‫‪http://www.balligho.

com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تم تحميل هذا الكتاب‬
‫من مكتبة موقع‬
‫"بّلغوا عّني ولو آية"‬

‫رسالتنا‪ :‬يصل الكثير من الناس بعض الرسائل اللكترونية عن السلم ويقومون‬
‫صصنا هذه‬
‫بحذفها أو تجاهلها بحجة أنها طويلة ويثقل عليهم قراءتها‪ .‬لذلك خ ّ‬
‫الصفحة للشتراك في عظة يومية قصيرة أو حديث شريف أو آية تصل إلى بريد‬
‫المشترك بحيث لن يصعب قرائتها والستفادة منها راجيا من المولى عز وجل‬
‫الجر والثواب‪ .‬مثال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪" :‬بلّـغوا عنّـي ولو‬
‫‪".‬آية‬
‫للشتراك في هذه الخدمة الرجاء زيارة موقعنا "بلّـغوا عنّـي ولو آية" في السفل‬
‫‪ :‬وتسجيل البريد اللكتروني‬
‫‪http://www.balligho.com‬‬
‫‪ :‬أو عن طريق إرسال رسالة ولو فارغة إلى‬
‫‪subscribe@balligho.com‬‬
‫‪.‬ويمكنكم أيضا أن تتصفحوا الرشيف بالحاديث المرسلة مسبقًا‬
‫ن في السلم سنة حسنة‪ ،‬فعمل بها‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من س ّ‬
‫بعده‪ ،‬كتب له مثل أجر من عمل بها‪ .‬ول ينقص من أجورهم شيء‪ ...‬الحديث‪.‬‬
‫فاحرصوا يرحمكم ال على نشرها فكل من يزور الموقع ويستفيد منه عن طريقك‬
‫تكسب من الجر الكثير وإن قام بدوره بالعمل بها ونشرها أيضا فكلنا نكسب أمثل‬
‫‪.‬أجورهم ول ينقص من الجر شيئا‬

‫والسّنة‬
‫منهاجنا‪َ :‬‬
‫و َ‬
‫دة إلى الك َِتا ِ‬
‫ب َ‬
‫ع ْ‬
‫ف ال ُ‬
‫بِ َ‬
‫مة‬
‫سل َ ِ‬
‫هم ِ َ‬
‫ف ْ‬
‫ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ةة ةةةةة ةةة ةةةةةة ةةةة ةةةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة‬
‫)ةةةة ةةة ةةةةةةةة ةةة ةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة ةةة‬
‫ةةةةةةةة(‬
‫الكتاب ‪ :‬موسوعة البحوث والمقالت العلمية‬
‫جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة‬
‫حوالي خمسة آلف وتسعمائة مقال وبحث‬
‫علي بن نايف الشحود‬
‫أسأل الله تعالى أن يتولنا بعفوه ‪ ،‬وأن يرحمنا برحمته ‪ ،‬وأن يستعملنا في‬
‫طاعته ‪ ،‬وأن يجعل مثوانا جنته ‪ ،‬وأن يتقبلنا في عباده الصالحين ‪ ،‬والحمد لله‬
‫رب العالمين ‪ ،‬وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ‪.‬‬
‫إبراهيم بن محمد الحقيل‬
‫ص‪ .‬ب ‪ 27028‬الرياض ‪11417‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫لعلكم تتقون‬
‫طريق القرآن‬
‫الحمد لله والصلة والسلم على المبعوث رحمة للعالمين وبعد ‪ /‬فلسائل أن‬
‫يقول ‪ :‬ما هي الحكمة من عبادة الصوم ؟ وسوف تكون الجابة التي ل شك‬
‫فيها ‪ :‬التقوى‪.‬‬
‫نعم إنها التقوى ‪ ...‬إنها التقوى ? لعلكم تتقون ? ‪ ،‬وهي الحكمة والغاية من‬
‫العبادة ‪...‬‬
‫نعم ‪ ..‬أن يكون تركنا للمشارب والمآكل والشهوة إخلصا ً لله تعالى واتباعا ً‬
‫لمره ‪ ، ..‬وحينها نشعر بأثر العبادة ‪ ،‬نشعر بأثرها علينا في أجسامنا‬
‫ومجتمعنا وقلوبنا والدنيا بأسرها ‪..‬‬
‫ولذا أيها الحبة يجب علينا أن نفتش في دواخل قلوبنا ونفوسنا ‪ ،‬وأن نخلص‬
‫له تعالى في عملنا ‪...‬‬
‫نعم لنتأمل قوله _ صلى الله عليه وسلم _ ‪ ) ) :‬من صام رمضان إيمانا ً‬
‫واحتسابا ً غفر له ما تقدم من ذنبه ( ( ‪ ) ..‬إيمانا ً واحتسابا ً ( ‪ ..‬إيمانا ً بالله‬
‫تعالى وتصديقا ً لنبيه _ صلى الله عليه وسلم _ وعمل ً بما أمره الله به ‪،‬‬
‫واحتسابا ً للجر منه تعالى ل من غيره ‪..‬‬
‫فلم يصم لجل أن الناس صاموا ‪ ..‬أو لجل أن ل يقال عنه ‪ :‬بأنه مفطر ‪ ..‬بل‬
‫صام إيمانا ً واحتسابا ً ‪...‬‬
‫وعليه فإني أوجه النداء لنا كلنا بأن نتقي الله تعالى في هذا الشهر الكريم‬
‫وأن نحقق التقوى في الصيام لله تعالى ل لغيره ‪..‬‬
‫فيا من اجتهدت في الصيام وضيعت الصلة ‪ ..‬ما حققت التقوى ‪ ...‬فاتق الله‬
‫والزم طاعته ‪ ،‬واعلم بأن ما أنت عليه معصية عظيمة ‪..‬‬
‫ويا من أمضى نهاره صائما ً عما أحل الله له في غير رمضان من طعام‬

‫‪2‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫م‬
‫وشراب ومأكل ؛ امتثال ً لمر الله ‪ ..‬لكنه كذب وغش واغتاب وبهت ون ّ‬
‫وتكلم في أعراض الناس وسخر من هذا وذاك وأكل الحرام ‪ ..‬ما حققت يا‬
‫أخي التقوى وأنت قائم على تلك المعاصي ‪ ..‬فتب إلى ربك وحقق التقوى‬
‫بامتناعك عن تلك الكبائر ‪ ،‬ولقد جاء في الصحيح‪ ) ) :‬من لم يدع قول الزور‬
‫والعمل به ‪ ،‬فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ( ( ‪.‬‬
‫ويا من اجتهد في النهار في الصوم وتلوة القرآن والحرص على الصدقة ‪..‬‬
‫وضّيع الليل ما بين شياطين الفضاء والقنوات الملهية وقيل وقال ولعب‬
‫وسهر وضياع ‪ ..‬ما حققت يا أخي التقوى ‪ ..‬فاتق الله والزم طاعة ربك‬
‫واحذر مخالفته ومعصيته ‪....‬‬
‫نعم ) لعلكم تتقون ( ‪ ،‬إن رمضان فرصة لنا أن نجدد العهد مع الله تعالى ‪،‬‬
‫وأن نتوب ونؤوب إليه وأن نتخلص من أمراض قلوبنا وذنوبنا وأن نصحح‬
‫مسيرنا إلى الله تعالى بالتوبة النصوح ولزوم العمل الصالح ‪..‬‬
‫إنها فرصة لنا كي نفتح صفحة جديدة من أعمارنا نعمرها بالعبادة وبالقرب‬
‫منه تعالى ‪...‬‬
‫إنها فرصة لنا كي نصفي ما بيننا وبين أنفسنا وأقربائنا وأهلنا‪..‬‬
‫فرصة لصلة الرحم ‪ ،‬وبذل المعروف وفعل الجميل والكثار من الطاعات‬
‫وتلمس ذوي الحاجات ‪..‬‬
‫لم يكن رمضان شهر السهر والسمر والكل والشرب ‪ ..‬كل ‪ ،‬بل هو شهر‬
‫العبادة ‪.‬‬
‫أتدرون ما العبادة ؟ عبادة الجسد والروح ‪ ،‬عبادة القلب والروح ‪ ،‬عبادة‬
‫الظاهر والباطن ‪،‬‬
‫العلم والعمل ‪ ،‬الجد والمثابرة ‪ ،‬وهزيمة النفس المارة بالسوء والشيطان ‪..‬‬
‫إن غزوة بدر الكبرى يوم الفرقان التي خلد الله ذكرها في كتابه كانت في‬
‫رمضان‪.‬‬
‫وفتح بلد الله الحرام مكة المكرمة يوم أن اندحر الشرك والكفر عن أطهر‬
‫البقاع كان في رمضان ‪ ،‬والخير كله في رمضان ‪..‬‬
‫نعم لم يكن شهر كسل ودعة وأكل وشرب وسهر وضياع ونغم وأفلم‬
‫ومسلسلت ومسابقات وفوازير ‪..‬‬
‫والله إننا لنستحي من الله تعالى أن يمن علينا بنعمة هذا الشهر الكريم وما‬
‫فيه من الفضائل وعظيم الجر ‪ ،‬وينظر إلينا سبحانه وقد قابلنا نعمته بالجحود‬
‫‪ ..‬لعب ولهو وسمر وسهر ‪ ، ..‬ل بل ينزل تبارك وتعالى في ثلث الليل الخر ‪،‬‬
‫وبعضنا على حالة ‪ ...‬نسأل الله أن ل يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ‪..‬‬
‫نعم كلنا مقصرون ‪ ،‬وكلنا مذنبون ‪ ،‬ولكن لنتفكر يا عباد الله ‪ ..‬لنتفكر قبل أن‬
‫ل ينفع الندم ول ينفع العمل ‪ ..‬والله المستعان ‪.‬‬
‫إنه ينبغي علينا رجال ً ونساًء أن نتقي الله في صيامنا وأن نحقق اليمان‬
‫والحتساب فيه ‪..‬‬
‫ولعلي أهمس في أذن أختي المسلمة لقول ‪:‬‬
‫ك وأن يذهب عليك شهرك سدى ‪ ،‬ما بين نوم وطبخ وسواليف‬
‫ك ثم إيا ِ‬
‫إيا ِ‬
‫وزيارات وتلفاز ‪..‬‬
‫أدركي أختي فجيعة فوات العمر ‪ ... ،‬وما أشد الفجيعة حينما يفوت على‬
‫المسلمة رمضان ولم يغفر لها ؟ ‪ ،‬أسأل الله لنا التوفيق والهداية والرشاد ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪3‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لغة الحوار في القرآن الكريم ) ‪( 1‬‬
‫د‪ .‬المقرئ أبو زيد الدريسي‬
‫لغة الحوار في القرآن الكريم هو جزء من موضوع كامل عن منهج الحوار في‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬وأحتاج هنا أن أفكك عناصر العنوان وأقف عليها عنصرا‬
‫عنصرا لنخلص بعد ذلك إلى التبرير العلمي والمنهجي لختيار هذا الموضوع‪.‬‬
‫ولنسأل لماذا الحوار ولماذا القرآن ولماذا اللغة‪.‬‬
‫إنني اعتبر البشرية كلها تعيش اليوم أزمة حوار حقيقي وأتصور أن كثيرا من‬
‫المشاكل والصدامات الدامية التي تدفع البشرية ثمنها كان ممكنا أن تتجنب‬
‫أصل ً أو يخفف أثرها أو تقل سلبياتها لو لجئ إلى الحوار واستنفذت أغراضه‬
‫ووسائله‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫والمة السلمية تعرف عموديا وأفقيا أزمة حوار حقيقية‪ ،‬أزمة علقة بين‬
‫الحاكم والمحكوم‪ ،‬أزمة علقة بالمستوى الفقي بين عناصر المجتمع المدني‬
‫من مختلف جوانبه وتوجهاته الجتماعية والسياسية‪ ،‬أزمة علقة فيما بين‬
‫النظمة على مستوى العالم العربي والسلمي‪ ،‬أزمة علقة بين التيار‬
‫القومي والتيار السلمي والتيار العلماني‪ ،‬وهناك أزمة تنزل إلى مستوى‬
‫السرة فيما بين الزوج والزوجة وما بين الزوجين والولد لغياب الحوار‪.‬‬
‫فالحوار رئيسي وضروري وممر استراتيجي لحل هذه الزمة‪ ،‬أزمة الختلف‬
‫والصدام السلبي التي نعيشها اليوم‪.‬‬
‫أما القرآن فإنه يمثل القاسم المشترك أو الكلمة السواء بين المسلمين‪،‬‬
‫وأول شروط الحوار الناجح أو على القل كي ل يرتد إلى انتكاسة أسوأ من‬
‫الخلف الول‪ ،‬أن ينطلق المتحاورون من قاعدة وأرضية مشتركة‪ ،‬والقرآن‬
‫هو المنطلق الذي يمكن للمسلمين أن يعودوا ويحتكموا إليه‪.‬‬
‫أما محورية اللغة فلن النص القرآني أساسا ً هو نص لغوي أنتج باللغة العربية‬
‫وفق قواعدها ومحكوم بضوابطها وينتهي إلى مآلتها اللغوية‪ ،‬وهذا اختيار الله‬
‫ عز وجل ‪ -‬وليس هذا تحكم من أحد‪ .‬فالله ‪ -‬تعالى ‪-‬اختار أن يتواصل مع‬‫البشر بهذه اللغة‪ .‬وهذه اللغة ل بد أن تتكون وتتشكل في محيط واقعي? وما‬
‫أرسلنا من رسول إل بلسان قومه ليبين لهم? فل بد إذن أن يكون النبي‬
‫يتكلم بلسان قومه‪ ،‬فكان القرآن باللسان العربي‪ ،‬وبالتالي خضع القرآن‬
‫الكريم لليات هذا اللسان وضوابطه في الستنباط فكانت هذه الرضية‬
‫الصلبة للتأويل‪.‬‬
‫أرضيتان صلبتان في القرآن‪ .‬متنه ولغته‪ ،‬وقد أجمع علماء اللغة المسلمون‬
‫أن القرآن نازل بلغة العرب خاضع لسننها في الداء‪ ،‬ومن هنا لم يجد السلف‬
‫حرجا ً في أن يخضعوا تأويل القرآن لضوابط اللغة‪ .‬لن اعتماد بعض‬
‫النتقائيين على معاني القرآن مباشرة دون اعتماد قوانين اللغة يؤدي إلى‬
‫السقوط في تضارب وتعارض يجتهد الصوليون والمجتهدون بآليات درء‬
‫التعارض بين النصوص لحلها‪.‬‬
‫وسأتناول بالبحث عنصرين من بين سبعة عناصر يمكن أن تعتبر أهم‬
‫المؤشرات اللغوية الدالة على الحوار ومستوياته ومقاصده وأخلقه ومنهاجيته‬
‫في القرآن الكريم‪ .‬ولنبدأ بالعنصر الول ولنطرح السؤال التالي‪ :‬هل القرآن‬
‫الكريم دعوة إلى الحوار‪ ،‬أم دعوة إلى التبليغ التلقيني المتعالي‪ ،‬أم دعوة‬
‫إلى القصاء الذي هو عكس الحوار؟ كيف نثبت ذلك لغويا ً باللغة المحضة‪،‬‬
‫باللغة كمادة موضوعية محكومة بقواعد بعيدا عن التأويليه والنتقائيه؟‬
‫يقرر بعض المفكرين أن القرآن الكريم ما ادعى دعوى إل كان له من نفسه‬
‫عليها دلي ً‬
‫ن بذاته عن خارجه وأنه ل شيء في القرآن‬
‫ل‪ .‬أي أن القرآن مستغ ٍ‬
‫‪4‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كدعوى أو منهج أو شعار إل ومادة القرآن تقدم عليه أمثلة وتطبيقات ونماذج‪.‬‬
‫وأنا أستأنس بهذه الشارة لكي أقول أن القرآن الكريم يدعوا إلى الحوار‬
‫ومن مستلزمات الحوار العتراف بالطرف الخر وبحقه في الوجود وبحقه‬
‫في التعبير عن رأيه وبحقه في الختلف مع الخر الذي هو الحق الذي هو‬
‫القرآن‪ .‬القرآن الكريم يؤسس لهذا ودليلي من اللغة هو فعل قال أو مادة‬
‫القول باعتبارها مؤشرا ً لغويا ً حاسما ً وصارما ً على حوارية أي نص‪ .‬وفي‬
‫ً‬
‫اعتقادي أن أي نص وتخصصي أصل في اللسانيات وحيا ً أو غير وحي قرآنا أو‬
‫شعرًا‪ ،‬أهم مؤشر على وجود روح الحوار فيه هو تصرف مادة القول‪ .‬أي‬
‫فعل قال ومشتقاتها‪.‬‬
‫وبقدر حضور هذه المادة وبقدر توزعها وتنوعها بقدر وجود تصريفاتها بقدر ما‬
‫يكون حظ هذا النص من الحوارية‪ .‬فطرحت هذا السؤال على نفسي‬
‫واستعنت بالمعجم المفهرس للفاظ القرآن الكريم وعكفت على المصحف‬
‫مدة فانتهيت إلى ما يأتي‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫مادة ‪ -‬ق و ل ‪ -‬تتكرر في القرآن ‪ 1722‬مرة هذا رقم فظيع ينبغي الوقوف‬
‫عنده خشوعا ً ساعات إن لم أقل دهرا ً من الزمان وأكثر من ذلك الحضور‬
‫الكمي‪ ،‬الحضور الكيفي إذ تتصرف على تسعة وأربعين تصريفا ً واشتقاقا ً لنه‬
‫لو كانت )قال( متصرفة تصريفا ً واحدا ً ‪-‬قال أو يقول منسوبة إلى الذات‬
‫اللهية‪ ،‬قلت أو قلنا أو ما شاء من التصرفات الدالة على جهة المتكلم‬
‫المتعالي‪ -‬لما كان هناك أي معنى لستعمال مادة القول كمؤشر على الحوار‪.‬‬
‫فهذا يكون مؤشرا ً على التلقين وعلى التعالي وعلى الصوت الواحد وعلى‬
‫الرأي الواحد والفكر الواحد‪ .‬ولكن نجدها متوزعة على تسعة وأربعين‬
‫اشتقاقا تتوزع على كل أطراف المقام الحواري‪ .‬من متكلم ومخاطب‬
‫ومستمع ومحاور ومقاطع وغائب وحاضر ومذكر ومؤنث ومثنى وجمع‪.‬‬
‫نجد "قال" ‪ 529‬مرة‪ ،‬و "يقولون" ‪ 92‬مرة‪ ،‬و "قل" ‪ 332‬مرة‪ ،‬و "قولوا"‬
‫‪ 13‬مرة‪ ،‬و "قيل" ‪ 49‬مرة‪ ،‬و "القول" ‪ 52‬مرة‪ ،‬و "قولهم" ‪ 12‬مرة‪ .‬وأنا‬
‫أذكر الرقام كمؤشر على الحوارية عالي الترداد داخل النص القرآني بشكل‬
‫لفت للنظر وخاصة إذا أخذنا بعين العتبار المعطيات السبعة التية الملتصقة‬
‫بهذا المؤشر‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬الخر الذي يؤشر على كلمه )بقال أو قالوا أو يقولون أو قولهم( أي‬
‫حضور الخر الذي يبتدأ كلمه بهذه اللزمة هو حضور ضخم والحاصل أننا‬
‫أمام نص غريب‪ ،‬فقد نستنتج من نص بشري لو وجدنا فيه هذه الدرجة العليا‬
‫من الحضور لمؤشر الحوار‪ -‬مادة القول ‪ -‬أن صاحب النص شخص مفتوح‬
‫شخص ذو طبيعة حوارية‪ ،‬شخص يؤمن بحق الخر‪ ،‬شخص أنتج نصا ً متعدد‬
‫الصوات‪ ،‬شخص حضاري بالمعنى الحقيقي‪ ،‬لنه يستحضر رأيه ورأي الخرين‬
‫ويناقشه‪ .‬أما وأن المر يتعلق بكلم الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬فالمر يحتاج إلى وقفه‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬الصل في كلم الله أنه متعالي‪ .‬والوضع المقامي يؤثر في القراءة‬
‫الدللية للفعل اللغوي تأثيرا ً قويا ً جدا لنك إذا أخذت المر مثل ً من أعلى إلى‬
‫أسفل فهو أمر أقيموا الصلة وإذا كان من أسفل إلى أعلى فهو دعاء اللهم‬
‫ل في صيغته الصرفية هو فعل أمر ولكن يدخل‬
‫صل على سيدنا محمد وص ِ‬
‫المقام فيتغير لنه ليس هناك أحد من العباد يأمر الله فيتحول إلى فعل دعاء‪.‬‬
‫وإذا كان خطاب مثيل وند فيصبح المعنى التماسا ً وسؤا ً‬
‫ل‪ ،‬كأن أقول لزميلي‬

‫‪5‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أعطني القلم‪ ،‬فأنا لست ربا ً له فآمره ولست عبدا ً له فأدعوه بل هو مثلي‬
‫فيكون كلمي التماسا ً عند تساوي عنصري المقام‪.‬‬
‫ل بطبيعته لنه من الله يخاطب البشر وطبيعة النص‬
‫فالنص اللهي نص متعا ٍ‬
‫المتعالي المفروض فيه أن يكون ذا صوت واحد هو صوت الحق المطلق‬
‫والعلم المطلق والفهم المطلق والحكمة المطلقة والمعرفة المطلقة‪ .‬ثم هو‬
‫أصل ً لم يأت في سياق الحوار بل هو نص جاء في سياق هداية وتبليغ وإبلغ‬
‫وتعليم وأمر وخبر‪ .‬فإذا استحضرنا أن النص نص إلهي ذو طبيعة متعالية‬
‫المفروض فيه أن يكون ذا صوت واحد وأل يكون متعدد الصوات وأل ينكر‬
‫عليه ذلك ول أن يكون حواريًا‪...‬زاد ثقل المر‪.‬‬
‫وإذا كان كلم العقلء منزها ً عن العبث فماذا نقول عن كلم الله‪ ،‬إنه الحق‬
‫المطلق والصواب المطلق ورغم ذلك يكرر حقيقة ‪ 1722‬مرة في حين‬
‫عندما يكون المنتج للكلم في المقام ذا وزن ثقيل إذا قال المر مرة واحدة‬
‫يأخذ هذا المر ثقله ووزنه وهيبته من المقام‪ ،‬من طبيعة المتكلم? لو أنزلنا‬
‫هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله?‪ .‬ومعنى هذا‬
‫عندما يستعمل الله ‪ -‬تعالى ‪-‬التكرار فالمر له خطورة والمر له وزن‪.‬‬
‫فالعنصر الول الذي نريد أن نقف عنده في هذا المؤشر هو هذا الستحضار‬
‫الثقيل للرأي الخر‪ .‬الذي يستغرق تقريبا خمسين بالمائة‪ ،‬أي أن هذا المؤشر‬
‫الحواري نصفه من كلم الله والصالحين والنبياء والملئكة والمؤمنين‪،‬‬
‫والنصف الثاني هو للكفار والمشركين والملحدة والزنادقة والبخلء‬
‫والمنهزمين والمغرضين‪ .‬فالقرآن يقاسم الخر بصدر رحب خمسين بالمائة‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ثالثًا‪ :‬أن القرآن يستعرض الرأي الخر رغم أنه باطل رغم أنه ضلل رغم أنه‬
‫خطأ‪ ،‬رغم أنه ل يملك أي حظ من الصوابية‪ .‬مقابل ذلك‪ ،‬في دائرة الحق‬
‫والباطل يتحرك البشر والمسلمون منهم في دائرة الصواب والخطأ‪ ،‬لكن من‬
‫أزماتنا النفسية قبل أن تكون من أزماتنا المعرفية أننا نتماهى بالذات اللهية‬
‫من فرط قراءتنا للقرآن والتباس المر علينا‪ .‬هل نقرأ القرآن متلقين؟ أم‬
‫نقرأ القرآن لنخاطب به الخرين وبالتالي يختلط علينا المر أحيانا فنضع‬
‫أنفسنا في حالة تماهي مع الله ونتخندق في خندق الحق ونجعل الخر في‬
‫جانب الباطل‪ ،‬رغم أن الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬عندما يتكلم يستحضر الخر وبكل‬
‫هذا الثقل‪ .‬فتجد في القرآن كلم الملحدين الذين ينكرون وجود الله أص ً‬
‫ل?‬
‫وقالوا إن هي إل حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إل الدهر?‪ ،‬وكلم اليهود?‬
‫وقالت اليهود يد الله مغلولة?‪ ،‬وكلم النصارى "إن الله ثالث ثلثة"‪ ،‬وكلم‬
‫المنافقين المغرضين الذين يفلسفون كل رذائلهم وأقل رذائلهم رذيلة البخل‪،‬‬
‫يفلسفون بشكل خطير يمكن أن تنطلي شبهتها على الضعاف "وإذا قيل لهم‬
‫أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله‬
‫أطعمه" شبهة خطيرة يمكن أن تعلق يوردها القرآن دون أن يستحضر أنها‬
‫يجب أن تباد وتمحى وتقصى لنها قد تفسد على المسلمين خلق الكرم‬
‫والستجابة لمر الله بالنفاق وإعطاء الزكاة بناء على حيثية تحايلية تأويليه‬
‫فاسدة لن الله هو الذي يغني ويفقر ويرفع ويضع ويوسر ويعسر‪ .‬كما أننا‬
‫نجد كل الطوائف الفاسدة والراء الخرى موجودة داخل النص القرآني وبهذا‬
‫الحضور‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬يستحضر القرآن الكريم )الخر( رغم فساده‪ ،‬فالخر ليس ضعيفا ً‬

‫‪6‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مشًا‪ .‬ليس كما هي عادة وسائل العلم في إدارة الحوار حيث‬
‫وليس مه ّ‬
‫ً‬
‫يحكم على طرف سلفا أن يكون ضعيفا للتظاهر بالنفتاح والنصاف والحوار‬
‫لتخدير وغسل دماغ المشاهدين بآليات وتمثيلية مزيفة لظهار أن هناك تعدد‬
‫في الصوات‪ .‬فليس في القرآن هذا السلوب المتحايل‪ ،‬بل العكس هناك‬
‫استحضار للخر بقوة وبأخلقيات عالية جدًا‪ ،‬يستحضره دون أن يبتره؛ فهناك‬
‫طريقة لقصاء الخر وهي طريقة بليدة ممجوجة هو أن تكتب وتقصي الرأي‬
‫الخر وتنكر أنه موجود‪ .‬وهناك ُأسلوب أمكر وأذكى في القصاء هو أن‬
‫تستحضر الخر وتبتر كلمه وتشوهه وتقطعه‪ .‬فالقرآن الكريم يستحضر الخر‬
‫استحضارا ً كامل ً يعطيه الفرصة الكاملة لكي يتم جملة مفيدة لكي يتم نصا ً‬
‫ة بكل قوتها‪.‬‬
‫كامل ً ليتم فكرةً واضح ً‬
‫خامسًا‪ :‬القرآن يسبغ جمالية أدائه البياني وبراعة أسلوبه على الخر فعندما‬
‫نقرأ في القرآن وينتقل الكلم من كلم الله بأسلوبه العالي الرفيع ل يحكي‬
‫عن الخر بلغة ركيكة وأداء رديء و بيان ضعيف‪ ،‬بل بالعكس إن القرآن‬
‫الكريم يخلع أداء الجمال البياني على الجميع فتجد تعبير القرآن الكريم عن‬
‫الخر أجمل من تعبيره هو‪ ،‬الدهريون يقولون "إن هي إل أرحام تدفع وأرض‬
‫تبلع" و القرآن يحكي عنهم‪" :‬وقالوا إن هي إل حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما‬
‫يهلكنا إل الدهر"‪ ،‬فالتعبير القرآني أبلغ وأجمل لنه يمنح الخر فرصة الحضور‬
‫في التاريخ ويمنحه فرصة الحضور في الجمال‪ ،‬الحضور المعنوي‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬القرآن يخلد الرأي الخر لن القرآن كلم الله‪ ،‬والله وعد بخلوده ولم‬
‫يستحفظنا إياه كما استحفظ أهل الكتاب‪ .‬وقامت على خدمة النص القرآني‬
‫جيوش مجيشة من العلماء‪ ،‬من أشرف شيء فيه وهو معانيه إلى الشيء‬
‫المادي فيه وهو الخط‪ .‬هذا الجيش من العلماء الذي ينقسم على أكثر من‬
‫ثلثين تخصص من أجل حماية هذا النص وخدمته يحمي داخل هذا النص‬
‫الرأي الخر ويخلده‪.‬‬
‫سابعًا‪ :‬وأخيرا ل يرد عليه‪ ،‬وقد تتبعت السياقات القرآنية ولم أقم بإحصاء‬
‫دقيق ففي أغلب الحيان ل يكلف نفسه حتى أن يرد على الرأي الخر‬
‫فيعطيه الفرصة الكاملة للستمرار فل يكون وصيا ً على عقل المسلم‪ .‬فلما‬
‫حصن المسلم بالرؤية الكاملة والعقيدة الصافية والمنهج والدراك السليم‬
‫يتركه هو كي يرد من عنده‪ .‬الرأي الخر ‪ -‬بما هو ضلل وكفر وباطل‪-‬‬
‫مله بلغة القرآن‪ ،‬يخلده ول‬
‫يستحضره كلم الله المتعالي وبقوة ول يبتره‪ ،‬يج ّ‬
‫يرد عليه‪ .‬أي حوارية أعلى من هذه الحوارية؟ أي خلق في استحضار الخر‬
‫وإعطائه فرصة الوجود ومناقشته وإعطائه فرصة في أن يخلد برأيه بعد أن‬
‫تفنه ذوات القائمين عليه؟‬
‫إن كان من درس نقف عليه بعد هذا الحصاء لمؤشر الحوار فهو أن القرآن‬
‫الكريم يريد أن يعطينا درسا ً في النفتاح على الرأي الخر‪ ،‬درسا ً في قبول‬
‫حق الرأي الخر في الوجود وليس صوابيته‪ .‬فالصوابية مجال تدافع فكري‬
‫ومعرفي قائم على النزاهة أي على طلب الحق‪ .‬وأول شروط النزاهة أن‬
‫تترك الخر لكي يقع تدافع موضوعي بين رأيك ورأيه‪ .‬وإن كان من درس‬
‫نأخذه من هذا المؤشر الول هو أن السلم هو عين اليمان بحرية الفكر‪،‬‬
‫وحرية الرأي الخر‪ ،‬واليمان بإفساح المجال للرأي الخر‪ .‬واحترام الرأي‬
‫الخر‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬

‫‪7‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فالسلم يؤمن بقوته الذاتية ويؤمن بأن الحق بذاته يزهق الباطل ?بل نقذف‬
‫بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون?‪ .‬فالويل‬
‫اعتبرها هنا كلمة معرفية )الويل( أي بطلن الستدلل وفساده‪ ،‬وليس يقصد‬
‫به الوعيد لن الوعيد في السياق سيصبح قمعا ً للحوار وقمعا ً للرأي الخر‪،‬‬
‫وهذا ما ل ينسجم مع روح السياق ول مع روح النص القرآني بأكمله‪ .‬إن‬
‫للسلم قوة ذاتية هي قوة الذاتية الكامنة في الحق كما أن الضعف الذاتي‬
‫كامن في الباطل‪ ،‬ولهذا يستمد الباطل قوته من أشياء خارجة عنه ويستمد‬
‫الحق قوته من داخله ومن ذاته فقط‪ .‬فالسلم قوي بما يأتي به من أدلة وما‬
‫يطرحه من أفكار وقوي بتهافت الرأي الخر‪.‬‬
‫بل أكثر من ذلك فالسلم يطرح قوته في سياق التحدي المفتوح‪ .‬القرآن‬
‫يفتح التحدي في سياق الزمن إلى يوم القيامة ويفتحه على حضارات وعلوم‬
‫ومعارف واستدللت قد يتلبسها الباطل ل حدود لها كما ً وكيفا ً وزمانا ً ومكانا ً‬
‫إلى يوم القيامة‪ ،‬أي أنه تحدي للتخليد‪ .‬فالرأي الخر لعله باطل في زمن‬
‫الصحابة لقوة إيمانهم وانطلقهم من الحق وردهم للباطل بطريقة إيمانية‪.‬‬
‫فلعل قوما آخرين سيجمعون حضارات وعلوم أقوى يستطيعون الستدلل‬
‫بها‪ .‬فالقرآن الكريم يقر بهذا الحتمال ويفتح هذا الحوار إلى ما ل نهاية مع‬
‫كل من يريد أن يكرر المواجهة من أطراف أخرى وزوايا أخرى لم تكن‬
‫منظورة ول موجودة‪ .‬أكثر من ذلك إن ذلك التحدي يصل إلى مقام اليمان‬
‫نفسه إن هذا الكلم يتعبد به فتصير من عبادتنا أن نفسح المجال للرأي الخر‬
‫وأن نعطيه فرصة لن يبقى حاضرا ً حضورا ً تاريخيا ً ومعرفيا ً في الزمان‬
‫والمكان إلى قيام الساعة‪.‬‬
‫وأريد أن أنتقل من النسق النظري في القرآن الكريم إلى التطبيق التاريخي‬
‫لن البعد التطبيقي يعطي للجانب النظري معناه ويرسخه أكثر في النفس‪.‬‬
‫الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬بصفته أول وأعظم تلميذ في مدرسة‬
‫القرآن‪ .‬والستاذ الذي تخرج بعد رحلة التلمذة من القرآن فأعطى دروسا ً‬
‫لمن بعده من جيل الصحابة‪ .‬و أنا أسجل لقطة واحدة أسميها مدرسة )أوَ قد‬
‫فرغت يا ابن الوليد(‪ .‬فالنبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬أرسل إليه المشركون‬
‫المغيرة ابن الوليد لكي يذوده عن اختياره بتبليغ الرسالة ويصرفه إلى قناعة‬
‫أخرى وحلول وسطية عّلها تحل الشكال داخل البيت المكي دون تفجير من‬
‫الداخل‪ .‬جاء الرجل يتكلم بلغة مؤدبة عالية ويعرض بطريقة سلمية عروض‬
‫سخية‪ ،‬يا محمد إني وافد قريش إليك‪ .‬إن كنت مريضا ً طلبنا لك دواء‪ ،‬وإن‬
‫كنت تريد ملكا ً ملكناك علينا وإن كنت تريد مال ً جمعنا لك من حر مالنا حتى‬
‫ترضى‪ ،‬وإن كنت تريد النساء زوجناك حسان بناتنا‪ .‬وهذا الكلم يبدو في‬
‫ظاهره مؤدبا ً ويبدو عرضا ً لخيارات واحتمالت فيها شيء من النسبية‬
‫واليمان بوجود احتمالت أمام هذه الحالة‪ ،‬ولكنه في العمق هو عين القصاء‬
‫ليس فيه فتح لمجال الحوار الحقيقي وليس فيه أدب وهو في العمق عين‬
‫استهزاء‪ .‬كما لو أنه يقول للرسول بالعبارة الصريحة‪ :‬إما أنك وصولي أو‬
‫انتهازي أو مجنون أو شهواني‪ ،‬يضعه أمام أربعة احتمالت ل أخلقية ولم يذكر‬
‫له احتمال ً خامسًا‪ ،‬وإن كنت نبيا ً فأعطنا دليلك أو نتحاور أو‪ ..‬فالتنويع الذي‬
‫طرحه كان تنويعا ً مغلوطا ً أو تنويعا ً شكليا ً مثل تنويع الغربيين اليوم وحوارهم‬
‫معنا‪ ،‬هو تنويع على إيقاع واحد واحتمال واحد وهو أنك باطل‪ .‬وهو إقصاء في‬
‫الحقيقة لنه اتهام بأحط ما يمكن أن يركب النسان من أجله الخطار‪ ،‬وفيه‬
‫إقصاء حقيقي لمصداقية الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬فرأسماله‬
‫الحقيقي هو صدقه مع نفسه وهو استفزاز حقيقي‪ ،‬ولو أن واحدا ً منا تعرض‬
‫‪8‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وم يده ثم تطير أضراس المخاطب‪ .‬فليست العظمة‬
‫له فقد ل يملك إل أن يك ّ‬
‫في أن النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬تحمل هذا الكلم وليست العظمة‬
‫فقط في أنه تركه ينتهي‪ ،‬فأقصى ما يمكن للواحد منا إن كان متحليا ً بروح‬
‫حضارية أن يترك الخر حتى يكمل فنحن نقاطع بعضنا بعضا‪ .‬ولكن النبي ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وصل إلى ذروة ما يحلم به المحاور الحضاري وهو أن‬
‫يكمل الخر رأيه دون أن يقاطعه‪ ،‬دون أن يستفزه‪ ،‬ولكن يزيد شيئا ملئكيا ً‬
‫غير موجود عند البشر بل هو موجود عند النبياء فيقول له )أو قد فرغت يا‬
‫ابن الوليد( يعني هل عندك شيئا آخر تضيفه؟ هل تريد فرصة أخرى في‬
‫الحوار؟ قال نعم‪ .‬قال‪ :‬فاسمع‪ ،‬ثم تل عليه سورة من القرآن‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫فمدرسة )أو قد فرغت يا ابن الوليد( مدرسة تبين لنا أن الفهم السطحي‬
‫الذي عندنا من حمل الحق والحماس له غير صحيح‪ .‬و نحن من فرط إيماننا‬
‫بالحق نتعصب له وننفعل ونقاطع ونلقن ونرفع الصوت ونتعالى ونتهجم على‬
‫الخر‪ .‬وإن أقررنا أنها عيوب بررناها أنها من طبيعة النسان المؤمن بالحق‪،‬‬
‫فإن وجدنا شخصا ً لينا ً هادئا ً ساكنا ً مفسحا ً المجال للخر‪ ،‬اعتقدناه ضعفا في‬
‫يقينه أو ضعفا ً في صحة موقفه‪ .‬وموقف النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يبين‬
‫شيئا ً عظيما ً جدا ً أن الحماس الذي يخرج عن آداب الحوار الفكرية والخلقية‬
‫ليس قرينا ً لليقين الكامل في الحق‪ ،‬فالذي قال )لو وضعوا الشمس في‬
‫يميني والقمر في يساري على أن أدع هذا المر أو أهلك دونه( هو نفسه ترك‬
‫الرجل حتى أكمل‪ ،‬وما انفعل ثم أعطاه فرصة جديدة‪ ،‬ثم أجابه بهدوء‪.‬‬
‫وفي إضاءة لتلميذ التلميذ الول والستاذ الول لن آخذ من جيل الصحابة ول‬
‫جيل التابعين بل من جيل بدء تأسيس المعرفة‪ .‬من أوائل من كتب في‬
‫السيرة النبوية ابن هشام بعد ابن إسحاق وابن شهاب‪ .‬وقد قامت الدكتورة‬
‫عائشة عبد الرحمن )بنت الشاطئ( ‪ -‬رحمها الله ‪ -‬بإحصائية في الشعر الذي‬
‫أورده ابن هشام في المجلدات الربعة وكان سياقها غير سياقي ونيتها غير‬
‫نيتي‪ ،‬كانت تتحدث عن الدب وهي أديبة وكانت ترد على من ادعى أن‬
‫السلم أضعف الشعر فأرادت أن تبين أن هذا لم يحصل‪ ،‬فجاءت بالوثيقة‬
‫التي سجلت الحركة الشعرية السجالية التدافعية بين المشركين والمسلمين‬
‫في عهد الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وهي السيرة‪ .‬فقامت بإحصاء‬
‫وهي على غير بال بالنتيجة التي سأستنتجها منها فوجدت أن في سيرة ابن‬
‫هشام ألف بيت من الشعر خمسمائة بالتمام والكمال شعر المسلمين‬
‫والصحابة المنافحين عن النبوة والسلم والمادحين للمسلمين والسلم‬
‫والمنشدين لشعار النصر في معارك السلم‪ ،‬وخمسمائة بالتمام والكمال‬
‫للمشركين الذين شتموا عرض رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬والذين‬
‫سبوا الدين والمسلمين وهيجوا عليهم الحقاد‪.‬‬
‫قد ل يكون ابن هشام فعل هذا بوعي‪ ،‬ولعل سر العظمة أن التخلق عند‬
‫المسلمين بهذا الخلق صار تلقائيا ً عفويا ً مندمجا ً في كيانهم‪ ،‬ويمارسونه‬
‫بطريقة ل شعورية‪ .‬أكثر من هذا‪ ،‬ربما ل يحمل الرقم خمسمائة إلى‬
‫خمسمائة دللة كبيرة لنه قد يكون فرضا ً أن يكون المسلمون أنتجوا‬
‫خمسمائة بيت والكفار أنتجوا ثلثة آلف فقط فقام هو بإقصاء ألفين‬
‫وخمسمائة ليبدوا وكأن المر متوازن‪ .‬فهذا غير صحيح فحسان بن ثابت وحده‬
‫ربما أنتج أكثر مما أنتجه شعراء قريش بأكملهم‪ .‬وفي كتب تاريخ الدب نجد‬

‫‪9‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أن شعر قريش كان قليل ً وضعيفا ً لنهم أهل حضر أما أهل المدينة فهم أقرب‬
‫إلى مدرسة الشعر الجنوبي التي أسسها امرئ القيس قبل ذلك بقرنين‬
‫واعتبارات أخرى ل ندخل فيها الن‪.‬‬
‫وسوف نتابع عرض تتمة الموضوع في الحلقة القادمة بإذن الله‪.‬‬
‫‪ http://www.alrashad.org‬المصدر‪:‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫لغة الصمت‬
‫)إلى الذين سألوني عن الصمت الطويل‬
‫حين كان الصمت أبلغ من الكلم المغشوش(‬
‫د‪ .‬ماهر حتحوت‬
‫من منكم يفهم لغة ‪ii‬الصمت‬
‫كي ُأسمعه ألف قصيدة‬
‫خالية من نبرات ‪ii‬الصوت‬
‫أحرفها جمر ‪ii‬التنهيدة‪.‬‬
‫يا صحبي ‪ ..‬للصمت ‪ii‬بيان‬
‫أصدق من كل ‪ii‬الكلمات‬
‫لو صيغت من رعشات ‪ii‬لسان‬
‫يتلوى في حلق ظمآن‬
‫يتلمس نبعا ً في ‪ii‬الظلمات‪.‬‬
‫من يجهل لغتي ‪ii ..‬فليتركني‬
‫ل يتوهم بي ‪ii‬العياء‬
‫فالشعر الكامن في ‪ii‬صمتي‬
‫ل أنشده ‪ii‬للبلهاء‪.‬‬
‫ن الشعر كلم ‪ii‬؟!‬
‫من قال بأ ّ‬
‫الشعر ‪ ..‬هنيهة صدق ‪ii‬إنساني‬
‫ي‬
‫الشعر شعوٌر ‪ii‬وجدان ّ‬
‫يسكب في شريان الحرف ‪..ii‬‬
‫ي‪.‬‬
‫فالحرف نوٌر ‪ii‬نوران ّ‬
‫والكلمة دنيا من ‪ii‬أحلم‬
‫ل يكبحها سور ‪ii‬الخوف‪.‬‬
‫فلن قهر الخوف ‪ii‬الكلمة‪،‬‬
‫صن خلف ‪ii‬الصمت‬
‫فلتتح ّ‬
‫ولنخلع عن ألستنا ‪ii‬الصوت‬
‫م دون ‪ii‬كلم‬
‫ولنترن ّ ْ‬
‫ولنتصافح دون ‪ii‬سلم‬
‫فالكلمة إن تسلبها ‪ii‬الصدق‬
‫تحكم فيها ‪ii‬بالعدام‪.‬‬
‫ب‬
‫وأنا يا صحبي لم ‪ii‬أتع ْ‬
‫ب‬
‫أنا شاعر صدق ل ‪ii‬يكذ ْ‬
‫ب‬
‫أنا فارس شعرٍ لم ي ُغْل َ ْ‬
‫فالصمت الناطق ليس ‪ii‬هزيمة‬
‫لكن تزييف ‪ii‬الترنيمة‬
‫‪10‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أو صلب الحرف جوار الحرف‬
‫كي نصنع زورا تنغيمة‬
‫يصط ّ‬
‫ك عليها قيد ‪ii‬الخوف‪..‬‬
‫لدليل أن هناك ‪ii‬جريمة‬
‫ا ُْرت ُك َِبت في حق ‪ii‬الكلمة‬
‫سحقتها ذ َل ّ ‪ii‬وهزيمة‬
‫سلبتها من قدس ‪ii‬المضمون‪.‬‬
‫من يقت ُ ْ‬
‫ل ابنته ‪ii‬مجنون‬
‫والشاعر كلمته بنته‬
‫ل يسقيها كأس ‪ii‬منون‬
‫ويخاف على قدس ‪ii‬الكلمات‬
‫ف ‪ii‬عيون‬
‫من غول يملك ص ّ‬
‫عفريت مجنون القسمات‬
‫يتربص شرا ً ‪ii‬بالكلمات‪.‬‬
‫وأنا يا أصحابي شاعر‬
‫أبحث عن لغة ‪ii‬أخرى‬
‫ل تدركها عين ‪ii‬الغول‬
‫بالصمت ‪ ..‬أقول ‪..‬‬
‫نظرة عيني تقدح ‪ii‬شررا‬
‫ة شفتي تنطق ‪ii‬جمرا‬
‫م ُ‬
‫ز ّ‬
‫وبسيف الصمت أصول ‪ii‬أجول‬
‫إطراقي شعر ‪ii‬مملول‬
‫وشرودي بيت ‪ii‬مذهول‬
‫***‬
‫ولهاثي أشعله شعرا‬
‫والتنهيدة بيت ‪ii‬قصيدة‬
‫م‬
‫إن لم تفهم ل ‪ii‬تتكل ّ ْ‬
‫ت‬
‫م ّ‬
‫م أن ‪ُ ii‬‬
‫ل تتوهّ ْ‬
‫ض غلف الصمت‬
‫فغدا ‪ ..‬سأف ّ‬
‫عن أحلى أثمار ‪ii‬اللحان‬
‫عن شعر ل يدركه ‪ii‬الموت‪.‬‬
‫حين ُأس ّ‬
‫طر في ‪ii‬البيات‬
‫أصدق إحساس ‪ii‬النسان‬
‫تتم ّ‬
‫طى الكلمة في ‪ii‬اطمئنان‬
‫ل تتناهشها الغيلن ‪..ii‬‬
‫حتى يأتي هذا ‪ii‬الحين‬
‫فالصمت الناطق ليس ‪ii‬بلدة‬
‫الصمت ‪ii‬بلغة‬
‫ن بألف ‪ii‬طنين‬
‫الصمت يط ِ ّ‬
‫الصمت نواح ‪ ..‬الصمت ‪ii‬أنين‬
‫الصمت نذير فيه ‪ii‬رنين‪.‬‬
‫من ل يفهم ل ‪ii‬يتكلم‬
‫من يجهل لغتي ‪ii‬فليتركني‬
‫ل يتوهم بي ‪ii‬العياء‬
‫‪11‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فالشعر الكامن في ‪ii‬صمتي‬
‫ل أرويه ‪ii‬للبلهاء؟‬
‫)‪(1 /‬‬
‫لغتي الحبيبة ماذا دهاك ‍؟ ‍ ‍…‬
‫د‪ .‬زينب بيره جكلي‬
‫ضادي حباك الله خير مكانة لك دون غيرك في الجنان الموقف‬
‫أنت التي نزل المين بهديها وسما بها فوق الذرا المتلطف‬
‫ما زال هولكو يمزق سفرها وعواصف العراق فيها تعصف‬
‫اللغة العربية لغة حبيبة إلى قلوبنا ‪ ،‬لغة تهتز لها مشاعرنا ‪ ،‬وتطرب لسماعها‬
‫أفئدتنا ‪ ،‬لغة ليست كسائر اللغات العالمية ‪ ،‬إنها لغة حملت كلم رب‬
‫العالمين الذي أنزله الوحي المين ‪ ،‬ويكفيها بذلك فخرا وسموا ‪.‬‬
‫لغة نطق بها خير البشرية أحاديثه الشريفة لتكون للعالمين بشيرا ونذيرا ‪،‬‬
‫فحقها إذا أن تكون اللغة العالمية كما أراد الله سبحانه وتعالى لها ‪ ،‬وهي أهل‬
‫لذلك ‪ ،‬فقد حملت حضارة أمة مجيدة كان خليفتها الرشيد يقول للغمامة ‪" :‬‬
‫سيري أنى شئت فخراجك يجبى إلي " …‬
‫لغة ترجمت بها علوم الوائل كما حملت حضارات المم ‪ ،‬ولم تضعف ولم‬
‫تعجز عن حمل هذه العلوم في الوقت الذي كان فيه الغرب يغط في سبات‬
‫عميق ‪ ،‬ويظن في جهاز الساعة الذي أهداه الرشيد للملك شارلمان جنّيا‬
‫يحركها ‪.‬‬
‫ما بالنا اليوم نتهم هذه اللغة ‪ ،‬وهاتيك الحضارة ؟ أنعيبا كما نعب الغرب ؟‬
‫وتردادا لما يقوله العدو ؟ أليست لنا هويتنا ومكانتنا ؟ … ولكن ‪:‬‬
‫من يهن يسهل الهوان عليه‬
‫ما لجرح بمّيت إيلم‬
‫إن الدعوة إلى القضاء على اللغة ليست بنت الساعة أو الونة الراهنة ‪ ،‬وإنما‬
‫بدأت منذ قرنين من الزمان ‪ ،‬يوم عاد من ثقف في بلد الغرب لينددوا‬
‫بالعربية ‪ ،‬ولينشروا محاضرات ‪ ،‬ويؤلفوا كتبا يطعنون فيها بها ‪ ،‬ويدعون إلى‬
‫الخذ باللهجات العامية باسم المواطنة الفرعونية أو الفينيقية أو الشورية ‪،‬‬
‫أو ما شابه ذلك من دعوات منكرات يستعين بها العدو الذي ينهج نهج " فرق‬
‫تسد " ‪.‬‬
‫ولم يتوقفوا عند هذا بل راحوا يضعون لكل عامية قواعد ‪ ،‬ويدعون إلى‬
‫دراستها ‪ ،‬بل دعوا أيضا إلى نقل معاني القرآن الكريم إلى العامية كما نقل‬
‫النجيل إلى العامية المصرية ‪ ،‬وصدر عن جامعة الدول العربية ‪ ،‬ونأسف لهذا‬
‫‪ ،‬كتب تدرس اللهجات المحلية وتدعو إليها … ‪ ،‬وأذكر هنا قول الزمخشري‬
‫رحمه الله ‪ " :‬ولعل الذين يغضون من العربية ويضعون من مقدارها ويريدون‬
‫أن يخفضوا من منارها كانوا من الشعوبية ‪ ،‬وكان عملهم منابذة للحق البلج ‪،‬‬
‫وزيغا عن سوء المنهج ‪ ,‬وهم كما قال الشاعر ‪:‬‬
‫عربي لسانه ‪ ،‬أعجمي رأيه ‪ ،‬فارسية أعياده "‬
‫ونحن نعلم تماما أن العامية تختلف من بلد إلى بلد ‪ ،‬بل في البلد الواحد ‪،‬‬
‫وهي ل ثبات لها ول استقرار ‪ ،‬وتفصل العرب عن بعضهم بعضا ‪ ،‬وكفانا ما‬
‫نعانيه من النفصال السياسي ‪.‬‬
‫ولم تقف الدعوة عند هذا الحد ‪ ،‬بل تعدى المر ذلك إلى المطالبة باللغة‬
‫النكليزية ‪ ،‬وبأحرفها اللتينية ‪ ،‬بل إن بعضهم قال بالخذ باللغة اليونانية‬

