‫‪http://www.balligho.

com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تم تحميل هذا الكتاب‬
‫من مكتبة موقع‬
‫"بّلغوا عّني ولو آية"‬

‫رسالتنا‪ :‬يصل الكثير من الناس بعض الرسائل اللكترونية عن السلم ويقومون‬
‫صصنا هذه‬
‫بحذفها أو تجاهلها بحجة أنها طويلة ويثقل عليهم قراءتها‪ .‬لذلك خ ّ‬
‫الصفحة للشتراك في عظة يومية قصيرة أو حديث شريف أو آية تصل إلى بريد‬
‫المشترك بحيث لن يصعب قرائتها والستفادة منها راجيا من المولى عز وجل‬
‫الجر والثواب‪ .‬مثال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪" :‬بلّـغوا عنّـي ولو‬
‫‪".‬آية‬
‫للشتراك في هذه الخدمة الرجاء زيارة موقعنا "بلّـغوا عنّـي ولو آية" في السفل‬
‫‪ :‬وتسجيل البريد اللكتروني‬
‫‪http://www.balligho.com‬‬
‫‪ :‬أو عن طريق إرسال رسالة ولو فارغة إلى‬
‫‪subscribe@balligho.com‬‬
‫‪.‬ويمكنكم أيضا أن تتصفحوا الرشيف بالحاديث المرسلة مسبقًا‬
‫ن في السلم سنة حسنة‪ ،‬فعمل بها‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من س ّ‬
‫بعده‪ ،‬كتب له مثل أجر من عمل بها‪ .‬ول ينقص من أجورهم شيء‪ ...‬الحديث‪.‬‬
‫فاحرصوا يرحمكم ال على نشرها فكل من يزور الموقع ويستفيد منه عن طريقك‬
‫تكسب من الجر الكثير وإن قام بدوره بالعمل بها ونشرها أيضا فكلنا نكسب أمثل‬
‫‪.‬أجورهم ول ينقص من الجر شيئا‬

‫والسّنة‬
‫منهاجنا‪َ :‬‬
‫و َ‬
‫دة إلى الك َِتا ِ‬
‫ب َ‬
‫ع ْ‬
‫ف ال ُ‬
‫بِ َ‬
‫مة‬
‫سل َ ِ‬
‫هم ِ َ‬
‫ف ْ‬
‫ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ةة ةةةةة ةةة ةةةةةة ةةةة ةةةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة‬
‫)ةةةة ةةة ةةةةةةةة ةةة ةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة ةةة‬
‫ةةةةةةةة(‬
‫الكتاب ‪ :‬موسوعة البحوث والمقالت العلمية‬
‫جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة‬
‫حوالي خمسة آلف وتسعمائة مقال وبحث‬
‫علي بن نايف الشحود‬
‫مات القادات والسادات ‪ ،‬وذكرهم معهم مات ‪ ،‬إل العلماء فذكرهم دائم ‪،‬‬
‫ومجدهم قائم ‪ ،‬فألسنة الخلق ‪ ،‬أقلم الحق ‪ ،‬تكتب وتخط لهم الثناء ‪ ،‬وأفئدة‬
‫ى يبيع بّزا ‪ ،‬ولكنه‬
‫الناس صحف تحفظ لهم الحب والوفاء ‪ ،‬كان أبو حنيفة مول ً‬
‫بعلمه هز الدنيا هّزا ‪ ،‬وكان عطاء بن أبي رباح ‪ ،‬خادم لمرأة في البطاح‪،‬‬
‫فنال بعلمه المامة ‪ ،‬وأصبح في المة علمة ‪ ،‬وابن المبارك عبد الله‪ ،‬المولى‬
‫المام الّواه ‪ ،‬والعمش ومكحول ‪ ،‬كانوا من الموالي ولكنهم أئمة فحول ‪،‬‬
‫فالعلم يرفع صاحبه بل نسب ‪ ،‬ويشرفه بل حسب ‪.‬‬
‫وإنما يحصل العلم بخدمته ك ّ‬
‫ي‬
‫ل حين ‪ ،‬وطلبه لُيعبد به رب العالمين ‪ ،‬وط ّ‬
‫الليل والنهار في تحصيله ‪ ،‬والسهر على تفصيله ‪ ،‬ومذاكرته كل يوم ‪،‬‬
‫والستغناء به عن حديث القوم ‪ ،‬ومطالعة مصنفاته ‪ ،‬ومدارسة مؤلفاته ‪،‬‬
‫وتقييد أوابده ‪ ،‬وحفظ شوارده ‪ ،‬وتكرار متونه ‪ ،‬ومعرفة عيونه ‪.‬‬
‫فمن طلبه بصدق ‪ ،‬وحرص عليه بحق ‪ ،‬فهو مهاجر إلى الله ورسوله ‪ ،‬تفتح‬
‫له أبواب الجنة عند وصوله ‪ ،‬وهو مرابط في ثغور المرابطين ‪ ،‬وجواد في‬
‫صفوف المعطين ‪ ،‬ومداده في الوراق ‪ ،‬كدماء الشهداء المهراق ‪ ،‬لنه مقاتل‬
‫بسيف النصوص ‪ ،‬ق ّ‬
‫طاع طريق الملة واللصوص ‪ ،‬وقد يقمع الله به الشرار‪،‬‬
‫جته على لسانه ‪ ،‬وُيسّير‬
‫ما ل يقوم به جيش جرار ‪ ،‬فإن الله يجري ح ّ‬
‫موعظته في بيانه ‪ ،‬فينزع الله بكلمه ح ّ‬
‫ظ الشيطان من النفوس ‪ ،‬ويجتث به‬
‫خطرات الزيغ من الرؤوس ‪ ،‬ويغسل الله بمعين علمه أوساخ القلوب ‪.‬‬
‫وينفض بنصائحه أدران الذنوب ‪ ،‬فكلما بنى إبليس في الرواح ضللة جاء‬
‫العالم فأزهقها ‪ ،‬وكلما نسج في النفس خيمة للباطل قام العالم فمّزقها ‪.‬‬
‫صاحب المال مغموم مهموم ‪ ،‬خادم وليس بمخدوم ‪ ،‬حارس على ماله ‪،‬‬
‫بخيل على عياله ‪ ،‬وصاحب العلم سعيد مسرور ‪ ،‬يعمره الحبور ‪ ،‬ويمل فؤاده‬
‫النور ‪ ،‬تعلم من السؤدد غايته ‪ ،‬ومن الشرف نهايته تجبى إليه ثمرات كل‬
‫شيء من لطائف المعارف ‪ ،‬وتهوي إليه أفئدة الحكمة وهو واقف ‪ ،‬يأتيه‬
‫طلبة العلم من كل فج عميق ‪ ،‬كأنما يؤمون البيت العتيق ‪ ،‬في قلبه نصوص‬
‫الشريعة ‪ ،‬ينزل عليها ماء الفقه فتهتّز وتربو ‪ ،‬وتنبت من كل زوج بهيج ‪،‬‬
‫فترى العالم يجول فكره في المل العلى والناس في أمر مريج ‪ ،‬فقلب‬
‫العالم له جولن في فضاء التوحيد ‪ ،‬وقلب الجاهل في غابات الجهل بليد ‪،‬‬
‫أشرقت في قلب العالم مشكاة فيها مصباح ‪ ،‬وتنفس في نفسه نور الصباح ‪،‬‬
‫أنزل من السماء ماًء فسالت أودية بقدرها ‪ ،‬فاخضرت روضة العالم على‬
‫أثرها‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صيد الكلب المعّلم حلل ‪ ،‬وصيد الكلب الجاهل حرام ووبال ‪ ،‬وما ذاك إل‬
‫لشرف العلم حتى في البهائم ‪ ،‬ومكانة المعرفة حتى في السوائم ‪.‬‬
‫والهدهد حمل علما ً إلى سليمان ‪ ،‬فس ّ‬
‫طر الله اسمه في القرآن ‪،‬فهو بالحجة‬
‫دمغ بلقيس‪ ،‬وأنكر عليهم عبادة إبليس ‪ ،‬وحمل من سليمان رسالة ‪ ،‬وأظهر‬
‫دق عليه بنوم‬
‫بالعلم شجاعة وبسالة ‪ .‬فعليك بالعلم ‪ ،‬والفهم فيه الفهم ‪ ،‬وتص ّ‬
‫فق عليه دمع العيون ‪ ،‬واكتبه في ألواح قلبك ‪ ،‬واستِعن على‬
‫الجفون ‪ ،‬وأن ِ‬
‫طلبه بتوفيق ربك ‪ ،‬وأتِعب في طلبه أقدامك ‪ ،‬وأشغل بتحصيله أيامك ‪ ،‬وإذا‬
‫سهر الناس على الغاني ‪ ،‬فاسهر على المثاني ‪ ،‬وإذا وقع القوم في الملذات‬
‫‪ ،‬وأدمنوا الشهوات ‪ ،‬فاعكف على اليات البينات ‪ ،‬والحكم البالغات ‪ ،‬وإذا‬
‫احتسى العصاة الصهباء فاكرع من معين الشريعة الغراء ‪ ،‬وإذا سمعت‬
‫اللهين يسمرون ‪ ،‬وعلى غيهم يسهرون ‪ ،‬فصاحب الكتاب ‪ ،‬فإنه أوفى‬
‫الصحاب ‪ ،‬وأصدق الحباب ‪ ،‬وإذا رأيت الف ّ‬
‫جر النهار‬
‫لح يغرس الشجار ‪ ،‬ويف ّ‬
‫جر ينابيع الحكمة في الرؤوس ‪ ،‬وإذا‬
‫‪ ،‬فاغرس شجر العلم في النفوس ‪ ،‬وف ّ‬
‫أبصرت التجار يصرفون الفضة والذهب ‪ ،‬فاصرف الحجة كالشهب ‪ ،‬وأطلق‬
‫الموعظة كاللهب ‪.‬‬
‫دعيه غير أهله ‪ ،‬وأن الجهل ينتفي منه الجاهل وهو في جهله‬
‫يكفيك أن العلم ي َ ّ‬
‫‪ ،‬يرفع العالم الصادق بعلمه على الشهيد ‪ ،‬لنه يقتل به كل يوم شيطان مريد‬
‫‪ ،‬العالم سيوفه أقلمه ‪ ،‬وصحفه أعلمه ‪ ،‬ومنبره ظهر حصاِنه ‪ ،‬وحلقته حلبة‬
‫ميدانه ‪ ،‬العالم يفّر من الدنيا وهي تلحقه ‪ ،‬ويأبى المناصب وهي ترمقه ‪،‬‬
‫مر الذي ل يكبو ‪ ،‬ولكن‬
‫والعلم هو الع ْ‬
‫ضب المهند ليس ينبو ‪ ،‬وهو الجواد المض ّ‬
‫المقصود بهذا العلم علم الكتاب والسنة ‪ ،‬الذي يدلك على طريق الجنة ‪ ،‬وهو‬
‫ما قادك إلى التباع ‪ ،‬ونهاك عن البتداع ‪ ،‬فإن كسرك وهصرك ونصرك ‪ ،‬فهو‬
‫علم نافع فإن أعجبك وأطربك وأغضبك فهو علم ضار ‪ ،‬ما كسرك عن الدنيا‬
‫الدنية ‪ ،‬والمراكب الوطّية ‪ ،‬والشهوات الشهية ‪ ،‬وهصرك عن العلو في‬
‫الرض ‪ ،‬ونسيان يوم العرض ‪ ،‬ونصرك على النفس المارة ‪ ،‬والماني‬
‫الغدارة ‪ ،‬فهذا هو العلم المفيد ‪ ،‬والعطاء الفريد ‪.‬‬
‫ورت فاعلم أنه علم‬
‫وإن أعجبك فتكبرت ‪ ،‬وأطربك فتجّبرت ‪ ،‬وأغضبك فته ّ‬
‫ضار‪ ،‬وبناء منهار ‪ ،‬علم ل يلزمك تكبيرة الحرام مع المام ‪ ،‬فهو جهل وأوهام‬
‫‪ ،‬وعلم ل يدعوك إلى الصدق في القوال ‪ ،‬والصلح في العمال ‪،‬‬
‫والستقامة في الحوال ‪ ،‬فهو وبال ‪ ،‬العلم ليس مناصب ومواكب ومراكب‬
‫ومراتب ومكاسب ‪.‬‬
‫)‪(15 /‬‬
‫بل العلم إيمان وإيقان وإحسان وعرفان وإذعان وإتقان ‪ ،‬فهو إيمان بما جاء‬
‫ود به العمل ‪ ،‬ويح َ‬
‫ذر به‬
‫به الرسول ‪ ،‬وإيقان بالمنقول والمعقول ‪ ،‬وإحسان يج ّ‬
‫من الزلل ‪ ،‬وعرفان يحمل على الشكر ‪ ،‬ويدعو لدوام الذكر ‪ ،‬وإذعان يحمل‬
‫على العمل بالمأمور ‪ ،‬واجتناب المحذور ‪ ،‬والرضا بالمقدور ‪ ،‬وإتقان تصلح به‬
‫العبادة ‪ ،‬وتطلب به الزيادة ‪.‬‬
‫مة السلفّية‬
‫المقا َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م اقْت َدِهِ {‬
‫} أوْل َئ ِك ال ِ‬
‫ه فَب ِهُ َ‬
‫ن هَ َ‬
‫داهُ ْ‬
‫دى الل ُ‬
‫ذي َ‬
‫هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا‬
‫أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا‬
‫ول يستطيع الفاعلون فعالهم‬

‫‪3‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ولو حاولوا في النائبات وأجملوا‬
‫قال الراوي ‪ :‬نراك صاحب تحف ‪ ،‬فحدثنا عن مذهب السلف ‪ ،‬ليقتدي به‬
‫الخلف فمله السرور ‪ ،‬وحضره الحبور ‪ ،‬وغشيه النور ‪ ،‬ثم أنشد ‪:‬‬
‫وداٍع دعا إذ نحن بالخيف من منى‬
‫فهّيج أشواق الفؤاد وما ندري‬
‫دعا باسم ليلى غيرها فكأنما‬
‫أطار بليلى طائرا ً كان في صدري‬
‫ثم قال ذكرتمونا خير القرون ‪ ،‬ونون العيون ‪ ،‬فحديثهم ذو شجون ‪.‬‬
‫فهم أهل الّتباع ل البتداع ‪ ،‬وأهل الرواية والسماع ‪ ،‬وا ُ‬
‫للفة والجتماع ‪ ،‬نزل‬
‫الوحي بناديهم ‪ ،‬وسارت السنة من واديهم ‪ ،‬شهدوا التنزيل ‪ ،‬وعرفوا‬
‫التأويل ‪ ،‬قولهم سديد ‪ ،‬وفعلهم رشيد ‪ ،‬ومنهجهم حميد ‪ ،‬ومذهبهم فريد ‪،‬‬
‫اعتصموا بالدليل ‪ ،‬وتركوا القال والقيل ‪ ،‬فهم صفوة كل جيل ‪ ،‬وخلصة كل‬
‫قبيل ‪:‬‬
‫هم النجوم مسائلها إذا التبست‬
‫عليك عند السرى يا صاحبي السبلُ‬
‫اتبع طريقتهم اعرف حقيقتهم‬
‫اقرأ وثيقتهم بالحب يا رج ُ‬
‫ل‬
‫السلف أهدى الناس سبيل ‪ ،‬وأصدقهم قيل ‪ ،‬وأرجحهم تعديل ‪.‬‬
‫هم أعلم ُيهتدى بهم في بيداء الضللة ‪ ،‬وهم أقمار يستضاء بها في ليل‬
‫الجهالة ‪ ،‬هم الموازين الصادقة للمذاهب ‪ ،‬وهم المعين العذب لكل شارب ‪،‬‬
‫دق ‪ ،‬والتفيهق ‪،‬‬
‫وهم الرعيل المختار المقتدي به كل طالب ‪ .‬تركوا التش ّ‬
‫والتشقق ‪ ،‬والتحذلق ‪ ،‬والتمزق ‪.‬‬
‫وهجروا التعسف والتكلف ‪ ،‬لهم منا الحب الصادق ‪ ،‬والعهد الواثق ‪ ،‬والجلل‬
‫والتقدير ‪ ،‬والكرام والتوقير ‪ ،‬والنصرة والتعزير ‪ ،‬شرف الله تلك القدار ‪،‬‬
‫وأنزلهم منازل البرار ‪ ،‬وأسكنهم أجل دار ‪ ،‬وأحسن قرار ‪ ،‬لو كتبت دموعنا‬
‫على خدودنا لما كتبت إل حَبهم ‪ ،‬لو تمنت قلوبنا غاية الماني ما تمّنت إل‬
‫قرَبهم ‪.‬‬
‫أما والذي شق القلوب وأوجد‬
‫م‬
‫المحبة المحبة فيها حيث ل تتصر ُ‬
‫وحملها قلب المحب وإنه‬
‫م‬
‫ليضعف عن حمل القميص ويأل ُ‬
‫لنتم على قرب الديار وبعدها‬
‫أحبتنا إن غبتموا أو حضرتموا‬
‫ملت‬
‫سلوا نسمات الريح كم قد تح ّ‬
‫م‬
‫محبة ص ّ‬
‫ب شوقه ليس يكت ُ‬
‫السلف خير منا ‪ ،‬ارتفع قدرهم عنا ‪ ،‬سبقوا باليمان ‪ ،‬وحب الديان ‪ ،‬والعمل‬
‫بالقرآن ‪ ،‬ونيل درجة الحسان ‪ ،‬هم أهل الهجرة والجهاد ‪ ،‬والصبر والجلد ‪،‬‬
‫عندهم خير زاد ‪ ،‬ليوم المعاد ‪ ،‬وهم صفوة العباد ‪ .‬السلف ليسوا معطلة ‪ ،‬ول‬
‫معتزلة ‪ ،‬ول مؤّولة ‪ ،‬ول مجّهلة ‪ ،‬ول مخّيلة ‪.‬‬
‫لن المعطلة عطلوا الباري مما دلت عليه الحاديث واليات ‪ ،‬والمعتزلة نفوا‬
‫الصفات والمؤولة أّولوا ما أتت به النصوص الواضحات ‪ ،‬والمجهلة قالوا إن‬
‫الرسل ليس عندهم إل تخيلت ‪ ،‬فض ّ‬
‫ل الجميع في العقليات ‪ ،‬وجهلوا‬
‫النقلّيات ‪ ،‬فهدى الله أهل السنة لحسن القوال في الظنيات واليقينيات ‪،‬‬
‫والصفات ‪ ،‬والذات ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والسلف ليسوا خوارج أقوالهم كفرية ‪ ،‬وليسوا جبرية ‪ ،‬ول قدرية ‪ ،‬ول‬
‫أشعرية ‪.‬‬
‫فروا بالكبيرة ‪ ،‬وأخرجوا المسلم من الدين بالجريرة ‪ ،‬وحملوا‬
‫لن الخوارج ك ّ‬
‫السيف على أئمة الحيف ‪ ،‬وخلدوا الفاسق في النار ‪ ،‬مع الكفار ‪ ،‬والجبرية‬
‫قالوا ‪ :‬إن العباد جبروا على الذنوب ‪ ،‬وقهروا على معصية علم الغيوب ‪.‬‬
‫والقدرية قالوا لم يسبق القدر علم ول كتاب ‪ ،‬والمر مستأنف خطأه‬
‫والصواب ‪.‬‬
‫ً‬
‫والشعرية أثبتوا السماء وسبعا من الصفات ‪ ،‬وأّولوا الباقيات ‪ ،‬ولهم مقالت‬
‫زائفات ‪ ،‬والسلف قابلوا النصوص بالذعان والتسليم ‪ ،‬والتوقير والتكريم ‪،‬‬
‫فأمّروها على ظاهرها كما جاءت من غير تمثيل ‪ ،‬وقبلوها من غير تعطيل ‪،‬‬
‫وعرفوها من غير تكييف وفهموها من غير تشبيه ول تزييف ‪.‬‬
‫وأنا إلى السلف انتسب ‪ ،‬لنني رضعت منهجهم ويحرم من الرضاع ما يحرم‬
‫من النسب ‪ ،‬والمبتدعة ليسوا منا ول إلينا ‪ ،‬لن البقر تشابه علينا ‪.‬‬
‫إذا أتاني كتاب مختوم ‪ ،‬عليه توقيع المعصوم ‪ ،‬لثمُته بدموعي وأنفاسي ‪،‬‬
‫ووضعته على راسي ‪ ،‬وقلت سمعا ً وطاعة ‪ ،‬لصاحب الحوض والشفاعة ‪.‬‬
‫وإذا جاءني كتاب بالباطل منمرق ‪ ،‬وبالبدعة مزمرق ‪ ،‬وبالبهتان ممخرق ‪،‬‬
‫مزقته كل ممزق ‪ .‬واعظ الله في كل سريرة ‪ ،‬فإذا ألقيت قميص يوسف‬
‫على يعقوب البصيرة ‪ .‬عاد القلب بنور الوحي بصيرا ‪ ،‬وارتد طرف الباطل‬
‫حسيرا ‪ ،‬وانفل حد الزور كسيرا ‪ .‬سلم على السلف ‪ ،‬من الخلف ‪ ،‬ما غرد‬
‫ن حبيب لحبيب وعطف ‪ ،‬وما رقص قلب صب ورجف ‪،‬‬
‫حمام وهتف ‪ ،‬وما َ‬
‫ح ّ‬
‫وما همع دمع ونزف ‪.‬‬
‫)‪(16 /‬‬
‫جمرك البضاعة بختم محمد ‪ ،‬واكتب على البطاقة ل يستبدل ول يجدد ‪ ،‬واقرأ‬
‫على الكيس خرج من مدينة الرسول ‪ ،‬وحامل الكيس هو المسئول ‪ ،‬واحذر‬
‫من التزوير ‪ ،‬فإن موزع البريد بصير‪ ،‬وقارئ الرسائل خبير‪ ،‬إذا طلع فجر‬
‫البشرى من المدينة أ َذ ّّنا ‪ ،‬وإذا رأينا الركب من طيبة أعلّنا ‪ ،‬وإذا سمعنا‬
‫الهتاف المحمدي أمّنا ‪ ،‬وكلنا حول رايته دندّنا ‪.‬‬
‫خبز كانون الرسالة أبيض ‪ ،‬ل يأكله كل معرض ‪ ،‬الدقيق بالصدق مطحون ‪،‬‬
‫فل يأكله المبطون ‪ ،‬مالك ؟ ل تهتدي في المسالك ؟ وتقع في المهالك ‪،‬‬
‫نناديك إلى أحمد بن حنبل ‪ ،‬فتذهب إلى أحمد بن أبي ُدؤاد المغفل ‪ ،‬ونقول‬
‫رافق إبراهيم بن أدهم ‪ ،‬فترافق الجعد بن درهم ‪ ،‬تهجر الصادق السلفي‬
‫يحيى بن معين ‪ ،‬وتصاحب ابن سينا ‪ ،‬وابن سبعين ‪ ،‬ويعجبك كلم ابن‬
‫الراوندي اللعين ‪ ،‬عليك بمجلس مالك وسفيان ‪ ،‬واهرب من الجهم بن‬
‫صفوان ‪ ،‬عندنا حماد بن زيد ‪ ،‬وعندهم عمرو بن عبيد ‪ ،‬احذر من الكشاف ‪،‬‬
‫فإنه ليس بكاف شاف ‪ ،‬وأحذرك الفصوص ‪ ،‬فإن بين أسطره اللصوص ‪،‬‬
‫جاج ‪ ،‬وخرافات الح ّ‬
‫لج ‪.‬‬
‫السلف أبرياء من الختلف والّلجاج ‪ ،‬وظلم الح ّ‬
‫السلف أطهر من ماء الغمام ‪ ،‬وأزكى من المسك والخزام ‪ ،‬حسبهم تزكية‬
‫الملك الع ّ‬
‫لم ‪ ،‬جمعنا الله بهم في دار السلم ‪ ،‬هجروا العلوم المنطقية ‪،‬‬
‫والقضايا السفسطية ‪ ،‬والعقائد القرمطية ‪ ،‬ولزموا الطريقة الوسطّية ‪.‬‬
‫السلف صادقون ل يكذبون ‪ ،‬عدول ل يظلمون ‪ ،‬وسيعلم الذين ظلموا أي‬
‫مزق‬
‫منقلب ينقلبون ‪ ،‬ولهذا أمر أبو بكر الصديق بقتل مسيلمة الكذاب ‪ ،‬ف ُ‬
‫حراب ‪ :‬عندنا خالدان ‪ :‬سيف الله خالد بن الوليد ‪ ،‬وخالد القسري ذو‬
‫بال ِ‬

‫‪5‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫البطش الشديد ‪ ،‬فخالد ذبح مسيلمة في اليمامة ‪ ،‬وخالد نحر الجعد بن درهم‬
‫وهو في محراب المامة ‪.‬‬
‫لدينا أحمدان ‪ ،‬ولديهم أحمدان ‪ ،‬صادقان ‪ ،‬وكاذبان ‪ ،‬عندنا أحمد بن حنبل ‪،‬‬
‫إمام السنة المبجل ‪ ،‬وعلمة الحديث المفضل ‪ ،‬وأحمد بن تيمّية ‪ ،‬مجدد المة‬
‫السلمية ‪ ،‬صاحب التدمرية والحموّية ‪.‬‬
‫وعندهم أحمد بن أبي ُدؤاد ‪ ،‬صاحب البدعة والعناد ‪ ،‬والخلف والفساد ‪،‬‬
‫وأحمد غلم مرزا قاديان ‪ ،‬حامل الزور والبهتان ‪ ،‬والدجل والطغيان ‪.‬‬
‫عندنا حمادان ‪ ،‬وعندهم حمادان ‪ ،‬عندنا حماد بن زيد ‪ ،‬الراوية المفيد ‪،‬‬
‫والمحدث المجيد ‪ ،‬وحماد بن سلمة ‪ ،‬نصب للصدق علمه ‪ ،‬وأجرى في العلم‬
‫قلمه ‪ ،‬وعندهم حماد عجرد ‪ ،‬الشاعر المعربد ‪ ،‬والضال الملحد ‪ ،‬وحماد‬
‫الراوية ‪ ،‬صاحب الفكار الخاوية ‪ ،‬أمه هاوية ‪.‬‬
‫لشتان ما بين اليزيدين في الندى‬
‫يزيد بن عمرو والغر بن حاتم ِ‬
‫م الفتى الزدي إتلف ماله‬
‫فه ّ‬
‫وه ّ‬
‫م الفتى القيس ّ‬
‫ي جمع الدراهم ِ‬
‫السلف كالعيون ‪ ،‬علجها أن ل تمس ‪ ،‬وكالدرر جماله أن ل يدس ‪ ،‬والسلف‬
‫وبه بالطين ‪ ،‬وكلمهم مبارك متين ‪ ،‬ل يفهمه إل فطين ‪.‬‬
‫كالماء الزلل فل تش ّ‬
‫السلف أعلم ‪ ،‬وأحكم ‪ ،‬وأسلم ‪ ،‬وأحلم ‪ ،‬وأكرم ‪ ،‬والمبتدعة أظلم ‪ ،‬وأغشم ‪،‬‬
‫وأشأم ‪ ،‬وأجرم ‪ ،‬قل ل يستوي الخبيث والطيب ‪ ،‬والقحط والصّيب ‪.‬‬
‫الذباب إذا وقع في الناء ‪ ،‬فاغمسه فإن في أحد جناحيه داء ‪ ،‬وفي الخر دواء‬
‫‪ ،‬وإذا وقع المبتدع في إناء السنة النبوية ‪ ،‬فاهرقه بالكلية ‪ ،‬لن في جناحيه‬
‫كلها بلية ‪.‬‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫الكلب المعلم كل ما صاَده ‪ ،‬لنه جعل العلم زاده ‪ ،‬وإذا جاءك المبتدع بصيد ‪،‬‬
‫فقل حرام صيدك يا بليد ‪ ،‬لنك مفسد رعديد ‪.‬‬
‫ً‬
‫ب ّ‬
‫ب السلف ‪ ،‬بكل تلف ‪ ،‬مّزق الله قلبا ل يحب السلف ‪ ،‬وأزهق‬
‫شر من س ّ‬
‫ً‬
‫الله روحا تهوى المبتدعة الجلف ‪ ،‬نفس ل تحترم السلف مريضة ‪ ،‬وروح ل‬
‫توّقر السلف بغيضة ‪ .‬جزاء علماء الكلم الجريد والنعال ‪ ،‬والسياط الطوال ‪،‬‬
‫والقيد والغلل ‪ ،‬لنهم اشتغلوا بالقشور وتركوا اللباب ‪ ،‬وفارقوا السنة‬
‫والكتاب ‪ ،‬وخالفوا الصحاب ‪.‬‬
‫ددون ‪ ،‬مقتصدون ‪ ،‬عابدون ‪ ،‬مجاهدون ‪ ،‬زاهدون ‪،‬‬
‫السلف ‪ :‬موحدون مس ّ‬
‫متحدون ‪ ،‬متوادون ‪ ،‬متهجدون ‪.‬‬
‫والمبتدعة ‪ :‬متفرقون ‪ ،‬متحذلقون ‪ ،‬متنطعون ‪ ،‬متفيهقون ‪ ،‬متشدقون ‪،‬‬
‫قلقون ‪ ،‬متمزقون‪.‬‬
‫نوح الهداية ‪ ،‬ينادي ابن الغواية ‪ :‬اركب معنا ‪ ،‬فإن القارب يسعنا ‪ ،‬فقال‬
‫الهبل ‪ :‬سآوي إلى جبل ‪ ،‬وما علم أن أعظم جبل ‪ ،‬إتباع سيد الرسل ‪،‬‬
‫وطاعة الملك الجل ‪ ،‬والعمل بما نزل ‪.‬‬
‫مة اليوسفّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫} لَ َ‬
‫ف وَإ ِ ْ‬
‫س َ‬
‫قد ْ كا َ‬
‫ت ِلل ّ‬
‫ن ِفي ُيو ُ‬
‫خوَت ِهِ آَيا ٌ‬
‫سائ ِِلي َ‬
‫كأن الثريا علقت بجبينه‬
‫وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر‬
‫ولو نظرت شمس الضحى في خدوده‬
‫لقالت معاذ الله ما يوسف بشر‬
‫كنا نجلس كل يوم ‪ ،‬مع قوم ‪ ،‬ينتقون من الحديث درره ‪ ،‬ويذكرون لنا العالم‬
‫بحره وبّره ‪ .‬فد َِلف علينا يوما ً من اليام ‪ ،‬شيخ ممشوق المقام ‪ ،‬كثير‬
‫‪6‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫سم وسّلم ‪ ،‬ثم‬
‫سم ‪ ،‬ثم تب ّ‬
‫البتسام ‪ ،‬فصيح الكلم ‪ ،‬فنظر في وجوهنا وتو ّ‬
‫جلس واتكى ‪ ،‬وتأّوه وشكى ‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬ما الخبر ‪ ،‬أيها الشيخ الغر ؟ قال ‪ :‬تذكرت من غبر ‪ ،‬أهل الخبار‬
‫والسير ‪ ،‬فعلمت أننا بالثر ‪ ،‬قلنا ‪ :‬ما السم ‪ ،‬فقد أعجبنا الرسم ‪.‬‬
‫)‪(17 /‬‬
‫قال ‪ :‬أنا عبيد الله بن حسان ‪ ،‬من أهل ميسان ‪ ،‬قلنا ‪ :‬كلمك محبوب ‪،‬‬
‫فقص علينا قصة يوسف بن يعقوب ‪ ،‬فقال ‪ :‬مهما اهتم العالم بالحفظ‬
‫وحرص ‪ ،‬لكن الذهن فتر والخاطر نكص ‪ .‬وكفى بقصص الله وهو يقول ‪:‬‬
‫قص عَل َي َ َ‬
‫ص { ‪ ،‬لكن سوف أخبركم بوقفات ‪ ،‬والعفو‬
‫ن ال ْ َ‬
‫كأ ْ‬
‫ْ‬
‫} نَ ْ‬
‫ح َ‬
‫ق َ‬
‫ن نَ ُ ّ‬
‫س َ‬
‫ح ُ‬
‫ص ِ‬
‫عما نسيناه وفات ‪.‬‬
‫لما نصح يعقوب يوسف أن ل يقص ما رأى ‪ ،‬لنه يخشى عليه ما جرى ‪ ،‬فإنه‬
‫ما خل جسد من حسد ‪ ،‬وكم من قلب بنعم الغير فسد ‪ ،‬فيا أيها العبد استر‬
‫جمال يوسف النعم ‪ ،‬خوفا ً من أن تلقى في غيابة جب النقم ‪ ،‬فيسلط عليك‬
‫ذئب البغضاء ‪ ،‬ل ذئب الصحراء ‪:‬‬
‫عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى‬
‫وت إنسان فكدت أطير‬
‫وص ّ‬
‫ل تعتذر للمخالف ‪ ،‬فيأخذ العذر منك وأنت واقف ‪ ،‬أما ترى يعقوب ‪ ،‬يوم‬
‫خاف على ابنه الخطوب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخاف أن يأكل الذئب يوسف ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬أكله‬
‫جة ‪.‬‬
‫ه هيأ لهم الحجة ‪ ،‬حينما ضلوا في المح ّ‬
‫الذئب فل تأسف ‪ ،‬فكأن ّ‬
‫وجاؤا على قميصه بدم كذب ‪ ،‬لن الذئب ما خلع الثوب ‪ ،‬بل شقه وسحب ‪،‬‬
‫والذئب ل يفتح الزرار ‪ ،‬بل يمزقها بل وقار ‪:‬‬
‫يا ممعنا في السوء والعيب ‪ ...‬ل ينفع التهذيب في الذيب‬
‫لو علمت القافلة بمكانة يوسف ‪ :‬ما قالوا ‪ :‬يا بشرى هذا غلم ‪ ،‬بل لقالوا ‪ :‬يا‬
‫بشرى هذا إمام ‪ ،‬وولي مقدام ‪ ،‬وسيد همام ‪ ،‬ولكن وما أدرى الليل ببدر‬
‫التمام‬
‫يوسف لديه جمال وجلل ‪ ،‬فردعه وازع الجلل ‪ ،‬عن نوازع الجمال ‪ ،‬لما‬
‫قال ‪ :‬معاذ الله ‪ ،‬حماه ربه وتوله ‪.‬‬
‫لو ترك يوسف كلمة اذكرني عند ربك وذكر هو رّبه ‪ ،‬لكشف كربه ‪ ،‬وأزال‬
‫خطبه ‪ ،‬وأسعد قلبه ‪.‬‬
‫سئل عن الرؤى وهو في الزنزانة ‪ ،‬فدعا إلى التوحيد‬
‫‪،‬‬
‫إيمانه‬
‫يوسف ما نسي‬
‫ُ‬
‫‪ ،‬لن التوحيد حياة العبيد ‪ ،‬ل يرده قيد ول يمنعه حديد ‪.‬‬
‫ه‬
‫قد قلت للذئب الوفي لصحب ِ‬
‫أأكلت يوسف في العراء بخلسة‬
‫فأجابني والله لم أهمم به‬
‫ب‬
‫إني أحب النبياء ومهجتي ‪ ...‬يا صاحب الظفار والنيا ِ‬
‫ب‬
‫ودم النبوة سال في الثوا ِ‬
‫ب‬
‫هذا معاذ الله غير صوا ِ‬
‫تفدي النبي ومقلتي وإهابي‬
‫الذئاب ما تأكل النبياء ‪ ،‬ول تلطخ أفواهها بدماء الولياء ‪ ،‬لنهم أصفياء أوفياء‬
‫وإنما يقتل النبياء ذئاب الخليقة ‪ ،‬إذا عميت عليهم الحقيقة ‪ ،‬وأظلمت عليهم‬
‫الطريقة‪:‬‬
‫الذئب أكرم عشرة من ثلة ‪ ...‬خانوا عهود مودة الخوان‬

‫‪7‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في سورة يوسف قميص بريء من الذئب ‪ ،‬وقميص بريء من العيب ‪،‬‬
‫وقميص مضمخ بالطيب ‪.‬‬
‫فالول ‪ :‬قميص يوسف وقد مّزقه الخوان ‪ ،‬والثاني ‪ :‬قميصه وقد مّزقته‬
‫امرأة السلطان ‪ ،‬والثالث ‪ :‬قميصه وقد ألقي على يعقوب فأبصرت العينان ‪:‬‬
‫كأن كل نداء في مسامعه‬
‫قميص يوسف في أجفان يعقوب‬
‫شي ْ ٌ‬
‫لما قال إخوة يوسف له ‪ } :‬وَأ َُبوَنا َ‬
‫خ ك َِبيٌر { ‪ ،‬نسوا أنهم هم الذين أوقعوه‬
‫في هم كثير ‪ ،‬فهو بسبب ما فعلوه في حزنه أسير ‪ ،‬وفي بيته كسير ‪ ،‬فهم‬
‫يحتجون به وقت الحاجة ‪ ،‬وينسونه وقت اللجاجة ‪.‬‬
‫لما قال يعقوب ‪ :‬ل تدخلوا من باب واحد ‪ ،‬لنه خاف الحاسد ‪ ،‬فهو في مكان‬
‫م على الحسود المر ‪،‬‬
‫النعيم قاعد ‪ ،‬فإذا أقبلوا في حملة ‪ ،‬قتلهم جملة ‪َ ،‬فع ّ‬
‫لتضع في عينيه الجمر ‪.‬‬
‫الدنيا وجهها نحس ‪ ،‬يباع يوسف بثمن بخس ‪ ،‬وحزن يعقوب يكاد يذهب‬
‫بالنفس ‪ ،‬والفراعنة بملكهم يفرحون ‪ ،‬وفي دنياهم يمرحون ‪ ،‬وفي نعيمهم‬
‫يسرحون لكن انظر إلى العواقب ‪ ،‬عندما تكشف عن الولياء النوائب ‪،‬‬
‫وتزول عنهم المصائب ‪ .‬فإذا الفرحة الغامرة ‪ ،‬والحياة العامرة ‪ ،‬و النعيم في‬
‫الخرة ‪.‬‬
‫أما الفجار ‪ ،‬فسحابة نهار ‪ ،‬وراحة حمار ‪ ،‬ثم نكال في أسوء دار ‪.‬‬
‫مة ‪ ،‬ففر إلى الباب ‪ ،‬يطلب‬
‫م يوس ُ‬
‫مة ‪ ،‬فتذكر علو الهمة ‪ ،‬وإمامة ال ّ‬
‫ف هَ ّ‬
‫هَ ّ‬
‫الطريق إلى الوهاب ‪ ،‬بعد ما هيئت له السباب ‪ ،‬لن يوسف من سللة‬
‫الطياب ‪ ،‬فتاب وأناب ‪.‬‬
‫يوسف شاب ‪ ،‬من العزاب ‪ ،‬تعّرضت له امرأة ذات منصب وجمال ‪ ،‬وحسن‬
‫ودلل ‪ ،‬فغلقت البواب ‪ ،‬ورفلت في أبهى الثياب ‪ ،‬فتذكر يوم القيامة ‪،‬‬
‫وساعة الندامة ‪ ،‬فقال ‪ :‬أواه معاذ الله ‪ ،‬فمنعه الله وكفاه ‪ ،‬وأنت تتعرض‬
‫للنساء صباح مساء ‪ ،‬غرك الوجه المبرقع ‪ ،‬والحسن المرقع ‪ ،‬ول تحذر‬
‫وتتوّقع ‪.‬‬
‫هب أن نظرتك التي أرسلتها‬
‫ً‬
‫نظر المهيمن فيك أسرع موقعا ‪ ...‬عادت إليك مع الهوى بغزالي‬
‫فخف العظيم الواحد المتعالي‬
‫في قلب يوسف من الوحي نصوص ‪ ،‬وفي قلبك من المعصية لصوص ‪ ،‬في‬
‫شرايين يوسف دماء المامة والدين ‪ ،‬وفي شرايينك شهوة الماء والطين ‪.‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م َرب ّهِ وَن ََهى الن ّ ْ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫خا َ‬
‫قا َ‬
‫ف َ‬
‫ما َ‬
‫يوسف تخرج من جامعة } وَأ ّ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫س عَ ِ‬
‫وى { ‪ ،‬وأنت تخرجت من جامعة ‪ :‬يشكو العيون السود قلبي والهوى ‪.‬‬
‫ال ْهَ َ‬
‫لشتان ما بين اليزيدين في الندى ‪ ...‬يزيد بن عمرو والغر بن حاتم ِ‬
‫يوسف تربيته على شريعة ‪ ،‬وأخلق رفيعة ‪ ،‬وبعضهم يربى على مجلت‬
‫خليعة ‪ ،‬وآداب شنيعة ‪.‬‬
‫وا أسفي على منهج يوسف ‪ ،‬في هذا الواقع المؤسف ‪ ،‬صورة عارية ‪ ،‬وكأس‬
‫وجارية ‪ ،‬وشهوات سارية ‪ ،‬كلها تقول ‪ :‬هيت لك ‪ ،‬وليس عند الجيل صرخة‬
‫معاذ الله ‪.‬‬
‫)‪(18 /‬‬
‫الن حصحص الحق ‪ ،‬وبان الفرق ‪ ،‬فيا شباب الصدق ‪ ،‬قولوا في أحسن نطق‬
‫‪ :‬معاذ الله ‪ .‬من أراد السناء ‪ ،‬والثناء ‪ ،‬والعلياء ‪ ،‬وأن يحمي نفسه من‬

‫‪8‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الفحشاء ‪ ،‬والفعلة الشنعاء ‪ ،‬فليحفظ متن الولياء ‪ :‬معاذ الله ‪.‬‬
‫من عاذ بالله أعاذه ‪ ،‬وأكرم ملذه ‪.‬‬
‫مة السليمانية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب{‬
‫ها‬
‫و‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ت‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ك‬
‫ن‬
‫إ‬
‫دي‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ن‬
‫م‬
‫د‬
‫ح‬
‫ل‬
‫غي‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ل‬
‫كا‬
‫ل‬
‫م‬
‫لي‬
‫ب‬
‫ه‬
‫و‬
‫لي‬
‫ر‬
‫ف‬
‫غ‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ََْ ِ‬
‫َ َ ْ ِ‬
‫ِ ْ ِ‬
‫َ ٍ ِ ْ َ ْ ِ ِّ‬
‫َ ّ ُ‬
‫} َر ّ‬
‫ْ َ‬
‫ُ‬
‫حتى سليمان ما تم الخلود له‬
‫دانت له الرض والجناد تحرسه ‪ ...‬والريح تخدمه والبدو والحضر‬
‫فزاره الموت ل عين ول أثر‬
‫ما مر من قديم الزمان ‪ ،‬ملك كملك سليمان ‪ ،‬فقد علم منطق الطير بل‬
‫ترجمان ‪ ،‬وقد اجتمعت في غيبته الحيوانات والطيور ‪ ،‬في يوم فرح وسرور ‪،‬‬
‫وهناء وحبور ‪ ،‬فقالت البهائم للسد ‪ :‬أيها المير ‪ ،‬اجلس على السرير ‪ ،‬فإنك‬
‫أبونا الكبير ‪ ،‬فتربع جالسا ً ‪ ،‬ثم سكت عابسا ً ‪ ،‬فخاف الجميع ‪ ،‬وأصبحوا في‬
‫موقف فظيع ‪ ،‬فقام الحمار ‪ ،‬أبو المغوار ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا حيدرة ‪ ،‬سكوتك ما‬
‫ت لن الثعلب غاب ‪،‬‬
‫أنكره ‪ ،‬فقال السد ‪ :‬يا حمار البلد ‪ ،‬يا رمز الجلد ‪ ،‬سك ُ‬
‫وقسما ً لو حضر لغرزن في رأسه الناب ‪ ،‬فقام الذيب يتكلم وهو خطيب‬
‫مصيب ‪ ،‬فقال للسد ‪ :‬يا أبا أسامة ‪ ،‬إن الثعلب قليل الكرامة ‪ ،‬عديم‬
‫الشهامة ‪ ،‬فليتك تورده الندامة ‪ ،‬فهو ل يستحق السلمة ‪ ،‬وكان أحد التيوس‬
‫مع الجلوس ‪ ،‬فانسل إلى الثعلب فوجده يلعب فقال ‪ :‬انتبه أيها الصديق ‪،‬‬
‫فالكمين في الطريق‪ ،‬إن السد يتوعدك بالذبح ‪ ،‬فاجتهد معه في الصلح ‪،‬‬
‫فقال الثعلب ‪ :‬فمن الذي دهاني عنده ‪ ،‬وغير علي وده ‪ ،‬قال التيس ‪ :‬هو‬
‫عدوك وعدوي ‪ ،‬الذي في وادٍ يدوي ‪ ،‬هو الذيب الغادر ‪ ،‬صاحب الخيانة‬
‫الفاجر ‪ ،‬قال الثعلب ‪ :‬أنا الداهية الدهياء ‪ ،‬لنثرن لحمه في العراء ‪ ،‬أما‬
‫سمعت الشاعر أحمد ‪ ،‬إذ يقول في شعر مسدد ‪:‬‬
‫الرأي قبل شجاعة الشجعان‬
‫هو أول وهي المحل الثاني‬
‫فلما حضر الثعلب إلى السد ‪ ،‬ودخل مجلسه وقعد ‪ ،‬قال أبو أسامة ‪،‬‬
‫والثعلب أمامه ‪ :‬ما ل َ‬
‫ك تأخرت يا بليد ‪ ،‬تالله إن الموت أقرب إليك من حبل‬
‫الوريد ‪.‬‬
‫قال الثعلب ‪ :‬مهل أبا أسامة ‪ ،‬أبقاك الله للزعامة ‪ ،‬سمعت أنك مريض ‪،‬‬
‫فذهبت إلى البلد العريض ‪ ،‬ألتمس لك دواء ‪ ،‬جعله الله لك شفاء ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ي المر وهونت ‪ ،‬فماذا وجدت ‪ ،‬قال ‪ :‬وجدت أن‬
‫أحسنت ‪ ،‬وسهلت عل ّ‬
‫علجك في كبد الذيب مع حفنة من زبيب ‪ ،‬فقال السد للذيب ‪ ،‬أمرك عجيب‬
‫‪ ،‬وشأنك غريب ‪ ،‬علجي لديك ‪ ،‬وقد سبق أن شكوت عليك ‪ ،‬فلما دنا الذيب‬
‫واقترب ‪ ،‬سحبه السد فانسحب ‪ ،‬فخلع رأسه ‪ ،‬وقطع أنفاسه ‪ ،‬ثم سلخ لبده‬
‫‪ ،‬وأخرج كبده ‪ ،‬فصاح الغراب ‪ ،‬وهو فوق بعض الخشاب ‪ ،‬يا أبا أسامة ‪ ،‬ما‬
‫سد ّ الله فاك ‪ ،‬أنسيت أنك‬
‫تترك الظلم والغشامة ‪ ،‬فرد عليه السد ‪ ،‬اسكت َ‬
‫قتلت أخاك ‪ ،‬ودفنته في تراب ‪ ،‬ما أقبحك من غراب ‪.‬‬
‫قال الغراب ‪ :‬يا ظلوم يا غشوم يا مشؤوم ‪ .‬أنا الذي دل على بلقيس يا‬
‫خسيس ‪ ،‬وجيت سليمان ملك النس والجان ‪ ،‬بنبأ من سبأ ‪ ،‬وحملت الرسالة‬
‫في بسالة ‪ ،‬ودعوت للتوحيد ‪ ،‬وهو حق الله على العبيد ‪ ،‬فبلقيس أسلمت‬
‫بسببي ‪ ،‬وحسبي معروف ونسبي ‪ ،‬ثم أنشد الغراب ‪:‬‬
‫ولقد حملت رسالة مختومة‬
‫يهدي سليمان بها بلقيسا‬
‫فوضعتها في حجرها متلطفا‬
‫كانت تقدس شمسها تقديسا‬
‫‪9‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فأعرض أبو أسامة ‪ ،‬وقطع كلمه ‪ ،‬وإذا بحية لها فحيح ‪ ،‬أقبلت تصيح ‪ ،‬قد‬
‫ذبل شعر رأسها وشاب ‪ ،‬وما بقي لها إل ناب ‪ ،‬فقال السد ‪ :‬من بالباب ‪.‬‬
‫قالت الحية ‪ :‬أنا أم الجلباب ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما اسمك يا حية ‪ ،‬وما معك من قضية ‪،‬‬
‫قالت ‪ :‬اسمي لس ‪ ،‬وخبري على ظاهر فقس ‪ ،‬أنا كنت اسكن ‪ ،‬في قرية‬
‫من قرى فلسطين ‪ ،‬رأسي في الماء ‪ ،‬وذنبي في الطين ‪ ،‬فعصى أهل القرية‬
‫خالقهم ‪ ،‬وكفروا رازقهم ‪ ،‬فساقني إليهم ‪ ،‬وسلطني عليهم ‪ ،‬فقذفت في‬
‫بيرهم من سمي زعافا ‪ ،‬فماتوا آلفا ً ‪ ،‬وهلكوا أصنافا ً ‪ ،‬وردم الله عليهم‬
‫القرية ‪ ،‬لنهم أهل فرية ‪.‬‬
‫فلما ملك سليمان ‪ ،‬اختفت القرية عن العيان ‪ ،‬فأراد أن يرى القرية رأي‬
‫العين ‪ ،‬فاستدعى الرياح في ذلك الحين ‪ ،‬فقال للريح الشمالية ‪ ،‬هبي قوية ‪،‬‬
‫وأخرجي لنا تلك البئر المطوية ‪ ،‬والقرية المنسية ‪ ،‬قالت ‪ :‬يا نبي الله أنا‬
‫أضعف من ذلك بكثير ‪ ،‬أنا خلقني ربي لتلقيح الثمار ‪ ،‬بقدرة القدير ‪ ،‬فقال‬
‫للغربية ‪ :‬أنت لزلت فتية ‪ ،‬فهبي على هذه الدار ‪ ،‬لنرى ما تحتها من الثار ‪،‬‬
‫قالت ‪ :‬يا نبي الله ‪ ،‬أنا خلقني ربي لتلطيف الهواء ‪ ،‬وتبريد الماء ‪ ،‬ولكن‬
‫عليك بالدبور ‪ ،‬فإنها التي أهلكت كل كفور ‪.‬‬
‫فقال سليمان ‪ :‬أيها الدبور ‪ ،‬بأسك مشهور ‪ ،‬وبطشك مذكور ‪ ،‬فأخرجي لنا‬
‫القرية المنكوبة ‪ ،‬لنرى كل أعجوبة ‪ ،‬فهبت ولها هرير ‪ ،‬وزلزلة وصرير ‪،‬‬
‫فاقتلعت التراب والحجر ‪ ،‬ونسفت الشجر ‪ ،‬حتى خرجت القرية واضحة‬
‫المعالم ‪ ،‬كل شيء فيها قائم ‪ ،‬فوجد الحية في البئر ‪ ،‬بناب واحد صغير ‪،‬‬
‫فسمى القرية باسم البئر وناب الحية ‪ ،‬فصار اسمها نابلس كما في السيرة‬
‫المروّية ‪.‬‬
‫)‪(19 /‬‬
‫فقال السد للحمامة ‪ ،‬يا أم يمامة ‪ ،‬حدثينا عن ملك سليمان ‪ ،‬فلن يملك أحد‬
‫خْبر‬
‫خَبر كال ُ‬
‫مثله إلى يوم القيامة ‪ ،‬قالت ‪ :‬حبا ً وكرامة ‪ ،‬يا أيها الهزبر ‪ ،‬ليس ال َ‬
‫‪ ،‬اعلم أنه ما أصبح يفرح بالملك بعد سليمان ‪ ،‬لما أعطاه الله من الملك‬
‫والسلطان ‪ ،‬ملك النس والجان والطير والحيوان ‪ ،‬وكلم الوحوش بل‬
‫ترجمان ‪ ،‬بنيت له القصور من القوارير ‪ ،‬ونحتت له من الجبال المقاصير ‪،‬‬
‫وخزنت له في البحر القناطير ‪ ،‬وسخر الله له الرياح ‪ ،‬تحمله كل صباح ‪،‬‬
‫فملكه فوق ما يصفه الواصفون ‪ ،‬ول يعلم ذلك إل العارفون ‪:‬‬
‫ما عاد يفرح بالولية بعده‬
‫أبدا ول يهني بعيش ناعم‬
‫دنيا متى ما أضحكت في يومها‬
‫أبكت غدا ً من قاتل أو هادم‬
‫ثم مرت النملة تقفز قفزا ‪ ،‬وتهمز همزا ‪ ،‬وهي تقول ‪ :‬أما علمتم بخبري‬
‫المنقول ‪ ،‬أنا التي كلمها سليمان ‪ ،‬وأعطاها المان ‪ ،‬وسجلت قصتي في‬
‫القرآن ‪ ،‬أما قلت للنمل ‪ ،‬ادخلوا مساكنكم ‪ ،‬واحفظوا أماكنكم ‪ ،‬ثم أنشدت ‪:‬‬
‫ن صغير الجسم تحسبه‬
‫ل تحقر ّ‬
‫لكنها همم تسمو بصاحبها ‪ ...‬بالجسم يبلغ آفاقا وأمجادا‬
‫وهمتي ذكرت بي الدهر أحفادا‬
‫ثم مر الكلب ‪ ،‬رمز السلب والنهب ‪ ،‬قال ‪ :‬يا جماعة ‪ ،‬اسمعوا مني ساعة ‪،‬‬
‫فأنا مقصود بالمدح والهجاء ‪ ،‬وما زالت الشراف تهجو وتمدح كما ذكر‬
‫صاحب النشاء ‪ ،‬فأنا أصيد الصيد ‪ ،‬وأقيده بقيد ‪ ،‬وحفظي للبيت سديد ‪،‬‬

‫‪10‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وبأسي لصاحبي شديد ‪ ،‬لكنني دائما بخس محدث ‪ ،‬كما ورد إن تحمل عليه‬
‫يلهث ‪ ،‬فلي إصابات وغلطات ‪ ،‬والحسنات يذهبن السيئات ‪ ،‬فل تظنوا أني‬
‫آية في الخساسة ‪ ،‬ومضرب المثل في النجاسة ‪ ،‬بل انجس مني ‪ ،‬وهذه‬
‫فائدة خذها عني ‪ ،‬من ترك العمل ‪ ،‬بل علم ‪ ،‬وأعرض عن التقوى بعد الفهم ‪،‬‬
‫وأسرف في الظلم ‪ .‬ثم انفض المجلس وقد امتلت بالنس النفس ‪.‬‬
‫واعلم أيها الملهم أن سليمان أعظم من ملك من بني النسان ‪ ،‬وأقصر‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫سم ِ الل ّهِ الّر ْ‬
‫ما َ‬
‫ه ب ِا ِ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ح َ‬
‫ن وَإ ِن ّ ُ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫رسالة في الحديث والقديم ‪ } :‬إ ِن ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ِ‬
‫حيم ِ {‬
‫الّر ِ‬
‫سينّية‬
‫مة ال ُ‬
‫ح َ‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م أهْ َ‬
‫جيد ٌ {‬
‫م ُ‬
‫ح ِ‬
‫ل الب َي ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫} َر ْ‬
‫م ِ‬
‫ميد ٌ َ‬
‫ت إ ِن ّ ُ‬
‫ه عَلي ْك ْ‬
‫ة اللهِ وَب ََركات ُ ُ‬
‫ح َ‬
‫ً‬
‫مرحبا يا عراق جئت أغنيـ‬
‫فجراح الحسين بعض جراحي ‪ ...‬ـك وبعض من الغناء بكاء‬
‫وبصدري من السى كربلء‬
‫ي ‪ ،‬جعلت ترحمي عليه مكان أنيني ‪ ،‬أنا أحب السبطين ‪ ،‬لكني‬
‫أنا ُ‬
‫ي حسين ّ‬
‫سن ّ‬
‫أقدم الشيخين ‪ ،‬ليس من لوازم حب الشمس أن تكره القمر ‪ ،‬وموالة‬
‫الحسن والحسين يقتضي موالة أبي بكر وعمر ‪ ،‬لنه يحبهم ويحبونه ‪،‬‬
‫ويحترمهم ويحترمونه ‪.‬‬
‫قاتل الله عبيد الله ابن زياد ‪ ،‬يحّرج على رؤوس العظماء في سوق المزاد ‪.‬‬
‫الحسين ل يمجد بضريح ‪ ،‬ول بالسراف في المديح ‪ .‬لكننا نصدق في حبه ‪،‬‬
‫ده ‪ ،‬وحملنا وُّده ‪ ،‬وليس بأن نعكف عنده ‪.‬‬
‫ج ّ‬
‫إذا اتبعنا َ‬
‫بعض الناس ذبابة ‪ ،‬يجفو القرابة ‪ ،‬ويسب الصحابة ‪.‬‬
‫عظماؤنا ما بين مقتول ومذبوح ‪ ،‬ومسجون ومبطوح ‪ ،‬ومضروب ومجروح ‪.‬‬
‫وما مات مّنا سّيد حتف أنفه‬
‫ولكن بحد السيف في الروع نقت ُ‬
‫ل‬
‫يا صاحب الفطن ‪ ،‬تريد أن تدخل الجنة بل ثمن ‪ ،‬يا من يريدون الغروس‬
‫والعروس‪ ،‬ابذلوا النفوس ‪ ،‬وقدموا الرؤوس ‪.‬‬
‫تريد شراء الجنة بصاع من شعير ‪ ،‬وهو ل يكفي علوفا ً للعير ‪ ،‬ول فطورا ً‬
‫للبعير ‪ ،‬إذا ناداك المسكين ‪ ،‬كأنه طعنك بسكين ‪ ،‬وأنت تتمنى على الله‬
‫الماني ‪ ،‬وتشتاق لمثل تلك المغاني ‪ .‬أنت من سنين ‪ ،‬تبكي على الحسين ‪،‬‬
‫من يحب الحسين بن علي ‪ ،‬فليطع الولي ‪ ،‬هذا هو الحب الجلي ‪.‬‬
‫أنت مثل شيخ فزاره ‪ ،‬حينما قطع أزراره ‪ ،‬قالوا مالك ‪ ،‬قال ‪ :‬أفدي بها أخي‬
‫أبا عمارة ‪.‬‬
‫جاؤا برأسك يا ابن بنت محمد‬
‫ويكبرون بأن قتلت وإنما‬
‫تركوك في الصحراء ثم كأنما ‪ ...‬متزمل ً بدمائه تزميل‬
‫قتلوا بك التكبير والتهليل‬
‫قتلوا بقتلك عامدين رسول‬
‫أنا أعلن صرخة الحتجاج ‪ ،‬ضد ابن زياد والحجاج ‪ ،‬يا أرض الظالمين ابلعي‬
‫ماءك‪ ،‬ويا ميادين السفاحين اشربي دماءك ‪.‬‬
‫آه ما أطوله من يوم للقتله ‪ ،‬إذا جاء المقتول ومن قتله ‪ ،‬في يوم ل يكون‬
‫مْلك إل للماجد ‪ ،‬وقد خاب فيه الجاحد المعاند ‪.‬‬
‫الحاكم فيه إل الواحد ‪ ،‬ول ال ُ‬
‫الحسين شهيد ‪ ،‬على رغم أنف العنيد ‪ ،‬ما قتل وما نهب ‪ ،‬وما ظلم وما سلب‬
‫‪.‬‬
‫وقد أخطأ ابن خلدون حينما نقل أن الحسين قتل بسيف الشريعة ‪ ،‬وهذا‬
‫‪11‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫النقل من المور الشنيعة ‪ ،‬بل قال شيخ السلم ‪ ،‬علم العلم ‪ :‬قتل الحسين‬
‫بسيف الظلم والعدوان ‪ ،‬وقتله مصيبة يؤجر عليها من استرجع من أهل‬
‫اليمان ‪ :‬إنا لله وإنا إليه راجعون ‪ ،‬وإنا لرسوله عند المصائب لتابعون ‪.‬‬
‫أل إن عينا لم تجد يوم واسط ‪ ...‬عليك بغالي دمعها لجمود‬
‫إن كان قَْتل الحسين من العدل ‪ ،‬فقد ألغى مدلول النقل والعقل ‪ ،‬وما عاد‬
‫في الدنيا ظلم ‪ ،‬وما بقي في الرض إثم ‪ ،‬وإذا احتاج إثبات النهار إلى كلم ‪،‬‬
‫فقل على‬
‫الدنيا السلم ‪.‬‬
‫وليس يصح في الذهان شيء ‪ ...‬إذا احتاج النهار إلى دليل‬
‫في كربلء ‪ ،‬كرب وبلء ‪ ،‬على ثراها قلب ذكي ‪ ،‬ودم زكي ‪.‬‬
‫كأن قتلك يا ابن الطيبين لنا‬
‫كأنما دفنوا السلم في كفن ‪ ...‬سيف من البغي في العناق مشهوُر‬
‫)‪(20 /‬‬
‫قاديُر‬
‫ف حاكته الم َ‬
‫من المصاح ِ‬
‫الحسين ليس بحاجة إلى مآتم ‪ ،‬وولئم ‪ ،‬تزيد المة هزائم إلى هزائم ‪.‬‬
‫الحسين على نهج جده محمد ‪ ،‬وعلى مذهب أبيه المسدد ‪ ،‬تقوى تمنع من‬
‫دل يحمل على النصاف ‪ .‬ولو أن الحسين صاحب دنيا ‪ ،‬لما‬
‫النحراف ‪ ،‬وعَ ْ‬
‫بكينا ‪ ،‬ولو أنه طالب جاه ما اشتكينا ‪ ،‬لكّنه من البيت الطاهر ‪ ،‬صاحب‬
‫النسب الباهر ‪ ،‬أمانته رصينة ‪،‬‬
‫وأخلقه حصينة ‪.‬‬
‫عفاء على دنيا رحلت لغيرها‬
‫ي في المواطن كلها ‪ ...‬فليس بها للصالحين معّرج‬
‫كدأب عل ّ‬
‫ن والغصن من حيث يخرج‬
‫أبي حس ٍ‬
‫صح الخبر في السنة ‪ ،‬أن الحسن والحسين سّيدا شباب أهل الجنة ‪ ،‬فإذا‬
‫قتل السيد كيف حال المسود ‪ ،‬وضحية الحاسد هو المحسود ‪ ،‬وقال جدهما‬
‫المعصوم ‪ :‬هما ريحانتاي من الدنيا ‪ ،‬فهم بهذه التزكية في الدرجة العليا ‪،‬‬
‫والريحانة تشم ول تقطع ‪ ،‬وتمسح ول تقلع ‪ ،‬جاءوا بالرأس إلى ابن زياد في‬
‫العراق ‪ ،‬والدم مهراق ‪ ،‬ثم لم تبك للظلمة عيون ‪ ،‬ولم تتحرك شجون ‪ ،‬وهذا‬
‫برهان على أن قلوب الظلمة كالحجارة ‪ ،‬وأن نفوسهم ملت بالمرارة ‪.‬‬
‫إذا لم تبك من هذي الرزايا‬
‫جْعك قاضية القضايا‬
‫فمت كمدا ً فما في العيش خير ‪ ...‬ولم تف َ‬
‫إذا جمع البرايا كالمطايا‬
‫لما أغمد سيف الجهاد ‪ ،‬سله ابن زياد ‪ ،‬على العلماء والعباد ‪ .‬لو كانت المة‬
‫شاركت في قتل الحسين لكانت ظالمة ‪ ،‬ولو رضيت بذلك لصبحت آثمة ‪،‬‬
‫وقعت المة بين فكي زياد ويزيد ‪ ،‬يدوسون الجماجم ويقولون ‪ :‬هل من مزيد‬
‫‪ ،‬وتصفق له أراذل العبيد ‪ .‬ليل الحسين صلة وخشوع وبكاء ‪ ،‬وليلهم رقص‬
‫وطرب وغناء ‪ ،‬نهار الحسين تلوة وذكر وصيام ‪ ،‬ونهارهم لهو وعشق‬
‫وغرام ‪ .‬ولهذا وقع الخلف وعدم النصاف ‪.‬‬
‫ي بالبخل ما دٌر‬
‫إذا عَّير الطائ ّ‬
‫وقال الدجى للشمس أنت كسيفة‬
‫ً‬
‫سا بالفهاهة باق ُ‬
‫ل‬
‫فيا موت ُزْر إن الحياة ذميمة ‪ ...‬وعّير قِ ّ‬
‫وقال السهى للبدر وجهك حائ ُ‬
‫ل‬

‫‪12‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ويا نفس جدي إن دهرك هاز ُ‬
‫ل‬
‫يا أهل العقول ‪ ،‬إن قتل سبط الرسول ‪ ،‬وابن البتول ‪ ،‬أمر مهول ‪ ،‬فل تخبروا‬
‫أعداء الملة ‪ ،‬بهذه الزلة ‪ ،‬فإنها للمة ذلة ‪ .‬الحسين ليس بحاجة إلى وضع‬
‫أشعار ‪ ،‬ولكن إلى رفع شعار ‪ ،‬دعنا من ترديد القصيد ‪ ،‬والتباكي بالنشيد ‪،‬‬
‫ولكن تابع الحسين في تجريد التوحيد ‪ ،‬وتوقير الشيخين أهل الرأي الرشيد ‪.‬‬
‫العظماء يقتلون بالسيف أعزاء ‪ ،‬والظلمة يموتون على فرشهم أذلء جبناء ‪،‬‬
‫م‬
‫فالعظيم قتل بتذكية شرعية ‪ ،‬والجبان مات ميتة بدعية ‪ُ } .‬‬
‫ت عَل َي ْك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫حّر َ‬
‫ة{‪.‬‬
‫مي ْت َ ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ت أستبقي الحياة فلم أجد‬
‫تأخر ُ‬
‫وليس على العقاب تدمى كلومنا ‪ ...‬لنفسي حياة مثل أن أتقدما‬
‫ولكن على أقدامنا تقطر الدما‬
‫فاتت الحسين الشهادة في بدر لنه صغير ‪ ،‬فعوضه الله بها في صحراء‬
‫العراق وهو كبير ‪ ،‬الرجل يريد أن يكتب اسمه بدم ‪ ،‬وهو يحب البيع ل‬
‫سلم ‪ ،‬ومن يشابه أبه فما ظلم ‪ .‬الذين ينوحون على الحسين ويقولون قتل‬
‫ال ّ‬
‫وهو مظلوم ‪ ،‬قلنا هذا أمر معلوم ‪ ،‬ولكن كفاكم بالنياحة جهل ‪ .‬فهل كان قتل‬
‫عمر وعثمان وعلي عدل ‪ ،‬النياحة في الدين غير مباحة ‪ ،‬لنها مخالفة للمأمور‬
‫‪ ،‬وفعل للمحظور ‪ ،‬وتسخط بالمقدور ‪ ،‬لو لم يقتل الحسين لمات ‪ .‬أفتنوحون‬
‫عليه وقد كسب عز الحياة ‪ .‬وسعادة الوفاة ‪.‬‬
‫ق أنت إحدى المعجزات‬
‫علوّ في الحياة وفي الممات ‪ ...‬بح ٍ‬
‫من أحب الحسين فليفعل فعله في حفظ الدين ‪ ،‬وكراهية الظالمين ‪ ،‬وحب‬
‫المساكين‬
‫قتل الحسين دليل على عظمة السلم ‪ ،‬لن مهره رؤوس تقطع ‪ ،‬وأرواح‬
‫تدفع ‪ ،‬وضريبته دم يسيل ‪ ،‬ورأس في سبيل الله يميل ‪ ،‬السلم كالسد همته‬
‫ليست سخيفة ‪ ،‬ولذلك ل يأكل الجيفة ‪ ،‬لعظمة الشمس أصابها الخسوف ‪،‬‬
‫ولجللة القمر رمي بالكسوف ‪ ،‬والعظماء غرض للحتوف ‪:‬‬
‫قل للذي بصروف الدهر عّيرنا‬
‫أما ترى البحر تعلو فوقه جيف‬
‫وفي السماء نجوم ل عداد لها ‪ ...‬هل حارب الدهُر إل من له خطُر‬
‫وتستقر بأقصى قعره درُر‬
‫وليس يكسف إل الشمس والقمر‬
‫رحم الله السبطين ‪ ،‬الحسن والحسين ‪ ،‬وعليا وفاطمة أكرموا الدين ‪.‬‬
‫والصلة والسلم على خاتم المرسلين ‪ ،‬وآله وصحبه أجمعين ‪.‬‬
‫مة التيمّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫صب َُروا وَ َ‬
‫ن{‬
‫م ً‬
‫جعَلَنا ِ‬
‫كاُنوا ِبآَيات َِنا ُيوقُِنو َ‬
‫دو َ‬
‫ة ي َهْ ُ‬
‫} وَ َ‬
‫مرَِنا ل ّ‬
‫ن ب ِأ ْ‬
‫م أئ ِ ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ما َ‬
‫علمة العلماء والبحر الذي‬
‫افخر فإن الناس فيك ثلثة ‪ ...‬ل ينتهي ولكل لج ساح ُ‬
‫ل‬
‫مستعظم أو حاسد أو جاه ُ‬
‫ل‬
‫قال الراوي نراك متّيم بابن تيمّية ‪ ،‬تذكره باليومّية‪ ،‬ولك إليه ميل وحمّية ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬ليس عروس إل بمهر ‪ ،‬وحديثنا عن ابن تيمّية غدّوه شهر ورواحه شهر‬
‫‪ ،‬وحسبك أنه عالم الدهر ‪ ،‬أّلف الواسطّية فذبت في حبها ‪ ،‬ودّبج الحموّية‬
‫مر كل شيء بأمر ربها ‪ ،‬آه يا أحمد ابن‬
‫فتذّوقت من لّبها ‪ ،‬وجمع التدمرّية تد ّ‬
‫تيمية ‪ ،‬يا من اهتدى بسمّيه ‪ ،‬فنصر السنة وهزم الجهمّية ‪ ،‬بذل للطالبين‬
‫بحره ‪ ،‬وعّرض للسيوف نحره ‪ ،‬ابن تيميه بطل ‪ ،‬هّز الدول ‪ ،‬وأْتبع القول‬
‫العمل ‪.‬‬
‫‪13‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ل‬
‫رأيته فرأيت الناس في رج ٍ‬
‫ف‬
‫ف والدر في صد ِ‬
‫حروفه كشعاع الشمس لو قطرت ‪ ...‬كالفجر في شر ٍ‬
‫ف‬
‫ألفاظه قلت هذا الزهر في تر ِ‬
‫)‪(21 /‬‬
‫ن باّر ‪ ،‬هجر الدرهم والدينار ‪ ،‬وهو لعداء الملة سيف‬
‫ابن تيمية للشريعة اب ٌ‬
‫بّتار ‪ ،‬جنته في صدره ‪ ،‬لنه وحيد عصره ‪ ،‬وفريد دهره ‪ ،‬وقتله شهادة ‪ ،‬لنه‬
‫مجتهد في العبادة ‪ ،‬كثير الفادة ‪ ،‬أرهب عبدة الصنام ‪ ،‬وأذل خصوم‬
‫السلم ‪ ،‬وس ّ‬
‫ل على كل ملحد الحسام‪ ،‬كلمه شهب ‪ ،‬وردوده لهب ‪ ،‬وألفاظه‬
‫ذهب ‪.‬‬
‫له موقف يحمي به الدين ذكره‬
‫ر‬
‫تشيد به الركبان في البدوِ الحض ِ‬
‫أقام عمود الدين بالنور والهدى‬
‫وس ّ‬
‫ر‬
‫ل حساما ً فاتك الوقع بالكف ِ‬
‫تع ّ‬
‫طل به سوق الباطل وكسد ‪ ،‬وخافه كل من عصى وفسد ‪ ،‬لن قلبه قلب‬
‫أسد ‪.‬‬
‫الرجل موحد متعبد متهجد متفرد مجدد‪ ،‬زاهد عابد ساجد ماجد حامد رائد‬
‫مجاهد‪ ،‬كم أزال من بدع ‪ ،‬وأظهر من ورع ‪ ،‬وكم من ملحد قمع ‪ ،‬سيفه على‬
‫الضلل مسنون‪ ،‬وقلبه عن حب الدنيا مسجون ‪ ،‬وهو صاحب فنون ومتون‬
‫وشجون ‪.‬‬
‫سارت في الفاق أخباره ‪ ،‬طارت في البقاع أشعاره ‪ ،‬كثر في الحق أنصاره‪،‬‬
‫هو مدرسة العتدال ‪ ،‬وجامعة الستقلل‪ ،‬ورمز النضال ‪ ،‬ل يهاب ول يرتاب‬
‫ول يغتاب ‪،‬‬
‫لله درك ما تركت رسالة‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ب‬
‫أنفقت عمرك للمعالي مثلما ‪ ...‬يوم الوغى ويداك في الكل ِ‬
‫ب‬
‫أنفقت هذا العلم للط ُل ّ ِ‬
‫ابن تيميه فريد ‪ ،‬ل يخضع للتقليد ‪ ،‬وما هو ببليد ‪ ،‬ولكنه عبقري رشيد ‪.‬‬
‫لكلمه حلوة ‪ ،‬وعلى كتبه طلوة ‪ ،‬نصر المعصوم ‪ ،‬وأفحم الخصوم ‪ ،‬الرجل‬
‫رجل كفاح ‪ ،‬وإمام إصلح ‪ ،‬مناضل يحب المناضلين ‪ ،‬ويحارب المغضوب‬
‫عليهم والضالين ‪ ،‬همة وّثابة ‪ ،‬وذاكرة خ ّ‬
‫لبة ‪ ،‬ولسان ج ّ‬
‫ذابة‪ ،‬هو إمام التحرير‬
‫والتحبير والتنوير‪ ،‬ليس بجامد ول جاحد ‪ ،‬ولكنه علمة صامد ‪ ،‬مجاهد ‪ ،‬عابد ‪.‬‬
‫ورع في الّرخص ‪ ،‬وتجرع من أجل السلم الغصص ‪:‬‬
‫أخذ بالعزائم وت ّ‬
‫إن كان يرضيك أن تهوي جماجمنا‬
‫ما تخجل الشمس إل من مواقفنا ‪ ...‬على التراب فهذا الفعل يرضينا‬
‫ول تهاب العدى إل مواضينا‬
‫هذا المام كأنه بكل فضل مخصوص ‪ ،‬أعاد المة للنصوص ‪ ،‬وأراحنا من‬
‫ضلل صاحب الفصوص ‪ .‬مرة يهيل التراب على القدرّية ‪ ،‬وأخرى يلقي‬
‫الموت على النصيرية‪ ،‬سجن العتزال ‪ ،‬في زنزانة الهمال ‪ ،‬خرج على التتار‬
‫بالنار ‪ ،‬وحضر ذاك العراك ‪ ،‬فأذاق هولكو الهلك ‪ ،‬الرجل منصور ‪ ،‬وخصمه‬
‫مقهور ‪.‬‬
‫ترك المطاعم الشهّية ‪ ،‬والمراكب الوطّية ‪ ،‬والمناظر البهّية ‪ ،‬له مع القرآن‬
‫ة في السحر ‪:‬‬
‫سمر ‪ ،‬ومع الذكر سهر ‪ ،‬وله جلس ٌ‬
‫قلت يا ليل هل بجوفك سّر‬
‫‪14‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال لم ألق في حياتي حديثا ً ‪ ...‬عامر بالحديث والسراِر‬
‫كحديث الحباب في السحاِر‬
‫صرامة في الحق ‪ ،‬وإصرار على الصدق ‪ ،‬وعلم في رفق ‪.‬‬
‫زهد ‪ :‬فكأن الذهب تراب ‪ ،‬والجواهر أخشاب ‪ ،‬والدنيا خراب ‪.‬‬
‫شجاعة ‪ :‬فكأن الموت عطية ‪ ،‬والهلك مطّية ‪ ،‬والمنّية هدّية‪.‬‬
‫علم ‪ :‬فكأن البحر زخر ‪ ،‬والمحيط انفجر ‪ ،‬والغيث انهمر‪.‬‬
‫تواضع ‪ :‬فهو أرق من النسيم ‪ ،‬رحيم بالمسكين واليتيم ‪ ،‬هذا المام جاد‬
‫وليس بهازل ‪ ،‬وعن مبدئه ل يتنازل‪ ،‬ولهذا سكن أعلى المنازل ‪.‬‬
‫أخلق طاهرة ‪ ،‬وسنة عليه ظاهرة ‪ ،‬وهمة بين جنبيه باهرة ‪:‬‬
‫له همة لو أن للشمس عشرها‬
‫ب‬
‫فيوما ً مع الذكر الحكيم بمسجد ‪ ...‬لما غربت حتى يجيء لها الغر ُ‬
‫ب‬
‫ويوما ً نديم للقنا والوغى حر ُ‬
‫ما هذا العمق والتأصيل ‪ ،‬واتباع الدليل ‪ ،‬وغزارة التحصيل ‪ ،‬لو أن ابن تيمية‬
‫مبتدع ما فهمناه ‪ ،‬ولو انصرف للدنيا لتهمناه ‪ ،‬لكن الرجل صاحب سنة ‪ ،‬يريد‬
‫الجنة ‪ ،‬له‬
‫عقل صحيح ‪ ،‬ولسان فصيح ‪ ،‬يفلج الخصوم بالحجة ‪ ،‬ويدل الناس على‬
‫مة‪ ،‬علمة‬
‫مة‪ ،‬ثم هو رجل عا ّ‬
‫مة ‪ ،‬وهو في العلوم ها ّ‬
‫المحجة ‪ ،‬نعم الله عليه تا ّ‬
‫الصدق في العاِلم ‪ ،‬العزوف عن الدنايا ‪ ،‬وعدم الخوف من المنايا ‪ ،‬وجمع‬
‫السجايا ‪ ،‬وكذلك كان ابن تيمية ‪.‬‬
‫ودليل فلح العاِلم ‪ ،‬لزوم أحسن طريقة ‪ ،‬والغوص على الحقيقة ‪ ،‬وحب‬
‫الخليقة ‪ ،‬وكذلك كان ابن تيمية ‪.‬‬
‫وبرهان رفعة العاِلم ‪ ،‬خشية الملك الع ّ‬
‫لم ‪ ،‬وُزهد في الحطام ‪ ،‬وِرفق‬
‫بالنام ‪ ،‬وتعليم للعوام ‪ ،‬وكذلك كان ابن تيمية ‪.‬‬
‫فتى قد حباه الله بالحسن يافعا ً‬
‫ولما رأى المجد استعار ثيابه ‪ ...‬كأن عليه من نجابته سوْر‬
‫ترّدى رداًء واسع الجيب واتزْر‬
‫ابن تيمية تفنن في العلوم ‪ ،‬ودفع الخصوم ‪ ،‬ولم يتعلق بالرسوم ‪.‬‬
‫ورة‪،‬‬
‫ورة ‪ ،‬ول هيئة مص ّ‬
‫ليس العلم عند ابن تيمية جّبة مدّورة ‪ ،‬ول عمامة مك ّ‬
‫بل العلم تقى عميق ‪ ،‬ودليل بتحقيق ‪ ،‬وفهم دقيق ‪ .‬وليست المنزلة عند ابن‬
‫تيمية مراتب ومناصب وتكالب ‪ ،‬بل تضحية وجهاد ‪ ،‬ونفع للعباد ‪ ،‬وإصلح‬
‫للبلد ‪ .‬سفينة علمه لعباب الجهل ماخرة ‪ ،‬فآتاه الله ثواب الدنيا وحسن ثواب‬
‫الخرة ‪.‬‬
‫معالم علم الرجل ‪ :‬فهم للسور ‪ ،‬واتباع للثر ‪ ،‬وجمع للدرر ‪ ،‬وإيمان بالقدر ‪،‬‬
‫وجهاد لمن كفر ‪ ،‬جعله الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر‪.‬‬
‫)‪(22 /‬‬
‫ليس بقليل علم فهو يغرف من معين ‪ ،‬ولم يتزوج فهو خاطب الحور العين ‪،‬‬
‫بطح البطائحية ‪ ،‬وجعل المعطلة ضحية ‪ ،‬مزق الزنادقة ‪ ،‬وأغرق بالحجج كل‬
‫فرقة مارقة ‪ ،‬صار كالحاصب ‪ ،‬والعذاب الواصب ‪ ،‬على النواصب ‪ ،‬وأبرم‬
‫الردود والنقائض ‪ ،‬للروافض ‪ ،‬كسر ظهور النصيرية في كسروان ‪ ،‬وأبطل‬
‫خرافات الجهل بالقرآن ‪ ،‬وحل ألغاز الحلولية ‪ ،‬ورد كيد التحادية ‪ ،‬حفر لحادا ً‬
‫للملحدة ‪ ،‬وأخذ كل واحد منهم على حده ‪ ،‬ذاكرته أصابها وابل الرسالة ‪،‬‬
‫وهمته جمعت الحكمة والبسالة ‪ ،‬وذاكرته حملت البراعة والجزالة ‪ ،‬يشفي‬

‫‪15‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بعلمه الجهل ‪ ،‬ويعم سيله الجبل والسهل ‪ ،‬ويروي بفتواه الجموع الوافدة ‪،‬‬
‫ويخطب في الجموع الحاشدة ‪ ،‬يفسر الية في أشهر ‪ ،‬فينفجر منه أنهر ‪ ،‬له‬
‫صولت وجولت ‪ ،‬وعزمات ‪ ،‬وثبات وإخبات‪ .‬واجه المغول في شقحب ‪،‬‬
‫فذكرنا قصة علي ومرحب ‪ ،‬عجب بعضهم من شجاعته في تلك المشاهد ‪،‬‬
‫وقال عنه في الليل أحسن عابد ‪ ،‬وفي النهار أشجع مجاهد ‪.‬‬
‫في الليل رهبان وعند لقائهم‬
‫ن‬
‫هذا ابن تيمية الذي عّزت به ‪ ...‬لعدوهم من أشجع الفرسا ِ‬
‫ن‬
‫هذِ الشريعة آخر الزما ِ‬
‫إذا تكلم قالوا القرآن بين عينيه ‪ ،‬والسنة كلها لديه ‪ ،‬والحكمة تتنزل عليه ‪ ،‬له‬
‫كلم خالد ‪ ،‬ولفظ شارد‪ ،‬يقول ‪ :‬كل أرض ل تشرق عليها شمس الرسالة‬
‫فهي أرض ملعونة ‪ ،‬وكل نفس ل تنتصر على الهوى فهي نفس مسجونة ‪،‬‬
‫وكل مهجة ل تبصر الحق فهي مهجة مغبونة ‪ ،‬ويقول ‪ :‬المعاصي تمنع القلب‬
‫من الجولن في فضاء التوحيد ‪ ،‬وتحبس النفس عن محبة الرحيم الودود ‪.‬‬
‫هذا المام بالحق يقول ‪ ،‬وله قبول ‪ ،‬جمع بين المنقول والمعقول ‪ ،‬له قريحة‬
‫حّية ‪ ،‬ل تقبل زيف القوانين الرضّية ‪ ،‬ونّية صادقة‪ ،‬معه حجة ناطقة ‪ ،‬ونفس‬
‫للحق عاشقة ‪ ،‬نفس تعاف الذل لغير الله حتى كأنه الكفر ‪ ،‬ويد بيضاء‬
‫بالعطاء ومن وسخ الدنيا صفر ‪ ،‬رجل للمّلة مديون ‪ ،‬وعمره للشرع مرهون ‪،‬‬
‫وقلبه عن الدنيا مسجون ‪ ،‬وله عند ربه أجر غير ممنون ‪ .‬هذا الشيخ ليس‬
‫سف ‪ ،‬عنده صفاء ذهن يغوص على الحقائق ‪،‬‬
‫بالمتكلف ‪ ،‬ول للنصوص متع ّ‬
‫وقوة خاطر يدرك الدقائق‪.‬‬
‫رد على أهل التصوف ‪ ،‬ونهاهم عن النحراف والتكلف ‪ ،‬وألزم النواصب حب‬
‫القرابة ‪ ،‬واحترام الصحابة ‪ ،‬وأنكر على الرافضة الغلو والشطط ‪ ،‬وبّين لهم‬
‫الخطأ والغلط ‪ ،‬وله الكلمة البديعة ‪ ،‬إذ يقول ‪ :‬ل يسع أحد مهما كان أن‬
‫يخرج عن الشريعة ‪ ،‬ويقول ‪ :‬ليس أحد يدور معه الحق حيثما دار ‪ ،‬غير النبي‬
‫المختار )صلى الله عليه وسلم( ‪ ،‬وهو القائل ‪ :‬كل يوم وأنا أجدد إسلمي ‪،‬‬
‫وأكثر لنفسي اتهامي‪.‬‬
‫وهذه مقطوعة من الراس ل من القرطاس‪ ،‬وهي تحية للشيخ أبي العباس‪:‬‬
‫ج‬
‫س ْ‬
‫أبدا ً ل ِ‬
‫فر المكرمات ُتدب ّ ُ‬
‫ج‬
‫وتحيط برد الصالحات وتنس ُ‬
‫لك في المعالي دولة وولية‬
‫ج‬
‫أنت الذي بهدى الرسول متوّ ُ‬
‫شّيدت صرح الدين ياعلم الهدى‬
‫ج‬
‫ج ُ‬
‫بالعلم والخلص أنت مد ّ‬
‫وكان يرى أنه ل يسع أي أحد الخروج على الشريعة ‪ ،‬وأن الحوال والقوال‬
‫والفعال المخالفة لها إنما هي أمور شنيعة ‪ ،‬ويقول في المنطق ‪ ،‬وهو قول‬
‫عارف محقق ‪ :‬ل ينتفع به البليد ‪ ،‬ول يحتاج إليه الذكي الرشيد ‪.‬‬
‫وهو لحم جمل ‪ ،‬غث على رأس جبل ‪ ،‬ل سهل فيرتقى ول سمين فينتقل‪،‬‬
‫ساد ‪ ،‬لنه تفرد وساد ‪ ،‬وجاهد لصلح كل فساد‪.‬‬
‫والرجل له ح ّ‬
‫وهو صاحب أحوال عجيبة ‪ ،‬وآراٍء مصيبة ‪ ،‬وله مقامات جليلة ‪ ،‬ومذاهب‬
‫جميلة‪ ،‬حلم عمن حسده ‪ ،‬وأكرم من قصده ‪ ،‬خاطب السلطان بأثبت جنان‪،‬‬
‫وأفصح لسان ‪ ،‬وطالبه بحمل الناس على السنة النبوّية‪ ،‬والخلق المحمدّية ‪،‬‬
‫وشفع لهل الحاجات ‪ ،‬وأرباب الضرورات‪ .‬ولم يتخذ صاحبة ول ولدا ً ‪ ،‬ولم‬
‫يجعل له من دون الله ملتحدا ً ‪ ،‬بل كان يكتفي بالقليل ‪ ،‬ويراه كافيا ً لمن عزم‬
‫على الرحيل ‪ ،‬وكان يعيش على شظف ‪ ،‬مقتديا ً بمن سلف ‪ ،‬ويرى أن الزائد‬
‫‪16‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫على القوت إشغال ‪ ،‬وأن الدنيا دار أهوال ‪ ،‬وكان ينفق كلما يجد ‪ ،‬ولم يحجب‬
‫معروفه عن أحد ‪ ،‬وكان الغريب ‪ ،‬يجد عنده من الترحيب والتقريب ‪،‬‬
‫والمؤانسة وعدم التثريب‪.‬‬
‫وكان يع ّ‬
‫ظم السنة أجل تعظيم ‪ ،‬ويسعى في صيانتها عن كل معتد ٍ أثيم ‪ ،‬وقد‬
‫رزق السعادة في التأليف ‪ ،‬وأعطاه الله الحظ في التصنيف ‪ ،‬وقد طرقت‬
‫العالم رسائله ‪ ،‬وأذنت في أذن الدنيا مسائله ‪ ،‬وشّرقت كتبه وغّربت ‪،‬‬
‫وسّهلت كل صعيب وقربت ‪ ،‬وفيها من حسن السبك ‪ ،‬ومتانة الحبك ‪ ،‬ما‬
‫يدهش العقول ‪ ،‬مع جمعها بين المعقول والمنقول ‪ .‬وكان يعتصم بالبرهان ‪،‬‬
‫ويعود إلى تحقيق وإتقان ‪ ،‬وأقر بعبقريته المخالف والموافق ‪ ،‬وعجب من‬
‫سرعة بديهته المؤمن والمنافق ‪.‬‬
‫دد بالصدق‬
‫وقد نشر الله علومه ‪ ،‬وقهر خصومه ‪ ،‬وثّبت بالحق جنانه ‪ ،‬وس ّ‬
‫لسانه ‪ ،‬مع تمام ديانة‪ ،‬وكمال أمانة ‪ ،‬وحسن صيانة ‪ ،‬وعظيم مكانة ‪.‬‬
‫جاج ‪ ،‬سديد المنهاج ‪ ،‬قوي الحتجاج ‪ ،‬وهو‬
‫والرجل كالقمر الو ّ‬
‫هاج ‪ ،‬والبحر الث ّ‬
‫ً‬
‫صاحب قيام وتهجد ‪ ،‬وأذكار وتعبد ‪ ،‬يلزم المسجد ‪ ،‬ويحب أحيانا العزلة‬
‫حد ‪ ،‬ل يفاخر ‪ ،‬ول تعجبه المظاهر ‪ ،‬ول يكابر ‪ ،‬ول يكاثر ‪.‬‬
‫والتو ّ‬
‫)‪(23 /‬‬
‫وهو الذي صال وجال ‪ ،‬وغلب الرجال ‪ ،‬في المحافل المشهودة ‪ ،‬والمجامع‬
‫المحمودة ‪ ،‬وكان يرهبه الملوك‪ ،‬مع أنه يتواضع لكل مسكين وصعلوك‪.‬‬
‫وقرع بوعظه أسماع الظلمة ‪ ،‬حتى أهدروا دمه ‪ ،‬وعّرض نفسه للخطار ‪،‬‬
‫سبه الواحد القهار ‪:‬‬
‫وخاض الهوال الكبار ‪ ،‬وح ْ‬
‫إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ‪ ...‬فأهون ما يمر به الوحول‬
‫ضّنت بمثله العصار‪،‬‬
‫وكأن هذا المام للدنيا عين إنسانها ‪ ،‬وهدية إحسانها ‪َ ،‬‬
‫حو سيبويه من شفتيه ينساب ‪،‬‬
‫وطنت بذكره المصار‪ ،‬ن ْ‬
‫مَزني قطرة من مزنه ‪ ،‬والكسائي درهم‬
‫ولغة الخليل في فمه تذاب ‪ ،‬كأن ال ُ‬
‫في ردنه ‪ ،‬طالب خصومه بقتله فصفح ‪ ،‬وظفر بهم فعفا وسمح ‪ ،‬لو رآه ابن‬
‫معين‪ ،‬لقال هذا إنسان العين ‪ ،‬ولو أبصره أحمد ‪ ،‬لقال هذا المجتهد المتفرد ‪،‬‬
‫عرف من الحديث المتن والسند ‪ ،‬وما وقف على الظاهر وجمد ‪ ،‬بل غاص‬
‫في المعاني ‪ ،‬وقطف من أغصانها الدواني ‪ ،‬وكان بمورد الشريعة بصيرا ً ‪،‬‬
‫وقد تضلع بها وعب منها ماءا ً نميرا ً ‪ ،‬عينا ً يشرب بها عباد الله يفجرونها‬
‫تفجيرا ً ‪ ،‬ولو أدركه الثوري لكان عنده أثيرا ‪ ،‬وقد مدحه ابن كثير كثيرا ً ‪ ،‬وقد‬
‫ذهب الذهبي يفضل مذاهبه ‪ ،‬ويع ّ‬
‫ظم مواهبه ‪ ،‬وكان يكتب العقود ‪ ،‬ويحل‬
‫القيود ‪ ،‬ويقيم الحدود ‪ ،‬وأقام الحسبة في السواق ‪ ،‬ونشر معتقد السلف‬
‫في الفاق ‪ ،‬وقد انجبر به كسر الدين ‪ ،‬ورفع به عََلم الموحدين ‪ ،‬وكسرت به‬
‫قناة الكاسرة ‪ ،‬وُأرغمت بدعوته أنوف الجبابرة ‪ ،‬وربما خطب عند الولة‬
‫بصوت مرتفع ‪ ،‬تكاد القلوب منه تنخلع ‪ ،‬سجن المّزي فأطلقه ‪ ،‬وجادل‬
‫البطائحي فأغرقه ‪ ،‬ورد على الخنائي فأشرقه ‪.‬‬
‫ّ‬
‫ألف الستقامة فأحيا بها سوق الّتباع وأقامه ‪ ،‬وألف درء التعارض ‪ ،‬ورد ّ على‬
‫ابن الفارض ‪ ،‬وما نسينا‪ ،‬اعتراضه على ابن سينا ‪ ،‬ودحض بالرأي المصيب ‪،‬‬
‫أخطاء الرازي ابن الخطيب ‪ ،‬وحذر من كذب الشعراء ‪ ،‬وزجر عن الظلم‬
‫المراء ‪ ،‬وأخبر أن في الصوفية أخطارا ً خفّية ‪ ،‬مخالفة للسنة المصطفوّية ‪،‬‬
‫ودفع بالدليل أهل التأويل ‪ ،‬وبالتأصيل أهل التعطيل ‪ ،‬وبحسن التحصيل‪ ،‬أهل‬
‫التجهيل والتخييل ‪ ،‬وهو متكلم بارع ‪ ،‬لكل خير مسارع ‪ ،‬متبع للشارع ‪ ،‬وله‬

‫‪17‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إشراق في العبارة ‪ ،‬ولطف في الشارة ‪ ،‬مع سلمة صدر ‪ ،‬وارتفاع قدر ‪،‬‬
‫وربما كتب في الجلسة عدة كراريس ‪ ،‬يأتي فيها بكل مفيد نفيس ‪ ،‬وكان‬
‫يطالع في الية أكثر من مائة تفسير ‪ ،‬ثم يقلب بعد ذلك التفكير ‪ ،‬فيأتي بعد‬
‫ذلك بعلم كثير ‪ ،‬وكان يمرغ جبهته ساجدًا‪ ،‬ويدعو الله جاهدًا‪ ،‬فيفتح عليه‬
‫ي مستقيم ‪ ،‬وكان يكثر من البتهال‬
‫ى كريم ‪ ،‬ورأ ٍ‬
‫الفتاح العليم ‪ ،‬بكل معن ً‬
‫والسؤال ‪ ،‬ويلجأ إلى الله في كل حال ‪ ،‬كثير التذلل لموله ‪ ،‬كثير الخشوع له‬
‫ت أّواه ‪ ،‬دائم اللحاح والمناجاه ‪ ،‬والرجل‬
‫إذا دعاه ‪ ،‬وكان يطيل الصله ‪ ،‬مخب ٌ‬
‫محفوظ بعين الرعاية ‪ ،‬غني عن العلن والدعاية ‪ ،‬ترجم له حتى الخصوم ‪،‬‬
‫والرجل ليس بالمعصوم ‪ ،‬لكن الله فتح عليه فتوح العارفين ‪ ،‬فكان آية‬
‫شاف ‪ ،‬وبّين مخالفته ل َ‬
‫السائلين ‪ ،‬وقد كشف أخطاء صاحب الك ّ‬
‫لسلف ‪،‬‬
‫وأظهر ل َ‬
‫لحياء ‪ ،‬أغلط صاحب الحياء ‪ ،‬وزيف كتاب الفتوحات ‪ ،‬وأبرز ما فيه‬
‫من أمور قبيحات ‪ ،‬وأغار على أساس التقديس ‪ ،‬وأخرج منه نزغات إبليس ‪،‬‬
‫وسقى كأس الندامة‪ ،‬صاحب منهاج الكرامة ‪ ،‬وشرح مذهب الوسطية ‪ ،‬في‬
‫مر صروح‬
‫الرسالة الواسطية ‪ ،‬وأظهر لدينه حمّية‪ ،‬في كتاب الحموّية ‪ ،‬ود ّ‬
‫أهل المنطق في التدمرّية ‪ ،‬ورد ّ على الفلسفة ‪ ،‬وأخبر أنهم أهل سفه ‪،‬‬
‫وأنهم أخطأوا في السم والصفة ‪ ،‬وغلط التلمساني العفيف ‪ ،‬وأثبت ضلل‬
‫القونوي صاحب التصنيف ‪ ،‬وزندق الح ّ‬
‫جاج ‪ ،‬وانتقد الغزالي ‪،‬‬
‫لج ‪ ،‬وذم الح ّ‬
‫وذكر أخطاء أبي المعالي ‪ ،‬ولم علماء الكلم ‪ ،‬وأهل الجور من الحكام ‪ ،‬وله‬
‫فر في المور البدعّية ‪ ،‬وله رسائل طويلة‬
‫س ْ‬
‫رسالة في السياسة الشرعية ‪ ،‬و ِ‬
‫‪ ،‬في التوسل والوسيلة ‪.‬‬
‫)‪(24 /‬‬
‫سجن فما رجع ‪ ،‬وكان الله معه فما وقع ‪ ،‬وجمعوا‬
‫وتكالب عليه أهل البدع ‪ ،‬و ُ‬
‫وفوه السلطان ‪ ،‬وأخرجوه من‬
‫له العلماء فبّزهم ‪ ،‬وه ّ‬
‫ددوه فهّزهم ‪ ،‬وقد خ ّ‬
‫الوطان ‪ ،‬فما لنت له عريكة ‪ ،‬وما ذابت له سبيكة ‪ ،‬وعرضوه للموت ‪ ،‬فرفع‬
‫على الباطل الصوت ‪ ،‬وحاولوا أن ي ُْرشوه ‪ ،‬وبالمال ينعشوه ‪ ،‬فأبى واستعصم‬
‫‪ ،‬وحلف وأقسم ‪ ،‬ل يبيع دينه بعََرض ‪ ،‬ول يكون له دونه غرض‪ ،‬وكان يطلب‬
‫مر للجنة جواده ‪ ،‬وامُتحن في سبيل الله‬
‫الشهادة ‪ ،‬وي ّ‬
‫جود للخرة زاده ‪ ،‬ويض ّ‬
‫أكثر من مّرة ‪ ،‬وحصل له الجاه فما غّره ‪ ،‬والُعصاة كانوا يتوبون على يديه ‪،‬‬
‫وتزدحم الوفود عليه ‪ ،‬وكان يتكلم بكلم يدهش الحاضرين ‪ ،‬ويذهب بلب‬
‫المناظرين ‪ ،‬وكانت الطوائف تحضر درسه ‪ ،‬فيذهلهم بكثرة علومه في جلسه‬
‫وأقسم بعضهم ما رأينا مثلك ‪ ،‬وما أبصرنا شكلك ‪ ،‬وكانت العامة تقف إجلل ً‬
‫ساد أحبابه ‪ ،‬ونالوا أصحابه‬
‫له في الطريق فيقابلهم بخلق رقيق ‪ ،‬وقد آذى الح ّ‬
‫‪ ،‬فما زادهم به إل تعّلقا ً ‪ ،‬وعليه إل تحّرقا ً ‪ ،‬والكل عليه مشفق ‪ ،‬والعالم على‬
‫حبه مطبق ‪ ،‬وليس في تركته دينار ول درهم ‪ ،‬فأنسى الناس بزهده إبراهيم‬
‫بن أدهم ‪ ،‬وكلما حصل له من مال ‪ ،‬أنفقه ذات اليمين وذات الشمال ‪ ،‬وهو‬
‫الذي أفحم القبورية ‪ ،‬ونشر معتقد السلف في سورّية ‪ ،‬وألزم الحكام‬
‫بشريعة السلم ‪ ،‬ودفع من قَْرمط في النقلّيات ‪ ،‬وسفسط في العقلّيات ‪،‬‬
‫وهو الذي قّعد للعقيدة القواعد ‪ ،‬ودّبج تلك الفوائد الفرائد ‪ ،‬وكلمه يتميز‬
‫على كلم سواه ‪ ،‬وقد نصره الله على من عاداه ‪ ،‬وظهرت على يديه‬
‫مزي أنه ما سمع بمثله من‬
‫كرامات ‪ ،‬وعليه من السنة علمات ‪ ،‬وذكر ال ِ‬
‫خمسمائة عام ‪.‬‬
‫وأقسم الذهبي أنه ما رأى مثله من سائر القوام ‪ ،‬ولو طلب منه أن يحلف‬

‫‪18‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بين الركن والمقام ‪ ،‬وترجم ابن كثير لبي العباس ‪ ،‬فنسي الدولة والناس ‪،‬‬
‫وكتب عنه المستشرقون ‪ ،‬وعلى أخباره يتسابقون ‪ ،‬وله سيرة طويلة في‬
‫دائرة المعارف ‪ ،‬ومخطوطات كثيرة في المتاحف ‪ ،‬وترجمت كتبه إلى‬
‫اللغات الجنبية ‪ ،‬واستفادت من أفكاره الحضارة الغربية ‪ ،‬والناس في كتبه‬
‫ما بين مختصر ومعتصر‪ ،‬وناقد ومنتصر ‪ ،‬وقادح ومادح ‪ ،‬ومخّرج وشارح‪،‬‬
‫وأثنى عليه المستشرق جولدزهير ‪ ،‬وألفت فيه عشرات الدكتوراة‬
‫والماجستير ‪ ،‬وهو صاحب أثر ‪ ،‬وكتبه غرر ‪ ،‬ذب عن القرابة ‪ ،‬وأثنى على‬
‫الصحابة ‪ ،‬له ذاكرة وّقادة ‪ ،‬وطبيعة منقادة ‪ ،‬وذهن حاد ‪ ،‬وعزم جاد ‪ ،‬إذا‬
‫ل مّزقه ‪ ،‬وقد طالعت من بعد القرن‬
‫قصد باطل ً أزهقه ‪ ،‬وإذا اعترض على قو ٍ‬
‫الثالث إلى زمانه ‪ ،‬فلم أجد مثله في عمله وذكائه وإتقانه ‪ ،‬ول يغمط فضله‬
‫إل مكابر ‪ ،‬ول يعاديه إل مبتدع ماكر‪ ،‬وله نوافل وأوراد ‪ ،‬وأيامه بالطاعة‬
‫أعياد ‪ ،‬فغفر الله ذنبه ‪ ،‬ولقي بالرضا رّبه ‪ ،‬وأنزله منازل الصادقين ‪ ،‬وجمعنا‬
‫به مع النبيين والمرسلين ‪ ،‬آمين ‪.‬‬
‫انظم الدمع أيها الموت شعرا‬
‫مثلما تملؤ المحاجر جمرا ً‬
‫ففؤادي مضّرج بسهام‬
‫قد رمته اليام شفعا ً ووترا‬
‫ليت مليون مهجة سبقته‬
‫خر شهرا‬
‫للمنايا وقد تأ ّ‬
‫فبقاء العظيم في الرض نفع‬
‫وذهاب اللئيم ُيذهب عسرا‬
‫هاب‬
‫مد بن عبد الو ّ‬
‫مة المام مح ّ‬
‫مقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن إ ِلهٍ غَي ُْره ُ {‬
‫م ِ‬
‫} َياقَوْم ِ اعْب ُ ُ‬
‫ما لك ْ‬
‫ه َ‬
‫دوا الل َ‬
‫م ْ‬
‫أغر تشرق من عينيه ملحمة‬
‫في همة عصفت كالدهر واتقدت ‪ ...‬من الضياء لتجلو حندس الظلم‬
‫ديم‬
‫كأنه الغيث يسقي الرض بال ّ‬
‫المام المجدد ‪ ،‬شيخ السلم الموحد ‪ ،‬الذي جدد دين النبي محمد ‪ .‬أصبح في‬
‫السلم علما ً معروفا ‪ ،‬وصار بالمامة موصوفا ‪ .‬دعا في التوحيد أصل الصول‬
‫‪ ،‬وتابع‬
‫الرسول ‪ ،‬وجمع بين المنقول والمعقول ‪.‬‬
‫خرج في زمن أحوج ما يكون إلى مثله ‪ ،‬في علمه وعقله ‪ ،‬فذ ّ‬
‫كر الخلف ‪،‬‬
‫عقيدة السلف ‪ ،‬تدرع بالعلم في فترة ركنت العقول إلى الجهل ‪ ،‬وتسلح‬
‫بالصبر في زمن قل الناصر لهل الفضل ‪ ،‬وذ ّ‬
‫كر الناس بأعظم مسألة دعا‬
‫إليها النبياء ‪ ،‬وهي أهم قضية عند العلماء ‪ ،‬فصحح للناس أصل المعتقد الحق‬
‫في ربهم تبارك في عله ‪ ،‬ونفض عن عقول أهل زمانه ما نال جناب التوحيد‬
‫وه محّياه ‪ .‬فحمى جناب التوحيد ‪ ،‬وسد ّ كل ذريعةٍ تفضي إلى الشرك‬
‫وش ّ‬
‫بالولي الحميد ‪ ،‬لم تكن دعوته صوفيه ‪ ،‬بنيت على شفا جرف هار من‬
‫المخالفات البدعيه ‪ ،‬التي تنافي الصول الشرعية ‪ ،‬بل كان صاحب أثر ودليل‬
‫‪ ،‬وتحصيل شرعي وتأصيل ‪ .‬ولم تكن دعوته فكرية تبنى على افتراضات‬
‫العقول ‪ ،‬بل أثرية سلفية تقوم على ما صح من المنقول ‪.‬‬
‫هذا المام ‪ ،‬لم يشغل المة بعلم الكلم ‪ ،‬بل أسعد الناس بميراث سيد‬
‫النام ‪ .‬ولم يتشدق بعلم المنطق ‪ ،‬بل سال بيانه بالعلم الموثق ‪ ،‬وجرى‬
‫لسانه بالقول المحقق ‪ .‬وسّلمه الله من طيش الفلسفه ‪ ،‬أهل الزيغ والسفه‬
‫‪ ،‬فكان صاحب حجة قاضيه ‪ ،‬على سنة ماضيه ‪ ،‬على طريقة من سار ‪ ،‬من‬
‫‪19‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السلف البرار ‪ ،‬يعرض المسألة في سهولة ويسر ‪ ،‬مجانبا ً المشقة والعسر ‪،‬‬
‫فدنا إليه قطاف الملة المحمديه ‪ ،‬وجبى إليه ثمار الشريعة المحمدّيه ‪.‬‬
‫)‪(25 /‬‬
‫عرف الجادة فوصل ‪ ،‬ودعا إلى ما دعا إليه الرسل ‪ .‬كان في زمنه علماء ‪،‬‬
‫وفي عصره فقهاء ‪ ،‬لكن منهم من ظن أن السلمة في السكوت ‪ ،‬ولزوم‬
‫البيوت ‪ ،‬وطلب القوت ‪ ،‬ومنهم من كان في علمه لوثة من البدع ‪ ،‬فكيف‬
‫يدعو الناس إلى ما أنزله الله وشرع ‪ ،‬ومنهم من اشتغل بالمناصب ‪ ،‬عن أداء‬
‫الواجب ‪ ،‬فهمه ثمن بخس دراهم معدودة من الحطام ‪ ،‬يأخذها ثمنا ً لفتاوى‬
‫يتخذ بها جاها ً عند الطغام ‪.‬‬
‫أما هذا المام المحفوظ بالعناية ‪ ،‬المحاط بالرعاية ‪ ،‬فأشرقت شمسه من‬
‫مطالع السنة ‪ ،‬وصارت قافلته الميمونة إلى الجنة ‪.‬‬
‫هذا المجدد لم يأت بمرسوم من الستانة ‪ ،‬ولمن يطلب المنزل لدى العامة‬
‫والمكانة ‪ ،‬بل جاء مصلحا ً يعيد المة إلى سيرتها الولى الربانية ‪ ،‬وإلى ما‬
‫كانت عليه من المحاسن اليمانية‪ ،‬والتعاليم الربانية ‪ .‬وجد في زمن هذا‬
‫المام ‪ ،‬في بلد السلم ‪ ،‬مشائخ لهم عمائم كالبراج ‪ ،‬وأكمام كالخراج ‪.‬‬
‫ُتفعل أمام أعينهم كل طامة ‪ ،‬وهمهم تبجيل العامة ‪ ،‬يجبون الموال بالحتيال‬
‫‪ ،‬فل يفتي أحدهم إل بثمن معجل ‪ ،‬أو برهان مؤجل ‪ ،‬ليصبح العلم لديهم‬
‫ورة ‪ ،‬وجبة مدّورة ‪ ،‬يع ّ‬
‫ظم بها لدى الرعاع ‪ ،‬ويسكت عن كل شرك‬
‫عمامة مك ّ‬
‫وابتداع ‪ .‬يرى أحدهم الجهال يطوفون بالقبور ‪ ،‬فل يغضب ول يثور ‪ ،‬لن دماء‬
‫حب الدنيا في عروقه تجمد ‪ ،‬فهو تائه مقلد ‪ ،‬بارد متبّلد ‪.‬‬
‫فجاء هذا المام الذي ما تدنس بالدنيا جلبابه ‪ ،‬ول اتسخت بالبدعة ثيابه ‪ ،‬وقد‬
‫عقد العزم ‪ ،‬واتصف بالحزم ‪ ،‬تحدوه همة عارمة ‪ ،‬وعزيمة صارمة ‪ ،‬فدعا‬
‫إلى تجديد ما اندرس من الدين ‪ ،‬وإظهار ما خفي من دعوة سيد المرسلين ‪.‬‬
‫فكان الناس معه أقسام ثلثة ‪ ،‬فأصحاب حسد ‪ ،‬ضل رشدهم وفسد ‪ ،‬لسان‬
‫حالهم ‪ :‬لماذا اختير هذا من بيننا ‪ ،‬إنه يدعو إلى غير ديننا ‪ ،‬فكبتهم الله بنصر‬
‫هذا المام ‪ ،‬وتآكل حسدهم في صدورهم على مر اليام ‪.‬‬
‫وأصحاب بدعة وهوى ‪ ،‬سقط نجمهم وهوى ‪ ،‬ذاق منهم المّر ‪ ،‬فاحتسب‬
‫الجر وصبر ‪ .‬وأصحاب قلوب حّية ‪ ،‬وفطر نقّية ‪ ،‬عرفوا أن دعوته دعوة‬
‫مرضّية ‪ ،‬سلفّية سنّية ‪ ،‬فركبوا في سفينة التجديد ‪ ،‬مع هذا المام الرشيد ‪،‬‬
‫حتى وصلوا معه إلى شاطئ الصلح ‪ ،‬وساحل الفلح ‪ .‬فإذا رأيت من ينال‬
‫هذا المام ‪ ،‬ويحط من قدر هذا الهمام ‪ ،‬فاعلم أنه مخذول مغرور ‪ ،‬أو جاهل‬
‫مغمور ‪.‬‬
‫واعلم أن الصادق يجعل الله لدعوته التأييد والتمكين ‪ ،‬والكاذب يظهر الله‬
‫عواره ولو بعد حين ‪ .‬وهذا المام لم يكن مطلبه السلطان ‪ ،‬وجمع الجنود‬
‫والعوان ‪ ،‬والستيلء على البلدان ‪ .‬بل كان قصده تصحيح معتقد الناس ‪،‬‬
‫وتصفية التوحيد مما أصابه من الدران والدناس ‪ ،‬وإزالة الخطأ واللتباس ‪،‬‬
‫فأصاب عين الحقيقة ‪ ،‬ولزم أحسن طريقة ‪ ،‬حتى شّرقت بالخير ركائبه ‪،‬‬
‫وغّربت بالفضل نجائبه ‪ ،‬فتقبلها عباد الله بقبول حسن ‪ ،‬وعدوها عليهم من‬
‫أعظم المنن ‪ ،‬وشرق بها من ضل رشده ‪ ،‬وخاب جهده ‪ ،‬فما ضر إل نفسه ‪،‬‬
‫وما اقتلع إل غرسه ‪ ،‬وهذه سنة الله في البشرية ‪ ،‬وحكمته في البرّية ‪.‬‬
‫ل تشرق شمس دعوة صادقة ‪ ،‬بالتوحيد ناطقة ‪ ،‬إل قيض الله لها أنصارا ً‬
‫جار والولياء ‪ ،‬وليتخذ شهداء ‪.‬‬
‫وأعداء ‪ ،‬لتتم سنته في المدافعة بين الف ّ‬

‫‪20‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بدأ المام بالتوحيد لنه المسألة الكبرى ‪ ،‬والعروة الوثقى ‪ .‬لن من يعّلم‬
‫الناس الفروع وقد ذهبت الصول ‪ ،‬كمثل من يداوي الجسام وقد فقدت‬
‫العقول ‪ ،‬وكيف تفلح أمة يطوف على القبور رجالها ‪ ،‬وينشأ على الشرك‬
‫أجيالها ‪.‬‬
‫قبل أن تدّرس الناس الفروع الفقهية ‪ ،‬صحح لهم مسألة اللوهية ‪ ،‬وقضية‬
‫العبودّية ‪ ،‬لتأتي البيوت من أبوابها ‪ ،‬وترد المسببات إلى أسبابها ‪.‬‬
‫وقبل أن يعلم الناس أبواب السياسة ‪ ،‬وطرق الوصول إلى الرئاسة ‪ ،‬يجب‬
‫تعليمهم الدين الخالص الذي دعت إليه النبياء ‪ ،‬والتوحيد الحق الذي جاءت به‬
‫المّلة الغّراء ‪.‬‬
‫َ‬
‫شرِ ْ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ماِء‬
‫ما َ‬
‫خّر ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫س َ‬
‫ك ِبالل ّهِ فَك َأن ّ َ‬
‫هل يقر للعبد قرار وهو يسمع } وَ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ق { ‪ .‬هل بعد هذا النذار من‬
‫حي‬
‫خط َ ُ‬
‫فَت َ ْ‬
‫س ِ‬
‫وي ب ِهِ الّري ُ‬
‫ن َ‬
‫ح ِفي َ‬
‫ف ُ‬
‫ه الط ّي ُْر أوْ ت َهْ‬
‫مكا ٍ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ت‬
‫شَرك َ‬
‫إنذار ‪ ،‬وهل فوق الخطر من أخطار ‪ ،‬والله يقول لنبيه وصفيه } لئ ِ ْ‬
‫ك وَل َت َ ُ‬
‫مل ُ َ‬
‫ن { ‪ .‬إن الحزاب المفلسة ‪ ،‬والطوائف‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ل َي َ ْ‬
‫ن عَ َ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫كون َ ّ‬
‫حب َط َ ّ‬
‫س ِ‬
‫المبلسة ‪ ،‬أهملت مسألة التوحيد من حسابها ‪ ،‬وحجبت حقيقته عن أحزابها ‪.‬‬
‫فكان جزاؤها الخزي والهوان ‪ ،‬والذلة والخذلن‪ ،‬لن أعظم المطالب‬
‫ن أي دعوة‬
‫العلمية ‪ ،‬وأكبر المقاصد العملية ‪ ،‬هي قضية اللوهية ‪ ،‬ولهذا تجد أ ّ‬
‫قامت على غير التوحيد قد انهارت ‪ ،‬وأعلنت هزيمتها وبارت } فَأ ََتى الل ُّ‬
‫ه‬
‫م{‪.‬‬
‫س ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫عد ِ ف َ َ‬
‫ق ُ‬
‫وا ِ‬
‫ف ِ‬
‫م ِ‬
‫م ال ّ‬
‫ن فَوْقِهِ ْ‬
‫خّر عَل َي ْهِ ْ‬
‫ب ُن َْيان َهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ق َ‬
‫م َ‬
‫خلق الكون ؟ وأوجدت فيه حركة وسكون ‪ ،‬إل لمسألة عظيمة ذكرت في‬
‫ما ُ‬
‫ن{‪.‬‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫س ِإل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫ق ُ‬
‫الكتاب المكنون ‪ } :‬وَ َ‬
‫لن َ‬
‫دو ِ‬
‫ج ّ‬
‫ن َوا ِ‬
‫)‪(26 /‬‬
‫حد ‪ ،‬قبل أن‬
‫دد ‪ ،‬تنص على أن يعبد الله وحده ويو ّ‬
‫كانت دعوة المام المج ّ‬
‫يعلم الناس الحكام ‪ ،‬لبد أن تطهر قلوبهم من التعلق بالوثان والصنام ‪،‬‬
‫وأن تزكى ضمائرهم من التعلق بالنصاب والزلم ‪.‬‬
‫قد يدرك الحلولي والتحادي مسائل الفقه وهو ضال في باب التوحيد ‪ ،‬وقد‬
‫يلم الصوفي والقبوري بالحكام وهو جاهل بحق الله على العبيد ‪ .‬ولهذا تجد‬
‫من نصب نفسه للفتيا في بعض البلد ‪ ،‬يشاهد مظاهر الشرك تعصف‬
‫بالعباد ‪ ،‬ثم ل ينكر ولو بإشارة ‪ ،‬ول ينهى ولو بعبارة ‪ ،‬فأي صلح لمن هذه‬
‫حاله ‪ ،‬وأي علم ينتظر لمن هذه أعماله ‪.‬‬
‫لقد استقبلت المة دعوة هذا المام ‪ ،‬بالقبول والهتمام ‪ ،‬فصار للمساجد‬
‫دوي كدوي النحل بالعلم المأثور ‪ ،‬وصارت كتائب التوحيد تزيل القباب عن‬
‫القبور ‪ ،‬وانتشر دعاة الحق ينفضون آثار الشرك والبدعة من الصدور ‪ ،‬فصار‬
‫العامي بنور هذه الدعوة أصفى توحيدا ‪ ،‬وأخلص دينا ‪ ،‬من أئمة الطوائف‬
‫مت الشرور ‪،‬‬
‫المنحرفة ‪ ،‬لما جعل الله في قلبه من نور المعرفة ‪ .‬بعد أن ع ّ‬
‫وانطفأ النور ‪ ،‬وحار الناس في ظلمات الشرك بين نذور وقبور ‪ ،‬وسحر‬
‫وكهانة وفجور ‪ ،‬فجدد الله بهذا المام معالم الدين ‪ ،‬وأيده بكتائب الموحدين ‪،‬‬
‫فالحمد لله رب العالمين ‪.‬‬
‫حمدا ً على جلل النعمة ‪ ،‬وانكشاف الغمة ‪ ،‬وصلح المة ‪.‬‬
‫مة البازّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ل هَ ْ‬
‫} قُ ْ‬
‫ن{‬
‫ن َوال ِ‬
‫وي ال ِ‬
‫مو َ‬
‫مو َ‬
‫ل يَ ْ‬
‫ن ل ي َعْل ُ‬
‫ن ي َعْل ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ست َ ِ‬
‫إن قام سوق العلم فهو كمالك‬
‫أو غاص في التفسير قلت مجاهد‬

‫‪21‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وإذا تزاحمت الوفود فحاتم ‪ ...‬أو مد باع الزهد فالشيباني‬
‫والفقه والتعليم كالنعمان‬
‫ف في الحلم والغفران‬
‫وكأحن ٍ‬
‫للقلب من ذكره اهتزاز ‪ ،‬وللقصيد في مدحه ارتجاز ‪ ،‬تفرد بالمكرمات وامتاز‬
‫‪ ،‬وحظي بحسن الثناء وفاز ‪ ،‬إنه عبد العزيز بن باز ‪ .‬أوصلته الهمة ‪ ،‬إلى‬
‫إمامة المة ‪ ،‬وبلغته العزيمة المنزلة الكريمة ‪ ،‬ودلته السنة ‪ ،‬طريق الجنة ‪.‬‬
‫خلق أرق من النسيم ‪ ،‬وعلم أعذب من التسنيم ‪ ،‬كلمه يوشى بالثر ‪ ،‬كأنه‬
‫در انتثر ‪.‬‬
‫ابن باز ‪ :‬اتباع ل ابتداع ‪ ،‬وقبو ٌ‬
‫ل عم البقاع ‪ ،‬وفضله كلمة إجماع ‪ ،‬مع اعتصام‬
‫بالدليل ‪ ،‬واهتمام بالتأصيل ‪ ،‬وبراعة في التحصيل ‪ ،‬يشرفه تحقيق في‬
‫النقل ‪ ،‬وسداد في العقل ‪ ،‬جمع مع كرم الطبيعة ‪ ،‬رسوخ في الشريعة ‪ ،‬هجر‬
‫في طلب العلم الرقاد ‪ ،‬فحصل واستفاد ‪ ،‬وأخذ الرواية بالسناد ‪ ،‬حتى ترأس‬
‫وساد ‪ ،‬وعم علمه البلد والعباد ‪.‬‬
‫ابن باز ‪ :‬على نهج السلف ‪ ،‬بل تنطع ول صلف ‪ ،‬روح بالتقوى طاهرة ‪ ،‬ونفس‬
‫بالعلوم باهرة ‪ ،‬أعذب من ماء السحاب ‪ ،‬وأرق من دمع الحباب ‪.‬‬
‫ابن باز في هذا العصر ‪ :‬إمام الغرباء ‪ ،‬وعالم الولياء ‪ ،‬وزاهد العلماء ‪.‬‬
‫تقلد ابن باز أرفع المناصب ‪ ،‬فكان آية في أداء الواجب ‪ .‬حضرت له مجالس‬
‫وموائد ‪ ،‬وحملت عنه فوائد ‪ ،‬وألقيت عليه قصائد ‪ ،‬ورويت عنه فرائد ‪.‬‬
‫كانت محادثة الركبان تخبرنا‬
‫حتى التقينا فل والله ما سمعت ‪ ...‬عن شيخنا الباز تروي أروع الخبر‬
‫أذني بأحسن مما قد رأى بصري‬
‫لما جاء خبر وفاة هذا المام تعثرت به الفواه ‪ ،‬وتلعثمت به الشفاه ‪ ،‬وقال‬
‫القلب هذا خبر ل أقواه ‪ ،‬وقالت النفس ما أشد هذا المصاب على القلب وما‬
‫أقساه ‪.‬‬
‫أصيب به السلم وارتج أهله‬
‫كأن بني السلم يوم وفاته ‪ ...‬على فقده حتى أصيب به الصبر‬
‫نجوم سماٍء خر من بينها البدر‬
‫ابن باز بز بعلمه العلم ‪ ،‬وأتعب بسيرته القلم ‪ ،‬وأهدى عمره للسلم ‪،‬‬
‫وكفل بكرمه اليتام ‪.‬‬
‫لو رآه يحيى بن معين لقال ‪ :‬مرحبا ً بعلم السناد ‪ ،‬ولو أبصره حاتم الطائي‬
‫لقال ‪ :‬أهل ً يا سيد الجواد ‪ ،‬ولو لقيه الحنف بن قيس لقال ‪ :‬منكم الحلم‬
‫يستفاد ‪.‬‬
‫ابن باز ب َّز القران ‪ ،‬بطاعة الرحمن ‪ ،‬وعلم السنة والقرآن ‪ ،‬وإكرام‬
‫الضيفان ‪ ،‬واحترام الخوان ‪ ،‬وبر القارب والجيران ‪.‬‬
‫سعى سعيهم قوم فلم يدركوهمو‬
‫ولكن لهم سبق الجللة والعل ‪ ...‬وما قصّروا عند اللحاق ولم يألوا‬
‫فجاء لهم من كل ناحية فضل‬
‫إن زرته غمرك بالكرام ‪ ،‬وأتحفك بالحترام ‪ ،‬وآنسك بطيب الكلم ‪ ،‬وضيفك‬
‫ألذ الطعام ‪ ،‬وعلمك الداب والحكام ‪ ،‬فهو يجمع الجودين ‪ ،‬وبما تقوم الدنيا‬
‫والدين ‪.‬‬
‫ابن باز أبو الدعاة ‪ ،‬وشيخ القضاة ‪ ،‬وناصح الولة ‪ ،‬تحبه لتقواه ‪ ،‬وتحترمه‬
‫لفتواه ‪.‬‬
‫حاضر في الجامعات ‪ ،‬وتشرفت به المحاضرات ‪ ،‬وتعطرت بعلمه الندوات ‪،‬‬
‫وطابت بلقائه المسيات ‪ ،‬وسعدت بوجوده الجلسات ‪ ،‬غني في زي فقير ‪،‬‬
‫‪22‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وزاهد في موكب أمير ومفتي في منصب وزير ‪ ،‬حمل كل أمر خطير ‪ ،‬فكان‬
‫نعم المشير ‪ ،‬وصاحب الرأي الفطير والخمير ‪ ،‬عليه بسمة في وقار ‪ ،‬ولين‬
‫في إصرار ‪ ،‬ودأب في استمرار ‪ ،‬السنة له شعار ‪ ،‬والصلح له دثار ‪ ،‬وعليه‬
‫من السكينة أنوار ‪ ،‬لم يكن لسانه كالمقراض للعراض ‪ ،‬ولم يكن له ارتياض‬
‫في جلب المال والغراض ‪:‬‬
‫عفيف من الدنيا خفيف من الخنا‬
‫َ‬
‫فلو قسمت أخلقه في قبيلة ‪ ...‬كأن به عن كل فاحشة وقُر‬
‫لصار لكل منهم المجد والفخُر‬
‫ابن باز ‪ :‬نفع للخليقة ‪ ،‬وإدراك للحقيقة ‪ ،‬ولزوم الطريقة ‪ ،‬عدل في الحكام‬
‫وإنصاف ‪ ،‬وتواضع تعنو له الشراف ‪ ،‬وكرم تشهد به الضياف ‪.‬‬
‫)‪(27 /‬‬
‫ود من بذله ‪ .‬ليس‬
‫أثبت ابن باز أن العلم يشرف من حمله ‪ ،‬وأن المال يس ّ‬
‫في قاموس ابن باز أن الجود يفقر ‪ ،‬بل صاحبه يشكر وبالخير يذكر ‪ ،‬لو‬
‫ترجم كرم ابن باز في أبيات‬
‫لقيل ‪ ... :‬أنفق ول تخش من ذي العرش إقلل‬
‫ول تطع في سبيل الجود عذال‬
‫من جاد جاد عليه الله واستترت‬
‫عيوبه وكفى بالجود سربال‬
‫تميز ابن باز بالتعمق في الثر ‪ ،‬والغوص على الدرر ‪ ،‬مع تصحيح الخبر ‪،‬‬
‫وصحة النظر ‪.‬‬
‫ابتعد ابن باز عن شقشقة علماء الكلم ‪ ،‬وعقعقة الفلسفة الطغام ‪ ،‬وتشدق‬
‫أهل المنطق اللئام ‪ .‬ولم يكن يسقط على السقطات ‪ ،‬ول يلقط الغلطات ‪،‬‬
‫بل كان يدفن المعائب ‪ ،‬ويذكر المناقب ‪ ،‬فمل الله بمحبته القلوب ‪ ،‬وطار‬
‫ذكره في الشعوب ‪.‬‬
‫فالعلم عنده حديث وآية ‪ ،‬ونور وهداية ‪ ،‬وعمل لغاية ‪ ،‬واستعداد لنهاية ‪،‬‬
‫أعرض عن مذاهب المبتدعة الضلل ‪ ،‬وأهل الدنيا الجهال ‪ ،‬وأساطين القيل‬
‫والقال ‪ ،‬وهجر الجدال ‪ ،‬فسلم من همز الرجال ‪.‬‬
‫خلق كأن الشمس تحسده على‬
‫ضمنت له الدنيا الثناء فكلما ‪ ...‬كرم الطباع وزينة الوصاف‬
‫ذكروه جاد الناس بالتحاف‬
‫ليس في مجلسه أرقام السعار ‪ ،‬ول فضول الخبار ‪ ،‬ول غرائب القطار ‪ ،‬ول‬
‫عجائب المصار ‪ ،‬وإنما كلم العزيز الغفار ‪ ،‬وحديث النبي المختار ‪ ،‬وما صح‬
‫من آثار ‪ ) .‬كمثل حامل المسك إما أن تبتاع منه وإما أن يتحفك بطيبه ( ‪.‬‬
‫زهد ابن باز زهد متواضع ‪ ،‬لم يشر إليه بالصابع ‪ ،‬ويعلن على المل في‬
‫المجامع ‪ ،‬لن الدنيا عنده أهون من أن يعظم الزهد فيها ‪ ،‬وأحقر من أن‬
‫يمدح النظر إليها ‪ ،‬فكان زهده صامت ‪ ،‬وتواضعه ساكت ‪ .‬خدمته ألسنة‬
‫الخلق بإعلن الفضائل ‪ ،‬وأحبته قلوب الناس فوعت تلك الرسائل ‪.‬‬
‫أفضل شيء في العالم ‪ :‬مراقبة الجليل ‪ ،‬والعمل بالتنزيل ‪ ،‬والستعداد‬
‫ب الد ّن َْيا‬
‫وا َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫للرحيل ‪ ،‬والرضا بالقليل ‪ ،‬وكذلك كان ابن باز ‪َ } .‬فآَتاهُ ُ‬
‫ه ثَ َ‬
‫خَرةِ {‬
‫ب ال ِ‬
‫وَ ُ‬
‫ح ْ‬
‫وا ِ‬
‫ن ثَ َ‬
‫س َ‬
‫وأحب شيء في الولي ‪ :‬المحافظة على تكبيرة الحرام ‪ ،‬والكف عن‬
‫الحرام ‪ ،‬والرحمة بالنام ‪ ،‬وسلمة الصدر من حب النتقام ‪ ،‬وطهارة الثوب‬

