‫‪http://www.balligho.

com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تم تحميل هذا الكتاب‬
‫من مكتبة موقع‬
‫"بّلغوا عّني ولو آية"‬

‫رسالتنا‪ :‬يصل الكثير من الناس بعض الرسائل اللكترونية عن السلم ويقومون‬
‫صصنا هذه‬
‫بحذفها أو تجاهلها بحجة أنها طويلة ويثقل عليهم قراءتها‪ .‬لذلك خ ّ‬
‫الصفحة للشتراك في عظة يومية قصيرة أو حديث شريف أو آية تصل إلى بريد‬
‫المشترك بحيث لن يصعب قرائتها والستفادة منها راجيا من المولى عز وجل‬
‫الجر والثواب‪ .‬مثال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪" :‬بلّـغوا عنّـي ولو‬
‫‪".‬آية‬
‫للشتراك في هذه الخدمة الرجاء زيارة موقعنا "بلّـغوا عنّـي ولو آية" في السفل‬
‫‪ :‬وتسجيل البريد اللكتروني‬
‫‪http://www.balligho.com‬‬
‫‪ :‬أو عن طريق إرسال رسالة ولو فارغة إلى‬
‫‪subscribe@balligho.com‬‬
‫‪.‬ويمكنكم أيضا أن تتصفحوا الرشيف بالحاديث المرسلة مسبقًا‬
‫ن في السلم سنة حسنة‪ ،‬فعمل بها‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من س ّ‬
‫بعده‪ ،‬كتب له مثل أجر من عمل بها‪ .‬ول ينقص من أجورهم شيء‪ ...‬الحديث‪.‬‬
‫فاحرصوا يرحمكم ال على نشرها فكل من يزور الموقع ويستفيد منه عن طريقك‬
‫تكسب من الجر الكثير وإن قام بدوره بالعمل بها ونشرها أيضا فكلنا نكسب أمثل‬
‫‪.‬أجورهم ول ينقص من الجر شيئا‬

‫والسّنة‬
‫منهاجنا‪َ :‬‬
‫و َ‬
‫دة إلى الك َِتا ِ‬
‫ب َ‬
‫ع ْ‬
‫ف ال ُ‬
‫بِ َ‬
‫مة‬
‫سل َ ِ‬
‫هم ِ َ‬
‫ف ْ‬
‫ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ةة ةةةةة ةةة ةةةةةة ةةةة ةةةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة‬
‫)ةةةة ةةة ةةةةةةةة ةةة ةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة ةةة‬
‫ةةةةةةةة(‬
‫الكتاب ‪ :‬موسوعة البحوث والمقالت العلمية‬
‫جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة‬
‫حوالي خمسة آلف وتسعمائة مقال وبحث‬
‫علي بن نايف الشحود‬
‫الثانية ‪ :‬أنه أوجب قتالهم ‪ .‬الثالثة ‪ :‬انه أسقط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر الله ‪.‬‬
‫الرابعة ‪ :‬أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه فى قتالهم ‪.‬‬
‫الخامسة ‪ :‬أن الية أفادت جواز قتال كل من منع حقا ً عليه ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬الخارجون عن قبضة المام أصناف أربعة ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬قوم امتنعوا وخرجوا عن طاعته وخرجوا عن قبضته بغير تأويل ‪،‬‬
‫فهؤلء قطاع طرق ساعون فى الرض بالفساد يأتى حكمهم فى باب منفرد‪.‬‬
‫الثانى ‪ :‬قوم لهم تأويل إل أنهم نفر يسير لمنعة لهم كالواحد والثنين‬
‫والعشرة ونحوهم ‪ ،‬فهؤلء قطاع طريق فى قول أكثر أصحابنا وهو مذهب‬
‫الشافعى ‪ ،‬لن ابن ملجم لما جرح عليا ً قال للحسن ‪ :‬إن برئت رأيت رأيى‪،‬‬
‫وإن مت فل تمثلوا به ‪.‬‬
‫فلم يثبت لفعله حكم البغاة قال ‪ :‬وقال أبو بكر ‪ :‬لفرق بين الكثير والقليل‬
‫وحكمهم حكم البغاة ‪.‬‬
‫ً‬
‫الثالث ‪ :‬الخوارج ‪ :‬الذين يكفرون بالذنب ويكفرون عثمان وعليا وطلحة‬
‫والزبير وكثيرا ً من الصحابة ‪ ،‬ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إل من‬
‫خرج معهم فظاهر قول الفقهاء من أصحابنا المتأخرين أنهم بغاة حكمهم‬
‫حكمهم ‪ ،‬وهذا قول أبى حنيفة والشافعى وجمهور الفقهاء وكثير من أهل‬
‫الحديث ‪ ،‬ومالك يرى استتابتهم ‪ ،‬فإن تابوا وإل قتلوا على إفسادهم لعلى‬
‫كفرهم ‪ ،‬وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون حكمهم حكم‬
‫المرتدين وتباح دماؤهم وأموالهم ‪ ،‬فإن تحيزوا فى مكان وكانت لهم منعة‬
‫وشوكة صاروا أهل حرب كسائر الكفار ‪ ،‬وإن كانوا فى قبضة المام استتابهم‬
‫كاستتابة المرتدين ‪ ،‬فإن تابوا وإل ضربت أعناقهم وكانت أموالهم فيئا ً ليرثهم‬
‫ورثتهم المسلمون ‪.‬‬
‫ً‬
‫قال ابن المنذر ‪ :‬ل أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم‬
‫كالمرتدين ‪.‬‬
‫والرابع ‪ :‬قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة المام ويرومون خلعه لتأويل‬
‫سائغ ‪ ،‬وفيهم منعة يحتاج فى كفهم إلى جمع الجيوش فهؤلء البغاة ‪.‬أهـ‪.‬‬
‫مختصرا ً ‪.‬‬
‫قال النووى فى روضة الطالبين ‪ :(10/50) :‬الذين يخالفون المام بالخروج‬
‫عليه وترك النقياد والمتناع من أداء الحقوق ينقسمون إلى بغاة وغيرهم ‪،‬‬
‫أما البغاة فتعتبر فيهم خصلتان ‪-:‬‬
‫إحداهما‪ :‬أن يكون لهم تأويل يعتقدون بسببه جواز الخروج على المام أو منع‬
‫‪2‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الحق المتوجه عليهم فلو خرج قوم عن الطاعة ومنعوا الحق بل تأويل سواء‬
‫كان حدا ً أو قصاصا ً أو مال ً لله ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬أو للدميين عنادا ً أو مكابرة‬
‫ولم يتعلقوا بتأويل فليس لهم أحكام البغاة ‪ ،‬وكذا المرتدون ثم التأويل للبغاة‬
‫إن كان بطلنه مظنونا ً فهو معتبر ‪ ،‬وإن كان بطلنه مقطوعا ً به فوجهان‬
‫أوفقهما لطلق الكثرين أنه ليعتبر كتأويل المرتدين ‪ .‬والثانى يعتبر ويكفى‬
‫تعطيلهم فيه ‪ ،‬وقد يغلط النسان فى القطعيات ‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬أن يكون لهم شوكة وعدد بحيث يحتاج المام فى ردهم إلى الطاعة‬
‫إلى كلفة ببذل مال أو إعداد رجال ونصب قتال فإن كانوا أفرادا ً يسهل‬
‫ضبطهم فليسوا بغاة ‪ ،‬وشرط جماعة من الصحاب فى الشوكة أن ينفردوا‬
‫ببلدة أو قرية أو موضع من الصحراء ‪ ،‬والصح الذى قاله المحققون أنه‬
‫ليعتبر ذلك وإنما يعتبر استعصاؤهم وخروجهم عن قبضة المام حتى لو‬
‫تمكنوا من المقاومة وهم محفوفون بجند السلم حصلت الشوكة ‪.‬‬
‫قال المام ‪ :‬يجب القطع بأن الشوكة لتحصل إذا لم يكن لهم متبوع مطاع إذ‬
‫لقوة لمن ليجمع كلمتهم مطاع ‪.‬‬
‫وهل يشترط أن يكون فيهم إمام منصوب لهم أو منتصب ؟ وجهان ويقال‬
‫قولن أصحهما عند الكثرين ليشترط ‪.‬أهـ‪ .‬مختصرا ً ‪.‬‬
‫قال الشيخ خليل ابن اسحاق المالكى فى مختصره ‪ :‬الباغية فرقة خالفت‬
‫المام لمنع حق أو لخلعه فللعدل قتالهم وإن تابوا ‪.‬‬
‫ة هو التعدى ‪،‬‬
‫قال أحمد الدردير فى الشرح الكبير لمختصر خليل‪ :‬البغى لغ ً‬
‫وشرعًا‪ :‬قال ابن عرفة هو المتناع من طاعة من ثبتت إمامته فى غير‬
‫معصية بمغالبة ولو تأول ً ‪.‬أهـ‪ .‬وقوله فى غير معصية متعلق بطاعة ‪ ،‬ومقتضاه‬
‫أن من امتنع عن طاعته فى مكروه يكون باغيا ً ‪ ،‬وقيل لتجب طاعته فى‬
‫المكروه فالممتنع ليكون باغيا ً وهو الظهر لنه من الحداث فى الدين‬
‫ماليس منه فهو رد فإذا أمر الناس بصلة ركعتين بعد أداء فرض الصبح لم‬
‫يتبع ‪.‬‬
‫قال ‪) :‬الباغية فرقة( أى طائفة من المسلمين خالفت المام الذى ثبتت‬
‫إمامته باتفاق الناس عليه ‪ ،‬ويزيد بن معاوية ‪ :‬لم تثبت إمامته لن أهل‬
‫الحجاز لم يسلموا له المامة لظلمه ونائب المام مثله )لمنع حق( لله أو‬
‫لدمى وجب عليها كزكاة وكأداء ماعليهم مما جبوة لبيت مال المسلمين‬
‫كخراج الرض )أو لخلعه( أى وخالفته لرادتها خلعه أى عزله لحرمة ذلك‬
‫عليهم وإن جار إذ ليعزل السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق بعد‬
‫انعقاد إمامته ‪ ،‬وإنما يجب وعظه )فللعدل قتالهم وإن تابوا( الخروج عليه‬
‫لشبهة قامت عندهم ‪ ،‬ويجب على الناس معاونته عليهم ‪ ،‬وأما غير العدل‬
‫فلتجب معاونته ‪.‬‬
‫)‪(13 /‬‬
‫قال مالك ‪ -‬رضي الله عنه ‪ : -‬دعه ومايراد منه ينتقم الله من الظالم بظالم‬
‫ثم ينتقم من كليهما كما أنه ليجوز له قتالهم لحتمال أن يكون خروجهم عليه‬
‫لفسقة وجوره وإن كان ليجوز لهم الخروج عليه ‪.‬‬
‫يتضح مما سبق أن المتفق عليه من صفة أهل البغى أنهم طائفة من أهل‬
‫الحق لهم منعة وشوكة يخرجون على المام لتأويل سائغ أخطأوا فيه ‪،‬‬
‫وهؤلء كأهل الجمل وصفين الذين خرجوا على على ‪ -‬رضي الله عنه ‪-‬‬
‫لظنهم أنه يعلم قتلة عثمان وليقتص منهم ‪ ،‬فإن كانوا بلشوكة ولمنعة‬

‫‪3‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وخرجوا عن المام فحكمهم حكم قطاع الطريق عند الجمهور فى ضمان‬
‫ماأتلفوه وعدم سقوط تبعة قتالهم ‪ ،‬وإن كانوا خرجوا بل تأويل ‪ ،‬بل عنادا ّ‬
‫وامتناعا ً عن الحق فهم محاربون ساعون فى الرض فسادا ً ‪ ،‬وكذا إذا كان‬
‫التأويل غير معتبر على الصحيح فإذا كان المام عدل ً جاز له قتالهم ووجبت‬
‫معاونته ‪ ،‬أما إذا لم يكن عدل ً بل فاسقا ً فل يجوز له قتالهم حتى يتوب ويقاتل‬
‫بعد ذلك ‪ ،‬وليعان حال ظلمه كما قال المام مالك ‪.‬‬
‫صفة قتالهم وأحكامهم‬
‫قال النووى فى المنهاج ‪ :‬وليقاتل البغاة حتى يبعث إليهم أمينا ً فطنا ً ناصحا ً‬
‫يسألهم ما ينقمون ‪ ،‬فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها ‪ ،‬فإن أصروا نصحهم‬
‫ثم آذنهم بالقتال ‪ ،‬فإن استمهلوا اجتهد وفعل ما رآه صوابا ً وليقتل مدبرهم‬
‫ولمثخنهم وأسيرهم وليطلق وإن كان صبيا ً أو امرأة حتى تنقضى الحرب‬
‫ويتفرق جمعهم إل أن يطيع باختياره ويرد سلحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت‬
‫الحرب وأمنت غائلتهم وليستعمل فى قتال إل لضرورة وليقاتلون بعظيم‬
‫كنار ومنجنيق إل لضرورة كأن قاتلوا به أو أحاطوا بنا وليستعان عليهم بكافر‬
‫ول بمن يرى قتلهم مدبرين ‪.4/128 .‬‬
‫قال ابن قدامة فى المغنى )‪ :(8/114‬أهل البغى إذا تركوا القتال إما بالرجوع‬
‫إلى الطاعة ‪ ،‬وإما بإلقاء السلح ‪ ،‬وإما بالهزيمة إلى فئة أو إلى غير‬
‫فئة ‪ ،‬وإما بالعجز لجراح أو مرض أو أسر فإنه يحرم قتلهم واتباع مدبرهم ‪،‬‬
‫وبهذا قال الشافعى ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬إذا هزموا ولفئة لهم كقولنا )أى ليجوز قتلهم( وإن كانت‬
‫لهم فئة يلجئون إليها جاز قتل مدبرهم وأسيرهم ‪ ،‬والجازة على جريحهم ‪،‬‬
‫وإن لم يكن لهم فئة لم يقتلوا لكن يضربون ضربا ً وجيعا ً ويحبسون حتى‬
‫يقلعوا عما هم عليه ويحدثوا توبة ‪ .‬ذكروا هذا فى الخوارج ‪.‬‬
‫ويروى عن ابن عباس ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬نحو هذا واختاره بعض أصحاب‬
‫الشافعى لنه متى لم يقتلهم اجتمعوا ثم عادوا للمحاربة ‪ ،‬ولنا ماروى عن‬
‫على ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬عنه أنه قال يوم الجمل ليذفف على جريح ‪ ،‬وليهتك‬
‫ستروليفتح باب ‪ ،‬ومن أغلق بابا ً أو بابه فهو آمن ول يتبع مدبر )‪ ، (1‬فإن قتل‬
‫من ِعَ من قتله ضمنه لنه قتل معصوما ً لم يؤمر بقتله ‪ ،‬وفى‬
‫إنسان من ُ‬
‫القصاص وجهان ‪ .‬وأما أسيرهم فإن دخل فى الطاعة خلى سبيله ‪ ،‬وإن أبى‬
‫ذلك وكان رجل ً جلدا ً من أهل القتال حبس ما دامت الحرب قائمة ‪ ،‬فإذا‬
‫انقضت الحرب خلى سبيله و ُ‬
‫شرط عليه أن ل يعود إلى القتال ‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫السير من أهل القتال كالنساء والصبيان والشيوخ الفانين خلى سبيلهم ولم‬
‫يحبسوا فى أحد الوجهين ‪ .‬وإن قتل أهل البغى أسارى أهل العدل لم يجز‬
‫لهل العدل قتل أسراهم لنهم ل يقتلون بجناية غيرهم ‪ .‬فأما غنيمة أموالهم‬
‫وسبى ذريتهم فل نعلم فى تحريمه بين أهل العلم خلفا ً ‪.‬أهـ‪ .‬باختصار ‪.‬‬
‫قال الدسوقى فى حاشية الشرح الكبير )‪ :(4/299‬يمتاز قتال البغاة عن‬
‫قتال الكفار بأحد عشر وجها ً ‪ :‬أن يقصد بالقتال ردعهم لقتلهم ‪ ،‬وأن يكف‬
‫عن مدبرهم وليجهز على جريحهم ولتقتل أسراهم ولتغنم أموالهم ول‬
‫تسبى ذراريهم وليستعان عليهم بمشرك وليوادعهم على مال ولتنصب‬
‫عليهم الرعادات ولتحرق مساكنهم وليقطع شجرهم ‪.‬‬
‫قال الكاسانى الحنفى فى بدائع الصنائع )‪ :(4/140‬المام إذا قاتل أهل البغى‬
‫فهزمهم وولوا مدبرين فإن كانت لهم فئة ينحازون إليها فينبغى لهل العدل‬
‫أن يقتلوا مدبرهم ويجهزوا على جريحهم لئل يتحيزوا إلى الفئة فيمتنعوا بها‬
‫فيكروا على أهل العدل ‪ ،‬وأما أسيرهم فإن شاء المام قتله استئصال ً‬
‫‪4‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لشأفتهم ‪ ،‬وإن شاء حبسه لندفاع شره بالسر والحبس وإن لم يكن فئة‬
‫يتحيزون إليها لم يتبع مدبرهم ولم يجهز على جريحهم ولم يقتل أسيرهم‬
‫لوقوع المن عن شرهم عند انعدام الفئة ‪.‬أهـ‪.‬‬
‫)‪(14 /‬‬
‫مما سبق يتضح أن أهل البغى يقاتلون لدفع شرهم بعد إزالة شبهتهم‬
‫ودعوتهم إلى الرجوع إلى الحق لقوله ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ } : -‬فأصلحوا‬
‫بينهما { ‪ ،‬فل يبدءون بالقتال قبل الصلح ‪ ،‬فإذا قوتلوا ليتبع مدبر ول يجهز‬
‫على جريح وليقتل أسير عند عدم وجود فئة لهم باتفاق عامة العلماء ‪ ،‬وعند‬
‫وجود فئة لهم كذلك عند الجمهور خلفا ً للحنفية ‪ .‬وأما الموال والنساء‬
‫والذرارى فتحريمها باق بل خلف بين العلماء لنهم مسلمون ‪ ،‬وأما نفوذ‬
‫أحكامهم وقبول شهادتهم فالذى عليه الجمهور قبول شهادتهم وأنه ينفذ من‬
‫أحكامهم ماينفذ من أحكام قاضى أهل العدل وينقضى منها ما ينقضى من‬
‫حكمه من حدود أقاموها وزكاة جمعوها وغيرها )روضة الطالبين ‪-10/53‬‬
‫المغنى ‪-8/119‬حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ‪ .(4/300‬خلفا ً للحنفية‬
‫الذين يرون عدم إنفاذ أحكامهم إل فى بعض الصور )بدائع الصنائع ‪، (7/142‬‬
‫والجمهور على أنهم ليضمنون نفسا ً ولمال ً مما أتلفوه حال القتال وليجب‬
‫عليهم بعد توبتهم أو هزيمتهم قصاص ول دية‬
‫لقول الزهرى ‪ :‬كانت الفتنة العظمى بين الناس وفيهم البدريون فأجمعوا‬
‫على أنه ليقام حد على رجل ارتكب فرجا ً حراما ً بتأويل القرآن وليغرم مال ً‬
‫أتلفه بتأويل القرآن ‪) .‬المغنى ‪-8/113‬مغن المحتاج ‪ ، (4/124‬وذهب البعض‬
‫لتضمينهم وهو أحد الوجهين عند الشافعية ورجحه الشوكانى فى السيل‬
‫الجرار )‪. (4/559‬‬
‫الخوارج ومانعى الزكاة هل هم أهل بغى ؟‬
‫أطلق كثير من العلماء من أتباع المذاهب الربعة وغيرهم أن مانعى الزكاة‬
‫والخوارج أهل بغى ‪ ،‬قال الخطابى ‪ :‬مما يجب تقديمه فى هذا أن ُيعلم أن‬
‫أهل الردة كانوا صنفين ‪:‬‬
‫الول ‪:‬صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر‪ :‬وهم الذين‬
‫عناهم أبو هريرة بقوله ‪ :‬وكفر من كفر من العرب ‪.‬‬
‫والصنف الخر ‪ :‬هم الذين فرقوا بين الصلة والزكاة فأقروا بالصلة وأنكروا‬
‫فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى المام ‪ :‬وهؤلء على الحقيقة أهل بغى وإنما‬
‫لم يدعوا بهذا السم فى ذلك الزمان خصوصا ً لدخولهم فى غمار أهل الردة‬
‫فأضيف السم فى الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم المرين وأهمهما وأرخ‬
‫قتال أهل البغى فى زمن على بن أبى طالب ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬إذ كانوا‬
‫منفردين فى زمانه لم يختلطوا بأهل الشرك ‪.‬إلى أن قال ‪ :‬فإن قيل كيف‬
‫تأولت أمر الطائفة التى منعت الزكاة على الوجه الذى ذهبت إليه وجعلتهم‬
‫أهل بغى ؟ وهل إذا أنكرت طائفة من المسلمين فى زماننا فرض الزكاة‬
‫وامتنعوا عن أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغى ‪ ،‬قلنا ل فإن من أنكر فرض‬
‫الزكاة فى هذه الزمان كان كافرا ً بإجماع المسلمين ‪ ،‬والفرق بين هؤلء‬
‫وأولئك أنهم عذروا لسباب وأمور ليحدث مثلها فى هذا الزمان منها قرب‬
‫العهد بزمان الشريعة الذى كان يقع معه تبديل الحكام ومنها أن القوم كانوا‬
‫جهال ً بأمور الدين ‪ ،‬وكان عهدهم بالسلم قريبا ً فدخلتهم الشبهة فعذروا ‪،‬‬
‫فأما اليوم وقد شاع دين السلم واستفاض فى المسلمين علم وجوب الزكاة‬

‫‪5‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيها العالم والجاهل فل يعذر أحد بتأويل‬
‫يتأوله فى إنكارها ‪،‬وكذا المر فى كل من أنكر شيئا ً مما أجمعت عليه المة‬
‫من أمور الدين إذا كان علمه منتشرا ً كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان‬
‫والغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم ونحوها من‬
‫الحكام إل أن يكون رجل ً حديث عهد بالسلم وليعرف حدوده ‪ ،‬فإنه إذا أنكر‬
‫شيئا ً منها جهل ً به لم يكفر وكان سبيله أولئك القوم فى بقاء إسم الدين عليه‬
‫‪ ،‬فأما ماكان الجماع فيه معلوما ً من طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة‬
‫على عمتها وخالتها ‪ ،‬وأن القاتل عمدا ً ليرث ‪ ،‬وأن للجدة السدس ‪ ،‬وما‬
‫أشبه ذلك من الحكام فإن من أنكرها ليكفر بل يعذر لعدم استفاضة علمها‬
‫فى العامة ‪.‬أهـ‪ .‬من شرح مسلم للنووى )‪. (1/173‬‬
‫يتضح من هذا الكلم النفيس أن التأويل المقطوع ببطلنه ولكنه ليخالف‬
‫المعلوم من الدين بالضرورة وانتشر علمه فى العامة يمنع من التكفير لكن‬
‫ليمنع من القتال ‪ ،‬والذى يختاره الخطابى أن التأويل الباطل يعتبر فى إعطاء‬
‫حكم البغاة لصحابه ‪ ،‬وقد سبق كلم النووى )أنظر صفحة ‪ (15‬ومثله كلم‬
‫ابن قدامة إذ قال فى المغنى )‪ (8/107‬والصحيح إن شاء الله أن الخوارج‬
‫يجوز قتلهم ابتداءا ً والجازة على جريحهم ‪،‬والذى يظهر من صنيع المام‬
‫البخارى رحمه الله التفرقة بين أهل البغى وبين مانعى الزكاة والخوارج إذ‬
‫وب قتال مانعى الزكاة والخوارج فى كتاب استتابة المرتدين والمعاندين‬
‫ب ّ‬
‫وقتالهم لفى أبواب قتال أهل البغى فقال ‪ :‬باب قتال من أبى قبول الفرائض‬
‫وما نسبوا إلى الردة ‪ .‬وقد سبق بيان معنى الردة فى حقهم وكلم الخطابى‬
‫وأنها عن بعض الدين لعن أصل الدين ‪.‬‬
‫وبوب لقتال الخوارج فقال باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة‬
‫عليهم ‪.‬‬
‫)‪(15 /‬‬
‫قال ابن حجر رحمه الله فى فتح البارى )‪ :(12/280‬والذين تمسكوا بأصل‬
‫السلم ومنعوا الزكاة بالشبهة التى ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة‬
‫الحجة وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم هل تغنم أموالهم وتسبى‬
‫ذراريهم كالكفار أو كالبغاة ؟ فرأى أبو بكر الول وعمل به وناظره عمر فى‬
‫ذلك وذهب إلى الثانى ووافقه غيره فى خلفته على ذلك واستقر الجماع‬
‫عليه فى حق من جحد شيئا ً من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع فإن نصب‬
‫القتال قوتل وأقيمت عليه الحجة فإن رجع وإل عومل معاملة الكافر حينئذ‬
‫ويقال أن أصبغ من المالكية استقر على القول الول فُعد من ندرة‬
‫المخالف ‪.‬‬
‫قال النووى ‪ :‬الخوارج صنف من المبتدعة يعتقدون أن من فعل كبيرة كفر‬
‫وخلد فى النار ‪.‬‬
‫قال الشافعى ‪ :‬وجماهير الصحاب ‪ -‬رضي الله عنهم ‪ -‬لو أظهر قوم رأى‬
‫الخوارج وتجنبوا الجماعات وكفروا المام ومن معه فإن لم يقاتلوا وكانوا‬
‫فىقبضة المام لم يقتلوا ولم يقاتلوا ثم إن صرحوا بسب المام أو غيره من‬
‫أهل العدل عزروا وإن عرضوا ففى تعزيزهم وجهان أصحهما ليعزرون ولو‬
‫بعث المام إليهم واليا ً فقتلوه فعليهم القصاص وهل يتحتم قتل قاتله كقاطع‬
‫الطريق لنه شهر سلح أم ل لنه لم يقصد إخافة الطريق وجهان أصحهما‬
‫ليتحتم ‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وأطلق البغوى أنهم إن قاتلوا فهم فسقة وأصحاب بهت فحكمهم حكم قطاع‬
‫الطريق ‪.‬‬
‫وحكى المام فى تكفير الخوارج وجهين ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فإن لم نكفرهم فلهم حكم المرتدين ‪ ،‬وقيل حكم البغاة ‪ ،‬فإن قلنا‬
‫كالمرتدين لم تنفذ أحكامهم ‪ .‬روضة الطالبين )‪ . (10/52‬وقال أيضا ً فى‬
‫المنهاج ‪ :‬ولو أظهر قوم رأى الخوارج كترك الجماعات وتكفير ذى الكبيرة‬
‫ولم يقاتلوا تركوا وإل فقطاع طريق ‪.‬‬
‫قال الشربينى فى مغنى المحتاج ‪ :‬أى فحكمهم إن لم نكفرهم وهو الصح‬
‫كحكم قطاع طريق ‪ ،‬فإن قتلوا أحدا ً ممن يكافئهم اقتص منهم كغيرهم لأنهم‬
‫قطاع طريق فل يتحتم قتلهم ‪.‬‬
‫قال محمد بن عبد الله بن حسين فى زوائد زاد المستقنع ‪ :‬الخوارج الذين‬
‫يكفرون بالذنوب ويستحلون دماء المسلمين فظاهر قول المتأخرين من‬
‫أصحابنا أنهم بغتة حكمهم حكمهم وذهب أحمد فى إحدى الروايتين عنه‬
‫وطائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون حكمهم حكم المرتدين ‪ ،‬قال‬
‫فى الترغيب والرعايتين وهى أشهر وذكر ابن حامد أنه لخلف فيه ‪،‬‬
‫وقال الشيخ )يعنى ابن تيمية( أجمعوا أن كل طائفة ممتنعة من شريعة‬
‫متواترة من شرائع السلم يجب قتالها ليكون الدين كله لله كالمحاربين‬
‫وأولى وقال فى الرافضة شر من الخوارج قال وفى قتل واحد منهما ونحوها‬
‫وكفره روايتان والصحيح جواز قتله كالداعية ونحوه )‪ (2/997‬زوائد زاد‬
‫المستقنع‬
‫وقد حقق شيخ السلم ابن تيمية أن قتال الخوارج ومانعى الزكاة والطوائف‬
‫الممتنعة من الشريعة قسم ثالث فقال ‪ :‬إن الئمة متفقون على دم الخوارج‬
‫وتضليلهم وإنما تنازعوا فى تكفيرهم على قولين مشهورين فى مذهب مالك‬
‫وأحمد وفى مذهب الشافعى أيضا ً نزاع فى كفرهم ‪ ،‬ولهذا كان فيهم وجهان‬
‫فى مذهب أحمد وغيره على‬
‫الطريقة الولى ‪ :‬أنهم بغاة ‪.‬‬
‫و الطريقة الثانية ‪ :‬أنهم كفار كالمرتدين ويجوز قتلهم ابتداء وقتل أسيرهم‬
‫واتباع مدبرهم ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد فإن تاب وإل قتل كما أن‬
‫مذهبه فى مانعى الزكاة إذا قاتلوا المام عليها هل يكفرون مع القرار‬
‫بوجوبها على روايتين وهذا كله مما يبين أن قتال الصديق لمانعى الزكاة‬
‫وقتال على للخوارج ليس مثل القتال يوم الجمل وصفين فكلم على وغيره‬
‫فى الخوارج يقتضى أنهم ليسوا كفارا ً كالمرتدين عن أصل السلم وهذا هو‬
‫المنصوص عن الئمة كأحمد وغيره ‪ ،‬وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل‬
‫الجمل وصفين‪ ،‬بل هم نوع ثالث وهذا أصح القوال فيهم ‪.‬الفتاوى )‬
‫‪ .(28/518‬وقال أيضا ً )‪ :(28/551‬وهؤلء إذا كان لهم طائفة ممتنعة فلريب‬
‫أنه يجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم والجهاز على جريحهم ‪ ،‬وقال )‬
‫‪ :(28/589‬كل ماأخذ من التتار يخمس ويباح النتفاع به ‪.‬‬
‫)‪(16 /‬‬
‫وقال )‪ :(229‬فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج كالحرورية‬
‫والرافضة ونحوهم فهذا فيه قولن للفقهاء هما روايتان عن المام أحمد ‪،‬‬
‫والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه‬
‫فساد فإن النبى صلي الله عليه وسلم قال " أينما لقيتموهم فاقتلوهم "‬

‫‪7‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وقال صلي الله عليه وسلم " لئن أدركتهم لقتلنهم قتل عاد " ‪ ،‬وقال عمر ‪-‬‬
‫رضي الله عنه ‪ -‬لصبيغ بن عسل‪ :‬لو وجدتك محلوقا ً لضربت الذى فيه‬
‫عيناك ‪ ،‬ولن على بن أبى طالب ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬طلب أن يقتل عبد الله‬
‫بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه ولن هؤلء من أعظم المفسدين فى‬
‫الرض ‪ ،‬فإذا لم يندفع فسادهم إل بالقتل قتلوا ‪ ،‬وليجب قتل كل واحد منهم‬
‫إذا لم يظهر هذا القول أو كان فى قتله مفسدة راجحة ‪ ،‬ولهذا ترك النبى‬
‫صلي الله عليه وسلم قتل ذلك الخارجى ابتداء لئل يتحدث الناس أن محمدا ً‬
‫يقتل أصحابه ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام ‪ ،‬ولهذا ترك على قتلهم أول‬
‫ماظهروا لنهم كانوا خلقا ً كثيرا ً وكانوا داخلين فى الطاعة والجماعة ظاهرا ً‬
‫لم يحاربوا الجماعة ولم يكن تبين له أنهم هم ‪ ،‬وأما تكفيرهم وتخليدهم فيه‬
‫أيضا ً للعلماء قولن مشهوران وهما روايتان عن أحمد ‪ ،‬والقولن فى الخوارج‬
‫والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم ‪ ،‬والصحيح أن هذه القوال التى‬
‫يقولونها التى يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم كفر‬
‫وكذلك أفعالهم التى هى من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هى كفر أيضا ً‬
‫وقد ذكرت دلئل ذلك فى غير هذا الموضع لكن تكفير الواحد المعين منهم‬
‫والحكم بتخليده فى النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه ‪،‬‬
‫فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق ‪ ،‬ولنحكم‬
‫للمعين بدخوله فى ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذى لمعارض له‬
‫‪.‬أهـ‪.‬‬
‫وقد نقل ابن كثير فى البداية والنهاية روايتين عن على ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬فى‬
‫أموال الخوارج وأسند أنه لم يخمس أموالهم ولم يقسمها وأمر بتفريق من‬
‫لم يقتل منهم فى قبائلهم ‪ ،‬وهذا يدل على أنه لم يكن يكفرهم بأعيانهم ولم‬
‫ينقل عنه قط أنه سبى النساء والذرارى ويمكن حمل الحاديث التى وردت‬
‫فى مروقهم من الدين وأنهم كلب النار وهى متواترة فى ذمهم على من كان‬
‫منافقا ً كافرا ً فى الباطن كما قال ابن تيمية رحمه الله فى كتاب اليمان‬
‫)وكذلك سائر الثنتين وسبعين فرقة من كان منهم منافقا ً فهو كافر فى‬
‫الباطن ومن لم يكن منافقا ً بل كان مؤمنا ً بالله ورسوله فى الباطن وإن‬
‫أخطأ التأويل كائنا ً ما كان خطؤه وقد يكون فيه شعبة من النفاق وليكون فيه‬
‫النفاق والذى يكون صاحبه فى الدرك السفل من النار ‪.‬أهـ‪.‬‬
‫مما سبق يتضح أنه ‪-:‬‬
‫‪ -1‬اختلف العلماء فى تكفير الخوارج ومانعى الزكاة الذين يقاتلون على‬
‫منعها على قولين الراجح منها وهو قول جماهير العلماء عدم التكفير بالعموم‬
‫وهو المنقول عن على ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬فى الخوارج ‪.‬‬
‫‪ -2‬أجمع العلماء على ذم الخوارج وتبديعهم ومثلهم مانعى الزكاة ومن أبى‬
‫التزام الفرائض وحق السلم وأنهم ليسوا كمن خرج على المام بتأويل سائغ‬
‫معتبر فل يفسق بذلك عند جماهير العلماء ‪ ،‬وأجمعوا على أن الصحابة كلهم‬
‫عدول وليفسق أحد منهم ولو وصفوا بالفئة الباغية ‪.‬‬
‫‪ -3‬ومع ذلك يرى أكثر العلماء أن قتال الخوارج ومانعى الزكاة من جنس‬
‫قتال البغاة فل يغنم مال ول تسبى لهم ذرية وليذفف على جريح وليقتل‬
‫أسير وليتبع مدبر والواحد المقدور عليه منهم ليجوز قتله وليجب ابتداؤهم‬
‫بالقتال إذا لم ينصبوا حربا ً ولم يستعدوا لذلك )فتح البارى ‪.(12/298‬‬
‫‪ -4‬ويرى بعض العلماء أن قتال الخوارج ومانعى الزكاة قسم ثالث ليس‬
‫كقتال المرتدين ول كقتال البغاة فيجوز الجازة على الجريح وقتل السير‬
‫والواحد المقدور عليه مالم يكن فى قتله مفسدة راجحة وتقسم أموالهم‬
‫‪8‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كغنائم ويجب قتالهم ابتداء وهم من الذين يحاربون الله ورسوله ‪ ،‬ويسعون‬
‫فى الرض فسادا ً وهذا ترجيح شيخ السلم ابن تيمية ‪ .‬والخلف فى هذه‬
‫المسألة خلف سائغ يجتهد فيه المام أومن يقوم مقامه فى الجهاد ‪.‬‬
‫الطائفة الثانية‪ :‬قتال المحاربين وقطاع الطريق ‪:‬‬
‫الصل فى ذلك قوله تعالي ‪ } :‬إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ‪،‬‬
‫ويسعون فى الرض فسادا ً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من‬
‫خلف أو ينفوا من الرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الخرة عذاب‬
‫عظيم إل الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم { [المائدة ‪. ]34-33‬‬
‫)‪(17 /‬‬
‫روى الجماعة عن أنس أن ناسا ً من عكل قدموا على النبى صلي الله عليه‬
‫وسلم وتكلموا بالسلم فاستوخموا المدينة فأمر النبى صلي الله عليه وسلم‬
‫ب ِذ َوْدِ وراِع ‪ ،‬وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا حتى‬
‫حّرة كفروا بعد إسلمهم وقتلوا راعى النبى صلي الله عليه‬
‫إذا كانوا بناحية ال َ‬
‫وسلم واستاقوا الذود فبلغ ذلك النبى صلي الله عليه وسلم فبعث الطلب فى‬
‫آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا فى ناحية الحرة حتى‬
‫ماتوا على حالهم ‪.‬‬
‫قال الشوكانى فى السبيل الجرار )‪ :(4/368‬وكون سبب نزولها فى‬
‫المشركين الذين أخذوا لقاح النبى صلي الله عليه وسلم لما شكوا إليه وباء‬
‫المدينة ليدل على اختصاص هذا الحد بهم فإن العتبار بعموم اللفظ‬
‫لبخصوص السبب ‪.‬‬
‫قال القرطبى فى تفسير الية‪ :‬قال مالك المحارب عندنا من حمل على‬
‫الناس فى مصر أو فى برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون ثائرة )هياج(‬
‫ولذحل )ثأر( ولعداوة ‪.‬‬
‫قال ابن المنذر اختلف عن مالك فى هذه المسألة فأثبت المحاربة فى المصر‬
‫ونفى ذلك مرة ‪ ،‬وقالت طائفة حكم ذلك فى المصر أو فى المنازل والطرق‬
‫وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة وهذا قول الشافعى وأبى‬
‫ثور ‪ ،‬قال ابن المنذر‪ :‬كذلك هو لن كل ً يقع عليه اسم المحاربة والكتاب على‬
‫العموم وليس لحد أن يخرج من جمله الية قوما ً بغير حجة ‪.‬أهـ‪.‬‬
‫قال النووى فى روضة الطالبين )‪ :(10/154‬تعتبر فيهم الشوكة والبعد عن‬
‫الغوث وأن يكونوا مسلمين مكلفين فالكفار ليس لهم حكم قطاع الطريق ‪.‬‬
‫قال ابن تيمية )الفتاوى ‪ :(28/302‬قطاع الطريق الذين يعترضون الناس‬
‫بالسلح فى الطرقات ونحوها ليغصبوهم المال مجاهرة ‪ .‬قال الله تعالي‬
‫} إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ‪،‬ويسعون فى الرض فسادا ً أن‬
‫يقتلوا ‪ ،‬أو يصلبوا ‪،‬أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف ‪،‬أو ينفوا من‬
‫الرض { [المائدة ‪ ]33‬وقد روى الشافعى رحمه الله فى مسنده عن ابن‬
‫عباس ‪ -‬رضي الله عنهم ‪ -‬فى قطاع الطريق‪ :‬إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا‬
‫ولم يصلبوا ‪ ،‬وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلف ‪،‬‬
‫وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مال ً نفوا من الرض ‪.‬‬
‫وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعى وأحمد وهو قريب من قول أبى‬
‫حنيفة رحمه الله ومنهم من قال للمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى قتله‬
‫مصلحة وإن كان لم يقتل مثل أن يكون رئيسا ً مطاعا ً فيهم ‪ ،‬ويقطع من رأى‬
‫قطعه مصلحة وإن لم يأخذ المال مثل أن يكون ذا جلد وقوة فى أخذ‬

‫‪9‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المال ‪،‬كما أن منهم من يرى أنهم إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا‪،‬‬
‫والول قول الكثر ‪ ،‬فمن كان من المحاربين قتل فإنه يقتله المام حدا ً‬
‫ليجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء ‪.‬‬
‫ذكره ابن المنذر ‪ ،‬وليكون أمره إلى ورثة المقتول ‪ .‬وقال‪ :‬إذا كان‬
‫المحاربون الحرامية جماعة ‪ ،‬فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون له‬
‫أعوان وردء له فقد قيل يقتل المباشر فقط ‪ ،‬والجمهور على أن الجميع‬
‫يقتلون ولو كانوا مئة ‪ ،‬وأن الردء والمباشر سواء وهذا هو المأثور عن الخلفاء‬
‫الراشدين ‪.‬والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم‬
‫مشتركون فى الثواب والعقاب كالمجاهدين ‪.‬‬
‫فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم ‪ ،‬وهكذا المقتتلين‬
‫على عصبية ودعوى جاهلية كقيس ويمن ونحوها وهما ظالمتان كما قال‬
‫النبى صلي الله عليه وسلم " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل‬
‫والمقتول فى النار ‪ :‬يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال إنه أراد‬
‫قتل صاحبه " أخرجاه فى الصحيحين وتضمن كل طائفة ماأتلفته للخرى من‬
‫نفس ومال وإن لم يعرف عين القاتل ‪ ،‬لن الطائفة الواحدة الممتنع بعضها‬
‫كالشخص الواحد ‪ ،‬وفى ذلك قوله ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ } : -‬كتب عليكم‬
‫القصاص فى القتلى { [البقرة ‪. ]178‬أهـ‪.‬بإختصار ‪.‬‬
‫قال الشيخ خليل بن اسحق فى مختصره )‪ :(331‬المحارب قاطع الطريق‬
‫لمنع سلوك أو آخذ مال مسلم أو غيره على وجه يتعذر معه الغوث وإن انفرد‬
‫بمدينة كمسقى السيكران لذلك ومخادع الصبى أو غيره ليأخذ ما معه‬
‫والداخل فى ليل أو نهار فى زقاق أو دار َقاَتل ليأخذ المال فيقاتل بعد‬
‫المناشدة إن أمكن ‪.‬‬
‫قال الدردير فى الشرح الكبير‪ :‬على قوله )على وجه يتعذر معه الغوث( فإن‬
‫كان من شأنه عدم تعذره فغير محارب بل غاصب ولو سلطانا ً فيشمل‬
‫مسألة سقى السيكران ومخادعة الصبى أو غيره ليأخذ ما معه وجبابرة أمراء‬
‫مصر ونحوهم يسلبون أموال المسلمين ويمنعونهم أرزاقهم ويغيرون على‬
‫بلدهم ولتتيسر استغاثة منهم بعلماء ولغيرهم ‪.‬‬
‫)‪(18 /‬‬
‫قال الدسوقى فى حاشيته‪ :‬وفى البدر القرافى أن من أخذ وظيفة أحد‬
‫لجنحة فيه بتقرير سلطان فهو محارب لنه يتعذر معه الغوث منه مادام معه‬
‫تقرير السلطان ‪ ،‬ثم ذكر ترددا ً فى كون الذين يأخذون المكوس محاربين‬
‫بمنزلة قطاع الطرق أو غاصبين )‪.(1‬وقال فى قوله جبابرة أمراء مصر ‪ ،‬فهم‬
‫صاب ‪ .‬وقال ايضًا‪ :‬من خرج لخافة السبيل قصدا ً للغلبة على‬
‫محاربون ل غ ّ‬
‫الفروج فهو محارب أقبح ممن خرج إخافة السبيل لخذ المال ‪.‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله‪:‬فأما إذا طلبهم السلطان أو نوابه‬
‫لقامة الحد بل عدوان فامتنعوا عليه فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق‬
‫العلماء حتى يقدر عليهم كلهم ومتى لم ينقادوا إل بقتال يفضى إلى قتلهم‬
‫جميعا ً قوتلوا ‪ ،‬وإن أفضى إلى ذلك سواء كانوا قد قتلوا أو لم يقتلوا ويقتلون‬
‫فى القتال كيفما أمكن ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويعينهم فهذا‬
‫قتال وذاك إقامة حد ‪ ،‬وقتال هؤلء أوكد من قتال الطوائف الممتنعة عن‬
‫شرائع السلم ‪ ،‬فإن هؤلء تحزبوا لفساد النفوس والموال وهلك الحرث‬
‫والنسل ليس مقصودهم إقامة دين ولملك لكن قتالهم ليس كقتال الكفار إذا‬

‫‪10‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لم يكونوا كفارا ً ولتؤخذ أموالهم إل أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق ‪،‬‬
‫فإن عليهم ضمانها فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا وإن لم نعلم عين الخذ ‪ ،‬وإذا‬
‫جرح الرجل منهم جرحا ً مثخنا ً لم يجهز عليه حتى يموت إل أن يكون وجب‬
‫عليه القتل ‪ ،‬وإذا هرب وكفانا شره لم نتبعه إل أن يكون عليه حد أو نخاف‬
‫ُ‬
‫سَر منهم أقيم عليه الحد الذى يقام على غيره ‪.‬‬
‫عاقبته ‪ ،‬ومن أ ِ‬
‫ومن الفقهاء من يشدد فيهم حتى يرى غنيمة أموالهم وتخميسها وأكثرهم‬
‫يأبون ذلك ‪ ،‬فأما إذا تحيزوا إلى مملكة طائفة خارج عن شريعة السلم‬
‫وأعانوهم على المسلمين قوتلوا كقتالهم ‪.‬أهـ‪.‬‬
‫***********‬
‫****‬
‫)‪(19 /‬‬
‫الجواب عن الشبهات‬
‫د‪ .‬عبد الحي يوسف*‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم على أشرف المرسلين‪ ،‬وعلى آله‬
‫وصحبه أجمعين‪ ،‬أما بعد‪..‬‬
‫فإن طرح الشبهات وإيراد المشكلت دأب أهل الضللة من قديم‪ ،‬يفعلون‬
‫ذلك صدا ً عن سبيل الله واستجابة لداعي الهوى في نفوسهم التي جبلت‬
‫على العجاب بالرأي وإيثار العاجلة على الباقية‪ ،‬وفي القرآن الكريم نماذج‬
‫لبعض تلك الشبهات التي طرحها المشركون الولون على النبياء والمرسلين‬
‫صلوات الله وسلمه عليهم أجمعين‪ ،‬كقولهم‪) :‬أنؤمن لك واتبعك الرذلون(‪،‬‬
‫وقولهم‪) :‬أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون(‪ ،‬وقولهم‪) :‬أبشرا ً منا‬
‫واحدا ً نتبعه إنا إذا ً لفي ضلل وسعر(‪ ،‬وقولهم‪) :‬أصلتك تأمرك أن نترك ما‬
‫يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء(‪ ،‬وجماع ذلك قول الله في القرآن‪:‬‬
‫)وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم‬
‫لمشركون(‪ ،‬قال أهل التفسير‪ :‬نزلت الية فيمن اعترضوا على تحريم الميتة‬
‫بقولهم للنبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬ما قتله الله حرام وما قتلته بيدك حلل؟‬
‫وقوله سبحانه‪) :‬وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ً شياطين النس والجن يوحي‬
‫بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما‬
‫دعون أنهم أهل استقامة وسداد وأنهم يرومون‬
‫يفترون(‪ ،‬وهم في هذا كله ي ّ‬
‫الخير للناس‪) :‬وإذا قيل لهم ل تفسدوا في الرض قالوا إنما نحن مصلحون أل‬
‫إنهم هم المفسدون ولكن ل يشعرون(‪.‬‬
‫وهاهنا نعرض لبعض هاتيك الشبهات التي يرّوج لها الداعون إلى علمانية‬
‫العاصمة القومية‪:‬‬
‫ً‬
‫]‪ [1‬قولهم‪ :‬إن في العاصمة ناسا يدينون بغير السلم وفي الحكم بالشريعة‬
‫تضييق عليهم‪:‬‬
‫والجواب أن وجود غير المسلمين في مجتمع يحكم بالسلم ليس وليد اليوم‪،‬‬
‫ول هي مشكلة طارئة تحتاج إلى بحث‪ ،‬بل منذ أن بعث الله نبيه محمدا ً صلى‬
‫الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن وقامت للسلم دولة في المدينة‪ ،‬وغير‬
‫المسلمين ـ من اليهود وغيرهم ـ موجودون يعيشون بين ظهراني المسلمين‬
‫ويمارسون شعائر دينهم؟ فما الجديد إذن؟ ومتى كان وجود القلية في أي‬
‫مكان أو زمان يمنع الغلبية من أن تطبق دينها؟ وهل عهد في تاريخ السلم‬
‫كله إجبار غير المسلم على الدخول في السلم؟‬

‫‪11‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يقول جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب‪" :‬وكان يمكن أن تعمي فتوح‬
‫العرب الولى أبصارهم وأن يقترفوا من المظالم ما يقترفه الفاتحون عادة‪،‬‬
‫ويسيئوا معاملة المغلوبين ويكرهوهم على اعتناق دينهم الذي كانوا يرغبون‬
‫في نشره في العالم‪ ،‬ولكن العرب اجتنبوا ذلك‪ ،‬فقد أدرك الخلفاء السابقون‬
‫ـ الذين كان عندهم من العبقرية السياسية ما ندر وجوده في دعاة الديانات‬
‫الجديدة ـ أن النظم والديانات ليست مما يفرض قسرا ً فعاملوا ـ كما رأينا ـ‬
‫أهل سورية ومصر وإسبانيا وكل قطر استولوا عليه بلطف عظيم تاركين لهم‬
‫نظمهم وقوانينهم ومعتقداتهم‪ ...‬فالحق أن المم لم تعرف فاتحين‬
‫متسامحين مثل العرب‪ ،‬ول دينا ً سمحا ً مثل دينهم"‪.‬‬
‫وغير المسلمين ـ تحت حكم السلم ـ في حمايةٍ من كل ظلم داخلي أو‬
‫اعتداء خارجي‪ ،‬وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬من ظلم‬
‫معاهدا ً أو انتقصه حقه كنت أنا خصمه يوم القيامة((‪ ،‬بل إن الثابت ـ واقعا ُ‬
‫وتاريخا ُ ـ أن المسلمين كانوا هم المتضررين من تطبيق غيرهم ما يحسبونه‬
‫دينًا‪ ،‬حيث عانوا في القديم من محاكم التفتيش في الندلس ـ وقد اعترف‬
‫بذلك مفكرو الغرب ومؤرخوه ـ وفي التاريخ الحديث ما أمر البوسنة‬
‫وكوسوفا عنا ببعيد؟ ونقول أيضًا‪ :‬إن اللتزام بالتشريع السلمي ل يمس‬
‫حقوق غير المسلمين؛ لن السلم كفل لهم حرية العتقاد وتطبيق تشريعهم‬
‫في الحوال الشخصية‪ ،‬ومن المعلوم للكافة أن النجيل ليس فيه أحكام‬
‫تشريعية في المسائل المدنية والتجارية‪ ،‬ولهذا يأخذ النصارى في كل دولة‬
‫بتشريعها في هذا المجال‪ ،‬فضل ً عن ذلك فالقوانين الدولية قد تواترت على‬
‫إقليمية التشريع في جميع التشريعات إل في مسائل الحوال الشخصية‪،‬‬
‫وبمقتضى ذلك يخضع الشخص لقانون القليم الذي يعيش فيه‪.‬‬
‫ثم ماذا يضير النصارى أن تمنع الخمور ويحظر الفجور ويلغى الربا ويحارب‬
‫البغاء؟ هل يزعم أحدهم أن دينا ً نزل من السماء يبيح شيئا ً من ذلك؟ اللهم‬
‫ل‪ .‬لكن منطق الستبداد الرعن الذي تمارسه أمريكا على سائر المم هو‬
‫الذي يحملها ـ ومن وراءها من الذناب كحركة التمرد ـ على أن يحاولوا منع‬
‫المسلمين من تطبيق شرائع دينهم تحت ذرائع شتى‪ ،‬والحال كما قال ربنا‪:‬‬
‫)ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء(‪) ،‬ود كثير من أهل الكتاب لو‬
‫يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ً حسدا ً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم‬
‫الحق(‪ ،‬لكن العجب العاجب هو أن يرضى بعض من ينتسب إلى السلم‬
‫لنفسه أن يكون مرّوجا ً لمثل تلك الباطيل‪ ،‬واضعا ً في طريق سيادة الشريعة‬
‫شتى العراقيل‪.‬‬
‫]‪ [2‬قولهم‪ :‬إن تطبيق الحكام الشرعية يحرم العاصمة من مجيء السائحين‪،‬‬
‫وترك الحكام الشرعية يجعلها عاصمة جاذبة‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫والجواب‪ :‬أن العقلء وأهل المروءة متفقون على أن الغاية ل تبرر الوسيلة‬
‫وأن ما عند الله ل يطلب بمعصيته‪ ،‬وقد قال العرب الّولون‪" :‬تجوع الحرة ول‬
‫تأكل بثدييها"‪ .‬ثم من الذي يقول‪ :‬إن العاصمة ل تكون جاذبة إل إذا أبيح فيها‬
‫الحرام؟ لو أنصفوا لقالوا‪ :‬إن الواجب علينا أن نرعى الخلق‪ ،‬ونحفظ حدود‬
‫الله من أن تضّيع فنح ّ‬
‫ل الحلل ونحّرم الحرام؛ حتى يأتي إلينا السائحون‬
‫الملتزمون وهم آمنون على أموالهم وأعراضهم وأنفسهم‪ ،‬ولو أنصفوا لقالوا‪:‬‬
‫إن الواجب أن تتضافر الجهود لترقية الخدمات وتأمين الماء والكهرباء‪ ،‬وتعبيد‬

‫‪12‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الطرق وتوسعة المطارات وتجميل المسارات وإنارة الشوارع حتى تكون‬
‫الخرطوم عاصمة جاذبة‪ ،‬بدل ً من الدعوة إلى العلمانية المنكرة التي تبيح ما‬
‫حرم الله فنكون ممن لم يحفظ دينا ً ولم يصلح دنيا‪) ،‬وشر الناس من خسر‬
‫الدنيا والخرة(‪ ،‬ونذ ّ‬
‫كر أنفسنا وهؤلء بقول الله عز وجل‪) :‬يا أيها الذين آمنوا‬
‫إنما المشركون نجس فل يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم‬
‫عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء(‪ ،‬وبقول النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪)) :‬ول يحملنكم طلب الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله((‪ ،‬ومن‬
‫التاريخ القريب يعلم المنصفون أن الخرطوم كانت يوما ً ما ـ بوجهها الشائه‬
‫وخدماتها المتردية ـ عاصمة الموبقات المهلكات فهل جذب ذلك السائحين‬
‫إليها؟ أو فتح أبواب الرزق عليها؟ اللهم ل هذا ول ذاك‪ .‬لكن‪..‬‬
‫يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ً ما ليس بالحسن‬
‫ثم أل يعتبر هؤلء بحال أمم سارت في ذات الدرب فلم تحصد إل المّر‬
‫والعلقم‪ ،‬فل أزماتها القتصادية حّلت‪ ،‬ول وحدتها الوطنية حققت‪ ،‬ول مشاكلها‬
‫المنية زالت‪ ،‬بل زادت‪) ،‬لقد كان في قصصهم عبرة لولي اللباب ما كان‬
‫حديثا ً يفترى(‪.‬‬
‫]‪ [3‬قولهم‪ :‬إن الستمساك بهذا المر ـــ أي تطبيق الشريعة في العاصمة ـــ‬
‫وت فرصة تحقيق السلم الذي بات وشيكا ً بزعمهم‪:‬‬
‫يف ّ‬
‫دم على حفظ‬
‫والجواب أن أهل السلم مجمعون على أن حفظ الدين مق ّ‬
‫النفوس والعراض والموال والعقول؛ وعليه فلو كان السلم في مقابل‬
‫التنازل عن أحكام الله عز وجل فنقول‪ :‬ل حّياه الله ول سقاه ول مرحبا ً به ول‬
‫ل‪ ،‬وحسبنا أن نذ ّ‬
‫أه ً‬
‫كر أنفسنا؛ لتكف عن طاعة المبطلين‪ ،‬بتلك الدماء الزكية‬
‫التي نزفت على أرض الجنوب والشرق لتكون كلمة الله هي العليا‪ ،‬فهل كان‬
‫ت بعد زمان قريب ليقول‪ :‬لبأس بالتنازل عن الشريعة في‬
‫ذلك ليأتي آ ٍ‬
‫ً‬
‫العاصمة من أجل تحقيق السلم‪ ،‬ولو أن امرءا رضي لنفسه أن يتنازل عن‬
‫دينه لينال سلما ً متوهمًا؛ فلن يبالي بعد ذلك بالتنازل عن عرضه‪ ،‬ومن تتبع‬
‫تاريخ المتمردين وزعيمهم في نقض العهود ازداد يقينا ً بقول الله في القرآن‪:‬‬
‫)أو كلما عاهدوا عهدا ً نبذه فريق منهم بل أكثرهم ل يؤمنون(‪ ،‬وبقوله‬
‫سبحانه‪) :‬كيف وإن يظهروا عليكم ل يرقبوا فيكم إل ً ول ذمة يرضونكم‬
‫بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون اشتروا بآيات الله ثمنا ً قليل ً فصدوا‬
‫عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ل يرقبون في مؤمن إل ً ول ذمة وأولئك‬
‫هم المعتدون(‪ ،‬ومن أعطى الدنية في دينه فرضي بتغييب الشريعة في‬
‫العاصمة اليوم فسيرضى بتغييبها في غيرها غدًا‪.‬‬
‫]‪ [4‬قولهم‪ :‬إن علمانية العاصمة علج للوضاع وحماية لها من التعصب‬
‫الديني‪:‬‬
‫ً‬
‫والجواب هو أن العلمانية ما كانت في يوم ٍ من اليام علجا للتعصب الديني أو‬
‫الطائفي أو العرقي‪ ،‬ومن كان في شك من ذلك فليرجع إلى تاريخ بلد‬
‫ارتضت العلمانية مبدأ ً ومنهجا ً من قديم ـ كالهند ولبنان وتركيا ـ هل حالت‬
‫العلمانية دون قيام مذابح الهندوس ضد المسلمين في الهند؟ أم حالت دون‬
‫قيام الحرب الهلية التي استمرت سنين عددا ً في لبنان؟ أم حالت دون‬
‫اضطهاد الكراد في تركيا؟ والتاريخ شاهد بأن حرب الجنوب قامت قبل أن‬
‫تطبق الشريعة سواء في ذلك التمرد الول أو الثاني‪ ،‬بل إننا نقول إن‬
‫المسلمين هم الخاسرون من تطبيق هذا المبدأ الفاسد حيث عهدنا في أكثر‬
‫البلد علمانية ـ كفرنسا مثل ً ـ أن تمنع الفتاة المسلمة من ارتداء حجابها في‬
‫المدرسة‪ ،‬وفي تركيا تمنع نائبة في البرلمان من الدخول إليه إل بعد خلع‬
‫‪13‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حجابها فأين العلمانية هنا؟ إن علج التعصب ل يكون إل بنشر الوعي وبث‬
‫العلم وتربية الناس على فن الحوار مع الغير واحترام النظام وأدب الكلم‪،‬‬
‫ول أنفع ول أطيب ول أحسن من هدي القرآن في ذلك‪) ،‬وجادلهم بالتي هي‬
‫أحسن(‪) ،‬وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر(‪) ،‬ل‬
‫إكراه في الدين(‪) ،‬إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ً وقبائل‬
‫لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم(‪ ،‬ولو أنصفوا لقالوا‪ :‬إن العلج يكمن في‬
‫إعطاء كل ذي حق حقه‪ ،‬ورفع الظلم وبسط العدل بتطبيق الشريعة‪.‬‬
‫]‪ [5‬قولهم‪ :‬إن العلمانية هي المبدأ السائد الذي يحكم العالم السلمي كله‪،‬‬
‫وما ينبغي أن نكون نشازا ً بين الناس‪:‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫والجواب أنه قد أجمع علماء المسلمين من قديم على أن الشريعة حاكمة‬
‫على جميع أفعال المكلفين‪ ،‬وأنها حجة عليهم ل العكس‪ ،‬وقد قال الله عز‬
‫وجل في القرآن‪) :‬قل ل يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث(‪،‬‬
‫)وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين(‪ ،‬وقال‪) :‬وإن تطع أكثر من في الرض‬
‫يضلوك عن سبيل الله(‪ ،‬وقال‪) :‬وإن كثيرا ً من الناس لفاسقون(‪) ،‬وإن كثيرا ً‬
‫ليضلون بأهوائهم بغير علم(‪ ،‬وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن‬
‫السلم ستنقض عراه عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي‬
‫تليها‪ ،‬فأولهن نقضا ً الحكم وآخرهن الصلة‪ ،‬وأخبرنا أن الكتاب والسلطان‬
‫سيفترقان وأمرنا أل ّ نفارق الكتاب‪ ،‬ثم أي عقل هذا الذي يحكم على المكّلف‬
‫بأن يدع تعاليم دينه ويهمل شريعة ربه ويكون إمعة لن الناس أو أكثرهم‬
‫فعلوا ذلك؟ وقد علم الناس أجمعون أن العلمانية ما حكمت العالم السلمي‬
‫برضى المسلمين ول مشورتهم‪ ،‬بل فرضت بقوة الحديد والنار عن طريق‬
‫النقلبات العسكرية التي قام بها أذناب المستعمر ومن ثم مارسوا التضييق‬
‫على الدعوة وأهلها‪ ،‬وعمدوا إلى تغييب الدين عن حياة المسلمين‪ ،‬ومنذ أن‬
‫طبقت ما عرف المسلمون تقدما ً ول رقيا ً بل إن أعرق البلد المسلمة‬
‫م ساستها اللهاث خلف أوروبا‪ ،‬والتوسل من‬
‫علمانية ـ وهي تركيا ـ صار ه ّ‬
‫أجل أن يمنحوا عضوية في التحاد الوروبي‪ ،‬وفشلوا في ذلك رغم قول‬
‫قائلهم من قديم‪" :‬ل بد أن نأخذ بحضارة الوروبيين حتى النجاسات التي في‬
‫أمعائهم والوبئة التي في أكبادهم"‪.‬‬
‫]‪ [6‬قولهم‪ :‬إن الدين لله والوطن للجميع‪ ،‬فل بد أن يتساوى الجميع في‬
‫الحقوق والواجبات‪:‬‬
‫نقول‪ :‬بل الدين لله‪ ،‬والوطن لله‪ ،‬والحكم لله‪ ،‬والخلق عباد الله‪) ،‬أل له‬
‫الخلق والمر تبارك الله رب العالمين(‪ ،‬وماذا يضير غير المسلمين في أن‬
‫تحكم الغلبية بشريعتها وترجع إلى أحكام دينها في المر كله؟ ثم ماذا لو‬
‫حدث العكس وكان المسلمون هم القلية هل كان يقبل منهم أن يطلبوا إلى‬
‫الكثرية التنازل عن هويتهم ومقدساتهم طلبا ً لمرضاتهم؟ وهاهم المسلمون‬
‫يعيشون في البلد الكافرة ـ في أوروبا وأمريكا ـ ويخضعون لنظمة‬
‫وتشريعات تتعارض مع بدهيات دينهم‪ ،‬ول يجرؤون على المطالبة بتغييرها أو‬
‫تعديلها‪ ،‬ولو فعلوا لقيل لهم‪ :‬هذا هو حكم الغلبية‪ ،‬إنه ل يقبل شرعا ً ول عرفا ً‬
‫بل ول ديمقراطيا ً ـ وهم أكثر الناس تشدقا ً بالدعوة إليها ـ أن تتخلى الغلبية‬
‫عن هويتها ومقدساتها وحضارتها طلبا ً لمرضاة القلية‪ ،‬ل سيما إذا كانت هذه‬
‫المقدسات ل مساس لها بالحقوق الساسية المشروعة لهذه القليات‪ .‬ثم‬

‫‪14‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لماذا يتخلى القوم عن علمانيتهم القاضية بأن القانون الحاكم يجب أن يكون‬
‫نابعا ً مما ترتضيه الغلبية؟‬
‫]‪ [7‬قولهم‪ :‬إننا متدينون نصلي ونصوم ومع ذلك نعتقد أن العلمانية هي العلج‬
‫الناجع والدواء الشافي‪:‬‬
‫نقول‪ :‬إن العبادات والتشريعات وأحكام المعاملت من عند الله ول يد فيها‬
‫للبشر‪ ،‬والسلم كل ل يتجزأ‪ ،‬فليس مسلما ً من قال‪ :‬أصلي على نظام‬
‫السلم وأتخذ منهجا ً سياسيا ً على نظام ميكافيللي‪ ،‬ونظاما ً اقتصاديا ً‬
‫ماركسيًا‪ ،‬كيف يكون الشخص متدينا ً وهو يرفض حكم الله وحكم رسوله‪،‬‬
‫وصريح القرآن يقول‪) :‬وما كان لمؤمن ول مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ً‬
‫أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلل ً‬
‫مبينًا(‪ ،‬ويقول‪) :‬إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم‬
‫بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون(‪ ،‬وهذا الفهم المغلوط‬
‫للتدين هو الذي حمل بعضهم على أن يحج ويعتمر وينتسب إلى بيوتات دينية‪،‬‬
‫ثم ل يبالي بالجلوس على مائدة يدار فيها الخمر أو يراقص الفتيات؛ لن‬
‫التدين في فهمه الكاذب الخاطئ قاصر على جانب الشعائر وحدها ول علقة‬
‫له بمعتقد أو سلوك‪.‬‬
‫]‪ [8‬قولهم‪ :‬إن في تطبيق العلمانية ضمانا ً لعدم استغلل الدين في أغراض‬
‫سياسية‪:‬‬
‫ولغرابة هذه الشبهة فإننا نستعمل معهم الد ّْور فنقول‪ :‬علينا أل نطبق‬
‫العلمانية لنضمن أل تستغل في أغراض سياسية‪ ،‬وإن مما أدرك الناس من‬
‫كلم النبوة الولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت‪ .‬هل يعقل أن يمنع المسلمون‬
‫من تطبيق أحكام دينهم بدعوى عدم استغلله‪ ،‬ثم يجبرون على نظام‬
‫مستورد يخالف دينهم وعقيدتهم بل يخالف رغبتهم واختيارهم؟ ما لكم كيف‬
‫تحكمون؟ أم لكم كتاب فيه تدرسون؟ إن لكم فيه لما تخيرون‪.‬‬
‫إن العلمانية ضد الدين لنها ل تقبل التعايش معه كما أنزله الله بل تريد‬
‫إقصاءه عن الحياة وحصره في زاوية ضيقة منها‪ ،‬إنها ضد الدين لنها تريد أن‬
‫تأخذ منه ما يوافق هواها وتعرض عما يخالفه‪ ،‬ولنها تؤمن ببعض الكتاب‬
‫وتكفر ببعض‪) ،‬أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل‬
‫ذلك منكم إل خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما‬
‫الله بغافل عما تعملون(‪ ،‬إنها ضد الدين لنها تتعالم على الله عز وجل وتقول‬
‫له‪ :‬نحن أعلم منك بما يصلح للناس والقوانين الوضعية أهدى سبيل ً من‬
‫حكمك‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫إن العلمانية ضد إرادة الشعب في السودان كما أنها ضد إرادة المسلمين‬
‫الذين رضوا بالله ربا ً وبالسلم دينا ً وبالقرآن إمامًا‪ ،‬والقاعدة العريضة من‬
‫مثقفي المة ـ الذين هم أنضج وعيا ً وأزكى خلقا ً وأقوى إرادة ـ ل يبغون غير‬
‫الله حكما ً ودينه شرعًا‪.‬‬
‫]‪ [9‬قولهم‪ :‬إن الشريعة السلمية ل يمكن أن تستوعب مليين القضايا‬
‫والمشاكل النسانية المعقدة‪ ،‬أو أن تقدم حلول ً جاهزة لكل ما يستجد على‬
‫مسرح الحياة‪:‬‬
‫والجواب‪ :‬أن هذا التصور قائم على أساس أن الدين ثابت ل يتغير‪ ,‬وأن‬
‫الحياة في تغير دائم‪ ،‬وأن الحكم بالسلم من شأنه إلغاء كل اجتهادات البشر‬

‫‪15‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وتجاربهم‪ ،‬وإبطال كل عرف واجتهاد لم يرد من القرآن والسنة‪ ،‬وهذا تصور‬
‫قد حكم السلم بفساده‪ ،‬فقد شرع الله تعالى للناس قواعد عامة للمور‬
‫التي حرمها الله وأمرنا باجتنابها‪ ،‬وأرشدنا أن ما سكت الله عنه فلم يبينه فهو‬
‫مباح‪ ،‬لنا أن نجتهد فيه في حدود هذه القواعد العامة أي بما ل يحل حرامًا‪.‬‬
‫صل لكم ما حرم عليكم(‪ ،‬وقد أوضح النبي صلى الله‬
‫قال الله تعالى‪) :‬وقد ف ّ‬
‫عليه وسلم أن الله سكت عن أمور رحمة بنا غير نسيان‪ ،‬وقال صلى الله‬
‫عليه وسلم‪)) :‬أنتم أعلم بشئون دنياكم((‪.‬‬
‫فأمور المعاملت في جوانبها المختلفة من مدنية وجنائية ودستورية منها ما‬
‫هو ثابت محكم‪ ،‬ومنها ما هو متجدد مرن‪ ،‬فالسس والقواعد الكلية التي‬
‫تشكل الطار العام تتسم بالثبات والحكام‪ ،‬وهي تلك التي جاءت بها الدلة‬
‫القطعية ثبوتا ً ودللة‪ ،‬ول مجال فيها لتعدد الفهام وتفاوت الجتهادات‪،‬‬
‫والفروع الجزئية والتفاصيل المتعلقة بالكيفيات والجراءات ونحوها تتسم في‬
‫أغلبها بالمرونة والتجدد‪ ،‬ويكفينا قول الله عز وجل‪) :‬والله يعلم وأنتم ل‬
‫تعلمون(‪.‬‬
‫إن المشكلة ل تكمن في وفاء الشريعة بحاجات النسان ومصالحه الحقيقة‪،‬‬
‫ولكنها تكمن في كبحها لجماح الهواء‪ ،‬ووقوف أحكامها عقبة في وجه دعاة‬
‫العربدة والتحلل‪ ،‬إن أهل الفجور يتهمون الشريعة بالجمود لمحالة؛ لنها ل‬
‫تساير ما في نفوسهم من الشهوات والهواء‪ .‬فل تبيح لهم الخمر ول الرقص‬
‫المختلط‪ ،‬ول الردة ول التبعية لكفار الرض‪ ،‬ول ترويج بضاعة المستشرقين‬
‫باسم الفكر السلمي ول تزييف التاريخ باسم حرية البحث‪ ،‬هذه هي‬
‫المشكلة حقا ً‬
‫)‪(4 /‬‬
‫الجواهر الثمان‬
‫‪...‬‬
‫مواعظ و أذكار الولى‪:‬‬
‫نظرت إلى الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوبا فإذا ذهب إلى القبر فارقه‬
‫محبوبه فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت القبر دخلت معي‪.‬‬
‫الثانية‪:‬‬
‫نظرت إلى قول الله تعالى‪ " :‬وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن‬
‫الهوى فإن الجنة هي المأوى" فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت‬
‫علي طاعة الله‬
‫الثالثة‪:‬‬
‫نظرت إلى هذا الخلق فرايت أن كل من معه شيء له قيمة حفظه حتى ل‬
‫يضيع فنظرت إلى قول الله تعالى‪ " :‬ما عندكم ينفذ وما عند الله باق " فكلما‬
‫وقع في يدي شيء ذو قيمة وجهته لله ليحفظه عنده‪.‬‬
‫الرابعة‪:‬‬
‫نظرت إلى الخلق فرأيت كل يتباهى بماله أو حسبه أو نسبه ثم نظرت إلى‬
‫قول الله تعالى‪ " :‬إن أكرمكم عند الله أتقاكم " فعملت في التقوى حتى‬
‫أكون عند الله كريما‪.‬‬
‫الخامسة‪:‬‬
‫نظرت في الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضا وأصل‬
‫هذا كله الحسد ثم نظرت إلى قول الله عز وجل‪ " :‬نحن قسمنا بينهم‬

‫‪16‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫معيشتهم في الحياة الدنيا " فتركت الحسد واجتنبت الناس وعلمت أن‬
‫القسمة من عند الله فتركت الحسد عني‬
‫السادسة‪:‬‬
‫نظرت إلى الخلق يعادي بعضهم بعضا ويبغي بعضهم على بعض ويقاتل‬
‫بعضهم بعضا ونظرت إلى قول الله عز وجل‪ :‬إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه‬
‫عدوا " فتركت عداوة الخلق وتفرغت لعداوة الشيطان وحده‪.‬‬
‫السابعة‪:‬‬
‫نظرت إلى الخلق فرأيت كل واحد منهم يكابد نفسه ويذلها في طلب الرزق‬
‫حتى أنه قد يدخل فيما ل يحل له ونظرت إلى قول الله عز وجل‪ " :‬وما من‬
‫دابة في الرض إل على الله رزقها " فعلمت أني واحد من هذه الدواب‬
‫فاشتغلت بما لله علي وتركت ما لي عنده‪.‬‬
‫الثامنة‪:‬‬
‫نظرت إلى الخلق فرأيت كل مخلوق منهم متوكل على مخلوق مثله‪ ،‬هذا‬
‫على ماله وهذا على ضيعته وهذا على صحته وهذا على مركزه‪ .‬ونظرت إلى‬
‫قول الله تعالى‪ " :‬ومن يتوكل على الله فهو حسبه " فتركت التوكل على‬
‫الخلق واجتهدت في التوكل على الله‬
‫)‪(1 /‬‬
‫________________________________________‬
‫الجوهرة المصونة‬
‫رئيسي ‪:‬تزكية ‪:‬الربعاء ‪ 15‬ربيع الول ‪1425‬هـ ‪ 5 -‬مايو ‪ 2004‬م‬
‫سلم على الجوهرة المصونة‪ ،‬إليها أهدى هذه الكلمات‪ ،‬إليك يا أختنا الغالية‪،‬‬
‫إلى من جعلت القرآن ربيع قلبها‪ ،‬والحجاب حياتها وعفافها‪ ،‬إلى من جعلت‬
‫العفة تاجها ولباسها‪ ،‬إليك أيتها الجوهرية المصونة‪.‬‬
‫أختاه‪..‬أوصيك أختاه بالتقوى‪ ،‬فإن بها طعم السعادة‪ ،‬فيا أم الجيال‪ ،‬ويا‬
‫حفيدة البطال‪ ،‬أختاه فلتقبلي مني هذه الرسالة غالية الثمن‪ ،‬مهرها اليات‬
‫البينات‪ ،‬والحكم الواضحات‪ ،‬والبيات الجميلت بًرا مّنا لها؛ لن في طاعتها‬
‫رضا لرب الرض والسماوات‪.‬‬
‫إنها الم صاحبة القلب الحنون حبيبة البنات والبنون‪ ،‬فلها نقول‪:‬‬
‫أمنا الغالية يا من شهدت الساعات الطوال‪ ،‬وما نامت الليالي في خدمة‬
‫البناء أنت في أعيننا جميًعا أغلى والله من الجواهر‪ ،‬ول تقدرين عندنا بثمن‪،‬‬
‫كيف ل وحقك بحق الله مقرون‪ ،‬وبرك أقرب طريق للجنة التي فيها ما لم‬
‫تره العيون‪ ،‬حسبك أنك أحق الناس بالصحبة على لسان النبي الميمون‪ ،‬ألم‬
‫تسمعي أن النفوس المؤمنة تشتاق إلى الجهاد في سبيل الله‪ ،‬ومع ذلك تمنع‬
‫إذا كان ذلك يتعارض مع البر بك‪ ،‬وحاجتك للبناء ليقوموا بحقك‪ ،‬بل من أراد‬
‫رضا الله منهم فليحرص على رضاك‪ ،‬وليعلموا أن من أسخطك فبدأ بسخط‬
‫الله‪.‬‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫أيتها الم‪ :‬إن السلم قد أعطاك حقوًقا وطلب منك أ َ‬
‫م َراٍع وَكلك ْ‬
‫خر‪] ،‬كلك ْ‬
‫سُئو ٌ‬
‫ه[رواه البخاري ومسلم‪ .‬فأنت راعية ومسئولة عمن ولك‬
‫ن َر ِ‬
‫عي ّت ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ل عَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫مُنوا ُقوا أن ْ ُ‬
‫الله أمرهم من البنين والبنات‪ ،‬قال تعالى‪َ}:‬يا أي َّها ال ِ‬
‫ف َ‬
‫سك ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م َنارًا‪]{[6]...‬سورة التحريم[ فكيف تقين هذه السرة‪ ،‬وكيف تحمين‬
‫وَأهِْليك ُ ْ‬
‫هذه المملكة الصغيرة‪.‬‬
‫فأين أنت من فلذة الكبد‪ ،‬البنت‪ ..‬يوم سلك الكثيرات منهن طريق العار‬

‫‪17‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والدمار‪ ،‬فأصبحن وقوًدا للنار‪ ،‬أغلت فانحرفت‪ ،‬وإلى ملذات الفتن انجرفت‪،‬‬
‫تسللت إلى مخالب الذئاب حتى افترسها الكلب‪ ..‬وأنت أيتها الم ل تشعرين‪،‬‬
‫وبملذات الحياة تنعمين‪ ،‬فمن كانت هذه حالها مع ابنتها‪ ،‬فلتعلم أنها موجودة‬
‫ومع ابنتها مفقودة‪.‬‬
‫أيتها الم‪ :‬إليك هذه القصة‪:‬‬
‫اتصلت بي إحدى الفتيات تبكي وتصيح عبر الهاتف‪ ،‬فإذا ببنت من البنات‬
‫ل وتصيح‪ :‬أنقذني‪ ،‬قلت‪ :‬ما الذي أصابك؟ قالت‪ :‬إنني فتاة‬
‫تبكي بصوت عا ٍ‬
‫ما حتى قلت‬
‫من الفتيات تعرفت على شاب عبر الهاتف‪ ،‬ثم جلست أحادثه أيا ً‬
‫ما يستحي والله أن يقوله الزوج لزوجته‪ ،‬فكان يحاول‬
‫ما‪ ،‬وقال لي كل ً‬
‫له كل ً‬
‫مراًرا أن يراني وأراه لكن فطرتي وحبي للخير منعتني أن أقابله‪ ،‬فقام مع‬
‫إلحاح منه وغيبة من والدي ووالدتي‪ ،‬نعم‪..‬غيبة من الوالد والوالدة وافقت أن‬
‫أقابله‪ ،‬فخرجت له‪ ،‬فإذا به ينتابني بسياره‪ ،‬ثم ركبت معه حاول أن أذهب‬
‫معه إلى منزله‪ ،‬فرفضت‪ ،‬لكنه قال إن جلوسنا في الشارع قد يلفت أنظار‬
‫الناس لنا‪ ،‬فلنذهب إلى أحد البيوت‪ ،‬فتقول‪ :‬وافقت فذهبت معه وجلست‬
‫معه في بيت‪ ،‬ففوجئت أني دخلت في إحدى الغرف‪ ،‬فإذا بها سبعة من‬
‫الشباب غيره‪.‬‬
‫قالت‪ :‬فحاول حتى فعل بي الزنا بعد تهديد مراًرا‪ ،‬ثم ليته اكتفى بذلك ذلك‬
‫المجرم لكنه مكن الصدقاء الذين كانوا معه بالبيت بأن يفعلوا بي‪ ،‬فقام‬
‫بتصويري‪ ،‬ثم ها هو يضعني عند البيت‪ ،‬والله إني أحدثك والحادثة لم يتم‬
‫عليها أكثر من نصف الساعة‪ ،‬وما ذاك إل لغياب أمي عني‪ ،‬وابتعاد أبي عن‬
‫شعوري وعن حالي‪.‬‬
‫أيتها الم‪ :‬ها هي البنت فلذة الكبد تلوح لواح الثكلى‪ ،‬وتأن أنين اليتيم‪ ،‬وتصيح‬
‫صياح الرامل‪ ،‬وتناجيك لعلها تجد بين أحضانك دفء الكلمة الصالحة‪ ،‬وعذوبة‬
‫التلذذ بالهداية‪ ،‬لعلها أن تجد لها نصيحة تظهر لها طريق الحياة‪ ،‬وموعظة‬
‫تنقذها من جحيم الهلك‪ ..‬تنادي بأعلى صوتها‪ :‬أماه ‪ ..‬أماه هل تسمعينني؟‬
‫ي؟ هل تسمعين صراخي؟ آه ‪ ..‬آه إذا كنت ل تسمعيني؟ آه‬
‫هل تنصتين إل ّ‬
‫كيف ل تسمعينني وأنا بين يديك؟ آه كيف ل تسمعين وقلبي معلق براحتيك؟‬
‫فافتحي صدرك إلى وقربيني إليك لرتمي بين أحضانك‪ ،‬وأبث شكواي لك‪،‬‬
‫فكفكفي حزني‪ ،‬وامسحي دمعي‪ ،‬وكبليني بقيودك فل قيد أطيق اليوم سوى‬
‫قيدك الحنون‪ ،‬خذي ‪.‬‬
‫ي أجفانك واحميني من الثعالب الماكرة‪ ،‬والذئاب الغادرة‪،‬‬
‫يا أماه‪ ..‬استري عل ّ‬
‫فصدرك برد وسلم‪ ،‬وحضنك دفء ووئام ونصحك نور أستضيء به مدى‬
‫اليام‪ ..‬ل تدعيني إليهم بين أدراج الحياة أتخبط في جحيم العصاة‪ ،‬وأكون‬
‫أسيرة بين أيديهم يفعلون بي ما يشاءون‪ ،‬يبيعونني في أي سوق ويشترون‪،‬‬
‫فأنا أصبحت كالسلعة التي بها يسومون‪ ،‬وعلى بضائعها ينادون‪.‬‬
‫أماه‪ ..‬أنقذيني‪..‬أجيبي أيتها الم‪ ..‬أجيبي ابنتك بعد أن بح صوتها‪ ،‬وارحمي‬
‫دمعتها‪ ،‬قولي لها‪ :‬أفديك يا شمعة تبكي ذوائبها‪ ،‬أفديك بنتاه بدمي إن كنت‬
‫لؤلوة فالقلب محار‪ ..‬قولي لها‪ :‬مازال دمعك مرسوم بذاكرتي‪ ..‬وأيم الله ما‬
‫زال دمع الفتاة التي تبكي عبر الهاتف مرسوم بذاكرتي يوم البكاء‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫أيتها الم‪ ..‬كوني لها ولسائر أخوتها المربية الصالحة‪ ،‬والم النافعة‪ ،‬تقتدي‬
‫بالسابقات الصالحات من النساء المؤمنات‪ ،‬وإياك أن تقتليها من غير سكين‪،‬‬

‫‪18‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وتضعيها في درب الردى وأنت ل تشعرين‪.‬‬
‫أما سمعت بنماذج بعض الصالحات في العالمين‪:‬‬
‫حا في تربية البناء‪ ،‬حضرت مع‬
‫فخذي مثل في الخنساء يوم كانت مثًل صال ً‬
‫أولدها في حرب القادسية‪ ،‬فقالت لهم‪ ':‬يا َبني أسلمتم طائعين‪ ،‬وهاجرتم‬
‫مختارين‪ ،‬والله إنكم أبناء رجل واحد‪ ،‬وأم واحدة‪ ،‬ما خنت أباكم‪ ،‬ول فضحت‬
‫خالكم‪ ،‬ول هجنت حسبكم‪ ،‬ول غيرت نسبكم‪ ،‬وأنت تعلمون ما أعد الله‬
‫للمؤمنين المجاهدين من الثواب العظيم‪ ،‬واعلموا أن الدار الباقية خير من‬
‫دا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم‬
‫الدار الفانية‪ ،‬فإذا أصبحتم غ ً‬
‫مستنصرين بالله على أعدائه‪ ،‬فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها‪،‬‬
‫وأبرمت لظى على سياقها‪ ،‬وجعلت ناًرا على رواقها‪ ،‬فتيموا وطيسها'‪ .‬حتى‬
‫استشهدوا جميًعا فبلغها الخبر‪ ،‬ويا لم يبلغها الخبر بوفاة ولد من أولدها‪،‬‬
‫فكيف بأم تفجع وتخبر بمقتلهم جميًعا‪ ،‬فلتقتدي بالصابرة حينما بلغها الخبر‬
‫قالت‪ :‬الحمد لله الذي شرفني بقتلهم‪ ،‬وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في‬
‫جنات النعيم‪ ..‬تلك والله الم ‪.‬‬
‫قا‪ ،‬وإنما تلميحات تغني عن التصريحات‪،‬‬
‫عذًرا أيتها الجوهرة الم‪ .‬لم نوفك ح ً‬
‫وأن من جد وجد‪ ،‬ومن زرع حصد‪ ،‬فمن سار على الدرب وصل ‪.‬‬
‫وإن كنت قد حسرت الستار عن بعض الجواهر‪ ،‬فهناك الكثير‪ ،‬فالجواهر كثر‪،‬‬
‫والدر أكثر‪ ،‬والحديث عنك ذو شجون‪ ،‬فالبنات عندنا جواهر‪ ،‬والخوات درر‪ ،‬أل‬
‫يكفيهن أن القرآن شن على أصحاب العقائد المنحرفة كالذين يبغضون النثى‬
‫ويستنكفون عند ولدتها‪ ،‬يقول الله عنهم‪} :‬وإَذا ب ّ َ‬
‫م ِباْل ُن َْثى ظ َ ّ‬
‫ل‬
‫شَر أ َ‬
‫َِ ُ‬
‫حد ُهُ ْ‬
‫َ‬
‫سك ُُ‬
‫ما ب ُ ّ‬
‫ه‬
‫ِ‬
‫ء‬
‫سو‬
‫ن‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م ِ‬
‫قوْم ِ ِ‬
‫واَرى ِ‬
‫سوَد ّا ً وَهُوَ ك َ ِ‬
‫شَر ب ِهِ أي ُْ‬
‫وَ ْ‬
‫م ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ظي ٌ‬
‫ه ُ‬
‫جهُ ُ‬
‫م َ‬
‫م]‪[59‬ي َت َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن]‪]{[59‬سورة النحل[‪ .‬إنه‬
‫عََلى ُ‬
‫مو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ب أل َ‬
‫م ي َد ُ ّ‬
‫حك ُ ُ‬
‫ساَء َ‬
‫س ُ‬
‫ه ِفي الت َّرا ِ‬
‫هو ٍ‬
‫حكم جائر‪ ،‬وتصرف وحشي‪ ،‬فمن يمد يده على تلك الطفلة البريئة يواريها‬
‫التراب بعد أن اغتيلت عاطفة البوة الجياشة‪ ،‬والرحمة الفطرية‪.‬‬
‫ألست تشعرين أيتها البنت والخت بل وسائر الخوات المؤمنات أنكن جوهرة‬
‫مصونة‪ ،‬ودرة مكنونة‪ ،‬إًذا‪ :‬فاسمعي يوم رغب رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم بالحسان إليك‪ ،‬يوم دوت تلك الكلمات في الذان دوًيا‪ ،‬وهو يقول‬
‫خوات أ َو ابنتان أوَ‬
‫ث بنات أ َو ث ََل ُ َ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫صلى الله عليه وسلم‪َ ] :‬‬
‫ثأ َ َ ٍ ْ ََْ ِ ْ‬
‫ه ث ََل ُ َ َ ٍ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ة[ رواه الترمذي‪.‬‬
‫ن َوات ّ َ‬
‫أُ ْ‬
‫جن ّ ُ‬
‫ه ال َ‬
‫ص ْ‬
‫ن فَأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ن فل ُ‬
‫قى الل َ‬
‫ن ُ‬
‫ه ِفيهِ ّ‬
‫حب َت َهُ ّ‬
‫س َ‬
‫خَتا ِ‬
‫أيتها الجوهرة‪ ..‬أل تشعرين أن السلم قّعد لك حقوًقا ل تحتاج إلى زيادة‪،‬‬
‫وهي بعيدة عن النقصان‪ ،‬إًذا فاحذري دعاة الفساد‪ ،‬وأعداء المرأة الوغاد‪،‬‬
‫الذين يخططون بخطى عاتية في إفساد المرأة وإخراجها عن وصفها‬
‫المستقيم‪ ،‬فجعلوها قضية تزعجهم‪.‬‬
‫ومن هنا يحرص أولئك أن يجدونك قضية تحتاج إلى نقاش‪ ،‬وتستدعي الدفاع‬
‫عنها؛ ولذلك يكثرون الطنطنة عبر وسائل العلم المختلفة على هذا الوطر‬
‫بأن المرأة في مجتمعنا تعاني‪ ،‬وأنها مظلومة‪ ،‬وأنها شق معطل‪ ،‬وأنها رئة‬
‫مهملة ل تنال حقوقها كاملة‪ ،‬وإن الرجل قد استأثر دونها بكل شيء‪ ،‬وأن‬
‫المرأة الغربية فاقتها بكل شيء‪ ..‬وكذبوا وخابوا وخسروا‪.‬‬
‫اسمعي أيتها الجوهرة شيئا ً من حقائق ومآسي المرأة الغربية التي جعلوها‬
‫في نظرهم قدوة‪ ،‬فأصبحوا لها ينادون‪ ،‬وعلى طريقتها يدعون‪:‬‬
‫لست أرضى العيش عيش الهمجية سابقي خيل العنان واركبي أغلى مطية‬
‫زادك اليمان تمضين بقصد وروية ل تبالي بالدعاوي والباطيل الدعية‬
‫اسمعي لمأساة المرأة الغربية‪ ،‬وتأملي معي في بعض صور حياتها الموثقة‬
‫سب وأكتفي هنا بسرد بعضها باختصار للعتبار والعظة‪:‬‬
‫بالتقارير والرقام والن ِ َ‬
‫‪19‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هذه صورة قالها أحد الدعاة‪ :‬أن امرأة غربية وابنها الصغير رآها في أحد‬
‫الدول تفترش الرصيف تنام عليه ل مأوى لها‪ ،‬فأين أنتم يا دعاة التحرير؟ أين‬
‫أنتم عن هذه الغربية التي نامت في الشارع ل مأوى لها ‍‬
‫؟‬
‫وصورة أخرى‪ :‬لم تعرض طفلتها للسعات الفئران حتى تموت‪.‬‬
‫وصورة‪ :‬تحكي أن أما تضرب ابنها الذي لم يتجاوز العام حتى فارق الحياة‪..‬‬
‫فسبحان الله ‍! أين حقوق النسان؟!‬
‫وصورة نقلتها مجلة المجتمع‪:‬أن مائة وخمسين ألف طفل أمريكي يقتلون‬
‫بالجهاض‪.‬‬
‫وصورة أخرى ذكرتها مجلة السرة‪ :‬أن خمس عشرة طفلة يقتلون يوميا في‬
‫أمريكا‪.‬‬
‫ومن الصور‪ :‬أن الب يعتدي على طفلته جنسًيا في بريطانيا‪ ،‬ويفعل بها‬
‫الفاحشة‪ ،‬والعياذ بالله ‪.‬‬
‫حا‪.‬‬
‫وهناك حوالي عشرة آلف امرأة في الوليات المتحدة يلدن سفا ً‬
‫وصورة أخرى‪ :‬تنقلها الدراسات في أمريكا توضح أن في كل ‪ 6‬دقائق تقع‬
‫حادثة اغتصاب لفتاة‪ ،‬وحالة ايدز في أمريكا في كل ‪ 10‬دقائق‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ومن المآسي ما ذكرته الدراسات‪ :‬أن أكثر من ‪ %50‬من المراهقات يلدن‬
‫بدون علقات زوجية‪ ،‬وأكثر من ‪ 5‬مليون رجل متزوج له علقة غير شرعية‬
‫خارج عش الزوجية‪..‬أين دعاة التحرير؟ أين الذين ينادون المرأة الشرقية كما‬
‫يزعمون‪.‬‬
‫وهذه عن دراسة ذكرتها مجلة السرة قالت‪ :‬في أمريكا حالت الغتصاب‬
‫والضرب بلغت ثلث آلف أمريكية يقتلن على يدي شركائهم في العيش‬
‫جا كانوا أو عشقاء‪ ،‬وإن ‪ 4‬مليون أمريكية يضربن كل سنة بمعدل امرأة‬
‫أزوا ً‬
‫واحدة كل خمس عشر ثانية تضرب‪ ،‬وفي فرنسا خمسة مليين امرأة‬
‫متزوجة على علقة جنسية بغير زوجها‪ ،‬كما تشير الحصاءات إلى أن عشرة‬
‫آلف أنثى دون الثامنة عشر اغتصبن في العاصمة واشنطن وإحدى عشر‬
‫ولية‪ ،‬وأن ثلثة آلف وثماني مائة من هؤلء كن دون الثانية عشر‪.‬‬
‫ويزداد رعب الرقام ورعب المأساة عندما نقرأ‪ :‬أن عشرين في المائة من‬
‫الفتيات دون الثانية عشر اغتصبهن آباؤهن‪ %26 ،‬اغتصبهن أقارب لهن‪ ،‬وأن‬
‫‪ %50‬اغتصبهن أصدقاء ومعارف لهم‪.‬‬
‫أعرفت أيتها الجوهرة حال المرأة الغربية وصور مآسيها‪ ،‬وخذي هذه الزيادة‪:‬‬
‫قال أحد الذين كانوا يدرسون اللغة في إحدى الدول الغربية وكان يسكن عند‬
‫إحدى العائلت‪ ،‬يقول دخلت ذات مرة إلى البيت الذي أسكن فيه‪ ،‬فإذا بنت‬
‫ما‬
‫صاحب المنزل تبكي بكاء حاًرا وأبوها يرفع صوته عليها‪ ،‬كان عمرها ‪ 15‬عا ً‬
‫يقول‪ :‬فلما سألتها ما سبب البكاء؟ فقالت‪ :‬أن أبي يطلب مني إيجار الغرفة‬
‫أسبوعًيا‪ ،‬ولم أستطع إل أن أدفع إل جزء هذا السبوع‪ ،‬فرفض الب إل أن‬
‫أدفع له كامل المبلغ‪ ،‬وإل مآلي إلى الطرد ومصيري إلى الشارع‪ .‬فلذلك‬
‫تسعى أغلب الفتيات هناك للتعرف على الرجال ليجاد مأوى لهن‪.‬‬
‫فأين المساواة يا من تدعون المساواة‪ ،‬ويا من غررتم المرأة بأنكم تنادون‬
‫بحريتها؟!‬
‫ما فأين هم؟ إنها‬
‫لقد مر على قيام المنظمات والمؤتمرات أكثر من ‪ 50‬عا ً‬
‫المآسي ‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أيتها الجوهرة ومن المآسي‪ :‬ما ذكره الدكتور محمد عبد الرزاق وهو ما رآه‬
‫في مدينة لسكو قائًل‪ :‬بينما كنا ننتظر وصول الحافلة والناس مصطنعين وأنا‬
‫ما حاًرا وسألتها كم مضى‬
‫بامرأة وقعت عينها على فتاة فسلمت عليها سل ً‬
‫عليك هنا؟ قالت‪ :‬خمس سنوات‪ ،‬فقالت العجوز‪ :‬أل تعرفين أنني أعيش‬
‫وأسكن في هذه المدينة نفسها أجابت الفتاة بل أعلم‪.‬‬
‫فقالت العجوز بصوت حزين‪ .‬لماذا ل تزورينني قالت الفتاة المشاغل كثيرة‬
‫والوقت ضيق‪ ،‬فنظرت لها العجوز قائلة أنسيت اليام والسنين كيف ل‬
‫تزورينني وأنا أمك يا بنتاه؟! أرأيت أيتها الجوهرة‪.‬‬
‫أما في مدينة في انجلترا فتسكن عجوز في بيت مستقر وقد تركها الزوج‬
‫والبناء‪ ،‬فما كان منها إل أن اهتمت بتربية القطط فاتخذت نحو عشر قطط‬
‫قامت بتربيتها‪ ،‬وكان باعة الحليب على عادتهم في بريطانيا يجيئون في‬
‫الصباح لمن اشترك في شراء الحليب‪ ،‬ثم يضعون الحليب في زجاج عند‬
‫البواب‪ ،‬وهكذا في سائر اليام‪ ،‬فجاء في اليوم الثاني فوجد لبن حليب‬
‫المس عند باب العجوز لم تؤخذ فاتصل هذا البائع بالشرطة‪ ،‬فوجدوا أن‬
‫العجوز قد ماتت‪ ،‬والقطط أكلت رجلها وأنفها وأذنيها‪ ،‬فحققت الشرطة في‬
‫هويتها‪ ،‬فوجدت أن ابًنا من أبناء هذه العجوز يسكن في نفس الشارع التي‬
‫تسكن فيه العجوز على مسير بضع دقائق‪ ،‬فقالوا له‪ :‬منذ متى لم تشاهد هذه‬
‫المرأة‪ -‬وهي أمه‪ .-‬فقال‪ :‬منذ خمسة أشهر‪ ،‬وهو يسكن معها في نفس‬
‫الشارع !‬
‫أرأيت أيتها الجوهرية تلك الحياة المضطربة التي نزعت منها كل خصائص‬
‫الحياة الجتماعية والسرية فضًل عن الحياة الدينية‪.‬‬
‫وأخيًرا من الصور والمآسي‪ :‬ما ذكرته مجلة النور في عددها '‪ '127‬في‬
‫محاولت النتحار بين الشباب والشابات الفرنسيين وأنه بمعدل ‪ 12‬ألف‬
‫ينتحرون كل عام‪ ،‬حتى وصل المر فيهم لدرجة انتشار كتب عن النتحار‬
‫بعناوين شتى منها كتاب 'كيف تتخلص من حياتك بسهولة' والغريب أن هذه‬
‫جا عجيًبا‪ .‬فيباع منها اللف في وقت قصير‪.‬‬
‫الكتب تجد روا ً‬
‫أرأيت أيتها الجوهرة كيف تعيش المرأة الغربية‪ ،‬أرأيت تلك الصور والمآسي‬
‫هي من صور أولئك اللتي تعجب بهن البعض من نساءنا اللتي تأثرن‬
‫بالمظهر ودعاة الحرية والستقلل‪ ،‬وليست والله ل حرية ول استقلل إنما‬
‫هي الذلة والنكال‪.‬‬
‫أما نحن معشر الرجال فلم نرخي الذمام‪ ،‬ولن نطلق قيادنا مهما بلغ بنا‬
‫عا عن محارمنا‪ ،‬و عن نساءنا‪.‬‬
‫المر‪ ،‬ولو قدمنا رقابنا دفا ً‬
‫ونحن اليوم نشكو من جاهلية هذا القرن إذ وئدت المرأة وأًدا أشد من‬
‫الجاهلية‪ ،‬فالمؤودة في الجاهلية في الجنة كما أخبر بذلك النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم أما المؤودة في هذا القرن فهي التي وأدت نفسها‪ ،‬وباعت عفتها‪،‬‬
‫وهدرت حيائها‪ ،‬فل تجد الجنة ‪-‬وربي‪ -‬كاسية عارية مائلة مميلة أصغت بأذنها‬
‫إلى الدعاة على أبواب جهنم‪ ،‬فشقيت وخسرت في دنياها وأخراها‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫فلتحذر المتبرجة يوم تركت حجابها‪ ،‬عجًبا لتلك الشريفة العفيفة كيف تقبل‬
‫أن تعرض جمالها في السوق‪ ،‬وأن تكون سلعة رخيصة تتداولها العين‪ ،‬وكيف‬
‫يرضى لها حياؤها أن تكون مبعث إثارة وشهوة في نفس رجل يراها‪ ،‬بل‬
‫َ‬
‫وكيف تطيق الشعور بأن يصبو إليها ويتمناها‪ ،‬وأين هي من قول ربها }َيا أي َّها‬
‫‪21‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الن ّبي قُ ْ َ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫ك وَب ََنات ِ َ‬
‫ج َ‬
‫ك‬
‫ن ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫ك وَن ِ َ‬
‫ساِء ال ْ ُ‬
‫ل ِلْزَوا ِ‬
‫جلِبيب ِهِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن عَل َي ْهِ ّ‬
‫ن ي ُد ِْني َ‬
‫مِني َ‬
‫ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‪] {[59]...‬سورة الحزاب[‪.‬‬
‫أد َْنى أ ْ‬
‫ن فل ي ُؤْذ َي ْ َ‬
‫ن ي ُعَْرف َ‬
‫أيتها الجوهرة‪ ..‬إنك تفقدين عفافك عندما تخلعين الحجاب‪ ،‬فتخلعين الحياء‬
‫والوقار‪ ،‬إن الحجاب شعار التقوى والسلم‪ ،‬وبرهان الحياء والحتشام‪،‬‬
‫وأعظم دليل على أدبك وكمالك‪ ،‬فصونيه أيتها الشريفة‪ .‬صوني جسمك‬
‫الطاهر من اعتداء العين الزانية وحسنيه بالحتشام تزودي عنه السهام‬
‫الغازية ‪.‬‬
‫ل خير في حسن الفتاة وعلمها إن كان في غير الصلح رضاؤها‬
‫فجمالها وقف عليها وإنمـ ـا للناس منها دينها وحياؤها‪.‬‬
‫أيتها الجوهرة ‪ :‬إن أهل الباطل يريدون منك أن تكون فاجرة عاهرة كافرة‪،‬‬
‫يريدون أن تكون بهيمة في مسخ بشر‪ .‬حاشاك يا ابنة السلم‪ ،‬وأنت‬
‫المقتدية بقول عائشة رضي الله عنها‪ ':‬أقلوا من الذنوب فإنكم لن تلقوا الله‬
‫بشيء أفضل من قلة الذنوب'‪ .‬فإن الذنب أخرج البوين من الجنة‪ ،‬وأخرج‬
‫إبليس من ملكوت السماوات وطرده الله ولعنه‪ .‬وبالذنب سلطت الريح على‬
‫قوم عاد‪ ،‬وأرسل على قوم ثمود الصيحة‪ ،‬ورفعت قرى اللوطية حتى سمعت‬
‫الملئكة نباح كلبهم‪ ،‬وخسف بقارون داره وماله وأهله‪ ،‬أفأمنت مكر الله فل‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫م‬
‫ن يَ ْ‬
‫س َ‬
‫خ ِ‬
‫يأمن مكر الله إل القوم الخاسرون }أأ ِ‬
‫ماِء أ ْ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫ف ب ِك ُ ُ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫من ْت ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫اْل َرض فَإَذا هي تمور]‪[16‬أ َ َ‬
‫صبا ً‬
‫س َ‬
‫حا ِ‬
‫ن ي ُْر ِ‬
‫مأ ِ‬
‫م َ‬
‫ماِء أ ْ‬
‫ْ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫ل عَل َي ْك ُ ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫من ْت ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ْ َ ِ ِ َ َ ُ ُ‬
‫ر]‪] {[17‬سورة الملك[‪.‬‬
‫ن ك َي ْ َ‬
‫ف نَ ِ‬
‫مو َ‬
‫فَ َ‬
‫ست َعْل َ ُ‬
‫ذي ِ‬
‫أيتها الجوهرة‪ :‬إنهم يتحدثون ويقولون ماتت فلنة وفلنة‪ ،‬فهل تدري متى‬
‫ت بسدر وحنوط وكفنت بخمسة‬
‫سل ِ‬
‫يقولون متى أن ِ‬
‫ت؟ هل تذكرت حالك إذا غُ ّ‬
‫أثواب؟ يا ترى كيف سيكون حالك عند الموت؟ هل تريدي أن تموتي وأنت‬
‫تنتقلين من قناة إلى قناة‪ ،‬أو وأنت ممسكة بسماعة الهاتف‪ ،‬أو تفكرين‬
‫بالزنا‪ ،‬أو تاركة للصلة؟!‬
‫إن آمالنا بك يا أيتها الجوهرة الكبيرة أن تعودي إلى الله قبل فوات الوان‪،‬‬
‫لن الدقائق تؤذن بالرحيل‪ ،‬فالوصية للجواهر والدرر أن يرجعن لكتاب الله‪،‬‬
‫وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬التوبة التوبة قوليها واعملي بها؛ لنها‬
‫كلمة سهلة على اللسان‪ ،‬ولكن أين الذين يطبقونها‪ ،‬واتقي الله أن يكون‬
‫أهون الناظرين إليك‪ ،‬وإياكي أن تبغي بالصحة والعافية والمأكل والمشرب‪،‬‬
‫فرب مسرور مغبون بأكل وبشرب ويضحك وقد كتب أنه من وفود النار‪،‬‬
‫احذري جليسة السوء وكل جليسة ل تستفيدين منها خيًرا فاجتنبيها‪ ،‬وتذكري‬
‫دا شديد‪ ،‬والحصاء دقيق‪ ،‬واحذري الغيبة والنميمة والستهزاء‬
‫أن الحساب غ ً‬
‫والسخرية‪ ،‬احذري أن تطلقي العنان للسان‪ ،‬واعلمي أنه ل يجوز كشف‬
‫الزينة والوجه للرجال الجانب وأخص منهم الحمو أخو الزوج لنه الموت كما‬
‫جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫احذري الطبيب والسائق والخياط والبائع؛ فإن الحساب عسير‪ ،‬والعقاب‬
‫شديد وإياك واللباس الفاضح كالبنطال والخفيف والضيق والشفاف واحذري‬
‫أن تكون قطعة قماش كهذه سبب دخولك إلى النار وعليك بالستر والحشمة‪.‬‬
‫سا تتزينين به‪ ،‬بل هو طاعة لمر‬
‫يا أمة الله‪ ..‬العباءة ليست رداًء تلبسينه ولبا ً‬
‫الله‪ ،‬فأرى الله منك خيًرا بالحتشام والستر والعفاف‪ ،‬واعلمي أن حجابك هو‬
‫السور الذي يسترك ويحفظك من لصوص النظر والغراء والمدينة تبقى أمينة‬
‫ما دامت السوار فيها منيعة بأعمدة متينة‪.‬‬
‫واحذري من شراء المجلت الهابطة‪ ،‬واحذري أن تفسدي جيبك بالشراء‪،‬‬
‫وعقلك بالشبه وعينك بالنظر إلى ما حرم الله‪ .‬بل تصدقي بقيمة هذه المجلة‬
‫‪22‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تؤجري في يوم ل ينفع مال ول بنون إل من أتى الله بقلب سليم‪ ،‬واحذري‬
‫الخلوة مع الرجل الجنبي‪ ،‬وإياك وكثرة الخروج من بيتك من غير حاجة‪،‬‬
‫صا إلى شر البقاع السواق‪.‬‬
‫وخصو ً‬
‫أيتها الجوهرة‪ ..‬إن المرأة عورة إذا خرجت استشرفها الشيطان أي زينها‬
‫للرجال والحديث رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬احذري‬
‫التطيب عند الخروج والذهاب واستحضري قول النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫]أ َيما ا َ‬
‫ة[رواه‬
‫ت عََلى ال ْ َ‬
‫ي َزان ِي َ ٌ‬
‫دوا ِري َ‬
‫ج ُ‬
‫مَرأةٍ ا ْ‬
‫قوْم ِ ل ِي َ ِ‬
‫مّر ْ‬
‫م َ‬
‫ت ثُ ّ‬
‫ست َعْط ََر ْ‬
‫ّ َ ْ‬
‫حَها فَهِ َ‬
‫الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجة وأحمد ‪.‬‬
‫أيتها الجوهرة‪ ..‬سارعي إلى التزود من الطاعات‪ ،‬فهي طريق الخير‬
‫والمنافسات‪ ،‬وقربة لله من رب الرض والسماوات‪.‬‬
‫اقرئي القرآن‪ ،‬حافظي على السنة والرواتب‪ ،‬كوني حريصة على الوقت‬
‫والستفادة منه فالوقت المفقود ل يعود ول يشتري بالنقود‪ .‬صلتك صلتك‬
‫حافظي عليها تغنمي‪ .‬أديها في أوقاتها‬
‫)‪(4 /‬‬
‫أيتها الجوهرة‪ ..‬أخيًرا‪ :‬ل تنسي أنك تعودين إلى نساء خالدات عطرن التاريخ‬
‫بطيب ذكرهن‪ ،‬وأضفين على صفحاته كرم العطاء ونبل التضحية‪ ،‬وصنعوا‬
‫لدينهن أجياًل من البطال‪ ،‬فكن مصانع الرجال‪ ،‬وتذكري يوم تبلى السرائر‪،‬‬
‫ويوم تكشف الضمائر‪ ،‬يوم الحاقة‪ ،‬القارعة‪ ،‬يوم الزلزلة‪ ،‬يوم الطامة‪ ،‬يوم‬
‫ما تتقلب فيه‬
‫الصاخة‪ ،‬يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه‪ ،‬يوم يخافون يو ً‬
‫القلوب والبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله‪ ..‬حفظ‬
‫الله نساء المسلمين وهداهن بالتوفيق والسداد‪.‬‬
‫من‪ ':‬الجوهرة المصونة' للشيخ ‪ /‬بدر بن نادر المشاري‬
‫)‪(5 /‬‬
‫الجوّ الفكري‬
‫محمد الدحيم ‪17/5/1427‬‬
‫‪13/06/2006‬‬
‫ون لديه ‪-‬بسبب ذلك‪ -‬جو‬
‫النسان يتأثر بما يقرأ وبما يسمع ويشاهد فيتك ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ون إيجابيا أو سلبيا أو خليطا منهما‪،‬‬
‫فكري معين‪ ،‬قد يكون هذا الجو المتك ّ‬
‫ون ل‬
‫وهذا هو الغلب‪ .‬والنسان ل يستطيع النفكاك من هذا الجو؛ إذ إنه يتك ّ‬
‫ونا الفكري من خلل أحكامنا وألفاظنا وأفعالنا‬
‫شعوريًا‪ ،‬ونحن نتعرف على ج ّ‬
‫وردود أفعالنا الصادرة‪.‬‬
‫ولذا فإن من المهم جدا ً أن نرقب الجوّ الفكري لنا ولغيرنا إذا ما أردنا إصدار‬
‫الحكام واتخاذ القرارات؛ فالجو الفكري المحدود سينتج أحكاما ً قاصرة‬
‫وقرارات مخفقة‪ ،‬والجو الفكري المأزوم سينتج قرارات مأزومة وهكذا‪..‬‬
‫ون ل شعوريا ً فإن النسان الناجح ل بد أن يتعّرف‬
‫ولما كان الجو الفكري يتك ّ‬
‫على )اللشعور(‪ ،‬ويحسن الدخول فيه ليدري أين هو‪ ،‬وأين يتجه‪ ،‬حتى ل‬
‫ُيفاجأ بما ل يفكر فيه أو يتوقعه‪.‬‬
‫ً‬
‫في كثير من الحيان نلوم أشخاصا على تدني مستوى تفكيرهم أو حتى على‬
‫شموخ تفكيرهم ونظرتهم للمور من دون أن نراعي الجو الفكري لهؤلء‬
‫وهؤلء؛ فأطفالنا –فضل ً عن غيرهم‪ -‬يعيشون جوا ً فكريا ً معينا ً تمتزج فيه‬