‫‪12‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وحروفها … ‪ ،‬كما طالب الحداثيون الذين هم من أشد أعداء العربية في‬
‫زماننا هذا بإلغاء قواعد اللغة العربية ‪ ،‬أو بكتابة الكلمات بتسكينها …‬
‫أرأيتم أبناء الضاد كيف أن الغاية هي التخلص من الفصحى وحروفها‬
‫وقواعدها بأي وسيلة كانت ‪ ،‬وليس هناك من هدف إل فصلنا عن قرآننا ‪،‬‬
‫وعن حضارتنا ‪ ،‬و تراثنا ‪.‬‬
‫ولم يكتف البالسة بهذا بل طلعوا علينا بأسلوب جديد عندما أعياهم تنفيذ ما‬
‫سبق إزاء الوقفة الصامدة من أبناء العربية ‪ ، ،‬وراحوا يضعفون العربية باسم‬
‫التسهيل والتحسين ‪ ،‬وصرنا نرى خريجين من أقسام اللغة العربية يخطئون‬
‫في قواعدها وإملئها ‪ ،‬ويهاجمون من ينتقدهم في ذلك … ونرى أشعارا‬
‫ملفقة بل خارجة عن اللغة ‪ ،‬واسمعوا إن شئتم قول أحد أدعياء الشعر الذين‬
‫يبغون تضييع اللغة والقضاء عليها ماذا يقول ‪:‬‬
‫" حين أتى الحمار من مباحث السلطان‬
‫كان يسير مائل كخط ما جلن‬
‫خيرا أبا أتان‬
‫أتقثدونني ؟‬
‫نعم ‪ ،‬مالك كالسكران ؟‬
‫ل شيء بالمرة ‪ ،‬يبدو أنني نعثان‬
‫كل الذي يقال عن قثوتهم بهتان "‬
‫يقصد أتقصدونني ‪ ،‬نعسان ‪ ،‬قسوتهم ‪.‬‬
‫وهذا آخر يقول ‪:‬‬
‫" الدرج الحالي بزيزفون‬
‫والفوقه تعرش يا سمينة‬
‫الحلوة التخطر كالظنون‬
‫الدرج الرنا إلي عهدا‬
‫والكاد لي يشهق من دلل‬
‫يقول جن جن أو أشدا "‬
‫أدخل ال التعريف والضمير على الظرف ‪ ،‬وال التعريف على الفعل ‪.‬‬
‫أمثل هذا يستحق أن ينشر إل أن تكون غايته هدم اللغة وقواعدها ‪ ،‬ولهذا‬
‫يقول د‪ .‬وليد قصاب ‪:‬‬
‫لغة الخواجا أعمشت أبصارهم عما أخبئ من كنوز صفاء‬
‫وإذا حداثي تشاعر بينهم كان الكلم كرقية العجماء‬
‫ل حس فيه ول معاني تصطفى يا ضيعة الدباء والشعراء‬
‫ولقد أثبتت العربية أهليتها لحمل العلوم المعاصرة ‪ ،‬إذ أصدرت المجامع‬
‫اللغوية في البلدان العربية معاجم للمصطلحات الجنبية ‪ ،‬وللفاظ الحضارة‬
‫المعاصرة ‪ ،‬وصدرت مجلة اللسان العربي لتنشر بحوثا ومصطلحات علمية‬
‫باللغة العربية ‪ ،‬كما نشرت معاجم في علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء‬
‫والجيولوجيا ‪ ،‬ودرست بعض الجامعات العربية هذه العلوم كلها بالفصحى بعد‬
‫أن أثبتت أهليتها لذلك ‪ ،‬لما تحويه من اشتقاق ونحت وقياس وتوليد ومجاز‬
‫…‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وإن أي أمة تعلم أبناءها بلغتها تثبت أنها أهل لن تحيا الحياة الكريمة ‪ ، ،‬هذه‬
‫فيتنام بعد تحررها أمرت أن تدرس العلوم بلغتها المحلية ‪ ،‬وترجمت الكتب‬

‫‪13‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العلمية إلى لغتها خلل سنة فحسب ‪ ،‬وكذلك فعلت الصين وروسيا ‪ ،‬بل إن‬
‫العبرية على ضآلة مفرداتها تدرس بها العلوم في مناطقها ‪ ،‬وليست المشكلة‬
‫في اللغات ولكن المشكلة في عقدة النقص ‪ ،‬وفي الرغبة بالتبعية ‪ ،‬وليت لنا‬
‫اليوم من يقف وقفة الخليفة الموي عبد الملك بن مروان حين عرب‬
‫الدواوين في الدولة السلمية ‪ ،‬إذ أصر على ذلك على الرغم من تهديد ملك‬
‫الروم له ‪ ،‬ورد ردا قاطعا أوقف العدو عند حده ‪ ،‬ول زالت العربية ترفرف‬
‫في سماء بلدنا بهذه الوقفة الصامدة الراسخة ‪.‬‬
‫لن أطيل أكثر وفي الجعبة كثير ‪ ،‬وفي القلب أكثر ‪ ،‬ولكني أحث كل غيور‬
‫على لغته وعلى دينه و عروبته أن يشد أزر هذه اللغة ‪ ،‬وأن يعلي شأنها ‪،‬‬
‫لتكون في ضمير كل عربي وعلى لسان كل من ينتسب إلى هذه المة ‪،‬‬
‫لينطق بها كل إنسان من المحيط إلى الخليج ‪ ،‬بل إلى ما وراء المحيط‬
‫والخليج ‪ ،‬وليس حملة شهادات اللغة العربية فحسب ‪،‬لنها شعار المسلم‬
‫والعربي على السواء ‪.‬‬
‫ولقد أصدر ‪ ،‬كما علمنا ‪ ،‬صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد‬
‫القاسمي عضو المجلس العلى حاكم الشارقة الرئيس العلى للجامعة ـ‬
‫حفظه الله ورعاه ـ قرار التعريب في الشارقة ‪ ،‬وقرار إنشاء جمعية حماية‬
‫اللغة العربية ‪ ،‬وطالب المسؤولين بتنفيذ القرار‪ ،‬وبقي علينا السعي والعمل‬
‫على تطبيقه حق تطبيق …‬
‫أئمة اللغة الفصحى وقادتها أل البداَر فإن الوقت من ذهب‬
‫ردوا إلى لغة القرآن رونقها هيا إلى نصرها في جحفل لجب‬
‫ووالله لئن قصرنا فسيتم للباغين ما أرادوا ‪ ،‬وليؤتين السلم والعربية من‬
‫قبلنا ‪ ،‬ولتظهرن دعوات نابيات ‪ ،‬وها قد أطلت البربرية والكردية والفرعونية‬
‫برؤوسها ‪ ،‬وما يجري على الساحة ليس بمجهول ‪ ،‬فالبدار البدار … وإل‬
‫فعلينا السلم‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لغز الجزيرة ‪ ..‬مع من؟ وضد من؟‬
‫عبدالفتاح الشهاري‬
‫ن بعيد والمواطن العربي يعي بأن إعلمه الرسمي ليس إل قوالب‬
‫منذ زم ٍ‬
‫ت في رتابة مميتة‪ ،‬وجمود عقيم‪ ،‬يفضي بمتابعيه إلى‬
‫جامدة تتكرر كل وق ٍ‬
‫ل فكري؛ ولذا فإن البحث عن المصدر الموثوق للخبر كان‬
‫بلدة متناهية‪ ،‬وشل ٍ‬
‫الشغل الشاغل للباحثين عن الحقيقة‪ ،‬أّيا كان مصدرها‪ ،‬أو قائلها‪ ..‬وإلى عهدٍ‬
‫قريب كانت إذاعة )صوت أمريكا(‪ ،‬وإذاعة )البي بي سي( أهم مصادر تلقي‬
‫للخبر على جميع المستويات‪ ،‬وبمختلف الشرائح والفئات‪.‬‬
‫ولم يكن انطلق قناة )الجزيرة( في العام ‪1996‬م يمثل بالنسبة للكثيرين‬
‫ت ليس ببعيد سوى أنها بوق إعلمي لبعض‬
‫في بداية المر وحتى وق ٍ‬
‫ي‬
‫التوجهات الفكرية التي تخدم المصالح المريكية‪ ،‬أو أنها سرطان صهيون ّ‬
‫ي زرعته إسرائيل في وسط الوطن العربي؛ لكي يؤدي دوره في اللعب‬
‫خف ّ‬
‫بثقافة المشاهد العربي‪ ،‬والمساعدة في خلخلة البنية القومية لديه‪ ،‬وهدم‬
‫الثقة في نفسه‪ ،‬والقيام بدور صهر المعتقدات السلمية وإذابتها في قالب‬
‫ي حتى يستطيع التكيف مع محيطه دون مبادئ أو عقائد‪.‬‬
‫عالم ّ‬
‫كسرت قناة )الجزيرة( القاعدة العربية المتبعة في تناولها لعدد من القضايا‬
‫ساسة‪ ،‬التي كان العلم الرسمي بمنأىً عنها‪ ،‬ولهذا‬
‫السياسية الهامة والح ّ‬
‫‪14‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فإن أول من هاجمها هو العلم الرسمي؛ بل كان له دور في تعميق ونشر‬
‫الشاعات حول مصداقية هذه القناة وما تقوم به من زعزعة الثقة بين‬
‫الشعوب والح ّ‬
‫كام‪ ،‬ولن نظرية المؤامرة محيطة بكل جهدٍ قد يكون خارج‬
‫المألوف في عالمنا العربي؛ فإن هذا المر كان حاجزا ً صلبا ً يقف حائل ً دون‬
‫التعامل معها بأي نوٍع من الثقة أو الطمئنان‪ ،‬وسرعان ما تش ّ‬
‫كل لدى‬
‫الكثيرين بأن قناة )الجزيرة( ماهي إل لعبة إعلمية تبنتها قطر‪ ،‬وبدعم‬
‫أمريكي‪ ،‬لنشر الثقافة الصهيونية في العالم العربي‪.‬‬
‫ي الذي‬
‫ولن الصحافة في عالمنا العربي بعيدة كل البعد عن معناها المهن ّ‬
‫يسعى إلى الخبر أينما كان وكيفما كان فقد كان هذا سببا ً كافيا ً في عدم‬
‫التفريق بين العلم كعمل مهني بحت‪ ،‬وبين الدعوات اليديولوجية المختلفة‪،‬‬
‫ولهذا فإن قضايا عدة ساعدت على بلورة قناة )الجزيرة(‪ ،‬ودفعها إلى أن‬
‫تحتل مكان الريادة في عالم العلم العربي‪ ،‬يمكن إجمالها في النقاط‬
‫التالية‪:‬‬
‫ت‬
‫ تجاوزت قناة )الجزيرة( الحالة النمطية والتقليدية للعلم العربي‪ ،‬في وق ٍ‬‫معّلبة‪،‬‬
‫بات المشاهد ينظر إليه بشيء من الريبة خاصة فيما يتناوله من أخبار ُ‬
‫وبرامج ذات طابٍع راكد‪.‬‬
‫ اعتمدت قناة )الجزيرة( طابع البرامج الحوارية والتي تجمع أصحاب الفكر‬‫المضاد‪ ،‬والرأي المعاكس‪ ،‬واستطاعت بذكاٍء إعلمي يؤكد مهنية القناة أن‬
‫تستقطب العديد من السماء السياسية والفكرية العالمية من شتى‬
‫التجاهات والتوجهات‪ ،‬والتي تحظى بتأييد شعبي عربي واسع من جميع‬
‫ي‪،‬‬
‫الشرائح المثقفة والغير مثقفة؛ مما لمس شيئا ً من حالة التعطش الفكر ّ‬
‫الذي كان يبحث عنه المشاهد العربي‪.‬‬
‫ ساهمت )الجزيرة( في تشكيل رؤية إعلمية جديدة كسرت من خللها‬‫القيود الرسمية التي كانت تحيط برسالته‪.‬‬
‫كما أن هناك عوامل مباشرة أخرى ساعدت إلى حد ّ كبير في تكوين القناة‪،‬‬
‫وهي في المقابل نفس العوامل التي أذكت نار السخط على القناة ومنها‪:‬‬
‫ التمويل الضخم والغير طبيعي للجزيرة‪ ،‬وهذا العامل تحديدا ً هو ما أحاطها‬‫بهالة من التوجس والحذر من طبيعة الجهة الممولة والداعمة‪..‬‬
‫ الحرفية العلمية العالية لدى كادر القناة‪ ،‬والذين في أغلبهم كانوا ضمن‬‫العاملين في هيئة الذاعة البريطانية الـ)بي بي سي(‪.‬‬
‫ هامش الحرية غير المسبوق والتي تتمتع به )الجزيرة(‪.‬‬‫لذا فإن قناة )الجزيرة( ربما أنها المشروع الذي يحمل في جوانبه غموضا ً‬
‫كبيرا ً يكتنفه حتى الن‪ ،‬إذ إنها جمعت التناقضات من التهامات التي توجه‬
‫إليها؛ فالقوميون يتهمونها بالعمالة المريكية حينا ً والسرائيلية حينا ً آخر‪،‬‬
‫وأمريكا تتهمها بأنها تثير مشاعر العداء والبغض‪ ،‬وإسرائيل تتهمها بتأجيج‬
‫حماس النتحاريين‪ .‬كما واجهت أثناء مسيرة عملها عدًدا من الشكالت‬
‫والتصادمات مع الحكومات العربية‪ ،‬ولكنها بلغت أوجها‪ ،‬في مواقفها التي‬
‫برزت في مواقع كانت أكثر حساسية بالنسبة لتلك الحكومات عقب أحداث‬
‫الحادي عشر من سبتمبر‪ ،‬حيث تعد )الجزيرة( المنبر العلمي الوحيد الذي‬
‫صاحب خطوات الحملة المريكية منذ هجمتها على أفغانستان وحتى احتللها‬
‫العراق‪ ،‬وكان لنتيجة نقلها لوقائع تلك الهجمات التي تشنها أمريكا على‬
‫المسلمين في كل مكان أثٌر بالغٌ في تأجيج مشاعر التعاطف لدى الشعوب‬
‫العربية والسلمية مع بعضها البعض؛ ولهذا فإن نتائج ووقائع هذا النقل‬
‫المرئي والحي لحالت القتل‪ ،‬والهدم‪ ،‬والتشريد التي تقع على المسلمين؛‬
‫‪15‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫جعلت من المحطة عدّوا لدوًدا لهذه الحكومات العربية؛ بل وحتى المريكية‬
‫والسرائيلية على خلف ما أثير عنها‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ففي ديسمبر من العام ‪ 2001‬تم اعتقال مراسلي )الجزيرة( في الردن أثناء‬
‫قيامهم بتغطية مسيرة مؤيدة لـ)أسامة بن لدن( ‪ ..‬متزامنا ً مع توقيف‬
‫مراسلة أخرى في العاصمة الردنية أيضًا‪.‬‬
‫وفي مارس العام ‪ 2002‬احتجزت السلطات المصرية الطاقم التلفزيوني‬
‫للقناة أثناء أدائه لعمله الصحفي في تغطية مظاهرات طلبية ن ُ ّ‬
‫ما‬
‫ظمت دع ً‬
‫للنتفاضة الفلسطينية في جامعة السكندرية‪.‬‬
‫ما‬
‫وفي مايو من نفس العام شن وزير العلم البحريني )نبيل الحمر( هجو ً‬
‫دا عليها بسبب ما وصفه "بالساءة للبحرين وشعب البحرين"‪ ،‬وقال‪ :‬إن‬
‫شدي ً‬
‫بلده لن تتعامل معها ل في الحاضر ول في المستقبل‪ .‬وأبلغ )الحمر( حينها‬
‫صحافيين عرًبا وأجانب أن )الجزيرة( طلبت المشاركة في تغطية النتخابات‬
‫البلدية التي أجريت في البحرين ‪ -‬في ذلك الحين ‪ -‬لكن المنامة لم تستجب‬
‫ما بأن )الجزيرة( تتعمد دائما الساءة إلى‬
‫لطلبها‪ .‬وأضاف "نحن نعتقد دائ ً‬
‫البحرين وإلى شعب البحرين"‪.‬‬
‫وفي أكتوبر من نفس العام أيضا ً أوصى وزراء العلم في مجلس التعاون‬
‫الخليجي في اجتماعهم في مسقط بضرورة مقاطعة )الجزيرة( الفضائية لما‬
‫تبثه من أخبار وبرامج تسيء إلى منطقة الخليج على حد قولهم‪.‬‬
‫وفي نوفمبر أعلن مدير مكتب )الجزيرة( الفضائية القطرية في الكويت أن‬
‫وزارة العلم الكويتية أبلغته شفهّيا بإغلق المكتب‪.‬‬
‫وعلى المستوى السرائيلي وفي يونيو من نفس العام انتقد وزير الخارجية‬
‫السرائيلي )شيمون بيريز( بشدة محطة )الجزيرة(‪ ،‬متهما ً إياها بزرع الحقد‪،‬‬
‫وقال في المقابلة‪" :‬أنها تحرض على الحقد‪ ،‬وإن لها نفوذا ً أقوى من نفوذ‬
‫الشيوخ والئمة"‪ ،‬وقد استدل على قوله هذا في نفس اللقاء الذي بثته‬
‫الذاعة السرائيلية بأن قناة )الجزيرة( تبث باستمرار ‪ -‬خمس أو ست مرات‬
‫مر من ِقبل القوات‬
‫في اليوم نفسه ‪ -‬الصورة ذاتها لمنزل فلسطيني مد ّ‬
‫السرائيلية‪ ،‬وبالتالي فإن ما يحصل من هجمات انتحارية ُيقتل فيها رضيع‬
‫يهوديّ – على حد قوله –؛ فإن هذا ناجم عن الدعاية وليس فقط عن تربيته‪.‬‬
‫كما واجهت )الجزيرة( بعد احتلل العراق انتقادات لذعة على لسان‬
‫رامسيلفد يتهما بأن لها دورا ً في تأجيج وتعميق الك ُْره ضد قوات بلده‪.‬‬
‫كل هذه الجهات المختلفة والمتناقضة تماما ً التي تكيل التهام إلى هذه‬
‫ف في شخصيتنا العربية‪ ،‬مع‬
‫القناة‪ ،‬ليس له تفسير إل أنه ينبئ عن ضع ٍ‬
‫ب حذر لكل ما يحيط بنا‪ ،‬مهما كانت درجة استقاء الفائدة منه‪..‬‬
‫س‪ ،‬وترقّ ٍ‬
‫توج ٍ‬
‫ومن جانب الطاقم والكادر العلمي لقناة )الجزيرة( فإنه قد تعرض لعدد من‬
‫الضربات الموجعة التي ُتحّتمها المهنة‪ ،‬ففي مايو من العام الجاري ‪2004‬‬
‫قُِتل في كربلء بالعراق )رشيد حميد والي( أحد مراسلي القناة أثناء تغطيته‬
‫ل دائر بين القوات المريكية ومقاتلين عراقيين‪ ،‬حينما أطلقت عليه دبابة‬
‫لقتا ٍ‬
‫َ‬
‫عراقية قذيفة أوَْدت بحياته على الفور‪ ،‬كما ُقتل قبله في العام الماضي‬
‫‪ 2003‬بعد دخول قوات الحتلل ثلثة من طاقم العمل الصحافي في‬
‫الجزيرة‪.‬‬
‫وأيضا ً لم يسلم بعضهم من توجيه التهامات إليه بالعمالة الصهيونية المطلقة‪،‬‬

‫‪16‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ومن ذلك ما حدث عند اعتقال )ابن الشيبة( في باكستان أحد قياديي تنظيم‬
‫القاعدة والمطلوبين لدى الدارة المريكية بعد إذاعة )يسري فوده( برنامجه‬
‫)سري للغاية( والذي اعتبره البعض دليل ً موجها ً بشكل مباشر أو غير مباشر‬
‫للكشف عن هوية الشخص المطلوب‪ ،‬وربما أن في وضٍع كهذا ل يمكن أن‬
‫ُيلقى اللوم بأكمله على قناة )الجزيرة( إن لم يتم النظر إليها بمهنية مجردة‬
‫كأي وسيلة إعلمية تبحث عن الخبر أينما كان‪ ،‬إذ يتحمل عبء المسؤولية‬
‫أيضا ً الطرف الخر في عدم التحرز من إجراء مثل هذه المقابلت‪.‬‬
‫كما اعُتقل مراسلها )تيسير عّلوني( في إسبانيا بعد توجيه تهمة تواطؤه مع‬
‫ي مع )أسامة بن لدن(‪.‬‬
‫القاعدة‪ ،‬وذلك عقب إجراء لقاٍء تلفزيون ّ‬
‫لقد تفردت قناة )الجزيرة( بعدة مزايا على الصعيد المهني‪ ،‬وعلى الصعيد‬
‫الموضوعي‪ ،‬بشهادة خبرات إعلمية عالمية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة‪،‬‬
‫ومن ذلك ما ذكرته وكالة )رويترز( في تقرير لها‪" :‬إن قناة )الجزيرة(‬
‫ما على المستوى العربي ببث ما لم‬
‫التليفزيونية الفضائية صنعت لنفسها اس ً‬
‫تكن تجرؤ معظم الشبكات العربية على تقديمه"‪.‬‬
‫وفي أكتوبر من العام ‪ 2001‬وعندما بدأت المعركة بين أمريكا وقوات‬
‫طالبان الفغانية حققت )الجزيرة( نصًرا على أكبر القنوات التليفزيونية‬
‫العالمية ببثها اللقطات الحية الوحيدة للضربات التي تقودها الوليات المتحدة‬
‫ضد أفغانستان والحاديث المصورة لـ )أسامة بن لدن( وأقرب مساعديه‬
‫وهم يهددون بالمزيد من الدمار‪ ،‬حتى وصل ثمن بيع الدقيقة الواحدة من‬
‫أحاديث ابن لدن للشبكات التلفزيونية بمبلغ عشرين ألف دولر‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫كما أنها في نفس العام أيضا ً تفردت ببث فيلم تسجيلي لزعيم تنظيم القاعدة‬
‫)أسامة بن لدن( وإلى جانبه زعيم تنظيم الجهاد المصري الدكتور أيمن‬
‫الظواهري خلل احتفال بتخريج دفعة جديدة من مقاتلي القاعدة‪ ،‬وقالت‬
‫ضا بمناسبة العلن عن اتحاد التنظيمين‪.‬‬
‫الجزيرة حينها‪ :‬إن الحتفال كان أي ً‬
‫دت لقاُء انفردت به مع )أسامة بن لدن( للقاء الضوء‬
‫وفي العام ‪ 1998‬أع ّ‬
‫على فكر وأهداف زعيم القاعدة‪ .‬وقد كانت الجزيرة القناة الفضائية الخبارية‬
‫الوحيدة التي تعمل من داخل الراضي الفغانية التي تسيطر عليها حركة‬
‫طالبان‪.‬‬
‫كما انفردت )الجزيرة( بالكثير من الموضوعات من بينها لقطات لحداث‬
‫مهمة مثل قصف طالبان لتمثالي )بوذا( العملقين الثريين في مايو من العام‬
‫‪.2000‬‬
‫وإجمال ً فإن قناة )الجزيرة( مّثلت حضورا ً جمع بين المهنية الصحفية‪ ،‬وبين‬
‫الواجب النساني‪ ،‬في عددٍ ل يستهان به من بؤر الصراع الساخنة‪ ،‬ابتداًء من‬
‫أفغانستان‪ ،‬ومرورا ً بفلسطين ومجازر نابلس ورفح وجنين وأخيرا ً في العراق‪،‬‬
‫وتحديدا ً ما حصل في الفلوجة‪.‬‬
‫ولهذا فليس أمر إغلق )الجزيرة( في العراق تحديدا ً بالمر المستغرب‪ ،‬فإنها‬
‫منذ بدء تغطيتها لحداث القصف الذي كان يتعرض له العراق من الحتلل‬
‫المريكي‪ ،‬وهي متهمة من قبل )عملء أمريكا في ذلك الحين( بأنها متواطئة‬
‫موَلة من قبل حزب البعث الشتراكي – مع أنه كان قد‬
‫مع )صدام حسين(‪ ،‬وم َ‬
‫صدر أمر توقيفها أثناء الحرب من )الصحاف( في ذلك الحين لتهامه إياها‬
‫ت‬
‫بعدم الصدق في نقل الحقائق –؛ ولذا فإن إشارات كانت ترسل من وق ٍ‬

‫‪17‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لخر من الحكومة المؤقتة إما مباشرة في حين أو بتوجيه ونصائح من الدارة‬
‫ن آخر إلى مكتب قناة الجزيرة بأنه سيتم إيقافها عن العمل‬
‫المريكية في حي ٍ‬
‫إن لم تغير من طريقة نقلها وعرضها للحداث‪.‬‬
‫ممثل الرسمي‬
‫وال‬
‫الوحد‪،‬‬
‫السامي‬
‫ولذا فقد كانت )الجزيرة( بمثابة المندوب‬
‫ُ‬
‫المعتمد للمواطن العربي لنقل وقائع الصورة الحية المعاشة في العراق‪،‬‬
‫وبشهادة العراقيين أنفسهم؛ فعلى شاشتها فقط كانت تنقل صور القصف‬
‫العنيف الذي كانت تتعرض له المدن العراقية‪ ،‬والمداهمات‪ ،‬التي كان يتلقاها‬
‫المواطن العراقي‪ !!..‬ولكن الواقع يثبت باستمرار منذ أن جاءت قوات‬
‫)الحرية!!( بأن كل ما فعلته هذه القوات المريكية هو أنها أبقت على نفس‬
‫مضمون وجوهر وسياسة نظام الحكم‪ ،‬ولكنها فقط غّيرت في الوجه‬
‫والمسميات‪..‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫لغز الحياة والموت )‪(2‬‬
‫الحياة رحلة قصيرة تنتهي بالموت المحتوم لكل مخلوق‬
‫‪ -1‬النسان بفطرته التي فطره الله تعالى عليها يخشى الموت ويحاذر‬
‫وقوعه‪ ،‬بل يفر منه محاول الخلص من سلطانه‪ .‬وتؤكد وجود هذه الفطرة‬
‫البشرية وقائع الحياة التي ل تكاد تحصى‪ ،‬وكثير من اليات الكريمة في كتاب‬
‫َ‬
‫ف‬
‫ن َ‬
‫م أ ُُلو ٌ‬
‫جوا ْ ِ‬
‫م ت ََر إ َِلى ال ّ ِ‬
‫خَر ُ‬
‫م وَهُ ْ‬
‫من دَِيارِهِ ْ‬
‫الله تعالى يقول تعالى‪ } :‬أل َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ل ل َهم الل ّه موتوا ْ ث ُ َ‬
‫ض ٍ َ‬
‫ه لَ ُ‬
‫س‬
‫ت فَ َ‬
‫ُ ُ ُ‬
‫مو ْ ِ‬
‫ذو فَ ْ‬
‫م إِ ّ‬
‫مأ ْ‬
‫َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫حَياهُ ْ‬
‫ّ‬
‫قا َ ُ ُ‬
‫حذ ََر ال ْ َ‬
‫ل عَلى الّنا ِ‬
‫ول َكن أ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ت‬
‫جاء‬
‫و‬
‫}‬
‫تعالى‪:‬‬
‫وقوله‬
‫[‪.‬‬
‫‪243‬‬
‫]البقرة‪/‬‬
‫{‬
‫ن‬
‫رو‬
‫ك‬
‫ش‬
‫ي‬
‫ل‬
‫س‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ر‬
‫ث‬
‫ك‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ َ‬
‫ُ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫حيد ُ { ]ق‪ .[19/‬وقوله تعالى‪ } :‬قُ ْ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫كن‬
‫ما‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ق‬
‫ح‬
‫ل‬
‫با‬
‫ت‬
‫و‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫ر‬
‫ك‬
‫س‬
‫ه تَ ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫من ُْ‬
‫ت ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ ْ‬
‫َ َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫مَلِقيك ُْ‬
‫َ‬
‫م { ]الجمعة‪ [8/‬وقوله تعالى‪ُ } :‬قل‬
‫ه‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫رو‬
‫ف‬
‫ت‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ت‬
‫و‬
‫م‬
‫ل‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫إِ ّ‬
‫ُ ِ ُ ُ‬
‫نا َ ْ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ل { ]الحزاب‪.[16/‬‬
‫ت أوِ ال َ‬
‫ّلن َين َ‬
‫مو ْ ِ‬
‫م ال ِ‬
‫ن ال َ‬
‫فَراُر ِإن فََرْرُتم ّ‬
‫فعَك ُ‬
‫قت ْ ِ‬
‫م َ‬
‫‪ -2‬وكما بينت هذه اليات محاولة فرار النسان من الموت فإنها قد بينت‬
‫أيضا أل فائدة من الفرار من الموت ول سبيل إلى الخلص منه‪ ،‬وذلك في‬
‫قا َ‬
‫حق ّ { ‪} ،‬‬
‫قوله تعالى‪ } :‬فَ َ‬
‫مو ْ ِ‬
‫ت ِبال ْ َ‬
‫موُتوا ْ { ‪ } ،‬وَ َ‬
‫ت َ‬
‫سك َْرةُ ال ْ َ‬
‫جاء ْ‬
‫ه ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ل ل َهُ ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫فَراُر ِإن‬
‫م { ‪ } ،‬قل لن َين َ‬
‫م ال ِ‬
‫ن ِ‬
‫ذي ت َ ِ‬
‫ت ال ّ ِ‬
‫فّرو َ‬
‫إِ ّ‬
‫فعَك ُ‬
‫ملِقيك ْ‬
‫ه ُ‬
‫ه فإ ِن ّ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫موْ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ة‬
‫س َذائ ِ َ‬
‫ل { ‪ .‬وكذلك في قوله تعالى‪ } :‬كل ن َ ْ‬
‫ت أوِ ال َ‬
‫ق ُ‬
‫مو ْ ِ‬
‫ن ال َ‬
‫فََرْرُتم ّ‬
‫قت ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ف ٍ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫مو ْ ِ‬
‫جاء أ َ‬
‫ى إ َِذا َ‬
‫ت { ]النبياء‪ .[35/‬وقوله تعالى‪َ } :‬‬
‫ت ت َوَفّت ْ ُ‬
‫موْ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫حد َك ُ ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫حت ّ َ‬
‫فّر ُ‬
‫ن { ]النعام‪[61/‬‬
‫م ل َ يُ َ‬
‫طو َ‬
‫ُر ُ‬
‫سل َُنا وَهُ ْ‬
‫بل إن الله تعالى يتحداهم أن يحموا أنفسهم من الموت إذا جاءهم كما في‬
‫ت ِإن ُ‬
‫قوله تعالى‪ } :‬قُ ْ‬
‫ل َفاد َْر ُ‬
‫ن { ]آل‬
‫ن َأن ُ‬
‫ف ِ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫مو ْ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫سك ُ ُ‬
‫م َ‬
‫صادِِقي َ‬
‫ؤوا عَ ْ‬
‫عمران‪ .[168/‬ولو أنهم حاولوا أن يحموا أنفسهم من الموت أو أن يهربوا‬
‫منه إذا جاءهم أجلهم فما هم بقادرين على النجاة منه‪ ،‬كما في قوله تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫ت وَل َوْ ُ‬
‫ما ت َ ُ‬
‫م َ‬
‫شي ّد َةٍ { ]النساء‪،[78/‬‬
‫م ِفي ب ُُروٍج ّ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫موْ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫كوُنوا ْ ي ُد ِْركك ّ ُ‬
‫} أي ْن َ َ‬
‫وكما حاول ابن نوح أن يصنع فما أفلح في أن يحمي نفسه‪ ،‬كما قال تعالى‬
‫ماء َقا َ‬
‫في شأنه‪َ } :‬قا َ‬
‫ن‬
‫ل لَ َ‬
‫م ِ‬
‫عا ِ‬
‫مِني ِ‬
‫ل ي َعْ ِ‬
‫سآِوي إ َِلى َ‬
‫م ال ْي َوْ َ‬
‫ل َ‬
‫ص َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ص ُ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫جب َ ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫حا َ‬
‫ن { ]هود‪.[43/‬‬
‫من ّر ِ‬
‫ن ِ‬
‫ج فَكا َ‬
‫مو ْ ُ‬
‫م وَ َ‬
‫ن ال ُ‬
‫ما ال َ‬
‫ل ب َي ْن َهُ َ‬
‫ح َ‬
‫مرِ الل ّهِ إ ِل ّ َ‬
‫أ ْ‬
‫مغَْرِقي َ‬
‫م َ‬
‫ن كل نفس ستذوق طعمه ل محالة‪،‬‬
‫‪ -3‬وإذا كان الموت أمرا ل مفر منه ‪ ،‬وأ ّ‬
‫كما يرشدنا القرآن الكريم وكما هو ظاهر كالشمس لكل ذي عينين‪ ،‬فمن‬
‫يذيق الناس طعم الموت‪ ،‬ومن يجعله نهاية كل مخلوق ؟ يجيب القرآن‬
‫الكريم على ذلك بشكل قاطع أن الله تعالى وحده هو الذي قضى بالموت‬