‫‪23‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من الثام ‪ ،‬وكذلك كان ابن باز ‪ .‬كانت دعوته حسبة ‪ ،‬وعمله قربة ‪ ،‬فصار‬
‫إماما ً في زمن الغربة ‪.‬‬
‫وأكرم شيء في الرجل ‪ ،‬بسمة على محياه ‪ ،‬وصدقه في مسعاه ‪ ،‬وثباته في‬
‫خطاه ‪ ،‬وإخلصه في إعلنه ونجواه ‪ ،‬وكذلك كان ابن باز ‪.‬‬
‫وأحسن شيء في النسان ‪ ،‬طهارة الضمير ‪ ،‬والستعلء على كل حقير ‪،‬‬
‫واحترام الكبير ‪ ،‬ورحمة بالصغير ‪ ،‬وعطف على الفقير ‪ ،‬وكذلك كان ابن باز ‪.‬‬
‫العلم ليس متونا ً تحفظ ‪ ،‬ول خطبا ً تلفظ ‪ ،‬ولكنه خشية وخشوع ‪ ،‬وتواضع‬
‫م‬
‫جعَل َْنا ِ‬
‫وخضوع ‪ ،‬واتباع في الصول والفروع ‪ ،‬وكذلك كان ابن باز ‪ } .‬وَ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صب َُروا وَ َ‬
‫ن{‬
‫م ً‬
‫كاُنوا ِبآَيات َِنا ُيوقُِنو َ‬
‫دو َ‬
‫ة ي َهْ ُ‬
‫مرَِنا ل َ ّ‬
‫ن ب ِأ ْ‬
‫أئ ِ ّ‬
‫ما َ‬
‫والعلم ليس شهادات تعلق ‪ ،‬ول مناصب تتسلق ‪ ،‬ول دنيا تعشق ‪ ،‬ولكنه‬
‫تقوى ومراقبة ‪ ،‬وورع ومحاسبة ‪ ،‬وتنبيه للغافل ‪ ،‬وتعليم للجاهل ‪ ،‬وكذلك‬
‫كان ابن باز ‪.‬‬
‫عرفنا من العلماء من اشتهر بالخطابة ‪ ،‬والذكاء والنجابة ‪ ،‬وسرعة البديهة‬
‫والصابة وهذا أعظم ما يذكر به وعرفنا من العلماء من عندهم فهم ثاقب ‪،‬‬
‫ونظر صائب ‪ ،‬وذهن يغوص على العجائب ‪ ،‬ثم ليس يذكر إل بهذا ‪.‬‬
‫وعرفنا من عنده حافظة قوية ‪ ،‬وفي صدره متون مروية ‪ ،‬وفي ذاكرته علوم‬
‫محكية ‪ ،‬ثم هذا غاية ما عنده ‪ .‬ولكن ابن باز حافظة بفهم ‪ ،‬وذاكرة بعلم ‪،‬‬
‫وسداد في روية ‪ ،‬وثبات مع حسن طوية ‪ ،‬معه حجة ناطقة ‪ ،‬ونية صادقة ‪.‬‬
‫كالسيف إن تغمده أو تسلله ما‬
‫ه وثباته وصفاته ‪ ...‬في حده عيب ول تقصير‬
‫معروف ٌ‬
‫في صوته يوم القتال صرير‬
‫بلغ ابن باز منزلة ل يرفعه المدح ‪ ،‬ول يضعه القدح ‪ ،‬فاستوى عنده الثناء‬
‫والهجاء ‪ ،‬ولم ينفعه مدح الصدقاء ‪ ،‬وما ضره ذم العداء ‪ ،‬لنه يعامل رب‬
‫الرض والسماء ‪.‬‬
‫من كان فوق محل الشمس موضعه ‪ ...‬فليس يرفعه شيء ول يضع‬
‫دح ‪.‬‬
‫جح ول تم ّ‬
‫صح ول تب ّ‬
‫ليس في قاموس ابن باز تف ّ‬
‫ل يحب الطراء والمراء والغراء ‪ ،‬ل يتزلف عنده برنين الدعاية ‪ ،‬ول يتقرب‬
‫لديه برخيص السعاية ‪ ،‬لنه قد حقق الولية ‪.‬‬
‫ليس العلم عند ابن باز بالتفاصح ‪ ،‬والتمادح ‪ ،‬والزهو بالمشالح ‪ ،‬والحرص‬
‫على المصالح ‪ ،‬بل العلم لديه حمل الشريعة في إخبات ‪ ،‬وطلب الفائدة‬
‫بإنصات ‪ ،‬والعمل بالحجة في ثبات ‪ .‬العالم من عند الحرام كف ‪ ،‬وعن‬
‫الشهوات عف ‪ ،‬وقال على غرور الدنيا تف ‪ ،‬وكذلك كان ابن باز ‪.‬‬
‫ابن باز من مدرسة التجديد ‪ ،‬وليس من أهل التقليد ‪ ،‬بل هو صاحب حجة ‪،‬‬
‫سالك المحجة ‪ ،‬معتصم بالبرهان ‪ ،‬عالم برضى الرحمن ‪ .‬ليس بمتعصب‬
‫للمذهب ‪ ،‬بل يتبع الحق أينما وجد ‪ ،‬ول يتجاوز الدليل إذا صح السند ‪.‬‬
‫ولين ‪ ،‬ول‬
‫صحبت هذا الشيخ فلم أر فيه عجرفة المتطاولين ‪ ،‬ول تخرص المتق ّ‬
‫ترخص المتأولين ‪ ،‬ول غرور الجاهلين ‪ ،‬بل دأب في تحصيل الفضيلة ‪،‬‬
‫وحرص على الصفات الجليلة ‪ ،‬واتصف بالخلق الجميلة ‪.‬‬
‫كان الشيخ يحترم الئمة السالفين ‪ ،‬ولم يكن يجّرح المخالفين ‪ ،‬بل كان‬
‫رفيقا ً مما جعل الناس له مؤالفين ‪.‬‬
‫)‪(28 /‬‬

‫‪24‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إذا صاحبت قوما ً أهل فضل‬
‫ول تأخذ بزلة كل قوم ‪ ...‬فكن لهموا كذي الرحم الشفيق‬
‫فتبقى في الزمان بل رفيق‬
‫إن التقوى إخلص في العمال ‪ ،‬وصدق في القوال ‪ ،‬ومراقبة لله في‬
‫الحوال ‪ ،‬وكذلك كان هو ‪ .‬أدرك الشيخ شرف الزمان ‪ ،‬فوزع وقته في وجوه‬
‫البر والحسان ‪ ،‬وهذه أعظم علمة ‪ ،‬على بلوغه درجة المامة ‪.‬‬
‫فهو رجل خاصة ينصح ويعظ ويتل ّ‬
‫طف ‪ ،‬ول يغلظ ويشنع ويعنف ‪.‬‬
‫مة فكان بالناس رفيقا ‪ ،‬وبالمستضعفين رقيقا ‪.‬‬
‫وهو رجل عا ّ‬
‫وهو رجل شفاعات ُتلّبى لديه الطلبات ‪ ،‬وتحل عنده المشكلت ‪ ،‬ويجيب على‬
‫التساؤلت ‪ ،‬وتعرض عليه المعضلت ‪.‬‬
‫المامة عند هذا المام ‪ :‬يقين عند الشبهات ‪ ،‬وصبر عند الشهوات ‪ ،‬وتحمل‬
‫للمسئوليات ‪.‬لم يكن هذا المام في فتواه يفرع المسائل حتى يحير السائل ‪،‬‬
‫بل وضوح في العبارة ‪ ،‬ولطف في الشارة ‪ ،‬فل إسهاب يشتت الذهان ‪ ،‬ول‬
‫اقتضاب يربك الحيران ‪ ،‬بل إصابة للقصد ‪ ،‬مع اختصار للجهد ‪ .‬فهو أدرى‬
‫سُر َ‬
‫سَرى { ‪.‬‬
‫ك ل ِل ْي ُ ْ‬
‫بقوله تعالى ‪ } :‬وَن ُي َ ّ‬
‫وقالوا ‪ :‬من تابع الرسول ‪ ،‬ووقف مع المنقول ‪ ،‬وترك الفضول ‪ ،‬نال القبول‬
‫وكذلك كان رحمه الله ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬من تقيد بالمأثور ‪ ،‬وآمن بالمقدور ‪ ،‬وعمل بالمأمور ‪ ،‬واجتنب‬
‫المحذور ‪ ،‬فعمله مبرور ‪ ،‬وسعيه مشكور ‪ ،‬وهو مأجور وكذلك كان رحمه الله‬
‫‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬من أرضى الحق ‪ ،‬ولطف بالخلق ‪ ،‬وصدق في النطق ‪ ،‬وعمل في‬
‫رفق ‪ ،‬حصل من الرب على القرب ‪ ،‬ومن الناس على الحب ‪ ،‬وكذلك كان‬
‫رحمه الله ‪.‬‬
‫ولول أني عرفته ما وصفته ‪ ،‬والسبب في أنني أحببته ‪ ،‬لنني صاحبته ‪.‬‬
‫ول تقل إنني بالغت في المدح بل قصرت ‪ ،‬ول تزعم أنني طولت في الثناء‬
‫بل اختصرت ‪ .‬وقد عرفت في حياتي مئات العلماء ‪ ،‬والدباء ‪ ،‬والشعراء ‪،‬‬
‫والنبلء ‪ ،‬والكل فيه فضل ‪ ،‬والجميع فيه نبل ‪ .‬ولكن الذي تفرد بالفضائل‬
‫واصطفاها ‪ ،‬وجمع حسن الشمائل وحواها ‪ ،‬وعرف دروس المجد ووعاها ‪،‬‬
‫هو هذا المام الهمام ‪.‬‬
‫فر صفات الصالحين ‪ ،‬وقرأت ديوان المفلحين ‪ ،‬وراجعت‬
‫س ْ‬
‫وقد طالعت ِ‬
‫علمات الناجحين ‪ ،‬فوجدتها فيه منطبقة ‪ ،‬وعليه مّتسقة ‪.‬‬
‫ولو حرص الكثير لما استطاعوا ‪ ...‬إلى ما فيك من كرم الخصال‬
‫وابن باز جمع بين ثلث ميمات ‪ ،‬لها قيمات ‪ ،‬ولها عليه سمات وعلمات ‪.‬‬
‫فميم العلم ‪ ،‬والرسوخ في الفهم ‪ ،‬وهي إمامة مقدسة ‪ ،‬على الوحي‬
‫مؤسسة ‪.‬‬
‫وميم الكرم والسخاء ‪ ،‬والتي حرم منها البخلء ‪ ،‬فصار هذا الشيخ بالكرم‬
‫رئيسا ‪ ،‬وعند الناس نفيسا ‪ .‬وميم الحلم فل يغضب ول يعتب ول يصخب ول‬
‫يضرب ‪.‬‬
‫وقد قرأت عليه قطعة من مسند أحمد في المسجد ‪ ،‬فكان يتكلم بقول‬
‫مسدد ‪ ،‬ورأي بالصواب مؤّيد ‪ ،‬ول يتردد ‪ .‬وألقيت عليه قصيدتي البازّية ‪،‬‬
‫وهي فصيحة ل رمزّية ‪ ،‬فقابلها بالقبول ‪ ،‬واللطف في القول ‪ ،‬ودعا لي‬
‫بالتوفيق ‪ ،‬كأنه والد شفيق ‪.‬‬
‫وألقيت عليه قصيدتي في أبي ذر ‪ ،‬فاستأنس وسر ‪ ،‬وقصائد كثيرات ‪ ،‬في‬
‫لقاءات ومخيمات ‪ ،‬وندوات وأمسيات ‪.‬‬
‫‪25‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يا ليت أيامي تعود فذكرها ‪ ...‬في عهد هذا الفذ قد أشجاني‬
‫ي من بره ما أفاض ‪،‬‬
‫وهو أول ضيف افتتح بيتي في الرياض ‪ ،‬وقد أفاض عل ّ‬
‫وما رأيت منه في حياتي الجفاء والعراض ‪:‬‬
‫أنا ممن سماحته أنالت‬
‫عليه تحية الرحمن تغدو ‪ ...‬وممن دربت تلك اليادي‬
‫لما أسداه من نفع العبادِ‬
‫بل كان دائما ً كثير الترحاب ‪ ،‬لّين الجناب ‪ ،‬قريبا ً من الحباب ‪ ،‬مكرما ً‬
‫للصحاب ‪.‬‬
‫وقد شجعني على الدعوة بخطاب منه مختوم ‪ ،‬وباسمه موسوم ‪ ،‬وبأنفاسه‬
‫مرسوم ‪ ،‬وهو عندي إلى اليوم ‪ .‬وقد وصلت دول ً أعجمية وعربية ‪ ،‬وشرقية‬
‫وغربية ‪ ،‬فما رأيت مثل هذا المام ‪ ،‬على كثرة من عرفنا من النام ‪ .‬وأظن‬
‫عين المجد قد بكت عليه ‪ ،‬وروح التاريخ حنت إليه ‪ ،‬ولو فاح طيب ثناءه في‬
‫الوجود لكان مسكا ‪ ،‬ولو نظمت مكارمه في عقد لنفصم من طوله سلكا ً‬
‫سلكا ‪ .‬وقد رثاه العامة والحكام ‪ ،‬ورجال العلم ‪ ،‬وحملة القلم ‪ ،‬وبكاه‬
‫رجال الصحافة ‪ ،‬وأهل الدب والثقافة ‪ ،‬ونوه بفضله العلماء ‪ ،‬وبكاه‬
‫الشعراء ‪ ،‬وأثنى عليه الدباء ‪ ،‬وحزن عليه الزعماء ‪ .‬وما سمعنا بمثل جنازته‬
‫في السلم ‪ ،‬ولم نعلم أنه مر مثلها مع اليام ‪ ،‬من كثرة الزحام ‪ ،‬وما حل‬
‫بالمسلمين من اللم ‪.‬‬
‫فقد اختلط الترحم عليه بالدموع ‪ ،‬وماجت كالبحر الجموع ‪ ،‬وأعلن خبر موته‬
‫العلم المرئي والمسموع ‪ .‬ووددت أن النصارى شاهدوا جنازته واليهود ‪،‬‬
‫ورأوا ذلك الموقف المشهود ‪ ،‬وأبصروا تلك الحشود والبنود ‪ ،‬والوفود‬
‫در حكمائنا ‪ ،‬وأننا أمة تقدس الديانة ‪،‬‬
‫والجنود ‪ ،‬ليعلموا منزلة علمائنا ‪ ،‬وقَ ْ‬
‫وتوقر حملة المانة ‪ ،‬وأهل الرزانة والصيانة ‪.‬‬
‫ثوى طاهر الردان لم تبق بقعة‬
‫تردى ثياب الموت حمرا ً فما أتى ‪ ...‬غداة ثوى إل اشتهت أنها قبر‬
‫لها الليل إل وهي من سندس خضر‬
‫)‪(29 /‬‬
‫وقد رثيته بقصيدة بازّية ‪ ،‬أصف فيها عظم الرزّية ‪ ،‬أنزله الله رضوانه ‪ ،‬وأسبغ‬
‫دم ‪ ،‬وأفاد‬
‫وأه أكرم نزل ‪ ،‬وألبسه أجمل الحلل ‪ ،‬جزاء ما ق ّ‬
‫عليه غفرانه ‪ ،‬وب ّ‬
‫وعّلم ‪ ،‬وأتحف وأكرم ‪ ،‬فله علينا حق الدعاء ‪ ،‬وحسن الثناء ‪ ،‬وهذه سنة‬
‫الوفاء ‪ ،‬ومذهب الصفياء ‪ ،‬وعسى الملك العلم ‪ ،‬ذو اليادي العظام ‪ ،‬والمنن‬
‫الجسام ‪ ،‬أن يجمعنا به في دار السلم ‪ ،‬مع السلف الكرام ‪.‬‬
‫قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي‬
‫ل أبتغي الجر إل من كريم عطا‬
‫عفوا ً لك الله قد أحببت طلعتكم‬
‫يفديك من جعل الدنيا رسالته ‪ ...‬فقمت أنشد أشواقي وألطافي‬
‫فهو الغفور لز ّ‬
‫لتي وإسرافي‬
‫لنها ذكرتني سير أسلفي‬
‫ف‬
‫من كل أمثاله تفدى بآل ِ‬
‫دعوّية‬
‫مة ال ّ‬
‫المقا َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن{‬
‫سو َ‬
‫ن الك َِتا َ‬
‫مو َ‬
‫م ت َد ُْر ُ‬
‫ما كنت ُ ْ‬
‫ب وَب ِ َ‬
‫م ت ُعَل ُ‬
‫ما كن ْت ُ ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫ن كوُنوا َرّبان ِّيي َ‬
‫} وَل َك ِ ْ‬
‫أنت كنز الدر والياقوت في‬

‫‪26‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫محفل اليام في شوق إلى ‪ ...‬لجة الدنيا وإن لم يعرفوك‬
‫صوتك العالي وعساهم يسمعوك‬
‫ً‬
‫ترى الناس بل دعوة أيتاما ً ‪ ،‬ل يعرفون حلل ول حراما ‪ ،‬ول صلة ول صياما ‪،‬‬
‫ول سننا ً ول أحكاما ‪ ،‬فالدعوة لرئة الحياء هواء ‪ ،‬ولكبد الدنيا ماء ‪ ،‬ولذلك‬
‫أرسل الله النبياء ‪ ،‬وخط في اللوح ما شاء ‪.‬‬
‫أخوك عيسى دعا ميتا ً فقام له‬
‫وأنت أحييت أجيال ً من الرمم ِ‬
‫من نحن قبلك إل نقطة غرقت‬
‫في اليم أو دمعة خرساء في القدم ِ‬
‫وقد حملت القلم والدواة ‪ ،‬ورافقت الدعاة ‪ ،‬ولقيت العلماء والقضاة ‪،‬‬
‫وعرفت البسطاء والدهاة ‪ ،‬وجبت مع إخواني البلد ‪ ،‬وخالطت العباد ‪ ،‬فكم‬
‫عرفنا من ناد وواد ‪ ،‬وسرنا في حاضر وباد ‪ ،‬فأخذت من الناس المواهب ‪،‬‬
‫واستفدت من الزمان التجارب ‪ ،‬ومّيزت المشارب ‪ ،‬ونزلت تلك الخيام ‪،‬‬
‫والمضارب ‪.‬‬
‫ً‬
‫مدا إمامه ‪ ،‬فعرف هديه‬
‫فالداعية الناجح ‪ ،‬والواعظ الصالح ‪ ،‬من جعل مح ّ‬
‫وكلمه ‪ ،‬فراش بهداه سهامه ‪ ،‬وجمل بسنته مقامه ‪ .‬والداعية من كان‬
‫بالناس رفيقا ‪ ،‬وعاش معهم رقيقا ‪ ،‬وصار بهم شفيقا ‪ ،‬فاجتنب العنف‬
‫خلق الهّين ‪ ،‬فصار‬
‫زم القول اللّين ‪ ،‬وال ُ‬
‫والتجريح ‪ ،‬والسراف في المديح ‪ ،‬فل ِ‬
‫لقلوب الناس طبيبا ‪ ،‬ولرواحهم حبيبا ‪.‬‬
‫غلم إذا ما شّرف الجمع صفقت‬
‫له منطق لو أن للسحر بعضه ‪ ...‬له أنفس الحضر واكتمل البشُر‬
‫مشى بيننا من حسن طلعته السحُر‬
‫ولي في الدعوة انتقال وارتحال ‪ ،‬والفضل لذي الجلل ‪ ،‬وليس لي في‬
‫الفضل فِْلس ول مثقال ‪ .‬وكانت البداية في أبها ‪ ،‬وهي من الشمس أبهى ‪،‬‬
‫ومن الزلل أشهى ‪ ،‬وأهلها من أرق الناس قلوبا ً ‪ ،‬وأقلهم عيوبا ً ‪ ،‬تغلب عليهم‬
‫الستجابة ‪ ،‬والذكاء والنجابة ‪.‬‬
‫هّينون لّينون أيسار بنو يسر‬
‫فاظون للجار‬
‫صيد بها ليل ح ّ‬
‫من تلق منهم تقل لقيت سّيدهم‬
‫مثل النجوم التي يسري بها الساري‬
‫كة ‪ ،‬فعرفت من الحب يقينه وش ّ‬
‫ثم زرت م ّ‬
‫كه ‪ ،‬فصرت لهلها بالمودة‬
‫ضامنا ً ‪ ،‬وصار النس في قلبي كامنا ً ‪ ،‬وآمن فؤادي ومن دخله كان آمنا ‪ .‬فلو‬
‫قّبل لقّبلت ‪ ،‬لكنني لما رأيتها كّبرت وهّللت ‪ ،‬وحول البيت‬
‫أن الثرى ي ُ َ‬
‫هرولت ‪.‬‬
‫كّبرت عند ديارهم لما بدت‬
‫منها الشموس وليس منها المشرق‬
‫وعجبت من بلد مكارم أهلها‬
‫فيها السحاب صخورها ل تورق‬
‫ثم سرت إلى الرياض ‪ ،‬وأنا من الهم خالي الوفاض ‪ ،‬فلحت لنا العلم‬
‫النجدية ‪ ،‬والماني الوردية ‪ ،‬ووصلنا أرض التوحيد ‪ ،‬وبلد التجديد ‪ ،‬فوجدنا‬
‫العلماء ‪ ،‬والكرماء ‪ ،‬والحلماء ‪.‬‬
‫لو كان يقعد فوق الشمس من كرم‬
‫قوم بآبائهم أو مجدهم قعدوا‬
‫محسدون على ما كان من نعم‬
‫‪27‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ل ينزع الله منهم ماله حسدوا‬
‫ثم حملنا الشوق إلى طيبة ‪ ،‬وهي أمنيتنا في الحضور والغيبة ‪ ،‬وهي أرض‬
‫الجلل والهيبة ‪ ،‬فيا قلب والله ل ألومك في هواك ‪ ،‬ول أردك عن مناك ‪ ،‬لن‬
‫مد ‪ ،‬وصلى وتعبد ‪،‬‬
‫أحب الناس يرقد هناك ‪ .‬أليس في هذه الروابي مشى مح ّ‬
‫وقام وتهجد ‪.‬‬
‫بنفسي تلك الرض ما أحسن الربا‬
‫وما أحسن المصطاف والمتربعا‬
‫كتبنا عليها بالدموع صحائفا ً‬
‫هي الدار صارت للمحبين مضجعا‬
‫ثم رحلنا إلى جدة ‪ ،‬ولنا عنها مدة ‪ ،‬فلما وصلناها ذهب كل عناء وشدة ‪ ،‬وقد‬
‫أخذنا من الحب عدة ‪ ،‬وحملنا في القلوب مودة ‪ .‬فلقينا بها شبابا ً كالسحاب ‪،‬‬
‫برؤيتهم تم النس وطاب ‪ ،‬وذهب الهم والوصاب ‪ ،‬أخلقهم أرق من النسيم ‪،‬‬
‫وعشرتهم أجمل من الدر النظيم ‪.‬‬
‫هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا‬
‫أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا‬
‫بهاليل في السلم سادوا ولم يكن‬
‫لولهم في الجاهلية أو ُ‬
‫ل‬
‫ثم جاءتنا برقية ‪ ،‬فسافرنا إلى الشرقية ‪ ،‬وما أبقى لنا الشوق بقية ‪،‬فقابلونا‬
‫بالحفاوة والكرام ‪ ،‬والحب والحترام ‪ ،‬ووجدنا رقة الحضارة ‪ ،‬والبشاشة‬
‫والنضارة ‪ ،‬فعجزنا عن الشكر ‪ ،‬وهام بنا إليهم الذكر ‪ ،‬وما نسيهم الفكر ‪:‬‬
‫لله تلك الدار أي محلة‬
‫للجود والفضال والتكريم ِ‬
‫هم كالشموس مهابة وجللة‬
‫أخلقهم في الحسن كالتسنيم ِ‬
‫ثم قلت لصاحبي مالك في الجدال خصيم ‪ ،‬تقول القيصومة ‪ ،‬وأنا أقول‬
‫القصيم ‪ ،‬فلما وصلنا تلك الديار‪ ،‬وعانقنا الخيار ‪ ،‬وجدنا أهل الديانة ‪ ،‬والمانة‬
‫‪ ،‬والصيانة ‪ .‬عفاف في طهر ‪ ،‬كأنهم نجوم زهر ‪ ،‬أشاد بمكارمهم الدهر ‪.‬‬
‫قل للرياح إذا هبت غواديها‬
‫)‪(30 /‬‬
‫واكتب على أرضهم بالحب ملحمة ‪ ...‬حي القصيم وعانق كل من فيها‬
‫أرض الديانة قاصيها ودانيها‬
‫ثم دخلنا حائل ‪ ،‬والقلب إليها مائل ‪ ،‬فلقينا أبناء المكارم ‪ ،‬وعانقنا أحفاد حاتم‬
‫‪ ،‬فرجح حبهم في الميزان ‪ ،‬وحدثناهم في جامع برزان ‪ ،‬واعتذرت من‬
‫إبطائي ‪ ،‬ثم ألقيت قصيدة نادي الطائي ‪:‬‬
‫ل عيب فيهم سوى أن المقيم بهم‬
‫يسلو عن الهل بل كل الحباِء‬
‫في حائل قد بنى الكرام منزله‬
‫أبوهموا في المعالي حاتم الطائي‬
‫ولما هبطنا الباحة ‪ ،‬وجدنا النس والراحة ‪ ،‬وقد عانق القلب أفراحه ‪ ،‬ونسي‬
‫أتراحه ‪ ،‬فغمد حسام السلم غامد ‪ ،‬كم بها من عابد ‪ ،‬وزاهد ‪ ،‬وساجد ‪.‬‬
‫وزهرة المكارم زهران ‪ ،‬صرت في ليلي عندهم من الفرح سهران ‪ ،‬سيرتهم‬
‫أطيب سيرة ‪ ،‬وسريرتهم أحسن سريرة ‪ ،‬لنهم أبناء أبي هريرة ‪:‬‬

‫‪28‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في الباحة الغراء كان لقاؤنا‬
‫ما أحسن اللقيا بل ميعادِ‬
‫شيدت بها الخلق في أوطانها‬
‫تلقاك بالجواد والعبادِ‬
‫وقد هبطنا تهامة ‪ ،‬فل ملل ول سآمة ‪ ،‬وأقمنا أحسن إقامة ‪ ،‬فوجدت الجود‬
‫خلفي وأمامي ‪ ،‬ولمست الكرام ورائي وقدامي ‪ ،‬وكفاهم أن الرسول تهامي‬
‫‪ ،‬تفيض وجوههم مما عرفوا من الحق ‪ ،‬وتشرق وجوههم مما حملوا من‬
‫الصدق ‪:‬‬
‫أتهمت في طلب المحبة والهوى‬
‫يا ابن المحبة والوداد تهيامي‬
‫لما أتيتهموا نسيت سواهموا‬
‫ضيعت قبل وصولهم أيامي‬
‫ولما أتينا جيزان ‪ ،‬والجو قد زان ‪ ،‬نسينا من السرور الهل والجيران ‪ ،‬ووجدنا‬
‫الحلقات الشرعية ‪ ،‬والثار القرعاوية ‪ ،‬والجهود الدعوية ‪ ،‬والكل مّنا يلحظ ‪،‬‬
‫تلميذ الحكمي حافظ ‪ ،‬حيث ولدت العبقرية ‪ ،‬ولزالت القرائح غضة طرّية ‪،‬‬
‫ولمسنا العزم والهمم ‪ ،‬ووجدنا الجود والكرم ‪:‬‬
‫جازان إني من هواك لشاك‬
‫أشجيتني وأنا الذي أشجاك‬
‫يا فتنة الّنادي طربت وعادني‬
‫ما يشبه الحلم من ذكراك‬
‫وأهم ما ُيدعى إليه التوحيد ‪ ،‬فإنه حق الله على العبيد ‪ ،‬ومن أجله بعث‬
‫الرسل ‪ ،‬وكل كتاب به نزل ‪ ،‬وهو رأس العمل ‪ .‬وعلى الداعية أن يعمل بما‬
‫يقول ‪ ،‬ليضع الله له القبول ‪ ،‬فكل من ترك الهدى فهو مخذول ‪ ،‬كلمه‬
‫ساقط مرذول ‪.‬‬
‫خلق مع العباد ‪ ،‬وإصلح لنفسه وجهاد ‪،‬‬
‫ولتكن للداعية نوافل وأوراد ‪ ،‬وحسن ُ‬
‫ومحاسبة لها قبل يوم التناد ‪.‬‬
‫وليكثر من الذكار ‪ ،‬بالعشي والبكار ‪ ،‬وليراقب الواحد القهار ‪ ،‬مع قراءة‬
‫سيرة الخيار‪ ،‬ومصاحبة البرار ‪ ،‬والزهد في هذه الدار ‪ ،‬وليعتقد في نفسه‬
‫التقصير ويعترف ‪ ،‬ويخشى مما اقترف ‪ ،‬ويبكي على ما سلف ‪ ،‬وعلى ما كان‬
‫عليه السلف يقف ‪ ،‬وليسلم من الهلك والتلف ‪ ،‬وليتقّيد بما شرع ‪ ،‬وليحذر‬
‫ود العبارة ‪ ،‬ويحسن الشارة‬
‫البدع ‪ ،‬فإن النفس أ ّ‬
‫مارة ‪ ،‬والنفس غّرارة ‪ ،‬وليج ّ‬
‫‪ ،‬وليوقر الكبير ‪ ،‬ويرحم الصغير ‪ ،‬ويعطف على الفقير ‪ .‬وليأت المنابر بعزم‬
‫وثاب ‪ ،‬وقلب غير هّياب ‪ ،‬وأسلوب ج ّ‬
‫ذاب ‪ ،‬وليعد العدة قبل أن يلقي‬
‫ً‬
‫الخطاب ‪ ،‬وليتذكر حديث ‪ )) :‬لئن يهدي الله بك رجل ً واحدا خير لك من حمر‬
‫النعم (( ‪ ،‬فإن هذا من أجل النعم ‪ ،‬وليحمد ربه وليشكر ‪ ،‬حيث جعله يأمر‬
‫بالمعروف وينهى عن المنكر ‪ ،‬وليعلم أن معلم الخير ‪ ،‬وناصح الغير ‪ ،‬يستغفر‬
‫له الطير ‪ ،‬والحوت في الغدير ‪ .‬فطوبى لمن كان للرسول خليفة ‪ ،‬وما أجلها‬
‫من وظيفة ‪ ،‬فهي المنزلة الشريفة ‪ ،‬والدرجة المنيفة ‪ ،‬فهذا عمل النبياء ‪،‬‬
‫وشغل العلماء ‪ ،‬وقربة الولياء ‪ ،‬فهنيئا ً له الجر ‪ ،‬ورفعة الذكر ‪ ،‬وجلل‬
‫القدر ‪ ،‬وصلح المر ‪.‬‬
‫ً‬
‫فسبحان من اصطفى من عباده دعاة إلى الجنة ‪ ،‬أعلما للسنة ‪ ،‬له عليهم‬
‫أجل نعمة ‪ ،‬وأعظم مّنة ‪.‬‬
‫مات الوعظية‬
‫المقا َ‬
‫كون )‪ (60‬وأ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫دو‬
‫م‬
‫سا‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ول‬
‫ن‬
‫كو‬
‫ح‬
‫ض‬
‫ت‬
‫و‬
‫(‬
‫‪59‬‬
‫)‬
‫ن‬
‫بو‬
‫ج‬
‫ع‬
‫ت‬
‫ث‬
‫دي‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ذا‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م ْ َ‬
‫} أفَ ِ‬
‫َ ُْ ْ َ ِ ُ َ‬
‫َ‬
‫َ َ َْ‬
‫ََ ْ َ‬
‫َ ِ ِ َْ َ ُ َ‬
‫‪29‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫{‬
‫أما والله لو علم النام‬
‫حياة ثم موت ثم نشر ‪ ...‬لما خلقوا لما غفلوا وناموا‬
‫م‬
‫وحشر ثم أهوال عظا ُ‬
‫قلنا لحد العلماء ‪ ،‬النبلء ‪ ،‬الولياء ‪ :‬عظنا موعظة ‪ ،‬للقلوب موقظة ‪ ،‬فإن‬
‫قلوبنا بالذنوب مريضة ‪ ،‬وأجنحتنا بالخطايا مهيضة ‪ ،‬فنحن قد أدمّنا الذنوب ‪،‬‬
‫وعصينا ع ّ‬
‫لم الغيوب ‪ ،‬حتى قست منا القلوب ‪ ،‬فقال ‪ :‬واحّر قلباه ‪،‬‬
‫واكرباه ‪ ،‬يا رّباه ‪ ،‬يا ابن آدم تذنب ولست بنادم ‪ ،‬النبياء يبكون ‪ ،‬والصالحون‬
‫يشكون ‪ ،‬تتابع المعاصي ‪ ،‬وتستهين بمن أخذ بالنواصي ‪ ،‬ويحك كيف تلعب‬
‫بالنار ‪ ،‬وتستهين بالجبار ‪ ،‬يغذيك ويع ّ‬
‫شيك ‪ ،‬ويقعدك ويمشيك ‪ ،‬ثم تنهض على‬
‫عصيان أمره ‪ ،‬مع علوّ قدره ‪ ،‬وعظيم قهره ‪ ،‬ويلك هذا الملك كسر ظهور‬
‫صر بالموت آمال القياصرة ‪ ،‬وأرغم بالجبروت أنوف الجبابرة ‪،‬‬
‫الكاسرة ‪ ،‬وق ّ‬
‫جل مسكين ‪ ،‬من خوف القويّ المتين ‪ ،‬ومحمد يتهجد‬
‫الروح المين ‪ ،‬وَ ِ‬
‫حد ‪ ،‬ومع هذا يتوعد ويهدد ‪ ،‬من ركن لكل كافر‬
‫ويتعبد‪ ،‬وهو الذي دعا كل مو ّ‬
‫وملحد ‪.‬‬
‫)‪(31 /‬‬
‫أين عقلك يا مغرور ‪ ،‬هل نسيت يوم العبور ‪ ،‬وساعة المرور ‪ ،‬كل طائر من‬
‫خوفه يخّر صريًعا ‪ ،‬وكل كاسر يئن من خشيته وجيًعا ‪ ،‬أبو بكر انتفض من‬
‫خوفه كالعصفور ‪ ،‬وصار صدره بالنشيج يفور ‪ ،‬وسقط الفاروق من الخشية‬
‫مل على أكتاف الرجال ‪ ،‬وبقي ذو النورين ‪ ،‬من منظر‬
‫ح ِ‬
‫على الرمال ‪ ،‬حتى ُ‬
‫القبر يبكي يومين ‪ ،‬وهذا علي بن أبي طالب دموعه من التذكر سواكب ‪،‬‬
‫كان عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬يرتعد ولصدره أزيز ‪ ،‬ويقول ‪ :‬يا قوم ‪ ،‬اذكروا صباح‬
‫ذلك اليوم ‪ ،‬ويلك والله لو أن القرآن نزل على صخر لتفجر ‪ ،‬ولوهبط على‬
‫حجر لتكسر ‪ ،‬وتقرؤه وأنت لهٍ ساه ‪ ،‬تتفكر في المنصب والجاه ‪ ،‬كأن‬
‫الليالي ل تطويك ‪ ،‬والكلم ل يْعنيك ‪ ،‬تدفن الباء والجداد ‪ ،‬وتفقد الخوة‬
‫والولد ‪ ،‬وأنت لزلت في إصرار وعناد ‪ ،‬سبحان الله تغتّر بالشباب ‪ ،‬وتزّين‬
‫الثياب ‪ ،‬وتنسى يوم ُيهال عليك التراب ‪:‬‬
‫أبدا ً تصّر على الذنوب ول تعي‬
‫دعي‬
‫وتكثر العصيان منك وت ّ‬
‫أبدا ً ول تبكي كأنك خالد‬
‫وأراك بين مود ٍّع ومشي ِّع‬
‫ل تغفل ذكره ‪ ،‬ول تنس شكره ‪ ،‬ول تأمن مكره ‪ ،‬هو الذي عفر بالطين ‪ ،‬أنف‬
‫فرعون اللعين ‪ ،‬وفّرق جنوده أجمعين ‪ ،‬مساكن من عصاه قاع قرقر ‪ ،‬بعد ما‬
‫وى‬
‫أرسل عليهم الريح الصرصر ‪ ،‬إذا غضب دمر المنازل على أهلها ‪ ،‬وس ّ‬
‫ف بأسك ‪ ،‬ومازال في المعاصي فأسك ‪،‬‬
‫سك‪ ،‬وما خ ّ‬
‫جبالها بسهلها ‪ ،‬شا َ‬
‫ب رأ ُ‬
‫ما لك ما ترّدك اليات ‪ ،‬ول تزجرك العظات ‪ ،‬ول تتذكر الموات ‪ ،‬مصّر‬
‫مستكبر ‪ ،‬تركب كل أمر منكر ‪.‬‬
‫ً‬
‫ن ِفي الّنارِ { ‪ ،‬فسقط مغشيا عليه في الدار‬
‫جو َ‬
‫حا ّ‬
‫سمع ابن وهب آية } وَإ ِذ ْ ي َت َ َ‬
‫‪ ،‬ثم مات في آخر النهار ‪ ،‬سمع عمر ‪ ،‬بعض السور ‪ ،‬فطرح د ُّرته وانقعر ‪،‬‬
‫سمع‬
‫فبقي مريضا ً شهر ‪ ،‬وصارت دموعه نهر ‪ ،‬قرأ سفيان سورة الزلزلة ‪ ،‬ف ُ‬
‫له ولولة ‪ ،‬كأنها أصابت مقتلة ‪ ،‬بعض الصقور تسقط من السماء ‪ ،‬وإن من‬
‫ي من الخشية على كثير من‬
‫الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء ‪ ،‬وأغم َ‬
‫‪30‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العلماء ‪.‬‬
‫كأنك ما سمعت بطورسينا‬
‫تخّر له الجبابر وهي تبكي‬
‫ل سنينا‬
‫طو‬
‫من‬
‫صار‬
‫ويوم‬
‫‪...‬‬
‫ل‬
‫ٍ‬
‫عراة نحن فيه فيا لهو ٍ‬
‫ويحصي فيه ربي ما نسينا‬
‫كأنا ما طعمنا أو كسينا‬
‫خف ربك ‪ ،‬وراجع قلبك ‪ ،‬واذكر ذنبك ‪ ،‬موسى خّر من الخوف مغشيا ً‬
‫ويحك َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عليه مصعوقا ‪ ،‬ويوشع صار قلبه من الوجل مشقوقا ‪ ،‬وبعضهم أصبح وجهه‬
‫من الدموع محروقا ً ‪ ،‬كيف تصبح وتمسي ‪ ،‬والرسل كل يقول نفسي نفسي ‪،‬‬
‫أعجبتك الدور والقصور يا مغرور ‪ ،‬ونسيت القبور ‪ ،‬ويوم النشور ‪ ،‬يوم يحصل‬
‫ما في الصدور ‪.‬‬
‫والذي نفسي بيده ما تساوي الدنيا فتيلة ‪ ،‬ول تعادل في القبر فزع أول ليلة ‪،‬‬
‫يوم تطرح فيه وليس لك حيلة ‪ ،‬استنفق ماَلك ‪ ،‬وراجع أعمالك ‪ ،‬وزن أقوالك‬
‫‪.‬‬
‫وخطك الشيب ‪ ،‬وما تركت العيب ‪ ،‬تشاهد المصارع ‪ ،‬وتسمع القوارع ‪،‬‬
‫وتنهال عليك الفواجع ‪ ،‬تنسى الرب ‪ ،‬يا مّيت القلب ‪ ،‬الصحابة من الخوف‬
‫مرضى ‪ ،‬وطلحة ينادي ‪ :‬اللهم خذ من دمي حتى ترضى ‪ ،‬ما شاء الله ما‬
‫تحضر صلة الفجر ‪ ،‬ول تطمع في الجر ‪ ،‬وجعفر تقطعت بالسيوف أوصاله ‪،‬‬
‫وارتفع بالفرح تهليله وابتهاله ‪.‬‬
‫على شفرات السيف مزقت مهجتي‬
‫ي كفاني‬
‫لترضى وإن ترضى عل ّ‬
‫ة‬
‫ت مّنا الدماء رسال ً‬
‫فلو كتب ْ‬
‫لخ ّ‬
‫طت بحب الله كل جناني‬
‫ويلك أنت مهموم بالقرش ‪ ،‬والفرش ‪ ،‬والكرش ‪ ،‬وسعد يهتز لموته العرش ‪.‬‬
‫تهاب الوضوء إذا برد الماء ‪ ،‬وحنظلة ُ‬
‫غسل قتيل ً في السماء ‪ ،‬تعصي حي‬
‫على الفلح ومصعب بن عمير قدم صدره للرماح ‪ ،‬ما تهتز فيك ذرة ‪،‬‬
‫والموت يناديك في كل يوم مائة مرة ‪ ،‬والله لو أن في الخشب قلوب‬
‫لصاحت ‪ ،‬ولو أن للحجارة أرواح لناحت ‪ ،‬يحن المنبر للرسول الزهر ‪ ،‬والنبي‬
‫الطهر ‪ ،‬وأنت ما تحن ول تئن ‪ ،‬ول يضج بكاؤك ول يرن‪.‬‬
‫ي تأكل وتشرب ‪ ،‬وتلهو‬
‫م ّ‬
‫لو ُ‬
‫ت لعذرناك ‪ ،‬وفي قبرك زرناك ‪ ،‬ولكنك ح ّ‬
‫وتلعب ‪ ،‬وتغني وتطرب ‪.‬‬
‫بعض الصالحين أتى لينام ‪ ،‬فترك الفراش وقام ‪ ،‬وأخذ ينوح كما تنوح‬
‫م‬
‫خ َ‬
‫ن ل تَ ْ‬
‫فى ِ‬
‫ضو َ‬
‫مئ ِذ ٍ ت ُعَْر ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫الحمام ‪ ،‬قالوا مالك ؟ قال ‪ :‬تذكرت } ي َوْ َ‬
‫ة { وهذه الية كافية ‪.‬‬
‫َ‬
‫خافِي َ ٌ‬
‫ة‬
‫تواصل الذنب ل تدري بعاقب ٍ‬
‫وتستهين بأمر الواحد الصمد‬
‫كأن قلبك مطبوع عليه فل‬
‫تخشى عقابا ً ول تبكي على أحد‬
‫سعيد بن المسّيب ‪ ،‬المام المحبب ‪ ،‬والزاهد المقرب ‪ ،‬ذهبت عينه من كثرة‬
‫الدموع ‪ ،‬واصفر وجهه من الخشوع ‪ ،‬وهو ما بين سجود وركوع ‪ ،‬يزيد بن‬
‫َ‬
‫ن ول اشتكى ‪ ،‬فقالوا له ‪:‬‬
‫هارون ‪ ،‬المام المأمون ‪ ،‬عمي من البكاء ‪ ،‬فما أ ّ‬
‫ما فعلت عيناك الجميلتان ‪ ،‬فقال ‪ :‬أحتسبهما عند الواحد الدّيان ‪ ،‬أذهبهما‬
‫بكاء السحار ‪ ،‬وخوف الواحد القهار‪ .‬والله إن فينا عّلة ‪ ،‬ننام الليل كّله ‪ ،‬كأنا‬
‫لسنا من أهل المّلة ‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫شغلنا بالبنين وبالحطام‬
‫كأنا قد خلقنا للنوادي ‪ ...‬ولم نسرع إلى دار السلم‬
‫وإكثار الشراب مع الطعام‬
‫)‪(32 /‬‬
‫المَلك حمل الصور لينفخ ‪ ،‬والملئكة تكتب عليك وتنسخ ‪ ،‬وأنت بالذنوب‬
‫مل ّ‬
‫طخ‪ ،‬ما تبكي لك مقلة ‪ ،‬كأنك أبله ‪ ،‬كان ابن المبارك من البكاء يخور ‪،‬‬
‫كأنه ثور منحور ‪ ،‬وابن الفضيل يموت في الصلة ‪ ،‬لنه سمع من المام قرآنا ً‬
‫تله ‪ ،‬ترك ابن أبي ذئب القيام لمير المؤمنين ‪ ،‬وقال ذكرت يوم يقوم الناس‬
‫لرب العالمين ‪ ،‬كان ميمون بن مهران ‪ ،‬كأن عينيه نهران ‪ ،‬حفر له في البيت‬
‫قبر ‪ ،‬إذا رآه فكأنه ُينقر في قلبه نقر ‪ ،‬يا ويله القبر القبر ‪.‬‬
‫يقول أحد السلف ‪ :‬يا مغرور إن كنت تظن أن الله ل يراك ‪ ،‬وتفعل هذه‬
‫الفعال فأنت شا ّ‬
‫ك ‪ ،‬فما غّرك وألهاك ‪ ،‬وإن كنت تعلم أنه يبصر أفعالك ‪،‬‬
‫ويحصي أعمالك ‪ ،‬ويراقب أقوالك ‪ ،‬ثم تتجّرأ على محارمه ‪ ،‬وتستهين‬
‫سلب قلُبك ‪ ،‬وُأخذ ل ُّبك‪.‬‬
‫بمعالمه ‪ ،‬فقد ُ‬
‫ولو أن قلبا ً يعرف الله لستوى‬
‫ن‬
‫لديه نعيم العيش والحدثا ِ‬
‫فما هي إل جيفة طاف حولها‬
‫ن‬
‫كل ٌ‬
‫ب فل تخدعك باللمعا ِ‬
‫هاب ‪ ،‬يا فاتح البواب ‪ ،‬الطف‬
‫ابن تيمية يمرغ وجهه في التراب ‪ ،‬وينادي يا و ّ‬
‫بنا ساعة الحساب ‪ ،‬وأنت مّيت الرادة ‪ ،‬ظاهر البلدة ‪ ،‬عريض الوسادة ‪.‬‬
‫الملئكة يسّبحون الليل والنهار ل يسأمون ‪ ،‬ويذكرون ربهم ول يفترون ‪ ،‬ول‬
‫يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون‪ ،‬ولم يعملوا سيئات ‪ ،‬ولم يقترفوا‬
‫خطيئات ‪ ،‬ولم يرتكبوا موبقات ‪ ،‬ونحن أهل العصيان ‪ ،‬والتمرد والنكران ‪،‬‬
‫ومع هذا ترانا لعبين ‪ ،‬وفي طرق اللهو ساربين‪ ،‬وِلكأس الغفلة شاربين ‪،‬‬
‫المر فصل‪ ،‬وجد ّ ليس بالهزل ‪ ،‬يوم قمطرير ‪ ،‬شّره مستطير ‪ ،‬تكاد القلوب‬
‫منه تطير ‪ ،‬تذهل المرضعة عما أرضعت ‪ ،‬وُتسقط الحامل ما حملت ‪،‬وترى‬
‫كل نفس ما عملت ‪ ،‬الخلِئق تضيق نفوسهم ‪ ،‬الولدان تشيب رؤوسهم ‪.‬‬
‫هد ّ من لهوك شيئا ً هد ّ هَد ّ‬
‫جد ّ ج د ّ‬
‫أرِغم النفس على فعل التقى ‪ ...‬إ ّ‬
‫ن أمر الله فينا ِ‬
‫فاز من في عمره ك َد ّ ك َد ّ‬
‫أراد علي بن الحسين أن يلبي على الراحلة ‪ ،‬فسقط من الخوف بين‬
‫القافلة ‪ ،‬فلما أفاق ‪ ،‬قال للرفاق ‪ :‬أخشى أن أقول لبيك ‪ ،‬فيقول ‪ :‬ل لبيك‬
‫ول سعديك ‪ ،‬مع أنه زين العابدين ‪ ،‬وريحانة المتهجدين ‪ ،‬لكن القوم عرفوا‬
‫ربهم ‪ ،‬فبكوا ذنبهم ‪ ،‬وجمعوا خوفهم وحبهم ‪ ،‬فيا صاحب العين التي ل تدمع ‪،‬‬
‫جل التوبة ‪ ،‬أما‬
‫والنفس التي ل تشبع ‪ ،‬والقلب الذي ل يخشع ‪ ،‬إلى متى تؤ ّ‬
‫لك أوبة ‪:‬‬
‫فيا دمع هذي ليلة البين أقبلت‬
‫فهات غروبا ً تبرد الزفرات‬
‫ويا قلب قد عاهدتني فكذبتني‬
‫كأنك ل تجزعْ من الغدرات‬
‫العمر قصير ‪ ،‬والشيب نذير ‪ ،‬والدار جنة أو سعير ‪ ،‬نراك تضحك كأنك أتاك‬
‫أمان‪ ،‬من الملك الديان ‪ ،‬ما لك ل تحزن‪ ،‬هل عبرت الصراط حتى تأمن‪،‬‬

‫‪32‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الندم على ما فرطت أحسن ‪ ،‬يا مسكين ‪ :‬إبراهيم الخليل ‪ ،‬وهو النبي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫طيئِتي‬
‫فَر ِلي َ‬
‫خ ِ‬
‫ن ي َغْ ِ‬
‫الجليل‪ ،‬بكى ذنبه ‪ ،‬ودعا ربه‪ ،‬وقال ‪َ } :‬وال ّ ِ‬
‫مع ُ أ ْ‬
‫ذي أط ْ َ‬
‫واك ‪ ،‬وأطعمك وسقاك‪،‬‬
‫م ال ّ‬
‫ي َوْ َ‬
‫ن { ‪ ،‬فكيف بنا نحن المذنبين ‪ ،‬خلقك فس ّ‬
‫دي ِ‬
‫ن أبلك‪ ،‬ثم تعصيه وهو يراك ‪:‬‬
‫حس‬
‫بلء‬
‫كل‬
‫ومن‬
‫‪،‬‬
‫وكساك‬
‫وآواك‬
‫ٍ‬
‫سجت لنا الكفان من أعمارنا‬
‫نُ ِ‬
‫ونظ ّ‬
‫ل نضحك ما لنا تفكيُر‬
‫ة‬
‫أوَ ما ذكرت القبر أول ليل ٍ‬
‫يلقاك فيه منكر ونكيُر‬
‫أحسن ماء دموع التائبين ‪ ،‬أعظم حزن حزن المنيبين ‪ ،‬وأهنأ نعاس نعاس‬
‫المتهجدين‪ ،‬أجمل لباس لباس المحرمين ‪ ،‬ما ألذ جوع الصائمين ‪ ،‬ما أسعد‬
‫تعب القائمين ‪ ،‬ما أكرم بذل المتصدقين ‪ ،‬أين المباني والمغاني ‪ ،‬أين‬
‫الغواني والغاني ‪ ،‬أين الفراح والتهاني ‪ ،‬أين من شاد وساد ‪ ،‬أين ثمود‬
‫مْلك‬
‫وعاد ‪ ،‬أين ساسان ‪ ،‬وقحطان ‪ ،‬وعدنان ‪ ،‬وفرعون وهامان ‪ ،‬أين ُ‬
‫سليمان ‪ ،‬أين أصحاب الكاليل والتيجان ‪ } ،‬ك ُ ّ‬
‫قى‬
‫ن )‪ (26‬وَي َب ْ َ‬
‫ل َ‬
‫ن عَل َي َْها َفا ٍ‬
‫م ْ‬
‫ل َوال ِك َْرام { ‪ ،‬وال ّ‬
‫ه َرب ّ َ‬
‫طول والنعام ‪.‬‬
‫ك ُذو ال ْ َ‬
‫وَ ْ‬
‫ج ُ‬
‫جل ِ‬
‫ِ‬
‫أما زرت المقابر ‪ ،‬أما هالتك تلك المناظر ‪ ،‬أما رأيت القوم صرعى‪ ،‬والدود‬
‫في عيونهم يرعى ‪ ،‬عن الحديث سكتوا ‪ ،‬وعن السلم صمتوا ‪ ،‬الظالم بجانب‬
‫المظلوم ‪ ،‬والمنتصر بجانب المهزوم ‪ ،‬والضعيف مع المير ‪ ،‬والغني مع‬
‫سن‬
‫الفقير ‪ ،‬وانظر إلى المغمور والمشهور‪ ،‬والغالب والمقهور ‪ ،‬ذهب ال ُ‬
‫ح ْ‬
‫والجمال ‪ ،‬والجاه والمال ‪،‬وبقيت العمال ‪ ،‬أموات يتجاورون ‪ ،‬ول يتزاورون ‪.‬‬
‫سكتوا وفي أعماقهم أخباُر‬
‫م الصحاب والزّواُر‬
‫وتغيرت تلك الوجوه وأصبحت ‪ ...‬وجافاه ُ‬
‫بعد الجمال على الجفون غباُر‬
‫ماذا أعددت عندما توَقف ‪ ،‬يا من هجر المصحف ‪.‬‬
‫الزبير بن العوام ‪ ،‬بطل السلم ‪ ،‬جسمه كله جراح ‪ ،‬من آثار السيوف‬
‫والرماح ‪ .‬وخالد بن الوليد ‪ ،‬الشجاع الفريد ‪ُ ،‬يمزق جسمه بالسهام ‪ ،‬ويخطط‬
‫حسام ‪ ،‬لينتصر السلم ‪ ،‬بلل بن رباح ‪ ،‬يسمع حي على الفلح ‪،‬‬
‫بدنه بال ُ‬
‫فيجيب لسان حاله لبيك منادي الصلح ‪ُ ،‬يصهر جسمه على الحجارة ‪ ،‬ليصبح‬
‫مؤذن السلم على المنارة ‪ ،‬يع ّ‬
‫ذبونه ‪ ،‬وفي الرمضاء يذيبونه ‪ ،‬فيردد أحد أحد‬
‫فسه ‪ ،‬فما‬
‫‪ ،‬لنه ذاق قل هو الله أحد ‪ ،‬الله الصمد‪ُ ،‬يضرب رأسه ‪ ،‬وُيكتم ن َ َ‬
‫يزيده ذلك إل إصرارا ‪ ،‬وفي طريق الحق استمرارا ‪:‬‬
‫سّيدي عّلل الفؤاد العليل‬
‫إن تكن عازما ً على قتل روحي ‪ ...‬وأحيني قبل أن تراني قتيل‬
‫)‪(33 /‬‬
‫فترفق بها قليل قليل‬
‫انظر لسلمان ‪ ،‬أقبل من خراسان ‪ ،‬يبحث عن اليمان ‪ ،‬هجر ماله وأوطانه ‪،‬‬
‫وإخوانه وخلنه ‪ ،‬وأعوانه وجيرانه ‪ ،‬يسأل عن المام ‪ ،‬بدر التمام ‪ ،‬رسول‬
‫السلم ‪ ،‬فينطرح بين يديه ‪ ،‬ويلقي نفسه عليه ‪ ،‬ويبث شجونه إليه‪ ،‬فمرحبا ً‬
‫يا سلمان يوم أتيت ‪ ،‬وهنيئا ً لك يوم اهتديت ‪ ،‬واقبل هدية ‪ :‬سلمان مّنا آل‬
‫البيت ‪:‬‬
‫فل تحسب النساب تنجيك من لظى‬
‫ن‬
‫س وعبد مدا ِ‬
‫أبو لهب في النار وهو ابن هاشم ‪ ...‬ولو كنت من قي ٍ‬
‫‪33‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن‬
‫وسلمان في الفردوس من ُ‬
‫خَرسا ِ‬
‫ً‬
‫لما حضر الصحابة مدينة تستر ‪ ،‬وسل كل منهم سيفا أبتر ‪ ،‬فنادوا بطل‬
‫المعارك ‪ ،‬الذي يلقي نفسه في المهالك ‪ ،‬أعني البراء بن مالك ‪.‬‬
‫والذي قال فيه المعصوم ‪ ،‬يوم رآه عن الدنيا يصوم ‪ :‬رب أشعث أغبر ذي‬
‫طمرين لو أقسم على الله لبره ‪ ،‬فكان البراء لعين السلم ُقره ‪ ،‬وباع‬
‫نفسه من الله كل مرة ‪ ،‬قال الصحابة يا براء ‪ ،‬أقسم على رب السماء‬
‫والغبراء ‪ ،‬على أن ينصرنا على هؤلء الحقراء ‪ ،‬فأقسم على الله بالنصر ‪،‬‬
‫وأن يكون أول قتيل بعد العصر ‪ ،‬ثم لبس أكفانه ‪ ،‬ووّدع إخوانه ‪ ،‬فسل‬
‫الحسام ‪ ،‬وفلق الهام ‪ ،‬وانتصر جند السلم ‪.‬‬
‫لك الله ما هذي الشجاعة في الوغى‬
‫تقدمت حتى هابت البيض والقنا ‪ ...‬أأنت زحوف السيل أم أنت حيدره‬
‫وصارت رماح القوم فيك مكسره‬
‫الذي ل يحضر صلة الصبح ‪ ،‬ل يطمع في الربح ‪ ،‬وليس بيننا وبينه صلح ‪.‬‬
‫تريد نصر السلم ‪ ،‬وأنت ل تحافظ على تكبيرة الحرام ‪ ،‬مع المام ‪ ،‬هذه‬
‫أوهام ‪ ،‬السلف الصالح ‪ ،‬والجيل الناصح ‪ ،‬أعطوا السلم الموال والدماء ‪،‬‬
‫دينك أهديت ‪،‬‬
‫فأصبحت هاماتهم في السماء ‪ ،‬وأنت ماذا أعطيت‪ ،‬وماذا ل ِ‬
‫مْيت ‪ ،‬عشت بين لع ّ‬
‫ل وليت‪ ،‬وما دريت‪ ،‬بأنك في‬
‫ولمّتك أسديت ‪ ،‬حي ك َ َ‬
‫الخسار هويت ‪.‬‬
‫متى يستفق من عقله في غشاوة‬
‫ة ‪ ...‬ومطلبه في هذه الرض ديناُر‬
‫لقد خلف البازي فينا حمام ً‬
‫وأصبح بعد الليث في دارنا فاُر‬
‫قلبك من الذنوب مجروح ‪ ،‬ول تبكي ول تنوح ‪ ،‬كأنك جسد بل روح ‪ ،‬ما أّثر‬
‫فيك الوعظ ‪ ،‬وما فهمت الّلحظ ‪ ،‬وما مّيزت بين المعنى واللفظ ‪ ،‬الحمام‬
‫يبكي على الغصان ‪ ،‬من فقد الخ ّ‬
‫لن ‪ ،‬والغراب على البان ينحب ‪ ،‬وعلى‬
‫الشجر يشغب ‪ ،‬لسفر أصحابه ‪ ،‬وبعد أحبابه ‪ ،‬وقلبك قاسي ‪ ،‬كما الصخر‬
‫الراسي ‪ ،‬ل تدمع لك عين ‪ ،‬ول يؤثر فيك الفراق والب َْين ‪ ،‬ول يردعك حياء ول‬
‫ِدين ‪ ،‬الغراب قتل أخاه ‪ ،‬ثم ندم فواراه ‪ ،‬ودفنه وبكاه ‪ ،‬وأنت قتلت نفسك‬
‫بالكبر والرياء ‪ ،‬وما منعك الحياء ‪ ،‬كأنك لست من الحياء ‪ ،‬النملة أنذرت‬
‫بنات جنسها ‪ ،‬فعادت إلى َرمسها ‪ ،‬تبقي لقوت يومها من أمسها ‪ ،‬وأنت‬
‫تجاهر الواحد القاهر ‪ ،‬الباطن الظاهر ‪ ،‬بالكبائر ‪.‬‬
‫ة‬
‫أما أتاك من الرحمان موعظ ٌ‬
‫مركوبك النعش ينسيك المراكب في ‪ ...‬ما قال في سأل منها وفي عبسا‬
‫دنياك لما ركبت الدهم الفرسا‬
‫مالك في دنياك تتبلد ‪ ،‬وفي غيك تتردد ‪ ،‬وما فعلت كما فعل الهدهد ‪ ،‬سافر‬
‫إلى اليمن وهو وحيد ‪ ،‬يدعو إلى التوحيد ‪ ،‬فعاد إلى سليمان ‪ ،‬بعد ما أعطاه‬
‫المان ‪ ،‬فجاء من سبأ بنبأ ‪ ،‬وأنكر على بلقيس ‪ ،‬إذ زين لها إبليس ‪ ،‬تسجد‬
‫للشمس ول تسجد لمن أجراها ‪ ،‬وما أدرى الشمس عن الخليقة ما أدراها ‪.‬‬
‫فأصبح الهدهد داعية ‪ ،‬أذنه للحق واعية ‪ ،‬وقدمه في التوحيد ساعية ‪ ،‬وأنت‬
‫دا ‪.‬‬
‫دا ‪ ،‬أو أسمعت الهدى بل ً‬
‫دا ‪ ،‬أو مددت للخير ي ً‬
‫هل دعوت أح ً‬
‫جهوه لهدم البيت ‪ ،‬فنادى لسان حاله يا أبرهة ضللت وما اهتديت ‪،‬‬
‫الفيل و ّ‬
‫وظلمت واعتديت ‪ ،‬والله ل أنقل إلى البيت القدم ‪ ،‬وأموت هنا وكعبة الله ل‬
‫تنهدم‪.‬‬
‫وقفت حياء عند بابك مطرقا ً‬
‫فلو قطعوا رأسي لما سرت خطوة ً ‪ ...‬ولم أنقل القدام من روعة الخجل‬
‫‪34‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أهذا جزاء الفضل من ربنا الج ّ‬
‫ل‬
‫الفيل يلوي عن المعصية رأسه ‪ ،‬ويبرد عن المخالفة حماسه ‪ ،‬وأنت ل يردك‬
‫عن الخطيئة باب ‪ ،‬ول يحجزك عن السيئة حجاب ‪.‬‬
‫ن عليه فإنه غني ‪ ،‬أهلك ثمود في ناقة ‪،‬‬
‫ل تستِهن به فإنه قوي ‪ ،‬ول ت ُ‬
‫م ّ‬
‫حق عادا ً بالساقة ‪ ،‬عصته أمم فهز بهم الرض هّزا ‪ ،‬ثم قال ‪ } :‬هَ ْ‬
‫س‬
‫ل تُ ِ‬
‫وأل ْ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م رِك ًْزا { ‪ ،‬ح ّ‬
‫طم سد سبأ بفارة ‪ ،‬وأحرق إرم ذات‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫نأ َ‬
‫حد ٍ أوْ ت َ ْ‬
‫معُ ل َهُ ْ‬
‫س َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫العماد بشرارة ‪ ،‬ومزق أعداءه بغارة ‪ ،‬أعتق رقبتك من النار ‪ ،‬وأنقذ نفسك‬
‫من البوار‪.‬‬
‫هذا عثمان بن عفان ‪ ،‬سمير القرآن ‪ ،‬جهز جيش العسرة ‪ ،‬وأفطر على‬
‫كسرة ‪ ،‬قرأ القرآن يومه ‪ ،‬وشرى بئر رومة ‪ ،‬وأنت تريد الجنة ‪ ،‬وصدقتك‬
‫ممّنة ‪ ،‬وقد هجرت السنة‬
‫بال َ‬
‫علي بن أبي طالب قدم رأسه للشبا ‪ ،‬وصار جسمه بالدماء مخضبا ‪ ،‬وذبح‬
‫عدو الله مرحبا ‪ ،‬وأنت ما حضرت قتال ً ‪ ،‬ول أنفقت مال ً ‪ ،‬وما ذقت في‬
‫سبيله نكال ً ‪ ،‬نطالبك فحسب بالصف الول ‪ ،‬ول تلعب بالدين وتتأول ‪ ،‬ول‬
‫تأكل الحرام ومنه تتمول ‪.‬‬
‫هذا سكار النفس ليس يردها‬
‫هل عندكم يا قوم ميثاق فل ‪ ...‬عن غيها إل فتى مغواُر‬
‫تخشون أن يجتاحكم جباُر‬
‫)‪(34 /‬‬
‫أّلف البخاري لك الصحيح ‪ ،‬وجمع لك كل حديث مليح ‪ ،‬كان يصلي عن كل‬
‫حديث ركعتين ‪ ،‬وعرض عليه كتابه مرتين ‪ ،‬ثم هجرت صحيحه ‪ ،‬ولم تقبل‬
‫النصيحة ‪ ،‬أعرضت عن أصح المؤلفات ‪ ،‬وأقبلت على الصحف والمج ّ‬
‫لت ‪.‬‬
‫جمع أحمد المسند ‪ ،‬بالرأي المسدد ‪ ،‬والصدق المجرد ‪ ،‬والورع المجود ‪،‬‬
‫طاف الدنيا على القدام ‪ ،‬من صنعاء إلى دار السلم ‪ ،‬فلما أصبح المسند‬
‫لديك مطبوعا ً ‪ ،‬مقروأ ً ومسموعا ً ‪ ،‬جعلته في بيتك وسادة‪،‬وما فتحت ج ّ‬
‫لدة ‪،‬‬
‫ول ذقت زاده ‪.‬‬
‫م الله عن دين الرسول فما‬
‫جزاه ُ‬
‫لول لطائف صنع الله ما نبتت ‪ ...‬أحلى مآثرهم في سالف الحقب‬
‫تلك المكارم في لحم ول عصب‬
‫أّلف جرير ‪ ،‬كتاب التفسير ‪ ،‬وحّرره أيما تحرير ‪ ،‬فهو لكل مؤمن سمير ‪،‬‬
‫ت عليه في زنزانة ‪ ،‬كأنك ما عرفت شانه ‪ ،‬ول‬
‫وبكل نفع جدير ‪ ،‬فأغلق َ‬
‫شكرت إحسانه ‪ ،‬واستبدلته بكتاب ألف ليلة وليلة ‪ ،‬وجعلته إلى اللهو وسيلة ‪،‬‬
‫وللعب خميلة ‪ ،‬ولطلب الدنيا حيلة ‪ ،‬تغفل اليات البينات ‪ ،‬والحكم البالغات ‪،‬‬
‫والنصائح والعظات ‪ ،‬وتقبل على كتاب الغاني ‪ ،‬للصفهاني ‪ ،‬وهو فيما قال‬
‫جاني ‪.‬‬
‫خف الله واحفظ ذا الزمان فإنه‬
‫ت‬
‫نهارك يا مغرور سهو وغفلة ‪ ...‬سريع التقضي مخلف الحسرا ِ‬
‫ت‬
‫وليلك يمضي في رؤى وسبا ِ‬
‫أسأل الله بالسم العظم ‪ ،‬والوصف الكرم ‪ ،‬فإنه العلم الحلم الحكم ‪ ،‬أن‬
‫يهدي قلبي وقلبك ‪ ،‬وأن يغفر ذنبي وذنبك ‪ ،‬وأن ينير بالوحي دربي ودربك‪.‬‬
‫مة الجهادية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫ه‬
‫ما َ‬
‫ه عَلي ْهِ ف ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫} ِ‬
‫ضى ن َ ْ‬
‫نق َ‬
‫عاهَ ُ‬
‫ن رِ َ‬
‫حب َ ُ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫دوا الل َ‬
‫صد َقوا َ‬
‫ن ال ُ‬
‫جال َ‬
‫م ْ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬
‫‪35‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ديل ً {‬
‫ما ب َد ُّلوا ت َب ْ ِ‬
‫وَ ِ‬
‫ن ي َن ْت َظ ُِر وَ َ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫أيا رب ل تجعل وفاتي إن دنت‬
‫ف‬
‫ولكن شهيدا ً ثاويا ً في عصابة ‪ ...‬على مضجع تعلوه حسن المطار ِ‬
‫ف‬
‫يصابون في فج من الرض خائ ِ‬
‫قال أبو شجاع ‪ ،‬محمد بن القعقاع ‪ :‬ما رأيت مثل الجهاد ‪ ،‬في سبيل رب‬
‫العباد ‪ ،‬فيه تصان الملة ‪ ،‬ويدخل على الكفار الذلة ‪.‬‬
‫قلنا يا أبا شجاع ‪ :‬حدثنا عن بعض التحف ‪ ،‬من مواقف السلف ‪ ،‬في ساح‬
‫الوغى ‪ ،‬يوم قاتلوا من بغى وطغى ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬كان المسلمون مع قتيبة بن مسلم في حصار كابل ‪ ،‬وكل ذاهل ‪،‬‬
‫فأرسل إلى محمد بن واسع ‪ ،‬المام الخاشع ‪ ،‬فلقيه بجفن دامع ‪ ،‬وكف ضارع‬
‫‪ ،‬يشير بسبابته إلى السماء ‪ ،‬ويقول ‪ :‬يا سميع الدعاء ‪ ،‬عظم فيك الرجاء ‪،‬‬
‫اللهم ثبت أقدامنا ‪ ،‬وسدد سهامنا وارفع أعلمنا ‪ ،‬فلما أخبروا قتيبة بما‬
‫شاهدوا ‪ ،‬وأطلعوه على ما وجدوا ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬والله لصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف شاب طرير ‪،‬‬
‫ومن مائة ألف سيف شهير ‪ .‬ثم بدأ القتال ‪ ،‬فنصرهم ذو الجلل ‪ ،‬وانهزم‬
‫وا الدبار ‪.‬‬
‫الكفار ‪ ،‬وول ّ‬
‫قال ‪ :‬ولما حضر خالد لقتال الروم ‪ ،‬قدموا له قارورة مملوءة بالسموم ‪،‬‬
‫وقالوا له ‪ :‬إن كنت متوكل ً على الله ول تخاف ‪ ،‬فاشرب من هذا السم‬
‫الزعاف ‪ .‬فقال ‪ :‬بسم الله ‪ ،‬توكلت على الله ‪ ،‬ثقة بالله ‪ ،‬ثم شرب القارورة‬
‫‪ ،‬فما مسه ضرورة ‪.‬‬
‫ولما رأى المسلمون جيش الروم ‪ ،‬وكثرة القوم ‪ ،‬قال أحد الناس ‪ ،‬لما رأى‬
‫جا ‪ ،‬قال خالد ‪ :‬بل إلى الله‬
‫البأس ‪ :‬اليوم نلتجئ إلى جبل سلمى وأ ّ‬
‫الملتجى ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ولما حضر المسلمون في تستر ‪ ،‬ما بين مهلل ومكبر ‪ ،‬قال‬
‫المسلمون‪ :‬يا براء بن مالك ‪ ،‬أقسم على إلهك ‪ ،‬عله أن يرزقنا النصر ‪،‬‬
‫وعظيم الجر ‪ .‬فأقسم على الديان ‪ ،‬فهزم الله أهل الطغيان ‪ ،‬وذهب البراء‬
‫إلى الجنان ‪.‬‬
‫ب رجل أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على‬
‫والبراء هو صاحب حديث " ُر ّ‬
‫الله لبره " فأبّر الله قسمه وبلغه كل مسّرة ‪.‬‬
‫ثم قال أبو شجاع ‪ :‬اعلموا أن صرخات التفجع ثلث ‪ ،‬سجلت أهم الحداث ‪.‬‬
‫وهي ‪ :‬وا معتصماه ‪ ،‬وا إسلماه ‪ ،‬وا أماه ‪.‬‬
‫فوا معتصماه ‪ :‬أطلقتها امرأة في عمورية ‪ ،‬بعد أن أهينت في البلد الرومّية ‪،‬‬
‫فسمعها المعتصم السد الهصور ‪ ،‬فترك القصور ‪ ،‬وخرج بجيش يمور ‪ ،‬فأذل‬
‫أتباع نقفور ‪ ،‬وأخذ الكفور ‪ ،‬وجعله عبد للمسلمة التي صرخت باسمه من‬
‫وراء البحور ‪.‬‬
‫وأما وا إسلماه ‪ :‬فأطلقها قطز وبيده البتار ‪ ،‬يوم نازل التتار ‪ ،‬فهزم من كفر‬
‫ووّلوا الدبار ‪.‬‬
‫وأما وا أماه ‪ :‬فهي صرخة مفجوعة ‪ ،‬وصيحة مقطوعة ‪ ،‬قالها طفل من‬
‫الندلس ‪ ،‬لما رأى أمه وهو في حضنها تختلس ‪.‬‬
‫فقال أبو البقاء يصف هذا الشقاء ‪:‬‬
‫يا رب أم وطفل حيل بينهما‬
‫كما تفرق أرواح وأبدان‬
‫ُ‬
‫أحب عبد الله بن عمرو النصاري " قل هو الله أحد " ‪ ،‬فهب إلى أحد ‪ ،‬فقيل‬
‫له ‪ :‬البينة ‪ ،‬على المدعي للمحبة ‪ ،‬فضرب في سبيل الله ثمانين ضربة ‪.‬‬
‫‪36‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بعضهم هوايتهم منصب شريف ‪ ،‬أو قصر منيف ‪ .‬أما ابن رواحة ‪ ،‬فهوايته‬
‫طعنة بسيف ‪ ،‬حتى قال ‪:‬‬
‫لكنني أسأل الرحمن مغفرة ً ‪ ...‬وطعنة ذات قرع تقذف الزبدا‬
‫يأتي الشهيد يوم القيامة وعليه علمات ‪ ،‬وآيات بينات ‪ ،‬والبراهين على عبد‬
‫الله بن جحش واضحات ‪ ،‬ذهاب العينين ‪ ،‬وقطع الذنين ‪ ،‬وبتر اليدين ‪ ،‬لن‬
‫لكل قضية شاهدين ‪.‬‬
‫ت مبّينة‬
‫كتبت بالدم آيا ٍ‬
‫شريت جنة فردوس منعمة ‪ ...‬يوم الوغى ودفعت الروح والبدنا‬
‫أحضرت للسيف يوم المنحنى ثمنا‬
‫)‪(35 /‬‬
‫أتى إلى مؤتة جعفر ‪ ،‬فتقدم وما تأخر ‪ ،‬وكان يوم الجماجم يتعثر ‪ ،‬ودمه‬
‫يتقطر ‪ ،‬فضرب بسيفه في الكفار حتى تكسر ‪ ،‬فلما قطعت يداه ‪ ،‬وأسلم‬
‫الروح إلى الله ‪ ،‬طاب وطاب مسعاه ‪ ،‬أبدله الله بجناحين ‪ ،‬يطير بها على‬
‫الرياحين ‪ ،‬ويتنعم في الفردوس كل حين ‪ .‬كل يكتب اسمه بمداد ‪ ،‬إل الشهيد‬
‫فإنه يكتبه بدم في سفر المجاد ‪ .‬كأن الشهيد يموت مختارا ‪ ،‬وغيره يموت‬
‫مضطرا ‪.‬كل ميت يوضع المسك معه في الكفان ‪ ،‬إل الشهيد فإن دمه كله‬
‫مسك يمل المكان ‪.‬‬
‫تفوح أطياب نجد من ثيابهموا‬
‫عند القدوم لقرب العهد بالدار‬
‫آل سعد ثلثة في العد ‪ ،‬أهل وعد وعهد ‪.‬‬
‫اهتز عرش الله لسعد ‪ ،‬ووجد ريح الجنة من دون أحد سعد ‪ ،‬وقال ‪ -‬صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ -‬في أحد " ارم فداك أبي وأمي يا سعد " ‪.‬‬
‫فالول ‪ :‬سعد بن معاذ سيد النصار ‪ ،‬وقدوة البرار ‪ ،‬الذي ألحق باليهود البوار‬
‫‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬سعد بن الربيع ‪ ،‬المقدام الشجيع ‪ ،‬صاحب الموقف البديع ‪.‬‬
‫فرس‬
‫والثالث ‪ :‬سعد بن أبي وقاص ‪ ،‬كان مع النبي من الخواص ‪ ،‬أخذ من ال ُ‬
‫القصاص ‪.‬‬
‫قتل عمر في المسجد بعد الفجر عندما غدت الطيور من وكورها ‪ ،‬لن معلمه‬
‫يقول " بارك الله لمتي في بكورها "‬
‫من كان مبتهجا ً لمقتل شيخنا‬
‫فليأت نسوتنا بوجه نهاِر‬
‫يجد القلوب مفجعات كلها‬
‫بالهم عند تبلج النواِر‬
‫وقتل علي في المسجد قبل الفجر ‪ ،‬لنه وقت استغفار ‪ ،‬ونزول للغفار ‪،‬‬
‫وجلسة للبرار ‪ ،‬والرجل يحب السحار ‪.‬‬
‫ة‬
‫يا ليتها إذ فدت عمرا ً بخارج ٍ‬
‫ر‬
‫فدت عليا ً بمن شاءت من البش ِ‬
‫استحت خزاعة ‪ ،‬أن ترد الحوض يوم الشفاعة ‪ ،‬مزجّية البضاعة ‪ ،‬فقدمت‬
‫أحمد بن نصر ‪ ،‬الذي قتله الواثق في القصر ‪ ،‬فدخل الجنة بعد العصر ‪.‬‬
‫قال له الواثق ‪ :‬وافق ‪ .‬قال ‪ :‬ل يا منافق ‪ .‬حاول الواثق أن يجيبه ولو بإدغام‬
‫فيه غنة فقال لسان الحال ‪ :‬الخداع ليس من السنة ‪ ،‬فذبحه بعد أن اشتاق‬
‫إلى الجنة ‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫اثنان تاجان عظيمان ‪ ،‬من قبيلة بني شيبان ‪ ،‬جاهدوا في سبيل الرحمن ‪.‬‬
‫ابن حنبل والمثنى ‪ ،‬وكل منهما لدينه تعّنى ‪ ،‬وللقاء ربه تمّنى ‪.‬‬
‫قدم المهاجرون أربعة خلفاء ‪ ،‬فقدم النصار أربعة قراء ‪ ،‬أهدت قريش‬
‫مصعب بن عمير ‪ ،‬فأهدى النصار ابن الحمام عمير ‪.‬‬
‫تأخر أنس بن النضر عن بدر ‪ ،‬فجمع بين الغزوتين في جمع وقصر ‪ ،‬فقتل‬
‫في أحد بعد الظهر ‪.‬‬
‫لما عذر الله عثمان ‪ ،‬يوم بيعة الرضوان ‪ ،‬علم الله صدقه فسعت إليه‬
‫الشهادة إلى الديوان ‪.‬‬
‫ي عن‬
‫أبو بكر ص ّ‬
‫ديق ‪ ،‬والمخطوطة ل تحتاج إلى تحقيق ‪ ،‬والرجل غن ٍ‬
‫التوثيق ‪ ،‬فلم يقتل لنه أخذ حكم الرفيق ‪.‬‬
‫السلم على الشهداء ‪ ،‬فهم عند ربهم سعداء ‪.‬‬
‫مة الزهدّية‬
‫المقا َ‬
‫)) كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ((‬
‫أرى أشقياء الناس ل يسأمونها‬
‫وع‬
‫أراها وإن كانت تسر فإنها ‪ ...‬على أنهم فيها عراة وج ّ‬
‫سحابة صيف عن قليل تق ّ‬
‫شع‬
‫قال سعيد بن أدهم ‪ ،‬ركبت الدهم ‪ ،‬وذهبت إلى السلطان أطلبه في درهم ‪،‬‬
‫فوضع في رجلي الدهم ‪ ،‬فمر بي الزاهد علي بن دينار ‪ ،‬وهو أحد البرار ‪،‬‬
‫فقال لي مالك يا سعيد ‪ ،‬أراك في الحديد ‪ ،‬فقلت ‪ :‬والله الولي ‪ ،‬ما سرقت‬
‫يا علي ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فما الشأن ؟‬
‫قلت ‪ :‬أتيت السلطان ‪ ،‬أطلب الجود والحسان ‪ ،‬فوضعني في هذا الهوان ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬أف عليك وتف ‪ ،‬ومن التراب استف ‪ .‬تطلب السلطان ‪ ،‬وتنسى‬
‫الرحمن ‪ ،‬تسأل البخيل ‪ ،‬وتترك الجليل ‪ ،‬تبا ً لك ‪ ،‬أفي قلبك شك ‪ ،‬تأتي من‬
‫أغلق بابه ‪ ،‬وأسدل حجابه ‪ ،‬وحرم أصحابه ‪ .‬وتترك المعبود ‪ ،‬الذي مل العالم‬
‫بالجود ‪ ،‬وأغدق على الخلق العطاء الممدود ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬يا علي غلطت غلطة ‪ ،‬وسقطت سقطة ‪ ،‬وتورطت ورطة ‪ ،‬ووالله لئن‬
‫فّرج الله عني ‪ ،‬وفك هذا القيد مني ‪ ،‬ل آتي بشرا ‪ ،‬ولو طلب مجيئي بشراء ‪،‬‬
‫ول أقصد الصعلوك ‪ ،‬بل أقصد ملك الملوك ‪ ،‬فلما أطلقني من الحبس ‪،‬‬
‫ي النفس ‪ ،‬تركت باب المير ولزمت بيتي على خبز الشعير ‪ .‬فعاد‬
‫وعادت إل ّ‬
‫لي لبي ‪ ،‬وجعل الله غناي في قلبي ‪ ،‬فوالله إني أرى المترفين في حسرة ‪،‬‬
‫وإن ملك كسرى عندي ما يساوي كسرة ‪ .‬فأنا بين المسجد والبيت أرضى‬
‫بالقوت ‪ ،‬ل مال يفوت ‪ ،‬ول ولد يموت ‪ ،‬ليس عندي بنز ‪ ،‬ول كنز ‪ ،‬ول أرز ‪،‬‬
‫ولكن عندي دين وعلم وعز ‪ ،‬فأنا أسعد من كسرى أنو شروان ‪ ،‬إذا حف به‬
‫الخدم في اليوان ‪ ،‬وأنعم عيشا ً من النعمان ‪ ،‬فأنا أسكن الكوخ ‪ ،‬وآكل‬
‫العدس المطبوخ ‪ ،‬ل ألبس الجوخ ول آكل الخبز المنفوخ ‪ .‬ليس عندي دار ‪،‬‬
‫ول عقار ‪ ،‬ول حمار ‪ ،‬ول دينار ‪.‬‬
‫أنام بل هموم ‪ ،‬وأبيت بل غموم ‪ ،‬ل أعرف عَد ّ المال ‪ ،‬ول شد الجمال ‪ ،‬ول‬
‫مبايعة الرجال ‪ ،‬ل أعرف الريال من القرش ‪ ،‬ول أمّيز بين الكنب والفرش ‪،‬‬
‫معي قميص ‪ ،‬وبطن خميص ‪ ،‬ل أعرف الكبسة ول الخبيص ‪ ،‬ما يأتيني في‬
‫النوم كوابيس ‪ ،‬ول أشعر في النهار بالهواجيس ‪.‬‬
‫فأنا أسعد من رأيت ‪ ،‬وأنعم من لقيت ‪.‬معي كتاب ‪ ،‬أغناني عن الصحاب ‪،‬‬
‫وسلني عن الحباب ‪ .‬معي ملحفة للمنام ‪ ،‬وجفنة للطعام ‪ ،‬وعصا للقيام ‪ .‬ل‬

‫‪38‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أخاف على نفسي العين ‪ ،‬ول يطلبني أحد بدين ‪ ،‬ول أسأل مال هذا من‬
‫أين ؟‬
‫)‪(36 /‬‬
‫فأنا خفيف الظهر ‪ ،‬دائم البشر ‪ ،‬قليل الوزر ‪ ،‬ما بعت ول شريت ‪ ،‬ول اكتريت‬
‫مْيت‪ .‬نجوت من الضغط‬
‫ول اقتنيت ‪ ،‬ل أخشى سقوط بيت ‪ ،‬ول ذهاب َ‬
‫والسكر ‪ ،‬لنني في غير الخرة ل أتفكر ‪ ،‬في قلبي عيادة السعادة وفي‬
‫صدري بنك السرور ‪ ،‬ومصرف الحبور ‪ ،‬وعندي علم وإيمان ونور على نور ‪،‬‬
‫أعجب من الفجار والتجار ‪ ،‬وأقول ما هذا الشجار ‪ .‬أتقتتلون على جيفه ؟ ما‬
‫تساوي قطيفة ‪ ،‬سحقا لعقولكم السخيفة ‪.‬‬
‫أين كنوز قارون ؟ أين ما مضى من القرون ؟ أين ما جمعوا ‪ ،‬وأودعوا ‪،‬‬
‫وشيدوا وأبدعوا ؟ ل قصور ‪ ،‬ل دور ‪ ،‬ل أنهار ‪ ،‬ل أشجار ‪ .‬ذهبت البدان‬
‫والرواح ‪ .‬وبلي القفل والمفتاح ‪ .‬فصدقني ما عاش عيشتي هارون الرشيد ‪،‬‬
‫ول الكاتب عبد الحميد ‪ ،‬ول الرئيس ابن العميد ‪ ،‬نفسي والحمد لله رضية ‪،‬‬
‫وعيشتي هنية ‪ ،‬وقد نجوت من كل بلية ‪ ،‬فأنا ل طالب ‪ ،‬ول مطلوب ‪ ،‬ول‬
‫أخشى من كنز منهوب ‪ ،‬ول من مال مسلوب ‪ .‬ول أقف على البواب ‪ ،‬ول‬
‫أتمرغ على العتاب ‪ ،‬وما قبلت يد كذاب ‪ ،‬طمعا في طعام وشراب ‪ ،‬وما قلت‬
‫للكلب يا سيدي ‪ ،‬ويا عضدي ‪ ،‬ويا مؤّيدي ‪:‬‬
‫واعلم بأن عليك العار تلبسه ‪ ...‬من عضة الكلب ل من عضة السد‬
‫وأحيانا أجلس أمام كوخي وسقفي السحاب ‪ ،‬ومخدتي صبرة من التراب ‪،‬‬
‫وجليسي الكتاب ‪ .‬فوالله إنني أطيب عيشا ً من الناصر في الزهراء ‪ ،‬وسيف‬
‫ن علي متجبر ‪ ،‬ول‬
‫الدولة في حلب الشهباء ‪ ،‬ما استذلني متكبر ‪ ،‬ول َ‬
‫م ّ‬
‫ور ‪:‬‬
‫نهرني مته ّ‬
‫أنا ل أرغب تقبيل يد‬
‫إن جزتني عن صنيعي كنت في ‪ ...‬قطعها أحسن من تلك القبل‬
‫رقها أو ل فيكفيني الخجل‬
‫ثم إن هناك مصلحة لي في هذا الزهد ‪ ،‬وهو السلمة من الجهد ‪ ،‬يوم تنصب‬
‫الموازين وتكشف البراهين ‪ ،‬فلن أقف طويل ً للقضاء ‪ ،‬كما يقف الغنياء ‪،‬‬
‫وكفاك بهذا حسنة ‪ ،‬لحديث )) يدخل فقراء أمتي الجنة ‪ ،‬قبل الغنياء‬
‫بخمسمائة سنة (( ‪ ،‬فياله من مكسب رابح ‪ ،‬ومن ميزان راجح ‪ ،‬وما عندي‬
‫مال في البنوك الربوّية ‪ ،‬ول مساهمات عقارية ‪ ،‬ول شركات استثمارية ‪ ،‬بل‬
‫عندي أغلى ‪ ،‬وأعلى ‪ ،‬لن البر ل يبلى ‪ .‬فإذا كنز الناس الدرهم والدينار ‪،‬‬
‫كنزت الذكار ‪ ،‬وعمل البرار ‪ ،‬وأنا أخذت ب ُْغض الدرهم ‪ ،‬من إبراهيم بن أدهم‬
‫‪ ،‬والزهد في الدينار ‪ ،‬من مالك بن دينار ‪ ،‬والورع عن العطاء ‪ ،‬من ابن أبي‬
‫رباح بن عطاء ‪ ،‬وأخذت قلة الرغبة من الدنيا ‪ ،‬من ابن أبي الدنيا ‪ ،‬وقد رأيت‬
‫القبور ‪ ،‬فإذا المعظم بجانب المحتقر ‪ ،‬قد اجتمع بها المخبر ‪ ،‬والخبر ‪،‬‬
‫ي في حفرة‬
‫وتغيرت بها تلك الصور ‪ ،‬فال َ‬
‫مِلك في جوار المملوك ‪ ،‬والغَن ِ ّ‬
‫قوِيّ مع الضعيف ‪ ،‬والوضيع مع الشريف فبعد هذا المشهد ‪،‬‬
‫الصعلوك ‪ ،‬وال َ‬
‫أقسمت أن أزهد ‪ ،‬فلزمت المصحف والمسجد ‪ ،‬أتعبد وأتهجد ‪ ،‬وعلى المقابر‬
‫أتردد ‪ ،‬فعوضني ربي بالهم سرورا ‪ ،‬وبالحزن حبورا ‪ ،‬وبظلمة الدنيا نورا ‪،‬‬
‫وقد هيأت حنوطي وأكفاني ‪ ،‬وكفاني القليل كفاني ‪.‬‬
‫وهذا والله عين العقل ‪ ،‬وموافقة النقل ‪ ،‬ونهج الصالحين من بعد ومن قبل ‪،‬‬
‫فمال للقوم كأنهم في نوم ‪ ،‬صرعتهم الشهوات ‪ ،‬وزلزلتهم الشبهات ‪ ،‬أحبوا‬

‫‪39‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫التراب والخراب ‪ ،‬والثياب والشراب ‪ ،‬وزهدوا في الكتاب والثواب ‪ ،‬ونسوا‬
‫الحساب والعقاب ‪ ،‬أنساهم القرش النعش ‪ ،‬في التهام وهرش ‪ ،‬ما تهزهم‬
‫الرقائق ‪ ،‬ول تردعهم الحقائق ‪ ،‬كلمهم في السعار والعمار والعقار ‪،‬‬
‫وحديثهم عن الدرهم والدينار ‪ ،‬ما يذكرون الجنة ول النار ‪.‬‬
‫الجلوس معهم يميت القلب ‪ ،‬ويضاعف الذنب ‪ ،‬لكن العمى ل يرى الصباح ‪،‬‬
‫والميت ل يحس بالجراح ‪ .‬ولكن الصخر ل يسمع الكلم ‪ ،‬وما لجرح بميت‬
‫إيلم ‪.‬‬
‫مة الدبّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ة كَ َ‬
‫ة‬
‫ة طي ّب َ ً‬
‫م ً‬
‫م ت ََرى ك َي ْ َ‬
‫جَرةٍ طي ّب َ ٍ‬
‫ش َ‬
‫ضَر َ‬
‫ف َ‬
‫مث َل ً ك َل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫ب الل ُ‬
‫} أل َ ْ‬
‫َ‬
‫ماِء {‬
‫ت وَفَْرعَُها ِفي ال ّ‬
‫س َ‬
‫صل َُها َثاب ِ ٌ‬
‫أ ْ‬
‫أنظم الشعر ولزم مذهبي‬
‫فهو عنوان على الفضل وما ‪ ...‬في اطراح الرفد فالدنيا أقل‬
‫أحسن الشعر إذا لم يبتذل‬
‫قال الراوي ‪ :‬سمرنا ليلة مع جماعة أبية ‪ ،‬لهم شوق إلى المقامات الدبية ‪،‬‬
‫والشعار العربّية ‪ ،‬فقالوا حدثنا عن الدب ‪ ،‬فإنه ديوان العرب ‪ ،‬ومنتهى‬
‫الرب ‪ ،‬ونهاية الطلب ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬حبا ً وكرامة ‪ ،‬وتحية وسلمة ‪ ،‬فقد رضعت الداب ‪ ،‬وجالست العراب ‪،‬‬
‫وحفظت الشعر من عصر الشباب ‪ ،‬فالشعر عندي سمير ‪ ،‬وهو لنفسي‬
‫روضة وغدير ‪.‬‬
‫وحديثه السحر الحلل لو أنه‬
‫لم يجن قتل المسلم المتحّرِز‬
‫إن طال لم يم ّ‬
‫ل وإن أوجزته‬
‫ز‬
‫ود ّ المحدث أنه لم يوج ِ‬
‫سمار ‪ ،‬من محبي الشعار ‪ ،‬أفض علينا من القصائد الغراء ‪ ،‬التي‬
‫فقال أحد ال ّ‬
‫قالها على البديهة الشعراء ‪ ،‬قلت ‪ :‬هذا فن طويل الذيل ‪ ،‬يأخذ في كل سبيل‬
‫‪ ،‬ولكن سوف أورد بعض الشواهد ‪ ،‬والشوارد ‪ ،‬والوابد ‪.‬‬
‫فهذا أبو جعفر المنصور تحدى الشعراء بقافية ‪ ،‬قال ‪ :‬من أجازها فله الجائزة‬
‫وافية ‪ ،‬إذ يقول ‪ ،‬وفكره يجول ‪:‬‬
‫وهاجرة وقفت بها قلوصي‬
‫يقطع حرها ظهر الغطاَيه‬
‫فقام الشعراء على ركبهم جاثين ‪ ،‬كلهم يريد الجائزة من أمير المؤمنين ‪،‬‬
‫فقال بشار بن برد ‪ ،‬وكان سريع الرد ّ ‪:‬‬
‫وقفت بها القلوص فسال دمعي‬
‫على خدي واقصر واعظاَيه‬
‫)‪(37 /‬‬
‫فأخذ بردة أبي جعفر ‪ ،‬وكانت من خز أصفر ‪.‬‬
‫وهذا أبو تمام ‪ ،‬وهو شاعر مقدام ‪ ،‬مدح المعتصم ‪ ،‬فما تعثر وما وهم ‪ ،‬يقول‬
‫‪:‬‬
‫إقدام عمرو في سماحة حاتم ٍ‬
‫س‬
‫في حلم أحنف في ذكاء إيا ِ‬
‫فقال الحارث الكندي ‪ ،‬ما لك قدر عندي ‪ ،‬أما تخاف ‪ ،‬تصف أمير المؤمنين‬
‫بالجلف ‪ ،‬فانهد أبو تمام كالسيل معتذرا ً عما قيل ‪:‬‬

‫‪40‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ل تنكروا ضربي له من دونه‬
‫ً‬
‫س‬
‫مثل ً شرودا في الندى والبا ِ‬
‫فالله قد ضرب القل لنوره‬
‫س‬
‫مثل ً من المشكاة والنبرا ِ‬
‫حكم النعمان ‪ ،‬على نابغة ذبيان ‪ ،‬بالعدام ‪ ،‬بعد ما اتهمه ببعض التهام ‪،‬‬
‫فأنشده البائّية الرائعة الذائعة ‪:‬‬
‫ب‬
‫ت لم يب ْد ُ منهن كوك ُ‬
‫فإنك شمس والملوك كواكب ‪ ...‬إذا طلع ْ‬
‫فعفا عنه وحباه ‪ ،‬وقربه واجتباه ‪.‬‬
‫وأهدر البشير النذير ‪،‬دم كعب بن زهير‪ ،‬فعاد إليه ‪ ،‬ووضع يده بين يديه‬
‫‪،‬وأنشده ‪:‬‬
‫بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ‪ ...‬متيم إثرها لم ُيفد مقبو ُ‬
‫ل‬
‫فحلم عليه وصفح ‪ ،‬وعفا عنه وسمح ‪ ،‬واستقام حاله وصلح ‪.‬‬
‫وأصدر حاكم اليمن ‪ ،‬قرارا ً بإعدام سبعين من أهل العلم والسنن ‪ ،‬والفقه‬
‫والفطن ‪ ،‬فأنشده البيحاني ‪ ،‬قصيدة بديعة المعاني ‪ ،‬هّز بها أعطافه ‪ ،‬واستدر‬
‫بها ألطافه ‪ ،‬أولها ‪:‬‬
‫يا أبا المجد يا ابن ماء السماء ‪ ...‬يا سليل النجوم في الظلماء‬
‫فأكرم مثواه ‪ ،‬وعفا عن السبعين من العلماء والقضاة ‪.‬‬
‫وكاد معاوية أن يفر من صفين ‪ ،‬يوم وقف بين الصفين ‪ ،‬فذكر قول ابن‬
‫الطنابة‪ ،‬فأوقف ركاَبه ‪:‬‬
‫أقول لها وقد جشأت وجاشت‬
‫مكانك تحمدي أو تستريحي‬
‫دار ‪ ،‬أن يولي الدبار ‪ ،‬ويجد في الفرار ‪ ،‬فكرر‬
‫وأوشك المتنبي الشاعر اله ّ‬
‫عليه غلمه ‪ ،‬أبياتا ً ثبتت أقدامه ‪ ،‬حيث يقول ‪:‬‬
‫الخيل والليل والبيداء تعرفني‬
‫م‬
‫والسيف والرمح والقرطاس والقل ُ‬
‫فرجع مقبل ‪ ،‬فقتل مجندل ‪ .‬وقتل عضد الدولة الوزير ابن بقية ‪ ،‬ولم تردعه‬
‫تقّية ‪ ،‬فأنشد ابن النباري قصيدة كأنها برقية ‪ ،‬أو رواية شرقية ‪ ،‬اسمع‬
‫مطلعها ‪ ،‬وما أبدعها ‪:‬‬
‫علو في الحياة وفي الممات ‪ ...‬بحق أنت إحدى المعجزات‬
‫مد بن‬
‫مح‬
‫قتل‬
‫ولما‬
‫فسمعها عضد الدولة فتأسف ‪ ،‬وقال حبذا ذاك الموقف ‪.‬‬
‫ّ‬
‫حميد ‪ ،‬بكاه أبو تمام بذاك القصيد ‪ ،‬ورثاه بذاك النشيد ‪:‬‬
‫كذا فليجل الخطب وليفدح المُر‬
‫فليس لعين لم يفض ماؤها عذُر‬
‫وسب أحد المراء ‪ ،‬المعري أبا العلء ‪ ،‬وهجاه أشد هجاء ‪ ،‬وسب أستاذه سيد‬
‫الشعراء ‪ ،‬فقال أبو العلء ‪ :‬ل تسبه أيها المير ‪ ،‬فإنه شاعر قدير ‪ ،‬ولم يكن‬
‫له إل قصيدة‪،‬‬
‫لك يا منازل في القلوب منازل ‪ ...‬أقفرت أنت و هن منك أواهل‬
‫ففهم المير ماذا يريد ‪ ،‬لنه قصد آخر القصيد ‪ ،‬وهي قوله ‪:‬‬
‫ص‬
‫وإذا أتتك مذمتي من ناق ٍ‬
‫فهي الشهادة لي بأني كام ُ‬
‫ل‬
‫ً‬
‫ولما زار أبو جعفر المنصور المدينة طلب شيخا كبيرا ‪ ،‬وجعله عنده أجيرا ‪،‬‬
‫يخبره ببيوت المهاجرين والنصار ‪ ،‬فدار به إلى آخر النهار ‪ ،‬ولم يعطه مال ‪،‬‬
‫ونسيه إهمال ‪ ،‬فقال الشيخ يا أمير المؤمنين ‪ :‬هذا بيت الحوص الشاعر‬
‫المبين القائل ‪:‬‬
‫‪41‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يا بيت عاتكة الذي اتعزل ‪ ...‬حذر العدا وبك الفؤاد مو ّ‬
‫كل‬
‫فتذكر أبو جعفر القصيدة ‪ ،‬وهي فريدة مجيدة ‪ ،‬يقول في آخرها ‪:‬‬
‫وأراك تفعل ما تقول وبعضهم‬
‫مذق الكلم يقول ما ل يفع ُ‬
‫ل‬
‫ففهم المراد ‪ ،‬وأعطى الشيخ الزاد ‪.‬‬
‫أقبل عالم كبير القدر ‪ ،‬ظاهر المر ‪ ،‬على شاعر قاعد ‪ ،‬فقام لهذا العاِلم‬
‫الوافد ‪ ،‬وكان العالم يرى أن القيام للقادم باطل ‪ ،‬ولو أن القادم رجل كامل ‪،‬‬
‫فقال للشاعر دع القيام ‪ ،‬فأنت ل تلم ‪ ،‬فقال الشاعر ‪:‬‬
‫قيامي والله إليك حق‬
‫م‬
‫وهل رجل له لب وعقل ‪ ...‬وترك الحق ما ل يستقي ُ‬
‫م‬
‫يراك تسير إليه ول يقو ُ‬
‫وفد شاعر على وزير خطير ‪ ،‬بالمكرمات شهير ‪ ،‬فلما أبصر جلبابه ‪ ،‬وشاهد‬
‫جابه ورأى أصحابه هابه ‪ ،‬فأراد أن يقول مساك الله بالخير ‪ ،‬قال من شدة‬
‫ح ّ‬
‫ُ‬
‫الخجل ‪ ،‬ومن دهشة الوجل ‪ :‬صبحك الله بالخير ‪ ،‬فقال المير ‪ :‬أصباح هذا أم‬
‫مساء ‪ ،‬أم تريد الستهزاء ‪ ،‬فقال الشاعر بل إبطاء ‪:‬‬
‫صبحته عند المساء فقال لي‬
‫ن ذاك مزاحا‬
‫ماذا الصباح وظ ّ‬
‫فأجبُته إشراق وجهك غرني‬
‫حتى تبينت المساء صباحا‬
‫دث ل حداثي ‪ ،‬من مكة مركبي وأثاثي ‪ ،‬ومن المدينة ميراثي ‪ ،‬أصل‬
‫مح ّ‬
‫وأنا ُ‬
‫الحداثيين من البلشفة الحمر الكفرة ‪ ،‬كأنهم حمر مستنفرة ‪ ،‬فرت من‬
‫قسورة ‪.‬‬
‫ل تتبلد ‪ ،‬أرسلناك إلى المربد ‪ ،‬بالحق تنشد ‪ ،‬وبالسلم تغرد ‪ ،‬فذهبت تعربد ‪.‬‬
‫اسمك محمد فل تزد في الحروف ‪ ،‬لتصبح محمدوف ‪ ،‬لن محمد شرعي ‪،‬‬
‫ومحمدوف شيوعي ‪ ،‬ديوان المتنبي مجلد لطيف خفيف ‪ ،‬فيه لفظ منيف ‪،‬‬
‫ومعنى شريف ‪ ،‬أنصت لشعره الدهر ‪ ،‬وعبر البر والبحر ‪ ،‬وسار غدوه شهر‬
‫ورواحه شهر ‪ .‬وبعض الشعراء الموّلدين ‪ ،‬لكل منهم عشرة دواوين ‪ ،‬كل‬
‫ت‬
‫تو ُ‬
‫خف َ‬
‫ت ‪ ،‬وُبه ّ‬
‫ت وصم ّ‬
‫ديوان ككيس السمنت ‪ ،‬إذا قرأت منها قصيدة سك ّ‬
‫ت ‪ ،‬تعبنا من ركاكة الكلم ‪ ،‬ومن هذا الركام ‪ ،‬إذا سألناهم عن المعنى‬
‫م ّ‬
‫ثم ُ‬
‫أكثروا من الهمز والغمز ‪ ،‬وقال هذا شعر الرمز ‪ ،‬فيه إيجاز ‪ ،‬وألغاز وإعجاز ‪،‬‬
‫والصحيح أنه هراء وطلسمة ‪ ،‬وشعاب مظلمة ‪ ،‬وتمتمة ‪ ،‬وهمهمة ‪ ،‬وغمغمة ‪.‬‬
‫)‪(38 /‬‬
‫وقد حكم رسولنا ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬في الشعر وقد رضينا حكمه فقال‬
‫‪) :‬إن من الشعر لحكمة( وهو الشعر المحمود ‪ ،‬الذي يوافق المقصود ‪،‬‬
‫وليس فيه بذاء ‪ ،‬ول هجاء ‪ ،‬ول ازدراء ‪ ،‬وكان فيه لطف بل سخف ‪ ،‬مع صدق‬
‫في الوصف ‪ ،‬وليس فيه تبذل ول إغراب ‪ ،‬ول كذب ول إعجاب ‪ ،‬مع إشراق‬
‫في العبارة ‪ ،‬ولطف في الشارة ومتانة في السبك ‪ ،‬وجمال في الحبك ‪ ،‬فإذا‬
‫كان كما وصفنا ‪ ،‬وصار كما عّرفنا ‪ ،‬فهو السحر الحلل ‪ ،‬وهو فيض من‬
‫الجمال ‪ ،‬وهالة من الجلل ‪ ،‬يبهج العاقل ‪ ،‬وينّبه الغافل‬
‫واعلم أن في الشعر مختارات ‪ ،‬وفي القصائد أمهات ‪ ،‬مثل المعلقات ‪ ،‬وما‬
‫اختاره أصحاب الحماسات ‪ ،‬ول تنس الفريدة الحسناء ‪،‬‬
‫هذا الذي تعرف البطحاء‬

‫‪42‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وإن تعجب فيحق لك العجب ‪ ،‬من قصيدة ‪:‬‬
‫السيف أصدق إنباء من الكتب‬
‫وأجمل المراثي الرائعات ‪:‬‬
‫ت‬
‫علو في الحياة وفي المما ْ‬
‫أو ابن زيدون وهو يشجينا ‪:‬‬
‫أضحى التنائي بديل ً عن تدانينا‬
‫أو الشريف الرضي في روعة البيان ‪ ،‬يوم أنشد ‪:‬‬
‫يا ظبية البان‬
‫وواعجباه ‪ ،‬من ‪ ...‬واحر قلباه‬
‫وما أبهى تاج الكلم ‪ ،‬تفت فؤادك اليام‬
‫وأبو البقاء الراوندي يوم اهتم ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫لكل شيء إذا ما تم‬
‫واعلم رحمك الله أن في الشعر ت ِْبر وتراب ‪ ،‬وذهب وأخشاب ‪ ،‬ول يخدعنك‬
‫وار ‪ ،‬فقد ل يساوي شعره ربع دينار ‪ ،‬فإن من الشعر‬
‫قولهم فل ٌ‬
‫ن شاعر م ّ‬
‫مسك وعنبر ‪ ،‬ولؤلؤ وجوهر ‪ ،‬يسافر إلى سويداء قلبك ويبحر ‪ ،‬وينادي إنما‬
‫نحن فتنة فل تكفر ‪.‬‬
‫وفي الشعر شعير ‪ ،‬وروث بعير ‪ ،‬فيه نذالة وجهالة ورذاله ‪ ،‬فويل لمن أشغل‬
‫ود القرطاس ‪ ،‬وجلب الوسواس ‪ ،‬وحاس وداس ‪ ،‬وفي ديار‬
‫الناس‪ ،‬وس ّ‬
‫القلوب جاس ‪ ،‬يصيبك من شعره تثاؤب وعطاس ‪ ،‬ونوم ونعاس ‪ ،‬فإذا رأيته‬
‫فقل له ‪ :‬ل مساس ‪ ،‬ول باس عليك منه ل باس ‪ .‬وهذا الصنف ل يرّده عقل ‪،‬‬
‫ول يردعه نقل ‪ ،‬جائزته بصل وفجل ‪ ،‬لنه ُأشرب في قلبه العجل ‪ .‬إذا قام‬
‫أحدهم في النوادي ‪ ،‬صاح المنادي ‪ :‬هذا شاعر الحواضر والبوادي ‪ ،‬وبلبل‬
‫النادي ‪ ،‬فيصدق المسكين ‪ ،‬قطع بلعومه بالسكين ‪ ،‬فيتمايل طربا ‪ ،‬ويتيه‬
‫عجبا ‪ ،‬ويقول للحضور ‪ :‬لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ‪ ،‬فإذا ألقى القصيدة ‪،‬‬
‫وي راسه ‪ ،‬ويكظم أنفاسه ‪ ،‬كأنما يتخبطه الشيطان‬
‫فكأنه يأكل عصيدة ‪ ،‬يل ّ‬
‫ً‬
‫من المس ‪ ،‬حتى ينادي الجمهور ‪ :‬بس بس ‪ ،‬فليت قارئا يبرك على صدره ‪،‬‬
‫ويضع يده على نحره ‪ ،‬ويرش وجهه بماء من تبسي ‪ ،‬ويقرأ عليه آية الكرسي‬
‫‪ .‬فإذا خرج شيطان الشعر الرخيص ‪ ،‬وعلم أنه ليس له محيص ‪ ،‬قام هذا‬
‫الغبي ‪ ،‬كأنه صبي ‪ ،‬ليترك الشعار ‪ ،‬لهل القتدار ‪ ،‬ويقصد البيع واليجارة ‪،‬‬
‫أو البناء والنجارة ‪ ،‬أو يصلح عقاره ‪ ،‬ويهجر القوافي ‪ ،‬لكل فصيح وافي ‪.‬‬
‫وليت الناس سلكوا مذهَبهم ‪ ،‬فقد علم كل أناس مشربهم ‪ ،‬ويا من اشتغل‬
‫بالشعار‪ ،‬عليك بالذكار ‪ ،‬وإدمان الستغفار ‪ ،‬والخوف من القهار ‪ ،‬فإن‬
‫اللسان ثعبان ‪ ،‬وأمامك قبر وميزان ‪ ،‬ونجاة وخسران ‪ ،‬ول يكن لسانك‬
‫كالمقراض للعراض ‪ ،‬ول يكن كالمقباض للغراض ‪ ،‬فإن النفاس تكتب‬
‫عليك ‪ ،‬وعملك منك وإليك ‪.‬‬
‫وويل لمن أطلق لسانه ‪ ،‬وأرضى شيطانه ‪ ،‬وأجرى في اللهو حصانه ‪ ،‬من‬
‫ن وقاصي ‪.‬‬
‫يوم تشيب فيه النواصي ‪ ،‬ويندم فيه كل عاصي ‪ ،‬ويهابه كل دا ٍ‬
‫جون ‪ ،‬ولكل‬
‫ويا شعراء المجون ‪ ،‬مالكم في الغي تلجون ‪ ،‬وفي النوادي تص ّ‬
‫جون ‪ .‬أل عقل يردع ‪ ،‬أل أذن تسمع ‪ ،‬أل قلب يخشع ‪ ،‬أل عين‬
‫رأس تش ّ‬
‫تدمع ‪ ،‬أشغلتم القلوب ‪ ،‬وأنسيتم الناس علم الغيوب ‪ ،‬ودللتم المة على‬
‫المعاصي والذنوب ‪ ،‬أشعلتم النفوس الهائجة ‪ ،‬أحرقتم القلوب المائجة ‪ ،‬لن‬
‫بضاعتكم على الراذل رائجة ‪ ،‬أتظنون أنه ل حساب ول عقاب ‪ ،‬ول عذاب ول‬
‫ورون ‪ ،‬إذا بعثر‬
‫ثواب ‪ ،‬الموقف أصعب مما تظنون ‪ ،‬والمشهد أعظم مما تتص ّ‬
‫صل ما في الصدور ‪ ،‬وفار التنور ‪ ،‬وقصمت الظهور ‪ ،‬وطار‬
‫ما في القبور ‪ ،‬وح ّ‬
‫‪43‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الكبر والغرور ‪.‬‬
‫إذا جار الوزير وكاتباه‬
‫وقاضي الرض أجحف في القضاِء‬
‫فويل ثم ويل ثم ويل‬
‫لقاضي الرض من قاضي السماِء‬
‫يا شعراء المجون ‪ ،‬ويا أتباع كل غاو مفتون ‪ ،‬وهائم مجنون ‪ ،‬ويل لكم مما‬
‫كتبت أيديكم ‪ ،‬وويل لكم مما تكسبون ‪.‬‬
‫***********************‬
‫مة الخطابّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م وَقُ ْ‬
‫م قَوْل ً ب َِليًغا {‬
‫م ِفي أن ُ‬
‫} وَ ِ‬
‫ف ِ‬
‫سهِ ْ‬
‫ل لهُ ْ‬
‫عظهُ ْ‬
‫ولسان صيرفي صارم‬
‫سحر هاروت وماروت ولو ‪ ...‬كذباب السيف ما مس قطع‬
‫كلم الصخر بحق لنصدع‬
‫نحن في زمن عجيب ‪ ،‬وفي عصر غريب ‪ ،‬كم بلينا بخطيب غير أديب ‪ ،‬ول‬
‫مصيب‪ ،‬إذا تكلم تلعثم ‪ ،‬وهمهم ‪ ،‬وغمغم ‪ ،‬وتمتم ‪.‬‬
‫إذا بدأ في الكلم اعتذر ‪ ،‬ل يدري ما يأتي وما يذر ‪ ،‬لن كلمه هذر مذر ‪،‬‬
‫ابتلي الرجل بالسعال ‪ ،‬وكثرة النفعال ‪ ،‬وسوء التعبير في المقال ‪.‬‬
‫ل يزّور الكلم في صدره تزويرا ‪ ،‬ول يحّبر الخطب تحبيرا ‪ ،‬فل يساوي كلمه‬
‫في ميزان الشعر نقيرا ‪ ،‬يا ليت بعض الخطباء اشتغل بالتجارة ‪ ،‬أو مارس‬
‫البناء والنجارة ‪ ،‬وترك المنبر لهل البداع والجدارة ‪.‬‬
‫)‪(39 /‬‬
‫الخطيب القدير ‪ ،‬والمتكلم النحرير ‪ ،‬له صولة وزئير ‪ ،‬ومنطق كالحرير ‪،‬‬
‫ولسان كالسيف الطرير ‪ ،‬إذا وثب على المنبر ‪ ،‬فاح منه المسك والعنبر ‪،‬‬
‫فكأن منطقه الماء الزلل‪ ،‬والنبع السلسال ‪ ،‬يأتي بالحكمة في ارتجال ‪،‬‬
‫ويغلب بحجته الرجال ‪ ،‬فإنه السد إذا صال وجال ‪ ،‬إيّاك والكلم الساقط‬
‫المرذول ‪ ،‬والعامي المبذول ‪ ،‬وعليك بفصيح المنقول ‪ ،‬الذي يحّبذه أصحاب‬
‫وال ‪ ،‬وبما يقول فّعال ‪ ،‬ليس صاحب‬
‫العقول ‪ ،‬ما أحوجنا إلى خطيب ق ّ‬
‫إملل ‪ ،‬ول إخلل ‪ ،‬ول إقلل ‪ ،‬وإنما يدبج السحر الحلل ‪.‬‬
‫وكلمه السحر الحلل لو أنه‬
‫إن طال لم يملل وإن أوجزته ‪ ...‬لم يجن قتل المسلم المتحرز‬
‫ز‬
‫ود المحدث أنه لم يوج ِ‬
‫ل يشرح الصدر مثل الكلم الصادق ‪ ،‬والبيان الناطق ‪ ،‬واللفظ الدافق ‪،‬‬
‫مى‬
‫والسلوب السامق ‪ ،‬أما كلم الحاكة ‪ ،‬وألفاظ أهل الركاكة ‪ ،‬فهو ُ‬
‫ح ّ‬
‫الرواح ‪ ،‬في الصدور رماح ‪ ،‬وفي القلوب جراح ‪.‬‬
‫ترى بعضهم إذا تكلم ل يكاد يبين ‪ ،‬كأنه من العجميين ‪ ،‬ينطق بالحرف‬
‫مقلوبا ‪ ،‬ويجعل المرفوع منصوبا ‪ ،‬مل خطبته عيوبا ‪ ،‬وندوبا ‪ ،‬وثقوبا ‪.‬‬
‫غضب منه في النحو سيبويه ‪ ،‬وفي اللغة نفطويه ‪ ،‬وفي الحديث راهويه ‪،‬‬
‫وفي الشعر متنبيويه ‪.‬‬
‫الخطيب البارع يأسر القلوب أسرا ‪ ،‬ويسري بالرواح فسبحان من أسرى ‪،‬‬
‫ويسترق الضمائر فإما من ّا ً بعد وإما فداء ‪ ،‬وله على مستعمرات النفوس‬
‫احتلل واستيلء ‪.‬‬
‫الخطيب الملهم يكتب على صفحات القلوب رسائل من التأثير ‪ ،‬ويرسم في‬

‫‪44‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العقول صورا ً من براعة التعبير ‪ ،‬ويبني في الفئدة خياما ً من جلل التصوير ‪.‬‬
‫هل تمل من الروضة الغّناء إذا غنى فيها العندليب ‪ ،‬وحل بها الحبيب ‪ ،‬وأطفأ‬
‫نسيمها اللهيب ‪ ،‬وكذلك الخطيب النجيب ‪ ،‬في خطبه روضات من الجمال ‪،‬‬
‫وبساتين من الجلل ‪ ،‬ودواوين من الكمال ‪.‬‬
‫تقرأ القصة ل تساوي بعرة ‪ ،‬ول تهز شعرة ‪ ،‬فيلقيها الخطيب الشدق ‪،‬‬
‫والفصيح المتدفق ‪ ،‬فكأنها السحر دب في كيانك ‪ ،‬وكأنها الخمر هزت أركانك‬
‫‪ ،‬تسمع بيت الشعر ل يساوي ريال ‪ ،‬ول ترى فيه روعة ول جمال ‪ ،‬فيلقيه‬
‫الخطيب المصقع ‪ ،‬والمتكلم المبدع ‪ ،‬فتبقى من حسنه مبهوتا ‪ ،‬كأنك لقطت‬
‫ياقوتا ‪.‬‬
‫وار ‪ ،‬يقتلع الشجار ‪ ،‬ويحمل الحجار ‪ ،‬ويقتحم‬
‫الخطيب اله ّ‬
‫دار ‪ ،‬كالسيل الم ّ‬
‫السوار ‪ ،‬ل يرده جدار ‪ ،‬ول تقف في طريقه دار ‪ ،‬لن الخطيب يقبل ومعه‬
‫الية المرة ‪ ،‬والموعظة الزاجرة ‪ ،‬والقصة النادرة ‪ ،‬والحجة الباهرة ‪،‬‬
‫والقافية الساخرة ‪.‬‬
‫تعيش معه في دنيا من الصور واللوان ‪ ،‬وفي عالم من المشاهد واللحان ‪،‬‬
‫كأنك في إيوان ‪ ،‬أو بستان ‪ ،‬أو ديوان ‪.‬‬
‫دعني من الخطباء الثقلء ‪ ،‬كأن كلمهم لهيب الرمضاء ‪ ،‬أو وهج الصحراء ‪ ،‬أو‬
‫وجه الشتاء ‪ ،‬ل طلوة ‪ ،‬ول حلوة ‪ ،‬ل إبداع ‪ ،‬ول إمتاع ‪ ،‬ول إشباع ‪ .‬قوم لم‬
‫تركض ألسنتهم في ميدان البيان ‪ ،‬ولم تذق قلوبهم حلوة القرآن ‪ ،‬ول تمتعوا‬
‫بسحر الكلمات ‪ ،‬ول رشاقة الجمل البالغات ‪ ،‬ول عرفوا حسن السبك ‪ ،‬ول‬
‫م أحدهم صحف يتلوها على الناس بكرة وأصيل ‪ ،‬ل تترك في‬
‫براعة الحبك ‪ ،‬هَ ّ‬
‫الناس من التأثير فتيل ‪ ،‬يلوك أحدهم الكلم لوكا ‪ ،‬كأنه يغرز في الجسام‬
‫شوكا ‪.‬‬
‫أفصح الناس رسول الهدى ‪ ،‬وإمام الندى ‪ ،‬أبلغ من حضر وبدا ‪ ،‬وأوعظ من‬
‫راح وغدا ‪.‬‬
‫ما بنى جملة من اللفظ إل‬
‫وابتنى اللفظ أمة من عفاِء‬
‫منطق يمل القلوب جلل ً‬
‫في حبور وبهجة وصفاِء‬
‫إن من أعظم المتع التي عاشها الصحابة ‪ ،‬تلك الفصاحة ‪ ،‬والبراعة ‪ ،‬والنجابة‬
‫‪ ،‬التي كانوا يسمعونها من سيد الفصحاء ‪ ،‬وإمام البرعاء ‪ ،‬وأبين العرب‬
‫العرباء ‪ ،‬كان إذا تكلم ملك المشاعر ‪ ،‬واستولى على الضمائر ‪ ،‬واستمال‬
‫السرائر ‪ ،‬فل يريدون بعده كلم خطيب ول شاعر ‪ ،‬إذا نطق عليه الصلة‬
‫والسلم وتدفق ‪ ،‬فكأنه الفجر أشرق ‪ ،‬والماء ترقرق ‪ ،‬والنور في الرواح‬
‫ترفق ‪ .‬إن من النعيم ‪ ،‬عند ذاك الجيل العظيم ‪ ،‬سماع ذلك النبي الكريم‪،‬‬
‫في منطق سليم ‪ ،‬وصوت رخيم ‪ ،‬وقول قويم ‪ ،‬ونهج مستقيم ‪ .‬ثم درج‬
‫خطباء المة على منواله ‪ ،‬وسبكوا أقوالهم على أقواله ‪ ،‬فمن مق ّ‬
‫ل ومكثر ‪،‬‬
‫مؤث ّرٍ ومتأثر ‪ .‬فأحسن الخطباء من جعل القرآن معينه ‪ ،‬ومل بنور‬
‫ومن ُ‬
‫الحديث عينه ‪ ،‬وجعل البيان خدينه ‪ ،‬ثم أكثر من التدريب ‪ ،‬وأدمن التجريب ‪،‬‬
‫وأخذ من كل فن بنصيب ‪ ،‬فترى له من البراعة ‪ ،‬ومن الجرأة والشجاعة ‪ ،‬ما‬
‫يخلب ألباب الجماعة ‪ ،‬جمال ً في بيان ‪ ،‬وحسنا ً في إتقان ‪ ،‬مع عذوبة لسان ‪،‬‬
‫وثبات جنان ‪ .‬غير أن البلء ‪ ،‬يأتي من الغبياء ‪ ،‬المعدودين في الخطباء ‪ ،‬فهم‬
‫كالغيم في الصحو ‪ ،‬وكاللحن في النحو ‪ ،‬عبارات من حجاب البيان سافرة ‪،‬‬
‫م‬
‫وجمل متنافرة ‪ .‬وتركيب غريب ‪ ،‬ليس عليه من سلطان البداع رقيب ‪ ،‬هَ ّ‬
‫مْنع هؤلء من‬
‫أحدهم أن يقول ‪ ،‬ولو أخطأ في النقول ‪ ،‬وعاث في العقول ‪ ،‬فَ َ‬
‫‪45‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الخطابة إصابه ‪ ،‬حتى يراجع كل منهم حسابه ‪ .‬فليست المنابر أسواق باعة ‪،‬‬
‫ول أحواش زراعة ‪ ،‬ول ورش صناعة ‪ ،‬إنما المنابر مواضع طاعة ‪ ،‬تهذب بها‬
‫الجيال ‪،‬وتصقل بها عقول الرجال‬
‫ومنطق كضياء الشمس تحسبه‬
‫)‪(40 /‬‬
‫ت‬
‫يدب في الجسم مثل البرء لو نظمت ‪ ...‬من حسنه سحر هاروت ومارو ِ‬
‫ت‬
‫ألفاظه قلت هذا عقد ياقو ِ‬
‫ود بيانك ‪ ،‬ودرب جنانك ‪ ،‬وأطلق في الفصاحة عنانك ‪،‬‬
‫فهذ ْ‬
‫ب لسانك ‪ ،‬وج ّ‬
‫دد ‪ ،‬والمتكلم المؤيد ‪ .‬وحذار من ترداد الكلم ‪ ،‬فإنه‬
‫لتكون الخطيب المس ّ‬
‫يتحول إلى ركام ‪ ،‬ويصبح الخطيب أقبح في العين من الظلم ‪ ،‬وإّياك والتقعر‬
‫والغرابة ‪ ،‬فإنها من عيوب الخطابة ‪ ،‬ول تكرر العبارة ‪ ،‬ول تكثر الشارة ‪ ،‬ول‬
‫تقحم نفسك في فنون أهل الختصاص ‪ ،‬ول تجرح الشخاص ‪ .‬واخلط‬
‫الترغيب بالترهيب ‪ ،‬والوعظ بالتأديب ‪ ،‬وتحبب إلى السامعين بالط ّّيب من‬
‫الكلم ‪ ،‬ول تتعرض للشتم والملم ‪ ،‬وتألف القلوب ‪ ،‬وذكرهم برحمة ع ّ‬
‫لم‬
‫الغيوب ‪.‬‬
‫وتخولهم بالموعظة ‪ ،‬لتكون لقلوبهم موقظة ‪ ،‬وتحدث فيما يحتاجون إليه من‬
‫مسائل‪ ،‬وما يهمهم من فضائل ‪ ،‬وكن لطيفا ً مع الناس ‪ ،‬كالطبيب الس ‪.‬‬
‫واجعل إمامك في الخطابة رسول البيان ‪ ،‬صاحب القرآن ‪ ،‬سيد ولد عدنان ‪.‬‬
‫ن لكلمه ‪ ،‬ويئن من كثرة شوقه وهيامه ‪ ،‬وكانت الدموع‬
‫فقد كان الجذع يح ّ‬
‫من وعظه تتحدر ‪ ،‬والقلوب تتف ّ‬
‫طر ‪ ،‬والنفوس تتحسر ‪ ،‬هذا إذا أنذر وحذر ‪،‬‬
‫أما إذا ذكرهم بمغفرة الغفور ‪ ،‬فهناك تسبح النفوس في صرح ممّرد من‬
‫السرور ‪ ،‬وفي جدول من الحبور‪ ،‬فيمد كلمه نور الفطرة فالكل نور على نور‬
‫‪.‬‬
‫هذا الكلم ما قاله أحد‬
‫ول تل مثله في الجمع سحبان‬
‫عليه من حلل النوار أردية‬
‫فكل قلب من الشواق نشوان‬
‫يصدع الصخر في زجر وموعظة‬
‫وفي البشارة روض فيه ريحان‬
‫صعوا من الحكمة أقوال ‪ ،‬ودّبجوا من الفصاحة‬
‫أيها الخطباء كونوا أبطال ‪ ،‬ور ّ‬
‫أمثال ‪ ،‬وانفروا خفافا ً وثقال ‪ ،‬وفقكم الله تعالى ‪.‬‬
‫مة التوبة‬
‫مقا َ‬
‫ت كُ ّ‬
‫ل َ‬
‫يٍء {‬
‫مِتي وَ ِ‬
‫} وََر ْ‬
‫سعَ ْ‬
‫ح َ‬
‫ش ْ‬
‫ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي‬
‫تعاظمني ذنبي فلما قرنته ‪ ...‬جعلت الرجا ربي لعفوك سلما‬
‫بعفوك ربي صار عفوك أعظما‬
‫يا باغي الخير أقبل ‪ ،‬فالباب غير مقفل ‪ ،‬يا من أذنب وعصى ‪ ،‬وأخطأ وعتى ‪،‬‬
‫تعال فلعل وعسى ‪ ،‬يا من بقلبه من الذنوب جروح ‪ ،‬تعال فالباب مفتوح ‪،‬‬
‫والكرم يغدو ويروح ‪ ،‬يا من ركب مطايا الخطايا ‪ ،‬تعال إلى ميدان العطايا ‪ ،‬يا‬
‫عبادي ال ّذي َ‬
‫من اقترفوا فاعترفوا ‪ ،‬لن تنسوا } قُ ْ‬
‫سَرُفوا { ‪ ،‬يا من‬
‫ل َيا ِ َ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ِ َ‬
‫بذنب باء ‪ ،‬وقد أساء ‪ ،‬تذكر ‪ )) :‬يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء (( ‪.‬‬
‫أسقت بغي كلبا ‪ ،‬فأرضت رّبا ‪ ،‬ومحت ذنبا ‪ ،‬قتل رجل مائة رجل ‪ ،‬ثم تاب‬

