات تنسجم مع‬
‫تلك القناعات والمشاعر‪ ،‬أي يتكامل عندها تكون أو تش ُ‬
‫كل ما يسمى بالتجاه‬
‫الجماعي للمة وبلورة الرأي العام‪.‬‬
‫وفي الوقت نفسه تتم عمليات تشويه الصورة الخارجية وإعادة إنتاجها‬
‫لتنسجم مع أهداف الحملة التي تسعى بالتشويه والغزو الفكري إلى إبعاد‬
‫المة عن اقتناعها بتميزها واقتدارها أن تأخد دورها الفاعل على مسرح‬
‫الحضارة الحديثة‪ ،‬ومما يهيئها لمثل ذلك الدور بقدراتها المادية العظيمة‬
‫وإمكاناتها المعنوية ورسالتها الحضارية المتميزة والمتسمة بالعدالة‬
‫والنسانية والخلقية‪ ..‬فالهدف الول دائما ً وراء غسيل الدماغ هو أن تظل‬
‫المة متخلفة تابعة مستغلة من قبل القوى الطامعة المستفيدة‪.‬‬
‫ثبت المراجع‪:‬‬
‫‪ .1‬القرآن الكريم‪.‬‬
‫‪ .2‬د‪ .‬فخري الدباغ‪ :‬غسيل الدماغ‪ ،‬ط ‪ ،2‬دار الطليعة‪ ،‬بيروت ‪1982‬م‪.‬‬
‫‪ .3‬صلح نصر‪ ،‬الحرب النفسية‪ ،‬معركة الكلمة والمعتقد‪ ،‬ج ‪ ،1‬ج ‪ ،2‬ط ‪،2‬‬
‫‪1967‬م‪.‬‬
‫‪ .4‬د‪ .‬نبيل سليم‪ ،‬إعادة إنتاج العقل السلمي‪ ،‬دار الفكر الحديث‪ ،‬ط ‪،2‬‬
‫‪199‬م‪.‬‬
‫‪ .5‬مصطفى الدباغ‪ ،‬مقال في مجلة "الحرس الوطني‪ ،‬يناير ‪1999‬م‪.‬‬
‫‪ .6‬د‪ .‬عبدالرحمن عدس‪ ،‬و د‪ .‬محي الدين توق‪ ،‬علم النفس العام‪ ،‬مكتبة‬
‫القصى‪ ،‬عمان‪1981 ،‬م‪.‬‬
‫‪ .7‬العقيد شارل شانديسي‪ ،‬علم النفس في القوات المسلحة‪ ،‬ترجمة د‪.‬‬
‫محمد ياسر اليوبي‪ ،‬المؤسسة العربية للدراسات والنشر‪ ،‬ط ‪ 1‬بيروت‬
‫‪1983‬م‪.‬‬
‫‪ .8‬د‪ .‬حامد عبدالسلم زهران‪ ،‬علم النفس الجتماعي‪ ،‬ط ‪ ،4‬عالم الكتب‪،‬‬
‫القاهرة ‪1977‬م‪.‬‬
‫‪ .9‬لواء‪ -‬محمد جمال الدين محفوظ‪ ،‬مقال في مجلة المجاهد‪ ،‬صفر ‪1418‬ه‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫العلم العربي بين الواقع والمل!‬
‫د‪ .‬عبدالقادر طاش ‪15/2/1425‬‬
‫‪05/04/2004‬‬
‫قد أصبح من مكرور القول أن نقرر بأن عصرنا الحاضر هو عصر العلم‪.‬‬
‫وليس في هذا الوصف أدنى مبالغة‪ ،‬فقد تعددت وسائل التصال والعلم‪،‬‬
‫وتنوعت أساليبه‪ ،‬وتشعبت مجالت تأثيره‪ ،‬واستولت هذه الوسائل على‬
‫أوقات الناس‪ ،‬واستقطبت اهتماماتهم‪ ،‬وغدت ظاهرة عالمية ل تقتصر‬
‫معالمها على مجتمع دون آخر‪ ،‬ول يصد آثارها الحواجز التقليدية‪ ،‬التي تعارف‬
‫عليها الناس من حدود جغرافية أو اختلفات لغوية أو تباين ثقافي أو سياسي‬
‫أو اقتصادي‪.‬‬
‫ول بد لنا ونحن بصدد الحديث عن العلم العربي المعاصر وتشخيص‬
‫مشكلته وقضاياه أن نمهد لذلك بإلقاء الضوء على واقع العلم في عالم‬
‫جه‬
‫اليوم من حيث حجمه وسماته والقوى التي تهمين على حركته وتو ّ‬
‫مسيرته‪.‬‬
‫واقع العلم الدولي المعاصر‬

‫‪33‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إن أبرز ما يميز واقع العلم في عالم اليوم أنه يتسم بما يسميه علماء‬
‫التصال والباحثون العلميون بـ)الختلف العلمي( بين دول العالم وشعوبه‪.‬‬
‫ويتمثل هذا الختلف في عدد من المظاهر البارزة من أهمها‪:‬‬
‫‪ -1‬احتكار الغرب لصناعة تقنية المعلومات‪ ،‬والتصال والعلم‪ ،‬وهي ما‬
‫تسمى بأوعية التصال وأدواته‪.‬‬
‫‪ -2‬سيطرة وكالت النباء الخمس الكبرى على الساحة العلمية من حيث‬
‫استقاء النباء وتوزيعها على النطاق الدولي‪ ،‬حيث يحصل العالم على أكثر من‬
‫‪ %80‬من أخباره من لندن‪ ،‬وباريس‪ ،‬ونيويورك‪ ،‬وموسكو‪ .‬وهذه الوكالت‬
‫هي‪ :‬رويتر البريطانية‪ ،‬ووكالة الصحافة الفرنسية ووكالتا السيوشيتد برس‬
‫واليونايتد برس انترناشونال المريكيتان‪ ،‬ووكالة تاس السوفيتية‪ .‬ويتمثل‬
‫الختلل هنا في الخبار المتبادلة بين العالم الصناعي‪ ،‬والعالم النامي‪ ،‬إذ‬
‫تخصص هذه الوكالت الخمس ما بين ‪ %30- %10‬فقط من أخبارها للعالم‬
‫النامي كله!!‬
‫‪ -3‬تميز التبادل الخباري‪ -‬أو التدفق ‪ -‬بين الدول الصناعية والدول النامية‬
‫باختلل نوعي‪ -‬إضافة إلى الختلل الكمي‪ -‬إذ أن نوعية الخبار التي تبثها‬
‫الوكالت الخمس الكبرى عن العالم الثالث تركز على الجوانب السلبية‪،‬‬
‫كالكوارث‪ ،‬والضطرابات‪ ،‬والقلقل ونحوها‪ ،‬تبعا ً للمفهوم الغربي للخير‪.‬‬
‫وهو ما عبر عنه أحدهم بقوله‪) :‬إذ عض كلب رجل ً فليس ذلك بخبر‪ ،‬ولكن إذا‬
‫عض رجل كلبا ً فذلك هو الخبر(‪.‬‬
‫‪ -4‬هيمنة المادة العلمية الغربية‪ ،‬والمضمون البرامجي المنتج في بيئات‬
‫غربية على النطاق الدولي‪ .‬وتتضح هذه الهيمنة في المجال التليفزيوني من‬
‫خلل سيطرة أربع شركات غربية رئيسة‪ ،‬هي وكالة الخبار المصورة‬
‫البريطانية‪ ،‬واليونايتد برس‪ ،‬والنيوز فيلم المريكيتان‪ ،‬والوكالة اللمانية‪ -‬على‬
‫مجال الخبار التليفزيونية المصورة‪ .‬كما تتضح من خلل حجم الفلم‬
‫والبرامج والمسلسلت والمواد العلمية التي تبيعها الدول الغربية‪ -‬والوليات‬
‫المتحدة بشكل خاص ‪ -‬لدول العالم‪ ..‬فشركة )سي بي إس ‪(CBS -‬‬
‫المريكية مث ً‬
‫ل‪ ،‬توزع برامها وأفلمها في ‪ 100‬دولة في العالم‪ .‬بينما تصل‬
‫شركة )إيه بي سي ‪ (ABC-‬إلى ‪ %60‬من تليفزيونات العالم‪ .‬وقد حدت هذه‬
‫الظاهرة الباحث البريطاني )جيرمي تنستال‪ (J.Tunstall -‬إلى تأليف كتاب هام‬
‫أسماه )أمركة العلم( يحلل فيه ظاهرة )أمركة العالم تليفزيونيا (‪ ،‬كما ألف‬
‫الباحث المريكي )هربرت شيلر‪ (H. Schiller-‬كتابه الشهير والمثير )التصال‬
‫الجماهيري والمبراطورية المريكية(‪.‬‬
‫‪ -5‬توظيف العديد من القوى الدولية لوسائل العلم لخدمة أغراضها وأهدافها‬
‫اليديولوجية والسياسية والثقافية‪ .‬ففي مجال الذاعة المسموعة فإن الدول‬
‫الصناعية الكبرى تتحكم في ‪ %90‬من الموجات الذاعية في العالم‪ .‬وتقوم‬
‫وكالة الستعلمات المريكية بنشاط إعلمي واسع النطاق على المستوى‬
‫الدولي من خلل إنشاء المراكز العلمية )‪ 178‬مركزا ً في ‪ 111‬دولة( وإنتاج‬
‫الفلم السينمائية وتوزيعها )‪ 200‬فيلم سنويًا(‪ ،‬وتوزيع أفلم الفيديو )‪200‬‬
‫فيلم سنويًا(‪ ،‬ونشر المكتبات التابعة لها‪ ،‬وبث ما بين ‪ 6‬و ‪ 10‬آلف كلمة‬
‫إخبارية إلى العديد من صحف العالم ومجلته‪ .‬هذا بالضافة إلى استخدام‬
‫إذاعة )صوت أمريكا( الموجهة التي تذيع أكثر من ألف ساعة في السبوع بـ‬
‫‪ 42‬لغة في العالم‪ ،‬وتهدف إلى بث الخبار التي تعبر عن الوجهة المريكية‪،‬‬
‫وتوضيح السياسة المريكية‪ ،‬والترويج لنمط الحياة المريكية ورموزها‬
‫وتقاليدها‪.‬‬
‫‪34‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بالمقابل يوظف التحاد السوفييتي وسائل العلم لخدمة أهدافه اليديولوجية‬
‫والسياسية من خلل العديد من النشاطات‪ .‬وكان )لينين( من أوائل من‬
‫أدركوا خطورة الراديو وقدرته على تجاوز الحدود وبث الفكار‪ ،‬وكان يسميه‬
‫)صحيفة بل ورق ول تعرف شيئا ً اسمه الحدود( ويذيع )راديو موسكو( ‪ -‬الذي‬
‫يحتل المرتبة الولى بين الذاعات الموجهة في العالم في عدد ساعات البث‬
‫ حوالي ‪ 2200‬ساعة في السبوع بـ ‪ 81‬لغة ولهجة في العالم‪.‬‬‫)‪(1 /‬‬
‫‪ -6‬استغلل وسائل العلم من قبل العديد من أصحاب الديان والعقائد‬
‫الفاسدة والتجاهات الفكرية‪ ،‬وتسخيرها لخدمة أغراضهم‪ .‬فمؤسسات‬
‫التنصير وجمعياته‪ ،‬تمتلك العدد من المحطات الذاعية والتليفزيونية والصحف‬
‫والمجلت‪ ،‬ومراكز النتاج والتوزيع العلمي‪ .‬وتبث )إذاعة الفاتيكان(‪ -‬التي‬
‫أهداها )ماركوني( للبابا سنة ‪ 1931‬م ‪ -‬برامجها عبر ست موجات قصيرة‪،‬‬
‫وتصل إلى كثير من أنحاء العالم بـ ‪ 30‬لغة‪ .‬وتفيد الحصاءات أن هناك أكثر‬
‫من ‪ 40‬محطة نصرانية في العالم تبث أكثر من ألف ساعة أسبوعيا ً لنشر‬
‫أفكار النصرانية ومبادئها‪ ،‬وتسخر الصهيونية العديد من الوسائل العلمية‬
‫للترويج لمبادئها وأفكارها‪ ،‬إذ تمتلك أكثر من ‪ 954‬صحيفة ومجلة‪ ،‬تصدر في‬
‫‪ 77‬دولة‪ ،‬ومنها ‪ 244‬في الوليات المتحدة‪ 348 ،‬في أوروبا‪ 118 ،‬في أمريكا‬
‫اللتينية‪ ،‬و ‪ 42‬في أفريقيا‪ ،‬و ‪ 30‬في كندا‪ ،‬وخمس صحف في تركيا‪ ،‬وثلث‬
‫صحف في الهند‪ ،‬بالضافة إلى مجموعة كبيرة من دور النشر والتوزيع‪،‬‬
‫ومحطات الذاعة والتليفزيون والمؤسسات المسرحية وشركات النتاج‬
‫السينمائي‪ .‬هذا فضل ً عن سيطرة اليهود على العديد من المحطات‬
‫والشركات والصحف والمجلت في العديد من دول العالم‪ .‬أما )إذاعة صوت‬
‫إسرائيل( فتضم خمس محطات‪ ،‬وتذيع على خمس عشرة موجة عبر ست‬
‫عشرة لغة عالمية ومحلية‪ ،‬وتقدر مدد البث بـ ‪ 276‬ساعة في السبوع‪.‬‬
‫مظاهر التبعية العلمية في العالم العربي‬
‫ل شك أن هذا الواقع العلمي على المستوى الدولي بما يمثله من هيمنة‬
‫وسيطرة غربية محكمة‪ ،‬قد ترك آثارا ً سيئة على وسائل العلم ونظمه في‬
‫العديد من دول العالم النامي‪ .‬وكانت دول العالم العربي والسلمي ضمن‬
‫هذه الدول التي تأثرت بهذا الواقع العلمي‪ ،‬واكتوت بناره وعانت‪ -‬وما تزال‬
‫تعاني من سلبياته ومشكلته‪.‬‬
‫ولن نجانب الصواب حين نقول‪ :‬بأن واقع العلم في عالمنا العربي‬
‫والسلمي يشكو من مرض بالغ الخطورة‪ ،‬يتمثل فيما يمكن أن نسميه بـ‬
‫) التقليد والتبعية( مع استدراكنا بأن هذه الظاهرة المرضية تبدو بدرجات‬
‫متفاوته في دول العالم العربي والسلمي‪ ،‬التي ما تزال تبحث عن ذاتيتها‬
‫وشخصيتها المستقلة‪ ،‬وترنو إلى الوصول إلى تميز حضاري‪ ،‬يتوافق مع ما‬
‫تؤمن به من رسالة خالدة‪ ،‬وما تضطلع به من مسؤولية عظيمة‪ ،‬ل تقتصر‬
‫حدودها على مجتمعاتها المحلية فحسب‪ ،‬بل تمتد إلى آفاق العالم الرحبة‪،‬‬
‫وقيادة النسانية إلى النور والخير‪ ،‬ومصداقا ً لقوله تعالى‪ ) :‬كنتم خير أمة‬
‫أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتهون عن المنكر وتؤمنون بالله ( ) آل‬
‫عمران‪.(110 :‬‬
‫ويمكن إيجاز العراض التي تدل على الظاهرة المرضية التي أسمينها بـ‬
‫)التقليد والتبعية ( في واقع العلم في العالم العربي فيما يلي‪:‬‬

‫‪35‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ -1‬العتماد على التقنية الجنبية‪ ،‬والخربة الجنبية‪ ،‬في بناء وتسيير البنى‬
‫الساسية للعلم‪ ،‬وفي العديد من الدول العربية والسلمية‪.‬‬
‫‪ -2‬استعارة المفاهيم والنظم والنظريات العلمية الغربية التي أصبحت‬
‫تمارس في واقع العمل العلمي‪ ،‬وتدرس في المعاهد والجامعات في العالم‬
‫العربي والسلمي‪.‬‬
‫‪ -3‬استيراد المواد والبرامج العلمية من الدول الغربية‪ .‬وهي ل تنبع من قيم‬
‫ومبادئ وتقاليد المجتمعات السلمية‪ ،‬ول تلبي حاجاتها ول تعالج مشكلتها‬
‫وقضاياها‪ ،‬فضل ً عن أنها تروج لفكار الغرب وحضارته وتقاليده وقيمه‪.‬‬
‫‪ -4‬تسييس العلم وتسخيره لخدمة الغراض السياسية والحزبية في كثير‬
‫من دول العالم العربي والسلمي‪ ،‬مما أفقده القدرة على الحركة والحرية‬
‫والبداع‪ .‬وخل الميدان ‪ -‬بذلك ‪ -‬من المخلصين والمبدعين‪ ،‬وأصبح مليئا ً‬
‫بالمقلدين والمهرجين والمرتزقة!!‬
‫‪ -5‬تضخم الوظيفة الترفيهية لوسائل العلم‪ ،‬حتى طغت هذه الوظيفة على‬
‫الوظائف الخرى‪ ،‬مع اشتداد حاجة المجتمعات العربية‪ -‬وهي تخوض معركة‬
‫التنمية والبناء والتغيير‪ -‬إلى توظيف وسائل العلم لخدمة أغراض هذه‬
‫المعركة الحضارية والجتماعية الحاسمة‪ ،‬ول شك أن وسائل العلم ‪ -‬متى ما‬
‫أحسن توجيهها ‪ -‬ستسهم بنصيب وافر ومؤثر في هذه المعركة‪.‬‬
‫‪ -6‬ضعف الهتمام بالجوانب الفكرية والعلمية للعلم‪ ،‬مما كان له أثر في‬
‫عدم توفير المناخ الملئم لتطوير الفكر العلمي العربي المسلم‪ ،‬الذي يتميز‬
‫عن غيره ويختلف عما سواه في أصوله ومنطلقاته وأهدافه وغاياته‪ ،‬وطرق‬
‫ممارسته‪ ،‬بما يتفق مع توجهات المجتمع وحاجاته‪ ،‬وبما ينسجم مع السياق‬
‫الفكري والجتماعي والقتصادي والسياسي للمجتمعات العربية في مرحلتها‬
‫التاريخية التي تعيش فيها‪.‬‬
‫التحرير من التبعية ضرورة ومطلب‬
‫)‪(2 /‬‬
‫إن تحرر العلم العربي وتخليصه من التقليد‪ ،‬ضرورة لزمة‪ ،‬ومطلب حضاري‬
‫ل غنى عنه‪ .‬وليس هذا التحرر ببدع على إعلمنا العربي‪ ،‬فهو مطلب مشروع‬
‫للدول النامية بشكل عام‪ .‬وقد أقرت هذا المطلب اللجنة الدولية لدراسة‬
‫مشكلت العلم المنبثقة عن هيئة اليونسكو في وثيقتها رقم )‪ (32‬حيث‬
‫تقول‪ ):‬إن تحرير وسائل العلم الوطنية‪ ،‬لهو جزء ل يتجزأ من الكفاح‬
‫الشامل من أجل الستقلل السياسي والقتصادي والجتماعي‪ ،‬الذي تخوضه‬
‫الغالبية العظمى من شعوب العالم‪ ،‬التي ل ينبغي أن ُتحرم من حقها في بث‬
‫العلم‪ ،‬وتلقيه بطرق موضوعية سليمة‪ .‬ويتساوى الستقلل إزاء مصادر‬
‫المعلومات‪ ،‬في أهميته مع الستقلل التقني‪ ،‬لن التبعية في مجال العلم‬
‫تؤدي بدورها إلى تعطيل النمو السياسي والقتصادي (‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وبالضافة إلى كون هذا التحرر للعلم العربي من التبعية مطلبا مشروعا في‬
‫ضوء مقررات ومبادئ الهيئات الدولية‪ ،‬فإنه‪ -‬قبل ذلك وبعده ‪ -‬ضرورة لزمة‪،‬‬
‫لن المة التي يعبر عنها العلم العربي ويخدمها هي أمة متميز‪ ،‬لها وضعها‬
‫الخاص‪ ،‬ولها رسالتها الفريدة‪ ،‬فقد اختيرت لتكون أمة تحمل أمانة السلم‪،‬‬
‫فتلتزم به عقيدة وشريعة‪ ،‬وتبلغ عنه دعوة وتبشيرًا‪ .‬ومن طبيعة الرسالة‬
‫السلمية أنها رسالة عالمية لكل البشر‪ ،‬وما أشد حاجة النسانية اليوم إلى‬
‫السلم‪ ،‬لتؤوي إليه تثوب إلى كنفه فيعطيها المن والسعادة ويحقق لها ما‬

‫‪36‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تصبو إليه من آمال‪ ،‬وما تتطلع إليه من طموحات‪.‬‬
‫إن تحرر العلم العربي من التبعية ليس حاجة وطنية وقومية فحسب‪ ،‬بل هو‬
‫ بالضافة إلى ذلك ‪ -‬حاجة إنسانية دولية‪ .‬وهاهو العالم اليوم يصارع من أجل‬‫إيجاد نظام إعلمي عالمي جديد‪ ،‬يكسر احتكار القوى المتسلطة‪ ،‬ويوفر‬
‫الفرصة لتحقيق توازن إعلمي رشيد‪ .‬فهو إذن‪ -‬يدرك تهافت النظام العلمي‬
‫الحالي‪ ،‬ويعترف بقصوره‪ ،‬ويسعى إلى إسقاطه‪ ،‬ويبحث عن بديل له‪ .‬وفي‬
‫تصوري‪ ،‬أننا‪ -‬نحن العرب والمسلمين ‪ -‬نملك القدرة على السهام اليجابي‬
‫الفعال في إيجاد ذلك البديل‪ ،‬الذي تبحث عنه النسانية في عالم اليوم‪ .‬ول‬
‫نقول هذا الكلم من قبيل المبالغة والغرور الذاتي‪ ،‬بل هي الحقيقة التي‬
‫يقررها الواقع‪ .‬فقد جرب العالم كثيرا ً من الحلول‪ ،‬وطرق كثيرا ً من المنافذ‪،‬‬
‫بحثا ً عن الخلص‪ ،‬ولكنه عاد خائبا ً محمل ً بمزيد من المشكلت والمتاعب‪.‬‬
‫وفي يقيننا أن السلم ‪ -‬بمنهجه الرباني الثابت‪ ،‬وقدرته على التجدد والمرونة‬
‫في آن واحد ‪ -‬قادر على أن يقدم الصلح لعلج المشكلت الدولية في مجال‬
‫التصال والعلم‪.‬‬
‫العلم العربي والمل المنشود‬
‫إن تحرر العلم العربي من التبعية والتقليد‪ ،‬هو المل المنشود الذي يتطلع‬
‫إليه كل مخلص غيور‪ .‬ولن يتحقق هذا التحرر إل عندما تتوسع دائرة العتماد‬
‫على الذات في جميع ميادين العلم‪ :‬صناعة‪ ،‬وفكرًا‪ ،‬ونظامًا‪ ،‬وممارسة‪ .‬ول‬
‫بد ‪ -‬بادئ ذي بدء‪ -‬من اليمان العميق بأن نقطة النطلق في حركة تحرر‬
‫العلم العربي من التبعية‪ ،‬تمكن في القرار العملي بأن النشاط العلمي‪-‬‬
‫بمختلف صوره وأشكاله وأنماطه‪ -‬إنما ينبع من التصورات العقدية‬
‫واليديولوجية للمجتمع الذي يعمل فيه‪ ،‬وينطبع بالقيم والتقاليد‪ ،‬ويتأثر‬
‫بالظروف القتصادية والجتماعية والسياسية لذلك المجتمع‪ .‬ولذلك فإنه من‬
‫الضرورة أن نعمل على صياغة نظام إعلمي عربي إسلمي مميز في روحه‬
‫وجوهره‪ ،‬ومنطلقاته‪ ،‬وأهدافه‪ ،‬ونظمه‪ ،‬وقوانينه‪ ،‬وطرقه وأساليبه‪.‬‬
‫ولشك أن السلم ‪ -‬بفكره وقيمه ومبادئه وحضارته‪ -‬هو الصل الذي ينبغي‬
‫أن يصدر عنه ذلك النظام العلمي المنشود‪ ،‬وهو الساس الذي ينبغي أن‬
‫يستند إليه صياغته للنشاط العلمي‪ ،‬وتحديد أبعاده ووظائفه ومسؤولياته في‬
‫المجتمع العربي‪ .‬كما أن هذا النظام المنشود ل بد من أن يتفاعل مع الواقع‬
‫الذي تعيشه المجتمعات العربية‪ ،‬وتتبلور أسسه وتنظيماته وممارساته بما‬
‫يخدم مصالح هذه المجتمعات وحاجاتها‪ ،‬وبما ل يتعارض مع قيمها الصيلة‪،‬‬
‫وعاداتها وتقاليدها الصالحة‪ ،‬التي تعطيها التميز والختلف عن غيرها من‬
‫المجتمعات التي تؤمن بالفلسفات والفكار المادية الوضعية‪.‬‬
‫إن تحرير العلم العربي من ربقة التبعية والتقليد‪ ،‬والرتقاء به إلى مستوى‬
‫البداع والستقلل والذاتية‪ ،‬عمل شاق وكبير‪ .‬ولذلك ل بد من أن تسهم في‬
‫تحقيقه مختلف الفئات والجهات والمؤسسات ذات العلقة بالنشاط العلمي‪،‬‬
‫سواء على المستوى السياسي‪ ،‬أو المستوى العلمي الكاديمي‪ ،‬أو المستوى‬
‫العملي المهني‪ ،‬أو المستوى الجتماعي والقتصادي‪ .‬حسبنا في هذه العجالة‬
‫أن نشير إلى بعض النقاط الهامة التي نعتقد أن عملية التحرير تنطلق فيها‬
‫عبر المستويات المختلفة‪:‬‬
‫)‪(3 /‬‬

‫‪37‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)أ( فعلى المستوى السياسي‪ ،‬ل بد من أن تؤمن الحكومات والنظمة‬
‫السياسية العربية بأهمية أن يكون نظام إعلمي عربي له شخصية الذاتية‪،‬‬
‫وأن يركز هذا النظام على مبادئ السلم وقيمه‪ ،‬ويلي الحتياجات الحقيقية‬
‫للمجتمع‪ ،‬ويقوم على أكتاف مواطني ذلك المجتمع‪ .‬ول بد من أن ترسم لهذا‬
‫النظام استراتيجية عامة واضحة المعالم‪ ،‬وسياسات عملية تقوم على أسس‬
‫عملية واقعية‪ ،‬وأن يتمتع النظام بشيء من الحرية والمرونة التي تحقق‬
‫المصلحة العامة‪ ،‬وأل ّ يكبل النظام بالبيروقراطية والروتين‪.‬‬
‫)ب( وعلى المستوى الجتماعي والقتصادي‪ ،‬ل بد من العمل على تغيير‬
‫النظرة التقليدية الدونية للنشاط العلمي التي تسود المجتمعات العربية‪ .‬ول‬
‫بد من إقناع القطاع الحكومي والقطاع الهلي بأهمية الستثمار القتصادي‬
‫في ميدان العلم‪ ،‬إذ أن النشاط العلمي اليوم‪ -‬في كافة صوره ومستوياته‬
‫ نشاط مكلف اقتصاديًا‪ ،‬مما يتطلب معه أن ينفق عليه بسخاء‪ ،‬وأن يحظى‬‫بالعناية القصوى والهتمام الكافي‪.‬‬
‫)ج( وعلى المستوى الكاديمي‪ ،‬ل بد من العناية بافتتاح وتدعيم كليات‬
‫وأقسام‪ ،‬ومعاهد التدريس الكاديمي للعلم في كل قطر عربي‪ ،‬ول بد من‬
‫أن تتوافر لهذه الكليات والقسام والمعاهد المكانات البشرية والمادية‬
‫الملئمة‪ ،‬التي تجعلها تستطيع القيام بمهمتها في إعداد وتهيئة الكفايات‬
‫) الكوادر ( العلمية المتخصصة‪ ،‬التي تسهم في دفع عجلة النمو العلمي‪،‬‬
‫وتعمل على تحقيق سياسة العتماد على الذات‪ .‬كما أن هذا الهتمام‬
‫بالكليات والقسام والمعاهد العلمية الوطنية‪ ،‬سيقلل من كثرة البتعاث إلى‬
‫الخارج والذي يعد ‪ -‬بصورته الحالية‪ -‬تكريسا ً لحالة التبعية والتقليد‪ ،‬التي‬
‫يعيش فيها العلم العربي المعاصر‪ .‬ول ينبغي أن تقتصر مهمة هذه الجهات‬
‫الكاديمية على العداد الكاديمي والمهني الصرف‪ ،‬بل ل بد لها من أن تعنى‬
‫خرجها‪..‬‬
‫بالعداد الفكري والخلقي المتميز للكوادر التي ت ّ‬
‫)د( وعلى المستوى المهني الواقعي‪ ،‬ل بد من أن يستشعر العاملون في‬
‫الميادين العلمية المختلفة ‪ -‬سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الهلي ‪-‬‬
‫مسؤوليتهم العظيمة التي يضطلعون بها‪ .‬ول بد من العناية بحسن اختيار‬
‫المسؤولين والعاملين في المؤسسات العلمية التوجيهية‪ ،‬وتنقية الساحة‬
‫العلمية من الدخلء عليها‪ ،‬كما أن توفير فرص التأهيل والتدريب للعاملين‬
‫في القطاع العلمي يعد مطلبا ً أساسيا ً في سبيل تكوين وتهيئة كوادر‬
‫إعلمية ذات قدرة وكفاءة وتميز‪.‬‬
‫التعاون العربي لتحقيق أهداف التحرر العلمي‬
‫عربي‪ .‬بل ل بد من أن يتكامل هذا الجانب المحلي مع الجانب العربي على‬
‫المستوى القومي‪ ،‬فنحن أمة واحدة ذات رسالة متطابقة وهموم مشتركة‬
‫وآمال متوافقة‪ .‬ول شك أن التعاون العلمي فيما بين دولنا العربية يعد جزءا ً‬
‫من سعينا الحثيث نحو الوحدة والتكامل في شتى المجالت والميادين‪ .‬بل إن‬
‫الوحدة العربية والتكامل العربي خطوة ممهدة للوحدة السلمية والتكامل‬
‫بين دول العالم السلمي وشعوبه‪ ،‬حتى يصدق فيها قول الله تعالى في كتابه‬
‫َ‬
‫العزيز‪ ):‬وإن هذه أ ُمتك ُ ُ‬
‫م َفاتقون( )المؤمنون‪.(52:‬‬
‫ة َوا ِ‬
‫م ً‬
‫حد َة ً وَأَنا َرب ّك ُ ْ‬
‫مأ ّ‬
‫ّ ِ ِ ّ ُ ْ‬
‫وليس التعاون العلمي العربي الذي ندعو إليه ببدع في واقع العالم‬
‫المعاصر‪ .‬إن كثيرا ً من المم والدول اليوم تسعى إلى أيجاد صيغ قومية‬
‫وإقليمية للتعاون فيما بينها في مجالت متعددة‪ .‬ولو اقتصرنا على المجال‬
‫العلمي لما أعوزتنا المثلة والشواهد الحية التي تؤكد لنا هذه الحقيقة‪،‬‬
‫فدول الكتلة الغربية تتعاون فيما بينها عبر العديد من المؤسسات العلمية‬
‫‪38‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المشتركة‪ ،‬ودول الكتلة الشرقية تتعاون فيما بينها أيضا ً عبر بعض الهيئات‬
‫المشتركة‪.‬‬
‫ولسنا هنا في مقام إنكار وجود عدد من المؤسسات والهيئات العربية‬
‫المشتركة التي تسهم في توفير مجالت متنوعة للتعاون والعلمي بين‬
‫الدول العربية‪ ،‬ولكننا نحس أن ما تحقق من خلل هذه المؤسسات ما يزال‬
‫ضئي ً‬
‫ل‪ ،‬ول يرتقي إلى مستوى طموحات المخلصين من أبناء هذه المة في‬
‫مختلف أقطار العالم العربي‪.‬‬
‫ول شك أن هذه المؤسسات العربية مثل اتحاد إذاعات الدول العربية‪ ،‬واتحاد‬
‫وكالت النباء العربية‪ ،‬وأجهزة التعاون والعلمي الخليجي المتعددة‪ ،‬تستطيع‬
‫أن تقدم الكثير مما يحتاج غليه العلم العربي لتطويره وتنميته والرتقاء‬
‫بمستواه‪ .‬كما أن المؤسسات العملية والجامعات العربية التي تحتضن‬
‫أقساما ً للعلم ينتظر منها الكثير مما لم تستطيع تحقيقه حتى الن‪.‬‬
‫وسوف نؤكد باستمرار على أهمية أن تخطى قضية تحرير العلم العربي‬
‫المعاصر من ربقة التبعية والتقليد بمختلف صورها باهتمام المسؤولين‬
‫والعاملين في الميادين العلمية المتنوعة والعلميين‪ ،‬وأن تلقى من العناية‬
‫ما تستحقه في ضوء تزايد خطورة وسائل العلم في المجتمعات العربية‪،‬‬
‫وتعاظم قدرتها على التأثير على الفراد والجماعات‪ ،‬سلبا ً كان هذا التأثير أو‬
‫إيجابًا‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫كما أن التحديات التي تواجه المة العربية المسلمة في الوقت الراهن سواء‬
‫على المستوى السياسي‪ ،‬أو المستوى الفكري‪ ،‬أو المستوى القتصادي‬
‫تفرض علينا أن نعمل على تسخير كافة إمكاناتنا ووسائلنا لمواجهة هذه‬
‫التحديات الخطيرة‪ ،‬وخصوصا ً ونحن ندرك أن أعداءنا قد استغلوا وسائلهم‬
‫وإمكاناتهم العلمية لخدمة أغراضهم‪ ،‬وركبوا مطية العلم ليكون سلحا ً‬
‫فعال ً من أسلحتهم لحربنا في عقيدتنا‪ ،‬وفكرنا‪ ،‬وانتمائنا‪ ،‬وفي وجودنا‪،‬‬
‫ومعركتنا في البناء والتنمية‪ .‬إن العلم اليوم أمضى السلحة في الصراع‬
‫الحضاري الذي تدور رحاه في دنيا اليوم‪ ،‬وأن المة التي ل تمتلك إعلما ً قويا ً‬
‫فعال ً ينبع من شخصيتها الحضارية ويلبي احتياجاتها ويسهم في معركتها‪ ،‬هي‬
‫أمة خاسرة في عالم ل مكان فيه إل للقوي‬
‫)‪(5 /‬‬
‫العلم الغربي باللغة العربّية أهداف لم تعد خفّية‬
‫د‪ .‬محمد بن سعود البشر ‪28/2/1427‬‬
‫‪28/03/2006‬‬
‫فا أو‬
‫المتابع لمسيرة العلم الغربي الناطق باللغة العربية سواء كان صح ً‬
‫مجلت أو قنوات تلفازية أو إذاعات‪ ،‬يلحظ تبايًنا في تعاطي الجمهور العربي‬
‫مع هذه الوسائل‪ ،‬وما تقدمه من مواد إعلمية؛ ففي البدء كان الجمهور‬
‫العربي‪ -‬ول سيما النخب الثقافية منه‪ -‬منبهًرا بالتقدم التقني لوسائل العلم‬
‫الغربية‪ ،‬والذي جعل جماهير معظم الدول العربية تستقبل إذاعات مثل‬
‫حا من كثير من الذاعات‬
‫)مونت كارلو( والـ )بي بي سي( بدرجة أكثر وضو ً‬
‫العربية في الدول المجاورة‪ ،‬فضل ً عن حالة العجاب بالمهنية العالية لدى‬

‫‪39‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العاملين في كثير من هذه الوسائل العلمية الغربية الناطقة بالعربية‪،‬‬
‫وبخاصة إذا علمنا أن كثيًرا من الصحف والذاعات نجحت في استقطاب‬
‫أعداد كبيرة من الكفايات العلمية والثقافية العربية‪ ،‬ممن لم تسمح لهم‬
‫النظمة السياسية العربية بالتعبير عن آرائها وأفكارها في وسائل العلم‬
‫العربية التي كانت إلى وقت قريب مملوكة للدول والنظمة العربية توجهها‬
‫كيف تشاء‪.‬‬
‫دللة هذا النجاح للعلم الغربي قدرته على اجتذاب كثير من رموز الدب‬
‫والفكر والثقافة العربية للعمل فيه‪ ،‬فضل ً عن الجرأة التي اتسم بها في طرح‬
‫كثير من القضايا العربية‪ ،‬والتي ما كانت لُتطرح في أي من وسائل إعلمنا‬
‫العربي الرسمي آنذاك‪.‬‬
‫ومن غير المنطقي تجاهل الظروف السياسية التي مرت بها المنطقة العربية‬
‫عبر أكثر من نصف قرن مضت شهدت خللها التحرر من براثن الستعمار‬
‫الغربي‪ ،‬وسقطت بعدها بين "الرأسمالية الغربية" أو "الشتراكية الشرقية"‬
‫والحرب الباردة بينهما‪ ،‬فهذه الظروف ساهمت في زيادة تعاطي الجمهور‬
‫العربي مع العلم الغربي بالعربية في فترات بعينها‪ ،‬فمثل هذا الوضع جعل‬
‫قطاعات من الجمهور العربي متعطشة لمعرفة ماذا يحدث خارج حدود‬
‫الوطن العربي‪ ..‬وتأثير ذلك على مستقبل المنطقة العربية‪ُ .‬يضاف إلى ذلك‬
‫أن قطاعات واسعة من الجمهور العربي كانت تعاني من المية في ذلك‬
‫الوقت فكان من السهل التأثير عليها واستمالتها ببرامج الترفيه والمنوعات‬
‫التي تفّننت فيها وسائل إعلمية مثل إذاعة )مونت كارلو( ومجلة )فوربس(‬
‫وإذاعة )سوا( وغيرها‪.‬‬
‫أما النخب العربية فقد وجدت في هذه الوسائل مساحة الحرية التي تفتقدها‬
‫في وسائل العلم العربية‪.‬‬
‫ومع بدء عصر العلم الفضائي والسماوات المفتوحة ُيلحظ ثمة انحسار في‬
‫تعاطي الجمهور العربي مع هذه الوسائل العلمية الغربية‪ ،‬فلم تعد تلبي‬
‫احتياجاته السابقة بنفس القدر‪ ،‬لسيما وأن كثيًرا من وسائل العلم العربية‬
‫أصبحت تحاكي هذه القنوات الغربية في نوعية برامجها‪ ،‬بما في ذلك برامج‬
‫الترفيه‪ ،‬والتي كانت تستقطب فئات واسعة من شباب المجتمعات العربية‪.‬‬
‫وإذا كان هناك من يتحدث عن إسهام العلم الغربي الناطق باللغة العربية‬
‫في الرتقاء بالصناعة العلمية العربية فإنه يجب أن يعلم أن هذا الرتقاء لم‬
‫يكن هدًفا للقائمين على هذه الوسائل الغربية‪ ،‬بل إن النخب العربية وبعض‬
‫دوائر صناعة القرار العربي تنبهت لمخاطر إقبال الجمهور العربي على مثل‬
‫هذه الوسائل‪ ،‬فعملت على تقديم البديل العلمي العربي المشابه قدر‬
‫المكان‪ ،‬ووفق ما سمحت به الظروف السياسية والمكانات المادية والتقنية‬
‫حا‬
‫قدر المكان‪ ،‬فكانت إذاعتا )صوت العرب( و )الشرق الوسط( بديل ً مطرو ً‬
‫لذاعة )مونت كارلو( والـ )بي بي سي( رغم فارق المكانات والخبرات‪،‬‬
‫وولدت كذلك صحف عربية دولية في الخارج تتيح هام ً‬
‫شا أكبر من الحرية‬
‫والتنوع مثل‪) :‬العرب الدولية( ومجلة )الحوادث( و )الشرق الوسط(‬
‫و)الحياة( وغيرها‪.‬‬
‫ولشك أن في هذا إفادة للصناعة العلمية العربية‪ ،‬وشاهد هذا أن كثيًرا من‬
‫الكفاءات العلمية التي تعمل حالًيا في قنوات وصحف وإذاعات عربية سبق‬
‫لها العمل في وسائل العلم الغربية باللغة العربية‪ ،‬وفي المقابل فإن هذه‬
‫الوسائل أفرزت كثيًرا من المنبهرين بالثقافة الغربية المحتقرين لثقافتهم‬
‫العربية الم‪ ،‬وبعض هؤلء –للسف‪ -‬أصبحوا مسؤولين في وسائل إعلمنا‬
‫‪40‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫خا مشوهة لما يقدمه العلم الغربي‪،‬‬
‫العربي‪ ،‬فبدت كثير من برامجنا نس ً‬
‫ومن أمثلة ذلك برامج )تليفزيون الواقع( "ستار أكاديمي" وخلفه‪.‬‬
‫ومن المستغرب أن يتساءل البعض الن عما إذا كانت هناك أجندة خفية‬
‫للعلم الغربي الذي يبث مضامينه باللغة العربية‪..‬؟!‬
‫)‪(1 /‬‬
‫فمن البديهي أن لهذا العلم أهداًفا وجدت وسائله من صحف وإذاعات‬
‫در‬
‫وقنوات تلفازّية لتحقيقها‪ ،‬وإل لماذا ُتنفق هذه الموال الطائلة والتي ُتق ّ‬
‫بمئات المليين من الدولرات لنشاء القنوات التلفازية والذاعات‪ ،‬وإصدار‬
‫الصحف والمجلت الناطقة باللغة العربية؟ وقناة الحرة –على سبيل المثال‪-‬‬
‫ول من ميزانية ملحقة بميزانية‬
‫ُولدت من رحم الحتلل المريكي للعراق‪ ،‬وُتم ّ‬
‫وزارة الدفاع المريكية باعتراف وزير الدفاع المريكي‪ ،‬ومباركة أعضاء‬
‫الكونجرس‪ ،‬وهذا دليل على أن هذه القنوات والوسائل العلمية مهمتها‬
‫الساس تهيئة العقل العربي لتقّبل النموذج الغربي أو الترويج للثقافة الغربية‬
‫المريكية أو الوروبية‪ ،‬لسيما أن منطقة الشرق الوسط‪ ،‬والتي تضم الدول‬
‫العربية هي مناطق مصالح حيوية للقوى الغربية في أوروبا‪ ،‬وفي مقدمتها‬
‫بريطانيا وفرنسا وألمانيا‪ ،‬وهي دول الستعمار القديم‪ ،‬أو الوليات المتحدة‬
‫الساعية لفرض هيمنتها على العالم‪ ،‬ويؤكد ذلك أن كثيًرا من هذه الوسائل‬
‫العلمية الغربية طالما أفسحت برامجها وصفحاتها للقوى المعارضة أو‬
‫المنتقدة للنظمة العربية‪ ،‬والمحلل الواعي لمضامين ما ُينشر وُيذاع في‬
‫وسائل العلم الغربية باللغة العربية يستطيع أن يدرك ملمح هذه الجندة‪،‬‬
‫والتي لم تعد خافية‪ ،‬فالممارسات السياسية للنظمة الغربية تفضحها‬
‫ما بعد يوم‬
‫وتكشف عوارها يو ً‬
‫)‪(2 /‬‬
‫العلم بكفر من ابتغى غير السلم‬
‫تقديم الشيخ الع ّ‬
‫لمة‬
‫عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين‬
‫الحمد لله الذي خلقنا للعبادة‪ ،‬ونفذ فينا تصرفه ومراده‪ ،‬ووفق من شاء من‬
‫خلقه لتوحيده وإفراده‪ ،‬وخذل آخرين ورماهم بطرده وإبعاده‪ ،‬أحمده سبحانه‬
‫وأشكره‪ ،‬وقد وعد الشاكرين بالزيادة‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك‬
‫له وهي أفضل شهادة‪ ،‬وأشهد أن محمدا ً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم‬
‫وعلى آله وأصحابه وأحفاده‪.‬‬
‫أما بعد‪:‬‬
‫ن ()الذاريات‪ .(56:‬ومعنى‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ن ال َِنس ِإل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫ت ال ِ‬
‫ق ُ‬
‫فقد قال تعالى‪) :‬وَ َ‬
‫دو ِ‬
‫ج ّ‬
‫لنس والجن‪ ،‬وكلفهم‬
‫)يعبدون( يوحدون‪ ،‬أي أنه تعالى أوجد هذا النوع من ا ِ‬
‫وأمرهم ونهاهم‪ ،‬وقد أقام عليهم الحجة‪ ،‬حيث آتاهم العقول التي يحصل بها‬
‫التفكر والدراك‪ ،‬ونصب لهم اليات البينات‪ ،‬التي يحصل بالنظر فيها التذكر‬
‫والعتبار‪ ،‬فسخر لهم الليل والنهار‪ ،‬والشمس والقمر والنجوم مسخرات‬
‫بأمره‪ ،‬ليل داج‪ ،‬ونهار ساج‪ ،‬وسماء ذات أبراج‪ ،‬وأرض ذات فجاج‪ ،‬وبحار ذات‬
‫أمواج‪ ،‬ومطر ونبات‪ ،‬وأرزاق وأقوات‪ ،‬وجموع وأشتات‪ ،‬وإخوان وأخوات‪،‬‬
‫وآباء وأمهات‪ ،‬وأبناء وبنات‪ ،‬وآيات بعد آيات‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وقد لفت أنظارهم إلى هذه المخلوقات‪ ،‬فقال تعالى‪) :‬ألم نجعل الرض مهادا ً‬
‫* والجبال أوتادا ً * وخلقناكم أزواجا ً * وجعلنا نومكم سباتا * وجعلنا الليل‬
‫لباسا()النبأ‪ (10-6:‬اليات‪ .‬وقال تعالى‪) :‬أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم‬
‫كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج * والرض مددناها وألقينا فيها رواسي‬
‫وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج()ق‪ (7-6:‬اليات‪ ،‬وقال تعالى‪) :‬وعد الله ل‬
‫يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس ل يعلمون()الروم‪ (6:‬الية‪ ،‬ونحو خطبة‬
‫قس بن ساعدة اليادي الجاهلي ‪ ،‬والذي ذكر فيها‪ :‬أن لله دينا ً هو أحب من‬
‫الدين الذي هم عليه‪ ،‬ونبيا ً قد حان أجل خروجه‪ ،‬وهكذا ذكروا قصة زيد بن‬
‫عمرو بن نفيل الذي ترك عبادة الصنام‪ ،‬وحرم أكل ما أهل به لغير الله‪ ،‬وهو‬
‫جاهلي‪ ،‬وغيره كثير وفي ذلك يقول ابن المعتز‪:‬‬
‫ف يعصي الل َ َ‬
‫ف ْيجحد ُهُ الجا ِ‬
‫م ك َي ْ َ‬
‫حد ُ‬
‫جبا ك َي ْ َ ْ‬
‫فيا عَ َ‬
‫هأ ْ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ة ت َد ُ ّ‬
‫وفي ك ّ‬
‫ه َوا ِ‬
‫ه آي َ ٌ‬
‫حد ُ‬
‫ل عَلى أن ّ ُ‬
‫ل شيٍء ل ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه في ك ّ‬
‫كين َةٍ أَبدا َ‬
‫س ِ‬
‫شاهِد ُ‬
‫ريكةٍ وَت َ ْ‬
‫وَل َ ُ‬
‫ل َتح ِ‬
‫ويقول آخر‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صن َعَ المِليكُ‬
‫َ‬
‫مل في َنبا ِ‬
‫ض ِإلى آثارِ َ‬
‫ت َأ ّ‬
‫ما َ‬
‫ت الر ِ‬
‫سِبي ُ‬
‫ي ال ّ‬
‫ن ُلجين َ‬
‫ك‬
‫شا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ذه ُ‬
‫ت بأح َ‬
‫عُُيو ٌ‬
‫ب ال ّ‬
‫صا ٌ‬
‫خ َ‬
‫ق هِ َ‬
‫م ْ‬
‫دا ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ري ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ك‬
‫ش‬
‫ه‬
‫ل‬
‫س‬
‫ي‬
‫ل‬
‫الله‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ب‬
‫ت‬
‫دا‬
‫ه‬
‫شا‬
‫د‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ز‬
‫ال‬
‫ب‬
‫ض‬
‫ق‬
‫على‬
‫ّ َْ َ ِ‬
‫ِ َ ٌ ِ ّ‬
‫ْ َ ُ‬
‫ُ ِ‬
‫ِ‬
‫ومع هذه اليات والبينات‪ ،‬فإن ربنا سبحانه لم يتركنا هم ً‬
‫ل‪ ،‬بل أرسل الرسل‪،‬‬
‫ن للناس ما نّزل إليهم‪ ،‬لئل يكون للناس على الله حجة بعد‬
‫وأنزل الكتب‪ ،‬وب َي ّ َ‬
‫الرسل‪ ،‬قال الله تعالى‪) :‬ولقد بعثنا في ُ‬
‫كل أمة رسول ً أن أعبدوا الله‬
‫واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضللة‬
‫فسيروا في الرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين()النحل‪.(36:‬‬
‫وورد في الحديث عن زيد بن ثابت‪ ،‬وُأبي بن كعب مرفوعًا‪" :‬لو أن الله ع ّ‬
‫ذب‬
‫أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم‪ ،‬ولو رحمهم لكانت‬
‫رحمته أوسع من أعمالهم" رواه أحمد وغيره‪.‬‬
‫ً‬
‫وحيث إن جميع نوع البشر خلقوا للعبادة‪ ،‬فإن فرضا عليهم أن يدينوا لله‬
‫تعالى بالتوحيد‪ ،‬ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالطاعة‪ ،‬فمن أطاعه وشهد له‬
‫بالرسالة وتقّبل شريعته فهو من أهل الجنة‪ ،‬ومن عصاه ودان بغير السلم‬
‫فهو من أهل النار‪.‬‬
‫وقد ختم الله الرسالة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وجعل دينه‬
‫وشريعته آخر الشرائع‪ ،‬وأرسله إلى جميع الناس بل إلى الثقلين‪ ،‬وقد ثبت‬
‫عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‪" :‬كل أمتي يدخلون الجنة إل من أبى"‪.‬‬
‫قيل‪ :‬ومن يأبى يا رسول الله؟ قال‪" :‬من أطاعني دخل الجنة‪ ،‬ومن عصاني‬
‫فقد أبى" رواه البخاري‪.‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫وبه نستعين‬
‫ّ‬
‫قال فضيلة الشيخ المام العلمة أبو محمد عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله‬
‫بن إبراهيم الجبرين‪:‬‬
‫الحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫ّ‬
‫فقد اطلعت على ما نشر في جريدة "الشرق الوسط" العدد )‪ (5824‬يوم‬
‫مى نفسه‪) :‬عبدالفتاح الحايك(‬
‫الثلثاء الموافق ‪4/6/1415‬هـ بقلم من س ّ‬
‫ّ‬
‫الذي اعترف بأنه ليس من أهل الفتاء‪ ،‬ومع ذلك تجشم الفتوى بغير علم‪،‬‬
‫وحكم لليهود المعاصرين والنصارى والهندوس والبوذيين والقاديانيين‬
‫‪42‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والمشركين والمنافقين بأنهم من أهل الجنة‪ ،‬واستغرب أن هذه الجموع‬
‫والمليارات من ا ُ‬
‫لمم مآلهم إلى النار‪ ،‬وما علم َأن الله تعالى خلقَ الجنة‬
‫وخلق لها أهلها وهم في أصلب آبائهم‪ ،‬وخلقَ للنار أهل ً وهم في أصلب‬
‫آبائهم‪ ،‬وأنه قال للنار‪ :‬أنت عذابي ُأع ّ‬
‫ت رحمتي‬
‫ك من أشاء‪ ،‬وللجنة‪ :‬أن ِ‬
‫ذب ب ِ‬
‫ي ملؤها‪.‬‬
‫أرحم ب ِ‬
‫ك من أشاء‪ ،‬ولكل منكما عل ّ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وأخبر تعالى بأن أكثر الناس هم الضالون في قوله تعالى‪) :‬يعملون له ما‬
‫يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود‬
‫شكرا ً وقلي ٌ‬
‫دق عليهم إبليس‬
‫ل من عبادي الشكور()سبأ‪ ،(13:‬وقوله‪) :‬ولقد ص ّ‬
‫ه فاتبعوه إل فريقا ً من المؤمنين()سبأ‪ ،(20:‬وقوله‪) :‬وما أكثر الناس ولو‬
‫ظن ّ ُ‬
‫حرصت بمؤمنين()يوسف‪.(103:‬‬
‫وقد أخبر الله عن إبليس أنه قال‪) :‬قال فبعّزتك لغوينهم أجمعين * إل عبادك‬
‫منهم المخلصين()ص‪ ،(83-82:‬وقال‪) :‬ثم لتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم‬
‫وعن أيمانهم وعن شمائلهم ول تجد أكثرهم شاكرين()العراف‪ ،(17:‬ونحو‬
‫ذلك من الدلة‪ ،‬وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بعث النار من كل ألف‬
‫ة وتسعة وتسعون‪ .‬وواحد ٌ في الجنة‪.‬‬
‫تسعمائ ٌ‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبياء‬
‫وشريعته خاتمة الشرائع‬
‫وقد أرسل الله محمدا ً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين‪ ،‬وشريعته خاتمة‬
‫الشرائع‪ ،‬ونسخ برسالته جميع الديان‪ ،‬وكّلف جميع الناس أن يتبعوه بقوله‪:‬‬
‫ي المي الذي يجدونه مكتوبا ً عندهم في التوراة‬
‫)الذين يتبعون الرسول النب ّ‬
‫والنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم‬
‫عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والغلل التي كانت عليهم فالذين آمنوا به‬
‫وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون * قل يا‬
‫أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ً الذي له ملك السموات والرض ل إله‬
‫ي المي الذي يؤمن بالله وكلماته‬
‫إل هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النب ّ‬
‫وأتبعوه لعلكم تهتدون()العراف‪ ،(158-157:‬وقوله‪) :‬وما أرسلناك إل كافة‬
‫للناس بشيرا ً ونذيرا ً ولكن أكثر الناس ل يعلمون()سبأ‪.(28:‬‬
‫وقال النبي صلى الله عليه وسلم‪" :‬وكان النبي ُيبعث إلى قومه خاصة وُبعثت‬
‫إلى الناس عامة" وقال‪ٌ" :‬بعثت إلى السود والحمر"‪.‬‬
‫ُ‬
‫وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‪ُ" :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى‬
‫يشهدوا َأن ل إله إل الله وأّني رسول الله‪ ،‬ويقيموا الصلة‪ ،‬ويؤتوا الزكاة‪ ،‬فإذا‬
‫فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم"‪ .‬وفي رواية‪" :‬حتى يقولوا ل إله إل‬
‫الله ويؤمنوا بي وبما جئت به"‪.‬‬
‫وأخبر صلى الله عليه وسلم بأركان السلم بقوله‪ُ" :‬بني السلم على خمس‪:‬‬
‫شهادة أن ل إله إل الله وأن محمدا ً رسول الله‪ ،‬وإقام الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪،‬‬
‫وصوم رمضان‪ ،‬وحج البيت"‪.‬‬
‫ول شك أن من امتنع عن الشهادة لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة ولم ُيقم‬
‫الصلة ول الزكاة والحج فليس بمسلم ول مؤمن؛ وقد قال عليه الصلة‬
‫والسلم‪" :‬والذي نفسي بيده ل يسمع بي أحد من هذه المة يهودي ول‬
‫نصراني ثم يموت ولم يؤمن بي إل ّ دخل النار"‪ ،‬أو كما قال‪.‬‬
‫وقد أنكر الله على اليهود قولهم‪ :‬لن تمسنا النار إل أياما ً معدودة بقوله‬

‫‪43‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تعالى‪) :‬وقالوا لن تمسنا النار إل أياما ً معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا ً فلن‬
‫يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما ل تعلمون()البقرة‪ ،(80:‬فدل على‬
‫أنهم من أهل النار وأن هذه المقالة صدرت بغير علم‪ ،‬كما أنكر عليهم قولهم‪:‬‬
‫)وقالوا لن يدخل الجنة إل من كان هودا ً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا‬
‫برهانكم إن كنتم صادقين()البقرة‪ ،(111:‬وكذا قولهم‪) :‬وقالوا كونوا هودا ً أو‬
‫نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا ً وما كان من المشركين()البقرة‪:‬‬
‫‪ (135‬وهي الدين الذي ُبعث به محمد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقال‪) :‬وجاهدوا‬
‫في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم‬
‫إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا ً عليكم‬
‫وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو‬
‫مولكم فنعم المولى ونعم النصير()الحج‪.(135:‬‬
‫وقد أخبر الله تعالى بأن هذا هو الدين الذي اختاره ورضيه للمة فقال تعالى‪:‬‬
‫حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة‬
‫) ُ‬
‫والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إل ما ذكيتم وما ُذبح على‬
‫الّنصب وأن تستقسموا بالزلم ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من‬
‫دينكم فل تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي‬
‫ورضيت لكم السلم دينا ً فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانف لثم فإن الله‬
‫غفور رحيم()المائدة‪ ،(3:‬وقال‪) :‬ومن يبتغ غير السلم دينا ً فلن ُيقبل منه وهو‬
‫في الخرة من الخاسرين()آل عمران‪.(85 :‬‬
‫والسلم هو ما بني على الركان الخمسة كما فسره النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم في حديث جبريل المشهور‪ ،‬فمن لم يدخل في هذا السلم ويحافظ‬
‫على أركانه فهو من الخاسرين‪ ،‬والنار أولى به‪.‬‬
‫أدلة تكفير اليهود والنصارى‬
‫وقد ذم الله اليهود والنصارى حتى في سورة الفاتحة في قوله‪) :‬صراط‬
‫الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ول الضالين()الفتحة‪ .(7:‬فاليهود‬
‫مغضو ب عليهم‪ ،‬والنصارى ضالون كما في الحديث الصحيح‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وقد حكى الله عنهم مقالت كفرية كقوله‪) :‬لقد كفر الذين قالوا إن الله هو‬
‫المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا ً إن أراد أن يهلك المسيح ابن‬
‫مريم وأمه ومن في الرض جميعا ً ولله ملك السموات والرض وما بينهما‬
‫يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير()المائدة‪.(17:‬‬
‫ه واحد ٌ وإن‬
‫وكذلك‪) :‬لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلثة وما من إله إل إل ٌ‬
‫ن الذين كفروا منهم عذاب أليم()المائدة‪.(73:‬‬
‫لم ينتهوا عما يقولون ليمس ّ‬
‫)لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني‬
‫إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة‬
‫ومأواه النار وما للظالمين من أنصار()المائدة‪.(72:‬‬
‫وقال عنهم‪) :‬وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله‬
‫ذلك قولهم بأفواههم ُيضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى‬
‫يؤفكون()التوبة‪.(30:‬‬
‫اليات في تكفير اليهود والنصارى‬
‫وبيان نوع كفرهم وشركهم وتحريفهم للكلم عن مواضعه كثيرة جدا‪ً.‬‬
‫وقد دعاهم الله إلى الدخول في السلم بقوله تعالى‪) :‬يا أيها الذين أوتوا‬

‫‪44‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا ً لما معكم من قبل أن نطمس وجوها ً فنردها‬
‫على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعو ً‬
‫ل(‬
‫)النساء‪.(47:‬‬
‫وكل ذلك دليل كفرهم وخروجهم من الدين الصحيح وأنهم كذبوا بالحق لما‬
‫جاءهم مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم‪ ،‬فلذلك حلت عليهم اللعنة‬
‫والغضب واستحقوا العذاب في الخرة‪ ،‬قال تعالى‪ُ) :‬لعن الذين كفروا من‬
‫بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك ِبما عصوا وكانوا‬
‫يعتدون()المائدة(‪ ،‬ول شك أن تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء‬
‫ن‬
‫به هو أعظم الكفر‪ .‬وهم المرادون بقوله تعالى‪) :‬قل هل أنب ُّئكم بشر ِ‬
‫م َ‬
‫منهم القردة والخنازير‬
‫ة ِ‬
‫ذلك مُثوب ً‬
‫ضب عليه وجعل ِ‬
‫عند الله من لعنه الله وغ ِ‬
‫ً‬
‫وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل()المائدة‪.(60:‬‬
‫فتأمل هذه اليات وما بعدها وما يشبهها في سورة النساء تجد أن جميع من‬
‫ك ّ‬
‫ذب محمدا ً صلى الله عليه وسلم أو خرج عن شرعه أو أنكر رسالته أو‬
‫ادعى أنه رسول العرب أو نصب العداوة للمسلمين أتباع هذه الشريعة‬
‫المحمدية‪ ،‬أنه كافٌر مستحقٌ لغضب الله ولعنته وعذابه‪ ،‬ول ينفعه انتماؤه إلى‬
‫الديان السابقة والمنسوخة المحّرفة‪.‬‬
‫السلم هو الدين الصحيح وغيره محرف ومنسوخ‬
‫وقد أقام الله البراهين والدلة على صحة هذه الرسالة والشريعة وأمر‬
‫بإبلغها للخاص والعام‪ ،‬فمن بلغته فعاند وعصى وركب هواه واتبع الديان‬
‫الباطلة وتمادى في غيه‪ ،‬فإن مصيره إلى النار وبئس القرار‪.‬‬
‫ن‬
‫ول شك أن الديان السماوية كانت سبيل النجاة قبل تحريفها ونسخها‪ ،‬لك ْ‬
‫ف للكلم عن مواضعه‪ ،‬وتغييُر شرع الله‪ ،‬ثم عصيان هذا‬
‫وقع من أهلها التحري ُ‬
‫النبي الكريم‪ ،‬فبطل التمسك بها؛ مع أن الديان الباقية الن كلها باطلة حيث‬
‫دخلها الشرك بالله وعبادة النبياء كالمسيح وأمه والعَُزْير والصالحين‪ ،‬وتغيير‬
‫دين الله عما هو عليه‪ ،‬والتعبد بما لم يأذن به الله؛ فُيحكم عليهم بأنهم كفار‬
‫فل يدخلون في قوله تعالى‪) :‬إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى‬
‫والصابئين من آمن بالله واليوم الخر وعمل صالحا ً فلهم أجرهم عند ربهم ول‬
‫خوف عليهم ول هم يحزنون()البقرة‪.(62:‬‬
‫فاليمان بالله يستلزم تصديق رسله وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫ويستلزم تقبل كلمه القرآن الكريم فل يدخل في ذلك من كذب محمدا ً أو‬
‫طعن في القرآن ولو عمل ما عمل من الصدقات والصلوات الباطلة‪.‬‬
‫أعمال الكفار الصالحة وعبادتهم تكون هباًء منثورا ً‬
‫وقد أخبر الله أن أعمال الكفار تكون هباًء منثورًا‪ ،‬منها‪ :‬أعمال أهل الكتاب‬
‫الذين لم يؤمنوا بالله وبرسله وكتبه‪.‬‬
‫فقوله تعالى‪) :‬قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة‬
‫والنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا ً منهم ما أنزل إليك من ربك‬
‫طغيانا ً وكفرا ً فل تأس على القوم الكافرين()المائدة‪ .(86:‬دلي ٌ‬
‫ل على أنهم‬
‫ليسوا على دين‪ ،‬وأن عبادتهم باطلة حيث لم يؤمنوا بما ُأنزل إليهم من ربهم‬
‫ولم يقيموا التوراة والنجيل فإن إقامتها تستلزم اتباع النبي المي الذي‬
‫يجدونه مكتوبا ً عندهم في التوراة والنجيل‪ ،‬فمن لم يتبعه لم يكن على‬
‫شيء‪.‬‬
‫وهكذا اشترط الله للمن اليمان بالله واليوم الخر في قوله تعالى )إن الذين‬
‫آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الخر وعمل‬
‫صالحا ً فلهم أجرهم عند ربهم ول خوف عليهم ول هم يحزنون()البقرة‪.(62:‬‬
‫‪45‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فلبد من اليمان بالله الذي يستلزم تصديق رسله وخاتمهم محمد صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فلم يقبل منهم اليمان إل بشرط وهو التصديق بما جاءت به‬
‫الرسل‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫ول شك أن العمل الصالح الذي اشترطه الله للمؤمنين ل يحصل إل بما وافق‬
‫شرع الله المنّزل على نبيه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وقد فسر النبي صلى الله‬
‫ليمان بالرسل والكتب وهو يستلزم‬
‫ليمان بأركانه الستة‪ ،‬ومنها ا ِ‬
‫عليه وسلم ا ِ‬
‫التباع للرسل وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬والعمل بالكتب وخاتمها‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬فمن لم يتبعه فليس بمؤمن ول ينفعه عمله‪ ،‬ولو عمل أي‬
‫عمل‪.‬‬
‫ومعلوم أن السلم في وقت كل نبي هو اتباع ما جاء به؛ فاتباع موسى في‬
‫حّرفت تلك‬
‫سمي إسلمًا‪ ،‬لكن زال بعد أن ُ‬
‫زمنه‪ ،‬واتباع عيسى في وقته ُ‬
‫الشرائع وُنسخ ما بقي منها‪.‬‬
‫ُ‬
‫سر بكل‬
‫ثم إن حجة الله قائمة‪ ،‬فكتاب الله تعالى محفوظ‪ ،‬وقد ُترجم وف ّ‬
‫لسلم وبلغ َأقصى الرض وَأدناها ولم يبق لحد عذر‪ ،‬حيث‬
‫اللغات‪ ،‬وانتشر ا ِ‬
‫ّ‬
‫إن دين السلم مشهور معروف ول يحتاج إلى زيادة ت َعَلم‪ ،‬كل من دخل فيه‬
‫َأمكنه َأن يعرف ما أوجب الله عليه في بضعة أيام‪ ،‬ويعمل بما يقدر عليه‪ ،‬ول‬
‫يلزمه معرفة التفاصيل دفعة واحدة‪ ،‬فالزكاة ل تلزم الفقير‪ ،‬والصوم ل يكون‬
‫إل في السنة مرة‪ ،‬وأحكامه سهلة‪ ،‬والحج في العمر مرة واحدة على‬
‫المستطيع‪ ،‬والمحرمات يمكن معرفتها في مجلس واحد‪ ،‬فكيف ُيقال إن‬
‫اعتناق السلم يستدعي بضع سنوات في دراسته وعرضه على الديان‬
‫ا ُ‬
‫لخرى‪.‬‬
‫وقد شوهِد َ َأنه دين الفطرة التي فطَر الله الناس عليها‪ ،‬فمن لم يتبعه مع‬
‫سماعه به فهو من أهل النار‪ ،‬ومن لم يبلغه ولم يسمع به فهو كأهل الفترات‬
‫يحكم الله فيهم بما يشاء‪.‬‬
‫والله المستعان‪ ،‬وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫شبهة‬
‫بين مسلم ونصراني‬
‫السؤال‪-:‬‬
‫يوجد معي في العمل نصراني‪ ،‬فأردت أن أناقشه في الدين لعل وعسى أن‬
‫يسلم‪ ،‬وخلل المناقشة قال لي‪ :‬كيف عرفت أني سأدخل النار؟! يمكن أن‬
‫تكون أنت من أصحاب النار؟ فوسوس الشيطان في نفسي‪ ،‬فهل من كلمة‬
‫توضحها لي أستطيع بها مناقشته‪ ،‬وأقنعه بالكلم أن الدين عند الله السلم‪،‬‬
‫وأننا لعلى الصراط المستقيم‪ ،‬وهم في الضلل المبين؟‬
‫الجواب‪-:‬‬
‫دعون أن الصواب في جانبهم وأن غيرهم من أهل النار‪،‬‬
‫كل الفرق ي ّ‬
‫فالنصارى يقولون‪ :‬إنهم أهل الصواب‪ ،‬واليهود يقولون‪ :‬إنهم أهل الصواب؛‬
‫سنا‬
‫حتى حكى الله عن اليهود أنهم قالوا كما جاء في كتابه الكريم‪) :‬لن تم ّ‬
‫النار إل أياما ً معدودة قل أتخذتم عند الله عهدًا()البقرة‪.(80 :‬‬
‫خل الجّنة إل من كان هودا ً أو‬
‫وكذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا‪) :‬لن يد ُ‬
‫دعون أن الجنة لهم‪ ،‬اليهود يقولون‪ :‬إن الجنة‬
‫نصارى()البقرة‪ ،(111:‬فهم ي ّ‬
‫لليهود‪ ،‬والنصارى يقولون‪ :‬إن الجنة للنصارى‪ ،‬وأنتم الذين هم أتباع محمد من‬

‫‪46‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫دعون أيضا ً أنهم هم المسلمون‪) :‬وقالوا كونوا‬
‫أهل النار هذا في زعمهم‪ ،‬وي ّ‬
‫هودا ً أو نصارى تهتدوا()البقرة‪ (135:‬ونحن نجادلهم‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬نقول لهم‪ :‬عليكم أن تنظروا في سيرة نبينا وفي معجزاته فهي دليل‬
‫على صدقه وعلى نبوته‪ ،‬وأن تنظروا بما أيده الله به من القوة ومن التمكين‪،‬‬
‫ومن النصر المبين؛ فهو دليل على أنه على حق وما أيد به أتباعه أيضًا‪ ،‬من‬
‫النصر ومن القوة ومن نشر الدين‪ ،‬فهو دليل على أنهم على حق‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬عليكم أن تنظروا في شريعته التي جاء بها‪ ،‬فمن تأملها عرف أنها من‬
‫عند الله‪ ،‬هذا القرآن الذي ألقاه الله‪ ،‬وهذه السنة التي نرى ونلحظها‪ ،‬وهذه‬
‫النواهي وهذه العبادات‪ ،‬ل شك أن من تأملها عرف أنها من عند الله ونقول‬
‫لكم‪ :‬أنتم ما عباداتكم؟ وما شريعتكم؟‬
‫نحن نعترف أن عندكم التوراة والنجيل‪ ،‬ولكن قد دخلها التحريف والتبديل‬
‫والتغيير الكثير فقد أضيف إليها ما ليس منها وتعددت‪ ،‬ولو لم يكن إل أن‬
‫عندكم أربعة تسمى أناجيل‪ :‬إنجيل يوحنا‪ ،‬وإنجيل متى‪ ،‬وإنجيل كذا‪ ..‬هل كلها‬
‫من َّزل؟ فإن كان المنزل منها واحدًا‪ ،‬فما المنزل منها؟‬
‫من َّزلة أو واحد ُ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫من َّزل لم يتعدد‪ ،‬إذا فكيف مع‬
‫نحن عندنا كتاب الله واحدا‪ ،‬وهو هذا القرآن ال ُ‬
‫ذلك ل تصدقون بهذه الشريعة وهي كاملة وافية‪ ،‬ليس فيها ما يغيرها؟‬
‫مغَّيرة‪ ،‬وأوامرها وشرعياتها وعباداتها كلها‬
‫وشرائعكم قد غُّيرت‪ ،‬وأحكامها ُ‬
‫مَغيّرة‪ ،‬ما عندكم إل شيء قد دخله التغيير حتى الشركيات عندكم‪ ،‬واقتراف‬
‫ُ‬
‫المحرمات وما أشبهها‪ ،‬فهذا دليل على أن هذه الشريعة هي الباقية التي‬
‫يجب على كل من في الرض أن يدين بها‪.‬‬
‫الفترة‬
‫معناها وأحكامها‬
‫قال فضيلة الشيخ عبدالله بن جبرين حفظه الله في آخر رده السابق صـ )‬
‫‪) :(27‬ومن لم يبلغه ولم يسمع به فهو كأهل الفترات يحكم الله فيهم بما‬
‫يشاء(‪.‬‬
‫ولمزيد من الفائدة فقد أوردنا بعض السئلة المتعلقة )بالفترة( على فضيلته‬
‫حفظه الله‪:‬‬
‫معنى الفترة ومقدارها‬
‫السؤال‪-:‬‬
‫ما معنى الفترة وما مقدارها؟‬
‫الجواب‪-:‬‬
‫قال الله تعالى‪) :‬يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من‬
‫الرسل()المائدة‪ (19:‬الية‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫قال ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الية‪" :‬أي بعد مدة متطاولة ما بين‬
‫إرساله وعيسى بن مريم‪ ،‬وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة‪ ،‬فقال أبو‬
‫عثمان النهدي‪ ،‬وقتادة‪ :‬كانت ستمائة سنة‪ .‬ورواه البخاري عن سلمان‬
‫الفارسي‪ ،‬وعن قتادة أيضًا‪ :‬خمسمائة وستون سنة‪ ،‬وقال معمر عن بعض‬
‫أصحابه‪ :‬خمسمائة وأربعون سنة والمشهور هو القول الول‪ ،‬وهو أنها ستمائة‬
‫سنة‪ .‬إلخ‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫ومعنى الفترة ‪ :‬أي الزمن الذي لم يبعث فيه أحد من الرسل‪ ،‬ومع ذلك فهذه‬
‫الفترة لم ينقطع فيها أثر النبوة‪ ،‬فإن العرب لم يزل عندهم بقية من دين‬

‫‪47‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إبراهيم وإسماعيل‪ ،‬حيث إنهم يفتخرون بالنتساب إلى إبراهيم‪ ،‬ولهذا ذكرهم‬
‫الله بذلك بقوله‪) :‬مل ّ َ َ‬
‫من َقب ٌ‬
‫ل()الحج‪:‬‬
‫م المسلمين ِ‬
‫ِ‬
‫ماك ُ‬
‫م إ ِْبراهيم هو س َ‬
‫ة أِبيك ُ ْ‬
‫‪ .(87‬فهم يعترفون بتوحيد الربوبية‪ ،‬ويخلصون لله العبادة في الشدة كلجة‬
‫البحر‪ ،‬ويحجون البيت الحرام ويعتمرون‪ ،‬ويحترمون الشهر الحرم‪ ،‬ويهدون‬
‫الهدي‪ ،‬ويقلدونه القلئد التي أمر الله بعدم إحللها‪ ،‬وعندهم خصال الفطرة‪:‬‬
‫كالختان‪ ،‬ونحوه‪.‬‬
‫أما أهل الكتاب فعندهم التوراة والنجيل والزبور‪ ،‬وفيهم دين أنبيائهم الذي‬
‫توارثوه عن آبائهم‪ ،‬بما في ذلك معرفة النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬حيث‪:‬‬
‫عندهم في التوراة والنجيل()العراف‪ .(157:‬ولكن لطول‬
‫)يجدونه مكتوبا ً ِ‬
‫هذه الفترة‪ ،‬ولكون النبياء الولين تختص رسالتهم بأقوامهم؛ سمى الله هذا‬
‫الزمن الذي بين محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى‪ ،‬وبينه وبين إبراهيم‬
‫فترة‪ ،‬وذكر أهل الكتاب بذلك حيث إنهم أولى بقبول رسالته لمعرفتهم‬
‫بالرسل ورسالتهم ومعجزاتهم‪ ،‬فتكذيبهم له إنكار للحق مع وضوحه‪ ،‬وقد‬
‫قال تعالى عن الجميع‪) :‬فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لو ل أوتي مثل ما‬
‫من قبل قالوا ساحران تظاهرا‬
‫أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى ِ‬
‫وقالوا إنا بكل كافرون()القصص‪ ،(48:‬يعني موسى وهارون‪ ،‬أي‪ :‬تعاونا‬
‫وتناصرا‪ ،‬وقرئ )سحران(‪ ،‬أي‪ :‬التوراة والقرآن‪.‬‬
‫أهل الفترة‬
‫السؤال‪-:‬‬
‫من هم الذين يحكم بأنهم من أهل الفترة؟‬
‫الجواب‪-:‬‬
‫يدخل فيهم الذين لم تبلغهم الرسالة ولم يعلموا بها‪ ،‬ولم يسمعوا بالشريعة‪،‬‬
‫كالذين في أطراف الرض وفي أقاصي البلد‪ ،‬ممن نشأ في جهل عميق‪ ،‬ولم‬
‫دين والتوحيد وعبادة الله تعالى‪ ،‬وحقه على العباد‪،‬‬
‫يكن حولهم من يعرفهم بال ّ‬
‫كما يدخل فيهم أهل الفترة الذين انقطعت عنهم الرسالة‪ ،‬ولم يبق عندهم‬
‫شيء من ميراث النبياء من الكتب والرسالت كما حصل لبني إسرائيل لما‬
‫قتلهم بختنصر‪ ،‬وأحرق ما عندهم من الكتب المنزلة‪ ،‬ولم يبق إل القليل‬
‫الخافي أو ما في الصدور‪ ،‬ويدخل فيهم أيضا ً من فقد السمع ولم يكن معه‬
‫معرفة بالشارة ونحوها‪ ،‬وكذا من فقد العقل كلي ّا ً ولم يعرف ما يحدث في‬
‫الناس‪ ،‬وهكذا من مات صغيرا ً ولم يدرك ما أدركه الكابر من العقل والفطنة‬
‫ونحو هؤلء‪.‬‬
‫من مات بعد مجيء السلم‬
‫السؤال‪-:‬‬
‫من مات بعد مجيء السلم‪ ،‬ولكن لم تصله الرسالة أو وصلته ولكن ناقصة‬
‫أو محّرفة ‪-‬أي لم يصله الدين الصحيح‪ -‬فهل يعتبر من أهل الفترة؟‬
‫الجواب‪-:‬‬
‫ل شك أن نوع النسان مكلف ومأمور ومنهي‪ ،‬وعليه واجبات لربه‪ ،‬وقد خص‬
‫ضله بالعقل والتمييز‪ ،‬فمتى تم عقله وجبت‬
‫الله نوع البشر بتكاليف حيث ف ّ‬
‫عليه العبادات والفرائض الدينية‪ ،‬ووجب عليه ترك المحرمات‪ ،‬فإذا جهلها‬
‫خل ِقَ له‪ ،‬فمتى فرط مع قدرته اعْت ُب َِر ملومًا‪.‬‬
‫لزمه البحث والسؤال عما ُ‬
‫ول شك أنه يوجد في الفترات من يجهل السلم‪ ،‬ولم يصل إليه عنه خبر‪،‬‬
‫وكذا من يصل إليه خبر السلم مشوها ً محرفًا‪ ،‬أو ناقصًا‪ ،‬ول يستطيع‬
‫الوصول إلى من يعّرفه السلم والتوحيد الصحيح‪ ،‬فمثل هذا قد ي ُعْ َ‬
‫حق‬
‫ذر وي ُل ْ َ‬
‫بأهل الفترات‪ ،‬ولكن الغالب أنه يقلد من قبله‪ ،‬ويتبع من يصده عن الهدى‪،‬‬
‫‪48‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فيكون معه في العذاب‪ ،‬كما قال تعالى‪) :‬قالت أخراهم لولهم ربنا هؤلء‬
‫ف ولكن ل تعلمون * وقالت‬
‫أضلونا فآتهم عذابا ً ضعفا ً من النار قال لكل ضع ٌ‬
‫أولهم لخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم‬
‫تكسبون()العراف‪ (39-38:‬الية‪ ،‬فأخراهم التباع‪ ،‬والتباع‪ ،‬الذين أضلهم من‬
‫قبلهم‪.‬‬
‫وقال تعالى‪) :‬إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم‬
‫السباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا(‬
‫)البقرة‪ (167-166:‬فالذين اتبعوا هم البناء والمتأخرون الذين أضلهم من‬
‫قبلهم‪ ،‬أخبر بأنهم رأوا العذاب‪ ،‬وتقطعت بهم السباب‪.‬‬
‫ً‬
‫وقال تعالى‪) :‬فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون‬
‫عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم()إبراهيم‪(21:‬‬
‫فالضعفاء هم الولد والحفاد الذين قلدوا من قبلهم فل ينجون من العذاب‪.‬‬
‫وقال تعالى‪) :‬وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل()الحزاب‪:‬‬
‫‪ ،(67‬عذبهم باتباعهم أكابرهم على الضلل‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫وقال تعالى‪) :‬يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لول أنتم لكنا مؤمنين(‬
‫إلى قوله عنهم‪) :‬بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له‬
‫أندادًا()سبأ اليات‪.(32-31:‬‬
‫وقال تعالى عنهم وهم في النار‪) :‬قالوا بل أنتم ل مرحبا بكم أنتم قدمتموه‬
‫لنا فبئس القرار * قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ً ضعفا ً في النار()ص‪:‬‬
‫‪ .(61-60‬وقال تعالى‪) :‬ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين‬
‫يضلونهم بغير علم()النحل‪ (25:‬وفي الحديث‪" :‬من دعا إلى ضللة كان عليه‬
‫وزرها ووزر من عمل بها ل ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا"‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫وكل هذه الدلة ونحوها كثير واضحة في أن التباع يعذبون مع أكابرهم ومن‬
‫قبلهم ممن دعاهم إلى الضلل وأوقعهم في الكفر والشرك‪ ،‬وتدل على أن‬
‫في إمكانهم اّتباع الحق الذي كان موجودا ً بعد النبياء والرسل‪ ،‬لكن غّيره من‬
‫أغواهم الشيطان‪.‬‬
‫وقد ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬رأيت عمرو بن‬
‫لحي يجر قصبه في النار‪ ،‬وهو أول من غّير دين إبراهيم"‪ ،‬وفي حديث ابن‬
‫مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم‪" :‬إن أول من سيب السوائب وعبد‬
‫الصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر"‪.‬‬
‫قال ابن كثير عند قوله تعالى‪) :‬ما جعل الله من بحيرة()المائدة‪ (103:‬بعد أن‬
‫ساق أحاديث في معناها‪" ،‬فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة‪ ،‬أحد رؤساء‬
‫خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم‪ ،‬وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل‪،‬‬
‫فأدخل الصنام إلى الحجاز‪ ،‬ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها‪ ،‬والتقرب‬
‫بها‪ ،‬وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في النعام وغيرها‪ ،‬إلى آخر كلمه‬
‫رحمه الله"‪.‬‬
‫وقد دل الحديث على أن العرب كانوا على ملة إبراهيم وإسماعيل‪ ،‬ثم حدث‬
‫بعد ذلك التغيير وعبادة الصنام بسبب عمرو بن لحي وغيره‪.‬‬
‫ول شك أن العرب يدركون أن دينهم باطل‪ ،‬كما انتبه لذلك بعضهم كقس بن‬
‫ساعدة‪ ،‬وزيد بن عمرو بن نفيل‪ ،‬وورقة بن نوفل‪ ،‬ففي تراجمهم وأخبارهم ما‬
‫يدل على أنهم أنكروا ما عليه قومهم‪ ،‬وأهل بلدهم من الشرك وعبادة‬

‫‪49‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قة‬
‫الصنام‪ ،‬فمنهم من ترك عبادة غير الله كزيد بن عمرو الذي قال في ح ّ‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪" :‬إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده"‪ .‬وقال‪" :‬رأيته‬
‫في الجنة يسحب ذيو ً‬
‫ل"‪ ،‬وكذا ما ذكر في خطبة قس بن ساعدة التي نبه‬
‫فيها على الدين الصحيح‪ ،‬واستدل باليات والمخلوقات على وحدانية الله‬
‫تعالى‪ ،‬إلى غير ذلك‪.‬‬
‫فأما غيرهم فقد ورد في حديث عياض بن حمار‪" :‬أن الله نظر إلى أهل‬
‫الرض فمقتهم عربهم وعجمهم إل بقايا من أهل الكتاب" رواه مسلم‪ .‬وهو‬
‫دليل على أن هناك بقايا قد تمسكوا بالدين الموروث عن أهل الكتاب‪.‬‬
‫وكما تدل عليه قصة سلمان الفارسي حيث تنقل من عالم إلى عالم‪ ،‬يأخذ‬
‫عنه التوحيد والعبادة‪ ،‬إلى أن هاجر إلى المدينة‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫مصير أطفال المسلمين وأطفال المشركين‬
‫السؤال‪-:‬‬
‫نرجو بيان القول الفصل والراجح في مصير أطفال المسلمين وأطفال‬
‫المشركين بالتفصيل مع ذكر الدلة من الكتاب والسنة؟‬
‫الجواب‪-:‬‬
‫ُيراد بالطفال كل من مات قبل البلوغ ولم يدرك التكليف‪.‬‬
‫‪ #‬فأما أولد المسلمين ‪ ،‬فالصحيح‪ :‬أنهم في الجنة مع آبائهم‪ ،‬وينتظرونهم‬
‫عند أبواب الجنة‪ ،‬ويقال في الدعاء له عند موته في الصلة عليه‪" :‬اللهم‬
‫أجعله ذخرا ً لوالديه وفرطا ً وأجرا ً وشفيعا ً مجابًا‪ ،‬الله ثقل به موازينهما إلخ‪."..‬‬
‫وقد ذكر ابن كثير عند تفسير قوله تعالى‪) :‬وما كنا معذبين حتى نبعث رسو ً‬
‫ل(‬
‫)السراء‪ : (15:‬أن القاضي أبا يعلى حكى عن المام أحمد أنه قال‪" :‬ل‬
‫يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة"‪ .‬وقد يستدل على ذلك بقوله تعالى‪:‬‬
‫)والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتنهم من عملهم‬
‫من شيء كل امرئ بما كسب رهين()الطور‪.(21:‬‬
‫فار‪ ،‬ففيهم خلف‬
‫‪ #‬فأما أولد المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ وآباؤهم ك ّ‬
‫طويل‪ ،‬وقد تكلم عليهم ابن القيم في طريق الهجرتين في الطبقة الرابعة‬
‫عشرة من طبقات المكلفين‪ ،‬فذكر فيهم ثمانية أقوال‪:‬‬
‫الول‪ :‬الوقف فيهم وترك الشهادة بأنهم في الجنة أو في النار‪ ،‬ودليله ما في‬
‫الصحيحين عن أبي هريرة وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫سئل عمن يموت وهو صغير من أولد المشركين فقال‪" :‬الله أعلم بما كانوا‬
‫عاملين"‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنهم في النار‪ :‬لما روى أبو عقيل عن بهية عن عائشة أنها سألت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولد المشركين قال‪" :‬في النار" وأبو‬
‫عقيل ضعيف‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنهم في الجنة لما في حديث سمرة الطويل في المنام عند البخاري‬
‫لما ذكر أن الولدان مع إبراهيم الخليل قيل له‪" :‬وأولد المشركين؟" قال‪:‬‬
‫"وأولد المشركين"‪.‬‬
‫الرابع ‪ :‬أنهم في منزلة بين المنزلتين بين الجنة والنار‪ ،‬كأصحاب العراف‪ ،‬ثم‬
‫أنكر هذا القول ورده‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أنهم تحت المشيئة‪ ،‬وهذا قول المرجئة‪.‬‬
‫السادس‪ :‬أنهم خدم أهل الجنة‪ ،‬يعني الولدان الذين ذكرهم الله بقوله‪:‬‬
‫)يطوف عليهم ولدان مخلدون()الواقعة‪.(17:‬‬
‫)‪(6 /‬‬