‫‪18‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫على كل مخلوق وألزمه أن يتجرع كأسه وأن يستسلم لسلطانه‪ ،‬كما بيّنا ذلك‬
‫في اليات التي أوردناها سالفًا‪.‬‬
‫‪ -4‬ولئن أنكر البعض أن هناك خالقا ً خلقهم‪ ،‬وأنه هو الذي أحياهم وهو الذي‬
‫يميتهم‪ ،‬فإنهم لم يستطيعوا أن ينكروا أن هناك عمليتي حياة وموت‪ ،‬تجريان‬
‫أمام أبصارهم‪ ،‬في مليين الحياء الجديدة من بشر وحيوان ونبات وفي‬
‫مليين الموات‪ ،‬ولكنهم عزوا ذلك للدهر والزمان‪ ،‬منكرين بالطبع أن هناك‬
‫مي هؤلء بالدهريين‪ .‬ويسجل القرآن‬
‫حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا‪ ،‬وقد ُ‬
‫س ّ‬
‫ّ‬
‫ما‬
‫ت وَن َ ْ‬
‫ي إ ِل َ‬
‫حَيا وَ َ‬
‫مو ُ‬
‫حَيات َُنا الد ّن َْيا ن َ ُ‬
‫الكريم إفكهم فيقول تعالى‪ } :‬وََقاُلوا َ‬
‫ما هِ َ‬
‫ما ل َُهم ب ِذ َل ِ َ‬
‫ن { ]الجاثية‪.[24/‬‬
‫ن ِ‬
‫ك ِ‬
‫م إ ِّل ي َظ ُّنو َ‬
‫عل ْم ٍ إ ِ ْ‬
‫ن هُ ْ‬
‫ي ُهْل ِك َُنا إ ِّل الد ّهُْر وَ َ‬
‫م ْ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ض بالموت على كل مخلوق فحسب‪ ،‬بل جعل لكل‬
‫‪ -5‬والله تعالى لم يق ِ‬
‫ً‬
‫مخلوق بل ولكل أمة من المم‪ ،‬أجل ل ريب فيه‪ ،‬ل يملك أحد ان يتجاوزه‬
‫بالزيادة أو النقصان‪ .‬واليات القرآنية تقرر ذلك على وجه قطعي‪ .‬فيقول‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫جل ً { ]آل عمران‪/‬‬
‫ن ل ِن َ ْ‬
‫مؤ َ ّ‬
‫سأ ْ‬
‫كا َ‬
‫ن الله ك َِتاًبا ّ‬
‫مو َ‬
‫ن تَ ُ‬
‫تعالى‪ } :‬وَ َ‬
‫ت إ ِل ّ ب ِإ ِذ ْ ِ‬
‫ف ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ل‬
‫سل ال ْ‬
‫ت وَي ُْر ِ‬
‫م ِ‬
‫خَرى إ ِلى أ َ‬
‫سك الِتي ق َ‬
‫مو ْ َ‬
‫ضى عَلي َْها ال َ‬
‫‪ ،[145‬ويقول‪ } :‬في ُ ْ‬
‫ج ٍ‬
‫َ‬
‫هّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه نَ ْ‬
‫مى { ]الزمر‪ .[42/‬ويقول‪ } :‬وَلن ي ُؤ ّ‬
‫جاء أ َ‬
‫سا إ ِذا َ‬
‫ف ً‬
‫م َ‬
‫جلَها َوالل ُ‬
‫خَر الل ُ‬
‫س ّ‬
‫ُ‬
‫ل أ ُمة أ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫جاء‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ج‬
‫ك‬
‫ل‬
‫و‬
‫}‬
‫ويقول‪:‬‬
‫[‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫]المنافقون‪/‬‬
‫{‬
‫ن‬
‫لو‬
‫م‬
‫ع‬
‫ت‬
‫ما‬
‫ب‬
‫ر‬
‫بي‬
‫خ‬
‫َِ‬
‫ِ َ‬
‫ّ ٍ َ‬
‫َ‬
‫َ ِ ِ َ َْ َ‬
‫أ َجل ُ ٌهم ل َ يستأ ْ‬
‫ن { ]العراف‪ .[34/‬ويقول‪ } :‬وَل َْ‬
‫َ‬
‫و‬
‫مو‬
‫د‬
‫ْ‬
‫ق‬
‫ت‬
‫س‬
‫ي‬
‫ل‬
‫و‬
‫ة‬
‫ع‬
‫سا‬
‫ن‬
‫رو‬
‫خ‬
‫َ‬
‫َ ْ َ ِ ُ َ َ ً َ َ ْ َ ِ ُ َ‬
‫َ ُ ْ‬
‫خرهُم إَلى أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خذ ُ‬
‫يُ َ‬
‫ل‬
‫ج‬
‫ؤ‬
‫ي‬
‫كن‬
‫ل‬
‫و‬
‫ة‬
‫ب‬
‫دآ‬
‫من‬
‫ها‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ك‬
‫ر‬
‫ت‬
‫ما‬
‫هم‬
‫م‬
‫ل‬
‫ظ‬
‫ب‬
‫س‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ؤا ِ‬
‫َْ ِ‬
‫َ ّ ٍ َ ِ ُ ُ ْ‬
‫ُ ّ َ ِ‬
‫َ ٍ‬
‫ِ ِ ّ َْ َ‬
‫َ‬
‫ن { ]النحل‪.[61/‬‬
‫ست َ ْ‬
‫ساعَ ً‬
‫ست َأ ِ‬
‫مو َ‬
‫خُرو َ‬
‫جاء أ َ‬
‫مى فَإ َِذا َ‬
‫ة وَل َ ي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫م ل َ يَ ْ‬
‫م َ‬
‫قد ِ ُ‬
‫جل ُهُ ْ‬
‫س ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫قو‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫وا‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫دوا‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ا‬
‫ن‬
‫أ‬
‫‬‫ن‬
‫بي‬
‫م‬
‫ر‬
‫ذي‬
‫ن‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ني‬
‫إ‬
‫م‬
‫و‬
‫ق‬
‫يا‬
‫ل‬
‫قا‬
‫}‬
‫تعالى‪:‬‬
‫وقال‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫ٌ ّ ِ ٌ‬
‫ْ ِ ِ‬
‫خرك ُم إَلى أ َجل مسمى إ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫فْر ل َ ُ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫ل الل ّهِ إ َِذا‬
‫ؤ‬
‫ي‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ب‬
‫نو‬
‫ّ‬
‫ن ‪ -‬ي َغْ ِ‬
‫وَأ ِ‬
‫نأ َ‬
‫ِ ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ٍ ّ َ ّ‬
‫ْ ْ‬
‫كم ّ‬
‫من ذ ُ ُ ِ ْ َ‬
‫طيُعو ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خُر ل َوْ ُ‬
‫ه‬
‫جاء َل ي ُؤَ ّ‬
‫م ي ََروْا ْ أ ّ‬
‫مو َ‬
‫َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن { ]نوح‪ .[4-2/‬وقال تعالى‪ } :‬أوَل َ ْ‬
‫م ت َعْل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫جل ً ل ّ‬
‫جعَ َ‬
‫ض َقادٌِر عَلى أن ي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫خلقَ ِ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ال ِ‬
‫مأ َ‬
‫م وَ َ‬
‫خلقَ ال ّ‬
‫ل لهُ ْ‬
‫مث ْلهُ ْ‬
‫س َ‬
‫ت َوالْر َ‬
‫شأناْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ن إل ك ُ‬
‫م أن َ َ‬
‫مو َ‬
‫َري ْ َ‬
‫فوًرا { ]السراء‪ .[99/‬وقال تعالى‪ } :‬ث ُ ّ‬
‫ب ِفيهِ فَأَبى الظال ِ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫م قُُروًنا آ َ‬
‫ست َأ ِ‬
‫سب ِقُ ِ‬
‫ِ‬
‫خُرو َ‬
‫مةٍ أ َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫جلَها وَ َ‬
‫نأ ّ‬
‫ن‪َ -‬‬
‫من ب َعْدِهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ري َ‬
‫خ ِ‬
‫]المؤمنون‪.[43-42/‬‬
‫ً‬
‫م بأن أحدا سوى الله قادر على أن يفرض الموت‬
‫‪ -6‬وإذا ساور البعض وهْ ٌ‬
‫هم ويدحضه‪ .‬فقد‬
‫ن أجلها فإن القرآن قد جاء يبطل هذا الو ْ‬
‫على نفس لم ي ِ‬
‫ح ْ‬
‫مكر قوم إبراهيم عليه السلم به ليقتلوه انتصارا لصنامهم التي حطمها‬
‫فأوقدوا له نارا ً وألقوه فيها‪ ،‬ولكن الله تعالى نجاه من مكرهم وكيدهم‪ ،‬قال‬
‫ن ‪ -‬قُل َْنا َيا َناُر ُ‬
‫م ِإن ُ‬
‫كوِني ب َْرًدا‬
‫م َفا ِ‬
‫تعالى‪َ } :‬قاُلوا َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫صُروا آل ِهَت َك ُ ْ‬
‫حّرُقوه ُ َوان ُ‬
‫عِلي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جي َْناه ُ وَُلو ً‬
‫طا‬
‫م اْل ْ‬
‫ما عََلى إ ِب َْرا ِ‬
‫ن ‪ -‬وَن َ ّ‬
‫دا فَ َ‬
‫م ‪ 69‬وَأَراُدوا ب ِهِ ك َي ْ ً‬
‫خ َ‬
‫وَ َ‬
‫جعَل َْناهُ ُ‬
‫هي َ‬
‫سَل ً‬
‫ري َ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن { ]النبياء‪.[71-68/‬‬
‫ض الِتي َباَرك َْنا ِفيَها ل ِلَعال ِ‬
‫مي َ‬
‫إ ِلى الْر ِ‬
‫ولما ترك يونس عليه السلم قومه مغاضبا وجاء الى سفينة تأخذه بعيدا ً عن‬
‫قومه ‪ ،‬فلعبت بها المواج واقترح ركابها إلقاَء بعضهم في البحر طمعا في‬
‫مى في‬
‫نجاة البعض الخر من الغرق ‪ .‬فكان نصيب يونس عليه السلم ان ُير َ‬
‫الماء فالتقطه الحوت ل ليكون قبرا ً له ‪ ،‬بل سفينة نجاة تحمله الى شاطئ‬
‫السلمة والمان مع ظل وطعام ‪ .‬ويذكر القرآن الكريم هذا الحدث العظيم‪:‬‬
‫م فَ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ن ‪ -‬إ ِذ ْ أ َب َقَ إ َِلى ال ْ ُ‬
‫س لَ ِ‬
‫كا َ‬
‫ش ُ‬
‫فل ْ ِ‬
‫} وَإ ِ ّ‬
‫ن ‪ -‬فَ َ‬
‫مْر َ‬
‫ساهَ َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن ُيون ُ َ‬
‫حو ِ‬
‫سِلي َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‪-‬‬
‫ن ‪ -‬فالت َ َ‬
‫سب ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫ِ‬
‫ه كا َ‬
‫ه ال ُ‬
‫مد ْ َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ُ‬
‫م ‪ -‬فلوْل أن ّ ُ‬
‫مِلي ٌ‬
‫ت وَهُوَ ُ‬
‫حو ُ‬
‫م ُ‬
‫ق َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫حي َ‬
‫م ْ‬
‫ضي َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫ل َلب ِ َ‬
‫م ‪ -‬وَأنب َت َْنا عَلي ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫ث ِفي ب َطن ِهِ إ ِلى ي َوْم ِ ي ُب ْعَثو َ‬
‫ن ‪ -‬فن َب َذ َْناه ُ ِبالعََراء وَهُوَ َ‬
‫قي ٌ‬
‫‪19‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫ن { ]الصافات‪.[146-139/‬‬
‫من ي َ ْ‬
‫ق ِ‬
‫ش َ‬
‫جَرةً ّ‬
‫طي ٍ‬
‫ومن المكائد التي يذكرها القرآن الكريم ما صنع مشركو مكة من تآمرهم في‬
‫دار الندوة على حياة رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ ،-‬إذ أزمعوا آخر‬
‫المر أن يقتلوه ‪ ،‬وما درى أولئك والناس جميعا أن لو اجتمع الخلق على أن‬
‫دره الله عليه ما قدروا على ذلك‪ ،‬ولو أجمعوا أمرهم‬
‫يضروا أحدا ً بشيء لم يق ّ‬
‫جى‬
‫على أن يضعوا حدا ً لحياة إنسان لم يحن أجله ما وسعهم ذلك ‪ .‬لذلك ن ّ‬
‫الله تعالى نبّيه من كيدهم ورعاه وحفظه هو وصاحبه الصديق رضي الله‬
‫تعالى عنه حتى حل ّ على أهل النصرة في المدينة أعزاء ظافرين‪ .‬يقول‬
‫جو َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫فُروا ْ ل ِي ُث ْب ُِتو َ‬
‫مك ُُر ب ِ َ‬
‫ن‬
‫ك أ َوْ ي َ ْ‬
‫ن كَ َ‬
‫ك أ َوْ ي ُ ْ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫مك ُُرو َ‬
‫خرِ ُ‬
‫ك وَي َ ْ‬
‫تعالى‪ } :‬وَإ ِذ ْ ي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫ن { ]النفال‪ .[30/‬ويقول جل جلله‪ } :‬إ ِل ّ‬
‫ه َ‬
‫خي ُْر ال َ‬
‫ه َوالل ّ ُ‬
‫مك ُُر الل ّ ُ‬
‫وَي َ ْ‬
‫ري َ‬
‫ماك ِ َ ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ما ِفي الَغارِ إ ِذ ْ‬
‫نك َ‬
‫صُروه ُ فَ َ‬
‫ه إ ِذ ْ أ ْ‬
‫ه ال ِ‬
‫خَر َ‬
‫ن إ ِذ ْ هُ َ‬
‫ج ُ‬
‫صَرهُ الل ُ‬
‫قد ْ ن َ َ‬
‫َتن ُ‬
‫فُروا َثان ِ َ‬
‫ذي َ َ‬
‫ي اث ْن َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫معََنا فَأنَز َ‬
‫قو ُ‬
‫م‬
‫يَ ُ‬
‫صا ِ‬
‫س ِ‬
‫ه عَلي ْهِ وَأي ّد َه ُ ب ِ ُ‬
‫ن إِ ّ‬
‫حَز ْ‬
‫حب ِهِ ل ت َ ْ‬
‫ه َ‬
‫جُنود ٍ ل ْ‬
‫كين َت َ ُ‬
‫ل الل ُ‬
‫ه َ‬
‫ن الل َ‬
‫ل لِ َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جعَ َ‬
‫زيٌز‬
‫س ْ‬
‫نك َ‬
‫م ُ‬
‫م َ‬
‫ت ََروْ َ‬
‫ة ال ِ‬
‫ها وَ َ‬
‫فُروا ال ّ‬
‫ي العُلَيا َوالل ُ‬
‫فلى وَكل ِ َ‬
‫ل كل ِ َ‬
‫ة اللهِ هِ َ‬
‫ذي َ‬
‫ه عَ ِ‬
‫م { ]التوبة‪ [40/‬قرآن كريم‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫كي ٌ‬
‫جواد الزهيري‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لغتي الجميلة‬
‫بقلم الدكتورعدنان علي رضا النحوي‬
‫ت ِإلى‬
‫ت ثيابي وان ْط َل َ ْ‬
‫مالي َ‬
‫ق ُ‬
‫خل َعْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حَلل‬
‫ِ‬
‫ب و ال ُ‬
‫ه الثوا َ‬
‫سواي أسأل ُ‬
‫َ‬
‫حل ٌ‬
‫جتها‬
‫ل أْزهو ب ِْبه َ‬
‫ن لي ُ‬
‫قَد ْ كا َ‬
‫ح ّ‬
‫حل‬
‫ِ‬
‫ل واْرت َ‬
‫ن َ‬
‫عّزا ً َويْزهو ِبها َ‬
‫م ْ‬
‫أَ ْ‬
‫دني‬
‫غنى ِبها ‪َ ،‬وتمد ّ الد ْ‬
‫فَء في ب َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مل‬
‫منا ً وت ُط ْل ِقُ ِ‬
‫مّني العْز َ‬
‫م وال َ‬
‫أ ْ‬
‫ن مآِثرها‬
‫ج فيها اّلللي ِ‬
‫تمو ُ‬
‫م ْ‬
‫لئها ال ّ‬
‫شَعل‬
‫نورا ً وتب ْعَ ُ‬
‫نل ِ‬
‫ث ِ‬
‫م ْ‬
‫ت ُ‬
‫ض َتسأُلها‬
‫شعو ُ‬
‫حتى أفاء ْ‬
‫ب الْر ِ‬
‫َ‬
‫سوَء و العِلل‬
‫ثوبا ً لتست َُر ِ‬
‫مْنها ال ّ‬
‫هرها‬
‫جوا ِ‬
‫دت ي َد َ الجود ِ ك َْنزا ً ِ‬
‫ن َ‬
‫م ّ‬
‫م ْ‬
‫فََزّينت ُْهم وكانوا قبلها عُ ُ‬
‫طل‬
‫تك ّ‬
‫ة‬
‫سأل ٍ‬
‫لم ْ‬
‫ت عليهم وأوفَ ْ‬
‫جاد ْ‬
‫تك ّ‬
‫سأل‬
‫ن َ‬
‫ل َ‬
‫ب ِّرا ً َتوالى ‪ ،‬وأوْفَ ْ‬
‫م ْ‬
‫** **‬
‫*‬
‫** **‬
‫جزةً‬
‫هذا البيا ُ‬
‫ه معْ ِ‬
‫ن وقد ْ صاغت ْ ُ‬
‫ً‬
‫جدا ظ ّ‬
‫مّتصل‬
‫دهرِ م ْ‬
‫تمضي مع ال ّ‬
‫ل ُ‬
‫حلل ّ‬
‫ي‪ِ ،‬‬
‫تكسو ِ‬
‫ن إعجازِهِ ُ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ن الهد ْ ِ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ف والعُطل‬
‫ن العطا َ‬
‫جو ْ َ‬
‫أو َ‬
‫هرا زي ّ َ‬
‫ة ال َ‬
‫جه لغ ُ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫نسي ُ‬
‫وهُرهُ‬
‫ج ْ‬
‫قرآ ِ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ج ّ‬
‫ل واكَتمل‬
‫ن اللهِ ح ّ‬
‫قا َ‬
‫آي ٌ م َ‬
‫دنيا فيمل ُ‬
‫ؤها‬
‫ض على ال ّ‬
‫نبعٌ يفي ُ‬
‫‪20‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فل‬
‫ح َ‬
‫ن أحوا ِ‬
‫َري ّا ً وَُيطلقُ ِ‬
‫ضهِ ال َ‬
‫م ْ‬
‫ق‬
‫ض ِ‬
‫ض ي ُْغني الْر َ‬
‫أو أنه الروّ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن عَب َ ٍ‬
‫ً‬
‫م ْ‬
‫ضل‬
‫ن ندي ّا عود ُه ُ َ‬
‫خ ِ‬
‫ِ‬
‫لَء الّزما ِ‬
‫ة‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ف‬
‫خا‬
‫ُ‬
‫ء‬
‫أندا‬
‫ه‬
‫ي‬
‫د‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫ف‬
‫ر‬
‫ِ ٍ‬
‫تَ ِ ّ ِ ْ َ ْ ِ ِ‬
‫يَء و الظ َّلل‬
‫مد ّ ال َ‬
‫معَ البكورِ ت َ ُ‬
‫ف ْ‬
‫وك ّ‬
‫ة‬
‫جر ٍ‬
‫وحْته َ‬
‫حّر ها ِ‬
‫ل َ‬
‫نل ّ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫أوى إليه ليلقى الّريّ و الب َلل‬
‫** **‬
‫*‬
‫** **‬
‫ت !! ما با ُ‬
‫جَرْوا‬
‫ل قومي أد َْبروا و َ‬
‫عجب ُ‬
‫مل‬
‫ن ساقط َ‬
‫ة الغايا ِ‬
‫يْرجو َ‬
‫ت والهَ َ‬
‫ة‬
‫ب مكُرم ً‬
‫م يأخذوا ِ‬
‫ل ْ‬
‫ن ديارِ الغْر ِ‬
‫م ْ‬
‫ً‬
‫عل‬
‫ن القناعةِ أوْ علما َنما وَ َ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن وقد ْ‬
‫لكّنه ْ‬
‫ي اللسا ِ‬
‫م أخذوا ل ّ‬
‫ْ‬
‫دل‬
‫مْعت ِ‬
‫ه ُ‬
‫ح ْ‬
‫ق ُ‬
‫م الل ُ‬
‫حباهُ ُ‬
‫س َ‬
‫ن الن ّط ِ‬
‫ً‬
‫م‬
‫حه‬
‫بفص‬
‫ا‬
‫ي‬
‫ع‬
‫دلوا‬
‫ب‬
‫م‬
‫ويحه‬
‫يا‬
‫ْ ّ‬
‫ِ ُ‬
‫ّ ِ‬
‫ي استبدلوا الّزَلل‬
‫ن الغن ّ‬
‫وبالبيا ِ‬
‫ه‬
‫ن غذاُء الفكرِ ي ْ‬
‫إن الّلسا َ‬
‫حمل ُ ُ‬
‫خ َ‬
‫طل‬
‫ن أو َ‬
‫ِ‬
‫عْلما ً وفن ّا ً صوابا ً كا َ‬
‫رَ‬
‫ل ينس ّ‬
‫يظ ّ‬
‫ل منه الّزاد ُ في فِط ٍ‬
‫خي َْر أو تلقى ب ِهِ الّزلل‬
‫تلقى به ال َ‬
‫ب‬
‫ج ِ‬
‫ج ٌ‬
‫ن زاد ُه ُ عَ َ‬
‫ي ِلسا ٌ‬
‫ال َعْ َ‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫خل ُ‬
‫دل‬
‫َتراه ُ ي َ ْ‬
‫ط في أْوشاب ِهِ الج َ‬
‫ً‬
‫ه‬
‫مصادِرِ ِ‬
‫ح ِ‬
‫م يَ ْ‬
‫ل الهد ْيَ نورا في َ‬
‫ل ْ‬
‫م ِ‬
‫وشل‬
‫ول الحقيقة إل كانت ال َ‬
‫** **‬
‫*‬
‫** **‬
‫ن له‬
‫أ‬
‫د‬
‫ضا‬
‫ال‬
‫ن‬
‫لسا‬
‫ن‬
‫م‬
‫بنا‬
‫فحس ُ ِ ْ ِ‬
‫ّ ِ ّ‬
‫ِ‬
‫جل‬
‫صفا و َ‬
‫فيضا ً من الّنور أو نبعا ً َ‬
‫ت‬
‫وأنه اللغة الفصحى نمت وزه ْ‬
‫ت وبلغا ً بالُهدى نزل‬
‫تنّزل ْ‬
‫وأنه ‪ ،‬ورسول الله ُيبلغه‬
‫م اليَ َوالّرسل‬
‫م الزمان وض ّ‬
‫ض ّ‬
‫وأنه الكنُز ل تفنى جواهرهُ‬
‫ُ‬
‫ي ما أ ْ‬
‫غنى ب ِهِ الَول‬
‫ي ُْغني الليال َ‬
‫ل ي ُط ْل ِق من ْ‬
‫للئ ِهِ ُدررا ً‬
‫يظ ّ‬
‫ُ‬
‫ي الجود ِ متصل‬
‫على الزمان غن ّ‬
‫ن صافَية‬
‫فعُد ْ إلى لغةِ القرآ ِ‬
‫ً‬
‫جلو ل َ‬
‫ن أو جبل‬
‫ب سهْل كا َ‬
‫در َ‬
‫ك ال ّ‬
‫تَ ْ‬
‫عوجا ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫تجلو صراطا سوي ّا ل ترى ِ‬
‫خلل‬
‫ة ت َْلقى ول َ‬
‫فيه ول فتن ً‬
‫تجلو سبيل ً تراهُ واحدا ً أبدا ً‬
‫‪21‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫سُبل‬
‫م ُ‬
‫مضّلين ْتلقى عندهُ ْ‬
‫ولل ُ‬
‫** **‬
‫*‬
‫** **‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫لب ّي ْ َ‬
‫ه!‬
‫ك َيا الل ُ‬
‫بقلم الدكتورعدنان علي رضا النحوي‬
‫ن‬
‫الكعب ُ‬
‫ت ظ ِل َل ِِها ُرك َْبا ُ‬
‫حجيجَها ‪ُ ... ...‬نوٌر وَت َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫ة الغَّراُء ب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ص ٌ‬
‫ن‬
‫ت َت َ َ‬
‫وا ِ‬
‫قط ّعُ الّيام ِ‬
‫ل َرّيا ُ‬
‫حجي ُ‬
‫داث َِها ‪ ... ...‬وَ َ‬
‫ح َ‬
‫نأ ْ‬
‫جَها ُ‬
‫مت َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م آي َ ً‬
‫ة ‪ ... ...‬فَابت َل ِ‬
‫ما ُ‬
‫ما ُ‬
‫جَرى لَها الّر ْ‬
‫أ ْ‬
‫مَز َ‬
‫ت ال ّ‬
‫ت َوالْز َ‬
‫ساحا ُ‬
‫ن َز ْ‬
‫ح َ‬
‫ُ‬
‫جَرى ب ِك ّ‬
‫ن‬
‫ل عُُروقَِها ِ‬
‫جَنبات َِها الغُد َْرا ُ‬
‫ت على َ‬
‫وَ َ‬
‫صف ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه هَوَىً ‪ ... ...‬وَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ُرّدي َ‬
‫حلو ِ‬
‫ي ِ‬
‫حَنا ُ‬
‫ك َ‬
‫ن هوا ِ‬
‫ن يَ ْ‬
‫حَنان ِهِ ‪ ... ...‬كم كا َ‬
‫ن الَهوى وَ َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫عل ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ن‬
‫طيبا فت َن ْ ُ‬
‫عطَر َ‬
‫ض ِ‬
‫م ت َن ْث ُُر وُد ّ َ‬
‫ها ‪ِ ... ...‬‬
‫ها الْرَدا ُ‬
‫مضين َوالّيا ُ‬
‫تَ ْ‬
‫ف ُ‬
‫** ‪** ... * ...‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫ت العَِتيـ ‪ ... ...‬ــقُ ُ‬
‫م إ ِب َْرا ِ‬
‫ه وََبيا ُ‬
‫قا َ‬
‫تل ُ‬
‫هدىً َوآيا ٌ‬
‫م ‪َ ،‬والب َي ْ ُ‬
‫هي َ‬
‫أ َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫سا‬
‫ل‬
‫ج‬
‫ض‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫لو‬
‫ق‬
‫ت‬
‫َ‬
‫ق‬
‫َ‬
‫ف‬
‫خ‬
‫‪...‬‬
‫‪...‬‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ل‬
‫ن‬
‫عو‬
‫ك‬
‫را‬
‫ال‬
‫ن‬
‫فو‬
‫ُ‬
‫طائ‬
‫ال‬
‫َ‬
‫ُُ ُ َ َ ّ ِ َ ُ‬
‫ْ‬
‫َ ّ ُِ َ َِ ِّ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫حات ِهِ ‪ ... ...‬وَت َرِ ّ‬
‫ن ِ‬
‫دا ُ‬
‫ظلل ِهِ الب ْ َ‬
‫سا َ‬
‫م الق َ‬
‫ت ََتزا َ‬
‫دا ُ‬
‫م في َ‬
‫ح ُ‬
‫ف ب َي ْ َ‬
‫حيد ُ َوالْتـ ‪ ... ...‬ـت َ ْ‬
‫ن‬
‫ت َوال ِذ ْ َ‬
‫كبيُر َوال ِ ْ‬
‫دى َرَبوات ِِها الت ّوْ ِ‬
‫وَ ِ‬
‫عا ُ‬
‫ص َ‬
‫خبا ُ‬
‫ى َ‬
‫من َ ً‬
‫ة ‪ ... ...‬ت َغْ َ‬
‫ن‬
‫م ٌ‬
‫ت تَ ِ‬
‫معٌ ب َي ْن ََها هَّتا ُ‬
‫ج وََر ْ‬
‫ض ّ‬
‫سا َ‬
‫ت َ‬
‫شى وَد َ ْ‬
‫ح َ‬
‫حا ٌ‬
‫عََرَفا ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل َب ّي ْ َ‬
‫س ٌ‬
‫ن‬
‫ه ! َوان ْطل َ‬
‫ح ِ‬
‫جَنا ُ‬
‫ل وَفَوّ َ‬
‫ت بَها ‪ُ ... ...‬ر ُ‬
‫ت الّرَبى وَ ِ‬
‫ق ْ‬
‫ك َيا ألل ُ‬
‫ُ‬
‫ل َّبي َ‬
‫جعَُها َندىً ي َب ْت َ ّ‬
‫ن‬
‫ل ِ‬
‫جَنا ُ‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫صدىً والفْقُ ي َْر ‪ِ ... ...‬‬
‫ك والد ّن َْيا َ‬
‫ك ب َِباب ِ َ‬
‫من ْ َ‬
‫ك لَ َ‬
‫ري َ‬
‫حد َ َ‬
‫ل َب ّي ْ َ‬
‫ك لَ َ‬
‫ن‬
‫ك الرضا ‪َ ... ...‬الخيُر ِ‬
‫سا ُ‬
‫ك ال ِ ْ‬
‫ك وَ ْ‬
‫ح َ‬
‫ش ِ‬
‫** ‪** ... * ...‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ل َب ّي ْ َ‬
‫ت لَها ال ْ‬
‫ن‬
‫ن َوان ْ َ‬
‫ت ال ُ‬
‫ك ‪ ،‬وال ْت َ َ‬
‫فؤاد ُ وََداَر ِ‬
‫جا ُ‬
‫ش َ‬
‫فلت َ ْ‬
‫ف َ‬
‫ت الـ ‪ ... ...‬ـعَي َْنا ِ‬
‫ن‬
‫ت ال ُ‬
‫وارِ ُ‬
‫ض َوالْركا ُ‬
‫ت ‪ ... ...‬ت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫عها الد َّياَر فَُزْلزل َ ْ‬
‫د َقّ ْ‬
‫خطى الْرَبا ُ‬
‫ت قَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫بل ّ‬
‫مَرا ِ‬
‫سيا ُ‬
‫ف وَغْر ٌ‬
‫شرِقٌ ‪ ... ...‬غا ٍ‬
‫َ‬
‫ه الن ّ ْ‬
‫ف ُ‬
‫ميهِ البلد َ ف َ‬
‫ت َ‬
‫مع ْ‬
‫ج َ‬
‫** ‪** ... * ...‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫شارِ ُ‬
‫ه آَذا ُ‬
‫ج ! وَكل قلب َ‬
‫جي ُ‬
‫ن ال َ‬
‫ف الد ّن َْيا ل ُ‬
‫ضارع ٌ ‪ ... ...‬وَ َ‬
‫ح ِ‬
‫أي ْ َ‬
‫سب ُ ٌ‬
‫ن‬
‫ت َوان ْط َل َ َ‬
‫ن ََز ُ‬
‫حا ِ‬
‫دا ُ‬
‫م ب ُل ْ َ‬
‫ل وَفَّرقَ َ‬
‫سا َ‬
‫م ‪ُ ... ...‬‬
‫ن ال ّ‬
‫معَهُ ْ‬
‫ج ْ‬
‫ت ِبه ْ‬
‫ق ْ‬
‫عوا عَ ِ‬
‫م الد ّن َْيا ب ِك ُ ّ‬
‫مّزقُ َ‬
‫ن‬
‫وا ُ‬
‫ل َ‬
‫مل َهُ ْ‬
‫ش ْ‬
‫جَها ‪ ... ...‬وَهَوَىً ي ُ َ‬
‫ضجي ِ‬
‫وَط َوَت ْهُ ُ‬
‫م وَهَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫م ‪َ ... ...‬‬
‫كا ُ‬
‫ت أوْ َ‬
‫ما َ‬
‫مضى ال َ‬
‫حَر ٌ‬
‫ه وَ َ‬
‫م لَ ُ‬
‫عرَفا ُ‬
‫مهُ ْ‬
‫ض ّ‬
‫ه َ‬
‫حجيج ك َأن ّ ُ‬
‫وَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حات ِهِ ‪ِ ... ...‬بالمس كم َ‬
‫عاُنوا‬
‫طاُفوا هَُناك وَ َ‬
‫م ل َّبوا َ‬
‫سا َ‬
‫على َ‬
‫س كَ ْ‬
‫ِبال ْ‬
‫ِ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ب َ‬
‫ف ِبطا ِ‬
‫خل َ‬
‫وا ُ‬
‫صدى ‪ ... ...‬وَت َِغي ُ‬
‫سا َ‬
‫ت َ‬
‫مو ُ‬
‫ت يَ ُ‬
‫حا ٌ‬
‫عََرَفا ُ‬
‫ت ب َِها ال ّ‬
‫حهِ الل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫س َ‬
‫معَ ٌ‬
‫م ي َب ْقَ في عََرَفا ِ‬
‫حوْلها الوُْديا ُ‬
‫ت َ‬
‫ة ‪َ ... ...‬‬
‫ت فَب َك ّ ْ‬
‫قط ْ‬
‫ت إ ِل ّ د َ ْ‬
‫لَ ْ‬
‫م ٌ‬
‫ن‬
‫معَ ُ‬
‫حَزا ُ‬
‫ل وَت ُهَْرقُ ب َي َْنها ال َ ْ‬
‫مع ُ َ‬
‫ة ال ِ ْ‬
‫حوَْلها ‪ ... ...‬أ َ‬
‫سلم ِ ي َل ْ َ‬
‫هي د َ ْ‬
‫** ‪** ... * ...‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫وَت َل َ ّ‬
‫ة ‪ ... ...‬أ ْ‬
‫ة لوْعَ ً‬
‫صى لمك َ‬
‫ضلِعي الغِْرَبا ُ‬
‫شأ ْ‬
‫ف َ‬
‫خَتاه ُ ! ت َن ْهَ ُ‬
‫ت القْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح ْ‬
‫هاُنوا ؟‬
‫أ ْ‬
‫ن الغَُثاُء ! أ َ‬
‫ن وَ َ‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال َ‬
‫شد ُهُ ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ن ال ُ‬
‫مليي ُ‬
‫م ‪ ... ...‬أي ْ َ‬
‫خَتاه ُ ! أي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫حَبا ُ‬
‫ن‬
‫ج َ‬
‫خَتاه ُ ! َوان ْ َ‬
‫أُ ْ‬
‫ت ِ‬
‫ت ِ‬
‫فا ُ‬
‫معِهِ ال ْ‬
‫ل نِ َ‬
‫ن دَ ْ‬
‫دائ ِهِ ‪َ ... ...‬واغَروَْرقَ ْ‬
‫قطعَ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫مَعاوِ ُ‬
‫ن‬
‫ي ت َد ُقّ ِ‬
‫جد َْرا ُ‬
‫جادِهِ ال ُ‬
‫م َ‬
‫حَيا َ‬
‫ت على أ ْ‬
‫ه ‪ ... ...‬وَهَوَ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ت َ‬
‫وَهَوَ ْ‬
‫ل كَ ْ‬
‫** ‪** ... * ...‬‬

‫‪22‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن‬
‫ت َ‬
‫صوِل َ ٌ‬
‫حات ََها ال ِ‬
‫ال ِ‬
‫فت َْيا ُ‬
‫سا َ‬
‫ة ‪ ... ...‬د ََر َ‬
‫على َ‬
‫ج ْ‬
‫مَراب ِعٌ َ‬
‫ن َ‬
‫مو ْ ُ‬
‫قب ْل ََتا ِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫ن‬
‫دى ‪ُ ... ...‬نورا وَي َ ْ‬
‫شع ُ ِ‬
‫ال ِ‬
‫سا ُ‬
‫ج ب َي ْن َُهما الهُ َ‬
‫مو ُ‬
‫لن َ‬
‫ن يَ ُ‬
‫قب ْلَتا ِ‬
‫عن ْد َهُ ا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫م وَكل ِ‬
‫ال ِ‬
‫شَعاب ِهِ أكَنا ُ‬
‫ن وَكل َراب ِي َةٍ لها ‪َ ... ...‬‬
‫حَر ٌ‬
‫قب ْلَتا ِ‬
‫شعاف هَديل َه ‪ ... ...‬ويرد جنحيه رضى وأ َ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ما‬
‫ال‬
‫إلى‬
‫م‬
‫حما‬
‫ال‬
‫هدي‬
‫ََُ ّ ُ ْ َ ْ ِ ِ َ ً َ َ ُ‬
‫َ ِ‬
‫ِ ُ‬
‫يُ ْ‬
‫َ ُ ِ‬
‫ن فَ َ‬
‫م ب َي ْن َُهما ظ ِل َ َ‬
‫ن‬
‫صا ِ‬
‫ب ِ‬
‫مكا ُ‬
‫طا َ‬
‫وَي َ ُ‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ض ّ‬
‫ل ن ُب ُوّةٍ ‪َ ... ...‬وال ّ‬
‫حب َي ْ َ‬
‫** ‪** ... * ...‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫داُنوا‬
‫سال ٌ‬
‫ن فَ َ‬
‫ت ُقلو َ‬
‫ة ‪ ... ...‬فَت َ َ‬
‫ب الّر ْ‬
‫أك ََتائ ِ َ‬
‫ن رِ َ‬
‫ح ْ‬
‫ح َ‬
‫ب الَعاِلمي َ‬
‫ن أي ْ َ‬
‫ما ِ‬
‫َ‬
‫ب َيقين ََها ‪ ... ...‬وَ الب ُ ْ‬
‫ن‬
‫ت إلى ال ُ‬
‫وا ِ‬
‫هَل ّ أعد ْ ِ‬
‫جَنا ُ‬
‫ضٌر وَ ِ‬
‫شَريا ُ‬
‫قلو ِ‬
‫ت نَ َ‬
‫جي ُ‬
‫ن‬
‫ل َوال ْ ُ‬
‫ح ّ‬
‫قْرآ ُ‬
‫ن أوَْفى َ‬
‫معَ الّر ْ‬
‫ه التـ ‪ ... ...‬ـت َوَْراةُ وال ِن ْ ِ‬
‫ق ُ‬
‫ح َ‬
‫عَهْد ٌ َ‬
‫ما ِ‬
‫** ‪** ... * ...‬‬
‫ن‬
‫حي ُ‬
‫لله ! َر ِ‬
‫ت َوالوُد َْيا ُ‬
‫َ‬
‫حَر ٌ‬
‫ه ‪ ... ...‬ت َغَْنى ب ِهِ الذ ُّرَوا ُ‬
‫ق ُ‬
‫م ي َُبارِك ُ ُ‬
‫ها ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫خ ْ‬
‫ه ال ُ‬
‫عن ْد َ اللقاِء وَ َ‬
‫ب وَي َْرَتوي ‪ِ ... ...‬‬
‫م تَ ِ‬
‫ف ِ‬
‫مآ ُ‬
‫قلو ُ‬
‫َ‬
‫حَر ٌ‬
‫قه الظ ْ‬
‫نل ُ‬
‫ح ّ‬
‫** ‪** ... * ...‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫حَنان‬
‫ة ال ُ‬
‫ت ذِكرى وَ َ‬
‫م َ‬
‫ج َ‬
‫ها َ‬
‫ك ُ‬
‫ن َداُر ِ‬
‫ما طوّف ْ‬
‫حلوَة ُ ‪َ ... ...‬‬
‫َيا أ ّ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ن‬
‫هر ك ُّلها ‪ ... ...‬عَب َقُ ِإذا َ‬
‫خ ِ‬
‫من ُْثوُر الَزا ِ‬
‫دا ُ‬
‫ت ب ِهِ الِعي َ‬
‫مغَْنا ِ‬
‫ضَر ْ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫عبيَر َ‬
‫س َروْ ِ‬
‫قي ِ‬
‫ل أن ْت َ ِ‬
‫ما ُ‬
‫ك َزهَْرة ً ‪ ... ...‬إ ِل وَكا َ‬
‫ض ِ‬
‫لي َ‬
‫م ْ‬
‫ها ا ِ‬
‫ن غْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ش ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ن‬
‫ما‬
‫ر‬
‫ح‬
‫ال‬
‫ك‬
‫ف‬
‫ر‬
‫ط‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ج‬
‫ها‬
‫و‬
‫أ‬
‫‪...‬‬
‫‪...‬‬
‫لهوى‬
‫ا‬
‫ف‬
‫ر‬
‫ع‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫ك‬
‫كو‬
‫ش‬
‫ي‬
‫و‬
‫!‬
‫كو‬
‫َ ْ َ َ َ‬
‫ِ ْ َ ُ‬
‫ْ ِ ِ‬
‫َ‬
‫ْ َ َ ُ ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ّ‬
‫ه ‪ ... ...‬وَب َ َ‬
‫ن‬
‫كا ُ‬
‫ح َروْ ُ‬
‫صو ّ َ‬
‫كى على أط ْل َل ِهِ ال ّ‬
‫ض ُ‬
‫ذ َب َل َ ْ‬
‫ت أَزاهُِرهُ وَ َ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫** ‪** ... * ...‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫· ديوان الرض المباركة‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لفظ التوحيد في السنة النبوية‬
‫طلل بن علي الجابري‬
‫استقر التوحيد بأقسامه الثلثة ‪ -‬عند أهل الحق ‪: -‬‬
‫‪ -1‬توحيد اللوهية ‪ -2 .‬توحيد الربوبية ‪ -3 .‬توحيد السماء والصفات ‪.‬‬
‫ووفقهم الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬للعمل بمقتضى هذه العقيدة السمحة ‪ ،‬إل أنه ل بد‬
‫لهل الحق من المدافعة والمنابذة من أهل الزيغ أو الجهل بين الحين والخر‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫ل [) الحزاب ‪ ، ( 62 :‬ومن ذلك ‪:‬‬
‫ن َ‬
‫سن ّ َ‬
‫وا ِ‬
‫ة الل ّهِ ِفي ال ّ ِ‬
‫] ُ‬
‫خل َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫‪ -1‬إنكار تقسيم التوحيد من بعض أهل البدع وادعاؤهم أن أول من جاء به‬
‫شيخ السلم ابن تيمية ‪ ،‬وابن القيم ‪ ،‬وابن عبد الوهاب ؛ رحم الله الجميع ‪.‬‬
‫وقد تولى الرد على هذه الفرية جمعٌ من العلماء ‪ .‬قال الشيخ بكر أبو زيد ‪:‬‬
‫) هذا التقسيم الستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن منده و‬
‫ابن جرير و الطبري وغيرهم ‪ ،‬وقرره شيخا السلم ابن تيمية و ابن القيم ‪،‬‬
‫وقرره الزبيدي في تاج العروس ‪ ،‬وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان في‬
‫م لنصوص الشرع ‪ ،‬وهو مطرد‬
‫آخرين ؛ رحم الله الجميع ‪ ،‬وهو استقراء تا ّ‬
‫لدى أهل كل فن كما في استقراء النحاة كلم العرب إلى اسم وفعل‬
‫ه بهذا ‪ ،‬ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب ‪ ،‬وهكذا‬
‫وحرف ‪ ،‬والعرب لم ت َ ُ‬
‫ف ْ‬
‫من أنواع الستقراء ( ‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ -2‬تسمية أقسام التوحيد اصطلحا ً ‪ .‬وهذا خطأ ؛ والصواب أنه استقراء من‬
‫نصوص القرآن الكريم وليس اصطلحا ً أنشأه بعض العلماء من عندهم ؛‬
‫ولهذا نجد أن العلماء ل يسمون ذلك اصطلحا ً ‪ ،‬بل يقولون إنه استقراء كما‬
‫في ) أضواء البيان ‪ ( 414 3/410‬وما تقدم من كلم الشيخ بكر أبو زيد‬
‫وغيرهما ‪ ،‬وقد سمعت الشيخ عبد الله الغنيمان يرد هذه التسمية ويسميها ‪:‬‬
‫استقراء ‪.‬‬
‫‪ -3‬زعم بعضهم أن لفظ التوحيد مصطلح عليه ) أي أنه من عند العلماء ( ولم‬
‫يرد في القرآن ول في السنة ‪ ،‬كما صرح بعضهم في درسه بذلك ‪ ،‬وقد نبهته‬
‫ورجع جزاه الله خيرا ً ‪ .‬ثم وجدت الخطأ نفسه من بعض الفضلء في كتاب له‬
‫‪ ،‬وهذا ل نشك أنه ناشئ من عدم الستقراء ‪ .‬ورحم الله أهل الستقراء التام‬
‫» كدت ل أراهم إل في كتاب أو تحت تراب « ‪.‬‬
‫وها هنا بعض الحاديث النبوية الثابتة في ذكر لفظ التوحيد ولن آتي به إل‬
‫م يأت ‪ .‬فإلى‬
‫صريحا ً ؛ لن بعضهم قال إنه جاء متصرفا ً ‪ ،‬أما صريحا ً فَل َ ْ‬
‫الحاديث ‪:‬‬
‫‪ -1‬أخرج المام أحمد عن جابر ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول الله صلى‬
‫حمما ً ‪،‬‬
‫س من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا ُ‬
‫الله عليه وسلم ‪ُ » :‬يعذب نا ٌ‬
‫ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة ‪ ،‬قال ‪ :‬فيرش‬
‫عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت القثاء في حمالة السيل ثم يدخلون‬
‫الجنة « ‪.‬‬
‫‪ -2‬وجاء في صحيح مسلم وغيره في كتاب الحج عن جابر ‪ -‬رضي الله عنه‬
‫ ‪ ... » :‬فأه ّ‬‫ل بالتوحيد ‪. [3] « ...‬‬
‫‪ -3‬أخرج أبو داود وغيره ‪ ،‬وصححه الحاكم والذهبي وحسنه النووي‬
‫والعسقلني ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض النسوة ‪ » :‬عليكن‬
‫بالتسبيح والتهليل والتقديس ‪ ،‬ول تغفلن فتنسين التوحيد ) وفي رواية ‪:‬‬
‫الرحمة ( ‪ ،‬واعقدن بالنامل ؛ فإنهن مسؤولت ومستنطقات « ‪.‬‬
‫وفي الجملة فقد يكون هناك أكثر وأكثر من الحاديث النبوية الصحيحة في‬
‫ذكر لفظ التوحيد ؛ وإنما أردت إثبات هذا اللفظ الشريف ‪ ،‬ويكفي في ذلك‬
‫حديث واحد ؛ ولله الحمد ‪ .‬كما أني أنصح الجميع بعدم النفي لبعض القضايا‬
‫أو السماء إل بعد الستقراء التام والعتماد على العلماء المتقدمين في ذلك ؛‬
‫لنهم أهل الستقراء حقيقة من أمثال شيخ السلم ابن تيمية وتلميذه ابن‬
‫القيم وغيرهما ‪ ،‬رحمهم الله ‪.‬‬
‫وأذكر في هذا المقام أن بعض أهل البدع قال ‪ :‬لم يرد تسمية صفات الله‬
‫بلفظ ) صفة ( ‪ ،‬أما السماء فقد وردت ! ! وهو بهذا الزعم يشوش على‬
‫بعض البسطاء من العامة والله المستعان ‪ ،‬وغاب عنه حديث في صحيح‬
‫البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجل ً على سرية‬
‫ل هُو الل ّ َ‬
‫لخلص ‪، ( 1 :‬‬
‫هأ َ‬
‫ُ‬
‫وكان يقرأ لصحابه في صلته فيختم بـ ] قُ ْ َ‬
‫حد ٌ [) ا ِ‬
‫فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ‪ » :‬سلوه لي شيء‬
‫يصنع ذلك ؟ « فسألوه فقال ‪ :‬لنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها ‪.‬‬
‫فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‪ » :‬أخبروه أن الله يحّبه « ‪.‬‬
‫هّ‬
‫ْ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫ص ُ‬
‫مد ُ ل ِل ِ‬
‫ما ي َ ِ‬
‫ن * َوال َ‬
‫فو َ‬
‫ك َر ّ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫سل ٌ‬
‫مْر َ‬
‫ن * وَ َ‬
‫] ُ‬
‫ح ْ‬
‫م عََلى ال ُ‬
‫ب العِّزةِ عَ ّ‬
‫سِلي َ‬
‫َ‬
‫ن [) الصافات ‪_. ( 182-180 :‬‬
‫ب الَعال ِ‬
‫َر ّ‬
‫مي َ‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪24‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لقاء مع فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين اللباني‬
‫فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين اللباني من أعلم الدعوة السلمية في هذا‬
‫العصر ‪ ،‬ومن كبار علماء الحديث ‪ ،‬أمضى عمره في تعلم الحديث وتعليمه‬
‫والتصنيف فيه ‪ ،‬ووضع السنة بين يدي المة ‪ ،‬وكان لكتبه ودروسه ولقاءاته‬
‫الفضل والثر الكبير في التوجه نحو السنة الصحيحة والبتعاد عن الضعيف‬
‫والموضوع ‪.‬‬
‫وقد كانت رغبة قديمة عند )مجلة البيان( في اللقاء به والستفادة من علمه ‪،‬‬
‫وتعريف القراء بعلمائنا البارزين الذين ل ينكر دورهم التجديدي في هذا‬
‫العصر وقد جاءت الفرصة المناسبة والتقاه رئيس التحرير وكان معه هذا‬
‫الحوار ‪.‬‬
‫س ‪ :‬فضيلة الشيخ عندما قمتم بتدريس مادة الحديث في الجامعة السلمية‬
‫في المدينة النبوية كان لكم دور بارز في إيجاد تيار من الشباب المتعلم الذي‬
‫يبحث عن الدليل الشرعي ‪ ،‬ويهتم بالحديث ‪ ،‬والبحث عن تخريجه وتمييز‬
‫الصحيح من الضعيف ‪ ،‬هل أنتم راضون عن هذا التيار ‪ ،‬وهل هو في ازدياد‬
‫وانتشار ؟‬
‫ج ‪ :‬ليس لي صلة بالجامعة ‪ ،‬ولما تركتها أو تركتني ‪ ،‬كنت أتردد ما بين آونة‬
‫وأخرى في سبيل مراجعة بعض المحاضرات هناك ‪ .‬لم تعد الظروف‬
‫تساعدني على التردد عليها لذلك ل أعرف واقعها الن ‪ .‬ولكن بصورة عامة ل‬
‫تزال قائمة بواجبها في نشر الثقافة السلمية السلفية ‪ ،‬ول شك أن بعض‬
‫إخواننا من الطلب الذين كانوا يوم كنا ندرس هناك مادة الحديث ‪ ،‬هم الن‬
‫أساتذة ودكاترة ‪ ،‬ول أدري هل التأثير ما يزال مستمرا ً كما كان في العهد‬
‫الول أم ازداد ‪ ،‬هذا مما ل سبيل لنا إلى معرفته إل بالتردد على الجامعة‬
‫والطلع على مسيرتها ‪.‬‬
‫س ‪ :‬ولكن هناك ملحظة ‪ ،‬على بعض هؤلء التلميذ أو تلمذتهم ‪ ،‬عندهم‬
‫ن هذا يجب أن يصحح ؟‬
‫خشونة أو قسوة في عرض المنهج ‪ ،‬أل ترون أ ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ل َرب ّك ِبال ِ‬
‫م ِ‬
‫ج ‪ :‬نعم ‪ ،‬نحن نقول كما قال رب العالمين ] اد ْع ُ إلى َ‬
‫حك َ‬
‫سِبي ِ‬
‫سن َةِ [وهذا يجب أن يوجه إلى جميع الدعاة ‪.‬‬
‫مو ْ ِ‬
‫عظ َةِ ال َ‬
‫ح َ‬
‫وال ْ َ‬
‫س ‪ :‬هل لكم ملحظات على التيار السلفي في البلد العربية والعالم‬
‫السلمي ؟ وما هي ؟‬
‫ج ‪ :‬باعتقادي أن التيار السلفي والحمد لله اكتسح الجواء السلمية كلها ‪،‬‬
‫وأكبر دليل على ذلك أن الذين كانوا بالمس القريب يعادونه أصبحوا يتزلفون‬
‫إليه ‪ ،‬ويتبنون اسمه ‪ ،‬هذا يبشر بخير ‪ ،‬لكن في الواقع أرى أن الدعوة‬
‫السلفية والتي يعود إليها الفضل فيما يسمى اليوم بالصحوة السلمية ‪ ،‬وإن‬
‫كان كثير من الدعاة السلميين يتجاهلون هذه الحقيقة ‪ ،‬ول يربطون الصحوة‬
‫بالدعوة السلفية الحقة ‪ ،‬لكن الحقيقة هي أن الصحوة الموجودة اليوم والتي‬
‫يعبر عنها بالرجوع إلى الصل )الكتاب والسنة( ‪ ،‬ونحن نعبر عن هذا الرجوع‬
‫بعبارة أدق كما هو معلوم من محاضراتنا ‪.‬‬
‫إن الدعوة إلى الكتاب والسنة يجب أن يقرن بها الدعوة إلى منهج السلف‬
‫الصالح في فهم هذين المصدرين الوحيدين ‪ ،‬وإن كان الخرون ل يدندنون‬
‫حول هذا المنهج مع أنه ضروري جدا ً ‪ ،‬إذ عدم الهتمام به هو سبب الفرقة‬
‫القديمة المعروفة تاريخيا ً ‪ ،‬والفرق الحديثة الموجودة اليوم ‪ ،‬ولم يكن سبب‬
‫هذا وذاك إل عدم الرجوع إلى فهم الكتاب والسنة على منهج السلف‬
‫الصالح ‪ .‬أقول ‪ :‬إن الدعوة السلفية ‪ -‬مع انتشارها وما نتج عنها من هذه‬
‫الصحوة العصرية ‪-‬‬
‫‪25‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مجملة تحتاج إلى علماء يبينون أول ً تفصيل الكلم حولها ‪ ،‬وتوسيع دائرة‬
‫الدعوة السلفية ‪ ،‬إنها هي السلم بكل تفاصيله تجمع كل شؤون الحياة ‪.‬‬
‫هذا التعميم في البيان للدعوة السلفية بحاجة إلى علماء عاشوا حياتهم‬
‫يدرسون الكتاب والسنة ويدعون الناس قول ً وكتابة وعمل ً ‪ ،‬فإن كثيرا ً من‬
‫الشباب الذين يتبنونها ‪ ،‬يستعجلون الدعوة إليها قبل أن يفهموا تفاصيلها ‪،‬‬
‫ومن آثار ذلك كثرة الرسائل والمؤلفات التي تطبع في العصر الحاضر من‬
‫مؤلفين عديدين جدا ً ‪ ،‬ول تكاد تجد في هذه الكثرة الكاثرة من هؤلء من‬
‫يشار إليه بأنه شيخ ‪ ،‬وأعني بكلمة شيخ المعنى اللغوي )مسن وكبير( وأعني‬
‫أيضا ً المعنى العرفي ‪ :‬أنه متمكن في علمه ‪ ،‬هذا الشباب المتحمس لم‬
‫يدرس السلم دراسة على القل تسوغ له أن يؤلف وأن يدعو الناس سواء‬
‫بكتاباته أو بمحاضراته ‪.‬‬
‫* ظاهرة الكتب الكثيرة الن ظاهرة غير صحية ؟‬
‫ج ‪ :‬أبدا ً أبدا ً تنبئ بصحوة ‪ ،‬وتنذر بآن واحد ‪ ،‬ومن نتائج هذه الظاهرة كثرة‬
‫الناشرين والطابعين مع قلتهم في الزمن السابق ‪ ،‬القلة السابقة وإن كانوا‬
‫اتخذوا الطباعة والنشر مهنة للعيش ‪-‬وهذا ل بأس به شرعا ً ‪ -‬ولكن كانوا في‬
‫الغالب يشكلون لجانا ً علمية ‪ ،‬ل يطبع الكتاب إل بعد مروره على هذه‬
‫اللجنة ‪ .‬أما الن مع السف الشديد نجد المر أن النشر هو للتجارة وليس‬
‫لخدمة العلم ‪ ،‬وتجد لفتات ضخمة يقال أن هذا الكتاب قام على تحقيقه أو‬
‫التعليق عليه لجنة من أهل الختصاص وحينما تقرأ تحزن لكثرة الخطاء‬
‫المطبعية ‪ ،‬مع شعورك بأنه لم يحقق !‬
‫)‪(1 /‬‬
‫تعاون المؤلفون المحدثون مع الناشرين في غزو المكتبات بشتى المؤلفات ‪،‬‬
‫تجد رسائل متعددة في موضوع واحد ‪ ،‬هذا يأخذ من هذا وهذا يأخذ من ذاك‬
‫وليس هناك علم جديد ‪.‬‬
‫قبل أمس اتصل بي أحد الجزائريين ‪ ،‬أعجبتني لغته مع أن لغة الجزائريين‬
‫صعبة فلهجتهم غير لهجتنا ولكن هذا الخ كانت لهجته عربية فصحى ل يلحن ‪،‬‬
‫ماذا سألني ‪ ،‬قال ‪ :‬أنا بصدد جمع أوهام الحافظ الذهبي في تلخيصه‬
‫للمستدرك التي أشرت إليها في كتبك حيث تقول أنت مثل ً ‪ :‬أخرجه الحاكم‬
‫وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي ‪ ،‬فما رأيك ؟‬
‫قلت له ‪ :‬ل تفعل ‪ ،‬ولئن فعلت فاجمع لنفسك ‪ ،‬لني أريدك أل تكون إمعة ‪،‬‬
‫ول مقلدا ً ‪ ،‬ل لبكر ول لزيد ول لناصر ‪ ،‬نريد منك أن تنشر جهدك واجتهادك‬
‫وكل إنسان يستطيع أن يجمع قول فلن مع قول فلن ويؤلف رسالة ‪ ،‬ماذا‬
‫يستفيد الناس من هذا المجهود هكذا أقول لطلب العلم ‪ ،‬ل تتسرعوا في‬
‫التأليف والنشر وأضرب لهم مثل ً ‪ :‬عندي كتاب هو أول كتاب يمكن أن يقال‬
‫أنه تأليفي وهو في مجلدين واسمه ‪ ) :‬الروض النضير في ترتيب وتخريج‬
‫معجم الطبراني الصغير ( ألفته وكان عمري ‪ 25‬سنة ‪ ،‬حينما يراه النسان‬
‫يتعجب من الجهد ومن العناية بالخط ‪ ،‬أما الن بعد أن بلغت من الكبر عتيا ً‬
‫أستفيد منه كثيرا ً ‪ ،‬ولكن ل أرى أنه صالح للنشر ‪ ،‬لماذا؟‬
‫لنني أستدرك على نفسي بنفسي‪ ،‬وهناك مثال واضح جدا ً ‪ ،‬كنت أنا مع‬
‫الجمهور الذين إذا رأوا حديثا ً بإسناد كل رجاله ثقات إل شخصا ً واحدا ً وثقة‬
‫ابن حبان ‪ ،‬كنت أقول هذا إسناد صحيح ‪ ،‬على هذا جريت في هذا الكتاب ‪،‬‬
‫لكن فيما بعد ‪ ،‬رأيت أن توثيق ابن حبان ل يوثق به ‪ ،‬والن من فضل الله‬