‫‪46‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إلى الله عز وج ّ‬
‫ل ‪ ،‬فدخل الجنة على عجل ‪.‬‬
‫لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ‪ ...‬من جود فضلك ما علمتني الطلبا‬
‫من الذي ما أساء قط ‪ ،‬ومن له الحسنى فقط ‪ ،‬ومن هو الذي ما سقط ‪،‬‬
‫وأين هو الذي ما غلط ‪ ،‬يا كثير الخطاء ‪ :‬أنسيت ‪ :‬كلكم خ ّ‬
‫طاء ‪ ،‬كم يقتلك‬
‫القنوط كم ‪ ،‬وأنت تسمع ‪ )) :‬والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله‬
‫بكم (( ‪.‬‬
‫اطرق الباب تجدنا عنده‬
‫ل تقل قد أغلق الباب فل ‪ ...‬بسخاء وببذل وكرم‬
‫تحمل اليأس فتلقى في الندم‬
‫دم ‪ ،‬فقد سبقك بالذنب أبوك آدم ‪ ،‬ومن يشابه أباه فما‬
‫إذا أذنبت فتب وتن ّ‬
‫ظلم ‪ ،‬وتلك شنشنة نعرفها من أخزم ‪ ،‬فل تقلد أباك في الذنب وتترك‬
‫المتاب ‪ ،‬فإن أباك لما أذنب أناب ‪ ،‬بنص الكتاب ‪.‬‬
‫أصبحت وجوه التائبين مسفره ‪ ،‬لما سمعوا نداء ‪ :‬لو أتيتني بقراب الرض‬
‫خطايا لتيتك بقرابها مغفره ‪ ،‬اطرح نفسك على عتبة الباب ‪ ،‬ومد يدك وقل ‪:‬‬
‫هاب ‪ .‬أرغم أنفك بالطين وناد ‪ :‬رحمتك أرجو يا رب العالمين ‪.‬‬
‫يا و ّ‬
‫إن جرى بيننا وبينك عتب‬
‫فالقلوب التي عرفت تل ّ‬
‫ظى ‪ ...‬وبعدنا وشط عنا المزار‬
‫والدموع التي عهدت غزار‬
‫يا من أساء وظلم ‪ ،‬اعلم أن دمعة ندم ‪ ،‬تزيل أثر زلة القدم ‪ .‬أنت تتعامل مع‬
‫جار ‪ ،‬وأمهل‬
‫من عرض التوبة على الكفار ‪ ،‬وفتح طريق الرجعة أمام الف ّ‬
‫بكرمه الشرار ‪ .‬أنزل بالعفو كتبه ‪ ،‬وسبقت رحمته غضبه ‪.‬‬
‫والله ما لمحت عيني منازلكم‬
‫ول تذكرت مغناكم وأرضكموا ‪ ...‬إل توقد جمر الشوق في خلدي‬
‫إل كأن فؤادي طار من جسدي‬
‫واب ‪ ،‬ولو لم تذنب لما عرف هذا الوصف في الكتاب ‪ ،‬لن الوصف‬
‫اسمه الت ّ‬
‫لبد له من فعل حتى يوصف بالصواب ‪ .‬ما تدري بالذنب ‪ ،‬محى العجب ‪،‬‬
‫وبالستغفار حصل النكسار ‪ ،‬لكأس الستكبار ‪ ،‬وصار النحدار ‪ ،‬لجدار‬
‫الصرار ‪.‬‬
‫مر ‪ ،‬وسوف تجد ما يسر ول يضر‬
‫ل تصر ‪ ،‬بل اعترف وقر ‪ ،‬فإن طعم الدواء ُ‬
‫‪ ،‬واحذر الشيطان فإنه يغر ‪.‬‬
‫اطرق الباب فإنا فاتحون ‪ ...‬ل تغيرك على الصحب الظنون‬
‫العتراف بالقتراف ‪ ،‬طبيعة الشراف ‪ ،‬قف بالباب ‪ ،‬وقل ‪ :‬أذنبنا ‪ ،‬وطف‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ن إ َِلى الل ّ ِ‬
‫بتلك الديار وقل ‪ :‬تبنا ‪ ،‬وارفع يديك وقل ‪ :‬أنبنا ‪ } ،‬أَفل ي َُتوُبو َ‬
‫م { ‪ ،‬سبحان من يغفر الذنب لمن أخطأ ‪ ،‬ويقبل‬
‫ه غَ ُ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫وَي َ ْ‬
‫حي ٌ‬
‫ه َوالل ّ ُ‬
‫فُرون َ ُ‬
‫التوبة ممن أبطأ ‪.‬‬
‫ب ما قبلها ‪ ،‬وتعم بركتها أهلها ‪ .‬يقول عليه الصلة والسلم‬
‫ج ّ‬
‫التوبة ت َ ُ‬
‫)) التائب من الذنب كمن ل ذنب له (( ‪ ،‬وهذا قول يجب أن نقبله ‪ ،‬فهنيئا ً‬
‫لمن تاب وأناب ‪ ،‬قبل أن يغلق الباب ‪ .‬التائب سريع الرجعة ‪ ،‬غزير الدمعة ‪،‬‬
‫منكسر الفؤاد ‪ ،‬لرب العباد ‪ ،‬دائم النصات ‪ ،‬كثير الخبات ‪.‬‬
‫)‪(41 /‬‬
‫للتائب فرحتان ودمعتان وبسمتان ‪.‬‬
‫فرحة يوم ترك الذنب ‪ ،‬والخرى إذا لقي الرب ‪ ،‬ودمعة إذا ذكر ما مضى ‪،‬‬

‫‪47‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والثانية إذا تأمل كيف ذهب عمره وانقضى ‪ ،‬وبسمة يوم ذكر فضل الله عليه‬
‫بالتوبة ‪ ،‬وهي أج ّ‬
‫ل نعمة ‪ ،‬والخرى يوم صرف عنه الذنب وهو أفظع نقمة ‪.‬‬
‫فر جبينه ‪ ،‬وأشعل في قلبه أنينه ‪ ،‬وأضرم بالشوق حنينه‬
‫بشرى لمن ع ّ‬
‫‪،‬التائب تبدل سيئاته حسنات ‪ ،‬لن ما فات مات ‪ ،‬والصالحات تمحو الخطيئات‬
‫‪.‬‬
‫للتوبة أسرار ‪ ،‬ولصحابها أخبار ‪ ،‬فالتائب يزول عنه تصيد المعائب ‪ ،‬وطلب‬
‫دم ‪ ،‬وهو يفتح باب‬
‫دم ‪ ،‬فهو دائما ً يتن ّ‬
‫المثالب ‪ ،‬لنه ذاق مرارة ما تق ّ‬
‫المعاذير ‪ ،‬لمن وقع في المحاذير ‪ ،‬ول يفعل فعل المعجب المّنان ‪ ،‬الذي قال‬
‫‪ :‬والله ل يغفر الله لفلن ‪ ،‬بل يستغفر لمن أساء من العباد ‪ ،‬ويطلب الهداية‬
‫لهل الفساد ‪ ،‬والتائب يطالع حكمة الرب ‪ ،‬في تقدير الذنب ‪ ،‬وأنه ل حول‬
‫وة ‪ ،‬فالله غالب على‬
‫وة ‪ ،‬في منع نفسه من الوقوع في تلك اله ّ‬
‫للعبد ول ق ّ‬
‫أمره ‪ ،‬بعزته وقهره ‪ ،‬والتائب ذهبت عن نفسه صولة الطاعات ‪ ،‬والدعاوى‬
‫الطويلت ‪ ،‬والتبجح على أهل المعاصي ‪ ،‬وأصبح ذليل ً لمن أخذ بالنواصي ‪،‬‬
‫فإن بعض الناس إذا لم يقع في زّلة ‪ ،‬ولم يذق طعم الذلة ‪ ،‬جمحت به نفسه‬
‫مارة ‪ ،‬حتى جاوز أطواره ‪ ،‬فكلما ذكر له عاص تأّفف ‪ ،‬وكلما سمع بمذنب‬
‫ال ّ‬
‫سف ‪ ،‬وكأنه عبد معصوم ‪ ،‬في حياته غير ملوم ‪ ،‬يحاسب الناس على‬
‫تأ ّ‬
‫زلتهم ‪ ،‬ويأخذ بعثراتهم ‪ ،‬فإذا أراد الله تقويمه ‪ ،‬ليسلك الطريق المستقيمة ‪،‬‬
‫ابتله بذنب لينكسر لربه ‪ ،‬وأراه ضعف قوته فيعترف بذنبه‪ ،‬فيصبح يدعو‬
‫للمذنبين ‪ ،‬ويحب التائبين ‪ ،‬ويبغض المتكبرين ‪.‬‬
‫ومنها أن كأس الندم يتجرعه جرعة جرعه ‪ ،‬مع انحدار دموع السف دمعة‬
‫دمعه‪ ،‬حينها ينال الولية ‪ ،‬ويدرك الرعاية ‪ ،‬لنه عرف سر العبودية ‪ ،‬ودخل‬
‫باب الشريعة المحمدّية ‪ ،‬فإن ذل العبد مقصود ‪ ،‬وتواضعه محمود ‪ ،‬لصاحب‬
‫الكبرياء المعبود ‪.‬‬
‫ومنها أنه يشتغل بالستغفار ‪ ،‬عن الستكبار ‪ ،‬فهو دائم الفكر في تقصيره ‪،‬‬
‫مشتغل ً به عن غروره ‪ ،‬لن بعض الناس ل يرى إل إحسانه ‪ ،‬ول يشاهد إل‬
‫ن على موله ‪ ،‬بطاعته وتقواه ‪ ،‬بخلف من طار‬
‫صلحه وإيمانه ‪ ،‬حتى كأنه َيم ّ‬
‫من خوف العاقبة لبه ‪ ،‬وتشعب بالندم قلبه ‪ ،‬فهو كثير الحسرات ‪ ،‬على ما‬
‫مضى وفات ‪ ،‬وهذا هو حال من عرف العبادة ‪ ،‬وسلك طريق السعادة ‪.‬‬
‫واعلم أن لوم النفس على التقصير ‪ ،‬والنظر إليها بعين التحقير ‪ ،‬والزراء‬
‫عليها في جانب مولها ‪ ،‬وعدم الرضا عنها لما فعله هواها ‪ ،‬يقطع من‬
‫مسافات السير ‪ ،‬إلى اللطيف الخبير ‪ ،‬ما ل يقطعه الصيام ول القيام ‪ ،‬ول‬
‫الطواف بالبيت الحرام ‪ ،‬فهنيئا ً لمن على ذنبه يتحرق ‪ ،‬وقلبه يكاد من السف‬
‫يتمّزق ‪ ،‬ودمعه على ما فّرط يترقرق ‪.‬‬
‫ً‬
‫وقفنا على البواب نزجي دموعنا ‪ ...‬ونبعث شوقا طالما ضج صاحبه‬
‫أجمل الكلمات ‪ ،‬وأحسن العبارات ‪ ،‬لدى رب الرض والسموات ‪ ،‬قول‬
‫ت ‪ ،‬فيكون الجواب منه‬
‫ت ‪ ،‬يا رب أخطأ ُ‬
‫ت ‪ ،‬يا رب أسأ ُ‬
‫العبد ‪ :‬يا رب أذنب ُ‬
‫سبحانه ‪ :‬عبدي قد غفرت وسامحت ‪ ،‬وسترت وصفحت ‪.‬‬
‫إن الملوك إذا شابت عبيدهمو‬
‫وأنت يا خالقي أولى بذا كرما ً ‪ ...‬في رقهم عتقوهم عتق أبرار‬
‫قد شبت في الرق فاعتقني من النار‬
‫فر الجبين بالطين ‪ ،‬وناد ‪ :‬يا رب العالمين ‪ ،‬تبنا مع التائبين ‪ ،‬اغسل الكبائر‬
‫ع ّ‬
‫بسبع غرفات من ماء الدموع وعفرها الثامنة بتراب المتاب ‪ ،‬فهذا فعل من‬
‫أناب ‪ ،‬حتى يفتح لك الباب ‪ .‬تأّوه المذنبين التائبين ‪ ،‬أحب من تسبيح‬
‫المعجبين ‪ ،‬من قضى ليله وهو نائم ‪ ،‬وأصبح وهو نادم ‪ ،‬أحب ممن قضاه وهو‬
‫‪48‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مسّبح مكّبر ‪ ،‬وأصبح وهو معجب متكّبر ‪.‬‬
‫إذا أردت القدوم عليه ‪ ،‬توسل برحمته وفضله إليه ‪ ،‬ول تمنن بطاعتك لديه‪ ،‬ل‬
‫تيأس من فتح الباب ‪ ،‬ورفع الحجاب ‪ ،‬فأدم الوقوف عنده ‪ ،‬واخطب وده ‪،‬‬
‫فإن من قصده لن يرده ‪ ،‬ما أحوج الجيل ‪ ،‬إلى آخر ساعة من الليل ‪ ،‬لنها‬
‫ذي‬
‫ساعة الهبات ‪ ،‬والعطيات والنفحات ‪ ،‬إمام الموحدين ‪ ،‬يقول ‪َ } :‬وال ّ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن { ‪ ،‬فجعل غاية مناه ‪ ،‬أن تغفر‬
‫فَر ِلي َ‬
‫خ ِ‬
‫ن ي َغْ ِ‬
‫م ال ّ‬
‫مع ُ أ ْ‬
‫طيئ َِتي ي َوْ َ‬
‫أط ْ َ‬
‫دي ِ‬
‫مّر ‪ ،‬فأفق من‬
‫صّر ‪ ،‬ول ت ُ ِ‬
‫خطاياه ‪ ،‬وأنت ت ُ ِ‬
‫قّر ‪ ،‬وتحسو كأس الذنب وهو ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫مَنا أن ُ‬
‫سَنا وَإ ِ ْ‬
‫ف َ‬
‫نل ْ‬
‫سبات اللهو ول تكن من الغافلين ‪ ،‬وأكثر من } َرب َّنا ظل ْ‬
‫مَنا ل َن َ ُ‬
‫ن{‪.‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ت َغْ ِ‬
‫فْر ل ََنا وَت َْر َ‬
‫ح ْ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫كون َ ّ‬
‫س ِ‬
‫مة التاريخية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫} ت ِل ْ َ‬
‫ن أن َْبائ َِها {‬
‫قَرى ن َ ُ‬
‫ك ال ُ‬
‫ص عَلي ْك ِ‬
‫ق ّ‬
‫م ْ‬
‫اقرأ التأريخ إذ فيه العبر‬
‫وتأمل كيف أفنى ملكهم ‪ ...‬ضل قوم ليس يدرون الخبر‬
‫من على الملك توّلى وقهر‬
‫قال أبو كثير ‪ ،‬جرير بن الثير ‪ ،‬سلوني عن التاريخ ‪ ،‬فإني في علمه شيخ ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬يا أبا كثير ‪ ،‬فضلك كبير ‪ ،‬فما هو التعليق ‪ ،‬على أحداث نذكرها لك‬
‫بالتحقيق ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬تقدموا وتكلموا ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬مولد النبي محمد ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪. -‬‬
‫قال ‪ :‬مولد النور ‪ ،‬وإشراق السرور ‪ ،‬وهو فتح من الله على هذا الكون ‪ ،‬ونبأ‬
‫عظيم ما سمع بمثله في حركة ول سكون ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فهجرته إلى المدينة ‪.‬‬
‫)‪(42 /‬‬
‫قال ‪ :‬بداية النطلق ‪ ،‬وفجر الشراق ‪ ،‬بها قامت الدولة ‪ ،‬وصار للسلم‬
‫جولة‪ ،‬وللحق صولة ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فغزوة بدر ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬إثبات صدق الصحابة ‪ ،‬واجتثاث تلك العصابة ‪ ،‬وقطع الرؤوس الكذابة ‪،‬‬
‫وجلل للدين ومهابة ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فوفاة الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪. -‬‬
‫قال ‪ :‬نزفت منها القلوب دما ‪ ،‬وامتلت النفوس ألما ‪ ،‬وهي دليل على أن ل‬
‫بقاء إل للواحد ‪ ،‬وما مخلوق بهذه الدنيا خالد ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فمعركة القادسية ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬مشهد من مشاهد الحق إذا هجم ‪ ،‬ونهاية ماحقة ساحقة لدولة العجم ‪،‬‬
‫وأن من عادى الرحمن فليس له سلطان ‪ ،‬ول أمان ول صولجان ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فمعركة اليرموك ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فرار الروم كالبوم ‪ ،‬ولكل طاغية يوم معلوم ‪ ،‬وإن الدين أمضى سيف‬
‫للمجاهدين ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فعين جالوت ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬نهاية المغول ‪ ،‬ومأساة حظهم المغلول ‪ ،‬وجندهم المخذول ‪ ،‬على أيدي‬
‫أتباع الرسول ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬في حطين ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬حطين ‪ ،‬تمريغ الباطل في الطين ‪ ،‬وهي يوم جلء الصليب من‬

‫‪49‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فلسطين ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فموت خالد بن الوليد على الفراش ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬دليل على أن الرجل درع حصين ‪ ،‬وموته مصيبة للموحدين ‪ ،‬وفرحة‬
‫عابرة للكافرين ‪ ،‬وعيد للجبناء الفاشلين ‪ .‬وكأن القتل هاب من خالد ‪ ،‬فأتاه‬
‫على غرة وهو قاعد ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬ففتنة القول بخلق القرآن ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬هي نتاج الفلسفة الشنعاء ‪ ،‬التي زاحم بها المأمون الشريعة الغراء ‪،‬‬
‫ولكن الله نصر الحق وأتباعه ‪ ،‬وهزم الباطل وأشياعه ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬أحسنت في هذا الحوار ‪ ،‬فحدثنا عن بعض ما ورد في التاريخ من‬
‫الخبار ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬لما ابتلى المأمون الناس بالمحنة ‪ ،‬قيض الله له بطل السنة ‪ ،‬فكان‬
‫المأمون رأسا ً في علوم اليونان ‪ ،‬وأحمد رأسا ً في علوم السنة والقرآن ‪.‬‬
‫أما رأيت الحجاج قتل ابن الزبير ‪ ،‬وذبح سعيد بن جبير ‪ ،‬ووضع إبراهيم‬
‫التيمي في بير ‪ ،‬ثلث عورات لكم ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ري {‬
‫م ِ‬
‫ت لك ْ‬
‫م ُ‬
‫ما عَل ِ ْ‬
‫قال فرعون ثلث كلمات مهلكات ‪ ،‬يقول ‪َ } :‬‬
‫م ْ‬
‫ن إ ِلهٍ غي ْ ِ‬
‫َ‬
‫مل ْ ُ‬
‫صَر { فأخرج منها وهو لعين ‪ ،‬و‬
‫ك ِ‬
‫س ِلي ُ‬
‫م ْ‬
‫فدس أنفه في الطين ‪ ،‬و } أل َي ْ َ‬
‫ُ‬
‫ما أ ََرى { فأراهم سبيل الهالكين ‪.‬‬
‫م إ ِل ّ َ‬
‫ما أِريك ُ ْ‬
‫} َ‬
‫علي بن أبي طالب ‪ ،‬مرفوع بين الرافضة والنواصب ‪ ،‬لنها ل تدخل على‬
‫المرفوع النواصب ‪.‬‬
‫يا لله العجب ‪ ،‬جولدا مائير امرأة ‪ ،‬هزمت رجال العرب ‪ ،‬كيف لو كانت رجل ً‬
‫ذا شنب ‪.‬‬
‫قال جمّيل ‪ :‬سوف أبيد إسرائيل ‪ ،‬فألقى على اليمن البراميل ‪ ،‬قلنا ‪ :‬ضللت‬
‫السبيل ‪.‬‬
‫وقال صدام ‪ :‬سوف أحرق اليهود ‪ ،‬فأرسل إلى الكويت الجنود ‪ .‬قلنا ‪ :‬أسد‬
‫ي وفي الحروب نعامة شرود ‪.‬‬
‫عل ّ‬
‫يوم كانت تركيا تحكم بالشريعة السمحاء ‪ ،‬أرسلت للعالم الزعماء والعلماء‬
‫والدباء ‪ .‬فلما حكمت بمنهج الكافرين ‪ ،‬أرسلت للعالمين الحلقين‬
‫والراقصين والمغنيين‪.‬‬
‫أخذ العرب في فجر السلم قياد العالم ‪ ،‬فلما خفيت عليهم المعالم ‪ ،‬منوا‬
‫بالهزائم ‪.‬‬
‫فنقل الله السلطان للكراد ‪ ،‬لنهم نصروا رب العباد ‪ ،‬فمّلكهم البلد ‪.‬‬
‫ثم أخذ الريادة السلجقة ‪ ،‬وأمم لحقة ‪ ،‬ثم انتقل مفتاح الملك ‪ ،‬إلى التراك‬
‫‪ ،‬فلما صاروا في ترف وانهماك ‪ ،‬سلب منهم المفتاح ‪ ،‬لنه ل يحمله إل من‬
‫صدق في حي على الفلح ‪ ،‬واعلم أن في هذا برهان ‪ ،‬على أن السلم ل‬
‫يعترف باللوان ‪ ،‬وليس لبلد خاص من البلدان ‪ .‬لكنه لكل من نصر الحق ‪،‬‬
‫وأتى بالصدق ‪.‬‬
‫ً‬
‫أهدت لنا خراسان سلمان ‪ ،‬وأهدت صهيبا لنا الرومان ‪ ،‬فأهدى لهم رسولنا‬
‫القرآن واليمان ‪.‬‬
‫الجيش إذا لم يصم رمضان ‪ ،‬يهزم في حزيران ‪ ،‬وجيش ل يؤمن بتعاليم‬
‫جبريل ‪ ،‬ل ينتصر على إسرائيل ‪.‬‬
‫التأريخ إن شئت جعلته شريفا ً أو سخيفا ‪ ،‬فالتاريخ الشريف ‪ :‬تاريخ الفتوحات‬
‫والنتصارات ‪ ،‬والنكبات والدروس المستفادات ‪ .‬والتاريخ السخيف ‪ :‬تاريخ‬
‫القيان‪ ،‬وكيف كانت تضرب العيدان ‪ ،‬وخبر الجواري في قصر السلطان ‪.‬‬
‫اشغلونا في التاريخ بأخبار سخيفة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬الجارية غضبت على الخليفة ‪،‬‬
‫‪50‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فأهداها قطيفة ‪ ،‬فعادت للوظيفة ‪.‬‬
‫صع بالسير ‪ ،‬وتستفاد منه العبر ‪.‬‬
‫لبد أن يقرن التأريخ بالثر ‪ ،‬وي َُر ّ‬
‫تاريخ ابن خلدون مقدمة بل كتاب ‪ ،‬لكنها عجب من العجاب ‪ .‬وتاريخ ابن‬
‫الجوزي غرائب وعجائب ‪ ،‬كأنه لبد في كل قصة من مصائب ‪ .‬وتاريخ‬
‫الطبري دقائق ‪ ،‬أشغلتنا عن الحقائق ‪ ،‬وتاريخ ابن كثير ‪ ،‬أحسن الجميع بل‬
‫نكير ‪ ،‬لكّنه طول في تراجم الشعراء ‪ ،‬وقصر في تراجم العلماء ‪.‬‬
‫الذهبي يكتب بقلم السلف ‪ ،‬فتجده كثير النقد للخلف ‪ ،‬تخرج من مدرسة‬
‫محد َِثين ‪.‬‬
‫المح ّ‬
‫دثين‪ ،‬فتراه يشن الغارة على ال ُ‬
‫العظمة في اتباع المعصوم ‪ ،‬ل في المناصب والرسوم ‪ ،‬والدليل على ما‬
‫أقول ‪ ،‬أن دائرة المعارف البريطانية ‪ ،‬ترجمت بعشرين صفحة للدولة‬
‫العباسية ‪ ،‬وترجمت لبن تيمية بأربعين صفحة ‪ ،‬لجهوده السلمّية ‪.‬‬
‫ألسنة البشر ‪ ،‬أقلم تكتب بها السير ‪ ،‬إذا ذكر عمر بن عبد العزيز قال الناس‬
‫‪ :‬رحمه الله ‪ ،‬وإذا ذكر الحاكم الفاطمي قال الناس ‪ :‬قاتله الله ‪.‬‬
‫)‪(43 /‬‬
‫لما تولى بنو أمية الخلفة قالوا ‪ :‬سوف تبقى لنا دواما ‪ ،‬فما أكملوا ثمانين‬
‫عاما ‪ .‬فلما تولى بنو العباس قالوا ‪ :‬سوف نحكم الرض بالثر والنظر ‪ ،‬حتى‬
‫خروج المهدي المنتظر‪ ،‬فلم يبق الله لهم في الرض مكانا ‪ ،‬كأنهم خبر كان ‪.‬‬
‫من قرأ التاريخ هيجه على البكاء ‪ ،‬والتساء ‪ ،‬والقتداء ‪ .‬كم في التاريخ من‬
‫زفرة ؟ وحسرة وعثرة ؟ لقد كان في قصصهم عبرة ‪.‬‬
‫***************************‬
‫سلطانّية‬
‫مة ال ّ‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا الّز َ‬
‫كاة َ {‬
‫} ال ّ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫ض أَقا ُ‬
‫مك ّّناهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫موا ال ّ‬
‫صلة َ َوآت َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ِفي الْر ِ‬
‫جانب السلطان واحذر بطشه‬
‫ل تمازح أسدا ً في غابة ‪ ...‬ل تعاند من إذا قال فعل‬
‫وترفق عند أرباب الدول‬
‫ي بن عمران ‪ :‬اعلموا أن السلطان ‪ ،‬ظل الله في الوطان ‪،‬بهيبته‬
‫قال عل ّ‬
‫تحفظ البلد وتسعد العباد ‪ ،‬وبعدله تأمن الفاق ‪ ،‬وتقام السواق ‪ ،‬وبسيفه‬
‫تنصر المّلة ‪ ،‬وترفع الذّلة ‪.‬‬
‫أما الظلوم الغشوم ‪ ،‬فمجده مهدوم ‪ ،‬وسيفه مثلوم ‪ ،‬وجنده مهزوم ‪.‬‬
‫اسمعوا ابن خلدون ‪ ،‬لعلكم تعتبرون ‪ .‬إن السلطان إذا عدل ‪ ،‬شفيت بعدله‬
‫العلل ‪ ،‬وزال الخلل ‪ ،‬وذهب الزلل ‪ ،‬ونصر الله دولته بين الدول ‪ .‬أما إذا‬
‫السلطان جار ‪ ،‬ألزمه الله الصغار ‪ ،‬وألبسه العار ‪ ،‬وسلط عليه الدمار ‪،‬‬
‫وجعل مصيره النار ‪.‬‬
‫قلنا يا ابن عمران ‪ :‬وكيف يكون العلماء مع السلطان ؟‬
‫وة ‪ ،‬وكما قالت العرب في‬
‫قال ‪ :‬ل تقابل السلطان بالقوة ‪ ،‬فيلقيك في ه ّ‬
‫الكتب ‪ :‬ل تمازح السد ‪ ،‬فإنه أبو لبد ‪ .‬فالعالم ل يخالط السلطان حتى كأنه‬
‫حاجب ‪ ،‬أو كاتب ‪ ،‬أو حاسب ‪ ،‬لن الصاحب ساحب ‪ ،‬بل ينصحه من بعيد ‪،‬‬
‫ويزوره كل عيد ‪،‬ويدعو له بالتسديد ‪ .‬ول ينصحه أمام العوام ‪ ،‬لنهم هوام ‪،‬‬
‫أصحاب طوام ‪ ،‬بل يداريه ول يماريه‪ ،‬وينكر عليه ول يجاريه ‪ .‬ويكلمه كلما‬
‫بّينا ‪ ،‬ويقول له ‪ :‬قول لّينا ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فإن أعطاه السلطان مال ‪ ،‬وقال يأخذه حلل ‪ ،‬ويصلح به حال ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬إن كان هذا المال ليشتري به دينه ‪ ،‬من أجل أن يذله ويهينه ‪ ،‬فالمنّية‬

‫‪51‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ول الدنية ‪ ،‬وركوب الجنائز ‪ ،‬ول قبول الجوائز ‪ .‬وإن كان هذا العطاء من بيت‬
‫المال بل سؤال ‪ ،‬ول مكر واحتيال ‪ ،‬فرزق ساقه الله إليك ‪ ،‬سواء كان بنقد‬
‫أو بشيك ‪ ،‬فهو لك ل عليك ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما رأيك في الخروج على السلطان ؟‬
‫قال ‪ :‬ل تفعل إل إذا رأيت كفرا ً عندك فيه من الله برهان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإن حرمني وشتمني وظلمني ؟‬
‫قال ‪ :‬حسيبك الملك الديان ‪ ،‬يوم يوضع الميزان ‪ ،‬ويظهر البهتان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فماذا يجعل السلطان من الصلحاء ويحمله على نهج الخلفاء الوفياء ؟‬
‫قال ‪ :‬إذا شاور العلماء ‪ ،‬وخالف السفهاء ‪ ،‬وجالس الحكماء ‪ ،‬وصاحب‬
‫الحلماء ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬يا ابن عمران فماذا يفسد السلطان ؟‬
‫قال ‪ :‬الشتغال عن الرعية ‪ ،‬والجور في القضية ‪ ،‬وعدم الحكم بالسوّية ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فماذا يلزم السلطان حتى يعان ؟‬
‫قال ‪ :‬تنفيذ الحدود ‪ ،‬وتقوية الجنود ‪ ،‬والوفاء بالوعود ‪ ،‬واللتزام بالعهود ‪،‬‬
‫وإكرام الوفود‬
‫قلت ‪ :‬فماذا يجب للسلطان على الرعية ‪ ،‬من الواجبات الشرعية ‪ ،‬والحقوق‬
‫المرعية ؟‬
‫قال ‪ :‬الدعاء له بظهر الغيب ‪ ،‬ول ينشر ما فيه من عيب ‪ ،‬وطاعته إل في‬
‫الحرام ‪ ،‬والنصح له في توقير واحترام ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أخبرنا بما في سيرة الحكام من العبر ‪ ،‬وما ورد فيها من أثر ‪ ،‬فإن‬
‫الله ينفع بالسير ؟‬
‫قال ‪ :‬انظروا ما ذكره الله في القرآن ‪ ،‬وما سطره في التأريخ والعيان ‪.‬‬
‫جاج ‪ ،‬ووثب على المة وهاج ؟‬
‫قلت ‪ :‬لماذا فسد الح ّ‬
‫قال ‪ :‬الرجل بالله مغرور ‪ ،‬غره المدح والظهور ‪ ،‬فأخذ يظلم ويجور ‪.‬‬
‫جلسه ؟‬
‫قلت ‪ :‬فمن ُ‬
‫مي عري عن العلم ‪ ،‬محروم من الفهم ‪ ،‬أو فاجر مات‬
‫قال ‪ :‬هم ما بين عا ّ‬
‫قلبه ‪ ،‬وتبلد لبه ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ولماذا فسد الخليفة المين ؟‬
‫قال ‪ :‬أقبل على اللعب ‪ ،‬واشتغل بالطرب ‪ ،‬وأهان أهل الحسب ‪ ،‬وقرب‬
‫الوشب ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فلماذا أيد الله عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬وجعله في حرز حريز ؟‬
‫مر الله‬
‫قال ‪ :‬الرجل اتقى ربه ‪ ،‬وخاف ذنبه ‪ ،‬وأصلح ما بينه وبين الديان ‪ ،‬فع ّ‬
‫به البلدان ‪ .‬ركب سفينة السنة ‪ ،‬فأوصلته الجنة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فأخبرنا بصفات تصلح السلطان ‪ ،‬وتوصله الرضوان ؟‬
‫ي‬
‫قال ‪ :‬عليه بصدق الص ّ‬
‫ديق ‪ ،‬وعدل الفاروق ‪ ،‬وسخاء عثمان ‪ ،‬وشجاعة عل ّ‬
‫إذا التقى الجمعان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فمن أحق الناس بإكرام السلطان ؟‬
‫قال ‪ :‬عالم عامل ‪ ،‬وعابد فاضل ‪ ،‬وشيخ كبير ذابل ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فمن أحق الناس بعقوبة السلطان ؟‬
‫قال ‪ :‬السفهاء ‪ ،‬الذين يحتقرون العلماء ‪ ،‬والمجاهرون بالمعاصي صباحا ً‬
‫مساء ‪ .‬ومن يأخذ حقوق العباد بالعتداء ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فلماذا أحب الناس الخلفاء الراشدين ؟‬
‫قال ‪ :‬لنهم كانوا صادقين ‪ ،‬وبربهم واثقين ‪ ،‬وبرعيتهم رفيقين ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فلماذا سقطت الدولة الموية ‪ ،‬وقد كانت قوية ؟‬
‫‪52‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫خر القوم الصلة ‪ ،‬وأكرموا العصاة ‪ ،‬وجاروا في الحكام ‪ ،‬فانقلبت‬
‫قال ‪ :‬أ ّ‬
‫بهم اليام ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فلماذا سقط بنو العباس ‪ ،‬وقد كانوا أهل نجدة وبأس ؟‬
‫قال ‪ :‬هجر القوم المثاني ‪ ،‬واشتغلوا بالغاني ‪ ،‬وملوا القصور بالغواني ‪،‬‬
‫وغرتهم الماني ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فلماذا سقطت الدولة العثمانية ؟‬
‫)‪(44 /‬‬
‫قال ‪ :‬قربوا الصوفية ‪ ،‬وحاربوا الدعوة السلفية ‪ ،‬وأهانوا الرعية ‪ ،‬واشتغلوا‬
‫بالملذات الدنيوية ‪ ،‬وأهملوا الشعائر الدينية ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما معنى كلم ابن تيمية ‪ :‬إن الله ينصر الدولة الكافرة ‪ ،‬إذا كانت‬
‫عادلة ويمحق الدولة المسلمة ‪ ،‬إذا كانت ظالمة ؟‬
‫قال ‪ :‬هذا كلم صحيح ‪ ،‬وفهم مليح ‪ .‬فالدول إذا عدلت قّرت ‪ ،‬واستقرت ‪،‬‬
‫وأعطاها الله المان ‪ ،‬من روعات الزمان ‪ ،‬ومن مصائب الحدثان ‪ .‬وإذا‬
‫ظلمت محقت وسحقت ‪ ،‬وتمّزقت وتفّرقت ‪ .‬وهذه سنة ماضية ‪ ،‬وحكمة‬
‫قاضية ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ولماذا قال عمر على المنبر يوم صاح بطنه من الجوع وقرقر ‪ :‬قرقر‬
‫أو ل تقرقر والله ل تشبع حتى يشبع الفقير المقتر ‪ ،‬والشيخ المعسر ؟‬
‫قال ‪ :‬عمر إمام العدالة ‪ ،‬شرح الله بالعدل باله ‪ ،‬صدق الله فأصلح أحواله ‪،‬‬
‫وجعل التقوى سرباله ‪ .‬فسيرة عمر تخوف الظالمين ‪ ،‬وترهب الثمين ‪ ،‬وهي‬
‫قصة بديعة في العالمين ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ما رأيت الظالم طال عمره ‪ ،‬ول حماه قصره ‪ ،‬ول ارتفع قدره ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬أما تدري أن الله أخرج كل ظالم من قصره وجره ‪ ،‬وقطع دابره‬
‫بالمرة ‪ ،‬واستنزله من برجه العاجي كأنه هرة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬مثل ماذا يا هذا ؟‬
‫قال ‪ :‬عجبا ً لك أما تعي ‪ ،‬وأنت بالعلم تدعي ‪ .‬أما أهلك فرعون وخرب داره ‪،‬‬
‫وترك قصوره منهارة ‪ ،‬ودس أنفه في الطين كأنه فارة ‪.‬‬
‫أما رأيت شاوشيسكوا رئيس رومانيا المهين ‪ ،‬مزقه شعبه وهو لعين ‪،‬‬
‫سحبوه في الشارع كأنه تنين ‪ ،‬فما كان له من فئة ينصرونه وما كان من‬
‫المنتصرين ‪.‬‬
‫أما رأيت شاه إيران ‪ ،‬السفيه الغلطان ‪ ،‬الذي كان بكأس الظلم سكران‬
‫‪،‬أكثر من السلب والنهب ‪ ،‬والضرب والصلب ‪ ،‬فطرده شعبه كالكلب ‪ .‬فمات‬
‫في مصر مع فرعون ‪ ،‬وكتب في التاريخ الشاه الملعون ‪.‬‬
‫أما رأيت ماركوس رئيس الفلبين ‪ ،‬أحد الظلمة الكاذبين ‪ ،‬أذاق قومه الويلت‬
‫‪ ،‬وأسقاهم كأس النكبات ‪ ،‬فمال عليه قومه ميلة واحده ‪ ،‬فإذا دولته بائدة ‪،‬‬
‫فصار في العالم طريدا ‪ ،‬وأصبح في الرض شريدا ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أرشدتني أنار الله فكرك ‪ ،‬وأعل ذكرك ‪ ،‬وقد حملت شكرك ‪.‬‬
‫***************************‬
‫مة الجامعّية‬
‫المقا َ‬
‫ْ‬
‫} وَقُ ْ‬
‫ما {‬
‫ب زِد ِْني ِ‬
‫ل َر ّ‬
‫عل ً‬
‫صله فمن‬
‫اطلب العلم وح ّ‬
‫ل تقل قد ذهبت أربابه ‪ ...‬يعرف المقصود يحقر ما بذل‬
‫كل من سار على الدرب وصل‬

‫‪53‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بكى زميلي في الجامعة عمرو بن ُ‬
‫كلثوم ‪ ،‬كأنه أكل الثوم ‪ ،‬فلما رأيت الدمع‬
‫مل عيونه ‪ ،‬تذكرت قول الشاعر ‪ :‬بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ‪.‬‬
‫فقلت ‪ :‬ما لعينك دامعة ‪ .‬قال ‪ :‬من كثرة العناء في الجامعة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬من صبر ظفر ‪ ،‬ومن ثبت نبت ‪ .‬فقال زميلي عمرو ‪ ،‬وكأن في قلبه‬
‫جمر ‪ :‬حدثنا عن دراستك في كلية أصول الدين ‪ ،‬فإني لك بالنصح مدين ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬كنت أدرس في أبها ‪ ،‬والعلم عندي من الشهد أشهى ‪،‬ل أخرج من‬
‫الحارة‪ ،‬من البيت إلى المنارة ‪ ،‬وقليل ً ما أركب السيارة ‪ .‬كانت الكتب أغلى‬
‫عندي من الذهب‪ ،‬فإذا تفردت بكتاب ‪ ،‬نسيت الصحاب والحباب ‪.‬‬
‫كنت أصلي الفجر ‪ ،‬ثم أجلس في مصلي لطلب الجر ‪ ،‬فإذا داعبني‬
‫النعاس ‪ ،‬قلت ‪ :‬ل مساس ‪ ،‬فإذا غدا الطير من وكره وطار ‪ ،‬وقضيت وجبة‬
‫الفطار ‪ ،‬ذهبت إلى الكلية ‪ ،‬ونسيت الدنيا بالكلية ‪.‬‬
‫وكأن زملئي أهل جد وجلد ‪ ،‬والكل منهم مثابر مجتهد ‪ .‬ذكرونا بالصحب‬
‫الول ‪ ،‬وكانوا من سبع دول ‪ ،‬اثنان من السعودية ‪ ،‬أخلقهم ندية ‪ ،‬وصداقتهم‬
‫ودية ‪ ،‬وآمالهم وردية ‪ .‬وأربعة من اليمن ‪ ،‬تشتري صحبتهم بأغلى ثمن ‪،‬‬
‫ي من أحسن المنن ‪ ،‬وواحد من أوغندا ‪ ،‬يهد الدروس هدا ‪ ،‬كأنه‬
‫وأع ّ‬
‫دها عل ّ‬
‫ليث إذا تبدا ‪ ،‬وطالبان من السودان أعذب من الماء عند الظمآن ‪ ،‬وطالب‬
‫من دولة بنين ‪ ،‬قوي أمين ‪ ،‬ومن نيجيريا أربعة طلب ‪ ،‬يكرمون الصحاب ‪،‬‬
‫ويتحفون الحباب ‪ ،‬وواحد من الصومال ‪ ،‬من خير الرجال ‪ ،‬مع صبر‬
‫واحتمال ‪ .‬فإن اختلفنا في الديار ‪ ،‬فنحن إخوة في شريعة المختار ‪.‬‬
‫فاجتمع في الفصل اللسان ‪ ،‬واللوان ‪ ،‬والّلغات ‪ ،‬واللهجات ‪ ،‬من كل الجهات‬
‫‪ .‬فصرت أنا بينهم كسحبان وائل ‪ ،‬ولو أنني أعيا من باقل ‪ .‬فكنا في أحسن‬
‫زمالة ‪ ،‬ل سآمة ول مللة ‪ ،‬ودّرسنا أساتذة ‪ ،‬بعضهم جهابذة ‪ ،‬فكان منهم من‬
‫يحضر وينظّر ‪ ،‬ويأتي الفصل وهو مبكر ‪.‬‬
‫تخاله من ذكاء القلب متقدا ً‬
‫ومن تلهبه في العلم نشوانا‬
‫ومنهم من كان يقرأ علينا من صحف اكتتبها ‪ ،‬فهي ُتملى عليه بكرة وأصيل ‪،‬‬
‫فكان يرتل علينا المقرر ترتيل ‪ .‬وربما تعب فقال لنا ‪ :‬ضعوا تحت هذه الكلمة‬
‫خط ‪ ،‬ول يزيد على ذلك قط ‪.‬‬
‫ومنهم من كان يأخذ ثلث المحاضرة في تحضير الطلب ‪ ،‬من حضر ومن‬
‫غاب ‪ ،‬وربما دلسنا عليه الغياب ‪ ،‬وهو ل يدري بدهاة الفارقة والعراب ‪.‬‬
‫ويأخذ ثلثها الثاني في تعريفنا بشخصه العظيم ‪ ،‬وما حصل له من تكريم ‪،‬‬
‫فهو يردد علينا هذا الحديث السقيم ‪.‬‬
‫جر ‪،‬مما‬
‫وأما ثلثها الخير فيشرح لنا المقّرر ‪ ،‬وقد تبلد ذهن كل منا وتح ّ‬
‫سمعناه من الحديث المعطر ‪.‬‬
‫)‪(45 /‬‬
‫ومنهم من شكانا وشاكيناه ‪ ،‬وأبكانا وأبكيناه ‪ ،‬فمرة يشكونا للعميد ‪ ،‬فنسمع‬
‫ي وفي‬
‫الوعيد والتهديد ‪ ،‬فنسخر ونقول ‪ :‬الحمد لله على السلمة ‪ ،‬أسد عل ّ‬
‫الحروب نعامة ‪ ،‬وربما كتبنا فيه خطابا ‪ ،‬فيملؤنا سبابا ‪ ،‬ويقول ‪ :‬لن أخاف‬
‫من كيدكم ول أقلق ‪ ،‬كما قال الول ‪ :‬زعم الفرزدق ‪.‬‬
‫ومنهم من عجب من إجابتي ‪ ،‬وكثرة إصابتي ‪ ،‬وأقسم لو جاز أن يعطى فوق‬
‫الدرجة لعطاها ‪ ،‬ول يخاف عقباها ‪ ،‬فأجد المتعاض من الزملء ‪ ،‬ثم نعود‬
‫إلى جو الخاء ‪ .‬وقد نظمت في الساتذة بعض البيات ‪ ،‬فيقول الزملء ‪ :‬بهذه‬

‫‪54‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الطريقة نلت الدرجات ‪ ،‬فيهمزون ويلمزون ‪ ،‬وإذا مّروا بنا يتغامزون ‪ .‬وربما‬
‫أطلقت في الفصل النكات ‪ ،‬فيهتز الفصل من الضحكات ‪.‬‬
‫أذكر مّرة ‪ ،‬كانت لحظة مسرة ‪ ،‬أن أحد الدكاترة ‪ ،‬وكانت أذهاننا معه فاترة ‪،‬‬
‫قال لنا ‪ :‬إن الغزالي صاحب الحياء مات والبخاري على صدره ‪ ،‬يقصد كتاب‬
‫الصحيح‪ ،‬فقلت بل استحياء ‪ :‬هذا أمر عجيب ‪ ،‬وخبر غريب ‪ ،‬لن البخاري‬
‫مات في القرن الثالث ‪ ،‬والغزالي في القرن السادس ‪ ،‬فكيف يكون البخاري‬
‫على صدر الغزالي ‪.‬‬
‫فقال الستاذ ‪ :‬أنت قد بلبلت بالي ‪ ،‬قلت ‪ :‬قصيدة البلبلة لصفي الدين الحلي‬
‫وهي مهلهلة ‪ .‬ثم أنشدتها بدون استئذان ‪ ،‬حتى أدخلتها الذان ‪ ،‬ومطلعها ‪:‬‬
‫ت بالبلبال بالي‬
‫يا بلي البال قد بلبل ُ‬
‫بالنوى زلزلتين والقلب بالزلزال زال‬
‫فقال الستاذ وقد تميز من الغيظ ‪ :‬زدنا يا عائض من هذا الفيض ‪.‬‬
‫فأنشدت ‪:‬‬
‫فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشى‬
‫قلقل عيس كلهن قلقل‬
‫والطلب في ضحكهم هائمون ‪ .‬ثم قلت للستاذ ‪ :‬سامحني يا علم الفذاذ ‪،‬‬
‫فقد تذكرت بيت العشى ‪:‬‬
‫وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني‬
‫ل شلش ٌ‬
‫ل شلو ٌ‬
‫مش ّ‬
‫ل َ‬
‫ول‬
‫شاوٍ ِ‬
‫ش ِ‬
‫وشجعني أن بضاعته من العلم مزجاة ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أزجي الوقت كما أزجاه ‪،‬‬
‫وإذا ذهب العلم فليذهب الجاه ‪.‬‬
‫وكنت أستأذن بعضهم في أول كل محاضرة ‪ ،‬ووجوه الطلب يومئذ ٍ ناظرة ‪،‬‬
‫فأنظم أرجوزة ‪ ،‬أبياتها مهزوزة ‪ ،‬فيتركني الستاذ ولسان حاله يقول ‪ :‬دعوه‬
‫على حاله ‪ ،‬فالله هو الذي يهب العقول ‪ .‬ول أفعل هذا إل مع أستاذ هو ك ّ‬
‫ل‬
‫على موله ‪ ،‬فأريد أن أجازيه على ما أوله ‪.‬‬
‫ومرة ذهبنا في رحلة برية ‪ ،‬فجعلوني رائد السرّية ‪ ،‬فانذهل مني المدرب‬
‫وتعجب ‪ ،‬واستغرب وتعذب ‪ ،‬فلم أظهر له أنني عنيد ‪ ،‬بل جعلت نفسي‬
‫كأنني أبله بليد ‪ ،‬فإن صاح فينا ‪ :‬استعد استرحت ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬استرح‬
‫استعديت ‪ ،‬وإذا قال ‪ :‬إلى المام سر ‪ ،‬رجعت إلى الورى ‪ ،‬وإذا قال ‪ :‬إلى‬
‫الخلف در مشيت إلى المام ‪ ،‬وإذا طلب منا العد بالرقام ‪ ،‬قفزت عشرين‬
‫رقما ً للمام ‪ ،‬فإن كان رقمي عشرة قلت ‪ :‬ثلثون ‪ ،‬والناس يضحكون ‪،‬‬
‫والكل مرتاحون ‪ ،‬إل المدرب فقد جف ريقه ‪ ،‬وظهر حريقه ‪.‬‬
‫وربما تساجلنا في بعض المسيات ‪ ،‬فأنظم في الحال البيات ‪ ،‬وليس هذا‬
‫والله من المبالغات ‪.‬‬
‫وربما أنشد بعضهم نصف بيت سابق ‪ ،‬فأكمله من عندي ‪:‬‬
‫نحن الذين صبحوا الصباحا‬
‫فقلت ‪:‬‬
‫وقد أكلنا الموز والتفاحا‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫حتى إذا جن الظلم واختلط‬
‫فقلت ‪:‬‬
‫سمعت صوت القط من بين القطط‬
‫وكان أستاذ ٌ يلحن في العربية ‪ ،‬فكنت أقول ‪:‬‬
‫واللحن عند شيخنا يجوز‬
‫‪55‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كقولهم مررت بالعجوُز‬
‫ّ‬
‫وأنشدنا أستاذ الدب بيت صفي الدين الحلي‬
‫سل الرماح العوالي عن معالينا‬
‫واستشهد الِبيض هل خاب الرجا فينا‬
‫فذكرت حالنا المعاصر ‪ ،‬فقلت ‪:‬‬
‫سل الصحون التباسي عن معالينا‬
‫واستشهد الّرّز هل خاب الرجا فينا‬
‫وأرادوا في الكلية التشجيع ‪ ،‬فجعلوني الطالب المثالي في الحفل الختامي‬
‫الوسيع ‪ ،‬فجئت لخذ الجائزة ‪ ،‬والنفس بالفرح فائزة ‪ ،‬فكان العميد يناول‬
‫الجائزة المسئول ‪ ،‬والمسئول بدوره يناولها الطالب المقبول ‪ ،‬فأخذت‬
‫الجائزة من العميد في استعجال ‪ ،‬وسلمتها المسئول في ارتجال ‪ ،‬فضجت‬
‫داعة ‪.‬‬
‫بالضحك القاعة ‪ ،‬لنها حركة ملفتة َ‬
‫خ ّ‬
‫وفي المرحلة الجامعية ‪ ،‬كانت زمن الهمة اللمعية ‪ ،‬والعزيمة اللوذعية ‪ ،‬فقد‬
‫أعانني الرحمن ‪ ،‬على حفظ القرآن ‪ ،‬وجودته على الشيخ الرباني ‪ ،‬عبيد الله‬
‫الفغاني ‪ ،‬وحفظت بعض المتون ‪ ،‬في بعض الفنون ‪ ،‬أما القراءة‬
‫والمطالعة ‪ ،‬فكانت شمسها ساطعة ‪ ،‬فلم يكن لي غير المطالعة عمل ‪،‬‬
‫وهي أحسن قوة لدي وأقصى أمل ‪ ،‬فإذا خلوت بالكتاب ‪ ،‬فقد اجتمع عندي‬
‫أفضل الصحاب ‪ ،‬وأحب الحباب ‪ ،‬حينها ل يعادله عندي روضة خضراء ول‬
‫حديقة فيحاء ‪ ،‬فالكتاب أشرف صاحب على الدوام ‪ ،‬وخير جليس في النام ‪،‬‬
‫وكنت أتعجب ممن ل يطالع ‪ ،‬أو يقضي وقته في الشارع ‪ .‬وقد أقبلت على‬
‫علم الحديث بانكباب ‪ ،‬وقبل ذلك كنت منهمكا ً في الداب ‪.‬‬
‫أما المقرر فلم أذاكره إل وقت المتحان ‪ ،‬لنني أراه أقل من أن يصرف له‬
‫كل الزمان ‪ .‬وفترة الجامعة ‪ ،‬كانت أخصب فترة عندي لحضور المخّيمات ‪،‬‬
‫والرحلت والمسيات ‪ ،‬ونظم المقطوعات والرجوزات ‪ ،‬وما تأثرت في تلك‬
‫اليام ‪ ،‬بأستاذ ول شيخ ول إمام ‪ ،‬كتأثري بزميلين ‪ ،‬ماجدين ‪ ،‬عابدين ‪،‬‬
‫صادقين ‪.‬‬
‫)‪(46 /‬‬
‫أحدهما ‪ :‬النيجيري عبد الرشيد ‪ ،‬وكان عندي من أصدق من رأيت في عبادة‬
‫الحميد المجيد ‪ ،‬كثير قيام الليل ‪ ،‬بعيد عن القال والقيل ‪ ،‬ل تراه إل ذاكرا ً ‪،‬‬
‫أو مذاكرا ‪ ،‬أو شاكرا ‪ ،‬له أذكار وأوراد ‪ ،‬وهو عليها معتاد ‪ ،‬وقد رزقه الله‬
‫بسطة في الجسم ‪ ،‬وحبا ً للعلم ‪ .‬وأخبرني بأن جدته دعته إلى العبادة ‪ ،‬حتى‬
‫صار قيام الليل له عادة ‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬سراج الرحمن ‪ ،‬من باكستان ‪ ،‬وقد مل الله قلبه باليمان ‪ ،‬أكثر‬
‫نهاره صامت ‪ ،‬وبالليل قانت ‪ ،‬متواضع ‪ ،‬خاشع ‪ ،‬طائع ‪ ،‬مضرب المثل في‬
‫النبل والفضل ‪.‬‬
‫وكان لي زميل إفريقي درس في باريس ‪ ،‬فكان يلقي الشبه على هيئة‬
‫التدريس ‪ ،‬وكان مبغضا للعرب ‪ ،‬فلقينا منه العجب ‪ ،‬فكان إذا أورد شبهة‬
‫انتفض ‪ ،‬وأقوم وأعترض‪ ،‬فربما غضب وأزبد ‪ ،‬وأرعد وتهدد ‪ ،‬فيغضب لي كل‬
‫الفصل لنه متطاول متوعد ‪ ،‬وهو مفتون بحب فرنسا ‪ ،‬حب ل ينسى ‪ ،‬وقد‬
‫أغضبنا بالسفه والطيش ‪ ،‬ولكننا نغصنا عليه العيش ‪ .‬ولما تخرجنا من‬
‫ت على الولية ‪ ،‬ومع المتياز هدية‪ ،‬وألقيت قصيدة‬
‫الكلية ‪ ،‬كانت النتيجة حصل ُ‬
‫عربية منها ‪:‬‬

‫‪56‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أيها الخريج يا نجم العل‬
‫يا شعاع المل المرتقب‬
‫قل هو الرحمن آمنا به‬
‫واتبعنا هاديا ً من يثرب‬
‫من بلدي يطلب العلم ول‬
‫يطلب العلم من الغرب الغبي‬
‫وبها مهبط وحي الله بل‬
‫أرسل الله بها خير نبي‬
‫فلما انتهيت من القصة ‪ ،‬قلت لزميلي عمرو ‪ ،‬هذا كل ما في المر ‪ .‬ولك‬
‫مني الدعاء والشكر‬
‫مة الشيطانية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سِعيرِ {‬
‫ما ي َد ْ ُ‬
‫عو ِ‬
‫ه ل ِي َكوُنوا ِ‬
‫ص َ‬
‫ب ال ّ‬
‫حْزب َ ُ‬
‫} إ ِن ّ َ‬
‫حا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫م ْ‬
‫هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ‪ ...‬ما بال أشيب يستهويه شيطان‬
‫قال عبد الله بن آدم ‪ :‬حاورت الشيطان الرجيم ‪ ،‬في الليل البهيم ‪ ،‬فلما‬
‫سمعت أذان الفجر أردت الذهاب إلى المسجد ‪ ،‬فقال لي ‪ :‬عليك ليل طويل‬
‫فارقد ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أخاف أن تفوتني الفريضة ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬الوقات طويلة عريضة ‪.‬‬
‫قلت أخشى ذهاب صلة الجماعة ‪.‬‬
‫سك في الطاعة ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ل تشدد على نف َ‬
‫فما قمت حتى طلعت الشمس ‪ .‬فقال لي في همس ‪ :‬ل تأسف على ما فات‬
‫‪ ،‬فاليوم كله أوقات ‪ .‬وجلست لتي بالذكار ‪ ،‬ففتح لي دفتر الفكار ‪.‬‬
‫فقلت ‪ :‬أشغلتني عن الدعاء ‪ .‬قال ‪ :‬دعه إلى المساء ‪.‬‬
‫وعزمت على المتاب ‪ .‬فقال ‪ :‬تمتع بالشباب ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أخشى الموت ‪ .‬قال ‪ :‬عمرك ل يفوت ‪.‬‬
‫وجئت لحفظ المثاني ‪ ،‬قال ‪َ :‬رّوح نفسك بالغاني ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬هي حرام ‪ .‬قال ‪ :‬لبعض العلماء كلم ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أحاديث التحريم عندي في صحيفة ‪ .‬قال ‪ :‬كلها ضعيفة ‪.‬‬
‫ومرت حسناء فغضضت البصر ‪ ،‬قال ‪ :‬ماذا في النظر ؟‬
‫قلت ‪ :‬فيه خطر ‪ .‬قال ‪ :‬تفكر في الجمال ‪ ،‬فالتفكر حلل ‪.‬‬
‫وذهبت إلى البيت العتيق ‪ ،‬فوقف لي في الطريق ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما سبب هذه‬
‫السفرة ؟‬
‫قلت ‪ :‬لخذ عمرة ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬ركبت الخطار ‪ ،‬بسبب هذا العتمار ‪ ،‬وأبواب الخير كثيرة ‪،‬‬
‫والحسنات غزيرة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬لبد من إصلح الحوال ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬الجنة ل تدخل بالعمال ‪ .‬فلما ذهبت للقي نصيحة ‪ ،‬قال ‪ :‬ل تجر إلى‬
‫نفسك فضيحة‬
‫قلت ‪ :‬هذا نفع للعباد ‪ .‬فقال ‪ :‬أخشى عليك من الشهرة وهي رأس الفساد ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما رأيك في بعض الشخاص ؟ قال ‪ :‬أجيبك عن العام والخاص ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أحمد بن حنبل ؟ قال ‪ :‬قتلني بقوله ‪ :‬عليكم بالسنة ‪ ،‬والقرآن‬
‫المنزل ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فابن تيمية ؟ قال ‪ :‬ضرباته على رأسي باليومية ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالبخاري ؟ قال ‪ :‬أحَرق بكتابه داري ‪.‬‬
‫‪57‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قلت ‪ :‬فالحجاج ؟‬
‫قال ‪ :‬ليت في الناس ألف حجاج ‪ ،‬فلنا بسيرته ابتهاج ‪ ،‬ونهجه لنا علج ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ففرعون ؟ قال ‪ :‬له منا كل نصر وعون ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فصلح الدين ‪ ،‬بطل حطين ؟ قال ‪ :‬دعه فقد مّرغنا بالطين ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬محمد بن عبد الوهاب ؟‬
‫قال ‪ :‬أشعل في صدري بدعوته اللتهاب ‪ ،‬وأحرقني بكل شهاب ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فأبو جهل ؟ قال ‪ :‬نحن له إخوة وأهل ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فأبو لهب ؟ قال ‪ :‬نحن معه أينما ذهب ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فلينين ؟ قال ‪ :‬ربطناه في النار مع استالين ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالمجلت الخليعة ؟ قال ‪ :‬هي لنا شريعة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالدشوش ؟ قال ‪ :‬نجعل الناس بها كالوحوش ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالمقاهي ؟ قال ‪ :‬نرحب فيها بكل لهي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ما هو ذكركم ؟ قال ‪ :‬الغاني ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وعملكم ؟ قال ‪ :‬الماني ‪.‬‬
‫فاق ‪ ،‬وفيها يجتمع‬
‫قلت ‪ :‬وما رأيكم في السواق ؟ قال ‪ :‬علمنا بها خ ّ‬
‫الرفاق ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فحزب البعث الشتراكي ؟‬
‫قال ‪ :‬قاسمته أملكي ‪ ،‬وعلمته أورادي وأنساكي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬كيف تضل الناس ؟‬
‫قال ‪ :‬بالشهوات والشبهات والملهيات والمنيات والغنيات ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وكيف تضل الحكام ؟‬
‫قال ‪ :‬بالتعطش للدماء ‪ ،‬وإهانة العلماء ‪ ،‬ورد نصح الحكماء ‪ ،‬وتصديق‬
‫السفهاء ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فكيف تضل النساء ؟‬
‫قال ‪ :‬بالتبرج والسفور ‪ ،‬وترك المأمور ‪ ،‬وارتكاب المحظور ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فكيف تضل العلماء ؟‬
‫قال ‪ :‬بحب الظهور ‪ ،‬والعجب والغرور ‪ ،‬وحسد يمل الصدور ‪.‬‬
‫مة ؟‬
‫قلت ‪ :‬فيكف تضل العا ّ‬
‫قال ‪ :‬بالغيبة والنميمة ‪ ،‬والحاديث السقيمة ‪ ،‬وما ليس له قيمة ‪.‬‬
‫جار ؟‬
‫قلت ‪ :‬فكيف تضل الت ّ‬
‫قال ‪ :‬بالربا في المعاملت ‪ ،‬ومنع الصدقات ‪ ،‬والسراف في النفقات ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فيكف تضل الشباب ؟‬
‫)‪(47 /‬‬
‫قال ‪ :‬بالغزل والهيام ‪ ،‬والعشق والغرام ‪ ،‬والستخفاف بالحكام ‪ ،‬وفعل‬
‫الحرام ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما رأيك في إسرائيل ؟‬
‫قال ‪ :‬إياك والغيبة ‪ ،‬فإنها مصيبة ‪ ،‬وإسرائيل دولة حبيبة ‪ ،‬ومن القلب قريبة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالجاحظ ؟ قال ‪ :‬الرجل بين بين ‪ ،‬أمره ل يستبين ‪ ،‬كما في البيان‬
‫والتبيين‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فأبو نواس ؟ قال ‪ :‬على العين وعلى الرأس ‪ ،‬لنا من شعره اقتباس ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فأهل الحداثة ؟ قال ‪ :‬أخذوا علمهم منا بالوراثة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالعلمانية ؟‬

‫‪58‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ماهم فقد سماني ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬إيماننا علماني ‪ ،‬وهم أهل الدجل والماني ‪ ،‬ومن س ّ‬
‫قلت ‪ :‬فما تقول في واشنطن ؟‬
‫قال ‪ :‬خطيبي فيها يرطن ‪ ،‬وجيشي بها يقطن ‪ ،‬وهي لي موطن ‪.‬‬
‫دام ؟‬
‫ص ّ‬
‫قلت ‪ :‬فما تقول في َ‬
‫فهتف يقول ‪ :‬بالروح والدم نفديك يا صدام ‪ ،‬يسلم أبو عدي على الدوام ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما رأيك في الدعاة ؟‬
‫ت ‪ ،‬ويقرؤون إذا‬
‫قال ‪ :‬عذبوني وأتعبوني وبهدلوني وشيبوني يهدمون ما بني ُ‬
‫ت‪.‬‬
‫ت ‪ ،‬ويستعيذون إذا أتي ُ‬
‫غني ُ‬
‫قلت ‪ :‬فما تقول في الصحف ؟‬
‫قال ‪ :‬نضيع بها أوقات الخلف ‪ ،‬ونذهب بها أعمار أهل الترف ‪ ،‬ونأخذ بها‬
‫الموال مع السف‬
‫قلت فما تقول في هيئة الذاعة البريطانية ؟‬
‫قال ‪ :‬ندخل بها السم في الدسم ‪ ،‬ونقاتل بها بين العرب والعجم ‪ ،‬ونثني بها‬
‫على المظلوم ومن ظلم ‪.‬‬
‫ت بالغراب ؟‬
‫قلت ‪ :‬فماذا فعل َ‬
‫قال ‪ :‬سلطته على أخيه فقتله ودفنه في التراب ‪ ،‬حتى غاب ‪.‬‬
‫ت بقارون ؟‬
‫قلت ‪ :‬فما فعل َ‬
‫قال ‪ :‬قلت له ‪ :‬احفظ الكنوز ‪ ،‬يا ابن العجوز ‪ ،‬لتفوز ‪ ،‬فأنت أحد الرموز ‪.‬‬
‫ت لفرعون ؟‬
‫قلت ‪ :‬فماذا قل َ‬
‫قال ‪ :‬قلت له ‪ :‬يا عظيم القصر ‪ ،‬قل ‪ :‬أليس لي ملك مصر ‪ ،‬فسوف يأتيك‬
‫النصر‪.‬‬
‫ت لشارب الخمر ؟‬
‫قلت ‪ :‬فماذا قل َ‬
‫قال ‪ :‬قلت له ‪ :‬اشرب بنت الكروم ‪ ،‬فإنها تذهب الهموم ‪ ،‬وتزيل الغموم ‪،‬‬
‫وباب التوبة معلوم‬
‫قلت ‪ :‬فماذا يقتلك ؟‬
‫قال ‪ :‬آية الكرسي ‪ ،‬منها تضيق نفسي ‪ ،‬ويطول حبسي ‪ ،‬وفي كل بلء‬
‫أمسي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فمن أحب الناس إليك ؟‬
‫قال ‪ :‬المغّنون ‪ ،‬والشعراء الغاوون ‪ ،‬وأهل المعاصي والمجون ‪ ،‬وكل خبيث‬
‫مفتون ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فمن أبغض الناس إليك ؟‬
‫قال ‪ :‬أهل المساجد ‪ ،‬وكل راكع وساجد ‪ ،‬وزاهد عابد ‪ ،‬وكل مجاهد ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أعوذ بالله منك ‪ ،‬فاختفى وغاب ‪ ،‬كأنما ساخ في التراب ‪ ،‬وهذا جزاء‬
‫الكذاب ‪.‬‬
‫مة البوّية‬
‫المقا َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫صب ِْر عَلى‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن ال ُ‬
‫ف َوان ْ َ‬
‫مْر ِبال َ‬
‫صلة َ وَأ ُ‬
‫ي أقِ ْ‬
‫منكرِ َوا ْ‬
‫م ال ّ‬
‫ه عَ ْ‬
‫} َياب ُن َ ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مورِ {‬
‫ن ذ َل ِك ِ‬
‫صاب َك إ ِ ّ‬
‫ن عَْزم ِ ال ُ‬
‫َ‬
‫ما أ َ‬
‫م ْ‬
‫يا كوكبا ً ما كان أقصر عمره‬
‫جاورت أعدائي وجاور ربه ‪ ...‬وكذا تكون كواكب السحار‬
‫شتان بين جواره وجوار‬
‫هذه المقامة ‪ ،‬لبنائي وصية ‪ ،‬وهي أعظم هدّية ‪ ،‬وإنما العمل بالنية ‪.‬‬
‫اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ‪ ،‬فمن فعل ذلك فإن الله ظهيره ونصيره ‪.‬‬
‫وكل ما سمعتم حديثا ً لصاحب الشفاعة ‪ ،‬فقولوا ‪ :‬سمعا ً وطاعة ‪.‬‬
‫وأوصيكم ببر الباء والمهات ‪ ،‬وأنهاكم عن منٍع وهات ‪ ،‬وتضييع الصلوات ‪،‬‬
‫‪59‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫واتباع الشهوات ‪ .‬والله الله في تدبر المثاني ‪ ،‬وهجر الغاني ‪ ،‬وترك‬
‫الماني ‪.‬‬
‫واعلموا أنها قامت عليكم الحجة ‪ ،‬وبانت المحجة ‪ .‬وأوصيكم بتوقير شعائر‬
‫الدين ‪ ،‬فإنها تقوى رب العالمين ‪ .‬واستعدوا للرحيل ‪ ،‬إلى الملك الجليل ‪،‬‬
‫فإنكم قادمون إليه عما قليل ‪ .‬وإذا سمعتم الذان ‪ ،‬فأجيبوا داعي الرحمن ‪،‬‬
‫فليس بعد الذان أعمال ول أشغال ‪ ،‬بل ذهاب إلى بيت ذي الجلل ‪.‬‬
‫وقد دعيتم فأجيبوا الداعي ‪ ،‬بقلب واعي ‪ ،‬فإني أخشى على من تهاون‬
‫بتكبيرة الحرام ‪ ،‬مع المام ‪ ،‬أن يحرم التوفيق على الدوام ‪ ،‬وأن ل يبلغه الله‬
‫المرام ‪.‬‬
‫ولقد نصحت ولي تجارب جمة‬
‫قيت كل معلم مأمون‬
‫ول ِ‬
‫فإذا النعيم وكل ماجد زائل‬
‫يفنى ويبقى سعيكم للدين‬
‫ساق ‪ ،‬ونقض الميثاق ‪ ،‬ابتله الله بالنفاق ‪.‬ول تقولوا‬
‫واعلم أن من صحب الف ّ‬
‫جواد كبا ‪ ،‬فهذا كلم من غره‬
‫نحن في عصر الصبا ‪ ،‬وكم من سيف نبا ‪ ،‬و َ‬
‫بالله الغرور ‪ ،‬حتى فاجأته قاصمة الظهور ‪ ،‬وطرح في القبور ‪ ،‬وتذكروا ليلة‬
‫صبحها يوم القيامة ‪ ،‬فما أكثر السف فيها والندامة ‪ .‬وتذكروا أول ليلة في‬
‫القبر ‪ ،‬فل إله إل الله ما أعظمه من أمر ‪ ،‬ليلة ليس فيها جليس ول أنيس ‪،‬‬
‫يرتجف لها القلب ‪ ،‬ويذهب من هولها اللب ‪ ،‬ليس معكم فيها صديق ول‬
‫رفيق ‪ .‬تخلى عنكم الحباب وترككم الصحاب ‪ ،‬وجردوكم من الثياب ‪،‬‬
‫ووسدوكم التراب ‪ .‬الموال بعدكم قسمت ‪ ،‬والبيوت سكنت ‪ ،‬والزوجات‬
‫نكحت ‪ ،‬فأين قلوبكم والعقول ‪ ،‬ما لكم في ذهول ‪ ،‬وأنتم في نقول ‪.‬‬
‫فارقعوا بالستغفار ما مزقته أيادي الذنوب الكبار ‪ .‬واغسلوا بدمع العيون غبار‬
‫الذنوب ‪ ،‬وتولوا إلى علم القلوب ‪ ،‬وعليكم بالسكوت ‪ ،‬ولزوم البيوت ‪،‬‬
‫والرضا بالقوت ‪ ،‬فإنه كاف لمن سيموت ‪ .‬والحرص على تكبيرة الحرام ‪،‬‬
‫وسلمة الصدور من الثام ‪ ،‬وإطابة الطعام ‪ ،‬وحسن الخلق مع النام ‪،‬‬
‫عربون صادق لدار السلم ‪ .‬وطهروا القلوب من الحن ‪ ،‬وألزموا السنن ‪،‬‬
‫وفروا من الفتن ‪ ،‬تجدون عونه عز وجل وقت المحن‪ ،‬مع إسباله عليكم ثوب‬
‫المنن ‪.‬‬
‫)‪(48 /‬‬
‫وأشرف تاج تاج الديانة ‪ ،‬وثوب الصيانة ‪ ،‬والصدق والمانة ‪ ،‬والوقار‬
‫سّنة‬
‫والرزانة ‪ .‬وثوب الرياء ثوب مخرق ‪ ،‬ورداء الكبر رداء ممزق ‪ .‬والعمل بال ّ‬
‫‪ ،‬أقرب طرق إلى الجنة ‪ ،‬ومرافقة الشرار ومصاحبة الفجار ‪ ،‬هي الخسار‬
‫والبوار ‪ ،‬وهم الدعاة إلى النار ‪ ،‬ومن ألن كلمه ‪ ،‬ووصل أرحامه ‪ ،‬وبذل‬
‫طعامه ‪ ،‬ونشر سلمه ‪ ،‬أكرم الله في الجنة مقامه ‪ .‬وويل لمن كان خصمه‬
‫لسانه ‪ ،‬وأشهد على نفسه إخوانه ‪ ،‬واستشار في أمره شيطانه وأرخص‬
‫للشهوات إيمانه ‪ .‬وخلوة بكتاب ‪ ،‬ودمعة في محراب ‪ ،‬وتواضع للصحاب ‪،‬‬
‫خير من القصور والقباب ‪ .‬وما أقبح ممن ناداه ربه إلى المسجد ‪ ،‬فتبلد وتردد‬
‫‪ ،‬ومن عود لسانه الذكر ‪ ،‬وقلبه الشكر ‪ ،‬وعقله الفكر ‪ ،‬وبدنه الصبر ‪ ،‬نال‬
‫أعظم الجر ‪ ،‬وحط عنه الوزر ‪.‬‬
‫ً‬
‫وكل لباس يبلى إل لباس التقوى ‪ ،‬ومن كان في دنياه شقيا ‪ ،‬بمخالفة موله‬
‫فهو في الخرة أشقى ‪ ،‬والمأسور من أسره هواه ‪ ،‬والمخذول من عصى‬

‫‪60‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫موله ‪ ،‬والمفلس من خاب مسعاه ‪ .‬وعليكم يا أبنائي بالصبر على المصائب ‪،‬‬
‫والتجلد للنوائب ‪ ،‬ومجانبة الغضب ‪ ،‬والجمال في الطلب ‪ ،‬والخلص في‬
‫الطاعة ‪ ،‬والزهد والقناعة ‪.‬‬
‫واعلموا أنه ليس معكم في شدائد الزمان ‪ ،‬غير الواحد الدّيان ‪ ،‬فل يغرركم‬
‫كلم الخوان ‪ ،‬فإن الناس في وقت العافية أعوان ‪ ،‬واستنطقوا الذكر الحكيم‬
‫‪ ،‬واتبعوا الرسول الكريم ‪ ،‬وألزموا الصراط المستقيم ‪.‬‬
‫فارات ‪ ،‬وإن الحسنات يذهبن السيئات ‪ ،‬وأنه ل أنفع من‬
‫واعلموا أن للذنوب ك َ ّ‬
‫الصالحات ‪ ،‬ول أضر من الموبقات ‪ .‬وللذنب من الله طالب ‪ ،‬وعلى الضمائر‬
‫مراقب ‪ ،‬وللعمال محاسب ‪ .‬واعلموا أن شرفكم صدق اللسان ‪ ،‬ونسبكم‬
‫الحسان ‪ ،‬وكنزكم اليمان ‪ .‬ولن ينقذكم من النار ‪ ،‬إل طاعة العزيز الغفار ‪،‬‬
‫واتباع المختار ‪ .‬واطلبوا الكفاف‪ ،‬واستتروا بالعفاف ‪ ،‬وخذوا وأعطوا النصاف‬
‫‪ ،‬فإن الحق كاف واف ‪.‬‬
‫واسلكوا من الطرق الوسط ‪ ،‬ودعوا الغلو والشطط ‪ ،‬والتهور والغلط ‪.‬‬
‫واسمعوا مني نصيحة ‪ .‬اعلموا أن الدنيا ل تساوي تسبيحة ‪ ،‬ولو كانت مليحة ‪،‬‬
‫لجعلها الله لوليائه مريحة ‪ .‬وصونوا أنفسكم من سؤال الناس ‪ ،‬واستغنوا‬
‫عما في أيديهم باليأس ‪ .‬واطلبوا العلم فإنه أجل المطالب ‪ ،‬وأعظم المواهب‬
‫‪ ،‬وهو أرفع من المناصب ‪ ،‬وأكرم من كل المراتب ‪ .‬وزينته العمل ‪ ،‬وخوف‬
‫الجل ‪ ،‬والعتصام بما نزل ‪ .‬والداء العضال معاداة الرجال ‪ ،‬ومن سالم‬
‫الناس سلم ‪ ،‬ومن صمت غنم ‪ .‬والناس ل يطلبون منكم الرزاق ‪ ،‬وإنما‬
‫يطلبون جميل الخلق ‪ .‬وأوصيكم بالذكار ‪ ،‬في طرفي النهار ‪ ،‬فإنها عبادة‬
‫البرار‪ .‬ول تهجروا تلوة القرآن كل يوم ‪ .‬فإنه دواء الهموم والغموم ‪.‬‬
‫وركعتان في السحر خير مما طلعت عليه الشمس والقمر ‪ ،‬ووقروا الكبير ‪،‬‬
‫وارحموا الصغير ‪.‬‬
‫واحذروا أن يكون لسان أحدكم كالمقراض في العراض ‪ ،‬فإن هذا من ضعف‬
‫البصيرة ‪ ،‬وخبث السيرة ‪ ،‬ورافقوا أهل الصلح‪ ،‬وأحبوا أصحاب الفلح‪ ،‬ول‬
‫تستصغروا شيئا ً من المعاصي ‪ ،‬وراقبوا من يأخذ بالنواصي ‪ .‬وقسوة القلب‬
‫يذيبها الندم ‪ ،‬والدمع المنسجم ‪ ،‬والسف من الذنب المنصرم ‪ .‬ول تتنعموا‬
‫حاذين ‪ ،‬فإن المبالغة في الزينة‬
‫تنعم المترفين ‪ ،‬ول تزروا بأنفسكم فعل الش ّ‬
‫للنساء ‪ ،‬والوقاحة للماء ‪ ،‬والشره للسفهاء ‪ ،‬فكونوا أنتم العلماء الحكماء ‪.‬‬
‫وأدمنوا الستغفار كل حين ‪ ،‬فإنه مفتاح رضى رب العالمين ‪ ،‬وهو قوة‬
‫وتمكين ‪ ،‬وعلى كل كربة معين ‪ .‬ومن لم يراقب الحسيب ‪ ،‬ويردعه الشيب ‪،‬‬
‫ويخاف العيب ‪ ،‬فليس له في الفضيلة نصيب ‪ .‬وويل لمن غرته دنياه ‪ ،‬وخدعه‬
‫مناه ‪ ،‬وصرعه هواه ‪ .‬وطوبى لعبد إذا أنعم عليه شكر ‪ ،‬وإذا ابتلي صبر ‪ ،‬وإذا‬
‫أذنب استغفر ‪ .‬وعليكم بتوقير الصحابة ‪ ،‬وحب القرابة ‪ ،‬مع لزوم مذهب‬
‫السلف ‪ ،‬فهم أعلم وأحكم من الخلف ‪ .‬حفظكم الله بالدين ‪ ،‬وعصمكم من‬
‫نزغات الشياطين ‪.‬‬
‫****************************‬
‫صحفية‬
‫المقا َ‬
‫مة ال ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫دا {‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫س ِ‬
‫} َيا أي َّها ال ِ‬
‫دي ً‬
‫ه وَُقولوا قَوْل َ‬
‫قوا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫طوى الجزيرة حتى جائني خبر‬
‫ً‬
‫حتى إذا لم يدع لي صدقه أمل ‪ ...‬فزعت فيه بآمالي إلى الكذب‬
‫شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي‬
‫قال سعيد بن شهاب ‪ ،‬كنت في الشباب ‪ ،‬أسكن في حارة العزاب ‪ ،‬فتعلمت‬
‫الثقافة ‪ ،‬ودرست اللقافة ‪ ،‬وقلت ‪ :‬أعمل في الصحافة ‪ .‬فذهبت إلى‬
‫‪61‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السكرتير ‪ ،‬فقال ‪ :‬عليك بالمدير ‪ ،‬فذهبت إلى المدير ‪ ،‬قال ‪ :‬عليك بالوزير ‪،‬‬
‫فذهبت إلى الوزير ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬عفوا ً هو في اجتماع مع السفير ‪ ،‬فكاد قلبي أن‬
‫يطير ‪ .‬فقالوا ‪ :‬ما عنك يا شاب ‪ ،‬وفقت للصواب ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أريد أن أعمل لديكم مراسل ً للخبار ‪ ،‬في بعض الديار ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬لبد أن تنقل لنا المصائب ‪ ،‬والعجائب والغرائب ‪ .‬فل نريد منك أن‬
‫تقول‪ :‬فلن حفظ القرآن ‪ ،‬وانتصر الفغان ‪ ،‬وأعلن فوزهم الشيشان ‪،‬فهذا‬
‫كلم مستهلك من زمان ‪ .‬نريدك تقول مثل ً ‪ :‬تحطمت طائرة اليابان ‪،‬‬
‫وسقطت عمارة في لبنان ‪ ،‬وانفجرت قنبلة في اليونان ‪ ،‬وماتت نعجة في‬
‫جل قطة في باكستان ‪.‬‬
‫السودان ‪ ،‬وانكسرت رِ ْ‬
‫)‪(49 /‬‬
‫وعليك بتهويل الخبر ‪ ،‬حتى يذاع وينشر ‪ ،‬فمثل ً إذا سقطت طائرة فقل ‪ :‬تناثر‬
‫حطام الطائرة تناثرا ً عجيبا ً ‪ ،‬وخلف وراءه لهيبا ً ‪ ،‬وارتطمت بإحدى‬
‫العمارات ‪ ،‬مما سبب كثيرا ً من النفجارات ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإذا لم نجد الخبار ‪ ،‬ماذا نكتب للقراء الخيار ؟‬
‫ّ‬
‫قال ‪ :‬من جد وجد ‪ ،‬وعليك بأخبار البلد ‪ ،‬فقل مثل ً ‪ :‬طلق اليوم أبو سرور‬
‫زوجته أم مستور ‪ ،‬لخلف نشب بينهم قبل شهور ‪ ،‬بسبب غلء المهور ‪.‬‬
‫وترقى أبو شريف ‪ ،‬إلى رتبة عريف ‪ ،‬بعد جهد عنيف ‪ ،‬وصبر منيف ‪.‬‬
‫وافتتحت اليوم بقالة ‪ ،‬في بلدة أبو عقالة ‪ ،‬صاحبها مبروك بن مرزوق ‪ ،‬خلف‬
‫ظهرك إذا دخل السوق ‪ .‬وشاهد الناس اليوم شيئا ً في السماء ‪ ،‬كأنه زخات‬
‫ماء ‪ ،‬فشعروا بالخطر ‪ ،‬وإذا هو زخات مطر ‪ .‬وطارد أحد المواطنين فارة ‪،‬‬
‫حتى أخرجها من الحارة ‪ ،‬فماتت عند الشارة ‪.‬‬
‫وتخرج الطالب سليم بن هذلول ‪ ،‬من أول ابتدائي بتقدير مقبول ‪.‬‬
‫ورسب الطالب خلف بن عسعوس ‪ ،‬في سبعة دروس ‪ ،‬وخيرها في غيرها‬
‫‪.‬وانتطح ثوران ‪ ،‬في بيت الجيران ‪ ،‬ومر على هذا الحادث شهران ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإن لم نجد أخبارا ‪ ،‬فهل تجد لنا أفكارا ؟‬
‫ً‬
‫قال ‪ :‬عليك بأخبار الطقس ‪ ،‬فإنها خفيفة على النفس ‪ ،‬فقل مثل ‪ :‬هبت رياح‬
‫شرقية غربية ‪ ،‬متجهة إلى المنطقة الجنوبية ‪ ،‬أحيانا ً تثير غبارا ً ‪ ،‬وأحيانا ل تثير‬
‫غبارا ً ‪ .‬ترتفع في المرتفعات ‪ ،‬وتنخفض في المنخفضات ‪ .‬والبحر يميل إلى‬
‫الحمرة ‪ ،‬تعلوه عند الغروب صفرة ‪ .‬إذا هبت عليه الرياح هاج ‪ ،‬وإذا سكنت‬
‫ماج ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإن لم أجد عن الطقس ما أقوله ‪ ،‬ول أجد أخبارا ً منقولة ؟‬
‫قال ‪ :‬عليك بالتاريخ ‪ ،‬ولو عن البطيخ ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬مثل ماذا ؟ قال ‪ :‬انقل لنا الخبار الخفيفة ‪ ،‬الطريفة ‪ ،‬مثل ‪ :‬دخلت‬
‫مانة ؟‬
‫رمانة جارية هارون الرشيد ‪ ،‬وفي يدها عقد فريد ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما هذا يا ر ّ‬
‫قالت‪ :‬هذا عقد أخذته من قهرمانه ‪ .‬قال ‪ :‬ومن قهرمانه ؟‬
‫قالت ‪ :‬جارية مولتي عبدانه ‪ .‬قال ‪ :‬ومن عبدانه ؟ قالت ‪ :‬هي التي تسكن‬
‫في الزوراء ‪ ،‬ويعرفها الفقراء ‪ ،‬فتعجب الخليفة ‪ ،‬من ذكاء رمانة ‪ ،‬وخاطب‬
‫إخوانه‪ ،‬وقال ‪ :‬يا غلم أعط رمانة ألف دينار ‪ ،‬واجعلها من أهل الدار ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإن لم أجد عن التأريخ ؟‬
‫قال ‪ :‬عليك بعلم الثار ‪ ،‬فإنه قرة البصار ‪ ،‬وفيه العظة والعتبار ‪.‬‬
‫فحدثنا عن لجام بغلة ابن مقبول ‪ ،‬الذي وجد في استنبول ‪ ،‬أو الحذاء المرقع‬
‫المدفون‪ ،‬في عهد المأمون ‪ ،‬أو عمامة أبي دلمة ‪ ،‬المدفونة في كنيسة‬

‫‪62‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫القيامة ‪ ،‬أو عصا حماد الراوية ‪ ،‬التي كسرت في قرية الزاوية ‪.‬‬
‫ب عن الط ّْ‬
‫ب ود ّْ‬
‫ب ‪ .‬مثل أن تخبرنا‬
‫قلت ‪ :‬فإن لم أجد ؟ قال ‪ :‬فحدثنا بما ه ّ‬
‫بفوائد شحم الثعالب ‪ ،‬إذا أذيب في قوالب ‪ ،‬ثم مزجت به طحال أرنب ‪ ،‬مع‬
‫مرقة فأر مركب ‪ ،‬ثم طليت بها الحذاء ‪ ،‬فإنها تشافي من داء العياء ‪ .‬أو خبر‬
‫اكتشاف دواء ضد الموت ‪ ،‬في بئر هوت ‪ ،‬الذي اكتشفه دكتور برازيلي في‬
‫الرجنتين ‪ ،‬عثر عليه في بريطانيا بعدما وجده في إيطاليا ‪ ،‬وبحث عنه في‬
‫ألبانيا ‪ ،‬وأجرى عليه تجارب في بلغاريا ‪ ،‬وهو الن جاهز للستعمال في‬
‫هنقاريا ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإن لم أجد ؟ قال ‪ :‬عليكم بالسياسة ‪ ،‬فإنها الطريق إلى الرياسة ‪،‬‬
‫فحدثنا عن غزو أوغندا لبولندا ‪ ،‬وهجوم هولندا على راوندا ‪ ،‬وحاول أن تأتي‬
‫بأسماء مجهولة ‪ ،‬لن عقول الناس معقولة ‪ ،‬وإذا لم تجد أخبارا ً عربّية ‪،‬‬
‫فاسرد علينا أخبارا ً غربّية ‪.‬‬
‫فقل مثل ً ‪ :‬ماتت اليوم النسة سوزا ‪ ،‬مع كلبها كوزا ‪ ،‬في قرية شمال غرب‬
‫نوقوسا‪ ،‬وسقط مدير شركة هوندا ‪ ،‬المستر برندا ‪ ،‬فمات قبل أن يتغدا ‪.‬‬
‫والظاهر أن الشيشان ‪ ،‬لهم نية في غزو داغستان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬الن عرفت سر المهنة الشريفة ‪ ،‬فأنا من اليوم مراسل الصحيفة ‪.‬‬
‫ولكن لماذا تجّرون المرفوع ‪ ،‬وتجزمون المنصوب والنحو أمامكم موضوع ‪.‬‬
‫جّره ‪ ،‬وكم من مخفوض رفعه بالمرة ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬نحن في زمن كم من مرفوع َ‬
‫وكم من مجزوم نصبه لكل مسّرة ‪ ،‬فنحن نعرب الكلم ‪ ،‬على حسب حركات‬
‫اليام ‪.‬‬
‫والسلم ختام ‪.‬‬
‫**********************‬
‫مة القلم‬
‫مقا َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن{‬
‫} ن َوال َ‬
‫سطُرو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ق لم ِ و َ َ‬
‫أنصت لميمية جاءتك من أمم ِ‬
‫واكتب به أحرف العلياء إن له ‪ ...‬مدادها من معاني نون والقلم ِ‬
‫ً‬
‫نورا من الحق يمحو حالك الظلم ِ‬
‫)‪(50 /‬‬
‫يا أيها الذي جمع الحكم ‪ ،‬أما سمعت نون والقلم ‪ ،‬إن القلم شأنه عجيب ‪،‬‬
‫ونبؤه غريب ‪ ،‬نحيف الجسم ‪ ،‬عظيم السم ‪ ،‬جميل الرسم ‪ ،‬إن خط في‬
‫القرطاس ‪ ،‬أنصت له الناس ‪ ،‬بالقلم تجّهز الجنود ‪ ،‬وترفع البنود ‪ ،‬وتوثق‬
‫العقود ‪ ،‬وتحل العهود‪ ،‬بحروفه تقضي المحاكم ‪ ،‬وترد المظالم ‪ ،‬وتقطع‬
‫الجماجم ‪ ،‬وتعقد المواسم ‪ ،‬إن غضب فجر الدماء‪ ،‬وأباد الحياء ‪ ،‬وأشعل‬
‫حربا ً شعواء ‪ ،‬وإن رضي منح المواهب ‪ ،‬وأعطى الرغائب ‪ ،‬وأهدى‬
‫المناصب ‪ ،‬من حروفه يجنى العسل ‪ ،‬وتسل السل ‪ ،‬إن شاء فمداده سم‬
‫الحيات ‪ ،‬وأم النكبات ‪ ،‬وسبب البليا الموجعات ‪ ،‬وإن أراد جعل سطوره نورا‬
‫‪ ،‬وصيرها سرورا ‪ ،‬وملها حبورا ‪ ،‬ونمقها حسنا ً منشورا ‪ ،‬هو رسول القرون‬
‫الول ‪ ،‬وخادم الدول ‪ ،‬وحافظ الملل والنحل ‪ ،‬إذا سال لعابه ‪ ،‬كثر صوابه ‪،‬‬
‫وحضر جوابه ‪ ،‬وتزاحم عباُبه ‪ ،‬ل تسمع له كلما ‪ ،‬ولكنه صار للحكمة إماما ‪،‬‬
‫وللمعارف قائدا هماما ‪ ،‬لفظه أغلى من الياقوت ‪ ،‬به خط الوحي في‬
‫الملكوت ‪ ،‬وهو الذي أخبرنا بطالوت وجالوت ‪ ،‬وهو أسحر من هاروت‬
‫وماروت ‪ ،‬مصيبة القلم أنه يذيع السرار ‪ ،‬ول يكتم الخبار ‪ ،‬ول يقر له قرار ‪،‬‬

‫‪63‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إذا تشجع مل الصفحات ‪ ،‬وعبأ المجلدات ‪ ،‬وبسط المختصرات ‪ ،‬وإذا جبن‬
‫ألغز وأوجز ‪ ،‬وطلسم وأعجز ‪ ،‬وإن تحامل همز ‪ ،‬وغمز ونبز ‪ ،‬كتب به اللوح‬
‫المحفوظ ‪ ،‬وسطر به العلم المحفوظ ‪ ،‬وقسم به رزق المنحوس والمحظوظ‬
‫‪ ،‬تخاطب به الملوك ‪ ،‬أهل الفاق ‪ ،‬وتقطع به الجبابرة العناق ‪ ،‬ويخوف به‬
‫ساق ‪ ،‬ويحذر به أهل النفاق والشقاق‪ ،‬وسوء الخلق ‪ ،‬بالقلم يقضى المر‬
‫الف ّ‬
‫‪ ،‬ويقع القتل والسر ‪ ،‬وينصت له الدهر ‪ ،‬وتسطر وقائع العصر ‪.‬‬
‫ه ما أحسنه ‪ ،‬يخبر عن من مات من ألف سنة ‪ ،‬به‬
‫أمضى من اللسنة ‪ ،‬لفظ ُ‬
‫تسطّر كل سيئة وحسنة ‪.‬‬
‫سود به البياض ‪ ،‬ويذب به عن‬
‫تصبح الوراق به في حسن الرياض ‪ ،‬وي ّ‬
‫العراض‪ ،‬وبه تشفى الصدور ‪ ،‬من العلل والمراض ‪.‬‬
‫فتاك سفاك بتاك هتاك ‪ .‬كتوم غشوم ظلوم عزوم‬
‫هو الذي كتب رسائل الصفاء ‪ ،‬وهو دّبج أسطر الوفاء ‪ ،‬وهو سجل أخبار‬
‫الخلفاء‪ ،‬دون السؤال والجواب ‪ ،‬والشكوى والعتاب ‪ ،‬والخطأ والصواب‪ ،‬وما‬
‫كنت تتلو من قبله من كتاب ‪ ،‬بريشته تحل المعضلت ‪ ،‬وتشرح المشكلت ‪،‬‬
‫وتصان المأثورات ‪ ،‬وتبقى المحفوظات ‪ .‬يخطب بل صوت ‪ ،‬ويأكل بل قوت ‪،‬‬
‫ويجمع بين الحياة والموت ‪ ،‬به يرسم الهجر والوصل ‪ ،‬والولية والعزل ‪،‬‬
‫والجد والهزل ‪.‬‬
‫به يقع العدل والحيف ‪ ،‬والحق والزيف ‪ ،‬وهو القاضي على السيف ‪ ،‬به تنسخ‬
‫المعرفة ‪ ،‬وتنقل الفلسفة ‪ ،‬وتخط الزخرفة ‪ .‬يسفسط ويقرمط ‪ ،‬وينسج‬
‫ويدّبج ‪ ،‬يهدم بكلمة بناء عام ‪ ،‬ويلغي بجملة كيد أقوام ‪ ،‬له غمغمة ‪،‬‬
‫وهمهمة ‪ ،‬وتمتمة ‪.‬‬
‫كم من عقل قلقله ‪ ،‬ومن قصر زلزله ‪ ،‬ومن بال بلبله ‪ ،‬ومن كيد أبطله ‪.‬‬
‫برسائله عرفت الرض والسماء ‪ ،‬وعلى رسمه خلدت آثار الحكماء ‪،‬‬
‫وب َِتصرفه سفكت الدماء ‪ ،‬وعلى حركته نسجت مآثر العلماء ‪.‬‬
‫أفصح من اللسان ‪ ،‬وأحفظ من النسان ‪ .‬إذا حملته الصابع ‪ ،‬فانتظر القوارع‬
‫‪ ،‬وارتقب الفواجع ‪ .‬له أزيز كأزيز المرجل ‪ ،‬ودبيب كدبيب الرجل ‪ ،‬وحصاد‬
‫كحصاد المنجل ‪ .‬عار من اللباس ‪ ،‬دقيق الرأس ‪ ،‬قوي البأس ‪ ،‬عظيم الثر‬
‫في الناس ‪.‬‬
‫يشرب ول يأكل ‪ ،‬ويجيب ول يسأل ‪ .‬إن عبأته مدادا ‪ ،‬أحال بياضك سوادا ‪.‬‬
‫إذا غلط غطش ‪ ،‬وإذا احتد بطش ‪ .‬عقله مرهون ‪ ،‬وخصمه مغبون ‪ ،‬وعذابه‬
‫غير مأمون ‪.‬‬
‫إن خط بالحمر قلت ‪ :‬هذا شفق ‪ ،‬أو دم على ورق ‪ ،‬وإن نسخ بالسواد ‪،‬‬
‫صار المداد كنون عيون العباد ‪ .‬وإن كتب بالخضر قلت ‪ :‬هذه طلعة بستان ‪،‬‬
‫أو بهجة أفنان ‪.‬‬
‫إذا سها رجع القهقرى ‪ ،‬وإذا شك مشى إلى الورى ‪ ،‬له رأس بل عينين ‪،‬‬
‫ولسان بل شفتين ‪ ،‬وصدر بل يدين ‪ ،‬ل يتكلم حتى يشبع ‪ ،‬ول يخطب حتى‬
‫يرضع‪ ،‬ول يسكت حتى يوضع ‪ ،‬ول يكتب حتى يقرع ‪.‬‬
‫إن سلطته على مختصر شرحه ‪ ،‬أو على غامض أوضحه ‪ ،‬أو على سر فضحه‬
‫‪ ،‬أو على عاص نصحه ‪.‬‬
‫ً‬
‫إن كنت عربيا ً فهو أفصح من سحبان ‪ ،‬وإن كنت أعجميا صار أنطق من‬
‫الهرمزان‪ ،‬يسمعك وليس له أذنان ‪ .‬إن نمت نام ‪ ،‬وإن قمت قام ‪ ،‬وإن‬
‫وعته صام ‪،‬وإن أهملته هام‬
‫ج ّ‬
‫متحذلق يقظ فإن أرسلته‬

‫‪64‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بتار أعناق النام بلفظه ‪ ...‬أجرى لعاب رحيقه من صدره‬
‫سلب أفئدة الملوك بسحره‬
‫)‪(51 /‬‬
‫والقلم بيانك ‪ ،‬وهو طوع بنانك ‪ ،‬وهو حاضر الفكر ‪ ،‬كثير الشكر ‪ ،‬صاحب ذكر‬
‫‪ ،‬إن حمله اللوذعي ‪ ،‬وكتب به العبقري ‪ ،‬سالت أودية بقدرها ‪ ،‬وانبجست‬
‫عين من حجرها ‪ ،‬وإن صحبه البليد ‪ ،‬وخط به الرعديد ‪ ،‬كثر عثاره ‪ ،‬وتبلد‬
‫حماره ‪ ،‬وحجب عيونه غباره ‪ ،‬يوافق المزاج ‪ ،‬في الستقامة والعوجاج ‪،‬‬
‫والثبات والرتجاج ‪ ،‬مسدد إل إذا غضب ‪ ،‬ومليح إل إذا عتب ‪ ،‬وفصيح إل إذا‬
‫ونوا عليه اللوم وأقلوا ‪،‬‬
‫حجب ‪ ،‬إذا انتهى زاده ‪ ،‬ونفذ مداده ‪ ،‬وقف جواده ‪ ،‬ه ّ‬
‫فانه ل يمل حتى تملوا ‪ ،‬إن لقنته حكمة وعاها ‪ ،‬وإن أرسلته إلى ذاكرةٍ أخرج‬
‫منها ماءها ومرعاها ‪ ،‬وهو الذي سطر الحكمة تسطيرا ً ‪ ،‬فلم يغادر منها قليل ً‬
‫ول كثيرا ً ‪ ،‬ول صغيرا ً ول كبيرا ً ‪ ،‬وإن قصد أحدا ً بالذى فلن تجد له من دون‬
‫الله وليا ً ول نصيرا ً ‪ ،‬يرقص على نبضات قلبك ‪ ،‬فإن أوقفت الملء نادى‬
‫اذكرني عند ربك ‪ ،‬فذكرك غذاؤه ‪ ،‬وكفك حذاؤه ‪ ،‬ومدادك ماؤه ‪ ،‬وجيبك‬
‫وعاؤه ‪ ،‬يعرف طريق النجاة ‪ ،‬وهو عظيم الجاه ‪ ،‬يعذر ولو جئنا ببضاعة‬
‫مزجاة ‪ ،‬إن غلطت غلط ‪ ،‬وإن جهلت ركب الشطط ‪ ،‬ل يغفل الشكل والنقط‬
‫‪.‬‬
‫صمت الخطباء وما صمت ‪ ،‬وسكت الشعراء وما سكت ‪ ،‬ومات الملوك ولم‬
‫وف به‬
‫يمت ‪ ،‬حذر به المصطفى الكاسرة ‪ ،‬وأنذر به القياصرة ‪ ،‬وخ ّ‬
‫الجبابرة ‪ ،‬صدر به قتل الحسين ‪ ،‬وخط به خلع المين ‪ .‬وسطر به الوحي في‬
‫طور سينين ‪ ،‬وروى لنا الجمل وصفين ‪ ،‬يشعل الحرب ول يحضرها ‪،‬‬
‫ويستودع السرار فينشرها ‪ ،‬يتململ في كفك تململ السليم ‪ ،‬ويتقلب تقلب‬
‫السقيم ‪ ،‬ويبكي بكاء اليتيم ‪ ،‬خط به أفلطون كتاب الجمهورية ‪ ،‬وأقام به‬
‫مق به ابن تيمية الواسطّية ‪ ،‬والحموّية ‪،‬‬
‫المعتصم وقعة عمورّية ‪ ،‬ون ّ‬
‫والتدمرّية ‪ ،‬نقل لنا سيرة ابن إسحاق ‪ ،‬وحديث عبد الرزاق ‪ ،‬وعجائب‬
‫الفاق ‪ ،‬وأخبار العشاق ‪ ،‬نقض الصعلوك ‪ ،‬ودفع الشكوك ‪ ،‬ونادم المملوك ‪،‬‬
‫يفهم بالشارة ‪ ،‬ويرسم العبارة ‪ ،‬إن كتب به الحمق تدفق ولم يترفق ‪ ،‬وضل‬
‫ولم يوفق ‪ ،‬وإن كتب به الرجل الرشيد جاءك بالقول السديد ‪ ،‬والعلم المجيد‬
‫‪ ،‬والنقل الحميد ‪.‬‬
‫يطير العلم من الرأس ‪ ،‬فيقيده القلم في القرطاس ‪ ،‬وإذا حمله المي قال‬
‫مؤّدب ل ينتقد ‪ ،‬و مقّلد ل يجتهد ‪ ،‬يسهر بل قيام ‪ ،‬ويجوع بل‬
‫ل مساس ‪َ ،‬‬
‫صيام ‪ ،‬له كل يوم شجون ‪ ،‬وعنده من الحكمة فنون ‪ ،‬يخون الحفظ وهو ل‬
‫رم ‪ ،‬كبير الجُرم‬
‫يخون ‪ ،‬صغير الج ِ‬
‫واسمع أبا تمام يصف القلم في أبدع كلم ‪:‬‬
‫م العلى الذي بشباته‬
‫لك القل ُ‬
‫ه‬
‫لعا ُ‬
‫ب الفاعي القاتلت لعاب ُ ُ‬
‫ةط ّ‬
‫ن وقَعها‬
‫ه ريق ٌ‬
‫ل ُ‬
‫ل ولك ّ‬
‫ب‬
‫ه وهو راك ٌ‬
‫فصي ٌ‬
‫ح إذا استنطقت َ ُ‬
‫ُ‬
‫ف وأفرغت‬
‫س اللطا َ‬
‫إذا ما امتطى الخم َ‬
‫وضت‬
‫ه أطرا ُ‬
‫أطاعت ُ‬
‫ف القنا وتق ّ‬
‫ي وأقبلت‬
‫ن الذك ّ‬
‫إذا استغزر الذه َ‬
‫ددت‬
‫ن وس ّ‬
‫وقد رفدت َ‬
‫ه الخنصرا ِ‬
‫‪65‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫ب من المر ال ُ‬
‫كلى والمفاص ُ‬
‫ل‬
‫ه وهو مره ٌ‬
‫ف ‪ُ ...‬تصا ُ‬
‫ت جليل ً شأن ُ ُ‬
‫رأي َ‬
‫وأ َْريُ الجنا اشتارته أيدٍ عواس ُ‬
‫ل‬
‫ب واب ُ‬
‫ل‬
‫ق والغر ِ‬
‫بآثارهِ في الشر ِ‬
‫ه وهو راج ُ‬
‫ل‬
‫م إن خاطبت ُ‬
‫وأعج ُ‬
‫ب الفكرِ وهي حواف ُ‬
‫ل‬
‫عليهِ شعا ُ‬
‫ض الخيام الجحاف ُ‬
‫ل‬
‫لنجواهُ تقوي َ‬
‫س وهي أساف ُ‬
‫ل‬
‫أعاليه في القرطا ِ‬
‫ث النام ُ‬
‫ل‬
‫ث نواحيهِ الثل ُ‬
‫ثل َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ه وهو ناح ُ‬
‫ل‬
‫ى وسمينا خطب ُ‬
‫ضن ً‬
‫**************************‬
‫مة الكتاب‬
‫مقا َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫مت ّ ِ‬
‫ب ِفيهِ هُ ً‬
‫ب ل َري ْ َ‬
‫} ذ َل ِك الك َِتا ُ‬
‫دى ل ِل ُ‬
‫قي َ‬
‫أعز مكان في الدنى سرج سابح‬
‫ب‬
‫أنيس إذا جالسته طاب قوله ‪ ...‬وخير جليس في الزمان كتا ُ‬
‫ب‬
‫وليس له عند الفراق عتا ُ‬
‫عليك بالكتاب ‪ ،‬فإنه خير الصحاب ‪ ،‬وهو روح المؤانسة ‪ ،‬وقوت المجالسة ‪،‬‬
‫أقسم الله بالكتاب المسطور ‪ ،‬في رق منشور ‪ ،‬لن الكتاب كنز الفادة ‪،‬‬
‫وعنوان السعادة ‪ ،‬وهو أمين ل يخون ‪ ،‬وعزيز ل يهون ‪ ،‬إن حملته في النادي‬
‫شرفك ‪ ،‬وإن جهلت أحدا ً عرفك ‪ ،‬يقوي جنانك ‪ ،‬ويبسط لسانك ‪ ،‬بالكتاب‬
‫يجلس الصعلوك ‪ ،‬على كراسي الملوك‪ ،‬يقوم الزلل ‪ ،‬ويسد الخلل ‪ ،‬ويطرد‬
‫الملل ‪ ،‬ويشافي العلل ‪ ،‬يحفظ الخبار‪ ،‬ويروي الشعار ‪ ،‬ويكتم السرار ‪،‬‬
‫ويبهج البرار ‪ ،‬وهو أشرف لك من المال ‪ ،‬وأطوع لك من الرجال ‪ ،‬وأنسى‬
‫عندك من العيال ‪ ،‬وبه تبلغ الكمال ‪.‬‬
‫مللت كل جليس كنت آلفه‬
‫ن‬
‫إل الكتاب فل يعدله إنسا ُ‬
‫عاشرته فَأراني كل مكرمة‬
‫ن‬
‫ي رعاه الله إحسا ُ‬
‫له عل ّ‬
‫والكتاب إذا خان الصديق وفى ‪ ،‬وإذا تكدر الزمان صفا ‪ ،‬ينسيك جحود الجاحد‬
‫‪ ،‬وحسد الحاسد ‪ ،‬وضغينة الحاقد ‪ ،‬خليل ما أملحه ‪ ،‬وصاحب ما أصلحه ‪،‬‬
‫وصامت ما أفصحه ‪ ،‬يقرؤ في كل زمان ‪ ،‬ويطالع في كل مكان ‪ ،‬على‬
‫اختلف العصار ‪ ،‬وتباعد المصار ‪ ،‬بشير ونذير ‪ ،‬ونديم وسمير ‪ ،‬إذا وعظ‬
‫أبكاك ‪ ،‬وإن حدث أشجاك‪ ،‬وإذا فرح أضحكك ‪ ،‬وإذا بشر أفرحك ‪ ،‬سليم من‬
‫العيب ‪ ،‬يحمل في الجيب ‪ ،‬ل يشرب ول يأكل ‪ ،‬ول يغضب ول يجهل ‪ ،‬إن‬
‫هجرته حفظ ودك ‪ ،‬وإن طلبته صار عندك ‪.‬‬
‫يغنيك عن الرحام ‪ ،‬والحباب والصحاب ‪ ،‬فخير جليس في النام كتاب ‪.‬‬
‫)‪(52 /‬‬
‫يقودك إلى الكرامة ‪ ،‬ويبعدك من الندامة ‪ ،‬ويطرد عنك السآمة ‪ ،‬هو نسب ما‬
‫أشرفه ‪ ،‬وهو بوابة المعرفة ‪ ،‬وخلصة الفلسفة ‪ ،‬يصلك بأساطين التفسير ‪،‬‬
‫من كل عالم نحرير ‪ ،‬وإمام شهير ‪ ،‬ومحقق بصير ‪ ،‬ويحضر لك المحدثين ‪،‬‬
‫أهل الرواية الصادقين ‪ ،‬والدراية العارفين ‪ ،‬وجهابذة النقل الواعين ‪.‬‬
‫ويجمع لك الفقهاء ‪ ،‬رواد الشريعة الغراء ‪ ،‬وأرباب الفهم الذكياء ‪ ،‬ويتحفك‬
‫بقصيد الشعراء ‪ ،‬ونتاج الدباء ‪ ،‬وبيان البلغاء ‪ ،‬وإنشاء الفصحاء ‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ف‬
‫يا حروفا ً قد أضاءت في الصح ْ‬
‫ف‬
‫قدرها عنديَ لو تعلمه ‪ ...‬أخبرتني بأحاديث السل ْ‬
‫كل فضل وجلل وشرف‬
‫جزى الله الكتاب ‪ ،‬أفضل ثواب ‪ ،‬فقد أغناك عن البخلء ‪ ،‬وكفاك الثقلء ‪،‬‬
‫صر عليك‬
‫وأجلسك مع النبلء ‪ ،‬وعّرفك بالفضلء ‪ ،‬يوفي لك الكيل ‪ ،‬ويق ّ‬
‫الليل ‪ ،‬هو تاجك في كل ناد ‪ ،‬وأنيسك في كل واد ‪ ،‬وهو سلوة الحاضر‬
‫والباد ‪ ،‬وخير ما أنتجه العباد ‪.‬‬
‫أما تراه خفيف الجسم موضعه‬
‫ل‬
‫هو الذي ّفخم السادات واحتفلت ‪ ...‬على الصدور وبين النف والمق ِ‬
‫ل‬
‫به الملوك وأهل الشأن والدو ِ‬
‫اصرف له أثمن الوقات ‪ ،‬وأنفق عليه أعظم الهبات ‪ ،‬ول تطع فيه أهل‬
‫الشهوات ‪.‬‬
‫هو الذي حّبب إليك الزمان ‪ ،‬وأجلسك في صدر المكان ‪ ،‬قال القط ‪ :‬يا أيها‬
‫البط‪ ،‬أخرج من الشط ‪ ،‬فالتفت إليه ورد عليه وقال ‪ :‬يا سيد الجهاد ‪ ،‬لو‬
‫كنت من القراء‪ ،‬لما أعظمت الفتراء ‪ ،‬أما طالعت في كتاب الهجرتين ‪ ،‬ل‬
‫يلدغ المؤمن من جحر مرتين ‪.‬‬
‫ليس المجد حلي وآنية ‪ ،‬ول دف وغانية ‪ ،‬ول قطوف جانية‪.‬‬
‫وليست السعادة كنز ‪ ،‬وبنز ‪ ،‬وبز ‪ ،‬وجنز ‪ ،‬ورز ‪ ،‬وقز ‪ ،‬فهذا ليس بعز ‪.‬‬
‫وليس السؤدد ‪ ،‬بنود ‪ ،‬وجنود ‪ ،‬وحشود ‪ ،‬ووفود ‪.‬‬
‫لكن المجد والسعادة ‪ ،‬والشرف والسيادة ‪ ،‬علم أصيل ‪ ،‬وبرهان ودليل ‪،‬‬
‫وكتاب جليل ‪ ،‬يغنيك عن كل خليل ‪.‬‬
‫************************‬
‫مة الطبّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫م الّرا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ت أْر َ‬
‫ي ال ّ‬
‫م ّ‬
‫ح ُ‬
‫ضّر وَأن ْ َ‬
‫ه أّني َ‬
‫} إ ِذ ْ َناَدى َرب ّ ُ‬
‫مي َ‬
‫سن ِ َ‬
‫كيف أشكو إلى طبيبي ما بي‬
‫زاد في جرعة العلج فصارت ‪ ...‬والذي قد أصابني من طبيبي‬
‫ب‬
‫مهجتي في منازل التعذي ِ‬
‫وجدنا كتابا ً لبن سينا ‪ ،‬بعدما أغفلنا ذكره ونسينا ‪ ،‬فإذا هو يقول ‪ ،‬ورأيه‬
‫مقبول‪ :‬ما أهلك الب َرِّية ‪ ،‬وقتل البهائم في الب َّرّية ‪ ،‬إل إدخال الطعام على‬
‫الطعام ‪ ،‬وترك المشي على القدام ‪ .‬ثم قال ‪ :‬عليكم بالنوم بعد الغداء ‪،‬‬
‫والمشي بعد العشاء ‪ ،‬وترك المتلء ‪ ،‬والغذاء خير من الدواء ‪.‬‬
‫وكنا جلوسا ً ‪ ،‬فجاءنا أحدهم برسالة من جالينوس ‪ ،‬فإذا هو يقول ‪ :‬يا أهل‬
‫العقول ‪ ،‬ل يغتسل أحدكم وهو شبعان ‪ ،‬ول يأكل إل وهو جوعان ‪ ،‬ول ينم وهو‬
‫من الطعام ملن ‪ ،‬ول يقطع الليل وهو سهران ‪.‬‬
‫وقال من اقتصد في الطعام ‪ ،‬وقلل من الكلم ‪ ،‬وهجر الهتمام والغتمام ‪،‬‬
‫عاش في صحة وسلم ‪ ،‬أما سمعتم شاعركم ابن الرومي ‪ ،‬ليت عندنا شاعرا ً‬
‫مثله من قومي ‪:‬‬
‫فإن الداء أكثر ما تراه‬
‫يركب من طعامك والشراب‬
‫قلنا ‪ :‬يحق للمتنبئ المجيد ‪ ،‬أن يقول عنك لما مدح ابن العميد ‪:‬‬
‫من مخبر العراب أني بعدهم‬
‫جالست جالينوس والسكندرا‬
‫ً‬
‫قال ‪ :‬بلغوا كلمي لبن الحسين ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬شكرا مرتين ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬وقد ذكرك فقال في بعض المثال ‪:‬‬
‫‪67‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يموت راعي الضأن في سربه‬
‫ه‬
‫ميتة جالينوس في طب ِ‬
‫فهمهم وتمتم وما تكلم ‪.‬‬
‫ثم جاء صديقنا أبو عثمان الغازي ‪ ،‬فقلنا ‪ :‬حدثنا عن أبي بكر الرازي ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬حسبتكم تتحدثون عن الحب ‪ ،‬وإذا بكم تتكلمون عن الطب ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬دعنا من الشجون والعيون ‪ ،‬وحدثنا عن الصحون والبطون ‪ ،‬فضحك‬
‫حتى بدت نواجذه ‪ ،‬وقال ‪ :‬مات الطب وجهابذه ‪ .‬ولكن أبا بكر ‪ ،‬طيب‬
‫الذكر ‪ ،‬كان يدنينا ول يقصينا ‪ ،‬وينصحنا ويوصينا ‪ .‬فيقول ‪ :‬الحسد يذيب‬
‫الجسام ‪ ،‬والحقد ل ينفع معه طعام ‪ ،‬والبغضاء ل يهنأ معها منام ‪ ،‬والذكر‬
‫يشرح الصدور ‪ ،‬ويجلب السرور ‪ ،‬ويسهل المور ‪ ،‬ويدخل على النفس النور ‪،‬‬
‫وإياكم والمسكر ‪ ،‬فإنه داء أكبر ‪ ،‬وحرام منكر ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬أنت حدثتنا عن طب البدان ‪ ،‬ونعرف أنك فيه من العيان ‪ ،‬فحدثنا عن‬
‫طب القلوب ‪ ،‬فقد نسيناه من كثرة الذنوب ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬أما سمعتم ابن المبارك ‪ ،‬وهو في الدب شارك ‪ ،‬حيث يقول ‪:‬‬
‫رأيت الذنوب تميت القلوب‬
‫وقد يورث الذل إدمانها‬
‫وترك الذنوب حياة القلوب‬
‫وخير لنفسك عصيانها‬
‫قلنا فماذا قال طبيب العيون ‪ ،‬فإنه ثقة مأمون ‪ ،‬قال سمعته ينشد ‪:‬‬
‫وأنت متى أرسلت طرفك رائدا ً‬
‫لقلبك يوما ً أتعبتك المناظُر‬
‫رأيت الذي ل كله أنت قادر‬
‫عليه ول عن بعضه أنت صابُر‬
‫قلنا فماذا قال طبيب الذن ‪ ،‬قال دخلت عليه بل ِإذن ‪ ،‬فسمعته ينشد ‪:‬‬
‫ن الخنا إن كنت ذا رشد‬
‫ل تسمع ّ‬
‫فاظُ‬
‫ح ّ‬
‫فالْذن نقالة والقلب َ‬
‫وصن سمعاك عن لغو وعن رفث‬
‫قد تدخل الناس في النيران ألفاظُ‬
‫قلنا فماذا قال طبيب الولدة ‪ ،‬فإنه ظاهر الجادة ؟ قال ‪:‬‬
‫ولدتك أمك باكيا ً مستصرخا ً‬
‫فاعمل لنفسك أن تكون إذا ب َ‬
‫كوا ‪ ...‬والناس حولك يضحكون سرورا‬
‫في يوم موتك ضاحكا ً مسرورا‬
‫قلنا ‪ :‬فماذا قال طبيب الباطنّية ‪ ،‬فإنه طّيب النّية ‪ ،‬قال سمعته ينشد ‪:‬‬
‫أكل الحرام يثير داًء دائما ً‬
‫)‪(53 /‬‬
‫ح‬
‫فكل الحلل فرزق ربك واسع ‪ ...‬في البطن ل يدري به الجرا ُ‬
‫ح‬
‫إن الذي ترك الربا مرتا ُ‬
‫قلنا ‪ :‬فماذا قال طبيب العظام ‪ ،‬فإنه من الرجال العظام ‪ ،‬قال سمعته‬
‫ينشد ‪:‬‬
‫عظامك أنقذها ولحمك من لظى‬
‫ق‬
‫وإياك إياك الحرام فإّنه ‪ ...‬جهنم فالجسام ُتشوى وتحر ُ‬
‫تقطع أوصال به وتمّزق‬

‫‪68‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قلنا ‪ :‬فماذا قال الطبيب النفسي ‪ ،‬قال سمعته ينشد ‪ ،‬حين يصبح وحين‬
‫يمسي ‪:‬‬
‫يا نفس هل من توبة مقبولة‬
‫أو ما ترين الموت أشهر سيفه ‪ ...‬ضاع الزمان وأنت في العصيان‬
‫كم راع يوم الروع من إنسان‬
‫قلنا ‪ :‬فمن أعظم طبيب ؟ قال ‪ :‬محمد الحبيب ‪ ،‬صاحب النهج العجيب ‪،‬‬
‫والرأي المصيب ‪ ،‬قلنا ‪ :‬أوصنا بوصية ‪ ،‬لينة غير عصية ‪ ،‬فأنشد ‪:‬‬
‫خذ ما أردت من العلج فإنه‬
‫مات المداِوي والمداَوى والذي ‪ ...‬لبد من موت يقطع ذا العرى‬
‫صنع الدواء وباعه ومن اشترى‬
‫******************‬
‫مة التجارّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ح ّ‬
‫م الّرَبا {‬
‫ه الب َي ْعَ وَ َ‬
‫} وَأ َ‬
‫حّر َ‬
‫ل الل ُ‬
‫ن وخط ابن مقلة‬
‫فصاحة سحبا ٍ‬
‫إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس ‪ ...‬وحكمة لقما ٍ‬
‫ن وزهد ابن أدهم ِ‬
‫ونوديْ عليه ل يباع بدرهم ِ‬
‫قال أبو ريال ‪ ،‬دينار بن مثقال ‪ :‬ل تصدق من قال ‪ :‬أكثر التجار فجار ‪ ،‬فقد‬
‫رأيت منهم قوما ً يتصدقون ‪ ،‬وفي سبيل الله ينفقون ‪ ،‬وعلى الفقراء‬
‫يغدقون ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬يا أبا ريال ‪ ،‬يا خير الرجال ‪ ،‬فما للتجار يبنون ما ل يسكنون ‪ ،‬ويدخرون‬
‫ما ل يأكلون ‪ ،‬ما لهم على ربهم ل يتوكلون ؟ قال ‪ :‬هذا من البطر ‪ ،‬والترف‬
‫والشر ‪ ،‬ومن فعل ذلك فهو على خطر ‪:‬‬
‫ومن ينفق الساعات في جمع ماله‬
‫مخافة فقر فالذي فعل الفقر‬
‫قلنا ‪ :‬حدثنا عن التجار الصالحين ‪ ،‬والغنياء المفلحين ‪ ،‬قال ‪ :‬يكفيك عثمان‬
‫بن عفان ‪ ،‬أرضى بماله الرحمن ‪ ،‬وأرغم به الشيطان ‪ ،‬واشترى به الجنان ‪،‬‬
‫جهز في غزوة تبوك الجنود ‪ ،‬وشرى بئر رومة من اليهود ‪ ،‬وله في سبيل الله‬
‫مواقف وجهود ‪.‬‬
‫ول تنسوا عبد الرحمن بن عوف ‪ ،‬الذي جمع بين الرجاء والخوف ‪ ،‬جاءته‬
‫قافلة من الشام ‪ ،‬تحمل الطعام ‪ ،‬فقسمها على اليتام ‪ ،‬واشترى بذلك دار‬
‫السلم ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فقص علينا قصة التاجر الفاجر ‪ ،‬أمّية بن خلف ‪ ،‬الذي جعل الله ماله‬
‫للتلف ‪.‬‬
‫قال يكفيكم ‪ :‬ويل لكل همزة لمزة ‪ ،‬الذي جمع مال ً وعدده ‪ ،‬يحسب أن ماله‬
‫أخلده‬
‫قلنا ‪ :‬فهل للتاجر الخاسر علمات ‪ ،‬وهل له سمات ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬إذا رأيته يأكل وحده ‪ ،‬ويمنع رفده ‪ ،‬ويمسك نقده ‪ ،‬ويغضب ممن‬
‫يجلس عنده‬
‫قلنا ‪ :‬فلماذا بعض التجار ‪ ،‬يصاب بالضغط والسكر ‪ ،‬قال ‪ :‬لنه في كل لحظة‬
‫يفكر ‪ ،‬ول يشكر ‪ ،‬ول يذكر ‪ ،‬ومزاجه مع ّ‬
‫در ‪.‬‬
‫كر ‪ ،‬وخاطره مك ّ‬
‫مره الثاني وحاجته‬
‫ذكر الفتى ع ْ‬
‫ما قاته وفضول العيش أشغال‬
‫أمراض التجار ‪ :‬فقر الدم ‪ ،‬وكثرة الهم ‪ ،‬ودوام الغم ‪.‬‬
‫فأما فقر الدم ‪ :‬فمن قلة الغذاء ‪ ،‬لنه مشغول عن الفطور والغداء ‪ ،‬غائب‬
‫‪69‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عن العشاء ‪.‬‬
‫وأما كثرة الهم ‪ :‬فلنشغال باله بالسندات ‪ ،‬وتعلقه بالشيكات ‪ ،‬وانصرافه إلى‬
‫العقارات ‪ ،‬وتفكره في الواردات والصادرات ‪.‬‬
‫وأما دوام الغم ‪ :‬فلحرصه على الزيادة ‪ ،‬وتذكره أولده وأحفاده ‪ ،‬فتذهب عنه‬
‫السعادة ‪ ،‬ويشغل عن العبادة ‪ .‬وأحب أبواب العلم إلى التاجر البخيل ‪ ،‬باب‬
‫الحث على القتصاد ‪ .‬وأثقل باب عليه باب الجود والجواد ‪.‬‬
‫ثم قال ‪ :‬ول تنس حديث ‪" :‬ذهب أهل الدثور بالجور" ‪ ،‬فهؤلء أهل العمل‬
‫المبرور ‪ ،‬والسعي المشكور ‪ ،‬والتجارة التي ل تبور ‪ ،‬وهم الذين بنوا‬
‫المساجد ‪ ،‬لكل راكع وساجد ‪ ،‬وأطعموا الفقراء والمساكين ‪ ،‬وأسعفوا‬
‫البؤساء والمحتاجين ‪ ،‬وبذلوا المال والطعام ‪ ،‬وكفلوا اليتام ‪ ،‬فهم يجمعون‬
‫الحسنات كل حين ‪ ،‬وتذكر حديث ‪ )) :‬ل حسد إل في اثنتين (( ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فما أحسن المكاسب لمن أراد التجارة ‪ ،‬أهو البيع أم الجارة ؟ أم‬
‫المنصب والوزارة ؟ أم الزراعة والعمارة ؟‬
‫قال ‪ :‬أما البيع فإذا سلم من الغش والكذب ‪ ،‬والخداع واللعب ‪ ،‬فهو أعظم‬
‫سبب ‪ ،‬لنيل الفضة والذهب ‪:‬‬
‫ل تبع في السوق دينا ً غاليا ً‬
‫ب‬
‫ن دينك من نار الكذ ْ‬
‫واحفظ َ ْ‬
‫وأما المنصب ‪ :‬فنصب ‪ ،‬ووصب ‪ ،‬وتعب‬
‫نصب المنصب أوهى جلدي‬
‫يا عنائي من مداراة السفل‬
‫وأما المارة فنعمت المرضعة ‪ ،‬وبئست الفاطمة ‪ ،‬ويعترضها أمور قاصمة ‪:‬‬
‫يسرك أني نلت ما نال جعفر‬
‫صني ‪ ...‬من الملك أو ما نال يحيى بن خالد‬
‫وأن أمير المؤمنين أغ ّ‬
‫صهما بالمرهفات البوارد‬
‫مغ ّ‬
‫وأما الزراعة ‪ ،‬فهي لهل المسكنة والضراعة ‪ ،‬ويجتنبها أهل البراعة ‪ ،‬لنها‬
‫تعب وإجهاد ‪ ،‬وصدود عن الجهاد ‪:‬‬
‫إذا زرع القوم النخيل بأرضهم‬
‫فزرعك أغلى من نخيل الفضائل‬
‫وأما العمارة ‪ ،‬فتارة وتارة ‪ ،‬بين الربح والخسارة ‪ ،‬صادقة غدارة ‪.‬‬
‫يا عامرا ً لخراب الدار مجتهدا‬
‫بالله هل لخراب الدار عمران‬
‫ولكن أحسن المكاسب ‪ ،‬معاملة الفّتاح الواهب ‪ ،‬فهو الرزاق ذو القوة المتين‬
‫‪ ،‬الذي ل يضيع عمل العاملين ‪ ،‬وإحسان المحسنين ‪.‬‬
‫)‪(54 /‬‬
‫فإذا رأيت الناس كنزوا أموالهم في البنوك ‪ ،‬وأحرزوا عقارهم بالصكوك ‪،‬‬
‫وأحاطوا حدائقهم بالشبوك ‪ .‬فاكنز حسناتك في بنك الرحمن ‪ ،‬وأحرز عملك‬
‫فى من الحرام‬
‫من الشيطان ‪ ،‬وأحط نيتك من البغي والعدوان ‪ .‬فمن ص ّ‬
‫ديناره ‪ ،‬وعمر بالتقوى داره ‪ ،‬وأكرم جاره ‪ .‬فقد أحسن معاملة موله ‪ ،‬وشكر‬
‫ربه على ما أوله ‪.‬‬
‫ً‬
‫واعلم أن للتجارة آدابا ‪ ،‬وقد ذكر لها العلماء أسبابا ‪ ،‬وسوف أذكرها بابا بابا ‪.‬‬
‫فمنها الصدق في النطق ‪ ،‬واللطف بالناس والرفق ‪.‬‬
‫ومنها البكور ‪ ،‬والطيور في الوكور ‪ ،‬في سعي مشكور ‪ ،‬لطلب ما قسمه‬