‫‪23‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫براءة الطفولة ودرس المعلم وبرامج الطفال‪َ ،‬و‪َ ...‬و‪ ،...‬وحينما يحاول الب‬
‫ف الرجال وكبار القوم فإنه يرتقي صعبًا‪ ،‬وقُ ْ‬
‫ل مثل ذلك بل‬
‫نقل الطفل لمصا ّ‬
‫ً‬
‫وأعظم منه لتجد جوابا عن أسئلة كثيرة مثل‪:‬‬
‫لماذا تحدث الخطيب بهذه الصورة؟‬
‫ولماذا فهم الكاتب الموضوع على هذا النحو؟‬
‫بل لماذا جاءت الفتوى هكذا؟‬
‫وكيف صدر هذا القرار؟‬
‫إنه الجو الفكري الذي ينشحن فيه الخطيب والكاتب والمفتي والمدير والب‬
‫و‪ ...‬و‪....‬‬
‫ً‬
‫قلنا‪ :‬إن النسان ل يستطيع الفكاك من الجو الفكري؛ فهو متأثر به أيا كانت‬
‫نسبة التأثر‪ ،‬لكن المهارة في أن تتدخل في صنع الجو الفكري الذي تريد‬
‫العيش فيه ليكون تأثيره فيك تأثيرا ً إيجابيًا‪ ،‬فس ْ‬
‫ل نفسك‪:‬‬
‫ماذا تقرأ؟ ماذا تسمع؟ من تجالس؟ …؟‬
‫وبعد أن تجيب عن هذه السئلة اسأ ْ‬
‫ل‪:‬‬
‫وما الذي يجب تحسينه؟ وكيف‪...‬؟ وهكذا في تحسين مستمر‪.‬‬
‫دد مصادر غذائنا الفكري لننعم بجو لطيف‬
‫وحتى يتسع فضاؤنا فعلينا أن نع ّ‬
‫يسمح بالتعدد واللتقاء في آن واحد؛ )وعّلم آدم السماء كلها( )ورفعنا‬
‫ريًا(‪.‬‬
‫بعضهم فوق بعض درجات‪ (...‬و )‪...‬ليتخذ بعضهم بعضا ً ُ‬
‫سخ ِ‬
‫وكلما اتسع الجو الفكريّ للنسان كلما التقى هذا النسان وانسجم مع الكون‬
‫والحياة في متعة تعني الحياة‪ ،‬وعلى الموات السلم…‬
‫تمنياتي لك بجوّ فكريّ ساحر…‬
‫)‪(1 /‬‬
‫الجيل المثالي‬
‫ب الدين الخطيب‬
‫للستاذ‪ :‬مح ّ‬
‫من أيام أفلطون )‪348 – 430‬ق‪.‬م( وكتابه "الجمهورية" ثم من عصر أبي‬
‫نصر الفارابي )‪339 – 260‬هـ( وكتابه "المدينة الفاضلة" إلى زمن السر‬
‫توماس مور )‪1535 – 1478‬م( وكتابه "يوتوبيا"‪.‬‬
‫من تلك العصور والزمان – إلى يوم الناس هذا ‪ -‬والنسانية تحلم بالجيل‬
‫المثالي الذي يود البشر لو يظفرون به فيتخذونه قدوة لهم في السلم‬
‫مْنشط والمكره‪ ،‬في مختلف أطوار الحياة‪ ،‬ليكون لهم من كماله‬
‫والحرب‪،‬وال َ‬
‫المكاني المثل المقتدى به في كمالهم النساني‪.‬‬
‫دث عنها‬
‫هي أمنية من أماني الشعوب والمم‪ ،‬من أقدم الزمان إلى الن تح ّ‬
‫الحكماء‪ ،‬وتغّنى بها الشعراء‪ ،‬وترّنم بها رخيم أصوات الهاتفين‪ ،‬وهمس بها‬
‫صفوة الضارعين والمناجين‪ ،‬من كل صادح أو باغم‪.‬‬
‫بل إن "الجيل المثالي" هو الذي دعا إلى تكوينه وعمل على تحقيقه النبياء‬
‫من أولي العزم‪ ،‬وهو الذي تمناه الحكماء وأهل العلم‪ ،‬وهو الذي كانت‬
‫النسانية ول تزال إلى شبحه المرجى في أحلم يقظاتها وفترات غفوتها‪.‬‬
‫تريث موسى بقومه في آفاق العريش‪ ،‬وبرية سيناء وصحارى الّنقب‪ ،‬وحوالي‬
‫بئر سبع أربعين حول ً يلتحف معهم سحائب السماء ويفترش الغبراء‪ ،‬وهو‬
‫ن بسنن الله‪ ،‬ويتخّلق بأخلق الرفق‬
‫يحاول أن يربي منهم جيل ً مثاليا ً يست ّ‬
‫والحزم والتضحية والستقامة والعتدال فيرضى بها عن ربه ويرضى ربه عنه‪،‬‬
‫ثم مات موسى ولما يبلغ من أمته هذه المنية‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ونبغ في الصين حكيمها العظم كونغ فوتس الذي عرفناه من طريق الفرنج‬
‫باسم "كونفوشيوس" )‪479 – 550‬ق‪.‬م( ول شك أنه كان من أصدق الدعاة‬
‫إلى أن يتعامل الناس بالمروءة‪ ،‬لكنه لم يرتفع بدعوته إلى تخليص الصين من‬
‫عبوديتها لبن السماء "المبراطور" ولما في السماء من شمس وقمر‬
‫وكواكب وسحائب ورعود وصواعق وأمطار‪ ،‬ول إلى تخليصها من عبادة‬
‫الرض‪ ،‬وما في الرض من جبال وبحار وأنهار‪ ،‬ول من أرواح الباء وما تقيمه‬
‫في سبيلهم من حدود وسدود وقيود‪.‬‬
‫وقد أخفق كونغ فوتس في كل ما قام به من دعوة في أرجاء الصين‪ ،‬فعاد‬
‫إلى بلده يؤلف الصحائف في الدعوة إلى المروءة‪ ،‬وقد رأينا تفصيل ذلك في‬
‫كتابه "الحوار" ثم مات وليس له من المتأثرين بدعوته إل عدد قليل من‬
‫تلميذه‪ ،‬وبقيت الصين هي الصين من ذلك الحين إلى الن‪..‬‬
‫وأعلن حكماء اليونان مذاهبهم في الحكمة وتهذيب النفس‪ ،‬فصنفوا في ذلك‬
‫المصنفات‪ ،‬وألقوا به الخطب‪.‬‬
‫وقد اشتطوا في كثير مما صنفوا وخطبوا‪ ،‬وكتاب "الجمهورية" لفلطون من‬
‫أبرز المثلة على هذا الشطط‪ ،‬ثم انقضى زمن حكماء اليونان وحكمتهم‪ ،‬دون‬
‫أن تعمل شعوبهم بما دعوها إليه‪ ،‬لن الدعوة والمدعوين للعمل بها لم يكونا‬
‫أهل ً لذلك‪.‬‬
‫وعالج المسيح في فلسطين عقول مواطنيه من العامة والخاصة ممن كانوا‬
‫يقصدون هيكل أورشليم‪ ،‬أو يتسلقون جبل الزيتون ويترددون على شواطئ‬
‫بحيرة طبريا وحقول أرض الجليل وحدائقها‪ ،‬فلم يستجب لدعوته إل عدد‬
‫ضئيل ل يكاد يسمى جماعة فضل ً عن أن يكون أمة‪.‬‬
‫إن النسانية من أقدم زمانها‪ ،‬وفي مختلف أوطانها‪ ،‬لم تشهد "الجيل‬
‫المثالي" إل مرة واحدة حين فوجئت بإقباله من صحارى أرض العرب يدعو‬
‫إلى الحق والخير بالقوة والرحمة‪ ،‬فكان ذلك مفاجأة عجيبة لكل من شهد‬
‫هذا الحادث التاريخي الفذ من روم وفرس وآراميين ولتين وسكسونيين‬
‫وصقلبيين وغيرهم‪.‬‬
‫كانت المفاجأة – بمصدرها وكيفيتها‪ ،‬وأطوارها ‪ -‬ثم كانت عجيبة العجائب‬
‫بنتائجها التي ل تزال من معجزات التاريخ‪.‬‬
‫ونوا على حين غفلة من المم؟ وما هذه الرسالة‬
‫أين كان هؤلء؟ وكيف تك ّ‬
‫التي يحملونها؟ وكيف نجحت؟ وما هي وسائل نجاحها؟‬
‫سلسلة من السئلة ل يكاد الناس يتساءلون بأولها حتى يفاجؤوا بما ينسيهم‬
‫تاليه أوله‪ .‬إلى أن رأوا من صفات هذه المة المثالية ما أيقنوا به أنها تحمل‬
‫إلى النسانية رسالة الحق والخير‪ ،‬وأنها تترجم عن رسالتها بأخلقها وسيرتها‬
‫وأعمالها‪ ،‬وأن الذي اعتقدته وتخلقت به ودعت المم إليه هو الحق الذي‬
‫قامت به السموات والرض‪.‬‬
‫وكما تساءل الناس عن هذه العجائب في زمن وقوعها‪ ،‬ثم أنساهم بعضها‬
‫بعضًا‪ ،‬كذلك نحن نتساءل اليوم عن كثير من أسرارها‪ ،‬بالرغم من ضياع‬
‫العدد الكبر من المراجع فيما احترق من بيوت الفسطاط ومدارسها‬
‫وجوامعها مدة أربعة وخمسين يومًا)‪ ،(2‬وفيما غرق بمياه دجلة أيام ابن‬
‫العلقمي ومستشاره ابن أبي الحديد‪ ،‬وفيما خسرناه بضياع الندلس وكوارث‬
‫الحروب الصليبية‪ ،‬وفيما فرطنا به في أزمان الجهل والنحطاط ‪ -‬بالرغم من‬
‫كل هذا ‪ -‬فإن النفوس استيقظت الن لدراسة أحوال "الجيل المثالي" الفذ‬
‫الذي عرفته الدنيا‪ ،‬ولنقد الصيل والدخيل من أخباره‪ ،‬وتحليل عناصر الخير‬

‫‪25‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫التي انطوى عليها‪ ،‬ومعرفة السباب التي صار بها جيل ً مثاليا ً لتستفيد‬
‫النسانية من القتداء به والتأسي بسننه وأخلقه وتصرفاته‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وأول ما نعلمه ونؤمن به من أسباب الكمال في هذا الجيل المثالي أنه تلقى‬
‫تربيته على يد معلم الناس الخير خاتم رسل الله المبعوث بأكمل رسالت‬
‫الله صلى الله عليه وسلم إن هذا السبب في طليعة أسباب الكمال لهذا‬
‫الجيل المثالي‪ ،‬ل يشك في ذلك عاقل فضل ً عن مؤمن‪ ،‬ولكن يحق لنا أن‬
‫نتساءل‪ :‬ألم يكن موسى أحد المبعوثين برسالت الله؟ ألم يتح لموسى أن‬
‫يعاشر قومه في الحل والترحال معاشرة تربية ودعوة أكثر من أربعين؟ ومع‬
‫ذلك فقد جاء في "سفر العدد" من التوراة الموجودة الن في أيدي قومه )‬
‫‪ (27 - 26 :14‬ما نصه‪:‬‬
‫ً‬
‫ب موسى وهارون قائل‪ :‬حتى متى أغفر لهذه الجماعة الشريرة‬
‫"وكلم الر ّ‬
‫المتذمرة علي؟"‪.‬‬
‫ً‬
‫"في هذا القفر تسقط جثثكم جميعا‪ ،‬المعدودين منكم حسب عددكم‪ ،‬من ابن‬
‫ي"‪.‬‬
‫عشرين فصاعدا ً الذين تذ ّ‬
‫مروا عل ّ‬
‫أين ‪-‬من أصحاب موسى هؤلء‪ -‬أصحاب محمد‪ ،‬عليهما صلة الله وسلمه‪،‬‬
‫يوم سار بهم إلى بدر وهم ثلثمائة وبضعة عشر رجل ً ليناجزوا ثلثة أضعافهم‬
‫من أهل الرجولة والحماسة والبأس‪ ،‬فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫بهذه القّلة القليلة من أصحابه وادي زفران‪ ،‬أراد أن يختبر إيمانهم‪ ،‬فأخبرهم‬
‫عن قريش‪ ،‬واستشارهم في الموقف‪ ،‬فقام الصديق العظم أبو بكر فقال‬
‫وأحسن‪ ،‬ثم قام عمر بن الخطاب الذي أعّز الله به السلم فقال وأحسن‪ ،‬ثم‬
‫قام فارسهم المقداد بن عمرو "السود" الكندي فقال‪:‬‬
‫"يا رسول الله‪ ،‬امض لما أراك الله فنحن معك والله ل نقول لك كما قالت‬
‫بنو إسرائيل لموسى‪ :‬اذهب أنت وربك فقاتل إّنا هاهنا قاعدون‪ ،‬ولكن اذهب‬
‫أنت وربك فقاتل إنا معكما مقاتلون‪ ،‬فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى‬
‫برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه"‪.‬‬
‫ً‬
‫فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له‪ .‬ثم قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫ي أيها الناس"‪.‬‬
‫"أشيروا عل ّ‬
‫فقال له سعد بن معاذ سيد الخزرج وأقوى زعيم في النصار‪:‬‬
‫"والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟"‪.‬‬
‫قال‪" :‬أجل"‪.‬‬
‫قال سعد‪:‬‬
‫"فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئنا به هو الحق وأعطيناك على ذلك‬
‫عهودنا ومواثيقنا على السمع ‪ ،‬والطاعة‪ ،‬فامض يا رسول الله لما أردت‬
‫فنحن معك‪ ،‬فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه‬
‫معك ما تخّلف مّنا رجل واحد‪ ،‬وما نكره أن تلقى عدونا غدًا‪ .‬إّنا لصبٌر في‬
‫الحرب‪ ،‬صدق في اللقاء‪ ،‬لعل الله يريك مّنا ما تقّر به عينك‪ ،‬فسر بنا على‬
‫بركة الله"‪.‬‬
‫وقد كان عملهم أبين من قولهم وأصدق‪.‬‬
‫هكذا كانوا في مواقف البأس وعند الشدائد‪ ،‬ورأيناهم في تحري الحقوق‬
‫وإذعانهم للنصاف والعدل في حياتهم السلمية كما تحدثت عنهم أم سلمة‬

‫‪26‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫رضي الله عنها ‪-‬فيما رواه عنها المام أحمد في "مسنده" وأبو داود في‬
‫"سننه"‪ -‬قالت‪:‬‬
‫"جاء رجلن يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث قد‬
‫درست‪ ،‬ليس بينهما بّينة‪ ،‬فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫ي‪ ،‬وإنما أنا بشر‪ ،‬ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض‪،‬‬
‫"إنكم تختصمون إل ّ‬
‫وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع‪ ،‬فمن قضيت له من حق أخيه شيئا ً‬
‫يأخذه‪ ،‬فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطاما ً في عنقه يوم‬
‫القيامة"‪.‬‬
‫فبكى الرجلن‪ ،‬وقال كل واحد منهما‪:‬‬
‫"حقي لخي!"‪.‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫خيا الحق‪ ،‬ثم استهما‪ -‬أي اعمل قرعة‬
‫"أما إذ قلتما ذلك؛ فاذهبا فاقتسما ثم تو ّ‬
‫على القسمين بعد قسمهما‪ ،-‬ثم ليحل كل واحد منكما صاحبه"‪.‬‬
‫وهذان الرجلن المثاليان في اليمان بالحق ل نزال إلى الن نجهل اسميهما‬
‫لنهما من عامة الصحابة ل من خواصهم الممتازين بالفضائل النسانية النادرة‬
‫المثال كالعشرة المبشرين بالجنة وطبقتهم ممن اختصهم النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم لصحابه على محبة الحق‪ ،‬واستجابة أصحابه له فيما أحب أن‬
‫يكونوا عليه‪ ،‬قد أشاعت هذا الخلق في الخاصة والعامة من أبناء ذلك الجيل‬
‫المثالي‪ .‬فلما كانت خلفة الصديق العظم رضوان الله وسلمه عليه‪ ،‬ناط‬
‫منصب القضاء برمز العدالة في النسانية‪ -‬وهو عمر بن الخطاب‪ -‬فكانت تمر‬
‫على عمر الشهر ول يأتيه اثنان يتقاضيان عنده‪ ،‬وأي حاجة بهذه المة المثالية‬
‫إلى القضاء والمحاكم وهي أمة الحق ومن أخلقها أن تتحرى الحق بنفسها‬
‫فل تحتاج إلى تحكيم القضاء فيه‪ .‬بل إن الطبقة الدنيا في هذا الجيل‪-‬‬
‫وأحوالها وأخلقها معروفة في كل جيل وقبيل‪ -‬وهم ممن يستطيع الشيطان‬
‫في العادة أن يغلبهم على إرادتهم في بعض الحيان فيقعون في زلة‬
‫يستوجبون عليها الحد الشرعي‪ ،‬فإن من أعجب ما وقع في تاريخ البشر أن‬
‫يأتي من يقع في شيء من تلك الزلة من أهل تلك الطبقة إلى رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فيعترف بزلته‪ ،‬ويلح بلجاجة وإصرار على طلب إقامة‬
‫الحد عليه –وفي ذلك حتفه‪ -‬ليتطهر مما دنسه به الشيطان‪.‬‬
‫وكان نبي الرحمة إذا رأى هذا اليمان العجيب في هذه الطبقة من أصحابه‬
‫الطيبين يحاول جهده أن يدرأ الحد عنهم بكل ما يجيزه الشرع‪ ،‬فيأبون إل أن‬
‫يتعجلوا عقوبة الدنيا ليتقوا بها عقوبة الخرة‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وهذه الملحظة عن هذه الطبقة بالذات –قد سبق إلى التنويه والتحدث عنها‬
‫إمام كبير من أئمة أهل البيت من زيدية اليمن‪ ،‬وهو المام المنصور بالله عبد‬
‫الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة‪ -‬المتوفى ببلدة كوكبان باليمن سنة ‪614‬‬
‫– نقل ذلك عنه عالم الزيدية في القرن التاسع السيد محمد بن إبراهيم بن‬
‫علي المرتضى الوزير "‪ "840-775‬في كتابه "الروض الباسم" )‪(56-55 :1‬‬
‫فذكر تلك الطبقة وقال‪" :‬إن أكثرهم تساهل ً في أمر الدين ممن يتجاسر على‬
‫القدام على الكبائر ل سيما معصية الزنا‪ ..‬وذلك دليل خفة المانة ونقصان‬
‫الديانة‪ ،‬بأننا نظرنا في حالهم فوجدناهم فعلوا ما ل يفعله من المتأخرين إل‬
‫أهل الورع الشحيح‪ ،‬والخوف العظيم‪ ،‬ومن يضرب بصلحه المثل ويتقرب‬

‫‪27‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بحبه إلى الله عز وجل‪ .‬وذلك أنهم بذلوا أرواحهم في مرضاة رب العالمين‬
‫وليس يفعل ذلك إل من يحق له منصب المامة في أهل التقوى والدين" أي‬
‫أن طبقة الدهماء في ذلك الجيل المثالي‪ -‬ممن قد يقعون في الكبائر‪ -‬كان‬
‫لهم من صدق اليمان والستقامة على الحق ما يرفعهم إلى مرتبة من يحق‬
‫له منصب المامة في أمة أهل التقوى والدين‪ ،‬فكيف بخاصة الصحابة الذين‬
‫نزههم الله عز وجل عن أصغر الهفوات ورفعهم إلى أعلى الدرجات‪ .‬ولول أن‬
‫النبوة ختمت بمربيهم وهاديهم إلى الحق صلى الله عليه وسلم لما كان مثل‬
‫أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أقل من النبياء الذين سلفوا في المم الخرى‪.‬‬
‫وإن هذا الذي يتكلم عن الزناة من دهماء الصحابة واستحقاقهم لمنصب‬
‫إمامة إمام من علماء أهل البيت‪ ،‬يعني ما يقول ويعلم معنى أقواله‪ ،‬لكنه‬
‫رأى هذه الطبقة في ذلك "الجيل المثالي" قد صدر عنها من صدق اليمان ما‬
‫لم تر أمة من أمم الرض مثله فحكم بعلمه وكان منصفا ً لنفسه‪ ،‬وللحق‪،‬‬
‫ولدعوة السلم وآثارها في أهلها الولين‪.‬‬
‫وقد علق على كلم المام المنصور بالله علمة الزيدية السيد محمد بن‬
‫إبراهيم الوزير )‪ (57-55 :1‬من "الروض الباسم" قائل ً يخاطب قارئ كتابه‪:‬‬
‫"فأخبرني على النصاف‪ :‬من في زماننا –وقبل زماننا‪ -‬من أهل الديانة سار‬
‫إلى الموت نشيطا ً وأتى إلى ولة المر مقرا ً بذنبه مشتاقا ً إلى لقاء ربه‪ ،‬باذل ً‬
‫في رضاء الله لروحه‪ ،‬ممكنا ً للدعوة أو القضاء من الحكم بقتله؟! وهذه‬
‫الشياء تنبه الغافل‪ ،‬وتقوي بصيرة العاقل‪ .‬وإل ففي قول الله تعالى‪) :‬كنتم‬
‫خير أمة أخرجت للناس( كفاية وغنية‪ ،‬مع ما عضدها من شهادة المصطفى‬
‫عليه السلم بأنهم "خير القرون" وبأن غيرهم "لو أنفق مثل أحد ذهبا ً ما مبلغ‬
‫مد ّ أحدهم ول نصيفه" إلى أمثال ذلك من مناقبهم الشريفة ومراتبهم‬
‫ُ‬
‫المنيفة" ونعود إلى المقارنة الولى بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫وأمة موسى عليه السلم‪ -‬وكلهما من الولياء أولي العزم‪ -‬وموسى أتيح له‬
‫من الوقت لتربية أمته ضعف الوقت الذي أتيح لمحمد صلى الله عليه وسلم‬
‫في تربية أمته‪ ،‬فكيف نالت أمة محمد صلى الله عليه وسلم هذه المكرمة‬
‫فكانت "الجيل المثالي" الذي خلده الله عزوجل في القرآن بقوله في سورة‬
‫آل عمران ‪) 110‬كنتم خير أمة أخرجت للناس( بينما الجيل الذي كان مع‬
‫موسى استحق أن يدمغ بما ورد في سفر العدد )‪ 27 -26 :14‬و ‪ (29‬كما‬
‫نقلناه آنفا ً عن التوراة التي يطبع منها في كل سنة مليين النسخ بكل اللغات‪.‬‬
‫أنا فكرت في هذا المر كثيرا ً من خمسين سنة إلى الن ومن ذلك الحين وأنا‬
‫أراقب كل ما يقع عليه نظري من تحقيقات العلماء وخطرات أفكارهم لصل‬
‫إلى حكمة الله في هذا المتياز الذي اختص به أصحاب رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم فجعلهم "الجيل المثالي" الوحيد الذي عرفه تاريخ النسانية‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫فكرت في معادن المم ومواهبها‪ ،‬وسجاياها‪ ،‬فراقبتها جميعا ً وهي في‬
‫بداوتها‪ -‬أي في مادتها الخام‪ -‬قبل أن تطرأ عليها الحضارات والعلوم‬
‫المكتسبة والصناعات والنظمة الجتماعية التي هي من صنع التشريع‬
‫البشري‪ ،‬فتبين لي أن المة التي منها "الجيل المثالي" في السلم‪ ،‬امتازت‬
‫في بداوتها على كل أمة أخرى في بداوتها بسعة المدارك ونضج العقل‪ ،‬ودقة‬
‫المشاعر‪ ،‬وجودة الخلق‪ ،‬وأنها امتازت في بداوتها بلغة هي أرقى على‬
‫الطلق من كل لغة أخرى للبشر في طورهم البدوي‪ ،‬وك ّ‬
‫ل رقي لي لغة‬

‫‪28‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أخرى غير اللغة العربية هو من أثر الحضارة واتساعها الحادث في الصناعات‬
‫والعمران والفنون والثروة‪ .‬ولو أن عالما ً من علماء اللغات أمسك بيده قلما ً‬
‫بالمداد الحمر وشطب به كل لفظة في المعجم اللماني أو النجليزي أو‬
‫الفرنسي‪ ،‬يرى أنها من اللفاظ التي حدثت بعد التقدم الصناعي أو العلمي أو‬
‫القتصادي أو الفني‪ ،‬ولم تكن لللمان أو النكليز أو الفرنسيين في بداوتهم‪،‬‬
‫لما بقي لهذه المم في أكبر معاجمها اللغوية إل ما يعادل نصف جزء من‬
‫أجزاء لسان العرب العشرين إن لم يكن أقل من ذلك‪ .‬والعرب لما استفحل‬
‫ملكهم وصارت لهم جيوش عظيمة وإصطلحات عسكرية وإدارية وفلسفية‬
‫وعلمية وصناعية أبى علماؤهم أن يقحموا على معاجمهم وأصل لغتهم هذه‬
‫الصطلحات الطارئة‪ ،‬فألفوا كتبا ً مستقلة للصطلحات وبقيت معاجم اللغة‬
‫تمثل أصل اللغة بشواهدها من شعر العرب وحكمتهم وأمثالهم في أيام‬
‫بداوتهم‪ ،‬فهي برهان حسي قائم أمام النظار على ما امتازت به العربية بين‬
‫جميع اللغات التي نطق بها البشر‪.‬‬
‫ومما امتازت به المة التي ظهر فيها "الجيل المثالي" إنسانيتها العليا في‬
‫معاملة الغير وإكرامه بالمن والقرى‪ .‬وإذا استثنينا ما يكون في حالة الحرب‬
‫بين القبيلة وغيرها من العرب‪ ،‬فإن جزيرة العرب من أقدم أزمانها إلى هذه‬
‫الساعة أعظم بلد الله أمنا ً على الطلق‪ ،‬ينتقل فيها من شاء فيجد لنفسه‬
‫فندقا ً مجانيا ً عند كل بصيص نور يعشو إليه في الليل‪ ،‬أو أي خباء يلوح له في‬
‫ن عليه ول فضل لمضيفيه‪.‬‬
‫النهار‪ ،‬وله‪ -‬حق‪ -‬الضيافة ثلثة أيام بل م ّ‬
‫ومن آداب الضيافة عندهم أل يسألوا ضيفهم حتى عن اسمه‪ .‬وكان عندهم‬
‫المن المطلق حتى للحمام والظباء وسائر الصيد في داخل أعلم الحرم في‬
‫جميع أيام السنة‪ ،‬ولو لقي الرجل قاتل أبيه في أرض الحرم‪ ،‬ما كان له أن‬
‫يروعه أو يزعجه‪.‬‬
‫ً‬
‫أنا مقتنع كما اختار الله محمدا صلى الله عليه وسلم لكمال رسالته وآخرها‪،‬‬
‫اختار كذلك العربية لكتابه الحكيم‪ ،‬لنها أكمل اللغات وأغناها‪ .‬واختار أيضا ً‬
‫لرسوله أصدق المم وأكرمها معدنا ً وأجمعها للصفات التي تكمل نجاح هذه‬
‫الدعوة وتقوى بها على حمل هذه المانة فكانت بها خير أمة أخرجت للناس‪.‬‬
‫وقد دعت إلى السلم بسيرتها وأخلقها وتصرفاتها‪ ،‬فتعرفت المم إلى‬
‫الرسالة المحمدية بما رأت العيون من سيرة الصحابة‪ ،‬أكثر مما سمعته‬
‫الذان من بيانهم‪ .‬وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استجابوا‬
‫لهذه الرسالة وتشرفوا بالدخول في السلم كانوا متفاوتين في مبلغهم من‬
‫سجايا أمتهم‪ .‬فبعضهم كان أسرع إدراكا ً من بعض‪ ،‬وإذا امتاز أحدهم على‬
‫أخيه بناحية من نواحي الخير‪ ،‬كان لخيه ناحية أخرى من الخير يمتاز بها‪.‬‬
‫كان أبو بكر أسبق من عمر إلى إدراك الحق في دعوة السلم‪ ،‬لكن عمر‬
‫حتى في أشد عصبيته على السلم‪ -‬يوم بلغه إسلم أخته وابن عمه وجاء‬
‫ليبطش بهما‪ -‬طرقت سمعه صيحة من صيحات الحق التي يهتف بها السلم‪،‬‬
‫فبردت عصبيته وتغلب نزوعه للحق على نزوعه لنصرة اللف‪ ،‬فكان‪ -‬في‬
‫خلل دقيقتين اثنتين‪ -‬من أكرم أنصار الحق على الله‪ ،‬ومن أسرع البشر إلى‬
‫الستجابة لنداء الحق‪ .‬وخالد بن الوليد كان شابا ً من أبناء العيان من رؤساء‬
‫قريش‪ ،‬سكر بخمرة النصر على المسلمين في أحد‪ ،‬وعاد إلى مكة نشوانا ً‬
‫بها‪ ،‬لكن الحق الذي كان السلم يهتف به كان يطرق مسامع خالد‪ ،‬فتأمل‬
‫فيه فوجده حقًا‪ ،‬فترك ثروة أبيه وجاهه ومربط خيله الواسع في مكة‪ ،‬وخرج‬
‫قاصدا ً إلى المدينة ليدخل في دين الذين حاربهم وانتصر عليهم‪ ،‬فلقي في‬
‫طريقه عمرو بن العاص وحامل مفتاح الكعبة‪ ،‬وعلم أنهما مثله قد تبين لهما‬
‫‪29‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الحق وخرجا في طلبه واللتحاق بأهله والجهاد في سبيله فقال النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم فيهم عند بلوغهم المدينة‪" :‬رمتكم مكة بأفلذ أكبادها"‪.‬‬
‫مثل هذه الخلق كثيرة جدا ً في "الجيل المثالي" الذي صنع منه محمد صلى‬
‫الله عليه وسلم أصحابه‪ ،‬ولكننا قلما نجد ذلك شائعا ً في المم الخرى‪ .‬نعم‬
‫إن الخير موجود في كل المم ولكن ل إلى الحد الذي يقوم به الجيل المثالي‪،‬‬
‫ولذلك كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس‪.‬‬
‫يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى البخاري في "صحيحه"‬
‫"الكتاب ‪ -61‬الباب الول" من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة أن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية‬
‫خيارهم في السلم إذا فقهوا"‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫ن من المم لم يكن عند‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ومما لشك فيه أن العرب كانوا على وثنية ولك ْ‬
‫ظهور السلم من أهل الوثنية بمختلف معانيها؟ إل أن العرب كانوا أحدث‬
‫المم في وثنيتهم‪ ،‬لنها طرأت عليهم قبيل السلم بمئات قليلة على يد عمرو‬
‫ابن لحي الخزاعي في خبر طويل ل يتسع المقام للفاضة فيه‪ .‬وكانت العرب‬
‫قبل ذلك من أهل الحنيفية دين إبراهيم وإسماعيل‪ ،‬وبنو إسماعيل انتشروا‬
‫من مكة وتوطنوا في جميع البقاع الشمالية من جزيرة العرب إلى أسوار‬
‫مدينة دمشق‪ .‬ومن العرب من كانوا على دين شعيب‪ ،‬وقد ترك التاريخ لنا‬
‫نصوصا ً في هذا المعنى‪ .‬وهذه الوثنية الطارئة على العرب لم يكن لها عندهم‬
‫من الهياكل والسدنة والتهاويل ما يضارع الذي لها عند غيرهم‪ ،‬فكانوا أقرب‬
‫أمم الرض إلى دين الفطرة‪ ،‬وبذلك استحقوا ثناء الله عليهم فيما جاء بسورة‬
‫البقرة‪) 143 :‬وكذلك جعلناكم أمة وسطا ً لتكونوا شهداء على الناس ويكون‬
‫الرسول عليكم شهيدًا‪ ،‬وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إل لنعلم من يتبع‬
‫الرسول ممن ينقلب على عقبيه‪ ،‬وإن كانت لكبيرة إل على الذين هدى الله‪،‬‬
‫وما كان الله ليضيع إيمانكم‪ ،‬إن الله بالناس لرؤوف رحيم(‪ ،‬وما جاء في‬
‫سورة النفال‪) 64 :‬يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين( وما‬
‫جاء في سورة التوبة‪) 100 :‬والسابقون الولون من المهاجرين والنصار‬
‫والذين اتبعوهم بإحسان‪ ،‬رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد ّ لهم جنات تجري‬
‫من تحتها النهار خالدين فيها أبدا ً ذلك الفوز العظيم(‪.‬‬
‫نقل الحافظ ابن حجر في الصابة )‪ 3:2‬طبعة السلطان عبد الحميد( عن‬
‫الزبير بن بكار "أن رجل قال لعمرو بن العاص‪ :‬ما أبطأ بك عن السلم‪ ،‬وأنت‬
‫أنت في عقلك؟‬
‫قال‪ :‬إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم‪ -‬يعني أباه ومن هم في طبقته‪ -‬وكانوا‬
‫ممن توازي حلومهم الجبال‪ ،‬فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم فأنكروا‬
‫عليه‪ ،‬قلدناهم‪ ،‬فلما ذهبوا وصار المر إلينا نظرنا وتدبرنا‪ ،‬فإذا حق بين‪ ،‬فوقع‬
‫في قلبي السلم‪ ،‬فعرفت قريش ذلك مني‪ ،‬من إبطائي عما كنت أسرع فيه‬
‫من عونهم عليه‪ ،‬فبعثوا إلي فتى منهم فناظرني في ذلك‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫ أنشدك الله ربك ورب من قبلك ومن بعدك‪ :‬أنحن أهدى أم فارس والروم؟‬‫قال‪ :‬نحن أهدى‪ -‬يعني الصدق والعدالة والمانة والتعاون المحمود‪.-‬‬
‫قلت‪ :‬فنحن أوسع عيشا ً أم هم؟‬
‫قال‪ :‬هم‪.‬‬
‫ٌ‬
‫قلت‪ :‬فما ينفعنا فضلنا عليهم إن لم يكن لنا فضل إل في الدنيا‪ ،‬وهم أعظم‬

‫‪30‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫منا فيها أمرا ً في كل شيء؟ وقد وقع في نفسي أن الذي يقوله محمد‪ -‬من‬
‫أن البعث بعد الموت ليجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته‪ -‬حق‪ ،‬ول‬
‫خير في التمادي في الباطل"‪.‬‬
‫إن المسلمين‪ -‬بل النسانية كلها‪ -‬أشد ما يكونون اليوم حاجة إلى معرفة‬
‫فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرم معدنهم وأثر تربية‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم‪ ،‬وما كانوا عليه من علو المنزلة التي‬
‫صاروا بها "الجيل المثالي" الفذ في تاريخ البشر‪ .‬وشباب السلم معذور إذا‬
‫لم يحسن التأسي بالجيل المثالي في السلم‪ ،‬لن أخبار أولئك الخيار قد‬
‫طرأ عليها من التحريف والغراض والبتر والزيادة وسوء التأويل في قلوب‬
‫شحنت بالغل على المؤمنين الولين‪ ،‬فأنكرت عليهم حتى نعمة اليمان! وقد‬
‫أصبح من الفرض الديني والقومي والوطني على كل من يستطيع تصحيح‬
‫تاريخ صدر السلم أن يعتبر ذلك من أفضل العبادات‪ ،‬وأن يبادر له ويجتهد‬
‫فيه ما استطاع‪ ،‬إلى أن يكون أمام شباب المسلمين مثال صالح من سلفهم‬
‫يقتدون به ويجددون عهده‪ ،‬ويصلحون سيرتهم بصلح سيرته‪.‬‬
‫وهذه المعاني تحتاج إلى دراسات علمية عميقة‪ ،‬ليتبين لنا سر الله في تكوين‬
‫هذا "الجيل المثالي" على يد حامل أكمل رسالت الله‪ .‬وإن فصل ً كهذا أضيق‬
‫من أن يلم‪ -‬ولو بإشارات قصيرة ولمحات سريعة‪ -‬بمثل هذه المعاني التي‬
‫تخطر على البال في أثناء المطالعات والتفكير‪ ،‬ونحن نكتفي بتسجيلها ليتخذ‬
‫منها أذكياء الطلبة والشبان مواضيع للدراسة والتمحيص‪ .‬والله الموفق‪..‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫الحاجة إلى تفعيل أدائنا‬
‫د‪ .‬بدران بن الحسن ‪15/12/1426‬‬
‫‪15/01/2006‬‬
‫إن صناعة التاريخ بقدر ما تحتاج إلى أفكار سليمة‪ ،‬فإنها تحتاج إلى فعالية في‬
‫إنجازها‪ ،‬والمم اليوم في زمن العولمة والمادية الطاغية على اهتمامات‬
‫ضرها بقدر ما تملك من فعالية في أدائها‪.‬‬
‫الناس ُتقاس درجة تح ّ‬
‫والفعالية إذا أردنا أن نتفهم حقيقتها في واقعنا اليوم‪ ،‬وخاصة في المستوى‬
‫الجتماعي‪ ،‬فإنها ل تكاد تحيد عن معنى القدرة على توليد )ديناميكا(‬
‫اجتماعية‪ ،‬وذلك من خلل تفهم معادلتنا الجتماعية‪ ،‬وتحديد متغيراتها‪ ،‬والقيام‬
‫بأداء منهجي متناسق ل يحتوي خلي ً‬
‫طا من الفكار المتناقضة‪.‬‬
‫ولعل الفعالية الجتماعية هي أهم ما يميز الحضارة المعاصرة عمومًا‪،‬‬
‫والحضارة الغربية بوجه خاص‪ ،‬بحيث استطاعت هذه الخيرة تربية العقل‬
‫والفكر الغربيين على مبدأ الفعالية‪ ،‬وعلى المستويين الفردي والجتماعي‪،‬‬
‫وصارت تصبغ كل أفعاله وإنجازاته في إطار التاريخ‪ .‬وتترجم هذه الفعالية‬
‫اجتماعيا ً في الواقع في صورة ضمانات اجتماعية يقدمها المجتمع للفرد في‬
‫أطوار حياته المختلفة‪.‬‬
‫ولهذا فإن ما يفصل المجتمعات في هذا العصر هو مدى فعاليتها؛ إذ يوجد‬
‫تشابه واختلف بين المجتمعات‪ ،‬والختلف اللفت للنظر يكمن في ما يطبع‬
‫نشاط أي مجتمع من فعالية تتفاوت درجتها من مجتمع إلى آخر‪.‬‬
‫والفعالية في حقيقتها ليست شيئا ً فطريا ً مركبا ً في فطرة هذا المجتمع أو‬
‫ذاك أو هذه الحضارة أو تلك‪ ،‬وإنما هي نتاج لتركيب ثقافي معين متحرك في‬
‫إطار التاريخ‪ ،‬ومرتبط بالوضعية التي يقفها المجتمع من دورة الحضارة‪ ،.‬كما‬

‫‪31‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يرى مالك بن نبي عليه رحمة الله‪.‬‬
‫ولعل العامل الحاسم في تحقيق الفعالية في أداء أي فرد أو مجتمع هو‬
‫العامل النفسي‪ ،‬الذي يحفز على الداء الفّعال من خلل توحيد الهم‪ ،‬وتوجيه‬
‫الهتمام‪ ،‬وحشد الطاقات‪ ،‬وقد كان القرآن الكريم هو المحفز والمنتج الكبر‬
‫للفعالية في المجتمع السلمي في زمن النبوة والصحابة والخلفة الراشدة‬
‫والسلف الصالح‪ .‬فقد منح القرآن الكريم لهم الدفعة الروحية‪ ،‬ورفع من‬
‫طموحاتهم‪ ،‬فغيروا واقعهم وتاريخهم‪ ،‬وبنوا حضارة لم يسبق لها مثيل من‬
‫قبل‪.‬‬
‫وإذا التفتنا اليوم إلى واقعنا‪ ،‬نجد أن القرآن هو القرآن‪ ،‬ولكن النفس غير‬
‫النفس‪ ،‬فواقعنا يناقض تماما ً ما نؤمن به‪ .‬ونجد المسلم الذي يأمره القرآن‬
‫َْ‬
‫مَرحًا‪](...‬لقمان‪ :‬من الية ‪،[18‬‬
‫ض َ‬
‫بالقصد والنضباط )‪َ ...‬ول ت َ ْ‬
‫م ِ‬
‫ش ِفي الْر ِ‬
‫شي ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ك‪](...‬لقمان‪ :‬من الية ‪ ،[19‬قد فقد فعاليته لنه فقد توثبه‬
‫)َواقْ ِ‬
‫صد ْ ِفي َ‬
‫الروحي‪.‬‬
‫ولعل الكثير من المسلمين‪ ،‬ومن غير المسلمين من عزا ول يزال يعزو فشلنا‬
‫وهواننا وسوء أدائنا إلى القرآن الكريم وإلى ديننا الحنيف‪ ،‬مما جعل الكثيرين‬
‫يشككون في صحة السلم‪ ،‬وفي واقعيته وفي قابليته لن يكون دينا ً‬
‫متحضرًا‪ ،‬وأن يكون منبعا ً للفعالية وبناء الحضارة‪.‬‬
‫ولكن الحقيقة أن المر ل يتعلق بصحة السلم وصلحه‪ ،‬بل يتعلق المر‬
‫بقانون اجتماعي وسنة من سنن التاريخ‪ ،‬وهي تسجيل الفكرة في النفوس‪،‬‬
‫وخاصة في هذا العصر الذي طغت عليه المادة والفكر الوضعي‪ .‬ففي منطق‬
‫هذا العصر ل يكون إثبات صحة الفكار بالمستوى الفلسفي أو الخلقي‪ ،‬بل‬
‫بالمستوى العملي‪ .‬فالفكار صحيحة –في نظر الكثيرين‪ -‬إذا هي ضمنت‬
‫النجاح‪ ،‬وحققت المصالح العاجلة‪.‬‬
‫ولهذا ينبغي علينا تحقيق فعالية السلم في الواقع بالرغم من أن التأكيد على‬
‫أهمية فعالية السلم في الواقع ل يستهين بصحة السلم في ذاته‪ .‬غير أن‬
‫النظر إلى السلم في حركة التاريخ‪ ،‬وفي علقته بالمعطى الجتماعي‪ ،‬فيه‬
‫محاولة لخراج المسلم من المناقشات الجوفاء‪ ،‬والجدل العقيم‪ ،‬والشعارات‬
‫المفرغة من محتواها‪ ،‬التي تتحدث عن صلحية السلم لكل زمان ومكان‪،‬‬
‫في حين أن السلم غائب عن قيادة الحياة‪.‬‬
‫فالنظر إلى الحقيقة الموضوعية‪ ،‬وما يسجله السلم في الطار الجتماعي‬
‫من تغيير وصياغة للنفوس‪ ،‬وما يحدثه من أثر في التاريخ أمر مهم في علج‬
‫التسيب واللفعالية التي تكتنف حياتنا الفردية والجماعية‪.‬‬
‫كما أن العمل على حل مشكلتنا في واقعنا بما يأمر به السلم‪ ،‬وربط‬
‫الحلول السلمية بالواقع‪ ،‬أمر مركزي وخطوة مهمة تخرجنا من الجدال‬
‫الجوف على أمر بّين؛ ذلك أن السلم ل يمكن مقارنته بالمسيحية أو‬
‫الهندوسية أو اليهودية على مستوى الصالة الذاتية من أي وجه من الوجه‪،‬‬
‫في قيمته أو مصدره أو شموليته‪ .‬لكن المر يتعلق بالمسلم الذي انفصل‬
‫ما من اليام‪.‬‬
‫واقعه الجتماعي عن تأثير السلم وإن لم يفقد إيمانه بالله يو ً‬
‫فنحن ل نحتاج إلى أن نبرهن على الصدق النظري للسلم‪ ،‬وإنما من خلل‬
‫صياغة الحياة به كما كان يفعل السلف‪ ،‬وإظهار فعاليتها في الواقع‪ ..‬من‬
‫خلل العودة إلى روح السلم ومنهجه‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪32‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وكما يؤكد مالك بن نبي عليه ‪-‬رحمه الله‪ -‬فإن التجربة السلمية القدوة التي‬
‫صاغها النبي ‪-‬صلى الله عليه و سلم‪ -‬غيرت المعادلة الجتماعية للعرب‪،‬‬
‫دا غّير مجرى التاريخ وشاد حضارة خلل نصف قرن‪،‬‬
‫وأخرجت إنساًنا جدي ً‬
‫صا أمثال عمار وبلل وربعي رضي الله عنهم أجمعين‪ .‬فعمار بن‬
‫وأنتج أشخا ً‬
‫ياسر كانت روحه المتناغمة مع نداء الفكرة السلمية وحرارتها اليمانية‪،‬‬
‫كانت هذه الروح تدفعه إلى أن ينقل حجرين بدل حجر واحد عند بناء المسجد‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حد‪ ،‬إنما كانت روحه أقوى من تلك الصخرة‬
‫حد ٌ أ َ‬
‫النبوي‪ ،‬وبلل الذي ينادي‪ :‬أ َ‬
‫التي على صدره؛ إذ كانت تتطلع بفعل التوتر الذي أحدثه السلم فيها إلى‬
‫حياة أسمى من ذلك العذاب الذي كان يلقيه فل يحس به‪ .‬وربعي بن عامر‬
‫كان بما تشكل عليه من قيم السلم وروحه أعلى وأقوى من رستم قائد‬
‫الفرس‪ ،‬بالرغم من أن ربعي كان جنديا ً بسيطا ً في جيش السلم‪ ،‬وكان‬
‫رستم قائد جيش الفرس‪ ،‬ولكن التوتر الروحي بلغ ذروته عند ربعي رضي‬
‫الله عنه فغّير مجرى المعادلة‪.‬‬
‫من هنا يمكن أن نؤكد أن الفعالية من وجهة اجتماعية )سوسيولوجية(‪ ،‬تنتج‬
‫من خلل التركيب التاريخي للعناصر الولية للحضارة‪ ،‬والتي هي النسان‬
‫والوقت والتراب‪ ،‬على حسب تعبير الستاذ مالك بن نبي ‪-‬رحمه الله‪ -‬على‬
‫قا للنموذج الذي اختاره المجتمع‪.‬‬
‫ضوء هداية منهج مكيف طب ً‬
‫فالفعالية في جوهرها منهج فكري‪ ،‬بمعنى أنها )مسألة أفكار ومناهج وليست‬
‫مسألة وسائل(‪ ،‬المر الذي اعتقده العالم السلمي حين اتجه إلى البحث عن‬
‫دده من مناهج‪ ،‬وما‬
‫الوسائل المادية‪ ،‬بينما المر يتعلق بنمط الثقافة‪ ،‬وما تح ّ‬
‫توفره من أفكار وجو فكري‪ ،‬يفّعل الداء الجتماعي للفرد والمجموع‪.‬‬
‫والحديث عن النموذج والمنهج هو في الحقيقة حديث عن ترجمتهما في‬
‫صورة مشروع ثقافي‪ ،‬يكّتل الجهود‪ ،‬ويش ّ‬
‫كل دستور الحياة‪ ،‬متضمنا ً عناصر‬
‫الفكر والخلق والجمال والصناعة بالتعبير الخلدوني‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الحاجة إلى معرفة الحضارة الغربية‬
‫د‪ .‬بدران بن الحسن ‪18/9/1425‬‬
‫‪01/11/2004‬‬
‫يتساءل كثير من المثقفين عن كيفية ضبط العلقة بالغرب المعاصر‪ ،‬ذلك أن‬
‫هذا الشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب‪ ،‬هو الذي جعلنا في‬
‫موقف ينبغي أن نحدد الصلة بالغرب‪ ،‬وخاصة أن ما يفيض علينا وعلى غيرنا‬
‫من المم والشعوب من إنجازاته الحضارية ومن فوضاه الحالية جعل منه‬
‫مشكلة عالمية‪ ،‬ينبغي أن نحللها وأن نتفهمها في صلتها بالمشكلة النسانية‬
‫عامة‪ ،‬وبالتالي بالمشكلة السلمية‪.‬‬
‫وهذا ل يجعل العالم السلمي تابًعا في حلوله للغرب كما يعتقد كثير من‬
‫التغريبيين أو غيرهم من دعاة الصالة السلمية‪ ،‬وإنما يتطلب منا أن نعرف‬
‫التجارب الحضارية المختلفة لنتحقق من مدى نسبيتها ومدى قابليتها للنقل‬
‫والستفادة‪.‬‬
‫فإذا ما أدرك العالم السلمي أن الظاهرة الحضارية الغربية مسألة نسبية‪،‬‬
‫فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها‪ ،‬كما سيعرف عظمتها‬
‫الحقيقية‪ ،‬وبهذا تصبح الصلت مع العالم الغربي أكثر خصوبة‪ ،‬ويسمح ذلك‬
‫للنخبة المسلمة أن تمتلك نموذجها الخاص‪ ،‬تنسج عليه فكرها ونشاطها‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فالمر يتعلق بكيفية تنظيم العلقة وعدم الوقوع في الضطراب كلما تعلق‬
‫المر بالغرب‪.‬‬
‫فالعالم السلمي منذ بداية الجهود التجديدية الحديثة يضطرب‪ ،‬كلما تعلق‬
‫المر بالغرب‪ ،‬غير أنه لم يعد بذلك البريق الذي كان عليه منذ قرن تقريبًا‪،‬‬
‫ولم يعد له ما كان يتمتع به من تأثير ساحر‪ ،‬وجاذبية ظفر بها على عهد‬
‫أتاتورك مث ً‬
‫ل؛ فالعالم الغربي صار حافل ً بالفوضى‪ ،‬ولم يعد المسلم الباحث‬
‫جا‬
‫عن تنظيم نفسه وإعادة بناء حضارته السلمية يجد في الغرب نموذ ً‬
‫يحتذيه‪ ،‬بقدر ما يجد فيه نتائج تجربة هائلة ذات قيمة ل تقدر‪ ،‬على الرغم مما‬
‫تحوي من أخطاء‪.‬‬
‫ما لفهم مصائر الشعوب‬
‫فالغرب تجربة حضارية تعد در ً‬
‫سا خطيًرا ومه ّ‬
‫والحضارات‪ ،‬فهي تجربة مفيدة لعادة دراسة حركة البناء الحضاري‪ ،‬وحركة‬
‫التاريخ‪ ،‬ولبناء الفكر السلمي على أسسه الصيلة‪ ،‬وتحقيق الوعي السنني‪،‬‬
‫الذي ينسجم مع البعد الكوني لحركة التاريخ‪ ،‬ذلك البعد الذي يسبغ على‬
‫حركة انتقال الحضارة قانوًنا أزلًيا أشار إليه القرآن في قوله تعالى‪) :‬وتلك‬
‫اليام نداولها بين الناس (]آل عمران‪.[140:‬‬
‫فالتأمل في هذه التجربة التي صادفت أعظم ما تصادفه عبقرية النسان من‬
‫نجاح‪ ،‬وأخطر ما باءت به من إخفاق‪ ،‬وإدراك الحداث من الوجهين كليهما‪،‬‬
‫ضرورة ملحة للعالم السلمي في وقفته الحالية‪ ،‬إذ هو يحاول أن يفهم‬
‫وم أسباب فوضاه‬
‫مشكلته فه ً‬
‫وم أسباب نهضته كما يق ّ‬
‫ما واقعًيا‪ ،‬وأن يق ّ‬
‫ما موضوعًيا‪.‬‬
‫تقوي ً‬
‫وحتى تنظم هذه العلقات‪ ،‬ويستفاد من هذه التجربة البشرية‪ ،‬ويدرك مغزى‬
‫التاريخ‪ ،‬ل بد من فهم هذا الغرب في عمقه‪ ،‬وتحديد خصائصه‪ ،‬ومعرفة ما‬
‫يتميز به من إيجابيات وسلبيات‪ ،‬حتى ل تكون معرفتنا به سطحية مبتسرة‪،‬‬
‫وأفكارنا عنه عامة وغير نابعة من إطلع متأمل‪ ،‬وبالتالي يكون وعينا به‬
‫ها أو جزئًيا‪.‬‬
‫مشو ً‬
‫ً‬
‫ولقد أضاع المسلمون كثيرا من الوقت منبهرين بما حققه الغرب‪ ،‬دون أن‬
‫يتأملوا ويدركوا سر حركة التاريخ في الغرب‪ ،‬فنرى كثيرا ً من الباحثين‬
‫والمفكرين المسلمين بمختلف انتماءاتهم يجهلون حقيقة الحياة الغربية‬
‫والحضارة الغربية بالرغم من أنهم يعرفونها نظريًا‪ ،‬كما أنهم ما زالوا يجهلون‬
‫تاريخ حضارتها‪ .‬وإنه بدون معرفة حركة تاريخ هذه الحضارة والمنطق‬
‫الداخلي الذي يحكمها؛ فإننا لم ندرك سر قوتها ول مكامن ضعفها‪ ،‬ولم نعرف‬
‫كيف تكونت‪ ،‬وكيف أنها في طريق التحلل والزوال لما اشتملت عليه من‬
‫ألوان التناقض‪ ،‬وضروب التعارض مع القوانين النسانية‪.‬‬
‫وإذا كانت المائة سنة الخيرة قد تميزت بتقريب المسافات‪ ،‬واتجاه البشرية‬
‫نحو التوحد‪ ،‬في مصيرها‪ ،‬وفي علقاتها؛ فإن المثقف المسلم نفسه ملزم‬
‫بأن ينظر إلى الشياء من زاويتها النسانية الرحبة‪ ،‬ويرتقي إلى إطار الحضور‬
‫العالمي‪ ،‬وعًيا وإنجاًزا‪ ،‬حتى يدرك دوره الخاص ودور ثقافته في هذا الطار‬
‫العالمي‪ ،‬إذ ل يمكن أن نطرح مشاكلنا في زمن العولمة والكونية‪ ،‬دون أن‬
‫نأخذ في العتبار كل المعطيات السياسية والجغرافية والستراتيجية‪.‬‬
‫وتحديد الصلة بالغرب وبغيره من الكيانات الحضارية‪ ،‬يعطينا تحديدين مهمين‬
‫في إنجاز مشروعنا التجديدي‪ :‬التحديد الول؛ هو التحديد السلبي‪ ،‬وذلك من‬
‫خلل إدراك نسبية الظواهر الغربية‪ ،‬ومعرفة أوجه النقص فيها وأوجه العظمة‬
‫الحقيقية‪ .‬أما التحديد الثاني؛ فهو التحديد اليجابي‪ ،‬من خلل تحديد ما يمكن‬
‫أن نسهم به في ترشيد الحضارة النسانية وهدايتها‪.‬‬
‫‪34‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وهذا في حد ذاته ينضج ثقافتنا ويعطيها توجًها عالمًيا؛ فمن المفيد ‪-‬قطًعا‪ -‬أن‬
‫ننظر إلى حركة التاريخ والواقع من زاوية عالمية لنكتسب بذلك وعيا ً عالميًا؛‬
‫فإذا أدركنا مشكلتنا في هذا المستوى‪ ،‬فإننا سندرك ل محالة حقيقة الدور‬
‫الذي يناط بنا في حضارة القرن الواحد والعشرين‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وعلينا أن ندرك وحدة المشكلة النسانية التي تنبثق عن المصير المشترك‬
‫الذي آل إليه وصب فيه القرن العشرون وبدأ به القرن الواحد والعشرون‪ .‬إن‬
‫فكرة وحدة التاريخ النساني في هذه المرحلة التاريخية تتطلب منا الخروج‬
‫من العزلة الجغرافية السياسية والعزلة الفكرية الثقافية لنخرج بأفكارنا‬
‫وثقافتنا إلى إطار عالمي نقدم فيه مساهمتنا الحضارية المتميزة القائمة على‬
‫رؤية توحيدية إسلمية من أجل صالح البشرية‪.‬‬
‫كما ينبغي أن ننظر بتوازن للشياء وللفكار‪ ،‬والتخلص من الثقافة الحدية‬
‫التي ترى في الغرب إما طاهر مقدس )كما هو شأن العلمانيين من أبناء‬
‫المسلمين(‪ ،‬وإما دنس حقير )كما هو شأن السلميين من أبناء المسلمين(‪.‬‬
‫ومن بين المور التي ينبغي التوازن في النظر إليها هي الحضارة الغربية التي‬
‫تبسط هيمنتها على العالم؛ فأحكامنا على هذه الحضارة –سلبا ً أو إيجابًا‪ -‬إنما‬
‫هي ناتجة عن مطالعات مبتورة‪.‬‬
‫فأفكارنا عن الحضارة الغربية تصدر عن ذلك الحكم المبتسر‪ ،‬وعن تلك‬
‫العلقة السطحية ‪-‬الوظيفية أو التجارية‪ -‬بيننا وبينها‪ .‬وهذا مرض متجذر في‬
‫ذاتنا منذ قرون مضت‪ ،‬حينما صار الفكر السلمي عاجًزا عن إدراك حقيقة‬
‫الظواهر‪ ،‬فلم يعد يرى منها سوى قشرتها‪ ،‬وأصبح عاجًزا عن فهم القرآن؛‬
‫فاكتفى باستظهاره‪ ،‬حتى إذا انهالت منتجات الحضارة الغربية على بلده‬
‫اكتفى بمعرفة فائدتها إجما ً‬
‫ل‪ ،‬دون أن يفكر في نقدها‪ ،‬وتفهمها‪ ،‬وغاب عن‬
‫وعيه أنه إذا كانت الشياء قابلة للستعمال‪ ،‬فإن قيم هذه الشياء قابلة‬
‫للمناقشة‪.‬‬
‫ومن ثم وجدنا أنفسنا ل نكترث بمعرفة كيف تم إبداع الشياء؛ بل نقنع‬
‫بمعرفة طرق الحصول عليها‪ ،‬فاستحكم فينا ذهان السهولة‪ ،‬وهكذا كانت‬
‫المرحلة الولى من مراحل تجديد العالم السلمي‪ ،‬مرحلة تقتني أشكال ً دون‬
‫أن تلم بروحها‪ ،‬فأدى هذا الوضع إلى تطور في الكم‪ ،‬زاد في كمية الحاجات‬
‫دون أن يعمل على زيادة وسائل تحقيقها‪ ،‬فانتشر الغرام بكل ما هو‬
‫مستحدث‪ ،‬وكان الولى التفريق بين عمق الحضارة ومظاهرها السطحية‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫قا‬
‫الحب بين الزوجين أقل خيالية وأكثر عم ً‬
‫هي‪ :‬خلقت منك ولك‪.‬‬
‫هو‪ :‬أنت مني وحبك بدمي‪.‬‬
‫هي‪ :‬أحتاج إليك‪.‬‬
‫هو‪ :‬إذن فلم الصراع؟‬
‫هي‪ :‬لنك تجهل مدى هذا الحتياج‪.‬‬
‫ك‪.‬‬
‫ضا ل غنى لي عن ِ‬
‫هو‪ :‬بلى فأنا أي ً‬
‫هي‪ :‬احتياج المرأة مختلف‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هو‪ :‬إذن وضحي لي فلعلنا نتفق‪.‬‬
‫هي‪ :‬حبيبي الحساس وحده ل يكفي بل ل بد من التعبير والتغيير والتفعيل‪.‬‬
‫هو‪ :‬التعبير معلوم‪ ،‬والتغيير مفهوم ولكن أي تفعيل؟‬
‫هي‪ :‬تفعيل الحياة أي الحفاظ على أحاسيسنا الجميلة واستثمارها في جعل‬
‫الحياة أكثر فاعلية وعطاًء وقيمة‪.‬‬
‫هو‪ :‬أحبك‪.‬‬
‫هي‪ :‬أحبك ‪ ..‬وهذا هو التعبير فما أجمله‪.‬‬
‫هو‪ :‬إذن فلنتناول العشاء اليوم في أحد المطاعم الهادئة في نسمات الليل‪.‬‬
‫هي‪ :‬ولنحتسي الشاي على ضوء القمر والنجوم من شرفة حجرتنا ثم نصلي‬
‫القيام مًعا وذلك هو التغيير فما أروعه‪.‬‬
‫هي‪ :‬فلنجعل من حبنا نبًعا للسعادة وعطاء ورضا ‪ ..‬فالحب أجمل زهرة في‬
‫بستان الزوجين فلنراعه ونرويه حتى ل يذبل ويموت‪ ،‬فنظن أنفسنا أحياء‬
‫ونحن في الحقيقة أموات بدون هذا الحب‪.‬‬
‫الزواج كالشتلة يحتاج لرعاية مستمرة‪:‬‬
‫إن الحب الكامل بين رجل وامرأة ل يمكن تصوره إل بعد الزواج حيث تتاح‬
‫الفرصة للمنافع المتبادلة وترجمة الخلص والوفاء والتفاني في خدمة الغير‬
‫إلى واقع فعلي‪.‬‬
‫والزواج السعيد ليس وليد الحظ والصدفة بل هو كالشتلة التي تغرس في‬
‫الرض ثم تنمو وتكبر‪ ،‬وهي في كل مراحلها تحتاج إلى رعاية وعناية‬
‫باستمرار أو قل هو بناء معماري يحتاج إلى تخطيط وتصميم وبناء ثم صيانة‪،‬‬
‫ل تأثيره السلبي‬
‫وإن الفشل والنجاح ل يتوقعان على شريك دون الخر بل لك ٍ‬
‫أو اليجابي‪.‬‬
‫قا‪:‬‬
‫أقل خيالية ‪ ..‬وأكثر عم ً‬
‫قا في واقع الحياة‪ ،‬إن الحب الكبير مع‬
‫إن حب الزواج أقل خيالية وأكثر عم ً‬
‫كبر الزوجين ومع مواجهتهما لمشكلت الحياة وتحدياتها‪ ،‬ومع اشتراكهما مًعا‬
‫في التغير والتكيف مع علقتهما المتغيرة باستمرار‪.‬‬
‫هناك من الزواج من قد يعاني من الصعوبات حتى يصل إلى العتقاد أن‬
‫ما‪ ،‬إل أنهما ل يدركان أن سبب شعورهما هذا هو‬
‫الحب قد اختفى وزال تما ً‬
‫المرحلة التي هما فيها‪.‬‬
‫ونحن ل ننكر أن حرارة الحياة وجديتها ورتابة الحياة الزوجية‪ ،‬وطول اللف‬
‫والعشرة تؤثر على العلقة بين الزوجين والتعبير عن الحب بينهما‪ ،‬ولكن‬
‫يمكن للزواج من خلل مواجهة التحديات والختلفات بوعي ورعاية‪ ،‬ومن‬
‫خلل تطبيق مهارات الكلم والستماع أن يبدآ برحلة شيقة وبناء نوع جديد‬
‫من العلقة العاطفية‪.‬‬
‫ضا تضحية‪:‬‬
‫إنها أي ً‬
‫ضا‬
‫إن العلقة الزوجية ليست فقط مشاعر الحب والعاطفة ولكنها أي ً‬
‫الستعداد للتضحية أو التصرف لمصلحة الطرف الخر على حساب المصلحة‬
‫الشخصية‪.‬‬
‫وعند ذلك تتحول كلمات الحب بين الزوجين إلى سلوك فعلي وعلقات دائمة‬
‫وتضحيات تنعكس على كل أفراد السرة بالسعادة والوئام‪.‬‬
‫وعلينا أن نعرف أنه قد تكون هناك أعمال كثيرة ل أحبها إل أن علي أن أقوم‬
‫بها كأن ل يرغب النسان أحياًنا في زيارة الخرين‪ ،‬أو الذهاب إلى العمل‪ ،‬أو‬
‫إعداد الطعام والطبخ‪ ،‬إل أن العلقة الزوجية ل تنجح إذا لم يكن النسان‬
‫دا للقيام بأعمال قد تتعارض مع مشاعره أو رغباته أحياًنا‪.‬‬
‫مستع ً‬
‫‪36‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وهنا علينا أن يميز بين أمرين هما‪:‬‬
‫مشاعر الحب‪.‬‬
‫وأعمال الحب‪.‬‬
‫فالمشاعر هامة وأساسية إل أن أعمال الحب من التضحية والبذل للخر من‬
‫شأنها أن تحافظ على العلقة الزوجية السعيدة والدافئة‪ .‬وأعمال الحب هي‬
‫تلك العمال الضافية التطوعية التي تنم عن المحبة الكبيرة والتقدير العظيم‬
‫للطرف الخر‪ ،‬وهذا ما فصلناه في مقال كيف تعبران عن حبكما ؟‬
‫عزيزي القارئ‪:‬‬
‫عندما تمتلئ قلوبنا بالحب‪ ،‬وعندما نتقاسم هذا الحب فإننا نصبح أكثر رأفة‬
‫دا من الرضا‪ .‬وعندما نكتشف‬
‫وملطفة ومثابرة‪ ،‬وتنمو رؤيتنا ونكتسب مزي ً‬
‫أساليب جديدة لنتقاسم هذا الحب يحدث تحول سحري تقريًبا في حياتنا‬
‫ما بالخرين وخاصة الشريك الخر وأكثر اجتماعية وحكمة‪،‬‬
‫فنصبح أكثر اهتما ً‬
‫ويبدو المر كقانون طبيعي تقريًبا فكلما اكتشفنا أساليب جديدة للتعبير عن‬
‫الحب والمشاركة نجد أنفسنا وقد أحاطتنا مشاعر الحب‪ ،‬تعبير عن الحب ‪+‬‬
‫دا من مشاعر الحب‬
‫مشاركة = مزي ً‬
‫عزيزي القارئ امل حياتك بمشاعر الحب وفرص التعبير عن الحب مهما‬
‫كانت ظروفك وأولوياتك‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫الحب في القرآن ‪... ... ...‬‬
‫نريد أن نعرض قلوبنا على القرآن الكريم ؟ ما هو ذاك الحب الذي يسودها‬
‫ويمحورها ويستحوذ عليها ؟‬
‫إن كل حب يستقطب قلب النسان يتخذ إحدى درجتين الدرجة الولى‪ :‬أن‬
‫يشكل هذا الحب محورا ً وقاعدة لمشاعر وعواطف وآمال وطموحات هذا‬
‫النسان‪ ،‬قد ينصرف عنه في قضاء حاجة في حدود خاصة ولكن سرعان ما‬
‫يعود إلى القاعدة لنها المركز وهى المحور وقد ينشغل بحديث‪ ،‬وقد ينشغل‬
‫بكلم‪ ،‬وقد ينشغل بعمل‪ ،‬بطعام‪ ،‬بشراب‪ ،‬بعلقات ثانوية‪ ،‬بصداقات‪ ،‬لكن‬
‫يبقى ذلك الحب هو المحور‪.‬‬
‫الدرجة الثانية من هذا الحب‪ :‬ان يستقطب هذا الحب كل وجدان النسان‪،‬‬
‫بحيث ل يشغله شيء عنه على الطلق‪ ،‬ومعنى ذلك أنه سوف يرى محبوبه‬
‫أينما توجه‪.‬‬
‫وهذا التقسيم الثنائى ينطبق على حب الله وحب الدنيا‪ ،‬الحب الشريف لله‬
‫عز وجل يتخذ هاتين الدرجتين‬
‫الدرجة الولى‪ :‬يتخذها في نفوس المؤمنين الصالحين فهؤلء يجعلون من‬
‫حب الله محورا ً لكل عواطفهم ومشاعرهم وطموحاتهم وآمالهم‪ ،‬قد‬
‫ينشغلون بمتعة من المتع المباحة‪ ،‬ولكن يبقى هذا المحور هو الذى يرجعون‬
‫إليه بمجرد أن ينتهى هذا النشغال الطارئ‪.‬‬
‫كما قال واصفا ً المؤمنين في غزوة أحد حينما تطلعت نفوسهم إلى الغنائم‬
‫ريد ُ اْل ِ‬
‫ريد ُ الد ّن َْيا وَ ِ‬
‫} ِ‬
‫م وَل َقَد ْ‬
‫م ل ِي َب ْت َل ِي َك ُ ْ‬
‫م عَن ْهُ ْ‬
‫صَرفَك ُ ْ‬
‫خَرةَ ث ُ ّ‬
‫م َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن يُ ِ‬
‫ن يُ ِ‬
‫ُ‬
‫م {}آل عمران‪ :‬من الية ‪ {152‬وهذا هو شأن المؤمن الصالح يرجع‬
‫عَ َ‬
‫فا عَن ْك ْ‬
‫ويتوب ويعود إلى حب الله بعد ما شغلته الدنيا لن حب الله عنده هو‬
‫الساس و المحور‪.‬‬
‫أما الدرجة الثانية‪ ،‬فهى الدرجة التي يصل إليها الصديقون وأولياء الله وهم‬

‫‪37‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الصفوة كأبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم وأرضاهم‪.‬‬
‫مُنوا أ َ َ‬
‫حب ّا ً ل ِل ّهِ {}البقرة‪ :‬من الية ‪{165‬‬
‫قال تعالى } َوال ّ ِ‬
‫شد ّ ُ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عّزةٍ عََلى‬
‫ه بِ َ‬
‫نأ ِ‬
‫م وَي ُ ِ‬
‫قوْم ٍ ي ُ ِ‬
‫سو ْ َ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫} فَ َ‬
‫ه أذِل ّةٍ عََلى ال ْ ُ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫حب ّهُ ْ‬
‫ف ي َأِتي الل ّ ُ‬
‫مِني َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن {}المائدة‪ :‬من الية ‪{54‬‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫وفي الحديث )ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلة ولصيام ولكن بشيء وقر في‬
‫صدره(‬
‫يعني والله تعالى أعلم أن أبا بكر رضي الله عنه كان يحب الله ويحب‬
‫السلم حبا ً عظيما ل يقدر بشيء وهذا الحب إستقطب كل وجدانه وكل‬
‫مشاعره بحيث ل يقدم أي شيء على حب الله وحب السلم وأكبر دليل يدل‬
‫على ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه استلم قيادة جزيرة العرب وأغلب أهلها‬
‫قد إرتدوا عن السلم ونكثوا العهود فثبت ولم يهتز لنه يحب السلم ويحب‬
‫مرضاة الله حبا ً ل مثيل له ولجل ذلك ضحى في قتال المرتدين بالنفس‬
‫والنفيس‪.‬‬
‫ونفس هذا التقسيم الثنائي يأتى في حب الدنيا‪.‬‬
‫الدرجة الولى‪ :‬أن يكون حب الدنيا محورا ً للنسان في تصرفاته وسلوكه‬
‫يتحرك حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يتحرك‪ ،‬ويسكن حينما تكون‬
‫المصلحة الشخصية في أن يسكن‪ ،‬يتعبد حينما تكون المصلحة الشخصية في‬
‫أن يتعبد وهكذا‪ ،‬الدنيا تكون هي القاعدة‪ ،‬ولكن أحيانا يمكن أن يفلت من‬
‫الدنيا ويشتغل أشغال ً أخرى طاهرة قد يصلى وقد يصوم لله لكن سرعان ما‬
‫يرجع مرة اخرى إلى ذلك المحور وينشد إليه‪ ،‬فهى فلتات يخرج بها من إطار‬
‫ذلك الشيطان ثم يرجع إلى الشيطان مرة أخرى‪ ،‬هذه هى الدرجة الولى من‬
‫هذا المرض الوبيل }ب َ ْ‬
‫قى{ }العلى‪:‬‬
‫خي ٌْر وَأ َب ْ َ‬
‫خَرة ُ َ‬
‫حَياةَ الد ّن َْيا * َواْل ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ل ت ُؤْث ُِرو َ‬
‫‪{17-16‬‬
‫الدرجة الثانية هى المهلكة حينما ُيعمي حب الدنيا هذا النسان‪ ،‬يسد عليه كل‬
‫منافذ الرؤية بحيث ل يرى شيئا ً إل ويرى الدنيا فيها وقبلها وبعدها‪.‬حتى‬
‫العمال الصالحة تتحول عنده إلى دنيا وتتحول إلى متعة إلى مصلحة شخصية‬
‫حتى الصلة حتى الصيام‪ ،‬هذه اللوان كلها تتحول إلى دنيا ل يمكنه أن يرى‬
‫شيئا ً إل من خلل الدنيا‪ ،‬إل من خلل مقدار ما يمكنه لهذا العمل أن يعطيه‬
‫من حفنة مال أو من حفنة جاه‪ ،‬وهذا ل يستمر معه إل بضعة أيام معدودة‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫قال تعالى }َوات ْ ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫سل َ َ‬
‫ن‬
‫خ ِ‬
‫م ن َب َأ ال ّ ِ‬
‫طا ُ‬
‫ذي آت َي َْناهُ آَيات َِنا َفان ْ َ‬
‫من َْها فَأت ْب َعَ ُ‬
‫ل عَل َي ْهِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫هأ ْ َ َ‬
‫فَ َ‬
‫واه ُ {‬
‫ن * وَل َوْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫شئ َْنا ل ََرفَعَْناه ُ ب َِها وَل َك ِن ّ ُ‬
‫ض َوات ّب َعَ هَ َ‬
‫ن ال َْغاِوي َ‬
‫م َ‬
‫خلد َ إ ِلى الْر ِ‬
‫}العراف‪{175/176:‬‬
‫فأعلم يا أخي أن حب الله هو الذى يعطى للنسان الكمال والعزة والشرف‬
‫والستقامة‪ ،‬والقدرة على مغالبة الضعف في كل الحالت‪.‬‬
‫حب الله سبحانه هو الذى جعل أولئك السحرة يتحولون إلى رواد على‬
‫الطريق‪ ،‬فقالوا لفرعون‪:‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫حَياةَ الد ّن َْيا{}طه‪ :‬من الية ‪{72‬‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ق ِ‬
‫ضي هَذِهِ ال َ‬
‫ض إ ِن ّ َ‬
‫ما أن ْ َ‬
‫ض َ‬
‫} َفاقْ ِ‬
‫ت َقا ٍ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫حب الله هو الذى جعل ماشطة بنت فرعون تعلن بكل فخر أن ربها هو الله‬
‫وهو رب فرعون وهو الذى ثبتها أمام عذاب فرعون القاسي الذي أحرق‬
‫جسدها وجسد أبنائها بالنار حتى الموت فأين نحن اليوم من شبابنا الذين‬
‫يقولون ل نستطيع الصبر على الشهوات وأين نحن اليوم من أخواتنا اللئى‬

‫‪38‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يقلن ل نقدر على إرتداء الحجاب فأين أنتن يا أخواتى من ماشطة بنت‬
‫فرعون والتي عذبها فرعون بالنار وقتل أبنائها أمام عينيها وهي صابرة‬
‫محتسبة لنها أحبت الله وأحبت ما عند الله من الثواب فقدمت حب الله على‬
‫حب الدنيا وأعلم يا أخى الكريم أن من أعظم السباب المعنية على حب الله‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه ومعرفة المراد منه والعمل به ودوام‬
‫ذكر الله تعالى والصحبة الطيبة والبعد عن رفقاء السوء‪... ... .‬‬
‫‪... ...‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الحب في الله‬
‫َ‬
‫ن ي َهْدِ الل ُّ‬
‫ه فَل َ‬
‫ن ُ‬
‫شُرورِ أن ْ ُ‬
‫ف ِ‬
‫فُرهُ وَن َُعوذ ُ ب ِهِ ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫ال َ‬
‫ه وَن َ ْ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ ن َ ْ‬
‫سنا‪َ ،‬‬
‫ست َِعين ُ ُ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫مدا ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ضل ِ ْ‬
‫ض ّ‬
‫ه‪ ،‬وأ ْ‬
‫ه‪ ،‬وأ ْ‬
‫م ِ‬
‫م َ‬
‫شهَد ُ أ ّ‬
‫شهَد ُ أ ْ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫ه إ ِل الل ُ‬
‫ن ل ِإل َ‬
‫ل َفل هادِيَ ل ُ‬
‫ه‪ ،‬وَ َ‬
‫لل ُ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ق‬
‫ن نَ ْ‬
‫خل َ‬
‫س ات ّ ُ‬
‫حد َةٍ وَ َ‬
‫م الذي َ‬
‫س َوا ِ‬
‫م ِ‬
‫عَب ْد ُه ُ وََر ُ‬
‫خل َ‬
‫قك ْ‬
‫قوا َرب ّك ُ‬
‫سول ُ‬
‫ه ?يا أي َّها الّنا ُ‬
‫م ْ‬
‫ف ٍ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ه‬
‫جال كِثيرا وَِنساًء‪ ،‬وات ّ ُ‬
‫جها‪ ،‬وَب َ ّ‬
‫ن بِ ِ‬
‫ث ِ‬
‫ِ‬
‫ه الذي َتساَءلو َ‬
‫من ُْهما رِ َ‬
‫مْنها َزوْ َ‬
‫قوا الل َ‬
‫هّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ه كا َ‬
‫مإ ّ‬
‫والْرحا َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ن عَلي ْك ْ‬
‫ن الل َ‬
‫م َرِقيبا?] النساء‪? .[1:‬يا أي َّها الذي َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مون? ]آل عمران‪ ? .[102:‬يا أي َّها الذين‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫م ُ‬
‫ن إ ِل وأن ْت ُ ْ‬
‫حقّ ُتقات ِهِ َول ت َ ُ‬
‫موت ُ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫م ذ ُُنوب َك ُْ‬
‫فْر ل َك ُْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‪،‬‬
‫غ‬
‫ي‬
‫و‬
‫م‪،‬‬
‫ك‬
‫ل‬
‫عما‬
‫أ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ي‬
‫ا‬
‫ديد‬
‫س‬
‫ل‬
‫و‬
‫ق‬
‫لوا‬
‫قو‬
‫و‬
‫له‬
‫ال‬
‫قوا‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫ا‬
‫منوا‬
‫ْ ْ‬
‫َْ ِ‬
‫َ ِ‬
‫ّ‬
‫ُ ْ ِ ْ‬
‫ْ‬
‫آ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ظيمًا? ]الحزاب‪.[71:‬‬
‫ه فَ َ‬
‫قد ْ َفاَز فَوَْزا ً عَ ِ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ن ي ُط ِِع الل ّ َ‬
‫وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ذكر الله صفات المنافقين والمنافقات وما تنطوي عليه قلوبهم القبيحة من‬
‫شر وفساد وما يقومون به من الفعال القبيحة الشنيعة‪ ،‬من الصد عن دين‬
‫الله والتكذيب لرسل الله‪ ،‬والسخرية بالمؤمنين‪ ،‬يفعلون ذلك ثم يزعمون‬
‫السلم‪ ،‬ويرتكبون عظائم الجرام في حق السلم وأهله‪ ،‬فالمنافقون ل‬
‫يتفقون على شيء كاتفاقهم على حرب السلم‪ ،‬ودعوتهم إلى المنكرات من‬
‫القوال والعمال‪ ،‬ونهيهم عن فعل المعروف والحسان وبخلهم عن النفاق‬
‫في سبيل الله‪.‬‬
‫وبعد أن ذكر الله أحوال المنافقين والمنافقات ذكر صفات المؤمنين‬
‫والمؤمنات وبين ما أعده سبحانه لهم من النعيم المقيم في دار الخلد‬
‫والجنان‪ ،‬وذلك ليظهر الفرق بين المؤمنين والمنافقين‪ ،‬ويتميز أهل الهدى من‬
‫أهل الذلل ويتباين أصحاب الجنة وأصحاب النار وبضدها تتميز الشياء‪ ،‬قال‬
‫ْ‬
‫الله تعالى‪ ? :‬وال ْمؤْمنون وال ْمؤْمنات بعضه َ‬
‫ف‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫ض ي َأ ُ‬
‫َ ُ ِ ُ َ َ ُ ِ َ ُ َْ ُ ُ ْ‬
‫م أوْل َِياء ب َعْ ٍ‬
‫سول َُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫عو‬
‫طي‬
‫ي‬
‫و‬
‫ة‬
‫كا‬
‫ز‬
‫ال‬
‫منك َرِ وَي ُ ِ‬
‫ن ّ َ َُ ِ ُ َ‬
‫صل َة َ وَي ُؤُْتو َ‬
‫مو َ‬
‫وَي َن ْهَوْ َ‬
‫َ ََ ُ‬
‫قي ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن عَ ِ‬
‫أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ت‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫زيٌز َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫سي َْر َ‬
‫ك َ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫م وَعَد َ الل ّ ُ‬
‫كي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫مهُ ُ‬
‫ح ُ‬
‫مِني َ‬
‫ه عَ ِ‬
‫ن‬
‫حت َِها ال َن َْهاُر َ‬
‫ن ط َي ّب َ ً‬
‫جّنا ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫ة ِفي َ‬
‫من ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن ِفيَها وَ َ‬
‫ت عَد ْ ٍ‬
‫ساك ِ َ‬
‫دي َ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م?]التوبة‪.[72-71:‬‬
‫ظي‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ز‬
‫و‬
‫َ‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ه‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ك‬
‫أ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫وا‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُْ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َُ‬
‫وَ ِ ْ َ ٌ ّ َ‬
‫إن أول شيء يبرز في حياة المؤمنين والمؤمنات هو الحب والولء ‪ .‬إن‬
‫اليمان الصادق حين يخالط القلوب ويعمرها فإنه يربط قلوب المؤمنين‬
‫ببعضهم ويكونون جميعا ً شيئا ً واحدا ً يغمرهم الحب في الله ل فرق بين غني‬
‫أو فقير ول أبيض ول أسود ول عربي ول أعجمي ول ذكر ول أنثى كلهم‬
‫يهدفون لتحقيق العبودية لله رب العالمين‪ ،‬ولقد صور رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم المؤمنين في حبهم وموالتهم ومناصرتهم تصويرا ً رائعا ً فقال‪:‬‬
‫"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه‬
‫عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" )( وفي رواية قال‪" :‬المؤمنون‬

‫‪39‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله")(‪.‬‬
‫وهكذا يكون المؤمنون والمؤمنات متضامنون متحدون متوادون متعاطفون‬
‫متراحمون ‪ ،‬الوحدة بينهم وحدة حقيقية تغوص في العماق والمشاعر‪،‬‬
‫وتبدوا على الوجوه واللسنة ‪ ،‬الوحدة بينهم وحدة عضوية‪ ..‬إذا نزلت كارثة‬
‫بواحد منهم أو بمجموعة تداعى لذلك سائرهم بالمشاركة في اللم والرعاية‬
‫والحماسة للحق والعناية‪ .‬إن إحساس المرء بأن هناك أناسا ً يشاركونه‬
‫شعوره يخفف عنه كثيرا ً من اللم‪.‬‬
‫ويغرس في نفسه أمل ً بالمستقبل يحمله على أن يتجاوز العقبات ولقد مثل‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا المعنى بهذا المثل الرائع فقال‪" :‬مثلهم‬
‫كمثل الجسد الواحد"‬
‫إن أعضاء البدن كلها وإن لم تكن متساوية في الهمية لكنها متساوية من‬
‫حيث تألم الجسد عند حلول أي ضرر عليها وهكذا فليس هناك عضو في‬
‫المجتمع السلمي مهما كان شأنه هينا ً ل تتأثر المة من أجل ضر أصابه‪ ،‬إنهم‬
‫لبد أن يتألموا لنهم جسد واحد‪ .‬وهذا يدل على أنهم أحياء‪ ،‬أما إن لم يبالوا‬
‫فمعنى ذلك أنهم مصابون بشلل أو حل بهم الموت‪.‬‬
‫إن النسان ضعيف بنفسه قوي بإخوانه ‪ ،‬إنه عاجز عن أن يحقق كل شيء‬
‫يريده لنفسه أو لمته ودينه وغير قادر على مواجهة قوى الشر العاتية التي‬
‫تتربص له ولدينه وإخوته وغير قادر وحده أن يصنع كثيرا ً مما يجب أن يتحقق‪.‬‬
‫ولكنه مع إخوانه المؤمنين قوى يستطيع أن يفعل الكثير وأن يحقق ما يود‬
‫من مثل الحق والخير والعدل والحسان فهو كالبنيان يشد بعضه بعضا ً كما‬
‫قال عليه الصلة والسلم‪" :‬المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ً ثم‬
‫شبك أصابعه")(‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إن الذين يجتمعون تحت مظلة السلم واليمان وتحت راية القرآن يجدون‬
‫ضالتهم المنشودة في الحب والموالة‪ ،‬وحين كانت هذه المعاني واضحة‬
‫بارزة في جيل الصحابة رضوان الله عليهم والقرون المفضلة بعدهم تسابق‬
‫الناس إلى السلم من كل الجناس واللوان وأحبوا المسلمين أكثر من‬
‫أنفسهم وأموالهم وأولدهم ‪ ،‬ودخلت شعوب بأكملها في دين الله لما رأوا‬
‫من العدل والصدق والتعاون والحب والتكافل‪.‬‬
‫ورحب الناس بالسلم حين رأوا الخاء وأن العدل مغزاه‬
‫أرواحنا تتلقى وهي خافقة كالنحل إذ يتلقى في خلياه‬
‫دستوره الوحي والمختار عاهله والمسلمون وإن شتوا رعاياه‬
‫هذا هو منطق اليمان وذاك هو المجتمع المؤمن المسلم الذي عاش مئات‬
‫السنين كالجسد الواحد فل تحل نكبة بطرف من أطراف المسلمين‪ ،‬إل وفزع‬
‫المجتمع المسلم ويتجاوب لذلك الحدث ويتألم ويسهر ‪ ،‬ويقدم من نفسه‬
‫وماله ووقته الشيء الكثير ول يعرف للراحة طعمًا‪ ،‬إل بزوال النكبة الحاصلة‬
‫على جزء منه‪ ..‬وهذا التصرف والموقف‪ ،‬من أشد ما يغيظ الكفار ويرهبهم‬
‫جميعا ً في الماضي والحاضر‪.‬‬
‫ذلك لنهم كانوا يجدون أمة قوية متماسكة متناصرة تدافع عن الجزء منها كما‬
‫تدافع عن الكل‪ ،‬فكانوا يرهبونها ويخافونها‪ ،‬ولكن هذه الخلق والصفات التي‬
‫كان يتمتع بها المسلمون من الحب والنصرة والموالة ضعفت واختفت في‬
‫حياة كثير من المسلمين الذين نسوا دينهم وجهلوا أمر ربهم وسنة نبيهم‪،‬‬

‫‪40‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وتعددت ولءاتهم فلم يعد الولء والنصرة والحب لدين الله عز وجل‬
‫وللمؤمنين ‪ ،‬إنما صار الولء والحب للموال وللمناصب وللشهوات وغدت‬
‫هذه المور معقد ولء وبراء‪ .‬فكم نرى من الخصومات والعداوات بين ذوي‬
‫القربى من أجل حطام الدنيا ومتاعها الفاني‪.‬‬
‫إن مقتضيات السلم واليمان ومستلزماته محبة الله تعالى ومحبة رسوله‬
‫صلى الله عليه وسلم ومحبة ما جاء به الرسول أن يحب المرء المسلم‬
‫إخوانه المؤمنين وجماعة المسلمين ‪ ،‬فإن هؤلء تجب محبتهم في الله‬
‫ومناصرتهم من أجل دين الله والقرآن الكريم مليء باليات التي توجب‬
‫الموالت والحب والنصرة للمؤمنين كما في هذه اليات الكريمة التي نحن‬
‫بصددها فقد وصفت المؤمنين والمؤمنات بذلك في قوله سبحانه وتعالى‪? :‬‬
‫وال ْمؤْمنون وال ْمؤْمنات بعضه َ‬
‫ض ‪]?...‬التوبة‪ [71:‬فذكورهم وإناثهم‬
‫َ ُ ِ ُ َ َ ُ ِ َ ُ َْ ُ ُ ْ‬
‫م أوْل َِياء ب َعْ ٍ‬
‫ً‬
‫وشيوخهم وشبابهم كلهم جميعا على المحبة والموالة والنتماء والنصرة‬
‫َ‬
‫م‬
‫م وََأن ُ‬
‫مُنوا ْ وَ َ‬
‫ف ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫جاهَ ُ‬
‫جُروا ْ وَ َ‬
‫ها َ‬
‫والتعاطف وقال تعالى‪? :‬إ ِ ّ‬
‫سهِ ْ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫دوا ْ ب ِأ ْ‬
‫نآ َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ض ‪]?...‬النفال‪:‬‬
‫ل الل ّهِ َوال ّ ِ‬
‫صُروا أوْلئ ِك ب َعْ ُ‬
‫ِفي َ‬
‫ضهُ ْ‬
‫ن آَووا ْ وّن َ َ‬
‫ذي َ‬
‫سِبي ِ‬
‫م أوْل َِياء ب َعْ ٍ‬
‫‪.[72‬‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫صلةََ‬
‫ن يُ ِ‬
‫مُنوا ال ِ‬
‫ه َوال ِ‬
‫مو َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫قي ُ‬
‫نآ َ‬
‫سول ُ‬
‫م الل ُ‬
‫ما وَل ِي ّك ُ‬
‫وقال تعالى‪ ?:‬إ ِن ّ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن الّز َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ب‬
‫ز‬
‫ح‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ف‬
‫ا‬
‫نو‬
‫م‬
‫آ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ه‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ل‬
‫و‬
‫ت‬
‫ي‬
‫من‬
‫و‬
‫ن‬
‫عو‬
‫ك‬
‫را‬
‫م‬
‫ه‬
‫َ ََ ُ ُ َ ِ َ َ ُ‬
‫ِ ّ ِ ْ َ‬
‫وَي ُؤُْتو َ‬
‫كاةَ وَ ُ ْ َ ِ ُ َ َ َ َ َ َ‬
‫ن?]المائدة‪.[56-55:‬‬
‫م ال َْغال ُِبو َ‬
‫الل ّهِ هُ ُ‬
‫)‪(2 /‬‬
‫تأملوا أيها المؤمنون كيف عقد الله بين المؤمنين في كل زمان ومكان ‪ ،‬عقد‬
‫موالة ومحبة ومناصرة‪ ،‬فصار بعضهم أولياء بعض‪ ،‬لكمال إيمانهم وتمام‬
‫اتصال بعضهم ببعض‪ ،‬وقد تجلت هذه العقيدة وظهرت في أعلى وأوضح‬
‫معانيها في جيل الصحابة الكرام‪ .‬يكفي أن أذكر لكم حادثة واحدة فقط‬
‫للتدليل على ذلك‪ .‬ما حصل مع عمير بن وهب الجمحي وعمر بن الخطاب‬
‫رضي الله عنهم جميعًا‪ ،‬حيث كان عمير قبل إسلمه قد جلس مع صفوان بن‬
‫أمية بجوار الكعبة بعد غزوة بدر وتحدثا عن الهزيمة المنكرة التي لحقت بهم‬
‫في بدر وكان ابنا ً لعمير أسيرا ً لدى المسلمين‪ ،‬فقال عمير لصفوان لول دين‬
‫علي وأولد صغار ليس لهم عائل ينفق عليهم لذهبت وقتلت محمدًا‪ ،‬فقال‬
‫صفوان‪ :‬أنا أتحمل ذلك الدين عنك وأتكفل بالنفاق على أولدك وسأجعلهم‬
‫كأولدي‪ ،‬وتعاهد الرجلن على ذلك سرا ً بجوار الكعبة‪ ،‬ثم مضى عمير بن‬
‫وهب في مهمته حتى قدم المدينة‪ ،‬ونزل على مقربة من المسجد النبوي‪،‬‬
‫وبينما هو متجه إلى المسجد رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان معه‬
‫عدد من الصحابة فقال عمر‪ :‬هذا عدو الله عمير بن وهب‪ ،‬والله ما جاء إل‬
‫لشر‪ ،‬امضوا إلى رسول الله وكونوا حوله‪ ،‬ثم انطلق عمر إليه وأخذ بمجمع‬
‫ثوبه من عنقه وطوق عنقه بحمالة سيفه‪ ،‬ثم مضى به إلى رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم على تلك الحالة قال‬
‫لعمر‪ :‬أطلقه يا عمر‪ ،‬ثم قال صلى الله عليه وسلم‪" :‬ما الذي جاء بك يا‬
‫عمير‪ ،‬قال جئت أرجو فكاك هذا السير الذي في أيديكم قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فما بال السيف معك‪ ،‬قال‪ :‬قبحها الله من سيوف‬
‫وهل أغنت عنا شيئا ً يوم بدر‪ .‬قال‪ :‬اصدقني الذي جئت به؟ قال ما جئت إل‬
‫لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬بل قعدت مع صفوان بن أمية في‬
‫الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت لول دين علي وعيال‬

‫‪41‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عندي لخرجت حتى أقتل محمدا ً فتحمل لك صفوان دينك وعيالك على أن‬
‫تقتلني له‪ ،‬والله حائل بينك وبين ذلك‪ .‬فأسقط في يد عمير وقال‪ :‬والله لقد‬
‫أيقنت أنه ما أتاك به إل الله فالحمد لله الذي ساقني إليك سوقا ً ليهديني إلى‬
‫السلم ثم شهد أن ل إله إل الله وأن محمدا ً رسول الله ‪ ،‬ففرح المسلمون‬
‫بذلك فرحا ً شديدا ً حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‪ :‬لخنزير كان‬
‫أحب إلي من عمير بن وهب حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫وهو اليوم بعد إسلمه أحب إلي من بعض أبنائي"‪.‬‬
‫هكذا هو اليمان وهذه هي أجواؤه العبقة الفياحة التي تعطر الوجود كله‬
‫وتعمره بالتوحيد والحب والولء‪.‬‬
‫فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال‪ :‬أوثق اليمان الموالة في‬
‫الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله‪.‬‬
‫الخطبة الثانية‪:‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫لقد كان خلفاء المسلمين وحكامهم في السابق يطبقون عقيدة الولء‬
‫للمسلمين أو إذا ما وقع على فرد من المسلمين ضيم فإنه ل يهنأ ول يستقر‬
‫لهم قرار حتى ينتصروا له‪ .‬ومن المثلة العملية التي وعتها ذاكرة التاريخ أن‬
‫أحد خلفاء المسلمين بعث بعثة استطلعية مكونة من اثنين من جنوده‬
‫للوصول إلى القسطنطينية وتفقد أحوالها وسافر الثنان متنكرين حتى وصل‬
‫عاصمة الروم واختلطا بأهلها وجمعا ما يريدان من معلومات وكانت خطتهما‬
‫أن يمشيا متباعدين حتى إذا قبض على أحدهما كان بوسع الخر العودة‬
‫والخبار عنه‪ ،‬ودخل أحدهما قصر الملك في أحد احتفالتهم وحاول التعرف‬
‫على القصر ومداخله‪ ،‬وأحوال الملك وجماعته ولكنه اكتشف أمره وقبض‬
‫عليه ‪ ،‬وكان أخوه في السلم يراقب ذلك فلما تأكد من أنه سجن كر راجعا ً‬
‫ليخبر الخليفة بأمره‪ ،‬وقدم الجندي المسلم إلى ملك الروم الذي كان مغرورا ً‬
‫بأبهته وحاشيته ‪ ،‬فاتهم الجندي المسلم باللصوصية وقال له‪ :‬ماذا يريد‬
‫خليفتكم من الغارة علينا‪ ،‬أما تكفيكم بلدكم ورد عليه الجندي بعزة وإباء‬
‫قائ ً‬
‫ل‪ :‬نحن ل طمع لنا في بلدكم ول أموالكم‪ ،‬وإنما نهدف إلى نشر السلم‬
‫وإقامة موازين العدل التي افتقدها الناس بسبب ضللهم عن الدين الحق‬
‫وتحريفهم لكتب النبياء السابقين وتأليههم البشر وعبادتهم للملوك‬
‫والجبابرة ‪ ..‬وغضب عند ذلك البطريك الذي كان جالسا ً قرب الملك وقام من‬
‫مجلسه وصفع الجندي على وجهه صفعة مؤلمة وأمر بسجنه ودارت اليام‬
‫وجرى تبادل السرى بين المسلمين والروم وعاد الجندي المسلم السير إلى‬
‫أهله ‪ ،‬واستدعاه الخليفة وأكرمه وسمع خبره ثم أمر بتوجيه بعثة من الجنود‬
‫تنكروا على شكل صيادين حتى وصلوا إلى القسطنطينية فدخلوا واحتالوا‬
‫على البطريك فقبضوا عليه وجاءوا به مكبل ً إلى أن أدخل على مجلس‬
‫الخليفة الذي زانه الوقار والحكمة والهيبة‪ ..‬فأوقف أمامه‪ ،‬وكان الجندي الذي‬
‫أسر بجانب الخليفة‪ ،‬فقال له الخليفة أهذا هو؟ أي الذي صفعك‪ .‬فقال‪ :‬نعم‬
‫يا أمير المؤمنين ‪ ،‬فقال له‪ :‬دونك عنه يا أمير المؤمنين‪ ،‬فقال الخليفة‬
‫للبطريك‪ :‬اذهب إلى ملكك وقل له ‪ :‬إن أمير المؤمنين يقيم العدل ويقتص‬
‫من الجاني حتى في مملكتك‪ ،‬ورجع البطريك يرجف فؤاده خزيا ً وهيبة‪ ،‬وقد‬
‫أذله وقهره عفو الجندي وتوبيخ المير وهكذا قرر الخليفة المسلم حتى أعاد‬
‫للجندي الذي صفع ظلما ً حقه من عدوه‪ ،‬وحفظ له كرامته وللدولة هيبتها‬

‫‪42‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أمام أعتى دول الرض حينذاك وأكثرها غنى ورفاهية‪.‬‬
‫ورحم الله ذلك الخليفة الذي ضرب بتلك الحادثة المثل الكبير للحاكم‬
‫المسلم الذي يدافع عن حق الفرد وحق الجماعة والدولة على حد سواء‪.‬‬
‫ولكم أن تقارنوا بين حكام المسلمين في السابق وحكام المسلمين في‬
‫الحاضر لتجدوا الفرق الشاسع والمخزي والمفجع‪.‬‬
‫أيها المؤمنون لم تذل هذه المة وتغزى في عقر دارها وتنتهك أعراضها‬
‫وتستباح مقدساتها إل حين ضاع اليمان واختفى من حياتها وبضعف اليمان‬
‫وهجر القرآن تصدع بنيانها في الحب والخوة والموالة والنصرة‪ ،‬وتقطعت‬
‫بالمسلمين السباب واتخذ البعض الكافرين له أولياًء وأحبابا ً وأنصارا ً فكانت‬
‫نتيجة ذلك هو هذا المشهد الذي نعيشه اليوم في فلسطين والعراق وغيرها‬
‫من البلدان العروبة والسلم ولن نستطيع الخروج من هذه المآزق إل‬
‫باليمان الصادق الراسخ وإحياء فريضة الولء لله ولرسوله وللمؤمنين حبا ً‬
‫ومناصرة وتآلفا ً واجتماعا ً والوقوف صفا ً واحدا ً أمام التحديات عمل ً بقوله عز‬
‫َ‬
‫ص?‬
‫ص ّ‬
‫ن يُ َ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫فا ً ك َأن ُّهم ُبنَيا ٌ‬
‫قات ُِلو َ‬
‫ح ّ‬
‫وجل ‪ ?:‬إ ِ ّ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ن ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫صو ٌ‬
‫مْر ُ‬
‫سِبيل ِهِ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ض ‪]?...‬التوبة‪.[71:‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ت ب َعْ ُ‬
‫مُنو َ‬
‫ضهُ ْ‬
‫مَنا ُ‬
‫ن َوال ُ‬
‫]الصف‪َ ? [4:‬وال ُ‬
‫م أوْل َِياء ب َعْ ٍ‬
‫راجعه‪ /‬عبد الحميد أحمد مرشد‪.‬‬
‫صحيح مسلم‪ :‬باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم‪ :‬الحديث رقم‪) :‬‬
‫‪ (2586‬عن النعمان ابن بشير رضي الله تعالى عنه ‪.‬‬
‫صحيح مسلم‪ :‬باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم‪ :‬الحديث رقم‪) :‬‬
‫‪ (2586‬عن النعمان ابن بشير رضي الله تعالى عنه ‪.‬‬
‫صحيح البخاري‪ :‬باب‪ :‬تشبيك الصابع في المسجد وغيره‪ .‬الحديث رقم‪) :‬‬
‫‪ (476‬عن أبي موسى الشعري رضي الله تعالى عنه ‪ .‬وأخرجه مسلم في‬
‫البر والصلة والداب‪ ،‬باب‪ :‬تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم‪ ،‬رقم‪) :‬‬
‫‪. (2585‬‬
‫معجم الطبراني الكبير‪ :‬باب الظاء ‪.‬عمير بن وهب الجمحي ‪ .‬وكنز العمال‪:‬‬
‫الحديث رقم‪ (37456):‬عن عروة بن الزبير‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫الحبل المتين‬
‫في‬
‫بيان منهج أهل السنة و الجماعة‬
‫في أصول الدين‬
‫تأليف‬
‫الدكتور ‪ :‬أحمد بن عبد الكريم نجيب‬
‫ّ‬
‫أستاذ الحديث النبوي و علومه في كلية الدراسات السلمّية بسراييفو ‪ ،‬و‬
‫الكاديمّية السلمّية بزينتسا‬
‫و مدّرس العلوم الشرعّية في معهد قطر الديني سابقا ً‬
‫منشورات منظمة التوحيد الخيرية‬
‫الطبعة الولى‬
‫سراييفو ‪1422‬هـ‪2001/‬م‬
‫ً‬
‫) حقوق الطبع للتوزيع الخيري ليست حكرا على أحد (‬
‫تقديم‬
‫‪ ...‬أهل السنة و الجماعة هم صفوة هذه المة ‪ ،‬الملتزمون بكتاب ربهم وسنة‬

‫‪43‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نبيهم ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ ، -‬و هم أصحاب حديث رسول الله ‪ -‬صلى الله‬
‫ة و دراية و سلوكا ً واعتقادا ً ‪ ،‬و حيث إننا في معرض‬
‫عليه وسلم ‪ -‬رواي ً‬
‫التعريف بمنهجهم العقدي فمن المناسب أن نستهل البحث بالتعريف بهم من‬
‫خلل المطالب التالية ‪:‬‬
‫حي ) السنة ( و ) عقيدة أهل الحديث ( ‪:‬‬
‫المطلب الّول ‪ :‬العلقة بين مصطل َ‬
‫مقابل‬
‫‪ ...‬ذهب كثيٌر من أهل العلم عند تعريف السّنة إلى أّنها ُتطلق في ُ‬
‫البدعة فُيقال ‪ :‬فلن على سّنة ‪ ،‬و فلن على بدعة إذا عمل على خلفه )‪.(1‬‬
‫و هذا يعني أن لفظ السنة يستعمل للدللة على عقيدة أهل السنة و الجماعة‬
‫‪ ،‬و قد شاع هذا الستعمال على ألسنة الئمة العلم من السلف و الخلف ‪-‬‬
‫رضي الله عنهم ‪ -‬أجمعين ‪.‬‬
‫ل إنه صاحب‬
‫‪ ...‬قال شيخ السلم ابن تيمّية رحمه الله ‪ )) :‬إذا قيل عن رج ٍ‬
‫سنة ‪ ،‬فالمقصود به أنه على ما كان عليه النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬و‬
‫صحابته الكرام رضوان الله عليهم من أمور الدين قول ً ‪ ،‬و عمل ً ‪ ،‬و اعتقادا ً ((‬
‫)‪. (2‬‬
‫‪ ...‬و من المثلة لطلق لفظ السنة على ما ُيقابل البدعة ‪ ،‬ما يلي ‪:‬‬
‫سِئل المام مالك بن أنس رحمه الله ‪ :‬من أه ُ‬
‫ل السنة ؟ فقال ‪:‬‬
‫‪ُ ...‬‬
‫َ‬
‫دريٌ )‬
‫ق‬
‫ل‬
‫و‬
‫(‬
‫‪3‬‬
‫)‬
‫ي‬
‫جهم‬
‫ل‬
‫؛‬
‫به‬
‫يعرفون‬
‫ب‬
‫لق‬
‫لهم‬
‫ليس‬
‫الذين‬
‫السنة‬
‫أهل‬
‫))‬
‫‪...‬‬
‫َ‬
‫ٌ ُ‬
‫ٌ‬
‫‪(4‬‬
‫ي )‪.(6)(( (5‬‬
‫و ل رافض ٌ‬
‫سئل المام أبو بكر بن عّياش )‪(7‬‬
‫‪ ...‬و ُ‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬انظر ‪ :‬الموافقات للشاطبي ‪. 40 / 4‬‬
‫)‪ ... (2‬مجموع الفتاوى ‪ ،‬لبن تيمية ‪. 307 - 306 /19 :‬‬
‫)‪ ... (3‬الجهمية ‪ :‬فرقة منحرفة ‪ ،‬تنسب إلى الجهم بن صفوان ) ت ‪128‬‬
‫هـ ‪ 746 /‬م ( الذي قال بالجبار ‪ ،‬و الضطرار إلى العمال ‪ ،‬و أنكر‬
‫الستطاعات كلها ‪ ،‬و زعم أن اليمان هو مجّرد المعرفة بالله تعالى ‪ ،‬و أن‬
‫الكفر هو الجهل به ‪ ،‬و قال بفناء الجنة و النار جميعا ً ‪ ،‬و بخلق القرآن ‪ ،‬و‬
‫نفى السماء و الصفات جميعها عن الله تعالى ‪.‬‬
‫انظر ‪ :‬الفرق بين الفرق ‪ ،‬للبغدادي ‪ ،‬ص ‪ ، 199‬و الملل و النحل ‪،‬‬
‫للشهرستاني ‪. 86 / 1‬‬
‫)‪ ... (4‬القدرية ‪ :‬فرقة ضالة ‪ ،‬قسمها ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ‪/ 8‬‬
‫‪ 260-256‬إلى أصناف خمسة ‪ ،‬و هي ‪ :‬القدرية الغالية ‪ ،‬ثم المجوسية ‪ ،‬ثم‬
‫المجبرة ‪ ،‬ثم المشركية ‪ ،‬ثم البليسية ‪.‬‬
‫بيد أن هذه الصناف تعود إلى رأيين في القدر ‪:‬‬
‫الرأي الول يعود إلى أصلين باطلين ‪ :‬الول ‪ :‬إنكار علم الله السابق بأفعال‬
‫العباد ‪ .‬وهو قول جهم بن صفوان‪ .‬و الثاني ‪ :‬إنكار عموم المشيئة ‪ .‬مذهب‬
‫القدرية الغالية ‪ ،‬وقد انقرض القائلون به ‪.‬‬
‫و الرأي الثاني يقوم على أصلين ثانيهما باطل ‪ :‬الول ‪ :‬القرار بعلم الله‬
‫السابق ‪ ،‬و هو حق ل مراء فيه ‪.‬‬
‫و الثاني ‪ :‬إنكار عموم المشيئة و الخلق ‪ .‬حيث جعلوا أفعال العباد الختيارية‬
‫بمشيئتهم و قدرهم و حدهم ‪ .‬و هو قول المعتزلة و متأخرو الشيعة ‪ ،‬وهم‬
‫المسمون بالقدرية المجوسية ‪.‬‬
‫انظر ‪ :‬شرح العقيدة الطحاوية ‪ ،‬ص ‪ ، 306-305 :‬فتح الباري ‪- 118 / 1‬‬
‫‪ ، 119‬شفاء العليل لبن القيم ‪ ،‬ص ‪ ، 109 :‬الفرق بين الفرق ‪ ،‬ص ‪- 19 :‬‬
‫‪44‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪. 20‬‬
‫)‪ ... (5‬الرافضة ‪ :‬هم الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي‬
‫طالب ‪ ،‬وذلك أنهم أرادوه أن يتبرأ من أبي بكر و عمر رضي الله عنهما ‪ ،‬فلم‬
‫يفعل ‪ ،‬و يرون السيف على المة ‪.‬‬
‫انظر ‪ :‬مقالت السلميين ‪ ،‬ص ‪ ، 16 :‬الفرق بين الفرق ‪ ،‬ص ‪ ، 17 :‬الحجة‬
‫في بيان المحجة ‪. 478 / 2‬‬
‫)‪ ... (6‬أخرجه ابن عبد البر في " النتقاء في فضائل الئمة الفقهاء " ‪ ،‬ص ‪:‬‬
‫‪ 35‬من طريق إبراهيم بن حماد ‪ ،‬قال ‪ :‬نا الحسن بن عبد العزيز الجروي ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬نا شيخ لنا ‪ ،‬قال ‪ :‬جاء رجل إلى مالك ‪..‬فذكره ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وهذا إسناد صحيح لول إبهام شيخ الحسن بن عبد العزيز ‪.‬‬
‫فالحسن بن عبد العزيز الجروي ثقة ثبت عابد فاضل ‪ ،‬كما في " التقريب " )‬
‫‪. ( 1253‬‬
‫و إبراهيم بن حماد ‪ ،‬هو ‪ :‬أبو إسحاق الزدي القاضي ‪ ،‬قال الدارقطني ‪ :‬ثقة‬
‫جبل ‪ .‬كما في " تاريخ بغداد " ‪. 61 / 6‬‬
‫)‪ ... (7‬أبو بكر بن عياش ‪ ،‬هو ‪ :‬ابن سالم ‪ ،‬السدي مولهم ‪ ،‬الكوفي ‪،‬‬
‫قيل ‪ :‬اسمه شعبة ‪ ،‬و قيل ‪ :‬محمد ‪ ،‬و قيل غير ذلك ‪ ،‬المحدث الفقيه ‪ ،‬شيخ‬
‫السلم ‪ ،‬و بقية العلم ‪ ،‬ولد سنة ‪ 95‬هـ ‪ 714 /‬م ‪ ،‬قرأ القرآن على عاصم‬
‫بن أبي النجود ‪ ،‬و تل عليه جماعة ‪ ،‬حدث عن كبار التابعين ‪ ،‬و حدث عنه ‪:‬‬
‫جماعة منهم ابن المبارك ‪ ،‬و أبو داود ‪ ،‬و أحمد ‪ ،‬و في ضبطه مقال ؛ ذكره‬
‫أحمد بن حنبل ‪ ،‬فقال ‪ ) :‬ثقة ‪ ،‬ربما غلط ‪ ،‬صاحب قرآن و خير (‪. .‬توفي‬
‫سنة ‪ 191‬هـ ‪ 807 /‬م ‪ ،‬عن ست و تسعين سنة ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ترجمته في ‪ :‬تهذيب الكمال ‪ ، 129 / 33‬سير أعلم النبلء ‪، 495 / 8‬‬
‫الحلية ‪ ، 303 / 7‬تذكرة الحفاظ ‪ ، 265 /1‬ميزان العتدال ‪، 494 / 4‬‬
‫شذرات الذهب ‪. 334 /1‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫صب لشيٍء‬
‫ي ؟ فقال ‪ )) :‬الذي إذا ذ ُ ِ‬
‫من ال ُ‬
‫رحمه الله َ‬
‫كرت الهواء لم يتع ّ‬
‫سن ّ ّ‬
‫منها (( )‪.(1‬‬
‫‪ ...‬و سئل عبد الرحمن بن مهدي )‪ (2‬عن الوزاعي )‪ ، (3‬و سفيان الثوري ‪،‬‬
‫م بالحديث ‪،‬‬
‫ومالك بن أنس ‪ ،‬رحمهم الله جميعا ً ‪ ،‬فأجاب ‪ )) :‬سفيان عال ٌ‬
‫م‬
‫ي عال ٌ‬
‫والوزاع ّ‬
‫م بالحديث و السّنة (()‪. (4‬‬
‫بالسنة ‪ ،‬و مالك عال ٌ‬
‫‪ ...‬قال ابن الصلح )‪ (5‬في قول عبد الرحمن بن مهدي السابق ‪ )) :‬السنة‬
‫هاهنا ضد ّ البدعة ‪ ،‬و قد يكون النسان من أهل الحديث و هو مبتدع ٌ ‪ ،‬و مالك‬
‫معتقدا ً للسنة ‪ ،‬أي‬
‫) جمع بين السنتين فكان عالما ً بالسنة أي الحديث ‪ ،‬و ُ‬
‫كان مذهبه مذهب أهل الحقّ من غير بدعة (( )‪..(6‬‬
‫‪ ...‬و قد كان أئمة السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين ‪ُ ،‬يطلقون اسم‬
‫السنة على العتقاد الصحيح ‪ ،‬الذي يقابل البدعة ‪ ،‬و ُيضاّدها ‪ ،‬كما في قول‬
‫ن فيه فقد استكمل السنة ‪،‬‬
‫سفيان بن عيينة )‪ )) : (7‬السنة عشرة ‪ ،‬فمن ك ُ ّ‬
‫معتقد‬
‫م ذكر مسائل من ُ‬
‫و من ترك منها شيئا ً فقد ترك السّنة … (( )‪ (8‬ث ّ‬
‫أهل السنة و الجماعة ‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬إسناده حسن ‪:‬‬