‫‪26‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫علي وعلى الناس أن كثيرا ً ممن عنوا بعلم الحديث أصبحوا يقولون كما‬
‫صرت أنا أقول ل كما كنت أقول ‪ ،‬ثم جد ّ معي شيء عثرت عليه منذ بضع‬
‫سنين أن وجه الصواب في الذي نشرته وانتشر عن ابن حبان ‪ ،‬الصواب فيه‬
‫أنه ليس على إطلقه ) يعني ل يقول أحد أن توثيق ابن حبان ل يوثق به (‬
‫تبين لي هذا من الممارسة العملية ‪ ،‬هذه نقطة لم تذكر في علم المصطلح ‪،‬‬
‫صرت أقول ‪ :‬توثيق ابن حبان ل يوثق به إل إذا كان هذا الموثق له رواة‬
‫كثيرون عنه ‪ ،‬إذا كانوا ثقات ‪ ،‬عندئذ تطمئن النفس إلى العتداد بتوثيق ابن‬
‫حبان ثم حصلت عجائب ‪ ،‬الناشئون الذين أخذوا تنبيهي الول صاروا يردون‬
‫علي ‪ :‬أنت لماذا تصحح هذا الحديث وفيه فلن ‪ ،‬لم يوثقه إل ابن حبان ؟ !‬
‫طبعا ً أبين لهم الن أنه تكشف لي كذا وكذا ‪ ..‬وليس بشيء تفردت به ‪ ،‬هذا‬
‫غير مذكور في علم مصطلح الحديث ‪ ،‬لكن يفهمه النسان بالممارسة ‪، ..‬‬
‫الخلصة ‪ ،‬نحن نريد الن من الناشئ أل يتسرع ‪.‬‬
‫س ‪ :‬بعض الناس ينتقدون منهج الجامعات السلمية في طرق التعليم ‪،‬‬
‫وأنهم ل يخرجون طلبة علم مؤهلين ليكونوا علماء ‪ ،‬ما هي الطريقة المثلى‬
‫للتعلم برأيكم ؟‬
‫ج ‪ :‬الجامعات ليس بإمكانها أن تخرج علماء ‪ ،‬لكن الجامعات تهيئ الطلبة‬
‫ليكونوا علماء ‪ ،‬والحق أن الذين يتخرجون ل يقومون بواجبهم ‪ ،‬ل يتابعون‬
‫الستفادة من القواعد العلمية والتوجيهات التي تلقوها من أساتذتهم لينكبوا‬
‫على العلم ‪ ،‬ثم عند النضج العلمي كتابة ومحاضرة ونشرا ً ‪ ،‬فأصبح جل هؤلء‬
‫المتخرجين همهم أن يصبحوا أساتذة ومعلمين أو أن يصبحوا موظفين كبار‬
‫في بعض الدول ‪ .‬إن مصيبة العالم السلمي اليوم هي فقدان التقوى ‪،‬‬
‫فقدان التربية ‪ ،‬وفي اعتقادي أن الناس ل يختلفون في أن العلم وحده ل‬
‫يكفي بل قد يضر صاحبه ‪.‬‬
‫ً‬
‫س ‪ :‬أعتقد أن هناك ضعفا في طرق التعليم ‪ ،‬وكذلك في المناهج المقررة ‪،‬‬
‫ما رأيكم ؟‬
‫ج ‪ :‬ليس عندي دراسة للمنهج حتى أفيدك ‪ ،‬ولكن عليك أن تلحظ في‬
‫الجامعات عدد السنين التي وضعوها والوقات التي حددوها والتي ل تساعد‬
‫على دراسة العلم كما كانوا قديما ً يدرسون ‪ ،‬في بعض جامعات الهند أو في‬
‫بعض الحلقات على الطريقة القديمة كنت أسمع أنهم يدرسون الكتب الستة‬
‫فعرفت فيما بعد أنهم كانوا يدرسونها للبركة ‪ ،‬الوقات التي تنظم في‬
‫الجامعات ل تساعد على التوسع في المناهج ‪..‬‬
‫أضرب لك مثل ً بشخصي ‪ :‬أنا يوم كنت هناك بالجامعة ‪ ،‬كان من المقررات‬
‫الجزء الول من )سبل السلم( فأنا ما استطعت أن أنهي من المقرر إل أقل‬
‫من الربع ‪ ،‬لني كنت أدرس الحديث الواحد في حصتين ‪ ،‬ضاق الطلب‬
‫ذرعا ً ‪ ،‬فراحوا يشكونني إلى الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة يومها ‪،‬‬
‫وكنا نلتقي بالرئيس والساتذة فقال لي ‪ :‬إن الطلب يشكون من تطويلك ‪،‬‬
‫فقلت له ‪ :‬صحيح ‪ ،‬لكن هناك أقوال وأحكام مختلف فيها بين المذاهب ‪ ،‬ل بد‬
‫أن أذكر دليل كل واحد وأعمل تصفية ‪ ،‬فقال لي ‪ :‬اكتف بما يحضرك ‪ ،‬ول‬
‫تذكر كلم العلماء بالتفصيل ‪ .‬الطلب الذين يتخرجون إن لم يتابعوا الخطأ‬
‫في الدراسة ويتوسعوا فيها لنجد بينهم علماء ‪ ،‬والسبب أن الطالب عندما‬
‫يأخذ شهادة الدكتوراه يصبح أستاذا ً في الجامعة أو يتوظف في دائرة من‬
‫الدوائر ‪ ،‬فهو ل يستثمر المفاهيم والقوانين التي تلقاها ‪ ،‬كما ل يتفرغ للعلم‬
‫وللعلم فقط ‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(2 /‬‬
‫س ‪ :‬أل ترون إحياء حلقات العلم إتماما ً للدراسات الجامعية ؟‬
‫ج ‪ :‬نعم ‪ ،‬ولكن نعود إلى المشكلة ‪ ،‬من الذي يدّرس ؟ س ‪ :‬نعود إلى بعض‬
‫النواحي العلمية ‪ ،‬سمعت من بعض الخوة الدكاترة في الجامعات السلمية‬
‫وطلبة العلم نقدا ً لطريقتكم في تقسيم كتب السنن إلى صحيح وضعيف‬
‫يقولون ‪ :‬ربما يتبين لكم بعدئذ أن هذا الحديث ضعيف أو العكس ‪ ،‬فما رأيكم‬
‫؟ ج ‪ :‬هذا ممكن وواقع وماذا يريدون ؟ س ‪ :‬لو تبقى سنن أبي داود وتعلقون‬
‫عليه في الهامش فيبقى الكتاب كامل ً كما ألفه أبو داود ؟ ج ‪ :‬هذه مشكلة ‪،‬‬
‫ولكن لنترك صحيح أبي داود وضعيفه ‪.‬‬
‫أنا عندي الن سلسلتان ‪ :‬الصحيحة والضعيفة كما تعلم ‪ ،‬وكثيرا ً ما يقع أن‬
‫أنقل حديثا ً من الصحيحة إلى الضعيفة ‪ ،‬وبالعكس ‪ ،‬وهذا مستنكر عند الجهلة‬
‫‪ ،‬ومقبول مشكور جدا ً عند أهل العلم ؛ ما الفرق بين الصورة الولى‬
‫والصورة الخرى ؟‬
‫ً‬
‫ربما بعد سنوات نعيد طبع سنن أبي داود وأنا من فضل الله علي نادرا ما‬
‫أعيد طباعة كتاب إل وأعيد النظر فيه ‪ ،‬لنني متشبع أن العلم الصحيح ل يقبل‬
‫الجمود ‪ ،‬وأنا أتعجب من مؤلف ألف كتابا ً من عشرين سنة خلت ويعيده كما‬
‫هو ل يغير ول يبدل ‪ ،‬ما هذا العلم ‪ ،‬هل هو وحي من السماء ؟ أم جهد إنسان‬
‫يخطئ ويصيب ‪...‬‬
‫ولنفرض أننا استجبنا لهؤلء وأعدنا طباعة الكتاب وانتقلت أحاديث من‬
‫الضعيف إلى الصحيح وبالعكس فنعود لنفس القضية ‪ ،‬ومن الممكن أن ننقل‬
‫هذا القتراح إلى مختصري للبخاري ‪ ،‬ولكنهم لم يقولوا ‪ :‬دع البخاري كما‬
‫هو ؛ ولكنهم يقرونه ول ينكرونه ‪ ،‬وأنا أقول الحقيقة انني لما بدأت بتقسيم‬
‫سنن أبي داود من نحو أربعين سنة إلى صحيح وضعيف ‪ ،‬عرضت وجوه‬
‫النظر أمامي تماما ً ‪ ،‬قلت ‪ :‬أفعل هذا أو هذا ‪ ،‬ثم ترجح عندي وأيدني في‬
‫ذلك بعض الدباء الحريصين على العلم مثل الخ حمدي عبيد ‪ ،‬أيدني في‬
‫جعل السنة قسمين ‪ ،‬ترجح عندي وفي داخل مشروعي تقريب السنة بين‬
‫يدي المة من جهة ‪..‬‬
‫ومن جهة ثانية تقريب السنة الصحيحة وليس الضعيفة ‪ ،‬وبعدئذ ل خوف ‪ ،‬لن‬
‫عامة الناس ليسوا بحاجة إلى معرفة الضعيف ‪ ،‬وإنما يحتاج ذلك خاصتهم ‪،‬‬
‫فإذا كان رجل من عامة الناس أقدم له صحيح أبي داود وأقول هذا حسبه ‪،‬‬
‫أما الخاصة فيجب عليهم معرفة الضعيف ‪ ،‬فالمفروض أنهم موجهون للناس ‪.‬‬
‫لقد ترجح عندي ذلك وقدوتي في ذلك الئمة ‪ :‬أئمة الصحاح مثل البخاري ‪...‬‬
‫س ‪ :‬أستاذنا ‪ ،‬هل هناك بعض الفتاوى الفقهية ‪ ،‬قلتم بها من زمن ثم رجعتم‬
‫عنها لطلعكم على أدلة أقوى ؟‬
‫ج ‪ :‬ربما بلغك عني إشاعة أني تراجعت عن القول بتحريم الذهب المحلق‬
‫على النساء ‪ ،‬فهذا كذب ‪ ،‬وربما هناك إشاعات أخرى وكلها ليس لها أصل ‪.‬‬
‫س ‪ :‬نعود إلى النقطة التي ذكرتموها في أول الحديث ‪ ،‬وهي أن منهج أهل‬
‫السنة يحتاج إلى تفصيل حتى يساعد المسلمين عل حل مشكلتهم ‪ .‬هل‬
‫نستطيع أن نقول أن الخطوط العريضة لهذا المنهج ‪ ،‬وأعني طريقة تفكير‬
‫واستدلل أهل السنة هو ما كتبه الشافعي في الرسالة أو الشاطبي في‬
‫الموافقات أو ابن تيمية في كثير من كتبه وخاصة )درء تعارض العقل والنقل(‬
‫؟‬
‫ج ‪ :‬نعم هؤلء العلماء الذي ذكرتهم من نوادر علماء المسلمين ‪ ،‬الذين يتمثل‬

‫‪28‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المنهج العلمي السلفي في كتبهم ‪.‬‬
‫س ‪ :‬أستاذنا هل عندكم زيادة عما كتبه الخ الشباني بالنسبة لحياتكم‬
‫الشخصية ؟‬
‫ج ‪ :‬ليس عندي زيادة وما كتبه فيه الكفاية ‪.‬‬
‫س ‪ :‬سؤال أخير ‪ ،‬ما هي نصيحتكم للشباب المسلم في هذا العصر ؟‬
‫ج ‪ :‬نصيحتي في ناحيتين ‪ :‬ربما فهمت الولى من كلمي السابق ‪ ،‬أن يتفقهوا‬
‫بالدين اعتمادا ً على قوله ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ « : -‬من يرد الله به خيرا ً‬
‫يفقهه في الدين » وأن ل يكتفوا بالعلم دون العمل ‪ ،‬لن الحقيقة التي‬
‫ألمسها لمس اليد كما يقال أن أكثر شبابنا الناهض اليوم همته في النواحي‬
‫الفكرية دون الناحية العلمية والعملية لذلك أنا أنصح هؤلء أول ً أن يتوسعوا ما‬
‫استطاعوا بمعرفة العلم الصحيح المستقى من الكتاب والسنة إما بأشخاصهم‬
‫إذا أمكنهم أو بالستعانة بأهل العلم ‪ ،‬وأن ل يقدموا على شيء يصدر عنهم‬
‫عن جهل اعتمادا ً على ثقافتهم القليلة الضحلة ‪ ،‬هذا من جهة ‪...‬‬
‫ومن جهة أخرى أن يهتموا بالعمل أكثر مما يهتمون بالعلم ‪ ،‬لننا نرى مع‬
‫السف الذين يهتمون بالعلم أكثرهم ل يعملون ‪ ،‬وبالولى أن الذين ل يهتمون‬
‫بالعلم أل يعملوا ‪ ،‬فليعكسوا المر ‪ ،‬عليهم أن يهتموا بالعمل أكثر من العلم ‪،‬‬
‫فإذا كان أهل العلم يتركون العمل ‪ ،‬فالحرى بغيرهم ممن ل يعلم أن يترك‬
‫العمل أيضا ً ‪ ،‬فعلى أهل العلم وطلبته أن يصرفوا جهودهم إلى العمل‬
‫ويعكسوا الحال الحاضرة إلى علم وعمل كثير لتتعدل كفة النقص في‬
‫المجتمع ‪.‬‬
‫فكما ل ينفع علم بل عمل فكذلك ل ينفع عمل دون علم وهذه حقيقة ‪ -‬ولله‬
‫الحمد ‪ -‬متفق عليها بين علماء المسلمين ‪ ،‬هذه نصيحتي للشباب المسلم‬
‫الناشئ في هذا العصر ‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫وشكرنا الشيخ على هذه الفرصة الطيبة فجزاه الله خيرا ً ومد الله في عمره‬
‫وبارك فيه ‪ .‬ونرجو أن يكون لنا معه لقاء آخر ‪ .‬وآخر دعوانا أن الحمد لله رب‬
‫العالمين ‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫لقد آن الوان‪...‬؟؟!! ‪... ... ...‬‬
‫التفرق المحمود‪ ،‬والمذموم‪:‬‬
‫فرقة‪ ،‬بكسر الفاء‪ ،‬هي‪ :‬الجماعة من الناس‪ ،‬المفارقة عن الجماعة الم‪..‬‬
‫ال ِ‬
‫فرقة‪ ،‬بضم الفاء‪ ،‬هي‪ :‬حال التفرق‪ ،‬عكس الجتماع والتحاد‪..‬‬
‫وال ُ‬
‫فالولى مذمومة في حال‪ ،‬ومحمودة في حال‪ ،‬فإن كانت المفارقة سببها‬
‫التمسك بالحق فهي محمودة‪ ،‬وإن كان سببها الخروج عن الحق فهي‬
‫مذمومة‪..‬‬
‫ولذا نجد في الثر أن هذه المة ستفترق إلى ثلث وسبعين فرقة‪ ،‬كلها في‬
‫النار‪ ،‬أي ثنتين وسبعين فرقة‪ ،‬وواحدة في الجنة‪ ،‬هي الفرقة الناجية‪ ،‬التي‬
‫تكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله‬
‫عليهم‪ ،‬فهذه الناجية فرقة تمسكت بالحق‪ ،‬فأفلحت ونجت‪..‬‬
‫روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله‬

‫‪29‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫حّتى إ ِ ْ‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫سَراِئيل‪َ ،‬‬
‫ما أَتى عَلى ب َِني إ ِ ْ‬
‫مِتي َ‬
‫ن عََلى أ ّ‬
‫ل ِبالن ّعْ ِ‬
‫حذ ْوَ الن ّعْ ِ‬
‫ )ل َي َأت ِي َ ّ‬‫ُ‬
‫ُ‬
‫كان منهم م َ‬
‫ة لَ َ‬
‫صن َعُ ذ َل ِ َ‬
‫ن ب َِني‬
‫ه عََلن ِي َ ً‬
‫ك‪ ،‬وَإ ِ ّ‬
‫كا َ‬
‫مِتي َ‬
‫ن ِفي أ ّ‬
‫م ُ‬
‫ن أَتى أ ّ‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ َ ِ ُْ ْ َ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ن‬
‫ة‪ ،‬وَت َ ْ‬
‫ل تَ َ‬
‫مل ّ ً‬
‫مِتي عََلى ث ََل ٍ‬
‫ن ِ‬
‫ث وَ َ‬
‫ن وَ َ‬
‫إِ ْ‬
‫فت َرِقُ أ ّ‬
‫فّرقَ ْ‬
‫سب ِْعي َ‬
‫سب ِْعي َ‬
‫ت عَلى ث ِن ْت َي ْ ِ‬
‫ه؟‪َ ،‬قا َ‬
‫سو َ‬
‫ما‬
‫حد َ ً‬
‫ة َوا ِ‬
‫مل ّ ً‬
‫مل ّ ً‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫م ِفي الّنارِ إ ِّل ِ‬
‫ِ‬
‫ي َيا َر ُ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ة‪َ ،‬قاُلوا‪ :‬وَ َ‬
‫ة‪ ،‬ك ُل ّهُ ْ‬
‫ن هِ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حاِبي(‪ ..‬اليمان‪ ،‬باب‪ :‬افتراق هذه المة‪ ،‬صحيح الترمذي ‪2/334‬‬
‫ص‬
‫أ‬
‫و‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫نا‬
‫َ‬
‫أَ‬
‫ْ ِ َ ْ َ‬
‫) ‪.(2129‬‬
‫في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة إذا وقت الفرقة ) كما في‬
‫البخاري في الفتن(‪:‬‬
‫ )تدع تلك الفرق كلها‪ ،‬ولو أن تعض على أصل شجرة‪ ،‬حتى يدركك الموت‬‫وأنت على ذلك(‪..‬‬
‫فرقة محمودة إذا كان فراقها وخروجها سببه لزوم الحق‪،‬‬
‫هذا يدل على أن ال ِ‬
‫ورفض الباطل‪..‬‬
‫فرقة‪ ،‬فهو وصف مذموم في كل حال‪ ،‬لنه ينم عن‬
‫وأما الثانية‪ ،‬وهي ال ُ‬
‫الختلف‪ ،‬والتنافر‪ ،‬والعداوة‪ ،‬بين أهل الملة الواحدة‪ ،‬مع وجود الحق‬
‫ومعرفته‪ ،‬وقد نهى الله تعالى عن مثل هذا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ }ولتكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم‬‫عذاب عظيم{‪..‬‬
‫ }منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلة ولتكونوا من المشركين * من الذين‬‫فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون{‪.‬‬
‫فرقة وما ينبني عليها من‬
‫فأهل الكتاب والمشركون هم من علماتهم ال ُ‬
‫العداوة‪ ،‬وذلك لنهم أهل هوى وحب للدنيا‪ ،‬وقد مزقوا دينهم فكانوا أحزابا‬
‫وشيعا‪ ،‬وأهل السلم مأمورون بضد ذلك‪ ،‬فإن امتثلوا فقد حققوا دينهم‪ ،‬وإل‬
‫فهم مشابهون لولئك الضلل في صفاتهم‪..‬‬
‫ الصل الشرعي‪ :‬الجتماع‪ ..‬الصل القدري‪ :‬الختلف‪:‬‬‫والواقع أن أهل السلم وقعوا في هذا المحذور‪ ،‬وقد أخبر النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم بحدوث ذلك‪ ،‬في حديث الفتراق‪ ،‬فكان ذلك من علمات النبوة‪:‬‬
‫الخبار بما في المستقبل‪..‬‬
‫ أخبر بها ليحذر أهل الحق من هذه الفتنة‪ ،‬المسببة للعداوة والبغضاء‪،‬‬‫وضعف المسلمين‪..‬‬
‫ أخبر بها لنها واقعة قدرا‪ ،‬وإن كانت مكروهة شرعا ‪ ..‬ليدفعها المسلمون‬‫ما استطاعوا‪..‬‬
‫ففي الجتماع فائدتان‪ ،‬وفي الفرقة مفسدتان‪:‬‬
‫ في الجتماع‪ :‬القوة‪ ،‬وبها ينتصر الحق‪ ..‬والتآخي‪ ،‬وبه يذوق المؤمنون‬‫الطعم الجميل للحياة‪..‬‬
‫ في الفرقة‪ :‬الضعف‪ ،‬وبه ينهزم الحق‪ ..‬والعداوة‪ ،‬وبها يذوق الناس الطعم‬‫القبيح للحياة‪..‬‬
‫قال تعالى‪} :‬واعتصموا بحبل الله جميعا ولتفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم‬
‫إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا‬
‫حفرة من النار فأنقذكم منها ‪.{..‬‬
‫فالشريعة تنهى التفرق بين المسلمين‪ ،‬وتأمر بالجتماع‪ ،‬بالعتصام بحبل الله‬
‫تعالى‪ ،‬الذي هو الكتاب والسنة‪ ،‬في نصوص كثيرة متنوعة‪ ،‬لكنها أيضا تبين‬
‫أن التفرق قدر واقع‪ ،‬يجب التوقي منه‪ ،‬ومدافعته‪ ،‬والتقليل من شره‪،‬‬
‫كالمرض‪ ،‬فإن معرفة أن المرض قدر واقع لم يمنع الناس من الوقاية منه‪،‬‬
‫‪30‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ومن علجه بكل وسيلة‪ ،‬فهذا مرض البدن‪ ،‬والتفرق مرض المجتمع‪ ،‬فل بد‬
‫من التوقي منه‪ ،‬وعلجه إن وقع بكل وسيلة‪..‬‬
‫وتجربة النبياء أثبتت أن من الممكن القضاء على التفرق والختلف‪ ،‬وتحصيل‬
‫الجتماع‪..‬‬
‫قال تعالى‪}:‬ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة وليزالون مختلفين إل من‬
‫رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لملن جهنم من الجنة والناس‬
‫أجمعين{‪..‬‬
‫فقد بين أن الخلف هو الصل‪ ،‬لكن كذلك بين أن الجتماع ممكن في قوله‪:‬‬
‫}إل من رحم ربك{‪.‬‬
‫والجتماع هو الصل في أمة المسلمين‪ ،‬وفي تاريخ البشرية‪ ،‬فأمة السلم‬
‫بنيت علي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬الذي جمعها‪ ،‬ووحدها‪ ،‬وربط‬
‫بينها‪ ،‬فمات وهي مجتمعة متحدة‪ ،‬ثم بعد عقود سرى المرض إلى الجماعة‪،‬‬
‫بفعل المرضى المفسدين‪ ،‬الذين يفسدون في الرض وليصلحون‪ ،‬حتى‬
‫تمكن فأفسد وفرق‪..‬‬
‫وكذا البشرية في أول أمرها كانت على الجتماع‪ ،‬من عهد نوح إلى آدم‪،‬‬
‫عشرة قرون‪ ،‬لم يكن بينهم تفرق‪ ،‬حتى حدث مرض الشرك‪ ،‬بعبادة الصنام‪،‬‬
‫قال تعالى‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫}كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم‬
‫الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه‪ ،‬وما اختلف فيه إل الذين‬
‫أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا‬
‫فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم{‪.‬‬
‫فالنبياء ما بعثوا إل ليردوا الناس إلى الجتماع‪ ،‬وطريقه عبادة الله وحده‪،‬‬
‫فإذا اجتمع الناس على هذا‪ ،‬وطبقوه بصدق انتفى التفرق‪ ..‬ففي عبادة الله‬
‫وحده تنتفي كل حظوظ النفس‪ ،‬وتتلشى وساوس الشيطان وحظوظه‪ ،‬التي‬
‫هي سبب التفرق في الصل‪.‬‬
‫ التفرق في الصول‪ ،‬ل في الفروع‪:‬‬‫التفرق في الصول له وجه‪ ،‬أما في الفروع فل وجه له‪ ،‬فالول يستحق به‬
‫التفرق‪ ،‬أما الخر فل يسوغ التفرق لجله‪..‬‬
‫والصول هي أصول الدين‪ ،‬التي من خالفها يكون مبتدعا أو كافرا‪ ،‬وهي التي‬
‫اتفق عليها السلف من الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من التابعين‬
‫ومن تبعهم‪ ،‬مما أجمع عليه كلهم‪ ،‬أو جمهورهم‪.‬‬
‫وأما الفروع فهي ما تسمى فروع العقيدة والفقه ونحوها‪ ،‬مما اختلف أولئك‬
‫العلم فيه‪ ،‬وتراجحت أقوالهم فيها‪ ،‬وهو ما كان النص يحتمل الخلف‪ ،‬كقوله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫)ليصلين أحدكم العصر إل في بني قريظة(‪..‬‬
‫فصلى بعضهم في الطريق‪ ،‬وبعضهم صلها في بني قريظة بعد خروج‬
‫الوقت‪ ،‬فلم ينكر على أحد‪ ،‬لن النص يحتمل هذا‪ ،‬وهذا‪ ..‬يحتمل أن أراد‬
‫إسراعهم‪ ،‬ويحتمل أنه أراد الظاهر‪..‬‬
‫ومثل ذلك حديث رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه‪ ،‬قال‪) :‬نور أنى أراه(‪..‬‬
‫فهم بعضهم أنه رآه بعينه‪ ،‬وبعضهم بقلبه‪ ..‬فقائل بهذا‪ ،‬وقائل بهذا‪ ،‬والنص‬
‫يحتمل‪ ،‬وإن كان الراجح معلوما‪ ،‬لكنه غير مقطوع به‪ ..‬فاختلفوا‪..‬‬

‫‪31‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ومثل ذلك الخذ من اللحية ما زاد عن القبضة‪ ،‬قد ورد وصح عن جمع من‬
‫الصحابة‪ ،‬فمن قال به لم يخرج عن السنة‪ ،‬ولم يأتي بما يوجب الفرقة‪..‬‬
‫والمثلة كثيرة‪ ،‬لكن يحتاج من أهل العلم من يميزها‪ ،‬ويعددها‪ ،‬ويوضحها‪،‬‬
‫ويخرجها في مؤلف للناس‪ ،‬حتى يعرف الناس ما الذي يسوغ لهم الخلف‬
‫فيه‪ ،‬فيجتنبوا التفرق فيه‪ ،‬وما الذي ليسوغ الخلف فيه‪ ،‬فيتمسكوا فيه‬
‫بالحق‪..‬‬
‫فقدر من الختلف مقبول‪..‬‬
‫فالسلم إنما جاء متفقا مع حاجات الناس‪ ،‬وفطرهم‪ ،‬وعقولهم‪ ،‬لذا لم‬
‫يمنعهم من الخلف مطلقا‪ ،‬لن ذلك كما أنه محال‪ ،‬كذلك هو داء‪ ،‬فإن‬
‫افتراض الناس أن يكونوا على رأي واحد مطلقا في كل صغيرة وكبيرة‪،‬‬
‫خلف المصلحة والطبيعة البشرية‪:‬‬
‫فحياة الناس ل تستقيم إل بتفرد كل إنسان بشخصيته وتفكيره‪ ،‬فل بد أن‬
‫يكون له مجال يصول وفيه ويجول بفكره دون عائق أو مانع‪ ،‬حتى ينتج ويبدع‪،‬‬
‫ويتبين للناس قدر نعمة الله على النسان بهذا العقل الجبار‪ ،‬أولم نسمع‬
‫لقوله تعالى‪:‬‬
‫}سنريهم آياتنا في الفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق{؟‪..‬‬
‫ففي النسان آية عظيمة هي العقل‪ ،‬فل يجوز الحجر على العقل‪ ،‬حتى يكون‬
‫صورة متسنسخة لغيره‪ ،‬ليفكر إل بما يمليه غيره من المسيطرين‪ ،‬هذا خطأ‬
‫كبير‪ ،‬وهو ضد تعاليم السلم‪ ،‬لكن مع إعطاء كل عقل مجال من الحرية‪ ،‬ل‬
‫بد كذلك من تحديد هذا المجال بحدود الشريعة‪ ،‬وإل فإن العقل يطغى‪،‬‬
‫فيخرج من المفيد إلى الضار‪..‬‬
‫وهذا مثل أمامنا‪:‬‬
‫الحضارة الغربية‪ ،‬أعطت للعقل مجال غير محدود‪ ،‬فأنتج المفيد والمضر‪ ،‬فما‬
‫هذه السلحة الغربية المدمرة‪ ،‬وما تلك الختراعات المفسدة للخلق‪ ،‬وما‬
‫البحاث الطبية الخطيرة المضادة للصالح البشري‪ ،‬إل مثال‪ ،‬ولو أنهم جعلوا‬
‫للعقل حدودا‪ ،‬لما جنوا من ورائه كل تلك المفاسد‪..‬‬
‫فنحن بين فريقين‪:‬‬
‫ فريق يريد من العقول أن تكون مستنسخة‪ ،‬على صورة واحدة‪ ،‬صورة‬‫المر المستبد الظالم‪.‬‬
‫ وفريق ل يريد أن يحد للعقل حدودا‪ ،‬يمنع من تعديها‪..‬‬‫ والوسط‪ :‬حده بحدود الشارع‪ ،‬فالله تعالى أعلم بعباده‪ ،‬هو الذي خلق‬‫العقل‪ ،‬وحد له حدودا‪ ،‬فله الحق أن يحد ما يشاء‪ ،‬كما يشاء‪..‬‬
‫ وحدود العقل في السلم‪:‬‬‫أن يفكر وينتج ما شاء‪ ،‬كيف شاء‪ ،‬بشرط أل يجلب على نفسه أو البشر شيئا‬
‫من الضرر في‪ :‬الدين‪ ،‬أو النفس‪ ،‬أو العرض‪ ،‬أو العقل‪ ،‬أو المال‪..‬‬
‫خلصة الكلم في هذه المسألة‪:‬‬
‫أن نعرف ما الذي يسوغ فيه الخلف‪ ،‬وما الذي ل يسوغ فيه الخلف‪ ،‬ويكون‬
‫ذلك بتحديد الصول والفروع بتحرير ودقة‪ ..‬فإن أكثر خلف الناس اليوم في‬
‫أشياء يسوغ فيها الخلف‪ ،‬فخلفهم ناتج عن جهل‪..‬‬
‫والمشتغلون بالعلم عليهم أن يبحثوا ويفحصوا هذه المسائل‪ ،‬ويخرجوا للناس‬
‫بقول محرر‪ ،‬فيه بيان ما يسوغ وما ل يسوغ من الخلف‪ ،‬ولو خالف ذلك‬
‫بعض أقوالهم السابقة‪ ،‬وإل فإنهم ربما عمقوا الخلف‪ ،‬وأسهموا في الفرقة‬
‫من حيث ل يشعرون‪..‬‬

‫‪32‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(2 /‬‬
‫ومن الحسن أل يخرج واحد برأي منفردا إل بعد أن يطلع عليه إخوانه من‬
‫العلماء‪ ،‬فذلك مما يعين على تكامل النظرة تجاه المسألة‪ ،‬فهذا يحرر زاوية‬
‫منها‪ ،‬والخر زاوية أخرى‪ ،‬وهكذا‪ ،‬فيقف كل على ما فاته‪ ،‬فيكتمل تحرير‬
‫المسألة وتمحيصها بالتضافر والتعاون‪ ،‬فإذا اتحد منهجهم‪ ،‬توحد فتواهم في‬
‫الصول‪ ،‬أما الفروع فل ضير في الختلف بعد ذلك‪ ،‬وعلى جميع المسلمين‬
‫أن يعوا أن الختلف في فروع المسائل حق مشروع‪ ،‬وليترتب عليه عداوة‬
‫ول بغضاء‪ ،‬ول فرقة‪.‬‬
‫أبو سارة ‪...‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫لقد رحل أبو فِْهر غريبًا!‬
‫أيها الحبة ‪..‬‬
‫لقد رحل "أبو فِْهر" غريبًا!‬
‫ل *** ول شاةٌ تموت ول بعيُر‬
‫لعمرك ما الرزية فقد ما ٍ‬
‫م)‪ *** (1‬يموت بموته بشٌر كثيُر‬
‫ولك ّ‬
‫ن الّرزية َفقد ُ قَْر ٍ‬
‫في يوم الخميس الثالث من ربيع الخر ‪1418‬هـ الموافق السابع من‬
‫شهر)آب(‪ 1997‬وافت المنية الشيخ العلمة‪ /‬محمود محمد شاكر‪-‬أبا فهر–‬
‫م العربية في هذا الزمان‪ ،‬ورجل اللغة التي وهب نفسه للدفاع عنها ورد ّ‬
‫عَل َ َ‬
‫العتبار لها‪ ،‬والوقوف أمام خصومها وخصوم هذه المة‪...‬‬
‫لقد غاب الشيخ‪ /‬محمود شاكر دون دمعة وفاء‪ ،‬رحل كأنه طيف جاء ثم‬
‫من يعرفون للرجال مقاماتهم وحقوقهم‪ ،‬ولو‬
‫ذهب‪ ،‬لم يشعر به إل القليل م ّ‬
‫كان الشيخ واحدا ً من أولئك الذين هجروا أمتهم‪ ،‬ورطنوا بالرموز‪ ،‬ولكت‬
‫ألسنتهم السماء العجمية وسلك في مسالك الحزاب العلمانية الكافرة‬
‫ن‪ ،‬ولكن الشيخ‬
‫لرأيت لموته رنينا وجلبة‪ ،‬ولتسامعت به النساء في خدوره ّ‬
‫مضى غريبا كما تعيش محبوبته )اللغة العربية( غريبة كذلك بين أهلها‪.‬‬
‫وفاًء لهذا المام الفحل‪ ،‬وقياما بحق الرجل العظيم‪ /‬محمود محمد شاكر فإننا‬
‫نتقرب إلى الله–تعالى‪ -‬بتعريف الشاب المسلم به‪ ،‬فكيف يجوز لط ّ‬
‫لب‬
‫الهدى ورجال هذه المرحلة أن يجهلوا من استشهدوا بكلمه النفيس في‬
‫تكفير الحاكمين بالياسق العصري؟‪...‬‬
‫إن الشيخ‪ /‬محمود شاكر أحمد عبد القادر هو الذي كتب حكم الله في هذه‬
‫القوانين الكافرة‪ ..‬كما في أثر تفسير الطبري رقم )‪ (12036‬وكما نقله عنه‬
‫الشيخ‪ /‬أحمد شاكر )شقيقه( في عمله لعمدة التفسي ‪ 4/156‬وما بعدها‪.‬‬
‫وإيمانا ً منا أن نهضة المة وقيامها من كبوتها لن تكون بإزالة طواغيت الحكم‬
‫وكشفهم فقط مع أنهم أعظم المجرمين جرمًا‪ ،‬إنما بإدراك طلب الهدى أن‬
‫صُعد وفي كل الميادين‪ ،‬وأن ميدان‬
‫معركتنا مع خصوم هذه المة على جميع ال ّ‬
‫اللغة والثقافة والدب هو من أعظم هذه الميادين‪.‬‬
‫أل فليعلم الشباب المسلم من طلب الهدى والحق أن حصر أبواب الخير‬
‫والحق في جانب واحد يصفه الشباب المسلم المقاتل هو ظلم لمفهوم‬
‫الطائفة المنصورة‪ ،‬وظلم لديننا‪ ،‬وظلم للرجال الوفياء لهذا الدين وهذه‬
‫المة‪ ،‬ولذلك يجب علينا أن نعي طبيعة هذه المعركة وعمق جوانبها وشمول‬
‫أدواتها‪ ،‬إذ المقصود منها قبل كل شيء هو هذا النسان‪ ،‬النسان المسلم‬

‫‪33‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الذي ُأريد َ له أن يتن ّ‬
‫كر لدينه وتاريخه ورجاله وثقافته‪ ،‬ولذلك فلنعلم كذلك أنه‬
‫ما من رجل مسلم أو امرأة مسلمة في هذا العالم غل ويقف على ثغرة من‬
‫ثغور السلم المتسع الطراف وفي كل الميادين‪ ،‬وحيث كان هذا المرء وفي ّا ً‬
‫صادقا ً مخلصا ً متقنا ً لهذه الوقفة فإّنه يستحق مّنا المحبة والولء والخوة‪ ،‬وهو‬
‫مّنا ونحن منه‪ ،‬بل يشرفنا أن نكون منه وأن نتعلم منه وأن يكون إماما ً لنا‪.‬‬
‫إننا نعتقد وبيقين وصدق أن الشيخ‪ /‬محمود شاكر كان إماما ً في الحق‬
‫وصخرة ل تلين أمام أعداء المة والدين‪.‬‬
‫مة دمعة‬
‫رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جنانه‪ ،‬وليس لنا إل الصبر‪ ،‬وإن كان ث ّ‬
‫تذرف من عيوننا فهي –والله‪ -‬على أنفسنا أّننا سنموت وحاجتنا في الصدر لم‬
‫تقض باللقاء به والجلوس بين يديه وهي حاجة كانت تمل الجوانح وتعمل في‬
‫صدر‪ ،‬لكّنها سدود الباطل وحواجز الّردة التي تعيق هذه الحاجات وتحبسها‬
‫ال ّ‬
‫دون تفريج لها‪.‬‬
‫)‪ (1‬القرم من الرجال‪ :‬السيد المعظم‪..‬‬
‫ثم هي دمعة أخرى أن ل تعرف المة حقّ الّرجال وتجهل مقاماتهم‪ ،‬وهي‬
‫التي تتسمع أخبار حصب جهّنم‪ ،‬وتمل أعينها وآذانها صور أهل الشر وأئمة‬
‫الضلل‪.‬‬
‫رحم الله أبا فهر وألحقه بالصالحين‪ ،‬آمين آمين‪.‬‬
‫معركة تحت راية القرآن‬
‫كانت معركة اللغة العربية ضد ّ أعداء المة والدين أوسع وأرحب وأعنف من‬
‫كل المعارك التي خاضها أئمة الدين ورجال المة على الجبهات الخرى‪ ،‬بل‬
‫إن أئمة اللغة كانوا السبق والكثر إحساسا بتّيار الزندقة القادم من غيرهم‬
‫من المشايخ وأهل الفقه‪ ،‬وقد أرادها هؤلء الرجال معركة تحت راية القرآن‪،‬‬
‫غير منبّتة عنه‪ ،‬ولع ّ‬
‫ل الشباب المسلم اليوم بحاجة إلى معرفة هذه المعركة‬
‫ودراسة تاريخها ومعرفة رجالها من أئمة الهدى‪ ،‬وخصومهم من الزنادقة‪ ،‬لن‬
‫هذه المعركة مازالت قائمة وتستعر يوما بعد يوم‪ ،‬وأغلبنا في غفلة ول يعرف‬
‫شيئا ً عن أدواتها وحقيقتها وتطوّرها والنتائج التي ُتفضي إليها‪ ،‬وميدان الدب‬
‫هو من أهم الميادين "جميعا ً وأخطرها‪ ،‬وإن لم يكن كذلك عند كثير من‬
‫الّناس ومصدر خطورته هو أنه أقدر الدوات على تطوير الّرأي العام وعلى‬
‫صوغ الجيل وتشكيله فيما يراد له من صور‪ ،‬وذلك لتغلغله في حياة الناس‪،‬‬
‫وتسلله إلى أعماق نفوسهم عن طريق الصحافة والمسرح والسينما‬
‫م عن طريق الكتب المدرسية وما يناسبها من كتب‬
‫والذاعات الثيرية ث ّ‬
‫قين‪ :‬أحدهما يتصل بأساليب الدب‬
‫الطفال والشباب‪ ،‬والمعركة ذات ش ّ‬
‫وموضوعاته والخر يتصل بلغته‪(2).‬‬
‫الرافعي يقود المعركة‪...‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫كان من أوائل الرجال الهداة في هذه المعركة هو الفارس المجّلى والسيف‬
‫اليماني المحلى الستاذ الكبير مصطفى صادق الرّافعي عليه من الله أوفى‬
‫الّرحمات وأسبغها‪.‬‬
‫لقد كان الرافعي كاتب السلم الول في هذا العصر وفي هذه المعركة ومع‬
‫أنه كان واحدا ً من كثيرين في هذه المعركة‪ ،‬ولكن الرافعي هو العلم المتميز‬
‫بقوة العاطفة الهادرة وبأسلوبه الناري وقمعه الرادع وصلصلته المرنة التي ل‬
‫تستمد ّ رنينها من قوة اللفاظ وحدها‪ ،‬فاللفاظ في متناول الكاتبين جميعا‪،‬‬

‫‪34‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ولكنها تستمد قوتها مما وراء اللفاظ من روح غ ّ‬
‫لبة قاهرة‪ ،‬هي روح البطل‬
‫صيال‪(3).‬‬
‫الجبار الذي يثق من قوته الحربّية‪ ،‬ومهارته الفنية في حلبات ال ّ‬
‫البداية‪:‬‬
‫تفتحت المعركة من كوّةٍ فتحها رجل مستعرب أعمى الله بصيرته فخرق في‬
‫المر خرقًا‪ ،‬هو‬
‫)‪ (2‬التجاهات الوطنية في الدب المعاصر ‪ .273-2/272‬للدكتور محمد‬
‫محمد حسين رحمه الله‪ ،‬وهذا الكتاب يكشف لك بدايات الكشوف التي‬
‫استقرت بعد ذلك لتيار الزندقة وقواعد السلم المستتر!!)زعموا( إنما مبدأ‬
‫كشفها تم على يد رجال الدب والثقافة لهذه المة‪ ،‬فالفغاني ومحمد عبده‬
‫كانت بدايات التنبه الى ما هم عليه إنما تعتمد على هذا الكتاب وكذلك‬
‫الشارة الى جرائم سعد زغلول وارتباطه بأفكار التحلل الجتماعي‬
‫والسياسي كتحرير المرأة وغيرها‪ .‬إنما الفضل فيها يعود الى هذا الكتاب‬
‫ايضا‪ ،‬ثم ل ننسى فضل الكتاب الفرد في هذا الباب‪" :‬موقف العقل والعلم‬
‫والعالم من رب العالمين وعبادة المرسلين"‪ ،‬لشيخ إسلم الدولة العثمانية‬
‫مصطفى صبري رحمه الله‪.‬‬
‫)‪" (3‬مصطفى صادق الرافعي فارس القلم تحت راية القرآن" لمحمد رجب‬
‫البيومي ص ‪ .45‬كتبت إحدى الجرائد العربية الصادرة في أمريكا لمصطفى‬
‫صادق الرافعي قائلة‪ :‬إنك لو تركت )الجملة القرآنية( والحديث الشريف‬
‫لكنت الن المرجع الذي ل ينازع‪ ،‬ولبز مذهبك في البلغة المذاهب كلها من‬
‫قديم أو حديث )الجملة القرآنية( لرسلن نقل عن مجلة الزهراءج ‪،8/1‬‬
‫وأدباء المهجر!!)جبران وميخائيل نعيمة والريحاني( هم من أول من أدخلوا‬
‫السلوب التوراتي ورموزه في الدب العربي‪ ،‬وكانت لهم مجلة‬
‫اسمها)الفنون( يقوم عليها ثالث اسمه نسيب عريضة‪ ،‬ولها خبر في‬
‫"سبعون" لنعيمة‪.‬‬
‫ديكارتي")‪(5‬‬
‫الدكتور "طه حسين")‪ (4‬حينما أراد أن يطبق مبدأ "الشك ال ّ‬
‫الذي زعمه على القرآن فأعلن في مبحث الشعر الجاهلي أن ورود قصة‬
‫دللة على وجود رجل‬
‫إبراهيم –عليه السلم‪ -‬في القرآن ليست كافية لل ّ‬
‫حقيقي اسمه "إبراهيم"‪ ،‬وكان باب هذا المر الخطير مدخله عند هذا الرجل‬
‫ن هذا الشعر إّنما هو صنيعة العصور السلمية‪،‬‬
‫التشكيك بالشعر الجاهلي‪ ،‬وأ ّ‬
‫ولكنهم نحلوه للجاهلين‪ ..‬وبالرغم من أن ارتباط مسألة نفي الحقائق‬
‫التاريخية – التي وردت في القرآن‪ -‬بالدين واضحة المعالم‪ ،‬إل أن نفس صحة‬
‫نسبة الشعر الجاهلي لما قبل السلم قد تبدو ضعيفة الصلة بالمسائل الدينية‬
‫ولكنها في الحقيقة من أوثق الصلت بالقرآن الكريم‪ ،‬ذلك لن الشعر‬
‫دى‬
‫الجاهلي يمثل حقيقة قوة أهله في البيان والبلغة‪ ،‬والقرآن الكريم تح ّ‬
‫م نفي‬
‫العرب في أعظم قواها وملكاتهم وهي ملكة البيان والبلغة‪ ،‬فإذا ت ّ‬
‫الدليل على هذه القوة والملكة سقط معنى التحدي الوارد في القرآن‬
‫الكريم‪.‬‬
‫طه حسين في هذا الكتاب الذي أصدره سنة ‪1926‬م صرح باعتماده على‬
‫مبدأ "الشك الديكارتي" في مبحثه في أصول الشعر الجاهلي‪ ،‬وقال فيه‪ :‬إنه‬
‫للوصول إلى الحقيقة ل بد أن )يتجرد الباحث من حل شيء كان يعلمه من‬
‫قبل وأن يستقبل موضوع بحثه خالي ال ّ‬
‫وا تامًا(‪ ،‬وصّرح‬
‫ذهن م ّ‬
‫ما قيل فيه خل ّ‬
‫بأنه يجب علينا )حين نستقبل البحث عن الدب العربي وتاريخه أن ننسى‬
‫قوميتنا وكل مشخصاتنا‪ ،‬وأن ننسى ديننا وك ّ‬
‫ل ما يتصل به‪ ،‬وأن ننسى ما‬
‫يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين‪ ،‬يجب أن ل نتقيد بشيء‪ ،‬ول نذعن‬
‫‪35‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لشيء إل مناهج البحث العلمي الصحيح‪ ،‬ذلك أّنا إذا لم ننسى قوميتنا وديننا‬
‫وما يتصل بها فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف وسنغل عقولنا بما‬
‫يلئم هذه القومية وهذا الدين‪ ،‬وهل فعل القدماء غير هذا؟ وهل أفسد علم‬
‫القدماء شيء غير هذا؟ وفي نفيه لحقيقة إبراهيم وإسماعيل –عليهما‬
‫السلم‪ -‬يقول‪) :‬للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا‬
‫عنهما أيضا‪ ،‬ولكن ورود هذين السمين في التوراة والقرآن ل يكفي لثبات‬
‫وجودهما التاريخي(‪(6).‬‬
‫ن مسألة التشكيك بالشعر الجاهلي‬
‫إل أن الشيء الذي كتمه ولم يعترف به أ ّ‬
‫قد سرقها من المستشرق "مرجليوث"‪(7).‬‬
‫)‪ (4‬كانت المعركة قد بدأت من قبل طه حسين وسلمة موسى في معركة‬
‫القديم والجديد واللغة العامية‪ ،‬ولكنها كانت تطل ول تبدو‪ ،‬وتنهر ول تقوم‪،‬‬
‫حتى اشتده أوارها في الوقت الذي ذكرناه ومن بابها حمي الوطيس على يد‬
‫طه حسين‪ ،‬وهو الذي فتح فتوحا من الشر في أبواب متعددة منها ترجمة‬
‫قصص الجنس وقصص اليونان القديمة المسرفة في الباحية‪ ،‬كما ترجم‬
‫شعر المنحرف)بودلير(‪..‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫)‪ (5‬هو الفيلسوف الفرنسي رينييه ديكارت)‪1650-1596‬م( الذي قرر أن‬
‫الرياضيات والعلم الطبيعي هو العلم الوحيد الذي يقدم لنا معرفة تقينية‪،‬‬
‫أشهر كتبه مقال له سماه "مقال في المنهج" وطرح فيه مبدأ –الشك‬
‫المنهجي‪ -‬وهو الشك في اي شيء يقبل للشك‪،‬وهو يعتبر أن ثمة أمور يتبين‬
‫صدقها عن طريق النور الفطري‪ ،‬وهي غير قابلة للشك‪ ،‬وبهذا رفض مقولة‬
‫التخلي عن كل موروثات الباحث بحجة الموضوعية‪ ،‬وهي النقطة التي لم‬
‫يفهمها طه حسين بل خالفها كل المخالفة في كتابه المذكور "في الشعر‬
‫الجاهلي"‪ ..‬وديكارت هو صاحب –الكوجيتو‪)-‬أنا أفكر إذا أنا موجود(‪ ..‬وهو‬
‫كمعاصره فرنسيس بيكون يعتبران أساس نهضة أوروبا الصناعية بعد تحرير‬
‫أفكارها من التصورات الرسطية القديمة‪.‬‬
‫)‪ (6‬هذه النصوص مأخوذذة من كتاب "التجاهات الوطنية في الدب‬
‫المعاصر" للدكتور محمد محمد حسين رحمه الله تعالى‪..‬‬
‫)‪ (7‬اسمه دافيد صموئيل مرجليوت)‪ (1940-1858‬انجليزي كان أستاذا‬
‫أكسفورد‪ ،‬اهتم بالدراسات العربية والسامية‪ ،‬كتب بحثا عن أوراق البردي‬
‫العربية في مكتبة بودلي بأكسفورد‪ ،‬وترجم قسما من البيضاوي‪ ،‬ونشر‬
‫رسائل المعرى‪ ،‬أهم كتبه في باب الستشراق‪" :‬محمد ونشأة السلم" ظهر‬
‫سنة ‪1905‬م‪ ،‬ثم أتبعه بكتاب سماه "المحمديون" وترجم باسم السلم وذلك‬
‫سنة ‪1914‬م‪ ،‬حاقد متعصب‪ ،‬نقم عليه زملؤه من المستشرقين لوضوح‬
‫وكان طه حسين يقوم بإلقاء هذه المفاهيم على طلبة السنة الولى في كلية‬
‫الداب في الجامعة المصرية‪ ،‬وقبل أن تقوم العواصف اليمانية ضد كتاب‬
‫)في الشعر الجاهلي( وتتوالى الردود عليه من كل حدب وصوب بعد طباعته‪،‬‬
‫س شاب‬
‫كانت هناك قبل ذلك معركة خفية تدور رحاها داخل الجامعة في ن َ ْ‬
‫ف ِ‬
‫سادسة عشر من عمره‪ ،‬كان هذا الشاب قد قرأ رأي "مرجليوث"‬
‫لم يكمل ال ّ‬
‫الذي نشره في بحث بعنوان )أصول الشعر العربي(‪ ،‬وكان لـ"طه حسين" يد‬
‫على هذا الشاب بإدخاله في كلية الداب مع دراسته الفرع العلمي‪ ،‬ولكن‬
‫الطالب وجد في أستاذه الخيانة للعلم ولحقّ الكلمة‪ ،‬هذا الشاب كان الشيخ‪/‬‬
‫‪36‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫محمود شاكر رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫محمود شاكر يصف المحنة‪:‬‬
‫ً‬
‫وقد وصف محمود شاكر –رحمه الله‪ -‬هذه الفترة تفصيل في المقدمة‬
‫الجديدة لكتابه "المتنبي" حيث يقول)‪...) -:(8‬كان ما كان‪ ،‬ودخلنا الجامعة‪،‬‬
‫بدأ الدكتور "طه" يلقي محاضراته التي عرفت بكتاب في" الشعر الجاهلي"‬
‫ومحاضرة بعد محاضرة‪ ،‬ومع كل واحدة يرتد إلي رجع من هذا الكلم‬
‫م النسيان! وثارت نفسي‪ ،‬وعندي الذي عندي من‬
‫العجمي الذي غاص في ي ّ‬
‫المعرفة بخبيئة هذا الذي يقوله الدكتور"طه" = عندي الذي عندي من هذا‬
‫الحساس المتوهج بمذاق الشعر الجاهلي‪ ،‬كما وصفته آنفا‪ ،‬والذي استخرجته‬
‫بالتذوق‪ ،‬والمقارنة بينه وبين الشعر الموي والعباسي‪ .‬وأخذني ما أخذني من‬
‫الغيظ‪ ،‬وما هو أكبر وأشنع من الغيظ‪ ،‬ولكني بقيت زمنا ً ل أستطيع أن أتكلم‪.‬‬
‫تتابعت المحاضرات‪ ،‬والغيظ يفور بي والدب الذي أدبنا به آباؤنا وأساتذتنا‬
‫يمسكني‪ ،‬فكان أحدنا يهاب أن يكلم الستاذ‪ ،‬والهيبة معجزة‪ ،‬وضاقت علي‬
‫المذاهب‪ ،‬ولكن لم تخل أيامي يومئذ في الجامعة من إثارة بعض ما أجد في‬
‫نفسي‪ ،‬في خفوت وتردد‪ .‬وعرفت فيمن عرفت من زملئنا شابا ً قليل الكلم‬
‫هادىء الطباع‪ ،‬جم التواضع‪ ،‬وعلى أنه من أترابنا‪ ،‬فقد جاء من الثانوية عارفا ً‬
‫سن الستماع‪ ،‬جيد الفهم‪،‬‬
‫بلغات كثيرة‪ ،‬وكان واسع الطلع‪ ،‬كثير القراءة‪َ ،‬‬
‫ح َ‬
‫ولكنه كان طالبا في قسم الفلسفة‪ ،‬ل في قسم اللغة العربية‪ .‬كان يحضر‬
‫معنا محاضرات الدكتور‪ ،‬وكان صفوه وميله وهواه مع الدكتور "طه" ذلك هو‬
‫الستاذ الجليل "محمود محمد الخضيري"‪ .‬نشأت بيني وبينه مودة فصرت‬
‫أحدثه بما عندي‪ ،‬فكان يدافع بلين ورفق وفهم‪ ،‬ولكن حدتي وتوهجي‬
‫وقسوتي كانت تجعله أحيانا يستمع ويصمت فل يتكلم‪ .‬كّنا نقرأ معا‪ ،‬وفي‬
‫خلل ذلك كنت أقرأ له من دواوين شعراء الجاهلية‪ ،‬وأكشف له عما أجد‬
‫فيها‪ ،‬وعن الفروق التي تميز هذا الشعر الجاهلي من الشعر الموي‬
‫والعباسي‪ .‬وجاء يوم ففاجأني "الخضيري" بأنه يحب أن يصارحني بشيء‬
‫وعلى عادته من الهدوء والناة في الحديث‪ ،‬ومن توضيح رأيه مقسما ً مفصل‪ً،‬‬
‫قال لي‪ :‬إنه أصبح يوافقني على أربعة أشياء‪_:‬‬
‫الول‪ :‬أن اتكاء الدكتور على "ديكارت" في محاضراته‪ ،‬اتكاء فيه كثير من‬
‫المغالطة‪ ،‬بل فيه إرادة التهويل بذكر "ديكارت الفيلسوف")‪ ،(9‬وبما كتبه في‬
‫كتابه "مقال عن المنهج" وأن تطبيق الدكتور لهذا المنهج في محاضراته‪،‬‬
‫ليس من منهج "ديكارت" في شيء‪.‬‬
‫)‪ (7‬كذبه وكثرة تزويراته‪ ،‬ومع كل هذا اختير عضوا مراسل لمجمع اللغة‬
‫العربية‪ /‬دمشق سنة ‪1920‬م!! وذلك بعد أن سيطر عليها أنصار العامية من‬
‫أمثال طه حسين وأحمد لطفي السيد وعبدالعزيز فهمي وأمين‬
‫الخولي‪..‬وصل بعض هؤلء الى رئاسة المجمع‪.‬‬
‫)‪ (8‬مقدمة المتنبي ص ‪ 13‬وما بعدها‪.‬‬
‫)‪ (9‬لحظ أن هذا الكلم يدل على أنه مجرد ذكر رجل أعجمي كاف‬
‫للستدلل وتحقيق الثر في نفس السامع‪ ،‬وهو يدلك على مدى النبهار الذي‬
‫كان يعيشه الطلبة والساتذة لما يقوله العاجم‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫الثاني‪ :‬أن كل ما قاله الدكتور في محاضراته‪ ،‬كما كنت أقول له يومئذ‪ ،‬ليس‬
‫إل سطوا ً مجردا ً على مقالة "مرجليوث"‪ ،‬بعد حذف الحجج السخيفة‪ ،‬والمثلة‬