‫‪50‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وذكر عن الدار قطني حديثا ً عن أنس مرفوعًا‪" :‬سألت ربي للهين من البشر‬
‫أن ل يعذبهم‪ ،‬فأعطانيهم فهم خدام أهل الجنة"‪ ،‬وهو حديث ضعيف‪.‬‬
‫السابع‪ :‬أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والخرة‪ ،‬فكما هم منهم في الدنيا‬
‫فهم منهم في الخرة‪ ،‬أي لو أسلم الباء بعد موت الطفال كان أولدهم‬
‫معهم في الحكم‪.‬‬
‫الثامن‪ :‬أنهم يمتحنون في عرصات القيامة ويرسل إليهم هناك رسول‪ ،‬وإلى‬
‫كل من لم تبلغه الدعوة‪ ،‬فمن أطاع الرسول دخل الجنة‪ ،‬ومن عصاه دخل‬
‫النار‪ ،‬وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار‪ ،‬ويكون قوله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪" :‬الله أعلم بما كانوا عاملين"‪ ،‬أي‪ :‬عند امتحانهم‬
‫واختبارهم يظهر معلوم الله فيهم‪ ،‬ويتبين من يعلم الله فيه الخير أو الشر‪،‬‬
‫ويجازون حسب ما يعلم الله فيهم من الهلية واستحقاق الثواب أو العقاب‪.‬‬
‫وقد وردت بذلك أخبار كثيرة‪ ،‬ذكر بعضها ابن كثير عند تفسير قوله تعالى‪:‬‬
‫)وما كنا معذبين حتى نبعث رسو ً‬
‫ل()السراء‪ (15:‬وابن القيم في الطبقة‬
‫الرابعة عشرة في القول الثامن فيهم في آخر طريق الهجرتين‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫كيف حكم عليهم بأنهم من أهل النار؟‬
‫السؤال‪-:‬‬
‫حك ََ‬
‫م على‬
‫وسلم‬
‫عليه‬
‫الله‬
‫صلى‬
‫النبي‬
‫أن‬
‫وورد‬
‫يختبرون‪،‬‬
‫الفترة‬
‫أهل‬
‫ورد بأن‬
‫َ‬
‫بعض من مات قبل الرسالة بالنار فعندما سأله رجل عن أبيه فقال‪" :‬أبوك‬
‫في النار"‪ .‬ثم قال له‪" :‬إن أبي وأباك في النار"‪ .‬فكيف حكم عليهم بأنهم من‬
‫أهل النار مع أنهم ماتوا قبل مجيء الرسالة؟ أليسوا من أهل الفترة ؟‬
‫الجواب‪-:‬‬
‫وردت أحاديث كثيرة في امتحانهم في الدار الخرة ذكرها ابن كثير في‬
‫تفسير قوله تعالى‪) :‬وما كنا معذبين حتى نبعث رسو ً‬
‫ل()السراء‪ (15:‬وابن‬
‫القيم في كتابه‪" :‬طريق الهجرتين" في الطبقة الرابعة عشرة من طبقات‬
‫المكلفين‪.‬‬
‫وأشهرها حديث السود بن سريع الذي رواه المام أحمد بسند صحيح عنه أن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬أربعة يحتجون يوم القيامة‪ ،‬رجل أصم ل‬
‫يسمع‪ ،‬ورجل هرم‪ ،‬ورجل أحمق‪ ،‬ورجل مات في الفترة" وفيه‪" :‬فيأخذ‬
‫مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسول أن ادخلوا النار‪ ،‬فوالذي نفسي بيده‬
‫لو دخلوها لكانت عليهم بردا ً وسلمًا"‪ ،‬ثم رواه عن أبي هريرة وقال في‬
‫آخره‪" :‬فمن دخلها كانت عليه بردا ً وسلمًا‪ ،‬ومن لم يدخلها رد إليها"‪.‬‬
‫ومنها حديث أبي سعيد الخدري رواه محمد بن يحيى الذهلي والبزار عن‬
‫عطية العوفي عنه‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬الهالك في‬
‫الفترة‪ ،‬والمعتوه والمولود يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب‪ ،‬ويقول‬
‫المعتوه‪ :‬رب لم تجعل لي عقل ً أعقل به خيرا ً ول شرًا‪ ،‬ويقول المولود‪ :‬رب‬
‫لم أدرك العقل‪ ،‬فترفع لهم نار فيقال لهم‪ :‬ردوها‪ .‬قال‪ :‬فيردها من كان في‬
‫علم الله سعيدا ً لو أدرك العمل‪ ،‬ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا ً لو‬
‫أدرك العمل‪ ،‬فيقول‪ :‬إياي عصيتم فكيف لو أن رسلي أتتكم"‪ .‬وفي رواية‬
‫البزار‪" :‬فكيف برسلي بالغيب" قال بزار‪ :‬ل يعرف إل من طريق عطية عنه‪.‬‬
‫ومنها حديث معاذ بن جبل ذكره عن محمد بن المبارك الصوري‪ ،‬بإسناده عنه‬
‫مرفوعًا‪" :‬يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عق ً‬
‫ل‪ ،‬وبالهالك في الفترة وبالهالك‬
‫صغيرًا‪ ،‬فيقول الممسوخ‪ :‬يا رب لو آتيتني عقل ً ما كان من آتيته عقل ً بأسعد‬
‫مني‪ ،‬وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك‪ ،‬فيقول الرب عز وجل‪:‬‬
‫إني آمركم بأمر فتطيعوني فيقولون‪ :‬نعم‪ ،‬فيقول‪ :‬اذهبوا فادخلوا النار‪ .‬قال‪:‬‬
‫‪51‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ولو دخلوها ما ضرتهم‪ ،‬فتخرج عليهم قوابض فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق‬
‫الله من شيء‪ ،‬فيرجعون سراعا ً ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك‪ ،‬فيقول‬
‫الرب عز وجل‪ :‬قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم‬
‫وإلى علمي تصيرون‪ ،‬ضميهم‪ ،‬فتأخذهم النار"‪ ،‬وفي إسناده ضعف‪ .‬لكن‬
‫وى بالشواهد والطرق الخرى والحاديث التي ذكرها ابن كثير وغيره‪.‬‬
‫يتق ّ‬
‫فهذه الحاديث بمجموعها تثبت جنس المتحان في يوم القيامة‪ ،‬حتى ل يعذب‬
‫الله تعالى من ل يستحق العذاب‪.‬‬
‫وقد نقل ابن القيم وابن كثير عن ابن عبدالبر أنه قال‪" :‬أهل العلم ينكرون‬
‫أحاديث هذا الباب‪ ،‬لن الخرة ليست دار عمل ول ابتلء‪ ،‬وكيف يكلفون‬
‫دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين‪ ،‬والله تعالى ل يكلف نفسا ً إل‬
‫وسعها" اهـ‪.‬‬
‫وأجاب ابن القيم بوجوه‪:‬‬
‫منها ‪ :‬أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها‪ ،‬بل صححوا بعضها‪ ،‬فحديث‬
‫السود رواه أحمد وإسحاق وابن المديني‪ ،‬فهو أجود من كثير من أحاديث‬
‫الحكام‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن أبا الحسن الشعري حكى هذا المذهب عن أهل السنة‪ ،‬فدل على‬
‫أنهم عملوا بالحاديث‪ ،‬وذكر البيهقي في العتقاد له‪ :‬أن بعض الئمة نصوا‬
‫على المتحان‪ ،‬وقالوا‪ :‬ل ينقطع إل بدخول دار القرار‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬ما في الصحيح‪ :‬في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخول ً الجنة‪ ،‬وأنه‬
‫يعطي ربه عهودا ً ومواثيق أن ل يسأل غير ما سأل‪ ،‬ثم يسأل‪ ،‬فيقول الله له‪:‬‬
‫ويحك يا ابن آدم ما أغدرك‪ ،‬فالغدر مخالفة للعهد الذي عاهد عليه ربه‪.‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫ومنها ‪ :‬قوله تعالى‪) :‬ويدعون إلى السجود فل يستطيعون()القلم‪ ،(42:‬فهو‬
‫صريح في أن الله يدعوهم إلى السجود في القيامة‪ ،‬وأن الكفار ل‬
‫يستطيعونه إلى آخر كلمه رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫فأما الذين جزم لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أهل النار‪ ،‬فلعله‬
‫قد اطلع على ذلك كما تقدم أنه رأى عمرو بن لحي يجر قصبه في النار‪ ،‬أي‬
‫أمعاءه؛ لنه أول من غّير دين إبراهيم‪ ،‬وهكذا قوله في حديث ابن مسعود‬
‫عند أبي داود‪" :‬الوائدة والموؤودة في النار"‪ ،‬وفي رواية‪" :‬إل أن تدرك‬
‫الوائدة السلم فتسلم"‪ ،‬ذكره ابن كثير‪ ،‬وقال‪ :‬إسناده حسن‪.‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫‪ ...‬القامة بين غير المسلمين لحديثي العهد بالسلم‬
‫الشيخ‪/‬د‪ .‬سعود الفنيسان )عضو هيئة التدريس بجامعة المام سابقًا(‬
‫‪24/3/1424‬‬
‫‪25/05/2003‬‬
‫ازدادت في العقود الخيرة ‪-‬وبشكل بارز‪ -‬ظاهرة السفر والتنقل إلى البلد‬
‫الغربية ؛ بهدف العمل أو الدراسة ‪ .‬ومع تنامي هذه الرحلت؛ لعله من‬
‫المناسب التذكير بأهم شروط سفر المسلم إلى تلك البلد‪ ,‬وهي ثلثة‪:‬‬
‫الول‪ :‬وجود دين يمنعه من الوقوع في الشهوات المحرمة‪.‬‬
‫والثاني‪:‬أن يكون لدى المسلم المسافر علم يدفع به الشبهات التي تصادفه‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والثالث‪ :‬أن يكون محتاجا ً إلى السفر‪ ،‬كأن يكون مريضا ً يطلب العلج‪ ،‬أو‬
‫مرافقا ً لمريض‪ ،‬أو لتجارة مباحة‪ ،‬أو لطلب علم ل يجده عند المسلمين‪ ،‬أو‬
‫لغرض الدعوة ونشر الدين‪...‬إلخ‪.‬‬
‫وعليه أن يظهر شعائر دينه أثناء سفره هذا‪ ،‬وأن يكره ما عليه أهل الكفر من‬
‫باطل وهوى‪.‬‬
‫وهذه الشروط تنطبق على من أسلم حديثا ً وهو في ديار الكفار‪ ،‬غير أن‬
‫الهجرة إلى بلد مسلم ‪-‬إن تمكن من ذلك‪ -‬فتنبغي له المبادرة إليها‪ ،‬أما إذا‬
‫لم يتمكن فلم يجد من يستقبله من ديار المسلمين؛ فل شيء عليه حينئذ‪.‬‬
‫فقد ثبت أن عددا ً من أهل مكة وغيرها بقوا في ديارهم حتى أتتهم الفرصة‬
‫فقدموا على النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬في المدينة‪ ،‬أو وافوه في الطريق‬
‫في بعض الغزوات فجاهدوا معه‪ ،‬ولم يأمرهم الرسول ‪-‬صلى الله عليه‬
‫وسلم‪) -‬والحالة هذه( بالهجرة إليه‪ ،‬ولم يستفصل منهم هل هم عاجزون عن‬
‫الهجرة‪ ،‬أم ل؟ ومن هؤلء عمه العباس بن عبد المطلب ‪-‬رضي الله عنه‪.-‬‬
‫ونعيم النحام لما أراد أن يهاجر جاء إليه قومه المشركون من بني عدي‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬أقم عندنا وأنت على دينك‪ ،‬وكان يقوم بيتامى بني عدي وأراملهم‬
‫فبقي عندهم‪ ،‬ولما جاء فتح مكة قال له النبي –صلى الله عليه‬
‫وسلم‪":-‬قومك كانوا خيرا ً من قومي لي‪ ،‬قومي أخرجوني وأرادوا قتلي‪،‬‬
‫وقومك حفظوك ومنعوك" ومعلوم أن عددا ً ليس بالقليل من المؤمنين غير‬
‫المستضعفين تأخرت هجرتهم‪ ،‬ولو كانت الهجرة واجبة على الفور لمرهم‬
‫الرسول –صلى الله عليه وسلم‪ -‬بذلك وأنكر على من تخلف منهم‪.‬‬
‫ويجب أن يعلم أن الهجرة في مفهوم القرآن الكريم والسنة النبوية ليست‬
‫عملية انهزام وهروب؛ ولكنها عمل حركي للنتقال من دار الباطل إلى دار‬
‫الحق‪ ،‬وليست عملية انسحابية؛ ولكنها تحيز إلى فئة هي جماعة من‬
‫المسلمين في أي بقعة من الرض‪ ،‬ليقيم المسلم معهم شعائر دينه دون‬
‫معاناة أو تضييق‪ ،‬والكل يعلم أن أكثر المسلمين الذين يفتنون في دينهم من‬
‫القليات ‪-‬في ديار الكفر‪ -‬غير قادرين على الهجرة‪ ،‬فهم معذورون شرعًا‪ ،‬ل‬
‫سيما أنه ل يكاد يوجد من دول السلم من تقبل مثل هؤلء بأن يدخل هؤلء‬
‫باسم الهجرة الشرعية ويعاملوا على أساسها‪ ،‬وكل جماعة مسلمة ‪-‬وإن قل‬
‫عددها في بلد الكفر‪ -‬تقدر على النعزال والتفرد عن الكفار شعوريا ً على‬
‫القل وهو الهم‪ ،‬كما أنها تستطيع أن تندمج عمليا ً في ذلك المجتمع دون‬
‫ذوبان أو تبعية؛ بل يستطيع المسلم الجديد إذا أقام في بلده الكافر أن يظهر‬
‫شعائر دينه‪ ،‬وينشر السلم والدعوة إليه ربما أكثر من غيره لمعرفته بأوضاع‬
‫البلد وقوانينها وعادات أهلها‪ ،‬ويستخدم من وسائل الدعوة وطرقها ما قد‬
‫يجهله غيره‪.‬‬
‫كما أن الهجرة الواجبة في القرآن والسنة‪ ،‬والتي كان يبايع عليها النبي الناس‬
‫هي‪ :‬الهجرة إلى الرسول ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬أما البيعة فأمر زائد على‬
‫الهجرة‪ ،‬وهذا كان قبل الفتح‪ ،‬أما بعد فتح مكة )فل هجرة‪ ،‬ولكن جهاد ونية(‬
‫وجاء في الحديث الصحيح "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويديه‬
‫والمهاجر من هجر ما نهاه الله عنه" فتعدد معاني الجهاد والهجرة في السلم‬
‫فيه سعة ويسر على المسلمين؛ ليؤخذ لكل زمن منه ما يناسبه‪ ،‬أما طلب‬
‫العلم الشرعي وأحكامه للمسلم الجديد فيمكنه أن يأخذ ذلك عمن هو أعلم‬
‫منه مباشرة إن تيسر له ذلك‪ ،‬أو يأخذه من كتاب شرعي معتمد‪ ،‬أو يتلقى‬
‫المعرفة الضرورية عن طريق وسائل التصال الحديثة التي قربت البعيد‪،‬‬
‫وجمعت المتفرق من‪ :‬إذاعة مسموعة‪ ،‬أو مرئية‪ ،‬وعبر قنوات فضائية‪ ،‬أو‬
‫‪53‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إنترنت‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫وفق الله الجميع إلى كل خير‪ ،‬وثبتنا على الحق حيثما كنا‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫المام أبو حنيفة‬
‫يحكى أنه في القرن الول الهجري كان هناك شابا ً تقيا ً يطلب العلم ومتفرغ‬
‫له ولكنه كان فقيرا جدا وفي يوم من اليام خرج من بيته من شدة الجوع‬
‫ولنه لم يجد ما يأكله فانتهى به الطريق إلى أحد البساتين والتي كانت مملؤة‬
‫بأشجار التفاح وكان أحد أغصان شجرة منها متدليا ً في الطريق‪..‬فحدثته‬
‫نفسه أن يأكل هذه التفاحة ويسد بها رمقه ول أحد يرى ولن ينقص هذا‬
‫البستان بسبب تفاحة واحدة‪ ..‬فقطف تفاحة واحدة وجلس يأكلها حتى ذهب‬
‫جوعه ولما رجع إلى بيته بدأت نفسه تلومه ‪..‬وهذا هو حال المؤمن دائما ً‬
‫جلس يفكر ويقول كيف أكلت هذه التفاحة وهي مال لمسلم ولم أستأذن منه‬
‫ولم أس تسمحه‪..‬‬
‫فذهب يبحث عن صاحب البستان حتى وجده فقال له الشاب يا سيدي ‪:‬‬
‫بالمس بلغ بي الجوع مبلغا ً عظيما ً وأكلت تفاحة من بستانك من دون علمك‬
‫وها أنا ذا اليوم أستأذنك فيها‪...‬‬
‫فقال له صاحب البستان ‪ ..‬والله ل أسامحك بل أنا خصمك يوم القيامة عند‬
‫الله‪...‬‬
‫بدأ الشاب المؤمن يبكي ويتوسل إليه أن يسامحه‬
‫وقال له أنا مستعد أن أعمل أي شي بشرط أن تسامحني وتحللني‬
‫وبدأ يتوسل إلى صاحب البستان وصاحب البستان ل يزداد إل إصرارا وذهب‬
‫وتركه‬
‫والشاب يلحقه ويتوسل إليه حتى دخل بيته وبقي الشاب عند البيت ينتظر‬
‫خروجه إلى صلة العصر‪..‬‬
‫فلما خرج صاحب البستان وجد الشاب لزال واقفا ً‬
‫ودموعه التي تحدرت على لحيته فزادت وجهه نورا ً غير نور الطاعة والعلم‪..‬‬
‫فقال الشاب لصاحب البستان يا سيدي إنني مستعد للعمل فلحا ً في هذا‬
‫البستان‬
‫من دون أجر باقي عمري أو أي أمر تريد‬
‫ولكن بشرط أن تسامحني عندها‪..‬‬
‫أطرق صاحب البستان يفكر ثم قال بابني إنني مستعد أن أسامحك الن‪...‬‬
‫لكن بشرط‪..‬‬
‫فرح الشاب وتهلل وجهه بالفرح وقال اشترط ما بدا لك يا سيدي‬
‫فقال صاحب البستان شرطي هو أن تتزوج ابنتي‪..‬‬
‫صدم الشاب من هذا الجواب ذهل ولم يستوعب بعد هذا الشرط‬
‫ثم أكمل صاحب البستان قوله‪ ...‬ولكن يا ابني أعلم‬
‫أن ابنتي عمياء‬
‫وصماء‬
‫وبكماء‬
‫وأيضا مقعدة ل تمشي‬
‫ومنذ زمن استأمنه عليها‬
‫ويقبل بها بجميع مواصفاتها التي ذكرتها فإن وافقت عليها سامحتك‪..‬‬

‫‪54‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صدم الشاب مرة أخرى بهذه المصيبة الثانية‪..‬‬
‫وبدأ يفكر كيف يعيش مع هذه العلة خصوصا ً أنه لزال في مقتبل العمر‪..‬‬
‫وكيف تقوم بشوءنه وترعي بيته وتهتم به وهي بهذه العاهات؟؟‬
‫بدأ يحسبها ويقول أصبر عليها في الدنيا ولكن أنجو من ورطة التفاحة‪..‬‬
‫ثم توجه إلى صاحب البستان وقال له يا سيدي قد قبلت بابنتك‬
‫وأسأل الله أن يجازيني على نيتي وأن يعوضني خيرا ً مما أصابني‪..‬‬
‫فقال صاحب البستان‪ ...‬حسنا ً ‪..‬‬
‫موعدك الخميس القادم عندي في البيت لوليمة زواجك وأنا أتكفل لك‬
‫بمهرها‪..‬‬
‫فلما كان يوم الخميس جاء هذا الشاب متثاقل الخطى‪..‬‬
‫حزين الفؤاد‪ ..‬منكسر الخاطر‪ ..‬ليس كأي زوج ذاهب إلى يوم عرسه‬
‫فلما طرق الباب فتح له أبوها وأدخله البيت وبعد أن تجاذبا أطراف الحديث‬
‫قال له يا ابني ‪..‬‬
‫تفضل بالدخول على زوجتك وبارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما على خير‬
‫وأخذه بيده وذهب به إلى الغرفة التي تجلس فيها ابنته‪..‬‬
‫فلما فتح الباب ورآها‪.....‬فإذا فتاة بيضاء أجمل من القمر‬
‫قد إن سدل شعر كالحرير على كتفيها فقامت‬
‫ومشت إليه فإذا هي ممشوقة القوام‬
‫وسلمت عليه وقالت السلم عليك يا زوجي‪.....‬‬
‫أما صاحبنا فهو قد وقف في مكانه يتأملها وكأنه أمام حورية من حوريات‬
‫الجنة‬
‫نزلت إلى الرض وهو ل يصدق ما يرى ول يعلم الذي حدث‬
‫ولماذا قال أبوها ذلك الكلم!!‪..‬‬
‫ففهمت ما يدور في باله ‪,‬‬
‫فذهبت إليه وصافحته وقبلت يده وقالت‪:‬‬
‫‪ ....‬إنني عمياء من النظر إلى الحرام‬
‫‪ ...‬وصماء من الستماع إلى الحرام‬
‫‪ ....‬وبكماء من الكلم في الحرام‬
‫‪ .....‬ول تخطو رجلي خطوة إلى الحرام‬
‫وإنني وحيدة أبي ومنذ عدة سنوات‬
‫وأبي يبحث لي عن زوج صالح فلما أتيته تستأذنه في تفاحة‬
‫وتبكي من أجلها قال أبي أن من يخاف من أكل تفاحة ل تحل له‪..‬‬
‫حري به أن يخاف الله في ابنتي فهنيئا ً لي بك زوجا ً وهنيئا لبي بنسبك‪..‬‬
‫وبعد عام أنجبت هذه الفتاة من هذا الشاب غلما ً‬
‫كان من القلئل الذين مروا على هذه المة‪..‬‬
‫أتدرون من ذلك الغلم؟؟‬
‫إنه المام أبو حنيفة صاحب المذهب الفقهي المشهور!!!‬
‫نسأل الله أن يرزقنا وإياكم مثل تلك التفاحة‪..‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫المام ابن الجوزي‬
‫أ‪.‬د‪/‬محمد أديب الصالح‬
‫رئيس تحرير مجلة حضارة السلم‬

‫‪55‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نقدم لقرائنا في هذه الزاوية اليوم ما كتبه المام عبد الرحمن بن الجوزي‬
‫مذكرا ً بحكمة الله في خلقه‪ ،‬وعظيم قدرته في كمال عدالته وحسن تدبيره‪،‬‬
‫المر الذي يعلم الجاهل ويوقظ الغافل‪ ،‬ويزيد في إيمان المؤمن وتسليمه‪،‬‬
‫ويكشف زيف أولئك الجفاة الذين يعترضون –بصغر عقولهم‪ -‬على كل مال‬
‫تدركه عقولهم‪.‬‬
‫فكان –فيما كتب‪ -‬نعم المذكر ونعم المعلم‪.‬‬
‫قال رحمه الله‪:‬‬
‫)رأيت كثيرا ً من المغفلين يظهر عليهم السخط بالقدار‪.‬‬
‫وفيهم من قل إيمانه فأخذ يعترض‪.‬‬
‫وفيهم من خرج إلى الكفر‪ ،‬ورأى أن ما يجري كالعبث‪ ،‬وقال‪ :‬ما فائدة‬
‫العدام بعد اليجاد‪ ،‬والبتلء ممن هو غني عن أذانا!!‬
‫فقلت لبعض ما كان يرمز إلى هذا‪ :‬إن حضر عقلك وقلبك حدثتك‪ ،‬وإن كنت‬
‫تتكلم بمجرد واقعك من غير نظر وإنصاف‪ ،‬فالحديث معك ضائع‪ .‬ويحك‬
‫أحضر عقلك واسمع ما أقول‪:‬‬
‫أليس قد ثبت أن الحق سبحانه مالك‪ ،‬وللمالك الحق أن يتصرف كيف يشاء؟‬
‫أليس قد ثبت أنه حكيم والحكيم ل يعبث؟‬
‫وأنا أعلم أن في نفسك من هذه الكلمة شيئًا؛ فإنه قد سمعنا من جالينوس‬
‫أنه قال‪ :‬ما أدري‪ ،‬أحكيم هو أم ل؟‬
‫والسبب في قوله هذا‪ ،‬أنه رأى نقضا ً بعد إحكام‪ ،‬فقاس الحال على أحوال‬
‫الخلق؛ وهو أن من بنى ثم نقض ل لمعنى فليس بحكيم‪.‬‬
‫وجوابه لو كان حاضرا ً أن يقال‪ :‬بماذا بان لك أن النقض ليس بحكمة؟ أليس‬
‫بعقلك الذي وهبه الصانع لك؟‬
‫وكيف يهب لك الذهن الكامل ويفوته هو الكمال؟‬
‫وهذه هي المحنة التي جرت لبليس؛ فإنه أخذ يعيب الحكمة بعقله‪ ،‬فلو تفكر‬
‫علم أن واهب العقل أعلى من العقل‪ ،‬وأن حكمته أوفى من كل حكيم‪ ،‬لنه‬
‫بحكمته التامة أنشأ العقول‪.‬‬
‫فهذا إذا تأمله المنصف زال عنه الشك‪.‬‬
‫وقد أشار سبحانه إلى نحو هذا في قوله تعالى‪" :‬أله البنات ولكم البنون" أي‬
‫أجعل لنفسه الناقصات وأعطاكم الكاملين‪.‬‬
‫فلم يبق إل أن نضيف العجز عن فهم ما يجري إلى نفسنا‪ ،‬ونقول‪ :‬هذا فعل‬
‫عالم حكيم‪ ،‬ولكن ما يبين لنا معناه‪.‬‬
‫وليس هذا بعجب‪ :‬فإن موسى عليه السلم خفي عليه الحكمة في نقض‬
‫السفينة الصحيحة‪ ،‬وقتل الغلم الجميل‪ ،‬فلما بين له الخضر وجه الحكمة‬
‫أذعن‪ ,‬فليكن المرء مع الخالق‪ ،‬كموسى مع الخضر‪.‬‬
‫أولسنا نرى المائدة المستحسنة بما عليها من فنون الطعام الظريف يقطع‬
‫ويمضغ‪ ،‬ويصير إلى ما نعلم‪ .‬ولسنا نملك ترك تلك الفعال ول ننكر الفساد‬
‫له‪ ،‬لعلمنا بالمصلحة الباطنة فيه‪.‬‬
‫ومن أجهل الجهال‪ :‬العبد المملوك إذا طلب أن يطلع على سر موله‪ ،‬فإن‬
‫فرضه للتسليم ل العتراض‪.‬‬
‫ولو لم يكن في البتلء بما تنكره الطباع إل أن يقصد إذعان العقل وتسليمه‬
‫لكفى‪.‬‬
‫ولقد تأملت حالة عجيبة‪ ،‬يجوز أن يكون المقصود بالموت هي‪ ،‬وذلك أن‬
‫الخالق سبحانه غيب في غيب ل يدركه الحساس؛ فلو أنه لم ينقض تلك‬
‫البنية لتخايل للنسان أنه صنع بل صانع‪.‬‬
‫‪56‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فإذا وقع الموت عرفت النفس نفسها التي كانت ل تعرفها لكونها في الجسد‪،‬‬
‫وتدرك عجائب المور بعد رحيلها‪.‬‬
‫فإذا ردت إلى البدن عرفت ضرورة أنها مخلوقة لمن أعادها‪ ،‬وتذكرت حالها‬
‫في الدنيا –فإن الذكريات تعاد كما تعاد البدان‪ -‬فيقول قائلهم‪" :‬إنا كنا قبل‬
‫في أهلنا مشفقين"‪.‬‬
‫ومتى رأت ما قد وعدت به من أمور الخرة‪ ،‬أيقنت يقينا ً ل شك معه‪ .‬ول‬
‫يحصل هذا بإعادة ميت سواها‪ .‬وإنما يحصل برؤية المر فيها‪.‬‬
‫فتبنى بنية تقبل البقاء‪ ،‬وتسكن جنة ل ينقضي دوامها‪.‬‬
‫فيصلح بذلك اليقين أن تجاور الحق‪ :‬لنها آمنت بما وعدت‪ ،‬وصبرت بما‬
‫ابتلى‪ ،‬سلمت لقداره‪ ،‬فلم تعترض‪ .‬ورأت في غيرها العبر‪ ،‬ثم في نفسها‪.‬‬
‫ة مرضية فادخلي في عبادي‬
‫فهذه هي التي يقال لها‪" :‬ارجعي إلى ربك راضي ً‬
‫وادخلي جنتي"‪.‬‬
‫فأما الشاك والكافر‪ :‬فيحق لهما الدخول إلى النار واللبث فيها‪ ،‬لنهما رأيا‬
‫الدلة ولم يستفيدا‪ ،‬ونازعا الحكيم‪ ،‬واعترضا عليه‪ ،‬فعاد شؤم كفرهما يطمس‬
‫قلوبهما‪ ،‬فبقيت نفوسهما على ما كانت عليه‪.‬‬
‫فلما لم تنتفع بالدليل في الدنيا‪ ،‬لم تنتفع بالموت والعادة‪ ،‬ودليل بقاء الخبث‬
‫في القلوب قوله تعالى‪" :‬لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه"‪.‬‬
‫فنسأل الله عز وجل عقل ً مسلما ً يقف على حدة‪ ،‬ول يعترض على خالقه‬
‫وموجده فما يستفيد إل الخزي‪ ،‬نعوذ بالله ممن خذل(‪.‬‬
‫الوقوف على باب الله والتضرع إليه‬
‫من خصال اليمان أن يكون المسلم على مراقبة دائمة لله عز وجل‪،‬‬
‫والوقوف ببابه والتضرع إليه‪ ،‬فإليه المفزع عند المصيبة‪ ،‬وببابه ينزل أهل‬
‫الحاجات حاجاتهم وهو –سبحانه‪ -‬الذي يجيب المضطر إذا دعاه؛ وصدق اللجأ‬
‫إليه‪- ،‬مع العمل‪ -‬سلح أي سلح‪.‬‬
‫قال المام ابن الجوزي رحمه الله‪:‬‬
‫ينبغي للعبد أن يلزم باب موله على كل حال‪ .‬وأن يتعلق بذيل فضله إن‬
‫عصى وإن أطاع‪.‬‬
‫وليكن له أنس في خلوته به‪ ،‬فإن وقعت وحشة فليجتهد في رفع الموحش‬
‫كما قال الشاعر‪:‬‬
‫أمستوحش أنت مما جنيـ ت فأحسن إذا شئت واستأنس‬
‫)‪(1 /‬‬
‫فإن رأى نفسه مائل ً إلى الدنيا طلبها منه‪ ،‬أو إلى الخرة سأله التوفيق فإن‬
‫خاف ضرر ما يرومه من الدنيا سأل الله إصلح قلبه‪ ،‬وطب مرضه‪ ،‬فإنه إذا‬
‫صلح لم يطلب ما يؤذيه‪.‬‬
‫من كان هكذا في العيش الرغد‪ ،‬غير أن من ضرورة هذه الحال ملزمة‬
‫التقوى فإنه ل يصلح النس إل بها‪.‬‬
‫وقد كان أرباب التقوى يتشاغلون عن كل شيء إل عن اللجأ والسؤال‪.‬‬
‫ف الترك هاله أمرهم فقال‪ :‬أين‬
‫ما صا ّ‬
‫وفي الحديث‪ :‬أن قتيبة بن مسلم ل ّ‬
‫محمد بن واسع؟‬
‫فقيل‪ :‬هو في أقصى الميمنة جانح على سبة قوسه يومي بإصبعه نحو‬
‫السماء‪ ،‬فقال قتيبة‪:‬‬
‫ي من مائة ألف شهيد‪ ،‬وسنان طرير‪.‬‬
‫تلك الصابع الفاردة أح ّ‬
‫ب إل ّ‬
‫‪57‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فلما فتح عليهم قال له ما كنت تصنع؟‬
‫قال‪ :‬آخذ لك بمجامع الطرق‪.‬‬
‫* مجلة حضارة السلم –السنة ‪– 13‬العدد ‪– 2-1‬ربيع )‪1392 (2-1‬هـ ‪ /‬أيار –‬
‫حزيران ‪1972‬م‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫المام ابن باز‪ ....‬الفاجعة‬
‫العلماء ورثة النبياء‪ ،‬رفعهم الله درجات‪ ،‬وأخبر أنهم أهل خشيته‪ ،‬وأمر الناس‬
‫بسؤالهم وطاعتهم واتباعهم‪ .‬والشيخ ابن باز كان واحدا ً من أولئك العلماء‬
‫العلم‪ ،‬وقد تركت وفاته حيزا ً ل يسده فرد بعينه؛ لن الرجل كان أمة‪،‬‬
‫ولمزيد من فهم وإدراك هذه الحقيقة تأتي هذه المادة حاملة في طياتها نبذة‬
‫موجزة عن حياة الشيخ من ولدته حتى وفاته رحمه الله‪.‬‬
‫مكانة العلماء في المة السلمية ‪ ... ... ...‬لما مرض الشيخ وكان يشتد عليه‬
‫اللم إذا أفاق ‪-‬هذا في آخر أيامه‪ -‬قال لمن حوله من الكتاب والمساعدين‪:‬‬
‫هاتوا ما عندكم‪ ،‬اقرءوا علي‪ .‬فيقرءون الرسائل والخطابات وقضايا الطلق‪،‬‬
‫والشكاوى من المنكرات‪ ،‬وخطابات الشفاعات‪ ..‬وغير ذلك مما ينفع به العباد‬
‫والبلد‪ .‬كان ل يشتكي‪ ،‬جلست بجانبه وهو يتأمل فقلت‪ :‬خيرًا‪ .‬فقال‪ :‬أشكو‬
‫بعض الشيء‪ ،‬وكان إذا اشتد به اللم وقد أصابه سرطان المريء والبلعوم‬
‫في آخر عمره‪ ،‬إذا اشتد عليه اللم تغير لون وجهه‪ ،‬وسكت ووضع يده على‬
‫موضع اللم‪ ،‬ولم يتأوه‪ ،‬ولم يصيح‪ .‬والمام أحمد ‪-‬رحمه الله‪ -‬لما مرض قد‬
‫ن أحمد حتى‬
‫سمع أن طاوسا ً كان يقول عن النين‪ :‬إنه شكوى؛ فما أ ّ‬
‫مات‪... .......‬‬
‫أصناف الفرحين بموت الشيخ‬
‫سيشمت بموت الشيخ ويفرح أصناف من أعداء الله‪ ،‬وهذه حقيقة نعرفها‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬المنافقون الذين يريدون عزل السلم عن حياة الناس‪ ،‬وثانيهما‪:‬‬
‫المبتدعة أهل الزيغ والهواء‪ ..‬هؤلء الذين سيفرحون بموت الشيخ عبد‬
‫العزيز ‪ ،‬أصحاب الشهوات الذين كانوا يقولون‪ :‬إن المرأة ستسوق إذا مات‬
‫ابن باز ‪ ،‬وارتحنا من فتاويه المتشددة‪ ،‬ولكن أخزاهم الله تعالى في الفترة‬
‫الماضية‪ ،‬ومات الشيخ وهم في ذل وخيبة ولم يتحقق مقصودهم‪ ،‬ل رفع الله‬
‫لهم رأسًا‪ ،‬ول مكنهم مما يريدون‪ .‬دعاة تحرير المرأة والختلط يريدون موت‬
‫الشيخ بأي طريقة‪ ،‬لن فتاويه عقبة في طريقهم‪ ..‬وهكذا أصحاب الشهوات‬
‫والمنكرات يريدون وفاته والتخلص منه‪ ،‬ولكن الله لهم بالمرصاد‪ ،‬وسيقيض‬
‫من هذه المة من يقوم ويتصدى‪ ،‬والحمد لله أن الدين ل يقوم على شخص‬
‫واحد‪ ،‬وأن في هذه المة أفذاذا ً وأخيارًا‪ ،‬وعلماء ودعاة وطلبة علم يقفون‬
‫بالمرصاد أمام دعاوى هؤلء أرباب الشهوات‪ ،‬وهؤلء المنافقين الذين يريدون‬
‫عزل الدين عن حياة المسلمين‪.‬سيشمت بموت الشيخ ويفرح أصناف من‬
‫أعداء الله‪ ،‬وهذه حقيقة نعرفها‪ :‬أولهما‪ :‬المنافقون الذين يريدون عزل‬
‫السلم عن حياة الناس‪ ،‬وثانيهما‪ :‬المبتدعة أهل الزيغ والهواء‪ ..‬هؤلء الذين‬
‫سيفرحون بموت الشيخ عبد العزيز ‪ ،‬أصحاب الشهوات الذين كانوا يقولون‪:‬‬
‫إن المرأة ستسوق إذا مات ابن باز ‪ ،‬وارتحنا من فتاويه المتشددة‪ ،‬ولكن‬
‫أخزاهم الله تعالى في الفترة الماضية‪ ،‬ومات الشيخ وهم في ذل وخيبة ولم‬
‫يتحقق مقصودهم‪ ،‬ل رفع الله لهم رأسًا‪ ،‬ول مكنهم مما يريدون‪ .‬دعاة تحرير‬
‫المرأة والختلط يريدون موت الشيخ بأي طريقة‪ ،‬لن فتاويه عقبة في‬

‫‪58‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫طريقهم‪ ..‬وهكذا أصحاب الشهوات والمنكرات يريدون وفاته والتخلص منه‪،‬‬
‫ولكن الله لهم بالمرصاد‪ ،‬وسيقيض من هذه المة من يقوم ويتصدى‪ ،‬والحمد‬
‫لله أن الدين ل يقوم على شخص واحد‪ ،‬وأن في هذه المة أفذاذا ً وأخيارًا‪،‬‬
‫وعلماء ودعاة وطلبة علم يقفون بالمرصاد أمام دعاوى هؤلء أرباب‬
‫الشهوات‪ ،‬وهؤلء المنافقين الذين يريدون عزل الدين عن حياة‬
‫المسلمين‪... ... ... .‬‬
‫عزاء المة في وفاة الشيخ ابن باز ‪... ...‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وأما عزاؤنا في وفاة الشيخ فإن على رأس العزاء موت محمد بن عبد الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬الذي قالت عائشة فيه‪) :‬فتح رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم بابا ً بينه وبين الناس في آخر عمره‪ ،‬فإذا الناس يصلون وراء أبي‬
‫بكر ‪ ،‬فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم‪ ،‬رجاء أن يخلفه الله فيهم‬
‫بالذي رآهم‪ ،‬فقال‪ :‬يا أيها الناس‪ ..‬أيما أحد من المؤمنين أصيب بمصيبة‬
‫فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري‪ ،‬فإن أحدا ً من أمتي لن‬
‫يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي( رواه ابن ماجة وهو حديث‬
‫صحيح‪ .‬فعزاؤنا في موت الشيخ‪ ،‬أو ً‬
‫ل‪ :‬نتعزى بالمصاب الذي لقيناه ولقيته‬
‫المة بوفاة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فكل مصيبة دونه تهون‪،‬‬
‫وعزاؤنا في الطلب الذين تركهم‪ ،‬والعلماء الذين خرجهم هذا الشيخ الفاضل‪،‬‬
‫ق‬
‫وهذه الكتب والرسائل التي سطرت علمه‪ ،‬فهو وإن رحل فإن علمه با ٍ‬
‫وموجود فينا‪ ،‬ونحن مسئولون عن نشره وتبليغه‪ ،‬ومن حق الشيخ علينا أن‬
‫نقوم بعد وفاته بنشر علمه وفضله ومناقبه‪ ،‬وأن نترحم عليه‪ ،‬وندعو له‪،‬‬
‫ونتذكر بأسى وحزن أن أرقام الهاتف ]‪ [4354444‬و ]‪ [4351421‬في‬
‫الرياض‪ ،‬و ]‪ [5562874‬في مكة ‪ [7460223] ،‬في الطائف ‪ ،‬لن يرفع‬
‫الشيخ سماعته اليوم ليجيب‪ .‬كانت أسئلة الناس يفزع بها إلى الشيخ ليجيب‪،‬‬
‫كانت الملمات تعرض على هذا المجتهد‪ ،‬كنا إذا داهمنا الناس بالسئلة فزعنا‬
‫إلى الشيخ نتصل به وننقل إجابته‪ ،‬فلن يرد علينا الشيخ بعد اليوم في‬
‫المستجدات‪ ،‬ولكن العزاء فيما تركه من الفتاوى‪ ،‬وفي العلماء الذين تركهم‬
‫خلفه‪ ،‬فما من عالم مشهور في البلد إل وللشيخ عليه فضل ومنة‪ .‬ونتذكر‬
‫برؤية جنازته تلك المشاهد العظيمة لجنائز علماء السلم‪ ،‬الذين قال السلف‬
‫فيها‪ :‬آية ما بيننا وما بين أهل البدع يوم الجنائز‪ .‬وسيصلي على الشيخ من‬
‫الجموع الغفيرة من ل يحصى ول يعد‪.‬وأما عزاؤنا في وفاة الشيخ فإن على‬
‫رأس العزاء موت محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬الذي قالت‬
‫عائشة فيه‪) :‬فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا ً بينه وبين الناس في‬
‫آخر عمره‪ ،‬فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر ‪ ،‬فحمد الله على ما رأى من‬
‫حسن حالهم‪ ،‬رجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم‪ ،‬فقال‪ :‬يا أيها الناس‪..‬‬
‫أيما أحد من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي‬
‫تصيبه بغيري‪ ،‬فإن أحدا ً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من‬
‫مصيبتي( رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح‪ .‬فعزاؤنا في موت الشيخ‪ ،‬أو ً‬
‫ل‪:‬‬
‫نتعزى بالمصاب الذي لقيناه ولقيته المة بوفاة محمد بن عبد الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فكل مصيبة دونه تهون‪ ،‬وعزاؤنا في الطلب الذين تركهم‪،‬‬
‫والعلماء الذين خرجهم هذا الشيخ الفاضل‪ ،‬وهذه الكتب والرسائل التي‬
‫ق وموجود فينا‪ ،‬ونحن مسئولون‬
‫سطرت علمه‪ ،‬فهو وإن رحل فإن علمه با ٍ‬
‫‪59‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عن نشره وتبليغه‪ ،‬ومن حق الشيخ علينا أن نقوم بعد وفاته بنشر علمه‬
‫وفضله ومناقبه‪ ،‬وأن نترحم عليه‪ ،‬وندعو له‪ ،‬ونتذكر بأسى وحزن أن أرقام‬
‫الهاتف ]‪ [4354444‬و ]‪ [4351421‬في الرياض‪ ،‬و ]‪ [5562874‬في مكة ‪،‬‬
‫]‪ [7460223‬في الطائف ‪ ،‬لن يرفع الشيخ سماعته اليوم ليجيب‪ .‬كانت‬
‫أسئلة الناس يفزع بها إلى الشيخ ليجيب‪ ،‬كانت الملمات تعرض على هذا‬
‫المجتهد‪ ،‬كنا إذا داهمنا الناس بالسئلة فزعنا إلى الشيخ نتصل به وننقل‬
‫إجابته‪ ،‬فلن يرد علينا الشيخ بعد اليوم في المستجدات‪ ،‬ولكن العزاء فيما‬
‫تركه من الفتاوى‪ ،‬وفي العلماء الذين تركهم خلفه‪ ،‬فما من عالم مشهور في‬
‫البلد إل وللشيخ عليه فضل ومنة‪ .‬ونتذكر برؤية جنازته تلك المشاهد العظيمة‬
‫لجنائز علماء السلم‪ ،‬الذين قال السلف فيها‪ :‬آية ما بيننا وما بين أهل البدع‬
‫يوم الجنائز‪ .‬وسيصلي على الشيخ من الجموع الغفيرة من ل يحصى ول‬
‫يعد‪... .‬‬
‫وصف الحديث بلغة الشعر ‪ ... ... ... ...‬مهج تذوب وأنفس تتحسر ولظى‬
‫على كل القلوب تسعر‬
‫الحزن أضرم في الجوانح والسى يصلى المشاعر باللهيب ويصهر‬
‫ب فادح أكبادنا من هوله تتفطر‬
‫كيف التحدث عن مصا ٍ‬
‫كل امرئ فينا يدوم تعاسة والبؤس في دمه يغور ويزخر‬
‫لم ل وقد فقدوا أبا ً ومهذبا ً ورعا ً بأنواع المفاخر يذكر‬
‫لما بدا للحاضرين كيانه والنعش يزهو بالفقيد ويفخر‬
‫هلعت لمنظره النفوس كآبة وبدا على كل الوجوه تحسر‬
‫نظروا إليه فصعدت زفراتهم والدمع غمر في المحاجر يحمر‬
‫كل يحاول أن يغطي دمعه لكنه يلقي النقاب فيسفر‬
‫يتزاحمون ليحملوه كأنهم سيل يموج وأبحر ل تجزر‬
‫يا راحل ً ريع الثقات بفقده وبكى تغيبه الحمى والمنبر‬
‫لو كنت تفدى بالنفوس عن الردى لفدتك أنفسنا وما نتأخر‬
‫لكن تلك طريقة مسلوكة وسجية مكتوبة ل تقهر‬
‫كل امرئ في الكون غايته الردى والموت حتم للنام مقدر‬
‫كتب الفناء على النام جميعهم سيان فيهم فاجر ومطهر‬
‫لكن من اتخذ الصلح شعاره تفنى الخليقة وهو حي يذكر‬
‫ما مات من نشر الفضيلة والتقى وأقام صرحا ً أسه ل يكسر‬
‫ما مات من غمر النام بعلمه الكتب تشهد والصحائف تخبر‬
‫يا ناصر السلم ضد خصومه لك في الجهاد مواقف ل تحصر‬
‫)‪(2 /‬‬
‫قد كنت للدين الحنيف معضدا ً وبشرعة الهادي القويم تعبر‬
‫كم من فؤاد عام في لجج الهوى أنقذته أيام كنت تذكر‬
‫بصرته بهدى المشرع فارعوى عن غيه فلك الجزاء الوفر‬
‫طورا ً تحذره العذاب وتارة برضا الله وما أعد تبشر‬
‫ولكم خطبت على النام مذكرا ً أن الحنيف على العباد ميسر‬
‫يا زاهدا ً عرف الحياة فما هوى في المغريات ول سباه المظهر‬
‫نم في جنان الخلد يا علم التقى وانعم بظل وارف ل يحسر‬
‫إن شاء الله‪ .‬اللهم تغمد شيخنا عندك برحمتك يا أرحم الراحمين‪ ،‬وارفع‬
‫منزلته في أعلى عليين‪ ،‬واخلف في عقبه في الغابرين‪ ،‬واخلف على السلم‬

‫‪60‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وأهله بخير يا رب العالمين! اللهم اجبر مصابنا‪ ،‬اللهم اجبر كسرنا‪ ،‬وصبرنا‬
‫على مصابنا‪ ،‬اللهم اجعلنا عاملين بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫واجعلنا رجاعين لهل العلم‪ ،‬واجعلنا من أهل العلم‪ ،‬واجعلنا أوفياء لهل‬
‫العلم‪ ،‬واجعلنا من الذين ينشرون العلم يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن‬
‫تعلي للشيخ درجته في الجنة‪ ،‬وأن تلحقه بمنازل البرار والشهداء والنبياء‪،‬‬
‫وأن تجعله ممن يلتقي بهم يا رب العالمين‪ .‬اللهم إننا شهدنا بأنه صاحب‬
‫فضل وعلم وخير‪ ،‬وإن نبيك محمد صلى الله عليه وسلم قد أخبر أننا‬
‫شهداؤك في الرض‪ ،‬وقد شهدنا له بما له من الخير‪ ،‬وأنت تعلم السر‬
‫وأخفى‪ ،‬وأنت بصير بالعباد‪ ،‬ل نزكي عليك أحدًا‪ ،‬أنت حسيبه وحسيبنا‬
‫وحسيب كل أحد‪ .‬اللهم فإنا نسألك له المغفرة ورفعة الدرجات‪ ،‬انشر‬
‫رحمتك عليه وعلى العباد‪ ،‬اللهم ارزقنا الجنة وأعتقنا من النار نحن ووالدينا‬
‫وأموات المسلمين يا غفار! واعلموا ‪-‬أيها الخوة‪ -‬أن صلة الغائب قد ذكر‬
‫فيها العلماء أقوا ً‬
‫ل‪ ،‬فمنهم من قال‪ :‬ل يصلى عليه إذا صلي عليه كما اختار‬
‫ذلك ابن القيم وغيره من المحققين‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬يصلى على أئمة الهدى‬
‫صلة الغائب‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬لكل أحد‪ ،‬وقد صدر التوجيه بصلة الغائب‬
‫عليه‪ ،‬نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن رحمهم ورفع درجاتهم‬
‫ومنزلتهم في الجنة إنه سميع مجيب قريب‪ .‬سبحان ربك رب العزة عما‬
‫يصفون‪ ،‬وسلم على المرسلين‪ ،‬والحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫مهج تذوب وأنفس تتحسر ولظى على كل القلوب تسعر‬
‫الحزن أضرم في الجوانح والسى يصلى المشاعر باللهيب ويصهر‬
‫ب فادح أكبادنا من هوله تتفطر‬
‫كيف التحدث عن مصا ٍ‬
‫كل امرئ فينا يدوم تعاسة والبؤس في دمه يغور ويزخر‬
‫لم ل وقد فقدوا أبا ً ومهذبا ً ورعا ً بأنواع المفاخر يذكر‬
‫لما بدا للحاضرين كيانه والنعش يزهو بالفقيد ويفخر‬
‫هلعت لمنظره النفوس كآبة وبدا على كل الوجوه تحسر‬
‫نظروا إليه فصعدت زفراتهم والدمع غمر في المحاجر يحمر‬
‫كل يحاول أن يغطي دمعه لكنه يلقي النقاب فيسفر‬
‫يتزاحمون ليحملوه كأنهم سيل يموج وأبحر ل تجزر‬
‫يا راحل ً ريع الثقات بفقده وبكى تغيبه الحمى والمنبر‬
‫لو كنت تفدى بالنفوس عن الردى لفدتك أنفسنا وما نتأخر‬
‫لكن تلك طريقة مسلوكة وسجية مكتوبة ل تقهر‬
‫كل امرئ في الكون غايته الردى والموت حتم للنام مقدر‬
‫كتب الفناء على النام جميعهم سيان فيهم فاجر ومطهر‬
‫لكن من اتخذ الصلح شعاره تفنى الخليقة وهو حي يذكر‬
‫ما مات من نشر الفضيلة والتقى وأقام صرحا ً أسه ل يكسر‬
‫ما مات من غمر النام بعلمه الكتب تشهد والصحائف تخبر‬
‫يا ناصر السلم ضد خصومه لك في الجهاد مواقف ل تحصر‬
‫قد كنت للدين الحنيف معضدا ً وبشرعة الهادي القويم تعبر‬
‫كم من فؤاد عام في لجج الهوى أنقذته أيام كنت تذكر‬
‫بصرته بهدى المشرع فارعوى عن غيه فلك الجزاء الوفر‬
‫طورا ً تحذره العذاب وتارة برضا الله وما أعد تبشر‬
‫ولكم خطبت على النام مذكرا ً أن الحنيف على العباد ميسر‬
‫يا زاهدا ً عرف الحياة فما هوى في المغريات ول سباه المظهر‬
‫نم في جنان الخلد يا علم التقى وانعم بظل وارف ل يحسر‬
‫‪61‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(3 /‬‬
‫إن شاء الله‪ .‬اللهم تغمد شيخنا عندك برحمتك يا أرحم الراحمين‪ ،‬وارفع‬
‫منزلته في أعلى عليين‪ ،‬واخلف في عقبه في الغابرين‪ ،‬واخلف على السلم‬
‫وأهله بخير يا رب العالمين! اللهم اجبر مصابنا‪ ،‬اللهم اجبر كسرنا‪ ،‬وصبرنا‬
‫على مصابنا‪ ،‬اللهم اجعلنا عاملين بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫واجعلنا رجاعين لهل العلم‪ ،‬واجعلنا من أهل العلم‪ ،‬واجعلنا أوفياء لهل‬
‫العلم‪ ،‬واجعلنا من الذين ينشرون العلم يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن‬
‫تعلي للشيخ درجته في الجنة‪ ،‬وأن تلحقه بمنازل البرار والشهداء والنبياء‪،‬‬
‫وأن تجعله ممن يلتقي بهم يا رب العالمين‪ .‬اللهم إننا شهدنا بأنه صاحب‬
‫فضل وعلم وخير‪ ،‬وإن نبيك محمد صلى الله عليه وسلم قد أخبر أننا‬
‫شهداؤك في الرض‪ ،‬وقد شهدنا له بما له من الخير‪ ،‬وأنت تعلم السر‬
‫وأخفى‪ ،‬وأنت بصير بالعباد‪ ،‬ل نزكي عليك أحدًا‪ ،‬أنت حسيبه وحسيبنا‬
‫وحسيب كل أحد‪ .‬اللهم فإنا نسألك له المغفرة ورفعة الدرجات‪ ،‬انشر‬
‫رحمتك عليه وعلى العباد‪ ،‬اللهم ارزقنا الجنة وأعتقنا من النار نحن ووالدينا‬
‫وأموات المسلمين يا غفار! واعلموا ‪-‬أيها الخوة‪ -‬أن صلة الغائب قد ذكر‬
‫فيها العلماء أقوا ً‬
‫ل‪ ،‬فمنهم من قال‪ :‬ل يصلى عليه إذا صلي عليه كما اختار‬
‫ذلك ابن القيم وغيره من المحققين‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬يصلى على أئمة الهدى‬
‫صلة الغائب‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬لكل أحد‪ ،‬وقد صدر التوجيه بصلة الغائب‬
‫عليه‪ ،‬نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن رحمهم ورفع درجاتهم‬
‫ومنزلتهم في الجنة إنه سميع مجيب قريب‪ .‬سبحان ربك رب العزة عما‬
‫يصفون‪ ،‬وسلم على المرسلين‪ ،‬والحمد لله رب العالمين‪... ... ... ... ... .‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫المام اللوسي‬
‫طريق القرآن‬
‫هو محمود بن عبد الله الحسيني اللوسي شهاب الدين‪ ،‬أبو الثناء أديب من‬
‫المجددين‪ ،‬من أهل بغداد‪ ،‬ولد اللوسي في الك َْرخ – موضع بالعراق – سنة‬
‫‪1217‬هـ الموافق ‪1802‬م‪.‬‬
‫كان اللوسي رحمه الله شيخ العلماء في العراق‪ ،‬سلفى العتقاد‪ ،‬مجتهدا‪ً،‬‬
‫نادرة من نوادر اليام‪ ،‬جمع كثيرا ً من العلوم حتى أصبح علمة في المنقول‬
‫والمعقول‪ ،‬فهامة في الفروع والصول‪ ،‬محدثا ً ل ُيجاري‪ ،‬ومفسرا ً لكتاب الله‬
‫ل يبارى‪.‬‬
‫أخذ اللوسي العلم عن فحول العلماء‪ ،‬منهم‪ :‬والده العلمة‪ ،‬والشيخ خالد‬
‫النقشبندى‪ ،‬والشيخ على السويدي‪ ،‬وكان رحمه الله غاية في الحرص على‬
‫تزايد علمه‪ ،‬وتوفير نصيبه منه‪.‬‬
‫اشتغل اللوسي بالتدريس والتأليف وهو ابن ثلث عشرة سنة‪ ،‬ودرس في‬
‫عدة مدارس وقلد إفتاء الحنفية سنة ‪1248‬هـ‪ ،‬فشرع يدرس سائر العلوم‬
‫في داره الملصقة لجامع الشيخ عبد الله العاقولى في الرصافة‪ ،‬وقد تتلمذ‬
‫له وأخذ عنه خلق كثير من قاصي البلد ودانيها‪ ،‬وتخرج عليه جماعات من‬
‫الفضلء من بلد مختلفة كثيرة‪ .‬وكان رحمه الله يواسي طلبته في ملبسه‬
‫ومأكله‪ ،‬ويسكنهم البيوت الرفيعة من منزله‪ ،‬حتى صار في العراق العلم‬
‫المفرد‪ ،‬وأنتهت إليه الرياسة لمزيد فضله الذي ل يحمد‪ ،‬وكان نسيجا ً وحده‬

‫‪62‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في النثر وقوة التحرير‪ ،‬وغزارة الملء‪ ،‬وجزالة التعبير‪ ،‬وقد أملى كثيرا ً من‬
‫الخطب والرسائل‪ ،‬والفتاوى والمسائل‪ ،‬ولكن أكثر ذلك فقد وعفت آثاره‪،‬‬
‫ولم تظفر اليدى إل بقليل منه‪.‬‬
‫وكان ذا حافظة عجيبة‪ ،‬وفكرة غريبة‪ ،‬وكثيرا ً ما كان يقول‪" :‬ما أستودعت‬
‫ذهنى شيء فخانني‪ ،‬ول دعوت فكرى لمعضلة إل وأجابني"‪ .‬قلد اللوسي‬
‫إفتاء الحنفية سنة ‪1248‬هـ‪ ،‬وولى أوقاف المدرسة المرجانية‪ ،‬إذ كانت‬
‫مشروطة لعلم أهل البلد‪ ،‬وتحقق لدى الوزير الخطير على رضا باشا أنه‬
‫ليس فيها من يدانيه من أحد‪.‬‬
‫كان رحمه الله عالما ً باختلف المذاهب‪ ،‬مطلعا على الملل والنحل‪ ،‬شافعى‬
‫المذهب‪ ،‬إل أنه في كثير من المسائل يقلد المام أبا حنيفة رضى الله عنه‪،‬‬
‫وكان أخر أمره يميل إلى الجتهاد‪ ،‬توفى رحمه الله تعالى يوم الجمعة ‪25‬‬
‫من ذي القعدة سنة ‪1270‬هـ الموافق ‪1845‬م‪ ،‬ودفن مع أهله في مقبرة‬
‫الشيخ المعروف الكرخي في الكرخ‪.‬‬
‫كتبه ومؤلفاته‪:‬‬
‫خلف المام اللوسي رضى الله تعالى عنه ثروة علمية كبيرة ونافعة بيد أنه‬
‫يأتي على رأس هذه المؤلفات كتابه‪ :‬روح المعاني في تفسير القرآن العظيم‬
‫والسبع المثاني الذي نحن بصدده‪.‬‬
‫التعريف بتفسير روح المعاني ونهج مؤلفه فيه‪:‬‬
‫ذكر المام اللوسي في مقدمته أنه منذ عهد الصغر‪ ،‬لم يزل متطلبا‬
‫لستكشاف سر كتاب الله المكتوم‪ ،‬مترقبا ً لرتشاف رحيقه المختوم‪ ،‬وأنه‬
‫طالما فرق نومه لجمع شوارده‪ ،‬وفارق قومه لوصال فرائده‪ ،‬ل ي َْرفَ َ‬
‫ل في‬
‫مطارف اللهو كما يرفل أقرانه‪ ،‬ول يهب نفائس الوقات لخسائس الشهوات‬
‫كما يفعل لخوانه‪ ،‬وبذلك وفقه الله للوقوف على كثير من حقائقه‪ ،‬وحل‬
‫وفير من دقائقه‪ ،‬وذكر أنه قبل أن يكمل سنه العشرين‪ ،‬شرع يدفع كثير من‬
‫الشكالت التي ترد على ظاهر النظم الكريم‪ ،‬ويتجاهر بما لم ُيظفر به في‬
‫كتاب من دقائق التفسير …‬
‫ً‬
‫ثم ذكر أنه كثيرا ً ما خطر له أن ُيحرر كتابا يجمع فيه ما عنده من ذلك‪ ،‬وأنه‬
‫كان يتردد في ذلك‪ ،‬إلى أن رأى في بعض ليالي الجمعة من شهر رجب سنة‬
‫‪ 1252‬هجريا ً أن الله جل شأنه أمره بطي السماوات والرض‪ ،‬ورتق فتقها‬
‫على الطول والعرض‪ ،‬فرفع يدا ً إلى السماء وخفض الخرى إلى مستقر الماء‬
‫ثم أنتبه من نومه وهو مستعظم لرؤيته‪ ،‬فجعل يفتش لها عن تعبير‪ ،‬فرأى في‬
‫بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير‪ ،‬فشرع فيه في الليلة السادسة‬
‫عشرة من شهر شعبان من السنة المذكورة‪ ،‬وكان عمره إذ ذاك أربعة‬
‫وثلثين سنة‪ ،‬وذلك في عهد محمود خان بن السلطان عبد الحميد خان‪ .‬وذكر‬
‫في خاتمته أنه انتهى منه ليلة الثلثاء لربع خلون من شهر ربيع الخر سنة‬
‫‪ 1267‬هجريًا‪.‬‬
‫ولما انتهى منه جعل يفكر ما اسمه؟ وبماذا يدعوه؟ فلم يظهر له اسم تهتش‬
‫له الضمائر‪ ،‬وتبتش فسماه‪ " :‬روح المعاني في تفسير القرآن العظيم‬
‫والسبع المثاني"‪.‬‬
‫مكانة روح المعاني من التفاسير التي تقدمته‪ :‬الحق يقال إن تفسير روح‬
‫ي قد أفرغ فيه المام اللوسي وسعه ‪ ,‬وبذل مجهوده حتى أخرجه‬
‫المعان ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫للناس كتابا جامعا لراء السلف رواية ودراية‪ ،‬مشتمل على أقوال الخلف بكل‬
‫أمانة وعناية ‪ ،‬فهو جامع لخلصة ما سبقه من التفاسير‪ ،‬فتراه ينقل لك عن‬
‫تفسير ابن عطية ‪ ،‬وتفسير أبي حيان ‪ ،‬وتفسير الكشاف ‪ ،‬وتفسير أبي‬
‫‪63‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السعود ‪ ،‬وتفسير البيضاوي ‪ ،‬وتفسير الفخر الرازي وغيرها من كتب‬
‫التفاسير المعتبرة ‪.‬‬
‫ً‬
‫وهو إذا نقل عن تفسير أبي السعود يقول غالبا ‪ :‬قال شيخ السلم‬
‫وإذا نقل عن تفسير البيضاوي يقول ‪ :‬قال القاضي‬
‫وإذا نقل عن تفسير الفخر الرازي يقول ‪ :‬قال المام‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وهو إذ ينقل عن هذه التفاسير ينصب نفسه حكما ً عدل ً بينها ‪ ،‬ويجعل من‬
‫نفسه نقادا ً مدققا ً ‪ ،‬ثم يبدي رأيه حرا ً فيما ينقل فهو ليس مجرد ناقل ‪ ،‬بل له‬
‫شخصيته العلمية البارزة ‪ ،‬وأفكاره المميزة ‪ ،‬فتراه كثيرا ً يعترض على ما‬
‫ينقله عن أبي السعود ‪ ،‬أو عن البيضاوي ‪ ،‬أو عن أبي الحيان أو عن غيرهم ‪،‬‬
‫وليس في تفسيره ما يؤاخذ عليه‪.‬‬
‫كما تراه يتعقب الفخر الرازي في كثير من المسائل ‪ ،‬ويرد عليه على‬
‫الخصوص في بعض المسائل الفقهية ‪ ،‬انتصارا ً منه لمذهب أبي حنيفة ‪ ،‬ثم‬
‫إنه إذا استصوب أمرا ً لبعض من ينقل عنهم انتصر لهم ورجحه على ما عداه‪.‬‬
‫موقف المام اللوسي من المخالفين لهل السنة ‪:‬‬
‫والمام اللوسي – كما أسلفت – سلفي المذهب ‪ ،‬سني العقيدة ‪ ،‬ولهذا تراه‬
‫كثيرا ً ما يفند آراء المعتزلة وغيرهم من أصحاب المذاهب المخالفة لمذهبه‪.‬‬
‫م‬
‫ه يَ ْ‬
‫م ِفي ط ُغَْيان ِهِ ْ‬
‫مد ّهُ ْ‬
‫م وَي َ ُ‬
‫ست َهْزِئُ ب ِهِ ْ‬
‫فمثل ً عند تفسيره لقوله تعالى‪ ?:‬الل ّ ُ‬
‫ن ? … ]البقرة‪ [15:‬يقول اللوسي بعد كلم طويل ما نصه ‪… " :‬‬
‫مُهو َ‬
‫ي َعْ َ‬
‫وإضافته – أي الطغيان – إليهم ‪ ،‬لنه فعلهم الصادر منهم ‪ ،‬بقدرهم المؤثرة‬
‫بإذن الله تعالى‪ ،‬فالختصاص المشعرة به الضافة ‪ ،‬إنما هو بهذا العتبار ل‬
‫باعتبار المحلية والتصاف ‪ ،‬فإنه معلوم ل حاجة فيه إلى الضافة ‪ ،‬ول باعتبار‬
‫اليجاد استقلل ً من غير التوقف على إذن الفعال لما يريد‪ ،‬فإنه اعتبار عليه‬
‫غبار ‪ ،‬بل غبار ليس اعتبار‪ ،‬فل تهولنك جعجعة الزمخشري وقعقعته"‪.‬‬
‫َ‬
‫ضوا إ ِل َي َْها‬
‫جاَرة ً أ َوْ ل َْهوا ً ان ْ َ‬
‫ف ّ‬
‫فمثل ً عند تفسيره لقوله تعالى ‪ ? :‬وَإ َِذا َرأْوا ت ِ َ‬
‫وَت ََر ُ‬
‫كو َ‬
‫ك َقاِئما ً قُ ْ‬
‫خي ُْر‬
‫ه َ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ َ‬
‫ما ِ‬
‫ن الل ّهْوِ وَ ِ‬
‫خي ٌْر ِ‬
‫ن الت ّ َ‬
‫جاَرةِ َوالل ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ن ? … ]الجمعة‪ [11:‬يقول ما نصه ‪ :‬وطعن الشيعة لهذه الية‬
‫الّرازِِقي َ‬
‫بالصحابة رضي الله تعالى عنهم‪ ،‬بأنهم آثروا دنياهم على أخرتهم‪ ،‬حيث‬
‫انفضوا إلى اللهو والتجارة‪ ،‬ورغبوا عن الصلة التي هي عماد الدين‪ ،‬وأفضل‬
‫من كثير من العبادات‪ ،‬ل سيما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي‬
‫أن ذلك قد وقع مرارا ً منهم ‪ ،‬وفيه أن كبار الصحابة كأبي بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وسائر‬
‫العشرة المبشرة لم ينفضوا‪ .‬والقصة كانت في أوائل زمن الهجرة ‪ ،‬ولم يكن‬
‫أكثر القوم تام التحلي بحلية آداب الشريعة بعد‪ ،‬وكان قد أصاب أهل المدينة‬
‫جوع وغلء سعر ‪ ،‬وخاف أولئك المنفضون اشتداد المر عليهم بشراء غيرهم‬
‫ما يقتات به لو لم ينفضوا‪ ،‬لذا لم يتوعدهم الله على ذلك بالنار أو نحوها‪ ،‬بل‬
‫قصارى ما فعل سبحانه أنه عاتبهم ووعظهم ونصحهم‪.‬‬
‫المام اللوسي والمسائل الكونية ‪ :‬ومما نلحظه على المام اللوسي في‬
‫تفسيره ‪ ،‬أنه يستطرد إلى الكلم في المور الكونية ‪ ،‬ويذكر كلم أهل الهيئة‬
‫وأهل الحكمة ‪ ،‬ويقر منه ما يرتضيه‪ ،‬ويفند ما ل يرتضيه‪ .‬استطراده للمسائل‬
‫النحوية‪:‬‬
‫كذلك يستطرد اللوسي إلى الكلم في الصناعة النحوية‪ ،‬ويتوسع في ذلك‬
‫مفسرا ً ول ُأحيلك على نقطة‬
‫أحيانا ً إلى حدٍ يكاد يخرج به عن وصف كونه ُ‬
‫‪64‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بعينها‪ ،‬فإنه ل يكاد يخلو موضع من الكتاب من ذلك‪ .‬موقف اللوسي من‬
‫المسائل الفقهية‪ :‬كذلك نجده إذا تكلم عن آيات الحكام فإنه ل يمر عليها إل‬
‫إذا استوفى مذاهب الفقهاء وأدلتهم‪ ،‬مع عدم تعصب منه لمذهب بعينه‪.‬‬
‫سِع قَد َُره ُ وَعََلى‬
‫مو ِ‬
‫ن عََلى ال ْ ُ‬
‫فمثل‪ :‬عند تفسيره لقوله تعالى‪ ? :‬وَ َ‬
‫مت ُّعوهُ ّ‬
‫ن ? … ]البقرة‪ ،[236:‬يقول‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫قا ً عََلى ال ْ ُ‬
‫مَتاعا ً ِبال ْ َ‬
‫قت ِرِ قَد َُره ُ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫سِني َ‬
‫ما نصه‪ " :‬قال المام مالك‪ :‬المحسنون المتطوعون‪ ،‬وبذلك استدل على‬
‫استحباب المتعة وجعله قرينة صارفة للمر إلى الندب‪ ،‬وعندنا‪ ) :‬الحناف (‬
‫هي واجبة للمطلقات في الية‪ ،‬مستحبة لسائر المطلقات‪.‬‬
‫وعند الشافعي رضي الله عنه في أحد قوليه‪ :‬هي واجبة لكل زوجة مطلقة‬
‫إذا كان الفراق من قبل الزوج إل التي سمى لها وطلقت قبل الدخول‪ ،‬ولما‬
‫ت‬
‫مط َل ّ َ‬
‫قا ِ‬
‫لم يساعده مفهوم الية ولم يعتبر بالعموم في قوله تعالى‪ ? :‬وَل ِل ْ ُ‬
‫ن ? … ]البقرة‪ ،[241:‬لنه يحمل المطلق‬
‫ح ّ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫قا ً عََلى ال ْ ُ‬
‫مَتاع ٌ ِبال ْ َ‬
‫َ‬
‫قي َ‬
‫ً‬
‫على المقيد‪ ،‬قال بالقياس وجعله مقوما على المفهوم؛ لنه من الحجج‬
‫القطعية دونه‪ ،‬وأجيب عما قاله مالك ‪ ،‬بمنع قصر المحسن على المتطوع‪ ،‬بل‬
‫هو أعم منه ومن القائم بالواجبات‪ ،‬فل ينافي الوجوب‪ ،‬فل يكون صارفا ً للمر‬
‫عنه مع ما انضم إليه من لفظ حقًا"‪ .‬موقف المام اللوسي من السرائيليات‪:‬‬
‫ومما نلحظه على المام اللوسي أنه شديد النقد للسرائيليات والخبار‬
‫المكذوبة التي حشا بها كثير من المفسرين تفاسيرهم وظنوها صحيحة‪ ،‬مع‬
‫سخرية منه أحيانًا‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫فمث ً‬
‫سرائي َ‬
‫ل وَب َعَث َْنا‬
‫ل‪ :‬عند تفسيره لقوله تعالى‪ ? :‬وَل َ َ‬
‫قد ْ أ َ َ‬
‫ه ِ‬
‫ميَثاقَ ب َِني إ ِ ْ‬
‫خذ َ الل ّ ُ‬
‫ً‬
‫ي عَ َ‬
‫قيبا ? … ]المائدة‪ ،[12:‬نجده يقص قصة عجيبة عن )عوج‬
‫شَر ن َ ِ‬
‫ِ‬
‫من ْهُ ُ‬
‫م اث ْن َ ْ‬
‫بن عنق(‪ ،‬ويرويها عن البغوي‪ ،‬ولكنه بعد الفراغ منها يقول ما نصه‪ " :‬وأقول‪:‬‬
‫قد شاع أمر عوج عند العامة‪ ،‬ونقلوا فيه حكايات شنيعة‪ ،‬وفي فتاوى ابن‬
‫حجر‪ ،‬قال الحافظ العماد ابن كثير‪ :‬قصة عوج وجميع ما يحكون عنه‪ ،‬هذيان‬
‫ل أصل له‪ ،‬وهو مختلقات أهل الكتاب‪ ،‬ولم يكن قط على عهد نوح عليه‬
‫السلم‪ ،‬ولم يسلم من الكفار أحد‪،‬‬
‫ُ‬
‫وقال ابن القيم‪ :‬من المور التي يعرف بها كون الحديث موضوعا أن يكون‬
‫مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلنه‪ ،‬كحديث عوج بن عنق‪.‬‬
‫وليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث وكذب على الله تعالى؟ إنما‬
‫العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره‪ ،‬ول يبين‬
‫أمره"‪.‬‬
‫ٌ‬
‫فل ْ َ‬
‫ومث ً‬
‫ن‬
‫صن َعُ ال ْ ُ‬
‫مَل ِ‬
‫مّر عَل َي ْهِ َ‬
‫ما َ‬
‫ك وَك ُل ّ َ‬
‫ل‪ :‬عند تفسيره لقول الله تعالى‪ ? :‬وَي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َقا َ‬
‫ن?…‬
‫س َ‬
‫س َ‬
‫س َ‬
‫س ِ‬
‫خُر ِ‬
‫خُروا ِ‬
‫خُروا ِ‬
‫قَوْ ِ‬
‫خُرو َ‬
‫ل إِ ْ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫مّنا فَإ ِّنا ن َ ْ‬
‫ن تَ ْ‬
‫مهِ َ‬
‫م كَ َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ً‬
‫]هود‪ ،[38:‬نجده يروي أخبارا كثيرة من نوع الخشب الذي صنعت منه‬
‫السفينة‪ ،‬وفي مقدار طولها وعرضها وارتفاعها‪ ،‬وفي المكان الذي صنعت‬
‫فيه… ثم يعقب على كل ذلك بقوله‪ " :‬وسفينة الخبار في تحقيق الحال فيما‬
‫أرى ل تصلح للركوب فيها‪ ،‬إذ هي غير سليمة من عيب‪ ،‬فحري بحال من ل‬
‫يميل إلى الفضول‪ ،‬أن يؤمن أنه عليه السلم صنع الفلك حسبما قص الله في‬
‫كتابه‪ ،‬ول يخوض في مقدار طولها وعرضها وارتفاعها ومن أي خشب صنعها‬
‫وبكم مدة أتم عملها … إلى غير ذلك مما لم يشرحه الكتاب ولم تبينه السنة‬
‫الصحيحة "‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وبصورة عامة فقد أفاض في رد السرائيليات التي وقع فيها بعض المفسرين‬
‫السابقين له كما فعل في قصة إسماعيل وإسحاق وأيهما الذبيح؟ وبيان كونه‬
‫إسحاق قول باطل تدسس إلى الرواية السلمية وفي قصة يوسف وداود‬
‫وسليمان وأيوب ونحوها وقصة الغرانيق وهو إنما ذكرها لينبه إلى اختلفها‬
‫وبطلنها وتحذير المسلمين ول سيما طلبة العلم وأهله من التصديق بها‪.‬‬
‫تعّرض اللوسي للقراءات والمناسبات وأسباب النزول‪ :‬م إن المام اللوسي‬
‫رضي الله عنه يعرض لذكر القراءات‪ ،‬ولكنه ل يتقيد بالمتواتر منها‪ ،‬كما أنه‬
‫يعنى بإظهار وجه المناسبات بين السور كما يعنى بذكر المناسبات بين‬
‫اليات‪ ،‬ويذكر أسباب النزول لليات التي أنزلت على سبب‪ ،‬وهو كثير ال‬
‫ستشهاد بأشعار العرب على ما يذهب إليه من المعاني اللغوية‪ .‬فرحمه الله‬
‫رحمة واسعة على ما خدم به السلم والمسلمين ونفعنا بعلمه في الدارين‬
‫آمين ‪،،‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫المام الحازمي‬
‫اسمه ونسبه وكنيته‪:‬‬
‫هو المام الحافظ ‪ ،‬الحجة الناقد‪ ،‬النسابة البارع محمد بن موسى بن عثمان‬
‫بن موسى بن عثمان بن حازم الحازمي أبو بكر الهمذاني‪.‬‬
‫ولدته‪:‬‬
‫ولد المام الحازمي في سنة ثمان وأربعين وخمس مائة للهجرة النبوية في‬
‫مدينة بغداد واستوطنها‪.‬‬
‫طلبه للعلم ورحلته العلمية‪:‬‬
‫طلب العلم بالعراق‪ ,‬وتنقل بين مدنه‪ ,‬ورحل إلى المشايخ فيها وفي أصبهان‬
‫والجزيرة والشام والحجاز‪ ,‬وكان من الفقهاء المبرزين والمحدثين الحفاظ‬
‫تفقه بفقه المام الشافعي وتعمق فيه وسجل أدلته‪ ,‬قال أبو عبد الله‬
‫الدبيثي‪ :‬تفقه ببغداد في مذهب الشافعي ‪ ،‬وجالس العلماء ‪ ،‬وتميز ‪ ،‬وفهم ‪،‬‬
‫وصار من أحفظ الناس للحديث ولسانيده ورجاله‪ ,‬لما برز أيضا في علم‬
‫النسب وعلم المؤتلف والمختلف فيه ‪ ,‬وأخذ الفقه أيضا عن إمام الحنابلة في‬
‫وقته عبدالله بن أحمد الخرقي‪ ،‬وفي الفقه المالكي أخذ عن محمد بن طلحة‬
‫البصري المالكي بها‬
‫أبرز مشايخه في المصار‪:‬‬
‫سمع من أبي الوقت السجزي حضورا وله أربع سنين ‪ ،‬وسمع من شهر دار‬
‫بن شيرويه الديلمي‪ ،‬وأبي زرعة بن طاهر المقدسي الحافظ‪ ،‬وأبي العلء‬
‫العطار‪ ،‬ومعمر بن الفاخر‪ ،‬وأبي الحسين عبد الحق اليوسفي‪ ،‬وعبد الله بن‬
‫الصمد العطار‪ ،‬وشهدة الكاتبة‪ ،‬وأبي الفضل عبد الله بن أحمد خطيب‬
‫الموصل‪ ،‬وأبي طالب محمد بن علي الكتاني الواسطي‪ ، ،‬وأبي العباس أحمد‬
‫بن ينال الترك‪ ،‬وأبي الفتح عبد الله بن أحمد الخرقي‪ ،‬وأبي موسى محمد بن‬
‫أبي عيسى المديني‪ ،‬وأقرانهم بالعراق وأصبهان والشام والحجاز‪.‬‬
‫علمه وورعه وإنجازاته العلمية وثناء العلماء عليه‪:‬‬
‫بلغ في الفقه والحديث مبلغا رفيعا وجمع‪ ،‬وصنف‪ ،‬وبرع في فن الحديث‬
‫خصوصا في النسب‪ .‬واستوطن بغداد‪ ،.‬مع زهد‪ ،‬وتعبد‪ ،‬ورياضة‪ ،‬وذكر‪ .‬صنف‬
‫في الحديث عدة مصنفات‪ ،‬وأملى عدة مجالس‪ ،‬وكان كثير المحفوظ حلو‬
‫المذاكرة‪ ،‬يغلب عليه معرفة أحاديث الحكام‪ .‬أملى طرق الحاديث التي في‬

‫‪66‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫"المهذب" للشيخ أبي إسحاق‪ ،‬وأسندها‪ ،‬ولم يتمه‪.‬‬
‫وقال أبو عبد الله بن النجار في "تاريخه" كان الحازمي من الئمة الحفاظ‬
‫العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله‪ .‬ألف كتاب "الناسخ والمنسوخ"‪،‬‬
‫وكتاب "عجالة المبتدئ في النسب"‪ ،‬وكتاب "المؤتلف والمختلف في أسماء‬
‫البلدان"‪ .‬وأسند أحاديث "المهذب"‪ ،‬وكان ثقة‪ ،‬حجة‪ ،‬نبيل‪ ،‬زاهدا‪ ،‬عابدا‪،‬‬
‫ورعا‪ ،‬ملزما للخلوة والتصنيف وبث العلم أدركه الجل شابا‪ ،‬وسمعت محمد‬
‫بن محمد بن محمد بن غانم الحافظ يقول‪ :‬كان شيخنا الحافظ أبو موسى‬
‫المديني يفضل أبا بكر الحازمي على عبد الغني المقدسي‪ ،‬ويقول‪ :‬ما رأينا‬
‫شابا أحفظ من الحازمي‪ ،‬له كتاب "في الناسخ والمنسوخ" دال على إمامته‬
‫في الفقه والحديث ليس لحد مثله‪.‬‬
‫قال ابن النجار‪ :‬وسمعت بعض الئمة يذكر أن الحازمي كان يحفظ كتاب‬
‫"الكمال" في المؤتلف والمختلف ومشتبه النسبة‪ ،‬كان يكرر عليه‪ ،‬ووجدت‬
‫بخط المام أبي الخير القزويني وهو يسأل الحازمي‪ :‬ماذا يقول سيدنا المام‬
‫الحافظ في كذا وكذا ؟ وقد أجاب أبو بكر الحازمي بأحسن جواب ‪.‬‬
‫ثم قال ابن النجار‪ :‬سمعت أبا القاسم المقرئ جارنا يقول‪ ،‬وكان صالحا‪ :‬كان‬
‫الحازمي ‪-‬رحمه الله‪ -‬في رباط البديع‪ ،‬فكان يدخل بيتة في كل ليلة‪ ،‬ويطالع‪،‬‬
‫سراج‬
‫ويكتب إلى طلوع الفجر‪ ،‬فقال البديع للخادم‪ :‬ل تدفع إليه الليلة بزًرا لل ّ‬
‫لعله يستريح الليلة‪ .‬قال‪ :‬فلما جن الليل‪ ،‬اعتذر إليه الخادم لجل انقطاع‬
‫البزر‪ ،‬فدخل بيته‪ ،‬وصف قدميه يصلي‪ ،‬ويتلو‪ ،‬إلى أن طلع الفجر‪ ،‬وكان‬
‫الشيخ قد خرج ليعرف خبره‪ ،‬فوجده في الصلة ‪.‬‬
‫قومن غريب مارواه من حديث قوله‪ :‬أخبرنا محمد بن ذاكر بقراءتي‪ ،‬أخبركم‬
‫حسن بن أحمد القارئ‪ ،‬أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب‪ ،‬أخبرنا علي بن عمر‪،‬‬
‫حدثنا يعقوب بن إبراهيم البزاز‪ ،‬حدثنا العباس بن يزيد‪ ،‬حدثنا غسان بن‬
‫مضر ‪ ،‬حدثنا أبو مسلمة‪ ،‬قال‪ :‬سألت أنس بن مالك ‪ :‬أكان رسول الله ‪-‬صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ -‬يستفتح بالحمد لله رب العالمين ؟ فقال‪ :‬إنك لتسألني عن‬
‫شيء ما أحفظه ‪ ،‬وما سألني عنه أحد قبلك ‪ ،‬قلت ‪ :‬أكان رسول الله ‪-‬صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ -‬يصلي في النعلين ؟ قال ‪ :‬نعم ‪.‬قال الذهبي‪:‬‬
‫هذا حديث حسن غريب ‪ ،‬وهو ظاهر في أن أبا مسلمة سعيد بن يزيد سأل‬
‫أنسا عن الصلوات الخمس ‪ ،‬أكان النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬يستفتح‬
‫يعني أول ما يحرم بالصلة‪ -‬بدعاء الستفتاح أم بالستعاذة ‪ ،‬أم بالحمد لله‬‫رب العالمين ؟ فأجابه أنه ل يحفظ في ذلك شيئا ‪.‬‬
‫فأما الجهر وعدمه بالبسملة فقد صح عنه من حديث قتادة وغيره عن أنس‬
‫أن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬وأبا بكر وعمر كانوا ل يجهرون ببسم الله‬
‫الرحمن الرحيم ‪.‬‬
‫من أشهر تلميذه‪:‬‬
‫روى عن الحازمي المقرئ تقي الدين ابن باسويه الواسطي‪ ،‬والفقيه عبد‬
‫الخالق النشتبري وجلل الدين عبد الله بن الحسن الدمياطي الخطيب‪،‬‬
‫وآخرون‪.‬‬
‫وفاته‪:‬‬
‫توفي الحازمي وهو شاب فقد مات أبو بكر الحازمي في شهر جمادى الولى‬
‫سنة أربع وثمانين وخمس مائة وله ست وثلثون سنة ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪67‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المام الحسين في قلوبنا‬
‫د‪ .‬عبد الوهاب بن ناصر الطريري ‪10/1/1427‬‬
‫‪09/02/2006‬‬
‫السؤال‪ :‬أنا من الشيعة أريد أن أسألكم ماذا تعرفون عن المام الحسين‬
‫ويوم عاشوراء؟‬
‫أجاب عن السؤال الشيخ‪:‬د‪ .‬عبد الوهاب بن ناصر الطريري )المشرف‬
‫العلمي على موقع السلم اليوم(‬
‫الجواب‪:‬‬
‫نعرف عن سيدنا الحسين بن علي –رضي الله عنه وأرضاه‪ -‬أنه سبط رسول‬
‫الله –صلى الله عليه وسلم‪ -‬وريحانته من الدنيا‪ ،‬وأشبه الناس به‪ ،‬وكان فمه‬
‫الطيب مهوى شفتي رسول الله –صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬وأنه وأخوه سيدا‬
‫شباب أهل الجنة‪ ،‬وأنه ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي يحب الله‬
‫ورسوله ويحبه الله ورسوله‪ ،‬والذي حبه إيمان وبغضه نفاق‪ ،‬وأنه ابن البتول‬
‫المطهرة سيدة نساء العالمين‪ ،‬والبضعة النبوية فاطمة الزهراء‪ ،‬وأنه من خير‬
‫آل بيت نبينا الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ً وقال فيهم نبينا‬
‫يوم غدير خم‪":‬أذكركم الله في أهل بيتي"‪.‬‬
‫فهو سيدنا وابن نبينا‪ ،‬نحبه ونتوله‪ ،‬ونعتقد أن حبه –رضي الله عنه وعن أبيه‪-‬‬
‫من أوثق عرى اليمان‪ ،‬وأعظم ما يتقرب به إلى الرحمن‪ ،‬مصداقا ً لقول جده‬
‫–صلى الله عليه وسلم‪":-‬المرء مع من أحب"‪ .‬وأنه من أحبه فقد أحب النبي‬
‫–صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬ومن أبغضه فقد أبغض النبي –صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،-‬ونقول عنه وعن أبيه وجده ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‬
‫له‪":‬وهل أنبت الشعر على رؤوسنا إل الله ثم أنتم"‪.‬‬
‫ونعتقد أنه قتل مظلوما ً مبغيا ً عليه‪ ،‬فنبرأ إلى الله من كل فاجر شقي قاتله‬
‫أو أعان على قتله أو رضى به‪ ،‬ونعتقد أن ما أصابه فمن كرامة الله له‪ ،‬وأنه‬
‫رفعة لقدره‪ ،‬وإعلء لمنزلته –رضي الله عنه وأرضاه‪ ،-‬مصداقا ً لقول جده –‬
‫عليه الصلة والسلم‪":-‬أشد الناس بلء النبياء ثم المثل فالمثل"‪ .‬فبلغه الله‬
‫بهذا البلء منازل الشهداء‪ ،‬وألحقه بالسابقين من أهل بيته الذين ابتلوا‬
‫بأصناف البلء في أول الدعوة النبوية فصبروا‪ ،‬وهكذا المام الحسين ابتلى‬
‫بعد وصبر‪ ،‬فأتم الله عليه نعمته بالشهادة‪ ،‬لن عند الله في دار كرامته من‬
‫المنازل العلية ما ل ينالها إل أهل البلء والصبر فكان المام الحسين منهم‪.‬‬
‫ونعلم أن المسلمين لم يصابوا منذ استشهاد الحسين إلى اليوم بمصيبة‬
‫أعظم منها‪ ،‬ونقول كلما ذكرنا مصيبتنا في المام أبي عبد الله ما أخبرت به‬
‫السيدة الطاهرة فاطمة بنت الحسين –وكانت شهدت مصرع أبيها‪ -‬عن أبيها‬
‫الحسين عن جده –صلى الله عليه وسلم‪ -‬أنه قال‪":‬ما من رجل يصاب‬
‫بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت فيحدث لها استرجاعا ً إل أعطاه الله من‬
‫الجر مثل أجره يوم أصيب" فنقول‪":‬إنا لله وإنا إليه راجعون" رجاء أن نكون‬
‫َ‬
‫ممن قال الله فيهم "وَب َ ّ‬
‫ه‬
‫صيب َ ٌ‬
‫ة َقاُلوا إ ِّنا ل ِل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫ن*ال ّ ِ‬
‫م ُ‬
‫صاب َت ْهُ ْ‬
‫ن إ َِذا أ َ‬
‫شرِ ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن*ُأول َئ ِ َ‬
‫م‬
‫م ٌ‬
‫ت ِ‬
‫م وََر ْ‬
‫جُعو َ‬
‫ة وَأولئ ِك هُ ُ‬
‫ح َ‬
‫ن َرب ّهِ ْ‬
‫وا ٌ‬
‫ك عَلي ْهِ ْ‬
‫وَإ ِّنا إ ِل َي ْهِ َرا ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫صل َ‬
‫ن"‪.‬‬
‫دو َ‬
‫مهْت َ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ومع ذلك فل نتجاوز في حبنا له حدود ما حده لنا جده –صلى الله عليه وسلم‪-‬‬
‫الذي قال‪":‬ل تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد‬
‫فقولوا عبد الله ورسوله"‪.‬‬
‫فل نعظمه بأنواع التعظيم التي ل تصرف إل لله كالدعاء والستغاثة‪ ،‬ول‬
‫نشرك بنبينا وآله كما أشركت النصارى بعيسى ابن مريم وأمه حيث جعلوهما‬
‫‪68‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في مرتبة اللوهية‪ .‬ول نجعل له ول لغيره من آل البيت الطيبين ما هو من‬
‫خصائص المرسلين كالعصمة والتشريع‪ ،‬بل هم رضوان الله عليهم أصدق‬
‫المبلغين عن رسول الله وأعظم المتبعين لهداه‪ ،‬ونعلم أنهم بشر من البشر‪،‬‬
‫ولكنهم أفضلهم مكانة وأعلهم قدرًا‪ ،‬ومع ذلك فلم يتكلوا على قرابتهم من‬
‫رسول الله –صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬ولكن كانوا أعظم اتباعا ً لدينه وقياما ً‬
‫بشريعته‪ ،‬كما قال المام زين العابدين وقرة عين السلم علي بن الحسين –‬
‫رضي الله عنه وعن آبائه‪":-‬إني لرجو أن يعطي الله للمحسن منا أجرين‪،‬‬
‫وأخاف أن يجعل على المسيء منا وزرين"‪.‬‬
‫كما أننا ل نعصي جده –صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬الذي نهانا عن النياحة وعن‬
‫ضرب الخدود وشق الجيوب‪ ،‬وأخبرنا أن هذا من عمل أهل الجاهلية‪ ،‬وقد‬
‫صب النبي –صلى الله عليه وسلم‪-‬‬
‫استشهد عمه حمزة و ُ‬
‫مّثل بجثمانه ولم ي ُ َ‬
‫ً‬
‫بعده بمثل مصيبته فيه‪ ،‬ومع ذلك لم يجعل يوم استشهاده مناحة وحزنا‪ ،‬ولم‬
‫يفعل ذلك علي –رضي الله عنه‪ -‬في يوم وفاة النبي –صلى الله عليه وسلم‪،-‬‬
‫ولم يفعل ذلك الحسن والحسين في يوم استشهاد أبيهما –رضي الله عنهم‪،-‬‬
‫وكذلك نحن ل نجعل يوم استشهاد الحسين يوم نياحة ولطم اقتداء بهذا‬
‫الهدي النبوي الذي تتابع عليه عمل المام علي وابنيه الحسن والحسين –‬
‫رضي الله عنهم‪ُ " -‬أول َئ ِ َ‬
‫ه"‪.‬‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫ه فَب ِهُ َ‬
‫ن هَ َ‬
‫م اقْت َدِ ْ‬
‫داهُ ُ‬
‫دى الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وأما يوم عاشوراء فهو يوم أنجى الله فيه موسى وقومه فصامه نبينا محمد –‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬شكرا ً لله فنحن نصومه اقتداء بنبينا في ذلك‪ ،‬وهو يوم‬
‫استشهد فيه ابن نبينا الحسين بن علي –رضي الله عنه‪ ،-‬فنحن نصبر‬
‫ونحتسب عند الله مصابنا فيه‪ ،‬فاجتمع لنا أهل السلم في هذا اليوم مقام‬
‫الشكر لنه اليوم الذي أنجى الله فيه موسى‪ ،‬ومقام الصبر لنه اليوم الذي‬
‫أصبنا فيه باستشهاد ابن نبينا‪ ،‬كما اجتمع في يوم السابع عشر من رمضان‬
‫يوم الفرقان ببدر‪ ،‬واستشهاد أمير المؤمنين علي –رضي الله عنه‪ ،-‬وفي يوم‬
‫الثنين من ربيع الول مولد النبي –صلى الله عليه وسلم‪ -‬ويوم وفاته‪ ،‬فيكون‬
‫المقام مقام شكر ومقام صبر فنصوم شكرا ً لله بنجاة نبي الله موسى اقتداء‬
‫برسول الله –صلى الله عليه وسلم‪ -‬ونحتسب عند الله ابن نبينا ونسترجع لما‬
‫أصابنا فيه ونقول كما قال أولوا البشرى من الصابرين "إنا لله وإنا إليه‬
‫راجعون"‪.‬‬
‫وفي الختام فإني أرى في سؤالك بحثا ً عن الحق وتتبعا ً له فاعتبر ‪-‬وفقك‬
‫الله‪ -‬بالمام العبقري علي بن أبي طالب –رضي الله عنه‪ -‬الذي كان في سن‬
‫الفتوة واليفاع ومع ذلك تخلى عما كان عليه أهل الجاهلية‪ ،‬واتبع هدى الله‬
‫ونوره المنزل على محمد –صلى الله عليه وسلم‪ -‬مع قلة التباع‪ ،‬وضعف‬
‫أهل الحق‪ ،‬وقلة الناصر والمعين‪ ،‬وكانت فتوته وشبابه بل حياته كلها مع‬
‫رسول الله –صلى الله عليه وسلم‪ -‬وبعده آية في الثبات على الحق والدفاع‬
‫عنه‪.‬‬
‫واعلم –وفقك الله‪ -‬أن العمر أقصر من أن يضيع في الحيرة والتردد‪ ،‬فليبحث‬
‫كل منا عن الحق جهده‪ ،‬ويستغيث بالله ويدعوه ويلح عليه أن يهديه لما‬
‫اختلف فيه من الحق بإذنه‪ ،‬وأن يدله على طريق مرضاته‪ ،‬وأن يسلك به‬
‫صراطه المستقيم‪ ،‬صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين‬
‫والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ولنعلم جميعا ً أنه ما لم تدركنا رحمة من الله يهدي بها قلوبنا فإنا سنظل في‬
‫حيرة وضلل "ذ َل ِ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫عَباِده"‪.‬‬
‫ن ِ‬
‫شاُء ِ‬
‫دى الل ّهِ ي َهْ ِ‬
‫ك هُ َ‬
‫دي ب ِهِ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫اللهم إنا نسألك بحبنا لنبيك –صلى الله عليه وسلم‪ -‬وآله وذريته أن تسلك بنا‬
‫طريقهم وأن تحشرنا في زمرتهم وأن تجعلنا ممن اتبعهم بإحسان‪.‬‬
‫والسلم عليكم ورحمة الله وبركاته‬
‫)‪(2 /‬‬
‫المام القرطبى رحمه الله ‪...‬‬
‫طريق القرآن ‪...‬‬
‫هو أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن فَْرح النصارى الخزرجى الندلسى‬
‫سرولد بقرطبة من بلد الندلس وتعلم فيها العربية والشعر‬
‫القرطبى المف ّ‬
‫إلى جانب تعلمه القرآن الكريم وتلقى بها ثقافته الواسعة في الفقه والنحو‬
‫والقراءات كما درس البلغة وعلوم القرآن وغيرها ثم قدم إلى مصر واستقر‬
‫بها وكانت وفاته بصعيدها ليلة الثنين التاسع من شهر شوال سنة ‪ 671‬هـ‬
‫وقبره بالمنيا بشرق النيل‪.‬‬
‫وكان رحمه الله من عباد الصالحين والعلماء العارفين‪ ،‬زاهد في الدنيا‬
‫مشغول ً بما يعنيه من امور الخرة وقد قضى عمره مشغول ً بين العباده‬
‫والتأليف‪.‬‬
‫قال عنه الذهبي‪ " :‬إمام متفنن متبحر في العلم‪ ،‬له تصانيف مفيدة تدل على‬
‫كثرة إطلعه ووفود عقله وفضله"‪.‬الحركة العلمية في عصر‬
‫القرطبى‪:‬نشطت الحياة العلمية بالمغرب والندلس في عصر الموحدين )‬
‫‪ 668 - 514‬هـ( وهو العصر الذى عاش فيه القرطبى فترة من حياته أيام إن‬
‫كان بالندلس وقبل أن ينتقل إلى مصر ومما زاد الحركة العلمية ازدهارا ً في‬
‫هذا العصر‪ :‬أن محمد بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية كان من أقطاب‬
‫علماء عصره وقد أفسح في دعوته للعلم وحض على تحصيله‪.‬‬
‫كثرة الكتب والمؤلفات التي كانت بالندلس‪ ،‬وكانت قرطبة أكثر بلد الندلس‬
‫كتبًا‪ ،‬وأشد الناس اعتناء بخزائن الكتب‪ ،‬وهذه النزعات العلمية التي اتسم بها‬
‫خلفاء الموحدين وتلك المؤلفات التي غمرت بلد الندلس وشجعت العلماء‬
‫وروجت سوق العلم فتعددت الهيئات العلمية في ربوع الندلس وبين جوانبها‬
‫ونهضت العلوم الشرعية كالفقه والحديث والتفسير والقراءات وكذلك علوم‬
‫اللغة والتاريخ والدب والشعر‪ ،‬وكان لهذا كله أثر كبير في التكوين العلمى‬
‫للمام القرطبى ‪ -‬رحمه الله ‪.-‬شيوخه‪ :‬من شيوخ القرطبى‪:‬‬
‫‪ (1‬ابن رواج وهو المام المحدث أبو محمد عبد الوهاب بن رواج واسمه‬
‫ظافر بن على بن فتوح الزدى السكندرانى المالكى المتوفى سنة ‪648‬هـ‪.‬‬
‫‪ (2‬ابن الجميزى‪ :‬وهو العلمة بهاء الدين أبو الحسن على بن هبة الله بن‬
‫سلمة المصرى الشافعى المتوفى سنة ‪ 649‬هـ وكان من أعلم الحديث‬
‫والفقه والقراءات‪.‬‬
‫‪ (3‬أبو عباس احمد بن عمر بن إبراهيم المالكى القرطبى المتوفى سنة‬
‫‪656‬هـ )صاحب المفهم في شرح صحيح مسلم(‬
‫‪ (4‬الحسن البكرى ‪:‬هو الحسن بن محمد بن عمرو التيمى النيسابورى ثم‬
‫الدمشقى ابو على صدر الدين البكرى المتوفى سنة ‪ 656‬هـ مؤلفاته‪:‬ذكر‬
‫المؤرخون للقرطبى رحمه الله عدة مؤلفات غير كتاب "الجامع لحكام‬
‫القرآن" وهو ذلكم التفسير العظيم الذى ل يستغنى عنه طالب علم ‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ومن هذه المؤلفات‪:‬‬
‫‪ (1‬التذكرة في أحوال الموتى وأمور الخرة )وهو مطبوع متداول(‬
‫‪ (2‬التذكار في أفضل الذكار )وهو أيضا ً مطبوع متداول(‬
‫‪ (3‬السنى في شرح أسماء الله الحسنى‬
‫‪ (4‬العلم بما في دين النصارى من المفاسد والوهام وإجتهار محاسن دين‬
‫السلم‪.‬‬
‫‪ (5‬قمع الحرض بالزهد والقناعة‪.‬‬
‫وقد أشار القرطبى في تفسيره إلى مؤلفات له منها‪:‬‬
‫*( المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس‪.‬‬
‫*( اللمع اللؤلؤية في شرح العشرينات النبوية " تأثر القرطبى ‪ -‬رحمه الله ‪-‬‬
‫بمن قبله وتأثيره فيمن بعده "‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬تأثره بمن قبله‪:‬‬
‫الذى يطالع تفسير المام القرطبى يجده قد تأثر كثيرا ً بمن سبقوه من‬
‫العلماء ومنهم‪:‬‬
‫‪ (1‬الطبرى‪ :‬وهو أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى صاحب "جامع البيان في‬
‫تفسير القرآن" والمتوفى سنة ‪310‬هـ أفاد منه القرطبي وتأثر به خاصة في‬
‫التفسير بالمأثور‪.‬‬
‫‪ (2‬الماوردى‪ :‬وهو أبو الحسن على بن محمد المارودى النتوفى سنة ‪450‬هـ‬
‫وقد نقل عنه القرطبى وتأثر به‪.‬‬
‫‪ (3‬أبو جعفر النحاس‪ :‬صاحب كتابي‪ ":‬إعراب القرآن‪ ،‬ومعانى القرآن" توفى‬
‫سنة ‪338‬هـ وقد نقل عنه القرطبى كثيرًا‪.‬‬
‫‪ (4‬ابن عطية‪ :‬وهو القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية صاحب "المحرر‬
‫الوجيز في التفسير"‪ ،‬وقد أفاد القرطبى منه كثيرا ً في التفسير بالمأثور وفي‬
‫القراءات واللغة والنحو والبلغة والفقه والحكام توفي ابن عطية رحمة الله‬
‫سنة ‪541‬هـ‪.‬‬
‫‪ (5‬أبو بكر العربي صاحب كتاب "أحكام القرآن" والمتوفى سنة ‪543‬هـ‪ ،‬أفاد‬
‫منه القرطبى وناقشة ورد هجومه على الفقهاء والعلماء‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬تأثيره فيمن بعده‪:‬‬
‫تأثر كثير من المفسرين الذين جاءوا بعد القرطبى وإنتفعوا بتفسيره وأفادوا‬
‫منه كثيرأ ومن هؤلء ‪:‬‬
‫‪ (1‬الحافظ ابن كثير‪:‬عماد الدين إسماعيل بن عمروبن كثير المتوفى سنة‬
‫‪774‬هـ‪.‬‬
‫‪ (2‬أبو حيان الندلسى الغرناطى المتوفى سنة ‪754‬هـ وذلك في تفسيره‬
‫البحر المحيط‪.‬‬
‫‪ (3‬الشوكانى‪ :‬القاضى العلمة محمد بن على الشوكاني المتوفى سنة‬
‫‪1255‬هـ‪ ،‬وقد أفاد من القرطبى كثيرا ً في تفسيره )فتح القدير(‬
‫مزايا الكتاب‪:‬‬
‫ً‬
‫يعتبر تفسير القرطبى موسوعة عظيمة حوت كثيرا من العلوم وأهم ما‬
‫يميزه‪:‬‬
‫‪ (1‬تضمنها أحكام القرآن بتوسع‪.‬‬
‫‪ (2‬تخريجه الحاديث وعزوها إلى من رووها غالبا‪ً.‬‬
‫‪ (3‬صان القرطبى كتابه عن الكثار من ذكر السرائيليات والحاديث‬
‫الموضوعة إل من بعض مواطن كان يمر عليها دون تعقيب‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(1 /‬‬
‫‪ (4‬كما أنه كان إذا ذكر بعض السرائيليات والموضوعات التي تخل بعصمة‬
‫الملئكة والنبياء أو يخل بالعتقاد فإنه يكر عليها بالبطال أو يبين أنها ضعيفة‬
‫كما فعل في قصة هاروت وماروت‪ ،‬وقصة داود وسليمان وقصة الغرانيق‬
‫وكذلك ينبه أيضا ً على بعض الموضوعات في أسباب النزول‪.‬‬
‫ما يؤخذ على كتابه في التفسير)الجامع لحكام القرآن( نقول‪ :‬مع أن تفسير‬
‫القرطبى رحمه الله من أعظم التفاسير نفعا ً إل أنه لم يخل من بعض هَي َْنات‬
‫ والكمال لله وحده ‪ -‬كان يمر عليها من دون تعليق أو تعقيب‪.‬‬‫ومن أمثلة ذلك‪:‬‬
‫ماذكره من السرائيليات عند تفسيره لبعض اليات ومنها ماذكره عند تفسير‬
‫م ?]غافر‪:‬‬
‫ح ِ‬
‫قوله تعالى‪ ?:‬ال ّ ِ‬
‫ن بِ َ‬
‫حو َ‬
‫سب ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫مُلو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ه يُ َ‬
‫مد ِ َرب ّهِ ْ‬
‫ح ْ‬
‫حوْل َ ُ‬
‫ش وَ َ‬
‫ن ال ْعَْر َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫‪[7‬‬
‫فقد ذكر أن حملة العرش أرجلهم في الرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت‬
‫العرش إلى غير ذلك من الخبار الخرافية‪.‬‬
‫كما لم يخل كتابه من الحاديث الضعيفة بل والموضوعة التي تحتاج إلى‬
‫إنتباه أثناء مطالعة الكتاب‪.‬‬
‫كما كان رحمه الله ينقل عن بعض المصادر دون أن يشير أو يصرح بذلك‬
‫)‪(2 /‬‬
‫المام المجاهد عثمان بن فودي ‪ ..‬أعظم أمراء إفريقيا‬
‫كتبه ‪/‬شريف عبد العزيز‬
‫مقدمة ‪:‬‬
‫مفكرة السلم‪ :‬يعتبر تاريخ الدول السلمية والممالك التي قامت في قارة‬
‫إفريقيا إذا ما استثنينا الشمال الفريقي‪ ،‬من المور المجهولة تماما ً بالنسبة‬
‫للمسلمين‪ ،‬فهم ل يعرفون عن مسلمي إفريقيا شيئا ً مع العلم أن نسبة‬
‫المسلمين في قارة إفريقيا هي العلى في قارات العالم‪ ،‬بما في ذلك قارة‬
‫آسيا‪ ،‬أكثر قارات العالم ازدحاما بالسكان‪ ،‬هذا على الرغم من أن القارئ‬
‫لحداث وتاريخ هذه الممالك والدول‪ ،‬سيقف معجبا ً ولربما منبهرا ً بالبطولت‬
‫العظيمة التي قام بها أبطال إفريقيا العظام‪ ،‬خاصة هؤلء الذين كانوا في‬
‫الغرب الفريقي‪ ،‬والذين تصدوا لعنف وأشرس الحملت الوحشية والتي‬
‫قادها صليبو إسبانيا والبرتغال وفرنسا وأمريكا‪ ،‬ونحن وللسف الشديد قد‬
‫انخدعنا بما يروجه الحتلل الوروبي‪ ،‬والعلم الغربي الذي يصور لنا إخواننا‬
‫الفارقة في صورة الهمج الوحشيين‪ ،‬أكلة لحوم البشر‪ ،‬وأن التمدن والرقي‬
‫الذي حصل لهؤلء الفارقة يرجع بفضل الستعمار الوروبي لبلدهم‪ ،‬والحق‬
‫غير ذلك تمامًا‪ ،‬فلقد قامت بإفريقيا السوداء الكثير من الممالك السلمية‬
‫العظيمة‪ ،‬على شريعة السلم من الكتاب والسنة‪ ،‬بل وعلى منهج السلف‬
‫فهما ً وتطبيقًا‪ ،‬وصاحبنا واحد من أعظم الرجال الفارقة الذين أدخلوا الدعوة‬
‫السلفية إلى إفريقيا‪ ،‬وأقاموا دولة عظيمة وكبيرة على منهج السلف الصالح‬
‫والعجيب أنه ل يعرفه أحد من عامة المسلمين‪ ،‬بل ومن المتخصصين في‬
‫قراءة التاريخ أيضا ً ‪.‬‬
‫السلم يغزو إفريقيا‬
‫تعتبر إفريقيا أول منطقة في العالم وصلها السلم بعد مكة مهبط الوحي‪،‬‬