‫‪70‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الغفور الشكور‬
‫ومنها السلمة من الربا ‪ ،‬فإنه وبا ‪ ،‬ومصاحبة المانة ‪ ،‬ومجانبة الخيانة ‪،‬‬
‫وملزمة الصيانة ‪ ،‬وأداء زكاة العرض ‪ ،‬ومساعدة المحتاج بالصدقة والقرض ‪،‬‬
‫يجد ثوابه يوم العرض‬
‫وتحبيس الوقاف ‪ ،‬على الفقراء الضعاف ‪ ،‬وإكرام الضياف ‪ ،‬والمحافظة‬
‫على أوقات الصلوات ‪ ،‬وإخلص النية في الصدقات ‪ ،‬فمن فعل ذلك فهو‬
‫مأجور مشكور ‪ ،‬وهو من أهل الدثور ‪ ،‬الذين ذهبوا بالجور ‪.‬‬
‫واعلم أن الشحيح ‪ ،‬عمله قبيح ‪ ،‬والكريم له أجر عظيم ‪ ،‬ول ساد إل من‬
‫جاد ‪ ،‬وبذل معروفه للعباد ‪.‬‬
‫صّرة ‪ ،‬ومنع ب ِّره ‪ ،‬أخذه الموت على ِغّرة ‪.‬‬
‫واعلم أن من جعل ماله في ُ‬
‫وقد عاصرنا تاجرا ً كريما ‪ ،‬كان فضله في الناس عميما ‪ ،‬كان في كل باب‬
‫خيرٍ من المتبّرعين ‪ ،‬وعن الحرام من المتوّرعين ‪ .‬فلما مات كان موته على‬
‫الناس من أعظم الخطوب ‪ ،‬ترك جرحا ً في القلوب ‪.‬‬
‫وعرفنا تاجرا ً بخيل ‪ ،‬عاش طويل ‪ ،‬كان من ماله في حياته محروما ‪ ،‬وذهب‬
‫وترك ماله مذموما ‪ ،‬فل انتفع بماله في دنياه ‪ ،‬ول قدم منه لخراه ‪ ،‬وقد‬
‫مات غريبا ‪ ،‬ومن ماله سليبا ‪ ،‬حتى تصدق عليه بعض الناس بكفن ‪ ،‬وصارت‬
‫هذه آية لهل الفطن ‪.‬‬
‫وقد قال المختار ‪ )) :‬تعس عبد الدينار (( ‪ ،‬لنه يهدي صاحبه إلى النار ‪.‬كما‬
‫أن الدرهم قد يدور بالهم ‪ ،‬والذهب قد يوصل إلى لهب ‪ ،‬والفلوس قد تذهب‬
‫بالنفوس ‪.‬‬
‫وختم أبو ريال المقال ‪ ،‬بعد أن تحدث عن المال ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫الله أعطاك فابذل من عطيته‬
‫مر رحا ُ‬
‫ل‬
‫فالمال عارّية والع ْ‬
‫ن تحبس سواقَِيه‬
‫المال كالماء إ ِ ْ‬
‫يأسن وإن يجرِ يعذب منه سلسا ُ‬
‫ل‬
‫مة المتنبي‬
‫مقا َ‬
‫)) شاعر الدنيا وشاغل الناس ((‬
‫لقيت أبا الطيب أحمد بن الحسين ‪ ،‬بعد بضع سنين ‪ ،‬وهو من الشعراء‬
‫المحسنين ‪.‬‬
‫فكلما سألنا عن الخبار ‪ ،‬أجاب بالشعار ‪:‬‬
‫قلنا ‪ :‬من أنت ؟‬
‫قال ‪ ... :‬أنا الذي نظر العمى إلى أدبي‬
‫م‬
‫وأسمعت كلماتي من به صم ُ‬
‫الخيل والليل والبيداء تعرفني‬
‫م‬
‫والسيف والرمح والقرطاس والقل ُ‬
‫قلنا ‪ :‬أما ترى السفهاء ‪ ،‬ينالون العظماء ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬وإذا أتتك مذمتي من ناقص‬
‫فهي الشهادة لي بأني كامل‬
‫قلنا ‪ :‬نراك تعبت في طلبك للمجد ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬جزى الله المسير إليك خيرا‬
‫وإن ترك المطايا كالمزاد‬
‫قلنا ‪ :‬أما ترى أن المجد يتعب ؟‬
‫قال ‪ ... :‬لول المشقة ساد َ الناس كلهمو‬
‫الجود يفقر والقدام قتال‬
‫‪71‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قلنا ‪ :‬نرى السلف يتأثرون عند سماع القرآن ونحن ل نتأثر ؟‬
‫قال ‪ ... :‬ل تعذل المشتاق في أشواقه‬
‫حتى يكون حشاك في أحشائه‬
‫قلنا ‪ :‬نرى المنافق أحيانا ً يبكي ؟‬
‫قال ‪ ... :‬إذا اشتبكت دموع في خدود‬
‫تبين من بكى ممن تباكى‬
‫قلنا ‪ :‬نرى واحدا ً من الناس يعادل أمة في الفضل ؟‬
‫ق النام وأنت منهم‬
‫قال ‪ ... :‬وإن ت َ ُ‬
‫ف ِ‬
‫فإن المسك بعض دم الغزال‬
‫سادا ً كثيرين ؟‬
‫قلنا ‪ :‬نرى لك ح ّ‬
‫قال ‪ ... :‬أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني‬
‫فل أعاتبه صفحا ً وإهوانا‬
‫قلنا ‪ :‬بعض الناس غلب عليه سوء الظن ؟‬
‫قال ‪ ... :‬إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه‬
‫وصدق ما يعتاده من توهم‬
‫قلنا ‪ :‬القومّيون العرب يهددون إسرائيل من خمسين سنة ؟‬
‫قال ‪ ... :‬وإذا ما خل الجبان بأرض‬
‫طلب الطعن وحده والنزال‬
‫قلنا ‪ :‬نعرف أغنياء ألسنتهم سخّية وأيديهم بخيلة ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬جود الرجال من اليدي وجودهمو‬
‫من اللسان فل كانوا ول الجود ُ‬
‫قلنا ‪ :‬من يتأمل الشريعة يملكه حبها ‪.‬‬
‫ب قلَبه‬
‫قال ‪ ... :‬وما كنت ممن يملك الح ّ‬
‫ق‬
‫ولكن من ينظر عيونك يعش ِ‬
‫قلنا ‪ :‬نسمع لعداء السلم شبهات يثيرونها عنه ؟‬
‫سّر في علك وإنما‬
‫قال ‪ ... :‬ولله ِ‬
‫كلم الورى ضرب من الهذيان‬
‫قلنا ‪ :‬ما رأيكم في الدنيا ؟‬
‫قال ‪ ... :‬لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكب ‪ ...‬فكل بعيد الهم فيها معذب‬
‫قلنا ‪ :‬والمال ؟‬
‫قال ‪ ... :‬إذا المال لم يرزق خلصا ً من الذى‬
‫فل الحمد مكسوبا ول المال باقيا‬
‫قلنا ‪ :‬بعضهم يستطيع أن يكون أفضل فل يفعل ؟‬
‫قال ‪ ... :‬ولم أر في عيوب الناس عيبا ً‬
‫كنقص القادرين على التمام ِ‬
‫قلنا ‪ :‬عرفنا من تمنى الموت لسوء حاله ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬كفا بك داًء أن ترى الموت شافيا‬
‫وحسب المنايا أن يكن أمانيا‬
‫قلنا ‪ :‬بعضهم ل يتأثر بالنقد ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬من يهن يسهل الهوان عليه‬
‫ما لجرح بمّيت إيلم‬
‫قلنا ‪ :‬نحن نردد اسم الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬ولو قصرنا في العمل‬
‫بسنته ‪.‬‬
‫فقال ‪ ... :‬نحن أدرى وقد سألنا بنجد‬
‫‪72‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أطويل طريقنا أم يطو ُ‬
‫ل‬
‫وكثير من السؤال اشتياق‬
‫وكثير من رّده تعلي ُ‬
‫ل‬
‫قلنا ‪ُ :‬بلينا بمثقفين عندهم ألقاب بل حقيقة ‪.‬‬
‫)‪(55 /‬‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫ت منك صادق ً‬
‫قال ‪ ... :‬أعيذها نظرا ٍ‬
‫أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم‬
‫قلنا ‪ :‬أظنه لبد من مجاملة بعض الناس في هذه الحياة ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ‪ ...‬عدوّا ً له ما من صداقته ب ُد ّ‬
‫جِهل قدرهم ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬كان للعلماء قدر عند الناس واليوم ُ‬
‫ن بنوه في شبيبته‬
‫قال ‪ ... :‬أتى الزما َ‬
‫فسره وأتيناه ُ على هرم‬
‫قلنا ‪ :‬نرى العظماء ل يبالون بالمصاعب ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬إذا اعتاد الفتى خوض المنايا‬
‫فأهون ما يمر به الوحو ُ‬
‫ل‬
‫قلنا ‪ :‬بعض الناس يستفيد من نكبات الخرين ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬كذا قضت اليام ما بين أهلها‬
‫مصائب قوم عند قوم فوائد‬
‫قلنا ‪ :‬ما رأيك في الزمان ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬ربما تحسن الصنيع لياليـ‬
‫ـه ولكن تكدر الحسانا‬
‫قلنا ‪ :‬والموت ‪.‬‬
‫ت والنفوس نفائس‬
‫قال ‪ ... :‬الموت آ ٍ‬
‫والمستغر بما لديه الحمق‬
‫قلنا ‪ :‬الذين ينكرون الحقائق ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬وكيف يصح في الذهان شيء‬
‫إذا احتاج النهار إلى دليل‬
‫قلنا ‪ :‬ومن خير جليس ؟‬
‫قال ‪ ... :‬أعز مكان في الدنا سرج سابح‬
‫ب‬
‫وخير جليس في النام كتا ُ‬
‫قلنا ‪ :‬هل الرأي أفضل أو الشجاعة ؟‬
‫قال ‪ ... :‬الرأي قبل شجاعة الشجعان ‪ ...‬هو أو ٌ‬
‫ل وهي المحل الثاني‬
‫قلنا ‪ :‬ما أحسن وسيلة لقضاء الحاجات ؟‬
‫قال ‪ ... :‬من اقتضى بسوى الهندي حاجَته‬
‫ل عن ه ٍ‬
‫أجاب كل سؤا ٍ‬
‫ل بلم ِ‬
‫قلنا ‪ :‬أراك تجامل الناس‬
‫قال ‪ ... :‬ولما صار ود الناس خبا‬
‫جزيت على ابتسام بابتسام ِ‬
‫قلنا ‪ :‬وكيف حالك الن ؟‬
‫قال ‪ ... :‬وحيد من الخلن في كل بلدة‬
‫إذا عظم المطلوب قل المساعد‬
‫قلنا ‪ :‬نراك تسرف في المديح أحيانا ‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال ‪ ... :‬وقد أطال ثنائي طول لبسه‬
‫إن الثناء على الّتنبال تنبا ُ‬
‫ل‬
‫قلنا ‪ :‬نراك أحيانا ً ل تصل لمقصودك ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬ما كل ما يتمنى المرء يدركه‬
‫ن‬
‫تجري الرياح بما ل تشتهي السف ُ‬
‫قلنا ‪ :‬متى تزور أحبابك ؟‬
‫قال ‪ ... :‬أزورهم وظلم الليل يشفع لي‬
‫وأنثني وبياض الصبح يغري بي‬
‫قلنا ‪ :‬ما رأيك في شعرك ؟‬
‫قال ‪ ... :‬وما الدهر إل من رواةِ قصائدي‬
‫إذا قلت شعرا ً أصبح الدهر منشدا‬
‫قلنا ‪ :‬ما رأيك في اللئام ؟‬
‫قال ‪ ... :‬إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ‪ ...‬وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا‬
‫قلنا ‪ :‬ما رأيك في الناس ؟‬
‫قال ‪ ... :‬إنا لفي زمن ترك القبيح به‬
‫ن وإجما ُ‬
‫ل‬
‫من أكثر الناس إحسا ٌ‬
‫قلنا ‪ :‬نراك تحسن القول ول تعطي شيئا ً ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬ل خيل عندك تهديها ول مال‬
‫فليسعد النطق إن لم تسعد الحا ُ‬
‫ل‬
‫قلنا ‪ :‬بعضهم يسهر على اللهو وبعضهم على العبادة ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬ما الذي عنده تدار المنايا‬
‫كالذي عنده تدار الشمو ُ‬
‫ل‬
‫قلنا ‪ :‬ما رأيك في أهل العشق ؟‬
‫قال ‪ ... :‬تفنى نفوسهمو شوقا ً وأدمعهم‬
‫ن‬
‫في ِإثر كل قبيح وجهه حس ُ‬
‫قلنا ‪ :‬ماذا تقول في مقام الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬؟‬
‫قال ‪ ... :‬إذا تغلغل فكر المرء في طرف‬
‫من مجده غرقت فيه خواطره‬
‫قلنا ‪ :‬لماذا عاداك حسادك ؟‬
‫قال ‪ ... :‬أعادى على ما يوجب الحب للفتى‬
‫ي تجو ُ‬
‫ل‬
‫وأهدأ والفكار ف ّ‬
‫قلنا ‪ :‬يسيء لنا بعض الناس فنستفيد من إساءتهم ؟‬
‫فّعا‬
‫قال ‪ ... :‬رب أمر أتاك ل تحمد ال ُ‬
‫ل فيه وتحمد الفعال‬
‫قلنا ‪ :‬بعض العداوة نافعة ‪.‬‬
‫م‬
‫قال ‪ ... :‬ومن العداوة ما ينالك نفعه ‪ ...‬ومن الصداقة ما يضر ويؤل ُ‬
‫قلنا ‪ :‬بماذا عاقبت حسادك ؟‬
‫م‬
‫قال ‪ ... :‬إني وإن ُلمت ح ّ‬
‫سادي فما ‪ ...‬أنكر أني عقوبة له ُ‬
‫قلنا ‪ :‬ما أحسن الحلل الملبوسة ؟‬
‫قال ‪ ... :‬ورفلت في حلل الثناء وإنما ‪ ...‬عدم الثناء نهاية العدام ِ‬
‫قلنا ‪ :‬ما أحسن ما خّلف النسان بعد موته ؟‬
‫قال ‪ ... :‬كفل الثناء له برد حياته ‪ ...‬لما انطوى فكأنه منشوُر‬
‫قلنا ‪ :‬بعضهم يكثر من الحلف ؟‬
‫م‬
‫مته‬
‫الميعاد‬
‫في‬
‫أنك‬
‫دل‬
‫ما‬
‫‪...‬‬
‫واعده‬
‫أنت‬
‫قال ‪ ... :‬وفي اليمين على ما‬
‫ُ‬
‫‪74‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قلنا ‪ :‬من أحق الناس بالمجد ؟‬
‫قال ‪ ... :‬أحقهمو بالمجد من ضرب الطلى‬
‫وبالمر من هانت عليه الشدائد‬
‫قلنا ‪ :‬ما المن والخوف ؟‬
‫قال ‪ ... :‬وما الخوف إل ما تخوفه الفتى‬
‫وما المن إل ما رآه الفتى أمنا‬
‫قلنا ‪ :‬نحن بين خوف ورجاء ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه‬
‫وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي‬
‫قلنا ‪ :‬بلينا والدهر ما َبلي ‪.‬‬
‫ً‬
‫قال ‪ ... :‬إذا ما لبست الدهر مستمتعا به‬
‫ق‬
‫تخرقت والملبوس لم يتخر ِ‬
‫قلنا ‪ :‬نحن نحاول كتم مشاعرنا فما نستطيع ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬باد ٍ هواك صبرت أم لم تصبرا‬
‫وبكاك إذ لم يجر دمعك أو جرى‬
‫قلنا ‪ :‬بعضهم يضع من علماء السلم ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬من كان فوق محل الشمس موضعه‬
‫ع‬
‫فليس يرفعه شيء ول يض ُ‬
‫قلنا ‪ :‬ما وصف من أراد العلياء ؟‬
‫قال ‪ ... :‬كثير سهاد العين من غير علة‬
‫يؤرقه فيما يشرفه الفكر‬
‫قلنا ‪ :‬تزداد همتنا عند قراءة سير السلف ؟‬
‫قال ‪ ... :‬فل تسمعاه ذا المديح فإنه‬
‫ق‬
‫شجاع متى يذكر له الطعن يشت ِ‬
‫قلنا ‪ :‬أظنه ل ُيهرب من الموت ؟‬
‫قال ‪ ... :‬نعد المشرفية والعوالي‬
‫ل‬
‫وتقتلنا المنون بل قتا ِ‬
‫قلنا ‪ :‬بعضهم ل يرضى إل بالمحل العالي ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬على قدر أهل العزم تأتي العزائم‬
‫وتأتي على قدر الكرام المكارم‬
‫مى ؟‬
‫قلنا ‪ :‬ما رأيك في الح ّ‬
‫قال ‪ ... :‬وزائرتي كأن بها حياًء‬
‫فليس تزور إل في الظلم‬
‫قلنا ‪ :‬والفراق ؟‬
‫)‪(56 /‬‬
‫قال ‪ ... :‬لول مفارقة الحباب ما وجدت‬
‫لها المنايا إلى أرواحنا سبل‬
‫قلنا ‪ :‬صف لنا نفسك ؟‬
‫جع القلب‬
‫مو َ‬
‫قال ‪ ... :‬خلقت ألوفا ً لو رجعت إلى الصبا ‪ ...‬لفارقت شيبي ُ‬
‫باكيا‬
‫قلنا ‪ :‬أما ترى فصاحة بعض الناس ؟‬
‫قال ‪ ... :‬إذا سمع الناس ألفاظه‬

‫‪75‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫خلقن له في القلوب الحسد‬
‫قلنا ‪ :‬ما أحسن صفات المتقي لربه ؟‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫ت مرتق ٌ‬
‫قال ‪ ... :‬عليك منك إذا أخلي َ‬
‫لم تأت في السر ما لم تأت إعلنا‬
‫قلنا ‪ :‬بعضهم يخشع ظاهره فحسب ؟‬
‫قال ‪ ... :‬وإطراق طرف العين ليس بنافع‬
‫ق‬
‫إذا كان طرف القلب ليس بمطر ِ‬
‫قلنا ‪ :‬ما أجمل كلم ؟‬
‫مشّيع بالمسامع إن مضى‬
‫قال ‪ ... :‬فهو ال ُ‬
‫ُ‬
‫وهو المضاعف حسنه إن كّررا‬
‫قلنا ‪ :‬هل للموت من طبيب ؟‬
‫قال ‪ ... :‬وقد فارق الناس الحبة قبلنا‬
‫وأعيا دواء الموت كل طبيب‬
‫قلنا ‪ :‬الناس اختلفوا في معاني أبياتك ؟‬
‫قال ‪ ... :‬أنام ملء جفوني عن شواردها‬
‫م‬
‫ويسهر الناس جّراها ويختص ُ‬
‫قلنا ‪ُ :‬أدميت قدما رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬لما عاد من الطائف‬
‫فما تعليقكم ؟‬
‫قال ‪ ... :‬إن كان سركمو ما قال حاسدنا‬
‫فما لجرح إذا أرضاكمو ألم‬
‫قلنا ‪ :‬أما ترى سب المنافقين لهل الدين ؟‬
‫قال ‪ ... :‬ما أبعد العيب والنقصان من شرفي‬
‫م‬
‫أنا الثريا وذان الشيب والهر ُ‬
‫قلنا ‪ :‬نحن نطمع في لقاء رسولنا ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬في الخرة ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬وما صبابة مشتاق على أمل‬
‫من اللقاء كمشتاق بل أمل‬
‫قلنا ‪ :‬عندنا شريعة فهل نضيف إليها تجارب الخرين ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬خذ ما رأيت ودع شيئا ً سمعت به‬
‫ل‬
‫في طلعة البدر ما يغنيك عن زح ِ‬
‫قلنا ‪ :‬ماذا تقول لو طلب منك وصف الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬؟‬
‫قال ‪ ... :‬الشمس من حساده والنصر من‬
‫أين الثلثة من ثلث خلله‬
‫مضت الدهور وما أتين بمثله ‪ ...‬قرنائه والسيف من أسمائه‬
‫من حسنه وإبائه ومضائه‬
‫ولقد أتى وعجزن عن نظرائه‬
‫قلنا ‪ :‬هل لحسد الحاسد من دواء ؟‬
‫قال ‪ ... :‬سوى وجع الحساد داو فإنه‬
‫ن من حاسد في مودة ‪ ...‬إذا حل في قلب فليس يحول‬
‫ول تطمعَ ْ‬
‫وإن كنت تبديها له وتنيل‬
‫قلنا ‪ :‬لمن يكتب النصر ؟‬
‫ون الدنيا على النفس ساعة ‪ ...‬وللبيض في هام الكماة‬
‫قال ‪ ... :‬لمن ه ّ‬
‫صليل‬
‫قلنا ‪ :‬لو عدت شيخ السلم وهو مريض فماذا تقول ؟ قال ‪ :‬كنت قلت ‪:‬‬
‫المجد عوفي إذ عوفيت والكرم‬
‫‪76‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حت بصحتك الغارات وابتهجت‬
‫ص ّ‬
‫َ‬
‫وراجع الشمس نور كان فارقها‬
‫وما أخصك في برء بتهنئة ‪ ...‬وزال عنك إلى أعدائك اللم‬
‫بها المكارم وانهلت بها الديم‬
‫كأنما فقده في جسمها سقم‬
‫إذا سلمت فكل الناس قد سلموا‬
‫قلنا ‪ :‬بعض الناس يتقدم إلى المعالي بشجاعة ؟‬
‫قال ‪ ... :‬هو الجد حتى تفضل العين أختها ‪ ...‬وحتى يكون اليوم لليوم سّيدا‬
‫قلنا ‪ :‬كيف نعاقب الحرار إذا أخطؤوا ؟‬
‫قال ‪ ... :‬وما قتل الحرار كالعفو عنهمو ‪ ...‬ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا‬
‫قلنا ‪ :‬هل تصلح الشدة مكان اللين والعكس ؟ قال ‪:‬‬
‫ووضع الندى في موضع السيف بالعلى ‪ ...‬مضر كوضع السيف في موضع‬
‫الندى‬
‫قلنا ‪ :‬ماذا تقول لحبيبك لو مرض ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬وإذا صح فالزمان صحيح ‪ ...‬وإذا اعتل فالزمان عليل‬
‫قلنا ‪ :‬أما تخشى أن يشوه السلم من قبل بنيه ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬وكيف تعّلك الدنيا بشيء ‪ ...‬وأنت بعّلة الدنيا طبيب‬
‫قلنا ‪ :‬أل ترى كيف تقلب بنا الزمان ‪.‬‬
‫ن خليل ً ل يضر وصو ُ‬
‫ل‬
‫قال ‪ ... :‬وصرنا نرى أن المتارك محسن ‪ ...‬وأ ّ‬
‫قلنا ‪ :‬نشكو قلة النصاف من أهل زماننا ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬ولم تزل قلة النصاف قاطعة‬
‫بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم‬
‫قلنا ‪ :‬أحيانا ً نشكو ما بنا إلى الصحاب ‪.‬‬
‫ش ّ‬
‫قال ‪ ... :‬ول ت َ َ‬
‫ق فتشمته‬
‫ك إلى خل ٍ‬
‫شكوى الجريح إلى الغربان والرخم‬
‫قلنا ‪ :‬كيف نعامل الناس ؟‬
‫قال ‪ ... :‬وكن على حذر للناس تستره‬
‫غاض الوفاء فما تلقاه في عدة ‪ ...‬ول يغرك منهم ثغر مبتسم ِ‬
‫وأعوز الصدق في الخبار والقسم ِ‬
‫قلنا ‪ :‬هل يشعر الناقصون بنقصهم ؟‬
‫قال ‪ ... :‬كدعواك ك ّ‬
‫دعي صحة العقل‬
‫لي ّ‬
‫ل‬
‫ومن ذا الذي يدري بما فيه من جه ِ‬
‫قلنا ‪ :‬معنا علماء بين أظهرنا ونرى الناس ل يستفيدون منهم ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬وليس الذي يتّبع الوبل رائدا ً ‪ ...‬كمن جاءه في داره رائد الوبل‬
‫قلنا ‪ :‬خلصة تجربتك مع الناس ما هي ؟‬
‫قال ‪ ... :‬ومن عرف اليام معرفتي بها‬
‫فليس بمرحوم إذا ظفروا به ‪ ...‬وبالناس روى رمحه غير ظالم‬
‫ول في الردى الجاري عليهم بآثم‬
‫قلنا ‪ :‬هل تحب الهدية ممن تحب ؟‬
‫قال ‪ ... :‬وما أنا بالباغي على الحب رشوة ‪ ...‬ضعيف هوىً يبغي عليه ثوابا‬
‫قلنا ‪ :‬هل من رسالة ؟‬
‫قال ‪ ... :‬يا من يعز علينا أن نفارقهم‬
‫م‬
‫وجداننا كل شيء بعدكم عد ُ‬
‫قلنا ‪ :‬وداعا ً ‪.‬‬
‫‪77‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن‬
‫قال ‪ ... :‬رحلت فكم باك بأجفان شاد ٍ‬
‫ي وكم باك بأجفان ضيغم‬
‫عل ّ‬
‫قلنا ‪ :‬ل تبك على فراقنا ‪.‬‬
‫قال ‪ ... :‬قد كنت أشفق من دمعي على بصري‬
‫فاليوم كل عزيز بعدكم هانا‬
‫****************************‬
‫مة ال ّ‬
‫شفائية‬
‫المقا َ‬
‫ت فَهُوَ ي َ ْ‬
‫ن{‬
‫ش ِ‬
‫مرِ ْ‬
‫ض ُ‬
‫} وَإ َِذا َ‬
‫في ِ‬
‫)) طهور إن شاء الله ((‬
‫مرض الحبيب فزرته‬
‫وأتى الحبيب يزورني ‪ ...‬فمرضت من خوفي عليه‬
‫فشفيت من نظري إليه‬
‫)‪(57 /‬‬
‫أيها المريض ‪ ،‬على السرير العريض ‪ ،‬طهور ما أصابك ‪ ،‬وكفارة ما نابك ‪،‬‬
‫والله قد أجابك ‪ .‬مع كل وّنة ‪ ،‬نسيم من الجنة ‪ ،‬ومع كل رنة ‪ ،‬بشرى من‬
‫السنة ‪.‬‬
‫فارة كافية ‪ ،‬أو نفحة من الله‬
‫بشر المريض بعافية ‪ ،‬أو رحمة وافية ‪ ،‬أو ك ّ‬
‫شافية ‪:‬‬
‫تموت النفوس بأوصابها‬
‫ولم يدر عوادها ما بها‬
‫وما أنصفت مهجة تشتكي‬
‫أذاها إلى غير أحبابها‬
‫َ‬
‫و‬
‫أيها المرضى ل تكونوا يائسين ‪ ،‬أو أ ِ‬
‫مرِ ْ‬
‫ض ُ‬
‫سفين ‪ ،‬ورّددوا ‪ } :‬وَإ َِذا َ‬
‫ت فَهُ َ‬
‫يَ ْ‬
‫ن{‪.‬‬
‫ش ِ‬
‫في ِ‬
‫بقي أيوب ‪ ،‬في البليا والخطوب ‪ ،‬ماله مسلوب ‪ ،‬وجسمه منكوب ‪ ،‬فنادى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن { ‪ ،‬فعاد من‬
‫م الّرا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ت أْر َ‬
‫سِني ال ّ‬
‫م ّ‬
‫ح ُ‬
‫ضّر وَأن ْ َ‬
‫علم الغيوب ‪ } ،‬أّني َ‬
‫مي َ‬
‫السالمين الغانمين ‪.‬‬
‫بشر من أصابه الوصب والنصب ‪ ،‬بقصور في الجنة من قصب ‪ ،‬إذا صبر‬
‫واحتسب‪.‬‬
‫ل تقل ‪ :‬آه ‪ ،‬ولكن قل ‪ :‬يا الله ‪.‬‬
‫كيف أشكو إلى طبيبي ما بي‬
‫والذي قد أصابني من طبيبي‬
‫إذا أصابك جرح ‪ ،‬فل تقل أح ‪ ،‬لن الصبر يقول هذا ما يصح ‪ ،‬ول يستحق من‬
‫شكا المدح ‪ .‬سبحان من أحبك فابتلك ‪ ،‬ليسمع نجواك ‪ ،‬وليصعد إليه بكاك ‪،‬‬
‫وترتفع إليه شكواك ‪.‬‬
‫نحن ما زلنا على العهد ولو‬
‫ى ‪ ...‬قطعت منا على العهد رؤوس‬
‫كلما ذقنا من الهجر لظ ً‬
‫أشرقت في حب مولنا النفوس‬
‫هنيئا ً لك أنت على سرير التطهير ‪ ،‬وعلى كرسي التكفير ‪ ،‬ترعاك عناية‬
‫اللطيف الخبير ‪.‬‬
‫الرحمة عليك تهبط ‪ ،‬والخطايا تسقط ‪ ،‬أدخلك الكير ‪ ،‬لتخرج ذهبا ‪ ،‬إذا سلب‬
‫ما أعطى فطالما وهبا ‪ ،‬واعلم أنه يدخر لك أجرا ً عجيبا ‪ ،‬وثوابا ً طيبا ‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ى على جنب ‪ ،‬فأنت قريب من الرب ‪ ،‬ل‬
‫ما دام أنك منكسر القلب ‪ ،‬ملق ً‬
‫يغرنك المنافق فهو عير على شعير ‪ ،‬وبعير على شفا بير ‪ ،‬تأتي ضربته‬
‫قاصدة ‪ ،‬ونفسه جامدة ‪ ،‬وروحه جاحدة ‪ ،‬فهو كشجرة ال َْرزة ‪ ،‬منتصبة ‪،‬‬
‫متصلبة ‪ ،‬وفي لحظة وإذا هي متقلبة ‪.‬‬
‫أما أنت يا مؤمن فأنت كالخامة مع ريح الشمال ‪ ،‬مرة من يمين ومرة من‬
‫شمال ‪ ،‬لنك شجرة جمال وجلل ‪.‬‬
‫والله لو أحرقوني في الهوى حمما‬
‫منكم دوائي ودائي صرت عبدكمو ‪ ...‬ما اخترت غيركمو في الكون إنسانا‬
‫أرى بلءكمو في الجسم إحسانا‬
‫يا أيها المسلم المبتلى ‪ ،‬حظك اعتلى ‪ ،‬وثمنك غل ‪ ،‬وغبار المعصية عنك‬
‫انجلى ‪.‬‬
‫والله إنك أحب إلى ربك من المنافق السمين ‪ ،‬والفاجر البطين ‪ ،‬والعاصي‬
‫الثخين ‪ ،‬كما أخبر الصادق المين ‪.‬‬
‫المنافق كالخروف ‪ ،‬يسمن للضيوف ‪ ،‬ثم يذبح بسكين الحتوف ‪.‬‬
‫ّ‬
‫در ‪ ،‬ويصل إلى المحل الموقر ‪.‬‬
‫مر ‪ ،‬ليقطع السير المق ّ‬
‫والمؤمن جواد يض ّ‬
‫أل بلغ الله الحمى من يريده‬
‫وجازاك ربي أيها الداء نعمة ‪ ...‬وبّلغ أطراف الحمى من يريدها‬
‫فقد حّرك الشواق منك بريدها‬
‫دع الشحم يذوب ‪ ،‬وتذهب الذنوب ‪ ،‬وتخشع النفس وتتوب ‪ ،‬ويعود القلب‬
‫عودة حميدة ‪ ،‬وترجع الروح رجعة مجيدة ‪.‬‬
‫سّرة البيضاء ‪ ،‬هنيئا ً لكم هذا البلء ‪ ،‬وأبشروا بالشفاء ‪ .‬أو بمغفرة‬
‫يا أهل ال ِ‬
‫تغسل الخطاء ‪ ،‬ورحمة أعظم من الدواء ‪.‬‬
‫المرض يذهب الكبر والبطر ‪ ،‬والعجب والشر ‪ ،‬لن الرزايا إلى الجنة مطايا ‪،‬‬
‫والبليا من الرحمن عطايا ‪ ،‬وإلى رضوانه مطايا ‪ ،‬ابتلك بالسقام ‪ ،‬ليغسل‬
‫عنك الثام ‪.‬‬
‫فافرح لنه رشحك للعبودّية ‪ ،‬لن البلء طريقة محمدّية ‪ ،‬يبتلى الناس المثل‬
‫فالمثل ‪ ،‬والفضل فالفضل ‪ ،‬والكمل فالكمل ‪.‬‬
‫إذا أحب الله قوما ً ابتلهم ‪ ،‬وطّهرهم وج ّ‬
‫لهم‬
‫ن كان سركمو ما قال حاسدنا‬
‫إ ْ‬
‫م‬
‫أل‬
‫أرضاكمو‬
‫إذا‬
‫لجرح‬
‫فما‬
‫ُ‬
‫كان رسولنا ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يوعك كما يوعك رجلن ‪ ،‬لنه حبيب‬
‫للرحمن ‪ ،‬كامل اليمان ‪ ،‬تام الحسان ‪.‬‬
‫مرض عمران بن الحصين ‪ ،‬الصحابي المين ‪ ،‬ثلثين عاما ‪ ،‬حمل فيها أسقاما‬
‫‪ ،‬وذاق آلما ‪ ،‬فقال له أصحابه ‪ ،‬وطلب منه أحبابه ‪ ،‬أن يدعو رّبه ليكشف‬
‫ي أحبه إلى ربي ‪ ،‬ولعله يغفر ذنبي ‪.‬‬
‫كربه ‪ ،‬قال ‪ :‬كل أحبه إل ّ‬
‫وكانوا يفرحون بالبلية ‪ ،‬ويعدونها عطية ‪ ،‬ونفوسهم بمواقع القدر رضية ‪،‬‬
‫ويرون المحنة منحة ‪ ،‬والترحة فرحة ‪ ،‬لنهم تعرفوا على الخالق ‪ ،‬فعرفهم‬
‫الحقائق ‪.‬‬
‫لع ّ‬
‫ل عتبك محمود عواقبه‬
‫فربما صحت الجسام بالعلل‬
‫ً‬
‫اصبر على مرارة دواء المصيبة ‪ ،‬لترى أحوال عجيبة ‪ ،‬فعافيتك قريبة ‪ ،‬والّرضا‬
‫مّر القضا ‪ ،‬ولو على جمر الغضى ‪ ،‬وحّر الّلظى ‪.‬‬
‫ب ُ‬
‫اسجد على الجمر في مرضاة مولكا‬
‫ب إّياكا‬
‫إياك أن تشتكي في الح ّ‬
‫‪79‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ة البلء ‪ ،‬ل يدخلها إل ّ الولياء ‪ ،‬ويرد عنها الدعياء ‪ ،‬واسأل عن ذلك تاريخ‬
‫واب ُ‬
‫ب ّ‬
‫النبياء ‪ .‬البلء أعظم لجرك ‪ ،‬إذا قوي أيوب صبرك ‪ ،‬تريد الجنة بل ثمن ‪،‬‬
‫وأنت ما مرضت من زمن ‪ ،‬وفي غفلة العافية مرتهن ‪.‬‬
‫المرض صيحة تفتح السماع والبصار ‪ ،‬وتذكر البرار ‪ ،‬وتنفض عن الصالحين‬
‫الغبار ليكونوا من الطهار الخيار ‪.‬‬
‫ن عليه بلحم‬
‫إذا ابتلى الله العبد بالسقم ‪ ،‬وسّلط عليه اللم ‪ ،‬ثم شافاه َ‬
‫م ّ‬
‫ودم ‪ ،‬وما شاء من نعم ‪ ،‬وإن توفاه غفر له ما تأخر وما تقدم ‪ ،‬من الذنب‬
‫واللمم ‪.‬‬
‫إذا مرضت ذهب الظمأ بالغفران ‪ ،‬وابتلت العروق بالرضوان ‪ ،‬وثبت الجر‬
‫عند الدّيان ‪ ،‬وه ّ‬
‫ذب القلب من الكبر والطغيان ‪.‬‬
‫)‪(58 /‬‬
‫كل إن النسان ليطغى ‪ ،‬أن رآه استغنى ‪ ،‬وإلى زينة الدنيا يصغى ‪ ،‬فعلم الله‬
‫أن تهذيبه في تعذيبه ‪ ،‬وتقريبه في تأديبه ‪ .‬كلما ضرب العبد سوطا ‪ ،‬عاد إلى‬
‫الله شوطا ‪:‬‬
‫يا نائما ً فوق السرير ممرضا ً‬
‫م‬
‫مرت على آلمه أعوا ُ‬
‫أبشر فإن الله زادك رفعة‬
‫م‬
‫في كل مكروه أتى إكرا ُ‬
‫فر عنك آثار‬
‫هذا المرض حماك من فعلة شنعاء ‪ ،‬ووقاك من داهية دهياء ‪ ،‬وك َ ّ‬
‫الفحشاء ‪ ،‬ورفرفت به روحك من الرض إلى السماء ‪.‬‬
‫بالمرض يجول القلب في سماء التوحيد ‪ ،‬وتطير الروح في فضاء التجريد ‪،‬‬
‫ويغسل البدن بماء النابة ‪ ،‬ويفتح الله للمريض بابه ‪ ،‬ويسارع إليه بالجابة ‪.‬‬
‫عند المريض رسالة من ربه ‪ ،‬كتبت حروفها في قلبه ‪ ،‬فحواها ‪ :‬أحببناك‬
‫فأدبناك ‪ ،‬وبالمرض قربناك ‪ ،‬وبالبلء هذبناك ‪.‬‬
‫ويقبح من سواك الفعل عندي‬
‫وتفعله فيحسن منك ذاكا‬
‫إبل الهدي تتقدم شوقا ً للرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وبيده الحربة ‪،‬‬
‫تنتظر منه الضربة ‪ ،‬لتذوق حلوة اللم ‪ ،‬من كف سيد المم ‪ ،‬وأنت تتبرم‬
‫بالبلء ‪ ،‬وهو عتاب من رب الرض والسماء ‪:‬‬
‫وقلتم معاذ الله أن يصرف الهوى‬
‫لغيركمو مهما حملتم لنا عتبا‬
‫فها نحن عاتبناكمو فإذا الهوى‬
‫يخون وصرتم بعد هذا الهوى غضبى‬
‫أيها المريض ‪ :‬أسأل الله العظيم ‪ ،‬رب العرش العظيم ‪ ،‬أن يشفيك ‪.‬‬
‫****************************‬
‫مة الرمضانّية‬
‫المقا َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ذي أنزِ َ‬
‫} َ‬
‫ن{‬
‫ل ِفيهِ ال ُ‬
‫ن ال ِ‬
‫قْرآ ُ‬
‫ضا َ‬
‫م َ‬
‫شهُْر َر َ‬
‫)) ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الجر إن شاء الله ((‬
‫مرحبا ً برمضان ‪ ،‬شهر التوبة والرضوان ‪ ،‬شهر الصلح واليمان ‪ ،‬شهر‬
‫الصدقة والحسان ‪ ،‬ومغفرة الرحمن ‪ ،‬وتزين الجنان ‪ ،‬وتصفيد الشيطان ‪.‬‬
‫مرحبا ً أهل ً وسهل ً بالصيام‬
‫فاغفر اللهم ربي ذنبنا ‪ ...‬يا حبيبا ً زارنا في كل عام‬

‫‪80‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ثم زدنا من عطاياك الجسام‬
‫هذا شهر العتق والصدق والرفق ‪ ،‬رقاب تعتق ‪ ،‬ونفوس ترفق ‪ ،‬وأياد‬
‫تتصدق ‪ ،‬باب الجود في رمضان مفتوح ‪ ،‬والرحمة تغدو وتروح ‪ ،‬والفوز‬
‫ممنوح ‪ ،‬فيه ترتاح الروح ‪ ،‬لنه شهر الفتوح ‪ ،‬هنيئا ً لمن صامه ‪ ،‬وترك فيه‬
‫مه ‪ .‬القلب يصوم في‬
‫مه ‪ ،‬واتبع إما َ‬
‫مه ‪ ،‬وبشرى لمن قا َ‬
‫شرابه وطعا َ‬
‫رمضان ‪ ،‬عن اعتقاد العصيان ‪ ،‬وإضمار العدوان ‪ ،‬وإسرار الطغيان ‪.‬‬
‫والعين تصوم عن النظر الحرام ‪ ،‬فتغض خوفا ً من الملك العلم ‪ ،‬فل يقع‬
‫بصرها على الثام ‪ .‬والذن تصوم عن الخنا ‪ ،‬واستماع الغنا ‪ ،‬فتنصت للذكر‬
‫الحكيم ‪ ،‬والكلم الكريم ‪ .‬واللسان يصوم عن الفحشاء ‪ ،‬والكلمة الشنعاء ‪،‬‬
‫والجمل الفظيعة ‪ ،‬والمفردات الخليعة ‪ ،‬امتثال ً للشريعة ‪ .‬واليد تصوم عن‬
‫رجل‬
‫أذية العباد ‪ ،‬ومزاولة الفساد ‪ ،‬والظلم والعناد ‪ ،‬والفساد في البلد‪ .‬وال ِ‬
‫دم ‪.‬‬
‫تصوم عن المشي إلى المحّرم ‪ ،‬فل تسير إلى إثم ول تتق ّ‬
‫والله ما جئتكمو زائرا ً‬
‫َ‬
‫ول انثنت رجلي عن بابكم ‪ ...‬إل وجدت الرض ُتطوى لي‬
‫إل تعثرت بأذيالي‬
‫أما آن للعصاة أن ينغمسوا في نهر الصيام ‪ ،‬ليطهروا تلك الجسام ‪ ،‬من‬
‫الثام ‪ .‬ويغسلوا ما علق بالقلوب من الحرام ‪.‬‬
‫أما آن للمعرضين أن يدخلوا من باب الصائمين ‪ ،‬على رب العالمين ‪ ،‬ليجدوا‬
‫الرضوان في مقام أمين ‪.‬‬
‫إن رمضان فرصة العمر السانحة ‪ ،‬وموسم البضاعة الرابحة ‪ ،‬والكفة‬
‫فر السيئات ‪ ،‬وُتمحى الخطيئات ‪.‬‬
‫الراجحة ‪ ،‬يوم تعظم الحسنات ‪ ،‬وتك ّ‬
‫إن ثياب العصيان آن لها أن تخلع في رمضان ‪ ،‬ليلبس الله العبد ثياب‬
‫الرضوان ‪ .‬وليجود عليه بتوبة تمحو ما كان من الذنب والبهتان ‪.‬‬
‫إن مضى بيننا وبينك عتب‬
‫فالقلوب التي تركت كما هي ‪ ...‬حين شطت عنا وعنك الدياُر‬
‫والدموع التي عهدت غزاُر‬
‫في رمضان كانت فتوحاتنا ‪ ،‬وإشراقاتنا ‪ ،‬وغزواتنا ‪ ،‬وانتصاراتنا ‪.‬‬
‫في رمضان نزل ذكرنا الحكيم ‪ ،‬على رسولنا الكريم ‪ ،‬وهو سر مجدنا العظيم‬
‫‪.‬‬
‫في رمضان التقى الجمعان ‪ ،‬جمع الرحمن وجمع الشيطان ‪ ،‬في بدر الكبرى‬
‫يوم رجح ميزان اليمان ‪ ،‬ونسف الطغيان ‪ ،‬وانهزم الخسران ‪ .‬في رمضان‬
‫فتحت مكة بالسلم ‪ ،‬وتهاوت الصنام ‪ ،‬وارتفعت العلم ‪ ،‬وعلم الحلل‬
‫والحرام ‪.‬‬
‫في رمضان كانت حطين العظيمة ‪ ،‬يوم انتصرت رايات صلح الدين‬
‫الكريمة ‪ ،‬وارتفعت الملة القويمة ‪ ،‬وصارت راية الصليب يتيمة ‪.‬‬
‫صيام النفس في رمضان عزوف عن النحراف ‪ ،‬والنصراف والسراف‬
‫والقتراف ‪ ،‬فالنفس تعلن الرجوع ‪ ،‬والقلب يحمل الخشوع ‪ ،‬والبدن يعلوه‬
‫الخضوع ‪ ،‬والعين تجود بالدموع ‪.‬‬
‫لشهر رمضان وقار فل سباب ‪ ،‬ول اغتياب ‪ ،‬ول نميمة ‪ ،‬ول شتيمة ‪ ،‬ول بذاء ‪،‬‬
‫ول فحشاء ‪ ،‬وإنما أذكار واستغفار ‪ ،‬واستسلم للقهار ‪ ،‬فالمسلمون في‬
‫رمضان كما قيل ‪:‬‬
‫ر‬
‫هينون لينون أيسار بنو ي ُ ْ‬
‫س ٍ‬
‫ل ينطقون عن الفحشاء إن نطقوا ‪ ...‬أهل العبادة حفاظون للجاِر‬
‫ول يمارون إن ماروا بإكثاِر‬
‫‪81‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مردة الشياطين في رمضان تصفد بالقيود ‪ ،‬فل تقتحم الحدود ‪ ،‬ول تخالط‬
‫النفوس في ذلك الزمن المعدود ‪.‬‬
‫إذا ساّبك أحد في رمضان فقل إني صائم ‪ ،‬فليس عندي وقت للخصام ‪ ،‬وما‬
‫مت‬
‫عندي زمن لسيء الكلم ‪ ،‬لن النفس خطمت عن الخطيئة بخطام ‪ ،‬وز ّ‬
‫عن المعصية بزمام ‪.‬‬
‫)‪(59 /‬‬
‫إذا قاتلك أحد في رمضان فقل إني صائم فلن أحمل السلح ‪ ،‬لنني في‬
‫موسم الصلح ‪ ،‬وفي ميدان الفلح ‪ ،‬وفي محراب حي على الفلح ‪.‬‬
‫ن‬
‫اغسل بنهر الدمع آثار الهوى ‪ ...‬تنسى الذي قد مر من أحزا ِ‬
‫كان السلف إذا دخل رمضان ‪ ،‬أكثروا قراءة القرآن ‪ ،‬ولزموا الذكر كل آن ‪،‬‬
‫ورقعوا ثوب التوبة بالغفران ‪ ،‬لنه طالما تمزق بيد العصيان ‪.‬‬
‫هذا الشهر هو غيث القلوب ‪ ،‬بعد جدب الذنوب ‪ ،‬وسلوة الرواح بعد فزع‬
‫الخطوب ‪.‬‬
‫رمضان يذكرك بالجائعين ‪ ،‬ويخبرك بأن هناك بائسين ‪ ،‬وأن في العالمين‬
‫مساكين ‪ ،‬لتكون عونا ً لخوانك المسلمين ‪.‬‬
‫فرحة لك عند الفطار ‪ ،‬لن الهم ذهب وطار ‪ ،‬وأصبحت على مائدة الغفار ‪،‬‬
‫بعد أن أحسنت في النهار ‪.‬‬
‫وفرحة لك عند لقاء ربك ‪ ،‬إذا غفر ذنبك ‪ ،‬وأرضى قلبك ‪.‬‬
‫بعض السلف في رمضان لزم المسجد ‪ ،‬يتلو ويتعبد ‪ ،‬ويسبح ويتهجد ‪.‬‬
‫وبعضهم تصدق في رمضان بمثل ديته ثلث مرات ‪ ،‬لنه يعلم أن الحسنات ‪،‬‬
‫يذهبن السيئات ‪ .‬وبعضهم حبس لسانه عن كل منكر ‪ ،‬وأعملها في الذكر ‪،‬‬
‫وأشغلها بالشكر ‪.‬‬
‫هذا شهر اليات البينات ‪ ،‬وزمن العظات ‪ ،‬ووقت الصدقات ‪ ،‬وليس لقراءة‬
‫المجلت ‪ ،‬والمساجلت ‪ ،‬وقتل الوقات ‪ ،‬والتعرض للحرمات ‪.‬‬
‫سلم على الصائمين إذا جلسوا في السحار ‪ ،‬يرددون الستغفار ‪ ،‬ويزجون‬
‫الدمع المدرار ‪ .‬وسلم عليهم إذا طلع الفجر ‪ ،‬وطمعوا في الجر ‪ ،‬تراهم في‬
‫صلتهم خاشعين ‪ ،‬ولمولهم خاضعين ‪.‬‬
‫وسلم عليهم ساعة الفطار ‪ ،‬بعد ذلك التسيار ‪ ،‬وقد جلسوا على مائدة‬
‫الملك الغفار ‪ ،‬يطلبون الجر على عمل النهار ‪.‬‬
‫سبحان من جاعت في طاعته البطون ‪ ،‬وبكت من خشيته العيون ‪ ،‬وسهرت‬
‫لمرضاته الجفون ‪ ،‬وشفيت بقربه الظنون ‪.‬‬
‫ما أحسن الجوع في سبيله ‪ ،‬ما أجمل السهر مع قيلة ‪ ،‬ما أبرك العمل‬
‫بتنزيله ‪ ،‬ما أروع حفظ جميلة ‪.‬‬
‫لها أحاديث من ذكراك تشغلها‬
‫لها بوجهك نور تستضيء به‬
‫إذا تشكت كلل السير أسعفها ‪ ...‬عن الطعام وتلهيها عن الزاد‬
‫ومن حديثك في أعقابها حادي‬
‫شوق القدوم فتحيا عند ميعاد‬
‫ً‬
‫شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ‪ ،‬هداية للبشرية ‪ ،‬وصلحا للنسانية ‪،‬‬
‫ونهاية للوثنية ‪ .‬القرآن حيث أصلح الله به القلوب ‪ ،‬وهدى به الشعوب ‪،‬‬
‫فعمت بركته القطار ودخل نوره كل دار ‪.‬‬
‫سمعتك يا قرآن قد جئت بالبشرى‬

‫‪82‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫سريت تهز الكون سبحان الذي أسرى‬
‫***************************‬
‫المقامة ا َ‬
‫لخبارّية‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫حيَها إ ِل َي ْ َ‬
‫} ت ِل ْ َ‬
‫ك{‬
‫نو‬
‫ب‬
‫ي‬
‫غ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ِ‬
‫ء‬
‫با‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ن‬
‫م‬
‫َْ ِ ُ ِ‬
‫ك ِ ْ َْ‬
‫بينا ترى النسان فيها مخبرا ً‬
‫طبعت على كدر وأنت تريدها ‪ ...‬ألفيته خبرا ً من الخباِر‬
‫صفوا ً من القذار والكداِر‬
‫هذه أخبار الموحدين ‪ ،‬من أنباء النبياء والمرسلين ‪ ،‬وعباد الله الصالحين‪ ،‬من‬
‫إذاعة إياك نعبد وإياك نستعين ‪.‬‬
‫إليكم موجز النباء ‪:‬‬
‫إبراهيم الخليل ينجو من النار ‪ ،‬بقدرة العزيز الجبار ‪.‬‬
‫يوسف يلتقي بأبيه يعقوب بعد غياب طويل ‪ ،‬وصبر جميل ‪.‬‬
‫موسى الكليم يضرب البحر بالعصى فينفلق ‪ ،‬وينجو من الغرق ‪.‬‬
‫محمد ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يعلن التوحيد ‪ ،‬الذي هو حق الله على‬
‫العبيد ‪.‬‬
‫في بدر ‪ :‬هزيمة ساحقة ماحقة للكفار ‪ ،‬وانتصار المهاجرين والنصار ‪.‬‬
‫انتصار المسلمين في القادسّية ‪ ،‬على الجيوش الفارسّية ‪.‬‬
‫عمر بن الخطاب ‪ ،‬يقع شهيدا ً في المحراب ‪.‬‬
‫عثمان بن عفان ‪ ،‬يقتل وهو يقرأ القرآن ‪.‬‬
‫علي بن أبي طالب يستشهد في المسجد ‪ ،‬وهو يتعبد ‪.‬‬
‫خالد بن الوليد ‪ ،‬وكتائب التوحيد ‪ ،‬تهزم جيش الروم العنيد ‪.‬‬
‫كان هذا هو الموجز وإليكم تفصيل النباء ‪:‬‬
‫وضع إبراهيم الخليل في المنجنيق ‪ ،‬ورمي به إلى الحريق ‪ ،‬فنادى الخليل ‪،‬‬
‫حسبنا الله ونعم الوكيل ‪ ،‬فقال للنار كوني بردا ً وسلما ‪ ،‬فنجا إبراهيم وصار‬
‫للناس إماما ‪،‬لن ماء اليمان ‪ ،‬يطفئ لهيب النيران ‪ ،‬ولما رأى إبراهيم النار‬
‫المحماة ‪ ،‬نادى لسان الحال يا الله ‪ ،‬فتوله موله ‪ ،‬وكفاه وحماه ‪ ،‬وأنقذه‬
‫ونجاه ‪ ،‬وهذا يدلك على أن حسبنا الله ونعم الوكيل ‪ ،‬أقوى من كل خطب‬
‫جليل ‪ ،‬وكرب ثقيل ‪ ،‬وخطر وبيل ‪ ،‬لن من معه الله فمعه القوة التي ل ترام‬
‫‪ ،‬والعزة التي ل تضام ‪ ،‬والعروة التي ليس لها انفصام ‪ ،‬فأخلص له الطلب ‪،‬‬
‫وقم بما يجب ‪ ،‬ترى العجب ‪.‬‬
‫يوسف يلقى أباه يعقوب ‪ ،‬بمصر بعد أن كاده إخوانه وألقوه في غيابة الجب ‪،‬‬
‫وبيع في مصر وحبس بضع سنين فشرد عن الهل وأبعد عن الوالد ‪ ،‬وأصبح‬
‫في حكم المفقود الفاقد ‪ ،‬والمشرد الشارد ‪ ،‬في بلد غربة ‪ ،‬وحالة كربة ‪،‬‬
‫وتعرضت له امرأة ذات منصب وجمال ‪ ،‬فقال إني أخاف الله ذا الجلل ‪،‬‬
‫فنصره الله النصر العزيز ‪ ،‬وسخر له العزيز ‪ ،‬وأصبح على خزائن مصر ‪ ،‬إمام‬
‫العصر ‪ ،‬وسلطان القصر ‪ ،‬وجمع الله له أبويه لديه ‪ ،‬وسلموا عليه ‪ ،‬وجمع‬
‫الشمل ‪ ،‬وظهر الفضل ‪ ،‬وتمت الفراح ‪ ،‬وزالت التراح ‪ ،‬جزاء الصبر ‪،‬‬
‫وطاعة المر ‪ ،‬وكانت العاقبة للتقوى ‪ ،‬لن حزب الله هو القوى ‪ ،‬فعفا‬
‫يوسف عما بدر من إخوانه ‪ ،‬فكان مضرب المثل في الحلم لهل زمانه ‪،‬‬
‫ونسي ما مضى ‪ ،‬لنه ذهب وانقضى ‪ ،‬فطاب الجتماع بعد النقطاع ‪ ،‬وحصل‬
‫الوئام بعد النفصام ‪ ،‬وتمت النعمة وزالت النقمة ‪.‬‬
‫)‪(60 /‬‬

‫‪83‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫خرج موسى وفي قلبه إياك نعبد وإياك نستعين ‪ ،‬فلما صار وراءه فرعون‬
‫اللعين ‪ ،‬نادى موسى ‪ :‬كل إن معي ربي سيهدين ‪ ،‬فأنجى الله موسى ومن‬
‫فر أنف فرعون في الطين ‪ ،‬لن فرعون قال ‪ :‬ما‬
‫معه من المؤمنين ‪ ،‬وع ّ‬
‫علمت لكم من إله غيري وهو كذاب ‪ ،‬فأراه الله أن أنف الدعي يمرغ في‬
‫التراب ‪ ،‬وكان المخذول يقول‪ :‬أليس لي ملك مصر وهذه النهار تجري من‬
‫تحتي وما أجراه ‪ ،‬يفتخر بنهر ما أجراه ‪ ،‬فأجرى الله الماء من على رأسه‬
‫وأخزاه ‪.‬‬
‫بعث في مكة رسول الهداية ‪ ،‬ومبعوث العناية ‪ ،‬فكان التوحيد عنده البداية ‪،‬‬
‫هتف به في النائمين ‪ ،‬وأعلنه في العالمين ‪ ،‬فل إله إل الله أي نبأ ٍ عبر‬
‫القطار ‪ ،‬وأي خبر شق المصار ‪ ،‬سابقت الفجر كتائبه ‪ ،‬وأخجلت الغيث‬
‫سحائبة ‪ ،‬أعاد الفطرة إلى سيرتها على التوحيد ‪ ،‬وأحيا النفوس من رقدتها‬
‫الكبرى إلى نهار الدين الجديد ‪ ،‬ففتح الله به السماع والبصار ‪ ،‬وبشر بالجنة‬
‫وحذر من النار ‪.‬‬
‫سحق ‪ ،‬والزور‬
‫وقعت غزوة بدر ‪ ،‬الفاصلة بين السلم والكفر ‪ ،‬حيث الباطل ُ‬
‫محق في بدر نزل جبريل ‪ ،‬على الرسول الجليل ‪ ،‬فانهار جيش الكفر‬
‫ُ‬
‫الذليل ‪ .‬الملئكة مع الصحابة تقاتل ‪ ،‬وفي صف المؤمنين تنازل ‪ ،‬لقد‬
‫اشتركت السماء مع الرض في القتال ‪ ،‬فكان النصر من نصيب الحق ول‬
‫يزال ‪ ،‬في بدر صنعت ملحم الفداء ‪ ،‬ونسجت بردة الوفاء ‪ } ،‬ذ َل َ َ‬
‫ه‬
‫ِ‬
‫ك ب ِأ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م{‬
‫موَْلى ال ّ ِ‬
‫مُنوا وَأ ّ‬
‫موَْلى ل َهُ ْ‬
‫نل َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫ري َ‬
‫ذي َ‬
‫كافِ ِ‬
‫قتل عمر بن الخطاب ‪ ،‬في المحراب ‪ ،‬طعنه أبو لؤلؤة النجس المجوسي‬
‫فكان قتل عمر من أعظم المصائب ‪ ،‬ومن أفظع النوائب ‪ ،‬لنه كان حصنا ً‬
‫للسنة ‪ ،‬وبابا ً دون الفتنة ‪ ،‬نشر العدل ‪ ،‬ومحا الجهل ‪ .‬وبث العلم ‪ ،‬ودّون‬
‫الدواوين ‪ ،‬وكفل المساكين ‪ ،‬وجّند الجناد ‪ ،‬وحمى به الله البلد ‪ ،‬وأسعد به‬
‫العباد ‪ ،‬وبعدما قتل ‪ ،‬وقع في المة خلل ‪ ،‬وماجت الفتن ‪ ،‬وهاجت المحن ‪.‬‬
‫فإنا لله وإنا إليه راجعون ‪ ،‬ولحكمه سامعون مطيعون‬
‫قتل عثمان ‪ ،‬وهو يتلو القرآن ‪ ،‬فوقع دمه على المصحف الكريم ‪ ،‬وذهب هذا‬
‫ب رحيم ‪ ،‬بعدما جمع القرآن من الصدور إلى السطور ‪،‬‬
‫المام إلى جوار ر ٍ‬
‫وسابق إلى كل عمل مبرور ‪ .‬وكان أحد السخياء المعدودين ‪ ،‬والجواد‬
‫المحمودين ‪ ،‬قانتا ً آناء الليل ‪ ،‬بدموع كالسيل ‪ ،‬محسنا ً إلى اليتام ‪ ،‬فهو‬
‫حسنة اليام ‪ ،‬ل يمل من تلوة الكتاب ‪ ،‬ول يفتر من ذكر العذاب ‪.‬‬
‫وقع علي بن أبي طالب شهيدا ‪ ،‬وسار إلى الله شهيدا ‪ ،‬بعدما نصر الملة ‪،‬‬
‫وأدخل على الكفر الذلة ‪ ،‬وقمع الخوارج المارقين ‪ ،‬والمبتدعة المفارقين ‪،‬‬
‫وكان بطل المشاهد ‪ ،‬وصاحب المساجد ‪ ،‬مع زهد معروف ‪ ،‬وعلم موصوف ‪،‬‬
‫وفصاحة بارعة ‪ ،‬وعين دامعة ‪ ،‬وهمة عالية ‪ ،‬وأخلق غالية ‪ ،‬وهو صاحب‬
‫المواقف المحمودة ‪ ،‬والمآثر المشهودة‬
‫هزم سيف الله المسلول ‪ ،‬جيش الروم المخذول ‪ ،‬ورده على عقبيه مكسورا‬
‫‪ ،‬وطرده عن بلد السلم محسورا ‪ ،‬بعد معركة دامية ‪ ،‬ووقعة حامية ‪ ،‬قتل‬
‫فيها شهداء ‪ ،‬وحضرها علماء ‪ ،‬ثم أنزل الله نصره على أبي سليمان ‪ ،‬وجند‬
‫الرحمن ‪ ،‬بعد مصاولة ومجاولة فالسيوف تتصبب دما ‪ ،‬والرض تثور حمما ‪،‬‬
‫والجماجم تتساقط على وقع الرماح ‪ ،‬والبطال تصرع مع خروج الرواح ‪،‬‬
‫فالحمد لله على نصره ‪ ،‬ونفاذ أمره ‪ ،‬وعلو قدره ‪.‬‬
‫استمعتم إلى نشرة الخبار ‪ ،‬أيها الخيار ‪ ،‬وإليكم حالة الطقس اليوم وغدا ً‬
‫وأمس ‪ .‬القلب ملبد بالغيوم ‪ ،‬من كثرة الهموم ‪ ،‬وتراكم سحب الغموم ‪،‬‬
‫رياح الذنوب تثير التربة ‪ ،‬على من له في الخطايا تجربة ‪ ،‬موعد شروق‬
‫‪84‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫شمس التوحيد ‪ ،‬عند عودة العبيد ‪ ،‬إلى الولي الحميد ‪ ،‬يتوقع نزول المطار ‪،‬‬
‫وذهاب الخطار ‪ ،‬عند الكثار من الستغفار ‪ ،‬يخشى من نزول صواعق ‪ ،‬على‬
‫كل كافر وخائن ومارق ‪.‬‬
‫نستودعكم الله ولنا لقاء ‪ ،‬مع تحيات وكالة النباء ‪.‬‬
‫************************‬
‫ب‬
‫مة الح ّ‬
‫مقا َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مُنوا أ َ‬
‫حّبا ل ِلهِ {‬
‫} َوال ِ‬
‫شد ّ ُ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ومن عجب أني أحن إليهمو‬
‫وتطلبهم عيني وهم في سوادها ‪ ...‬فأسأل عنهم من لقيت وهم معي‬
‫ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي‬
‫الحب على المحبين فرض ‪ ،‬وبه قامت السموات والرض ‪ ،‬من لم يدخل جنة‬
‫عبد الرب ‪ ،‬وُترك الذنب ‪ ،‬وهان الخطب ‪،‬‬
‫الحب ‪ ،‬لن ينال القرب ‪ ،‬بالحب ُ‬
‫واحتمل الكرب ‪.‬‬
‫عقل بل حب ل يفكر ‪ ،‬وعين بل حب ل تبصر ‪ ،‬وسماء بل حب ل تمطر ‪،‬‬
‫وروض بل حب ل يزهر ‪ ،‬وسفينة بل حب ل تبحر ‪.‬‬
‫بالحب تتآلف المجرة ‪ ،‬وبالحب تدوم المسرة ‪ ،‬بالحب ترتسم على الثغر‬
‫البسمة ‪ ،‬وتنطلق من الفجر النسمة ‪ ،‬وتشدو الطيور بالنغمة ‪ ،‬أرض بل حب‬
‫صحراء ‪ ،‬وحديقة بل حب جرداء ‪ ،‬ومقلة بل حب عمياء ‪ ،‬وأذن بل حب صماء ‪.‬‬
‫س قبلي‬
‫شكا ألم الفراق النا ُ‬
‫ت‬
‫ما مثل ما ضمت ضلوعي ‪ ...‬وروع بالجوى حي ومي ْ ُ‬
‫وأ ّ‬
‫ت‬
‫فإني ما سمعت ول رأي ُ‬
‫دها ‪ .‬بالحب يقع الوفاق ‪ ،‬والضم‬
‫دها ‪ ،‬وتروم الناقة وحي َ‬
‫ب ُترضعُ الم ولي َ‬
‫بالح ّ‬
‫والعناق ‪ ،‬وبالحب يعم السلم ‪ ،‬والموّدة والوئام ‪.‬‬
‫)‪(61 /‬‬
‫ساط القربى بين الحباب ‪ ،‬وهو سياج المودة بين الصحاب ‪.‬‬
‫الحب هو ب ِ‬
‫بالحب يفهم الطلب كلم المعلم ‪ ،‬وبالحب يسير الجيش وراء القائد ويتقدم ‪،‬‬
‫وبالحب تذعن الرعّية ‪ ،‬ويعمل بالحكام الشرعية ‪ ،‬تصان الحرمات ‪ ،‬وتقدس‬
‫القربات ‪.‬‬
‫بيت ل يقوم على الحب مهدوم ‪ ،‬جيش ل يحمل الحب مهزوم ‪ .‬لكن أعظم‬
‫الحب وأجّله ‪ ،‬ما جاءت به المّلة ‪ ،‬أجمل كلمة في الحب قول الرب ‪:‬‬
‫ه { ‪ .‬فل تطلب حبا ً دونه ‪.‬‬
‫م وَي ُ ِ‬
‫} يُ ِ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫حب ّهُ ْ‬
‫ليس حبا ً قطعة معزوفة‬
‫ليس حبا ً غز ٌ‬
‫ل يمطرنا‬
‫ب بارعٌ نمقه‬
‫أو خطا ٌ‬
‫ما قفا نبكي هو الحب ول‬
‫ما درى مجنون ليلى سره‬
‫إنما الحب دم تنزفه‬
‫أو دموع ثرة تبعثها‬
‫أو سجود ٌ خاشع ترسمه ‪ ...‬من يراع الشاعر المنتحب‬
‫في سطور الكاتب الحر البي‬
‫ه يروي صنوف العتب‬
‫وال ٌ‬
‫ظبية البان وذكرى زينب‬

‫‪85‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ث ذاك هيام الصخب‬
‫عب ٌ‬
‫في سبيل الله خير القرب‬
‫سحرا ً أصدق من قلب الصبي‬
‫َ‬
‫فوق خد الطين فاسجد واقرب‬
‫أحب امرؤ القيس فتاة ‪ ،‬وأحب أبو جهل العزى ومناة ‪ ،‬وأحب قارون الذهب ‪،‬‬
‫وأحب الرئاسة أبو لهب ‪ ،‬فأفلسوا جميعا ‪ ،‬لنهم أخطؤوا خطأ ً شنيعا ‪.‬‬
‫أما حب بلل بن رباح ‪ ،‬فهو البر والصلح ‪ .‬سحب على الرمضاء ‪ ،‬فنادى رب‬
‫الرض والسماء ‪ ،‬انبعث من قلب المحب َأحد ٌ َأحد ‪ ،‬لن في القلب إيمانا ً‬
‫كجبل ُأحد ‪.‬‬
‫إذا كان حب الهائمين من الورى‬
‫فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي ‪ ...‬بليلى وسلمى يسلب اللب والعقل‬
‫سرى قلُبه شوقا ً إلى العالم العلى‬
‫مهر الجنة عند بلل السنة ‪ ،‬ركعتان ودمعتان ‪ .‬الحب ل يعترف باللوان ول‬
‫بالوطان ‪ ،‬والدليل بلل وسلمان ‪ ،‬بلل أبيض القلب أسود البشرة ‪ ،‬فصار‬
‫بالحب مع البررة ‪ ،‬وأبو لهب بالبغض ليس من أهل البيت ‪ ،‬وسلمان نال‬
‫بالحب جائزة سلمان منا أهل البيت ‪.‬‬
‫دعني من حب مجنون ليلى ‪ ،‬ومحبوب سلمى ‪ ،‬ومعشوق عفرا ‪ ،‬فلطالما‬
‫لطخت بأشعارهم الطروس ‪ ،‬وضاقت بأخبارهم النفوس ‪ ،‬وخدعت بقصائدهم‬
‫الجيال ‪ ،‬واتبعهم الضلل ‪.‬‬
‫حدثني عن أنباء النبياء ‪ ،‬وهم من أجل حب الرب يهجرون الباء والبناء ‪.‬‬
‫فإبراهيم يتبرأ من أبيه ‪ ،‬ونوح من بنيه ‪ ،‬وامرأة فرعون تلغي بنفسها عقد‬
‫النكاح ‪ ،‬لن البقاء مع الكافر سفاح ‪.‬‬
‫هذا هو عالم الحب بتضحياته ‪ ،‬بأفراحه وأتراحه ‪ ،‬وهو حب يصلك برضوان‬
‫ن رضاه مطلب ‪ ،‬وعفوه مكسب ‪.‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫والله ما نظرت عيني لغيركمو‬
‫كل الذين رووا في الحب ملحمة ‪ ...‬يا واهب الحب والشواق والمهج‬
‫في آخر الصف أو في أسفل الدرج‬
‫ك فإذا بكاؤه على‬
‫امرؤ القيس يصيح في نجد ‪ ،‬وقد غلبه الوجد ‪ ،‬قفا نب ِ‬
‫الطلل ‪ ،‬وإذا دموعه تسفح على الرمال ‪ ،‬إنه هيام العقل بل وازع ‪ ،‬وحيرة‬
‫النسان بل رادع ‪.‬‬
‫ورسولنا ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يذوق الويلت ‪ ،‬ويعيش النكبات ‪ ،‬ثم ينادي‬
‫موله في ومناجاة إخبات‪ ،‬ويقول ‪ :‬لك العتبى حتى ترضى ‪.‬‬
‫ل تضع عمري بشعر طرفة بن العبد ‪ ،‬وهو يشكو الحب والصد ‪ ،‬حب ماذا ‪ ،‬يا‬
‫ل هُو الل ّ َ‬
‫حد ٌ { بتكرار ‪،‬‬
‫هأ َ‬
‫ُ‬
‫هذا ‪ ،‬أما علمت أن أحد النصار ‪ ،‬كان يقرأ } قُ ْ َ‬
‫فسئل عن المقصود ‪ ،‬قال ‪ :‬لن فيها مدح المعبود ‪ ،‬وأنا أحب تلك البنود ‪،‬‬
‫فدخل الجنة بالمحبة ‪ ،‬لن الله أحبه ‪.‬‬
‫دعني أمسح فوق الروض أجفاني‬
‫نسيت في حبكم أهلي ومنتجعي ‪ ...‬فالنور موقده من بعض أشجاني‬
‫فحبكم عن جميع الناس ألهاني‬
‫شغلونا بالروايات الشرقّية ‪ ،‬والمسرحّية الغربّية ‪ ،‬ويل هذا الجيل ويله ‪ ،‬سهر‬
‫مع غراميات ألف ليلة وليله ‪ ،‬وفي الذكر المنزل ‪ ،‬والحديث المبجل ‪ ،‬قصص‬
‫الحب الصادقة ‪ ،‬والمعاني الناطقة ‪ ،‬ما يخلب اللب ‪ ،‬ويستميل القلب ‪.‬‬
‫الحب ليس رواية شرقية‬
‫الحب مبدأ دعوة قدسية ‪ ...‬بأريجها يتزّوج البطا ُ‬
‫ل‬
‫‪86‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فيها من النور العظيم جل ُ‬
‫ل‬
‫أخرجونا يا قوم من ظلمات عشق العراب ‪ ،‬والهيام في الهداب ‪ ،‬فكل ما‬
‫فوق التراب تراب ‪ ،‬وأدخلونا في عالم الحب الراقي ‪ ،‬والدواء الواقي ‪ ،‬الذي‬
‫تطير له الرواح‪ ،‬وتهتز له الشباح ‪ ،‬في ملكوت الخلود ‪ ،‬وعلى بساط رب‬
‫الوجود ‪.‬‬
‫ت إ ِل َي ْ َ‬
‫ب‬
‫ك َر ّ‬
‫جل ْ ُ‬
‫دع حب هؤلء فإنهم مرضى ‪ ،‬وتعال إلى الواحد وناد ‪ } :‬وَعَ ِ‬
‫َ‬
‫ل ِترضى { } فَأ َما ال ّذين آمنوا فَيعل َمو َ‬
‫ّ‬
‫فُروا‬
‫ن كَ َ‬
‫ما ال ِ‬
‫حق ّ ِ‬
‫ِ َ َ ُ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫َْ ُ َ‬
‫َْ َ‬
‫م وَأ ّ‬
‫ن َرب ّهِ ْ‬
‫ن أن ّ ُ‬
‫ّ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ه ب ِهَ َ‬
‫مث َل ً { ‪.‬‬
‫فَي َ ُ‬
‫قولو َ‬
‫ذا َ‬
‫ماَذا أَراد َ الل ُ‬
‫ن َ‬
‫في حالة البعد نفسي كنت أرسلها‬
‫وهذه دولة الشباح قد حضرت ‪ ...‬تقبل الرض عنكم وهي رائدتي‬
‫فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي‬
‫حمزة سيد الشهداء يمزق الحب تمزيقا ‪ ،‬وأنتم تهيمون بروايات غرامّية‬
‫لفقت تلفيقا ‪ ،‬نقول حدثونا عن الحب عند ابن عباس ‪ ،‬فتذكرون لنا عشق‬
‫جفاء ‪.‬‬
‫ما الزبد فيذهب ُ‬
‫أبي نواس ‪ ،‬كفى جفاء ‪ ،‬فأ ّ‬
‫حب طلحة والزبير ‪ ،‬أعظم من حب شكسبير ‪ ،‬لن حبهم سطر في بدر‬
‫لمرضاة القوي العزيز ‪ ،‬وحب شكسبير كتب في شوارع لندن لمراهقي‬
‫النجليز ‪.‬‬
‫إن كنت يا شاعر الغرب كتبت رواية الحب بالحبر ‪ ،‬فالصحابة سجلوا قصص‬
‫المحبة بدم الصبر ‪.‬‬
‫ل تدري ربما عذبت بحبك ‪ ،‬وكتب عنك عند ربك ‪ ،‬هذا فراق ما بيني وبينك ‪،‬‬
‫ونحن نسمع من أجل امرأة بكاءك وأنينك ‪.‬‬
‫ب خدنا ً وصاحبا‬
‫ت الح ّ‬
‫ولما جعل ُ‬
‫)‪(62 /‬‬
‫فل تسمعني شكسبير ولهوه‬
‫ن‬
‫فلي في رحاب الله ملك ودولة ‪ ...‬تركت الهوى والعشق ينتحبا ِ‬
‫ورنة عود أو غناء غواني‬
‫أظن السما والرض قد حسداني‬
‫كلما خرج علينا شاعر مخمور ‪ ،‬فاقد الشعور ‪ ،‬حفظنا شعره في الصدور ‪،‬‬
‫وكتبناه في السطور ‪ ،‬وقلنا ‪ :‬يا عالم هذه قصصنا الغرامية ‪ ،‬ونسينا رسائلنا‬
‫السلمية ‪ ،‬وفتوحاتنا السماوية ‪ ،‬التي ذهلت النسانية ‪.‬‬
‫علمني الحب من سورة الرحمن ‪ ،‬ول تكدر خاطري بهيام يا ظبية البان ‪ .‬أنا‬
‫ما أحب لغة العيون ‪ ،‬ولكن أحب لغة القلوب ‪ ،‬ول اتباع فلتات أبي نواس‬
‫مُنوا ِلي‬
‫م ت ُؤْ ِ‬
‫والمجنون ‪ .‬ولكني أرتع في رياض الكتاب المكنون } وَإ ِ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ن{‪.‬‬
‫َفاعْت َزُِلو ِ‬
‫ومعنفي في الحب قلت له ‪ :‬اتئد ‪ ...‬فالدمع دمعي والعيون عيوني‬
‫ت { ‪ ،‬والغرام الرخيص‬
‫ما ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫الحب الصادق في جامعة } إ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ َ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مي َ‬
‫في مسرح الفنانين والفّنانات ‪ .‬استعرض نصوص الحب في وثيقة الوحي‬
‫المقدس ‪ ،‬لترى فيها حياة النفس ‪ ،‬الحب الرضي يقتل النسان بل قيمة ‪،‬‬
‫والحب السماوي يدعو العبد إلى حياة مستقيمة ‪ ،‬ليجد فضل الله ونعيمه ‪.‬‬
‫ق ومثلي يأرق‬
‫أرقٌ على أر ٍ‬
‫جهد الصبابة أن تكون كما أرى ‪ ...‬وجوىً يزيد وعبرة تترقرق‬
‫عينا ً مسّهدة وقلبا ً يخفق‬
‫‪87‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حب العز عند فرعون ‪ ،‬وحب الكنز عند قارون ‪ ،‬وحب البنز عند شارون ‪ ،‬أما‬
‫مّنه ‪.‬‬
‫سّنة ‪ ،‬الذين حصلوا على أعظم ِ‬
‫حب الجنة ‪ ،‬فعند أبطال ال ُ‬
‫الجعد بن درهم ُذبح على البتداع ‪ ،‬وأنت تبخل بدمعة في محراب التباع ‪.‬‬
‫سقيناهمو كأسا ً سقونا بمثلها‬
‫بلغنا السما جودا ً وفضل ً وسؤددا ً ‪ ...‬ولكننا كنا على الموت أصبرا‬
‫وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا‬
‫أتريد من الجيل أن يحب الملك العلم ‪ ،‬ويصلي خلف المام ‪ ،‬ويحافظ على‬
‫فظه رباعيات الخيام ‪ ،‬ليبّلغهم رسالة ل بعث ول‬
‫تكبيرة الحرام ‪ ،‬وأنت ُتح ّ‬
‫نشور ‪ ،‬أعوذ بالله من تلك القشور ‪.‬‬
‫يا حاج ‪ ،‬أين حملة المنهاج ‪ ،‬ما ترى كيف عشق المارة الحجاج ‪ ،‬وقتل في‬
‫البدعة الحلج ‪ ،‬وأنت من أحرص الناس على حياة ‪ ،‬فبماذا تدخل الجنة يا‬
‫أخاه ‪.‬‬
‫من تداجي يا إبراهيم ناجي ‪ ،‬ومن تكلم ومن تناجي ‪ :‬تقول يا فؤادي رحم‬
‫الله الهوى ‪ ،‬بل قتل الله الهوى ‪.‬‬
‫من يشارك في ثورة الخبز ‪ ،‬ل يحضر معركة العز ‪ ،‬لما نسيت المة حب‬
‫القلوب ‪ ،‬واشتغلت بحب البطون ‪ ،‬رضيت بالدون ‪ ،‬وعاشت في هون ‪َ } .‬ول‬
‫َ‬
‫ن{‪.‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫م ال َعْل َوْ َ‬
‫ت َهُِنوا َول ت َ ْ‬
‫م ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫حَزُنوا وَأن ْت ُ ْ‬
‫مِني َ‬
‫هل عند المة فراغ في الزمان ‪ ،‬تسمع صوت الحرمان ‪ ،‬وهو ينادي ‪:‬‬
‫إن العيون التي في طرفها حور‬
‫يصرعن ذا اللب حتى ل حراك به ‪ ...‬قتلننا ثم لم يحيين قتلنا‬
‫وهن أضعف خلق الله إنسانا‬
‫نحن بحاجة إلى صوت خبيب بن عدي وهو يلقي قصيدة الفداء‪ ،‬على خشبة‬
‫الفناء‪ ،‬في إصرار وإباء ‪ ،‬وصبر ومضاء ‪:‬‬
‫ولست أبالي حين ُأقتل مسلما ً‬
‫ب كان في الله مصرعي‬
‫وذلك في ذات الله وإن يشأ ‪ ...‬على أيّ جن ٍ‬
‫يبارك على أشلء شلوٍ ممّزِع‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫بارك الله فيك وفي أشلئك يا خبيب ‪ ،‬فأنت إلى قلوبنا حبيب ‪َ } .‬وال ِ‬
‫ذي َ‬
‫مُنوا أ َ َ‬
‫حّبا ل ِل ّهِ { ‪ ،‬اللهم اجعلنا ممن يحبك ويحب من يحبك ‪ ،‬ليؤنسنا‬
‫شد ّ ُ‬
‫آ َ‬
‫قربك ‪ ،‬اللهم ازرع شجرة حبك في قلوبنا ‪ ،‬لنرى النور في دروبنا ‪ ،‬وننجو من‬
‫ذنوبنا ‪ ،‬ونطهر من عيوبنا ‪.‬‬
‫إلي َ‬
‫ك وإل ل تشد الركائب‬
‫ب‬
‫وفيك وإل فالغرام مضيع ‪ ...‬ومنك وإل فالمؤمل خائ ُ‬
‫ب‬
‫وعنك وإل فالمحدث كاذ ُ‬
‫ً‬
‫وإن تعجب فعجب أن ترى شاعرا بائسا ‪ ،‬يشكو طلل ً دارسا ‪ ،‬فهو يبكي من‬
‫نار الغرام ‪ ،‬ويشكو ألم الهيام ‪ ،‬ولو سافرت روحه في عالم الملكوت ‪ ،‬لصار‬
‫وحبه عنده كالقوت ‪ .‬لو أدرك عنترة السلم ما كبا ‪ ،‬وما قال ‪ :‬اذكري يا عبل‬
‫أيام الصبا ‪.‬‬
‫جرير يشكو العيون السود ‪ ،‬وبشار يشكو الصدود ‪ ،‬والشريف الرضي يشكو‬
‫فتنة الخدود ‪ ،‬وكأن الحياة لديهم اختصرت في امرأة حسناء ‪ ،‬وكأن العمر‬
‫يتسع لهذا الهراء ‪ ،‬ويحسبون أن الناس من أجلهم تركوا المنام ‪ ،‬وهجروا‬
‫الطعام ‪ ،‬إذا افتخرنا على الغرب بأن لدينا نساء حسناوات ‪ ،‬وفتيات فاتنات ‪،‬‬
‫قالوا لنا ‪ :‬عندنا في ذلك مسارح ومسرحيات ‪ ،‬ومغامرات وغرامّيات ‪ .‬لكن‬
‫فخرنا على الناس أن لدينا رسالة ملت الكون نورا ‪ ،‬والعالم حبورا ‪ ،‬والدنيا‬
‫طهورا ‪.‬‬
‫‪88‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نحن الذين ملنا جونا كرما ً‬
‫والعالم الخر المشبوه في ظلم ٍ ‪ ...‬وقد بعثنا على قرآننا أمما‬
‫من يعبد الجنس أو من يعبد الصنما‬
‫**************************‬
‫مة النحوّية‬
‫المقا َ‬
‫قوْم ِ ل ي َ َ‬
‫ل هَ ُ‬
‫ديًثا {‬
‫ف َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ؤلِء ال ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫ن َ‬
‫قُهو َ‬
‫كاُدو َ‬
‫} فَ َ‬
‫ما ِ‬
‫مل المنطق بالنحو فمن‬
‫َ‬
‫ج ّ‬
‫فاللسان العضب سيف مصلت ‪ ...‬يحرم العراب في النطق اختبل‬
‫كم بسحر من حديث قد قتل‬
‫اللحن في القوال ‪ ،‬أهون من اللحن في الفعال ‪ ،‬لن اللحن في الفعل يدل‬
‫على الجهل وقلة العقل ‪ ،‬واللحن في الكلم يدل على أن صاحبه ليس له‬
‫بالعربّية إلمام ‪.‬‬
‫)‪(63 /‬‬
‫ونحن في زمن خفض المرفوع ‪ ،‬ورفع الموضوع ‪ ،‬وأصبح المجرور منصوبا ‪،‬‬
‫والعلم بالجر مسحوبا ‪ ،‬وأصبحت النكرة معرفة ‪ ،‬والموصوف بل صفة ‪،‬‬
‫والمبتدأ بل خبر ‪ ،‬والفعال تجر ‪ ،‬فانظر لحال أهل التمييز ‪ ،‬كيف تركوا كل‬
‫وصف عزيز ‪.‬‬
‫واعلم أن بعض اللحن ل يصلحه سيبويه ‪ ،‬ول يقيمه نفطويه ‪ ،‬ومن لحن عند‬
‫ن ‪ ،‬وكان جعفر البرمكي عند الرشيد‬
‫أولي الشان ‪ ،‬ذهب رأسه في خبر كا ْ‬
‫كالمأمور ‪ ،‬فلما رفع المجرور ‪ ،‬ترك رأسه في البلط يدور ‪ ،‬وهذا أبو جعفر‬
‫المنصور ‪ ،‬لما رأى أبا مسلم يضم المكسور ‪ ،‬جعل سيفه في صدره كالضمير‬
‫المستور ‪.‬‬
‫والعرب ل تبدأ بساكن ‪ ،‬لنها تحب التنقل في المساكن ‪ ،‬أما تراها فتحت‬
‫بالسيوف الجوازم القطار ‪ ،‬وحررت من سوء الحال المصار ‪ ،‬ول تقف على‬
‫متحرك ‪ ،‬لنها تحب الساكن المتنسك ‪ ،‬وتبغض المتغير المتهتك ‪.‬‬
‫النحو ل يعترف بالنساب ‪ ،‬ول يقيم وزنا للحساب ‪ ،‬لن الوليد بن عبد الملك‬
‫كان يلحن وهو من بني أمية ‪ ،‬وسيبويه عالم في النحو وهو من الديار‬
‫العجمية ‪ ،‬والبخاري كان في صحة الكلم ل يجارى ‪ ،‬وهو من بخارى ‪.‬‬
‫هنا لحن في الذات ‪ ،‬ولحن في الصفات ‪ ،‬ولحن في الكلمات ‪ ،‬فلحن الذات‬
‫التنكر للمعبود ‪ ،‬وغبش الرؤية للوجود ‪ ،‬ولحن الصفات هجر الداب ‪ ،‬والتنابز‬
‫مات‬
‫باللقاب ‪ ،‬ولحن الكلمات ‪ ،‬الجهل بالحركات والسكنات ‪ ،‬والفتحات والض ّ‬
‫‪.‬‬
‫يقول النحاة ‪ :‬ضرب عمروٌ زيدا ‪ ،‬وما ذكروا لهما وصفا ً ول قيدا ‪ ،‬فإن كان‬
‫المقصود عمرو بن العاص ‪ ،‬فهو من الخواص ‪ ،‬وإن كان المقصود عمرو بن‬
‫معدي كرب ‪ ،‬فهو المقدام ساعة الغضب ‪ ،‬وإن كان المقصود عمرو بن‬
‫كلثوم ‪ ،‬فسيفه في العداء مثلوم‪،‬‬
‫أما زيد فإن كان ابن ثابت ‪ ،‬ففي النصار نابت ‪ ،‬وإن كان ابن الخطاب ‪ ،‬فقد‬
‫قتل في سبيل الوهاب ‪ ،‬وإن كان ابن حارثة ‪ ،‬فهو أسد كل حادثة ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬كان معروف الكرخي العابد يلحن إذا نطق ‪ ،‬ولكنه يعرب في الفعال‬
‫فكلما تكلم قالوا ‪ :‬صدق ‪.‬‬
‫بلل يتكلم الحبشّية ‪ ،‬وأبو لهب يتكلم القرشّية ‪ ،‬ففهم بلل كلم ذي العزة‬
‫والجلل ‪ ،‬ولم يفهم أبو لهب ‪ ،‬ما جاءت به الكتب ‪ ،‬لن قلب بلل أحب‬

‫‪89‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العربي المين وقلب أبي لهب في الكفر مهين ‪ .‬دخل جوهر الصقلي باني‬
‫القاهرة ‪ ،‬بجيوش باهرة ‪ ،‬فتكلم بلغة مغلوطة ‪ ،‬كأن لسانه مربوطة ‪ ،‬قال له‬
‫حان ‪ ،‬ل تجيب في المتحان ‪ ،‬أنت مولى بل نسب ‪،‬‬
‫العرب ‪ :‬أنت رجل ل ّ‬
‫ودخيل بل حسب ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬كيف ؟ وسل السيف ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذا نسبي ‪ ،‬ونثر الذهب ‪ ،‬وقال ‪ :‬يا‬
‫عرب‪ ،‬هذا حسبي ‪ ،‬فصار أفصح من سحبان ‪ ،‬فالسيف والذهب خطيبان ‪.‬‬
‫النتماء ليس للسان ول البلدان ‪ ،‬وإنما لليمان والقرآن ‪ ،‬والدليل ‪،‬البخاري‬
‫محمد بن إسماعيل ‪ ،‬والرد على مذهب القومية الكريه ‪ ،‬بكتاب سيبويه ‪.‬‬
‫أعجميان لهم كتابان ‪ ،‬عظيمان عربيان ‪ ،‬البخاري أجل كتاب في الصحيح ‪،‬‬
‫والكتاب لسيبويه الذي بز كل فصيح ‪ .‬سيبويه عصرنا ‪ ،‬وكسائي مصرنا ‪ ،‬من‬
‫يرفع الفاعل ‪ ،‬وينصب المفعول ‪ ،‬فهذا نحوي مقبول ‪ ،‬يكفى الناس اليوم‬
‫الجرومّية ‪ ،‬وإل تحولت المة إلى فارسية ورومية ‪.‬‬
‫يقول ابن مالك ‪:‬‬
‫كلمنا لفظ مفيد كاستقم ‪ ...‬اسم وفعل ثم حرف الكلم‬
‫وهذا يقصد به القوال ‪ ،‬وأنا أقول في الفعال ‪.‬‬
‫أفعالنا على الكتاب فاستقم ‪ ...‬كما أمرت وابتعد عن التهم‬
‫قال ‪ ... :‬ترفع كان المبتدا اسما والخبر ‪ ...‬تنصبه ككان سيدا ً عمر‬
‫أقول ‪ ... :‬يرفع ربي من يصدق الخبر ‪ ...‬مثل أبي بكر الجليل وعمر‬
‫****************************‬
‫وزوا التقديم إذ ل ضررا‬
‫يقول هو ‪ ... :‬والصل في الخبار أن تؤخرا ‪ ...‬وج ّ‬
‫وأقول ‪ ... :‬والصل في الشرار أن تؤخرا ‪ ...‬وقدم الخيار من بين الورى‬
‫القرآن كاف شاف ‪ ،‬بل كشاف ‪ ،‬لن الزمخشري ‪ ،‬في سوق البدعة‬
‫مشتري ‪ ،‬لحن في العقيدة ‪ ،‬وأعرب في القصيدة ‪ ،‬لو شرب من معين‬
‫السلف الماء الزلل ‪ ،‬لما ورد نهر العتزال ‪ .‬بعض الظلمة من الرؤساء كان‬
‫فصيحا ‪ ،‬وظلم ظلما ً قبيحا ‪ ،‬قال ‪ :‬أنا إمام عادل ‪ ،‬وورع فاضل ‪ ،‬فقال‬
‫خرت في الكلم‬
‫شعبه ‪ :‬أنت عادل إمام ‪ ،‬ولكنك قدمت وأ ّ‬
‫لما لحن الجيل في الجمع والمثنى ‪ ،‬ونسي سيرة المثنى ‪ ،‬تعّنى وما بلغ ما‬
‫تمنى ‪.‬‬
‫دد ‪ ،‬فما أجاب بحرف ‪ ،‬لن أحمد ممنوع‬
‫ضرب المعتصم أحمد ‪ ،‬وتو ّ‬
‫عد وه ّ‬
‫من الصرف ‪ ،‬أما أحمد بن أبي ُدؤاد فصرف في سوق الذهب ‪ ،‬لن الورع من‬
‫قلبه ذهب ‪.‬‬
‫يا أيها المسلمون ‪ :‬اصرفوا إسرائيل ولو كانت ممنوعة من الصرف ‪ ،‬لن‬
‫للضرورة أحكاما في اللغة والعرف ‪ .‬ل تخدعك السماء وتنسى الفعال ‪،‬‬
‫فنصير الدين الطوسي ‪ ،‬صار عدو الدين المجوسي ‪ ،‬لنه كسر رؤوس‬
‫المسلمين بالسيوف الجازمة ‪ ،‬وأفتى هولكو تلك الفتاوى الثمة ‪.‬‬
‫اشتغلنا بالفعل الماضي عن الفعل المضارع والمر ‪ ،‬فكلمنا ‪:‬‬
‫انتصرنا فيما مضى ‪ ،‬وهذا ذهب وانقضى ‪ ،‬وفتح أجدادنا البلد ‪ ،‬وأين فتحنا‬
‫اليوم يا أحفاد ‪ ،‬أسلفنا مبتدأ لكن أين الخبر ‪ ،‬ليتم الكلم المعتبر ‪:‬‬
‫والخبر الجزء المتم الفائدة ‪ ...‬كـ الله بر واليادي شاهدة‬
‫)‪(64 /‬‬
‫يقول النحاة ‪ :‬المصّغر ‪ ،‬ل يصغر ‪ .‬قلت ‪ :‬بل يصغره الله يا أعراب ‪ ،‬أما رأيتم‬
‫فره ‪ .‬أما مسلمة‬
‫قره ‪ ،‬وبالتراب ع ّ‬
‫ما فعل بمسيلمة الكذاب ‪ ،‬كيف صّغره وح ّ‬

‫‪90‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فرا ‪.‬‬
‫بن عبد الملك فلم يكن مصّغرا ‪ ،‬فعاش مجاهدا ً مظ ّ‬
‫إذا رأيت الصفات تتقدم السماء ‪ ،‬فاعلم أن المعاني هباء ‪ ،‬فالمتأخرون‬
‫يصفون البعض ‪ ،‬عند العرض ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬علمة عصره ‪ ،‬وفريدة دهرة ‪،‬‬
‫وقدوة النام ‪ ،‬وعلم العلم ‪ .‬بينما كان السلف يقولون ‪ :‬أبو بكر وعمر ‪ ،‬ول‬
‫يذكرون النعوت والسير ‪ ،‬لن المعارف ل تعّرف ‪ ،‬وكامل الوصاف ل‬
‫يوصف ‪.‬‬
‫احذر ثلث كلمات ‪ ،‬إذا وقعت بل إضافات صحيحات ‪.‬‬
‫كلمة أنا فهي مدح الشياطين ‪ ،‬لما قال كبيرهم ‪ :‬أنا خير منه خلقتني من نار‬
‫وخلقته من طين ‪ ،‬ولكن قل ‪ :‬أنا العبد الضعيف ‪ ،‬أطلب عفو اللطيف ‪.‬‬
‫وكلمة لي قال فرعون في القصر ‪ :‬أليس لي ملك مصر ‪ ،‬فصار في الهلك‬
‫آية لكل عصر ‪ ،‬ولكن قل ‪ :‬لي ذنوب ‪ ،‬أرجو رحمة علم الغيوب ‪.‬‬
‫وكلمة عندي قالها قارون ‪ ،‬فجعلها بالخسف عبرة لكل القرون ‪ ،‬ولكن قل ‪:‬‬
‫عندي تقصير ‪ ،‬يصلحه اللطيف الخبير ‪.‬‬
‫علي بن أبي طالب مرفوع عندنا بين الفتح والخفض ‪ ،‬فقد أخطأ فيه أهل‬
‫النصب والرفض ‪ ،‬فالنواصب هضموا حقه ‪ ،‬ونسوا صدقة ‪ ،‬والروافض أنزلوه‬
‫فوق المنزلة ‪ ،‬فصار وصفهم مهزلة ‪.‬‬
‫ي مرفوع وعلمة رفعه ‪ ،‬علو الهمة ‪ ،‬وتزكية رسول‬
‫فيا أيها الناصبي ‪ :‬عل ّ‬
‫المة ‪.‬‬
‫ل‪.‬‬
‫ي بغير هذا الغلو عا ِ‬
‫ل ‪ ،‬فعل ّ‬
‫ويا أيها الرافضي ‪ :‬ل تغا ِ‬
‫ذكر عن سيبويه ‪ ،‬ذلك العالم الوجيه ‪ ،‬أنه أتى لُيعّرف اسم الجللة ‪ ،‬فلما‬
‫وقف أمام كلمة الله وتذكر كماله ‪ ،‬وتأمل جماله ‪ .‬قال‪ :‬الله أعرف‬
‫المعارف ‪ ،‬ل يحتاج إلى تعريف ‪ ،‬ومن جمع الصفات ل ينقصه التوصيف ‪.‬‬
‫يا أنت يا أحسن السماء في خلدي‬
‫تقاصرت كلها العلم إن ذكرت‬
‫خذها من الوحي نعتا ً للجليل ول‬
‫فارفع شعائره وانصب لخدمته‬
‫وكن مضافا ً إلى أصحاب طاعته‬
‫ف‬
‫واجزم بحكمته في نصر شرعته ‪ ...‬ماذا أعرف من عز ومن شر ِ‬
‫أوصافكم قد رواها عنك كل وفي‬
‫تأخذ من الجهم والكشاف والنسفي‬
‫ف‬
‫وجر رجلك في ذل وفي أس ِ‬
‫ف‬
‫ول تعرف شقيا ً بات في تر ِ‬
‫ف‬
‫وقف على ساكن التنزيل كالسل ِ‬
‫قال شاب لحد الولياء ‪ :‬يا ليتني أدركت الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫وكنت خادما ً بين يديه ؟‬
‫قال ‪ :‬لعلك ترحم بهذا لن المضاف يأخذ حكم المضاف إليه ‪.‬‬
‫زاد اليهود نقطه ‪ ،‬فوقعوا في ورطه ‪ ،‬وسقطوا سقطة ‪ ،‬قيل لهم قولوا ‪:‬‬
‫حطه ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬حنطه ‪.‬‬
‫وزاد المبتدعة حرفا ‪ ،‬فصرفوا عن الصواب صرفا ‪ ،‬قالوا ‪ :‬استولى مكان‬
‫استوى ‪ ،‬وهذا من الزيغ والهوى ‪.‬‬
‫للوصف صلة بالسم ‪ ،‬فأبو بكر الصديق ‪ ،‬لما صدق في القول والعتقاد ‪،‬‬
‫عرف بهذا الوصف بين العباد ‪ ،‬وعمر عمر الدولة بالعدل ‪ ،‬وطرد الجهل ‪،‬‬
‫وعثمان بن عفان ‪ ،‬عف عن كل فان ‪ ،‬وعلي بن أبي طالب ‪ ،‬عل في‬
‫المناقب ‪ ،‬فسلم من المثالب ‪.‬‬
‫‪91‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كن بالتوحيد مرفوع الهامة ‪ ،‬وبالخلق منصوب القامة ‪ ،‬وليكن عليك من‬
‫الصلح علمة ‪ ،‬لتنجو يوم القيامة ‪.‬‬
‫واعلم أن المزاح المباح ما عارض به بعضهم اللفية النحوية ‪ ،‬وجعلها‬
‫للمطاعم الشهية ‪.‬‬
‫قال ابن مالك ‪ ... :‬والصل في الخبار أن تؤخرا‬
‫وزوا التقديم إذ ل ضررا‬
‫وج ّ‬
‫مرا‬
‫قال أحدهم ‪ ... :‬والصل في الخباز أن تح ّ‬
‫وزوا الفطير إذ ل ضررا‬
‫وج ّ‬
‫وقال الشيخ ابن عثيمين كان له شيخ يقول على سبيل المزاح‬
‫مرا‬
‫والصل في الخباز أن تق ّ‬
‫وزوا الترقيق إذ ل ضررا‬
‫وج ّ‬
‫***********************‬
‫مة الجمال‬
‫مقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫نك ّ‬
‫ل َ‬
‫ه{‬
‫خل َ‬
‫يٍء َ‬
‫} ال ّ ِ‬
‫ذي أ ْ‬
‫ح َ‬
‫ق ُ‬
‫ش ْ‬
‫س َ‬
‫ليس الجمال بمئزٍر‬
‫إن الجمال مآثٌر ‪ ...‬فاعلم وإن ُرّديت ب ُْردا‬
‫ب أورثن حمدا‬
‫ومناق ٌ‬
‫الله جميل يحب الجمال ‪ ،‬موصوف بالجلل ‪ ،‬انظر نهجه ‪ ،‬وقد أنبت حدائق‬
‫ذات بهجة ‪ ،‬خلق النسان في أحسن تقويم ‪ ،‬وأبدع الكائنات في تصوير‬
‫مستقيم ‪ ،‬جمال في كواكب السماء ‪ ،‬وحسن يكسو الشياء ‪ ،‬نجوم زاهرة ‪،‬‬
‫وبحار زاخرة ‪ ،‬كأن الرض مكسوة بأحسن نسيج ‪ ،‬والحدائق فيها من كل‬
‫زوج بهيج ‪ ،‬رسم الجمال في الكائنات ‪ ،‬وخط الحسن في المخلوقات ‪.‬‬
‫الجمال في العين بلونها السود ‪ ،‬وبجفنها المقعد ‪ ،‬بسحر نظرتها ‪ ،‬وروعة‬
‫خطرتها ‪ ،‬مدورة في بهاء ‪ ،‬متحركة في سناء ‪ ،‬لها في الظلم بريق ‪ ،‬ولها‬
‫في الحركة تلفت رشيق ‪ ،‬عليها رمش يحميها ‪ ،‬ويغسلها ول يدميها ‪ ،‬وهي‬
‫في نهر من الماء تسبح ‪ ،‬وفي هالة من النور تمرح ‪ ،‬في نظرها أسرار ‪ ،‬وفي‬
‫تلفتها أخبار ‪ ،‬لها لغة تفهمها القلوب ‪ ،‬ولها سحر تكاد منه النفس تذوب ‪ .‬في‬
‫طرفها حور ‪ ،‬يقتل من نظر ‪ ،‬لها في النفوس إيماءات ‪ ،‬وفي الرواح إضاءات‬
‫‪ ،‬يعرف بها الرضا والغضب ‪ ،‬والجد والّلعب ‪:‬‬
‫في عيون المحب أحرف وُد ّ‬
‫ق‬
‫ُقتلت أنف ٌ‬
‫س بنظرة عين ‪ ...‬سطرت بالدموع عند الفرا ِ‬
‫وقلوب مشتاقة للتلقي‬
‫)‪(65 /‬‬
‫الجمال في الفم وهو بالحسن محبوك ‪ ،‬وبالسنان مسبوك ‪ ،‬يرسل‬
‫الكلمات ‪ ،‬ويبعث النغمات ‪ ،‬بلسان فصيح ‪ ،‬وصوت مليح ‪ ،‬ل ينطق حتى يؤمر‬
‫‪ ،‬ول يسكت حتى يزجر ‪ ،‬فيا له من خلق ما أبدعه ‪ ،‬ومن صنع ما أروعه‬
‫َ‬
‫جعَ ْ‬
‫ساًنا وَ َ‬
‫ن { الجمال في‬
‫ش َ‬
‫ن * وَهَد َي َْناهُ الن ّ ْ‬
‫م نَ ْ‬
‫ن * وَل ِ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫} أل َ ْ‬
‫جد َي ْ ِ‬
‫فت َي ْ ِ‬
‫ه عَي ْن َي ْ ِ‬
‫الوجه ‪ ،‬بطلعته البهية ‪ ،‬وإشراقاته الرضية ‪ ،‬قسمات ترسم ‪ ،‬وقبلت عليه‬
‫من البهاء تبسم ‪ ،‬خد بماء البشاشة يسيل ‪ ،‬وطرف بإيحاء الحسن كحيل ‪،‬‬
‫ضد ‪.‬‬
‫دمع كالسيل ‪ ،‬وشعر كالليل ‪ .‬وجبين كالمهّند ‪ ،‬وفم من ّ‬
‫صماخان ‪ ،‬وعينان‬
‫الجمال في قامة النسان ‪ ،‬وروعة هذا البنيان ‪ ،‬أذنان و ِ‬
‫نضاختان‪ ،‬ويدان منافحتان ‪ ،‬ورجلن كادحتان ‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الجمال في الروض الجذاب ‪ ،‬بجماله الخلب ‪ ،‬طيور تلقي قصائد الحنان ‪،‬‬
‫على منابر الغصان ‪ ،‬وحمام ينشد إلياذة الفراق ‪ ،‬على أطراف الوراق ‪،‬‬
‫وماء يسكب ‪ ،‬ونسيم يكتب ‪ ،‬أنهار ودوح ‪ ،‬ومسك من الروض يفوح ‪ ،‬حسن‬
‫م َرب ّ َ‬
‫وى { ‪.‬‬
‫ذي َ‬
‫ك العَْلى* ال ّ ِ‬
‫سب ّ ْ‬
‫خل َقَ فَ َ‬
‫حا ْ‬
‫باهي ‪ ،‬وإبداع إلهي } َ‬
‫س َ‬
‫س ّ‬
‫انظر إلى الروض واشهد أن مبدعه‬
‫وسرح الطرف فيما شئت من حسن ‪ ...‬رب الوجود عظيم القدر والشان‬
‫ما بين زهر وأطيار وأغصان‬
‫الجمال في الصبح إذا تنفس ‪ ،‬فسبحان من صوره وتقدس ‪ ،‬الصبح بطلعته‬
‫السرة‪ ،‬وإطللته الباهرة ‪ ،‬الصبح وهو يغشى العالم ‪ ،‬ويمر على كل قاعد‬
‫وقائم ‪ ،‬الصبح وهو ينشر عباءته الذهبية على الوجود ‪ ،‬فيكاد يكلمه من حسنه‬
‫الجلمود ‪ ،‬الصبح يوم يتوضأ الفكر في عباب نوره ‪ ،‬ويغتسل القلب في بحر‬
‫سروره ‪ ،‬وتسرح النفس في مهرجان عرسه‪ ،‬وتنصت الروح لهمسه‬
‫وجرسه ‪.‬‬
‫الجمال في الليل إذا عسعس ‪ ،‬وأقبل في هدوء يتوجس ‪ ،‬يقبل الليل بردائه‬
‫السود ‪ ،‬وشعره المجعد ‪ ،‬فيستر الحياء بثيابه ‪ ،‬ويضع الشياء تحت جلبابه ‪،‬‬
‫فيمل بجيشه المساكن ‪ ،‬فكل متحرك ساكن ‪ ،‬والليل له هيبة في العيون ‪،‬‬
‫كأنه كتيبه تحمل المنون ‪.‬‬
‫من لم يرى هذا الوجود بقلبه‬
‫فافتح كتاب الكون تقرأ قصة ‪ ...‬خسر الجمال ولم ترى عيناه‬
‫هل في الوجود حقيقة إل هو‬
‫ي‬
‫الجمال في الشمس وهي على الكون تتبرج ‪ ،‬ليتمتع في الحسن كل ح ّ‬
‫ويتفرج ‪ ،‬أشعة تعانق العين في صفاء ‪ ،‬وتداعب الروح في وفاء ‪ ،‬نور يطارد‬
‫الظلم ‪ ،‬ويبعث في الكون الشراق والوئام ‪ ،‬الشمس جرم هائل من النور ‪،‬‬
‫فيها معاني الفرح والسرور ‪ ،‬تجري لمستقر لها ‪ ،‬فويل لمن غفل عن آياته‬
‫ولها ‪.‬‬
‫تقول الشمس يا بلقيس إني‬
‫حرام تسجدين لنا فهيا ‪ ...‬كمثلك أعبد الحد المجيدا‬
‫نري رب الورى منا سجودا‬
‫الجمال في القمر يوم يبدأ علينا بهذا الوجه الصبيح ‪ ،‬والمنظر المليح ‪ ،‬هالة‬
‫من الصفاء‪ ،‬وفيض من السناء ‪ ،‬ينزل أبراجه في وقار ‪ ،‬ويطارد الظلم‬
‫ب إلى كل إنسان ‪ ،‬إذا خسف بكى الناس ‪ ،‬كأن‬
‫بالنوار ‪ ،‬كثيُر إحسان ‪ ،‬حبي ٌ‬
‫حل بهم الباس ‪ ،‬يتدرج في النمو حتى يكتمل ‪ ،‬ويهرم شيئا ً فشيئا ً حتى‬
‫ور‪.‬‬
‫ور ودّبر ‪ ،‬وزين القمر وك ّ‬
‫يضمحل ‪ ،‬فسبحان من ص ّ‬
‫يا بدر كم لك منة‬
‫ل تبتعد عن دارنا‬
‫رافقت من غبروا ومن ‪ ...‬يا أيها الشيخ الجليل‬
‫يا صاحب الوجه الجميل‬
‫عرفوا الحياة بكل جيل‬
‫ّ‬
‫والجمال في النجوم اللمعة ‪ ،‬والكواكب الساطعة ‪ ،‬انظر إلى السماء ‪ ،‬في‬
‫الظلماء ‪ ،‬وقد رصع تاجها بالنجوم ‪ ،‬التي تذهب رؤيتها الهموم والغموم ‪،‬‬
‫مهرجان حي من الحسن الباهر ‪ ،‬حفل بهيج من الجلل الظاهر ‪ ،‬الجوزاء‬
‫تضحك في الظلماء ‪ ،‬كأنها حسناء في قصر أحد العظماء ‪ ،‬الثريا في‬
‫سهيل‬
‫صويحباتها ‪ ،‬ومع رفيقاتها ‪ ،‬في مشهد عجيب ‪ ،‬وفي صمت رهيب ‪ُ ،‬‬
‫وقد هجر الجميع واعتزل ‪ ،‬وهو واقف ما مشى وما نزل ‪ ،‬آلف النجوم تجمل‬
‫‪93‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هذا الفضاء الكبير ‪ ،‬بتقدير اللطيف الخبير ‪ ،‬نجم تراه عن الجميع شاردا ‪،‬‬
‫ونجم يحرق ماردا ‪ ،‬ونجم ُيعرف به السفر ‪ ،‬ويستدل به البدو والحضر ‪ ،‬ونجم‬
‫إنما هو زينه ‪ ،‬لهذه السماء الحسينة ‪.‬‬
‫ألم تر هذا الكون في صنعه عبر‬
‫وفي كل شيء في طليعته خبر‬
‫كأن الثريا علقت بجبينه‬
‫وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر‬
‫الجمال في الجبال ‪ ،‬بالوقار قائمه ‪ ،‬وفي جلل القدر هائمة ‪ ،‬ثابتة على مر‬
‫الزمان ‪ ،‬باقية ما تعاقب الحدثان ‪ ،‬تمر بها الرياح الهوجاء ‪ ،‬وهي صامدة‬
‫ماء ‪.‬‬
‫ص ّ‬
‫عاش معها ثمود وعاد ‪ ،‬وساسان وشداد ‪ ،‬وهي باقية والجمع قد باد ‪ ،‬صاحبت‬
‫القرون ‪ ،‬وشاهدت فرعون وقارون ‪ ،‬فبقيت وهم ماتوا ‪ ،‬وحضرت وهم فاتوا‬
‫سأ َُلون َ َ‬
‫ق ْ‬
‫فا * ل‬
‫ص ً‬
‫ص ْ‬
‫س ً‬
‫س ُ‬
‫ل فَ ُ‬
‫ها َقا ً‬
‫فا * فَي َذ َُر َ‬
‫ل َين ِ‬
‫فَها َرّبي ن َ ْ‬
‫} وَي َ ْ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ف َ‬
‫عا َ‬
‫جَبا ِ‬
‫ك عَ ْ‬
‫َ‬
‫مًتا { ‪ .‬وكل ما مر يدخل في جمال الذات ‪ ،‬وحسن‬
‫ت ََرى ِفيَها ِ‬
‫عوَ ً‬
‫جا َول أ ْ‬
‫الصفات ‪.‬‬
‫أما جمال المعنى ‪ ،‬فكن معنا ‪ ،‬ول تذهب وتدعنا ‪.‬‬
‫فمن ذلك جمال البيان ‪ ،‬مثلما أشرقت به شمس القرآن ‪ ،‬أما رأيت حسن‬
‫هذا الكتاب المقدس ‪ ،‬الذي على الصدق تأسس ‪.‬‬
‫)‪(66 /‬‬
‫تأثير يسافر إلى أعماق الرواح ‪ ،‬وأسر يشد ما اهتز من الصور والشباح ‪ ،‬نبأ‬
‫يقف العاقل متفكرا ‪ ،‬وخبر يجعل النسان متذكرا ‪ ،‬حقيقة تغوص في‬
‫الضمائر ‪ ،‬وطهر يرسخ في السرائر ‪ ،‬موكب من النور يجتث أكوام الرذيلة ‪،‬‬
‫فيض من الحق يحمل معاني الفضيلة ‪ ،‬قافلة من الصلح تطوي صحراء‬
‫النفوس طيا ‪ ،‬نهر من البر يروي القلوب العطشى رِّيا ‪ ،‬إيماء وإيجاز ‪،‬‬
‫وإفحام وإعجاز ‪ ،‬عذوبة وحلوة ‪ ،‬وسلسة وطلوة ‪ ،‬قوة وأصالة ‪ ،‬فصاحة‬
‫وجزالة ‪ ،‬لغة جميلة ‪ ،‬مقاصد جليلة ‪ ،‬براعة استهلل ‪ ،‬وحسن تفصيل وإجمال‬
‫‪ ،‬يسافر بقلبك إلى عالم الخلود ‪ ،‬ويرتحل بروحك إلى حقيقة الوجود ‪،‬‬
‫ويغسل ضميرك من لوثة الخيانة ‪ ،‬ويطهر كيانك بماء المانة ‪ ،‬مشاهد وصور ‪،‬‬
‫وأحداث وعبر ‪ ،‬وأخبار وسير ‪ ،‬وقصص وأمثال ‪ ،‬وأفعال وأقوال ‪ ،‬عالم الحياة‬
‫بأريجه وضجيجه ‪ ،‬وعالم الموت بأناته ونشيجه ‪ ،‬دول تمر مر السحاب ‪،‬‬
‫وملوك تدس في التراب ‪ ،‬تقرأ هذه المعجزة الخالدة ‪ ،‬فإذا المم البائدة ‪،‬‬
‫حضارات تسقط كأوراق التوت ‪ ،‬وممالك تتهاوى كبيت العنكبوت ‪ ،‬والقرآن‬
‫يناديك من أطراف لبك ‪ ،‬ومن سويداء قلبك ‪ ،‬تدبر يا عبد ‪ ،‬جد فإن المر‬
‫جد ‪ ،‬ودع الرد والصد ‪ ،‬استفق يا إنسان ‪ ،‬اهجر عالم الغفلة والنسيان ‪.‬‬
‫انبعث من قبور الشقياء ‪ ،‬وتعال إلى جنات التقياء ‪ ،‬انفض غبار الوثنية ‪،‬‬
‫ارفض وساوس الجاهلية ‪ ،‬أعتق رقبتك من النار ‪ ،‬حصن نفسك من البوار‪،‬‬
‫ارفع رأسك في سماء الكرامة ‪ ،‬أنت من أمة الخلفة والمامة ‪ ،‬تقدم لصلح‬
‫العالم ‪ ،‬فالكل سواك هائم عائم ‪.‬‬
‫سمعتك يا قرآن والليل واجم‬
‫فتحنا بك الدنيا فأشرق نورها ‪ ...‬سريت تهز الكون سبحان الذي أسرى‬
‫فسل دولة الخبار يرموك أو بدرا‬
‫أيها النسان ‪ ،‬شاهد الكون ‪ ،‬بعين اليمان ‪ ،‬تنظر للشوك ول ترى الزهور ‪،‬‬

‫‪94‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تشاهد السن ول تبصر الطهور ‪ ،‬يهولك الليل بالظلم ‪ ،‬ول تستمتع ببدر‬
‫التمام ‪ ،‬تشكو من حرارة الشمس اللذعة ‪ ،‬ول تتلذذ بتلك الشعة الساطعة ‪.‬‬
‫تستوحش من وحدة الصحراء ‪ ،‬ول يؤنسك فيها روعة اليحاء ‪ ،‬ما لك تزعجك‬
‫الرياح الهوجاء ‪ ،‬فأين حسنها إذا زارتك وهي رخاء ‪ ،‬تنظر إلى الصخر كيف‬
‫جر ‪ ،‬ول تنظر إلى الماء منه كيف تفجر ‪ ،‬تبصر رداءة التراب ‪ ،‬ول تدرك‬
‫تح ّ‬
‫أنه مادة النجاب والخصاب ‪ ،‬ل ترى من السيل إل الدمار ‪ ،‬وهو مصدر النماء‬
‫والعمار ‪ ،‬تأخذ من المصيبة العويل ‪ ،‬وتنسى الجر الجزيل ‪.‬‬
‫تضع على عينيك نظراة سوداء ‪ ،‬لترى الحياة جرداء مرداء ‪ ،‬فأين الندى‬
‫والطل ‪ ،‬وأين الخضرة والظل ‪ ،‬تسمع نعيق الغراب ‪ ،‬ول تنصت لهديل‬
‫الحمام الجذاب ‪ ،‬انظر إلى الحياة في ثياب جمالها ‪ ،‬وفي رداء جللها ‪ ،‬شاهد‬
‫الكون وهو في عباءة البهاء ‪ ،‬وحلة السناء ‪ ،‬طالع العالم بعين الحب ‪ ،‬لتشاهد‬
‫بديع صنع الرب ‪ ،‬واعلم أن الجحود إلحاد ‪ ،‬والتنكر فساد ‪ ،‬ومن لم يشاهد إل‬
‫َ‬
‫القبيح ‪ ،‬فرأيه غير صحيح } قُ ْ‬
‫ض { } هَ َ‬
‫ذا‬
‫ماَوا ِ‬
‫ماَذا ِفي ال ّ‬
‫س َ‬
‫ل ان ْظ ُُروا َ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫َ‬
‫ن ُدون ِهِ { ‪.‬‬
‫ماَذا َ‬
‫َ‬
‫ن ِ‬
‫خل َقَ ال ّ ِ‬
‫خل ْقُ الل ّهِ فَأُروِني َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫**************************‬
‫مة الفقهّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫ما‬
‫ي‬
‫ل‬
‫س‬
‫ها‬
‫نا‬
‫م‬
‫} فَ َ‬
‫فهّ ْ َ َ ُ ْ َ َ‬
‫يأبى السؤال فل يراجع هيبة‬
‫ن‬
‫أدب الوقار وعز سلطان التقى ‪ ...‬والسائلون نواكس الذقا ِ‬
‫ن‬
‫فهو المطاع وليس ذا سلطا ِ‬
‫)‪(67 /‬‬
‫من يرد الله به خيرا ً يفقهه في الدين ‪ ،‬والفقهاء أفضل من العابدين ‪ .‬بل‬
‫فقيه واحد ‪ ،‬أشد على الشيطان من ألف عابد ‪ ،‬والتفاضل ليس بشجاعة‬
‫الشجعان ‪ ،‬فليس السد أفضل من النسان ‪ ،‬والنسان ل يراد منه‬
‫جة بالدليل والمقارعة ‪ ،‬وليس المدح بقوة البنيان ‪ ،‬وهل‬
‫المصارعة ‪ ،‬بل المحا ّ‬
‫عظمت بقوة أجسامها الثيران ‪ ،‬ولكن العبد يراد منه الفهم ‪ ،‬ويفضل بالعلم ‪،‬‬
‫فإذا فقه الحجة ‪ ،‬وعرف المحجة ‪ ،‬نال السعادة البدية ‪ ،‬والفضيلة‬
‫السرمدية ‪ ،‬وقد عّير الله أعداءه بعدم الفقه في آياته ‪ ،‬ووصفهم بسوء الفهم‬
‫لبّيناته ‪ .‬وقد وصف المنافقون بضخامة الجسام ‪ ،‬والتشدق في الكلم ‪،‬‬
‫لكنهم ذموا بالفهم السقيم ‪ ،‬ووصموا بالرأي العقيم ‪ ،‬فقد حرمهم الله نور‬
‫البصيرة ‪ ،‬لخبث السريرة ‪ ،‬ولسوء السيرة ‪ ،‬فليس التمايز بكثرة المال ‪ ،‬ول‬
‫بصفة الجمال ‪ ،‬ول بكمال القوه ‪ ،‬ول بتمام القوه ‪ ،‬إنما التمايز بتفاضل‬
‫ص‪،‬‬
‫العقول ‪ ،‬في سوق الرد والقبول ‪ .‬فهنيئا ً لمن ترك العنق في سيره ون ّ‬
‫واستنبط من النص ‪ ،‬فإن تقليب البصيرة في صفحات الدلة ‪ ،‬من أعظم‬
‫دام الملة ‪ ،‬وإن تحديق القلب في مناجم الثار ‪ ،‬من أفضل أعمال‬
‫حسنات خ ّ‬
‫البرار ‪ ،‬وهل فاق وبز ‪ ،‬إل من بالوحي اعتز ‪ ،‬فليس العلم بكثرة الرواية ‪،‬‬
‫ولكنه بالفقه والدراية‪ ،‬وليس الفقه كلما ً يحفظ ‪ ،‬ول جمل ً تلفظ ‪ ،‬بل فهم‬
‫عن الله وعن رسوله ‪ ،‬ومعرفة القول بدليله ‪ ،‬وليس الفقه حكاية آراء‬
‫الرجال ‪ ،‬وجمع القيل والقال ‪ ،‬بل الفقه معرفة مقاصد الشريعة ‪ ،‬واستنباط‬
‫المعاني البديعة ‪ .‬وانظر لبن عباس ‪ ،‬كيف بز الناس ‪ ،‬لما دعا له بالفقه في‬
‫الدين ‪ ،‬سيد المرسلين ‪ ،‬ولما تكلم الزنادقة ‪ ،‬والفرقة المارقة ‪ ،‬في أصحاب‬
‫الحديث ‪ ،‬واستهزؤوا بسعيهم الحثيث ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنهم ينقلون أحاديث ليس لها‬