‫‪37‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الدالة على الجهل بالعربية‪ ،‬التي كانت تتخّلل كلم ذاك العجمي وأن ما‬
‫يقوله الدكتور ل يزيد على أن يكون " حاشية" وتعليقا ً على هذه المقالة‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه على حداثة عهده بالشعر وقلة معرفته به‪ ،‬قد كان يتبين أن رأيي‬
‫في الفروق الظاهرة بين شعر الجاهلية وشعر السلم‪ ،‬أصبح واضحا ً له بعض‬
‫الوضوح وأنه يكاد يحس بما أحس به وأنا أقرأ له الشعر وأفاوضه فيه‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أنه أصبح مقتنعا ً معي أن الحديث عن صحة الشعر الجاهلي‪ ،‬قبل‬
‫قراءة نصوصه قراءة متنوعة مستوعبة‪ ،‬لغو باطل وأن دراسته كما تدرس‬
‫نقوش المم البائدة واللغات الميتة‪ ،‬إنما هو عبث محض‪.‬‬
‫وافق أن جاء في حديثه هذا في يوم من أيام العصبية‪ .‬فالدكتور "طه"‬
‫أستاذي‪ ،‬وله علي حق الهيبة‪ ،‬هذا أدبنا‪ .‬وللدكتور "طه" علي يد ٌ ل أنساها‪،‬‬
‫كان مدير الجامعة يومئذ "أحمد لطفي السيد" يرى أن لحق لحامل "‬
‫بكالوريا" القسم العلمي في اللتحاق بالكليات الدبية‪ ،‬ملتزما في ذلك بظاهر‬
‫اللفاظ!! فاستطاع الدكتور " طه" أن يحطم هذا العائق بشهادته لي‪،‬‬
‫وبإصراره أيضا‪ .‬فدخلت يومئذ بفضله كلية الداب‪ ،‬قسم اللغة العربية‪ ،‬وحفظ‬
‫الجميل أدب ل ينبغي التهاون فيه‪ .‬وأيضا فقد كنت في السابعة عشرة من‬
‫عمري‪ ،‬والدكتور طه في السابعة والثلثين‪ ،‬فهو بمنزلة أخي الكبير‪ ،‬وتوقير‬
‫السن أدب ارتضعناه ُ مع لبان الطفولة‪ .‬كانت هذه الداب تفعل بي فعل هوى‬
‫المتنبي بالمتنبي حيث يقول‪:‬‬
‫في‪ ،‬وَقوسي‪،‬‬
‫سٌر ك َ ّ‬
‫ن ما ات َ‬
‫قى **** هوىً كا ِ‬
‫ميي‪ ،‬وَ ِ‬
‫مى واّتقى َر ْ‬
‫َر َ‬
‫ن دو ِ‬
‫م ْ‬
‫سُهمي‬
‫وأ ْ‬
‫ً‬
‫فذلك ظللت أتجرع الغيظ بحتا‪ ،‬وأنا أصغي إلى الدكتور "طه" في محاضراته‪،‬‬
‫كفاحًا‪ ،‬وجها ً لوجه‪ ،‬وكل ما‬
‫ولكني ل أستطيع أن أتكلم‪ ،‬ل أستطيع أن أناظره ِ‬
‫أقوله‪ ،‬فإنما أقوله في غيبته ل في مشهده‪ .‬تتابعت المحاضرات‪ ،‬وكل يوم‬
‫يزداد وضوح هذا السطو العريان على مقالة "مرجليوث"‪ ،‬ويزداد في نفسي‬
‫وضح الفرق بين طريقتي في الحساس بالشعر الجاهلي‪ ،‬وبين هذه الطريقة‬
‫التي يسلكها الدكتور "طه" في تزييف هذا الشعر‪ .‬وكان هذا " السطو"‬
‫ما يهّز قواعد الداب التي نشأت عليها هزا ً عنيفًا‪ ،‬بدأت الهيبة مع‬
‫خاصة م ّ‬
‫ً‬
‫مبال‪ ،‬ولم‬
‫اليام تسقط شيئا فشيئا‪ ،‬وكدت ألقي حفظ الجميل ورائي غير ُ‬
‫ى‪ ،‬فجاء حديث الخضري‪ ،‬من حيث ل يريد أو‬
‫يبق لتوقير السن عندي معن ً‬
‫يتوقع‪ ،‬لينسف في نفسي كل ما التزمت به من هذه الداب‪ .‬وعجب الخضري‬
‫يومئذ‪ ،‬لني استمعت لحديثه‪ ،‬ولم ألقه ل بالبشاشة ول بالحقارة التي يتوقعها‪،‬‬
‫وبقيت ساكنًا‪ ،‬وانصرفت معه إلى حديث غيره‪.‬‬
‫وفي اليوم التالي جاءت اللحظة الفاصلة في حياتي‪ .‬فبعد المحاضرة‪ ،‬طلبت‬
‫من الدكتور" طه" أن يأذن لي في الحديث‪ ،‬فأذن لي مبتهجًا‪ ،‬أو هكذا ظننت‪.‬‬
‫وبدأت حديثي عن هذا السلوب الذي سماه "منهجا" وعن تطبيقه لهذا‬
‫"المنهج" في محاضراته‪ ،‬وعن هذا " الشك" الذي اصطنعه‪ ،‬ما هو‪ ،‬وكيف‬
‫هو؟ وبدأت أدلل على أن الذي يقوله عن "المنهج" وعن" الشك" غامض‪،‬‬
‫وأنه مخالف لما يقوله "ديكارت"‪ ،‬وأن تطبيق منهجه هذا قائم على التسليم‬
‫تسليما ً سلما يداخله الشك‪ ،‬بروايات في الكتب هي في ذاتها محفوفة‬
‫بالشك! وفوجىء طلبة قسم اللغة العربية‪ ،‬وفوجىء الخضيري خاصة‪ .‬ولما‬
‫كدت أفرغ من كلمي‪ ،‬انتهرني الدكتور "طه" وأسكتني‪ ،‬وقام وقمنا لنخرج‪.‬‬
‫وانصرف عني كل زملئي الذي استنكروا غضابا ً ما واجهت به الدكتور "طه"‪،‬‬
‫ولم يبق معي إل محمود محمد الخضيري )من قسم الفلسفة كما قلت(‪.‬‬
‫وبعد قليل أرسل الدكتور "طه" يناديني فدخلت عليه وجعل يعاتبني‪ ،‬يقسو‬
‫‪38‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حينا ً ويرفق أحيانا‪ ،‬وأنا صامت ل أستطيع أن أرد‪ .‬لم أستطع أن أكاشفه بأن‬
‫محاضراته التي نسمعها كّلها مسلوخة من مقاله "مرجليوث"‪ ،‬لنها مكاشفة‬
‫جارحة من صغير إلى كبير‪ ،‬ولكني على يقين من أنه يعلم أني أعلم‪ ،‬من‬
‫خلل ما أسمع حديثه‪ ،‬ومن صوته‪ ،‬ومن كلماته‪ ،‬ومن حركاته أيضا!! وكتماه‬
‫هذه الحقيقة في نفسي كان يزيدني عجزا ً عن الرد‪ ،‬وعن العتذار إليه أيضًا‪،‬‬
‫مطرقا ً حتى وجدت في نفسي كأني‬
‫وهو ما كان يرمي إليه‪ .‬ولم أزل صامتا ً ُ‬
‫أبكي من ذ ّ‬
‫ل العجز‪ ،‬فقمت فجأة وخرجت غير مودع ول مبال بشيء‪ .‬وقضي‬
‫المر! ويبس الثرى بيني وبين الدكتور‪" :‬طه" إلى غير رجعة!‬
‫)‪(4 /‬‬
‫ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحيانا ً بغير هيبة‪،‬‬
‫ولم يكف هو عن استدعائي بعد المحاضرات‪ ،‬فيأخذني يمينا وشمال ً في‬
‫المحاورة‪ ،‬وأنا ملتزم في كل ذلك بالعراض عن ذكر سطوه على مقالة‬
‫مرجليوث‪ ،‬صارفا ً همي كله إلى موضوع " المنهج" و"الشك" وإلى ضرورة‬
‫قراءة الشعر الجاهلي والموي والعباسي قراءة متذوقة مستوعبة‪ ،‬ليستبين‬
‫الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر السلمي قبل الحديث عن صحة نسبة‬
‫هذا الشعر إلى الجاهلية‪ ،‬أن التماس الشبه لتقرير أنه باطل بالنسبة‪ ،‬وأنه‬
‫موضوع في السلم‪ ،‬من خلل روايات في الكتب هي في حد ذاتها محتاجة‬
‫إلى النظر والتفسير‪ .‬ولكني من يومئذ أيضا ً لم أكف عن إذاعة هي الحقيقة‬
‫التي أكتمها في حديثي مع الدكتور "طه" وهي أنه سطا س ْ‬
‫طوا ً كريها ً على‬
‫مقالة المستشرق العجمي‪ ،‬فكان‪ ،‬بل شك‪ ،‬يبلغه ما أذيعه بين زملئي‪ .‬وكثر‬
‫كلمي عن الدكتور " طه" نفسه‪ ،‬وعن القدر الذي يعرفه من الشعر‬
‫الجاهلي‪ ،‬وعن أسلوبه الدال على ما أقول‪ .‬واشتد المر‪ ،‬حتى تدخل في‬
‫ذلك‪ ،‬وفي مناقشتي‪ ،‬بعض الساتذة كالستاذ "نّلينو")‪ (10‬والستاذ جويدي)‬
‫‪ (11‬من المستشرقين‪ ،‬وكنت أصارحهما بالسطو‪ ،‬وكانا يعرفان‪ ،‬ولكنهما‬
‫يداوران‪ .‬وطال الصراع غير المتكافىء بيني وبين الدكتور "طه" زمانًا‪ ،‬إلى‬
‫ت فيه على أن أفارق مصر كلها‪ ،‬ل الجامعة وحدها‬
‫أن جاء اليوم الذي عزم ُ‬
‫ً‬
‫غير مبال بإتمام دراستي الجامعية طالبا للعزلة‪ ،‬حتى أستبين لنفسي وجه‬
‫الحق في "قضية الشعر الجاهلي" بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل‬
‫التشعب‪ (12).‬ولطبيعة خاصة لهذا الرجل قرر أن يترك الجامعة بعد أن‬
‫سقطت هيبتها من نفسه‪ ،‬وعجز أن يحتمل هذا الفساد الذي رآه في أساتذته‬
‫ومعّلميه‪.‬‬
‫فمن هو محمود محمد شاكر ‪-‬أبو فهر‪-‬؟‬
‫)‪ (10‬هو كارلو ألفونس نلينو)‪1938-1872‬م( مستشرق إيطالي‪ ،‬درس اللغة‬
‫العربية دون أستاذ وهو فتى‪ ،‬ودرس العبرية والسريانية‪ ،‬كان أول كتبه"قياس‬
‫الجغرافين العرب لخطوط الزوال" دعته الجامعة المصرية القديمة سنة‬
‫‪ 1909‬للقاء محاضرات في تاريخ الفلك عند العرب باللغة العربية‪ ،‬ونشرت‬
‫محاضراته بعد ذلك في كتاب تحت عنوان "علم الفلك‪ ،‬تاريخه عن العرب في‬
‫القرون الوسطى" سنة ‪ ،1911‬وكتب وهو في الثالثة والعشرين مقال سماه‬
‫"نظام القبائل العربية في الجاهلية"‪ ،‬كان يقول )لأريد أن يغريني شيء على‬
‫الخروج من دراسة العرب وحدهم إلى دراسة أخرى‪ ،‬ولكني أريد أن أعرف‬
‫عن العرب كل شيء( لجأت إليه وزارة المستعمرات اليطالية لتستعين‬
‫بخبرته ومعرفته بأحوال العالم السلمي‪ ،‬فعين مديرا للجنة تنظيم‬

‫‪39‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المحفوظات العثمانية ولكتب الترجمة‪ ،‬تولى الشراف على مجلة )الدراسات‬
‫الشرقية(‪ ،‬دعي للتدريس في الجامعة المصرية مرة ثانية فيما بين ‪-1928‬‬
‫‪ 1931‬لتدريس تاريخ اليمن بكلية الداب وعين عضوا في المجمع اللغوي‬
‫سنة ‪ ،1932‬مدحه طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي" وغيره وبقي‬
‫معظما له إلى اخر عمره‪ ..‬وطه حسين يعد تلميذا له‪ .‬انظر دراسة د‪.‬يوسف‬
‫بكار بعنوان "أوراق نقديةجديدة عن طه حسين" المبحث الول )خصوصية‬
‫الذات ونفوذ الخر( عن مدى تأثر طه حسين بهذا المستشرق‪.‬‬
‫)‪ (11‬اجنتيسو جويدي)‪1935-1844‬م( مستشرق إيطالي‪ ،‬ويسمى جويدي‬
‫الكبير تمييزا له عن ابنه ميكلنجلو‪ ،‬اهتم بالدرسات السامية وخاصة العربية‬
‫الحبشية والعبرية‪ ،‬دعي سنة ‪ 1908‬ليكون أستاذا في الجامعةالمصرية‬
‫القديمة‪ ،‬نشر بعض المخطوطات القديمة مثل "شرح ابن هشام لقصيدة‪-‬‬
‫بانت سعاد" وكتاب "الستدراك" لبي بكر الزبيدي‪ ،‬وكتاب "الفعال" لبن‬
‫القوطية‪ ،‬وبعض تاريخ الطبرين‪ ،‬ولما احتلت إيطاليا ليبيا‪ ،‬كلفته وزارة‬
‫المستعمرات اليطالية بالشتراك في ترجمة "مختصر سيدي خليل" في‬
‫الفقه المالكي إلى اللغة اليطالية‪ ،‬فتولى ترجمة قسم العبادات ‪..‬ويعد طه‬
‫حسين من تلميذه‪.‬‬
‫)‪" (12‬المتنبي" ص ‪.17-13‬‬
‫والده هو محمد شاكر )توفي سنة ‪1929‬م( شيخ أزهري كان وكيل ً للجامع‬
‫الزهر )‪1912–1909‬م(‪ ،‬وأمه بنت الشيخ‪ /‬هارون عبد الرّزاق )توفي سنة‬
‫‪1918‬م( والد المحقق‪ /‬عبد السلم هارون‪ ،‬والشيخ‪ /‬محمود محمد شاكر هو‬
‫شقيق المحدث المام الشيخ أحمد شاكر صاحب الجهود العظيمة في خدمة‬
‫سنة النبوية‪ ،‬ول بأس من الستطراد قليل ً في ترجمة الشيخ‪ /‬أحمد شاكر‬
‫ال ّ‬
‫شقيق المترجم أبي فهر‪(13).‬‬
‫دث الع ّ‬
‫مد شاكر‪:‬‬
‫المح ّ‬
‫لمة الشيخ‪ /‬أحمد مح ّ‬
‫)‪(5 /‬‬
‫كناه والده شمس الئمة أبا الشبال‪ ،‬ولد سنة )‪1892‬م(‪ ،‬ولما عّين والده‬
‫قاضيا للقضاة في السودان سنة)‪1900‬م( رحل بولده معه هناك وألحقه‬
‫بكلية "غوردن" – وهي كلية أسسها النجليز سنة)‪1903‬م( في الخرطوم‪،‬‬
‫وسميت باسم الضابط النجليزي "تشارلز غوردن" الذي يعرف باسم‬
‫"غوردن باشا"‪ ،‬وكان قد ُقتل في السودان لما استولى المهدي السوداني‬
‫على الخرطوم سنة)‪1885‬م( – فبقي أحمد شاكر تلميذا ً بها حتى عاد أبوه‬
‫من السودان‪ ،‬وتولى مشيخة علماء السكندرية سنة)‪ (1904‬فألحق ولده‬
‫أحمد من يومئذ بمعهد السكندرية الذي يتوله‪ ،‬وكان لوالده أكبر الثر في‬
‫تربيته‪ ،‬فقد قرأ له ولخوانه تفسير "البغوي" وتفسير "النسفي"‪ ،‬وقرأ لهم‬
‫صحيح مسلم وسنن "الترمذي" والشمائل له وبعض صحيح البخاري‪ ،‬وقرأ‬
‫سبكي" وشرح "السنوي" على المنهاج‬
‫لهم في أصول الفقه جمع الجوامع "لل ّ‬
‫"للبيضاوي" وقرأ لهم في المنطق شرح "الخبيصي" على القطبّية‪ ،‬وقرأ لهم‬
‫في الفقه الحنفي كتاب الهداية "للمرغيناني"‪ ،‬وحين انتقل والده إلى القاهرة‬
‫سنة ‪1909‬م التحق أحمد شاكر بالزهر‪ ،‬وهناك بدأ الطلب على يد مشايخ‬
‫الزهر وعلماء القاهرة‪ ،‬وفي سنة ‪1917‬م حاز أحمد شاكر على الشهادة‬
‫ن في بعض الوظائف‪ ،‬ثم أصبح قاضيا سنة ‪ 1951‬ثم‬
‫العالمية من الزهر وعُي ّ َ‬
‫رئيسا ً للمحكمة الشرعية العليا وهي آخر وظائفه وقد كانت هذه الفترة هي‬

‫‪40‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فترة التقنين للتشريعات الجاهلية وتسويغها عن طريق أزلمها في الصحافة‬
‫والمنتديات‪ ،‬فكان خلل ذلك كله يكتب المقالت والرسائل التي تهاجم هذه‬
‫الّردة الجديدة‪ ،‬وقد جمعت هذه البحاث في كتابين له هما‪) :‬كلمة حق(‬
‫و)حكم الجاهلية(‪.‬‬
‫سنة عظيما ً حيث بدأ في تحقيق كتبها والعناية بها‪ ،‬فحقق‬
‫وكان اهتمامه بال ّ‬
‫كتاب المام العظيم‪ /‬محمد بن إدريس الشافعي في أصول الفقه المسمى‬
‫بـ"الرسالة" وقدم له مقدمة ضافية‪ ،‬ونشر كتاب )جماع العلم( وهو في‬
‫الصول كذلك‪ ،‬وكتاب )الخراج( ليحيى بن آدم القرشي‪ ،‬وخّرج أحاديثه‪،‬‬
‫واعتنى بشرح "الطحاوية لبن أبي العّز الحنفي"‪ ،‬ونشر مجلدين من سنن‬
‫"الترمذي" والمجلد الول من صحيح "ابن حبان"‪ ،‬والمحلى‪ /‬لبن حزم‬
‫والحكام في أصول الحكام له‪ ،‬وفي سنة ‪1946‬م شرع الشيخ –رحمه الله‪-‬‬
‫في تحقيق مسند المام "أحمد بن حنبل" والذي لم يتم منه إل ثلثه حيث‬
‫وافته المنية قبل النتهاء منه‪ ،‬وشارك أخاه محمودا ً في تحقيق تفسير‬
‫ماه‬
‫"الطبري" الذي لم يتم واختصر تفسير "ابن كثير" بروح نقدية عالية س ّ‬
‫"عمدة التفسير"… والشيخ‪ /‬محمود شاكر يعتبر أن كتاب )الطلق في‬
‫السلم( الذي كتبه أخوه‪ /‬محمد شاكر‪ ،‬هو من أفضل كتبه لما تحلى به من‬
‫روح الجتهاد وقوة الملكة الفقهية‪ ،‬وما زال الشيخ ‪ /‬أحمد شاكر يعتبر إماما ً‬
‫سّنة يوما بعد يوم‪.‬‬
‫في الحديث‪ ،‬وتزداد مرتبة التقدير له من المهتمين بال ّ‬
‫وكان لحمد شاكر –رحمه الله تعالى‪ -‬جهود في نشر كتب اللغة والدب حيث‬
‫نشر كتاب "الشعر والشعراء" لبن قتيبة و "لباب الداب" لسامة بن منقذ‬
‫سكيت و"الصمعيات"‬
‫و"المعّرب" للجواليقي‪ ،‬و"إصلح المنطق" لبن ال ّ‬
‫و"والمفضل ّّيات"‪ ،‬وكان يستعين في تحقيق كتب الدب‬
‫)‪ (13‬ترجمة الشيخ أحمد شاكر والكثير من ترجمة أخيه محمود أخذتا من‬
‫كتاب "محمود شاكر‪-‬الرجل والمنهج" للستاذ عمر حسن القيام‪ ،‬من‬
‫إصدارات دار البشير ومؤسسة الرسالة‪.‬‬
‫بأخيه محمود‪ ،‬وهذه الكتب الخيرة شاركه فيها ابن خاله عبد السلم هارون‪.‬‬
‫وفي يوم السبت ‪14/6/1958‬م أتته منيته ومضى لسبيله –رحمه الله تعالى‪-‬‬
‫وأسبغ عليه رحمته ورضوانه‪.-‬‬
‫وللشيخ شقيق آخر اسمه علي كان قاضيا ً شرعيا‪ً.‬‬
‫عودة إلى الشيخ محمود شاكر‪:‬‬
‫قى أول تعليمه في مدرسة الوالدة‪ /‬أم عباس في‬
‫ولد سنة ‪1909‬م وتل ّ‬
‫القاهرة سنة ‪1916‬م‪ .‬وبعد ثورة ‪ .1919‬انتقل إلى مدرسة القربّية بدرب‬
‫الجماميز‪ ،‬ثم دخل المدرسة الخديوية الثانوية سنة ‪1921‬م‪ ،‬ولنترك محمود‬
‫شاكر يحدثنا عن هذا النظام المدرسي المسمى بـ)الكاديمي( وكيف كانت‬
‫نظرته له وما هي مشاعره عندما انتظم طالبا ً في هذه المدارس‪.‬‬
‫مدارس )دنلوب( وجرائمها في حق النشء تعليما ً وتربية‪:‬‬
‫يقول ‪-‬رحمه الله تعالى‪ :-‬فمنذ بدأت أعقل بعض هذه الدنيا‪ ،‬وأرى سوادها‬
‫وبياضها بعين باصرة شغلتني الكلمة وتعلق قلبي بها‪ ،‬لني أدركت أول ما‬
‫أدركت أن )الكلمة( هي وحدها التي تنقل إلى الشياء التي أراها بعيني وتنقل‬
‫إلي أيضا ً بعض علئقها التي تربط بينها‪ ،‬والتي ل أطيق أن أراها بعيني‪ ..‬ثم‬
‫قذف بي أبي –رحمه الله‪ -‬إلى المدرسة‪(14).‬‬
‫)‪(6 /‬‬

‫‪41‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فل أزال أذكر أول ساعة دخلتها‪ ،‬ول أزال أذكر ذلك الّرعب الذي فض نفسي‬
‫ي منذ ذلك الحين‪،‬‬
‫وهالني‪ ،‬حين صك سمعي ذلك الصوت المبهم البغيض إل ّ‬
‫صوت الجرس!)‪ (15‬صوت مصلصل مؤذي‪ ،‬جاف‪ ،‬أبكم‪ ،‬أعجم ل معنى له‪،‬‬
‫وإذا هو غل يطوقني ويش ّ‬
‫ل إرادتي‪ ،‬رنين منكر سري بالفزع في نفسي‪ ،‬وردد‬
‫الوجيب الوخاز في قلبي‪ ،‬كدت أكره المدرسة من يومئذ من جّراء هذا‬
‫الجرس العجمي الخبيث‪ ...‬هكذا أخذني أول البلء‪ ،‬ثم زاد وربا حين ساقونا‬
‫إلى الفصول كالقطيع صفوفًا‪ ،‬ولكن لم يلبث فزعي أن تبدد بعد أن دخلنا‬
‫الفصل‪ ،‬واستقر بنا الجلوس‪ ،‬ثم بدأ الدرس الول على الّريق‪ ،‬وهو درس‬
‫اللغة النجليزية! ونسيت ك ّ‬
‫ل ما نالني حين سمعت هذه الحروف الغربية‬
‫النطق التي لم آلفها‪ ،‬وفتنتني وغلبني الهتمام بها‪ ،‬وجعلت أسارع في‬
‫ترديدها وحفظها‪ .‬اغتالت هذه الحروف الجديدة وكلماتها ك ّ‬
‫متي‪ ،‬اغتالتها‬
‫له ّ‬
‫ب الجديد الذي لم آلفه قد بّز‬
‫بالفرح المشوب بطيش الطفولة‪ ،‬وكان ح ّ‬
‫حسن النتباه إلى القديم الذي ألفته منذ ولدت‪ ،‬فق ّ‬
‫ل انتباهي إلى لغتي‬
‫العربية‪ ،‬قصر انتباهي إليها‪ ،‬بل لعلي استثقلتها يومئذ وكدت أنفر منها‪ ،‬وكذلك‬
‫صرت في العربية ضعيفا ً جدًا‪ ،‬ل أكاد اجتاز امتحانها إل على عسر‪ ،‬وعلى‬
‫شفى‪ ،‬وهكذا أنفذ َ )دنلوب( اللعين أول سهامه في قلبي من حيث ل أشعر‪،‬‬
‫ودرجت على ذلك أربع سنوات في التعليم البتدائي‪ ،‬ولبلء يطغى علي عاما‬
‫بعد عام‪ ،‬ولكن كان من رحمة الله بي أن أدركتني ثورة مصر في سنة‬
‫‪1919‬م)‪ (16‬وأنا يومئذ في السنة الثالثة‪ ،‬فلما كانت السنة الرابعة سقطت‬
‫في امتحان –الشهادة البتدائية‪ ...-‬وصنع الله حيث سقطت‪ ،‬وأحسن بي إذ‬
‫مل قلبي ملل ً من الدروس المعادة‪ ،‬واتسع الوقت فصرت حرا ً أذهب حيث‬
‫يذهب الكبار إلى الزهر‪ ،‬حيث أسمع خطب الثوار‪ ،‬وأدخل "رواق السنارية"‬
‫وغيره بل حرج‪ ،‬وفي هذا الرواق سمعت أول ما سمعت مطارحة الشعر‪ ،‬وأنا‬
‫ل أدري ما الشعر إل قلي ً‬
‫ل‪ ،‬وكتب الله لي الخير على يد أحد أبناء خالي ممن‬
‫كان يومئذ مشتغل ً بالدب والشعر‪ ،‬فأراد يوما أن يتخذني وسيلة إلى شيء‬
‫يريده من عمته‪ ،‬التي هي أمي –رحمها الله‪ ،-‬فأبيت إل أن يعطيني هذا‬
‫الديوان الذي سمعتهم يقرؤون شعره ويتناشدونه‪ ،‬وقد كان‪،‬‬
‫)‪ (14‬تأمل في كلمة ‪-‬قذف‪ -‬ففيها الكثير من المعاني التي يريد الشيخ أن‬
‫يكشفها للناس‬
‫)‪ (15‬في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم قال‪ :‬ل تصحب الملئكة رفقة فيها كلب ول جرس ‪..‬وفيه كذلك –‬
‫الجرس مزامير الشيطان‪..‬وفي شنن أبي داود‪ :‬ل تدخل الملئكة بيتا فيه‬
‫جرس‪..‬‬
‫• دنلوب‪ :‬المندوب النجليزي المسمى كذبا ب)السامي( على مصر في فترة‬
‫الختلل وكان قسا حاقدا‪.‬‬
‫)‪ (16‬حركة شعبية بدأها مشايخ وعلماء الزهر ضد الحتلل النجليزي‪،‬‬
‫وانضمت لها كل طوائف الشعب وكانت غسلمية المنطلق ولم تحقق نتائجها‬
‫بسبب القيادة الفاسدة التي تولها بعد ذلك سعد زغلول‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫فأعطاني ديوان المتنبي بشرح الشيخ "اليازجي"‪ ،‬وكان مشكول مضبوطا جيد‬
‫الورق‪ ،‬فلم أكد أظفر به حتى جعلته وردي‪ ،‬في ليلي ونهاري‪ ،‬حتى حفظته‬
‫يومئذ‪ ،‬وكأن عينا ً دفينة في أعماق نفسي قد تفجرت من تحت أطباق الجمود‬
‫الجاثم‪ ،‬وطفقت أنغام الشعر العربي تتردد في جوانحي‪ ،‬وكأني لم أجهلها‬
‫قط‪ ،‬وعادت الكلمة العربية إلى مكانها في نفسي‪(17).‬‬
‫وما قاله الشيخ هو تصوير لواقع التعليم في بلدنا المنكوبة بسياسة زنادقة‬
‫‪42‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫همهم نزع مقومات وجودنا‪ ،‬وخصائص هويتنا‪ ،‬حتى ينشأ جيل مبتوٌر عن‬
‫تاريخه ودينه‪ ،‬وإن أقصر الطرق لهذه الجريمة البشعة هو حرف الناس عن‬
‫العربية والتي هي وعاء هذا الوجود وحامية هذه الهوية‪ ،‬وبدونها لن يكون‬
‫إحساس المسلم بدينه ولن يدرك تاريخه كما هو‪ ،‬وهذا هو واقع من اضطلع‬
‫في آداب الغير وانتهج سبل علومهم في البحث والدراسة‪ ،‬رأيناه من أشد‬
‫الناس نقمة على هذا الدين‪ ،‬وإذا بحث فيه فإنه يزوره ويكذب عليه ول يخرج‬
‫منه بالهداية التي هي معقد هذا الدين ولبه وحقيقته‪.‬‬
‫ً‬
‫ثم بين الشيخ أن هذا الحساس بالكلمة العربية لم يزحزح شيئا من الكلمة‬
‫النجليزية التي غرسها "دنلوب" اللعين في غضارة الفتى الل ّّين‪ ،‬ثم ازداد‬
‫إحساسه في الرياضيات كمنافس جديد في نفسه‪ ،‬فآثره محمود شاكر على‬
‫غيره‪ ،‬ولجل ذلك التحق بالقسم العلمي ونال درجة البكالوريا سنة ‪1925‬م‪.‬‬
‫تتلمذ الشيخ على أئمة الدب‪...‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫وفي أثناء ذلك اتصلت أسباب محمود شاكر بأسباب اثنين من كبار العلم‬
‫بالدب هما‪ -:‬سيد بن علي المرصفي‪ ،‬ومصطفى صادق الّرافعي‪ ،‬والمرصفي‬
‫إمام من أئمة العربية في زمانه‪ ،‬وحامل أمانتها‪ ،‬كان من جماعة كبار العلماء‬
‫في الزهر‪ ،‬وتولى تدريس العربية فيه إلى أن نالت منه الشيخوخة‪ ،‬وكسرت‬
‫ساقه فاعتكف بمنزله بالقاهرة يدّرس طلبه الذين كانوا يقصدونه إلى أن‬
‫توفي )سنة ‪1931‬م(‪ .‬وقد انتفع به الكثير من الدباء والنقاد والمفكرين‬
‫كأحمد حسن الّزّيات‪ ،‬وحسن السندوبي‪ ،‬وأحمد محمد شاكر وعلي الجارم‪،‬‬
‫وعبد الرحمن البرقوقي وهو صاحب كتاب" رغبة المل في كتاب الكامل" و‬
‫"أسرار الحماسة"‪ ،‬ففي سنة ‪1922‬م اتصل محمود شاكر بالمرصفي‪،‬‬
‫فحضر دروسه التي كان يلقيها بعد الظهر في جامع السلطان برقوق‪ ،‬ثم قرأ‬
‫عليه في بيته "الكامل" للمبرد و"الحماسة" لبي تمام وشيئا من "المالي"‬
‫لبي علي القالي‪ ،‬وبعض أشعار الهذليين‪.‬‬
‫أما الرافعي )‪1937-18‬م( فهو من هو‪ ،‬وصفه شاكر بقوله‪" - :‬الرافعي"‬
‫وة في الله‪ ،‬ومن‬
‫كاتب حبيب إلى القلب‪ ،‬تتنازعه إليه أسباب كثيرة من أخ ّ‬
‫ب‪ ،‬ومن مذهب متفق في الروح‪ ،‬ومن نية معروفة في الفن‪،‬‬
‫صداقة في الح ّ‬
‫ومن إعجاب قائم بالبيان‪ "..‬وقال عنه في رسالة وجهها إليه أنه‪ :‬ملجأ يعتصم‬
‫به المؤمنون حين تناوشهم ذئاب الزندقة الدبية التي جعلت همها أن تلغ‬
‫ولوغها في "البيان القرآني"‪ ..‬وقد قويت الصلة بينهما جدا ً حتى قال شاكر‬
‫عن "الرافعي" بعد وفاته في مقدمة كتاب "حياة الرافعي" إنه صار‪ :‬ميراثا ً‬
‫نتوارثه‪ ،‬وأدبا ً نتدارسه‪ ،‬وحنانا ً نأوي إليه‪.‬‬
‫وبعد انتهاء البكالوريا التحق شاكر بالجامعة كما تقدم في كلية الداب‪ -‬قسم‬
‫اللغة العربية‪ -‬وهناك كانت البداية في معركته التي عاشها إلى يوم وفاته‪،‬‬
‫معركته ضد أعداء المة‪ ،‬وكانت ساحة هذه المعركة هي ساحة اللغة والثقافة‬
‫والدب‪ ،‬فإنه بعد أن اكتشف أمر أستاذه وسقطت هيبة الجامعة من نفس‬
‫الفتى قرر تركها وراءه غير آسف‪ ،‬قد حاول أساتذة ثنيه‪ ،‬ولكن صلبة الفتى‬
‫أبت إل الفراق‪ ،‬فكان له‪.‬‬
‫)‪ (17‬أباطيل وأسمار لمحمود شاكر ‪.557-2/555‬‬
‫وفي سنة ‪1928‬م شد ّ الرحال إلى الحجاز‪ ،‬وهناك أنشأ مدرسة )جدة( وعمل‬
‫مديرا ً لها ولكن بعد سنتين عاد إلى القاهرة‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وخلل المدة)‪1935-1929‬م( كان شاكر يعيش في شبه عزلة أعاد خللها‬
‫قراءة التراث طلبا ً لليقين في قضايا كثيرة‪ ،‬وكانت قضية الشعر الجاهلي‬
‫تستبد بمعظم اهتمامه فأجاز لنفسه أن يسمي هذه المرحلة من حياته‬
‫بـ)محنة الشعر الجاهلي(‪ ،‬وخلل هذه الفترة كان يكتب بعض المقالت في‬
‫الصحف والمجلت‪ ،‬وقد وصف معاناته في تلك اليام أنها كانت )تطغى‬
‫كالسيل الجارف يهدم السدود ويقوض كل قائم في نفسي وفي فطرتي(‪).‬‬
‫‪(18‬‬
‫تأليف كتاب "المتنبي"‪...‬‬
‫سنة ‪1935‬م انتدبته مجلة )المقتطف( –لصاحبها فؤاد صّروف‪ -‬إلى كتابه‬
‫كلمة عن "المتنبي" في الذكرى اللف لوفاته‪ ،‬فلّبى شاكر الدعوة‪ ،‬وتم‬
‫التفاق على أن تكون الكلمة ما بين عشرين إلى ثلثين صفحة من صفحات‬
‫المقتطف‪ ،‬وقد وصف هذه التجربة في المقدمة الجديدة لكتابه "المتنبي"‬
‫وأفاض فيها‪ ..‬كما ذكر أنه مّزق ما كتب عدة مرات لعدم اقتناعه بما كتب‬
‫حتى استقر على اكتشاف في شخصية المتنبي‪.‬‬
‫وقد استخدم في كتابه هذا ك ّ‬
‫ل أدواته البداعية‪ ،‬ومارس قدرته النقدّية‬
‫والبحثية في دراسة المتنبي بصورة لم يسبق إليها‪ ،‬وهو الفن الذي سماه‬
‫بالتذوق‪ ،‬وانتهى إلى نتائج لم يقل بها أحد قبله منها‪_:‬‬
‫‪ -1‬القول بعلوية المتنبي وهي التي تم اكتشافها بعد ذلك من خلل‬
‫المخطوطات التي ترجمت له‪.‬‬
‫ب المتنبي لـ"خولة" أخت سيف الدولة "الحمداني"‪.‬‬
‫‪ -2‬اكتشافه ح ّ‬
‫وقد عمد شاكر إلى الدخول في النصوص الشعرية ودراستها دراسة تحليلية‬
‫من داخلها للوصول إلى هذه النتائج‪ ،‬وهو المر الذي يخالف منهج الكثيرين‬
‫في اعتماد الخبار فقط لمعرفة نفسية الشخصية وما يحيط بها من ظروف‪.‬‬
‫وهذا المر هو الذي مّيز شاكر في اعتماده للمبدأ العلمي والذي سماه‬
‫)التذوق(‪ ،‬ويعني به فيما يعني الغوص في كلم القائل وتحليله للخروج‬
‫بالنتائج المطلوبة‪.‬‬
‫وبكتابه هذا نشأت معركة جديدة بينه وبين الخرين‪ ،‬خاصة بينه وبين طه‬
‫حسين بعد سنتين من صدوره إذ أخرج هذا الخير كتابا سماه "مع المتنبي"‬
‫واندلعت هذه المعركة في مجلة البلغ تحت عنوان )بيني وبين طه( بّين فيها‬
‫شاكر )عدم بصر( طه حسين بالشعر وبسطوه على بعض ما قاله شاكر في‬
‫ال ّ‬
‫شك حول والد المتنبي سطوا ً فجا ً قبيحًا‪ ..‬وبلغت اثنتي عشرة مقالة حّتى‬
‫جاءه نعي أستاذه وصديقه "مصطفى صادق الرافعي" )‪1937‬م( )فانهدم في‬
‫نفسي ك ّ‬
‫ل ما كان قائمًا‪ ،‬وذهب الدكتور "طه" وكتابه جميعا ً من نفسي تحت‬
‫الهدم فـ‪-:‬‬
‫ليت الحوادث باعتني الذي أخذت *** مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي)‬
‫‪(19‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫في سنة ‪1940‬م شرع الشيخ شاكر في قراءة التراث وشرحه‪ ،‬فنشر كتاب "‬
‫إمتاع السماع بما للرسول –صلى الله عليه وسلم‪ -‬من البناء والموال‬
‫والحفدة والمتاع" للمقريزي‪ ،‬و "المكافأة وحسن العقبى" لحمد بن يوسف‬
‫بن الداية الكاتب‪ ،‬وفي هذه السنة عهد صاحب " الرسالة" أحمد حسن‬
‫الزيات إلى شاكر بتحرير باب " الدب في أسبوع"‪ ،‬فأجاب إلى ذلك وكتب‬