‫‪72‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وذلك في العام الخامس من النبوة‪ ،‬عندما هاجر الصحابة الولون فارين‬
‫بدينهم إلى الحبشة‪ ،‬ثم دخلوا الشمال الفريقي كله‪ ،‬من مصر إلى المغرب‬
‫القصى في القرن الهجري الول‪ ،‬وقد وصل فاتح المغرب العظم ]عقبة بن‬
‫نافع[ إلى أطراف الصحراء الكبرى‪ ،‬وقد عمل ولة بلد المغرب من تونس‬
‫إلى المحيط على نشر السلم في القبائل البربرية الموغلة في الصحراء‪،‬‬
‫حتى وصل السلم إلى مدينة 'أودغشت' عاصمة قبيلة 'لمتونة' وهذه المدينة‬
‫غير موجودة الن ولكنها في قلب 'موريتانيا' ‪.‬‬
‫ويرجع الفضل لنشر السلم في قلب وغرب إفريقيا لدولة المرابطين‬
‫العظيمة‪ ،‬وخاصة المير الشهيد 'أبى بكر بن عمر' الذي كان أمير المرابطين‬
‫الول ثم ترك المارة 'ليوسف بن تاشفين'‪ ،‬وتخلى عن الزعامة وتفرغ لنشر‬
‫السلم بين الفارقة‪ ،‬وظل يحارب القبائل الوثنية وينشر السلم بينهم حتى‬
‫استشهد سنة ‪ 480‬هجرية‪ ،‬وقد وصل بالسلم إلى خط الستواء‪ ،‬أي على‬
‫أبواب إفريقيا الستوائية‪ ،‬عند منطقة الغابات الكثيفة‪ ،‬وهو بذلك قد قام‬
‫بخدمة عظيمة للسلم‪ ،‬ول تقل عما فعله 'يوسف بن تاشفين' في المغرب‬
‫والندلس ‪.‬‬
‫مأساة الممالك السلمية‬
‫أخذ السلم في النتشار في قلب القارة الفريقية شيئا ً فشيئًا‪ ،‬بالتجارة تارة‪،‬‬
‫وبالجهاد تارة‪ ،‬والدعاة المرابطين تارة‪ ،‬وبالتدريج تحولت القبائل الوثنية إلى‬
‫السلم‪ ،‬وقامت ممالك إسلمية في غاية القوة والتساع مثل مملكة 'غانا'‪،‬‬
‫ومملكة 'مالي' الضخمة وكانت تشمل 'تشاد ومالي والنيجر والسنغال'‪،‬‬
‫وكانت هذه المملكة من أقوى وأعرق الممالك السلمية في إفريقيا ومملكة‬
‫'الصنغاي'‪ ،‬وغيرها من الممالك القوية التي دفعت بالسلم إلى الداخل‬
‫الفريقي‪.‬‬
‫ولكن وللسف الشديد أصاب المسلمون هناك‪ ،‬ما أصاب إخوانهم في‬
‫الشمال‪ ،‬وفى كل مكان‪ ،‬إذ دب بينهم التفرق والخلف‪ ،‬واقتتلوا فيما بينهم‪،‬‬
‫وصارت الممالك تتقاتل فيما بينها‪ ،‬بدوافع قبلية ودنيوية محضة‪ ،‬فاقتتلت‬
‫مملكة 'الصنغاي' مع مملكة 'مالي'حتى دمرتها‪ ،‬ثم قامت مملكة المغرب‬
‫أيام حكم 'المنصور السعدي'بتدمير مملكة 'الصنغاي'‪ ،‬وانهارت مملكة 'غانا'‬
‫بالقتتال الداخلي وهكذا أكلت هذه الممالك السلمية بعضها بعضًا‪ ،‬في نفس‬
‫الوقت الذي كان فيه أهل الكفر من الغرب والشرق يجمعون صفوفهم‬
‫ويوحدون راياتهم استعدادا ً للنقضاض على العالم السلمي ‪.‬‬
‫قبائل الفولني ونهضة السلم‬
‫وعلى الرغم من انهيار الممالك السلمية الكبيرة‪ ،‬إل إن القبائل المسلمة‬
‫قامت بدورها في نشر السلم‪ ،‬واستكمال الدور الدعوى الذي كانت تقوم به‬
‫الممالك وربما بصورة أفضل‪ ،‬ومن أشهر القبائل المسلمة ‪:‬‬
‫‪ .1‬قبائل الماندينج وتنتشر في مالي والسنغال وجامبيا وغينيا وسيراليون‬
‫وساحل العاج ‪.‬‬
‫‪ .2‬قبائل الولوف والتوكلور في السنغال ومالي ‪.‬‬
‫‪ .3‬قبائل الهاوسا في النيجر وشمالي نيجيريا وبنين والتوجو وبوركينافاسو ‪.‬‬
‫‪ .4‬الكانورى في شمال شرق نيجيريا والكاميرون ‪.‬‬
‫ولكن أعظم وأشهر القبائل الفريقية وأشدها تحمسا ً لنشر السلم وتمسكا ً‬
‫به هي قبائل ]الفولني[ وهي التي تحملت مسئولية إعادة نهضة السلم‬
‫وإقامة الممالك السلمية من جديد ‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(1 /‬‬
‫دخل الفولنيون السلم على أيدي المرابطين في القرن الخامس الهجري‪،‬‬
‫فتحمسوا له واستعلوا به‪ ،‬وكانوا في الصل من الرعاة الذين يتحركون‬
‫باستمرار سعيا ً وراء الماء والكل‪ ،‬وكان موطنهم الصلي حوض السنغال‪،‬‬
‫ولكنهم انتشروا في قلب إفريقيا من السنغال إلى تشاد إلى قلب وغرب‬
‫إفريقيا في ‪ 4‬هجرات شهيرة‪ ،‬تفرعت خللها هذه القبيلة الضخمة إلى عدة‬
‫فروع‪ ،‬ولكن أهم هذه الفروع وأكثرها أثرا ً في نشر الدعوة السلمية وعودة‬
‫النهضة السلمية للقلب الفريقي‪ ،‬وهى هجرة الفولنيين إلى نيجيريا‪ ،‬وفى‬
‫هذا الفرع ظهر صاحبنا‪ ،‬الذي أعاد المجد والعزة للسلم بقلب إفريقيا وهو‬
‫المير الفولني ]عثمان دان فوديو[ ‪.‬‬
‫النشأة والتكوين‬
‫ولد بطلنا الهمام ]عثمان دان فوديو[ في بلدة 'طفل' على أطراف إقليم‬
‫'جوبير' ]شمال نيجيريا الني سنة ‪ 1168‬هجرية ـ ‪ 1754‬ميلدية‪ ،‬وكلمة‬
‫فودي تعنى الفقيه واسمه الصلي ]محمد[‪ ،‬فلقد كان والده معلم القرآن‬
‫والحديث في قريته‪ ،‬وينتسب 'عثمان' إلى قبيلة الفولني العريقة في‬
‫السلم‪ ،‬وفي هذه البلدة الصغيرة‪ ،‬وفي هذا الجو الديني الطاهر‪ ،‬نشأ‬
‫'عثمان' فدرس اللغة العربية وقرأ القرآن وحفظ متون الحاديث‪ ،‬وقد‬
‫ساعده والده على تنمية ملكة التعمق في العلوم الدينية لما رأى فيه من حبه‬
‫للدين وخدمته‪.‬‬
‫كان لهذه التربية والجو اليماني الذي نشأ فيه ]عثمان[ أثر بالغ في تكوين‬
‫شخصيته وتوجهاته‪ ،‬فشب ورعا ً تقيًا‪ ،‬أمارا ً بالمعروف‪ ،‬ناهيا ً عن المنكر‪،‬‬
‫مجتنبا ً لما اعتاد عليه قومه من أساليب في الحياة‪ ،‬شديد الكره والعداء‬
‫للقبائل الوثنية في إقليم 'جوبير' الذي ولد فيه‪ ،‬لذلك قرر ]عثمان[ مرافقة‬
‫أبيه في رحلته الطويلة إلى الحج‪ ،‬وذلك وهو في سن الشباب ‪.‬‬
‫نقطة التحول الكبرى‬
‫لقد كان ذهاب ]عثمان بن فودي[ لداء مناسك الحج مع أبيه‪ ،‬نقطة تحول‬
‫كبرى في حياة البطل الهمام‪ ،‬ذلك أنه قدم مكة المكرمة‪ ،‬والدعوة السلفية‬
‫للشيخ ]محمد بن عبد الوهاب[ في أوج قوتها وانتشارها‪ ،‬حيث كان الشيخ‬
‫]محمد بن عبد الوهاب[‪ ،‬مازال حيًا‪ ،‬يعلم الناس التوحيد الخالص ويحارب‬
‫البدع ويرد على المبتدعة وأصحاب الهواء‪ ،‬فلما وصل ]عثمان بن فودي[‬
‫هناك التقى مع المشايخ والدعاة السلفيين وسمع منهم الدعوة السلفية‬
‫وأسلوب الحركة وكيف قامت؟ وكيف انطلقت من منطقة 'الدرعية' لتشمل‬
‫الجزيرة كلها‪ ،‬وحضر مجالس العلم للشيخ ]محمد بن عبد الوهاب[ ‪.‬‬
‫قرر ]عثمان بن فودي[ البقاء لفترة بمكة للستزادة من الدعوة السلفية‬
‫وعلومها ومناهجها وتأثر بها بشدة‪ ،‬ذلك لن بلده كانت مليئة بالبدع‬
‫والخرافات‪ ،‬امتزج فيها السلم بالعادات الوثنية‪ ،‬وكانت العادات القبلية تحكم‬
‫حياة المسلمين‪ ،‬بل هو نفسه كان يتدين بكثير من البدع والوراد غير‬
‫الصحيحة والسبب في ذلك أن السلم انتشر في هذه المناطق بنشاط دعاة‬
‫الطرق الصوفية‪ ،‬وأصبح معنى التدين مرادفا ً لمعنى التصوف‪ ،‬لذلك قرر‬
‫]عثمان[ المكوث لتصحيح مسار حياته وعباداته ‪.‬‬
‫نستطيع أن نقول أن ذهاب ]عثمان بن فودي[ إلى الحج والتقاءه مع دعاة‬
‫وعلماء الحركة السلفية‪ ،‬وتلقيه لمبادئ وأسلوب هذه الحركة نقطة تحول‬
‫كبرى في حياة هذا الرجل ولعل هذا من رحمة الله عز وجل بالمة المسلمة‬

‫‪74‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بإفريقيا‪ ،‬ونصرة عظيمة للسلم والمسلمين لما سيقوم به هذا الرجل من‬
‫جهود كبيرة لخدمة الدين والمة ‪.‬‬
‫جهاد الدعوة‬
‫عاد ]عثمان بن فودي[ إلى بلده في إقليم 'جوبير' في شمال نيجيريا‪ ،‬وفى‬
‫نيته نشر الدعوة السلفية في بلده‪ ،‬ومحاربة البدع المتفشية هنالك‪ ،‬والتمهيد‬
‫لنقل التجربة السلفية والتي سبق وأن نجحت في جزيرة العرب‪ ،‬إلى بلده‬
‫في إفريقيا‪ ،‬فأخذ في دعوة أهله وإخوانه إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع‬
‫والشركيات ومحاربة الطرق الصوفية‪ ،‬فاستجاب لدعوته كثير من أبناء قريته‬
‫'طفل'‪ ،‬فأسس ]عثمان بن فودي[ حركة دعوية على منهج السلف وأطلق‬
‫عليها اسم ]الجماعة[ ‪.‬‬
‫أخذت الدعوة السلفية وحركتها المسماة بالجماعة تنتشر بين القبائل‬
‫الفريقية‪ ،‬ودخل فيها أفراد من عدة إمارات‪ ،‬ومن شعوب عدة منها الهاوسا‪،‬‬
‫والطوارق‪ ،‬الزنوج‪ ،‬إضافة إلى قبيلته الصلية 'الفولني' التي كانت أكثر‬
‫القبائل انضماما ً لدعوته وحركته‪ ،‬ثم حققت دعوة ]عثمان بن فودي[ نجاحا ً‬
‫كبيرا ً في نشر السلم بين القبائل الوثنية المنتشرة في شمال وجنوب‬
‫نيجيريا‪ ،‬ويوما بعد يوم ازدادت جماعته قوة ونجاحا ً واتساعا ً وأصبح الصدام‬
‫وشيك ومع قوى الشر والضلل ‪.‬‬
‫الصراع البدي‬
‫)‪(2 /‬‬
‫إن من سنن الله عز وجل الماضية في خلقه‪ ،‬هي سنة التدافع بين الحق‬
‫والباطل‪ ،‬فكلهما في صراع أبدي منذ بدء الخليقة إلى قيام الساعة‪ ،‬أتباع‬
‫الحق يصارعون أتباع الباطل‪ ،‬هذا يدفع هذا‪ ،‬وهذا يتصدى لهذا‪ ،‬كما قال‬
‫تعالى ]الذين أمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل‬
‫الطاغوت …‪ [.‬النساء ‪ ،76‬وعمل ً بهذه السنة الماضية‪ ،‬فلقد ضاق من ملوك‬
‫إقليم 'جوبير' وكانوا من الوثنيين من نشاط جماعة ]عثمان بن فودي[‪،‬‬
‫وكذلك ضاق أصحاب الطرق الصوفية المنتشرة في إفريقيا منها وخاصة بعد‬
‫انصراف الكثير من مريديها إلى الجماعة السلفية‪ ،‬واتفق الفريقان من غير‬
‫موعد على عداوة الحركة الجديدة‪ ،‬ولكن اختلفت المواجهة‪ ،‬ففي حين اتبعت‬
‫الطرق الصوفية طريقة التشنيع والكذب والتضليل‪ ،‬قرر أمراء 'جوبير'‬
‫الوثنيون إتباع أسلوب المواجهة المسلحة ‪.‬‬
‫أرسل هؤلء المراء يتهددون الجماعة السلفية‪ ،‬ويتوعدون زعيمها ]عثمان بن‬
‫فودي[ بأشد أنواع الوعيد والتهديد‪ ،‬فعندها اجتمع المجاهد العظيم مع رفاقه‪،‬‬
‫واستشارهم في كيفية مواجهة هذه التهديدات‪ ،‬فأشار الجميع وهو أولهم‬
‫بوجوب إعلن الجهاد على الكفار وأعداء الدين وذلك سنة ‪ 1804‬ميلدية ـ‬
‫‪ 1218‬هجرية ‪.‬‬
‫بمجرد أن أعلن ]عثمان بن فودي[ الجهاد على الوثنيين حتى أتاه المسلمون‬
‫من كل مكان في شمال نيجيريا يبغون نصرة إخوانهم ضد الكفار‪ ،‬فلقد كان‬
‫لعلن الجهاد مفعول السحر في نفوس المسلمين‪ ،‬إذ عادت لهم الحمية‬
‫والحماسة لدينهم‪ ،‬وفى نفس الوقت جاءت مساعدات كبيرة لمراء 'جوبير'‬
‫من باقي إمارات الهاوسا ] غرب نيجيريا[‪ ،‬واستعدت المنطقة بأسرها لفصل‬
‫جديد من فصول الصراع البدي بين السلم والكفر‪ ،‬انتهى بفضل الله عز‬
‫وجل لصالح الجماعة المؤمنة‪ ،‬وانتصرت الدعوة السلفية على الجماعات‬

‫‪75‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الوثنية وأصبح ]عثمان بن فودي[ أميرا ً على المنطقة الواقعة في شمال‬
‫غرب نيجيريا‪ ،‬وبايعه المسلمون هناك أميرا ً عليهم‪ ،‬وتلقب من يومها بالشيخ‬
‫إقتداًء وتأسيا ً بالشيخ ]محمد بن عبد الوهاب[‪ ،‬واتخذ من مدينة 'سوكوتو' في‬
‫أقصى الطرف الشمالي الغربي لنيجيريا مركزا لدعوته وذلك سنة ‪1809‬‬
‫ميلدية ـ ‪ 1223‬هجرية ‪.‬‬
‫بناء الدولة السلمية‬
‫لم يكن ]عثمان بن فودي[ من الرجال الذين يبحثون عن زعامة أو إمارة‪،‬‬
‫وبمجرد حصوله عليها يكف عن سعيه وجهاده ويجلس للتنعم بما حازه وناله‪،‬‬
‫بل كان يبغي نصرة السلم ونشره بين القبائل الوثنية‪ ،‬يبغي الدعوة لهذا‬
‫الدين في شتى أرجاء القارة السوداء ‪.‬‬
‫لذلك قرر ]عثمان بن فودي[ العمل على إعادة بناء الدولة السلمية من‬
‫جديد‪ ،‬وتوسيع رقعة السلم بالجهاد ضد القبائل الوثنية التي اجتمعت على‬
‫حرب السلم ودعوته الجديدة ‪.‬‬
‫قرر ]عثمان بن فودي[ إتباع إستراتيجية الجهاد على عدة محاور‪ ،‬وضم‬
‫الشعوب السلمية تحت رايته‪ ،‬فضم إليه عدة شعوب وقبائل مسلمة كانت‬
‫متناثرة ومختلفة فيما بينها‪ ،‬وبدأ بالتوسع في ناحيتي الغرب والجنوب الغربي‪،‬‬
‫حيث قبائل 'اليورومبا' الكبيرة‪ ،‬والتي هي أصل الشعوب الساكنة في النيجر‬
‫ونيجيريا‪ ،‬فدانت له هذه القبائل ودخلت في دعوته‪ ،‬وأخذت الدولة السلمية‬
‫في التساع شيئا ً فشيئًا‪ ،‬حتى أصبحت أقوى مملكة إسلمية في إفريقيا وقتها‬
‫‪.‬‬
‫عثمان بن فودي وسياسة بناء الكوادر‬
‫لقد كان ]عثمان بن فودي[ رجل دولة من الطراز الول‪ ،‬وداعية مجاهدا ً‬
‫مخلصا ً لدينه وأمته‪ ،‬ولقد أدرك أن بقاء الدعوة السلفية والدولة السلمية‬
‫التي بناها في غرب إفريقيا لن يصمد طوي ً‬
‫ل‪ ،‬إذا لم تتحرك هذه الدعوة‬
‫وتنتشر مبادئ السلفية بين الناس‪ ،‬وأيضا ً إذا لم تتسع وتتمدد دولته السلمية‬
‫التي بناها بجهاده سنين طويلة ‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫ومن أجل تحقيق هذا الهدف السامي اتبع ]عثمان بن فودي[ سياسة حكيمة‬
‫تقوم على بناء الكوادر التي تواصل حمل الراية ونشر الدعوة‪ ،‬وكان لعثمان‬
‫بن فودي عين فاحصة تستطيع انتقاء النجباء والبطال وحملة الدعوة‪ ،‬خاصة‬
‫وأن فتوحاته التي قام بها في غرب 'نيجيريا' قد حركت الحماسة والحمية‬
‫للسلم في قلوب الكثيرين‪ ،‬ومن هؤلء الكثيرين انتقى ]عثمان بن فودي[‬
‫ثلثة نفر كان لهم أعظم الثر والدور الكبير في خدمة السلم والمسلمين‪،‬‬
‫أولهم الشيخ ]أدم[ وهو شيخ من أهل العلم من أهل الكاميرون‪ ،‬قد حركت‬
‫فتوحات ]عثمان بن فودي[ حب الجهاد في قلبه‪ ،‬وبدأ يدعو الناس إليه وإلى‬
‫نشر السلم في القبائل الوثنية‪ ،‬فلما وصلت أخباره للمير ]عثمان بن فودي[‬
‫أرسل يستدعيه من الكاميرون سنة ‪ 1811‬ميلدية ـ ‪ 1226‬هجرية‪ ،‬فلما‬
‫حضر جلس معه وكلمه عن مبادىء الحركة وعقيدة السلف‪ ،‬وأقنعه بوجوب‬
‫الجهاد فى سبيل الله لنشر السلم فى قلب القارة الفريقية‪ ،‬فلما انشرح‬
‫صدر الشيخ ]أدم[ للفكرة‪ ،‬أعطاه ]عثمان[ رايته البيضاء وهى رايته فى‬
‫الجهاد‪ ،‬وكلفه بمواصلة الجهاد حتى ينشر السلم فيما يلى نهر البنوى جنوبا ً‬
‫وهو فرع كبير من فروع نهر النيجر العظيم‪ ،‬فقام الشيخ ]أدم[ بالمهمة على‬

‫‪76‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أكمل وجه‪ ،‬حتى أدخل بلد الكاميرون كلها فى السلم‪ ،‬وكافأه المير ]عثمان‬
‫بن فودى[ بأن جعله أميرا ً على الكاميرون‪ ،‬وظلت المارة فيهم حتى احتلل‬
‫النجليز للكاميرون سنة ‪ 1901‬ميلدية ـ ‪ 1319‬هجرية ‪.‬‬
‫&أما الرجل الثانى ‪ à-‬فكان أحد جنود ]عثمان بن فودى[ واسمه ]حمادو‬
‫بارى[ وقد اشترك فى معركة الجهاد الول ضد أمراء 'جوبير' الوثنيين‪،‬‬
‫وبتواصل الجهاد‪ ،‬بانت نجابته وظهرت شجاعته وإخلصه لنشر الدين‪ ،‬فكلفه‬
‫]عثمان[ بفتح بلد الماسنيا 'واقعة فى مالى الن' ونجح ]حمادو[ فى مهمته‬
‫خير نجاح‪ ،‬فكافأه ]عثمان[ بأن أعطاه لقب ]الشيخ[ وجعله أميرا ً على‬
‫منطقة الماسنيا‪ ،‬وأمره بمواصلة الجهاد لنشر السلم‪ ،‬ولقد أثبت المير‬
‫]حمادو الشيخ[ أنه من أنجب وأفضل تلميذ المام ]عثمان بن فودى[‪ ،‬فلقد‬
‫نظم دولته على نسق دولة الخلفة الراشدة‪ ،‬حيث قسمها إلى عدة وليات‪،‬‬
‫وأقام على كل ولية واليا ً وقاضيا ً ومجلسا ً للحكم‪ ،‬كهيئة استشارية للحكم‬
‫السلمى على الكتاب والسنة‪ ،‬وعمر البلد فازدهرت دولته بقوة ووصلت إلى‬
‫'بوركينافاسو' و'سيراليون' و'غينيا بيساو' ‪.‬‬
‫&أما الرجل الثالث ‪ <---‬فكان الحاج ]عمر[ وأصله من قبائل الفولنى‬
‫عشيرة ]عثمان بن فودى[‪ ،‬ولد سنة ‪ 1797‬هجرية‪ ،‬أى أنه كان فى أوائل‬
‫شبابه‪ ،‬والمام ]عثمان بن فودى[ فى أواخر حياته‪ ،‬ولكن هذا الشاب‪ ،‬قدر له‬
‫أن يجتمع مع المام‪ ،‬وذلك أن ]الحاج عمر[ كان محبا ً للدعوة والجهاد‪ ،‬فلما‬
‫اشتد عوده قرر الرحيل إلى بلد المام ]عثمان[ ليراه ويسمع منه وبالفعل‬
‫ذهب إليه ورأه المام ]عثمان[ فتفرس فيه النجابة والفطنة والشجاعة‪،‬‬
‫فنصحه بأن يذهب إلى ]حمادو الشيخ[ ويلتحق بخدمته‪ ،‬لعله أن يكون خليفته‬
‫]حمادو الشيخ[ بعد رحيله فى قيادة المملكة السلمية هناك‪ ،‬وبالفعل نجح‬
‫]الحاج عمر[ أن يلتحق بخدمة ]حمادو الشيخ[ ويخلفه بعد رحيله‪ ،‬وقاد‬
‫القبائل السلمية قيادة عظيمة وكان جيشه يقدر بأربعين ألف مقاتل‪ ،‬وحارب‬
‫الوثنيين والفرنسيين على حد السواء‪ ،‬وتولى أولده من بعده قيادة المسلمين‬
‫فى هذه المنطقة التى ابتليت بأشرس هجمة صليبية فى تاريخ البشرية ‪.‬‬
‫** وبالجملة نجح المام المجاهد ]عثمان بن فودى[‪ ،‬وأعظم أمراء إفريقيا‬
‫فى بناء قاعدة عريضة من المجاهدين والقادة والمراء الذين قادوا المة‬
‫المسلمة فى قلب إفريقيا‪ ،‬وأقاموا أعظم الممالك السلمية فى هذه البقعة‬
‫الغامضة عن ذهن أبناء المسلمين الن ‪.‬‬
‫ولقد توفى المام المجاهد المير ]عثمان بن فودى[ سنة ‪ 1818‬ميلدية ـ‬
‫‪ 1233‬هجرية‪ ،‬بعد أن أعاد للسلم مجده‪ ،‬وأدخل الدعوة السلفية المباركة‬
‫إلى القلب الفريقى‪ ،‬وابقى للسلم دولة قوية ظاهرة صامدة أمامهجمات‬
‫العداء‪ ،‬حتى بعد وقوعها فريسة للحتلل الصليبى‪ ،‬بقيت القلوب حية‪،‬‬
‫مجاهدة‪ ،‬تقاوم العدء‪ ،‬تحافظ على دينها وعزتها‪ ،‬فجزا الله عز وجل هذا‬
‫المام على ما قدمه للسلم فى إفريقيا‪ ،‬ورفع درجاته فى عليين مع‬
‫المهديين ‪.‬‬
‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫المراجع والمصادر ‪:‬‬
‫التاريخ السلمى ‪ /‬أطلس تاريخ السلم ‪ /‬تاريخ السودان الغربى 'عبد‬
‫الرحمن السعدى' ‪ /‬تاريخ انتشار السلم فى غرب إفريقيا 'عبد الرحمن‬
‫زكى' ‪ /‬تاريخ السلم فى غرب إفريقيا 'إبراهيم طرخان'‬
‫)‪(4 /‬‬

‫‪77‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المساك عما شجر بين الصحابة‬
‫محمد الوهيبي‬
‫قال ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ « :-‬إذا ذكر أصحابي فأمسكوا‪ ،‬وإذا ذكر النجوم‬
‫فأمسكوا‪ ،‬وإذا ذكر القدر فأمسكوا » ]‪.[1‬‬
‫وهكذا كان من منهج أهل السنة المساك عن ذكر هفوات الصحابة وتتبع‬
‫زلتهم وعدم الخوض فيما شجر بينهم‪.‬‬
‫قال أبو نعيم ‪ -‬رحمه الله ‪ :-‬فالمساك عن ذكر‪ ،‬أصحاب رسول الله ‪ -‬صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ -‬وذكر زللهم‪ ،‬ونشر محاسنهم ومناقبهم‪ ،‬وصرف أمورهم‬
‫إلى أجمل الوجوه‪ ،‬من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذين مدحهم‬
‫فْر ل ََنا‬
‫م يَ ُ‬
‫ن َرب َّنا اغْ ِ‬
‫جاُءوا ِ‬
‫الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬بقوله‪) :‬وال ّ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن َ‬
‫ن ب َعْدِهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن(‪.‬‬
‫سب َ ُ‬
‫ول ْ‬
‫وان َِنا ال َ ِ‬
‫ن َ‬
‫قوَنا ِبالي َ‬
‫ما ِ‬
‫ذي َ‬
‫خ َ‬
‫ً‬
‫ويقول أيضا في تعليقه على الحديث المشار إليه‪) :‬لم يأمرهم بالمساك عن‬
‫ذكر محاسنهم وفضائلهم‪ ،‬إنما أمروا بالمساك عن ذكر أفعالهم وما يفرط‬
‫منهم في ثورة الغضب وعارض الموجدة( ]‪.[2‬‬
‫إذا ً المساك المشار إليه في الحديث الشريف إمساك بخصوص يقصد به‬
‫)عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلفات على سبيل التوسع‬
‫وتتبع التفصيلت ونشر ذلك بين العامة‪ ،‬أو التعرض لهم بالتنقص لفئة‪،‬‬
‫والنتصار لخرى( ]‪.[3‬‬
‫وذلك مما لم نؤمر به‪ ،‬إنما أمرنا بالستغفار لهم ومحبتهم ونشر محاسنهم‬
‫وفضائلهم‪.‬‬
‫)لكن إذا ظهر مبتدع‪ ،‬يقدح فيهم بالباطل فل بد من الذب عنهم وذكر ما‬
‫يبطل حجته بعلم وعدل( ]‪.[4‬‬
‫وهذا مما نحتاجه في زماننا‪ ،‬حيث ابتليت المة المسلمة بجامعاتها ومدارسها‬
‫بمناهج ‪ -‬يزعم أصحابها الموضوعية والعلمية ‪ -‬يخوضون فيما شجر بين‬
‫الصحابة بالباطل دون التأدب بالداب التي علمنا إياها ‪ -‬عز وجل ‪ -‬ورسوله ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬كذلك ابتليت بالفرق الضالة التي نشرت ذلك في‬
‫بعض البلد‪ ،‬بل إن العدوى‪-‬وللسف‪ -‬وصلت بعض السلميين حتى إن بعضهم‬
‫يجمع الغث والسمين من الروايات حول الفتنة التي بين الصحابة ثم يبني‬
‫أحكامه دون السترشاد بأقوال الئمة العلم وتحقيقاتهم‪ ،‬من أجل ذلك أردت‬
‫أن أشير إلى بعض السس والتوجيهات التي ينبغي أن يعرفها الباحث إذا‬
‫اقتضت الحاجة أن يبحث وينظر إلى الروايات فيما شجر بينهم‪.‬‬
‫‪- 1‬إن الكلم عما شجر بين الصحابة ليس هو الصل‪ ،‬بل الصل العقدي عند‬
‫أهل السنة هو الكف والمساك عما شجر بين الصحابة‪ ،‬وهذا مبسوط في‬
‫عامة كتب أهل السنة في العقيدة كالسنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل‪،‬‬
‫والسنة لبن أبي عاصم‪ ،‬وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني‪ ،‬والبانة لبن‬
‫بطة‪ ،‬والطحاوية وغيرها‪.‬‬
‫ويتأكد هذا المساك عند من يخشى عليه اللتباس والتشويش والفتنة وذلك‬
‫بتعارض ذلك بما في ذهنه عن الصحابة وفضلهم ومنزلتهم وعدالتهم وعدم‬
‫إدراك مثله )لصغر سنه أو حداثة عهده بالدين‪..‬‬
‫لحقيقة ما حصل بين الصحابة واختلف اجتهادهم في ذلك فيقع في الفتنة‬
‫)بانتقاصه الصحابة( من حيث ل يعلم‪..‬‬
‫وذلك مبني على قاعدة تربوية تعليمية مقررة عند السلف وهي أل يعرض‬
‫على الناس من مسائل العلم إل ما تبلغه عقولهم‪ ،‬قال المام البخاري ‪-‬‬
‫رحمه الله ‪ :-‬باب من خص بالعلم قوما ً دون قوم كراهية أل يفهموا‪ ،‬وقال‬
‫‪78‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫علي ‪ -‬رضي الله عنه ‪ :-‬حدثوا الناس بما يعرفون‪ ،‬أتحبون أن يكذب الله‬
‫ورسوله؟‪.‬‬
‫ً‬
‫قال الحافظ في الفتح تعليقا على ذلك‪ :‬وفيه دليل على أن المتشابه ل ينبني‬
‫أن يذكر عند العامة ومثله قول ابن مسعود‪) :‬ما أنت محدثا ً قوما ً حديثا ً ل‬
‫تبلغه عقولهم إل كان لبعضهم فتنة( رواه مسلم‪.‬‬
‫وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الحاديث التي ظاهرها‬
‫الخروج على السلطان‪ ،‬ومالك في أحاديث الصفات‪ ،‬وأبو يوسف في‬
‫الغرائب‪..‬‬
‫إلى أن قال‪) :‬وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في‬
‫الصل غير مراد‪ ،‬فالمساك عنه عند من يخشى عليه الخذ بظاهره مطلوب‪،‬‬
‫والله أعلم( ]‪.[5‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫‪ - 2‬وإذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم فل بد من التحقق والتثبت في‬
‫َ‬
‫ن‬
‫الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة‪ ،‬قال ‪ -‬عز وجل ‪َ) :-‬يا أي َّها ال َ ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫سقٌ ب ِن َب َأ ٍ فَت َب َي ُّنوا أن ت ُ ِ‬
‫م َفا ِ‬
‫صب ِ ُ‬
‫وما ً ب ِ َ‬
‫مُنوا إن َ‬
‫حوا عََلى َ‬
‫جاءك ُ ْ‬
‫آ َ‬
‫جَهال َةٍ فَت ُ ْ‬
‫صيُبوا قَ ْ‬
‫ْ‬
‫ن( هذه الية تأمر المؤمنين بالتثبت في الخبار المنقولة إليهم عن‬
‫م َنادِ ِ‬
‫فَعَلت ُ ْ‬
‫مي َ‬
‫طريق الفساق لكي ل يحكموا بموجبها على الناس فيندموا‪ ،‬فوجوب التثبت‬
‫والتحقق فيما ينقل عن الصحابة وهم سادة المؤمنين أولى وأحرى‪ ،‬خصوصا ً‬
‫ونحن نعلم أن مثل هذه الروايات دخلها الكذب والتحريف‪ ،‬إما من جهة أصل‬
‫الرواية‪ ،‬أو تحريف بالزيادة والنقص يخرج الرواية مخرج الذم والطعن‪ ،‬وأكثر‬
‫المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب‪ ،‬يرويها الكذابون‬
‫المعروفون بالكذب مثل أبي مخنف لوط بن يحيى‪ ،‬ومثل هشام بن محمد بن‬
‫السائب الكلبي‪ ،‬وأمثالهما ]‪ ،[6‬من أجل ذلك ل يجوز أن يدفع النقل المتواتر‬
‫في محاسن الصحابة وفضائلهم بنقول بعضها منقطع وبعضها محرف وبعضها‬
‫ل يقدح فيما علم‪ ،‬فإن اليقين ل يزول بالشك‪ ،‬ونحن قد تيقنا ما ثبت في‬
‫فضلهم‪ ،‬فل يقدح في هذا أمور مشكوك فيها فكيف إذا علم بطلنها ]‪.[7‬‬
‫‪- 3‬أما إذا صحت الرواية في ميزان الجرح والتعديل وكان ظاهرها القدح‬
‫فيلتمس لهم أحسن المخارج والمعاذير‪ ،‬قال ابن أبي زيد‪ ..) :‬والمساك عما‬
‫شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم‬
‫أحسن المذاهب(]‪.[8‬‬
‫وقال ابن دقيق العيد‪) :‬وما نقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفوا فيه‪ ،‬فمنه ما‬
‫هو باطل وكذب‪ ،‬فل يلتفت إليه‪ ،‬وما كان صحيحا ً أولناه تأويل ً حسنا ً لن الثناء‬
‫عليهم من الله سابق‪ ،‬وما ذكر من الكلم اللحق محتمل للتأويل‪ ،‬والمشكوك‬
‫والموهوم ل يبطل المحقق والمعلوم( ]‪ ،[9‬هذا بالنسبة لعموم ما روي في‬
‫قدحهم‪.‬‬
‫‪ - 4‬أما ما روي على الخصوص فيما شجر بينهم‪ ،‬وثبت في ميزان النقد‬
‫العلمي فهم فيه مجتهدون‪ ،‬وذلك أن القضايا كانت مشتبهة‪ ،‬فلشدة اشتباهها‬
‫اختلف اجتهادهم وصاروا ثلثة أقسام‪ :‬أ‪ -‬قسم ظهر لهم بالجتهاد أن الحق‬
‫في هذا الطرف وأن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته‪ ،‬وقتال الباغي عليه‬
‫فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك‪ ،‬ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة‬
‫إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده‪.‬‬
‫ب ‪-‬وقسم عكس هؤلء ظهر لهم بالجتهاد أن الحق مع الطرف الخر‪ ،‬فوجب‬

‫‪79‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضايا وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح‬
‫أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين‪ ،‬وكان هذا العتزال هو الواجب في حقهم‬
‫لنه ل يحل القدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك ]‪.[10‬‬
‫إذا ً هذا القتال هم متأولون فيه‪ ،‬لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب نفسها‬
‫بسببها وذلك ل يخرجهم من العدالة بل هم في حكم المجتهدين في مسائل‬
‫الفقه فل يلزم نقص أحد منهم إنما هو بين أجر وأجرين‪.‬‬
‫ومن المهم أن نعلم أن القتال الذي حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم لم‬
‫يكن على المامة‪ ،‬فإن أهل الجمل وصفين لم يقاتلوا على نصب إمام غير‬
‫علي ول كان معاوية يقول إنه المام دون علي ول قال ذلك طلحة والزبير‪...‬‬
‫وإنما كان القتال فتنة عند كثير من العلماء‪ -‬بسبب اجتهادهم في كيفية‬
‫القصاص من قاتلي عثمان ‪ -‬رضي الله عنهم ‪ ،-‬وهو من باب قتال أهل العدل‬
‫والبغي وهو القتال بتأويل سائغ لطاعة غير المام ل على قاعدة دينية ‪ -‬أي‬
‫ليس بسبب خلل في أصول الدين ‪.[11] -‬‬
‫ً‬
‫ويقول عمر بن شبه‪) :‬إن أحد ًالم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في‬
‫الخلفة ول دعوا لحد ليولوه الخلفة‪ ،‬وإنما أنكروا على علي منعه من قتال‬
‫قتلة عثمان وترك القتصاص منهم( ]‪.[12‬‬
‫ومما يؤكد ذلك هذه الرواية التي ذكرها ابن كثير‪) :‬جاء أبو مسلم الخولني‬
‫وأناس إلى معاوية‪ ،‬وقالوا‪ :‬أنت تنازع عليا ً أم أنت مثله؟ فقال‪ :‬ل والله‪ ،‬إني‬
‫لعلم أنه أفضل مني وأحق بالمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل‬
‫ي قتلة‬
‫مظلومًا‪ ،‬وأنا ابن عمته‪ ،‬والطالب بدمه‪ ،‬فائتوه فقولوا له‪ ،‬فليدفع إل ّ‬
‫عثمان‪ ،‬وأسلم له‪ ،‬فائتوا عليًا‪ ،‬فكلموه‪.‬‬
‫فلم يدفعهم إليه ]‪ ([13‬وفي رواية‪) :‬فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال‬
‫مع معاوية( ]‪.[14‬‬
‫وأيضا ً جمهور الصحابة‪ ،‬وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة‪ ،‬قال عبد الله ابن‬
‫المام أحمد‪ :‬حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا أيوب السختياني عن‬
‫محمد بن سيرين قال‪ :‬هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬عشرة آلف فما حضرها منهم مائة‪ ،‬بل لم يبلغوا ثلثين‪.‬‬
‫قال ابن تيمية‪) :‬وهذا السناد أصح إسناد على وجه الرض‪ ،‬ومحمد بن سيرين‬
‫من أورع الناس في منطقه‪ ،‬ومراسيله من أصح المراسيل( ]‪.[15‬‬
‫فأين الباحثون المنصفون ليدرسوا مثل هذه النصوص الصحيحة؟ وتكون‬
‫منطلقا ً لهم‪ ،‬ل أن يلطخوا أذهانهم بتشويشات الخباريين ثم يؤولون النصوص‬
‫الصحيحة حسب ما عندهم من البضاعة المزجاة‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫‪ -5‬ومما ينبغي أن يعلمه المسلم حول الفتن التي وقعت بين الصحابة ‪ -‬مع‬
‫اجتهادهم فيها وتأولهم ‪ -‬حزنهم الشديد وندمهم لما جرى‪ ،‬بل لم يخطر ببالهم‬
‫أن المر سيصل إلى ما وصل إليه‪ ،‬وتأثر بعضهم التأثر البالغ حين يبلغه مقتل‬
‫أخيه‪ ،‬بل إن البعض أيضا ً لم يتصور أن المر سيصل إلى القتال‪ ،‬وإليك بعضا ً‬
‫من هذه النصوص المؤثرة‪ :‬أ‪-‬فهذه أم المؤمنين عائشة تقول ‪-‬كما يروي عنها‬
‫الزهري ‪) :-‬إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني‪ ،‬ولم أحسب أن يكون بين‬
‫الناس قتال‪ ،‬ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبدا ً ]‪ ،[16‬وكانت إذا‬
‫ن( تبكي حتى يبتل خمارها( ]‪.[17‬‬
‫قرأت‪) :‬وقَْر َ‬
‫ن ِفي ب ُُيوت ِك ُ ّ‬
‫‪80‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ب ‪-‬أما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيقول الشعبي‪) :‬لما قتل طلحة‬
‫ورآه علي مقتو ً‬
‫ل‪ ،‬جعل يمسح التراب عن وجهه ويقول‪ :‬عزيز علي أبا محمد‬
‫أن أراك مجدل ً تحت نجوم السماء‪ ،‬ثم قال‪ :‬إلى الله أشكو عجري وبجري‬
‫)همومي وأحزاني( وبكى عليه هو وأصحابه‪ ،‬وقال‪ :‬يا ليتني مت قبل هذا‬
‫اليوم بعشرين سنة( ]‪ ،[18‬ويقول ‪ -‬رضي الله عنه ‪) :-‬يا حسن يا حسن‪ ،‬ما‬
‫ظن أبوك أن المر يبلغ إلى هذا‪ ،‬ود أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة( ]‬
‫‪.[19‬‬
‫وكان يقول ليالي صفين‪) :‬لله در مقام عبد الله بن عمر وسعد بن مالك‬
‫دا إن أجره لعظيم‪ ،‬وإن كان إثما ً إن‬
‫)وهم ممن اعتزل الفتنة( إن كان ب ً‬
‫خطره ليسير( ]‪.[20‬‬
‫ً‬
‫فهذا قول أمير المؤمنين رغم قول أهل السنة إن عليا ومن معه أقرب إلى‬
‫الحق ]‪.[21‬‬
‫ج ‪-‬ويقول الزبير بن العوام ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬وهو ممن شارك في القتال‬
‫بجانب أم المؤمنين عائشة ‪ -‬رضي الله عنها ‪) :-‬إن هذه لهي الفتنة التي كنا‬
‫صر ول‬
‫نحدث عنها‪ ،‬فقال موله‪ :‬أتسميها فتنة وتقاتل فيها؟ قال‪ :‬ويحك! إنا نب ّ‬
‫صر‪ ،‬ما كان أمر قط إل علمت موضع قدمي فيه‪ ،‬غير هذا المر‪ ،‬فإني ل‬
‫نب ِ‬
‫أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر؟ ( ]‪.[22‬‬
‫وهذا معاوية ‪ -‬رضي الله عنه ‪ ،-‬لما جاءه نعي علي بن أبي طالب‪ ،‬جلس وهو‬
‫يقول‪ :‬إنا لله وإنا إليه راجعون‪ ،‬وجعل يبكي‪ ،‬فقالت امرأته‪ ،‬أنت بالمس‬
‫تقاتله‪ ،‬واليوم تبكيه؟ فقال‪ :‬ويحك‪ ،‬إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه‬
‫وفضله وسوابقه وخيره‪ ،‬وفي رواية )ويحك إنك ل تدرين ما فقد الناس من‬
‫الفضل والفقه والعلم( ]‪.[23‬‬
‫وبعد كل هذه النقولت كيف يلمون بأمور كانت مشتبهة عليهم؟ فاجتهدوا‬
‫فأصاب بعضهم‪ ،‬وأخطأ الخرون وجميعهم بين أجر وأجرين‪ ،‬ثم بعد ذلك‬
‫ندموا على ما حصل وجرى‪ ،‬وتابوا من ذلك‪ ،‬وما حصل بينهم من جنس‬
‫المصائب التي يكفر الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬بها ذنوبهم‪ ،‬ويرفع بها درجاتهم ومنازلهم‬
‫قال ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ « :-‬ل يزال البلء بالمؤمن حتى يسير في‬
‫الرض ليس عليه خطيئة » ]‪ ،[24‬وعلى أقل الحوال لو كان ما حصل من‬
‫بعضهم في ذلك ذنبا ً محققًا‪ ،‬فإن الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬يكفره بأسباب كثيرة من‬
‫أعظمها الحسنات الماحية‪-‬من سوابقهم ومناقبهم وجهادهم ‪ ،-‬والمصائب‬
‫المكفرة‪ ،‬والستغفار‪ ،‬والتوبة التي بها يبدل الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬السيئات‬
‫حسنات‪ ،‬ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم‪.‬‬
‫‪ - 6‬وأخيرا ً نقول إن أهل السنة والجماعة ل يعتقدون أن كل واحد من‬
‫الصحابة معصوم عن كبائر الثم وصغائره‪ ،‬بل تجوز عليهم الذنوب في‬
‫الجملة‪ ،‬ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن‬
‫صدر‪ ،‬ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب‪ ،‬فيكون إما قد تاب منه‪ ،‬أو أتى‬
‫بحسنات تمحوه‪ ،‬أو غفر له بسابقته‪ ،‬أو بشفاعة محمد ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬الذي هم أحق الناس بشفاعته‪ ،‬أو ابتلي ببلء في الدنيا كفر به عنه‪،‬‬
‫فإذا كان هذا في الذنوب المحققة‪ ،‬فكيف المور التي هم فيها مجتهدون إن‬
‫أصابوا فلهم أجران‪ ،‬وإن أخطئوا فلهم أجر واحد‪ ،‬والخطأ مغفور‪.‬‬
‫ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر‪ ،‬مغفور في جنب فضائل‬
‫القوم‪ ،‬ومحاسنهم من إيمان وجهاد وهجرة ونصرة وعلم نافع وعمل صالح ]‬
‫‪.[25‬‬
‫يقول الذهبي ‪ -‬رحمه الله ‪...) :-‬فالقوم لهم سوابق‪ ،‬وأعمال مكفرة لما وقع‬
‫‪81‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حاء وعبادة ممحصة‪ ،‬ولسنا ممن يغلو في أحد منهم‪ ،‬ول ندعي‬
‫بينهم وجهاد م ّ‬
‫فيهم العصمة( ]‪.[26‬‬
‫إذا ً اعتقادنا بعدالة الصحابة ل يستلزم العصمة‪ ،‬فالعدالة استقامة السيرة‬
‫والدين‪ ،‬ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملزمة‬
‫التقوى والمروءة جميعًا‪ ،‬حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه‪) ..‬ثم ل خلف في‬
‫أنه ل يشترط العصمة من جميع المعاصي‪.[27] ( ...‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ومع ذلك يجب الكف عن ذكر معايبهم ومساويهم مطلقا ‪ -‬كما مر سابقا ‪،-‬‬
‫وإن دعت الضرورة إلى ذكر زلة أو خطأ لصحابي‪ ،‬فل بد أن يقترن بذلك ذكر‬
‫منزلة هذا الصحابي وتوبته وجهاده وسابقته‪..‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫‪ ،‬إن وجد شيء من ذلك‪ ،‬فمثل ً من الظلم أن نذكر زلة حاطب بن أبي بلتعة ‪-‬‬
‫رضي الله عنه ‪ ،-‬دون أن نذكر توبته وسابقته وأنه من أهل بدر‪ ،‬ومن الظلم‬
‫أيضا ً أن نذكر ماعزا ً وزلته ول نذكر توبته التي لو تابها صاحب مكس لقبل‬
‫منه‪ [28] ،‬وهكذا فالمرء ل يعاب بزلة يسيرة حصلت منه في فترة من‬
‫فترات حياته‪ ،‬وتاب منها‪ ،‬فالعبرة بكمال النهاية ل بنقص البداية إن كانت له‬
‫حسنات ومناقب‪ ،‬ولو لم يزكه أحد‪ ،‬فكيف إذا كثرت فيه التزكيات‪ ،‬وكيف إذا‬
‫زكاه خالقه‪ ،‬الخبير بما في نفسه؟‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫)‪ (1‬أخرجه الطبراني في الكبير ‪.2/78/2‬‬
‫)‪ (2‬المامة‪.347/‬‬
‫)‪ (3‬منهج كتابة التاريخ‪ ،‬محمد بن صامل السلمي‪ ،‬ص ‪.228 ،227‬‬
‫)‪ (4‬منهاج السنة ‪.192 / 3‬‬
‫)‪ (5‬فتح الباري ‪.225 / 1‬‬
‫)‪ (6‬انظر منهاج السنة ‪.19 ،17 / 3‬‬
‫)‪ (7‬المصدر السابق ‪ 209 / 3‬بتصرف‪.‬‬
‫)‪ (8‬مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني‪ ،‬ص ‪.8‬‬
‫)‪ (9‬أصحاب رسول الله ومذاهب الناس فيهم ‪ 360 /‬عبد العزيز العجلن‪.‬‬
‫)‪ (10‬مسلم بشرح النووي ‪.49 / 15‬‬
‫)‪ (11‬فتح الباري ‪.56 /13‬‬
‫)‪ (12‬سير أعلم النبلء‪ ،‬الذهبي ‪ 140 / 3‬بسند رجاله‪.‬‬
‫)‪ (13‬البداية والنهاية ‪.129 / 8‬‬
‫)‪ (14‬منهاج السنة ‪ ،186 / 3‬وراجع في نفس الموضوع نصوص أخرى تدل‬
‫على قلة من حضر الفتنة من الصحابة‪.‬‬
‫)‪ (15‬مغازي الزهري‪.154 ،‬‬
‫)‪ (16‬سير أعلم النبلء ‪.177/ 2‬‬
‫)‪ (17‬أسد الغابة‪ ،‬ابن الثير ‪.89 ،88 / 3‬‬
‫)‪ (18‬منهاج السنة ‪) 209 / 6‬محقق(‪.‬‬
‫)‪ (19‬المصدر نفسه ‪) 209 / 6‬محقق(‪.‬‬
‫)‪ (20‬فتح الباري ‪.67 / 12‬‬
‫)‪ (21‬تاريخ الطبري ‪.476/ 4‬‬
‫)‪ (22‬تاريخ الطبري ‪.4/476‬‬
‫)‪ (23‬البداية والنهاية ‪.130 ،8/14‬‬

‫‪82‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪ (24‬الترمذي‪ ،‬رقم ‪ ،2401‬قال‪ :‬حسن صحيح‪.‬‬
‫)‪ (25‬انظر الواسطية بشرح هراس ‪.167 - 164 /‬‬
‫)‪ (26‬سير أعلم النبلء‪.93 / 10 :‬‬
‫)‪ (27‬منهج المحدثين للعظمي ‪.29 - 23 /‬‬
‫)‪ (28‬المامة لبي نعيم ‪ ،341 ،340 /‬منهاج السنة ‪ ،2/207‬محقق‪.‬‬
‫‪ http://www.albayan-magazine.com‬المصدر‪:‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫النترنت بين الخير والشر‬
‫الحمد لله وحده ‪ ،‬والصلة والسلم على من ل نبي بعده ‪ ،‬وبعد ‪:‬‬
‫ج ّ‬
‫ل‬
‫فلقد فتن الشباب اليوم بالنترنت ‪ ،‬وولعوا به ولعا ً شديدا ً ‪ ،‬فأصبح ُ‬
‫حديثهم عنه وعن ارتياد مواقعه ‪ ،‬والبحار في جنباته ‪ ،‬والجلوس في صحبته‬
‫ل ‪ ،‬وهذا يدعونا للتأمل في محاسنه‬
‫ل أو مل ٍ‬
‫الساعات الطوال دون كل ٍ‬
‫ومفاسده حتى نكون على بصيرة من أمرنا ‪.‬‬
‫أول ًً ‪ :‬أضرار النترنت‬
‫‪ -1‬إضاعة الوقات ‪.‬‬
‫‪ -2‬التعرف على صحبة السوء ‪.‬‬
‫‪ -3‬زعزعة العقائد والتشكيك فيها ‪.‬‬
‫‪ -4‬نشر الكفر واللحاد‪.‬‬
‫‪ -5‬الوقوع في شراك التنصير ‪.‬‬
‫‪ -6‬تدمير الخلق ونشر الرذائل ‪.‬‬
‫‪ -7‬التقليد العمى للنصارى والفتتان ببلدهم ‪.‬‬
‫‪ -8‬إهمال الصلة وضعف الهتمام بها ‪.‬‬
‫‪ -9‬التعرف على أساليب الرهاب والتخريب ‪.‬‬
‫‪ -10‬الغرق في أوحال الدعارة والفساد ‪.‬‬
‫‪ -11‬إشاعة الخمول والكسل ‪.‬‬
‫‪ -12‬الصابة بالمراض النفسية ‪.‬‬
‫‪ -13‬إضاعة مستوى التعليم ‪.‬‬
‫‪ -14‬التجسس على السرار الشخصية ‪.‬‬
‫‪ -15‬انهيار الحياة الزوجية ‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬فوائد النترنت‬
‫من النصاف أن نبين ولو بذكر بعض الصور ما قام به أهل الهمم العالية من‬
‫استغلل للنترنت في أمور نافعة ‪ ،‬بل جعلوا هذه الشبكة خادمة للسلم ‪،‬‬
‫وداحضة للباطل وأهله ‪ ،‬وهذه جملة من فوائد النترنت التي هي في الحقيقة‬
‫كثيرة ل تحصى ‪:‬‬
‫‪ -1‬الدعوة إلى السلم وبيان محاسنه ‪.‬‬
‫‪ -2‬الرد على الشبهات التي تثار حول السلم ودحضها ‪.‬‬
‫‪ -3‬محاربة البدع والتصدي لدعاتها ‪.‬‬
‫‪ -4‬نشر العلم النافع والخلق الحسنة ‪.‬‬
‫‪ -5‬معرفة العلوم الكونية والخذ بأسباب التقدم والرقي ‪.‬‬
‫‪ -6‬الستفادة منه في البحاث العلمية ‪.‬‬
‫‪ -7‬التعرف على أحدث التقارير والدراسات والحصاءات في مختلف‬
‫المجالت ‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ -8‬سهولة التصال بالعلماء لخذ الفتوى عنهم والستنارة بآرائهم ‪.‬‬
‫‪ -9‬العلن عن محاضرات العلماء ومتابعتها عبر النترنت ‪.‬‬
‫‪ -10‬التعرف على أحوال المسلمين في العالم ومتابعة أخبارهم ‪.‬‬
‫أخي الحبيب‬
‫أيليق بك أن تستخدم نعم الله في معصيته ومحاربته ؟‬
‫أيليق بك أن تكتفي من هذه التقنية بكل ماهو سيئ ‪ ،‬بينما غيرك من غير‬
‫المسلمين يستغل تلك الشبكة في كل ما يوصلهم إلى مراكز الصداقة‬
‫والريادة لهذا العالم ؟‬
‫أل فاتق الله – أخي الحبيب –وأسأل نفسك ‪:‬‬
‫ماذا ‪ :‬أعددت لقدومك على ربك ؟‬
‫ماهو ‪ :‬زادك الذي تزودته في سفرك إلى الله والدار الخرة ؟‬
‫أيقدم ‪ :‬الناس على ربهم بالحسنات والعمال الصالحة ‪ ،‬وتقدم أنت بالغاني‬
‫والفلم ومطالعة الصور العارية عبر هذه الشبكة ؟‬
‫هل ‪ :‬هذا هو نصيبك من الدنيا ؟ هل هذه هي بضاعتك للخرة ؟‬
‫أين ‪ :‬أنت من قول الله تعالى ‪ ) :‬يا أيها الذين أمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ً‬
‫وقودها الناس والحجارة ‪ ( ...‬؟‬
‫أسأل الله لي ولكم الثبات على دينه ‪ ،‬والتوفيق والعانة على سلوك سبيله ‪،‬‬
‫وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ‪.‬‬
‫تنفيذ الخ ‪ /‬غازي ‪-‬أبو الزبير ] ل تنسونا من صالح دعائكم [‬
‫جمعت من كرت ‪ /‬النترنت بين الخير والشر إعداد ‪ /‬عبد العزيز بن محمد‬
‫ُ‬
‫الطريف‬
‫)‪(1 /‬‬
‫النسان ‪ ..‬معجزة خلقه كما ورد في القرآن‬
‫بقلم ‪ :‬أ‪ .‬د‪ .‬ع‪ .‬م‪ .‬غنيمة‬
‫قا للمعرفة‬
‫قا شي ّ ً‬
‫إذا أراد المسلم أن يجعل من مبدأ الحياة وقصة الخلق طري ً‬
‫الفكرية أوسع وأعمق مما صوره العلم‪ ،‬فأمامنا طريق الفلسفة وتأملتهم‪.‬‬
‫وإذا أراد المسلم أن يجعل منه موضعَ إيمان ومشاعر إنسانية وروحية‪،‬‬
‫فأمامه الدين السلمي‪ ،‬وهنا وعند هذه المرحلة‪ ،‬حيث يبدو تعدد الطرق‪ ،‬نجد‬
‫أن العلم والفلسفة والدين يتفقون على أن مبدأ الحياة ونظرية الخلق من‬
‫مظاهر اللوهية‪ ،‬وأن اللوهية هي الصل‪ ،‬وهي الغاية من كل هذا الكون؛‬
‫فكل شيء فيه إنما يصبو إليها‪ ،‬ونحن ل نستطيع عن طريق المعرفة‬
‫ة الوجود‪ ،‬وخالقه ومصوره‪،‬‬
‫ب أو عل ُ‬
‫الفلسفية أن نقول ‪ :‬إن الله تعالى هو سب ُ‬
‫ضا‪ :‬إنه هو الذي يشهد على الشياء كّلها‪،‬‬
‫وواضع أسسه ونظمه‪ ،‬وإنما نقول أي ً‬
‫وليست الشياء هي الدليل عليه ‪.‬‬
‫إن القرآن الكريم لم يأت لي ُعَّلمنا أسراَر الوجود والخلق؛ ولكنه أشار إليها‬
‫جلها ليظهر العجاز اللهي للنسان في كل عصر‪ ،‬ومع كل تقدم للعلم‬
‫وس ّ‬
‫والمعرفة البشرية‪ ،‬على أن ربط القرآن الكريم بالنظريات العلمية‪ ،‬شيء‬
‫ليجب أن يحدث أو يقال‪ ،‬فالقرآن لتربط صحته باتفاقه مع نظرية علمية أًيا‬
‫كانت؛ ولكن العلم هو الذي يستمد صحته وبيانه إذا اتفق مع آيات القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬فكل علم مخالف لحقائق القرآن هو علم خاطيء وزائف‪ ،‬لن قائل‬
‫القرآن هو الله سبحانه وتعالى ‪ ،‬وخالق الكون هو الله سبحانه وتعالى‪ ،‬ول‬
‫يمكن لمخلوق عالم أو متفلسف أن يصل في أسرار الكون إلى علم الخالق‪،‬‬

‫‪84‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تلك حقيقة مهمة وبديهية‪ ،‬لولئك الذين يربطون معجزة الخلق بنظريات من‬
‫فكر البشر‪ ،‬والحياة والموت‪ ،‬هما مما اختص به الله سبحانه وتعالى نفسه‪.‬‬
‫حتى أنه إذا أعطى رسول ً من رسله هذه المعجزة ‪ ،‬كما أعطاها عيسى ‪-‬‬
‫ن‬
‫عليه السلم ‪ -‬فإنه يقول‪ :‬فإذن الله ‪ ..‬فعيسى يقول ‪" :‬وَا ُ ْ‬
‫حِيي ال ْ َ‬
‫وتاى ب ِإ ِذ ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫ف ُ‬
‫ن ط َي ًْرا‬
‫ن ك َهَي ْئ َةِ الط ّي ْرِ فَأ َن ْ ُ‬
‫ه" ويقول‪" :‬أ َّني أ َ ْ‬
‫م ِ‬
‫الل ِ‬
‫خ فِي ْهِ فَي َك ُوْ ُ‬
‫خل ُقُ ل َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ن الطي ْ ِ‬
‫ه"‪ ،‬وفي نفس الية من آل عمران رقم )‪ ،(49‬يقول جل شأنه‬
‫ن الل ِ‬
‫ب ِإ ِذ ْ ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م"‪،‬‬
‫ما ت َد ّ ِ‬
‫خُروْ َ‬
‫ما ت َأك ُلوْ َ‬
‫ي ب ُي ُوْت ِك ُ ْ‬
‫ن وَ َ‬
‫م بِ َ‬
‫ص" ‪" ،‬وَأن َب ّئ ُك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫"وَأب ْرِئُ ال َك ْ َ‬
‫ه َوالب َْر َ‬
‫ن فِ ْ‬
‫وهنا يجب أن نلحظ أن معجزة الحياة والموت لم ترد إل ومعها كلمة بإذن‬
‫الله‪ ،‬بينما وردت المعجزات الخرى كإبراء الكمه والبرص وغير ذلك‪،‬‬
‫كمعجزات لتأييد عيسى من الله سبحانه وتعالى‪ ،‬دليل ً على صدق رسالته‬
‫وتبليغه عن الله؛ ولكن معجزة الخلق هي لله وحده ‪.‬‬
‫والله سبحانه وتعالى حين أوجد الحياة أبلغنا بطريقة الخلق ومعجزته فقال‬
‫جعَ َ‬
‫ل‬
‫في سورة السجدة آيات ‪? :,9,8,7‬وَب َد َأ َ َ‬
‫ن ِ‬
‫م َ‬
‫خل ْقَ ال ِن ْ َ‬
‫ن * ثُ ّ‬
‫م ْ‬
‫سا ِ‬
‫ن ط ِي ْ ٍ‬
‫جعَ َ‬
‫ف َ‬
‫م‬
‫واه ُ وَن َ َ‬
‫ن ّروْ ِ‬
‫خ فِي ْهِ ِ‬
‫سل َل َةٍ ِ‬
‫سَله ِ‬
‫حه وَ َ‬
‫م َ‬
‫ن ُ‬
‫نَ ْ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫ن * ثُ ّ‬
‫مآٍء ّ‬
‫ن ّ‬
‫م ْ‬
‫س ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫مهِي ْ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ن?‪ ،‬وقال في سورة الحجر آية ‪، 28‬‬
‫شكُروْ َ‬
‫ال ّ‬
‫صاَر َوالفئ ِد َة َ قل ِي ْل ّ‬
‫س ْ‬
‫معَ َوالب ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن*‬
‫ي َ‬
‫ل ِ‬
‫خال ِقٌ ب َشًرا ِ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫مإ ٍ ّ‬
‫ح َ‬
‫‪? :29‬وَإ ِذ قال َرب ّك ل ِل َ‬
‫صل َ‬
‫ن َ‬
‫سن ُوْ ٍ‬
‫م ْ‬
‫صا ٍ‬
‫م ْ‬
‫ملئ ِكةِ إ ِن ّ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن?‪ ،‬وقال عن مريم في‬
‫ي‬
‫د‬
‫ج‬
‫سا‬
‫له‬
‫وا‬
‫ع‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ف‬
‫حي‬
‫و‬
‫ر‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ه وَن َ َ‬
‫ف ْ‬
‫ت فِي ْ ِ ِ ْ ّ ْ ِ‬
‫فَإ َِذا َ‬
‫خ ُ‬
‫سوّي ْت ُ ُ‬
‫َ ِ ِْ َ‬
‫ُ ْ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫جَها فَن َ َ‬
‫ف ْ‬
‫جعَل َْنا َ‬
‫ن ّروْ ِ‬
‫خَنا فِي َْها ِ‬
‫حَنا وَ َ‬
‫ت فَْر َ‬
‫يأ ْ‬
‫صن َ ْ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫سورة النبياء‪ :‬آية ‪َ? :91‬وال ّت ِ ْ‬
‫ن‬
‫ة ِ‬
‫م اب ْن َ َ‬
‫َواب ْن ََها آي َ ً‬
‫ة ل ّل َْعال َ ِ‬
‫مَرا َ‬
‫ع ْ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن?‪ ،‬وقال في سورة التحريم آية ‪? :12‬وَ َ‬
‫مي ْ َ‬
‫َ‬
‫ت َرب َّها وَك ُت ُِبه وَ َ‬
‫ت‬
‫جَها فَن َ َ‬
‫ف ْ‬
‫ن ّروْ ِ‬
‫ما ِ‬
‫خَنا فِي ْهِ ِ‬
‫ت فَْر َ‬
‫ال ِّتي أ ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫ت ب ِك َل ِ َ‬
‫صد ّقَ ْ‬
‫صن َ ْ‬
‫حَنا وَ َ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ت من كل شيء زوجين اثنين‪ ،‬أي أن كل‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ِ‬
‫ن?‪ .‬وقال إنني خلق ُ‬
‫قان ِت ِي ْ َ‬
‫م َ‬
‫مخلوقات هذه الدنيا بدأت بخلق الله سبحانه وتعالى ذكًرا وأنثى ثم بدأ‬
‫التكاثر بعد ذلك‪ ،‬وهذه هي بداية الخلق‪ ،‬وحقائق الكون كما ذكرها الله في‬
‫القرآن الكريم هي حقائق أزلية ليمكن أن تتصادم‪.‬‬
‫نأتي الن إلى خلق آدم ‪ ،‬أخبرنا الله سبحانه وتعالى ‪ ..‬أنه خلقَ النسان من‬
‫ل‬
‫طين يقول تعالى في سورة الرحمن آية ‪َ ? :14‬‬
‫ن ِ‬
‫سا َ‬
‫خل َقَ ال ِن ْ َ‬
‫صل ْ َ‬
‫ن َ‬
‫صا ٍ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫خاِر?‪ ،‬أي من عناصر الرض والتربة التي نعيش عليها والبحث العلمي‬
‫كال ْ َ‬
‫ف ّ‬
‫المعملي أثبت أن الرض تتكون من ‪ 20‬عنصًرا كلها موجودة في جسد‬
‫النسان هي "الكربون" و"اليدروجين" و"الكسجين" و"النتروجين"‬
‫و"الفسفور" و"الكبريت" و"الصوديوم" و"البوتاسيوم" و"الكالسيوم"‬
‫و"الماغنسيوم" و"الحديد" و"النحاس" و"الكلور" وتكون هذه العناصر ‪-60‬‬
‫‪ ?80‬من رماد الجسم‪ .‬أما "الكوبالت" و"المنجنيز" و"الزنك" و"اليود"‬
‫دا في‬
‫و"الخارصين" و"اللومنيوم" و"البورون" فهي توجد بكميات صغيرة ج ً‬
‫جسم النسان‪ ،‬ثم نفخ الله سبحانه وتعالى فيه من روحه‪ ،‬والروح من أمر‬
‫الله‪ ،‬لم يصل إليها العلم ولن يصل‪ ،‬فتم خلقُ آدم وخلق حواء من آدم ‪.‬‬
‫بداية خلق النسان من النطفة وحدها‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ما منذ القدم أن الم ل دخل لها في خلق أبنائها؛ ولكن "ماء"‬
‫لقد كان مفهو ً‬
‫دا‪ ،‬مثله في‬
‫الرجل ما أن يصل إلى رحم المرأة حتى ينمو ليكون جنيًنا ثم ولي ً‬
‫ذلك مثل "البذرة" حيث تصادف التربة الطيبة فإنها تنمو وتزدهر‪ ،‬ولم‬
‫تكتشف طبيعة الحيوان المنوي كذات مستقلة في السائل المنوي "ماء‬
‫الرجل" )ماء الخليقة( إل في القرن السابع عشر‪ ،‬في عهد "ليفنهوك"‬

‫‪85‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ Leeuwen hoak‬وبالتحديد عام ‪1677‬م اعتبر الحيوان المنوي حينئذ كائًنا حًيا‬
‫له ذاته وصفاته المستقلة‪ ،‬التي بها يمكنه أن ينمو فيكون الجنين في رحم‬
‫النثى‪ ،‬وبعد الولدة يصبح فرًدا إنساًنا وقد تصور العلماء آنذاك أن الحيوان‬
‫دا يجلس القرفصاء ‪.‬‬
‫المنوي ماهو إل إنسان صغير الحجم ج ً‬
‫وكان "ليفنهوك" قد توصل إلى صنع عدسة دقيقة سمكها أقل من ‪1/10‬‬
‫بوصة متقنة الصقل بحيث كانت تريه الشياء في ضخامة واضحة‪ ،‬أخذ في‬
‫توجيه عدساته إلى كل شيء يستطيع الحصول عليه‪ ،‬ففحص رأس ذبابة‬
‫وألصق مخها بالبرة الدقيقة‪ ،‬وكم أثارت إعجابه التفاصيل الواضحة عندما‬
‫كان يفحص البذور الصغيرة والبراغيث والقمل لكي يرى التفاصيل التي تعجز‬
‫ن عن رؤيتها‪ ،‬وفحص بعدسته قطرة صغيرة من ماء المطر فرأى كائنات‬
‫العي ُ‬
‫دقيقة تسبح في هذا الماء ‪ ..‬وكانت الكائنات الدقيقة الجديدة عجيبة وصغيرة‬
‫وأعدادها كبيرة ومتعددة الطرز‪ ،‬تتحرك وتتمايل وتنقلب ذات الشمال وذات‬
‫اليمين‪ ،‬فكتب إلى عظماء العلماء في لندن ووصف لهم ما اعتراه من‬
‫دهشة‪ ،‬وأخبرهم عن رؤية مئات من الكائنات الدقيقة‪ ..‬فهزت كتاباته العلماء‬
‫وسرت بينهم الدهشة ولسيما رؤيته لول مرة أوعية الدم الشعرية التي‬
‫ينتقل الدم خللها من الشرايين للوردة في ذيل السمكة‪ ،‬واكتشف الحيوانات‬
‫المنوية للنسان وأماط اللثام عن تلك الكائنات الحية غير المرئية والتي‬
‫يعيش بعضها على التهام البعض الخر‪ ،‬وكان يقول حياة تعيش على حياة‪،‬‬
‫ولذا يعتبر "ليفنهوك" في تاريخ العلم أول من اكتشف "الميكروبات" وترك‬
‫لمن بعده من العلماء أمثال باستير "‪ "Pasteur‬بداية تصنيف تلك‬
‫"الميكروبات" ‪.‬‬
‫وقد استعان "باستير" بعدسات "ليفنهوك" لكشف "الميكروبات" التي تعيش‬
‫على اللبن وعلى الخمر‪ ،‬وتوصل إلى أنه إذا سخن اللبن أو الخمر – ولو‬
‫تسخيًنا هيًنا – قبيل درجة الغليان‪ ،‬فإن هذا التسخين يقتل "الميكروبات"‬
‫الدخيلة ‪ ..‬وهذه الحيلة اليسيرة هي المعروفة باسم البسترة في صناعة‬
‫اللبان‪ ..‬وعلى مقتضاها تعالج منذ ذلك اليوم فتتعقم وتنجو من التلف‬
‫والتخثر‪ ،‬ومن أعظم ما خطر على فكر "باستير" أن "المكيروب" على ضآلته‬
‫قد يدخل جسم الرجل أو جسم الثور أو الفيل وينهى حياته‪ ،‬ولم يكن يجد في‬
‫هذا الخاطر استحالة أو غرابة ‪.‬‬
‫والن نعاود الكتابة عما جاء بأم الكتاب‪ ،‬حين نزل القرآن الكريم على‬
‫الرسول المين صلى الله عليه وسلم منذ قرابة أربعة عشر قرًنا من الزمان‪،‬‬
‫لم يكن أمر الحيوان المنوي‪ .‬ووظيفته وطبيعته – معروًفا كما أن موقفه من‬
‫ما ‪.‬‬
‫تخليق النسان وغيره من الحيوانات لم يكن مفهو ً‬
‫وفي كتب الشريعة والتفسير حتى نهاية القرن السابع عشر الميلدي‪ ،‬يعبر‬
‫ضا‬
‫عن السائل المنوي بعبارة "ماء الرجل"‪ ،‬والقرآن الكريم يعبر عنه أي ً‬
‫جعَ َ‬
‫ن‬
‫سَله ِ‬
‫م َ‬
‫ل نَ ْ‬
‫"بالماء المهين"‪ ،‬وأحياًنا "بالماء" فقط‪ ،‬يقول سبحانه‪" :‬ث ُ ّ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن" المرسلت‪:‬‬
‫خل ُ ْ‬
‫م نَ ْ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫مآٍء ّ‬
‫ن ّ‬
‫قك ُ ْ‬
‫ن" السجدة‪ :‬آية ‪" 8‬أل َ ْ‬
‫مآٍء ّ‬
‫ن ّ‬
‫سل َل َةٍ ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫مهِي ْ ٍ‬
‫مهِي ْ ٍ‬
‫ن ال َْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫مآِء ب َ َ‬
‫ك‬
‫م‬
‫ق‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ي‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ه‬
‫و‬
‫"‬
‫‪:‬‬
‫‪20‬‬
‫آية‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سًبا وَ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫صهًْرا َوكا َ َ‬
‫شًرا فَ َ‬
‫جعََله ن َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫قَدِي ًْرا" الفرقان‪ :‬آية ‪. 54‬‬
‫لكن علماء البيولوجيا المعاصرين‪ ،‬يعرفون عن يقين‪ ،‬أن النسان وأغلب‬
‫الحيوانات تبدأ حياتها بخلية واحدة‪ ،‬ومن هذه الخليا أو اللبنات الدقيقة الحية‪،‬‬
‫تبني أجسام النبات والحيوان والنسان والخلية الولى لتكوين النسان‪ ،‬هي‬
‫حصيلة اندماج حيوان منوي )نطفة( من الذكر مع بيضة من النثى‪ ،‬والخلية‬
‫الناتجة تعرف علمًيا بالبيضة المخصبة أو الزيجوت ‪ Zygote‬وليمكن للحيوان‬
‫‪86‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المنوي )النطفة( وحده أن ينتج كائًنا حًيا دون مشاركة من البيضة‪ ،‬أي أن‬
‫الرجل ليمكن أن يكون له ولد )أى ابن( دون مشاركة من أنثى‪ ،‬ومن هنا‬
‫يرجع أمر خلق النسان بداية من النطفة للسباب التية ‪:‬‬
‫‪ -1‬أن بيضة النثى ل يمكنها أن تنقسم وبالتالي ل يمكنها أن تكون جنيًنا في‬
‫رحم الم إل بعد أن يخصبها الحيوان المنوي‪ ،‬ومالم يأتها الحيوان المنوي‬
‫فإنها تبقى بحيويتها على حالتها لفترة زمنية في انتظار إخصابها بحيوان منوي‬
‫يصلها في الوقت المناسب‪ ،‬فإن أخفقت في أن يصل إليها الحيوان المنوي‪،‬‬
‫فإنها ل تلبث أن تفقد حيويتها فتتلشى وتمتص ويضيع أثرها ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫‪ -2‬النطفة هي السبب الصيل في تكوين الجنين‪ ،‬وهي التي تبعث النشاط‬
‫النقسامي في البيضة بعد تخصيبها‪ ،‬ول يمكن للنطفة أن تكون الجنين إل‬
‫بمشاركة البيضة‪ ،‬والتفسير السابق ينطبق على النسان عامة‪ ،‬فلم يحدث أن‬
‫استطاعت امرأة بمفردها‪ ،‬أي دون الذكر‪ ،‬أن تنجب‪ ،‬وولدة سيدنا عيسى ‪-‬‬
‫عليه السلم ‪ -‬من السيدة مريم‪ ،‬هي معجزة إلهية‪ ،‬والمعجزات أمور خارقة‬
‫لنواميس الكون وليقاس عليها‪.‬‬
‫وصحيح أن هناك حيوانات أخرى من غير البشر‪ ،‬يمكن لبيضة النثى وحدها‪،‬‬
‫ودون احتياج لحيوان منوي‪ ،‬أن تنقسم وأن تنتج الذراري وهذا شائع طبيعًيا‬
‫في أنواع من الحشرات مثل حشرة المن‪ ،‬كما أن ملكة النحل يمكنها أن تنتج‬
‫الشغالت في طائفة النحل عن طريق وضع بيض ل تخصبه بحيوانات منوية‪،‬‬
‫وانقسام البيضة على هذا النحو وتكوين الجنة فيها دونما حاجة إلى الحيوان‬
‫المنوي هي ظاهرة ت ُعَْرف علمًيا باسم "التولد البكري أو العذري" ول وجود‬
‫لمثل هذا التكاثر في النسان ‪.‬‬
‫‪ -3‬إضافة إلى ما سبق‪ ،‬نجد أن الحيوان المنوي هو الشق الوحيد من شقي‬
‫التناسل‪ ،‬الشق الخر هو البيضة‪ ،‬ويترتب على هذا التنوع تكوين الذكر‬
‫والنثى‪ ،‬بمعنى أن مني الذكر يكون الحيوان المنوي فيه على صورتين‬
‫مختلفتين‪ ،‬إحداهما إذا قدر لها أن تخصب البيضة تنتج عن ذلك جنيًنا ذكًرا‪،‬‬
‫والخرى إذا قدر لها ذلك نتج عنها جنين أنثى‪ ،‬ولو لم يتنوع الحيوان المنوي‬
‫على الصورتين السابقتين لنتج عن الخصاب جنس واحد فقط‪ ،‬وهل يمكن‬
‫للحياة أن تستمر بجنس واحد فقط دون الجنس الخر؟‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن*‬
‫ي‬
‫ك‬
‫م‬
‫ر‬
‫را‬
‫ق‬
‫ي‬
‫ف‬
‫ة‬
‫َ‬
‫ف‬
‫ط‬
‫خل َ ْ‬
‫?وَل َ َ‬
‫قد ْ َ‬
‫جعَل َْناه ُ ن ُ‬
‫سل َل َةٍ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن * ث ُم ِ َ‬
‫سا َ‬
‫ن ُ‬
‫قَنا ال ِن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ً ِ ْ َ ٍ ّ ِْ ٍ‬
‫ن ط ِي ْ ٍ‬
‫ع َ‬
‫سوَْنا‬
‫خل َ ْ‬
‫قَنا العَل َ َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ة عَل َ َ‬
‫قَنا الن ّط ْ َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ة فَ َ‬
‫ة فَ َ‬
‫ث ُم ِ َ‬
‫ة ِ‬
‫ضغَ َ‬
‫ضغَ ً‬
‫ق َ‬
‫ق ً‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ما فَك َ َ‬
‫ظا ً‬
‫قَنا ال ْ ُ‬
‫ة ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ال ْعِ َ‬
‫خَر فَت َب َا َْر َ‬
‫م أن ْ َ‬
‫ن? المؤمنون‪:‬‬
‫خل ْ ً‬
‫ن ال ْ َ‬
‫قا آ َ‬
‫شأَناهُ َ‬
‫خال ِ ِ‬
‫هأ ْ‬
‫م لَ ْ‬
‫ظا َ‬
‫ح َ‬
‫ك الل ُ‬
‫ما ث ُ ّ‬
‫ح ً‬
‫قي ْ َ‬
‫س ُ‬
‫اليات من ‪.14-12‬‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫منى? النجم‪:‬‬
‫ن ن ّط َ‬
‫يقول تعالى‪? :‬وَأ َّنه َ‬
‫ن الذ ّك ََر َوالْنثى * ِ‬
‫خلقَ الّزوْ َ‬
‫فةٍ إ َِذا ت ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫جي ْ ِ‬
‫آية ‪.46,45‬‬
‫ويتضح مما سبق وبجلء ودون ارتياب‪ ،‬أن إنجاب الناث والذكور مًعا‬
‫مسؤولية الذكر )الزوج( دون النثى )الزوجة(‪ ،‬وعليه فليس من الكياسة في‬
‫ج زوجَته مسؤولية إنجاب‬
‫شيء ول من العدالة في قليل ول كثير أن يحمل زو ٌ‬
‫البنات‪ ،‬كما يشيع في بعض أوساط الجهل والبسطاء من الناس‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬

‫‪87‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫النسان الحكيم‬
‫عبد الكريم بكار ‪23/2/1427‬‬
‫‪23/03/2006‬‬
‫قالوا كثيًرا في الحكمة‪ ،‬واختلفوا في شأنها اختلًفا واسًعا؛ وذلك بسبب‬
‫اتصال الحكمة بعدد من العلوم والقوى الخلقية والعقلية‪ .‬وحين يقف النسان‬
‫الموقف الذي عليه أن يقفه‪ ،‬فإنه يكون قد أنجز إنجاًزا ليس بالقليل‪ .‬في‬
‫بعض الحيان يكون هناك نوع من الغموض واللتباس أو نوع من التقاطع بين‬
‫المعطيات المعرفية‪ ،‬أو نوع من ضعف الدراك للمنافع والمضار‪ ،‬وحينئذ فإن‬
‫قّلة قليلة من الناس هي التي تتمكن من فهم المحيط واتخاذ القرار الصحيح‪.‬‬
‫قبل أن أتحدث عن بعض سلوكات الرجل الحكيم ومواقفه أود أن أوضح‬
‫مكونات الحكمة‪ ،‬وما يحتاجه الموقف الحكيم‪ .‬لعل أصح تعريف للحكمة هو‬
‫ذلك التعريف الذي يقول‪ :‬إن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه‪ .‬وحتى‬
‫نضع الشيء في موضعه‪ ،‬فإننا نحتاج إلى أمرين أساسيين‪:‬‬
‫الول‪ :‬هو معرفة ما يجب علينا قوله أو فعله‪ ،‬وما يجب علينا تركه أو رفضه‬
‫أو تجاهله‪ ...‬وهذا يعني أننا نحتاج إلى معرفة جيدة وخبرة ممتازة بما نحن‬
‫مقدمون على التعامل معه‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬هو الرادة والعزيمة التي نحتاجها كي نقاوم رغباتنا وشهواتنا‪ ،‬وما لدينا‬
‫من طموحات غير مشروعة وأمور غير لئقة‪ ،‬وكي نتجاوز ما لدينا من قصور‬
‫ذاتي‪ .‬وقد نحتاج حتى نكون حكماء فعل ً إلى شيء ثالث هو الرضا والقناعة‬
‫بما قسمه الله –تعالى‪ ،-‬والنظر إلى كل ما لم نستطع الوصول إليه بعد بذل‬
‫الجهد على أنه شيء ليس لنا‪ ،‬وبالتالي فإننا ل نتحسر عليه‪ ،‬ول نحسد من‬
‫ظفر به‪ ،‬ونشعر أن ما جرى لنا شيء طبيعي وجيد‪.‬‬
‫ما أقل مما هو‬
‫ما أن ما لدينا من معرفة‪ ،‬يظل دائ ً‬
‫من المهم أن نتذكر دائ ً‬
‫مطلوب‪ ،‬أي أن مواقفنا ستظل تفتقد في بعض الحيان إلى المعرفة‪ ،‬التي ل‬
‫نعرف كيف سنحصل عليها‪ .‬ومن وجه آخر فإن سيطرتنا على رغباتنا‬
‫ومشتهياتنا‪ ،‬تظل هي الخرى غير كاملة‪ ،‬أي أننا نرى الصواب في موقف ما‪،‬‬
‫لكننا ل نفعل ما نراه بسبب عدم امتلكنا للطاقة الروحية المطلوبة لذلك‪.‬‬
‫ما هو حكيم في كل المواقف وكل‬
‫والخلصة لكل هذا‪ ،‬هي‪ :‬أنك ل تجد حكي ً‬
‫التصرفات‪ ،‬فالنقص ملزم لبني البشر مهما كان شأن الواحد منهم‪.‬‬
‫مواقف وسلوكات حكيمة‪:‬‬
‫‪ -1‬المسلم الحكيم هو المسلم التقي الملتزم الذي يتحّرج أشد التحّرج من‬
‫التقصير في واجب أو الوقوع في محّرم‪ .‬إنه يعرف واجبه تجاه خالقه –جل‬
‫وعل‪ ،-‬ويملك الرادة والعزيمة على المتثال لذلك الواجب‪ .‬إن المسلم الذي‬
‫ما مهما كانت‬
‫يعيش أزمة مفارقة بين معتقده وسلوكه ل يمكن اعتباره حكي ً‬
‫براعته المعرفية‪ ،‬ومهما كانت مقدرته الدارية ومهارته في القيادة‬
‫والتصال‪ ...‬لنه بعدم التزامه خسر أكبر ميدان يمكن للحكمة أن تتجسد فيه‪.‬‬
‫كلما ازداد المسلم شفافية‪ ،‬وكانت معاييره في التعامل مع الشياء والحداث‪.‬‬
‫ما إذا لم يعرف الحدود الفاصلة بين ما يعلمه‪ ،‬وبين‬
‫‪ -2‬ل يكون النسان حكي ً‬
‫دا لتجلي الحكمة في حياتنا‪ .‬إننا من‬
‫ما يجهله‪ .‬إن هذه المعرفة ضرورية ج ً‬
‫خلل تلك المعرفة نستطيع التوقف عن الكلم والجدال والعلن بأننا ل نعرف‬
‫دا؛ لنه صار عبارة عن مراء‪،‬‬
‫أكثر مما قلنا‪ ،‬أو العلن بأن الكلم لم يعد مفي ً‬
‫ُيظهر أمراض النفوس أكثر مما ُيظهر إشراقات العقول‪.‬‬
‫‪ -3‬من علمات حكمة المرء معرفته بقدر نفسه‪ ،‬فل يرفعها فوق ما هي عليه‬
‫حقيقة‪ ،‬ول ينزل بها عن ذلك‪ .‬حين يرفع المرء نفسه فوق قدرها فإنه يقع في‬
‫‪88‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ف بها‪،‬‬
‫الكبر والغرور والوهم‪ ،‬وتأتيه الصدمات من كل مكان‪ ،‬وحين يستخ ّ‬
‫وينظر إليها نظرة احتقار فإنه يذّلها‪ ،‬ويحرمها الكثير من الخير‪ .‬ل يكفي كي‬
‫ما أن يعرف ما هو ناجز في حياته وفي شخصيته‪ ،‬وإنما عليه‬
‫يكون المرء حكي ً‬
‫ضا الطاقات الكامنة لديه‪ ،‬أي الصورة العقلية والثقافية‬
‫أن يعرف أي ً‬
‫والجتماعية والمهنية التي يمكن أن يكون عليها إذا بذل جهده في الهتمام‬
‫ي على الجديد‪،‬‬
‫بنفسه‪ .‬وتلك المعرفة‪ ،‬ل تكون كافية إذا لم يصاحبها تفّتح عقل ّ‬
‫حا –وهو صحيح إن‬
‫وعمل متواصل على الرتقاء‪ .‬وإذا كان هذا المعيار صحي ً‬
‫شاء الله‪ -‬فإن معظم الناس ليسوا حكماء؛ لنهم راضون بأوضاعهم‪ ،‬وكثيًرا‬
‫ما يكونون خائفين من التغيير‪ ،‬متهّيبين لتكاليف الصلح‪.‬‬
‫‪ -4‬من الحكمة أن نتعرف على اتجاهات الناس‪ ،‬وأن نأخذ بعين العتبار‬
‫ظروفهم وأشكال معاناتهم‪ .‬إن أعقل الناس أعذرهم للناس –كما كان يقول‬
‫عمر بن الخطاب رضي الله عنه‪ -‬وإن المعرفة الكاملة صفح كامل‪ .‬إن من‬
‫المهم أن ندرك أن كثيًرا من عباد الله يعانون من مشكلت لم يصنعوها‬
‫بأيديهم‪ ،‬ويعيشون في بيئات وفي ظروف لم يختاروها لنفسهم؛ ومن ثم فإن‬
‫إعذارهم والشفاق عليهم ومؤازرتهم إن كل ذلك يدل على حساسية أخلقية‬
‫عالية‪ ،‬ويدل على رؤية واسعة وحكيمة‪.‬‬
‫شيء من الحكمة هو فيض يجود به الله –تباركت أسماؤه‪ -‬على عباده‪،‬‬
‫وشيء آخر نصل إليه عن طريق المعرفة المدققة والمجاهدة الحسنة‬
‫لنفوسنا‪ ،‬وبداية كل خير كثيًرا ما تكون في العتراف بالقصور والتقصير‬
‫والسعي في مدارج الكمال على قدر المستطاع‬
‫)‪(1 /‬‬
‫النسان بين التسيير والتخيير‬
‫الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك‬
‫الحمد لله‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫الملئكة والشياطين والنس والجن‪ ،‬وجميع ما في هذا الوجود‪ ،‬كله خلق الله‪،‬‬
‫وكله واقع بتقدير الله وقضائه ومشيئته وبقدرته‪ ،‬فالشياطين وأعمالهم‪،‬‬
‫والكفرة وأعمالهم‪ ،‬ل خروج لحد منهم عن مشيئته ‪ -‬سبحانه ‪ ،-‬فما شاء الله‬
‫كان‪ ،‬وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬والله ‪ -‬تعالى ‪-‬خَلق الخير والشر‪ ،‬وخلق هذه‬
‫الضداد لحكم بالغة‪ ،‬منها ما يظهر للعباد‪ ،‬ومنها ما يخفى عليهم‪ ،‬وهو الكثر‪،‬‬
‫حكم البالغة في شرعه وقدره‪ ،‬وقد‬
‫فإن عقول العباد ل تحيط بما لله من ال ِ‬
‫جعل الله الملئكة والشياطين ضدين‪ ،‬فالملئكة عباد مكرمون مطيعون‬
‫عابدون لربهم‪ ،‬يحبون ما يحبه الله‪ ،‬ويبغضون ما يبغضه‪ ،‬ويدعون إلى‬
‫مراضيه‪ ،‬يحبون المؤمنين ويستغفرون لهم‪ ،‬والشياطين أشرار يحبون ما‬
‫يبغضه الله‪ ،‬ويدعون إلى معاصيه والكفر به‪ ،‬ويحبون الكافرين ويؤذون‬
‫المؤمنين‪ ،‬ولهذا فكل إنسان قد ابتلي بقرين من الجن يوسوس له ويزين له‬
‫القبيح‪ ،‬وبقرين من الملئكة يزين له الخير ويدعوه إليه‪ ،‬ولهذا ُيروى في‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ة ال ّ‬
‫ن ِلل ّ‬
‫م ُ‬
‫م ً‬
‫م ً‬
‫ن فَِإيَعاد ٌ‬
‫مل َ ِ‬
‫الحديث‪) :‬إ ِ ّ‬
‫ن آد َ َ‬
‫ما ل َ ّ‬
‫ة فَأ ّ‬
‫ك لَ ّ‬
‫م وَل ِل ْ َ‬
‫ن لَ ّ‬
‫طا ِ‬
‫طا ِ‬
‫ة ِباب ْ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِبال ّ‬
‫ك فَِإيَعاد ٌ ِبال َ‬
‫م ُ‬
‫ص ِ‬
‫شّر وَت َك ْ ِ‬
‫جد َ‬
‫ن وَ َ‬
‫ديقٌ ِبال َ‬
‫مل ِ‬
‫ب ِبال َ‬
‫ذي ٌ‬
‫حق ّ ف َ َ‬
‫ة ال َ‬
‫ما ل ّ‬
‫حقّ وَأ ّ‬
‫خي ْرِ وَت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ذ َل ِ َ‬
‫ن‬
‫جد َ ال ْ‬
‫خَرى فَلي َت َعَوّذ ْ ِباللهِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن وَ َ‬
‫ن اللهِ فَلي َ ْ‬
‫ه وَ َ‬
‫مد ْ الل َ‬
‫ح َ‬
‫م أن ّ ُ‬
‫ك فَلي َعْل ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ح َ‬
‫م قََرأ((‪ :‬ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫شاِء((‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ف ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ف ْ‬
‫طا ُ‬
‫مُرك ُ ْ‬
‫قَر وَي َأ ُ‬
‫ن ي َعِد ُك ُ ُ‬
‫جيم ِ ث ُ ّ‬
‫ن الّر ِ‬
‫طا ِ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪ .(268‬أخرجه الترمذي )‪ (2988‬من حديث ابن مسعود‬
‫رضي الله عنه‪ -‬وُروي موقوفا عليه‪.‬‬
‫‪89‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وأما هل النسان مخير أم مسير؟ فهذا اللفظ لم يرد في الكتاب ول في‬
‫السنة‪ ،‬بل الذي دل ّ عليه أن النسان له مشيئة ويتصرف بها‪ ،‬وله قدرة على‬
‫ن َ‬
‫شاَء‬
‫أفعاله‪ ،‬ولكن مشيئته محكومة بمشيئة الله كما قال ‪ -‬تعالى ‪)) :-‬ل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫من ك ُ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ن(( )التكوير‪،28 :‬‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫ه َر ّ‬
‫ن إ ِّل أ ْ‬
‫شاُءو َ‬
‫مأ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫شاَء الل ّ ُ‬
‫قيم‪ ،‬وَ َ‬
‫ِ ْ ْ‬
‫مي َ‬
‫‪.(29‬‬
‫فليست مشيئته مستقلة عن مشيئة الله‪ ،‬ولفظ‪ :‬مخير ومسير‪ .‬ل يصح‬
‫إطلقهما‪ ،‬فل يقال‪ :‬النسان مسير‪ .‬ول يقال‪ :‬إنه مخير‪ .‬بل لبد من التفصيل‪،‬‬
‫فإن أريد أنه مسير بمعنى أنه مجبور ول مشيئة له‪ ،‬ول اختيار‪ ،‬فهذا باطل‪،‬‬
‫وإن أريد أنه مسير بمعنى أنه ميسر لما خلق له‪ ،‬وأنه يفعل ما يفعل بمشيئة‬
‫الله وتقديره‪ ،‬فهذا حق‪ ،‬وكذلك إذا قيل إنه مخير وأريد أنه يتصرف بمحض‬
‫مشيئته دون مشيئة الله‪ ،‬فهذا باطل‪ ،‬وإن أريد أنه مخير بمعنى أن له مشيئة‬
‫واختياًرا وليس بمجبر‪ ،‬فهذا حق‪ ،‬وأوسع كتاب تضمن الكلم عن القدر‬
‫ومراتبه وعن أفعال العباد كتاب )القضاء والقدر والحكمة والتعليل( للمام‬
‫ابن القيم‪ -‬رحمه الله ‪ .-‬والله أعلم‪.‬‬
‫‪ 1/12/1425‬هـ‬
‫‪ http://www.islamlight.net‬المصدر‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫النسان بين العبودية والطغيان ‪...‬‬
‫الشيخ‪ /‬سعود بن إبراهيم الشريم ‪...‬‬
‫‪...‬‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا‬
‫ما بعد‪:‬‬
‫محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‪ ،‬أ ّ‬
‫ن‬
‫فاتقوا الله أيها المسلمون‪ ،‬وراقبوه في السر والنجوى والخلوة والجلوة‪ ،‬فإ ّ‬
‫َْ‬
‫فى عَل َي ْهِ َ‬
‫ذي‬
‫خ َ‬
‫ه ل يَ ْ‬
‫ماِء ?ٌ‪ ?5‬هُوَ ال ّ ِ‬
‫الله ?إ ِ ّ‬
‫ض َول ِفي ال ّ‬
‫س َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ش ْ‬
‫يٌء ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ف يَ َ‬
‫م? ]آل عمران‪-5:‬‬
‫حام ِ كي ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫زيُز ال َ‬
‫م ِفي الْر َ‬
‫كي ُ‬
‫شاُء ل إ ِل َ‬
‫صوُّرك ُ ْ‬
‫يُ َ‬
‫ه إ ِل هُوَ العَ ِ‬
‫‪ [6‬أما بعد‪:‬‬
‫علوّيه‬
‫ن الباريَ سبحانه وتعالى بحكمته وعلمه خلق هذا الكون ُ‬
‫فياعباد الله‪ ،‬إ ّ‬
‫س والجن‪،‬‬
‫وسفلّيه ظاهره وباطنه‪ ،‬وأودعه من الموجودات الملئكة والن َ‬
‫ن والنبات والجمادات‪ ،‬وغيرها من الموجودات التي ل يعلمها إل هو‪.‬‬
‫والحيوا َ‬
‫ك ّ‬
‫ل ذلك لجل أمرٍ واحد ل ثاني له‪ ،‬ولجل حقيقةٍ كبرى ل حقيقة وراَءها‪ ،‬إنه‬
‫لجل أن تكون العبودية له وحده دون سواه‪ ،‬ولجل أن تعترف هذه‬
‫قق ألوهيَته‪ ،‬وُتقّر بفقرها واحتياجها وخضوعها له جل‬
‫الموجودات بربوبيته وتح ّ‬
‫م فإن تحقيق العبودية ل يمكن أن يبلغ مكاَنه الصحيح إل بتحقيق‬
‫شأنه‪ .‬ومن ث ّ‬
‫الطاعة والستقامة ولزوم الصراط المستقيم‪ ،‬ليكون الدين لله والحكم لله‬
‫والدعوة إلى الله‪ .‬ك ّ‬
‫ل ذلك يقوم به من جعلهم الله مستخَلفين في الرض‬
‫ملين فيها‪ ،‬ومثل هذا ل يتم لبني النسان من بين سائر المخلوقات إل‬
‫مستع َ‬
‫من خلل قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح على حد ّ سواء‪ .‬كما أنه‬
‫ل يمكن إتمام العبودية على أكمل وجه إل بتكميل مقام غاية الذل والنقياد‬
‫مع غاية المحبة لله سبحانه وتعالى‪ .‬فأكم ُ‬
‫ل الخلق عبودية لله هو أكملهم له‬
‫ة‪.‬‬
‫ذل ً وانقياًدا وطاع ً‬
‫ن‬
‫وجماع العبودية ‪-‬عباد الله‪ -‬أنها هي الدين‪ ،‬فالدين عند الله السلم‪? ،‬وَ َ‬
‫م ْ‬
‫قب َ َ‬
‫ن? ]آل‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ه وَهُوَ ِفي اْل ِ‬
‫خا ِ‬
‫خَرةِ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ي َب ْت َِغ غَي َْر اْل ِ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ري ٌَ‬
‫م َ‬
‫سلم ِ ِدينا ً فَل َ ْ‬
‫س ِ‬
‫‪90‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ة إيجاده لهم على هذه‬
‫عمران‪ ،[85:‬وهذا هو سّر خلق الله للخلق‪ ،‬وغاي ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ح ِ‬
‫ن? ]الذريات‪? ،[56:‬أف َ‬
‫دو ِ ٌ‬
‫س إ ِّل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫سب ْت ُ ْ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫ق ُ‬
‫البسيطة‪ ? ،‬وَ َ‬
‫ن َواْل ِن ْ َ‬
‫ج ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫ب‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫س ُ‬
‫ن? ]المؤمنون‪? ،[115:‬أي َ ْ‬
‫جُعو َ‬
‫م إ ِلي َْنا ل ت ُْر َ‬
‫ح َ‬
‫م عََبثا وَأن ّك ْ‬
‫قَناك ُ ْ‬
‫أن ّ َ‬
‫اْلنسا َ‬
‫ن ي ُت َْر َ‬
‫سد ًٌ‬
‫ى? ]القيامة‪.[36:‬‬
‫نأ ْ‬
‫ِْ َ ُ‬
‫ك ُ‬
‫أيها المسلمون‪ ،‬يقول الله تعالى‪? :‬أ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫وا‬
‫ما‬
‫س‬
‫ال‬
‫ت‬
‫كو‬
‫ل‬
‫م‬
‫في‬
‫روا‬
‫ظ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫م‬
‫ل‬
‫و‬
‫ّ َ َ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ ْ َْ ُ‬
‫َْ‬
‫ن َ‬
‫يٌٍء? ]العراف‪ ،[185:‬ويقول عائًبا فئة من‬
‫ما َ‬
‫ه ِ‬
‫خل َقَ الل ّ ُ‬
‫ض وَ َ‬
‫ش ْ‬
‫م ْ‬
‫َوالْر ِ‬
‫ة ساهية لم تأخذ العبرة والعظة مما تشاهده ليل ً ونهاًرا في أنحاء‬
‫البشر غافل ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ماَوا ِ‬
‫ن ِ‬
‫مّرو َ‬
‫ن آي َةٍ ِفي ال ّ‬
‫ن عَلي َْها وَهُ ْ‬
‫ض يَ ُ‬
‫س َ‬
‫م ْ‬
‫هذا الكون المعمور‪? :‬وَك َأي ّ ْ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫شرِ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن? ]يوسف‪:‬‬
‫ما ي ُؤْ ِ‬
‫كو ٌَ‬
‫ضو َ‬
‫معْرِ ُ‬
‫م ُ‬
‫م ِباللهِ إ ِل وَهُ ْ‬
‫ن أك ْث َُرهُ ْ‬
‫ن ?ٌ‪ ?105‬وَ َ‬
‫عَن َْها ُ‬
‫م ُ‬
‫‪.[106 ،105‬‬
‫فيا سبحان الله‪ ،‬أفل يرون الكواكب الزاهرات والفلك الدائرات والجميع‬
‫بأمره مسخرات؟! وكم في الرض من قطع متجاورات وحدائق وجنات‬
‫وجبال راسيات وبحارٍ زاخرات وأمواج متلطمات وقفارٍ شاسعات‪ ،‬ثم هم‬
‫يجعلون لله البنات‪ ،‬ويعبدون من دونه من هو كالعزى واللت‪ ،‬فسبحان‬
‫مل يجعل‬
‫م أمٌر لذي الل ّ‬
‫ب المتأ ّ‬
‫الواحد الحد خالق جميع المخلوقات‪ .‬وث ّ‬
‫العجب يأخذ من نفسه ك ّ‬
‫ل مأخذ حينما يرى أمَر هذا الكائن البشري وهو‬
‫دبر‪ ،‬منصرًفا عن عبودية خالقه وموله‪ ،‬منشغل ً‬
‫ينكص على عقبيه ويوّلي ال ّ‬
‫بالولى عن الخرى والفاني عن الباقي‪ ،‬يتقّلب بين الملذات والشهوات‪،‬‬
‫فا بأكنافها بعد أن أكرمه الله وكّرمه‬
‫ملتح ً‬
‫وحمله في البر والبحر وفضله على كثير ممن خلق تفضي ً‬
‫ل‪ ،‬وبعد أن أسبغ‬
‫وره وشقّ سمعه وبصره‪? ،‬‬
‫عليه نعمه ظاهرةً‬
‫وباطنة‪ ،‬وبعد أن خلقه وص ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ن‬
‫صو َ‬
‫م ِ‬
‫سا َ‬
‫ها إ ِ ّ‬
‫ت اللهِ ل ت ُ ْ‬
‫ن ت َعُ ّ‬
‫موه ُ وَإ ِ ْ‬
‫ن ال ِن ْ َ‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫دوا ن ِعْ َ‬
‫سألت ُ ُ‬
‫ل َ‬
‫َوآَتاك ُ ْ‬
‫ح ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫فا ٌٌر? ]إبراهيم‪ ،[34:‬ومع ذلك يستكبر النسان‪ ،‬ويكفر النسان‪،‬‬
‫مك ّ‬
‫ل َظ َُلو ٌ‬
‫ن‬
‫ويجهل النسان‪ ،‬ويقتر النسان‪ ،‬ويجادل النسان‪ ،‬فيقول الله عنه‪ ? :‬إ ِ ّ‬
‫ه َ‬
‫جُهو ٌ‬
‫ل? ]الحزاب‪،[72:‬‬
‫م كَ ّ‬
‫ن ظ َُلوما ً َ‬
‫كا َ‬
‫سا َ‬
‫ن ل َظ َُلو ٌ‬
‫اْل ِن ْ َ‬
‫فا ٌٌر? ]إبراهيم‪? ،[34:‬إ ِن ّ ُ‬
‫َ‬
‫ه? ]عبس‪? ،[17:‬وَ َ‬
‫فَر ٌُ‬
‫?قُت ِ َ‬
‫ن قَُتوٌر? ]السراء‪،[100:‬‬
‫ما أك ْ َ‬
‫سا ُ‬
‫كا َ‬
‫سا ُ‬
‫ن اْل ِن ْ َ‬
‫ل اْل ِن ْ َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫?وَ َ‬
‫جد َ ٌ‬
‫ن أكث ََر َ‬
‫ن لي َطَغى?ٌ‪?6‬‬
‫سا َ‬
‫ل? ]الكهف‪? ،[54:‬كل إ ِ ّ‬
‫يٍء َ‬
‫سا ُ‬
‫كا َ‬
‫ن ال ِن ْ َ‬
‫ن ال ِن ْ َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ٌُ‬
‫ى? ]العلق‪? ،[7 ،6:‬ب َ ْ‬
‫ه? ]القيامة‪،[5:‬‬
‫ن ل ِي َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫سا ُ‬
‫أ ْ‬
‫ريد ُ اْل ِن ْ َ‬
‫ن َرآهُ ا ْ‬
‫ما َ‬
‫جَر أ َ‬
‫ل يُ ِ‬
‫ست َغْن َ ٌ‬
‫ر? ]العصر‪.[2:‬‬
‫في ُ‬
‫ن لَ ِ‬
‫سا َ‬
‫?إ ِ ّ‬
‫خ ْ‬
‫ن اْل ِن ْ َ‬
‫س ٌٍ‬
‫َ‬
‫دا ل غاف ً‬
‫ل‪،‬‬
‫عاب‬
‫يكون‬
‫أن‬
‫عمه‬
‫ون‬
‫الله‬
‫رمه‬
‫ك‬
‫وقد‬
‫النسان‬
‫بهذا‬
‫الجدر‬
‫كان‬
‫وقد‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ما‪.‬‬
‫ظال‬
‫ل‬
‫محسنا‬
‫را‪،‬‬
‫كفو‬
‫ل‬
‫را‬
‫شكو‬
‫را‪،‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫طائًعا ل عاصًيا‪ ،‬مقبل ً إلى ربه ل مدب ً‬
‫)‪(1 /‬‬
‫مل في كثير من المخلوقات في هذا العالم المشهود ليرى أنها لم‬
‫إن المتأ ّ‬
‫ُ‬
‫ُتع َ‬
‫ط من العناية والرعاية والعمارة والستخلف كما أعطي النسان‪ ،‬ول‬
‫م‬
‫ذي َ‬
‫ك ُّلفت كتكليف ابن آدم‪ ،‬بل جعلها الله خادمة مسخرةً له‪? ،‬هُوَ ال ّ ِ‬
‫خل َقَ ل َك ُ ْ‬
‫َْ‬
‫ع? ]البقرة‪ ،[29:‬بل حتى الملئكة سخرها الله لبن آدم‪،‬‬
‫ج ِ‬
‫مي ٌ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫ما ِفي الْر ِ‬
‫قبات من بين أيديهم ومن‬
‫ة عليهم والدافعين عنهم من مع ّ‬
‫فجعل منهم الكتب َ‬
‫خرين لرسال الريح‬
‫خلفهم يحفظونهم من أمر الله‪ ،‬وجعل منهم المس ّ‬
‫ْ‬
‫ةَ‬
‫ملئ ِك ُ‬
‫والمطر‪ ،‬كما جعل الله من أكبر وظائفهم الستغفار لبني آدم‪َ? ،‬وال َ‬
‫َ‬
‫ض? ]الشورى‪.[5:‬‬
‫ست َغْ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫ن بِ َ‬
‫حو َ‬
‫سب ّ ُ‬
‫م وَي َ ْ‬
‫يُ َ‬
‫ن لِ َ‬
‫مد ِ َرب ّهِ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ن ِفي اْلْر ٌِ‬
‫م ْ‬
‫ملت في عبوديتها‬
‫ومع ذلك ‪-‬عباد الله‪ -‬فإن هذه المخلوقات عدا ابن آدم قد ك ُ‬
‫لله جل شأنه‪ ،‬وخضوعها له‪ ،‬وذّلها لقهره وربوبيته وألوهيته‪ ،‬إل بعض‬

‫‪91‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المخلوقات العاصية كالشياطين وعصاة الجن وبعض الدواب كالوزغ والذي‬
‫قال عنه النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪) :-‬اقتلوا الوزغ‪ ،‬فإنه كان ينفخ النار‬
‫على أبينا إبراهيم( ]رواه أحمد[)‪.(1‬‬
‫ن أولئك مع عصيانهم إل أنهم ل يبلغون مبلغَ عصيان بعض بني آدم‪ ،‬وما‬
‫غير أ ّ‬
‫ذاك إل لنه قد ُوجد في بني آدم من يقول‪ :‬أنا ربكم العلى‪ ،‬وُوجد فيهم من‬
‫يقول‪ :‬إن الله هو المسيح ابن مريم‪ ،‬وإن الله ثالث ثلثة‪ ،‬وُوجد فيهم من‬
‫يقول‪ :‬أنا أحيي وأميت‪ ،‬وُوجد من يقول‪ :‬اجعل لنا إلًها كما لهم آلهة‪ ،‬وُوجد‬
‫ن هذا إل‬
‫ن هذا إل قول البشر‪ ،‬ومن يقول‪ :‬إ ْ‬
‫فيهم من يقول عن القرآن‪ :‬إ ْ‬
‫أساطير الولين‪ ،‬ناهيكم ‪-‬عباد الله‪ -‬عمن يقول‪ :‬يد الله مغلولة‪ ،‬ومن يجعل‬
‫الملئكة الذين هم عباد الرحمن إناًثا‪ ،‬فكيف إًذا بمن يقول‪ :‬إن الله فقير‬
‫ونحن أغنياء‪.‬‬
‫وهكذا ‪-‬عباد الله‪ -‬تمتد ّ حبال الطغيان والجبروت في بني النسان إلى أن‬
‫يخرج من يقول‪ :‬إن الشريعة السلمية غيُر صالحة لكل زمان ومكان‪ ،‬أو من‬
‫يقول بفصل الدين عن الدولة‪ ،‬فل سياسة في الدين ول دين في السياسة‪ ،‬أو‬
‫من يقول‪ :‬الدين لله والوطن للجميع‪ ،‬أو من يقول‪ :‬دع ما لله لله‪ ،‬وما لقيصر‬
‫لقيصر‪ ،‬أو من يصف الدين بالرجعية‪ ،‬والحدود والتعزيرات بالهمجية والغلظة‪،‬‬
‫جر على هوّيتها‪ ،‬أو من يرى‬
‫أو أن يصفه بالمقّيد للمرأة والظالم لها والمح ّ‬
‫حريَتها وفكاكها من أسرها إنما يتمّثل في خروجها من حدود ربها‪ ،‬وإعلن‬
‫عصيانها لشريعة خالقها ومولها‪ ،‬وجعِلها نهًبا لكل سارق وإناًء لكل والغ‬
‫ولقي ً‬
‫ب شيوع الفاحشة في الذين‬
‫ح ّ‬
‫دا للغراء والمتاجرة‪ ،‬و ُ‬
‫طا لكل لقط‪ ،‬جس ً‬
‫آمنوا‪.‬‬
‫هذه هي بعض مقولت بني النسان‪ ،‬فهل من الِتفاتةٍ ناضجةٍ إلى مواقف‬
‫إبليس اللعين في كتاب ربنا لتروا‪ :‬هل تجدونه قال شيًئا من ذلك غير أنه وعد‬
‫ضل جنسه على جنس آدم‪ ،‬فاستكبر عن‬
‫بالغواية؟! بل إن غاية أمره أنه ف ّ‬
‫خلق طيًنا‪ ،‬بل إنه قد قال لبعض البشر‪ :‬إني أرى ما ل ترون إني‬
‫السجود لمن ُ‬
‫أخاف الله والله شديد العقاب‪.‬‬
‫ق‬
‫م عصيان ابن آدم‪ ،‬وما أشد استكباَره ومكره السيئ‪َ? ،‬ول ي َ ِ‬
‫حي ُ‬
‫فلله ما أعظ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ت الل ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫سي ّ ُ‬
‫ئ إ ِل ب ِأهْل ِهِ فهَل ي َن ْظُرو َ‬
‫جد َ ل ِ ُ‬
‫ن إ ِل ُ‬
‫مك ُْر ال ّ‬
‫ن تَ ِ‬
‫سن ّ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن فل ْ‬
‫ت الوِّلي َ‬
‫وي ٌ‬
‫ل? ]فاطر‪.[43:‬‬
‫سن ّ ِ‬
‫ت َب ْ ِ‬
‫ت الل ّهِ ت َ ْ‬
‫جد َ ل ِ ُ‬
‫ن تَ ِ‬
‫ديل ً وَل َ ْ‬
‫ح ِ‬
‫ة عصيان بعض بني آدم من بين سائر‬
‫حقيق‬
‫شأنه‬
‫جل‬
‫الباري‬
‫ويؤكد‬
‫َ‬
‫المخلوقات واستنكاَفهم أن يكونوا عبيدا لله الذي خلقهم وفطرهم فقال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫ض‬
‫ماَوا ِ‬
‫س ُ‬
‫م ت ََر أ ّ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ت وَ َ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫جد ُ ل َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سبحانه‪? :‬أل َ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ِفي الْر ِ‬
‫جَبا ُ‬
‫ل َوال ّ‬
‫َوال ّ‬
‫س وَك َِثيٌر‬
‫س َوال ْ َ‬
‫ب وَك َِثيٌر ِ‬
‫جُر َوالد ُّوا ّ‬
‫ش َ‬
‫مُر َوالن ّ ُ‬
‫جو ُ‬
‫م َوال ْ ِ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫م ُ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫فعَ ُ‬
‫ما ي َ َ‬
‫حقّ عَلي ْهِ العَ َ‬
‫شاُء?‬
‫ه يَ ْ‬
‫ه ِ‬
‫مك ْرِم ٍ إ ِ ّ‬
‫ذا ُ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ن الل َ‬
‫ن ُ‬
‫ما ل ُ‬
‫ه فَ َ‬
‫ن الل ُ‬
‫ب وَ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ي ُهِ ِ‬
‫ع‬
‫ن ت ُط ِ ْ‬
‫ن أكثر بني آدم عصاة ٌ مستكبرون ضالون‪? ،‬وَإ ِ ْ‬
‫]الحج‪ ،[18:‬فدل على أ ّ‬
‫َ‬
‫ضّلو َ‬
‫ه? ]النعام‪? ،[116:‬وَقَِلي ٌ‬
‫ن‬
‫ن ِفي اْل َْر‬
‫ل ِ‬
‫ل الل ّ ٌِ‬
‫ض يُ ِ‬
‫ن َ‬
‫أك ْث ََر َ‬
‫م ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫ك عَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ش ُ‬
‫عَبادِيَ ال ّ‬
‫ن? ]يوسف‪:‬‬
‫ِ‬
‫مِني ٌَ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫س وَل َوْ َ‬
‫ت بِ ُ‬
‫ص َ‬
‫كو ٌُر? ]سبأ‪? ،[13:‬وَ َ‬
‫حَر ْ‬
‫ما أك ْث َُر الّنا ِ‬
‫‪.[103‬‬
‫أيها المسلمون‪ ،‬من أجل أن نصل وإياكم إلى غايةٍ واحدة‪ ،‬وهي استشعار‬
‫عبوديتنا لله سبحانه وتعالى‪ ،‬وأن منا مفّرطين ومستنكفين‪ ،‬وأن من أطاع‬
‫الله بشيء من العمل أخذه العجاب بنفسه ك ّ‬
‫ل مأخذ‪ ،‬وأقنع نفسه ومجتمَعه‬
‫بأنه يعيش أجواَء المن والمان والستقامة والهداية وأنه أدى ما عليه‪ ،‬فليس‬
‫وة‪ ،‬إنه لجل‬
‫هناك دواٍع معقول ٌ‬
‫ة للتصحيح والرتقاء بالنفس إلى الُبلغة المرج ّ‬
‫َ‬
‫حا في مقابل أعمال‬
‫صال‬
‫كان‬
‫مهما‬
‫لنا‬
‫عم‬
‫نزدري‬
‫أن‬
‫ولجل‬
‫أن نعلم ذلك‪،‬‬
‫ً‬
‫‪92‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المخلوقات الخرى من جمادٍ ونباتات وحيوان‪ ،‬فإن من المستحسن هنا أن‬
‫نسلط الحديث على بعض أمثلة متنوعة لمخلوقات الله سبحانه‪ ،‬لنبرهن من‬
‫خللها على الهُوّةِ السحيقة بيننا وبينهم في كمال العبودية لله والطاعة‬
‫المطلقة له‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫فمن ذلك ‪-‬عباد الله‪ -‬ما أودعه الباري سبحانه بعض الجمادات من الغيرة‬
‫على دينه والتأذي من انتهاك ابن آدم لحرمات الله سبحانه‪ ،‬ففي الحديث أن‬
‫ح منه«‪،‬‬
‫ح ومسَترا ٌ‬
‫مّر عليه بجنازة فقال‪) :‬مستري ٌ‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم ُ‬
‫فقالوا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬ما المستريح؟ وما المستراح منه؟ قال‪» :‬إن العبد‬
‫المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى‪ ،‬والعبد الفاجر‬
‫يستريح منه العباد والبلد والشجر والدواب(‪] .‬رواه البخاري[)‪.(2‬‬
‫انظروا ‪-‬يا رعاكم الله‪ -‬كيف يتأذى الشجر والدواب من الرجل الفاجر وما‬
‫ن لمعصية الله تعالى‪ ،‬والتي ل‬
‫يحدثه في الرض من فساد وتخريب‪ ،‬وإعل ٍ‬
‫مها على ابن آدم فحسب‪.‬وفي مقابل ذلك فإن بعض الدواب تفرح‬
‫يقتصر شؤ ُ‬
‫بالتدّين‪ ،‬وتشعر بأثره في ابن آدم‪ ،‬وببركته على وجه الرض‪ ،‬ولذلك فهي‬
‫تدعو له‪ ،‬وتصلي عليه‪ ،‬وتستغفر له‪ ،‬فقد روى الترمذي في جامعه أن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪) :‬إن الله وملئكته وأهل السموات والرض‪ ،‬حتى‬
‫النملة في جحرها‪ ،‬وحتى الحوت‪ ،‬ليصّلون على معِّلم الناس الخير()‪.(3‬‬
‫فق من يوم القيامة وتفَرق من قيام الساعة خوًفا‬
‫ن الدواب جميًعا لتش ِ‬
‫بل إ ّ‬
‫من هولها وعرصاتها‪ ،‬فقد قال النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪) :-‬ما من دابة إل‬
‫ة أن تقوم الساعة( ]رواه أحمد)‪ (4‬والمصيخة‬
‫وهي مصيخة يوم الجمعة خشي َ‬
‫هي المنصتة[‬
‫ضا ما يدل على عبودية الديك لله ودعوِته للخير والفلح‪ ،‬فقد قال‬
‫ولقد ورد أي ً‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪) :‬ل تسبوا الديك‪ ،‬فإنه يدعو إلى الصلة( ]رواه‬
‫أحمد وأبو داود[)‪.(5‬‬
‫وقد روى المام أحمد عن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬أّنه قال‪) :‬إنه ليس‬
‫ي إل يؤَذن له مع كل فجر يدعو بدعوةٍ يقول‪ :‬اللهم إنك‬
‫س عرب ّ‬
‫من فر ٍ‬
‫ولتني من ابن آدم‪ ،‬فاجعلني من أحب أهله وماله إليه(‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫ولتني من خ ّ‬
‫خ ّ‬
‫ن هذا الفرس قد استجيب له دعوته( ]رواه أحمد[)‪.(6‬‬
‫)إ ّ‬
‫ة من المم المسبحة لله سبحانه‪ ،‬مع‬
‫أم‬
‫فتلك‬
‫الله‪-‬‬
‫رعاكم‬
‫يا‬‫النمل‬
‫ما‬
‫ٌ‬
‫وأ ّ‬
‫حّتى‬
‫صغر خلقِتها وهوان حالها وازدراء البشر لها‪ ،‬وهي التي قال الله عنها‪َ ? :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫م‬
‫ل اد ْ ُ‬
‫مل َ ٌ‬
‫م ل يَ ْ‬
‫م َ‬
‫من ّك ُ ْ‬
‫حط ِ َ‬
‫ساك ِن َك ُ ْ‬
‫خُلوا َ‬
‫ة َيا أي َّها الن ّ ْ‬
‫ت نَ ْ‬
‫ل َقال َ ْ‬
‫وا عََلى َوادِ الن ّ ْ‬
‫م ِ‬
‫إ َِذا أت َ ْ‬
‫شعُُرو ٌَ‬
‫م ل يَ ْ‬
‫ن? ]النمل‪.[18:‬‬
‫ن وَ ُ‬
‫ما ُ‬
‫ُ‬
‫جُنود ُه ُ وَهُ ْ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫ة نبًيا من‬
‫هذه النملة يقول النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬عنها‪) :‬قرصت نمل ٌ‬
‫ُ‬
‫ن قرصتك نملة‬
‫النبياء‪ ،‬فأمر بقريةِ النمل فأحرقت‪ ،‬فأوحى الله إليه‪ :‬أفي أ ْ‬
‫ة من المم تسّبح لله؟!( ]رواه البخاري[)‪.(7‬‬
‫ت أم ً‬
‫أحرق َ‬
‫م َوال ّ‬
‫جُر‬
‫ش َ‬
‫ما الشجر وهو من النبات عباد الله‪ ،‬فقد قال الله عنه‪َ? :‬والن ّ ْ‬
‫ج ُ‬
‫وأ ّ‬
‫ن? ]الرحمن‪ ،[6:‬وروى ابن ماجه عن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪-‬‬
‫دا ِ ٌ‬
‫ج َ‬
‫س ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ب يلبي إل لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو‬
‫أنه قال‪) :‬ما من مل ّ‬
‫مدر‪ ،‬حتى تنقطع الرض من ها هنا وها هن()‪.(8‬‬
‫وأما ولُء الحجر والشجر للمؤمنين ونصرُته لدين الله حينما يستنطقه خالقه‬
‫فُينبئ عن عمق عبوديته لربه وغيرته على دينه‪ ،‬فإن رسول الله قد قال عنه‪:‬‬

‫‪93‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)ل تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود‪ ،‬فيقتلهم المسلمون‪ ،‬حتى‬
‫يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر‪ :‬يا مسلم‪ ،‬يا‬
‫عبد الله‪ ،‬هذا يهودي خلفي تعال فاقتله( ]رواه البخاري)‪.[(9‬‬
‫ة إلى الجبال‬
‫فانظروا ‪-‬يا رعاكم الله‪ -‬إلى هذه المخلوقات النفة‪ ،‬إضاف ً‬
‫الراسيات والوتاد الشامخات‪ ،‬كيف تسبح بحمد الله‪ ،‬وتخشع له‪ ،‬وتشفق‬
‫ض عليها‬
‫وتهبط من خشية الله‪ ،‬وهي التي خافت من ربها وخالقها إذ عر َ‬
‫ة فأشفقت من حملها‪ ،‬وكيف أنه تد ْ‬
‫كدك الجبل لما تجلى ربنا لموسى‬
‫المان َ‬
‫عليه السلم‪ ،‬فهذه هي حال الجبال‪ ،‬وهي الحجارة الصلبة‪ ،‬وهذه رقُتها‬
‫وخشيتها وتدكد ُ ُ‬
‫كها من جلل ربها وعظمته‪ ،‬وقد أخبر الله أنه لو أنزل عليها‬
‫القرآن لتصدعت من خشية الله‪.‬‬
‫فيا عجبا من مضغةِ لحم أقسى من صخر صلب‪ ،‬تسمعُ آيات الله تتلى عليها‬
‫ثم تصّر مستكبرة كأن لم تسمعها‪ ،‬كأن في أذنيها وقًرا‪ ،‬فهي ل تلين ول‬
‫دع‪ ،‬ولو وعظها لقمان أو تليت عليها آيات القرآن‪،‬‬
‫تخشع‪ ،‬ول تهبط ول تص ّ‬
‫كون ل َهم قُُلوب يعقُلون بها أوَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ٌ َْ ِ‬
‫ض فت َ‬
‫سيُروا ِ‬
‫م يَ ِ‬
‫َ ُ ْ‬
‫ولكن صدق الله‪? :‬أفَل َ ْ‬
‫َ َِ ْ‬
‫في الْر ِ‬
‫َ‬
‫ب ال ِّتي ِفي‬
‫مى ال ْ ُ‬
‫قُلو ُ‬
‫مُعو َ‬
‫آَذا ٌ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ن ت َعْ َ‬
‫ن ب َِها فَإ ِن َّها ل ت َعْ َ‬
‫س َ‬
‫مى اْلب ْ َ‬
‫صاُر وَل َك ِ ْ‬
‫دوٌِر? ]الحج‪.[46:‬‬
‫ص ُ‬
‫ال ّ‬
‫بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم‪ ،‬ونفعني وإياكم بما فيه من اليات‬
‫والذكر الحكيم‪ ،‬أقول ما تسمعون‪ ،‬وأستغفر الله إنه كان غفاًرا‪.‬‬
‫ن حياة النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪،-‬‬
‫ما عجيًبا إبا َ‬
‫أيها الناس‪ ،‬تكّلم ذئ ٌ‬
‫ب كل ً‬
‫كلما يفيد بأن الذئب يؤمن بأن الرزق من عند الله‪ ،‬بل قد أمر هذا الذئب‬
‫ة إلى علم هذا الذئب بنبوة محمد‬
‫ي الغنم بتقوى الله سبحانه‪ ،‬إضاف ً‬
‫راع َ‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬ورسالته‪.‬‬‫)‪(3 /‬‬
‫فلقد أخرج أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري ‪-‬رضي الله عنه‪-‬‬
‫ب على شاة فأخذها‪ ،‬فطلبه الراعي فانتزعها منه‪ ،‬فأقعى الذئب‬
‫قال‪) :‬عدا ذئ ٌ‬
‫على ذنبه قال‪ :‬أل تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي؟! فقال‪ :‬يا عجبي‪،‬‬
‫ب من‬
‫م الناس‪ ،‬فقال الذئب‪ :‬أل أخبرك بأعج َ‬
‫ذئ ٌ‬
‫ب مقٍع على ذنبه يكلمني كل َ‬
‫ذلك؟! محمد ٌ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق‪ ...‬الحديث()‪ (01‬وفي‬
‫رواية للبخاري‪ :‬فقال الناس‪ :‬سبحان الله‪ ،‬ذئب يتكلم! فقال‪) :‬فإني أؤمن‬
‫بذلك أنا وأبو بكر وعمر()‪.(11‬‬
‫فاتقوا الله أيها المسلمون‪ ،‬واقدروه حقّ قدره‪ ،‬واستشعروا أثَر عبودية‬
‫ما‪.‬‬
‫الجماد والنبات والحيوان‪ ،‬وكمالها لله تعالى‪ ،‬وهي أقل منكم فضل ً وتكري ً‬
‫صرون مهما بلغتم‪ ،‬وظالمون لنفسكم مهما ادعيتم القصد َ‬
‫واعلموا أنكم مق ّ‬
‫ف يقينهم بالمر‬
‫أو الكمال‪ ،‬فإن ُبعد البشر عن المعرفة الحقيقية‪ ،‬وضع َ‬
‫م من جهاد‬
‫الناهي‪ ،‬وغلب َ‬
‫ة شهواتهم مع الغفلة‪ ،‬تلك كلها تحتاج إلى جهاد أعظ َ‬
‫غيرهم من المخلوقات الطائعة المسّبحة لله تعالى‪.‬‬
‫ب الشرع يقول له‪ :‬استقم في عبادتك‪ ،‬واحذر من‬
‫يصبح أحدنا وخطا ُ‬
‫معصيتك‪ ،‬وتنّبه في كسبك‪ ،‬وقد قيل قب ُ‬
‫ل للخليل عليه السلم‪ :‬اذبح ولدك‬
‫فك‪ ،‬ثم قم إلى المنجنيق لُترمى في النار‪،‬‬
‫بيدك‪ ،‬واقطع ثمرة َ فؤادك بك ّ‬
‫ويقال للغضبان‪ :‬اكظم‪ ،‬وللبصير‪ :‬اغضض‪ ،‬ولذي القول‪ :‬اصمت‪ ،‬ولمستل ِذ ّ‬
‫جد‪ ،‬ولمن مات حبيبه‪ :‬اصبر‪ ،‬وللواقف في الجهاد بين الغمرات‪ :‬ل‬
‫النوم‪ :‬ته ّ‬
‫ُ‬
‫يح ّ‬
‫ل لك أن تفّر‪ ،‬وإذا وقع بك مرض فل ت ْ‬
‫شك لغير الله‪.‬‬
‫‪94‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صونوا هذا‬
‫فاعرفوا ‪-‬أيها المسلمون‪ -‬شر َ‬
‫ف أقدار بني آدم بهذا الستخلف‪ ،‬و ُ‬
‫الجوهر بالعبودية الحقة عن تدنيسها بشؤم الذنوب ولؤم التفريط في‬
‫الطاعة‪ ،‬واحذروا أن تح ّ‬
‫طكم الذنوب إلى حضيض أوهد‪ ،‬فتخطفكم الطير أو‬
‫تهوي بكم الريح في مكان سحيق‪.‬‬
‫?ذ َل ِ َ‬
‫م َ‬
‫ب? ]الحج‪.[32:‬‬
‫وى ال ْ ُ‬
‫ن تَ ْ‬
‫شَعائ َِر الل ّهِ فَإ ِن َّها ِ‬
‫ن ي ُعَظ ّ ْ‬
‫ك وَ َ‬
‫قُلو ٌِ‬
‫ق َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ت ذ ُّلل لها الطريق فل تعرف إل الله‪،‬‬
‫والعجب ‪-‬يا عباد الله‪ -‬ليس من مخلوقا ٍ‬
‫ق‬
‫در ُيسرع‪ ،‬ولكن العجب من متصا ِ‬
‫ول من الماء إذا جرى‪ ،‬أو من منح ِ‬
‫عد يش ّ‬
‫فأ الريح إقبا ً‬
‫ل‪ ،‬ول عجب فيمن‬
‫الطريق شقا‪ ،‬ويغالب العقبات معالجة‪ ،‬ويتك ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ما ي ُل ّ‬
‫قا َ‬
‫ها إ ِل ال ِ‬
‫هلك‪ :‬كيف هلك؟ ولكن العجب فيمن نجا‪ :‬كيف نجا؟ ?وَ َ‬
‫ذي َ‬
‫ح ّ‬
‫م? ]فصلت‪.[35:‬‬
‫ما ي ُل َ ّ‬
‫قا َ‬
‫ظ عَ ِ‬
‫ها إ ِّل ُذو َ‬
‫صب َُروا وَ َ‬
‫َ‬
‫ظي ٌ ٍ‬
‫ب له‪ ،‬وأعّز‬
‫والعبد كلما ذل لله وعظم افتقاًرا إليه وخضو ً‬
‫عا له كان أقر َ‬
‫وأعظم لقدره‪ ،‬فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله‪ ،‬يقول النبي ‪-‬صلى الله‬
‫عليه وسلم‪) :-‬قال الله سبحانه وتعالى‪ :‬يا ابن آدم‪ ،‬تفّرغ لعبادتي أمل صدرك‬
‫سد ّ فقرك‪ ،‬وإن لم تفعل ملت صدرك شغل ً ولم أسد ّ فقرك( ]رواه‬
‫غنى وأ ُ‬
‫ابن ماجه)‪.[(21‬‬
‫هذا‪ ،‬وصلوا ‪-‬رحمكم الله‪ -‬على خير البرية وأزكى البشرية‪ ،‬محمد بن عبد الله‬
‫بن عبد المطلب‪ ،‬صاحب الحوض والشفاعة‪ ،‬فقد أمركم الله بأمر بدأ فيه‬
‫بنفسه‪ ،‬وثنى بملئكته المسبحة بقدسه‪ ،‬وأّيه بكم أيها المؤمنون‪ ،‬فقال عز‬
‫َ‬
‫م? ]الحزاب‪:‬‬
‫من قائل عليم‪َ? :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫موا ت َ ْ‬
‫صّلوا عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫سِلي ٌ‬
‫سل ّ ُ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ذي َ‬
‫‪.[56‬‬
‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد‪ ،‬كما صليت على إبراهيم وعلى آل‬
‫إبراهيم إنك حميد مجيد‪...‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫النسان بين القرود والخنازير‬
‫بقلم الكاتب الصحفي‪ :‬وحيد حمدي ‪21/4/1425‬‬
‫‪09/06/2004‬‬
‫كنت أتناقش مع إبني عن حقيقة نظرية النشوء والرتقاء والتي يدرسها وهى‬
‫نظرية التطور للعالم اليهودي تشارلز دارون والواردة بكتابيه المنشوران عام‬
‫‪ 1857‬الول تحت أسم )أصل الخلئق( والثاني كتاب )خلق النسان( وهما‬
‫يقومان على محورين أساسيين‪،‬الول محور بدء الحياة على الرض وتطورها‬
‫وتشعبها‪ ،‬والثاني محور الجنس البشرى كجزء من هذه الحياة وما جاء فى‬
‫هذين الكتابين هو ما اصطلح عليه العلماء في العالم أجمع على تسميته‬
‫بنظرية )دارون( والتي تقوم على أساس أن الوجود نشئ دون خالق وتطور‬
‫من كونه خليه أميبية واحدة وانقسمت إلى مخلوقات ذات خليتين ثم إلى‬
‫متعددة الخليا وهكذا حتى ظهرت الحشرات والحيوانات والطيور والزواحف‬
‫والثدييات ومن ضمنها النسان‪ ،‬كما أن جزءا آخر من الخلية انقسام وتطور‬
‫إلى أنواع من الخمائر والطحالب‪ ،‬والعشاب‪ ،‬والنباتات الزهرية واللزهرية‬
‫وأن النسان تطور من كونه قردا من الثدييات إلى النسان الول ثم إلى‬
‫شكله الحالي وأن هذا التطور قسم البشر الذين هم جميعا من أصل القرد‬
‫إلى ‪ 16‬مرتبة أو درجة على ما يشبه السلم أدناها الدرجة الولى والتي‬
‫يحتلها الزنوج وهى تتصف بأنها أقرب في الطباع إلى السلوك الحيواني‬
‫البهيمي ويعتمدون في تصرفاتهم على القوى الجسدية أما المرتبة العليا‬

‫‪95‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فيحتلها البيض من الوربيين وبين الطبقة الدنيا والعليا يتنوع البشر فيها‬
‫فيحتل الهنود الدرجة العلى من سلم التطور البشرى بعد الزنوج مباشرة‬
‫ويليهم شعوب الماو ماو ثم العرب والذين يحتلون الدرجة الرابعة فى هذه‬
‫النظرية بينما يحتل اليهود مرتبة خاصة ومنفردة ومتميزة وتعلو فوق هذا‬
‫السلم البشرى وهى مرتبة تتصف بالحكمة والذكاء المفرط ويتصف شعوبها‬
‫بالتحضر واستخدام العقل والمنطق وبالتالي فهي أكثر إبداعا وتخطيطا‬
‫وتنظيما ومدنية من الجناس السفلي ويطلق عليهم صفة )الشعوب الخارقة(‬
‫ويشتغل أهلها بالسياسية والتجارة والقتصاد وهم القادة والفلسفة وهم‬
‫أصحاب الفن الرفيع وأهم ما يميز هذه النظرية أن الحياة تنتهي بالموت ول‬
‫يوجد بعث ول حساب ول جنة ول نار ‪.‬‬
‫هذه النظرية لقت ترحيبا شديدا في أوربا وأمريكا لنها تتمشى مع مصالحهم‬
‫الستعمارية في هذا التوقيت وكونها تميزهم بل وتعطيهم إحساسا براحة‬
‫الضمير إزاء سيطرتهم على الشعوب واستعباد الزنوج في أمريكا وتحقق‬
‫مقولة اليهود بأنهم شعب الله المختار ولكنها تتعارض تماما مع عقيدتنا‬
‫السلمية بل ومع كل الديان السماوية التي كرمت النسان ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫في فجر اليوم التالي للمناقشة التي دارت بيني وبين أبني حول هذا‬
‫الموضوع كنت أقرأ سورة المائدة فى المصحف الشريف وتوقفت عند الي‬
‫ل هَ ْ ُ‬
‫من ذال ِ َ‬
‫رقم ‪ 60‬والتي جاء فيها " قُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫من‬
‫ة ِ‬
‫مُثوب َ ً‬
‫عند َ الل ّهِ َ‬
‫ك َ‬
‫شّر ّ‬
‫ل أن َب ّئ ُك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫خَناِزيَر وَعَب َد َ ال ّ‬
‫ت أوَْلئ ِ َ‬
‫طا ُ‬
‫جعَ َ‬
‫ك‬
‫قَرد َة َ َوال ْ َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ه وَغَ ِ‬
‫ب عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ض َ‬
‫غو َ‬
‫من ْهُ ُ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ل ّعَن َ ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫م َ‬
‫ض ّ‬
‫َ‬
‫ل" وتوقفت ثانيا عند قول الله تعالى "‬
‫ل َ‬
‫كانا وَأ َ‬
‫وآِء ال ّ‬
‫عن َ‬
‫شّر ّ‬
‫سِبي ِ‬
‫س َ‬
‫وجعل منهم القردة والخنازير " واستلفت نظري دخول حرفي )الـ( على‬
‫كلمة "قردة وخنازير " وهى أداة تعريف تفيد المعرفة والتخصيص وبدأت‬
‫أفكر في معناها وقد هداني الله تعالى إليه وهو أن الله قد غضب على بعض‬
‫العصاة من اليهود وجعل منهم القردة والخنازير أي أنهم كانوا في الصل من‬
‫بنى البشر ‪ ،‬إذن فلماذا ل يكون أصل القرد إنسان وليس العكس كما إدعى‬
‫دارون؟ وبدأت أبحث فى جدية هذ ‪ 1‬الحتمال ولجأت إلى كتاب الله أبحث‬
‫فيه وأنا أعلم جيدا وكلى إيمان بأن الحقيقة موجودة في كتاب الله وسنة‬
‫رسوله وعلى العلم الحديث أن يثبت صحته هو ووفق لما جاء في القرآن‬
‫وليس العكس ومن هذا المنطلق ومن خلل جهاز الكمبيوتر بحثت عن اليات‬
‫التي تتحدث عن خلق القردة وكانت ثلث آيات‪ ،‬الولى من سورة البقرة الية‬
‫رقم ‪ " 65‬ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة‬
‫خاسئين " أما الية الثانية فهي من سورة العراف الية رقم ‪ " 166‬فلما‬
‫عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين " ومعنى هاتين اليتين كما‬
‫ورد فى تفسير القرطبي ) الجامع لحكام القرآن من ص ‪ 476‬إلى ‪(479‬‬
‫والتفاسير الخرى منها تفسير حديث وهو تفسير الشيخ سيد قطب )تفسير‬
‫في ظلل القرآن( جاء فيه أن اليهود طلبوا أن يكون لهم يوم راحة مقدس‪،‬‬
‫فجعل الله لهم يوم السبت راحة مقدسا ً ل يعملون فيه للمعاش‪ .‬ثم ابتلى‬
‫أهل قرية تدعى )آيله( بفلسطين في أيام النبي داود بالحيتان )السمك( تكثر‬
‫يوم السبت‪ ،‬وتختفي في غيره! وكان ابتلء لم تصمد له اليهود ! وكيف تصمد‬
‫وتدع هذا الصيد القريب يضيع؟ أتتركه وفاء بعهد واستمساكا ً بميثاق؟ إن هذا‬
‫ليس من طبع اليهود! ومن ثم اعتدوا في السبت على طريقتهم الملتوية‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫راحوا يحوطون على الحيتان في يوم السبت‪ ،‬ويقطعونها عن البحر بحاجز‪،‬ول‬
‫يصيدونها! حتى إذا انقضى اليوم تقدموا وانتشلوا السمك المحجوز!‬
‫متخيلين أنهم بذلك لم يعصوا الله فكان أمر الله بأن يكونوا قردة مبعدين من‬
‫رحمة الله أما السورة الثالثة وهى سورة المائدة والسابق الشارة إليها فهى‬
‫نزلت كما جاء في تفسير القرطبي أيضا )من ص ‪ 2326‬إلى ‪ (2330‬بأن‬
‫بعض اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله علية وسلم فسألوه عمن يؤمن‬
‫به من الرسل – عليهم السلم – فقال ‪ " :‬نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل‬
‫إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله ‪ " :‬ونحن له مسلمون " فلما ذكر عيسى –‬
‫علية السلم – جحدوا نبوته وقالوا ‪ :‬والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في‬
‫الدنيا والخرة منكم ول دينا أشر من دينكم فنزلت هذه الية التي تعنى أن‬
‫اليهود الذين نقموا عليكم وعلى دينكم أشر مكانا في الخرة من الذين عصوا‬
‫الله وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وقيل أن الله جعل شبابهم‬
‫قردة وعجائزهم خنازير وأن مكانهم النار خالدين فيها‪ ،‬ولما نزلت هذه الية‬
‫قال المسلمون لهم يا أخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤوسهم افتضاحا‬
‫لمرهم وفيهم يقول الشاعر كما جاء في تفسير القرطبي السابق الشارة‬
‫إليه ص )‪.(2329‬‬
‫فلعنة الله على اليهود*** إن اليهود إخوة القرود‬
‫ولم تختلف التفاسير الخرى من أمهات الكتب مثل تفسير الجامع واللوسي‬
‫وابن كثير والطبري والسيوطي عن المعنى السابق ذكره والكل أجمع أن‬
‫هناك خلف بين العلماء على أن القرود من نسل اليهود الممسوخين من‬
‫عدمه فجمهور المفسرين يجتمعون على ذلك ولكن منهم من يقول إنهم بعد‬
‫أن مسخوا لم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتناسلوا ولم يعيشوا أكثر من ثلثة أيام‪،‬‬
‫وزعم آخرين أنهم عاشوا سبعة أيام وماتوا في اليوم الثامن‪ ،‬واختار أبو بكر‬
‫بن العربي أنهم عاشوا ـ وأن القردة الموجودين اليوم من نسلهم وعلى‬
‫النقيض ما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن القردة والخنازير أهي مما مسخ؟‬
‫إن الله تعالى لم يهلك قوما ً أو يعذب قوما ً فيجعل لهم نسل ً وأن القردة‬
‫والخنازير كانوا قبل ذلك " وآخرين من العلماء قالوا أنه ما مسخت صورهم‬
‫ولكن مسخت قلوبهم فيكون المقصود من الية تشبيههم بالقردة ‪.‬‬
‫العصاه من أمة المسلمين‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ولكن جاء في البخاري حديث شريف هام جدا لن المر لم يقتصر على‬
‫اليهود فقط ولكن أيضا بعض العصاه من أمة المسلمين ‪ ،‬فقد جاء في‬
‫الحديث " َقا َ‬
‫ل هِ َ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫صد َقَ ُ‬
‫حد ّث ََنا عَب ْد ُ الّر ْ‬
‫خال ِدٍ َ‬
‫مارٍ َ‬
‫شا ُ‬
‫ح َ‬
‫ن عَ ّ‬
‫حد ّث ََنا َ‬
‫ن بْ ُ‬
‫ة بْ ُ‬
‫م بْ ُ‬
‫م ِ‬
‫ْ‬
‫حد ّث ََنا عَط ِي ّ ُ‬
‫حد ّث ََنا عَب ْد ُ الّر ْ‬
‫س الك ِل َِبي َ‬
‫جاب ِرٍ َ‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫ن بْ ُ‬
‫ة بْ ُ‬
‫يَ ِ‬
‫ن غَن ْم ٍ‬
‫م ِ‬
‫ن قَي ْ َ ٍ‬
‫زيد َ ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫شعَرِىّ َقا َ‬
‫ك ‪ -‬ال ْ‬
‫ال ْ‬
‫ع‬
‫حد ّث َِنى أُبو َ‬
‫س ِ‬
‫عا ِ‬
‫م َ‬
‫مال ِ ٍ‬
‫ل َ‬
‫ما كذ َب َِنى َ‬
‫ري َواللهِ َ‬
‫مرٍ ‪ -‬أوْ أُبو َ‬
‫شعَ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫قو ُ‬
‫حَر‬
‫ى ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬ي َ ُ‬
‫ن ال ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫ن ِ‬
‫حلو َ‬
‫وا ٌ‬
‫م يَ ْ‬
‫نأ ّ‬
‫متي أقْ َ‬
‫م ْ‬
‫ل "لي َكون َ ّ‬
‫الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ريَر َوال َ‬
‫مَعازِ َ‬
‫حةٍ‬
‫سارِ َ‬
‫ب عَلم ٍ ي َُرو ُ‬
‫م إ ِلى َ‬
‫َوال ْ َ‬
‫وا ٌ‬
‫م بِ َ‬
‫ح عَلي ْهِ ْ‬
‫مَر َوال َ‬
‫خ ْ‬
‫جن ْ ِ‬
‫ن أقْ َ‬
‫ف وَلي َن ْزِل ّ‬
‫ح ِ‬
‫ْ‬
‫ع‬
‫جةٍ فَي َ ُ‬
‫م ‪ -‬ي َعِْنى ال ْ َ‬
‫ف ِ‬
‫ض ُ‬
‫ه وَي َ َ‬
‫جعْ إ ِل َي َْنا غَ ً‬
‫حا َ‬
‫قيَر ‪ -‬ل ِ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫دا‪ .‬فَي ُب َي ّت ُهُ ُ‬
‫قوُلوا اْر ِ‬
‫م ي َأِتيهِ ْ‬
‫ل َهُ ْ‬
‫س ُ‬
‫مة"‪.‬‬
‫ن قَِرد َة ً وَ َ‬
‫خآ َ‬
‫خَناِزيَر إ َِلى ي َوْم ِ ال ْ ِ‬
‫م َ‬
‫قَيا َ‬
‫م وَي َ ْ‬
‫ال ْعَل َ َ‬
‫ري َ‬
‫خ ِ‬
‫يؤكد هذا الحديث على أن مستحلي الزنا وشرب الخمر والمعازف من أمة‬
‫سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في عصر يأتي فيه الفقير يسال الحسان‬

‫‪97‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فيقال له "فوت علينا بكرة" يعاقبهم الله ويجعل منهم القردة والخنازير الى‬
‫يوم القيامة وهذا يعنى استمرار عملية العقاب في كل حين وفى كل عصر‬
‫خب ََرَنا أ َُبو‬
‫ويؤكد نفس المعنى حديث أخر جاء أيضا في البخاري جاء فيه " أ َ ْ‬
‫ظ وأ َبو عَبد الرحمن السل َمي وأ َبو زك َريا ب َ‬
‫حاقَ وَأ َُبو‬
‫ّ ِ‬
‫س َ‬
‫حافِ ُ َ ُ‬
‫عَب ْدِ الل ّهِ ال ْ َ‬
‫ن أِبى إ ِ ْ‬
‫َ ُ َ ِّ ْ ُ‬
‫ْ ِ َّ ْ َ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ن ي َعْ ُ‬
‫بأ ْ‬
‫م َ‬
‫قو َ‬
‫م َ‬
‫ن َقاُلوا َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ح ّ‬
‫خب ََرَنا ُ‬
‫ح ّ‬
‫س‪ُ :‬‬
‫مد ُ ب ْ ُ‬
‫مد ُ ب ْ ُ‬
‫ب َك ْرِ ب ْ ُ‬
‫حد ّ َث ََنا أُبو العَّبا ِ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫بأ ْ‬
‫حك َم ِ أ ْ‬
‫حات ِ‬
‫مَعاوِي َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن عَب ْدِ ال ْ َ‬
‫خب ََرني ُ‬
‫ن َ‬
‫ن وَهْ ٍ‬
‫صال ٍِح عَ ْ‬
‫خب ََرَنا اب ْ ُ‬
‫مِ‬
‫ة بْ ِ‬
‫عَب ْدِ اللهِ ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن غَن ْم ٍ ال ْ‬
‫ن أِبى‬
‫حَري ْ ٍ‬
‫ن عَب ْدِ الّر ْ‬
‫مال ِ ِ‬
‫ن ُ‬
‫ح َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن أِبى َ‬
‫ن َ‬
‫ري عَ ْ‬
‫م عَ ْ‬
‫ث عَ ْ‬
‫شعَ ِ‬
‫ن بْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ك بْ ِ‬
‫بْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه َقا َ‬
‫ل ‪ »:‬لي َ ْ‬
‫ك ال ْ‬
‫ن‬
‫مال ِ ٍ‬
‫ن َر ُ‬
‫ل اللهِ ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬أن ّ ُ‬
‫َ‬
‫شَرب َ ّ‬
‫سو ِ‬
‫ري عَ ْ‬
‫ش ُعَ ِ‬
‫أُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ه‬
‫س‬
‫ءو‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ض‬
‫ت‬
‫و‬
‫ها‬
‫م‬
‫س‬
‫ا‬
‫ر‬
‫ي‬
‫غ‬
‫ب‬
‫ها‬
‫ن‬
‫مو‬
‫س‬
‫ي‬
‫ر‬
‫م‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫تي‬
‫م‬
‫أ‬
‫ن‬
‫م‬
‫س‬
‫نا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مَعازِ ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ ُ‬
‫ْ ّ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ ّ َ ِ ِ ْ َ َ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫جعَ ُ‬
‫خَناِزيَر" ‪.‬‬
‫م قَِرد َة ً وَ َ‬
‫يَ ْ‬
‫س ُ‬
‫ل ِ‬
‫خ ِ‬
‫ض وَي َ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ه ب ِهِ ُ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫م الْر َ‬
‫كن فيكون‬
‫ونحن هنا لنا وقفة ونتساءل ‪ ،‬هل يعجز الله تعالى عن مسخ هؤلء العاصين‬
‫إلى قرود أو نوع منهم ؟ بالطبع ل ‪ ،‬لقد استخدم الله تعالى في أية البقرة‬
‫وأية العراف أمر " كن " وهو مفتاح مفاتيح قدرته أن صح التعبير حينما ذكر‬
‫قوله تعالى " كونوا قردة خاسئين " وقد استخدم الله أمر " كن " كما جاء‬
‫فى كتابة الكريم في كل ما يخرق الطبيعة فجاء في خلق سيدنا عيسى عليه‬
‫ب أ َّنى‬
‫ت َر ّ‬
‫السلم والذي خلق بدون أب في سورة ال عمران الية ‪َ " 47‬قال َ ْ‬
‫َ‬
‫مرا ً‬
‫يَ ُ‬
‫ل ك َذ َل ِ َ‬
‫شٌر َقا َ‬
‫ما ي َ َ‬
‫سِني ب َ َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫شآُء إ َِذا قَ َ‬
‫كو ُ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫ضى أ ْ‬
‫خل ُقُ َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫م يَ ْ‬
‫ن ِلي وَل َد ٌ وَل َ ْ‬
‫ن فَي َ ُ‬
‫قو ُ‬
‫ن " وفى نفس السورة الية ‪ 59‬وفى خلق آدم عليه‬
‫ما ي َ ُ‬
‫كو ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫فَإ ِن ّ َ‬
‫ه كُ ْ‬
‫مث َ َ‬
‫م‬
‫سى ِ‬
‫ل ِ‬
‫السلم بدون أم ول أب فقال تعالى " إ ِ ّ‬
‫ل آد َ َ‬
‫عي َ‬
‫عند َ الل ّهِ ك َ َ‬
‫ن َ‬
‫مث َ ِ‬
‫كن فَي َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫م َقا َ‬
‫ن"‪.‬‬
‫خل َ َ‬
‫َ‬
‫ه ِ‬
‫كو ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ب ثُ ّ‬
‫ق ُ‬
‫من ت َُرا ٍ‬
‫ُ‬
‫ما قَوْلَنا‬
‫لقد حسم الله القضية حينما قال في سورة النحل الية ‪ " 40‬إ ِن ّ َ‬
‫ن فَي َ ُ‬
‫قو َ‬
‫لِ َ‬
‫ن " وقوله في سورة مريم الية ‪" 35‬‬
‫يٍء إ َِذآ أ ََرد َْناه ُ َأن ن ّ ُ‬
‫كو ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ه كُ ْ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫قو ُ‬
‫ن‬
‫ما ي َ ُ‬
‫ن للهِ أن ي َت ّ ِ‬
‫خذ َ ِ‬
‫ه كن فَي َكو ُ‬
‫ه إ َِذا قَ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ما كا َ‬
‫من وَلد ٍ ُ‬
‫لل ُ‬
‫مرا فَإ ِن ّ َ‬
‫ضى أ ْ‬
‫حان َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫قو َ‬
‫مُرهُ إ َِذآ أَراد َ َ‬
‫ن"‬
‫شْيئا أن ي َ ُ‬
‫ه كن فَي َكو ُ‬
‫لل ُ‬
‫مآ أ ْ‬
‫وفى سورة يسن الية ‪" 82‬إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫قو ُ‬
‫ل‬
‫ما ي َ ُ‬
‫حِيي وَي ُ ِ‬
‫وفى سورة غافر الية ‪" 68‬هُوَ ال ّ ِ‬
‫ت فَإ َِذا قَ َ‬
‫ذي ي ُ ْ‬
‫مرا ً فَإ ِن ّ َ‬
‫ضى أ ْ‬
‫مي ُ‬
‫كن في َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ن"‪.‬‬
‫كو ُ‬
‫لَ ُ‬
‫أليس كل ما جاء في هذه اليات يدل على أن الله تعالى مسخهم بالفعل الى‬
‫قردة حقيقيين وليس تشبيها لنه استخدم أمر" كن " لتنفيذ إرادته وقضائه‬
‫وقدره ؟‬
‫)‪(3 /‬‬
‫أما ما جاء في حديث رسول الله صلى الله علية وسلم والذي رواه مسلم‬
‫عن أبن مسعود والسابق الشارة إليه – جاء في تفسير القرطبي ) ص ‪(477‬‬
‫حديث أخر يتناقض مع الحديث السابق ورواه مسلم أيضا عن أبى سعيد‬
‫وجابر ‪ ،‬قال جابر ‪ :‬أتى النبي صلى عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه‪،‬‬
‫وقال " ل أدرى لعله من القرون التي مسخت " وهذا يعنى أن من مسخوا‬
‫من خلق الله قد تناسلوا بالفعل وأيضا هناك حديث آخر رواه أبو هريرة‬
‫وأخرجه مسلم وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم " فقدت أمة من‬
‫بنى إسرائيل ل يدرى ما فعلت ول أراها إل الفأر أل ترونها‪ ،‬إذا وضع لها ألبان‬
‫البل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاه شربته"‪ ،‬سؤال جديد أتسآءله ‪،‬‬
‫أليس الفئران هم الذين يجرى عليهم العلماء التجارب لختبار دواء معين‬
‫يستخدمه النسان فيما بعد لوجود صفات مشتركة بينهم وكونهم من‬

‫‪98‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الثدييات؟‬
‫وهذا دليل آخر من السنة على تناسل الممسوخين فقد أكد الله تعالى على‬
‫مسخه للعاصين من اليهود وجعلهم قردة وأكد رسوله على صحة تناسلهم‪.‬‬
‫العلقة بين النسان والقرود والخنازير‬
‫جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا أن القردة والخنازير‬
‫كانوا موجودين قبل نزول أمر الله بمسخ اليهود وأنا أعتقد صحة ذلك وأن‬
‫القرود من أصل النسان هم نوع معين من أنواع القرود وكذلك نوع من‬
‫الخنازير والعلم الحديث يؤكد على أن الشمبانزي هو أقرب الى صفات‬
‫النسان فقد نشر على موقع محطة ‪ C.N.N‬باللغة العربية فى عددها رقم‬
‫‪ 1726‬بتاريخ ‪ 25/9/2002‬أن العالم البيولوجي روي بريتن من معهد‬
‫كاليفورنيا للتكنولوجيا كشف في دراسة نشرت مؤخرا ً أن الطرق الجديدة‬
‫لمقارنة الجينات بين البشر والشمبانزي أثبتت أن التطابق وصل إلى حد‬
‫‪ %95‬وعلى نفس الموقع نشر فى العدد رقم ‪ 1846‬بتاريخ ‪22/10/2002‬‬
‫وتحت عنوان " جينات بشرية في قلوب الخنازير " جاء فيها أن الباحثين‬
‫الطاليين قد توصلوا إلى تحميل جينات بشرية في قلوب وأكباد وكلى‬
‫الخنازير في تطور يمكن أن يقود إلى تخليق قطعان من الخنازير يمكنها‬
‫تقديم أعضاء يمكن زرعها في جسم النسان " كما ذكر فى نفس الموضوع‬
‫أن وبحسب التقرير الذي نشرته وكالة السوشيتد برس فقد أظهرت‬
‫الختبارات أن الجينات البشرية توجد في أعضاء الحيوانات المركزية‪ ،‬مما‬
‫جعل بعض العلماء يقولون إن هذه الجينات سوف تكون مصنع لجيال من‬
‫الخنازير" ‪.‬وجاء أيضا فى سياق الموضوع أن دراسة نشرت للكاديمية‬
‫الوطنية للعلوم )المريكية( توصل باحثون من جامعة ميلن إلى أنهم حينما‬
‫خلطوا السائل المنوي للخنازير بالحامض النووي البشري لنقل جين يسمى‬
‫‪ ،DAF‬فإن السائل المنوي المرشح ساهم في تخصيب بويضات الخنزير لنتاج‬
‫أجنة منها تحمل جينات بشرية تستخدم كقطع غيار بديلة للعضاء البشرية " ‪.‬‬
‫كما أعلن العلماء المريكيون كما جاء على موقع )إسلم أون لين ( على‬
‫شبكة النترنيت بتاريخ ‪ 12/1/2001‬أنهم أدخلوا تعديلت وراثية على قرد في‬
‫أول محاولة لتعديل أقرب النواع إلى البشر جينيا‪ ،‬في خطوة قد تسرع‬
‫بابتكار عقاقير لعلج أمراض مثل "الزهيمر" )خرف الشيخوخة( والسرطان‪.‬‬
‫وقال "جيرالد شاتن" بمركز أوريجون لبحاث الرئيسيات ‪ -‬وهي رتبة الثدييات‬
‫التي تشمل النسان والقرد – إن الفكرة هي تعديل قردة بحيث يمكنها أن‬
‫تحمل جينات من المعروف أنها تسبب أمراضا للنسان‪ .‬مشيرا إلى أنه ربما‬
‫يمكن استنساخ هذه القردة بحيث تستخدم نسخها المطابقة فى دراسة‬
‫العقاقير وأنواع مختلفة من العلج دون الحاجة إلى التشتت الناجم عن‬
‫الختلفات الجينية‪.‬‬
‫وأضاف "شاتن" الذي نشر إنجازه في مجلة "ساينس" العلمية في عددها‬
‫الصادر الجمعة ‪ 12/1/2001‬أن العالم ربما يكون مستعدا لستقبال بعض‬
‫القردة المعدلة بطريقة خاصة لسد الهوة بين الفئران والنسان‪ ،‬فالقردة‬
‫أقرب إلى النسان من الفئران والتى ل تمر بالدورة الشهرية كما ل تعاني‬
‫من سرطان الثدى مثلما تعاني النساء؛ ولهذا فإن عددا محدودا من القردة‬
‫المخلقة بطريقة خاصة يمكن أن يساعدنا على اقتلع جذور السرطان‪.‬‬
‫هكذا جاء العلم الحديث متوافقا مع ما جاء فى القرآن الكريم والسنة ورغم‬
‫أن اكتشاف خريطة الجينات البشرية منذ سنوات قليلة وبالتحديد فى يوم‬
‫‪26/6/2000‬م حينما أعلن الرئيس المريكي "بل كلينتون" ورئيس الوزراء‬
‫‪99‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫البريطاني "توني بلير" بأن بحوث العلماء ‪ -‬التي كانت قد بدأت منذ عام‬
‫‪1990‬م ‪ -‬نجحت في اكتشاف ‪ %90‬من الجينوم البشري )الخريطة( المؤلف‬
‫من ثلثة مليارات حرف كيميائي من "خريطة الجينات البشرية" وتثبيت‬
‫مواقعها ومن المؤكد أن السنوات القليلة القادمة سيتم اكتشاف المزيد مما‬
‫جاء فى القرآن الكريم ‪.‬‬
‫خلق النسان‬
‫)‪(4 /‬‬
‫إن عملية خلق النسان جاءت فى القرآن بمنتهى الوضوح وعكس ما جاء فى‬
‫نظرية دارون تماما فقد نص القرآن الكريم فى سورة غافر الية رقم ‪" 67‬‬
‫م‬
‫م طِ ْ‬
‫ن عَل َ َ‬
‫من ن ّط ْ َ‬
‫خل َ َ‬
‫م يُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫هُوَ ال ّ ِ‬
‫خرِ ُ‬
‫فل ً ث ُ ّ‬
‫جك ُ ْ‬
‫قةٍ ث ُ ّ‬
‫فةٍ ث ُ ّ‬
‫ب ثُ ّ‬
‫م ّ‬
‫قك ُ ْ‬
‫من ت َُرا ٍ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ل ِت َ ُ‬
‫جل ً‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫كوُنوا ْ ُ‬
‫ل ِت َب ْل ُُغو?ا ْ أ ُ‬
‫من ي ُت َوَّفى ِ‬
‫شُيوخا ً وَ ِ‬
‫ل وَل ِت َب ْل ُُغو?ا ْ أ َ‬
‫م ّ‬
‫منك ُ ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫شد ّك ُ ْ‬
‫ن " أعتقد أنه ل يوجد اوضح من ذلك منذ أن خلق الله‬
‫م ت َعْ ِ‬
‫قُلو َ‬
‫م َ‬
‫مى وَل َعَل ّك ُ ْ‬
‫س ّ‬
‫ّ‬
‫آدم من تراب ثم أخذ الله من ظهور بنى آدم ذريتهم كما جاء فى سورة‬
‫خذ َ َرب ّ َ‬
‫م " وجاء‬
‫العراف الية ‪ " 172‬وَإ ِذ ْ أ َ َ‬
‫م ِ‬
‫ك ِ‬
‫من ب َِني? آد َ َ‬
‫م ذ ُّري ّت َهُ ْ‬
‫من ظ ُُهورِهِ ْ‬
‫قَنا‬
‫خل َ ْ‬
‫جعَل َْناه ُ ن ُط ْ َ‬
‫م َ‬
‫ف ً‬
‫م ِ‬
‫م َ‬
‫ن ثُ ّ‬
‫ة ِفي قََرارٍ ّ‬
‫فى سورة المؤمنون من الية ‪ " 13‬ث ُ ّ‬
‫كي ٍ‬
‫سوَْنا ال ْعِ َ‬
‫ع َ‬
‫م‬
‫خل َ ْ‬
‫قَنا ال ْعَل َ َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ة عَل َ َ‬
‫الن ّط ْ َ‬
‫ة فَ َ‬
‫ة فَ َ‬
‫ة ِ‬
‫ضغَ َ‬
‫ضغَ ً‬
‫ق َ‬
‫ق ً‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ظا َ‬
‫ظاما ً فَك َ َ‬
‫قَنا ال ْ ُ‬
‫ة ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خَر فَت ََباَر َ‬
‫م أن َ‬
‫ن "النسان ابن هذه‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خْلقا ً آ َ‬
‫شأَناه ُ َ‬
‫خال ِ ِ‬
‫هأ ْ‬
‫لَ ْ‬
‫ح َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫حما ً ث ُ ّ‬
‫قي َ‬
‫س ُ‬
‫ذى‪ ،‬وك ّ‬
‫الرض‪ ،‬من ترابها نشأ‪ ،‬وفوقه عاش ومنه تغ ّ‬
‫ل عنصر في جسمه له‬
‫َ‬
‫ض نباتًا{ )‪ 71‬نوح آية‬
‫نظيره في عناصر أ ّ‬
‫مه )الرض( }والله أن ْب ََتكم من الر ِ‬
‫‪ ،(17‬اللهم إل ذلك السّر اللطيف اّلذي أودعه الله ونفخه فيه وهو الروح‪،‬‬
‫حي‪ 15) {...‬الحجر آية ‪ ..(30‬وقد أثبت‬
‫قال تعالى‪..} :‬وَن َ َ‬
‫ف ْ‬
‫ن ُروْ ِ‬
‫ت ِفيهِ ِ‬
‫خ ُ‬
‫م ْ‬
‫العلم الحديث أن جسم النسان يحتوي ما تحتويه الرض من عناصر؛ فهو‬
‫ون من الكربون‪ ،‬والوكسجين‪ ،‬والهيدروجين‪ ،‬والفوسفور‪ ،‬والكبريت‪،‬‬
‫يتك ّ‬
‫والزوت‪ ،‬والكالسيوم‪ ،‬والبوتاسيوم‪ ،‬والصوديوم‪ ،‬والكلور‪ ،‬والمغنيسيوم‪،‬‬
‫والحديد‪ ،‬والمنجنيز ‪ ،‬والنحاس‪ ،‬واليود‪ ،‬والفلورين‪ ،‬والكوبالت‪ ،‬والزنك‪،‬‬
‫والسليكون‪ ،‬واللمنيوم‪ ،‬وك ّ‬
‫ونة‬
‫ل هذه العناصر هي العناصر نفسها المك ّ‬
‫للتراب أيضًا‪ ،‬وإن اختلفت نسبها بين النسان والّتراب‪ ،‬ومن إنسان لخر‪.‬‬
‫كذلك فإن نسبة الماء من جسم النسان‪ ،‬تعادل نسبة البحار إلى اليابسة في‬
‫الكرة الرضية‪ ،‬وهذا ما يؤكد خلق آدم من تراب الرض‪ .‬وهكذا فإن الّتراب‬
‫ور الخير‪ ،‬وهذه الحقيقة نعرفها من القرآن‪،‬‬
‫ور الّول والنسان هو الط ّ ْ‬
‫هو الط ّ ْ‬
‫وقد جاء في تفسير الشيخ سيد قطب في كتابه )في ظلل القرآن( وقد‬
‫اخترناه فقط لنه تفسير حديث وليس فيه خلف مع التفاسير الخرى في هذا‬
‫الشأن وجاء فيه " ذلك اصل نشأة الجنس النساني‪ ..‬من سللة من طين‪..‬‬
‫فأما نشأة الفرد النساني بعد ذلك‪ ،‬فتمضي في طريق آخر معروف }ثم‬
‫جعلناه نطفة في قرار مكين{‪ ..‬لقد نشأ الجنس النساني من سللة من‬
‫طين‪ .‬فأما تكرار أفراده بعد ذلك وتكاثرهم فقد جرت سنة الله أن يكون عن‬
‫طريق نقطة مائية تخرج من صلب رجل‪ ،‬فتستقر في رحم امرأة‪ .‬نقطة‬
‫مائية واحدة‪ .‬ل بل خلية واحدة من عشرات اللوف من الخليا الكامنة في‬
‫تلك النقطة‪ .‬تستقر‪} :‬في قرار مكين{‪ ..‬ثابتة في الرحم الغائرة بين عظام‬
‫الحوض‪ ،‬المحمية بها من التأثر باهتزازات الجسم‪ ،‬ومن كثير مما يصيب‬
‫الظهر والبطن من لكمات وكدمات‪ ،‬ورجات وتأثرات! والتعبير القرآني يجعل‬
‫طورا ً من أطوار النشأة النسانية‪ ،‬تاليا ً في وجوده لوجود النسان‪ ..‬وهي‬

‫‪100‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حقيقة‪ .‬ولكنها حقيقة عجيبة تدعو إلى التأمل‪،‬فهذا النسان الضخم يختصر‬
‫ويلخص بكل عناصره وبكل خصائصه في تلك النطفة‪ ،‬كما يعاد من جديد في‬
‫الجنين وكي يتجدد وجوده عن طريق ذلك التلخيص العجيب‪.‬‬
‫ومن النطفة إلى العلقة‪ .‬حينما تمتزج خلية الذكر ببويضة النثى‪ ،‬وتعلق هذه‬
‫بجدار الرحم نقطة صغيرة في أول المر‪ ،‬تتغذى بدم الم‪..‬ومن العلقة إلى‬
‫المضغة‪ ،‬حينما تكبر تلك النقطة العالقة‪ ،‬وتتحول إلى قطعة من دم غليظ‬
‫مختلط‪ ..‬وتمضي هذه الخليقة في ذلك الخط الثابت الذي ل ينحرف ول‬
‫يتحول‪ ،‬ول تتوانى حركته المنظمة الرتيبة‪ .‬وبتلك القوة الكامنة في الخلية‬
‫المستمدة من الناموس الماضي في طريقه بين التدبير والتقدير‪ ..‬حتى‬
‫تجيء مرحلة العظام‪} ..‬فخلقنا المضغة عظامًا{ فمرحلة كسوة العظام‬
‫باللحم‪} :‬فكسونا العظام لحمًا{‪ ..‬وهنا يقف النسان مدهوشا ً أمام ما كشف‬
‫عنه القرآن من حقيقة في تكوين الجنين لم تعرف على وجه الدقة إل أخيرا ً‬
‫بعد تقدم علم الجنة التشريحي وذلك أن خليا العظام غير خليا اللحم‪ .‬وقد‬
‫ثبت أن خليا العظام هي التي تتكون أول ً في الجنين‪ .‬ول تشاهد خلية واحدة‬
‫من خليا اللحم إل بعد ظهور العظام‪ ،‬وتمام الهيكل العظمي للجنين‪ .‬وهي‬
‫الحقيقة التي يسجلها النص القرآني‪} :‬فخلقنا المضغة عظامًا‪ ،‬فكسونا‬
‫العظام لحمًا{‪..‬فسبحان العليم الخبير!‬
‫}ثم أنشأناه خلقا ً آخر{‪ ..‬هذا هو النسان ذو الخصائص المتميزة‪ .‬فجنين‬
‫النسان يشبه جنين الحيوان في أطواره الجسدية‪ .‬ولكن جنين النسان ينشأ‬
‫خلقا ً آخر‪ ،‬ويتحول إلى تلك الخليقة المتميزة‪ ،‬المستعدة للرتقاء‪ .‬ويبقى جنين‬
‫الحيوان في مرتبة الحيوان‪،‬مجردا ً من خصائص الرتقاء والكمال‪ ،‬التي يمتاز‬
‫بها جنين النسان‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫إن الجنين النساني مزود بخصائص معينة هي التي تسلك به طريقه النساني‬
‫فيما بعد‪ .‬وهو ينشأ }خلقا ً آخر{ في آخر أطواره الجنينية ؛ بينما يقف الجنين‬
‫الحيواني عند التطور الحيواني لنه غير مزود بتلك الخصائص‪ .‬ومن ثم فإنه ل‬
‫يمكن أن يتجاوز الحيوان مرتبته الحيوانية‪ ،‬فيتطور إلى مرتبة النسان تطورا ً‬
‫آليًاـ كما تقول النظريات المادية ـ فهما نوعان مختلفان‪ .‬اختلفا بتلك النفخة‬
‫اللهية التي بها صارت سللة الطين إنسانًا‪ .‬واختلفا بعد ذلك بتلك الخصائص‬
‫المعينة الناشئة من تلك النفخة والتي ينشأ بها الجنين النساني }خلقا ً آخر{‪.‬‬
‫إنما النسان والحيوان يتشابهان في التكوين الحيواني ‪ ،‬ثم يبقى الحيوان‬
‫حيوانا ً في مكانه ل يتعداه ويتحول النسان خلقا ً آخر قابل ً لما هو مهيأ له من‬
‫الكمال بواسطة خصائص مميزة‪ ،‬وهبها له الله عن تدبير مقصود ل عن‬
‫طريق تطور آلي من نوع الحيوان إلى نوع النسان‪.‬‬
‫}فتبارك الله أحسن الخالقين{‪ ..‬وليس هناك من يخلق سوى الله‪ .‬فأحسن‬
‫هنا ليست للتفضيل‪ ،‬إنما هي للحسن المطلق فيخلق الله‪.‬‬
‫}فتبارك الله أحسن الخالقين{‪ ..‬الذي أودع فطرة النسان تلك القدرة على‬
‫السير في هذه الطوار‪ ،‬وفق السنة التي ل تتبدل ول تنحرف ول تتخلف‪ ،‬حتى‬
‫تبلغ بالنسان ما هو مقدر له من مراتب الكمال النساني‪ ،‬على أدق ما يكون‬
‫النظام ‪ .‬هكذا انتهى شرح الشيخ سيد قطب وجاء متوافقا مع علم التشريح‬
‫الحديث فسبحان الله‪ ،‬هذا هو التطور الذي حدث للجنين حتى أصبح طفل‬
‫وخرج إلى الحياة في أحسن تقويم والذي كان خلقة أسهل وأقل من خلق‬

‫‪101‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ت‬
‫السماوات والرض كما جاء فى سورة غافر آية ‪ " 57‬ل َ َ‬
‫ماَوا ِ‬
‫خل ْقُ ال ّ‬
‫س َ‬
‫خل ْق الناس وَلك َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن"‪.‬‬
‫ض أك ْب َُر ِ‬
‫مو َ‬
‫س ل َ ي َعْل َ ُ‬
‫ن َ ِ ّ ِ َ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن أك ْث ََر الّنا ِ‬
‫َوالْر ِ‬
‫هذا هو الخلق الواضح للنسان بمراحله وحلقاته وصفها بكل دقة ويتقبلها‬
‫العقل والمنطق ول تحتوى على حلقة مفقودة فى خلقة كما جاء فى نظرية‬
‫دارون التى تقول أن حلقة أو مرحلة غير معلومة ما بين تطور القرد الى‬
‫إنسان ولسنا هنا فى صدد الرد على مفردات نظرية دارون والتى تثير جدل‬
‫حاليا حتى فى أمريكا بولية كانسس على أهمية تدريسها فى المدارس ويرى‬
‫الكثيرين من أولياء المور تدريس نظرية الخلق كما جاءت فى التوراة ‪.‬‬
‫ملخص افتراضنا‬
‫ً‬
‫لقد بحثت قى أكثر من ‪ 250‬موقعا منتشرة على شبكة النترنت تتحدث عن‬
‫نظرية دارون باللغة العربية منها من يشرحها ويتعاطف معها ومنها من‬
‫يهاجمها بشدة ومواقع أخرى باللغة النجليزية تتحدث على الشبه الواضح بين‬
‫النسان وبين الشمبانزي ومنها موقع يقارن بين الرئيس بوش والشمبانزي‬
‫للشبة الذي بينهما وليؤكدوا على صحة نظرية دارون ولكنني لم أجد في أي‬
‫من هذه المواقع ما يتماشى مع الفكرة أو الفتراض الذي نطرحه ونلخصه‬
‫في التي " أن كل ما جاء في القرآن الكريم هو حق وأن ما أثبته العلم‬
‫الحديث بما يملك من تقنيات عالية بشأن خطوات نشأة الجنين فى بطن أمه‬
‫جاءت متوافقة مع ما جاء في القرآن وأيضا أثبت العلم أن مكونات جسم‬
‫النسان من معادن هى نفسها الموجودة فى التراب والذى خلق منه آدم‬
‫عليه السلم وهو أصل النسان ‪ ،‬وأن بعض النواع من القرود والخنازير من‬
‫أصل إنسان وليس العكس وهذا نتيجة مسخ بعض العصاه من أهل قرية أيلة‬
‫بفلسطين إلى قرود وخنازير ولذا أثبت علم الجينات بأن ‪ % 90‬من جينات‬
‫الشمبانزي وهو من المرتبة العليا من القرود تتطابق مع جينات النسان " ‪.‬‬
‫وليس كما قال دارون اليهودى إن النسان أصله قرد ربما لنه عرف الحقيقة‬
‫وعرف أنهم أصل القرود فروج لنظريته حتى ينفيها عنهم وأتمنى بأل أتهم‬
‫بمعاداة السامية ‪.‬‬
‫أنا ل أدعى بأنني رجل دين أو عالم ولكننى مجتهد أقدم هذه الفتراضية‬
‫الجديدة ل أجزم بصحتها ‪ -‬وإن كنت أميل لذلك – ولكنى أطرحها للمناقشة‬
‫العامة بين المتخصصين من العلماء ورجال الدين ولكل صاحب فكر يريد أن‬
‫بدلي بدلوه ‪.‬‬
‫لقد اجتهدت فإن أخطأت فلي أجر‪ ..‬وأن أصبت فلي أجران‪.‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫النسان و العلم و القلم‬
‫)‪(1/2‬‬
‫أمين حسن أحمد يس*‬
‫العلم ذلك العملق الذي وسع بعظمته الكون‪ ..‬قلما يجد له أهل ً يحسنون‬
‫معاملته‪ ،‬وينشئون معه علقة حميمة إلى درجة تجعله لهم غاية‪ ،‬وتجعل منهم‬
‫له هوية‪ .‬وإن أهل العلم على الحقيقة هم أولئك الذين قويت فطرتهم‬
‫العلمية‪ ،‬وملت قلوبهم وعقولهم؛ فصاروا بها محض علم يتحرك‪.‬‬
‫في عام ‪1989‬م عندما كنت في المرحلة الثانوية من سنين الدراسة‪ ،‬وكانت‬
‫امتحانات الشهادة الثانوية على البواب كانت تضمني مع بعض الزملء دار‬
‫فسيحة نستذكر فيها الدروس‪ ،‬وبينما نحن منكبون على الكتب منهمكون في‬