‫‪45‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أخرجه الجري في " الشريعة " ‪ ، ( 2112 ) 581 / 3‬و الللكائي في " شرح‬
‫ُأصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة " ‪ ( 53 ) 63 / 1‬من طريقين ‪ ،‬عن أبي‬
‫عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو السكين زكريا بن‬
‫يحيى ‪ ،‬قال ‪ :‬سمعت أبا بكر بن عياش – فذكره ‪.‬‬
‫و أبو عبيد ‪ ،‬هو ‪ :‬ابن حربويه المام الفقيه قاضي مصر ‪.‬‬
‫و أبو السكين زكريا بن يحيى ‪ :‬وثقه ابن حبان و الخطيب البغدادي ‪ ،‬و قال‬
‫ابن حجر ‪ ) :‬صدوق له أوهام لينه بسببها الدارقطني ( ‪ .‬انظر ‪ :‬التهذيب ‪/ 3‬‬
‫‪ ، 337‬و التقريب ترجمة ) ‪. ( 2034‬‬
‫)‪ ... (2‬ابن مهدي ‪ ،‬هو ‪ :‬عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبدا لرحمن ‪،‬‬
‫أبو سعيد العنبري ‪ ،‬و قيل ‪ :‬الزدي ‪ ،‬مولهم البصري ‪ ،‬ولد سنة ‪ 135‬هـ ‪/‬‬
‫‪ 753‬م ‪ ،‬أدرك صغار التابعين ‪ ،‬و سمع سفيان ‪ ،‬و شعبة ‪ ،‬و مالك بن أنس ‪،‬‬
‫و أمما ً سواهم ‪ ،‬و حدث عنه ‪ :‬ابن المبارك ‪ ،‬و ابن وهب ‪ ،‬و هما من‬
‫تلميذه ‪ ،‬و يحي ‪ ،‬و أحمد ‪ ،‬و إسحاق ‪ ،‬و ابن أبي شيبة ‪ ،‬و كثيرون ‪ ،‬و ارتحل‬
‫في آخر عمره عن البصرة إلى أصبهان ‪ ،‬و حدث فيها ‪ ،‬ثم عاد إلى البصرة و‬
‫بها كانت و فاته سنة ‪ 198‬هـ ‪ 814 /‬م ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ترجمته في ‪ :‬سير أعلم النبلء ‪ ، 192 / 9 ،‬الطبقات الكبرى ‪/ 7‬‬
‫‪ ، 297‬الحلية ‪ ، 3 / 9‬تاريخ بغداد ‪ ، 240 / 10‬شذرات الذهب ‪. 355 / 1‬‬
‫مد‬
‫)‪ ... (3‬الوزاعي ‪ ،‬هو ‪ :‬عبدا لرحمن ‪ ,‬و يقال ‪ :‬عبد العزيز بن عمرو بن ي َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫الوزاعي ‪ ،‬أبو عمر ‪ ،‬الدمشقي ‪ ،‬التابعي ‪ ،‬أحد العلم ‪ ،‬و الفقهاء المجتهدين‬
‫أصحاب المذاهب ‪ ،‬كان يسكن بمحلة الوزاع بظاهر باب الفراديس بدمشق ‪،‬‬
‫ثم تحول إلى بيروت إلى أن مات مرابطا ً بها سنة ‪ 157‬هـ ‪ 774 /‬م ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ترجمته في ‪ :‬سير أعلم النبلء ‪ ، 107 / 7 ،‬شذرات الذهب ‪، 241 / 1‬‬
‫تذكرة الحفاظ ‪ ، 178 / 1‬حلية الولياء ‪ ، 135 / 6‬ديوان السلم ‪. 159 / 1‬‬
‫)‪ ... (4‬إسناده صحيح ‪:‬‬
‫أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ‪ 332 / 6‬من طريق أبي أحمد القاضي ‪ ،‬يقول‬
‫‪ :‬سمعت أبا حاتم الرازي يقول ‪ :‬سمعت أحمد بن سنان الواسطي يقول ‪:‬‬
‫سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول – فذكره ‪.‬‬
‫و هذا إسناد صحيح رجاله ثقات ‪.‬‬
‫)‪ ... (5‬ابن الصلح ‪ ،‬هو ‪ :‬تقي الدين ‪ ،‬أبو عمرو عثمان بن صلح الدين عبد‬
‫الرحمن بن عثمان بن موسى الشهرزوري الشافعي ‪ ،‬ولد بسنة ‪ 597‬هـ ‪/‬‬
‫‪ 1201‬م ‪ ،‬و تفقه على والده بشهرزور ‪ ،‬ثم ارتحل إلى البصرة ‪ ،‬فدمشق ‪،‬‬
‫فبيت المقدس ‪ ،‬د َّرس بالمدرسة الصلحية ‪ ،‬في بيت المقدس ثم بالرواحية‬
‫بدمشق ‪ ،‬ثم صار شيخ الدار الشرفية ‪ ،‬أشهر مؤلفاته كتاب علوم الحديث ‪،‬‬
‫عاش ستا ً و ستين سنة ‪ ،‬و توفي بدمشق سنة ‪ 643‬هـ ‪ 1246 /‬م ‪ ،‬و دفن‬
‫بمدافن الصوفية ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ترجمته في ‪ :‬سير أعلم النبلء ‪ , 140 / 23 ،‬تذكرة الحفاظ ‪1430 / 4‬‬
‫‪ ،‬شذرات الذهب ‪. 221 /5‬‬
‫)‪ ... (6‬فتاوى و مسائل ابن الصلح ‪ ،‬ص ‪. 213 :‬‬
‫)‪ ... (7‬سفيان بن عيينة ‪ ،‬هو ‪ :‬أبو محمد الهللي ‪ ،‬الكوفي ‪ ،‬ثم المكي ‪،‬‬
‫ود ‪ ،‬و جمع و صنف ‪ ،‬و عمر دهرا ً ‪ ،‬و ازدحم عليه‬
‫الحافظ الكبير‪ ،‬أتقن ‪ ،‬و ج ّ‬
‫الخلق ‪ ،‬و انتهى إليه علو السناد ‪ ،‬و رحل إليه من البلد ‪ .‬قال عنه‬
‫ي ‪ ) :‬ما رأيت أحسن تفسيرا ً للحديث منه ( ‪ .‬و قال أيضا ‪ ) :‬لول‬
‫الشافع ّ‬
‫مالك و سفيان بن عيينة لذهب علم الحجاز ( ‪ .‬توفي سنة ‪ 198‬هـ ‪ 814 /‬م ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ترجمته في ‪ :‬طبقات ابن سعد ‪ ، 497 / 5‬الجرح و التعديل ‪– 32 / 1‬‬
‫‪46‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ 54‬و ‪ ، 225 / 4‬حلية الولياء ‪ ، 270 / 7‬تاريخ بغداد ‪ ، 174 / 9‬وفيات‬
‫العيان ‪ ، 391 / 2‬سير أعلم النبلء ‪. 454 / 8‬‬
‫)‪ ... (8‬أخرجه الللكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة " ‪/1‬‬
‫‪. ( 316 ) 155‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫‪ ...‬و قال المام الشافعي رحمه الله ‪ )) :‬القول في السنة التي أنا عليها ‪،‬‬
‫ت عنهم ‪ ،‬مثل‬
‫ت أصحابنا عليها ‪ ،‬أهل الحديث الذين رأيتهم ‪ ،‬و أخذ ُ‬
‫ورأي ُ‬
‫سفيان ‪ ،‬ومالك ‪ ،‬و غيرهما ‪ :‬القرار بشهادة أن ل إله إل الله ‪ ،‬و أن محمدا ً‬
‫ن الله تعالى على عرشه ‪ ،‬في سمائه ‪ ،‬يقرب من خلقه كيف‬
‫رسول الله ‪ ،‬وأ ّ‬
‫شاء ‪ ،‬و أن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء (( )‪.(1‬‬
‫‪ ...‬و قال المام أحمد )‪ (2‬رحمه الله ‪ )) :‬أصول السنة عندنا ‪ :‬التمسك بما‬
‫م َذكر جملة‬
‫كان عليه أصحاب رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ ، (( … -‬ث ّ‬
‫مسائل من معتقد أهل السنة و الجماعة )‪. (3‬‬
‫‪ ...‬وقال محمد بن يحيى الذهلي)‪ )) : (4‬السنة عندنا ‪ :‬أن اليمان قول‬
‫و عمل ‪ (5) ((...‬فذكر جملة من معتقد أهل السنة و الجماعة ‪.‬‬
‫عرف‬
‫‪ ...‬و قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله ‪ … )) :‬ثم صار في ُ‬
‫ما‬
‫ع‬
‫كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث و غيرهم ‪ ،‬السنة عبارة ّ‬
‫سلم من الشبهات في العتقادات ‪ . . .‬و صنفوا في هذا العلم تصانيف‬
‫سموها كتب السنة ‪ ،‬و إنما خصوا هذا العلم باسم السنة لن خطره عظيم ‪،‬‬
‫و المخالف فيه على شفا هلكة ‪ ،‬و أما السنة الكاملة فهي الطريقة السالمة‬
‫من الشبهات و الشهوات (( )‪. (6‬‬
‫‪ ...‬و كما قال ابن رجب رحمه الله فإن من إطلق مصطلح السنة ‪ ،‬على‬
‫العقيدة السوّية ‪ ،‬السليمة من الشبهات و الشهوات ‪ ،‬في مقابل الهواء‬
‫مصّنفاتهم في أصول الدين باسم ) السنة ( ‪،‬‬
‫الردّية ‪ ،‬تسمية عدد من الئمة ‪ُ ،‬‬
‫و من تلك المصّنفات ‪:‬‬
‫السنة ‪ ،‬للمام أحمد بن حنبل ) المتوفى ‪ 241‬هـ ‪ 856 /‬م ( ‪ ،‬و هو مطبوع‪.‬‬
‫السنة لبي بكر أحمد بن محمد بن الثرم )‪ )(7‬المتوفى سنة ‪ 272‬هـ ‪886 /‬‬
‫م (‪.‬‬
‫السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل )‪ )(8‬المتوفى سنة ‪ 290‬هـ ‪ 903 /‬م ( و‬
‫هو مطبوع ‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬أورده الذهبي في " العلو " ص ‪ ، 120‬وسبقه بقوله ‪ ) :‬روى شيخ‬
‫السلم أبو الحسن الهكاري ‪ ،‬و الحافظ أبو محمد المقدسي بإسنادهم إلى‬
‫أبي ثور ‪ ،‬و أبي شعيب كلهما عن المام الشافعي ( ‪.‬‬
‫و أورده ابن القيم أيضا في " اجتماع الجيوش السلمية " ص ‪. 82‬‬
‫)‪ ... (2‬أحمد بن حنبل ‪ ،‬هو ‪ :‬أحمد بن محمد بن حنبل بن هلل بن أسد‬
‫الشيباني ‪ ،‬أبو عبد الله المروزي ‪ ،‬ثم البغدادي إمام المذهب ‪ ،‬و صاحب‬
‫المسند و غيره ‪ُ ،‬ولد ببغداد سنة ‪ 164‬هـ ‪ 681 /‬م ‪ ،‬و اعتنى بالحديث ‪ ،‬و‬
‫ارتحل في طلبه ‪ ،‬روى عن ابراهيم بن سعد ‪ ،‬و إسماعيل بن علية ‪ ،‬و خلئق‬
‫غيرهم ‪ ،‬و روى عنه الشيخان و غيرهم ت ‪241‬هـ ‪ 856 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬طبقات الحنابلة ‪ 4 / 1‬و ما بعدها ‪ ،‬طبقات الحفاظ ص‬
‫‪ ، 186‬تهذيب التهذيب ‪ 72 / 1‬العلم للزركلي ‪ ، 1/192‬الفهرست لبن‬

‫‪47‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫النديم ‪ ،‬ص ‪. 32‬‬
‫)‪ ... (3‬كتاب ‪ :‬أصول السنة هذه للمام أحمد رسالة طبعت مفردة ‪ ،‬برواية‬
‫عبدوس بن مالك العطار عنه ‪ ،‬بتحقيق الوليد بن محمد بن سيف النصر ‪،‬‬
‫بمكتبة العلم بجدة سنة ‪ 1416‬هـ ‪ 1996 /‬م ‪ ،‬و رواها اللكائي في " شرح‬
‫أصول العتقاد " ‪ ، ( 317 ) 156 / 1‬و أبو يعلى القاضي في " طبقات‬
‫الحنابلة " ‪ 241 / 1‬و إسنادها صحيح ‪ ،‬و قال أبو يعلى ‪ ) :‬لو رحل رجل إلى‬
‫الصين في طلبها لكان قليل ( ‪.‬‬
‫)‪ ... (4‬محمد بن يحيى الذهلي ‪ ،‬هو ‪ :‬أبو عبد الله النيسابوري ‪ ،‬المام‬
‫العلمة ‪ ،‬الحافظ البارع ‪ ،‬شيخ السلم ‪ ،‬و عالم المشرق ‪ ،‬و إمام أهل‬
‫الحديث بخراسان ‪ ،‬ولد سنة بضع و سبعين و مئة للهجرة ‪ ،‬و مات سنة ‪258‬‬
‫هـ ‪ 872 /‬م ‪ ،‬قال الذهبي ‪ ) :‬كان له جللة عجيبة بنيسابور ‪ ،‬من نوع جللة‬
‫المام أحمد ببغداد ‪ ،‬و مالك بالمدينة ( ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬الجرح و التعديل ‪ ، 125 / 8‬تاريخ بغداد ‪، 415 / 3‬‬
‫طبقات الحنابلة ‪ ، 327 / 1‬تذكرة الحفاظ ‪ ، 530 / 2‬سير أعلم النبلء ‪/ 12‬‬
‫‪. 273‬‬
‫)‪ ... (5‬أخرجه البيهقي في " القضاء و القدر " ) ‪ ، ( 549‬بإسناد صحيح ‪،‬‬
‫رجاله كلهم ثقات ‪.‬‬
‫)‪ ... (6‬كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة ‪ ،‬لبن رجب الحنبلي ‪ ،‬ص ‪:‬‬
‫‪. 11‬‬
‫)‪ ... (7‬أبو بكر بن الثرم ‪ ،‬هو ‪ :‬أحمد بن محمد بن هانئ السكافي الطائي ‪،‬‬
‫خراساني الصل ‪ ،‬إمام حافظ ثبت ثقة ‪ ،‬تلميذ المام أحمد ‪ ،‬كان من أذكياء‬
‫المة ‪ ،‬مصنف السنن و علل الحديث ‪ ،‬مات بمدينة إسكاف ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬تاريخ بغداد ‪ ، 110 / 5‬طبقات الحنابلة ‪ ، 66 / 1‬تهذيب‬
‫الكمال ‪ ، 476 / 1‬تذكرة الحفاظ ‪ ، 570 / 2‬سير أعلم النبلء ‪. 623 / 12‬‬
‫)‪ (8‬عبد الله بن أحمد بن حنبل ‪ ،‬هو ‪ :‬الشيباني ‪ ،‬أبو عبد الرحمن المروزي ‪،‬‬
‫ة فْهما ً ‪ ،‬أروى الناس عن أبيه ‪،‬‬
‫المام الحافظ الناقد ‪ ،‬محدث بغداد ‪ ،‬كان ثق ً‬
‫وهو الذي رتب مسند أبيه ‪ ،‬و له عليه زيادات كثيرة ‪ ،‬طلب الحديث في‬
‫العراق و غيرها ‪ ،‬و كان خبيرا بالحديث و علله ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬الجرح و التعديل ‪ ، 7 / 5‬تاريخ بغداد ‪ ، 375 / 9‬طبقات‬
‫الحنابلة ‪ ، 180 / 1‬المنتظم ‪ ، 39 / 6‬سير أعلم النبلء ‪. 516 / 13‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫السنة لمحمد بن نصر المروزي )‪ )(1‬المتوفى سنة ‪ 294‬هـ ‪ 907 /‬م ( و هو‬
‫مطبوع ‪.‬‬
‫السنة لحمد بن محمد بن هارون الخ ّ‬
‫لل )‪ )(2‬المتوفى سنة ‪ 311‬هـ‪ 923 /‬م‬
‫( وهو مطبوع ‪.‬‬
‫شرح السنة لبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين )‪ ) (3‬المتوفى‬
‫سنة ‪ 399‬هـ ‪ 1009 /‬م ( وهو مطبوع ‪.‬‬
‫السنة لبي بكر بن أبي عاصم )‪ )(4‬المتوفى سنة ‪ 287‬هـ ‪ 900 /‬م ( ‪ ،‬و هو‬
‫مطبوع ‪.‬‬
‫السنة لبي داود سليمان بن الشعث السجستاني )‪ )(5‬المتوفى سنة ‪ 275‬هـ‬
‫‪ 889 /‬م ( ‪ ،‬و هو مطبوع ‪.‬‬
‫السنة لبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني )‪(6‬‬

‫‪48‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫) المتوفى سنة ‪ 360‬هـ ‪ 971 /‬م ( ‪.‬‬
‫السنة لبي عمرو أحمد بن محمد الطلمنكي)‪ )(7‬المتوفى سنة ‪ 427‬هـ ‪/‬‬
‫‪ 1036‬م ( ‪.‬‬
‫شرح السنة للحسن بن علي البربهاري)‪ ) (8‬المتوفى سنة ‪ 329‬هـ ‪941 /‬‬
‫م ( و هو مطبوع ‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬محمد بن نصر المروزي ‪ ،‬هو ‪ :‬أبو عبد الله ‪ ،‬المام الجليل ‪ ،‬الثقة العدل‬
‫‪ ،‬شيخ السلم ‪ ،‬أحد أعلم المة و عقلئها و عبادها ‪ ،‬ولد ببغداد و نشأ‬
‫بنيسابور و سكن سمرقند ‪ ،‬و كان أبوه مروزيا ‪ ،‬و تفقه بمصر على أصحاب‬
‫الشافعي ‪ ،‬و رحل إلى المصار ‪ ،‬و كان أعلم أهل زمانه في اختلف الصحابة‬
‫و التابعين ‪ ،‬مات بسمرقند ‪ ،‬وله ‪ 92‬سنة ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬تاريخ بغداد ‪ ، 315 / 3‬تذكرة الحفاظ ‪ ، 650 / 2‬سير‬
‫أعلم النبلء ‪ ، 33 / 14‬الطبقات الكبرى للسبكي ‪ ، 255-246 / 2‬تهذيب‬
‫التهذيب ‪. 489 / 9‬‬
‫)‪ (2‬أحمد بن محمد بن هارون الخلل ‪ ،‬هو ‪ :‬أبو بكر البغدادي ‪ ،‬المام‬
‫الحافظ الفقيه ‪ ،‬شيخ الحنابلة و عالمهم ‪ ،‬رحل إلى فارس و الشام و‬
‫الجزيرة ؛ يطلب فقه أحمد و فتاويه ‪ ،‬لم يسبقه أحد في جمع علم المام‬
‫أحمد ‪ ،‬و لم يكن قبله للمام مذهب مستقل ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬تاريخ بغداد ‪ ، 112 / 5‬طبقات الحنابلة ‪ ، 12 / 2‬المنتظم‬
‫‪ ، 174 / 6‬تذكرة الحفاظ‬
‫‪ ، 785 / 3‬سير أعلم النبلء ‪ ، 297 / 14‬البداية و النهاية ‪. 148 / 11‬‬
‫)‪ ... (3‬ابن أبي زمنين ‪ ،‬هو ‪ :‬محمد بن عبد الله بن عيسى ‪ ,‬المري الندلسي‬
‫القرطبي ‪ ،‬استبحر في العلم ‪ ،‬و ألف في الفقه و الزهد و الرقائق ‪ ،‬كان‬
‫صاحب علم و سنة ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ترجمته في ‪ :‬جذوة المقتبس ‪ ، 57 – 56‬ترتيب المدارك ‪، 672 / 4‬‬
‫سير أعلم النبلء ‪.189 - 188 /17 ،‬‬
‫)‪ ... (4‬أبو بكر بن أبي عاصم ‪ ،‬هو ‪ :‬أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد‬
‫الشيباني ‪ ،‬البصري ‪ ،‬إمام بارع ‪ ،‬حافظ كبير ‪ ،‬ثقة نبيل معمر ‪ ،‬متبع للثار ‪،‬‬
‫ولي القضاء بأصبهان ثلث عشرة سنة ‪ ،‬ظاهري المذهب ‪ ،‬له الرحلة‬
‫الواسعة ‪ ،‬و التصانيف المفيدة ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬الجرح و التعديل ‪ ، 67 / 2‬ذكر أخبار أصبهان ‪، 135 / 1‬‬
‫تذكرة الحفاظ ‪ ، 640 / 2‬سير أعلم النبلء ‪. 430 / 13‬‬
‫)‪ ... (5‬أبو داود السجستاني ‪ ،‬هو ‪ :‬سليمان بن الشعث بن شداد بن عمرو‬
‫الزدي ‪ ،‬السجستاني ‪ ،‬المام شيخ السنة مقدم الحفاظ ‪ ،‬محدث البصرة ‪،‬‬
‫قال ابن حبان ‪ ) :‬أبو داود أحد ائمة الدنيا فقها و علما و حفظا و نسكا و ورعا‬
‫و إتقانا ‪ ،‬جمع و صنف و ذب عن السنة (‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬الجرح و التعديل ‪ ، 101 / 4‬تاريخ بغداد ‪ ، 55 / 9‬طبقات‬
‫الحنابلة ‪ ، 159 / 1‬وفيات العيان ‪ ، 404 / 2‬سير أعلم النبلء ‪، 203 / 13‬‬
‫تذكرة الحفاظ ‪. 591 / 2‬‬
‫)‪ ... (6‬أبو القاسم الطبراني ‪ ،‬هو ‪ :‬سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير‬
‫اللخمي الشامي ‪ ،‬أبو القاسم ‪ ,‬المام الحافظ العلم الثبت ‪ ،‬مسند العصر ‪،‬‬
‫ولد بعكا و اعتنى به أبوه ‪ ،‬و رحل به في حداثة سنه ‪ ،‬طوف البلد ‪ ،‬ثم سكن‬
‫أصبهان و استقر فيها ‪ ،‬و بقى فيها محدثا ستين سنة إلى أن توفي ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬أخبار أصبهان ‪ ، 335 / 1‬وفيات العيان ‪ ، 215 / 1‬تذكرة‬
‫‪49‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الحفاظ ‪ ، 118 / 3‬المنتظم ‪ ، 54 / 7‬البداية و النهاية ‪. 270 / 11‬‬
‫)‪ ... (7‬أبو عمرو الطلمنكي ‪ ،‬هو ‪ :‬أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي عيسى‬
‫‪ ،‬أبو عمر المعافري الندلسي ‪ ،‬عالم أهل قرطبة ‪ ،‬المام المقرئ المحقق‬
‫الحافظ الثري ‪ ،‬رحل إلى مصر و مكة و المدينة ‪ ،‬كان خبيرا في علوم‬
‫القرآن و تفسيره و قراءاته و إعرابه و أحكامه و معانيه ‪ ،‬و كان سيفا مجردا‬
‫على أهل الهواء و البدع ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬بغية الملتمس ص ‪ ، 162‬جذوة المقتبس ص ‪، 114‬‬
‫معجم البلدان ‪ ، 39 / 4‬تذكرة الحفاظ ‪ ، 1098 / 3‬سير أعلم النبلء ‪/ 17‬‬
‫‪ . 566‬شذرات الذهب ‪. 147 / 5‬‬
‫)‪ ... (8‬الحسن بن علي البربهاري ‪ ،‬هو ‪ :‬ابن خلف ‪ ،‬أبو محمد ‪ ،‬شيخ الحنابلة‬
‫‪ ،‬القدوة المام الفقيه ‪ ،‬كان قوال ً بالحق ‪ ،‬داعيا إلى الثر ‪ ،‬ل يخاف في الله‬
‫لومة لئم ‪ ،‬عاش ‪ 77‬سنة ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬طبقات الحنابلة ‪ ، 45 -18 / 2‬المنتظم ‪ ، 323 / 6‬الكامل‬
‫لبن الثير ‪ ، 378 / 8‬سير أعلم النبلء ‪ ، 90 / 15‬البداية و النهاية ‪201 / 11‬‬
‫‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫‪ ...‬و يكُثر ‪ -‬عند الكلم عن أصول الدين ‪ -‬أن ُيقال ‪ :‬هذه عقيدة أهل السنة ‪،‬‬
‫ى‪.‬‬
‫أو عقيدة أصحاب الحديث )‪ ، (1‬و القولن بمعن ً‬
‫‪ ...‬فما هي عقيدة أهل الحديث ؟‬
‫‪ ...‬هذا ما سأتناوله في السطور التالية إن شاء الله تعالى ‪-‬‬
‫حي ) أهل السنة ( و ) أصحاب‬
‫مصطل َ َ‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬العلقة بين ُ‬
‫الحديث ( ‪:‬‬
‫مصطلح ) أهل الحديث (‬
‫مصطلح ) أهل السّنة ( و ُ‬
‫‪ ...‬هناك علقة وثيقة بين ُ‬
‫مَتعاوران في كلم العلماء ‪ ،‬و لبيان العلقة بين أهل السنة و أهل‬
‫فهما ُ‬
‫ُ‬
‫ل منهما أوّل ‪ً.‬‬
‫الحديث يحسن بنا أن ُنعّرف بك ٍ‬
‫دم التعريف‬
‫‪ ...‬فأهل السنة و الجماعة مصطلح مؤلف من لفظ السنة التي تق ّ‬
‫مِع و هو ‪ :‬تأليف‬
‫بها في الباب الول ‪ ،‬و لفظ الجماعة المشتق من ال َ‬
‫ج ْ‬
‫المفترق )‪. (2‬‬
‫‪ ...‬قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله ‪ )) :‬الجماعة هي الجتماع ‪ ،‬وضدها‬
‫الفرقة ‪ ،‬و إن كان لفظ الجماعة قد صار اسما ً لنفس القوم المجتمعين (( )‬
‫‪. (3‬‬
‫مقتبس من مجموع ما ورد في كتاب‬
‫‪ ...‬و اصطلح أهل السنة و الجماعة ‪ُ ،‬‬
‫ث على العتصام‬
‫الله و سنة رسوله ‪ ،‬من اليات ‪ ،‬و الخبار الواردة في الح ّ‬
‫فرقة و الختلف في‬
‫بالسنة ‪ ،‬و ملزمة الجماعة ‪ ،‬و النهي عن البتداع و ال ُ‬
‫الدين ‪.‬‬
‫‪ ...‬فمن ذلك قوله سبحانه و تعالى ‪ } :‬و ل تتبعوا السبل فتفّرق بكم عن‬
‫سبيله { ] النعام ‪. [ 153 :‬‬
‫‪ ...‬و قوله ‪ } :‬أن أقيموا الدين و ل تتفّرقوا فيه { [ الشورى ‪.] 13 :‬‬
‫‪ ...‬و روي عن ابن عّباس ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬في هاتين اليتين قوله‪ )) :‬أمر‬
‫الله المؤمنين بالجماعة و نهاهم عن الختلف و الفرقة ‪ ،‬و أخبرهم أنه إنما‬
‫هلك من كان قبلهم بالمراء‬
‫والخصومات في دين الله (( )‪. (4‬‬

‫‪50‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ ...‬أما الخبار الواردة في هذا الباب فكثيرة جدا ً و منها ‪:‬‬
‫‪ ...‬قوله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬في وصيته لحذيفة بن اليمان ‪ -‬رضي الله‬
‫عنه ‪:(5) -‬‬
‫ُ‬
‫ت ‪ :‬فإن لم يكن‬
‫قل‬
‫‪:‬‬
‫حذيفة‬
‫قال‬
‫‪،‬‬
‫((‬
‫وإمامهم‬
‫المسلمين‬
‫جماعة‬
‫‪ )) ...‬تلزم‬
‫ُ‬
‫ة و ل إمام ؟ فقال ‪:‬‬
‫لهم جماع ٌ‬
‫ض بأصل شجرةٍ حتى ُيدركك‬
‫‪ )) ...‬فاعتزل تلك الفرق كّلها ‪ ،‬و لو أن تع ّ‬
‫الموت ‪ ،‬وأنت على ذلك (( )‪. (6‬‬
‫‪ ...‬و عن حديث ابن عباس ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬عن النبي ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬قال ‪:‬‬
‫ً‬
‫ة (( )‪(7‬‬
‫ة جاهلي ّ ً‬
‫‪ )) ...‬ليس أحد ٌ يفارق الجماعة شبرا فيموت إل مات ميت ً‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬أّلف المام عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله ‪ ،‬سفرا ً‬
‫نفيسا ً في معناه ‪ ،‬يسيرا ً في مبناه ‪ ،‬أسماه عقيدة السلف أصحاب الحديث ‪،‬‬
‫و الكتاب نشرته دار الفتح بالشارقة عام ‪ 1414‬هـ ‪ 1994 /‬م تحقيق بدر‬
‫البد‪.‬‬
‫)‪ ... (2‬انظر ‪ :‬القاموس المحيط للفيروز آبادي ‪ ،‬ص ‪ ، 917 :‬و لسان العرب‬
‫‪. 53 / 8‬‬
‫)‪ ... (3‬مجموع الفتاوى ‪ ،‬لبن تيمية ‪.157 / 3‬‬
‫)‪ ... (4‬إسناده ل بأس به ‪:‬‬
‫‪ ...‬أخرجه الطبري في " تفسيره " ‪ ، ( 14171 ) 397 / 5‬و ابن أبي حاتم‬
‫في " تفسيره " ) ‪ ، ( 1134‬و الجري في " الشريعة " ‪ ، ( 4 ) 116 / 1‬و‬
‫ابن بطة في " البانة " ‪ ( 105 ) 275 / 1‬من طرق عن عبد الله بن صالح ‪،‬‬
‫حدثنا معاوية بن صالح ‪ ،‬عن علي بن طلحة ‪ ،‬عن ابن عباس ) به ‪.‬‬
‫علي بن أبي طلحة ‪ ،‬عن ابن عباس منقطع ‪ ،‬لكن قال المزي في " تهذيبه "‬
‫‪ : 490 / 20‬بينهما مجاهد ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬و مجاهد إمام ثقة جليل ‪.‬‬
‫ج ّ‬
‫ل المحدثين ‪،‬‬
‫و معاوية بن صالح ‪ ،‬هو الحمصي ‪ ،‬قاضي الندلس ‪ ،‬و ّثقه ُ‬
‫قال فيه الترمذي ‪ ) :‬ثقة عند أهل الحديث ‪ ،‬و ل نعلم أحدا ً تكلم فيه غير‬
‫يحيى بن سعيد القطان ( ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬تهذيب التهذيب ‪. 212 – 209 / 10‬‬
‫و عبد الله بن صالح ‪ ،‬هو كاتب الليث بن سعد ‪ ،‬قال الذهبي في " المغني‬
‫في الضعفاء " ) ‪ ) : ( 4383‬صالح الحديث له مناكير ( ‪.‬‬
‫)‪ ... (5‬حذيفة بن اليمان ‪ -‬رضي الله عنه ‪ ، -‬هو ‪ :‬ابن جابر العبسي اليماني ‪،‬‬
‫أبو عبدالله ‪ ،‬صحابي جليل ‪ ،‬من المهاجرين ‪ ،‬صاحب رسول الله ‪ -‬صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ ، -‬شهد مع أبيه أحدا ً ‪ ،‬فاستشهد أبوه فيها ‪ ،‬قتله بعض الصحابة‬
‫غلطا ً ‪ ،‬ولي إمرة المدائن لعمر ‪ ،‬و بقي عليها إلى خلفة عثمان ‪ ،‬و بها كانت‬
‫وفاته بعد مقتل عثمان ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬بأربعين ليلة ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ترجمته في ‪ :‬أسد الغابة ‪ ، 468 / 1‬الصابة ‪ ، 223 / 2‬سير أعلم‬
‫النبلء ‪ ، 361 / 2‬الحلية ‪ ، 270 / 1‬شذرات الذهب ‪. 32 / 1‬‬
‫)‪ ... (6‬الحديث ‪ :‬أخرجه البخاري في كتابي المناقب ) ‪ ( 3606‬باب علمات‬
‫النبوة في السلم ‪ ،‬و الفتن ) ‪ ( 7084‬باب ‪ :‬كيف المر إذا لم يكن جماعة ‪،‬‬
‫م ) ‪ ( 1847‬في المارة ‪ ،‬باب ‪ :‬وجوب ملزمة جماعة المسلمين عند‬
‫و مسل ٌ‬
‫ظهور الفتن ‪ ،‬و أبو داود ) ‪ ( 4244‬في الفتن و الملحم ‪ ،‬باب ‪ :‬ذكر الفتن و‬
‫دلئلها ‪ ،‬و ابن ماجة ) ‪ ( 3979‬في الفتن ‪ ،‬باب ‪ :‬العزلة ‪.‬‬
‫‪51‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪ ... (7‬الحديث ‪ :‬أخرجه البخاري في كتاب الفتن ) ‪ ، ( 7054‬باب ‪ :‬قول‬
‫النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬سترون بعدي أمورا تنكرونها ‪ ،‬و الحكام )‬
‫‪ ( 7143‬باب ‪ :‬السمع و الطاعة للمام ما لم تكن معصية ‪ ،‬و هذا لفظه في‬
‫الخير منهما ‪ ،‬و مسلم ) ‪ (1849‬في المارة باب ‪ :‬وجوب ملزمة الجماعة‬
‫عند ظهور الفتن ‪.‬‬
‫و أخرج نحوه من حديث أبي هريرة ) ‪ :‬مسلم ) ‪ ( 1848‬في المارة ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫وجوب ملزمة الجماعة عند ظهور الفتن ‪ ،‬و النسائي في تحريم الدم )‬
‫‪ ، ( 1414‬باب ‪ :‬التغليظ في من قاتل تحت راية عمية ‪ ،‬و ابن ماجة ) ‪3948‬‬
‫( في الفتن ‪ ،‬باب ‪ :‬العصبية ‪ ،‬و أحمد في " المسند " ‪ 306 / 2‬و ‪0 488‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ ...‬و في حديث العرباض بن سارية ‪ -‬رضي الله عنه ‪ ، -‬أن رسول الله ‪-‬‬
‫ة قال فيها ‪:‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وعظهم موعظ ً‬
‫‪ )) ...‬عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين ‪ ،‬تمسكوا بها ‪ ،‬وعضوا‬
‫ل محدثةٍ بدعة ‪ ،‬و ك ّ‬
‫نك ّ‬
‫ل بدعة‬
‫محدثات المور فإ ّ‬
‫عليها بالنواجذ ‪ ،‬و إياكم و ُ‬
‫ضللة (( )‪. (1‬‬
‫وب الشيخان ك ّ‬
‫ل في صحيحه ‪،‬‬
‫ب‬
‫‪،‬‬
‫شأنها‬
‫عظيم‬
‫و‬
‫‪،‬‬
‫الجماعة‬
‫لزوم‬
‫‪ ...‬و لهمّية‬
‫ّ‬
‫ي )‪ (2‬و الترمذي ‪ ،‬ك ّ‬
‫ل في سننه ‪ ،‬على لزومها ‪.‬‬
‫و النسائ ّ‬
‫‪ ...‬فقال البخاري في كتاب العتصام بالكتاب و السنة من صحيحه ‪ :‬باب‬
‫سطا ً { و ما أمر النبي ‪ -‬صلى الله‬
‫م ً‬
‫ةو َ‬
‫قوله تعالى ‪ } :‬و كذلك جعلناكم أ ّ‬
‫عليه وسلم ‪ -‬بلزوم الجماعة و هم أهل العلم )‪. (3‬‬
‫‪ ...‬و قال المام مسلم في كتاب المارة من صحيحه ‪ :‬باب وجوب ملزمة‬
‫جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ‪ ،‬و في كل حال ‪ ،‬و تحريم الخروج على‬
‫الطاعة ومفارقة الجماعة )‪. (4‬‬
‫ون النسائي في سننه ‪ :‬قت ُ‬
‫ل من فارق الجماعة ‪ ،‬و ِذكُر الختلف على‬
‫‪ ...‬و َ‬
‫عن َ‬
‫ة فيه )‪. (5‬‬
‫ج َ‬
‫زياد بن ِ‬
‫علقة عن عَْرفَ َ‬
‫ً‬
‫ماه ‪ :‬باب ما جاء في لزوم الجماعة )‪.(6‬‬
‫‪ ...‬وعقد الترمذي في سننه بابا س ّ‬
‫‪ ...‬و الجماعة التي يجب على المسلم لزومها ‪ ،‬و يحرم الخروج عليها ‪،‬‬
‫مصرٍ ‪ ،‬و إن‬
‫ويستحق الوعيد من فارقها ‪ ،‬هم أهل الحقّ في كل عصرٍ و ِ‬
‫قَّلوا ‪.‬‬
‫‪ ...‬قال أبو شامة المقدسي رحمه الله )‪:(7‬‬
‫‪ )) ...‬حيث جاء المر بلزوم الجماعة ‪ ،‬فالمراد به لزوم الحق و اّتباعه ‪ ،‬و إن‬
‫كان المستمسك به قليل ً ‪ ،‬و المخالف كثيرا ً (( ‪.‬‬
‫‪ ...‬ثم استدل بقول عبد الله بن مسعود ‪ -‬رضي الله عنه ‪ )) : -‬إن الجماعة‬
‫دك (( )‪.(8‬‬
‫ما وافق الحق ‪ ،‬و إن كنت َوح َ‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬صحيح مشهور ‪:‬‬
‫وهو قطعة من حديث العرباض بن سارية ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬الذي أخرجه أبو‬
‫داود ) ‪ ( 4618‬في السنة ‪ ،‬باب ‪ :‬مجانبة أهل الهواء و بغضهم ‪ ،‬و الترمذي )‬
‫‪ ( 2676‬في العلم ‪ ،‬باب ‪ :‬ماجاء في الخذ بالسنة و اجتناب البدع ‪ ،‬و ابن‬
‫ماجة ) ‪ 42‬و ‪ 43‬و ‪ ( 44‬في المقدمة ‪ ،‬باب ‪ :‬اتباع سنة الخلفاء الراشدين ‪.‬‬
‫و الحديث صححه الترمذي ‪ ،‬والبزار كما في "جامع بيان العلم " ‪924 / 2‬‬

‫‪52‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وابن حبان ‪ ، (5) 178 / 1‬و الحاكم ‪ ، 1/95‬و أبو العباس الدغولي نقله عنه‬
‫الهروي في " ذم الكلم " )‪ ، ( 37 /4‬و ابن عبد البر ‪ ،‬و ابن تيمية في‬
‫" منهاج السنة " )‪. ( 164 / 4‬‬
‫وقال أبو نعيم بعد أن رواه في " المستخرج على مسلم " ‪ " : 36/ 1‬هو‬
‫حديث جيد من صحيح حديث الشاميين‪ ...‬وقد روي هذا الحديث عن العرباض‬
‫بن سارية ثلثة من تابعي الشام معروفين مشهورين ‪ :‬عبد الرحمن بن عمرو‬
‫السلمي ‪ ،‬وحجر بن حجر ‪ ،‬و يحيى بن أبي المطاع " ‪.‬‬
‫وقال الجوزقاني في "الباطيل" )‪ " : (288‬هذا حديث صحيح ثابت مشهور‬
‫"‪.‬‬
‫وقال أبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلم" ) ‪" : ( 31 / 4‬هذا من أجود‬
‫حديث أهل الشام و أحسنه " ‪.‬‬
‫و قال ابن حجر في " تخريج أحاديث المختصر " ‪ " : 137 / 1‬هذا حديث‬
‫صحيح رجاله ثقات ‪ ،‬قد جود الوليد بن مسلم إسناده ‪ ،‬فصرح بالتحديث في‬
‫جميعه ‪ ،‬و لم ينفرد به مع ذلك " ‪.‬‬
‫)‪ ... (2‬النسائي ‪ ،‬هو ‪ :‬أحمد بن شعيب بن علي بن سنان الخراساني‬
‫سا في سنة ‪ 215‬هـ ‪ 830 /‬م ‪ ،‬طلب العلم‬
‫النسائي ‪ ،‬صاحب السنن ‪ ،‬ولد ب ِن َ َ‬
‫في خراسان ‪ ،‬و ارتحل إلى الحجاز ‪ ،‬و مصر ‪ ،‬و العراق ‪ ،‬و الشام ‪ ،‬ثم‬
‫استوطن مصر ‪ ،‬و كان ورعا ً متحريا ً ‪ ،‬شافعي المذهب ‪ ،‬واسع الحفظ ‪ ،‬قال‬
‫عنه الدار قطني ‪ ) :‬كان أفقه مشايخ مصر في عصره ‪ ،‬و أعلمهم بالحديث و‬
‫الرجال ( ‪ .‬توفي سنة ‪ 303‬هـ ‪ 916 /‬م ‪ ،‬قيل بمكة ‪ ،‬و قيل بالرملة ‪ ،‬و قيل‬
‫بفلسطين ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ترجمته في ‪ :‬سير أعلم النبلء ‪ ، 125 / 14 ،‬تذكرة الحفاظ ‪، 698 / 2‬‬
‫شذرات الذهب ‪ 239 / 2‬تهذيب الكمال ‪. 23 / 1‬‬
‫)‪ ... (3‬صحيح البخاري ‪. 2675 / 6‬‬
‫)‪ ... (4‬صحيح مسلم ‪. 1172 / 3‬‬
‫)‪ ... (5‬سنن النسائي الصغرى ‪ ،‬الموسوم بالمجتبى ‪. 92 / 7‬‬
‫)‪ ... (6‬سنن الترمذي ‪. 465 / 4‬‬
‫)‪ ... (7‬أبو شامة المقدسي ‪ ،‬هو ‪ :‬عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن‬
‫ة‬
‫عثمان ‪ ،‬أبو محمد ‪ ،‬الشيخ المام العلمة ‪ ،‬المعروف بأبي شامة لشام ٍ‬
‫كبيرة فوق حاجبه اليسر ‪ ،‬كان عالما ً راسخا ً في العلم ‪ ،‬مقرئا ً محدثا ً نحويا ً ‪،‬‬
‫مؤرخا ً من كتبه ‪ :‬المقاصد السنية في شرح الشاطبية ‪ ،‬و زهر الروضتين ‪ ،‬و‬
‫كثيٌر غيرهما ‪ ،‬ت ‪665‬هـ ‪ 1267 /‬م مقتول ً ‪.‬‬
‫انظر ‪ :‬ترجمته في ‪ :‬معجم المؤلفين ‪ ، 125 / 5‬البداية و النهاية ‪، 250 /13‬‬
‫تذكرة الحفاظ ‪ ، 243 / 4‬شذرات الذهب ‪. 318 / 5‬‬
‫)‪ ... (8‬صحيح ‪:‬‬
‫أخرجه اللكائي في " شرح أصول العتقاد " ‪ ، ( 169 ) 108 / 1‬و ابن‬
‫عساكر في " تاريخ دمشق " ‪ 643 – 642 / 13‬من طريقين عن الوزاعي ‪،‬‬
‫عن حسان بن عطية ‪ ،‬عن عبد الرحمن بن سابط ‪ ،‬عن عمرو بن ميمون عنه‬
‫به ‪.‬‬
‫و رجاله كلهم ثقات أعلم ‪.‬‬
‫و رواه ابن عساكر أيضا بإسناد آخر حسن ‪ ،‬بلفظ نحوه فيه ‪ ) :‬ويحك إن‬
‫جمهور الناس فارقوا الجماعة ‪ ،‬إن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل ( ‪.‬‬
‫)‪(6 /‬‬

‫‪53‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ماد )‪ )) : (1‬أي إذا فسدت الجماعة ‪ ،‬فعليك بما كانت عليه‬
‫‪ ...‬قال نعيم بن ح ّ‬
‫قبل أن تفسد ‪ ،‬و إن كنت وحدك ‪ ،‬فإّنك الجماعة حينئذ ٍ (( ‪(2).‬‬
‫‪ ...‬و قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى في سننه ‪ )) :‬و تفسير‬
‫الجماعة عند أهل العلم هم أهل الفقه و العلم و الحديث (( )‪.(3‬‬
‫ت عبد الله بن‬
‫ي بن الحسن)‪ ، (4‬قوله ‪)) :‬سأل ُ‬
‫‪ ...‬و روى رحمه الله عن عل ّ‬
‫عمر ‪ .‬قيل له ‪ :‬قد مات أبو بكرٍ و‬
‫من الجماعة ؟ فقال ‪ :‬أبو بكر و ُ‬
‫المبارك َ‬
‫ن و فلن ‪ .‬فقال ‪ :‬عبد الله‬
‫ُ‬
‫ن ‪ ،‬قيل له ‪ :‬قد مات فل ٌ‬
‫ن و فل ٌ‬
‫عمر ‪ ،‬قال ‪ :‬فل ٌ‬
‫بن المبارك و أبو حمزة السكري )‪ (5‬و جماعة (( )‪.(6‬‬
‫ي‬
‫‪ ...‬و قول الترمذي هذا موافقٌ لما تق ّ‬
‫ل قول المام البخار ّ‬
‫دم معنا قبل قلي ٍ‬
‫رحمه الله في معنى الجماعة ‪ :‬هم أهل العلم ‪.‬‬
‫‪ ...‬و قال الشاطبي ‪ :‬اختلف الناس في معنى الجماعة المرادة في الحاديث‬
‫ل‪:‬‬
‫على خمسة أقوا ٍ‬
‫أحدها ‪ :‬إنها السواد العظم من أهل السلم ‪.‬‬
‫و الثاني ‪ :‬جماعة أئمة العلماء المجتهدين )‪. (7‬‬
‫و الثالث ‪ :‬الصحابة على الخصوص ‪.‬‬
‫و الرابع ‪ :‬جماعة أهل السلم إذا أجمعوا على أمر ‪.‬‬
‫و الخامس ‪ :‬جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير )‪. (8‬‬
‫‪ ...‬و ذهب بعض المتأخرين كابن تيمية ‪ ,‬و من وافقه إلى استعمال اصطلح‬
‫) السلف الصالح ( كمرادف لصطلح ) أهل السنة ( ‪ ،‬و كثر في كلمهم ذكر‬
‫عقيدة السلف ‪ ،‬و منهجهم ‪ ،‬و مذاهبهم ‪ ،‬و ما إلى ذلك مما ُيراد به ما كان‬
‫عليه أهل السنة و الجماعة رضوان الله عليهم أجمعين ‪.‬‬
‫‪ ...‬وإذا أطلق لفظ السلف الصالح أريد به غالبا ً من عاش إلى نهاية القرن‬
‫دهم فيجعل آخرهم المام‬
‫الثالث الهجري ‪ ،‬و قد كان ابن تيمية رحمه الله يح ّ‬
‫ابن جرير الطبري ‪ ،‬وابن المنذر )‪(10) . (9‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬نعيم بن حماد ‪ ،‬هو ‪ :‬ابن معاوية بن الحارث ‪ ،‬أبو عبد الله الخزاعي‬
‫المروزي ‪ ،‬المام العلمة الحافظ ‪ ،‬سمع بخراسان و الحرمين و العراق و‬
‫الشام و اليمن و مصر ‪ ،‬سكن مصر حتى امتحن في القرآن ‪ ،‬فأشخص إلى‬
‫سر من رأى ‪ ،‬فسئل عن القرآان ‪ ،‬فأبى أن يجيبهم إلى القول بخلقه ‪،‬‬
‫فسجن ‪ ،‬فلم يزل في السجن حتى مات ‪ ،‬و أوصى أن يدفن في قيوده ‪ ،‬و‬
‫قال ‪ ) :‬إني مخاصم ( ‪.‬قال الذهبي ‪ ) :‬في قوة روايته نزاع ؛ منهم من وثقه ‪،‬‬
‫و الكثر منهم ضعفه ( ‪ .‬توفي سنة ‪ 229‬هـ ‪ 844 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬التاريخ الكبير للبخاري ‪ ، 100 / 8‬طبقات ابن سعد ‪/ 7‬‬
‫‪ ، 519‬المعرفة و التاريخ للفسوي ‪ ، 448 / 1‬الجرح و التعديل ‪، 462 / 8‬‬
‫تاريخ بغداد ‪ ، 306 / 13‬تذكرة الحفاظ ‪ ، 418 / 2‬سير أعلم النبلء ‪/ 10‬‬
‫‪. 595‬‬
‫)‪ ... (2‬أخرجه البيهقي في " المدخل " ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ‬
‫دمشق " ‪. 643 / 13‬‬
‫)‪ ... (3‬سنن الترمذي ‪. 467 / 4‬‬
‫)‪ ... (4‬علي بن الحسن ‪ ،‬هو ‪ :‬ابن شقيق ‪ ،‬أبو عبد الرحمن المروزي‬
‫العبدي ‪ ،‬ثقة حافظ ‪ ،‬شيخ خراسان ‪ ،‬محدث مرو لزم ابن المبارك دهرا و‬
‫حمل عنه جميع التصانيف ‪ ،‬كتب الكثير حتى كتب التوراة و النجيل ‪ ،‬و جادل‬
‫اليهود و النصارى ‪ ،‬توفي سنة ‪ 215‬هـ ‪ 830 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬طبقات ابن سعد ‪ ، 376 / 7‬الجرح و التعديل ‪، 180 / 6‬‬
‫‪54‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تاريخ بغداد ‪ ، 370 / 11‬تذكرة الحفاظ ‪ ، 370 / 1‬سير أعلم النبلء ‪/ 10‬‬
‫‪. 349‬‬
‫)‪ ... (5‬أبو حمزة السكري ‪ ،‬هو ‪ :‬محمد بن ميمون المروزي ‪ ،‬المام الحافظ‬
‫الحجة ‪ ،‬عالم مرو ‪ ،‬سمي السكري لحلوة كلمه ‪ ،‬دخل بغداد في حداثته و‬
‫الكوفة و مكة ‪ ،‬وكان من الثقات العباد ‪ ،‬مستجاب الدعوة ‪ ،‬كريما يقري‬
‫الضيف و يبالغ في إكرامه ‪ ،‬توفي سنة ‪ 167‬هـ ‪ 784 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬طبقات ابن سعد ‪ ، 373 / 7‬الجرح و التعديل ‪، 81 / 8‬‬
‫تاريخ بغداد ‪ ، 226 / 3‬تذكرة الحفاظ ‪ ، 230 / 1‬سير أعلم النبلء ‪. 385 / 7‬‬
‫)‪ ... (6‬إسناده صحيح ‪:‬‬
‫أخرجه الترمذي في " سننه ") ‪ ( 2167‬في الفتن ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في لزوم‬
‫الجماعة ‪ ،‬و الخطيب البغدادي في " تاريخه " ‪ ، 269 / 3‬من طريقين عن‬
‫علي بن الحسن بن شقيق به ‪.‬‬
‫)‪ ... (7‬و هو اختيار المام البخاري و الترمذي كما تقدم قبل قليل ‪.‬‬
‫)‪ ... (8‬باختصار عن العتصام للشاطبي ‪265-2/260 :‬‬
‫)‪ ... (9‬ابن المنذر ‪ ،‬هو ‪ :‬محمد بن إبراهيم بن المنذر ‪ ،‬أبو بكر النيسابوري ‪،‬‬
‫المام الحافظ العلمة الفقيه المحدث المفسر شيخ السلم ‪ ،‬نزيل مكة ‪،‬‬
‫صاحب التصانيف المفيدة ‪ ،‬قال النووي ‪ ) :‬له من التحقيق في كتبه ما ل‬
‫يقاربه فيه أحد ‪ ،‬وهو في نهاية من التمكن من معرفة الحديث ‪ ،‬و له اختيار‬
‫فل يتقيد في الختيار بمذهب بعينه ‪ ،‬بل يدور مع ظهور الدليل ( ‪ .‬توفي سنة‬
‫‪ 318‬هـ ‪ 930 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬تهذيب السماء و اللغات للنووي ‪ ، 197-196 / 2‬وفيات‬
‫العيان ‪ ، 207 / 4‬تذكرة الحفاظ ‪ ، 782 / 3‬الوافي بالوفيات ‪. 336 / 1‬‬
‫)‪ ... (10‬انظر ‪ :‬منهاج السنة النبوية في نقض كلم الشيعة و القدرية ‪ ،‬لبن‬
‫تيمية ‪ . 179 ،13 / 7 ، 53 ، 52 / 6 :‬و انظر نحو هذا في كتاب " فضل علم‬
‫السلف " لبن رجب بتحقيق علي حسن ‪ ،‬ص ‪ 41 :‬و ما بعدها ‪.‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫‪ ...‬و قال البربهاريّ رحمه الله في تعريف الجماعة المذكورة في الحاديث ‪:‬‬
‫)) هم جماعة الحق و أهله (( )‪. (1‬‬
‫‪ ...‬و مال إلى هذا الرأي الحافظ ابن كثير في ) النهاية ( )‪ ، (2‬و هو أولى‬
‫القوال بالقبول فيما يظهر ‪ ،‬لكونه يشملها جميعا ً ‪ ،‬و الله أعلم ‪.‬‬
‫‪ ...‬و بعد ُ ‪ ،‬فيسعنا الن ‪ -‬و قد بّينا المراد من اصطلحي السّنة ‪ ،‬و الجماعة‬
‫ك ّ‬
‫ل على حدة ‪ -‬القول ‪:‬‬
‫مقابل أهل‬
‫‪ ...‬إ ّ‬
‫ن اصطلح أهل السنة و الجماعة ُيطلق على أهل الحق ‪ ،‬في ُ‬
‫ً‬
‫ن السنة تعني ‪ )) :‬ما كان‬
‫الضلل و البدع و الشقاق ‪ ،‬انطلقا من القول بأ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬و أصحابه اعتقادا ‪ ،‬و اقتصادا ‪ ،‬و قول ً ‪،‬‬
‫عليه النب ّ‬
‫و عمل ً (( )‪.(3‬‬
‫‪ ...‬و أّول ظهور لهذه التسمية كان في عهد الصحابة الكرام ‪ -‬رضي الله‬
‫عنهم ‪ ، -‬أواخر عهد الخلفة الراشدة ‪.‬‬
‫‪ ...‬قال محمد بن سيرين رحمه الله ‪ )) :‬لم يكونوا ‪ -‬أي الصحابة ‪ -‬يسألون‬
‫موا لنا رجالكم ‪ ،‬فُينظر إلى أهل‬
‫عن السناد ‪ ،‬فلما وقعت الفتنة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬س ّ‬
‫السنة فيؤخذ حديثهم ‪ ،‬و ُينظر إلى أهل البدع فل يؤخذ حديثهم (( )‪.(4‬‬
‫ة ‪ ،‬حيث‬
‫‪ ...‬و قد اشتهر إطلق هذه التسمية على ما ُيقابل الشيعة )‪ (5‬خاص ً‬

‫‪55‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يكثر‬
‫سنة و شيعة ‪ ،‬إضافة إلى المعروف عند أهل‬
‫أن ُيقال ‪ :‬انقسمت المة إلى ُ‬
‫العلم من إطلقه على أهل السنة المحضة ‪.‬‬
‫‪ ...‬قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله ‪:‬‬
‫‪ )) ...‬فلفظ السنة يراد به من أثبت خلفة الخلفاء الثلثة ‪ ،‬فيدخل في ذلك‬
‫جميع الطوائف إل ّ الرافضة ‪ . . .‬و قد يراد به أهل الحديث و السنة المحضة ‪،‬‬
‫ن القرآن غير مخلوق‬
‫فل يدخل فيه إل ّ من أثبت الصفات لله تعالى ‪ ،‬و يقول إ ّ‬
‫(( ‪ .‬وساق جملة من عقائد أهل السنة و الجماعة التي باينوا فيها أهل البدع )‬
‫‪..(6‬‬
‫‪ ...‬و الذي يعنينا في هذا المقام هو الطلق الثاني ‪ ،‬و عليه يمكن تعريف أهل‬
‫السنة و الجماعة بأنهم ‪ )) :‬الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح‬
‫رحمهم الله ‪ ،‬عن الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬أو عن أصحابه ‪ -‬رضي‬
‫ص في الكتاب ‪ ،‬و ل عن الرسول ‪ -‬صلى‬
‫الله عنهم ‪ ، -‬فيما لم يثبت فيه ن ّ‬
‫الله عليه وسلم ‪.(7) (( -‬‬
‫ب أخرى ُيعرفون بها فُهم الفرقة الناجية ‪ ،‬و‬
‫‪ ...‬و لهل السنة و الجماعة ألقا ٌ‬
‫الطائفة المنصورة الثابتة على الحق في زمن الغربة ‪ ،‬ل يضّرها من خذلها ‪،‬‬
‫حتى تلقى الله و هي كذلك ‪ ،‬و قد ثبت وصفهم بذلك عن نبينا المين ‪ -‬صلى‬
‫وب الشيخان ‪ ،‬ك ٌ‬
‫ل في‬
‫الله عليه وسلم ‪ -‬في الصحيحين و غيرهما ‪ ،‬حيث ب ّ‬
‫صحيحه على الطائفة المنصورة ‪.‬‬
‫‪ ...‬فقال البخاريّ في كتاب العتصام بالكتاب و السنة ‪ :‬باب قول النبي ‪-‬‬
‫ة من أمتي على الحق ‪ ،‬و هم أهل‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ : -‬ل تزال طائف ٌ‬
‫العلم )‪. (8‬‬
‫‪ ...‬و في كتاب المارة من صحيح مسلم ‪ :‬باب قوله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫‪ :‬ل تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ‪ ،‬ل يضّرهم من خالفهم )‪. (9‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬السنة ‪ ،‬للبربهاري ‪. 36 / 2 :‬‬
‫)‪ ... (2‬انظر ‪ :‬النهاية لبن كثير ‪. 36 / 2 :‬‬
‫)‪ ... (3‬انظر ‪ :‬مجموع الفتاوى ‪ ،‬لبن تيمية ‪. 307-19/306‬‬
‫)‪ ... (4‬الثر ‪ :‬أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح ‪. 15 / 1‬‬
‫و مما يستدل به على ظهور اصطلح أهل السنة في مقابل أهل البدع في‬
‫زمن الصحابة ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى‬
‫ض وجوه و تسود وجوه { [ آل عمران ‪: ] 106 :‬‬
‫‪ } :‬يوم تبي ّ‬
‫} أما الذين ابيضت وجوهم { فأهل السنة و الجماعة و أهل العلم } و أما‬
‫الذين اسودت وجوهم { فأهل البدع و الضلل ‪.‬اهـ ‪.‬‬
‫و هذا الثر ‪ :‬في إسناده مجاشع بن عمرو ‪ ،‬قال عنه البخاري ‪ ) :‬منكٌر‬
‫ي بالكذب ‪. (.‬‬
‫مي ّ‬
‫مجهول ( ‪ ،‬و قال عن شيخه ُ‬
‫سر بن عبد ربه ‪ُ ) :‬رم َ‬
‫انظر ‪ :‬ميزان العتدال ‪ ،‬للذهبي ‪ ، 4/423 :‬و الفوائد المجموعة ‪,‬‬
‫للشوكاني ‪ ،‬ص ‪ ، 317 :‬و مجموع فتاوى لشيخ السلم ابن تيمّية ‪12/341 :‬‬
‫و ‪ 20/292‬و ‪ 22/251‬و ‪. 24/171‬‬
‫)‪ ... (5‬الشيعة ‪ :‬فرقة نشأت أيام الفتنة في آخر عهد الخلفاء الراشدين ‪ ،‬و‬
‫ة لمشايعتهم المام علي بن أبي طالب ‪ -‬رضي الله عنه ‪، -‬‬
‫موا شيع ً‬
‫قد س ّ‬
‫ً‬
‫ة ‪ ،‬و أن المامة ‪ -‬و هي‬
‫صا ‪ ،‬و وصي ّ ً‬
‫ين ّ‬
‫ومن عقائدهم ‪ :‬القول بإمامة عل ٍ‬
‫عندهم من أصول الدين ‪ -‬ل تخرج من ولده إل بظلم ٍ لهم ‪ ،‬أو تقي ّةٍ منهم ‪ ،‬و‬
‫أن الئمة معصومون من الكبائر و الصغائر ‪.‬‬
‫‪56‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫انظر ‪ :‬الملل و النحل ‪ 1/146‬و ما بعدها ‪ ،‬و الفرق بين الفرق ‪ ،‬ص ‪ 53 :‬و‬
‫ما بعدها ‪.‬‬
‫)‪ ... (6‬منهاج السنة النبوّية ‪. 221 / 2 :‬‬
‫)‪ ... (7‬الرد على من أنكر الحرف ‪ ،‬لبي نصر السجزي ‪ ،‬ص ‪. 99 :‬‬
‫)‪ ... (8‬صحيح البخاري ‪. 2667 / 6‬‬
‫)‪ ... (9‬صحيح مسلم ‪. 1209 / 3‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫‪ ...‬و في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان )‪ ، (1‬أن رسول الله ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬قال ‪:‬‬
‫‪ )) ...‬ل تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ‪ ،‬ل يضّرهم من خذلهم ‪ ،‬و ل من‬
‫خالفهم ‪ ،‬حتى يأتي أمر الله و هم كذلك (( )‪.(2‬‬
‫ن رسول الله ‪ -‬صلى الله‬
‫‪ ...‬و عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ‪ ،‬أ ّ‬
‫عليه وسلم ‪ -‬قال ‪:‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ث و سبعين ملة ‪ ،‬كلهم في النار إل ملة واحدة ٌ (( ‪،‬‬
‫‪ )) ...‬تفترق أمتي على ثل ٍ‬
‫قالوا ‪ :‬و من هي يا رسول الله ؟ قال ‪ )) :‬ما أنا عليه و أصحابي (( )‪. (3‬‬
‫‪ ...‬قال ابن كثير رحمه الله ‪ )) :‬هم أهل السنة و الجماعة المتمسكون بكتاب‬
‫الله و سنة رسوله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ ، -‬و بما كان عليه الصدر الول‬
‫من الصحابة و التابعين ‪ ،‬وأئمة المسلمين (( )‪.(4‬‬
‫ة أثبت الناس على السنة ‪ ،‬و أكثرهم تمسكا ً‬
‫ما كان أهل الحديث خاص ً‬
‫‪ ...‬و ل ّ‬
‫و اعتصاما ً بما كان عليه النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬و صحابته الكرام ‪،‬‬
‫ذهب غير واحد ٍ من أهل العلم و التحقيق إلى الجزم بأن أهل السنة و‬
‫الجماعة ‪ ،‬و الطائفة المنصورة ‪ ،‬هم أهل الحديث و الثر ‪.‬‬
‫‪ ...‬قال ابن المبارك رحمه الله ‪ )) :‬هم عندي أصحاب الحديث (( )‪(5‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬معاوية بن أبي سفيان ‪ -،‬رضي الله عنه ‪ -‬هو ‪ :‬أبو عبد الرحمن ‪،‬‬
‫القرشي الموي المكي ‪ ،‬أمير المؤمنين ‪ ،‬ملك السلم ‪ ،‬قيل إنه أسلم قبل‬
‫أبيه وقت عمرة القضاء ‪ ،‬وبقي يخاف من اللحاق بالنبي ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬من أبيه ‪ ،‬و لم يظهر إسلمه إل يوم الفتح ‪ ،‬حدث عن النبي ‪ -‬صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ ، -‬و كتب له مرات يسيرة ‪ ،‬وحدث أيضا عن أخته أم‬
‫المؤمنين أم حبيبة ‪ ،‬و عن أبي بكر و عمر رضي الله عنهما ‪ ,‬مات معاوية في‬
‫رجب سنة ‪ 60‬هـ ‪ , 680 /‬عن ‪ 77‬سنة ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬طبقات ابن سعد ‪ 32 / 3‬و ‪ ، 406 / 7‬تاريخ بغداد ‪/ 1‬‬
‫‪ ، 207‬أسد الغابة ‪ ، 385 / 4‬سير أعلم النبلء ‪. 162 -119 / 3‬‬
‫)‪ ... (2‬الحديث ‪ :‬أخرجه البخاري ) ‪ ( 3116‬في فرض الخمس ‪ ،‬باب ‪ :‬قول‬
‫الله تعالى } فإن لله خمسه { ‪ ،‬و ) ‪ ( 6341‬في المناقب ‪ ،‬باب رقم ) ‪( 28‬‬
‫‪ ،‬و ) ‪ ( 7312‬في العتصام ‪ ،‬باب ‪ :‬قول النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ ) -‬ل‬
‫تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ( ‪ ،‬و ) ‪ ( 7460‬في التوحيد ‪،‬‬
‫باب ‪ :‬قوله تعالى } إنما قولنا لشيء إذا أردناه { ‪ ،‬و مسلم في المارة )‬
‫‪ ، ( 1037‬باب ‪ :‬ل تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ل يضرهم من‬
‫خالفهم ‪ ،‬و ابن ماجة في المقدمة ) ‪ ، ( 9‬و أحمد في المسند ‪ 97 / 4‬و ‪. 99‬‬
‫و جاء نحوه من حديث ثوبان ‪ -‬رضي الله عنه ‪: -‬‬
‫أخرجه مسلم ) ‪ ( 1920‬في المارة باب ‪ :‬ل تزال طائفة من أمتي ظاهرين‬

‫‪57‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫على الحق ل يضرهم ‪ ، ..‬و الترمذي ) ‪ ( 2229‬في الفتن ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في‬
‫الئمة المضلين ‪ ،‬و أبو داود ) ‪ ( 4252‬في الفتن و الملحم ‪ ،‬باب ‪ :‬ذكر الفتن‬
‫و دلئلها ‪ ،‬و ابن ماجة ) ‪ ( 10‬في المقدمة ‪ ،‬و أحمد في " المسند " ‪/ 5‬‬
‫‪ 278‬و ‪. 279‬‬
‫و من حديث قرة بن إياس المزني ‪ -‬رضي الله عنه ‪: -‬‬
‫أخرجه الترمذي ) ‪ ( 2192‬في الفتن ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في الشام ‪ ،‬و ابن ماجة‬
‫) ‪ ( 6‬في المقدمة ‪ ،‬و أحمد في " المسند " ‪ 436 / 3‬و ‪ 34 / 5‬و ‪ ، 35‬و ابن‬
‫حبان في " صحيحه " ) ‪. ( 61‬‬
‫)‪ ... (3‬حسن بشواهده ‪ ،‬احتج به جماعة من الئمة ‪:‬‬
‫أخرجه الترمذي ) ‪ ( 2641‬في اليمان ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في افتراق هذه المة ‪،‬‬
‫و محمد بن نصر في "السنة"‬
‫) ‪ ، ( 59‬و الجري في " الشريعة " ) ‪ ، ( 24 ،23‬و " الربعين " ص ـ ‪ ، 54‬و‬
‫الطبراني في "الكبير" ‪ ، ( 62 ) 30 / 13‬و اللكائي في " السنة " ‪) 99 / 1‬‬
‫‪ ( 147‬من طرق عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الفريقي ‪ ،‬عن عبد‬
‫الرحمن الحبلي ‪ ،‬عن عبد الله بن عمرو بن العاص ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬مرفوعا‬
‫‪ ،‬بزيادة في أوله ‪.‬‬
‫و عبد الرحمن الفريقي ‪ :‬ضعيف يعتبر به ‪.‬‬
‫و له شاهد بنحوه من حديث أنس بن مالك ‪ -‬رضي الله عنه ‪: -‬‬
‫أخرجه العقيلي ‪ ، 262 / 2‬و الطبراني في " الوسط " ) ‪ 4886‬و ‪ ( 7840‬و‬
‫فيه ‪ :‬عبدالله بن سفيان المدني ‪ ،‬قال عنه العقيلي ‪ :‬ل يتابع على حديثه ‪.‬‬
‫و للحديث شواهد بمعناه أحصاها سليم الهللي في رسالته " درء الرتياب‬
‫عن حديث ما أنا عليه اليوم‬
‫و الصحاب " ‪ ،‬فلتراجع ‪.‬‬
‫و قد احتج بهذا الحديث اللكائي ‪ 100 / 1‬وقال ‪ " :‬حديث ثابت " ‪ .‬و شيخ‬
‫السلم ابن تيمية ‪ ،‬و ابن القيم ‪ ،‬و الشاطبي ‪ ،‬و غيرهم ‪ ،‬راجع الرسالة‬
‫المذكورة ‪.‬‬
‫‪ ...‬قلت ‪ :‬أما ذكر الفتراق دون قوله ‪ ) :‬ما أنا عليه اليوم و أصحابي (‬
‫فصحيح ثابت مشهور عن عدد من الصحابة كأبي هريرة ‪ ،‬و سعد بن مالك ‪ ،‬و‬
‫معاوية ‪ ،‬و عمرو بن عوف ‪ ،‬و غيرهم‪ -‬رضي الله عنهم ‪. -‬‬
‫)‪ ... (4‬تفسير ابن كثير ‪. 4/433‬‬
‫)‪ ... (5‬أثر ابن المبارك ‪:‬‬
‫أخرجه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث " ص ‪ 26 :‬من طريق‬
‫أبي بكر بن أبي داود ‪ ،‬قال حدثنا أبي ‪ ،‬عن سعيد بن يعقوب الطالقاني أو‬
‫غيره ‪ ،‬قال ‪ :‬ذكر ابن المبارك حديث النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ ) : -‬ل‬
‫تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ل يضرهم من ناوأهم حتى تقوم‬
‫الساعة ( فقال ابن المبارك ‪ –:‬فذكره ‪ .‬وهو إسناد صحيح لول شك أبي داود ‪.‬‬
‫)‪(9 /‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ ...‬و قال المام أحمد رحمه الله ‪ )) :‬إن لم يكونوا أصحاب الحديث ‪ ،‬فل‬
‫أدري من هم (( )‪.(1‬‬
‫‪ ...‬و قال المام الترمذي رحمه الله ‪ :‬سمعت محمد بن إسماعيل – يريد‬
‫البخاري ‪-‬‬

‫‪58‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يقول ‪ :‬سمعت علي بن المديني )‪ (2‬يقول ‪ ،‬وذكر هذا الحديث عن النبي ‪-‬‬
‫ة من أمتي ظاهرين على الحق (( ‪:‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ )) : -‬ل تزال طائف ٌ‬
‫هم أهل الحديث ‪.‬اهـ ‪(3).‬‬
‫‪ ...‬و ذكر الشيخ عبد القادر الجيلني )‪ (4‬رحمه الله ‪ ،‬أن ليس لهل السنة إل‬
‫اسم واحد ٌ ُيعرفون به ‪ ،‬و هو أصحاب الحديث )‪. (5‬‬
‫‪ ...‬و قد ُروي مثل هذا عن غير واحد ٍ من السلف رحمهم الله ‪ ،‬ورضي عنهم ‪.‬‬
‫‪ ...‬و إّنما حاز أهل الحديث هذا الشرف العظيم ‪ ،‬لكونهم جمعوا بين الرواية‬
‫والدراية ‪ ،‬إلى جانب العمل بما جاء في الثر ‪ ،‬عن خير البشر ‪ -‬صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ ، -‬و اعتقاد ما أرشد إليه ‪ ،‬و قد تقدم معنا قول أبي عمرو بن‬
‫الصلح رحمه الله ‪ )) :‬قد يكون النسان من أهل الحديث و هو مبتدع (( )‪.(6‬‬
‫‪ ...‬قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله ‪:‬‬
‫‪ )) ...‬و نحن ل نعني بأهل الحديث ‪ ،‬المقتصرين على سماعه ‪ ،‬أو كتابته ‪ ،‬أو‬
‫روايته ‪ ،‬بل نعني بهم ك ّ‬
‫ل من كان أحقّ بحفظه ‪ ،‬و معرفته ‪ ،‬و فهمه ‪،‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ظاهرا ً ‪ ،‬وباطنا ً واتباعه باطنا ‪ ،‬و ظاهرا ‪ ،‬و كذلك أهل القرآن ‪ ،‬و أدنى خصلة‬
‫في هؤلء محبة القرآن و الحديث ‪ ،‬و البحث عنهما ‪ ،‬و عن معانيهما ‪ ،‬و‬
‫جبهما (( )‪.(7‬‬
‫العمل بما علموه من مو َ‬
‫َ‬
‫ملته ‪.‬‬
‫ح‬
‫و‬
‫‪،‬‬
‫نقلته‬
‫و‬
‫‪،‬‬
‫حفظته‬
‫لنهم‬
‫‪،‬‬
‫الحديث‬
‫ل‬
‫أه‬
‫‪ ...‬و قد سمي أهل السنة‬
‫َ َ‬
‫قال الللكائي )‪:(8‬‬
‫ث على‬
‫‪ )) ...‬لم نجد في كتاب الله و سنة رسوله ‪ ،‬و آثار صحابته ‪ ،‬إل الح ّ‬
‫التباع ‪ ،‬و ذم التكلف و الختراع ‪ ،‬فمن اقتصر على هذه الثار كان من‬
‫المتبعين و كان أولهم بهذا الوسم ‪ ،‬و أخصهم بهذا الرسم أصحاب الحديث ‪،‬‬
‫لختصاصهم برسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬و اتباعهم لقوله ‪ ،‬و طول‬
‫ملزمتهم له ‪ ،‬و تحملهم علمه (( )‪.(9‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬صحيح ‪:‬‬
‫أخرجه الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " ص ‪ 25‬و ص ‪ ، 27‬بإسنادين‬
‫رجالهما ثقات ‪.‬‬
‫)‪ ... (2‬علي بن المديني ‪ ،‬هو ‪ :‬أبو الحسن علي بن عبد الله جعفر بن نجيح‬
‫السعدي مولهم ‪ ،‬البصري ‪ ،‬المعروف بابن المديني ‪ ،‬الشيخ المام الحجة ‪،‬‬
‫أمير المؤمنين في الحديث ‪ ،‬إليه المنتهى في معرفة علل الحديث ‪ ،‬مع كمال‬
‫المعرفة بنقد الرجال ‪ ،‬و سعة الحفظ ‪ ،‬كان أحمد بن حنبل ل يسميه ‪ ،‬و إنما‬
‫يكنيه تبجيل له ‪ .‬مات بسامراء سنة ‪ 204‬هـ ‪ 820 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬تاريخ بغداد ‪ ، 473– 458 / 11‬طبقات الحنابلة ‪/ 1‬‬
‫‪ ، 225‬تهذيب السماء و اللغات‬
‫‪ ، 350 / 1‬تذكرة الحفاظ ‪ ، 428 / 2‬سير أعلم النبلء ‪. 60- 41 / 11‬‬
‫)‪ ... (3‬صحيح ‪:‬‬
‫أخرجه الترمذي في " سننه " ) ‪ ( 2229‬في الفتن ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في الئمة‬
‫المضلين ‪ ،‬و من طريقه الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " ص ‪. 27‬‬
‫)‪ (4‬عبد القادر الجيلني ‪ ،‬هو ‪ :‬الشيخ المام العارف القدوة ‪ ،‬شيخ السلم ‪،‬‬
‫علم الولياء ‪ ،‬أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي ‪ ،‬الجيلي‬
‫الحنبلي ‪ ،‬شيخ بغداد ‪ ،‬ولد بجيلن سنة ‪ 471‬هـ ‪ 1079/‬م ‪ ،‬وقدم بغداد‬
‫شابا ‪ ،‬كان فقيها صالحا دينا ‪ ،‬كثير الذكر ‪ ،‬دائم الفكر ‪ ،‬سريع الدمعة ‪ ،‬له‬
‫سمت و صمت ‪ ،‬و كان يعظ إلى أن توفي سنة ‪ 561‬هـ ‪ 1166 /‬م ‪ ,‬عن‬
‫تسعين سنة ‪.‬‬
‫‪59‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫انظر ترجمته في ‪ :‬النساب للسمعاني ‪ ، 415 / 3‬المنتظم ‪ ، 219 / 10‬مرآة‬
‫الزمان ‪ ، 164 / 8‬سير أعلم النبلء ‪ ، 451 - 439 / 20 :‬ذيل طبقات‬
‫الحنابلة ‪. 290 / 1‬‬
‫)‪ ... (5‬انظر ‪ :‬الغنية لطالبي طريق الحق لعبد القادر الجيلني ‪. 71 / 1 :‬‬
‫)‪ ... (6‬انظر ‪ :‬فتاوى و مسائل ابن الصلح ‪ ،‬ص ‪. 213 :‬‬
‫)‪ ... (7‬مجموع الفتاوى ‪ ،‬لبن تيمية ‪. 95 / 4‬‬
‫)‪ ... (8‬الللكائي ‪ ،‬هو ‪ :‬أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور ‪ ،‬الطبري‬
‫الرازي الشافعي المام الحافظ المجود ‪ ,‬عالم بغداد و شيخ أهل السنة فيها‬
‫في وقته ‪ ،‬من مؤلفاته الجليلة ‪ :‬شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة ‪،‬‬
‫و هو مطبوع ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ترجمته في ‪ :‬تاريخ بغداد ‪ ، 70 / 14‬المنتظم ‪ , 34 / 8‬الكامل في‬
‫التاريخ ‪ , 364 / 9‬تذكرة الحفاظ‬
‫‪ , 1083 / 3‬سير أعلم النبلء ‪ , 419 / 17‬البداية و النهاية ‪. 24 / 12‬‬
‫)‪ ... (9‬شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة ‪ ،‬لللكائي ‪. 22 / 1 :‬‬
‫)‪(10 /‬‬
‫‪ ...‬و الفرق التي تزعم النتساب إلى أهل السنة و الجماعة ‪ ،‬و تدعي‬
‫ي محمد ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬في أصول الدين‬
‫ي ‪ ،‬هد ِ‬
‫العتصام بخير الهد ِ‬
‫و فروعه ‪ ،‬كثيرة جدا ً ‪ )) ،‬غير أن الله أبى أن يكون الحق و العقيدة الصحيحة‬
‫إل مع أهل الحديث و الثار ‪ ،‬لنهم أخذوا دينهم و عقائدهم ‪ ،‬خلفا ً عن سلف ‪،‬‬
‫و قرنا ً عن قرن ‪ ،‬إلى أن انتهوا إلى التابعين ‪ ،‬و أخذه التابعون عن أصحاب‬
‫رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬عن رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‬
‫ ‪ ،‬و ل طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله الناس من الدين القويم ‪ ،‬و‬‫ما سائر‬
‫الصراط المستقيم ‪ ،‬إل ّ هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث ‪ ،‬أ ّ‬
‫الفرق ‪ ،‬فطلبوا الحديث ل بطريقه فحادوا عن الحق ‪ ،‬و زاغوا عنه (()‪.(1‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬المعالم العامة لعقيدة أهل السّنة أصحاب الحديث و‬
‫منهجهم في تقريرها ‪-‬‬
‫‪ ...‬حينما أصبح كل صاحب هوى يزعم أن هواه موافق لما جاء به الكتاب‬
‫ي أعناق النصوص لتوافق بدعته ‪ ،‬و ترد على‬
‫والسنة ‪ ،‬و يجتهد في ل ّ‬
‫مخالفيه ‪ ،‬وضع أهل السنة و الجماعة ضوابط لم يكن بد ٌ من مراعاتها عند‬
‫تقرير العقائد المستمدة من الوحيين الكتاب و السنة ‪ ،‬و أقاموا على أساسها‬
‫المعالم العامة لعقيدتهم السوية حتى غدت منهجا ًُ ينتهجه ك ّ‬
‫ل ملتمس‬
‫للصواب ‪ ،‬و ساٍع إلى إدراك الحقيقة ‪.‬‬
‫ده عند أهل اللسان ‪:‬‬
‫‪ ...‬و فيما يلي أحدد معالم هذا المنهج بعد بيان ح ّ‬
‫‪ ) ...‬المنهج و المنهاج ( في أصل الوضع اللغوي يعني ‪ :‬الطريق الواضح )‪،(2‬‬
‫ة و منهاجا ً { [المائدة ‪ ، ] 48 :‬أي‬
‫ل جعلنا منكم شرع ً‬
‫ومنه قوله تعالى ‪ } :‬لك ٍ‬
‫‪ :‬سبيل ً و سّنة ‪.‬‬
‫ما المنهاج فهو الطريق‬
‫‪ ...‬قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره ‪ )) :‬أ ّ‬
‫الواضح السهل (( )‪.(3‬‬
‫قديّ لهل السنة و الجماعة ‪ ،‬هو طريقهم‬
‫‪ ...‬و عليه فإن المقصود بالمنهج العَ َ‬
‫في تقرير مسائل العتقاد ‪ ،‬و إقامة الدلة عليها مع ما يتفّرع عن ذلك من‬
‫مسائل ذات صلة ‪ ،‬كحكم العقل و نحوه ‪ ،‬و هو ما سأتناوله بتوفيق الله‬
‫تعالى من خلل المقاصد التالية ‪:‬‬

‫‪60‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المقصد الول ‪ -‬مصادر أهل السنة أصحاب الحديث في تلقي وتقرير مسائل‬
‫العقيدة ‪-‬‬
‫ثمة مصادر عدة تستمد منها العقائد ‪ ،‬كالفطرة ‪ ،‬و العقل ‪ ،‬و الوحي ‪،‬‬
‫والكشف ‪ ،‬و غيرها مما تعتمده بعض الفرق ‪ ،‬و ترده أخرى ‪.‬‬
‫و من هذه المصادر ما هو حجة ‪ ،‬و منها ما ل حجة فيه أصل ً ‪ ،‬لذلك لم يأخذ‬
‫أهل السنة و الجماعة إل ّ بما تأ ّ‬
‫كدت حجيته ‪ ،‬و استبانت دللته ‪ ،‬كالكتاب‬
‫والسنة الصحيحة ‪ ،‬و الجماع المنضبط الوارد بشروطه ‪ ،‬مع الستئناس أحيانا ً‬
‫بدللة العقل ‪ ،‬ل في تقرير عقيدة لم يثبتها النقل ‪ ،‬و لكن في التأكيد على ما‬
‫ثبت بالنقل الصحيح ‪.‬‬
‫ً‬
‫و في هذا المجال نجد أهل السنة و الجماعة يلتزمون أمورا توضح منهجهم ‪،‬‬
‫و تبين سبيلهم في تلقي العقائد و تقريرها ‪ ،‬و أبرز هذه المور ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬الرد إلى المصادر الثلثة المتفق عليها ‪ ،‬و هي الكتاب و السنة والجماع‬
‫المنضبط ‪ ،‬و تقديمها على ما سواها ‪.‬‬
‫و ما ذلك إل ّ لن الوحيين ‪ -‬الكتاب و السنة ‪ -‬قد جمعا الخير كله ‪ ،‬واستوفيا‬
‫كل ما يحتاجه من حقق اليمان بهما من سبل الهدى والصلح ‪ ،‬كما قال‬
‫تعالى ‪ } :‬ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ً لكل شيٍء و هدى ورحمة وبشرى‬
‫للمسلمين { ] النحل ‪. [ 89 :‬‬
‫و في الحديث ‪ )) :‬تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء (( )‪.(4‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬الحجة في بيان المحجة و شرح عقيدة أهل السنة ‪ ،‬لسماعيل‬
‫الصفهاني ‪ 22 / 2 :‬و ما بعدها ‪.‬‬
‫)‪ ... (2‬انظر ‪ :‬معجم مقاييس اللغة ‪ ،‬لبن فارس ‪ ، 361 / 5 :‬و القاموس‬
‫المحيط ‪ ،‬للفيروز آبادي ‪ ،‬ص ‪. 266 :‬‬
‫ً‬
‫)‪ ... (3‬تفسير ابن كثير ‪ ، 66 / 2 :‬و قد ذكر الشوكاني نحوا من هذا‬
‫المعنى ‪ ،‬و عزاه إلى ابن المبّرد ‪.‬‬
‫انظر ‪ :‬فتح القدير ‪. 48 / 2 :‬‬
‫)‪ ... (4‬صحيح ‪:‬‬
‫أخرجه أبو داود ) ‪ ( 4607‬في السنة ‪ ،‬باب مجانبة أهل الهواء و بغضهم ‪ ،‬و‬
‫الترمذي ) ‪ ( 2676‬في العلم ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في الخذ بالسنة و اجتناب البدع‬
‫‪ ،‬و ابن ماجة ) ‪ ( 44 – 43‬في مقدمة سننه ‪ ،‬باب اتباع سنة رسول الله ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ ، -‬و أحمد ‪ ، 127 – 126 / 4‬و الدارمي في " سننه "‬
‫‪ ، 45 – 44 / 1‬و ابن حبان في " صحيحه " ‪ ، ( 5 ) 178 / 1‬و الحاكم في "‬
‫المستدرك " ‪ ، 96 – 95 / 1‬و ابن أبي عاصم في " السنة " ) ‪– 31 ، 27‬‬
‫‪ ( 57 ، 56 ، 54 ، 48 ، 34‬عن عبد الرحمن بن عمرو النصاري السلمي ‪،‬‬
‫أنه سمع عرباض بن سارية ) يقول – فذكره مرفوعا ‪.‬‬
‫و بعضهم يقرن بينه و بين حجر الكلعي ‪ ،‬عن العرباض بن سارية ) ‪.‬‬
‫و قال الترمذي ‪ ) :‬حسن صحيح ( ‪.‬‬
‫و قال الحاكم ‪ ) :‬صحيح ‪ ،‬ليس له علة ( ‪ .‬و هو كما قال ‪.‬‬
‫)‪(11 /‬‬
‫دق سلمان الفارسي ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬يهوديا ً قال له ‪ )) :‬قد علمكم‬
‫و قد ص ّ‬
‫نبيكم كل شيٍء حتى الخراءة (( ‪ ،‬أي ‪ :‬آداب قضاء الحاجة ‪ ،‬فقال سلمان ‪:‬‬
‫)) أجل ‪ ،‬لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول (( )‪.(1‬‬

‫‪61‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فهل يعقل أن يبين لنا ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬هذا ‪ ،‬ويدع عقولنا تطيش‬
‫فيما ل يدرك إل بالوحي فيكل علمه إلى عقولنا القاصرة ول يبينه ؟‬
‫كل ّ و الله ‪ ،‬بل على العكس من ذلك ‪ ،‬فقد قال لنا ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‬
‫ ‪ )) :‬إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد ‪ ،‬و شر المور‬‫محدثاتها ‪ ،‬و كل بدعة‬
‫ضللة (( )‪.(2‬‬
‫فمن ترك خيري الحديث والهدى إلى غيرهما ‪ ،‬فقد ضل وز ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله ‪:‬‬
‫)) إن ما أخبر به الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬عن ربه ‪ ،‬فإنه يجب‬
‫اليمان به ‪ ،‬سواء عرفنا معناه أو لم نعرف ؛ لنه الصادق المصدوق ‪ .‬فما‬
‫جاء في الكتاب و السنة وجب على كل مؤمن اليمان به ‪ ،‬و إن لم يفهم‬
‫معناه (( )‪.(3‬‬
‫فالواجب على كل مسلم اللتزام بالكتاب و السنة و الحتكام إليهما في كل‬
‫شأن من شؤون الدين ‪ ،‬و الوقوف عند حكمهما ‪ ،‬وعدم مجاوزتهما إلى ما‬
‫عرف عنهم‬
‫سواهما و لذلك ذاعت وشاعت وصايا السلف في هذا المجال ‪ ،‬و ُ‬
‫الكثار من الوصية بلزوم السنة ‪ ،‬بعد أن عرفت المة من أعرض عنها‬
‫واستبدلها بالقيسة العقلية و الهواء ‪.‬‬
‫ص السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين لزوم السنة ‪،‬‬
‫و قد خ ّ‬
‫عرف في المة من أعرض عنها و أنكر حجيتها ‪،‬‬
‫والعتصام بها بالوصّية ‪ ،‬لنه ُ‬
‫بخلف كتاب الله الذي لم يخالف أحد ٌ ُيعتد بخلفه في الحتكام إليه ‪ ،‬و‬
‫الحتجاج بما جاء به ‪.‬‬
‫و عليه فإذا صح شيء عن رسول الله ‪ ،‬فل عذر لمخالفه في مخالفته ‪،‬‬
‫دم بين يدي المأثور رأيا ً ‪ ،‬أو التمس‬
‫ولذلك اشتد نكير السلف على من ق ّ‬
‫حكما ً غير ما حكم به ‪.‬‬
‫فهذا الشافعي رحمه الله ُيسأل عن مسألة فيقول ‪ :‬قضى رسول الله ‪ -‬صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ -‬كذا و كذا ‪ ،‬فيقول له رج ٌ‬
‫ل ‪ :‬ما تقول أنت ؟ فيقول‬
‫الشافعي رحمه الله ‪ )) :‬سبحان الله ! َتراني في كنيسة ؟ تراني في بيعة ؟‬
‫ترى على وسطي ُزّنارا ً ؟ أقول ‪ :‬قضى رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫كذا و كذا ‪ ،‬وأنت تقول لي ‪ :‬ما تقول أنت ؟ (( )‪. (4‬‬
‫وقد ذكر ابن حزم الظاهري رحمه الله أن إسحاق بن راهويه قال ‪ )) :‬من‬
‫بلغه عن رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬خبر يقر بصحته ‪ ،‬ثم رّده بغير‬
‫تقّية )‪ ، (5‬فهو كافر (( )‪.(6‬‬
‫و قال أبو القاسم الصفهاني )‪ )) : (7‬ليس لنا مع سنة رسول الله ‪ -‬صلى‬
‫عذر لحد يتعمد ترك السنة‬
‫الله عليه وسلم ‪ -‬إل التباع والتسليم ‪ ،‬و ل ُ‬
‫ويذهب إلى غيرها ‪ ،‬لنه ل صحة لقول أحد مع قول رسول الله ‪ -‬صلى الله‬
‫ح (( )‪.(8‬‬
‫عليه وسلم ‪ -‬إذا ص ّ‬
‫و إلى جانب الكتاب و السنة يأخذ أهل السنة و الجماعة بالجماع ‪ ،‬باعتباره‬
‫ثالث مصادر الشريعة السلمية المتفق على حجتها ‪ ،‬و هو في اصطلح‬
‫الصوليين ‪ :‬اتفاق المجتهدين من أمة محمد ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬بعد‬
‫وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي ‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬الحديث ‪ :‬رواه مسلم ) ‪ ( 57 ) ( 262‬في كتاب الطهارة ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫الستطابة ‪ ،‬و أبو داود ) ‪ ( 7‬في الطهارة باب ‪ :‬كراهة استقبال القبلة عند‬
‫قضاء الحاجة ‪ ،‬و النسائي ‪ 39 – 38 / 1‬في الطهارة ‪ ،‬باب ‪ :‬النهي عن‬
‫‪62‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الكتفاء في الستطابة بأقل من ثلث أحجار ‪ ،‬و الترمذي ) ‪ ( 16‬في الطهارة‬
‫‪ ،‬باب الستنجاء بالحجارة ‪ ،‬و قال ‪ ) :‬حسن صحيح ( ‪.‬‬
‫)‪ ... (2‬قطعة من حديث خطبة الحاجة ‪ :‬أخرجه مسلم ) ‪ ( 867‬في الجمعة ‪،‬‬
‫باب ‪ :‬تخفيف الصلة و الخطبة ‪ ،‬و النسائي ‪ 188 / 3‬في العيدين ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫كيف الخطبة للعيد ‪ ،‬و الدارمي ) ‪ ( 212‬في المقدمة ‪ ،‬باب في كراهية أخذ‬
‫الرأي ‪ ،‬و غيرهم من حديث جابر بن عبد الله النصاري ) ‪.‬‬
‫)‪ ... (3‬الرسالة التدمرية ‪ ،‬ضمن مجموع الفتاوى ‪.41 / 3 :‬‬
‫)‪ ... (4‬صحيح عن الشافعي ‪:‬‬
‫أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ‪ 106 / 9‬بإسناد صحيح ‪ .‬و أورده ابن القيم‬
‫في " مختصر الصواعق المرسلة " ‪. 25 / 2‬‬
‫)‪ ... (5‬إذا ورد في كلم أئمتنا ما يوهم القول بالتقية حمل على مقتضى قوله‬
‫تعالى ‪ } :‬إل أن تتقوا منهم تقاة { [ آل عمران ‪ ] 28 :‬أي ‪ :‬الخوف على‬
‫النفس الملجئ إلى النطق بالكفر ونحوه ؛ كما في قوله تعالى ‪ } :‬إل من‬
‫أكره وقلبه مطمئن باليمان { [ النحل ‪ ، ] 106 :‬وليس في هذا ما يوافق‬
‫قول الروافض الذين جعلوا التقية أصل ً من أصول مذهبهم ‪.‬‬
‫)‪ ... (6‬صحيح عن ابن راهويه رواه عنه تلميذه المام الحافظ الثقة الثبت‬
‫محمد بن نصر المروزي ‪ ،‬كما في " الحكام " لبن حزم ‪. 97 / 1‬‬
‫)‪ ... (7‬أبو القاسم الصبهاني ‪ ،‬هو ‪ :‬إسماعيل بن محمد بن الفضل ‪ ،‬قوام‬
‫السنة ‪ ،‬المام ‪ ،‬الحافظ ‪ ،‬المفسر ‪ ،‬الديب ‪ .‬انظر ترجمته في ‪ :‬سير أعلم‬
‫النبلء ‪ ، 88-20/80‬و شذرات الذهب ‪.106-4/105‬‬
‫)‪ ... (8‬الحجة في بيان المحجة لبي القاسم الصبهاني ‪. 398 / 2 :‬‬
‫)‪(12 /‬‬
‫ة‬
‫ولبد في الجماع من وجود مستند شرعي من نص أو قياس حتى يكون حج ً‬
‫ترتقي بالحكم إلى مرتبة القطع واليقين )‪.(1‬‬
‫وقد دل على حجية الجماع الكتاب و السنة ‪ ،‬قال تعالى ‪ } :‬ومن يشاقق‬
‫الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى‬
‫ونصله جهنم وساءت مصيرا ً { [ النساء ‪. ] 115 :‬‬
‫و في الحديث المشهور يقول رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ )) : -‬ل‬
‫تجتمع أمتي على ضللة (( )‪(2‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬انظر ‪ :‬د ‪ .‬وهبة الزحيلي ‪ :‬الوجيز في أصول الفقه ‪.‬‬
‫)‪ ... (2‬حديث صحيح ‪:‬‬
‫رواه عن النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬عدد من الصحابة منهم ‪ :‬عبد الله‬
‫بن عمر ‪ ،‬و أبو مالك الشعري ‪ ،‬و أبي ذر الغفاري ‪ ،‬و أبو بصرة الغفاري ‪،‬‬
‫وأنس بن مالك ‪ ،‬وعائشة ‪ -‬رضي الله عنهم ‪ ، -‬و الحسن البصري مرسل ؛‬
‫بألفاظ متقاربة ‪ ،‬و أسانيد ل تخلو من مقال ‪ ،‬يقوي بعضها بعضا ً ‪ ،‬و عن أبي‬
‫مسعود النصاري البدري موقوف صحيح ‪ ،‬نذكر منها ‪:‬‬
‫‪ –1‬حديث عبد الله بن عمر ‪ -‬رضي الله عنه ‪ : -‬و لفظه ‪ )) :‬إن الله ل يجمع‬
‫أمتي على ضللة (( ‪ ،‬و في لفظ )) ل يجمع الله أمتي – أو هذه المة – على‬
‫ضللة أبدا ً ‪ ،‬و يد الله على الجماعة ‪ ،‬و من شذ شذ في النار (( ‪.‬‬
‫أخرجه الترمذي ) ‪ ( 2255‬في الفتن ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في لزوم الجماعة ‪ ،‬و‬
‫ابن أبي عاصم في " السنة "‬

‫‪63‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪ ، (80‬و الطبراني في " الوسط " ) ‪ ، ( 7249‬و الحاكم في " المستدرك "‬
‫‪ 116 – 115 / 1‬و ‪ ، 507‬و أبو نعيم في " الحلية " ‪ ، 37 / 3‬و الللكائي "‬
‫في شرح أصول العتقاد " ) ‪ ، ( 154‬و الخطيب في " الفقيه و المتفقه "‬
‫‪ ، 161 / 1‬و البيهقي في " السماء و الصفات " ) ‪ ، ( 701‬و أبو عمرو‬
‫الداني في " السنن الواردة في الفتن " ) ‪ ، ( 368‬من طريق المعتمر بن‬
‫سليمان ‪ ،‬عن سليمان المدني عن عمرو بن دينار ‪ ،‬عن ابن عمر ‪ -‬رضي الله‬
‫عنه ‪ -‬به مرفوعا ً ‪.‬‬
‫و قد اختلف في إسناده على المعتمر بن سليمان على أوجه أوصلها الحاكم‬
‫إلى سبعة أوجه ‪ ،‬و أرجعها اللباني في " ظلل الجنة " ‪ 40 / 1‬إلى أربعة ‪.‬‬
‫و وجه آخر لم يذكره الحاكم ‪ :‬أخرجه الطبراني في " الكبير " ) ‪( 13623‬‬
‫عن المعتمر بن سليمان ‪ ،‬عن مرزوق مولى طلحة ‪ ،‬عن عمرو بن دينار به ‪.‬‬
‫قال الترمذي ‪ ) :‬هذا حديث غريب من هذا الوجه ‪ ،‬و سليمان المدني هو‬
‫عندي سليمان بن سفيان ( ‪.‬‬
‫ً‬
‫و قال الترمذي في " العلل الكبير " ‪ ) : 817 / 2‬سألت محمدا – يعني‬
‫البخاري – عن هذا الحديث ‪ ،‬فقال ‪ :‬سليمان المدني هذا منكر الحديث ‪ ،‬و‬
‫هو عندي سليمان بن سفيان ( ‪.‬‬
‫و قال البيهقي ‪ ) :‬أبو سفيان المديني ‪ ،‬يقال ‪ :‬إنه سليمان بن سفيان ‪ ،‬و‬
‫اختلف في كنيته ‪ ،‬و ليس بمعروف ‪ ،‬و روي من وجه آخر ( ‪.‬‬
‫و قال ابن كثير في " تحفة الطالب " ‪ ) : 146 / 1‬في إسناده سليمان بن‬
‫سفيان ‪ ،‬و قد ضعفه الكثرون ( ‪.‬‬
‫و قال ابن حجر في " تلخيص الحبير " ‪ ) : 162 / 3‬فيه سليمان بن سفيان‬
‫المدني و هو ضعيف ‪ ،‬و أخرج الحاكم له شواهد ( ‪.‬‬
‫‪ ...‬قال الهيثمي في " المجمع " ‪ ) :‬رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما‬
‫ثقات رجال الصحيح خل مرزوق مولى طلحة و هو ثقة ( ‪.‬‬
‫‪ –2‬حديث أبي مالك كعب بن عاصم الشعري ‪ -‬رضي الله عنه ‪ :-‬و لفظه ‪:‬‬
‫)) إن الله أجاركم من خلل ثلث ‪... :‬و أل تجتمعوا على ضللة (( ‪.‬‬
‫و له عنه طريقان ‪:‬‬
‫الطريق الول ‪ :‬أخرجها أبو داود ) ‪، ( 4253‬في الفتن ‪ ,‬باب ‪ :‬ذكر الفتن و‬
‫دلئلها ‪ ،‬و ابن أبي عاصم في " السنة " ) ‪ ، ( 92‬عن محمد بن عوف الطائي‬
‫‪ ،‬حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن ضمضم بن زرعة ‪ ،‬عن‬
‫شريح بن عبيد ‪ ،‬عنه به ‪.‬‬
‫و رجاله ثقات سوى محمد بن إسماعيل ‪ ،‬قال ابن حجر في " التقريب " )‬
‫‪ ) : ( 5735‬عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع ( ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬لكن ذكر محمد بن عوف الطائي أنه قرأه في أصل إسماعيل كما في‬
‫رواية أبي داود ‪.‬‬
‫و قال ابن كثير في " تحفة الطالب " ‪ ) : 146 / 1‬في إسناد هذا الحديث‬
‫نظر ( ‪.‬‬
‫و قال ابن حجر في " تلخيص الحبير " ‪ ) : 162 / 3‬في إسناده انقطاع ( ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬يشير إلى النقطاع بين شريح ‪ ،‬و أبي مالك ‪ ،‬قال أبو حاتم الرازي ‪:‬‬
‫) شريح بن عبيد ‪ ،‬عن أبي مالك الشعري مرسل ( ‪ .‬انظر ‪ :‬المراسيل لبنه‬
‫ص ‪. 78‬‬
‫الطريق الثاني ‪ :‬أخرجها ابن أبي عاصم في " السنة " ) ‪ ( 91‬من طريق يزيد‬
‫بن هارون ‪ ،‬أخبرنا سعيد بن زربي عن الحسن ‪ ،‬عنه ‪.‬‬
‫و فيه سعيد بن زربي ‪ :‬منكر الحديث ‪ ،‬كما في " التقريب " ) ‪. ( 2304‬‬
‫‪64‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ –3‬حديث أبي ذر الغفاري ‪ -‬رضي الله عنه ‪ : -‬و لفظه ‪ )) :‬اثنان خير من‬
‫واحد ‪ ،‬و ثلثة خير من اثنين ‪ ،‬و أربعة خير من ثلثة ‪ ،‬فعليكم بالجماعة ‪ ،‬فإن‬
‫الله عز و جل لم يجمع أمتي إل على هدى (( ‪.‬‬
‫أخرجه أحمد ‪ 145 / 5‬من طريق البختري بن عبيد بن سلمان ‪ ،‬عن أبيه ‪،‬‬
‫عن أبي ذر به ‪.‬‬
‫قال الهيثمي في " المجمع " ‪ 177 / 1‬و ‪ ) : 218 / 5‬رواه أحمد ‪ ،‬و فيه‬
‫البختري بن عبيد ‪ ،‬وهو ضعيف ( ‪.‬‬
‫قال المناوي في " فيض القدير " ‪ ) : 150 / 1‬رمز السيوطي لصحته ‪ ،‬و‬
‫ليس كما زعم ‪ ،‬فقد أعله الحافظ الهيثمي بأن أبا البختري ضعيف ( ‪.‬‬
‫‪ –4‬حديث أبي بصرة الغفاري ‪ -‬رضي الله عنه ‪ : -‬و لفظه ‪ )) :‬سألت ربي‬
‫أربعا ً ‪ ،‬فأعطاني ثلثا ً و منعني واحدة ؛ سألته أل يجمع أمتي على ضللة‬
‫فأعطانيها ‪. (( ...‬‬
‫أخرجه أحمد ‪ ، 396 / 6‬و الطبراني في " الكبير " ‪ ، ( 2171 ) 280 / 2‬و‬
‫ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ) ‪ ، ( 1390‬من طريق الليث بن سعد ‪،‬‬
‫عن أبي هانئ الخولني ‪ ،‬عن رجل قد سماه ‪ ،‬عنه ‪.‬‬
‫قال الهيثمي في " المجمع " ‪ 177 / 1‬و ‪ ) : 222 / 7‬فيه راوٍ لم ُيسم ( ‪.‬‬
‫تنبيه ‪ :‬و قع في مسند أحمد ) أبو وهب ( بدل ) أبو هانئ ( فلعله تصحيف !‬
‫‪ –5‬حديث أنس بن مالك ‪ -‬رضي الله عنه ‪: -‬و لفظه )) إن أمتي لن تجتمع‬
‫على ضللة (( ‪.‬‬
‫له عنه طريقان ‪:‬‬
‫‪ ...‬الطريق الول ‪ :‬أخرجه ابن ماجه )‪، ( 3950‬في الفتن ‪ ,‬باب ‪ :‬السواد‬
‫العظم ‪ ,‬و عبد بن حميد في " مسنده " ) ‪ ، ( 1220‬و إسحاق بن راهويه‬
‫كما في " إتحاف المهرة " ‪ ، 399 / 1‬و ابن أبي عاصم في " السنة " ) ‪( 84‬‬
‫‪ ،‬و اللكائي في " شرح أصول العتقاد " ) ‪ ، ( 153‬و الخطيب في " الفقيه‬
‫و المتفقه " ‪ ، 161 / 1‬من طريق معان بن رفاعة السلمي ‪ ،‬عن أبي خلف‬
‫العمى ‪ ،‬عن أنس ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬به ‪.‬‬
‫قال ابن كثير في " تحفة الطالب " ‪ ) : 149 / 1‬هذا الحديث بهذا السناد‬
‫ضعيف ؛ لن معان بن رفاعة ضعفه يحيى بن معين ‪ ،‬و قال السعدي و أبو‬
‫حاتم الرازي ‪ :‬ليس بحجة ‪ ..‬و أبو خلف العمى ‪ :‬قال يحيى بن معين كذاب ‪،‬‬
‫كذا حكاه ابن الجوزي ‪ ،‬و قال أبو حاتم منكر الحديث ليس بالقوي ‪. ( ..‬‬
‫قال ابن حجر – كما في " فيض القدير " ‪ ) : – 245 / 2‬غريب ضعيف ‪ ،‬لكن‬
‫له شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس (‪ .‬قلت ‪ :‬و هو التي ‪.‬‬
‫قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ‪ ) : 169 / 4‬هذا إسناد ضعيف ؛‬
‫لضعف أبي خلف العمى ‪ ،‬و اسمه حازم بن عطاء ( ‪.‬‬
‫الطريق الثاني ‪ :‬أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " ) ‪ ، ( 83‬و الضياء في‬
‫" الحاديث المختارة " ‪129 / 7‬‬
‫) ‪ ، ( 2559‬من طريق مصعب بن إبراهيم القيسي ‪ ،‬عن سعيد بن أبي‬
‫عروبة ‪ ،‬عن قتادة ‪ ،‬عن أنس ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬به ‪.‬‬
‫فيه مصعب بن إبراهيم القيسي ‪ ،‬قال فيه العقيلي ‪ ) :‬في حديثه نظر ( ‪ .‬و‬
‫قال ابن عدي ‪ ) :‬منكر الحديث ( ‪.‬‬
‫انظر ميزان العتدال ‪. 118 / 4‬‬
‫و قال الضياء المقدسي ‪ ) :‬إسناده صحيح ( ! ‪.‬‬
‫‪ – 6‬حديث ابن عباس ‪ -‬رضي الله عنه ‪ : -‬و لفظه )) ل يجمع الله أمتي على‬
‫ضللة أبدا ً ‪ ،‬و يد الله مع الجماعة (( ‪.‬‬
‫‪65‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من طريق إبراهيم بن ميمون العدني ‪ ،‬أخبرني عبد الله بن طاوس ‪ ،‬أنه‬
‫سمع أباه يحدث ‪ ،‬أنه سمع ابن عباس ‪ -‬رضي الله عنه ‪ – -‬فذكره ‪.‬‬
‫أخرجه الترمذي ) ‪ ( 2166‬مختصرا ً ‪ ،‬و حسنه ‪ ،‬و الحاكم في " المستدرك "‬
‫‪ ، 116 / 1‬و صححه ‪ ،‬و البيهقي في " السماء و الصفات " ) ‪ ، ( 702‬و‬
‫اللفظ لهما ‪ ،‬و القضاعي في " مسندالشهاب " ) ‪. ( 239‬‬
‫قلت ‪ :‬هذا إسناد صحيح ‪ ،‬رجاله كلهم ثقات ‪.‬‬
‫قال الحاكم ‪ ) :‬إبراهيم بن ميمون قد عدله عبد الرزاق ‪ ،‬و أثنى عليه ‪ ،‬و عبد‬
‫الرزاق إمام أهل اليمن فتعديله حجة ( ‪.‬‬
‫و قال ابن حجر – كما في " فيض القدير " ‪ ) : - 245 / 2‬رجاله رجال‬
‫الصحيح إل إبراهيم بن ميمون ( ‪.‬‬
‫‪ – 7‬حديث أبي هريرة ‪ -‬رضي الله عنه ‪: -‬‬
‫أخرجه الحارث بن أبي أسامة في " مسنده " ) بغية الباحث رقم ‪ ، ( 54‬و‬
‫الخطيب في " الفقيه و المتفقه " ‪ ، 162 / 1‬و أبو عمرو الداني في " السنن‬
‫الواردة في الفتن " ) ‪ ، ( 367‬من طريق يحيى بن عبيد الله ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن‬
‫أبي هريرة ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬به ‪.‬‬
‫و يحيى بن عبيد الله ‪ ،‬هو ‪ :‬ابن موهب المدني ‪ ،‬متروك ‪ ،‬كما في " التقريب‬
‫" ) ‪. ( 7599‬‬
‫‪ -8‬حديث أبي مسعود البدري ‪ -‬رضي الله عنه ‪: -‬موقوف ‪ ،‬و لفظه ‪:‬‬
‫)) اصبروا حتى يستريح بر ‪ ،‬أو يستراح من فاجر و عليكم بالجماعة فإن الله‬
‫ـ تبارك و تعالى ـ لم يكن ليجمع أمة محمد على ضللة (( ‪.‬‬
‫‪ ...‬و له عنه ثلث طرق ‪:‬‬
‫الطريق الول ‪ :‬أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ‪) 517 / 7‬‬
‫‪ ، ( 37615‬و إسحاق بن راهويه في‬
‫" مسنده " – كما في " المطالب العالية " ) ‪ – ( 3039‬و يعقوب الفسوي‬
‫في " المعرفة " ‪ 244 / 3‬و ‪ 245‬و الطبراني في " الكبير " ‪) 239 / 17‬‬
‫‪ 665‬و ‪ 666‬و ‪ , ( 667‬و ابن أبي عاصم في " السنة " ) ‪ ، ( 85‬و الللكائي‬
‫في " شرح أصول السنة " ) ‪ ، ( 162‬و الخطيب في " الموضح " ‪– 391 / 1‬‬
‫ق ‪ ،‬عن يسير بن‬
‫‪ ، 392‬و البيهقي في " الشعب " ‪ ( 7517 ) 67 / 6‬من طر ٍ‬
‫عمرو ‪ ،‬عن أبي مسعود البدري ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬موقوفا ً من قوله‪.‬‬
‫قال الهيثمي في " المجمع " ‪ ) : 219 / 5‬رجاله ثقات ( ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬يسير بن عمرو ‪ ،‬أدرك زمان النبي ‪ ،‬و له رؤية ‪ ،‬روى له البخاري و‬
‫مسلم ‪.‬‬
‫انظر ‪ :‬تهذيب الكمال ‪. 305 – 302 / 32‬‬
‫و قال ابن حجر في " التلخيص " ‪ ) : 162 / 3‬إسناده صحيح ‪ ،‬و مثله ل يقال‬
‫من قبل الرأي ( ‪.‬‬
‫الطريق الثاني ‪ :‬أخرجه الحاكم في " المستدرك " ‪ 506 / 4‬من طريق‬
‫واصل بن عبد العلى ‪ ،‬حدثنا محمد بن فضيل ‪ ،‬حدثنا أبو مالك الشجعي ‪،‬‬
‫عن أبي الشعثاء ‪ ،‬عن أبي مسعود ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬به ‪.‬‬
‫قال الحاكم ‪ :‬هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه ‪.‬‬
‫الطريق الثالث ‪ :‬أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " ‪( 37615 ) 517 / 7‬‬
‫عن يزيد بن هارون ‪ ،‬عن التيمي عن نعيم بن أبي هند ‪ ،‬عن أبي مسعود‬
‫البدري ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬به ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬هذا إسناد صحيح أيضا ً موقوف ‪ ،‬رجاله ثقات على شرط مسلم ‪.‬و‬
‫التيمي ‪ ،‬هو ‪ :‬سليمان بن طرخان‪.‬‬
‫‪66‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫· ‪ ...‬و الحديث ‪ :‬قال فيه ابن حجر في " تلخيص الحبير " ‪ ) : 162 / 3‬حديث‬
‫مشهور ‪ ،‬له طرق كثيرة ‪ ،‬ل يخلو واحد منها من مقال ( فذكر بعض طرقه ‪،‬‬
‫ثم قال ‪ ) :‬و يمكن الستدلل له بحديث ‪:‬معاوية مرفوعا ً ‪ " :‬ل يزال من أمتي‬
‫أمة قائمة بأمر الله ‪ ،‬ل يضرهم من خذلهم و ل من خالفهم ‪ ،‬حتى يأتي أمر‬
‫الله " أخرجه الشيخان ‪ ..‬و وجه الستدلل منه ‪ :‬أن بوجود هذه الطائفة‬
‫القائمة بالحق إلى يوم القيامة ل يحصل الجتماع على الضللة ( ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬و حديث معاوية ) الذي ذكره ‪ ،‬و شواهده ‪ ،‬سبق تخريجه في هذه‬
‫الرسالة ‪.‬‬
‫و قال ابن حزم في " الحكام " ‪ ) : 527 / 4‬هذا و إن لم يصح لفظه ‪ ،‬و ل‬
‫سنده ‪ ،‬فمعناه صحيح ‪ ،‬بالخبرين المذكورين آنفا ً ( ‪ .‬قلت ‪ :‬يريد حديث‬
‫معاوية ‪ ,‬و ثوبان ‪.‬‬
‫ً‬
‫و قال السخاوي في " المقاصد الحسنة "رقم ‪ – 1288‬بعد أن ذكر طرفا من‬
‫شواهده و طرقه ‪ ) : -‬و بالجملة فهو حديث مشهور المتن ‪ ،‬ذو أسانيد‬
‫كثيرة ‪ ،‬و شواهد متعددة في المرفوع و غيره ( ‪.‬‬
‫و حسنه السيوطي في " الجامع الصغير " ‪. 271 / 2‬‬
‫)‪(13 /‬‬
‫‪.‬‬
‫وكما أن الجماع حجة في فروع الشريعة ‪ ،‬فهو حجة في أصول الدين‬
‫وغ للجتهاد أو البحث فيما أجمع عليه السلف الصالح‬
‫) العقائد ( ‪ ،‬حيث ل مس ّ‬
‫لهذه المة في قرونها الثلثة الولى المفضلة سواء كان ذلك في باب إثبات‬
‫الصفات أو غيره‪.‬‬
‫و بهذا نأتي على نهاية ما نحن بصدده و هو تقرير اعتماد أهل السنة ‪,‬‬
‫ً‬
‫والجماعة على المصادر الثلثة المتفق عليها في باب أصول الدين تقريرا و‬
‫اعتقادا ً ‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬تقديم النقل على العقل عند تع ّ‬
‫ذر الجمع بينهما ‪ ،‬مع التأكيد على أن‬
‫)) المنقول الصحيح ل يعارضه معقول صريح قط ‪ ،‬و ما تنازع فيه الناس‬
‫فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلنها ‪ ،‬بل‬
‫يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع … و ما يعلم بصريح العقل لم‬
‫ث موضوع ‪ ،‬أو دللة‬
‫يخالفه السمع ‪ ،‬والذي يقال إنه يخالفه ؛ إما حدي ٌ‬
‫ضعيفة ‪ ،‬فل يصلح أن يكون دليل ً لو تجرد عن معارضة العقل الصريح فكيف‬
‫إذا خالفه صريح المعقول (( )‪.(1‬‬
‫‪ ...‬و حينما يعرض أهل السنة و الجماعة عن العتداد بالعقل في إقامة‬
‫العقائد ‪ ،‬فهم بذلك يكرمونه و ل يلغونه ‪ ،‬لنهم ينزلونه المنزلة التي أنزله‬
‫الله إياها ‪ ،‬ويكفون عن الزج به فيما ل قبل له بعلمه و إدراك حقيقته ‪.‬‬
‫يقول ابن خلدون )‪ (2‬في مسألة تحكيم العقل في أمور العتقاد ‪:‬‬
‫)) إنك ل تطمع أن تزن به أمور التوحيد ‪ ،‬و الخرة ‪ ،‬و حقيقة النبوة ‪ ،‬وحقائق‬
‫الصفات اللهية ‪ ،‬و كل ما وراءه طوره ‪ ،‬فإن ذلك طمع في محال ‪ ،‬و مثال‬
‫ذلك ‪ :‬مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب ‪ ،‬فطمع أن يزن به‬
‫الجبال ‪ ،‬وهذا ل يدل على أن الميزان في أحكامه غير صادق ؛ لكن العقل قد‬
‫يقف عنده ‪ ،‬ول يتعدى طوره ‪ ،‬حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته ‪ ،‬فإن‬
‫ذّرة من ذرات الوجود الحاصل منه (( )‪.(3‬‬
‫‪ ...‬و مما يدل على أن السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين ‪ ،‬لم‬