‫‪44‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫طائفة من التعقيبات والتعليقات‪ ..‬وفي هذه الفترة ألف الشعر ومنه قصيدته‬
‫" تحت الليل" التي قال فيها‪-:‬‬
‫)‪ (18‬إقرا ما كان يعاينه في ما خطه مصطفى صادق الرافعي وعلى لسان‬
‫)أبي محمد البصري( في "وحي القلم" في مقالة)النتحار( الرابعة‪ ،‬فإنها هي‬
‫المعاني التي حدثها لشيخه الرافعي عن نفسه‪.‬‬
‫)‪ (19‬مقدمة المتنبي ص ‪.107‬‬
‫م فهل يبقى ال ّ‬
‫شقي المبعثُر؟‬
‫م وحشاشتي *** تهي ُ‬
‫أهيم وقلبي هائ ٌ‬
‫ّ‬
‫ور‬
‫ت في آل ِ‬
‫لئن أبقت المال مني لطالما *** تقلب ُ‬
‫مها أتض ّ‬
‫تنازعني من ك ّ‬
‫ل وجه ساحر *** يمثل لي إقبالها ويصور‬
‫فيهوى لها بعضي‪ ،‬وبعضي موثق *** بأشواقه الخرى إلى حيث تنظر‬
‫ومن شعره كذلك‪:‬‬
‫ذكرتك بين ثنايا السطور *** وأضمرت قلبي بين اللم‬
‫ت أبوح بما قد كتمت *** ولو حّز في نفسي حد ّ اللم‬
‫ولس ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ل أسراُر من قد كتم‬
‫فكم كتم الليل من سرنا *** وفي اللي ِ‬
‫القوس العذراء ‪...‬‬
‫وفي سنة ‪1952‬م نشر الشيخ‪ /‬محمود شاكر قصيدته الرائعة )القوس‬
‫العذراء( وهي قصيدة طويلة تبلغ مائتين وثمانين بيتا ً استلهمها من قصيدة‬
‫الشماخ‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬التي مطلعها‪:‬‬
‫عفا بطن قوّ من سليمى فغالز *** فذات الغضا فالمشرفات النوافز‬
‫والشماخ هو ابن ضرار الغطفاني‪ ،‬شاعر فحل‪ ،‬صحابي‪ ،‬أدرك الجاهلية ثم‬
‫صافًا‪ ،‬أجاد وصف الحمر الوحشية‪ ،‬غزا‬
‫أسلم‪ ،‬كان أعورًا‪ ،‬وعلى عوره كان و ّ‬
‫في فتوح عمر –رضي الله عنه‪ ،‬وشهد القادسية ثم غزا أذر بيجان مع سعيد‬
‫بن العاص‪ ،‬فاستشهد في غزوة موقان سنة أربع وعشرين من الهجرة في‬
‫عهد عثمان –رضي الله عنهما‪.(20)-‬‬
‫واس‬
‫وفي زائّيته التي نسج الشيخ‪ /‬شاكر على منوالها‪ ،‬وصف الشماخ ق ّ‬
‫صة ق ّ‬
‫صنع قوسا فأتقنها حتى كانت رميتها ل تخيب‪ّ ،‬ثم اضطره فقره إلى بيعها‪،‬‬
‫فأخذ الشيخ شاكر هذه القصة ونسج عليها رائعة من روائع الشعر المعاصر‪..‬‬
‫جعلها واسطة بينه وبين صديق له لم تبلو مودته وصداقته‪:‬‬
‫واسها البائس من حيث أتاها‬
‫فدع الشماخ ينبئك عن ق ّ‬
‫ل نماها؟‬
‫غي‬
‫من‬
‫الغيب‬
‫أين كانت في ضمير‬
‫ٍ‬
‫كيف شقت عينه الحجب إليها فاجتباها؟‬
‫ص وقاها؟‬
‫كيف ينغل إليها في حشا عي ٍ‬
‫كيف أنحا نحوها مبراته‪ ،‬حتى اختلها؟‬
‫كيف قرت في يديه واطمأنت لفتاها؟‬
‫كيف يستودعها الشمس عامين تراه ويراها؟‬
‫وفي هذه القصيدة القصصية استودع شاكر نظرته للحياة‪ ،‬وبّين فيها صراع‬
‫العاطفة مع العقل‪ ،‬وكيف يهزم المال الحب؟‪ ،‬وكيف يتحطم المثال على‬
‫صخرة الواقع‪ ..‬وشاكر في هذه القصيدة كأنه يبرر لنفسه ما أصابه من‬
‫اضطراب بين مواقفه الجريئة الواضحة وبين ما كان يقع فيه من أعمال ل‬
‫تستقيم مع رؤاه‪-:‬‬
‫وفاضت دموع كمثل الحميم لذاعة نارها تستهل‬
‫بكاء من الجمر‪ ،‬جمر القلوب‪ ،‬أرسلها لعج من خيل‬
‫وغامت بعينيه واستنزفت دم القلب يهطل فيما هطل‬
‫وخانقة ذبحت صوته وهيض الّلسان لها واعتقل‬
‫‪45‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وأغضى على ذّلة مطرقا عليه من الهم مثل الجبل‬
‫أقام وما أن به من حراك تخاذل أعضاؤه كالشل‬
‫ولكن الشيخ يختم قصيدته بالمل وبوجوب ترك اليأس بعد السقوط على‬
‫خلف ختم الشماخ قصيدته‪:‬‬
‫)‪ (20‬من مقدمة "القوس العذراء" للشيخ شاكر‪.‬‬
‫أفق يا خليلي أفق ل تكن حليف الهموم صريع العلل‬
‫فهذا الزمان وهذي الحياة علمتنيها قديما‪ ..‬دول!!‬
‫أفق ل فقدتك ماذا دهاك؟ تمتع! تمتع بها ل ت َُبل‬
‫م البدل‬
‫بصنع يديك تراني لديك‪ ،‬في قد ّ أختي! ون ِعْ َ‬
‫صدقت! صدقت! وأين ال ّ‬
‫شباب؟ وأين الولوع؟ وأين المل؟‬
‫سّر يديك كأن لم يزل‬
‫ت! ِ‬
‫صدقت! صدقت!! نعم صدق ُ‬
‫حباك به فاطر الّنيرات‪ ،‬وباري الّنبات‪ ،‬ومرسي الجبل‬
‫فقم واستهِ ّ‬
‫ب لرب تعالى وجل‬
‫ل‪ ،‬وسّبح له ! ول ّ‬
‫كانت هذه القصيدة وما زالت صفعة في وجه الراحلين عن ثقافتنا وتراثنا‪،‬‬
‫مصعرين خدودهم باحتقار وازدراء‪ ،‬موجهين هاماتهم نحو اليونان والرومان ل‬
‫يعرفون إل الساطير الوثنية‪ ،‬ول يتمثلون إل الصور ال ّ‬
‫شركية للهتهم النجسة‪،‬‬
‫لقد كانت هذه القصيدة وما زالت محطمة للحواجز الوهمية التي يزعمها أهل‬
‫صغار في عدم فهمهم للتراث وعدم استيعابهم له‪ ،‬فها هو الشيخ‪ /‬شاكر‬
‫ال ّ‬
‫يقتحم أكثر الحصون مناعة في الشعر الجاهلي‪ ،‬شعر الشماخ الذي قيل‬
‫فيه‪) -:‬كان شديد متون الشعر‪ ،‬أشد أسر كلم من لبيد وفيه كزازة(‬
‫واستخرج منه شاكر هذه اللؤلؤة الصافية‪ ،‬يستخدمها ليبث روحه فيها‪،‬‬
‫ويجللها بمضمون فلسفي رائع‪ ،‬يكشف بها عن نفسه وعن آرائه وقدراته‪،‬‬
‫ولذلك وقف النقاد وقفة احترام وتقدير لهذه القصيدة‪ ،‬وكثرت الدراسات‬
‫دارة‪،‬‬
‫حولها‪ ،‬ومن هؤلء النقاد‪ :‬الدكتور إحسان عباس‪ ،‬والدكتور مصطفي ه ّ‬
‫وزكي نجيب محمود)‪ ،(21‬ومحمد محمد أبي موسى‪..‬‬
‫)‪(9 /‬‬
‫يقول الدكتور إحسان عباس عنها‪" - :‬ليست في محاولة البتكار بقدر ما هي‬
‫في العودة إلى التراث‪ ،‬وربط الحاضر بالماضي‪ ،‬وإيداع القوة الرمزية فيما‬
‫يبدو بسيطا ساذجا ً لول وهله‪ .‬وفي ذلك كله نوع من البداع جديد‪ ،‬وبرهان‬
‫ساطع على أن تطلب الرموز في الساطير الغربية عن التراث يدل على‬
‫جهل به‪ ،‬أو على استسهال لستخدام رموز جاهزة أو عليهما معًا‪(22).‬‬
‫وفي سنة ‪1952‬م كذلك‪ ،‬نشر الشيخ‪ /‬محمود شاكر كتاب "طبقات فحول‬
‫الشعراء" وانشغل فيه بتحقيق تفسير المام الطبري "جامع البيان وتأويل‬
‫القرآن"‪ ،‬والذي شاركه فيه أخوه أحمد‪ ،‬فنشر منه ثلثة عشر مجلدًا‪ ،‬ولكن‬
‫بعد وفاة أخيه تقاعس الشيخ محمود عن العمل في هذا التفسير حيث أنه‬
‫خلل ثلثة عشر عاما ً بعد وفاة شقيقه لم ينشر سوى ثلثة مجلدات ثم ترك‬
‫العمل لخلف حصل بينه وبين دار المعارف التي تولت نشر الكتاب‪.‬‬
‫وفي سنة ‪1958‬م كتب شاكر فصل ً في إعجاز القرآن كان مقدمة لكتاب‬
‫مالك بن نبي "الظاهرة القرآنية" ونشر هذا الفصل في كتاب مستقل‬
‫"مداخل إعجاز القرآن"‪.‬‬
‫الشيخ في سجن الهالك المرتد عبد الناصر‪...‬‬
‫ن الشيخ تسعة أشهر مع إخوانه وذلك عندما تعرض‬
‫وفي سنة ‪1959‬م ُ‬
‫س ِ‬
‫ج َ‬
‫‪46‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السلميون للمحنة الولى في صدامهم مع الهالك عبد الناصر‪ ..‬وكان سبب‬
‫سجنه –رحمه الله‪ -‬وقوته ضد ممارسات‬
‫)‪ (21‬زكي نجيب محمود مر في أطوار نظرته للمة وتراثها ‪..‬انظر نظراته‬
‫وتقلباته في كتاب "الفكر الديني عند زكي نجيب محمود" للدكتورة منى‬
‫أحمد أبوزيد‪ ،‬وكتابة نقده للقوس العذراء كان في طوره الول قبل انتقاله‬
‫لتبني الفلسفة المادية الوضعية وتاليفه كتاب "خرافة الميتافيزيقيا"‪..‬‬
‫)‪ (22‬أشار الستاذ عمر حسن القيام في كتابه"محمود شاكر_ الرجل‬
‫والمنهج" إلى عدم العتماد على الشيخ في تقييمه للمور السياسية‪ ،‬ووقوعع‬
‫الضطراب فيها‪ ،‬ومثل على ذلك بنظرة الشيخ إلى حركة العسكر ضد‬
‫فاروق‪ ،‬وهذا حق‪ ،‬ومثله كذلك مدحه لفؤاد صروف صاحب )المقتطف( وهو‬
‫إنجليزي الهوى والميل ‪ ،‬ومجلة المقتطف كانت من أوائل من دعا الى‬
‫العامية على يد يعقوب تقل صروف‪ /‬لبناني الصل منشؤها الول‪ ..‬ثم عمل‬
‫الشيخ مدققا لغويا في دار ومكتبة الهلل‪ ،‬وهي دار كان الشيخ يقر أنها‬
‫مشبوهة‪ ،‬وأصحابها من خصوم هذه المة وأولياء لعدائها‪.‬‬
‫العسكريين الذين استلموا الحكم بعد انقلب ‪1952‬م‪(23).‬‬
‫وفي سنة ‪ 1962‬نشر الجزء الول من "جمهرة نسب قريش" للزبير بن‬
‫ب ّ‬
‫كار‪.‬‬
‫معركة "أباطيل وأسمار" وسجن ال ّ‬
‫شيخ مّرة أخرى‪:‬‬
‫ن مستشارا ً ثقافيا ً لجريدة الهرام–‬
‫في سنة ‪ 1964‬بدأ لويس عوض –الذي عُي ّ َ‬
‫ينشر مقالت تحت عنوان‪) :‬على هامش الغفران‪ -‬شيء من التاريخ( مزج‬
‫في مقالته خبث الطوّية التي كان مبناها على نصرانية الصل‪ ،‬وتربيته في‬
‫ما‬
‫الغرب‪ ،‬مع جهل بتاريخ المة ولغتها‪ ،‬فاشتعلت حمية الشيخ‪ /‬محمود شاكر ل ّ‬
‫رأى‪-:‬‬
‫ض *** فهي تحك بعضها ببعض‬
‫كشيش أفعى أجمعت لع ّ‬
‫وإذا هو أسود سالخ )وهو أقتل ما يكون من الحّيات( يمشي بين اللفاظ‬
‫فيسمع لجلده حفيف‪ ،‬ولنيابه جرش‪ ،‬فما زلت أنحدر مع السطر والصوت‬
‫م ضباج‪ ،‬ثم صفير‪ ،‬ثم نباح )وكلها من أصوات الفاعي(‬
‫يعلو‪ ،‬يخالطه فحيح‪ ،‬ث ّ‬
‫)‪ ..(23‬بهذا قرر الشيخ أن يترك عزلته عن الكتابة‪ ،‬ويمسح عن قلمه الصدأ‬
‫الذي أصابه‪ ،‬ويخرج وقد لبس لمته ليكشف ما يقوم به المزورة لتاريخنا‪،‬‬
‫الداعون إلى تحطيم مقومات هويتنا‪ ،‬فبدأ بنقض ما يقوله لويس عوض‪ ،‬وقام‬
‫بكشف جهله وجهل جماعته بآداب هذه المة‪ ،‬وصال فيهم بثقة اكتسبها من‬
‫إدراكه العميق لهذه الثقافة‪ ،‬ومن ثقته بهذا الدين‪ ،‬وأرجع هجومهم على هذه‬
‫الثقافة على أصولها‪ ،‬وأنها هجوم على دين الله تعالى‪ ،‬فربط بين لويس‬
‫عوض وبين سلمة موسى وبين دوائر الستشراق التي ترّبي أمثالهما على‬
‫عينها‪ ،‬ثم تخرجهم وقد تبوؤا على مراكز القرار‪ ،‬فعاثوا في المة الفساد‪،‬‬
‫وقوضوا أبنيتها الشامخة بألعيبهم وأكاذيبهم‪ ،‬والشيخ وإن اتخذ لويس عوض‬
‫ماها "أباطيل وأسمار" أن يكشف عن جيل‬
‫نموذجا فإنما أراد بمقالته التي س ّ‬
‫ً‬
‫كامل حمل معاول الهدم والتدمير‪ ،‬ورضي لنفسه أن يكون تابعا لدوائر‬
‫التبشير والستشراق‪.‬‬
‫في مقالته "أباطيل وأسمار" صنع الشيخ‪ /‬شاكر ملحمة فكرية رائعة أبان‬
‫فيها عن قضية المنهج الذي أفسده هؤلء فقال‪ -:‬ولفظ )المنهج()‪ (24‬كما‬
‫سيأتي يحتاج مني إلى بعض البانة‪ ،‬وإن كنت ل أريد به الن ما اصطلح عليه‬
‫المتكلمون في مثل هذا الشأن‪ ،‬بل أريد به )ما قبل المنهج( أي الساس في‬
‫تناول المادة‪ ،‬وشطر في معالجة التطبيق‪(25).‬‬
‫‪47‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وة‪.‬‬
‫وتعد كتب الشيخ نموذجا ً لتطبيق هذا المنهج بكل أمانة وق ّ‬
‫والعظيم في المر أن الشيخ جعل ك ّ‬
‫ل ذلك من أجل الدين‪ ،‬وجعلها معركة له‬
‫وتحت رايته‪..‬‬
‫)‪(10 /‬‬
‫قال الشيخ واصفا ً حال هذه الفترة في عرضه لكتابه‪ -:‬وقد بدأت أكتب هذه‬
‫الكلمات بعد عزلة ارتضيتها لنفسي منذ سنين لني خشيت أن ل أقوم بحق‬
‫ي وبحق الناس عليه‪ ،‬فوجئت بأشياء كنت أراها هينة ل خطر لها‪،‬‬
‫القلم عل ّ‬
‫فاستبان لي بعد قليل من مذاكرة أصحابي أن المر أهول مما ظننت‪ ،‬فمن‬
‫ي‪ ،‬ول‬
‫أجل ذلك فارقت عزلتي‪ ،‬وبدأت حريصا ً على أن ل أخون حق القلم عل ّ‬
‫حق الناس عليه‪(26).‬‬
‫ونعم‪ ،‬لم أكن غافل ً عما يجري من حولي بل كنت مصروفا عن متابعة بعض‬
‫الحوادث والنوابت‪ ،‬وعن تعليقها بأسبابها‪ ،‬وعن اتباعها بنتائجها‪ ،‬إذ كنت امرءا ً‬
‫ملو ً‬
‫ي المل ُ‬
‫ل فأطرح شيئا ً كثيرا ً أعلم‬
‫ل‪ ،‬وهو مما قضى الله أن أكونه‪ ،‬يسرع إل ّ‬
‫عن أصحابه من السخف ما أعلم‪ ،‬فل أقرأه ول ألقي إليه‬
‫)‪ (23‬أكثر ما يشدك إلى الشيخ محمود شاكر وكلمه هو وضوحه‪ ،‬وإصراره‬
‫على تسمية الشياء بأسمائها‪ ،‬فل يقبل أعذار المجمجمين‪ ،‬واما قدرته على‬
‫التصوير فهي الغابة التي ل تخطؤها العين‪.‬‬
‫)‪ (24‬شرح الشيخ شاكر موضوع المنهج بالتفصيل في كتابه‪" :‬رسالة في‬
‫الطريق إلى ثقافتنا"‪..‬‬
‫)‪ (25‬أباطيل وأسمار ص ‪24‬‬
‫)‪ (26‬كان الشيخ يقول في اخرايامه‪ :‬إن الذي رأيته في شبابي أفضل مما‬
‫فيه الن‪ ،‬لن المور الثقافية في نزول ل في صعود‪.‬‬
‫بال‪ .‬فمن ذلك ما كان يكتبه "أجاكس عوض"‪ ،‬الذي كان ُيعرف‪ ،‬فيما غََبر‪،‬‬
‫باسم "لويس عوض"‪(27).‬‬
‫ي يوما ما‪ :‬أن أقرأ له شيئا سماه‬
‫كان من سوالف القضية أن كتب الله عل ّ‬
‫"بلوتولند"‪ ،‬وقصائد أخرى)‪ (28‬وكتب تحته "من شعر الخاصة" وأهداه إلى‬
‫بَء‬
‫ح ْ‬
‫"كريستوفر سكيف" وذلك في ‪ 1947‬من الميلد‪ .‬ولما كنت أعلم َ‬
‫"سكيف" هذا‪ ،‬وأنه كان أستاذا ً في كلية الداب بجامعة القاهرة‪ ،‬وأنه كان‬
‫جاسوسا ً محترفا ً في وزارة الستعمار البريطانية‪ ،‬وأنه كان أيضا ً مبشرا ً ثقافيا ً‬
‫شديد الصفاقة سيء الدب‪ ،‬وأنه كان ماكرا ً خبيثا ً خسيس الطباع‪ ،‬وأنه كان‬
‫يفرق بين طلبة القسم النجليزي في الجامعة‪ :‬يمد ّ يدا ً إلى هذا‪ ،‬لنه تابع له‬
‫حاطب في هواه‪ ،‬وينفض يده من ذاك‪ ،‬لنه يعتصم ببعض ما يعتصم به‬
‫المخلصون لدينهم ووطنهم‪ ،‬حمّية وأنفة‪ ،‬واستنكافا ً أن يضع في عنقه غُل ً‬
‫للسيادة البريطانية‪ ،‬وللثقافة التبشيرية المسيحية‪ .‬وكنت أعلم فوق ذلك‪ ،‬أنه‬
‫" شرلتان" عريض الدعوى‪ ،‬ل يستحق أن يكون أستاذا ً في جامعة‪ ،‬ولكن‬
‫سياة بريطانيا كانت يومئذ هي الغالبة‪ ،‬وكانت كلمتها هي النافذة‪ .‬فأصبح سّر‬
‫"أجاكس عوض" مفضوحا ً عندي‪ ،‬بإهدائه "بلوتولند‪ ،‬وقصائد أخرى" إلى هذا‬
‫الجاسوس المحترف‪ ،‬والمبشر الثقافي الصفيق‪ ،‬و"الشرلتان" الذي صار‬
‫أستاذا ً في الجامعة‪" ،‬كريستوفر سكيف"!‪.‬‬
‫لم يمنعني ذلك من القدام على قراءة الكتاب‪ ،‬فإذا أوله هذا العنوان"‬
‫حطموا عمود الشعر"! وتحته مباشرة هذا الكلم‪" :‬لقد مات الشعر العربي‪،‬‬
‫مات عام ‪ ،1933‬مات بموت أحمد شوقي‪ ،‬مات ميتة البد‪ ،‬مات"‪ ..‬فتوقفت‬

‫‪48‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫دهشة‪ ،‬ولم يخامرني شك في أن كاتب هذا داخل فيما يسميه الطباء‪:‬‬
‫"مانياهلو سينارتوريا"‪ ،‬وهو الهذيان والوسوسة واختلط العقل‪ .‬وقلت‪ :‬ط‬
‫ُ‬
‫سّري عن نفسي‬
‫حاله ُلطف"! ومضيت أقرأ هذه المقدمة مشتاقا‪ ،‬لكي أ َ‬
‫وكانت أيامنا يومئذ جالبة للغم‪ .‬وصدق ظني فضحكت ولم أبال بما وجدت‬
‫فيه من بغض شديد للعرب‪ ،‬ومن حقد آكل على دينهم وكتابهم)‪ ،(29‬ومن‬
‫غرور فاجر وسوء أدب‪ .‬ولم اعبأ بالرائحة الخبيثة التي تفوح من تحت‬
‫ت أن أجد ذفرها حين ألقى جماعات المبشرين في‬
‫ألفاظه‪ ،‬فقد كنت ألف ُ‬
‫خفون فيها وحين يستعلنون‪ .‬وقنعت بما سّرى عني‬
‫ثيابهم المختلفة‪ ،‬حين يست ْ‬
‫الهموم من هذيانه ووسوسته واختلطه‪ ،‬وأنزلت أقواله وأحقاده حيث نزل‪ ،‬إذ‬
‫ه له‪(30).‬‬
‫كان يومئذ شيئا ً مغمورا ً ل ُيؤب َ ُ‬
‫وقد كشف شاكر جهل عوض باللغة العربية‪ ،‬وأنه ومن هم على شاكلته ل‬
‫يحسنون قراءة التراث ول يفهمون من ثقافة المة شيئًا‪ ،‬بل كشف سوء‬
‫نواياهم وارتباطهم بالجنبي‪ ،‬وقد اعترف أنه ل يكشف لويس عوض بمقدار‬
‫أن يكشف هجمة عاتية على هذه المة‪ ،‬لتبصر المة حقيقة ما يراد بها من‬
‫هؤلء الكتبة‪ ..‬اقرأ ما يقوله عن لويس عوض‪" :‬إن تكن هذه عجيبة فلويس‬
‫م تركه‪ ،‬وضبطه له إلى أهدافه‬
‫عوض أعجب منها! فقد مله مالئه منذ دهر ث ّ‬
‫مة‪ ،‬ثم الداب العربية خاصة‪،‬‬
‫عا‬
‫بعينها ثم أطلقه فانطلق يجوس خلل الداب‬
‫ّ‬
‫وهو ل يكاد يرى إل ما ركب لجله ‪ :‬ل يكاد يرى إل‬
‫)‪ (27‬سمى الشيخ شاكر "لويس عوض" بأجاكس عوض‪ ،‬لن لويس شبه‬
‫نفسه في أحد مقالته برمز يوناني تتداوله خرافات اليونان اسمه‪ :‬أجاكس بن‬
‫تلمون‪ ،‬اقرأها متمتعا مع رد عليه في المقالة رقم عشرين من "أباطيل‬
‫وأسمار"‪.‬‬
‫)‪ (28‬هي أول ديوان من شعر النثر!! أصدره "لويس عوض" ومع تفاهته فما‬
‫زال بعضهم يعده من أوائل)البداع( للفن الشعري الحديث‪ ..‬انظر ما كتبه‬
‫ناجي علوش في مقدمة "ديوان بدر شاكر السياب" المجلد الول‪.‬‬
‫)‪ (29‬لقد كشف لويس عوض هذا واضحا عندما ترجم لنفسه وليامه‪..‬‬
‫)‪ (30‬أباطيل وأسمار ص ‪.9-8‬‬
‫)‪(11 /‬‬
‫اليونان والّروم‪ ،‬والقرون الوسطى والمثقفين والحضارة الحديثة‪ ،‬والحروب‬
‫الصليبية والصلبان والخلص‪ ،‬والفداء‪ ،‬والخطيئة‪ ،‬وكسر رقبة البلغة‪ ،‬وكسر‬
‫عمود الشعر العربي‪ ،‬واللغة العامية‪ ،‬والفتح النجيلزي لمصر سنة ‪)1882‬‬
‫‪ ،(31‬وما شئت من أمثال ذلك مما ضمّنه كتبه ومقالته قديما ً وحديثًا‪.‬‬
‫جه)!!( ل يكاد يرى ابن خلدون إل مقرونا باورسيوس ول‬
‫فهذا التركيب المو ّ‬
‫المعّري إل مقرونا ً براهب دير الفاروس وبالحروب الصليبية والصلبان التي‬
‫صت بها حلب)!!( ول "وردة الدهان" وهي آيات العذاب يوم القيامة‪ ،‬إل‬
‫غ ّ‬
‫مقرونة بروزا مستيكا )مريم العذراء(‪ ،‬ومعاذ الله‪ ،‬وبّرأها مما في عقله من‬
‫السمادير ول يكاد يرى عمر مكرم وعرابي وجمال عبد الناصر إل مقرونين‬
‫بالمعلم يعقوب رئيس الخونة المظاهرين للفرنسيين الغزاة أيام نابليون ول‬
‫توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وصلح عبد الصبور‪ ،‬إل مقرونين بعقائد‬
‫الخلص والفداء والخطيئة‪ .‬ثم تأتي الطامة الكبرى‪ ،‬فل يكاد يرى القرآن‬
‫جم النجيل إلى اللغات‬
‫العظيم إل مقرونا ً بترجمته إلى اللغة العامية‪ ،‬كما ُتر ِ‬
‫الحديثة وهي عامية اللتينية‪ ،‬وإل مقرنا ً بكسر رقبة البلغة‪ ،‬وكسر عمود‬

‫‪49‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الشعر العربي‪ .‬وهنا وهناك تراه طائشًا‪ ،‬زائغ العينين خفيف العقل سليط‬
‫اللسان‪ ،‬قد استرخت مفاصل عقله‪ ،‬وانحلت تلفيفه‪ .‬هذا‪ ،‬والذي أطلقه‬
‫واقف من بعيد ينظر‪ ،‬وفي عينيه الدهشة ويحك ذقنه بيده‪ ،‬ويفتر ثغرة عن‬
‫ابتسام‪ ،‬إعجابا ً باختراعه المدهش الذي ر ّ‬
‫كبه وأطلقه‪ ،‬ولم يكن يظن ظنا ً أنه‬
‫قادر على أن يتحرك في عمود واحد من إحدى الصحف السرية!! فإذا به‬
‫)يبرطع( في ثمانية أعمدة‪ ،‬في أكبر صحيفة في العالم العربي والسلمي‪،‬‬
‫هي الهرام‪ ،‬وعلى أشرف منصة في معهد الدراسات العليا التابع للجامعة‬
‫العربية ويأتي في خلل "برطعته" )وهي البلتعة بالفصحى( بالعجائب التي ل‬
‫تنقضي س‪ ،‬وقد ارتدى طيلسان أستاذ جامعي‪ ،‬بل حسيب ول رقيب‪ .‬وهذا‬
‫خيلء‬
‫نجاح مدهش ول شك وحق لمالئه أن يميد به الغرور وتستخفه ال ُ‬
‫باختراعه هذا العجيب! فهذه هي الفضيحة التي ل تنكر للختراع المسجل‬
‫)لويس عوض()‪.!(32‬‬
‫ثم كشف الشيخ‪ /‬شاكر في كتابه أصل المسألة الخبيثة وهي الدعوة إلى‬
‫العامية‪ ،‬وأرجعها إلى أصولها التي خرجت منها‪ -‬دوائر التبشير والستشراق")‬
‫‪ ،-(33‬وكشف عن اهتمام هؤلء القوم بالصحافة لهميتها… ونقل عن المبشر‬
‫–رولس كاش‪ -‬قوله‪ -:‬إن الصحافة ل توجه الرأي العام فقط أن تهيئة لقبول‬
‫ما ينشر عليه‪ ،‬بل هي تخلق الرأي العام‪) ..‬يقول الشيخ‪ -:‬فتأمل هذه العبارة‬
‫تأمل ً جيدًا(‪..‬‬
‫وقد استغل المبشرون الصحافة المصرية على الخص للتعبير عن الراء‬
‫المسيحية أكثر مما استطاعوا في أي بلد إسلمي آخر‪ ..‬يقول الشيخ‪ :‬تأمل‬
‫هذا أيضًا‪.‬‬
‫لقد ظهرت مقالت كثيرة في عدد من الصحف المصرية إما مأجورة في أكثر‬
‫الحيان أو بل أجرة في أحيان نادرة‪..‬‬
‫واكتشف الشيخ أمر التعليم وما صار إليه بذكر أقوال دهاقنة الكفر مثل قول‬
‫"زويمر"‪ :‬ينبغي للمبشرين أن ل يغيظوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين‬
‫ضعيفة‪ ،‬إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى‬
‫علوم الوروبيين وتحرير النساء‪(34).‬‬
‫)‪ (31‬سمى لويس عوض الستعمار النجليزي لمصر فتحا‪ ،‬كما سمى دخول‬
‫الصحابة رضي الله عنهم لمصر فتحا!!‬
‫)‪ (32‬أباطيل وأسمار ص ‪.111-110‬‬
‫)‪ (33‬انظر ارتباط الدعوة إلى العامية بنصارى الشروق وكيف هي استجابة‬
‫لدوائر الكفر الغربية في‪-‬التبشير والستعمار‪ -‬للخالدي وفروخ و"الفصحى لغة‬
‫القرآن" لنور الجندي‪.‬‬
‫)‪ (34‬نصوص المبشرين تستيع الطلع عليها في كتاب "الغارة على العالم‬
‫السلمي" الذي نشره الستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى‪.‬‬
‫ومثل قول المبشر "تكلي"‪ :‬يجب أن نشجع إنشاء المدارس وأن نشجع على‬
‫الخص التعليم الغربي‪ ،‬إن كثيرين من المسلمين قد ُزعْزِع َ اعتقادهم حينما‬
‫تعلموا اللغة النجليزية‪ ،‬إن الكتب المدرسية الغربية تجعل العتقاد بكتاب‬
‫شرقي مقدس أمرا ً صعبا ً جدًا‪..‬‬
‫يعلق الشيخ قائ ً‬
‫ل‪ :‬وهذا واضح كل الوضوح في أن أمر التعليم على الصورة‬
‫التي أرادوها والتي أرادها "دنلوب" وأمثاله هي نزع اعتقاد الشباب المسلم‬
‫في كتاب الله الذي أنزله على نبيه – صلى الله لعيه وسلم‪ ،-‬والذي عّبر عنه‬
‫" وليام جيفرد بلغراف" بقوله‪ :‬متى توارى القرآن‪ ،‬ومدينة مكة من بلد‬
‫العرب‪ ،‬يمكننا حينئذ أن نرى العربية يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده‬
‫‪50‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عنها إل محمد وكتابه‪..‬‬
‫)وخسىء المبشر التالف(‪ .‬ثم كشف الشيخ شاكر كيف استأجر هؤلء‬
‫المبشرون جماعة من الكتبة الذين يتسمون بأسماء إسلمية لتمرير‬
‫مخططاتهم وأفكارهم ومناهجهم‪ ،‬ومن هؤلء الدكتور‪ /‬محمد أحمد خلف الله‪.‬‬
‫)‪(35‬‬
‫وبين الشيخ أن النصارى القبط هم من أعان المستعمرين على تمرير‬
‫مى تطبيق الحدود‬
‫مخططاتهم في هذه المة‪ ،‬ورد في كتابه على من س ّ‬
‫وحشية وذلك في مقالته الثامنة عشرة من الكتاب‪.‬‬
‫)‪(12 /‬‬
‫ومن فصول الكتاب الرائع شرحه لكلمة " دين" وذلك في المقالة الرابعة‬
‫والعشرين‪ ،‬وكشف فيها عن خطأ الناس القاصر في فهمهم لهذه الكلمة‪.‬‬
‫ومن مقالت الكتاب القيمة ما كشف فيها الشيخ عن جهل هؤلء الكتبة‬
‫المستأجرين بلغة أساتذتهم وأئمتهم عن الغرب‪ ،‬فإنه في المقالة الخامسة‬
‫والعشرين بين فيها جهل لويس عوض لترجمته مسرحية "أرسطو فان"‬
‫والتي عنوانها الضفادع)‪ (36‬وهي المقالة الخيرة في الكتاب حيث توقفت‬
‫المقالت‪ ،‬فإنه بعدها وفي آب سنة ‪) :1965‬أحاطت بي السوار وأظلمت‬
‫الدنيا‪ ،‬وسمعت ورأيت وفزعت وتقززت… وكان ما كان‪..‬‬
‫وعلمت‪ ،‬حتى ما ُأسائل واحدا ً *** عن علم واحدة لكي ازدادها‬
‫وتسليت عن كل ما ألقي إلي بقول شيخ المعرة ‪..‬‬
‫يسوسون الناس بغير عقل *** فينفذ أمرهم ويقال ساسة‬
‫ف مّني *** ومن زمن رئاسته خساسة(‬
‫ف من الحياة وأ ُ ّ‬
‫فأ ّ‬
‫ذلك أن الشيخ سيق إلى السجن مرة ثانية‪ ،‬فقد تكالب عليه الخصوم‪ ،‬وراحوا‬
‫يتهمونه أنه يدعو إلى فتنة طائفية دينية" ونعمت التهمة"‪ ،‬فاستجابت السلطة‬
‫لهم وتم سجنه وبقي فيه سنتين وشيئا ً حتى كانت جريمة حزيران عام‬
‫‪1967‬م‪.‬‬
‫ً‬
‫وقد شهد له إخوانه أنه كان في السجن مثال للصبر على كبر سّنه ومرضه ن‬
‫ب منه أن يعتذر كما كتب‬
‫وكان كذلك سمح الروح واسع الصدر‪ ،‬وقد ط ُل ِ َ‬
‫ليفرج عنه‪ ،‬فرفض أشد الرفض‪.‬‬
‫الوحدة الموضوعّية للقصيدة في الشعر الجاهلي‪..……………:‬‬
‫وبعد خروج الشيخ من السجن عاد مرة ثانية إلى دراسة ال ّ‬
‫شعر الجاهلي‪،‬‬
‫فكتب مجموعة من المقالت تحت عنوان‪ " -:‬نمط صعب ونمط مخيف"‬
‫وذلك على صفحات مجلة " المجلة" في الفترة)‪ ،(1970-1969‬وفي هذه‬
‫المقالت قام الشيخ‪ /‬شاكر بدراسة قصيدة ابن أخت تأبط شرا ً التي مطلعها‪:‬‬
‫)‪ (35‬رجل سار على منهج طه حسين في التشكيك في القرآن وهو علماني‬
‫النزعة مع فرج فودة في مناظرة المشهودة التي دعا فيها إلى تبني العلمانية‬
‫كاملة من غير نقص‪.‬‬
‫)‪ (36‬وينطق كذلك أرسطوفانس)‪485-445‬ق م( مؤلف إغريقي‪ ،‬كتب ما‬
‫يزيد على أربعين مسرحية‪ ،‬لم يصل منها إل ‪ 11‬مسرحية‪ ،‬والمعلومات حول‬
‫حياته قليلة‪ ،‬أول مسرحياته هي )أصحاب المأدبة( شاهد محاكمة سقراط ثم‬
‫إعدامه‪ ،‬ومسرحية )الضفادع( كتبها بعد الحادثة‪ ،‬وهي مسرحية من نوع‬
‫)الكوميديا( تحكي عن موت )الدراما(الثينية‪ ،‬وكيف عاد بيوروبيدس ليعيد‬
‫للمسرح إعتباره‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إن بالشعب الذي دون سلع لقتيل دمه ما يطل‬
‫ي ووّلى ن فأنا بالعبء له مستقلّ‬
‫قذف العبء عل ّ‬
‫صعٌ عقدته ما ُتحلّ‬
‫ووراء الّثأرِ مّني ابن أخت‪ ،‬م ِ‬
‫مص ّ‬
‫ل‬
‫مطرق يرشح موتًا‪ ،‬كما أطرق أفعى‪ ،‬ينفث ال ّ‬
‫س ّ‬
‫ل حتى دقّ فيه الج ّ‬
‫ل! ج ّ‬
‫خبر ما نابنا مصمئ ّ‬
‫ل‬
‫وسبب دراسته لهذه القصيدة أن )يحيى حقي( أشاد بترجمة )جوته( لهذه‬
‫القصيدة وزعم حقي أن القصيدة الجاهلية تفتقر للوحدة الموضوعّية‪..‬‬
‫قام الشيخ بالكشف عن قائلها لختلف الرواة في تعيينه‪ ،‬ونفى أن تكون‬
‫لتأبط شرا ً أو ال ّ‬
‫قق القول في‬
‫شنفري‪ ،‬وجزم أنها لبن أخب تأبط شّرًا‪ ،‬وح ّ‬
‫زمن إنشادها وأن ابن أخت تأبط شّرا أنشدها بعد أن ثأر لخاله من هذيل‪ ،‬ثم‬
‫رّتب الشيخ القصيدة ترتيبا جديدا‪ ،‬وهي مواصلة له لتأكيد صحة نسبة الشعر‬
‫الجاهلي‪ ،‬وهي المسألة التي بقيت هاجسة إلى آخر أّيامه‪ ،‬فإنه اعتبرها‬
‫قضيته التي أحس بها وهو طالب عند الشيخ المرصفي‪ ،‬ثم عانى منها ما‬
‫عانى بعد أن تفجرت هذه القضية على يد طه حسين‪.‬‬
‫وكان الشيخ شاكر –رحمه الله تعالى‪ -‬يعتبر أن القضّية الولى لعادة العتبار‬
‫للقصيدة الجاهلية وفهمها بكونها تحمل وحدة موضوعية واحدة‪ ،‬هو ترتيب‬
‫القصيدة‪ ،‬فقد ذكر الدكتور‪ /‬ناصر الدين السد أن الشيخ‪ /‬شاكر كان في‬
‫تدريسه للطلب –الصمعيات‪ -‬يبذل جهدا ً كبيرا في إعادة ترتيب القصيدة بعد‬
‫تجميعها من مظاّنها ليفهم الناظر وحدة الموضوع فيها‪.‬‬
‫وفي سنة ‪1970‬م أسهم الشيخ‪ /‬شاكر في نشر الوحشيات‪ -‬وهو الحماسة‬
‫الصغرى لبي تمام الطائي‪ ،‬وفي عام ‪ 1974‬أعاد نشر كتاب ابن سلم‬
‫"طبقات فحول الشعراء"‪ ،‬ثم أعاد نشر كتابه "المتنبي" سنة ‪ 1976‬مع‬
‫مقدمة جديدة‪ ،‬تحدث فيها عن الكتاب وقصته وتحدث فيها عن فساد الحياة‬
‫الدبية‪ ،‬وعرض صور السرقة التي يقتات عليها بعض المؤلفين‪ ،‬وكشف فيها‬
‫عن منهجه في تذوق الشعر تذوقا علميا ً للوصول إلى ما يريده الباحث‪ ،‬سواء‬
‫كان المراد من فهم مكنونات ال ّ‬
‫شاعر الّنفسّية أو معرفة البيئة المحيطة به‪.‬‬
‫وفي سنة ‪ 1975‬ألقى الشيخ‪ /‬محمود شاكر سلسلة من المحاضرات حول‬
‫الشعر الجاهلي في جامعة‪ /‬محمد بن سعود بالرياض‪.‬‬
‫في سنة ‪ 1982‬بدا الشيخ بنشر كتاب "تهذيب الثار" للمام أبي جعفر‬
‫الطبري‪.‬‬
‫م إليه "الرسالة الشافعية‬
‫وفي سنة ‪ 1984‬نشر شاكر "دلئل العجاز" وض ّ‬
‫في العجاز" لعبد القاهر الجرجاني‪.‬‬
‫رسالة الشيخ‪ /‬شاكر إلى أمة السلم وكتابه "رسالة في الطريق إلى‬
‫ثقافتنا"‪،‬‬
‫)‪(13 /‬‬
‫في سنة ‪ 1987‬كتب الشيخ شاكر كتابه رسالة في الطريق الى ثقافتنا وهذا‬
‫ي بالفوائد والمعلومات‪ ،‬وجعلها في طبعة "المتنبي"‬
‫الكتاب على صغره غن ّ‬
‫الجديدة مقدمة لكتابه‪ ،‬شرح فيها باسطا مسألة تذوق الشعر ومنهجه فيه‪،‬‬
‫وبين فيه مزية )الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة‪ ،‬فإنا نجد‬
‫أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من النظم والمعرفة‪ ،‬أعيا من‬
‫بعدهم أن يطلبوا مثله‪ ،‬أو يجيئوا بشبيه له‪ ،‬فجعلوا ل يزيدون على أن يحفظا‬
‫تكل الفصول على وجوهها‪ (37).‬فقد أراد أن يبين عظمة الوائل وقيمتهم في‬

‫‪52‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أبواب العلم‪ ،‬وفي ذلك رد ّ على من زعم أن أساليب النقد وعلومه‪ ،‬ومناهج‬
‫التذوق ل بصر للوائل بها‪ ،‬وهذا الذي دعا الدكتور‪ /‬محمد محمد أبا موسى أن‬
‫يكتب كتابه القيم "العجاز البلغي"درلسة تحليلّية لتراث أهل العلم"‬
‫ويقول ‪ -:‬إنهم لم يتكلوا في‬
‫)‪ (37‬من كتاب عبد القاهر الجرجاني "الرسالة الشافية"‬
‫العجاز لن برهانه كان قائما في نفوسهم ومضى المر على ذلك حتى تبدلت‬
‫أحوال العرب‪ ،‬ولنت جلودهم)‪ ،(38‬ونجم في مجتمع المسلمين أهل‬
‫التشكيك وجاهروا بالزيغ‪ ،‬وكثر القول في القرآن وإعجازه‪ ،‬واندست مقالة‬
‫أهل الضللة‪(39).‬‬
‫وأشار الدكتور محمد محمد أبو موسى إلى أن الكثير من أهل التحقيق‬
‫يوهمون الناشئة أن كلم‪ /‬شاكر‪ -‬في اعتبار أن مناهج التذوق والنقد لداب‬
‫العربية خاصة لهذه البيئة ول عبرة بما يقوله الجانب في هذا الباب‪ -‬في هذا‬
‫الباب يمثل موقفه المتشدد‪ (40).‬وعلى القارىء الرجوح إلى شرح الشيخ‪/‬‬
‫شاكر لكلمة سيبويه في أول الكتاب‪ - :‬وأما الغقل فأمثلة أخذت من لفظ‬
‫أخذت من لفظ أحداث السماء‪ ،‬وبنيت لما مضى‪ ،‬وما يكون ولم يقع‪ ،‬وما هو‬
‫كائن ل ينقطع‪ ..‬وشرحه كذلك لكلم الجرجاني في أن ما قاله سيبويه لم‬
‫يمكن لحد بعده أن يلحق شأوه‪ ،‬أو أن يتقدم عليه‪.‬‬
‫)المنهج( عند الشيخ شاكر‪………:‬‬
‫شرح الشيخ في الرسالة بعض ما يعنيه بالمنهج قائل‪-:‬‬
‫ب في نفسي‪ ،‬كان منهجا يحمل بطبيعته نشأته‬
‫كان منهجي‪ ،‬كما نشأ واستت ّ‬
‫رفضا صريحا واضحا قاطعا غير متلجلج‪ ،‬لكثر المناهج الدبية التي كانت‬
‫فاشية وغالة وصار لها السيادة على ساحة الدب الخالص إلى يومنا هذا‪ ،‬كما‬
‫دثتك آنفا‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫فلكي تكون على بينة مرة أخرى‪..‬‬
‫فاعلم‪ ،‬قبل كل شيء‪ ،‬أن تسميتها "مناهج" تجاوز شديد البعد عن الحقيقة‬
‫وفساد غليظ وخلط‪ ،‬إذا كنت تريد أن تكون على ثقة من معنى هذه اللفاظ‬
‫التي تجري الن بيننا‪ ،‬ولكن قد كان ما كان‪ ،‬فهكذا اصطلحوا على تسميتها!‬
‫وقديما ً تناولت لفظ "المنهج" وحاولت البيان عنه فقلت‪:‬‬
‫"ولفظ المنهج" يحتاج مني هنا إلى بعض البانة‪ ،‬وإن كنت ل أريد به الن ما‬
‫اصحلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشان‪ ،‬بل أريد به "ما قبل المنهج" أي‬
‫الساس الذي ل يقوم "المنهج" إل عليه‪.‬‬
‫مى"منهجا" ينفسم إلى شطرين‪ :‬شطر في تناول المادة‬
‫"فهذا الذي يس ّ‬
‫وشطر في معالجة التطبيق‪.‬‬
‫"فشطر المادة يتطّلب قبل كل شيء جمعها من مظانها على وجه الستيعاب‬
‫المتيسر‪ ،‬ثم تصنيف هذا المجموع‪ ،‬ثم تمحيص مفرداته تمحيصا دقيقا‪ ،‬وذلك‬
‫بتحليل أجزائها بدقة متناهية‪ ،‬وبمهارة وحذق وحذر‪ ،‬حتى يتيسر للدارس أن‬
‫يرى ما هو زيف جليا واضحا‪ ،‬وما هو صحيح مستبينا ظاهرا‪ ،‬بل غفلة‪ ،‬وبل‬
‫هوى‪ ،‬وبل تسرع"‪.‬‬
‫دها‪،‬‬
‫"وأما شطر التطبيق‪ ،‬فيقتضي ترتيب المادة بعد نفي زيفها وتمحيص جي ّ‬
‫باستيعاب أيضا ً لك ّ‬
‫ل احتمال للخطأ أو الهوى أو التسرع‪ .‬ثم على الدارس أن‬
‫يتحرى لك ّ‬
‫ل حقيقة من الحقائق موضعا هو حقّ موضعها‪ ،‬لن أخفى إساءة‬
‫في وضع إحدى الحقائق في غير موضعها‪ ،‬خليق أن يشوه عمود الصورة‬
‫تشويها بالغ القبح والشناعة"‪.‬‬
‫وأزيدك الن أن "شطر التطبيق" هو الميدان الفسيح الذي تصطرع فيه‬
‫‪53‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العقول وتتناصى الحجج‪) ،‬أي تأخذ الحجة بناصية الحجة كفعل المتصارعين(‪،‬‬
‫والذي تسمع فيه صليل اللسنة جهرة أو خفية‪ ،‬وفي حومته تتصادم الفكار‬
‫بالرفق مرة وبالعنف أخرى‪ ،‬وتختلف فيه النظار اختلفا ساطعا تارة أخرى‪،‬‬
‫وتفترق فيه الدروب والطرق أو تتشابك أو تلتقي‪ .‬هذه طبيعة هذا الميدان‪،‬‬
‫)‪ (38‬قال البصريون يفتخرون على الكوفيين بأصالة علومهم‪ :‬نحن نأخذ‬
‫باللغة عن حرشة الضباب‪ ،‬وأكلة اليرابيع‪ ،‬وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز‬
‫وباعة الكواميخ‪.‬‬
‫)‪" (39‬العجاز البلغي" ص ‪.20‬‬
‫)‪ (40‬السابق ص ‪.8‬‬
‫وطبيعة الّنازلّية من العلماء والدباء والمفكرين‪ .‬وعندئذ يمكن أن ينشأ ما‬
‫يسمى "المناهج والمذاهب"‪(41).‬‬
‫ً‬
‫وبّين أصالة المنهج وأنه ليس بالمر المبتدع قائل‪-:‬‬
‫)‪(14 /‬‬
‫تبين لي يومئذ تبّينا واضحا ً أن شطري المنهج‪" :‬المادة والتطبيق" كما‬
‫وصفتهما لك في أول هذه الفقرة‪ ،‬مكتملتان اكتمال مذهل يحير العقل‪ ،‬منذ‬
‫أولّية هذه المة العربية المسلمة خاحبة اللسان العربي‪ ،‬ثم يزدادان اتساعا‬
‫ن‪،‬‬
‫واكتمال ً وتنوعا ً على مر السنين وتعاقب العلماء والكتاب في كل علم وف ّ‬
‫وأقول لك غير متردد أن الذي كان عندهم من ذلك‪ ،‬لم يكن قط عند أمة‬
‫سابقة من المم‪ ،‬حتى اليونان‪ ،‬وأكاد أقول لك غير متردد أيضا أنهم بلغوا في‬
‫ذلك مبلغا لم تدرك ذروته الثقافة الوروبية الحاضرة اليوم‪ ،‬وهي في قمة‬
‫مجدها وازدهارها وسطوتها على العلم والمعرفة‪.‬‬
‫ُ‬
‫ف "شطري المنهج"‪ ،‬كما وصفتهما‪ ،‬تلوح بوادره الَول منذ عهد‬
‫كنت أستش ّ‬
‫َ‬
‫فظت عنهم الفتوى‬
‫ح ِ‬
‫علماء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ومن ُ‬
‫كعمر بن الخطاب‪ ،‬وعلي بن أبي طالب‪ ،‬وعبد الله بن مسعود‪ ،‬وعبد الله بن‬
‫دالة‪ .‬ثم زادت‬
‫عباس‪ ،‬وعبد الله بن عمر كانت كاللمحة الخاطفة والشارة ال ّ‬
‫وضوحا ً عند علماء التابعين كالحسن البصري وسعيد بن المسّيب‪ ،‬وابن‬
‫ي‪ ،‬وإبراهيم الّنخعي‪ .‬ثم اتسع‬
‫شهاب الزهري‪ ،‬والشعبي‪ ،‬وقتادة ال ّ‬
‫سدوس ّ‬
‫المر واستعلن عند جلة الفقهاء والمحدثين من بعدهم‪ ،‬كمالك بن أنس‪ ،‬وأبي‬
‫حنيفة وخاصبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني‪ ،‬والشافعي والليث‬
‫بن سعد‪ ،‬وسفيان الثوري‪ ،‬والوزاعي‪ ،‬وأحمد بن حنبل‪ ،‬ويحيى بن معين‪،‬‬
‫والبخاري ومسلم‪ ،‬وأبي عمرو بن العلء‪ ،‬والخليل بن أحمد‪ ،‬وأبي جعفر‬
‫ال ّ‬
‫طبري‪ ،‬وأبي جعفر الطحاوي‪ .‬ثم استقر تدوين الكتب فصار نهجا مستقيما‪،‬‬
‫وكالشمس المشرقة‪ ،‬نورا ً مستفيضا ً عند الكاتبين جميعا‪ ،‬منذ سيبويه‪،‬‬
‫والفراء‪ ،‬وابن سلم الجمحي‪ ،‬والجاحظ‪ ،‬وأبي العباس المبرد ن وابن قتيبة‪،‬‬
‫وأبي الحسن الشعري‪ ،‬والقاضي عبد الجبار المعتزلي‪ ،‬والمدي‪ ،‬وعبد القاهر‬
‫الجرجاني‪ ،‬وابن حزم‪ ،‬وابن عبد البر‪ ،‬وابن رشد الفقيه وحفيده ابن رشد‬
‫الفقيه الفيلسوف‪ ،‬وابن سينا‪ ،‬والبيروني‪ ،‬وابن تيمية وتلميذه ابن قّيم‬
‫الجوزية‪ ،‬وآلف مؤّلفة ل تحصى حتى تنتهي إلى السيوطي‪ ،‬والشوكاني‪،‬‬
‫والزبيدي‪ ،‬وعبد القادر البغدادي في القرن الحادي عشر الهجري‪.‬‬
‫سّنة متبعة ودرب مطروق في ثقافة متكاملة متماسكة راسخة الجذور‪ ،‬ظلت‬
‫ُ‬
‫تنمو وتتسع وتستولي على كل معرفة متاحة أو مستخرجة بسلطان لسانها‬
‫العربي‪ ،‬لم تفقد قط سيطرتها على الّنهج المستبين‪ ،‬مع اختلف العقول‬