‫‪102‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الدراسة ذهبت بفكري بعيدًا‪ ..‬فقلت للزملء‪ :‬هل نحن نبذل هذا الجهد في‬
‫التحصيل لندخل الجامعة حتى تؤهلنا للعمل بعد التخرج؟ واستطردت قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫إن هذه الغاية ل تقنع شيئا ً هنا في داخل رأسي‪ ،‬ول ترضي له طموحًا!‪..‬‬
‫ولكن قوبل رأي بالستنكار‪ ،‬ثم قاموا قائلين‪ :‬هل تريد أن تضيع مستقبلنا؟!‪..‬‬
‫لما كان المر كذلك‪ ..‬وكانت المعاهد العلمية ل تعدو كونها معتقلت يمارس‬
‫فيها الزبانية والجلدون عمليات الضطهاد النساني كان ذلك هو السبب الذي‬
‫لم يجعلها يوما ً )مدينة نور مسحورة؛ تحوي النسان السطورة(‪ ..‬وحيث إن‬
‫الروح ل ترضى بغير مقامها السنى فقد رفضت الواقع المشين‪ ..‬كان هذا‬
‫أدعى أن أدخل بها في سبحات روحية أتأمل فيها الحقيقة؛ فأخذت أوغل إلى‬
‫أن رأيت بعين البصيرة نور الفكرة يمتد على مدى الرؤية حين انبثاقها من‬
‫عين الوجود )وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات و الرض وليكون من‬
‫الموقنين(؛ فعلمت أنه لكي أكون إنسانا ً فيجب أن أطلب العلم لذاته؛ ل‬
‫لغيره‪ ..‬وأدركت أن مفتاح الذات الذي به يدخل المرء عالم نفسه ل يوجد إل‬
‫في العلم‪ ..‬وحتى الرادة والختيار ل يكونان إل بالعلم‪ ،‬وإنك ل تستطيع أن‬
‫تخترق حجب المادة ليكون لك وجود وراء الطبيعة – متافيزيقيا ‪ -‬إل بالعلم‪،‬‬
‫ورأيت أن الكون قد أسس تأسيسا ً علميا؛ فل بد لمن يستخلف فيه أن يكون‬
‫مخلوقا ً علميًا‪) ..‬وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الرض خليفة(‪ ..‬يقول‬
‫صاحب الظلل‪) :‬إذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم هذا الكائن الجديد‬
‫في الوجود زمام هذه الرض‪ ،‬وتطلق يده‪ ،‬وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في‬
‫البداع والتكوين وكشف مافي هذه الرض من قوى‪ ،‬وطاقات‪ ،‬وكنوز‪،‬‬
‫وخامات‪ ،‬وتسخير‪ ..‬هذا كله له في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه؛ إذن‬
‫فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة والستعدادات المذخورة‬
‫كل ما في هذه الرض من قوى‪ ،‬وطاقات‪ ،‬وكنوز‪ ،‬وخامات‪ ،‬ووهب له من‬
‫القوى الخفية ما يحقق المشيئة اللهية‪.‬‬
‫ً‬
‫لم تكن الخصيصة التي كرم بها آدم وفضل على الملئكة شيئا سوى‬
‫)العلم(‪ ..‬ولم يكن الذي تلقاه آدم علما تلقنيا؛ إذ لو كان المر مجرد التلقين‬
‫لما كانت هناك مزية لدم على الملئكة‪ ،‬لقد كان آدم عليه السلم وهو ينبأ‬
‫بأسماء كل شيء يباشر طبيعته البشرية‪ ،‬ويعمل بمقتضى وجوده النساني‪..‬‬
‫يقول صاحب الظلل‪ :‬ها نحن أولء نشهد طرفا من ذلك السر اللهي العظيم‬
‫الذي أودعه الله ذلك الكائن البشري وهو يسلمه مقاليد الخلفة‪ ..‬سّر القدرة‬
‫للرمز بالسماء للمسميات‪ ،‬سّر القدرة على تسمية الشخاص والشياء‬
‫بأسماء يجعلها وهي ‪ -‬ألفاظ منطوقة ‪ -‬رموزا ً لتلك الشخاص والشياء‬
‫المحسوسة‪ .‬أهـ‪ ..‬والمعنى أنه إذا قيل لزيد من الناس )جبل( انقدح في ذهنه‬
‫صورة الجبل‪ ،‬وإذا رآه عرف أن اسمه جبل دون الحوجة للسؤال عنه‪ ،‬يدخل‬
‫في ذلك المعاني والمحسوسات‪ ..‬يقول سبحانه وتعالى مخبرا عن خلق‬
‫واه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والبصار والفئدة‬
‫النسان‪) :‬ثم س ّ‬
‫قليل ً ما تشكرون( السجدة )‪ ..(9‬نلحظ أن ذكر السمع‪ ،‬والبصر‪ ،‬والفؤاد جاء‬
‫بعد ذكر النفخ نفي الروح؛ وليس عند تسوية البدن؛ للدللة على أن الذي‬
‫جعل إثر نفخ الروح هو من الروح كشيء من لوازمه‪ ..‬ما الروح؟‪ ،‬هل الروح‬
‫ُ‬
‫إل هذا النسان؟‪ ..‬ثم يمضي السياق القرآني ليبين في آية أخرى جدوى وجود‬
‫السمع والبصر والفؤاد في التكوين الذاتي للنسان )والله أخرجكم من بطون‬
‫أمهاتكم ل تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والبصار والفئدة لعلكم‬
‫تشكرون(‪ ..‬يقول السيد اللوسي في أرواح المعاني‪) :‬المعنى جعل لكم هذه‬
‫الشياء آلت تحصلون بها على العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم‬
‫‪103‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫جزئيات الشياء وتدركوها بأفئدتكم(‪ ..‬هل يبقى لنا حيال هذا إل أن نسلم بأن‬
‫النسان ُأعد في فطرته إعدادا ً خاصا ً ليكون بموجبه مخلوقا ً علميًا‪ ..‬وإننا‬
‫لنلمس العلمية واضحة جلية في الطفال الذين يريدون أن يتعرفوا على كل‬
‫شيء‪ ،‬ويحاولون اكتشاف الحياة من حولهم‪.‬‬
‫النسان و العلم و القلم )‪ (2/2‬أمين حسن أحمد يس*‬
‫إن الله سبحانه ‪ -‬الذي أعطى بني آدم هذه النسانية العلمية الراقية ‪ -‬يأبى‬
‫إلغاؤها أو تعطيل أيّ جزء منها؛ لن إلغاءها هو إلغاء لحريتها‪ ،‬وتعطيل شيء‬
‫منها يعني محو جزء من علمها وكرامتها‪ ..‬فمن للنسانية حين تستعبدها‬
‫الرادة المستبدة ؟!‪..‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫يقول عبد الرحمن الكواكبي‪) :‬فكل إرادة مستبدة تسعى جهدها لطفاء نور‬
‫العلم‪ ،‬وحصر الرعية في حالك الجهل‪ ،‬وأخوف ما يخافه المستبدون هو العلم‬
‫بأن يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة‪ ..‬يدخل في أصحاب هذه‬
‫الرادة الحكام الذين يريدون أن تموت النسانية لتحيى أهواؤهم‪ ..‬والزعماء‬
‫الذين يريدون أن تموت روح النسانية؛ فيستنسخوا منها نمطية تقدسهم؛‬
‫لتعبد بها ذواتهم‪ ..‬والعلماء الذين يريدونها أن تنغمس فيهم ليحيى وجودهم‪..‬‬
‫يا هؤلء! كفكفوا دمعها‪ ،‬أو كفوا عنها )‪.‬‬
‫إن الذين يعملون على إنقاذ النسانية‪ ،‬ووجودها العلمي‪ ،‬ويحاولون بذلك‬
‫كفكفة بعض من دموعها في المؤسسات التعليمية يعملون فقط على إحياء‬
‫وها )ذكّيا في جانب‪،‬‬
‫رجوا لنا بذلك كائنا علميا مش ّ‬
‫الذهنية العلمية الباردة؛ لُيخ ِ‬
‫دا في الجوانب الخرى‪.(..‬‬
‫ومتبل ّ ً‬
‫كنت أتكلم في قضية تمس جوهر النسان مع أحد الناس؛ فلم ي ُب ْدِ أيّ تجاوب؛‬
‫واكتفى بمقالة‪ :‬إنه )مهندس(!!‪..‬‬
‫إن الذي يفيد من حقيقة العلم هو ذلك الذي يحافظ على الجين العلمي‬
‫بسلمة الفطرة؛ فيقبل على العلم بالروح النساني؛ وليس بالوجود الغريزي‪..‬‬
‫الشخصية العلمية هي التي تتوجه نحو العلم باستحضار إنسانيتها؛ بما فيها من‬
‫إستعدادات علمية لتتلقى الحقائق العلمية‪ ،‬ثم تترجم ذلك إلى قناعات تختار‬
‫بها مواقفها في الحياة‪ ..‬وهي في ذلك تتبع العلم الذي وصل إليها‪ ،‬وتشكل‬
‫عليه وجودها‪..‬‬
‫عندها يتحقق الوجود النساني‪ ،‬ويتمثل المرء في مواقف الحياة؛ شاخصا‬
‫بطابعه الخاص‪ ،‬ونكهته المميزة‪..‬‬
‫ودون ذلك يتحول النسان إلى حيوان بهيم؛ يتبع بغير علم‪ ،‬ويمشي مع‬
‫القطيع وإن كان يساق إلى الذبح‪ ..‬فيا َلضيعة النسانية حين تسام الهوان‪،‬‬
‫وتساِوم بالبدان!!‪..‬‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ك َ‬
‫ل أولئ ِ َ‬
‫س لَ َ‬
‫ؤاد َ ك ُ ّ‬
‫ف َ‬
‫ه‬
‫صَر َوال ُ‬
‫)وَل َ ت َ ْ‬
‫ك ب ِهِ ِ‬
‫ق ُ‬
‫كا َ‬
‫م إِ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن عَن ْ ُ‬
‫س ْ‬
‫عل ٌ‬
‫ف َ‬
‫معَ َوالب َ َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫س ُ‬
‫ؤول( السراء ‪..36‬‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫من العجيب الذي يلفت النظر أن أول ما نزل من القرآن ذكر فيه النسان‬
‫ْ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫ق‬
‫خل َقَ )‪َ (1‬‬
‫ذي َ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫ثلث مرات مقترنا مع ذكر العلم والقلم )اقَْرأ ِبا ْ‬
‫خل َ َ‬
‫من عَل َق )‪ (2‬اقْرأ ْ ورب ّ َ َ‬
‫م ِبال ْ َ َ‬
‫م‬
‫م )‪ (3‬ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫ك الك َْر ُ‬
‫لن َ‬
‫م)‪ (4‬عَل ّ َ‬
‫ذي عَل ّ َ‬
‫َ ََ‬
‫ن ِ ْ‬
‫ا ِ‬
‫قل ِ‬
‫ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن لي َطَغى )‪ ..( (6‬يقول العلمة ابن‬
‫سا َ‬
‫م )‪ (5‬كل إ ِ ّ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫لن َ‬
‫م ي َعْل ْ‬
‫ما ل ْ‬
‫ن َ‬
‫نا ِ‬
‫ا ِ‬
‫َ‬
‫مه تعالى أن‬
‫كثير‪) :‬فيه تنبيه على ابتداء خلق النسان من علقه‪ ،‬وأن من كَر ِ‬
‫عّلم النسان ما لم يعلم؛ فشّرفه وكّرمه بالعلم؛ وهو القدر الذي امتاز به أبو‬
‫‪104‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫البرية آدم عليه السلم على الملئكة( اهـ‪.‬‬
‫إن النسان في اليات السابقة ذكر في معرض الخلق‪ ،‬وفي معرض التعليم‬
‫بالقلم كتتمة للخلق‪ ،‬ثم في معرض الطغيان؛ مما يشير إلى أن النسان حين‬
‫يتخ ّ‬
‫ول إلى طاغية يتمّرد على كل‬
‫طى إكرام الله له في التعليم بالقلم يتح ّ‬
‫شيء‪ ،‬ويصير وحشا يفتك بالنسانية‪.‬‬
‫يقول صاحب الظلل رحمه الله‪) :‬وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة‬
‫التعليم‪ ..‬تعليم الرب للنسان بالقلم؛ لن القلم كان وما زال أوسع‪ ،‬وأعمق‬
‫أدوات التعليم أثرا في حياة النسان(‪.‬‬
‫إن المرء ل يستطيع أن يحافظ على كرامته‪ ،‬وطبيعته البشرية إل بأن يصحب‬
‫العلم والقلم إلى أن يواريه الثرى؛ بذلك بزغ فجر النسانية‪ ،‬وأشرقت بضيائه‬
‫الرض‪ ،‬وانطلقت أشعته تمل الحياة بالدفء‪ ،‬حينما قامت الحضارة النسانية‬
‫تسطع بأنوار الخلفة‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫النفاق من الدخل المحّرم لداء الحج أو العمرة‬
‫السؤال ‪:‬‬
‫دخان ‪ ،‬فهل كسبه حرام ؟ و هل يجوز أن‬
‫يعمل والدي في شركة تصن ّعُ ال ُ‬
‫أذهب للعمرة على هذه النفقات ؟ مع العلم أّنه ليس لدي مصدر آخر‬
‫للكسب ‪.‬‬
‫الجواب ‪:‬‬
‫أقول مستعينا ً بالله تعالى ‪:‬‬
‫ل شك عندنا في تحريم التدخين ) تعاطي الدخان ( ‪ ،‬لما يترتب عليه من‬
‫حة ‪ ،‬و إضاعة المال ‪ ،‬و إيذاء الجلساء و المجاورين ‪ ،‬و وجود‬
‫الضرار بالص ّ‬
‫ً‬
‫ف لتحريمه ‪ ،‬فكيف بها جميعا ؟!‬
‫أحد هذه المور في الفعل كا ٍ‬
‫ً‬
‫ن الله تعالى إذا حّرم شيئا حّرم ثمنه ‪ ،‬و من‬
‫و من المقرر عند أهل العلم أ ّ‬
‫ي ‪ ،‬و حلوان الكاهن ‪ ،‬الثابت في سنن‬
‫ذلك تحريم ثمن الكلب ‪ ،‬و مهر البغ ّ‬
‫أبي داود و النسائي و مسند أحمد بإسنادٍ صحيح ‪.‬‬
‫ن عشرةٍ بسبب الخمرة ‪ ،‬فقد روى الترمذي و ابن ماجة و‬
‫و مثل ذلك لع ُ‬
‫أحمد عن عَ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سول اللهِ صلى الله عليه وسلم‬
‫مال ِ ٍ‬
‫ن َر ُ‬
‫ن َ‬
‫ك قال ‪ » :‬لعَ َ‬
‫ْ‬
‫س بْ ِ‬
‫ن أن َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ها وَ َ‬
‫مرِ عَ َ‬
‫ه‬
‫شَرةً ‪َ :‬‬
‫ِفي ال ْ َ‬
‫مول َ‬
‫صَر َ‬
‫صَر َ‬
‫ة إ ِلي ْ ِ‬
‫حا ِ‬
‫معْت َ ِ‬
‫عا ِ‬
‫م ْ‬
‫شارِب ََها وَ َ‬
‫ح ُ‬
‫ملَها َوال َ‬
‫ها وَ ُ‬
‫خ ْ‬
‫ساقِي ََها وََبائ ِعََها َوآك ِ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه«‪.‬‬
‫وَ َ‬
‫شت ََراةَ ل َ ُ‬
‫شت َرِىَ ل ََها َوال ْ ُ‬
‫من َِها َوال ْ ُ‬
‫ل ثَ َ‬
‫جاِبر بن عبد الله رضي الله عنه ‪َ ،‬قال ‪:‬‬
‫ن َ‬
‫و روى مسلم و الترمذي و أحمد عَ ْ‬
‫ه وَ َ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه وسلم آك ِ َ‬
‫سو ُ‬
‫ه وَ َ‬
‫ه‬
‫شاهِد َي ْ ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫كات ِب َ ُ‬
‫موك ِل َ ُ‬
‫ل الّرَبا وَ ُ‬
‫ل َعَ َ‬
‫وََقا َ‬
‫واٌء ( ‪.‬‬
‫م َ‬
‫ل ‪ ) :‬هُ ْ‬
‫س َ‬
‫ن من أعان على حرام ٍ فعليه مثل ِوزر‬
‫و ُيستفاد من مجموع هذه الخبار أ ّ‬
‫ن من أعان على خيرٍ فله مثل أجر فاعله ‪.‬‬
‫فاعله ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫م أيضا ‪ ،‬و كذلك العمل في تصنيعه ‪ ،‬أو‬
‫فما دام التدخين حراما فإن ثمنه حرا ٌ‬
‫تعليبه ‪ ،‬أو نقله ‪ ،‬أو تسويقه ‪ ،‬أو تقديمه على سبيل الضيافة أو الهداء ‪ ،‬و ك ّ‬
‫ل‬
‫ما ترّتب على هذه العمال من عائد ٍ مادي ) ثمنا ً أو إجارةً أو نحو ذلك ( فهو‬
‫حرام ‪.‬‬
‫و على من ابُتلي بشيٍء من ذلك أن يتوب إلى الله تعالى ‪ ،‬و ُيقِلع عنه على‬
‫خر ‪ ،‬فأبواب الخير‬
‫بآ َ‬
‫الفور إل أن يكون مضطرا ً ‪ ،‬و يلتمس رزقه في با ٍ‬
‫وضه الله خيرا ً منه ‪.‬‬
‫كثيرة ٌ ‪ ،‬و من ترك شيئا ً لله ع ّ‬
‫‪105‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بل‬
‫ن الله طي ّ ٌ‬
‫و إذا أراد الحج أو العمرة فليتخّير لنفقته فيهما أطَيب ماله ‪ ،‬ل ّ‬
‫َيقب ُ‬
‫ل إل طّيبا ً ‪ ،‬فإن لم يجد من المال الحلل ما يكفيه مؤونة الزاد و الراحلة‬
‫سع الله عليه ‪ ،‬و ما ذلك على الله بعزيز ‪.‬‬
‫فليصبر حتى يو ّ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫اليمان ينبوع السعادة‬
‫الدكتور حسان شمسي باشا‬
‫ليست السعادة في وفرة المال ‪ ..‬ول سطوة الجاه ‪ ..‬ول كثرة الولد ‪ ..‬ول‬
‫نيل المنفعة ‪ ..‬ول في العلم المادي ‪.‬‬
‫السعادة شيء يشعر به النسان بين جوانحه ‪ :‬صفاء نفس ‪ ..‬وطمأنينة‬
‫قلب ‪ ..‬وانشراح صدر ‪ ..‬وراحة ضمير ‪.‬‬
‫السعادة – كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي ‪ " : -‬شيء ينبع من داخل‬
‫النسان ‪ ..‬ول يستورد من خارجه ‪ .‬وإذا كانت السعادة شجرة منبتها النفس‬
‫البشرية ‪ ..‬والقلب النساني ‪ ..‬فإن اليمان بالله وبالدار الخرة هو ماؤها ‪..‬‬
‫وغذاؤها ‪ ..‬وهواؤها "‬
‫ويقول أديب مصر ) مصطفى لطفي المنفلوطي ( رحمه الله ‪ " :‬حسبك من‬
‫السعادة في الدنيا ‪ :‬ضمير نقي ‪ ..‬ونفس هادئة ‪ ..‬وقلب شريف " ‪.‬‬
‫يروى أن زوجا غاضب زوجته ‪ ،‬فقال لها متوعدا ‪ :‬لشقينك ‪ .‬قالت الزوجة‬
‫في هدوء ‪ :‬ل تستطيع أن تشقيني ‪ ،‬كما ل تملك أن تسعدني ‪ .‬فقال الزوج ‪:‬‬
‫وكيف ل أستطيع ؟ فقالت الزوجة ‪ :‬لو كانت السعادة في راتب لقطعته‬
‫عني ‪ ،‬أو زينة من الحلي والحلل لحرمتني منها ‪ ،‬ولكنها في شيء ل تملكه‬
‫أنت ول الناس أجمعون !‪ ..‬فقال الزوج في دهشة وما هو ؟ قالت الزوجة في‬
‫يقين ‪ :‬إني أجد سعادتي في إيماني ‪ ،‬وإيماني في قلبي ‪ ،‬وقلبي ل سلطان‬
‫لحد عليه غير ربي !‪..‬‬
‫وتجاربنا في الحياة – كما يقول الدكتور أحمد أمين – تدلنا على أن اليمان‬
‫بالله مورد من أعذب موارد السعادة ومناهلها ‪ .‬وإن أكبر سبب لشقاء السر‬
‫وجود أبناء وبنات فيها ل يرعون الله في تصرفاتهم ‪ ،‬وإنما يرعون أهواءهم‬
‫وملذاتهم ‪ .‬وإذا فشا الدين في أسرة ‪ ،‬فشت فيها السعادة ‪ .‬ويقول الدكتور‬
‫كامل يعقوب ‪ " :‬والحقيقة التي لمستها في حياتي – كطبيب – أن أوفر‬
‫الناس حظا من هدوء النفس هم أكثر نصيبا من قوة اليمان ‪ ..‬وأشدهم تعلقا‬
‫بأهداب الدين " ‪.‬‬
‫وقد حدث ذات مرة أن كان أحد الطباء الناشئين يمر مع أستاذه على بعض‬
‫المرضى في أحد المستشفيات الجامعية ‪ .‬وكان الستاذ رجل أيرلنديا واسع‬
‫العلم متقدما في السن ‪ .‬وجعل الطبيب الشاب – كلما صادف مريضا قد‬
‫زالت عنه أعراض المرض – يكتب في تذكرة سريره هذه العبارة ‪ " :‬شفي‬
‫ويمكنه مغادرة المستشفى " ‪ .‬ولحظ الستاذ علئم الزهو على وجه‬
‫تلميذه ‪ ..‬وقال له وهو يرنو إليه ‪ :‬اشطب كلمة " شفي " يا ولدي ‪ ..‬واكتب‬
‫بدل منها كلمة " تحسن " ‪ ..‬فنحن ل نملك شفاء المرضى ‪ ..‬ويكفينا فخرا أن‬
‫يتحسنوا على أيدينا ‪ ..‬أما الشفاء فهو من عند الله وحده " ‪.‬‬
‫ويعلق على ذلك الدكتور كامل يعقوب قائل ‪ " :‬ولست أشك في أن مثل هذا‬
‫اليمان العميق – إلى جانب العلم الغزير هو من دواعي الغبطة الروحية ‪..‬‬
‫والسعادة الحقة " ‪.‬‬
‫السعادة ‪ ..‬في سكينة النفس ‪:‬‬

‫‪106‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وسكينة النفس – بل ريب – هي الينبوع الول للسعادة ‪ " .‬هذه السكينة – كما‬
‫يقول الدكتور القرضاوي في كتابه القيم ) اليمان والحياة ( – روح من الله ‪،‬‬
‫ونور يسكن إليه الخائف ‪ ،‬ويطمئن عنده القلق ‪ ،‬ويتسلى به الحزين " ‪.‬‬
‫وغير المؤمن في الدينا تتوزعه هموم كثيرة ‪ ،‬وتتنازعه غايات شتى ‪ ،‬وهو‬
‫حائر بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء المجتمع الذي يحيا فيه ‪ .‬وقد استراح‬
‫المؤمن من هذا كله ‪ ،‬وحصر الغايات كلها في غاية واحدة عليها يحرص ‪،‬‬
‫وإليها يسعى ‪ ،‬وهي رضوان من الله تعالى ‪ .‬قال تعالى ‪ " :‬فمن اتبع هداي‬
‫فل يضل ول يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا " طه ‪122‬‬
‫– ‪. 123‬‬
‫وأي طمأنينة ألقيت في قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يوم عاد من‬
‫الطائف ‪ ،‬دامي القدمين ‪ ،‬مجروح الفؤاد من سوء ما لقي من القوم ‪ ،‬فما‬
‫كان منه إل أن رفع يديه إلى السماء ‪ ،‬يقرع أبوابها بهذه الكلمات الحية‬
‫النابضة ‪ ،‬فكانت على قلبه بردا وسلما ‪ " :‬اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ‪..‬‬
‫وقلة حيلتي ‪ ..‬وهواني على الناس يا أرحم الراحمين ‪ .‬أنت رب المستضعفين‬
‫‪ ،‬وأنت ربي ‪ ..‬إلى من تلكني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري‬
‫؟ إن لم يكن بك علي غضب فل أبالي ‪ ،‬ولكن عافيتك أوسع لي ‪ ..‬أعوذ بنور‬
‫وجهك الذي أشرقت له الظلمات ‪ ،‬وصلح عليه أمر الدنيا والخرة من أن‬
‫تنزل بي غضبك ‪ ،‬أو يحل علي سخطك ‪ ..‬لك العقبى حتى ترضى ‪ ،‬ول حول‬
‫ول قوة إل بالله "‪.‬‬
‫ومن أهم عوامل القلق تحسر النسان على الماضي ‪ ،‬وسخطه على‬
‫الحاضر ‪ ،‬وخوفه من المستقبل ‪ ،‬ولهذا ينصح الطباء النفسيون ورجال‬
‫التربية أن ينسى النسان آلم أمسه ‪ ،‬ويعيش في واقع يومه ‪ ،‬فإن الماضي‬
‫بعد أن ولى ل يعود ‪ .‬وقد صور هذا أحد المحاضرين بإحدى الجامعات‬
‫المريكية تصويرا بديعا حين سألهم ‪ :‬كم منكم مارس نشر الخشب ؟ فرفع‬
‫كثير من الطلبة أصابعهم ‪ .‬فعاد يسألهم ‪ :‬كم منكم مارس نشر نشارة‬
‫الخشب ؟ فلم يرفع أحد منهم إصبعه ‪ .‬وعندئذ قال المحاضر ‪ :‬بالطبع ‪ ،‬ل‬
‫يمكن لحد أن ينشر نشارة الخشب فهي منشورة فعل ‪ ..‬وكذلك الحال مع‬
‫الماضي ‪ ،‬فعندما ينتابكم القلق لمور حدثت في الماضي ‪ ،‬فاعلموا أنكم‬
‫تمارسون نشر النشارة !!‪..‬‬
‫السعادة ‪ ..‬في الرضا ‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫والرضا درجة أعلى من درجة الصبر ‪ ،‬ل يبلغها إل من أتاه الله إيمانا كامل‬
‫وصبرا جميل ‪ ،‬فترى الراضي مسرورا راضيا فيما حل به ‪ ،‬سواء أكان ذلك‬
‫علة أم فقرا أم مصيبة ‪ ،‬لنها حدثت بمشيئة الله تعالى ‪ ،‬حتى قد يجد ما حل‬
‫به نعمة أنعم الله بها عليه ‪ .‬ولهذا كان من أدعية رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ " :‬وأسألك الرضا بالقضاء ‪ . " ..‬وقد حدثنا رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم عن الراضين فقال ‪ " :‬لحدهم أشد فرحا بالبلء من أحدكم بالعطاء"‬
‫رواه أبو يعلى ‪.‬‬
‫ويحدثنا التاريخ أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كف بصره ‪ ،‬وكان‬
‫مجاب الدعوة ‪ ،‬يأتي الناس إليه ليدعو لهم فيستجاب له ‪ ،‬فقال له أحدهم ‪:‬‬
‫يا عم ‪ ،‬إنك تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك ! فقال‬
‫رضي الله عنه ‪ :‬يا بني ‪ ،‬قضاء الله عندي أحسن من بصري ‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والساخطون والشاكون ل يذوقون للسرور طعما ‪ ،‬فحياتهم كلها ظلم وسواد‬
‫‪ .‬أما المؤمن الحق فهو راض عن نفسه ‪ ،‬راض عن ربه ‪ ،‬وهو موقن أن تدبير‬
‫الله له أفضل من تدبيره لنفسه ‪ ،‬يناجي ربه يقول " بيدك الخير إنك على كل‬
‫شيء قدير " آل عمران ‪26‬‬
‫السعادة ‪ ..‬في القناعة والورع‬
‫طبع النسان على حب الدنيا وما فيها ‪ ،‬وليس السعيد هو الذي ينال كل ما‬
‫يرغب فيه ‪ ..‬إن السعد منه هو الذي يقنع بما عنده ‪ .‬قال سعد بن أبي وقاص‬
‫لبنه ‪ " :‬يا بني ‪ ،‬إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة ‪ ..‬فإن لم تكن قناعة ‪..‬‬
‫فليس يغنيك مال ‪. " ..‬‬
‫ن‬
‫وما أجمل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه ‪َ :‬‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ما ِ‬
‫سدِهِ ِ‬
‫ت ي َوْ ِ‬
‫مًنا ِفي ِ‬
‫مآ ِ‬
‫ح ِ‬
‫مَعاًفى ِفي َ‬
‫صب َ َ‬
‫ج َ‬
‫حيَز ْ‬
‫مهِ فَك َأن ّ َ‬
‫عن ْد َه ُ ُقو ُ‬
‫سْرب ِهِ ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫أ ْ‬
‫ه الد ّن َْيا ‪ .‬رواه الترمذي ‪.‬‬
‫لَ ُ‬
‫قال حاتم الصم لولده ‪ :‬إني أريد الحج ‪ .‬فبكوا وقالوا ‪ :‬إلى من تكلنا ؟‬
‫فقالت ابنته لهم ‪ :‬دعوه فليس هو برازق ‪ .‬فسافر فباتوا جياعا وجعلوا‬
‫يوبخون البنت فقالت ‪ :‬اللهم ل تخجلني بينهم ‪ .‬فمر بهم أمير البلد وطلب‬
‫ماء ‪ ،‬فناوله أهل حاتم كوزا جديدا وماء باردا ‪ ،‬فشرب وقال ‪ :‬دار من هذه ؟‬
‫فقالوا ‪ :‬دار حاتم الصم ‪ ،‬فرمى فيها قلدة من ذهب ‪ ،‬وقال لصحابه ‪ :‬من‬
‫أحبني فعل مثلي ‪ ،‬فرمى من حوله كلهم مثله ‪ .‬فخرجت البنت تبكي ‪ ،‬فقال‬
‫أمها ‪ :‬ما يبكيك ؟ قالت ‪ :‬قد وسع الله علينا ‪ ،‬فقالت ‪ :‬مخلوق نظر إلينا‬
‫فاستغنينا ‪ ،‬فكيف لو نظر الخالق إلينا ؟‬
‫وروى الطبري في تاريخه أن عمر بن عبد العزيز أمر ‪ -‬وهو في خلفته –‬
‫رجل أن يشتري له كساء بثمان دراهم ‪ ،‬فاشتراه له ‪ ،‬وأتاه به فوضع عمر يده‬
‫عليه ‪ ،‬وقال ‪ :‬ما ألينه وأحسنه ! فتبسم الرجل الذي أحضره ‪ ،‬فسأله عمر ‪:‬‬
‫لماذا تبسمت ؟ فقال ‪ :‬لنك يا أمير المؤمنين أمرتني قبل أن تصل إليك‬
‫الخلفة أن أشتري لك ثوبا من الخز ‪ ،‬فاشتريته لك بألف درهم ‪ ،‬فوضعت‬
‫يدك عليه فقلت ‪ :‬ما أخشنه ! وأنت اليوم تستلين كساء بثمانية دراهم؟ فقال‬
‫عمر ‪ :‬يا هذا ‪ ..‬إن لي نفسا تواقة إلى المعالي ‪ ،‬فكلما حصلت على مكانة‬
‫طلبت أعلى منها ‪ ،‬حصلت على المارة فتقت إلى الخلفة ‪ ،‬وحصلت على‬
‫الخلفة فتاقت نفسي إلى ما هو أكبر من ذلك وهي الجنة ‪.‬‬
‫السعادة ‪ ..‬في اجتناب المحرمات ‪:‬‬
‫أي سعادة ينالها المؤمن وهو يتجنب ما حرم الله ‪ .‬وأي لذة يجدها في قلبه‬
‫عندما يحيد عن طريق الزلل والفجور ‪ .‬يقول رسول الله صلى الله عليه‬
‫مَرأ َةٍ أ َوّ َ‬
‫صَره ُ إ ِّل‬
‫حا ِ‬
‫ما ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫مّرةٍ ث ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫نا ْ‬
‫سل ِم ٍ ي َن ْظ ُُر إ َِلى َ‬
‫ن ُ‬
‫وسلم ‪َ " :‬‬
‫ض بَ َ‬
‫م ي َغُ ّ‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حلوَت ََها ‪ .‬رواه أحمد‬
‫ه ِ‬
‫حد َ َ‬
‫جد ُ َ‬
‫أ ْ‬
‫عَباد َة ً ي َ ِ‬
‫هل ُ‬
‫ث الل ّ ُ‬
‫ويقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله ‪ " :‬إذا همت نفسك بالمعصية‬
‫فذكرها بالله ‪ ،‬فإذا لم ترجع فذكرها بأخلق الرجال ‪ ،‬فإذا لم ترتدع فذكرها‬
‫بالفضيحة إذا علم بها الناس ‪ ،‬فإذا لم ترجع فاعلم أنك في تلك الساعة‬
‫انقلبت إلى حيوان " ‪.‬‬
‫وفي هذا المعنى يقول نابغة بن شيبان ‪:‬‬
‫إن من يركب الفواحش سرا حين يخلو بسره غير خالي‬
‫كيف يخلو وعنده كاتباه شاهداه وربه ذو الجلل‬
‫والمعاصي تذهب الخيرات وتزيل النعم ‪ .‬قال علي بن أبي طالب رضي الله‬
‫عنه ‪ " :‬ما نزل بلء إل بذنب ول رفع إل بتوبة "‬
‫ومن كبح هواه ‪ ،‬ولم يسمح لشهواته أن تتسلط عليه سمي عاقل مالكا لهواه‬
‫‪108‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ ،‬وسعد في دنياه وآخرته ‪ .‬فقد ذكر عن أحد الملوك ‪ :‬أنه زار عالما زاهدا ‪،‬‬
‫فسلم عليه ‪ ،‬فرد الزاهد السلم بفتور ولم يحفل له ‪ .‬فغضب الملك وقال‬
‫له ‪ :‬أل تحفل بي وأنا ملكك ؟ فابتسم الزاهد وقال له ‪ :‬كيف تكون ملكي‬
‫وعبيدي كلهم ملوكك ‪ .‬فقال الملك ‪ :‬ومن هم ؟ فقال ‪ :‬هم الشهوات ‪ ..‬هي‬
‫ملوكك وهم عبيدي !!‬
‫السعادة ‪ ..‬في شكر النعم ‪:‬‬
‫وكثير من الناس يظن أن أكبر نعم الله تعالى علينا وأهمها هي نعمة المال ‪،‬‬
‫وينسى نعمة الصحة والعافية ‪ ،‬ونعمة البصر والعقل والهل والبناء وغيرها‬
‫كثير ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫والسعادة أن تقنع بأن الله تعالى سيتولى أبناءك الصالحين ‪ ،‬فتسعى‬
‫لنشائهم النشأة الصالحة‪ .‬فقد ترك عمر بن عبد العزيز ثمانية أولد ‪ ،‬فسأله‬
‫الناس وهو على فراش الموت ‪ :‬ماذا تركت لبنائك يا عمر ؟ قال ‪ :‬تركت‬
‫لهم تقوى الله ‪ ،‬فإن كانوا صالحين فالله تعالى يتولى الصالحين ‪ ،‬وإن كانوا‬
‫غير ذلك فلن أترك لهم ما يعينهم على معصية الله تعالى ‪ .‬وقد خلف عمر‬
‫لكل واحد من أبنائه اثني عشر درهما فقط ‪ ،‬أما هشام بن عبد الملك الخليفة‬
‫فقد خلف لكل ابن من أبنائه مئة ألف دينار ‪ .‬وبعد عشرين سنة ‪ ،‬أصبح أبناء‬
‫عمر بن عبد العزيز يسرجون الخيول في سبيل الله ‪ ،‬منفقين متصدقين من‬
‫كثرة أموالهم ‪ ،‬أما أبناء هشام بن عبد الملك فقد كانوا يقفون في مسجد دار‬
‫السلم ‪ ،‬في عهد أبي جعفر المنصور ‪ ،‬يسألون عباد الله من مال الله‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫وأخيرا تذكر نعم الله عليك تسعد بما لديك ‪ ..‬فأنت تعيش وسط جو مليء‬
‫بنعم الله ‪ ،‬ول بد للنسان من أن يدرك تلك النعم ‪ ،‬فكم من الناس ل يدرك‬
‫فضل الله علينا إل حينما يحرم إحدى تلك النعم ؟‬
‫يقول الدكتور مصطفى السباعي ‪ " :‬زر المحكمة مرة في العام لتعرف فضل‬
‫الله عليك في حسن الخلق ‪ ..‬وزر المستشفى مرة في الشهر لتعرف فضل‬
‫الله عليك في الصحة والمرض ‪ ..‬وزر الحديقة مرة في السبوع لتعرف فضل‬
‫الله عليك في جمال الطبيعة ‪..‬وزر المكتبة مرة في اليوم لتعرف فضل الله‬
‫عليك في العقل‪ .‬وزر ربك كل آن لتعرف فضل الله عليك في نعم الحياة "‬
‫ويقول أحدهم ‪ :‬لتكن لك يا بني ساعة في يومك وليلك ‪ ..‬ترجع فيها إلى ربك‬
‫ومبدعك مفكرا في مبدئك ومصيرك ‪ ..‬محاسبا لنفسك على ما أسلفت من‬
‫أيام عمرك ‪ ..‬فإن وجدت خيرا فاشكر ‪ ..‬وإن وجدت نقصا فجاهد واصطبر "‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫اليمان بأنبياء الله ورسله‬
‫أول‪ :‬تعريفات‪:‬‬
‫‪ -1‬النبي‪.‬‬
‫‪ -2‬الرسول‪.‬‬
‫‪ -3‬الفرق بين الرسول والنبي‪.‬‬
‫‪ -4‬الية والمعجزة‪.‬‬
‫‪ -5‬الكرامة‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ثانيا‪ :‬قواعد في هذا الباب‪:‬‬
‫‪ -1‬النبوة ل تثبت إل بدليل صحيح‪.‬‬
‫‪ -2‬ما من نبي إل ورعى الغنم‪.‬‬
‫‪ -3‬كل النبياء بّلغوا ما أرسلوا به‪.‬‬
‫‪ -4‬الكفر بنبي واحد كفر بجميع النبياء‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬اليمان بالنبياء والرسل‪:‬‬
‫‪ -1‬النبياء والرسل المذكورون في القرآن‪.‬‬
‫‪ -2‬النبياء والرسل المذكورون في السنة‪.‬‬
‫‪ -3‬المختلف في نبوتهم‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬خصائص النبياء والرسل‪:‬‬
‫‪ -1‬الوحي‪.‬‬
‫‪ -2‬العصمة‪.‬‬
‫‪ -3‬البشرية‪.‬‬
‫‪ -4‬خيرية النسب‪.‬‬
‫‪ -5‬أحرار بعيدون عن الرق‪.‬‬
‫‪ -6‬ل يكونون إل رجا ً‬
‫ل‪.‬‬
‫‪ -7‬تنام أعينهم ول تنام قلوبهم‪.‬‬
‫‪ -8‬تخيير الله لهم عند الموت‪.‬‬
‫‪ -9‬ل تأكل الرض أجسادهم‪.‬‬
‫‪ -10‬يكونون أحياء في قبورهم‪.‬‬
‫‪ -11‬يقبرون حيث يموتون‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬دلئل النبوة‪:‬‬
‫‪ -1‬اليات والمعجزات‪.‬‬
‫‪ -2‬بشارة النبياء السابقين باللحقين‪.‬‬
‫‪ -3‬النظر في أحوال النبياء‪.‬‬
‫‪ -4‬النظر في دعوة النبياء‪.‬‬
‫‪ -5‬نصر الله وتأييده لهم‪.‬‬
‫سادسا‪ :‬وظائف النبياء والرسل‪:‬‬
‫‪ -1‬البلغ المبين‪.‬‬
‫‪ -2‬الدعوة إلى توحيد الله تعالى‪.‬‬
‫‪ -3‬التبشير والنذار‪.‬‬
‫‪ -4‬إصلح النفوس وتزكيتها‪.‬‬
‫‪ -5‬تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة‪.‬‬
‫جة‪.‬‬
‫‪ -6‬إقامة الح ّ‬
‫مة‪.‬‬
‫‪ -7‬سياسة ال ّ‬
‫سابعا‪ :‬فوائد متنوعة‪:‬‬
‫‪ -1‬أنواع الوحي‪.‬‬
‫‪ -2‬عدد النبياء والرسل‪.‬‬
‫‪ -3‬أولو العزم من الرسل‪.‬‬
‫‪ -4‬النبياء العرب‪.‬‬
‫‪ -5‬حاجة العباد إلى بعث الرسل وإرسالهم‪.‬‬
‫‪ -6‬مقتضى بشرية النبياء والرسل‪.‬‬
‫‪ -7‬الخطأ في إصابة الحقّ منهم ل ينقض عصمتهم‪.‬‬
‫‪ -8‬اليهود والنصاري ينسبون القبائح إلى النبياء‪.‬‬
‫‪110‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ -9‬كرامات الولياء‪.‬‬
‫ثامنا‪ :‬مسائل‪:‬‬
‫‪ -1‬تفضيل النبياء والرسل بعضهم على بعض‪.‬‬
‫‪ -2‬نبوة النساء‪.‬‬
‫تعريفات‪:‬‬
‫‪ -1‬النبي‪:‬‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ساءلو َ‬
‫م ي َت َ َ‬
‫ي مأخوذ ٌ من النبأ‪ ،‬أي‪ :‬الخبر‪ ،‬ومنه‪ :‬قوله تعالى‪} :‬عَ ّ‬
‫النب ّ‬
‫ن )‪ (1‬عَ ِ‬
‫ْ‬
‫ي‪" :‬يعني‪ :‬عن الخبر‬
‫الن ّب َإ ِ العَ ِ‬
‫م{ ]النبأ‪ ،[2 ،1:‬قال ابن جرير الطبر ّ‬
‫ظي ِ‬
‫العظيم")]‪.([1‬‬
‫خب ٌِر‪:‬‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫خب ٌَر و ُ‬
‫ي ُ‬
‫والنب ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هاَذا َقا َ‬
‫ل‬
‫ن أنب َأك َ‬
‫ت َ‬
‫فهو مخب ٌَر أوحى الله تعالى إليه بالخبر‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬قال ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫من أخبرك بأّني أفشيت‬
‫م ال ْ َ‬
‫ي‪" :‬أي‪َ :‬‬
‫ى ال ْعَِلي ُ‬
‫خِبيُر{ ]التحريم‪ ،[3:‬قال البغو ّ‬
‫ن َب ّأن ِ َ‬
‫السر؟")]‪.([2‬‬
‫عبادى أ َنى أناَ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫وهو مخب ٌِر عن الله تعالى فيما يبلغه للّناس‪ ،‬قال تعالى‪} :‬ن َّبىء ِ َ ِ‬
‫م{ ]الحجر‪ ،[49:‬قال ابن كثير‪" :‬أي‪ :‬أخبر ـ يا محمد ـ عبادي‬
‫ال ْغَ ُ‬
‫فوُر الّر ِ‬
‫حي ُ‬
‫أّني ذو رحمة وعذاب أليم")]‪.([3‬‬
‫رك‬
‫ت‬
‫ف‬
‫الهمز‪،‬‬
‫"أصله‬
‫يون‪:‬‬
‫النحو‬
‫قال‬
‫الهمز‪،‬‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫فعليه يكون الصل في النب ّ‬
‫ُ ِ‬
‫َ‬
‫ن ات ّب َعَ َ‬
‫سب ُ َ‬
‫ن‬
‫ك ِ‬
‫همزه")]‪ ،([4‬ومنه قراءة نافع‪َ} :‬ياأي َّها الن ِّبيُء َ‬
‫ح ْ‬
‫ه وَ َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ي‪:‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن{ ]النفال‪ ،[64:‬قال الشاطب ّ‬
‫مِني َ‬
‫وجمًعا وفرًدا في النِبيِء وفي النبو َءةَ الهمَز ك ّ‬
‫ل غيَر نافٍع ابدل‬
‫قال أبو شامة‪" :‬وتقدير البيت‪ :‬ك ّ‬
‫ل القراء غير نافع أبدل الهمز في لفظ‬
‫عا ومفرًدا‪ ،‬فالمجموع نحو‪} :‬النبياء{‪} ،‬النبيين{‪} ،‬النبّيون{‪،‬‬
‫النبيء مجمو ً‬
‫ضا‪ ،‬يريد قوله‬
‫ي{ و}نبّيا{‪ ،‬وفي لفظ النبوءة أي ً‬
‫ي{ و}نب ّ‬
‫والمفرد نحو‪} :‬النب ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫سراءي َ‬
‫ة{ ]الجاثية‪،[16:‬‬
‫تعالى‪} :‬وَل َ َ‬
‫م َوالن ّب ُوّ َ‬
‫ب َوال ُ‬
‫ل الك َِتا َ‬
‫قد ْ ءات َي َْنا ب َِنى إ ِ ْ‬
‫حك َ‬
‫ت منصوبة على الحكاية")]‪.([5‬‬
‫فلهذا كانت في البي ِ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم أّنه قال لمن قال له‪ :‬يا‬
‫وأ ّ‬
‫ما الحديث المروي عن النب ّ‬
‫ح)]‪.([6‬‬
‫ي الله((؛ فل يص ّ‬
‫نِبيء الله‪)) :‬لس ُ‬
‫ت بنِبيء الله‪ ،‬ولكني نب ّ‬
‫ّ‬
‫رفعة محله عن سائر الّناس‪ ،‬قال‬
‫رفعة‪ُ ،‬‬
‫س ّ‬
‫م َ‬
‫وقيل‪ :‬النب ّ‬
‫ي نبّيا ل ِ‬
‫ي مأخوذ ٌ من ال ِ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما جاء في تفسير هذه الية قول‬
‫مكانا عَل ِي ّا{ ]مريم‪ ،[57:‬م ّ‬
‫تعالى‪} :‬وََرفعَْناه ُ َ‬
‫أِبي السعود‪" :‬هو شرف النبوة والزلفى عند الله عز وجل")]‪.([7‬‬
‫‪ -2‬الرسول‪:‬‬
‫ور منه‬
‫قال الراغب الصفهاِني‪" :‬أصل الّرسل‪ :‬النبعاث على التؤدة‪ ...‬وتص ّ‬
‫تارة الرفق‪ ،‬فقيل‪ :‬على رسلك‪ ،‬إذا أمرته بالّرفق‪ ،‬وتارة النبعاث فاشتق منه‬
‫الرسول")]‪.([8‬‬
‫ن بعثه الله إلى الخلق لتبليغ الحكام‪.‬‬
‫قال الجرجاِني‪" :‬الرسول‪ :‬إنسا ٌ‬
‫والرسول في الفقه‪ :‬وهو الذي أمره المرسل بأداء الرسالة بالتسليم أو‬
‫القبض")]‪.([9‬‬
‫قال ابن منظور الفريقي‪" :‬الرسال‪ :‬التوجيه‪ ،‬وقد أرسل إليه‪ .‬والسم‪:‬‬
‫الّرسالة‪ ،‬والّرسالة‪ ،‬والرسول‪ ،‬والرسيل")]‪.([10‬‬
‫ةَ‬
‫سل ٌ‬
‫مْر ِ‬
‫صا في مهمة فهو رسولك‪ ،‬ومنه‪ :‬قول ملكة سبأ‪ُ } :‬‬
‫فإذا بعثت شخ ً‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ن{ ]النمل‪ ،[35:‬قال قتادة‪" :‬قالت‪:‬‬
‫سلو َ‬
‫مْر َ‬
‫جعُ ال ُ‬
‫م ي َْر ِ‬
‫م ب ِهَدِي ّةٍ فََناظ َِرة ٌ ب ِ َ‬
‫إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫إّني باعثة إليهم ِبهدية‪.([11])"...‬‬
‫َ‬
‫مبَعثون من ِقبل‬
‫مي من بّلغوا عن الله رسل الله؛ لّنهم مو ّ‬
‫وعليه ُ‬
‫جهون و ُ‬
‫س ّ‬
‫الله تعالى‪ ،‬مكّلفون بحمل الرسالة وتبليغها ومتابعتها‪ ،‬قال تعالى‪} :‬ث ُّ‬
‫م ب َعَث َْنا‬
‫‪111‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ي‪:‬‬
‫م ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫سل ً إ َِلى قَوْ ِ‬
‫ِ‬
‫م فَ َ‬
‫من ب َعْدِهِ ُر ُ‬
‫جاءوهُ ْ‬
‫مهِ ْ‬
‫ت{ ]يونس‪ ،[74 :‬قال البيضاو ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫م ب َعَثَنا{‪ :‬أرسلنا")]‪.([12‬‬
‫"}ث ّ‬
‫‪ -3‬الفرق بين الرسول والنبي‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫َ‬
‫من قَب ْل ِ َ‬
‫مّنى‬
‫ك ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫من ّر ُ‬
‫ما أْر َ‬
‫ى إ ِل ّ إ َِذا ت َ َ‬
‫دّلت الية الكريمة‪} :‬وَ َ‬
‫سو ٍ‬
‫ل وَل َ ن َب ِ ّ‬
‫ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫شي ْ َ‬
‫قى ال ّ‬
‫س ُ‬
‫قى ال ّ‬
‫ه‬
‫أ َل ْ َ‬
‫ه ءاَيات ِ ِ‬
‫ما ي ُل ْ ِ‬
‫م يُ ْ‬
‫طا ُ‬
‫طا ُ‬
‫من ِي ّت ِهِ فََين َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫حك ِ ُ‬
‫ن ثُ ّ‬
‫ه َ‬
‫خ الل ّ ُ‬
‫ن ِفى أ ْ‬
‫ن الله عّز‬
‫ح ِ‬
‫م{ ]الحج‪ [52:‬على الفرق بين الرسول والنبي؛ ل ّ‬
‫م َ‬
‫كي ٌ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫َوالل ّ ُ‬
‫وج ّ‬
‫ل عطف بينهما بالواو وذلك تقتضي المغايرة‪.‬‬
‫ما ما روي عن أِبي ذّر قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كم وَفى عدة النبياء؟‬
‫وأ ّ‬
‫فا‪ ،‬الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة‬
‫قال‪)) :‬مائة ألف وأربعة وعشرون أل ً‬
‫ما غفيًرا(()]‪([13‬؛ ففي ثبوته نزاع ٌ بين أهل العلم‪.‬‬
‫عشر ج ّ‬
‫ي جمهور أهل العلم من‬
‫وأخذ بدللة الية في التفريق بين الرسول والنب ّ‬
‫المفسرين وغيرهم‪.‬‬
‫ددة يدعو الناس إليها‪،‬‬
‫ي‪" :‬الرسول من بعثه الله بشريعة مج ّ‬
‫قال البيضاو ّ‬
‫ق‪ ،‬كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا‬
‫مه و َ‬
‫ي يع ّ‬
‫والنب ّ‬
‫من بعثه لتقرير شرٍع ساب ٍ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‬
‫بين موسى وعيسى عليهم السلم‪ .‬ولذلك شّبه النب ّ‬
‫م من الرسول‪ ...‬وقيل‪ :‬الرسول من جمع إلى‬
‫ي أع ّ‬
‫علماَء أمته ِبهم‪ ،‬فالنب ّ‬
‫من ل كتاب له‪ .‬وقيل‪ :‬الرسول‬
‫ي غير الرسول َ‬
‫المعجزة كتابا من َّزل عليه‪ ،‬والنب ّ‬
‫من يوحى إليه في المنام")]‪.([14‬‬
‫ي يقال له ول ِ َ‬
‫من يأتيه الملك بالوحي‪ ،‬والنب ّ‬
‫ص من‬
‫ي اسمان لمعنيين؛ فإ ّ‬
‫ن الرسول أخ ّ‬
‫ي‪" :‬الرسول والنب ّ‬
‫وقال القرطب ّ‬
‫دم‪،‬‬
‫ما بمعنى الرسالة‪ ،‬وإل ّ فمعنى النبوة هو المتق ّ‬
‫ي‪ ،‬وق ّ‬
‫دم الرسول اهتما ً‬
‫النب ّ‬
‫ولذلك رد ّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على البراء حين قال‪) :‬وبرسولك‬
‫الذي أرسلت( فقال له‪)) :‬قل‪ :‬آمنت بنبّيك الذي أرسلت((خّرجه في‬
‫ن في قوله‪) :‬برسولك الذي أرسلت( تكرير‬
‫ضا فإ ّ‬
‫الصحيح)]‪ .([15‬وأي ً‬
‫الرسالة‪ ،‬وهو معنى واحد‪ ،‬فيكون كالحشو الذي ل فائدة فيه‪ ،‬بخلف قوله‪:‬‬
‫))ونبّيك الذي أرسلت(( فإّنهما ل تكرار فيهما‪ ،‬وعلى هذا فك ّ‬
‫ي‪،‬‬
‫ل نب ّ‬
‫ل رسو ٍ‬
‫ي رسو ً‬
‫وليس ك ّ‬
‫ي قد اشتركا في أمر عام هو النبأ‪،‬‬
‫ل؛ ل ّ‬
‫ن الرسول والنب ّ‬
‫ل نب ّ‬
‫ٌ‬
‫ص وهي الرسالة‪ ،‬فإذا قلت‪ :‬محمد ٌ رسول من عند الله؛‬
‫وافترقا في أمرٍ خا ٍ‬
‫ي ورسول الله‪ ،‬وكذلك غيره من النبياء صلوات الله‬
‫تضمن ذلك أّنه نب ّ‬
‫وسلمه عليهم")]‪.([16‬‬
‫ن الرسول من جمع إلى المعجزة الكتاب‬
‫ي‪" :‬والفرق بينهما أ ّ‬
‫وقال النسف ّ‬
‫ُ‬
‫مر أن يدعو إلى شريعة‬
‫ب‪ ،‬وإّنما أ ِ‬
‫ى من لم يْنزل عليه كتا ٌ‬
‫المن َّزل عليه‪ ،‬والنب ّ‬
‫ي حاف ُ‬
‫ظ شرع غيره")]‪.([17‬‬
‫َ‬
‫من قبله‪ .‬وقيل‪ :‬الرسول واضع شرع‪ ،‬والنب ّ‬
‫وقال الشوكاِني‪" :‬قيل‪ :‬الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه‬
‫ما‪ .‬وقيل‪ :‬الرسول من‬
‫عياًنا ومحاورته شفا ً‬
‫ما أو منا ً‬
‫ي الذي يكون إلها ً‬
‫ها‪ ،‬والنب ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫من قبله ولم‬
‫ي من أ ِ‬
‫بعث بشرع وأ ِ‬
‫مر أن يدعو إلى شريعة َ‬
‫مر بتبليغه‪ ،‬والنب ّ‬
‫يْنزل عليه كتاب‪ ،‬ول بد ّ لهما جميًعا من المعجزة الظاهرة")]‪.([18‬‬
‫ي‪ ،‬فالرسول هو من أوحي إليه‬
‫فهذا هو المشهور؛ أ ّ‬
‫ن الرسول أخ ّ‬
‫ص من النب ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ي من أوحي إليه ولم يؤمر بتبليغه‪ ،‬وعلى ذلك فك ّ‬
‫ل‬
‫بشرٍع وأ ِ‬
‫مر بتبليغه‪ ،‬والنب ّ‬
‫ي رسو ً‬
‫ل)]‪.([19‬‬
‫ي‪ ،‬وليس كل نب ّ‬
‫رسول نب ّ‬
‫دة أمور‪:‬‬
‫ولكن هذا التفريق مدفوعٌ بع ّ‬
‫ما‬
‫‪ -1‬أ ّ‬
‫ص على أّنه أرسل النبياء كما أرسل الرسل في قوله‪} :‬وَ َ‬
‫ن الله ن ّ‬
‫‪112‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫من قَب ْل ِ َ‬
‫ى{ ]الحج‪ ،[52:‬فإذا كان الفارق بينهما هو‬
‫ك ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫من ّر ُ‬
‫أْر َ‬
‫سو ٍ‬
‫ل وَل َ ن َب ِ ّ‬
‫ي البلغ‪.‬‬
‫البلغ فالرسال يقتضي من النب ّ‬
‫َ‬
‫زل وحَيه ليكَتم ويدفن‬
‫‪ -2‬أن ترك البلغ كتمان لوحي الله تعالى‪ ،‬والله ل ي ُن ْ ِ‬
‫في صدر واحد من الناس‪ ،‬ثم يموت هذا العلم بموته‪.‬‬
‫ي‬
‫‪ -3‬قول الرسول صلى الله عليه وسلم‪ُ )) :‬‬
‫ي المم فرأي ُ‬
‫ت النب ّ‬
‫عرضت عل ّ‬
‫ي وليس معه أحد‪])((...‬‬
‫ي ومعه الرجل والرجلن‪ ،‬والنب ّ‬
‫ومعه الرهط‪ ،‬والنب ّ‬
‫‪([20‬؛ فد ّ‬
‫ن النبياء مأمورون بالبلغ‪ ،‬وأّنهم يتفاوتون في مدى‬
‫ل هذا على أ ّ‬
‫الستجابة لهم‪.‬‬
‫ي هو المبعوث‬
‫ن الرسول من أوحي إليه بشرٍع جدي ٍ‬
‫واختار البعض أ ّ‬
‫د‪ ،‬والنب ّ‬
‫من قبله)]‪.([21‬‬
‫لتقرير شرع َ‬
‫ي‪ ،‬كما ثبت‬
‫ي قام نب ّ‬
‫وقد كانت بنو إسرائيل تسوسهم النبياء كلما مات نب ّ‬
‫ن بني إسرائيل كانت‬
‫الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬إ ّ‬
‫ي(()]‪.([22‬‬
‫ي‪ ،‬وإّنه ليس بعدي نب ّ‬
‫ي قام نب ّ‬
‫تسوسهم النبياء‪ ،‬كّلما مات نب ّ‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وأنبياء بني إسرائيل كلهم كانوا مبعوثين بشريعة موسى التوارة‪ ،‬وكانوا‬
‫َ‬
‫من ب َِنى‬
‫مل ِ ِ‬
‫م ت ََر إ َِلى ال ْ َ‬
‫ي الله إليهم‪ ،‬قال تعالى‪} :‬أل َ ْ‬
‫مأمورين بإبلغ قومهم وح َ‬
‫ل الل ِّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫سرءي َ‬
‫سى إ ِذ ْ‬
‫ه‬
‫بي‬
‫س‬
‫فى‬
‫ل‬
‫ت‬
‫قا‬
‫َ‬
‫ن‬
‫كا‬
‫ل‬
‫م‬
‫نا‬
‫ل‬
‫ث‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ا‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ى‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ا‬
‫لو‬
‫قا‬
‫َِِ ّ ُ ُ َْ ْ َ َ ِ ّ ِ ِ‬
‫ل ِ‬
‫مو َ‬
‫إِ ْ‬
‫من ب َعْد ِ ُ‬
‫َ ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قات ِ َ‬
‫قَتا ُ‬
‫ل هَ ْ‬
‫َقا َ‬
‫ل ِفى‬
‫ما ل ََنا أل ّ ن ُ َ‬
‫ل أل ّ ت ُ َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫م ِإن ك ُت ِ َ‬
‫ل عَ َ‬
‫قات ُِلوا ْ َقاُلوا ْ وَ َ‬
‫ب عَل َي ْك ُ ُ‬
‫سي ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ل ت َوَل ّوْا ْ إ ِل ّ قَِليل ً‬
‫قَتا ُ‬
‫ل الل ّهِ وَقَد ْ أ ْ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫جَنا ِ‬
‫ما ك ُت ِ َ‬
‫خرِ ْ‬
‫َ‬
‫ب عَل َي ْهِ ُ‬
‫من دَِيارَِنا وَأب َْنائ َِنا فَل َ ّ‬
‫سِبي ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ي يوحى إليه‬
‫النب‬
‫ن‬
‫أ‬
‫تفيد‬
‫فالية‬
‫[‪،‬‬
‫‪246‬‬
‫]البقرة‪:‬‬
‫ن{‬
‫مي‬
‫ل‬
‫ظا‬
‫بال‬
‫م‬
‫لي‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫وال‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ٌ ِ‬
‫م ُ ْ َ ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ويوجب على قومه أموًرا‪ ،‬وهذا ل يكون إل ّ مع وجوب التبليغ‪.‬‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫ل‬
‫ن هذا التفريق كذلك مدفوع ٌ بقوله تعالى‪} :‬وَل َ َ‬
‫س ُ‬
‫ف ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫م ُيو ُ‬
‫جاءك ُ ْ‬
‫ولك ّ‬
‫هّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫حّتى إ َِذا هَل َ‬
‫ش ّ‬
‫م ِفى َ‬
‫م لن ي َب ْعَ َ‬
‫ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫م ب ِهِ َ‬
‫ما َ‬
‫ث الل ُ‬
‫ك قُلت ُ ْ‬
‫جاءك ْ‬
‫م ّ‬
‫ك ّ‬
‫ما زِلت ُ ْ‬
‫ت فَ َ‬
‫سول ً ك َذ َل ِ َ‬
‫ض ّ‬
‫ب{ ]غافر‪،[34:‬‬
‫سرِ ٌ‬
‫ك يُ ِ‬
‫ِ‬
‫مْرَتا ٌ‬
‫م ْ‬
‫من ب َعْدِهِ َر ُ‬
‫ف ّ‬
‫ن هُوَ ُ‬
‫ه َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫ت بشرٍع جديد‪ ،‬ومع‬
‫ي من أنبياء بني إسرائيل‪ ،‬لم يأ ِ‬
‫فيوسف عليه السلم نب ّ‬
‫ذلك فهو رسو ٌ‬
‫ص هذه الية‪.‬‬
‫ل بن ّ‬
‫ن التفريق المختار أن الرسول‪ :‬هو من ب ُِعث إلى قوم ٍ مخالفين‬
‫وعليه فإ ّ‬
‫ي‪:‬‬
‫فدعاهم إلى دين الله‪ ،‬سواٌء دعاهم بشرٍع جديدٍ أو بشرع َ‬
‫من قبله‪ ،‬والنب ّ‬
‫هو من ب ُِعث إلى قوم ٍ موافقين فأقام فيهم دين الله‪.‬‬
‫ي‪ :‬هو الذي ينبئه الله‪ ،‬وهو ينبئ بما أنبأ الله‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية‪" :‬النب ّ‬
‫به‪ ،‬فإن ُأرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبّلغه رسالة من الله إليه فهو‬
‫ما إذا كان إّنما يعمل بالشريعة قبله‪ ،‬ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه‬
‫رسول‪ .‬وأ ّ‬
‫َ‬
‫من قَب ْل ِ َ‬
‫ك‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ما أْر َ‬
‫ي وليس برسول‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫عن الله رسالته؛ فهو نب ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫قى ال ّ‬
‫ه{ ]الحج‪...[52:‬‬
‫مّنى أل َ‬
‫من ِي ّت ِ ِ‬
‫ِ‬
‫شي ْطا ُ‬
‫من ّر ُ‬
‫ن ِفى أ ْ‬
‫ى إ ِل ّ إ َِذا ت َ َ‬
‫سو ٍ‬
‫ل وَل َ ن َب ِ ّ‬
‫ن هذا هو الرسول‬
‫دهما بأّنه رسول‪ ،‬فإ ّ‬
‫ص أح َ‬
‫فذكر إرسال ً يع ّ‬
‫م النوعين‪ ،‬وقد خ ّ‬
‫المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح‪ ،‬وقد ثبت في‬
‫ث إلى أهل الرض‪ ،‬وقد كان قبله أنبياء كشيث‬
‫الصحيح أّنه أول رسول ب ُعِ َ‬
‫ّ‬
‫ما")]‪.([23‬‬
‫وإدريس‪ ،‬وقبلهما آدم كان نبًيا مكل ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫من‬
‫فيوسف أر ِ‬
‫ن الله بشريعةِ َ‬
‫سل إلى أقوام ٍ مخالفين مشركين‪ ،‬فبلغهم دي َ‬
‫قبله‪.‬‬
‫‪ -4‬الية والمعجزة‪:‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫جَعل لى ءاي َ ً‬
‫با ْ‬
‫الية‪ :‬هي العلمة‪ ،‬قال نبي الله زكريا عليه السلم‪} :‬قال َر ّ‬
‫‪113‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ك أ َل ّ تك َل ّم الناس ث ََلث َ َ َ‬
‫ل ءاي َت ُ َ‬
‫َقا َ‬
‫مًزا{ ]آل عمران‪ ،[41:‬قال‬
‫ة أّيام ٍ إ ِل ّ َر ْ‬
‫ُ َ ّ َ‬
‫ة هذا المر")]‪.([24‬‬
‫ة ُيعرف ِبها صح ُ‬
‫ي‪" :‬طلب آية أي‪ :‬علم ً‬
‫القرطب ّ‬
‫المعجزة‪ :‬اسم فاعل مأخوذ من العجز الذي هو زوال القدرة عن التيان‬
‫بالشيء من عمل أو رأي أو تدبير)]‪.([25‬‬
‫‪ -5‬الكرامة‪:‬‬
‫قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ‪" :‬الكرامة‪ :‬أمٌر يجريه الله على يد عبده‬
‫ما بدعاء أو أعمال صالحة‪ ،‬ل صنع للولي فيها‪ ،‬ول قدرة له‬
‫المؤمن التقي‪ ،‬إ ّ‬
‫عليها")]‪.([26‬‬
‫وقال عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ‪" :‬وكل من يذكر تعريف الكرامة‬
‫دها يقول‪ :‬هي خرق الله العادةَ لوليه‪ ،‬لحكمة أو مصلحة تعود عليه أو على‬
‫وح ّ‬
‫غيره")]‪.([27‬‬
‫وفي فتاوى اللجنة الدائمة‪" :‬الكرامة‪ :‬أمٌر خارق للعادة يظهره الله تعالى‬
‫ما له‪ ،‬فيدفع عنه ضًرا‪ ،‬أو‬
‫على يد عبد من عباده الصالحين حّيا أو ميًتا؛ إكرا ً‬
‫قا")]‪.([28‬‬
‫يحقق له نفًعا‪ ،‬أو ينصر به ح ّ‬
‫)]‪ ([1‬تفسير الطبري )‪.(30/1‬‬
‫)]‪ ([2‬تفسير البغوي )‪.(4/364‬‬
‫)]‪ ([3‬تفسير ابن كثير )‪.(2/554‬‬
‫)]‪ ([4‬انظر‪ :‬مفردات الراغب مادة )نبى(‪.‬‬
‫)]‪ ([5‬إبراز المعاِني من حرز الماِني )‪.(2/295‬‬
‫)]‪ ([6‬أخرجه الحاكم في مستدركه )‪ (2/231‬من حديث أِبي ذّر‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ح‪ ،‬قال‬
‫ي‪" :‬بل منكر‪ ،‬لم يص ّ‬
‫"حديث صحي ٌ‬
‫ح على شرط الشيخين"‪ ،‬قال الذهب ُ‬
‫النسائي‪ :‬حمران بن أعَين ليس بثقة‪ .‬وقال أبو داود‪ :‬رافضي‪ ،‬روى عن‬
‫ضا عنه عن نافع عن ابن عمر قال‪ :‬ما‬
‫موسى بن عبيدة‪ ،‬وهو وا ٍ‬
‫ه‪ .‬ولم يثبت أي ً‬
‫همز رسول الله صلى الله عليه وسلم ول أبو بكر ول عمر ول الخلفاء‪ ،‬وإّنما‬
‫ي في‬
‫الهمز بدعة ابتدعوها من بعدهم" التلخيص )‪ .(2/231‬وأخرجه العقيل ّ‬
‫الضعفاء )‪ ،(3/81‬والصيداوي في معجم الشيوخ )ص ‪ (266‬من حديث ابن‬
‫عّباس به‪ ،‬وفي سنده مجهو ٌ‬
‫ل‪.‬‬
‫)]‪ ([7‬تفسير أبو السعود )‪.(5/271‬‬
‫)]‪ ([8‬المفردات مادة )رسل(‪.‬‬
‫)]‪ ([9‬التعريفات )ص‪.(115 :‬‬
‫)]‪ ([10‬لسان العرب مادة )رسل(‪.‬‬
‫)]‪ ([11‬أخرجه عنه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم‪ ،‬انظر‪ :‬الدّر‬
‫المنثور )‪.(6/357‬‬
‫)]‪ ([12‬تفسير البيضاوي )‪.(3/209‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫)]‪ ([13‬هو جزٌء من حديث طويل‪ ،‬أخرجه أحمد في مسند أِبي أمامة عنه به )‬
‫‪ ،(5/265‬والطبراِني في الكبير )‪ ،(7871‬وفيه علي بن يزيد اللهاِني‪ ،‬قال‬
‫ي في المجمع )‪" :(1/159‬ومداره على علي بن يزيد‪ ،‬وهو ضعيف"‪،‬‬
‫الهيثم ّ‬
‫قال البخاريّ في التاريخ الكبير )‪" :(6/301‬علي بن يزيد أبو عبد الملك‬
‫اللهاني الدمشقي منكر الحديث"‪ .‬وأخرجه ابن حّبان في صحيحه من غير‬
‫طريق علي بن يزيد )‪ ،(2/77‬وفيه إبراهيم بن هشام الغساِني‪ ،‬قال أبو حاتم‬
‫ي في الميزان )‪:(1/73‬‬
‫في الجرح والتعديل )‪" :(2/142‬كذاب"‪ ،‬وقال الذهب ّ‬
‫‪114‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫"متروك‪ ،‬وك ّ‬
‫ذبه أبو زرعة"‪ .‬وقد أطال اللباِني في تخريجه في الصحيحة‪،‬‬
‫وانتهى إلى صحته لغيره )‪ ،(2668‬والله أعلم‪.‬‬
‫)]‪ ([14‬تفسير البيضاوي )‪.(4/133‬‬
‫)]‪ ([15‬أخرجه مسلم في الذكر والدعاء‪ ،‬باب ما يقول عند النوم وأخذ‬
‫المضجع )‪ (2710‬من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه‪.‬‬
‫ي )‪.(7/298‬‬
‫)]‪ ([16‬تفسير القرطب ّ‬
‫)]‪ ([17‬تفسير النسفي )‪.(3/108‬‬
‫)]‪ ([18‬فتح القدير )‪.(3/461‬‬
‫)]‪ ([19‬انظر‪ :‬شرح الطحاوية )ص‪ ،(167 :‬ولوامع النوار البهّية )‪.(1/49‬‬
‫)]‪ ([20‬أخرجه مسلم في اليمان‪ ،‬باب الدليل على دخول طوائف الجنة بغير‬
‫حساب ول عذاب )‪.(220‬‬
‫)]‪ ([21‬انظر‪ :‬تفسير اللوسي )‪ ،(17/157‬اختاره د‪ /‬عمر الشقر في كتابه‬
‫الرسل والرسالت )ص‪.(15 :‬‬
‫)]‪ ([22‬أخرجه ابن حبان )الحسان ‪.(10/418‬‬
‫)]‪ ([23‬النبوات )ص‪.(281 :‬‬
‫)]‪ ([24‬تفسير القرطبي )‪.(4/80‬‬
‫)]‪ ([25‬انظر‪ :‬لوامع النوار البهية )‪.(290-2/289‬‬
‫)]‪ ([26‬تيسير العزيز الحميد )‪.(413‬‬
‫)]‪ ([27‬الدرر السنية )‪.(11/211‬‬
‫)]‪ ([28‬فتاوى اللجنة الدائمة ‪.(1/388‬‬
‫ثانيا‪ :‬قواعد في هذا الباب‪:‬‬
‫‪ -1‬النبوة ل تثبت إل بدليل صحيح‪:‬‬
‫سَير أسماَء كثيرٍ من النبياء نقل ً عن بني إسرائيل‪ ،‬أو‬
‫يذكر علماء التفسير وال ّ‬
‫ن أخبار بني‬
‫ل لم تثبت صحتها‪ ،‬فهذا كله ل ُيثبت ول ينفى؛ ل ّ‬
‫اعتماًدا على أقوا ٍ‬
‫إسرائيل تحتمل الصدق والكذب‪.‬‬
‫ما ثبت عند المسلمين من كتاب الله وسنة‬
‫ما إذا خالفت هذه القوال شيًئا م ّ‬
‫أ ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ن‬
‫رسوله صلى الله عليه وسلم فهذه ترفض جملة وتفصيل‪ ،‬كقول من قال‪ :‬إ ّ‬
‫جرجيس وخالد بن سنان)]‪ ([1‬كانا نبيين بعد عيسى)]‪.([2‬‬
‫فقد ثبت في الحديث الصحيح أّنه ليس بين عيسى بن مريم وبين رسولنا‬
‫ي‪ ،‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬أنا‬
‫صلوات الله وسلمه عليهما نب ّ‬
‫أولى الّناس بابن مريم‪ ،‬والنبياء أولد ع ّ‬
‫ي(()]‪ .([3‬قال‬
‫لت‪ ،‬ليس بيني وبينه نب ّ‬
‫ي يقال له‪ :‬خالد بن‬
‫ابن كثير‪" :‬فيه رد ّ على من زعم أّنه بعث بعد عيسى نب ّ‬
‫سنان")]‪.([4‬‬
‫‪ -2‬ما من نبي إل ورعى الغنم‪:‬‬
‫ن هذا المر أشبه بالقاعدة‪ ،‬فعن أبي هريرة‬
‫وردت الحاديث الصحيحة في أ ّ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬ما بعث الله نبّيا إل ّ‬
‫رضي الله عنه عن النب ّ‬
‫رعى الغنم((‪ ،‬فقال أصحابه‪ :‬وأنت؟ فقال‪)) :‬نعم‪ ،‬كنت أرعاها على قراريط‬
‫لهل مكة(()]‪.([5‬‬
‫ي الغنم قبل النبوة‬
‫قال ابن حجر‪" :‬قال العلماء‪ :‬الحكمة في إلهام النبياء رع َ‬
‫ن‬
‫أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكّلفونه من القيام بأمر أمتهم‪ ،‬ول ّ‬
‫م والشفقة؛ لّنهم إذا صبروا على رعيها‬
‫صل لهم الحل َ‬
‫في مخالطتها ما يح ّ‬
‫وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها‬
‫من سبع وغيره كالسارق وعلموا اختلف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها‬
‫ف‬
‫واحتياجها إلى المعاهدة أ َل ِ ُ‬
‫فوا من ذلك الصبَر على المة‪ ،‬وعرفوا اختل َ‬
‫‪115‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ت عقولها‪ ،‬فجبروا كسَرها‪ ،‬ورفقوا بضعيفها‪ ،‬وأحسنوا التعاهد َ‬
‫طباعها‪ ،‬وتفاو َ‬
‫قة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول‬
‫ملهم لمش ّ‬
‫لها‪ ،‬فيكون تح ّ‬
‫صت الغنم بذلك‬
‫وهلة‪ ،‬لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم‪ ،‬و ُ‬
‫خ ّ‬
‫ن تفّرقها أكثر من تفّرق البل والبقر؛ لمكان‬
‫لكوِنها أضعف من غيرها‪ ،‬ول ّ‬
‫ضبط البل والبقر بالربط دوَنها في العادة المألوفة‪ ،‬ومع أكثرية تفرقها فهي‬
‫أسرع انقياًدا من غيرها‪ .‬وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن‬
‫علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه‪،‬‬
‫والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من النبياء صلوات الله وسلمه عليه‬
‫وعلى سائر النبياء")]‪.([6‬‬
‫‪ -3‬كل النبياء بّلغوا ما أرسلوا به‪:‬‬
‫هذه قاعدة في جميع النبياء‪ ،‬أّنهم بّلغوا رسالة رّبهم‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫كذال ِ َ‬
‫ك‬
‫جعل ْناك ُ ُ‬
‫َ‬
‫س ً‬
‫س وَي َ ُ‬
‫طا ل ّت َ ُ‬
‫سو ُ‬
‫كوُنوا ْ ُ‬
‫م‬
‫م ً‬
‫كو َ‬
‫شهَ َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ة وَ َ‬
‫ل عَل َي ْك ُ ْ‬
‫مأ ّ‬
‫َ َ َ ْ‬
‫داء عَلى الّنا ِ‬
‫َ‬
‫دا{ ]البقرة‪.[143:‬‬
‫شِهي ً‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬يدعى نوح يوم‬
‫جاء في تفسير الية قول النب ّ‬
‫ب‪ ،‬فيقول‪ :‬هل بلغت؟ فيقول‪ :‬نعم‪ ،‬فيقال‬
‫القيامة‪ ،‬فيقول‪ :‬لبيك وسعديك يا ر ّ‬
‫لمته‪ :‬هل بلغكم؟ فيقولون‪ :‬ما أتانا من نذير؟ فيقول‪ :‬من يشهد لك؟ فيقول‪:‬‬
‫محمد وأمته‪ ،‬فتشهدون أّنه قد بّلغ(()]‪.([7‬‬
‫قال محمد خليل هّراس‪" :‬ويجب اليمان بأّنهم بّلغوا ما أرسلوا به على ما‬
‫أمرهم الله عّز وج ّ‬
‫من ُأرسلوا إليه جهله")]‪.([8‬‬
‫ل‪ ،‬وبّينوه بياًنا ل يسع أح ً‬
‫دا م ّ‬
‫‪ -4‬الكفر بنبي واحد كفر بجميع النبياء‪:‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫م ُنوٍح‬
‫ت قَوْ ُ‬
‫الكفر برسول واحد ٍ كفٌر بجميع الرسل‪ ،‬قال الله تعالى‪} :‬ك َذ ّب َ ْ‬
‫ن{‬
‫ت َ‬
‫مْر َ‬
‫مْر َ‬
‫عاد ٌ ال ْ ُ‬
‫ن{ ]الشعراء‪ ،[105:‬وقال تعالى‪} :‬ك َذ ّب َ ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫سِلي َ‬
‫سِلي َ‬
‫ن{ ]الشعراء‪،[141:‬‬
‫مْر َ‬
‫مود ُ ال ْ ُ‬
‫ت ثَ ُ‬
‫]الشعراء‪ ،[123:‬وقال تعالى‪} :‬ك َذ ّب َ ْ‬
‫سِلي َ‬
‫ن{ ]الشعراء‪ ،[160:‬ومن المعروف‬
‫م ُلو ٍ‬
‫ت قَوْ ُ‬
‫مْر َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫وقال تعالى‪} :‬ك َذ ّب َ ْ‬
‫سِلي َ‬
‫نك ّ‬
‫مة ك ّ‬
‫ذبت رسولها‪ ،‬إل ّ أن التكذيب برسول واحدٍ يعد ّ تكذيًبا بالرسل‬
‫أ ّ‬
‫لأ ّ‬
‫د‪ ،‬ومرسلهم واحد‪،‬‬
‫ن الرسل حملة رسالة واحدة‪ ،‬ودعاة دين واح ٍ‬
‫كلهم‪ ،‬ذلك أ ّ‬
‫دق المتأخر المتقدم)]‪.([9‬‬
‫فهم ِوحدة يبشر المتقدم منهم بالمتأخر‪ ،‬ويص ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫ت قوْ ُ‬
‫مْر َ‬
‫م ُنوٍح ال ُ‬
‫ت قوله‪} :‬كذ ّب َ ْ‬
‫قيل للحسن البصري‪ :‬يا أبا سعيد‪ ،‬أرأي َ‬
‫سِلي َ‬
‫َ‬
‫ت ث َُ‬
‫ّ‬
‫موُد‬
‫ب‬
‫ذ‬
‫ك‬
‫و}‬
‫[‪،‬‬
‫‪123‬‬
‫]الشعراء‪:‬‬
‫ن{‬
‫ت َ‬
‫مْر َ‬
‫َ ْ‬
‫عاد ٌ ال ْ ُ‬
‫]الشعراء‪ ،[105:‬و}ك َذ ّب َ ْ‬
‫سِلي َ‬
‫ن{ ]الشعراء‪ ،[141:‬وإّنما أرسل إليهم رسو ٌ‬
‫خر‬
‫ن ال ِ‬
‫د؟! قال‪ :‬إ ّ‬
‫ل واح ٌ‬
‫مْر َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫سِلي َ‬
‫دا فقد ك ّ‬
‫جاء ِبما جاء به الول‪ ،‬فإذا ك ّ‬
‫ذبوا الرسل أجمعين)]‪.([10‬‬
‫ذبوا واح ً‬
‫ي‪" :‬إن تكذيب نبي واحد يستلزم تكذيب جميع النبياء؛ لّنهم كلهم‬
‫قال الثعالب ّ‬
‫يدعون الخلق إلى اليمان بالله تعالى واليوم الخر")]‪.([11‬‬
‫ّ‬
‫ه‬
‫ن ي َك ْ ُ‬
‫سل ِ ِ‬
‫وقد وسم الله من هذا حاله بالكفر‪ ،‬قال تعالى‪} :‬ال ّ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫ن ِباللهِ وَُر ُ‬
‫ذي َ‬
‫ض‬
‫ض وَن َك ْ ُ‬
‫سل ِهِ َوي ُ‬
‫ن َأن ي ُ َ‬
‫ن ن ُؤْ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫ن الل ّهِ وَُر ُ‬
‫م ُ‬
‫فّرُقوا ْ ب َي ْ َ‬
‫وَي ُ ِ‬
‫فُر ب ِب َعْ ٍ‬
‫ن ب ِب َعْ ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫قا{ ]النساء‪:‬‬
‫ح ّ‬
‫ن أن ي َت ّ ِ‬
‫ن َ‬
‫م الكافُِرو َ‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫ن ذال ِك َ‬
‫سِبيل )‪ (150‬أوْلئ ِك هُ ُ‬
‫ذوا ب َي ْ َ‬
‫وَي ُ ِ‬
‫‪.[151 ،150‬‬
‫ن‬
‫ومدح سبحانه وتعالى الذين يؤمنون بجميع الرسل‪ ،‬قال تعالى‪} :‬ءا َ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ما ُأنزِ َ‬
‫سو ُ‬
‫ه‬
‫مل َئ ِك َت ِهِ وَكت ُب ِ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل إ ِل َي ْهِ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫الّر ُ‬
‫ن ِبالل ّهِ وَ َ‬
‫ل ءا َ‬
‫من ّرب ّهِ َوال ْ ُ‬
‫ل بِ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ك َرب َّنا وَإ ِل َي ْكَ‬
‫فَران َ َ‬
‫َ‬
‫معَْنا وَأ َط َعَْنا غ ُْ‬
‫َ‬
‫سل ِهِ ل ن ُ َ‬
‫س ِ‬
‫نأ َ‬
‫سل ِهِ وَقالوا َ‬
‫من ّر ُ‬
‫وَُر ُ‬
‫حد ٍ ّ‬
‫فّرقُ ب َي ْ َ‬
‫صيُر{ ]البقرة‪.[285:‬‬
‫م ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫‪116‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال الفراء‪" :‬أي‪ :‬ل نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم‪ ،‬كما فعلت اليهود‬
‫والنصارى")]‪.([12‬‬
‫ن الله واحد أحد فرد صمد‪ ،‬ل إله غيره‪،‬‬
‫وقال ابن كثير‪" :‬المؤمنون يؤمنون بأ ّ‬
‫ب سواه‪ ،‬ويصدقون بجميع النبياء والرسل والكتب المَنزلة من السماء‬
‫ول ر ّ‬
‫على عباد الله المرسلين والنبياء‪ ،‬ل يفرقون بين أحد منهم‪ ،‬فيؤمنون ببعض‬
‫ويكفرون ببعض‪ ،‬بل الجميع عندهم صادقون باّرون راشدون مهديون هادون‬
‫إلى سبيل الخير‪ .‬وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله؛ حتى نسخ‬
‫الجميع بشرع محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبياء والمرسلين‪ ،‬الذي‬
‫تقوم الساعة على شريعته‪ ،‬ول تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين")]‬
‫‪.([13‬‬
‫ضا من أخباره في المستدرك )‪ ،(2/655‬ورد ّ نبوته‬
‫)]‪ ([1‬أخرج الحاكم بع ً‬
‫لمعارضته لحديث البخاري الصحيح‪.‬‬
‫)]‪ ([2‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(6/489‬‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫م إ ِذِ‬
‫مْري َ َ‬
‫ب َ‬
‫)]‪ ([3‬البخاري في النبياء‪ ،‬باب قول الله تعالى ?َواذ ْكْر ِفي الك َِتا ِ‬
‫ن أ َهْل َِها? )‪.(3442‬‬
‫ت ِ‬
‫ان ْت َب َذ َ ْ‬
‫م ْ‬
‫)]‪ ([4‬تفسير ابن كثير )‪.(2/36‬‬
‫)]‪ ([5‬البخاري في الجارة‪ ،‬باب رعي الغنم على قراريط )‪.(2262‬‬
‫)]‪ ([6‬فتح الباري )‪.(4/441‬‬
‫ُ‬
‫)]‪ ([7‬البخاري في التفسير‪ ،‬باب قول الله تعالى‪? :‬وَك َذ َل ِ َ‬
‫ة‬
‫م ً‬
‫ك َ‬
‫مأ ّ‬
‫جعَل َْناك ُ ْ‬
‫َ‬
‫س ً‬
‫س وَي َ ُ‬
‫طا ل ِت َ ُ‬
‫سو ُ‬
‫م َ‬
‫كوُنوا ُ‬
‫دا? )‪(4487‬‬
‫شِهي ً‬
‫كو َ‬
‫شهَ َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫وَ َ‬
‫ل عَل َي ْك ُ ْ‬
‫داَء عَلى الّنا ِ‬
‫من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‪.‬‬
‫)]‪ ([8‬شرح العقيدة الواسطية )ص‪.(64 :‬‬
‫)]‪ ([9‬انظر‪ :‬الرسل والرسالت‪ ،‬د‪ /‬عمر الشقر )ص‪.(25-24 :‬‬
‫)]‪ ([10‬انظر‪ :‬تفسير البغوي )‪.(3/392‬‬
‫)]‪ ([11‬تفسير الثعالبي )‪.(3/151‬‬
‫)]‪ ([12‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(2/141‬‬
‫)]‪ ([13‬تفسير ابن كثير )‪.(1/343‬‬
‫ثالثا‪ :‬اليمان بالنبياء والرسل‪:‬‬
‫ّ‬
‫اليمان بالرسل والنبياء أص ٌ‬
‫ن أحدٍ إل باليمان‬
‫م إيما ُ‬
‫ل من أصول الدين‪ ،‬ول يت ّ‬
‫بجميعهم على سبيل الجمال‪ ،‬وبمن عرفنا اسمه منهم على وجه التفصيل‪.‬‬
‫مى الله في كتابه‬
‫مد خليل هّراس‪" :‬وعلينا أن نؤمن تفصيل ً بمن س ّ‬
‫قال مح ّ‬
‫منهم‪ ،‬وهم خمسة وعشرون‪ ،‬ذكرهم الشاعر في قوله‪:‬‬
‫ِفي }وَت ِل ْ َ‬
‫م‬
‫ح ّ‬
‫ك ُ‬
‫جت َُنا{ منهم ثمانية من بعد عشرٍ ويبقى سبعة وه ُ‬
‫موا‬
‫م بالمختارِ قد ُ‬
‫ب صال ٌ‬
‫س هود ُ شعي ٌ‬
‫ل آد ُ‬
‫خت ِ ُ‬
‫إدري ُ‬
‫ح وكذا ذو الكف ِ‬
‫ما ما عدا هؤلء من الرسل والنبياء فنؤمن ِبهم إجمال ً على معنى العتقاد‬
‫وأ ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫بنبوِتهم ورسالتهم‪ ،‬دون أن نكلف أنفسنا البح َ‬
‫ث عن عد ِّتهم وأسمائهم‪ ،‬فإ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫ل‬
‫م عَلي ْك ِ‬
‫ص الله بعلمه؛ قال تعالى‪} :‬وَُر ُ‬
‫صَناهُ ْ‬
‫ذلك م ّ‬
‫ص ْ‬
‫سل قَد ْ قَ َ‬
‫ما اخت ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م عَلي ْك{ ]النساء‪.([1])"[164:‬‬
‫م نَ ْ‬
‫وَُر ُ‬
‫صهُ ْ‬
‫سل ً ل ْ‬
‫ص ْ‬
‫ق ُ‬
‫‪ -1‬النبياء والرسل المذكورون في القرآن‪:‬‬
‫ة وعشرين نبّيا بأسمائهم‪ ،‬وهم‪ :‬آدم ونوح‬
‫ن الله ذكر في كتابه خمس ً‬
‫دم أ ّ‬
‫تق ّ‬
‫وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وإدريس‬
‫وذو الكفل وداود وسليمان وأيوب ويوسف ويونس وموسى وهارون وإلياس‬
‫مد عليهم جميًعا أفضل الصلة والسلم‪.‬‬
‫واليسع وزكريا ويحيى وعيسى ومح ّ‬