‫‪95‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫معاني ‪ ،‬ول تقوم على مباني ‪ ،‬مثل يا أبا عمير ‪ ،‬ما فعل النغير ‪ ،‬تصدى لهم‬
‫محمد بن إدريس ‪ ،‬فاستنبط كل معنى نفيس ‪ ،‬فأفحمهم ‪ ،‬وفي كل بلء‬
‫أقحمهم ‪ ،‬وقيل لبن عباس ‪ ،‬في مجلس إيناس ‪ ،‬بم حصلت على هذا العلم ‪،‬‬
‫ووصلت إلى هذا الفهم ؟ قال ‪ :‬بلسان سؤول ‪ ،‬وقلب عقول ‪ ،‬وامتن الله‬
‫على سليمان ‪ ،‬وفضله على أبيه في معرفة البرهان ‪ ،‬لما حضر لديه‬
‫الخصمان ‪ ،‬قال بعض العلماء ‪ :‬الفقه ما دلك على الرشاد ‪ ،‬وأبعدك عن‬
‫الفساد ‪ ،‬ومن سجايا الفقيه ‪ ،‬صبره على السفيه ‪ ،‬ومجانبته كل أمر كريه ‪،‬‬
‫فمن عقل عن الله أمره ‪ ،‬وعرف قدره ‪ ،‬فهو العالم العارف ‪ ،‬والمتقي‬
‫الخائف ‪.‬‬
‫كان أبو حنيفة يبيع البز ‪ ،‬ثم نال بالفقه العز ‪ ،‬كلما أعضلت المشكلت ‪ ،‬أخرج‬
‫من دماغه القبسات النّيرات ‪ ،‬فحلها برأي جزيل ‪ ،‬وفهم جليل ‪.‬‬
‫الفقه أغلى بضاعة في سوق العلوم ‪ ،‬وأشرف مواهب القوم ‪ ،‬فإنك تجد‬
‫الفقيه محل العتبار ‪ ،‬ترمقه البصار ‪ ،‬ويعظمه ذوو الخطار ‪ ،‬لن حاجة‬
‫الناس إلى الفقه شديدة ‪ ،‬ومجالس الفقهاء لكل الطبقات مفيدة ‪ ،‬وقد تجد‬
‫الرجل في اللغة من العيان ‪ ،‬يشار إليه بالبنان ‪ ،‬وترى النحوي أصبح مرجعا ً‬
‫ب‬
‫في علمه ‪ ،‬جهبذا ً في فهمه ‪ ،‬وتبصر الشاعر بشعره الرائع يخلب ل ّ‬
‫السامع ‪ ،‬وتشاهد الخطيب ‪ ،‬يستولي على القلوب ‪ ،‬ويأتي بالقول المحبوب ‪،‬‬
‫غير أن الفقيه الرّباني ‪ ،‬يجمع محاسن المعاني ‪ ،‬ويبلغ بهمته الماني ‪ ،‬وقد بز‬
‫الكل ‪ ،‬وارتقى المحل الجل ‪ ،‬لعظيم حاجة الناس إليه ‪ ،‬وتزاحمهم عليه ‪،‬‬
‫وقد عرفت بالتجربة ‪ ،‬أن الفقه أج ّ‬
‫ل موهبة ‪ ،‬إذا قرن بالدليل ‪ ،‬وبني على‬
‫التأصيل ‪ ،‬فإني رأيت الفقيه إماما ‪ ،‬وفي كل جمع مقداما ‪ ،‬وحضرت‬
‫اجتماعات ‪ ،‬وندوات ‪ ،‬ومحاضرات وأمسيات ‪ ،‬فإذا الفقه أعظم مطلوب ‪،‬‬
‫وأجل موهوب ‪ ،‬فالفقهاء ُيسألون في أعضل المسائل ‪ ،‬وتفد لهم من القطار‬
‫الرسائل ‪ ،‬والكل ينصت للفقيه بما يقرره ويمليه ‪ ،‬فالجميع يصحح على‬
‫الفقيه عبادته ‪ ،‬والسلطان يقوي بالفقهاء سيادته ‪ ،‬ولو لحن في الخطاب ‪،‬‬
‫وأبطأ في الجواب ‪ ،‬ولو قصر في التأريخ لما قابلوه بالتوبيخ ‪ ،‬لكن من قصر‬
‫في الحكام ‪ ،‬قوبل بالملم من كاّفة النام ‪ ،‬فالعلم ما دل على الرب ‪ ،‬وصلح‬
‫به القلب ‪ ،‬وهجر به الذنب ‪ ،‬وما سواه فليس بذي بال ‪ ،‬ولو تشدق به‬
‫الرجال ‪ ،‬وقد عرفنا من د ََرس الفقه سنوات ‪ ،‬فصار به من السادات ‪،‬‬
‫وعرفنا من أفنى عمره في بعض الفنون ‪ ،‬وهو في خانة النسيان مدفون ‪ ،‬لم‬
‫يستفد منه أحد ‪ ،‬ولم يعرفه أهل البلد ‪ ،‬والسبب في اهتمام البشر ‪ ،‬بفقه‬
‫الثر ‪ ،‬لن علم الكتاب والسّنة ‪ ،‬أقرب طريق إلى الجّنة ‪ ،‬فبهذا عظم قدر‬
‫فقهاء السلم ‪ ،‬على مّر اليام ‪ ،‬فهم طائفة الموقعين ‪ ،‬عن رب العالمين ‪،‬‬
‫وهم سرج الظلماء ‪ ،‬وغيث السماء ‪.‬‬
‫)‪(68 /‬‬
‫زين الله بهم المة بين المم ‪ ،‬كما زين السماء بالنجوم في الظلم ‪ ،‬فهم‬
‫كتيبة الديانة‪ ،‬وحملة المانة ‪ ،‬وحراس المنهاج ‪ ،‬وفرسان الحجاج ‪ ،‬وهم‬
‫حفاظ النصوص الشرعية ‪ ،‬ومحاربو الطرق البدعية ‪ ،‬كلما تسلق إلى سماء‬
‫الشرع كاذب ‪ ،‬أحرقوه بشهاب ثاقب ‪ ،‬وصبوا عليه العذاب الواصب ‪ ،‬فتوى‬
‫في صحيفة ‪ ،‬أقوى من قذيفة ‪ ،‬ومسألة بدليل ‪ ،‬أفضل من مال جزيل ‪،‬‬
‫بفتوى الفقهاء تحقن الدماء ‪ ،‬ويفصل بين الناس في القضاء ‪ ،‬وتقام الحدود ‪،‬‬
‫وتنفذ الشروط والقيود ‪ ،‬ينفذ أحكامهم المراء ‪ ،‬ويحترم كلمهم الوزراء ‪،‬‬

‫‪96‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ويقوم بفتواهم البيع والشراء ‪ ،‬وتجّلهم المحاكم ‪ ،‬وتتزين بهم المواسم ‪ ،‬يوقر‬
‫الناس ما سطروه ‪ ،‬ويتبعون ما حّرروه ‪ ،‬ويتناقل حديثهم الركبان ‪ ،‬وتطير‬
‫مسائلهم في البلدان ‪ ،‬يتشوق العالم لخبارهم ‪ ،‬ويفد الطلب إلى ديارهم ‪،‬‬
‫وليتهم ل تقبل العزل ‪ ،‬وقولهم فصل ليس بالهزل ‪ ،‬والناس ينتظرون‬
‫أقوالهم ‪ ،‬ويقلدون أفعالهم ‪ ،‬تشيعهم البصار ‪ ،‬ويدعو لهم الخيار ‪ ،‬يتباشر‬
‫الناس بقدومهم ‪ ،‬وينهلون من علومهم ‪ ،‬فهم في الوجود كالتيجان ‪ ،‬وكلمهم‬
‫كالمرجان ‪ ،‬وهم أئمة النس والجان ‪.‬‬
‫**************************‬
‫مة الجغرافية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت{‬
‫ض كي ْ َ‬
‫ل كي ْ َ‬
‫ف نُ ِ‬
‫سط ِ َ‬
‫ف ُ‬
‫ح ْ‬
‫صب َ ْ‬
‫} وَإ َِلى ال ِ‬
‫جَبا ِ‬
‫ت )‪ (19‬وَإ ِلى الْر ِ‬
‫كفى بك داء أن ترى الموت شافيا‬
‫‪ ...‬إذا لم تفقه أسرار الجغرافيا‬
‫واعلم أن الشياخ ‪ ،‬أخبرونا أن النسان يتأثر بالتضاريس والمناخ ‪ .‬فأهل‬
‫الجبال ‪ ،‬أهل صفاء وجمال ‪ ،‬وأهل عاطفة واستعجال ‪ ،‬وأهل الصحراء ‪ ،‬أهل‬
‫مكر ودهاء ‪ ،‬وصبر وجفاء ‪ ،‬وكلما قرب النسان من خط الستواء ‪ ،‬كثرت‬
‫دته والبغضاء ‪ ،‬ومن يسكن القطب البارد ‪ ،‬فإنه ثقيل جامد ‪ ،‬ومن يعيش‬
‫ِ‬
‫ح ّ‬
‫في أرض خضراء ‪ ،‬تجد له رقة ورواء‪ ،‬ولطفا ً ووفاء ‪ ،‬ومن كانت داره في‬
‫أرض مقفرة ‪ ،‬رأيت منه طبائع منكره ‪ ،‬من الغلظة والشدة ‪ ،‬والضيق والحدة‬
‫‪.‬‬
‫فأهل جزيرة العرب ‪ ،‬يغلب عليهم الذكاء والدب ‪ ،‬لصفاء سمائهم ‪ ،‬وطيب‬
‫هوائهم ‪ ،‬وعذوبة مائهم ‪ ،‬ولذلك اختار الله منهم النبياء ‪ ،‬لن طبيعة بلدهم‬
‫في استواء ‪ ،‬واعتدال ونقاء ‪ ،‬فليس لهم خفة البلد الحاّرة ‪ ،‬لن أمزجتهم غير‬
‫قارة ‪ ،‬فتجدهم أهل عجلة وطيش ‪ ،‬والطرب عندهم ألذ من العيش ‪ .‬وليس‬
‫لهل الجزيرة كثافة طبع الوربيين‪ ،‬لنك تراهم على المادة مربين ‪ ،‬فتعلقهم‬
‫بالعالم المشهود ‪ ،‬مع إنكار العالم المفقود ‪ ،‬وشكهم في غير الموجود ‪.‬‬
‫وللصفات الحيوانية ‪ ،‬أثر على الفصيلة النسانية ‪ ،‬فتجد أهل البل أهل كبر‬
‫وخيلء‪ ،‬وأهل الغنم أهل سكينة ووقار وحياء ‪ ،‬كما أخبر بذلك خاتم النبياء ‪،‬‬
‫ومعاشرة السباع ‪ ،‬تؤثر في الطباع ‪ ،‬ومن خالط الوحوش توحش ‪ ،‬فتجده إذا‬
‫أكل يهرش وينهش ‪ ،‬لن الصاحب ساحب ‪ ،‬والطبع جاذب ‪ .‬يقول‬
‫المصطفى ‪ :‬من بدا جفا ‪ ،‬وأهل المدن والحواضر أهل رقه ‪ ،‬وفي النظر أهل‬
‫دقه ‪ ،‬والله أرسل من القرى الحاضرة ‪ ،‬رسله بالشرائع الطاهرة ‪ ،‬لن أهل‬
‫القرى الهلة بالسكنى أصحاب تجربه ‪ ،‬وأذهان مدربه ‪ ،‬وآداب قويمة‪ ،‬وفطر‬
‫في الغالب مستقيمة ‪.‬‬
‫وانظر إلى أهل فارس العاجم ‪ ،‬لما سكنوا الريف واشتغلوا بالزراعة فكل‬
‫عليها قائم ‪ ،‬صرفت أذهانهم عن التفكير ‪ ،‬وضعفت في جانب التدبير ‪ ،‬فلم‬
‫يكن عندهم استعداد لفهم المنقول ‪ ،‬لعدم خصوبة العقول ‪.‬‬
‫ولما جمح الروم إلى الخيال ‪ ،‬وأوغلوا في التصور حتى غابوا به عن الحال ‪،‬‬
‫كثر فيهم الزيغ الفكري ‪ ،‬والضلل النظري ‪ ،‬لسابق ما عندهم من دين‬
‫محّرف ‪ ،‬وأثاره من علم متلقف ‪ .‬فاختير العرب للرسالة المحمدّية ‪ ،‬لتمام‬
‫الفطرة النقية ‪ ،‬ووفرة الذهان الذكية ‪.‬‬
‫واعلم أن من البلدان من تنتج الكاكاو والناناس‪ ،‬وبعضها تصدر الذهب‬
‫واللماس‪ ،‬والخرى تصدر الرجال من أهل الكرم والباس ‪ ،‬وبعض الدول تنتج‬
‫للعالم الحديد ‪ ،‬وبعضها تعلم العالم التوحيد ‪ ،‬ولن العالم بحاجة إلى صلح‬
‫وِبر ‪ ،‬أشد من حاجته إلى شعير وُبر ‪ .‬والجغرافي المؤمن ينظر إلى الجبال‬
‫‪97‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حد الرحمن ‪ ،‬ويذ ّ‬
‫كره النسيم ‪،‬‬
‫كأنها منائر تعلن الذان ‪ ،‬أو أصابع مؤمن تو ّ‬
‫ّ‬
‫بنفحة النعيم المقيم ‪ ،‬وقيظ الصيف الحار ‪ ،‬بحرارة النار ‪ ،‬ويذكره برد الشتاء‬
‫كره الغابات ‪ ،‬حدائق الجنات ‪ ،‬ويتذ ّ‬
‫وله هرير ‪ ،‬ببرد النار والزمهرير ‪ ،‬وتذ ّ‬
‫كر‬
‫كم مّر على الجبال من أجيال ‪ ،‬ثم دفنوا تحت الرمال ‪ .‬ويعجب من قدرة‬
‫القدير ‪ ،‬وحكمة اللطيف الخبير ‪ ،‬حيث جعل كل شيء بحكمه ‪ ،‬وكل فعل‬
‫برحمه ‪ ،‬فلما كانت الصحراء ‪ ،‬قليلة الماء ‪ ،‬معروضة للشمس في العراء ‪،‬‬
‫أنبت فيها شجرا ً يناسبها ‪ ،‬وطبيعته تقاربها ‪ ،‬وانظر إلى الشجار ‪ ،‬على‬
‫ضفاف النهار ‪ ،‬دائمة الرواء ‪ ،‬كل فصل هي خضراء‪ ،‬تقاوم كثرة الماء ‪،‬‬
‫وجعل حيوان البر بل وبر ‪ ،‬قليل الشعر ‪ ،‬فهو على حر الرمضاء مصطبر ‪،‬‬
‫وحيوان القطب عليه من الشعر غطاء ‪ ،‬ومن الوبر رداء ‪ ،‬ليعتبر بالحكمة من‬
‫شاء ‪.‬‬
‫يا ماسح الرض بالميال تذرعها‬
‫ً‬
‫ض ويوما ً تمسح الطول‬
‫يوما بعر ٍ‬
‫انظر لمملكة البداع ضاحكة‬
‫في عالم صار بالحياء مأهول‬
‫*********************‬
‫مة البوليسية‬
‫المقا َ‬
‫)‪(69 /‬‬
‫ن{‬
‫ضْرًبا ِبال ْي َ ِ‬
‫م َ‬
‫} فََراغ َ عَل َي ْهِ ْ‬
‫مي ِ‬
‫ومن عرف اليام معرفتي بها‬
‫فليس بمرحوم إذا ظفروا به ‪ ...‬وبالناس روى رمحه غير ظالم‬
‫ول في القضا الجاري عليهم بآثم ِ‬
‫الفكار البليسيه ‪ ،‬ما تردها عن العبد الهراوى البوليسيه ‪ ،‬بل تردها الذكار‪،‬‬
‫كما وردت عن المختار ‪ ،‬ولكن البوليس ‪ ،‬عمله نفيس ‪ ،‬إذا قام بالواجب ‪،‬‬
‫وحمى الناس من كل سالب وناهب ‪ .‬وفي الثار ‪ :‬عينان ل تمسهما النار ‪،‬‬
‫عين بكت من خشية الجبار ‪ ،‬وعين باتت تحرس الديار ‪ ،‬ولو لم يكن في‬
‫البلد بوليس وشرطه ‪ ،‬لوقع الناس في ورطه ‪ ،‬وسوف يأكل القوي الضعيف‬
‫‪ ،‬ويعتدي السخيف على الشريف ‪ ،‬وتوزع الناس إلى أحزاب ‪ ،‬وكسر كل باب‬
‫‪ ،‬ولقفز اللص من الدريشة ‪ ،‬ولم ّ‬
‫ل الناس العيشة ‪ ،‬وسمعت دوي الرصاص ‪،‬‬
‫وصاح الناس هل من مناص ‪ ،‬وصار أمن الناس أضحوكة ‪ ،‬لنه مهدد بعصابات‬
‫محبوكة ‪ ،‬وأصبح الليل ‪ ،‬يزحف كالسيل ‪ ،‬بكل ويل ‪ ،‬وتحولت السواق ‪ ،‬إلى‬
‫عذاب ل يطاق ‪ ،‬فيسلط الله البوليس ‪ ،‬على جنود إبليس ‪ ،‬لن من ل يردعه‬
‫القرآن ‪ ،‬أدبه أعوان السلطان ‪.‬‬
‫أرهب بسيف الله كل مكذب‬
‫فالسيف داء للخلي من التقى ‪ ...‬متهتك في الزور والبهتان‬
‫ومكذب الثار والقرآن‬
‫دد أمن الناس وتوعد ‪ ،‬ليس له إل‬
‫فالذي هجر المسجد ‪ ،‬وذهب يعربد ‪ ،‬وه ّ‬
‫سوط حار ‪ ،‬أو سيف بّتار ‪ ،‬ليكون عبرة لغيره من الشرار ‪ ،‬ولكن على من‬
‫حك العين أن ل يدميها ‪ ،‬لئل ّ يكون حاميها حراميها ‪ ،‬بل يتقي الله البوليس‬
‫في العباد ‪ ،‬ويكون همه إصلح البلد ‪ ،‬ليعم المن والمانة ‪ ،‬والهدوء‬
‫والصيانة ‪.‬‬
‫درة ‪،‬‬
‫ورضي الله عن عمر ولله د َّره ‪ ،‬لنه كان في يمينه دِّرة ‪ ،‬أغلى من ال ّ‬
‫‪98‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يؤدب بها من عصاه ‪ ،‬ويضرب بها من رفض الحق وأباه ‪ .‬وعمر أول من أنشأ‬
‫العسة في البلد ‪ ،‬لردع من فسد ‪ ،‬وقد أحضروا له رجل ً فاسد الفكر ‪ ،‬ظاهر‬
‫دين ‪ ،‬ليكونوا مرتدين ‪ ،‬فزجره عمر وفضحه ‪،‬‬
‫النكر ‪ ،‬لّبس على الناس في ال ّ‬
‫وضربه بالدرة وبطحه ‪ ،‬وأذهب من رأسه بهراوة السلطان ‪ ،‬وساوس‬
‫الشيطان ‪ ،‬فلما أفاق الرجل من الغيبوبة ‪ ،‬ودماؤه مسكوبة ‪ ،‬صاح في رأسه‬
‫مؤذن التوحيد ‪ ،‬أصبحنا وأصبح الملك لله الحميد ‪ ،‬فهذا العلج الج ّ‬
‫ذاب ‪،‬‬
‫والدواء المذاب ‪ ،‬يصرف من صيدلية عمر بن الخطاب ‪:‬‬
‫يا ناسف الظلم ثارت هاهنا وهنا ‪ ...‬فظائع أين منها زندك الواري‬
‫واعلم أن من الناس طائفه ‪ ،‬ليست من ربها خائفه ‪ ،‬ل تجدي فيهم النصائح ‪،‬‬
‫ول يخافون الفضائح ‪ ،‬وإنما ينفع فيهم عصا خيزران ‪ ،‬كأنها ثعبان ‪ ،‬تلف على‬
‫الكتاف والمتان ‪ ،‬حتى تدمع من حرها العينان ‪ ،‬ويصيح المضروب ‪ :‬الن‬
‫حصحص الحق وبان ‪.‬‬
‫السوط فيه مواعظ ونصائح‬
‫ن‬
‫ما ضمها لوح ول ديوا ُ‬
‫لغة سيفهمها غبي مارد‬
‫ن‬
‫ما في حشايا قلبه إيما ُ‬
‫ب ‪ ،‬فالسيف أصدق‬
‫نه‬
‫من‬
‫العصا‬
‫ترد‬
‫ولم‬
‫‪،‬‬
‫ب‬
‫سل‬
‫من‬
‫فإن لم يردع السوط‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ب‬
‫أنباًء من الكت ْ‬
‫************************************‬
‫مة‬
‫مة اله ّ‬
‫مقا َ‬
‫ن{‬
‫ساب ِ ُ‬
‫ساب ِ ُ‬
‫قو َ‬
‫قو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫} َوال ّ‬
‫ً‬
‫أمطري لؤلؤا سماء سرنديب‬
‫أنا إن عشت لست أعدم خبزا ً‬
‫همتى همة الملوك ونفسي ‪ ...‬وفيضي آبار تكرور ِتبرا‬
‫وإذا مت لست أعدم قبرا‬
‫نفس حرٍ ترى المذلة كفرا‬
‫السلم على أهل الهمم ‪ ،‬فهم صفوة المم ‪ ،‬وأهل المجد والكرم ‪ ،‬طارت‬
‫بهم أرواحهم إلى مراقي الصعود ‪ ،‬ومطالع السعود ‪ ،‬ومراتب الخلود ‪ ،‬ومن‬
‫م ‪ ،‬لنه لول المشقة ساد الناس كلهم ‪ ،‬ونصوص‬
‫أراد المعالي هان عليه كل ه ّ‬
‫الوحي تناديك ‪ ،‬سارع ول تلبث بناديك ‪ ،‬وسابق ول تمكث بواديك ‪ُ ،‬أمية بن‬
‫خلف ‪ ،‬لما جلس مع الخلف ‪ ،‬أدركه التلف ‪ ،‬ولما سمع بلل بن رباح ‪ ،‬حي‬
‫على الفلح ‪ ،‬أصبح من أهل الصلح ‪.‬‬
‫اطلب العلى دائما ً وما عليك ‪ ،‬فإن موسى لما اختصه الله بالكلم ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ب أ َرِِني َأنظ ُْر إ ِل َي ْ َ‬
‫ما‬
‫} َر ّ‬
‫ك { ‪ ،‬المجد ما يأتي هبة ‪ ،‬لكنه يحصل بالمناهبة ‪ ،‬ل ّ‬
‫تعلمت الصيد الكلب ‪ ،‬أبيح صيدها بنص الكتاب ‪ ،‬ولما حمل الهدهد الرسالة ‪،‬‬
‫ذكر في سورة النمل بالبسالة ‪ ،‬نجحت النملة بالمثابرة ‪ ،‬وطول المصابرة ‪،‬‬
‫جد ّ ؟ تخطب المعالي ‪ ،‬وتنام الليالي ‪ ،‬ترجو الجنة ‪ ،‬وتفرط‬
‫تريد المجد ول ت َ ِ‬
‫في السّنة ‪.‬‬
‫ّ‬
‫قام رسولنا ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬حتى تفطرت قدماه ‪ ،‬وربط الحجر‬
‫على بطنه من الجوع وهو العبد الّواه ‪ ،‬وأدميت عقباه بالحجارة ‪ ،‬وخاض‬
‫بنفسه كل غارة ‪.‬‬
‫ُيدعى أبو بكر من البواب الثمانية ‪ ،‬لن قلبه معلق بربه كل ثانية ‪ ،‬صرف‬
‫للدين أقواله ‪ ،‬وأصلح بالهدى أفعاله ‪ ،‬وأقام بالحق أحواله ‪ ،‬وأنفق في سبيل‬
‫الله أمواله ‪ ،‬وهاجر وترك عياله ‪.‬‬
‫‪99‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫جع ‪ ،‬وأخذ الحيطة لدينه وتوّقع ‪،‬‬
‫لبس عمر المرّقع ‪ ،‬وتأّوه من ذكر الموت وتو ّ‬
‫عدل وصدق وتهجد ‪ ،‬وسأل الله أن يستشهد ‪ ،‬فرزقه الله الشهادة في‬
‫المسجد ‪.‬‬
‫جد‬
‫المر‬
‫إن‬
‫جد‬
‫َ‬
‫عليك ال ِ‬
‫وبادر فالليالي مسرعات ‪ ...‬وليست كما ظننت ول وهمتا‬
‫وأنت بمقلة الحدثان نمتا‬
‫اخرج من سرداب الماني ‪ ،‬يا أسير الغاني ‪ ،‬انفض غبار الكسل ‪ ،‬واهجر من‬
‫خرت الصلوات ‪،‬‬
‫عذل ‪ ،‬فكل من سار على الدرب وصل ‪ ،‬نسيت اليات ‪ ،‬وأ ّ‬
‫وأذهبت عمرك السهرات ‪ ،‬وتريد الجنات ؟!‬
‫)‪(70 /‬‬
‫ويلك والله ما شبع النمل حتى جد ّ في الطلب ‪ ،‬وما ساد السد حتى افترس‬
‫ووثب ‪ ،‬وما أصاب السهم حتى خرج من القوس ‪ ،‬وما قطع السيف حتى صار‬
‫أحد ّ من الموس ‪.‬‬
‫مرة تنقل قشها ‪ ،‬والعنكبوت ‪ ،‬يهندس البيوت ‪،‬‬
‫الحمامة تبني عشها ‪ ،‬والح ّ‬
‫والضب يحفر مغاره ‪ ،‬والجرادة تبني عمارة ‪ ،‬وأنت لك مدة ‪ ،‬ورأسك على‬
‫المخدة ‪ ،‬في الحديث ‪ )) :‬احرص على ما ينفعك (( ‪ ،‬لن ما ينفعك يرفعك ‪،‬‬
‫)) المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف (( ‪ ،‬بالقوة يبنى‬
‫القصر المنيف ‪ ،‬وينادل المجد الشريف ‪.‬‬
‫همة تنطح الثريا وعزم ‪ ...‬نبوي يزعزع الجبال‬
‫صاحب الهمة ما يهمه الحّر ‪ ،‬ول يخيفه القّر ‪ ،‬ول يزعجه الضّر ‪ ،‬ول يقلقه‬
‫المّر ‪ ،‬لنه تدرع بالصبر ‪.‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن * أوْلئ ِ َ‬
‫ك‬
‫ساب ِ ُ‬
‫ساب ِ ُ‬
‫قو َ‬
‫قو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫صاحب الهمة ‪ ،‬يسبق المة ‪ ،‬إلى القمة ‪َ } ،‬وال ّ‬
‫ن { ‪ ،‬لنهم على الصالحات مدربون ‪ ،‬وللبر مجربون ‪.‬‬
‫م َ‬
‫قّرُبو َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫الثعلب يرضى بالجيفة ‪ ،‬فكتب في آخر الصحيفة ‪ ،‬لو أسرع الحمار مثل‬
‫الحصان ‪ ،‬لكان من الهوان ُيصان ‪ ،‬الشمس تجري ‪ ،‬والقمر يسري ‪ ،‬وأنت‬
‫نائم ل تدري ‪ ،‬أنت أكول شروب ‪ ،‬لعوب طروب ‪ ،‬صاحب ذنوب ‪.‬‬
‫ل يدرك المجد إل سيد فطن‬
‫لول المشقة ساد الناس كلهم ‪ ...‬لما يشق على السادات فّعال‬
‫الجود يفقر والقدام قتال‬
‫لما تجرع الحنف غصص الغضب ‪ ،‬صار حليم العرب ‪ ،‬ولما بذل روحه للموت‬
‫ما بذل حاتم ‪ ،‬طعامه لكل قادم ‪ ،‬وأنفق أمواله‬
‫عنترة ‪ ،‬شبهوه بقسورة ‪ ،‬ول ّ‬
‫في المواسم ‪ ،‬صار مضرب المثل في الجود ‪ ،‬وقصة الكرم في السهول‬
‫والنجود ‪.‬‬
‫لما طار القمري قعد فوق الغصان ‪ ،‬ولما مشى الجعلن بقي مع الديدان ‪،‬‬
‫سمي بالند ‪ ،‬وأقام بأرضه الخشب ‪ ،‬فسماه الناس‬
‫سافر العود من الهند ‪ ،‬ف ُ‬
‫الحطب ‪.‬‬
‫اديسون مكتشف الكهرباء ‪ ،‬قضى عمره في اختراعه حتى أذهل به الحكماء ‪،‬‬
‫فل نامت أعين الغبياء ‪.‬‬
‫مكتشف الذرة ‪ ،‬أجرى عليها التجربة عشرة آلف مره ‪.‬‬
‫ل ول م ّ‬
‫دثين من كثرة الرواية ‪ ،‬فما ك ّ‬
‫ل حتى بلغ النهاية ‪،‬‬
‫عمي بعض المح ّ‬
‫مشى أحمد ابن حنبل من بغداد إلى صنعاء ‪ ،‬وأنت تفتر في حفظ دعاء ‪،‬‬
‫سافر أحدهم إلى مصر ‪ ،‬غدّوه شهر ‪ ،‬ورواحه شهر ‪ ،‬في طلب حديث واحد ‪،‬‬
‫‪100‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ليدرك به المجد الخالد ‪ ،‬لول المحنة ‪ ،‬ما دعي أحمد إمام السنة ‪ ،‬وصل‬
‫جْلد إلى المجد ‪ ،‬ووضع ابن تيميه في الزنزانة ‪ ،‬فبز بالعلم زمانه ‪ .‬واعلم‬
‫بال َ‬
‫أن الماء الراكد ‪ ،‬فاسد ‪ ،‬لنه لم يسافر ويجاهد ‪ ،‬ولما جرى الماء ‪ ،‬صار‬
‫مطلب الحياء ‪ ،‬بقيت على سطح البحر الجيفة ‪ ،‬لنها خفيفة ‪ ،‬وسافر الدر‬
‫إلى قاع البحر‪ ،‬فوضع من التكريم على النحر ‪.‬‬
‫فكن رجل ً رجله في الثرى ‪ ...‬وهامة همته في الثريا‬
‫يا كثير الرقاد ‪ ،‬أما لنومك نفاد ‪ ،‬سوف تدفع الثمن ‪ ،‬يا من غلبه الوسن ‪،‬‬
‫ة وخلسة ‪ ،‬بل الحياة شرعة ودمعة ‪ ،‬وركعة‬
‫تظن الحياة جلسة وكبسة ‪ ،‬ولبس ٌ‬
‫ومحاربة بدعة ‪.‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫الله أمرنا بالعمل لينظر عملنا ‪ ،‬وقال ‪َ } :‬وال ِ‬
‫جاهَ ُ‬
‫ن َ‬
‫دوا ِفيَنا لن َهْدِي َن ّهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫سب ُل ََنا { ‪ ،‬فالحياة عقيدة وجهاد ‪ ،‬وصبر وجلد ‪ ،‬ونضال وكفاح ‪ ،‬وبر وفلح‪ ،‬ل‬
‫ُ‬
‫مكان في الحياة للكول الكسول ‪ ،‬ول مقعد في حافلة الدنيا للمخذول ‪.‬‬
‫علو في الحياة وفي الممات ‪ ...‬بحق أنت إحدى المعجزات‬
‫ابدأ في طلب الجر من الفجر ‪ ،‬قراءة وذكر ‪ ،‬أو دعاء وشكر‪ ،‬لنها لحظة‬
‫انطلق الطير من وكورها ‪ ،‬ول تنس ‪ )) :‬بارك الله لمتي في بكورها (( ‪.‬‬
‫العالم في حركة ‪ ،‬كأنه شركة ‪ ،‬وقلبك خربة ‪ ،‬كأنك خشبة ‪ ،‬الطير يغّرد ‪،‬‬
‫والقمري ينشد ‪ ،‬والماء يتمتم ‪ ،‬والهواء يهمهم ‪،‬والسود تصول ‪ ،‬والبهائم‬
‫تجول ‪ ،‬وأنت جثة على الفراش ‪ ،‬ل في أمر عبادة ول معاش ‪ ،‬نائم هائم ‪،‬‬
‫طروب لعوب ‪ ،‬كسول أكول ‪.‬‬
‫استيقظ على نبرات الخطاب الشرعي ‪ ،‬ودعنا من وساوس الهاجس‬
‫البدعي ‪ ،‬لن الشريعة ‪ ،‬تدعو للهمة البديعة ‪ ،‬تقول لتباعها ‪ :‬فما وهنوا لما‬
‫أصابهم ‪ ،‬لنهم حملوا كتابهم‪ ،‬وألقوا للعالم خطابهم ‪ ،‬فهداهم ربهم صوابهم ‪.‬‬
‫وأهل السوالف ‪ ،‬رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ‪ ،‬لن لهم في الضللة‬
‫سوابق ‪ ،‬فهم يتصيدون كل مارق ‪ ،‬عن الحق آبق ‪ ،‬ولو علم الله فيهم خيرا ً‬
‫لسمعهم ‪ ،‬فهبوا وتركوا مضجعهم ‪ ،‬ولو أراد الله بهم خيرا ً لغاثهم ‪ ،‬ولكن‬
‫كره الله انبعاثهم ‪.‬‬
‫الفرس بهمته يعض لجامه ويلوك ‪ ،‬فركبه الملوك ‪ ،‬والحمار آثر المقام في‬
‫الرباط ‪ ،‬فضرب بالسياط ‪:‬‬
‫سوف ترى إذا انجلى الغبار ‪ ...‬أفرس تحتك أو حمار‬
‫ححا ‪ ،‬ثم ل‬
‫مص‬
‫بجا‬
‫مد‬
‫يقدم لك ابن جرير ‪ ،‬كتاب التفسير ‪ ،‬محققا ً منقحا ‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تصطفيه ‪ ،‬ول تقرأ فيه ‪.‬‬
‫أّلف ابن حجر فتح الباري في ثلثين سنة ‪ ،‬فلله دره ما أجمل كتابه وأحسنه ‪،‬‬
‫ثم تهمله في الرف ‪ ،‬كأنه دف ‪ ،‬مع السف ‪.‬‬
‫َ‬
‫} ومنه ُ‬
‫ُ‬
‫ن{‪.‬‬
‫م ِإل ي َظّنو َ‬
‫ي وَإ ِ ْ‬
‫ن ال ْك َِتا َ‬
‫مو َ‬
‫مّيو َ‬
‫ن هُ ْ‬
‫ب ِإل أ َ‬
‫ن ل ي َعْل َ ُ‬
‫مأ ّ‬
‫َ ِ ُْ ْ‬
‫مان ِ ّ‬
‫ولو كان في قلب المحب صبابة ‪ ...‬لسار على القدام في الشوك والحفى‬
‫هذا الكافر مثابر ‪ ،‬كل يوم مغامر ‪ ،‬سّير في الرض السيارة ‪ ،‬وأطار في‬
‫السماء الطيارة ‪ ،‬جعل لغذاءك ثلجة ‪ ،‬ولماءك زجاجة ‪ ،‬ومالك عمل إل أن‬
‫تأكل وتشرب ‪ ،‬وتلهو وتلعب ‪.‬‬
‫)‪(71 /‬‬
‫ول تقل الصبا فيه مجال‬
‫تفر من الهجير وتتقيه ‪ ...‬وفكركم صبي قد دفنتا‬
‫فهل ّ من جهنم قد فررتا‬

‫‪101‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أنت تفتر والملئكة ل يفترون ‪ ،‬وتسأم العمل والمقربون ل يسأمون ‪ ،‬بم‬
‫تدخل الجنة‪ ،‬هل طعنت في ذات الله بالسنة ‪ ،‬هل أوذيت في نصر السنة ‪،‬‬
‫انفض عنك غبار الخمول ‪ ،‬يا كسول ‪ ،‬فبلل العزيمة أّذن في أذنك فهل تسمع‬
‫َ‬
‫ه‬
‫جيُبوا ل ِل ّ ِ‬
‫‪ ،‬وداعي الخير دعاك فلماذا ل تسرع ‪َ } .‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫مُنوا ا ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫م{‬
‫ل إ َِذا د َ َ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫وَِللّر ُ‬
‫حِييك ُ ْ‬
‫م لِ َ‬
‫عاك ُ ْ‬
‫سو ِ‬
‫ولبد للهمم الملتهبة أن تنال مطلوبها ‪ ،‬ولبد للعزائم المتوثبة أن تدرك‬
‫ول ‪.‬‬
‫مرغوبها ‪ ،‬سنة ل تتب ّ‬
‫دل ‪ ،‬وقضية ل تتح ّ‬
‫ً‬
‫جزى الله المسير إليك خيرا ‪ ...‬وإن ترك المطايا كالمزادِ‬
‫واعلم أن الهمة توقد القلب ‪ ،‬واستسهال الصعب ‪ ،‬وركوب الخطب ‪،‬‬
‫فالعذاب بالهمة عذب ‪ .‬ومن عنده همة عارمة ‪ ،‬وعزيمة صارمة ‪ ،‬اقتحم بها‬
‫أسوار المعالي ‪ ،‬وصار تاريخه قصة الليالي ‪.‬‬
‫فقل للمتخلفين اقعدوا مع الخالفين ‪ ،‬لن المنازل العالية ‪ ،‬والماني الغالية ‪،‬‬
‫واره ‪ ،‬وفتكات جبارة ‪ ،‬لينال المجد بجدارة ‪.‬‬
‫تحتاج إلى همم م ّ‬
‫وقل للكسول النائم ‪ ،‬والثقيل الهائم ‪ ،‬امسح النوم من عينيك ‪ ،‬واطرد الكرى‬
‫من جفنيك ‪ ،‬فلن تنال من ماء العزة قطرة ‪ ،‬ولن ترى من نور العل خطرة ‪،‬‬
‫حتى تثب مع من وثب ‪ ،‬وتفعل ما يجب ‪ ،‬وتأتي بالسبب ‪.‬‬
‫أقسمت أن أوردها حرة‬
‫إما فتى نال المنى فاشتفى‬
‫إذا سألت الله في كل ما‬
‫ح‬
‫بهمة تخرج ماء الصفا ‪ ...‬وقاحة تحت غلم وقا ْ‬
‫ح‬
‫أو فارس زار الردى فاسترا ْ‬
‫ح‬
‫أملته نلت المنى والنجا ْ‬
‫ح‬
‫وعزمةٍ ما شابها قول آ ْ‬
‫أل فليهنأ أرباب الهمم ‪ ،‬بوصول القمم ‪ ،‬وليخسأ العاكفون على غفلتهم في‬
‫الحضيض ‪ ،‬فلن يشفع لهم عند ملكوت الفضل نومهم العريض ‪ ،‬وقل لهؤلء‬
‫قُعودِ أ َوّ َ‬
‫ن { فهُّبوا إلى‬
‫م ِبال ْ ُ‬
‫معَ ال ْ َ‬
‫خال ِ ِ‬
‫م َر ِ‬
‫مّرةٍ َفاقْعُ ُ‬
‫دوا َ‬
‫ل َ‬
‫ضيت ُ ْ‬
‫الراقدين } إن ّك ُ ْ‬
‫في َ‬
‫درجات الكمال نساًء ورجال ‪ ،‬ودربوا على الفضيلة أطفال ‪ ،‬وانفروا خفافا ً‬
‫وثقال ‪.‬‬
‫**************************‬
‫مة البخلء‬
‫مقا َ‬
‫خ ُ‬
‫خ ْ‬
‫سهِ {‬
‫ن نَ ْ‬
‫ما ي َب ْ َ‬
‫ن ي َب ْ َ‬
‫ف ِ‬
‫ل فَإ ِن ّ َ‬
‫} وَ َ‬
‫ل عَ ْ‬
‫م ْ‬
‫إني نزلت بكذابين ضيفهم‬
‫جود الرجال من اليدي وجودهموا ‪ ...‬عن القرى وعن الترحال مردود‬
‫من اللسان فل كانوا ول الجود‬
‫البخيل نذل ‪ ،‬والبخل خلق رذل ‪ ،‬وحسبك أن الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‬
‫ استعاذ من البخل ‪ ،‬وليت البخيل إذا عل مات ‪ ،‬لن له على بخله علمات ‪،‬‬‫فمنها أن يفقد الصواب ‪ ،‬إذا ُ‬
‫طرق الباب ‪ ،‬وُيكثر السباب ‪ ،‬عند رؤية‬
‫الجناب ‪ ،‬وإذا رأى الضيف ضاق صدره ‪ ،‬والتبس عليه أمره ‪ ،‬فتعلوه‬
‫قشعريرة ‪ ،‬ويقع في حيرة ‪ ،‬ومنها أن يكثر العذار ‪ ،‬ليخرج نفسه من هذه‬
‫وه بها وهوّ لها كأنه تولى الخلفة ‪.‬‬
‫الخطار ‪ ،‬وإذا قام بضيافة ‪ ،‬ن ّ‬
‫يذم الجواد ‪ ،‬ويمدح القتصاد ‪ ،‬يتفجع إذا رأى طعامه يغرف من القدر ‪ ،‬تفجع‬
‫الخنساء على أخيها صخر ‪ ،‬أوصى بخيل ولده ‪ ،‬وقد قطع بالنفاق كبده ‪،‬‬
‫فقال يا بني ما هذا السراف ‪ ،‬يا أيها المتلف ‪ ،‬أما تخشى أما تخاف ‪ ،‬ما تؤثر‬
‫فيك النصائح ‪ ،‬ول تخاف الفضائح ‪ ،‬أين من كان يقتصد ‪ ،‬ويحفظ ماله‬
‫‪102‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صره ‪ِ ،‬لئل يؤخذ على ِغّرة ‪ ،‬ثم‬
‫ويجتهد ‪ ،‬كان أحدهم رحمه الله يضع ماله في ُ‬
‫ُيخرج الصّرة ‪ ،‬في كل سنة مّرة ‪ ،‬فيقَرأ ُ عليها المعوذات ‪ ،‬وأعوذ بكلمات الله‬
‫التامات ‪ ،‬كان الرغيف يسد رمقه من الصباح إلى الليل ‪ ،‬لنه يعلم أن الدهر‬
‫أبو الويل ‪ ،‬فخلف من بعدهم خلف ‪ ،‬فيهم كل مسرف جلف ‪ ،‬يأكل في اليوم‬
‫ثلث وجبات ‪ ،‬ول يتفكر في مصارع الموات ‪ ،‬ليرتدع من هذه الزلت‪.‬‬
‫أما أخبار البخلء ‪ ،‬فقد جمعها بعض الدباء ‪.‬‬
‫فمنها أن بخيل ً دخل بيته ونسي أن يغلق الباب ‪ ،‬فدخل على إثره فقير ممزق‬
‫الثياب‪ ،‬فناوله البخيل قطعة خبزة ‪ ،‬ثم أخذ حبل ً وربطه وحّزة ‪ ،‬وقال والله ل‬
‫أتركك تخيف مسلما ً هذه الليلة ‪ ،‬أو تروع مؤمنا ً بكل حيلة ‪.‬‬
‫دم بخيل الطعام لضيوفه ‪ ،‬ثم جلس مهموما ً محسورا ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنما‬
‫وق ّ‬
‫نطعمكم لوجه الله ل نريد منكم جزاًء ول شكورا ‪ ،‬وطرق فقير باب بخيل ‪،‬‬
‫وقد أظلم الليل ‪ ،‬فلم يفتح البخيل بابه ‪ ،‬ولم يرفع حجابه ‪ ،‬فصاح الفقير‬
‫بصوت كسير ‪ :‬أين من كانوا يفرحون إذا رأوا أضيافا ‪ ،‬فرد البخيل بقوله ‪:‬‬
‫ماتوا مع الذين ل يسألون الناس إلحافا ‪.‬‬
‫وأعطى أحد الوزراء بخيل ً مائة ألف دينار ‪ ،‬حتى أصبح بها من الغنياء الكبار ‪،‬‬
‫فقال له جيرانه ‪ ،‬هنيئا ً لك المبلغ الكبير ‪ ،‬فقال ‪ :‬والله ما هو بكثير ‪ ،‬وعندي‬
‫زوجة وطفل صغير ‪ ،‬فإذا أراد أن يخرج منها دينارا ‪ ،‬قّبله مرارا ‪ ،‬وقال ‪ :‬بأبي‬
‫مي ‪ ،‬ما أطيبك حّيا ‪ ،‬وما أطيبك ميتا ‪.‬‬
‫أنت وأ ّ‬
‫وقال فقير لبخيل أعطني درهما ً فقط ‪ ،‬فقال هذا غلط ‪ ،‬وجور وشطط ‪ ،‬لن‬
‫الدرهم مع الدرهم ‪ ،‬مائة درهم ‪ ،‬ثم يزيد إلى ألف ‪ ،‬ثم إلى مائة ألف ‪ ،‬فتريد‬
‫أن تهدم مالي ‪ ،‬وتجوع عيالي بسؤالي ‪ ،‬وافرض أنني أعطيت درهما ‪ ،‬فلن‬
‫ألبث حتى أصير مثلك معدما ‪ ،‬فأنت تريد أن تغشنا فارحل عنا ‪ ،‬ومن غ ّ‬
‫شنا‬
‫مّنا ‪.‬‬
‫فليس ِ‬
‫)‪(72 /‬‬
‫ودخل رجل أكول على بخيل فقدم له غداءه ‪ ،‬وجلس حذاءه ‪ ،‬وقال له يوصيه‬
‫‪ ،‬اجعل ثلث بطنك للغذاء ‪ ،‬وثلثا ً للماء ‪ ،‬وثلثا ً للهواء ‪ ،‬قال الكول ‪ :‬بل كلها‬
‫للطعام ‪ ،‬يا سيد الكرام ‪ ،‬لن الماء سوف ينش ‪ ،‬والهواء سوف يفش ‪ ،‬فقال‬
‫البخيل ‪ :‬أنا منذر محذر ‪ ،‬ومن أنذر فقد أعذر ‪.‬‬
‫ً‬
‫واعلم أن البخيل كثير العذار ‪ ،‬دائم النذار ‪ ،‬فإن جئته مبكرا قال ‪ :‬مالك‬
‫تقدمت‪ ،‬وإن أبطأت قليل ً قال ‪ :‬هداك الله تأخرت ‪ ،‬إذا حل به ضيف نسي‬
‫الترحيب ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذا يوم عصيب ‪ ،‬وإن طرق بيته طارق ‪ ،‬رآه كأنه سارق ‪،‬‬
‫وإذا دخل عليه الضيف قلل الكلم ‪ ،‬وأكثر على أهله السب والخصام ‪ ،‬ول‬
‫يسأل الضيف عن أخباره ‪ ،‬بل تراه كثير القيام والقعود بداره ‪ ،‬وتراه ل يترك‬
‫في البيت صغيرة ول كبيرة إل أحصاها‪ ،‬فهو يعرف ما له علقة بالنفقة قد‬
‫ضبطها ووعاها ‪ ،‬إذا نقص دينه ذكر المعاذير ‪ ،‬وأن النسان ل يسلم من‬
‫التقصير ‪ ،‬فإذا أراد أحد التعرض لشيء من ماله ‪ ،‬أنكر بقلبه ويده ولساِنه ‪،‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫وأظهر الحمية والخذ بالثأر ولو من إخوانه ‪ ،‬قد هيأ العذر لكل حاجه ‪ ،‬وإل ّ ل ْ‬
‫جد ْ استعمل الغضب واللجاجة ‪ ،‬فإن أتاه طالب ‪ ،‬ووفد إليه راغب ‪ ،‬قال‬
‫يَ ِ‬
‫الحقوق كثيره ‪ ،‬والحاجات كبيرة ‪ ،‬ويعيد عليك متن خير الناس ‪ ،‬من ل يحتاج‬
‫إلى الناس ‪ ،‬وأفضلهم من كف عنه الباس ‪.‬‬
‫ومن وصايا البخيل ‪ :‬عليكم يا إخوان بحفظ المال ‪ ،‬فإنه ل يعلم أحد بتغير‬
‫الحوال‪ ،‬والدنيا من حال إلى حال ‪ ،‬ولن ينفعك إل مالك ‪ ،‬ولن يقف معك‬

‫‪103‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أعمامك وأخوالك ‪ ،‬واذكروا يا إخوان تقلب الزمان ‪ ،‬وقلة العوان ‪ ،‬فرحم‬
‫الله من أمسك ديناره‪ ،‬وأغلق داره‪ ،‬ولم تخدعه الدنيا الغراره ‪ ،‬فعليكم‬
‫بالقتصاد ‪ ،‬فإنه مذهب الجواد ‪ ،‬فقد أدركنا أقواما ً من الصالحين ‪ ،‬كانوا‬
‫يكيلون الطحين ‪ ،‬ويقتصدون حتى في شرب الماء‪ِ ،‬لئل تذهب أقوالهم هباء ‪،‬‬
‫ومنهم من كان يفترش التراب ‪ ،‬وينام على الخشاب ‪ ،‬ومنهم من كان يكتفي‬
‫بوجبة ‪ ،‬في اليوم واحدة ‪ ،‬ليغيظ بجمع المال حاسده ‪ ،‬ثم يقول ‪ :‬وقد أدركت‬
‫قوما ً من الولياء ‪ ،‬ينامون بل عشاء ‪ ،‬ويكتفون بالفطور عن الغداء ‪،‬وكان‬
‫سوء بشراء طعام ‪ ،‬لمها أشد الملم ‪،‬‬
‫سه المارة بال ّ‬
‫أحدهم إذا حدثته نف ُ‬
‫مها عن رغباتها بزمام ‪ ،‬ولقد أدركت عبدا ً‬
‫وخطمها عن شهواتها بخطام ‪ ،‬وز ّ‬
‫من البرار ‪ ،‬ووليا ً من الخيار ‪ ،‬حدثته نفسه المارة ‪ ،‬بشراء خيارة ‪ ،‬فرجع‬
‫على نفسه بالتوبيخ ‪ ،‬وأقسم لها لن يعطيها هواها ولو أرادت قطعة من‬
‫البطيخ ‪ ،‬لن القوم لما صحت منهم العقول ‪ ،‬تركوا الفضول ‪ ،‬وحفظوا‬
‫أموالهم من كل مسرف جهول ‪ ،‬ولقد أدركنا مريم العابدة ‪ ،‬المقتصدة‬
‫الزاهدة ‪ ،‬وكانت تبيع الفصفص ‪ ،‬ولها في ذلك علم وتخصص ‪ ،‬فإذا اجتمع لها‬
‫ريال ‪ ،‬وضعتها وراء القفال ‪ ،‬وأقسمت بالله ل يزال حتى تزول الجبال ‪،‬‬
‫وكانت رحمها الله ‪ ،‬إذا ظمأ الحمار ‪ ،‬ابطأت عليه بالماء ولو كان الماء في‬
‫وده التحمل والصطبار ‪ ،‬وكانت تأخذ النخالة من الشعير ‪ ،‬فتجعلها‬
‫الدار ‪ ،‬لتع ّ‬
‫كالخبز الفطير ‪ ،‬وكانت تمشي بين القرى ‪ ،‬تجمع قطع الفرى‪ ،‬وكلما وجدت‬
‫عودا ً أخذته ‪ ،‬وإذا مرت بحب جمعته ‪ ،‬فل يأتي المساء ‪ ،‬إل وقد أدركها العياء‬
‫‪ ،‬لكن يهون التعب ‪ ،‬ويذهب النصب ‪ ،‬إذا تذكرت صروف اليام ‪ ،‬وطول‬
‫العوام ‪ ،‬قال ‪ :‬وقد أدركت شيخا ً كبيرا ‪ ،‬كان باليام بصيرا ‪ ،‬بقي عليه ثوبه‬
‫عشرين عاما ‪ ،‬حتى أصبح الثوب ألوانا ً وأقساما ‪ ،‬فكلما انخرق الثوب خاطه‬
‫برقعة‪ ،‬حتى صار مائة بقعة ‪ ،‬ثم جاء قوم من المبذرين ‪ ،‬ل يحّبون المنذرين ‪،‬‬
‫يفني أحدهم ثوبا ً كل عام ‪ ،‬ول يخاف العذاب والملم ‪ ،‬قال ‪ :‬ولقد أدركت‬
‫حامد المقتصد ‪ ،‬وكان في حفظ المال يجتهد ‪ ،‬بقيت معه حذاؤه عشر‬
‫سنوات ‪ ،‬وكان يمشي حافيا ً في الفلوات ‪ ،‬وربما حمل حذاءه بيده الكريمة ‪،‬‬
‫خوفا ً من العواقب الوخيمة ‪ ،‬فإذا نام جعلها تحت رأسه ‪ ،‬حرصا ً عليها من‬
‫غدر السارق وبأسه ‪ ،‬فانظر حرصهم رحمهم الله على حفظ المال ‪ ،‬وعدم‬
‫اغترارهم بلوم الرجال ‪ ،‬فأين حالنا من حالهم ‪ ،‬ولذلك ل يقارن مالنا بمالهم ‪،‬‬
‫ثم بكى حتى كادت أضلعه تختلف ‪ ،‬وأخذ يقول ما أحسن أخبار من سلف‪،‬‬
‫وما أكثر إسراف هؤلء الخلف ‪.‬‬
‫مة السعادة‬
‫مقا َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ة‬
‫حَياة ً ط َي ّب َ ً‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫حا ِ‬
‫ن عَ ِ‬
‫ه َ‬
‫ن فَل َن ُ ْ‬
‫صال ِ ً‬
‫حي ِي َن ّ ُ‬
‫ن ذ َك َرٍ أوْ أنَثى وَهُوَ ُ‬
‫} َ‬
‫ل َ‬
‫م ٌ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما َ‬
‫ن{‬
‫ملو َ‬
‫م ب ِأ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫وَل َن َ ْ‬
‫ح َ‬
‫كاُنوا ي َعْ َ‬
‫ن َ‬
‫جَرهُ ْ‬
‫جزِي َن ّهُ ْ‬
‫س ِ‬
‫دع اليام تفعل ما تشاء‬
‫ً‬
‫ول تجزع لحادثة الليالي ‪ ...‬وطب نفسا إذا حكم القضاء‬
‫فما لحوادث الدنيا بقاء‬
‫)‪(73 /‬‬
‫قال الراوي ‪ :‬جاءنا رجل مهموم ‪ ،‬قد أنهكته الغموم ‪ ،‬فهو من الحزن مكظوم‬
‫‪ ،‬فقال ‪ :‬أيها الناس ‪ ،‬حل بنا البأس ‪ ،‬وذهب منا السرور واليناس ‪ ،‬وتفرد بنا‬
‫الشيطان ‪ ،‬فأسقانا حميم الحزان ‪ ،‬فهل منكم رجل رشيد ‪ ،‬رأيه سديد ‪،‬‬
‫يصرف عنا هذا العذاب الشديد ‪ ،‬فقام شيخ منا ‪ ،‬ينوب عنا ‪ ،‬وهو أكبرنا سنا ‪،‬‬

‫‪104‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فقال ‪ :‬أيها الرجل الغريب ‪ ،‬شأنك عجيب ‪ ،‬تشكوا الهم والوصب ‪ ،‬والغم‬
‫والنصب ‪ ،‬وأراك لم يبق منك إل العصب‪ ،‬أما تدعوا الرحمن ‪ ،‬أما تقرأ القرآن‬
‫‪ ،‬فإنه يذهب الحزان ‪ ،‬ويطرد الوحشة عن النسان ‪ ،‬ثم اعلم وافهم ‪ ،‬لتسعد‬
‫وتسلم ‪ ،‬إن من أعظم المور ‪ ،‬في جلب السرور ‪ ،‬الرضا بالمقدور ‪ ،‬واجتناب‬
‫المحذور ‪ ،‬فل تأسف على ما فات ‪ ،‬فقد مات ‪ ،‬ولو أنه كنوز من الذهب‬
‫والجنيهات ‪ ،‬واترك المستقبل حتى يقبل ‪ ،‬ول تحمل همه وتنقل ‪ ،‬ول تهتم‬
‫بكلم الحساد ‪ ،‬فل يحسد إل من ساد ‪ ،‬وحظي بالسعاد ‪ ،‬وعليك بالذكار ‪،‬‬
‫فيها تحفظ العمار ‪ ،‬وتدفع الشرار ‪ ،‬وهي ُأنس البرار ‪ ،‬وبهجة الخيار ‪،‬‬
‫وعليك بالقناعة ‪ ،‬فإنها أربح بضاعة ‪ ،‬وامل قلبك بالصدق ‪ ،‬واشغل نفسك‬
‫بالحق ‪ ،‬وإل شغلتك بالباطل ‪ ،‬وأصبحت كالعاطل ‪ ،‬وفكر في نعم الله عليك ‪،‬‬
‫وكيف ساقها إليك ‪ ،‬من صحة في بدن ‪ ،‬وأمن في وطن ‪ ،‬وراحة في سكن ‪،‬‬
‫ومواهب وفطن ‪ ،‬مع ما صرف من المحن ‪ ،‬وسلم من الفتن ‪ ،‬واسأل نفسك‬
‫في النعم التي بين يديك ‪ ،‬هل تريد كنوز الدنيا في عينيك ؟ أو أموال قارون‬
‫في يديك ؟ أو قصور الزهراء في رجليك ؟ أو حدائق دمشق في أذنيك ؟‬
‫وهل تشتري ملك كسرى بأنفك ولسانك وفيك ‪ ،‬مع نعمة السلم‪،‬ومعرفتك‬
‫للحلل والحرام ‪ ،‬وطاعتك للملك العلم ‪ ،‬ثم أعطاك مال ً ممدودا ‪ ،‬وبنين‬
‫شهودا ‪ ،‬ومّهد لك تمهيدا ‪ ،‬وقد كنت وحيدا فريدا ‪ .‬واذكر نعمة الغذاء والماء‬
‫والهواء ‪ ،‬والدواء والكساء ‪ ،‬والضياء والهناء مع صرف البلء ‪ ،‬ودفع الشقاء ‪.‬‬
‫ثم افرح بما جرى عليك من أقدار ‪ ،‬فأنت ل تعرف ما فيها من السرار ‪،‬‬
‫فقابل النعمة بالشكر ‪ ،‬وقابل البلية بالصبر ‪ ،‬وإذا أصبحت فل تنتظر المساء ‪،‬‬
‫صر في حقك وأساء ‪ ،‬واغسل قلبك سبعا ً من الضغان ‪،‬‬
‫واغفر لكل من ق ّ‬
‫فره الثامنة بالغفران ‪ ،‬وانهمك في العمل ‪ ،‬فإنه يطرد الملل ‪ ،‬واحمد ربك‬
‫وع ّ‬
‫على العافية ‪ ،‬والعيشة الكافية ‪ ،‬والساعة الصافية ‪ ،‬فكم في الرض من‬
‫وحيد وشريد ‪ ،‬وطريد وفقيد ‪ ،‬وكم في الرض من رجل غلب ‪ ،‬ومال سلب ‪،‬‬
‫وملكه نهب ‪ ،‬وكم من مسجون ‪ ،‬ومغبون ومديون ‪ ،‬ومفتون ومجنون ‪ ،‬وكم‬
‫من سقيم ‪ ،‬وعقيم ويتيم ‪ ،‬ومن يلزمه الغريم ‪ ،‬والمرض الليم‬
‫واعلم أن الحياة غرفة بمفتاح ‪ ،‬تصفقها الرياح ‪ ،‬ل صخب فيها ول صياح ‪،‬‬
‫وهي كما قال ابن فارس ‪:‬‬
‫ماء وخبز وظل‬
‫كفرت نعمة ربي ‪ ...‬ذاك النعيم الجل‬
‫إن قلت إني مقل‬
‫واعلم أن لكل باب من الهم مفتاح من السرور ‪ ،‬للذنب رب غفور ‪ ،‬والفلك‬
‫يدور ‪ ،‬وأنت ل تدري بعواقب المور ‪ ،‬وملك كسرى تغني عنه كسرة ‪ ،‬ويكفي‬
‫من البحر قطرة ‪ ،‬فل تذهب نفسك على الدنيا حسرة ‪ ،‬ول تتوقع الحوادث ‪،‬‬
‫ول تنتظر الكوارث ‪ ،‬ول تحرم نفسك لتجمع للوارث ‪ ،‬ويغنيك عن الدنيا‬
‫مصحف شريف ‪ ،‬وبيت لطيف ‪ ،‬ومتاع خفيف ‪ ،‬وكوز ماء ورغيف ‪ ،‬وثوب‬
‫نظيف ‪.‬‬
‫والعزلة مملكة الفكار ‪ ،‬والدواء كل الدواء في صيدلية الذكار ‪ ،‬وإذا أصبحت‬
‫ً‬
‫ض بكسبك ‪ ،‬فقد‬
‫طائعا لربك ‪ ،‬وغناك في قلبك ‪ ،‬وأنت آمن في سربك ‪ ،‬را ٍ‬
‫حصلت على السعادة ‪ ،‬ونلت الزيادة ‪ ،‬وبلغت السيادة ‪.‬‬
‫م ساعة ‪ ،‬فاجعلها طاعة ‪.‬‬
‫واعلم أن الدنيا خداعة ‪ ،‬ل تساوي ه ّ‬
‫فلما انتهى من وعظه ‪ ،‬أعجب بلفظه ‪ ،‬وحسن لحظه ‪ ،‬وقال له ‪ :‬جزاك الله‬
‫عني أفضل الجزاء ‪ ،‬فقد صار كلمك عندي أشرف العزاء ‪.‬‬
‫******************************‬
‫‪105‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مة الفرج بعد الشدة‬
‫مقا َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫سًرا {‬
‫سي َ ْ‬
‫سرٍ ي ُ ْ‬
‫ه ب َعْد َ عُ ْ‬
‫} َ‬
‫جعَل الل ُ‬
‫عسى فرج يكون عسى‬
‫نعلل أنفسنا بعسى‬
‫فل تجزع إذا حملت هما ً يقطع النفسا‬
‫فأقرب ما يكون المرء من فرج إذا يئسا‬
‫إذا ضاق المر اتسع ‪ ،‬وإذا اشتد الحبل انقطع ‪ ،‬وإذا اشتد الظلم بدا الفجر‬
‫وسطع ‪ ،‬سنة ماضية ‪ ،‬وحكمة قاضية ‪ ،‬فلتكن نفسك راضية ‪ ،‬بعد الظمأ ماء‬
‫ده ‪،‬يا من‬
‫وظل ‪ ،‬وبعد القحط غيث وطل ‪ ،‬يا من بكى من ألمه ‪ ،‬ومرضه وك ّ‬
‫بالغت الشدائد في رده وصده ‪ ،‬عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ‪:‬‬
‫دع المقادير تجري في أعنتها‬
‫ما بين غمضة عين وانتباهتها ‪ ...‬ول تبيتن إل خالي البالي‬
‫يغّير الله من حال إلى حالي‬
‫ما عرفنا لكثرة حزنك عذرك ‪ ،‬سّهل أمرك ‪ ،‬وأرح فكرك ‪ ،‬أما قرأت ألم‬
‫نشرح لك صدرك ‪ ،‬أل تفرح ‪ ،‬وفي عالم المل تسرح ‪ ،‬وفي دنيا اليسر تمرح‬
‫‪ ،‬وأنت تسمع ألم نشرح ‪ ،‬يامن شكا الخطوب ‪ ،‬وعاش وهو منكوب ‪ ،‬ودمعه‬
‫من الحزن مسكوب ‪ ،‬في قميص يوسف دواء عيني يعقوب ‪ ،‬وفي المغتسل‬
‫البارد شفاء لمرض أيوب ‪.‬‬
‫الغمرات ثم ينجلينا ‪ ...‬ثمت يذهبنا ول يجينا‬
‫)‪(74 /‬‬
‫للمرض شفاء ‪ ،‬وللعلة دواء ‪ ،‬وللظمأ ماء ‪ ،‬وللشدة رخاء ‪ ،‬وبعد الضراء سراء‬
‫‪ ،‬وبعد الظلم ضياء ‪ ،‬نار الخليل تصبح باليسر كالظل الظليل ‪ ،‬والبحر أمام‬
‫موسى يفتح السبيل ‪ ،‬ويونس بن متى يخرج من الظلمات الثلث بلطف‬
‫الجليل ‪.‬‬
‫ديق هم على مسافة أشبار ‪،‬‬
‫المختار في الغار ‪ ،‬أحاط به الكفار ‪ ،‬فقال ال ِ‬
‫ص ّ‬
‫ونخشى من الدمار ‪ ،‬فقال الواثق بالقهار ‪ ،‬إن الله معنا ‪ ،‬وهو يسمعنا ‪،‬‬
‫ويحمينا كما جمعنا ‪.‬‬
‫هي اليام والغير‬
‫ً‬
‫أتيأس أن ترى فرجا ‪ ...‬وأمر الله ينتظر‬
‫فأين الله والقدر‬
‫قل لمن في حضيض اليأس سقطوا ‪ ،‬وعلى الشؤم هبطوا‪،‬وفي مسألة القدر‬
‫غلطوا ‪ ،‬اعلموا أنه ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ‪ ،‬كان بلل يسحب على‬
‫الرمضاء ‪ ،‬ثم رفع على الكعبة لرفع النداء ‪ ،‬وإسماع الرض صوت السماء‬
‫‪.‬كان يوسف مسجونا ً في الدهليز‪ ،‬ثم ملك مصر بعد العزيز ‪ ،‬كان عمر يرعى‬
‫سكة ‪ ،‬وهو الذي‬
‫ملكه ‪ ،‬وطبعت باسمه ال ّ‬
‫الغنم في مكة ‪ ،‬ثم نشر بالعدل ُ‬
‫ّ‬
‫قطع حبل الجور وف ّ‬
‫كه ‪ ،‬وسحق صرح الطغيان ودكه ‪.‬‬
‫يا من داهمته الحزان ‪ ،‬وأصبح وهو حيران ‪ ،‬وبات وهو سهران ‪ ،‬ألم تعلم أنه‬
‫في كل يوم له شأن ‪ ،‬يا من هده الهم وأضناه ‪ ،‬وأقلقه الكرب وأشقاه ‪،‬‬
‫وزلزله الخطب وأبكاه ‪ ،‬أنسيت من يجيب المضطر إذا دعاه ‪.‬‬
‫إذا اشتملت على اليأس القلوب‬
‫وأوطنت المكاره واطمأنت‬
‫ولم تر لنكشاف الضر نفعا ً‬

‫‪106‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أتاك على قنوط منك غوث‬
‫وكل الحادثات وإن تناهت ‪ ...‬وضاق بما به الصدر الرحيب‬
‫وأرست في أماكنها الخطوب‬
‫وما أجدى بحيلته الريب‬
‫يمن به اللطيف المستجيب‬
‫فموصول بها فرج قريب‬
‫ً‬
‫ً‬
‫سيجعل الله بعد عسر يسرا ‪ ،‬ول تدري لع ّ‬
‫ل الله يحدث بعد ذلك أمرا ‪.‬‬
‫سينكسر قيد المحبوسين ‪ ،‬في زنزانات المتجبرين ‪ ،‬وسيسقط سوق‬
‫الجلدين ‪ ،‬الذي قطعوا به جلود المعذبين ‪ ،‬وسيمسح دمع اليتامى ‪ ،‬وتهدأ‬
‫أنات اليامى ‪ ،‬وتسكن صرخات الثكالى ‪ .‬هل رأيت فقيرا ً في الفقر أبدا ً ‪ ،‬هل‬
‫أبصرت محبوسا ً في القيد سرمدا ً ‪ ،‬لن يدوم الضر لن هناك أحدا ً فردا ً‬
‫صمدا ً ‪.‬‬
‫م‬
‫من أكثر من الستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ‪ ،‬ومن كل ه ّ‬
‫فرجا‪،‬بل حول ول قوة إل بالله تحمل الثقال ‪ ،‬وتسهل الهوال ‪ ،‬وتصلح‬
‫الحوال ‪ ،‬ويشرح البال ويرضى ذو الجلل ‪ .‬بشر الليل بصبح صادق يطارده‬
‫على رؤوس الجبال ‪ ،‬وبشر القحط بماء زلل ‪ ،‬يلحقه في أعماق الرمال ‪،‬‬
‫وبشر الفقير بمال ‪ ،‬يزيل عنه الملق والمحال ‪:‬‬
‫ل تيأس عند النوب‬
‫واصبر إذا ما ناب خطب‬
‫وترج من روح الله ‪ ...‬من فرجة تجلو الكرب‬
‫فالزمان أبو العجب‬
‫لطائفا ً ل تحتسب‬
‫واعلم أن لكل شدة ‪ ،‬مدة ‪ ،‬وإن على قدر المؤونة ‪ ،‬تنّزل المعونة ‪ ،‬وإن الله‬
‫يستخرج البلء ‪ ،‬بصادق الدعاء ‪ ،‬وخالص الرجاء ‪.‬‬
‫واعلم أن في الشدائد إذابة الكبر ‪ ،‬واستدرار الذكر ‪ ،‬وجلب الشكر ‪ ،‬وتنبيه‬
‫الفكر‪.‬‬
‫فارحل بقلبك إذا الهم برك ‪ ،‬واشرح صدرك عند ضيق المعترك ‪ ،‬ول تأسف‬
‫على ما مضى ومن هلك ‪ ،‬فليس بالهموم عليما درك ‪ ،‬واعلم أنه ل يدوم‬
‫شيء مع دوران الفلك ‪ ،‬وعسى أن تكون الشدة أرفق بك ‪ ،‬والمصيبة خير‬
‫لك ‪ .‬فإذا ضاقت بك السبل ‪ ،‬وانقطعت بك الحيل ‪ ،‬فالجأ إلى الله عز وجل ‪.‬‬
‫واعلم أن الشدائد ليست مستديمة ‪ ،‬ول تبقى برحابك مقيمة‪ ،‬ولعل الله‬
‫ينظر إليك نظرة رحيمة ‪ ،‬والدنيا أحوال ‪ ،‬وألوان وأشكال ‪ ،‬ولن تدوم عليك‬
‫الهوال ‪ ،‬فسوف تفتح القفال ‪ ،‬وتوضع عنك الغلل ‪ ،‬واصبر وانتظر من الله‬
‫الفرج ‪ ،‬فكأنك بليل الشدة قد انبلج ‪:‬‬
‫ل تعجلن فربما‬
‫فالعيش أحله يعو‬
‫ولربما كره الفتى ‪ ...‬عجل الفتى فيما يضره‬
‫د على حلوته بمره‬
‫أمرا ً عواقبه تسره‬
‫واعلم أن الشدائد تفتح السماع والبصار ‪ ،‬وتشحذ الفكار ‪ ،‬وتجلب العتبار ‪،‬‬
‫وتعلم التحمل والصطبار ‪ ،‬وهي تذيب الخطايا ‪ ،‬وتعظم بها العطايا ‪ ،‬وهي‬
‫للجر مطايا ‪.‬‬
‫فاطلب من الله الرعاية ‪ ،‬واسأله العناية ‪ ،‬فلكل مصيبة غاية ‪ ،‬ولكل بلية‬
‫نهاية ‪.‬كم من مرة خفنا ‪ ،‬فدعونا ربنا وهتفنا ‪ ،‬فأنقذنا وأسعفنا ‪ ،‬كم مرة جعنا‬
‫‪107‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ ،‬ثم أطعمنا ربنا وأشبعنا ‪ ،‬كم مرة زارنا الهم ‪ ،‬وبرح بنا الغم ‪ ،‬ثم عاد‬
‫سرورنا وتم ‪ ،‬كم مرة وقعنا في الشباك ‪ ،‬وأوشكنا على الهلك ‪ ،‬ثم كان من‬
‫الله النطلق والنفكاك ‪ ،‬أنت تعامل مع لطيف بعباده‪ ،‬معروف بإمداده ‪،‬‬
‫جواد في إسعاده ‪ ،‬غالب على مراده ‪ ،‬فُلذ به وناده ‪ ،‬إذا داهمتك الشدائد‬
‫السود ‪ ،‬وحلت بك القيود ‪ ،‬وأظلم أمامك الوجود ‪ ،‬فعليك بالسجود ‪ ،‬وناد يا‬
‫معبود ‪ ،‬يا ذا الجود ‪ ،‬أنت الرحيم الودود ‪ ،‬لترى الفرج والنصر والسعود ‪:‬‬
‫لطائف الله وإن طال المدى‬
‫كلمحة الطرف إذا الطرف سجى‬
‫كم فرج بعد إياس قد أتى‬
‫وكم سرور قد أتى بعد السى‬
‫أيها النسان في آخر النفق مصباح ‪ ،‬وِلباب الهموم مفتاح ‪ ،‬وبعد الليل صباح ‪،‬‬
‫وكم هبت للقانط من الفرج رياح ‪.‬‬
‫أيها الظمآن وراء هذا الجبل ماء ‪ ،‬أيها المريض في هذه القارورة دواء ‪ ،‬أيها‬
‫المسجون انظر إلى السماء ‪ ،‬أيها المتشائم امسك حبل الرجاء ‪.‬‬
‫كن كالنملة في صعود وهبوط ‪ ،‬وعلو وسقوط ‪ ،‬ول تعرف اليأس ول القنوط ‪،‬‬
‫ول تعترف بالحباط في كل شوط ‪.‬‬
‫)‪(75 /‬‬
‫كن كالنحلة في طلب رزقها قائمة ‪ ،‬وفي حسن ظنها دائمة ‪ ،‬وعلى الزهور‬
‫حائمة ‪ ،‬وفوق الروض عائمة وليست مع اليأس نائمة ‪.‬‬
‫كن كالهدهد ‪ ،‬مع كل صباح ينشد ‪ ،‬ومع الربيع يتجدد ‪ ،‬وعلى بلقيس تردد ‪،‬‬
‫وسليمان له تفقد ‪ ،‬فأسلم لربه ووحد ‪ ،‬وأنكر على من كفر وألحد ‪ ،‬فنال‬
‫المجد المخلد ‪ ،‬والذكر المؤبد ‪.‬‬
‫أيها المشتكي وما بك داء‬
‫كيف تغدو إذا غدوت عليل‬
‫أترى الشوك في الورود وتعمى‬
‫أن ترى فوقه الندى إكليل‬
‫ل‬
‫والذي نفسه بغير جما ٍ‬
‫ً‬
‫ل يرى في الوجود شيئا جميل‬
‫على رؤوس الجبال شمس من الفرج شارقة ‪ ،‬وعلى مشارف التلل هالة من‬
‫النور بارقة ‪ ،‬وعلى كل باب للحزن من السرور طارقة ‪.‬‬
‫افتح عينيك ‪ ،‬ارفع يديك ‪ ،‬ل تساعد الهم عليك ‪ ،‬ول تدعو اليأس إليك ‪.‬‬
‫السمك والقرش ‪ ،‬والطيور والطرش ‪ ،‬كلها ترجو رب العرش ‪ ،‬فاتجه أنت‬
‫إليه ‪ ،‬واشك الحال عليه ‪ ،‬فإن فرجه أسرع من البرق الخاطف ‪ ،‬وله في كل‬
‫لحظة لطائف ‪.‬‬
‫اللهم اصرف عنا المصائب ‪ ،‬ورد عنا النوائب ‪ ،‬و ُ‬
‫ف المعائب ‪.‬‬
‫كف عنا ك َ ّ‬
‫ون المنون ‪ ،‬وأشبع البطون ‪ ،‬وافتح للمضطهدين‬
‫اللهم سّهل الحزون ‪ ،‬وه ّ‬
‫أبواب السجون ‪ ،‬واجعل الخائفين من أمنك في حصون ‪ ،‬اللهم احلل الحبال‬
‫المعقدة ‪ ،‬وسهل المور المشددة ‪ ،‬واكشف السحب الملّبدة ‪ ،‬وأجب سهام‬
‫الليل المسددة ‪.‬‬
‫اللهم اجعل لليل همومنا صباح من الفرج يشرق ‪ ،‬ولظمأ أكبادنا نهر من‬
‫المل يتدفق ‪ ،‬ولجراح مآسينا يد بالشفاء تترفق ‪.‬‬
‫اللهم أغننا عن الناس ‪ ،‬وارزقنا مما في أيديهم اليأس ‪ ،‬ورد عنا البأس ‪،‬‬

‫‪108‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫واجعل التقوى لنا أجمل لباس ‪ ،‬وأقوى أساس ‪.‬‬
‫لك الحمد حتى يمل طباق الغبراء ‪ ،‬وأجواء السماء ‪ ،‬ولك الثناء حتى تشدو به‬
‫الطيار ‪ ،‬وتميل به الزهار ‪ ،‬ويحمله الليل والنهار ‪.‬‬
‫ولك المجد يا ذا الجود ‪ ،‬ما قام الوجود ‪ ،‬وسال الماء في العود ‪ ،‬ونصب‬
‫للحياة عمود‬
‫هل يرجى سواك ‪ ،‬هل يعبد إل إّياك ‪ ،‬هنيئا ً لمن دعاك ‪ ،‬وطوبى لمن ناجاك ‪.‬‬
‫والصلة والسلم على عبدك ومصطفاك ‪ ،‬وحامل هداك ‪.‬‬
‫وختاما ً ‪:‬‬
‫اشتدي أزمة تنفرجي ‪ ...‬قد آذن ليلك بالبلج‬
‫***************************‬
‫مة الشبابّية‬
‫المقا َ‬
‫دى {‬
‫م فِت ْي َ ٌ‬
‫م هُ ً‬
‫م وَزِد َْناهُ ْ‬
‫مُنوا ب َِرب ّهِ ْ‬
‫ةآ َ‬
‫} إ ِن ّهُ ْ‬
‫ت على الشباب بدمع عيني‬
‫بكي ُ‬
‫ً‬
‫ب‬
‫فيا أسفا أسف ُ‬
‫ت على شبا ٍ‬
‫ت من الشباب وكان غضا‬
‫َ‬
‫عري ُ‬
‫ب‬
‫ب يعود يوما ‪ ...‬فما نفع البكاُء ول الّنحي ُ‬
‫أل ليت الشبا َ‬
‫ب‬
‫الخضي‬
‫والرأس‬
‫ب‬
‫ُ‬
‫نعاه الشي ُ‬
‫ب‬
‫كما ي َعَْرى من الورق القضي ُ‬
‫ب‬
‫فأخبره بما فعل المشي ُ‬
‫قال الراوي ‪ :‬دخلنا على جماعة من الشباب ‪ ،‬قد أسدلوا الشعر وأسبلوا‬
‫الثياب ‪ ،‬ووقعوا في جدال وسباب ‪ ،‬فقام خطيبنا فقال وأصاب ‪ ،‬وأقسم بمن‬
‫أنزل الكتاب ‪ ،‬وأجرى السحاب ‪ ،‬وهزم الحزاب ‪ ،‬أن الشباب أمل المة‬
‫المنشود ‪ ،‬وعلمها المعقود ‪ ،‬وسجلها المحمود ‪ ،‬ثم التفت إلى الشباب‬
‫فقال ‪ ،‬وقد فاض دمعه وسال ‪ :‬ما لكم خالفتم السنة ‪ ،‬وهجرتم طريق‬
‫الجنة ‪ ،‬تركتم هدي النبي ‪ ،‬وتشبهتم بالجنبي ‪ ،‬قال أوسطهم طريقة ‪،‬‬
‫وأعرفهم حقيقة ‪ :‬لماذا وجهت الكلم إلينا ‪ ،‬وماذا تنقم علينا ؟‬
‫قال الخطيب ‪ :‬سبحان الملك القدوس ‪ ،‬ما أغبى هذه النفوس!‪،‬أليست‬
‫صرتم‬
‫أوقاتكم في القيل والقال ‪ ،‬وإضاعة المال ‪ ،‬وهدر الساعات الطوال ‪ ،‬ق ّ‬
‫في الطاعة ‪ ،‬وبالغتم في الضاعة ‪ ،‬وفرطتم في صلة الجماعة ‪ ،‬هجرتم‬
‫القرآن ‪ ،‬وأطعتم الشيطان ‪ ،‬وغّركم الشباب الفّتان ‪ ،‬ألستم أحفاد المهاجرين‬
‫والنصار ‪ ،‬وأبناء البرار ‪ ،‬وعليكم تعلق المال الكبار ‪ .‬فقام أصغرهم ‪ ،‬وهو‬
‫في العين أحقرهم ‪ ،‬فقال ‪ :‬أيها الخطيب ‪ ،‬يكفي هذا التأنيب ‪ ،‬فإنهم قالوا ‪:‬‬
‫ل ينفع التهذيب في الذيب ‪ ،‬واعلم أنا في عصر الصبا ‪ ،‬كنبت الربى ‪ ،‬وكم‬
‫من سيف نبا ‪ ،‬وضوء خبا ‪ ،‬وجواد كبا ‪ ،‬فل تشمت بنا الِعدا ‪ ،‬ول تكثر المرا ‪،‬‬
‫قال الخطيب ‪ :‬عجب ‪ ،‬أيها الخب ابن الخب ‪ ،‬أتيت بعذر أقبح من ذنب ‪،‬‬
‫أتعتذر بالشبيبة ‪ ،‬لعمل كل خيبة ‪ ،‬فهذه مصيبة ‪ ،‬هؤلء الصحابة ‪ ،‬ك ّ‬
‫ل حفظ‬
‫شبابه ‪ ،‬وحمل كتابه ‪ ،‬وخاف حسابه ‪ ،‬وهل عندكم عهد وأمان ‪ ،‬من طروق‬
‫الحدثان ‪ ،‬أم أنكم في لهوكم تلعبون ‪ ،‬ولهواكم تركبون ؟‬
‫قال قائل منهم ‪ ،‬وقد ناب عنهم ‪ ،‬يا عم ‪ :‬ما كان الرفق في شيء إل زانه ‪،‬‬
‫وما نزع الرفق من شيء إل شانه ‪ .‬ونحن في مقتبل العمر ‪ ،‬وفي غفلة من‬
‫الدهر ‪ ،‬فدعنا نبهج ابتهاج الزهر ‪ ،‬ونقبل على الدنيا إقبال القطر ‪ ،‬كما قال‬
‫الشاعر ‪:‬‬
‫أقبل على اللذات ويحك إنه‬
‫ت‬
‫تطوى بك اليام والساعا ُ‬
‫‪109‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وف بالردى‬
‫واترك مواعظ من ُيخ ّ‬
‫ت‬
‫قبل الردى يا صاحبي أوقا ُ‬
‫قال الخطيب والذي قّرت بحبه العيون ‪ ،‬وأزال بالعلم الظنون ‪ ،‬إنكم في‬
‫غّيكم تلعبون ‪ ،‬ومن حتفكم تطربون ‪ ،‬أين العقول هل ذهبت ‪ ،‬أين البصائر‬
‫سلبت ‪ ،‬أما ترون أنه ُيساق بكم إلى القبور ‪ ،‬وكل واحد منكم مغرور ‪،‬‬
‫هل ُ‬
‫مهلة ‪ ،‬وتظنون أن المور سهلة ‪:‬‬
‫تغترون بال ُ‬
‫فل تقل الصبا فيه امتهال‬
‫ي قد دفنتا‬
‫تفر من الهجير وتتقيه ‪ ...‬وفكر كم صب ّ‬
‫فهل ّ من جهنم قد فررتا‬
‫)‪(76 /‬‬
‫يا قوم ‪ :‬النفاس تكتب عليكم ‪ ،‬والمنايا تزف إليكم ‪ ،‬فقال أحدهم ‪ :‬فماذا‬
‫نفعل أيها الواعظ ؟ فإني أراك تنتقد وتلوم وتلحظ ‪ ،‬هل ترانا في حياتنا‬
‫أخطأنا ‪ ،‬وعن مناد الصلح أبطأنا ؟ قال الخطيب ‪ :‬أين نور الهداية ‪ ،‬وحسن‬
‫البداية ‪ ،‬والستعداد للنهاية ‪ ،‬المساجد منكم مهجورة ‪ ،‬والمقاهي بكم‬
‫معمورة ‪،‬كل منكم ركب لهوه وطيشه‪،‬وأقبل على الدخان والشيشة ‪،‬‬
‫تسبلون الزار ‪ ،‬وتطيلون الظفار ‪ ،‬وتقّلدون الكفار ‪ ،‬تضّيعون الصلوات ‪،‬‬
‫وتقعون في الشهوات ‪ ،‬وتسهرون الساعات ‪ ،‬وتزجون الوقات ‪ ،‬لم تفلحوا‬
‫في دنيا ول دين ‪ ،‬وأراكم في غّيكم قاعدين ‪ ،‬لستم في صلح ول طاعة ‪ ،‬ول‬
‫سنة ول جماعة ‪ ،‬ول صناعة ‪ ،‬ول زراعة ‪ ،‬ول جلب بضاعة ‪.‬‬
‫شباب الغرب في المصانع عاكفون ‪ ،‬وإلى العمل منصرفون ‪ ،‬وفي التجارة‬
‫محترفون ‪ ،‬وبالجد والمثابرة متصفون ‪ ،‬المهندس منهم في صناعته ‪ ،‬والفلح‬
‫في زراعته ‪ ،‬والتاجر في متابعة بضاعته ‪ ،‬والطبيب في عيادته ‪.‬‬
‫وأنتم ماذا فعلتم ‪ ،‬وأروني ماذا عملتم ؟‬
‫ْ‬
‫صلتم من الجامعة ‪،‬‬
‫أحدكم في الليل جيفة ‪ ،‬وفي النهار ريشة خفيفة ‪ ،‬فَ َ‬
‫وهجرتم القراءة والمطالعة ‪ ،‬وجلستم على القارعة ‪ ،‬كل منكم قد أزعج‬
‫شارعه‪ ،‬شغلتكم الغاني والماني عن المثاني ‪ ،‬للرياضة تشجعون ‪،‬‬
‫وللمنتخب تتابعون ‪ ،‬وللملعب تسارعون ‪ ،‬وفي اللهو واللغو بارعون ‪ ،‬حياتكم‬
‫فوضة ‪ ،‬تتابعون آخر موضة ‪ ،‬كأنكم أطفال الروضة‪.‬‬
‫متى عهدكم بالقرآن ‪ ،‬هل حفظتم شيئا ً من سنة ولد عدنان ‪ ،‬ل تعرفون‬
‫المؤلفين والمكتشفين ‪ ،‬والمخترعين والبارعين ‪ ،‬ول تذكرون أحدا ً من‬
‫العلماء والحكماء ‪ ،‬والدباء‪ ،‬والولياء ‪ ،‬حفظتم عن ظهر قلب أسماء المغنّيين‬
‫‪ ،‬واللعبين ‪ ،‬وال ّ‬
‫لهين‪ ،‬والمسرحّيين ‪ ،‬والممثلين ‪ ،‬عققتم الوطان ‪ ،‬وأطعتم‬
‫الشيطان ‪.‬‬
‫ماعة ‪.‬‬
‫ماعة ‪ ،‬كأنه ش ّ‬
‫م أحدكم حذاء وساعة ‪ ،‬وميدالية ل ّ‬
‫هَ ّ‬
‫ما لكم أهداف سامية ‪ ،‬ول همم عالية ‪ ،‬ول أخلق غالية ‪ ،‬ما عندكم عزائم ‪،‬‬
‫ت وهزائم ‪ ،‬مقصد أحدكم الفراح والولئم ‪.‬‬
‫أصبتم بإحباطا ٍ‬
‫ألستم أحفاد الراشدين ‪ ،‬وأبناء المجاهدين ‪ ،‬وسللة العابدين ‪.‬‬
‫م أحدكم ثياب فاخرة ‪ ،‬وجلسات ساخرة ‪ ،‬أرضيتم بالحياة الدنيا من‬
‫صار ه ّ‬
‫الخرة ‪ .‬كأنكم أطفال يفرح أحدكم بركوب السيارة ‪ ،‬ومشاهدة الطيارة ‪،‬‬
‫ومعايشة السيجارة ‪ ،‬تحفظون أسماء اللعبين ‪ ،‬وتغفلون عن أسماء العلماء‬
‫العاملين ‪ ،‬اتركوا الشوارع‪ ،‬واخرجوا إلى الجوامع ‪ ،‬اذهبوا إلى المصانع ‪ ،‬هبوا‬
‫إلى المزارع ‪ ،‬هّيا إلى الحدادة والنجارة ‪ ،‬هّيا إلى الصناعة والعمارة ‪ ،‬هّيا إلى‬

‫‪110‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫البيع والتجارة ‪ ،‬هّيا إلى الورشة والنشارة ‪.‬‬
‫نريد منكم علماء وحكماء وأطباء وأدباء ‪.‬‬
‫شباب الحق للسلم عودوا‬
‫وأنتم سّر نهضته قديما ً ‪ ...‬فأنتم مجده وبكم يسود‬
‫وأنتم فجره الباهي الجديد‬
‫فقال أحدهم وقد تسربل بالخجل ‪ ،‬وتكنفه الوجل ‪ ،‬فتكلم على عجل ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬لسنا سبب الضياع ‪ ،‬وإنما آباؤنا الرعاع ‪ ،‬أهملونا من زمن الرضاع ‪،‬‬
‫ما أعطونا من ماء التربة ولو قطرة ‪ ،‬وفي الحديث كل مولود يولد على‬
‫الفطرة ‪.‬‬
‫ما كانوا يسألون عّنا ‪ ،‬كأنا لسنا منهم وليسوا مّنا ‪ ،‬رّبونا تربية الدواب‪،‬‬
‫وعلمونا تعليم العراب ‪ ،‬فنفوسنا من الداب خراب ‪.‬‬
‫أشغلونا بالتلفزيون ‪ ،‬والتلفون ‪ ،‬وسّيبونا في السكك مع شباب يهمزون‬
‫فظونا‬
‫ويغمزون ‪ ،‬ما أخذونا إلى المساجد ‪ ،‬ما عّرفونا على عالم واحد ‪ ،‬ما ح ّ‬
‫اليات البّينات ‪ ،‬ما عّلمونا الحاديث النبوّيات ‪ ،‬أهملونا للمج ّ‬
‫لت الخليعات ‪،‬‬
‫والفلم المائعات‪ ،‬والسهرات الضائعات ‪ .‬غرسوا فينا حب الرذيلة ‪ ،‬وكراهية‬
‫الفضيلة ‪ ،‬عّلمونا سوء الدب ‪ ،‬وكثرة الضحك من غير سبب ‪ ،‬وسرعة‬
‫الغضب ‪ ،‬وإضاعة الطلب ‪.‬‬
‫فقال الخطيب ‪ :‬قد سمعت ما قلت ‪ ،‬وأنت بالحق نطقت ‪ ،‬وبررت فيما قلت‬
‫وصدقت ‪ ،‬ولكن ما عذركم الن ‪ ،‬وقد وضح لكم الربح من الخسران ‪،‬‬
‫والتوفيق من الخذلن ‪ ،‬وقد قال شاعر أصفهان ‪:‬‬
‫هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها‬
‫ما بال أشيب يستهويه شيطان‬
‫فليس لكم عذر في الباء ‪ ،‬ول تزر وازرة وزر أخرى ‪ ،‬أيها البناء ‪،‬جددوا‬
‫التوبة‪ ،‬وأصلحوا الوبة ‪ ،‬وارقعوا بيد الصلح ما تمزق من ثوب‬
‫العمار‪،‬واغسلوا بدمع الندم ما تركته الذنوب من غبار ‪ ،‬واتركوا مصاحبة‬
‫جار ‪ ،‬ومصادقة الشرار ‪ ،‬ومرافقة الشطار ‪ ،‬والتشبه بالكفار ‪ ،‬أقبلوا على‬
‫الف ّ‬
‫ّ‬
‫الحياة السعيدة ‪ ،‬واعكفوا على الكتب المفيدة ‪ ،‬وتخلقوا بالخلق الحميدة ‪،‬‬
‫واحملوا الداب الرشيدة ‪ ،‬حافظوا على تكبيرة الحرام ‪ ،‬واجتنبوا الحرام ‪،‬‬
‫وتوبوا من العشق والغرام ‪ ،‬وارتفعوا إلى منازل الكرام ‪ ،‬تذ ّ‬
‫كروا الموت‬
‫وسكرته ‪ ،‬والقبر وظلمته ‪ ،‬والحساب ودقته ‪ ،‬والصراط ومزلته ‪ ،‬تفكروا في‬
‫صل ما في الصدور ‪ ،‬وينفخ‬
‫البعث والنشور ‪ ،‬يوم يبعثر ما في القبور ‪ ،‬ويح ّ‬
‫ض على كفه المثبور ‪ ،‬وتقصم الظهور ‪.‬‬
‫في الصور ‪ ،‬ويع ّ‬
‫والله لو عاش الفتى في عمره‬
‫ألفا ً من العوام مالك أمره‬
‫ما كان ذلك كله في أن يفي‬
‫فيها بأول ليلة في قبره‬
‫)‪(77 /‬‬
‫فلما سمعوا كلمه ‪ ،‬وشاهدوا مقامه ‪ ،‬غلبتهم الحسرة والندامة ‪ ،‬ووضع كل‬
‫منهم على وجهه أكمامه ‪ ،‬وبكوا بكاء من عاين القيامة ‪ ،‬وتذكر لياليه وأيامه ‪.‬‬
‫ي‬
‫فرفع الخطيب يديه ‪ ،‬واجتمعوا عليه ‪ ،‬ودنوا إليه ‪ ،‬فقال‪ :‬اللهم يا قو ّ‬
‫السباب ‪ ،‬يا كريم الجناب ‪ ،‬افتح لعبادك البواب ‪ ،‬وتب على من تاب ‪ ،‬وارحم‬
‫هؤلء الشباب ‪ ،‬فإنك تقيل العثرات ‪ ،‬وتغفر الزلت ‪ ،‬وتعفو عن السيئات ‪،‬‬

‫‪111‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وتتجاوز عن الخطيئات ‪ ،‬اللهم أصلح قلوبهم ‪ ،‬واستر عيوبهم ‪ ،‬واحفظ غيوبهم‬
‫‪ ،‬واغفر ذنوبهم ‪.‬‬
‫ثم قال الخطيب ‪ :‬هّيا بنا إلى المسجد ‪ ،‬لنركع ونسجد ‪ ،‬ونصلي ونتعبد ‪،‬‬
‫مد ‪.‬‬
‫ونعود إلى الله فالعود أحمد ‪ ،‬ونقتدي بالرسول مح ّ‬
‫فسمعوا نداءه ‪ ،‬وأجابوا دعاءه ‪ ،‬وذهبوا وراءه ‪ ،‬فأصلح الله لهم البال ‪،‬‬
‫ووفقهم لحسن العمال ‪ ،‬وأزكى القوال ‪ ،‬وأشرف الحوال ‪ ،‬فصاروا‬
‫كالنجوم الزاهرة ‪ ،‬والبدور الباهرة ‪ ،‬بقلوب طاهرة ‪ ،‬وأعمال بالخير ظاهرة ‪.‬‬
‫***************************‬
‫مة السياسّية‬
‫المقا َ‬
‫ّ‬
‫)) كل بطاح من الناس له يوم بطوح ((‬
‫من مخبر القوم شطت دارهم ونأت‬
‫عفت السياسة حتى ما ألم بها‬
‫متني ك ّ‬
‫ج ّ‬
‫ل نائبةٍ ‪ ...‬أني رجعت إلى كتبي وأوراقي‬
‫ش ِ‬
‫لّنها َ‬
‫ق‬
‫وقد رددت إليها كل ميثا ِ‬
‫وأّنها كلفتني غير أخلقي‬
‫مالك في ديار السياسة تجوس ‪ ،‬اهرب من ساس يسوس ‪ ،‬أما علمت أن‬
‫وجهها منحوس ‪ ،‬ورأسها منكوس ‪ ،‬وهي التي قطعت الرؤوس ‪ ،‬وأزهقت‬
‫النفوس ‪ ،‬وضّيعت الفلوس ‪ ،‬وحملت الناس على اليمين الغموس ‪ ،‬طريقها‬
‫معكوس ‪ ،‬وعلى جبينها عبوس ‪ ،‬سودت الطروس ‪ ،‬وكسرت التروس ‪،‬‬
‫وخلعت الضروس ‪ ،‬كسفت من أجلها شموس ‪ ،‬وفتحت بظلمها حبوس ‪،‬‬
‫وقطعت بجورها غروس ‪ ،‬كانت الدنيا قبلها عروس ‪ ،‬وهي التي عطلت‬
‫الناموس ‪ ،‬وأباحت المحرمات للمجوس ‪.‬‬
‫ل تل الحكام وإن هموا سألوا‬
‫إن نصف الناس أعداء لمن ولي الحكام وهذا إن عدل‬
‫عقرت هارون الرشيد في طرطوس ‪ ،‬وقتلت محمد بن حميد في طوس ‪،‬‬
‫واجتاح بها ديار السلم أهل البوق والناقوس ‪ ،‬إذا أقبلت تدوس ‪ ،‬وإذا أدبرت‬
‫ب في القلوب‬
‫تحوس ‪ ،‬بذريعتها لعب المريكان في العالم والّروس ‪ ،‬تد ّ‬
‫كالسوس ‪ ،‬وتختفي في العقول كالجاسوس ‪ ،‬عاشقها يتخبطه الشيطان كأنه‬
‫ممسوس ‪ ،‬أشار إليها الحسين فخطفت رأسه‪ ،‬ومازحها الحجاج فخلعت‬
‫سه‪،‬وزارها مصعب فقتلته وحراسه ‪،‬‬
‫أضراسه ‪ ،‬وداعبها أبو مسلم فأحرقت لبا َ‬
‫وأحبها يزيد فقطعت أنفاسه ‪ ،‬وصافحها المختار فمزقت أحلسه ‪ ،‬وأحبها‬
‫ج ّ‬
‫لسه ‪،‬وشربها‬
‫المهلب فاقتلعت أساسه ‪ ،‬وعشقها المتوكل فسلطت عليه ُ‬
‫القاهر فكسرت عليه كأسه ‪ ،‬وعانقها ابن الزيات فأحرقت قرطاسه ‪،‬‬
‫وجالسها ابن المقفع فأبطلت قياسه ‪ ،‬كم من ذكي ضيعت مراسه ‪ ،‬وكم من‬
‫غبي أخرجت وسواسه ‪ ،‬السياسة بالنفاق نجاسة ‪ ،‬وبالغباء تياسة ‪ ،‬وبالغدر‬
‫تعاسة ‪ ،‬وبالجور خساسة ‪ ،‬وبالظلم شراسة ‪ ،‬اجتنبها أهل الكياسة ‪ ،‬ومات‬
‫في حبها أهل الرياسة ‪ ،‬بذلوا في حبها الدين والحماسة ‪ ،‬وما حصلوا إل على‬
‫التعاسة ‪ ،‬تقاتلوا عليها حسدا ً ونفاسة ‪ُ ،‬قتل البرامكة لجلها بحجة عباس‬
‫وعباسة ‪ ،‬فأصبحوا بعد الملك خبرا ً في كراسة ‪ ،‬وبعد الوزارة دفترا ً على‬
‫ماصة ‪ ،‬هي الوسواسة ‪ ،‬الخناسة ‪ ،‬تذهب بالنجابة والكياسة ‪ ،‬وكم من شجاع‬
‫مون ساسة ‪ ،‬كل منهم قد حمل‬
‫أذهبت باسه ‪ ،‬وعقرت أفراسه ‪ ،‬أهلها ُيس ّ‬
‫على أخيه فاسه ‪.‬‬
‫سعيد النورسي ‪ ،‬بالسياسة نسي ‪ ،‬لينين واستالين ‪ ،‬قتلوا بالسياسة المليين‪،‬‬
‫فكتبوا في تاريخ الملعين ‪ ،‬هولكو الغازي ‪ ،‬وهتلر النازي ‪ ،‬قتلوا باسم‬
‫‪112‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السياسة النسانية فأصبحوا في الخانة المنسية ‪.‬‬
‫الكلب أكرم عشرة‬
‫من معشر طلبوا الرئاسة ‪ ...‬وهو النهاية في الخساسه‬
‫قبل تحقيق الرئاسه‬
‫كسر كسرى بالسياسة ظهور أهل فارس ‪ ،‬فقيل له ‪:‬لم فعلت ذلك ؟ فقال‪:‬‬
‫صر قيصر بالسياسة أعناق الروم ‪ ،‬فقيل له‬
‫ساس يسوس فهو سائس ‪ ،‬وق ّ‬
‫لم هذا الصنيع يا محروم ؟ فقال ‪ :‬أردت إصلح البلد ‪ ،‬ورحمة العباد ‪.‬‬
‫كدعواك كل يدعي صحة العقل ‪ ...‬ومن الذي يدري بما فيه من جهل‬
‫بقنابل سياسة العميان ‪ ،‬دمرت اليابان ‪ ،‬وقتل الصرب اللبان ‪ ،‬واحتل الروس‬
‫الفغان ‪ ،‬وجلد المستضعفين شاه إيران ‪ ،‬واعتدى اللمان على الجيران ‪.‬‬
‫خذ َْنا ب ِذ َن ْب ِهِ { ‪.‬‬
‫لكن ذكر كل كافر بربه ‪ ،‬آية ‪ } :‬فَك ُل ّ أ َ َ‬
‫ث عن السياسة الفاجرة الكافرة ‪ ،‬الساحرة الساخرة ‪.‬‬
‫وكل ما سبق حدي ٌ‬
‫وهي السياسة البدعّية ‪ ،‬القائمة على ظلم الرعّية ‪ ،‬وإهدار الحقوق المرعّية ‪،‬‬
‫من رأسمالية ‪ ،‬وبعثية ‪ ،‬ونازية ‪ ،‬وشيوعية ‪ ،‬وصان الله من ذلك السياسة‬
‫الشرعية‪ ،‬لن السياسة الشرعية رحمة بالبشر ‪ ،‬واتباع للثر ‪ ،‬ومحاربة من‬
‫كفر ‪ ،‬وردع من فجر‪ ،‬وهي التي على دستور عمر ‪ ،‬إمام السياسة الشرعية‬
‫الرسول ‪ ،‬أعدل العدول ‪ ،‬وأفقه الناس في المنقول والمعقول ‪ ،‬وصاحبه‬
‫الصديق ‪ ،‬بالمة رفيق ‪ ،‬له عهد مع العدل وثيق ‪ ،‬وقلب من التقى رقيق ‪،‬‬
‫وتلميذه عمر الذي كان وهو خليفة يئن من الجوع ‪ ،‬ويلبس المرقوع ‪ ،‬وتغلبه‬
‫الدموع ‪ ،‬أولئك هم الناس ‪ ،‬وبهم يضرب القياس ‪ ،‬ويحل المن ويدفع‬
‫الباس ‪.‬‬
‫)‪(78 /‬‬
‫وليس لمن خالفهم إل الفلس ‪ ،‬والبتئاس ‪ ،‬والتعاس ‪ ،‬ليت السيوف‬
‫الحداد ‪ ،‬ل تعاون أهل الفساد ‪ ،‬في ظلم العباد ‪ ،‬فبسياسة الجور والعناد ‪،‬‬
‫قتل الحسين بسيف ابن زياد ‪ .‬بأيّ سياسة ُيكرم جهلة النباط ‪ ،‬وتدفع‬
‫الجوائز لهل النحطاط‪ ،‬وُيجلد أحمد بن حنبل بالسياط ‪ ،‬على البلط ‪:‬‬
‫دي إن دهرك هازل‬
‫فيا موت زر إن الحياة ذميمة ‪ ...‬ويا نفس ج ّ‬
‫بأ ْيّ سياسة يتولى الوليد بن يزيد ‪ ،‬وهو الرعديد ‪ ،‬البليد ‪ ،‬المريد ‪ ،‬وهو الذي‬
‫فتح المصحف فوجد فيه ‪ :‬واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ‪ ،‬غنته الجارية وهو‬
‫في السكر ‪ ،‬والنكر ‪ ،‬شارد الفكر ‪ ،‬ذاهب الذكر ‪ ،‬تارك الشكر ‪ ،‬فقال من‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫كا َ‬
‫الطرب ‪ :‬إلى أين أطير ‪ ،‬قال العلماء ‪ :‬طر إلى السعير يا عير ‪ } .‬فَ َ‬
‫ما َ‬
‫ن{‬
‫من ْت َ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫ه ِ‬
‫كا َ‬
‫ن ال ُ‬
‫ن الل ّهِ وَ َ‬
‫صُرون َ ُ‬
‫لَ ُ‬
‫ن فِئ َةٍ َين ُ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ص ِ‬
‫بأي سياسة يصبح الحجاج الوزير ‪ ،‬صاحب الدف والزير ‪ ،‬ليقتل ابن الزبير ‪،‬‬
‫بل قصاص ول تعزير ‪.‬‬
‫بأي سياسة ُيذبح سعيد بن جبير ‪ ،‬العالم النحرير ‪ ،‬والمحدث الشهير ‪ ،‬وتعطى‬
‫الجوائز لزرياب ‪ ،‬وتخلع عليه الثياب ‪ ،‬والعلماء ُيدفعون عند البواب ‪ .‬لو أن‬
‫المأمون فقه سنة الرسول المين ‪ ،‬ولو أن المعتصم درس سنة المعصوم ‪،‬‬
‫مي أحمد النبي المبجل ‪ ،‬لن أحمد بن أبي‬
‫لما عذبوا أحمد بن حنبل ‪ ،‬س ّ‬
‫دؤاد ‪ ،‬أشغلهم عن السناد ‪ ،‬بأقوال أهل الفساد ‪ ،‬وبنقولت فلسفة بغداد ‪،‬‬
‫وجهلة السواد ‪.‬‬
‫يا لها من سياسة خربانة ‪ ،‬تكرم الزنديق وأعوانه ‪ ،‬وتضع ابن تيمية في زنزانة‬
‫‪ ،‬وتحجب عنه إخوانه ‪ ،‬بالسياسة تغزو العالم المزدكية ‪ ،‬وتحكم بغداد السرة‬

‫‪113‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫البرمكية ‪ ،‬ويقتل ذو النفس الزكّية ‪ ،‬بأي سياسة خرج التتار ‪ ،‬بكل بتار ‪،‬‬
‫فخربوا الديار ‪ ،‬وقتلوا الصالحين البرار ‪ ،‬وهدموا كل مسجد ودار‪ ،‬براءة من‬
‫الله ورسوله إلى سياد بري‪ ،‬لنه على الدماء جري ‪ ،‬شنق علماء المالكية ‪،‬‬
‫والشنق عند مالك حرام بالكلّية ‪.‬‬
‫دستم من رستم ‪ ،‬مع هليا مريام منجستم ‪ ،‬يا كم تنجستم ‪ ،‬وغرتكم الماني‬
‫وتربصتم ‪ .‬بأي سياسة سمى الشيوعيون أنفسهم بالرفاق ‪ ،‬وهم أهل‬
‫ى أبو جعفر الخراساني أبا مسلم ‪،‬‬
‫النفاق ‪ ،‬والشقاق ‪ ،‬وسوء الخلق ‪ .‬كن ّ‬
‫فلما ذبحه قال ‪ :‬مت يا أبا مجرم ‪.‬‬
‫أبو مسلم تبختر ‪ ،‬وتكبر ‪ ،‬وتجبر ‪ ،‬فبقر بطنه أبو جعفر ‪ ،‬بالخنجر ‪ ،‬فسحب‬
‫بعد الملك في السلك وجرجر ‪ ،‬ما شاء الله يجلس الخليفة في بغداد ‪ ،‬على‬
‫الوساد‪،‬ويصفق له العباد ‪ ،‬ويحرسه الجناد ‪ ،‬فتغنيه الجارية بصوت جميل ‪،‬‬
‫و َ‬
‫شْعرها يميل ‪:‬‬
‫ل‬
‫قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنز ِ‬
‫فيقع الخليفة في الطرب ‪ ،‬فيصب على الجارية الذهب ‪ ،‬وأحمد بن حنبل‬
‫مسجون في الحق بل سبب ‪ .‬يجلس الخليفة العباسي ‪ ،‬على الكرسي ‪،‬‬
‫ويقول ‪ :‬يا ناس قّبلوا رأسي ‪ ،‬وامسحوا مداسي ‪ ،‬وقربوا قرطاسي ‪.‬‬
‫فيقوم شاعر طرطور ‪ ،‬منافق مدحور ‪ ،‬فيقول ‪ :‬ما خلق الله مثلك أيها‬
‫الخليفة ‪ ،‬فأنت صاحب الخلق الشريفة ‪ ،‬والمعاني اللطيفة ‪ ،‬والمجاد‬
‫المنيفة ‪ ،‬فيقول الخليفة ‪ :‬يا غلم ‪ :‬أعطه ألف دينار ‪ ،‬واكتبوه من خدم‬
‫شْعره تاج الشعار ‪ ،‬هذا وسفيان الثوري عالم الديار ‪ ،‬وزاهد المصار‬
‫الدار ‪ ،‬ف ِ‬
‫‪ ،‬ل يجد كسرة خبز طيلة النهار ‪.‬‬
‫بأي سياسة يشرد الشعب المسلم من فلسطين على الفور ‪ ،‬بوعد بلفور ‪،‬‬
‫وقلوبه على الظلم تفور ‪ ،‬والعالم السلمي بارد جامد هامد ‪ ،‬جاحد شارد‬
‫خامد ‪ ،‬ل يثور كأنه مغمور أو مغرور ‪ ،‬أو مسحور ‪ ،‬ويحتل فلسطين اليهود ‪،‬‬
‫إخوان القرود ‪ ،‬بل حدود ‪ ،‬ول قيود ‪ ،‬ول شهود ‪:‬‬
‫لو كنت من مازن لم تستبح إبلي‬
‫قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم‬
‫ل يسألون أخاهم حين يندبهم ‪ ...‬بنوا اللقيطة من ذهل ابن شيبانا‬
‫طاروا إليه زرافات ووحدانا‬
‫في النائبات على ما قال برهانا‬
‫******************************‬
‫مة المكّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ح ّ‬
‫ل ب ِهَ َ‬
‫م ب ِهَ َ‬
‫ذا ال ْب َل َد ِ {‬
‫ت ِ‬
‫} ل أقْ ِ‬
‫ذا ال ْب َل َد ِ )‪ (1‬وَأن ْ َ‬
‫س ُ‬
‫أل ليت شعري هل أبيتن ليلة‬
‫وهل أردن يوما ً مياه مجنة ‪ ...‬بواد ٍ وحولي إذخر وجليل‬
‫وهل تبدون لي شامة وطفيل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ه ‪ ،‬فحدثنا عن مكة ‪ ،‬قلنا ‪:‬‬
‫قال الراوي ‪ :‬قد أظهرت لنا يقين الحديث وشك ْ‬
‫مكة هي المهبط والمسقط والمربط والوسط ‪ ،‬فهي مهبط القرآن ‪،‬‬
‫ومسقط ميلد سيد ولد عدنان ‪ ،‬ومربط خيول أهل اليمان ‪ ،‬وأوسط البلدان‪.‬‬
‫مكة قلب المعمورة ‪ ،‬على الحسن مقصورة ‪ ،‬وفي حجال المجد مستورة ‪،‬‬
‫سحق بها أصحاب الفيل ‪ ،‬بالطير البابيل ‪ ،‬اختارها علم‬
‫أذن بها الخليل ‪ ،‬و ُ‬
‫الغيوب ‪ ،‬فهي مهوى القلوب ‪ ،‬وملتقى الدروب ‪ ،‬وقبلة الشعوب ‪ ،‬هي أرض‬
‫ميلد الرسالة والرسول ‪ ،‬كان لجبريل بها صعود ونزول ‪ ،‬منها ارتفع العلن‬
‫سلت فيها السيوف ‪،‬‬
‫والذان والقرآن والبيان ‪ ،‬أّذن منها بلل بن رباح‪ ،‬و ُ‬
‫‪114‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وامتشقت الرماح ‪ ،‬وُأعلن فيها التوحيد ‪ ،‬وهو حق الله على العبيد ‪ ،‬وهي أول‬
‫أرض استقبلت السلم ‪ ،‬وحطمت الصنام ‪.‬‬
‫)‪(79 /‬‬
‫بها بيت الملك الجل ‪ ،‬والكعبة التي طاف بها الرسل ‪ ،‬سوادها من سواد‬
‫المقل ‪ ،‬وهي أرض السلم ‪ ،‬وقبلة النام ‪ ،‬يفد إليها المحبون ‪ ،‬على رواحلهم‬
‫يخبون ‪ .‬ويتجه إليها المصلون ‪ ،‬ويقصدها المهّلون ‪ ،‬فهي قبلة القلوب ‪،‬‬
‫وأمنية الشعوب ‪ ،‬وراحة الرواح ومنطلق الصلح ‪ ،‬على ثراها نزلت الهداية ‪،‬‬
‫ومن رباها كانت البداية ‪ ،‬على رمالها مزقت الطغاة ‪ ،‬وعلى ترابها سحقت‬
‫البغاة ‪ ،‬ومن جبالها هبت نسائم الحرّية ‪ ،‬ومن وهادها كان فجر النسانية ‪.‬‬
‫تمنيت الحجاز أعيش فيها‬
‫سقى الله الحجاز وساكنيها ‪ ...‬فأعطى الله قلبي ما تمنى‬
‫وأمطر كل رابية ومغنى‬
‫على بساط مكة ولد العرفان ‪ ،‬وأكرم الضيفان ‪ ،‬ومن مغانيها رضع‬
‫الشجعان ‪ ،‬وفي بطحائها هاشم وابن جدعان …‬
‫ل ينكتون الرض عند سؤالهم‬
‫ن‬
‫لتطلب العذار بالعيدا ِ‬
‫بل يشرقون وجوههم فترى لها‬
‫ن‬
‫عند السؤال كأحسن اللوا ِ‬
‫وإذا الغريب أقام وسط رحالهم‬
‫ن‬
‫رّدوه رب صواهل وقيا ِ‬
‫وإذا دعا الداعي ليوم كريهة‬
‫سدوا شعاع الشمس بالفرسان‬
‫في مكة تثور شجون الحب ‪ ،‬وتضج بلبل القلب ‪ ،‬فيها التأريخ يتكلم ‪ ،‬والدهر‬
‫يتبسم ‪ ،‬والذكريات تتداعى ‪ ،‬والمنيات تقبل تباعا ً ‪ ،‬هنا غمغمات السيول ‪،‬‬
‫وصهيل الخيول ‪ ،‬وتنحنح السادات ‪ ،‬وتزاحم القادات ‪ ،‬إقبال وفود ‪ ،‬وانطلق‬
‫جنود ‪ ،‬وتزاحم حشود ‪ ،‬وارتفاع بنود ‪ ،‬هدى وضللة ‪ ،‬علم وجهالة ‪ ،‬وهنا كرم‬
‫وبسالة ‪ ،‬وحي ورسالة ‪ ،‬عالم يمور بالعبر ‪ ،‬ديوان يزخر بالسير ‪ ،‬دفتر‬
‫للعظماء ‪ ،‬سجل للشرفاء ‪:‬‬
‫كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا‬
‫أنيس ولم يسمر بمكة سامُر‬
‫بلى نحن كنا أهلها فأبادنا‬
‫صروف الليالي والجدود العواثُر‬
‫في مكة رؤوس بالنفة متزاحمة ‪ ،‬وجيوش للثأر متلطمة ‪ ،‬أفكار وحضارات ‪،‬‬
‫ونواد ومحاضرات ‪ ،‬سير وسمر ‪ ،‬في ضوء القمر ‪ ،‬أنباء وأخبار ‪ ،‬قصص‬
‫وأشعار‪ ،‬حتى كان النبأ العظيم ‪ ،‬وهو الرسول الكريم ‪ ،‬فيصغر بعده كل‬
‫خبر ‪ ،‬وينسى من جاء ومن غبر ‪ ،‬فهو أعظم أثر ‪ ،‬جاءت به السير ‪.‬‬
‫نسخت كل دواوين المكارم ما‬
‫ما‬
‫خط النام برسم اللوح والقلم ِ‬
‫فالشمس والقمر المنشق قد خضعت‬
‫لنور وجهك من حسن ومن كرم ِ‬
‫صت له الثقلن ‪ ،‬وتشاغلت به القلم ‪،‬‬
‫يوم بعث استدار له الزمان ‪ ،‬وأن َ‬
‫‪115‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ورحبت به اليام ‪ ،‬وأنصت له النام ‪ ،‬فهو ابن مكة البار ‪ ،‬وبطلها المغوار ‪،‬‬
‫ورسولها المختار ‪.‬‬
‫إذا أقبلت على البلد الحرام ‪ ،‬فتذكر ذاك المام ‪ ،‬عليه الصلة والسلم ‪.‬‬
‫مكة تذكرك البأساء والنعماء ‪ ،‬والنور والظلماء ‪ ،‬والسعادة والشقاء ‪.‬‬
‫فر مشروح ‪ ،‬يجمع بين أحاديث النجاة والخسران ‪،‬‬
‫س ْ‬
‫مكة كتاب مفتوح ‪ ،‬و ِ‬
‫والكفر واليمان ‪ ،‬والعدل والطغيان ‪ ،‬تذكرك مكة الشرك الكالح ‪ ،‬والجهل‬
‫دس ‪ ،‬والصنام تأسس ‪ ،‬تسجد‬
‫الفاضح ‪ ،‬والوهج اللفح ‪ ،‬يوم كانت الوثان ُتق ّ‬
‫لها النفوس الخاوية ‪ ،‬والعقول الجافية ‪ ،‬يوم غاب الرشد ‪ ،‬وأفل السعد ‪،‬‬
‫وغرب الميثاق والعهد ‪ ،‬يوم كان النسان كالبهيمة ‪ ،‬بل قيمة ‪ ،‬والقلب في‬
‫شباك الجريمة ‪ ،‬وفي ظلمات وخيمة ‪:‬‬
‫ن‬
‫فقل للعيون الرمد للشمس أعي ٌ‬
‫تراها بحق في مغيب ومطلِع‬
‫وسامح الله عيونا ً أطفأ الله نورها‬
‫بأهوائها ل تستفيق ول تعي‬
‫وتذكرك مكة يوم انفجر الفجر ‪ ،‬وارتفع الذكر ‪ ،‬ومحق الكفر‪ ،‬يوم أنصتت‬
‫الدنيا بُأذن سميعة ‪ ،‬وأقبل الدهر بخطا ً سريعة ‪ ،‬وانتفض الكون للكلمة‬
‫الخالدة ‪ ،‬واهتز العالم بالدعوة الراشدة ‪ ،‬ل إله إل الله ‪ ،‬ل معبود بحق سوى‬
‫الله ‪ ،‬ل بقاء إل لله ‪ ،‬وتذكرك مكة بالوحي وهو يتنّزل ‪ ،‬والقرآن وهو يرّتل ‪،‬‬
‫وجبريل الروح ‪ ،‬يغدو ويروح ‪ ،‬وباب الرحمة المفتوح ‪ ،‬والعطاء الرباني‬
‫الممنوح ‪ ،‬فيالها من ذكريات يهتز لها الجسم ذرة ذرة ‪ ،‬ويقوم لها الرأس‬
‫شعرة شعرة ‪ ،‬ويا لها من صيحة دّوت في العالم فاستيقظ بها كل نائم ‪،‬‬
‫واهتدى بها كل هائم ‪ ،‬ويا له من خبر طرق الكون فصحا ‪ ،‬ومحق الشرك‬
‫ومحا ‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫س ّ‬
‫ل سيف الجهاد مصلتا ‪.‬‬
‫توقف الزمان منصتا ‪ ،‬و ُ‬
‫هنا الماني هنا المجاد قد رفعت‬
‫م‬
‫هنا المعالي هنا القربى هنا الرح ُ‬
‫هنا القلوب استفاقت من معاقلها‬
‫م‬
‫هنا النفوس أتت للحق تزدح ُ‬
‫هنا رواء هنا فجر هنا أمل‬
‫م‬
‫هنا كتاب هنا لوح هنا قل ُ‬
‫وارة ‪ ،‬ونور الحديث‬
‫التعبير يخون ‪ ،‬والنفس فيها شجون ‪ ،‬والذاكرة بالصور م ّ‬
‫قد نصب في القلب منارة ‪ ،‬إذا ذكرت مكة ذكر غار حراء ‪ ،‬والشريعة الغراء ‪،‬‬
‫والوحي والسراء ‪ ،‬فكأن التأريخ حضر ‪ ،‬وكأن الزمان اختصر ‪ ،‬وكأن الدنيا‬
‫كلها في مكة محصورة ‪ ،‬وكأن اليام في أجفان مكة مقصورة ‪.‬‬
‫مكة ملعب الصبا والشباب ‪ ،‬لصاحب السنة والكتاب ‪ ،‬فيها مسقط رأسه ‪،‬‬
‫وفضاء أنفاسه ‪ ،‬فيها مراتعه ‪ ،‬ومرابعه ‪ ،‬ومهاجعة ‪.‬‬
‫هذي بلدي وهذي منتهى أملي‬
‫هذا التراب الذي أهديته زجلي‬
‫هذا المكان به ميلد قدوتنا‬
‫ُ‬
‫ل‬
‫هذا رياض الهدى والسادة الوَ ِ‬
‫كيف نعبر عن أشواقنا ‪ ،‬وقد سافر حبه في أعماقنا ‪ ،‬لنه صلى الله عليه‬
‫وسلم أملنا المنشود ‪ ،‬ومجدنا المحمود ‪:‬‬
‫في كفك الشهم من حبل الهدى طرف‬
‫طرف‬
‫‪116‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ف‬
‫على الصراط وفي أرواحنا طر ُ‬
‫هيهات رحلة مسرانا جحافلنا‬
‫ف‬
‫كما عهدت وعزمات الورى أن ُ‬
‫)‪(80 /‬‬
‫عذب بلل بن رباح ‪ ،‬أما‬
‫وعلى رمضاء مكة ثأر وجراح ‪ ،‬وعويل وصياح ‪ ،‬حيث ُ‬
‫تقرأ على الرمضاء ‪ ،‬ما كتبته الدموع والدماء ‪ ،‬يقرؤها كل عالم وجاهل ‪ ،‬وقل‬
‫ت ثائرة‬
‫جاء الحق وزهق الباطل ‪ .‬تف ّ‬
‫جعٌ صارخ يصعد إلى السماء ‪ ،‬وصيحا ٌ‬
‫تشق الظلماء ‪ ،‬أحد ْ أحد ْ ‪ ،‬فرد صمد ْ ‪ ،‬على رغم من كفر وجحد ‪ ،‬تطلق هذه‬
‫القذائف حنجرة بلل ‪ ،‬فتهتز بها الجبال ‪ ،‬وتنتفض منها التلل ‪.‬‬
‫ل مع ّ‬
‫ت بها لك ّ‬
‫طل‬
‫أحد ٌ هتف َ‬
‫ل‬
‫أنت المؤذن للرسول فرت ّ ِ‬
‫واهزم بصوتك كل طاٍغ فاجر‬
‫ل‬
‫واسحق بقولك كل زحف باط ِ‬
‫وعلى جبين مكة قبلت المحبين ‪ ،‬وفي جوفها زجل المسبحين ‪ ،‬وفي عينيها‬
‫آية للسائلين ‪ ،‬مكة أم الخلفاء الراشدين ‪ ،‬مكة بلد العابدين ‪ ،‬وميدان‬
‫المجاهدين ‪ ،‬وعرين الفاتحين ‪ ،‬وجامع الموحدين ‪ ،‬ومدرسة الحكام العادلين ‪:‬‬
‫وفي ُربى مكة تأريخ ملحمة‬
‫على ثراها بنينا العالم الفاني‬
‫إذا قربت من مكة فتهّيأ للدخول ‪ ،‬واستعد للنزول ‪ ،‬والبس الحرام‪ ،‬عند عناق‬
‫البيت الحرام ‪ ،‬لنك سوف تلج بيت الدّيان ‪ ،‬ومحط العرفان ‪ ،‬ودار‬
‫الرضوان ‪ ،‬هنا المسلك الرشد ‪ ،‬والمحل السعد ‪ ،‬والحجر السود ‪ ،‬هنا‬
‫المقام الكريم ‪ ،‬والمطاف العظيم ‪ ،‬وزمزم والحطيم ‪ ،‬هنا العابدون‬
‫والساجدون ‪ ،‬والعاكفون ‪ ،‬والقائمون ‪ ،‬والمستغفرون ‪ .‬هنا تسكب العبرات ‪،‬‬
‫وتهمل الدمعات ‪ ،‬وتنبعث الهات ‪ ،‬وتصعد الزفرات ‪ .‬هنا تغسل النفس من‬
‫الدران ‪ ،‬ويتخّلص القلب من الحزان ‪ ،‬وتنطلق الروح من العصيان ‪ ،‬هنا‬
‫ترمى الجمرات ‪ ،‬وتحط الغدرات ‪ ،‬وتخلع الفجرات ‪ ،‬وتغسل السيئات ‪ ،‬هنا‬
‫يتجرد من الثياب ‪ ،‬ويتهيأ للحساب ‪ ،‬فحبذا هذه الرحاب ‪ ،‬وطوبى لهذه‬
‫الشعاب ‪ ،‬هنا تناخ المطايا ‪ ،‬وتحط الخطايا ‪ ،‬وتكثر العطايا ‪ ،‬هنا السرور قد‬
‫تم ‪ ،‬والشمل قد التم ‪ ،‬وذهب الهم والغم ‪.‬‬
‫***************************‬
‫مة المدنّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫} وَقُ ْ‬
‫ق{‬
‫مد ْ َ‬
‫ب أد ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ل َر ّ‬
‫خل ِْني ُ‬
‫صد ْ ٍ‬
‫أمر على الديار ديار ليلى‬
‫وما حب الديار شغفن قلبي ‪ ...‬أقبل ذا الجدار وذا الجدارا‬
‫ولكن حب من سكن الديارا‬
‫لما وصلنا المدينة ‪ ،‬والنفس لمن في الروضة مدينة ‪ ،‬قلت ‪ :‬سلم يا طيبة ‪،‬‬
‫لما رأيناك ذهبت الخيبة ‪ .‬لحبك أيتها الدار ‪ ،‬سال الدمع المدرار ‪ ،‬لمن ندخر‬
‫الشجون ‪ ،‬لمن نخبئ الدمع الهتون ‪ ،‬هذا وقت البكاء يا محب ‪ ،‬هذه لحظة‬
‫الشوق يا قلب ‪.‬‬
‫المدينة تنفي خبثها ‪ ،‬وينصع طيبها ‪ ،‬ويطمئن ساكنها ‪ ،‬ويرتاح حبيبها ‪.‬‬
‫لما رأينا الربع سال دموعنا‬
‫ً‬
‫أنا لست أذكر ربع من قتل الهوى ‪ ...‬شوقا لساكنه ومن يهواهُ‬
‫‪117‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لكن أرتل ذكر من أحياهُ‬
‫إذا أتيت طيبة ‪ ،‬فأعط قلبك من التذكر نصيبه ‪ ،‬هنا المحراب ‪ ،‬حيث كان‬
‫يصلي فيه من ُأنزل عليه الكتاب ‪ ،‬هنا المنبر ‪ ،‬فتذ ّ‬
‫كر يوم كان يرقاه صاحب‬
‫الجبين الزهر ‪ ،‬هنا المسجد ‪ ،‬فالشوق يتجدد ‪ ،‬إذا علم أنه مصلى محمد ‪ ،‬هنا‬
‫ُ‬
‫حد جبل يحبنا‬
‫الروضة الخضراء ‪ ،‬يرقد بها من جاء بالشريعة الغراء ‪ ،‬هنا أ ُ‬
‫ونحبه ‪ ،‬وهنا قباء يؤنسنا قربه ‪ ،‬المدينة هي محط موكب النبوة ‪ ،‬وبها كان‬
‫سّنة ‪ ،‬وفيها تمت المنة ‪ ،‬وهي المدينة‬
‫للسلم قوة ‪ ،‬منها سطعت شمس ال ُ‬
‫التي نصرت المختار ‪ ،‬بسيوف النصار ‪ ،‬بها حكم الشيخان ‪ ،‬وولد السبطان ‪،‬‬
‫سان ‪.‬‬
‫وعاش السعدان ‪ ،‬وترعرع الزيدان ‪ ،‬وأنشد الشاعران ‪ ،‬كعب وح ّ‬
‫إذا دخلت المدينة فتذكر صاحب المّلة السمحاء ‪ ،‬والطريقة البيضاء ‪ ،‬هنا‬
‫مسكنه ومنامه ‪ ،‬وممشاه وقيامه ‪ ،‬ورمحه وحسامه ‪ ،‬وشرابه وطعامه ‪.‬‬
‫من المدينة خرج لبدر بجنوده ‪ ،‬وزحف إلى أحد في حشوده ‪ ،‬ومن المدينة‬
‫بعث للملوك رسائله ‪ ،‬وعلم الناس فضائله ‪ .‬هي بيت ضيافته ‪ ،‬ودار خلفته ‪،‬‬
‫في كل مكان منها له ذكريات ‪ ،‬وفي كل موضع له علمات ‪.‬‬
‫قبل القلب على سفح اللوى‬
‫تنشد الربع وهل يخبرها ‪ ...‬واقفات راجفات ماثلت‬
‫دارس فيه جلل الذكريات‬
‫المدينة تذكرك ببكاء أبي بكر في الصلة ‪ ،‬وورعه وتقواه ‪ ،‬لو وضع الصخر‬
‫على بساطه لكاد أن يذوب ‪ ،‬ولو زجر الشيطان بنصحه لوشك أن يتوب ‪.‬‬
‫ب له في القلوب فلو أشار للجيش‬
‫جمع الفضائل كأنه يسوقها بعصاه ‪ ،‬وح ّ‬
‫هيا إلى الموت ما عصاه ‪.‬‬
‫والمدينة تذكرك بالدولة العمرية ‪ ،‬وتلك المناقب الثرية ‪ ،‬عدل صار في‬
‫العالم قصة ‪ ،‬وترك في حلق كل جبار غصة ‪ ،‬وزهد يقول الزهد ‪ :‬ل نستطيع‬
‫معك صبرا ‪ ،‬وورع يقول له القلب ‪ :‬ل نعصي لك أمرا ‪ ،‬عمر بن الخطاب ‪،‬‬
‫جع ‪ .‬وإذا بصاحب هذه‬
‫جع ‪ ،‬ونحيب وتو ّ‬
‫سل عنه المحراب ‪ ،‬بكاء فيه وتف ّ‬
‫الدموع السرة ‪ ،‬يهز بهيبته القياصرة والكاسرة ‪ ،‬معه بردة مرقعة ‪ ،‬وحذاء‬
‫مق ّ‬
‫طعة ‪ ،‬ثم تخفق قلوب الملوك على وقع حذائه ‪ ،‬وينام العدل على طرف‬
‫ردائه ‪.‬‬
‫والمدينة تذكرك بالوقفات اليمانية ‪ ،‬في الحشايا العثمانية ‪ ،‬والمعاهد العفانية‬
‫‪ ،‬طهر يغتسل في نهره ماء الغمام ‪ ،‬وحياء يصيد بوداعته ورق الحمام ‪،‬‬
‫وسخاء تضرب به المثال ‪ ،‬وتعجز عن مجاراته الرجال ‪.‬‬
‫والمدينة تذكرك بسيف الله المنتضى ‪ ،‬وعبده المرتضي ‪ ،‬علي بن أبي طالب‬
‫أبي الحسن ‪ ،‬الخطيب اللسن ‪ ،‬ناصر الدين والسنن ‪ ،‬بطل البطال حيدره ‪،‬‬
‫هازم الكفره ‪ ،‬وصاحب السيرة العطرة ‪.‬‬
‫ما هزني ذكر أشجان وأطلل‬
‫)‪(81 /‬‬
‫لكن هنا المجد والتأريخ قد جمعا ‪ ...‬أو خيمة عرضت أو معهد بالي‬
‫فاكتب بدمعي آهاتي وتسآلي‬
‫إذا قالت روما ‪ :‬عندنا من الملحم فصول ‪ ،‬وقالت باريس ‪ :‬عندنا ديقول‪،‬‬
‫وقالت لندن ‪ :‬عندنا العالم المأهول ‪ ،‬فإن المدينة تقول ‪ :‬عندنا الرسول ‪.‬‬
‫حي دار الهجرة ‪ ،‬وميدان النصرة ‪ ،‬وأرض الشهداء ‪ ،‬وجامعة العلماء ‪ .‬في‬
‫ثرى المدينة سيد الشهداء ‪ ،‬حمزة المقدام ‪ ،‬وغسيل الملئكة الكرام ‪ ،‬ومن‬