‫‪67‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عرف عنهم من العتداد بالقياس ‪ ،‬ول يقوم‬
‫يعطلوا العقل و لم يلغوا دوره ما ُ‬
‫قياس سديد بل عقل رشيد ‪.‬‬
‫‪ ...‬و قد قرر الئمة العلم أن الذي ُيعتد به في باب العقائد هو قياس‬
‫الولى ‪ ،‬وهو الذي يكون الفرع فيه أولى بالحكم من الصل ؛ لقوة العلة فيه‬
‫)‪ ،(4‬ويستدل بهذا النوع من القياس للثبات والنفي في حق الله تعالى ‪.‬‬
‫و في القرآن الكريم استدل ٌ‬
‫ل بهذا النوع من القياس على إثبات صفات‬
‫الكمال للرب سبحانه ‪ ،‬قال تعالى ‪ } :‬و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده و هو‬
‫أهون عليه و له المثل العلى في السماوات والرض و هو العزيز الحكيم { ]‬
‫الروم ‪. [ 27 :‬‬
‫و قال الله تعالى ‪ } :‬و لله المثل العلى { ] النحل ‪ ، [ 60:‬أي ‪ :‬الكمل‬
‫والحسن والطيب )‪.(5‬‬
‫و مما ُنقل عن السلف من الستدلل بهذا النوع من القياس )‪ ، (6‬قول المام‬
‫أحمد رحمه الله ‪ )) :‬ومن العتبار ‪ -‬أي القياس ‪ -‬لو أن رجل ً كان في يديه‬
‫ف ‪ ،‬كان بصر ابن آدم قد أحاط‬
‫ب صا ٍ‬
‫ف ‪ ،‬و فيه شرا ٌ‬
‫قدح من قوارير صا ٍ‬
‫بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح ‪ .‬فالله ‪ ،‬وله المثل العلى ‪ ،‬قد‬
‫أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه (( )‪.(7‬‬
‫س غير هذا في تقرير العقائد ‪ ،‬سواء كان قياس شمول أو تمثيل‬
‫ول يصح قيا ٌ‬
‫)‪ (8‬لقوله تعالى ‪ } :‬فل تضربوا لله المثال { ] النحل ‪. [ 74 :‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬درء تعارض العقل و النقل ‪ ،‬لبن تيمية ‪. 147 / 1‬‬
‫)‪ ... (2‬ابن خلدون ‪ ،‬هو ‪ :‬عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن‬
‫الحسن الحضرمي ‪ ،‬الشبيلي الصل ‪ ،‬التونسي ثم القاهري ‪ ،‬المالكي ‪ ،‬عالم‬
‫‪ ،‬أديب ‪ ،‬مؤرخ ‪ ،‬اجتماعي ‪ ،‬حكيم ‪ ،‬ولد بتونس ‪ ،‬و نشأ بها ‪ ،‬و ولي كتابة‬
‫السر بمدينة فاس ‪ ،‬و رحل إلى غرناطة و بجاية ‪ ،‬و اعتقل ‪ ،‬و تنقلت به‬
‫الحوال إلى أن رجع إلى تونس ‪ ،‬فأكرمه سلطانها ‪ ،‬فسعوا به إلى‬
‫السلطان ‪ ،‬ففر إلى الشرق ‪ ،‬و ولي قضاء المالكية بالقاهرة مرارا ‪ ،‬و اجتمع‬
‫بتمر لنك و أعجبه كلمه و بلغته ‪ ،‬و توفي بالقاهرة فجأة سنة ‪ 808‬هـ ‪/‬‬
‫‪ 1406‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬الحاطة في أخبار غرناطة ‪ ، 516 – 497 / 3‬الضوء‬
‫اللمع ‪ ، 145 / 4‬حسن المحاضرة‬
‫‪ ، 462 / 1‬شذرات الذهب ‪ , 114 / 9‬العلم ‪ ، 330 / 3‬معجم المؤلفين ‪/ 5‬‬
‫‪. 191 – 188‬‬
‫)‪ ... (3‬مقدمة ابن خلدون ‪ ،‬ص ‪. 365 ، 364 :‬‬
‫)‪ ... (4‬انظر ‪ :‬الوجيز في أصول الفقه ‪ ،‬للدكتور وهبة الزحيلي ‪ ،‬ص ‪. 83 :‬‬
‫)‪ ... (5‬انظر ‪ :‬تفسير الطبري ‪. 125 ، 14 / 8‬‬
‫)‪ ... (6‬انظر ‪ :‬درء تعارض العقل والنقل ‪ ،‬لبن تيمية ‪ ،‬بتحقيق محمد رشاد‬
‫سالم ‪. 1/30 :‬‬
‫)‪ ... (7‬الرد على الزنادقة و الجهمية ‪ ،‬للمام أحمد بن حنبل ‪ ،‬ص ‪.39‬‬
‫ً‬
‫)‪ ... (8‬يراد بقياس الشمول ‪ :‬ما كان مركبا ً من مقدمتين فأكثر مستعمل فيه‬
‫لفظة ) كل ( الدالة على الشمول ‪.‬‬
‫و قياس التمثيل ‪ ،‬هو ‪ :‬إلحاق فرع بأصل في الحكم بجامع الوصف المشترك‬
‫بينهما ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ‪ :‬التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية ‪ ،‬للشيخ فالح بن مهدي آل‬
‫مهدي ‪ ،‬ص ‪. 120 ، 119‬‬
‫‪68‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(14 /‬‬
‫و قد اشتد نكير السلف الصالح على من اعتد بعلم الكلم في تقرير العقائد و‬
‫عدوه من أخبث ما توصلت إليه العقول التائهة بعيدا ً عن هدي الكتاب و‬
‫السنة ‪.‬‬
‫فكانوا رضوان الله عليهم أجمعين يحجمون عن الخوض في علم الكلم ‪،‬‬
‫مكتفين بما جاء في النقل الصحيح ‪ ،‬الذي ل ُيخالفه عق ٌ‬
‫ل صريح قط ‪.‬‬
‫قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله ‪:‬‬
‫ما سكتوا عنه من ضروب‬
‫)) من عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم ع ّ‬
‫الكلم ‪ ،‬و كثرة الجدال والخصام ‪ ،‬و الزيادة في البيان على مقدار الحاجة ‪،‬‬
‫ة لله ‪ ،‬و اشتغال ً‬
‫لم يكن عّيا ‪ ،‬ول جهل ً ‪ ،‬ول قصورا ً ‪ ،‬و إنما كان ورعا ً ‪ ،‬و خشي ً‬
‫عما ل ينفع بما ينفع ‪ ،‬وسواء ذلك كلمهم في أصول الدين وفروعه … فمن‬
‫سلك سبيلهم فقد اهتدى (( )‪.(1‬‬
‫و قال في موضع آخر ‪:‬‬
‫)) و أما ما كان مخالفا ً لكلمهم فأكثره باطل ‪ ،‬أو ل منفعة فيه ‪ ،‬وفي كلمهم‬
‫في ذلك كفاية وزيادة ‪ ،‬فل يوجد في كلم من بعدهم من حق إل و هو في‬
‫كلمهم موجود بأوجز لفظ وأقصر عبارة ‪ ،‬ول يوجد في كلم من بعدهم باطل‬
‫إل وفي كلمهم ما يبين بطلنه لمن فهمه وتأمله (( )‪.(2‬‬
‫المقصد الثاني ‪ :‬منهج أهل السنة و الجماعة في فهم نصوص الوحيين والخذ‬
‫بها ‪:‬‬
‫‪ ... ...‬كما أسلفت في مطلع هذا المبحث ‪ ،‬ما من أحد ممن انتسب إلى‬
‫م ما جاء به الكتاب و السنة ‪ ،‬ل‬
‫السلم ‪ ،‬إل و هو ‪ -‬بحسب زعمه ‪ -‬ملتز ٌ‬
‫يجاوزهما إلى ما عداهما حتى و إن خاض في لجج الشبهات ‪ ،‬و وقع في‬
‫البدع و الضللت ‪ ،‬وكان من أهل الزيغ و الهواء ‪.‬‬
‫‪ ... ...‬و لذلك تعين على أتباع السلف ‪ ،‬السائرين على منهج أهل السنة ‪ ،‬أن‬
‫ما صدروا عنه ‪ ،‬فيكون مرجعهم‬
‫يأخذوا مما أخذ منه سلفهم ‪ ،‬و أن يصدروا ع ّ‬
‫في التلقي هو الكتاب و السنة ‪ ،‬على منهج سلف المة ‪ ،‬و بحسب فهم‬
‫السلف الصالح للنصوص و تعاملهم معها ‪.‬‬
‫مل كلم السلف في هذا الباب ‪ ،‬وقف على منهج سديد ‪ ،‬و‬
‫‪ ... ...‬و من تأ ّ‬
‫هدي رشيد ‪ ،‬في الستدلل بالنصوص ‪ ،‬و مما يميز هذا المنهج أموٌر أهمها ‪:‬‬
‫‪ ... ...‬أوّل ً ‪ :‬اليمان المطلق بما جاء عن الله تعالى ‪ ،‬أو عن رسوله المين ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪. -‬‬
‫‪ ...‬ومفهوم اليمان المطلق هو ‪ :‬المرار بل كيف ‪ ،‬فنؤمن بما جاء عن الله و‬
‫عن رسول الله ما عرفنا معناه و ما لم نعرفه ‪ ،‬و سيأتي معنا مزيد بيان لهذا‬
‫المر ‪ ،‬في المطلب التالي إن شاء الله ‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬إثبات معاني النصوص على وجه الحقيقة ل المجاز ‪ ،‬و إمرارها مفهومة‬
‫مبهمة ‪ ،‬مع إثبات ما أثبتته ‪ ،‬و نفي ما نفته ‪ ،‬إذ إن العقل ل يحيل‬
‫المعاني ‪ ،‬ل ُ‬
‫نفي التكييف مع إثبات المعنى وفهم المراد ‪.‬‬
‫وقد قال الحسن البصري رحمه الله ‪ )) :‬ما أنزل الله آية إل وهو يحب أن‬
‫يعلم ما أراد بها (( )‪. (3‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬ترك التأويل الذي يصرف النصوص عن ظاهرها ‪:‬‬
‫ما ذلك إل لن الله تعالى خاطبنا بما نفهم ‪ ،‬فل يجوز أن ُيعدل عن الظاهر ‪،‬‬
‫جبه مما ل تحيله الشرائع و ل العقول ‪ ،‬بل يقتصر من‬
‫ما دام فهمه ممكنا ً ومو َ‬
‫ذلك على ما جاء مبينا ً لمراد الله في كتاب الله ‪ ،‬أو على لسان رسول الله ‪-‬‬

‫‪69‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صلى الله عليه وسلم ‪ ، -‬أو صحابته الذين عايشوا التنزيل ‪ ،‬وفهموا مراد‬
‫ربهم الجليل ‪ ،‬بدون رد ّ أو تأويل ‪.‬‬
‫رابعا ً ‪ :‬الكف عن الخوض في المتشابه ‪ ،‬و تفويض معناه إلى الله ‪ ،‬وهو الذي‬
‫يدل عليه قول المام الشافعي رحمه الله ‪ )) :‬آمنت بما جاء عن الله ‪ ،‬على‬
‫مراد الله و بما جاء عن رسول الله ‪ ،‬على مراد رسول الله (( )‪.(4‬‬
‫خامسا ً ‪ :‬الحتجاج بأخبار الحاد الصحيحة ‪ ،‬و عدم التفريق بين الدلة‬
‫الشرعية الثابتة عن الشارع من حيث الخذ بها في العتقاد ‪ ،‬فأهل السنة‬
‫يستدلون بأدلة الشرع الصلية كلها ‪ ،‬القرآن الكريم والحديث الشريف‬
‫بقسميه المتواتر والحاد التي تلقتها المة بالقبول ‪ ،‬وصحت أسانيدها ‪.‬‬
‫قال المام أحمد إمام أهل السنة في أحاديث ) النزول ( ‪ ،‬و هي من قبيل‬
‫أخبار الحاد ‪ )) :‬نؤمن بها ‪ ،‬ونصدق بها ‪ ،‬ول نرد شيئا ً منها ‪ ،‬إذا كانت بأسانيد‬
‫صحاح (( )‪.(5‬‬
‫ً‬
‫و قال رحمه الله في أحاديث ) الرؤية ( و هي من الحاد أيضا ‪ )) :‬أحاديث‬
‫صحاح نؤمن بها ونقر (( )‪.(6‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬فضل علم السلف ‪ ،‬لبن رجب الحنبلي ‪ ،‬ص ‪. 161‬‬
‫)‪ ... (2‬فضل علم السلف ‪ ،‬ص ‪. 147‬‬
‫)‪ ... (3‬أورده ابن تيمية في " درء تعارض العقل و النقل " ‪ ، 208 / 1‬و ابن‬
‫القيم في " الصواعق المرسلة "‬
‫‪ . 925 / 3‬و انظر ‪ :‬مقدمة شرح العقيدة الطحاوية لبن أبي العز الحنفي ‪،‬‬
‫بقلم عبد القادر الرناؤوط ‪ ،‬و عبد الله التركي ‪ ،‬ص ‪. 32 :‬‬
‫)‪ ... (4‬انظر ‪ :‬ذم التأويل ‪ ،‬ص ‪ 11 :‬و ‪ ، 44‬ونقض المنطق ‪ ،‬ص ‪ ، 2 :‬و‬
‫لمعة العتقاد ص ‪ ، 10 :‬و شرح كتاب التوحيد ص ‪ ، 515 :‬معارج القبول ‪/ 1‬‬
‫‪. 204‬‬
‫)‪ ... (5‬صحيح عن المام أحمد ‪:‬‬
‫أخرجه الخلل – كما في " ذم التأويل " لبن قدامة المقدسي ص ‪ - 22‬و‬
‫الللكائي ‪ ،‬برقم )‪ ، (777‬ص ‪ ، 453 :‬من رواية حنبل بن إسحاق عنه ‪.‬‬
‫)‪ ... (6‬صحيح عن المام أحمد ‪:‬‬
‫رواه الللكائي ‪ ،‬برقم )‪ ، (889‬ص ‪ ، 507 :‬من رواية حنبل بن إسحاق عنه‪.‬‬
‫)‪(15 /‬‬
‫وأهل السنة إذ يأخذون بأخبار الحاد ‪ ،‬ول يرّدون ما صح منها في تقرير‬
‫عقائدهم ‪ ،‬يقابلون بذلك مذهب المعتزلة الذين قدموا العقل على ما نقل من‬
‫طريق الحاد ‪ ،‬حتى وإن كان صحيحا ً ثابتا ً ‪ ،‬فإن ألجئوا إلى قبول شيء منها‬
‫تعسفوا في تأويله ‪ ،‬و جردوه من مضمونه ‪.‬‬
‫يقول القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي )‪ )) :(1‬وأما ما ل ُيعلم كونه‬
‫صدقا ً و ل كذبا ً ‪ ،‬فهو كأخبار الحاد ‪ ،‬وما هو سبيله يجوز العمل به إذا ورد‬
‫بشرائطه ‪ ،‬فأما قبوله فيما طريقه العتقادات فل … إل إذا كان موافقا ً لحجج‬
‫جبه ل لمكانه ‪ ،‬بل للحجة العقلية ‪ ،‬فإن لم يكن موافقا ً‬
‫العقول ‪ ،‬واعتقد مو َ‬
‫لها فإن الواجب أن ُيرد ّ ‪ ،‬وأن ُيحكم أن النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬لم‬
‫يقله ‪ ،‬و إن قاله فإنما قاله عن طريق الحكاية عن غيره (( )‪.(2‬‬
‫وقد حكى الجماع على الخذ بأخبار الحاد والقول بإفادته العلم اليقيني ‪،‬‬
‫بذاته ‪ ،‬أو بما يحفه من القرائن ‪ ،‬جمعٌ من أهل العلم كأبي إسحاق‬

‫‪70‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السفرائيني )‪ ،(3‬وشيخ السلم ابن تيمية ‪ ،‬وتلميذه ابن القيم ‪ ،‬وغيرهم )‬
‫‪. (4‬‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫و كثيرا ما زلت القدام ‪ ،‬و طاشت القلم ‪ ،‬بسبب تعسف كثير من‬
‫المتأخرين ؛ في رد أخبار جياد ٍ صحاح في باب الصفات و غيره ‪ ،‬بدعوى أنها‬
‫من قبيل الحاد التي ل تفيد عندهم علما ً ‪ ،‬و ل تؤخذ منها عقيدة ‪ ،‬و فتح بهذا‬
‫باب فرقة و انقسام يطول بيانه ‪.‬‬
‫المقصد الثالث ‪ :‬منهج أهل السنة و الجماعة في توحيد السماء والصفات ‪:‬‬
‫ملنا المسائل التي اختلفت المة فيها ‪ ،‬و أدت إلى تفّرقها و ظهور البدع‬
‫إذا تأ ّ‬
‫و الفرق فيها ‪ ،‬و جدنا أشهرها ثلث مسائل طال حولها الجدل ‪ ،‬و هي ‪:‬‬
‫مسألة الخلفة و المامة ‪ ،‬و ما تبعها من التفضيل بين الصحابة ‪ ،‬و قد نتج‬
‫عنها ظهور أهل الرفض و النصب ‪.‬‬
‫مسألة القدر ‪ ،‬و ما يتصل بها من أمور التكليف و الجزاء ‪ ،‬و نتج عنها ظهور‬
‫فرق كثيرةٍ منها القدرية و المرجئة و المعتزلة و غيرهم ‪.‬‬
‫مسألة السماء و الصفات ‪ ،‬و ما يجوز في حق الله تعالى و ما يمتنع ‪ ،‬و قد‬
‫نتج عنها ظهور المعطلة ‪ ،‬و المجسمة ‪ ،‬و المشبهة ‪ ،‬و غيرهم ‪.‬‬
‫و قد ظهرت مدارس عقدّية اشتهر الخلف بينها في المسألة الثالثة من هذه‬
‫المسائل ‪ ،‬كمدرسة أهل الحديث من جهة ‪ ،‬و مدرسة الشاعرة و الماتريدية‬
‫من جهة أخرى ‪(5).‬‬
‫و الذي يعنينا في هذا المقام هو منهج أهل السنة أصحاب الحديث في فهم‬
‫النصوص المتعلقة بأسماء الله الحسنى و صفاته العلى ‪ ،‬و اعتقاد ما جاءت‬
‫به ‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬القاضي عبد الجبار الهمذاني ‪ ،‬هو ‪ :‬ابن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد‬
‫بن خليل ‪ ،‬أبو الحسن ‪ ،‬الهمذاني السدآباذي ‪ ،‬المتكلم ‪ ،‬شيخ المعتزلة ‪ ،‬من‬
‫كبار فقهاء الشافعية ‪ ،‬ولي قضاء القضاة بالري ‪ ،‬وتصانيفه كثيرة ‪ ،‬قال‬
‫الذهبي ‪ ) :‬تخرج به خلق في الرأي الممقوت ( ‪ .‬توفي سنة ‪ 415‬هـ ‪1025 /‬‬
‫م ‪ ،‬من أبناء التسعين ‪.‬‬
‫‪ ...‬انظر ترجمته في ‪ :‬تاريخ بغداد ‪ ، 115-113 / 11‬ميزان العتدال ‪/ 2‬‬
‫‪ ، 533‬سير أعلم النبلء ‪ ، 244 / 17‬الطبقات الكبرى للسبكي ‪، 97 / 5‬‬
‫لسان الميزان ‪. 386 / 3‬‬
‫)‪ ... (2‬شرح الصول الخمسة ‪ ،‬لعبد الجبار الهمذاني ‪ ،‬ص ‪. 769 ،768 :‬‬
‫)‪ ... (3‬أبو إسحاق السفرائيني ‪ ،‬هو ‪ :‬إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن‬
‫مهران ‪ ،‬الفقيه ‪ ،‬الستاذ ‪ ،‬المام ‪ ،‬قال عبد الغفار الفارسي ‪ ) :‬أحد من بلغ‬
‫حد الجتهاد ؛ لتبحره في العلوم ‪ ،‬و استجماعه شرائط المامة من العربية و‬
‫الفقه و الكلم و الصول و معرفة الكتاب و السنة ‪ ،‬و كان ثقة ثبتا في‬
‫الحديث ( ‪ .‬توفي بنيسابور سنة ‪ 418‬هـ ‪ 1027 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬المنتخب من السياق رقم ‪ ، 269‬تهذيب السماء و اللغات‬
‫‪ ، 169 / 2‬تبيين كذب المفتري ص ‪ ، 243‬سير أعلم النبلء ‪، 353 / 17‬‬
‫طبقات ابن قاضي شهبة ‪. 160 / 1‬‬
‫)‪ ... (4‬وقد تتبعث أقوال العلماء في هذه المسألة في رسالتي للماجستير‬
‫) أخبار الحاد ‪ :‬دللتها وصحتها في الشرائع والحكام ( المسجلة بجامعة‬
‫الدراسات السلمية بكراتشي سنة ‪1416‬هـ ‪ 1996 /‬م ‪ ،‬بين صفحتي ‪، 69‬‬
‫‪ 109‬فليراجع ‪.‬‬
‫)‪ ... (5‬ليس اختلفهم في هذا الصل فقط ‪ ،‬و هو التأويل كما هو مشهور ‪،‬‬
‫‪71‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بل هناك فروق في أصول أخرى ‪ ،‬كاليمان و القدر و النبوات و غيرها ‪.‬‬
‫و للستزادة حول هذا الموضوع ‪ ،‬انظر ‪ :‬رسالة " منهج الشاعرة في العقيدة‬
‫" للشيخ سفر عبد الرحمن الحوالي‪.‬‬
‫)‪(16 /‬‬
‫ل ما شجر فيه الخلف ‪ ،‬فهم وس ٌ‬
‫ن أهل السنة هم أوسط الناس في ك ّ‬
‫ط‬
‫إ ّ‬
‫في باب أفعال الله تعالى بين القدرية و الجبرية ‪ ،‬و هم في باب وعيد الله‬
‫وس ٌ‬
‫ط بين المرجئة و الوعيدية )‪ ،(1‬و هم وسط في باب اليمان و الدين بين‬
‫الحرورية و المعتزلة ‪ ،‬و بين المرجئة و الجهمّية ‪ ،‬و هم في باب أصحاب‬
‫رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬و رضي عنهم أجمعين وس ٌ‬
‫ط بين‬
‫الروافض و الخوارج )‪.(2‬‬
‫ٌ‬
‫ً‬
‫ما في باب الصفات فهم أيضا وسط بين المجسمة و المشبهة من جهة ‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫والمعطلة و المؤولة من جهة أخرى ‪ ،‬حيث قام مذهبهم على الجمع بين‬
‫قاعدتي الثبات و التنزيه فكانوا أوسط الناس ‪.‬‬
‫و بهذا تتقرر قاعدة ‪ )) :‬الثبات بدون كيف و النفي بدون حيف (( ‪.‬‬
‫ل من الثبات ) القرار ( و النفي ) التنزيه ( أصول ً ل بد من‬
‫غير أن لك ٍ‬
‫مراعاتها ‪ ،‬ولهمية الحاطة بها ‪ ،‬أوجز الحديث عنها فيما يلي )‪:(3‬‬
‫أول ً ‪ :‬الصول التي تقوم عليها قاعدة الثبات في اليمان بالسماء والصفات ‪:‬‬
‫ل وجلل يليقان بالله‬
‫القول في الصفات كالقول في الذات ‪ ،‬فهي صفات كما ٍ‬
‫تعالى ل يشركه و ل يشبهه فيها شيٌء ‪ ،‬كما أنه متفّرد ٌ بذاته تعالى)‪.(4‬‬
‫القول في بعض الصفا ت كالقول في بعضها الخر ‪ ،‬فإن أثبت بعض الصفات‬
‫على وجه الحقيقة لم يجز له أن يجعل ما لم يثبته من قبيل المجاز ‪.‬‬
‫إثبات صفات الكمال بل تمثيل ول تكييف ‪ ،‬فل يسأل عنها ‪ ،‬بكيف هي؟ ول‬
‫يقال ‪ :‬هي مثل صفات كذا أو فلن ‪.‬‬
‫إطلق ما ورد به الشرع ‪ ،‬والستفصال في العبارات المحدثة ‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬الصول التي تقوم عليها قاعدة التنزيه في نفي ما ينفى من الصفات‪:‬‬
‫ليستلزم التنزيه تعطيل الصفات الثبوتية لله تعالى ‪.‬‬
‫الجمال في النفي غالبا ً ‪ ،‬بخلف الثبات الذي يسوغ فيه التفصيل ‪.‬‬
‫إثبات كمال ضد ما ينفى عن الله تعالى من صفات ‪.‬‬
‫ي أو غيره ‪،‬‬
‫اتباع الكتاب والسنة في النفي ‪ ،‬و عدم مجاوزة ما ورد فيهما بنف ٍ‬
‫أو التردد في نفي ما قرر نفيه ‪.‬‬
‫و بمجموع هذه الصول التي قام عليها مذهب أهل السنة و الجماعة في‬
‫مسألة السماء و الصفات يكون الجمع بين الثبات و التنزيه المتعلقين‬
‫بصفات الرب عز وجل ‪.‬‬
‫و قد جمع الله بينهما في قوله سبحانه ‪ } :‬ليس كمثله شيء وهو السميع‬
‫البصير { [ الشورى ‪ ] 11 :‬حيث بدأ بنفي المثيل تنزيها ً ‪ ،‬ثم نسب إليه‬
‫صفتي السمع و البصر إثباتا ً ‪.‬‬
‫و اعتصم بهذه الصول ا السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين فيما روي‬
‫عنهم ‪ ،‬وهو كثيٌر مشهوٌر منه قول المام الوزاعي رحمه الله ‪ )) :‬كنا و‬
‫التابعون متوافرون نقول ‪ :‬إن الله تعالى فوق عرشه ‪ ،‬و نؤمن بما وردت به‬
‫السنة من‬
‫الصفات (( )‪.(5‬‬
‫__________‬

‫‪72‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪ ... (1‬يراد بالوعيدية المعتزلة و من وافقهم كالخوارج الذين قالوا بإنفاذ‬
‫الوعيد في حق صاحب الكبيرة حيث حكموا بخلوده في النار إذا لم يتب منها‬
‫قبل موته ‪.‬‬
‫)‪ ... (2‬للتوسع حول وسطية أهل السنة و الجماعة ان ُ‬
‫ظر ‪ :‬كتابنا ‪ :‬فصل‬
‫هاب ‪ ،‬ص ‪ ، 56- 56 :‬و‬
‫الخطاب في بيان عقيدة الشيخ محمد بن عبد الو ّ‬
‫تعليق الشيخ الدكتور صالح العبود عليه في الموضع المشار إليه ‪.‬‬
‫)‪ ... (3‬انظر هذه الصول والكلم عليها في كتاب ‪ :‬منهج أهل السنة‬
‫والجماعة و منهم الشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف محمد‬
‫نور ‪ ،‬ص ‪. 402 :‬‬
‫و كتاب ‪ :‬منهج المام الشوكاني في العقيدة ‪ ،‬للدكتور عبد الله نومسوك ‪،‬‬
‫ص‪ 359 :‬و ما يليها ‪.‬‬
‫)‪ ... (4‬قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله في " العقيدة الحموية " ‪:‬‬
‫ف تناسب ذاته ‪ ،‬و تلئم حقيقته ‪ ،‬فمن‬
‫)) من المعلوم أن صفات كل موصو ٍ‬
‫لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيٌء ‪ ،‬إل ما ُيناسب المخلوق‬
‫فقد ض ّ‬
‫ل في عقله و دينه (( ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ‪ :‬مجموعة الرسائل الكبرى ‪ ،‬لبن تيمية ‪.474 /1 :‬‬
‫)‪ ... (5‬حسن ‪:‬‬
‫رواه البيهقي في " السماء و الصفات " ‪ ( 865 ) 304 / 2‬عن أبي عبد الله‬
‫الحاكم ‪ ،‬قال ‪ :‬أخبرني محمد بن علي الجوهري ببغداد ‪ ،‬ثنا إبراهيم بن الهيثم‬
‫‪ ،‬ثنا محمد بن كثير المصيصي ‪ ،‬قال ‪ :‬سمعت الوزاعي ‪ ،‬يقول – فذكره ‪.‬‬
‫و رجاله ثقات سوى محمد بن كثير المصيصي ‪ ،‬قال فيه الحافظ ابن حجر‬
‫في " التقريب " ) ‪ ) : ( 6251‬صدوق كثير الخطأ ( ‪.‬‬
‫وذكره شيخ السلم ابن تيمية في " الحموية الكبرى " ) ‪ – 39 / 5‬ضمن‬
‫مجموع الفتاوى ( ‪ ،‬و قال ‪ ) :‬إسناده صحيح ( ‪.‬‬
‫وتبعه ابن القيم ‪ ،‬فصحح إسناده في " الجيوش السلمية " ص ‪ ، 43‬و قال‬
‫في " مختصر الصواعق المرسلة " ) ‪ ( 211 / 2‬بعد أن ذكره بسنده هذا ‪:‬‬
‫) رواته كلهم أئمة ثقات ( ‪.‬‬
‫و صحح إسناده أيضا ً الذهبي في " تذكرة الحفاظ " ‪ 182 – 181 / 1‬بعد أن‬
‫رواه من طريق البيهقي ‪.‬‬
‫ود‬
‫ج‬
‫و‬
‫للبيهقي‬
‫عزاه‬
‫و‬
‫‪406‬‬
‫‪/‬‬
‫‪13‬‬
‫"‬
‫الفتح‬
‫"‬
‫في‬
‫و ذكره الحافظ ابن حجر‬
‫ّ‬
‫إسناده ‪.‬‬
‫)‪(17 /‬‬
‫و روى أبو القاسم الللكائي عنه ‪ -‬أيضا ً ‪ -‬أنه قال ‪ )) :‬كان الزهري )‪ ،(1‬و‬
‫مكحول )‪ (2‬يقولن ‪ :‬أمّروا الحاديث كما جاءت (( )‪ ،(3‬يريدان أحاديث‬
‫الصفات ‪.‬‬
‫و مثل هذا قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس ‪ -‬رضي الله عنه ‪ ، -‬و قد‬
‫سئل عن قوله تعالى ‪ } :‬الرحمن على العرش استوى { ] طه ‪ [ 5 :‬كيف‬
‫ُ‬
‫استوى ؟ فقال ‪)) :‬الكيف غير معقول ‪ ،‬و الستواء منه غير مجهول ‪ ،‬و‬
‫اليمان به واجب ‪ ،‬و السؤال عنه‬
‫بدعة (( )‪.(4‬‬
‫ت عن ربيعة الرأي )‪ ،(5‬شيخ مالك )‪.(6‬‬
‫و مثل هذا الجواب ثاب ٌ‬
‫ّ‬
‫و قال سفيان بن عيينة )‪ )) :(7‬كل شيٍء وصف الله به نفسه في القرآن‬

‫‪73‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مثل (( )‪(8‬‬
‫الكريم فقراءته تفسيره ‪ ،‬ل كيف ‪ ،‬و ل ِ‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬الزهري ‪ ،‬هو ‪ :‬محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب ‪,‬‬
‫أبو بكر القرشي الزهري ‪ ,‬المدني ‪ ،‬المام العلم ‪ ,‬حافظ زمانه ‪ ،‬تابعي ‪،‬‬
‫فقيه ‪ ،‬محدث ‪ ،‬أول من جمع الحديث في زمن عمر بن عبد العزيز رحمه‬
‫الله ‪ ،‬توفي سنة ‪ 124‬هـ ‪ 742 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬وفيات العيان ‪ ، 317 / 3‬المعرفة و التاريخ ‪, 620 / 1‬‬
‫الجرح و التعديل ‪ , 71 / 8‬حلية الولياء ‪ , 360 / 3‬سير أعلم النبلء ‪326 / 5‬‬
‫‪.‬‬
‫)‪ ... (2‬مكحول ‪ ،‬هو ‪ :‬ابن أبي مسلم شهراب بن شاذل ‪ ,‬أبو عبد الله ‪,‬‬
‫الدمشقي ‪ ،‬تابعي ثقة ‪ ،‬عالم الشام و فقيهها توفي سنة ‪ 113‬هـ ‪ 732 /‬م ‪،‬‬
‫و قيل في غيرها ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬طبقات ابن سعد ‪ , 453 / 7‬الجرح و التعديل ‪, 407 / 8‬‬
‫حلية الولياء ‪ , 177 / 5‬وفيات العيان ‪ ، 280 / 5‬تهذيب الكمال ‪, 464 / 28‬‬
‫سير أعلم النبلء ‪. 125 / 5‬‬
‫)‪ ... (3‬صحيح ‪:‬‬
‫أخرجه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم و فضله " ‪ ، ( 1801 ) 943 / 2‬و‬
‫أبو القاسم الللكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة ‪431 / 3‬‬
‫‪ ،‬ومن طريقه ابن قدامة في " ذم التأويل " ‪ ،‬ص‪ 20:‬من طريقين عن أحمد‬
‫بن زهير ‪ ،‬قال ‪ :‬ثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ‪ ،‬قال ‪ :‬ثنا بقية ‪ ،‬قال ‪ :‬ثنا‬
‫الوزاعي فذكره ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬و رجاله كلهم ثقات ‪ ،‬و بقية ‪ ،‬هو ‪ :‬ابن الوليد مدلس و قد صرح‬
‫بالتحديث ‪.‬‬
‫و أحمد بن زهير هو ‪ :‬أبو بكر بن أبي خيثمة الحافظ الكبير ابن الحافظ ‪.‬‬
‫و الثر ‪ :‬عزاه صاحب " التحفة المدنية في العقيدة السلفية " ‪ 76 / 1‬إلى‬
‫الخلل في كتاب السنة ‪.‬‬
‫)‪ ... (4‬صحيح ثابت عن مالك ‪:‬‬
‫أخرجه الدارمي " في الرد على الجهمية " ) ‪ ، ( 104‬و أبو نعيم في " الحلية‬
‫" ‪ ،326 - 325 / 6‬و الللكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة و‬
‫الجماعة " ‪ ، 2/398‬و البيهقي في " السماء و الصفات " ‪) 305 – 304 / 2‬‬
‫‪ 866‬و ‪ ( 867‬و في " العتقاد " ‪ ،‬و البغوي في " شرح السنة " ‪، 171 / 1‬‬
‫و الصابوني في " عقيدة أصحاب الحديث " ) ‪ 24‬و ‪ ، ( 25‬و ابن عبد البر في‬
‫" التمهيد " ‪ 151 / 7‬؛ من طرق عن مالك به ‪.‬‬
‫قال الذهبي في " مختصر العلو " ص ‪ ) : 104 :‬و روى يحيى بن يحيى‬
‫التميمي و جعفر بن عبد الله و طائفة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬جاء رجل إلى مالك ‪-‬‬
‫فذكره (‪ .‬ثم قال ‪ ) :‬هذا ثابت عن مالك ‪ ،‬و تقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك‬
‫وهو قول أهل السنة قاطبة ( ‪.‬‬
‫و قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ‪ ) : 407 ، 406 / 13‬و أخرج البيهقي‬
‫بسند جيد عن عبد الله بن وهب ‪ ،‬قال ‪ :‬كنا عند مالك ‪ (..‬فذكره ‪.‬‬
‫)‪ ... (5‬ربيعة الرأي ‪ ،‬هو ‪ :‬ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ ‪ ،‬المام ‪ ،‬مفتي‬
‫المدينة ‪ ،‬و عالم الوقت ‪ ،‬أبو عثمان ‪ ،‬و يقال ‪ :‬أبو عبد الرحمن ‪ ،‬القرشي‬
‫التيمي مولهم ‪ ،‬من صغار التابعين ‪ ،‬كان من أئمة الجتهاد ‪ ،‬حافظا للفقه و‬
‫الحديث ‪ ،‬توفي ‪ 136‬هـ ‪ 754 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬تاريخ بغداد ‪ ، 420 / 8‬وفيات العيان ‪، 290 – 288 / 2‬‬
‫‪74‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تذكرة الحفاظ ‪ ، 157 / 1‬سير أعلم النبلء ‪. 96 – 89 / 6‬‬
‫)‪ ... (6‬صحيح عن ربيعة ‪:‬‬
‫أخرجه البيهقي في " السماء و الصفات " ‪ ، ( 868 ) 306 / 2‬و الللكائي‬
‫في " شرح أصول العتقاد " رقم ‪ ، 665‬و ابن قدامة في " إثبات صفة العلو‬
‫" ) ‪ ( 90‬من طريق ‪ :‬يحيى بن آدم ‪ ،‬عن ابن عيينة ‪ ،‬عن ربيع ‪ ...‬وأخرجه‬
‫العجلي في " تاريخ الثقات " ص ‪ 158‬رقم ‪ 431‬قال ‪ :‬حدثني أبي عبد الله ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬قيل لربيعة ‪ -:‬فذكره ‪.‬‬
‫و قال شيخ السلم ابن تيمية في " الحموية " ) ‪ – 40 / 5‬ضمن مجموع‬
‫الفتاوى ( ‪ ) :‬وروى الخلل بإسناد رجاله كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن‬
‫عيينة قال ‪ :‬سئل ربيعة ‪ ( ..‬فذكره ‪.‬‬
‫و قال الذهبي في " مختصر العلو " ص ‪ ) : 65‬هذا القول محفوظ عن‬
‫جماعة كربيعة الرأي و مالك ( ‪.‬‬
‫)‪ ... (7‬سفيان بن عيينة ‪ ،‬هو ‪ :‬ابن أبي عمران ‪ ،‬أبو محمد ‪ ،‬الهللي الكوفي ‪،‬‬
‫الحافظ ‪ ،‬المتقن ‪ ،‬المحدث ‪ ،‬شيخ السلم طلب الحديث و هو غلم ‪ ,‬و لقي‬
‫الكبار و حمل عنهم علما جما ‪ ,‬و أتقن ‪ ,‬و جود ‪ ,‬و جمع ‪ ,‬و صنف ‪ ,‬و عمر‬
‫دهرا ‪ ,‬سكن مكة و مات بها ‪ ,‬سنة ‪ 198‬هـ ‪ 814 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬الطبقات لبن سعد ‪ , 497 / 5‬تاريخ بغداد ‪174 / 9‬‬
‫الجرح و التعديل ‪ ، 32 / 1‬تهذيب الكمال ‪ , 177 / 11‬سير أعلم النبلء ‪/ 8‬‬
‫‪. 454‬‬
‫)‪ ... (8‬صحيح ‪:‬‬
‫أخرجه الدارقطني في كتاب " الصفات " ص ‪ ، 70‬و الللكائي في " شرح‬
‫أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة " ‪ ، 431 / 3‬و البغوي في " شرح السنة‬
‫" ‪ 171 / 1‬من طريقين ‪ :‬عن عيسى بن إسحاق بن موسى النصاري ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫سمعت أبي يقول ‪ :‬سمعت سفيان بن عيينة يقول ‪ – :‬فذكره ‪.‬‬
‫و إسناده صحيح ‪ ،‬رجاله ثقات ‪.‬‬
‫وأخرجه البيهقي في " السماء و الصفات " ‪ ، ( 869 ) 307 / 2‬و في "‬
‫العتقاد " ص ‪ ، 118 :‬و الصابوني في " عقيدة أصحاب الحديث " ) ‪( 89‬‬
‫من طريق أحمد بن أبي الحواري عنه ‪ ،‬بلفظ ‪ ) :‬كل ما وصف الله به نفسه‬
‫في كتابه فتفسيره تلوته و السكوت عنه ( ‪.‬‬
‫وقال الحافظ في " الفتح " ‪ ) : 407 / 13‬و أسند البيهقي بسند صحيح عن‬
‫أحمد بن أبي الحواري ‪ (..‬فذكره‪.‬‬
‫)‪(18 /‬‬
‫و قد روي نحو هذا عن عدد ٍ من السلف رضوان الله عليهم أجمعين )‪.(1‬‬
‫من لخص منهج أهل السنة و الجماعة في باب الصفات فأجاد ‪ ،‬المام ابن‬
‫وم ّ‬
‫خزيمة النيسابوري رحمه الله )‪ ،(2‬حيث قال بعد الكلم عن صفة الوجه ‪:‬‬
‫)) نحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز ‪ ،‬و تهامة اليمن ‪ ،‬و العراق ‪ ،‬و الشام ‪،‬‬
‫و مصر ‪ ،‬مذهبنا ‪ :‬إّنا نثبت لله ما أثبته لنفسه ‪ ،‬نقر بذلك بألسنتنا ‪ ،‬و نصدق‬
‫ذلك بقلوبنا ‪ ،‬من غير أن ُنشّبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين ‪ ،‬عّز ربنا‬
‫عن أن ُيشبه المخلوقين ‪ ،‬و ج ّ‬
‫ل ربنا عن مقالة المعطلين ‪ ،‬و عّز أن يكون‬
‫ما يقول‬
‫عدما ً ‪ ،‬كما قاله المبطلون ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن ما ل صفة له عَد َ ٌ‬
‫م ‪ ،‬تعالى الله ع ّ‬
‫الجهمّيون الذين ينكرون صفات خالقنا الذي وصف بها نفسه في محكم‬
‫تنزيله ‪ ،‬و على لسان نبّيه محمد ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪.(3) (( -‬‬

‫‪75‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫و قال العلمة أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني رحمه الله )‪ (4‬في‬
‫رسالته التي وجهها إلى شيوخه بعد أن امتن الله عليه بالرجوع إلى مذهب‬
‫السلف الحق الذي عليه أهل السنة و الجماعة في باب السماء و الصفات )‬
‫‪: (5‬‬
‫)) فصفاته معلومة من حيث الجملة و الثبوت ‪ ،‬غير معلومة من حيث التكييف‬
‫و التحديد ‪ ،‬فيكون المؤمن بها مبصرا من وجه أعمى من وجه ؛ مبصرا من‬
‫حيث الثبات و الوجود ‪ ،‬أعمى من حيث التكييف و التحديد ‪ ،‬و بهذا يحصل‬
‫الجمع بين ما و صف الله تعالى نفسه به و بين نفي التحريف و التشبيه و‬
‫الوقوف ‪ ،‬و ذلك هو مراد الرب تعالى منا في إ براز صفاته لنا ؛ لنعرفه بها و‬
‫نؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه ‪ ،‬و ل نعطلها بالتحريف و التأويل ‪ ،‬و ل‬
‫فرق بين الستواء والسمع ‪ ،‬ول بين النزول و البصر ‪ ،‬الكل ورد فيه النص …‬
‫و من أنصف عرف ما قلناه ‪ ،‬و اعتقده و قبل نصيحتنا و دان لله بإثبات جميع‬
‫صفاته هذه و تلك و نفى عن جميعها التشبيه و التعطيل و التأويل و الوقوف‬
‫… لن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد ‪ ،‬و هو الكتاب و السنة فإذا‬
‫أثبتنا تلك ‪ ،‬و حرفنا هذه وأولنا كنا كمن آمن ببعض الكتاب و كفر ببعض ‪ ،‬و‬
‫في ذلك بلغ و كفاية إن شاء الله تعالى (( )‪(6‬‬
‫فهذا مجمل مذهب أهل السنة و الجماعة في باب صفات الرب عز و جل ‪،‬‬
‫أما تفصيله فيرجع إليه في مظانه من كتب العقائد ‪ ،‬و أصول الدين‬
‫البسيطة ‪.‬‬
‫المقصد الرابع ‪ :‬موقف أهل السنة و الجماعة من أهل الهواء و البدع ‪:‬‬
‫عرف عن أهل السنة أصحاب الحديث رضوان الله عليهم أجمعين التصدي‬
‫ُ‬
‫لهل البدع ‪ ،‬بكشف زيغهم ‪ ،‬و نقض غزلهم ‪ ،‬و التحذير مما أحدثوا ‪،‬‬
‫ومجاهدتهم باللسان و السنان ‪.‬‬
‫و قد اشتد نكير السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين ‪ ،‬على أهل الكلم‬
‫و حذروا من مجالستهم ‪ ،‬وأمروا بمجالدتهم و مجاهدتهم ‪.‬‬
‫فقد روي عن الحسن البصري ‪ ،‬و محمد بن سيرين ) توفيا في عام و احد‬
‫سنة ‪110‬هـ‪ 729 /‬م ( ‪ ،‬أنهما رحمهما الله قال ‪ )) :‬ل تجالسوا أصحاب‬
‫الهواء ‪ ،‬و ل تسمعوا منهم ‪ ،‬و ل تجادلوهم (( )‪(7‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬انظر ‪ :‬جامع بيان العلم و فضله ‪ ،‬لبن عبد البر ‪. 944 / 2‬‬
‫)‪ ... (2‬ابن خزيمة ‪ ،‬هو ‪ :‬محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة ‪ ,‬أبو بكر ‪,‬‬
‫السلمي النيسابوري ‪ ،‬الشافعي المام الحافظ ‪ ،‬الحجة ‪ ،‬الفقيه ‪ ،‬إمام‬
‫الئمة ‪ ,‬صاحب التصانيف ‪ :‬كصحيح ابن خزيمة ‪ ،‬و كتاب التوحيد و إثبات‬
‫صفات الرب عز و جل ‪ ،‬توفي سنة ‪ 311‬هـ ‪ 924 /‬م ‪.‬‬
‫ان ُ‬
‫ظر ترجمته في ‪ :‬الجرح و التعديل ‪ ، 196 / 7‬تاريخ جرجان ص ‪، 413‬‬
‫المنتظم ‪ 184 / 6‬ـ ‪ , 186‬سير أعلم النبلء ‪ ، 365 / 14‬طبقات الشافعية‬
‫للسبكي ‪ 109 / 3‬و ما يليها ‪.‬‬
‫)‪ ... (3‬التوحيد و إثبات صفات الرب عّز و جل ‪ ،‬لبن خزيمة ‪. 26 / 1‬‬
‫)‪ ... (4‬أبو محمد الجويني ‪ ،‬هو ‪ :‬الشيخ المام عبد الله بن يوسف ‪ ،‬والد أبي‬
‫إسحاق الجويني رحمهما الله ‪ ،‬كان ذا دراية تامة بالفقه و الصول و النحو و‬
‫التفسير و الدب ‪ ،‬و بعد عن التقيد بالمذاهب الفقهية و التعصب لها ‪ ،‬فهو‬
‫صاحب وجه في المذهب الشافعي ‪ ،‬لقب بركن السلم ‪ ،‬و توفي سنة ‪438‬‬
‫هـ ‪ 1047 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬المنتظم ‪ ، 130 / 8‬سير أعلم النبلء ‪ ، 617 / 17‬البداية‬
‫‪76‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫و النهاية ‪ ، 55 / 12‬طبقات الشافعية للسبكي ‪. 93 – 73 / 5‬‬
‫)‪ ... (5‬هذه الرسالة مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ‪ ،‬بين صفحتي‬
‫‪ 174‬و ‪ 187‬من المجلد الول بعنوان ‪ :‬رسالة في إثبات الستواء و الفوقية و‬
‫تنزيه الباري عن الحصر و التمثيل و الكيفية ‪.‬‬
‫)‪ ... (6‬مجموعة الرسائل المنيرية ‪. 163 ،182 /1 :‬‬
‫)‪ ... (7‬صحيح ‪:‬‬
‫أخرجه ابن سعد في " الطبقات الكبرى " ‪ ، 172 / 7‬و الدارمي ) ‪ ( 401‬في‬
‫مقدمة سننه ‪ ،‬باب اجتناب أهل الهواء و البدع و الخصومة ‪ ،‬و ابن بطة في "‬
‫البانة الكبرى " ) ‪ ، ( 458 – 395‬و البيهقي في " الشعب ) ‪ ، ( 9467‬و‬
‫الهروي في " ذم الكلم " ‪ ، 296 / 4‬من طرق ‪ :‬عن زائدة بن قدامة ‪ ،‬عن‬
‫هشام بن حسان عنهما به ‪.‬‬
‫و رجاله كلهم ثقات ‪.‬‬
‫و قد جاء عن الحسن وحده ‪ ،‬دون ابن سيرين ‪ ،‬بنفس السناد ‪ ,‬عند الللكائي‬
‫) ‪ ، ( 240‬و ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ) ‪. ( 1803‬‬
‫وروي عن الحسن بمعناه عند ابن أبي حاتم في " الجرح و التعديل " ‪/ 2‬‬
‫‪ ، 33‬و ابن بطة أيضا ) ‪ ، ( 373‬و ابن وضاح في " البدع و الني عنها " ص‬
‫‪ 54‬و ‪. 57‬‬
‫)‪(19 /‬‬
‫‪.‬‬
‫و قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله ) ت ‪198‬هـ ‪ 814 /‬م ( ‪ )) :‬دخلت‬
‫على مالك ‪ ،‬و عنده رجل يسأله عن القرآن ‪ ،‬فقال له مالك ‪ :‬لعلك من‬
‫مرا ً ‪ ،‬فإنه ابتدع هذه البدع من‬
‫أصحاب عمرو بن عبيد )‪ (1‬؟ لعن الله عَ ْ‬
‫الكلم ‪ ،‬ولو كان الكلم علما ً لتكلم فيه الصحابة و التابعون ‪ ،‬كما تكلموا في‬
‫الحكام والشرائع ولكنه باط ٌ‬
‫ل يدل على باطل (( )‪.(2‬‬
‫و قال المام الشافعي رحمه الله ‪ )) :‬لن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ‪،‬‬
‫ما عدا الشرك به ‪ ،‬خير من النظر في الكلم (( )‪.(3‬‬
‫أما حكمه فيهم فهو ‪ )) :‬أن يضربوا بالجريد ‪ ،‬وأن يجلسوا على البل ‪،‬‬
‫ويطاف بهم في العشائر والقبائل ‪ ،‬و ينادى عليهم ‪ :‬هذا جزاء من ترك‬
‫الكتاب والسنة ‪ ،‬و أقبل على الكلم (( )‪.(4‬‬
‫وقال المام أحمد ‪ )) :‬ل تجالسوا أهل الكلم ‪ ،‬و إن ذّبوا عن السنة (( )‪.(5‬‬
‫وقال ‪ )) :‬ل يفلح صاحب كلم أبدا ً ‪ ،‬و ل تكاد ترى أحدا ً نظر في الكلم إل و‬
‫فيه دغل (( )‪.(6‬‬
‫و قال المام البربهاري رحمه الله ‪ )) :‬اعلم أنها لم تكن زندقة ‪ ،‬و ل كفر و ل‬
‫شكوك ‪ ،‬و ل بدعة ‪ ،‬و ل ضللة ‪ ،‬و ل حيرة في الدين إل من الكلم و أهل‬
‫الكلم (( )‪.(7‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إلى غير ذلك من كلم أئمة الهدى الذين رأوا في علم الكلم شرا داهما يجب‬
‫التحذير منه ‪ ،‬و التصدي له ‪.‬‬
‫و أفعالهم تشهد على صدق ما تقدم من كلمهم ‪ ،‬فهذا محمد بن عبد الله‬
‫القحطاني )‪ (8‬رحمه الله يأمر بما في خزائن المستنصر بالله )‪(9‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬عمرو بن عبيد ‪ ،‬هو ‪ :‬أبو عثمان البصري ‪ ،‬كان جده من سبي الفرس‬
‫‪ ،‬كان رأسا ً في العتزال ‪ ،‬ينتقص من أصحاب رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه‬

‫‪77‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وسلم ‪ ، -‬على زهده و عبادته ‪ ،‬قال عنه ابن سعد ‪ ) :‬معتزلي ‪ ،‬صاحب رأي ‪،‬‬
‫ليس بشيء في الحديث ( ‪ .‬و قال ابن عدي ‪ ) :‬قد كفانا السلف مؤونته حيث‬
‫بينوا ضعفه في رواياته وبينوا بدعته و دعائه إليها ‪ ،‬و كان يغر الناس بنسكه و‬
‫تقشفه ‪ ،‬وهو مذموم ‪ ،‬ضعيف الحديث جدا ‪ ،‬معلن بالبدع ‪ ،‬و قد كفانا ما قال‬
‫فيه الناس ( ‪ .‬مات سنة ‪ 143‬هـ ‪ 761 /‬م ‪ ،‬و قيل قبلها ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬الضعفاء للعقيلي ‪ ، 286 – 277 / 3‬المجروحين لبن‬
‫حبان ‪ ، 71 – 69 / 2‬الكامل في الضعفاء لبن عدي ‪ ، 111 – 96 / 5‬ميزان‬
‫العتدال ‪. 280 – 273 / 3‬‬
‫)‪ ... (2‬رواه أبو عبد الرحمن السلمي ‪ ،‬ومن طريقه الهروي في " ذم الكلم‬
‫" ‪ ( 860 ) 72 / 5‬عن محمد بن جعفر بن مطر ‪ ،‬سمعت ش ّ‬
‫كر يقول ‪:‬‬
‫سمعت أبا سعيد البصري يقول ‪ :‬سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ‪– :‬‬
‫فذكره ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أبو سعيد البصري لم أعرفه ‪ ،‬و باقي رجاله ثقات ‪.‬‬
‫ش ّ‬
‫و َ‬
‫ب ‪ :‬محمد بن المنذر بن سعيد السلمي الهروي الحافظ المام‬
‫كر ‪ ،‬هو لق ُ‬
‫العالم ‪ .‬انظر ‪ :‬سير أعلم النبلء ‪. 221 / 14‬‬
‫و الثر ‪ :‬أورده البغوي في " شرح السنة " ‪ ، 217 / 1‬و ابن تيمية في " بيان‬
‫تلبيس الجهمية " ‪ ، 467 / 1‬و السفاريني في " لوامع النوار " ‪. 109 / 1‬‬
‫)‪ ... (3‬صحيح ثابت عن الشافعي ‪:‬‬
‫رواه ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي و مناقبه " ‪ ، 187‬وعنه أبو نعيم في‬
‫" الحلية " ‪ ، 9/111‬و ابن بطة في " البانة " ) ‪ ، ( 661‬و الللكائي في "‬
‫أصول العتقاد " ‪ ، ( 300 ) 146 /1‬و الهروي في "ذم الكلم " ص ‪ ، 355‬و‬
‫ابن عساكر في " تبيين كذب المفتري " ص ‪ ، 337‬عن يونس بن عبد العلى‬
‫عنه ‪.‬‬
‫ويونس بن عبد العلى ‪ ،‬هو ‪ :‬الصدفي المصري ثقة ‪ ،‬كما في " التقريب " )‬
‫‪. ( 7907‬‬
‫)‪ ... (4‬صحيح ثابت عن الشافعي ‪:‬‬
‫رواه عنه الحسن بن محمد الزعفراني ‪ ،‬و الربيع بن سليمان ‪ ،‬فيما أخرجه ‪:‬‬
‫أبو نعيم في " الحلية " ‪ ، 116 / 9‬و ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " )‬
‫‪ ، ( 1794‬و الهروي في " ذم الكلم " ص ‪. 355‬‬
‫وأورده عن الشافعي ‪ :‬البغوي في " شرح السنة " ‪ ، 218 / 1‬و ابن الجوزي‬
‫في " تلبيس إبليس " ‪ 102 / 1‬و ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ‪16/472‬‬
‫‪ ،‬و الذهبي في " سير أعلم النبلء " ‪ ، 20 / 10‬و السيوطي في المر بالتباع‬
‫‪ ،‬ص ‪. 20 :‬‬
‫)‪ ... (5‬رواه ابن الجوزي في " مناقب المام أحمد " ‪ ،‬ص ‪.205 :‬‬
‫)‪ ... (6‬ذكره ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ‪. 942 / 2‬‬
‫)‪ ... (7‬شرح السنة ‪ ،‬للبربهاري ‪ ،‬ص ‪. 38 :‬‬
‫)‪ ... (8‬محمد بن عبد الله القحطاني ‪ ،‬هو ‪ :‬أبو عامر محمد بن عبد الله بن‬
‫أبي عامر ‪ ،‬المعافري ‪ ،‬القرطبي الندلسي ‪ ،‬القائم بأعباء دولة الخليفة‬
‫المؤيد هشام بن المستنصر بالله أمير الندلس ‪ ،‬كان حازما ً سائسا ً ‪ ،‬بطل‬
‫م المحاسن ‪ ،‬كثير الفتوحات ‪ ،‬كان‬
‫وادا ً عادل ً ‪ ،‬ج ّ‬
‫شجاعا ً ‪ ،‬غّزاًء عالما ً ‪ ،‬ج ّ‬
‫الخليفة المؤيد معه صورة بل معنى ‪ ،‬توفي سنة ‪393‬هـ ‪ 1003 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬يتيمة الدهر ‪ ، 62 / 2‬جذوة المقتبس ص ‪ ، 78‬بغية‬
‫الملتمس ص ‪ ، 105‬سير أعلم النبلء ‪ ، 15 / 17‬الوافي بالوفيات ‪، 312 / 3‬‬
‫شذرات الذهب ‪. 499 / 4‬‬
‫‪78‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪ ... (9‬المستنصر بالله ‪ ،‬هو ‪ :‬الحكم بن عبد الرحمن الناصر لدين الله ‪،‬‬
‫الموي ‪ ،‬الملقب ‪ :‬أمير المؤمنين في الندلس ‪ ،‬كان ذا علم وسيرة حسنة ‪،‬‬
‫جامعا ً للكتب ‪ ،‬مكرما ً للعلماء ‪ ،‬توفي سنة ‪366‬هـ ‪ 977 /‬م ‪.‬‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬جذوة المقتبس ص ‪ ، 13‬الكامل لبن الثير ‪، 224 / 8‬‬
‫نفح الطيب ‪ ، 396 – 382 / 1‬سير أعلم النبلء ‪. 271 - 269 / 8‬‬
‫)‪(20 /‬‬
‫مر‬
‫الجامعة لكتب من مؤلفات علم المنطق و الفلسفة والنجوم ‪ ،‬فتخرج ثم يأ ُ‬
‫بإحراقها و إفسادها ‪ ،‬فيحرق البعض ويطرح البعض الخر في آبار القصر ‪ ،‬ثم‬
‫ُيهال عليها التراب ‪ ،‬بمشهد من العلماء ‪ ،‬و كانت كثيرة جدا )‪.(1‬‬
‫وهذا عبد السلم بن عبد الوهاب )‪ (2‬الذي شغل نفسه ‪ ،‬و أفنى عمره في‬
‫دراسة المنطق و الفلسفة و علم النجوم ‪ ،‬يحا َ‬
‫كم ثم ُيقضي بفسقه ‪ ،‬و يحكم‬
‫بإحراق كتبه ‪ ،‬فقد ذكر ابن رجب الحنبلي رحمه الله ‪ ،‬و غيره أن العلماء‬
‫قرأوا كتبه كتابا ً كتابا ً ‪ ،‬و كانوا كلما ُقرئ كتاب منها ‪ ،‬قيل ‪ :‬العنوا من كتبها و‬
‫من يعتقدها ‪ ،‬فيضج العامة باللعن ‪ ،‬و يرمون بها في النار )‪.(3‬‬
‫هذا هو موقف السلف الصالح من أهل الهواء و البدع ‪ ،‬إنكار باللسان ‪ ،‬و‬
‫مجالدة بالسنان ‪ ،‬و تغيير للمنكر بالقلب و اللسان و اليد ‪ ،‬رزقنا الله‬
‫اتباعهم ‪ ،‬وحفظنا من شبهات من عارضهم و ناوأهم ‪.‬‬
‫و بهذا أنهي ما تسنى لي جمعه و تحريره من معالم منهج أهل السنة و‬
‫الجماعة في أصول الدين ‪ ،‬و هو منهج أهل السنة و الحديث رضوان الله‬
‫عليهم أجمعين ‪ ،‬و أدفع به إلى من أرجو أن ينتفع بما فيه و ما توفيقي إل‬
‫بالله عليه توكلت و إليه أنيب ‪.‬‬
‫و صلى الله تعالى على نبينا محمد و آله و صحبه و سلم ‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ ... (1‬انظر ‪ :‬طبقات المم ‪ ،‬للقاضي صاعد ‪ ،‬ص ‪ ، 66‬و سير أعلم النبلء‬
‫‪. 269 / 8‬‬
‫)‪ ... (2‬هو عبد السلم بن عبد الوهاب بن الشيخ عبد القادر الجبيلي ‪ ،‬أبو‬
‫منصور ‪ ،‬قال ابن النجار ‪ ) :‬كان ظريفا ‪ ،‬لطيف الخلق ‪ ،‬إل أنه كان فاسد‬
‫خّل ً‬
‫العقيدة ( ‪ .‬و قال الذهبي ‪ ) :‬الفاسد العقيدة الذي أحرقت كتبه ‪ ،‬و كان ِ‬
‫ي ابن الجوزي يجمعهما عدم الورع ( ‪ .‬توفي سنة ‪611‬هـ ‪ 1215 /‬م ‪.‬‬
‫لعل ّ‬
‫انظر ترجمته في ‪ :‬مرآة الزمان ‪ ، 571 / 8‬التكملة لوفيات النقلة للمنذري‬
‫رقم ‪ ، 1348‬سير أعلم النبلء ‪ ، 55 / 22‬البداية و النهاية ‪. 68 / 13‬‬
‫)‪ ... (3‬انظر ‪ :‬ذيل طبقات الحنابلة ‪ ،‬لبن رجب ‪. 72 ، 71 / 2‬‬
‫)‪(21 /‬‬
‫الحث على إغتنام الوقات بالعمال الصالحات قبل الندم عليها‬
‫ابن رجب الحنبلي‬
‫دار ابن خزيمة‬
‫الحمد لله رب العالمين والصلة والسلم على سيد المرسلين وعلى آله‬
‫وصحبه أجمعين وبعد‪:‬‬
‫فهذه الرسالة الصغيرة هي عبارة عن شرح الحديث رقم ألبعين من متن‬
‫الربعين النووية للمام النووي رحمه الله حيث قام الحافظ ابن رجب الحنبلي‬

‫‪79‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بشرح الحديث شرحا ً وافيا ً في كتابه المسمى "جامع العلوم والحكم في‬
‫شرح خمسين حديثا ً من جوامع الكلم" مستشهدا ً باليات و الحديث النبوية‬
‫مكثرا ً من النقول من أقوال الصحابة والسلف و التابعين فجاء شرحه مليئا ً‬
‫بالمواعظ ومؤثرا ً في النفس‪.‬‬
‫وقد رأت دار ابن خزيمة أن تنشر هذه الرسالة ليستفيد منها الناس و يعم‬
‫نفعها تحت اسم "الحث على إغتنام الوقات بالعمال الصالحات قبل الندم‬
‫عليها"‪ .‬ندعوا الله أن ينفع بها المسلمين ويغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا إنه غفور‬
‫رحيم‪.‬‬
‫الحث على الستعداد للخرة‬
‫عن ابن عمر رضي الله عنهما‪ ،‬قال‪ :‬أخذ رسول الله بمنكبي فقال‪ } :‬كن في‬
‫الدنيا كأنك عابر سبيل أو عابر سبيل {‪ .‬وكان ابن عمر رضي الله عنهما‬
‫يقول‪ :‬إذا أمسيت فل تنتظر الصباح‪ ،‬وإذا أصبحت فل تنتظر المساء‪ ،‬وخذ من‬
‫صحتك لمرضك‪ ،‬ومن حياتك لموتك‪] .‬رواه البخاري[‪.‬‬
‫هذا الحديث أصل في قصر المل في الدنيا‪ ،‬وأن المؤمن ل ينبغي له أن يتخذ‬
‫الدنيا وطنا ً ومسكنًا‪ ،‬فيطمئن فيها‪ ،‬ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح‬
‫مَتاعٌ‬
‫ما هَذِهِ ال ْ َ‬
‫حَياةُ الد ّن َْيا َ‬
‫سفر‪ :‬يهيء جهازه للرحيل‪ ،‬قال تعالى‪َ :‬يا قَوْم ِ إ ِن ّ َ‬
‫قَرارِ ]غافر‪ .[39:‬وكان النبي يقول‪ } :‬مالي وللدنيا إنما‬
‫ي َداُر ال ْ َ‬
‫ن اْل ِ‬
‫وَإ ِ ّ‬
‫خَرة َ هِ َ‬
‫مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها { ]رواه‬
‫أحمد من حديث ابن مسعود ‪ ،1/391‬والترمذي )‪ ،(2377‬وقال‪ :‬حسن‬
‫صحيح[‪.‬‬
‫وكان علي بن أبي طالب يقول‪ :‬إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة‪ ،‬وإن الخرة قد‬
‫ارتحلت مقبلة‪ ،‬ولكل منهما بنون‪ ،‬فكونوا من أبناء الخرة‪ ،‬ولتكونوا من أبناء‬
‫الدنيا‪ ،‬فإن اليوم عمل ول حساب‪ ،‬وغذا ً حساب ول عمل‪.‬‬
‫قال بعض الحكماء‪ :‬عجب ممن الدنيا مولية عنة‪ ،‬والخرة مقبلة إليه‬
‫بالمدبرة‪ ،‬ويعرض عن المقبلة‪.‬‬
‫وقال عمر ابن عبدالعزيز في خطبته‪ :‬إن الدنيا ليست بدار قراركم‪ ،‬كتب الله‬
‫عليها الفناء‪ ،‬وكتب على أهلها منها الظعن‪ ،‬فاحسنوا – رحمكم الله – منها‬
‫الرحلة بأحسن ما بحضراتكم من النقلة‪ ،‬وتزودوا فإن خير الزاد التقوى‬
‫]الحلية‪.[5/292 :‬‬
‫حال المؤمن في الدنيا‬
‫وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن ذار إقامة ول وطنًا‪ ،‬فينبغي للمؤمن أن يكون حاله‬
‫فيها على أحد حالين‪ :‬إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة‪ ،‬همه التزود‬
‫للرجوع إلى وطنه‪ ،‬أو يكون كأنه مسافر غير المقيم البتة‪ ،‬بل هو ليله و‬
‫نهاره‪ ،‬يسير إلى بلد القامة‪ ،‬فلهذا وصى النبي ابن عمر أن يكون في الدنيا‬
‫على أحد هذين الحالين‪.‬‬
‫فأحدهما‪ :‬أن ينزل المؤمن نفسه كأنه غريب في الدنيا يتخيل القامة‪ ،‬لكن‬
‫في بلد غربة‪ ،‬فهو غير متعلق القلب في بلد الغربة‪ ،‬بل قلبه معلق بوطنه‬
‫الذي يرجع إليه‪ .‬قال الحسن‪ :‬المؤمن في الدنيا كالغريب ل يجزع من ذلها‪،‬‬
‫ول ينافس في عزها‪ ،‬له شأن وللناس شأن‪.‬‬
‫لما خلق آدم أسكن هو وزوجته الجنة‪ ،‬ثم أهبطها منها‪ ،‬ووعدا الرجوع إليها‪،‬‬
‫وصالح ذريتهما‪ ،‬فالمؤمن أبدا ً يحن إلى وطنه الول‪.‬‬
‫كان عطاء السليمي يقول في دعائه‪ :‬اللهم ارحم في الدنيا غربتي‪ ،‬وارحم‬
‫في القبر وحشتي‪ ،‬وارحم موقفي غذا ً بين يديك ]الحلية ‪.[6/217‬‬
‫وما أحسن قول يحيى بن معاذ الرازي‪ :‬الدنيا خمر الشيطان‪ ،‬من سكر منها‬
‫‪80‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لم يفق إل في عسكر الموتى نادما ً مع الخاسرين‪.‬‬
‫الحال الثاني‪ :‬أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا كأنه مسافر غير مقيم البتة‪،‬‬
‫وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به السفر إلى آخره‪ ،‬وهو‬
‫الموت‪ .‬ومن كانت هذه حاله في الدنيا‪ ،‬فهمته تحصيل الزاد للسفر‪ ،‬وليس له‬
‫همة في الستكثار من الدنيا‪ ،‬ولهذا أوصى النبي جماعة من أصحابه أن يكون‬
‫بلغهم من الدنيا كزاد الراكب‪ .‬قيل لمحمد بن واسع‪ :‬كيف أصبحت؟ قال‪ :‬ما‬
‫ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى الخرة‪.‬‬
‫الحث على اغتنام أوقات العمر‬
‫وقال الحسن‪ :‬إنما أنت أيام مجموعة‪ ،‬كلما مضى يوم مضى بعضك‪ .‬وقال‬
‫ابن آدم إنما أنت بين مطيتين يوضهانك‪ ،‬يوضعك النهار إىل الليل‪ ،‬و الليل إلى‬
‫النهار‪ ،‬وحتى يسلمانك إلى الخرة‪.‬‬
‫قال داود الطائي‪ :‬إنما الليل و النهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى‬
‫ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم‪ ،‬فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا ً‬
‫لما بين يديها‪ ،‬فافعل‪ ،‬فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو‪ ،‬والمر أعجل من‬
‫ذلك‪ ،‬فتزود لسفرك‪ ،‬واقض ما أنت قاض من أمرك‪ ،‬فكأنك بالمر قد بغتك‪.‬‬
‫وكتب بعض السلف إلى أخ له‪ :‬يا أخي يخيل لك أنك مقيم‪ ،‬بل أنت دائب‬
‫السير‪ ،‬تساق مه ذلك سوقا ً حثيثًا‪ ،‬الموت موجه إليك‪ ،‬والدنيا تطوى من‬
‫ورائك‪ ،‬وما مضى من عمرك‪ ،‬فليس بكار عليك‪.‬‬
‫سبيلك في الدنيا سبيل مسافر *** ول بد من زاد لكل مسافر‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ول بد للنسان من حمل عدة *** ول سيما إن خاف صولة قاهر‬
‫قال بعض الحكماء‪ :‬كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره‪ ،‬وشهره يهدم‬
‫سنته‪ ،‬وسنته تهدم عمره‪ ،‬وكيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله‪ ،‬وتقوده‬
‫حياته إلى موته‪.‬‬
‫و قال الفضيل بن عياض لرجل‪ :‬كم أتت عليك؟ قال‪ :‬ستون سنة‪ ،‬قال‪ :‬فأنت‬
‫منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬فما الحيلة؟ قال‪:‬‬
‫يسيرة‪ ،‬قال‪ :‬ما هي؟ قال‪ :‬تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى؛ فإنك إن‬
‫أسأت فيما بقى‪ ،‬أخذت بما مضى وبما بقي‪.‬‬
‫قال بعض الحكماء‪ :‬من كانت الليالي و اليام مطياه‪ ،‬سارت به وإن لم يسر‪،‬‬
‫وفي هذا قال بعضهم‪:‬‬
‫وما هذه اليام إل مراحل *** يحث بها داع إلى الموت قاصد‬
‫وأعجب شيء ‪ -‬لو تأملت – أنها *** منزل تطوى والمسافر قاعد‬
‫قال الحسن‪ :‬لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص العمار‪ ،‬وتقريب‬
‫اللجال‪ .‬وكتب الوزاعي إلى أخ له‪ :‬أما بعد‪ ،‬فقد أحيط بك من كل جانب‪،‬‬
‫واعلم أنه يسلر بك في كل يوم وليية‪ ،‬فاحذر الله والمقام بين يديه‪ ،‬وأن‬
‫يكون آخر عهدك به‪ ،‬والسلم‪.‬‬
‫نسير إلى الجال في كل لحظة *** وأيامنا تطوى وهن مراحل‬
‫ولم أر مثل الموت حقا ً كأنه *** إذا ما تخطه الماني باطل‬
‫وما أقبح التفريط في زمن الصبا *** فكيف به والشيب للرأس شامل‬
‫ترحل من الدنيا بزاد من التقى *** فعمرك أيام وهن قلئل‬
‫ذم طول المل والحث على تقصيره‬
‫وأما وصية ابن عمر رضي الله عنهما‪ ،‬فهي مأخوذة من هذا الحديث الذي‬

‫‪81‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫رواه‪ ،‬وهي متضمنة لنهاية قصر المل‪ ،‬وأن النسان إذا أمسى لم ينتظر‬
‫الصباح‪ ،‬وإذا أصبح لم ينتظر المساء‪ ،‬بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك‪ ،‬قال‬
‫المروذي‪ :‬قلت لبي عبدالله ‪ -‬يعني أحمد – أي شيء الزهد بالدنيا؟ قال‪:‬‬
‫قصر المل‪ ،‬من إذا أصبح‪ ،‬قال‪ :‬ل أمسي‪.‬‬
‫وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال لهله‪ :‬أستودعكم الله‪ ،‬فلعلها أن‬
‫تكون منيتي التي ل أقوم منها‪ ،‬فكان هذا دأبه إذا أراد النوم‪ ،‬وقال بكر‬
‫المزني‪ :‬إن استطاع أحدكم أن ل يبيت إل وعهده عند رأسه مكتوب‪ ،‬فليفعل‪،‬‬
‫فإنه ل يدري لعله أن يبيت في أهل الدنيا‪ ،‬ويصبح في أهل الخرة‪.‬‬
‫وقال عون بن عبدالله‪ :‬ما أنزل الموت كنه منزلته من عد ّ غدا ً من أجله‪،‬‬
‫وقال بكر المزني‪ :‬إذا أردت أن تنفعك صلتك فقل‪ :‬لعلي ل أصلي غيرها‪،‬‬
‫وهذا مأخوذ مما روي عن النبي أنه قال‪ } :‬صل صلة مودع { ]حديث‬
‫حسن[‪ ،‬ومما أنشد بعض السلف‪.‬‬
‫إنا لنفرح باليام نقطعها *** وكل يوم مضى يدني من الجل‬
‫فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا ً *** فإنما الربح والخسران بالعمل‬
‫الحث على استغلل أيام العمر في العمال الصالحة‬
‫قوله‪" :‬وخذ من صحتك لسقمك‪ ،‬ومن حياتك لموتك"‪ ،‬يعني‪ :‬اغتنم العمال‬
‫الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك و بينها السقم‪ ،‬وفي الحياة قبل أن‬
‫يحول بينك وبينها الموت‪ .‬وقد روي معني هذه الوصية عن النبي ‪ } :‬نعمتان‬
‫مغبون فيهما كثير من الناس‪ :‬الصحة والفراغ {‪ ،‬وعن ابن عباس أن رسول‬
‫الله قال لرجل وهو يعظه‪ } :‬اغتنم خمسا ً قبل خمس‪ :‬شبابك قبل هرمك‪،‬‬
‫وصحتك قبل سقمك‪ ،‬وغناك قبل فقرك‪ ،‬وفراغك قبل شغلك‪ ،‬وحياتك قبل‬
‫موتك {‪.‬‬
‫ً‬
‫وعن أبي هريرة عن النبي ‪ } :‬بادروا بالعمال ستا‪ :‬طلوع الشمس من‬
‫مغربها‪ ،‬أو الدخان‪ ،‬أو الدجال‪ ،‬أو الدابة‪ ،‬وخاصة أحدكم‪ ،‬أو العامة {‪.‬‬
‫ْ‬
‫ض‬
‫وبعض هذه المور العامة ل ينفع بعدها عمل‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬ي َوْ َ‬
‫م ي َأِتي ب َعْ ُ‬
‫فسا ً إيمانها ل َم تك ُن آمنت من قَب ُ َ‬
‫ت َرب ّ َ‬
‫مان َِها‬
‫فع ُ ن َ ْ‬
‫ك ل َ َين َ‬
‫ْ َ ْ َ َ ْ ِ‬
‫آَيا ِ‬
‫ْ‬
‫ل أوْ ك َ َ‬
‫ت ِفي ِإي َ‬
‫سب َ ْ‬
‫ِ َ َُ‬
‫ً‬
‫خْيرا ]النعام‪.[158:‬‬
‫َ‬
‫وفي الصحيحين عن أبي هريرة‪ ،‬عن النبي ‪ ،‬قال‪ } :‬ل تقوم الساعة حتى‬
‫تطلع الشمس من مغربها‪ ،‬فإذا طلعت ورآها الناس‪ ،‬آمنوا أجمعون‪ ،‬فذلك‬
‫حين ل ينفع نفسا ً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ً {‬
‫]رواه البخاري ومسلم[‪.‬‬
‫وعنه قال‪ } :‬ثلث إذا خرجن لم ينفع نفسا ً إيمانها لم تكن آمنت من قبل‪ ،‬أو‬
‫كسبت في إيمانها خيرًا‪ :‬طلوع الشمس من مغربها‪ ،‬والدجال‪ ،‬ودابة‬
‫الرض {‪.‬‬
‫فالواجب على المؤمنين المبادرة بالعمال الصالحة قبل أن ل يقدر عليها‬
‫ويحال بينه وبينها‪ ،‬إما بمرض أو موت‪ ،‬أو بأن يدركه بعض هذه اليات التي ل‬
‫يقبل معها عمل‪.‬‬
‫قال أبو حازم‪ :‬إن بضاعة الخرة كاسدة و يوشك أن تنفق‪ ،‬فل يوصل منها‬
‫إلى قليل ول كثير‪ .‬ومتى حيل بين النسان والعمل لم يبق له إل الحسرة‬
‫والسف عليها‪ ،‬يتمنى الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل‪ ،‬فل تنفعه‬
‫المنية‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬

‫‪82‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ْ‬
‫قال تعالى‪ :‬وأ َِنيبوا إَلى ربك ُم وأ َسل ِموا ل َه من قَب َ‬
‫م ال ْعَ َ‬
‫م َل‬
‫ُ ِ‬
‫ذا ُ‬
‫ب ثُ ّ‬
‫ل أن ي َأت ِي َك ُ ُ‬
‫َ ّ ْ َ ْ ُ‬
‫ْ ِ‬
‫َ ُ َ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م العَ َ‬
‫ب‬
‫ذا ُ‬
‫ن‪َ ،‬وات ّب ُِعوا أ ْ‬
‫صُرو َ‬
‫ح َ‬
‫ل أن ي َأت ِي َك ُ‬
‫من ّرب ّكم ّ‬
‫ما أنزِل إ ِلي ْكم ّ‬
‫ن َ‬
‫ُتن َ‬
‫من قب ْ ِ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب‬
‫قول ن َ ْ‬
‫م ل ت َشعُُرون‪ ،‬أن ت َ ُ‬
‫ب َغْت َ ً‬
‫ت ِفي َ‬
‫س َيا َ‬
‫ح ْ‬
‫ما فّرط ُ‬
‫سَرَتى على َ‬
‫ة وَأنت ُ ْ‬
‫جن ِ‬
‫ف ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن‪،‬‬
‫قي‬
‫ت‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ت‬
‫كن‬
‫ل‬
‫ني‬
‫دا‬
‫ه‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫أ‬
‫و‬
‫ل‬
‫ل‬
‫قو‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫و‬
‫أ‬
‫ن‪،‬‬
‫ري‬
‫خ‬
‫سا‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫ت‬
‫كن‬
‫إن‬
‫و‬
‫َ َ َ ِ‬
‫ّ ِ ِ َ ْ َ‬
‫ْ ّ‬
‫ُ ِّ َ‬
‫ُ ِ َ‬
‫ُ ِ َ‬
‫َالل ّهِ َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ِلي ك َّرةً فَأ ُ‬
‫قو َ‬
‫ن ت ََرى ال ْعَ َ‬
‫ن ]الزمر‪-54:‬‬
‫أوْ ت َ ُ‬
‫ل ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن ِ‬
‫م ْ‬
‫كو َ‬
‫ب ل َوْ أ ّ‬
‫ذا َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫سِني َ‬
‫م َ‬
‫حي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ت َقا َ‬
‫ل‬
‫ل َر ّ‬
‫جاء أ َ‬
‫حّتى إ َِذا َ‬
‫‪ ،[58‬وقال تعالى‪َ :‬‬
‫ن‪ ،‬ل َعَّلي أعْ َ‬
‫ب اْر ِ‬
‫مو ْ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫حد َهُ ُ‬
‫جُعو ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫من وََرائ ِِهم ب َْرَز ٌ‬
‫ن‬
‫م ٌ‬
‫ة هُوَ َقائ ِلَها وَ ِ‬
‫خ إ ِلى ي َوْم ِ ي ُب ْعَُثو َ‬
‫ت ك َل إ ِن َّها ك َل ِ َ‬
‫ما ت ََرك ْ ُ‬
‫صاِلحا ً ِفي َ‬
‫َ‬
‫]المؤمنون‪.[100-99:‬‬
‫اغتنم في الفراغ فضل ركوع *** فعسى أن يكون موتك بغته‬
‫كم صحيح رأيت من غير سقم *** ذهبت نفسه الصحيحة فلته‬
‫وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫الحث على صلة الرحم‬
‫الحمد لله والصلة والسلم على رسول الله ‪..‬‬
‫وبعد ‪ :‬فهذه أحاديث تربوية في مجال صلة الرحم ‪ .‬فمن ذلك ما أخرجه‬
‫الترمذي رحمه الله تعالى من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه‬
‫عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه قال قال الله تعالى‬
‫" أنا خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي‪ ,‬فمن وصلها وصلته ومن‬
‫قطعها قطعته‪ ,‬ومن بتها بتته " )]‪. ([1‬‬
‫الرحم مشتقة من الرحمة والله جل وعل هو الرحمن الرحيم ‪ ,‬والرحم تشمل‬
‫جميع القارب‪ ,‬وفي هذا الحديث بيان عظيم لمنزلة الرحم وحقوق القرابة ‪.‬‬
‫ون من الفراد ‪ ,‬وأول ما يجمع الفراد قرابة الرحم‪ ,‬فإن أول‬
‫فالمجتمع مك ّ‬
‫مه وأبوه وأخوته‪ ,‬على مرآهم ينشأ ‪ ,‬ومن حنانهم‬
‫من تقع عليه عينا الوليد أ ّ‬
‫يرضع الحب والرحمة ‪ ,‬ومن معاملتهم يكتسب الخلق والداب ‪ ,‬ثم تأتي‬
‫منزلة أقاربه القرب فالقرب ‪ ,‬فهم أقرب الناس إليه ‪ ,‬وأكثرهم اتصال به ‪,‬‬
‫فإذا هو قطع رحمه فإن عقوقه لمجتمعه يكون أولى وأحرى ‪ ,‬فإذا حصلت‬
‫القطيعة بين ذوي الرحام ‪ ,‬فإن تلك القطيعة تسري إلى المجتمع فيتباعد‬
‫أفراده ‪ ,‬وينشؤون على الحقد والنانية ‪ ,‬فتعم الثرة ثم يقع التنافس على‬
‫حطام الدنيا ‪ ,‬ويكثر النزاع ‪ ,‬فيفسد بذلك عمران الرض ‪ ,‬وإنما يكون صلحها‬
‫بمكارم الخلق وإيثار المصلحة العامة على المصلحة الخاصة‪ ,‬وذلك يكون‬
‫أول بصلة الرحم وحفظ حقوق القارب وبذل المعروف لهم ‪ ,‬وتمرين النفس‬
‫على مواصلة ذلك حتى تصبح هذه الصلة خلقا لزما للنسان ‪ ,‬وبالتالي تمتد‬
‫ون بذلك المجتمع الصالح ‪.‬‬
‫هذه الصلة من القرابة إلى أفراد المجتمع ‪ ,‬فيتك ّ‬
‫وإنه لشرف عظيم لواصل الرحم أن يصله الله تعالى ! وهل يطمع النسان‬
‫العاقل بشرف أعلى من هذا الشرف ؟! أم هل يطمح بصره إلى منزلة أعلى‬
‫من هذه المنزلة ؟!‬
‫َ‬
‫ة أيّ ضعة أن يقطع الله تعالى عبده ! وإنه لهول كبير‬
‫وبمقابل ذلك فإنه لضعَ ٌ‬
‫وخسارة فادحة أن يتخلى الله جل وعل عن عبده ‪ ,‬ويبين رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم هذا المعنى في حديث آخر بتعبير مؤثر في الضمائر الحية‬
‫والعقول الرشيدة حيث يقول " الرحم معلقة بالعرش ‪ ,‬تقول ‪ :‬من وصلني‬
‫وصله الله‪ ,‬ومن قطعني قطعه الله " أخرجه المام مسلم رحمه الله من‬
‫حديث عائشة رضي الله عنها )]‪. ([2‬‬

‫‪83‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ويبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة صلة الرحم بقوله ‪ " :‬ليس‬
‫الواصل بالمكافئ ‪ ,‬ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" أخرجه الئمة‬
‫البخاري وأبو داود والترمذي رحمهم الله تعالى من حديث عبد الله بن عمرو‬
‫بن العاص رضي الله عنهما )]‪. ([3‬‬
‫فالواصل حقا ليس هو الذي يكتفي بأن يبادل الصلة بمثلها ‪ ,‬فيصل من وصله‬
‫ويقطع من قطعه‪ ,‬وإنما الواصل حقا الذي يعرف واجب الرحم حق المعرفة‬
‫هو الذي يصل أقاربه جميعا حتى من قطع صلته به منهم ‪ ,‬لنه بهذه الصلة‬
‫لمن قطعه يجعل من نفسه قدوة حسنة لسائر أقاربه ‪ ,‬فإن النفوس مجبولة‬
‫على التأثر بفعل المعروف ‪ ,‬فتستيقظ في النفوس دوافع الرغبة في بلوغ‬
‫الكمال‪ ,‬والتنافس في التصاف بأحسن الصفات ‪.‬‬
‫ويبشر النبي صلى الله عليه وسلم واصل رحمه التي قطعته بالظفر بإعانة‬
‫الله تعالى له في جهاده مع ذوي رحمه ‪ ,‬وذلك فيما أخرجه المام مسلم‬
‫رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه "أن رجل قال‪ :‬يارسول‬
‫الله إني لي قرابة أصلهم ويقطعونني ‪ ,‬وأحسن إليهم ويسيئون إلي ‪ ,‬وأحلم‬
‫م ّ‬
‫ل ‪ ,‬ولن‬
‫س ّ‬
‫عنهم ويجهلون علي؟ قال‪ :‬لئن كنت كما قلت فكأنما ت ُ ِ‬
‫فهم ال َ‬
‫يزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك " )]‪. ([4‬‬
‫وقوله " فكأنما تسفهم الم ّ‬
‫ل " يعني فكأنما تطعمهم الرمل الحار الذي يكون‬
‫تحت النار ‪ ,‬وفي هذا بلغة عظيمة في التعبير عن المكابدة التي يعانيها‬
‫ح في وصل قرابته مع نفورهم منه وكراهيتهم لجوانب الصلة‬
‫الواصل المل ّ‬
‫التي يمنحهم إياها ‪ ,‬فصعوبة ذلك تشبه صعوبة إطعام الناس الرمل الشديد‬
‫الحرارة ‪.‬‬
‫فهذا الذي يصل من قطعه ‪ ,‬ويحسن إلى من أساء إليه ‪ ,‬ويحلم على من‬
‫دل موازين الحياة من حوله‪ ,‬ويريد أن‬
‫جهل عليه من قرابته إنما يريد أن يع ّ‬
‫يرفع من شأن قرابته نحو الرقي والكمال ‪ ,‬لن الحياة القويمة لتتم إل‬
‫بتواصل الرحم‪ ,‬فهو من أجل أن يوجد الحياة السعيدة في مجتمعه الصغير قد‬
‫غامر في محاولت تكلفه المتاعب وتحمله الذى ‪.‬‬
‫ولكن هل هو وحده في هذا الميدان ؟!‬
‫ل ‪ ..‬إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشره بأن الله جل وعل معه معينا‬
‫وناصرا ‪ ,‬ومن كان الله معه فلن ينقطع له سعي ولن يخيب له رجاء ‪.‬‬
‫وإنها لبشارة عظيمة تدفع بهذا الواصل رحمه إلى مواصلة الجهد ‪ ,‬ومضاعفة‬
‫المحاولت التي توصله إلى تغيير الوضع العائلي الذي يعيش فيه من القطيعة‬
‫وسوء الخلق إلى الصلة ومكارم الخلق ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وإنه لن ييأس من بذل المحاولت وتكرارها ما دام يشعر بأن الله جل وعل‬
‫معه بنصره وإعانته‪ ,‬فإن الله عز وجل سيلين له قلوب أقاربه فيسعد بذلك‬
‫بنتيجة أعماله الطيبة معهم ‪.‬ومن أجل صلة الرحم حثنا رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم على تعلم النساب حيث يقول ‪ " :‬تعلموا من أنسابكم ماتصلون‬
‫به أرحامكم‪ ,‬فإن صلة الرحم محبة في الهل ‪ ,‬مثراة في المال‪ ,‬منسأة في‬
‫الثر" أخرجه المام الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه )]‪.([5‬‬
‫فقد يكون للنسان أقارب ليعرفهم ‪ ,‬وذلك مثل العمام الباعد الذين يلتقي‬
‫معهم في النسب بأحد أجداده ‪ ,‬فإذا عرفهم عرف ذرياتهم ‪ ,‬وبهذا تتسع‬
‫دائرة الرحم‪ ,‬وكلما زاد عدد القارب فإن الجر يتضاعف بصلتهم ‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ثم يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مايترتب على صلة الرحم من‬
‫فوائد في الحياة الدنيا ‪ ,‬فصلة الرحم محبة في الهل ‪ ,‬لن صلة الرحم‬
‫قاُرب في الفكار ‪ ,‬وانسجام في العقول ‪ ,‬يترتب عليه محبة في القلوب بين‬
‫تَ َ‬
‫القارب ‪ ,‬وصلة الرحم مثراة في المال ‪ ,‬حيث يبارك الله تعالى لواصل‬
‫الرحم في ماله‪ ,‬وإذا حلت البركة في المال صار قليله كثيرا ‪ ,‬وصلة الرحم‬
‫منسأة في الثر يعني تأخير في العمر ‪ ,‬والمقصود حلول البركة في الوقت‬
‫والصحة ‪ ,‬بحيث ينجز النسان أعمال لينجزها إل من هم أطول منه في العمر‬
‫‪ ,‬فكأن هذه البركة إضافة له في عمره ‪.‬‬
‫وقد أخرج الشيخان هذا الحديث من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه‬
‫بلفظ "من أحب أن ُيبسط عليه في رزقه وُينسأ له في أثره فليصل رحمه‪" .‬‬
‫)]‪. ([6‬‬
‫فهذا جزاء عاجل يحصل عليه واصل الرحم في الحياة الدنيا ‪ ,‬إلى جانب ما‬
‫أعده الله تعالى له من الثواب الجزيل في الخرة ‪.‬‬
‫‪-----------------‬‬‫)]‪([1‬سنن الترمذي ‪ ,‬رقم ‪ , 1907‬كتاب البر ) ‪. (4/315‬‬
‫)]‪([2‬صحيح مسلم ‪ ,‬رقم ‪ , 2555‬البر ص ‪. 1981‬‬
‫)]‪([3‬صحيح البخاري‪ ,‬رقم ‪ , 5951‬الدب ‪ ,‬باب ليس الواصل بالمكافئ ؛‬
‫سنن أبي داود ‪ ,‬رقم ‪ , 1697‬في الزكاة ‪ ,‬باب صلة الرحم؛ سنن الترمذي‬
‫رقم ‪ , 1909‬في البر والصلة ‪ ,‬باب صلة الرحم ‪.‬‬
‫)]‪([4‬صحيح مسلم ‪ ,‬رقم ‪ , 2558‬كتاب البر والصلة ‪ ,‬باب صلة الرحم ‪.‬‬
‫)]‪([5‬سنن الترمذي ‪ ,‬رقم ‪ , 1979‬كتاب البر )‪. (4/351‬‬
‫)]‪([6‬صحيح مسلم ‪ ,‬رقم ‪ , 2557‬كتاب البر )ص ‪ (1982‬؛صحيح‬
‫البخاري‪,‬رقم ‪2067‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الحث على صلة الرحم]‪[2‬‬
‫الحمد لله والصلة والسلم على رسول الله ‪..‬‬
‫وبعد ‪ :‬فقد ذكرنا في الحلقة الماضية بعض الحاديث في صلة الرحام ‪ ,‬ومما‬
‫يبين فضيلة صلة الرحم ماجاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "‬
‫الصدقة على المسكين صدقة ‪ ,‬وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة "‬
‫أخرجه الترمذي من حديث سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه وحسنه)]‬
‫‪.([1‬‬
‫فهذا الحديث يبين لنا أن الصدقة على القريب لها أجران ‪ ,‬وفي هذا حث على‬
‫الكثار من الصدقة على القارب ‪.‬‬
‫ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قطيعة الرحم تمنع من قبول‬
‫العمل الصالح حيث يقول"إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة ‪,‬‬
‫فل ُيقبل عمل قاطع رحم" أخرجه المام أحمد من حديث أبي هريرة رضي‬
‫الله عنه )]‪. ([2‬‬
‫فهذا وعيد شديد على قاطع الرحم ‪ ,‬مما يدل على عظم هذا الذنب ‪.‬‬
‫وأشد من ذلك في الوعيد على قاطع الرحم قول رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم "ل يدخل الجنة قاطع رحم" أخرجه المام مسلم من حديث جبير بن‬
‫مطعم رضي الله عنه )]‪. ([3‬‬
‫ومما يبين عظم شأن صلة الرحم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بقي‬

‫‪85‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫على صلة أقاربه من الكفار من ناحية المعروف والحسان ومما يدل على‬
‫ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال ‪:‬‬
‫سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول ‪ :‬أل إن آل أبي فلن‬
‫ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين" زاد البخاري في رواية له‬
‫"ولكن لهم رحم سأبلها ببللها" ‪ ,‬يعني أصلها بصلتها )]‪. ([4‬‬
‫وقوله " أبي فلن" قال النووي ‪ :‬هذه الكناية من بعض الرواة خشي أن‬
‫يصرح بالسم فيترتب عليه مفسدة إما في حق نفسه أو في حق غيره )]‪([5‬‬
‫‪.‬‬
‫وهذا الحديث دليل على وجوب البراءة من الكفار وإن كانوا من القارب ‪ ,‬فل‬
‫تجوز محبتهم ول نصرتهم‪ ,‬ولكن قد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم صلة‬
‫الرحم ‪ ,‬وهذا الستثناء له أثره الكبير في إبقاء حبل الوصل مع أقاربه ‪ ,‬وهذا‬
‫إضافة إلى أنه من صلة الرحم فإن له فائدة جليلة بالنسبة للدعوة ‪ ,‬فإن بقاء‬
‫هذا الخيط الذي يعرفونه ويقدرونه وهو البر والحسان قد يكون سببا في‬
‫إيمانهم بما أنكروه من دعوته ‪.‬‬
‫وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أبقى على صلته مع أقاربه وهم كفار‬
‫فمن باب أولى لعموم المسلمين أن يبقوا على صلتهم بأقاربهم المسلمين‬
‫وإن أنكروا منهم بعض السلوك ‪ ,‬فالمسلم مأمور بإبقاء صلته مع أقاربه وإن‬
‫كانوا كفارا وذلك بالحسان إليهم والبر بهم ‪ ,‬وقد جاء هذا المعنى واضحا في‬
‫م‬
‫م يُ َ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫م ِفي ال ّ‬
‫ن وَل َ ْ‬
‫قات ُِلوك ُ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫قول الله تعالى )َل ي َن َْهاك ُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫دي ِ‬
‫ه عَ ِ‬
‫كم من ديارك ُ َ‬
‫س ُ‬
‫ن(‬
‫م ْ‬
‫م وَت ُ ْ‬
‫يُ ْ‬
‫ه يُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫ق ِ‬
‫ح ّ‬
‫م إِ ّ‬
‫خرِ ُ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫طوا إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫م أن ت َب َّروهُ ْ‬
‫َِ ِ ْ‬
‫جو ُ ّ‬
‫طي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫جو ُ‬
‫م‬
‫ن وَأ ْ‬
‫ن ال ِ‬
‫خَر ُ‬
‫م ِفي ال ّ‬
‫من دَِيارِك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫ن َقات َلوك ُ ْ‬
‫م الل ُ‬
‫ما ي َن َْهاك ُ ُ‬
‫)إ ِن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫دي ِ‬
‫ه عَ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫وَ َ‬
‫م فَأوْلئ ِ َ‬
‫ن(‬
‫ظاهَُروا عَلى إ ِ ْ‬
‫مو َ‬
‫م الظال ِ ُ‬
‫ك هُ ُ‬
‫من ي َت َوَلهُ ْ‬
‫م وَ َ‬
‫م أن ت َوَلوْهُ ْ‬
‫جك ُ ْ‬
‫خَرا ِ‬
‫)الممتحنة ‪) ( 8 :‬الممتحنة ‪( 9 :‬‬
‫وقد طبق الصحابة رضي الله عنهم هذا التوجيه في معاملتهم مع أقاربهم من‬
‫الكفار ‪ ,‬ومما جاء في ذلك ما أخرجه المام البخاري من حديث عبد الله بن‬
‫عمر رضي الله عنهما قال ‪" :‬رأى عمر حلة على رجل تباع فقال للنبي صلى‬
‫سها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفد‪ ,‬فقال‪:‬‬
‫الله عليه وسلم ‪ :‬ابتع هذه الحلة تلب ْ‬
‫ُ‬
‫ي رسول الله صلى الله عليه‬
‫إنما يلبس هذه من ل خلق له في الخرة ‪ ,‬فأت َ ِ‬
‫حَلل فأرسل إلى عمر منها بحّلة فقال عمر ‪ :‬كيف ألبسها وقد‬
‫وسلم منها ب ُ‬
‫ت فيها ماقلت ؟ قال‪ :‬إني لم أكسكها لتلبسها ‪ ,‬تبيعها أو تكسوها ‪ ,‬فأرسل‬
‫قل َ‬
‫بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم " )]‪. ([6‬‬
‫وكذلك ما أخرجه البخاري أيضا من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله‬
‫ي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله‬
‫م ْ‬
‫عنهما قالت‪" :‬قد َ‬
‫ت عل ّ‬
‫عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت‪ :‬إن أمي‬
‫قدمت وهي راغبة أفأصل أمي ؟ قال ‪ :‬نعم صلي أمك " )]‪. ([7‬‬
‫ويبين النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة قطيعة الرحم وثواب صلتها في‬
‫حديث واحد حيث يقول ‪ ":‬ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه‬
‫العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الخرة من قطيعة الرحم والخيانة‬
‫ة الرحم ‪,‬حتى إن أهل البيت ليكونون‬
‫صل ُ‬
‫والكذب ‪ ,‬وإن أعجل الطاعة ثوابا ل َ ِ‬
‫فجرة فتنموا أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا "أخرجه الطبراني من حديث‬
‫أبي بكرة رضي الله عنه)]‪.([8‬‬
‫وهذا يعني أن صلة الرحم تدفع العقوبة وتجلب المثوبة ‪ ,‬ويمثل رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم لثواب صلة الرحم في الدنيا بنمو أموال المتواصلين‬
‫وتكاثر عددهم وإن كانوا فجرة فكيف إذا كانوا أتقياء ؟!‬
‫‪86‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫_____________________________‬
‫)]‪ ( [1‬سنن الترمذي ‪ ,‬رقم ‪ , 658‬الزكاة )‪. (3/47‬‬
‫)]‪ ( [2‬مسند أحمد ‪. 2/484‬‬
‫)]‪ ( [3‬صحيح مسلم ‪ ,‬رقم ‪ , 2556‬البر )ص ‪. (1981‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫)]‪ ( [4‬صحيح البخاري ‪ ,‬رقم ‪ , 5990‬الدب )‪ , (10/419‬صحيح مسلم رقم‬
‫‪ , 21‬اليمان )ص ‪. (197‬‬
‫)]‪ ( [5‬فتح الباري ‪. 10/418‬‬
‫)]‪ ( [6‬صحيح البخاري‪ ,‬رقم ‪ , 2619‬الهبة ‪. (5/232) ,‬‬
‫)]‪ ( [7‬صحيح البخاري ‪ ,‬رقم ‪ , 2620‬الهبة ‪. (5/233) ,‬‬
‫)]‪ ( [8‬صحيح الجامع الصغير رقم ‪. 5581‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الحج توحيد على التوحيد‬
‫أ‪.‬د‪ .‬ناصر بن سليمان العمر‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ما َ‬
‫م ِ‬
‫ما أِريد ُ ِ‬
‫س إ ِل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ن* َ‬
‫ت ال ِ‬
‫خل َقْ ُ‬
‫الحمد الله القائل‪" :‬وَ َ‬
‫ن َوالن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫دو ِ‬
‫ج ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن" ]الذريات‪ ،[57-56 :‬والصلة والسلم على إمام‬
‫ما أِريد ُ أ ْ‬
‫ن ي ُط ْعِ ُ‬
‫ق وَ َ‬
‫مو ِ‬
‫رِْز ٍ‬
‫الموحدين‪ ،‬وقائد المفردين‪ ،‬نبينا محمد وعلى آله أجمعين‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫إن مما أمر الله _تعالى_ به نبيه _صلى الله عليه وسلم_ قوله _سبحانه_‪:‬‬
‫"قل إن صلتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * ل شريك له‬
‫وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"‪ .‬ول شك أن من أول ما يدخل في قول‬
‫الله _تعالى_‪" :‬ونسكي" سائر أعمال الحج‪ ،‬من الحرام الذي هو نية الدخول‬
‫في النسك‪ ،‬مرورا ً بالتلبية‪ ،‬إلى ذبح الهدي إلى طواف الوداع‪.‬‬
‫ولقد صح عند مسلم وغيره من حديث جابر في الحج‪ :‬أن النبي _صلى الله‬
‫عليه وسلم_ بعد أن صلى في المسجد بذي الحليفة ركب القصواء حتى إذا‬
‫استوت به ناقته على البيداء قال جابر‪ :‬نظرت إلى مد بصري بين يديه من‬
‫راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك‬
‫ورسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بين أظهرنا‪ ،‬وعليه ينزل القرآن‪ ،‬وهو‬
‫يعرف تأويله‪ ،‬وما عمل به من شيء عملنا به‪ ،‬فأهل بالتوحيد؛ لبيك اللهم‬
‫لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك لبيك‪ ،‬إن الحمد والنعمة لك والملك‪ ،‬ل شريك لك‪.‬‬
‫َفان ُ‬
‫من ‪... ...‬‬
‫ريدِهِ الّتو ِ‬
‫حيد ِ ِ‬
‫ظر إَلى َتج ِ‬
‫ب كُ ّ‬
‫ل ال ّ‬
‫ن‬
‫شر ِ‬
‫ك ِبالّرح َ‬
‫أسَبا ِ‬
‫م ِ‬
‫والله ما أعظمه من مشهد يبين سبيل الوحدة السلمية‪ ،‬ويوضح كيف كان‬
‫على توحيد رب البرية‪ ،‬فانظر إلى جيل التوحيد وتمثل ما قاله الول‪:‬‬
‫سُهم ‪... ...‬‬
‫من الّتوحيد ِ ِ‬
‫س ِ‬
‫ت ُنفو ُ‬
‫صيغَ ْ‬
‫أنا ٌ‬
‫ً‬
‫فأنت ترى الّتوحيد َ َ‬
‫مَركبا‬
‫شخصا ُ‬
‫فقد خلفت من بعد أولئك خلوف فتبدل الحال‪ ،‬فبينما يهل النبي _صلى الله‬
‫عليه وسلم_بالتوحيد ويهل أصحابه به‪ ،‬يهل اليوم من يزعم حبه بنحو إهلل‬
‫المشركين الوائل الذين كانوا يقولون‪ :‬لبيك الله لبيك لبيك ل شريك لك‬
‫لبيك‪ .‬وإلى هنا كان إهللهم بالنسك صحيحا‪ ،‬غير أنهم ل يقفون فيخلطونها‬
‫بغيرها ويستثنون فيقولون‪) :‬إ ّ‬
‫ل( وقف عند هذا الستثناء‪ ،‬وتأمل لتر أن القوم‬

‫‪87‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كانوا يعبدون الله يحجون ويعجون ويثجون‪ ،‬يطوفون ويسعون ويقفون‪ ،‬إل ّ‬
‫شركا ً‬
‫أنهم يستثنون؛ )إل ّ شريكا ً هو لك تملكه وما ملك(‪ ،‬فهم يستثنون ِ‬
‫يصرفون له شيئا ً من العبادة؛ ولك أن تقول شيئا ً من الدعاء أو النذر أوالذبح‬
‫أوالستغاثة وكلها عبادة‪ ،‬فيصرفون شيئا ً منها له وهي حق الله المحض‪ ،‬ل‬
‫لنهم يعتقدون أن للشريك من الملك شيء‪ ،‬بل هم يعتقدون أن هذا المدعو‬
‫ل يملك شيئا ً )تملكه وماملك(‪ ،‬ولكن ليقربهم حبهم له ودعاؤهم وذبحهم‬
‫)وغيرها من أضرب عبادتهم له( إلى الله زلفى‪ ،‬كما قال الله _تعالى_‪" :‬ألَ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫قّرُبوَنا إ َِلى‬
‫م إ ِّل ل ِي ُ َ‬
‫ن ات ّ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ذوا ِ‬
‫ص َوال ّ ِ‬
‫ل ِل ّهِ ال ّ‬
‫ما ن َعْب ُد ُهُ ْ‬
‫ن ُدون ِهِ أوْل َِياَء َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫دي ُ‬
‫و‬
‫خت َل ِ ُ‬
‫الل ّهِ ُزل ْ َ‬
‫م ِفيهِ ي َ ْ‬
‫ه ل ي َهْ ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫فو َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫فى إ ِ ّ‬
‫دي َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ما هُ ْ‬
‫م ِفي َ‬
‫م ب َي ْن َهُ ْ‬
‫حك ُ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن هُ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫فاٌر" ]الزمر‪ .[3:‬واليوم يلبي بعض الحجيج ويهلون بالتوحيد ثم‬
‫ب كَ ّ‬
‫كاذِ ٌ‬
‫يخلطون ما خلطه الوائل‪ ،‬فبعد أن يقول أحدهم‪ :‬لبيك الله لبيك لبيك‬
‫لشريك لك لبيك إلى أن يبح صوته‪ ،‬تسمعه وفي عرفات الله يقول بعدها ما‬
‫حاصله‪) :‬إل ّ شريكا ً هو لك(‪ ،‬فواحد يقول منشدًا‪:‬‬
‫فأغثنا يا من هو الغوث ‪... ...‬‬
‫والغيث إذا أجهد الورى اللواء!‬
‫وآخر يردد‪:‬‬
‫يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ‪... ...‬‬
‫سواك عند حلول الحادث العمم‬
‫‪... ... :‬‬
‫‪:‬‬
‫فإن من جودك الدنيا وضرتها ‪... ...‬‬
‫ومن علومك علم اللوح والقلم‬
‫‪... ... :‬‬
‫‪:‬‬
‫ً‬
‫ما سامني الدهر ضيما واستجرت به ‪... ...‬‬
‫ضم‬
‫إل ونلت جوارا ً منه لم ي ُ َ‬
‫‪... ... :‬‬
‫‪:‬‬
‫وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ‪... ...‬‬
‫لوله لم تخرج الدنيا من العدم‬
‫‪... ... :‬‬
‫‪:‬‬
‫أقسمت بالقمر المنشق إن له ‪... ...‬‬
‫من قلبه نسبة مبرورة القسم‬
‫ً‬
‫فقارن –أخا التوحيد‪ -‬هذا الذي يقولون‪ ،‬بقول المشركين‪) :‬إل ّ شريكا هو لك‬
‫تملكه وما ملك(‪.‬‬
‫وأشد من هذا الشرك ما ينشده بعضهم في علي وفي الحسن والحسين‬
‫_رضي الله عنهم جميعًا_‪ .‬وكل ذلك على حساب الدعاء والتهليل والتلبية‬
‫التي شرعها الله _تعالى_‪.‬‬
‫َفان ُ‬
‫حيد َه ُ ‪... ...‬‬
‫ديل ِِهم َتو ِ‬
‫ظر إَلى َتب ِ‬
‫ن ِبال ُ‬
‫ِبال ّ‬
‫ن‬
‫شر ِ‬
‫لي َ‬
‫كفَرا ِ‬
‫ما ِ‬
‫ك َوا ِ‬
‫***‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي وَعَطلوا ‪... ...‬‬
‫كم أبطلوا ُ‬
‫ن الن َب ِ ّ‬
‫سن َ َ‬
‫حلي َةِ الَتوحيدِ أرض المنحر‬
‫من ِ‬
‫ِ‬
‫‪88‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إنه لحق على من رأى أمثال هؤلء وشهد البون بينهم وبين نبيهم صلى الله‬
‫عليه وسلم وصحبه من بعده أن يسكب دمعة على الوحدة السلمية التي‬
‫مزقت يوم مزق سببها؛ التوحيد‪.‬‬
‫وحري بكل مصلح أن يسعى لستنقاذ تلك الوحدة بتعظيم جناب التوحيد في‬
‫النفوس‪ ،‬والدعوة إلى الستقامة عليه‪ ،‬فإن استقام الناس عليه فحق لهم أن‬
‫يجتمعوا بعدها على كلمة سواء‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وإل ّ فليعلم الدعاة أنه لجتماع بين من يقول‪ :‬إن الله _سبحانه وتعالى_ رب‬
‫واحد‪ ،‬وإله واحد‪ ،‬وبين من يعتقد في بعض البشر ‪-‬وإن عظموا‪ -‬بعض أوصاف‬
‫الربوبية‪ ،‬أو يصرف لهم –وإن جلوا‪ -‬شيئا ً من حقوق اللهية‪.‬‬
‫ول يغرنك أخا السلم جهد رجل في الطاعة والعبادة إذا علمت أنه يصرف‬
‫بعضا ً منها ولو نذرا ً يسيرا ً لغير الله _سبحانه وتقدس_‪ ،‬فقد قال الله _تعالى_‬
‫ن قَب ْل ِ َ‬
‫ي إ ِل َي ْ َ‬
‫ن‬
‫لنبينا _صلى الله عليه وسلم_‪" :‬وَل َ َ‬
‫قد ْ ُأو ِ‬
‫ن ِ‬
‫ك وَإ َِلى ال ّ ِ‬
‫ك ل َئ ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ح َ‬
‫ك وَل َت َ ُ‬
‫مل ُ َ‬
‫أَ ْ‬
‫ن"‪] ،‬الزمر‪.[65:‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ت ل َي َ ْ‬
‫ن عَ َ‬
‫شَرك ْ َ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫كون َ ّ‬
‫حب َط َ ّ‬
‫س ِ‬
‫س ٌ‬
‫ك ‪... ...‬‬
‫س ِ‬
‫ن َول ن ُ ُ‬
‫عند َهُ ُ‬
‫فََلي َ‬
‫م دي ٌ‬
‫َ‬
‫َفل َتغّر َ‬
‫م ُ‬
‫سَبحا‬
‫ك أيد ٍ َتح ِ‬
‫ل ال ُ‬
‫أسأل الله أن يجمعنا والمسلمين على كلمة التوحيد‪ ،‬وأن يؤلف بين قلوب‬
‫الموحدين‪ ،‬وأن يرزقنا وإياهم تجاوز الشقاق بتحقيق التوحيد وتكميله‪ ،‬كما‬
‫َ‬
‫أشار ربنا _جل شأنه_ في قوله‪" :‬إن هَذه أ ُمتك ُ ُ‬
‫م‬
‫ة َوا ِ‬
‫م ً‬
‫حد َة ً وَأَنا َرب ّك ُ ْ‬
‫مأ ّ‬
‫ِ ّ ِ ِ ّ ُ ْ‬
‫ن" ]النبياء‪ ،[92:‬فعقب بذكر التوحيد لما ذكر وحدة المة‪ ،‬ونحوه قوله‬
‫َفاعْب ُ ُ‬
‫دو ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن"‪] ،‬المؤمنون‪.[52:‬‬
‫م َفات ّ ُ‬
‫ة َوا ِ‬
‫م ً‬
‫_سبحانه_‪" :‬وَإ ِ ّ‬
‫حد َة ً وَأَنا َرب ّك ُ ْ‬
‫مأ ّ‬
‫مت ُك ُ ْ‬
‫ن هَذِهِ أ ّ‬
‫قو ِ‬
‫ً‬
‫والحمد لله أول ً وآخرا‪ ،‬وصلى الله وسلم على نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه‬
‫أجمعين‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الحج حفل الشوق إلى الله‬
‫الكتاب ‪ :‬مقالت يحيى هاشم فرغل‬
‫لما كان النسان مخلوقا لله زوده ربه بدرجة عالية من الدراك والوعي كان‬
‫ل بد أن يتحرك في باطنه شوق طبيعي ل إلى معرفته سبحانه فحسب ‪،‬‬
‫ق‬
‫ولكن إلى لقائه كذلك ‪ ،‬وليس له طريق إلى المرين إل أن يكون طري َ‬
‫العبادة أو راجعا إليها ‪.‬‬
‫والعبادات إجمال تسهم في الحصول على مطلوب النسان أو تقربه من ربه ‪،‬‬
‫وأظهر العبادات في ذلك الصلة ‪ ،‬فهي معراج المؤمن ‪ ،‬وهي محاولته‬
‫الدائبة المتكررة في هذا السبيل ‪.‬‬
‫وبالرغم من أن الصلة هي أظهر العبادات في هذا الباب ‪ ،‬وأقرب المسالك‬
‫إليه ‪ ،‬وأدومها فيه ‪ ..‬إل أن شريعة السلم ‪ -‬وهي شريعة الفطرة ‪ -‬فتحت‬
‫أمام مشاعر النسان بابا فذا آخر في الحج ‪.‬‬
‫فقد وضع الله البيت في الرض للناس يقول تعالى ‪ ) :‬إن أول بيت وضع‬
‫للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ( ‪ 96‬آل عمران ‪ :‬الناس وتلك‬
‫فطرتهم‬
‫وضعه ليقصده القاصدون إلى الله‪..‬‬