‫‪54‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن‪،‬‬
‫والفكار والمناهج والمذاهب‪ ،‬حتى اكتملت اكتمال مذهل ً في كل علم وف ّ‬
‫وكان المرجو والمعقول أن يستمر نموها واكتمالها وازدهارها في حياتنا‬
‫الدبية العربية الحديثة راهنا‪) ،‬ثابتا(‪ ،‬إلى هذا اليوم‪ ،‬لول… ولكن صرنا‪،‬‬
‫ي الشاعر‪" :‬كان شيئا كان‪ ،‬ثم انقضى"‪).‬‬
‫واحسرتاه‪ ،‬إلى أن نقول مع العرج ّ‬
‫‪(42‬‬
‫ارتباط الثقافة بالدين…‬
‫وربط بين الثقافة والدين ربطا وثيقا‪ ،‬حيث اعتبر ثقافة كل أمة متصلة بدينها‪،‬‬
‫وأن تخلي المة عن ثقافتها هو جزء من التخلي عن دينها ن ولذلك فليس‬
‫هناك ثمة أمة تغلب أخرى إل وتنشط إلى تسويق ثقافتها عند المة المغلوبة‪،‬‬
‫وهذا ما يحاول جمع من المثقفين المضبوعين بالخر أن‬
‫)‪ (41‬ص ‪21‬و ‪.22‬‬
‫)‪ (42‬ص ‪24‬و ‪ ،25‬وفي الهامش كتب الشيخ في تعريف كلمة العرجي‬
‫الشاعر‪ :‬من بيتين تترقرق فيهما عبرات السى كله وحسرات العمر يقول‪:‬‬
‫ياليت شعري‪ ،‬هل يعودن لي *** ذا الود من ليلى كما قد مضى؟‬
‫إذا قلبها فارق كله *** أم كان شيئا كان‪ ،‬ثم انقضى‬
‫يغالطوه‪ ،‬حيث يزعمون وجود ثقافة عالمّية‪ ،‬ل تختص بأمة ول دين من‬
‫الديان‪.‬‬
‫جذور الفساد الدبي……‬
‫ثم صار الشيخ إلى جذور الفساد الدبي في حياة أمتنا اليوم‪ ،‬وهو فصل مهم‬
‫جدير بالعناية والطلع ودراسته دراسة واعية مستوعبة‪ ،‬حيث ربط الشيخ‬
‫بين الحروب الصليبية ونشاط الرهبان‪ ،‬واستطرد في بيان المعركة بين‬
‫المتين المسلمة والنصرانية‪ ،‬حتى ربط بين الحروب القديمة وحركة‬
‫الستشراق والتي أقبلت مع هجمة الستعمار‪ ،‬وأعاد التنبيه إلى كتابه "أباطيل‬
‫وأسمار" حيث جعله فاضحا ً لهذه السموم التي قبعت في داخل أمتنا تعمل‬
‫فيها فتكا وتدميرًا‪ ،‬يقول الشيخ –رحمه الله تعالى‪ -‬واصفا ً تلك الهجمات‪-:‬‬
‫)‪(15 /‬‬
‫"ومع هذه الساطيل الفاجرة‪ ،‬خرجت من مكامنها أعداد وافرة من رجال‬
‫يجيدون اللسان العربي وألسنة دار السلم الخر‪ ،‬ومنهم رهبان وغير رهبان‪،‬‬
‫وركبوا البّر والبحر‪ ،‬وزحفوا زرافات ووحدانا ً في قلب دار السلم‪ :‬على ديار‬
‫الخلفة في تركية‪ ،‬وعلى الشام‪ ،‬وعلى مصر‪ ،‬وعلى جوف إفريقية وممالكها‬
‫المسلمة = وخرجوا في القلوب حمّية الحقد المكتم‪ ،‬وفي النفوس العزيمة‬
‫المصممة‪ ،‬وفي العيون اليقظة‪ ،‬وفي العقول التنبه والذكاء‪ ،‬وعلى الوجوه‬
‫البشر والطلقة والبرءاة وفي اللسنة الحلوة والخلبة والمماذقة‪ ،‬ولبسوا‬
‫ي‪ :‬زي السائح‪ ،‬وزيّ الصديق الناصح‪ ،‬وزي العابد‬
‫لجمهرة المسلمين كل ز ّ‬
‫المسلم المتبل= وتوغلوا يستخرجون كل مخبوء كان عنهم من أحوال دار‬
‫السلم‪ ،‬أحوال عامته وخاصته‪ ،‬وعلمائه وجّهاله‪ .‬وحلمائه وسفهائه‪ ،‬وملوكه‬
‫وسوقته‪ ،‬وجيوشه ورعيته‪ ،‬وعبادته ولهوه‪ ،‬وقوته وضعفه‪ ،‬وذكائه وغفلته‪،‬‬
‫ن‪ ،‬فلم يتركوا شيئا ً إل خبروه‬
‫حتى تد ّ‬
‫سسوا إلى أخبار النساء في خدوره ّ‬
‫وعجموه‪ ،‬وفتشوه وسبروه‪ ،‬وذاقوه واستشفوه ‪ .‬ومن هؤلء‪ ،‬ومن خبرتهم‬
‫وتجربتهم‪ ،‬خرجت أهم طبقة تمخضت عنها اليقظة الوروبية "طبقة‬
‫المستشرقين" الكبار‪ ،‬وعلى علمهم وخبرتهم وتجاربهم‪ ،‬رست دعائم‬
‫"الستعمار" ورسخت قواعد التبشير"‪(43).‬‬

‫‪55‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الستشراق…‬
‫ثم كشف عن طريقة الستشراق في دراسة أمتنا‪ ،‬ودراسة ثقافتها ودينها‬
‫وذلك عن طريق الهتمام بالمخطوطات التي سارع المستشرقون إلى‬
‫اقتنائها عن طريق ال ّ‬
‫شراء أو الّنهب‪ ،‬ثم عن طريق الرحلت الستكشافية‬
‫التي جابت الماكن بل ك ّ‬
‫ل ول ملل‪ ،‬ووصلوا إلى المجاهيل وأعماق الصحراء‬
‫والقرى البعيدة النائية‪ ،‬وذلك كله من أجل الحاطة بهذه المة والطلع على‬
‫كل شيء فيها ليسهل التعامل معها وأدراك مكامن قوتها حتى وصلوا إلى‬
‫خبرة )بكل ما في دار السلم قديمًا‪ ،‬وما هو كائن فيها حديثا(‪(44).‬‬
‫وكان من تنبيهاته المهمة أن ما كتبه المستشرقون ل يمكن أن يكون قاعدة‬
‫لهل هذا الدين ول لقوم هذه المة لن كتب )الستشراق( ومقالته ودراسته‬
‫كلها مكتوبة أصل للمثقف الوروبي وحده ل لغيره‪ ،‬وأنها كتبت له لهدف‬
‫معين‪ ،‬في زمان معين‪ ،‬وبأسلوب معين‪ ،‬ل يراد به الوصول إلى الحقيقة‬
‫المجردة‪ ،‬بل الوصول الموفق إلى حماية عقل هذا الوروبي المثقف من أن‬
‫يتحرك في جهة مخالفة للجهة التي يستقبلها زخف المسيحية الشمالية على‬
‫دار السلم في الجنوب‪(45).‬‬
‫ثم قام الشيخ –رحمه الله‪ -‬ببيان أنه ل يمكن للمستشرق أن يستوعب ثقافة‬
‫هذه المة‪ ،‬ول أن يقوم بتحليلها كما هي في نفسها‪ ..‬يقول‪ -:‬غاية ما يمكن أن‬
‫يحوزه )مستشرق( في عشرين أو ثلثين سنة‪ ،‬وهو مقيم بين أهل لسانه‬
‫الذي يقرع سمعه بالليل والنهار‪ ،‬أن يكون عارفا ً معرفة ما بهذه‬
‫)‪ (43‬ص ‪ 53‬من الرسالة‪.‬‬
‫)‪ (44‬ص ‪ 57‬من الرسالة‪.‬‬
‫)‪(45‬ص ‪ 61‬من الرسالة‬
‫)اللغة()‪ (46‬وأحسن أحواله عندئذ أن يكون في منزله طالب عربي في‬
‫الرابعة عشرة من عمره‪ ،‬بل هو أقل منه على الرجح‪(47)..‬‬
‫ً‬
‫أما إمكانية إحاطة المستشرق لمر الثقافة فهذا أمر عسير جدا‪ ،‬وهو أبعد‬
‫من قضية أحاطته للغة ‪ ..‬يقول الشيخ –رحمه الله تعالى‪" :-‬وإذا كان أمر"‬
‫اللغة "شديدا ً ل يسمح بدخول" المستشرق" تحت هذا الشرط اللزم للقلة‬
‫التي تنزل ميدان "المنهج" و "ما قبل المنهج"‪ ،‬فإن شرط "الثقافة" أشد‬
‫وأعتى‪ ،‬لن "الثقافة"‪ ،‬كما قلت آنفا‪" :‬سّر من السرار الملّثمة في كل أمة‬
‫من المم وفي كل جيل من البشر‪ ،‬وهي في أصلها الراسخ البعيد الغور‪،‬‬
‫معارف كثيرة ل تحصى‪ ،‬متنوعة أبلغ التنوع ل يكاد يحاط بها‪ ،‬مطلوبة في كل‬
‫مجتمع إنساني‪ ،‬لليمان بها أول ً من طريق العقل والقلب = ثم للعمل بها‬
‫حتى تذوب في بنيان النسان وتجري منه مجرى الدم ل يكاد يحس به – ثم‬
‫النتماء إليها بعقله وقلبه انتماًء يحفظه من التفكك والنهيار" … وهذه القيود‬
‫الثلثة "اليمان" و "العمل" و "النتماء")‪ ،(48‬هي أعمدة "الثقافة" وأركانها‬
‫التي ل يكون لها وجود ظاهر محقق إل بها‪ ،‬وإل انتقض بنيان "الثقافة"‪،‬‬
‫وصارت مجرد معلومات ومعارف وأقوال مطروحة في الطريق‪ ،‬متفككة ل‬
‫يجمع بينها جامع‪ ،‬ول يقوم لها تماسك ول ترابط ول تشابك‪.‬‬
‫وبديهي‪ ،‬بل هو فوق البديهي‪ ،‬أن شرط "الثقافة" بقيوده الثلثة‪ ،‬ممتنع على‬
‫"المستشرق" كل المتناع‪ ،‬بل هو أدخل في باب الستحالة من اجتماع الماء‬
‫والنار في إناء واحد‪ ،‬كما يقول أبو الحسن الّتهامي الشاعر‪:‬‬
‫ب في الماء جذوة ناِر‬
‫ومكل ّ ُ‬
‫ف اليام ضد ّ طباعها *** متطل ّ ٌ‬
‫)‪(16 /‬‬

‫‪56‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وذلك أن "الثقافة‪ :‬و"اللغة" متداخلتان تداخل ل انفكاك له‪ ،‬ويترادفان‬
‫ويتلحقان بأسلوب خفي غامض كثير المداخل والمخارج والمسارب‪،‬‬
‫ويمتزجان امتزاجا ً واحدا ً غير قابل للفصل‪ ،‬في ك ّ‬
‫ل جيل من البشر وفي كله‬
‫أمة من المم‪ .‬ويبدأ هذا التداخل والترافد والتلقح والتمازج منذ ساعة يولد‬
‫مه تلمسًا‪ ،‬ويسمع رجع صوتها وهي تهدهده‬
‫الوليد صارخا ً يلتمس ثدي أ ّ‬
‫وتناغيه‪ ،‬ثم يظل يرتضع لبان "اللغة" الول‪ ،‬ولبان "الثقافة" الول‪ ،‬شيئا ً‬
‫فشيئا‪ ،‬عن أمه وأبيه حتى يعقل‪ ،‬فإذا عقل تولء معهما المعلمون والمؤدبون‬
‫حتى يستحصد)أي يشتد عوده(‪ ،‬فإذا استحصد وصار مطيقا ً إطاقة ما للبصر‬
‫بمواضع الصواب والخطأ‪ ،‬قادرا ً قدرة ما على فحص الدلة واستنباطها فناظر‬
‫وباحث وجادل‪ ،‬فعندئذ يكون قد وضع قدمه على أول الطريق = ل طريق‬
‫"المنهج" و "ما قبل المنهج"‪ ،‬فهذا يعيد جدا ً كما رأيت= بل على الطريق‬
‫المفضي إلى أن تكون له "ثقافة" يؤمن بها عن طريق العقل والقلب‬
‫=ويعمل بها حتى تذوب في بنيانه وتجري منه مجرى الدم ل يحسه به=‬
‫وينتمي إليها بعقله وقلبه وخياله انتماًء يحفظه ويحفظها من التفكك والنهيار‪.‬‬
‫)‪(49‬‬
‫مفهوم الثقافة…‬
‫ثم بين الشيخ ما يكتنف لفظ الثقافة من تزوير وغموض‪ ،‬وبدا يعرف قارئه ما‬
‫يقصد بلفظ الثقافة وأنها تقوم على شيئين‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬أصول ثابتة مكتسبة تنغرس في نفس النسان منذ مولده حتى‬
‫مى هذا‬
‫يشارف حد الدراك‪ ،‬وهو ما يتلقاه من أبويه وأهله وعشيرته‪ ،‬وس ّ‬
‫الطور بأساس التسخير…‬
‫)‪ (46‬يقول هردر)‪ :(1803-1742‬إن لغة الباء والجداد مخزن لكل ما‬
‫للشعب من ذخائر الفكر والتقليد‪ ،‬والتاريخ والفلسفة والدين‪ ..‬وفيها ينبض‬
‫قلب الشعب‪ ،‬ويتحرك كل روحه‪.‬‬
‫)‪ (47‬ص ‪ 67‬من الرسالة‪.‬‬
‫)‪ (48‬بدأ بعض المفكرين يدركون إنهيار الدارة )العمل( عند اقرانهم‬
‫والدارسين‪ ،‬ودعوا الى تجديد الدارة والهتمام بها‪ ..‬انظر كتاب د‪.‬فهمي‬
‫جدعان والذي عنوانه "الطريق الى المستقبل" فصل "نقد الفعل" وما نبه‬
‫عليه الشيخ من ارتباط الثقافة بالعملن وهو يحاول الكثير الزوار عنه والتنكر‬
‫له‪.‬‬
‫)‪ (49‬ص ‪ 70-69‬من الرسالة‪.‬‬
‫وثانيهما‪ -:‬فروع منبثقة عن الطور الول‪ ،‬وهو طور النظر والمباحثة‬
‫وممارسته التفكير والتنقيب والفحص‪ ،‬فعندئذ تتكون النواة الجديدة‪) .‬ويبدأ‬
‫العقل عمله المتسبب في الستقلل بنفسه‪ ،‬ويستبد بتقليب النظر والمباحثة‬
‫وممارسة التفكير والتنقيب والفحص وهذه تسمى "ثقافة"‬
‫نفي خديعة الثقافة العالمية…‬
‫ثم يشرع في بيان ارتباط الثقافة واللغة بالدين‪ ،‬وينفي وجود ثقافة )عالمية(‪،‬‬
‫أي ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعا‪ ،‬ويقول‪ :‬إن هذا )تدليس كبير‪،‬‬
‫وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والمم‪ ،‬هدف آخر يتعلق بفرض‬
‫سيطرة أمة غالبة على أمة مغلوبة لتبقى تبعا لها… فالثقافات المتباينة‬
‫تتحاور وتتناظر وتتناقش‪ ،‬ولكن ل تتداخل تداخل ً يفضي إلى المتزاج البتة‪ ،‬ول‬
‫يأخذ بعضها على بعض شيئًا‪ ،‬إل بعد عرضه على أسلوبها في التفكير والنظر‬
‫والستدلل)‪ ..(50‬ويفضي بعد هذا إلى وجوب استبعاد عمل المستشرقين‬
‫وإقصائه في دراستهم لمتنا وتاريخها وثقافتها‪.‬‬
‫‪57‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫رواد النهضة كما يراهم شاكر‪………:‬‬
‫والشيخ شاكر يرى أن المة كان بإمكانها أن )تنهض( وأن تدخل طورا ً تجديديا ً‬
‫في تاريخها المعاصر‪ ،‬ولكن كان ما كان… ويعلق أن النهضة كان يمكن لها‬
‫أن تكون على يد خمسة رجال هم‪-:‬‬
‫‪ -1‬عبد القادر بن عمر البغدادي)‪1682‬م( صاحب "خزانة الدب" في مصر‪،‬‬
‫وهو الذي يعتبره الشيخ شاكر الرائد في تبّنيه إعادة قدرة المة على التذوق‪،‬‬
‫تذوق اللغة والشعر والداب وعلوم اللغة‪.‬‬
‫‪ -2‬الجبرتي الكبير حسن بن إبراهيم )والد صاحب الّتاريخ( )‪1774‬م( في‬
‫مصر‪ ،‬ويعتبره الشيخ‪ /‬شاكر رائد في تنبيه المة إلى الصناعات الحضارية‬
‫وعلوم الكيمياء والفلك‪.‬‬
‫‪ -3‬محمد بن عبد الوهاب)‪1792‬م( في جزيرة العرب‪ ،‬ويعتبره الشيخ شاكر‬
‫رائدا ً في تحقيق الّنهضة الدينية‪ ،‬ورد ّ البدع والعقائد الفاسدة‪.‬‬
‫‪ -4‬محمد عبد الّرّزاق المرتضى الزبيدي صاحب "تاج العروس")‪1790‬م( في‬
‫الهند وفي مصر‪ ،‬فهو رائد بعث التراث اللغوي الديني‪.‬‬
‫‪ -5‬محمد بن علي الشوكاني)‪1834‬م( في اليمن‪ ،‬ويعده الشيخ شاكر إماما ً‬
‫ب‪.‬‬
‫في إحياء عقيدة السلف ونبذ التقليد والدعوة إلى الوحدة وتجريم التعص ّ‬
‫ثم بين الشيخ شاكر أسباب عدم حصول النهضة‪ ،‬ويربط بين الخفاق الحاصل‬
‫وبين جهود المستشرقين في إيجاد الصراعات تحت عناوين‪) -:‬الصالة‬
‫والمعاصرة( و )القديم والجديد( و )الثقافة العالمية( وبالقضية الهزلية )قضية‬
‫موقفنا من الغرب(‪.‬‬
‫التوصيف الموضوعي لهجمة نابليون على مصر‪…-:‬‬
‫)‪(17 /‬‬
‫اعتبر الشيخ أن هجمة نابليون على مصر هي من أجل إجهاض ما كان يمكن‬
‫أن يكون من نهضة لهذه المة ‪ ..‬يقول ‪-‬رحمه الله‪ : -‬وئدت )اليقظة( أو‬
‫كادت‪ ،‬وخربت ديارها أو كادت‪،‬و استؤصلت شأفة أبنائها أو كادت‪ ،‬واقتطعت‬
‫أسبابها بالسطو أو كادت‪ ،‬والحمد لله على نعماء )الحملة الفرنسية( التي‬
‫كان سفاحها المبير )المتحضر( ينوي أن ييشىء لبقايا السيف والتدبير من‬
‫أبناء القاهرة العتيقة المهدمة )قاهرة جديدة( يستمتعون فيها بجمالها وفنونها‪،‬‬
‫ومسارحها وملهيها‪ ،‬وقصورها‬
‫)‪ (50‬ص ‪75‬من الرسالة‪.‬‬
‫ومتنزهاتها‪ ،‬ويتبخترون في شوارعها خدما فارهين للسادة الحرار أبناء‬
‫"الحرية والخاء والمساواة"‪(51).‬‬
‫بداية التغريب …‬
‫قد افاض الشيخ‪ /‬شاكر في جرائم محمد علي اللباني المسمى بالكبير‪،‬‬
‫والعجيب أن بعض السلميين اليوم يريدون عد ما فعله هذا الباشا الكبير هو‬
‫بداية نهضة لهذه المة موافقة لهم للتغربيين‪(52).‬‬
‫وكتاب الشيخ لمحة خاطفة للصراع الدائر بين السلم وخصومه‪ ،‬وكشف‬
‫للدوات الجديدة لهذا الصراع‪ ،‬فحري بالشباب المسلم الطلع عليه‬
‫ودراسته‪.‬‬
‫وبعد…‬
‫هذا شيء قليل من ترجمة الشيخ الستاذ‪ /‬محمود محمد شاكر –رحمه الله‬
‫ف به‪ ،‬وأن نكشف عن معركة أهل السلم ضد زنادقة‬
‫تعالى‪ ،-‬أردنا أن ن ُعَّر َ‬
‫‪58‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الدب الذين ما زالوا يعيثون في عقل المة فسادًا‪ ،‬وهي تنبيه لهذا الجانب‬
‫العظيم )جانب الثقافة واللغة والدب( وإشارة إلى أهميته‪ ،‬والذين يحتقرون‬
‫هذه المعركة إنما يستخفون بهذه المة‪ ،‬إذ ل حياة لمة من المم دون لغتها‬
‫ودون آدابها‪ ،‬ولغة أي قوم هي وعاء دينهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وهوية‬
‫وجودهم‪ ،‬ولذلك صدق الشيخ‪ /‬شاكر عندما قال‪ :‬ونحن نعرف أنك ل تحترم‬
‫أية أمة ول تقدرها إل بعد أن تحترم لغتها وتاريخها‪ ،‬وليس شيٌء أخطر على‬
‫هذه المة من أن تجعل أبنائها يحتقرون لغتهم‪(53).‬‬
‫والمساحة المخصصة لهذا البحث ل تسمح بالتوسع لبيان أكثر عن هذا الشيخ‬
‫الجليل ومعتقداته ونتائج فكره ونظره‪ ،‬ولكن يكفي أن يخرج قارىء هذه‬
‫الترجمة بصورة تقريبية عن شيخ العربية في هذا الزمان‪ ،‬وقد رأى البعض أن‬
‫يسمي الشيخ )بالمحقق للتراث(‪ ،‬واعتبر هذا من باب التعظيم له‪ ،‬مع أن‬
‫الشيخ كان يرفض هذا اللفظ واستبدلها بكلمة قراءة كما في مقدمة كتاب‬
‫"طبقات فحول الشعراء" لمحمد بن سلم الجمحي‪ ،‬فإن القراءة العلمية‬
‫العملية هي ما تحتاجه أمتنا في هذا العصر‪ ،‬القراءة التي تهضم التاريخ‬
‫ً‬
‫والتراث وتستوعبه على ما هو عليه‪ ،‬ثم تبدأ بعملية إنتاج ل يذهب بعيدا عن‬
‫حاجات المة وضروراتها‪ ،‬ول يسفه إلى دنايا المور وصغائرها‪ ،‬فإن التكرار‬
‫آفة وإن تجملت بأثواب مصبوغة مزركشة‪.‬‬
‫لم يترك الشيخ مجلدات كثيرة من قلمه وإنشائه‪ ،‬لكنه ترك الكثير من الفهم‬
‫والوعي والتدقيق‪ ،‬وكان واضحا ً كل الوضوح مع كل كلمة يكتبها‪.‬‬
‫وقد ابتلي الشيخ بتلميذ له لم يوفونه حقه كما أوفى تلميذ الغير لساتذتهم‪،‬‬
‫فانظر إلى تلميذ "طه حسين" وماذا فعلوا لستاذهم‪ ،‬وكيف جعلوا اسمه في‬
‫أبحاثهم ودراساتهم‪ ،‬فأين تلميذ الشيخ من هؤلء؟!‪.‬‬
‫وأخيرًا‪ ،‬لقد كان الشيخ‪ /‬شاكر كما أراده أستاذه‪ /‬الرافعي حين قال له‪" :‬إن‬
‫من الناس من يختارهم الله فيكونون قمح هذه النسانية‪ ،‬ينبتون ويحصدون‬
‫ويعجنون ويخبزون ليكونوا غذاء النسانية في بعض فضائلها‪(54).‬‬
‫رحم الله الشيخ شاكر وألحقه بالصالحين‬
‫)‪ (51‬ص ‪ ،100-99‬وقد كتب المفكر القومي الملحد ساطع الحصري فصل‬
‫رائعا )وقد يصدق الكذوب( ل أجمل منه في رد افتراءات بعض الدارسين‬
‫وقولهم‪ :‬إن النهضة والتنوير الثقافي والعلمي في مشرقنا بدأت بالحملة‬
‫الفرنسية النابليونية على مصر‪ ،‬نشر في مجلة الثقافة القاهرة سنة ‪،1948‬‬
‫وقد أعيد طبعه مع فصول اخرى في كتاب "أراء وأحاديث في التاريخ‬
‫والجتماع" مركز دراسات الوحدة العربية‪.‬‬
‫)‪ (52‬انظر ما كتبه البعض في مجلة النسان –السلمية!! في عددها الول‪..‬‬
‫وقديما قيل‪ :‬اعرف المضمون من عنوانه‪.‬‬
‫)‪ (53‬رياض الفكر لعبد الرازق البصير ص ‪.28‬‬
‫)‪ (54‬وحي القلم ‪.2/60‬‬
‫)‪(18 /‬‬
‫لقد عطلت صلة الجمعة في المسجد القصى واحد وتسعون عاما ً !‬
‫فل تيأسن فالنصر قادم !!‬
‫المتفائل السيف‬
‫>‪TD/‬‬
‫أيها الحبة في الله ‪:‬‬

‫‪59‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السلم عليكم ورحمة الله وبركاته ‪ .‬أما بعد‬
‫إن الناظر في حال اليهود مع المسجد القصى وهم يهددون بهدمه بين الفينة‬
‫والفينه وحال النصارى مع العراق من هنا وبلد الفغان والشيشان من هناك‬
‫يأتيه نوع من اليأس والحباط وكنت أنا من ذلك النوع اليائس البائس المحبط‬
‫حتى وصل بي الحال إلى أنني نقلت ذلك الحباط واليأس إلى غيري‬
‫واستمر معي الحال حتى قرأت كتاب )) إشارات على الطريق لفضيلة الشيخ‬
‫علي بن عبد الخالق القرني حفظه الله (( والذي وجدته في مكتبة هذا‬
‫الموقع المبارك ‪-‬صيد الفوائد‪ -‬الذي أسأل لله أن يجزي القائمين عليه خير‬
‫الجزاء ووجدت فيه فصل ً عنون له الشيخ بـ )) ل تكن يائسا ً (( وقد ذكر فيه‬
‫قصصا ً وكلما ً فيه من البلغة الشي الجميل فنقلته لكم بتصرف وإنني اتمنى‬
‫أن ينال إعجابكم واستحسانكم وأن يجعلكم متفائلين مثلي ‪,‬وأترككم الن مع‬
‫كلم الشيخ ‪:‬‬
‫إشارة ‪ :‬ل تكن يائسا ً‬
‫)) فالمستقبل لدين الله والعزة لولياء الله‪ .‬منا من رأى تفشي الشر والمنكر‬
‫وانتشاره واستفحاله رأى العدو تبجح وتقوى وتحت ظل هذه الرؤية رأى أنه‬
‫مهما عملنا فلن نغير من الواقع شيء ولن نجني سوى التعب والمشقة‬
‫فليس إذا في السعي فائدة‪ .‬فإذا بك تنظر إليه متهجم الوجه عاقد الحاجبين‬
‫مقطب الجبين رافعا ً راية‪ :‬لو أسلم حمار آل الخطاب ما أسلم عمر يحسب‬
‫يوم الجمعة الخميسا مرددا ً حين يطلب منه خدمة دينه –ولو بالكلمة‪ : -‬أنت‬
‫تؤذن في خرابة ل أحد حولك تنفخ في قربة مقطوعة وغيرها من عبارات ‪:‬‬
‫تصدا بها الفهام بعد صقالها ‪ ..........‬وترد ذكران العقول إناثا ً‬
‫هلك الناس ‪...‬هلك الناس في نظره وقد هلك‪ ،‬وصف النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم وصفا دقيقا كما في صحيح مسلم ‪ )) :‬إن قال الرجل هلك الناس فهو‬
‫أهلكهم(( ‪.‬‬
‫معاشر المؤمنين ‪ :‬مما ل شك فيه أن حقائق اليوم هي أحلم المس ‪ .‬وأحلم‬
‫اليوم هي حقائق الغد‪ .‬والضعيف ل يظل ضعيفا أبد البدين‪ .‬والقوي ل يظل‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫م‬
‫ضعِ ُ‬
‫ن عََلى ال ّ ِ‬
‫ض وَن َ ْ‬
‫ست ُ ْ‬
‫ريد ُ أ ْ‬
‫نا ْ‬
‫جعَل َهُ ْ‬
‫ن نَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ّ‬
‫َقوي أبد البدين‪ ) .‬وَن ُ ِ‬
‫فوا ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ن وَ َ‬
‫م ً‬
‫ما َ‬
‫ض وَن ُرِيَ فِْرعَوْ َ‬
‫ة وَن َ ْ‬
‫ها َ‬
‫ن لهُ ْ‬
‫ن * وَن ُ َ‬
‫جعَل َهُ ُ‬
‫أئ ِ ّ‬
‫مك َ‬
‫وارِِثي َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫م ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫ن( )القصص‪.(6- 5:‬‬
‫ما ِ‬
‫حذ َُرو َ‬
‫ما كاُنوا ي َ ْ‬
‫وَ ُ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫جُنود َهُ َ‬
‫إننا نملك إيمانا بنصر الله لنا وثقة بتأييديه لنا ويقينا بسنة الله في إحقاق‬
‫الحق وإبطال الباطل ولو كره المجرمون واطمئنانا إلى وعده الذي وعد به‬
‫م‬
‫م ِفي اْل َْر‬
‫خل ِ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫ن ِ‬
‫ف ال ّ ِ‬
‫ما ا ْ‬
‫عباده المؤمنين ) ل َي َ ْ‬
‫ن قَب ْل ِهِ ْ‬
‫ض كَ َ‬
‫فن ّهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫دون َِني‬
‫ن ب َعْد ِ َ‬
‫م ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫منا ً ي َعْب ُ ُ‬
‫ذي اْرت َ َ‬
‫مأ ْ‬
‫خوْفِهِ ْ‬
‫م وَل َي ُب َد ّل َن ّهُ ْ‬
‫ضى ل َهُ ْ‬
‫م ِدين َهُ ُ‬
‫ن ل َهُ ْ‬
‫وَل َي ُ َ‬
‫م ْ‬
‫مك ّن َ ّ‬
‫ً‬
‫شرِ ُ‬
‫ن ِبي َ‬
‫ل يُ ْ‬
‫شْيئا( )النور‪.(55:‬‬
‫كو َ‬
‫إنه وعد يشحذ الهمم ويستثير العزائم ويمل الصدور ثقة واطمئنانا إن الدور‬
‫ن( )الصافات‪ .(172:‬سنة الله‬
‫صوُرو َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫م ل َهُ ُ‬
‫لنا ل علينا والتاريخ معنا ) إ ِن ّهُ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫رب العالمين قال صلى الله عليه وسلم ‪ )) :‬ل تزال طائفة من أمتي ظاهرين‬
‫حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون((‪ )) ،‬وليبلغن هذا المر ما بلغ الليل والنهار‬
‫ول يترك الله بيتا مدر ول بر إل أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل((‬
‫كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم‪ .‬فانت أيها المؤمن أجير عند الله كيفما‬
‫أراد ان تعمل عملت وقبضت الجر لكن ليس لك ول عليك أن تتجه الدعوة‬
‫إلى أي مصير ذاك شأن صاحب المر ل شأن الجير‪ ،‬وحسبك أن من النبياء‬
‫من ياتي يوم القيامة ومعه الرجل ومعه الرجلن والثلثة ويأتي من ليس معه‬
‫َ‬
‫ن عَل َي ْ َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ك إ ِّل ال َْبل ُ‬
‫غ( )الشورى‪.(48:‬‬
‫ح ِ‬
‫فيظا ً إ ِ ْ‬
‫م َ‬
‫ما أْر َ‬
‫ك عَل َي ْهِ ْ‬
‫أحد ) فَ َ‬
‫‪60‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫) وآية اليات في هذا الدين أنه أشد ما يكون قوة وأصلب ما يكون عودا‬
‫وأعظم ما يكون رسوخا ً وشموخا ً حين ننزل بساحته الزمات وتوصد عليهم‬
‫المنافذ حينئذ يحقق السلم معجزته ينبعث الجثمان الهامد يتدفق الدم في‬
‫عروق أبنائه ينطلق ينتفض(‪.‬‬
‫ع‬
‫يقول فيسمع ويمشي فيسرع ‪ ...........‬ويضرب في ذات الله فيوج ُ‬
‫فإذا النائم يصحوا وإذا الغافل يفيق وإذا الجبان يتشجع وإذا الضعيف يتقوى‬
‫وإذا الشتيت يتجمع وإذا بهذه القطرات المتابعة المتلحقة من هنا وهناك من‬
‫جهود القلة تكون سيل ً عارما ً ل يقف دونه حاجز ول سد(‪.‬‬
‫ل يزخر الوادي بغير شعاب ‪ ..........‬وهل شمس تكون بل شعاع‬
‫إن هذه المة تمرض لكنها ل تموت وتغفو لكنها ل تنام وتخبو لكنها ل تطفأ‬
‫أبدا ً ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫حين غزا التتار ديار المسلمين ودخلوها كالريح العقيم ما تذر من شيء أتت‬
‫عليه إل جعلته كالرميم دمروا المدن وخربوا العمران وأسالوا الدماء‬
‫وأسقطوا الخلفة وعطلوا الصلوات وألقوا أسفار المكتبات في نهر دجلة‬
‫حتى اسود ّ ماؤه من كثر ما سال من مداد الكتب حتى أصبحت حضارة‬
‫السلم والبشرية مهددة من هذا الغزو الوحشي الذي ل يبقي ول يذر والذي‬
‫يذكر بما جاء في وصف يأجوج ومأجوج حتى أحجم بعض المعاصرين للحدث‬
‫عن الكتابة فيه منهم ابن الثير رحمه الله الذي يقول ليت أمي لم تلدني‬
‫ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا‪ .‬مما رأى ‪ .‬من هول الفاجعة التي حلت‬
‫بالمسلمين ‪ .‬ظن اليائسون حينها أن راية السلم نكست ولن ترتفع بعد ذلك‬
‫اليوم أبدا ً وأن أمة الفتح والنصر قد حقت عليها الهزيمة فهيهات أن تعود إلى‬
‫الميدان من جديد‪ ،‬ولم يمض سوى سنوات حتى تحققت معجزة السلم فإذا‬
‫بهؤلء الجبابرة الغازين للسلم يغزوهم السلم فتسقط سيوفهم في صف‬
‫المؤمنين تحت تأثير العقيدة السلمية فإذا بهم يدخلون بهم في دين‬
‫المغلوبين على خلف ما هو معروف أن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب‬
‫َ‬
‫ن قَب ْ ُ‬
‫ن( )الروم‪.(4:‬‬
‫مئ ِذ ٍ ي َ ْ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل وَ ِ‬
‫مُر ِ‬
‫مُنو َ‬
‫فَر ُ‬
‫ح ال ْ ُ‬
‫ن ب َعْد ُ وَي َوْ َ‬
‫المنصور ) ل ِل ّهِ اْل ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫ن أ َك ْث ََر الّنا‬
‫جَزه ُ ِ‬
‫كا َ‬
‫مو َ‬
‫ه ل ِي ُعْ ِ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ن( )الجاثية‪ ) .(26:‬وَ َ‬
‫س ل ي َعْل َ ُ‬
‫م ْ‬
‫) وَل َك ِ ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ديرًا( )فاطر‪(44:‬‬
‫ن عَِليما ً قَ ِ‬
‫ماَوا ِ‬
‫كا َ‬
‫يٍء ِفي ال ّ‬
‫ض إ ِن ّ ُ‬
‫س َ‬
‫ش ْ‬
‫ت َول ِفي الْر ِ‬
‫دوا عزكم ‪ ..........‬فلرب مغلوب هوى ثم ارتقى‬
‫تستر‬
‫إن‬
‫تيأسوا‬
‫ل‬
‫ّ‬
‫وتجشموا للعز كل عظيمة ‪ .............‬إني رأيت العز صعب المرتقى‬
‫إن قراءة متأنية لتاريخ الصلبيين وبيت المقدس تعطي المل بان الواقع‬
‫سوف يتغير فاسمع إلى ابن كثير )في البداية والنهاية( وغيره من أهل السير‬
‫وهم يسردون لك هذا الحدث‪ ) :‬وفي ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من‬
‫شعبان سنة اثنين وتسعين وأربعمائة للهجرة دخل ألف ألف مقاتل بيت‬
‫المقدس وصنعوا فيه ما ل تصنعه وحوش الغاب وارتكبوا ما لترتكب أكثر منه‬
‫الشياطين لبثوا فيه أسبوعا يقتلون المسلمين حتى بلغ عدد القتلى أكثر من‬
‫ستين ألفا منهم الئمة والعلماء والمتعبدون والمجاورون وكانوا يجبرون‬
‫المسلمين على إلقاء أنفسهم من أعالي البيوت لنهم يشعلون النار عليهم‬
‫وهم فيها فل يجدون مخرجا إل بإلقاء أنفسهم من السطوح جاسوا فيها خلل‬
‫الديار وتبروا ما علوا تتبيرا‪ ،‬وأخذوا أطنان الذهب والفضة والدنانير ثم وضعت‬
‫الصلبان على بيت المقدس وأدخلت فيه الخنازير ونودي من على مآذن‬

‫‪61‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لطالما أذن بالتوحيد من عليها ‪ :‬أن الله ثالث ثلثة‪ -‬جل اله وتبارك‪ -‬فذهب‬
‫الناس على وجوههم مستغيثين إلى العراق وتباكى المسلمون في كل مكان‬
‫لهذا الحدث وظن اليائسون أل عودة لبيت المقدس أبدا ً إلى حظيرة‬
‫المسلمين ‪.‬‬
‫كم طوى اليأس نفوسا لو رأت ‪ ..........‬منبتا خصبا لكانت جوهرا‬
‫ويمضي الزمن ويعد الرجال وفي سنة ثلثة وثمانين وخمسمائة للهجرة أعد‬
‫صلح الدين جيشا لسترداد بيت المقدس وتأديب الصلبيين على مبداهم هم ‪:‬‬
‫إن القوي بكل أرض يتقي وفي وقت العداد تأتيه رسالة على لسان المسجد‬
‫القصى تقول‪:‬‬
‫يا أيها الملك اذي ‪ ............‬لمعالم الصلبان نكس‬
‫جاءت إليك ظلمة تسعى ‪ ......‬من البيت المقدس‬
‫كل المساجد طهرت وأنا ‪ .......‬على شرفي أنجس‬
‫فانتخى وصاح وا إسلماه وامتنع عن الضحك وسارع في العداد ولم يقارف‬
‫بعدها ما يوجب الغسل ‪.‬‬
‫من ذا يغير على السود بغبها ‪ ........‬أو من يعوم بمسبح التمساح‬
‫وعندها علم الصلبيون أن هذا من جنود محمد صلى الله عليه وسلم فتصالح‬
‫ملوك النصارى وجاؤا بحدهم وحديدهم وكانوا ثلثة وستين ألف فتقدم صلح‬
‫الدين إلى طبريا ففتحها بل إله إل الله فصارت البحيرة إلى حوزته استدرجهم‬
‫إلى الموعد الذي يريده هو ثم لم يصل إلى الكفار بعدها قطرة ماء إذ صارت‬
‫البحيرة في حوزته فصاروا في عطش عظيم‪.‬‬
‫وعندها تقابل الجيشان وتواجه الفريقان وأسفر وجه اليمان وأغبر وجه‬
‫الظلم والطغيان ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان عشية الجمعة‬
‫واستمرت إلى السبت الذي كان عسيرا على أهل الحد إذ طلعت عليهم‬
‫الشمس واشتد الحر وقوي العطش وأضرمت النار من قبل صلح الدين في‬
‫الحشيش الذي كانت تحت سنابك خيل الكفار فاجتمع عليهم حر الشمس‬
‫وحر العطش وحر النار وحر السلح وحر رشق النبال وحر مقابلة أهل‬
‫اليمان‪.‬‬
‫وقام الخطباء يستثيرون أهل اليمان ثم صاح المسلمون وكبروا تكبيرة اهتز‬
‫لها السهل والجبل ثم هجموا كالسيل الدفاع لينهزم الكفار ويؤسر ملوكهم‬
‫ويقتل منهم ثلثون ألفا ً حتى قيل لم يبق أحد ويؤسر منهم ثلثون ألفا حتى‬
‫قيل لم يقتل أحد‪ ،‬فلم يسمع بمثل هذا اليوم في عز السلم وأهله إل في‬
‫عهد الصحابة‪ ،‬حتى ذكر ان بعض الفلحين رؤي وهو يقود نيفا وثلثين أسيرا‬
‫يربطهم في طنب خيمته‪ ،‬وباع بعضهم أسيرا بنعل يلبسها‪ ،‬وباع بعضهم أسيرا‬
‫بكلب يحرس غنمه‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ثم أمر السلطان صلح الدين جيوشه أن تستريح لتتقدم إلى فتح بيت‬
‫المقدس‪ ،‬ففي هذه الستراحة كيف كانت النفوس المؤمنة التي ل تيأس ؟ ‪:‬‬
‫الرؤوس لم ترفع من سجودها‪ ،‬والدموع لم تمسح من خدودها‪ ،‬يوم عادت‬
‫البيع مساجدا ً ‪ ،‬والمكان الذي قال فيه ‪ :‬إن الله ثالث ثلثة صار يشهد فيه ‪:‬‬
‫أن ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬ثم سار نحو بيت المقدس ليفتح من‬
‫الجهة الشرقية ويخرجهم منه فكان له ذلك على أن يبذل كل رجل منهم –‬
‫ويخرج ذليل‪ -‬عن نفسه عشرة دنانير وعن المرأة خمسة وعن الطفل دينارين‬