‫‪118‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫سان بن‬
‫كّلمه الرحمن ‪ ،‬وحفظة القرآن ‪ ،‬وزيد بن ثابت إمام الفرائض ‪ ،‬وح ّ‬
‫ثابت شاعر الردود والنقائض‪ ،‬وُأبي بن كعب صاحب الذكر الحكيم ‪ ،‬وفيها من‬
‫اهتز له العرش العظيم ‪.‬‬
‫مر ‪ ،‬يدفع الباطل بزنده ‪ ،‬ويرد‬
‫ال‬
‫الحق‬
‫يقول‬
‫وهو‬
‫‪،‬‬
‫ذر‬
‫في المدينة ذكرى أبي‬
‫ُ‬
‫الدنيا بزهده ‪ ،‬وفيها ذكرى بلل وهو يرسل صوته في سماء الوحدانية ‪،‬‬
‫وفضاء العبودية ‪ ،‬ومعناه تعالوا إلى ربكم أيها العباد ‪ ،‬وذروا الجاه والموال‬
‫والولد ‪.‬‬
‫وذكرى أنس بن مالك خادم رسولنا ‪ ،‬كلما قيل ‪ :‬من لهذا العمل ؟ قال ‪ :‬أنا ‪،‬‬
‫فينال بشرف خدمة المعصوم ‪ ،‬ما ل يناله أشراف أهل الدنيا لجللة‬
‫المخدوم ‪ ،‬وذكرى سعيد بن المسّيب ‪ ،‬الولي المقّرب ‪ ،‬ينهل الناس من مورد‬
‫علمه ‪ ،‬ويعب العباد من نهر فهمه ‪ .‬وذكرى مالك بن أنس ‪ ،‬إذا تربع على‬
‫كرسي العلم وجلس ‪ ،‬فكأن مجد الدنيا اختصر في تلك الساعة ‪ ،‬يوم تجتمع‬
‫عظمة العلم وعظمة الطاعة ‪.‬‬
‫وأعظم منقبة للمدينة أن رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يسكن في‬
‫سويداء قلبها ‪ ،‬ويستولي على حّبها ‪ ،‬وهذا سر مكانتها وقربها ‪ .‬يكفي المدينة‬
‫فخرا ً ‪ ،‬أن أج ّ‬
‫ل البشر ‪ ،‬وسيد البدو والحضر ‪ ،‬شرب ماءها ‪ ،‬واستنشق‬
‫هواءها ‪ ،‬وارتدى سماءها ‪ ،‬وصافح ضياءها ‪.‬‬
‫يكفى المدينة جللة على مدن المعمورة ‪ ،‬تلك المناقب المأثورة ‪ ،‬وأجّلها‬
‫مشي الحبيب على ثراها ‪ ،‬وتنقله بين قراها ‪ ،‬كلما طافت عينك على رباعها ‪،‬‬
‫وهام قلبك في بقاعها ‪ ،‬ناداك منادي الذكريات ‪ ،‬يقول للحياء والموات ‪ :‬هنا‬
‫محمد سجد‪ ،‬هنا محمد قعد ‪ ،‬هنا محمد رقد ‪ ،‬جلس في هذا المكان ‪ ،‬عبر‬
‫هذه الوديان ‪ ،‬هرول في هذا الميدان ‪ ،‬نظر إلى هذه الجبال ‪ ،‬رقى هذه‬
‫التلل ‪ ،‬شرب من هذا الماء الزلل ‪ ،‬زار هذه الدار ‪ ،‬نام تحت هذه الشجار ‪،‬‬
‫مضى من فوق هذه الحجار ‪.‬‬
‫في الدار أخبار يكاد حديثها‬
‫شوق فلو أن الحجارة حملت ‪ ...‬يدع الفؤاد وما له سلوان‬
‫ما في الحشا لتصدع الصوان‬
‫يا أيتها النخيل الباسقات ‪ ،‬ربما مر بكن صاحب المعجزات‪ ،‬والصفات‬
‫الباهرات ‪ ،‬فهل من حديث يستفاد ‪ ،‬وهل من ذكريات تعاد ‪ .‬إن كنت تمدح‬
‫المدينة بسمو قصورها‪ ،‬وارتفاع دورها ‪ ،‬وعظمة جبالها ‪ ،‬وكثرة تللها ‪ ،‬فقد‬
‫صرت في واجب الوفاء ‪ ،‬إن للمدينة أسرارا ‪ ،‬وإن لها‬
‫غلطت في الثناء ‪ ،‬وق ّ‬
‫أخبارا ‪ .‬المدينة تخاطب القلوب قبل العيون ‪ ،‬وتستشير الدفين من‬
‫الشجون ‪ ،‬لن ترابها يحتفظ في ذاكرته بمشاهد تذوب لها الرواح ‪ ،‬ول‬
‫يمحوها مرور الرياح ‪.‬‬
‫ابك الديار وإل فاندب الدارا‬
‫ً‬
‫ل تبخلن بدمع سوف تنفقه ‪ ...‬فإن في القلب أخبارا وأسرارا‬
‫إن شئت غصبا ً وإل شئت مختارا‬
‫على ترابها آثار أقدام المختار ‪ ،‬وبصمات تنقله في تلك الديار ‪ ،‬وعلى ثراها‬
‫دموع البرار ‪ ،‬ودماء الخيار ‪ ،‬وفي سماءها تسبيحات المهاجرين والنصار ‪.‬‬
‫للمدينة صفحتان ‪ :‬صفحة الفرح ‪ ،‬وصفحة الحزان ‪.‬‬
‫فصفحة الفرح بها معالم النبوة الطاهرة ‪ ،‬وتلك النتصارات الباهرة ‪ ،‬نفرح إذا‬
‫ذكرنا بركات الرسالة ‪ ،‬ومواقف التضحيات والبسالة ‪ ،‬ونفرح إذا عشنا‬
‫المعاني اليمانية ‪ ،‬والنفحات الروحانية ‪ ،‬والمشاهد القرآنية ‪ ،‬ونفرح إذا‬
‫تذكرنا كيف انتصر الحق المبين ‪ ،‬ودفع الباطل المهين ‪ ،‬وكيف استقبلت تلك‬
‫‪119‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫القلوب أنوار الهداية ‪ ،‬وكيف انتهى الكفر إلى غير رجعة هذه النهاية ‪.‬‬
‫ولكننا نحزن يوم فارق الحياة أكرم الحياء ‪ ،‬ويوم انتقل إلى دار البقاء أجلّ‬
‫ديق ‪ ،‬صاحب العهد الوثيق ‪ ،‬ونحزن إذا ذكرنا عمر‬
‫التقياء ‪ ،‬ونحزن لموت الص ّ‬
‫الفاروق وهو بالخنجر يمّزق ‪ ،‬ودمه على ثيابه يتدفق ‪ ،‬ونحزن يوم ُذبح عثمان‬
‫‪ ،‬بسكين العدوان‪ ،‬نحزن إذا ذكرنا ذهاب ذاك الجيل القرآني الفريد ‪ ،‬وذاك‬
‫القرن المبارك المجيد ‪ ،‬وتلك الطائفة الزاكية الراشدة ‪ ،‬وتلك الجماعة‬
‫الخّيرة القائدة ‪.‬‬
‫فصلى الله وسلم على من تشّرفت به تلك الرض ‪ ،‬صاحب المقام المحمود‬
‫يوم العرض ‪ ،‬عليه الصلة والسلم ‪ ،‬ما هب نسيم السحار ‪ ،‬وسرى حديث‬
‫ب هواء ‪ ،‬وشعّ ضياء ‪،‬‬
‫السمار ‪ ،‬عليه الصلة والسلم ‪ ،‬ما تمتم ماء ‪ ،‬وه ّ‬
‫ن إلف ‪ ،‬وأومأ طرف ‪ ،‬وما ذّر‬
‫وارتفع سناء ‪ ،‬عليه الصلة والسلم ‪ ،‬ما ح ّ‬
‫شارق ‪ ،‬وما لمع بارق ‪ ،‬ومادام سعد ‪ ،‬ودوى رعد ‪ ،‬وحل وعد ‪ ،‬وحفظ عهد ‪،‬‬
‫عليه الصلة والسلم ‪ ،‬ما خط قلم ‪ ،‬وزال ألم‪ ،‬ودامت نعم ‪ ،‬وزالت نقم ‪،‬‬
‫وعلى آله وصحبه الكرام ‪ ،‬مادام في الرض إسلم ‪ ،‬والسلم‪.‬‬
‫****************************‬
‫مة النجدّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫فوٌر {‬
‫ب غَ ُ‬
‫ر‬
‫و‬
‫ة‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ط‬
‫ة‬
‫} ب َل ْد َ ٌ ّ َ ٌ َ َ ّ‬
‫)) واحّر قلباه يا نجد ((‬
‫نحن أدرى وقد سألنا بنجد‬
‫وكثير من السؤال اشتياق ‪ ...‬أطويل طريقنا أم يطول‬
‫وكثير من رّده تعليل‬
‫)‪(82 /‬‬
‫ت مهبط وحي‬
‫إذا ذكرنا نجد ‪ ،‬ثار الوجد ‪ ،‬واستجاب المجد ‪ ،‬يا نجد أن ِ‬
‫ك سفكت دماء المحبين ‪،‬‬
‫العربّية ‪ ،‬ومسقط رأس الشاعرية ‪ ،‬على رحاب ِ‬
‫وسالت دموع المعجبين ‪ ،‬وعلى بساطك وقعت جواهر البيان ‪ ،‬وبسقت للي‬
‫العرفان ‪.‬‬
‫ك ذاكرة اليام ‪،‬‬
‫يا نجد أن ِ‬
‫ت أرض الحب والغرام ‪ ،‬والعشق والهيام ‪ ،‬في رأس ِ‬
‫ك مفكرة الحلم ‪ ،‬هنا ملعب طسم وجديس ‪ ،‬ومفاتن امرؤ‬
‫وفي صدر ِ‬
‫القيس ‪ ،‬ومعاطن العيس ‪ ،‬هنا سحر القافية يلعب بالذهان ‪ ،‬هنا للشعر سوق‬
‫ضا ً طرّيا ‪،‬‬
‫ومهرجان ‪ ،‬وللحب روض وبستان ‪ ،‬جدد التوحيد في نجد فصار غ ّ‬
‫وولد الحب نجدّيا ‪ ،‬وعاش الدين بها أبدّيا ‪ ،‬وصار الوفاء بها سرمدّيا ‪ ،‬لنجد‬
‫في قلبي منازل وخيام ‪ ،‬وبيوت وأعلم ‪ ،‬ولها في ذاكرتي صور وأفلم ‪،‬‬
‫ومشاهد وأحلم ‪.‬‬
‫يقول الشاعر الدكتور العشماوي وقد أشجاني ‪ ،‬وشعره أبكاني ‪.‬‬
‫يا عائض القرني مازال الهوى‬
‫نجدا ً وإن زار الحجاز وأتهما‬
‫قالوا قدمت إلى الرياض فمرحبا ً‬
‫ألفا ً وحّيا الله ذاك المقدما‬
‫يا صاحبي على نجد قفا نبكي ‪ ،‬ومن هواها تعا َ‬
‫ل نشتكي ‪ ،‬في نجد أم البنين‬
‫فنة المدعدعة ‪ ،‬والضاربون‬
‫الربعة ‪ ،‬وعامر بن صعصعة ‪ ،‬المطعمون الج ِ‬
‫حدون ‪ ،‬وأنشد منها قيس بن ميمون‬
‫الهام يوم المعمعة ‪ .‬من نجد انطلق المو ّ‬
‫‪ ،‬وفيها عشق عروة بن حزام والمجنون ‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ـا صاحبي قفا لي واقضيا وطرا ً‬
‫وحدثاني عن نجد بأخباِر‬
‫هل أمطرت روضة الوعساء أو صدحت‬
‫حمامة البين أو غنت بأشعاِر‬
‫في نجد الخزامى والشيح ‪ ،‬والروض الفسيح ‪ ،‬والشعر الفصيح ‪ ،‬وشذا‬
‫المسك تذروه الريح ‪ ،‬نجد ثلثة أحرف نون ‪ ،‬وجيم ‪ ،‬ودال ‪.‬‬
‫فالنون فنون ‪ ،‬وشجون ‪ ،‬وعيون ‪ ،‬وفتون ‪.‬‬
‫والجيم جلل ‪ ،‬وجمال ‪ ،‬وجهاد ‪ ،‬وجلد ‪.‬‬
‫والدال في نجد سنة وكتاب ‪ ،‬وعلوم ‪ ،‬وآداب ‪ ،‬وأحساب ‪ ،‬وأنساب ‪ ،‬ومجدد‬
‫الدعوة محمد بن عبد الوهاب ‪.‬‬
‫جاءتنا حمامة ‪ ،‬من اليمامة ‪ ،‬فأخبرتنا أن مسيلمة ترك إسلمه ‪ ،‬وعصى‬
‫إمامه ‪ ،‬فخلع خالد العمامة ‪ ،‬وربط حزامه ‪ ،‬وسل حسامه ‪ ،‬ففصل من‬
‫مسيلمة الهامة ‪ ،‬وقص عظامه ‪ .‬فأهدت نجد المجدد ‪ ،‬والموحد ‪ ،‬والمسدد‪.‬‬
‫فالمجدد ابن عبد الوهاب ‪ ،‬جدد للتوحيد الشباب ‪ ،‬وألبسه أحسن الثياب ‪،‬‬
‫فجزاه الله أوفر الثواب ‪ ،‬والموحد حصن الهمة الحريز ‪ ،‬وشارح كتاب المجد‬
‫الوجيز ‪ ،‬الملك عبد العزيز ‪ ،‬والمسدد الرجل الممتاز ‪ ،‬الذي حوى كل فضل‬
‫وحاز ‪ ،‬عبد العزيز بن باز‪.‬‬
‫من حنجرة نجد انطلقت في الظهيرة ‪ ،‬صرخة وّدع هريرة ‪ ،‬ومن نجد أقبل‬
‫حال ‪ ،‬ثمامة بن أثال ‪ .‬ونجد ل تقبل الرذيل ‪،‬‬
‫الرجل المفضال ‪ ،‬والداعية الر ّ‬
‫ول تعشق الدخيل ‪ ،‬ولذلك قتلت العميل ‪ ،‬عامر بن الطفيل‪ ،‬لنه كذب‬
‫بالتنزيل ‪.‬‬
‫أقول لصاحبي والخيل تجري‬
‫تزود من شميم عرار نجد ‪ِ ...‬بنا ب َْين المجرةِ والضمار‬
‫فما بعد العشية من عرار‬
‫حّيت دمشقُ نجدا ً فقال شاعرها ابن الخياط ‪:‬‬
‫خذا من صبا نجد أمانا ً لقلبه‬
‫ه‬
‫وإّياكما ذاك النسيم فإنه ‪ ...‬فقد كاد رّياها يطير بلب ِ‬
‫ه‬
‫متى يسر كان الوجد أيسر خطب ِ‬
‫وحّيت بغداد ُ نجدا ً فقال شاعرها الشريف الرضي ‪:‬‬
‫يا صاحبي قفا لي واقضيا وطرا ً ‪ ...‬وحدثاني عن نجد بأخبار‬
‫وحّيت القاهرة نجدا ً فقال أمير الشعراء أحمد شوقي ‪:‬‬
‫جبل التوباد حياك الحيا ‪ ...‬وسقى الله زمانا ً ورعى‬
‫وحّيت صنعاء نجدا ً فقد قال المير الصنعاني ‪ ،‬والعالم الرباني ‪ ،‬يرحب بإمام‬
‫التجديد ‪ ،‬للتوحيد ‪:‬‬
‫سلم على نجدٍ ومن ح ّ‬
‫ل في نجد‬
‫وإن كان تسليمي على البعد ل يجدي‬
‫وحّيت جبال السروات نجدا ً فقال الشاعر الخثعمي ‪:‬‬
‫أل يا صبا نجد متى هجت من نجد‬
‫لقد زادني مسراك وجدا ً على وجد‬
‫من نجد هب جيش بكر بن وائل الشجعان ‪ ،‬فهزموا صاحب اليوان ‪ ،‬كسرى‬
‫أنو شروان ‪ .‬وسوف يهب من نجد بنو تميم ‪ ،‬في جيش عظيم ‪ ،‬لحرب‬
‫الدجال الثيم ‪ ،‬كما قال الرسول الكريم ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ )) : -‬أشد‬
‫أمتي على الدجال بنو تميم (( ‪.‬‬
‫من نجد هب عمرو بن كلثوم ‪ ،‬بسيفه المثلوم ‪ ،‬على الملك الغشوم ‪ ،‬عمرو‬
‫‪121‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بن هند الظلوم ‪ ،‬ثم أرسل إلى الشعوب ‪ ،‬قصيدته التي تعصف بالقلوب ‪:‬‬
‫أل هُّبي بصحنك فاصبحينا ‪ ...‬ول تبقى خمور الندرينا‬
‫فسارت في الناس مغربة مشرقة ‪ ،‬وجعلتها العرب معلقة ‪.‬‬
‫ومن نجد المحدث الكبير ‪ ،‬والعالم الثير ‪ ،‬صاحب الدر النثير ‪ ،‬يحيى بن أبي‬
‫كثير ‪.‬‬
‫نجد الهوى والسحر يا أرض الحمى‬
‫المجد فوق تراب صهوتك ارتمى‬
‫قيس وليلى والكميت وجرول‬
‫ودموع عشاق العقيدة قد همى‬
‫جع ‪ ،‬يشّيعه قلب يتقطع ‪ ،‬وعين تدمع ‪ ،‬وعقل من‬
‫وإليك هذا التفجع والتو ّ‬
‫الحب ُيصرع ‪ ،‬يقول عروة في عفراء ‪ ،‬وهو في نجد ذات مساء ‪:‬‬
‫جعلت لعراف اليمامة حكمه‬
‫فو الله ما من رقية يعلمانها‬
‫فقال شفاك الله والله ما لنا ‪ ...‬وعراف نجد إن هما شفياني‬
‫ول شربة إل بها سقياني‬
‫ن‬
‫بمكنون ما تحوي الضلوع يدا ِ‬
‫كيف تثبت أمام هذا الشعر هذه القلوب المسكينة ‪ ،‬التي كأنها ذبحت من‬
‫الجوى بسكينة ‪ .‬وضع يدك الن على قلبك وناد ‪ :‬السكينة السكينة ‪.‬‬
‫)‪(83 /‬‬
‫من نجد خرج العشى يتمشى ‪ ،‬بعد أن تعشى ‪ ،‬فتوجه إلى المدينة ليعلن‬
‫إسلمه ‪ ،‬فلقيه أبو سفيان فخاف مقامه ‪ ،‬وأعطاه خطامه ‪ ،‬ليعود لليمامة ‪،‬‬
‫سر عظامه ‪ ،‬فباء‬
‫فعاد بجمله ‪ ،‬وأرخى زمامه ‪ ،‬وأطلق خطامه ‪ ،‬فأسقطه فك ّ‬
‫بالخسران والندامة ‪ ،‬وله قصيدة فريدة ‪ ،‬يصف ويبعث فيها همومه المريدة ‪،‬‬
‫مطلعها ‪:‬‬
‫ألم تغتمض عيناك ليلة ثرمدا ‪ ...‬وعادك ما عاد السليم المسهدا‬
‫في نجد شعر عجب ‪ ،‬خذ شعر امرؤ القيس إذا شرب ‪ ،‬والعشى إذا ركب ‪،‬‬
‫والنابغة إذا رهب ‪ ،‬وزهير إذا رغب ‪ ،‬وابن كلثوم إذا غضب ‪ .‬شعر امرؤ‬
‫القيس كالخمر المعّتق ‪ ،‬تكاد القلوب منه تتشقق ‪ ،‬والعروق تتفتق ‪ ،‬والدموع‬
‫تتدفق ‪ ،‬فإذا سمعَْته فترفق ‪.‬‬
‫مى ‪ ،‬أو كأنك أعمى ‪ ،‬وهو من الغيث‬
‫غ‬
‫كالم‬
‫يتركك‬
‫مى ‪،‬‬
‫ْ َ‬
‫وشعر العشى ‪ ،‬كالح ّ‬
‫أهمى ‪ ،‬ومن النجم أسمى ‪ .‬وشعر النابغة سحر حلل ‪ ،‬لكنه يذهب عقول‬
‫الرجال ‪ ،‬وله روعة وجمال ‪ ،‬وأبهة وكمال ‪ .‬وشعر زهير كالماء الزلل ‪ ،‬فيه‬
‫صدق واعتدال ‪ ،‬وحق وجلل ‪ ،‬بعيد عن السخف والملل ‪ .‬وشعر ابن كلثوم‬
‫يسابق حسامه ‪ ،‬كأنه بروق تهامة ‪ ،‬لن صاحبه طالب زعامة ‪ ،‬يريد العزة‬
‫والكرامة ‪.‬‬
‫لما كان الشعر في روابي نجد الخضراء ‪ ،‬وفي فيافيها الفيحاء ‪ ،‬كان آية في‬
‫الحسن والنبل والبهاء ‪ .‬فلما دخل الشعر إلى القصور ‪ ،‬وسكن الدور‪ ،‬خرج‬
‫كأنه جلد ثور‪ ،‬ل يطبخ في القدور ‪ ،‬ول يهبط من النحور ‪ ،‬يحتاج البيان إلى‬
‫خيمة مضروبة ‪ ،‬ورابية منصوبة وخضرة وخصوبة ‪ ،‬لترى المثال المضروبة ‪،‬‬
‫والمعاني المرغوبة ‪ ،‬ولما صار القلم بجانب التلفاز ‪ ،‬والعقل بجوار الجهاز ‪،‬‬
‫ذهب البيان والعجاز ‪ ،‬وغُرب البداع والنجاز ‪.‬‬
‫والسلم على نجد التوحيد ‪ ،‬ما تردد تغريد ‪ ،‬وعذب نشيد ‪ ،‬وطاب قصيد ‪،‬‬

‫‪122‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وعاد عيد ‪ ،‬ورحمة الله عليكم أهل نجد إنه حميد مجيد ‪.‬‬
‫**************************‬
‫سعودّية‬
‫مة ال ّ‬
‫المقا َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن َرب ّهِ {‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ب‬
‫ه‬
‫ت‬
‫با‬
‫ن‬
‫ج‬
‫ر‬
‫خ‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ط‬
‫ال‬
‫د‬
‫ل‬
‫} َوال ْب َ ُ‬
‫ّ ُ َ ْ ُ ُ ََ ُ ُ ِِ ِ‬
‫إذا بلغ الرضيع لنا فطاما‬
‫ونشرب إن وردنا الماء صفوا ً ‪ ...‬تخر له الجبابر ساجدينا‬
‫ويشرب غيرنا كدرا ً وطينا‬
‫السعودية أرض التوحيد ‪ ،‬والمجد التليد ‪ ،‬والنهج الرشيد ‪ .‬وهي أرض‬
‫النسان ‪ ،‬والبيان ‪ ،‬واليمان ‪ ،‬والقرآن ‪ .‬لنها دار النسان السوي ‪ ،‬والمؤمن‬
‫الرضي ‪ ،‬التابع للمنهج المحمدي ‪ .‬ولنها أرض البيان الخلب ‪ ،‬والدب الج ّ‬
‫ذاب‬
‫‪ ،‬واللغة الحية ‪ ،‬والموهبة الدبية ‪ .‬ولنها بلد اليمان فمنها أرسل اليمان إلى‬
‫العالم أنواره ‪ ،‬وبعث إلى الدنيا قصصه وأخباره ولنها مهبط القرآن بها نزل‬
‫جبريل ‪ ،‬على المعلم الجليل ‪ ،‬بآيات التنزيل ‪.‬‬
‫في هذه البلد ‪ ،‬أعظم ناد للجواد ‪ ،‬وأكبر واد للجواد ‪.‬‬
‫قال الموفق بن هادي ‪ :‬ل تلمني في حب بلدي ‪ ،‬فإنها سر أنسي وإسعادي ‪،‬‬
‫فقد بعث منها محمد المحمود ‪ ،‬رسول الجود ‪ ،‬صاحب الحوض المورود ‪،‬‬
‫والمقام المحمود ‪ ،‬واللواء المعقود ‪ .‬وفيها ولد أبو بكر ‪ ،‬طيب الذكر ‪ ،‬صاحب‬
‫الشكر ‪ ،‬نير الفكر ‪.‬‬
‫ومنها عمر ‪ ،‬جميل الخبر ‪ ،‬وناشر العدل في البشر ‪ ،‬وصاحب أحسن السير ‪.‬‬
‫ومنها عثمان ‪ ،‬جامع القرآن ‪ ،‬ومكرم الضيفان ‪ ،‬وله من الرسول نوران ‪.‬‬
‫ومنها علي ‪ ،‬البطل الولي ‪ ،‬والسيف الجلي ‪ ،‬خائض الهول حتى ينجلي ‪.‬‬
‫ومنها السياد ‪ ،‬والجواد ‪ ،‬والساد ‪.‬‬
‫فلما سمعنا كلم الموفق ‪ ،‬وإذا هو بالدليل محقق ‪ ،‬قلنا ‪ :‬ونسيت البترول ‪،‬‬
‫فإنه السيف المسلول ‪ ،‬والشافع المقبول ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬كل ّ ‪ ،‬لمن أعرض وتوّلى ‪ ،‬فخرنا بالرسول ‪ ،‬ل بالبترول ‪ ،‬وسعادتنا‬
‫بالذكر المنزل ‪ ،‬ل بالديزل ‪ ،‬وفرحتنا بالسراء والمعراج ‪ ،‬ل بالحديد والزجاج‪،‬‬
‫وبهجتنا بالمقام والبيت ‪ ،‬ل بالزيت ‪ ،‬وتاريخنا بالعجاز ‪ ،‬والنجاز ‪ ،‬والمتياز ‪،‬‬
‫ل بالبنزين والغاز ‪.‬‬
‫فقلنا له ‪ :‬اترك من هلكوا وبادوا ‪ ،‬وحدثنا عن وصول الرادوا ‪ ،‬ودعنا ممن‬
‫يهمزون ويلمزون ‪ ،‬وكلمنا عن بث التلفزيون ‪ ،‬ومتى وصلكم التليفون ‪ ،‬وما‬
‫كنتم قبله تعرفون ‪ ،‬بل بالجهل توصفون ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬أخطأتم التقدير ‪ ،‬وخطأ العاقل كبير ‪ ،‬اعلموا أننا قبل الصناعة ‪ ،‬كنا‬
‫أهل البراعة ‪ ،‬والشجاعة ‪ ،‬والذاكرة اللماعة ‪ ،‬وأهل الصالة ‪ ،‬والرسالة ‪،‬‬
‫والبسالة ‪.‬‬
‫نحن الذين روى التأريخ قصتهم‬
‫ونحن أعظم من في أرضنا ظهرا‬
‫أما ترى الشمس غارت من مكارمنا‬
‫والبدر في نورنا العلوي قد سهرا‬
‫)‪(84 /‬‬
‫كان العالم قبل وصولنا غابة ‪ ،‬كأن عليه جنابة ‪ ،‬وكانت الدنيا قبل ميلدنا في‬
‫مأتم ‪ ،‬تشكو وتتألم ‪ ،‬فلما بزغ فجر رسولنا من البطحاء ‪ ،‬أشرقت على نوره‬
‫الرض والسماء ‪ ،‬خيام العدل في بلدنا وولد الشرف مع ميلدنا ‪ ،‬مضرب‬

‫‪123‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المثل في الكرم من أوطاننا ‪ ،‬وأشجع الناس من ودياننا ‪ .‬نحن بعثنا إلى الدنيا‬
‫النور ‪ ،‬وأزلنا منها الظلم والجور ‪ ،‬أذّنا في أذن الدنيا فآمنت ‪ ،‬ومشينا على‬
‫جبالها فتطامنت ‪ ،‬كنا في الجاهلية الجهلء ‪ ،‬أهل العزة الشماء ‪ ،‬فلما جاء‬
‫السلم كنا العلم ‪ ،‬والصفوة الكرام ‪ ،‬شجاعة لو قابلتنا السود لهابت ‪،‬‬
‫وعزيمة لو طرحت على الصخور لذابت ‪ ،‬هنا دار الفضائل ‪ ،‬ومنازل القبائل ‪،‬‬
‫عندنا قبلة المصلين ‪ ،‬وكعبة الطائفين ‪ ،‬وملذ الخائفين ‪ ،‬اختارنا الله لدينه‬
‫أمناء ‪ ،‬وعلى المانة أوصياء ‪ ،‬من دارنا هّبت كتائب الفتوحات ‪ ،‬وسارت‬
‫قوافل التضحيات ‪ ،‬عندنا محبرة ومقبرة ‪ ،‬محبرة لتقييد العلوم ‪ ،‬وتسجيل‬
‫نتاج الفهوم ‪ ،‬ومقبرة للغزاه ‪ ،‬والمحاربين الطغاه ‪ ،‬نحن أول من حمل‬
‫السيف ‪ ،‬وأكرم الضيف ‪ ،‬وأبى الحيف ‪.‬‬
‫أرضنا بدماء الشهداء تفوح ‪ ،‬وقلوبنا بأسرار التوحيد تبوح ‪ ،‬عندنا الذهب‬
‫عْلم ينعش الحياء ‪ ،‬من الشريعة السمحاء‬
‫البيض والحمر والسود ‪ ،‬فالبيض ِ‬
‫‪ ،‬والحمر دماء في عروق الحرار ‪ ،‬وفي شرايين البرار ‪ ،‬والسود بترول‬
‫مدفون في الثرى ‪ ،‬يدلف بالحضارة للمدن والقرى ‪.‬‬
‫اندهش الدهر يوم طالع صفحة جللنا ‪ ،‬وهام الزمان يوم أبصر لوحة جمالنا ‪،‬‬
‫وتعجب كل جيل يوم قرأ مكارم أجيالنا ‪ ،‬وتحطمت جماجم الغزاة على‬
‫جبالنا ‪.‬‬
‫دافع الله عنا يوم قصدنا صاحب الفيل ‪ ،‬فعاد في ثوب ذليل ‪ ،‬ورد الله عنا‬
‫غارة الفرس الكفار ‪ ،‬ومّزقهم في يوم ذي قار ‪ .‬وأنزل الله نصره علينا في‬
‫ومين ‪ ،‬وكرام‬
‫بدر ‪ ،‬يوم صعب المر ‪ ،‬وضاق الصدر ‪ ،‬فأيد رسولنا بملئكة مس ّ‬
‫حد‬
‫معلمين ‪ ،‬نحن خرجنا للعالم وفي قلوبنا قرآن نسكبه في قلب من وَ ّ‬
‫وتشهد ‪ ،‬وفي أيماننا سيوف نقطع بها رأس من تمرد وألحد ‪ ،‬عندنا قداسة‬
‫النسان ‪ ،‬وقداسة البيان ‪ ،‬وقداسة الزمان ‪ ،‬وقداسة المكان‪.‬‬
‫فقداسة النسان ماثلة في الرسول العظيم والنبي الكريم ‪ ،‬وقداسة البيان‬
‫قائمة في القرآن ‪ ،‬الذي أذهل النس والجان ‪ ،‬وقداسة الزمان ‪ ،‬كامنة في‬
‫عشر ذي الحجة ورمضان ‪ ،‬وقداسة المكان في الحرم الطاهر ‪ ،‬والمشعر‬
‫الزاهر ‪ .‬ليس للزمان بدوننا طعم ‪ ،‬وليس للتأريخ سوانا رسم ‪ ،‬وليس للناس‬
‫إذا ُأغفلنا اسم ‪ ،‬نحن شهداء على الناس ‪ ،‬ونحن مضرب المثل في الجود‬
‫ن البشر لفظ ونحن معنى ‪ ،‬جماجمنا‬
‫والبأس ‪ .‬كأن النور ولد معنا ‪ ،‬وكأ ّ‬
‫بالعزة مدججة ‪ ،‬وخيولنا بالعزائم مسرجة ‪ ،‬نحن المة الوسط ‪ ،‬ل غلط في‬
‫منهجنا ول شطط ‪ ،‬وسط في المكان فنحن قلب الكرة الرضية ‪ ،‬وزعماء‬
‫الخلق المرضّية ‪ ،‬ووسط في الزمان فلم نأت في طفولة النسانية ولم‬
‫نتأخر إلى شيخوخة البشرّية ‪ ،‬ووسط في العقيدة فنحن أهل التوحيد‬
‫والمذاهب السديدة ‪ ،‬فلم نعتنق رهبانية النصارى ‪ ،‬ولم ننهج نهج اليهود‬
‫الحيارى ‪ ،‬بل أمتنا معصومة من الضللة ‪ ،‬مصونة من الجهالة ‪.‬‬
‫نحن الذين إذا دعوا لصلتهم‬
‫والحرب تسقي الرض جاما ً أحمرا‬
‫جعلوا الوجوه إلى الحجاز وكبروا‬
‫في مسمع الكون العظيم وكبرا‬
‫أليس في بلدنا الركن والمقام ‪ ،‬والبلد الحرام ‪ ،‬وعندنا عرفات ‪ ،‬ومنى حيث‬
‫الجمرات وزمزم والحطيم ‪ ،‬والمشعر العظيم ‪ ،‬وفي أرضنا غار حراء ‪،‬‬
‫مشرق الشريعة الغراء‪ ،‬ونزل في أرضنا جبريل ‪ ،‬على المعلم الجليل ‪،‬‬
‫وحمى بيتنا من الفيل ‪ ،‬بطير أبابيل ‪.‬‬
‫ومّنا خالد بن الوليد ‪ ،‬وأسامة بن زيد ‪ ،‬وطلحة بن عبيد ‪.‬‬
‫‪124‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وفي دارنا عائشة أم المكُرمات ‪ ،‬المبّرأة من فوق سبع سموات ‪ ،‬وفاطمة‬
‫البتول ‪ ،‬بنت الرسول ‪ ،‬طيبة الصول ‪ .‬وفي أرضنا الحرمان ‪ ،‬والبيتان ‪،‬‬
‫مران ‪ ،‬والهجرتان ‪ ،‬والبيعتان ‪ ،‬والسبطان ‪ ،‬والقرآن ‪ ،‬واليمان ‪،‬‬
‫والعُ َ‬
‫والبيان ‪.‬‬
‫فاظ ‪ ،‬وفي بلدنا سوق عكاظ ‪.‬‬
‫نحن أهل عذوبة اللفاظ ‪ ،‬والجهابذة الح ّ‬
‫نحن الذين على خطى أمجادهم‬
‫وقف الزمان مدلها مبهورا‬
‫تيجان عزتنا النجوم فل ترى‬
‫غيَر الوفاء وصارما مشهورا‬
‫في بلدنا البطحاء ‪ ،‬حيث انطلقت الشريعة السمحاء ‪ .‬وعندنا نجد البّية ‪،‬‬
‫مطلع شمس العربية ‪ ،‬ومنبع المواهب الشاعرية ‪ ،‬والخطابية ‪.‬‬
‫ولدينا عسير ‪ ،‬حيث المسك والعبير ‪ ،‬والجمال منقطع النظير ‪ ،‬والذكاء‬
‫الشهير ‪.‬‬
‫ولدينا حائل ‪ ،‬أهل الفضائل ‪ ،‬أحفاد حاتم الطائي شرف القبائل ‪.‬‬
‫ولدينا الحجاز ‪ ،‬أهل الفضل والمتياز ‪ ،‬والكرم والعتزاز ‪.‬‬
‫ولدينا الحساء ‪ ،‬دار الشرفاء ‪ ،‬وبيت الوفياء ‪.‬‬
‫فغربنا أرض النبوة المحمدّية ‪ ،‬والسنة الحمدّية ‪ ،‬أرض قدمت للعالم أشرف‬
‫هدّية ‪ .‬وشرقنا أرض الخيرات ‪ ،‬وبلد المسّرات ‪ ،‬ودار الهبات ‪ ،‬والعطيات ‪.‬‬
‫ووسطنا دار المل ُ‬
‫ك والمارة ‪ ،‬وبيت الجدارة ‪ ،‬ومحل الوزارة ‪ ،‬والسفارة ‪.‬‬
‫وشمالنا أرض الجود ‪ ،‬والند والعود ‪ ،‬والسود ‪ ،‬وحفظ العهود ‪ ،‬وإكرام الوفود‬
‫‪ .‬وجنوبنا أرض الهمم الوثابة ‪ ،‬والطبيعة الخلبة ‪ ،‬والخلق الج ّ‬
‫ذابة ‪ ،‬والفهم‬
‫والنجابة ‪ ،‬والشعر والخطابة ‪.‬‬
‫)‪(85 /‬‬
‫نحن كتبنا التأريخ بالدماء ‪ ،‬ووصلنا الرض بالسماء ‪ ،‬أنجبنا العلماء ‪ ،‬وأنتجنا‬
‫الحكماء ‪ ،‬وأرسلنا للعالم الزعماء ‪ ،‬وأهدينا الدنيا الحلماء ‪.‬‬
‫سفر المكارم‬
‫ن علينا ِ‬
‫إذا لم يبدأ التأريخ بنا فاعلم أنه منكوس ‪ ،‬وإذا لم يث ُ ِ‬
‫فاعلم أنه منحوس ‪ .‬كسرنا سيوفنا في بدر ‪ ،‬على رؤوس أهل الكفر ‪ ،‬ثم‬
‫أرسلنا شظاياه لصلح الدين ‪ ،‬في حطين ‪ ،‬فقهر بها الملحدين ‪ .‬رددنا في‬
‫أحد " قل هو الله أحد " فسحقنا من جحد وقطعنا دابر من فسد ‪.‬‬
‫منا قائد القادسية ‪ ،‬الذي أسقط العجم في الخانة المنسية ‪ .‬ومنا قائد‬
‫اليرموك ‪ ،‬الذي أذهب من رؤوس الروم الشكوك ‪ ،‬وصبغ وجوههم بالدم‬
‫المسفوك ‪.‬‬
‫ابدأ بنا في رأس كل صحيفة‬
‫أسماؤنا في أصلها عنوان‬
‫وإذا كتبت رواية شرقية‬
‫فحديثنا من ضمنها تيجان‬
‫ً‬
‫نحن أرسلنا بني أمية ‪ ،‬ملوكا للديار الشامية ‪ .‬وبعثنا لبغداد بني العباس ‪ ،‬أهل‬
‫الجود والبأس ‪ .‬وجيش العجم ما أسلم ‪ ،‬حتى بعثنا له قتيبة بن مسلم ‪.‬‬
‫ومددنا للهند السيف الحاسم ‪ ،‬محمد بن القاسم ‪.‬‬
‫من كتب التأريخ وأهمل الجزيرة ‪ ،‬فقد ارتكب كبيرة ‪ ،‬وأتى بجريرة ‪ ،‬كيف‬
‫يهمل الرسول والصول ‪ ،‬وأهل المنقول والمعقول ‪ .‬كيف يأخذ البدن بل روح‬
‫‪ ،‬ويجرد البستان من الدوح ‪ .‬كيف يبني القصر على غير أساس ؟ ويقيم‬

‫‪125‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الجسم بل رأس ‪.‬‬
‫تريد المسجد بل محراب ‪ ،‬والمدرسة بل كتاب ‪ ،‬نحن الفصول والبواب ‪،‬‬
‫ونحن السيف والنصاب ‪ ،‬لسجل المكرمات ك ُّتاب ‪ ،‬ولرقام المجد حساب ‪،‬‬
‫وعلى قصر الرسالة حجاب ‪.‬‬
‫نحن قلب المعمورة ‪ ،‬وأصحاب المناقب المأثورة ‪ ،‬العالم يتجه إلى قبلتنا كل‬
‫يوم خمس مرات ‪ ،‬والدنيا تنصت لندائنا بالصلوات ‪ ،‬والكون يستمع لتلوتنا‬
‫باليات ‪ ،‬زارنا بلل بن رباح ‪ ،‬فصار مؤذن دولة الفلح ‪ ،‬وجاءنا سلمان من‬
‫أرض فارس ‪ ،‬فلما أسلم صار كأنه على قرن الشمس جالس ‪ ،‬ووفد إلينا‬
‫صهيب من أرض الروم ‪ ،‬فأصبح من سادات القوم ‪ ،‬من بلدنا تشرق شمس‬
‫المعارف ‪ ،‬ويقام للعلم متاحف ‪ ،‬وتنشر للهدى مصاحف ‪ ،‬حتى ماؤنا يفوق‬
‫كل ماء ‪ ،‬فماء زمزم شفاء ‪ ،‬ومن كل داء دواء ‪ ،‬ونحن بيت العرب العرباء ‪،‬‬
‫وعندنا سادات الكرماء ‪ ،‬ولدينا أساطين النجباء ‪ ،‬وأساتذة الحكماء ‪ ،‬إن‬
‫ذكرت الحرب فنحن وقودها ‪ ،‬وإن ذكرت الملة فنحن أسودها ‪ ،‬وإذا سمعت‬
‫بالرسالة فنحن جنودها ‪.‬‬
‫**************************‬
‫مة السراتّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جةٍ {‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ذا‬
‫ق‬
‫ئ‬
‫دا‬
‫ح‬
‫ه‬
‫ب‬
‫نا‬
‫ت‬
‫َ َْ َ‬
‫} فَأن ْب َ ْ َ ِ ِ َ َ ِ َ‬
‫كنا جبال ً في الجبال وربما‬
‫بمعابد الفرنج كان أذاننا ‪ ...‬سرنا على موج البحار بحارا‬
‫قبل الكتائب يفتح المصارا‬
‫م على السراة ‪ ،‬وعلى الجنوب مدنه وقراه ‪ ،‬لتكون مع التأريخ صادقا ‪،‬‬
‫َ‬
‫سل ّ ْ‬
‫وبالحق ناطقا ‪ .‬في السراة رجال تكاد السود أن تقول من شجاعتهم رفقا ً يا‬
‫ناس ‪ ،‬ويكاد السحاب ينادي جبالها ل مساس ‪.‬‬
‫دثين ‪ ،‬وهي ديار الخليل بن أحمد إمام النحويين ‪،‬‬
‫مح ّ‬
‫بها ولد أبو هريرة سيد ال ُ‬
‫من السراة سارت قوافل الوفود ‪ ،‬إلى رسول الوجود ‪ ،‬تعاهد على نصرة‬
‫السلم ‪ ،‬ومتابعة المام ‪ .‬منها وفد جرير سيد بجيله ‪ ،‬صاحب المواقف‬
‫الجليله ‪ ،‬ومنها أطل الطفيل سيد دوس ‪ ،‬موقد الحرب الضروس ‪.‬‬
‫في جبال السروات نظم الشنفرى الزدي لميته العصماء ‪ .‬وفي روابيها‬
‫سجل الخثعمي داليته الغراء ‪ .‬أما علمت أنها أرض القرني أويس ‪ ،‬وبلد‬
‫أسماء بنت عميس ‪.‬‬
‫السراة حيث خصوبة التراب ‪ ،‬ونداوة الضباب ‪ ،‬وهمع السحاب ‪.‬‬
‫في السراة كل خطيب وشاعر ‪ ،‬لن الشعر من المشاعر ‪.‬‬
‫كأن الطل بديارهم دموع حبيب ‪ ،‬وكأن الظل بأرضهم برد قشيب ‪.‬‬
‫أرض إذا طاولت هام جبالها‬
‫ن‬
‫وإذا دخلت غياضها ورياضها ‪ ...‬قالت تواضع أيها النسا ُ‬
‫ن‬
‫غّنى الحمام وصفق الريحا ُ‬
‫فيها مدرسة الحفظ لن الحفظ هريري دوسي ‪ ،‬وهي إيوان الزهد لن الزهد‬
‫أويسي‬
‫فاظ ‪ ،‬يغار‬
‫هنا الشعر الفصيح ‪ ،‬والنسب الصريح ‪ ،‬والوجه المليح ‪ ،‬خطباء ح ّ‬
‫منهم سوق عكاظ ‪ ،‬لروعة تلك اللفاظ ‪ ،‬مع القمم همم ‪ ،‬ومع الشجاعة كرم‬
‫‪ ،‬ل تنكر أخلقهم البديعة ‪ ،‬فكما قال ابن خلدون ‪ :‬الخلق تتبع الطبيعة ‪.‬‬
‫ذكرهم الهمداني في الكليل ‪ ،‬فكان قلمه بالثناء يسيل ‪.‬‬
‫بلدهم ديار الجود ‪ ،‬وعرين السود ‪ ،‬البخل عندهم ذنب ل يغفر ‪ ،‬وعدوهم‬
‫فر ‪ ،‬أريحّية يهتز منها النسيم ‪ ،‬وحاتمية ينشأ عليها الفطيم ‪ ،‬مشاعر‬
‫بالثرى ُيع ّ‬
‫‪126‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫شاشة ‪ ،‬ووجوه ب ّ‬
‫جّياشة ‪ ،‬وأرواح ه ّ‬
‫شاشة ‪ ،‬ماء الِبشر في صفحات الوجوه‬
‫يترقرق ‪ ،‬ودم البطولت في شرايين البوة يتدفق ‪ ،‬إصرار على القيم ‪،‬‬
‫وحفاظ على الشيم ‪.‬‬
‫حشيت باليمان إلى العماق ‪ ،‬فليس بها مكان للكفر والنفاق ‪.‬‬
‫قلوب ُ‬
‫ما دخلها فيلسوف ‪ ،‬لن صوت القرآن بها يطوف ‪ ،‬وما حلها زنديق ‪ ،‬لن أسد‬
‫الرسالة في الطريق ‪.‬‬
‫إذا كبر الزدي في حومة الوغى‬
‫ويطربهم وقع الرماح فما لهم‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أويسية دوسية عزماتهم ‪ ...‬رأيت شجاعا سيدا وابن سيدِ‬
‫سماع لعود أو غناء لمعبدِ‬
‫كتائبهم تسعى لنصرة أحمدِ‬
‫عروبة صريحة صراحة اللبن المذاب ‪ ،‬والسنة فصيحة فصاحة الفجر‬
‫الج ّ‬
‫ذاب ‪.‬‬
‫سان ‪.‬‬
‫سان ‪ ،‬وأخوال سحبان ‪ ،‬وأجداد غ ّ‬
‫هم أعمام ح ّ‬
‫)‪(86 /‬‬
‫بديهتهم أسرع من الضوء إذا سرى ‪ ،‬وذاكرتهم أغزر من السيل إذا جرى‪ ،‬ما‬
‫قطر لللحاد في ديارهم قطرة ‪ ،‬لنهم على الفطرة ‪.‬‬
‫لو رأى جمال أرضهم كنفشيوس المسكين ‪ ،‬لما نظم قصيدة مرحبا ً يا ب ّ‬
‫كين ‪،‬‬
‫ولو أبصرها جوته شاعر اللمان ‪ ،‬لما أنشد إلياذة الحرمان ‪:‬‬
‫فالطير يرسل للعشاق أغنية‬
‫م‬
‫في كل يوم لهم عيد بأرضه ُ‬
‫أرض إذا جئتها أهدتك زينتها ‪ ...‬والغصن يعزف والرواح في طرب‬
‫فالسحر والشعر بين الجد واللعب‬
‫حمالة الورد ل حمالة الحطب‬
‫طاب الهوى ورقّ الهواء ‪ ،‬وزان الظل وعذب الماء ‪ ،‬أرض تصنع بها القوافي ‪،‬‬
‫مع الود الصافي ‪ ،‬والجمال الضافي ‪.‬كأن وحي البيان ‪ ،‬أرسل لطير البستان ‪،‬‬
‫فالتقى سحر الكلم ‪ ،‬مع نشيد الحمام ‪ ،‬ودمع الغمام ‪:‬‬
‫رفقا بقلبي يا جنوب فإنني‬
‫قتل المحب يجوز في شرع الهوى ‪ ...‬بشر وهذا السحر يخلب عيني‬
‫لو كان دينك في الصبابة ديني‬
‫ولو عدل صاحب البوصلة لوجهها للجنوب النفيس ‪ ،‬وذاك الروض النيس ‪،‬‬
‫وترك هضبة مغناطيس ‪.‬‬
‫ولو رأى نابليون جبال الجنوب ووديانه ‪ ،‬لراحنا من هيامه بجزيرة هيليانه ‪.‬‬
‫والجنوب لم تدخله الباطنية ‪ ،‬ول مذهب الظاهرية ‪ ،‬بل تلك الديار سنّية‬
‫سلفّية ‪ ،‬وقد رحبوا بدعوة التوحيد ‪ ،‬التي أطلقها المجدد الفريد ‪ ،‬صاحب‬
‫النهج السديد ‪ ،‬وتقبلوا لهذه الدعوة بقبول حسن ‪ ،‬وصاروا على أحسن‬
‫سنن ‪.‬‬
‫وقد ردوا كل نحلة ل تصح ‪ ،‬لنه نهي أن يورد الممرض على المصح ‪ ،‬وعاش‬
‫أجيالها اليوم على كتب ابن تيمية ‪ ،‬وابن القيم الجوزية ‪ ،‬وكتب مجدد الدعوة‬
‫السلفية ‪.‬‬
‫ً‬
‫وقد آتاهم الله أذهانا بالبديهة سائلة ‪ ،‬وألسنة بالفصحى قائلة ‪ ،‬ينظم أحدهم‬
‫الرجوزة ‪ ،‬في جلسة وجيزة ‪ ،‬وينشأ أحدهم القصيدة ‪ ،‬بموهبة فريدة ‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫شاركوا في القادسية وقادهم جرير ‪ ،‬وأنزلوا رستم من على السرير ‪ ،‬ما‬
‫عرض السلم على أحدهم إل أسلم ‪ ،‬وما نودي يوم الروع إل تقدم ‪ ،‬دعا‬
‫الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬الزدي أبا ضماد ‪ ،‬فأجابه إلى السلم‬
‫والجهاد ‪ .‬وذكر ابن القيم وفد الزد فأطنب في ذكرهم ‪ ،‬وأحسن في شكرهم‬
‫‪ .‬وذكر حديثا ً يروى عنه عليه الصلة والسلم أنه قال في وفدهم ‪:‬‬
‫علماء ‪ ،‬حلماء ‪ ،‬كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ‪.‬‬
‫ومنهم محمد بن واسع الزاهد العابد ‪ ،‬العالم المجاهد ‪ ،‬صاحب الكلمات‬
‫الفاصله ‪ ،‬التي هي إلى القلوب واصلة ‪ .‬ومنهم المناذرة الملوك ‪ ،‬ومجدهم‬
‫بالجود محبوك ‪.‬‬
‫وعلى بساطهم وقعت المساجلت ‪ ،‬وفي ديوانهم حصلت المناظرات‬
‫والمحاورات ‪.‬‬
‫ومنهم الغساسنة ملوك الشام ‪ ،‬أهل القلم والحسام ‪ ،‬حتى قال حسان ‪:‬‬
‫إن تسألينا فإّنا معشر نجب ‪ ...‬الزد نسبتنا والماء غسان‬
‫ومنهم آل المهلب أسرة الشرف والريادة ‪ ،‬والكرم والسيادة ‪.‬‬
‫واعلم أن أصول كثير من العلماء السراة ‪ ،‬من جبال السراة ‪ .‬فعبد الغني‬
‫الزدي الحافظ الشهير ‪ ،‬آباؤه من السروات بل نكير ‪ ،‬والطحاوي صاحب‬
‫العقيدة ‪ ،‬من تلك البلد المجيدة ‪ ،‬بل ذكر الشيخ المنسي في كتابه في تاريخ‬
‫سابة الجاسر ‪ ،‬بذكر‬
‫الرجال ‪ ،‬أن مئات المحدثين من تلك الجبال ‪ ،‬واحتفل الن ّ‬
‫مواطن القوم والمآثر ‪ ،‬وطالع ما كتبه عن رجالهم الذهبي في السير ‪ ،‬وما‬
‫سطره أهل التاريخ والخبر ‪.‬‬
‫وفيهم ثلث فضائل ‪ ،‬لم تجتمع في غيرهم من القبائل ‪:‬‬
‫سلمة الصدور ‪ ،‬كماء الطهور ‪ ،‬فليس عندهم ضغائن ‪ ،‬ول دفائن ‪ ،‬بل غضب‬
‫الواحد في لسانه ‪ ،‬ثم يعود إلى إحسانه ‪.‬‬
‫ومنها ذكاء وّقاد ‪ ،‬وطبع في الفهم منقاد ‪ ،‬مع غزارة في القريحة ‪ ،‬وأخلق‬
‫مليحة ‪.‬‬
‫ومنها فصاحة وبيان ‪ ،‬كأن على طرف كل لسان سحبان ‪ ،‬وعلى شفتي كل‬
‫شفة حسان ‪ .‬والحمد لله الذي سلمهم من برص السماعيلية ‪ ،‬وسرطان‬
‫النصيرية ‪ ،‬وداء البطائحية ‪ ،‬وحمق الصوفية ‪ ،‬وتجهم الجهمية ‪ ،‬فطريقتهم‬
‫محمدّية أحمدّية ‪.‬‬
‫وليس عندهم صلف الخوارج المارقين ‪ ،‬ول عتو الروافض المتحرقين ‪ ،‬وليس‬
‫للزندقة عندهم قرار ‪ ،‬وما للبدعة ببلدهم دار ‪ ،‬بل هم أهل سكينة ووقار ‪،‬‬
‫كما وصفهم بذلك المختار ‪ .‬ولم تدخلهم العجم الجفاة ‪ ،‬ول طيش العراب‬
‫الحفاة ‪ ،‬فهم أهل جنات وعيون‪ ،‬وأهل أدب وشجون ‪.‬‬
‫وقد مدحهم الداعية الشهير القرعاوي ‪ ،‬وذكرهم بحسن المساعي ‪ ،‬وإجابة‬
‫الداعي ‪ ،‬وسطر فيهم الشعراء أحسن قصائدهم ‪ ،‬ودّبج فيهم الخطباء أجود‬
‫قلئدهم ‪.‬‬
‫وسل أهل العلم ممن زارهم ‪ ،‬وحل دارهم ‪ ،‬فإنه ينقلب إلى أهله مسرورا ‪،‬‬
‫بعد أن ملئوه حبورا ‪ .‬وما دفعني لما قلته عصبية ‪ ،‬أو حمية مذهبية ‪ ،‬بل كلمة‬
‫حق ‪ ،‬وشهادة صدق ‪ ،‬وقد ذكرت فضائل غيرهم من أهل البلدان ‪ ،‬وما‬
‫تنقصت بسببهم غيرهم من سكان الوطان ‪ ،‬وانظر النصاف والتحاف في‬
‫المقامة المكية ‪ ،‬والمقامة النجدية ‪ ،‬واليمنّية ‪ ،‬وغيرها من المقامات ‪ ،‬وهذا‬
‫من العتراف بالحسنات ‪.‬‬
‫واعلم أن مئات المؤّرخين والدباء ‪ ،‬سبقوني إلى ذكر مناقب جبال السروات‬
‫ماء ‪ ،‬وأهلها الكرماء ‪ ،‬وقد نظم لبيد قصيده في تباله ‪ ،‬وحط ابن بطوطة‬
‫الش ّ‬
‫‪128‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في السراة رحاله ‪ ،‬ولما زارها تأبط شرا ‪ ،‬مدحها وقد تأبط خيرا ‪ ،‬وقد قال‬
‫وه بمجد فضائلها ‪.‬‬
‫أحد شعرائها ‪ ،‬ين ّ‬
‫نحن وجه الشمس إسلم وقوة‬
‫نحن أزد الله في يوم الردى‬
‫)‪(87 /‬‬
‫دنا من قرن‬
‫وأويس ج ّ‬
‫والسيوف البيض في أيماننا ‪ ...‬نسب حر ومجد وفتوة‬
‫قد وضعنا الكفر في سبعين هوة‬
‫أو ما تلمح مجدا ً في البنوة‬
‫يوم ضرب الهام من دون النبوة‬
‫****************************‬
‫مة الخليجّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫واًنا {‬
‫مت ِهِ إ ِ ْ‬
‫صب َ ْ‬
‫م ب ِن ِعْ َ‬
‫حت ُ ْ‬
‫} فَأ ْ‬
‫خ َ‬
‫إن كيد م ّ‬
‫طرف الخاء فإننا‬
‫أو يختلف ماء الغمام فماؤنا‬
‫أو يفترق نسب يؤلف بيننا ‪ ...‬نغدو ونسري في إخاء تالد‬
‫عذب تحدر من غمام واحد‬
‫دين أقمناه مقام الوالد‬
‫كنت في أمر مريج ‪ ،‬حتى دخلت الخليج ‪ ،‬فقلت أين المجالس الندّية ‪،‬‬
‫والخلق الودية ‪ ،‬والماني الوردية ‪ ،‬قالوا في السعودية ‪.‬‬
‫ض ما‬
‫قلت ‪ :‬جاش حبي وفاض ‪ ،‬وليس لي على رسول الحب اعتراض ‪ ،‬فاق ِ‬
‫أنت قاض ‪ ،‬إذا هبطت الرياض ‪.‬‬
‫ول تلم من حن قلُبه إلى قطر ‪ ،‬وصار دمعه مثل المطر ‪ ،‬فكم للمحبين من‬
‫غدوة وروحة ‪ ،‬إلى روابي الدوحة ‪.‬‬
‫وسلم على عمان ‪ ،‬أهل الشعر والبيان ‪ ،‬وإكرام الضيفان ‪ ،‬وهم يوم الروع‬
‫شجعان‬
‫وسبحان من مرج البحرين يلتقيان ‪ ،‬يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ‪.‬‬
‫أحرزوا ذروة المجد وسنامه ‪ ،‬ونصبوا خيام الجود في المنامة ‪.‬‬
‫ودخلنا أبا ظبي فوجدنا أسودها تحمي ظباءها ‪ ،‬والحسن قد مل سماءها ‪.‬‬
‫فحمى الله المارات ‪ ،‬من الغارات ‪ ،‬فقد حققت في العلياء انتصارات ‪،‬‬
‫وشيدت للعلم منارات ‪.‬‬
‫كم من محب يقول من الحب انكويت ‪ ،‬فاسألوا الكويت ‪ ،‬حماها الله من‬
‫العدوان ‪ ،‬وصانها من حسد الجيران ‪ ،‬ومن غيرة الخوان ‪.‬‬
‫لي في الجزيرة آمال مجّنحة‬
‫حي الكويت فلن ننسى مودتها‬
‫وفي المنامة سفر الحب نقرؤه‬
‫بلغ عمان تحيات مباركة‬
‫وطف على دوحة الحباب مستلما‬
‫أما المارات فالشواق تحملنا‬
‫ب‬
‫خليج ما عرف الحباب غربتنا ‪ ...‬في نجدنا حيث يسموا الشعر والخط ُ‬
‫ب‬
‫محفوظة ما دهاها الهول والعط ُ‬
‫ب‬
‫على خدود الهوى من حبنا عت ُ‬

‫‪129‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ب‬
‫أزدية ولها في أرضنا نس ُ‬
‫ب‬
‫تلك الربى إن قلب الصب ملته ُ‬
‫ب‬
‫لرضها وعليها تشهد الكت ُ‬
‫وقد أساء لنا الحساد إذ كذبوا‬
‫في الخليج دمع يترقرق ‪ ،‬وماء يتدفق فيها ‪ ،‬ذكاء وامتياز ‪ ،‬وزيت وغاز ‪،‬‬
‫وبنزين وقاز ‪.‬‬
‫وفي الخليج ضيافة حاتمية ‪ ،‬ودعوة إسلمية ‪ ،‬وصحوة عالمية ‪ ،‬تغذيها كتب‬
‫ابن تيمية ‪ .‬في الخليج مكة الرسالة ‪ ،‬ونجد البسالة ‪ ،‬ومنامة الشهامة ‪،‬‬
‫ودوحة الكرامة ‪ ،‬ومسقط الزعامة ‪ ،‬وفي الكويت سل المجد حسامه ‪ ،‬وبلغ‬
‫العز في أبو ظبي تمامه ‪.‬‬
‫الخليج أرض النبياء ‪ ،‬ودار الولياء ‪ ،‬وروضة العلماء ‪ ،‬وسرادق الكرماء ‪،‬‬
‫وديوان الشعراء ‪.‬‬
‫من الخليج محمد الرسول الخاتم ‪ ،‬مصلح العالم ‪ ،‬ومنها حاتم المكارم ‪.‬‬
‫وخالد صاحب العزائم ‪ ،‬الملحق بالعداء الهزائم ‪.‬‬
‫من الخليج شعراء المعلقات ‪ ،‬والملحم الشرقيات ‪ ،‬وتلك المثل الراقيات ‪.‬‬
‫وفيها الرجال ‪ ،‬والجمال ‪ ،‬والمال ‪ ،‬والسحر الحلل ‪.‬‬
‫في الخليج الشدة والرخاء ‪ ،‬والحدائق والصحراء ‪ ،‬والجفاف والماء ‪ ،‬والرض‬
‫والسماء ‪ ،‬والدهماء والعلماء ‪ .‬هنا طائرة وباخرة ‪ ،‬وحضارة فاخرة ‪ ،‬وصحراء‬
‫ساخرة ‪ ،‬ودنيا وآخرة ‪ .‬بيع وشراء وقرض ‪ ،‬إيراد وتصدير وعرض ‪ ،‬عمار وبناء‬
‫فوق الرض ‪ ،‬وثروات وخيرات تحت الرض ‪ .‬لحركة التعمير ضجيج ‪،‬‬
‫وللبترول رغاء ونشيج ‪ ،‬وللبساتين عطاء من كل زوج بهيج ‪.‬‬
‫في الخليج يلتقي التاريخ والجغرافيا ‪ ،‬لترى الحب في ماء الخليج صافيا ‪،‬‬
‫وتقرأ الود في عيون الخليجيين وافيا ‪ .‬ل يكره الخليج إل حاسدا ‪ ،‬وجاحدا ‪ ،‬أو‬
‫جامدا ‪.‬‬
‫فالحاسد غلبه هواه ‪ ،‬وحسده أغواه ‪ ،‬وقد خاب مسعاه ‪.‬‬
‫والجاحد أنكر الجميل ‪ ،‬وأكثر من القال والقيل ‪ ،‬والكثير من الحسان عنده‬
‫قليل ‪.‬‬
‫والجامد ‪ ،‬بارد الحساس ‪ ،‬واهم القياس ‪ ،‬اختلط عليه أمر الناس ‪.‬‬
‫في الخليج فصاحة وقافية ‪ ،‬وعين صافية ‪ ،‬وقيم وافية ‪ ،‬وصيدلية شافية ‪،‬‬
‫وكنوز كافية ‪ .‬هاجر العالم إلى الخليج بالمليين ‪ ،‬فالمسلم جاء يبحث عن‬
‫الدين ‪ ،‬والجيولوجي أقبل من أجل التعدين ‪ ،‬والخواجة أتى ينقب عن‬
‫البنزين ‪ .‬جاء الهندي إلى الخليج بالرز ‪ ،‬وجاء اللماني بالبنز ‪ ،‬وجاء اليطالي‬
‫بالبز ‪ .‬والكل يطلب العز والكنز ‪.‬‬
‫في الخليج بئر وبعير ‪ ،‬وأعاصير ومواصير ‪ .‬وشبكات ‪ ،‬وشيكات ‪ ،‬وشركات ‪.‬‬
‫وريال ‪ ،‬ورجال ‪ ،‬ودينار ‪ ،‬ودولر ‪.‬‬
‫انبعث البعثي من بغداد ‪ ،‬وقد لبس السواد ‪ ،‬وحمل السكاكين الحداد ‪ ،‬فبقر‬
‫بطون الجيران ‪ ،‬وحطم بفأسه الجدران ‪ ،‬وأذاق الموت الخوان ‪ ،‬قيل له لم‬
‫خوان ‪.‬‬
‫فعلت هذا يا ّ‬
‫فقال ‪:‬‬
‫وأحيانا على بكر أخينا‬
‫إذا ما لم نجد إل ّ أخانا‬
‫قيل له ‪ :‬بالمس كنت تهدد إسرائيل ‪ ،‬وأقسمت أن ترميها بطير أبابيل ‪،‬‬
‫تحمل المزدوج والكيماوي في براميل ‪ ،‬فمالك ضللت السبيل ‪ ،‬يا عميل ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬أما سمعت الشاعر الصيل ‪:‬‬
‫‪130‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أسد علي وفي الحروب نعامة‬
‫فتخاء تنفر من صفير الصافر‬
‫ليتنا عن البعثي ما مدحنا ول حكينا ‪ .‬فكم من ظلمه اشتكينا ‪ .‬ومن قهره بكينا‬
‫‪.‬‬
‫)‪(88 /‬‬
‫كينا ‪.‬كيف تأمن من يقول ‪ :‬آمنت بالبعث ربا ً‬
‫وفي المثل ‪ :‬ل تعط المجنون س ّ‬
‫ل شريك له ‪ ،‬ويستعرض على جيرانه هيكله ‪ .‬الذي يصلي والمزدوج في جيِبه‬
‫‪ ،‬وينوي الموت لحبيِبه ‪ ،‬ويوجه الصاروخ لقريبه ‪ .‬فل تثق به ولو صلى ‪ ،‬فقد‬
‫ى ‪ .‬لو كنت أيها البعثي نسيب‬
‫ى‪ ،‬وعن دينه تخلى ‪ ،‬وإلى النار تدل ّ‬
‫أعرض وتول ّ‬
‫حسيب ‪ ،‬عريب لبيب ‪ ،‬كنت أحرقت تل أبيب ‪ .‬لكنك لمولك عصيت ‪ ،‬ومن‬
‫الحق أبيت ‪ ،‬وعن هديه توليت ‪ ،‬ثم غزوت الكويت ‪ .‬لو زحفت إلى اليهود ‪،‬‬
‫فقت لك كل الوفود‪ ،‬وأعانتك الجنود ‪ ،‬وخفقت على‬
‫إخوان القرود ‪ ،‬كانت ص ّ‬
‫رأسك البنود ‪ ،‬وأتاك الدعم بل حدود ‪.‬‬
‫قاء ‪ ،‬وحاربت الصدقاء ‪ ،‬ليكونوا لك‬
‫لكن كتب عليك الشقاء ‪ ،‬فقاتلت الش ّ‬
‫أرقاء ‪ ،‬وتركت العداء ‪ ،‬البعداء ‪ ،‬اللداء ‪ ،‬فأنت كمن ترك الدواء ‪ ،‬وتناول‬
‫الداء ‪.‬‬
‫حزب البعث العربي الشتراكي ‪ .‬أربع كلمات ‪ ،‬ظالمات ‪ ،‬كاذبات ‪ ،‬خاطئات ‪.‬‬
‫فحزب معناه ‪ :‬تحزيب المة إلى دويلت ‪ ،‬وتشتيتها إلى مقاطعات ‪ ،‬وتمزيقها‬
‫إلى جماعات ‪.‬‬
‫البعث معناه ‪ :‬بعث الحن والحقاد ‪ ،‬وتخريب البلد ‪ ،‬وتعذيب العباد ‪ ،‬باسم‬
‫صوت الجماهير من بغداد ‪.‬‬
‫والعربي معناه ‪ :‬بل عرب ‪ ،‬وزرع الغضب ‪ ،‬والقتال بل سبب ‪ ،‬فعلى القريب‬
‫لهب ‪ ،‬ومن العدو هرب ‪.‬‬
‫والشتراكي ‪ :‬تحويل المسلمين ‪ ،‬إلى عقيدة لينين ‪ ،‬واستالين ‪ ،‬وتوزيع‬
‫المليين على البعثيين الملعين ‪ .‬قاتلهم الله آمين ‪.‬‬
‫نريد من بغداد ‪ ،‬أن تكون بغداد المأمون والمعتصم والرشيد‪ ،‬ل بغداد ميشيل‬
‫عفلق المريد الرعديد ‪.‬‬
‫لما كانت بغداد في العصر العباسي كانت قبلة الوفود ‪ ،‬وعرين السود ‪،‬‬
‫ومشرق الحب والسعود ‪ ،‬فلما أصبحت بغداد في يد البعث الحقود الحسود ‪،‬‬
‫صارت تطلق على الجيران السكود ‪ ،‬وغاز العصاب حارق الجلود ‪.‬‬
‫أيها الخليجّيون ‪ :‬ليس فخركم أنكم بلد البترول ‪ ،‬إنما الفخر أنكم بلد الرسول‬
‫‪ ،‬فل تفرحوا لن الزيت في أرضكم سقط ‪ ،‬لكن افرحوا لن الوحي في‬
‫أرضكم هبط ‪.‬‬
‫أيها الخليجّيون ‪ :‬ليس شرفكم زيت دفق ‪ ،‬لكن الفخر أن في دياركم رسول‬
‫صدق ‪ ،‬وبالحق نطق ‪.‬‬
‫العالم يتجه إليكم خمس مرات ‪ ،‬ليصلي إلى كعبة المسرات ‪ ،‬لقد صرتم بهذا‬
‫الحرم سادة العالمين ‪ ،‬وفي دنيا المجاد مبدعين ‪ ،‬ولجل عين تكرم ألف‬
‫عين ‪ ،‬فكونوا إخوة أجمعين ‪ ،‬ول تطيعوا الشيطان اللعين ‪.‬‬
‫**************************‬
‫مة اليمانّية‬
‫المقا َ‬
‫)) اليمان والحكمة يمانية ((‬
‫)) قبلت على جبين صنعاء ((‬

‫‪131‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫دخلنا صنعاء ‪ ،‬بعد ما قرأنا الدعاء ‪ ،‬فوجدنا صالح بن مقبول ‪ ،‬ينشد ويقول ‪:‬‬
‫نزلنا على قيسّية يمنّية‬
‫فقالت وأرخت جانب الستر بيننا‬
‫فقلت لها ‪ :‬أما رفيقي فقومه‬
‫ن‬
‫ن شّتى أّلف الدهر بيننا ‪ ...‬لها نسب في الصالحين ِ‬
‫هجا ِ‬
‫رفيقا ِ‬
‫ن‬
‫لية أرض أ ْ‬
‫م من الرجل ِ‬
‫تميم وأما أسرتي فيماني‬
‫ن‬
‫وقد يلتقي الشّتى فيأتِلفا ِ‬
‫ّ‬
‫مدية ‪ ،‬قالوا ‪:‬‬
‫فقال أهل اليمن ‪ :‬أنت من ؟ قلت النسبة أزدية ‪ ،‬والملة مح ّ‬
‫انزل غير بئيس ‪ ،‬ول تعيس ‪ ،‬فإن منكم القرني أويس ‪ ،‬قلنا كفاكم قول من‬
‫جاء بالشرائع اليمانية‪ ،‬حيث يقول ‪ :‬اليمان يمان ‪ ،‬والحكمة يمانية ‪ ،‬قالوا ‪:‬‬
‫صلى الله عليه وسلم كلما فاح ورد ‪ ،‬وثار وجد ‪ ،‬وتلي حمد ‪ ،‬وح ّ‬
‫ل سعد ‪ ،‬قلنا‬
‫كيف الحال ؟ يا معاشر القيال)‪ ، (1‬يا أهل الخطب الطوال ‪ ،‬ويا أصحاب‬
‫البديهة والرتجال ‪ ،‬ويا رواد الشعار والزجال ‪.‬‬
‫أل أيها الركب اليمانون عّرجوا‬
‫علينا فقد أضحى هوانا يمانيا ّ‬
‫ُنسائلكم هل سال نعمان بعدنا‬
‫وحب إلينا بطن نعمان واديا‬
‫وقد قيلت فيكم المدائح ‪ ،‬التي سالت بها القرائح ‪ ،‬وحفظها عنكم التأريخ ‪،‬‬
‫فوصل بها مجدكم المريخ ‪ ،‬أنسيتم ما ذكره في مدحكم الهمداني ‪ ،‬وما‬
‫سجله في مجدكم صاحب الديباج الخسرواني ‪ ،‬أليس ينسب إليكم السيف‬
‫الهندواني ‪ ،‬وسمي باسمكم ركن البيت اليماني ‪ ،‬وسهيل أحد النجوم الدواني‬
‫‪ ،‬ومنكم محدث العصر المير الصنعاني ‪ ،‬والعلمة الرباني المام الشوكاني ‪،‬‬
‫وتاج العلماء الكوكباني ‪ ،‬وسيد الولياء أبو إدريس الخولني ‪ ،‬ومفتي الديار‬
‫العلمة العمراني ‪ ،‬وابن الديبع الشيباني ‪ ،‬وشيخ الشيوخ الرياني ‪ ،‬والقاضي‬
‫أحمد الحضراني ‪ ،‬وخطيب الخطباء البيحاني ‪ ،‬وأستاذ العجاز الزنداني ‪ ،‬وقد‬
‫أثنى عليكم شيخ السلم ابن تيمية الحّراني ‪ ،‬لما شرح حديث اليمان يماني ‪،‬‬
‫جدكم ابن رجب بالفقه في المعاني ‪ ،‬وحسبكم مدح الرسول العدناني ‪،‬‬
‫وم ّ‬
‫صكم بعلم الحكمة في المثاني ‪ ،‬ومنكم شاعر الرسول صلى الله عليه‬
‫فإنه خ ّ‬
‫سان ‪ ،‬وملك العرب النعمان ‪ ،‬وخطيب الدنيا سحبان ‪ ،‬ومنكم سيف‬
‫وسلم ح ّ‬
‫ذي يزن في غمدان ‪ ،‬أما سمعت الشاعر حيث يقول ‪:‬‬
‫أل ل أحب السير إل مصاعدا ً ‪ ...‬ول البرق إل أن يكون يمانيا‬
‫فمّيز برقكم عن كل برق لنه صدق ‪ ،‬يأتي بالغيث والودق ‪ ،‬وذكر امرؤ‬
‫القيس التاجر اليمني في لميته فقال ‪:‬‬
‫ل‬
‫فألقى بصحراء العبيط بعاعه ‪ ...‬كفعل اليماني ذي العياب المح ّ‬
‫م ِ‬
‫__________‬
‫)‪ - (1‬القيال ‪ :‬اسم لملوك اليمن ‪.‬‬
‫)‪(89 /‬‬
‫منكم الوس والخزرج ‪ ،‬والملكان الحارث والعرج ‪ ،‬وعمر بن معد يكرب‬
‫المقدام المدجج ‪ ،‬ومنكم الملكة بلقيس ‪ ،‬وأسماء بنت عميس ‪ ،‬وأبو موسى‬
‫عبد الله بن قيس ‪ ،‬وعلى ألسنتكم تسيل القوافي ‪ ،‬وفي ضيافتكم تشبع‬
‫العوافي ‪ ،‬بديهتكم سريعة ‪ ،‬وذاكرتكم بديعة ‪ ،‬وفيكم الفصاحة والصباحة ‪،‬‬

‫‪132‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والسماحة والملحة ‪ ،‬ودعا لكم المعصوم فقال ‪ :‬اللهم بارك لنا في يمننا ‪،‬‬
‫وأقول ‪ :‬ووفق أهل صنعانا وعدننا ‪.‬‬
‫قال الزبيري في قصيدة الوطن ‪ ،‬يخاطب اليمن ‪:‬‬
‫مزقيني يا ريح ثم انثري ‪ ...‬أشلء جسمي في جو تلك المعاني‬
‫وزعيني على الجبال والغدران ‪ ...‬بين الحقول والغصان‬
‫صي عليهموا ما دهاني‬
‫وصلي جيرتي وأحبابي ‪ ...‬وق ّ‬
‫هل بكاني هزارها هل رثاني ‪ ...‬طيرها هل شجاه ما قد شجاني‬
‫ليت للروض مقلة فلعل الدهر ‪ ...‬يبكيه مثلما أبكاني‬
‫وقد ذكر الذهبي في النبلء ‪ ،‬في سيرة همام بن منبه أحد العلماء ‪ ،‬أن رجل ً‬
‫من قريش ‪ ،‬صاحب سفاهة وطيش ‪ ،‬قال لحد أهل اليمن ‪ ،‬وكان اليمني ثقة‬
‫مؤتمن ‪ :‬ما فعلت عجوزكم قال ‪ :‬عجوزنا بلقيس أسلمت مع سليمان لله‬
‫مالة الحطب دخلت النار مع الداخلين ‪،‬‬
‫رب العالمين ‪ ،‬وعجوزكم يا قرشي ح ّ‬
‫فغلب القرشي وأفحمه ‪ ،‬وفي كل كرب أقحمه ‪ .‬والمتنبي شاعر المعاني ‪،‬‬
‫أثنى على السيف اليماني ‪ ،‬فقال في نونية رائعة ‪ ،‬وفي قصيدة ذائعة ‪:‬‬
‫فه‬
‫ب فارق السيف ك ّ‬
‫برغم شبي ٍ‬
‫ن‬
‫وكانا على العلت يصطحبا ِ‬
‫كأن رقاب الناس قالت لكفه‬
‫ي وأنت يماني‬
‫رفيقك قيس ّ‬
‫وذكروني بشاعر معاصر وإليه ردوني ‪ ،‬أعني به شاعركم عبد الله البردوني ‪،‬‬
‫حيث يقول مخاطبا ً الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪: -‬‬
‫نحن اليمانين يا طه تطير بنا‬
‫إلى روابي العل أرواح أنصاِر‬
‫إذا تذكرت عمارا ً وسيرته‬
‫فافخر بنا أننا أحفاد عماِر‬
‫وقد رفعتم رؤوس العرب ‪ ،‬لما انتصر سيف بن ذي يزن وغلب ‪ ،‬على أبرهة‬
‫حامل الكذب ‪ ،‬فزارتكم الوفود بما فيهم عبد المطلب ‪ ،‬فأشاد بكم أمية بن‬
‫أبي الصلت في لمية عصماء ‪ ،‬أبهى من نجوم السماء يقول ‪:‬‬
‫اجلس برفق عليك التاج مرتفعا ً‬
‫تلك المكارم ل قبعان من لبن ‪ ...‬بقصر غمدان دار منك محلل‬
‫شيبا بماء فعادا ب َعْد ُ أبو ال‬
‫وأطعتم معاذ بن جبل ‪ ،‬ورفعتموه في المحل الجل ‪ ،‬ونصرتم علي بن أبي‬
‫طالب ‪ ،‬صاحب المناقب والمواهب ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫ولو كنت بواًبا على باب جنةٍ ‪ ...‬لقلت لهمدان ادخلوا بسلم ٍ‬
‫وقتلتم الكذاب السود العنسي ‪ ،‬فصار في التأريخ المنسي ‪ ،‬ومنكم المقدام‬
‫ضاح ‪ ،‬الذي‬
‫يوم القادسية ‪ ،‬الذي سحق الجموع الفارسية ‪ ،‬ومنكم الشاعر و ّ‬
‫ً‬
‫هّز بشعره الرواح ‪ ،‬وأنتم أرق المة قلوبا ً ‪ ،‬وأقلها عيوبا ً ‪ ،‬وأطهرها جنوبا ‪،‬‬
‫وفيكم سكينة ووقار ‪ ،‬وفقه واعتبار ‪ ،‬ومنكم أولياء وأبرار ‪ ،‬وكفاكم أن منكم‬
‫النصار ‪ ،‬مع تواضع فيكم وانكسار ‪ ،‬ومنكم مؤلف الزهار ‪ ،‬وصاحب السيل‬
‫الجّرار ‪ ،‬ومدبج الغطمطم التّيار ‪ ،‬ومنكم المحقق الشهير ‪ ،‬والمجتهد الكبير ‪،‬‬
‫أعني ابن الوزير ‪ ،‬صاحب العواصم والقواصم والروض الباسم ‪ ،‬خطيبكم إذا‬
‫تكلم بز الخطباء ‪ ،‬وأسرها وسحرها فإما من ّا ً بعد وإما فداء ‪ ،‬وشاعركم إذا‬
‫حضر غلب الشعراء ‪ ،‬وصارت أفئدتهم من الذهول هواء ‪ ،‬الضاد بأرضكم‬
‫ميلدها ‪ ،‬والعروبة عندكم أولدها ‪ ،‬والحميرّية أنتم أحفادها ‪ ،‬أما قال الشاعر ‪:‬‬
‫يمنّيون غير أّنا حفاة‬
‫‪133‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قد روينا المجاد جيل ً فجيل ً ‪ ...‬قد وطئنا تيجان كسرى وقيصْر‬
‫جدنا صاحب الحضارات حميْر‬
‫عندكم الجبال ‪ ،‬والجمال ‪ ،‬والسحر الحلل ‪ ،‬والبلغة في القوال ‪ ،‬مع سلمة‬
‫صدور ‪ ،‬وبعد عن الكبر والغرور ‪ ،‬وخفة أرواح ‪ ،‬ودعابة ومزاح ‪ ،‬وقدرة على‬
‫الحفظ ‪ ،‬وسبك اللفظ ‪ ،‬وجودة خاطر ‪ ،‬بكل لذيذ عاطر ‪ ،‬مع بسمة‬
‫وبشاشة ‪ ،‬ونفوس بالحب جّياشة ‪ ،‬عانقت جبالكم السحاب ‪ ،‬واحتضن‬
‫شجركم الضباب ‪ ،‬وقبل ريحانكم التراب ونادت غدرانكم ‪ :‬اركض برجلك هذا‬
‫مغتسل بارد وشراب ‪ ،‬كأن ب ُّنكم إذا مزج بالهيل ‪ ،‬وخلط بالزنجبيل ‪ ،‬فيض‬
‫من السلسبيل ‪ ،‬كأنه يقول للشاربين ‪ ،‬جئتكم من سبإ ٍ بنبإ ٍ يقين ‪ ،‬وبأرضكم‬
‫القحوان ‪ ،‬يضاحك الريحان ‪ ،‬وبلبل البستان ‪ ،‬كأنه يتكلم بلسان ‪ ،‬في كل‬
‫صباح يصيح ‪ ،‬كأنه خطيب فصيح ‪ ،‬من دخل روضكم ظن أنه في إيوان‬
‫كسرى‪ ،‬يسري به النسيم فسبحان من أسرى ‪:‬‬
‫أرض ثراها لؤلؤ وترابها‬
‫ر‬
‫يتلو بها القمري آيات الهوى ‪ ...‬مسك وطينة أرضها من عنب ِ‬
‫ر‬
‫والطير بين مسبح ومكب ِ‬
‫جمان ‪ ،‬ولو سار بأرضها سليمان ‪ ،‬لسار بترجمان ‪،‬‬
‫ط َْلع الزهر بها كأنه ُ‬
‫تباكرها الصبا الشمالية ‪ ،‬ل شرقية ول غربية ‪ ،‬فيا أنصار الرسالة في قديم‬
‫الزمان ‪ ،‬أنتم أنصارها الن ‪ ،‬فعضوا على التوحيد بالنواجذ ‪ ،‬فأنتم البطال‬
‫الجهابذ ‪ ،‬وانصروا سنة المختار ‪ ،‬في تلك الديار‪ ،‬وانهجوا نهج السلف ‪ ،‬فإنكم‬
‫َ‬
‫ه فما ظلم ‪ ،‬ففيكم علماء‬
‫نعم الخلف ‪ ،‬وارفعوا للملة العلم‪ ،‬فمن يشابه أب َ ُ‬
‫وعباد ‪ ،‬ولكم نوافل وأوراد ‪ ،‬وتدّين ُ‬
‫ت في‬
‫كم سريع ‪ ،‬وفهمكم بديع ‪ ،‬وقد قل ُ‬
‫صنعاء ‪ ،‬من قصيدة لي تحمل الحب والوفاء ‪.‬‬
‫ك الشعار والكتبا‬
‫صنعاَء صغنا ل ِ‬
‫والكتبا‬
‫ك الوفاء فل تبدي لنا العتبا‬
‫ل ِ‬
‫ك قتلى الحب قد صرعوا‬
‫على جفون ِ‬
‫حتى الذين بقوا قتلى ومن ذهبا‬
‫)‪(90 /‬‬
‫ك أغنية‬
‫رواية السحر في عيني ِ‬
‫ضاح قد سكبا‬
‫ك الو ّ‬
‫والحسن في وجه ِ‬
‫ليت الهوى ترك الرواح سالمة‬
‫فهو الذي رد باللحاظ ما وهبا‬
‫ه‬
‫ت تبكين يا صنعاء من ول ٍ‬
‫إن كن ِ‬
‫سحبا‬
‫فقد سكبنا علي ِ‬
‫ك الغيث وال ّ‬
‫ت مما تفعلين بنا‬
‫استغفري أن ِ‬
‫هذا الجمال اليماني يقتل العربا‬
‫ولما تقدم الجيش البريطاني ‪ ،‬يريد احتلل أوطاني ‪ ،‬في بلد جيراني وإخواني‬
‫‪ ،‬صاح الشاعر الرياني ‪ ،‬في الشعب اليماني ‪ ،‬مخاطبا ً جيش الغزاة الذي‬
‫خدعته الماني ‪:‬‬
‫ً‬
‫يا بريطانيا رويدا رويدا‬
‫إن بطش الله أهلك فرعو‬
‫ل تظنوا هدم المدائن يودي‬

‫‪134‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إن تبيدوا من البيوت بطيارا‬
‫فلنا في الجبال تلك بيوت‬
‫فالنزال النزال إن كنتموا ممن‬
‫لتروا من يبيت مّنا ومنكم‬
‫أفترجوا انكلترا في بلد الله ‪ ...‬إن بطش الله كان شديدا‬
‫ن وعادا ً من قبلكم وثمودا‬
‫عزمنا أو يلين بأسا ً صليدا‬
‫تكم ما غدا لدنيا مشيدا‬
‫نحتتها أجدادنا لن تبيدا‬
‫لدى الحرب ل يخاف البنودا‬
‫موثقا ً عند خصمه مصفودا‬
‫أرضا ً وموطنا ً وخلودا‬
‫كذبت والله ما كان حتى‬
‫بعد أن تسفك الدماء على الرض‬
‫ما خضعنا للترك مع قربهم في‬
‫ش‬
‫وهم في النام أشجع جي ٍ‬
‫يا بني قومنا سراعا ً إلى الموت‬
‫والبسوا حلة من الكفن الغالي‬
‫سارعوا سارعوا إلى جنة قد ‪ ...‬نمل الرض والسماء جنودا‬
‫وتروي سهولها والنجودا‬
‫الدين منا فكيف نرضى البعيدا‬
‫فاسألوهم قد صادفونا أسودا‬
‫فقد فاز من يموت شهيدا‬
‫وبيعوا الحياة بيعا ً مجيدا‬
‫فاز من جاءها سعيدا ً شهيدا‬
‫سلم على شوكان ‪ ،‬ورحمة الله على إريان ‪ ،‬وبركاته على كوكبان ‪ ،‬ومغفرة‬
‫على عمران وتحياته على خولن وفضله على همدان ‪ .‬لن التفسير الصحيح‬
‫شوكاني ‪ ،‬والشعر المليح إرياني ‪ ،‬والخطاب الفصيح كوكباني ‪ .‬والعقل‬
‫الرجيح عمراني ‪ ،‬والوجه الصبيح خولني ‪ ،‬والكف السميح همداني ‪.‬‬
‫وصرف الله النقم ‪ ،‬عن جبل ُنقم ‪ ،‬لنه أنتج لنا ابن الوزير ‪ ،‬صاحب التحبير‬
‫والتحرير ‪.‬‬
‫شكرا ً لتلك الرض لو أن الدما‬
‫تسقى بها الوطان أسقيناها‬
‫دقوا بالرسالة ‪ ،‬وأظهروا البسالة ‪ ،‬وأكرموا‬
‫اليمن مشتق من اليمان لنهم ص ّ‬
‫رسول الرسول ‪ ،‬وقابلوه بالقبول ‪ ،‬وجمعوا بين المعقول والمنقول ‪.‬‬
‫من لنه كان ميمونا ً بجنوده ‪ ،‬معينا ً بحشوده ‪.‬‬
‫واليمن مشتق من الي ُ ْ‬
‫واليمن مشتق من المانة لن أهلها رجاله فدوا الملة بالنفوس ‪ ،‬وقدموا‬
‫للشريعة الرؤوس ‪:‬‬
‫أمة أمهرت المجد النفوسا‬
‫بذلت للدعوة الكبرى الرؤوسا‬
‫واليمن مشتق من اليمين ‪ ،‬فهم ميمنة كتائب الجهاد ‪ ،‬ساعة الجلد ‪،‬‬
‫بالسيوف الحداد ‪:‬‬
‫ة‬
‫على الميامن تلقانا جحاجح ً‬
‫بعنا من الله أروحا ً وأبدانا‬
‫‪135‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إذا رأيت من ينتقص اليمن فاعلم أنه يستحق التوبيخ ‪ ،‬لنه يجهل أبجدّيات‬
‫التأريخ ‪.‬‬
‫روى الطبراني ‪ ،‬عن الرسول العدناني ‪ ،‬في مدح المدد اليماني ‪ :‬إن نفس)‬
‫‪ (1‬ربكم من اليمن ‪ ،‬لنهم أهل نجدة وفطن ‪ .‬اليمن بلد القيال ‪ ،‬والجبال ‪،‬‬
‫والجمال ‪ ،‬والجلل ‪.‬‬
‫دت الغزاة‬
‫فالقيال ‪ :‬طردوا الحابيش ‪ ،‬وهزموا كل جيش ‪ .‬والجبال ‪ :‬ص ّ‬
‫مرت النجليز الكاذبين ‪ .‬والجمال ‪ :‬رسائل سحر من الطبيعة ‪،‬‬
‫المحاربين ‪ ،‬ود ّ‬
‫وة ‪ .‬تعاَنق في‬
‫في حجاب الشريعة ‪ .‬والجلل ‪ :‬إيمان في قوة ‪ ،‬وعلم مع فت ّ‬
‫اليمن التأريخ والجغرافيا ‪ ،‬عناقا ً كافيا ً شافيا ‪ ،‬وتصافح بها الفقه والحديث ‪،‬‬
‫والقديم والحديث ‪.‬‬
‫إذا سال على حدائق الزهار ‪ ،‬السيل الجرار ‪ ،‬ظهر لك أهل التقليد وحملة‬
‫الثار ‪ ،‬وإذا أردت الدليل ‪ ،‬على فضل هذا البلد الجليل ‪ ،‬فعليك بالكليل ‪.‬‬
‫واعلم أنني ما أسرفت في المديح بل قصرت ‪ ،‬وما طولت في الثناء بل‬
‫اختصرت ‪ ،‬وكفى لهل اليمن مدح المصطفى ‪ ،‬وإنما أردنا أن نكتب في‬
‫ديوان الوفاء ‪ ،‬وفي سجل الصفاء ‪ ،،‬وقد قال الشاعر يفتخر بكم ‪:‬‬
‫نحن وجه الشمس إيمان وقوة ‪ ...‬نسب حر ومجد وفتوة‬
‫َ‬
‫وة‬
‫كر ُ‬
‫ب عمي وقحطان أبي ‪ ...‬وهبوا لي المجد من تلك الب ّ‬
‫وة‬
‫والسيوف البيض في وجه الدجى ‪ ...‬يوم ضرب الهام من دون النب ّ‬
‫يا صنعاء نريد منك جيل ً ربانيا ً ‪ ،‬وشبابا ً محمدي ّا ً ‪ ،‬وعزما ً يمانيا ً ‪ ،‬وشكرا ً يا عدن‬
‫‪ ،‬على ترحابك بأتباع النبي المين ‪ ،‬وطردك لعبيد لينين ‪ ،‬واذناب استالين ‪،‬‬
‫لن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ‪.‬‬
‫سّلم على الدار من شجو ومن شجن‬
‫ن‬
‫وانظر إلى الروض من سحر ومن حس ِ‬
‫يا لوحة نسخت فيها مدامعنا‬
‫ن‬
‫قلبي بروعة هذا الوجد في اليم ِ‬
‫وما كتبت هذه المقامة ‪ ،‬حتى طالعت كتب القوم في الجبال وتهامة ‪ ،‬فقرأت‬
‫كتب ابن الوزير ‪ ،‬وكتاب رياح التغيير ‪ ،‬وسامرت كل مرجع ‪ ،‬وراجعت تأريخ‬
‫الكوع ‪ ،‬ورافقت كتاب البدر الطالع ‪ ،‬فإذا هو جامع مانع ‪ ،‬وأّلف أحد‬
‫المستشرقين كتاب اليمن من الباب الخلفي ‪ ،‬وفيه ما يكفي ويشفي ‪ ،‬وقد‬
‫نظم الشعراء في اليمن إلياذات ‪ ،‬وكتبت على القلوب من حبها أبيات ‪ ،‬ولهم‬
‫في هذا القطر مؤلفات ومصنفات ‪ ،‬ومن لطف أهل اليمن تسميتهم لشجرة‬
‫البن لن فيها بناء مودات ‪.‬‬
‫وتسميتهم القات ‪ ،‬لنها تذهب الوقات ‪ ،‬وتأكل القوات ‪.‬‬
‫__________‬
‫دة ‪.‬‬
‫)‪ - (1‬معناه ال َ‬
‫فَرج من الله بعد الش ّ‬
‫)‪(91 /‬‬
‫واليمن مورد عذب ‪ ،‬وميدان رحب ‪ ،‬فالقومي باليمن يفخر ‪ ،‬لنها بلد الجد‬
‫حمير ‪ ،‬والمؤرخ يتشجع ‪ ،‬لنه عثر على موطن تبع ‪ ،‬وصاحب الثار له من‬
‫اليمن أمداد ‪ ،‬لن فيها إرم ذات العماد ‪ ،‬التي لم يخلق مثلها في البلد ‪،‬‬
‫ن ‪ ،‬فاحفظ‬
‫وحملة القرآن ‪ ،‬لهم ميل إلى تلك الوطان ‪ ،‬لن اليمان يما ِ‬
‫أخبارهم ‪ ،‬وردد أشعارهم ‪ ،‬واكتب إنشاءهم ‪ ،‬ول تبخس الناس أشياءهم ‪.‬‬
‫واعلم أن اليمن أهدت لسليمان بلقيس بالكرسي ‪ ،‬وقتلت السود العنسي ‪،‬‬

‫‪136‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وألبست العروبة المنن ‪ ،‬بسيف ذي يزن ‪ ،‬حتى زاره عبد المطلب ‪ ،‬نيابة عن‬
‫العرب ‪ ،‬فبشره بالنبي المرتقب ‪ ،‬وأعلى منزله كما يجب ‪.‬‬
‫وألفت اليمن في الصول ‪ ،‬إرشاد الفحول ‪ ،‬وفي التفسير ‪ ،‬فتح القدير ‪ ،‬وفي‬
‫سنة أبي القاسم ‪ ،‬الروض الباسم ‪ ،‬وفي فن الطلب ‪ ،‬نيل الرب ‪ ،‬وفي‬
‫الحكام ‪ ،‬سبل السلم‪ ،‬وفي فقه الثار ‪ ،‬نيل الوطار ‪ ،‬وتاج العروس أصله‬
‫من زبيد ‪ ،‬وعندهم كل عالم مفيد ‪ ،‬وشاعر مجيد ‪ .‬وقد أغناهم الله بالحديث‬
‫عن فلسفة اليونان ‪ ،‬وبالفقه عن كلم مبتدعة خراسان ‪ ،‬وبالتفسير عن‬
‫خيالت فارس وملكهم ساسان ‪ ،‬وهم من أكثر العباد خشوعا ً ‪ ،‬ومن أغزرهم‬
‫دموعا ً ‪ ،‬وليسوا بعباد درهم ‪ ،‬وليس من أرضهم الجعد بن درهم ‪ ،‬ولم يدخل‬
‫ديارهم الجهم بن صفوان ‪ ،‬بل أهدوا للسنة طاووس بن كيسان ‪ ،‬وكان العلم‬
‫يطلب من أوطانهم سنينا ‪ ،‬وقد سلموا من غلطات الفارابي وابن سينا ‪.‬‬
‫ولله تاريخهم ما أحسنه ‪ ،‬لن هناك لين القلوب وصدق اللسنة ‪ ،‬وشجرة‬
‫مجدهم ل تنبت إل على النهار الشرعية ‪ ،‬ولذلك اجتثوا من بلدهم جرثومة‬
‫الشيوعية ‪ ،‬لنهم موحدون ل ملحدون ‪ ،‬فهم بلد اليمان والنفاق ‪ ،‬ل بلد‬
‫الرفاق والنفاق ‪ ،‬فيا حمام بلغهم منا السلم ‪ ،‬وقل إلى المام ‪ ،‬والصلة‬
‫والسلم على صفوة النام ‪ ،‬وآله وصحبه الكرام ‪.‬‬
‫وقبل الوداع ‪ ،‬أطرق السماع بمقطوعة فاتنة وأبيات ساخنة لشاعركم محمد‬
‫محمود الزبيري يخاطب فيها اليمن يقول ‪:‬‬
‫الشاعرية في روائع سحرها ‪ ...‬أنت الذي سويتها وصنعتها‬
‫مالي بها جهد فأنت نسجتها ‪ ...‬ونشرتها بين الورى وأذعتها‬
‫أنت الذي بسناك قد عطرتها ‪ ...‬وكتبتها في مهجتي واشعتها‬
‫ابعدتني عن امة أنا صوتها ‪ ...‬العالي فلو ضيعتني ضيعتها‬
‫ما قال قومي آه إل جئتني ‪ ...‬وصهرت أحشائي بها ولسعتها‬
‫عذبتني وصهرتني ليقول عنك ‪ ...‬الناس هذى آية أبدعتها‬
‫والسلم عليكم ورحمة الله وبركاُته‬
‫********************************‬
‫مة المصرّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مةٍ كاُنوا‬
‫م َ‬
‫جّنا ٍ‬
‫م ت ََركوا ِ‬
‫ن َ‬
‫ريم ٍ )‪ (26‬وَن َعْ َ‬
‫ن )‪ (25‬وَُزُروٍع وَ َ‬
‫} كَ ْ‬
‫ت وَعُُيو ٍ‬
‫م ْ‬
‫قام ٍ ك ِ‬
‫ن{‬
‫ِفيَها َفاك ِِهي َ‬
‫يا مصر كل حديث كنت أحفظه‬
‫جرت دموعي على أعتاب داركمو ‪ ...‬نسيته عند أهل التل والداِر‬
‫يا مصر كل الهوى في نيلك الجاِر‬
‫ت أم الحضارة‬
‫ت كوكبة العصر ‪ ،‬وكتيبة النصر ‪ ،‬وإيوان القصر ‪ ،‬أن ِ‬
‫يا مصر ‪ ،‬أن ِ‬
‫‪ ،‬ورائدة المهارة ‪ ،‬ومنطلق الجدارة ‪ ،‬وبيت المارة ‪ ،‬ومقر السفارة ‪ ،‬ومهبط‬
‫الوزارة ‪.‬‬
‫ك السلم ‪ ،‬قبل وقفة الحترام ‪،‬‬
‫من أين نبدأ يا مصر الكلم ‪ ،‬وكيف نلقي علي ِ‬
‫ك اليام ‪ ،‬والعلم ‪ ،‬والقلم ‪ ،‬والعوام ‪.‬‬
‫لن في عيني ِ‬
‫ك شجاه ما شجاه ‪،‬‬
‫يا مصر أن ِ‬
‫ت صاحبة القبول والجاه ‪ ،‬كم من قلب في ِ‬
‫ونحن جئنا ببضاعة مزجاة ‪.‬‬
‫سارت إلى مصر أحلمي وأشواقي‬
‫وه ّ‬
‫ل دمعي فصرت الشارب الساقي‬
‫وفي ضلوعي أحاديث مرتلة‬
‫ومصر غاية آمالي وترياقي‬
‫يا ركب المحبين أينما حللتم وارتحلتم ‪ ،‬وذهبتم وأقبلتم ‪ ،‬اهبطوا مصر فإن‬
‫‪137‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لكم ما سألتم ‪ .‬يا أرض العز ‪ ،‬يا قاهرة المعز ‪ ،‬يا بلد الِعلم والقطن والبز ‪.‬‬
‫ك أرض والجمال سقف ‪،‬‬
‫ك يا أرض النيل ‪ ،‬ويا أم الجيل ‪ ،‬الحب ل ِ‬
‫سلم علي ِ‬
‫ك وقف ‪ ،‬ويا داخل مصر منك ألف ‪ ،‬ما أحسن الجفن والجيد والكف‬
‫والمجد ل ِ‬
‫‪ ،‬التقى الطيب والكافور في مصر ‪ ،‬لما التقى أبو الطيب وكافور في القصر ‪،‬‬
‫قبل أن يدخل جوهر الصقلي مصر كان عبدا ً مملوكا ً ‪ ،‬فلما دخلها صار يحكم‬
‫ملوكا ً ‪.‬‬
‫أرض إذا ما جئتها متقلبا ً‬
‫في محنة ردتك شهما ً سّيدا ً‬
‫وإذا دهاك الهم قبل دخولها‬
‫فدخلتها صافحت سعدا ً سرمدا ً‬
‫قل للخيار المكرمين ‪ ،‬الوافدين إليها مغرمين ‪ ،‬والقادمين عليها مسلمين ‪،‬‬
‫ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ‪.‬‬
‫في مصر تعانقت القلوب ‪ ،‬وتصافح المحب والمحبوب ‪ ،‬والتقى يوسف‬
‫بيعقوب ‪ ،‬فصفق الدهر ليوسف منشدا ً ‪ ،‬وغنى الزمان له مغّردا ً ‪ ،‬وخروا له‬
‫سجدا ً ‪.‬‬
‫في مصر ترعرع الشعر ‪ ،‬وسال القلم البليغ بالسحر ‪ ،‬فكان الفضاء لكتاب‬
‫مصر صفحة بيضاء ‪ ،‬يكتب كل ما يشاء ‪ ،‬فصارت العقول في ذهول ‪ ،‬من‬
‫روعة المنقول والمعقول ‪ ،‬وأذعنت القلوب في قبول ‪ ،‬ترحب بالشاعر‬
‫المصقع ‪ ،‬والقلم المبدع ‪ ،‬والرأي المقنع ‪.‬‬
‫دخلنا مصر والشواق تتلى‬
‫جمال يسلب اللباب حتى ‪ ...‬وكل الرض أنسام وط ُ‬
‫ل‬
‫كأن القتل فيها يستح ّ‬
‫ل‬
‫في مصر القافية السائرة ‪ ،‬والجملة الساحرة ‪ ،‬والمقالة السرة ‪ ،‬والفكرة‬
‫العاطرة ‪ ،‬عالم من الجنود ‪ ،‬والبنود ‪ ،‬والوفود ‪.‬‬
‫دنيا للقادة ‪ ،‬والسادة أهل الفادة ‪ ،‬والجادة ‪ ،‬والرفادة ‪ ،‬ديوان للكتاب ‪،‬‬
‫والحساب ‪ ،‬والصحاب ‪ ،‬والحباب ‪.‬‬
‫)‪(92 /‬‬
‫محراب للعباد ‪ ،‬والزهاد ‪ ،‬والمجاد ‪ ،‬والرواد ‪ ،‬علماء ‪،‬وحكماء ‪ ،‬وكرماء ‪،‬‬
‫وحلماء وشعراء ‪ ،‬وأدباء ‪ ،‬وأطباء ‪ ،‬وخطباء ‪ ،‬ونجباء ‪ ،‬وأذكياء ‪ ،‬وأولياء ‪،‬‬
‫وأصفياء ‪ ،‬وأوفياء ‪.‬‬
‫هنا الدهر يكتب من ذكرياته فنونا ً ‪ ،‬هنا التأريخ يبث من صدره شجونا ً ‪ ،‬هنا‬
‫الجمال يسكب من إنائه فنونا ً ‪ ،‬هنا خطا الزمان تتسارع ‪ ،‬والحضارات تتصارع‬
‫‪ ،‬والهرام تقص علينا خبر اليام ‪ ،‬وأحاديث القوام ‪ ،‬وما فعلته العوام ‪:‬‬
‫أين الذي الهََرمان من بنيانه‬
‫تتخلف الثار عن أصحابها ‪ ...‬ما يومه ما ذِ ْ‬
‫كره ما المصرعُ‬
‫ع‬
‫يوما ً ويدركها الفناء فتتب ُ‬
‫هنا سحق الطغيان ‪ ،‬ومزق جنود الشيطان ‪ ،‬ودمر فرعون وهامان ‪ ،‬وأحرقت‬
‫وثيقة الزور والبهتان ‪ ،‬وارتفعت ملة الرحمان ‪.‬‬
‫هنا عمرو بن العاص ‪ ،‬رحب به العوام والخواص ‪ ،‬وفر الظلم في قدومه‬
‫وغاص ‪ ،‬هنا تكتب الدموع على الخدود رسائل الموات إلى الحياء ‪ ،‬وخطاب‬
‫الرض المفتوح إلى السماء ‪ ،‬وهنا تلتقي الظلماء والضياء ‪ ،‬والظمأ والماء ‪،‬‬
‫والصفاء والوفاء ‪ ،‬ويتعانق الضحك والبكاء ‪ ،‬والفراق واللقاء ‪ ،‬لتصبح الحياة‬

‫‪138‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في مصر مهرجانا ً للف الصور والمشاهد ‪ ،‬والذكريات مساجد ‪ ،‬ومعابد ‪،‬‬
‫ومعاهد ‪ ،‬وجامعات ‪ ،‬وكليات ‪ ،‬وشركات ‪ ،‬وأمسيات ‪ ،‬ومحاضرات ‪ ،‬وندوات ‪،‬‬
‫ولقاءات ‪ ،‬ومحاورات ‪ ،‬ومعاهدات ‪.‬‬
‫دار هي الرض إل أنها بلد‬
‫فيها الزمان وفيها الشمس والقمُر‬
‫مع الدهر في أرجائها جذل ً‬
‫تج ّ‬
‫والغيث داعبها والنهر والشجُر‬
‫صباح الخير يا أرض الكنانة ‪ ،‬وناصرة الديانة ‪ ،‬وحاملة التأريخ بأمانة ‪،‬‬
‫وحافظة عهد السلم في صيانة ‪ ،‬وراعية الجمال في رزانة ‪ .‬أدب خ ّ‬
‫لب ‪،‬‬
‫وجمال س ّ‬
‫لب ‪ ،‬وسحر ج ّ‬
‫ن عذاب ‪،‬‬
‫ذاب ‪ ،‬وذكاء وّثاب ‪ ،‬وظل مستطاب ‪ ،‬وأما ٍ‬
‫نهر يتدّفق ‪ ،‬وحسن يترّفق ‪ ،‬ودموع تترقرق ‪ ،‬وزهور تتفتق ‪ ،‬وأكمام تتشقق ‪،‬‬
‫ومقاصد تتحقق ‪ ،‬وجد السلم فيكم يا أهل مصر أعياَده ‪ ،‬كنتم يوم الفتوح‬
‫أجناده ‪ ،‬وكنتم مدده عام الرمادة ‪ ،‬وأحرقتم العدوان الثلثي وأسياده ‪،‬‬
‫وحطمتم خط بارليف وعتاده ‪ ،‬وكنتم يوم العبور آساده وقواده ‪ .‬فتفضلوا‬
‫الشكر والشادة ‪ ،‬وخذوا من القلب حبه ووداده ‪:‬‬
‫دنا به ‪ ...‬فاسألوا كيف دفعنا الثمنا‬
‫ج ْ‬
‫ثمن المجد دم ُ‬
‫منكم أمير الشعراء ‪ ،‬وكبير البلغاء ‪ ،‬وشيخ الفصحاء ‪ ،‬وسيد الخطباء ‪ ،‬وأستاذ‬
‫النجباء ‪ ،‬وأكبر الطباء ‪ .‬يسلك العقل في مصر سبيله ‪ ،‬ويحفظ الفؤاد من‬
‫مصر نيله ‪ ،‬وتعيد الذاكرة في مصر قصة ألف ليلة وليلة ‪.‬‬
‫في مصر لطف الهواء ‪ ،‬وطيب الغذاء ‪ ،‬ونفع الدواء ‪ ،‬وصفاء الماء ‪.‬‬
‫النيل مائي وفي أرض الكنانة ما‬
‫ن‬
‫فيها الحضارة والمجاد ماثلة ‪ ...‬يشجي من الحب والشواق تزدا ُ‬
‫ن‬
‫علم وفهم وإسلم وإيما ُ‬
‫سلم على مصر في الخرين ‪ ،‬لنها كانت خزانة المسلمين ‪ ،‬ومدد المجاهدين‬
‫‪ ،‬وسلة الخبز للجائعين ‪ ،‬ومقبرة المستعمرين ‪ ،‬أهلك الله أعداءها ثم قال ‪:‬‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ن{‪.‬‬
‫م ال ّ‬
‫كاُنوا ُ‬
‫ض وَ َ‬
‫س َ‬
‫ت عَل َي ْهِ ْ‬
‫ما ب َك َ ْ‬
‫} فَ َ‬
‫ماُء َوالْر ُ‬
‫ري َ‬
‫منظ َ ِ‬
‫ك في‬
‫بورك ِ‬
‫ت يا أرض السنابل ‪ ،‬ويا روض الجداول ‪ ،‬ويا بلد الخمائل ‪ ،‬ل ِ‬
‫قلوبنا من الحب رسائل ‪ ،‬ومن الود مسائل ‪:‬‬
‫من لقلب حل جرعاء الحمى‬
‫ي‬
‫ضاع مني هل له رد ّ عل ّ‬
‫فاسألوا سكان مصر إنه‬
‫ي‬
‫حل فيهم فليعد طوعا ً إل ّ‬
‫لله أنت يا مصر ‪ ،‬ب َُنوك أهل سعة في الحفظ ‪ ،‬وفصاحة في اللفظ ‪ ،‬منهم‬
‫سادات القّراء ‪ ،‬وأئمة الفقهاء ‪.‬‬
‫إذا قرأ منهم القاريء كلم الباري ‪ ،‬تكاد تميد السواري ‪ ،‬وينسكب مع ندى‬
‫صوته الدمع الجاري ‪.‬‬
‫وإذا خطب فيهم الخطيب ‪ ،‬بذاك الكلم العجيب ‪ ،‬سمعت البكاء والنحيب ‪.‬‬
‫مصر بلد الحديث المحّبر ‪ ،‬والحرف المسطر ‪ ،‬والروض المعطر ‪.‬‬
‫سقاها الله الغيث المدرار ‪ ،‬وحماها من الخطار ‪ ،‬وصانها من لوثة الشرار ‪.‬‬
‫مة الدمشقية‬
‫المقا َ‬
‫)) ودمع ل يكفكف يا دمشق ((‬
‫قمر دمشقي يسافر في دمي‬
‫الحب يبدؤ من دمشق فأهله‬
‫والماء يبدؤ من دمشق فأينما‬
‫‪139‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ودمشق تهدي للعروبة لونها ‪ ...‬وسنابل وخمائل وقباب‬
‫عشقوا الجمال وذوبوه وذابوا‬
‫ت رأسك جدول ينساب‬
‫أ ْ‬
‫سَند َ‬
‫وببابها تتشك ّ‬
‫ل الحزاب‬
‫م عليك يا أرض شيخ السلم ‪ ،‬ورحمة الملك الع ّ‬
‫لم ‪ ،‬أيها الحضور‬
‫السل ُ‬
‫الكرام ‪ ،‬في دمشق الشام ‪.‬‬
‫يا دمشق ماذا تكتب القلم ‪ ،‬وكيف يرتب الكلم ‪ ،‬وماذا نقول في البداية‬
‫والختام‪.‬‬
‫في دمشق الذكريات العلمية ‪ ،‬والوقفات السلمية ‪ ،‬والمآثر الموّية ‪ .‬وفيها‬
‫يرقد ابن تيمية ‪ ،‬وابن قيم الجوزية ‪ .‬وفي دمشق حلقات الحنفية والمالكية‬
‫والشافعية والحنبلية ‪.‬‬
‫يحق لحسان أن ينوح على تلك الوطان ‪ ،‬ويسكب عليها الشجان ‪.‬‬
‫لله در عصابة نادمتهم‬
‫ً‬
‫أبناء جفنة حول قبر أبيهم ‪ ...‬يوما يحلق في الزمان الول‬
‫قبر ابن مارية الكريم المفضل‬
‫تذكرك دمشق بمعاوية بن أبي سفيان ‪ ،‬وعبد الملك بن مروان ‪ ،‬وبني‬
‫غسان ‪ ،‬والشعر والبيان ‪ ،‬والمجالس الحسان ‪ .‬دمشق سماء زرقاء ‪ ،‬وروضة‬
‫خضراء ‪ ،‬وقصيدة عصماء ‪ ،‬وظل وماء ‪ ،‬وعلو وسناء ‪ ،‬وهمة شماء ‪ .‬ما أبقى‬
‫لنا الشوق بقية ‪ ،‬لما سمعنا تلك القصيدة الشوقية ‪ ،‬في الروابي الدمشقية ‪.‬‬
‫سلم من صبا بردى أرق‬
‫ومعذرة اليراعة والقوافي‬
‫)‪(93 /‬‬
‫دخلتك والصيل له ائتلق ‪ ...‬ودمع ل يكفكف يا دمشق‬
‫جلل الرزء عن وصف يدق‬
‫ومل رباك أوراق ووُْرق‬
‫في دمشق أكباد تخفق ‪ ،‬وأوراق تصفق ‪ ،‬ونهر يتدفق ‪ ،‬ودمع يترقرق ‪ ،‬وزهر‬
‫يتشقق‬
‫دخلنا دمشق فاتحين ‪ ،‬وصعدنا رباها مسبحين ‪ .‬فدمشق في ضمائرنا كل‬
‫حين ‪ .‬وهي غنية عن مدح المادحين ‪ .‬ول يضرها قدح القادحين ‪.‬‬
‫آه يا دمشق كم في ثراك من عابد ‪ ،‬كم في جوفك من زاهد ‪ ،‬كم في بطنك‬
‫من مجاهد ‪ ،‬كم في حشاك من ساجد ‪ .‬أنت يا دمشق سفر خلود ‪ ،‬وبيت‬
‫جود ‪ ،‬منك تهب الجنود ‪ ،‬وتحمل البنود ‪ .‬يصنع على ثراك الحرار ‪ ،‬ويسحق‬
‫على ترابك الستعمار ‪ ،‬ويحبك يا دمشق الخيار ‪ .‬فأنت نعم الدار ‪ .‬تقطع‬
‫إليك من القلوب التذاكر ‪ ،‬من زارك عاد وهو شاكر ‪ ،‬وليامك ذاكر ‪ ،‬يكفيك‬
‫تاريخ ابن عساكر ‪ ،‬صانك الله من كل كافر‬
‫ألقيت فوق ثراك الطاهر الهدبا‬
‫دمشق يا كنز أحلمي ومروحتي ‪ ...‬فيا دمشق لماذا نكثر العتبا‬
‫أشكو العروبة أم أشكو لك العربا‬
‫في دمشق روضة العلماء ‪ ،‬وزهد الولياء ‪ ،‬وسحر الشعراء ‪ ،‬وحكمة أبي‬
‫الدرداء ‪ ،‬وجفان الكرماء ‪.‬‬
‫في دمشق عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد ‪ ،‬والملك الزاهد ‪ ،‬والولي‬
‫العابد ‪ ،‬يطارد الظلم والظالمين ‪ ،‬ويحارب الثم والثمين ‪ ،‬فيذكر الناس‬

‫‪140‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بالخلفاء الراشدين ‪ ،‬ويعيد للسلم جماله في عيون الناظرين ‪ .‬في دمشق‬
‫براعة ابن كثير ‪ ،‬وعبقرية ابن الثير ‪ ،‬وتحقيق النووي ‪ ،‬وفطنة ابن عبد القوي‬
‫‪.‬‬
‫لول دمشق لما كانت بلنسية‬
‫أتى يصفق يلقانا بها بردى ‪ ...‬ول زهت ببني العباس بغدان‬
‫كما تلقاك دون الخلد رضوان‬
‫‪ ...‬يكفيك أيها الشام السعيد ‪ ،‬أن فيك القائد الفريد ‪ ،‬والبطل السديد ‪ ،‬خالد‬
‫بن الوليد ‪ .‬سيف الله الهمام ‪ ،‬كاسر كل حسام ‪ ،‬أغمد في الشام ‪ ،‬السلم‬
‫عليك يا أبا سليمان ‪ ،‬يا قائد كتيبة اليمان ‪ ،‬ويا رمز كتيبة الرحمن ‪.‬‬
‫يا ابن الوليد السيف تناولنا‬
‫ل تخبروه رجاًء عن هزائمنا ‪ ...‬فإن أسيافنا قد أصبحت خشبا‬
‫فيمتلئ قبُره من قومه غضبا‬
‫صحح اللباني ‪ ،‬المحدث الرباني ‪ ،‬أحاديث في فضل تلك المغاني ‪.‬‬
‫وأول أبيات في الغاني ‪ ،‬لبي الفرج الصبهاني ‪ .‬في وصف دمشق وتلك‬
‫المباني ‪.‬‬
‫حيث يقول الشاعر ‪:‬‬
‫القصر والبئر والجماء بينهما ‪ ...‬أشهى إلى النفس من أبواب جيرون‬
‫وقد نسى ابن كثير نفسه ‪ ،‬ومل بالمدح طرسه ‪ ،‬لما تحدث عن دمشق ‪،‬‬
‫فقلمه بالثناء سبق ‪ ،‬وبالطراء دفق ‪ ،‬وحار الحكماء في وصف دمشق وطيب‬
‫هوائها ‪ ،‬وعذوبة مائها ‪ ،‬واعتدال أجوائها ‪ ،‬وذكاء علمائها ‪ ،‬وبلغة خطبائها ‪،‬‬
‫وتقدم شعرائها ‪ ،‬وعدل أمرائها ‪ ،‬وجمال نسائها ‪ ،‬حتى إن بعض العلماء ذكر‬
‫أن دمشق أم البلدان ‪ ،‬وأنها في الدنيا جنة الجنان ‪.‬‬
‫دمشق الشام كل حديث ركب‬
‫ن‬
‫كأنك جنة عرضت بدنيا ‪ ...‬يقصر عنك يا نون العيو ِ‬
‫أثرت على هوى قلبي شجوني‬
‫دخل دمشق الصحابة ‪ ،‬كأنهم وبل سحابة ‪ ،‬أو أسد غابة ‪ ،‬فلقيتهم بالحضان ‪،‬‬
‫وفرشت لهم الجفان ‪ ،‬فعاشوا على روابيها كالتيجان ‪ .‬في دمشق فنون‬
‫وشجون ‪ ،‬وعيون ومتون ‪ ،‬وسهول وحزون ‪ ،‬وتين وزيتون ‪ .‬دمشق جديدة‬
‫كل يوم ‪ ،‬وهي حسناء في أعين القوم ‪ ،‬وقد بكى من فراقها ملك الروم ‪ .‬إذا‬
‫دخلت دمشق تتمايل أمامك السنابل ‪ ،‬وتتراقص في ناظريك الخمائل ‪.‬‬
‫وتصفق لقدومك الجداول ‪ ،‬وترحب بطلعتك القبائل ‪ .‬دمشق أعيادها يومّيه ‪،‬‬
‫وأعلمها أموّية ‪ ،‬وأطيافها سماوية ‪ ،‬وبسيوف أهلها محمّية‬
‫دمشق في الحسن مفرطة ‪ ،‬وبجواهر الجمال مقرطة ‪ ،‬وفي الطقس‬
‫متوسطة ‪.‬‬
‫فارقتها وطيور القاع تتبعني‬
‫كأنما الطير يهوى حسن طلعته ‪ ...‬بكل لحن من الفصحا تغنيني‬
‫بانت دمشق فيا أيامنا بيني‬
‫الجمال دمشقي ‪ :‬لنه ل بد له من روضة فيحاء ‪ ،‬وخميلة غناء ‪ ،‬وحبة‬
‫خضراء ‪ ،‬وظل وماء ‪ .‬والحب دمشقي ‪ :‬لنه ل بد له من أشواق مسعفة ‪،‬‬
‫وأحاسيس مرهفة ‪ ،‬وألمعية ومعرفة ‪.‬‬
‫كتب ابن عساكر في دمشق تاريخ الرجال ‪ ،‬وسطر المزي في دمشق تهذيب‬
‫الكمال‪ ،‬وألف الذهبي في دمشق ميزان العتدال ‪ ،‬واحتسب ابن تيميه في‬
‫دمشق الرد على أهل الضلل ‪ ،‬وأرسل لنا المتنبئ من الشام تلك القصائد‬
‫الطوال ‪ ،‬وذاك السحر الحلل ‪.‬‬
‫‪141‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قالوا تريد الشام قلت الشام في‬
‫هي جنة الدنيا فإن أحببتها ‪ ...‬قلبي بنت في داخلي أعلما‬
‫فالحسن محبوب وقلبي هاما‬
‫في دمشق رسائل الياسمين ‪ ،‬ودفاتر اليقطين ‪ ،‬ومؤلفات النسرين ‪ ،‬للحمام‬
‫بها رنين ‪ ،‬وللعندليب بها حنين ‪ ،‬كأنها تقول ‪ :‬ادخلوها بسلم آمنين ‪.‬‬
‫ليس لدمشق الشام ‪ ،‬دين غير السلم ‪ .‬فطرت دمشق على اليمان ‪ ،‬ولذلك‬
‫طردت الرومان ‪ ،‬ورحبت بحملة القرآن ‪ .‬ليس بقيصر الروم في دمشق قرار‬
‫‪ ،‬ولذلك ولى الدبار‪ ،‬ولذ بالفرار ‪ ،‬لن الدار دار المختار ‪ ،‬والمهاجرين‬
‫والنصار ‪.‬‬
‫من مخبر القوم شطت دارهم ونأت‬
‫بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا ‪ ...‬أني رجعت إلى أهلي وأوطاني‬
‫بالرقمتين وبالفسطاط جيراني‬
‫)‪(94 /‬‬
‫في الشام يرقد سيف الدولة الملك الهمام ‪ ،‬وابن نباته خطيب النام ‪ ،‬وابن‬
‫قدامة تاج العلم ‪ ،‬وأبو فراس الحمداني الشاعر المقدام ‪ .‬وفي دمشق‬
‫سكن الزهري المحدث الشهير ‪ ،‬والوزاعي العالم النحرير ‪ ،‬والبرزاني‬
‫المؤرخ الكبير ‪ ،‬والسبكي القاضي الخطير ‪.‬‬
‫أتانا من دمشق كتاب رياض الصالحين ‪ ،‬وكتاب روضة المحبين ‪ ،‬ونزهة‬
‫المشتاقين ‪ ،‬وكتاب عمدة الطالبين ‪ ،‬وكتاب مدارج السالكين ‪ ،‬وكتاب أعلم‬
‫الموقعين ‪.‬‬
‫فسلم على دمشق في الخرين ‪... .‬‬
‫**************************‬
‫مة البغدادّية‬
‫المقا َ‬
‫)) من لم يدخل بغداد لم يدخل الدنيا ((‬
‫لبغداد العراق دموع صب‬
‫تذ ّ‬
‫كرك الربوع حياة قوم ‪ ...‬على عرصاتها ذبنا غراما‬
‫هموا كانوا لدنيانا قواما‬
‫اجتمع أربعة أدباء ‪ ،‬نجباء خطباء ‪ ،‬فتعاهدوا ‪ ،‬وتعاقدوا ‪ ،‬وتواعدوا ‪ ،‬على أن‬
‫يصفوا بغداد ‪ ،‬دار المجاد ‪ ،‬وبيت الجواد ‪ ،‬وكوكبة البلد ‪.‬‬
‫فالول ‪ :‬عليه وصف علمائها ‪ ،‬وفقهائها ‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬يصف خلفاءها وأمراءها ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬يصف شعراءها وأدباءها ‪.‬‬
‫والرابع ‪ :‬يصف أرضها ‪ ،‬وسماءها ‪ ،‬وماءها ‪ ،‬وهواءها ‪ ،‬وبهاءها ‪.‬‬
‫فبدأ الول وُيدعى أبا قتادة ‪ ،‬وهو صاحب ذكاء وإجادة ‪ ،‬وعلم وإفادة ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬والله لو كتبت بدمع العيون ‪ ،‬على صفحات الجفون ‪ ،‬ما أنصفت بغداد‬
‫على مداد القرون ‪ ،‬لكن سوف أصف ما كان فيها من علم وعلماء ‪،‬بلغ‬
‫مجدهم الجوزاء ‪:‬‬
‫دك يا بغداد بالدار‬
‫ما الدار بع َ‬
‫تفنى عليك صباباتي وأشعاري‬
‫أنت المنى وحديث الشوق يقتلني‬
‫من أين ابدأ يا بغداد أخباري‬
‫ولكن أقول ‪ ،‬بعد الصلة والسلم على الرسول ‪ :‬اعلم أن من بغداد أشرقت‬