‫‪89‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وإن من قصد البيت جدير باللقاء ‪ .‬ولكنه اللقاء المؤجل إلى دار القرار‪.‬‬
‫إذن ففيم الزيارة اليوم ؟؟‬
‫إنه حفل الشوق – في الحج – تمهيدا لحفل اللقاء في يوم القيامة‬
‫هنا يعالج حفل الشوق هذا مشاعر النسان بالوعد والذكاء والتعويد والتحضير‬
‫ليوم موعود ‪.‬‬
‫وكما يقول المام الغزالي عن البيت ) بيت الله عز وجل قد وضع على مثال‬
‫حضرة الملوك فقاصده قاصد إلى الله تعالى وزائر له ‪.‬‬
‫وإن من قصد البيت في الدنيا جدير بأن ل يضيع صاحب البيت زيارته فيرزقه‬
‫مقصود الزيارة في ميعاده المضروب له ‪ ،‬وهو النظر إلى وجه الله تعالى في‬
‫دار القرار ‪.‬‬
‫حيث إن العين الفانية في دار الدنيا ل تتهيأ لقبول نور النظر إلى وجه الله عز‬
‫وجل ‪ ،‬ول تطيق احتماله ول تستعد للكتحال به لقصورها ‪.‬‬
‫وإنها إن أمدت في الدار الخرة بالبقاء ونزهت عن أسباب التغير والفناء‬
‫استعدت للنظر والبصار ‪ ،‬وهي بقصد البيت والنظر إليه تستحق لقاء رب‬
‫البيت بحكم الوعد الكريم ( ‪.‬‬
‫ولهذا قلنا إن الحج حفل الشوق‬
‫وفي فقرات حفل الشوق يأتي الطواف والسعي والوقوف بعرفة‬
‫والمسلمون وهم يمارسون الشوق بالطواف حول البيت الحرام ل يخطر‬
‫ببالهم قط أن هذا البيت ‪ -‬الذي وضعه الله في الرض للناس ‪ -‬ل يخطر‬
‫ببالهم قط أنه بيت الله المسكون ‪ ،‬ولكن يجوز أن يخطر ببالهم أنه بيت الله‬
‫المقصود ‪ ،‬يقصدونه تحريكا لشواقهم ‪ ،‬في لقاء ل يتم إل بشروطه في‬
‫الخرة ‪.‬‬
‫ومن أجل هذا كان البيت مجردا تماما من كل ما يعنى السكنى ‪ ،‬وهو لم يكن‬
‫قط مسكونا في التاريخ ‪ ،‬لكائن من الكائنات ‪ ،‬ل لدم ‪ ،‬ول لنوح ‪ ،‬ول‬
‫لبراهيم ‪ ،‬ول لمحمد ‪ ،‬ول لنبي ‪ ،‬ول لملك ‪ ،‬وإنما هو تجريد خالص لقصد‬
‫اللقاء بالله في يوم موعود‪.‬‬
‫ومن أجل هذا التجريد كان أول عمل قام به محمد صلى الله عليه وسلم في‬
‫ج ‪ ،‬ول العمرة َ ‪ ،‬وإنما‬
‫دخول البيت بعد رجوعه إلى مكة فاتحا ليس هو الح ّ‬
‫إزالة كل مظاهر الوثنية ‪ ،‬التي أقامها المشركون من حوله ‪.‬‬
‫حتى الحجر السود في موضعه من بناء الكعبة لم ينتسب قط إلى شكل من‬
‫" الشكال المعينة " ‪ ،‬ولم ينتسب قط إلى رسم من الرسوم المعبودة ‪ ،‬ولم‬
‫يذكر له تاريخ في تحقيق مكرمة أو خارق ‪ ،‬إنما هو مجرد حجر ‪ ،‬أو حجر‬
‫مجرد ‪ ،‬يعلن المسلمون وهم يستلمونه أنه ) ل يضر ول ينفع ( ويتحقق‬
‫باستلمهم إياه قمة معاني الحج ‪ ،‬أل وهي تحقيق العبودية لله بالنقياد للمر ‪،‬‬
‫فيتحقق بذلك العبودية التامة في أجلى معانيها ‪.‬‬
‫وفي السعي بين الصفا والمروة يطرق المسلم باب اللقاء بالله ‪ ،‬فهو يتردد‬
‫بين الصفا والمروة كأنه يتردد بفناء دار المِلك ‪ ،‬جائيا ذاهبا ‪ ،‬ورائحا وغاديا ‪،‬‬
‫مرة بعد أخرى ‪ ،‬إظهارا للخدمة وإعلنا للخلص ‪ ،‬واستمرارا للملحظة‬
‫والرعاية ‪ ،‬والتماسا للرضا وتوثيق المحبة‬
‫وهو ل يدري ما الذي قضى الملك به في حقه من قبول أو رد ‪ ،‬فل يزال‬
‫يتردد على فنائه يرجو أن يرحم في الثانية ‪ ،‬إن لم يرحم في الولى ‪ ،‬ويتذكر‬
‫العبد عند تردده بينهما تردده في عرصات يوم القيامة ‪ ..‬ناظرا إلى الرجحان‬
‫والنقصان ‪ ) ،‬فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ( ‪ 7-6‬القارعة‬
‫وفي يوم عرفة يقول صلى الله عليه وسلم فيما جاء بسنن الترمذي بسنده‬
‫‪90‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وصححه الحاكم في مستدركه ‪ " :‬الحج عرفة " إذ فيه تشرق أسرار الحج ‪،‬‬
‫في تضرعات الواقفين ‪ ،‬وانهمار دموعهم ‪ ،‬وفيض بكائهم ‪ ،‬وروعة تناجيهم ‪،‬‬
‫وصدق تبذلهم ‪ ،‬ومدى انكسارهم ‪: ،‬‬
‫في ذلك كله تتمثل صورة مصغرة لروعة اليوم العظيم ‪ ،‬الذي يقف فيه‬
‫الخلئق يرجون رحمة ربهم ‪ ،‬وينتظرون ما يقضي به مولهم عليهم في‬
‫عرصات يوم القيامة ‪ ،‬يوم يتذكر النسان ما سعى ‪ ،‬يوم تتوسل المم إلى‬
‫ربهم بأنبيائهم ‪ ،‬متطلعة لرسلهم ‪ ،‬متشفعة بهم عند ربهم ‪ ،‬في حيرة ساكنة ‪،‬‬
‫وسكرة صامتة‪ ،‬وشدة شاملة ‪ ،‬ورهبة عظيمة ‪ ،‬وحالة مهيبة ‪ ) ،‬إن زلزلة‬
‫الساعة شيء عظيم ‪ ،‬يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ‪ ،‬وتضع كل‬
‫ذات حمل حملها ‪ ،‬وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ‪ ،‬ولكن عذاب الله‬
‫شديد ‪ ( .‬أول سورة الحج‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وإذا تذكر المرء ذلك لزم قلبه الضراعة والبتهال ‪ ،‬فالموقف شريف والرحمة‬
‫إنما تصل من حضرة الجلل إلى كافة الخلق ‪.‬‬
‫فإذا اجتمعت همم المم ‪ ،‬وتجردت قلوبهم للضراعة والبتهال ‪ ،‬وارتفعت إلى‬
‫الله أيديهم ‪ ،‬وامتدت إليه أعناقهم ‪ ،‬وشخصت نحو السماء أبصارهم ‪،‬‬
‫مجتمعين بهمة واحدة على طلب الرحمة لم يعبث بقلب المسلم ظن بأن‬
‫الله يخيب رجاءهم ويضيع سعيهم‬
‫ولذلك كان من أدبيات الحج في السلم أن من أشباه الذنوب أن يحضر‬
‫المرء عرفات وهو يظن أن الله ل يغفر له ‪.‬‬
‫وكان من أدبياته أيضا أن قمة معاني الحج تحقيق العبودية بالنقياد للمر ‪،‬‬
‫) لبيك حجة حقا ‪ ،‬تعبدا ورقا ( فتتحقق بذلك العبودية التامة في هذا الحفل –‬
‫حفل الشوق – استعدادا لذاك الحفل ‪ :‬حفل اللقاء ‪.‬‬
‫إنه في الحج يكون حفل الشوق تمهيدا لحفل اللقاء ‪.‬‬
‫وفي توضيح ذلك ما جاء في المعجم الوسط للطبراني ‪ :‬بسنده عن عبادة‬
‫بن الصامت قال ‪ :‬صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخطى إليه‬
‫رجلن ‪ ،‬رجل من النصار ورجل من ثقيف‬
‫سبق النصاري الثقيفي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للثقفي إن‬
‫النصاري قد سبقك بالمسألة ‪ ،‬فقال النصاري ‪ :‬لعله يا رسول الله أن يكون‬
‫أعجل مني فهو في حل ‪ ،‬قال فسأله الثقفي عن الصلة فأخبره ‪ ،‬ثم قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم للنصاري ‪ :‬إن شئت خبرتك بما جئت تسأل‬
‫عنه ‪ ،‬وإن شئت سألتني فأخبر بذلك ‪ ،‬فقال يا رسول الله ‪ :‬تخبرني ‪.‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬جئت تسألني مالك من الجر إذا‬
‫أممت البيت العتيق ‪ ،‬وما لك من الجر في وقوفك في عرفة ‪ ،‬وما لك من‬
‫الجر في رميك الجمار ‪ ،‬وما لك من الجر في حلق رأسك ‪ ،‬وما لك من‬
‫الجر إذا ودعت البيت ‪.‬‬
‫فقال النصاري ‪ :‬والذي بعثك بالحق ما جئت أسألك عن غيره‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫فإن لك من الجر إذا أممت البيت العتيق أل ترفع قدما أو تضعها أنت ودابتك‬
‫إل كتبت لك حسنة‪ ،‬ورفعت لك درجة ‪.‬‬
‫وأما وقوفك بعرفة ‪ :‬فإن الله عز وجل يقول لملئكته ‪ :‬يا ملئكتي ما جاء‬
‫بعبادي ؟ قالوا ‪ :‬جاءوا يلتمسون رضوانك والجنة ‪ ،‬فيقول الله عز وجل ‪:‬‬

‫‪91‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فإني أشهد نفسي وخلقي أني قد غفرت لهم ؛ عدد أيام الدهر ؛ وعدد القطر‬
‫؛ وعدد رمل عالج ‪.‬‬
‫وأما رميك الجمار ‪ :‬فإن الله عز وجل يقول " فل تعلم نفس ما أخفي لهم‬
‫من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون "‬
‫وأما حلقك رأسك ‪ :‬فإنه ليس من شعرك شعرة تقع في الرض إل كانت لك‬
‫نورا يوم القيامة ‪.‬‬
‫وأما البيت ‪ :‬إذا ودعت فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك‬
‫قال الطبراني ‪ :‬ل يروى هذا الحديث عن عبادة إل بهذا السناد تفرد به يحيى‬
‫بن أبي الحجاج‬
‫وفي رواية أخرى بتفصيلت أخرى جاء في الترغيب والترهيب للمنذري ‪:‬‬
‫وروى ابن عمر رضي الله عنهما قال ‪ :‬كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم في مسجد منى ‪ ،‬فأتاه رجل من النصار ورجل من ثقيف ‪ ،‬فسلما ‪ ،‬ثم‬
‫قال ‪ :‬يا رسول الله جئنا نسألك ‪ .‬فقال ‪ :‬إن شئتما أخبرتكما بما جئتما‬
‫تسألني عنه فعلت ‪ ،‬وإن شئتما أن أمسك وتسألني فعلت ‪ ،‬فقال ‪ :‬أخبرنا يا‬
‫رسول الله ‪ ،‬فقال الثقفي للنصاري ‪ :‬سل ‪ ،‬فقال‪ :‬أخبرني يا رسول الله ‪.‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬جئتني تسألني عن مخرجك من‬
‫بيتك تؤم البيت الحرام ‪ ،‬وما لك فيه ‪ ،‬وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك‬
‫فيهما ‪ ،‬وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه ‪ ،‬وعن وقوفك عشية‬
‫عرفة وما لك فيه ‪ ،‬وعن رميك الجمار وما لك فيه ‪ ،‬وعن نحرك وما لك فيه‬
‫مع الفاضة ‪.‬‬
‫فقال – أي النصاري ‪ -‬والذي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك ‪.‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫) فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام ل تضع ناقتك خفا ول ترفعه إل‬
‫كتب الله لك به حسنة ‪ ،‬ومحا عنك خطيئة ‪.‬‬
‫وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل عليه السلم وأما‬
‫طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة ‪.‬‬
‫وأما وقوفك عشية عرفة ‪ :‬فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم‬
‫الملئكة ‪ ،‬يقول ‪ :‬عبادي جاؤوني شعثا من كل فج عميق ‪ ،‬يرجون جنتي ‪ ،‬فلو‬
‫كانت ذنوبكم كعدد الرمل ‪ ،‬أو كقطر المطر ‪ ،‬أو كزبد البحر لغفرتها ‪ .‬أفيضوا‬
‫عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم له ‪.‬‬
‫وأما رميك الجمار ‪ :‬فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات‪.‬‬
‫وأما نحرك ‪ :‬فمذخور لك عند ربك ‪.‬‬
‫وأما حلقك ‪ :‬رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة ‪ ،‬ويمحى عنك بها خطيئة ‪.‬‬
‫وأما طوافك بالبيت بعد ذلك ‪ :‬فإنك تطوف ول ذنب لك ‪ ،‬يأتي ملك حتى يضع‬
‫يديه بين كتفيك ؛ فيقول ‪ :‬اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى ( ‪.‬‬
‫رواه الطبراني في الكبير ‪ ،‬والبزار واللفظ له ‪ ،‬وقال ‪ :‬وقد روي هذا الحديث‬
‫من وجوه ‪ ،‬ول نعلم له أحسن من هذا الطريق ‪.‬‬
‫قال المملي رضي الله عنه ‪ :‬وهي طريق ل بأس بها ‪ ،‬رواتها كلهم موثقون ‪،‬‬
‫ورواه ابن حبان في صحيحه ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وهو يرجع من حفل الشوق ) الحج ( إلى مواجهة الحياة لتظهر عليه آثاره إذ‬
‫لم يكن حجه قاصرا على مجرد القيام بأعماله الظاهرة من الحرام والطواف‬

‫‪92‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والسعي والوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ‪ ،‬ومنى ورمي الجمار وسوق‬
‫الهدي ونحره ‪ ،‬والتقصير والتحلل ‪ ..‬وإنما كان شامل لكل ما يراد من الحج ‪:‬‬
‫أن يرتبط ‪ -‬كغيره من العبادات ‪ -‬بباطن المسلم ‪..‬‬
‫يرجع من حفل الشوق ‪:‬‬
‫مصرا على ترك ما كان عليه من المعاصي‬
‫مستمرا في أن تكون نفقته في حياته حلل‬
‫مستمرا في كثرة البذل والنفقة في سبيل الله‬
‫مستمرا في ترك الرفث والفسوق والجدال‬
‫مقبل على التقرب بإراقة الدم وإن لم يكن واجبا عليه ‪.‬‬
‫يرجع من حفل الشوق ‪:‬‬
‫متخلقا بطيب النفس بما ينفقه أو يصيبه من خسران في مال أو أذى في‬
‫بدن ‪ ،‬أو جهاد‬
‫متخلقا بما أمله عليه الحج من شعور المساواة والخوة مع جميع المسلمين‬
‫من جميع أنحاء العالم مهما اختلفت ألوانهم وجنسياتهم وطرق معيشتهم ‪،‬‬
‫وآراؤهم وهمومهم ‪.‬‬
‫مقبل على مشاركة قومه الرأي والنصح والمشورة والعون والتعاطف‬
‫والتراحم والشكوى والفرح والمل ‪.‬‬
‫متحققا بشعور التوحد مع المسلمين مهما تباعدت ديارهم كجسد واحد ‪،‬‬
‫ونفس واحدة ‪ ،‬وإرادة واحدة ‪ ،‬ومصير واحد ‪.‬‬
‫راجعا من حفل الشوق في يده ‪ :‬في جدول أعماله ‪ :‬في قلِبه بالحرى ‪-‬‬
‫خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في عرفة في خطبة الوداع ‪.‬‬
‫ففي سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق ‪ :‬ثم مضى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم على حجة ‪ ،‬فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سنن حجهم ‪ ،‬وخطب‬
‫الناس خطبته التي بين فيها ما بين ‪ ،‬فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‪:‬‬
‫) أيها الناس اسمعوا قولي ‪ ،‬فإني ل أدرى لعلي ل ألقاكم بعد عامي هذا بهذا‬
‫الموقف أبدا ‪ ،‬أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا‬
‫ربكم كحرمة يومكم هذا ‪ ،‬وكحرمة شهركم هذا ‪ ،‬وإنكم ستلقون ربكم‬
‫فيسألكم عن أعمالكم وقد بّلغت ‪.‬‬
‫فمن كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها ‪.‬‬
‫وإن كل ربا موضوع ‪ ،‬ولكن لكم رءوس أموالكم ‪ ،‬ل تظلمون ول تظلمون ‪،‬‬
‫قضى الله أنه ل ربا ‪ ،‬وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله ‪.‬‬
‫وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع ‪ ،‬وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة‬
‫بن الحارث بن عبد المطلب ‪ ،‬وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل ‪،‬‬
‫فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية ‪.‬‬
‫أما بعد أيها الناس ‪ :‬فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ‪،‬‬
‫ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم ‪،‬‬
‫فاحذروه على دينكم‬
‫أيها الناس ‪ :‬إن النسيء زيادة في الكفر ‪ ،‬يضل به الذين كفروا يحلونه عاما‬
‫ويحرمونه عاما ‪ ،‬ليواطئوا عدة ما حرم الله ‪ ،‬فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما‬
‫أحل الله ‪ ،‬وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والرض ‪،‬‬
‫وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ‪ ،‬منها أربعة حرم ‪ ،‬ثلثة متوالية ‪،‬‬
‫ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان‪.‬‬
‫أما بعد أيها الناس ‪ :‬فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا ‪ ،‬لكم عليهن‬
‫أن ل يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ‪ ،‬وعليهن أن ل يأتين بفاحشة مبينة ‪ ،‬فإن‬
‫‪93‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع ‪ ،‬وتضربوهن ضربا غير‬
‫مبرح ‪ ،‬فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ‪ ،‬واستوصوا بالنساء‬
‫خيرا ‪ ،‬فإنهن عندكم عوان ل يملكن لنفسهن شيئا ‪ ،‬وإنكم إنما أخذتموهن‬
‫بأمانة الله ‪ ،‬واستحللتم فروجهن بكلمات الله ‪ ،‬فاعقلوا أيها الناس قولي‬
‫فإني قد بّلغت ‪.‬‬
‫وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ‪ :‬أمرا بينا كتاب الله‬
‫وسنة نبيه ‪.‬‬
‫أيها الناس ‪ :‬اسمعوا قولي واعقلوه ‪ ،‬تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم وأن‬
‫المسلمين إخوة ‪ ،‬فل يحل لمرىء من أخيه إل ما أعطاه عن طيب نفس منه‬
‫من أنفسكم ‪ ،‬اللهم هل بلغت (‪.‬‬
‫‪ ،‬فل تظل ُ‬
‫فذكر لي – والقول للراوي ‪ -‬أن الناس قالوا ‪ :‬اللهم نعم فقال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم اللهم اشهد‬
‫وفي حفل الشوق ) الحج ( يستعد المرء لمواجهة الموت‬
‫إنه لمن المكابرة أن يشيح بعض الناس بوجوههم عن ذكر الموت ‪.‬‬
‫إن الموت هو أشد حقائق المستقبل وضوحا في حياة النسان ‪ ،‬وكما يقول‬
‫بعض المفكرين ‪ :‬إن كل إنسان يتحرك وهو يحمل في طياته حكما بالعدام ‪،‬‬
‫خبئ عنه موضع التاريخ فيه ‪.‬‬
‫وليس هناك مغالطة أخطر من مغالطة النسان وهو يؤجل التفكير في ‪ :‬كيف‬
‫يمكنه أن يواجه هذه اللحظة ‪ :‬لحظة الموت ؟!‬
‫ويكاد يوازي هذه الحقيقة وضوحا حقيقة أخرى هي ‪ :‬أن العبادة الصحيحة هي‬
‫التدريب الوحيد الصحيح لهذا اللقاء المحتوم ‪ :‬لقاء الموت ‪.‬‬
‫ومن هنا كان فضل السلم على النسان في لحظة الموت كما في لحظة‬
‫الحياة‬
‫إنه تدريب منظم ‪ ،‬يتغلغل إلى أعماق الروح ‪ ،‬ويعدها للحظة الموعودة ‪.‬‬
‫ذاك تدريب أشبه بالتدريب الجسدي الذي يستغرق من النسان شهورا‬
‫وسنوات ‪ ..‬لكي يبرز أثره فيما بعد في موقف قد ل يستغرق أكثر من دقائق‬
‫أو ثوان ‪..‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫هنا يحدث ما يسمى بلغة العصر " برمجة " برمجة الجهاز العصبي ‪ ،‬بحيث‬
‫يقوم بالدور المطلوب منه تلقائيا وبالسرعة التي يتطلبها الموقف‪.‬‬
‫فمن فرط في هذا التدريب ثم تورط في الموقف فشل تماما في مواجهته‬
‫وكذلك حال النسان بالنسبة للموت ‪.‬‬
‫وهذا مثال تقريبي لمواجهة الموت مع الفارق الهائل بين الموقفين ‪.‬‬
‫وإذا كان هذا الحال مصحوبا بشدة فإن النسان عندئذ يكون محتاجا‬
‫بالضرورة لن يكون قد استعد لها استعدادا طويل ‪.‬‬
‫وهذا الستعداد الطويل والبرمجة الروحية المطلوبة إنما يتم بدوام العبادة ‪،‬‬
‫والذكر لله سبحانه وتعالى ‪.‬‬
‫ومن هنا كانت العبادة فضل مردودا على العابد ‪ ،‬وإعدادا له للتوفيق في‬
‫مواجهة الموت وما بعده ‪.‬‬
‫وإنه ليتعرض النسان أثناء حضور الموت لمور أربعة شداد يرجو الله فيها‬
‫التخفيف ‪:‬‬
‫‪ -1‬حالة النزع وهذه للجميع ‪ ،‬وفيهم أولياء الله وأحباؤه‬

‫‪94‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ففي مسند المام أحمد بسنده‪ ،‬عن عائشة قالت‪» :‬رأيت رسول الله صلى‬
‫ح فيه ماء ‪ ،‬فيدخل يده في القدح ثم‬
‫الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قَد َ ٌ‬
‫س َ‬
‫ت«‪.‬‬
‫مأ ِ‬
‫ت المو ِ‬
‫كرا ِ‬
‫عّني على َ‬
‫يمسح وجهه بالماء ‪ ،‬ثم يقول‪» :‬الله ّ‬
‫ن أبي‬
‫اب‬
‫رني‬
‫أخب‬
‫قال‪:‬‬
‫د‬
‫سعي‬
‫بن‬
‫ر‬
‫عم‬
‫وجاء في صحيح البخاري بسنده عن‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة كانت تقول‪ :‬إن‬
‫ة أخبَره ُ »أن عائش َ‬
‫ن مولى عائش َ‬
‫مليك َ‬
‫ة أن أبا عمرو َذكوا َ‬
‫ُ‬
‫ي أن رسو َ‬
‫ل صلى الله عليه وسلم ُتوّفي في بيتي وفي يومي‬
‫عل‬
‫الله‬
‫نعم‬
‫من‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫عل‬
‫ل‬
‫دخ‬
‫موته‪.‬‬
‫عند‬
‫ه‬
‫وريق‬
‫ريقي‬
‫ن‬
‫بي‬
‫ع‬
‫جم‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫وأن‬
‫‪،‬‬
‫ونحري‬
‫حري‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫س ْ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫وبي َ‬
‫َ ِ‬
‫سواك ‪ ،‬وأنا مسِندة ٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫عبد الرحمن وبيده ال ّ‬
‫ب السوا َ‬
‫ك ‪ ،‬فقلت‪ :‬آخذهُ لك ؟ فأشار‬
‫ت أنه يح ّ‬
‫فرأيته َينظ ُُر إليه‪ ،‬وعرف ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫برأ ِ‬
‫ه لك ؟ فأشار برأسهِ أ ْ‬
‫سهِ أ ْ‬
‫ت ألّين ُ‬
‫ه فاشتد ّ عليه ‪ ،‬وقل ُ‬
‫ن ‪ :‬نعم ‪َ ،‬فتناولت ُ‬
‫ّ‬
‫ديه َركوة ـ أو علبة يشك عمُر ـ فيها ماٌء ‪ ،‬فجع َ‬
‫خل‬
‫ل ُيد ِ‬
‫ن يَ َ‬
‫نعم ‪ ،‬فلّينته‪ ،‬وبي َ‬
‫ت‪.‬‬
‫ه يقول‪ :‬ل إله إل الله ‪ ،‬إن للموت سكرا ٍ‬
‫يديهِ في الماء فيمس َ‬
‫ح بهما وجه َ‬
‫ده فجع َ‬
‫ض ومالت يده «‪.‬‬
‫بي َ‬
‫ثم نص َ‬
‫ل يقول‪ :‬في الرفيق العلى‪ ،‬حتى قَب ِ َ‬
‫‪ -2‬مشاهدة ملك الموت وهذه حال يفترق فيها حال المؤمن من حال الكافر‬
‫والعاصي ‪:‬‬
‫يقول تعالى عن حال المؤمن ‪ ) :‬إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل‬
‫عليهم الملئكة أل تخافوا ول تحزنوا ‪ ،‬وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (‬
‫‪ 30‬فصلت‬
‫ويقول تعالى عن الكفار والعصاة ‪ ) :‬فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ‪ ،‬ولن‬
‫يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ‪ ،‬والله عليم بالظالمين ( ‪ 95‬البقرة ‪.‬‬
‫) ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملئكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا‬
‫عذاب الحريق ( ‪ 50‬النفال‬
‫) فكيف إذا توفتهم الملئكة يضربون وجوههم وأدبارهم ‪ ،‬ذلك بأنهم اتبعوا ما‬
‫أسخط الله ‪ ،‬وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ( ‪ 28-27‬محمد‬
‫‪ -3‬مشاهدة موضعه من الجنة أو موضعه من النار‬
‫ففي مسند المام أحمد بسنده عن نافع ‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬عن النبي صلى الله‬
‫ة‬
‫شي ّ ً‬
‫عليه وسلم قال‪ُ » :‬يعرض على ابن آدم مقعده ُ من الجنة والنار غُد ْوَةً وع ِ‬
‫في قبره«‪.‬‬
‫وفيه بسنده عن المقدام بن معدي كرب الكندي قال‪ :‬قال رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪» :‬إن للشهيد عند الله عّز وج ّ‬
‫ل ‪ :‬أن يغفر له في أّول دفعة‬
‫من دمه ويرى مقعده من الجنة ‪ ،‬ويحلى حلة اليمان ‪ ،‬ويزّوج من الحوار‬
‫العين ‪ ،‬ويجار من عذاب القبر ‪ ،‬ويأمن من الفزع الكبر ‪ ،‬ويضع على رأسه‬
‫تاج الوقار‪ ،‬الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها‪ ،‬ويزّوج اثنتين وسبعين زوجة‬
‫من الحور العين ‪ ،‬ويشفع في سبعين إنسانا ً من أقاربه «‪.‬‬
‫ه‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫ن عُ َ‬
‫سو ِ‬
‫مَر عَ ْ‬
‫وفي سنن النسائي الكبرى بسنده عَ ْ‬
‫ن اب ْ ِ‬
‫ن َنافِ ٍَع عَ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫صلى الله عليه وسلم َقا َ‬
‫ة‬
‫م ْ‬
‫دا ِ‬
‫قعَد ُه ُ ِ‬
‫ن الغَ َ‬
‫ض عَلى أ َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫م إَذا َ‬
‫حدِك ْ‬
‫ل‪» :‬ي ُعَْر ُ‬
‫م َ‬
‫كان م َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ج ّ‬
‫ل الّنارِ ِقي َ‬
‫ل ‪ :‬هَ َ‬
‫ل‬
‫م ْ‬
‫َوال ْعَ ِ‬
‫ه عَّز وَ َ‬
‫قعَد ُك َ‬
‫ي ‪َ ،‬فإ ْ‬
‫حّتى ي َب ْعَث َك الل ُ‬
‫ذا َ‬
‫ن أهْ ِ‬
‫ن َ َ ِ ْ‬
‫ش ّ‬
‫مةِ «‪.‬‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ي َوْ َ‬
‫قَيا َ‬
‫ي صلى الله عليه‬
‫وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرة َ قال‪ :‬قال النب ّ‬
‫مقعَد َه ُ من النار لو أساَء‪ ،‬ليزداد َ شكرا‪ً،‬‬
‫وسلم‪» :‬ل يدخ ُ‬
‫ة ِإل ُأر‬
‫ل أحد ٌ الجن َ‬
‫ي َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ول يدخ ُ‬
‫ن عليه حسرة«‪.‬‬
‫ن‪ ،‬ليكو َ‬
‫ل الناَر أحد إل أرِيَ َ‬
‫مقَعدهُ من الجنةِ لو أحس َ‬
‫إن المؤمن إذا حضرته الوفاة عرضت عليه الجنة ‪ ،‬فإذا نظر إليها عرف أنه‬
‫سولُ‬
‫ل‪َ :‬قا َ‬
‫ن أ َِبي هَُري َْرة َ َقا َ‬
‫ل َر ُ‬
‫كان في السجن ففي صحيح مسلم بسنده عَ ْ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫كافِرِ (‪.‬‬
‫ن‬
‫ج‬
‫و‬
‫ن‬
‫م‬
‫مؤ ْ ِ ِ َ َ ّ ُ‬
‫الل ّهِ صلى الله عليه وسلم‪ ) :‬الد ّن َْيا ِ‬
‫س ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ج ُ‬
‫‪95‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فما بالك بإنسان هو في مواجهة الموت لكنه يشعر شعور النعتاق من‬
‫السجن ؟‬
‫والكافر إذا حضرته الوفاة عرضت عليه النار ‪ ،‬فإذا نظر إليها عرف أنه كان‬
‫في الجنة " الدنيا جنة الكافر" ‪ ،‬فما بالك بإنسان هو في مواجهة الموت‬
‫يشعر شعور المقتلع من جنة ليحرم منها إلى النارأبدا ؟‬
‫‪ - 4‬إنه في موقف التحسب للقاء الله وما أشده جلل‬
‫يقول تعالى ) يا أيها النسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملقيه ( ‪ 6‬النشقاق ‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫وكما يقول العلماء فالناس في ذكر الموت بين أربعة ‪:‬‬
‫منهمك في الدنيا ‪ :‬ل يذكر الموت ‪ ،‬وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه ‪،‬‬
‫ويشتغل بمذمته ‪ ،‬وهذا يزيده ذكُر الموت بعدا عن الله ‪.‬‬
‫وتائب مبتدئ ‪ :‬يكثر من ذكر الموت ويخشاه ‪ ،‬ليتمكن من تمام الستعداد‬
‫للقاء موله ‪ ،‬وهو كمن يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغل بالستعداد له على خير‬
‫وجه يلقاه ‪ ،‬وهذا ل ينطبق عليه أنه يكره لقاء الله ‪.‬‬
‫وعارف واصل ‪ :‬فإنه يذكر الموت ويستبطئه لنه موعد لقاء حبيبه ‪ ،‬وقد ورد‬
‫عن أبي الدرداء قوله ) أحب الموت اشتياقاإلى ربي (‬
‫وض ‪ :‬صار ل يختار لنفسه موتا ول حياة ‪ ،‬بل يكون أحب الشياء إليه‬
‫ومف ّ‬
‫أحبها إلى موله ‪.‬‬
‫وهنا فإن العبادات جميعا وفي قمتها الحج هي خير ما علمنا الله تعالى‬
‫استعدادا للقائه‬
‫إنها تعدنا ‪:‬‬
‫لخطر اللحظات ‪ ، ،‬وأخطر المواجهات ‪ ،‬وأخطر المعاناة‪.‬‬
‫ومن بعدها دخول الجنة‬
‫ّ‬
‫في صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرة أن رسو َ‬
‫ل الله صلى الله عليه‬
‫ّ‬
‫ن الجنة إل من أبى‪ .‬قالوا‪ :‬يا رسو َ‬
‫وسلم قال‪» :‬ك ّ‬
‫ل الله ومن‬
‫ل أمتي َيدخلو َ‬
‫يأبى؟ قال‪ :‬من أطاعني دخ َ‬
‫ل الجنة‪ ،‬ومن عصاني فقد أبى «‪.‬‬
‫ومن بعدها رضا الله‬
‫ّ‬
‫خدرِيّ رضي الله عنه قال‪» :‬قال‬
‫في صحيح البخاري بسنده عن أبي سعيدٍ ال ُ‬
‫َ‬
‫ه يقو ُ‬
‫ة‪،‬‬
‫ة‪ :‬يا أهل الجن ِ‬
‫ل لهل الجن ِ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪ :‬إن الل ّ َ‬
‫النب ّ‬
‫ديك‪ ،‬والخير في ي َد َْيك‪ ،‬فيقول‪ :‬هل رضيُتم؟‬
‫وسع‬
‫ربنا‬
‫يك‬
‫لب‬
‫فيقولون‪:‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫قك‬
‫خل‬
‫من‬
‫ا‬
‫أحد‬
‫ط‬
‫تع‬
‫لم‬
‫ما‬
‫تنا‬
‫أعطي‬
‫وقد‬
‫رب‬
‫يا‬
‫ضى‬
‫نر‬
‫ل‬
‫لنا‬
‫وما‬
‫فيقولون‪:‬‬
‫ِ‬
‫ُ ِ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ُ‬
‫فيقول أل أعطي ُ‬
‫ب وأيّ شيء أفض ُ‬
‫ض َ‬
‫ل من‬
‫ل من ذلك؟ فيقولون‪ :‬يا ر ّ‬
‫كم أف َ‬
‫خ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ط عليكم بعد َهُ أبدا ً «‪.‬‬
‫ل عليكم ِرضواني فل أس َ‬
‫ذلك؟ فيقول‪ :‬أ ُ ِ‬
‫فيا للرضا رضا لله‬
‫ومن بعدها لقاء الله‬
‫ن النبي صلى الله عليه‬
‫وفي صحيح البخاري بسنده عن عبادةَ بن الصامت ع ِ‬
‫َ‬
‫ب الله لقاَءه‪ ،‬ومن كرِه َ لقاَء الله كرِهَ الله‬
‫ب ِلقاَء الله أح ّ‬
‫وسلم قال‪» :‬من أح ّ‬
‫َ‬
‫ت " قال‪ " :‬ليس‬
‫ض أزواجهِ ـ ‪" :‬إنا لَنكَرهُ المو َ‬
‫ِلقاَءه‪ .‬قالت عائشة ـ أو بع ُ‬
‫ت بُ ّ‬
‫مته‪ ،‬فليس‬
‫ن الله وكرا َ‬
‫ن إذا حضَره ُ المو ُ‬
‫شَر برضوا ِ‬
‫ن المؤم َ‬
‫ذلك ‪ ،‬ولك ّ‬
‫ه لقاَءه‪.‬‬
‫ب لقاَء الله وأح ّ‬
‫ب إليه مما أمامه‪ ،‬فأح ّ‬
‫شيٌء أح ّ‬
‫ب الل ُ‬
‫عقوبتهِ ‪ ،‬فليس شيٌء أكَره َ إليه مما‬
‫ب الله و ُ‬
‫ن الكافَر إذا ُ‬
‫وإ ّ‬
‫حضَر ُبشَر بعذا ِ‬
‫َ‬
‫ه لقاءه «‪.‬‬
‫ه ‪ ،‬فكرِهَ لقاَء الله وكرهَ الل ُ‬
‫م ُ‬
‫أما َ‬
‫‪96‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ديمومة ليس من بعدها بعد‬
‫تحريرا في \ \ ‪2004‬‬
‫أ د‪ :‬يحيى هاشم حسن فرغل‬
‫‪yehia_hashem@ hotmail .com‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫الحج دروس وآداب‬
‫الشيخ‪ /‬محمد بن إبراهيم الحمد ‪26/12/1426‬‬
‫‪26/01/2006‬‬
‫الدعاء في الحج‬
‫الذكر في الحج‬
‫مشهد الستغفار في الحج‬
‫مشهد الضطرار والتذلل وانتظار الفرج في الحج‬
‫مشهد التوبة في الحج‬
‫مشهد الشكر في الحج‬
‫مشهد الصبر في الحج‬
‫أثر الحج في اكتساب العزة‬
‫مشهد المراقبة في الحج‬
‫مراغمة الشيطان في الحج‬
‫من منافع الحج ودروسه‬
‫الدعاء في الحج‬
‫محمد بن إبراهيم الحمد‬
‫ّ‬
‫الدعاء نعمة كبرى‪ ،‬ومنحة جلى‪ ،‬جاد بها رُبنا ‪ -‬جل وعل ‪ -‬حيث أمرنا بالدعاء‪،‬‬
‫ووعدنا بالجابة والثابة‪ ،‬فشأن الدعاء عظيم‪ ،‬ومنزلته عالية في الدين‪ ،‬فما‬
‫جِلبت النعم بمثله‪ ،‬ول اسُتدفعت النقم بمثله‪ ،‬ذلك أنه يتضمن توحيد الله‪،‬‬
‫ست ُ ْ‬
‫ا ْ‬
‫وإفراده بالعبادة دون من سواه‪.‬‬
‫وهذا هو رأس المر‪ ،‬وأصل الدين‪.‬‬
‫ً‬
‫والدعاء عبادة لله‪ ،‬وتوكل عليه‪ ،‬والدعاء ‪ -‬أيضا ‪ -‬محبوب لله‪ ،‬وأكرم شيء‬
‫عليه ‪ -‬عز وجل ‪.-‬‬
‫والدعاء سبب عظيم لنشراح الصدر‪ ،‬وتفريج الهم‪ ،‬ودفع غضب الله‪.‬‬
‫والدعاء مفزع المظلومين‪ ،‬وملجأ المستضعفين‪ ،‬وأمان الخائفين‪.‬‬
‫والدعاء سبب لدفع البلء قبل نزوله‪ ،‬ورفعه بعد نزوله‪ .‬ثم إن ثمرة الدعاء‬
‫جل له الدعوة‪،‬‬
‫مضمون ٌ‬
‫ة؛ إذا أتى الداعي بشرائط الدعاء وآدابه‪ ،‬فإما أن تع ّ‬
‫وإما أن ُيدفع عنه من السوء مثلها‪ ،‬وإما أن ُتدخر له في الخرة‪.‬‬
‫م ضرورتهم إليه‪.‬‬
‫فما أشد حاج َ‬
‫ة العباد إلى الدعاء‪ ،‬بل ما أعظ َ‬
‫"مظان إجابة الدعاء في الحج"‪:‬‬
‫هذا وإن الحج فرصة عظيمة؛ للكثار من الدعاء واللحاح على الله فيه‪ ،‬ذلك‬
‫ن إجابة الدعاء في الحج كثيرة متوافرة؛ فالوقات‪ ،‬والماكن‪،‬‬
‫أن مظا ّ‬
‫والحوال‪ ،‬والوضاع التي يستجاب فيها الدعاء ‪ -‬تتوافر في الحج أكثر مما‬
‫ن التي ترجى فيها إجابة الدعاء في الحج ما‬
‫تتوافر في غيره‪ ،‬فمن تلك المظا ّ‬
‫يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أن الحاج مسافر‪ :‬والمسافر مستجاب الدعاء‪ ،‬قال النبي ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪) :-‬ثلث دعوات مستجابات‪ :‬دعوة المظلوم‪ ،‬ودعوة المسافر ودعوة‬

‫‪97‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الوالد لولده( رواه البخاري في الدب المفرد‪ ،‬وأبو داود‪ ،‬وصححه اللباني‪.‬‬
‫‪ -2‬أن الحاج مستجاب الدعوة‪ :‬قال النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪) :-‬الغازي‬
‫في سبيل الله‪ ،‬والحاج‪ ،‬والمعتمر وفد الله‪ ،‬دعاهم فأجابوه‪ ،‬وسألوه‬
‫فأعاطاهم( رواه ابن ماجه‪ ،‬وصححه اللباني‪.‬‬
‫‪ -3‬في الحج يشتد الخلص‪ :‬وذلك من أعظم أسباب الجابة كما في قصة‬
‫أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة‪ ،‬كما في صحيح البخاري‪ ،‬فكان‬
‫إخلصهم لله أعظم سبب لنجاحهم‪.‬‬
‫‪ -4‬في الحج مواضع عديدة يشرع فيها الدعاء‪ ،‬وترجي الجابة‪ :‬فمن ذلك ما‬
‫يلي‪:‬‬
‫أ‪ -‬الدعاء عند الصفا‪ :‬لما جاء في صحيح مسلم من الحديث الطويل في صفة‬
‫حجة النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬الذي رواه جابر‪ ،‬وفيه‪) :‬فبدأ بالصفا‪،‬‬
‫ى حتى رأى البيت‪ ،‬فاستقبل القبلة‪ ،‬فوحد الله‪ ،‬وكّبره‪ ،‬وقال‪ :‬ل إله إل‬
‫َفرق َ‬
‫الله وحده ل شريك له‪ ،‬له الملك‪ ،‬وله الحمد‪ ،‬وهو على كل شيء قدير‪ ،‬ل إله‬
‫الله وحده‪ ،‬أنجز وعده ونصر عبده‪ ،‬وهزم الحزاب وحده ثم دعا بين ذلك‪،‬‬
‫قال مثل هذا ثلث مرات(‪.‬‬
‫ب‪ -‬الدعاء عند المروة للحديث السابق‪ ،‬وفيه )ثم نزل المروة‪ ،‬حتى إذا‬
‫صِعدتا مشى‪ ،‬حتى إذا أتى‬
‫انصّبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا َ‬
‫المروة ففعل على المروة كما فعل في الصفا(‪.‬‬
‫ج‪ -‬الدعاء يوم عرفة‪ :‬قال النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪) :-‬أفضل الدعاء‬
‫دعاء يوم عرفة‪ ،‬وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي ل إله إل الله وحده ل‬
‫شريك له( رواه مالك‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وحسنه اللباني‪.‬‬
‫د‪ -‬الدعاء عند المشعر الحرام‪ :‬كما جاء في حديث جابر الطويل‪ ،‬وفيه‪) :‬ثم‬
‫ركب القصواء حتى إذا أتى المشعر الحرام‪ ،‬فاستقبل القبلة‪ ،‬فدعاه‪ ،‬وكبره‪،‬‬
‫وهلله‪ ،‬ووحده‪ ،‬فلم يزل واقفا ً حتى أسفر جدًا(‪.‬‬
‫هـ‪ -‬الدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى‪ :‬لما جاء في صحيح البخاري أن رسول‬
‫الله – صلى الله عليه وسلم ‪ "-‬كان إذا رمى الجمرة التي تلي مسجد منى‬
‫يرميها بسبع حصيات‪ ،‬ثم يكبر كلما رمى بحصاة‪ ،‬ثم تقدم أمامها فوقف‬
‫مستقبل القبلة‪ ،‬رافعا ً يديه يدعو‪ ،‬وكان يطيل الوقوف(‪.‬‬
‫و‪ -‬الدعاء بعد رمي الجمرة الوسطى‪ :‬للحديث السابق‪ ،‬وفيه‪) :‬ثم يأتي‬
‫الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة‪ ،‬ثم ينحدر ذات‬
‫اليسار مما يلي الوادي‪ ،‬فيقف مستقبل القبلة رافعا ً يديه يدعو‪ ،‬ثم يأتي‬
‫الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات‪ ،‬يكبر عند كل حصاة ثم‬
‫ينصرف‪ ،‬ول يقف عندها(‪.‬‬
‫ز‪ -‬الدعاء عن شرب ماء زمزم قال ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪) :-‬ماء زمزم لما‬
‫شرب له( أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه اللباني‪.‬‬
‫"مظان أخرى لجابة الدعاء"‪:‬‬
‫ً‬
‫هذا وإن هناك مواضع وأحوال يشرع فيها الدعاء‪ ،‬وترجى الجابة غير ما ُذكر‪،‬‬
‫ويشترك فيها الحاج وغيره‪ .‬ومن ذلك على سبيل الجمال‪ :‬الدعاء في جوف‬
‫الليل ووقت السحر‪ ،‬ودبر الصلوات المكتوبات‪ ،‬وبين الذان والقامة‪ ،‬وعند‬
‫نزول الغيث‪ ،‬وفي السجود‪ ،‬وعقب الوضوء وبعد الصلة على النبي ‪ -‬صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ -‬في التشهد الخير‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪98‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ومن ذلك‪ :‬الدعاء عند رقة القلب‪ ،‬ودعاء المضطر‪ ،‬ودعاء المظلوم‪ ،‬ودعاء‬
‫الوالد لولده‪ ،‬وعلى ولده‪ ،‬ودعاء الولد الصالح لوالده‪.‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫حان َ َ‬
‫ن"‪.‬‬
‫ن الظال ِ ِ‬
‫ت ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫ت ُ‬
‫ك إ ِّني كن ْ ُ‬
‫ه ِإل أن ْ َ‬
‫ومن ذلك عند الدعاء بـ" ل إ ِل َ َ‬
‫مي َ‬
‫م َ‬
‫ن‪ ،‬اللهم آجرني في‬
‫جُعو َ‬
‫وفي حالة المصيبة عند الدعاء بـ" إ ِّنا لله وإّنا إ ِل َي ْهِ َرا ِ‬
‫مصيبتي‪ ،‬واخلف لي خيرا ً منها"‪.‬‬
‫"شروط الدعاء"‪:‬‬
‫أيها الحاج الكريم! ومما يجب حال الدعاء ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أن تكون عالما ً بأن الله وحده هو القادر على إجابة الدعاء‪.‬‬
‫‪ -2‬أل تدعو مع الله أحدا ً غيره‪ ،‬لن دعاء غير الله شرك بالله ‪ -‬عز وجل ‪.-‬‬
‫‪ -3‬أن تتوسل إلى الله بالتوسلت المشروعة كأن تسأل الله ‪ -‬عز وجل ‪-‬‬
‫بأسمائه الحسنى‪ ،‬أو أن تدعو بصالح عملك أو غير ذلك من التوسلت‬
‫المشروعة‪.‬‬
‫‪ -4‬أن تتجنب التوسلت الشركية كدعاء غير الله‪ ،‬وأن تتجنب التوسلت‬
‫البدعية‪ ،‬كالتوسل بجاه النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -5‬أن تتجنب الستعجال‪.‬‬
‫‪ -6‬وأن تكون حسن الظن بالله‪.‬‬
‫‪ -7‬وأن تكون حاضر القلب‪.‬‬
‫‪ -8‬مطيبا ً لمطعمك‪.‬‬
‫‪ -9‬متجنبا ً العتداء في الدعاء‪.‬‬
‫"آداب الدعاء"‪:‬‬
‫ومما يحسن بك أيها الحاج أن تأتي بآداب الدعاء‪ ،‬كي يكون دعاؤك كام ً‬
‫ل‪،‬‬
‫فمن تلك الداب ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬الثناء على الله قبل الدعاء والصلة على النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -2‬القرار بالذنب‪.‬‬
‫‪ -3‬إظهار الفاقة والفقر‪.‬‬
‫‪ -4‬التضرع والخشوع‪.‬‬
‫‪ -5‬الرغبة والرهبة‪.‬‬
‫‪ -6‬اللحاح بالدعاء‪.‬‬
‫‪ -7‬تجنب الدعاء على الهل والمال والنفس‪.‬‬
‫‪ -8‬استقبال القبلة‪.‬‬
‫‪ -9‬الدعاء ثلثًا‪.‬‬
‫‪ -10‬رفع اليدي‪.‬‬
‫‪ -11‬اختيار الجوامع من الدعاء‪.‬‬
‫‪ -12‬خفض الصوت‪ ،‬والسرار بالدعاء إل أن يكون خلف الداعي أناس‬
‫يؤمنون‪.‬‬
‫‪ -13‬أل تحجر رحمة الله‪.‬‬
‫‪ -14‬أن تدعو لخوانك المسلمين‪.‬‬
‫‪ -15‬أن تسأل الله كل صغيرة وكبيرة‬
‫"نماذج لدعية من الكتاب والسنة"‪:‬‬
‫ومما يحسن بك أيها الحاج حال الدعاء‪ :‬أن تدعو بالدعية المشروعة من‬
‫الكتاب والسنة؛ لما فيها من الخير‪ ،‬والتباع‪ ،‬والبركة‪ ،‬والسلمة من الخطأ‪،‬‬
‫والعتداء‪.‬‬
‫"أدعية قرآنية"‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ب الّناِر‪.‬‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫نا‬
‫ق‬
‫و‬
‫ة‬
‫ن‬
‫س‬
‫ح‬
‫ة‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫في‬
‫و‬
‫ة‬
‫ن‬
‫س‬
‫ح‬
‫يا‬
‫ن‬
‫د‬
‫ال‬
‫ِ َ ِ َ َ َ ً َ ِ َ َ‬
‫‪َ -1‬رب َّنا آت َِنا ِفي ّ ْ َ َ َ َ ً َ ِ‬
‫َ‬
‫‪99‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ل منا إن َ َ‬
‫م"‪.‬‬
‫‪َ -2‬رب َّنا ت َ َ‬
‫س ِ‬
‫قب ّ ْ ِ ّ ِ ّ‬
‫ت ال ّ‬
‫ميعُ ال ْعَِلي ُ‬
‫ك أن ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مَنات‪.‬‬
‫ن دَ َ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ب اغ ِ‬
‫‪َ -3‬ر ّ‬
‫ن َوال ُ‬
‫منا وَل ِل ُ‬
‫ي ُ‬
‫وال ِد َيّ وَل ِ َ‬
‫مِني َ‬
‫خل ب َي ْت ِ َ‬
‫م ْ‬
‫فْر ِلي وَل ِ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫عاِء‪.‬‬
‫ن ذّري ِّتي َرب َّنا وَت َ َ‬
‫قب ّل د ُ َ‬
‫صلةِ وَ ِ‬
‫م ِ‬
‫با ْ‬
‫‪َ -4‬ر ّ‬
‫قي َ‬
‫جعَلِني ُ‬
‫م ال ّ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫عاِء‪.‬‬
‫د‬
‫ال‬
‫ع‬
‫مي‬
‫س‬
‫ك‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ة‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ط‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ذ‬
‫ك‬
‫ن‬
‫د‬
‫ل‬
‫ن‬
‫م‬
‫لي‬
‫ب‬
‫ه‬
‫ب‬
‫َ ِ ُ ّ َ‬
‫ّ ّ ً‬
‫‪َ -5‬ر ّ َ ْ ِ‬
‫َّ ً ِّ‬
‫ِ ْ ُْ‬
‫َ‬
‫ن ال ّ‬
‫حان َ َ‬
‫ن‪.‬‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ت ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫ت ُ‬
‫ك إ ِّني ك ُن ْ ُ‬
‫ه ِإل أن ْ َ‬
‫‪ -6‬ل إ ِل َ َ‬
‫مي َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫‪َ -7‬قا َ‬
‫با ْ‬
‫ري‪.‬‬
‫شَر ْ‬
‫ل َر ّ‬
‫صد ِْري‪ ،‬وَي َ ّ‬
‫سْر ِلي أ ْ‬
‫ح ِلي َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫قوْم ِ ال َ‬
‫ن‪.‬‬
‫صْرَنا عَلى ال َ‬
‫ت أقْ َ‬
‫دا َ‬
‫صْبرا وَث َب ّ ْ‬
‫مَنا َوان ْ ُ‬
‫‪َ -8‬رب َّنا أفْرِغ ْ عَلي َْنا َ‬
‫ري َ‬
‫كافِ َ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة إ ِن ّ َ‬
‫ن لد ُن ْ َ‬
‫ب‪.‬‬
‫ت الوَ ّ‬
‫م ً‬
‫ب لَنا ِ‬
‫ها ُ‬
‫ك َر ْ‬
‫‪َ -9‬رب َّنا ل ت ُزِغ ْ قُُلوب ََنا ب َعْد َ إ ِذ ْ هَد َي ْت ََنا وَهَ ْ‬
‫ك أن ْ َ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ل ِفي قُُلوب َِنا ِغّل ً‬
‫جعَ ْ‬
‫سب َ ُ‬
‫فْر ل ََنا وَِل ِ ْ‬
‫قوَنا ِبا ْ ِ‬
‫وان َِنا ال ّ ِ‬
‫‪َ -10‬رب َّنا اغْ ِ‬
‫ن‪َ ،‬ول ت َ ْ‬
‫ن َ‬
‫لي َ‬
‫ما ِ‬
‫ذي َ‬
‫خ َ‬
‫مُنوا َرب َّنا إ ِن ّ َ‬
‫ك َر ُ‬
‫م‪.‬‬
‫ف َر ِ‬
‫ؤو ٌ‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫حي ٌ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن وَأعوذ ُ ب ِ َ‬
‫عوذ ُ ب ِ َ‬
‫ت ال ّ‬
‫ن‪.‬‬
‫بأ ُ‬
‫شَيا ِ‬
‫مَزا ِ‬
‫ك ِ‬
‫ح ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫بأ ْ‬
‫ك َر ّ‬
‫‪َ -11‬ر ّ‬
‫ن هَ َ‬
‫ضُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫طي ِ‬
‫عْلما‪ً.‬‬
‫ب زِد ِْني ِ‬
‫‪َ -12‬ر ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ن‪.‬‬
‫ح ْ‬
‫صال ِ ِ‬
‫حكما وَأل ِ‬
‫ب ِلي ُ‬
‫ب هَ ْ‬
‫‪َ -13‬ر ّ‬
‫قِني ِبال ّ‬
‫حي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ماما‪ً.‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ب لَنا ِ‬
‫ن َوا ْ‬
‫‪َ -14‬رب َّنا هَ ْ‬
‫ن إِ َ‬
‫جعَلَنا ل ِل ُ‬
‫ن أْزَوا ِ‬
‫قي َ‬
‫م ْ‬
‫جَنا َوَذ ُّر َّيات َِنا ْقّرة َ أعْي ُ ٍ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫‪َ -15‬رب َّنا ل ت ُ َ‬
‫ه‬
‫سيَنا أوْ أ ْ‬
‫ؤا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن نَ ِ‬
‫ما َ‬
‫خطأَنا َرب َّنا َول ت َ ْ‬
‫خذ َْنا إ ِ ْ‬
‫ملت َ ُ‬
‫ح َ‬
‫صرا ك َ‬
‫مل عَلي َْنا إ ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فْر لَنا‬
‫ة لَنا ب ِهِ َواعْ ُ‬
‫ما ل طاق َ‬
‫ف عَّنا َواغ ِ‬
‫ن ِ‬
‫عََلى ال ّ ِ‬
‫ن قب ْل َِنا َرب َّنا َول ت ُ َ‬
‫ملَنا َ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫قوْم ِ ال ْ َ‬
‫ن"‪.‬‬
‫صْرَنا عََلى ال ْ َ‬
‫َواْر َ‬
‫ت َ‬
‫مَنا أن ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ولَنا َفان ْ ُ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫كافِ ِ‬
‫"أدعية نبوية"‪:‬‬
‫‪ -1‬اللهم إني أسألك الهدى‪ ،‬والتقى‪ ،‬والعفاف والغنى‪.‬‬
‫‪ -2‬يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك‪.‬‬
‫جّله‪ ،‬أوله وآخره‪ ،‬سره وعلنيته‪.‬‬
‫‪ -3‬رب اغفر لي ذنبي كله دِّقه و ِ‬
‫جاءة نقمتك‬
‫‪ -4‬اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك‪ ،‬وتحول عافيتك‪ ،‬وفُ َ‬
‫وجميع سخطك‪.‬‬
‫‪ -5‬اللهم إني أعوذ بك من العجز‪ ،‬والكسل‪ ،‬والجبن‪ ،‬والهرم‪ ،‬والبخل‪ ،‬وأعوذ‬
‫بك من عذاب القبر‪ ،‬ومن فتنة المحيا والممات‪.‬‬
‫‪ -6‬اللهم أعني على ذكرك‪ ،‬وشكرك‪ ،‬وحسن عبادتك‪.‬‬
‫أيها الحاج الكريم! إذا كانت هذه هي حالك مع الدعاء فحريّ أن يستجاب لك‬
‫َ‬
‫" وََقا َ‬
‫م" ]غافر‪ :‬من الية ‪.[60‬‬
‫م اد ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫عوِني أ ْ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫ل َرب ّك ُ ُ‬
‫ولقد أحسن من قال‪:‬‬
‫َ‬
‫ضي ّقٌ ‪... ...‬‬
‫ر‬
‫وَإ ِّني ل َد ْ ُ‬
‫م ُ َ‬
‫عو الله َوال ْ‬
‫عَل َي فَما ينف ّ َ‬
‫جا‬
‫ن ي َت َ َ‬
‫ّ َ َْ‬
‫فّر َ‬
‫كأ ْ‬
‫َ‬
‫هه ‪... ...‬‬
‫جو‬
‫و‬
‫عليه‬
‫ت‬
‫ق‬
‫ضا‬
‫ُ ُ ُ‬
‫ب فََتى َ‬
‫وُر ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫خَرجا‬
‫م ْ‬
‫وة اللهِ َ‬
‫أ َ‬
‫صاب َله في دع َ‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وأخيرا ً أسأل الله بأسمائه الحسنى‪ ،‬وصفاته العلى أن يتقبل من المسلمين‬
‫حجهم‪ ،‬وصالح أعمالهم‪ ،‬وأن يجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ول مضلين‪،‬‬
‫وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫الذكر في الحج‬
‫محمد بن إبراهيم الحمد‬
‫الذكر في الحج عظيم‪ ،‬ومنزلته عالية في الدين‪ ،‬فما تقرب المتقربون بمثله‪،‬‬
‫ول شرعت العبادات إل لجله‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫قال الله – تعالى ‪َ":-‬فاذ ْك ُُروِني أذ ْكْرك ْ‬
‫م" ]البقرة‪ [152 :‬وقال‪ ":‬فاعْب ُد ِْني وَأقِم ِ‬
‫‪100‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ري" ]طه‪.[14 :‬‬
‫ال ّ‬
‫صلة َ ل ِذِك ْ ِ‬
‫ّ‬
‫فما أجل فوائد الذكر‪ ،‬وما أعظم عوائده‪ ،‬وما أشد حاجة العباد إليه‪.‬‬
‫وهذه العبادة العظيمة تظهر غاية الظهور في الحج؛ ذلك أن الذكر هو‬
‫المقصود العظم للحج‪ ،‬فما شرع الطواف بالبيت العتيق‪ ،‬ول السعي بين‬
‫الصفا والمروة‪ ،‬ول رمي الجمار وإراقة الدماء إل لقامة ذكر الله – عز وجل‬
‫‪.‬‬‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م فَإ َِذا‬
‫ضل ً ِ‬
‫ن ت َب ْت َُغوا فَ ْ‬
‫حأ ْ‬
‫جَنا ٌ‬
‫م ُ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫س عَلي ْك ُ ْ‬
‫قال – تبارك وتعالى ‪ ":-‬لي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫ن عََرَفا ٍ‬
‫م ِ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫ما هَ َ‬
‫شعَرِ ال َ‬
‫أفَ ْ‬
‫داك ُ ْ‬
‫حَرام ِ َواذ ْك ُُروهُ ك َ َ‬
‫عن ْد َ ال َ‬
‫ت َفاذ ْك ُُروا الل َ‬
‫ضت ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ك ُنتم من قَبل ِه ل َمن الضاّلين )‪ (198‬ث ُم أ َفيضوا من حي ُ َ‬
‫س‬
‫ِ ْ َ ْ‬
‫ّ ِ ُ‬
‫ّ‬
‫ض الّنا ُ‬
‫ث أَفا َ‬
‫َ‬
‫ُْ ْ ِ ْ ْ ِ ِ َ‬
‫هّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ه غَ ُ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫م )‪ (199‬فَإ َِذا قَ َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫َوا ْ‬
‫م َفاذ ْكُروا الل َ‬
‫سكك ْ‬
‫م َ‬
‫ضي ْت ُ ْ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل َ‬
‫فُروا الل ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫م أوْ أ َ‬
‫شد ّ ذِكرا )‪ ] (200‬البقرة [‪.‬‬
‫م آَباَءك ْ‬
‫ك َذِكرِك ْ‬
‫َ‬
‫ت" ]البقرة‪.[203 :‬‬
‫دوَدا ٍ‬
‫معْ ُ‬
‫ه ِفي أّيام ٍ َ‬
‫وقال ‪ -‬عز وجل ‪َ ":-‬واذ ْك ُُروا الل ّ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ج ي َأُتو َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫جال ً وَعََلى ك ُ ّ‬
‫ج‬
‫ن ِفي الّنا‬
‫ن ِ‬
‫ضا ِ‬
‫ل فَ ّ‬
‫ل َ‬
‫ك رِ َ‬
‫ح ّ‬
‫س ِبال ْ َ‬
‫وقال‪" :‬وَأذ ّ ْ‬
‫م ْ‬
‫مرٍ ي َأِتي َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ق ل ِي َ ْ‬
‫ما‬
‫ما ٍ‬
‫عَ ِ‬
‫شهَ ُ‬
‫م وَي َذ ْك ُُروا ا ْ‬
‫ت عََلى َ‬
‫معُْلو َ‬
‫م الل ّهِ ِفي أّيام ٍ َ‬
‫س َ‬
‫مَنافِعَ ل َهُ ْ‬
‫دوا َ‬
‫مي ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م" ]الحج‪.[28-27 :‬‬
‫م ِ‬
‫ن ب َِهي َ‬
‫َرَزقهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫مةِ الن َْعا ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫من ْك ُْ‬
‫م ك َذ َل ِكَ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه الت ّ ْ‬
‫ماؤ َ‬
‫وى ِ‬
‫هل ُ‬
‫ن ي ََنال ُ‬
‫مَها َول دِ َ‬
‫حو ُ‬
‫ن ي ََنال الل َ‬
‫ق َ‬
‫ها وَلك ِ ْ‬
‫وقال‪ " :‬ل ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن" ]الحج‪.[37 :‬‬
‫ني‬
‫س‬
‫ح‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ر‬
‫ش‬
‫ب‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫دا‬
‫ه‬
‫ما‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫روا‬
‫ب‬
‫ك‬
‫ت‬
‫ل‬
‫م‬
‫َ َ‬
‫س ّ‬
‫خَر َ‬
‫َ‬
‫َ َ َ ْ ََ ِ ُ ْ ِ ِ َ‬
‫ها ل َك ُ ْ ِ ُ ّ ُ‬
‫وهكذا يتجلى شأن الذكر في الحج‪ ،‬ويستبين عظم منزلته ورفيع مكانته‪.‬‬
‫ثم إن الله – عز وجل ‪ -‬أثنى على الذاكرين له‪ ،‬وأمر بالكثار من ذكره‪ ،‬لشدة‬
‫الحاجة إلى الذكر‪ ،‬وعدم استغناء العبد عنه طرفة عين‪ ،‬فأي لحظة خل فيها‬
‫العبد عن ذكر الله كانت عليه ل له‪ ،‬وكانت خسارته أعظم مما ربح في غفلته‬
‫عن الله‪.‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه كِثيرا َوال ّ‬
‫قال – عز وجل ‪َ ":-‬وال ّ‬
‫ت" ]الحزاب‪.[35 :‬‬
‫ذاك َِرا ِ‬
‫ن الل َ‬
‫ري َ‬
‫ذاك ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫صيل )‬
‫حوه ُ ُبكَرة ً وَأ ِ‬
‫وقال‪َ ":‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫سب ّ ُ‬
‫ه ذِكرا كِثيرا )‪ (41‬وَ َ‬
‫منوا اذ ْكُروا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫‪] (42‬الحزاب[‬
‫وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬قال‪ :‬كان رسول الله ‪-‬‬
‫مدان‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له ُ‬
‫ج ْ‬
‫فقال‪ ":‬سيروا هذا جمدان‪ ،‬سبق المفرودن" قيل‪ :‬وما المفردون؟ قال‪":‬‬
‫الذاكرون الله كثيرا ً والذاكرات" ‪.‬‬
‫فحري بالحاج أن يعمر وقته بذكر الله – عز وجل ‪ -‬وأن يكثر منه في سائر‬
‫أحواله‪ ،‬سواء كان في طريقه إلى الحج‪ ،‬أو كان في حال إحرامه‪ ،‬أو كان في‬
‫الطواف‪ ،‬أو السعي‪ ،‬أو كان في عرفة‪ ،‬أو المزدلفة‪ ،‬أو في رمي الجمار‪ ،‬أو‬
‫كان يسير في شعاب مكة‪ ،‬أو كان في فراشه‪ ،‬أو كان جالسًا‪ ،‬أو راكبًا‪ ،‬أو‬
‫خاليًا‪ ،‬أو يسير في زحام؛ ليحقق العبودية بإقامة ذكر الله‪ ،‬وليستعين بالذكر‬
‫على أداء النسك‪ ،‬فإن الذكر من أعظم ما يعين على القوة وبعث النشا‪.‬‬
‫من فضائل الذكر‪:‬‬
‫ومما يعين على الكثار من ذكر الله أن يستحضر النسان فضائل الذكر‪،‬‬
‫وثمراته العديدة‪ ،‬وفوائده المتنوعة‪ ،‬وقد مضى شيء من ذلك‪ ،‬وفيما يلي‬
‫نبذة من تلك الفضائل والثمرات والفوائد المترتبة على الذكر على سبيل‬
‫الجمال‪:‬‬
‫‪ -1‬الذكر يطرد الشيطان‬
‫‪ -2‬يرضي الرحمن‪.‬‬
‫‪ -3‬يزيل الهم والغم‪.‬‬
‫‪ -4‬يجلب البسط والسرور‪.‬‬
‫‪101‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ -5‬ينور الوجه‪.‬‬
‫‪ -6‬يجلب الرزق‪.‬‬
‫‪ -7‬يورث محبه الله للعبد‪.‬‬
‫‪ -8‬يورث محبة العبد لله وربه‪.‬‬
‫‪ -9‬يحط السيئات‪.‬‬
‫‪ -10‬ينفع صاحبه عند الشدائد‪.‬‬
‫‪ -11‬سبب لتنّزل السكينة‪ ،‬وغشيان الرحمة‪ ،‬وحفوف الملئكة‪.‬‬
‫‪ -12‬أن فيه شغل ً عن القيل والقال‪ ,‬والغيبة والنميمة‪ ،‬والفحش من القول‪.‬‬
‫‪ -13‬يؤمن من الحسرة يوم القيامة‪.‬‬
‫‪ -14‬أنه مع البكاء من خشية الله في الخلوة سبب لظلل الله للعبد يوم‬
‫القيامة تحت ظل عرشه – عز وجل ‪.-‬‬
‫‪ -15‬الذكر أمان من النفاق‪.‬‬
‫‪ -16‬أمان من نسيان الله‪.‬‬
‫‪ -17‬أنه أيسر العبادات‪.‬‬
‫‪ -18‬أنه أقلها كلفة‪.‬‬
‫‪ -19‬يعدل عتق الرقاب‪.‬‬
‫ب عليه من الجزاء ما ل يرتب على غيره‪.‬‬
‫‪ُ -20‬يرت ّ ُ‬
‫‪ -21‬أنه غراس الجنة‪.‬‬
‫‪ -22‬أنه يغني القلب ويسد حاجته وفاقته‪.‬‬
‫‪ -23‬يجمع على القلب ما تفرق من إراداته وعزومه‪.‬‬
‫‪ -24‬يفرق عليه ما اجتمع من الهموم‪ ،‬والغموم‪ ،‬والحزان‪ ،‬والنكاد‪،‬‬
‫والحسرات‪ ،‬وما اجتمع على حربه من جند الشيطان‪.‬‬
‫‪ -25‬يقرب من الخرة‪.‬‬
‫‪ -26‬يباعد من الدنيا‪.‬‬
‫‪ -27‬يذيب قسوة القلب‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫‪ -28‬يوجب صلة الله وملئكته‪.‬‬
‫‪ -29‬الذكر رأس الشكر‪ ،‬فما شكر الله من لم يذكره‪.‬‬
‫‪ -30‬أكرم الخلق على الله من ل يزال لسانه رطبا ً من ذكر الله‪.‬‬
‫‪ -31‬أن الله يباهي بالذاكر ملئكته‪.‬‬
‫‪ -32‬الذكر يسهل الصعاب‪.‬‬
‫‪ -33‬يخفف المشاق‪.‬‬
‫‪ -34‬ييسر المور‪.‬‬
‫‪ -35‬يجلب بركة الوقت‪.‬‬
‫‪ -36‬للذكر تأثير عجيب في حصول المن‪ ،‬فليس للخائف الذي اشتد خوفه‬
‫أنفع من الذكر‪.‬‬
‫‪ -37‬الذكر سبب للنصر على العداء‪.‬‬
‫‪ -38‬سبب لقوة القلب‪.‬‬
‫‪ -39‬الجبال والقفار تباهي وتبشر بمن يذكر الله عليها‪.‬‬
‫‪ -40‬أن دوام الذكر في الطريق والبيت‪ ،‬والحضر‪ ،‬والسفر‪ ،‬والبقاع تكثير‬
‫لشهود العبد يوم القيامة‪.‬‬
‫‪ -41‬للذكر من بين العمال لذة ٌ ل تعد لها لذة‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أفضل الذكر‪:‬‬
‫أفضل الذكر‪ :‬ل إله إل الله‪ ،‬والحمد لله‪ ،‬وسبحان الله‪ ،‬والله أكبر‪.‬‬
‫فهذه الكلمات أفضل الكلم بعد القرآن‪ ،‬وهي من القرآن‪.‬‬
‫ومن الذكار العظيمة‪ :‬الستغفار‪ ،‬والصلة والسلم على النبي ‪ -‬صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪.-‬‬
‫ومنها‪ :‬سبحان الله وبحمده‪ ،‬فمن قالها في اليوم مائة مرة غفرت ذنوبه وإن‬
‫كانت مثل زبد البحر‪.‬‬
‫ومن الذكار العظيمة‪ :‬سبحان وبحمده‪ ،‬وسبحان الله العظيم‪ ،‬فهما كلمتان‬
‫خفيفتان على اللسان‪ ،‬ثقيلتان في الميزان‪ ،‬حبيبتان للرحمن‪.‬‬
‫ومن الذكار العظيمة‪ :‬ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬له الملك‪ ،‬وله الحمد‪،‬‬
‫وهو على كل شيء قدير‪ ،‬فمن قالها في اليوم عشر مرات؛ فكأنما أعتق‬
‫أربعة أنفس من ولد إسماعيل‪ ،‬ومن قالها مائة مرة فكأنما أعتق عشرة‬
‫أنفس‪ ،‬وكتبت له مائة حسنة‪ ،‬وحطت عنه مائة خطيئة‪ ،‬وكانت له حرزا ً من‬
‫الشيطان يومه ذلك‪.‬‬
‫وأما أعظم الذكار في الحج فهو التلبية؛ فهي عنوان الحج‪ ،‬وشعار الحاج كما‬
‫ج" رواه الترمذي وابن‬
‫ج والث ّ‬
‫ج‪ :‬الع ّ‬
‫قال النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ ":-‬الح ّ‬
‫ماجه‪.‬‬
‫فالعج التكبير والتلبية‪ ،‬والثج الذبح‪.‬‬
‫ومن الذكار العظيمة‪ :‬ل حول ول قوة إل بالله؛ فهي كنز من كنوز الجنة‪ ،‬ولها‬
‫تأثير عجيب في حمل الثقال‪ ،‬ومكابدة الهوال‪ ،‬ونيل رفيع الحوال‪.‬‬
‫وخلصة القول‪ :‬فإن الذكر مقصود العبادة العظم‪ ،‬وإن بركاته وفوائده‬
‫تحصل بالمداومة عليه‪ ،‬والكثار منه‪ ،‬واستحضار ما يقال فيه‪ ،‬وبالمحافظة‬
‫على أذكار طرفي النهار‪ ،‬والذكار المطلقة‪ ،‬والمقيدة‪ ،‬وبالحذر من البتداع‬
‫فيه‪ ،‬ومخالفة المشروع‪.‬‬
‫أعاننا الله على ذكره‪ ،‬وشكره‪ ،‬وحسن عبادته‪.‬‬
‫مشهد الستغفار في الحج‬
‫الشيخ‪ /‬محمد بن إبراهيم الحمد ‪7/12/1426‬‬
‫‪07/01/2006‬‬
‫الحديث ههنا سيكون حول مشهد التقصير في أعمال الحج‪ ،‬ورؤية النقص‬
‫فيها‪ ،‬والسعي في تلفي الخلل والتفريط‪.‬‬
‫قال ربنا ‪ -‬جل وعل ‪) :-‬ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن‬
‫الله غفور رحيم(‪.‬‬
‫قال الشيخ العلمة عبدالرحمن السعدي ‪-‬رحمه الله‪ -‬في تفسير هذه الية‪:‬‬
‫"أي ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس من لدن إبراهيم ‪ -‬عليه‬
‫السلم ‪ -‬إلى الن‪.‬‬
‫ً‬
‫والمقصود من هذه الفاضة كان معروفا عندهم‪ ،‬وهو رمي الجمار‪ ،‬وذبح‬
‫الهدايا‪ ،‬والطواف‪ ،‬والسعي‪ ،‬والمبيت بمنى ليالي التشريق‪ ،‬وتكميل باقي‬
‫المناسك‪.‬‬
‫ت آخُر المناسك أمر الله‬
‫ولما كانت هذه الفاضة يقصد بها ما ذكر‪ ،‬والمذكورا ُ‬
‫ تعالى ‪ -‬عند الفراغ منها باستغفاره‪ ،‬والكثار من ذكره؛ فالستغفار للخلل‬‫الواقع من العبد في أداء عبادته‪ ،‬وتقصيره فيها‪ ،‬وذكُر اللهِ شكُر الله على‬
‫إنعامه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة‪ ،‬والمنة الجسيمة‪.‬‬
‫وهكذا ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادة أن يستغفر عن التقصير‪ ،‬وأن يشكر‬
‫ن بها على ربه‪ ،‬وجعلت له‬
‫على التوفيق‪ ،‬ل كمن يرى أنه أكمل العبادة‪ ،‬وم ّ‬
‫‪103‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ق‬
‫محل ً ومنزل ً‬
‫ة رفيعة؛ فهذا حقيق بالمقت‪ ،‬ورد الفعل‪ ،‬كما أن الول حقي ٌ‬
‫بالقبول والتوفيق لعمال أخر"ا‪-‬هـ‪.‬‬
‫الستغفار طلب المغفرة‪ ،‬وهي ستر الذنوب‪ ،‬والعفو عنها‪ ،‬ووقاية شرها‪.‬‬
‫والستغفار من أج ّ‬
‫ل القربات‪ ،‬وأنفِع الطاعات‪ ،‬وأعظم ِ موانع إنفاذ الوعيد‪.‬‬
‫والستغفار ختام العمال الصالحة‪ ،‬فيختم به الصلة‪ ،‬وقيام الليل‪ ،‬ويختم به‬
‫الحج كما مر‪ ،‬وتختم به المجالس؛ فإن كانت ذكرا ً كان كالطابع عليها‪ ،‬وإن‬
‫كانت لغوا ً كان كفارة ً لها‪.‬‬
‫ولما وفى نبينا ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬تبليغ الرسالة‪ ،‬والجهاد في سبيل الله‪،‬‬
‫وأقر الله عينه بعز السلم وظهور المسلمين‪ ،‬ودخول الناس في دين الله‬
‫أفواجا ً ‪ -‬أمره الله بالستغفار؛ فكان التبليغُ والجهاد ُ عبادةً قد أكملها وأداها؛‬
‫فشرع له الستغفار عقيبها‪.‬‬
‫وبالجملة فهذه حال العبد مع ربه في جميع أحواله‪ ،‬فهو يعلم أنه ل يوفي هذا‬
‫المقام حقه‪ ،‬فهو أبدا ً يستغفر عقب كل عمل صالح؛ فكل أحد محتاج إلى‬
‫مغفرة الله ورحمته‪ ،‬ول سبيل إلى النجاة بدون ذلك‪.‬‬
‫ولذلك ينبغي أن يختم الحج بالستغفار‪ ،‬فهو يكمل الحج‪ ،‬ويرقع ما تخرق منه‬
‫بالجدال ونحوه‪.‬‬
‫إن من الناس من ل يعرف من موجبات سخط الله‪ ،‬وأسباب عقوبته إل‬
‫المعاصي التي شددت الشريعة في النهي عنها؛ فإذا تابوا من عمل سيئ‬
‫فإنما يتوبون منها؛ فهذه حالة عامة المؤمنين‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫ة‬
‫أما خاصة المؤمنين فحالهم أكمل وأتم‪ ،‬فهم يعرفون أن لكل عمل سيئ لوث ً‬
‫في النفس تبعدها عن الكمال‪ ،‬ويرون أن لكل عمل صالح أثرا ً في النفس‬
‫يقربها من الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬والتقصير في الصالحات يعد عند هؤلء من‬
‫الذنوب التي تهبط بالنفس‪ ،‬وتبعدها عن الله‪ ،‬فالنفس إذا قصرت فيها تتوب‪،‬‬
‫وإذا استمرت لم تعمل من النقائص والعيوب‪.‬‬
‫ويختلف اتهام هؤلء لنفسهم باختلف علمهم بصفات النفس‪ ،‬وما يعرض لها‬
‫من الفات في سيرها‪ ،‬وعلمهم بكمال الله‪ ،‬ومعنى القرب منه‪ ،‬واستحقاق‬
‫رضوانه‪.‬‬
‫مل يسارعون في الخيرات‪ ،‬ويبادرون إلى التوبة‬
‫ولهذا ترى هؤلء الك ّ‬
‫والستغفار؛ لشعورهم بالنقص في العمل‪ ،‬والتقصير في حق رب الرض‬
‫والسموات‪.‬‬
‫هذا وإن للستغفار فضائ َ‬
‫ة فمن ذلك أنه‬
‫ة‪ ،‬وبركات متنوع ً‬
‫ة‪,‬وأسرارا ً بديع ً‬
‫ل جم ً‬
‫طاعة لله‪ ،‬وأنه سبب لمغفرة الذنوب‪ ،‬ورفعة الدرجات‪ ،‬ونزول المطار ‪،‬‬
‫والمداد بالموال والبنين ) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ً * يرسل‬
‫السماء عليكم مدرارا ً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم‬
‫أنهارًا(‪.‬‬
‫والستغفار سبب في زيادة القوة‪ ،‬والمتاع الحسن‪ ،‬ودفع البلء‪ ،‬وحصول‬
‫الرحمة‪ ،‬قال ربنا ‪ -‬تبارك وتعالى ‪) :-‬وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه‬
‫يمتعكم متاعا ً حسنا ً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله(‪.‬‬
‫وقال على لسان هود ‪ -‬عليه السلم ‪) :-‬ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه‬
‫يرسل السماء عليكم مدرارا ً ويزدكم قوة إلى قوتكم (‪.‬‬
‫وقال ‪ -‬عز وجل ‪ ) -‬لول تستغفرون الله لعلكم ترحمون(‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال لقمان ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬لبنه‪" :‬يا بني عود لسانك الستغفار؛ فإن لله‬
‫ساعات ل يرد فيهن سائ ً‬
‫ل"‪.‬‬
‫وقالت عائشة ‪ -‬رضي الله عنها ‪" :-‬طوبى لمن وجد في صحفيته استغفارا ً‬
‫كثيرًا"‪.‬‬
‫وقال أبو المنهال‪" :‬ما جاور عبد في قبره من جار أحب إليه من استغفار‬
‫كثير"‪.‬‬
‫وقال الحسن ‪-‬رحمه الله‪" :-‬أكثروا من الستغفار في أسواقكم‪ ،‬وعلى‬
‫موائدكم‪ ،‬وفي طرقاتكم؛ فإنكم ل تدرون متى تنزل الرحمة"‪.‬‬
‫وقال قتادة ‪-‬رحمه الله‪" :-‬إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم‪ ،‬فأما‬
‫داؤكم فالذنوب‪ ،‬وأما دواؤكم فالستغفار"‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪" :‬فمن أهمته ذنوبه أكثر لها من الستغفار"‪.‬‬
‫ومما يدل على عظم شأن الستغفار أن الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬جمع بينه وبين‬
‫التوحيد في قوله ‪ -‬تبارك وتعالى ‪َ) :-‬فاعْل َ َ‬
‫َ‬
‫فْر ل ِذ َن ْب ِك(‪.‬‬
‫ست َغْ ِ‬
‫ه َوا ْ‬
‫ه إ ِل ّ الل ّ ُ‬
‫ه ل إ ِل َ َ‬
‫م أن ّ ُ‬
‫ْ‬
‫وفي بعض الثار أن إبليس قال‪" :‬أهلكت الناس بالذنوب‪ ،‬وأهلكوني بـ‪ :‬ل إله‬
‫إل الله‪ ،‬والستغفار"‪.‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية ‪-‬رحمه الله‪" :-‬شهادة التوحيد تفتح باب الخير ‪،‬‬
‫والستغفار يغلق باب الشر"‪.‬‬
‫وللستغفار صيغٌ عديدة ٌ أفضلها أن يبدأ العبد بالثناء على ربه‪ ،‬ثم يثني‬
‫بالعتراف بذنبه‪ ،‬ثم يسأل الله المغفرة‪ ،‬كما في حديث شداد بن أوس في‬
‫صحيح البخاري عن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قال‪" :‬سيد الستغفار أن‬
‫يقول العبد‪ :‬اللهم أنت ربي ل إله إل أنت خلقتني وأنا عبدك‪ ،‬وأنا على عهدك‬
‫ووعدك ما استطعت‪ ،‬أعوذ بك من شر ما صنعت‪ ،‬أبوء لك بنعمتك علي‪،‬‬
‫وأبوء بذنبي‪ ،‬فاغفر لي فإنه ل يغفر الذنوب إل أنت"‪.‬‬
‫ومن صيغ الستغفار‪ :‬أستغفر الله الحي القيوم وأتوب إليه‪.‬‬
‫فر له وإن كان فر من الزحف"‪.‬رواه‬
‫قال ‪ -‬عليه الصلة والسلم ‪" -‬من قاله غُ ِ‬
‫أبو داود والترمذي‪ ،‬وجود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب‪.‬‬
‫وفي كتاب عمل اليوم والليلة للنسائي عن خباب بن الرت ‪-‬رضي الله عنه‪-‬‬
‫قال‪ :‬قلت يا رسول الله‪ :‬كيف نستغفر قال‪" :‬قل "اللهم اغفر لنا وارحمنا‬
‫وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم"‪.‬‬
‫وفيه ‪ -‬أيضا ً ‪ -‬عن أبي هريرة ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬قال‪ :‬ما رأيت أحدا ً أكثر أن‬
‫يقول "أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله‪-‬صلى الله عليه وسلم‪."-‬‬
‫وعن ابن عمر ‪ -‬رضي الله عنهما ‪ -‬قال‪ :‬إن كنا لنعد لرسول الله ‪-‬صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ -‬في المجلس الواحد مائة مرة يقول‪" :‬ربي اغفر لي وتب علي؛‬
‫إنك أنت التواب الرحيم" رواه أحمد‪ ،‬وأبو داود‪ ،‬والبخاري في الدب المفرد‪،‬‬
‫والترمذي‪ ،‬وابن ماجة‪ ،‬وصححه ابن حبان‪.‬‬
‫ومن أخصر الصيغ‪ ،‬وأشهرها‪ :‬أستغفر الله‪ ،‬ورب اغفر لي‪.‬‬
‫هذا هو الستغفار‪ ،‬وهذا فضله‪ ،‬وتلك صيغه؛ فما أحرانا في نهاية حجنا أن‬
‫تلهج ألسنتنا بالستغفار‪ ،‬وما أجمل أن يكون الستغفار لنا خير دثار فيما‬
‫نستقبله من أيام‪.‬‬
‫اللهم تقبل منا‪ ،‬ومن المؤمنين‪ ،‬وتجاوز عن تفريطنا‪ ،‬وتقصيرنا‪.‬‬
‫وص ّ‬
‫ل اللهم وسلم على نبينا محمد‬
‫مشهد الضطرار والتذلل وانتظار الفرج في الحج‬
‫الشيخ‪ /‬محمد بن إبراهيم الحمد ‪7/12/1426‬‬
‫‪07/01/2006‬‬
‫‪105‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فإن الحديث في السطر التالية سيدور حول مشاهد َ عظيمةٍ في الحج قريب‬
‫بعضها من بعض‪ ،‬أل وهي مشاهد الضطرار والفتقار إلى الله‪ ،‬والتذلل‬
‫والنكسار بين يديه‪ ،‬ومشهد انتظار الفرج منه ‪ -‬تبارك وتعالى ‪.-‬‬
‫فالحاج وهو متلبس بتلك الشعيرة العظيمة يشعر بأنه مضطر إلى الله مفتقر‬
‫إليه‪ ،‬خائف منه‪ ،‬راٍج ما عنده‪ ،‬منكسٌر بين يديه‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫وهذا هو لب العبادة‪ ،‬ومقصودها العظم؛ فالفتقار إلى الله دون من سواه‬
‫ن الغنى‪ ،‬والتذلل‪ ،‬والنطراح بين يديه هو العّز الذي ل يدانيه عز؛ فالله‬
‫هو عي ُ‬
‫ تبارك وتعالى ‪ -‬يحب المنكسرة قلوبهم فيدنيهم‪ ،‬ويقرب منهم‪ ،‬بل هو ‪ -‬عز‬‫وجل ‪ -‬عند المنكسرة قلوبهم من أجله‪.‬‬
‫ن موسى القصيرِ قال‪ :‬قال موسى‬
‫أخرج المام أحمد في الزهد عن عمرا َ‬
‫نب ِ‬
‫ عليه السلم ‪" :-‬يا ربي أين أبغيك؟‬‫قال‪ :‬ابغني عند المنكسرة قلوُبهم من أجلي؛ فإني أدنوا منهم كل يوم باعا‪ً،‬‬
‫ولول ذلك ل نهدموا"‪.‬‬
‫ثم إن حاجة النسان‪ ،‬بل ضرورته إلى ربه ل تدانيها حاجة أو ضرورة؛ فإن في‬
‫ة ل يسدها إل القبال على الله ‪ -‬عز‬
‫ة وحاج ً‬
‫ة‪ ،‬وفقرا ً ذاتيًا‪ ،‬وفاق ً‬
‫القلب جوع ً‬
‫وجل ‪.-‬‬
‫وكلما اشتدت حاجة النسان إلى ربه‪ ،‬وعظمت ضرورته إليه‪ ،‬واشتد تحريه‬
‫لجابة دعائه ‪ -‬جاءه الفرج‪ ،‬وأقبل عليه اليسر؛ فانتظار الفرج من أجل‬
‫العبوديات وأعظمها‪.‬‬
‫ج‬
‫ما ضاق بالمرء أمر فاستعد له *** عبادة َ الله إل جاءه الفر ُ‬
‫ج‬
‫ول أناخ بباب الله ذو ألم ٍ *** إل تزحزح عنه الهم والحر ُ‬
‫قال ابن القيم ‪-‬رحمه الله‪" :-‬انتظار روح الفرج يعني راحته‪ ،‬ونسيمه‪ ،‬ولذته؛‬
‫فإن انتظاره‪ ،‬ومطالعته‪ ،‬وترقبه يخفف حمل المشقة ل سيما عند قوة‬
‫الرجاء‪ ،‬أو القطع بالفرج؛ فإنه يجد في حشو البلء من َرْوح الفرج‪ ،‬ونسيمه‪،‬‬
‫وراحته ما هو من خفي اللطاف‪ ،‬وما هو فرج معجل"‪.‬‬
‫وهذه المعاني العظيمة ُتدرك بالحج‪ ،‬وينالها الحاج في كثير من المواطن‬
‫والمناسك؛ فالحاج ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬إذا رأي جموع الحجيج المزدحمة‬
‫عند الطواف‪ ،‬والسعي‪ ،‬وفي رمي الجمار‪ ،‬أو في الطرقات ظن أن تلك‬
‫الجموع لن تتفرق‪ ،‬وأنه لن يصل إلى مبتغاه من إكمال نسكه‪ ،‬وربما أدركه‬
‫الضجر‪ ،‬وبلغت منه السآمة مبلغها‪ ،‬وربما أضمر في نفسه أنه لن يحج بعد‬
‫عامه هذا‪ ،‬وما هي إل مدة يسيرة ثم تنزاح تلك الجموع‪ ،‬ويتيسر أداء‬
‫المناسك‪.‬‬
‫وفي هذا درس عظيم‪ ،‬وسر بديع يتعلم منه الحاج عبودية انتظار الفرج؛ فل‬
‫س بعد ذلك من روح الله‪ ،‬وقرب فرجه مهما احلولكت الظلمة‪ ،‬ومهما‬
‫ييأ ُ‬
‫استبد اللم سواء في حاله أو حال أمته‪.‬‬
‫بل يكون محسنا ً ظنه بربه‪ ،‬منتظرا ً فرجه‪ ،‬ولطفه‪ ،‬وقرب ِغَيره‪.‬‬
‫ول بعد في خير الله وفي الله مطمع ول يأس من روح وفي القلب إيمان‬
‫ولئن كانت تلك المعاني ‪ -‬أعني الفتقار‪ ،‬والتذلل‪ ،‬وانتظار الفرج ‪ -‬لئن كانت‬
‫ظاهرةً مستفادة ً من كثير من مناسك الحج ‪ -‬فلهي أشد ظهورا ً في نسك‬
‫السعي بين الصفا والمروة؛ حيث يتجلى هذا المر؛ إذ هو الحكمة الخاصة‬
‫للسعي؛ فالحكمة العامة من السعي إقامة ذكر الله‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫م‪ ،‬والسّر البديِع ‪ -‬كما أشار إلى‬
‫أما الخاصة فهو حصول هذا المعنى العظي ِ‬
‫ذلك العلمة الشيخ محمد المين الشنقيطي ‪.-‬‬
‫قال ‪ -‬عليه رحمة الله ‪ -‬في تفسيره‪" :‬أما حكمة السعي فقد جاء النص‬
‫الصحيح ببيانها‪ ،‬وذلك هو ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ‪ -‬رضي‬
‫الله عنهما ‪ -‬في قصة ترك إبراهيم هاجر وإسماعيل في مكة‪ ،‬وأنه وضع‬
‫عندهما جرابا ً فيه تمر‪ ،‬وسقاءا ً فيه ماء‪.‬‬
‫وفي الحديث الصحيح المذكور‪" :‬وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل‪،‬‬
‫وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت‪ ،‬وعطش ابنها‪،‬‬
‫وا ‪ -‬أو قال يتلبط ‪ -‬فانطلقت؛ كراهية أن تنظر إليه؛‬
‫وجعلت تنظر إليه يتل ّ‬
‫فوجدت الصفا أقرب جبل في الرض يليها‪ ،‬فقامت عليه‪ ،‬ثم استقبلت الوادي‬
‫تنظر هل ترى أحدًا؛ فلم ت ََر أحدًا‪ ،‬فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي‬
‫رفعت طرف درعها‪ ،‬ثم سعت سعي النسان المجهود حتى جاوزت الوادي‪،‬‬
‫ثم أتت المروة فقامت عليها‪ ،‬ونظرت هل ترى أحدا ً فلم تر أحدا ً ففعلت ذلك‬
‫سبع مرات‪.‬‬
‫قال ابن عباس‪ :‬قال النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪" :-‬فذلك سعي الناس‬
‫بينهما" الحديث‪.‬‬
‫وهذا الطرف الذي ذكرنا من هذا الحديث سقناه بلفظ البخاري ‪-‬رحمه الله‪-‬‬
‫في صحيحه‪.‬‬
‫وقول النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬في هذا الحديث الصحيح‪" :‬فذلك سعي‬
‫الناس بينهما" فيه الشارة الكافية إلى حكمة السعي بين الصفا والمروة؛ لن‬
‫هاجر سعت بينهما السعي المذكور‪ ،‬وهي في أشد حاجة‪ ،‬وأعظم فاقة إلى‬
‫وى من العطش في بلد‬
‫ربها؛ لن ثمرة كبدها وهو ولدها إسماعيل تنظره يتل ّ‬
‫ل ماء فيه ول أنيس‪ ،‬وهي ‪ -‬أيضا ً ‪ -‬في جوع وعطش في غاية الضطرار إلى‬
‫خالقها ‪ -‬جل وعل ‪ -‬وهي من شدة الكرب تصعد على هذا الجبل؛ فإذا لم تر‬
‫ُ‬
‫س بالسعي بين‬
‫شيئا ً جرت إلى الثاني فصعدت عليه لترى أحدًا؛ فأمر النا ُ‬
‫الصفا والمروة؛ ليشعروا بأن حاجتهم‪ ،‬وفقرهم إلى خالقهم ورازقهم كحاجة‬
‫وفقر تلك المرأة في ذلك الوقت الضّيق‪ ،‬والكرب العظيم إلى خالقها‬
‫ورازقها‪ ،‬وليتذكروا أن من كان يطيع الله كإبراهيم ‪ -‬عليه وعلى نبينا الصلة‬
‫والسلم ‪ -‬ل يضيعه ول يخيب دعاؤه‪.‬‬
‫وهذه حكمة بالغة ظاهرة دل عليه حديث صحيح" انتهى كلم العلمة‬
‫الشنقيطي ‪-‬رحمه الله‪.-‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫س العظيم‪ ،‬والحكمة البالغة؛ فما دمت‬
‫فيا أيها الحاج‪ :‬استحضر هذا الدر َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مت بك‬
‫مطيعا ً لله‪ ،‬مفتقرا ً إليه‪ ،‬ملزما ً دعائه فل تيأسن من لطفه؛ فإذا أل ّ‬
‫مصيبة‪ ،‬أو نزل بك بلء‪ ،‬أو ركبك دين‪ ،‬أو لزمك مرض سواء في نفس أو‬
‫ولدك أو من تحب ‪ -‬فانتظر فرج ربك ‪ -‬جل وعل ‪.-‬‬
‫وإذا رأيت أمتك تسام الخسف‪ ،‬ويتطاول عليها العداء‪ ،‬ورأيت إخوانك‬
‫ن أن‬
‫المسلمين وهم يعانون المّرين ‪ -‬فل تركن إلى خاطر اليأس‪ ،‬ول تظن ّ‬
‫الليل ليس له آخر‪.‬‬
‫بل كن متفائل ً حسن الظن؛ فإن النصر مع الصبر‪ ،‬وإن الفرج مع الكرب‪ ،‬وإن‬
‫مع العسر يسرًا‪ ،‬ولن يغلب عسر يسرين‪.‬‬
‫وهكذا يفيد الحاج الدرس العظيم من الحج‪ ،‬أل وهو الفتقار إلى الله ‪ -‬تبارك‬

‫‪107‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وتعالى ‪ -‬والتذلل والنكسار بين يديه‪ ،‬وانتظار فرجه ‪ -‬عز وجل ‪.-‬‬
‫اللهم آمن روعاتنا‪ ،‬واستر عوراتنا‪ ،‬واختم بالسعادة آجالنا‪ ،‬واقرن بالعافية‬
‫غدونا وآصالنا‪.‬‬
‫وص ّ‬
‫ل اللهم وسلم على نبينا محمد‪.‬‬
‫مشهد التوبة في الحج‬
‫الشيخ‪ /‬محمد بن إبراهيم الحمد ‪7/12/1426‬‬
‫‪07/01/2006‬‬
‫فإن التوبة وظيفة العمر‪ ،‬وبداية العبد ونهايته‪ ،‬وأول منازل العبودية‪،‬‬
‫وأوسطها‪ ،‬وآخرها‪.‬‬
‫والحديث ههنا سيكون حول مشهد التوبة في الحج؛ فالحديث عن التوبة‬
‫جميل في كل وقت؛ فكيف إذا كان الحديث عنها في مثل هذه اليام المباركة‬
‫صُر المتمادون‪ ،‬ويكثر التائبون العائدون؟‪.‬‬
‫التي يتوب فيها الغاوون‪ ،‬وي ُ ْ‬
‫ق ِ‬
‫فما أجمل بالحاج بعد أن قام بأعمال الحج‪ ،‬وختمها بالذكر والستغفار أن‬
‫يطبع عليها بطابع التوبة النصوح‪.‬‬
‫أيها الحاج الكريم‪ :‬لقد فتح الله بمنه وكرمه باب التوبة؛ حيث أمر بها‪ ،‬ووعد‬
‫َ‬
‫م‬
‫بقبولها مهما عظمت الذنوب‪ ،‬قال الله ‪ -‬تبارك وتعالى ‪) :-‬وَأِنيُبوا إ َِلى َرب ّك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫وأ َسل ِموا ل َه من قَب َ‬
‫م ال ْعَ َ‬
‫ن(‪.‬‬
‫صُرو َ‬
‫ذا ُ‬
‫لأ ْ‬
‫ب ثُ ّ‬
‫ن ي َأت ِي َك ُ ْ‬
‫َ ْ ُ‬
‫م ل ت ُن ْ َ‬
‫ُ ِ ْ ْ ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫ئا‬
‫ي‬
‫س‬
‫ال‬
‫ن‬
‫ع‬
‫فو‬
‫ُ‬
‫ع‬
‫ي‬
‫و‬
‫ه‬
‫د‬
‫با‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ة‬
‫ب‬
‫و‬
‫ت‬
‫ال‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ْ‬
‫ق‬
‫ي‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ه‬
‫و‬
‫)‬
‫‪:‬‬‫وجل‬
‫عز‬
‫‬‫وقال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ َْ َ‬
‫ّ ّ ِ‬
‫ْ ِ َ ِ ِ ََْ‬
‫َ ُ َ ِ َ َ‬
‫ْ‬
‫ن(‪.‬‬
‫ما ت َ ْ‬
‫فعَُلو َ‬
‫م َ‬
‫وَي َعْل َ ُ‬
‫وقال في حق أصحاب الخدود الذين حفروا الحفر لتعذيب المؤمنين‪،‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫وتحريقهم بالنار‪) :‬إ ِ ّ‬
‫م ي َُتوُبوا فَلهُ ْ‬
‫م لَ ْ‬
‫ت ثُ ّ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ن فَت َُنوا ال ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫م عَ َ‬
‫عَ َ‬
‫ق(‪.‬‬
‫ب ال َ‬
‫ذا ُ‬
‫ب َ‬
‫ذا ُ‬
‫م وَل َهُ ْ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫ح ِ‬
‫ري ِ‬
‫قال الحسن ‪-‬رحمه الله‪" :-‬انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو‬
‫يدعوهم إلى التوبة والمغفرة"‪.‬‬
‫ّ‬
‫بل إنه ‪ -‬عز وجل ‪ -‬حذر من القنوط من رحمته‪ ،‬فقال‪) :‬قُ ْ‬
‫ن‬
‫ل َيا ِ‬
‫عَباِدي ال ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫قن َ ُ‬
‫ه‬
‫م ل تَ ْ‬
‫سَرُفوا عََلى أ َن ْ ُ‬
‫ج ِ‬
‫ه ي َغْ ِ‬
‫طوا ِ‬
‫ف ِ‬
‫ب َ‬
‫فُر الذ ُّنو َ‬
‫مةِ الل ّهِ إ ِ ّ‬
‫ن َر ْ‬
‫أ ْ‬
‫ميعا إ ِن ّ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ح َ‬
‫سهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫م(‪.‬‬
‫هُوَ ال ْغَ ُ‬
‫فوُر الّر ِ‬
‫حي ُ‬
‫قال ابن عباس ‪ -‬رضي الله عنهما ‪" :-‬من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا‬
‫فقد جحد كتاب الله – عز وجل‪."-‬‬
‫أما فضائل التوبة‪ ،‬وأسرارها‪ ،‬وبركاتها فمتعددة متنوعة متشعبة؛ فالتوبة سبب‬
‫دل الله‬
‫الفلح‪ ،‬وطريق السعادة‪ ،‬وبالتوبة تكفر السيئات‪ ،‬وإذا حسنت ب ّ‬
‫ت صاحبها حسنات‪.‬‬
‫سيئا ِ‬
‫ه ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬يفرح‬
‫وعبودية التوبة من أحب العبوديات إلى الل ِ‬
‫ه‪ ,‬والل ُ‬
‫بتوبة التائبين‪ ,‬قال النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬فيما رواه البخاري ومسلم‪:‬‬
‫"لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزل ً وبه مهلكة‪ ،‬ومعه راحلته عليها‬
‫ة‪ ،‬فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى‬
‫طعامه وشرابه‪ ،‬فوضع رأسه فنام نوم ً‬
‫اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله‪.‬‬
‫ة‪ ،‬ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده"‪.‬‬
‫قال‪ :‬أرجع إلى مكاني‪ ،‬فرجع فنام نوم ً‬
‫ولم يجئ هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى التوبة‪ ،‬ومعلوم أن لهذا‬
‫الفرح تأثيرا ً عظيما ً في حال التائب وقلبه‪ ،‬ومزيد ُ هذا الفرح ل ُيعبر عنه‪.‬‬
‫ومن فضائل التوبة‪ :‬أنها توجب للتائب آثارا ً عجيبة من مقامات العبودية التي‬
‫ة ولطفًا‪ ،‬وتوجب له شكر‬
‫ة ومحب ً‬
‫ل تحصل بدون التوبة؛ فتوجب للتائب رق ً‬
‫الله‪ ،‬وحمده‪ ،‬والرضا عنه؛ فَُرّتب له على ذلك أنواع من النعم ل يهتدي العبد‬
‫إلى تفاصيلها‪ ،‬بل ل يزال يتقلب في بركاتها وآثارها مالم ينقضها أو يفسدها‪.‬‬
‫‪108‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من المسائل في باب التوبة‪ :‬مسألة التخلص من الحقوق ‪ ,‬والتحلل من‬
‫المظالم؛ فالتوبة تكون من حق الله‪ ،‬وحقّ العباد‪ ،‬فحقّ الله‪ -‬تعالى ‪ -‬يكفي‬
‫في التوبة منه أن يترك ما كان يفعله من النواهي‪ ،‬وأن يفعل ما كان يتركه‬
‫من الوامر‪.‬‬
‫ص ٌ‬
‫ل في‬
‫ومن حقوق الله ما يجب فيه مع التوبةِ القضاُء والكفارة ُ كما هو مف ّ‬
‫مواضعه‪.‬‬
‫ج إلى التحلل من المظالم فيه‪ ،‬وإلى أداء الحقوق إلى‬
‫حَتا ُ‬
‫وأما حق غير الله فَي َ ْ‬
‫ص من ضرر ذلك الذنب‪.‬‬
‫ل الخل ُ‬
‫مستحقيها‪ ،‬وإل لم يحص ِ‬
‫قال النبي‪- :‬صلى الله عليه وسلم‪" :-‬من كان لخيه عنده مظلمة من مال‪ ،‬أو‬
‫ه اليوم‪ ،‬قبل أن ل يكون دينار ول درهم إل الحسنات‬
‫عرض؛ فليتحل ّل ْ ُ‬
‫والسيئات" أخرجه البخاري‪.‬‬
‫وسعَ في ذلك؛ فعفو الله مأمول‪،‬‬
‫ولكن من لم ي َ ْ‬
‫قدِْر على اليصال بعد بذله ال ُ‬
‫ت‪.‬‬
‫ت حسنا ٍ‬
‫ت‪ ،‬ويبدل السيئا ِ‬
‫فإنه يضمن التبعا ِ‬
‫)‪(7 /‬‬
‫ل‬
‫ة الواجب ُ‬
‫ة؛ فالتوب ُ‬
‫ة ومستحب ٌ‬
‫ة واجب ٌ‬
‫ومن لطائف التوبة أن التوب َ‬
‫ة تكون من فع ِ‬
‫ة تكون من فعل المكروهات‬
‫ة المستحب ُ‬
‫ت‪ ،‬والتوب ُ‬
‫ت وترك الواجبا ِ‬
‫المحرما ِ‬
‫ك المستحبات؛ فمن اقتصر على التوبة الولى كان من المقتصدين‬
‫وتر ِ‬
‫ت بالولى‬
‫البرار‪ ،‬ومن تاب التوبتين كان من السابقين المقربين‪ ،‬ومن لم يأ ِ‬
‫الواجبة؛ كان من الظالمين‪.‬‬
‫ة‪،‬‬
‫ة‪ ،‬الصادق ُ‬
‫ة النصوِح‪ ،‬وهي الخالص ُ‬
‫ومن المسائل في باب التوبة مسألة التوب ُ‬
‫ة من الشوائب و العلل؛ وهي التي تكون من جميع الذنوب؛ فل‬
‫ة الخالي ُ‬
‫الناصح ُ‬
‫ّ‬
‫م والصدقَ بك ُليته؛ فل يبقى‬
‫ت َد َعُ ذنبا ً إل تناولْته‪ ،‬وهي التي ي َ ْ‬
‫معُ صاحُبها العز َ‬
‫ج َ‬
‫وم‪ ،‬ول انتظار‪ ،‬وهي التي تقعُ لمحض خوف الله‪ ،‬وخشيته‪،‬‬
‫عنده ترد ّد ٌ ول َتل ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ت ذنوُبه كلها‪،‬‬
‫ه غُ ِ‬
‫فَر ْ‬
‫والرغبة مما لديه‪ ،‬والرهبة مما عنده؛ فمن كانت هذه حال ُ‬
‫ت توبُته ب َد ّ َ‬
‫ه سيئاِته حسنات‪.‬‬
‫وإذا َ‬
‫ح ُ‬
‫ل الل ُ‬
‫سن َ ْ‬
‫ة التوبةِ الخاصة‪ ،‬وهي التي تكون من بعض‬
‫ومن اللطائف في هذا الباب مسأل ُ‬
‫الذنوب؛ فالواجب على العبد أن يتوب من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها‪.‬‬
‫ت توبُته مما تاب‬
‫لكن إذا تاب من بعضها مع إصراره على بعضها الخر ‪ -‬قُب ِل َ ْ‬
‫ب آخَر من نوعه‪.‬‬
‫منه ما لم ي ُ ِ‬
‫صّر على ذن ٍ‬
‫مثال ذلك‪ :‬أن يتوب من الّربا وهو مصر على شرب الخمر‪ ،‬فتقبل توبته من‬
‫الربا وهكذا‪.‬‬
‫ن من الكثير من الذنوب دون القليل منها؛ لن‬
‫ور أن يتوب النسا ُ‬
‫وقد ي ُت َ َ‬
‫ص ّ‬
‫لكثرة الذنوب تأثيرا ً في كثرة العقوبة‪ ،‬وصعوبة التوبة‪.‬‬
‫وبالجملة فك ّ‬
‫ض منه ل تتعلق بالتوبة من غيره؛‬
‫ة خاص ٌ‬
‫ب له توب ٌ‬
‫ة‪ ،‬وهي فر ٌ‬
‫ل ذن ٍ‬
‫ة أن يكون‬
‫ح فيما تاب منه؛ شريط َ‬
‫ة الخاص ُ‬
‫فهذه هي التوب ُ‬
‫ة‪ ،‬وحكمها‪ :‬أنها ت َ ِ‬
‫ص ّ‬
‫التائب باقيا ً على أصل اليمان‪.‬‬
‫ض كالمعصية؛ فيكون تائبا ً من وجه دون وجه‪.‬‬
‫وسر المسألة‪ :‬أن التوبة ت َت َب َعّ ُ‬
‫ت إلى التائب بعد التوبة؛‬
‫ومن اللطائف في باب التوبة مسأل ُ‬
‫ة رجوِع الحسنا ِ‬
‫ة‬
‫ت استغرقت حسناِته القديم َ‬
‫ت‪ ،‬ثم عمل بعدها سيئا ٍ‬
‫فإذا كان للعبد حسنا ٌ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ة‪ ،‬ولم يكن‬
‫ه القديم ُ‬
‫وأب ْط َل َْتها‪ ،‬ثم تاب بعد ذلك توبة نصوحا ‪ -‬عادت إليه حسنات ُ‬
‫ت من خير؛ فالحسنات‬
‫ت على ما أسلف َ‬
‫م المستأنف لها بل يقال‪ :‬ت ُب ْ َ‬
‫مه حك َ‬
‫حك ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره‪،‬‬
‫التي فعَلَتها في السلم أعظ ُ‬
‫‪109‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ة‪ ،‬وبر‪.‬‬
‫صل َ ٍ‬
‫صد ِْقة‪ ،‬و ِ‬
‫من عتاقة‪ ،‬و ِ‬
‫ت أشياَء كنت‬
‫قال حكيم بن حزام ‪-‬رضي الله عنه‪" -‬قلت يا رسول الله‪ ،‬أرأي َ‬
‫صدقة‪ ،‬أو عتاقة‪ ،‬أو صلة رحم؛‬
‫أتحّنث بها ‪ -‬يعنى أتعبد ّ بها ‪ -‬في الجاهلية من َ‬
‫ت على ما‬
‫"أسلم‬
‫وسلم‪:-‬‬
‫فهل فيها من أجر؟ فقال النبي ‪-‬صلى الله عليه‬
‫َ‬
‫ت من خير" رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫أسلف َ‬
‫قال ابن حجر ‪-‬رحمه الله‪ -‬في شرح الحديث‪" :‬ل مانع من أن يضيف الله إلى‬
‫ضل ً وإحسانًا" ا‪-‬هـ‪.‬‬
‫ب ما كان صدر منه في الكفر؛ تف ّ‬
‫حسناته في السلم ثوا َ‬
‫خل ّلةَ‬
‫ً‬
‫مت َ َ‬
‫وقال ابن القيم ‪-‬رحمه الله‪ -‬مبّينا العلة في ذلك‪" :‬وذلك لن الساءةَ ال ُ‬
‫بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة‪ ،‬وصارت كأنها لم تكن؛ فتلقت الطاعتان‪،‬‬
‫واجتمعتا‪ ،‬والله أعلم" ا‪-‬هـ‪.‬‬
‫ب إلى حاله ومقامه قبل‬
‫ومن اللطائف في باب التوبة‪ :‬مسأل ُ‬
‫ة رجوِع التائ ِ‬
‫المعصية؛ فقد يكون للعبد حا ٌ‬
‫ب‬
‫ل‪ ،‬أو مقا ٌ‬
‫م مع الله‪ ،‬ثم ينزل عنه بسبب ذن ٍ‬
‫ارتكبه‪ ،‬ثم بعد ذلك يتوب من ذلك الذنب‪ ،‬فهل يعود بعد التوبة إلى مثل ما‬
‫كان‪ ،‬أو ل يعود‪ ،‬أو يعود إلى أنقص من رتبته‪ ،‬أو يعود خيرا ً مما كان؟‪.‬‬
‫والجواب‪ :‬أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله الول‪ ،‬ومنهم من يعود إلى‬
‫ص مما كان؛ فإن كان بعد التوبة خيرا ً‬
‫أكم َ‬
‫ل من حاله‪ ،‬ومنهم من يعود إلى أنق َ‬
‫مما كان قبل الخطيئة‪ ،‬وأشد ّ حذرًا‪ ،‬وأعظم تشميرًا‪ ،‬وأعظم ذل ً وخشية وإنابة‬
‫ عاد َ إلى أرفعَ مما كان‪.‬‬‫وإن كان قبل الخطيئةِ أكم َ‬
‫ل في هذه المور‪ ،‬ولم يعد بعد التوبة إليها عاد‬
‫أنقص مما كان عليه‪.‬‬
‫وإن كان بعد التوبةِ مث َ‬
‫ل ما كان قبل الخطيئة ‪ -‬رجع إلى منزلته‪.‬‬
‫جحه شيخ السلم ابن تيمية ‪-‬رحمه الله‪ -‬في هذه المسألة‪.‬‬
‫وهذا ما ر ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن لهذه المسألة‪ ،‬خصوصا من كان له حا ٌ‬
‫ل مع‬
‫وعلى هذا؛ فإنه ينبغي التفط ُ‬
‫ّ‬
‫ه‪ ،‬ومسارعة إلى الخيرات‪ ،‬وحرص على‬
‫م‪ ،‬وتأل ٍ‬
‫الله‪ ،‬وكان ذا خشي ٍ‬
‫ة‪ ،‬وعل ٍ‬
‫ّ‬
‫وح به‬
‫الدعوة ونحو ذلك‪ ،‬ثم طاف به طائف من الشيطان‪ ،‬فأزله‪ ،‬وأغواه‪ ،‬وط ّ‬
‫ُ‬
‫ب إلى‬
‫سه بالله‪ ،‬ود ّ‬
‫عن قصد السبيل‪ ،‬فنزل عن رتبته السابقة‪ ،‬وفقد أن ْ َ‬
‫ضعف والفتور وترك ما كان يقوم به من خير ومسارعة‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ً‬
‫فهذه مسألة تعتري كثيرا من الناس‪ ،‬فيستسلمون لها‪ ،‬ويركنون إلى خاطر‬
‫دون‪ ،‬فيظنون أنهم ل يمكن أن يرجعوا إلى حالتهم‬
‫اليأس‪ ،‬ويرضون بال ّ‬
‫السابقة من الخير‪ ،‬والقرب من الله!‪.‬‬
‫فعلى من وقعت له تلك الحال أل يستسلم للشيطان‪ ،‬وأل ييأس من رجوعه‬
‫مر‬
‫إلى ما كان عليه من منزلة؛ بل عليه أن يجتهد بالتوبة الّنصوح‪ ،‬وأن يش ّ‬
‫د؛ لتدارك ما فات بالعمال الصالحات؛ فلربما عاد إلى مقامه‬
‫عن ساعد الج ّ‬
‫وحاله السابق‪ ،‬بل ربما عاد أكمل مما كان عليه‪ ،‬وليس ذلك ببعيد على من‬
‫كان ذا نفس شريفة‪ ،‬وهمة عالية‪.‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫ن‬
‫س من َروٍْح وفي القلب إيما ُ‬
‫ول ُبعد َ في خيرٍ وفي الله مطمعٌ ول يأ َ‬
‫أيها الحجاج الكرام‪ :‬مسائل التوبة كثيرة‪ ،‬ولطائفها متنوعة‪ ،‬وأسرارها بديعة‬
‫عديدة ل يّتسع لها هذا الوقت اليسير‪.‬‬
‫اللهم إننا نسألك التوبة النصوح التي ترضيك عنا‪.‬‬
‫وص ّ‬
‫ل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه‪.‬‬
‫مشهد الشكر في الحج‬