‫‪117‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(5 /‬‬
‫‪ -2‬النبياء والرسل المذكورون في السنة‪:‬‬
‫‪ -1‬شيث‪:‬‬
‫ص الحديث الذي رواه ابن حّبان في صحيحه عن‬
‫قال ابن كثير‪" :‬وكان نبّيا بن ّ‬
‫عا أّنه أنزل عليه خمسون صحيفة")]‪.([2‬‬
‫أِبي ذّر مرفو ً‬
‫‪ -2‬يوشع بن نون‪:‬‬
‫ي من‬
‫عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬غزا نب ّ‬
‫النبياء‪ ،‬فقال لقومه‪ :‬ل يتبعني رج ٌ‬
‫ل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني ِبها‬
‫ما أو‬
‫ن‪ ،‬ول آخر قد بنى بنياًنا ولم يرفع سقفها‪ ،‬ول آخر قد اشترى غن ً‬
‫ول َ ّ‬
‫ما يب ْ ِ‬
‫ت‪ ،‬وهو ينتظر أولدها‪ ،‬فغزا فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريًبا‬
‫خِلفا ٍ‬
‫ي شيًئا((‬
‫من ذلك‪ ،‬فقال للشمس‪ :‬أن ِ‬
‫ت مأمورة وأنا مأمور‪ ،‬اللهم احبسها عل ّ‬
‫)]‪.([3‬‬
‫ن‬
‫ن هذا يوشع بن نون قوله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬إ ّ‬
‫والدليل على أ ّ‬
‫الشمس لم تحبس إل ّ ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس(()]‪.([4‬‬
‫‪ -3‬المختلف في نبوتهم‪:‬‬
‫‪ -1‬ذو القرنين‪:‬‬
‫ما أخبر الله به أّنه خاطبه‬
‫ورد ذكر ذي القرنين في آخر سورة الكهف‪ ،‬وم ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫سنا{‬
‫فقال تعالى‪} :‬قُل َْنا ياَذا ال ْ َ‬
‫ما أن ت َت ّ ِ‬
‫م ُ‬
‫ما أن ت ُعَذ ّ َ‬
‫ح ْ‬
‫خذ َ ِفيهِ ْ‬
‫ب وَإ ِ ّ‬
‫ن إِ ّ‬
‫قْرن َي ْ ِ‬
‫ي؟ أو كان هو نبّيا؟‬
‫]الكهف‪ ،[86 :‬فكيف كان هذا الخطاب‪ :‬هل كان معه نب ّ‬
‫اختلف أهل العلم في ذلك‪:‬‬
‫فجزم بنبوته الفخر الرازي‪ ،‬قال ابن حجر‪" :‬وهو مرويّ عن عبد الله بن‬
‫عمرو‪ ،‬وعليه ظاهر القرآن")]‪.([5‬‬
‫ن ذا القرنين مل ِ ٌ‬
‫ي بن أِبي طالب رضي‬
‫ك صال ٌ‬
‫وذهب إلى أ ّ‬
‫ي عل ّ‬
‫ح وليس بنب ّ‬
‫الله عنه)]‪.([6‬‬
‫ح عن الرسول صلى الله‬
‫والراجح فيه أن يتوّقف في القول بنبوِته؛ لّنه ص ّ‬
‫عليه وسلم أّنه قال‪)) :‬ما أدري ذا القرنين نبّيا أم ل؟‪ ((...‬الحديث)]‪.([7‬‬
‫‪ -2‬ت ُّبع‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫من‬
‫م َ‬
‫ن ِ‬
‫م ت ُب ٍّع َوال ِ‬
‫م قَوْ ُ‬
‫خي ٌْر أ ْ‬
‫ورد ذكر تّبع في القرآن الكريم‪ ،‬قال تعالى‪} :‬أهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫قَبل ِه َ‬
‫م َ‬
‫ت‬
‫جرِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ن{ ]الدخان‪ ،[37:‬وقال تعالى‪} :‬ك َذ ّب َ ْ‬
‫كاُنوا ْ ُ‬
‫م إ ِن ّهُ ْ‬
‫م أهْل َك َْناهُ ْ‬
‫ْ ِ ْ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ط)‬
‫ن وَإ ِ ْ‬
‫مود ُ )‪ (12‬وَ َ‬
‫ن لو ٍ‬
‫خوا ُ‬
‫عاد ٌ وَفِْرعَوْ ُ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫م قَوْ ُ‬
‫س وَث َ ُ‬
‫قَب ْل َهُ ْ‬
‫ب الّر ّ‬
‫م ُنوٍح وَأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫م ت ّب ٍّع ك ُ ّ‬
‫ق‪،[14-12:‬‬
‫د{ ] ّ‬
‫حق ّ و َ ِ‬
‫عي ِ‬
‫ل فَ َ‬
‫ل ك َذ ّ َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫ب الي ْك َةِ وَقَوْ ُ‬
‫ب الّر ُ‬
‫‪ (13‬وَأ ْ‬
‫فقوم نوح وإخوان لوط نسبة أقوام ٍ إلى أنبيائهم‪ ،‬فهل قوم تّبع من نفس‬
‫ن‬
‫الباب‪ ،‬فيكون تّبع نبّيا من النبياء بعث إلى قوم ٍ فكذبوه فأهلكهم الله أم أ ّ‬
‫م‬
‫الضافة فيه كالضافة في قوله‪} :‬وَل َ َ‬
‫ن وَ َ‬
‫م فِْرعَوْ َ‬
‫م قَوْ َ‬
‫جاءهُ ْ‬
‫قد ْ فَت َّنا قَب ْل َهُ ْ‬
‫سو ٌ‬
‫م{ ]الدخان‪[17:‬؟‬
‫َر ُ‬
‫ري ٌ‬
‫ل كَ ِ‬
‫ّ‬
‫ي صلى الله عليه‬
‫والراجح أّنه لم يكن نبّيا‪ ،‬وقد حصل الشك فيه من النب ّ‬
‫مه أم ل؟ قال صلى الله عليه وسلم‪)) :‬ما أدري‬
‫وسلم‪ :‬هل ل ُِعن كما ل ُِعن قو ُ‬
‫أتبعٌّ ل َِعينا كان أم ل؟(( الحديث)]‪.([8‬‬
‫‪ -3‬الخضر‪:‬‬
‫ما كما حكى‬
‫الخضر هو العبد الصالح الذي رحل إليه موسى ليطلب منه عل ً‬
‫ن الخضر‬
‫الله ذلك في سورة الكهف)]‪ ،([9‬ذهب عدد ٌ من أهل العلم إلى أ ّ‬
‫ن سياق القصة يد ّ‬
‫ل على نبوته من وجوه‪:‬‬
‫ي من النبياء‪ ،‬وقالوا بأ ّ‬
‫نب ّ‬
‫عندَِنا{ ]الكهف‪:‬‬
‫ن ِ‬
‫م ً‬
‫ن ِ‬
‫عَبادَِنا ءات َي َْناه ُ َر ْ‬
‫دا عَب ْ ً‬
‫ج َ‬
‫الول‪ :‬قوله تعالى‪} :‬فَوَ َ‬
‫ة ّ‬
‫ح َ‬
‫دا ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫‪118‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ ،[65‬والرحمة هي النبوة‪ ،‬قال ابن عّباس‪) :‬أعطيناه الهدى والنبوة()]‪،([10‬‬
‫عندَِنا{ هي الوحي والنبوة")]‪ ،([11‬وقال‬
‫ن ِ‬
‫م ً‬
‫ي‪}" :‬ءات َي َْناه ُ َر ْ‬
‫ة ّ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫قال البيضاو ّ‬
‫ي‪" :‬الرحمة في هذه الية‪ :‬النبوة‪ .‬وقيل‪ :‬النعمة")]‪.([12‬‬
‫القرطب ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ما‬
‫م‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ت‬
‫أن‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ك‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ت‬
‫أ‬
‫ل‬
‫ه‬
‫سى‬
‫مو‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ل‬
‫قا‬
‫}‬
‫له‪:‬‬
‫موسى‬
‫قول‬
‫الثاِني‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُِّ‬
‫ُ ُ َ‬
‫َُ َ ِ ِ ّ ُ ْ َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫شدا ً )‪َ (66‬قا َ‬
‫ُر ْ‬
‫م‬
‫صْبرا ً )‪ (67‬وَك َي ْ َ‬
‫ست َ ِ‬
‫ك َلن ت َ ْ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫صب ُِر عََلى َ‬
‫طيعَ َ‬
‫ف تَ ْ‬
‫ى َ‬
‫معِ َ‬
‫َ‬
‫ح ْ‬
‫صى ل َ َ‬
‫خْبرا ً )‪َ (68‬قا َ‬
‫جد ُِنى ِإن َ‬
‫مرا ً )‪(69‬‬
‫ط ب ِهِ ُ‬
‫تُ ِ‬
‫صاب ًِرا وَل َ أعْ ِ‬
‫ل َ‬
‫كأ ْ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫ست َ ِ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ه ذِ ْ‬
‫ثل َ‬
‫َقا َ‬
‫عن َ‬
‫كرا{ ]الكهف‪:‬‬
‫سألنى َ‬
‫حد ِ َ‬
‫ك ِ‬
‫حّتى أ ْ‬
‫شىء َ‬
‫ن ات ّب َعْت َِنى فَل َ ت َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ل فَإ ِ ِ‬
‫‪ ،[70-66‬فهذا موسى ـ من عصمه الله بالنبوة ـ ل يرضى أن يتبع الخضر‬
‫ي من‬
‫عا مطل ً‬
‫اتبا ً‬
‫قا إل ّ إذا كان يعلم أ ّ‬
‫ن الخضر نب ّ‬
‫ي معصوم‪ ،‬ل يفعل إل ّ بوح ٍ‬
‫الله‪.‬‬
‫جة لقتل‬
‫الثالث‪ :‬قتل الخضر للغلم‪ ،‬ففيه إزهاق نفس‪ ،‬وال ِ‬
‫فراسة ليست ح ّ‬
‫ي من الله تعالى‪.‬‬
‫النفس‪ ،‬فل بد ّ أ ّ‬
‫ن ذلك كان بوح ٍ‬
‫ما‬
‫الرابع‪ :‬تفسير الخضر لموسى بأ ّ‬
‫ي من الله تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫ن أفعاله كانت بوح ٍ‬
‫فَعل ْته عَ َ‬
‫ي‪" :‬يقول‪ :‬وما فعلت ـ يا موسى ـ‬
‫نأ ْ‬
‫َ ُ ُ‬
‫رى{ ]الكهف‪ ،[82:‬قال الطبر ّ‬
‫ْ‬
‫م ِ‬
‫جميع الذي رأيتني فعلته عن رأيي ومن تلقاء نفسي‪ ،‬وإّنما فعلته عن أمر الله‬
‫إياي به")]‪.([13‬‬
‫‪ -4‬السباط‪:‬‬
‫كر الله تعالى السبا َ‬
‫ذ َ‬
‫ط وهم أبناء يعقوب‪ ،‬وهم اثنا عشر رجل‪ ،‬ولم يخبر‬
‫ما غير يوسف عليه السلم‪ ،‬قال‬
‫بأسمائهم‪ ،‬ول ُيعرف منهم أحد ٌ باسمه جز ً‬
‫ُ‬
‫عي َ‬
‫ما أنزِ َ‬
‫ما ُأنزِ َ‬
‫ل‬
‫ما ِ‬
‫ل إ َِلى إ ِْبرا ِ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫س َ‬
‫هي َ‬
‫ل إ ِل َي َْنا وَ َ‬
‫مّنا ِبالل ّهِ وَ َ‬
‫تعالى‪ُ} :‬قوُلوا ْ ءا َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫من‬
‫حاقَ وَي َعْ ُ‬
‫سى وَ ِ‬
‫ن ِ‬
‫سَبا ِ‬
‫ي الن ّب ِّيو َ‬
‫قو َ‬
‫س َ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫ب َوال ْ‬
‫وَإ ِ ْ‬
‫سى وَ َ‬
‫ى ُ‬
‫ط وَ َ‬
‫ما أوت ِ َ‬
‫ما أوت ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{ ]البقرة‪.[136:‬‬
‫م ل َ نُ َ‬
‫مو َ‬
‫م وَن َ ْ‬
‫نأ َ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ه ُ‬
‫نل ُ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫حد ٍ ّ‬
‫ّرب ّهِ ْ‬
‫ح ُ‬
‫فّرقُ ب َي ْ َ‬
‫)‪(6 /‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر‪" :‬إخوة يوسف‪ُ :‬روِبيل وهو أكبرهم‪ ,‬وشمعون‪ ،‬ولوي‪,‬‬
‫ويهوذا‪ ,‬وداني‪ ,‬ونفتالي‪ ،‬وكاد‪ ,‬وأشير‪ ،‬وأيساجر‪ ,‬ورايلون‪ ,‬وبنيامين‪ ،‬وهم‬
‫ي وإّنما‬
‫السباط‪ .‬وقد اختلف فيهم فقيل‪ :‬كانوا أنبياء‪ ,‬ويقال‪ :‬لم يكن فيهم نب ّ‬
‫المراد بالسباط قبائل من بني إسرائيل‪ ,‬فقد كان فيهم من النبياء عدد‬
‫كثير")]‪.([14‬‬
‫)]‪ ([1‬شرح العقيدة الواسطية )ص‪.(64-63 :‬‬
‫)]‪ ([2‬البداية والنهاية )‪.(1/99‬‬
‫)]‪ ([3‬البخاري في فرض الخمس‪ ،‬باب قول »أحلت لي الغنائم‪،(2892) «...‬‬
‫ومسلم في الجهاد والسير‪ ،‬باب تحليل الغنائم لهذه المة خاصة )‪.(3287‬‬
‫من‬
‫ح على شرط البخاري؛ ف ِ‬
‫)]‪ ([4‬أحمد في المسند )‪ ،(2/325‬وإسناده صحي ٌ‬
‫رواته أبو بكر بن عّياش من رجال البخاري دون مسلم‪ ،‬وباقي رجاله رجال‬
‫الشيخين‪ .‬قال ابن كثير في البداية )‪" :(1/323‬انفرد به أحمد من هذا الوجه‪،‬‬
‫وهو على شرط البخاري"‪.‬‬
‫)]‪ ([5‬فتح الباري )‪.(6/382‬‬
‫)]‪ ([6‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(6/382‬‬
‫ح على شرط‬
‫)]‪ ([7‬أخرجه الحاكم في المستدرك )‪ ،(1/92‬وقال‪" :‬صحي ٌ‬
‫الشيخين‪ ،‬ول أعلم له عّلة‪ ،‬ولم يخرجاه"‪.‬‬
‫)]‪ ([8‬أبو داود في السنة‪ ،‬باب التخيير بين النبياء عليهم الصلة والسلم )‬
‫‪ ،(4054‬والحاكم في المستدرك )‪ ،(2/17‬ومن طريقه البيهقي في الكبرى )‬

‫‪119‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ (8/329‬من حديث أِبي هريرة رضي الله عنه‪ .‬وصححه اللباِني في صحيح‬
‫سنن أِبي داود )‪ .(3908‬وقع في بعض روايات الحاكم )‪» ،(1/92‬ما أدري‬
‫أتبع نبّيا كان أم ل؟«‪ ،‬ولعله تصحيف‪ ،‬فهو معارض للرواية الخرى‪ ،‬والتي‬
‫أخرجها البيهقي من طريقه على الصواب كرواية أِبي داود‪» :‬ما أدري تبع‬
‫أَلعيًنا كان أم ل؟«‪ .‬انظر‪ :‬السلسلة الصحيحة )‪.(5/253‬‬
‫ي صلى الله عليه‬
‫)]‪ ([9‬أخرج أحمد )‪ (5/122‬من حديث ابن عباس عن النب ّ‬
‫وسلم‪» :‬بينما موسى جالس في مل من بني إسرائيل‪ ،‬فقال له رجل‪ :‬هل‬
‫أحد أعلم بالله تبارك وتعالى منك؟ قال‪ :‬ما أرى‪ .‬فأوحى الله إليه‪ :‬بلى عبدي‬
‫الخضر‪ .‬فسأل السبيل إليه‪ «...‬الحديث‪.‬‬
‫)]‪ ([10‬أخرجه عنه ابن أِبي حاتم في تفسيره )‪ ،(7/2377‬وانظر‪ :‬الدر‬
‫المنثور )‪.(5/425‬‬
‫)]‪ ([11‬تفسير البيضاوي )‪.(3/510‬‬
‫)]‪ ([12‬تفسير القرطبي )‪.(11/16‬‬
‫)]‪ ([13‬تفسير الطبري )‪.(16/7‬‬
‫)]‪ ([14‬فتح الباري )‪.(6/419‬‬
‫رابعا‪ :‬خصائص النبياء والرسل‪:‬‬
‫‪ -1‬الوحي‪:‬‬
‫َ‬
‫ص الله النبياء دون سائر البشر بوحيه إليهم‪ ،‬قال تعالى‪} :‬قُ ْ‬
‫ما أن َا ْ ب َ َ‬
‫شٌر‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫خ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫د{ ]الكهف‪.[110:‬‬
‫م اله َوا ِ‬
‫ح ٌ‬
‫م ُيو َ‬
‫ما الهك ُ ْ‬
‫ى أن ّ َ‬
‫مث ْل ُك ُ ْ‬
‫ّ‬
‫حى إ ِل ّ‬
‫‪ -2‬العصمة‪:‬‬
‫النبياء معصومون في تبليغ ما أمرهم الله عز وجل بتبليغه‪ ،‬وهم معصومون‬
‫أيضا من الدنّيات المخّلة بالمروءة‪ ،‬ومعصومون كذلك من كبائر الذنوب‬
‫وقبائحها‪ ،‬ويقع منهم عليهم أفضل الصلة وأتم التسليم صغار الذنوب‪ ،‬كأكل‬
‫َ‬
‫ما‬
‫آدم من الشجر التي ُنهي عنها قال تعالى‪} :‬فَأك َل َ ِ‬
‫ما َ‬
‫وءات ُهُ َ‬
‫ت ل َهُ َ‬
‫من َْها فَب َد َ ْ‬
‫س ْ‬
‫وى{ ]طه‪،[121:‬‬
‫ص َ‬
‫وَط َفِ َ‬
‫قا ي َ ْ‬
‫ما ِ‬
‫خ ِ‬
‫ق ال ْ َ‬
‫صى ءاد َ ُ‬
‫م َرب ّ ُ‬
‫ن عَل َي ْهِ َ‬
‫جن ّةِ وَعَ َ‬
‫ه فَغَ َ‬
‫فا ِ‬
‫من وََر ِ‬
‫وتسّرع داود في الحكم قبل سماع قول الخصم الثاِني‪ ،‬فأسرع إلى التوبة‪،‬‬
‫َ‬
‫ب )‪(24‬‬
‫ست َغْ َ‬
‫ه وَ َ‬
‫خّر َرا ِ‬
‫كعا ً وَأَنا َ‬
‫فغفر الله له ذنبه قال تعالى عنه‪َ} :‬فا ْ‬
‫فَر َرب ّ ُ‬
‫ه ذال ِ َ‬
‫ك{ ]ص‪ ،[25 ،24 :‬وقد عاتب الله نبّينا صلى الله عليه وسلم‬
‫فَغَ َ‬
‫فْرَنا ل َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫ه‬
‫على تحريمه على‬
‫ما أ َ‬
‫م تُ َ‬
‫حّر ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ى لِ َ‬
‫نفسه ما أباحه الله له‪} :‬ياأي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫لَ َ‬
‫َ‬
‫م{ ]التحريم‪.[1:‬‬
‫حي‬
‫ر‬
‫ر‬
‫فو‬
‫ُ‬
‫غ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫وال‬
‫ك‬
‫ج‬
‫زوا‬
‫أ‬
‫ت‬
‫مْر َ‬
‫ٌ ّ ِ ٌ‬
‫َ ُ‬
‫ضا َ ْ ِ‬
‫ك ت َب ْت َِغى َ‬
‫ي في كوِنهم أسوةً وقدوة‪ ،‬لّنه يسارع إلى‬
‫ول يتنافى وقوع الصغيرة من النب ّ‬
‫التوبة‪ ،‬فيكون قدوة وأسوة للعاصين بأن يسارعوا إلى التوبة والستغفار‪،‬‬
‫خرون التوبة‪ ،‬وهم بعد َ التوبة أكم ُ‬
‫ل‬
‫فالنبياء ل ي ُ َ‬
‫قّرون على المعصية‪ ،‬ول يؤ ّ‬
‫منهم قبلها‪.‬‬
‫وهذه الصغائر من أد ّ‬
‫ل الدلئل على بشريتهم‪ ،‬وهي صغائر نادرة معدودة‪ ،‬ل‬
‫تقدح في عصمتهم‪ ،‬ول سبيل فيها إلى النيل منهم والطعن فيهم‪.‬‬
‫‪ -3‬البشرية‪:‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫مل الرسالة ل‬
‫الذين يستعظمون ويستبعدون اختيار الله بعض البشر لتح ّ‬
‫مل المانة العظمى قال تعالى‪:‬‬
‫يقدرون النسان قدره‪ ،‬فالنسان مؤ ّ‬
‫هل لتح ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ملن ََها‬
‫مان َ َ‬
‫ح ِ‬
‫ماوا ِ‬
‫ن أن ي َ ْ‬
‫}إ ِّنا عََر ْ‬
‫ة عََلى ال ّ‬
‫ض َوال ِ‬
‫س َ‬
‫ضَنا ال َ‬
‫ل فأب َي ْ َ‬
‫جَبا ِ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫وَأ َ ْ‬
‫جُهول{ ]الحزاب‪ .[72:‬وهم‬
‫ف ْ‬
‫ش َ‬
‫ن ِ‬
‫ن ظلوما َ‬
‫ه كا َ‬
‫سا ُ‬
‫من َْها وَ َ‬
‫ملَها ال ِن ْ َ‬
‫ن إ ِن ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫ق َ‬
‫‪120‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫دا فقط يأكل‬
‫ن الرسول ليس جس ً‬
‫عندما استعظموا ذلك لم ينظروا إلى أ ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ل ي َأ ْك ُلُ‬
‫ما ل َِهاَذا الّر ُ‬
‫ويشرب وينام ويمشي في السواق لحاجته‪} ،‬وَقالوا َ‬
‫سو ِ‬
‫ق{ ]الفرقان‪ ،[7:‬بل له جوهٌر متمثل في نفخة‬
‫م ِ‬
‫الط َّعا َ‬
‫شى ِفى ال ْ‬
‫م وَي َ ْ‬
‫س َ‬
‫وا ِ‬
‫ن‬
‫ه وَن َ َ‬
‫ف ْ‬
‫من ّرو ِ‬
‫ت ِفيهِ ِ‬
‫حى{ ]الحجر‪ ،[29 :‬ثم إ ّ‬
‫الله له من روحه‪} ،‬فَإ َِذا َ‬
‫خ ُ‬
‫سوّي ْت ُ ُ‬
‫الرسول ُيعد ّ للرسالة إعداًدا‪ ،‬قال الله تعالى مخاطبا موسى عليه السلم‪:‬‬
‫صط َن َعْت ُ َ‬
‫دا صلى الله عليه وسلم‬
‫ك ل ِن َ ْ‬
‫ف ِ‬
‫م ً‬
‫سى{ ]طه‪ ،[41:‬وأحاط نبّيه مح ّ‬
‫}َوا ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫جد َ َ‬
‫جد ْ َ‬
‫دى‬
‫ضال ّ فَهَ َ‬
‫ك َ‬
‫ك ي َِتيما َفآَوى )‪ (6‬وَوَ َ‬
‫م يَ ِ‬
‫برعايته من صغره قال تعالى‪} :‬أل ْ‬
‫َ‬
‫جد َ َ‬
‫ن رسول الله‬
‫ك َ‬
‫عائ ِل ً فَأغَْنى{ ]الضحى‪ ،[8-6:‬وعن أنس ابن مالك أ ّ‬
‫)‪ (7‬وَوَ َ‬
‫صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وهو يلعب مع‬
‫الغلمان‪ ،‬فأخذه فصرعه‪ ،‬فشق عن قلبه‪ ،‬فاستخرج القلب‪ ،‬فاستخرج منه‬
‫علقة‪ ،‬فقال‪ :‬هذا حظ الشيطان منك‪ .‬ثم غسله في طست من ذهب بماء‬
‫مه ـ يعني‬
‫زمزم‪ ،‬ثم لمه‪ ،‬ثم أعاده في مكانه‪ .‬وجاء الغلمان يسعون إلى أ ّ‬
‫دا قد قتل‪ ،‬فاستقبلوه‪ ،‬وهو منتقع اللون‪ .‬قال أنس‪:‬‬
‫ن محم ً‬
‫ظئره ـ فقالوا‪ :‬إ ّ‬
‫وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره)]‪.([1‬‬
‫والبشر أقدر على القيادة والتوجيه‪ ،‬وهم الذين يصلحون أن يكونوا قدوة‬
‫وأسوة‪ ،‬وإّنها لحكمة تبدو في رسالة واحد ٍ من البشر إلى البشر‪ ،‬واحد من‬
‫س بإحساسهم‪ ،‬ويتذّوق مواجدهم‪ ،‬ويعاِني تجارَبهم‪ ،‬ويدرك آلمهم‬
‫البشر يح ّ‬
‫وآمالهم‪ ،‬ويعرف نوازعهم وأشواقهم‪ ،‬ويعلم ضروراِتهم وأثقالهم‪ ،‬ومن ثم‬
‫يعطف على ضعفهم ونقصهم‪ ،‬ويرجو قوَتهم واستعلءهم‪ ،‬ويسير ِبهم خطوة‬
‫در بواعثهم وتأثراِتهم واستجاباِتهم‪ ،‬لّنه في النهاية واحد ٌ‬
‫خطوة‪ ،‬وهو يفهم ويق ّ‬
‫منهم‪ ،‬يرتاد ِبهم الطريق إلى الله‪ ،‬بوحي من الله وعون منه على وعثاء‬
‫الطريق‪ .‬وهم من جانبهم يجدون فيه القدوة‪ ،‬لّنه بشر مثلهم‪ ،‬يتسامى ِبهم‬
‫ن الله‬
‫دا‪ ،‬ويعيش فيهم بالخلق والعمال والتكاليف التي يبلغهم أ ّ‬
‫دا روي ً‬
‫روي ً‬
‫قد فرضها عليهم‪ ،‬وأرادها منهم‪ ،‬فيكون بشخصه ترجمة حّية للعقيدة التي‬
‫يحملها إليهم‪ ،‬وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم‪ ،‬ينقلوَنها‬
‫سطرا سطًرا‪ ،‬ويحققوَنها معنى معنى‪ ،‬وهم يروَنها بينهم‪ ،‬فتهفو نفوسهم إلى‬
‫تقليدها‪ ،‬لّنها ممثلة في إنسان)]‪.([2‬‬
‫‪ -4‬خيرية النسب‪:‬‬
‫الرسل ذوو أنساب كريمة‪ ،‬فجميع الرسل بعد نوٍح من ذريته‪ ،‬وجميع الرسل‬
‫بعد إبراهيم من ذرية إبراهيم‪ ،‬قال تعالى‪} :‬ول َ َ َ‬
‫جعَل َْنا‬
‫سل َْنا ُنوحا ً وَإ ِْبرا ِ‬
‫م وَ َ‬
‫قد ْ أْر َ‬
‫هي َ‬
‫َ‬
‫ن الله يصطفي لرسالته‬
‫فإ‬
‫ولذلك‬
‫ب{ ]الحديد‪،[26:‬‬
‫ّ‬
‫ما الن ّب ُوّة َ َوال ْك َِتا َ‬
‫ِفى ذ ُّري ّت ِهِ َ‬
‫من كان من خيار قومه نسًبا‪ ،‬عن واثلة بن السقع قال‪ :‬سمعت رسول الله‬
‫ن الله اصطفى كنانة من ولد إسمعيل‪،‬‬
‫صلى الله عليه وسلم يقول‪)) :‬إ ّ‬
‫واصطفى قري ً‬
‫شا من كنانة‪ ،‬واصطفى من قريش بني هاشم‪ ،‬واصطفاني من‬
‫بني هاشم(()]‪.([3‬‬
‫وهذا أمر مشتهر معروف قال هرقل ملك الروم‪" :‬فكذلك الرسل تبعث في‬
‫نسب قومها")]‪.([4‬‬
‫‪ -5‬أحرار بعيدون عن الرق‪:‬‬
‫دا‪ ،‬فالرقّ نقص بشري‪ ،‬رفع الله أنبياءه عنه‪،‬‬
‫ل يكون النبياء والرسل أرقاء أب ً‬
‫ج عن الصل‪ ،‬فالصل حريته‪،‬‬
‫وما حدث ليوسف عليه السلم إّنما هو رقّ خار ٌ‬
‫عا من أنواع البلء من الله عليه‪،‬‬
‫ما وعدواًنا‪ ،‬وكان نو ً‬
‫والرق طارئ عليه ظل ً‬
‫ي‬
‫ص ل يليق بمقام النبوة‪ ،‬والنب ّ‬
‫ولم يستمر‪ ،‬قال السفاريني‪" :‬الرقّ وصف نق ٍ‬
‫ضا‬
‫يكون داعًيا للّناس آناء الليل وأطراف النهار‪ ،‬والرقيق ل يتيسر له ذلك‪ ،‬وأي ً‬
‫ص يأنف منه الّناس‪ ،‬ويستنكفون من اتباع من اتصف ِبها‪،‬‬
‫الرِقّّية وصف نق ٍ‬
‫‪121‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ما لهم وقدوة‪ ،‬وهي أثر الكفر‪ ،‬والنبياء من َّزهون عن ذلك")]‬
‫وأن يكون إما ً‬
‫‪.([5‬‬
‫‪ -6‬ل يكونون إل رجال‪ً:‬‬
‫ومن خصائص النبياء وسنة الله فيهم أن جعلهم رجا ً‬
‫مآ‬
‫ل‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫َ‬
‫من قَب ْل ِ َ‬
‫سأ َُلوا ْ أ َهْ َ‬
‫ن{‬
‫جال ً ّنو ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫مو َ‬
‫ك إ ِل ّ رِ َ‬
‫م َفا ْ‬
‫أْر َ‬
‫ل الذ ّك ْرِ ِإن ك ُن ُْتم ل َ ت َعْل َ ُ‬
‫حى إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫]النبياء‪.[7:‬‬
‫‪ -7‬تنام أعينهم ول تنام قلوبهم‪:‬‬
‫ن عيني‬
‫هذه خاصية ليست لغير النبياء‪ ،‬قال صلى الله عليه وسلم‪)) :‬إ ّ‬
‫تنامان‪ ،‬ول ينام قلبي(()]‪ ،([6‬وعن أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة‬
‫السراء‪ :‬والنبي صلى الله عليه وسلم نائمة عيناه‪ ،‬ول ينام قلبه‪ .‬وكذلك‬
‫النبياء تنام أعينهم‪ ،‬ول تنام قلوُبهم)]‪.([7‬‬
‫‪ -8‬تخيير الله لهم عند الموت‪:‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫صهم الله ِبهذه الخاصية‪ ،‬فيخّيرون عند الموت‪ ،‬عن عائشة رضي الله عنها‬
‫خ ّ‬
‫ي يمرض‬
‫قالت‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪)) :‬ما من نب ّ‬
‫حة‬
‫إل ّ ُ‬
‫خّير بين الدنيا والخرة((‪ ،‬وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذْته ب ّ‬
‫شديدة‪ ،‬فسمعته يقول‪)) :‬مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين‬
‫خّير)]‪.([8‬‬
‫والشهداء والصالحين((‪ ،‬فعلمت أّنه ُ‬
‫‪ -9‬ل تأكل الرض أجسادهم‪:‬‬
‫والرض ل تأكل أجساد النبياء كرامة لهم‪ ،‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫ن الله عز وجل قد حّرم على الرض أن تأكل أجساد النبياء عليهم‬
‫وسلم‪)) :‬إ ّ‬
‫السلم(()]‪.([9‬‬
‫فمهما طال الزمان وتقادم العهد تبقى أجسادهم محفوظة من البلى‪.‬‬
‫‪ -10‬يكونون أحياء في قبورهم‪:‬‬
‫ن الرسول صلى الله عليه وسلم قال‪:‬‬
‫عن أنس بن مالك رضي الله عنه أ ّ‬
‫ت على موسى ليلة أسري ِبه عند الكثيب الحمر‪ ،‬وهو قائم يصلي في‬
‫))مرر ُ‬
‫قبره(()]‪.([10‬‬
‫‪ -11‬يقبرون حيث يموتون‪:‬‬
‫ّ‬
‫ص به النبياء بعد موِتهم أّنهم ل يقبرون إل حيث يموتون‪ ،‬ولذلك‬
‫ما ُ‬
‫وهذا م ّ‬
‫خ ّ‬
‫ُقبر صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها‪ ،‬تحت فراشه الذي‬
‫ي صلى الله عليه‬
‫مات عليه‪ ،‬فعن ابن جريج قال‪ :‬أخبرِني أِبي أ ّ‬
‫ن أصحاب النب ّ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم؛ حتى قال أبو بكر‬
‫وسلم لم يدروا أين يقبرون النب ّ‬
‫رضي الله عنه‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪)) :‬لن يقبر‬
‫خُروا فراشه‪ ،‬وحفروا له تحت فراشه)]‪.([11‬‬
‫ي إل ّ حيث يموت((‪ ،‬فأ ّ‬
‫نب ّ‬
‫)]‪ ([1‬مسلم في اليمان‪ ،‬باب السراء برسول الله صلى الله عليه وسلم )‬
‫‪.(162‬‬
‫)]‪ ([2‬انظر‪ :‬في ظلل القرآن )‪.(19/2553‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم )‬
‫)]‪ ([3‬مسلم في الفضائل‪ ،‬باب فضل نسب النب ّ‬
‫‪.(2276‬‬
‫)]‪ ([4‬البخاري في بدء الوحي‪ ،‬باب بدء الوحي )‪.(7‬‬
‫)]‪ ([5‬لوامع النوار البهية )‪.(2/265‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم بالليل )‬
‫)]‪ ([6‬البخاري في الجمعة‪ ،‬باب قيام النب ّ‬
‫‪122‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ ،(1147‬ومسلم في صلة المسافرين وقصرها‪ ،‬باب صلة الليل وعدد‬
‫ي صلى الله عليه وسلم )‪ (738‬من حديث عائشة رضي الله عنها‪.‬‬
‫ركعات النب ّ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم تنام عينه‪،‬‬
‫)]‪ ([7‬البخاري في المناقب‪ ،‬باب كان النب ّ‬
‫ول ينام قلبه )‪.(3570‬‬
‫ُ‬
‫ل فَأول َئ ِ َ‬
‫سو َ‬
‫ن‬
‫معَ ال ّ ِ‬
‫ه َوالّر ُ‬
‫ك َ‬
‫ن ي ُط ِِع الل ّ َ‬
‫)]‪ ([8‬البخاري في التفسير‪ ،‬باب }وَ َ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن أول َئ ِ َ‬
‫ن َوال ّ‬
‫ك‬
‫صال ِ ِ‬
‫دي ِ‬
‫م ِ‬
‫ن وَ َ‬
‫شهَ َ‬
‫ص ّ‬
‫ح ُ‬
‫ه عَل َي ْهِ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫أن ْعَ َ‬
‫داِء َوال ّ‬
‫ن َوال ّ‬
‫س َ‬
‫حي َ‬
‫قي َ‬
‫ن الن ّب ِّيي َ‬
‫م َ‬
‫قا{ )‪.(4586‬‬
‫َرِفي ً‬
‫ي صلى‬
‫)]‪ ([9‬أحمد )‪ ،(4/8‬والنسائي في الجمعة‪ ،‬باب إكثار الصلة على النب ّ‬
‫الله عليه وسلم )‪ ،(1374‬وابن ماجه في إقامة الصلة‪ ،‬باب فضل الجمعة )‬
‫‪ ،(1085‬والحاكم )‪ (1/413‬من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه‪ ،‬قال‬
‫الحاكم‪" :‬هذا حديث صحيح على شرط البخاري‪ ،‬ولم يخرجاه"‪ ،‬وصححه‬
‫اللباني في صحيح سنن النسائي )‪.(1301‬‬
‫)]‪ ([10‬مسلم في الفضائل‪ ،‬باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم )‬
‫‪.(2375‬‬
‫)]‪ ([11‬أخرجه أحمد )‪ (1/7‬بسندٍ منقطع‪ .‬وأخرجه الترمذي )‪ (108‬من‬
‫طريق عبد الرحمن بن أبي بكر‪ ،‬عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن أبي بكر‪،‬‬
‫وابن أبي بكر ضعيف‪ .‬وأخرجه الترمذي في الشمائل )‪ ،(378‬والطبراني في‬
‫ن الّناس قالوا‬
‫الكبير )‪ (6366‬بإسناد صحيح عن سالم بن عبيد الشجعي أ ّ‬
‫لبي بكر‪ :‬أين ُيدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال‪ :‬في المكان‬
‫ن الله لم يقبض روحه إل ّ في مكان طّيب‪ .‬فعلموا‬
‫الذي قبض فيه روحه‪ ،‬فإ ّ‬
‫أّنه صدق‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬دلئل النبوة‪:‬‬
‫مه قائ ً‬
‫ل‪ :‬إني رسول الله إليكم‪ ،‬ل بد ّ أن يؤّيده‬
‫لجل أن يص ّ‬
‫دق من يأِتي قو َ‬
‫ل وحجج وبراهين مبّينة تد ّ‬
‫الله بدلئ َ‬
‫ل على صدقه‪ .‬وهذه الدلئل يمكن‬
‫تقسيمها إلى خمسة أقسام‪:‬‬
‫‪ -1‬اليات والمعجزات‪:‬‬
‫وهي متنوعة‪ ،‬فمنها ما يكون إخباًرا بالمغّيبات الماضية والتية‪ ،‬كإخبار عيسى‬
‫دخرون في بيوِتهم‪ ،‬وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫قومه بما يأكلون وي ّ‬
‫ّ‬
‫بأخبار المم السابقة‪ .‬ومنها ما يكون من باب خرق العادة الدال على كمال‬
‫القدرة كتحويل عصا موسى عليه السلم إلى ثعبان‪ .‬ومنها ما يكون من باب‬
‫الستغناء بالله تعالى والتوكل عليه في حفظه لرسله من أعدائهم‪ ،‬مع‬
‫ديهم لهم‪ ،‬ومن أمثلة هذه اليات والمعجزات‪:‬‬
‫تح ّ‬
‫ي الله صالح عليه السلم‪:‬‬
‫أ‪ -‬آية نب ّ‬
‫)‪(9 /‬‬
‫دعا صالح قومه إلى عبادة الواحد الحد‪ ،‬قال تعالى‪} :‬ول َ َ َ‬
‫مود َ‬
‫قد ْ أْر َ‬
‫سل َْنا إ َِلى ث َ ُ‬
‫َ‬
‫ل على صدقه‪َ} ،‬قاُلوا ْ‬
‫صاِلحًا{ ]النمل‪ ،[45:‬ف َ‬
‫كذبوه وطلبوا منه آية تد ّ‬
‫أَ َ‬
‫خاهُ ْ‬
‫م َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت ب َِئاي َةٍ ِإن ُ‬
‫ت إ ِل ّ ب َ َ‬
‫ن‬
‫ت ِ‬
‫مث ْل َُنا فَأ ِ‬
‫ت ِ‬
‫س ّ‬
‫م َ‬
‫كن َ‬
‫شٌر ّ‬
‫ما أن َ‬
‫ن )‪َ (153‬‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ما أن َ‬
‫إ ِن ّ َ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫ح ِ‬
‫ت لنا من هذه‬
‫ت أخرج َ‬
‫ن{ ]الشعراء‪ ،[154-153:‬قالوا له‪ :‬إن أن َ‬
‫ال ّ‬
‫صادِِقي َ‬
‫الصخرة ـ وأشاروا إلى صخرة عندهم ـ ناقة عشراء‪ ،‬وتعّنتوا في وصفها‪،‬‬
‫فقال لهم صالح‪ :‬أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم‬
‫ح ما‬
‫أتؤمنون بما جئت به وتصدقوِني بما أرسلت به؟ قالوا‪ :‬نعم‪ .‬فسأل صال ٌ‬
‫طلبه قومه‪ ،‬فأمر الله تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء على‬

‫‪123‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الوجه الذي طلبوا‪ ،‬فآمن كثير من قومه‪ ،‬واستمّر أكثرهم على كفرهم‪ .‬قال‬
‫َ‬
‫ها ت َأ ْك ُ ْ‬
‫ها‬
‫سو َ‬
‫ة فَذ َُرو َ‬
‫م ءاي َ ً‬
‫هاذِهِ َناقَ ُ‬
‫لهم صالح‪َ } :‬‬
‫م ّ‬
‫ض الل ّهِ وَل َ ت َ َ‬
‫ة الل ّهِ ل َك ُ ْ‬
‫ل ِفى أْر ِ‬
‫سوء{ ]العراف‪ ،[73:‬ولكن أشقى الولين قام إلى هذه الناقة فعقرها‪ ،‬قال‬
‫بِ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما ت َعِد َُنا ِإن‬
‫ب‬
‫نا‬
‫ت‬
‫ئ‬
‫ا‬
‫ح‬
‫ل‬
‫صا‬
‫يا‬
‫ا‬
‫لو‬
‫قا‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ر‬
‫م‬
‫أ‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ا‬
‫و‬
‫ت‬
‫ع‬
‫و‬
‫ة‬
‫ق‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ا‬
‫رو‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ع‬
‫ف‬
‫}‬
‫تعالى‪:‬‬
‫َ َ ِ ُ َِ ِ َ‬
‫ّ َ َ ََ ْ َ ْ ْ ِ َ ِّ ْ‬
‫َ ُ‬
‫فأتاهم َما يوعدون‪} ،‬فَأ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ه‬
‫ذ‬
‫خ‬
‫[‪،‬‬
‫‪77‬‬
‫]لعراف‪:‬‬
‫ن{‬
‫لي‬
‫س‬
‫َ‬
‫ت ِ‬
‫ُ ِ ّ‬
‫ُ ُ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫كن َ‬
‫مْر َ ِ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ِفى ذ َل ِ َ‬
‫ن{ ]الشعراء‪.[158:‬‬
‫ن أك ْث َُر ُ‬
‫ك لي َ ً‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫هم ّ‬
‫ة وَ َ‬
‫مِني َ‬
‫ب‪ -‬الخبار بالمور الغيبية‪:‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ول يكتب‪ ،‬ومع ذلك أخبر عن المم‬
‫النب ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫حيَها إ ِلي ْ َ‬
‫الماضية إخبار من وقف عليها‪ ،‬قال تعالى‪} :‬ت ِل َ‬
‫ك‬
‫ب ُنو ِ‬
‫ك ِ‬
‫ن أن َْباء الغَي ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ما ُ‬
‫م َ‬
‫ن{ ]هود‪:‬‬
‫ن الَعاقِب َ َ‬
‫ل َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ك ِ‬
‫صب ِْر إ ِ ّ‬
‫ة ل ِل ُ‬
‫ت وَل َ قَوْ ُ‬
‫مَها أن َ‬
‫ت ت َعْل َ ُ‬
‫كن َ‬
‫َ‬
‫هاَذا َفا ْ‬
‫قي َ‬
‫من قَب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن أنَباء‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫}ذا‬
‫تعالى‪:‬‬
‫قال‬
‫مريم‬
‫كفالة‬
‫في‬
‫المل‬
‫اختصام‬
‫عن‬
‫فأخبر‬
‫[‪،‬‬
‫‪49‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫قون أ َقَْلمه َ‬
‫ما ُ‬
‫حيهِ إ ِل َي ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫ما‬
‫م ي َك ْ ُ‬
‫م إ ِذ ْ ي ُل ْ ُ‬
‫ب ُنو ِ‬
‫م وَ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ل َ‬
‫م أي ّهُ ْ‬
‫َ ُ ْ‬
‫ت ل َد َي ْهِ ْ‬
‫كن َ‬
‫ك وَ َ‬
‫ال ْغَي ْ ِ‬
‫ُ‬
‫ص قصة تكليم الله لموسى‬
‫م إ ِذ ْ ي َ ْ‬
‫خت َ ِ‬
‫مو َ‬
‫ص ُ‬
‫ت ل َد َي ْهِ ْ‬
‫كن َ‬
‫ن{ ]آل عمران‪ ،[44:‬وق ّ‬
‫ب ال ّ‬
‫كن‬
‫طورِ إ ِذ ْ َناد َي َْنا وََل ِ‬
‫ت بِ َ‬
‫ما ك ُن ْ َ‬
‫عليه السلم في الطور قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫جان ِ ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫من ّرب ِ َ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫ما أ ََتا ُ‬
‫م ً‬
‫من ن ّ ِ‬
‫م ي َت َذ َكُرو َ‬
‫ّر ْ‬
‫من قب ْل ِك لعَلهُ ْ‬
‫ذيرٍ ّ‬
‫هم ّ‬
‫وما ً ّ‬
‫ة ّ‬
‫ح َ‬
‫ك ل ُِتنذَِر قَ ْ‬
‫]القصص‪ ،[46:‬كل ذلك آيات ودلئل على صدق نبوة الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫ف الله العداء عن الرسول صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫ج‪ -‬ك ّ‬
‫ي صلى الله‬
‫وظهر ذلك في الهجرة النبوية‪ ،‬فقد أدرك سراقة بن مالك النب ّ‬
‫عليه وسلم أثناء سيره‪ ،‬طامًعا في جائزة قريش‪ ،‬فلما دَنا منهم عثرت به‬
‫فرسه‪ ،‬فخّر عنها‪ ،‬فقام فركب فرسه‪ ،‬فلما دنا منهم خّرت به فرسه‪ُ ،‬يفعل‬
‫ن الرسول ظاهٌر بدينه‪ ،‬فسأله أن يكتب له‬
‫به ذلك ثلًثا‪ ،‬فوقع في نفسه أ ّ‬
‫كتاًبا‪ ،‬فكتب له الرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فكفاه سراقة الطلب‪ ،‬وصرف‬
‫عنه خيل قريش)]‪.([1‬‬
‫ن المسلمين اْنهزموا يوم حنين‪ ،‬وثبت رسول الله صلى الله عليه‬
‫ومن ذلك‪ :‬أ ّ‬
‫ما حمي‬
‫وسلم وقّلة من المؤمنين‪ ،‬أولئك الذين بايعوا تحت الشجرة‪ ،‬فل ّ‬
‫ن وجوه الكفار‪،‬‬
‫الوطيس‪ ،‬أخذ صلوات الله وسلمه عليه حصيات‪ ،‬فرمى ِبه ّ‬
‫مد((‪ ،‬يقول العّباس راوي الحديث‪ :‬فوالله ما هو‬
‫م قال‪)) :‬اْنهزموا ور ّ‬
‫ب مح ّ‬
‫ث ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫دهم كليل‪ ،‬وأمرهم مدبًرا)]‪.([2‬‬
‫إل أن رماهم بحصياته‪ ،‬فما زلت أرى ح ّ‬
‫ن أبا جهل حلف باللت والعزى أّنه لو رأى الرسول صلى الله‬
‫ومن ذلك‪ :‬أ ّ‬
‫عليه وسلم يصلي في المسجد حيث مجامع قريش أن يطأ على رقبته‪ ،‬أو‬
‫دا‬
‫ليع ّ‬
‫ن وجهه في التراب‪ ،‬فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ساج ً‬
‫فر ّ‬
‫أراد أن يفعل ما أقسم عليه‪ ،‬فلما اقترب منه ما فجأهم منه إل ّ وهو ينكص‬
‫ن بيني وبينه لخندًقا من‬
‫على عقبيه‪ ،‬ويّتقي بيديه‪ ،‬فقيل له‪ :‬ما لك؟ فقال‪ :‬إ ّ‬
‫نار وهول ً وأجنحة‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬لو دنا مني‬
‫وا(()]‪.([3‬‬
‫وا عض ً‬
‫لختطفته الملئكة عض ً‬
‫‪ -2‬بشارة النبياء السابقين باللحقين‪:‬‬
‫كن ل ّهم ءاي ً َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م يَ ُ‬
‫سراءي َ‬
‫ل{ ]الشعراء‪:‬‬
‫َ‬
‫ماء ب َِنى إ ِ ْ‬
‫ه عُل َ‬
‫م ُ‬
‫ة أن ي َعْل َ‬
‫ُ ْ‬
‫قال تعالى‪} :‬أوَ ل َ ْ‬
‫ن من اليات البّينات الداّلة على صدق الرسول صلى الله‬
‫‪ ،[197‬فالية تبّين أ ّ‬
‫م مسج ٌ‬
‫ل‬
‫م علماء بني إسرائيل بذلك‪ ،‬وهو عل ٌ‬
‫عليه وسلم وصدق ما جاء به عل ُ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫هل ِ‬
‫محفوظ مكتو ٌ‬
‫ب في كتبهم التي يتداولوَنها‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬وَإ ِن ّ ُ‬
‫فى ُزب ُ ِ‬
‫َ‬
‫ن{ ]الشعراء‪.[196:‬‬
‫الوِّلي َ‬
‫)‪(10 /‬‬

‫‪124‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ومن هذه البشارات بشارة موسى عليه السلم بنبينا صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وقد د ّ‬
‫صا على وجود هذه البشارة في التوراة التي أنزلت‬
‫ل القرآن الكريم ن ّ‬
‫سو َ‬
‫ى‬
‫على موسى عليه السلم‪ ،‬قال تعالى‪} :‬ال ّ ِ‬
‫ن ي َت ّب ُِعو َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ى ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫م ّ‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫ل{ ]العراف‪ ،[157:‬وقد بقي‬
‫مك ُْتوًبا ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ج ُ‬
‫لن ِ‬
‫عند َهُ ْ‬
‫ه َ‬
‫دون َ ُ‬
‫ذى ي َ ِ‬
‫جي ِ‬
‫م ِفى الت ّوَْراةِ َوا ِ‬
‫من هذه البشارة بقية في التوراة‪ ،‬ففي سفر التثنية الصحاح )‪ ،(18‬فقرة )‬
‫‪ (19-18‬قال الله لموسى‪) :‬أقيم لهم ـ أي لبني إسرائيل ـ نبّيا من وسط‬
‫إخوِتهم مثلك‪ ،‬وأجعل كلمي في فمه‪ ،‬فيكلمهم بكل ما أوصيه به‪ ،‬ويكون أن‬
‫النسان الذي ل يسمع لكلمي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه(‪.‬‬
‫قال الدكتور عمر الشقر‪" :‬ودللة هذه البشارة على رسولنا صلى الله عليه‬
‫دهم هو‬
‫وسلم بّينة‪ ،‬ذلك أّنه من بني إسماعيل‪ ،‬وهم إخوة بني إسرائيل‪ ،‬فج ّ‬
‫إسحاق‪ ،‬وإسماعيل وإسحاق أخوان‪ ،‬ثم هو أوسط العرب نسًبا‪ ،‬وقوله‬
‫)مثلك( أي‪ :‬صاحب شريعة مثل موسى‪ ،‬ومحمد صلى الله عليه وسلم هو‬
‫ن الله‬
‫الذي جعل الله كلمه في فمه‪ ،‬حيث كان أمّيا ل يقرأ من الصحف‪ ،‬ولك ّ‬
‫يوحي إليه كلمه فيحفظه ويرتله‪ ،‬وهو الرسول المرسل إلى الّناس كافة‪،‬‬
‫ن‬
‫وبنو إسرائيل مطالبون باتباعه وترك شريعتهم لشريعته‪ ،‬ومن لم يفعل فإ ّ‬
‫ن النسان الذي ل يسمع لكلمي الذي يتكلم به باسمي‬
‫الله معذبه )ويكون أ ّ‬
‫أنا أطالبه(")]‪.([4‬‬
‫‪ -3‬النظر في أحوال النبياء‪:‬‬
‫ف عن باطنه‪ ،‬ولقد‬
‫ن النظر في حال الرجل وسيرته يفصح عن صدقه‪ ،‬ويش ّ‬
‫إ ّ‬
‫أرشد القرآن إلى هذا النوع من الستدلل قال تعالى‪ُ} :‬قل ل ّوْ َ‬
‫ما‬
‫ه َ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن{‬
‫م ب ِهِ فَ َ‬
‫من قَب ْل ِهِ أفَل َ ت َعْ ِ‬
‫قلو َ‬
‫مرا ً ّ‬
‫م عُ ُ‬
‫ت ِفيك ُ ْ‬
‫قد ْ ل َب ِث ْ ُ‬
‫م َول أد َْراك ُ ْ‬
‫ه عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ت َل َوْت ُ ُ‬
‫]يونس‪ ،[16:‬يقول لهم‪ :‬لقد مكثت فيكم زمًنا ليس باليسير قبل أن أخبركم‬
‫ي‪ ،‬فكيف كانت سيرِتي فيكم؟ وكيف كان صدقي إّياكم؟ أفأترك‬
‫بأنني نب ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن{؟! أل تعملون‬
‫ب الّناس؟! }أفَل ت َعْ ِ‬
‫قلو َ‬
‫الكذب على الّناس‪ ،‬وأكذب على ر ّ‬
‫ق؟‬
‫عقولكم لتهديكم إلى الح ّ‬
‫قال ابن كثير‪" :‬أي‪ :‬هذا إّنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته‬
‫ت أتقوله من عندي ول افتريته أّنكم عاجزون‬
‫وإرادته‪ ،‬والدليل على أّني لس ُ‬
‫ت بينكم إلى حين بعثني‬
‫عن معارضته‪ ،‬وأّنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫الله عّز وج ّ‬
‫ت‬
‫ي شيًئا تغمصوِني به‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬ف َ‬
‫قد ْ لب ِث ُ‬
‫ل‪ ،‬ل تنتقدون عل ّ‬
‫َ‬
‫ق‬
‫من قَب ْل ِهِ أفَل َ ت َعْ ِ‬
‫قُلو َ‬
‫ن{ أي‪ :‬أفليس لكم عقول تعرفون ِبها الح ّ‬
‫مرا ً ّ‬
‫م عُ ُ‬
‫ِفيك ُ ْ‬
‫من معه فيما‬
‫ما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان و َ‬
‫من الباطل؟! ولهذا ل َ ّ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬قال هرقل لِبي سفيان‪ :‬هل كنتم‬
‫سأله من صفة النب ّ‬
‫تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان‪ :‬فقلت‪ :‬ل‪ ،‬وكان أبو‬
‫سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ومع هذا اعترف بالحق‪،‬‬
‫والفضل ما شهدت به العداء‪ ،‬فقال له هرقل‪ :‬فقد أعرف أّنه لم يكن ليدع‬
‫الكذب على الناس‪ ،‬ثم يذهب فيكذب على الله)]‪ .([5‬وقال جعفر بن أبي‬
‫طالب للنجاشي ملك الحبشة‪ :‬بعث الله فينا رسو ً‬
‫ل‪ ،‬نعرف صدقه ونسبه‬
‫وأمانته‪ ،‬وقد كانت مدة مقامه عليه السلم بين أظهرنا قبل النبوة أربعين‬
‫سنة")]‪.([6‬‬
‫وبعض الّناس لم يحتج إلى برهان ودليل ليستد ّ‬
‫ل بذلك على صدق الرسول‬
‫ن شخصه وحياته وسيرته هي أعظم دليل‪ ،‬ومن‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دعاه لم‬
‫هؤلء أبو بكر الصديق‪ ،‬فإ ّ‬
‫يتردد‪ ،‬ونظر عبد الله بن سلم في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم نظرة‬
‫ن هذا وجه صادق ليس بكاذب‪ ،‬قدم‬
‫واحدة‪ ،‬ولكنها كانت كافية لتدّله على أ ّ‬
‫‪125‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة‪ ،‬وخرج عبد الله بن سلم عالم اليهود‬
‫ت‬
‫مع الخارجين ينظر في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬قال‪ :‬لما رأي ُ‬
‫ن وجهه ليس بوجهٍ ك ّ‬
‫ذاب)]‪.([7‬‬
‫تأ ّ‬
‫وجهه علم ُ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم من‬
‫النب‬
‫فزع‬
‫عندما‬
‫عنها‬
‫الله‬
‫رضي‬
‫خديجة‬
‫وقالت‬
‫ّ‬
‫دا‪ ،‬إّنك لتصل الرحم‪ ،‬وتحمل‬
‫الوحي في الغار‪ :‬كل ـ والله ـ ل يخزيك الله أب ً‬
‫الك ّ‬
‫ق)]‪.([8‬‬
‫ل‪ ،‬وتكسب المعدوم‪ ،‬وتقري الضيف‪ ،‬وتعين على نوائب الح ّ‬
‫ن الرسل أزهد‬
‫ما يدل على صدق الرسل من خلل التأمل في سيرِتهم‪ ،‬أ ّ‬
‫وم ّ‬
‫الّناس في متاع الدنيا وعرضها الزائل وَبهرجها الكاذب‪ ،‬ل يطالبون الّناس‬
‫الذين يدعوَنهم أجًرا ول ما ً‬
‫ل‪ ،‬فهم يبذلون لهم الخير ل ينتظرون منهم جزاًء‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫جرِىَ إ ِل ّ‬
‫نأ ْ‬
‫مال ً إ ِ ْ‬
‫ول شكوًرا‪ ،‬قال نوح عليه السلم‪َ} :‬وياقَوْم ِ ل أ ْ‬
‫م عَلي ْهِ َ‬
‫سألك ْ‬
‫ه{ ]هود‪ ،[29:‬وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس‪:‬‬
‫عََلى الل ّ ِ‬
‫}ما أ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سِبي ً‬
‫من َ‬
‫ل{ ]الفرقان‪:‬‬
‫شاء أن ي َت ّ ِ‬
‫م عَل َي ْهِ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫خذ َ إ َِلى َرب ّهِ َ‬
‫ْ‬
‫جرٍ إ ِل ّ َ‬
‫سأل ُك ُ ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫‪.[57‬‬
‫‪ -4‬النظر في دعوة النبياء‪:‬‬
‫)‪(11 /‬‬
‫ن التكامل في المنهج لصلح النسان ولصلح المجتمع النساِني‪ ،‬وديًنا كهذا‬
‫إ ّ‬
‫يقول الذين جاؤوا به إّنه من َّز ٌ‬
‫ل من عند الله ل بد ّ أن يكون في غاية الكمال‪،‬‬
‫خالًيا من النقائص والعيوب‪ ،‬ل يتعارض مع فطرة النسان وسنن الكون‪ ،‬وقد‬
‫وجهنا القرآن إلى هذا النوع من الستدلل حيث قال تعالى‪} :‬وَل َوْ َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫خت َِلفا ً ك َِثيرًا{ ]النساء‪ ،[82 :‬فكوُنه وحدة متكاملة‬
‫دوا ْ ِفيهِ ا ْ‬
‫ِ‬
‫ج ُ‬
‫عند ِ غَي ْرِ الل ّهِ ل َوَ َ‬
‫ضا‪ ،‬ل تناقض فيه ول اختلف دلي ٌ‬
‫ح على صدق الذي جاء‬
‫ل واض ٌ‬
‫يصدق بعضه بع ً‬
‫به‪.‬‬
‫دا رسول الله؟ فقال‪ :‬ما أمر بشيٍء فقال‬
‫ن محم ً‬
‫تأ ّ‬
‫ي‪ :‬بم عرف َ‬
‫سئل أعراب ِ ّ‬
‫العقل‪ :‬ليته َنهى عنه‪ ،‬ول َنهى عن شيٍء فقال العقل‪ :‬ليته أمر به)]‪.([9‬‬
‫وهذا الرسول المي الذي ل يقرأ ول يكتب صلى الله عليه وسلم يأِتي بما‬
‫ن‪ ،‬وقد حوى الخبار الماضية والتية‪ ،‬وما تحار منه‬
‫يعجز عنه النس والج ّ‬
‫ك ِإذا ً‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫مين ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب وَل ت َ ُ‬
‫ه ب ِي َ ِ‬
‫من قب ْل ِهِ ِ‬
‫ت ت َت ْلو ِ‬
‫خط ُ‬
‫ما كن َ‬
‫العقول قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫من ك َِتا ٍ‬
‫ّ‬
‫ن{ ]العنكبوت‪ .[48:‬فكل من أنكر رسالته فهو مكابٌر أعظم‬
‫مب ْط ُِلو َ‬
‫ل َْرَتا َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ش تجحد صدق الرسول‪ ،‬وهم موقنون بأمره قال‬
‫المكابرة‪ ،‬كما كانت قري ٌ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م ل َ ي ُك َذ ُّبون َ َ‬
‫َ‬
‫ن{ ]النعام‪:‬‬
‫دو‬
‫ح‬
‫ج‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ت‬
‫يا‬
‫ئا‬
‫ب‬
‫ن‬
‫مي‬
‫ل‬
‫ظا‬
‫ال‬
‫ن‬
‫ك‬
‫ل‬
‫و‬
‫ِ ِ َ ِ َ ِ‬
‫ِ َ ْ َ ُ َ‬
‫تعالى‪} :‬فَإ ِن ّهُ ْ‬
‫ك َ ِ ّ‬
‫دا صلى الله عليه‬
‫ن الذي يأِتي محم ً‬
‫‪ ،[33‬ووصلت ِبهم السفاهة إلى الزعم بأ ّ‬
‫ن‬
‫ذى ي ُل ْ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ح ُ‬
‫سا ُ‬
‫وسلم ِبهذا العلم حداد ٌ رومي كان بمكة فقال تعالى‪} :‬ل ِ َ‬
‫َ‬
‫ن{ ]النحل‪.[103 :‬‬
‫ى وَ َ‬
‫ج ِ‬
‫سا ٌ‬
‫إ ِل َي ْهِ أعْ َ‬
‫هاَذا ل ِ َ‬
‫ى ّ‬
‫مِبي ٌ‬
‫ن عََرب ِ ّ‬
‫م ّ‬
‫‪ -5‬نصر الله وتأييده لهم‪:‬‬
‫تأييد الله لرسله ونصرته لهم وحفظه إّياهم دلي ٌ‬
‫ل يحيل أيّ احتمال لكذِبهم‪،‬‬
‫ور مدعًيا للنبوة كاذًبا في دعواه وهو مع ذلك‬
‫فإ ّ‬
‫ن العقول ل تقبل أن تتص ّ‬
‫ن هذا ل يتصور من‬
‫يرسل الله ملئكته لنصرته‪ ،‬ويستجيب دعاءه إذا دعاه‪ ،‬إ ّ‬
‫مِلك من الملوك‪ ،‬فكيف بخالق الرض والسموات‪ ،‬وقد أشار القرآن الكريم‬
‫ه‬
‫ن يَ ْ‬
‫ن عََلى الل ّ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫فت َُرو َ‬
‫إلى هذا النوع من الستدلل حيث قال تعالى‪} :‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫قو ّ َ‬
‫ل‬
‫ن{ ]يونس‪ [69:‬فحكم بعدم فلحه‪ ،‬وقال تعالى‪} :‬وَلوْ ت َ َ‬
‫ب ل َ يُ ْ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ال ْك َذِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{ ]الحاقة‪:‬‬
‫م لَ َ‬
‫ل‪r‬ل َ‬
‫قط َعَْنا ِ‬
‫ه ِبال ْي َ ِ‬
‫خذ َْنا ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن ‪ s‬ثُ ّ‬
‫من ْ ُ‬
‫عَل َي َْنا ب َعْ َ‬
‫ه ال ْوَِتي َ‬
‫ض الَقاِوي ِ‬
‫مي ِ‬
‫‪.[46-44‬‬

‫‪126‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وهذا مسيلمة والسود العنسي قطع الله دابرهما‪ ،‬وانتقم منهما‪ ،‬وانظر إلى‬
‫المسيح الدجال‪ ،‬كيف كان النبياء يحذرون منه‪ ،‬فهو رج ٌ‬
‫ب بين‬
‫ل أعور‪ ،‬مكتو ٌ‬
‫عينه كافر‪.‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم وأصحابه‬
‫النب‬
‫هجرة‬
‫باب‬
‫المناقب‪،‬‬
‫في‬
‫البخاري‬
‫)]‪([1‬‬
‫ّ‬
‫)‪ (3906‬من حديث عائشة رضي الله عنها‪.‬‬
‫)]‪ ([2‬مسلم في الجهاد والسير‪ ،‬باب غزوة حنين )‪ (1775‬من حديث العباس‬
‫بن عبد المطلب رضي الله عنه‪.‬‬
‫ن النسان‬
‫)]‪ ([3‬مسلم في صفة القيامة والجنة والنار‪ ،‬باب قوله تعالى‪? :‬إ ّ‬
‫ليطغى? )‪.(2797‬‬
‫)]‪ ([4‬الرسل والرسالت )ص‪.(166 :‬‬
‫)]‪ ([5‬البخاري في بدء الوحي‪ ،‬باب بدء الوحي )‪.(7‬‬
‫)]‪ ([6‬تفسير ابن كثير )‪.(2/411‬‬
‫)]‪ ([7‬الترمذيّ في صفة القيامة والرقائق والورع‪ ،‬باب منه )‪ ،(2485‬وابن‬
‫ماجه في إقامة الصلة والسنة فيها‪ ،‬باب ما جاء في قيام الليل )‪.(1334‬‬
‫)]‪ ([8‬البخاري في بدء الوحي‪ ،‬باب بدء الوحي )‪ ،(4‬ومسلم في اليمان‪ ،‬باب‬
‫بدء الوحي إلى رسول الله )‪.(160‬‬
‫)]‪ ([9‬انظر‪ :‬مفتاح دار السعادة )‪.(7-2/6‬‬
‫سادسا‪ :‬وظائف النبياء والرسل‪:‬‬
‫‪ -1‬البلغ المبين‪:‬‬
‫الرسل سفراء الله إلى عباده وحملة وحيه‪ ،‬ومهمتهم الولى هي إبلغ هذه‬
‫ه‬
‫ت الل ّ ِ‬
‫سال ِ‬
‫ملوها إلى عباد الله قال تعالى‪} :‬ال ّ ِ‬
‫ن ي ُب َل ُّغو َ‬
‫ن رِ َ‬
‫المانة التي تح ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫خ َ‬
‫خ َ‬
‫سيبا{ ]الحزاب‪.[39:‬‬
‫ه وَك َ َ‬
‫ه وَل َ ي َ ْ‬
‫وَي َ ْ‬
‫ح ِ‬
‫فى ِباللهِ َ‬
‫نأ َ‬
‫شو ْ َ‬
‫حدا إ ِل ّ الل َ‬
‫شوْن َ ُ‬
‫ومن البلغ أن يوضح الرسول ما أنزله الله لعباده‪ ،‬لّنه أقدر من غيره على‬
‫التعرف على معانيه ومراميه‪ ،‬وأعرف من غيره بمراد الله من وحيه‪ ،‬وفي‬
‫ذلك يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم‪} :‬وََأنَزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ن‬
‫ك الذ ّك َْر ل ِت ُب َي ّ َ‬
‫ما ن ُّز َ‬
‫ن{ ]النحل‪ ،[44:‬وكان الرسل يبّينون‬
‫م ي َت َ َ‬
‫فك ُّرو َ‬
‫م وَل َعَل ّهُ ْ‬
‫ل إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫س َ‬
‫ِللّنا ِ‬
‫ي الله تعالى بأقوالهم وأفعالهم‪ ،‬حتى تمثل ما جاؤوا به في أفعالهم‪ ،‬وقد‬
‫وح َ‬
‫ت‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬بقولها‪ :‬ألس َ‬
‫أجابت عائشة َ‬
‫من سألها عن خلق النب ّ‬
‫ي الله صلى الله عليه وسلم كان‬
‫تقرأ القرآن؟! قال‪ :‬بلى‪ ،‬قالت‪ :‬فإ ّ‬
‫ن خلق نب ّ‬
‫القرآن)]‪.([1‬‬
‫وهم ل يملكون حمل الّناس على قبول دعوِتهم‪ ،‬وإّنما عليهم البلغ المبين‪،‬‬
‫َ‬
‫ك ل َ تهدى م َ‬
‫قال تعالى‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫من ي َ َ‬
‫م‬
‫ه ي َهْ ِ‬
‫َْ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫شاء وَهُوَ أعْل َ ُ‬
‫دى َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫حب َب ْ َ‬
‫ت وََلك ِ ّ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ل‬
‫ه وَأ ِ‬
‫ن{ ]القصص‪ ،[56:‬وقال تعالى‪} :‬وَأ ِ‬
‫مهْت َ ِ‬
‫طيُعوا ْ الّر ُ‬
‫طيُعوا ْ الل ّ َ‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫دي َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ن{ ]المائدة‪.[92:‬‬
‫َوا ْ‬
‫ما عَلى َر ُ‬
‫سول َِنا الب َلغُ ال ُ‬
‫موا أن ّ َ‬
‫م َفاعْل ُ‬
‫حذ َُروا فَِإن ت َوَلي ْت ُ ْ‬
‫مِبي ُ‬
‫‪ -2‬الدعوة إلى توحيد الله تعالى‪:‬‬
‫)‪(12 /‬‬
‫ل تقف مهمة الرسل عند بيان الحقّ وإبلغه‪ ،‬بل عليهم دعوة الّناس إلى‬
‫ً‬
‫الخذ بدعوِتهم والستجابة لها‪ ،‬وتحقيقها في أنفسهم اعتقاًدا وقول ً وعمل)]‬
‫‪([2‬؛ لّنه ل بد ّ من تعليم الّناس الطريقة الصحيحة لعبادة الله تعالى كما‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من قَب ْل ِ َ‬
‫ل إ ِل ّ ُنو ِ‬
‫حى إ ِلي ْهِ‬
‫ك ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫من ّر ُ‬
‫ما أْر َ‬
‫شرعها سبحانه‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫سو ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{ ]النبياء‪ ،[25:‬وقد بذلت الرسل في سبيل دعوة‬
‫ه ل اله إ ِل ّ أن َا ْ َفاعْب ُ ُ‬
‫أن ّ ُ‬
‫دو ِ‬
‫ي الله نوح قضى تسعمائة وخمسين سنة‬
‫الّناس جهوًدا عظيمة ج ً‬
‫دا‪ ،‬وهذا نب ّ‬
‫‪127‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يدعو قومه إلى عبادة الله‪ ،‬واستخدم في دعوته لهم كل الطرق وشّتى‬
‫الوسائل‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬قا َ‬
‫م‬
‫ت قَوْ ِ‬
‫ل َر ّ‬
‫م ي َزِد ْهُ ْ‬
‫مى ل َي ْل ً وَن ََهارا ً )‪ (5‬فَل َ ْ‬
‫ب إ ِّنى د َعَوْ ُ‬
‫َ‬
‫م‬
‫دُ َ‬
‫م ل ِت َغْ ِ‬
‫م َ‬
‫م ِفى ءاذان ِهِ ْ‬
‫صاب ِعَهُ ْ‬
‫فَر ل َهُ ْ‬
‫ما د َعَوْت ُهُ ْ‬
‫عاِئى إ ِل ّ فَِرارا ً )‪ (6‬وَإ ِّنى ك ُل ّ َ‬
‫جعَُلوا ْ أ َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫جَهارا ً )‪(8‬‬
‫م‬
‫ه‬
‫ت‬
‫و‬
‫ع‬
‫د‬
‫نى‬
‫إ‬
‫م‬
‫ث‬
‫(‬
‫‪7‬‬
‫)‬
‫ا‬
‫بار‬
‫ك‬
‫ت‬
‫س‬
‫ا‬
‫ا‬
‫رو‬
‫ب‬
‫ك‬
‫ت‬
‫س‬
‫وا‬
‫ا‬
‫رو‬
‫ص‬
‫أ‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫يا‬
‫ث‬
‫ا‬
‫و‬
‫ش‬
‫غ‬
‫ت‬
‫س‬
‫ّ ِّ‬
‫ْ ِ َ‬
‫َ َ ُُْ ْ ِ‬
‫َ ْ َ َُ‬
‫َوا ْ َ ْ ْ ِ َ َ ُ ْ َ َ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سَرارًا{ ]نوح‪ ،[9-5:‬ومع ذلك أخبر الله أّنه‬
‫م إِ ْ‬
‫م وَأ ْ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫سَرْر ُ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫م إ ِّنى أعْل َن ْ ُ‬
‫ثُ ّ‬
‫ه إ ِل ّ قَِلي ٌ‬
‫ل{ ]هود‪.[40:‬‬
‫معَ ُ‬
‫ن َ‬
‫ما ءا َ‬
‫لم يؤمن معه إل ّ قليل‪} :‬وَ َ‬
‫م َ‬
‫‪ -3‬التبشير والنذار‪:‬‬
‫ْ‬
‫ن إ ِل ّ‬
‫س ُ‬
‫ما ن ُْر ِ‬
‫مْر َ‬
‫ل ال ُ‬
‫التبشير والنذار اقترنا بدعوة الرسل‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫سِلي َ‬
‫مب َ ّ‬
‫ن{ ]النعام‪.[48 :‬‬
‫ن وَ ُ‬
‫ُ‬
‫منذِِري َ‬
‫ري َ‬
‫ش ِ‬
‫وتبشير الرسل وإنذارهم دنيوي وأخروي‪ ،‬فهم في الدنيا يبشرون الطائعين‬
‫َ ُ‬
‫م َ‬
‫ه حياةً‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن عَ ِ‬
‫ن فَل َن ُ ْ‬
‫حي ِي َن ّ ُ‬
‫من ذ َك َرٍ أوْ أن َْثى وَهُوَ ُ‬
‫صاِلحا ً ّ‬
‫بالحياة الطيبة‪َ } ،‬‬
‫ل َ‬
‫م ٌ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ة ول َنجزينه َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن{ ]النحل‪ ،[97:‬ويعدوَنهم‬
‫جَر ُ‬
‫ملو َ‬
‫هم ب ِأ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ما كاُنوا ي َعْ َ‬
‫ن َ‬
‫ط َي ّب َ ً َ َ ْ ِ َ ّ ُ ْ‬
‫س ِ‬
‫ت‬
‫حا ِ‬
‫م وَعَ ِ‬
‫مُنوا ْ ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫بالعّز والتمكين والمن }وَعَد َ الل ّ ُ‬
‫مُلوا ْ ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫م‬
‫خل ِ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫ن ِ‬
‫ف ال ّ ِ‬
‫ما ا ْ‬
‫ل َي َ ْ‬
‫م ِدين َهُ ُ‬
‫ن ل َهُ ْ‬
‫م وَل َي ُ َ‬
‫من قَب ْل ِهِ ْ‬
‫ض كَ َ‬
‫فن ّهُ ْ‬
‫مك ّن َ ّ‬
‫ذي َ‬
‫م ِفى الْر ِ‬
‫َ‬
‫شرِ ُ‬
‫دون َِنى ل َ ي ُ ْ‬
‫ن ِبى‬
‫من ب َعْد ِ َ‬
‫ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫منا ً ي َعْب ُ ُ‬
‫ذى اْرت َ َ‬
‫مأ ْ‬
‫خوْفِهِ ْ‬
‫م ّ‬
‫م وَل َي ُب َد ّل َن ّهُ ْ‬
‫ضى ل َهُ ْ‬
‫َ‬
‫شْيئًا{ ]النور‪.[55:‬‬
‫َ‬
‫مِعي َ‬
‫ة‬
‫ض َ‬
‫ش ً‬
‫رى فَإ ِ ّ‬
‫ه َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫وفون العصاة بالشقاء الدنيوي‪} ،‬وَ َ‬
‫ن أعَْر َ‬
‫م ْ‬
‫وُيخ ّ‬
‫عن ذِك ْ ِ‬
‫وفون المجرمين والعصاة عذاب الله في الخرة‪:‬‬
‫َ‬
‫ضنكًا{ ]طه‪ ،[124:‬ويخ ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫و‬
‫ها‬
‫في‬
‫ا‬
‫لد‬
‫خا‬
‫ا‬
‫نار‬
‫ه‬
‫ل‬
‫خ‬
‫د‬
‫ي‬
‫ه‬
‫د‬
‫دو‬
‫ح‬
‫د‬
‫ع‬
‫ت‬
‫ي‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ص‬
‫ع‬
‫ي‬
‫من‬
‫و‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ ََ ُ ُ ََََ ّ ُ ُ َ ُ ُ ْ ُ َ‬
‫ٌ‬
‫ِ َ َ ُ‬
‫} َ َ َْ ِ‬
‫ن{ ]النساء‪.[14:‬‬
‫ّ‬
‫مِهي ٌ‬
‫‪ -4‬إصلح النفوس وتزكيتها‪:‬‬
‫بعث الله الرسل ليخرجوا الّناس من الظلمات إلى النور‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَل َ َ‬
‫قد ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ت إ َِلى الّنوِر{ ]إبراهيم‪،[5 :‬‬
‫ن أَ ْ‬
‫ما ِ‬
‫ك ِ‬
‫خرِ ْ‬
‫سى ب َِئاَيات َِنا أ ْ‬
‫مو َ‬
‫أْر َ‬
‫ن الظ ّل ُ َ‬
‫ج قَوْ َ‬
‫سل َْنا ُ‬
‫م َ‬
‫ول يتحقق ذلك إل ّ بتعليمهم تعاليم رّبهم وتزكية نفوسهم بتعريفهم برّبهم‬
‫وأسمائه وصفاته‪ ،‬وتعريفهم بملئكته وكتبه ورسله‪ ،‬وتعريفهم ما ينفعهم وما‬
‫يضّرهم‪ ،‬ودللتهم على السبيل التي توصلهم إلى محبته‪ ،‬وتعريفهم بعبادِته‪.‬‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫ذى ب َعَ َ‬
‫م ءاَيات ِ ِ‬
‫وقال تعالى‪} :‬هُوَ ال ّ ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫م ي َت ُْلو عَل َي ْهِ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫سول ً ّ‬
‫ث ِفى ال ّ‬
‫مّيي َ‬
‫ة وَِإن َ‬
‫وَي َُز ّ‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫ن{‬
‫م َ‬
‫ب َوال ْ ِ‬
‫ل لَ ِ‬
‫كاُنوا ْ ِ‬
‫فى َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫ل ّ‬
‫حك ْ َ‬
‫مهُ ُ‬
‫م وَي ُعَل ّ ُ‬
‫كيهِ ْ‬
‫ضل َ ٍ‬
‫مِبي ٍ‬
‫]الجمعة‪.[2:‬‬
‫ي‪" :‬أي يجعلهم أزكياء القلوب باليمان")]‪.([3‬‬
‫قال القرطب ّ‬
‫ي‪" :‬يطهرهم من دنس الطباع‪ ،‬وسوء العتقاد والعمال")]‪.([4‬‬
‫وقال البيضاو ّ‬
‫‪ -5‬تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة‪:‬‬
‫الصل في فطرة النسان أّنه قابل للتوحيد‪ ،‬لو ُترك لم يختر سواه‪ ،‬ولكن‬
‫ُ‬
‫هّ‬
‫الّناس انحرفوا لسباب شّتى‪ ،‬قال تعالى‪َ } :‬‬
‫حد َة ً فَب َعَ َ‬
‫ة وا ِ‬
‫م ً‬
‫كا َ‬
‫ث الل ُ‬
‫سأ ّ‬
‫ن الّنا ُ‬
‫مب َ ّ‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[213:‬وفي الحديث‪)) :‬وإّني خلقت‬
‫ن وَ ُ‬
‫ن ُ‬
‫منذِِري َ‬
‫ري َ‬
‫الن ّب ِّيي َ‬
‫ش ِ‬
‫عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين(()]‪.([5‬‬
‫قال ابن عّباس‪) :‬كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من‬
‫الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين()]‪.([6‬‬
‫جة‪:‬‬
‫‪ -6‬إقامة الح ّ‬
‫جة على عباده‪ ،‬حتى ل‬
‫من الغايات التي أرسل الله الرسل لجلها إقامة الح ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫مب َ ّ‬
‫ن‬
‫ن ل ِئل ي َكو َ‬
‫يبقى للّناس ح ّ‬
‫جة يوم القيامة قال تعالى‪ّ} :‬ر ُ‬
‫ن وَ ُ‬
‫سل ً ّ‬
‫منذِِري َ‬
‫ري َ‬
‫ش ِ‬
‫ل{ ]النساء‪.[165:‬‬
‫ج ٌ‬
‫ح ّ‬
‫س عََلى الل ّهِ ُ‬
‫ة ب َعْد َ الّر ُ‬
‫س ِ‬
‫ِللّنا ِ‬
‫قال ابن كثير‪" :‬أي‪ :‬أّنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة‪،‬‬
‫وبّين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه لئل يبقى لمعتذر عذٌر‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫‪128‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫َ َ‬
‫م ب ِعَ َ‬
‫من قَب ْل ِهِ ل َ َ‬
‫سول ً فَن َت ّب ِعَ‬
‫ت إ ِل َي َْنا َر ُ‬
‫ول أْر َ‬
‫سل ْ َ‬
‫ب ّ‬
‫}وَل َوْ أّنا أهْل َك َْناهُ ْ‬
‫ذا ٍ‬
‫قاُلوا ْ َرب َّنا ل َ ْ‬
‫ءاَيات ِ َ‬
‫ل َأن ن ّذِ ّ‬
‫خَزى{ ]طه‪.([7])"[134:‬‬
‫ل وَن َ ْ‬
‫ك ِ‬
‫من قَب ْ ِ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬وليس‬
‫وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النب ّ‬
‫ب إليه العذر من الله‪ ،‬من أجل ذلك أنزل الكتاب‪ ،‬وأرسل الرسل(()]‬
‫أحد أح ّ‬
‫‪.([8‬‬
‫مة‪:‬‬
‫‪ -7‬سياسة ال ّ‬
‫)‪(13 /‬‬
‫مة تحتاج إلى من يسوسها ويقودها ويدّبر‬
‫ونون أ ّ‬
‫الذين يستجيبون للرسل يك ّ‬
‫أمورها‪ ،‬والرسل هم خير من يقومون ِبهذه المهمة في حال حياِتهم‪ ،‬قال‬
‫ح ُ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫ه{ ]المائدة‪:‬‬
‫تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم‪َ} :‬فا ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫كم ب َي ْن َُهم ب ِ َ‬
‫‪ ،[48‬وقال النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬كانت بنو إسرائيل تسوسهم‬
‫ي(()]‪.([9‬‬
‫ي قام نب ّ‬
‫النبياء‪ ،‬كّلما هلك نب ّ‬
‫ولذلك أوجب الله طاعة رسله والتحاكم إليهم‪ ،‬والرضا بقضائهم قال تعالى‪:‬‬
‫مو َ‬
‫}فَل َ وََرب ّ َ‬
‫ما َ‬
‫م‬
‫دوا ْ ِفى َأن ُ‬
‫ف ِ‬
‫ك ل َ ي ُؤْ ِ‬
‫ج ُ‬
‫ش َ‬
‫حّتى ي ُ َ‬
‫ن َ‬
‫مُنو َ‬
‫سهِ ْ‬
‫م ل َ يَ ِ‬
‫م ثُ ّ‬
‫جَر ب َي ْن َهُ ْ‬
‫ك ِفي َ‬
‫حك ّ ُ‬
‫سِليمًا{ ]النساء‪.[65:‬‬
‫ما قَ َ‬
‫َ‬
‫موا ْ ت َ ْ‬
‫ت وَي ُ َ‬
‫سل ّ ُ‬
‫ضي ْ َ‬
‫م ّ‬
‫حَرجا ً ّ‬
‫قال ابن كثير‪" :‬يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أّنه ل يؤمن أحد حتى‬
‫ُيح ّ‬
‫ق‬
‫الح‬
‫كم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع المور‪ .‬فما حكم به فهو‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫حَرجا ً‬
‫دوا ْ ِفى أن ُ‬
‫ف ِ‬
‫م َ‬
‫ج ُ‬
‫سهِ ْ‬
‫الذي يجب النقياد له باطًنا وظاهًرا‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬ل َ ي َ ِ‬
‫سِليمًا{ أي‪ :‬إذا ح ّ‬
‫كموك يطيعونك في بواطنهم‪ ،‬فل‬
‫ما قَ َ‬
‫موا ْ ت َ ْ‬
‫ت وَي ُ َ‬
‫سل ّ ُ‬
‫ضي ْ َ‬
‫م ّ‬
‫ّ‬
‫جا مما حكمت به‪ ،‬وينقادون له في الظاهر والباطن‪،‬‬
‫حر‬
‫أنفسهم‬
‫في‬
‫يجدون‬
‫ً‬
‫ما كلّيا من غير ممانعة ول مدافعة ول منازعة")]‪.([10‬‬
‫فيسّلمون لذلك تسلي ً‬
‫)]‪ ([1‬أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صلة المسافرين وقصرها‪ ،‬باب‬
‫جامع صلة الليل ومن نام عنها أو مرض‪.‬‬
‫)]‪ ([2‬انظر‪ :‬الرسل والرسالت‪ .‬د‪ /‬عمر الشقر )ص‪.(45 :‬‬
‫)]‪ ([3‬تفسير القرطبي )‪.(92-18‬‬
‫)]‪ ([4‬تفسير البيضاوي )‪.(2/111‬‬
‫)]‪ ([5‬أخرجه ابن حّبان في صحيحه )الحسان ‪.(2/423‬‬
‫)]‪ ([6‬أخرجه ابن جرير في تفسيره )‪.(2/334‬‬
‫)]‪ ([7‬تفسير ابن كثير )‪.(1/589‬‬
‫)]‪ ([8‬جزء من حديث أخرجه مسلم في التوبة‪ ،‬باب غيرة الله تعالى وتحريم‬
‫الفواحش )‪ (2760‬من حديث ابن مسعود رضي الله عنه‪.‬‬
‫)]‪ ([9‬جزء من حديث أخرجه مسلم في المارة‪ ،‬باب وجوب الوفاء ببيعة‬
‫الخلفاء الول فالول )‪ (1842‬من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‪.‬‬
‫)]‪ ([10‬تفسير ابن كثير )‪.(1/251‬‬
‫سابعا‪ :‬فوائد متنوعة‪:‬‬
‫‪ -1‬أنواع الوحي‪:‬‬
‫الوحي يأتي على صور هي‪:‬‬
‫أ‪ -‬اللقاء في الروع‪:‬‬
‫ن الذي ألقي‬
‫ي في أ ّ‬
‫ي الموحى إليه ـ بحيث ل يمتري النب ّ‬
‫اللقاء في روع النب ّ‬
‫في قلبه من الله تعالى ـ نوع ٌ من أنواع الوحي‪ ،‬كما جاء في صحيح ابن حّبان‬
‫ن روح القدس نفث في‬
‫عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أّنه قال‪)) :‬إ ّ‬
‫سا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها‪ ،‬فاتقوا الله وأجملوا‬
‫روعي‪ :‬إ ّ‬
‫ن نف ً‬

‫‪129‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في الطلب(()]‪.([1‬‬
‫ب‪ -‬الرؤيا الصادقة‪:‬‬
‫رؤيا النبياء وحي‪ ،‬قال ابن عباس رضي الله عنهما‪) :‬رؤيا النبياء وحي()]‪،([2‬‬
‫َ‬
‫مَنام ِ أ َّنى‬
‫وقال عبيد بن عمير‪" :‬رؤيا النبياء وحي‪ ،‬ثم قرأ‪} :‬إ ِّنى أَرى ِفى ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ك{ ]الصافات‪.([3])"[102:‬‬
‫أذ ْب َ ُ‬
‫ي‪" :‬كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى أيقا ً‬
‫ظا ورقوًدا‪،‬‬
‫وقال القرطب ّ‬
‫ن النبياء ل تنام قلوُبهم‪ ،‬وهذا ثابت في الخبر المرفوع‪ ،‬قال صلى الله عليه‬
‫فإ ّ‬
‫وسلم‪)) :‬إّنا معاشر النبياء تنام أعيننا‪ ،‬ول تنام قلوبنا(()]‪ ،([4‬وقال ابن‬
‫ي‪ .‬واستدل ِبهذه الية")]‪.([5‬‬
‫إسحاق‪ :‬رؤيا النبياء وح ّ‬
‫ي صلى الله عليه سلم في المنام من القرآن سورة‬
‫وم ّ‬
‫ما أوحي إلى النب ّ‬
‫الكوثر‪ ،‬عن أنس قال‪ :‬بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين‬
‫ما‪ ،‬فقلنا‪ :‬ما أضحكك يا رسول‬
‫أظهرنا‪ ،‬إذ أغفى إغفاءة‪ ،‬ثم رفع رأسه متبس ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫حيم ِ }إ ِّنا‬
‫زلت علي آن ً‬
‫ن الّر ِ‬
‫فا سور ٌ‬
‫سم ِ اللهِ الّر ْ‬
‫ة((‪ ،‬فقرأ‪ :‬ب ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ما ِ‬
‫َالله؟ قال‪)) :‬أن ِ‬
‫شان ِئ َ َ‬
‫ل ل َِرب ّ َ‬
‫أعْط َي َْنا َ‬
‫ص ّ‬
‫ن َ‬
‫ك هُوَ ال َب ْت َُر{ ]سورة‬
‫حْر )‪ (2‬إ ِ ّ‬
‫ك َوان ْ َ‬
‫ك ال ْك َوْث ََر )‪ (1‬فَ َ‬
‫الكوثر[‪ ،‬ثم قال‪)) :‬أتدرون ما الكوثر؟((‪ .‬فقلنا‪ :‬الله ورسوله أعلم‪ .‬قال‪:‬‬
‫))إّنه َنهر وعدنيه رّبي عّز وج ّ‬
‫ل عليه خير كثير‪ ،‬هو حوض ترد عليه أمتي يوم‬
‫ب إّنه من أمتي‪.‬‬
‫القيامة‪ ،‬آنيته عدد النجوم‪ ،‬فيختلج العبد منهم‪ ،‬فأقول‪ :‬ر ّ‬
‫فيقول‪ :‬ما تدري ما أحدثت بعدك(()]‪.([6‬‬
‫ي‪" :‬قوله‪) :‬أغفى إغفاءة( أي‪ :‬نام")]‪.([7‬‬
‫قال النوو ّ‬
‫ي‪" :‬الغفاء هو النوم الخفيف")]‪.([8‬‬
‫وقال الثعالب ّ‬
‫ج‪ -‬تكليم الله لرسله من وراء حجاب‪:‬‬
‫)‪(14 /‬‬
‫َ‬
‫كان ل ِب َ َ‬
‫من وََراء‬
‫حيا ً أوْ ِ‬
‫ه إ ِل ّ وَ ْ‬
‫ما َ َ َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫شرٍ أن ي ُك َل ّ َ‬
‫وهو الذي عناه الله بقوله‪} :‬وَ َ‬
‫ّ‬
‫ما‬
‫ِ‬
‫ح َ‬
‫ب{ ]الشورى‪ ،[51 :‬وقد كلم الله آدم عليه السلم قال تعالى‪} :‬وََناَداهُ َ‬
‫جا ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ما ال ّ‬
‫ن‬
‫ما َ‬
‫شي ْطا َ‬
‫ما إ ِ ّ‬
‫ش َ‬
‫ما عَد ُوّ ّ‬
‫ن لك َ‬
‫جَرةِ وَأُقل لك َ‬
‫عن ت ِلك َ‬
‫م أن ْهَك َ‬
‫ما أل ْ‬
‫َرب ّهُ َ‬
‫مِبي ٌ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫مَنا أن ُ‬
‫ن ال َ‬
‫خا ِ‬
‫ن ِ‬
‫م ت َغْ ِ‬
‫فْر لَنا وَت َْر َ‬
‫ف َ‬
‫ح ْ‬
‫سَنا وَِإن ل ْ‬
‫‪َ V‬قال َرب َّنا ظل ْ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫مَنا لن َكون َ ّ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ى‬
‫ما أَتا َ‬
‫]العراف‪ ،[23:‬وكلم موسى عليه السلم قال تعالى‪} :‬فَل ّ‬
‫ها ُنودِ َ‬
‫قدس ط ُوى )‪ (12‬وأناَ‬
‫ك إ ِن ّ َ‬
‫خل َعْ ن َعْل َي ْ َ‬
‫سى )‪ (11‬إ ِّنى أ َن َا ْ َرب ّ َ‬
‫ك َفا ْ‬
‫َ َ‬
‫م َ ّ‬
‫مو َ‬
‫وادِ ال ْ ُ‬
‫يا ُ‬
‫ً‬
‫ك ِبال ْ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ا ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫ما ُيو َ‬
‫خت َْرت ُك فا ْ‬
‫حى )‪ (13‬إ ِن ِّنى أَنا الل ُ‬
‫مع ْ ل ِ َ‬
‫ه ل اله ِإل أن َا فاعْب ُد ِْنى وَأقِم ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ما‬
‫م ً‬
‫دا صلى الله عليه وسلم ل ّ‬
‫رى{ ]طه‪ ،[14-11:‬وكلم نبّينا مح ّ‬
‫الصلة َ ل ِذِك ِ‬
‫رج به إلى السماء)]‪.([9‬‬
‫عُ ِ‬
‫د‪ -‬الوحي عن طريق الملك‪:‬‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ما ي َ َ‬
‫شاء{‬
‫سول ً فَُيو ِ‬
‫وهو ما عناه الله تعالى في قوله‪} :‬أوْ ي ُْر ِ‬
‫ل َر ُ‬
‫ى ب ِإ ِذ ْن ِهِ َ‬
‫ح َ‬
‫]الشورى‪ ،[51 :‬ولهذه الصورة ثلث أحوال‪:‬‬
‫الحال الولى‪ :‬أن يراه الرسول على هيئته التي خلقه الله عليها‪ ،‬قال جابر بن‬
‫عبد الله‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي‪:‬‬
‫))فبينا أنا أمشي سمعت صوًتا من السماء‪ ،‬فرفعت بصري قَِبل السماء‪ ،‬فإذا‬
‫الملك الذي جاءني بحراء‪ ،‬قاعد على كرسي بين السماء والرض‪ ،‬فجئثت منه‬
‫حتى هويت إلى الرض‪ ،‬فجئت أهلي‪ ،‬فقلت‪ :‬زملوني زملوني فزملوني‪.‬‬
‫َ‬
‫ك فَك َب ّْر )‪ (3‬وَث َِياب َكَ‬
‫م فََأنذِْر )‪ (2‬وََرب ّ َ‬
‫مد ّث ُّر )‪ (1‬قُ ْ‬
‫فأنزل الله تعالى‪} :‬ياأي َّها ال ْ ُ‬
‫جْر{(()]‪.([10‬‬
‫جَز َفاهْ ُ‬
‫فَط َهّْر )‪َ (4‬والّر ْ‬
‫الحال الثانية‪ :‬أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس‪ ،‬فيذهب عنه وقد‬