‫‪142‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫شمس الرواية ‪ ،‬وبزغ فجر الدراية ‪ ،‬كانت في العلوم آية ‪ ،‬وفي الفنون‬
‫ي خبيث ‪.‬‬
‫غاية ‪ .‬فكان بها أهل الحديث ‪ ،‬ولم يكن بها بعث ّ‬
‫ولك أن تتخيل مجلس أحمد بن حنبل ‪ ،‬عمائم بيضاء ‪ ،‬وهمة قعساء ‪ ،‬وسكينة‬
‫وحياء ‪ .‬إذا قال أحمد ‪ :‬حدثنا أو أخبرنا ‪ ،‬أطرقت الرؤوس ‪ ،‬وخشعت النفوس‬
‫‪ ،‬وتفتحت أبواب السموات ‪ ،‬وتنزلت الرحمات ‪:‬‬
‫ن ولو سقوا‬
‫سقوني وقالوا ل تغ ّ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ت لغن ّ ِ‬
‫س ِ‬
‫جبال سلمى ما ُ‬
‫قي ُ‬
‫ثم تذهب إلى مجلس فيه طائفة من الخاشعين ‪ ،‬فتجد وسطهم يحيى بن‬
‫صل ‪ ،‬كأنه‬
‫ج ِ‬
‫دل ‪ ،‬وي ُ ْ‬
‫معين ‪ ،‬يحدث عن رسول رب العالمين ‪ ،‬يجّرح وُيع ّ‬
‫مل وُيف ّ‬
‫ميزان منزل ‪.‬‬
‫لو حل خاطره في مقعد لمشى‬
‫أو ميت لصحا أو أخرس خطبا‬
‫ولله كم من ذكريات تشجيني ‪ ،‬إذا ذكرت علي بن المديني ‪ ،‬ذاك البطل ‪،‬‬
‫إمام العلل ‪ ،‬السليم من الزلل ‪ ،‬فتراه يفتش السانيد ‪ ،‬وينخل المسانيد ‪،‬‬
‫بفهم دقيق ‪ ،‬وعلم وتحقيق ‪ ،‬يعرف العلة في المسند المستقيم ‪ ،‬كما يعرف‬
‫ب السقيم ‪.‬‬
‫الطبي ُ‬
‫ف‬
‫ضا‬
‫الفجر‬
‫ضوء‬
‫مثل‬
‫ي‬
‫ٍ‬
‫برأ ٍ‬
‫كأن بريقه حد الحسام ِ‬
‫ول تنس البخاري ‪ ،‬الضياء الساري ‪ ،‬والنهر الجاري ‪ ،‬قيد اللفاظ ‪ ،‬وأفحم‬
‫الحفاظ إن شك في حديث علقه ‪ ،‬وإن طال متنه فَّرقه ‪ ،‬وإن لقي كاذبا ً‬
‫مّزقه ‪ ،‬هو السيف الحاسم لسنة أبي القاسم ‪ ،‬اقرأ تبويبه ‪ ،‬افهم ترتيبه ‪،‬‬
‫لترى كل عجيبة ‪.‬‬
‫من كالبخاري إذا ما قال حدثنا‬
‫وب الباب أو شد ّ السانيدا‬
‫أو ب ّ‬
‫كأنما هو إلهام يعلمه‬
‫أو أّنه قبس يعطاه تأييدا‬
‫بغداد تشرفت بالسفيانين الثوري وابن عيينة ‪ ،‬وأصبحت بالعلماء أجمل‬
‫مدينة ‪ ،‬وهي مدينة الكرخي معروف ‪ ،‬والمام الشافعي المعروف ‪.‬‬
‫من بغداد أصحاب الصحاح والسنن ‪ ،‬وأهل الذكاء والفطن ‪ .‬وهي للحديث دار‬
‫الضرب والصلب بها تضرب الموضوعات للوضاعين ‪ ،‬ولكن تصلب الك ّ‬
‫ذابين‬
‫على خشب السلطان المتين ‪ .‬قال بعضهم ‪ :‬من لم يدخل بغداد لم يدخل‬
‫الحياة الدنيا‪ ،‬ومن لم يشاهد حسنها ما شاهد النجوم العليا ‪.‬‬
‫فقام الثاني يصف الخلفاء والمراء ‪ ،‬الذين ملؤوا الدنيا بالعطاء والسخاء ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬هذه مدينة السفاح ‪ ،‬الذي خضب السيوف والرماح ‪ ،‬وكان لكل مجرم‬
‫بطاح ‪ ،‬ولكل عدو نطاح ‪.‬‬
‫هذه مدينة المنصور ‪ ،‬صاحب الدور والقصور ‪ ،‬الداهية الجسور ‪ ،‬والسد‬
‫الهصور ‪.‬‬
‫هذه مدينة الرشيد ‪ ،‬صاحب القصر المشيد ‪ ،‬والمجد الفريد ‪ ،‬والصيت‬
‫البعيد ‪.‬‬
‫هذه مدينة المأمون ‪ ،‬صاحب الفنون ‪ ،‬وجامع المتون ‪ ،‬ولكنه بالفلسفة‬
‫مفتون ‪.‬‬
‫هذه مدينة المعتصم المغوار ‪ ،‬الذي أوطأ الخيل الكفار ‪ ،‬وأورد نحورهم كل‬
‫بتار ‪.‬‬
‫م‬
‫والم‬
‫الدهر‬
‫حديث‬
‫أنت‬
‫بغداد‬
‫ِ‬
‫‪143‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إذا مدحتك سال السحر من قلمي‬
‫أنت المنى أنت للتأريخ ملحمة‬
‫كم من رشيد ومأمون ومعتصم ِ‬
‫ثم قام الثالث يصف الدباء ‪ ،‬ويثني على الخطباء ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬في بغداد أكبر ناد ‪ ،‬للشعراء الجواد ‪ ،‬إذا شرب الشاعر من ماء‬
‫م لي شاعرا ً ما دخل‬
‫الفرات ‪ ،‬أتى بالمعجزات ‪ ،‬وخلب اللباب بالبيات ‪َ ،‬‬
‫س ّ‬
‫بغداد‪ ،‬اذكر لي أديبا ً ما تشرف بتلك البلد ‪:‬‬
‫بغداد يا فتنة الشرق التي خلبت‬
‫بسحرها العقل والقلم والدبا‬
‫ماذا أردد يا بغداد من حزني‬
‫إذا ذكرتك بعت الهم والنصبا‬
‫من بغداد أبو تمام ‪ ،‬والبحتري الهمام ‪ ،‬وترنح بها المتنبئ بعض عام ‪.‬‬
‫سجل بها ابن الرومي رواياته ‪ ،‬وأبدع إلياذاته ‪ ،‬وأروع أبياته ‪.‬‬
‫وفي بغداد أبو العتاهية ‪ ،‬الشاعر الداهية ‪ ،‬منذر القلوب اللهية‪ ،‬وصاحب‬
‫الرسائل الباهية ‪ ،‬المرة الناهية ‪ .‬وهي أرض بشار ‪ ،‬ناسج أجمل الشعار ‪.‬‬
‫)‪(95 /‬‬
‫من بغداد انطلقت في البحار والبراري ‪ ،‬رائعة ابن النباري ‪ :‬علو في الحياة‬
‫ب ‪ ،‬لدويّ ‪ :‬السيف أصدق أنباء‬
‫وفي الممات ‪ .‬من بغداد استمع الدهر في عج ْ‬
‫ب‪.‬‬
‫من الكت ْ‬
‫بغداد مهرجان أدبي كبير ‪ ،‬لكل أديب نحرير ‪ ،‬فيها شعر ونثر ‪ ،‬وحصباء ودر ‪،‬‬
‫وصديق وزنديق ‪ ،‬وحر ورقيق ‪ ،‬وموحد وملحد ‪ ،‬وحانوت ومسجد ‪ ،‬وبارة‬
‫ومعبد ‪ ،‬ومقبرة ومشهد ‪ ،‬جد وهزل ‪ ،‬وحب وغزل ‪ ،‬كأن التاريخ كله في بغداد‬
‫اجتمع‪ ،‬وكأن الدهر لصوتها يستمع ‪ .‬وكأن ضوء الشمس من بغداد يرتفع ‪.‬‬
‫مصيبة بغداد الحكام القزام ‪ ،‬من عينة صدام ‪ ،‬أبطال الشنق والعدام ‪.‬‬
‫فقام الرابع فقال ‪ :‬كأن الرض أخذت من بغداد جمالها ‪ ،‬أفدي بنفسي سهلها‬
‫وجبالها ‪ ،‬دجلة له خرير ‪ ،‬والفرات له هدير ‪ ،‬والنسيم به له زئير ‪ ،‬كأن الهواء‬
‫سرق من المسك أريجه ‪ ،‬وكأن الماء أخذ من العاشق نشيجه ‪ .‬تغار من زهر‬
‫بغداد الزهراء ‪ ،‬وتحمر خجل ً من حسن بغداد وجنتي الحمراء ‪.‬‬
‫كأن السحاب في سماء بغداد مع الشفق خضاب ‪ ،‬وكأن بريق الفجر في‬
‫مشارف بغداد ذهب مذاب ‪ .‬كأن وجه بغداد مشرق ‪ ،‬قبل ميشيل عفلق ‪.‬‬
‫فلما دخلها الرفاق ‪ ،‬وحزب النفاق ‪ ،‬كتب على بغداد الشقاء والخفاق ‪.‬‬
‫لله يا بغداد أنت نشيدة‬
‫غنت بك العصار والمصار‬
‫من لم ير ذاك الجمال فإنه‬
‫ضاعت عليه مع المدى الشعار‬
‫أظن بغداد أصابها عين ‪ ،‬أو دخلها لعين ‪ ،‬ما لها قتلت المبدعين ‪ ،‬وطردت‬
‫اللمعين‪.‬‬
‫ماذا أصابك يا بغداد بالعين‬
‫أليس كنت يقينا قرة العين‬
‫جلد بها أحمد ‪ ،‬وُقتل بها‬
‫وأنا عاتب على بغداد ‪ ،‬والعتاب ل يغير الوداد ‪ ،‬لنه ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫جلد بها أحمد بن حنبل ‪ ،‬المام المبجل‪ ،‬وقتل بها‬
‫أحمد‪ ،‬وأكرم بها أحمد ‪ .‬ف ُ‬
‫أحمد بن نصر الخزاعي ‪ ،‬المام الواعي ‪ ،‬وهو إلى الحق داعي ‪ ،‬وإلى البر‬

‫‪144‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ساعي‪ ،‬وُأكرم بها أحمد بن أبي دؤاد ‪ ،‬داعية البدعة والعناد ‪ ،‬والفتنة‬
‫والفساد ‪.‬‬
‫لكن بغداد لها حسنات يذهبن السيئات ‪ .‬ونهر الفرات ودجلة يطهران من‬
‫الحدث ‪ ،‬وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ‪.‬‬
‫*****************************‬
‫مة الفلسطينّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫صى {‬
‫سَرى ب ِعَب ْدِهِ لي ْل ً ِ‬
‫ن ال ِ‬
‫جدِ ال َ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي أ ْ‬
‫} ُ‬
‫س ِ‬
‫حَرام ِ إ ِلى ال َ‬
‫س ِ‬
‫ن ال َ‬
‫جدِ القْ َ‬
‫م ْ‬
‫أطفال يافا يصرخون وما لهم‬
‫ب‬
‫يا رب يا رحمن فانصر أمة ‪ ...‬عمرو ول سعد ول خطا ُ‬
‫ُ‬
‫ب‬
‫قد أغلقت من دونها أبوا ُ‬
‫زارنا رجل من فلسطين ‪ ،‬فجلس على الطين ‪ ،‬قلنا اجلس على السرير ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬كيف أجلس على السرير ‪ ،‬والقدس أسير ‪ ،‬بأيدي إخوان القردة‬
‫والخنازير ؟‬
‫قلنا ‪ :‬فهل عندك من القدس خطاب ؟‬
‫قال ‪ :‬معي من القدس سؤال يريد الجواب ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬ما هو السؤال ؟‬
‫قال ‪ :‬ينادي أين الرجال ‪ ،‬أين أحفاد خالد وسعد وبلل ؟ يا حفاظ سورة‬
‫النفال‪ ،‬أين أبطال القتال ؟ أين أسود النزال ؟‬
‫قلنا ‪ :‬هؤلء ماتوا من زمان ‪ ،‬وخلت منهم الوطان ‪ ،‬وخلف من بعدهم خلف‬
‫لهم همم ضعيفة ‪ ،‬واهتمامات سخيفة ‪ ،‬وأحلم خفيفة ‪.‬‬
‫ثم سألنا حامل الرسالة ‪ ،‬أين أهل البسالة ؟ أين الباء ؟ لماذا تغير البناء عن‬
‫الباء ؟‬
‫قلنا ‪ :‬الباء كانت بيوتهم المساجد ‪ ،‬ما بين راكع وساجد ‪ ،‬وخاشع وعابد ‪،‬‬
‫وصائم ومجاهد ‪.‬‬
‫والبناء بيوتهم المقاهي ‪ ،‬ما بين مغن ولهي ‪ ،‬ومن بماله يباهي ‪ ،‬ومن وقع‬
‫في الدواهي ‪ ،‬إل من رحمه إلهي ‪.‬‬
‫كنا أسودا ً ملوك الرض ترهبنا‬
‫والن أصبح فأر الدار نخشاه‬
‫ثم قلنا للرجل في عجل ‪ :‬سلم على القدس ‪ ،‬وقل ‪ :‬نفديك بالنفس ‪ ،‬متى‬
‫العودة إلينا ‪ ،‬والسلم علينا ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬إذا عدتم إلى الله عدنا ‪ ،‬وإن بعدتم عنه بعدنا ‪.‬‬
‫حلن بالسى‬
‫نساء فلسطين تك ّ‬
‫صُر‬
‫وليمون يافا يابس في حقوله ‪ ...‬وفي بيت لحم قاصرات وقُ ّ‬
‫وهل شجر في قبضة الظلم يثمُر‬
‫قلنا ‪ :‬لماذا عدت لعمر ؟ قال ‪ :‬لنه صاحب أثر ‪ ،‬صادق في الخبر ‪،‬عادل في‬
‫السير‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬ولماذا جئت مع صلح الدين ؟ قال ‪ :‬لنه بطل حطين ‪ ،‬وولي لرب‬
‫العالمين‪ ،‬وأحد العابدين المجاهدين ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬يا قدس هل من لقاء ؟ قال ‪ :‬إذا أطعتم رب الرض والسماء ‪،‬‬
‫وأخلصتم في الدعاء ‪ ،‬وتدربتم على الجهاد صباح مساء ‪ ،‬وتبتم من كل‬
‫معصية وفحشاء ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬كيف حالك الن ؟ قال ‪ :‬في هموم وأحزان ‪ ،‬وغموم وأشجان ‪ ،‬سجين‬
‫في زنزانة الطغيان ‪ ،‬بعد ما فارقت أهل اليمان ‪ ،‬وحملة القرآن ‪.‬‬
‫ه‬
‫من حاله وهي في حبس تزلزل ُ‬
‫‪145‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مصائب البين ل يرثي له أحد ُ‬
‫ثم قال ‪ :‬أما ترون خدي ُ‬
‫وه بالنجمة السداسّية ‪ ،‬وداست على جبيني الدولة‬
‫ش ّ‬
‫البليسية ‪ ،‬أين أحفاد مصعب بن عمير ‪ ،‬ينقذونا من أبناء جولدا مائير ‪ ،‬أين‬
‫أمثال عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬يطلقونا من قبضة بيريز ‪ ،‬أين عُّباد الدّيان ‪،‬‬
‫يمسحون عن جبيني وشم دّيان ‪ ،‬أين طلب عبد الله بن مسعود ‪ ،‬يطردون‬
‫إخوان القرود ‪ ،‬ويفكون عن قدمي القيود ‪.‬‬
‫أيا فلسطين قد أهديتنا عتبا‬
‫متى اللقاء عسى ميعادنا اقتربا‬
‫نعم أتينا وفي إيماننا قضب‬
‫مسلولة تمطر الهوال والغضبا‬
‫ثم قالت ‪ :‬أنا القدس السليبة ‪ ،‬كنت إلى الرسول حبيبة ‪ ،‬ومن قلب كل‬
‫مؤمن قريبة ‪ ،‬وأنا الن في بلء ومصيبة ‪ ،‬وأحوال عجيبة ‪.‬‬
‫مررت بالمسجد المحزون أسأله‬
‫تغير المسجد المحزون واختلفت‬
‫)‪(96 /‬‬
‫فل الذان أذان في منائره ‪ ...‬هل في المصلى أو المحراب مروان‬
‫على المنابر أحرار وعبدان‬
‫من حيث يتلى ول الذان آذان‬
‫فلسطين في قلوب المسلمين ‪ ،‬تناديهم من سنين ‪ ،‬وليس فيهم من قال ‪:‬‬
‫لبيك جئنا فاتحين ‪ ،‬لكنا تعبنا من محبة أهل الرجاء ‪ ،‬تمدح وادعاء ‪،‬‬
‫وفلسطين تصرخ صباح مساء‪.‬‬
‫إذا لم تكن هنا حمية إسلمّية ‪ ،‬فأين النخوة العربية ‪.‬‬
‫رب وامعتصماه انطلقت‬
‫لمست أسماعهم لكنها‬
‫ألسرائيل تعلو راية‬
‫ملء أفواه الصبايا اليتم‬
‫أو ما كنت إذا البغي اعتدى ‪ِ ...‬‬
‫لم تلمس نخوة المعتصم‬
‫في حمى المهد وظل الحرم؟‬
‫م؟‬
‫موجة من لهب أو من د ِ‬
‫لو سمع عمر صرخة طفل مجهود ‪ ،‬أبوه مفقود ‪ ،‬وأخوه في القيود ‪ ،‬لجّند‬
‫الجنود ‪ ،‬ولداس اليهود ‪ .‬لو طرقت سمع المعتصم وا أماه ‪ ،‬لضاقت أرضه‬
‫وسماه ‪ ،‬ولقاد الكماة ‪ ،‬ولخرج فلسطين من زنزانة الطغاة البغاة ‪.‬‬
‫فلسطين تنادي حطين ‪ :‬هل عندك من صلح الدين ؟ فإنا يا أختاه في الحبس‬
‫مرتهنين ‪ ،‬ولنا أنين ‪.‬‬
‫وليمون يافا يابس في حقوله‬
‫وهل شجر في قبضة الظلم يثمُر‬
‫رفيق صلح الدين هل لك عودة‬
‫فإن جيوش البغي تنهى وتأمُر‬
‫رفاقك في الغوار شدوا سروجهم‬
‫وجيشك في حطين صّلوا وكّبروا‬
‫خمسون عاما ‪ ،‬ونحن نرى أيتاما ‪ ،‬ونشاهد أيامى ‪ ،‬ونبصر آلما ‪ ،‬ثم نتعامى ‪،‬‬
‫ول يحرك فينا هذا كله إبهاما ‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كه ‪ ،‬فليأخذ دستوره من م ّ‬
‫من أراد أن يطلق القدس من السر وأن يف ّ‬
‫كة ‪،‬‬
‫القدس إسلمية ما ترطن ‪ ،‬ول تنتظر النصر من واشنطن ‪ ،‬القدس تقلق ‪ ،‬إذا‬
‫جئنا بجيش فيه ميشيل عفلق ‪ .‬يحرر الرض ‪ ،‬ويحمي العرض ‪ ،‬من أدى‬
‫الفرض ‪ ،‬وخاف يوم العرض ‪.‬‬
‫دونك مليار مسلم آيسين بائسين ‪ ،‬أمام من قيل فيهم ‪ :‬كونوا قردة‬
‫خاسئين ‪.‬‬
‫مهل ً فديت أبا تمام تسألني‬
‫ب‬
‫كيف احتفت بالعدا حيفا أو النق ُ‬
‫اليوم تسعون مليونا ً وما بلغوا‬
‫ب‬
‫نضجا ً وقد عصر الزيتون والعن ُ‬
‫وأطفأت شهب الميراج أنجمنا‬
‫ب‬
‫وشمسنا وتحدت نارها الخط ُ‬
‫تنسى الرؤوس العوالي نار نخوتها‬
‫ب‬
‫إذا امتطاها إلى أسيادها العر ُ‬
‫ما يحرر فلسطين إل طلب العز بن عبد السلم ‪ ،‬وتلميذ عز الدين القسام ‪.‬‬
‫افهمها بالمكشوف ‪ ،‬ما يحرر فلسطين طلب سخاروف ‪ ،‬ول يردها لهلها‬
‫أهل الدفوف‪ ،‬إنما تعود على أيدي من يصلي ويطوف ‪ ،‬ويجاهد في‬
‫الصفوف ‪.‬‬
‫يا شجر الغرقد ‪ ،‬جاء الموعد ‪ ،‬ليعود المسجد ‪ ،‬تحمي القرود ‪ ،‬وتخّبئ اليهود‬
‫وادينا ‪ ،‬ينادينا ‪ ،‬إل أنت تعادينا ‪.‬‬
‫من السود ‪ ،‬كل الشجر ب ِ َ‬
‫خمسون عاما مؤتمرات أو مؤامرات ‪ ،‬ومشاورات أو مشاجرات ‪ ،‬ومناورات‬
‫أو مهاترات ‪.‬‬
‫ً‬
‫شجبا ً ونكرا ً وتنديدا بغارتها‬
‫لله كم نددوا يوما ً وكم شجبوا‬
‫ماذا فعلنا غضبنا كالرجال ولم‬
‫ب‬
‫تصدق وقد صدق التنجيم والخط ُ‬
‫الكل يطوف ‪ ،‬بمجلس الخوف ‪ ،‬ونحن وقوف في صفوف ‪ ،‬ننتظر ماذا يقول‬
‫بوش وغورباتشوف ‪.‬‬
‫خمسون عاما ً ما أخبرتنا هيئة المم ‪ ،‬بمن ظلم ‪ ،‬وهدم الحرم ‪ ،‬وخان في‬
‫القسم ‪.‬‬
‫يا معشر العرب ‪ :‬من أصابته مصيبة ‪ ،‬فلم يأخذ الحل من طيبة ‪ ،‬عاد‬
‫بالخيبة ‪ ،‬وكان الفشل نصيبه ‪ .‬فلسطين ل تعود بالكلم ‪ ،‬ول بحفلت السلم ‪،‬‬
‫ولكنها تعود بالحسام ‪ ،‬وبضرب الهام ‪ ،‬وتمريغ الباطل بالرغام ‪.‬‬
‫ج‬
‫سيصغي لها من عالم الغيب ناصر ‪ ...‬ولله أوس آخرون وخزر ُ‬
‫فلسطين إسلمية النسب ‪ ،‬وليست عربّية فحسب ‪ ،‬ولذلك كان صلح الدين‬
‫فاتح القدس من الكراد ‪ ،‬والسلطان عبد الحميد ناصر فلسطين من التراك‬
‫الجواد ‪ ،‬وبعض العرب أيام الصليبيين باعوها في سوق المزاد ‪:‬‬
‫بعها فأنت لما سواها أبيع ‪ ...‬لك ِإثمها ولها المكان الرفع‬
‫ل تعود فلسطين عن طريق الملحدين ‪ ،‬ول عن طريق الوحدويين ‪ ،‬وإنما تعود‬
‫تحت رايات الموحدين ‪.‬‬
‫هل تظن أن اليهودي العنيد ‪ ،‬والسرائيلي المريد ‪ ،‬سوف يطرد بمؤتمر‬
‫مدريد‪ ،‬كل وعزةِ الحميد المجيد ‪ ،‬ل يزول إل بكتائب التوحيد ‪ ،‬وأحفاد خالد بن‬
‫الوليد ‪.‬‬
‫يا فلسطين انتظري كتائبنا مع الصباح ‪ ،‬تنادي حي على الفلح ‪ ،‬ليعود الحق‬
‫‪147‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إلى أصحابه ‪ ،‬والسيف إلى نصابه ‪ ،‬ولتعود الوديعة إلى واليها ‪ ،‬والطفلة إلى‬
‫أبيها ‪ ،‬والدار إلى راعيها ‪ ،‬ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله القريب ‪ ،‬إنه‬
‫سميع مجيب ‪.‬‬
‫فلسطين غاب سلطينها ‪ ،‬فأفلس طينها ‪ ،‬ل يطرد الغزاة من غزة إل أهل‬
‫العزة ‪ ،‬أطفال حيفا حفاة ‪ ،‬واليهود جفاة ‪ ،‬فهل من يلبي النداء ‪ ،‬ويقدم روحه‬
‫فداء‪ ،‬يا من أراد الجنة ‪ ،‬ل تتبع ما أنفقت بالذى والمّنة ‪ ،‬وماذا عليك لو قتلتك‬
‫اليهود فأنت شهيد ‪ ،‬البيع قد جرى ‪ ،‬والله اشترى ‪ ،‬ما هبط سوق القتال ‪،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها ْ‬
‫ن‬
‫ن َأن ُ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫شت ََرى ِ‬
‫م ب ِأ ّ‬
‫وقل هيا إلى النزال } إ ِ ّ‬
‫ف َ‬
‫وال َهُ ْ‬
‫م وَأ ْ‬
‫سهُ ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م َ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ة‬
‫ح ّ‬
‫ن وَي ُ ْ‬
‫ل اللهِ فَي َ ْ‬
‫ة يُ َ‬
‫جن ّ َ‬
‫قا ِفي الت ّوَْرا ِ‬
‫دا عَلي ْهِ َ‬
‫ن وَعْ ً‬
‫قت َلو َ‬
‫قت ُلو َ‬
‫قات ُِلو َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ل َهُ ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫قرآن وم َ‬
‫م‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫ن أوَْفى ب ِعَهْدِهِ ِ‬
‫ن الل ّهِ َفا ْ‬
‫ذي َباي َعْت ُ ْ‬
‫شُروا ب ِب َي ْعِك ُ ْ‬
‫لن ِ‬
‫م ْ‬
‫ل َوال ْ ُ ْ ِ َ َ ْ‬
‫جي ِ‬
‫َوا ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م{‪.‬‬
‫ب ِهِ وَذ َل ِك هُوَ ال َ‬
‫فوُْز العَ ِ‬
‫ظي ُ‬
‫ل تهيئ كفني ما مت بعد‬
‫أنا تاريخي أل تعرفه ‪ ...‬لم يزل في أضلعي برق ورعد‬
‫خالد ينبض في قلبي وسعد‬
‫)‪(97 /‬‬
‫مة الندلسّية‬
‫المقا َ‬
‫مةٍ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫كاُنوا‬
‫ع‬
‫ن‬
‫و‬
‫(‬
‫‪26‬‬
‫)‬
‫م‬
‫ري‬
‫ك‬
‫م‬
‫قا‬
‫َ‬
‫م‬
‫و‬
‫ع‬
‫رو‬
‫ز‬
‫و‬
‫(‬
‫‪25‬‬
‫)‬
‫ن‬
‫يو‬
‫ع‬
‫و‬
‫ت‬
‫نا‬
‫ج‬
‫ن‬
‫م‬
‫كوا‬
‫ر‬
‫ت‬
‫ََْ َ‬
‫َُ ُ ٍ َ َ‬
‫} كَ ْ‬
‫ِ ْ َ ّ ٍ َ ُُ ٍ‬
‫م ََ‬
‫ٍ ِ ٍ‬
‫ن{‬
‫ِفيَها َفاك ِِهي َ‬
‫مى‬
‫ث إذا الغي ُ‬
‫جاَدك الغي ُ‬
‫َ‬
‫ث هَ َ‬
‫س‬
‫بالندل‬
‫ل‬
‫الوص‬
‫ن‬
‫زما‬
‫يا‬
‫‪...‬‬
‫حلما‬
‫إل‬
‫وصلك‬
‫يكن‬
‫لم‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫س‬
‫المختل‬
‫ة‬
‫خْلس‬
‫َ‬
‫في الك ََرى أو ِ‬
‫ِ‬
‫حدثنا محمود بن أنس ‪ ،‬قال ‪ :‬لما دخلنا الندلس ‪ ،‬وهي في ثياب الجمال‬
‫تتبهرج ‪ ،‬ولسانها من الخجل يتلجلج ‪ ،‬قلنا ‪ :‬كيف الحال ‪ ،‬يا موطن الرجال ‪،‬‬
‫ت بلسم الفؤاد ‪ ،‬وأرض الباء والجداد ‪ ،‬ومهَبط جيش طارق بن زياد ‪،‬‬
‫أن ِ‬
‫ً‬
‫فقالت ‪ :‬أهل بالخوة من النسب ‪ ،‬أهل الكرم والحسب ‪ ،‬وبيننا سبب السلم‬
‫أعظم سبب ‪ ،‬ثم التفتنا إلى ثلثة شباب ‪ ،‬وقد ارتدوا أجمل الثياب ‪ ،‬فقام‬
‫أحدنا معرفا ً بأسمائهم ‪ ،‬ونسبهم إلى آبائهم ‪ ،‬فقال ‪ :‬أما الول ‪ :‬فاسمه عبد‬
‫الرحمن بن طارق بن زياد ‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬عبد الله بن موسى بن نصير ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬عبد السلم بن عبد الرحمن الداخل ‪.‬‬
‫فقلنا يا أبناء الجواد ‪ ،‬وأحفاد السياد‪ ،‬حدثونا عن هذه البلد ‪.‬‬
‫فقال عبد الرحمن ‪ :‬أما قرأتم التأريخ ‪ ،‬وما فيه من مدح وتوبيخ ‪ ،‬أما علمتم‬
‫أن أجدادنا دخلوا الندلس فاتحين ‪ ،‬مكبرين مسبحين ‪ ،‬عظموا الله في‬
‫القلوب ‪ ،‬فمّلكهم الشعوب ‪ ،‬نشروا رضاه بالدماء ‪ ،‬فرفع رايتهم في‬
‫السماء ‪ ،‬صدقوا في الديانة ‪ ،‬فشرفهم بحمل المانة ‪ ،‬نشروا العدل ‪،‬‬
‫وطردوا الجهل ‪ ،‬فهم كالغيث على المحل ‪ ،‬فلما تخلف بعدهم جيل ‪ ،‬وضلوا‬
‫السبيل ‪ ،‬أصبحوا في الذيل ‪ ،‬ثم بكى وأنشد ‪:‬‬
‫هل سألت الدهر عنا يوم كنا‬
‫ونشرنا في بلد الله نورا ‪ ...‬كنجوم الليل للجوزا وصلنا‬
‫نقلت أخبار أهل الفضل عنا‬
‫فقام عبد الله ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا الله ‪ ،‬كيف كنا ‪ ،‬وكيف أصبحنا ‪ ،‬بعدما قصرنا في‬
‫ديننا ما أفلحنا ‪ ،‬كانت المنائر تؤذن بدعوتنا ‪ ،‬والمنابر تضج بخطبتنا ‪ ،‬كنا‬

‫‪148‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫باليمان سادة ‪ ،‬وللشعوب قادة ‪ ،‬لننا أطعنا الرحمن ‪ ،‬وح ّ‬
‫كمنا القرآن ‪،‬‬
‫وحاربنا الشيطان ‪ ،‬فلما قعدنا عن الجهاد ‪ ،‬وعصينا رب العباد ‪ ،‬ووقعنا في‬
‫الفساد ‪ ،‬صرنا ما بين طريد وشريد‪ ،‬وقتيل وفقيد ‪ ،‬ثم بكى وأنشد ‪:‬‬
‫هذا جزاء أناس بالهوى غلبوا‬
‫وقصروا في أمور الدين فاستلبوا‬
‫كانوا شموسا ً عيون الناس ترمقهم‬
‫لكنهم بعد طول الدهر قد غربوا‬
‫ثم قام عبد السلم ‪ ،‬فاندفع في الكلم ‪ ،‬وقال ‪ :‬لما اتبعنا الثر ‪ ،‬حكمنا البشر‬
‫‪ ،‬وبلغ مجدنا القمر ‪ ،‬وفرح بنا البدو والحضر ‪ ،‬فلما وقعنا في الترف ‪ ،‬وأدمنا‬
‫صدف ‪ ،‬ثم أنشد ‪:‬‬
‫السرف ‪ ،‬ودعنا الشرف‪ ،‬وصرنا كال ّ‬
‫يا رب هل من عودة للدين في‬
‫أرض فتحناها برسم الدين‬
‫دنا بها صرح العلوم فأصبحت‬
‫ِ‬
‫ش ْ‬
‫ً‬
‫تاجا لكل موحد مأمون‬
‫قال الراوي محمود ‪ :‬ثم دخلنا غرناطة ‪ ،‬والقلب قد هد نياطه ‪ ،‬فوجدناها قد‬
‫كتب على بابها ‪ :‬السلم على من اتبع الهدى ‪ ،‬وأجاب الندا ‪ ،‬أنا غرناطة‬
‫فاعرفوني ‪ ،‬سلبت من أيدي أهلي فارحموني ‪ ،‬كنت مدينة العُّباد والزهاد‬
‫والجواد‪ ،‬فأصبحت ملعب الشرار ‪ ،‬ومرتع الكفار ‪ ،‬ومسرح الفجار ‪ ،‬فرحم‬
‫ي ‪ ،‬فبكينا مما رأينا ‪ ،‬وكأنها تشكو‬
‫ي ‪ ،‬وأهدى ثواب حجه إل ّ‬
‫الله عبدا ً ترحم عل ّ‬
‫إلينا ‪.‬‬
‫ثم أتينا قرطبة ‪ ،‬وهي معبسة مقطبة ‪ ،‬فوجدنا على باباها كتابة ‪ ،‬كأنها كتبت‬
‫بالسّبابة ‪ ،‬فقرأنا فإذا هي تقول ‪ ،‬يا أهل العقول ‪ ،‬أنا قرطبة دار العلوم ‪،‬‬
‫سلبني الظلوم ‪ ،‬ونهبني الغشوم ‪ ،‬كنت دارا ً للعلماء ‪ ،‬وكعبة للحكماء ‪،‬‬
‫مار ‪ ،‬وحانوتا‬
‫ومزارا ً للكرماء ‪ ،‬ومنزل ً للعلماء ‪ ،‬واليوم أصبحت بارة لل َ‬
‫خ ّ‬
‫لل ّ‬
‫شطار ‪ ،‬بعد أن كنت بيت البرار ‪ ،‬وكهف الخيار ‪ ،‬فوقفنا نبكي ‪ ،‬وإلى الله‬
‫نشكي ‪.‬‬
‫ونادى منادينا ‪ ،‬وصاح حادينا ‪ ،‬فقال أين القوم الفاتحون ‪ ،‬أين المل الناصحون‬
‫‪ ،‬أين صقر قريش ‪ ،‬أين قادة الجيش ‪ ،‬أين الناصر والزهراء ‪ ،‬أين الحاكم‬
‫والحمراء ‪ ،‬أين المنذر بن سعيد ‪ ،‬صاحب الرأي السديد ‪ ،‬والنهج الرشيد ‪.‬‬
‫أين ابن عبد البر ‪ ،‬الذي نشر العلم في البحر والبر ‪ ،‬ونثر الجوهر والدر ‪ ،‬أين‬
‫الستذكار ‪ ،‬من أنفع الكتب في الثار ‪ ،‬أين التمهيد الذي ما حمل مثله البريد ‪.‬‬
‫أين ابن حزم ‪ ،‬صاحب العزم ‪ ،‬إمام الظاهر ‪ ،‬صاحب العلم الباهر ‪ ،‬والقلب‬
‫الطاهر ‪ ،‬صاحب القدح المعّلى ‪ ،‬ومؤلف المجّلى ‪ ،‬والمحّلى ‪ ،‬الذي بلغ‬
‫المامة ‪ ،‬وألف طوق الحمامة ‪.‬‬
‫أين القرطبي صاحب التفسير ‪ ،‬أين الشاطبي المام الشهير ‪ ،‬حامل الفكر‬
‫المستنير ‪ ،‬أين ابن زيدون ‪ ،‬وابن خلدون ‪ ،‬وابن عيذون ‪ ،‬وأهل الفنون ‪ ،‬ما‬
‫لهم ل ينطقون ‪.‬‬
‫أين رائعة ‪:‬‬
‫ً‬
‫أضحى التنائي بديل من تدانينا‬
‫وناب عن طيب لقيانا تجافينا‬
‫أين السحر الحلل ‪ ،‬والروعة والجمال في ‪:‬‬
‫جادك الغيث إذا الغيث همى‬
‫س‬
‫يا زمان الوصل في الندل ِ‬
‫أين العويل والبكاء في أم الرثاء والقصيدة الغراء ‪:‬‬
‫‪149‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لكل شيء إذا ما تم نقصان‬
‫فل يغر بطيب العيش إنسان‬
‫)‪(98 /‬‬
‫أين لسان الدين الخطيب ‪ ،‬ومؤلف نفح الطيب ‪ ،‬وابن رشد الحفيد ‪ ،‬الذكي‬
‫الفريد ‪ ،‬صاحب بداية المجهتد ‪ ،‬ونهاية المقتصد ‪ .‬أين المنصور بن أبي عامر ‪،‬‬
‫البطل المغامر ‪ ،‬صاحب العزم القاهر ‪ .‬لله كم من علم جليل ‪ ،‬ورأي أصيل ‪،‬‬
‫ونسب نبيل ‪ ،‬ووجه جميل ‪ ،‬دفناه في هذا الثرى ‪ ،‬وتركناه آية للورى ‪.‬‬
‫هنا تركنا أكبادنا ‪ ،‬هنا دفنا أولدنا ‪ ،‬هنا قبرنا أجدادنا ‪ ،‬هنا دموعنا سفحت ‪ ،‬هنا‬
‫دماؤنا سفكت ‪ ،‬هنا مرابع سمرنا ‪ ،‬وهنا ديار شمسنا وقمرنا ‪ .‬هنا طرحنا‬
‫نفوس البطال الشداء ‪ ،‬في بلط الشهداء ‪ ،‬هنا أرواحنا خفاقة ‪ ،‬على قتلى‬
‫معركة الز ّ‬
‫لقة ‪.‬‬
‫ما كنا نظن أّنا إلى هذا الحال نصير ‪ ،‬بعد أمجاد موسى بن نصير ‪ .‬اسألوا‬
‫الجبال والوهاد ‪ ،‬اسألوا كل ناد ‪ ،‬واستنطقوا كل واد ‪ ،‬عن كتائب طارق بن‬
‫زياد ‪.‬‬
‫أعندكم خبر عن أهل أندلس‬
‫فقد سرى بحديث القوم ركبان‬
‫تلك الفجيعة أنست ما تقدمها‬
‫وما لها في قديم الدهر صنوان‬
‫لمثل هذا يذوب القلب من كمد‬
‫إن كان في القلب إسلم وإيمان‬
‫السلم على كل أندلس في الخرين ‪ ،‬وجمعنا بأهلها من المسلمين ‪ ،‬في‬
‫جوار رب العالمين ‪ .‬هذه أخبار الندلس ‪ :‬وسلمتكم ‪.‬‬
‫**************************‬
‫مة الفغانّية‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ص{‬
‫ص ّ‬
‫ن يُ َ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ب ال ِ‬
‫م ُبنَيا ٌ‬
‫قات ِلو َ‬
‫ح ّ‬
‫} إِ ّ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ن َ‬
‫فا كأن ّهُ ْ‬
‫ن الل َ‬
‫صو ٌ‬
‫مْر ُ‬
‫سِبيل ِهِ َ‬
‫ذي َ‬
‫تأخرت استبقي الحياة فلم أجد‬
‫وليس على العتاب تدمى كلومنا ‪ ...‬لنفسي حياة مثل أن أتقدما‬
‫ولكن على أقدامنا تقطر الدما‬
‫لما دخلنا أفغانستان ‪ ،‬سألنا عن حدودها ‪ ،‬فقيل يحدها باكستان ‪،‬‬
‫وطاجكستان ‪ ،‬وحولها بلوشستان ‪ ،‬وهي قريبة من كردستان ‪ ،‬وأسفل منها‬
‫عربستان ‪ ،‬ووراءها تركمانستان ‪ ،‬ووجدنا شبابا ً من قحطانستان ‪،‬‬
‫وزهرانستان ‪ ،‬وشهرانستان ‪ ،‬وشمرانستان ‪ ،‬ولما وصلتها وحدت جند‬
‫الرمن ‪ ،‬وكتيبة اليمان ‪.‬‬
‫ووجدنا الموت يصنع هنا الحتوف ‪ ،‬تعلنه كل وقت الكلشنكوف ‪ ،‬من شركة‬
‫إسلم أوف ‪ ،‬ليقتل بها كل ملحد أوف ‪ ،‬وملعون أوف ‪ ،‬من قائمة خرتشوف ‪،‬‬
‫وغرباتشوف ‪ .‬فحيينا الفغان بقصيدة شعبية ‪ ،‬نيابة عن المة العربية ‪،‬‬
‫فقلت ‪:‬‬
‫يا سلم الله لحكمة هو وخان‬
‫وانعم يا سياف حضرة جنبخان‬
‫قايد القوات فيهم جنخاني‬
‫كم عدو بأرض كابل جنخوه‬
‫فرد أحد العربان ‪ ،‬وليس أحد الفغان ‪ ،‬فقال ‪:‬‬

‫‪150‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وى دخان‬
‫اللهب في المعركة س ّ‬
‫والعساكر كل واحد جنخان‬
‫كل جندي جاب مركب جنخاني‬
‫يوم كل يتقي في جنب خوه‬
‫ويل لمن قاتل الفغان ‪ ،‬أين عقله كيف يمازح السد وهو غضبان ‪ ،‬الفغاني‬
‫يأتي المعركة كأنه يأتي العرس ‪ ،‬ويصب دمه كأنه يسكب حبرا ً على طرس ‪،‬‬
‫عنق الباكستاني أربع أصابع ‪ ،‬لن آخر من قتل من أجداده الجد السابع ‪.‬‬
‫وعنق الفغاني سبع أصابع ‪ ،‬لنه ل يموت إل في المعركة بسيف قاطع ‪.‬‬
‫الفغاني في الغالب ل يسمع الغاني ‪ ،‬ول تلهه الغواني ‪ ،‬لنه مشغول‬
‫بالمثاني ‪ ،‬واستنباط المعاني ‪.‬‬
‫وجدنا في أفغانستان رجال ً كالسود ‪ ،‬وكتائب كالسدود ‪ ،‬أرضهم للملحدة‬
‫لحود ‪ ،‬ورصاصهم لبلدهم حدود ‪ .‬الفغاني قليل الدعابة ‪ ،‬ظاهر المهابة ‪،‬‬
‫غزير النجابة ‪ ،‬كأنه ليث غابة ‪.‬‬
‫الفغاني إذا غضب أحرق مزاجه ‪ ،‬ورمى علجه ‪ ،‬وذبح الرجال كذبح‬
‫الدجاجة ‪.‬‬
‫ً‬
‫أخرجت لنا شوارع سميرا ميس ‪ ،‬فاتنات في الحرير تميس ‪ ،‬وشبابا من أتباع‬
‫انطون وجرجيس ‪ ،‬وأخرجت لنا جبال الكندوش ‪ ،‬تلك الجيوش ‪ ،‬فهذا الصلي‬
‫وذاك المغشوش ‪.‬كّبلت كابل أعداء الدين ‪ ،‬وقهرت قندهار الملحدين ‪،‬‬
‫وأخرجت جلل أباد المجاهدين ‪ .‬دخل شعب الفغان الدين وأسلم ‪ ،‬على يد‬
‫قتيبة بن مسلم ‪ ،‬وصاح شاعر الفغان ‪ ،‬محتجا ً على الطغيان ‪ ،‬إذ يقول وهو‬
‫يقاتل في الميدان ‪:‬‬
‫نامني نزام شرقيا‬
‫مصطفى مجتبي ‪ ...‬نامني نزام غربيا‬
‫مدا‬
‫حبيبيا مح ّ‬
‫ومعنى أبياته أي أرفض النظام الشرقي ‪ ،‬والنظام الغربي ‪ ،‬وأريد نظام‬
‫حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم المصطفى المجتبى ‪.‬‬
‫العجم أهل مبالغة في الحكام ‪ ،‬إذا قالوا لك عن أحد هذا مولنا شيخ السلم‬
‫‪ ،‬وعالم النام ‪ ،‬فاعلم أنه يحفظ ثلثة أحاديث من بلوغ المرام ‪ ،‬وإذا قالوا‬
‫عن عابد‪ :‬هذا بركة الزمان ‪ ،‬ونور الكوان ‪ ،‬وولي الرحمن ‪ ،‬فاعلم أنه ل يزيد‬
‫على صيام رمضان ‪.‬‬
‫أبو إسماعيل الهروى النصاري أفغاني ‪ ،‬وهو العالم الرباني ‪ ،‬وقد أحيا‬
‫ن ‪ ،‬في ديوانه المثاني ‪ .‬الفغان شجعان ‪ ،‬في‬
‫الشاعر محمد إقبال الفغا ِ‬
‫الليل رهبان‪ ،‬وفي النهار فرسان ‪ ،‬لو أن في أفغانستان ‪ ،‬طالب واحد لسلم‬
‫من الخلف الخوان ‪ ،‬ولكن في أفغانستان ‪ ،‬طالبان اثنان ‪.‬‬
‫قبل القتال كان في أفغانستان ‪ ،‬عابدان ‪ ،‬أي عابدون ‪ ،‬وفي الحرب جاء‬
‫مجاهدان ‪ ،‬أي مجاهدون ‪ ،‬وبعد الحرب ظهر طالبان ‪ ،‬أي طلبة متعلمون ‪،‬‬
‫فهم في السلم عباد أولياء‪ ،‬وفي الحرب مجاهدون أشداء ‪ ،‬وبعد النصر علماء‬
‫حكماء ‪.‬‬
‫)‪(99 /‬‬
‫المثنى عند الفغان ‪ ،‬جمع مذكر سالم عند العرب أهل اللسان ‪ ،‬لن واحدهم‬
‫بعشرة في الميزان ‪ ،‬تستورد الهند وباكستان ‪ ،‬من أفغانستان ‪ ،‬القادة‬
‫سامين والشعراء ‪ ،‬الفغاني يفهم إشارة العينين ‪،‬‬
‫والزعماء ‪ ،‬وتصدران لها الر ّ‬

‫‪151‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وبعض الناس لبد في إفهامه من حركة اليدين ‪ ،‬والبعض ل يفهم إل باليدين‬
‫والرجلين ‪.‬‬
‫ً‬
‫احتل أفغانستان الروس ‪ ،‬فرجعوا جثثا بل رؤوس ‪ ،‬لن عند الفغان مثل ‪:‬‬
‫) اقطع من الوردة رأسها ‪ ،‬واترك أساسها ( ‪.‬‬
‫الفغاني تريد التمام به وهو يريد القصر ‪ ،‬قل له أجمل الدنيا الشام‪ ،‬يقول‬
‫لك أجمل منها مصر ‪ ،‬إذا وقفت جلس ‪ ،‬وإذا قمت نعس ‪ ،‬وإذا تثاءبت عطس‬
‫‪ ،‬وافق الفغاني إل في الحرام ‪ ،‬وأظهر له الحب والحترام ‪ ،‬يكن في يدك‬
‫كالحسام ‪ ،‬وفي نصرتك كالغلم ‪.‬‬
‫ب بعضهم في بطنه ‪ ،‬إذا غضب أكل أ ْ‬
‫كل الدواب ‪ ،‬و َ‬
‫ب البعض الخر‬
‫غض ُ‬
‫غض ُ‬
‫في لسانه إذا غضب مل الدنيا بالسباب‪ ،‬وغضب الفغاني في يده إذا غضب‬
‫ول كل شيء إلى خراب ‪ ،‬ل تكلم الفغاني وهو غضبان ‪ ،‬ول تمازحه وهو‬
‫ح ّ‬
‫تعبان ‪ ،‬ول تصافحه وهو جوعان ‪.‬‬
‫ووا صفوفكم ‪ ،‬واغمدوا فيما بينكم‬
‫يا أيها الفغان ‪ ،‬أطيعوا الرحمان ‪ ،‬س ّ‬
‫فَرج ‪ ،‬ولكم منا تحية إجلل ‪،‬‬
‫ج ‪ ،‬وانتظروا من الله ال َ‬
‫دوا ال ُ‬
‫فَر ْ‬
‫سيوفكم ‪ ،‬وس ّ‬
‫على حسن الفعال ‪ ،‬ولن ننسى لكم تلك البطولت ‪ ،‬وهذه التضحيات ‪،‬‬
‫والحسنات يذهبن السيئات ‪.‬‬
‫ن الوفاق والتفاق ‪ ،‬هو الطريق لحمل الميثاق ‪.‬‬
‫واعلموا أ ّ‬
‫وأن الفتراق ‪ ،‬هو باب الخفاق ‪.‬‬
‫************************‬
‫مة المريكانية‬
‫المقا َ‬
‫ن{‬
‫م ِدين ُك ُ ْ‬
‫} ل َك ُ ْ‬
‫م وَل ِ َ‬
‫ي ِدي ِ‬
‫من بلدي يطلب العلم ول‬
‫وبها مهبط وحي الله بل ‪ ...‬يطلب العلم من الغرب الغبي‬
‫أرسل الله بها خير نبي‬
‫قال الراوي ‪ :‬يا عائض ‪ ،‬دعنا من الردود والنقائض ‪ ،‬فإنا نرى الفجر وشيكا‪،‬‬
‫فحدثنا عن أمريكا قلت‪ :‬الله المستعان ‪ ،‬وهو عظيم الحسان ‪ ،‬ممدوح بكل‬
‫لسان ‪.‬‬
‫دة ‪ ،‬من أبها إلى جدة ‪ ،‬في صحبةٍ بالصدق معروفون ‪،‬‬
‫لقد سافرنا قبل م ّ‬
‫وبالخير موصوفون ‪ ،‬فكنا قرابة العشرة ‪ ،‬قاصدين بلد الكفرة ‪ ،‬فلما وّدعنا‬
‫البلد ‪ ،‬وحملنا الزاد والمزاد ‪ ،‬أنشد شاعرنا بصوت جميل ‪ ،‬ودموعه تسيل ‪:‬‬
‫سقى الله أرضا ً لمس الوحي أرضها‬
‫ن‬
‫وجميلها بالشيح والنفل ِ‬
‫ك مهجتي‬
‫ت التي أسكن ِ‬
‫فأن ِ‬
‫ت حب ِ‬
‫مهجتي‬
‫وسحرك في عيني وملُء جناني‬
‫ثم مشينا مع الجموع السائرة ‪ ،‬حتى ركبنا الطائرة ‪ ،‬فرأينا الكبتن‪ ،‬كأن خده‬
‫لبتن‪ ،‬أحمر الوجنتين‪ ،‬أزرق العينين ‪ ،‬فلما طرنا مقلعين ‪ ،‬وسافرنا مسرعين ‪،‬‬
‫قاربنا السحاب ‪ ،‬وللطائرة أزيز وانتحاب ‪ ،‬فنظرنا إلى القمر المضاء ‪،‬‬
‫وطالعنا كتاب الفضاء ‪ ،‬فبهرنا ذاك الصنيع ‪ ،‬والخلق البديع‪ ،‬من شمس تسطع‬
‫ورة ‪ ،‬والسماء‬
‫‪ ،‬وقمر يلمع ‪ ،‬ونجوم زواهر ‪ ،‬وبحار زواخر ‪ ،‬الرض مك ّ‬
‫مدّورة ‪ ،‬والكون ليس عاطل ‪ ،‬فسبحانك ما خلقت هذا باطل وسمعت للركاب‬
‫تصدية ومكاء ‪ ،‬قلت أين أنت يا بكاء ‪:‬‬
‫اقرأ القدرة في الكون البهيج‬
‫قل هو الرحمن آمنا به ‪ ...‬ل تكن يا صاِح في أمر مريج‬
‫‪152‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قدس الباري ورتل في نشيج‬
‫ً‬
‫فلما اقتربنا من تلك الوليات ‪ ،‬قرأنا بعض اليات ‪ ،‬وأنشدنا شيئا من البيات ‪،‬‬
‫وهبطنا في مطار جون كندي ‪ ،‬ودّثرت من شدة البرد جسدي ‪ ،‬وأصبحنا من‬
‫البرد في ثلجة ‪ ،‬حين وصلنا ديار الخواجة ‪ ،‬وانتظرنا في صف عريض ‪ ،‬بين‬
‫سود وبيض ‪ ،‬والجوّ من أفعال أولئك مريض ‪ ،‬ثم سمعنا أمريكيا ً يرطن ‪،‬‬
‫يقول هّيا إلى واشنطن ‪ ،‬فغادرنا المحل والسكن‪ ،‬وركبنا مع شركة بان‬
‫أمركن ‪ ،‬فحززنا أجسامنا بالرباط حّزا‪ ،‬وهزتنا الطائرة هّزا ‪ ،‬لن قائدها‬
‫جج ‪ ،‬فكأنها من الركاب فاضية ‪،‬‬
‫أهوج ‪ ،‬قلبه مثّلج ‪ ،‬فكل راكب بالخوف مد ّ‬
‫ن شيئا ً كان ‪ ،‬فهم‬
‫ونادى بعضنا يا ليتها كانت القاضية ‪ ،‬أما المريكان ‪ ،‬فما كأ ّ‬
‫في لهوهم يضحكون ‪ ،‬وإذا مروا بنا يتغامزون ‪ ،‬فما أدري ‪ ،‬والطائرة تجري‪،‬‬
‫هل تعجبوا من جزعنا ‪ ،‬وسخروا من فزعنا ‪ ،‬وأنكروا هلعنا ‪ ،‬فليتهم يعلمون ‪،‬‬
‫وعن غّيهم يرجعون ‪ ،‬أن أجدادنا نحن أهل الوجوه الصفراء ‪ ،‬والغتر الحمراء ‪،‬‬
‫كانوا بالتوحيد فاتحين ‪ ،‬وعلى أمواج البحار سابحين ‪ ،‬قلوبهم مصاحف ‪،‬‬
‫وبيوتهم للفضائل متاحف ‪ ،‬يحملون الرواح على السراح ‪ ،‬إذا نادى المنادي ‪:‬‬
‫جد ‪ ،‬ومّنا‬
‫السلح السلح ‪ ،‬أما علمتم أنا أتباع محمد‪ ،‬خير من تعّبد ‪ ،‬وصام وته ّ‬
‫الخلفاء الصفياء ‪ ،‬الوفياء الشرفاء ‪ ،‬ومّنا العلماء الكرماء الحلماء ‪ ،‬والسادة‬
‫أهل الفادة ‪ ،‬والرفادة والوفادة ‪.‬‬
‫نحن حملة المحابر ‪ ،‬وأصحاب الدفاتر ‪ ،‬ورّواد المنابر ‪ ،‬فضحكوا ساخرين ‪،‬‬
‫والتفتوا لقوم آخرين ‪ ،‬وقالوا قطعتكم الماني ‪ ،‬وأشغلتكم الغاني ‪ ،‬يا ضّرابة‬
‫العود ‪ ،‬ويا رعاة القعود ‪ ،‬ليلكم طرب ‪ ،‬ونهاركم لعب ‪ ،‬يا بلد الفنانين‬
‫والفنانات ‪ ،‬والمغنين والمغنيات ‪ ،‬الحياء منهم والموات ‪ ..،‬قلنا كذبتم ورب‬
‫المشارق والمغارب ‪ ،‬و ل يكتم الحق إل كاذب ‪ ،‬أين أنتم يوم فتحت لنا‬
‫خنا الحكماء ‪ ،‬يوم عشنا في العالم رحماء ‪ ،‬وحكمنا الدنيا‬
‫السماء ‪ ،‬وكتب تاري َ‬
‫حلماء ‪ ،‬وملنا المعمورة علماء ‪.‬‬
‫هل أشرق الفجر إل من مآذننا‬
‫وهل همى الغيث إل من مآقينا‬
‫)‪(100 /‬‬
‫حتى النجوم على هاماتنا سجدت‬
‫والشمس في حسنها قامت تحيينا‬
‫فقالوا تلك أمة قد خلت ‪ ،‬وحقبة سلفت ‪ ،‬وقد نامت النعجة في مربض السد‬
‫‪ ،‬لما نسيتم قل هو الله أحد ‪ ،‬أخذتم من الغرب قشوره ‪ ،‬وما صنعتم للعالم‬
‫طبشورة ‪ ،‬وأخبار لعبكم ولهوكم منشورة ‪ ..،‬قلنا فاتكم الصواب ‪ ،‬وأخطأتم‬
‫في الجواب ‪ ،‬فأنتم الذين تركوا العالم هشيما ً ‪ ،‬أما دمرتم نجزاكي‬
‫وهيروشيما ‪ ،‬أهلكتم النسل والذرية ‪ ،‬بالقنابل الذرية ‪ ،‬حكمتم بل شريعة ‪،‬‬
‫وأحللتم المخالفات الفظيعة ‪ ،‬ونشرتم كل عادة خليعة ‪ ،‬هجرتم الذكر ‪،‬‬
‫ونسيتم الشكر ‪ ،‬وأبحتم السكر ‪ ..،‬فقال قائل منهم ‪ ،‬وتحدث كاتب عنهم ‪،‬‬
‫فذكر لنا صناعتهم ‪ ،‬وشرح لنا بضاعتهم ‪ ،‬وقال ‪ :‬أما ملنا البر حتى ضاق‬
‫عّنا ‪ ،‬وحكمنا البحر بقوة مّنا ‪ ،‬أما صنعنا الطيارة ‪ ،‬أما هندسنا السيارة ‪ ،‬أما‬
‫سهلنا التلفون ‪ ،‬ويسرنا التلفزيون ‪ ،‬واستفدنا من ذبذبات المزون ‪ ،‬أما صنعنا‬
‫خمنا بالميكروسكوب‬
‫للعين زجاجة ‪ ،‬وللطعام ثلجة ‪ ،‬وللطفل دّراجة ‪ ،‬ض ّ‬
‫الهباء ‪ ،‬وأضأنا الليل بالكهرباء‪ ،‬أجدنا الدفاع والهجوم وبلغنا بالختراع النجوم ‪،‬‬
‫هبطنا على القمر‪ ،‬واكتشفنا الماس من الحجر ‪..،‬‬

‫‪153‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قلنا رفضتم اليمان ‪ ،‬وهجرتم القرآن ‪ ،‬وأطعتم الشيطان ‪ ،‬هدمتم المساجد ‪،‬‬
‫وشيدتم للفجور المعابد ‪ ،‬أنفقتم المليارات على البارات ‪ ،‬وعرضتم للناس‬
‫الغانيات‪ ،‬وملتم المراقص بالمغنيات ‪ ،‬المخمور في شوارعكم يخور ‪،‬‬
‫والكأس على رؤوسكم تدور ‪ ،‬البيض عندكم مقدس والسود مقهور ‪ ،‬البنوك‬
‫لديكم مرابية ‪ ،‬والسواق في بلدكم لهية ‪ ،‬ومجالسكم لغية ‪ ،‬ملحدون ل‬
‫موحدون ‪ ،‬متفرقون ل متحدون ‪ ،‬ليس لديكم إسلم ول صلة ول صيام ‪ ،‬ول‬
‫حلل ول حرام ‪ ،‬شهواتكم وّثابة ‪ ،‬وألسنتكم كذابة ‪ ،‬كأنكم في غابة ‪ ،‬قتلت‬
‫عندكم المبادئ في النوادي ‪ ،‬في كل يوم وللرذيلة لديكم ألف منادي ‪ ،‬أين‬
‫العتراف بالقتراف ‪ ،‬أين الكفاف والعفاف ‪ ،‬غارقون في المادة ومن‬
‫الفضيلة أجلف ‪ ،‬ل وضوء ول طهارة ‪ ،‬ول مسجد ول منارة‪ ،‬بل أنتم أصحاب‬
‫مارة ‪ .‬للدماء سفكتم ‪ ،‬وللعراض هتكتم ‪.‬‬
‫حانوت وخ ّ‬
‫تكاد تسقط من أفعالكم غضبا ً‬
‫هذي السماء وتخبو منكم الشهب‬
‫والجو يظلم مما تصنعون فيا‬
‫ويح الحضارة إذ ما صانها الدب‬
‫‪ ..‬فقال دعنا من الشعار ‪ ،‬ول تلصق بنا العار ‪ ،‬فما يرتفع الدخان إل من النار‬
‫‪ ،‬أما تشاهدون تقدمنا أما ترون ‪ ،‬ما لكم ل تنظرون ‪ ،‬غزونا المريخ ‪ ،‬وأنتم‬
‫تعيدوننا إلى التأريخ ‪ ،‬فماذا فعلتم في قديم الزمان ‪ ،‬تكلموا ولكم المان ‪..،‬‬
‫فقلنا ‪ :‬سبحان الملك القدوس ‪ ،‬ما أظلم هذه النفوس ‪ .‬أليس على أرضنا‬
‫الوحي هبط ‪ ،‬وفي ديارنا غيث الرسالة سقط ‪ ،‬ومنا عرفت الهداية فقط ‪.‬‬
‫سان ‪،‬‬
‫أليس مّنا الص ّ‬
‫ي وسلمان‪ ،‬وبلل وح ّ‬
‫ديق وعثمان ‪ ،‬وعمر وثوبان ‪ ،‬وعل ّ‬
‫مام ‪ ،‬وأبو تمام ‪ ،‬ومّنا أويس ‪،‬‬
‫مّنا خالد المقدام ‪ ،‬والقعقاع الصمصام ‪ ،‬ومّنا ه ّ‬
‫والحنف بن قيس ‪ ،‬وأسماء بنت عميس ‪.‬‬
‫أما صفق لقدومنا الفرات والنيل ‪ ،‬وهلل لطلعتنا مضيق الدردنيل ‪ ،‬نحن‬
‫أساتذة الكراد والتركمان ‪ ،‬ومعلموا النجليز واللمان ‪ ،‬أما اندهش من‬
‫ديق فتحنا الطريق ‪ ،‬بدرة الفاروق ‪ ،‬أدبنا‬
‫ص ّ‬
‫عبقريتنا شارلمان ‪ ،‬وبسماحة ال ّ‬
‫دى‬
‫أهل العقوق ‪ ،‬بصدق أبي ذر‪ ،‬قلنا الحق وهو مّر ‪ ،‬مّنا الرشيد الذي تح ّ‬
‫السحاب ‪ ،‬وملك من طنجة إلى البنجاب ‪ ،‬ومّنا المعتصم الذي فتح عمورية ‪،‬‬
‫ونسخ الدولة الشورية ‪ ،‬مّنا السعدان والسعيدان ‪ ،‬والسفيانان ‪ ،‬والحمادان ‪،‬‬
‫ومّنا البخاري ‪ ،‬وصاحب فتح الباري ‪ ،‬ومؤلف لمع الدراري ‪ ،‬وشارح هدي‬
‫الساري ‪ ،‬بعثنا للعالم مبشرين ‪ ،‬وخرجنا للناس ميسرين ‪ ،‬أذقنا العباد طعم‬
‫الحرية ‪ ،‬وأعتقنا العالم من المنظمات السرية ‪ ،‬أذّنا في الحمراء ‪ ،‬وصلينا في‬
‫الزهراء ‪ ،‬ربطنا خيولنا على ضفاف اللوار )‪ ، (1‬وسجدنا على صحراء سنجار‪،‬‬
‫وتلونا القرآن على جبال قندهار ‪ ،‬رفعنا اليمان في الهند ‪ ،‬ونشرنا المعرفة‬
‫في السند ‪ ،‬أسرنا الجبابرة ثم أعتقناهم ‪ ،‬وملكنا الكاسرة ثم أطلقناهم ‪،‬‬
‫نكّبر فتسقط القلع ‪ ،‬نؤ ّ‬
‫ذن فتهتز التلع ‪ ،‬نقرأ فتطرق السماع ‪ .‬لبسنا الثياب‬
‫المرقعة ‪ ،‬والحذية المقطعة ‪ ،‬ففتحت لنا البلد ‪ ،‬ورحب بنا العباد ليلنا قيام‪،‬‬
‫ونهارنا صيام ‪ ،‬في الدجى رهبان‪ ،‬وفي الميدان فرسان ‪ ،‬على المنابر سادة ‪،‬‬
‫وفي المعارك قادة‪ ،‬ساوينا بين المراء والفقراء ‪ ،‬والحقراء والكبراء ‪ ،‬أنصفنا‬
‫الشاة من الذيب ‪ ،‬وعّلمنا الوحوش التهذيب ‪.‬‬
‫نحن شموس العلوم ‪ ،‬ونجوم الفهوم ‪ ،‬ربطنا على بطوننا الحجارة من الجوع‪،‬‬
‫وبللنا مواطن السجود بالدموع ‪ ،‬وكّنا في صلتنا كالسواري من الخشوع ‪.‬‬
‫نتوضأ فتتناثر مّنا الخطايا ‪ ،‬نغنم فتسيل من أيادينا العطايا ‪ ،‬نرتل القرآن‬
‫فتقف على أصواتنا المطايا ‪ .‬نادى منادينا ‪ ،‬على سنة هادينا ‪ ،‬يا أيتها النفوس‬
‫‪154‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مد الله لنا الماء ‪ ،‬وظّلل علينا‬
‫من الموت اشربي ‪ ،‬ويا خيل الله اركبي ‪ ،‬فج ّ‬
‫الغمام في السماء ‪.‬‬
‫__________‬
‫)‪ (1‬نهر في جنوب فرنسا ‪.‬‬
‫)‪(101 /‬‬
‫مّنا من اهتز لموته عرش الرحمن ‪ ،‬ومّنا من كّلمه الله بل ترجمان ‪ ،‬ومّنا من‬
‫ن السيوف على‬
‫سلته الملئكة يوم التقى الجمعان ‪ ،‬ل نكذب ولو أ ّ‬
‫غ ّ‬
‫ن الجوع يمزق النفوس ‪ ،‬اسمعوا ماذا قال كاتبكم‬
‫الرؤوس ‪ ،‬ول نسرق ولو أ ّ‬
‫ً‬
‫وله منكم معجبون ‪ ،‬أعني جوستاف لوبون ما عرف العالم فاتحا أعدل من‬
‫العرب ‪ ،‬فهم أهل الرحمة والحلم والدب ‪ ،‬واستشِهدوا الكتب ‪:‬‬
‫نحن هل تدري بنا للناس فجُر‬
‫قصدنا جّنة مولنا وأجُر‬
‫قد ملنا الرض عدل ً وارفا ً‬
‫جٌر وبجُر‬
‫و ِ‬
‫سوانا في الورى عُ ْ‬
‫ما ما ذكرت من تخلفنا هذه اليام ‪ ،‬فهو لضعف تمسكنا بالسلم‪ ،‬ملنا‬
‫أ ّ‬
‫الكروش وشاهدنا الدشوش ‪ ،‬وزينا الرموش ‪ ،‬وجمعنا القروش ‪ ،‬اشتغلنا‬
‫بالمراسلت ‪ ،‬وسهرنا مع المسلسلت ‪ ،‬فأصبحنا في الس ّ‬
‫لت المهملت ‪،‬‬
‫والخانات الفارغات ‪ ،‬أحببنا الكرسي ‪ ،‬وعشقنا التبسي ‪ ،‬وأدمنا الببسي ‪،‬‬
‫وتعلقنا بالتكسي ‪ ،‬نحن في السواق أمواج ‪ ،‬وفي الشوارع أفواج ‪ ،‬أموالنا‬
‫في شراء الدجاج ‪ ،‬وأوقاتنا ذهبت في الحراج ‪ ،‬لما اتخمنا بالعصيدة‬
‫ما أصبحنا ننظم القصيدة ‪ ،‬أصبح طالبنا أبله ‪ ،‬لنه عاش مع طه والطبلة ‪،‬‬
‫حفظنا متن التيس والتميس ‪ ،‬والكيس والكبيس ‪ ،‬أصبح نشاطنا بزفير‬
‫وشهيق ‪ ،‬وتشجيع للفريق ‪ ،‬وللبواري هدير ونهيق ‪ .‬ل يصلي الفجر مّنا إل قلة‬
‫‪ ،‬ول يحفظ القرآن إل ثلة ‪ ،‬ونقول نحن أنصار الملة ‪ .‬مع العلم أن الهتمامات‬
‫دّلة ‪ ،‬وفّلة ‪ ،‬وسّلة ‪ ،‬وشّلة ‪.‬‬
‫كبارنا منهمكون في القيل والقال ‪ ،‬وحب المال ‪ ،‬إل من رحم ذو الجلل ‪،‬‬
‫وشبابنا كالطفال في الروضة ‪ ،‬مشغولون بآخر موضة ‪ ،‬ولهم في الملعب‬
‫ضجيج وفوضة ‪ ،‬عقل أحدهم كأنه ريشة ‪ ،‬وسلوته السيجارة والشيشة ‪:‬‬
‫رحماك فهل نحن أحفاد ا ُ‬
‫للى ركبوا‬
‫موج البحار بدين الواحد الصمد‬
‫فما دهانا رجعنا القهقرى‬
‫أسفا‬
‫أشك يا دهر في قومي وفي بلدي‬
‫مل القمر إذا تلها ‪ ،‬وحسن النهار إذا‬
‫فوالذي زين الشمس في ضحاها ‪ ،‬وج ّ‬
‫ج ّ‬
‫لها‪ ،‬ما أصابنا التخلف‪ ،‬وما دهانا التوقف‪ ،‬إل يوم عصينا رب العباد ‪ ،‬وتركنا‬
‫الجهاد‪ ،‬وكثر فينا الفساد ‪ ،‬كان مؤذننا بلل ‪ ،‬وملعبنا ميدان القتال ‪ ،‬وقصدنا‬
‫م سجلنا من قول ‪ ،‬فيا‬
‫ذو الجلل ‪ ،‬فما أصبح لنا طول ولحول ‪ ،‬لن همنا ك ْ‬
‫للهول ‪ ،‬بالمس كان شبابنا بالقرآن يفرح ‪ ،‬وللسنة يحفظ ويشرح ‪ ،‬واليوم‬
‫أصبح يسرح ويمرح ‪ ،‬مع نجوم الفن والمسرح ‪ ،‬أما تنظر إلى شعره إذا‬
‫صة ‪ ،‬ثم مسح شفتيه بالمكياج ‪ ،‬ومشى وله ارتجاج ‪ ،‬فكيف‬
‫صه‪ ،‬وجعل له قَ ّ‬
‫ر ّ‬
‫جاج ‪ ،‬وما ترى لو د ُِبغ بكرباج ‪.‬‬
‫لو رآه الح ّ‬
‫ً‬
‫لو أن للدهر عينا منهموا دمعت‬

‫‪155‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أو أن للصخر قلبا ً نابضا ً لبكى‬
‫أزروا بأمتهم من سوء سيرتهم‬
‫لجلهم كم سألنا الموت لو فتكا‬
‫‪ ..‬فقالوا لنا ‪ :‬الن حصحص الحق ‪ ،‬وبان الفرق ‪ ،‬وظهر الصدق ‪ .‬فوّدعناهم‬
‫وكل واحد منهم كأنه فارة ‪ ،‬وذهبنا للسفارة ‪ ،‬ثم زرنا مكتبة الكونجرس ‪،‬‬
‫ة يسير ‪ ،‬قلنا له‬
‫وطرقنا الجرس ‪ ،‬فما هو إل ّ وقت يسير ‪ ،‬حتى خرج لنا خواج ٌ‬
‫ة هائلة ‪ ،‬أدراجها مائلة ‪ ،‬فيها كل الفنون ‪،‬‬
‫‪ :‬جدمورنج سير ‪ ،‬فدخلنا مكتب ً‬
‫ة في وعاْء ‪،‬‬
‫ومليين المتون‪ ،‬مما تبصرون وما ل تبصرون ‪ ،‬فناولونا هدي ً‬
‫وقالوا ‪ :‬ل تنسونا من الدعاء ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬اللهم أحصهم عددا ‪ ،‬واقتلهم بددا ‪ ،‬ول تغادر منهم أحدا ‪ ،‬لنك لو‬
‫علمت ما صنع المريكان ‪ ،‬لهتزت منك الركان ‪ ،‬فهي أم إسرائيل ‪ ،‬وبيت‬
‫كل داء وبيل ‪ ،‬يستعيذ منها أبرهة صاحب الفيل ‪ ،‬ناصرت اليهود ‪ ،‬ولم تعترف‬
‫بالحدود ‪ ،‬وما ردعتها القيود ‪ ،‬أمريكا أفتك من هتلر وتيتو ‪ ،‬خدعت العالم‬
‫بالفيتو ‪ ،‬من أطاعها فهو خادم مهين ومن عصاها فهو شيطان لعين ‪ ،‬تنظر‬
‫إلى اليتام وهم ُينقلون ‪ ،‬وتشاهد اللجئين وهم ُيقتلون ‪ ،‬ول ُتسأل عما تفعل‬
‫وهم يسألون ‪ ،‬غيرها من خيرها محروم ‪ ،‬وهي ظالم في ثوب مظلوم ‪ ،‬تريد‬
‫أن تكون المنتصرة والعالم مهزوم ‪ ،‬ولكن لها يوم ‪.‬‬
‫ليت البراكين في أرجائها رقصت‬
‫وليت أن صدى الزلزال زعزعها ‪ ...‬والرعد يا ليته في أرضها خطبا‬
‫حتى تصير على أطللها لهبا‬
‫الله يمزق سداها ‪ ،‬وينصر عليها عداها ‪ ،‬ويقصر مداها ‪ ،‬ويظهر رداها ‪ ،‬الله‬
‫ُيخليها من سكانها ‪ ،‬ويقتلعها من مكانها ‪ ،‬ويزلزلها من أركانها ‪ ،‬فهي أم‬
‫الكبائر ‪ ،‬وجالبة الخسائر ادعوا عليها في السجود ‪ ،‬عسى الله أن يلحقها بعادٍ‬
‫وثمود ‪.‬‬
‫َ‬
‫ثم قلنا من بحر الرجز ‪ ،‬بعد أن ك ّ‬
‫ل الفؤاد وعجز ‪:‬‬
‫ي‬
‫يقول عائض هو القرن ّ‬
‫ي‬
‫أحمد ربي وهو لي ول ّ‬
‫مصّليا ً على رسول الله‬
‫مذكرا ً بالله كل لهي‬
‫قد جئت من أبها صباحا ً باكرا‬
‫مشاركا ً لحفلكم وشاكرا ً‬
‫وحملتنا في السماء طيارة‬
‫تطفح تارةً وتهوي تارة‬
‫قائدها أظنه أمريكي‬
‫تراه في هيئته كالديك‬
‫يا سائل الخبار عن أمريكا‬
‫اسمع رعاك الله من يفتيكا‬
‫وهذه أخبار هذي النشرة‬
‫مسافة السير ثلث عشرة‬
‫من الرياض عفشنا ربطنا‬
‫وفي نيويورك ضحى هبطنا‬
‫أنزلنا في سرعة وحطنا‬
‫ثم قصدنا بعدها واشنطنا‬
‫ثم ركبنا بعدها سيارة‬
‫‪156‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مستقبلين جهة السفارة‬
‫منزلنا في القصر أعني ردسن‬
‫يا كم لقينا من قبيح وحسن‬
‫في بلد أفكاره منكوسة‬
‫تثقله بصائر مطموسة‬
‫يقدسون الكلب والخنزيرا‬
‫ويبصرون غيرهم حقيرا‬
‫)‪(102 /‬‬
‫ما عرفوا الله بطرف ساعة‬
‫وما أعدوا لقيام الساعة‬
‫فهم قطيع كشويهات الغنم‬
‫جد وهزل وضياع ونغم‬
‫منهم أخذنا العود والسيجارة‬
‫وما عرفنا نصنع السيارة‬
‫استيقظوا بالجد يوم نمنا‬
‫وبلغوا الفضاء يوم قمنا‬
‫وبعد ذا زرنا مباني الكونجرس‬
‫فلم نجد مستقبل ً إل الحرس‬
‫فيها مليين حوت من الكتب‬
‫في كل فن إنه من العجب‬
‫ومعنا في صحبنا العجلن‬
‫أكرم به مع العل جذلن‬
‫وقد صحبت شيخنا السدحانا‬
‫قد صرت في صحبته فرحانا‬
‫وصالح المنصور من بريدة‬
‫يشبه سعدا ً وأبا عبيدة‬
‫صغّيرا‬
‫وافقت فيهم فالح ال ُ‬
‫آنسنا جدا ً وكان خّيرا‬
‫ومعنا عبد العزيز الغامدي‬
‫ابن عزيز صاحب المحامد‬
‫والشهم عبد القادر بن طاش‬
‫ذو القلم السيال في انتعاش‬
‫فهو أبونا في مقام الترجمة‬
‫لننا صرنا صخورا ً معجمة‬
‫ثم هبطنا في مطار دنفرا‬
‫فرا‬
‫جلودنا في البرد صارت كال ِ‬
‫ضا وزرنا أهل تكسس في دلس‬
‫أي ً‬
‫عند شباب كالنجوم في الغلس‬
‫بالمنقتن أخت ثراهوت التي‬
‫ة‬
‫كأنها باقة زهر جن ِ‬
‫وِ ْ‬
‫م حفظناها بمعنى ويلكم‬
‫ل كَ ْ‬
‫بليز أي إبليس قد جاء لكم‬

‫‪157‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والحمد لله على السلمة‬
‫حمدا ً يوافي دائما ً إنعامه‬
‫ثم صلة الله ما هب الصبا‬
‫على الرسول الهاشمي المجتبى‬
‫وبيته والل والصحابة‬
‫والعذر إن لم أحسن الصابة‬
‫*****************************‬
‫مة النسائية‬
‫المقا َ‬
‫)) النساء شقائق الرجال ((‬
‫ل أسأل الله تغييرا لما فعلت‬
‫فالليل أطول شيء حين أفقدها ‪ ...‬نامت وقد اسهرت عيني عيناها‬
‫والليل أقصر شيء حين ألقاها‬
‫قا بالقوارير ‪ ،‬فإنهن مثل العصافير ‪ ،‬لكل روض ريحان ‪ ،‬وريحان روض‬
‫رف ً‬
‫الدنيا النسوان ‪ ،‬هن شقائق الرجال ‪ ،‬وأمهات الجيال ‪ ،‬هن الجنس اللطيف‪،‬‬
‫والنوع الظريف ‪ ،‬يلدن العظماء ‪ ،‬وينجبن العلماء ‪ ،‬ويربين الحلماء ‪ ،‬وينتجن‬
‫الحكماء ‪ ،‬المرأة عطف ‪ ،‬ولطف وظرف ‪ ،‬سبابها سراب ‪ ،‬وغضبها عتاب ‪،‬‬
‫ن نصيب ‪ ،‬لو جعلت لها الكنوز مهرا‪،‬‬
‫من وخطه المشيب‪ ،‬فليس له من وده ّ‬
‫وقمت على رأسها بالخدمة شهرا ‪ ،‬ثم رأت منك ذنبا قليل ‪ ،‬قالت ما رأيت‬
‫منك جميل ‪ ،‬القنطار من غيرها دينار ‪ ،‬والدينار منها قنطار ‪ ،‬هي في الدنيا‬
‫المتاع ‪ ،‬والحسن والبداع ‪ ،‬وهي للرجل لباس ‪ ،‬وفي الحياة إيناس ‪.‬‬
‫وهي الم الحنون ‪ ،‬صاحبة الشجون ‪ ،‬خير من رثى وبكى ‪ ،‬وأفجع من تألم‬
‫وشكى‪ ،‬لبنها أصدق طعام ‪ ،‬وحصنها أكرم مقام ‪ ،‬ثديها مورد الحنان ‪،‬‬
‫وحشاها مهبط النسان ‪ ،‬في عينها أسرار ‪ ،‬وفي جفنها أخبار ‪ ،‬في رضاعها‬
‫معاني الجود ‪ ،‬وفي ضمها الود المحمود ‪ ،‬قَُبلتها لطفلها صلوات القلب ‪ ،‬وبّر‬
‫طفلها لها مرضاة الرب ‪ ،‬شبعها أن ل يجوع وليدها ‪ ،‬وجوعها أن ل يشبع‬
‫وحيدها ‪ ،‬غياب المرأة من الحياة وْأد للسرور‪ ،‬واختفاؤها في مهرجان الدنيا‬
‫قتل للحبور‪.‬‬
‫ب بل امرأة لهب ‪،‬‬
‫هي بيت الحسب والنسب ‪ ،‬وجامعة المثل والدب ‪ ،‬ذه ٌ‬
‫وجوهر بل امرأة خشب ‪ ،‬تقرأ في نظراتها لغة القلوب ‪ ،‬وتعلم الحب من‬
‫هجرها المحبوب ‪ ،‬وبالمرأة عرف الهجر والوصال ‪ ،‬والتصال والنفصال ‪،‬‬
‫والغرام والهيام ‪ ،‬والبراءة والتهام ‪ ،‬تقتل بالنظرات ‪ ،‬وتخطب بالعبرات ‪،‬‬
‫كلمها السحر الحلل ‪ ،‬ولفظها العسل السّيال ‪ ،‬بسمتها ألذ من العنب‬
‫والتوت ‪ ،‬وهي أسحر من هاروت وماروت ‪ ،‬وقال نسوة في المدينة ‪ ،‬كل‬
‫مدينة ‪ ،‬وأفضل النسوان ‪ ،‬الحصان الرزان ‪ ،‬ألفاظها أوزان ‪،‬‬
‫مهجة فهي لنا َ‬
‫جبت فشمس في غمام ‪ ،‬وظبي في خزام ‪ ،‬هي رواية‬
‫وعقلها ميزان ‪ ،‬إذا تح ّ‬
‫صة ‪ ،‬وفي‬
‫تترجمها الرواح ‪ ،‬وهي ِ‬
‫م ْ‬
‫سك تذروه الرياح ‪ ،‬في شفتيها ألف قِ ّ‬
‫ً‬
‫صة ‪ ،‬ليلى جعلت نهار المجنون ليل ‪ ،‬وصيرت عَّزةُ دموع‬
‫أعماقها سبعون غ ّ‬
‫كثي ّرٍ سيل ً ‪.‬‬
‫ليلي وليلى نفى نومي اختلفهما‬
‫طول وال ّ‬
‫في ال ّ‬
‫طول طوبى لي لو اعتدل‬
‫يجود بال ّ‬
‫طول ليلي كلما بخلت‬
‫بال ّ‬
‫طول ليلى وإن جادت به بخل‬
‫على شفتيها المطبقات سؤال ‪ ،‬وفي جفنيها مقال ‪ ،‬أحرف الحب صامتة على‬
‫محّياها‪ ،‬وقصائد الغرام حائرة على رّياها ‪ ،‬حسن الشمس من حسنها ينهار ‪،‬‬
‫‪158‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والليل من شعرها يغار ‪ .‬من النساء خديجة رمز الدب ‪ ،‬لها قصر في الجنة‬
‫من قصب ‪ ،‬ل صخب فيه ول نصب ‪ ،‬ومن النساء عائشة بنت الصديق ‪،‬‬
‫صاحبة العلم والتقان والتحقيق ‪ ،‬المطهرة الطاهرة ‪ ،‬صاحبة السجايا الباهرة‬
‫‪ ،‬والمحامد الظاهرة ‪ ،‬ومن النساء فاطمة البتول ‪ ،‬بنت الرسول ‪ ،‬أم‬
‫سْبطين ‪ ،‬الحسن والحسين ‪ ،‬سيدة نساء العالمين ‪ ،‬المقبولة عند رب‬
‫ال ِ‬
‫العالمين ‪.‬‬
‫ولو أن النساء كمن عرفنا‬
‫ل‬
‫لف ّ‬
‫ضلت النساء على الرجا ِ‬
‫ب‬
‫فما التأنيث لسم الشمس عي ٌ‬
‫ل‬
‫ول التذكير فخٌر للهل ِ‬
‫المرأة صحيفة بيضاء ‪ ،‬يكتب فيها الرجل ما يشاء ‪ ،‬من حب وعتاب ‪ ،‬وغضب‬
‫وسباب ‪ ،‬وهي روضة خضراء ‪ ،‬وحديقة فيحاء ‪ ،‬فيها من كل زوج بهيج ‪ ،‬ومن‬
‫كل شكل فريج ‪ ،‬أمضى سيوفهن الحب ‪ ،‬يصرعن به ذا الّلب ‪ ،‬الحازم معهن‬
‫ضعيف ‪ ،‬والعاقل عندهن سخيف ‪ ،‬ترى الرجل يصارع السود ‪ ،‬ويقارع الجنود‬
‫‪ ،‬ثم تغلبه امرأة‪!..‬‬
‫وترى الرجل يزهد في الحطام ‪ ،‬ويصوم عن الشراب والطعام ‪ ،‬ثم تصرعه‬
‫ده امرأة ‪.‬‬
‫ص ُ‬
‫امرأة ‪ ،‬وترى الشجاع يطرح الكماة ‪ ،‬ويهزم الرماة ‪ ،‬وإذا قَ ْ‬
‫)‪(103 /‬‬
‫عنترة فُِتن بعبلة ‪ ،‬فرأى بريق السيوف كثغرها فقاَتل ‪ ،‬ورأى سواد الهول‬
‫م ‪ ،‬فيا خسارة من‬
‫كشعرها فناَزل ‪ ،‬حضر جيش فشم طيب العطارة منش ‍‬
‫شم ‪ ،‬فصار الجيش بطيبها في هزيمة ‪ ،‬ولعدائه غنيمة ‪.‬‬
‫سّر‬
‫المرأة ولو أنها في الخصام غير مبين ‪ ،‬فدمعها أفصح شيء عند المحبين‪ِ ،‬‬
‫وتها أنها ضعيفة ‪ ،‬ولغز بأسها أنها لطيفة ‪.‬‬
‫ق ّ‬
‫يريد الغرب من المرأة أن تتبرج ‪ ،‬وبالفتنة تتبهرج ‪ ،‬وعلى الثلج تتزلج ‪ ،‬ويريد‬
‫السلم منها العفاف والستر ‪ ،‬والتقوى والطهر‪ ،‬لتكون آية في الحسن‬
‫والقبول والسر ‪ ،‬يريد أهل الكفر منها أن تكون عالمة فيزياء ‪ ،‬وعارضة أزياء‬
‫قت أطفالها ‪ ،‬وضّيعت أجيالها ‪ ،‬ويريد السلم أن‬
‫‪ ،‬ولو فتنت رجالها ‪ ،‬وع ّ‬
‫تكون أمينة حصينة ثمينة ‪ ،‬المل من عينيها يشرق ‪ ،‬والظمأ في دمعها يغرق ‪،‬‬
‫سحر من بهائها ُيسرق ‪ ،‬بكاؤها صرخة احتجاج ‪ ،‬وصمتها علمة الرضا‬
‫وال ّ‬
‫بالزواج ‪ ،‬كان آدم في الجنة بل أنيس ول جليس ‪ ،‬فطالت وحشته‪ ،‬وصعبت‬
‫عليه غربته ‪ ،‬فخلق الله له حواء ‪ ،‬فتم بينهما الصفاء والوفاء‪ ،‬وحسن اللقاء ‪،‬‬
‫وجميل العِ ْ‬
‫مْلك بل‬
‫شرة والحتفاء ‪ ،‬فرجل بل امرأة كتاب بل عنوان ‪ ،‬و ُ‬
‫سلطان ‪ ،‬وامرأة بل رجل صحراء ل نبت فيها ول شجر ‪ ،‬وروضة ل طلع بها‬
‫ول ثمر ‪.‬‬
‫شكًرا يا آمنة بنت وهب لقد أهديت للنسانية ‪ ،‬وقدمت للبشرية ‪ ،‬ابنا ً‬
‫تضاءلت في عظمته الشمس في ضحاها ‪ ،‬والقمر إذا تلها ‪ ،‬ابنا قال للوثنية‬
‫وهي تعرض تلك العروض‪ ،‬وتفرض تلك الفروض ‪ ،‬والذي نفسي بيده لو‬
‫وضعتم الشمس في يميني ‪ ،‬والقمر في يساري لن أترك ديني ‪ ،‬حتى يعم‬
‫دا صلى‬
‫القرى والبراري ‪ ،‬ويكفي النساء ‪ ،‬ما أطل صباح وكّر مساء ‪ ،‬أن محم ً‬
‫جد ‪:‬‬
‫الله عليه وسلم من امرأة وُِلد ‪ ،‬ومن أنثى وُ ِ‬
‫بشرى من الغيب ألقت في فم الغار‬
‫وحيا ً وأفضت إلى الدنيا بأسراِر‬
‫‪159‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بشرى النبوة طافت كالشذى سحًرا‬
‫وأعلنت في الدنا ميلد أنواِر‬
‫قت الصمت والنسام تحملها‬
‫وش ّ‬
‫تحت السكينة من دارٍ إلى داِر‬
‫دمت المرأة للعالم الخلفاء الراشدين ‪ ،‬والبطال المجاهدين‪ ،‬وعباقرة الدنيا‬
‫ق ّ‬
‫سنت آدابها ‪ ،‬وطّهرت جلبابها ‪ ،‬ملت القلب حنانا ‪،‬‬
‫والدين ‪ ،‬المرأة إذا ح ّ‬
‫والبيت رضوانا ‪ ،‬والدنيا سكًنا وعرفانا ‪.‬‬
‫والبيت بل امرأة محراب بل إمام ‪ ،‬وطريق بل أعلم‪ ،‬إذا اختفت المرأة من‬
‫الحياة ‪ ،‬اختفت منها القبلت والبسمات ‪ ،‬والنظرات والعبرات ‪.‬‬
‫وإذا غابت المرأة من الوجود غاب منه الخصاب والنجاب ‪ ،‬والكلمات العذاب‬
‫‪ ،‬والعيش المستطاب ‪.‬‬
‫في الحديث ‪ )) :‬تزوجوا الودود الولود (( ‪ ،‬والسر في ذلك لتكثر الحشود ‪،‬‬
‫وتزداد الجنود ‪ ،‬وليكاِثر بنا رسولنا صلى الله عليه وسلم يوم الوفود ‪.‬‬
‫يوم تخلع المرأة الحجاب ‪ ،‬وتضع الجلباب ‪ ،‬فقد عصت حكم السلم ‪،‬‬
‫وخرجت على الحتشام ‪ ،‬وُقل على العفاف السلم ‪.‬‬
‫كيف ُيسكن بيت بل أبواب ‪ ،‬وُيحل قصر بل حجاب ‪ ،‬وُيشرب ماء ولغت فيه‬
‫الكلب‪ ،‬من حق الدرة أن تصان ‪ ،‬ومن واجب الثمرة أن تحفظ في الكنان ‪،‬‬
‫وكذلك المرأة بيتها أحسن مكان ‪ ،‬ولكن المرأة إذا قلبت ظهر المجن ‪،‬‬
‫وعّرضت نفسها للفتن ‪ ،‬فهي ظالمة في ثوب مظلوم ‪ ،‬عندهن من أصناف‬
‫المكر علوم ‪.‬‬
‫كيد الشيطان ضعيف وكيدهن عظيم ‪ ،‬وقوتهن واهية لكن خطرهن جسيم ‪،‬‬
‫هن صويحبات يوسف ذوات السكاكين ‪ ،‬وقاهرات الرجال المساكين ‪ ،‬حتى‬
‫قال الرشيد في بعض النشيد ‪:‬‬
‫مالي تطاوعني البرية كلها‬
‫ن في عصياني‬
‫وأطيعهن وهُ ّ‬
‫ً‬
‫سا شديدا وشهبا ‪،‬‬
‫فاجعل بينهن وبين الشر لهبا ‪ ،‬وامل عليهن منافذ الفتنة حر ً‬
‫رض اللحم على الباز ‪ ،‬ول تنشر القماش على البّزاز ‪ ،‬فأنعم بحرز‬
‫فل َتع ِ‬
‫الستر والصيانة ‪ ،‬وأكرم بحجاب العفاف والحصانة ‪.‬‬
‫وإذا رزقت بنات ‪ ،‬فإن هن من أعظم الحسنات ‪ ،‬حجاب من النار ‪ ،‬وحرز من‬
‫غضب الجبار ‪ ،‬فاحتسب النفقة ‪ ،‬فإنها صدقة ‪ ،‬ولو أنه غرفة من مرقة ‪،‬‬
‫وتعاهدهن بالبر والصلة ‪ ،‬فإن رحمتهن للجنة موصلة ‪ ،‬وكفاك أن الرسول‬
‫المشّرع ‪ ،‬رزق ببنات أربع ‪.‬‬
‫والمرأة هي بطلة المومة ‪ ،‬ومنجبة المة المرحومة ‪ ،‬فضائلها معلومة ‪ ،‬وهي‬
‫معدن الحسب والكرم والرومة‪.‬‬
‫وتعليمها الدين من أشرف خصال الموحدين ‪ ،‬لنها تصبح لكتاب الله تالية ‪،‬‬
‫ذات أخلق عالية ‪ ،‬تتفقه في الكتاب والسنة ‪ ،‬لنهما أقرب طريق للجنة ‪.‬‬
‫وأما ع ّ‬
‫لم الكفر ‪ ،‬الذي أعان المرأة على المكر ‪ ،‬وصرفها عن الذكر‬
‫والشكر ‪ ،‬فهو المسؤول عن عقوقها وتضييعها لحقوقها ‪ ،‬وإصرارها على‬
‫معصيتها وفسوقها ‪.‬‬
‫جعلوا المرأة سلعة للدعاية والعلن ‪ ،‬وخطيبة في البرلمان ‪ ،‬تشارك في‬
‫التجارة ‪ ،‬وتقاتل الجنود الجرارة ‪ ،‬جعلوها جندي شرطة ‪ ،‬فوقعت من الحراج‬
‫ن عطف‬
‫في ورطة ‪ ،‬تمتطي الدبابة ‪ ،‬وتطارد الكتائب في الغابة ‪ُ ،‬يست َ‬
‫در به ّ‬
‫ن الخطط الماكرة ‪ ،‬ويكفيك في ضللهم ‪ ،‬وسوء‬
‫الجبابرة ‪ ،‬وتبرم به ّ‬

‫‪160‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أعمالهم ‪ ،‬أن الهدهد وهو طائر ممتهن ‪ ،‬أنكر على بلقيس حكم اليمن ‪،‬‬
‫مة ‪.‬‬
‫وامرأة خلقها الله لمهمة ‪ ،‬كيف يزج بها في أمور مدله ّ‬
‫)‪(104 /‬‬
‫ونحن الرجال أسندت إدارة الحياة إلينا ‪ ،‬وكتب القتل والقتال علينا ‪ ،‬وأما‬
‫النساء في السلم فمقصورات في الخيام ‪ ،‬محفوظات من اللئام ‪ ،‬مصونات‬
‫عن الثام ‪.‬‬
‫وماذا فعل بالمرأة سقراط وبقراط وديمقراط ‪ ،‬أهل الوهام والغلط ‪،‬‬
‫جعلوها شيطانة ‪ ،‬وسموها الفتانة ‪ ،‬وإنما هي في بعض الوقات قهرمانه ‪،‬‬
‫وريحانة ‪.‬‬
‫خْرس ‪ ،‬فجعلوها خادمة للمال والنفس ‪ ،‬بل قال بزر‬
‫أما ال ُ‬
‫فْرس ‪ ،‬البكم ال ُ‬
‫جمهور‪ :‬المرأة ليست بإنسانة فل تمول ول تمهر ‪ ،‬وهذا غاية التهور ‪.‬‬
‫أما أهل الوثنية ‪ ،‬ودعاة الجاهلية ‪ ،‬فحرموها من الميراث‪ ،‬حتى جعلوها‬
‫قوا المهات ‪ ،‬وليس‬
‫أرخص من الثاث ‪ ،‬ووأدوا البنات ‪ ،‬وقتلوا الخوات ‪ ،‬وع ّ‬
‫لها عندهم قيمة ‪ ،‬فهي في منزلة البهيمة ‪ ،‬فهي عندهم حق مشاع ‪ ،‬للخدمة‬
‫والمتاع ‪.‬‬
‫أما الغرب فهي عندهم للمغريات ورقة رابحة ‪ ،‬أبرزوها في صور فاضحة ‪،‬‬
‫أخرجوها بل أدب ول دين ‪ ،‬وعرضوا صورتها في الميادين ‪ ،‬باعوها في سوق‬
‫النخاسة ‪ ،‬ووظفوها للرجس والخساسة ‪ ،‬وأقحموها مغارات السياسة ‪.‬‬
‫وما ك َّرم النساء ‪ ،‬مثل صاحب الشريعة السمحاء ‪ ،‬والملة الغراء ‪ ،‬فقد بّين‬
‫بقوله ‪ )) ،‬خيركم خيركم لهله (( ‪ ،‬ويا معاشر المم هل عندكم ‪ ،‬حديث‬
‫)) الله الله في النساء فإنهن عوان عندكم (( ‪.‬‬
‫وكان في بيته صلى الله عليه وسلم أفضل الزواج ‪ ،‬دائم السرور والبتهاج ‪،‬‬
‫سا ومزاحا ‪ ،‬وبشرا وأفراحا ‪ ،‬طّيب الشذى ‪ ،‬عديم الذى ‪،‬‬
‫يمل البيت أن ً‬
‫لطيف المحشر ‪ ،‬جميل المظهر ‪ ،‬طيب المخبر ‪ ،‬ل يعاتب ول يغاضب ‪ ،‬ول‬
‫يطالب ول يضارب ‪ ،‬يؤثر الصفح على العتاب ‪ ،‬والحلم على السباب ‪ .‬ومن‬
‫فه على الضعيفات ‪ ،‬يحمل ُأمامة ‪ ،‬وهو في المامة ‪ ،‬فإذا‬
‫حبه للبنات ‪ ،‬وعط ْ ِ‬
‫سجد وضعها ‪ ،‬وإذا قام رفعها ‪ ،‬وكان يقوم لفاطمة الزهراء ‪ ،‬والدرة الغراء ‪،‬‬
‫ويجلسها مكانه ‪ ،‬ويطأ لها أركانه ‪ ،‬فكأن سرور الحياة صب عليها ‪ ،‬وكأن‬
‫الدنيا وضعت بين يديها ‪.‬‬
‫ن‬
‫ن هي أم َ‬
‫هي بنت َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫من ذا يساوي في النام علها‬
‫ل‬
‫أما أبوها فهو أشرف مرس ٍ‬
‫جبريل بالتوحيد قد رّباها‬
‫ج ل تس ْ‬
‫ل عنه سوى‬
‫ي زو ٌ‬
‫وعل ّ‬
‫ف غدا بيمينه تّياها‬
‫سي ٌ‬
‫وكان يجلس صلى الله عليه وسلم للنساء من أيامه ‪ ،‬فيفيض عليهن من بره‬
‫ضا قاحلة ‪ ،‬والماء غمر تربة‬
‫وإكرامه‪ ،‬وجوده وإنعامه ‪ ،‬فكأنه الغيث أصاب أر ً‬
‫ماحلة‪ ،‬فإذا هو يمل القلوب حّبا ‪ ،‬والنفوس أنسا ً وُقربا ‪ ،‬يبشر من مات لها‬
‫ولد بالنعيم المقيم ‪ ،‬فتتمنى كل امرأة أنها ذهب لها فطيم ‪ِ ،‬لما سمعت من‬
‫الجر العظيم ‪.‬‬
‫سن فِْعلها ‪ ،‬بأن الجنة مأواها ‪ ،‬والفردوس‬
‫وُيخبر من تطيع بعلها ‪ ،‬وُتح ِ‬
‫مثواها ‪ ،‬يقف مع المرأة الشاكية ‪ ،‬ويتفجع للنثى الباكية ‪ ،‬فلو كانت الرحمة‬

‫‪161‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في هيكل لكانت في مثاله ‪ ،‬ولو الرفق في صورة لكان في سرباله ‪ ،‬تأتيه‬
‫المرأة المصابة في خوف وهول ‪ ،‬وفي دهش وذهول ‪ ،‬فما هو إل أن ترى‬
‫سر دينه ‪ ،‬ولطفه المتناهي ‪ ،‬وخلقه الباهي‪ ،‬حتى تعود‬
‫إشراق جبينه ‪ ،‬وي ُ ْ‬
‫عامرة الفؤاد ‪ ،‬حسنة الفأل والعتقاد ‪.‬‬
‫****************************‬
‫ة الحّيل‬
‫م ُ‬
‫مقا َ‬
‫)) ولتعرفنهم في لحن القول ((‬
‫ر‬
‫دهاء يريك الغيب في ثوب حاض ٍ‬
‫إذا ظن ظن ّا ً صار فينا حقيقة ‪ ...‬وفهم كحد السيف أمضى وأصوبا‬
‫وإن قال قول ً صار للناس مذهبا‬
‫إذا رأيت الرجل يعتاد المقاهي ‪ ،‬لشرب الشيشة والشاهي ‪ ،‬ومجالسة كل‬
‫لهي ‪ ،‬فاعلم أن الرجل فاسد الرادة ‪ ،‬ظاهر البلدة ‪ ،‬ل يساوي جرادة ‪ ،‬ولن‬
‫ينفع بلده ‪.‬‬
‫وإذا رأيت الرجل ليلة الزواج ‪ ،‬وهو فاسد المزاج ‪ ،‬يبحث عن علج ‪ ،‬ويقول‬
‫فاظفر بذات الدين ‪ ،‬فاعلم أنه ظفر بعابسة الوجنتين ‪ ،‬خشنة اليدين‪ ،‬كل ما‬
‫فيها شين ‪ ،‬وإذا رأيت الرجل خرج من عند القاضي وهو يتلو ‪ :‬وما شهدنا إل‬
‫بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ‪ ،‬فاعلم أن القاضي رد ّ شهادته ‪ ،‬وهو له من‬
‫الغائظين ‪ ،‬وإذا رأيت الرجل يجلس في الملهى يقرأ جريدة ‪ ،‬أو ينظم قصيدة‬
‫‪ ،‬فاعلم أن حياته غير سعيدة ‪ ،‬أو أنه يبحث عن وظيفة ‪ ،‬ولو سخيفة ‪ ،‬وقد‬
‫تقطعت به الحبال ‪ ،‬وخابت منه المال ‪.‬‬
‫وإذا سمعت الرجل ينشد كثيًرا قول الشاعر ‪:‬‬
‫ومن لم يذدعن حوضه بسلحه‬
‫يهدم ومن ل يظلم الناس ُيظلم ِ‬
‫ً‬
‫فاعلم أنه جحد لخيه فلوسا ‪ ،‬وحلف عليها يمينا غموسا ‪ ،‬وإذا سمعت الرجل‬
‫يردد كثيرا ً قوله تعالى } إ َ‬
‫م { فاعلم أنه خطب عند‬
‫عن ْد َ الل ّهِ أ َت ْ َ‬
‫م ِ‬
‫ِ ّ‬
‫قاك ُ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ن أك َْر َ‬
‫بعض الوجهاء ‪ ،‬فرد ّ عليه بجفاء ‪.‬‬
‫ً‬
‫وإذا رأيت الرجل خرج من بيته غاضبا وهو ينشد ‪:‬‬
‫أنا ابن جل ّ وط ّ‬
‫لع الثنايا‬
‫متى أضع العمامة تعرفوني‬
‫فاعلم أنه زوجته ضربته ضربا ً مبرحا ‪ ،‬وهو ُيعّرض لئل يكون مصّرحا ‪.‬‬
‫)‪(105 /‬‬
‫وإذا سمعت الرجل يقول كثيرا ً الدنيا ملعونة ‪ ،‬فاعلم أنه ذكر ديونه ‪ ،‬وما وجد‬
‫من أحد معونة ‪ ،‬وإذا سمعت الرجل يكرر الية وقليل من عبادي الشكور ‪،‬‬
‫فاعلم أنه طلب قرضا ً من رجل فاعتذر منه فأخذ يعّرض بالمذكور‪ ،‬وإذا‬
‫سمعت الرجل يردد الدنيا ل تساوي جناح بعوضة‪ ،‬فاعلم أنه طلب من التجار‬
‫ن مقبوضه ‪ ،‬وإذا سمعت المحاضر يردد في‬
‫رها ٍ‬
‫قرضا ً فرفضوا إل ب ِ ِ‬
‫ضر‬
‫محاضرته ‪ :‬الحديث شّيق ‪ ،‬ولكن الوقت ضيق ‪ ،‬فاعلم أنه ما ح ّ‬
‫للمحاضرة ‪ ،‬وقد ك َد ّ ذهنه وخاطره ‪.‬‬
‫وإذا سمعت المفتي يكرر كثيًرا ‪ :‬ل تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ‪.‬‬
‫فاعلم أنه قد احتار في الجواب ‪ ،‬وخفي عليه الصواب ‪.‬‬
‫وإذا سمعت الموظف يستشهد بقول الشاعر ‪ :‬لكل شيء إذا ما تم نقصان ‪،‬‬
‫فاعلم أنه قد فصل من عمله وهو حاقد غضبان ‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وإذا رأيت الرجل يكثر من قول فسد الشباب ‪ ،‬وأصبحت أخلقهم كأخلق‬
‫الكلب ‪ ،‬فاعلم أنه ما عنده إل بنات ‪ ،‬وهو يتمنى الولد من سنوات ‪.‬‬
‫وإذا رأيت رجل ً وقد ذكر عنده أحد الدعاة ‪ ،‬الذي نجح في دعوته ومسعاه‪،‬‬
‫فقال هذا الرجل ‪ .‬أهم شيء الخلص لله في القول والعمل ‪ ،‬ومراقبة الله‬
‫عز وجل‪ ،‬فاعلم أن الحسد قد أكل قلبه ‪ ،‬وضّيع لّبه ‪.‬‬
‫وإذا سمعت الرجل يحمد الله على أنه ل يشعر بجوع وظمأ وتعب ‪ ،‬وأن‬
‫مح لك لتكون بصيامه عاِلم‪،‬‬
‫الصائم ل يشعر بنصب ‪ ،‬فاعلم أنه صائم‪ ،‬فهو ُيل ّ‬
‫وإذا سمعته يخبرك بأن الليل طويل أو قصير ‪ ،‬ويخبرك أن الناس وقعوا في‬
‫التقصير ‪ ،‬وتركوا القيام وهو سنة البشير النذير ‪ ،‬فاعلم أن الرجل في الليلة‬
‫ضح لك المر ويجّلي ‪ .‬وإذا رأيت‬
‫الماضية قام يصّلي ‪ ،‬ولكنه يريد أن يو ّ‬
‫الشاعر كل سنة له ديوان ‪ ،‬ويهدي شعره على الخوان ‪ ،‬ويلقي قصائده على‬
‫الجيران ‪ ،‬فاعلم أن شعره ل َيهّز َ‬
‫شعَْرة ‪ ،‬ول يساوي ب َْعرة ‪ ،‬وإذا سمعت‬
‫المتحدث يقول ما كنت أرغب الحديث إليكم ‪ ،‬ول أريد أن أطيل عليكم ‪،‬‬
‫فاعلم أنه ما عنده كلم ‪ ،‬ويريد أن يتخلص من المقام ‪.‬‬
‫وإذا رأيت الرجل يكثر من قوله ‪ :‬نحن في نعم وخيرات ‪ ،‬وفي رغد ومسرات‬
‫مِنح أرضا ً في الشمال‬
‫‪ ،‬فاعلم أنه قريب عهد بمال ‪ ،‬أتاه هدي ً‬
‫ة أو بسؤال ‪ ،‬أو ُ‬
‫‪.‬‬
‫ومن يكثر كل يوم من العناق ‪ ،‬وذكر الشتياق ‪ ،‬والسؤال عن الهل والرفاق‪،‬‬
‫فاعلم أنه ثقيل ‪ ،‬وعذاب وبيل ‪ ،‬فما لك إل البعد عنه والرحيل‪ ،‬وإذا سّلمت‬
‫على رجل فقال ‪ :‬من أنتم ‪ ،‬وأين كنتم ‪ ،‬فاعلم أن الرجل فيه إعجاب ‪ ،‬وكبر‬
‫على الصحاب ‪ ،‬وإذا رأيت الرجل يكثر على طعامه من الترحيب والتبجيل ‪،‬‬
‫ويعتذر بأنه قليل ‪ ،‬فاعلم أنه بخيل ‪.‬‬
‫جح ‪ ،‬ويقول ‪ :‬إن الحقيقة تنطلق من أطر‪،‬‬
‫وإذا سمعت المتكلم يتفصح ‪ ،‬ويتب ّ‬
‫ً‬
‫وتنبثق من بوتقة ‪ ،‬وتنصهر في قوالب ‪ ،‬وتلعب دورا ‪ ،‬فاعلم أنه قليل‬
‫مد ّ إلى العلم باعه ‪ ،‬وإذا سمعت الرجل يكثر من قوله ‪ :‬الناس‬
‫بضاعة ‪ ،‬ما َ‬
‫معادن وأصول ‪ ،‬وفي النساب فاضل ومفضول ‪ ،‬فاعلم أن الرجل أباه شيخ‬
‫قبيلة ‪ ،‬وهو ل يساوي فتيلة ‪ ،‬وإذا سمعت من ُيسأل مسائل في الشريعة ‪،‬‬
‫فيجعل الحتياط له ذريعة ‪ ،‬فاعلم أنه قل علمه ‪ ،‬وبرد فهمه ‪.‬‬
‫من جاور المسجد فهجره ‪ ،‬واستفاد من العالم وما شكره ‪ ،‬وأخذ المعروف‬
‫وكفره فهذا رجل مخذول ‪ ،‬عقله مدخول ‪ ،‬وقلبه مخبول ‪.‬‬
‫إذا رأيت الرجل يكثر من تاء المتكلم فيقول ‪ :‬دخلت ‪ ،‬وخرجت ‪ ،‬وقرأت ‪،‬‬
‫وكتبت ‪ ،‬ولقيت ‪ ،‬وقابلت ‪ ،‬ودعيت ‪ ،‬وزرت ‪ ،‬وقلت ‪ ،‬وألفت فاعلم أنه أحمق‬
‫دق ‪ ،‬متمنطق ‪.‬‬
‫‪ ،‬وكلمه غير محقق ‪ ،‬لكنه متفيهق ‪ ،‬متش ّ‬
‫إذا رأيت الطالب يقول ‪ :‬ليس العلم بحفظ المتون ‪ ،‬ول بجمع الفنون ‪ ،‬فاعلم‬
‫أن ذاكرته في الحفظ تخون ‪.‬‬
‫**********************‬
‫مة الحيوان‬
‫مقا َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫م{‬
‫ض وَل طائ ِرٍ ي َ ِ‬
‫ما ِ‬
‫جَنا َ‬
‫طيُر ب ِ َ‬
‫مَثالك ْ‬
‫مأ ْ‬
‫م ٌ‬
‫حي ْهِ إ ِل أ َ‬
‫} وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ن َداب ّةٍ ِفي الْر ِ‬
‫قال الراوي ‪ :‬فحدثنا عن عالم الحيوان ‪ ،‬فلعلك قرأت للجاحظ صاحب‬
‫البيان ‪ ،‬قلت ‪ :‬سمًعا وطاعة ‪ ،‬والجاحظ صاحب فصاحة وبراعة ‪ ،‬فاسمعوا‬
‫وعوا ‪ ،‬وفي رياض الذكر فارتعوا ‪ .‬اجتمعت الحيوانات ‪ ،‬في بعض الوقات ‪،‬‬
‫مال الثقال الكبار ‪ ،‬فحدثنا‬
‫فقالوا للحمار ‪ ،‬يا المغوار ‪ ،‬أنت بطل الدار ‪ ،‬وح ّ‬
‫عن الدنيا الدنّية ‪ ،‬قبل حلول المنّية ‪ ،‬فانتحب الحمار وبكى ‪ ،‬وإلى إخوانه‬
‫عا من شعير ‪ ،‬وتبن كثير ‪ ،‬فل يأسف من‬
‫شكى ‪ ،‬وقال ‪ :‬من عنده ستون صا ً‬
‫‪163‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الدنيا على صغير ول كبير ‪ ،‬فأطرقوا خاشعين ‪ ،‬وأنصتوا سامعين ‪ ،‬وشكروه‬
‫أجمعين ‪ ،‬ثم قالوا ‪ :‬من علمك الحكمة يا أبا المغوار ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬أنتم ل تعرفون السبب ولذلك طال منكم العجب ‪ ،‬أنا سافرت في‬
‫طلب الحكمة إلى الهند ‪ ،‬فأخطأت الطريق إلى السند ‪ ،‬فلما قصدت السند‬
‫مع أصدق رفيق ‪ ،‬ضللت الطريق ‪ ،‬فوقعنا في غابة ‪ ،‬فأكلت نبات الروض‬
‫وأعشابه ‪ ،‬فلما شبعت رجعت ‪ ،‬ونسيت لماذا سافرت ‪ ،‬ولي سبب غادرت ‪،‬‬
‫فلهذا صرت من الحكماء ‪ ،‬لكثرة من لقيت من العلماء ‪ ،‬فقيل له يا أبا‬
‫المغوار ‪ ،‬ومن لقيت من العلماء الكبار ‪.‬‬
‫)‪(106 /‬‬
‫ما نسيت اسمه ‪ ،‬وضّيعت رسمه ‪ ،‬هذا العاِلم يسكن في صنعاء‬
‫قال لقيت عال ً‬
‫عاصمة باكستان ‪ ،‬وله ابن في الخرطوم إحدى مدن أفغانستان ‪ ،‬وهذا العالم‬
‫تزوج من عمان ‪ ،‬وهي قرية من قرى إيران ‪ .‬فقالوا له ‪ :‬يا أبا المغوار عافاك‬
‫دين ما ندري هل نعجب من حسن نطقك ‪ ،‬أو‬
‫الله من العين‪ ،‬وسّلمك من ال ّ‬
‫من سعة حفظك ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬من سهر الليالي ‪ ،‬نال المعالي ‪ ،‬قالوا ‪ :‬زادك الله علما ً ‪ ،‬ورزقك فهما ً‬
‫‪ ،‬فما هي أمنّيتك في هذه الدنيا القصيرة ‪ ،‬فإنك صاحب بصيرة ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬يا ليت لي حقل من برسيم ‪ ،‬فأقع فيه وقعة والي مال اليتيم ‪ ،‬فأجعله‬
‫كالرميم‪ ،‬ثم بكى حتى دمعت عيناه ‪ ،‬وقال ‪ :‬يا سعادة من نال مناه ‪.‬‬
‫ثم أنشد ‪:‬‬
‫من يذم الشعير عندي حقير‬
‫فهو بالذم والملم جديُر‬
‫هو عندي ألذ ّ من ك ّ‬
‫ل شيء‬
‫ليت أن الجبال تلك شعيُر‬
‫فبكى الجماعة ‪ ،‬وراموا وداعه ‪ ،‬فانصرف الجمع ‪ ،‬وُبل الخد بالدمع ‪.‬‬
‫ثم قال الراوي ‪ :‬حدثونا يا أهل التهذيب‪ ،‬عن التيس والذيب ‪ ،‬لنأخذ من‬
‫الحكمة بنصيب ‪ ،‬فقلنا ‪ :‬مر الذئب والتيس على منزل ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا جبان‬
‫انزل ‪ ،‬فقال التيس ‪ :‬قاتلك الله يا إبليس ‪ ،‬يا ابن الذيبة ‪ ،‬وسللة الخيبة ‪ ،‬يا‬
‫قليل الهيبة ‪ ،‬فقال الذيب ‪ :‬عجيب ‪ ،‬متى جاءتك الشجاعة ‪ ،‬يا رمز اللؤم‬
‫واللكاعة ‪ ،‬أنسيت يوم أكلت عمك قبل عامين ‪ ،‬وقتلت لك ولدين ‪ ،‬ما غرك‬
‫إل محلك ‪ ،‬وإل فإنه معروف ذلك ‪.‬‬
‫ما للديدان‬
‫فإن كنت صادًقا ‪ ،‬وبالحق ناط ً‬
‫قا ‪ ،‬فاهبط إلى الميدان‪ ،‬لجعلك طعا ً‬
‫‪ ،‬فرد ّ عليه وهو يقول ‪ ،‬ويصول ‪ ،‬وفوق السقف يجول ‪ :‬اخرس يا خسيس ‪،‬‬
‫فأنا التيس ابن التيس ‪ ،‬فلو قاتلت بالقرون ‪ ،‬لطرحتك والناس ينظرون ‪ ،‬ثم‬
‫أنشد ‪:‬‬
‫قروني كالرماح إذ انتضاها‬
‫كماة في الحروب مدّربونا‬
‫أنا ابن الكرمين أبا ً وجد ّا ً‬
‫فقل للقوم هّيا جّربونا‬
‫ي ‪ ،‬فليت اليام تدور ‪،‬‬
‫فقال الذئب ‪ :‬خبرك لديّ ‪ ،‬ولكن منصبك شجعك عل ّ‬
‫فإن الدهر َ‬
‫عثور ‪ ،‬لترى يا جبان ‪ ،‬قيمة الشجعان ‪.‬‬
‫غرور ‪ ،‬والزمان َ‬
‫ثم أنشد الذيب ‪ ،‬وفي صدره لهيب‪:‬‬
‫ن نلتقي‬
‫يا تيس ليت لنا مكا ٌ‬

‫‪164‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫دنا‬
‫ج ّ‬
‫فيه ليعرف هزلنا من ِ‬
‫فإذا ً لعّرفناك أّنا سادةٌ‬
‫دنا‬
‫ج ّ‬
‫نلنا المكارم كابرا ً من َ‬
‫فقالوا ‪ :‬حدثنا عن الصّياد والحمامة ‪ ،‬يا أبا أمامة‪ ،‬فأنت في أخبار الحيوان‬
‫ع ّ‬
‫لمة ‪ ،‬قال ‪ :‬خرج الصّياد ‪ ،‬وقد وضع يده على الّزناد ‪ ،‬يريد أن يصطاد ‪،‬‬
‫ففارق أصحابه ‪ ،‬ودخل الغابة ‪ ،‬وخلع جلبابه ‪ ،‬ومد ّ النظر ‪ ،‬بين الشجر ‪ ،‬وقال‬
‫اللهم اتحفنا بصيد ‪ ،‬إنك تعلم ما نريد ‪ ،‬فكان كّلما مّر به سرب من الطيور ‪،‬‬
‫يأبى أن يقع لنه يرى الرجل يدور ‪ ،‬والطير صاحب حذر ‪ ،‬ودقة نظر ‪ ،‬ل يغتر‬
‫بكلم ‪ ،‬ول يخدعه سلم ‪ ،‬ول يركن إلى عهد‪ ،‬ول يثق بوعد ‪ ،‬وهذه صفة‬
‫الذكي الريب ‪ ،‬والداهية الديب ‪ ،‬أما الحمق ‪ ،‬فإنه على كل صخر يسحق ‪،‬‬
‫وبالسرار يتدفق ‪ ،‬وفي مذهبه ل يترفق‪.‬‬
‫فلما أيس الصياد ‪ ،‬صاح ‪ :‬يا حسرة على العباد ‪ ،‬حتى الطير ‪ ،‬أصبح يشك في‬
‫الغير ويظن ظن السوء في أهل الخير ‪ ،‬ثم أنشد ‪:‬‬
‫وهل مثلي يخون بعهد خ ّ‬
‫ل‬
‫إذا أعطى ويحنث في اليمين‬
‫فلو أن الحمامة صدقتني‬
‫َوفيت ولو أقامت في يميني‬
‫ثم نادى الصياد ‪ :‬يا أيتها الطير ‪ ،‬أنا رجل من أهل الخير ‪ ،‬اهبطي يا جند‬
‫ك من زمان ‪ ،‬فرّدت عليه ‪ ،‬ونظرت إليه‬
‫سليمان ‪ ،‬ولك المان ‪ ،‬فأنا مشتاق ل ِ‬
‫‪ ،‬متى كان لك عهد وميثاق ‪ ،‬يا كثير النفاق ‪ ،‬كيف نصدقك ‪ ،‬وقد قتلت أمهاتنا‬
‫بالرصاص ‪ ،‬بل قود ول قصاص ‪ ،‬ومتى تركت العادة ‪ ،‬يا من أمسك زناده ‪.‬‬
‫فقال الصياد ‪ :‬تبنا إلى رب العباد ‪ ،‬وتركنا عادة أهل الفساد ‪ ،‬وندمنا على ما‬
‫سلف‪ ،‬وسوف نغرم ما تلف ‪ ،‬فانزلن مأجورات مشكورات ‪ ،‬وبالخير‬
‫مذكورات ‪.‬‬
‫فقالت الطير ‪ :‬كل يا عنيد ‪ ،‬يا ذا البأس الشديد ‪ ،‬فأنت عندي ك ّ‬
‫ذاب مريد ‪ ،‬ثم‬
‫ذهب الطير ولم يهبط ‪ ،‬وأسرع ولم يسقط ‪ ،‬فأيس الصّياد وم ّ‬
‫م أن‬
‫ل ‪ ،‬وه ّ‬
‫يرتحل ‪ ،‬وأن يترك المحل ‪ ،‬فصاحت الحمامة الحمقاء ‪ ،‬تردد قاء قاء ‪ ،‬وتقول‬
‫يا صياد لست أنا هنا ‪ ،‬فل تشغلك المنى ‪ ،‬ول تكثر من العنا ‪ ،‬وأنشدت تقول ‪:‬‬
‫يا أيها الصياد لست هنا أنا‬
‫فارحل ودع عنك المشقة والعنا‬
‫لو كنت عندك يا أخي أبصرتني‬
‫ضا عندنا‬
‫وكذاك أنت فلست أي ً‬
‫فالتفت فرآها ‪ ،‬فسدد رميته ورماها ‪ ،‬فقتلها وأدماها ‪ ،‬وهذا جزاء من نشر‬
‫السرار وأفشاها ‪ ،‬ولم يجعل صدره منتهاها ‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬فحدثنا عن الدجاج والثعلبين ‪ ،‬فقد صرنا بحديثك معجبين ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬قصص النبلء ‪ ،‬تخفف كل بلء ‪ ،‬وسير الصالحين ‪ ،‬سلوة في كل‬
‫حين ‪ ،‬وقد مّر ثعلبان ‪ ،‬وهما يلعبان ‪ ،‬بجماعة من الدجاج ‪ ،‬داخل شبك من‬
‫ساج‪ ،‬قال أحدهما لصاحبه ‪ ،‬وهو يحاوره ‪ ،‬والتفت إليه وهو يسايره ‪ ،‬ما رأيك‬
‫في حيلة ‪ ،‬تكون لكل هذا الدجاج وسيلة ‪ ،‬فإن الخديعة ‪ ،‬لجدادنا شريعة ‪،‬‬
‫وهذا زمان الماكرين ‪ ،‬وقلة الشاكرين ‪ ،‬وكما هو مكتوب في لوحة من إبريز ‪،‬‬
‫لشكسبير شاعر النجليز ‪ ،‬حيث يقول ‪:‬‬
‫احتل لنفسك في زمان الحيلة‬
‫أظهر لمن تنوي الردى تهليلة‬
‫واخدع فأنت بأمة مخدوعة‬
‫‪165‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فنفوسهم عند العطاء بخيلة‬
‫فالمكر فيهم سنة معروفة‬
‫يسعون للدنيا بكل وسيلة‬
‫)‪(107 /‬‬
‫فقال الثعلب الصغير للكبير ‪ :‬يا أبا منير ‪ ،‬يا مرشدنا في كل أمر خطير ‪،‬‬
‫تقدم وتكلم فمنكم نتعلم ‪ ،‬فأنت في الخير إمام ملهم ‪ ،‬فتقدم الكبير وقال ‪:‬‬
‫السلم عليكم أيتها الدجاج ‪ ،‬أنا أبو منير وهذا أبو الحجاج ‪ ،‬وكل منا للخر‬
‫محتاج ‪.‬‬
‫ً‬
‫فقالت الدجاج ‪ :‬ل سلمك الله يا محتال ‪ ،‬يا كاذب في القوال ‪ ،‬يا سيئا في‬
‫العمال ‪ ،‬فرد عليها وقال ‪ :‬استغفر الله لي ولكم من الذنوب‪ ،‬وأعوذ بالله‬
‫من العيوب ‪ ،‬فإنه مقلب القلوب ‪ ،‬ماذا سمعتم عني ‪ ،‬وماذا دهاكم مني ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬أليس أبوك قتل أبانا ‪ ،‬وأخوك قبل عام ٍ سبانا ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬وما شأني بأبي إذا ضل ‪ ،‬وبأخي إذا زل ‪ ،‬فالولد ل يحمل وزر الوالد ‪،‬‬
‫واللئيم ل يعدي الماجد ‪.‬‬
‫فقالوا ‪ :‬الغدر فيكم طبيعة ‪ ،‬والمكر لكم شريعة ‪ ،‬وتاريخكم مليء بالخبار‬
‫الفظيعة‪ ،‬فقال ‪ :‬لست براض عما صار ‪ ،‬وأعوذ بالله من عمل أهل البوار ‪،‬‬
‫جعلهم الله وقود النار‪.‬‬
‫ثم أنشد ‪:‬‬
‫ر‬
‫لزمت المصّلى وانقطعت إلى الذك ِ‬
‫ر‬
‫وتبت إلى الرحمان من عادة المك ِ‬
‫وألزمت نفسي الصدق في كل حالة‬
‫وأشغلت بالخلص يا صاحبي فكري‬
‫فلما سمعت الدجاج قول الثعلب ‪ ،‬قلنا ‪ :‬أظنه جاد ل يلعب ‪ ،‬صادق ل يكذب ‪،‬‬
‫فاسألوه ماذا يريد ‪ ،‬بهذا النشيد والقصيد ‪.‬‬
‫قال أريد أيها الدجاج ‪ ،‬أن تفتحوا لي وأخي باب الساج ‪ ،‬لنطيل معكم‬
‫السمر ‪ ،‬في ضوء القمر ‪.‬‬
‫ً‬
‫فقالوا أعطنا اليمين ‪ ،‬أن ل تروغ علينا ضربا باليمين ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬والذي نصرنا عليكم بالحيلة ‪ ،‬وفتح علينا بكل وسيلة ‪ ،‬ل نترك عادتنا‬
‫ولو حال بيننا وبينكم قبيلة ‪ ،‬فما فهموا يمينه ‪ ،‬وما عرفوا دينه ‪ ،‬ففتحوا الباب‬
‫‪ ،‬وقالوا ‪ :‬مرحبا ً بالحباب ‪ ،‬وخيرة الصحاب ‪ ،‬فلما دخل هو وأخوه ‪ ،‬رّدوا‬
‫الباب وأغلقوه ‪ ،‬فلما سكّنا ‪ ،‬جلسنا وتم ّ‬
‫كنا ‪ ،‬فلما أظلم الليل ‪ ،‬وحضرت‬
‫ساعة الويل ‪ ،‬وبان الفجر وحان ‪ ،‬وقعا في الدجاج يذبحان ‪ ،‬فصاح الدجاج ‪:‬‬
‫قيط قيط ‪ ،‬ما هذا يا عبيط ‪ ،‬الله من وراءكم محيط ‪ ،‬فقال الثعلب‪ :‬لو ملتم‬
‫الدنيا قرقرة ‪ ،‬حتى سمعكم أهل أنقرة ‪ ،‬ما كففنا عنكم حتى نرى مهجكم‬
‫ما ‪.‬‬
‫مع ّ‬
‫ما ‪ ،‬إذ أصبح جسمها مهد ً‬
‫قرة ‪ ،‬فأنشدت دجاجة تقطر د ً‬
‫واحسرتاه كيف صدقنا الشر‬
‫ومكره بين البرايا منتشر‬
‫هذا جزا من صدق الك ّ‬
‫ذابا‬
‫من الرفقة والصحابا‬
‫وأ ِ‬
‫وصاحب العقل يخاف العاقبة‬
‫مهي ًّئا لخصمه مخالبه‬
‫ُ‬
‫فضحك الثعلب وقال ‪:‬‬