‫‪110‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الشيخ‪ /‬محمد بن إبراهيم الحمد ‪7/12/1426‬‬
‫‪07/01/2006‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َرب ّك ُْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫م فَإ ِذاَ‬
‫ضل ِ‬
‫ن ت َب ْت َُغوا ف ْ‬
‫حأ ْ‬
‫جَنا ٌ‬
‫م ُ‬
‫س عَلي ْك ْ‬
‫قال الله ‪ -‬عز وجل ‪) :-‬لي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫إ‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫دا‬
‫ه‬
‫ما‬
‫ك‬
‫ه‬
‫رو‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫وا‬
‫م‬
‫را‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ر‬
‫ع‬
‫ش‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫د‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ت َفاذ ْك ُُروا‬
‫ن عََرَفا ٍ‬
‫م ِ‬
‫ُ ُ َ َ َ ْ َِ ْ‬
‫أفَ ْ‬
‫ضت ُ ْ‬
‫َ َ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫َ ِ ْ َ َ َ ِ‬
‫ُ‬
‫ن(‪.‬‬
‫ن قَب ْل ِهِ ل َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ضاّلي َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫خي ٌْر‬
‫م ِفيَها َ‬
‫جعَل َْنا َ‬
‫م ِ‬
‫ن َ‬
‫وقال ‪ -‬تبارك وتعالى ‪َ) :-‬وال ْب ُد ْ َ‬
‫شَعائ ِرِ الل ّهِ ل َك ُ ْ‬
‫ها ل َك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ع‬
‫موا ال َ‬
‫وا ّ‬
‫جُنوب َُها فَك ُلوا ِ‬
‫قان ِ َ‬
‫ت ُ‬
‫ف فَإ َِذا وَ َ‬
‫َفاذ ْك ُُروا ا ْ‬
‫من َْها وَأطعِ ُ‬
‫جب َ ْ‬
‫س َ‬
‫م الل ّهِ عَل َي َْها َ‬
‫ص َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫معْت َّر ك َذ َل ِ َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ن(‪.‬‬
‫س ّ‬
‫خْرَنا َ‬
‫شك ُُرو َ‬
‫ك َ‬
‫م لعَلك ُ ْ‬
‫ها لك ُ ْ‬
‫َوال ْ ُ‬
‫ففي اليتين السابقتين إشارة إلى واجب الشكر لله ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬قال‬
‫ما‬
‫العلمة عبدالرحمن السعدي ‪-‬رحمه الله‪ -‬في قوله ‪ -‬تعالى ‪َ):-‬واذ ْك ُُروهُ ك َ َ‬
‫ن ُ‬
‫ن‬
‫ن قَب ْل ِهِ ل َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫هَ َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫داك ُ ْ‬
‫ن( "أي اذكروا الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬كما م ّ‬
‫ضاّلي َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫عليكم بالهداية بعد الضلل‪ ،‬وكما علمكم مالم تكونوا تعلمون؛ فهذه من أكبر‬
‫النعم التي يجب شكرها‪ ،‬ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان"‪.‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وقال في تفسير الية الثانية عند قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬ك َذ َل ِ َ‬
‫م‬
‫س ّ‬
‫خْرَنا َ‬
‫ك َ‬
‫م لعَلك ْ‬
‫ها لك ْ‬
‫تَ ْ‬
‫ن( قال‪" :‬لعلكم تشكرون الله على تسخيرها فإنه لول تسخيرها لم‬
‫شك ُُرو َ‬
‫ً‬
‫يكن لكم بها طاقة‪ ،‬ولكنه ذللها لكم‪ ،‬وسخرها؛ رحمة بكم وإحسانا إليكم‬
‫فاحمدوه" ا‪-‬هـ‪.‬‬
‫ة على ملزمته؛‬
‫هذا وإن كثيرا ً من النصوص جاءت مبينة منزلة الشكر‪ ،‬حاث ً‬
‫فالشكر من أجل العبوديات‪ ،‬وأعلى المنازل؛ إذ هو نصف اليمان‪ ،‬فاليمان‬
‫صبر وشكر‪.‬‬
‫وقد أمر الله بالشكر‪ ،‬ونهى عن ضده‪ ،‬وأثنى على أهل الشكر‪ ،‬ووصف به‬
‫خاصة خلقه‪ ،‬ووعد أهله بأحسن جزائه‪ ،‬وجعله سببا ً للمزيد من فضله‪،‬‬
‫وحارسا ً وحافظا لنعمته‪ ،‬وأخبر‪ -‬عز وجل‪ -‬أن أهل الشكر هم المنتفعون‬
‫بآياته‪.‬‬
‫ة‪ ،‬وصيد ُ النعم ِ المفقودة‪.‬‬
‫والشكُر قيد ُ النعم الموجود ِ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وحقيقة الشكر هوَ ظهوُر أثرِ نعمةِ اللهِ على لسان عبده ثناءا واعترافا‪ ،‬وعلى‬
‫قلبه شهودا ً ومحبة‪ ،‬وعلى جوارحه انقيادا ً وطاعة‪.‬‬
‫ن يلزم الشكَر في شتى أحواله؛ فإذا نزل به ما يحب‬
‫والمؤمن حقا ً هو َ‬
‫م ْ‬
‫م المتفضل‪ ،‬وإذا نزل به ما يكره شكر الله على‬
‫شكر الله عليه؛ إذ ْ هو المنع ُ‬
‫ما قدره عليه؛ كظما ً للغيظ‪ ،‬وسترا ً للشكوى‪ ،‬ورعاية للدب‪ ،‬وسلوكا ً لمسلك‬
‫العلم؛ فإن العلم بالله والدب معه يأمران بشكر الله على المحاب والمكارة‪،‬‬
‫وإن كان الشكر على المكارة أشقّ وأصعب‪.‬‬
‫ث عبودية الشكر لله ‪-‬‬
‫هذا وإن من أعظم الدروس المستفادة من الحج انبعا َ‬
‫عز وجل ‪ -‬فالحاج على سبيل المثال يرى المرضى‪ ،‬والمعاقين‪ ،‬والعميان‪،‬‬
‫ومقطعي الطراف وهو يتقلب في أثواب الصحة والعافية؛ فينبعث بذلك إلى‬
‫شكر الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬على نعمة العافية‪.‬‬
‫ويرى ازدحام الحجيج‪ ،‬وافتراشهم الرض‪ ،‬وربما ل يستطيع الحاج أن يجد‬
‫مكانا ً يجلس فيه؛ فيتذكر نعمة المساكن الفسيحة التي يسكن فيها؛ فينبعث‬
‫إلى شكر الله على ذلك‪.‬‬
‫ويرى الفقراء والمعوزين؛ فينبعث إلى شكر الله على نعمة المال والغنى‪،‬‬
‫ويرى نعمة ربه عليه أن يسر له الحج الذي تتشوق إليه نفوس الكثيرين من‬
‫المسلمين‪ ،‬ولكنهم ل يستطيعون إليه سبي ً‬
‫ل؛ فيشكر الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬أن يسر‬
‫له الحج‪ ،‬وأعانه على أداء مناسكه‪ ،‬بل ويرى نعمة ربه عليه أن جعله من‬
‫المسلمين؛ فينبعث إلى شكر نعمة السلم‪ ،‬ويعض عليها بالنواجذ‪ ،‬ويثني‬
‫‪111‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ة البتة‪ ,‬وهكذا تكون عبودية‬
‫دلها نعم ٌ‬
‫عليها بالخناصر؛ لن نعمة السلم ل ت َعْ ِ‬
‫الشكر في الحج؛ فيكون الحاج من الشاكرين وإذا كان كذلك درت نعمه‬
‫وقرت‪.‬‬
‫وإليكم هذه القصة العجيبة في الشكر‪ :‬جاء في كتاب الثقات لبن حبان‬
‫رحمه الله‪ -‬في ترجمة التابعي الجليل أبي قلبة ما نصه‪" :‬أبو قلبة عبد الله‬‫بن زيد الجرمي من عباد أهل البصرة وزهادهم‪ ،‬يروي عن أنس بن مالك‪،‬‬
‫ومالك بن الحويرث‪ ،‬وروى عنه أيوب وخالد مات بالشام سنة ‪104‬هـ في‬
‫ولية يزيد بن عبد الملك‪.‬‬
‫حدثني بقصة موته محمد بن المنذر بن سعيد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا يعقوب بن إسحاق‬
‫بن الجراح‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا الفضل بن عيسى عن بقيه بن الوليد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫الوزاعي عن عبد الله بن محمد‪ ،‬قال‪ :‬خرجت إلى ساحل البحر مرابطًا‪،‬‬
‫وكان راب ُ‬
‫ش مصر‪ ,‬قال‪ :‬فلما انتهيت إلى الساحل‪ ,‬فإذا أنا‬
‫طنا يومئذ عري َ‬
‫ببطيحة‪ ،‬وفي البطيحة خيمة فيها رجل قد ذهبت يداه ورجله‪ ،‬وثقل سمعه‬
‫ه من جارحة تنفعه إل لساُنه وهو يقول‪ :‬اللهم أوزعني أن‬
‫وبصره‪ ،‬ومال َ ُ‬
‫ي بها‪ ،‬وفضلتني على كثير‬
‫أحمدك حمدا ً أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت عل ّ‬
‫ممن خلقت تفضيل‪.‬‬
‫)‪(9 /‬‬
‫قال الوزاعي‪ :‬قال عبد الله قلت‪ :‬والله لتين هذا الرجل ولسألنه أنى له هذا‬
‫م أم علم؟ أم إلهام ألهم؟‪.‬‬
‫الكلم‪ :‬فَهْ ٌ‬
‫فأتيت الرجل فسلمت عليه فقلت‪ :‬سمعتك وأنت تقول‪ :‬اللهم أوزعني أن‬
‫أحمدك حمدا ً أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها علي‪ ،‬وفضلتني على كثير‬
‫ممن خلقت تفضي ً‬
‫ل‪ ,‬فأي نعمة من نعم الله عليك تحمده عليها؟ وأي فضيلة‬
‫ضل بها عليك تشكره عليها؟‪.‬‬
‫تف ّ‬
‫ً‬
‫قال‪ :‬وما ترى ما صنع بي ربي؟ والله لو أرسل السماء علي نارا فأحرقتني‪,‬‬
‫وأمر الجبال فدمرتني‪ ,‬وأمر البحار فأغرقتني‪ ,‬وأمر الرض فبلعتني‪ ,‬ما‬
‫ازددت لربي إل شكرًا؛ لما أنعم علي من لساني هذا‪ ,‬ولكن ياعبد الله إذ‬
‫أتيتني لي إليك حاجة‪ ,‬قد تراني على أي حالة أنا‪ ،‬أنا لست أقدر لنفسي على‬
‫ي لي يتعاهدني في وقت صلتي‪ ,‬فيوضّيني‪,‬‬
‫ضر ول نفع‪ ,‬ولقد كان معي ب ُن َ ّ‬
‫وإذا جعت أطعمني‪ ,‬وإذا عطشت سقاني‪ ,‬ولقد فقدته منذ ثلثة أيام‬
‫فتحسسه لي رحمك الله‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬والله ما مشى خلق في حاجة خلق كان أعظم عند الله أجرا ً ممن‬
‫يمشي في حاجة مثلك‪ ,‬فمضيت في طلب الغلم‪ ,‬فما مضيت غير بعيد حتى‬
‫صرت بين كثبان من الرمل‪ ,‬فإذا أنا بالغلم قد افترسه سب ُعٌ وأكل لحمه‪,‬‬
‫ه رقيقٌ آتي به الرجل‪ ,‬فبينما أنا مقبل نحوه إذ‬
‫فاسترجعت وقلت‪ :‬أنى لي وج ٌ‬
‫خطر على قلبي ذكُر أيوب النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬فلما أتيته سلمت‬
‫ي السلم‪ ,‬فقال‪ :‬ألست بصاحبي؟ قلت‪ :‬بلى! قال‪ :‬ما فعلت‬
‫عليه‪ ,‬فرد عل ّ‬
‫في حاجتي؟ فقلت‪ :‬أنت أكرم على الله أم أيوب النبي؟ قال‪ :‬بل أيوب النبي‪,‬‬
‫قلت‪ :‬هل علمت ما صنع الله به‪ ,‬أليس قد ابتله بماله وآله وولده؟ قال‪ :‬بلى!‬
‫قلت‪:‬فكيف وجده؟ قال‪ :‬وجده صابرا ً شاكرا ً حامدًا‪ ,‬قلت‪:‬لم يرض منه ذلك‬
‫حتى أوحش من أقربائه وأحبابه قال‪ :‬نعم‪ ,‬قلت فكيف وجده ربه؟ قال‪ :‬وجده‬
‫صابرا ً شاكرا ً حامدًا‪ ,‬قلت‪ :‬فلم يرض منه بذلك حتى صّيره عرضا ً لماّر‬
‫الطريق هل علمت؟ قال‪ :‬نعم‪ ,‬قلت فكيف وجده ربه؟ قال‪ :‬صابرا ً شاكرا ً‬

‫‪112‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حامدًا‪ ,‬أوجز رحمك الله! قلت له‪ :‬إن الغلم الذي أرسلتني في طلبه وجدته‬
‫بين كثبان الرمل وقد افترسه سبع‪ ,‬فأكل لحمه؛ فأعظم الله لك الجر‪،‬‬
‫وألهمك الصبر‪.‬‬
‫فقال المبتلى‪ :‬الحمد لله الذي لم يخلق من ذريتي خلقا ً يعصيه؛ فيعذبه بالنار‪,‬‬
‫ثم استرجع‪ ,‬وشهق شهقة فمات‪ ,‬فقلت‪ :‬إنا لله وإنا إليه راجعون‪ ,‬عظمت‬
‫مصيبتي‪ ,‬رجل مثل هذا إن تركته أكلته السباع‪ ,‬وإن قعدت لم أقدر له على‬
‫جيته بشمله كانت عليه‪ ,‬وقعدت عند رأسه باكيًا‪ ,‬فبينما أنا‬
‫ضر ول نفع‪ ,‬فس ّ‬
‫ي أربعة رجال فقالوا‪ :‬ياعبدالله! ما حالك وما قصتك؟‬
‫قاعد إذ ته ّ‬
‫جم عل ّ‬
‫فقصصت عليهم قصتي وقصته‪ ,‬فقالوا لي‪ :‬اكشف لنا عن وجهه فعسى أن‬
‫نعرفه‪ ,‬فكشفت عن وجهه؛ فانكب القوم عليه يقبلون عينيه مرة‪ ,‬ويديه‬
‫أخرى ويقولون‪ :‬بأبي عين طال ما غضت عن محارم الله‪ ,‬وبأبي وجسمه‬
‫ت ساجدا ً والناس نيام‪ ,‬فقلت‪ :‬من هذا يرحمكم الله؟ فقالوا‪ :‬هذا‬
‫طال ما كن َ‬
‫أبو قلبة الجرمي صاحب ابن عباس‪ ,‬لقد كان شديد الحب لله وللنبي ‪-‬صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ -‬فغسلناه وكفناه بأثواب كانت معنا‪ ,‬وصلينا عليه ودفناه‪,‬‬
‫ن الليل وضعت رأسي‪,‬‬
‫فانصرف القوم وانصرفت إلى رباطي‪ ,‬فلما أن ج ّ‬
‫فرأيته فيما يرى النائم في روضة من رياض الجنة‪ ,‬وعليه حلتان من حلل‬
‫داِر( فقلت‪:‬‬
‫م عُ ْ‬
‫قَبى ال ّ‬
‫سل ٌ‬
‫الجنة وهو يتلو الوحي‪َ ) :‬‬
‫م فَن ِعْ َ‬
‫صب َْرت ُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫م عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ما َ‬
‫ألست بصاحبي قال بلى قلت‪ :‬أنى لك هذا؟ قال‪ :‬إن لله درجات ل تنال إل‬
‫بالصبر عند البلء‪ ،‬والشكر عند الرخاء مع خشية الله عزوجل بالسر‬
‫والعلنية"‪.‬‬
‫اللهم اجعلنا ممن إذا أعطي شكر‪ ،‬وإذا ابتلي صبر‪ ,‬وإذا أذنب استغفر‪.‬‬
‫وص ّ‬
‫ل اللهم وسلم على نبينا محمد‪.‬‬
‫مشهد الصبر في الحج‬
‫الشيخ‪ /‬محمد بن إبراهيم الحمد ‪7/12/1426‬‬
‫‪07/01/2006‬‬
‫الحديث ههنا سيكون حول مشهد عظيم من مشاهد الحج ‪ ،‬ودرس نافع من‬
‫دروسه المفيدة‪ ،‬ذلكم هو الصبر؛ فالحج مدرسة للصبر‪ ،‬وميدان فسيح‬
‫للتدرب على هذا الخلق الكريم؛ فالحاج يتدرب عمليا ً على الصبر بجميع‬
‫أنواعه الثلثة وهي‪ :‬الصبر على طاعة الله‪ ،‬والصبر عن محارم الله‪ ،‬والصبر‬
‫على أقدار الله المؤلمة ‪.‬‬
‫)‪(10 /‬‬
‫فالحاج يصبر على بذل المال‪ ،‬وبذل الجهد البدني‪ ،‬ويصبر على ما يلقيه من‬
‫فراق الهل والولد والبلد والملك‪ ،‬ويصبر على ما يواجهه من إرهاق وتعب‬
‫ونصب وزحام في سبيل الوصول إلى البيت العتيق‪ ،‬وأداء النسك‪ ،‬ويصبر عن‬
‫ملذه التي تحرم عليه حال الحرام من نساء وطيب ونحو ذلك‪ ،‬ويصبر على‬
‫ضبط نفسه عن الغضب؛ خوفا ً من فساد حجه أو نقصان أجره‪ ،‬ويصبر على‬
‫قلة النوم‪ ،‬وكثرة التنقل ونحو ذلك مما يصبر عليه وهكذا يتبين لنا عظم‬
‫الرتباط بين الحج والصبر‪ ،‬ويتضح لنا أن الحج سبيل إلى اكتساب ذلك الخلق‬
‫العظيم الذي أمر الله به وأعلى مناره‪ ،‬وأكثر من ذكره في كتابه‪ ،‬وأثنى على‬
‫أهله القائمين به؛ ووعدهم بالجر الجزيل عنده‪ ،‬قال الله ‪ -‬تبارك وتعالى ‪:-‬‬
‫)واصبر وما صبرك إل بالله( وقال ـ عز وجل ـ )ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن‬
‫عزم المور(‪ ،‬وقال ‪-‬عز وجل ‪):-‬يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا‬

‫‪113‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫واتقوا الله لعلكم تفحلون( وقال ‪ -‬عز وجل‪):-‬وبشر الصابرين(‪.‬‬
‫وقال النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬في الحديث المتفق عليه ‪":‬ومن يتصبر‬
‫يصبره الله‪ ،‬وما أعطي أحد ٌ عطاءا ً أعظم ول أوسع من الصبر" وقال أمير‬
‫المؤمنين عمر بن الخطاب ‪-‬رضي الله عنه‪" :-‬وجدنا خير عيشنا الصبر "‬
‫وقال‪" :‬أفضل عيش أدركناه بالصبر‪ ،‬ولو أن الصبر كان من الرجال كان‬
‫كريمًا" وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ‪-‬رضي الله عنه‪" :-‬الصبر‬
‫مطية ل تكبو" وقال الحسن ‪-‬رحمه الله‪" :-‬الصبر كنز من كنوز الخير ل‬
‫يعطيه الله إل لعبد ٍ كريم عنده"‪.‬‬
‫معاشر المؤمنين‪ :‬الحاج المحتسب إذا أوذي أو شتم ل يغضب‪ ،‬ول يقابل‬
‫الساءة بمثلها‪ ،‬ول تضطرب نفسه‪ ،‬ول يثور لتفه السباب؛ كحال من لم‬
‫يتسلح بالصبر؛ فترى الواحد من هؤلء يخرج عن طوره وتثور نفسه‬
‫وتضطرب أعصابه‪.‬‬
‫أما الحاج المحتسب فتراه هادئ النفس‪ ،‬ساكن الجوارح‪ ،‬رضي القلب‪.‬‬
‫والحاج المحتسب يطرد روح الملل؛ لن حجه لله وصبره بالله‪ ،‬وجزاء ه على‬
‫الله‪.‬‬
‫والمة التي تدرك من الحج أفضل المعاني تتعلم النضباط‪ ،‬والصبر على‬
‫النظام‪ ،‬والتحرر من أسر العادات‪.‬‬
‫وهكذا يتبين لنا أثر الحج في اكتساب خلق الصبر؛ فإذا تحلى النسان به كان‬
‫جديرا ً بأن يفلح في حياته‪ ،‬وأن يقدم الخير العميم لمته‪ ،‬ويترك فيها الثر‬
‫الكبير‪ ،‬وإن عَ ُ‬
‫طل من الصبر فما أسرع خوره‪ ،‬وما أقل أثره‪.‬‬
‫ً‬
‫ثم إن النسان أي إنسان لبد له من الصبر إما اختيارا‪ ،‬وإما اضطراًر؛ ذلك أنه‬
‫عرضه لكثير من البلء في نفسه بالمرض‪ ،‬وفي ماله بالضياع‪ ،‬وفي أولده‬
‫وأحبته بالموت‪ ،‬وفي حياته العامة بالحروب وتوابعها من فقدان كثير من‬
‫ودها في حياته؛ فإذا لم يتعوّد ِ الصبر على المشاق‪ ،‬وعلى ترك‬
‫حاجاته التي تع ّ‬
‫ما يألف وقع صريع تلك الحداث‪.‬‬
‫وكذلك حال النسان مع الشهوات؛ فهي تتزين له وتغريه‪ ،‬وتتمثل له بكل‬
‫سبيل؛ فإذا لم يكن معه رادع من الصبر ووازع من اليمان أوشك أن يتردى‬
‫في الحضيض‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ومن كان متصديا للدعوة إلى الصلح منبريا للدفاع عن الحق فما أشد حاجته‬
‫ة كؤودا ً ل‬
‫إلى الصبر‪ ،‬وتوطين نفسه على المكاره؛ فإن في تلك السبيل عقب ً‬
‫يقتحمها إل ذو الهمم الكبيرة؛ فإن في طوائف المبطلين أو المفسدين نفوسا ً‬
‫ة مقذعة‪ ،‬وربما كانت فيهم أيدٍ باطشة‪ ،‬وأرج ٌ‬
‫ل‬
‫طاغية‪ ،‬وأحلما ً طائشة‪ ،‬وألسن ً‬
‫إلى غير الحق ساعية‪.‬‬
‫وإنما تعظم همة الداعي إلى الحق والصلح بقدر صبره‪،‬وبقدر ما يتوقعه من‬
‫فقد محبوب أو لقاء مكروه؛ فلبد لهل الحق من الصبر على دعوة الناس‪،‬‬
‫ولبد لهم من الصبر في انتظار النتائج؛ لن استعجال الثمرة قد يؤدي إلى‬
‫ة‬
‫نتائج معاكسة تضر أكثر مما تنفع؛ فالصبر إذا اقترن بالمر كان عصم ً‬
‫للداعية من النقطاع‪ ،‬وتفجرت بسببه ينابيع العزم والثبات‪.‬‬
‫إنه الصبر المترع بأنواع المل العريض‪ ،‬والثقة بمن بيده ملكوت كل شيء‬
‫ليس صبر اليائس الذي لم يجد بدا ً من الصبر فصبر‪ ،‬ول صبر الخانع الذليل‬
‫لغير ربه ‪ -‬جل وعل‪.-‬‬
‫م الصبر‬
‫وبالجملة فإن الصبر من أعظم الخلق وأجل العبادات‪ ،‬وإن أعظ َ‬
‫ده عاقبة الصبُر على امتثال أمر الله‪ ،‬والنتهاء عما نهى عنه؛ لن به‬
‫وأحم َ‬
‫حقّ الثواب؛ فليس لمن قل صبره على‬
‫ت‬
‫ويس‬
‫الدين‪،‬‬
‫ح‬
‫ص‬
‫وي‬
‫الطاعة‪،‬‬
‫تخُلص‬
‫َ َ‬
‫ِ ّ‬
‫‪114‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الطاعة ح ٌ‬
‫ظ من بر‪ ،‬ول نصيب من صلح‪.‬‬
‫ومن الصبر المحمود‪ :‬الصبر على ما فات إدراكه من رغبة مرجوة‪ ،‬وأعوز نيله‬
‫من مسرة مأمولة ؛ فإن الصبر عنها يعقب السلو منها‪ ،‬والسف بعد اليأس‬
‫ق‪.‬‬
‫ُ‬
‫خْر ُ‬
‫ومن جميل الصبر‪ :‬الصبر فيما يخشى حدوثه من رهبة يخافها ؛ أو يحذر‬
‫حلوله من نكبة يخشاها؛ فل يتعجل هم ما لم يأت فإن أكثر الهموم كاذبة‪،‬‬
‫وإن الغلب من الخوف مدفوع‪.‬‬
‫ومن جميل الصبر‪ :‬الصبر على ما نزل من مكروه‪ ،‬أو حل من أمر مخوف؛‬
‫ست َد ْفَعُ مكائد ُ العداء ؛ فإن من قل‬
‫ففي الصبر في هذا تنفتح وجوهُ الراء‪ ،‬وت ُ ْ‬
‫ب رأيه‪ ،‬واشتد جزعه؛ فصار صريع همومه‪ ،‬وفريسة غمومه‪.‬‬
‫صبره عَُز َ‬
‫)‪(11 /‬‬
‫وكما أن الفراد بأمس الحاجة إلى الصبر فكذلك المة؛ فأمة السلم كغيرها‬
‫من المم ل تخرج عن سنن الله الكونية؛ فهي عرضة للكوارث والمحن‪ ،‬وهي‬
‫في الوقت نفسه مكلفة بمقتضى حكم الله الشرعي بحمل الرسالة الخالدة‪،‬‬
‫مل جميع ما تلقيه في سبيلها برحابة صدر‪ ،‬وقوة‬
‫ونشر الدعوة المباركة‪ ،‬وتح ّ‬
‫ثبات‪ ،‬ويقين بأن العاقبة للتقوى وللمتقين‪.‬‬
‫وهي كذلك مطالبة بالجهاد في سبيل الله؛ لعلء كلمة الله‪ ،‬ونشر دين الله‪،‬‬
‫وإزاحة ما يقف في وجه الدعوة من عقبات؛ فلبد لها من الجهاد الداخلي‬
‫الذي ل يتحقق إل بمجاهدة النفس والهوى‪ ،‬وهذا الجهاد ل يتحقق إل بخلق‬
‫الصبر‪ ،‬ومغالبة النفس والشيطان والشهوات؛ فذلك هو الجهاد الداخلي الذي‬
‫يؤهل للجهاد الخارجي؛ لن الناس إذا تركوا طباعهم وما أودع فيها من حب‬
‫للراحة وإيثار للدعة‪ ،‬ولم يشد أزرهم بإرشاد إلهي تطمئن إليه نفوسهم‪،‬‬
‫ويثقون بحسن نتائجه ‪ -‬عجزت كواهلهم عن حمل أعباء الحياة‪ ،‬وخارت‬
‫قواهم أمام مغرياتها‪ ،‬وذاب احتمالهم أمام ملذاتها وشهواتها؛ فيفقدون كل‬
‫استعداد لتحصيل السمو والعزة‪ ،‬والمنزلة اللئقة؛ فلهذا اختار الله لهم من‬
‫شرائع دينه ما يصقل أرواحهم‪ ،‬ويزكي نفوسهم‪ ،‬ويمحص قلوبهم‪ ،‬ويربي‬
‫ملكات الخير فيهم‪.‬‬
‫ومن أعظم الشرائع التي يتحقق بها ذلك المقصود شريعة الحج‪.‬‬
‫ومن هنا كان الحج من أعظم أنواع الجهاد؛ كما جاء ذلك في الحديث‬
‫الصحيح‪.‬‬
‫فيا أيها المسلمون‪ :‬هذا هو الحج يعلمنا الصبر‪ ،‬ويربينا على خلق الصبر؛‬
‫فليكن لنا منه أوفر الحظ والنصيب‪ ،‬وليكن زادا ً فيما نستقبله من أعمارنا‪.‬‬
‫وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫أثر الحج في اكتساب العزة‬
‫الشيخ‪ /‬محمد بن إبراهيم الحمد ‪7/12/1426‬‬
‫‪07/01/2006‬‬
‫ب سام ٍ تعشقها قلوب‬
‫العزة خصلة شريفة‪ ،‬وخلة حميدة‪ ،‬وخلق رفيع‪ ،‬وأد ٌ‬
‫الكرام‪ ،‬وتهفو إلى اكتسابها النفوس الكبار‪.‬‬
‫وإن السلم لدين العزة والكرامة‪ ،‬ودين السمو والرتفاع ‪ ،‬ودين الجد‬
‫والجتهاد ؛ فليس دين ذلة ومسكنة ‪ ،‬ول دين كسل وخمول ودعة‪.‬‬
‫ن فسيح لكتساب العزة والتحلي بها‪ ،‬وذلك من‬
‫ج لميدا ٌ‬
‫م الح ّ‬
‫هذا وإن موس َ‬
‫وجوه عديدة متنوعة؛ فالحاج على سبيل المثال ينال هذا الخلقَ من جّراء‬
‫‪115‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫جه‪ ،‬وتركه لبعض شهواِته المباحةِ فضل ً عن المحرمة؛ فتراه يدع النساء‪،‬‬
‫ح ّ‬
‫والطيب‪ ،‬والزينة إلى غير ذلك من محظورات الحرام‪.‬‬
‫وهذا يبعثه إلى الترفع عن الدنايا ومحقرات المور‪ ،‬ويطلقه من أسر العادات‬
‫وأهواء النفوس‪.‬‬
‫وينال العزة كذلك من جراء بعده عن الجدال‪ ،‬والمراء‪ ،‬والجهل‪ ،‬والرفث‪،‬‬
‫والصخب‪ ،‬والساءة إلى الناس؛ امتثال ً لقوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬الحج أشهٌر معلومات‬
‫فمن فرض فيهن الحج فل رفث ول فسوق ول جدال في الحج(‪.‬‬
‫وإذا كان الحاج كذلك حفظ على نفسه عزتها وكرامتها‪ ،‬ورفعها عن مجاراة‬
‫الطائفة التي تلذ المهاترة والقذاع‪.‬‬
‫ن العزة َ في هذا الموسم العظيم من جراء حجه‪ ،‬وكثرة أعماله‬
‫وينال المؤم ُ‬
‫الصالحة‪ ،‬وانقطاعه عما سوى الله ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬وهذا هو سر العزة‬
‫ن‪ ،‬واتصال ً وقربا ً من‬
‫س‪ ،‬وزيادةَ إيما ٍ‬
‫العظم؛ إذ ينال بسبب ذلك عزةَ نف ٍ‬
‫الرحمن )ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين(‪.‬‬
‫وينال المسلمون عموما ً العزة في الحج؛ بسبب تحقيق الخوة السلمية فيه؛‬
‫فالرب واحد‪ ،‬والقبلة واحدة‪ ،‬والمشاعر واحدة‪ ،‬واللباس واحد‪ ،‬والمناسك‬
‫واحدة‪ ،‬والزمان واحد‪.‬‬
‫دة الشعور‪،‬‬
‫ح‬
‫و‬
‫ب‬
‫للحساس‬
‫مدعاة‬
‫وهي‬
‫الحج‪،‬‬
‫في‬
‫تجتمع‬
‫فهذه المور وغيرها‬
‫َ ْ َ‬
‫ة للتآخي والتعاون على مصالح الدين والدنيا‪ ،‬وهذا بدوره يضفي على‬
‫جب َ ٌ‬
‫ومو ِ‬
‫المسلمين عزة‪ ،‬وجل ً‬
‫ل‪ ،‬وهيبة ‪ ،‬ووقارًا‪.‬‬
‫وينال المسلم العزة من جراء ت َذ َ ّ‬
‫كره الخرة؛ فإذا رأى الحاج ازدحام الناس‪،‬‬
‫ورأى بعضهم يموج في بعض وهم في صعيد واحد‪ ،‬وبلباس واحد‪ ،‬وقد حسروا‬
‫عن رؤوسهم‪ ،‬وتجردوا عن ثيابهم‪ ،‬ولبسوا الردية والزر‪ ،‬وتجردوا من ملذات‬
‫الدنيا ومتعتها ‪ -‬ت َذ َ ّ‬
‫كر يوم حشره على ربه؛ فيبعثه ذلك إلى الستعداد للخرة‪،‬‬
‫ويقوده إلى استصغاِره لمتاع الدنيا‪ ،‬ويرفعه عن الستغراق فيها‪ ،‬وي ُك ْب ُِر بهمته‬
‫ة يولي وجهه شطرها حيث ما كان‪.‬‬
‫عن جعلها قبل ً‬
‫ً‬
‫وهكذا يستفيد الحاج من هذه الحكمة العظمى درسا يقوده إلى الكرامة‪،‬‬
‫وينأى به عن الذلة والمهانة‪.‬‬
‫وينال المؤمنون العزة في هذا الموسم كذلك بسبب كثرة إنفاقهم وإحسانهم‬
‫إلى الفقراء والمعوزين؛ وذلك إما بذل ً مباشرًا‪،‬أو من خلل الهدايا والقرابين‪،‬‬
‫قال الله ‪ -‬عز وجل‪) :-‬والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير‬
‫فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع‬
‫والمعتر(‪.‬‬
‫فالقانع‪ :‬هو الفقير الذي ل يسأل؛ تقّنعا ً وتعففًا‪ ،‬والمعتر‪ :‬هو الفقير الذي‬
‫يسأل؛ فكل منهما له حق فيها‪.‬‬
‫وفي ذلك صيانة للوجوه من السؤال‪ ،‬وإنقاذ لكثير من الناس من عوز الفقر‪،‬‬
‫وذلة الحاجة اللذين قد ينجرفان بهم إلى فساد الخلق وضيعة الداب‪.‬‬
‫وهكذا يتبين لنا أثر الحج في اكتساب العزة سواء للفراد أو للمة‪.‬‬
‫)‪(12 /‬‬
‫وما أحوجنا‪ ،‬وما أحوج أمتنا إلى هذا الخلق العظيم الذي أرشدنا إليه ديننا‪،‬‬
‫وحثنا على التحلي به‪ ،‬ووجهنا إلى اكتسابه‪ ،‬وبين لنا جميع السبل الموصلة‬
‫إليه‪.‬‬
‫ومن مظاهر تربية السلم للمسلمين على هذا الخلق ‪ -‬أن وجههم إلى إفراد‬

‫‪116‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الله بالمسألة دقت أو جلت‪ ،‬كثرت أو قلت‪.‬‬
‫ومن ذلك توجيه المسلمين إلى الكسب المباح عن طريق الكدح والعمل‪،‬‬
‫والمشي في مناكب الرض؛ حتى يعف النسان نفسه‪ ،‬ويستغني عن غيره‪.‬‬
‫كما وجههم في المقابل إلى أن يترفعوا عن مسألة الناس‪ ،‬ونفّرهم من ذلك‬
‫الخلق الذميم إل من كان مضطرا ً أو متحمل ً حمالة ‪ ،‬أو من أصابته جائحة‪ ،‬أو‬
‫فاقة‪ ،‬أو نحو ذلك‪.‬‬
‫كما أرشدهم إلى أن اليد العليا خير من اليد السفلى؛ فمنع القادر على‬
‫الكسب من بسط كفه للستجداء إذا كان في استجدائه إراقة لماء وجهه‪.‬‬
‫بل إن من أحكام الشريعة إباحة التيمم للمكلف وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن‬
‫الماء؛ لما في ذلك من المنة التي تنقص حظا ً وافرا ً من أطراف الهمة‬
‫الشامخة‪.‬‬
‫بل ومنها عدم إلزام النسان باستهابة ثوب يستر به عورته في الصلة؛ صيانة‬
‫لضياء وجهه من النكساف بسواد المطالب‪.‬‬
‫ت ل تقرر إل بقبول‬
‫ومن الحكام القائمة على رعاية هذا الخلق أن التبرعا ِ‬
‫المتبرع له؛ إذ قد يربأ به خلق العزة عن قبولها؛ كراهة احتمال منتها‪.‬‬
‫والمنة تصدع قناة العزة؛ فل يحتملها ذو مروءة إل في حال الضرورة‪ ،‬ول‬
‫ة تجيء من غير ذي طبع كريم‪ ،‬أو قدر رفيع‪.‬‬
‫سيما من ً‬
‫ثم إن الشريعة أرشدت المسلم إذا أخذ المال أن يأخذه بسخاوة نفس؛‬
‫ليبارك الله له فيه‪ ،‬ول يأخذه بإسراف‪ ،‬وهلع‪ ،‬وتعرض‪ ،‬وذلة‪ ،‬وإشراف‪.‬‬
‫وإذا اتصف المرء بعزة النفس وُفرت كرامُته‪ ،‬وارتفع رأسه‪ ،‬وسلم من ألم‬
‫ق ما يمليه‬
‫الهوان‪ ،‬وتحرر من رق الهواء‪ ،‬وذل الطمع‪ ،‬ولم يسر إل على وَفْ ِ‬
‫ً‬
‫عليه إيمانه‪ ،‬والحق الذي يحمله؛ ولهذا تجد أن أشد ّ الناس عزما ً ومضاءا هو‬
‫أنزههم نفسًا‪ ،‬وأبعدهم عن الطمع وجهه‪.‬‬
‫ة في القلوب؛‬
‫ثم إن عزة النفس تضفي على صاحبها وقارا ً وجلل ً ومكان ً‬
‫وذلك مما تنشرح له صدور العظماء‪ ،‬وإنما يعاب الرجل إذا جعل هذه المكانة‬
‫م نفع الخرين‪.‬‬
‫غايته المنشودة دون أن يكون الحامل عليها رضا الله‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫وكما أن للعزة أثرا ً في الفراد فكذلك لها آثاٌر صالحة في المة؛ فالمة التي‬
‫تُ ْ‬
‫ب في نفوسها العزة يشتد حرصها على أن تكون مستقلة بشؤونها‪ ،‬غنية‬
‫شَر ُ‬
‫ن يطعن في كرامتها‪ ،‬أو‬
‫عن أمم غيرها‪ ،‬وتبالغ في الحذر من الوقوع في يد َ‬
‫م ْ‬
‫يهتضم حقا ً من حقوقها‪.‬‬
‫هذا شيء من معالم العزة‪ ،‬وأثر الحج في اكتسابها‪.‬‬
‫وإليكم نبذة من النصوص الشرعية الواردة في شأن العزة ‪.‬‬
‫قال النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬ل بن عباس ‪ -‬رضي الله عنهما ‪" :-‬إذا‬
‫سألت فاسأل الله ‪ ،‬وإذا استعنت فاستعن بالله"رواه أحمد والترمذي‪،‬وقال‪:‬‬
‫"هذا حديث حسن صحيح"‪.‬‬
‫َ‬
‫حب ُ ً‬
‫ة من‬
‫حْزم ً‬
‫ل‪ ،‬فيأخذ َ ُ‬
‫دكم أ ْ‬
‫وقال ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪" :-‬لن يأخذ َ أح ُ‬
‫ه ـ خيٌر من أن يسأ َ‬
‫س أعطي أو منع" رواه‬
‫حطب؛ فيك ّ‬
‫ف الله به و ْ‬
‫جهَ ُ‬
‫ل النا َ‬
‫البخاري ومسلم‪.‬‬
‫ه‬
‫ف ي ُعِ ّ‬
‫ف ْ‬
‫ست َعْ ِ‬
‫ن يغن ِهِ الله‪ ،‬ومن ي َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫وقال ـ عليه الصلة والسلم ـ‪" :‬من يستغ ِ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الله‪ ،‬ومن يتصبْر يصبْره ُ الله‪ ،‬وما أعطي أحد ٌ عطاءا أو خيرا أوسع من الصبر"‬
‫رواه البخاري ومسلم ‪.‬‬
‫ُ‬
‫وفيهما ـ أيضا ً ـ عن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قال‪" :‬ما يزال الرجل يسأل‬
‫ة لحم ٍ "‪.‬‬
‫مْزع ُ‬
‫ي يو َ‬
‫ه ُ‬
‫م القيامة‪ ،‬وليس في وجه ُ‬
‫النا َ‬
‫س حتى يأت َ‬
‫وفي صحيح مسلم عن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قال‪" :‬من سأل الناس‪،‬‬
‫‪117‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ق ّ‬
‫ل أو ليستكثر"‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫تكثرا ً فإنما يسأل جمرًا؛ فَل ْي َ ْ‬
‫بل لقد أوصى‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬نفرا ً من أصحابه أل يسألوا الناس شيئًا؛‬
‫ففي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الشجعي ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬أن لما بايع‬
‫النبي‪-‬صلى الله عليه وسلم‪-‬مع طائفة من أصحابه قالوا‪ :‬فعلم نبايعك؟‬
‫قال‪" :‬على أن تعبدوا الله ول تشركوا به شيئًا‪ ،‬والصلوات الخمس‪،‬‬
‫ة‪" :‬ول تسألوا الناس شيئًا"‪.‬‬
‫ة خفي ً‬
‫وتطيعوا‪ "...‬وأسر كلم ً‬
‫ُ‬
‫دهم؛ فما يسأل‬
‫قال عوف‪ :‬فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أح ِ‬
‫أحدا ً يناوله إياه‪.‬‬
‫ة‪ ،‬فأتيت‬
‫مال ً‬
‫وعن َقببيص َ‬
‫ن مخارق الهللي ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬قال‪" :‬تحملت َ‬
‫ح َ‬
‫ةب ِ‬
‫رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬أسأله فيها فقال‪" :‬أقم حتى تأتيَنا‬
‫ة؛ فنأمَر لك بها"‪.‬‬
‫الصدق ُ‬
‫ح ّ‬
‫مل‬
‫ة! إن المسألة ل ت َ ِ‬
‫قال‪ :‬ثم قال‪" :‬يا قبيص ُ‬
‫ل إل لحد ثلث ٍ‬
‫ل تح ّ‬
‫ة‪ :‬رج ٍ‬
‫ة‬
‫ل أصابْته جائح ٌ‬
‫ة‪ ،‬فحّلت له المسأل ُ‬
‫حمال ً‬
‫م ِ‬
‫ة؛ حتى يصيَبها ثم ي ُ ْ‬
‫سك‪،‬ورج ٍ‬
‫سدادا ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫اجتاحت ماله؛فحلت له المسأل ُ‬
‫ة‪،‬حتى يصيب قواما من عيش‪-‬أوقال‪ :‬أو ِ‬
‫حجا من قومه‪ :‬لقد‬
‫ة من ذوي ال ِ‬
‫م ثلث ٌ‬
‫ل أصابته فاق ٌ‬
‫ة حتى يقو َ‬
‫من عيش ‪ -‬ورج ٍ‬
‫ب قواما ً من عيش ‪-‬أو سدادا ً‬
‫ّ‬
‫ة‪ ،‬فحلت له المسأل ُ‬
‫أصاب فلنا ً فاق ٌ‬
‫ة حتى يصي َ‬
‫من عيش‪.-‬‬
‫ة سحتا ً يأكلها سحتًا" رواه مسلم‪.‬‬
‫فما سواهن يا قبيص ُ‬
‫ث عليه‪،‬‬
‫ص الشرع في الثناء على خلق العزة‪ ،‬والح ّ‬
‫وكما تظافرت نصو ُ‬
‫فكذلك تتابعت وصايا العلماء والحكماء‪.‬‬
‫)‪(13 /‬‬
‫قال وهب بن منبه ‪-‬رحمه الله‪ -‬لرجل يأتي الملوك‪" :‬ويحك تأتي من يغلق‬
‫عنك باَبه‪ ،‬ويظهر لك فقَره‪ ،‬ويواري عنك غناه‪ ،‬وتدعُ من يفتح لك باَبه بالليل‬
‫والنهار ويظهر لك غناه‪ ،‬ويقول‪" :‬ادعني استجب لك"!‪.‬‬
‫ب حوائجك إلى من أغلق‬
‫س لعطاٍء ‪ -‬رحمهما الله ‪" :-‬إياك أن تطل َ‬
‫وقال طاوو ٌ‬
‫جاَبه‪ ،‬وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة‪،‬‬
‫ح ّ‬
‫دونك بابه‪ ،‬ويجعل دونها ُ‬
‫وه‪ ،‬ووعدك بأن يجيبك"‪.‬‬
‫أمرك أن تدع َ‬
‫ُ‬
‫وقيل لبي حازم ‪-‬رحمه الله‪" :-‬ما مالك؟ قال‪ :‬ثقتي بالله‪ ،‬وإياسي من‬
‫الناس"‪.‬‬
‫ي حاجتك‪.‬‬
‫إل‬
‫ارفع‬
‫حازم‪:‬‬
‫أبي‬
‫إلى‬
‫المؤمنين‬
‫أمير‬
‫وكتب‬
‫ّ‬
‫ج؛ فما‬
‫قال أبو حازم‪" :‬هيهات! رفعت حاجتي إلى من ل ي َ ْ‬
‫ن الحوائ َ‬
‫خت َزِ ُ‬
‫أعطاني قنعت‪ ،‬وما أمسك عني منها رضيت"‪.‬‬
‫ب‬
‫وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلم ‪-‬رحمه الله‪ -‬إذا قرأ عليه الطال ُ‬
‫وانتهى يقول‪" :‬اقرأ من الباب الذي يليه ولو سطرًا؛ فإني ل أحب الوقوف‬
‫على البواب"‪.‬‬
‫وأنشد المام أحمد بن يحيى ثعلب ‪-‬رحمه الله‪:-‬‬
‫من عف خف على الصديق لقاؤه *** وأخو الحوائج وجهه مبذول‬
‫ت ما في كيسه *** فإذا استعنت به فأنت ثقيل‬
‫ن وفّْر َ‬
‫وأخوك َ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫مكوديّ إذ يقول‪:‬‬
‫ولله در الشيِخ ال َ‬
‫ي حاج ٌ‬
‫ي المقاصد ُ‬
‫ة *** وقد أشكلت فيها عل ّ‬
‫إذا عرضت لي في زمان َ‬
‫وقفت بباب الله وقف َ‬
‫ة ضارٍع *** وقلت‪ :‬إلهي إنني لك قاصد ُ‬
‫م راقد‬
‫ه‪ :‬سيديْ اليو َ‬
‫ن *** يقول فتا ُ‬
‫ولست تراني واقفا ً عند باب َ‬
‫م ْ‬
‫‪118‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫معاشر المسلمين‪ :‬هذه هي العزة‪،‬وها نحن في موسم الخير والعزة؛ أفل‬
‫نستشعر هذا المعنى من جراء حجنا‪ ،‬وأيامه المباركة‪ ،‬وندرك أن العزة لله‬
‫ولرسوله وللمؤمنين‪ ،‬فنلتمس العزة من مظانها‪،‬ونسعى لدراكها‪ ،‬والتصاف‬
‫بها؛ فيكون لنا عّز وسروٌر‪ ،‬وذكر جميل في العاجل‪ ،‬وأجر وذخٌر وعطاٌء غير‬
‫مجذوذ في الجل؟‪.‬‬
‫اللهم أعزنا بطاعتك‪ ،‬ول تذلنا بمعصيتك‪.‬‬
‫وص ّ‬
‫ل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫مشهد المراقبة في الحج‬
‫الشيخ‪ /‬محمد بن إبراهيم الحمد ‪7/12/1426‬‬
‫‪07/01/2006‬‬
‫الحديث ههنا سيدور حول درس عظيم‪ ,‬ومنفعةٍ مشهودة تنال من الحج‪,‬‬
‫وتكتسب من خلل أيامه المباركة‪ ,‬تلكم هي عبودية المراقبة لله ‪ -‬عز وجل ‪-‬‬
‫فالمواطن والمواضع والمناسك التي تنال منها تلك الفضيلة كثيرة جدًا؛‬
‫فالحاج ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬يع ّ‬
‫ظم شعائر الله‪ ,‬والله ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬يقول‪:‬‬
‫)ذ َل ِ َ‬
‫م َ‬
‫مها‪:‬إجلُلها‪،‬‬
‫وى ال ْ ُ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ب( ومعنى تعظي ِ‬
‫شَعائ َِر الل ّهِ فَإ ِن َّها ِ‬
‫ن ي ُعَظ ّ ْ‬
‫ك وَ َ‬
‫قُلو ِ‬
‫ق َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م بها‪ ،‬وتكميُلها على أكمل ما يقدر عليه العبد‪.‬‬
‫والقيا ُ‬
‫ول ريب أن ذلك الجلل والتعظيم‪ ,‬إنما يكون في القلب‪ ,‬ل يطلع عليه إل الله‬
‫ عز وجل ‪.-‬‬‫ج يخلص في هداياه وقرابينه‪ ,‬وهو بذلك يراقب ربه‪،‬‬
‫وكذلك ترى الحا ّ‬
‫ويستحضر شهوده واطلعه عليه‪ ،‬وأنه )َلن ي ََنا َ‬
‫كن‬
‫ماؤُ َ‬
‫ها وَل َ ِ‬
‫ه لُ ُ‬
‫مَها وََل دِ َ‬
‫حو ُ‬
‫ل الل ّ َ‬
‫م (الحج ‪.37‬‬
‫ه الت ّ ْ‬
‫وى ِ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ي ََنال ُ ُ‬
‫ق َ‬
‫ج يطوف في البيت العتيق سبعًا‪ ،‬ويسعى بين الصفا والمروة‬
‫وكذلك ترى الحا ّ‬
‫سبعًا‪ ,‬ويقف في عرفة في وقت محدد‪ ،‬وينصرف منها في وقت محدد‪,‬وهكذا‬
‫مبيته في مزدلفة‪ ,‬ثم ل تراه يزيد في الجمار أو ينقص‪ ,‬ول تراه يعمل عمل ً‬
‫من أعمال الحج في غير وقته‪ ,‬ول يأتي محظورا ً من محظورات الحرام‬
‫عالما ً عامدًا‪ ,‬وتجده إذا شك في أمرٍ ما‪ ,‬طفق يسأل أهل العلم هل عليه من‬
‫إثم؟ وهل له من جبرٍ إذا أخطأ؟‪.‬‬
‫لماذا؟‪.‬‬
‫لنه يرغب في قبول حجه‪ ,‬ويرهب من فساده أو رده‪ ,‬وما الذي يقوده إلى‬
‫ذلك؟ إنه استحضار إطلع ربه عليه‪.‬‬
‫س عظيم‪ ,‬يبعث المسلم إلى مراقبة ربه في شتى أحواله‪,‬‬
‫ول ريب أن هذا در ٌ‬
‫وسائر شؤونه‪ ،‬وأعماله‪ ،‬وأيامه؛ فالمطلع على أعمال الحج مطلعٌ على غيرها‪.‬‬
‫وبذلك يصل الحاج إلى أعلى مقام من مقامات العبادة‪ ,‬وأعلى مرتبه من‬
‫مراتب الدين‪ ,‬أل وهي مرتبة الحسان؛ فالحسان أن تعبد الله كأنك تراه‪,‬‬
‫فإن لم تكن تراه فإنه يراك ‪ -‬كما جاء في حديث جبريل المشهور في صحيح‬
‫مسلم ‪.-‬‬
‫فإذا استشعر الحاج هذا المعنى العظيم‪ ,‬انبعث إلى مراقبة ربه ‪ -‬عز وجل ‪-‬‬
‫في شتى شؤونه‪ ,‬فالذي يطلع عليه في حجه مطلع على جميع أحواله ‪ -‬كما‬
‫مر ‪.-‬‬
‫ة بعامة‪ ،‬ويفيد منه الفراد ُ بخاصة؛‬
‫فيد منه الم ُ‬
‫م تُ ِ‬
‫وهذا سّر بدي ٌ‬
‫س عظي ٌ‬
‫ع‪ ،‬ودر ٌ‬
‫فواجب على المصلحين وقادةِ المم أن يتنبهوا لهذا المعنى‪ ،‬وأن يحرصوا‬
‫على إشاعته في الناس؛ ذلكم أن وازع َ الدين والمراقبة لرب العالمين يفعل‬
‫ف المرُء أن يراقب‬
‫في النفوس ما ل يفعله وازع ُ القوةِ والسلطان؛ فإذا أ َل ِ َ‬
‫ح‬
‫ن بوائقه‪ ،‬ويستري ُ‬
‫ربه‪ ،‬ويستحضر شهوده واطلعه عليه ‪ -‬فإن المجتمعَ يأم ُ‬
‫‪119‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من كثير من شروره‪.‬‬
‫س القانون ‪ -‬فإن القوة َ قد‬
‫أما إذا كان العتماد على وازِع القوة‪ ،‬وحار ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫فل‪ ،‬وإن القانون قد ي ُؤّول‪ ،‬وقد ي َُتحايل للتخلص‬
‫س قد يغ ُ‬
‫تضعف‪ ،‬وإن الحار َ‬
‫من سلطانه‪.‬‬
‫)‪(14 /‬‬
‫لذلك تكثر الجرائم والمفاسد إذا قّلت التربية السلمية في مجتمع ما‪ ،‬فإذا‬
‫دنا إلى تربيتهم بأسلوب الدين والفضيلة‬
‫أشعنا هذا المعنى في الناس و َ‬
‫عم ْ‬
‫أرحنا واسترحنا‪ ،‬ووّفرنا جهودا ً كبيرة‪ ،‬وقد تكون ضائعة في غير ما فائدة؛‬
‫ن من التفكير في الجرائم والشرور‪.‬‬
‫س قويّ يمنع النسا َ‬
‫فالمراقبة حار ٌ‬
‫وإذا راقب النسان رّبه‪ ،‬واحترمه في خلواته أظهر الله فضله‪ ،‬ورفع ذكره؛‬
‫فالجزاء من جنس العمل‪ ،‬ومن يعمل سوءا ً يجز به‪.‬‬
‫سن عبد ٌ فيما بينه وبين الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬إل‬
‫ح ِ‬
‫قال أبو حازم ‪-‬رحمه الله‪" :-‬ل ي ُ ْ‬
‫أحسن الله فيما بينه وبين الناس‪ ،‬ول يّعور ‪ -‬أي يفسد ‪ -‬فيما بينه وبين الله ‪-‬‬
‫ة وجهٍ واحدٍ أيسُر من‬
‫صانع ُ‬
‫ور الله فيما بينه وبين العباد‪ ،‬ول َ ُ‬
‫م َ‬
‫عز وجل ‪ -‬إل ع ّ‬
‫ّ‬
‫ه مالت الوجوه ُ كلها إليك‪ ،‬وإذا‬
‫مصانعة الوجوه كلها؛ إنك إذا صانعت الل َ‬
‫ّ‬
‫أفسدت ما بينك وبين الله شنأتك الوجوه ُ كلها"‪.‬‬
‫َ‬
‫ب في السر ‪،‬‬
‫الذن‬
‫يصيب‬
‫ل‬
‫الرج‬
‫ن سليمان ‪-‬رحمه الله‪" :-‬إن‬
‫َ‬
‫وقال المعتمر ب ُ‬
‫فيصبح وعليه مذل ُّته"‪.‬‬
‫ت في الدلة على الحق ‪ -‬سبحانه‬
‫وقال ابن الجوزي ‪-‬رحمه الله‪" :-‬نظر ُ‬
‫ت من أعجبها؛ أن النسان قد يخفي ما‬
‫وتعالى ‪ -‬فوجدُتها أكثَر من الرمل‪،‬ورأي ُ‬
‫ل يرضاه الله ‪-‬عز وجل‪ -‬فيظهره الله ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬عليه ولو بعد حين‪،‬‬
‫وينطق اللسنة به‪ ،‬وإن لم يشاهده الناس‪ ،‬وربما أوقع صاحَبه في آفة يفضحه‬
‫س أن‬
‫بها بين الخلق؛ فيكون جوابا ً لكل ما أخفى من الذنوب‪ ،‬وذلك ل ِي َعْل َ َ‬
‫م النا ُ‬
‫ب ول استتاٌر‪ ،‬ول‬
‫ن يجازي على الزلل‪ ،‬ول ينفع من قدِره وقدرت ِهِ حجا ٌ‬
‫هنالك َ‬
‫م ْ‬
‫يضاع لديه عمل‪.‬‬
‫وكذلك يخفي النسان الطاعة‪ ،‬فتظهر عليه‪ ،‬ويتحدث الناس بها‪ ،‬وبأكثر منها‪،‬‬
‫م أن هنالك رب ّا ً ل‬
‫حتى ِإنهم ل يعرفون له ذنبًا‪ ،‬ول يذكرونه إل بالمحاسن‪ ،‬ل ِي ُعْل َ َ‬
‫م َ‬
‫ل عامل‪.‬‬
‫ُيضيع عَ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ق‬
‫وإن قلوب الناس لت َعْرِ ُ‬
‫ف حال الشخص‪ ،‬وتحبه أو تأباه‪ ،‬وتذمه أو تمدحه وَف َ‬
‫ل هم‪ ،‬ويدفع عنه ك ّ‬
‫ما يتحقق بينه وبين الله ‪ -‬سبحانه وتعالى‪ -‬فإنه يكفيه ك ّ‬
‫ل‬
‫شر‪.‬‬
‫وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق‪ ،‬دون أن ينظر إلى الحق إل انعكس‬
‫مًا"‪.‬‬
‫مقصوُده‪ ،‬وعاد حام ُ‬
‫ده ذا ّ‬
‫ن في الجلوة؛ كم من مؤمن بالله‪-‬‬
‫وقال ‪-‬رحمه الله‪" :-‬إن للخلوة تأثيرا ٍ‬
‫ت ت َب ِي ْ ُ‬
‫ً‬
‫عز وجل‪ -‬يحترمه عند الخلوات‪ ،‬فيترك ما يشتهي؛ حذرا من عقابه‪،‬أو رجاًءا‬
‫لثوابه‪ ،‬أو إجلل ً له‪ ،‬فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عودا ً هنديا ً على مجمر‪،‬‬
‫فيفوح طيبه‪ ،‬فيستنشقه الخلئق‪ ،‬ول يدرون أين هو‪.‬‬
‫وعلى قدر المجاهدة في ترك ما يهوى تقوى محبُته‪ ،‬أو على مقدار زيادة دفع‬
‫ذلك المحبوب المتروك يزيد ال ّ‬
‫ن‬
‫ت العود؛ فترى عيو َ‬
‫طيب‪ ،‬ويتفاوت تفاو َ‬
‫الخلق ُتع ّ‬
‫م‪ ،‬ول يقدرون‬
‫ظم هذا الشخص‪ ،‬وألسنُتهم تمد ُ‬
‫حه‪ ،‬ول يعرفون ل ِ َ‬
‫ِ‬
‫على وصفه‪.‬‬
‫ت على قَد ِْرها‪ ،‬فمنهم من‬
‫ح ‪-‬أي الروائح الطيبة‪ -‬بعد المو ِ‬
‫وقد تمتد تلك الرايي ُ‬
‫‪120‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ة سنةٍ ثم يخفى ذكره‪،‬‬
‫ة‪ ،‬ثم ينسى‪ ،‬ومنهم من يذكر مائ َ‬
‫ي ُذ ْك َُر بالخير مدةً مديد ً‬
‫ومنهم من يبقى ذكرهم أبدًا‪.‬‬
‫ن هاب الخلق‪ ،‬ولم يحترم خلوَته بالحق؛ فإنه على قدر‬
‫وعلى عكس هذا َ‬
‫م ْ‬
‫ح الكراهة‪ ،‬فتمقته‬
‫ري‬
‫منه‬
‫يفوح‬
‫الذنوب‬
‫تلك‬
‫مقادير‬
‫وعلى‬
‫مبارزته بالذنوب‪،‬‬
‫ُ‬
‫القلوب"‪.‬‬
‫إلى أن قال ابن الجوزي ‪-‬رحمه الله‪" :-‬قال أبو الدرداء ‪-‬رضي الله عنه‪ :-‬إن‬
‫ضه في قلوب المؤمنين من‬
‫العبد َ ليخلو بمعصية الله‪-‬تعالى‪-‬فيلقي الله ب ُغْ َ‬
‫ث ل يشعر"‪.‬‬
‫حي ُ‬
‫وقال ابن الجوزي ‪-‬رحمه الله‪" :-‬إنه بقدر إجللكم لله‪-‬عز وجل‪-‬يجلكم‪،‬‬
‫م أقداَركم وحرمتكم" إلى آخر ما قال‬
‫وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظ ُ‬
‫رحمه الله‪-‬في ذلك السياق في كتابه "صيد الخاطر"‪.‬‬‫ة المراقبة‪ ،‬فهذا شيء من‬
‫وهكذا نستفيد من الحج ومن أيامه المباركة‪ ,‬عبودي َ‬
‫ثمرات الحج‪ ،‬وذلك شيء من ثمرات تلك العبودية الجليلة ‪ -‬أعني عبودية‬
‫المراقبة ‪ -‬فنسأل الله‪-‬جل وعل‪-‬أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة‪ ،‬وأن‬
‫يجعلنا هداة مهتدين‪ ،‬وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫مراغمة الشيطان في الحج‬
‫الشيخ‪ /‬محمد بن إبراهيم الحمد ‪7/12/1426‬‬
‫‪07/01/2006‬‬
‫الحديث ههنا سيدور حول مشهد عظيم من مشاهد الحج أل وهو مشهد‬
‫المراغمة للشيطان الرجيم؛ فالشيطان عدو للنسان مبين والله – عز وجل ‪-‬‬
‫حذرنا من الشيطان‪ ،‬وأمرنا أن نتخذه عدوًا‪ ،‬ونهانا عن اتباع خطواته‪ ،‬قال ‪-‬‬
‫شي ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ذوه ُ عَد ُوًّا( وقال ‪ -‬تبارك وتعالى ‪:-‬‬
‫م عَد ُوّ َفات ّ ِ‬
‫طا َ‬
‫عز وجل ‪) :-‬إ ِ ّ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ت ال ّ‬
‫ن(‪.‬‬
‫)َول ت َت ّب ُِعوا ُ‬
‫وا ِ‬
‫م عَد ُوّ ُ‬
‫ه لك ْ‬
‫ن إ ِن ّ ُ‬
‫مِبي ٌ‬
‫شي ْطا ِ‬
‫خط ُ َ‬
‫ً‬
‫فمراغمة الشيطان باتخاذه عدوا‪ ،‬وبترك التباع لخطواته من أعظم القربات‬
‫إلى رب الرض والسموات‪.‬‬
‫)‪(15 /‬‬
‫وهذا المر يتجلى غاية التجلي في الحج؛ فيتجلى في مراغمة الشيطان إذا‬
‫وقف في طريق الحاج يثّبطه عن الحج‪ ،‬ويتجلى بمجاهدة النفس على إيقاع‬
‫الحج على أحسن الوجوه وأتهمها‪ ،‬ويتجلى في يوم عرفة خصوصا ً في عشيتها‬
‫حين يجتهد الحاج في الدعاء والضراعة؛ فما رئي الشيطان في يوم أدحر‪ ،‬ول‬
‫أصغر‪ ،‬ول أحقر منه في ذلك اليوم؛ وما ذلك إل لما يرى من نزول الرحمة‪،‬‬
‫وتجاوز الله عن الذنوب العظام ‪ -‬كما جاء ذلك في موطأ المام مالك ‪-‬رحمه‬
‫الله‪. -‬‬
‫وأعظم ما يتجلى ذلك المعنى في رمي الجمار؛ حيث تظهر المراغمة‬
‫والعداوة للشيطان في تلك المواضع غاية الظهور‪ ,‬بل هي الحكمة الخاصة‬
‫لذلك النسك؛ إذ الحكمة العامة منها إقامة ذكر الله‪ ،‬قال العلمة الشيخ محمد‬
‫المين الشنقيطي ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬في تفسيره المبارك )أضواء البيان( عند‬
‫تفسير لسورة الحج قال‪" :‬الفرع الحادي عشر في حكمة الرمي‪ :‬اعلم أنه‬
‫لشك في أن حكمة الرمي في الجملة هي طاعة الله فيما أمر به‪ ،‬وذكره‬
‫بامتثال أمره على لسان نبيه ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬قال أبو داود في‬
‫سننه‪ :‬حدثنا مسدد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عيسى بن يونس‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عبيد الله بن‬
‫زياد عن القاسم عن عائشة قالت‪ :‬قال رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪:-‬‬

‫‪121‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫"إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة‪ ،‬ورمي الجمار؛ لقامة ذكر‬
‫الله"‪.‬‬
‫وقال النووي في شرح المهذب في حديث أبي داود هذا‪" :‬وهذا السناد كله‬
‫صحيح إل عبيد الله فضعفه أكثرهم ضعفا ً يسيرًا‪ ،‬ولم يضعف أبو داود هذا‬
‫الحديث فهو حسن عنده ‪ -‬كما سبق ‪."-‬‬
‫وروى الترمذي هذا الحديث من رواية عبيد الله هذا‪ ،‬وقال‪ :‬هو حديث حسن‪,‬‬
‫وفي بعض النسخ‪ :‬حسن صحيح؛ فلعله اعتضد برواية أخرى‪ ،‬انتهى محل‬
‫الغرض منه‪.‬‬
‫قال مقيده ‪ -‬عفى الله عنه‪ ،‬وغفر له ‪ :-‬عبيد الله بن أبي زياد المذكور هو‬
‫القداح أبو الحصين المكي‪ ،‬وقد وثقه جماعة‪ ،‬وضعفه آخرون‪ ،‬وحديثه هذا‬
‫ه ِفي‬
‫معناه صحيح بل شك‪ ،‬ويشهد لصحة معناه قوله ‪-‬تعالى‪َ) :-‬واذ ْك ُُروا الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ت( لنه يدخل في الذكر المأمور به رمي الجمار؛ بدليل قوله‬
‫دوَدا ٍ‬
‫معْ ُ‬
‫أّيام ٍ َ‬
‫ج َ‬
‫ه(الية‪.‬‬
‫م عَل َي ْ ِ‬
‫ن ت َعَ ّ‬
‫ن َفل إ ِث ْ َ‬
‫ل ِفي ي َوْ َ‬
‫بعده‪) :‬فَ َ‬
‫م ْ‬
‫مي ْ ِ‬
‫وذلك يدل على أن الرمي ُ‬
‫رع لقامة ذكر الله كما هو واضح‪ ،‬ولكن هذه‬
‫ش ِ‬
‫الحكمة إجمالية‪ ،‬وقد روى البيهقي ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬في سننه عن ابن عباس‬
‫مرفوعا ً قال‪" :‬لما أتى إبراهيم خليل الله ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬المناسك عرض له‬
‫الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الرض‪ ,‬ثم‬
‫عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الرض‪ ,‬ثم‬
‫عرض له في الجمرة الثالثة‪ ,‬فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الرض" قال‬
‫ة أبيكم تتبعون"‬
‫ن ترجمون ومل َ‬
‫ابن عباس – رضي الله عنهما ‪" :-‬الشيطا َ‬
‫انتهى بلفظه من السنن الكبرى للبيهقي‪.‬‬
‫ً‬
‫م في المستدرك مرفوعا ثم قال‪" :‬هذا حديث‬
‫ولقد روى هذا الحدي َ‬
‫ث الحاك ُ‬
‫صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"‪.‬‬
‫وعلى هذا الذي ذكره البيهقي فَذِك ُْر اللهِ الذي شرع الرمي لقامته هو‬
‫القتداء بإبراهيم في عداوة الشيطان‪ ،‬ورميه‪ ،‬وعدم النقياد إليه‪ ،‬والله يقول‪:‬‬
‫كانت ل َك ُ ُ‬
‫م( الية‪.‬‬
‫سن َ ٌ‬
‫ة ِفي إ ِب َْرا ِ‬
‫سوَة ٌ َ‬
‫ح َ‬
‫مأ ْ‬
‫هي َ‬
‫ْ‬
‫)قَد ْ َ َ ْ‬
‫فكأن الرمي رمز وإشارة إلى عداوة الشيطان التي أمرنا الله بها في قوله‪:‬‬
‫شي ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ذوه ُ عَد ُوًّا( وقوله منكرا ً على من واله‪:‬‬
‫م عَد ُوّ َفات ّ ِ‬
‫طا َ‬
‫)إ ِ ّ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫خ ُ‬
‫م عَد ُّو(الية‪.‬‬
‫)أ َفَت َت ّ ِ‬
‫ه أوْل َِياَء ِ‬
‫م لك ْ‬
‫ن ُدوِني وَهُ ْ‬
‫ه وَذ ُّري ّت َ ُ‬
‫ذون َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ومعلوم أن الرمي بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة"‪ .‬انتهى كلم الشنقيطي‬
‫– رحمه الله ‪.-‬‬
‫وهكذا يفيد الحجاج من ذلك المشهد العظيم أل وهو رمي الجمار درسا ً‬
‫عظيما ً أل وهو مراغمة الشيطان وعداوته؛ فالشيطان عدوٌ للنسان‪ ،‬والحجاج‬
‫ل يرمون الشيطان‪ ،‬وليس الشيطان بواقف لهم يرجمونه‪ ،‬وإنما يرجمون‬
‫المواقف التي وقف بها الشيطان لبيهم إبراهيم؛ فرجمه الخليل ‪ -‬عليه‬
‫السلم ‪ -‬فهم يرجمونه ل لمجرد التكرار وإنما للقتداء والنتفاع والعتبار‪.‬‬
‫فعليهم أن يتأملوا كيف عرف أبوهم إبراهيم أن الذي وقف له ليصده عن‬
‫امتثال أمر ربه أنه شيطان؛ حيث َتمّثل له ثلث مرات‪ ،‬فرجمه إبراهيم ثلث‬
‫مرات كل مرة بسبع حصيات وقال له‪ :‬ليس لك عندي إل الرجم‪ ،‬فخنس‬
‫وخسأ‪ ،‬وخاب ظنه‪ ،‬ونكص على عقبيه‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫فأولوا اللباب يعتبرون بهذا الرجم‪ ،‬ويأخذون منه دروسا وعبرا؛ إذ يعاملون‬
‫ن من شياطين الجن والنس ممن يريدون صرفهم عن طاعة ربهم‬
‫كل شيطا ٍ‬
‫بالرجم المعنوي الذي هو بغض من صد عن سبيل الله‪ ،‬وعصيانه‪ ،‬ومراغمته‪،‬‬
‫دهم عن‬
‫والبتعاد عنه والستعاذة بالله منه؛ فيعرفون أن كل من حاول ص ّ‬
‫‪122‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫طاعة ربهم‪ ،‬أو فتنَتهم في دينهم ‪ -‬أنه شيطان مهما لبس من لبوس‪ ،‬ومهما‬
‫أظهر من مودة وتصنع‪.‬‬
‫أيها الحاج الكريم‪ :‬ما أكثر دروس الحج‪ ،‬وما أعظم بركاته؛ فليكن لك من‬
‫ذلك أوفر الحظ والنصيب؛ لتفوز بسعادة الدارين‪ ،‬ولتكون من حزب الله‬
‫المفلحين‪ ،‬ومن أولياءه المتقين الذين ل خوف عليهم ول هم يحزنون‪.‬‬
‫)‪(16 /‬‬
‫وصلى الله وسلم على نبينا محمد‪.‬‬
‫من منافع الحج ودروسه‬
‫الشيخ‪ /‬محمد بن إبراهيم الحمد ‪7/12/1426‬‬
‫‪07/01/2006‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ج ي َأ ُْتوكَ‬
‫ح ّ‬
‫س ِبال َ‬
‫قال الله ‪ -‬تبارك وتعالى ْ ‪ -‬في محكم التنزيل‪) :‬وَأّذن ِفي الّنا ِ‬
‫َ‬
‫من ك ُ ّ‬
‫جال ً وَعََلى ك ُ ّ‬
‫ق* ل ِي َ ْ‬
‫م(‪.‬‬
‫ج عَ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ضا ِ‬
‫شهَ ُ‬
‫ل فَ ّ‬
‫ل َ‬
‫رِ َ‬
‫مَنافِعَ لهُ ْ‬
‫دوا َ‬
‫مرٍ ي َأِتي َ‬
‫مي ٍ‬
‫والحديث ههنا سيكون حول بعض المنافع التي تشهد في الحج‪ ،‬والتي وردت‬
‫مجملة في قوله ‪ -‬تعالى ‪) :-‬ليشهدوا منافع لهم(‪.‬‬
‫قال الشيخ العلمة عبدالرحمن السعدي ‪-‬رحمه الله‪ -‬في الية السابقة‪" :‬أي‬
‫لينالوا ببيت الله منافع دينية من العبادات الفاضلة‪ ،‬والعبادات التي ل تكون إل‬
‫فيه‪ ،‬ومنافع دنيوية من التكسب‪ ،‬وحصول الرباح الدنيوية‪ ،‬وهذا أمر مشاهد‬
‫ك ّ‬
‫ل يعرفه" ا‪-‬هـ‪.‬‬
‫وإليكم طرفا ً من تلك المنافع التي تنال بالحج‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬تحقيق العبودية والتوحيد لله ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬فكمال المخلوق في‬
‫ً‬
‫تحقيق العبودية لربه‪ ،‬وكل ما ازداد العبد تحقيقا لها ازداد كماله وعلت درجته‪،‬‬
‫وفي الحج يتجلى هذا المعنى غاية التجلي؛ ففي الحج تذلل لله‪ ،‬وخضوع‬
‫وانكسار بين يديه؛ فالحاج يخرج من ملذ الدنيا مهاجرا ً إلى ربه‪ ،‬تاركا ً ماله‬
‫وأهله ووطنه‪ ،‬متجردا ً من ثيابه‪ ،‬لبسا ً إحرامه‪ ،‬حاسرا ً عن رأسه‪ ،‬متواضعا ً‬
‫لربه‪ ،‬تاركا ً الطيب والنساء‪ ،‬متنقل ً بين المشاعر بقلب خاشع‪ ،‬وعين دامعة‪،‬‬
‫ولسان ذاكر يرجو رحمة ربه‪ ،‬ويخشى عذابه‪.‬‬
‫ثم إن شعار الحاج منذ إحرامه إلى حين رمي جمرة العقبة والحلق ‪ -‬لبيك‬
‫الله لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك‪.‬‬
‫ومعنى ذلك‪ :‬أنني خاضعٌ لك‪ ،‬منقاد ٌ لمرك‪ ،‬مستعد لما حملتني من المانات؛‬
‫طاعة لك‪ ،‬واستسلما ً دونما إكراه‪ ،‬أو تردد‪.‬‬
‫وهذه التلبية ترهف شعور الحاج‪ ،‬وتوحي إليه بأنه‪ -‬منذ فارق أهله‪ -‬مقب ٌ‬
‫ل على‬
‫ربه‪ ،‬متجرد ٌ عن عاداته ونعيمه‪ ،‬منسلخ من مفاخره ومزاياه‪.‬‬
‫ولهذا التواضع والتذلل أعظم المنزلة عند الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬إذ هو كمال العبد‪،‬‬
‫وجماله‪ ،‬وهو مقصود العبودية العظم‪ ،‬وبسببه تمحى عن العبد آثاُر الذنوب‪،‬‬
‫وظلمتها؛ فيدخل في حياة جديدة ملؤها الخير‪ ،‬وحشوها السعادة‪.‬‬
‫وإذا غلبت هذه الحال على الحجاج فملت عبودية الله قلوبهم‪ ،‬وكانت هي‬
‫المحرك لهم فيما يأتون‪ ،‬وما يذرون ‪ -‬صنعوا للنسانية العاجيب‪ ،‬وحرروها‬
‫من الظلم‪ ،‬والشقاء‪ ،‬والبهيمية‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬التعود على اغتنام الوقات؛ فالوقت رأس مال النسان‪ ،‬والوقت من‬
‫َ‬
‫ج ّ‬
‫ل ما ينبغي أن يصان عن الضاعة والهمال‪.‬‬
‫أ َ‬
‫وفي الحج يقوم الحاج بأعمال عظيمة‪ ،‬وفي أماكن مختلفة متباعدة مزدحمة‪،‬‬
‫وفي أيام محددة‪ ،‬قد ل تتجاوز أربعة أيام‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ة مخزونة لو استثارها لتت‬
‫ة هائل ً‬
‫وفي هذا دليل على أن في النسان طاق ً‬
‫أكلها ضعفين أو أكثر‪ ،‬وهذا درس عظيم يبعث المسلم إلى أن يعتاد اغتنام‬
‫الوقات‪ ،‬وأن يحرص على أن ل يضيع منها شيئا ً في غير فائدة‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬ارتباط المسلمين بقبلتهم التي يولون وجوههم شطرها في صلواتهم‬
‫المفروضة خمس مرات في اليوم؛ وفي هذا الرتباط سر بديع يصرف‬
‫ق ملحد؛ فتبقى لهم عزتهم‪،‬‬
‫وجوههم عن التوجه إلى غر ٍ‬
‫ب كافر‪ ،‬أو شر ٍ‬
‫وكرامتهم‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬أن الحج فرصة عظيمة للقبال على الله بشتى القربات‪ :‬حيث يجتمع‬
‫في الحج من العبادات ما ل يجتمع في غيره؛ فيشارك الحج غيره من الوقات‬
‫بالصلوات وغيرها من العبادات التي تفعل بالحج وغير الحج‪ ،‬وينفرد بالوقوف‬
‫بعرفة‪ ،‬والمبيت بالمزدلفة‪ ،‬ورمي الجمار‪ ،‬وإراقة الدماء‪ ،‬وغير ذلك من‬
‫أعمال الحج‪.‬‬
‫خامسًا‪ :‬الحج وسيلة عظمى لحط السيئات ورفعة الدرجات؛ فالحج يهدم ما‬
‫كان قبله‪.‬‬
‫قال النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬لعمرو بن العاص ‪-‬رضي الله عنه‪" :-‬أما‬
‫علمت أن السلم يهدم ما كان قبله‪ ،‬وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها‪ ،‬وأن‬
‫الحج يهدم ما كان قبله" رواه مسلم‪.‬‬
‫والحج أفضل العمال بعد اليمان والجهاد؛ فعن أبي هريرة ‪-‬رضي الله عنه‪-‬‬
‫قال‪ :‬سئل النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬أي العمال أفضل؟‪.‬‬
‫قال‪" :‬إيمان بالله ورسوله"‪.‬‬
‫قيل‪ :‬ثم ماذا؟‪.‬‬
‫قال‪" :‬جهاد في سبيل الله"‪.‬‬
‫قيل‪ :‬ثم ماذا؟‪.‬‬
‫قال‪" :‬حج مبرور" رواه البخاري‪.‬‬
‫والحج أفضل الجهاد؛ فعن عائشة ‪ -‬رضي الله عنها ‪ -‬قالت‪" :‬قلت يا رسول‬
‫الله‪ :‬نرى الجهاد أفضل العمال‪ ،‬أفل نجاهد؟"‪.‬‬
‫قال‪" :‬ل‪ ،‬لكن أفضل الجهاد حج مبرور" رواه البخاري‪.‬‬
‫والحج المبرور جزاؤه الجنة‪ ،‬قال ‪ -‬عليه الصلة والسلم ‪" :-‬العمرة إلى‬
‫العمرة كفارة لما بينهما‪ ،‬والحج المبرور ليس له جزاء إل الجنة" رواه مسلم‪.‬‬
‫والحاج يعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه إذا كان حجه مبرورًا‪ ،‬قال النبي ‪-‬صلى‬
‫الله عليه وسلم‪" :-‬من حج هذا البيت فلم يرفث‪ ،‬ولم يفسق رجع كيوم ولدته‬
‫أمه" رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫)‪(17 /‬‬
‫سادسًا‪ :‬هياج الذكريات الجميلة‪ ،‬ففي الحج تهيج الذكريات الجميلة‪ :‬وهذا سر‬
‫بديع من أسرار الحج؛ العزيزة على كل قلب مسلم‪ ،‬وما أكثر تلك الذكريات‪،‬‬
‫وما أجمل ترددها على الذهن؛ فالحاج على سبيل المثال يتذكر أبانا إبراهيم‬
‫مهاجَره في سبيله‪ ،‬وكمال‬
‫الخليل ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬فيتذكر توحيده لربه‪ ،‬و ُ‬
‫ب نفسه‪ ،‬ويتذكر ما جرى له من‬
‫ب رّبه على محا ّ‬
‫عبوديته‪ ،‬وتقديمه محا ّ‬
‫البتلءات العظيمة‪ ،‬وما حصل له من الكرامات‪ ،‬والمقامات العالية‪ ،‬ويتذكر‬
‫أذانه في الحج‪ ،‬ودعاءه لمكة المكرمة‪ ،‬وبركات تلك الدعوات التي ترى آثارها‬
‫إلى يومنا الحاضر‪.‬‬
‫ويتذكر الحاج ما كان من أمنا هاجر ‪ -‬عليها السلم ‪ -‬فيتذكر سعيها بين الصفا‬

‫‪124‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والمروة؛ بحثا ً عن ماء تشربه؛ لتدر باللبن على وليدها أبينا إسماعيل ذلك‬
‫السعي الذي أصبح سنة ماضية‪ ،‬وركنا ً من أركان الحج‪.‬‬
‫ويتذكر أبانا إسماعيل ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬فيمر بخاطره مشاركة إسماعيل لبيه‬
‫إبراهيم في بناء الكعبة‪ ،‬ويتذكر ما كان من بر إسماعيل بأبيه؛ حيث أطاعه‬
‫لما أخبره بأن الله يأمره بذبحه‪ ،‬فما كان من إسماعيل إل أن قال‪) :‬افعل ما‬
‫تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين(‪.‬‬
‫ويتذكر الحاج أن مكة هي موطن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬ففيها ولد‬
‫وشب عن الطوق‪ ،‬وفيها تنزل عليه الوحي‪ ،‬ومنها شعّ نور السلم الذي بدد‬
‫دياجير الظلمات‪.‬‬
‫ويتذكر من سار على تلك البطاح المباركة من أنبياء الله ورسله‪ ،‬وعباده‬
‫الصالحين؛ فيشعر بأنه امتداد لتلك السلسلة المباركة‪ ،‬وذلك الركب الميمون‪.‬‬
‫ويتذكر الصحابة ‪ -‬رضي الله عنهم ‪ -‬وما لقوه من البلء في سبيل نشر هذا‬
‫الدين‪.‬‬
‫ويتذكر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس وأنه مبارك وهدى للعالمين‪.‬‬
‫ن‬
‫بلدة عظمى وفي آثارها *** أنفعُ الذكرى لقوم يعقلو ْ‬
‫ن‬
‫ب في بطحائها خيُر الورى *** وشبا في أ ُفِ ْ‬
‫قها أسم ُ‬
‫ش ّ‬
‫ح دي ْ‬
‫ب‬
‫ح‬
‫نفسه‬
‫في‬
‫وتبعث‬
‫رباط‪،‬‬
‫بأكرم‬
‫المؤمن‬
‫تربط‬
‫الجميلة‬
‫الذكريات‬
‫فهذه‬
‫ّ‬
‫ص على اتباع آثارهم‪ ،‬والسير على منوالهم‪.‬‬
‫أسلفه الكرام‪ ،‬والحر َ‬
‫ثم إن الحاج إذا عاد من رحلة حجه حمل معه أغلى الذكريات‪ ،‬وأعز ّها على‬
‫ة للعودة إلى تلك البقاع المباركة‪ ،‬وما أجمل قول‬
‫سه متلهف ً‬
‫نفسه؛ فتظل نف ُ‬
‫من قال في ذكرى الحج ومنافعه‪:‬‬
‫ً‬
‫أيا عذبات البان من أيمن الحمى *** رعى الله عيشا في رباك قطعناه‬
‫سرِقَْناه‬
‫سرقناه من شرخ الشباب وروقه *** فلما سرقنا الصفوَ منه ُ‬
‫ش البين يقدمها القضا *** فبدد شمل ً في الحجاز نضمناه‬
‫وعادت جيو ُ‬
‫ف لهم عهد الوداد ونرعاه‬
‫صب جيرة ٌ *** ُنو ّ‬
‫ونحن لجيران ال ُ‬
‫مح ّ‬
‫فهاتيك أيام الحياة وغيُرها *** ممات فيا ليت النوى وما شهدناه‬
‫فيا ليت عنا أغمض البين طرفه *** ويا ليت وقتا ً للفراق فقدناه‬
‫وترجع أيام المحصب من منى *** ويبدو ثراه للعيون وحصباه‬
‫خزاماه‬
‫س بين ُثمامه *** وتستنشق الرواح نشر ُ‬
‫وتسرح فيه العِي ْ ُ‬
‫ن إلى تلك الربوع تشوقا ً *** ففيها لنا عهد وعقد عقدناه‬
‫ن ِ‬
‫ح ّ‬
‫ب برانا ما نسينا عهودكم *** وما كان من ربع سواكم سلوناه‬
‫ور ّ‬
‫ففي ربعهم لله بيت مبار ٌ‬
‫وي وتهواه‬
‫ك *** إليه قلوب الخلق ت َهْ ِ‬
‫يطوف به الجاني فُيغفُر ذنبه *** ويسقط عنه جرمه وخطاياه‬
‫ف وأهناه‬
‫فكم لذةٍ كم فرحةِ لطوافه *** فلله ما أحل الطوا َ‬
‫م فذاك نفيناه‬
‫ملغ ٌ‬
‫نطوف كأنا في الجنان نطوفها *** ول ه ّ‬
‫طيبه *** فذلك شوقٌ ل يحاط بمعناه‬
‫فيا شوقنا نحو الطواف و ِ‬
‫ُ‬
‫ه تذق يا صاِح ما قد أذِقَْناه‬
‫فمن لم يذقه لم يذق قط لذة ً *** فَذ ُقْ ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أيها الحاج الكريم أسأل الله أن يجعل حجك مبرورا‪ ،‬وسعيك مشكورا‪ ،‬وذنبك‬
‫مغفورًا‪ ،‬وأن يعيد علينا وعليك وعلى أمة السلم من بركات الحج‪.‬‬
‫وصلى الله وسلم على نبينا محمد‪.‬‬
‫)‪(18 /‬‬

‫‪125‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الحج وآثاره السلوكية‬
‫عمر بن عبد الله المقبل ‪7/12/1426‬‬
‫‪07/01/2006‬‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم على خيرته من خلقه‪ ،‬نبينا محمد‬
‫وعلى آله وصحابته أجمعين‪:‬‬
‫أما بعد‪ :‬فهذا موضوع تربوي‪ ،‬يتصل بركن من أركان السلم العظام‪ ،‬أل وهو‬
‫الحج ‪ ،‬وهو يركز على الجانب السلوكي‪ ،‬والثر الذي ينبغي أن تحدثه هذه‬
‫العبادة في قلوب مؤديها‪.‬‬
‫ول ريب أن الحديث عن موضوع كهذا طوي ٌ‬
‫ة تضاف إلى مجلدات‬
‫ل ‪،‬لكنها ورق ٌ‬
‫كتب في هذا الموضوع‪ ،‬لعلها تسهم في التنبيه إلى شيٌء من مقاصد الشرع‬
‫العظيم في مشروعية هذه العبادات ‪.‬‬
‫أسأل الله تعالى أن يرزقنا القيام بعبادته على الوجه الذي يرضيه عنا ‪،‬وأن‬
‫يعفو عن ما زلت به الجوارح ‪،‬إنه أكرم مسؤول ‪.‬‬
‫وسأتناول هذا الموضوع في ثلثة محاور ‪:‬‬
‫المحور الول ‪ :‬لماذا الحديث عن الثار السلوكية ؟‬
‫المحور الثاني ‪ :‬كيف تؤثر العبادات في سلوكياتنا ؟ولماذا ل يجد الكثير آثارها‬
‫في حياتهم؟‪.‬‬
‫المحور الثالث ‪ :‬من آثار الحج السلوكية‪.‬‬
‫المحور الول‪ :‬لماذا الحديث عن الثار السلوكية ؟‬
‫وأرى أنه يحسن ـ قبل الولوج إلى الموضوع ـ أن أوضح مفردات عنوان هذه‬
‫الورقة )آثار الحج السلوكية( ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬كلمة )الثار( جمع أثر ‪ ،‬هو في اللغة يطلق على معان منها ‪ :‬بقية‬
‫الشيء ‪ ،‬ويقال ‪ :‬أّثر فيه تأثيرا ً ‪ ،‬أي ترك فيه أثرا ً وهذا الذي يعنينا هنا ‪ ،‬فنحن‬
‫نتحدث عما تتركه عبادة الحج العظيمة من آثار في الحجاج)‪.(1‬‬
‫ً‬
‫ثانيا ً ‪ :‬كلمة ) السلوكية ( السلوك أصله من سلك طريقا ‪ ،‬أو مكانا يسلكه أي‬
‫دخل فيه ‪ ،‬ومن ذلك قوله تعالى ) أسلك يدك في جيبك ( أي أدخلها في‬
‫جيبك‪،‬ومنه أيضا ً ) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ( أي أدخلنا الكفر‬
‫والتكذيب‪،‬ونظمناه في قلوب أهل الجرام كما يدخل السلك في البرة ‪،‬‬
‫فتشّربته وصار وصفا ً لها )‪.(2‬‬
‫وهكذا النسان إذا تحققت فيه آثار العبادات وتحلى بالداب الشرعية ‪،‬‬
‫وأصبحت أخلقه انعكاسا ً لما يعلمه ويعمل به من دين الله عز وجل ‪،‬صح أن‬
‫ن ‪،‬لنه تشّرب الخلق الطيبة ‪،‬وانتظمت في‬
‫يقال له ‪ :‬إن فلنا ً سلوكه حس ٌ‬
‫تصرفاته حتى أصبحت وصفا ً له ‪.‬‬
‫إذا ً فالحديث عن بقية الثار التي تتركها عبادة الحج ‪ ،‬وتؤثر في حياته ‪ ...‬في‬
‫عباداته ومعاملته ‪...‬في أخلقه ‪.‬‬
‫أما لماذا الحديث عن الثار السلوكية ؟ وهو عنوان هذه الحلقة ‪،‬فيمكن‬
‫إجمال السباب فما يلي ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬الحديث عن الثار السلوكية في الحقيقة حديث عن الخلق ـ بمعناها‬
‫الواسع ـ لن العرب تقول عن السجية والطبع الملزم للمرء ‪:‬خُلق )‪، (3‬وهذا‬
‫معنى كونه سلوكا أي صار سجية ووصفا له ‪ ،‬وليست هذه الورقة حديثا ً عن‬
‫الخلق ـ رغم أهميتها ـ إنما المقصود الشارة إلى أن الخلق والسلوك‬
‫الحسن له أهمية عظيمة وشأن كبير في حياة المسلم ‪،‬بل الخلق لها شأنها‬
‫ـ عند جميع المم ـ مسِلمها وكافرها‪،‬وحسبك أن تعلم أن من أعظم الطرق‬
‫التي ملك بها النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬قلوب الناس في دعوته ‪:‬‬
‫‪126‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫سلوكه الحسن ‪ ،‬وتعامله الفذ ‪ ،‬وخلقه العظيم الذي امتدحه الله سبحانه‬
‫وتعالى به في قوله ‪ ) :‬وإنك لعلى خلق عظيم ( ‪.‬‬
‫وما أجمل قول الشاعر الذي نبه إلى عظمة شأن الخلق حيث يقول ‪:‬‬
‫ب!‬
‫س لم ول ْ‬
‫أيها الطالب فخرا ً بالنسب *** إنما النا ُ‬
‫ب؟‬
‫هل تراهم ُ‬
‫خلقوا من فضة ؟ ***أو حديد أو نحاس أو ذه ْ‬
‫ب؟‬
‫أو َترى فضلهموا في خْلقهم ***هل سوى لحم ٍ وعظم ٍ وعص ْ‬
‫إنما الفض ُ‬
‫ب!‬
‫ل بعقل راجٍح *** وبأخلق كرام وأد ْ‬
‫ب!‬
‫ذاك من فاخَر في الناس به *** فاق من فاخَر منهم وغل ْ‬
‫فتبين مما سبق أن الحديث عن الحج وآثاره السلوكية حديث مهم ‪ ،‬لرتباطه‬
‫بأمر عظيم أل وهو حسن الخلق ‪ ،‬وسلمة السلوك ‪.‬‬
‫ً‬
‫ثانيا ً ‪ :‬أنه ما من عبادة وإل وقد رتب الشرع المطهر عليها آثارا على العبد في‬
‫حياته‪.‬‬
‫وهذه الثار تختلف بحسب مكانة هذه العبادة ومنزلتها من الدين ‪،‬كما أنها‬
‫تختلف باعتبار آخر أل وهو العابد نفسه‪،‬إذ ل ريب أن الناس ليسوا على درجة‬
‫واحد من العلم والخشية ‪،‬وبالتالي ليسوا على درجة واحدة في تعظيم هذه‬
‫الشعائر ‪،‬ول في درجة الخلص والصدق الذي يكون في قلوبهم حين الدخول‬
‫في العبادة ‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ "إذا لم تجد للعمل حلوة‬
‫في قلبك وانشراحا ً فاتهمه‪،‬فإن الرب تعالى شكور‪،‬يعني لبد أن يثيب العامل‬
‫على عمله في الدنيا‪،‬من حلوة يجدها في قلبه‪،‬وقوة وانشراح وقرة‬
‫عين‪،‬فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول")‪(4‬ا هـ ‪.‬‬
‫ولقد بّر في كلمه وصدق رحمه الله ‪،‬فقد ثبت في السنة أحاديث كثيرة تؤيد‬
‫ما قاله منها ‪ :‬ما ثبت في صحيح مسلم عن العباس بن عبدالمطلب –رضي‬
‫الله عنه‪ -‬أن النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬قال ‪ " :‬ذاق طعم اليمان من‬
‫رضي بالله ربا وبالسلم دينا وبمحمد – صلى الله عليه وسلم‪ -‬رسول "‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ومنها ‪ :‬ما ثبت في الصحيحين عن أنس – رضي الله عنه ‪ -‬أن النبي – صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ -‬قال‪":‬ثلث من كن فيه وجد بهن حلوة اليمان ‪ :‬أن يكون‬
‫الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ‪ ،‬وأن يحب المرء ل يحبه إل لله ‪ ،‬وأن‬
‫يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار‬
‫"‪.‬‬
‫قال بعض أهل العلم ‪" :‬إنما عّبر بالحلوة ؛لن الله شبه اليمان بالشجرة في‬
‫قوله تعالى‪ " :‬مثل كلمة طيبة " فالكلمة هي كلمة الخلص‪،‬والشجرة أصل‬
‫اليمان‪،‬وأغصانها اتباع المر واجتناب النهي‪ ،‬وورقها ما يهتم به المؤمن من‬
‫الخير‪ ،‬وثمرها عمل الطاعات‪ ،‬وحلوة الثمر جنى الثمرة‪ ،‬وغاية كماله تناهي‬
‫نضج الثمرة ‪،‬وبه تظهر حلوتها ")‪.(5‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬نتحدث عن الثار السلوكية لما يلحظ من وجود الهوة الكبيرة بين‬
‫العلم والعمل ‪،‬وبين ما يتلقاه الناس ـ إما في حقول التعليم أو عن طريق‬
‫خطب الجمعة أو المحاضرات أو غيرها من مجالت التلقي ـ وبين التطبيق ‪،‬‬
‫وتبعا ً لذلك فإنه ُيلحظ ضعف أو تلشي آثار العبادات على كثير من المؤدين‬
‫لها‪ ،‬حتى أصبحت العبادات جسدا ً بل روح عند كثير من الناس ‪ ،‬ول حول ول‬
‫قوة إل بالله ‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هاهي الصلة ـ أيها القارئ الكريم ـ عماد الدين ‪،‬أعظم الركان الخمسة بعد‬
‫الشهادتين ‪،‬والتي لها من المنزلة في الدين ما ليس لغيرها من العبادات ‪..‬‬
‫الصلة التي قال الله تعالى عنها ) إن الصلة تنهى عن الفحشاء والمنكر ( ‪..‬‬
‫تأمل في أثرها في أكثر المصلين !!‬
‫أليس في المصلين من يخرج للتو من صلة الجمعة ‪،‬وهو مع ذلك يقارف‬
‫كبيرة أو يصر على صغيرة ‪،‬فهو يكذب في الحديث والمعاملة ! ويطلق بصره‬
‫في الحرام ـ وربما وهو في طريق عودته لمنزله من الصلة ! أو يستمع إلى‬
‫ما حرم الله !!‬
‫ً‬
‫وقل مثل ذلك عن رمضان الذي انصرم قبل شهرين تقريبا !!‬
‫فأين التالون لكتاب الله تعالى ؟ وأين المحافظون على الصلة جماعة ؟ وأين‬
‫من يغضون أبصارهم ويحفظون جوارحهم عن المحرمات مخافة أن يؤثر ذلك‬
‫في تمام أجرهم ؟!‬
‫وهكذا الحج فكم له من الثار العظيمة والثمرات الهضيمة ـ والتي هي‬
‫ج بعض‬
‫موضوع حديثنا ـ ومع ذلك ‪ ،‬ورغم كثرة الحجاج ‪ ،‬بل ورغم كثرة ح ّ‬
‫الناس إلى بيت الله الحرام ‪ ،‬إل أن المستفيد من الحج ‪ ،‬ومن آثاره قليل ‪،‬‬
‫والله المستعان ‪.‬‬
‫رابعا ً ‪ :‬من أسباب طرق هذا الموضوع ‪ ،‬أنك ترى كثيرا ً منا يحرص أن يكون‬
‫أكله وشربه ‪ ،‬وأوقات راحته على ما اعتاده ودرج عليه ‪،‬فإذا وقع تغيير بسبب‬
‫غيره تراه يغضب ‪،‬ويحرص على أن يحترم الخرون عاداته وأوقاته ؛ لماذا ؟!‬
‫لن أكله ونومه حسب عادته مما يشرح نفسه ويريح بدنه ‪،‬وهو مع ذلك ل‬
‫يبذل ول قليل من الجهد لتفقد عباداته حتى تحدث أثرا عظيما في شرح‬
‫نفسه ‪،‬وراحة قلبه وبدنه ‪ ،‬وتحقيق مراد الله تعالى منه في تلك العبادة ‪.‬‬
‫إذا علم هذا ‪ ،‬فإن سؤال ً ملحا ً ينبغي أن يطرح ‪،‬وهو ‪ :‬كيف تؤثر العبادات في‬
‫سلوكياتنا ؟ولماذا ل يجد الكثير من الناس آثارها في حياتهم؟ هذا ما ستجيب‬
‫عنه الحلقة الثانية بإذن الله ‪.‬‬
‫المحور الثاني‪ :‬كيف تؤثر العبادات في سلوكياتنا؟ ولماذا ل يجد الكثير آثارها‬
‫في حياتهم؟‬
‫كان هذا السؤال المطروح في الحلقة الماضية‪ ،‬وللجواب عنه يقال‪:‬‬
‫أما السبل المعينة على تفعيل أثر العبادات في النفوس‪ ،‬فيمكن إيضاحها فيما‬
‫يلي‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬قراءة النصوص من الكتاب والسنة الصحيحة‪ ،‬التي وردت في شأن تلك‬
‫العبادة التي نفعلها‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬بعد جمع النصوص يستعين المسلم في فهمها بكتب التفاسير فيما‬
‫يتعلق باليات‪،‬وعلى كتب شروح الحاديث ـ إن أمكن ذلك ـ وإل فبسؤال أهل‬
‫العلم لفهم ما قد يشكل منها‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬من الوسائل التي تجعل العبادات مؤثرة في سلوك الشخص‪ :‬استشعار‬
‫أهمية العبادة ومعناها‪ ،‬والحكمة منها‪.‬‬
‫وأن يعلم أن الغاية العظمى من العبادات هو إصلح القلوب‪ ،‬ول يتم لها ذلك‬
‫إل بأن تذل وتخضع وتستكين لخالقها‪ ،‬وتنيب وتعود لربها‪ ،‬وترهب وترغب‬
‫لمولها‪ ،‬فبذلك يتم صلح القلب‪ ،‬ويسعد العبد في دنياه وأخراه‪ ،‬ولهذا كان‬
‫شيخ السلم ابن تيمية ‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬يقول‪ :‬من أراد السعادة البدية‬
‫فليلزم عتبة العبودية)‪.(6‬‬
‫رابعا ً ‪ :‬مطالعة سير وأحوال السلف الصالح ‪-‬رحمهم الله تعالى‪ -‬في تلك‬
‫العبادة وهذا له أثر عظيم ومشاهد‪ ،‬إذ مع استشعار أن القدوة المطلقة هو‬
‫‪128‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫رسول الله – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وفي سيرته خير وكفاية‪ ،‬إل أن المسلم‬
‫أيضا ً سيزداد خيرا ً حينما يقرأ في هذا الباب‪.‬‬
‫يقول ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ "وقد كان جماعة من السلف يقصدون‬
‫العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه ل لقتباس علمه‪،‬وذلك ثمرة علمه‪:‬‬
‫هديه وسمته‪ ،‬فافهم هذا‪ ،‬وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف‬
‫والزهاد في الدنيا ليكون سببا ً لرقة قلبك")‪ (7‬ا هـ ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫والمقصود أن القارىء في سير السلف الصالح سيمر بمواقف وأخبار تدمع‬
‫لها العين‪،‬ويرق لها القلب‪ ،‬سيتذكرها القارىء لها حينما يمر بنفس المواقف‬
‫التي مروا بها ‪-‬كما سأذكر بعضا ً منها في ثنايا هذه الورقة إن شاء الله تعالى‬
‫‪.‬‬‫ً‬
‫فمثل‪ :‬في الحج‪ ،‬وغيره من مواسم العبادات الخرى على مدار العام‪ ،‬يمكن‬
‫أن يقرأ النسان في كتاب " لطائف المعارف فيما لمواسم العام من‬
‫الوظائف " للحافظ ابن رجب ـ رحمه الله تعالى ـ فإنه جمع في كتابه بين‬
‫الحكام والمواعظ بأسلوب متميز ‪.‬‬
‫ويمكن الستفادة ـ أيضا ً ـ من بعض الكتب التي خرجت في هذا الوقت‪،‬‬
‫اعتنت بالفهرسة الموضوعية لبعض الكتب‪ ،‬ككتاب " نزهة الفضلء في تهذيب‬
‫سير أعلم النبلء " فالمؤلف وفقه الله جعل في آخر المجلد الثالث فهرسا ً‬
‫لما تضمنه المختصر من قصص وأخبار جاءت عن الصحابة والتابعين ومن‬
‫بعدهم رحمهم الله تعالى ممن ورد ذكرهم في أصل الكتاب " سير أعلم‬
‫النبلء " للذهبي ‪-‬رحمه الله تعالى‪. -‬‬
‫خامسا ً ‪ :‬وهو مهم أيضًا‪ ،‬وقد أشار إليه ابن الجوزي في كلمته السابقة‪ ،‬وهو‬
‫أن يصحب النسان رفقة صالحة‪ ،‬فيها طلب علم أو علماء ‪-‬إن تيسر ذلك‪-‬‬
‫ليستفيد منهم في تصحيح عبادته‪ ،‬وليستفيد مما يلقى من الدروس والمواعظ‬
‫في رحلة الحج‪ ،‬ولهذا قال جابر – رضي الله عنه ‪ -‬في صفة حج النبي –‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ :-‬فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم‬
‫برسول الله – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬ويعمل مثل عمله ‪.‬‬
‫وما سبق في )ثالثا ورابعا( يقودنا إلى نقطة هامة في هذا الموضوع أل وهي‬
‫أنه ينبغي للنسان أل يغفل عن قراءة كتب فيها مواعظ في أيامه كلها‪،‬‬
‫وخاصة في مواسم العبادات كرمضان والحج‪ ،‬لن القلب إذا قسا ـ والعياذ‬
‫بالله ـ لم يتلذذ بالعبادة‪ ،‬ولم ينتفع بالمواعظ إل ما شاء الله ‪.‬‬
‫ن الله عليهم بسلوك طريق الهداية أو حتى‬
‫ومما ينبه إليه هنا أن بعض من م ّ‬
‫طريق طلب العلم الشرعي يغفلون عن هذا الجانب‪ ،‬إما لنهماكهم في‬
‫الطلب‪ ،‬أو ظنا ً منهم أن هذا من شأن العوام‪ ،‬وهذا خطأ يجب أن يصحح‪.‬‬
‫س بعد محمد – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وأصحابه‬
‫وسبحان الله ! َ‬
‫من النا ُ‬
‫رضي الله عنهم ؟‬
‫هذا ابن مسعود – رضي الله عنه ‪ -‬يحكي حالهم ـ كما في الصحيحين ـ "كان‬
‫رسول الله – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يتخولنا بالموعظة في اليام مخافة‬
‫السآمة علينا " والشاهد أنه – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬كان يتعاهد أصحابه –‬
‫رضي الله عنهم ‪ -‬بالوعظ والتذكير بين الحين والخر ‪.‬‬
‫وهذه لفتة من عالم مجرب‪ ،‬من أئمة العلم والوعظ في نفس الوقت‪،‬وهو‬
‫ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ حيث يقول‪:‬‬

‫‪129‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫" رأيت الشتغال بالفقه وسماع الحديث ل يكاد يكفي في صلح القلب‪ ،‬إل أن‬
‫يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين ؛ لنهم تناولوا مقصود‬
‫النقل‪ ،‬وخرجوا عن مقصود الفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها‪ ،‬والمراد بها‪،‬‬
‫وما أخبرتك بهذا إل بعد معالجة وذوق ‪(8)" ...‬ا هـ‪.‬‬
‫إذا ً ‪ ..‬لماذا ل يجد الكثير آثار العبادات في حياتهم ؟ وهو الجزء المتمم لهذه‬
‫الحلقة‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫أشرت قبل قليل إلى بعض السباب عند الحديث عن بعض الطرق التي‬
‫يمكن أن نعملها لكي نجد للعبادة آثارا ً على سلوكنا‪،‬وأن للعلم أثرا ً في زيادة‬
‫تعظيم العبد لشعائر الله التي قال الله فيها )ومن يعظم شعائر الله فإنها من‬
‫تقوى القلوب(‪.‬‬
‫من يتلقى تعظيم الشعائر من العتياد والنظر‬
‫وفرق كبير ـ أخي القارئ ـ بين َ‬
‫لمن حوله من أمه وأبيه‪ ،‬أومن المجتمع الذي يحيط به فقط‪ ،‬وبين من يتلقى‬
‫ة من نصوص الوحي‪ ،‬وسير السلف الصالح ؛لن تعظيمه‬
‫ة طري ً‬
‫تعظيمها غض ً‬
‫ً‬
‫حينئذ يكون مبنيا على علم وخشية وإجلل لمستحق التعظيم والجلل‪ ،‬ولهذا‬
‫ه من عباده العلماء (‪ ،‬وهذا مما يستدل به على‬
‫قال سبحانه ) إنما يخشى الل َ‬
‫من‬
‫فضيلة العلم لنه يدعو إلى خشية الله تعالى‪ ،‬ولهذا قال بعض السلف " َ‬
‫كان بالله أعرف كان منه أخوف"‪.‬‬
‫فإذا تيقن النسان أن هذه الشعيرة من شعائر الله أحدث ذلك له تعظيما لها‪،‬‬
‫ولهذا نجد بعض العامة يعظمون الشعائر ‪ -‬تعظيم الموقن بأن هذا الشرع‬
‫صادر عن علم وحكمة لنه من عند الله ‪ -‬وهو يقين مجمل‪.‬‬
‫إل أن أهل العلم ـ وهم على درجات أيضا ً ـ يتميزون بالعلم المفصل بكثير من‬
‫الجزيئات التي تجعل إيمانهم أعظم‪ ،‬ويقينهم بإحكام هذه الشريعة أكثر‪ ،‬وأنها‬
‫صادرة عن علم تام‪،‬وحكمة بالغة‪ ،‬وأن المر كما قالجل جلله ) ولو كان من‬
‫عند غير الله لوجدوا فيه اختلفا ً كثيرًا(‪ .‬ولهذا قال الله عز وجل في أواخر‬
‫سورة السراء مخاطبا ً كل من كذب بالقرآن ومبينا فضيلة أهل العلم )قل‬
‫آمنوا به أو ل تؤمنوا ‪ -‬أي فليس لله حاجة فيكم‪ ،‬فإن لله عبادا ً غيركم‪ ،‬وهم‬
‫الذين آتاهم الله العلم النافع ‪ -‬إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم‬
‫يخرون للذقان سجدا ً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعو ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ويخرون للذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا(‪.‬‬
‫فهذا هو السبب الول في فقد بعض الناس لثار العبادات‪ ،‬وهو قلة العلم‬
‫بالنصوص الشرعية الواردة في تلك العبادة‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫وأرجو أل يفهم ‪ -‬القارئ الكريم ‪ -‬أني أحجر تعظيم الحرمات على أهل العلم‬
‫من عنده‬
‫فحسب فيصاب البعض بالحباط‪ ،‬فقد أشرت إلى أن من العامة َ‬
‫تعظيم ويقين‪ ،‬لكنه ليس بمنزلة تعظيم ويقين الذين أوتوا العلم‪ ،‬وما ذكرته‬
‫إنما هو إشادة بالعلم وأهله‪ ،‬وحث على طلب العلم حسب القدرة والطاقة‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬من أسباب حرمان آثار العبادات وعدم التلذذ بها ‪:‬‬
‫ضعف الخلص لله تعالى والمتابعة للنبي – صلى الله عليه وسلم ‪-‬في تلك‬
‫العبادة‪ ،‬وهذان المران كما أنهما شرطان في قبول العمل‪،‬فهما أيضا ً مؤثران‬
‫تأثيرا ً عظيما في الشعور بلذة العبادة وأثرها‪ ،‬ولهذا ليست العبرة بكثرة‬
‫العمل‪،‬وإنما بحسنه‪ ،‬كما قال سبحانه ) هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم‬
‫أيكم أحسن عمل ً ( ولم يقل أكثركم عم ً‬
‫ل‪،‬والمراد بحسن العمل هو أن يكون‬

‫‪130‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫خالصا ً لله صوابا ً على سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم ‪،-‬كما فسره‬
‫بذلك طائفة من السلف كالفضيل وغيره ‪.‬‬
‫وبقدر ما يكون الخلص يعظم الثر ويزداد النفع‪ ،‬يقول ابن القيم رحمه الله‬
‫تعالى ‪:‬‬
‫" والعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من اليمان والمحبة والتعظيم‬
‫والجلل وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه‪ ،‬حتى تكون‬
‫صورة العملين واحدة‪ ،‬وبينهما في الفضل ما ل يحصيه إل الله‪ ،‬وتتفاضل أيضا ً‬
‫بتجريد المتابعة‪ ،‬فبين العملين من الفضل‪ ،‬بحسب ما يتفاضلن به في‬
‫المتابعة‪ ،‬فتتفاضل العمال بحسب تجريد الخلص والمتابعة تفاضل ً ل يحصيه‬
‫إل الله تعالى ")‪ (9‬ا هـ‪.‬‬
‫والشاهد من كلمه ـ رحمه الله ـ أن العمال إذا كان يقع بينها هذا التفاضل‬
‫بسبب ما بينها من التجريد والمتابعة‪ ،‬فل بد أن تكون آثارها كذلك ؛ لن الثار‬
‫ـ في الحقيقة ـ فرع عن سلمة العمال من محبطاتها أو منقصات أجرها ‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬من أسباب حرمان آثار العبادات وعدم التلذذ بها ‪:‬‬
‫اقتراف الذنوب والمعاصي !‬
‫ولله ! كم لهذا السبب من أثر عميق في محق البركات السماوية والرضية !‬
‫ومن أعظم البركات التي تمحقها الذنوب محق بركة العبادة وفقد آثارها‪،‬‬
‫وحرمان لذتها ؟!‬
‫يقول الله عز وجل‪":‬ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من‬
‫السماء والرض‪،‬ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون "‪.‬‬
‫وقد تواترت الحاديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬التي تدل على أن‬
‫ما أصاب ويصيب المم الغابرة واللحقة من نقص الدين والدنيا إنما هو‬
‫بسبب الذنوب‪،‬ولست بصدد الحديث عن آثار الذنوب والمعاصي‪ ،‬ولكنها‬
‫إشارات عابرة‪ ،‬وأحيل القارئ الكريم في هذا إلى المام ابن القيم ـ رحمه‬
‫الله تعالى ـ "ومن أحيل على مليء فليحتل" في كتابه ))الجواب الكافي لمن‬
‫سأل عن الدواء الشافي(( فقد شفى وكفى‪.‬‬
‫سئل وهيب بن الورد ـ رحمه الله ـ‪:‬أيجد لذة الطاعة من يعصي ؟ قال ‪ :‬ول‬
‫م بالمعصية ـ !‬
‫م ! ـ أي من ه ّ‬
‫من ه ّ‬
‫فإذا كان هذا أثر الهم بالمعصية فما الظن باقترافها‪ ،‬والولوغ فيها والصرار‬
‫عليها ؟! ‪.‬‬
‫ور الله بصائرهم بهذه‬
‫وإليك ـ أيها القارئ الفاضل ـ نفثة ربانية من كلم من ن ّ‬
‫المور‪ ،‬فعرفوا خطورة الذنب الواحد‪ ،‬فضل ً عن ذنوب كثيرة‪ ،‬يقول ابن‬
‫الجوزي ‪-‬رحمه الله‪:-‬‬
‫ً‬
‫"وربما كان العقاب العاجل معنويا‪ ،‬كما قال بعض أحبار بني إسرائيل‪:‬يا رب‬
‫كم أعصيك ول تعاقبني ؟ فقيل له‪ :‬كم أعاقبك وأنت ل تدري!أليس قد‬
‫حرمتك حلوة مناجاتي ؟‪...‬إلى أن قال‪:‬فرب شخص أطلق بصره فحرم‬
‫اعتبار بصيرته‪ ،‬أو لسانه فحرم صفاء قلبه‪ ،‬أو آثر شبهة في مطعمه فأظلم‬
‫سره‪ ،‬وحرم قيام الليل وحلوة المناجاة‪ ،‬إلى غير ذلك‪...‬وهذا أمر يعرفه أهل‬
‫محاسبة النفس)‪" (10‬ا هـ ‪.‬‬
‫ويقول المام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ عندما تحدث عن عقوبات‬
‫الذنوب والمعاصي ‪:‬‬
‫"ومن عقوبات الذنوب أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلله‪،‬‬
‫وتضعف وقاره في قلب العبد ول بد‪ ،‬شاء أم أبى‪ ،‬ولو تمكن وقار الله‬
‫وعظمته من قلب العبد لما تجرأ على معاصيه ‪ ...‬إلى أن قال‪:‬فإن عظمة‬
‫‪131‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫م حرماته‬
‫م حرماته‪ ،‬وتعظي ُ‬
‫الله تعالى وجلله في قلب العبد تقتضي تعظي َ‬
‫تحول بينه وبين الذنوب )‪" (11‬ا هـ ‪.‬‬
‫والمقصود هنا بيان أثر الذنوب في حرمان لذة العبادة‪،‬وآثارها على سلوك‬
‫الفرد ‪.‬‬
‫وبعد هذا‪ ،‬فلنلج إلى لب هذه الورقة‪ ،‬للحديث عن شيء من الثار السلوكية‬
‫للحج‪ ،‬في المحور التي بحول الله‪.‬‬
‫المحور الثالث‪ :‬آثار الحج السلوكية‬
‫وقبل أن أذكر هذه الثار‪ ،‬يقال ‪ :‬ل يخفى أن الحج عبادة من أعظم العبادات‪،‬‬
‫رتب الشرع عليه ثوابا عظيما لمن كان حجه مبرورا‪ ،‬كما قال عليه الصلة و‬
‫السلم ـ فيما رواه الشيخان ـ " الحج المبرور ليس له جزاء إل الجنة "‪،‬‬
‫وعندهما أيضا ً أنه – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬قال " من أتى هذا البيت فلم‬
‫يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه " ‪.‬‬
‫وهذه الفضيلة العظيمة إحدى بل هي من أجل المنافع التي أشار إليها تبارك‬
‫وتعالى بقوله ‪) :‬ليشهدوا منافع لهم(‪ ،‬وتأمل ـ أيها القارئ الكريم ـ قوله‪:‬‬
‫)منافع( فهي عامة في المنافع الدينية والدنيوية ‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫والمتأمل في الحج يجد أن أعظم مقاصده هو تحقيق العبودية لله عز وجل ‪،‬‬
‫ده بإفراده وحده ـ سبحانه بالعبادة ـ ولهذا لما ذكر الله عز وجل جملة‬
‫وتوحي ُ‬
‫من آيات الحج قال‪) :‬ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم‬
‫من بهيمة النعام‪ ،‬فإلهكم إله واحد فله أسلموا‪ ،‬وبشر المخبتين ( ]الحج ‪:‬‬
‫‪.[34‬‬
‫قال بعض أهل العلم )‪(12‬في تفسيره لهذه الية ‪ " :‬إن أجناس الشرائع وإن‬
‫اختلفت في بعض التفاصيل فهي متفقة على هذا الصل وهو ألوهية الله‪،‬‬
‫وإفراده بالعبودية‪ ،‬وترك الشرك به‪ ،‬ولهذا قال ) فله أسلموا (أي‪ :‬انقادوا‬
‫م له‪ ،‬هو الطريق الموصل إلى دار السلم‬
‫واستسلموا له ل لغيره‪ ،‬فإن السل َ‬
‫وهي الجنة " ا هـ ‪.‬‬
‫ً‬
‫ة جدا‪ ،‬ولهذه المظاهر أثر‬
‫إن مظاهر التسليم والنقياد في هذه العبادة واضح ٌ‬
‫عظيم على زيادة اليمان‪ ،‬واستقامة السلوك ‪.‬‬
‫م هذا‪ ،‬فليس من المستغرب أن تكون جميع المظاهر التي يراها‬
‫إذا عُل ِ َ‬
‫المسلم إنما هي نابعة من شجرة التوحيد المباركة‪ ،‬ول يمكن أن تنفصل عنه‪،‬‬
‫حتى ما قد يظنه البعض من أنه مظهر اجتماعي أو نحو ذلك‪ ،‬فإنه عند التأمل‬
‫فرع من فروع تلك الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء‪ ،‬فاجتماع‬
‫المسلمين‪ ،‬وتآلفهم‪ ،‬وتعارفهم على بعض هو من ثمار الموالة لهل )ل إله إل‬
‫الله(‪.‬‬
‫والمقصود أن مظاهر التوحيد في الحج كثيرة‪ ،‬تبرز للمسلم في كل موقف‬
‫من المواقف التي تتصل بنسكه‪ ،‬ولعلي أبدأ بأول هذه المواقف مع الشارة‬
‫إلى بعض آثارها السلوكية‪:‬‬
‫الموقف الول‪:‬‬
‫مّنة‬
‫عندما يسافر النسان إلى البيت الحرام لداء شعيرة الحج‪ ،‬أل يستشعر ِ‬
‫الله عليه وفضَله‪ ،‬أن هداه لهذا السفر المبارك في الوقت الذي يسافر فيه‬
‫البعض من المسلمين يمنة ويسرة لمضاء إجازة العيد للترويح‪ ،‬أو لتحصيل‬
‫شهوة قد تكون محرمة‪ ،‬أو يسافر إلى بلد الكفر من غير حاجة أو ضرورة ‍!‬