‫‪130‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وعى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال‪ ،‬وهو أشد ما كان يلقاه النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم من الوحي‪ ،‬قال الحارث بن هشام رضي الله عنه‪ :‬يا‬
‫رسول الله‪ ،‬كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫ده علي‪ ،‬فيفصم عني وقد وعيت‬
‫))أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس‪ ،‬وهو أش ّ‬
‫عنه ما قال‪ .‬وأحياًنا يتمثل لي الملك رج ً‬
‫ل‪ ،‬فيكلمني فأعي ما يقول((‪ ،‬قالت‬
‫عائشة رضي الله عنها‪ :‬ولقد رأيته يْنزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد‪،‬‬
‫ن جبينه ليتفصد عرًقا)]‪.([11‬‬
‫فيفصم عنه‪ ،‬وإ ّ‬
‫الحال الثالثة‪ :‬أن يتمثل له الملك رج ً‬
‫ل‪ ،‬فيكلمه ويخاطبه‪ ،‬ويعي عنه ما قال‪،‬‬
‫وهذه أخف الحوال على الرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬كما جاء في حديث‬
‫عائشة في بدء الوحي)]‪ ،([12‬وكما في حديث جبريل المشهور في سؤاله‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم عن السلم واليمان والحسان‪.‬‬
‫‪ -2‬عدد النبياء والرسل‪:‬‬
‫ما‬
‫لم يرد في الباب إل ّ حديث أِبي ذر المتقدم‪)) :‬ثلثمائة وبضعة عشر ج ّ‬
‫فا‪ ،‬الرسل من ذلك‪:‬‬
‫غفيًرا((‪ ،‬وفي رواية‪)) :‬مائة ألف وأربعة وعشرون أل ً‬
‫ما غفيًرا((‪ ،‬وهو متنازع في صحته)]‪.([13‬‬
‫خمسة عشر ج ّ‬
‫ّ‬
‫م غفيٌر ل يحصيهم إل الله فهو الحقّ الذي ل مرية فيه‪ ،‬قال‬
‫ما أّنهم ج ّ‬
‫وأ ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ذيٌر{‬
‫ن‬
‫ها‬
‫في‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ة‬
‫م‬
‫أ‬
‫ن‬
‫م‬
‫إن‬
‫و‬
‫ا‬
‫ذير‬
‫ن‬
‫و‬
‫ا‬
‫شير‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ح‬
‫ل‬
‫با‬
‫ك‬
‫نا‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫أ‬
‫نا‬
‫إ‬
‫}‬
‫تعالى‪:‬‬
‫َِ ّ ْ ّ ٍ ِ َ ِ َ َ ِ‬
‫ََ ِ‬
‫ِ َ ّ َ ِ‬
‫ِّ ْ َ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صَنا‬
‫ص‬
‫ق‬
‫من‬
‫هم‬
‫ن‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫من‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫نا‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫أ‬
‫د‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ل‬
‫و‬
‫}‬
‫تعالى‪:‬‬
‫وقال‬
‫]فاطر‪،[24:‬‬
‫ِْ‬
‫ِ ُْ ّ‬
‫َ ْ ْ َ َ ُ ُ ّ‬
‫َ ْ‬
‫ص عَل َي ْ َ‬
‫عَل َي ْ َ‬
‫ك{ ]غافر‪.[78:‬‬
‫م نَ ْ‬
‫ك وَ ِ‬
‫من ل ّ ْ‬
‫م ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ص ْ‬
‫ق ُ‬
‫‪ -3‬أولو العزم من الرسل‪:‬‬
‫مد وإبراهيم وموسى وعيسى‬
‫قال محمد خليل هّراس‪" :‬المشهور أّنهم مح ّ‬
‫َ‬
‫من ْ َ‬
‫ك‬
‫كروا مًعا في قوله تعالى‪} :‬وَإ ِذ ْ أ َ‬
‫م وَ ِ‬
‫ن ِ‬
‫خذ َْنا ِ‬
‫ونوح؛ لّنهم ذ ُ ِ‬
‫ميَثاقَهُ ْ‬
‫ن الن ّب ِي ّي ْ َ‬
‫م َ‬
‫م{ ]الحزاب‪ ،[7 :‬وقوله‪َ } :‬‬
‫شَرعَ‬
‫سى وَ ِ‬
‫من ّنوٍح وَإ ِْبرا ِ‬
‫وَ ِ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫م وَ ُ‬
‫هي َ‬
‫سى اب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫لَ ُ‬
‫َ‬
‫م‬
‫صي َْنا ب ِهِ إ ِب َْرا ِ‬
‫صى ب ِهِ ُنوحا َوال ِ‬
‫ن ال ِ ِ‬
‫ذى أوْ َ‬
‫هي َ‬
‫حي َْنا إ ِلي ْك وَ َ‬
‫ن َ‬
‫كم ّ‬
‫ما وَ ّ‬
‫ما وَ ّ‬
‫م َ‬
‫دي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه{ ]الشورى‪.([14])"[13:‬‬
‫ن وَل َ ت َت َ َ‬
‫سى وَ ِ‬
‫فّرُقوا ْ ِفي ِ‬
‫موا ْ ال ّ‬
‫سى أ ْ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫ن أِقي ُ‬
‫وَ ُ‬
‫دي َ‬
‫‪ -4‬النبياء العرب‪:‬‬
‫جاء في حديث أِبي ذر الطويل‪)) :‬وأربعة من العرب‪ :‬هود وشعيب وصالح‬
‫ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم(()]‪.([15‬‬
‫ح‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫والحديث ل يص ّ‬
‫‪ -5‬حاجة العباد إلى بعث الرسل وإرسالهم‪:‬‬
‫)‪(15 /‬‬
‫الحاجة إلى إرسال الرسل وبعثهم عظيمة‪ ،‬قال ابن القّيم‪" :‬فإّنه ل سبيل إلى‬
‫السعادة والفلح ل في الدنيا ول في الخرة إل ّ على أيدي الرسل‪ .‬ول سبيل‬
‫إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إل ّ من جهتهم‪ .‬ول ينال رضا الله‬
‫ألبتة إل ّ على أيديهم‪ .‬فالطّيب من العمال والقوال والخلق ليس إل ّ هدُيهم‪،‬‬
‫وما جاءوا به‪ .‬فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلقهم‬
‫توزن القوال والخلق والعمال‪ .‬وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل‬
‫الضلل‪ .‬فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه‪ ،‬والعين إلى‬
‫رضت فضرورة العبد وحاجته‬
‫نورها‪ ،‬والروح إلى حياِتها‪ .‬فأيّ ضرورة وحاجة فُ ِ‬
‫إلى الرسل فوقها بكثير‪ ،‬وما ظّنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة‬
‫عين فسد قلبك‪ ،‬وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلة‪ .‬فحال العبد‬
‫س‬
‫عند مفارقه قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال‪ ،‬بل أعظم‪ .‬ولكن ل يح ّ‬
‫‪131‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ِبهذا إل ّ قلب حي‪ ،‬و ما لجرح بميت إيلم‪ ،‬وإذا كانت سعادة العبد في الدارين‬
‫ب نجاَتها وسعادَتها أن‬
‫ي فيجب على كل من نصح نفسه‪ ،‬وأح ّ‬
‫معلقة ِبهدي النب ّ‬
‫يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به‪ ،‬ويدخل به في‬
‫عداد أتباعه وشيعته وحزبه‪ .‬والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم‪،‬‬
‫والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء‪ ،‬والله ذو الفضل العظيم")]‪.([16‬‬
‫‪ -6‬مقتضى بشرية النبياء والرسل‪:‬‬
‫أنبياء الله ورسله بشر كسائر البشر‪ ،‬اصطفاهم الله تعالى وفضلهم وكرمهم‬
‫بالوحي إليهم‪ ،‬ومن مقتضى بشريتهم‪:‬‬
‫أ‪ -‬أنهم يتعرضون للبلء كسائر البشر‪:‬‬
‫َ‬
‫ث ِفى‬
‫فيتعرضون للسجن كما سجن يوسف عليه السلم قال تعالى‪} :‬فَلب ِ َ‬
‫ن{ ]يوسف‪ ،[42:‬وُيقَتلون كما كانت بنو إسرائيل تفعل‬
‫ضع َ ِ‬
‫ن بِ ْ‬
‫س ْ‬
‫ال ّ‬
‫سِني َ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سو ٌ‬
‫م‬
‫وى أن ُ‬
‫ما َ‬
‫سكم ا ْ‬
‫ف ُ‬
‫م َر ُ‬
‫ست َكب َْرت ُ ْ‬
‫ل بِ َ‬
‫جاءك ْ‬
‫بأنبيائها قال تعالى‪} :‬أفَكل َ‬
‫ما ل ت َهْ َ‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[87 :‬وتصيبهم اللواء والدواء كما‬
‫قا ت َ ْ‬
‫ري ً‬
‫ري ً‬
‫فَ َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫قا ك َذ ّب ْت ُ ْ‬
‫م وَفَ ِ‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضّر‬
‫ي ال ّ‬
‫ابتلى الله نبّيه أيوب عليه السلم‪} :‬وَأّيو َ‬
‫م ّ‬
‫ه أّني َ‬
‫ب إ ِذ ْ َناَدى َرب ّ ُ‬
‫سن ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{ ]النبياء‪ ،[83:‬بل هم أشد ّ الّناس بلًء‪ ،‬فعن سعد بن‬
‫م الّرا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ت أْر َ‬
‫ح ُ‬
‫وَأن ْ َ‬
‫مي َ‬
‫أِبي وقاص قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أيّ الناس أشد ّ بلًء؟ قال‪)) :‬النبياء‪ ،‬ثم‬
‫المثل فالمثل‪ ،‬يبتلى الرجل على حسب دينه‪ ،‬فإن كان دينه صلًبا اشتد بلؤه‪،‬‬
‫وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه‪ .‬فما يبرح البلء بالعبد حتى‬
‫يتركه يمشي على الرض ما عليه خطيئة(()]‪.([17‬‬
‫ب‪ -‬أنهم يشتغلون بأعمال البشر‪:‬‬
‫ي صلى الله عليه‬
‫كانوا يمارسون العمال التي يمارسها البشر‪ ،‬فاشتغل النب ّ‬
‫وسلم بالتجارة قبل البعثة‪ ،‬واشتغل كذلك برعي الغنم‪ ،‬عن جابر بن عبد الله‬
‫رضي الله عنهما‪ ،‬قال‪ :‬كّنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نجني‬
‫ن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬عليكم بالسود‬
‫الك ََباث)]‪ ،([18‬وإ ّ‬
‫ي إل ّ وقد‬
‫منه‪ ،‬فإّنه أطيبه((‪ .‬قالوا‪ :‬أكنت ترعى الغنم؟ قال‪)) :‬وهل من نب ّ‬
‫رعاها؟!(()]‪.([19‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫س‬
‫صن ْعَ َ‬
‫وكان داود عليه السلم حداًدا يصنع الدروع قال تعالى‪} :‬وَعَل ْ‬
‫مَناه ُ َ‬
‫ة لُبو ٍ‬
‫ل ّك ُم ل ِتحصنك ُم من بأ ْسك ُم فَه ْ َ‬
‫م َ‬
‫ن{ ]النبياء‪.[80:‬‬
‫شاك ُِرو َ‬
‫ل أنت ُ ْ‬
‫ْ ُ ْ ِ َ ْ ّ َ ِ ْ َ‬
‫ج‪ -‬ليس فيهم شيء من خصائص اللوهية والملئكية‪:‬‬
‫من مقتضيات كوِنهم بشًرا أّنهم ليسوا بآلهة‪ ،‬وليس فيهم من صفات اللوهية‬
‫ن الرسل يتبرؤون من الحول والطول ويعتصمون بالله‬
‫شيٌء‪ ،‬ولذلك فإ ّ‬
‫دعون شيًئا من صفات الله تعالى قال الله تعالى‪} :‬وَإ ِذ ْ‬
‫الواحد الحد‪ ،‬ول ي ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َقا َ‬
‫خ ُ‬
‫ن‬
‫س ات ّ ِ‬
‫ه يا ِ‬
‫ن ِ‬
‫عي َ‬
‫ذوِنى وَأ ّ‬
‫ت ُقل َ‬
‫م أءن َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫من ُدو ِ‬
‫سى اب ْ َ‬
‫ى الهي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫حقّ ِإن ُ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫حان َ َ‬
‫ن أُقو َ‬
‫الل ّهِ َقا َ‬
‫ه فَ َ‬
‫قد ْ‬
‫س ِلى ب ِ َ‬
‫ن ِلى أ ْ‬
‫كو ُ‬
‫سب ْ َ‬
‫ل ُ‬
‫ت قُلت ُ ُ‬
‫كن ُ‬
‫ل َ‬
‫ك َ‬
‫ما لي ْ َ‬
‫ك إن َ َ‬
‫َ‬
‫ب{‬
‫ما ِفى ن َ ْ‬
‫ما ِفى ن َ ْ‬
‫س َ ِّ‬
‫ف ِ‬
‫ف ِ‬
‫ت عَّل ُ‬
‫ك أن َ‬
‫م َ‬
‫سى وَل َ أعْل َ ُ‬
‫م َ‬
‫ه ت َعْل َ ُ‬
‫مت َ ُ‬
‫عَل ِ ْ‬
‫م ال ْغُُيو ِ‬
‫]المائدة‪ ،[116:‬وقال الله تعالى لنبّيه محمد صلى الله عليه وسلم‪} :‬قُ ْ‬
‫ل‬
‫سو ً‬
‫ن َرّبي هَ ْ‬
‫ت إ ِل ّ ب َ َ‬
‫ل{ ]السراء‪.[93:‬‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫شرا ً َر ُ‬
‫ُ‬
‫ل ك ُن ْ ُ‬
‫‪ -7‬الخطأ في إصابة الحقّ منهم ل ينقض عصمتهم‪:‬‬
‫النبياء والرسل يجتهدون في حكم ما يعرض عليهم في القضاء من وقائع‪،‬‬
‫ويحكمون وفق ما يبدو لهم‪ ،‬فهم ل يعلمون الغيب‪ ،‬وقد يخطئون في إصابة‬
‫ق‪ ،‬فمن ذلك عدم إصابة داود عليه السلم في الحكم‪ ،‬وتوفيق الله لبنه‬
‫الح ّ‬
‫سليمان في تلك المسٍألة‪ ،‬عن أِبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم يقول‪)) :‬كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب‪،‬‬
‫فذهب بابن إحداهما‪ .‬فقالت صاحبتها‪ :‬إّنما ذهب بابنك‪ .‬وقالت الخرى‪ :‬إّنما‬
‫‪132‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ذهب بابنك‪ .‬فتحاكمتا إلى داود‪ ،‬فقضى به للكبرى‪ ،‬فخرجتا على سليمان بن‬
‫قه بينهما‪ .‬فقالت الصغرى‪ :‬ل تفعل‬
‫داود فأخبرتاه‪ ،‬فقال‪ :‬ائتوني بالسكين أش ّ‬
‫ـ يرحمك الله ـ هو ابنها‪ .‬فقضى به للصغرى(()]‪.([20‬‬
‫)‪(16 /‬‬
‫ن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪:‬‬
‫وعن أم سلمة رضي الله عنها أ ّ‬
‫ي‪ ،‬ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من‬
‫))إّنما أنا بشر وإنكم تختصمون إل ّ‬
‫بعض‪ ،‬فأقضي على نحو ما أسمع‪ ،‬فمن قضيت له من حقّ أخيه شيًئا فل‬
‫يأخذه‪ ،‬فإّنما أقطع له قطعة من النار(()]‪.([21‬‬
‫ول يناقض هذا القو َ‬
‫ل بعصمة النبياء من الخطأ في التبليغ عن لله تعالى‪،‬‬
‫قّرون على ذلك‪.‬‬
‫لنهم ل ي َ‬
‫‪ -8‬اليهود والنصاري ينسبون القبائح إلى النبياء)]‪:([22‬‬
‫ينسب اليهود إلى النبياء والمرسلين أعمال ً قبيحة‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬
‫ي الله هارون صنع عج ً‬
‫ل‪ ،‬وعبده مع بني إسرائيل‪) .‬إصحاح ‪ 32/1‬من‬
‫ـأ ّ‬
‫ن نب ّ‬
‫سفر الخروج(‪.‬‬
‫ن هارون أنكر ذلك‬
‫ي‪ ،‬وأ ّ‬
‫ص علينا أ ّ‬
‫والقرآن يق ّ‬
‫ن من صنع ذلك هو السامر ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫أعظم النكار قال تعالى‪} :‬وَل َ‬
‫م َ‬
‫م ب ِهِ‬
‫ن ِ‬
‫هاُرو ُ‬
‫ما فِتنت ُ ْ‬
‫من قب ْل ياقوْم ِ إ ِن ّ َ‬
‫قد ْ قال لهُ ْ‬
‫وإن ربك ُم الرحمان َفاتبعوِنى وأ َطيعوا ْ أ َ‬
‫رى{ ]طه‪.[90:‬‬
‫م‬
‫َ ِ ُ‬
‫ُِّ‬
‫َِ ّ َ ّ ُ ّ ْ َ ُ‬
‫ْ ِ‬
‫دم امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال الخير‬
‫ق‬
‫الرحمن‬
‫ن إبراهيم خليل‬
‫ّ‬
‫ـأ ّ‬
‫بسببها‪) .‬إصحاح ‪ 12/14‬من سفر التكوين(‪.‬‬
‫ص الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القصة عن إبراهيم عند دخوله‬
‫وقد ق ّ‬
‫ن ملك مصر كان طاغية‪ ،‬وكان إذا وجد امرأة جميلة ذات زوٍج‬
‫مصر‪ ،‬وفيها أ ّ‬
‫قتل زوجها‪ ،‬وحازها لنفسه‪ ،‬فلما سئل إبراهيم عنها قال‪ :‬هي أخته‪ ،‬يعني أخته‬
‫ن الله حفظ سارة عندما‬
‫في السلم‪ ،‬وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أ ّ‬
‫ذهبت إلى الطاغية‪ ،‬فلم يمسها بأذى‪ ،‬وأخدمها جارية‪ ،‬هي هاجر أم العرب‬
‫المستعربة)]‪.([23‬‬
‫ً‬
‫ن لوطا عليه السلم شرب خمًرا حتى سكر‪ ،‬ثم قام على ابنتيه‬
‫ـ ومن ذلك أ ّ‬
‫فزنا ِبهما الواحدة بعد الخرى‪) .‬إصحاح ‪ 19/30‬من سفر التكوين(‪.‬‬
‫ي الكريم على الله أن يفعل ذلك‪ ،‬وهو قضى‬
‫ومعاذ الله أن يكون هذا النب ّ‬
‫عمره يدعو إلى الفضيلة ويحارب الرذيلة‪.‬‬
‫ن عيسى من نسل سليمان بن داود وأن جدهم‬
‫ـ وورد في إنجيل متى أ ّ‬
‫فارض الذي هو من نسل الزَنا من َيهوذا بن يعقوب‪) .‬إصحاح متى الول‪.(10/‬‬
‫مه في وسط جمٍع من‬
‫ـ وفي إصحاح يوحنا الصحاح الثاِني‪ 4/‬أ ّ‬
‫ن يسوع أهان أ ّ‬
‫جّبارا ً َ‬
‫قّيا{‬
‫ش ِ‬
‫جعَل ِْنى َ‬
‫م يَ ْ‬
‫وال ِد َِتى وَل َ ْ‬
‫الناس‪ ،‬فأين هذا م ّ‬
‫ما وصفه القرآن‪} :‬وَب َّرا ب ِ َ‬
‫]مريم‪.[32:‬‬
‫‪ -9‬كرامات الولياء‪:‬‬
‫من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الولياء‪ ،‬وما يجري الله‬
‫على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات‪ ،‬وأنواع القدرة‬
‫والتأثيرات)]‪.([24‬‬
‫وقد أنكر المام أحمد على الذين نفوا كرامات النبياء ولم يصدقوا ِبها‪،‬‬
‫وضّللهم)]‪.([25‬‬
‫ما لهم لصلحهم وقوة‬
‫ومن حكمة إجراء الله هذه المور الخارقة للعادة إكرا ً‬
‫ة لكلمته‪ ،‬وإحقاقاً‬
‫دا لحاجاِتهم‪ ،‬أو نصرة لدينه‪ ،‬ورفع ً‬
‫إيماِنهم‪ ،‬وقد يكون س ً‬

‫‪133‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫للحقّ وإبطال ً للباطل‪.‬‬
‫ضا من آيات النبياء‪ ،‬فإّنها‬
‫ما كرامات الولياء؛ فهي أي ً‬
‫قال شيخ السلم‪" :‬وأ ّ‬
‫إّنما تكون لمن تشهد لهم بالرسالة‪ ،‬فهي دليل على صدق الشاهد لهم‬
‫ن كرامات الولياء معتادة من الصالحين‪ ،‬ومعجزات النبياء‬
‫ضا فإ ّ‬
‫بالنبوة‪ .‬وأي ً‬
‫فوق ذلك‪ ،‬فانشقاق القمر والتيان بالقرآن وانقلب العصا حية وخروج الدابة‬
‫من صخرة لم يكن مثله للولياء‪ .‬وكذلك خلق الطير من الطين‪ ،‬ولكن آياِتهم‬
‫صغار وكبار‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬فأراه الية الكبرى{ ]النازعات‪ ،[20:‬فلله‬
‫مد‪} :‬لقد رأى من آيات ربه‬
‫تعالى آية كبيرة وصغيرة‪ ،‬وقال عن نبّيه مح ّ‬
‫ما اليات الصغرى فقد‬
‫الكبرى{ ]النجم‪ ،[18:‬فاليات الكبرى مختصة ِبهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫تكون للصالحين‪ ،‬مثل تكثير الطعام‪ ،‬فهذا قد وجد لغير واحد من الصالحين‪،‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم أّنه أطعم الجيش من‬
‫لكن لم يوجد كما وُ ِ‬
‫جد للنب ّ‬
‫شيء يسير")]‪.([26‬‬
‫وقال‪" :‬ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الولياء‪ ،‬وما‬
‫ه على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات‪،‬‬
‫ُيجري الل ُ‬
‫وأنواع القدرة والتأثيرات")]‪.([27‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬تسخير الله فاكهة الشتاء في الصيف‪ ،‬وفاكهة الصيف في الشتاء‬
‫ها رِْزًقا َقا َ‬
‫خ َ‬
‫ل‬
‫ما د َ َ‬
‫عند َ َ‬
‫جد َ ِ‬
‫ل عَل َي َْها َزك َرِّيا ال ْ ِ‬
‫ب وَ َ‬
‫حَرا َ‬
‫م ْ‬
‫لمريم عليها السلم‪} :‬ك ُل ّ َ‬
‫يامري َ‬
‫من ي َ َ‬
‫ر‬
‫ن ِ‬
‫ك َ‬
‫ت هُوَ ِ‬
‫عندِ الل ّهِ إ ّ‬
‫م أّنى ل َ ِ‬
‫ه ي َْرُزقُ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫هاَذا َقال َ ْ‬
‫َ ْ َ ُ‬
‫م ْ‬
‫شاء ب ِغَي ْ ِ‬
‫ب{ ]آل عمران‪.[37 :‬‬
‫ِ‬
‫ح َ‬
‫سا ٍ‬
‫والنور الذي جعله الله في عصا ك ّ‬
‫ل من أسيد بن الحضير وعباد بن بشر‪،‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم)]‪.([28‬‬
‫تحدثا عند النب ّ‬
‫والمر الخارق للعادة ليس دليل ً على الكرامة‪ ،‬ول فضيلة من جرت على يديه‪،‬‬
‫ن نفسك‬
‫قال أبو علي الجوزجاِني‪" :‬كن طالًبا للستقامة‪ ،‬ل طالًبا للكرامة‪ ،‬فإ ّ‬
‫منجبلة على طلب الكرامة‪ ،‬ورّبك يطلب منك الستقامة‪ ،‬قال بعض من فهم‬
‫قوله‪ :‬وهذا أص ٌ‬
‫م كبيٌر في الباب‪ ،‬وسّر غفل عن حقيقته كثير من أهل‬
‫ل عظي ٌ‬
‫السلوك والطلب")]‪.([29‬‬
‫)‪(17 /‬‬
‫وهذه الستقامة هي الفيصل بين الكرامة والحوال الشيطانية‪ ،‬وإل ّ فإن‬
‫جار‪ ،‬كما تظهر على أيدي السحرة‬
‫ساق والف ّ‬
‫الخوارق قد تظهر علي يد الف ّ‬
‫والمشعوذين‪ ،‬وللمسيح الدجال في آخر الزمان نصيب كبير من ذلك ولذا قال‬
‫غيو واحد من السلف‪ :‬رأيتم الرجل يمشي على الماء‪ ،‬ويطير في الهواء فل‬
‫تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة)]‪.([30‬‬
‫)]‪ ([1‬أخرجه القضاعي في مسند الشهاب )‪ (2/185‬من حديث أِبي هريرة‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬والحاكم )‪ (2/4‬من حديث ابن مسعود مطو ً‬
‫ل‪.‬‬
‫)]‪ ([2‬الحاكم )‪ ،(2/468‬قال‪" :‬هذا حديث صحيح على شرط الشيخين‪ ،‬ولم‬
‫يخرجاه"‪.‬‬
‫)]‪ ([3‬البخاري في الوضوء‪ ،‬باب التخفيف في الوضوء )‪.(138‬‬
‫)]‪ ([4‬أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى )‪ (1/171‬عن عطاء مرسل‪ً،‬‬
‫وأخرج الحاكم )‪ (2/468‬عن أنس رضي الله عنه‪ ،‬قال‪ :‬كان النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم تنام عيناه‪ ،‬ول ينام قلبه‪ ،‬وقال‪" :‬هذا حديث صحيح على شرط‬
‫مسلم‪ ،‬ولم يخرجاه"‪.‬‬
‫ي )‪.(15/102‬‬
‫)]‪ ([5‬تفسير القرطب ّ‬
‫‪134‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)]‪ ([6‬مسلم في الصلة‪ ،‬باب حجة من قال‪ :‬البسملة آية من أول كل سورة‬
‫)‪.(400‬‬
‫)]‪ ([7‬شرح مسلم )‪.(4/113‬‬
‫)]‪ ([8‬فقه اللغة )ص‪.(161 :‬‬
‫)]‪ ([9‬انظر‪ :‬حديث المعراج عند مسلم )‪.(1/148‬‬
‫)]‪ ([10‬البخاري في التفسير‪ ،‬باب قوله‪? :‬والرجز فاهجر? )‪.(4926‬‬
‫)]‪ ([11‬البخاري في بدء الوحي‪ ،‬باب بدء الوحي )‪ ،(2‬ومسلم في الفضائل‪،‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم في البرد )‪.(2333‬‬
‫باب عرق النب ّ‬
‫)]‪ ([12‬البخاري في بدء الوحي‪ ،‬باب بدء الوحي )‪ ،(4‬ومسلم في اليمان‪،‬‬
‫باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم )‪ ،(160‬وانظر‪:‬‬
‫الحديث السابق‪.‬‬
‫)]‪ ([13‬تقدم تخريجه‪.‬‬
‫)]‪ ([14‬شرح العقيدة الواسطية )ص‪.(64 :‬‬
‫)]‪ ([15‬تقدم تخريجه‪.‬‬
‫)]‪ ([16‬زاد المعاد )‪.(70-1/69‬‬
‫)]‪ ([17‬الترمذي في الزهد‪ ،‬باب ما جاء في الصبر على البلء )‪ ،(4926‬قال‬
‫الترمذي‪" :‬هذا حديث حسن صحيح"‪ .‬وصححه اللباني في السلسلة الصحيحة‬
‫)‪(143‬‬
‫)]‪ ([18‬ال َ‬
‫كباث نوع من أنواع ثمر الراك‪.‬‬
‫)]‪ ([19‬البخاري في أحاديث النبياء‪ ،‬باب يعكفون على أصنام لهم )‪.(3406‬‬
‫م‬
‫ما َ‬
‫)]‪ ([20‬البخاري في النبياء‪ ،‬باب قول الله تعالى‪? :‬وَوَهَب َْنا ل ِ َ‬
‫داوُد َ ُ‬
‫ن ن ِعْ َ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫ال ْعبد إن َ‬
‫ب? )‪ ،(6769‬ومسلم في القضية‪ ،‬باب بيان اختلف المجتهدين )‬
‫ه أّوا ٌ‬
‫َ ْ ُ ِّ ُ‬
‫‪.(1720‬‬
‫)]‪ ([21‬البخاري في الحكام‪ ،‬باب موعظة المام للخصوم )‪ ،(7169‬ومسلم‬
‫جة )‪.(1713‬‬
‫في القضية‪ ،‬باب الحكم بالظاهر واللحن والح ّ‬
‫ي السلم )ص‪:‬‬
‫)]‪ ([22‬نصوص هذه الفائدة مأخوذة من كتاب محمد نب ّ‬
‫‪ ،(145‬انظر‪ :‬الرسل والرسالت )ص‪.(106-104 :‬‬
‫)]‪ ([23‬انظر‪ :‬حديث أبي هريرة رضي الله عنه في البخاري في النكاح‪ ،‬باب‬
‫اتخاذ السراري ومن أعتق جارية ثم تزوجها )‪ ،(5084‬ومسلم في الفضائل‪،‬‬
‫باب من فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم )‪.(2371‬‬
‫)]‪ ([24‬انظر‪ :‬مجموع فتاوى شيخ السلم ابن تيمية )‪.(3/156‬‬
‫)]‪ ([25‬انظر‪ :‬النوار البهية )‪.(2/393‬‬
‫)]‪ ([26‬النبوات )‪.(211‬‬
‫)]‪ ([27‬مجموع الفتاوى )‪.(3/156‬‬
‫)]‪ ([28‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/79‬‬
‫)]‪ ([29‬انظر‪ :‬مجموع فتاوى ابن تيمية )‪.(11/320‬‬
‫)]‪ ([30‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(1/79‬‬
‫ثامنا‪ :‬مسائل‪:‬‬
‫‪ -1‬تفضيل النبياء والرسل بعضهم على بعض‪:‬‬
‫النبياء أفضل خلق الله تعالى‪ ،‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبي‬
‫بكر وعمر‪)) :‬هذان سيدا كهول أهل الجنة من الولين والخرين‪ ،‬إل ّ النبيين‬
‫ي(()]‪.([1‬‬
‫والمرسلين‪ .‬ل تخبرهما يا عل ّ‬
‫ن أفضل رجلين‬
‫ن النبياء والمرسلين أفضل الخلق‪ ،‬وأ ّ‬
‫فيؤخذ من الحديث أ ّ‬
‫بعدهم أبو بكرٍ وعمر رضي الله عنهما‪.‬‬
‫‪135‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن خاتم الولياء أفضل من خاتم النبياء‪،‬‬
‫ومن هنا ُيعرف ضلل قول من قال‪ :‬إ ّ‬
‫ل ساق ٌ‬
‫وهو قو ٌ‬
‫ط تغني حكايته عن مناقشته)]‪.([2‬‬
‫والرسل بل ش ّ‬
‫ك أفضل من النبياء‪ ،‬وهم بعد ذلك متفاضلون فيما بينهم قال‬
‫ضهُ ْ َ‬
‫تعالى‪} :‬ت ِل ْ َ‬
‫س ُ‬
‫ع‬
‫ه وََرفَ َ‬
‫ضل َْنا ب َعْ َ‬
‫ل فَ ّ‬
‫ك الّر ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫من ك َل ّ َ‬
‫م ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ض ّ‬
‫م عَلى ب َعْ ٍ‬
‫َ‬
‫س{‬
‫ت وَأي ّد َْناه ُ ب ُِروِح ال ْ ُ‬
‫ت َوءات َي َْنا ِ‬
‫م ال ْب َي َّنا ِ‬
‫جا ٍ‬
‫م د ََر َ‬
‫ب َعْ َ‬
‫عي َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ضهُ ْ‬
‫سى اب ْ َ‬
‫قد ُ ِ‬
‫]البقرة‪ ،[253 :‬وأفضل الرسل هم أولو العزم الخمسة‪ :‬محمد ونوح وإبراهيم‬
‫صب ََر أ ُوُْلوا ْ‬
‫صب ِْر ك َ َ‬
‫ما َ‬
‫وموسى وعيسى عليهم الصلة والسلم قال تعالى‪َ} :‬فا ْ‬
‫ل{ ]الحقاف‪ ،[35:‬وقد ذكرهم الله في أكثر من موضع‬
‫ال ْعَْزم ِ ِ‬
‫ن الّر ُ‬
‫س ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫شَرع َ ل َ ُ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫فقال‪َ } :‬‬
‫ه‬
‫دي‬
‫صي َْنا ب ِ ِ‬
‫صى ب ِهِ ُنوحا ً َوال ّ ِ‬
‫ن ال ِ ِ‬
‫ذى أوْ َ‬
‫ك وَ َ‬
‫ن َ‬
‫كم ّ‬
‫ما وَ ّ‬
‫ما وَ ّ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫سى{ ]الشورى‪ [13 :‬وقال‪} :‬وَإ ِذ ْ أ َ‬
‫سى وَ ِ‬
‫خذ َْنا ِ‬
‫إ ِب َْرا ِ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫م وَ ُ‬
‫هي َ‬
‫ن الن ّب ِي ّي ْ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫م{ ]الحزاب‪،[7:‬‬
‫سى وَ ِ‬
‫من ّنوٍح وَإ ِْبرا ِ‬
‫من ْك وَ ِ‬
‫م وَ ِ‬
‫ِ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫م وَ ُ‬
‫هي َ‬
‫ميَثاقَهُ ْ‬
‫سى اب ْ ِ‬
‫وأفضل هؤلء كلهم محمد بن عبد الله الرسول المي صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫قال صلى الله عليه وسلم‪)) :‬أنا سيد القوم يوم القيامة(( )]‪ ،([3‬وفي رواية‬
‫عند مسلم‪)) :‬أنا سيد ولد آدم يوم القيامة((‪.‬‬
‫)‪(18 /‬‬
‫وهو صاحب الشفاعة العظمى كما في حديث أِبي هريرة وفيه‪)) :‬فيقولون‪ :‬يا‬
‫محمد‪ ،‬أنت رسول الله وخاتم النبياء‪ ،‬وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما‬
‫تأخر‪ ،‬اشفع لنا إلى ربك‪ ،‬أل ترى إلى ما نحن فيه؟!(()]‪ ،([4‬فيشفع فيهم‪،‬‬
‫فيشفعه الله تعالى‪.‬‬
‫ص تنهى عن التفضيل بن النبياء ل تعارض‬
‫وقد وردت في السنة نصو ٌ‬
‫النصوص القرآنية التي تد ّ‬
‫ضل بعض النبياء على بعض وبعض‬
‫ن الله ف ّ‬
‫ل على أ ّ‬
‫ن النهي في هذه الحاديث ينبغي أن يحمل على‬
‫المرسلين على بعض؛ ل ّ‬
‫التفضيل الذي يكون على وجه الحمّية والعصبية والنتقاص‪ ،‬أو كان مؤدًيا إلى‬
‫ب‬
‫شيء من ذلك‪ ،‬برهان ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬است ّ‬
‫ل من المسلمين ورج ٌ‬
‫رجلن‪ :‬رج ٌ‬
‫ل من اليهود‪ .‬قال المسلم‪ :‬والذي اصطفى‬
‫دا على العالمين‪ .‬فقال اليهودي‪ :‬والذي اصطفى موسى على العالمين‪.‬‬
‫محم ً‬
‫فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي‪ ،‬فذهب اليهوديّ إلى النبي‬
‫ي‬
‫صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم‪ ،‬فدعا النب ّ‬
‫م‪ ،‬فسأله عن ذلك‪ ،‬فأخبره‪ .‬فقال النبي صلى‬
‫صلى الله عليه وسلم المسل َ‬
‫ن الناس يصعقون يوم القيامة‪،‬‬
‫فإ‬
‫موسى‪،‬‬
‫على‬
‫ني‬
‫الله عليه وسلم‪)) :‬ل تخيرو ِ‬
‫ّ‬
‫فأصعق معهم‪ ،‬فأكون أول من يفيق‪ ،‬فإذا موسى باطش جانب العرش‪ ،‬فل‬
‫أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي‪ ،‬أو كان ممن استثنى الله(()]‪.([5‬‬
‫قال ابن حجر‪" :‬قال العلماء في َنهيه صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين‬
‫من يقوله برأيه ل من يقوله بدليل‪ ،‬أو من يقوله‬
‫النبياء‪ :‬إّنما َنهى عن ذلك َ‬
‫بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول‪ ،‬أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع‪ .‬أو المراد‪:‬‬
‫ل تفضلوا بجميع أنواع الفضائل‪ ،‬بحيث ل يترك للمفضول فضيلة")]‪.([6‬‬
‫وقال الحليمي‪" :‬الخبار الواردة في النهي عن التخيير إّنما هي في مجادلة‬
‫ن المخايرة إذا‬
‫أهل الكتاب‪ ،‬وتفضيل بعض النبياء على بعض بالمخايرة؛ ل ّ‬
‫وقعت بين أهل دينين ل يؤمن أن يخرج أحدهما إلى الزدراء بالخر فيفضي‬
‫دا إلى مقابلة الفضائل لتحصيل‬
‫ما إذا كان التخيير مستن ً‬
‫إلى الكفر‪ .‬فأ ّ‬
‫الرجحان فل يدخل في النهي")]‪.([7‬‬
‫‪ -2‬نبوة النساء‪:‬‬

‫‪136‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ذهب أبو الحسن الشعري وابن حزم الظاهري وغيرهما إلى نبوة مريم عليها‬
‫ن في‬
‫السلم‪ ،‬واختلفوا فيما بينهم في نبوة غيرها من النساء الوارد ذكره ّ‬
‫م موسى وآسية امرأة فرعون)]‪.([8‬‬
‫القرآن كحواء وسارة وهاجر وأ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م{‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫حى‬
‫نو‬
‫ل‬
‫جا‬
‫ر‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫من‬
‫نا‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫ّ ِ‬
‫ما أ ْ َ َ ِ‬
‫ِْ ِ ِ َ‬
‫ِ ِْ ْ‬
‫وأجابوا عن قوله تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫ما النبوة فل‬
‫]النبياء‪ [7 :‬بأّنهم ل يخالفون مفهومها‪ ،‬فالرسالة للرجال‪ ،‬أ ّ‬
‫ما من النبوة التبليغ‪ ،‬بل النبوة تكون قاصرة‬
‫ص القرآِني‪ ،‬وليس لز ً‬
‫يشملها الن ّ‬
‫على صاحبها يعمل ِبها‪ ،‬ول يحتاج إلى أن يبلغها إلى الخرين‪.‬‬
‫واستد ّ‬
‫ل أصحاب هذا الرأي بأدلة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫َ‬
‫حي َْنا‬
‫م موسى قال تعالى‪} :‬وَأوْ َ‬
‫أ ّ‬‫ن الله أوحى إلى بعض النساء‪ ،‬فأوحى إلى أ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫خاِفى وَل َ‬
‫خ ْ‬
‫م وَل َ ت َ َ‬
‫ضِعيهِ فَإ َِذا ِ‬
‫ت عَلي ْهِ فَأل ِ‬
‫ف ِ‬
‫ن أْر ِ‬
‫سى أ ْ‬
‫إ َِلى أ ّ‬
‫مو َ‬
‫قيهِ ِفى الي َ ّ‬
‫م ُ‬
‫ن{ ]القصص‪ ،[7:‬وأرسل جبريل‬
‫جا ِ‬
‫عُلوه ُ ِ‬
‫ك وَ َ‬
‫حَزِنى إ ِّنا َراّدوه ُ إ ِل َي ْ ِ‬
‫تَ ْ‬
‫مْر َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫سِلي َ‬
‫م َ‬
‫جابا ً‬
‫ّ‬
‫إلى مريم فبلغها عن الله أمره قال تعالى‪َ} :‬فات ّ َ‬
‫من ُدون ِِهم ِ‬
‫ت ِ‬
‫ح َ‬
‫خذ َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫منكَ‬
‫مث ّ َ‬
‫ل ل ََها ب َ َ‬
‫ت إ ِّنى أ ُ‬
‫ن ِ‬
‫عوذ ُ ِبالّر ْ‬
‫سل َْنا إ ِل َي َْها ُرو َ‬
‫شرا ً َ‬
‫فَأْر َ‬
‫ح َ‬
‫سوِي ّا ً ‪َ Q‬قال َ ْ‬
‫حَنا فَت َ َ‬
‫ما ِ‬
‫َ‬
‫ِإن ُ‬
‫سو ُ‬
‫قي ّا ً ‪َ R‬قا َ‬
‫ك غَُلما ً َزك ِي ًّا{ ]مريم‪.[19-17:‬‬
‫ت تَ ِ‬
‫ب لَ ِ‬
‫ك لهَ َ‬
‫ل َرب ّ ِ‬
‫ما أن َا ْ َر ُ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫كن َ‬
‫ن كل من جاءه الملك عن الله تعالى بحكم من أمر أو‬
‫فأبو الحسن يرى أ ّ‬
‫م موسى ومريم شيٌء من هذا‪.‬‬
‫ي‪ ،‬وقد تحقق في أ ّ‬
‫َنهي أو بإعلم فهو نب ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ملئ ِك ُ‬
‫ واستدلوا باصطفاء الله تعالى لمريم قال تعالى‪} :‬وَإ ِذ قال ِ‬‫مْري َ ُ‬
‫ة يا َ‬
‫ت ال َ‬
‫ن { ]آل عمران‪.[42:‬‬
‫صط َ َ‬
‫صط َ َ‬
‫ساء ال َْعال َ ِ‬
‫فا ِ‬
‫ك وَط َهَّر ِ‬
‫فا ِ‬
‫إِ ّ‬
‫ك عََلى ن ِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ك َوا ْ‬
‫ها ْ‬
‫مي َ‬
‫ضا بحديث أِبي موسى رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫ واستدلوا أي ً‬‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬كمل من الرجال كثير‪ ،‬ولم يكمل من النساء إل ّ‬
‫ن فضل عائشة على النساء‬
‫آسية امرأة فرعون‪ ،‬ومريم بنت عمران‪ .‬وإ ّ‬
‫كفضل الثريد على سائر الطعام(()]‪ .([9‬قالوا‪ :‬الذي يبلغ مرتبة الكمال هم‬
‫النبياء‪.‬‬
‫ن هذه الدلة ل تنهض لثبات نبوة النساء‪ ،‬وذلك من وجوه‪:‬‬
‫وأجيبوا بأ ّ‬
‫ي غير مأمور بالتبليغ والتوجيه ومخالطة الّناس‪،‬‬
‫الول‪ :‬أننا ل نسلم أ ّ‬
‫ن النب ّ‬
‫ن الفرق واقعٌ في كون‬
‫ي والرسول في هذا‪ ،‬وأ ّ‬
‫والمحتار أن ل فرق بين النب ّ‬
‫ن أعباء التبليغ ل‬
‫ي مرسل بتشريع رسول سابق‪ ،‬وإذا كان ذلك كذلك فإ ّ‬
‫النب ّ‬
‫تقوى عليها النساء‪ ،‬فل تقوم بحقّ النبوة‪.‬‬
‫ما‪،‬‬
‫الثاِني‪ :‬قد يكون وحي الله إلى هؤلء النساء أم موسى وآسية إّنما وقع منا ً‬
‫ما‪ ،‬وهذا يقع لغير النبياء‪.‬‬
‫فقد علمنا أ ّ‬
‫ن من الوحي ما يكون منا ً‬
‫)‪(19 /‬‬
‫ي‪ ،‬ففي حديث أبي‬
‫الثالث‪ :‬ل نسلم قولهم أ ّ‬
‫ن كل من خاطبته الملئكة فهو نب ّ‬
‫خا له في قرية أخرى‪،‬‬
‫ن رجل ً زار أ ً‬
‫ي صلى الله عليه وسلم أ ّ‬
‫هريرة عن النب ّ‬
‫فأرصد الله له على مدرجته مل ً‬
‫كا‪ ،‬فلما أتى عليه قال‪ :‬أين تريد؟ قال‪ :‬أريد‬
‫خا لي في هذه القرية‪ .‬قال‪ :‬هل لك عليه من نعمة ترّبها؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬غير أّني‬
‫أ ً‬
‫أحببته في الله عّز وج ّ‬
‫ن الله قد أحّبك كما‬
‫ل‪ .‬قال‪ :‬فإّني رسول الله إليك بأ ّ‬
‫أحببته فيه)]‪.([10‬‬
‫ن الرسول صلى الله عليه وسلم توقف في نبوة ذي القرنين مع‬
‫الرابع‪ :‬أ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ما أن‬
‫ن الله أوحى إليه‪} :‬قُلَنا ياَذا ال َ‬
‫ما أن ت ُعَذ ّ َ‬
‫إخبار القرآن بأ ّ‬
‫ب وَإ ِ ّ‬
‫ن إِ ّ‬
‫قْرن َي ْ ِ‬
‫سنًا{ ]الكهف‪.[86 :‬‬
‫ت َت ّ ِ‬
‫م ُ‬
‫ح ْ‬
‫خذ َ ِفيهِ ْ‬
‫جة لهم في النصوص الدالة على اصطفاء الله لمريم‪ ،‬فالله قد‬
‫الخامس‪ :‬ل ح ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫عَبادَِنا‬
‫صط َ‬
‫ن ِ‬
‫في َْنا ِ‬
‫ب ال ِ‬
‫م أوَْرثَنا الك َِتا َ‬
‫صّرح بأّنه اصطفى غير النبياء‪} :‬ث ّ‬
‫نا ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫‪137‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫م َ‬
‫ت{ ]فاطر‪،[32 :‬‬
‫م ْ‬
‫م ل ّن َ ْ‬
‫ساب ِقٌ ِبال ْ َ‬
‫خْيرا ِ‬
‫صد ٌ و َ ِ‬
‫قت َ ِ‬
‫سهِ وَ ِ‬
‫ف ِ‬
‫فَ ِ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ظال ِ ٌ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫واصطفى آل إبراهيم وآل عمران على العالمين‪ ،‬ومن آلهما من ليس بنبي‬
‫م َوءا َ‬
‫حا َوءا َ‬
‫ن‬
‫صط َ َ‬
‫ل ِ‬
‫ل إ ِْبرا ِ‬
‫مرا َ‬
‫م وَُنو ً‬
‫ما فقال تعالى‪} :‬إ ِ ّ‬
‫فى آد َ َ‬
‫ع ْ‬
‫هي َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫جز ً‬
‫ها ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫عَ َ‬
‫ن{ ]آل عمران‪.[33:‬‬
‫مي‬
‫ل‬
‫عا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫لى‬
‫َ ِ َ‬
‫جوا به النبوة‪،‬‬
‫السادس‪ :‬ل يلزم من لفظ الكمال الوارد في الحديث الذي احت ّ‬
‫لّنه يطلق لتمام الشيء‪ ،‬وتناهيه في بابه‪ ،‬فالمراد بلوغ النساء الكاملت‬
‫النهاية في جميع الفضائل التي للنساء‪ ،‬وعلى ذلك فالكمال هنا كمال غير‬
‫النبياء‪.‬‬
‫ن خديجة من الكاملت)]‪،([11‬‬
‫ص على أ ّ‬
‫السابع‪ :‬ورد في بعض الحاديث الن ّ‬
‫ن الكمال هنا ليس كمال النبوة‪.‬‬
‫وهذا يبّين أ ّ‬
‫وهذا هو الراجح في المسألة أّنه لم يثبت نبوة أحدٍ من النساء‪ ،‬والدلة‬
‫دا‪ ،‬والتعريف‬
‫ص في عدم إرسال الله لي امرأة أب ً‬
‫الواردة غير كافية‪ ،‬والية ن ّ‬
‫ي ل يتحقق في المرأة‪ ،‬وقد قال الحسن البصري رحمه الله‪:‬‬
‫المختار للنب ّ‬
‫ن")]‪.([12‬‬
‫"ليس في النساء نبّية‪ ،‬ول في الج ّ‬
‫وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫)]‪ ([1‬أحمد )‪ ،(1/80‬والترمذي في المناقب‪ ،‬باب في مناقب أبي بكر‬
‫الصديق رضي الله عنه )‪ ،(3664‬وابن ماجه في المقدمة‪ ،‬باب فضل أبي بكر‬
‫الصديق رضي الله عنه )‪ ،(95‬قال أبو عيسى‪" :‬هذا حديث حسن غريب من‬
‫هذا الوجه"‪ ،‬وصححه ابن حّبان من حديث أبي جحيفة )‪.(6904‬‬
‫)]‪ ([2‬انظر‪ :‬مجموع فتاوى ابن تيمية )‪ ،(11/221) ،(2/222‬ولوامع النوار‬
‫البهية )‪.(2/300‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سلَنا ُنوحا إ ِلى‬
‫)]‪ ([3‬البخاري في النبياء‪ ،‬باب قول الله تعالى‪} :‬ل َ‬
‫قد ْ أْر َ‬
‫ه{ )‪ ،(3340‬ومسلم في الفضائل‪ ،‬باب تفضيل نبّينا على النبياء )‬
‫م ِ‬
‫قَوْ ِ‬
‫‪.(2278‬‬
‫ْ‬
‫معَ ُنوٍح‬
‫)]‪ ([4‬البخاري في التفسير‪ ،‬باب قول الله تعالى‪} :‬ذ ُّري ّ َ‬
‫ن َ‬
‫ملَنا َ‬
‫ح َ‬
‫ة َ‬
‫م ْ‬
‫ش ُ‬
‫ه َ‬
‫ن عَْبدا ً َ‬
‫كوًرا{ )‪.(4712‬‬
‫كا َ‬
‫إ ِن ّ ُ‬
‫)]‪ ([5‬البخاري في الخصومات‪ ،‬باب ما جاء في الشخاص والخصومة بين‬
‫المسلم وغيره )‪.(2411‬‬
‫)]‪ ([6‬فتح الباري )‪.(6/446‬‬
‫)]‪ ([7‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(6/446‬‬
‫)]‪ ([8‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪ ،(6/473) ،(448-6/447‬ولوامع النوار البهية )‬
‫‪.(2/226‬‬
‫ن‬
‫مث َل ً ل ِل ّ ِ‬
‫ضَر َ‬
‫)]‪ ([9‬البخاري في النبياء‪ ،‬باب قول الله تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫ه َ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫آمنوا ا َ‬
‫ن{ )‪ ،(3411‬ومسلم في فضائل الصحابة‪ ،‬باب فضائل‬
‫َ ُ‬
‫ت فِْرعَوْ َ‬
‫مَرأ َ‬
‫ْ‬
‫م المؤمنين )‪.(2431‬‬
‫خديجة أ ّ‬
‫ب في الله )‪.(2567‬‬
‫)]‪ ([10‬مسلم في البر والصلة والداب‪ ،‬باب فضل الح ّ‬
‫هّ‬
‫َ‬
‫ملئ ِك ُ‬
‫)]‪ ([11‬أخرج البخاري في النبياء‪ ،‬باب }وَإ ِذ ْ َقال َ ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫مْري َ ُ‬
‫ة َيا َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ي رضي الله عنه قال‪ :‬سمعت النبي صلى الله‬
‫صط َ َ‬
‫فا ِ‬
‫ا ْ‬
‫ك{ )‪ (3432‬عن عل ّ‬
‫عليه وسلم يقول‪» :‬خير نسائها مريم ابنة عمران‪ ،‬وخير نسائها خديجة«‪.‬‬
‫)]‪ ([12‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(6/473,471‬‬
‫)‪(20 /‬‬

‫‪138‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫اليمان بالدين كظاهرة غيبية‪ ..‬وهم أم يقين؟‬
‫* محمد مهدي الصفي‬
‫للدين في حياة النسان طرفان‪:‬‬
‫طرف منه يتصل بعقيدة النسان ويقينه‪ ،‬وطرف آخر منه يتصل بسلوكه‬
‫وحياته الجتماعية‪.‬‬
‫وليس من شك أن ظاهرة التدين واليمان بالغيب كان أقدم ما عرفه النسان‬
‫في حياته‪ ،‬ومن أكثر الظواهر ثباتا ً وشيوعا ً في حياة النسان‪.‬‬
‫ورغم اختلف مظاهر التدين في حياة النسان فقد كان النسان يؤمن في‬
‫هذه الحالت جميعا ً بوجود مبدع غيبي ما وراء الطبيعة‪ ،‬وما وراء المظاهر‬
‫المادية‪.‬‬
‫ورغم ان الحواس ل تباشر غير المادة والطاقة‪ ،‬فإن النسان يؤمن بحقيقة‬
‫ثالثة‪ ،‬ليس هو بمادة ول طاقة‪ ،‬وإنما هو مبدأ للمادة والطاقة معًا‪ ،‬وذلك هو‬
‫الغيب الذي يؤمن به النسان‪ ،‬دون أن يقع له عليه حس‪ ،‬ودون أن يباشره‬
‫بشيء من حواسه‪.‬‬
‫***‬
‫والسؤال الذي نود أن نطرحه هو أن اليمان بالدين كظاهرة غيبية هل هو‬
‫شيء أصيل في حياة النسان‪ ،‬نابع من أعماق شخصية النسان وفطرته‪ ،‬أم‬
‫هو شيء طارئ على حياة النسان‪ ،‬نتيجة بعض الظروف والوضاع‬
‫الجتماعية؟‬
‫وهل يؤمن النسان حقا ً بالدين‪ ،‬أم هو وهم‪ ،‬يبدو للنسان على شكل يقين؟‬
‫وهل اليمان بالغيب أمر ثابت في حياة النسان‪ ،‬ثبات الغرائز والنوازع‬
‫الصيلة‪ ،‬أم هو مرحلة في حياة النسان‪ ،‬كما يقول )أوجست كنت(‪ ،‬حيث‬
‫يرى أن النسانية مرت بثلث مراحل في حياتها‪ ،‬دور الفلسفة الدينية‪ ،‬ودور‬
‫الفلسفة التجريدية‪ ،‬ودور الفلسفة الواقعية؟‬
‫ومرد هذه التساؤلت جميعا ً إلى التساؤل عن أصالة التدين في شخصية‬
‫النسان‪.‬‬
‫ً‬
‫ول شك أن اكتشاف هذه النقطة الجوهرية ينفعنا كثيرا في فهم حقيقة الدين‬
‫وإثبات واقعية التدين واليمان بالغيب‪ ،‬وإثبات واقعية الدين في حد ذاته أيضًا‪.‬‬
‫***‬
‫وبذلك فإن أصالة النزوع الديني في الشخصية يكشف عن حقيقتين‬
‫جوهريتين في هذا المجال‪:‬‬
‫الحقيقة الولى أن التدين حقيقة ثابتة في شخصية النسان‪ ،‬وأن النزوع‬
‫الديني نزوع صادق‪ ،‬وليس وهما ً أو سرابا ً في النفس‪.‬‬
‫وصدق هذا النزوع وأصالته في الشخصية وإن كان ل يثبت الواقعية‬
‫الموضوعية للدين إل أنه يكشف بل شك عن واقعية التدين الذاتية في نفس‬
‫النسان‪.‬‬
‫كما يكشف عن أن التنكر للدين شيء طارئ على الشخصية‪ ،‬وعرض من‬
‫العراض النفسية والروحية التي تصيب النسان‪ ،‬وشذوذ في الشخصية‬
‫وليس حالة عامة في النسان‪.‬‬
‫والحقيقة الثانية ان هذا النزوع بهذا الشكل من القوة والصالة ل يمكن أن‬
‫يكون خاطئًا‪ .‬فل يمكن أن تنزع الفطرة عبثا ً وراء غيب ل حقيقة له‪.‬‬
‫فإننا لو أثبتنا أصالة هذا النزوع في الشخصية‪ ..‬فل يمكن أن ينفك عن واقعية‬
‫هذا الغيب الذي ينزع إليه النسان‪.‬‬
‫والواقعية هنا‪ ،‬بخلف الصورة الولى‪ ،‬واقعية موضوعية وإن كان الطريق إلى‬
‫‪139‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إثبات هذه الواقعية الموضوعية طريقا ً ذاتيا ً وجدانيًا‪.‬‬
‫ولذلك فإن النظريات الدينية تقع في اتجاه معاكس للتجاهات المادية في‬
‫تسير الدين دائمًا‪.‬‬
‫فإن النظريات الدينية تفسر هذه النزعة دائما ً بالفطرة‪ ،‬وتؤكد صلتها الوثيقة‬
‫بالكينونة النسانية وأصالتها في الشخصية‪ ،‬بينما تحاول النظريات المادية‬
‫توجيه هذا النزوع بعوامل خارجة عن شخصية النسان وطارئة عليه‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫اليمان بالقضاء والقدر‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬التعريف‪:‬‬
‫ة وشرعا وبيان العلقة المعنيين‪.‬‬
‫أ‪ -‬تعريف القضاء والقدر لغ ً‬
‫ب‪ -‬هل هناك فرق بين القضاء والقدر؟‬
‫ثانيًا‪ :‬إثبات القضاء والقدر‪:‬‬
‫أ‪ -‬الدلة على وجوب اليمان بالقضاء والقدر‪.‬‬
‫ب‪ -‬النصوص الدالة على تقدير الله تعالى لفعال العباد‪.‬‬
‫ج‪ -‬مراتب القدر‪.‬‬
‫د‪ -‬حدود نظر العقل في القدر‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬أهمية اليمان بالقضاء والقدر‪:‬‬
‫أ‪ -‬منزلة اليمان بالقضاء والقدر بين بقية أركان اليمان‪.‬‬
‫ب‪ -‬اليمان بالقدر في الديان السماوية‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬القضاء والقدر واعتقاد الناس‪:‬‬
‫أ‪ -‬مذاهب الناس في القضاء والقدر‪.‬‬
‫ب‪ -‬منشأ ضلل القدرية والجبرية‪.‬‬
‫ج‪ -‬مناقشة الجبرية والقدرية إجما ً‬
‫ل‪.‬‬
‫د‪ -‬محاورة أهل السنة للقدرية‪.‬‬
‫هـ‪ -‬من أقوال السلف والئمة في اليمان بالقدر‪.‬‬
‫خامسًا‪ :‬مسائل متفرقة‪:‬‬
‫أ‪ -‬حكم الحتجاج بالقدر على فعل المعاصي‪.‬‬
‫ب‪ -‬شبهة من استدل بقوله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬فحج آدم موسى((‪.‬‬
‫ج‪ -‬هل نحن مأمورون بالرضا بقضاء الله وقدره؟‬
‫سادسًا‪ :‬مذهب أهل السنة في مسائل تتعلق بالقضاء والقدر‪:‬‬
‫أ‪ -‬التحسين والتقبيح‪.‬‬
‫ب‪ -‬وجوب فعل الصلح‪.‬‬
‫ج‪ -‬الستطاعة‪.‬‬
‫د‪ -‬الحكمة والتعليل‪.‬‬
‫هـ‪ -‬تكليف ما ل ُيطاق‪.‬‬
‫و‪ -‬معنى الظلم‪.‬‬
‫سابعًا‪ :‬ثمرات اليمان بقضاء الله وقدره‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬التعريف‪:‬‬
‫أ‪ -‬تعريف القضاء والقدر لغة وشرعا وبيان العلقة بين المعنيين‪:‬‬
‫تعريف القضاء والقدر‪:‬‬
‫القضاء لغة‪ :‬الحكام والتقان وإتمام المر‪.‬‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫قال ابن فارس‪" :‬القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام‬

‫‪140‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته"‪.‬‬
‫وقال ابن الثير‪" :‬القضاء في اللغة على وجوه‪ ،‬مرجعها انقطاع الشيء‬
‫وتمامه"‪.‬‬
‫ويأتي أيضا ً بمعنى القدر‪.‬‬
‫وقد ورد لفظ القضاء في القرآن كثيرا ً فمن المعاني التي ورد بها‪:‬‬
‫‪ -1‬معنى المر‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪} :‬وقَضى رب َ َ‬
‫ه‪{...‬‬
‫ك أل ّ ت َعْب ُ ُ‬
‫َ ّ‬
‫َ َ‬
‫دوا ْ إ ِل ّ إ ِّيا ُ‬
‫]السراء‪.[23:‬‬
‫قال قتادة‪" :‬أي‪ :‬أمر ربك أل ّ تعبدوا إل ّ إّياه‪ ،‬فهذا قضاء الله العاجل"‪.‬‬
‫ضي َْنآ إ ِل َي ْهِ ذ َل ِ َ‬
‫مَر{ ]الحجر‪ [66:‬أي‪:‬‬
‫‪ -2‬معنى النهاء‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪} :‬وَقَ َ‬
‫ك ال ْ‬
‫تقدمنا وأنهينا‪ ،‬قال الجوهري‪" :‬أي‪ :‬أنهيناه وأبلغناه"‪.‬‬
‫ن{‬
‫‪ -3‬معنى الفراغ‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪} :‬فَ َ‬
‫ماوا ٍ‬
‫ق َ‬
‫سب ْعَ َ‬
‫ن َ‬
‫ت ِفى ي َوْ َ‬
‫س َ‬
‫ضاهُ ّ‬
‫مي ْ ِ‬
‫]فصلت‪.[12:‬‬
‫قال الطبري‪" :‬فرغ من خلقهن سبع سموات في يومين"‪.‬‬
‫‪ -6،5،4‬ويأتي أيضا ً بمعنى الداء‪ ،‬والعلم‪ ،‬والموت‪ ،‬وغيرها‪.‬‬
‫القدر لغة‪ :‬يطلق على الحكم والقضاء والطاقة‪.‬‬
‫ّ‬
‫قال ابن فارس‪" :‬القاف والدال والراء‪ ،‬أص ٌ‬
‫ل صحيح يدل على مبلغ الشيء‬
‫كنَهه ونهايته"‪.‬‬
‫ويأتي على معان‪:‬‬
‫‪ -1‬معنى الطاقة‪.‬‬
‫ه{ ]الطلق‪ ،[7:‬قال‬
‫من قُدَِر عَل َي ْهِ رِْزقُ ُ‬
‫‪ -2‬التضييق‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫الراغب الصفهاني‪" :‬أي‪ :‬ضّيق عليه‪ ،‬وقدرت عليه الشيء ضيقته‪ ،‬كأنما‬
‫جعلته بقدٍر"‪.‬‬
‫ُ‬
‫ويأتي لمعاني أخر‪.‬‬
‫القضاء والقدر شرعا‪ً:‬‬
‫قال الشيخ محمد خليل الهّراس‪" :‬والمراد به في لسان الشرع‪ :‬أن الله عز‬
‫وجل علم مقادير الشياء وأزمانها أز ً‬
‫ل‪ ،‬ثم أوجدها بقدرته ومشيئته على وفق‬
‫ما علمه منها‪ ،‬وأنه كتبها في اللوح قبل إحداثها"‪.‬‬
‫مه سبحانه أنها ستقع في‬
‫وقيل‪" :‬هو تقدير الله تعالى الشياء في القدم‪ ،‬وعل ُ‬
‫أوقات معلومة عنده‪ ،‬وعلى صفات مخصوصة‪ ،‬وكتابُته سبحانه لذلك‪،‬‬
‫قه لها"‪.‬‬
‫درها‪ ،‬وخل ُ‬
‫ومشيئته له‪ ،‬ووقوعها على حسب ما ق ّ‬
‫العلقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي‪:‬‬
‫يتبين مما سبق أن بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي لكل من القضاء‬
‫والقدر تراب ً‬
‫طا قوّيا‪ ،‬فمعاني القضاء في اللغة ترجع إلى إحكام المر وإتقانه‬
‫وإنفاذه‪ ،‬ومن معانيه‪ :‬المر والحكم والعلم‪ ،‬كما أن معاني القدر ترجع إلى‬
‫در مقادير الخلق‪ ،‬فعلمها وكتبها‬
‫التقدير والقدرة‪ ،‬والله سبحانه وتعالى ق ّ‬
‫درة فتقع حسب أقدارها كما أمر الله تعالى‬
‫وشاءها وخلقها‪ ،‬وهي مقضّية ومق ّ‬
‫أن تقع‪ ،‬وهذا كله ل يخرج عن المعاني اللغوية للكلمتين‪.‬‬
‫ب‪ -‬هل هناك فرق بين القضاء والقدر؟‬
‫انقسم العلماء في ذلك إلى فريقين‪:‬‬
‫الفريق الول‪ :‬قالوا‪ :‬إنه ل فرق بين القضاء والقدر‪ ،‬فكل واحد منهما في‬
‫معنى الخر‪ ،‬فإذا أطلق التعريف على أحدهما شمل الخر‪ ،‬ولذلك إذا أطلق‬
‫سر بالقدر‪ ،‬وكذلك القدر‪ ،‬فل فرق بينهما في اللغة‪ ،‬كما أنه ل‬
‫القضاء وحده ف ّ‬
‫دليل على التفريق بينهما في الشرع‪.‬‬
‫الفريق الثاني‪ :‬قالوا بالفرق بينهما‪ ،‬لكنهم اختلفوا في التمييز بينهما على‬
‫‪141‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أقوال‪:‬‬
‫القول الول‪ :‬قول أبي حامد الغزالي أن هناك بالنسبة لتدبير الله وخلقه ثلثة‬
‫أمور‪:‬‬
‫‪ -1‬الحكم‪ :‬وهو التدبير الول الكّلي والمر الزلي‪.‬‬
‫‪ -2‬القضاء‪ :‬وهو الوضع الكلي للسباب الكلية الدائمة‪.‬‬
‫‪ -3‬القدر‪ :‬وهو توجيه السباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى‬
‫مسبباتها المعدودة المحدودة بقدر معلوم ل يزيد ول ينقص"‪.‬‬
‫القول الثاني‪ :‬ما نقله الحافظ ابن حجر عن بعض العلماء أنهم قالوا‪ :‬القضاء‬
‫هو الحكم الكّلي الجمالي في الزل‪ ،‬والقدر‪ :‬جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ب الصفهاني‪ :‬أن القدر بمنزلة المعِد ّ للكيل‪،‬‬
‫القول الثالث‪ :‬ما نقله الراغ ُ‬
‫والقضاء بمنزلة الكيل‪ ،‬وهذا كما قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنه لما أراد‬
‫الفرار من الطاعون بالشام‪ :‬أتفّر من القضاء؟ قال‪ :‬أفّر من قضاء الله إلى‬
‫قدر الله‪ ،‬تنبيها ً على أن القدر ما لم يكن قضاًء فمرجوٌ أن يدفعه الله‪ ،‬فإذا‬
‫قضي فل مدفع له‪.‬‬
‫القول الرابع‪ :‬قول الشعرية‪ :‬إن القضاء إرادة الله الزلية المتعلقة بالشياء‬
‫على وفق ما توجد عليه وجودها الحادث‪ ،‬كإرادته تعالى الزلية بخلق النسان‬
‫ددة بالقضاء في‬
‫في الرض‪ .‬والقدر هو إيجاد الله الشياء على مقاديرها المح ّ‬
‫ذواتها وصفاتها وأفعالها وأطوالها وأزمنتها وأمكنتها وأسبابها‪ ،‬كإيجاد الله‬
‫النسان فعل ً على وجه الرض طبق ما سبق في قضائه سبحانه‪.‬‬
‫دية‪ :‬إن القضاء راجع إلى التكوين كخلق الله‬
‫القول الخامس‪ :‬قول الماتري ّ‬
‫النسان على ما هو عليه طبق الرادة الزلية‪ .‬والقدر هو التقدير‪ ،‬وهو جعل‬
‫الشيء بالرادة على مقدار محدد قبل وجوده‪ ،‬ثم يكون وجوده في الواقع‬
‫بالقضاء على وفق التقدير‪ ،‬كإرادته تعالى في الزل إيجاد النسان على وجه‬
‫مخصوص وصورة مخصوصة محددة المقادير‪.‬‬
‫خلصة القوال‪:‬‬
‫‪ -1‬الذين فّرقوا بينهما ليس لهم دلي ٌ‬
‫ل واضح من الكتاب والسنة‪ ،‬يفصل في‬
‫القضية‪.‬‬
‫‪ -2‬عند إطلق أحدهما يشمل الخر‪ ،‬وهذا يوحي بأنه ل فرق بينهما في‬
‫الشرع؛ ولذا فالراجح أنه ل فرق بينهما‪.‬‬
‫‪ -3‬ول فائدة من هذا الخلف؛ لنه قد وقع التفاق على أن أحدهما يطلق على‬
‫الخر‪ ،‬وعند ذكرهما معًا‪ ،‬فل مشاحة من تعريف أحدهما بما يدل عليه الخر‪.‬‬
‫والله أعلم‪.‬‬
‫مقاييس اللغة )‪.(5/99‬‬
‫النهاية في غريب الحديث )‪.(4/78‬‬
‫انظر‪ :‬لسان العرب )‪ (15/186‬مادة‪ :‬قضى‪.‬‬
‫تفسير الطبري )‪.(17/413‬‬
‫انظر‪ :‬الصحاح للجوهري )‪ ،(6/2463‬ولسان العرب )‪ (15/187‬مادة‪ :‬قضى‪.‬‬
‫انظر‪ :‬تفسير ابن كثير )‪.(2/575‬‬
‫الصحاح )‪.(6/2464‬‬
‫المصدر السابق )‪.(6/2464‬‬
‫تفسير الطبري )‪.(21/440‬‬

‫‪142‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫انظر‪ :‬الصحاح )‪.(6/2464‬‬
‫لسان العرب )‪.(15/187‬‬
‫الصحاح )‪ ،(6/2463‬ولسان العرب )‪.(15/187‬‬
‫مقاييس اللغة )‪.(5/62‬‬
‫التكملة والذيل والصلة للصغاني )‪.(160-3/159‬‬
‫مفردات القرآن )ص ‪.(659‬‬
‫شرح العقيدة الواسطية )ص ‪.(65‬‬
‫القضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود )ص ‪.(40-39‬‬
‫انظر‪ :‬القضاء والقدر للدكتور المحمود )ص ‪.(39‬‬
‫القضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن المحمود )ص ‪.(41-40‬‬
‫الربعين في أصول الدين للغزالي )ص ‪ ،(24‬وانظر‪ :‬الدين الخالص لصديق‬
‫حسن خان )‪.(3/154‬‬
‫فتح الباري )‪.(11/486‬‬
‫مفردات القرآن )ص ‪ .(676-675‬وانظر‪ :‬إرشاد الساري للقسطلني )‬
‫‪.(9/343‬‬
‫العقيدة السلمية وأسسها لعبد الرحمن حبنكة )ص ‪ (626‬باختصار‪.‬‬
‫ة وتقويما ً لحمد الحربي )ص ‪-435‬‬
‫المصدر السابق‪ .‬وانظر‪ :‬الماتريدية دراس ً‬
‫‪.(437‬‬
‫القضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(44‬‬
‫ثانيًا‪ :‬إثبات القضاء والقدر‪:‬‬
‫أ‪ -‬الدلة على وجوب اليمان بالقضاء والقدر‪:‬‬
‫قال تعالى‪} :‬إ ِّنا ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫قد ٍَر{ ]القمر‪.[49:‬‬
‫قَناهُ ب ِ َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ىء َ‬
‫ش ْ‬
‫ً‬
‫قال الشوكاني‪" :‬إن كل شيء من الشياء خلقه الله سبحانه متلبسا بقدٍر‬
‫دره‪ ،‬وقضاٍء قضاه سبق في علمه‪ ،‬مكتوب في اللوح المحفوظ قبل‬
‫ق ّ‬
‫وقوعه"‪.‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫دورا{‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫سن ّ َ‬
‫خلوْا ِ‬
‫ة اللهِ ِفى ال ِ‬
‫ق ُ‬
‫مُر اللهِ قَ َ‬
‫ل وَكا َ‬
‫وقال تعالى‪ُ } :‬‬
‫درا ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ذي َ‬
‫]الحزاب‪.[38:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫دره كائنا ل محالة‪ ،‬وواقعا ل‬
‫قال الحافظ ابن كثير‪" :‬أي‪ :‬وكان أمره الذي يق ّ‬
‫محيد عنه‪ ،‬ول معدل‪ ،‬فما شاء كان‪ ،‬وما لم يشأ لم يكن"‪.‬‬
‫وقال صديق حسن خان‪" :‬أي‪ :‬قضاء مقضيًا‪ ،‬وحكما ً مبتوتًا‪ ،‬وهو كظل ظليل‪،‬‬
‫ل أليل‪ ،‬وروض أريض في قصد التأكيد"‪.‬‬
‫ولي ٍ‬
‫ومن السنة حديث جبريل المشهور وفيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫عن اليمان فقال‪)) :‬أن تؤمن بالله ملئكته وكتبه ورسله‪ ،‬وتؤمن بالقدر خيره‬
‫وشره((‪.‬‬
‫وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪)) :‬ل يؤمن عبد ٌ حتى يؤمن بالقدر خيره وشّره من الله‪ ،‬وحتى يعلم أن‬
‫ما أصابه لم يكن ليخطئه‪ ،‬وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه((‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر‪" :‬اليمان بالقدر من أركان اليمان‪ ،‬ومذهب السلف‬
‫ىء إ ِل ّ‬
‫من َ‬
‫قاطبة أن المور كلها بتقدير الله تعالى كما قال تعالى‪} :‬وَِإن ّ‬
‫ش ْ‬
‫قد َرٍ ّ ُ‬
‫م{ ]الحجر‪."[21:‬‬
‫ه إ ِل ّ ب ِ َ‬
‫عند ََنا َ‬
‫ِ‬
‫ما ن ُن َّزل ُ ُ‬
‫ه وَ َ‬
‫خَزائ ِن ُ ُ‬
‫معْلو ٍ‬
‫ب‪ -‬النصوص الدالة على تقدير الله أفعال العباد‪:‬‬
‫‪ -1‬أعمال العباد جفت بها القلم وجرت بها المقادير‪:‬‬
‫عن سراقة بن مالك بن جعشم قال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬بّين لنا ديننا‪ ،‬كأنا خلقنا‬
‫فت به القلم‪ ،‬وجرت به المقادير‪ ،‬أم فيما‬
‫الن‪ ،‬فيما العمل اليوم؛ أفيما ج ّ‬
‫‪143‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يستقبل؟ قال‪)) :‬ل‪ ،‬بل فيما جفت به القلم وجرت به المقادير((‪ ،‬قال‪ :‬ففيم‬
‫سٌر((‪ ،‬وفي رواية‪)) :‬فك ٌ‬
‫العمل؟ فقال‪)) :‬اعملوا فك ٌ‬
‫ل ميسٌر لما خلق‬
‫ل مي ّ‬
‫له((‪.‬‬
‫‪ -2‬علم الله بأهل الجنة وأهل النار‪:‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫عن علي رضي الله عنه قال‪ :‬كنا في جنازة في بقيع الغرقد‪ ،‬فأتانا النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله‪ ،‬ومعه مخصره فن ّ‬
‫كس‪ ،‬فجعل ينكت‬
‫س منفوسةٍ إل ّ ُ‬
‫كتب مكانها‬
‫بمخضرته‪ ،‬ثم قال‪)) :‬ما منكم من أح ٍ‬
‫د‪ ،‬ما من نف ٍ‬
‫من الجنة والنار‪ ،‬وإل ّ ُ‬
‫كتب شقّية أو سعيدة((‪ ،‬فقال رج ٌ‬
‫ل‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أفل‬
‫نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى‬
‫عمل أهل السعادة‪ ،‬وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل‬
‫ما أهل‬
‫أهل الشقاوة‪ ،‬قال‪)) :‬أما أهل السعادة فُيي ّ‬
‫سرون لعمل السعادة‪ ،‬وأ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قى ‪E‬‬
‫ن أعْطى َوات ّ َ‬
‫الشقاوة فيي ّ‬
‫ما َ‬
‫سرون لعمل أهل الشقاوة((‪ ،‬ثم قرأ‪} :‬فَأ ّ‬
‫م ْ‬
‫سَنى{‪.‬‬
‫صد ّقَ ِبال ْ ُ‬
‫ح ْ‬
‫وَ َ‬
‫‪ -3‬استخراج ذرّية آدم من ظهره بعد خلقه‪ ،‬وقسمهم إلى فريقين‪ :‬أهل‬
‫الجنة‪ ،‬وأهل النار‪:‬‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫))أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان ـ يعني‪ :‬عرفة ـ فأخرج من صلبه كل‬
‫َ‬
‫م َقاُلوا ْ‬
‫ذرّية ذرأها‪ ،‬فنثرهم بين يديه كال ّ‬
‫ذر‪ ،‬ثم كلمهم ِقبل قال‪} :‬أل َ ْ‬
‫ت ب َِرب ّك ُ ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫هاَذا َ‬
‫ب ََلى َ‬
‫ما‬
‫ن * أوْ ت َ ُ‬
‫شهِد َْنا َأن ت َ ُ‬
‫ن َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫قوُلوا ْ ي َوْ َ‬
‫قوُلوا ْ إ ِن ّ َ‬
‫قَيا َ‬
‫غافِِلي َ‬
‫مةِ إ ِّنا ك ُّنا عَ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫شَر َ‬
‫ما فَعَ َ‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫أَ ْ‬
‫ن{‬
‫ل وَك ُّنا ذ ُّري ّ ً‬
‫ك ءاَباؤَُنا ِ‬
‫مب ْط ِلو َ‬
‫ل ال ُ‬
‫م أفَت ُهْل ِك َُنا ب ِ َ‬
‫من ب َعْدِهِ ْ‬
‫ة ّ‬
‫]العراف‪.(([173-172:‬‬
‫وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪)) :‬خلق الله آدم حين‬
‫خلقه‪ ،‬فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذريته بيضاء كأنهم ال ّ‬
‫ذر‪ ،‬وضرب كتفه‬
‫اليسرى فأخرج ذرّية سوداء كأنهم الحمم‪ ،‬فقال للذي في يمينه‪ :‬إلى الجنة‬
‫ول أبالي‪ ،‬وقال للذي في كتفه اليسرى‪ :‬إلى النار ول أبالي((‪.‬‬
‫مه‪:‬‬
‫‪ -4‬كتابة أجل النسان وعمله ورزقه وشقي أو سعيد وهو جنين في رحم أ ّ‬
‫عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‪ :‬حدثنا رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال‪)) :‬إن أحدكم يجمع خلقه في بطن‬
‫ة مثل ذلك‪ ،‬ثم‬
‫أمه أربعين يومًا‪ ،‬ثم يكون علقة مثل ذلك‪ ،‬ثم يكون مضغ ً‬
‫يبعث الله ملكا ً فيؤمر بأربع كلمات‪ ،‬وُيقال له‪ :‬اكتب عمله ورزقه وأجله‬
‫ي أو سعيد‪ ،‬ثم ينفخ فيه الروح‪ ،‬فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل النار‬
‫وشق ٌ‬
‫حتى ما يكون بينه وبينها إل ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة‬
‫فيدخل الجنة‪ ،‬وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إل‬
‫ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل النار فيدخل النار((‪.‬‬
‫ج‪ -‬ومراتب القدر‪:‬‬
‫اليمان بالقدر على درجتين‪ ،‬كل درجة تتضمن شيئين‪:‬‬
‫فالدرجة الولى‪ :‬اليمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم‪،‬‬
‫الذي هو موصوف به أز ً‬
‫ل‪ ،‬وعلم جميعَ أحوالهم من الطاعات والمعاصي‬
‫والرزاق والجال‪ ،‬ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق‪)) ،‬فأول ما‬
‫خلق الله القلم‪ ،‬قال له‪ :‬اكتب‪ ،‬قال‪ :‬ما أكتب؟ قال‪ :‬اكتب ما هو كائن إلى‬
‫ن لم يكن ليخطئه‪ ،‬وما أخطأه لم يكن‬
‫يوم القيامة((‪ ،‬فما أصاب النسا َ‬

‫‪144‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫م‬
‫م ت َعْل َ ْ‬
‫ليصيبه‪ ،‬جفت القلم‪ ،‬وطويت الصحف‪ ،‬كما قال سبحانه وتعالى‪} :‬أل َ ْ‬
‫َ‬
‫ن ذال ِ َ‬
‫ن ذال ِ َ‬
‫ه‬
‫ماء َوالْر‬
‫ك عََلى الل ّ ِ‬
‫ب إِ ّ‬
‫ض إِ ّ‬
‫أ ّ‬
‫ما ِفى ال ّ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ه ي َعْل َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ك ِفى ك َِتا ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ض وَل َ ِفى َأن ُ‬
‫ف ِ‬
‫م ِ‬
‫ب ِ‬
‫يَ ِ‬
‫صا َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫من ّ‬
‫سيٌر{ ]الحج‪ [70:‬وقال‪َ } :‬‬
‫ما أ َ‬
‫صيب َةٍ ِفى الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سيٌر{ ]الحديد‪.[22:‬‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ها‬
‫أ‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ن‬
‫أن‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫من‬
‫ب‬
‫تا‬
‫ك‬
‫فى‬
‫َ‬
‫َّْ َ ِ ّ ِ‬
‫ِ َ ِ‬
‫إ ِل ّ ِ‬
‫َِ ٍ ّ‬
‫ْ ِ‬
‫ة وتفصي ً‬
‫ل‪ ،‬فقد كتب‬
‫وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جمل ً‬
‫في اللوح المحفوظ ما شاء‪ ،‬وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث‬
‫إليه ملكًا‪ ،‬فيؤمر بأربع كلمات‪ ،‬فيقال له‪ :‬اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو‬
‫سعيد‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فهذا القدر قد كان ينكره غلة القدرّية قديمًا‪ ،‬ومنكره اليوم‬
‫قليل‪.‬‬
‫وأما الدرجة الثانية‪ :‬فهو مشيئة الله النافذة‪ ،‬وقدرته الشاملة‪ ،‬وهو اليمان‬
‫بأن ما شاء الله كان‪ ،‬وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬وأنه ما في السموات والرض من‬
‫حركة ول سكون إل ّ بمشيئة الله سبحانه‪ ،‬ل يكون في ملكه إل ّ ما يريد‪ ،‬وأنه‬
‫سبحانه وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات‪.‬‬
‫فما من مخلوق في الرض ول في السماء إل ّ الله خالقه سبحانه‪ ،‬ل خالق‬
‫غيره ول رب سواه‪ .‬ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله‪ ،‬ونهاهم‬
‫عن معصيته‪ ،‬والعباد فاعلون حقيقة‪ ،‬والله خالق أفعالهم‪ ،‬والعبد هو المؤمن‬
‫والكافر‪ ،‬والبّر والفاجر‪ ،‬والمصلي والصائم‪ ،‬وللعباد قدرة على أعمالهم‪ ،‬ولهم‬
‫من َ‬
‫شاء‬
‫إرادة؛ والله خالقهم‪ ،‬وخالق قدرتهم وإرادتهم‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬ل ِ َ‬
‫منك ُ َ‬
‫ن إ ِل ّ َأن ي َ َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ن{ ]التكوير‪-28:‬‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫ه َر ّ‬
‫شاءو َ‬
‫م أن ي َ ْ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫م ‪ b‬وَ َ‬
‫قي َ‬
‫ِ ْ‬
‫مي َ‬
‫‪.[29‬‬
‫ً‬
‫ب وهي إجما ً‬
‫ل‪:‬‬
‫فهي إذا أربع مرات ٌ‬
‫الولى‪ :‬العلم‪ ،‬أي‪ :‬أن الله علم ما الخلق عاملون بعمله القديم‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬الكتابة‪ ،‬فالله كتب مقادير الخلئق في اللوح المحفوظ‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫الثالثة‪ :‬المشيئة‪ ،‬أي‪ :‬أن ما شاء الله كان‪ ،‬وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬وأنه ليس في‬
‫السماوات والرض من حركة ول سكون إل بمشيئته سبحانه‪ ،‬ول يكون في‬
‫ملكه إل ما يريد‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬الخلق والتكوين‪ ،‬فالله خالق كل شيء‪ ،‬ومن ذلك أفعال العباد كما‬
‫دلت على ذلك النصوص‪.‬‬
‫الدلة على هذه المراتب‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬العلم‪:‬‬
‫ب َوال ّ‬
‫ة{ ]الحشر‪.[22:‬‬
‫ذى ل َ اله إ ِل ّ هُوَ َ‬
‫شَهاد َ ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫عال ِ ُ‬
‫قال تعالى‪} :‬هُوَ الل ّ ُ‬
‫م ال ْغَي ْ ِ‬
‫قال النسفي‪" :‬أي‪ :‬السّر والعلنية في الدنيا والخرة‪ ،‬أو المعدوم والموجود"‪.‬‬
‫سئل عن أولد المشركين قال‪:‬‬
‫ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم لما ُ‬
‫))الله أعلم بما كانوا عاملين((‪.‬‬
‫ف القلم على علم الله"‪.‬‬
‫وب البخاري في كتاب القدر‪" :‬باب ج ّ‬
‫وب ّ‬
‫ً‬
‫قال الحافظ‪ :‬ابن حجر معلقا‪" :‬أي‪ :‬على حكمه لن معلومه ل بد ّ أن يقع‪،‬‬
‫فعلمه بمعلوم يستلزم الحكم بوقوعه"‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬الكتابة‪:‬‬
‫َ‬
‫م عَ َ‬
‫م{‬
‫ما أ َ‬
‫ب عَ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫قال تعالى‪} :‬ل ّوْل َ ك َِتا ٌ‬
‫م ّ‬
‫ن الل ّهِ َ‬
‫ظي ٌ‬
‫خذ ْت ُ ْ‬
‫م ِفي َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫سب َقَ ل َ َ‬
‫ب ّ‬
‫م َ‬
‫]النفال‪.[68:‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ق{ به القضاء والقدر‪ ،‬أنه‬
‫قال العلمة ابن سعدي‪}" :‬لوْل ك َِتا ٌ‬
‫ن اللهِ َ‬
‫سب َ َ‬
‫ب ّ‬
‫م َ‬
‫‪145‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أح ّ‬
‫ما‬
‫م ّ‬
‫م ِفي َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ل لكم الغنائم‪ ،‬وأن الله رفع عنكم ـ أيتها المة ـ العذاب‪} ،‬ل َ َ‬
‫م عَ َ‬
‫م{"‪.‬‬
‫أَ َ‬
‫ب عَ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ظي ٌ‬
‫خذ ْت ُ ْ‬
‫والدليل من السنة على هذه المرتبة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص‬
‫رضي الله عنهما قال‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫))كتب الله مقادير الخلئق قبل أن يخلق السماوات والرض بخمسين ألف‬
‫سنة((‪ ،‬قال‪)) :‬وكان عرشه على الماء((‪.‬‬
‫قال النووي‪" :‬قال العلماء‪ :‬المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو‬
‫غيره ل أصل التقدير فإن ذلك أزلي ل أول له‪ ،‬وقوله ))وعرشه على الماء((‬
‫أي‪ :‬قبل خلقه السماوات والرض"‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬المشيئة‪:‬‬
‫َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫من َ‬
‫ن‬
‫ست َ ِ‬
‫شاء ِ‬
‫شاءو َ‬
‫م أن ي َ ْ‬
‫م ‪ b‬وَ َ‬
‫قي َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ودليلها من القرآن قوله تعالى‪} :‬ل ِ َ‬
‫إ ِل ّ َأن ي َ َ‬
‫ن{ ]التكوير‪.[29 ،28:‬‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫ه َر ّ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫مي َ‬
‫قال القرطبي‪" :‬فبين بهذا أنه ل يعمل العبد خيرا إل بتوفيق الله‪ ،‬ول شرا إل‬
‫بخذلنه‪ ،‬وقال الحسن‪ :‬والله‪ ،‬ما شاءت العرب السلم حتى شاءه الله لها‪،‬‬
‫وقال وهب بن منبه‪ :‬قرأت في سبعة وثمانين كتابا مما أنزل الله على‬
‫وَ‬
‫النبياء‪ :‬من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر‪ .‬وفي التنزيل‪} :‬وَل ْ‬
‫َ‬
‫كاُنوا ْ‬
‫ما َ‬
‫م كُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ح َ‬
‫ش‬
‫مل َئ ِك َ َ‬
‫موَْتى وَ َ‬
‫ىء قُب ُل ً ّ‬
‫شْرَنا عَل َي ْهِ ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫مهُ ُ‬
‫ة وَك َل ّ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫أن َّنا ن َّزل َْنا إ ِل َي ْهِ ُ‬
‫ْ‬
‫ما َ‬
‫مُنوا ْ إ ِل ّ َأن ي َ َ‬
‫س َأن‬
‫ن ل ِن َ ْ‬
‫ل ِي ُؤْ ِ‬
‫كا َ‬
‫ه{ ]النعام‪ ،[111:‬وقال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫فَ ٍ‬
‫ه{ ]يونس‪ ،[100:‬وقال تعالى‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫ت‬
‫ك ل َ ت َهْ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ت ُؤْ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫حب َب ْ َ‬
‫دى َ‬
‫م ْ‬
‫ن إ ِل ّ ب ِإ ِذ ْ ِ‬
‫م َ‬
‫من ي َ َ‬
‫شاء{ ]القصص‪ ،[56:‬والي في هذا كثيرة‪ ،‬وكذلك‬
‫ه ي َهْ ِ‬
‫دى َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫وََلك ِ ّ‬
‫الخبار وأن الله سبحانه هدى بالسلم وأضل بالكفر كما تقدم في غير‬
‫موضع"‪.‬‬
‫ة إليكم فمن شاء اهتدى ومن شاء‬
‫قال ابن كثير‪" :‬أي‪ :‬ليست المشيئة موكول ً‬
‫ضل‪ ،‬بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رب العالمين‪ ،‬قال سفيان الثوري‬
‫من‬
‫عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى‪ :‬لما نزلت هذه الية‪} :‬ل ِ َ‬
‫شاء منك ُ َ‬
‫َ‬
‫م{ قال أبو جهل‪ :‬المر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا‬
‫ست َ ِ‬
‫م أن ي َ ْ‬
‫قي َ‬
‫ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن إ ِل أن ي َ َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ن{"‪.‬‬
‫ب الَعال ِ‬
‫ه َر ّ‬
‫شاءو َ‬
‫شاء الل ُ‬
‫لم نستقم‪ ،‬فأنزل الله تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫مي َ‬
‫ومن السنة ما رواه أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫قال‪)) :‬إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء‪ ،‬ول يقولن أحدكم‪ :‬إن شئت‬
‫فأعطني‪ ،‬فإن الله ل مستكره له((‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر‪" :‬قوله‪)) :‬ل مستكره له(( أي‪ :‬لن التعليق يوهم إمكان‬
‫إعطائه على غير المشيئة‪ ،‬وليس بعد المشيئة إل الكراه‪ ،‬والله ل مكره له"‪.‬‬
‫وب المام البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد "باب‪ :‬في‬
‫هذا وقد ب ّ‬
‫المشيئة والرادة"‪ ،‬قال ابن بطال‪" :‬معنى هذا الباب‪ :‬إثبات المشيئة والرادة‬
‫لله تعالى"‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬الخلق‪:‬‬
‫قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلم‪َ} :‬قا َ َ‬
‫ه‬
‫ما ت َن ْ ِ‬
‫حُتو َ‬
‫دو َ‬
‫ل أت َعْب ُ ُ‬
‫ن * َوالل ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن{ ]الصافات‪.[96-95:‬‬
‫خل َ َ‬
‫َ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َعْ َ‬
‫م وَ َ‬
‫قك ُ ْ‬
‫قال الحافظ ابن كثير‪" :‬يحتمل أن تكون )ما( مصدرية‪ ،‬فيكون تقدير الكلم‪:‬‬
‫خلقكم وعمَلكم‪ ،‬ويحتمل أن تكون بمعنى )الذي( تقديره‪ :‬والله خلقكم والذي‬
‫تعلمونه‪ ،‬وكل القولين متلزم‪ ،‬والول أظهر"‪.‬‬
‫ومن السنة حديث أبي موسى الشعري رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪)) :‬يا عبد الله بن قيس‪ ،‬أل أدّلك على كنز من كنوز‬
‫الجنة؟(( فقلت‪ :‬بلى يا رسول الله‪ ،‬قال‪)) :‬قل‪ :‬ل حول ول وقوة إل بالله((‪.‬‬
‫‪146‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال النووي في بيان سبب كون هذه الكلمة كنزا من كنوز الجنة‪" :‬قال‬
‫العلماء‪ :‬سبب ذلك أنها كلمة استسلم وتفويض إلى الله تعالى‪ ،‬واعتراف‬
‫بالذعان له‪ ،‬وأنه ل صانع غيره‪ ،‬ول راد ّ لمره‪ ،‬وإن العبد ل يملك شيئا ً من‬
‫المر"‪.‬‬
‫د‪ -‬حدود نظر العقل في القدر‪:‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫ينبغي للعقل أن يستنير في هذا الباب بالوحي وإل ض ّ‬
‫ل ضلل مبينا‪.‬‬
‫فر السمعاني‪" :‬سبيل المعرفة في هذا الباب التوقيف من‬
‫قال أبو المظ ّ‬
‫الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل‪ ،‬فمن عدل عن التوقيف فيه ض ّ‬
‫ل‬
‫وتاه في بحار الحيرة‪ ،‬ولم يبلغ شفاء العين ول ما يطمئن به القلب‪ ،‬لن القدر‬
‫ص العليم الخبير به‪ ،‬وضرب دونه الستار‪،‬‬
‫سٌر من أسرار الله تعالى اخت ّ‬
‫وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة‪ ،‬فلم يعلمه نبي‬
‫مرسل ول ملك مقّرب"‪.‬‬
‫وقال الطحاوي‪" :‬وأصل القدر سّر الله تعالى في خلقه‪ ،‬لم يطلع على ذلك‬
‫سّلم الحرمان‬
‫مق في ذلك ذريعة الخذلن و ُ‬
‫ملك مقرب ول نبي مرسل‪ ،‬والتع ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ودرجة الطغيان‪ ،‬فالحذر الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة‪ ،‬فإن الله‬
‫طوى علم القدر عن أنامه‪ ،‬ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى‪} :‬ل َ يسأ َ‬
‫ُ‬
‫ما‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ُ ْ‬
‫َ ّ‬
‫فعَ ُ‬
‫ن{ ]النبياء‪."[23:‬‬
‫يَ ْ‬
‫سئ َُلو َ‬
‫م يُ ْ‬
‫ل وَهُ ْ‬
‫ويقول المام أحمد‪" :‬من السنة اللزمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها‬
‫ويؤمن بها لم يكن من أهلها‪ :‬اليمان بالقدر خيره وشره‪ ،‬والتصديق بالحاديث‬
‫فيه‪ ،‬واليمان بها‪ .‬ل يقال‪ :‬لم؟ ول كيف؟ إنما هو التصديق واليمان بها‪ .‬ومن‬
‫لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد ُ‬
‫كفي ذلك وأحكم له‪ .‬فعليه‬
‫باليمان به والتسليم له‪ ،‬مثل حديث الصادق المصدوق‪ ،‬وما كان مثله في‬
‫القدر"‪.‬‬
‫وهذا الذي قّرره أهل العلم في القدر يضع لنا عدة قواعد في غاية الهمية‪:‬‬
‫الولى‪ :‬وجوب اليمان بالقدر‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬العتماد في معرفة القدر وحدوده وأبعاده على الكتاب والسنة‪ ،‬وترك‬
‫العتماد في ذلك على نظر العقول ومحض القياس؛ فالعقل النساني ل‬
‫يستطيع بنفسه أن يضع المعالم والركائز التي تنقذه في هذا الباب من‬
‫النحراف والضلل‪ ،‬والذين خاضوا في هذه المسألة بعقولهم ضلوا وتاهوا‪،‬‬
‫فمنهم من ك ّ‬
‫ذب بالقدر‪ ،‬ومنهم من ظن أن اليمان بالقدر يستلزم القول‬
‫بالجبر‪ ،‬ومنهم من ناقض الشرع بالقدر‪ ،‬وكل انحراف من هذه النحرافات‬
‫سّبب مشكلت في واقع البشر وحياتهم ومجتمعاتهم‪ ،‬فالنحراف العقائدي‬
‫يسبب انحرافا ً في السلوك وواقع الحياة‪.‬‬
‫مق في البحث في القدر‪ ،‬فبعض جوانبه ل يمكن للعقل‬
‫الثالثة‪ :‬ترك التع ّ‬
‫النساني مهما كان نبوغه أن يستوعبها‪ ،‬وبعضها الخر ل يستوعبها إل ّ بصعوبة‬
‫كبيرة‪.‬‬
‫قد ُيقال‪ :‬أليس هذا النهج حجًرا على العقل النساني؟‬
‫والجواب‪ :‬إن هذا ليس بحجر على الفكر النساني‪ ،‬بل هو صيانة لهذا العقل‬
‫دد قواه في غير المجال الذي يحسن التفكير فيه‪.‬‬
‫من أن تتب ّ‬
‫إن السؤال عن الكيفية هو الذي أتعب الباحثين في القدر‪ ،‬وجعل البحث فيه‬
‫من أعقد المور وأصعبها‪ ،‬وهو سبب الحيرة التي وقع فيها كثير من الباحثين‪.‬‬