‫‪166‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫موتي بغيظك يا دجاجة إنني‬
‫ن‬
‫كيد الحسود وناصر الخوا ِ‬
‫رأيي تقدم في الحياة شجاعتي‬
‫ن‬
‫والرأي قبل شجاعة الشجعا ِ‬
‫فلما شبع الثعلبان ‪ ،‬وقاما يذهبان ‪ ،‬فإذا الباب مغلق ‪ ،‬والشبك مطبق ‪ ،‬فإذا‬
‫كل منهما مطرق ‪ ،‬فقال كبيرهما ‪ :‬وقعنا في بلّية ‪ ،‬وأظنها دنت منا المنّية ‪،‬‬
‫فكيف لو أن صاحب الدجاج أبصرنا ‪ ،‬لقصدنا بالرصاص وأمطرنا ‪ ،‬فقال‬
‫الصغر للكبر ‪ ،‬أنت أبو الدواهي ‪ ،‬مرتكب المناهي ‪ ،‬طويل الباع ‪ ،‬في الحيل‬
‫والخداع ‪ ،‬فأخرجنا منها سالمين ‪ ،‬فإن عدنا فإنا ظالمين ‪ .‬فصمت الكبر ‪،‬‬
‫وتأمل وتفكر ‪ ،‬ثم هّلل وكبر ‪ ،‬وقال لصاحبه‪ :‬علينا أن نغمض العيون ‪ ،‬وننفخ‬
‫البطون ‪ ،‬وننام فمن رآنا قال مّيتون ‪ ،‬فإن الناس أكثرهم ل يعقلون‪ ،‬ول‬
‫تغرك الصور ‪ ،‬فإن أكثر من ترى بقر ‪ ،‬فقال الصغر ‪ :‬ل فض فوك ‪ ،‬وفداك‬
‫شانئوك ‪ .‬ثم ناما كأنهم أموات ‪ ،‬وهجعا في سبات ‪ ،‬فجاء صاحب الدجاج فما‬
‫وجد من دجاجة إل الريش فصاح ‪ :‬إيش هذا إيش ‪ ،‬والله ل طاب بعدها‬
‫العيش ‪ ،‬ثم نظر إلى الثعلبين ‪ ،‬وقال ‪ :‬شاهت الوجوه الكاذبة ‪ ،‬العاملة‬
‫الناصبة ‪ ،‬الناهبة السالبة ‪ ،‬فلو كنتما أحياء ‪ ،‬لسلت منكما الدماء ‪ ،‬جزاًء على‬
‫فعلتكم النكراء ‪ ،‬لكن سبقني الموت عليكم ‪ ،‬وأسرع الفناء إليكم ‪ ،‬فسبحان‬
‫الله الموت أعجل ‪ ،‬ثم سحبهما بالرجل ‪ ،‬فلما رآهما في الوادي ‪ ،‬واستشهد‬
‫عين ‪ ،‬وهربا ضاح َ‬
‫دين ‪.‬‬
‫مسر َ‬
‫كين ‪ ،‬والتفتا منش َ‬
‫على موتهما أهل النادي ‪ ،‬قاما ُ‬
‫فقال الكبر ‪:‬‬
‫دا‬
‫أغبى من الناس عيني لم تر أح ً‬
‫إل القليل فل تحفل بهم أبدا‬
‫هم كذبوا رسل الله الكرام فهل‬
‫تريد منهم على طول المدى سندا‬
‫أما تراهم وهذا الموت يطلبهم‬
‫لهين في الرض ل تأنس لهم رشدا‬
‫وأنشد الصغر فقال ‪:‬‬
‫ل تثق يا صاح في هذا البشر‬
‫فالغبا والجهل فيهم منتشْر‬
‫هم عصوا خالقهم سبحانه‬
‫وهو المنعم والكافي الضرْر‬
‫فقال صاحب الدجاج ‪ :‬أظن أّنا تورطنا ‪ ،‬فيا حسرتنا على ما فرطنا ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬فخبرنا عن قصة الثيران والسد ‪ ،‬فما سمعناها من أحد ‪.‬‬
‫فقال حبا ً وكرامة ‪ ،‬وحق الصاحب كالغرامة ‪ ،‬ونعود للحديث عن الحيوان‬
‫والعود أحمد ‪ ،‬وما يطلب العلم إل كل أمجد ‪ ،‬فكان هناك ثلثة ثيران أبيض‬
‫وأحمر وأسود ‪ ،‬يرعون بجانب الغدير ‪ ،‬وكل واحد منهم كأنه وزير ‪ ،‬في‬
‫منصب خطير ‪ ،‬فمر بهم السد أبو أسامة ‪ ،‬فعرفهم بالعلمة ‪ ،‬ودعا لهم‬
‫بالسلمة ‪ ،‬وقال كيف الحال يا إخوان ؟‬
‫وان ‪ ،‬فقال ‪ :‬علم هذا السب علما ‪ ،‬وإذا خاطبهم الجاهلون‬
‫قالوا ‪ :‬بخير يا خ ّ‬
‫قالوا سلما ‪ ،‬فقالوا يا أبا حْيدرة ‪ :‬كل يعرف بيدره ‪ ،‬أنسيت كم أكلت منا من‬
‫ثور ‪ ،‬يوم ساعدك الحظ الَعثور ‪ ،‬ثم أنشد الثور البيض فقال ‪:‬‬
‫ل تأمن الليث أبا أسامة‬
‫)‪(108 /‬‬

‫‪167‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وفِّر منه فهو ل يحابي ‪ ...‬فإنه س ّ‬
‫مه‬
‫ل لنا حسا َ‬
‫ب‬
‫وذكره قد جاء في الكتا ِ‬
‫دا فقال ‪:‬‬
‫ثم ارتجل الثور الحمر منش ً‬
‫أشجع كل الكائنات حيدره‬
‫ماه ربي في الكتاب قسورة‬
‫س ّ‬
‫فقلبه في الروع أقسى من حجر‬
‫دا وفجر‬
‫لطالما أقسم عم ً‬
‫فقام الثور السود وأنشد ‪:‬‬
‫هذا الهزبر ملك في الغابة‬
‫ك ّ‬
‫شر للموت مصّرا ناَبه‬
‫تبت يدا من أ َ‬
‫مه ونازلهَ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ويل لمن عانده وقاتلهَ‬
‫وكلما أقبل عليهم السد ‪ ،‬وِلقْتلهم رصد ‪ ،‬أقبلوا كلهم إليه ‪ ،‬وتجمعوا عليه ‪،‬‬
‫والوحدة قوة ‪ ،‬وهو رمز الخوة ‪ ،‬والكثرة تغلب الشجاعة ‪ ،‬والتحاد دليل‬
‫البراعة‪ ،‬فلما أيس من الثيران ‪ ،‬لجأ لبعض الغيران ‪ ،‬ووضع رأسه على عود ‪،‬‬
‫وزئيره كالرعود ‪.‬‬
‫وأنشد يقول ‪:‬‬
‫أنا الذي أرهب الدنيا بصولته‬
‫بصولته‬
‫ولم أخف عندما آتى الردى بشرا‬
‫واليوم تغلبني الثيران عن سفه‬
‫كثرت‬
‫يا جاهل ً عن ثبات الليث سوف ترى‬
‫فليس لي حيلة في هذه الطائفة ‪ ،‬التي صارت باللفة غير خائفة ‪ ،‬إل أن‬
‫أشتت قلوبهم ‪ ،‬وأظهر لبعضهم عيوبهم ‪ ،‬وآخذ كل واحد على حدة ‪ ،‬وأعده‬
‫عدة ‪ ،‬لترب يده‪ ،‬فجاء إلى الثور السود والحمر ‪ ،‬في ليل مقمر ‪ ،‬وقال يا‬
‫قوم ‪ ،‬رأيتكم اليوم ‪ ،‬وأنتم في الروض ترعون ‪ ،‬وإلى الغدير تسعون ‪ ،‬فرأيت‬
‫الثور البيض يسبقكم ‪ ،‬وبعين الحسد يرمقكم ‪ ،‬يستأثر عليكم بنبت السماء ‪،‬‬
‫ويزاحمكم على الماء ‪ ،‬فماذا ترون ؟ أفل تبصرون‪ ،‬قالوا ‪ :‬جزاك الله خيرا ً‬
‫على النصيحة ‪ ،‬يا صاحب اللغة الفصيحة ‪ ،‬والكلمات المليحة ‪ ،‬فأمرنا بما‬
‫ترى ‪ ،‬وقد خاب من افترى ‪ ،‬فقال في نفسه ‪ :‬وقع القوم في بلّية ‪ ،‬وحانت‬
‫منهم المنّية ‪ ،‬ثم طلب منهم الوثوب إلى الثور البيض جميًعا ‪ ،‬حتى يرى‬
‫صريًعا ‪ ،‬فقاموا على حْردٍ قادرين ‪ ،‬وللموت مبادرين ‪ ،‬فناطحوا البيض‬
‫وحاصروه‪ ،‬وصارعوه وحاجروه ‪ ،‬وبالعداوة كاشروه ‪ ،‬ثم طرحوه أرضا ‪،‬‬
‫ضا‪.‬‬
‫ضوه ر ّ‬
‫ور ّ‬
‫س بالموت ‪ ،‬وأيقن بالفوت ‪ ،‬وفاته القوت ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫فلما أح ّ‬
‫سج السد‬
‫هذه الحيلة من ن ْ‬
‫يوم يلقانا ببغي وحسد‬
‫مصرعي مصرعكم لو تعلموا‬
‫غير أن الرأي منكم قد فسد‬
‫فلما مات البيض سر السد وفرح ‪ ،‬وسعد وانشرح ‪ ،‬ثم تركهم لزمن يسير ‪،‬‬
‫وهو يقودهم لسوء المصير ‪ ،‬ثم أتى إلى الثور السود ‪ ،‬وقال يا أبا أسعد ‪:‬‬
‫هذا الثور الحمر ‪ ،‬أظنه مغتر ‪ ،‬يخفي لك الشر ‪ ،‬أراه بقرونه يناطحك ‪،‬‬
‫وبالعداوة يصارحك ‪ ،‬فماذا ترى لو عاوّناك ‪ ،‬ومن ظهره مكّناك ‪ ،‬لنشق‬
‫‪168‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ي ول نصير ‪،‬‬
‫نحره ‪ ،‬ونفري ظهره ‪ ،‬فسحباه إلى الغدير ‪ ،‬وليس له من ول ّ‬
‫فلما أصبح في آخر رمق ‪ ،‬وفؤاده يحترق ‪ ،‬أنشد ‪:‬‬
‫يا عثرة الرأي هذي عثرة القدم‬
‫ويا حياتي هذي ساعة الندم ِ‬
‫ق‬
‫يا فرقة مزقتنا حاكها لب ٌ‬
‫صرنا بها ضحكة للعرب والعجم ِ‬
‫فبقي السود والسد ‪ ،‬فقام السد وقعد ‪ ،‬وقال ‪ :‬كيف حالكم ‪ ،‬يا رفيق‬
‫السَعد ‪ ،‬ويا زينة البلد ‪ ،‬فقال بخير يا أبا أسامة ‪ ،‬أدركنا من السرور تمامه ‪.‬‬
‫دا هنا ‪ ،‬قال الرأي‬
‫فقال السد ‪ :‬يا غاية المنى ‪ ،‬بقي أنت وأنا ‪ ،‬ونريد اليوم غ ً‬
‫لك يا ملك الحيوان ‪ ،‬ويا ثابت الجنان‪.‬‬
‫فقال له السد ‪ :‬اقترب مني لناجيك ‪ ،‬وادن مني لشاجيك ‪ ،‬فأدنى من السد‬
‫الراس ‪ ،‬وكتم على النفاس ‪ ،‬فأنشب السد فيه أنيابه ‪ ،‬ومزق جلبابه ‪ ،‬وخلع‬
‫ثيابه ‪ ،‬وقال ‪ :‬ذق يا ابن البقرة ‪ ،‬يا سللة الفجرة ‪ ،‬عليك غبرة ‪ ،‬وانفرد السد‬
‫‪ ،‬في البلد ‪ ،‬وعلى كرسي الملك قعد ‪ .‬وأنشد‪:‬‬
‫ب إذا حاربت بالرأي والقنا‬
‫وحارِ ْ‬
‫دا لواحدِ‬
‫دا لدنيا وعب ً‬
‫وكن واح ً‬
‫ول تخش مخلوًقا فربك حافظ‬
‫فما انقادت المجاد إل لماجدِ‬
‫وإن شئت الزيادة ‪ ،‬وكثرة الفادة ‪ ،‬فعليك بالجاحظ ‪ ،‬فإنه لخبار الحيوان‬
‫دميري ‪.‬‬
‫حافظ ‪ ،‬أو اسأل غيره وغيري ‪ ،‬كالحيوان لل ّ‬
‫وصل وسلم على المعصوم ‪ ،‬الذي علمنا كيف نصلي ونصوم ‪ ،‬ما مال الشيح‬
‫والقيصوم ‪ ،‬واختلف الخصوم ‪.‬‬
‫**************************‬
‫مة الموت‬
‫مقا َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫)) قُ ْ‬
‫م ((‬
‫ن ِ‬
‫ذي ت َ ِ‬
‫ت ال ِ‬
‫فّرو َ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ملِقيك ْ‬
‫ه ُ‬
‫ه فَإ ِن ّ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫مو ْ َ‬
‫ن ال َ‬
‫لقد لمني عند القبور على البكا‬
‫َ‬
‫ل قبرٍ بالمل أنت نائح‬
‫أ ِ‬
‫ن أج ِ‬
‫م ْ‬
‫ه‬
‫فقال ‪ :‬أتبكي كل قبرٍ رأيت ُ‬
‫شجا يبعث ال ّ‬
‫ت له ‪ :‬إن ال ّ‬
‫ك‬
‫ف الدموع السواف ِ‬
‫شجا ‪ ...‬رفيقي لتذرا ِ‬
‫فقل ُ‬
‫ك‬
‫هال‬
‫كل‬
‫على‬
‫أو‬
‫ر‬
‫قب‬
‫كل‬
‫على‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ك‬
‫دكادِ ِ‬
‫ِلقبرٍ ثوى بين الّلوى فال ّ‬
‫ك‬
‫دعوني ‪ ،‬فهذا كله قبُر مال ِ‬
‫)‪(109 /‬‬
‫الموت هاذم اللذات ‪ ،‬ومفرق الجماعات ‪ ،‬ميتم البنين والبنات ‪ ،‬مخرب الديار‬
‫العامرات ‪ ،‬أسقى النفوس ‪ ،‬مرارة الكؤوس ‪ ،‬وأنزل التيجان من على‬
‫الرؤوس‪ ،‬نقل أهل القصور إلى القبور ‪ ،‬وس ّ‬
‫ل على الحياء سيفه المنشور ‪،‬‬
‫ألصق الخدود باللحود ‪ ،‬وساوى بين السيد والمسود ‪ ،‬زار الرسل والنبياء ‪،‬‬
‫وأخذ الذكياء والغبياء ‪ ،‬فاجأ أهل الفراح بالتراح ‪ ،‬ونادى فيهم الرواح الرواح‬
‫‪ ،‬كم من وجه بكفه لطمه‪ ،‬وكم من رأس بفأسه ح ّ‬
‫طمه ‪ ،‬يأخذ الطفل وفمه‬
‫مه ‪ ،‬ينزل الفارس من على ظهر‬
‫مه ‪ ،‬ويخنق النائم ورأسه على ك ّ‬
‫في ثدي أ ّ‬
‫ّ‬
‫الفرس ‪ ،‬ويقتلع الغارس وما غرس ‪ ،‬يخلع الوزير من الوزارة ‪ ،‬ويحط المير‬
‫من المارة ‪ ،‬إذا اكتمل الشاب ‪ ،‬وماس في الثياب ‪ ،‬وصار قوي الجناب ‪،‬‬

‫‪169‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فر أنفه في التراب ‪ ،‬يدوس ذا البأس الشديد ‪ ،‬والرأي‬
‫ُيرجى وُيهاب‪ ،‬ع ّ‬
‫السديد ‪ ،‬ويبطح كل بطل صنديد ‪ ،‬ولو كان خالد بن الوليد ‪ ،‬أو هارون الرشيد‬
‫‪ ،‬يسحب الملوك من العروش ‪ ،‬ويركب الجيوش على النعوش ‪ ،‬أسكت‬
‫خطباء المنابر ‪ ،‬وأذهل حملة المحابر ‪ ،‬وشتت أهل الدفاتر ‪ ،‬وطرح الحياء‬
‫صر آمال القياصره‪ ،‬زلزل أساس‬
‫في المقابر ‪ ،‬كسر ظهور الكاسره ‪ ،‬ق ّ‬
‫ساسان ‪ ،‬وما سلم منه سليمان ‪ ،‬وما نجا منه قحطان وعدنان‪ ،‬صّبح ثمود‬
‫وعاد ‪ ،‬وخّرب دار شداد وما شاد ‪ ،‬وهدم إرم ذات العماد ‪ ،‬التي لم يخلق‬
‫مثلها في البلد‪ ،‬ل يترك السلطين ‪ ،‬حتى يوسدهم الطين ‪ ،‬ل تظن أنك منه‬
‫ناج ‪ ،‬ولو سكنت البراج ‪.‬‬
‫الموت ينادي كل صباح ‪ :‬الرواح الرواح ‪ ،‬ويصيح كل مساء ‪ :‬يا حسرة على‬
‫الحياء ‪ ،‬ويقول للناس ‪ِ :‬لدوا للموت وابنوا للخراب ‪ ،‬فكلكم يصير إلى‬
‫سه وحجاُبه ‪ ،‬أنسيت‬
‫ذهاب ‪ ،‬يا من أعجبه شبابه ‪ ،‬وألهته ثيابه ‪ ،‬وأحاط به حر ُ‬
‫الموت وقد وصلك ركاُبه ‪ ،‬يا من أشغله السكن ‪ ،‬وحب الوطن ‪ ،‬وأمن المحن‬
‫‪ ،‬كأنك بالموت زارك ‪ ،‬وهدم دارك ‪.‬‬
‫ستنقلك المنايا عن ديارك‬
‫ً‬
‫فدود القبر في عينيك يرعى ‪ ...‬ويبدلك الِبل دارا بدارك‬
‫وترعى عين غيرك في ديارك‬
‫الموت كأس يدور على الحياء ‪ ،‬لبد أن يشربه أبناء حواء ‪ ،‬الموت ليس له‬
‫موعد مناسب ‪ ،‬فهو يأتي القاعد والماشي والراكب ‪ ،‬في ليلة الزفاف ‪ ،‬إذا‬
‫اجتمع الضياف ‪ ،‬يقدم الموت بحشوده ‪ ،‬ويهجم بجنوده ‪ ،‬يأخذ العريس أو‬
‫العروس ‪ ،‬لن مهمته قطف النفوس ‪ ،‬يهّنأ النسان بالمارة ‪ ،‬ويبارك له‬
‫ن عليه الموت الغارة ‪.‬‬
‫بالوزارة ‪ ،‬ثم يش ّ‬
‫يولد المولود ‪ ،‬ويعود المفقود ‪ ،‬ثم يفجؤ الموت الجميع بروعته‪ ،‬فتمتزج بسمة‬
‫المحب بدمعته ‪ ،‬يكتمل الجتماع ‪ ،‬ويلتقي الحباب من كل البقاع ‪ ،‬فإذا تمت‬
‫السعاده‪ ،‬وكل قلب بلغ ما أراده ‪ ،‬وصل الموت ففرق الجمع ‪ ،‬وأسبل الدمع ‪.‬‬
‫هو الموت ما منه ملذ ومهرب‬
‫ّ‬
‫حط ذا عن نعشه ذاك يركب‬
‫نؤمل آمال ً ونرجو نتاجها ‪ ...‬متى ُ‬
‫وع ّ‬
‫ل الردى مما نرجيه أقرب‬
‫وقف أحد الصالحين على المقابر ‪ ،‬ودمعه يتناثر ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا موت ماذا فعلت‬
‫بالحباب ؟ وماذا صنعت بالصحاب ؟ ثم أجاب نفسه بنفسه ‪ ،‬فقال ‪ :‬يقول‬
‫الموت ‪ :‬أكلت الحدقتين ‪ ،‬وأفنيت العينين ‪ ،‬ونهشت الشفتين ‪ ،‬وقطعت‬
‫الذنين‪ ،‬وفصلت الكفين من الرسغين ‪ ،‬والرسغين من الساعدين ‪،‬‬
‫والساعدين من العضدين ‪ ،‬والعضدين من الكتفين ‪ ،‬وفصلت القدمين من‬
‫الكعبين ‪ ،‬والكعبين من الساقين ‪ ،‬والساقين من الفخذين ‪ ،‬والفخذين من‬
‫الوركين ‪.‬‬
‫أتيت القبور فناديتها‬
‫تفانوا جميعا ً فما مخبر‬
‫فيا سائلي عن أناس مضوا‬
‫ّ‬
‫تروح وتغدو بنات الثرى ‪ ...‬أين المعظم والمحتقر‬
‫وماتوا جميعا ً ومات الخبر‬
‫أما لك فيما مضى معتبر‬
‫فتمحو محاسن تلك الصور‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إذا رأيت قصرا ً مشيدا ‪ ،‬وملكا عتيدا ‪ ،‬وبأسا شديدا ‪ ،‬فتذكر الموت فإذا‬
‫القصر تراب ‪ ،‬والملك خراب ‪ ،‬والبأس سراب ‪.‬‬
‫‪170‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إذا رأيت امرأة حسناء ‪ ،‬أو حديقة غّناء ‪ ،‬أو روضة فيحاء ‪ ،‬فتذكر الموت فإذا‬
‫الحسن مسلوب ‪ ،‬والجمال منهوب ‪.‬‬
‫فضح الموت الدنيا ‪ ،‬فلم يدع لذي لب فرحا ‪ ،‬ولكن أين من صحا ‪ ،‬وأصلح‬
‫فصار مفلحا ‪.‬‬
‫بينا ترى النسان فيها مخبرا ً‬
‫طبعت على كدر وأنت تريدها ‪ ...‬ألفيته خبرا ً من الخباِر‬
‫صفوا ً من القذار والكداِر‬
‫ويل لمن أشغله ماله ‪ ،‬وألهاه جماله ‪ ،‬وصده عياله ‪ .‬متى الفاقة يا من بحب‬
‫صل ما‬
‫الدنيا مخمور ‪ ،‬وببهرجها مغرور ‪ ،‬أما تذكر إذا بعثر ما في القبور و ُ‬
‫ح ّ‬
‫في الصدور ‪.‬‬
‫أين من رفرفت عليهم الرايات ‪ ،‬ورفعت لهم العلمات ‪ ،‬وأقيمت لهم‬
‫الحفلت ‪ ،‬وانعقدت لهم المهرجانات ‪.‬‬
‫صاِح! هذي قبورنا تمل ُ الّرحـ‬
‫م ال‬
‫خ ّ‬
‫ف ِ‬
‫ن أِدي َ‬
‫ف الوطء ما أظ ّ‬
‫ت في الهواء رويدا‬
‫ِ‬
‫سْر إن اسطع َ‬
‫ً‬
‫ب لحد ٍ قد صار لحدا مرارا‬
‫ُر ّ‬
‫ن‬
‫دفي‬
‫بقايا‬
‫على‬
‫ن‬
‫ودفي‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ب كلها الحياة ُ فما أعـ‬
‫تع ٌ‬
‫ب فأين القبوُر من عهد ِ عادِ ؟‬
‫ن حزنا ً في ساعة الموت أضعا ‪ ...‬ـ َ‬
‫إ ّ‬
‫ض إل من هذه الجسادِ‬
‫ر ِ‬
‫ت العبادِ‬
‫ل اختيال ً على ُرفا ِ‬
‫ك من تزاحم الضدادِ‬
‫ضاح ٍ‬
‫في طويل الزمان والبادِ‬
‫ب في ازديادِ‬
‫ـج ُ‬
‫ب إل من راغ ٍ‬
‫ُ‬
‫ف سرورٍ في ساعة الميلدِ‬
‫)‪(110 /‬‬
‫أين من وّلى وعزل ‪ ،‬وأين من ظلم وأين من عدل ‪ ،‬وأين من سجن وجلد‬
‫وقتل ‪ ،‬أين من حفت به الجنود ‪ ،‬واجتمعت عليه الحشود ‪ ،‬وخفقت على‬
‫رأسه البنود ‪ ،‬أين من دارت عليه الكؤوس ‪ ،‬وانخلعت من هيبته النفوس ‪،‬‬
‫وطارت بأوامره الرؤوس ‪ ،‬أين من جمع ومنع ‪ ،‬ووصل وقطع ‪ ،‬واغتنى‬
‫وافتقر ‪ ،‬وهزم وانتصر ‪.‬‬
‫ل تحرسهم‬
‫ل الجبا ِ‬
‫باتوا على قل ِ‬
‫واستنزلوا بعد عز من معاقلهم‬
‫تلك الوجوه التي كانت محجبة‬
‫لطالما أكلوا يوما ً وكم شربوا ‪ ...‬غلب الرجال فما أغنتهم القلل‬
‫إلى مقابرهم يا بئس ما نزلوا‬
‫من دونها تضرب الستار والحلل‬
‫فأصبحوا في لحود الرض قد أكلوا‬
‫بعض السلف ذكر الموت فخارت قواه ‪ ،‬وصاح أّواه‪ ،‬وبعضهم كاد أن يطير‬
‫لبه ‪ ،‬وأن يتفطر قلبه ‪.‬‬
‫إذا رأيت الخوان والجيران والخلن ‪ ،‬فتذكر كل من عليها فان ‪.‬‬
‫إذا أبصرت البستان والفنان والغصان ‪ ،‬فتذكر كل من عليها فان ‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إذا شاهدت القصور والدور والحبور والسرور فتذكر يوم يبعثر ما في القبور ‪،‬‬
‫ويحصل ما في الصدور ‪.‬‬
‫مى الموت مصيبه ‪ ،‬وأنت عنه في غيبه ‪ ،‬أخذ القوي والضعيف ‪،‬‬
‫الله س ّ‬
‫والوضيع والشريف ‪ ،‬والغالب والمغلوب ‪ ،‬والسالب والمسلوب ‪ ،‬قبر الغني‬
‫جوار قبر الفقير ‪ ،‬وقبر المأمور بجانب قبر المير ‪.‬‬
‫من ‪ ،‬ل يترك شابا ً ليكتمل شبابه ‪ ،‬ول‬
‫الموت مباغت ل يستأذن ‪ ،‬ومهاجم ل ُيؤ َ‬
‫صل الثوب فيأخذ‬
‫صاحبا ً ليتمتع به أصحابه ‪ ،‬ول حبيبا ً يستأنس به أحبابه ‪ ،‬يف ّ‬
‫صاحبه قبل أن يلبس ‪ ،‬ويبنى المجلس فيخترم الموت الباني قبل أن يجلس ‪،‬‬
‫تزف المرأة لزوجها فيهاجمه الموت ليلة الزواج ‪ ،‬يزرع الزارع فيختلسه‬
‫الموت قبل النتاج ‪ ،‬الموت له صور وأشكال ‪ ،‬ومشاهد وأحوال ‪ ،‬مرة يقتل‬
‫بسيف أو برمح ‪ ،‬أو داء أو جرح ‪ ،‬أو بعرق ينبض ‪ ،‬أو بعضو يمرض ‪ ،‬أو بحرب‬
‫هائله ‪ ،‬أو مجاعة قاتله ‪ ،‬المهم أنه لبد منه ‪ ،‬ول محيص عنه } قُ ْ‬
‫ت‬
‫ل إِ ّ‬
‫مو ْ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ما ت َ ُ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ذي ت َ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫فّرو َ‬
‫م { يصّبحكم أو يم ّ‬
‫كوُنوا ي ُد ْرِك ْ‬
‫سيكم ‪ } ،‬أي ْن َ َ‬
‫ملِقيك ُ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ه فَإ ِن ّ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ت وَل َوْ ُ‬
‫م َ‬
‫شي ّد َةٍ { ‪ ،‬أو دونكم جنود مؤّيده ‪ ،‬كل شيء هالك‬
‫م ِفي ب ُُروٍج ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫مو ْ ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن إل الحي القيوم ‪.‬‬
‫إل وجهه الكريم ‪ ،‬وكل حي فا ٍ‬
‫الموت يسقط الطيور ‪ ،‬ويخطف الصقور ‪ ،‬ويلتهم النسور ‪ ،‬يصيد الموت كل‬
‫عائمه ‪ ،‬ويدرك كل هائمه ‪ ،‬ويجتاح كل سائمه ‪ ،‬يزحف على الحيوانات ‪،‬‬
‫والعجماوات ‪ ،‬والحشرات ‪ ،‬يدخل القصور والكواخ ‪ ،‬ويصرع الطفال‬
‫والشياخ ‪ ،‬فسبحان من خلق الموت آية ‪ ،‬وجعله نهاية ‪ ،‬وصيره لكل حي غاية‬
‫‪ } .‬إ ِن ّ َ‬
‫ن{‬
‫مي ُّتو َ‬
‫م َ‬
‫ت وَإ ِن ّهُ ْ‬
‫مي ّ ٌ‬
‫ك َ‬
‫زار الرسل والنبياء ‪ ،‬ووفد على الصفياء والولياء ‪ ،‬وطاف على الحكماء‬
‫والعلماء والدباء والشعراء ‪ ،‬فسقى الجميع بكأسه ‪ ،‬وهشم الكل بفأسه ‪ ،‬فل‬
‫مر ولو رجا ‪ ،‬ول الكاره له سلم منه ولو‬
‫صاحب القصر نجا ‪ ،‬ول محب الدنيا ع ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫جعَل َْنا ل ِب َ َ‬
‫ن{‪.‬‬
‫م ال َ‬
‫ن قَب ْل ِك ال ُ‬
‫ن ِ‬
‫شرٍ ِ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫خلد َ أفَإ ِ ْ‬
‫ما َ‬
‫ت فَهُ ْ‬
‫م ّ‬
‫مه وهجا ‪ } ،‬وَ َ‬
‫ذ ّ‬
‫م ْ‬
‫نعد المشرفية والعوالي‬
‫ل‬
‫ونرتبط السوابق مقربات ‪ ...‬وتقتلنا المنون بل قتا ِ‬
‫فما ينجين من خبب الليالي‬
‫أخرج الموت وساوس ساسان ‪ ،‬وما سلم منه سليمان ‪ ،‬وخّرب ما شيده‬
‫وشاده شداد ‪ ،‬وعاد بالكسر على عود ثمود وعاد ‪ ،‬وحط قحطان ‪ ،‬وأعدم‬
‫عدنان ‪.‬‬
‫الموت يفجؤ بعد العين بالثر‬
‫أنهاك أنهاك ل آلوك موعظة‬
‫هي المنايا وقاك الله سطوتها‬
‫ومّرغت قيصر الرومي ودولته‬
‫ليت المنايا رعت من كان ذا همم‬
‫وليتها إذ فدت عمرا ً بخارجة‬
‫وابن الزبير أتى بالبيت محتميا‬
‫قد ذاقها أنبياء الله ما سلموا‬
‫دع الليالي مع اليام تصحبنا‬
‫****************************** ‪ ...‬فما البكاء على الشباح والصوِر‬
‫ر‬
‫عن نومة بين ناب الليث والظف ِ‬
‫ر‬
‫دكت عروش ذو التيجان والخط ِ‬
‫ر‬
‫وألصقت خد كسرى أضيق الحف ِ‬
‫ر‬
‫وزلزلت أشبه الحياء بالبق ِ‬
‫‪172‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ر‬
‫فدت علي ّا ً بمن شاءت من البش ِ‬
‫ر‬
‫فمّزقته بقرب الركن والحج ِ‬
‫ر‬
‫من فتلها فاعتبر ما جاء في السي ِ‬
‫ر‬
‫سم‬
‫فالِبيض وال ُ‬
‫سمر مثل الَبيض وال َ ِ‬
‫فهرس الموضوعات‬
‫عائض بن عبد الله القرني ‪1 ... .‬‬
‫الهداء ‪1 ...‬‬
‫جنا رسائلنا ‪2 ...‬‬
‫إلى رحابك دب ّ‬
‫تكاد ُتحرق من أشواقنا لهبا ‪2 ...‬‬
‫يا قارئ الحرف أهديناك أحرفنا ‪2 ...‬‬
‫وقبلها قد بعثنا الدمع منسكبا ‪2 ...‬‬
‫شوقا ً إليك فهل ترضى محبتنا ‪2 ...‬‬
‫دبا ‪2 ...‬‬
‫مهرا ً وإل بعثنا القلب واله َ‬
‫فغيرنا بمداد الحبر قد كتبوا ‪2 ...‬‬
‫ومن دمانا كتبنا الشعر والخطبا ‪2 ...‬‬
‫عنوان المؤلف ‪3 ...‬‬
‫أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن ‪3 ...‬‬
‫أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني ‪3 ...‬‬
‫وفي ربى مكة تأريخ ملحمة ‪3 ...‬‬
‫على ثراها بنينا العالم الثاني ‪3 ...‬‬
‫في طيبة المصطفى عهدي وموعظتي ‪3 ...‬‬
‫هناك ينسج تاريخي وعرفاني ‪3 ...‬‬
‫بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا ‪3 ...‬‬
‫بالرقمتين وبالفسطاط جيراني ‪3 ...‬‬
‫النيل مائي ومن عمان تذكرتي ‪3 ...‬‬
‫وفي الجزائر إخواني وتطواني ‪3 ...‬‬
‫والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا ‪3 ...‬‬
‫بدايتي وبه قد شع قرآني ‪3 ...‬‬
‫وثيقتي كتبت في اللوح وانهمرت ‪3 ...‬‬
‫آياتاها فاقرؤوا يا قوم عنواني ‪3 ...‬‬
‫فأينما ذكر اسم الله في بلد ٍ ‪3 ...‬‬
‫)‪(111 /‬‬
‫عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني ‪3 ...‬‬
‫تليفون ‪ 4195398 :‬فاكس ‪3 ... 4196663 :‬‬
‫مات ‪4 ...‬‬
‫مقدمة المقا َ‬
‫ها { ‪4 ...‬‬
‫سا َ‬
‫جَرا َ‬
‫م ْ‬
‫مْر َ‬
‫} ب ِا ِ ْ‬
‫ها وَ ُ‬
‫سم ِ الل ّهِ َ‬
‫مات ‪6 ...‬‬
‫بين يدي المقا َ‬
‫َ‬
‫} َقا َ‬
‫با ْ‬
‫ري { ‪6 ...‬‬
‫شَر ْ‬
‫ل َر ّ‬
‫صد ِْري )‪ (25‬وَي َ ّ‬
‫سْر ِلي أ ْ‬
‫ح ِلي َ‬
‫م ِ‬
‫ة الّتوحيد ‪7 ...‬‬
‫م ُ‬
‫مقا َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه { ‪7 ...‬‬
‫ه إ ِل الل ُ‬
‫ه ل إ ِل َ‬
‫م أن ّ ُ‬
‫} َفاعْل ْ‬
‫مة اللهية ‪11 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه ِإل أَنا { ‪11 ...‬‬
‫ه ل إ ِل َ‬
‫} إ ِن ِّني أَنا الل ُ‬
‫‪173‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مة الّنبوّية ‪17 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ظيم ٍ { ‪17 ...‬‬
‫} وَإ ِن ّك لَعلى ُ‬
‫ق عَ ِ‬
‫خل ٍ‬
‫مة الكونية ‪21 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫ذا خل ْق الل ّه فَأ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ُدون ِهِ { ‪21 ...‬‬
‫م‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ق‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ذا‬
‫ما‬
‫ني‬
‫رو‬
‫ِ ُ ِ‬
‫َ‬
‫} هَ َ َ ُ‬
‫َ َ ِ َ ِ ْ‬
‫مة الحديثّية ‪25 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫حى { ‪25 ...‬‬
‫ي ُيو َ‬
‫ن هُوَ ِإل وَ ْ‬
‫وى )‪ (3‬إ ِ ْ‬
‫} وَ َ‬
‫ح ٌ‬
‫ن ال ْهَ َ‬
‫ما ي َن ْط ِقُ عَ ْ‬
‫مة العلمّية ‪29 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫)) العلماء ورثة النبياء (( ‪29 ...‬‬
‫مة السلفّية ‪32 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة اليوسفّية ‪36 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة السليمانية ‪39 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫سينّية ‪42 ...‬‬
‫مة ال ُ‬
‫ح َ‬
‫المقا َ‬
‫مة التيمّية ‪45 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫هاب ‪52 ...‬‬
‫مد بن عبد الو ّ‬
‫مة المام مح ّ‬
‫مقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن إ ِلهٍ غي ُْره ُ { ‪52 ...‬‬
‫م ِ‬
‫} َياقوْم ِ اعْب ُ ُ‬
‫ما لك ْ‬
‫ه َ‬
‫دوا الل َ‬
‫م ْ‬
‫مة البازّية ‪55 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫دعوّية ‪61 ...‬‬
‫ال‬
‫مة‬
‫ّ‬
‫المقا َ‬
‫مة الجهادية ‪72 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة الزهدّية ‪75 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة الدبّية ‪76 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة الخطابّية ‪83 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة التوبة ‪86 ...‬‬
‫مقا َ‬
‫مة التاريخية ‪89 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫سلطانّية ‪91 ...‬‬
‫مة ال ّ‬
‫***************************المقا َ‬
‫سلطانّية ‪92 ...‬‬
‫مة ال ّ‬
‫المقا َ‬
‫مة الجامعّية ‪95 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة الشيطانية ‪99 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة البوّية ‪102 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫صحفية ‪105 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة ال ّ‬
‫مة القلم ‪107 ...‬‬
‫مقا َ‬
‫مة الكتاب ‪110 ...‬‬
‫مقا َ‬
‫مة الطبّية ‪112 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫****************** ‪114 ...‬‬
‫مة التجارّية ‪115 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة المتنبي ‪118 ...‬‬
‫مقا َ‬
‫مة ال ّ‬
‫شفائية ‪130 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة الرمضانّية ‪134 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫مة الخبارّية ‪137 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫نستودعكم الله ولنا لقاء ‪ ،‬مع تحيات وكالة النباء ‪139 ... .‬‬
‫ب ‪140 ...‬‬
‫مة الح ّ‬
‫مقا َ‬
‫مة النحوّية ‪145 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة الجمال ‪150 ...‬‬
‫مقا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه { ‪150 ...‬‬
‫خل َ‬
‫يٍء َ‬
‫} ال ّ ِ‬
‫ذي أ ْ‬
‫ح َ‬
‫ق ُ‬
‫ن كل ش ْ‬
‫س َ‬
‫مة الفقهّية ‪154 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫‪174‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مة الجغرافية ‪156 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة البوليسية ‪158 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة ‪160 ...‬‬
‫مة اله ّ‬
‫مقا َ‬
‫مة البخلء ‪164 ...‬‬
‫مقا َ‬
‫مة السعادة ‪166 ...‬‬
‫مقا َ‬
‫مة الفرج بعد الشدة ‪168 ...‬‬
‫مقا َ‬
‫مة الشبابّية ‪172 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة السياسّية ‪176 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة المكّية ‪179 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة المدنّية ‪183 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة النجدّية ‪186 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫ً‬
‫ـا صاحبي قفا لي واقضيا وطرا ‪186 ...‬‬
‫سعودّية ‪190 ...‬‬
‫مة ال ّ‬
‫المقا َ‬
‫مة السراتّية ‪194 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫جةٍ { ‪194 ...‬‬
‫ت ب َهْ َ‬
‫ح َ‬
‫} فَأن ْب َت َْنا ب ِهِ َ‬
‫دائ ِقَ َذا َ‬
‫مة الخليجّية ‪198 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة اليمانّية ‪201 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة المصرّية ‪208 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة الدمشقية ‪211 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة البغدادّية ‪214 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة الفلسطينّية ‪218 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫جد ِ‬
‫سَرى ب ِعَب ْدِهِ لي ْل ً ِ‬
‫ن ال ِ‬
‫جدِ ال َ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي أ ْ‬
‫} ُ‬
‫س ِ‬
‫حَرام ِ إ ِلى ال َ‬
‫س ِ‬
‫ن ال َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫صى { ‪218 ...‬‬
‫القْ َ‬
‫مة الفغانّية ‪225 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫مة المريكانية ‪228 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫والرعد يا ليته في أرضها خطبا حتى تصير على أطللها لهبا ‪232 ...‬‬
‫مة النسائية ‪236 ...‬‬
‫المقا َ‬
‫ة الحّيل ‪241 ...‬‬
‫م ُ‬
‫مقا َ‬
‫********************** ‪242 ...‬‬
‫مة الحيوان ‪243 ...‬‬
‫مقا َ‬
‫مة الموت ‪251 ...‬‬
‫مقا َ‬
‫)‪(112 /‬‬
‫م يحيي الله به أمة‪ ..‬قطرة دم تحيي شعًبا‬
‫غل ٌ‬
‫رئيسي ‪:‬الدعوة ‪:‬الثلثاء ‪ 7‬ربيع الول ‪1425‬هـ ‪ 27 -‬أبريل ‪2004‬م‬
‫َ‬
‫م َقا َ‬
‫سو َ‬
‫ل‪:‬‬
‫بأ ّ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫صهَي ْ ٍ‬
‫ن ُ‬
‫في 'صحيح مسلم' عَ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫] َ‬
‫مل ِ ٌ‬
‫ما كب َِر َقا َ‬
‫سا ِ‬
‫ك إ ِّني قَد ْ‬
‫مل ِ ِ‬
‫م وَكا َ‬
‫كا َ‬
‫كا َ‬
‫ه َ‬
‫ل ل ِل َ‬
‫حٌر فَل ّ‬
‫نل ُ‬
‫ن قَب ْلك ْ‬
‫ك ِفي َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ه فَ َ‬
‫ن ِفي‬
‫حَر فَب َعَ َ‬
‫ت َفاب ْعَ ْ‬
‫كا َ‬
‫س ْ‬
‫ه ال ّ‬
‫م ُ‬
‫ما ي ُعَل ّ ُ‬
‫ث إ ِل َي ْهِ غَُل ً‬
‫م ُ‬
‫ما أعَل ّ ْ‬
‫ي غَُل ً‬
‫ك َب ِْر ُ‬
‫ث إ ِل َ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه فَ َ‬
‫سل َ َ‬
‫حَر‬
‫ب فَ َ‬
‫سا ِ‬
‫س ِ‬
‫ري ِ‬
‫كا َ‬
‫ه فَأعْ َ‬
‫ك َراهِ ٌ‬
‫ن إ َِذا أَتى ال ّ‬
‫قعَد َ إ ِل َي ْهِ وَ َ‬
‫قهِ إ َِذا َ‬
‫جب َ ُ‬
‫م ُ‬
‫معَ ك ََل َ‬
‫طَ ِ‬
‫َ‬
‫ش َ‬
‫كا ذ َل ِ َ‬
‫قا َ‬
‫ه فَ َ‬
‫ل‬
‫ب فَ َ‬
‫سا ِ‬
‫حَر َ‬
‫ب وَقَعَد َ إ ِل َي ْهِ فَإ َِذا أَتى ال ّ‬
‫ضَرب َ ُ‬
‫َ‬
‫ك إ َِلى الّراهِ ِ‬
‫مّر ِبالّراهِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫ق ْ‬
‫سِني‬
‫ت أهْلك فَ ُ‬
‫حَر فَ ُ‬
‫سِني أهِْلي وَإ َِذا َ‬
‫إ َِذا َ‬
‫سا ِ‬
‫خ ِ‬
‫خ ِ‬
‫ل َ‬
‫ل َ‬
‫حب َ َ‬
‫حب َ َ‬
‫ت ال ّ‬
‫شي َ‬
‫شي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫سف َ‬
‫سا ِ‬
‫ما هُوَ كذ َل ِك إ ِذ ْ أَتى عَلى َداب ّةٍ عَ ِ‬
‫مةٍ قد ْ َ‬
‫حب َ َ‬
‫ال ّ‬
‫س ْ‬
‫ظي َ‬
‫حُر فب َي ْن َ َ‬
‫ت الّنا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫جًرا ف َ‬
‫ضل فأ َ‬
‫سا ِ‬
‫ن كا َ‬
‫م إِ ْ‬
‫ح َ‬
‫خذ َ َ‬
‫ب أف َ‬
‫م الّراهِ ُ‬
‫حُر أف َ‬
‫ضل أ ْ‬
‫ال ْي َوْ َ‬
‫م آل ّ‬
‫قال اللهُ ّ‬
‫م أعْل ُ‬
‫‪175‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كم َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حرِ َفاقْت ُ ْ‬
‫س‬
‫داب ّ َ‬
‫سا ِ‬
‫م ِ‬
‫ة َ‬
‫ل هَذِهِ ال ّ‬
‫ح ّ‬
‫بأ َ‬
‫مرِ ال ّ‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫أ ْ‬
‫ي الّنا ُ‬
‫مُر الّراهِ ِ‬
‫ض َ‬
‫ب إ ِل َي ْ َ ِ ْ‬
‫س‪.‬‬
‫ها فَ َ‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫قت َل ََها وَ َ‬
‫فََر َ‬
‫ضى الّنا ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض ُ‬
‫قا َ‬
‫غ‬
‫خب ََره ُ فَ َ‬
‫مّني قَد ْ ب َل َ َ‬
‫ب فَأ ْ‬
‫ل ِ‬
‫م أفْ َ‬
‫ه الّراهِ ُ‬
‫فَأَتى الّراهِ َ‬
‫ت ال ْي َوْ َ‬
‫ي أن ْ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ب أيْ ب ُن َ ّ‬
‫م َ‬
‫ي وَ َ‬
‫ما أ ََرى وَإ ِن ّ َ‬
‫مرِ َ‬
‫م ي ُب ْرِ ُ‬
‫ت فََل ت َد ُ ّ‬
‫ئ‬
‫كا َ‬
‫ست ُب ْت ََلى فَإ ِ ْ‬
‫ن ال ْغَُل ُ‬
‫ك َ‬
‫ن اب ْت ُِلي َ‬
‫ك َ‬
‫نأ ْ‬
‫ل عَل َ ّ‬
‫ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫د‬
‫ق‬
‫ن‬
‫كا‬
‫ك‬
‫ل‬
‫م‬
‫ل‬
‫ل‬
‫س‬
‫لي‬
‫ج‬
‫ع‬
‫م‬
‫س‬
‫ف‬
‫ء‬
‫ِ‬
‫وا‬
‫د‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ر‬
‫ئ‬
‫سا‬
‫ن‬
‫م‬
‫س‬
‫نا‬
‫ال‬
‫وي‬
‫دا‬
‫ي‬
‫و‬
‫ص‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ل‬
‫وا‬
‫ه‬
‫م‬
‫ك‬
‫ّ َ ِ ْ َ ِ‬
‫َ ْ‬
‫َ ِ َ َ ِ ٌ ِ َ ِ ِ‬
‫اْل َ َ َ َ ْ َ َ َ ُ َ‬
‫ْ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ك أ َجمع إ َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫ت َ‬
‫ل إ ِّني َل‬
‫في ْت َِني فَ َ‬
‫ش َ‬
‫داَيا ك َِثيَرةٍ فَ َ‬
‫ما َ‬
‫عَ ِ‬
‫هاهَُنا ل َ َ ْ َ ُ ِ ْ‬
‫ي فَأَتاه ُ ب ِهَ َ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فا َ‬
‫ه فَ َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫أَ ْ‬
‫ن‬
‫ش َ‬
‫ش ِ‬
‫ش ِ‬
‫ه فَإ ِ ْ‬
‫ح ً‬
‫في أ َ‬
‫ك َفآ َ‬
‫ت الل َ‬
‫ت ِباللهِ د َعَوْ ُ‬
‫من ْ َ‬
‫تآ َ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫في الل ُ‬
‫دا إ ِن ّ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫مل ِ َ‬
‫قا َ‬
‫ِبالل ّهِ فَ َ‬
‫ن‬
‫س فَ َ‬
‫ش َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫كا َ‬
‫ك فَ َ‬
‫ك َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫س إ ِل َي ْهِ ك َ َ‬
‫ه فَأَتى ال ْ َ‬
‫فاهُ الل ّ ُ‬
‫جل ِ ُ‬
‫جل َ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ل َرّبي وََرب ّ َ‬
‫ل وَل َ َ‬
‫صَر َ‬
‫َرد ّ عَل َي ْ َ‬
‫ري َقا َ‬
‫ل َرّبي َقا َ‬
‫ك َقا َ‬
‫م‬
‫ه فَأ َ‬
‫ب غَي ْ‬
‫ك َر ّ‬
‫خذ َه ُ فَل َ ْ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫ك بَ َ‬
‫ِ‬
‫ل ل َه ال ْمل ِ ُ َ‬
‫حّتى د َ ّ‬
‫ي ََز ْ‬
‫غ‬
‫جيَء ِبال ْغَُلم ِ فَ َ‬
‫ي قَد ْ ب َل َ َ‬
‫ه َ‬
‫قا َ ُ َ‬
‫ل عََلى ال ْغَُلم ِ فَ ِ‬
‫ل ي ُعَذ ّب ُ ُ‬
‫ك أيْ ب ُن َ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫فعَ ُ‬
‫فعَ ُ‬
‫ل إ ِّني ل أ ْ‬
‫دا‬
‫ل فَ َ‬
‫ل وَت َ ْ‬
‫ص وَت َ ْ‬
‫ش ِ‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫ح ً‬
‫في أ َ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫ما ت ُب ْرِئُ الك َ‬
‫حرِك َ‬
‫ه َوالب َْر َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫حّتى د َ ّ‬
‫م ي ََز ْ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ب‪.‬‬
‫ه فَأ َ‬
‫ش ِ‬
‫ه َ‬
‫ل ي ُعَذ ّب ُ ُ‬
‫خذ َهُ فَل ْ‬
‫في الل ُ‬
‫إ ِن ّ َ‬
‫ل عَلى الّراهِ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قي َ‬
‫مئ ْ َ‬
‫مئ ْ َ‬
‫شاَر‬
‫ن ِدين ِك فَأَبى فَد َ َ‬
‫ضعَ ال ِ‬
‫عا ِبال ِ‬
‫ب فَ ِ‬
‫شارِ فَوَ َ‬
‫ه اْر ِ‬
‫لل ُ‬
‫فَ ِ‬
‫جيَء ِبالّراهِ ِ‬
‫جع ْ ع َ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قي َ‬
‫سهِ ف َ‬
‫ش ّ‬
‫ش ّ‬
‫م ْ‬
‫كف ِ‬
‫حّتى وَقعَ ِ‬
‫ق َرأ ِ‬
‫جعْ‬
‫مل ِ ِ‬
‫جيَء ب ِ َ‬
‫ه َ‬
‫ه اْر ِ‬
‫لل ُ‬
‫س ال َ‬
‫م ِ‬
‫قاه ُ ث ُ ّ‬
‫ق ُ‬
‫ِفي َ‬
‫فرِ ِ‬
‫جِلي ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سهِ ف َ‬
‫مئ َ‬
‫م‬
‫ش ّ‬
‫ش ّ‬
‫م ْ‬
‫حّتى وَقعَ ِ‬
‫ق َرأ ِ‬
‫ضعَ ال ِ‬
‫ه ب ِهِ َ‬
‫ن ِدين ِك فأَبى فوَ َ‬
‫قاهُ ث ّ‬
‫ق ُ‬
‫شاَر ِفي َ‬
‫عَ ْ‬
‫فرِ َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫حاب ِهِ ف ََ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قالَ‬
‫َ‬
‫ه إ ِلى ن َ َ‬
‫فرٍ ِ‬
‫جيَء ِبالغُلم ِ ف ِ‬
‫ص َ‬
‫ن ِدين ِك فأَبى فد َفعَ ُ‬
‫ه اْر ِ‬
‫قيل ل ُ‬
‫ِ‬
‫نأ ْ‬
‫م ْ‬
‫جع ْ ع َ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ع‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ت‬
‫و‬
‫ر‬
‫ذ‬
‫م‬
‫ت‬
‫غ‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ج‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ه‬
‫ب‬
‫دوا‬
‫ع‬
‫ص‬
‫فا‬
‫ذا‬
‫ك‬
‫و‬
‫ذا‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ج‬
‫لى‬
‫إ‬
‫ه‬
‫ب‬
‫بوا‬
‫ه‬
‫ذ‬
‫ْ َ ُ ِ ِ َ َ‬
‫ِ َ ْ ُ ْ ْ ََ ُ ِ ْ َ َ َ َ ْ‬
‫َ‬
‫َ َ ِ‬
‫ا َ ُ ِ ِ ِ‬
‫قا َ‬
‫جب َ َ‬
‫ت‬
‫ل فَ َ‬
‫ما ِ‬
‫م اك ْ ِ‬
‫دوا ب ِهِ ال ْ َ‬
‫صعِ ُ‬
‫ِدين ِهِ وَإ ِّل َفاط َْر ُ‬
‫شئ ْ َ‬
‫م بِ َ‬
‫فِنيهِ ْ‬
‫ل الل ّهُ ّ‬
‫حوهُ فَذ َهَُبوا ب ِهِ فَ َ‬
‫ق ُ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ما فَعَ َ‬
‫قا َ‬
‫جب َ ُ‬
‫ل‬
‫ك فَ َ‬
‫س َ‬
‫ج َ‬
‫م ِ‬
‫مل ِ ِ‬
‫طوا وَ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫فََر َ‬
‫ل فَ َ‬
‫ك َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫شي إ َِلى ال ْ َ‬
‫جاَء ي َ ْ‬
‫ف ب ِهِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حاب ُ َ‬
‫قا َ‬
‫ك َقا َ‬
‫ه‬
‫حاب ِهِ فَ َ‬
‫ه إ َِلى ن َ َ‬
‫ل كَ َ‬
‫ل اذ ْهَُبوا ب ِ ِ‬
‫فرٍ ِ‬
‫ص َ‬
‫ص َ‬
‫ه فَد َفَعَ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫فاِنيهِ ُ‬
‫نأ ْ‬
‫أ ْ‬
‫م ْ‬
‫س ُ‬
‫ح ِ‬
‫ن َر َ‬
‫حَر فَإ ِ ْ‬
‫طوا ب ِهِ ال ْب َ ْ‬
‫َفا ْ‬
‫مُلوه ُ ِفي قُْرُقورٍ فَت َوَ ّ‬
‫ن ِدين ِهِ وَإ ِّل َفاقْذُِفوهُ‬
‫جع َ ع َ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫قا َ‬
‫ة فَغَرُِقوا‪.‬‬
‫ت َفان ْك َ َ‬
‫فَذ َهَُبوا ب ِهِ فَ َ‬
‫فين َ ُ‬
‫س ِ‬
‫ما ِ‬
‫م اك ْ ِ‬
‫م ال ّ‬
‫ت ب ِهِ ْ‬
‫فأ ْ‬
‫شئ ْ َ‬
‫م بِ َ‬
‫فِنيهِ ْ‬
‫ل اللهُ ّ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ك ما فَع َ َ‬
‫حاب ُ َ‬
‫ك َقا َ‬
‫قا َ‬
‫ه‬
‫ل كَ َ‬
‫ك فَ َ‬
‫م ِ‬
‫ص َ‬
‫َ‬
‫مل ِ ِ‬
‫وَ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫فاِنيهِ ُ‬
‫مل ِ ُ َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫شي إ َِلى ال ْ َ‬
‫جاَء ي َ ْ‬
‫لأ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما هُوَ َقا َ‬
‫مُرك ب ِهِ َقا َ‬
‫فعَ َ‬
‫قا َ‬
‫ع‬
‫حّتى ت َ ْ‬
‫ت بِ َ‬
‫فَ َ‬
‫م ُ‬
‫ل تَ ْ‬
‫قات ِِلي َ‬
‫مل ِ ِ‬
‫ك إ ِن ّك ل ْ‬
‫ج َ‬
‫ل وَ َ‬
‫ما آ ُ‬
‫ل َ‬
‫س َ‬
‫ل ل ِل َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ع‬
‫م ُ‬
‫صِعيد ٍ َوا ِ‬
‫ما ِ‬
‫ض ْ‬
‫م َ‬
‫خذ ْ َ‬
‫ن ك َِنان َِتي ث ُ ّ‬
‫سهْ ً‬
‫جذ ٍْع ث ُ ّ‬
‫صلب ُِني عَلى ِ‬
‫حد ٍ وَت َ ْ‬
‫س ِفي َ‬
‫الّنا َ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مق ْ‬
‫ت‬
‫م ِفي كب ِدِ ال َ‬
‫م اْر ِ‬
‫سم ِ اللهِ َر ّ‬
‫ل ِبا ْ‬
‫ال ّ‬
‫مِني فإ ِن ّك إ َِذا فعَل َ‬
‫ب الغُلم ِ ث ُ ّ‬
‫س ثُ ّ‬
‫سهْ َ‬
‫قو ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫مأ َ‬
‫صِعيد ٍ َوا ِ‬
‫ما ِ‬
‫ذ َل ِك قت َلت َِني ف َ‬
‫خذ َ َ‬
‫سهْ ً‬
‫جذ ٍْع ث ّ‬
‫ه عَلى ِ‬
‫صلب َ ُ‬
‫ج َ‬
‫حد ٍ و َ َ‬
‫س ِفي َ‬
‫معَ الّنا َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ِفي كب ْدِ ال َ‬
‫سم ِ اللهِ َر ّ‬
‫م وَ َ‬
‫م قال ِبا ْ‬
‫ضعَ ال ّ‬
‫ماهُ‬
‫م َر َ‬
‫ب الغُلم ِ ث ّ‬
‫سث ّ‬
‫سهْ َ‬
‫ك َِنان َت ِهِ ث ُ ّ‬
‫قو ْ ِ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫ت فَ َ‬
‫مو ْ ِ‬
‫صد ِْغهِ فَوَ َ‬
‫ضِع ال ّ‬
‫فَوَقَعَ ال ّ‬
‫ما َ‬
‫سهْم ِ فَ َ‬
‫صد ِْغهِ ِفي َ‬
‫سهْ ُ‬
‫ضعَ ي َد َه ُ ِفي ُ‬
‫م ِفي ُ‬
‫ُ‬
‫مل ِ ُ‬
‫قي َ‬
‫ه‬
‫ك فَ ِ‬
‫مّنا ب َِر ّ‬
‫مّنا ب َِر ّ‬
‫مّنا ب َِر ّ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫ب ال ْغَُلم ِ آ َ‬
‫ب ال ْغَُلم ِ آ َ‬
‫سآ َ‬
‫الّنا ُ‬
‫ب ال ْغَُلم ِ فَأت ِ َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ُ‬
‫حذ َُر َ‬
‫ل بِ َ‬
‫حذ َُر قَد ْ َوالل ّهِ ن ََز َ‬
‫دودِ ِفي‬
‫ن الّنا‬
‫م‬
‫مَر ِباْل ْ‬
‫خ ُ‬
‫ك َ‬
‫ت تَ ْ‬
‫س فَأ َ‬
‫ك قَد ْ آ َ‬
‫ما ك ُن ْ َ‬
‫ت َ‬
‫أَرأي ْ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن وََقا َ‬
‫موه ُ ِفيَها‬
‫ك فَ ُ‬
‫ن ِدين ِهِ فَأ ْ‬
‫م الّنيَرا َ‬
‫ت وَأ ْ‬
‫سك َ ِ‬
‫ضَر َ‬
‫واهِ ال ّ‬
‫ح ُ‬
‫م ي َْر ِ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ل َ‬
‫خد ّ ْ‬
‫جع ْ ع َ ْ‬
‫م ْ‬
‫أفْ َ‬
‫َ‬
‫فعُلوا حتى جاَءت ا َ‬
‫أ َوْ ِقي َ‬
‫ع‬
‫ن تَ َ‬
‫ي ل ََها فَت َ َ‬
‫ه اقْت َ ِ‬
‫َ ّ‬
‫ق َ‬
‫تأ ْ‬
‫َ‬
‫م فَ َ َ‬
‫قاعَ َ‬
‫س ْ‬
‫مَرأة ٌ وَ َ‬
‫ْ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ل لَ ُ‬
‫معََها َ‬
‫صب ِ ّ‬
‫ُ‬
‫قا َ‬
‫حقّ [‪.‬‬
‫ِفيَها فَ َ‬
‫ك عََلى ال ْ َ‬
‫ري فَإ ِن ّ ِ‬
‫ل ل ََها ال ْغَُل ُ‬
‫م ْ‬
‫م َيا أ ّ‬
‫ها ْ‬
‫صب ِ ِ‬
‫إضاءات الحديث‪:‬‬
‫‪ -1‬مشروعية القصص‪.‬‬
‫‪ -2‬التربية بالقصص‪.‬‬
‫‪ -3‬أهمية وعي التاريخ‪.‬‬
‫‪ -4‬أثر القصة في تقريب الفهم‪.‬‬
‫‪ -5‬أهل الطغيان والفساد ل يملكون الحجج العقلية والقدرة الدارية على‬
‫إدارة الناس فيلجؤون إلى السحر والشغوذة‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ -6‬اهتمام أهل السوء والفساد بمن يخلفهم في أعمالهم‪.‬‬
‫‪ -7‬أهمية تهيئة من يراد لمر عظيم من الصغر‪ ،‬واستثمار جميع قدراته فيما‬
‫يراد منه‪.‬‬
‫‪ -8‬الهتمام بالنشء‪ ،‬والعتناء بأصحاب المواهب من الصغر‪ ،‬وتنمية مواهبهم‬
‫وقدراتهم العقلية والفكرية والدارية‪.‬‬
‫‪ -9‬قوة تلبيس السحرة وأعوانهم على الناس‪ ،‬فلم يزل الشك عند الغلم‬
‫رغم تعليم الراهب له حتى عرضت له الدابة وقال تلك المقالة‪.‬‬
‫‪ -10‬إن إرادة الله فوق كل إرادة‪ ،‬وقدرة الله فوق كل قدرة‪ ،‬وأمر الله فوق‬
‫كل أمر ل راد ّ لقضائه ول معقب لحكمه إذا قال للشيء‪ :‬كن فيكون‪ ،‬يري‬
‫العباد ضعفهم وعجزهم مهما تجبروا وطغوا وبغوا‪ ،‬لقد اختار الملك الغلم‬
‫ليكون الساحر الذي يثبت به دعائم ملكه‪ ،‬وأراد الله تعالى أن يكون الداعي‬
‫الصالح الذي يدمر ملكه‪ ،‬ويهدي الناس إلى الدين الحق‪ ،‬وفي ذلك آية‬
‫للمعتبرين‪ ،‬فالله يهيئ لدينه رجال ً ينبتون من بيوت الطواغيت الكفرة ليكونوا‬
‫الدعاة الهداة البررة‪] .‬انظر‪ :‬صحيح القصص النبوي للشقر [‪.‬‬
‫‪ -11‬الكذب للمصلحة الشرعية‪ ،‬وخوف الفتنة‪.‬‬
‫‪ -12‬تربية العالم لتلميذه‪ ،‬وإعداده وتهيئته لتحمل أعباء الدعوة‪ ] :‬وَإ ِن ّكَ‬
‫ست ُب ْت ََلى [ استشرافا ً للمستقبل من خلل التحديات‪ ،‬وتهيئة النفس‪ ،‬وترتيب‬
‫َ‬
‫الحسابات لذلك‪.‬‬
‫‪ -13‬الصل البلء للمؤمنين‪}:‬أ َحسب الناس أ َن يتر ُ َ‬
‫مل‬
‫ن يَ ُ‬
‫كوا أ ْ‬
‫َ ِ َ‬
‫مّنا وَهُ ْ‬
‫قوُلوا آ َ‬
‫ّ ُ ْ َُْ‬
‫ن]‪ ] {[2‬سورة العنكبوت [ ‪.‬‬
‫يُ ْ‬
‫فت َُنو َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت فَل ت َد ُ ّ‬
‫ي[‪.‬‬
‫‪ -14‬الحفاظ المني على شيخه‪ ] :‬فَإ ِ ْ‬
‫ن اب ْت ُِلي َ‬
‫ل عَل ّ‬
‫‪ -15‬عدم تمني الراهب الفتنة‪ ،‬أو التعرض لها مع قوة صبره وتحمله‪.‬‬
‫‪ -16‬التواضع والعتراف بالحق مهما كان صاحبه‪ ،‬والتعالي على الحسد‬
‫والكبر‪ ،‬فهذا الراهب مع أنه معلم الغلم ومربيه ومخرجه من الظلمات إلى‬
‫َ‬
‫ت‬
‫النور‪ ،‬ومع ذلك لما علم أنه أفضل منه جهر بذلك أمام تلميذه الصغير‪ ] :‬أن ْ َ‬
‫ال ْيو َ‬
‫ض ُ‬
‫مّني [‪.‬‬
‫ل ِ‬
‫م أفْ َ‬
‫َ ْ َ‬
‫‪ -17‬استغلل المهنة الطبية في الدعوة ‪ ،‬مع الحرص على نفع الناس وحل‬
‫مشكلتهم‪.‬‬
‫ّ‬
‫‪ -18‬الدعوة إلى دين الله ل تعرف سنا معي ًّنا‪ ،‬وانظر فعل الغلم‪.‬‬
‫‪ -19‬إجراء اليات كرامة للعبد التقي النقي‪.‬‬
‫‪ -20‬الطغيان ليس له حد‪ ،‬بل يصل بصاحبه الضعيف إلى ادعاء الربوبية‪.‬‬
‫ُ‬
‫ة يضحك منها اليوم‬
‫حوك ً‬
‫ض ُ‬
‫‪ -21‬أصبحت سير أولئك الطغاة المجرمين أ ْ‬
‫الصغير والكبير‪.‬‬
‫‪ -22‬قد يضعف النسان‪ ،‬ويدل على أصحابه من جراء التعذيب‪ ،‬فل يغض هذا‬
‫من مكانته‪ ،‬كما فعل جليس الملك والغلم مع صبرهما وتقديم أنفسهما فداء‬
‫لدين الله‪.‬‬
‫‪ -23‬العتراف بالفضل لهله‪ ،‬وبيان عجز النسان وفاقته إلى معونة ربه‪:‬‬
‫ما ي َ ْ‬
‫في الّله [‪.‬‬
‫ش ِ‬
‫] إ ِن ّ َ‬
‫‪-24‬محاولة دغدغة عواطف الغلم واستمالته إلى الباطل‪ ،‬وحرفه عن‬
‫َ‬
‫حرِ َ‬
‫ك [‪.‬‬
‫ن ِ‬
‫ي قَد ْ ب َل َغَ ِ‬
‫س ْ‬
‫م ْ‬
‫الصراط المستقيم‪ ] :‬أيْ ب ُن َ ّ‬
‫‪ -25‬ليس لدى أهل الطغيان القدرة على إفحام الخصم فيلجئون إلى القوة‬
‫والتعذيب وهذا من سنتهم وسبيلهم‪.‬‬
‫‪ -26‬صبر العالم‪ ،‬وتحمله للبلء‪ ،‬وتقديم دمه فداء لدينه‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ -27‬اليمان ل يوازيه أي رتبة‪ ،‬أو مكانة‪ ،‬أو دنيا‪ ،‬ولهذا قدم جليس الملك‬
‫دنياه فداء لدينه‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫‪-28‬اليمان إذا خالطت بشاشته القلوب؛ استخف صاحبه بكل عقوبة كما فعل‬
‫الغلم‪ ،‬حين تفنن الملك في قتله‪.‬‬
‫‪ -29‬المحن تولد المنح‪ ،‬لقد مات الراهب‪ ،‬والوزير‪ ،‬والغلم‪ ،‬كما مات الملك‬
‫وأعوانه‪ ،‬لكن أين منازلهم؟! وأيهم ترك أسوة وسيرة يقتدى بها وينال‬
‫أجرها؟!‬
‫ً‬
‫دا له نظرا لفرط ذكائه‪ ،‬ولكنه إذا‬
‫‪ -30‬اهتمام الملك بأمر الغلم ليكون سن ً‬
‫خالف أمره ولم يرجع عن دينه فالقتل جزاؤه‪ ،‬ول قيمة للطاقات البشرية‬
‫والثروة الفكرية عند الطغاة‪.‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه [‪.‬‬
‫‪ -31‬إرجاع المر في المن والخوف إلى الله تعالى‪ ] :‬ك َ‬
‫م الل ُ‬
‫فاِنيهِ ُ‬
‫‪ -32‬دعاء الله في كل حال‪ ،‬وطلب نصرته‪ ،‬وعدم العتماد على النفس‪،‬‬
‫ما‬
‫م اك ْ ِ‬
‫م بِ َ‬
‫فِنيهِ ْ‬
‫وإظهار الفقر والفاقة والحاجة إلى القوي العزيز‪ ] :‬الل ّهُ ّ‬
‫ت [‪.‬‬
‫ِ‬
‫شئ ْ َ‬
‫‪ -33‬إيكال أمرهم إلى الله يفعل بهم ما يشاء‪ ،‬وعدم اختيار العقوبة والقتراح‬
‫على الله‪.‬‬
‫‪ -34‬يلحظ أن الغلم لم يفر بعد أن أنجاه الله تعالى كل مرة من عقوبة‬
‫الملك‪ ،‬وذلك لنه لم يكن ينشد السلمة لنفسه‪ ،‬بل كان يهدف إلى إظهار‬
‫دين الله وإعلء كلمته‪ ،‬ولعل الناس كانوا يتابعون قصته في مجالسهم‬
‫وينتظرون النتيجة في معركة الغلم مع السلطان المتجبر مدعي الربوبية‪،‬‬
‫وكيف يواجه الغلم الملك غير هياب ول وجل‪ ،‬مع ما عرف عن السلطان من‬
‫سفك الدماء‪ ] .‬انظر‪ :‬صحيح القصص النبوي للشقر [‪.‬‬
‫مُر َ‬
‫فعَ َ‬
‫ه[‪.‬‬
‫حّتى ت َ ْ‬
‫ك بِ ِ‬
‫‪ -35‬العتزاز بدين الله‪َ ] :‬‬
‫ما آ ُ‬
‫ل َ‬
‫‪ -36‬أهمية الدعوة إلى توحيد الله حتى احتاجت إلى تقديم النفس فداء في‬
‫دعوة الناس إلى الله جل وعل‪.‬‬
‫‪ -37‬الحتيال في الدعوة إلى توحيد الله‪.‬‬
‫‪ -38‬مع الصدق والخلص يحطم دم المؤمن أصول الوثنية في قلوب الناس‪.‬‬
‫ما فإنه كانتفاخ البالون سرعان ما‬
‫ما عظي ً‬
‫‪ -39‬مهما بدا بنيان الكفر ضخ ً‬
‫خير أ َ‬
‫يتحطم بأول وخزة‪}:‬أ َفَم َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن‬
‫وا‬
‫ض‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫وى‬
‫ْ‬
‫ق‬
‫ت‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ن‬
‫يا‬
‫ن‬
‫ب‬
‫س‬
‫س َ َُْ َ ُ َ‬
‫ِ َ ِ ْ َ ٍ َ ٌْ ْ‬
‫نأ ّ‬
‫ِ َ‬
‫َ َ‬
‫َ ْ‬
‫م َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه عََلى َ‬
‫دي‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ل‬
‫وال‬
‫م‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ج‬
‫ر‬
‫نا‬
‫في‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ها‬
‫ن‬
‫فا‬
‫ر‬
‫ها‬
‫ف‬
‫ر‬
‫ج‬
‫فا‬
‫َْ ِ‬
‫ش َ ُ ُ ٍ َ ٍ َْ َ ِ ِ ِ‬
‫نأ ّ‬
‫َ ِ َ َ ّ َ َ ُ‬
‫س ب ُن َْيان َ ُ‬
‫س َ‬
‫َ ْ‬
‫ّ‬
‫ن ]‪]{[109‬سورة التوبة ‪ .‬فبعد هذا التلبيس الطويل على‬
‫مي‬
‫ل‬
‫ظا‬
‫ال‬
‫م‬
‫و‬
‫ال ْ َ‬
‫ق ْ َ‬
‫ِ ِ َ‬
‫المجتمع‪ ،‬وتضليله وتربيته على الخنوع والخضوع لمدعي الربوبية سرعان ما‬
‫انتهى كل ذلك بموقف واحد‪ ،‬كمثل ظلمة عظيمة انقشعت بشمعة صغيرة‪.‬‬
‫‪ -40‬دم المؤمن ينبغي أن ل يضيع هدًرا فحياته دعوة‪ ،‬وموته دعوة‪ ،‬وقطرات‬
‫دمه دعوة‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫حذ َُر‬
‫ت تَ ْ‬
‫ما كن ْ َ‬
‫ت َ‬
‫‪ -41‬المل وأهل السوء وأثرهم السيء على السلطان‪ ] :‬أَرأي ْ َ‬
‫حذ َُر َ‬
‫ل بِ َ‬
‫قَد ْ َوالل ّهِ ن ََز َ‬
‫س[‪.‬‬
‫ك َ‬
‫ك قَد ْ آ َ‬
‫ن الّنا ُ‬
‫م َ‬
‫‪ -42‬أهل الطغيان ل يعرفون الحوار ول المناظرة ول المجادلة‪ ،‬وإنما حججهم‬
‫هي البطش والعقوبة‪ ،‬ول بأس في إبادة الشعب إبقاًء لمذهب السلطان‪،‬‬
‫وتغطية لدعاويه الباطلة‪.‬‬
‫‪ -43‬انتزاع الرحمة من قلوب أهل الكفر‪ ،‬فماذا فعل أولئك بكم حتى‬

‫‪178‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ما اختاروا لنفسهم عقيدة غير ما تلزمونهم‬
‫تعاقبوهم تلك العقوبة النكراء‪ ،‬ل ّ‬
‫وتجبرونهم عليه‪ ..‬أين حرية الرأي والتفكير عندكم يا أهل الكفر والفساد؟!‬
‫أم أنه ل بد أن يكون التفكير من خللكم‪ ،‬ويلغون عقولهم حتى مجرد التفكير‬
‫أو العتقاد ل يسمح لهم به!!‬
‫‪ -44‬آية من آيات الله في نطق الغلم‪.‬‬
‫‪ -45‬نصرة المؤمن‪ ،‬وتأييد الله له‪ ،‬وبعث من يثبته على الخير إذا علم منه‬
‫الصدق والخلص‪:‬‬
‫ْ‬
‫حقّ [‪.‬‬
‫ك عََلى ال َ‬
‫ري فَإ ِن ّ ِ‬
‫]ا ْ‬
‫صب ِ ِ‬
‫‪ -46‬لقد انتصر هذا المجتمع وعلوا‪ ،‬فاستهانوا بكل العقوبات‪ ،‬وسخروا من‬
‫الحراق والعذاب‪ ،‬وبقيت سيرهم مثل ً أعلى‪ ،‬فكم من المم انتصرت بسببهم‪،‬‬
‫َ‬
‫واتا ً‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ثم ما يعايشونه الن من النعيم‪َ}:‬ول ت َ ْ‬
‫ن قُت ُِلوا ِفي َ‬
‫ح َ‬
‫ل الل ّهِ أ ْ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ذي َ‬
‫سب َ ّ‬
‫ب ْ َ‬
‫ن]‪ ]{[169‬سورة آل عمران [‪.‬‬
‫حَياٌء ِ‬
‫م ي ُْرَزُقو َ‬
‫لأ ْ‬
‫َ‬
‫عن ْد َ َرب ّهِ ْ‬
‫ً‬
‫م يحيي الله به أمة‪..‬قطرة دم تحيي شعبا ' للشيخ الدكتور‪ /‬يحيى بن‬
‫من‪ ':‬غل ٌ‬
‫إبراهيم اليحيى‬
‫)‪(3 /‬‬
‫‪ :‬غناء عن السلم والرسول بموسيقى البوب(‪.‬‬
‫وليس الجديد في المر هو الثناء على المغنين أو تصديرهم كنجوم أو قدوات‬
‫لشباب المة فقد تعودنا على مثله وأمثاله من جرائدنا العربية العتيقة‪.‬‬
‫وقنواتنا الفضائية]‪ . [1‬ولكن أن يورد الموقف بل تعليق ول تعقيب‪ ,‬وكأن‬
‫المر ل يمس الدعوة السلمية بقليل ول كثير‪ .‬فالجريدة مررت المر بما قد‬
‫يفهم البعض منه أن الموسيقى وسيلة للدعوة‪ ,‬وهو ما وقع فعل ‪ ,‬فقد‬
‫جادلني بعض القارب‪ ,‬وبعض الطلب في قاعة الدرس‪ ,‬في جدوى‬
‫الموسيقى التي تصاحبها معاني سامية كالحديث عن الدين أو الرسول‪ -‬صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ,-‬فهي بديل عن الغناء الساقط في مضامينه‪ ,‬كما لها أثر في‬
‫تقريب غير المسلمين إلى السلم ‪ ,‬وأن ما يحسنه الشخص فليدعو به‬
‫وينبغي علينا أل نحجر واسعا‪.‬هذا قولهم ‪.‬‬
‫وقبل الجواب عن ما يقال من تبريرات ومغالطات‪ ,‬أود أن أشير إلى أن‬
‫الرجل صاحب هدف وهو ما عبر عنه بقوله‪) :‬الروحانية مفقودة في الغالبية‬
‫العظمى ‪ ..‬المناخ التجاري هيمن على عالم الفن ‪ (..‬فجاء ليقدم رسالة‬
‫إيجابية ويروج من خلل الموسيقى للقيم الجيدة‪ .‬فنقول‪ :‬كم من مريد للخير‬
‫لم يصبه‪ ,‬والنية الحسنة ل تشفع لصاحبها ما لم ينضبط سعيه بالهدي النبوي‪.‬‬
‫فالمقرر عند علماء السلف من المتقدمين والمتأخرين أن الخلص في‬
‫العمل سواء كان قول أو عمل أو اعتقادا ‪ ,‬والمتابعة للنبي‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ ,‬هما شرط صحة يترتب عليهما القبول والرد‪ .‬فميزان انضباط الباطن‬
‫حديث عمر بن الخطاب في الصحيحين‪}:‬إنما العمال بالنيات{‪ ,‬وميزان‬
‫انضباط الظاهر حديث عائشة عند مسلم‪}:‬من عمل عمل ليس عليه أمرنا‬
‫فهو رد {‪ .‬قال العلمة حافظ الحكمي‪ -‬رحمه الله‪:-‬‬
‫شرط قبول السعي أن يجتمعا *** فيه إصابة‪ ,‬وإخلص معا‬
‫والدعوة إلى الله تعالى من أجل القربات‪ ,‬وأسمى الطاعات‪ ,‬ول يمكن أن‬
‫تكون الوسيلة المحرمة مبررة بناء على ما يترتب عليها من ثمرات‪ ,‬لنا‬
‫متعبدون بالمر والنهي‪ ,‬ولسنا متعبدين بالثمرات‪ ,‬فالنبي يأت يوم القيامة‬
‫وليس معه أحد‪ ,‬فما ظنكم و تلك الوسيلة ملغاة شرعا]‪ .[2‬فكيف نتعبد بما‬

‫‪179‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نهينا عنه!؟‪.‬‬
‫الغناء المصحوب بآلت محرمة أتفق العلما ء على تحريمه‪ ,‬وقد حكى التفاق‬
‫جمع من الئمة كالبن الجوزي‪ ,‬وابن الصلح والقرطبي‪ ,‬وابن تيمية‪ ,‬وابن‬
‫القيم‪ ,‬وابن باز والعثيمين واللباني وغيرهم كثير من قبل ومن بعد‪ .‬ول فرق‬
‫بين ما صحب بآلة فكانت مضامينه حسنة أو سيئة‪ ,‬فعِّلة المنع قائمة وهي‬
‫اقترانه باللة الموسيقية]‪ .[3‬وقد سئل شيخ السلم ‪ -‬رحمه الله‪ -‬عن جماعة‬
‫يجتمعون على فعل الكبائر من القتل وقطع الطريق والسرقة وشرب‬
‫الخمر‪ ..‬ثم إن شيخا من المشايخ المعروفين بالصلح واتباع السنة قصد منع‬
‫هؤلء مما يقعون فيه‪ ,‬فلم يتمكن إل أن يقيم لهم سماعا يجتمعون عليه وهو‬
‫بدف بل صلصل‪ ,‬مع غناء المغني بشعر مباح بغير شبابة‪ ,‬فلما فعل تاب منهم‬
‫جماعة‪ ,‬وأصبح من ل يصلي ويسرق ول يزكي يتورع عن الشبهات‪ ,‬ويؤدي‬
‫المفروضات‪ ,‬ويجتنب المحرمات‪ ,‬فهل يباح مثل فعل الشيخ على تلك الحال‪,‬‬
‫لما يترتب عليه من المصالح ؟ مع أنه ل يمكن دعوتهم بغيره؟‬
‫فأجاب شيخ السلم‪ -‬رحمه الله‪ -‬جوابا متينا]‪ ,[4‬وانظر كيف يعالج العلماء‬
‫الربانيين الجزئيات في ضوء الكليات‪ ,‬ويربطون بين فروع الشريعة وأصولها‪,‬‬
‫فقد ربط الجواب بأصل عظيم جامع وهو العتصام بالكتاب والسنة‪ ,‬ويمكن‬
‫تلخيص كلمه‪ -‬رحمه الله‪ -‬على شكل نقاط‪:‬‬
‫‪ (1‬أن الله تعالى بعث محمدا‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬بالهدى‪ ,‬ودين الحق‪,‬‬
‫ليظهره على الدين كله‪ ,‬وكفى بالله شهيدا‪ .‬وأنه أكمل له ولمته الدين‪ .‬كما‬
‫قال تعالى‪) :‬اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم‬
‫السلم دينا(المائدة‪.3:‬‬
‫‪ (2‬أن الله تعالى أمر الخلق أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث‬
‫به‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬كما قال تعالى‪...) :‬وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول‬
‫وأولي المر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم‬
‫تؤمنون بالله واليوم الخر‪ (..‬النساء‪. 59:‬‬
‫‪ (3‬من المعلوم أنما يهدي الله به الضالين‪ ,‬ويرشد به الغاوين‪ ,‬ويتوب به على‬
‫العاصين‪ ,‬لبد أن يكون فيما بعث الله به الرسول‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬من‬
‫الكتاب والسنة‪ ,‬وإل فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ -‬ل يكفي لكان دين الله ناقصا محتاجا تتمة‪.‬‬
‫‪ (4‬العمل المشتمل على مصلحة ومفسدة‪ ,‬إن غلبت مصلحته على مفسدته‬
‫فإنه يكون مشروعا‪ ,‬لن الشارع حكيم عليم‪ .‬وإن غلبت مفسدته على‬
‫مصلحته أو تساوتا المصلحة والمفسدة لم يشرع‪ .‬ومثل شيخ السلم بالخمر‬
‫والميسر‪ ,‬فيهما منافع لكن لما غلبت المفسدة حرمهما الله تعالى ‪.‬‬
‫‪ (5‬ما يراه الناس من العمال مقربا إلى الله‪ ,‬ولم يشرعه الله ورسوله‪ ,‬فإنه‬
‫لبد أن يكون ضرره أعظم من نفعه‪ .‬وإل فلو كان نفعه أعظم‪ ,‬وكان غالبا‬
‫على ضرره لم يهمله الشارع‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫‪ (6‬ل يجوز أن يقال‪ :‬إنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬ما يتوب به العصاة‪ ,‬فإنه قد علم بالضطرار والنقل‬
‫المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من هو شر من هؤلء‪ ,‬بل‬
‫السابقون الولون من المهاجرين والنصار‪ ,‬ومن تبعهم بإحسان‪ -‬وهم خير‬
‫أولياء الله المتقين‪ ,‬من أمة محمد‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قد تابوا إلى الله‬

‫‪180‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تعالى بالطرق الشرعية‪ ,‬ل بالطرق البدعية‪.‬‬
‫فيتبين أن استعمال الوسائل المحرمة كالموسيقى وغيرها‪ ,‬في الدعوة إلى‬
‫الله‪ ,‬أوفي تحبيب الخير إلي الناس أو تبغيض الشر إليهم ‪ ,‬هو أمر ل يجوز‬
‫لسببين ‪:‬‬
‫الول‪ :‬لن المعازف محرمة أصل‪ ,‬سواء كانت الكلمات حسنة أو سيئة‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن استعمالها في الدعوة تقرب إلى الله بما لم يشرع‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫‪-------------------------------------------‬‬‫]‪ [1‬ففي قناة الجزيرة أجرى أحمد منصور في برنامجه الشهير)بلحدود( لقاء‬
‫مع سامي يوسف‪ ,‬واستعرض معه ألوان العزف على اللت الفربية‬
‫والشرقية‪ .‬والله المستعان‪.‬‬
‫]‪ [2‬وسائل الدعوة منها ما شهد له الشرع بالعتبار‪ ,‬ومنها ما شهد له الشرع‬
‫باللغاء‪ ,‬ومنها ما سكت عنه فهو محل اجتهاد ونظر وفق القواعد والضوابط‬
‫الشرعية‪.‬‬
‫]‪ [3‬ولمعرفة أدلة التحريم من الكتاب والسنة وأقوال العلماء أحيل القارئ‬
‫الكريم على كتاب)تحريم آلت الطرب( للشيخ العلمة المحدث محمد ناصر‬
‫اللباني‪ -‬رحمه الله‪.-‬‬
‫]‪ [4‬انظر جوابه في مجموع الفتاوى‪ ,(635 -11/620) :‬وهو جواب جدير‬
‫بالمطالعة والتأ مل‪ ,‬ول يغني عنه التلخيص‪ ,‬لعظيم نفعه‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫غنيمة الياب د‪ .‬مصعب الطيب*‬
‫يقول امرؤ القيس‪:‬‬
‫وقد نقبت في الفاق حّتى*** رضيت من الغنيمة بالياب‬
‫هذا المثل يعبر ‪ -‬بشكل مدهش ‪ -‬عن مدى عمق تقلباتنا السياسية‪ ،‬وعن‬
‫)ربكة( التخطيط والتنفيذ لدينا‪ ..‬كيف؟‪.‬‬
‫لقد وّلدت المصائب المتعاقبة‪ ،‬والسبل الوعرة المترافقة مع الرؤية الغائمة‪،‬‬
‫والخطوات )المرتبكة( لمنظومة وعينا السياسي‪ ،‬ومجهوداتنا التفاعلية مع‬
‫الحداث والزمات‪ ..‬وّلدت سلوكا يائسا؛ يسعى لحشر الهزائم في قوائم‬
‫النصر‪ ..‬والمشاكل في كشوفات الحلول‪ ..‬ومرابط الحركة والنشاط في‬
‫عناصر الخمود‪ ..‬والكبائر في الصغائر‪ ..‬والحابل في النابل!‪.‬‬
‫كان الظن بأن )المشكلة( تتمحور حول نفسها‪ ..‬حول ملبساتها وإفرازاتها‪..‬‬
‫ل حول سوء تصنيفنا لها‪ ،‬وخلخلة تعاطينا معها!!‪ ..‬المصيبة ليست في‬
‫)المشكلة( بقدر ما هي في )كيف سنتصرف معها؟(!!‪ ..‬والنسان قد ل‬
‫يحاسب أبدا على حجم المحن والكوارث التي تصيبه‪ ،‬غير أنه يحاسب بدقة‬
‫كاملة على كل صغيرة أو كبيرة كان قد فعلها في تعامله معها‪.‬‬
‫مر النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬بامرأة تبكي عند قبر؛ فقال لها‪) :‬اتقي‬
‫الله واصبري( قالت‪) :‬إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي( ‪ -‬ولم تعرفه ‪-‬‬
‫فقيل لها‪) :‬إنه النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ (-‬فأتت باب النبي ‪ -‬صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ -‬فلم تجد عنده بوابين؛ فقالت‪) :‬لم أعرفك(؛ فقال‪) :‬إنما الصبر‬
‫عند الصدمة الولى(‪ ..‬وقد قال بعض الحكماء‪) :‬العاقل يصنع في أول يوم من‬
‫أيام المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام(!!‪ ..‬والشاهد أن درجة الجر والتقييم‬
‫مرتبطة بموطن الزلل والنفلت‪ ..‬مرتبطة بالفترة الحرجة التي تستلزم فعل‬
‫متزنا صائبا وقويا‪ ..‬مرتبطة بالحكمة التي هي وضع الشيء المناسب في‬

‫‪181‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الوقت المناسب في المكان المناسب بالقدر الذي يناسب‪.‬‬
‫إذا كان الحساب على مستوى الفرد قائم بهذه الشدة فهو في شأن‬
‫الحكومات من باب أولى وأنكى؛ ذلك لنها تخضع – أو يفترض أن تخضع –‬
‫في قراراتها لرأي المؤسسات الستشارية‪ ،‬والبحثية‪ ،‬وبيوت الخبرة‪،‬‬
‫والحلقات المطولة من الدراسات‪ ،‬والورش‪ ،‬و أعمال اللجان المختصة‪،‬‬
‫وغيرها‪.‬‬
‫ليس حسنا أن نمجد غنيمة الياب فيما لو لم نحرز أي نصر مرموق‪ ،‬أو‬
‫نسجل أي موقف رصين‪ ..‬وليس كريما أن نصفق لسهونا كيقظتنا‪ ،‬ولجهلنا‬
‫كعلمنا‪ ،‬وللخطأ المبين كأنه الصواب الذي ل يدخله باطل!!‪ ..‬المة ل تحتاج‬
‫أبدا لمن يخدعها‪ ،‬ويدغدغ مشاعرها‪ ،‬ويلهب حماسها؛ بل هي تحتاج فقط لمن‬
‫يقول لها الحقيقة‪ ..‬كل الحقيقة‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫غول التغريب كسر قيوده‬
‫الفضائيات والنترنت تخلق هوية جديدة للشباب ‪...‬‬
‫وسائل العلم العربية تكرس القيم الغربية‪ ،‬ومسؤولوها ل يملكون رؤية‬
‫ثقافية ‪...‬‬
‫البطالة وفشل الجهزة الرسمية في استيعاب الشباب ساهمت في اندفاعه‬
‫وراء التقليد العمى للغرب ‪...‬‬
‫الحل في تفعيل المؤسسات الرسمية‪ ،‬وتقديم الدين باعتباره خط الدفاع‬
‫الول ‪...‬‬
‫هل جاءت الفضائيات لنا لتكون نعمة أم نقمة؟‬
‫وماذا فعلت بنا شبكة النترنت؟ وماذا فعلنا بها؟‬
‫وما هو شكل المستقبل في زمن لم يعد يعرف حدودا بين ثقافة وثقافة‬
‫وخلق وخلق ‪ ،‬بل ودين ودين؟‬
‫أسئلة حائرة كثيرة ‪ ..‬ما تزال تطرح نفسها علينا منذ سنوات دون إجابة‪،‬‬
‫ولكن أعراض المرض ما تزال تصدمنا يمينا ويسارا‪ ،‬نلمحها في وجوه شباب‬
‫لم نعد نقدر على تصنيفه‪ ،‬أهو مّنا أم ل يعرفنا‪ ..‬يحمل تراثنا أم لم يسمع‬
‫عنه‪.‬‬
‫الشارع في أي من مجتمعاتنا السلمية أصبح ل يعرف الطريق الوسط‪ ،‬دائما‬
‫هناك فريقان يمشي كل واحد منهما في ضفة من ضفتي الشارع‪ ..‬فريق‬
‫أغلق النوافذ والبواب‪ ،‬عمل ً بحكمة توصي بإغلق كل باب يأتي منه الريح‪،‬‬
‫وفريق آخر‪ ،‬ترك داره‪ ،‬وقرر أن يبيت في العراء نهًبا لعوامل التعرية التي‬
‫تنحت دينه وخلقه وتراثه ولغته‪ ..‬وثيابه‪.‬‬
‫المشاهد متكررة‪ ،‬ويمكن لي واحد منا أن يمر بنفس التجربة إذا كلف نفسه‬
‫عناء النزول إلى الشارع والسير على ضفتي الطريق ليرى شبابنا المنقسم‬
‫على نفسه في موقفه من كل ما هو حديث ووافد في زمن صارت العولمة‬
‫فيه مرادفة لكلمة التغريب‪ ،‬والثقافة العالمية ل تعبر إل عن ثقافة الغرب‬
‫وقيمه‪.‬‬
‫في جولتنا التي قمنا بها بين شباب مصريين مررنا بأحد المراكز التجارية‬
‫بمدينة القاهرة ‪ ..‬سألنا إحدى الفتيات عن سر اختيارها لملبسها الغريبة‬
‫المظهر‪ ،‬والتي يغلب عليها السواد‪ ،‬وشعرها الحليق بصورة هي أشبه‬
‫بالرجال‪ ،‬مع مكياج صارخ ليس فيه شيء من اللوان المألوفة‪ ،‬مع حلق كبير‬

‫‪182‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وضعته في أنفها‪ ،‬فقالت‪ :‬ما أفعله حرية شخصية‪ ،‬وهذا الحلق يضيف لي‬
‫شكل جديدا ومتميزا ولفتا للخرين‪.‬‬
‫هل يضفي عليك شيئا من النوثة ؟؟ قالت‪ :‬لم أفكر في ذلك‪ ،‬ولكنني رأيت‬
‫هذا الزي في أحد أغاني الفيديو كليب الغربية فقررت تقليده‪.‬‬
‫اللفت للنظر أن نفس الحلق تقريبا‪ ،‬وأزياء ل تقل غرابة رأيناه في أنف‬
‫شاب في نفس المركز التجاري‪ ،‬وعندما سألناه قال ‪ :‬إنه يشعر أن شكله‬
‫أفضل مع هذا الحلق الذي يعتبره علمة على الرجولة !!‬
‫شاب آخر رأيناه يغطي شعره بطبقة كثيفة من "الجيل"‪ ،‬ويقول عن ذلك ‪:‬‬
‫إنه جرب أكثر من تسريحة حتى استقر على تسريحة بطل فيلم "تيتانيك"‬
‫ليوناردو دي كابريو‪ ،‬وكان لهذه التسريحة دور كبير في جذب الفتيات إليه‪.‬‬
‫وفي المقابل فإن شابا آخر أقر لنا بأن ميوله صرفته عن ليوناردو دي كابريو‬
‫ليقلد بدل منه لعب كرة القدم البرازيلي رونالدو الذي يحلق شعر رأسه كله‪،‬‬
‫مؤكدا أن هذه "الصلعة" ساهمت هي الخرى في جذب الفتيات إليه‪.‬‬
‫فتاة أخرى تقول ‪ :‬إنها تقاطع الراديو لنه ل يقدم لها إل الغاني المملة‪ ،‬وهي‬
‫تعشق الضجيج والحركة والموسيقى الصاخبة‪ ،‬وخصوصا موسيقى الجاز‬
‫المريكية‪ ،‬وتقول ‪ :‬إنها تحب الشياء المجنونة وغير التقليدية‪.‬‬
‫أما وليد مرسي فل يحب الفلم العربية‪ ،‬ولكنه يعشق أفلم "الكشن"‬
‫المريكية المليئة بالمغامرات فهو يستمتع بها جدا‪ ،‬وخصوصا أفلم جيمس‬
‫بوند ويريد أن يزور أمريكا أو يعيش فيها‪.‬‬
‫أحد الشباب قال لنا ‪ :‬إنه يجيد أكثر من لغة أجنبية‪ ،‬وساهم عمله في‬
‫السياحة بالحتكاك على وجه الخصوص بالسائحين اللمان‪ ،‬وتعرف عن قرب‬
‫على ثقافتهم وأعجب بها‪ ،‬ولهذا السبب فطالما أراد السفر إلى ألمانيا‬
‫والعيش هناك بأية وسيلة‪ ،‬ولكن محاولته المتكررة للسفر تحت غطاء‬
‫الدراسة باءت بالفشل بعد أن وقفت الموال حجرة عثرة في طريقه‪ ،‬وكما‬
‫يقول هذا الشاب‪ :‬أصبحت أعيش في غربة حقيقة‪ ،‬فأنا أعشق مجتمعا ل‬
‫أقدر على العيش فيه ول أنتمي إليه‪ ،‬وأعيش في مجتمع ل أحبه ول أقدر على‬
‫النتماء إليه‪.‬‬
‫هذه بالطبع ليست كل أشكال التغريب التي يتعرض لها شبابنا من حيث‬
‫التقليد العمى في الملبس وطريقة الكلم وأنماط التفكير الغريبة والتي‬
‫وفدت إلينا عبر وسائل العلم المختلفة‪ ،‬لكن يبقى منها اقتناع الشباب‬
‫بوجهات نظر غربية في قضايا متعددة مثل مفاهيم الحرية‪ ،‬ودور السرة في‬
‫التوجيه‪ ،‬والدين وأحكامه‪ ،‬ومفاهيم من نوع السلم مع الكيان الصهيوني فضل‬
‫عن معرفته بأعدائه‪.‬‬
‫ولنعبر الن إلى الجهة الخرى من الشارع‪ ..‬هنا فئة من الشباب أغلقوا كل‬
‫البواب في وجه الحتكاك بالغرب ‪ ..‬النوايا حسنة والرتباط بالثقافة والتراث‬
‫قوي‪ ،‬ولكن هل يمكن أن يعيشوا في كهف يحميهم عن عيون العالم‪ ،‬ودون‬
‫احتكاك به‪.‬‬
‫في المقابل على النقيض من الطرف الول هناك شباب يفهمون التدين‬
‫واللتزام على أنه فقط تقصير الثوب وتطويل اللحية والنعزال عن العالم‬
‫ومقاطعة كل مفرزات الحضارة الحديثة وتقنياتها لنها من الغرب ‪ ...‬ول يرون‬
‫في الغرب إل الوجه الشيطاني ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪183‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪..‬هذان نموذجان يعيشان في مجتمعنا‪ ،‬ولكن فلنسأل أنفسنا ومتخصصينا الن‬
‫عن مساحات الصواب والخطأ في علقتنا بالغرب‪ ،‬والوصفة التي تمكن‬
‫شبابنا الواقف في مفترق الطريق بين التمسك بالتقاليد والعادات وبين الغزو‬
‫الثقافي الغربي‪.‬‬
‫أزمة الهوية‬
‫يقول الدكتور السيد عليوة ‪ -‬أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان ‪ -‬إن‬
‫الشباب يعاني من أزمة الهوية والتي لها أسباب منها ‪ :‬سرعة التغيير حيث‬
‫يتغير العالم بصفة عامة بسرعة كبيرة في كل مناحي الحياة‪ ،‬ومن ثم فإن‬
‫الشباب مصاب ببلبلة وتشتت وعدم قدرة على التكيف مع هذه المتغيرات‬
‫تكنولوجيا ً واقتصاديا ً واجتماعيًا‪.‬‬
‫ضا التشتت النفسي بين الهوية والخصوصية وبين‬
‫ومن أسباب أزمة الهوية أي ً‬
‫الحضارات الغربية وقيمها ورموزها وطريقة حياة الشعوب فيها‪ ،‬وأدى ذلك‬
‫إلى تنازع في الهويات في ظل الهوية العالمية التي تموج بها المؤثرات‬
‫الخارجية عبر وسائل العلم المختلفة‪.‬‬
‫ويؤكد د‪ .‬عليوة على ضرورة اضطلع المؤسسات داخل الدولة والتي تتمثل‬
‫في وزارات الشباب وأجهزة الرياضة ووزارات التربية والتعليم وجميع‬
‫المؤسسات العاملة في مجال الشباب بالضافة إلى الحزاب السياسية‬
‫والجمعيات الخيرية بالدور المنوط بها لغربلة القيم الثقافية الوافدة‪ ،‬ونبذ‬
‫الضار منها وتصحيح المفاهيم الخاطئة للشباب‪ ،‬بل وتحصينهم ضد الضار منها‬
‫ووضع الحقائق جميعها أمامهم دون تزييف أو خلط حتى تكتسب هذه‬
‫المؤسسات ثقة هؤلء الشباب فيها‪.‬‬
‫ويتطلب هذا من الدولة إعداد قواعد بيانات حقيقية عن الشباب وقطاعاتهم‬
‫المختلفة ومستوياتهم التعليمية وتوزيعهم إلى فئات عمرية وتوزيعهم جغرافيا‬
‫بين الريف والحضر ‪ ،‬وكذلك دعم المنظمات العاملة في مجال خدمة الشباب‬
‫مثل الندية الرياضية والجامعات والمؤسسات الثقافية والعلمية‪ ،‬ول بد من‬
‫قياس مدى نجاح هذه المؤسسات‪ ،‬ول سيما إذا تم السماح لها بالعمل‬
‫بصورة ديمقراطية في تكوينها وتنظيمها ونشاطها‪.‬‬
‫العودة للصول‬
‫ويضيف د‪ .‬شعيب الغباشي مدرس العلم بجامعة الزهر قائل ‪ :‬إن السبب‬
‫الرئيسي في انحراف الشباب وتأثرهم بالوافد يرجع إلى غياب التربية‬
‫السلمية والدور التربوي للمدرسة والجامعة ‪ ،‬وفقد وسائل العلم لدورها‬
‫وعدم قيامها بالدور المطلوب فيها من حيث التوجيه والتوعية لهؤلء الشباب‪.‬‬
‫وإذا وقفنا أمام وسائل مثل التلفزيون والذاعة والصحافة نجدها هي التي‬
‫كرست لهذا الغزو الثقافي المجنون‪ ،‬وهي التي دعت إليه ونادت به عن‬
‫طريق دعواتها إلى الفكار الغربية وتبنيها للفلسفات الوربية بدافع التقدم‬
‫ومواكبة الحضارة‪ ،‬وسبب ذلك يرجع إلى أن وسائل العلم هذه يقوم عليها‬
‫مسؤولون متغربون‪ ،‬ورصيدهم من الثقافة العربية والسلمية فقير أو معدوم‬
‫فعل‪ ،‬ولذلك فهم يرددون الفكار الغربية ويدعون إليها حتى لو كانت تحمل‬
‫جراثيم فتاكة لمجتمعنا الشرقي المسلم‪.‬‬
‫ويقول‪ :‬نستطيع أن نقول ‪ :‬إن الزهر ‪ -‬كمؤسسة دينية ذات ثقل ‪ -‬كان له‬
‫دور رائد في التوجيه ‪ ،‬لكن خريج الزهر صار من الضعف المعرفي والثقافي‬
‫ما يجعله ل يستطيع القناع والتوجيه‪ ،‬وانعكس ذلك على جمهور المسلمين‬
‫الذين يتلقون معلوماتهم وثقافتهم عن هؤلء الخريجين الذين فقدوا القدرة‬
‫على النصح ونبذ الثقافات المخربة والمدمرة‪.‬‬
‫‪184‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والعلج ‪ -‬كما يرى الدكتور شعيب الغباشي ‪ -‬يتمثل في العودة الفورية‬
‫والحاسمة للدين واستلهام عاداتنا وتقاليدنا منه حتى يصلح الميزان ونخرج‬
‫من هذه التبعية الجتماعية والروحية بوعي وفهم‪ ،‬وخاصة أن ديننا الحنيف‬
‫يدعو إلى التقدم والتحضر وليس دين تخلف ورجعية كما يروج له البعض‪.‬‬
‫آفة التقليد‬
‫أما د‪ .‬إلهام فراج المدرس المساعد بقسم الجتماع بكلية الداب بجامعة‬
‫القاهرة فترى أن الغزو الثقافي الن ل يأتي من دولة واحدة‪ ،‬بل يأتي من‬
‫عدة دول وعدة ثقافات بعكس ما كان سائدا من خلل الثقافة الشيوعية‬
‫والرأسمالية‪ ،‬حيث كنا نقول هذا شاب شيوعي أو رأسمالي‪ ،‬فالن أصبحنا ل‬
‫نستطيع أن نصنف ثقافة الشباب‪.‬‬
‫والعالم الن ل يغزونا إل بالسلبيات من خلل الفلم والمسلسلت‪ ،‬وهو إعلم‬
‫موجه وراءه جهاز إعلمي كبير على مستوى عالمي‪ ،‬والشباب الذي ل يقف‬
‫ليفكر فيما يشاهده يندفع بصورة عشوائية للتقليد لتصبح المور أكثر خطورة‪،‬‬
‫لدرجة أنني رأيت للسف شابا يلبس "إيشاربًا" لنه رأى شابا أجنبيا يلبس هذا‬
‫الزي‪ ،‬ول يعرف هذا الشاب أن الجانب الذين يقلدهم هم مدمنون لنوع خاص‬
‫من المخدرات تأتي على شكل طوابع كطوابع البريد تلصق على الجبهة‪،‬‬
‫ودور اليشارب هنا هو إخفاء هذا الطابع المخدر‪.‬‬
‫والحل ببساطة من وجهة نظرها تقوم به الدول من خلل عمليات إصلح‬
‫شاملة للمؤسسات التي يتعرض لها الشباب مثل النوادي الرياضية والعلم‬
‫المرئي والمقروء ونشر الفكار الصحيحة من خلل الستعانة بخبرات‬
‫المتخصصين في ذلك‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ومن الحلول الضرورية أيضا لهذه المشكلة القضاء على البطالة التي تستنفذ‬
‫قدرات الشباب وتجعلهم فريسة لهذا التقليد العمى من خلل تضييع أوقاتهم‬
‫أمام الفضائيات الجنبية وأمام شاشات الكمبيوتر عبر شبكة النترنت‪.‬‬
‫كما يبقى عامل الدين والتدين أمرا غاية في الخطورة والهمية لنه يمثل خط‬
‫الدفاع الول في عملية إصلح الشباب‪.‬‬
‫عولمة السيطرة‬
‫أما الدكتور جمال النجار أستاذ ورئيس قسم الصحافة والعلم بكلية‬
‫الدراسات السلمية للبنات بجامعة الزهر فيقول ‪ :‬إنه أعد بحثا حديثا بعنوان‬
‫"تكنولوجيا التصال والغزو الثقافي" الذي يسعى لسلب الخرين إرادتهم‬
‫وطمس هويتهم وإيجاد نوع من السيادة الفكرية لحضارة معينة على مختلف‬
‫الحضارات والثقافات‪ ،‬ويضيف أن الثقافة المريكية هي المرشحة للفوز في‬
‫حلبة هذا الصراع الفكري نتيجة للسبق العلمي الفضائي وتفوقها في مجال‬
‫التكنولوجيا مما يؤدي إلى تحول مباشر من قبل الشباب إلى القيم المريكية‪.‬‬
‫ويشير د‪ .‬النجار إلى خطورة البرامج والمسلسلت المريكية التي تعرضها‬
‫التلفزيونات العربية مثل ‪ " :‬دلس‪ -‬فالكون كريست‪ -‬الجريء والجميلت ‪..‬‬
‫الخ " والتي تسعى إلى ترويج قيم ومعايير اجتماعية وأنماط حياتية ومفاهيم‬
‫ثقافية وسلوكية تخدم وجود ونفوذ الدول الستعمارية حيث يتم مسخ‬
‫الثقافات الوطنية وازدراؤها وتشويهها‪.‬‬
‫ويؤكد د‪ .‬النجار على ضرورة إعداد كوادر إعلمية قادرة على صنع رسائل‬
‫إعلمية قوية تسحب البساط من تحت أقدام وسائل العلم الجنبية‪ ،‬وحتى‬

‫‪185‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تستطيع جذب شبابنا إليها وغرس القيم والمبادئ الصالحة في نفوسهم‬
‫وتربيتهم عليها‪ ،‬كما يجب أن تتبنى أجهزتنا العلمية قضية المن الثقافي التي‬
‫تحافظ على هويتنا الثقافية وعاداتنا وتقاليدنا الصيلة‬
‫)‪(3 /‬‬
‫غياب البديل‬
‫أ‪ .‬د‪ .‬عماد الدين خليل ‪16/4/1427‬‬
‫‪14/05/2006‬‬
‫‪-1‬‬‫قد يكسب مذهب ما قوته وقدرته على النتشار والكسب‪ ،‬ل من مزايا خاصة‬
‫يتصف بها‪ ،‬ول من معطيات مكتملة تمتلك القدرة على القناع باعتبارها‬
‫حقائق مطلقة ‪ ..‬ولكن من تفّرده في الساحة وانعدام البديل او غيابه‪ ،‬وربما‬
‫من كون هذا البديل يتميز بقدر كبير من الضعف والتهافت والرتطام بقناعات‬
‫النسان في مرحلة ما من مراحل التاريخ‪.‬‬
‫هذا هو واحد من السباب التي مكنت للماركسية في أوروبا‪ ،‬وجعلتها فترة‬
‫من الزمن‪-‬امتدت بخاصة فيما بين عشرينيات وثلثينيات هذا القرن‪ -‬بمثابة‬
‫العقيدة المتفردة في الساحة الوربية‪ ،‬ونقطة الجذب ذات البريق المثير‪،‬‬
‫والكعبة التي كان معظم المثقفين‪ :‬مفكرين وفنانين وأدباء‪ ،‬يجدون أنفسهم‬
‫مسوقين للحج إليها!‬
‫‪-2‬‬‫لم يكن هناك بديل يوازيها في القوة‪ ،‬والجذب‪ ،‬والقدرة على القناع ‪ ،‬كان‬
‫يسود أوروبا ‪ -‬ول يزال ‪ -‬فراغ مخيف‪ ،‬دفع بحشود من الباحثين إلى ما يمكن‬
‫تسميته بمحاولة المتلء أو التوازن النفسي من خلل النتماء ‪ ..‬يهرعون‬
‫لربط مصائرهم بالماركسية نظرية وتطبيقا ً ‪..‬‬
‫المسيحية؟ أبدا ً ما كانت بقادرة على أن تمل ولو جانبا ً ضيقا ً من الحيز الكبير‬
‫الذي غ ّ‬
‫طى على أوروبا من أقصاها إلى أقصاها ‪..‬‬
‫الديموقراطية؟! كانت هذه رداء فضفاضا ً يتسع لكل شيء‪ ،‬ولكنها ل تملك أي‬
‫تميز‪ ،‬وما كانت خطوطها المتميعة الباهتة لترسم للعقل البشري معمارا ً‬
‫صارما ً ذا أبعاد‬
‫مرئية‪ ،‬بعشر معشار ما تفعله الماركسية‪.‬‬
‫الشتراكيات الوطنية؟ نعم‪ ،‬لقد كانت تملك قدرتها على الجذب من خلل‬
‫نزعتها القومية الصيلة المتطرفة ذات البريق‪ ،‬لكنها كانت قد حكمت على‬
‫نفسها بالعتقال في الحيز المكاني والبشري الضيق بسبب من عرقيتها‬
‫وعدوانيتها‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫س‬
‫المذاهب والفلسفات الخرى؟ ما كانت تعدو أن تكون ترفا فكريا ل يم ّ‬
‫أشواق النسان ول يلبي حاجاته التاريخية‪..‬‬
‫الماركسية وحدها في الميدان‪ ،‬وليس ثمة سوى بدائل ما كانت بقامتها‪ ،‬ول‬
‫قدرت على أن تسامتها تساميها في القدرة على الجذب والتأثير ‪..‬‬
‫فها هنا العالمية‪ ،‬والنسان‪ ،‬والمظلومون‪ ،‬وقوانين التاريخ التقدمية كما كانت‬
‫دعي ‪ ..‬وهناك العرقية والستغلل والبورجوازية والرجعية‪..‬‬
‫ت ّ‬
‫إلى آخره مما كانت ت ُّتهم به بإلحاح عجيب من المراكز الماركسية نفسها ‪..‬‬
‫‪-3‬‬‫ً‬
‫هكذا كان المثقف الوروبي يجد نفسه منجذبا‪ ،‬بهذا الدافع أو ذاك للنتماء إلى‬

‫‪186‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هذه العقيدة ذات السحر العجيب ‪..‬‬
‫بل لقد حدث يومها ‪ -‬في العشرينيات والثلثينيات ‪ -‬ما هو أكثر من هذا‪ :‬اتهام‬
‫المثقف الغربي الذي ل ُيهرع للنتماء إلى الماركسية‪ ،‬بالتخلف والرجعية‬
‫وله إلى أداة تستخدمها الطبقات المستغلة ضد الكادحين‬
‫والجمود ‪ ..‬بتح ّ‬
‫والنسان وقوانين التاريخ ‪..‬‬
‫كان مجرد هذه التهمة التي يتصادى يتصادم معها إحساس معذب لدى أولئك‬
‫الذين ل يقدرون على تحمل عبئها المبهظ‪ ،‬يسوق هؤلء إلى ما يعتبرونه‬
‫توحدا ً وخلصا ً ‪ ..‬دفاعا ً عن السم والكرامة ‪ ..‬اختيار الموقع الكثر علمية‬
‫وأخلقية‪ ،‬وانسجاما ً مع مواقعهم المتقدمة كأدباء وفنانين ومفكرين ‪..‬‬
‫حتى إذا ما بلغ أحدهم أعماق التجربة‪ ،‬وخبر بنفسه تناقضاتها ومظالمها‪،‬‬
‫وكذب اّدعاءاتها وأخطاَءها العلمية والخلقية ‪ ..‬رآها وسمعها ولمسها ‪..‬‬
‫وأدرك في نهاية المر أنها ل تنسجم بحال من الحوال مع وضعه كمفكر أو‬
‫ساس‪ ،‬مثقف‪ ،‬مسؤول‪..‬‬
‫أديب أو قناعته كإنسان ح ّ‬
‫ً‬
‫ن على‬
‫لم يجد الطريق مفتوحا ً بسهولة للتراجع عن انتمائه‪ ،‬لم يجده مفتوحا إ ْ‬
‫مستوى الفكر أو الحساس‪ ،‬أو على مستوى الواقع والممارسة ‪..‬‬
‫يرجع إلى أين؟ وليس ثمة بديل على الطلق يمنحه التوازن والمتلء اللذين‬
‫تحقق بهما هناك؟‬
‫إن الحساس الذي كان ينتابه في لحظة التفكير بالخروج شبيه إلى حد ما‬
‫بذلك الذي يأخذ بخناق من يهوي من الوجود إلى العدم ‪ ..‬من ُينفى من العالم‬
‫إلى الفراغ والضياع ‪ ..‬من ُيطرد من الفردوس المشتهى ‪..‬‬
‫‪-4‬‬‫وارثر كوستلر‪ ،‬أحد الذين ذاقوا التجربة وذاقوا معها مرارات الخطاء‬
‫والمظالم والتناقضات‪ ،‬يحدثنا عن هذا الحساس فيقول‪ .. " :‬لم يعد من‬
‫الممكن لشيء أن يقلق أمننا وسلمنا الداخلي إل ّ الخوف من أن نفقد هذه‬
‫العقيدة‪ ،‬فنفقد معها كل ما يجعل للحياة قيمة‪ ،‬ونعود إلى الظلم الدامس‬
‫من جديد حيث ل نرى إل ّ العويل والزئير‪ .‬ولعل في هذا تفسيرا ً لموقف‬
‫الشيوعيين الذين ل يزالون يجدون اليمان في قلوبهم على الرغم من أن لهم‬
‫عيونا ً ترى وعقول ً تفكر"‪ .‬ويقول في مكان آخر من مذكراته‪ " :‬إن عليك أن‬
‫تقوم بدورك في اللعب‪ ،‬تؤكد وتنكر‪ ،‬وتفضح وتتراجع‪ ،‬وتأكل ما تقول وتلعق‬
‫ما تقيء‪ ،‬كان هذا الثمن الذي يلزم أن تدفعه كي ُيسمح لك بأن تشعر أنك ما‬
‫زلت ذا فائدة‪ ،‬وبهذا تبقي على احترامك لنفسك عن هذا الطريق المنكوس"‬
‫)‪.(1‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وهو يسمي نقاط الجذب الخادعة في العقيدة الماركسية بالخمور الفكرية‪،‬‬
‫ويعتبر الوقوع في إسارها مرضا ً وإدمانا ً وجبنا ً عقليا ً "لقد كان تمسكي بآخر‬
‫خيط من هذا الوهم البالي ‪ -‬يقول الرجل ‪ -‬نموذجا ً للجبن العقلي الذي ل‬
‫يزال مسيطرا ً على اليساريين‪ .‬إن الدمان والنعكاف على السطورة‬
‫ي على العلج كأي إدمان آخر‪ ،‬ول يكاد‬
‫السوفييتية مرض متشبت وعص ّ‬
‫النسان يهبط من الفردوس حتى يعاوده الغراء بأن يتذوق منها ولو نقطة‬
‫واحدة‪ ،‬ولو كانت مغشوشة بالماء وُتباع تحت اسم آخر‪ .‬ولن يعدم النسان‬
‫أن يجد في سوق )الشيوعية الدولية( السوداء عددا ً من السماء والعناوين‬
‫الجديدة للمبادئ القديمة‪ .‬إن هذه الشيوعية تتاجر في العناوين والشعارات‬

‫‪187‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كما يتاجر مروجو الخمور الممنوعة في أنواعها الزائفة المقلدة‪ ،‬وكلما كان‬
‫العميل أقرب إلى السذاجة‪ ،‬سهل عليه أن يصبح ضحية لنواع الخمور‬
‫الفكرية التي ُتباع تحت عناوين )السلم( و )الديموقراطية( و )التقدم( وما‬
‫شئت من هذه التسميات" )‪.(2‬‬
‫‪-5‬‬‫ويستنتج كوستلر "بأن القلية الضئيلة فقط في كل عصر وفي كل عقيدة هي‬
‫التي تستطيع أن تعرض نفسها للطرد والحرمان‪ ،‬وتقضي على عواطفها في‬
‫سبيل الحقيقة المجردة")‪.(3‬‬
‫ً‬
‫وقد كان كوستلر نفسه واحدا من هذه القلية‪ ،‬أما الكثرية الساحقة فقد‬
‫استمرت تمارس جبنها العقلي وإدمانها‪.‬‬
‫ذلك أنه ليس ثمة بديل قد يمنح الخارجين القناعات الكافية لتسويغ وجود أي‬
‫منهم كمثقف وكإنسان ‪..‬‬
‫ً‬
‫ومع ذلك فإن محاولت الخروج قد ازدادت طردا مع اليام ليس بسبب من‬
‫توافر البديل‪ ،‬ولكن لتزايد التناقضات التي شهدتها التجرب‪،‬ة والتي لم تعد‬
‫تغري بالبقاء‪ ،‬حتى بالنسبة لولئك الجبناء‪ ،‬أو المدمنين!‬
‫ثمة حالت قليلة واستثنائية كان المثقف الغربي يحظى فيها بالبديل المرتجى‬
‫وغ والتوازن بأكثر مما فعلته الماركسية‪.‬‬
‫الذي يمنحه القناعة والمس ّ‬
‫ي البحث فعانقوه قبل أن يقعوا في مصيدة‬
‫بعض هؤلء التقوا به عبر سن ّ‬
‫الغواء الماركسي‪ ،‬وبعضهم تمّرد على الغواء‪ ،‬وهرعوا لكي يجدوا مصيرهم‬
‫هناك‪.‬‬
‫ً‬
‫إن ليوبولد فايس يقدم لنا نموذجا للحالة الولى‪ ،‬وروجيه غارودي للحالة‬
‫الثانية‪ .‬وكلهما يملك عقل ً كبيرا ً ويمثل باتساع ثقافته وتنوع خبرته حصيلة‬
‫الثقافة الغربية العميقة وغنى خبراتها ‪ ..‬ومعنى ذلك أن هذه الثقافة لم تجد‬
‫في مكوناتها الخاصة بها‪ ،‬على ازدحامها وكثافتها‪ ،‬ما يمنح بعض العقول‬
‫الكبيرة القناعة والتوازن واليقين ‪ ..‬بالعكس‪ ،‬فإن هذا الغنى الثقافي ليكشف‬
‫أكثر فأكثر ضرورة أن تكون هناك قاعدة أساسية تنبثق عنها هذه الثقافة‪..‬‬
‫عقيدة شاملة بعبارة أخرى ‪ ..‬فالثقافة وحدها ل تكفي‪ ،‬وهي تميل إذا لم‬
‫تستند إلى أرضية عقيدية أو رؤية شمولية مقنعة لن تتبعثر وتتشتت وتجّر‬
‫معها النسان إلى التبعثر والتشتت‪.‬‬
‫‪-6‬‬‫ومن خلل هذه المعاناة برزت على الساحة الغربية ظاهرة )اللانتماء( التي‬
‫دثنا عنها الناقد البريطاني كولن ولسون في كتابيه المعروفين )اللمنتمي( و‬
‫ح ّ‬
‫)سقوط الحضارة( فاأطال الحديث‪ .‬إن كبار المفكرين والفنانين والدباء‬
‫والفلسفة‪ ،‬هناك لم يقدروا على التحقق الذاتي في إطار ثقافتهم تلك‪ ،‬بل لم‬
‫يجدوا أوليات التوازن واليقين في خضم هذه الثقافة المتلطم‪ ،‬الكالح‪،‬‬
‫العميق‪.‬‬
‫وكانت مأساتهم تكمن في أنهم كانوا يعون هذا النفصال المحزن بين‬
‫النسان‪ ،‬فردا ً ومجتمعًا‪ ،‬وبين ثقافته