‫‪132‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وهل يتذكر ‪ -‬المسلم ‪ -‬نعمة الله عليه أن يسر له السفر والوصول إلى تلك‬
‫البقاع المقدسة‪ ،‬في الوقت الذي يتمنى ويشتاق كثير من المسلمين في‬
‫مشارق الرض ومغاربها الوصول إلى البيت فل يستطيعون إما لقلة ذات‬
‫أيديهم أو لغير ذلك من الموانع ؟! ولهذا لما رأى بعض الصالحين الحجاج‬
‫وقت خروجهم من بلدهم إلى مكة يريدون الحج وقف يبكي ويقول‪ :‬واضعفاه‬
‫‪ ..‬ثم تنفس وقال ‪ :‬هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت‪ ،‬فكيف‬
‫تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت ‪.‬‬
‫ولعل البعض قرأ قصة ذلك المسلم الذي قدم من الجمهوريات السلمية‬
‫بعد سقوط الشيوعية ‪ -‬فلما وصل إلى المسجد الحرام ورأى الكعبة بكى‬‫بحرقة‪ ،‬وأخذ يتذكر ويقول‪ :‬هذا بيت الله الذي كان يحدثنا عنه والدي‪ ،‬والذي‬
‫كان يتحرق شوقا ً إلى رؤيته لكنه منع من قبل طواغيت الكفر‪ ،‬فمات قبل أن‬
‫يراه ‪.‬‬
‫الموقف الثاني ‪:‬‬
‫في لباس الحرام يتجرد المسلم من اللباس الذي اعتاده‪ ،‬إلى لباس يستوي‬
‫فيه الجميع ‪:‬الغني والفقير‪ ،‬والمير والحقير‪ ،‬وهو تأكيد لصل عظيم في هذا‬
‫الدين‪ ،‬أل وهو أن الناس سواء ل فضل لعربي على أعجمي‪ ،‬ول لبيض على‬
‫أسود إل بالتقوى ‪:‬‬
‫أرى الناس أصنافا ومن كل بقعة * * *إليك انتهوا من غربة وشتات‬
‫تساووا فل أنساب فيها تفاوت* * *لديك ول القدار مختلفات‬
‫وقول الله أبلغ ‪ ):‬يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا‬
‫وقبائل لتعارفوا‪ ،‬إن أكرمكم عند الله أتقاكم‪ ،‬إن الله عليم خبير ( ‪.‬‬
‫هذا المشهد العظيم يبعث في النفس آثارا ً عظيمة‪ ،‬منها ‪ :‬أن توحيد اللباس‬
‫فيه إشارة إلى توحيد الكلمة‪ ،‬والمقصد‪) ،‬فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر‬
‫المخبتين ( ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن الناس في ميزان العبودية سواء‪ ،‬الله ربهم وهم عبيده‪ ،‬فأكرمهم‬
‫م انكساره بين يدي‬
‫عنده أتقاهم‪ ،‬وأرفعهم منزلة من زاد ذله لموله‪ ،‬وعَظ ُ َ‬
‫ربه‪ ،‬وك ًث َُر طرقه لباب سيده‪ ،‬أما مناصب الدنيا فل وزن لها هنا‪.‬‬
‫الموقف الثالث ‪:‬‬
‫التلبية‪ ،‬وما أدراك ما لتلبية ؟ التي تستمر مع الحاج منذ تلبسه بالحج إلى أن‬
‫يرمي جمرة العقبة يوم العيد‪ ،‬هذا النداء الخالد الذي يعلن فيه العبد استجابته‬
‫لنداء الله الذي أعلنه إبراهيم عليه الصلة والسلم كما في قوله سبحانه ‪:‬‬
‫) وأذن في الناس بالحج ( هذه التلبية التي قال عنها جابر ـ رضي الله عنه ـ‬
‫في وصفه لحجة المصطفى – صلى الله عليه وسلم ‪ ": -‬فأهل رسول الله –‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬بالتوحيد "‪ ،‬وتأمل قوله " بالتوحيد "‪ ،‬وذاك لمرين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أن أهل الجاهلية كانوا إذا لبوا قالوا " لبيك ل شريك لك‪ ،‬إل شريكا ً‬
‫هو لك تملكه وما ملك " فكانوا يشركون في التلبية ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أن هذه الجملة العظيمة اشتملت على أنواع التوحيد الثلثة ‪:‬الربوبية‬
‫واللوهية والسماء والصفات‪ ،‬فقوله ) الملك لك ( إشارة إلى توحيد الربوبية‪،‬‬
‫وقوله ) لبيك ل شريك لك ( إشارة إلى اللوهية‪ ،‬وقوله ) إن الحمد والنعمة‬
‫لك ( إشارة إلى توحيد السماء والصفات ‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬

‫‪133‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إذن هي ألفاظ ومعان عظيمة‪ ،‬فيها ثناء على الله تعالى‪ ،‬واعتراف باستحقاقه‬
‫للعبادة وحده سبحانه‪ ،‬واعتراف بأن النعم كلها من عنده‪ ،‬وأنه سبحانه هو‬
‫المستحق للحمد كله‪ ،‬لهذا ينبغي أن يكون لها آثار على سلوك الحاج‪ ،‬ومن‬
‫ذلك ‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ أن يحمد الله عز وجل على هدايته للتوحيد في الوقت الذي يقع فيه بعض‬
‫المنتسبين للسلم في صور من الشرك عظيمة إما لجهلهم‪ ،‬أو لعتقادهم أن‬
‫عملهم هو الدين الحق فُزين ذلك لهم حتى صار دينا ل يتحولون عنه والعياذ‬
‫بالله‪ ،‬فليحمد العبد ربه وليعلم أن هدايته محض فضل الله عز وجل عليه ‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ ومن الثار أيضا ‪ :‬أن يحمد المسلم ربه أن جعل قلبه مستيقنا ً يقينا ً ل‬
‫شك فيه بأن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده ل شريك له‪ ،‬لكمال‬
‫ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته‪ ،‬وأن ما سوى الله من المعبودات ل‬
‫يستحق ذلك‪ ،‬يستحضر العبد ذلك وهو يرى بعض صور الشرك التي يقع فيها‬
‫بعض الحجاج الجهلة !‬
‫ويستحضر المسلم ذلك وهو يتذكر المم الكثيرة ـ الغابرة والحاضرة ـ التي‬
‫وقعت في لوثة الشرك فرأته دينا صوابا ـ عياذا بالله ـ يتذكر وحمد ربه أن‬
‫عصمه من ذلك‪ ،‬وهذا يدعوه إلى سؤال الله تعالى الثبات على التوحيد حتى‬
‫الممات‪ ،‬فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ ومن الثار أيضا ً ‪ :‬أن يكون العبد على وجل وخوف إذا لبى من عدم إجابة‬
‫تلبيته وقبول حجه‪ ،‬وهذا الخوف ينبغي أن يدفعه لمزيد الحسان في العمل‪،‬‬
‫وفي الوقت نفسه ينبغي أن يحذر من القنوط‪ ،‬بل يجمع بينهما ‪.‬‬
‫فهذه إشارة عابرة إلى التلبية وما فيها من معان عظيمة‪ ،‬والتي ينبغي أن‬
‫نتذكرها حينما نلبي‪ ،‬وأل نكون كحال بعض الناس الذي يرددها وكأنه يردد‬
‫قصيدة ملحنة !! ‪.‬‬
‫ولعل تذكر هذه المعاني ـ أخي القارئ ـ لعل هذا هو السبب فيما نقل عن‬
‫بعض السلف أنه كان إذا لبى غلبه تذكره فأغمي عليه‪ ،‬كما روى ذلك المام‬
‫مالك عن علي بن الحسين ) زين العابدين ( ـ رحمهما الله تعالى ـ أنه أحرم‪،‬‬
‫فلما أراد أن يلبي قالها‪ ،‬فأغمي عليه ‪ ،‬وسقط من ناقته فهشم رحمه الله‪،‬‬
‫فقيل له في ذلك ؟ فقال ‪ :‬أخشى أن أجاب بل لبيك !‪.‬‬
‫وقد رأيت بنفسي رجل ـ صحبته في الحج ـ لما أحرم بدأ بالتلبية فغلبه البكاء‪،‬‬
‫وذلك أنه تذكر موقفا ً وقع لحد أئمة التابعين وهو محمد بن المنكدر‪ ،‬وذلك أنه‬
‫روي عنه أنه لما بدأ في التلبية سكت في منتصفها وقال ‪:‬أخشى أن ُأجاب‬
‫بغير ما أريد‪ ،‬يعني أنه خشي أن يقال له ‪ :‬ل لبيك ول سعديك‪ ،‬فغلبه البكاء‬
‫حتى سقط عن راحلته ـ رحمه الله تعالى ـ ‪.‬‬
‫الموقف الرابع ‪:‬‬
‫ً‬
‫الحاج يفعل في حجه أمورا كثيرة‪ ،‬قد ل يدرك لها حكمة سوى تحقيق‬
‫العبودية والستسلم لله عز وجل ‪ ،‬والمتابعة للنبي – صلى الله عليه وسلم ‪،-‬‬
‫وهذا كله يثمر التقوى ومن ذلك مثل ً ‪:‬‬
‫تقبيل الحجر السود‪ ،‬أمر ل يعلم له المسلم تفسيرا سوى المتابعة المحضة‬
‫للنبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬ولهذا كان عمر – رضي الله عنه ‪ -‬يقول ـ‬
‫كما في الصحيحين ـ ‪ ":‬والله إني لقبلك‪ ،‬وإني لعلم أنك حجر ل تضر ول‬
‫تنفع‪ ،‬ولول أني رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يقبلك ما قبلتك‬
‫"ولله در عمر‪ ،‬فإنه أراد أن يعلم ويربي من تبلغه هذه المقولة أن المر‬
‫محض استسلم ومتابعة ‪:‬‬
‫فما البيت ؟ والركان ؟ والحجر ؟ والصفا ؟ *** وما زمزم؟ أنت الذي‬
‫‪134‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قصدناه‬
‫وأنت منانا‪ ،‬أنت غاية سؤلنا *** وأنت الذي دنيا وأخرى أردناه‬
‫وهكذا الشأن ـ أيها الحبة ـ في جميع المناسك‪ ،‬يسأل الحاج أحيانا ‪:‬‬
‫لماذا الطواف بالبيت ؟ ولماذا لم يكن خمسة أشواط بدل سبعة ؟ وما‬
‫الحكمة من السعي ؟ ورمي الجمار ؟ والبيات بمنى ؟ والنحر‪ ،‬و‪....‬و‪....‬‬
‫أسئلة كثيرة ‪..‬ل نعلم لها جوابا أل أن المر محض استسلم وتعبد‪ ،‬وتعظيم‬
‫لشعائر الله عز وجل‪ ،‬وإقامة ذكره سبحانه وبحمده‪ ،‬وأن الهدف من ذلك هو‬
‫حصول تقوى الله سبحانه‪ ،‬ولهذا قال الله عز وجل‪ ) :‬لن ينال الله لحومها و‬
‫ل دماؤها ولكن يناله التقوى منكم‪ ،‬كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما‬
‫هداكم‪ ،‬وبشر المحسنين (والشاهد قوله ‪ ) :‬لتكبروا الله على ما هداكم ( أي‬
‫لتعظموه وتجلوه جزاء هدايته إياكم فإنه يستحق أكمل الحمد‪ ،‬وأجل الثناء‪،‬‬
‫وأعلى التعظيم)‪ ،(13‬ويقول عز وجل‪ ) :‬ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها‬
‫من تقوى القلوب (‪ ،‬ويقول سبحانه ‪ ) :‬الحج أشهر معلومات فمن فرض‬
‫فيهن الحج فل رفث ول فسوق ول جدال في الحج‪ ،‬وما تفعلوا من خير يعلمه‬
‫الله‪ ،‬وتزودا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي اللباب ( ‪.‬‬
‫ومع هذه التساؤلت التي أشرت إليها آنفا‪ ،‬فالمسلم ل يعتريه شك في أن‬
‫هذه العمال هي من صلب أعمال المناسك‪ ،‬وأنه لو لم يفعلها لم يصح حجه‬
‫أو نقص أجر حجه‪ ،‬ولكن ابحث عن أثر هذا الستسلم في حياة بعض الحجاج‬
‫خاصة والمسلمين عامة !!‬
‫وابحث عن هذا القدام على المتثال للوامر‪ ،‬فسترى عجبا ً ‪.‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫إن من الناس من يبلغه المر عن الله وعن رسوله – صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫في بعض المور‪ ،‬فيبدأ في التساؤلت‪ ،‬وإبداء الشكالت التي ل تنبئ عن‬
‫ح َ‬
‫كم‪ ،‬ولكنها تنبئ عن نوع من التردد أو التباطؤ‬
‫بحث عن الحق أو التماس لل ِ‬
‫في فعل هذا المر أو اجتناب ذاك النهي !!‬
‫فلماذا هذا النظر إلى الوامر والنواهي ؟! والله تبارك وتعالى يقول في‬
‫محكم كتابه ‪) :‬وما كان لمؤمن ول مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ً أن‬
‫يكون لهم الخيرة من أمرهم‪ ،‬ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلل مبينا (‪.‬‬
‫الموقف الخامس ‪:‬‬
‫يجد المسلم في الحج والعمرة أيضا ً أن الحرام له محظورات يمتنع المسلم‬
‫منها حال إحرامه ـ رغم أنها من أطيب الطيبات ـ كالطيب ولبس الثياب التي‬
‫تفصل على الجسم‪ ،‬وغيرها من المحظورات‪ ،‬ويلحظ المسلم أيضا ً أن الحرم‬
‫له أحكامه التي تخصه‪ ،‬فل ينفر صيده‪ ،‬ول يعضد شوكه‪ ،‬ول تحل لقطة الحرم‬
‫إل لمنشد‪ ،‬إلى غير ذلك من الحكام التي جاءت بها النصوص‪ ،‬وبسط أهل‬
‫العلم الكلم عليها‪ ،‬وأيضا ً ُ‬
‫شرع للمسلم أن يأتي البيت على أحسن هيئة‪،‬‬
‫ولباس معظم ـ وهو الحرام ـ ول يجوز للحاج أن يخرج من مكة بعد حجه إل‬
‫بعد طواف الوداع ما لم يكن معذورا شرعا‪ ،‬ويلحظ المسلم أيضا ً أن الحج‬
‫مضبوط بأوقات وأماكن محددة‪ ،‬ل يجوز أن يتجاوزها المسلم‪ ،‬فلماذا كل هذا‬
‫؟‬
‫ل شك أن هذا كله من تعظيم شعائر الله عز وجل ‪ ،‬لن تعظيمها تعظيم لمر‬
‫الله‪ ،‬وهذا يورث في النفس من الستكانة‪ ،‬والخضوع‪ ،‬والستسلم‪ ،‬والذل‬
‫لله‪ ،‬وانشراح الصدر ما ل يستطيع وصفه أعظم الناس بلغة وفصاحة‪ ،‬وهذا ـ‬

‫‪135‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والله ـ هو مقصود العبودية العظم‪ ،‬وبه تعلو درجة العبد عند ربه وتمحى عنه‬
‫آثار الذنوب والمعاصي ‪.‬‬
‫ومن ذلك أيضا ً أثر سلوكي آخر أل وهو ‪ :‬قيام عبودية المراقبة لله عز وجل‪،‬‬
‫فالحاج يطوف ويسعى ويرمي الجمار ويبيت بمنى ويقف بعرفة وينصرف‬
‫منها كل ذلك حسب العدد والزمان والمكان الذي حدده الشرع‪ ،‬ول يخطر‬
‫بباله أن يجعل الطواف ثمانية أشواط مثل‪ ،‬والسعي ـ لنه طويل ـ سيختصره‬
‫إلى خمسة‪ ،‬أو أنه يفكر في أن يزيد في عدد حصى الجمار‪ ،‬كل‪ ،‬كل ذلك‬
‫ليس في باله‪ ،‬ولم يحم طائر تفكيره حوله‪ ،‬فلماذا ؟ لنه يعلم أن الله تعالى‬
‫مطلع عليه‪ ،‬و لنه يخشى فساد أو نقص حجه ؟‬
‫وهذا أثر عظيم‪ ،‬ودرس كبير‪ ،‬يبعث المسلم إلى مراقبة ربه جل وعل في‬
‫سائر أعماله وشتى أحواله‪ ،‬فالمطلع على أحوال الحج مطلع على غيره من‬
‫العمال ‪.‬‬
‫ً‬
‫ومن الثار السلوكية أيضا ‪ :‬العتياد على اغتنام الوقات ـ رأس مال النسان ـ‬
‫والعلم بأن لكل وقت من أوقات المسلم له وظيفته التي جعلها الله لها ‪.‬‬
‫فهذا الحاج لو فاته الوقوف بعرفة‪ ،‬أو رمى في غير وقت الرمي‪ ،‬أو بات‬
‫خارج منى ـ بل عذر ـ أو غيرها من العمال‪ ،‬إما أن يفسد حجه أو ينقص‬
‫حسب رتبة العمل ‪.‬‬
‫والمقصود من ذلك أن يعود المسلم نفسه على ترتيب وقته ومحاولة اغتنامه‪،‬‬
‫وعدم تضييعه‪ ،‬فإن العمر قصير والواجبات كثيرة ‪.‬‬
‫الموقف السادس ‪:‬‬
‫في الحج‪ ،‬ل تكاد تخطئ عين الحاج مريضًا‪ ،‬أو محتاجًا‪ ،‬أو معاقًا‪ ،‬أو مفترشا ً‬
‫الرض إلى آخر تلك الصور المتكررة‪ ،‬والتي تبعث في نفسه شعورا ً بأمور‪،‬‬
‫ينبغي أن تظهر آثارها على سلوكه‪ ،‬ومن ذلك ‪:‬‬
‫أن يشكر الله تعالى بلسانه وجوارحه‪ ،‬على أن عافاه مما ابتلى به هؤلء‬
‫الناس ‪.‬‬
‫قد تبصر عيناك ـ في عرصات المشاعر المقدسة ـ مريضًا‪ ،‬فليكن ذلك دافعا ً‬
‫على اللهج بحمد الله على نعمة الصحة ‪.‬‬
‫وقد تقع عينك على محتاج ! فاحمد الله أن أغناك من فضله فلم تحتج‪،‬وتمد‬
‫يدك إلى مخلوق‪.‬‬
‫وإن التفت فرأيت معاقًا‪ ،‬فاحمد الله على إطلق جوارحك ‪.‬‬
‫وإن رمقت بمقلتك أعمى فاحمد الله على نعمة البصر‪ ،‬وهكذا في أنواع من‬
‫النعم تراها اجتمعت فيك‪ ،‬وفقدها ـ أو فقد بعضها ـ غيرك ‪.‬‬
‫ومن الثار ‪ :‬أن يتذكر المسلم برؤيته لهذه المناظر تفاوت الناس يوم القيامة‬
‫!‬
‫فهاهم في الدنيا منهم الصحيح القوي‪،‬ومنهم المريض الضعيف‪،‬ومنهم من هو‬
‫بين ذلك‪،‬وهم يوم القيامة سيتفاوتون على قدر أعمالهم‪،‬فمنهم منه في أعلى‬
‫الدرجات‪،‬ومنهم منه في أدناها ‪.‬‬
‫وثمة أثر سلوكي آخر يدفعك إليه نظرك إلى هذه المناظر‪ ،‬أل وهو ‪:‬‬
‫البذ ُ‬
‫ق‪ ،‬وسخاوة ُ النفس لهؤلء المحتاجين وأمثالهم‪ ،‬فتعطف على‬
‫ل والنفا ُ‬
‫الفقراء‪ ،‬وتحسن إلى المساكين‪ ،‬وتبذل للمنقطعين ‪.‬‬
‫ومن الحجاج من يبلغ مرتبة أعلى في النفاق‪ ،‬فيبذل ماله حتى على إخوانه‬
‫الغنياء الذين يستطيعون الحج بأنفسهم ؛رغبة في الثواب والجر‪ ،‬ومن أشهر‬
‫من عرف عنه ذلك ‪:‬‬
‫المام عبدالله بن المبارك ـ رحمه الله تعالى ـ الذي كان إذا أراد الحج من‬
‫‪136‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بلده )مروْ ( جمع أصحابه وقال ‪:‬من يريد منكم الحج ؟ فيأخذ نفقاتهم‪،‬‬
‫فيضعها عنده في صندوق ويقفل عليه‪ ،‬ثم يحملهم وينفق عليهم أوسع النفقة‪،‬‬
‫ويطعمهم أطيب الطعام‪ ،‬ثم يشتري لهم من مكة ما يريدون من الهدايا‬
‫والتحف‪ ،‬ثم يرجع إلى بلده‪ ،‬فإذا وصلوا صنع لهم طعاما‪ ،‬ثم جمعهم‬
‫عليه‪،‬ودعا بالصندوق الذي فيه نفقاتهم‪ ،‬فرد إلى كل واحد منهم نفقته )‬
‫‪.(14‬فرحمه الله رحمة واسعة ‪.‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫كر أن الحسن بن عيسى الماسرجسي ـ وهو أحد المحدثين الثقات ـ أنفق‬
‫وذ ُ ِ‬
‫في حجته التي مات فيها ‪ (300000) :‬ثلثمائة ألف درهم )‪.(15‬‬
‫ومن العجيب أن هذا المحدث كان نصرانيا فأسلم وحسن إسلمه وطلب‬
‫دت المحابر في مجلسه اثنا عشر ألف‬
‫العلم حتى صار له فيه شأن‪ ،‬ولقد عُ ّ‬
‫محبرة‪ ،‬وسبحان الله ما أعظمه من دين !!من أخذ به عّز ومن أعرض عنه‬
‫ذ ّ‬
‫ل !!‬
‫فأين التجار المسلمون الذين ولدوا وعاشوا بين المسلمين ؟! نعم في الناس‬
‫بقية ـ ولله الحمد ـ لكن من المؤكد أن حاجة الحجيج إلى أنواع من البذل‬
‫والحسان‪ ،‬دون أعداد التجار الذين يعرفون ‪.‬‬
‫سع الله عليهم ‪ :‬ل ينبغي أن يكون التنافس‬
‫ولهذا يقال لخواننا الذين و ّ‬
‫مقتصرا على أمر الدنيا‪ ،‬فما أحسن أن تجمعوا مع أمر الدنيا أمر الخرة !‬
‫وقد أشار الله – عز وجل‪ -‬إلى ذلك في كتابه‪ ،‬حيث قدم التزود بالتقوى على‬
‫تجارة الدنيا فقال ‪ ) :‬وتزودوا فإن خير الزاد التقوى‪ ،‬واتقون يا أولي اللباب‪،‬‬
‫ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضل من ربكم ( ‪.‬‬
‫الموقف السابع ‪:‬‬
‫يلمس المتتبع لحجة النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬مخالفته للمشركين في‬
‫شعائرهم التي كانوا عليها في الجاهلية‪ ،‬ومن هذه الشعائر التي خالف النبي‬
‫– صلى الله عليه وسلم ‪ -‬فيها أهل الجاهلية ‪:‬‬
‫أ‪ /‬مخالفته لهم في التلبية كما سبق أن أشرت إليه ‪.‬‬
‫ب‪ /‬مخالفته لهم في العتمار في أشهر الحج‪ ،‬في الوقت الذي كان أهل‬
‫الجاهلية يعتقدون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الرض‪،‬‬
‫كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما ‪. -‬‬
‫ج‪ /‬كانت قريش ل تقف بعرفة كما يقف سائر الناس‪،‬بحجة أنهم أهل الحرم‬
‫‍‍!! فخالفهم النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬فوقف بعرفة حتى غربت‬
‫الشمس ثم دفع‪ ،‬كما في الصحيحين من حديث عائشة‪ ،‬وجبير بن مطعم‬
‫رضي الله عنهما ‪.‬‬
‫د‪ /‬كان أهل الجاهلية يتأخرون في الدفع من مزدلفة حتى تشرق الشمس‬
‫ويقولون أشرق ثبير)‪ (16‬كيما نغير‪ ،‬وثبير جبل معروف على يسار الذاهب‬
‫إلى منى وهو أعظم جبال مكة)‪.(17‬‬
‫والمعنى ‪ :‬لتطلع عليك الشمس يا جبل حتى ننفر‪ ،‬فخالفهم النبي – صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ -‬فكان يفيض من مزدلفة قبل شروق الشمس ‪.‬‬
‫هـ‪ /‬ومما يلحق بهذا الموضوع أيضا‪ ،‬أن النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬بعد‬
‫فراغه من حجه ـ نزل في خيف بني كنانة‪ ،‬وهو موطن تعاقدت فيه قريش‬
‫وتعاهدت على مقاطعة النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬ومن معه من‬
‫المؤمنين‪ ،‬وفرضوا عليهم حصارا اقتصاديا‪ ،‬بل وفرضوا عليهم حصارا‬

‫‪137‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫اجتماعيا تمثل في امتناعهم من تزويج كل من آمن بالنبي – صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ ،-‬فأراد عليه الصلة والسلم أن يظهر منة الله تعالى عليه بظهور‬
‫التوحيد وأهله‪ ،‬وانقماع الشرك وأهله‪ ،‬فقال ـ كما في الصحيحين من حديث‬
‫أبي هريرة – رضي الله عنه ‪ -‬قال لنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫ونحن بمنى ‪ " :‬نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة‪ ،‬حيث تقاسموا على الكفر‪،‬‬
‫وذلك أن قريشا وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن ل‬
‫يناكحوهم ول يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم‬
‫صب " ‪.‬‬
‫ ‪ ،‬يعني بذلك المح ّ‬‫يقول ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ معلقا على هذا الحديث ‪ " :‬وكانت عادته‬
‫صلوات الله وسلمه عليه أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر‬
‫والشرك‪ ،‬فيظهر شعائر السلم في المكان الذي أظهروه‪ ،‬فيه شعائر الكفر)‬
‫‪."(18‬‬
‫والثار السلوكية التي نستفيدها من هذه المخالفات الصريحة من النبي –‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬لهل الشراك كثيرة من أهمها ‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ حرص السلم على تميز أتباعه في كل شيء في عباداتهم وأعيادهم‬
‫ولباسهم وكلمهم‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬وخاصة في باب العبادات‪،‬بل إنه سد كل باب‬
‫يفضي إلى التشبه بهم وحرم على المسلمين ذلك‪ ،‬كما في الحديث الذي‬
‫أخرجه أبو داود وأحمد عن ابن عمر – رضي الله عنه ‪ -‬أن النبي – صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ -‬قال ‪ ":‬من تشبه بقوم فهو منهم " ‪.‬قال شيخ السلم ابن تيمية‬
‫ـ رحمه الله تعالى ـ ‪:‬إسناده جيد ‪.‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫‪ 2‬ـ تأكيد المر العظيم‪ ،‬والصل الصيل‪ ،‬الذي هو أحد الصول التي قام عليها‬
‫هذا الدين‪ ،‬أل وهو البراءة من المشركين في شعائرهم وأعيادهم وأخلقهم‬
‫ولباسهم وغير ذلك مما تميزوا به‪ ،‬وهذه البراءة تقتضي بغضهم وعداوتهم‪،‬‬
‫وبغض ما هم عليه من كفر وشرك والحذر من التشبه بهم في أي شيء من‬
‫خصائصهم‪ ،‬وليس هذا أمرا غريبا بل هو ملة إبراهيم – صلى الله عليه وسلم‬
‫ الذي أعلنه صراحة في وجوه الكفار‪ ،‬كما قال الله – عز وجل – )قد كانت‬‫لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما‬
‫تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى‬
‫تؤمنوا بالله وحده ( فهو يعلن عليه الصلة والسلم أن العداوة والبغضاء ل‬
‫أمد لها سوى اليمان بالله وحده ‪-‬عز وجل ‪ -‬وأن يكونوا حنفاء لله غير‬
‫مشركين به‪ ،‬وقد سار على هذه الطريق ابنه الخليل الثاني نبينا محمد –‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬فبعث أبا بكر – رضي الله عنه ‪ -‬عام تسعة من‬
‫الهجرة ليعلن البراءة من المشركين‪ ،‬وأل يحج بعد هذا العام مشرك ـ كما‬
‫في الصحيحين ـ من حديث أبي هريرة ‪ -‬رضي الله عنه ‪. -‬‬
‫ومع وضوح مكانة هذا الصل‪ ،‬وكونه من المسلمات في الشرع‪ ،‬حتى قال‬
‫عنه بعض أهل العلم ‪ " :‬ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الدلة أكثر‬
‫ول أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده " )‪.(19‬‬
‫أقول ‪ :‬مع وضوح مكانته من الدين إل أننا –وللسف‪ -‬لزال بعض المسلمين‬
‫أو ممن ينتسب إلى السلم من يخرق هذا الصل العظيم ‪ :‬فمنم من يهون‬
‫من شأن عداوة الكفار عموما أو من عداوة اليهود والنصارى على وجه‬
‫الخصوص‪ ،‬حتى ظن بعضهم أنه يمكن أن نتقارب مع أهل الكتب السماوية‬

‫‪138‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المنسوخة بدين السلم‪ ،‬أو أنه يمكن أن نلتقي تحت مظلة النسانية ‪.‬ومنهم‬
‫من يظن أن المخرج لهذا التخلف الذي تعيشه أمة السلم هو السير في‬
‫ركاب الغرب والشرق وأخذ جميع ما عندهم‪ ،‬من غير تمييز بين النافع والضار‬
‫‪.‬‬
‫ومن مظاهر خرق هذا الصل ما يراه كل مسلم من التشبه بالكفار في‬
‫لباسهم أو سلوكهم‪ ،‬ومن أوضح الصور ما نراه من القصات الغريبة‪،‬ولبس‬
‫القبعات‪،‬والتي زاد سعارها مع هذا البث الفضائي المحموم‪ ،‬إلى غير ذلك من‬
‫المظاهر التي تدل على وجوب تكثيف الحديث عن هذا الصل العظيم‪ ،‬خاصة‬
‫في هذا الزمان الذي أصبح الحديث عن المسلمات من الواجبات والله‬
‫المستعان‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ وفي قصة النزول بالمحصب‪ ،‬فوائد وعبر ومنها ‪ :‬أن العبد ينبغي له أن‬
‫يتذكر دائما منة الله عليه بالهداية والتوفيق‪ ،‬وأن يسعى لظهار الدين وخاصة‬
‫في الماكن التي كانت مجمعا للشر‪ ،‬أو كان الشخص نفسه ممن عاش فيها‬
‫فترة من الزمن أيام غفلته‪،‬وكل هذا مع مراعاة تحقيق المصالح‪ ،‬ودرء‬
‫المفاسد ‪.‬‬
‫الموقف الثامن ‪:‬‬
‫النحر في دين الله له شأن عظيم‪ ،‬قرنه الله عز وجل في كتابه بالصلة‪ ،‬كما‬
‫في قوله سبحانه ‪ ) :‬قل إن صلتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين‬
‫( على أحد القولين في الية وفي قوله تعالى ‪ ) :‬فصل لربك وانحر ( ‪ ،‬وفي‬
‫صحيح مسلم عن علي – رضي الله عنه ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول الله – صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ " : -‬لعن الله من ذبح لغير الله " ‪.‬‬
‫وللنحر في الحج منزلة عظيمة‪ ،‬فالمسلم ينحر ذبيحته تقربا إلى الله – عز‬
‫وجل ‪ -‬إما هديا‪ ،‬أو جبرانا لما وقع في نسكه من الخلل أو يذبح تطوعا‪ ،‬وأهل‬
‫المصار يشاركون الحجاج في عبادة النحر بذبح الضاحي إحياء لسنة خليل‬
‫الرحمن‪ :‬إبراهيم عليه الصلة والسلم‪ ،‬الذي ابتلي بذلك البلء العظيم الذي‬
‫ل يصبر عليه كل أحد‪ ،‬أمر بذبح ابنه‪ ،‬ومتى ؟! عندما كبر في السن‪ ،‬ويئس‬
‫من الولد‪ ،‬وبعدما صار الولد قطعة من القلب !‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ما ـ والله ـ إنه لو و ّ‬
‫كل غيره بذبح ابنه لما كان المر هينا‪ ،‬فكيف به وهو يؤمر‬
‫أ َ‬
‫أن يباشر الذبح بنفسه ؟!‬
‫ويبلغ التسليم منه المبلغ العظيم حينما عرض على ابنه إسماعيل أن يشاركه‬
‫في البتلء‪ ،‬فقال له ‪) :‬يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى‬
‫؟ قال ‪ :‬يا أبت افعل ما تؤمر ( فلما حصل التسليم منهما لم يكن للذبح‬
‫وإراقة الدم حاجة‪ ،‬لن إبراهيم نجح في هذا البتلء ليعطي كل حنيف مسلم ٍ‬
‫درسا عظيما في صدق المتثال‪ ،‬وسرعة المبادرة وإن كان ذلك بخلف ما‬
‫تهواه النفس ‪.‬‬
‫إذا تبين هذا‪ ،‬فإن لهذه العبادة آثار عظيمة يجدر أل تغيب عن بال المسلم‬
‫حين يباشرها أو ينظر إليها‪ ،‬ومن ذلك ‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ أن يحمد الله عز وجل أن جعله ل يذبح إل له‪ ،‬في الوقت الذي يرى فيه‬
‫أو يعلم عن أناس ممن ينتسبون إلى المسلمين يذبحون وينذرون الدماء‬
‫لطوائف من المخلوقين ‪:‬إما أولياء ـ وقد ل يكونون كذلك أصل ـ أو جن أو‬
‫غيرهم المخلوقين الذين صرف العبادة لهم شرك أكبر مخرج من الملة ‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ وقفة تأمل مع عدد البل التي ذبحها النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬في‬
‫حجته‪ ،‬وهي مائة ناقة !! ذبح منها ثلثا ً وستين بيده الشريفة‪ ،‬وأكمل الباقي‬

‫‪139‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫علي بن أبي طالب – رضي الله عنه ‪. -‬‬
‫ونحن نعلم أنه كان يكفيه لنسكه سبع بدنه أو شاة واحدة‪ ،‬فلماذا كل هذا ؟‬
‫)‪(9 /‬‬
‫ما هو ـ والله ـ إل التعظيم لشعائر الله‪ ،‬وما هو إل الجود والسخاء الذي عرف‬
‫به – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وما هو ـ والله ـ إل النشراح والراحة التي يجدها‬
‫بأبي هو وأمي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬في التقرب إلى الله بهذه العبادة‬
‫العظيمة ‪ :‬عبادةِ النحر‪ ،‬ووالله‪،‬لو كان يرضي ربه نحر نفسه لفعل‪،‬وهذا‬
‫الشعور يجده الحجاج أيضا ك ٌ‬
‫ل بحسب ما يقوم بقلبه من اليقين‪،‬‬
‫والتعظيم‪،‬والحب‪،‬وليس هذا فحسب ‪:‬‬
‫فلو كان يرضي الله بذل نفوسهم *** لدانوا به طوعا وللمر سلموا‬
‫م‬
‫كما بذلوا عند الجهاد نحورهم *** لعدائه حتى جرى منهم الد ُ‬
‫ولكنهم دانوا بوضع رؤوسهم *** وذلك ذل للعبيد وميسم )‪(20‬‬
‫‪ 3‬ـ أن في قصة إبراهيم عليه الصلة والسلم عبرة في قوة النقياد والتسليم‬
‫لمر الله تعالى‪ ،‬وهذا أمر ملحظ في الحج أيضا‪ ،‬فترى مواقع المفتين تمتلئ‬
‫بالسائلين عن دقيق المور وجليلها‪ ،‬وهم في نفس الوقت على أتم الستعداد‬
‫فتون به ولو كلفهم ذلك بذل شيء من المال‪ ،‬بل لو كلفهم ذلك‬
‫لفعل ما ي ُ ْ‬
‫إعادة الحج مرة أخرى !‬
‫وهذا الشعور شعوٌر حسن‪ ،‬ولكن أين هؤلء عن السؤال عن أمور دينهم قبل‬
‫الحج وبعده ؟‬
‫ثم أين استعدادهم لمتثال أوامر الله عز وجل ولو كانت تخالف أهواءهم ؟‬
‫وأين أثر قصة إبراهيم في نفوسهم ؟‬
‫سبحان الله ! ما أعظم الفرق بين الصحابة وبين غيرهم ! الصحابة الذين‬
‫ضربوا أروع المثلة في النقياد والتسليم‪ ،‬وإن كان المر في أول وهلة على‬
‫غير ما تهواه نفوسهم‪،‬وإليكم مثال واحدا يجلي هذا المعنى ‪:‬‬
‫ففي الصحيحين أن ظهير بن رافع – رضي الله عنه ‪ -‬لما بلغه أن النبي –‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬نهى عن صورة معينة من صور المزارعة‪ ،‬قال لقد‬
‫نهانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬عن أمر كان لنا رافقا ـ يعني فيه‬
‫رفق بنا ـ قال – رضي الله عنه ‪ : -‬وطواعية الله ورسوله خير لنا )‪.(21‬‬
‫الموقف التاسع ‪:‬‬
‫في يوم عرفة مواقف عظيمة‪ ،‬لها أثرها على السلوك وتزكية النفس‪ ،‬ومن‬
‫ذلك ‪:‬‬
‫أ‪ /‬تذكر عظمة الله – جل وعل ‪ -‬في اختلف اللسنة واللوان والحجام‪ ،‬فكم‬
‫لغة ُيتك َّلم بها في هذا الموقف؟‬
‫وكم الدعوات التي ترتفع إلى السماء تسأل الله الرحمة والمغفرة ؟‪.‬‬
‫وكم في القلوب من النوايا والرغبات ؟‪.‬‬
‫فسبحان من ل تختلف عليه اللغات ! ول تشتبه عليه الصوات !‬
‫وإذا كان هذا محل للتأمل فما الظن بلغات أهل الرض كلهم ؟‬
‫سهم وجِنهم ؟ المكلف وغير المكلف ؟!‪.‬‬
‫وما الظن بحاجات الخلق كلهم ؟ أن ِ‬
‫ب‪/‬موقف عرفة موقف عظيم‪ ،‬يجعل نفس المؤمن تتأرجح بين منزلتي‬
‫الخوف والرجاء !‬
‫فالعبد يخاف حينما يتذكر ذنوبا بينه وبين ربه اقتحمها عن عمد وإصرار !‬
‫ويخاف المؤمن حينما يتذكر أن الله شديد العقاب‪،‬ويغار على حرماته أن‬

‫‪140‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تنتهك‪ ،‬ويخاف أن تزل قدمه بعد ثبوتها أن يختم له بخاتمة سيئة !‬
‫ويخاف المؤمن وهو يتذكر تلك الحوال التي وقعت لجماعات من السلف‬
‫الصالح الذين كانوا أئمة في العلم والعمل‪ ،‬وأنهم ـ مع صلحهم وتقواهم ـ‬
‫يخافون الرد وعدم القبول ! ومن ذلك ‪:‬‬
‫الموقف الذي وقع بين بكر بن عبدالله المزني‪ ،‬وعبدالله بن الشخير ـ وهما‬
‫من سادات التابعين ـ حيث وقفا بعرفة‪ ،‬فقال أحدهما ‪ :‬اللهم ل ترد أهل‬
‫الموقف من أجلي‪ ،‬وقال الخر ‪:‬ما أشرفه من موقف وأرجاه لول أني فيهم !‬
‫قال الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ معلقا ‪ :‬كذلك ينبغي للعبد أن يزري على‬
‫نفسه ويهضمها)‪. (22‬‬
‫ووقف الفضيل بن عياض بعرفة والناس يدعون‪ ،‬وهو يبكي بكاء الثكلى‬
‫المحترقة قد حال البكاء بينه وبين الدعاء‪ ،‬فلما كادت الشمس أن تغرب رفع‬
‫رأسه إلى السماء وقال ‪ :‬واخجلتاه منك وإن عفوت ‪.‬‬
‫ومراده ـ رحمه الله ـ أني على خجل وحياء منك بسبب ذنوبي وإن عفوت‬
‫عنها‪ ،‬وهذا ـ والله ـ مقام من الخوف رفيع )‪.(23‬‬
‫يقول ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ معلقا على هذا الموقف ‪ " :‬ينبغي‬
‫للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه وإن تاب منها وبكى عليها‪،‬وإني رأيت‬
‫أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة‪ ،‬وكأنهم قد قطعوا على ذلك‪ ،‬وهذا أمر‬
‫غائب‪ ،‬ثم لو غفرت بقي الخجل من فعلها‪ ،‬ويؤيد الخوف بعد التوبة‪ ،‬أنه في‬
‫الصحاح ‪ :‬أن الناس يأتون إلى آدم فيقولون اشفع لنا‪ ،‬فيقول ‪:‬ذنبي ‪...‬إلى أن‬
‫قال‪:‬فهؤلء إذا اعتبرت ذنوبهم لم يكن أكثرها ذنوبا حقيقة‪،‬وثم إن كانت فقد‬
‫تابوا منها واعتذروا‪،‬وهم بعد على خوف منها ‪...‬إلخ كلمه النفيس " )‪. (24‬‬
‫ووقف بعض الخائفين بعرفة إلى أن قرب غروب الشمس‪،‬فنادى‬
‫‪:‬المان‪..‬المان قد دنا النصراف‪،‬فليت شعري ما فعلت بحاجة المسكين !!‬
‫المان المان وزري ثقيل *** وذنوبي إذا عددن تطول‬
‫أوبقتني أوثقتني ذنوبي *** فُترى إلى الخلص سبيل ؟ )‪(25‬‬
‫)‪(10 /‬‬
‫وكما أن العبد يخاف في ذلك الموقف‪ ،‬فهو أيضا يرجو ربه حينما يتذكر سعة‬
‫رحمة الله عز وجل وعظيم مغفرته‪ ،‬نعم يرجو ربه الذي قال في كتابه ‪) :‬قل‬
‫يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ل تقنطوا من رحمة الله‪ ،‬إن الله يغفر‬
‫الذنوب جميعا‪ ،‬إنه هو الغفور الرحيم(‪ ،‬والذي قال أيضا‪) :‬ورحمتي وسعت كل‬
‫شيء( نعم ‪ ..‬يرجو رحمة أرحم الراحمين حينما يتذكر قول النبي – صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ -‬في الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة – رضي الله عنها ‪" -‬‬
‫ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة‪،‬وإنه ليدنو‬
‫ثم يباهي بهم الملئكة فيقول ‪ :‬ما أراد هؤلء ؟"‬
‫فأي فخر وأي شرف لك ـ يا عبدالله ـ أعظم من أن يباهي بك رب‬
‫العالمين ؟!‬
‫وبمن يباهي بك ؟! يباهي بك ملئكته الذين يسبحون الليل والنهار ل يفترون !‬
‫فيا من يحب أن يباهي به ربه ملئكته‪ ،‬اعمل على تحقيق هذه المباهاة‬
‫بالتزام أمر ربك‪ ،‬وترك نواهيه !‬
‫ارحم نفسك وارحم عباد الله تنل رحمة ربك‪ ،‬فقد قال نبيك – صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪" : -‬الراحمون يرحمهم الرحمن‪ ،‬إرحموا من في الرض يرحمكم من‬
‫في السماء "‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫و العبد يرجو مغفرة الله ورضوانه وخاصة في مثل هذا المقام العظيم‪ ،‬حينما‬
‫يتذكر بعض الحوال التي وقعت للسلف الصالح – رضي الله عنهم ‪ ، -‬ومن‬
‫ذلك ‪:‬‬
‫)‪ (1‬أن ابن المبارك جاء إلى المام سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث‬
‫على ركبتيه وعيناه تهملن‪ ،‬فقال ابن المبارك ‪:‬من أسوأ هذا الجمع حال ً ؟‬
‫قال سفيان ‪ :‬الذي يظن أنه ل يغفر لهم ‪.‬‬
‫وإني لدعو الله أسأل عفوه *** وأعلم أن الله يعفو ويغفر‬
‫س الذنوب فإنها *** وإن عظمت في رحمة الله تصغر‬
‫لئن أعظم النا ُ‬
‫)‪ (2‬وروي عن الفضيل أنه نظر إلى نشيج الناس وبكائهم عشية عرفة‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬أرأيتم لو أن هؤلء صاروا إلى رجل فسألوه دانقا ) يساوي سدس‬
‫درهم ( أكان يردهم ؟ قالوا ‪ :‬ل ‪.‬قال ‪ :‬والله للمغفرة عند الله أهون من‬
‫إجابة رجل لهم بدانق !!‪.‬‬
‫والمقصود أن يجمع العبد بين هاتين العبادتين‪:‬الخوف والرجاء وليغلب‬
‫إحداهما على الخرى حسب الشعور الذي ينتابه في تلك اللحظات المهيبة ‪.‬‬
‫)‪ (3‬ومن المعاني العظيمة التي تتجلى في موقف عرفة ‪:‬ذلك المشهد‬
‫العظيم الذي يذكر بالموقف الكبر يوم القيامة‪ ،‬يوم يجمع الله الولين‬
‫والخرين في صعيد واحد فيقفون خمسين ألف سنة‪ ،‬وهم في العرق على‬
‫قدر أعمالهم ـ كما ثبت في الصحيح ـ !‬
‫نعم !! إنه موقف مؤثر والله‪،‬ويزداد تأثيره في النفس حينما يرى النسان‬
‫انصراف الناس من موقف عرفة‪ ،‬ويتذكر بذلك انصراف الناس من الموقف‬
‫الكبر ‪ :‬فريقٌ في الجنة‪ ،‬وفريقٌ في السعير !‬
‫ويتذكر ذلك ـ أيضا ً ـ حينما ينصرف الناس من حجهم إلى بلدانهم ‪:‬‬
‫س مقبولون قد غفرت ذنوبهم‪ ،‬وآخرون يعودون إلى أوطانهم وليس لهم‬
‫أنا ٌ‬
‫من حجهم إل التعب والنصب ـ نسأل الله العافية والسلمة ـ !! فيالها من‬
‫حسرة عظيمة إن لم يقبل من العبد عمُله‪.‬‬
‫وفي "السير" للذهبي ‪ :‬أن عمر بن ذر خرج إلى مكة‪ ،‬فكان إذا لبى لم يلب‬
‫أحد أحسن من صوته‪ ،‬فلما أتى الحرم قال ـ مناجيا ربه ـ ‪ :‬ما زلنا نهبط‬
‫م )جبل(‪ ،‬حتى أتيناك بها‪ ،‬فليس‬
‫حفرة ونصعد أكمة‪ ،‬ونعلو شرفا‪ ،‬ويبدو لنا عَل َ ٌ‬
‫أعظم المؤنة علينا تعب أبداننا‪،‬ول لنفاق أموالنا‪ ،‬ولكن أعظم المؤنة أن‬
‫نرجع بالخسران !! يا خير من نزل النازلون بفنائه !‪.‬‬
‫وفي الختام أعترف بأن الموضوع يستحق أكثر مما ذكر‪ ،‬وهناك جوانب‬
‫تستحق الوقوف معها‪ ،‬لكن هذا ما تيسر عرضه في هذه الورقة ‪.‬‬
‫أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا وسمعنا‪ ،‬وأن يتقبل من الجميع صالح‬
‫أعمالهم‪ ،‬وأن ييسر للحجاج حجهم‪ ،‬وأن يتمم سعينا وسعيهم بالغفران‬
‫ولقبول‪ ،‬وأن يجعل ما علمناه حجة لنا ل علينا وصلى الله وسلم وبارك على‬
‫نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‪ ،‬والحمد لله رب العالمين ‪.‬‬
‫________________________________________‬
‫)‪ (1‬القاموس المحيط )‪ (435،436‬مادة أثر ‪.‬‬
‫َ‬
‫)‪ (2‬ينظر ‪ :‬معجم مقاييس اللغة ‪، 3/97‬ولسان العرب ‪ 10/442‬مادة سلك‬
‫َ‪،‬وتفسير ابن كثير والسعدي للية رقم )‪ (200‬من سورة الشعراء ‪.‬‬
‫)‪ (3‬القاموس المحيط )‪ (1137‬مادة خلق ‪.‬‬
‫)‪ (4‬نقله عنه ابن القيم في " المدارج " في منزلة المراقبة ‪ ،‬ينظر "تهذيبها "‬
‫للعزي ‪ ، 498 /1‬ط‪ .‬الرسالة ‪ ،‬وينظر كلم ابن القيم في ‪ 1/360‬فهو مهم‬
‫في هذا الموضوع ‪.‬‬
‫‪142‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪ (5‬فتح الباري ‪ 78-1/77‬ح)‪. (16‬‬
‫)‪ (6‬نقله ابن القيم عنه في مدارج السالكين‪ ،‬ينظر ‪":‬تهذيبها" ‪ 1/368‬في‬
‫آخر كلمه على منزلة التوبة ‪.‬‬
‫)‪ (7‬صيد الخاطر ص )‪. (292‬‬
‫)‪ (8‬صيد الخاطر ص )‪. (292‬‬
‫)‪ (9‬ينظر تهذيب مدارج السالكين ‪. 1/300‬‬
‫)‪ (10‬صيد الخاطر )‪ (80‬وفي نفس الصفحة تجد كلمة وهيب بن الورد‬
‫السابقة ‪.‬‬
‫)‪ (11‬الجواب الكافي ص‪ ،67 /‬ط‪ .‬دار البيان ‪.‬‬
‫)‪ (12‬تفسير ابن سعدي للية ‪ 34‬من سورة الحج ‪.‬‬
‫)‪ (13‬ينظر تفسير السعدي للية )‪ (37‬من سورة الحج ‪.‬‬
‫)‪ (14‬تهذيب الكمال ‪. 16/21‬‬
‫)‪ (15‬السير ‪. 12/29‬‬
‫)‪ (16‬هذا اللفظ في البخاري مع الفتح )‪ (3/621‬ح)‪ ،(1684‬والزيادة )كيما‬
‫نغير( عند ابن ماجه وغيره ‪.‬‬
‫)‪(11 /‬‬
‫)‪ (17‬فتح الباري ‪. 3/621‬‬
‫)‪ (18‬زاد المعاد ‪. 2/294‬‬
‫)‪ (19‬سبيل النجاة والفكاك للشيخ حمد ابن عتيق ‪. 31/‬‬
‫)‪ (20‬ميمية ابن القيم المطبوعة مع النونية ‪. 254/‬‬
‫)‪ (21‬وهذا بناء على فهم الصحابي أنه – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬نهى عن تلك‬
‫الصورة‪ ،‬وإل فالحقيقة أن النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬إنما نهى عن‬
‫صورة فيها غرر ـ كما يتبين من مراجعة بقية روايات هذا الحديث ـ‪.‬‬
‫والشاهد من هذا ‪ :‬أن هذا الصحابي عزم على ترك ما فهمه‪ ،‬مع اعتقاده أن‬
‫تلك الصورة من المزارعة فيها نفع لهم‪ ،‬كل ذلك من تمام التسليم والنقياد‪.‬‬
‫)‪ (22‬السير ‪ ،4/534‬اللطائف )‪. (496‬‬
‫)‪ (23‬اللطائف )‪. ( 496‬‬
‫)‪ (24‬صيد الخاطر )‪. (502‬‬
‫)‪ (25‬اللطائف )‪. (496‬‬
‫)‪(12 /‬‬
‫الحج والتربية الروحية‬
‫خالد أحمد الشنتوت‬
‫*‬
‫‪abothaer_s@hotmail.com‬‬
‫التربية الروحية ‪:‬‬
‫هي تنمية الروح التي نفخها الله في النسان ‪ ،‬قال تعالى ] فإذا سويته‬
‫ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين [ ص ‪72‬‬
‫وأخرج الشيخان يرحمهما الله تعالى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ‪:‬‬
‫حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ] إن أحدكم‬
‫يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ً نطفة ‪ ،‬ثم يكون علقة مثل ذلك ‪ ،‬ثم‬

‫‪143‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يكون مضغة مثل ذلك ‪ ،‬ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ‪....‬الحديث [‬
‫صحيح البخاري رقم ‪ ، 3036‬ومسلم ‪2643‬‬
‫والنسان جسد وروح ‪ ،‬يغلب جسده روحه إذا ضعفت هذه الروح ‪ ،‬ويقترب‬
‫النسان عندئذ من الحيوان ‪ ،‬فيصير عبدا ً وأسيرا ً لشهوات الطعام والشراب‬
‫والجنس والنوم وغيرها من الشهوات الحسية ‪ .‬وتذبل الروح وتذوي وتضمر‬
‫ويغلبها الطين الذي تجذبه الرض إليها فيهبط النسان ‪ ،‬ويسلك في حياته ما‬
‫يشبع جسده من عناصر الطين ‪ ،‬ويحبس نظره وآماله في هذه الرض ‪،‬‬
‫وهذه الحياة الدنيا ‪ ،‬كما هو عند ) الغافلين ( الذين ليبصرون إل بعيونهم‬
‫الحسية ‪ ،‬بعد أن ران على قلوبهم ماكانوا يكسبون ‪.‬‬
‫أما إذا قويت الروح فتغلب الجسد ‪ ،‬وتقوده لما فيه خير النسان في الدنيا‬
‫والخرة ‪ ،‬وتحافظ عليه من الفراط أو التفريط ‪ ،‬وعندما تسيطر الروح فإنها‬
‫لتكبت الجسد ‪ ،‬ولتظلمه ‪ ،‬بل تسوسه بما يصلحه ‪ ،‬وينقاد النسان عندئذ‬
‫لربه عزوجل الذي نفخ فيه الروح ‪ ،‬ويصير النسان عندئذ ) إنسانا ً ( يبتعد عن‬
‫صفات الحيوان ‪ ،‬ليقترب من مهمة الخلفة التي خلقه الله من أجلها ‪.‬‬
‫) والطاقة الروحية في النسان هي أكبر طاقاته ‪ ،‬وأعظمها ‪ ،‬وأشدها اتصال ً‬
‫بحقائق الوجود ‪ ،‬وطاقة الجسم محدودة بما تدركه الحواس ‪ ،‬وطاقة العقل‬
‫أكثر طلقة ؛ لكنها محدودة أيضا ً بالزمان والمكان ‪ ،‬أما طاقة الروح فلتعرف‬
‫الحدود والقيود ‪ ،‬وهي وحدها تملك التصال بالله ( محمد قطب ‪ ،‬منهج‬
‫التربية السلمية )‪(1/44‬‬
‫ويعنى السلم عناية خاصة بالروح ‪ ،‬وهي نقطة الساس للنسان ‪ ،‬لنها صلة‬
‫النسان بالله ‪ ،‬وطريقة السلم في تربية الروح هي أن يعقد صلة دائمة بينها‬
‫وين الله عزوجل ‪ ،‬في كل لحظة ‪ ،‬وكل عمل وكل فكرة وكل شعور ‪.‬‬
‫والعبادة هي الوسيلة الفعالة لتربية الروح‪ ،‬لننا في العبادة نكون على صلة‬
‫بالله عزوجل ‪ ،‬ولن العبادة تعقد الصلة بالله عزوجل ‪ ،‬والشعائر التعبدية‬
‫كالصلة والصوم والحج والزكاة ‪ ،‬من حكمها الساسية ربط العبد بربه ‪،‬‬
‫وتمتين الصلة بين العبد وربه عزوجل ‪ ،‬ومن نعم الله على النسان أن العبادة‬
‫يومية كالصلة ‪ ،‬ولها مواسم سنوية كالصيام ‪ ،‬وموسم في العمر كالحج ‪،‬‬
‫والشعائر التعبدية مواسم لتمتين الصلة بالله سبحانه وتعالى ‪ ،‬ومنها الحج ‪.‬‬
‫فالحج دورة في العمر يصقل الروح ويقوي صلتها بالله عزوجل ‪ ،‬ويشحنها‬
‫بمراقبة الله عزوجل ‪.‬‬
‫دور الحج في التربية الروحية ‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي‬
‫العمل أفضل ؟ قال ‪ " :‬إيمان بالله ورسوله " قيل ثم ماذا ؟ قال ‪ " :‬الجهاد‬
‫في سبيل الله " قيل ثم ماذا ؟ قال ‪ :‬حج مبرور " ] متفق عليه [ ‪.‬‬
‫ويقترن الجهاد بالحج بأنهما من العمال المقربة إلى الله عزوجل ‪ ،‬وهما من‬
‫أفضل العمال بعد اليمان ‪.‬‬
‫وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ‪ :‬يارسول الله ‪ ،‬نرى الجهاد أفضل‬
‫العمل ‪ ،‬أفل نجاهد ؟ فقال ‪ :‬لكن أفضل الجهاد حج مبرور ] رواه البخاري [ ‪،‬‬
‫وفي رواية ‪ :‬قلت ‪ :‬يارسول الله هل على النساء جهاد ؟ قال عليهن جهاد ل‬
‫قتال فيه ‪ :‬الحج والعمرة " ] رواه ابن خزيمة [ ‪.‬‬
‫الحج تجرد مؤقت من الدنيا ‪:‬‬
‫ يبدأ الحج بالحرام والتجرد من الثياب المخيطة ويتجنب استعمال العطور‬‫طيلة مدة الحرام ‪ ،‬ويلبس الحجاج لباسا ً موحدا ً وهو الزار والرداء من اللون‬
‫البيض وفي الحرام تجرد من الدنيا وزينتها وزخرفها ‪ ،‬والكتفاء منها بما‬
‫‪144‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يستر العورة على الجسد ‪ ،‬والقبال على الله عزوجل ‪.‬‬
‫التلبية حث على التوجه إلى الله عزوجل ‪:‬‬
‫ويلبي الحاج بعد دخوله في الميقات فيعلن ] لبيك اللهم لبيك ‪ ،‬لشريك لك‬
‫لبيك ‪ ، [...‬وكأنه يقول ‪ :‬تركت الدنيا ومافيها ‪ ،‬وعجلت إليك ربي لترضى ‪،‬‬
‫وها أنا عبدا ً لك وحدك ‪ ،‬ل أهتم بغيرك ياربي ‪ ،‬بعد أن تجرد من ثيابه وزخرف‬
‫الدنيا ‪ ،‬ويعلن توجهه إلى ربه عزوجل ‪.‬‬
‫الحج هجر مؤقت للدنيا ومتعها الحسية ‪:‬‬
‫وفي الحج يترك المسلم ما تعوده من طعام وشراب ‪ ،‬ويأكل ويشرب ما‬
‫تيسر له دون كلفة أو مشقة ‪ ،‬ويتحرر من سيطرة العادات في المأكل‬
‫والمشرب والنوم ففي المأكل اعتاد كثير من المسلمين على تعدد الصناف‬
‫وترتيبها على طاولة الطعام من مقبلت وفواكه وغيرها ‪ ،‬كما اعتادوا على‬
‫وقت محدد للغداء وآخر للعشاء ‪ ،‬كما اعتاد كثير من المسلمين على تعدد‬
‫أصناف الشراب من المرطبات والماء المثلج مما يصعب توفيره في رحلة‬
‫الحج ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وفي ترك هذه العادات محاولة لخراج النسان من أسوار الدنيا وملذاتها‬
‫الحسية ‪ ،‬ومحاولة أيضا ً لضعاف الجسد ‪ ،‬كي تسيطر الروح عليه ‪ ،‬وتقوده‬
‫نحوه خيره في الدنيا والخرة ‪.‬‬
‫كذلك اعتاد كثير من المسلمين على النوم في أوقات محددة وعلى فرش‬
‫وثيرة ووسادة بعينها فإن تغيرت تلك الوسادة أرق وطار منه النوم ‪ !....‬أين‬
‫هذا من الحجيج !؟ الذين يتوسدون الحجارة أو أحذيتهم عندما يتاح لهم أن‬
‫يخلعوا أحذيتهم من أرجلهم ‪ ،‬ويرقدون دقائق ول يتح لهم أن يناموا في‬
‫فراش واحد أكثر من ساعات قليلة حيث يرتحلون إلى مكان آخر ‪.‬‬
‫فالحج يعود على التحرر من سيطرة عادات الطعام والشراب والنوم‬
‫المتحكمة في كثير من المسلمين ‪ ،‬عندما يتغير أسلوب الطعام ونوعيته على‬
‫الحاج وكذلك الشراب والنوم ‪.‬‬
‫الروح في مناسك الحج ‪:‬‬
‫وتتصل الروح بربها عزوجل ‪ ،‬وتطول مدة التصال ‪ ،‬ففي الطواف حول‬
‫الكعبة يشغل الحاج نفسه بذكر الله عزوجل ‪ ،‬وطلب العفو والمغفرة منه ‪،‬‬
‫وطلب الجنة والنجاة من النار ‪ ،‬وتتألق الروح عندما تحس بصاحبها وهو يتوجه‬
‫إلى الله عزوجل بقلب خاشع ‪ ،‬وعين دامعة ‪ ،‬يسأله العفو والمغفرة ‪ ،‬وتفرح‬
‫الروح لما ترى صاحبها مهتما ً بربه ومتعلقا ً به ‪.‬‬
‫وكذلك عندما يصلي ركعتي الطواف ويتجه بالدعاء إلى ربه عزوجل ‪ ،‬أمام‬
‫مقام إبراهيم عليه السلم ‪ ،‬والدعاء مخ العبادة ‪ ،‬وفي الدعاء تتحقق عبودية‬
‫النسان لله عزوجل ‪ ،‬وبنفس الوقت تتحقق حرية النسان الحقيقية ‪ ،‬فعبد‬
‫الله ليس عبدا ً لحد غيره وهذا عين الحرية ولحرية بعد ذلك ‪.‬‬
‫وعند السعي بين الصفا والمروة ‪ ،‬يلهج لسان العبد بالذكر والدعاء ‪ ،‬ويتذكر‬
‫هاجر أم اسماعيل عليه السلم ‪ ،‬كيف كان تعلقها بالله عزوجل ‪ ،‬وقد صرحت‬
‫بذلك وقالت لبراهيم عليه السلم وهي تستفهم منه لماذا يتركهما في هذا‬
‫القفر ‪ :‬آلله أمرك بذلك ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قالت ‪ :‬إذن ليضيعنا ‪.‬‬
‫وفي يوم عرفة عندما تجمع العصر مع الظهر ليتفرغ الحاج للدعاء ومناجاة‬
‫ربه عزوجل ‪ ،‬وإلحاحه في الدعاء كي يغفر الله له ذنوبه ‪ ،‬ومن يغفر الذنوب‬

‫‪145‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إل الله !؟ وكلما رأت الروح صاحبها متعلقا ً بربه عزوجل نمت وكبرت وقويت‬
‫‪ ،‬وهذا ما يغذي الروح أثناء الحج ‪.‬‬
‫وفي ازدحام الحجيج عند النفرة من عرفة وفي مزدلفة وعند رمي الجمرات‬
‫يتذكر الحاج يوم الحشر وأهواله ‪ ،‬ويزداد تعلقا ً بربه عزوجل ‪ ،‬ليعينه في ذلك‬
‫اليوم ‪ ،‬ويهون عليه أهواله ومشقاته ‪ .‬ويتذكر قدر نفسه ‪ ،‬فهو عبد لله ‪ ،‬مثل‬
‫هؤلء العبيد الكثيرين حوله ‪ ،‬ويحرر من مكانته المؤقتة في الدنيا ‪.‬‬
‫ويوم النحر يحلق الحاج شعره ‪ ،‬ليؤكد التجرد من الدنيا وزينتها ‪ ،‬وهذا سر‬
‫تفضيل الحلق على التقصير ‪ ،‬ففي الحلق سمو على الدنيا ومظاهرها‬
‫الفانية ‪ ،‬واستعداد وتجرد للقبال على الله عزوجل ‪ ،‬الله الذي ينظر إلى‬
‫قلوبنا ولينظر إلى شعورنا وملبسنا ‪.‬‬
‫وكل مناسك الحج تؤكد هذا المعنى ‪ :‬تجرد من الدنيا وإقبال على الله‬
‫عزوجل ‪ ،‬وهذا ماينفع الروح ‪ ،‬وينميها ‪ ،‬ويساعدها على قيادة الجسد‬
‫والسيطرة عليه ‪.‬‬
‫أسأل الله عزوجل أن يجعل قلوبنا متعلقة به ليل نهار ‪ ،‬وان ليجعلنا من‬
‫الغافلين ‪ ،‬وأن ليجعل الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا ‪ ،‬إنه سميع بصير ‪ ،‬والحمد‬
‫لله رب العالمين ‪.‬‬
‫* باحث في التربية السلم‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الحج والوحدة المنشودة مالك إبراهيم بابكر*‬
‫قال تعالى‪) :‬وأذن في الناس بالحج يأتوك رجال ً وعلى كل ضامر يأتين من‬
‫كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من‬
‫بهيمة النعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير * ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا‬
‫نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق(‪.‬‬
‫تعيش المة السلمية نفحات أيام تلك الفريضة الربانية )الحج( التي فرضها‬
‫الله لعباده في أشهر معلومات‪ ،‬وزمن معلوم‪ ،‬ومكان محدود هو )عرفات(‬
‫والمناسك الخرى‪ ..‬تلك المناسك المباركة والبقعة الطاهرة التي تهوي إليها‬
‫النفوس‪ ،‬وتتهافت إليها القلوب‪ ،‬وتسير إليها الركبان فرادى وجماعات يأتون‬
‫من كل فج عميق؛ استجابة لنداء الملك العلم )وأذن في الناس بالحج يأتوك‬
‫رجال ً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق(؛‪ ،‬ليتنعموا بلحظات التجلي‬
‫العظيم لله على عباده‪ ،‬ويعيشوا أياما ً مباركات؛ قياما ً وسجودًا‪ ،‬تهليل ً وتكبيرًا‪،‬‬
‫ة‪) :‬لبيك اللهم لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك لبيك‪ ،‬إن الحمد والنعمة لك‬
‫ذكرا ً وتلبي ً‬
‫والملك‪ ،‬ل شريك لك(؛ رافعين بذلك شعار العبودية الخالصة لله تعالى‪،‬‬
‫مجسدين معاني الوحدة والخوة اليمانية بينهم‪ ،‬التي لم تكن تكاد توجد في‬
‫أي تجمع من تجمعات الكتل البشرية في هذه الرض‪ ..‬ل رفث يسمع منهم‪،‬‬
‫ول فسوق عندهم‪ ،‬ول جدال يقع بينهم؛ الكل هناك سواسي كأسنان المشط؛‬
‫ل رئيس ول مرؤوس‪ ،‬ول مالك ول مملوكم‪ ،‬ل غني ول فقير؛ كلهم عباد الله‬
‫إخوانًا‪ ،‬تجمعهم لغة التوحيد‪ ،‬يعملون عمل رجل واحد‪ ،‬في وقت واحد‪ ،‬وكأنك‬
‫عندما تتحسس مشاعرهم وتقرأ في وجوههم معاني اليمان الحقيقي تقسم‬
‫أنهم في دنيا أخرى غير دنيانا الفانية‪.‬‬
‫أجل؛ إنه الحج ونفحاته اليمانية التي تنقل النسان من النسانية التي ل معنى‬
‫لها إلى معنى الربانية الحقة بكل جوارحه وقلبه وكيانه‪ ،‬والذي يدهشك أكثر ‪-‬‬
‫عندما تراهم وتنقلك أفعالهم إلى عالم عباد الله الذين أسلموا وجوههم لله‬

‫‪146‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حقا ً ‪ -‬هو ذلك الخضوع التام‪ ،‬والستسلم الكامل في فعل كافة شعائر الحج‬
‫ومناسككه‪ ،‬الكل منهم ‪ -‬والله حسيبهم ‪ -‬يؤديها بيقين وإيمان‪ ،‬ويسعى لها‬
‫طائعا ً مطمئنًا؛ ليس إل لنها منسك من مناسك الحج الذي أمر به الله‪،‬‬
‫وهداهم إليه نبي المة عليه الصلة والسلم قائ ً‬
‫ل‪) :‬خذوا عني مناسككم(‪..‬‬
‫وهنا يشدني ويحضرني ذلك الستسلم التام من فاروق هذه المة )عمر بن‬
‫الخطاب( رضي الله عنه؛ حيث قال عن الحجر السود‪) :‬والله إني لعلم أنك‬
‫حجر ل تضر ول تنفع‪ ،‬ولول أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك‬
‫ما قبلتك(‪.‬‬
‫إن فريضة الحج‪ ،‬وتلك الدروس والعبر المستوحاة منها تنبئك بحكمة عظيمة‬
‫ والله أعلم ‪ -‬تظهر لعباد الله من فرض هذه الفريضة في زمن معلوم‪،‬‬‫ووقت محدود‪ ،‬ومكان واحد؛ ليكون أكبر تجمع يمثل الوحدة السلمية؛ على‬
‫مختلف شعوبها‪ ،‬واختلف لغاتهم‪ ،‬وليكون المؤتمر السنوي للمة السلمية؛‬
‫تلتقي فيه الفئدة والقلوب‪ ،‬وتذوب فيه كافة أشكال النعرات العنصرية بين‬
‫آحاد المة السلمية‪ ،‬ويتساوى فيه الناس جميعًا؛ فيذكرهم بيوم الحشر‬
‫والنشر بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ فيجدّدون فيه العهد مع الله؛ تراهم‬
‫هناك كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر‬
‫والحمى‪.‬‬
‫فالوحدة بين أفراد المة نرى معناها في الحج جلي ّا ً كوضوح الشمس؛ وحدة‬
‫في المشاعر‪ ،‬ووحدة في الشعائر‪ ،‬ووحدة في الهدف‪ ،‬ووحدة في القول‬
‫والعمل؛ ل إقليمية‪ ،‬ول عنصرية‪ ،‬ول عصبية للون‪ ،‬أو جنس‪ ،‬أو طبقة بعينها؛‬
‫كما هو مرفوض في السلم‪) :‬إن ربكم واحد‪ ،‬وإن أباكم واحد؛ فل فضل‬
‫لعربي على أعجمي‪ ،‬ول لحمر على أسود إل بالتقوى(‪.‬‬
‫تلك هي المعاني والقيم‪ ،‬والدروس والحكم المستقاة من تلك الفريضة؛‬
‫فالحج هو التجمع العالمي الوحيد؛ الذي يجسد معنى الوحدة والمساواة بين‬
‫الناس؛ تجمع ل مثيل له‪ ..‬ويمثلها واقعا ً يعيشونه بينهم؛ ل نظير له في كافة‬
‫التجمعات البشرية والمؤتمرات العالمية بمختلف أشكالها وأنواعها وأهدافها‪.‬‬
‫كيف ل يكون ذلك وهو التجمع الوحيد الذي هدفه الول عبادة الله حقًا‪ ،‬وأداء‬
‫المناسك والشعائر التي تعبر عن تقوى المؤمن لله تعالى‪ ،‬وشهود المنفعة‬
‫الدنيوية للمة‪.‬‬
‫وفيه يوم عرفة‪ ..‬ذلك اليوم المشهود؛ الذي تلتقي فيه نفحات السماء‬
‫بالرض‪ ،‬وتتساوى فيه الرؤوس‪ ،‬وتنبذ فيه كل أنواع الشرك والكبرياء؛ فل‬
‫تقديس ول تعظيم ول تبجيل إل لله الواحد الحد سبحانه وتعالى‪ ..‬إنه اليوم‬
‫الذي أكمل الله فيه لهذه المة أمرها؛ ورضي لها السلم دينًا؛ فل تبديل‪ ،‬ول‬
‫تحريف لكلمات الله؛ قال تعالى‪) :‬اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم‬
‫نعمتي ورضيت لكم السلم دينًا(‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إنه يوم أبان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه المة مناسكها‪ ،‬وحرم‬
‫فيه الدماء والموال إل بالحق‪ ،‬وبين فيه مضامين صون الحقوق والعراض‪،‬‬
‫وأعلن فيه المساواة بين البشرية )كلكم لدم وآدم من تراب(‪ ،‬وأقر فيه‬
‫حقوق النسان وكرامته قبل أن يعرفها الغرب المفتري وأعوانه الذين‬
‫يجهلون التاريخ عنوة وتكبرًا‪ ،‬ويكيدون العداء للسلم حسدا ً وتحسرًا‪.‬‬
‫ولكن تأتي فريضة الحج واليات المنزلة فيه لتقطع عليهم الطريق؛ فل ينالون‬

‫‪147‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من هذا الدين السلمي طالما أن المة تتمسك بمنهجه القويم؛ وتقيم‬
‫شعائره بإخلص وإيمان؛ فيعلنها الرسول صلى الله عليه وسلم مدوية بحق‬
‫عبر الوحي القرآني )اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فل تخشوهم‬
‫واخشون(‪ ..‬يقول أحد النصارى عن مدى جدوى التنصير في البلد السلمية‪:‬‬
‫)سيظل السلم صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التنصير النصرانية ما دام‬
‫للسلم هذه الدعائم‪ :‬القرءان‪ ،‬واجتماع الجمعة السبوعي‪ ،‬ومؤتمر الحج‬
‫السنوي(‪.‬‬
‫نعم‪ ..‬إنها شهادة العداء بعد أن يئسوا من ذلك الدين‪ ،‬وسيظل السلم هكذا؛‬
‫صخرة عاتية؛ تتحطم عليها كل سفن الكفر واللحاد‪ ،‬وما تحمله من مؤامرات‬
‫ودسائس لهذا الدين الحنيف؛ رغم أنف العداء؛ بفضل منهجه القويم‪،‬‬
‫وشرائعه الربانية التي أكملها الله لعباده يوم الحج الكبر؛ يوم عرفة؛ الذي‬
‫يجب على المة السلمية أن تتذكر فيه تلك النعم‪ ،‬والعناية الربانية لها؛ بأن‬
‫أنعم الله عليها بالسلم‪ ،‬وارتضاه لها ربنا‪ ،‬وحفظه من التبديل والتحريف؛‬
‫فيعملوا جاهدين على توحيد المة السلمية‪ ،‬وجعله واقعا ً معاشا ً بينهم في‬
‫كافة نواحي الحياة‪.‬‬
‫فوحدة المة منهج رباني‪ ،‬وهدي نبوي؛ جاء به السلم‪ ،‬وأرساه قيمًا‪ ،‬وسلوكا‪ً،‬‬
‫وعم ً‬
‫ل‪ ،‬وعبادة في كافة نواحي الحياة؛ فما من عبادة‪ ،‬أو خلق إسلمي‪ ،‬أو‬
‫أمر دنيوي إل وتجد فيه الدعوة إلى الوحدة‪ ،‬والتوحيد‪ ،‬وتجسيد روح الترابط‪،‬‬
‫والمساواة بين المة‪.‬‬
‫فهل ّ استقرأنا تلك المعاني والحكم من هذه الفريضة )الحج(‪ ،‬واستوعبنا تلك‬
‫المواعظ والعبر‪ ،‬واستجبنا لنداء الملك العلم القائل‪) :‬وإن هذه أمتكم أمة‬
‫واحدة وأنا ربكم فاعبدون(‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الحج والوحدة المنشودة‬
‫مالك إبراهيم بابكر*‬
‫ً‬
‫قال تعالى‪) :‬وأذن في الناس بالحج يأتوك رجال وعلى كل ضامر يأتين من‬
‫كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من‬
‫بهيمة النعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير * ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا‬
‫نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق(‪.‬‬
‫تعيش المة السلمية نفحات أيام تلك الفريضة الربانية )الحج( التي فرضها‬
‫الله لعباده في أشهر معلومات‪ ،‬وزمن معلوم‪ ،‬ومكان محدود هو )عرفات(‬
‫والمناسك الخرى‪ ..‬تلك المناسك المباركة والبقعة الطاهرة التي تهوي إليها‬
‫النفوس‪ ،‬وتتهافت إليها القلوب‪ ،‬وتسير إليها الركبان فرادى وجماعات يأتون‬
‫من كل فج عميق؛ استجابة لنداء الملك العلم )وأذن في الناس بالحج يأتوك‬
‫رجال ً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق(؛‪ ،‬ليتنعموا بلحظات التجلي‬
‫العظيم لله على عباده‪ ،‬ويعيشوا أياما ً مباركات؛ قياما ً وسجودًا‪ ،‬تهليل ً وتكبيرا‪ً،‬‬
‫ة‪) :‬لبيك اللهم لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك لبيك‪ ،‬إن الحمد والنعمة لك‬
‫ذكرا ً وتلبي ً‬
‫والملك‪ ،‬ل شريك لك(؛ رافعين بذلك شعار العبودية الخالصة لله تعالى‪،‬‬
‫مجسدين معاني الوحدة والخوة اليمانية بينهم‪ ،‬التي لم تكن تكاد توجد في‬
‫أي تجمع من تجمعات الكتل البشرية في هذه الرض‪ ..‬ل رفث يسمع منهم‪،‬‬
‫ول فسوق عندهم‪ ،‬ول جدال يقع بينهم؛ الكل هناك سواسي كأسنان المشط؛‬
‫ل رئيس ول مرؤوس‪ ،‬ول مالك ول مملوكم‪ ،‬ل غني ول فقير؛ كلهم عباد الله‬

‫‪148‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إخوانًا‪ ،‬تجمعهم لغة التوحيد‪ ،‬يعملون عمل رجل واحد‪ ،‬في وقت واحد‪ ،‬وكأنك‬
‫عندما تتحسس مشاعرهم وتقرأ في وجوههم معاني اليمان الحقيقي تقسم‬
‫أنهم في دنيا أخرى غير دنيانا الفانية‪.‬‬
‫أجل؛ إنه الحج ونفحاته اليمانية التي تنقل النسان من النسانية التي ل معنى‬
‫لها إلى معنى الربانية الحقة بكل جوارحه وقلبه وكيانه‪ ،‬والذي يدهشك أكثر ‪-‬‬
‫عندما تراهم وتنقلك أفعالهم إلى عالم عباد الله الذين أسلموا وجوههم لله‬
‫حقا ً ‪ -‬هو ذلك الخضوع التام‪ ،‬والستسلم الكامل في فعل كافة شعائر الحج‬
‫ومناسككه‪ ،‬الكل منهم ‪ -‬والله حسيبهم ‪ -‬يؤديها بيقين وإيمان‪ ،‬ويسعى لها‬
‫طائعا ً مطمئنًا؛ ليس إل لنها منسك من مناسك الحج الذي أمر به الله‪،‬‬
‫وهداهم إليه نبي المة عليه الصلة والسلم قائ ً‬
‫ل‪) :‬خذوا عني مناسككم(‪..‬‬
‫وهنا يشدني ويحضرني ذلك الستسلم التام من فاروق هذه المة )عمر بن‬
‫الخطاب( رضي الله عنه؛ حيث قال عن الحجر السود‪) :‬والله إني لعلم أنك‬
‫حجر ل تضر ول تنفع‪ ،‬ولول أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك‬
‫ما قبلتك(‪.‬‬
‫إن فريضة الحج‪ ،‬وتلك الدروس والعبر المستوحاة منها تنبئك بحكمة عظيمة‬
‫ والله أعلم ‪ -‬تظهر لعباد الله من فرض هذه الفريضة في زمن معلوم‪،‬‬‫ووقت محدود‪ ،‬ومكان واحد؛ ليكون أكبر تجمع يمثل الوحدة السلمية؛ على‬
‫مختلف شعوبها‪ ،‬واختلف لغاتهم‪ ،‬وليكون المؤتمر السنوي للمة السلمية؛‬
‫تلتقي فيه الفئدة والقلوب‪ ،‬وتذوب فيه كافة أشكال النعرات العنصرية بين‬
‫آحاد المة السلمية‪ ،‬ويتساوى فيه الناس جميعًا؛ فيذكرهم بيوم الحشر‬
‫والنشر بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ فيجدّدون فيه العهد مع الله؛ تراهم‬
‫هناك كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر‬
‫والحمى‪.‬‬
‫ً‬
‫فالوحدة بين أفراد المة نرى معناها في الحج جلي ّا كوضوح الشمس؛ وحدة‬
‫في المشاعر‪ ،‬ووحدة في الشعائر‪ ،‬ووحدة في الهدف‪ ،‬ووحدة في القول‬
‫والعمل؛ ل إقليمية‪ ،‬ول عنصرية‪ ،‬ول عصبية للون‪ ،‬أو جنس‪ ،‬أو طبقة بعينها؛‬
‫كما هو مرفوض في السلم‪) :‬إن ربكم واحد‪ ،‬وإن أباكم واحد؛ فل فضل‬
‫لعربي على أعجمي‪ ،‬ول لحمر على أسود إل بالتقوى(‪.‬‬
‫تلك هي المعاني والقيم‪ ،‬والدروس والحكم المستقاة من تلك الفريضة؛‬
‫فالحج هو التجمع العالمي الوحيد؛ الذي يجسد معنى الوحدة والمساواة بين‬
‫الناس؛ تجمع ل مثيل له‪ ..‬ويمثلها واقعا ً يعيشونه بينهم؛ ل نظير له في كافة‬
‫التجمعات البشرية والمؤتمرات العالمية بمختلف أشكالها وأنواعها وأهدافها‪.‬‬
‫كيف ل يكون ذلك وهو التجمع الوحيد الذي هدفه الول عبادة الله حقًا‪ ،‬وأداء‬
‫المناسك والشعائر التي تعبر عن تقوى المؤمن لله تعالى‪ ،‬وشهود المنفعة‬
‫الدنيوية للمة‪.‬‬
‫وفيه يوم عرفة‪ ..‬ذلك اليوم المشهود؛ الذي تلتقي فيه نفحات السماء‬
‫بالرض‪ ،‬وتتساوى فيه الرؤوس‪ ،‬وتنبذ فيه كل أنواع الشرك والكبرياء؛ فل‬
‫تقديس ول تعظيم ول تبجيل إل لله الواحد الحد سبحانه وتعالى‪ ..‬إنه اليوم‬
‫الذي أكمل الله فيه لهذه المة أمرها؛ ورضي لها السلم دينًا؛ فل تبديل‪ ،‬ول‬
‫تحريف لكلمات الله؛ قال تعالى‪) :‬اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم‬
‫نعمتي ورضيت لكم السلم دينًا(‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪149‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إنه يوم أبان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه المة مناسكها‪ ،‬وحرم‬
‫فيه الدماء والموال إل بالحق‪ ،‬وبين فيه مضامين صون الحقوق والعراض‪،‬‬
‫وأعلن فيه المساواة بين البشرية )كلكم لدم وآدم من تراب(‪ ،‬وأقر فيه‬
‫حقوق النسان وكرامته قبل أن يعرفها الغرب المفتري وأعوانه الذين‬
‫يجهلون التاريخ عنوة وتكبرًا‪ ،‬ويكيدون العداء للسلم حسدا ً وتحسرًا‪.‬‬
‫ولكن تأتي فريضة الحج واليات المنزلة فيه لتقطع عليهم الطريق؛ فل ينالون‬
‫من هذا الدين السلمي طالما أن المة تتمسك بمنهجه القويم؛ وتقيم‬
‫شعائره بإخلص وإيمان؛ فيعلنها الرسول صلى الله عليه وسلم مدوية بحق‬
‫عبر الوحي القرآني )اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فل تخشوهم‬
‫واخشون(‪ ..‬يقول أحد النصارى عن مدى جدوى التنصير في البلد السلمية‪:‬‬
‫)سيظل السلم صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التنصير النصرانية ما دام‬
‫للسلم هذه الدعائم‪ :‬القرءان‪ ،‬واجتماع الجمعة السبوعي‪ ،‬ومؤتمر الحج‬
‫السنوي(‪.‬‬
‫نعم‪ ..‬إنها شهادة العداء بعد أن يئسوا من ذلك الدين‪ ،‬وسيظل السلم هكذا؛‬
‫صخرة عاتية؛ تتحطم عليها كل سفن الكفر واللحاد‪ ،‬وما تحمله من مؤامرات‬
‫ودسائس لهذا الدين الحنيف؛ رغم أنف العداء؛ بفضل منهجه القويم‪،‬‬
‫وشرائعه الربانية التي أكملها الله لعباده يوم الحج الكبر؛ يوم عرفة؛ الذي‬
‫يجب على المة السلمية أن تتذكر فيه تلك النعم‪ ،‬والعناية الربانية لها؛ بأن‬
‫أنعم الله عليها بالسلم‪ ،‬وارتضاه لها ربنا‪ ،‬وحفظه من التبديل والتحريف؛‬
‫فيعملوا جاهدين على توحيد المة السلمية‪ ،‬وجعله واقعا ً معاشا ً بينهم في‬
‫كافة نواحي الحياة‪.‬‬
‫فوحدة المة منهج رباني‪ ،‬وهدي نبوي؛ جاء به السلم‪ ،‬وأرساه قيمًا‪ ،‬وسلوكا‪ً،‬‬
‫وعم ً‬
‫ل‪ ،‬وعبادة في كافة نواحي الحياة؛ فما من عبادة‪ ،‬أو خلق إسلمي‪ ،‬أو‬
‫أمر دنيوي إل وتجد فيه الدعوة إلى الوحدة‪ ،‬والتوحيد‪ ،‬وتجسيد روح الترابط‪،‬‬
‫والمساواة بين المة‪.‬‬
‫فهل ّ استقرأنا تلك المعاني والحكم من هذه الفريضة )الحج(‪ ،‬واستوعبنا تلك‬
‫المواعظ والعبر‪ ،‬واستجبنا لنداء الملك العلم القائل‪) :‬وإن هذه أمتكم أمة‬
‫واحدة وأنا ربكم فاعبدون(‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الحج ووحدة الصف والهدف ‪...‬‬
‫يأتي شهر ذي الحجة فيفد المسلمون من أنحاء الرض إلى الراضي‬
‫المقدسة ليؤدوا فريضة الحج وليشهدوا منافع لهم‪ ،‬ومن المعاني التي يبعثها‬
‫الحج في نفوسهم وحدة الصف والهدف والتعاون والتكامل والتكافل‪ ،‬وكلها‬
‫من الضرورات الحيوية لمن المة وسلمتها في حاضرها ومستقبلها‪.‬‬
‫وإذا كان علماء النفس والجتماع يتفقون على أن من أهم أسباب "تماسك‬
‫الجماعة" هو "أن تكون التجاهات الفكرية لفرادها موحدة‪ ،‬وتتركز في‬
‫مبادئ وعقائد عامة يعتنقونها جميًعا" فإن السلم يتجاوز هذه الفكار إلى‬
‫مبادئ تتميز "بالعمق والصالة والحكام"‪:‬‬
‫عقيدة التوحيد‬
‫إن التوحيد هو مبدأ السلم وجوهره الذي يتغلغل في كيان المؤمن‪ ،‬ويعمر به‬
‫قلبه ونفسه ووجدانه‪ ،‬وهو ـ في الوقت نفسه ـ "الساس الصيل" لوحدة‬
‫َ‬
‫الجماعة السلمية‪ ،‬وتماسكها حيث يقول الله تعالى‪" :‬قُ ْ‬
‫ما‬
‫ما ُيو َ‬
‫ي أن ّ َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫حى إ ِل َ ّ‬
‫‪150‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ل أ َنتم مسل ِمون" )النبياء‪ :‬آية ‪" ،(108‬وم َ‬
‫ن ِديًنا‬
‫ه َوا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫حد ٌ فَهَ ْ ْ ُ ْ ّ ْ ُ َ‬
‫ح َ‬
‫م إ ِل َ ٌ‬
‫إ ِل َهُك ُ ْ‬
‫س ُ‬
‫َ َ ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫حِني ً‬
‫فا َوات ّ َ‬
‫مل ّ َ‬
‫ه إ ِب َْرا ِ‬
‫ة إ ِب َْرا ِ‬
‫ن َوات ّب َعَ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫م وَ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫هي َ‬
‫خذ َ الل ُ‬
‫هي َ‬
‫ه للهِ وَهُوَ ُ‬
‫جهَ ُ‬
‫سل َ َ‬
‫م ّ‬
‫س ٌ‬
‫م ْ‬
‫ً‬
‫خِليل" )النساء‪ :‬آية ‪.(125‬‬
‫َ‬
‫وقد فسر الله سبحانه وتعالى معنى التوحيد وإسلم الوجه لله حينما جعل‬
‫ذروته في شخص رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬إذا يقول‪" :‬قُ ْ‬
‫ن‬
‫ل إِ ّ‬
‫ُ‬
‫ه وَب ِذ َل ِ َ‬
‫ري َ‬
‫ن * لَ َ‬
‫ت‬
‫كأ ِ‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ماِتي للهِ َر ّ‬
‫م ْ‬
‫صل َِتي وَن ُ ُ‬
‫مْر ُ‬
‫ك لَ ُ‬
‫م َ‬
‫حَيايَ وَ َ‬
‫كي وَ َ‬
‫َ‬
‫مي َ‬
‫ش ِ‬
‫وأ َنا أ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن" )النعام‪.(163-162 :‬‬
‫مي‬
‫ل‬
‫س‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ل‬
‫و‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫والحج توحيد خالص‪ ،‬فهو تلبية من أول لحظاته‪ ،‬تلبية هي استجابة لله وحده‪،‬‬
‫استجابة كاملة للمر ونفي الشريك‪" :‬لبيك اللهم لبيك‪ ،‬لبيك ل شريك لك‬
‫لبيك‪ ،‬إن الحمد والنعمة لك والملك ل شريك لك"‪.‬‬
‫وقد حرص السلم على بث روح المساواة بين الناس وجعل المقياس الذي‬
‫يتفاضلون به أمًرا آخر وراء اختلف اللوان واللسنة والمواطن أل وهو‬
‫"التقوى" كما يقول الله تعالى‪" :‬إ َ‬
‫م‬
‫عن ْد َ اللهِ أ َت ْ َ‬
‫م ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ِ ّ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫ن الل َ‬
‫قاك ُ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ن أك َْر َ‬
‫خِبيٌر" )الحجرات‪ :‬آية ‪ ،(13‬وكما يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‬
‫َ‬
‫"ليس لعربي على عجمي ول لبيض على أسود فضل إل بالتقوى" وهذه‬
‫المساواة ليست شعاًرا فارغ المضمون‪ ،‬ولكنها "مساواة عملية" فقد آخى‬
‫السلم بين عمر بن الخطاب وبلل الحبشي‪ ،‬وصنع من الموالي أمراء وقادة‬
‫أمثال زيد بن حارثة‪ ،‬وصهيب الرومي‪ ،‬وسلمان الفارسي‪ ،‬ولقد فطن‬
‫المفكرون الغربيون إلى عقيدة التوحيد السامية فقال الفيلسوف برتراند‬
‫راسل في كتابه "الثقافة والنظام الجتماعي"‪" :‬إن السلم دين موجه‬
‫للجماعة‪ ،‬يتوغل في حياة الفرد والمجموع توغل كامل"‪ ،‬وقال أرنولد توينبي‪:‬‬
‫"إن عقيدة التوحيد التي جاء بها السلم هي أروع المثلة على فكرة توحيد‬
‫العالم وإن في بقاء السلم أمل العالم كله"‪.‬‬
‫التضامن والتعاون‬
‫َ‬
‫س‬
‫وقد بين الله تبارك وتعالى أننا خلقنا للمودة والتعارف فقال‪َ" :‬يا أي َّها الّنا ُ‬
‫ل ل ِتعارُفوا إ َ‬
‫ُ‬
‫قَنا ُ‬
‫م ُ‬
‫خل َ ْ‬
‫إ ِّنا َ‬
‫م ِ‬
‫عن ْد َ‬
‫ِ ّ‬
‫من ذ َك َرٍ وَأن َْثى وَ َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ن أك َْر َ‬
‫جعَل َْناك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫شُعوًبا وَقََبائ ِ َ َ َ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫خِبيٌر" )الحجرات‪ :‬آية ‪.(13‬‬
‫اللهِ أت ْ َ‬
‫م َ‬
‫م إِ ّ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫ن الل َ‬
‫قاك ْ‬
‫وبذلك جعل الفرد إذا وقف بين يدي الله ناجاه وناداه "باسم الجميع"‪." :‬إ ِّياكَ‬
‫ن َعْب ُد ُ وإ ِّيا َ‬
‫ن" الفاتحة‪ :‬آية ‪ ،5‬وإذا طلب منه الهداية طلبها للجميع‬
‫ك نَ ْ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫صَرا َ‬
‫م" )الفاتحة‪ :‬آية ‪.(6‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ال ْ ُ‬
‫"اهْدَِنا ال ّ‬
‫ومن أجل هذا الموقف الجماعي في صورة الفرد العابد يحذرنا الخالق جلت‬
‫كوُنوا َ‬
‫قدرته من التفرق فيقول‪" :‬وَل َ ت َ ُ‬
‫ما‬
‫خت َل َ ُ‬
‫ن تَ َ‬
‫فّرُقوا َوا ْ‬
‫فوا ِ‬
‫كال ّ ِ‬
‫من ب َعْد ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫ت وَُأول َئ ِ َ‬
‫م عَ َ‬
‫م" )آل عمران‪ :‬آية ‪.(105‬‬
‫ب عَ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫َ‬
‫ظي ٌ‬
‫ك ل َهُ ْ‬
‫م ال ْب َي َّنا ُ‬
‫جاَءهُ ُ‬
‫وعلى ذلك فإن ائتلف القلوب والمشاعر واتحاد الغايات والوسائل من أوضح‬
‫توجيهات السلم‪ ،‬وإن كانت كلمة التوحيد باب السلم‪ ،‬فإن توحيد الكلمة‬
‫والتعاون من أجلها سر البقاء والنجاح‪ ،‬تلبية لمر الله‪" :‬ت ََعاوَُنوا عََلى اْلبّر‬
‫ن" )سورة المائدة‪ :‬آية ‪ ،(2‬ومنهج هذا‬
‫َوالت ّ ْ‬
‫وى وَل َ ت ََعاوَُنوا عََلى ال ِث ْم ِ َوال ْعُد َْوا ِ‬
‫ق َ‬
‫التعاون هو التصال بحبل الله عن طريق العتصام‪ ،‬به حيث قال جل شأنه‬
‫فّرُقوا" )آل عمران‪ :‬آية ‪ ،(103‬ثم تتمثل‬
‫ميًعا وَل َ ت َ َ‬
‫ج ِ‬
‫"َواعْت َ ِ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫موا ب ِ َ‬
‫ص ُ‬
‫حب ْ ِ‬
‫ه‬
‫الوحدة والتضامن والتعاون في أرفع صورها في قول الله تعالى‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫َ‬
‫ص" )الصف‪ :‬آية ‪،(4‬‬
‫ص ّ‬
‫ن يُ َ‬
‫يُ ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫م ب ُن َْيا ٌ‬
‫قات ُِلو َ‬
‫ح ّ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ن ّ‬
‫فا ك َأن ّهُ ْ‬
‫صو ٌ‬
‫مْر ُ‬
‫سِبيل ِهِ َ‬
‫ذي َ‬
‫وأصل لفظ مرصوص التماسك بعضه ببعض بالرصاص‪ ،‬والمراد متقن كأنه‬
‫قطعة واحدة‪ ،‬وقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ "المؤمن للمؤمن‬

‫‪151‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كالبنيان يشد بعضه بعضا"‪ .‬متفق عليه عن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ‪.‬‬
‫وحدة الصف والهدف قوة ردع‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ولقد شاءت إرادة الله عز وجل أن تكون المة السلمية أمة قوية مرهوبة‬
‫َ‬
‫مرها بإعداد القوة والمرابطة على النحو الذي "يوقع الرهبة" في‬
‫الجانب‪ ،‬فأ َ‬
‫ما‬
‫قلوب العداء ويخيفهم من عاقبة عدوانهم فقال جل شأنه‪" :‬وَأ َ ِ‬
‫ع ّ‬
‫م ّ‬
‫دوا ل َهُ ْ‬
‫من‬
‫م َوآ َ‬
‫ط ال ْ َ‬
‫ن ِ‬
‫من ّرَبا ِ‬
‫من قُوّةٍ وَ ِ‬
‫ل ت ُْرهُِبو َ‬
‫ا ْ‬
‫ن ب ِهِ عَد ُوّ اللهِ وَعَد ُوّك ُ ْ‬
‫ست َط َعُْتم ّ‬
‫ري َ‬
‫خي ْ ِ‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م" )النفال‪ :‬آية ‪.(60‬‬
‫مهُ ْ‬
‫ه ي َعْل ُ‬
‫م الل ُ‬
‫مون َهُ ُ‬
‫م ل َ ت َعْل ُ‬
‫ُدون ِهِ ْ‬
‫قا بغير تحديد" لكي يرشد إلى أن القوة التي يريدها‬
‫وقد جاء لفظ قوة "مطل ً‬
‫السلم هي "القوة الشاملة" التي تضم كل مصادر القوة كالقوة السياسية‬
‫والقتصادية والجتماعية والمعنوية إلى جانب القوة العسكرية‪.‬‬
‫هذه المصادر المتعددة للقوة ل يكون لها أثرها وفعاليتها "إل إذا جمعتها‬
‫الوحدة" في الهداف والخطط لتحقيق غاية واحدة‪ ،‬وذلك أول دعائم القوة‪،‬‬
‫ثم يمتد مفهوم القوة تحت ظل الوحدة ليشمل جوانب عديدة من كيان المة‬
‫السلمية‪ :‬فوحدة المة السلمية كلها قوة‪ ،‬والوحدة والتعاون بين دول‬
‫السلم قوة‪ ،‬والوحدة والتلحم‪ ،‬بين أبناء الشعب الواحد في كل دولة قوة‪،‬‬
‫والجيوش في ميدان القتال تستمد إرادتها القتالية وروحها المعنوية من وحدة‬
‫دا وراءها‪.‬‬
‫شعوبها ووقوفها ص ً‬
‫فا واح ً‬
‫والحق أن وحدة الصف والهدف هي في تقدير السلم "قوة ردع" تؤدي‬
‫دورها في ردع العداء مع غيرها من مصادر القوة الخرى‪ ،‬ذلك أن العدو إذا‬
‫وجد أنه إذا اعتدي على المسلمين فسوف يواجه قوة عسكرية وراءها أمة‬
‫متحدة متضامنة‪ ،‬وقادرة على مسندتها بكل الوسائل المادية والمعنوية‪،‬‬
‫وعلى تحمل أعباء المعركة مهما طال أمد الصراع‪ ،‬ومهما كانت التضحيات‪،‬‬
‫فإنه سوف يتخلى عن فكرة العدوان أصل‪ ،‬أو عن الستمرار في القتال‪.‬‬
‫شهادة التاريخ‬
‫وقد أكد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على فضل الوحدة في الصف‬
‫والهدف ومكانتها الكبرى في تقدير السلم حين جعل الوحدة بين أبناء‬
‫سا" لبناء ذلك المجتمع وبناء الدولة‬
‫مجتمع المدينة عقب الهجرة "أسا ً‬
‫السلمية‪ ،‬فوحد صف النصار من أوس وخزرج في ظل السلم‪ ،‬وربط‬
‫المهاجرين بالنصار برباط الخاء‪ ،‬وربط بين المسلمين وبين المشركين‬
‫واليهود من أهل المدينة بمعاهدة نظمت لهم حياتهم الجتماعية والقتصادية‬
‫دا واحدة" على أعدائهم‪.‬‬
‫والعسكرية‪ ،‬وجعلتهم جميًعا ـ على اختلف دينهم ـ "ي ً‬
‫وقد سجل التاريخ أن المدينة كانت "قاعدة وطيدة للسلم" وجبهة صلبة‬
‫استطاعت مواجهة أقوى التحديات من عدوان مباشر ومؤامرات وغدر‪،‬‬
‫وقهرت المدينة كل ذلك‪ ،‬وحاربت أكثر من عدو في أكثر من جبهة‪ ،‬فواجهت‬
‫المشركين واليهود والروم‪ ،‬وحارب المسلمون أغلب معاركهم عدوا أكثر‬
‫منهم عدًدا وعدة‪ ،‬وحاربوا أحياًنا وهم جرحى ومرضى‪.‬‬
‫وفي غزوة بدر "أول معركة حاسمة" بين المسلمين والمشركين كانت وحدة‬
‫الصف والهدف من أهم ما عوض النقص في موازين القوى‪ :‬بينهم وبين‬
‫المشركين‪ ،‬انظر إلى قول المقداد بن عمرو عن المهاجرين‪" :‬يا رسول الله‪،‬‬
‫ض لما أمرك الله فنحن معك‪ "..‬وقول سعد بن معاذ عن النصار‪" :‬امش‬
‫ام ِ‬
‫لما أردت فنحن معك"‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وفي هذه الغزوة خرج المسلمون "وبعدوا عن المدينة" أكثر من ‪ 150‬كيلو‬
‫متًرا دون أن يخشوا أن تأتيهم "ضربة من خلف"؛ إذ كانوا مطمئنين إلى أن‬
‫وراءهم جبهة صلبة وقاعدة وطيدة وأمينة‪.‬‬
‫فإذا ما نظرنا إلى الجانب الخر وجدنا أن المشركين دخلوا تلك المعركة‬
‫يحملون عوامل هزيمتهم‪ ،‬فقد غابت عنهم وحدة الصف والهدف من قبل‬
‫المعركة‪ ،‬وحل محلها التردد وتضارب الراء وطغيان النانية الفردية على‬
‫المصلحة العامة‪ ،‬فمنهم من رجع إلى مكة ومنهم من أراد القتال لهداف‬
‫جاهلية عبر عنها قول أبي جهل‪" :‬والله ل نرجع حتى نرد بدًرا فنقيم عليه ثلثة‬
‫ننحر الجذور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف لنا القيان وتسمع بنا‬
‫دا بعدها"‪.‬‬
‫العرب بمسيرنا وجمعنا فل يزالون يهابوننا أب ً‬
‫وتحت أعلم الوحدة سجل المسلمون أعظم انتصاراتهم على مدى التاريخ‬
‫ضد الصليبيين وضد المغول الذين كانت هزيمتهم على يد قوم عرفوا قدر‬
‫الوحدة وفضلها‪.‬‬
‫_____________________‬
‫* المصدر‪ :‬إسلم أون لين‪.‬نت‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الحجاب ‪ ...‬إيمان ‪ ..‬طهارة ‪ ..‬تقوى ‪ ..‬حياء ‪ ..‬عفة‬
‫الحمد لله وحده ‪ ،‬والصلة والسلم على من ل نبي بعده ‪ ،‬وبعد‪-:‬‬
‫فقد لقيت المرأة المسلمة من التشريع السلمي عناية فائقة كفيلة بأن‬
‫تصون عفتها ‪ ،‬وتجعلها عزيزة الجانب ‪ ،‬سامية المكان ‪ ،‬وإن الشروط التي‬
‫فرضت عليه في ملبسها وزينتها لم تكن إل لسد ذريعة الفساد الذي ينتج عن‬
‫التبرج بالزينة ‪ ،‬وهذا ليس تقييدا ً لحريتها بل هو وقاية لها أن تسقط في درك‬
‫المهانة ‪ ،‬ووحل البتذال ‪ ،‬أو تكون مسرحا ً لعين الناظرين ‪.‬‬
‫فضائل الحجاب‬
‫الحجاب طاعة لله عز وجل وطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ما كا َ‬
‫أوجب الله طاعته وطاعة رسول صلى الله عليه وسلم فقال ‪ }:‬وَ َ‬
‫َ‬
‫ل ِمؤْمن وَل مؤْمنة إَذا قَضى الل ّه ورسول ُ َ‬
‫مًرا َأن ي َ ُ‬
‫م‬
‫م ال ْ ِ‬
‫خي ََرةُ ِ‬
‫كو َ‬
‫َ‬
‫مرِهِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫هأ ْ‬
‫ُ ََ ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫ُ ِ ٍ َ ُ ِ َ ٍ ِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫مِبيًنا { ]الحزاب ‪[36 :‬‬
‫هف َ‬
‫ضل َ‬
‫قد ْ َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫ضلل ّ‬
‫سول ُ‬
‫ص الل ّ َ‬
‫وَ َ‬
‫من ي َعْ ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ض ْ‬
‫ت ي َغْ ُ‬
‫وقد أمر الله سبحانه النساء بالحجاب فقال تعالى ‪ }:‬وَقل لل ُ‬
‫ض َ‬
‫م َ‬
‫من َْها { ]النور ‪:‬‬
‫ح َ‬
‫ما ظ َهََر ِ‬
‫ن وََل ي ُب ْ ِ‬
‫ن فُُرو َ‬
‫ن وَي َ ْ‬
‫ن إ ِّل َ‬
‫ن أب ْ َ‬
‫ن ِزين َت َهُ ّ‬
‫دي َ‬
‫جهُ ّ‬
‫فظ ْ َ‬
‫صارِهِ ّ‬
‫ِ ْ‬
‫‪[31‬‬
‫جاهِل ِي ّةِ ا ْ ُ‬
‫لوَلى {‬
‫ج ال ْ َ‬
‫ن ت َب َّر َ‬
‫ن وََل ت َب َّر ْ‬
‫وقال سبحانه ‪ } :‬وَقَْر َ‬
‫ج َ‬
‫ن ِفي ب ُُيوت ِك ُ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من وََراء‬
‫مَتا ً‬
‫ن ِ‬
‫عا َفا ْ‬
‫]الحزاب ‪ [33:‬وقال تعالى ‪ }:‬وَإ َِذا َ‬
‫ن َ‬
‫سأل ْت ُ ُ‬
‫سأُلوهُ ّ‬
‫موهُ ّ‬
‫ن { ] الحزاب ‪ [53 :‬وقال تعالى ‪َ } :‬يا‬
‫م أ َط ْهَُر ل ِ ُ‬
‫ِ‬
‫ح َ‬
‫قُلوب ِك ُ ْ‬
‫ب ذ َل ِك ُ ْ‬
‫جا ٍ‬
‫م وَقُُلوب ِهِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ك وَب ََنات ِ َ‬
‫ج َ‬
‫ن{‬
‫ن ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫من َ‬
‫ك وَن ِ َ‬
‫ساء ال ُ‬
‫ي ُقل لْزَوا ِ‬
‫جلِبيب ِهِ ّ‬
‫ن عَلي ْهِ ّ‬
‫ن ي ُد ِْني َ‬
‫مِني َ‬
‫أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫]الحزاب ‪.[59 :‬‬
‫وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬المرأة عورة" يعني يجب سترها ‪.‬‬
‫الحجاب عفة‬
‫َ‬
‫فقد جعل الله تعالى التزام الحجاب عنوان العفة ‪ ،‬فقال تعالى ‪َ } :‬يا أي َّها‬
‫َ‬
‫ن ذ َل ِكَ‬
‫ك وَب ََنات ِ َ‬
‫ج َ‬
‫ن ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫من َ‬
‫ك وَن ِ َ‬
‫ساء ال ْ ُ‬
‫ي ُقل ّلْزَوا ِ‬
‫جَلِبيب ِهِ ّ‬
‫ن عَل َي ْهِ ّ‬
‫ن ي ُد ِْني َ‬
‫مِني َ‬
‫الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن { ]الحزاب ‪[59 :‬‬
‫ن فل ي ُؤْذ َي ْ َ‬
‫أد َْنى أن ي ُعَْرف َ‬
‫ن { فل يتعرض لهن الفساق‬
‫لتسترهن بأنهن عفائف مصونات } فََل ي ُؤْذ َي ْ َ‬
‫‪153‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن { إشارة إلى أن معرفة محاسن‬
‫بالذى‪ ،‬وفي قوله سبحانه } فََل ي ُؤْذ َي ْ َ‬
‫المرأة إيذاء لها ولذويها بالفتنة والشر ‪.‬‬
‫الحجاب طهارة‬
‫قال سبحانه وتعالى ‪ }:‬وإَذا سأ َل ْتموهن متاعا َفاسأ َ‬
‫ُ‬
‫ب ذ َل ِك ُْ‬
‫م‬
‫جا‬
‫ح‬
‫راء‬
‫و‬
‫من‬
‫ن‬
‫ه‬
‫لو‬
‫َ ُ ُ ُ ّ َ َ ً‬
‫ُ ّ ِ‬
‫ْ‬
‫ِ َ ٍ‬
‫ََ‬
‫َِ‬
‫ن { ]الحزاب ‪.[53 :‬‬
‫أ َط ْهَُر ل ِ ُ‬
‫قُلوب ِك ُ ْ‬
‫م وَقُُلوب ِهِ ّ‬
‫فوصف الحجاب بأنه طهارة لقلوب المؤمنين والمؤمنات لن العين إذا لم تر‬
‫لم يشته القلب ‪ ،‬ومن هنا كان القلب عند عدم الرؤية أطهر ‪ ،‬وعدم الفتنة‬
‫ل‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫حينئذ أظهر لن الحجاب يقطع أطماع مرضى القلوب ‪ }:‬فََل ت َ ْ‬
‫خ َ‬
‫قو ْ ِ‬
‫ضعْ َ‬
‫ض { ]الحزاب ‪.[32 :‬‬
‫معَ ال ّ ِ‬
‫ذي ِفي قَل ْب ِهِ َ‬
‫فَي َط ْ َ‬
‫مَر ٌ‬
‫الحجاب ستر‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪":‬إن الله حيي ستير ‪ ،‬يحب الحياء‬
‫والستر " وقال صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها‬
‫خرق الله عز وجل عنها ستره "‪ ،‬والجزاء من جنس العمل ‪.‬‬
‫الحجاب تقوى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م وَِري ً‬
‫شا‬
‫قال تعالى ‪َ } :‬يا ب َِني آد َ َ‬
‫واِري َ‬
‫م ل َِبا ً‬
‫سوَْءات ِك ْ‬
‫م قد ْ أنَزلَنا عَلي ْك ْ‬
‫سا ي ُ َ‬
‫قوَىَ ذ َل ِ َ‬
‫خي ٌْر { ] العراف ‪[26 :‬‬
‫س الت ّ ْ‬
‫ك َ‬
‫وَل َِبا ُ‬
‫الحجاب إيمان‬
‫والله سبحانه وتعالى لم يخاطب بالحجاب إل المؤمنات فقد قال سبحانه‬
‫ن{‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ت { وقال الله عز وجل } وَن ِ َ‬
‫ساء ال ْ ُ‬
‫وتعالى ‪ }:‬وَُقل ل ّل ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫ولما دخل نسوة من بني تميم على أم المؤمنين – عائشة رضي الله عنها –‬
‫عليهن ثياب رقاق قالت ‪":‬إن كنتن مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات ‪ ،‬وإن‬
‫كنتين غير مؤمنات فتمتعن به "‪.‬‬
‫الحجاب حياء‬
‫ً‬
‫قال صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬إن لكل دين خلقا ‪ ،‬وإن خلق السلم الحياء"‬
‫وقال صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬الحياء من اليمان ‪ ،‬واليمان في الجنة " وقال‬
‫عليه الصلة السلم ‪ " :‬الحياء واليمان قرنا جميعا ً ‪ ،‬فإن رفع أحدهما رفع‬
‫الخر "‪.‬‬
‫الحجاب غيرة‬
‫ً‬
‫جبل عليها الرجل السوي الذي يأنف أن‬
‫يتناسب الحجاب أيضا مع الغيرة التي ُ‬
‫تمتد النظرات الخائنة إلى زوجته وبناته ‪ ،‬وكم من حرب نشبت في الجاهلية‬
‫والسلم غيرة على النساء وحمية لحرمتهن ‪ ،‬قال علي رضي الله عنه ‪":‬‬
‫بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج –أي الرجال الكفار من العجم – في‬
‫السواق أل تغارون ؟ إنه ل خير فيمن ل يغار "‪.‬‬
‫قبائح التبرج‬
‫التبرج معصية لله ورسول صلى الله عليه وسلم‬
‫ً‬
‫ومن يعص الله ورسوله فإنه ل يضر إل نفسه ‪ ،‬ولن يضر الله شيئا ‪ ،‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬كل أمتي يدخلون الجنة إل من أبى "‪،‬‬
‫قالوا ‪ :‬يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال ‪ ":‬من أطاعني دخل الجنة ‪ ،‬ومن‬
‫عصاني فقد أبى "‪.‬‬
‫التبرج يجلب اللعن والطرد من رحمة الله‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪154‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬سيكون في آخر أمتي نساء‬
‫كاسيات عاريات ‪ ،‬على رؤوسهن كأسنمة البخت ‪ ،‬العنوهن فإنهن ملعونات "‪.‬‬
‫التبرج من صفات أهل النار‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬صنفان من أهل النار لم أرهما ‪:‬‬
‫قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ‪ ،‬ونساء كاسيات‬
‫عاريات ‪ " ..‬الحديث ‪.‬‬
‫التبرج سواد وظلمة يوم القيامة‬
‫ُروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‪ ":‬مثل الرافلة في الزينة في‬
‫غير أهلها ‪ ،‬كمثل ظلمة يوم القيامة ل نور لها "‪ ،‬يريد أن المتمايلة في‬
‫مشيتها وهي تجر ثيابها تأتي يوم القيامة سوداء مظلمة كأنها متسجدة في‬
‫ظلمة والحديث – وإن كان ضعيفا ً – لكن معناه صحيح وذلك لن اللذة في‬
‫المعصية عذاب ‪ ،‬والطيب نتن ‪ ،‬والنور ظلمة ‪ ،‬بعكس الطاعات فإن خلوف‬
‫فم الصائم ودم الشهيد أطيب عند الله من ريح المسك ‪.‬‬
‫التبرج نفاق‬
‫قال النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬خير نسائكم الودود الولود ‪ ،‬المواسية‬
‫المواتية ‪ ،‬إذا اتقين الله ‪ ،‬وشر نسائكم المتبرجات المتخيلت وهن المنافقات‬
‫ل يدخلن الجنة إل مثل الغراب العصم "‪ ،‬الغراب العصم ‪ :‬هو أحمر المنقار‬
‫والرجلين ‪ ،‬وهو كناية عن قلة من يدخل الجنة من النساء لن هذا الوصف‬
‫في الغربان قليل ‪.‬‬
‫التبرج تهتك وفضيحة‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬أيما امرأة وضعت ثيابها في غير‬
‫بيت زوجها ‪ ،‬فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله عز وجل "‪.‬‬
‫التبرج فاحشة‬
‫فإن المرأة عورة وكشف العورة فاحشة ومقت قال تعالى ‪ }:‬وَإ َِذا فَعَُلوا ْ‬
‫ْ‬
‫ة َقاُلوا ْ وجدنا عَل َيها آباءنا والل ّ َ‬
‫مَرَنا ب َِها قُ ْ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫شاء{‬
‫مُر ِبال ْ َ‬
‫ش ً‬
‫َفا ِ‬
‫َ َ َْ‬
‫ف ْ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ه ل َ ي َأ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫هأ َ‬
‫َْ َ َ َ ُ‬
‫]العراف‪[28:‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫والشيطان هو الذي يأمر بهذه الفاحشة } ال ّ‬
‫مُركم‬
‫ف ْ‬
‫م ال َ‬
‫شي ْطا ُ‬
‫قَر وَي َأ ُ‬
‫ن ي َعِد ُك ُ‬
‫ح َ‬
‫شاء{]البقرة‪[268:‬‬
‫ِبال ْ َ‬
‫ف ْ‬
‫التبرج سنة إبليسية‬
‫إن قصة آدم مع إبليس تكشف لنا مدى حرص عدو الله إبليس كشف‬
‫السوءات ‪ ،‬وهتك الستار ‪ ،‬وأن التبرج هدف أساسي له ‪ ،‬قال تعالى ‪َ }:‬يا‬
‫شي ْ َ‬
‫ج أ َب َوَي ْ ُ‬
‫م ال ّ‬
‫ما‬
‫م ل َ يَ ْ‬
‫ما أ َ ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خَر َ‬
‫طا ُ‬
‫ب َِني آد َ َ‬
‫ما ل َِبا َ‬
‫سهُ َ‬
‫جن ّةِ َينزِع ُ عَن ْهُ َ‬
‫كم ّ‬
‫ن كَ َ‬
‫فت ِن َن ّك ُ ُ‬
‫م َ‬
‫ما{ ]العراف‪[27:‬‬
‫ما َ‬
‫سوَْءات ِهِ َ‬
‫ل ِي ُرِي َهُ َ‬
‫فإذن إبليس هو صاحب دعوة التبرج والتكشف ‪ ،‬وهو زعيم زعماء ما يسمي‬
‫بتحرير المرأة ‪.‬‬
‫التبرج طريقة يهودية‬
‫لليهود باع كبير في مجال تحطيم المم عن طريق فتنة المرأة وهم أصحاب‬
‫خبرة قديمة في هذا المجال ‪ ،‬حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم ‪":‬‬
‫فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ‪ ،‬فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء "‪.‬‬
‫التبرج جاهلية منتنة‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫جاهِل ِي ّةِ الولى {‬
‫ج ال َ‬
‫ن ت َب َّر َ‬
‫ن وَل ت َب َّر ْ‬
‫قال تعالى ‪ } :‬وَقَْر َ‬
‫ج َ‬
‫ن ِفي ب ُُيوت ِك ّ‬
‫]الحزاب ‪[33:‬‬
‫وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم دعوى الجاهلية بأنها منتنة أي خبيثة‬
‫فدعوى الجاهلية شقيقة تبرج الجاهلية‪ ،‬وقد قال النبي صلى الله عليه‬
‫‪155‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وسلم ‪":‬كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي "‪ ،‬سواء في ذلك‬
‫تبرج الجاهلية ‪ ،‬ودعوى الجاهلية ‪ ،‬وحمية الجاهلية ‪.‬‬
‫التبرج تخلف وانحطاط‬
‫إن التكشف والتعري فطرة حيوانية بهيمية ‪ ،‬ل يميل إليه النسان إل وهو‬
‫ينحدر ويرتكس إلى مرتبة أدنى من مرتبة النسان الذي كرمه الله ‪ ،‬ومن هنا‬
‫كان التبرج علمة على فساد الفطرة وانعدام الغيرة وتبلد الحساس و موت‬
‫الشعور ‪:‬‬
‫لحد الركبتين تشمرينا *** بربك أي نهر تعبرين‬
‫كأن الثوب ظ ٌ‬
‫ل في صباح *** يزيد تقلصا ً حينا ً فحينا‬
‫ك ربما ل تشعرينا‬
‫تظنين الرجال بل شعور *** لن ِ‬
‫التبرج باب شر مستطير‬
‫وذلك لن من يتأمل نصوص الشرع وعَبر التاريخ يتيقن مفاسد التبرج‬
‫وأضراره على الدين والدنيا ‪ ،‬ل سيما إذا انضم إليه الختلط المستهتر ‪.‬‬
‫فمن هذه العواقب الوخيمة ‪:‬‬
‫* تسابق المتبرجات في مجال الزينة المحرمة ‪ ،‬لجل لفت النظار إليهن ‪..‬‬
‫مما يتلف الخلق والموال ويجعل المرأة كالسلعة المهينة ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬فساد أخلق الرجال خاصة الشباب ودفعهم إلى الفواحش المحرمة ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬المتاجرة بالمرأة كوسيلة للدعاية أو الترفيه في مجالت التجارة‬
‫وغيرها ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬الساءة إلى المرأة نفسها باعتبار التبرج قرينة تشير إلى سوء نيتها‬
‫وخبيث طويتها مما يعرضها لذية الشرار والسفهاء ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬انتشار المراض لقوله صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬لم تظهر الفاحشة‬
‫في قوم قط حتى يعلنوا بها إل فشا فيهم الطاعون والوجاع التي لم تكن في‬
‫أسلفهم الذين مضوا "‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬تسهيل معصية الزنا بالعين ‪ :‬قال عليه الصلة والسلم ‪ " :‬العينان‬
‫زناهما النظر " وتعسير طاعة غض البصر التي هي قطعا ً أخطر من القنابل‬
‫ك قَري ً َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مت َْرِفيَها‬
‫الذرية والهزات الرضية ‪.‬قال تعالى ‪ }:‬وَإ َِذا أَرد َْنا أن ن ّهْل ِ َ ْ َ‬
‫مْرَنا ُ‬
‫ةأ َ‬
‫قو ْ ُ‬
‫ميًرا{]السراء‪ ،[16:‬وجاء في‬
‫حقّ عَل َي َْها ال ْ َ‬
‫س ُ‬
‫فَ َ‬
‫مْرَنا َ‬
‫ها ت َد ْ ِ‬
‫قوا ْ ِفيَها فَ َ‬
‫ف َ‬
‫ل فَد َ ّ‬
‫الحديث ‪" :‬أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعذاب‬
‫"‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫فيا أختي المسلمة ‪:‬‬
‫هل تدبرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬ن َِح الذى عن طريق‬
‫المسلمين " فإذا كانت إماطة الذى عن الطريق من شعب اليمان فأيهما‬
‫أشد شوكة ‪ ...‬حجر في الطريق ‪ ،‬أم فتنة تفسد القلوب وتعصف بالعقول ‪،‬‬
‫وتشيع الفاحشة في الذين آمنوا ؟‬
‫إنه ما من شاب مسلم ُيبتلى منك اليوم بفتنة تصرفه عن ذكر الله وتصده‬
‫عن صراطه المستقيم – كان بوسعك أن تجعليه في مأمن منها – إل أعقبك‬
‫منها غدا ً نكال من الله عظيم ‪.‬‬
‫بادري إلى طاعة الله ‪ ،‬ودعي عنك انتقاد الناس ‪ ،‬ولومهم فحساب الله غدا ً‬
‫أشد وأعظم ‪.‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫الشروط الواجب توفرها مجتمعه حتى يكون الحجاب شرعيا ‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الول‪ :‬ستر جميع بدن المرأة على الراجح ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن ل يكون الحجاب في نفسه زينة ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن يكون صفيقا ً ثخينا ً ل يشف ‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أن يكون فضفاضا ً واسعا ً غير ضيق ‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أن ل يكون مبخرا ً مطيبا ً ‪.‬‬
‫السادس ‪ :‬أن ل يشبه ملبس الكافرات ‪.‬‬
‫السابع ‪ :‬أن ل يشبه ملبس الرجال ‪.‬‬
‫الثامن ‪ :‬أن ل يقصد به الشهرة بين الناس ‪.‬‬
‫احذ ري التبرج المقنع‬
‫ً‬
‫إذا تدبرت الشروط السابقة تبين لك أن كثيرا من الفتيات المسميات‬
‫بالمحجبات اليوم لسن من الحجاب في شيء وهن اللئي يسمين المعاصي‬
‫بغير اسمها فيسمين التبرج حجابا ً ‪ ،‬والمعصية طاعة ‪.‬‬
‫لقد جهد أعداء الصحوة السلمية لو أدها في مهدها بالبطش والتنكيل ‪،‬‬
‫فأحبط الله كيدهم ‪ ،‬وثبت المؤمنين و المؤمنات على طاعة ربهم عز وجل ‪.‬‬
‫فرأوا أن يتعاملوا معها بطريقة خبيثة ترمي إلى النحراف عن مسيرتها‬
‫الربانية فراحوا يروجون صورا ً مبتدعة من الحجاب على أن أنها "حل وسط "‬
‫ترضي المحجبة به ربها –زعموا‪ -‬وفي ذات الوقت تساير مجتمعها وتحافظ‬
‫على " أناقتها "!‬
‫سمعنا وأطعنا‬
‫إن المسلم الصادق يتلقى أمر ربه عز وجل ويبادر إلى ترجمته إلى واقع‬
‫عملي ‪ ،‬حبا ً وكرامة للسلم واعتزازا بشريعة الرحمن ‪ ،‬وسمعا ً وطاعة لسنة‬
‫خير النام صلى الله عليه وسلم غير مبال بما عليه تلك الكتل الضالة التائهة ‪،‬‬
‫الذاهلة عن حقيقة واقعها والغافلة عن المصير الذي ينتظرها ‪.‬‬
‫وقد نفى الله عز وجل اليمان عمن تولى عن طاعته وطاعة رسوله صلى‬
‫َ‬
‫م ي َت َوَّلى‬
‫الله عليه وسلم فقال‪ } :‬وَي َ ُ‬
‫قوُلو َ‬
‫مّنا ِبالل ّهِ وَِبالّر ُ‬
‫ل وَأط َعَْنا ث ُ ّ‬
‫نآ َ‬
‫سو ِ‬
‫ُ‬
‫هّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من ب َعْد ِ ذ َل ِ َ‬
‫ن )‪ (47‬وَإ َِذا د ُ ُ‬
‫عوا إ ِلى الل ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ما أوْلئ ِك ِبال ُ‬
‫ك وَ َ‬
‫من ُْهم ّ‬
‫ريقٌ ّ‬
‫مِني َ‬
‫فَ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن { ]النور‪ [47،48:‬إلى قوله‬
‫ضو َ‬
‫معْرِ ُ‬
‫سول ِهِ ل ِي َ ْ‬
‫وََر ُ‬
‫من ُْهم ّ‬
‫ريقٌ ّ‬
‫م ب َي ْن َهُ ْ‬
‫حك َ‬
‫م إ َِذا ف ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قولوا‬
‫م أن ي َ ُ‬
‫ن إ َِذا د ُ ُ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫سول ِهِ ل ِي َ ْ‬
‫ما كا َ‬
‫عوا إ ِلى اللهِ وََر ُ‬
‫م ب َي ْن َهُ ْ‬
‫حك َ‬
‫ن قوْل ال ُ‬
‫} إ ِن ّ َ‬
‫مِني َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ش‬
‫م ْ‬
‫ه وَي َ ْ‬
‫س ِ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ه وََر ُ‬
‫َ‬
‫سول ُ‬
‫من ي ُط ِِع الل َ‬
‫ن }‪ {51‬وَ َ‬
‫م ال ُ‬
‫معَْنا وَأطعَْنا وَأوْلئ ِك هُ ُ‬
‫خ َ‬
‫قه فَأ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن{ ]النور ‪[ 51،52 :‬‬
‫زو‬
‫ئ‬
‫فا‬
‫َ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ه‬
‫ك‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫و‬
‫ْ‬
‫ت‬
‫ي‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ْ ِ‬
‫ال َ َ َ ّ ِ‬
‫ُِ َ‬
‫ُ ُ‬
‫وعن صفية بنت شيبة قالت ‪ :‬بينها نحن عند عائشة –رضي الله عنها –‬
‫قالت ‪ :‬فذكرت نساء قريش وفضلهن ‪ ،‬فقالت عائشة –رضي الله عنها ‪":-‬‬
‫إن لنساء قريش لفضل ً ‪ ،‬وإني والله ما رأيت أفضل من نساء النصار أشد‬
‫ن‬
‫تصديقا ً لكتاب الله ‪ ،‬ول إيمانا ً بالتنزيل ‪ ،‬لقد أنزلت سورة النور } وَل ْي َ ْ‬
‫ضرِب ْ َ‬
‫ن { ]النور ‪ [31 :‬فانقلب رجالهن إليهن يتلون ما أنزل‬
‫بِ ُ‬
‫ن عََلى ُ‬
‫خ ُ‬
‫جُيوب ِهِ ّ‬
‫مرِهِ ّ‬
‫الله إليهن فيها ‪ ،‬ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته ‪،‬‬
‫فما منهن امرأة إل قامت إلى مرطها المرحل ) أي الذي نقش فيه صور‬
‫الرحال وهي المساكن ( فاعتجرت به ) أي سترت به رأسها ووجهها ( تصديقا ً‬
‫وإيمانا ً بما أنزل الله في كتابه ‪ ،‬فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان " وصلى الله على نبينا محمد‬
‫وآله وصحبه ‪.‬‬
‫إعداد دار القاسم‬
‫)‪(3 /‬‬