‫‪147‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ص جمعٌ من أهل العلم على المساحة المحذورة التي ل يجوز‬
‫ولذا فقد ن ّ‬
‫دخولها في باب القدر كما تقدم النقل عن المام أحمد‪.‬‬
‫فتح القدير )‪.(5/129‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪.(3/783‬‬
‫فتح البيان في مقاصد القرآن )‪.(7/375‬‬
‫رواه مسلم في اليمان )‪ (8‬من حديث عمر رضي الله عنه‪.‬‬
‫رواه الترمذي في القدر‪ ،‬باب‪ :‬ما جاء في اليمان بالقدر خيره وشّره )‬
‫‪ (2144‬وقال‪" :‬هذا حديث غريب ل تعرفه إل ّ من حديث عبد الله بن ميمون‪،‬‬
‫وعبد الله بن ميمون منكر الحديث"‪ ،‬ولكن الحديث له شواهد تؤيده‪ ،‬وصححه‬
‫اللباني كما في صحيح الترمذي )‪ (1143‬والسلسلة الصحيحة )‪.(2439‬‬
‫فتح الباري )‪.(11/478‬‬
‫رواه مسلم في القدر‪ ،‬باب‪ :‬كيفية خلق الدمي )‪.(2649‬‬
‫رواه البخاري في الجنائز‪ ،‬باب‪ :‬موعظة المحدث عند القبر )‪ ،(1362‬ومسلم‬
‫في القدر‪ ،‬باب‪ :‬كيفية خلق الدمي )‪.(2647‬‬
‫رواه أحمد )‪ ،(3451‬وصححه اللباني في مشكاة المصابيح )‪.(1/43‬‬
‫رواه أحمد )‪ ،(26942‬وصححه اللباني في مشكاة المصابيح )‪.(43-1/42‬‬
‫رواه البخاري في أحاديث النبياء‪ ،‬باب‪ :‬خلق آدم صلوات الله عليه وذريته )‬
‫‪ ،(3332‬ومسلم في القدر‪ ،‬باب‪ :‬كيفية خلق الدمي في بطن أمه )‪.(2643‬‬
‫رواه أبو داود في باب في القدر )‪ ،(4700‬والترمذي في تفسير القرآن‪ ،‬باب‪:‬‬
‫سورة نوح والقلم )‪ ،(3319‬وصححه اللباني في صحيح الترمذي )‪(3/123‬‬
‫والصحيحة )‪.(133‬‬
‫مجموع الفتاوى )‪ (150-3/148‬باختصار‪.‬‬
‫القضاء والقدر للمحمود )ص ‪ ،(40‬وانظر‪ :‬شفاء العليل لبن القيم )‪،(1/91‬‬
‫ومعارج القبول للحكمي )‪.(940-3/920‬‬
‫تفسير النسفي )‪.(4/244‬‬
‫رواه البخاري في القدر‪ ،‬باب‪ :‬الله أعلم بما كانوا عاملين )‪ ،(6597‬ومسلم‬
‫في القدر‪ ،‬باب‪ :‬معنى كل مولود يولد على الفطرة )‪.(2660‬‬
‫فتح الباري )‪.(11/500‬‬
‫تيسير الكريم الرحمن )ص ‪ .(326‬تحقيق عبد الرحمن اللويحق‪.‬‬
‫رواه مسلم في القدر‪ ،‬باب‪ :‬حجاج آدم موسى )‪.(2653‬‬
‫شرح صحيح مسلم )‪.(16/203‬‬
‫الجامع لحكام القرآن )‪.(19/243‬‬
‫تفسير القرآن العظيم )‪.(4/481‬‬
‫رواه البخاري في التوحيد‪ ،‬باب‪ :‬في المشيئة والرادة )‪.(7464‬‬
‫فتح الباري )‪.(13/459‬‬
‫شرح صحيح البخاري لبن بطال )‪.(10/477‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪.(4/15‬‬
‫رواه البخاري في القدر‪ ،‬باب‪ :‬ل حول ول قوة إل بالله )‪ ،(6610‬ومسلم في‬
‫الذكر والدعاء‪ ،‬باب‪ :‬استحباب خفض الصوت بالذكر )‪.(2704‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫شرح صحيح مسلم )‪.(17/26‬‬
‫انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(11/486‬‬

‫‪148‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫شرح العقيدة الطحاوية لبن أبي العز )ص ‪.(276‬‬
‫انظر‪ :‬طبقات الحنابلة لبن أبي يعلى )‪.(242-1/241‬‬
‫القضاء والقدر للدكتور عمر الشقر )ص ‪ (49-48‬باختصار‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬أهمية اليمان بالقضاء والقدر‪:‬‬
‫أ‪ -‬منزلة اليمان بالقضاء والقدر بين بقية أركان اليمان‪:‬‬
‫ترجع أهمية هذا الركن ومنزلته بين بقية أركان اليمان إلى عدة أمور‪:‬‬
‫الول‪ :‬ارتباطه مباشرة باليمان بالله تعالى‪ ،‬وكونه مبنيا ً على المعرفة‬
‫الصحيحة بذاته تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته الكاملة الواجبة له تعالى‪.‬‬
‫م أن‬
‫وقد جاء في صفاته سبحانه صفة العلم والرادة والقدرة والخلق‪ ،‬ومعلو ٌ‬
‫القدر إنما يقوم على هذه السس‪.‬‬
‫ول شك أن القرار بتوحيد الله وربوبيته ل يتم إل باليمان بصفاته تعالى‪ ،‬فمن‬
‫زعم أن هناك خالقا ً غير الله تعالى فقد أشرك‪ ،‬والله تعالى خالق كل شيء‪،‬‬
‫ومن ذلك أفعال العباد‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬حين ننظر إلى هذا الكون ونشأته وخلق الكائنات فيه ومنها هذا‬
‫النسان نجد أن كل ذلك مرتبط باليمان بالقدر فأول ما خلق الله القلم‪ ،‬قال‬
‫ب‪ ،‬وماذا أكتب؟ قال‪ :‬اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة‪،‬‬
‫له‪ :‬اكتب‪ ،‬قال‪ :‬ر ّ‬
‫والنسان يوجد على هذه الرض‪ ،‬وينشأ تلك النشأة الخاصة‪ ،‬ويعيش ما شاء‬
‫الله في حياة متغّيرةٍ فيها الصحة والسقم‪ ،‬والغنى والفقر‪ ،‬والقوة والضعف‪...‬‬
‫وينظر النسان من حوله فيرى تفّرق هذه الصفات على الناس؛ فل يجد إل‬
‫العقيدة الصحيحة‪ ،‬وعلى رأسها اليمان بالقدر‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬اليمان بالقدر هو المح ّ‬
‫ي لمدى اليمان بالله تعالى على‬
‫ك الحقيق ّ‬
‫الوجه الصحيح‪ ،‬وهو الختبار القويّ لمدى معرفة النسان برّبه تعالى‪ ،‬وما‬
‫يترتب على هذه المعرفة من يقين صادق بالله‪ ،‬وبما يجب له من صفات‬
‫الجلل والكمال‪.‬‬
‫وقد كثر الختلف حول القدر‪ ،‬وتوسع الناس في الجدل والتأويل ليات‬
‫القرآن الواردة بذكره‪ ،‬بل وأصبح أعداء السلم في كل زمان يثيرون البلبلة‬
‫س الشبهات حوله‪ ،‬ومن ثم أصبح ل يثبت على‬
‫في عقيدة المسلمين‪ ،‬ود ّ‬
‫ّ‬
‫اليمان الصحيح واليقين القاطع إل من عرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته‬
‫ن النفس‪ ،‬واثقا ً بربه تعالى‪ ،‬فل تجد الشكوك‬
‫العليا‪ ،‬مسّلما ً المر لله‪ ،‬مطمئ ّ‬
‫والشبهات إلى نفسه سبي ً‬
‫ل‪ ،‬وهذا ول شك أكبر دليل على أهمية اليمان به‬
‫بين بقّية الركان‪.‬‬
‫ب‪ -‬اليمان بالقدر في الديان السماوية‪:‬‬
‫ص المسلمون أتباع محمد صلى الله عليه وسلم باليمان بالقدر‪ ،‬بل‬
‫لم يخت ّ‬
‫ً‬
‫كان اليمان به قديما في الديان السماوية‪ ،‬وهذه بعض صوره كما ورد في‬
‫القرآن الكريم‪.‬‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ح قَد ْ‬
‫‪ -1‬في قصة نوح عليه الصلة والسلم يقول الله تعالى‪َ} :‬قالوا ياُنو ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما ت َعِد َُنا ِإن ُ‬
‫ن * َقا َ‬
‫م‬
‫ت ِ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫ما ي َأِتيك ْ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫كن َ‬
‫دال ََنا فَأت َِنا ب ِ َ‬
‫ت ِ‬
‫جاد َل ْت ََنا فَأك ْث َْر َ‬
‫ن ال ّ‬
‫صادِِقي َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ه ِإن َ‬
‫ح‬
‫ن * وَل َين َ‬
‫ص ِ‬
‫ص َ‬
‫تأ ْ‬
‫حى إ ِ ْ‬
‫ن أَرد ْ ّ‬
‫فعُك ْ‬
‫معْ ِ‬
‫م بِ ُ‬
‫ما أنت ُ ْ‬
‫شاء وَ َ‬
‫ب ِهِ الل ُ‬
‫ن أن َ‬
‫م نُ ْ‬
‫زي َ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن{ ]هود‪.[34-32:‬‬
‫جُعو َ‬
‫م وَإ ِلي ْهِ ت ُْر َ‬
‫م ِإن كا َ‬
‫م هُوَ َرب ّك ْ‬
‫ريد ُ أن ي ُغْوِي َك ْ‬
‫ن الل ُ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ْ‬
‫ه ِإن َ‬
‫شاء{ أي‪ :‬إن اقتضت مشيئته وحكمته أن‬
‫م ب ِهِ الل ّ ُ‬
‫ما ي َأِتيك ُ ْ‬
‫فقوله‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫هّ‬
‫َ‬
‫ينزله بكم فعل ذلك‪ ،‬وأنا ليس بيدي من المر شيء‪ .‬وقوله‪ِ} :‬إن كا َ‬
‫ن الل ُ‬
‫َ‬
‫م{‪ :‬أي‪ :‬إرادة الله غالبة‪ ،‬فإنه إذا أراد أن يغويكم لردكم الحق‪،‬‬
‫ريد ُ أن ي ُغْوِي َك ُ ْ‬
‫يُ ِ‬
‫م النصح‪ ،‬وهو قد فعل عليه‬
‫ت غاية مجهودي‪ ،‬ونصحت لكم أت ّ‬
‫فلو حرص ُ‬
‫السلم‪ ،‬فليس ذلك بنافع لكم شيئًا‪} ،‬هُوَ َرب ّك ُْ‬
‫م{ يفعل بكم ما يشاء‪ ،‬ويحكم‬
‫‪149‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فيكم بما يريد‪.‬‬
‫‪ -2‬وفي قصة إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلة والسلم لما أراد ذبحه‬
‫َ‬
‫ى َقا َ‬
‫ه ال ّ‬
‫ى إ ِّنى أَرى ِفى ال ْ َ‬
‫معَ ُ‬
‫ما ب َل َغَ َ‬
‫بأمر بالله‪ ،‬يقول تعالى‪} :‬فَل َ ّ‬
‫مَنام ِ‬
‫ل ياب ُن َ ّ‬
‫سعْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ت افْعَ ْ‬
‫ماَذا ت ََرى َقا َ‬
‫جد ُِنى ِإن َ‬
‫ه‬
‫ل ياأب َ ِ‬
‫أّنى أذ ْب َ ُ‬
‫مُر َ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫ست َ ِ‬
‫ما ُتؤ َ‬
‫ل َ‬
‫ك َفانظ ُْر َ‬
‫ى{‪ :‬أي العمل‬
‫ِ‬
‫ه ال ّ‬
‫معَ ُ‬
‫ما ب َل َغَ َ‬
‫ن{ ]الصافات‪ ،[102:‬فقوله‪} :‬فَل َ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫سعْ َ‬
‫كما قال ابن عباس‪ ،‬أو المشي‪ .‬والمعنى‪ :‬مشى مع أبيه كما قاله قتادة‪.‬‬
‫جد ُِنى ِإن َ‬
‫ن{ قال ابن سعدي‪" :‬أخبر أباه أنه‬
‫ه ِ‬
‫وقوله‪َ } :‬‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫ست َ ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫مو ّ‬
‫طن نفسه على الصبر‪ ،‬وقرن ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لنه ل يكون شيء‬
‫بدون مشيئة الله تعالى"‪.‬‬
‫َ‬
‫ه‬
‫‪ -3‬وفي قصة يوسف عليه الصلة والسلم يقول الله تعالى‪} :‬وََرفَعَ أب َوَي ْ ِ‬
‫عَلى ال ْعرش وخروا ْ ل َه سجدا وَقا َ َ‬
‫َ‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫هاَذا ت َأ ِْوي ُ‬
‫جعَلَها‬
‫َ‬
‫ت َ‬
‫ل ُرؤَْياى ِ‬
‫ل يأب َ ِ‬
‫ل قَد ْ َ‬
‫ُ ُ ّ َ َ‬
‫َ ْ ِ َ َ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ح ّ‬
‫ن َبى إ ِذ ْ أ ْ‬
‫من ب َعْدِ‬
‫ن الب َد ْوِ ِ‬
‫جِنى ِ‬
‫ن وَ َ‬
‫س ْ‬
‫خَر َ‬
‫قا وَقَد ْ أ ْ‬
‫َرّبى َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ح َ‬
‫م ّ‬
‫جاء ب ِك ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫ج ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما ي َ َ‬
‫َأن ّنزغ ال ّ‬
‫م‬
‫ن إِ ْ‬
‫طي ٌ‬
‫ن َرّبى ل ِ‬
‫خوَِتى إ ِ ّ‬
‫شي ْطا ُ‬
‫ه هُوَ العَِلي ُ‬
‫شاء إ ِن ّ ُ‬
‫فل َ‬
‫ن ب َي ِْنى وَب َي ْ َ‬
‫م{ ]يوسف‪.[100:‬‬
‫ح ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫كي ُ‬
‫)‪(6 /‬‬
‫شاء{‪ ،‬أي‪ :‬إذا أراد أمرا ً قّيض له أسبابا ً‬
‫ما ي َ َ‬
‫طي ٌ‬
‫ن َرّبى ل َ ِ‬
‫قال ابن كثير‪}" :‬إ ِ ّ‬
‫ف لّ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫م{ في أفعاله وأقواله‬
‫كي‬
‫ح‬
‫ل‬
‫}ا‬
‫عباده‪،‬‬
‫بمصالح‬
‫م{‬
‫لي‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ه‬
‫ه‬
‫ويسره وق ّ‬
‫َ ِ ُ‬
‫دره‪} ،‬إ ِن ّ ُ ُ َ َ ِ ُ‬
‫وقضائه وقدره‪ ،‬وما يختاره ويريده"‪.‬‬
‫فيوسف عليه السلم كان مؤمنا ً بالقدر‪ ،‬موقنا ً أن ما جرى ويجري له ولغيره‬
‫إنما هو بقضاء الله وقدره‪.‬‬
‫‪ -4‬وموسى عليه الصلة والسلم‪ ،‬ذكر الله عنه إيمانه بأن الهداية والضلل‬
‫سى‬
‫بيد الله وهما تحت مشيئته فقال تعالى في معرض قصته‪َ} :‬وا ْ‬
‫مو َ‬
‫خَتاَر ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ة َقا َ‬
‫من‬
‫ج َ‬
‫مي َ‬
‫ما أ َ َ‬
‫ف ُ‬
‫ب ل َوْ ِ‬
‫جل ً ل ّ ِ‬
‫ل َر ّ‬
‫م الّر ْ‬
‫ن َر ُ‬
‫ه َ‬
‫ت أهْلكت َُهم ّ‬
‫شئ ْ َ‬
‫خذ َت ْهُ ُ‬
‫قات َِنا فَل َ ّ‬
‫م ُ‬
‫قَوْ َ‬
‫سب ِْعي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ض ّ‬
‫ما فَعَ َ‬
‫قَب ْ ُ‬
‫من ت َ َ‬
‫شاء‬
‫س َ‬
‫ى إ ِل فِت ْن َت ُك ت ُ ِ‬
‫فَهاء ِ‬
‫مّنا إ ِ ْ‬
‫ل ال ّ‬
‫ل ب َِها َ‬
‫ل وَإ ِّياىَ أت ُهْل ِكَنا ب ِ َ‬
‫ن هِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫من ت َ َ‬
‫ن{ ]العراف‪:‬‬
‫ت َ‬
‫ت وَل ِي َّنا َفاغْ ِ‬
‫وَت َهْ ِ‬
‫فْر لَنا َواْر َ‬
‫مَنا وَأن َ‬
‫ح ْ‬
‫شاء أن َ‬
‫دى َ‬
‫ري َ‬
‫خي ُْر الَغافِ ِ‬
‫‪.[155‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫من قب ْ ُ‬
‫جزي احتمالين في‬
‫فقوله‪} :‬لوْ ِ‬
‫ن ُ‬
‫ت أهْلكت َُهم ّ‬
‫شئ َ‬
‫ى{ ذكر اب ُ‬
‫ل وَإ ِّيا َ‬
‫تفسيره‪ ،‬الحتمال الثاني‪ :‬أن يكون قال ذلك على وجه التضرع والستسلم‬
‫لمر الله‪ ،‬كأنه قال‪ :‬لو شئت أن تهلكنا قبل ذلك لفعلت‪ ،‬فإنا عبيدك وتحت‬
‫قهرك‪ ،‬وأنت تفعل ما تشاء‪.‬‬
‫َ‬
‫ن وَأنب َت ََها ن ََباًتا‬
‫قب ّل ََها َرب َّها ب ِ َ‬
‫‪ -5‬ويقول تعالى عن زكريا ومريم‪} :‬فَت َ َ‬
‫ل َ‬
‫ح َ‬
‫قُبو ٍ‬
‫س ٍ‬
‫ها رِْزًقا َقا َ‬
‫خ َ‬
‫ل‬
‫سًنا وَك َ ّ‬
‫ما د َ َ‬
‫عند َ َ‬
‫جد َ ِ‬
‫ل عَل َي َْها َزك َرِّيا ال ْ ِ‬
‫ب وَ َ‬
‫حَرا َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫فل ََها َزك َرِّيا ك ُل ّ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫ي‬
‫غ‬
‫ب‬
‫شاء‬
‫ي‬
‫من‬
‫ق‬
‫ز‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫د‬
‫عن‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫ه‬
‫ت‬
‫ل‬
‫قا‬
‫ذا‬
‫ها‬
‫ك‬
‫ل‬
‫نى‬
‫أ‬
‫م‬
‫ي‬
‫ر‬
‫م‬
‫يا‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ ْ َ ُ ّ‬
‫َ َ‬
‫َ َْ ُ‬
‫ِ ّ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ ِ ْ‬
‫ِ ْ ِ‬
‫ب{ ]آل عمران‪.[37:‬‬
‫ِ‬
‫ح َ‬
‫سا ٍ‬
‫ّ‬
‫من ي َ َ‬
‫ب{ الراجح أنه من كلم مريم‪.‬‬
‫شاء ب ِغَي ْرِ ِ‬
‫فقوله‪} :‬إ ّ‬
‫ح َ‬
‫ه ي َْرُزقُ َ‬
‫ن الل َ‬
‫سا ٍ‬
‫وهو يفيد التقرير بأن الله قد يرزق بعض عباده بغير حساب‪ ،‬وأن ذلك مرتبط‬
‫بمشيئته سبحانه‪.‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫ول إ ِذ ْ د َ َ‬
‫ت َ‬
‫ت َ‬
‫جن ّت َك قُل َ‬
‫خل َ‬
‫‪ -6‬قصة الرجل صاحب الجنتين‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَل ْ‬
‫َ‬
‫ه‪] {...‬الكهف‪.[39:‬‬
‫ه ل َ قُوّة َ إ ِل ّ ِبالل ّ ِ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫قال الزجاح والفراء‪" :‬المر ما شاء الله‪ ،‬أو هو ما شاء الله‪ ،‬أي‪ :‬المر مشيئة‬
‫الله تعالى"‪.‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫س‬
‫ح ال ِ‬
‫صب َ َ‬
‫ه ِبال ْ‬
‫مكان َ ُ‬
‫من ّوْا َ‬
‫ن تَ َ‬
‫‪ -7‬قصة خسف قارون‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَأ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ِ‬
‫‪150‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫من ي َ َ‬
‫ه‬
‫عَبادِهِ وَي َ ْ‬
‫يَ ُ‬
‫ن ِ‬
‫شاء ِ‬
‫ن وَي ْك َأ ّ‬
‫قوُلو َ‬
‫ه ي َب ْ ُ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ول أن ّ‬
‫ط الّرْزقَ ل ِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ّ‬
‫قدُِر ل َ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{ ]القصص‪.[82:‬‬
‫ه ل يُ ْ‬
‫عَلي َْنا ل َ‬
‫س َ‬
‫ح الكافُِرو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫خ َ‬
‫ف ب َِنا وَي ْكأن ّ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫قدُِر{ إقرار منهم بأن الله‬
‫عَبادِهِ وَي َ ْ‬
‫ن ِ‬
‫من ي َشاء ِ‬
‫فقوله‪} :‬ي َب ْ ُ‬
‫سط الّرْزقَ ل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫تعالى هو الذي يبسط الرزق لبعض عباده ويضّيقه على بعضهم‪ ،‬فله المر‪،‬‬
‫يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫دة أمور‪:‬‬
‫فهذه النصوص تدل على ع ّ‬
‫ً‬
‫ور الديان‪.‬‬
‫أحدها‪ :‬أن الصل في البشرية التوحيد خلفا لنظرّية تط ّ‬
‫الثاني‪ :‬أن القرار بالقدر جزء من هذا التوحيد الذي هو دين أبينا آدم‪ ،‬ودين‬
‫الرسل من بعده‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬وحدة دين الرسل من جهة العقيدة وإن اختلفت شرائعهم‪ ،‬واليمان‬
‫بالقدر جزء من هذه العقيدة‪.‬‬
‫القضاء والقدر للمحمود )ص ‪ (85-83‬باختصار‪ ،‬وانظر‪ :‬شرح العقيدة‬
‫الطحاوية )ص ‪.(304‬‬
‫تيسير الكريم الرحمن للسعدي )ص ‪.(381‬‬
‫زاد المسير )‪.(6/303‬‬
‫تفسير ابن سعدي )ص ‪.(706‬‬
‫تفسير ابن كثير )‪.(2/509‬‬
‫القضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(127‬‬
‫تفسير الواحدي )التسهيل لعلوم التنزيل( )‪.(2/46‬‬
‫انظر‪ :‬روح المعاني لللوسي )‪.(3/144‬‬
‫القضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(131-130‬‬
‫انظر‪ :‬تفسير القرطبي )‪.(10/407‬‬
‫القضاء والقدر للمحمود )ص ‪ ،(130‬وانظر‪ :‬تفسير السعدي )ص ‪.(624‬‬
‫القضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(132-131‬‬
‫رابعًا‪ :‬القضاء والقدر واعتقاد الناس‪:‬‬
‫أ‪ -‬مذاهب الناس في القضاء والقدر‪:‬‬
‫أشهر المذاهب في باب القضاء والقدر ثلثة‪:‬‬
‫المذهب الول‪ :‬مذهب الجهمية الجبرّية‪.‬‬
‫وخلصة قولهم أن العباد مجبورون على أعمالهم‪ ،‬ل قدرةَ لهم ول إرادة ول‬
‫اختيار‪ ،‬والله وحده هو خالق أفعال العباد‪ ،‬وأعمالهم إنما تنسب إليهم مجازًا‪.‬‬
‫يقول البغدادي عن الجهم‪" :‬وقال‪ :‬ل فعل ول عمل لحد غير الله تعالى‪ ،‬وإنما‬
‫تنسب العمال إلى المخلوقين على المجاز‪ ،‬كما يقال‪ :‬زالت الشمس ودارت‬
‫الرحى‪ ،‬من غير أن يكونا فاعلين أو مستطيعين لما وصفتا به"‪.‬‬
‫فالنسان عند الجهم يختلف عن الجمادات‪ ،‬لن الله خلق للنسان قوة كان‬
‫بها الفعل‪ ،‬كما خلق له إرادة للفعل‪ ،‬واختيارا ً منفردا ً له‪ ،‬لكن هذه الرادة‬
‫كاللون والطول ونحوهما مما ل إرادة للنسان فيه ول قدرة‪.‬‬
‫المذهب الثاني‪ :‬مذهب المعتزلة القدرية‪.‬‬
‫وخلصة قولهم أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله‪ ،‬وإنما العباد هم الخالقون‬
‫لها‪.‬‬
‫فهم ينكرون الدرجة الثانية من درجات القدر‪ ،‬والتي تشمل مرتبتي الرادة‬
‫والخلق‪ ،‬فينفونها عن الله تعالى‪ ،‬ويثبتونها للنسان‪.‬‬
‫)‪(7 /‬‬

‫‪151‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يقول عبد الجبار الهمذاني‪" :‬اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من‬
‫تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم‪ ،‬وأن الله جل وعّز أقدرهم على‬
‫ذلك‪ ،‬ول فاعل لها ول محدث سواهم‪ ،‬وأن من قال‪ :‬إن الله سبحانه خالقها‬
‫ومحدثها فقد عظم خطؤه"‪.‬‬
‫ويقول القاسم بن إبراهيم الرسي رادا ً على من قال‪ :‬إن الله هو الخالق‬
‫لفعال العباد‪" :‬ولو كان هو الفاعل لعمالهم الخالق لها لم يخاطبهم ولم‬
‫يعظهم‪ ،‬ولم يلمهم على ما كان منهم من تقصير‪ ،‬ولم يمدحهم على ما كان‬
‫منهم من جميل وحسن"‪.‬‬
‫المذهب الثالث‪ :‬مذهب السلف‪.‬‬
‫خصه شيخ السلم ابن تيمية فيقول‪" :‬مذهب أهل السنة والجماعة في هذا‬
‫يل ّ‬
‫الباب ما دل عليه الكتاب والسنة‪ ،‬وكان عليه السابقون الولون من‬
‫المهاجرين والنصار‪ ،‬والذين اتبعوهم بإحسان‪ ،‬وهو أن الله خالق كل شيء‬
‫ومليكه‪ ،‬وقد دخل في ذلك جميع العيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها‬
‫من أفعال العباد وغير أفعال العباد‪.‬‬
‫وأنه سبحان ما شاء كان‪ ،‬وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬فل يكون في الوجود شيء إل‬
‫بمشيئته وقدرته‪ ،‬ل يمتنع عليه شيء شاءه‪ ،‬بل هو القادر على كل شيء‪ ،‬ول‬
‫يشاء شيئا ً إل وهو قادٌر عليه‪.‬‬
‫وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون‪ ،‬وما لم يكن لو كان كيف يكون‪ ،‬وقد‬
‫دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها‪ ،‬وقد قدر الله مقادير الخلئق قبل أن‬
‫در آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك‪ ،‬وكتب ما يصيرون إليه‬
‫يخلقهم؛ ق ّ‬
‫من سعادة وشقاوة‪.‬‬
‫فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء‪ ،‬وقدرته على كل شيء‪ ،‬ومشيئته لكل ما كان‪،‬‬
‫وعلمه بالشياء قبل أن تكون‪ ،‬وتقديره لها‪ ،‬وكتابته إياها قبل أن تكون"‪.‬‬
‫ب‪ -‬منشأ ضلل القدرية والجبرّية‪:‬‬
‫قال ابن أبي العّز الحنفي‪" :‬ومنشأ الضلل من التسوية بين المشيئة والرادة‬
‫وى بينهما الجبرّية والقدرّية‪ ،‬ثم اختلفوا‪ ،‬فقالت‬
‫وبين المحّبة والرضا‪ ،‬فس ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الجبرّية‪ :‬الكون كله بقضائه وقدره‪ ،‬فيكون محبوبا مرضيا‪ ،‬وقالت القدرية‬
‫درة ول‬
‫النفاة‪ :‬ليست المعاصي محبوبة لله‪ ،‬ول مرضّية له‪ ،‬فليست مق ّ‬
‫ضية‪ ،‬فهي خارجة عن مشيئته وخلقه‪.‬‬
‫مق ّ‬
‫وقد د ّ‬
‫ل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسّنة والفطرة‬
‫الصحيحة"‪.‬‬
‫ج‪ -‬مناقشة الجبرّية والقدرّية إجما ً‬
‫ل‪:‬‬
‫يقول ابن أبي العّز الحنفي في معرض رّده على هؤلء وهؤلء‪" :‬وهدى الله‬
‫المؤمنين أهل السنة لما اخلفوا فيه من الحقّ بإذنه‪ ،‬والله يهدي من يشاء‬
‫إلى صراط مستقيم‪.‬‬
‫فك ّ‬
‫ل دليل صحيح يقيمه الجبريّ فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء‪ ،‬وأنه‬
‫على كل شيء قدير‪ ،‬وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته‪ ،‬وأنه ما شاء كان‪،‬‬
‫وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬ول يد ّ‬
‫ل في الحقيقة‪ ،‬ول مريد‬
‫ل على أن العبد ليس بفاع ٍ‬
‫ول مختار‪ ،‬وأن حركاته الختيارّية بمنزلة حركة المرتعش وهبوب الرياح‬
‫وحركات الشجار‪.‬‬
‫وكل دليل صحيح يقيمه القدري فإنما يد ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ل على أن العبد فاعل لفعله حقيق ً‬
‫وأنه مريد ٌ له مختار له حقيقة‪ ،‬وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق‪ ،‬ول يدلّ‬
‫على أنه غير مقدورٍ لله تعالى‪ ،‬وأنه واقعٌ بغير مشيئته وقدرته‪.‬‬
‫فإذا ضممت ما مع كل طائفةٍ منهما من الحق إلى حقّ الخرى فإنما يد ّ‬
‫ل‬
‫‪152‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ذلك على ما د ّ‬
‫ل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة من عموم قدرة الله‬
‫ومشيئته لجميع ما في الكون من العيان والفعال‪ ،‬وأن العباد فاعلون‬
‫م‪.‬‬
‫لفعالهم حقيق ً‬
‫ة‪ ،‬وأنه يستوجبون عليها المدح والذ ّ‬
‫ّ‬
‫دق‬
‫يص‬
‫ق‬
‫والح‬
‫تتعارض‪،‬‬
‫ل‬
‫الحق‬
‫لة‬
‫أد‬
‫فإن‬
‫المر‪،‬‬
‫نفس‬
‫في‬
‫وهذا هو الواقع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بعضه بعضًا‪ .‬ويضيق هذا المختصر عن ذكر أّدلة الفريقين‪ ،‬ولكنها تتكافأ‬
‫ق بطلن قول الخرين"‪.‬‬
‫وتتساقط‪ ،‬وُيستفاد من دليل كل فري ٍ‬
‫د‪ -‬محاورة أهل السنة للقدرّية‪:‬‬
‫‪ -1‬وقف أعرابي على حلقة فيها عمرو بن عبيد‪ ،‬فقال‪ :‬يا هؤلء‪ ،‬إن ناقتي‬
‫ي‪ ،‬فقال عمرو بن عبيد‪ :‬اللهم إنك لم ُترد أن‬
‫ُ‬
‫سرقت فادعوا الله أن يرّدها عل ّ‬
‫سرقت فارددها عليه‪ ،‬فقال العرابي‪ :‬ل حاجة لي في دعائك‪،‬‬
‫ُتسرق ناقته ف ُ‬
‫سرقت‪ ،‬أن يريد رّدها فل ُترد‪.‬‬
‫قال‪ :‬ولم؟ قال‪ :‬أخاف كما أراد أن ل ُتسرق ف ُ‬
‫‪ -2‬وقال رجل لبي عصام القسطلني‪ :‬أرأيت إن منعني الهدى وأوردني‬
‫ذبني‪ ،‬أيكون منصفًا؟! فقال له أبو عصام‪ :‬إن يكن الهدى شيئا ً‬
‫الضلل‪ ،‬ثم ع ّ‬
‫هو له‪ ،‬فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء‪.‬‬
‫‪ -3‬ودخل القاضي عبد الجبار الهمذاني ـ أحد شيوخ المعتزلة ـ على الصاحب‬
‫ابن عباد‪ ،‬وعنده أبو إسحاق السفراييني ـ أحد أئمة السنة ـ‪ ،‬فلما رأى‬
‫الستاذ قال‪ :‬سبحان من تنزه عن الفحشاء‪ ،‬فقال الستاذ فورًا‪ :‬سبحان من‬
‫ل يقع في ملكه إل ما يشاء‪ ،‬فقال القاضي‪ :‬أيشاء ربنا أن ُيعصى؟! قال‬
‫الستاذ‪ :‬أُيعصى ربنا قهرًا؟! فقال القاضي‪ :‬أرأيت إن منعني الهدى وقضى‬
‫ي أم أساء؟! فقال الستاذ‪ :‬إن منعك ما هو لك فقد‬
‫ي بالردى أحسن إل ّ‬
‫عل ّ‬
‫أساء‪ ،‬وإن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء‪ .‬فُبهت القاضي عبد‬
‫الجبار‪.‬‬
‫‪ -4‬وقال غيلن لميمون مهران بحضرة هشام بن عبد الملك الذي أتى به‬
‫ليناقشه‪ :‬أشاء ربنا أن ُيعصى؟! فقال له ميمون‪ :‬أفُعصي كارهًا؟!‪.‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫‪ -5‬وقد وضع المام الشافعي مسلكا ً قويا ً في مناظرة القدرّية‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫خصموا‪ ،‬وإن أنكروا كفروا"‪.‬‬
‫"ناظروا القدرية بالعلم‪ ،‬فإن أقّروا به ُ‬
‫وكان السلف رضوان الله عليهم يناظرون القدرية بهذا المسلك كثيرا‪ً.‬‬
‫‪ -6‬عن عمرو بن مهاجر قال‪ :‬أقبل غيلن ـ وهو مولى لل عثمان ـ وصالح بن‬
‫سويد إلى عمر بن عبد العزيز‪ ،‬فبلغه أنهما ينطقان في القدر‪ ،‬فدعاهما‪،‬‬
‫م الله نافذ ٌ في عباده أم منتقض؟ قال‪ :‬بل نافذ يا أمير المؤمنين‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أ ِ‬
‫عل ُ‬
‫قال‪ :‬ففيم الكلم؟! فخرجنا‪ ،‬فلما كان عند مرضه بلغه أنهما قد أشرفا‪،‬‬
‫فأرسل إليهما وهو مغضب فقال‪ :‬ألم يك في سابق علمه حين أمر إبليس‬
‫ت إليهما برأسي‪ :‬قول‪ :‬نعم‪ .‬فقال‪:‬‬
‫بالسجود أنه ل يسجد؟! فقال عمرو‪ :‬فأومأ ُ‬
‫نعم‪ .‬فأمر بإخراجهما‪.‬‬
‫‪ -7‬وعن أبي جعفر الخطمي قال‪ :‬شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلن‬
‫لشيء بلغه عنه في القدر فقال له‪ :‬ويحك يا غيلن‪ ،‬ما هذا الذي بلغني عنك؟‬
‫ي يا أمير المؤمنين وُيقال علي ما ل أقول‪ ،‬قال‪ :‬ما تقول في‬
‫قال‪ُ :‬يكذب عل ّ‬
‫العلم؟ قال‪ :‬نفذ العلم‪ ،‬قال‪ :‬أنت مخصوم‪ ،‬اذهب الن فقل‪ :‬ما شئت‪ .‬يا‬
‫ت‪ ،‬وإنك أن تقّر به‬
‫غيلن‪ :‬إنك إن أقررت بالعلم ُ‬
‫خ ِ‬
‫صمت‪ ،‬وإن جحدته كفر َ‬
‫فتخصم خيٌر لك من أن تجحد فتكفر‪.‬‬
‫‪ -8‬بلغ هشام بن عبد الملك أن رجل ً قد ظهر يقول بالقدر‪ ،‬وقد أغوى خلقا ً‬

‫‪153‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كثيرًا‪ ،‬فبعث إليه هشام فأحضره‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال‪ :‬وما‬
‫ضر‬
‫هو؟ قال‪ :‬تقول‪ :‬إن الله لم يقدر على خلق الشّر؟ قال‪ :‬بذلك أقول‪ ،‬فأح ِ‬
‫ت أني على الحق‪ ،‬وإن‬
‫من شئت يحاجني فيه‪ ،‬فإن غلبته بالحجة والبيان علم ُ‬
‫غلبني بالحجة فاضرب عنقي‪ .‬قال‪ :‬فبعث هشام إلى الوزاعي فأحضره‬
‫ت عن‬
‫ت سألتك عن واحدة‪ ،‬وإن شئ َ‬
‫لمناظرته‪ ،‬فقال له الوزاعي‪ :‬إن شئ َ‬
‫ت عن أربع؟ فقال‪ :‬سل عما بدا لك‪ ،‬قال الوزاعي‪ :‬أخبرني‬
‫ثلث‪ ،‬وإن شئ َ‬
‫عن الله عز وجل هل تعلم أنه قضى على ما نهى؟ قال‪ :‬ليس عندي في هذا‬
‫شيء‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬هذه واحدة‪ .‬ثم قلت له‪ :‬أخبرني هل تعلم أن‬
‫الله حال دون ما أمر؟ قال‪ :‬هذه أشد ّ من الولى‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أمير المؤمنين‪،‬‬
‫هذه اثنتان‪ .‬ثم قلت له‪ :‬هل تعلم أن الله أعان على ما حّرم؟ قال‪ :‬هذه أشد ّ‬
‫من الولى والثانية‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬هذه ثلث قد ح ّ‬
‫ل بها ضرب‬
‫سر لنا‬
‫عنقه‪ .‬فأمر به هشام فضربت عنقه‪ .‬ثم قال للوزاعي‪ :‬يا أبا عمرو‪ ،‬ف ّ‬
‫هذه المسائل‪ ،‬قال‪ :‬نعم يا أمير المؤمنين‪ .‬سألته‪ :‬هل يعلم أن الله قضى‬
‫على ما نهى؟ نهى آدم عن أكل الشجرة ثم قضى عليه بأكلها‪ .‬وسألته‪ :‬هل‬
‫يعلم أن الله حال دون ما أمر؟ أمر إبليس بالسجود لدم‪ ،‬ثم حال بينه وبين‬
‫السجود‪ .‬وسألته‪ :‬هل يعلم أن الله أعان على ما حّرم؟ حّرم الميتة والدم‪ ،‬ثم‬
‫أعاننا على أكله في وقت الضطرار إليه‪ .‬قال هشام‪ :‬والرابعة ما هي يا أبا‬
‫عمرو؟ قال‪ :‬كنت أقول‪ :‬مشيئتك مع الله أم دون الله؟ فإن قال‪ :‬مع الله فقد‬
‫اتخذ مع الله شريكًا‪ ،‬أو قال‪ :‬دون الله‪ ،‬فقد انفرد بالربوبية‪ ،‬فأيهما أجابني‬
‫فقد ح ّ‬
‫ل ضرب عنقه بها‪ ،‬قال هشام‪ :‬حياة الخلق وقوام الدين بالعلماء‪.‬‬
‫هـ‪ -‬من أقوال السلف والئمة في اليمان بالقدر‪:‬‬
‫دك‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال‪) :‬كل شيء بقدر حتى وضعك ي َ‬
‫دك(‪.‬‬
‫على خ ّ‬
‫وقال يحيى بن سعيد‪ :‬ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون‪" :‬إن أفعال العباد‬
‫مخلوقة"‪ ،‬قال أبو عبد الله‪ :‬حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة‪.‬‬
‫وقال المام أبو حنيفة‪" :‬وكان الله تعالى عالما ً في الزل بالشياء قبل كونها‪،‬‬
‫در الشياء وقضاها‪ ،‬ول يكون في الدنيا ول في الخرة شيء إل ّ‬
‫وهو الذي ق ّ‬
‫بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره وكتابته في اللوح المحفوظ"‪.‬‬
‫وقال المام مالك لرجل‪ :‬سألتني أمس عن القدر؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪" :‬إن الله‬
‫قو ْ ُ‬
‫شئ َْنا لت َي َْنا ك ُ ّ‬
‫ن‬
‫حقّ ال ْ َ‬
‫ل نَ ْ‬
‫دا َ‬
‫ل ِ‬
‫تعالى يقول‪} :‬وَل َوْ ِ‬
‫مل ّ‬
‫ن َ‬
‫س هُ َ‬
‫مْنى ل ْ‬
‫ها وََلك ِ ْ‬
‫ف ٍ‬
‫َ‬
‫ن{ ]السجدة‪ ،[13:‬فل بد ّ أن يكون ما قال الله‬
‫م ِ‬
‫سأ ْ‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫مِعي َ‬
‫م َ‬
‫جن ّةِ َوالّنا ِ‬
‫تعالى"‪.‬‬
‫وقال المام الشافعي‪" :‬إن مشيئة العباد هي إلى الله تعالى‪ ،‬ول يشاؤون إل ّ‬
‫أن يشاء الله رب العالمين‪ ،‬فإن الناس لم يخلقوا أعمالهم‪ ،‬وهي خلقٌ من‬
‫خلق الله تعالى‪ ...‬وإن القدر خيره وشره من الله عز وجل"‪.‬‬
‫وقال المام أحمد‪" :‬والقدر خيره وشره‪ ،‬وقليله وكثيره‪ ،‬وظاهره وباطنه‪،‬‬
‫وحلوه ومّره‪ ،‬ومحبوبه ومكروهه‪ ،‬وحسنه وسّيئه‪ ،‬وأوله وآخره من الله قضاًء‬
‫دره عليهم ل يعدو واحد منهم مشيئة الله عز وجل‪ ،‬ول يجاوز‬
‫وقدرًا‪ ،‬ق ّ‬
‫قضاءه‪ ،‬بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له‪ ،‬واقعون فيما قدر عليهم ل‬
‫محالة‪ ،‬وهو عدل منه عّز ربنا وج ّ‬
‫ل"‪.‬‬
‫ً‬
‫وقال المام أحمد أيضا‪" :‬أجمع سبعون رجل من التابعين وأئمة المسلمين‬
‫وأئمة السلف وفقهاء المصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ :‬أولها الرضا بقضاء الله‪ ،‬والتسليم لمر الله‪ ،‬والصبر‬

‫‪154‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تحت حكمه‪ ،‬والخذ بما أمر الله‪ ،‬والنهي عما نهى عنه‪ ،‬وإخلص العمل لله‪،‬‬
‫واليمان بالقدر خيره وشره‪ ،‬وترك المراء والجدال والخصومات في الدين"‪.‬‬
‫)‪(9 /‬‬
‫وقال أبو بكر الحميدي‪" :‬السنة عندنا أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشّره‪،‬‬
‫ه لم يكن ليخطئه‪ ،‬وأن ما أخطأه لم يكن‬
‫حلوه ومّره‪ ،‬وأن يعلم أن ما أصاب ُ‬
‫ليصيبه‪ ،‬وأن ذلك كله قضاٌء من الله عز وجل"‪.‬‬
‫وقال أبو عثمان الصابوني‪" :‬ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشّر‬
‫والنفع والضّر والحلو والمّر بقضاء الله تعالى وقدره‪ ،‬ول مرد ّ لهما ول محيص‬
‫ول محيد عنهما‪ ،‬ول يصيب المرء إل ّ ما كتب له رّبه‪ ،‬ولو جهد الخلق أن ينفعوا‬
‫المرء بما لم يكتبه الله له لم يقدروا عليه‪ ،‬ولو جهدوا أن يضّروه بما لم يقضه‬
‫الله عليه لم يقدروا"‪.‬‬
‫ض لزم‪ ،‬وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق‬
‫وقال البغوي‪" :‬اليمان بالقدر فر ٌ‬
‫أعمال العباد‪ ،‬خيرها وشرها‪ ،‬كتبها عليهم في اللوح المحفوظ قبل أن‬
‫ن{ ]الصافات‪:‬‬
‫خل َ َ‬
‫ه َ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َعْ َ‬
‫م وَ َ‬
‫قك ُ ْ‬
‫يخلقهم‪ ،‬قال الله سبحانه وتعالى‪َ} :‬والل ّ ُ‬
‫خال ِقُ ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ىء{ ]الرعد‪ ،[16:‬وقال عز‬
‫ه َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫‪ ،[96‬وقال عز وجل‪} :‬قُ ِ‬
‫ش ْ‬
‫وجل‪} :‬إ ِّنا ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫قد ٍَر{ ]القمر‪ ،[49:‬فاليمان والكفر والطاعة‬
‫قَناه ُ ب ِ َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ىء َ‬
‫ش ْ‬
‫والمعصية كلها بقضاء الله وقدره‪ ،‬وإرادته ومشيئته‪ ،‬غير أنه يرضى اليمان‬
‫والطاعة‪ ،‬ووعد عليهما الثواب‪ ،‬ول يرضى الكفر والمعصية‪ ،‬وأوعد عليهما‬
‫العقاب‪."...‬‬
‫وقال ابن قدامة المقدسي‪" :‬من صفات الله تعالى أنه الفّعال لما يريد‪ ،‬ل‬
‫يكون شيء إل ّ بإرادته‪ ،‬ول يخرج شيء عن مشيئته‪ ،‬وليس في العالم شيء‬
‫يخرج عن تقديره‪ ،‬ول يصدر إل ّ عن تدبيره‪ ،‬ول محيد لحد عن القدر المقدور‪،‬‬
‫ول يتجاوز ما خ ّ‬
‫ط في اللوح المحفوظ"‪.‬‬
‫انظر‪ :‬القضاء والقدر للمحمود )ص ‪ (302‬وما بعدها‪.‬‬
‫الفرق بين الفرق للبغدادي )ص ‪ .(211‬وانظر‪ :‬الملل والنحل للشهرستاني )‬
‫‪.(1/87‬‬
‫انظر‪ :‬مقالت السلميين للشعري )‪ ،(1/338‬والقضاء والقدر للمحمود )ص‬
‫‪.(304‬‬
‫انظر‪ :‬مجموع الفتاوى )‪.(150-3/148‬‬
‫انظر‪ :‬القضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(305‬‬
‫المغني في أبواب التوحيد والعدل‪ ،‬وانظر‪ :‬القضاء والقدر للمحمود )ص‬
‫‪.(305‬‬
‫كتاب العدل والتوحيد ونفي التشبيه عن الله الواحد الحميد للرسي )‪،(1/118‬‬
‫وانظر‪ :‬القضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(307‬‬
‫مجموع الفتاوى )‪ ،(8/449‬وانظر‪ (8/452،459) :‬منه‪.‬‬
‫شرح العقيدة الطحاوية )ص ‪ (324‬ط الرسالة‪ ،‬وانظر‪ :‬مدارج السالكين لبن‬
‫القيم )‪.(1/165‬‬
‫ً‬
‫انظر مناقشة الدلة تفصيل في شفاء العليل لبن القيم )‪،(255-2/127‬‬
‫والقضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(367-346‬‬
‫شرح العقيدة الطحاوية )ص ‪ (641-640‬ط الرسالة‪ .‬وانظر‪ :‬شفاء العليل )‬
‫‪.(1/150‬‬
‫شرح العقيدة الطحاوية لبن أبي العز )ص ‪.(251-250‬‬

‫‪155‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المصدر السابق )ص ‪.(251‬‬
‫انظر التعليق على المصدر السابق )ص ‪ (251‬وفتح الباري‪.‬‬
‫انظر‪ :‬تاريخ الطبري )‪.(8/125‬‬
‫أي‪ :‬بصفة العلم التي اتصف الله تعالى بها‪.‬‬
‫شرح الطحاوية )ص ‪ (354‬ط الرسالة‪.‬‬
‫الشريعة للجري )ص ‪.(232‬‬
‫شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللكائي )‪.(4/789‬‬
‫شرح أصول اعتقاد أهل السنة )‪.(4/795‬‬
‫خلق أفعال العباد للبخاري )ص ‪.(34‬‬
‫المصدر السابق‪.‬‬
‫ّ‬
‫الفقه الكبر المنسوب إلى أبي حنيفة‪ ،‬وشرحه لمل علي قاري )ص ‪.(64-63‬‬
‫حلية الولياء لبي نعيم )‪.(6/326‬‬
‫مناقب الشافعي للبيهقي )‪.(1/415‬‬
‫طبقات الحنابلة )‪.(1/25‬‬
‫مناقب المام أحمد لبن الجوزي )ص ‪.(228‬‬
‫مسند الحميدي )‪.(2/546‬‬
‫عقيدة السلف وأصحاب الحديث )ص ‪.(79-78‬‬
‫شرح السنة )‪.(144-1/142‬‬
‫لمعة العتقاد )ص ‪.(20-19‬‬
‫‪ -5‬مسائل متفرقة‪:‬‬
‫أ‪ -‬حكم الحتجاج بالقدر على فعل المعاصي‪:‬‬
‫جون بالقدر ويقولون‪ :‬إنه قد‬
‫سئل شيخ السلم ابن تيمية عن أقوام يحت ّ‬
‫ُ‬
‫ي‪ ،‬والسعيد سعيد‪ ،‬محتجين بقول الله سبحانه‪:‬‬
‫شق‬
‫والشقي‬
‫المر‪،‬‬
‫مضى‬
‫ّ‬
‫قت ل َهم منا ال ْحسنى أ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{ ]النبياء‪[101:‬‬
‫ها‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ك‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫و‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سب َ َ ْ ُ ْ ّ ّ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫مب ْعَ ُ‬
‫ُ‬
‫}إ ِ ّ‬
‫ْ‬
‫ن َ‬
‫َ ُ‬
‫ْ‬
‫ذي َ‬
‫در الخير والشّر‪ ،‬والزنا مكتوب علينا‪ ،‬وما لنا في الفعال‬
‫قائلين بأن الله ق ّ‬
‫قدرة وإنما القدرة لله‪...‬‬
‫فأجاب‪" :‬الحمد لله رب العالمين‪ ،‬هؤلء القوم إذا أصّروا على هذا العتقاد‬
‫كانوا أكفر من اليهود والنصارى؛ فإن اليهود والنصارى يؤمنون بالمر والنهي‪،‬‬
‫دلوا‪ ،‬وآمنوا ببعض وكفروا‬
‫والوعد والوعيد‪ ،‬والثواب والعقاب‪ ،‬لكن حّرفوا وب ّ‬
‫ّ‬
‫ن َأن‬
‫دو‬
‫ري‬
‫ي‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ن ي َك ْ ُ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ن ِبال ِ َ ُ ُ ِ ِ َ ُ ِ ُ َ‬
‫فُرو َ‬
‫ببعض‪ ،‬كما قال الله تعالى‪} :‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن أن‬
‫ض وَن َك ْ ُ‬
‫سل ِهِ َوي ُ‬
‫يُ َ‬
‫ن ن ُؤْ ِ‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن الل ّهِ وَُر ُ‬
‫م ُ‬
‫فّرُقوا ْ ب َي ْ َ‬
‫ض وَي ُ ِ‬
‫فُر َ ب ِب َعْ ٍ‬
‫ن ب ِب َعْ ٍ‬
‫ُ‬
‫ذابا ً‬
‫قا ً وَأعْت َد َْنا ل ِل ْ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫سِبيل ً * أوْل َئ ِ َ‬
‫ن ذال ِ َ‬
‫ن عَ َ‬
‫خ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ي َت ّ ِ‬
‫ن َ‬
‫كافُِرو َ‬
‫ك َ‬
‫ك هُ ُ‬
‫ري َ‬
‫ذوا ْ ب َي ْ َ‬
‫كافِ ِ‬
‫مِهينًا{ ]النساء‪ [151 ،150:‬فكيف بمن كفر بالجميع‪ ،‬ولم يقر بأمر الله ونهيه‬
‫ّ‬
‫ووعده ووعيده؟! بل ترك ذلك محتجا ً بالقدر‪ ،‬فهو أكفر ممن آمن ببعض وكفر‬
‫ببعض"‪.‬‬
‫ج آدم موسى((‪:‬‬
‫ب‪ -‬شبهة من استدل بقوله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬فح ّ‬
‫)‪(10 /‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫ج آدم موسى؛ قال موسى‪:‬‬
‫ج آدم وموسى عليهما السلم عند ربهما‪ ،‬فح ّ‬
‫))احت ّ‬
‫أنت آدم الذي خلقك الله بيده‪ ،‬ونفخ فيك من روحه‪ ،‬وأسجد لك ملئكته‪،‬‬
‫ت الناس بخطيئتك إلى الرض؟ فقال آدم‪ :‬أنت‬
‫وأسكنك في جنته‪ ،‬ثم أهبط ّ‬
‫موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلمه‪ ،‬وأعطاك اللواح فيها تبيان كل‬

‫‪156‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫شيء‪ ،‬وقّربك نجيًا‪ ،‬فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن ُأخلق؟ قال‬
‫موسى‪ :‬بأربعين عامًا‪ ،‬قال آدم‪ :‬فهل وجدت فيها‪ :‬وعصى آدم رّبه فغوى؟‬
‫ي أن أعمله قبل‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬أفتلومني على أن عملت عمل ً كتبه الله عل ّ‬
‫ج‬
‫أن يخلقني بأربعين سنة؟!(( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬فح ّ‬
‫آدم موسى((‪.‬‬
‫وبه يحتج الجبرية الذين عطلوا المر والنهي‪ ،‬والجواب الصحيح فيه كما قال‬
‫ج بالقضاء والقدر على الذنب‪ ،‬وهو كان أعلم‬
‫ابن أبي العّز‪" :‬إن آدم لم يحت ّ‬
‫ج بالقدر‪ ،‬فإنه باطل‪ ،‬وموسى‬
‫بربه وذنبه‪ ،‬بل آحاد بنيه من المؤمنين ل يحت ّ‬
‫ب قد تاب‬
‫عليه السلم أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم عليه السلم على ذن ٍ‬
‫منه‪ ،‬وتاب الله عليه‪ ،‬واجتباه وهداه‪ ،‬وإنما وقع اللوم على المصيبة التي‬
‫أخرجت أولده من الجنة‪ ،‬فاحتج آدم عليه السلم بالقدر على المصيبة‪ ،‬ل‬
‫ج به عند المصائب‪ ،‬ل عند المعايب‪.‬‬
‫على الخطيئة‪ ،‬فإن القدر ُيحت ّ‬
‫در من المصائب يجب‬
‫وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث‪ ،‬فما قُ ّ‬
‫ما الذنوب فليس للعبد أن‬
‫الستسلم له‪ ،‬فإنه من تمام الرضا بالله ربًا‪ ،‬وأ ّ‬
‫يذنب‪ ،‬وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب‪ ،‬فيتوب عند المعايب‪ ،‬ويصبر على‬
‫المصائب"‪.‬‬
‫ج‪ -‬هل نحن مأمورين بالرضا بقضاء الله وقدره؟‬
‫قال ابن أبي العّز‪" :‬الجواب أن يقال‪:‬‬
‫أو ً‬
‫دره‪ ،‬ولم يرد بذلك‬
‫ل‪ :‬نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويق ّ‬
‫خط ويمقت‪ ،‬كما ل‬
‫كتاب ول سنة‪ ،‬بل من المقضي ما ُيرضى به‪ ،‬وفيه ما يس َ‬
‫يرضى به القاضي سبحانه‪ ،‬بل من القضاء ما ُيسخط‪ ،‬كما أن من العيان‬
‫المقضّية ما يغضب عليه‪ ،‬وُيمقت وُيلعن وُيذم‪.‬‬
‫ويقال ثانيًا‪ :‬هنا أمران‪ :‬قضاء الله‪ ،‬وهو فع ٌ‬
‫ي‬
‫ل قائ ٌ‬
‫م بذات الله تعالى‪ ،‬ومقض ّ‬
‫وهو المفعول المنفصل عنه‪ ،‬فالقضاء كله خير وعدل وحكمة‪ ،‬فُيرضى به كّله‪،‬‬
‫ي قسمان‪ :‬منه ما ُيرضى به‪ ،‬ومنه ما ل ُيرضى به‪.‬‬
‫والمقض ّ‬
‫ً‬
‫ويقال ثالثا‪ :‬القضاء له وجهان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬تعّلقه بالرب تعالى ونسبته إليه‪ ،‬فمن هذا الوجه ُيرضى به‪.‬‬
‫والوجه الثاني‪ :‬تعّلقه بالعبد ونسبته إليه‪ ،‬فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما‬
‫ُيرضى به‪ ،‬وإلى ما ل ُيرضى به‪.‬‬
‫دره الله وقضاه وكتبه‬
‫ق‬
‫حيث‬
‫فمن‬
‫اعتباران‪:‬‬
‫مثال ذلك‪ :‬قتل النفس‪ ،‬له‬
‫ّ‬
‫وشاءه‪ ،‬وجعله أجل ً للمقتول‪ ،‬ونهاية لعمره‪ ،‬نرضى به‪ ،‬ومن حيث صدر من‬
‫القاتل وباشره وكسبه‪ ،‬وأقدم عليه باختياره‪ ،‬وعصى الله بفعله‪ ،‬نسخطه ول‬
‫نرضى به"‪.‬‬
‫مجموع الفتاوى )‪.(263-8/262‬‬
‫ج آدم وموسى عند الله )‪ ،(6614‬ومسلم‬
‫رواه البخاري في القدر‪ ،‬باب‪ :‬تحا ّ‬
‫في القدر‪ ،‬باب‪ :‬حاج آدم موسى عليهما السلم )‪ (2652‬واللفظ له‪.‬‬
‫شرح العقيدة الطحاوية )ص ‪ ،(136-135‬وانظر‪ :‬مجموع الفتاوى )‪،8/108‬‬
‫‪ (178‬ومنهاج السنة )‪.(2/10‬‬
‫شرح العقيدة الطحاوية )ص ‪ (336‬ط الرسالة‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬مذهب أهل السنة في مسائل تتعلق بالقضاء والقدر‪:‬‬
‫أ‪ -‬التحسين والتقبيح‪:‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية‪" :‬وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من‬
‫الشرائع ثلثة أنواع‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن يكون الفعل مشتمل ً على مصلحة أو مفسدةٍ ولو لم يرد الشرع‬
‫‪157‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بذلك‪ ،‬كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم‪ ،‬والظلم يشتمل على‬
‫فسادهم‪ ،‬فهذا النوع هو حسن وقبيح‪ ،‬وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك‪ ،‬ل‬
‫ة لم تكن‪ ،‬لكن ل يلزم من حصول هذا القبح أن يكون‬
‫أنه أثبت للفعل صف ً‬
‫فاعله معاقبا ً في الخرة إذا لم يرد الشرع بذلك‪ ،‬وهذا مما غلط فيه غلة‬
‫القائلين بالتحسين والتقبيح‪ ،‬فإنهم قالوا‪ :‬إن العباد يعاقبون على أفعالهم‬
‫القبيحة ولو لم يبعث الله إليهم رسو ً‬
‫ما‬
‫ل‪ ،‬وهذا خلف النص قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫سو ً‬
‫ل{ ]السراء‪.[15:‬‬
‫حّتى ن َب ْعَ َ‬
‫ن َ‬
‫ث َر ُ‬
‫ك ُّنا ُ‬
‫معَذ ِّبي َ‬
‫ً‬
‫النوع الثاني‪ :‬أن الشارع إذا أمر بشيٍء صار حسنا‪ ،‬وإذا نهى عن شيء صار‬
‫قبيحًا‪ ،‬واكتسب صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع‪.‬‬
‫)‪(11 /‬‬
‫والنوع الثالث‪ :‬أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن به العبد‪ ،‬هل يطيعه أم يعصيه‪،‬‬
‫َ‬
‫ما‬
‫ما أ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫ول يكون المراد فعل المأمور به‪ ،‬كما أمر إبراهيم بذبح ابنه‪} :‬فَل َ ّ‬
‫ن{ ]الصافات‪ [103:‬حصل المقصود‪ ،‬ففداه بالذبح‪ ،‬وكذلك حديث‬
‫ه ل ِل ْ َ‬
‫وَت َل ّ ُ‬
‫جِبي ِ‬
‫أبرص وأقرع وأعمى‪ ،‬لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة‪ ،‬فلما أجاب‬
‫العمى قال الملك‪ :‬أمسك عليك مالك فإنما ابتليتم‪ ،‬فرضي عنك وسخط‬
‫على صاحبيك‪ ،‬فالحكمة منشؤها من نفس المر ل من نفس المأمور به‪،‬‬
‫وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة‪ ،‬وزعمت أن الحسن والقبح ل‬
‫يكون إل ّ لما هو مّتصف بذلك‪ ،‬بدون أمر الشارع‪ ،‬والشعرّية اّدعوا أن جميع‬
‫الشريعة من قسم المتحان‪ ،‬وأن الفعال ليست لها صفة ل قبل الشرع ول‬
‫بالشرع‪ ،‬وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا القسام الثلثة وهو الصواب"‪.‬‬
‫ب‪ -‬وجوب فعل الصلح‪:‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية‪" :‬ذهب جمهور العلماء إلى أنه إنما أمر العباد بما‬
‫فيه صلحهم‪ ،‬ونهاهم عما فيه فسادهم‪ ،‬وأن فعل المأمور به مصلحة عامة‬
‫لمن فعله‪ ،‬وأن إرسال الرسل مصلحة عامة‪ ،‬وإن كان فيه ضرر على بعض‬
‫الناس لمعصيته‪ ،‬فـ))إن الله كتب في كتاب فهو عنده موضوع فوق العرش‪:‬‬
‫ي عنه‬
‫إن رحمتي سبقت غضبي((‪ ،‬فهم يقولون‪ :‬فعل المأمور به وترك المنه ّ‬
‫مصلحة لكل فاعل وتارك‪ ،‬وأما نفس المر وإرسال الرسل فمصلحة عامة‬
‫دره الله تغلب فيه‬
‫من شرا ً لبعضهم‪ ،‬وهكذا سائر ما يق ّ‬
‫للعباد‪ ،‬وإن تض ّ‬
‫المصلحة والرحمة والمنفعة‪ ،‬وإن كان في ضمن ذلك ضرر لبعض الناس‪،‬‬
‫فلله في ذلك حكمة أخرى‪ .‬ويقولون‪ :‬وإن كان في بعض ما يخلقه ما فيه‬
‫ضرر لبعض الناس‪ ،‬أو هو سبب ضرر كالذنوب‪ ،‬فل بد ّ في كل ذلك من حكمة‬
‫ومصلحة لجلها خلقها الله‪ ،‬وقد غلبت رحمته غضبه"‪.‬‬
‫ج‪ -‬الستطاعة‪:‬‬
‫وقول أهل السنة فيها التفصيل‪:‬‬
‫‪ -1‬هناك استطاعة للعبد بمعنى الصحة والوسع‪ ،‬والتم ّ‬
‫كن وسلمة اللت‪،‬‬
‫وهي التي تكون مناط المر والنهي‪ ،‬وهي المصلحة للفعل‪ ،‬فهذه ل يجب أن‬
‫تقارن الفعل‪ ،‬بل قد تكون قبله متقدمة عليه‪ ،‬وهذه الستطاعة المتقدمة‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ج‬
‫س ِ‬
‫ح ّ‬
‫صالحة للضدين‪ ،‬ومثال هذه الستطاعة قوله تعالى‪َ} :‬وللهِ عَلى الّنا ِ‬
‫ست َ َ‬
‫سِبي ً‬
‫ل{ ]آل عمران‪ ،[97:‬فهذه الستطاعة قبل‬
‫ال ْب َي ْ ِ‬
‫طاع َ إ ِل َي ْهِ َ‬
‫نا ْ‬
‫ت َ‬
‫م ِ‬
‫ج‪ ،‬ول عصى‬
‫الفعل‪ ،‬ولو لم تكن إل ّ مع الفعل لما وجب الحج إل ّ على من ح ّ‬
‫أحد ٌ بترك الحج‪ ،‬ول كان الحج واجبا ً على أحد قبل الحرام‪ ،‬بل قبل فراغه‪،‬‬
‫م{ ]التغابن‪ .[16:‬فأمر‬
‫ومن أمثلتها قوله تعالى‪َ} :‬فات ّ ُ‬
‫ما ا ْ‬
‫ست َط َعْت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫‪158‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بالتقوى بمقدار الستطاعة‪ ،‬ولو أراد الستطاعة المقارنة لما وجب على أحدٍ‬
‫من التقوى إل ّ ما فعل فقط؛ إذ هو الذي قارنته تلك الستطاعة‪.‬‬
‫وهذه الستطاعة هي مناط المر والنهي‪ ،‬والثواب والعقاب‪ ،‬وعليها يتكلم‬
‫عرف الناس‪.‬‬
‫الفقهاء‪ ،‬وهي الغالبة في ُ‬
‫‪ -2‬وهناك الستطاعة التي يجب معها وجود الفعل‪ ،‬وهذه هي الستطاعة‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫ست َ ِ‬
‫طيُعو َ‬
‫كاُنوا ْ ي َ ْ‬
‫المقارنة للفعل الموجبة له‪ ،‬ومن أمثلتها قوله تعالى‪َ } :‬‬
‫ما َ‬
‫مئ ِذٍ‬
‫كاُنوا ْ ي ُب ْ ِ‬
‫ضَنا َ‬
‫ن{ ]هود‪ ،[20:‬وقوله‪} :‬وَعََر ْ‬
‫صُرو َ‬
‫ال ّ‬
‫م ي َوْ َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫مع َ و َ َ‬
‫س ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫رى وَ َ‬
‫ن َ‬
‫ل ّل ْ َ‬
‫كاُنوا ل َ‬
‫م ِفى ِغطاء َ‬
‫ن عَْرضا ‪ v‬ال ِ‬
‫ت أعْي ُن ُهُ ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫عن ذِك ْ ِ‬
‫كافِ ِ‬
‫معًا{]الكهف‪ ،[101-100:‬فالمراد بعدم الستطاعة مشقة ذلك‬
‫ست َ ِ‬
‫طيُعو َ‬
‫ن َ‬
‫يَ ْ‬
‫س ْ‬
‫عليهم‪ ،‬وصعوبته على نفوسهم ل تستطيع إرادته‪ ،‬وإن كانوا قادرين على فعله‬
‫ده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله‬
‫لو أرادوه‪ ،‬وهذه حال من ص ّ‬
‫المنزلة واتباعها‪ ،‬وقد أخبر أنه ل يستطيع ذلك‪ ،‬وهذه الستطاعة هي المقارنة‬
‫الموجبة له‪.‬‬
‫وهذه الستطاعة هي الستطاعة الكونية‪ ،‬التي هي مناط القضاء والقدر‪ ،‬وبها‬
‫يتحقق وجود الفعل‪.‬‬
‫د‪-‬الحكمة والتعليل‪:‬‬
‫يقول ابن القيم‪" :‬إنه سبحانه حكيم ل يفعل شيئا ً عبث ً‬
‫ى‬
‫معن‬
‫لغير‬
‫ول‬
‫ا‪،‬‬
‫ً‬
‫ة‬
‫صادر‬
‫ومصلحة‪ ،‬وحكمته هي الغاية المقصودة بالفعل‪ ،‬بل أفعاله سبحانه‬
‫ٌ‬
‫عن حكمة بالغة لجلها فعل‪ ،‬كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل‪ ،‬وقد د ّ‬
‫ل‬
‫كلمه وكلم رسوله على هذا وهذا في مواضع ل تكاد تحصى"‪.‬‬
‫فأهل السنة أثبتوا لله حكمة في كل ما خلق‪ ،‬والحكمة تتضمن شيئين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬حكمة تعود إليه سبحانه‪ ،‬يحبها ويرضاها‪ ،‬وهي التي أنكرها المعتزلة‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬حكمة تعود إلى عباده‪ ،‬وهي نعمة يفرحون بها‪ ،‬ويلتذون بها‪ ،‬وهذه‬
‫تكون في المخلوقات والمأمورات‪.‬‬
‫هـ‪ -‬تكليف ما ل يطاق‪:‬‬
‫تكليف ما ل يطاق على وجهين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬ما ل يقدر على فعله لستحالته‪ ،‬وهو نوعان‪:‬‬
‫‪ -1‬ما هو ممتنع عادة كالمشي على الوجه والطيران‪ ،‬وكالمقعد الذي ل يقدر‬
‫على القيام‪ ،‬والخرس الذي ل يقدر على الكلم‪.‬‬
‫‪ -2‬ما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين‪ ،‬وجعل المحدث قديما‪ً،‬‬
‫والقديم محدثًا‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فهذا اتفق حملة الشريعة على أن مثل هذا ليس‬
‫بواقع في الشريعة‪ ،‬وأنه ل يجوز تكليفه‪ ،‬وذلك لن عدم الطاقة فيه ملحقة‬
‫بالممتنع والمستحيل‪ ،‬وذلك يوجب خروجه عن المقدور فامتنع تكليف مثله‪.‬‬
‫)‪(12 /‬‬
‫والثاني‪ :‬ما ل يقدر عليه‪ ،‬ل لستحالته‪ ،‬ول للعجز عنه‪ ،‬لكن لتركه والشتغال‬
‫بضده‪ ،‬مثل تكليف الكافر باليمان في حال كفره‪ ،‬فهذا جائز خلفا ً للمعتزلة‪،‬‬
‫لنه من التكليف الذي اتفق المسلمون على وقوعه في الشريعة‪ ،‬لكن‪ :‬هل‬
‫يطلق على هذا بأنه تكليف ما ل يطاق؟‬
‫جمهور أهل العلم منعه وهو الراجح‪ ،‬وإن كان بعض المنتسبين إلى أهل‬
‫السنة قد أطلقه في رّدهم على القدرّية‪.‬‬
‫و‪ -‬معنى الظلم‪:‬‬
‫َ‬
‫م عدل يضع الشياء مواضعها‪ ،‬فل يضع‬
‫قال أهل السنة‪ :‬إن الله تعالى حك ٌ‬
‫‪159‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫شيئا ً إل ّ في موضعه الذي يناسبه‪ ،‬ول يفّرق بين متماثلين‪ ،‬ول يسوي بين‬
‫مختلفين‪.‬‬
‫ً‬
‫وعلى هذا فالظلم الذي حّرمه الله على نفسه وتنّزه عنه فعل وإرادة هو ما‬
‫مل المرء سيئات غيره‪ ،‬ول يعذبه بما‬
‫ف ّ‬
‫سره به سلف المة وأئمتها أنه ل يح ّ‬
‫لم تكسب يداه‪ ،‬وأنه ل ينقص من حسناته فل يجازى بها أو ببعضها‪ ،‬وهذا هو‬
‫م ْ‬
‫و‬
‫حا ِ‬
‫ل ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫من ي َعْ َ‬
‫الظلم الذي نفى الله خوفه عن العبد بقوله‪} :‬وَ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ت وَهُ َ‬
‫م َ‬
‫سرون‪ :‬ل يخاف أن‬
‫ن فَل َ ي َ َ‬
‫خا ُ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ف ظ ُْلما ً وَل َ هَ ْ‬
‫ضمًا{ ]طه‪ ،[112:‬قال المف ّ‬
‫ُ‬
‫م ٌ‬
‫مل عليه سيئات غيره ول ينقص من حسناته‪ ،‬وقيل‪ :‬يظلم بأن يؤاخذ بما‬
‫يح‬
‫ّ‬
‫لم يعمل‪ ،‬وقيل‪ :‬ل يخاف أل ّ يجزى بعمله‪.‬‬
‫والله سبحانه وتعالى قادٌر على الظلم‪ ،‬وإنما استحقّ سبحانه الحمد والثناء‬
‫لنه ترك الظلم وهو قادٌر عليه‪ ،‬والمدح إنما يكون بترك المقدور عليه ل بترك‬
‫الممتنع‪ ،‬وعلى هذا فعقوبة النسان بذنب غيره ظلم ينّزه الله عنه‪ ،‬وأما إثابة‬
‫المطيع ففض ٌ‬
‫ل منه وإحسان‪ ،‬وإن كان حقا ً واجبا ً بحكم وعده باتفاق‬
‫المسلمين‪ ،‬وبما كتبه على نفسه من الرحمة‪ ،‬وبموجب أسمائه وصفاته‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وهم المعتزلة ومن وافقهم‪.‬‬
‫رواه البخاري في كتاب أحاديث النبياء‪ ،‬باب‪ :‬حديث أبرص وأعمى وأقرع )‬
‫‪ ،(3464‬ومسلم في الزهد والرقائق )‪.(2964‬‬
‫مجموع الفتاوى )‪ (436-8/434‬باختصار‪.‬‬
‫الحديث رواه البخاري في التوحيد‪ ،‬باب‪ :‬وكان عرشه على الماء )‪.(7422‬‬
‫منهاج السنة لبن تيمية )‪ (463-1/462‬باختصار‪.‬‬
‫انظر‪ :‬مجموع الفتاوى )‪.(8/372‬‬
‫انظر‪ :‬مجموع الفتاوى )‪.(373 ،290 ،8/129‬‬
‫ً‬
‫انظر‪ :‬القضاء والقدر للمحمود )ص ‪ ،(270-268‬وانظر أيضا‪ :‬شرح الطحاوية‬
‫لبن أبي العّز )ص ‪ ،(639-637‬ودرء التعارض )‪.(1/61‬‬
‫شفاء العليل )‪.(2/87‬‬
‫تقريب وترتيب شرح العقيدة الطحاوية للشيخ خالد بن فوزي )‪،(2/1069‬‬
‫وانظر أيضًا‪ :‬مجموع الفتاوى )‪.(36-8/35‬‬
‫القضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(278-277‬‬
‫انظر‪ :‬زاد المسير لبن الجوزي )‪.(5/224‬‬
‫القضاء والقدر للمحمود )ص ‪ ،(286-285‬وانظر‪ :‬منهاج السنة )‪(2/236‬‬
‫ومفتاح دار السعادة )‪ ،(2/107‬وشرح العقيدة الطحاوية )ص ‪.(660-659‬‬
‫سابعًا‪ :‬ثمرات اليمان بقضاء الله وقدره‪:‬‬
‫لليمان بقضاء الله وقدره فوائد عظيمة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ً‬
‫ن قدَر نفسه‪ ،‬فل يتكّبر ول يبطر‪ ،‬ول يتعالى أبدا؛ لنه‬
‫‪ -1‬أنه يعّرف النسا َ‬
‫م يقّر النسان‬
‫عاجز عن معرفة المقدور‪ ،‬ومستقبل ما هو حادث‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫بعجزه وحاجته إلى ربه تعالى دائمًا‪ ،‬وهذا من أسرار خفاء المقدور‪.‬‬
‫‪ -2‬يقول الشوكاني‪" :‬ومن فوائد رسوخ اليمان بهذه الخصلة أنه يعلم أنه ما‬
‫وصل إليه من الخير على أيّ صفة كان وبيد من اتفق فهو منه عز وجل‪،‬‬
‫فيحصل له بذلك من الحبور والسرور ما ل يقدر قدره‪ ،‬لما له سبحانه من‬
‫ورها‪ ،‬وتقصر عقولهم عن إدراك‬
‫العصمة التي تضيق أذهان العباد عن تص ّ‬
‫ن‬
‫أدنى منازلها‪ ...‬وما أحسن ما قاله الحربي‪ :‬من لم يؤمن بالقدر لم يته ّ‬
‫بعيشه"‪.‬‬
‫‪ -3‬اليمان بالقدر يقضي على كثير من المراض التي تعصف بالمجتمعات‬
‫‪160‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وتزرع الحقاد بين المؤمنين‪ ،‬فالمؤمن يسعى لعمل الخير‪ ،‬ويحب للناس ما‬
‫ب لنفسه‪ ،‬فإن وصل إلى ما يصبو إليه حمد الله وشكره على نعمه‪ ،‬وإن‬
‫يح ّ‬
‫لم يصل إلى شيء من ذلك صبر ولم يجزع‪ ،‬ولم يحقد على غيره ممن نال‬
‫من الفضل ما لم ينله؛ لن الله هو الذي يقسم الرزاق فيعطي ويمنع‪ ،‬وكل‬
‫ذلك ابتلء وامتحان منه سبحانه وتعالى لخلقه‪.‬‬
‫وي‬
‫‪ -4‬اليمان بالقدر يبعث في القلوب الشجاعة على مواجهة الشدائد‪ ،‬ويق ّ‬
‫فيها العزائم‪ ،‬فيثبت صاحبه في ساحات الجهاد ول يخاف الموت؛ لنه موقن‬
‫ة واحدة‪.‬‬
‫ددة ل تتقدم ول تتأخر لحظ ً‬
‫أن الجال مح ّ‬
‫ً‬
‫‪ -5‬اليمان بالقدر من أكبر العوامل التي تكون سببا في استقامة المسلم‪،‬‬
‫صر في ح ّ‬
‫قه أحد ٌ أو يسيء إليه أو يرد ّ‬
‫وخاصة في معاملته للخرين‪ ،‬فحين يق ّ‬
‫إحسانه بالساءة أو ينال من عرضه بغير حق تجده يعفو ويصفح لنه يعلم أن‬
‫ما في حقّ الله فل يجوز‬
‫ذلك مق ّ‬
‫در‪ ،‬وهذا إنما يحسن إذا كان في حقّ نسفه‪ ،‬أ ّ‬
‫العفو ول التعلل بالقدر‪ ،‬لن القدر إنما يحتج به في المصائب ل في المعايب‪.‬‬
‫ددة‪ ،‬فهو دائم‬
‫‪ -6‬اليمان بالقدر يغرس في نفس المؤمن حقائق اليمان المتع ّ‬
‫الستعانة بالله‪ ،‬يعتمد على الله ويتوكل عليه مع فعل السباب‪ ،‬وهو يغرس‬
‫أيضا ً في نفس المؤمن النكسار والعتراف لله تعالى حين يقع منه الذنب‪،‬‬
‫ومن ثم يطلب من الله العفو والمغفرة‪.‬‬
‫)‪(13 /‬‬
‫‪ -7‬ومن آثار اليمان بالقدر أن الداعي إلى الله يصدع بدعوته‪ ،‬ويجهر بها أمام‬
‫الكافرين والظالمين‪ ،‬ل يخاف في الله لومة لئم‪ ،‬يبّين للناس حقيقة اليمان‪،‬‬
‫ويوضح لهم مقتضياته‪ ،‬ويكشف الباطل وزيفه وُدعاته وحماته‪ ،‬ويقول كلمة‬
‫الحقّ أمام الظالمين‪ ،‬ويفضح ما هم فيه من كفر وظلم‪ ،‬وإذا كان المر هكذا‬
‫فكيف يبقى في نفس المؤمن الداعية ذّرة من خوف وهو يؤمن بقضاء الله‬
‫در سيكون‪ ،‬وما لم يقدر لن يكون‪ ،‬وهذا كله مرجعه إلى الله‪،‬‬
‫وقدره؟! فما ق ّ‬
‫والعباد ل يملكون من ذلك شيئا‪ً.‬‬
‫‪ -8‬اليمان بالقدر طريق الخلص من الشرك‪ ،‬وهو مفرق طريق بين التوحيد‬
‫والشرك‪ ،‬فالمؤمن بالقدر ُيقّر بأن هذا الكون وما فيه صادر عن إله واحد‪،‬‬
‫ومعبود واحد‪ ،‬ومن لم يؤمن هذا اليمان فإنه يجعل من دون الله آلهة وأربابا‪ً.‬‬
‫سراء والضّراء‪ ،‬ل تبطره‬
‫‪ -9‬وهو يفضي إلى الستقامة على منهٍج سواٍء في ال ّ‬
‫النعمة‪ ،‬ول تيئسه المصيبة‪ ،‬فهو يعلم أن كل ما أصابه من نعم وحسنات فمن‬
‫الله ل بذكائه وحسن تدبيره‪ ،‬وإذا أصابه الضراء والبلء علم أن هذا بتقدير‬
‫الله ابتلًء منه‪ ،‬فل يجزع ول ييأس‪ ،‬بل يحتسب ويصبر‪ ،‬فيسكب هذا اليمان‬
‫في قلب المؤمن الرضا والطمأنينة‪.‬‬
‫‪ -10‬المؤمن بالقدر دائما ً على حذر من أن يأتيه ما يضله‪ ،‬كما يخشى أن‬
‫يختم له بخاتمة سيئة‪ ،‬وهذا ل يدفعه إلى التكاسل والخمول‪ ،‬بل يدفعه إلى‬
‫المجاهدة الدائبة للستقامة‪ ،‬والكثار من الصالحات‪ ،‬ومجانبة المعاصي‬
‫والموبقات‪ ،‬كما يبقى قلب العبد معلقا ً بخالقه‪ ،‬يدعوه ويرجوه ويستعينه‪،‬‬
‫ويسأله الثبات على الحقّ كما يسأله الرشد والسداد‪.‬‬
‫ّ‬
‫‪ -11‬إذا آمن المؤمن بالقدر فإنه يقبل على أمر الله وإن قلت الرفقة‪ ،‬ويقبل‬
‫على الجهاد وإن كان وحده‪.‬‬
‫وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه‬
‫أجمعين‪،،‬‬

‫‪161‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫انظر‪ :‬لمحات في وسائل التربية السلمية وغاياتها للدكتور محمد أمين‬
‫المصري )ص ‪.(186‬‬
‫انظر‪ :‬قطر الولي على حديث الولي للشوكاني )ص ‪ ،(396‬ضمن ولية الله‬
‫والطريق إليها‪ .‬دراسة وتحقيق الدكتور‪ :‬إبراهيم هلل‪.‬‬
‫انظر‪ :‬لمحات في وسائل التربية )ص ‪ ،(178‬واليمان باليوم الخر وبالقضاء‬
‫والقدر للشيخ أحمد البيانوني )ص ‪ ،(145-144‬والقضاء والقدر للمحمود )ص‬
‫‪.(453‬‬
‫انظر‪ :‬القضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(454‬‬
‫انظر‪ :‬مجموعة بحوث فقهّية‪ ،‬بحث اليمان بالقضاء والقدر للدكتور عبد‬
‫الكريم زيدان )ص ‪ ،(236‬والقضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(456‬‬
‫انظر‪ :‬مجموعة بحوث فقهية بحث اليمان بالقضاء والقدر )ص ‪(244-240‬‬
‫والقضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(457‬‬
‫انظر‪ :‬القضاء والقدر للمحمود )ص ‪.(458-457‬‬
‫انظر‪ :‬القضاء والقدر للشقر )ص ‪.(110-109‬‬
‫المصدر السابق )ص ‪ ،(111-110‬وانظر‪ :‬العقيدة السلمية لعبد الرحمن‬
‫حبنكة )ص ‪.(686‬‬
‫المصدر السابق )ص ‪.(111‬‬
‫انظر‪ :‬ترتيب وتقريب شرح العقيدة الطحاوية للشيخ خالد بن فوزي عبد‬
‫الحميد )‪.(2/1021‬‬
‫)‪(14 /‬‬
‫اليمان بالله‪:‬‬
‫اليمان بالله سبحانه و تعالى هو الفطرة التي فطر الله عليها عباده‪ ,‬و‬
‫اللحاد غاشية طارئة على النسان‪ ,‬خرج بها أصحابها عن أصل الخلقة و‬
‫مقتضى الفطرة‪ .‬و يدل على هذا قوله تعالى‪" :‬وإذ أخذ ربك من بني آدم من‬
‫ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن‬
‫تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين‪ ,‬أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل‬
‫و كنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون" ]العراف‪ .[173-172 :‬و‬
‫إن علم اليمان هو أشرف العلوم لتعلقه بمعرفة الله سبحانه و تعالى و‬
‫إفراده بالعبادة‪ ,‬و أيضا لما يترتب عليه من تحقق الحياة الطيبة في الحياة‬
‫الدنيا و الفوز بنعيم الخلد و جنة البد في الخرة‪.‬‬
‫و أما الملحدة و اللدينيين الذين ل يؤمنون بالله سبحانه و تعالى‪ ,‬و يبررون‬
‫ذلك بأنه ل تدركه الحواس‪ ,‬فقد اتبعوا بهذه القوال سنن أعداء اليمان الذين‬
‫كانوا من قبلهم عندما جعلوا رؤية الله شرطا لليمان‪ .‬و هذه المكابرة هي‬
‫منطق الكافرين قديما و حديثا‪ ,‬و لكنها في الحقيقة شبهة باطلة لن هؤلء‬
‫يؤمنون بوجود العقول المفكرة و لم يروها‪ ,‬و يؤمنون بالجاذبية الرضية و لم‬
‫يروها و هناك الكثير من المثلة على أمور مثل هذه يؤمنون بها دون أن يروها‬
‫أو أن تدركها حواسهم‪ .‬و لكنهم آمنوا بكل هذه الشياء التي ل يرونها لما‬
‫يرون من آثارها‪ ,‬كأثر الجاذبية في جذب الشياء إلى الرض‪ .‬و لذلك فإن‬
‫الطريق إلى اليمان بالله عز و جل هو التدبر في آياته‪ ,‬و هي تقود كل‬
‫منصف إلى اليمان بالله‪ ,‬و إلى اليمان بربوبيته و ألوهيته سبحانه و تعالى‪.‬‬
‫و إن من ثمرات اليمان بالله الحياة الطيبة في الدنيا و الهداية و العزة و‬
‫التمكين و النصر على العداء و الفوز برضوان الله و الجنة في الخرة‪ ,‬و‬

‫‪162‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هناك الكثير من اليات في القرآن الكريم تؤكد هذا المعنى‪ .‬و من المعروف‬
‫أن سبب عدم تحقق الكثير من هذه الوعود في واقع المسلمين حاليا هو‬
‫ضعف إيمانهم‪ ,‬و ل سبيل إلى تحقيق هذه الوعود إل بالعودة إلى اليمان‬
‫علما و عمل‪ ,‬تصديقا و انقيادا‪ .‬و من اليات التي تؤكد هذا ما يلي‪:‬‬
‫قوله تعالى‪" :‬من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة‬
‫طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" ]النحل ‪.[97‬‬
‫و قوله تعالى‪" :‬فأما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فل يضل و ل يشقى و‬
‫من أعرض عن ذكري فأن له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى قال‬
‫ربي لم حشرتني أعمى و قد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها و‬
‫كذلك اليوم تنسى" ]طه ‪.[123‬‬
‫و قوله تعالى‪" :‬و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين" ]المنافقون ‪.[8‬‬
‫و قوله تعالى‪" :‬وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم‬
‫في الرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى‬
‫لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يؤمنون بي ل يشركون بي شيئا و من‬
‫كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" ]النور ‪.[55‬‬
‫و قوله تعالى‪" :‬إن الله يدافع عن الذين آمنوا" ]الحج ‪.[38‬‬
‫و قوله تعالى‪" :‬و كان حقا علينا نصر المؤمنين" ]الروم ‪.[47‬‬
‫و قوله تعالى‪" :‬ثم ننجي رسلنا و الذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين"‬
‫]يونس ‪.[103‬‬
‫فباليمان يكون النصر و العزة و التمكين و النجاة و الهداية و الحياة الطيبة‬
‫في الدنيا و الخرة‪ ,‬و أما من أعرض عن اليمان فله معيشة ضنكا‪ ,‬و يحشر‬
‫يوم القيامة أعمى‪ ,‬و يعيش ذليل مهزوما‪.‬‬
‫وجود الله عز و جل‪:‬‬
‫إن هناك نوعان من الوجود‪:‬‬
‫وجود ذاتي‪ ,‬لم يسبقه عدم و ل يلحقه عدم‪ ,‬و هو ما كان وجوده ثابتا له في‬
‫نفسه و ليس مكسوبا له من غيره‪ ,‬و هذا هو وجود الله عز و جل كما قال‬
‫تعالى‪" :‬هو الول و الخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شيء عليم" ]الحديد‪:‬‬
‫‪.[2‬‬
‫وجود حادث‪ ,‬و هو ما كان حادثا بعد عدم‪ ,‬فهذا الذي ل بد له من موجد يوجده‬
‫و خالق يحدثه‪ ,‬و ذلك الخالق هو الله عز و جل‪ ,‬كما قال تعالى‪" :‬الله خالق‬
‫كل شيء و هو على كل شيء وكيل" ]الزمر‪.[62 :‬‬
‫و لذلك فإن الوجود صفة لله جل و عل بإجماع المسلمين و جميع العقلء‬
‫حتى المشركين‪.‬‬
‫بعض الدلة على ربوبية الله تعالى‪:‬‬
‫دللة الفطرة‪ :‬و هي ذلك الشعور الغامر الذي يمل على النسان أقطار‬
‫نفسه‪ ,‬إقرارا بخالقه و تألها له و التجاء إليه‪ .‬و الفطرة هي الميثاق الذي‬
‫أخذه الله بربوبيته على بني آدم‪.‬‬
‫دللة اليات الكونية‪ :‬فإن الدلة على وجود و ربوبية الله عز و جل بعدد‬
‫مخلوقات الله‪ .‬و إذا تأمل النسان في هذا الكون و في جميع المخلوقات‬
‫الموجودة فيه‪ ,‬سيجد أربعة أدلة رئيسية تهديه إلى اليمان بالله سبحانه و‬
‫تعالى‪ ,‬و هي مذكورة في قوله تعالى‪" :‬سبح اسم ربك العلى‪ ,‬الذي خلق‬
‫فسوى‪ ,‬و الذي قدر فهدى" ]العلى‪ .[3-1 :‬إذا فهذه الدلة هي‪ :‬الخلق و‬
‫التسوية و التقدير و الهداية‪ ,‬و شرح هذه الدلة باختصار كما يلي‪:‬‬

‫‪163‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(1 /‬‬
‫أ‪ -‬دليل الخلق‪ :‬و هو خلق الله لجميع المخلوقات‪ ,‬و العجاز في هذا الخلق‪.‬‬
‫فالنسان عاجز عن خلق أي شيء من عدم‪ ,‬و لكن الله سبحانه و تعالى خلق‬
‫الكون بأكمله من عدم‪ .‬و كما قال تعالى‪" :‬أم خلقوا من غير شيء أم هم‬
‫الخالقون أم خلقوا السماوات و الرض بل ل يوقنون" ]الطور ‪.[36-35‬‬
‫فخلق الله النسان و السماوات و الرض دليل على وجود الله و على‬
‫ربوبيته‪ .‬و المتأمل في خلق الله سبحانه و تعالى‪ ,‬من النجوم و الكواكب‪ ,‬و‬
‫الرض و ما فيها من مخلوقات‪ ,‬و حتى في الخليا التي يتكون منها النسان‪,‬‬
‫يقر بوجود آيات بينات على وجود الله عز و جل‪.‬‬
‫ب – دليل التسوية‪ :‬معنى تسوية الشيء هو إتقانه و إحسان خلقه و إكمال‬
‫صنعته بحيث يكون مهيئا لداء وظيفته‪ ,‬و يكون مستويا معتدل متناسب‬
‫الجزاء ليس بينها تفاوت يخل بالمقصود‪ .‬و هذه التسوية في الخلق تدل على‬
‫وجود الله عز و جل‪ ,‬وعلى بديع علمه و إرادته و قدرته و حكمته‪.‬‬
‫ج – دليل التقدير‪ :‬التقدير هو خلق كل شيء بمقدار و ميزان و ترتيب و‬
‫حساب بحيث يتلءم مع مكانه و زمانه‪ ,‬و بحيث يتناسق مع غيره من‬
‫الموجودات القريبة منه و البعيدة عنه‪ .‬و تقدير الله سبحانه و تعالى في جميع‬
‫مخلوقاته دليل آخر على وجوده عز و جل‪.‬‬
‫د ‪ -‬دليل الهداية‪ :‬المقصود من الهداية هنا هو اللهام الفطري أو الغريزي‬
‫الذي تتوجه به المخلوقات قاطبة إلى أداء دورها و تحقيق وظيفتها في هذه‬
‫الحياة‪ .‬و هذه الهداية تشمل جميع المخلوقات‪ ,‬الحية و غيرها‪.‬‬
‫دللة الحس‪ :‬لدللة الحس على وجود الله وجهان‪ :‬الوجه الول هو ما نشهده‬
‫و نسمعه من إجابة الداعين و غوث المكروبين‪ .‬و أما الوجه الثاني‪ ,‬فهو ما‬
‫أيد الله به رسله من المعجزات التي تدل على وجود الله عز و جل لنه هو‬
‫الذي صنع المعجزات‪ ,‬و لن الرسل أنفسهم دعوا الناس إلى اليمان بوجود و‬
‫ربوبية الله سبحانه و تعالى‪.‬‬
‫دللة إجماع المم‪ :‬فإن جميع المم و الديانات المعروفة أجمعت على ربوبية‬
‫الله عز و جل‪ ,‬و لو أن بعضهم جعلوا لله شركاء يعبدونهم من دون الله‪ .‬و‬
‫أما ظاهرة اللحاد و إنكار و جود الله عز و جل لم تكن فيما مضى إل شذوذا‬
‫تخلف به أصحابه عن مواكب العقلء‪.‬‬
‫دللة العقل‪ :‬و هي تقوم على ثلثة أسس‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن العدم ل يخلق شيئا‬
‫الثاني‪ :‬أن الفعل مرآة لقدرة فاعله و بعض صفاته‬
‫الثالث‪ :‬أن فاقد الشيء ل يعطيه‪ ,‬فالمخلوقات جميعا ل يعقل أن ينسب إليها‬
‫الخلق‪.‬‬
‫توحيد الربوبية‪:‬‬
‫معنى توحيد الربوبية‪ :‬توحيد الله بأفعاله‪ ,‬و اعتقاد تفرده بالخلق و الملك و‬
‫الرزق و التدبير‪ .‬كما قال تعالى‪" :‬أل له الخلق و المر تبارك الله رب‬
‫العالمين" ]العراف‪.[54 :‬‬
‫و ل يكفي القرار بالربوبية للبراءة من الشرك‪ ,‬فإن معظم الطوائف تقر‬
‫بالربوبية لله سبحانه و تعالى‪ ,‬و لم يعرف عن أحد من الطوائف القول بأن‬
‫للعالم صانعين متماثلين في الصفات و الفعال‪ .‬و لكن هذه الطوائف وقع‬
‫منها الشرك في بعض الربوبية كاعتقادهم الخلق و النفع و الضر في آلهتهم‬
‫المزعومة من دون الله‪ .‬و إقرارهم بالربوبية هذا لم يخرجهم من أن يوصفوا‬

‫‪164‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بالشرك‪ ,‬لن هذه الطوائف و المم كانت تقر بالربوبية و تكفر باللوهية‪.‬‬
‫و لكن توحيد الربوبية الخالص من الشرك هو المدخل إلى توحيد اللوهية‪,‬‬
‫فإن من يرسخ في يقينه بتفرد الله بالخلق و الملك و الرزق و التدبير ل بد‬
‫أن يتوجه بدعائه و عبادته إليه و حده‪.‬‬
‫توحيد اللوهية‪:‬‬
‫توحيد اللوهية‪ :‬هو إفراد الله بالعبادة قول و فعل و قصدا‪ ,‬و البراءة من كل‬
‫معبود من دونه‪ ,‬فالله هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة وحده دون‬
‫سواه‪.‬‬
‫تعريف العبادة‪ :‬التأله و التذلل لله وحده‪ ,‬و النقياد له سبحانه بفعل ما أمر به‬
‫و ترك ما نهى عنه‪ .‬و عرفها العلماء أيضا بأنها‪ :‬اسم جامع لكل ما يحبه الله و‬
‫يرضاه من القوا