‫‪157‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الحجاب إذن ورمز ‪:‬‬
‫بقلم الستاذ عبد السلم ياسين‬
‫)المرشد العام لجماعة العدل والحسان(‬
‫تعبر بحجابها وزيها عن أشواق إسلمية وروح المسجد لما تتمكن في‬
‫ح‬
‫طواياها‪ .‬فرت من الهوس والختلط‪ ،‬لكن لم تمر بمجالس اليمان لتُرو َ‬
‫رْوح اليمان‪ .‬وأخرى سترت شعرها وأطراف بدنها حياء فطريا وتقليدا‪.‬‬
‫ه فيكون زينة من الزينة‪ .‬وأخرى وجدت‬
‫وأخرى أعجبها زي المتحجبات ي ُن َوّعْن َ ُ‬
‫راحة ضميرها‪ ،‬وحسبت أن صلحها مع الله يتلخص في ستر أجزاء من‬
‫جسمها‪.‬‬
‫فاللباس السلمي المحتشم رمز في نفس اللبسة لما يعتلج في ضميرها‬
‫وما يختصم‪ ،‬وهو في عين المراقب السياسي مقياس لقوة المد السلمي‪.‬‬
‫أما في أصل الشرع فالحجاب إذن صريح للمرأة المسلمة بالخروج من بيتها‬
‫لحوائجها وصلتها وكسبها ومشاركتها العامة في الحياة إذ لول ضرورة‬
‫الخروج‪ ،‬ومشروعية الخروج‪ ،‬لما كانت هناك حاجة لتوصية المرأة المسلمة‬
‫بستر زينتها وصون جسدها‪ .‬إنما الصون وواجب الستر اتقاٌء للنظار الجنبية‬
‫خارج بيتها أساسا‪.‬‬
‫إن كان الستر واجبا تعصي المسلمة ربها بكشف ما ل ينبغي كشفه وكان‬
‫رمزا للتوبة والشجاعة في مقاومة السلطة التي تلحق المتحجبات‪ ،‬ورمزا‬
‫للصمود أمام مقاومة السرة وضغوط المجتمع التقليدي في مرحلة ما قبل‬
‫ظهور الصحوة وانتصارها‪ ،‬فإن التركيز على الحجاب‪ ،‬واعتباره هو الدين‪،‬‬
‫ورمي المسلمات اللتي لما يتح لهن الستر بأنهن فاسقات‪ ،‬لمن مثبطات‬
‫مضلت الفهم‪.‬‬
‫الدعوة‪ ،‬و ُ‬
‫قد يكون الحجاب و الزي أحبولة منافقة تروج بها الفتاة البائرة الحائرة‬
‫لنفسها‪ ،‬ظاهرة بمظهر الطهر‪ .‬أي خفاء وراء ذلك الظهور؟ من أية جذور‬
‫باطنية يتغدى المظهر؟‬
‫حجاب أحبولة وحجاب سجن‪ .‬من الوعاظ من يأخذ بأشد ما في مذاهب الفقه‬
‫من شدائد‪ ،‬فالحجاب عنده نقاب وقفاز ولون أسود وقطنة في الفم قبل أن‬
‫تتكلم المرأة فتؤذي العالم بصوتها العورة‪ .‬ويود الواعظ لو تلبس المرأة جلدا‬
‫سميكا أو تتخذ لباسا من الصفيح والقصدير إمعانا في الشدة وتحريجا بغير‬
‫دليل شرعي في دين ما جعل الله فيه من حرج‪.‬‬
‫جَلى نعرض أحكام الستر‪ .‬وعلى المومنات أن يرجعن‬
‫في هذه الوهلة العَ ْ‬
‫لدراسة أبي شقة العلمية‪ ،‬فقد خصص جزءا كامل من نيف وثلثمائة صفحة‬
‫للمسألة‪ .‬و المؤمنة حق اليمان من تتورع لكيل تقلد واعظا شاذا سمعت‬
‫شريط من أشرطته الملتهبة حماسا وصدقا‪ .‬ما نقصه الخلص في دين الله‪،‬‬
‫لكن نقصه الفقه في دين الله‪ .‬و المؤمنة إن كشفت ما أمرها الشرع بستره‬
‫توشك أن تصنف مع أهل النار الكاسيات العاريات‪ .‬وهي إن ساهمت في‬
‫ترويج الفقه الشاذ عارضت سنة رسول الله‪ ،‬وساعدت على جعل الحرج في‬
‫الدين‪ ،‬فكذبت كلمات ربها وكتابه‪.‬‬
‫مجتهد القرن الثامن شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله أخذ بأشد آراء المام‬
‫أحمد‪ .‬أخذ برأي مروي عن شيخ المحدثين العظيم ل يبيح فيه للمرأة أن‬
‫تكشف من جسمها للجنبي ولو الظفر‪ .‬وهو رأي شاذ مخالف لما عليه‬
‫جمهور علماء المة‪.‬‬
‫ل ننقص من قيمة المجتهد المام أحمد‪ ،‬ول من علم شيخ السلم‪ .‬نعوذ بالله‬
‫أن نطعن في أئمة المسلمين‪ .‬لكن الئمة العظام رضي الله عنهم تلمذة‬
‫‪158‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صغار متواضعون أمام سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬قال المام‬
‫الشافعي رضي الله عنه‪ " :‬إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط ! "‬
‫وقال عن سلفه المام العظم أبي حنيفة‪ :‬الناس عالة في الفقه على أبي‬
‫حنيفة‪ .‬أبو حنيفة مقدم الفقهاء الئمة استفتاه رجل فأفتاه‪ .‬فسأله الرجل‪:‬‬
‫أهذا الذي قلته هو الحق الذي ل باطل معه؟ فيجيبه أبو حنيفة رضي الله عنه‬
‫في تواضع العلماء‪ :‬وما يدريك! لعله الباطل الذي لحق معه ! لعله الباطل‬
‫الذي ل حق معه ! وبكي المام رحمه الله في مرض موته لما بلغه أن الناس‬
‫تستشهد بآرائه و أقواله‪ ،‬مع أنها اجتهاد قد يرجع عنه‪.‬‬
‫المجتهد مع الدليل ل مع هواه‪ .‬فهو ينظر في الدلة التي صحت عنده‬
‫ليستنبط أحكاما تصلح حال المة‪ .‬فاجتهاده توفيق بين الدليل ومقاصد‬
‫الشريعة‪ .‬يختلف رأي مجتهد عن رأي مجتهد‪ ،‬ويخالف المجتهد قوله الول إن‬
‫ظهر له أجود منه‪ .‬ويجتهد الفقهاء داخل المذهب فيكون الرأي الراجح‬
‫والمرجوح‪ ،‬والضعيف في المذهب‪ ،‬وقول المتقدمين‪ ،‬وقول المتأخرين‪،‬‬
‫والصحيح في المذهب‪ ،‬والمشهور‪ ،‬والمنصور‪ ،‬والمعمول به‪ .‬الخ‪.‬‬
‫لهذا فمن يعتبر رأي فقيه هو الرأي الواحد الصواب جاهل بما هو الفقه‪.‬‬
‫والمتشددون في عصرنا يعتمدون على أقوال و آراء المام أحمد رضي الله‬
‫عنه‪ .‬فإذا أكدها واختار منها مجتهد القرن الثامن شيخ السلم أصبحت الكلمة‬
‫النهائية في الدين‪ .‬والعجيب أن آراء المام أحمد لم تدون في حياته لنه يكره‬
‫ذلك‪ .‬وروى عنه الناس من بعده آراء متضاربة تعكس سير اجتهاده وتحوله‬
‫من رأي إلى رأي في فترات حياته وتقدمه في فهم روح الشريعة‪ .‬كان يريد‬
‫رحمه الله أن يرجع الناس إلى الصول لذلك ترك للمة " المسند" هذا‬
‫الكتاب الجامع العظيم‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وترك وصيته ودللته على النهج القويم في قوله‪ " :‬إنما كانوا )يعني من‬
‫أدركهم من العلماء( يحفظون ويكتبون السنن‪ .‬فأما هذه المسائل تدون‬
‫وتكتب في الدفاتر فلست أعرف فيها شيئا‪ .‬و إنما هو رأي لعله قد يدعه غدا‪،‬‬
‫ينتقل عنه إلى غيره"‪.‬‬
‫هذه كلمات عن تاريخ انحباس الفقه وانغلقه وتشدده‪.‬‬
‫نسمع الن إلى مجتهد القرن الخامس ابن حزم الظاهري رحمه الله يضع‬
‫أصبعنا على الدليل‪ ،‬ويعرض فهمه للدليل‪ .‬قال رحمه الله في "المحلى"‪:‬‬
‫"وأما المرأة فإن الله تعالى يقول‪ " :‬ول يبدين زينتهن إل ما ظهر منها‪.‬‬
‫هن على جيوبهن‪ .‬و ل يبدين زينتهن إل لبعولتهن" إلى قوله‪" :‬‬
‫وليضربن ب ُ‬
‫مرِ ِ‬
‫خ ُ‬
‫ول يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن"‪ .‬فأمرهن الله تعالى بالضرب‬
‫بالخمار على الجيوب‪ .‬وهذا نص على ستر العورة والعنق و الصدر‪ .‬وفيه نص‬
‫على إباحة كشف الوجه‪ .‬ل يمكن غير ذلك"‬
‫ويأتي ابن حزم بحديث البخاري عن ابن عباس‪ " :‬أنه شهد العيد مع رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وأنه عليه السلم خطب بعد أن صلى‪ .‬ثم أتى‬
‫النساء ومعه بلل‪ .‬فوعظهن وذكرهن وأمرهن أن يتصدقن‪ .‬فرأيتهن )يقول‬
‫ابن عباس( يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلل"‪ .‬قال ابن حزم‪ " :‬فهذا ابن‬
‫عباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أيديهن‪ .‬فصح أن اليد‬
‫ست ُْره"‬
‫من المرأة والوجه ليسا عورة‪ .‬وما عداهما ففرض عليها َ‬
‫ويأتي ابن حزم بدليل ثان هو قصة الفضل بن عباس الذي أردفه رسول الله‬

‫‪159‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع‪ ،‬فأتته امرأة من قبيلة خثعم تستفتيه‪.‬‬
‫قال ابن عباس راوي الحديث‪ " :‬فأخذ الفضل يلتفت إليها‪ ،‬و كانت تستفتيه‪.‬‬
‫قال ابن عباس راوي الحديث‪ ":‬فأخذ الفضل يلتفت إليها‪ ،‬وكانت امرأة‬
‫حسناء‪ ،‬وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحول وجه الفضل إلى الشق‬
‫الخر"‪ .‬قال ابن حزم‪ " :‬فلو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها عليه‬
‫سب ِ َ‬
‫ل عليه من فوق‪ .‬ولو كان‬
‫السلم على كشفه بحضرة الناس‪ ،‬ولمرها أن ت ُ ْ‬
‫وجهها مغطى ما عرف ابن عباس) يعني الفضل أخا عبد الله بن عباس راوي‬
‫الحديث( أحسناء هي أم شوهاء‪ .‬فصح كل ما قلناه يقينا‪ .‬والحمد لله كثيرا"‪.‬‬
‫ونتخطى من القرن الخامس إلى الثاني عشر‪ ،‬متجاوزين اجتهاد المتشددين‪،‬‬
‫لنرى كيف يلتقي المجتهد الشوكاني رحمه الله مع ابن حزم‪ .‬يقول في "نيل‬
‫الوطار"‪" :‬النبي إنما فعل ذلك ) أي عندما أخذ يحول وجه الفضل عن النظر‬
‫إلى الخثعمية( لمخافة الفتنة‪ ،‬لما أخرجه الترمذي وصححه من حديث علي‪،‬‬
‫وفيه‪ ":‬فقال العباس ) والد الفضل عم النبي صلى الله عليه وسلم(‪ :‬لويت‬
‫عنق ابن عمك!" فقال ) النبي صلى الله عليه وسلم(‪ :‬رأيت شابا وشابة فلم‬
‫آمن عليهما الفتنة"‪.‬‬
‫قال المام الشوكاني رحمه الله‪ ":‬وقد استنبط منه ) من الحديث السابق(‬
‫ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة حيث لم يأمرها بتغطية وجهها‪ .‬فلو‬
‫لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل‪ .‬ولو لم يكن ما فهمه جائزا ما أقره‬
‫) النبي ( عليه‪ .‬وهذا الحديث أيضا يصلح للستدلل به على اختصاص آية‬
‫الحجاب السابقة ) قوله تعالى عن نساء النبي ‪ :‬فاسألوهن من وراء حجاب(‬
‫بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم‪ .‬لن قصة الفضل في حجة الوداع )في‬
‫السنة العاشرة( وآية الحجاب في نكاح زينب في السنة الخامسة من‬
‫الهجرة‪.‬‬
‫ويروي الشوكاني عن القاضي عياض المام المحدث المالكي قوله حكاية‬
‫لقوال العلماء ‪ " :‬إنه ل يلزمها ستر وجهها في طريقها‪ .‬وعلى الرجال غض‬
‫البصر"‪.‬‬
‫ويلخص الشوكاني مسألة حجاب المرأة المسلمة فيقول‪ " :‬و الحاصل أن‬
‫المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو الحاجة إليه عند مزاولة الشياء والبيع‬
‫والشراء و الشهادة"‪.‬‬
‫ونجد حتى في قرن سد الذرائع قرن ابن تيمية‪ ،‬وعند أقرب الناس إليه‬
‫تلميذه وصاحبه الحافظ ابن كثير الشافعي المذهب‪ ،‬ما يخالف اختيار ابن‬
‫تيمية مخالفة تامة‪ .‬قال في تفسيره قوله تعالى " ول يبدين زينتهن إل ما‬
‫ظهر منها" سورة النور الية ‪ 31 :‬ما يلي ‪ " :‬ويحتمل أن ابن عباس ومن‬
‫تابعه أرادوا تفسير "ما ظهر منها" بالوجه والكفين‪ .‬وهذا هو المشهور عند‬
‫الجمهور"‪.‬‬
‫ويأتي ابن كثير بالحديث الذي رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن‬
‫أختها أسماء دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق‪،‬‬
‫فأعرض عنها وقال‪ " :‬يا أسماء‪ ،‬إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن‬
‫يرى منها إل هذا" وأشار إلى وجهه وكفيه‪ .‬حديث يستأنس به لن بعض‬
‫المحدثين يطعنون فيه بأنه مرسل‪ ،‬لم يسمع خالد بن ُدريك عن عائشة‪ .‬على‬
‫أن للحديث ما يقويه‪.‬‬
‫ونجد الفهم المشهور عند الجمهور عند المالكي أبي بكر بن العربي‪ .‬قال في‬
‫" أحكام القرآن “‪ " :‬والصحيح أنها من كل وجه ) أي الزينة المباح إظهارها(‬

‫‪160‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هي التي في الوجه والكفين‪ .‬وإنها هي التي تظهر في الصلة وفي الحرام‬
‫عبادة‪ ،‬وهي التي تظهر عادة"‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ة المتأخرون فيقولون إن عورة الصلة غير عورة‬
‫ويخالف الجمهوَر الحنابل ُ‬
‫ور الدعاة ُ إلى النقاب والقفاز‬
‫النظر‪ .‬ول دليل يقوم بذلك‪ .‬كما يخالف الجمه َ‬
‫اعتمادا على حديث نهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم النساء عن لبس‬
‫النقاب والقفاز أثناء الحرام‪ .‬وليس مفهوم هذا النهي إقرار لبسهما في غير‬
‫الحج‪ .‬ويعتمدون على حديث ابن ماجة الذي تقول فيه أمنا عائشة‪ " :‬لما قدم‬
‫حَيي‪ ،‬جئن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو عروس بصفي َ‬
‫ة بن ِ‬
‫ت ُ‬
‫ت فذهبت‪ .‬فنظر رسول الله‬
‫ت وتنقب ُ‬
‫نساء النصار فأخبرن عنها‪ .‬قالت‪ :‬فتنكر ُ‬
‫صلى الله عليه وسلم إلى عيني فعرفني‪ .‬قالت ‪ :‬فالتفت فأسرعت المشي‬
‫فأدركني"‪.‬‬
‫غارت أم المؤمنين من ضرتها الجديدة‪ ،‬وتنكرت بالنقاب‪ .‬كيف أصبح لباس‬
‫بعض نساء العرب يتنكرن فيه ويتجملن به وينهى عن لبسه المصطفى صلى‬
‫الله عليه وسلم في الحج سنة ثابتة؟‬
‫نختم بكلمة المام النووي المحدث الفقيه الشافعي المذهب قال‪ ":‬المشهور‬
‫من مذهبنا أن عورة الحرة جميع بدنها إل الوجه والكفين‪ .‬وبهذا كله قال مالك‬
‫وطائفة‪ .‬وهي رواية عن أحمد ‪...‬وممن قال عورة الحرة جميع بدنها إل وجهها‬
‫وكفيها الوزاعي وأبو ثور‪ .‬وقال أبو حنيفة والثوري والمزني ‪ :‬قدماها أيضا‬
‫ليسا بعورة‪ .‬وقال أحمد‪ :‬جميع بدنها إل وجهها فقط "‪.‬‬
‫اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الخرة حسنة وقنا عذاب النار‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫الحجاب إيمان طهارة تقوى حياء عفة‬
‫دار القاسم‬
‫الحمد لله وحده‪ ،‬والصلة والسلم على من ل نبي بعده‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫فقد لقيت المرأة المسلمة من التشريع السلمي عناية فائقة كفيلة بأن‬
‫تصون عفتها‪ ،‬وتجعلها عزيزة الجانب‪ ،‬سامية المكان‪ ،‬وإن الشروط التي‬
‫فرضت عليه في ملبسها وزينتها لم تكن إل لسد ذريعة الفساد الذي ينتج عن‬
‫التبرج بالزينة‪ ،‬وهذا ليس تقييدا ً لحريتها بل هو وقاية لها أن تسقط في درك‬
‫المهانة‪ ،‬ووحل البتذال‪ ،‬أو تكون مسرحا ً لعين الناظرين‪.‬‬
‫فضائل الحجاب‬
‫الحجاب طاعة لله عز وجل وطاعة للرسول ‪:‬‬
‫ما َ‬
‫ضى‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫من َةٍ إ َِذا قَ َ‬
‫كا َ‬
‫ن وََل ُ‬
‫ن لِ ُ‬
‫أوجب الله طاعته وطاعة رسول فقال‪ :‬وَ َ‬
‫م ٍ‬
‫َ‬
‫الل ّه ورسول ُ َ‬
‫هَ‬
‫ّ‬
‫مًرا َأن ي َ ُ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫خي ََرة ُ ِ‬
‫كو َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول ُ‬
‫ص الل َ‬
‫م وَ َ‬
‫مرِهِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫هأ ْ‬
‫ُ ََ ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫من ي َعْ ِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ض ّ‬
‫مِبيًنا ]الحزاب‪.[36:‬‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ض‬
‫فَ َ‬
‫ل َ‬
‫قد ْ َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ض ْ‬
‫ت ي َغْ ُ‬
‫وقد أمر الله سبحانه النساء بالحجاب فقال تعالى‪ :‬وَُقل لل ُ‬
‫ض َ‬
‫م َ‬
‫من َْها ]النور‪.[31:‬‬
‫ح َ‬
‫ما ظ َهََر ِ‬
‫ن وََل ي ُب ْ ِ‬
‫ن فُُرو َ‬
‫ن وَي َ ْ‬
‫ن إ ِّل َ‬
‫ن أب ْ َ‬
‫ن ِزين َت َهُ ّ‬
‫دي َ‬
‫جهُ ّ‬
‫فظ ْ َ‬
‫صارِهِ ّ‬
‫ِ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫جاهِل ِي ّةِ الولى ]الحزاب‪:‬‬
‫ج ال َ‬
‫ن ت َب َّر َ‬
‫ن وَل ت َب َّر ْ‬
‫وقال سبحانه‪ :‬وَقَْر َ‬
‫ج َ‬
‫ن ِفي ب ُ َُيوت ِك ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫مَتا ً‬
‫من وََراء ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح َ‬
‫عا َفا ْ‬
‫‪ ،[33‬وقال تعالى‪ :‬وَإ َِذا َ‬
‫ب ذ َل ِك ْ‬
‫ن َ‬
‫سألت ُ ُ‬
‫جا ٍ‬
‫سألوهُ ّ‬
‫موهُ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫جكَ‬
‫أ َط ْهَُر ل ِ ُ‬
‫ي ُقل لْزَوا ِ‬
‫قُلوب ِك ُ ْ‬
‫ن ]الحزاب‪ ،[53:‬وقال تعالى‪َ :‬يا أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫م وَقُُلوب ِهِ ّ‬

‫‪161‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وَب ََنات ِ َ‬
‫ن ]الحزاب‪.[59:‬‬
‫ن ِ‬
‫مؤْ ِ‬
‫من َ‬
‫ك وَن ِ َ‬
‫ساء ال ْ ُ‬
‫جَلِبيب ِهِ ّ‬
‫ن عَل َي ْهِ ّ‬
‫ن ي ُد ِْني َ‬
‫مِني َ‬
‫وقال الرسول ‪ } :‬المرأة عورة { يعني يجب سترها‪.‬‬
‫الحجاب عفة‬
‫فقد جعل الله تعالى التزام الحجاب عنوان العفة‪ ،‬فقال تعالى‪ :‬يا أ َ‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ها‬
‫ي‬
‫َ َّ‬
‫ِّ ّ‬
‫َ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫ك وَب ََنات ِ َ‬
‫ج َ‬
‫ك أ َد َْنى َأن‬
‫ن ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫من َ‬
‫ك وَن ِ َ‬
‫ساء ال ْ ُ‬
‫ُقل ّلْزَوا ِ‬
‫جَلِبيب ِهِ ّ‬
‫ن عَل َي ْهِ ّ‬
‫ن ي ُد ِْني َ‬
‫مِني َ‬
‫ن ]الحزاب‪ ،[59:‬لتسترهن بأنهن عفائف مصونات فل يتعرض‬
‫ن فََل ي ُؤْذ َي ْ َ‬
‫ي ُعَْرفْ َ‬
‫َ‬
‫ن إشارة إلى أن معرفة‬
‫لهن الفساق بالذى‪ ،‬وفي قوله سبحانه فَل ي ُؤْذ َي ْ َ‬
‫محاسن المرأة إيذاء لها ولذويها بالفتنة والشر‪.‬‬
‫الحجاب طهارة‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫مَتا ً‬
‫من وََراء ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح َ‬
‫عا َفا ْ‬
‫قال سبحانه وتعالى‪ :‬وَإ َِذا َ‬
‫ب ذ َل ِك ْ‬
‫ن َ‬
‫سألت ُ ُ‬
‫جا ٍ‬
‫سألوهُ ّ‬
‫موهُ ّ‬
‫ن ]الحزاب‪.[53:‬‬
‫أ َط ْهَُر ل ِ ُ‬
‫قُلوب ِك ُ ْ‬
‫م وَقُُلوب ِهِ ّ‬
‫فوصف الحجاب بأنه طهارة لقلوب المؤمنين والمؤمنات لن العين إذا لم تر‬
‫لم يشته القلب‪ ،‬ومن هنا كان القلب عند عدم الرؤية أطهر‪ ،‬وعدم الفتنة‬
‫ل‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫حينئذ أظهر لن الحجاب يقطع أطماع مرضى القلوب‪ :‬فََل ت َ ْ‬
‫خ َ‬
‫قو ْ ِ‬
‫ضعْ َ‬
‫ض ]الحزاب‪.[32:‬‬
‫معَ ال ّ ِ‬
‫ذي ِفي قَل ْب ِهِ َ‬
‫فَي َط ْ َ‬
‫مَر ٌ‬
‫الحجاب ستر‬
‫قال رسول الله ‪ } :‬إن الله حيي ستير‪ ،‬يحب الحياء والستر {‪ ،‬وقال ‪ } :‬أيما‬
‫امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عز وجل عنها ستره {‪ ،‬والجزاء‬
‫من جنس العمل‪.‬‬
‫الحجاب تقوى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م وَِري ً‬
‫س‬
‫قال تعالى‪َ :‬يا ب َِني آد َ َ‬
‫واِري َ‬
‫م ل َِبا ً‬
‫سوَْءات ِك ُ ْ‬
‫م قَد ْ أنَزلَنا عَلي ْك ُ ْ‬
‫شا وَل َِبا ُ‬
‫سا ي ُ َ‬
‫قوَىَ ذ َل ِ َ‬
‫خي ٌْر ]العراف‪.[26:‬‬
‫الت ّ ْ‬
‫ك َ‬
‫الحجاب إيمان‬
‫والله سبحانه وتعالى لم يخاطب بالحجاب إل المؤمنات فقد قال سبحانه‬
‫ن‪.‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ت وقال الله عز وجل‪ :‬وَن ِ َ‬
‫ساء ال ْ ُ‬
‫وتعالى‪ :‬وَُقل ل ّل ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫ولما دخل نسوة من بني تميم على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها‬
‫عليهن ثياب رقاق قالت‪ } :‬إن كنتن مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات‪،‬‬
‫وإن كنتين غير مؤمنات فتمتعن به {‪.‬‬
‫الحجاب حياء‬
‫قال ‪ } :‬إن لكل دين خلقًا‪ ،‬وإن خلق السلم الحياء {‪ ،‬وقال ‪ } :‬الحياء من‬
‫اليمان‪ ،‬واليمان في الجنة {‪ ،‬وقال عليه الصلة السلم‪ } :‬الحياء واليمان‬
‫قرنا جميعًا‪ ،‬فإن رفع أحدهما رفع الخر {‪.‬‬
‫الحجاب غيرة‬
‫ً‬
‫جبل عليها الرجل السوي الذي يأنف أن‬
‫يتناسب الحجاب أيضا مع الغيرة التي ُ‬
‫تمتد النظرات الخائنة إلى زوجته وبناته‪ ،‬وكم من حرب نشبت في الجاهلية‬
‫والسلم غيرة على النساء وحمية لحرمتهن‪ ،‬قال علي رضي الله عنه‪:‬‬
‫"بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج –أي الرجال الكفار من العجم – في‬
‫السواق أل تغارون؟ إنه ل خير فيمن ل يغار "‪.‬‬
‫قبائح التبرج‬
‫التبرج معصية لله ورسول‬
‫ً‬
‫ومن يعص الله ورسوله فإنه ل يضر إل نفسه‪ ،‬ولن يضر الله شيئا‪ ،‬قال‬
‫رسول الله ‪ } :‬كل أمتي يدخلون الجنة إل من أبى‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول الله ومن‬
‫يأبى؟ قال‪ :‬من أطاعني دخل الجنة‪ ،‬ومن عصاني فقد أبى {‪.‬‬
‫التبرج يجلب اللعن والطرد من رحمة الله‬
‫‪162‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال رسول الله ‪ } :‬سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات‪ ،‬على‬
‫رؤوسهن كأسنمة البخت‪ ،‬العنوهن فإنهن ملعونات {‪.‬‬
‫التبرج من صفات أهل النار‬
‫قال رسول الله ‪ } :‬صنفان من أهل النار لم أرهما‪ :‬قوم معهم سياط كأذناب‬
‫البقر يضربون بها الناس‪ ،‬ونساء كاسيات عاريات‪ { ..‬الحديث‪.‬‬
‫التبرج سواد وظلمة يوم القيامة‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ُروي عن النبي أنه قال‪ } :‬مثل الرافلة في الزينة في غير أهلها‪ ،‬كمثل ظلمة‬
‫يوم القيامة ل نور لها {‪ ،‬يريد أن المتمايلة في مشيتها وهي تجر ثيابها تأتي‬
‫يوم القيامة سوداء مظلمة كأنها متسجدة في ظلمة والحديث – وإن كان‬
‫ضعيفا ً – لكن معناه صحيح وذلك لن اللذة في المعصية عذاب‪ ،‬والطيب نتن‪،‬‬
‫والنور ظلمة‪ ،‬بعكس الطاعات فإن خلوف فم الصائم ودم الشهيد أطيب عند‬
‫الله من ريح المسك‪.‬‬
‫التبرج نفاق‬
‫قال النبي ‪ } :‬خير نسائكم الودود الولود‪ ،‬المواسية المواتية‪ ،‬إذا اتقين الله‪،‬‬
‫وشر نسائكم المتبرجات المتخيلت وهن المنافقات ل يدخلن الجنة إل مثل‬
‫الغراب العصم {‪ ،‬الغراب العصم‪ :‬هو أحمر المنقار والرجلين‪ ،‬وهو كناية‬
‫عن قلة من يدخل الجنة من النساء لن هذا الوصف في الغربان قليل‪.‬‬
‫التبرج تهتك وفضيحة‬
‫قال رسول الله ‪ } :‬أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها‪ ،‬فقد هتكت‬
‫ستر ما بينها وبين الله عز وجل {‪.‬‬
‫التبرج فاحشة‬
‫فإن المرأة عورة وكشف العورة فاحشة ومقت قال تعالى‪ :‬وَإ َِذا فَعَُلوا ْ‬
‫ْ‬
‫ة َقاُلوا ْ وجدنا عَل َيها آباءنا والل ّ َ‬
‫مَرَنا ب َِها قُ ْ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫شاء‬
‫مُر ِبال ْ َ‬
‫ش ً‬
‫َفا ِ‬
‫َ َ َْ‬
‫ف ْ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ه ل َ ي َأ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫هأ َ‬
‫َْ َ َ َ ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫]العراف‪ ،[28:‬والشيطان هو الذي يأمر بهذه الفاحشة ال ّ‬
‫م‬
‫شي ْطا ُ‬
‫ن ي َعِد ُك ُ‬
‫ْ‬
‫مُر ُ‬
‫ح َ‬
‫شاء ]البقرة‪.[268:‬‬
‫كم ِبال ْ َ‬
‫ف ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ف ْ‬
‫قَر وَي َأ ُ‬
‫التبرج سنة إبليسية‬
‫إن قصة آدم مع إبليس تكشف لنا مدى حرص عدو الله إبليس كشف‬
‫م‬
‫السوءات‪ ،‬وهتك الستار‪ ،‬وأن التبرج هدف أساسي له‪ ،‬قال تعالى‪َ :‬يا ب َِني آد َ َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ج أ َب َوَي ْ ُ‬
‫م ال ّ‬
‫ما‬
‫ل َ يَ ْ‬
‫ما أ َ ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خَر َ‬
‫طا ُ‬
‫ما ل َِبا َ‬
‫ما ل ِي ُرِي َهُ َ‬
‫سهُ َ‬
‫جن ّةِ َينزِعُ عَن ْهُ َ‬
‫كم ّ‬
‫ن كَ َ‬
‫فت ِن َن ّك ُ ُ‬
‫م َ‬
‫ما ]العراف‪.[27:‬‬
‫َ‬
‫سوَْءات ِهِ َ‬
‫فإذن إبليس هو صاحب دعوة التبرج والتكشف‪ ،‬وهو زعيم زعماء ما يسمي‬
‫بتحرير المرأة‪.‬‬
‫التبرج طريقة يهودية‬
‫لليهود باع كبير في مجال تحطيم المم عن طريق فتنة المرأة وهم أصحاب‬
‫خبرة قديمة في هذا المجال‪ ،‬حيث قال النبي ‪ } :‬فاتقوا الدنيا واتقوا النساء‪،‬‬
‫فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء {‪.‬‬
‫التبرج جاهلية منتنة‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫جاهِل ِي ّةِ الولى ]الحزاب‪.[33:‬‬
‫ج ال َ‬
‫ن ت َب َّر َ‬
‫ن وَل ت َب َّر ْ‬
‫قال تعالى‪ :‬وَقَْر َ‬
‫ج َ‬
‫ن ِفي ب ُُيوت ِك ّ‬
‫وقد وصف النبي دعوى الجاهلية بأنها منتنة أي خبيثة فدعوى الجاهلية شقيقة‬
‫تبرج الجاهلية‪ ،‬وقد قال النبي ‪ } :‬كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت‬
‫قدمي {‪ ،‬سواء في ذلك تبرج الجاهلية‪ ،‬ودعوى الجاهلية‪ ،‬وحمية الجاهلية‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫التبرج تخلف وانحطاط‬
‫إن التكشف والتعري فطرة حيوانية بهيمية‪ ،‬ل يميل إليه النسان إل وهو‬
‫ينحدر ويرتكس إلى مرتبة أدنى من مرتبة النسان الذي كرمه الله‪ ،‬ومن هنا‬
‫كان التبرج علمة على فساد الفطرة وانعدام الغيرة وتبلد الحساس و موت‬
‫الشعور‪:‬‬
‫لحد الركبتين تشمرينا *** بربك أي نهر تعبرين‬
‫كأن الثوب ظ ٌ‬
‫ل في صباح *** يزيد تقلصا ً حينا ً فحينا‬
‫ك ربما ل تشعرينا‬
‫تظنين الرجال بل شعور *** لن ِ‬
‫التبرج باب شر مستطير‬
‫وذلك لن من يتأمل نصوص الشرع وعَبر التاريخ يتيقن مفاسد التبرج‬
‫وأضراره على الدين والدنيا‪ ،‬ل سيما إذا انضم إليه الختلط المستهتر‪.‬‬
‫فمن هذه العواقب الوخيمة‪:‬‬
‫تسابق المتبرجات في مجال الزينة المحرمة‪ ،‬لجل لفت النظار إليهن‪ ..‬مما‬
‫يتلف الخلق والموال ويجعل المرأة كالسلعة المهينة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬فساد أخلق الرجال خاصة الشباب ودفعهم إلى الفواحش المحرمة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬المتاجرة بالمرأة كوسيلة للدعاية أو الترفيه في مجالت التجارة‬
‫وغيرها‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬الساءة إلى المرأة نفسها باعتبار التبرج قرينة تشير إلى سوء نيتها‬
‫وخبيث طويتها مما يعرضها لذية الشرار والسفهاء‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬انتشار المراض لقوله ‪ } :‬لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا‬
‫بها إل فشا فيهم الطاعون والوجاع التي لم تكن في أسلفهم الذين مضوا {‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬تسهيل معصية الزنا بالعين‪ :‬قال عليه الصلة والسلم‪ } :‬العينان‬
‫زناهما النظر { وتعسير طاعة غض البصر التي هي قطعا ً أخطر من القنابل‬
‫ك قَري ً َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مت َْرِفيَها‬
‫الذرية والهزات الرضية‪.‬قال تعالى‪ :‬وَإ َِذا أَرد َْنا أن ن ّهْل ِ َ ْ َ‬
‫مْرَنا ُ‬
‫ةأ َ‬
‫قو ْ ُ‬
‫ميًرا ]السراء‪ ،[16:‬وجاء في‬
‫حقّ عَل َي َْها ال ْ َ‬
‫س ُ‬
‫فَ َ‬
‫مْرَنا َ‬
‫ها ت َد ْ ِ‬
‫قوا ْ ِفيَها فَ َ‬
‫ف َ‬
‫ل فَد َ ّ‬
‫الحديث‪ } :‬أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعذاب‬
‫{‪.‬‬
‫فيا أختي المسلمة‪:‬‬
‫هل تدبرت قول الرسول ‪ } :‬ن َِح الذى عن طريق المسلمين { فإذا كانت‬
‫إماطة الذى عن الطريق من شعب اليمان فأيهما أشد شوكة‪ ...‬حجر في‬
‫الطريق‪ ،‬أم فتنة تفسد القلوب وتعصف بالعقول‪ ،‬وتشيع الفاحشة في الذين‬
‫آمنوا؟‬
‫إنه ما من شاب مسلم ُيبتلى منك اليوم بفتنة تصرفه عن ذكر الله وتصده‬
‫عن صراطه المستقيم – كان بوسعك أن تجعليه في مأمن منها – إل أعقبك‬
‫منها غدا ً نكال من الله عظيم‪.‬‬
‫بادري إلى طاعة الله‪ ،‬ودعي عنك انتقاد الناس‪ ،‬ولومهم فحساب الله غدا ً‬
‫أشد وأعظم‪.‬‬
‫الشروط الواجب توّفرها مجتمعه حتى يكون الحجاب شرعيا‪ً.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الول‪ :‬ستر جميع بدن المرأة على الراجح‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن ل يكون الحجاب في نفسه زينة‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن يكون صفيقا ً ثخينا ً ل يشف‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الرابع‪ :‬أن يكون فضفاضا ً واسعا ً غير ضيق‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أن ل يكون مبخرا ً مطيبًا‪.‬‬
‫السادس‪ :‬أن ل يشبه ملبس الكافرات‪.‬‬
‫السابع‪ :‬أن ل يشبه ملبس الرجال‪.‬‬
‫الثامن‪ :‬أن ل يقصد به الشهرة بين الناس‪.‬‬
‫احذري التبرج المقنع‬
‫ً‬
‫إذا تدبرت الشروط السابقة تبين لك أن كثيرا من الفتيات المسميات‬
‫بالمحجبات اليوم لسن من الحجاب في شيء وهن اللئي يسمين المعاصي‬
‫بغير اسمها فيسمين التبرج حجابًا‪ ،‬والمعصية طاعة‪.‬‬
‫لقد جهد أعداء الصحوة السلمية لو أدها في مهدها بالبطش والتنكيل‪،‬‬
‫فأحبط الله كيدهم‪ ،‬وثبت المؤمنين و المؤمنات على طاعة ربهم عز وجل‪.‬‬
‫فرأوا أن يتعاملوا معها بطريقة خبيثة ترمي إلى النحراف عن مسيرتها‬
‫الربانية فراحوا يروجون صورا ً مبتدعة من الحجاب على أن أنها "حل وسط "‬
‫ترضي المحجبة به ربها –زعموا‪ -‬وفي ذات الوقت تساير مجتمعها وتحافظ‬
‫على " أناقتها "!‬
‫سمعنا وأطعنا‬
‫إن المسلم الصادق يتلقى أمر ربه عز وجل ويبادر إلى ترجمته إلى واقع‬
‫عملي‪ ،‬حبا ً وكرامة للسلم واعتزازا بشريعة الرحمن‪ ،‬وسمعا ً وطاعة لسنة‬
‫خير النام غير مبال بما عليه تلك الكتل الضالة التائهة‪ ،‬الذاهلة عن حقيقة‬
‫واقعها والغافلة عن المصير الذي ينتظرها‪.‬‬
‫وقد نفى الله عز وجل اليمان عمن تولى عن طاعته وطاعة رسوله فقال‪:‬‬
‫َ‬
‫من ب َعْد ِ ذ َل ِ َ‬
‫ما‬
‫وَي َ ُ‬
‫قوُلو َ‬
‫مّنا ِبالل ّهِ وَِبالّر ُ‬
‫ك وَ َ‬
‫من ُْهم ّ‬
‫ريقٌ ّ‬
‫ل وَأط َعَْنا ث ُ ّ‬
‫نآ َ‬
‫سو ِ‬
‫م ي َت َوَّلى فَ ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫من ُْهم‬
‫ن‪ ،‬وَإ َِذا د ُ ُ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫سول ِهِ ل ِي َ ْ‬
‫عوا إ ِلى اللهِ وََر ُ‬
‫ريقٌ ّ‬
‫م ب َي ْن َهُ ْ‬
‫حك َ‬
‫ك ِبال ُ‬
‫مِني َ‬
‫م إ َِذا فَ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن قَوْ َ‬
‫ن إ َِذا د ُ ُ‬
‫عوا إ َِلى الل ّهِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫ضو َ‬
‫معْرِ ُ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ن ]النور‪ ،[47،48:‬إلى قوله إ ِن ّ َ‬
‫ّ‬
‫مِني َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫من‬
‫م ْ‬
‫م أن ي َ ُ‬
‫س ِ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫سول ِهِ ل ِي َ ْ‬
‫قولوا َ‬
‫وََر ُ‬
‫ن‪ ،‬وَ َ‬
‫م ال ُ‬
‫معَْنا وَأطعَْنا وَأوْلئ ِك هُ ُ‬
‫م ب َي ْن َهُ ْ‬
‫حك َ‬
‫قهِ فَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ن ]النور‪.[51،52:‬‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه وَي َت ّ ْ‬
‫ه وَي َ ْ‬
‫فائ ُِزو َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫ك هُ ُ‬
‫ش الل ّ َ‬
‫سول َ ُ‬
‫ي ُط ِِع الل ّ َ‬
‫خ َ‬
‫وعن صفية بنت شيبة قالت‪ :‬بينها نحن عند عائشة رضي الله عنها قالت‪:‬‬
‫فذكرت نساء قريش وفضلهن‪ ،‬فقالت عائشة رضي الله عنها‪ } :‬إن لنساء‬
‫ل‪ ،‬وإني والله ما رأيت أفضل من نساء النصار أشد تصديقا ً‬
‫قريش لفض ً‬
‫ن‬
‫ن بِ ُ‬
‫لكتاب الله‪ ،‬ول إيمانا ً بالتنزيل‪ ،‬لقد أنزلت سورة النور وَل ْي َ ْ‬
‫خ ُ‬
‫مرِهِ ّ‬
‫ضرِب ْ َ‬
‫ن ]النور‪ [31:‬فانقلب رجالهن إليهن يتلون ما أنزل الله إليهن فيها‪،‬‬
‫عََلى ُ‬
‫جُيوب ِهِ ّ‬
‫ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته‪ ،‬فما منهن امرأة‬
‫إل قامت إلى مرطها المرحل )أي الذي نقش فيه صور الرحال وهي‬
‫ً‬
‫المساكن( فاعتجرت به )أي سترت به رأسها ووجهها( تصديقا ً وإيمانا بما‬
‫أنزل الله في كتابه‪ ،‬فأصبحن وراء رسول الله معتجرات كأن على رؤوسهن‬
‫الغربان {‪.‬‬
‫وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫الحجاب السلمي بين المد والجزر‬
‫أحمد فهمي ‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫كانت عودة الحجاب ملمحا أساسا من ملمح الصحوة السلمية في مرحلتها‬
‫المعاصرة التي تبدأ من سبعينيات القرن العشرين‪ ،‬وأصبح الحجاب رمزا ً من‬

‫‪165‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫رموز الصحوة وشعارا ً من شعاراتها‪.‬‬
‫والن ـ وبعد ما يقرب من ثلثين عامًا‪ ،‬تنوعت وتعددت فيها أشكال المواجهة‬
‫وميادينها بين الصحوة وأعدائها ـ ل تزال راية الحجاب ترفرف في ساحة‬
‫المعركة‪ ،‬ولكن على نحوٍ يختلف كثيرا ً عما كانت عليه في السبعينيات في‬
‫أكثر المجتمعات السلمية؛ وهذا الختلف في مسألة الحجاب هو ما نحن‬
‫بصدد توصيفه وتقويمه في هذه الصفحات‪.‬‬
‫ولن الواقع ل يعطي معانيه ول يكشف أسراره إل بإضافته إلى ما قبله من‬
‫الزمن‪ ،‬فل بد من إضافة ُبعدٍ تاريخي يسير بقدر ما يكشف لنا الدورة الكاملة‬
‫لنشوء الحجاب وتراجعه‪.‬‬
‫البعاد التاريخية لمعركة الحجاب والسفور في المجتمعات السلمية‪:‬‬
‫رقوا‬
‫يروق للمحللين والعلمانيين المحليين كلما طرحت قضية الحجاب أن ُيغ ِ‬
‫في التساؤل عن الدوافع والسباب وراء انتشار هذه الفريضة المتزايدة منذ‬
‫السبعينيات‪ ،‬وهذا تساؤل معكوس حقيقة‪ ،‬ل بد معه من إضافة البعد‬
‫التاريخي حتى نرى الشياء في سياقها الحقيقي‪ ،‬فيصبح التساؤل الصحيح عن‬
‫ف‬
‫الدوافع والسباب الكامنة وراء تخلي المرأة المسلمة عن حجابها؛ فانحرا ٌ‬
‫ي في التاريخ ل يتجاوز سبعين أو ثمانين عاما ً )متوسط عمر رجل واحد(‪،‬‬
‫فرع ّ‬
‫ذر منذ ما يزيد على ثلثة عشر قرنا ً‬
‫ل متج ّ‬
‫أص‬
‫على‬
‫يقضي‬
‫أن‬
‫بحال‬
‫يمكن‬
‫ل‬
‫ٍ‬
‫من الزمان كشجرة ضخمة فرعها ثابت‪ ،‬وأصلها في السماء‪.‬‬
‫ومن الشواهد العجيبة على هذا النتقال التعسفي التاريخي من الحجاب إلى‬
‫السفور أن بعض رواده الكبار )الصاغر( يشعر المتأمل في سيرة أحدهم‬
‫كأنه يقرأ عن شخصين‪ ،‬الول‪ :‬يرفع راية الحجاب ويدافع عنه‪ ،‬والثاني‪ :‬يعادي‬
‫الحجاب ويرفع راية السفور‪ ،‬ونذكر مثالين على ذلك‪ :‬الول من مصر‪ ،‬والثاني‬
‫من تونس‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ب قاسم ِ أمين‪" :‬المصريون" دفاعا حماسيا عن‬
‫ففي مصر‪ :‬كان أول كت ُ ِ‬
‫ً‬
‫فضائل السلم على المرأة المصرية‪ ،‬ورفعا من شأن الحجاب‪ ،‬ثم لما تمت‬
‫إعادة برمجته على أيدي رواد صالون نازلي‪ ،‬أصدر كتابيه‪" :‬تحرير المرأة"‪،‬‬
‫"المرأة الجديدة"‪ ،‬وجعل من نفسه الداعي الول لفتنة التبرج بين‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫وفي تونس‪ :‬سنة ‪1929‬م وقف شاب عمره يومذاك ‪ 26‬سنة ـ في إحدى‬
‫الندوات ـ يرد على امرأة سافرة تدعو إلى تحرير المرأة‪ ،‬فقال‪" :‬الحجاب‬
‫يصنع شخصيتنا‪ ،‬وبالنسبة لخلعه‪ :‬جوابي هو الرفض‪ ،‬وارتفع الضجيج في‬
‫القاعة‪ ،‬وانتقل الجدال إلى الصحف‪ ،‬وتابع الشاب الدفاع عن الحجاب بنشر‬
‫مقالت في صحيفة تونسية فرنسية‪ ،‬ولم يكن هذا الشاب سوى المجاهد‬
‫الكبر الحبيب بورقيبة نفسه الذي قام في اليوم التالي للستقلل بسحب‬
‫غطاء الرأس عن النساء التونسيات")‪.(1‬‬
‫وسار كثيرون في أنحاء العالم السلمي على نهج قاسم أمين فأصدروا كتبهم‬
‫المسمومة‪ ،‬مثل كتاب‪" :‬امرأتان في الشريعة والمجتمع" للطاهر الحداد في‬
‫تونس سنة ‪0391‬م‪ ،‬و"السفور والحجاب" لنظيرة زين الدين في سوريا في‬
‫العشرينيات‪.‬‬
‫واستمرت جهود المثقفين والمفكرين ـ المتبنين للمنهج التغريبي ـ طيلة‬
‫الحقبة الستعمارية في الترويج للتبرج حتى أصبح واقعا ً مفروضا ً إلى جوار‬
‫الحجاب‪ ،‬ولما أن أتى عهد الستقلل وتولى القوميون زمام المور عملوا ما‬
‫عجز عنه الستعمار‪ ،‬وعمدوا إلى القضاء على البقية الباقية من الحجاب في‬
‫بلدهم‪.‬‬
‫‪166‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يقول صحفي ألماني واصفا ً فترة إقامته في مصر من ‪ 1956‬ـ ‪1961‬م‪:‬‬
‫"ويكفي أن تعلم أنه منذ عشرين عاما ً فقط كانت كل النساء تقريبا ً يرتدين‬
‫الحجاب‪ ،‬أما اليوم فإنه حتى في أكثر المناطق شعبية لم نعد نرى الحجاب")‬
‫‪.(2‬‬
‫وفي سوريا مزق رجال "البعث" الحجاب في شوارع دمشق‪ ،‬ومنعوا‬
‫المحجبات من دخول المدارس بحجابهن)‪.(3‬‬
‫وفي الجزائر دعا "بن بيل" الجزائريات إلى خلع حجابهن‪ ،‬وقال‪ :‬إنني أطالب‬
‫المرأة الجزائرية بخلع الحجاب من أجل الجزائر!)‪ ،(4‬فخرجت العذارى‬
‫المحاربات من بيوتهن‪ ،‬ونزعن الحجاب لول مرة منذ أن اعتنقت بلدهن‬
‫السلم)‪.(5‬‬
‫وحقق العهد الستقللي في المغرب ما لم يستطعه الستعمار في عشرات‬
‫السنين)‪.(6‬‬
‫أما المجاهد بورقيبة فبّز أقرانه في حرب الحجاب‪ ،‬وأصدر مرسومه الشهير )‬
‫‪ (108‬بمنع الحجاب في المؤسسات الرسمية للدولة‪ ،‬ودعا التونسيات أل‬
‫ن السياح الجانب بالغربة في بلدهن)‪ ،(7‬ول يزال الحجاب محاربا ً‬
‫يُ ْ‬
‫شعِْر َ‬
‫بشدة حتى الن في تونس‪ ،‬ولكن ما أن بدأ تهافت الفكر القومي مع هزيمة‬
‫يونيو ‪1967‬م‪ ،‬حتى عاد الحجاب يتربع على عرشه المسلوب من جديد‪ ،‬وما‬
‫أصدق القائل‪" :‬إن الحجاب لم يكن ثمرة النكسة بقدر ما كانت النكسة ثمرة‬
‫التخلي عن الحجاب كمظهر من مظاهر التخلي عن السلم")‪.(8‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ولو شئنا دراسة تطورات الحجاب منذ بدء عودته في السبعينيات وحتى الن‪،‬‬
‫فل بد من انتقاء بلد يصبح نموذجا ً معبرا ً عن أحداث هذه الفترة‪ ،‬ول نجد‬
‫أفضل من النموذج المصري في التعبير عنها؛ فهو نموذج ثري بتطوراته‬
‫وأحداثه ومتغيراته‪ ،‬كما أنه نموذج رائد يراد تسويقه للدول التي لم تبلغ‬
‫مرحلته بعد‪.‬‬
‫ولكي تكتمل الرؤية بأن تحتوي على البعاد الزمنية الثلثة‪ :‬الماضي‪ ،‬الحاضر‪،‬‬
‫احتمالت المستقبل‪ ،‬نتناول قضية الحجاب في تركيا‪ ،‬باعتبارها تحتل المرتبة‬
‫م فهي هدف ُتدفع‬
‫الولى في التطرف العلماني الرافض للسلم‪ ،‬ومن ث َ ّ‬
‫معظم الدول السلمية دفعا ً ـ مع اعتبار تفاوت مواقعها الحالية ـ لبلوغه في‬
‫السنوات القادمة؛ فدراستها وإن كانت تعتبر واقعية بالنسبة لتركيا‪ ،‬إل أنها‬
‫مستقبلية بالنسبة لغيرها من الدول السلمية‬
‫)‪(2 /‬‬
‫الحجاب بين عداء الغرب وعلمانية الزهر‬
‫بقلم فاضل بشناق ‪ /‬فلسطين‬
‫مدير مركز المرشد للدراسات والبحاث ‪ /‬جنين‬
‫لم نفاجأ بقرار فرنسا الحاقدة منع الحجاب السلمي بل المفاجأة الصاعقة‬
‫جاءت على لسان مفتي الزهر عندما أكد في كلمته أن لفرنسا الحق في‬
‫اصدار قرار بمنع الحجاب في المؤسسات والمدارس والجامعات الفرنسية‬
‫ضاربا ً عرض الحائط بكل الحكام الشرعية والمشاعر والقيم والمبادئ‬
‫السلمية السامية ومدمرا ً للقيمة الفقهية لمعهد الزهر الشريف ومحجما ً‬

‫‪167‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لدوره الدعوي الشامل ومجندا ً منبره لترويج الفتاوى المخالفة لروح الدين‬
‫السلمي ومناصرا ً لكل نهج مدمر ومعاد للسلم وقد توجه بموقفه الداعم‬
‫لفرنسا وحربها المعلنة على السلم والمسلمين وكأنه يؤكد أن الزهر‬
‫الشريف مدرسة علمانية تتخذ من الشعار الديني وسيلة لبث افكارها وطرح‬
‫مفاهيمها ويجب أن يغير الغرب انطباعاته عن الزهر كمنبر لنشر الدعوة‬
‫السلمية ‪.‬‬
‫ان موقف المفتي كان وسيظل وصمة عار في جبينه لنه بذلك اعطى‬
‫لفرنسا ولكل أعداء المة مسوغات ومبررات لمحاربة السلم بكل تفاصيله‬
‫ومفرداته وقيمه ومظاهرة وشعاراته ولكن حجم ردود الفعال الرافضة‬
‫والمستنكرة لهذا الموقف حتى من الزهر نفسه لم تكن بالحجم المطلوب‬
‫المر الذي يؤكد أن المة بعلمائها وشعوبها مصابة بمرض اللمبالة القاتل اذ‬
‫لم نسمع أن الجماهير العربية وخاصة في مصر قد خرجت تنكر على المفتي‬
‫مواقفه بل مثل هذه الحتجاجات رأيناها في عدد من الدول الغربية ومن‬
‫المؤسسات والجمعيات الحقوقية غير العربية ول السلمية واننا سوف نجد‬
‫في بحثنا المتواضع هذا أشياء كثيرة تشكل مفارقات ومفاصل وتثير تساؤلت‬
‫وتزرع انطباعات كثيرة لها دللت خطيرة ومؤشرات أخطر تؤدي في النتيجة‬
‫الى تدمير المجتمعات التي تنتشر فيها هذه السلوكيات وخاصة ما تعلق منها‬
‫بالفطرة وما يخالفها ويسير عكس تيارها وبنظرة بسيطة الى أقوال الغربيين‬
‫أنفسهم عن النتائج السلبية التيي خلفتها نظرتهم الخاطئة لمعايير الحضارة‬
‫النسانية وتجريدها من القيم اللزمة لصيانة المجتمع من المنغصات‬
‫والمراض والفيروسات الخلقية والسلوكيات البهيمية تتأكد لنا حقيقة‬
‫وجريمة وخطورة موقف مفتي الزهر على المجتمع العربي والسلمي وعلى‬
‫النسانية جمعاء واننا نسوق بعضا ً من هذه القوال لعلها تجد الى هذا المفتي‬
‫المفتن سبيل ً فتعيده الى رشده ‪.‬‬
‫ة مجتمعها المدمر أنصح‬
‫تقول الصحفية المريكية " هيليان ستانبري " مخاطب ً‬
‫بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلقكم ‪ ،‬امنعوا الختلط ‪ ،‬وقيدوا حرية الفتاة ‪ ،‬بل‬
‫ارجعوا لعصر الحجاب ‪ ،‬فهذا خير لكم من إباحية وانطلق ‪ ،‬ومجون أوربا‬
‫وأمريكا ‪ ،‬امنعوا الختلط ‪ ،‬فقد عانينا منه في أمريكا الكثير ‪ ،‬لقد أصبح‬
‫المجتمع المريكي مجتمًعا مليًئا بكل صور الباحية والخلعة ‪ ،‬إن ضحايا‬
‫الختلط يملون السجون ‪ ،‬إن الختلط في المجتمع المريكي والوروبي ‪،‬‬
‫قد هدد السرة وزلزل القيم والخلق ‪".‬‬
‫وتقول الكاتبة " أنارود " إنه لعار على بلد النجليز أن تجعل بناتها مثل ً‬
‫للرذائل بكثرة مخالطة الرجال ‪.‬‬
‫وفي بريطانيا حذرت الكاتبة النجليزية " الليدي كوك " من أخطار وأضرار‬
‫اختلط النساء بالرجال ‪ ،‬حيث كتبت محذرة ‪ :‬على قدر كثرة الختلط تكون‬
‫ن البتعاد عن الرجال ‪.‬‬
‫كثرة أولد الزنى وقالت علموه ّ‬
‫أما الرقام والحصائيات عن أضرار اختلط النساء بالرجال فتوضح أن ‪%70‬‬
‫ن فاحشة‬
‫إلى ‪ %90‬من الموظفات العاملت بمختلف القطاعات ارتكبت معه ّ‬
‫الزنى ‪.‬‬
‫ن‬
‫ن استفتاء ممن يعملون في مجال المن تعرض ّ‬
‫ونصف من أجري معه ّ‬
‫ن في العمل ‪.‬‬
‫ن من قبل رؤسائه ّ‬
‫لرتكاب فاحشة الزنى معه ّ‬
‫حتى الجامعات وأماكن التربية والتعليم لم تسلم من هذه الموبقات فأستاذ‬
‫الجامعة يرتكب الفاحشة مع طالبته ‪ ،‬والطلب يفعلون ذلك مع الطالبات‬
‫والمعلمات بالرضا أو الكراه ‪.‬‬
‫‪168‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إن الختلط بين الرجال والنساء لم يزد الناس إل شهوانية حيوانية ‪ ،‬وسعاًرا‬
‫بهيمًيا فارتكاب الفواحش ‪ ،‬وهتك العراض في ازدياد وارتفاع ‪ ،‬وهذا الواقع‬
‫يرد على من يقول إن الختلط يكسر الشهوة ‪ ،‬ويهذب الغريزة ‪ ،‬حيث زاد‬
‫الختلط من توقد الشهوة وزاد من الفساد ومثله مثل الظمآن يشرب من‬
‫ماء البحر فل يزيده شربه إل عط ً‬
‫شا على عطش يقول سيد قطب ـ رحمه‬
‫الله ـ ‪ " :‬ولقد شاع في وقت من الوقات أن الختلط تنفيس وترويح‬
‫وإطلق للرغبات الحبيسة ‪ ،‬ووقاية من الكبت ‪ ،‬ومن العقد النفسية )!!( ‪،‬‬
‫ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية رأيت بعيني في أشد البلد إباحة‬
‫وتفلتا من جميع القيود الجتماعية والخلقية والنسانية ما يكذبها وينقضها من‬
‫الساس ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إن بين ‪50‬ـ ‪ %70‬من الرجال المريكان يخونون زوجاتهم على فراش‬
‫الزوجية و ‪ %32‬من الزوجات يخن أزواجهن و ‪ %90‬من النساء متزوجات‬
‫بدون عذرية وفي بريطانيا فقد وصلت نسبة العذرية عند الفتيات صفر‪ %‬كما‬
‫توجد ظاهرة تبادل الزوجات وأن أكثر من مليونين ونصف المليون من‬
‫الزواج المريكيين مارسوا تبادل الزوجات بانتظام ونسبة ‪ %50‬من الصبيان‬
‫والبنات قد تم بينهم لقاء جنسي قبل الخامسة عشرة ‪.‬‬
‫وقد كتبت )) دول ستريت جورتال (( أن واحدا ً من كل أمريكيين طلق زوجته‬
‫وفي مدينة )سان ماتيه( المريكية في كل )‪ (100‬يتزوجون أول العام )‪(80‬‬
‫منهم يطلقون في آخره‪.‬‬
‫وفي مؤتمر النساء عام )‪ (2000‬في باريستبين أن ‪ %70‬من الشابات‬
‫الفرنسيات يعشن وحيدات وأن أعداد المتزوجات زواجا شرعيا تناقص بمقدار‬
‫)‪ (68000‬ألف امرأة وأن ‪ %20‬من الولدة عن طريق الزنا‪.‬‬
‫وفي أمريكا وحدها يقتل مليون ونصف المليون جنين سنويا بسبب عملية‬
‫الجهاض )أين حقوق النسان؟!(‬
‫ويقول )اندروشاييرو(أن أكثر من عشرة آلف فتاة أمريكية تضع مولودا غير‬
‫شرعي سنويا وهي لم تبلغ بعد الرابعة عشرة من عمرها ‪.‬‬
‫هذه هي مقدمة بسيطة يمكن من خللها بيان مدى الخطورة التي تنطوي‬
‫على قرار فرنسا بمنع الحجاب على اعتبار أنه يمثل أحد العلجات لما حل‬
‫في المجتمع الغربي من رذائل وبالتالي يجب أن تحارب هذه القيمة وجر قدم‬
‫الفتاة المسلمة الى هاوية السقوط ‪.‬‬
‫إن الحرب على الحجاب ليست حديثة بل بدأت منذ عقود كثيرة وقد قادت‬
‫هذه الحرب عناوين وهيئات دعمت بشكل كبير ومباشر من أجهزة التدمير‬
‫الغربية وان من أكثر هذه الهيئات فتكا ً في المجتمع العربي وتخريبا ً فيه ما‬
‫تعورف عليها بحركة تحرير المرأة العربية والتي نشأت في مصر وحتى نتبين‬
‫حقيقة هذه الحركة ل بد من التعرف عليها وعلى نشاطاتها ورموزها في‬
‫الوطن العربي ‪.‬‬
‫التعريف بحركة تحرير المرأة ‪:‬‬
‫إن حركة تحرير المرأة حركة علمانية دخيلة ولدت من رحم الغرب الحاقد‬
‫والستعمار الطامع ‪ ،‬نشأت في مصر في بادئ المر‪ ،‬ثم انتشرت في أرجاء‬
‫البلد السلمية‪ .‬تدعو إلى تحرير المرأة من الداب السلمية والحكام‬
‫الشرعية الخاصة بها مثل الحجاب‪ ،‬وتقييد الطلق‪ ،‬ومنع تعدد الزوجات‬

‫‪169‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والمساواة في الميراث وتقليد المرأة الغربية في كل أمر … ونشرت دعوتها‬
‫من خلل الجمعيات والتحادات النسائية في العالم العربي وقد تزامن‬
‫وجودها بوجود وحملت الستعمار كأحد معاوله الرئيسة وإن المتتبع لطبيعة‬
‫انتشار هذه الحركة يخلص الى انها مرتبطة وبشكل مباشر مع أعداء المة‬
‫ومخططاتهم التدميرية واننا في فلسطين مثل ً فقد انتشرت هذه الحركات‬
‫والهيئات خلل السنوات الولى لمسيرة ما يسمى بالسلم لتكون رافدا ً‬
‫رئيسا ً وداعما ً اساسا ً لسياسة الهيمنة والترويض ضد شعبنا حتى يبقى مهزوزا ً‬
‫حتى ولو تم التوصل الى حل سياسي ‪.‬‬
‫التأسيس وأبرز الشخصيات‪:‬‬
‫قبل أن تتبلور الحركة بشكل دعوة منظمة لتحرير المرأة ضمن جمعية‬
‫تسمى التحاد النسائي ‪ ..‬كان هناك تأسيس نظري فكري لها ‪ ..‬ظهر من‬
‫خلل كتب ثلثة ومجلة صدرت في مصروهي ‪:‬‬
‫‪ -1‬كتاب‪ :‬المرأة في الشرق‪ ،‬تأليف المحامي مرقص فهمي ا‪ ،‬نصراني‬
‫الديانة‪ ،‬دعا فيه إلى القضاء على الحجاب وإباحة الختلط وتقييد الطلق‪،‬‬
‫ومنع الزواج بأكثر من واحدة‪ ،‬وإباحة الزواج بين النساء المسلمات‬
‫والنصارى‪.‬‬
‫‪ -2‬كتاب‪ :‬تحرير المرأة‪ ،‬تأليف قاسم أمين‪ ،‬نشره عام ‪1899‬م‪ ،‬بدعم من‬
‫الشيخ محمد عبده وسعد زغلول‪ ،‬وأحمد لطفي السيد‪ .‬زعم فيه أن حجاب‬
‫المرأة السائد ليس من السلم‪ ،‬وقال إن الدعوة إلى السفور ليست خروجا ً‬
‫على الدين ‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -3‬كتاب‪ :‬المرأة الجديدة‪ ،‬تأليف قاسم أمين أيضا ‪ -‬نشره عام ‪1900‬م‬
‫يتضمن نفس أفكار الكتاب الول ويستدل على أقواله وادعاءاته بآراء‬
‫الغربيين‪.‬‬
‫‪ -4‬مجلة السفور‪ :‬صدرت أثناء الحرب العالمية الولى‪ ،‬من قبل أنصار سفور‬
‫المرأة‪ ،‬وتركز على السفور و الختلط‪.‬‬
‫وقد سبق سفور المرأة المصرية‪ ،‬اشتراك النساء بقيادة هدى شعراوي‬
‫) زوجة علي شعراوي ( في ثورة سنة ‪1919‬م فقد دخلن غمار الثورة‬
‫بأنفسهن‪ ،‬وبدأت حركتهن السياسية بالمظاهرة التي قمن بها في صباح يوم‬
‫‪ 20‬مارس سنة ‪1919‬م‪.‬‬
‫وأول مرحلة للسفور كانت عندما دعا سعد زغلول النساء اللواتي تحضرن‬
‫خطبته أن يزحن النقاب عن وجوههن‪ .‬وهو الذي نزع الحجاب عن وجه نور‬
‫الهدى محمد سلطان التي اشتهرت باسم‪ :‬هدى شعراوي مكونة التحاد‬
‫النسائي المصري وذلك عند استقباله في السكندرية بعد عودته من المنفى‪.‬‬
‫واتبعتها النساء فنزعن الحجاب بعد ذلك‪.‬‬
‫لقد تأسس التحاد النسائي في نيسان ‪1924‬م بعد عودة مؤسسته هدى‬
‫شعراوي من مؤتمر التحاد النسائي الدولي الذي عقد في روما عام‬
‫‪1922‬م ‪ ..‬ونادى بجميع المبادئ التي نادي بها من قبل مرقص فهمي‬
‫المحامي وقاسم أمين‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫بعد عشرين عاما ً عقد مؤتمر التحاد النسائي العربي عام ‪1944‬م وقد‬
‫حضرته مندوبات عن البلد العربية‪ .‬وقد رحبت بريطانيا والوليات المتحدة‬
‫المريكية بانعقاد المؤتمر حتى أن حرم الرئيس المريكي روزفلت أبرقت‬

‫‪170‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مؤيدة للمؤتمر‪.‬‬
‫ومن أبرز شخصيات حركة تحرير المرأة‪:‬‬
‫‪ -1‬الشيخ محمد عبده‪ ،‬فقد نبتت أفكار كتاب تحرير المرأة في حديقة أفكار‬
‫الشيخ محمد عبده‪ .‬وتطابقت مع كثير من أفكار الشيخ التي عبر فيها عن‬
‫حقوق المرأة وحديثه عنها في مقالت الوقائع المصرية وفي تفسيره ليات‬
‫أحكام النساء‪.‬‬
‫‪ -2‬سعد زغلول‪ ،‬زعيم حزب الوفد المصري‪ ،‬الذي أعان قاسم أمين على‬
‫إظهار كتبه وتشجيعه في هذا المجال‪.‬‬
‫‪ -3‬لطفي السيد‪ ،‬الذي أطلق عليه أستاذ الجيل وظل يروج لحركة تحرير‬
‫المرأة على صفحات الجريدة لسان حال حزب المة المصري في عهده‪.‬‬
‫‪ -4‬صفية زغلول‪ ،‬زوجة سعد زغلول وابنة مصطفى فهمي باشا رئيس‬
‫الوزراء في تلك اليام وأشهر صديق للنكليز عرفته مصر‪.‬‬
‫‪ -5‬هدى شعراوي‪ ،‬ابنة محمد سلطان باشا الذي كان يرافق الحتلل‬
‫النكليزي في زحفه على العاصمة وزوجة علي شعراوي باشا أحد أعضاء‬
‫حزب المة ) حاليا ً الوفد ( ومن أنصار السفور ‪.‬‬
‫‪ -6‬سيزا نبراوي ) واسمها الصلي زينب محمد مراد (‪ ،‬وهي صديقة هدى‬
‫شعراوي في المؤتمرات الدولية والداخلية‪ .‬وهما أول من نزع الحجاب في‬
‫مصر بعد عودتهما من الغرب إثر حضور مؤتمر التحاد النسائي الدولي الذي‬
‫عقد في روما ‪1923‬م‪.‬‬
‫‪ -7‬درية شفيق‪ ،‬من تلميذات لطفي السيد‪ ،‬رحلت وحدها إلى فرنسا لتحصل‬
‫على الدكتوراه‪ ،‬ثم إلى إنكلترا‪ ،‬وصورتها وسائل العلم الغربية بأنها المرأة‬
‫التي تدعو إلى التحرر من أغلل السلم وتقاليده مثل‪ :‬الحجاب والطلق‬
‫وتعدد الزوجات ولما عادت إلى مصر شكلت حزب ) بنت النيل ( في عام‬
‫‪1949‬م بدعم من السفارة النكليزية والسفارة المريكية كما حصل في‬
‫فلسطين عندما قامت سفارة كندا بدعم احدى الجمعيات الفلسطينيات‬
‫لنفس الهدف والشعار ‪ ..‬وهذا ما ثبت عندما استقالت إحدى عضوات الحزب‬
‫وكان هذا الدعم سبب استقالتها‪ .‬وقد قادت درية شفيق المظاهرات‪،‬‬
‫وأشهرها مظاهرة في عام ‪ 19‬فبراير ‪1951‬م و ‪ 12‬مارس ‪1954‬م‬
‫بالتنسيق مع أجهزة عبد الناصر فقد أضربت النساء في نقابة الصحافيين عن‬
‫الطعام حتى الموت إذا لم تستجب مطالبهن‪ .‬وأجيبت مطالبهن ودخلت درية‬
‫شفيق النتخابات ولم تنجح‪ .‬وانتهى دورها‪ .‬وحضرت المؤتمرات الدولية‬
‫النسائية للمطالبة بحقوق المرأة ‪ -‬على حد قولها‪.‬‬
‫‪ -9‬سهير القلماوي‪ ،‬تربت في الجامعة المريكية في مصر‪ ،‬وتخرجت من‬
‫معهد المريكان‪ ،‬وتنقلت بين الجامعات المريكية والوروبية‪ ،‬ثم عادت‬
‫للتدريس في الجامعة المصرية‪.‬‬
‫‪ -10‬أمينة السعيد‪ ،‬وهي من تلميذات طه حسين‪ ،‬الديب المصري الذي دعا‬
‫إلى تغريب مصر ‪ ..‬ترأست مجلة حواء‪ .‬وقد هاجمت حجاب المرأة بجرأة ‪-‬‬
‫ومن أقوالها في عهد عبد الناصر‪ " :‬كيف نخضع لفقهاء أربعة ولدوا في عصر‬
‫الظلم ولدينا الميثاق ؟ "‪ .‬تقصد ميثاق عبد الناصر الذي يدعو فيه إلى‬
‫الشتراكية ‪ -‬وسخرت مجلة حواء للهجوم على الداب السلمية ‪ ..‬وهي ل‬
‫تزال تقوم بهذا الدور ‪..‬‬
‫‪ -11‬د ‪ .‬نوال السعداوي‪ ،‬زعيمة التحاد المصري حاليا‪ً.‬‬
‫‪ -12‬ونستطيع اضافة العضو الجديد الى القائمة والذي أثبت صدقه واخلصه‬
‫وهو مفتي الزهر ) محمد سيد طنطاوي (‬
‫‪171‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الفكار والمعتقدات‪:‬‬
‫نجمل أفكار ومعتقدات أنصار حركة تحرير المرأة فيما يلي‪:‬‬
‫تحرير المرأة من كل الداب والشرائع السلمية وذلك عن طريق‪:‬‬
‫ ‪ -1‬الدعوة إلى السفور والقضاء على الحجاب السلمي‪.‬‬‫‪ -2‬الدعوة إلى اختلط الرجال مع النساء في المجالت في المدارس‬
‫والجامعات والمؤسسات الحكومية‪ ،‬والسواق‪.‬‬
‫‪ -3‬تقييد الطلق‪ ،‬والكتفاء بزوجة واحدة‪.‬‬
‫‪ -4‬المساواة في الميراث مع الرجل‪.‬‬
‫‪ -5‬الدعوة العلمانية الغربية أو اللدينية بحيث ل يتحكم الدين في مجال الحياة‬
‫الجتماعية خاصة‪.‬‬
‫‪ -6‬المطالبة بالحقوق الجتماعية والسياسية للمرأة ‪.‬‬
‫‪ -7‬أوروبا والغرب عامة هم القدوة في كل المور التي تتعلق بالحياة‬
‫الجتماعية للمرأة‪ :‬كالعمل‪ ،‬والحرية الجنسية‪ ،‬ومجالت النشطة الرياضية‬
‫والثقافية‪.‬‬
‫الجذور الفكرية والعقدية‪:‬‬
‫بعد تبلور حركة تحرير المرأة على شكل التحادات النسائية في بلدنا خاصه‬
‫والدول عامة‪ ،‬أصبحت اللدينية أو ما يسمونه ) العلمانية ( الغربية هي‬
‫الساس الفكري والعقدي لحركة تحرير المرأة‪ .‬وهي موجهة وبشكل خاص‬
‫في البلد السلمية إلى المرأة المسلمة؛ لخراجها من دينها أو ً‬
‫ل‪ .‬ثم إفسادها‬
‫خلقيا ً واجتماعيًاوصول ً الى فساد المجتمع السلمي والسيطرة عليه ‪.‬‬
‫ومن الدلة على أن جذور حركة تحرير المرأة تمتد نحو العلمانية الغربية‬
‫مايلي‪:‬‬
‫ في عام ‪1894‬م ظهر كتاب للكاتب الفرنسي الكونت داركور ‪ ،‬حمل فيه‬‫على نساء مصر وهاجم الحجاب السلمي‪ ،‬وهاجم المثقفين على سكوتهم‪.‬‬
‫ في عام ‪1899‬م ألف أمين كتابه تحرير المرأة أبدا فيه آراء داركور‪.‬‬‫)‪(3 /‬‬
‫ وفي نفس العام هاجم الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل ) زعيم‬‫الحزب الوطني ( كتاب تحرير المرأة وربط أفكاره بالستعمار النكليزي‪.‬‬
‫ ألف القتصادي المصري الشهير محمد طلعت حرب كتاب تربية المرأة‬‫والحجاب في الرد على قاسم أمين ومما قاله‪ " :‬إن رفع الحجاب والختلط‬
‫كلهما أمنية تتمناها أوروبا "‪.‬‬
‫ ترجم النكليز ‪ -‬أثناء وجودهم في مصر ‪ -‬كتاب تحرير المرأة إلى النكليزية‬‫ونشروه في الهند والمستعمرات السلمية‪.‬‬
‫ الدكتورة ) ريد ( رئيسة التحاد النسائي الدولي التي حضرت بنفسها إلى‬‫مصر لتدرس عن كثب تطور الحركة النسائية‬
‫ اغتباط الدوائر الغربية بحركة تحرير المرأة العربية وبنشاط التحاد النسائي‬‫في الشرق وتمثلت ببرقية حرم رئيس الوليات المتحدة المريكية للمؤتمر‬
‫النسائي العربي عام ‪1944‬م‪.‬‬
‫ صلة حزب ) بنت النيل ( بالسفارة النكليزية والدعم المالي الذي يتلقاه‬‫منهما ‪ -‬كما رأينا عند حديثنا عن درية شفيق‪.‬‬
‫ ترحيب الصحف البريطانية بدرية شفيق زعيمة حزب ) بنت النيل (‬‫وتصويرها بصورة الداعية الكبرى إلى تحرير المرأة المصرية من أغلل‬

‫‪172‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السلم وتقاليده‪.‬‬
‫ برقية جمعية ) سان جيمس ( النكليزية إلى زعيمة حزب بنت النيل تهنئها‬‫على اتجاهها الجديد في القيام بمظاهرات للمطالبة بحقوق المرأة‪.‬‬
‫ مشاركة الزعيمة نفسها في مؤتمر نسائي دولي في أثينا عام ‪1951‬م ظهر‬‫من قرارته التي وافقت عليها أنها تخدم الستعمار أكثر من خدمتها لبلدها‪.‬‬
‫ إعلن ) كاميل يفي ( الهندية أن التحاد النسائي الدولي واقع تحت زيادة‬‫الدول الغربية ولستعمارية واستقالتها منه‪.‬‬
‫ إعلن الدكتورة نوال السعداوي رئيسة التحاد النسائي المصري عام‬‫‪1987‬م أثناء المؤتمر أن الدول الغربية هي التي هيأت المال اللزم لعقد‬
‫مؤتمر التحاد النسائي والدول السلمية لم تساهم في ذلك‪.‬‬
‫وعودة الى ما قد بدأنا به حول الحرب المستعرة بقيادة فرنسا على الحجاب‬
‫فانه ل بد من وقفة جادة وقوية لمواجهة هذه الحرب الهادفة الى العبث‬
‫بقيمنا ومبادئنا تمهيدا ً لتخريب شامل لحياتنا والمرأة هي البداية وعلينا أن نبدأ‬
‫من المرأة بتكثيف التوعية وزرع مفاهيم السلم فيها حتى تكون درعا ً منيعا ً‬
‫وسلحا ً فتاكا ً يصعب كسره وهذا يأتي من خلل بيان مفهوم الحجاب ومعناه‬
‫ودوره في تهذيب النفس النسانية وحماية المجتمع من اتلوقوع في‬
‫مستنقعات الرذيلة التي غرق فيها الغرب ويريد أن يغرقنا فيها معه ‪.‬‬
‫مفهوم الحجاب‬
‫في اللغة‪ :‬الحجاب في اللغة هو المنع من الوصول‪ ،‬ومنه قيل للستر الذي‬
‫يحول بين الشيئين‪ :‬حجاب؛ لنه يمنع الرؤية بينهما‪ .‬وسمي حجاب المرأة‬
‫حجابا ً لنه يمنع المشاهدة ‪.‬‬
‫ولقد وردت مادة )حجب( في القرآن الكريم في ثمانية مواضع تدور كلها بين‬
‫الستر والمنع‪.‬‬
‫ْ‬
‫ب{ )‪ (32‬سورة ص أي‪ :‬احتجبت‬
‫ت ِبال ِ‬
‫ح َ‬
‫فمن ذلك‪ :‬قال تعالى‪َ } :‬‬
‫واَر ْ‬
‫جا ِ‬
‫حّتى ت َ َ‬
‫وغابت عن البصر لما توارت بالجبل أو الفق‪.‬‬
‫ب { )‪ (46‬سورة العراف‬
‫ما ِ‬
‫جا ٌ‬
‫ح َ‬
‫وقال تعالى‪}:‬وَب َي ْن َهُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ل ِب َ َ‬
‫ب{)‬
‫من وََراء ِ‬
‫حًيا أوْ ِ‬
‫ح َ‬
‫ه إ ِل وَ ْ‬
‫ما كا َ‬
‫ه الل ُ‬
‫م ُ‬
‫شرٍ أن ي ُكل َ‬
‫وقال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫جا ٍ‬
‫‪ (51‬سورة الشورى ‪ ،‬أي من حيث ل يراه‪.‬‬
‫ن{ )‪ (15‬سورة المطففين ‪،‬‬
‫م َ‬
‫جوُبو َ‬
‫ح ُ‬
‫م ْ‬
‫مئ ِذ ٍ ل ّ َ‬
‫م ي َوْ َ‬
‫عن ّرب ّهِ ْ‬
‫وقال تعالى‪} :‬ك َّل إ ِن ّهُ ْ‬
‫أي مستورون فل يرونه‪.‬‬
‫جاًبا{ )‪ (17‬سورة مريم ‪ ،‬أي ستارا‪.‬‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬فات ّ َ‬
‫م ِ‬
‫ت ِ‬
‫ح َ‬
‫من ُدون ِهِ ْ‬
‫خذ َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب{ )‪(53‬‬
‫مَتا ً‬
‫من وََراء ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح َ‬
‫عا َفا ْ‬
‫وقال تعا لى‪} :‬وَإ َِذا َ‬
‫ن َ‬
‫سأل ْت ُ ُ‬
‫جا ٍ‬
‫سأُلوهُ ّ‬
‫موهُ ّ‬
‫سورة الحزاب ‪ ،‬أي من وراء ساتر مانع للرؤية‪.‬‬
‫ومن هنا نعلم أن مفهوم الحجاب في الصطلح اللغوي هو الستر‪ ،‬وهو وإن‬
‫دل على المنع فإن الستر داخل في مفهوم المنع بالتضمن‪ .‬فالمنع يتضمن‬
‫الستر‪.‬‬
‫في الشرع‪ :‬الحجاب يتحقق فيه مقصد الشرع في حجب المرأة المسلمة من‬
‫غير القواعد من النساء عن أنظار الرجال غير المحارم لها ‪.‬والهدف هو صيانة‬
‫المرأة المسلمة والحفاظ على عفافها وطهارتها‪ ،‬ومن أجل تحقيق هذه الغاية‬
‫فقد جعل السلم للحجاب شروطا ً واضحة تميزه وتحدد مواصفاته الشرعية‪،‬‬
‫فإذا تخلف شرط واحد متفق على وجوبه لم يعد الحجاب شرعيا ً بل هو تبرج‬
‫وسفور أيا ً كان شكله ووصفه‪ .‬ومن هنا كان واجبا ً على كل امرأة مسلمة أن‬
‫تكون عالمة بشروط الحجاب وأوصافه حتى تعبد الله على بصيرة وعلم‪.‬‬

‫‪173‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫شروط الحجاب الشرعي‬
‫ وأما شروط الحجاب الشرعي فهي كالتالي‪:‬‬‫)‪(4 /‬‬
‫‪ -1‬أن يكون ساترا ً لجميع البدن‪ :‬بما في ذلك الوجه منعا ً للفتنة والمفسدة‬
‫وسدا ً للذرائع إذ ان كشف الوجه فتح لباب لدعاة السفور والختلط‪،‬‬
‫والنسان العاقل البصير يجب عليه أن يقيس المور بآثارها ومقتضياتها‬
‫ويحكم عليها من هذه الناحية‪ ،‬والشرع والحمد لله واسع‪ ،‬فيه قواعد عامة‬
‫تضبط الشر وتردعه وتمنعه ‪ .‬ومن أدلة استيعاب الحجاب لجميع بدن المرأة‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ك وَب ََنات ِ َ‬
‫ج َ‬
‫ن‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ك وَن ِ َ‬
‫ساء ال ْ ُ‬
‫ي ُقل ّلْزَوا ِ‬
‫ن ي ُد ِْني َ‬
‫مِني َ‬
‫قول الله جل وعل‪َ} :‬يا أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫عَل َيهن من جَلبيبهن ذ َل ِ َ َ‬
‫ن وَ َ‬
‫ما{ )‬
‫ه غَ ُ‬
‫فوًرا ّر ِ‬
‫ِْ ّ ِ‬
‫كا َ‬
‫حي ً‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ن فََل ي ُؤْذ َي ْ َ‬
‫ك أد َْنى أن ي ُعَْرفْ َ‬
‫َ ِ ِِ ّ‬
‫‪ (59‬سورة الحزاب‪.‬‬
‫قال القرطبي رحمه الله‪ :‬لما كانت عادة العربيات التبذل‪ ،‬وكن يكشفن‬
‫وجوههن كما يفعل الماء‪ ،‬وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن‪ ،‬وتشعب‬
‫الفكر فيهن‪ ،‬أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء‬
‫الجلبيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن ‪.‬‬
‫َ‬
‫ن {‪:‬‬
‫وقال رحمه الله في تفسير الجلباب في قوله تعالى‪ِ } :‬‬
‫من َ‬
‫جلِبيب ِهِ ّ‬
‫والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن ‪.‬‬
‫ومن السنة‪ ،‬ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم قال‪:‬‬
‫" ل تنتقب المرأة المحرمة‪ ،‬ول تلبس القفازين " )رواه البخاري في‬
‫صحيحه(‪.‬‬
‫قال أبو بكر بن العربي‪ -‬رحمه الله‪" :-‬قوله في حديث ابن عمر "ل تنتقب‬
‫المرأة" وذلك لن سترها وجهها بالبرقع فرض إل في الحج‪ .‬فإنها ترخي شيئا ً‬
‫من خمارها على وجهها غير لصق به‪ ،‬وتعرض عن الرجال‪ ،‬ويعرضون عنها"‪.‬‬
‫فعليك أختي المسلمة‪ :‬بالحرص على أن يكون حجابك ساترا ً لجميع بدنك لما‬
‫في ذلك من البعد عن الشبهات وقطع الطريق عن الفساق الذين يتربصون‬
‫ببنات المسلمين في هذه الزمان لسيما وأن مقتضى الورع والحشمة هو‬
‫الستر والحتجاب الكامل عن أنظار الرجال الجانب وبالله التوفيق‪.‬‬
‫ ‪ -2‬أن ل يكون الحجاب ذاته زينة‪ :‬لن الغاية من الحجاب هو تحصيل الستر‬‫والعفاف‪ ،‬فإذا كان الحجاب زينة مثيرة‪ ،‬فقد تعطلت بذلك الغاية منه‪ .‬ولذلك‬
‫من َْها {‬
‫ما ظ َهََر ِ‬
‫نهى الله جل وعل عن ذلك فقال‪ } :‬وََل ي ُب ْ ِ‬
‫ن إ ِّل َ‬
‫ن ِزين َت َهُ ّ‬
‫دي َ‬
‫)النور‪ (31:‬فإبداء زينة الحجاب من التبرج المنهي عنه شرعًا‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫جاهِل ِي ّةِ ا ْ ُ‬
‫لوَلى{ )الحزاب‪(33 :‬‬
‫ج ال ْ َ‬
‫ن ت َب َّر َ‬
‫ن وََل ت َب َّر ْ‬
‫}وَقَْر َ‬
‫ج َ‬
‫ن ِفي ب ُُيوت ِك ُ ّ‬
‫قال الذهبي رحمه الله‪ :‬ومن الفعال التي تلعن عليها المرأة إظهار الزينة‬
‫والذهب واللؤلؤ تحت النقاب‪ ،‬وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت‪،‬‬
‫ولبسها الصباغات والزر الحريرية والفنية القصار‪ ،‬مع تطويل الثوب وتوسعة‬
‫الكمام وتطويلها‪ ،‬وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه ويمقت الله‬
‫فاعله في الدنيا والخرة‪ ،‬ولهذه الفعال التي قد غلبت على أكثر النساء‪،‬قال‬
‫عنهن النبي صلى الله عليه وسلم‪)) :‬اطلعت على النار‪ ،‬فرأيت أكثر أهلها‬
‫النساء((‪.‬‬
‫ً‬
‫أختي المسلمة‪ :‬وتذكري أن كثيرا من المسلمات اليوم قد أخللن بهذا الشرط‬
‫بقصد أو بغير قصد‪ ،‬فقد كثرت في الونة الخيرة أنواع من الحجب المزينة‬

‫‪174‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بأنواع من الزينة‪ ،‬وكم تهافتت عليها الغافلت إعجابا ً بها‪ ..‬وسوف نتطرق‬
‫بإذن الله إلى بيان هذه اللبسة الدخيلة على الحجاب بالتفصيل في هذا‬
‫الكتاب ‪ ،‬ونبين مدى مخالفتها للجلباب الشرعي وأقوال العلماء في ذلك‪.‬‬
‫‪ -3‬أن يكون واسعا ً غير ضيق‪ :‬لن اللباس الضيق يناقض الستر المقصود من‬
‫الحجاب‪ ،‬لذلك إذا لم يكن لباس المرأة المسلمة فضفاضا ً فهو من التبرج‬
‫المنهي عنه‪ ،‬إذ إن عورة المرأة تبدو موصوفة بارزة‪ ،‬ويظهر حجم الفخاذ‬
‫والعجيزة ظهورا ً كامل ً كما تظهر مفاصل المرأة مفصل ً مفصل ً وهذا كله‬
‫يوجب تعلق النفوس الخبيثة والقلوب المريضة‪ .‬فعن أسامة بن زيد قال‪:‬‬
‫كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطية كثيفة كانت مما أهداها دحية‬
‫الكلبي‪ ،‬فكسوتها امرأتي‪ ،‬ففال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫))مالك لم تلبس القبطية؟ " قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬كسوتها امرأتي‪ ،‬فقال لي‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪)) :‬مرها فلتجعل تحتها غللة إني أخاف أن‬
‫تصف حجم عظامها"‪.‬‬
‫وعن أم جعفر بنت مقعد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم قالت‪ )):‬يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أن يطرح على‬
‫المرأة الثوب فيصفها(( فقالت أسماء‪ :‬يا ابنة رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم أل أريك شيئا ً رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة‪ ،‬فحنتها ثم طرحت‬
‫عليها ثوبًا‪ ،‬فقالت فاطمة‪" :‬ما أحسن هذا وأجمله تعرف به المرأة من الرجل‬
‫فإن مت أنا فاغسليني أنت وعلي‪ ،‬ول يدخل علي أحد" فلما توفيت غسلها‬
‫علي وأسماء رضي الله عنهما((‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫قال اللباني‪ -‬رحمه الله‪ -‬تعليقا ً على الحديث‪ :‬فانظر إلى فاطمة بضعة النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم كيف استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة‪ ،‬فل‬
‫شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح‪ ،‬فليتأمل في هذا مسلمات هذا‬
‫العصر اللتي يلبسن من هذه الثياب الضيقة ثم يستغفرن الله تعالى‪ ،‬وليتبن‬
‫إليه وليذكرن قوله صلى الله عليه وسلم‪" :‬الحياء واليمان قرنا جميعًا‪ ،‬فإذا‬
‫رفع أحدهما رفع الخر "‪.‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ )):‬صنفان من أهل النار لم أرهما‪ ،‬قوم‬
‫معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس‪ ،‬ونساء كاسيات عاريات مائلت‬
‫مميلت رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة‪ ،‬ل يدخلن الجنة ول يجدن ريحها وإن‬
‫ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" ]رواه مسلم[‪ .‬فهن كاسيات بالسم‪،‬‬
‫عاريات في الحقيقة" ‪.‬‬
‫ظاهرات‪ .‬ول حول ول قوة إل بالله‪.‬‬
‫ ‪ -5‬أن ل يكون مبخرا ً ول مطيبًا‪ :‬وقد وردت أحاديث كثيرة في تحريم خروج‬‫المرأة متعطرة‪ ،‬فمن ذلك ما رواه أبو موسى الشعري رضي الله عنه قال‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬أيما امرأة استعطرت فمرت على‬
‫قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية" ‪.‬‬
‫وعن زينب الثقفية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬إذا خرجت‬
‫إحداكن إلى المسجد فل تقربن طيبًا(( ]رواه مسلم والنسائي[‪.‬‬
‫ومن الواضح أن المرأة إذا خرجت مستعطرة فإنها تحرك داعية الشهوة عند‬
‫الرجال‪ ،‬لذلك ورد التحريم في ذلك قطعا ً لدابر الفتنة وحفاظا ً على طهارة‬
‫المجتمع‪.‬‬

‫‪175‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ومن تأمل حديث زينب وجد أن التحريم متعلق بالخروج إلى المسجد‪ ،‬وهو‬
‫مكان طهارة وعبادة فما بال مريدة السوق والشوارع وغيرها‪.‬‬
‫‪ -6‬أن ل يشبه لباس الرجال‪ :‬لقوله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫"ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ول من تشبه بالنساء من الرجال "‬
‫وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪" :‬لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل " ‪.‬‬
‫وهذه الحاديث نص في تحريم التشبه مطلقا ً بالرجال سواء في اللباس أو‬
‫في غيره‪ ،‬ومن هنا كان على المرأة المسلمة أن تحرص عن البتعاد عن‬
‫التشبه بالرجال في لباسها سواء كانت في البيت أو في خارج البيت ل سيما‬
‫في عصرنا هذا‪ ،‬حيث اختلطت المور ولم يعد المسلم يميز في كثير من بلد‬
‫المسلمين بين الرجل والمرأة‪ ،‬لشدة التشبه بينهما في اللباس‪ ،‬وقد‬
‫اكتسحت هذه الموجة جموعا ً من المحجبات‪ ،‬فصرن يلبسن من ثياب الرجال‬
‫تحت عباءاتهن مما يسقطهن في هذا المحظور والله المستعان‪.‬‬
‫ ‪ -7‬أن ل يشبه لباس الكافرات‪ :‬وذلك بأن تفصل المرأة المسلمة لباسها‬‫تفصيل ً يتنافى مع حكم الشرع وقواعده في موضوع اللباس‪ ،‬ويدل على‬
‫تفاهة في العقل وفقدان للحياء مما ظهر في هذا العصر وانتشر باسم‬
‫الموديلت التي تتغير من سيئ إلى أسوأ‪ ،‬وكيف ترضى امرأة شرفها الله‬
‫بالسلم ورفع قدرها‪ ،‬أن تكون تابعة لمن يملي عليها صفة لباسها‪ ،‬ممن ل‬
‫يؤمن بالله ول باليوم الخر لن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪ )):‬من تشبه‬
‫بقوم فهو منهم((‪ .‬وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال‪:‬‬
‫"رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال‪ :‬إن هذه‬
‫من ثياب الكفار فل تلبسها"‪.‬‬
‫‪ -8‬أن ل يكون لباس شهرة‪ :‬ولباس الشهرة هو الذي تلبسه المرأة للفات‬
‫وجوه الناس إليها‪ ،‬سواء كان هذا الثوب رفيعا أو وضيعا‪ ،‬لن علة التحريم هي‬
‫تحقق الشهرة في الثياب‪ ،‬فقد روي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما‬
‫قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬من لبس ثوب شهرة في‬
‫الدنيا‪ ،‬ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة‪ ،‬ثم ألهب فيه نارا‬
‫الحجاب هوية شخصية‬
‫إن حجاب المسلمة ‪-‬بالضافة لكونه فريضة ربانية ‪ -‬فهو أبلغ رسالة دعوية‬
‫وخير وسيلة للتعريف وبيان الهوية السلمية‪ ،‬تماما كما يحمل أحدنا بطاقة‬
‫شخصية للتعريف به‪ ،‬أو جواز سفر لتحديد تبعيته لبلده فكذلك الحجاب‪.‬‬
‫التقى أحد الساتذة المريكان بطالبتين مسلمتين‪ ،‬إحداهن سافرة والثانية‬
‫محجبة‪ ،‬فصافح الولى وقال للثانية أعلم أنك مسلمة من ارتدائك الحجاب‪،‬‬
‫وأنا احترم دينك ولن أصافحك!! فأصيبت الولى بالصدمة‪.‬‬
‫إن حجاب المسلمة في أمريكا والغرب تعبير عن الهوية السلمية في زمن‬
‫تلوثت وتشوهت فيه الهوية لدى بعض المسلمين والمسلمات‪.‬‬
‫كلمات ل بد منها‬
‫)‪(6 /‬‬
‫أول ‪ :‬الى الذين يتشدقون بحقوق النسان و الحريات والمساواة نقول هل‬
‫هذه الحقوق لكم وحدكم أم هي للبشر كافة ومنهم المسلمين والمسلمات؟‬
‫فإذا كانت الحرية والعدالة وحقوق النسان كل ل يتجزأ ‪ ,‬فان من حق نساء‬
‫المسلمين ارتداء ما يشأن من ثياب الحشمة والوقار كما ترتدى نساؤكم‬

‫‪176‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ألبسة العرى والعار!! واذا كان الثوب الساتر يقلقكم ويخالف مفاهيمكم‬
‫فلماذا هذه الحملة الواسعة والشرسة ضد زى المراة المسلمة وحدها ؟ فيما‬
‫لم نجد أحدا منكم يتجرأ على التعرض لزى الراهبات المسيحيات مثل أو زى‬
‫نساء الهنود‪ -‬السارى ‪ -‬الطويل أو زي الفتيات اليابانيات اللواتي يرتدين من‬
‫اللبسة ما يشبه الزي السلمي في الحشمة والستر ‪ ،‬أليس هذا دليل ً على‬
‫أنكم تستهدفون السلم وقيمه ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬ان الدراسات والبحاث العلمية الحديثة التي أجراها علماء من أوروبا‬
‫وأمريكا‪ -‬من غير المسلمين‪ -‬أثبتت ان كشف المرأة لجزاء من جسدها‬
‫يعرض تلك الجزاء للصابة بسرطان الجلد بنسب أعلى بكثير من الجزاء‬
‫المستورة من جسدها وهذا ما يفسر ارتفاع سرطانات الجلد لدى نساء‬
‫الغرب وانخفاضه لدى النساء المسلمات ‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬شاب سودانى مسلم في احد المطارات سألته احدى النساء الغربيات‬
‫أثناء فترة انتظار إحدى الرحلت الجوية بأوروبا لماذا ترتدى المسلمات‬
‫الحجاب ؟؟ فأجاب على تساؤلها بسؤال أيضا‪ :‬سيدتى عندما تذهبين إلى‬
‫شراء الفاكهة ‪ ,‬هل تشترين من الثمار المغلفة أم تشترين من الثمار‬
‫المكشوفة المعرضة للذباب والتربة وعبث اليدي غير النظيفة ؟؟ أجابت‬
‫السيدة المسيحية‪ :‬اشترى من الفاكهة المغطاة طبعا‪ ..‬فضحكت المرأة‬
‫إعجابا بالمنطق السلمي السديد في صون جمال المرأة وعفافها وطهارتها‬
‫بالحجاب‪..‬‬
‫رابعا ً ‪ :‬قيمة الشيء بندرته فل تظن المراة البعيدة عن أدب السلم وحجابه‬
‫انها تستأثر باهتمام الرجل و تستحوذ على حواسه بسفورها وتبرجها لن‬
‫طبيعة الرجل يمل بسرعة من الجمال المبتذل الرخيص ويثيره الكنز المخبوء‬
‫‪.‬‬
‫ً‬
‫خامسا‪ :‬الحجاب ليس غطاًء للعقل كما يقول احد الكتاب النصارى في وصفه‬
‫للخمار السلمي بل انه عامل رئيس من عوامل التفوق وان أكثر الوائل هن‬
‫من العفيفات الملتزمات بالخمار السلمي!!‬
‫سادسا‪ :‬ان الحجاب يحمي المرأة من العتداءات والتحرشات الجنسية وقد‬
‫لوحظ ان الغلبية الساحقة من ضحايا جرائم الغتصاب وهتك العرض فى‬
‫مختلف دول العالم هن من المتبرجات السافرات‪ ,‬اما المحتشمات فل يجرؤ‬
‫احد من المجرمين على التعرض لهنوفي هذا يصدق قوله تعالى — ذلك أدنى‬
‫ان يعرفن فل يؤذين‪.. -‬‬
‫سابعًا‪ :‬ان الله تعالى لم يخلق كل النساء على شاكلة واحدة ‪ ,‬لحكمة ربانية ‪,‬‬
‫فمنهن الجميلة ومنهن من هي ذات حظ قليل من الملحة‪ ..‬لهذا فان من‬
‫رحمة الله تعالى بالنساء ان تخفى كل منهن جمالها عن أعين زوج غيرها‪ ,‬فل‬
‫يفتتن الرجل بغير امراته ‪ ,‬ول يسخط على قدر الله في زواجه من امراة اقل‬
‫جمال من غيرها‪ ..‬كذلك يرحم الله الرجل غير القادر على مئونة الزواج‪ -‬مثل‬
‫الشباب العاطل عن العمل في أيامنا هذه‪ -‬فبالحجاب ل يرى هذا المسكين‬
‫من أجساد النساء ما يفتنه ‪,‬فاما ان ينحرف إلى الزنا ‪ ,‬واما ان يكبت شهوته‬
‫ومشاعره فيصاب بأمراض نفسية وعضوية ل حصر لها‪ ..‬لهذا يرحمه ربه‬
‫بتحجب النساء فل تثار شهوته إلى ان يرزقه الله بزوجة تعفه ويعفها‬
‫بالحلل‪ ..‬حتى المراة الجميلة يرحمها الله –كما قال الشيخ الشعراوى رحمه‬
‫الله‪ -‬بان تختمر في شبابها فل تفتن زوج اخرى ‪ ,‬فيجزيها ربها في شيخوختها‬
‫–عندما يزول جمالها – بال يفتتن زوجها بأخرى اصغر منها وأجمل‪..‬‬
‫ثامنا ً ‪ :‬ان من دعا الى التبرج وسفور المرأة انطلق من هوى نفسه المارة‬
‫‪177‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بالسوء وما زال الوضع يتجدد اذ ان المتزعمين لهذه الحملة بغالبيتهم من‬
‫الرجال لكي يجعلوا المرأة متعة للناظرين ليس لها قدسية ول كرامة ول عفة‬
‫وقد اثبتت الدراسات والبحاث والحصائيات أن الغالبية الساحقة ممن‬
‫يدعمون هذا التوجه فشلوا في تكوين حياة زوجية مستقرة وتأليف أسرة‬
‫دافئة فكانت ردة فعلهم الدعوة الى تعميم هذا الفشل وأخراجه من دائرته‬
‫الضيقة ليصبح ظاهرة عامة ‪,‬‬
‫تاسًعا‪:‬انه ل يمكن الفصل بين هذه الحملة وبين البعد السياسي لها اذ بات‬
‫من المؤكد أن رجالت السياسة في دول الكفر واللحاد والستعمار قد‬
‫أدركوا أن المجتمع المسلم ما زال يتمتع ببناء ونسيج اجتماعي قوي ومتين‬
‫وان السنوات الخيرة شهدت تجذرا ً وعودة قوية