‫‪62‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ومن عجز كان أسيرا للمؤمنين‪ ،‬فعجز منهم ستة عشر ألفا ً كانوا أسراء‬
‫للمسلمين‪.‬‬
‫ودخل المسلمون بيت المقدس‪ ،‬وطهروه من الصليب وطهروه من الخنزير‪،‬‬
‫ونادى المسلمون بالذان ووحدوا الرحمن وجاء الحق وبطلت الباطيل‬
‫وكثرت السجدات وتنوعت العبادات وارتفعت الدعوات وتنزلت البركات‬
‫وتجلت الكربات وأقيمت الصلوات وأذن المؤذنون وخرس القسيسيون‬
‫وأحضر منبر نورالدين الشهيد عليه رحمة الله الجليل الذي كان يأمل أن‬
‫يكون الفتح على يديه فكان على يدي تلميذه صلح الدين‪ ،‬ورقى الخطيب‬
‫المنبر في أول جمعة بعد تعطل للجمعة والجماعة في المسجد القصى دام‬
‫واحد وتسعين عاما‪ ،‬فكان مما بدأ به الخطيب خطبته بعد أن حمد الله أن‬
‫ن( )النعام‪:‬‬
‫قط ِعَ َداب ُِر ال ْ َ‬
‫قال‪ ) :‬فَ ُ‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫قوْم ِ ال ّ ِ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫موا َوال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ن ظ َل َ ُ‬
‫مي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن قَب ْ ُ‬
‫ن( )الروم‪.(4:‬‬
‫مئ ِذ ٍ ي َ ْ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل وَ ِ‬
‫مُر ِ‬
‫مُنو َ‬
‫فَر ُ‬
‫ح ال ُ‬
‫ن ب َعْد ُ وَي َوْ َ‬
‫‪ ) ،(45‬ل ِل ّهِ ال ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫معاشر المسلمين‪ :‬إن القصى لم تعطل فيه الجمعة ولم تعطل فيه الجماعة‬
‫ومع ذا ‪:‬‬
‫يئست أنفس ونامت عيون ‪ .......‬فجراح تغدو وتأتي جراح‬
‫فأين النجم من شمس وبدر ‪ ......‬وأين الثعلبان من الهزبر‬
‫المؤمن ل يعر ف اليأس ول يفقد الرجاء إذ هو واثق بربه ثم هو واثق بحق‬
‫نفسه ثم هو واثق بوعد الله‪ ،‬إن مرت به محنة اعتبرها دليل حياة وحركة فإن‬
‫الميت الهامد ل يضرب ول يؤذى وإنما يضرب ويؤذى المتحرك الحي المقاوم‪-‬‬
‫كما قيل – كالذهب والحديد يدخل النار فيستفيد إذ يذهب خبثه ويبقى بهاؤه‪.‬‬
‫يؤلف إيلم الحوادث بيننا ‪ ..........‬ويجمعنا في الله دين ومذهب‬
‫إن علينا –معشر المسلمين‪ -‬أن نكون بحجم التحديات بصبر وثبات ولسان‬
‫حال كل واحد منا ‪:‬‬
‫فيقصر دون باعي كل باع ‪ ...........‬ويحصر دون خطبتي الخطيب‬
‫ي من أبيين‬
‫إني أب ٌَ‬
‫ي أب ّ‬
‫ي ذو مغالبة ‪ ............‬وابن أب ّ‬
‫ي أب ُ‬
‫إن الوصول إلى القمة ليس الهم لكن الهم البقاء فيها‪ ،‬إن النحدار إلى‬
‫القاع ليس هو الكارثة لكن الكارثة هو العتقاد أنه ل سبيل إلى الخروج من‬
‫القاع‪ ،‬ليس والله الدواء في بكاء الطلل وندب الحظوظ إنه في الترفع عن‬
‫الواقع بل تجاهل له‪ ،‬فالستعلء النفسي عليه في تحرر للفكر من إرهاقه‬
‫ويأسه وخباله‪ ،‬بإرادة قوية حرة أبية يمكن تحويل عوامل الضعف إلى القوة‬
‫باذن رب البرية ) إن الرسول صلى الله عليه وسلم حين حصل في أحد ما‬
‫حصل شج وجهه وكسرت رباعيته وانخذل عنه من انخذل وإذا به يزيل الثار‬
‫النفسية من قلوب المؤمنين بنقلهم إلى مواجهة جديدة في حمراء السد‬
‫لملحقة المشركين الذين لو كانوا حقا منتصرين لما ولوا الدبار قافلين‬
‫ولقضوا على البقية الباقية من المسلمين وهذا يدل على حكمة الرسول‬
‫المين عليه صلوات الله رب العالمين‪ ،‬وأبو بكر رضي الله عنه يأتي من بعده‬
‫وقد تربى على سنته بعد أن كادت نواة السلم تضيع في طوفان الردة‪ ،‬فإذا‬
‫به ينقل المة نقلة من واقع إلى واقع بتأب عن اليأس وترفع على الهزيمة‬
‫وحاله‪:‬‬
‫فليس يجلي الكرب رأي مسدد ‪ ...........‬إذا هو لم يؤنس برمح مسدد‬
‫إن المستقبل لهذا الدين بدون منازع ولكنه ل يتحقق بالمعجزات السحرية‬
‫ولكنه بالعمل والبذل والدعوة إلى الله من منطلقات صحيحة على منهج أهل‬
‫السنة والجماعة ) ووعد الله لن يتخلف لكنه لن يتحقق أبدا على يد أقوام ل‬
‫يستحقونه ول يفهمون سننه ول يضحون من أجله(‪.‬‬
‫‪63‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ى ‪ ..........‬فاركب البرق ول ترضى الغماما‬
‫فإذا حاولت في الفق من ً‬
‫وما السيف إل زبرة لو تركته ‪ .........‬على الخلقة الولى لما كان يقطع‬
‫أل أنني ل أركب اليأس مركبا ‪ .........‬ول أكبر البأساء حين تغير‬
‫نفسي برغم الحادثات فتية ‪ ..........‬عودي على رغم الحوادث مورق‬
‫أيها اليائس مت قبل الممات ‪ ..........‬فإذا شئت حياة فالرجا‬
‫ل يذيق ذرعك عند الزمات ‪ ...........‬إن هي اشتدت فأمل فرجا‬
‫البيض تصدأ في الجفون إذا ثوت ‪ ......‬والماء يأسن إن أقام طويل ً‬
‫صانع السيف كمن يشهره ‪ .........‬في سبيل الله بين الجحفل‬
‫حقق الله لنا آمالنا ‪ ..........‬وعلى الله بلوغ المل ((‬
‫هذا وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم‬
‫)‪(3 /‬‬
‫لقد كان في قصصهم عبرة‬
‫‪13/5/1424‬‬
‫أ‪ .‬د ‪.‬ناصر بن سليمان العمر‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم على نبينا محمد وآله وصحبه‬
‫أجمعين‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫فقد أكرمني الله _سبحانه وتعالى_ بأن عشت مع سورة يوسف – عليه‬
‫السلم – عدة سنوات قارئا ً ومتأم ً‬
‫ل‪ ،‬فألفيت فيها كنزا ً ودررًا‪ ،‬ومن ثم قمت‬
‫بإلقائها دروسا ً لطلبي‪ ،‬بعد ذلك سجلتها عدة حلقات لنشرها من أجل أن تعم‬
‫الفائدة منها‪ ،‬وفي هذا المقال أذكر مختصرا ً بعض تلك الدروس والعبر‪،‬‬
‫اكتفيت فيها بالشارة عن طول العبارة ‪ ،‬حيث إن التفصيل والشرح ومزيد‬
‫البيان سيكون عند نشر تلك الحلقات – إن شاء الله – ‪ ،‬وآمل أن يكون ذلك‬
‫قريبًا‪.‬‬
‫فإليك أخي الكريم أهم تلك الدروس والعبر راجيا ً أن نفيد منها لنكون من‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫قد ْ َ‬
‫ب‬
‫أولي اللباب الذين قال الله فيهم‪" :‬ل َ َ‬
‫م ِ‬
‫ص ِ‬
‫كا َ‬
‫صهِ ْ‬
‫عب َْرة ٌ ِلوِلي اْلل َْبا ِ‬
‫ن ِفي قَ َ‬
‫ما َ‬
‫ل كُ ّ‬
‫صي َ‬
‫ل َ‬
‫ى‬
‫ن ي َد َي ْهِ وَت َ ْ‬
‫ديثا ً ي ُ ْ‬
‫يٍء وَ ُ‬
‫ف ِ‬
‫ديقَ ال ّ ِ‬
‫ص ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫هد ً‬
‫ش ْ‬
‫ذي ب َي ْ َ‬
‫فت ََرى وَل َك ِ ْ‬
‫ن" )يوسف‪:(111:‬‬
‫ة لِ َ‬
‫م ً‬
‫قوْم ٍ ي ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وََر ْ‬
‫ح َ‬
‫‪ .1‬أن الوحي هو المصدر الوحيد الصادق لمعرفة أخبار السابقين‪.‬‬
‫‪ .2‬قوة الرتباط بين أمة محمد والمم السابقة‪ ،‬المبني على الرتباط الوثيق‬
‫بين أنبياء الله ورسله _عليهم وعلى نبينا أفضل الصلة والسلم_‪ ،‬فالنبياء‬
‫إخوة لعلت دينهم واحد وشرائعهم شتى‪.‬‬
‫‪ .3‬أن مشكلت اليوم لها مايشابهها في المم الماضية‪ ،‬ومن هنا فإن كثيرا ً‬
‫ل تلك المشكلت في الماضي من أنجح الساليب لح ّ‬
‫من وسائل ح ّ‬
‫ل‬
‫مشكلت اليوم‪.‬‬
‫‪ .4‬أن الصبر مفتاح كل خير‪ ،‬وعلج كل مصيبة‪ ،‬وأعظمه الصبر الجميل‪.‬‬
‫دة وضاقت الرض على صاحبها قرب الفرج‪ ،‬وإن ظّنه‬
‫‪ .5‬كلما ازداد المر ش ّ‬
‫النسان بعيدًا‪ ،‬وبسبب الجهل بهذه الحقيقة كم ضاعت من فرص عظيمة‬
‫على من ابتلي بمصيبة فاستعجل المر قبل أوانه‪ ،‬وكان الفرج قاب قوسين‬
‫أو أدنى منه‪.‬‬
‫‪ .6‬الحسان البوابة الكبرى للولوج إلى قلوب الناس‪ ،‬والتربع على تاج السؤدد‬
‫والقيادة والعز في الدنيا والخرة‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ .7‬الخذ بالسباب وإن بدت في الظاهر غير مؤثرة من أعظم وسائل تحقق‬
‫المقصود‪ ،‬وهي باب من أبواب اليمان والتوحيد‪.‬‬
‫سر له من المور‬
‫‪ .8‬إذا علم الله صدق المؤمن وإخلصه وتقواه وصبره‪ ،‬ي ّ‬
‫ماليخطر له على بال‪ ،‬ومن يتق الله يجعل له مخرجا ً ويرزقه من حيث‬
‫ليحتسب‪.‬‬
‫‪ .9‬التفاؤل هبة من الله يكرم بها من يشاء من عباده‪ ،‬وهو جنة في الصدور‪،‬‬
‫ومركب متين في الزمات‪ ،‬ونعم الرفيق في الطريق‪.‬‬
‫‪ .10‬المكر عاقبته وخيمة‪ ،‬وآثاره أليمة‪ ،‬وهو خيانة وشتيمة‪ ،‬والله ل يهدي كيد‬
‫الخائنين‪ ،‬ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين‪.‬‬
‫‪ .11‬التوحيد رأس المور وذراها‪ ،‬به بعثت الرسل‪ ،‬وأنزلت الكتب‪ ،‬ولجله‬
‫انقسم الناس بين مؤمن وكافر‪ ،‬وتقي وفاجر‪.‬‬
‫‪ .12‬من استعجل شيئا ً بغير طريق حله‪ ،‬لم يحصل على المراد‪ ،‬ولم يسلم‬
‫من الثم والعار والعقاب‪.‬‬
‫‪ .13‬الحسد سلح ذو حدين‪ ،‬يصيب الحاسد ويبلغ فيه ماليبلغ في المحسود‬
‫ويؤذيه‪ ،‬فهل يعتبر الحاسدون‪.‬‬
‫‪ .14‬أقدار الله نافذة‪ ،‬وإرادته ماضية‪ ،‬ليعجزه شيء‪ ،‬وليحول دون مراده‬
‫حائل‪ ،‬ونحن مطالبون بأن نقابل القدار الكونية بالقدار الشرعية‪ ،‬وكل ذلك‬
‫داخل في إرادته ومشيئته وقضائه وقدره‪ ،‬فنفر من قدر الله إلى قدر الله‪.‬‬
‫‪ .15‬حبل الكذب قصير‪ ،‬وما أفلح كاذب‪ ،‬فأما الزبد فيذهب جفاء‪ ،‬وأما ما ينفع‬
‫الناس فيمكث في الرض‪.‬‬
‫‪ .16‬العلقة بين ما يرى النائم وبين حاله في اليقظة‪،‬ولهذا قد تكون الرؤية‬
‫بشارة أو نذارة‪ ،‬وعن طريقها قد يتوقع غائب أو مجهول‪ ،‬لكن تأويل الرؤيا له‬
‫أصوله وضوابطه‪ ،‬فهو علم وإلهام يؤتيه الله من يشاء‪.‬‬
‫‪ .17‬اليمان بعلم الله وحكمته يجلب للمسلم الطمأنينة والراحة والسكون‪،‬‬
‫ومعرفة السماء والصفات والتصديق بهما يورث في القلب نورا ً وبصيرة‪.‬‬
‫‪ .18‬النتصار على النفس أعظم وسائل النتصار على الغير‪ ،‬ومن هزمته‬
‫نفسه فل يرجى أن ينتصر على عدوه‪ ،‬وقبل أن ينهزم اليهود أتاهم الله من‬
‫حيث لم يحتسبوا‪.‬‬
‫‪ .19‬الرتجال والفوضى ل تجلب الخير والسعادة‪ ،‬والتخطيط وبعد النظر سّر‬
‫الستقرار والنماء والبقاء‪.‬‬
‫‪ .20‬الشماتة فساد في الطوية‪ ،‬ومصيبة ورزية‪ ،‬ل تضر أحدا ً كما تضر‬
‫صاحبها‪ ،‬وفي الثر ول يصح حديثًا‪" :‬ل تشمت بأخيك فيعافيه الله ويبتليك"‪.‬‬
‫‪ .21‬إذا فشت المعصية سهل ارتكابها‪ ،‬وهان على النفوس عارها ومصيبتها‪،‬‬
‫وامرأة العزيز غلقت البواب في الولى‪ ،‬فلما علمت النسوة أعلنتها صريحة‬
‫داعية للفحشاء دون حياء أو خجل‪.‬‬
‫‪ .22‬ما يتوهم أنه البلء والمحنة‪ ،‬قد يكون هو العز والتمكين والمنحة‪ ،‬فما زاد‬
‫البلء المؤمنين إل عزة ورفعة وتمكينا ً قال _تعالى_‪" :‬وَك َذ َل ِ َ‬
‫ف‬
‫س َ‬
‫مك ّّنا ل ُِيو ُ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َْ‬
‫ن نَ َ‬
‫ث يَ َ‬
‫جَر‬
‫حي ْ ُ‬
‫شاُء َول ن ُ ِ‬
‫شاُء ن ُ ِ‬
‫ض ي َت َب َوّأ ِ‬
‫ضيعُ أ ْ‬
‫ب ب َِر ْ‬
‫صي ُ‬
‫من َْها َ‬
‫مت َِنا َ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ِفي الْر ِ‬
‫ن" )يوسف‪.(56:‬‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫سِني َ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫‪ .23‬ل يستطيع أحد من البشر أن يحول بينك وبين تبليغ رسالة ربك إذا‬
‫صدقت النية‪ ،‬وشبت العزيمة‪ ،‬وطلبت العون من الله‪" ،‬بل النسان على‬

‫‪65‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حبي السج َ َ‬
‫ب‬
‫ن أأْرَبا ٌ‬
‫نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره"‪ ،‬يقول_ تعالى_‪َ" :‬يا َ‬
‫صا ِ َ ِ‬
‫ّ ْ ِ‬
‫َ‬
‫ه" )يوسف‪ :‬من الية ‪.(39‬‬
‫مت َ َ‬
‫ن َ‬
‫فّرُقو َ‬
‫خي ٌْر أم ِ الل ّ ُ‬
‫ُ‬
‫‪ .24‬ل تشغل نفسك كيف يأتي الفرج‪ ،‬فهذا ليس لك‪ ،‬وعليك بحسن الظن‬
‫بمن بيده ملكوت السماوات والرض‪ ،‬والخذ بالسباب الموصلة إليه‪ ،‬ومن‬
‫يتق الله يجعل له مخرجا ً ويرزقه من حيث ل يحتسب‪.‬‬
‫‪ .25‬ل تندم على بذل الحسان حتى لعدوك‪ ،‬فثمن ذلك يأتي عاجل ً أو آجل‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ما ي ُل َ ّ‬
‫قا َ‬
‫ها إ ِّل ال ِ‬
‫ً‪،‬ولكن ل يقدر على ذلك إل عظماء الرجال‪ ،‬وسادة المم "وَ َ‬
‫ذي َ‬
‫ح ّ‬
‫م" )فصلت‪.(35:‬‬
‫ما ي ُل َ ّ‬
‫قا َ‬
‫ظ عَ ِ‬
‫ها إ ِّل ُذو َ‬
‫صب َُروا وَ َ‬
‫َ‬
‫ظي ٍ‬
‫‪ .26‬استثمار الفرص إذا سنحت منهج تباشره النفوس السوية ذات الهمم‬
‫العلية‪ ،‬وتحقق من خلله المجد وتبلغ به المراد‪ ،‬وهكذا كان يوسف في كل‬
‫مراحل حياته مستثمرا ً لكل فرصة سنحت في سرائه وضرائه‪ ،‬وانظر كيف‬
‫كانت عاقبته ومآله‪.‬‬
‫‪ .27‬موازين تقييم الرجل جماعه العقل‪ ،‬وتاجه العلم‪ ،‬وسياجه الحلم‪ ،‬فمن‬
‫توافرت فيه هذه الصفات حاز المجد والسؤدد من أطرافه وجوانبه‪ ،‬فل تغتر‬
‫بالمظاهر وابحث عن الحقائق والمخابر‪.‬‬
‫‪ .28‬المور بمآلتها ومقاصدها‪ ،‬وليست العبرة في اللفاظ والكلمات؛ لن‬
‫العمال بالنيات‪ ،‬فمدح النفس قد يكون قربة وعق ً‬
‫ل‪ ،‬وقد يكون إثما ً وقدحًا‪.‬‬
‫‪ .29‬المرء يكتب تاريخه‪ ،‬فمن عرف بالكذب ل يحزن إن ك ّ‬
‫ذبه الناس إذا‬
‫صدق‪ ،‬وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون‪.‬‬
‫‪ .30‬عامل الناس بأخلقك ل بأخلقهم‪ ،‬وبهذا تحوز على الطراء والثبات‬
‫وحسن الذكر‪ ،‬ومن عامل الناس بأخلقهم فسيكون محصلة لخلط من‬
‫الخلق‪ ،‬كل يوم له خلق ل ثبات له ول دوام‪.‬‬
‫‪ .31‬الحيل منها المشروع ومنها الممنوع‪ ،‬فحيلة إخوة يوسف على أبيهم‬
‫ارتدت عليهم‪ ،‬وجلبت لهم ولبيهم البلء والعناء‪ ،‬بينما حيل يوسف كانت‬
‫طريقا ً للسعادة والهناء‪.‬‬
‫‪ .32‬البريء حقيقة ل يضره الكذب والفتراء‪ ،‬فمن كان موقنا ً بسلمة موقفه‪،‬‬
‫وصدق ظاهره وباطنه‪ ،‬فسيرتد السهم إلى شانئه وباهته‪ ،‬فإن الله ل يهدي‬
‫كيد الخائنين‪ ،‬ول يحيق المكر السيئ إل بأهله‪.‬‬
‫‪ .33‬الستشارة منهج العقلء‪ ،‬ووسيلة السوياء‪ ،‬وهي استثمار للعقول‪،‬‬
‫وشفاء للصدور‪ ،‬وتحقيق للمراد والمأمول‪.‬‬
‫‪ .34‬ل تبث شكواك لمن ل يملك لها حل ً ول عقدًا‪ ،‬فضل ً عمن يشمت بك‬
‫ش ُ‬
‫ما أ َ ْ‬
‫ه"‬
‫حْزِني إ َِلى الل ّ ِ‬
‫كو ب َّثي وَ ُ‬
‫ويتسلى‪ ،‬فكن كيعقوب كان منهجه "إ ِن ّ َ‬
‫)يوسف‪ :‬من الية ‪.(86‬‬
‫‪ .35‬اقطع رجاءك من الخلق‪ ،‬وعلق قلبك بالخالق‪ ،‬ول يعارض ذلك بذل‬
‫السباب‪ ،‬بل هو من خير وسائل تحقيق المراد‪.‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫صب ََر‬
‫‪ .36‬العفو زينة الرجال وتاجها‪ ،‬وما زاد الله عبدا بعفو إل عزا‪" ،‬وَل َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫موِر" )الشورى‪.(43:‬‬
‫وَغَ َ‬
‫ك لَ ِ‬
‫فَر إ ِ ّ‬
‫ن عَْزم ِ اْل ُ‬
‫م ْ‬
‫‪ .37‬الخبار السارة تنعكس آثارها على الفرد والجماعة‪ ،‬فإن لم تقدر على‬
‫صنعها‪ ،‬فكن مبّلغا ً لها‪ ،‬واحذر من بث خبر السوء فليس ذلك من شيمة‬
‫السوياء‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ .38‬كن معتدل في مواقفك وآرائك‪ ،‬واحذر الجزم والقطع بأمر ل تملك دليله‪،‬‬
‫فيكون المر خلف ما ذكرت فتندم بعد فوات الوان‪ ،‬كما حدث لخوة يوسف‬
‫ضلل ِ َ‬
‫عندما قالوا‪َ" :‬تالل ّهِ إ ِن ّ َ‬
‫م" )يوسف‪ :‬من الية ‪ ،(95‬فمن كان‬
‫ك ال ْ َ‬
‫ق ِ‬
‫ك لَ ِ‬
‫في َ‬
‫دي ِ‬
‫في ضلله ياترى؟‬
‫‪66‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ .39‬الستغفار مفتاح كل عسير‪ ،‬وجابر لقلب كل كسير‪ ،‬وهاد عند كل أمر‬
‫محير‪.‬‬
‫‪ .40‬إعادة الفضل لهله من شيم الرجال الوفياء‪ ،‬وسبب لستمرار الخير‬
‫والفضل والعطاء‪.‬‬
‫هذه بعض الدروس والوقفات‪ ،‬أسأل الله أن ينفعني والقارئين بها‪ ،‬وأن ييسر‬
‫تمام إخراجها‪ ،‬وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لقد كان في قصصهم عبرة‬
‫‪6/2/1425‬‬
‫أ‪.‬د‪ .‬ناصر بن سليمان العمر‬
‫إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه‪ ،‬ونعوذ بالله من شرور‬
‫أنفسنا‪ ،‬وسيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له‪،‬‬
‫وأشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا ً عبده ورسوله‪،‬‬
‫صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ً كثيرًا‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن" )آل‬
‫حق ّ ت ُ َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫"َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫م ُ‬
‫ن إ ِّل وَأن ْت ُ ْ‬
‫قات ِهِ َول ت َ ُ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫موت ُ ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫س ِ‬
‫عمران‪َ" ،(102:‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫صل ِ ْ‬
‫ه وَُقوُلوا قَوْل ً َ‬
‫ح ل َك ُ ْ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ديدا ً ي ُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ظيمًا"‬
‫ه فَ َ‬
‫وزا ً عَ ِ‬
‫م وَي َغْ ِ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ن ي ُط ِِع الل ّ َ‬
‫م وَ َ‬
‫م ذ ُُنوب َك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫مال َك ُ ْ‬
‫أعْ َ‬
‫قد ْ َفاَز فَ ْ‬
‫م ْ‬
‫)الحزاب‪.(71 ،70:‬‬
‫أما بعد فهذه سلسلة مقالت أقف فيها مع آيات في سورة يوسف‪ ،‬أسأل‬
‫الله أن ينفع بها‪ ،‬وسوف أسلك في الوقوف مع اليات مسلك التفسير‬
‫الموضوعي؛ لحاجة الناس إلى استخراج ما يلمس واقع حياتهم‪ ،‬من‬
‫ُ‬
‫الموضوعات التي عرضت في القرآن الكريم‪ ،‬كما أن التفسير التحليلي ألفت‬
‫فيه السفار العظام ولم يذر من ذهب لمن بقي فيه إل ّ الثر‪ ،‬ولعلي أشير‬
‫إلى ما دعت الحاجة إليه في موضوعه‪.‬‬
‫أسباب اختيار الموضوع‪:‬‬
‫أما اختياري للوقوف مع هذه اليات فقد جاء لسباب كثيرة‪ ،‬أهمها‪:‬‬
‫ ضرورة ربط واقع الناس بالقرآن والسنة‪ ،‬لما لهما من أثر على حياة الفرد‬‫والمة‪ ،‬خاصة وأن المة تعيش وهنا ً وضعفا ً لم تمر بمثله في تاريخها‪ ،‬وكلنا‬
‫َ‬
‫ن هَ َ‬
‫م"‬
‫ذا ال ْ ُ‬
‫ن ي َهْ ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫يبحث عن العلج والعلج في القرآن "إ ِ ّ‬
‫ي أقْوَ ُ‬
‫دي ل ِل ِّتي هِ َ‬
‫)السراء‪ :‬من الية ‪ ،(9‬وكلنا يرجو السلمة والنجاة من مضلت الفتن التي‬
‫تتابع والنجاة في القرآن‪ ،‬قال النبي _صلى الله عليه وسلم_ يقول‪" :‬تركت‬
‫فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي"‪.‬‬
‫فرغد الحياة في كتاب الله _جل وعل_‪ ،‬ومعالجة مشكلت الحياة في ضوء‬
‫القرآن الكريم من أقوى وسائل الخروج منها‪ ،‬بل من أقوى أسباب رقي‬
‫المة‪ ،‬والعود بها إلى سابق عهدها‪ ،‬الذي كان يعيشه السلف الصالح _رضوان‬
‫الله تعالى عليهم_‪.‬‬
‫ ومن أسباب اختيار سورة يوسف‪ :‬نزولها في وقت حرج عاشه الصحابة‬‫الكرام _رضوان الله عليهم_‪ ،‬فقد نزلت في العهد المكي‪ ،‬والمسلمون في‬
‫وقت شدة‪ ،‬ل تزال تكتنفهم أجواء عام الحزن‪ ،‬مع ترقبهم لبيعة العقبة الولى‬
‫وما ستسفر عنه‪.‬‬
‫فنزلت السورة في تلك الجواء‪ ،‬شاحذة للهمم‪ ،‬مسلية عما مضى‪ ،‬مبينة‬
‫السبيل التي سلكها من سبقهم للخروج من أزماتهم‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ففي قصة يوسف عظة وعبرة لهم‪ ،‬إذ مر _عليه السلم_ بأصناف من المحن‬
‫والبتلءات‪ ،‬ثم خرج منها جميعا ً بتوفيق الله‪.‬‬
‫وفي الوقت نفسه تعيش أمتنا اليوم وقتا ً حرجا ً من تاريخها‪ ،‬خاصة بعد الغزو‬
‫الغربي لمة السلم‪ ،‬وعودة عصور الستعمار‪ ،‬التي خلت‪ ،‬فبعد أن رزحت‬
‫المة تحت وطأة الستعمار عقودا ً ُدرست فيها معالم من علم الشريعة‪،‬‬
‫كانت ل تخفى بين الناس‪ ،‬بدأت آثار الستعمار تنحسر بقيام الصحوة‬
‫السلمية المباركة في المشارق والمغارب‪ ،‬فلم يجد العداء بدا ً من إعادة‬
‫الكرة للحيلولة بين المة وبين نهضتها‪.‬‬
‫ً‬
‫ولما كان الرتباط بين المم السابقة واللحقة وثيقا‪ ،‬لتشابه الحوال‬
‫والظروف‪ ،‬وتوافق الطبع البشري ‪ ،‬وإن اختلفت العصور واللت‪ ،‬كان من‬
‫الطبيعي أن تكون في قصة يوسف دروس تناسب حال من نزل عليهم‬
‫القرآن‪ ،‬وكذلك تناسب المسلمين في كل زمان ومكان‪،‬‬
‫ولعل من الدروس المهمة المستقاة من نزول سورة يوسف وبيان تفاصيل‬
‫قصتها للصحابة الكرام‪ ،‬في ذلك الوقت‪ ،‬هو‪ :‬بيان أن قراءة سير الولين‪،‬‬
‫وأخبار القرون الماضين‪ ،‬من أعظم السباب التي ترفع من شأن المة وتزيد‬
‫َ‬
‫م‬
‫من كفاءتها‪ ،‬ولهذا قال الله في كتابه العزيز في أكثر من موضع‪" :‬أفَل َ ْ‬
‫َْ‬
‫ض فَي َن ْظ ُُروا" )يوسف‪ :‬من الية ‪ (109‬وقد تكرر معناها‪.‬‬
‫يَ ِ‬
‫سيُروا ِفي الْر ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫ف‬
‫وقد انتزع بعض أهل العلم من قول الله _جل وعل_‪" :‬ل َ َ‬
‫س َ‬
‫كا َ‬
‫ن ِفي ُيو ُ‬
‫ن" )يوسف‪ ،(7:‬أن هناك من سأل النبي _صلى الله عليه‬
‫وَإ ِ ْ‬
‫ت ِلل ّ‬
‫خوَت ِهِ آَيا ٌ‬
‫سائ ِِلي َ‬
‫وسلم_ عن قصة يوسف فنزلت هذه السورة‪.‬‬
‫وهذا ل يعارض ما سبق بيانه‪ ،‬فالله يسر سؤال السائل وقدره لحكمة‬
‫عظيمة‪ ،‬منها ما يتعلق بواقع المسلمين إذ ذاك‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫قد ْ َ‬
‫ن" )يوسف‪:‬‬
‫وإذا تأملت قول الله‪" :‬ل َ َ‬
‫ف وَإ ِ ْ‬
‫س َ‬
‫كا َ‬
‫ت ِلل ّ‬
‫ن ِفي ُيو ُ‬
‫خوَت ِهِ آَيا ٌ‬
‫سائ ِِلي َ‬
‫‪ ،(7‬بدا لك أن اللفظ أعم وأشمل من مجرد الجابة على سؤال خاص‪ ،‬بل‬
‫اللفظ مشعر بأن فيها جوابا ً لكل سؤال‪ ،‬وهذا ما رأيته في هذه السورة‬
‫العظيمة‪ ،‬فإن هذه السورة اشتملت على أحكام شرعية تتعلق بفروع شتى‪،‬‬
‫كما أنها تطرقت لصول عظيمة تتعلق بالعقائد‪ ،‬والحكام‪ ،‬والسياسات‪،‬‬
‫والقتصاد‪ ،‬والتربية‪ ،‬والجتماع‪ ،‬وإذا تأملت خبر يوسف مع صاحبي السجن‪،‬‬
‫وجدت طرفا ً من أصول منهج الدعوة‪ ،‬فعندما سأل السجينان يوسف –عليه‬
‫السلم‪ -‬عن الرؤيا بدأ بالتوحيد‪ ،‬فدعا إليه رغم ظروف سجنه‪ ،‬ولم يعد‬
‫السجن عائقا ً عن الدعوة‪ ،‬بل جاء في السورة تقرير منهج الدعوة مجم ً‬
‫ل‪:‬‬
‫َ‬
‫"ق ُ ْ‬
‫ما‬
‫سِبيِلي أ َد ْ ُ‬
‫عو إ َِلى الل ّهِ عََلى ب َ ِ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ن ات ّب َعَِني وَ ُ‬
‫ل هَذِهِ َ‬
‫ن الل ّهِ وَ َ‬
‫صيَرةٍ أَنا وَ َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫ن" )يوسف‪.(108:‬‬
‫شرِ ِ‬
‫أَنا ِ‬
‫ن ال ُ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫والمة الن قد بعدت عن عهد النبوة‪ ،‬وبعدت في بعض جوانب حياتها عن‬
‫المنهج النبوي‪ ،‬وحدث الخلل في المنهج‪ ،‬وتبعا ً لذلك تأخر النتصار وضعفت‬
‫نتائج الدعوات‪ ،‬وفي هذه السورة بيان المنهج النبوي الذي إن أخذنا به‪ ،‬فلن‬
‫نضل مصداقا ً لقوله _صلى الله عليه وسلم_‪" :‬تركت فيكم ما إن تمسكتم به‬
‫لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي"‪.‬‬
‫وبالجملة فإن في السورة أحكاما ً تتعلق بجميع شؤون الحياة‪ ،‬سيتناول‬
‫الحديث _إن شاء الله_ بعضها في حلقات مقبلة‪.‬‬
‫ولعلي أتمم هذا المقال بآخر أفرده لذكر شيء مما جاء في هذه السورة‬

‫‪68‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العظيمة‪ ،‬وما تعرضت له من حكم وأحكام‪.‬‬
‫َ‬
‫أسال الله أن ينفعنا بالقرآن‪ ،‬وأن يرزقنا العبرة بما نسمع‪ ،‬وصدق الله "لقَد ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫فت ََرى" )يوسف‪ :‬من الية‬
‫ديثا ً ي ُ ْ‬
‫م ِ‬
‫ح ِ‬
‫ص ِ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫كا َ‬
‫ب َ‬
‫صهِ ْ‬
‫عب َْرة ٌ ِلوِلي اْلل َْبا ِ‬
‫ن ِفي قَ َ‬
‫‪.(111‬‬
‫وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لقد نجحت حماس فهل ينجح الشعوب والقادة المسلمون ؟‬
‫لم تفتضح أمريكا ودول الغرب أول مرة‪ ،‬وإنما ظّلت – وستظ ّ‬
‫ل – تفتضح في‬
‫قارعة الطريق فيما يتعلق بديموقراطّيتها المزعومة التي اّتخذتها "عجل ً‬
‫دا له خوار" لتضليل الشعوب والمم في أرض الله الواسعة في جانب‪،‬‬
‫جس ً‬
‫ة لتحقيق مآربها من الشعوب‬
‫ة – مطي ّ ً‬
‫ة المزعوم َ‬
‫واتخذتها – الديموقراطي َ‬
‫حها بالموقف‬
‫والمم في جانب آخر؛ ولكّنها ربما لم تفتضح في الماضي افتضا َ‬
‫الظالم الذي وقفته من "حماس" التي انتخبها الشعب الفلسطيني في‬
‫ض‬
‫النتخابات العامة التي مضت لتحكمه وت ُك ْ ِ‬
‫س َ‬
‫ن وبع َ‬
‫ب الفلسطينيين الم َ‬
‫َ‬
‫ي الخادع‬
‫ل ال ّ‬
‫القناعة التي ظّلوا يفتقدونهما منذ أن ب َد َأ عر ُ‬
‫سلم ّ‬
‫ض المسلس ِ‬
‫ة‪.‬‬
‫ة ومظلومي ّ ً‬
‫برعاية أمريكا‪ ،‬الذي لم يزدهم إل ّ استعباًدا وتبعي ّ ً‬
‫م َ‬
‫ل معها في الحكم‬
‫ب حرك َ‬
‫جّر َ‬
‫ي الذي َ‬
‫الشع ُ‬
‫ة "فتح"‪ ،‬وت ََعا َ‬
‫ب الفلسطين ّ‬
‫والدارة طويل ً هو الذي است َب ْد َ َ‬
‫وت‬
‫ل "حماس" بها‪ ،‬وأولها الغلبي َ‬
‫ة‪ ،‬و َ‬
‫ص ّ‬
‫جّرب إسلمي َّتها وانتماءها الفلسطيني الواقعي مقاب َ‬
‫لصالحها مقاب َ‬
‫ل‬
‫ل "فتح" لي ُ َ‬
‫علمانّية "فتح" وميوعتها وضياعها بالنتماء غير السلمي‪ ،‬وبالولء للعلمانّية‬
‫الغربّية‪ ،‬وبالتن ّ‬
‫قا في طريق السلم‬
‫ما عائ ً‬
‫ي الذي اعتبرته دائ ً‬
‫كر للتجاه الدين ّ‬
‫وإكسابها هوّية "العتدال"‪.‬‬
‫سا لمصداقية أمريكا والغرب في‬
‫إن انتصار "حماس" على "فتح" كان مقيا ً‬
‫َ‬
‫ن لها وتتظاهران بالخلص‬
‫شأن الديمقراطية التي ظلتا – ول تزالن – ت ُطّبل ِ‬
‫حا‬
‫في عبادتها وتقديسها وإيثارها على جميع الحقائق السياسّية باعتبارها مفتا ً‬
‫سه بنفسه في سيادة مطلوبة‬
‫ذكّيا للنصاف مع الشعب وحكم الشعب نف َ‬
‫وبصلحية منشودة وبحرّية مطلقة غير مقصوصة الجناح ‪.‬‬
‫فعداؤهما – أمريكا والغرب – لحماس واعتراضهما طريقَ حماس إلى‬
‫الحكم ‪ ،‬وفرضهما عليها الحصار القتصادي والعزل السياسي وإشارتهما على‬
‫إسرائيل بالمتناع الكامل عن دفع ما لديها من مبالغ الضرائب التي يدفعها‬
‫الفلسطينيون لصالح حكومتهم وإدارتهم‪ ،‬وتهديدهما البنوك في العالم كله‬
‫غ‬
‫ت المبال َ‬
‫ولسّيما في الدول العربية وبالذات في دول الجوار بالويل إذا َ‬
‫حوّل َ ْ‬
‫التية من مسلمي العالم إلى الفلسطينيين‪ .‬ما إن وصلت حماس إلى الحكم‬
‫حتى فرضت أمريكا والتحاد الوربي الحصاَر القتصاديّ الشامل ضدها‬
‫وامتنعت عن التعامل معها بشكل من الشكال‪ ،‬مرددة كلمة واحدة‪ :‬لتعترف‬
‫حماس بإسرائيل وبسريان مفعول التفاقيات السلمية المبرمة بين إسرائيل‬
‫صّرحت حماس‬
‫وفتح ‪ ،‬ولتنته عن إرادتها لمقاومة إسرائيل المسلحة‪ .‬وقد َ‬
‫وت‬
‫أّنها لن تخضع أمام شروط أمريكا والغرب وإملءاتهما الظالمة وقد َ‬
‫ص ّ‬
‫الشعب الفلسطيني لصالح موقفها السلمي ومبدئها المتمثل في المقاومة‬
‫والصمود في وجه الوحشية السرائيلية ‪.‬‬
‫مهما الديموقراطية‬
‫لقد ثبت بما ليدع مجال ً للشك أ ّ‬
‫ن أمريكا والغرب ليه ّ‬
‫ومبادئ العدل وحقوق النسان ومصالح الشعوب والمم – التي تتظاهران‬

‫‪69‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بالتعاطف معها – وإنما يهمهما أول ً وآخًرا المصالح الغربية المريكية‬
‫الصهيونية الصليبية ‪ .‬فكل شيء معبود لديهما ومقدس عندهما إذا ساعدهما‬
‫على تحقيق هذه المصالح‪ ،‬وكل شيء مرفوض مردود إذا عارضهما في‬
‫مصالحهما‪ .‬فالديموقراطية ومبادئ العدل وحقوق النسان وغيرها من‬
‫الشعارات البراقة كلها تخضع لمقياس المصالح‪ ،‬ومعيار النانية المريكية‬
‫الغربية ‪.‬‬
‫ومحاربتهما "حماس" والتجاهات السلمية في كل مكان في العالم باسم‬
‫محاربة "الرهاب" ليست أول دليل على نفاقهما ولكنهما دائما تبّنتا الظلم‬
‫والستعمار والستعباد تجاه السلم والمسلمين‪ .‬ليس العجيب موقف الغرب‬
‫وأمريكا تجاه كل ما يمت إلى السلم بصلة‪ ،‬وإنما العجيب تغاضي القادة‬
‫والحكام المسلمين والعرب عن كل موقف عدائي للغرب وأمريكا من‬
‫السلم ‪ ،‬واعتبار ذلك نابًعا من المبدئّية وآلّية العدل والنصاف ‪.‬‬
‫در الله –‬
‫ن تراجع حماس – إذا اضطرت ولم يبق لديها إل ّ خيار التراجع ل ق ّ‬
‫إ ّ‬
‫دة بالتقاعد العربي والتجاهل‬
‫مم ّ‬
‫أمام الضغوط المريكية الغربية العالمية ال ُ‬
‫م من قبل الحكام المسلمين‪ ،‬سيكون خسارة غير‬
‫السلمي والتخاذل العا ّ‬
‫مسبوقة في تاريخ الصراع العربي السرائيلي‪ ،‬وسيكون خطأ لن يغفره‬
‫التاريخ‪ .‬وقد نجحت حماس في المتحان وبقي أن تنجح الشعوب والقادة‬
‫المسلمون ‪ ،‬وأن يقولوا لمريكا والغرب‪ :‬اصنعا ماشئتما فإننا قد آثرنا أن‬
‫نحتفظ بحق تقرير مصيرنا بأيدينا‪ ،‬وها نحن الشعوب والحكام المسلمين‬
‫العرب قد تعاضدنا وتضامّنا واّتحدنا‪ ،‬ولحاجة بنا إليكم أيها الغرب‬
‫والمريكان ‪ .‬إليكم أيها الكلب والذئاب‪ ،‬فلوموا ما بدا لكم واغضبوا وموتوا‬
‫بغيظكم في أيّ واد شئتم ‪ .‬لقد آن الوقت أن نقاطع أمريكا والغرب وكل‬
‫دول العالم تود ّ أن تحاصرنا مثل ما صنعنا في قضية الرسوم المسيئة إلى‬
‫سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬فاهتز العالم وارتعد الغرب‬
‫والشرق ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫إن الساعة تتطلب من الجماهير والقادة المسلمين الوقفة الشجاعة الصامدة‬
‫الجريئة ‪ :‬وقفة صلح الدين ‪ ،‬وفقة السلطين والقادة المسلمين الصالحين ؛‬
‫ل كل قضية عالقة‪ ،‬وكل أزمة معقدة‪ ،‬وكل مشكلة تستعصي على الح ّ‬
‫لتنح ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫فهل تتحقق هذه الوقفة بإذن الله؟! إن الشعوب السلمية في كل مكان في‬
‫العالم ينتظرونها بفارغ الصبر ‪] .‬التحرير[‬
‫)تحريًرا في الساعة ‪ 10‬من صباح يوم السبت ‪ /11‬ربيع الثاني ‪1427‬هـ =‬
‫‪/20‬مايو ‪2006‬م(‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لقطات من رحلتي مع نحلة‬
‫التاريخ ‪11/11/2005 :‬‬
‫الكاتب ‪ :‬طارق حسن السقا ‪ ...‬الزوار ‪4043 :‬‬
‫> ‪<tr‬‬
‫دفعتني نحلة إلى رحلة‪ .‬الرحلة لم أكن قد خططت لها‪ .‬و مكان الرحلة كان‬
‫إلى عالم النحل العجيب‪ .‬سبب هذه الرحلة حديث نبوي‪.‬فلقد قرأت ما جاء‬

‫‪70‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في شعب البيهقي عن مجاهد قال ‪ :‬صاحبت عمر بن الخطاب رضي الله عنه‬
‫من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫إل هذا الحديث‪- :‬‬
‫" إن مثل المؤمن كمثل النحلة‪.‬‬
‫إن صاحبته نفعك‪،‬‬
‫وإن شاورته نفعك‪،‬‬
‫وإن جالسته نفعك‪،‬‬
‫وكل شأنه منافع "‬
‫ودفعني هذا التشبيه إلى تلكم الرحلة‪ .‬و كان القصد من ورائها الجابة على‬
‫سؤال ‪ 0‬لماذا شبه الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن الحق بالنحلة ؟‬
‫خاصة أنه قال في حديث آخر ‪-:‬‬
‫" المؤمن كالنحلة‬
‫إن أكلت أكلت طيبا‬
‫وإن وضعت وضعت طيبا‬
‫وإن وقعت على عود لم تكسره "‬
‫وأثناء رحلة البحث عن الجابة عن هذا السؤال جاءت هذه اللقطات ‪.‬‬
‫اللقطة الولى‪:‬‬
‫يظهر فيها حسن تعامل النحل مع أوامر ربه ‪.‬يظهر فيها كيف يتعامل هذا‬
‫المخلوق مع أوامر الخالق فمنذ أن أوحى الله سبحانه وتعالى إلي النحل "‬
‫وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما‬
‫يعرشون* ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذلل‪)"......‬النحل ‪(69‬‬
‫منذ ذلك الوقت يستحيل أن تجد للنحل بيوتا في غير هذه المكنة الثلث ‪:‬‬
‫الجبال ‪ ..‬والشجر‪ ..‬والبيوت‪ .‬على نفس ترتيب الية‪ .‬أمر من الله‪ .‬أعقبه‬
‫تنفيذ من النحل‪.‬بل تسويف ول تحايل ول تباطؤ ‪.‬‬
‫أنها صورة تعكس أرقى درجات السمع والطاعة للخالق من مخلوق‪.‬‬
‫ومن حسن المتثال وكمال السمع والطاعة عند النحل ‪ ,‬تجد أيضا أن أكثر‬
‫بيوت النحل في الجبال – وهي المتقدمة في الية ثم الشجر ثم فيما يعرش‬
‫الناس ويبنون بيوتهم ‪ .‬وكذلك تجد أن أرقى وأجود أنواع العسل هي عسل‬
‫نحل الجبال ثم عسل نحل الشجر ثم عسل نحل البيوت ‪ .‬وهنا ل يجب أن‬
‫يفوتنا أن نضع هذه الصورة جنبا إلى جنب مع صورة تعاملنا نحن بني البشر‬
‫مع أوامر ربنا عز وجل ‪ .‬لنقارن‪ ..‬ونقارن‪ ..‬ونمعن في المقارنة‪ .‬علنا ندرك‬
‫جانبا من الجابة علي السؤال‪ :‬لماذا شبه الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫المؤمن الحق بالنحلة ؟ ‪.‬‬
‫ومن طبائع النحل المعروفة والتي تدل على حسن امتثاله لوامر ربه‪ ,‬أنه‬
‫دائما ما يتخذ البيوت قبل المراعى ‪ .‬فهي إذا ما أصابت موضعا مناسبا بنت‬
‫فيه بيوتها أول‪ .‬ثم بعد ذلك تخرج من تلك البيوت ترعى وتأكل من كل‬
‫الثمرات ثم تأوي إلى بيوتها ‪ .‬لن ربها سبحانه وتعالى أمرها بذلك ‪ .‬أمرها‬
‫باتخاذ البيوت أول ثم الكل بعد ذلك ‪ .‬وهنا قد تبعد المراعى عن البيوت‬
‫الميال والميال‪ .‬وقد يفصل بين المراعي وبيوت النحل السهول و الجبال‪.‬‬
‫وقد يتطلب هذا من النحل عبور الروابي والوديان ‪ .‬ومع ذلك فإن طاعتها‬
‫لربها جعلها تنسى بعد المسافات وكثرة المشقات‬
‫فالمؤمن الحق – كالنحل – يجب أل يفكر إل في تنفيذه الوامر الربانية‪ .‬أما‬
‫المشقات ‪ ,‬والتبعات ‪ ,‬والمنغصات فهي أمور ثانوية يجب أل يفكر فيها‬
‫المسلم ‪ .‬لنه لو فكر فيها فربما تلكأ أو تباطأ أو قصر ‪ .‬ولكن طالما أن المر‬
‫‪71‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من عند الحق فيجب أن ل يشغل بال المؤمن الحق غير تنفيذ أمر الحق ‪.‬‬
‫وهكذا يفعل الصالحون‪.‬‬
‫انظر إلى نبي الله نوح لما أمره الله بأن يصنع الفلك في البيئة الصحراوية‬
‫‪.‬وانظر إلي سيدنا موسى لما أمره الله ‪" :‬أن اضرب بعصاك البحر ‪ .‬وانظر‬
‫كيف تعامل سيدنا إبراهيم مع أمر الله له بذبح إسماعيل‪ .‬وكلها أوامر تفوق‬
‫قدرات عقول البشر ‪ .‬لكن انظر كيف كانت درجة السمع والطاعة من هؤلء‬
‫جميعا وكيف كانت النتائج ‪ .‬ليتأكد لك أن السعادة والفوز يكمنان في حسن‬
‫تنفيذ العبد لوامر ربه‪ ,‬حتى ولو كانت هذه المور تفوق قدرات عقولنا‬
‫القاصرة ‪,‬أو حتى عجزنا عن استيعاب مرامي التكاليف ساعة التنفيذ‪. .‬‬
‫اللقطة الثانية ‪:‬‬
‫وتظهر فيها كيف أن النحل يقضي حياته في حركة ونشاط وانتقال من طيب‬
‫إلى أطيب‪ ,‬ومن أثر نافع إلى أنفع‪" .‬فمن اجل أن تقوم النحلة بإطعامنا كيلو‬
‫جرام واحد ومن العسل أنها تقوم بما يقرب ‪600‬ألف إلى ‪800‬الف طلعة‬
‫وتقف على مليون زهرة وتقطع ما يزيد عن ‪10‬أضعاف الكرة الرضية رغم‬
‫الرياح والنواء"‪ .‬وكأن الرسول لما شبه المؤمن الحق بالنحلة أراده أن يتمثل‬
‫هذا الخلق‪ .‬وأراده أن يتحلى بثقافة النحل في السمو ‪ ,‬وعلو الهمة‪ ,‬والتعامل‬
‫مع المور بجدية‪ ,‬وقوة من يبتغي وجه الله‪-:‬‬
‫طالب العلم مع علمه‪.‬‬
‫والعامل في صناعته‪.‬‬
‫والتاجر في تجارته‪.‬‬
‫والمزارع في زراعته‪.‬‬
‫و الداعي إلى الله في دعوته‪.‬‬
‫فل فلح لكل من ينتج إنتاجا ماديا أو معنويا دون أن تسود بينهم ثقافة النحل‬
‫في النفع والعطاء ‪.‬‬
‫اللقطة الثالثة‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ويظهر فيها كيف أن النحل يجيد توظيف الطاقات ‪ .‬فالنحل يجيد هذه‬
‫المهارة‪ .‬وهذه مهارة لزمة للمم والفراد والجماعات ‪ .‬ول يرقى النسان إل‬
‫بها ‪ .‬فمن النحل من يعمل العسل‪ ,‬وبعضها يعمل الشمع‪ ,‬وبعضها يسقي‬
‫الماء‪ ,‬وبعضها يبني البيوت‪ ,‬وبعضها يقوم بأعمال النظافة ‪،‬وبعضها يقوم‬
‫بأعمال التكييف والتبريد والتهوية ‪ ,‬وبعضها يقوم بالتلقيح ‪ ,‬وبعضها يقوم‬
‫الستكشاف والستطلع ‪ .‬الكل يعمل وينتج‪ .‬كل حسب سنه ووظيفته‬
‫وقدراته وميوله واستعداداته ‪ .‬فلقد علمنا النحل من خلل هذه اللقطة أنه‬
‫من ل يجيد توظيف الطاقات يغرق في العثرات ‪ .‬ولعل الرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم كان ينوه‪ -‬لي ولك‪ -‬أن يتحلى كل منا به بهذا الخلق ‪.‬‬
‫اللقطة الرابعة ‪:‬‬
‫ويظهر فيها أحد طبائع النحل العجيبة ‪ .‬فالنحل يرفض رفضا باتا أن يوجد في‬
‫مملكته عاطل عن العمل " فمن طبائع النحل أنها ل تترك عندها بطال إل‬
‫نفته وأبعدته وأقصته عن الخلية ‪ .‬لنه‬
‫يضيق المكان ‪.‬‬
‫ويفني العسل ‪.‬‬
‫ويعلم النشيط الكسل "‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وهذه مهارة إدارية راقية ما أحوجنا أن نتمثلها واقعا في حياتنا الدارية ‪ .‬فلو‬
‫علم كل عامل في مؤسسته أن مصيره القصاء مالم يؤدي ما هو مطلوب‬
‫منه ‪ .‬وما لم يحقق ما هو مطلوب منه من مستهدفات حسب خطة‬
‫المؤسسة العامة التي يعمل فيها ‪ ,‬لعاد ذلك بمردود ايجابي على المة ‪ .‬أما‬
‫أن تدخل المؤسسات الحكومية في بلد المسلمين وتجدها مكتظة بالعشرات‬
‫ممن ل وظائف لهم ول عمل لهم فهذه انتكاسة‪.‬‬
‫لقد وصلت المؤسسات الصناعية العظمى في اليابان وأوروبا إلى ما وصلت‬
‫إليه من رقي وارتقاء وتقدم بفضل تطبيقها لهذه السياسة الراقية التي يجب‬
‫أن نتعلمها نحن من النحلة ‪.‬‬
‫اللقطة الخامسة ‪- :‬‬
‫تظهر كيف أن النحل يفضل العمل في صمت وهدوء وبعيدا عن أعين الناس‪.‬‬
‫فيروى أن آرسطاطاليس صنع بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما يصنع‬
‫النحل ‪ .‬فأبت أن تعمل حتى لطخته بالطين من الداخل ‪ .‬لطخته بالطين حتى‬
‫تنأى بنفسها عن الظهور ‪ .‬وكأنها وعت خطورة آفة الرياء والنفاق وحب‬
‫الظهور وحب الرياسة وكلها آفات مهلكات‪ .‬لطخة بيتها بالطين من الداخل‬
‫بحثا عن الخلص ‪ .‬وكأنها تدرك قول ابن القيم رحمه الله تعالى(‪ :‬الخلص‬
‫أل تطلب على عملك شاهدا ً غير الله ‪ ،‬ول مجازيا ً سواه(‪ .‬لطخته وكأنها‬
‫أرادت أن ترسل لنا من‪ -‬خلف الطين ‪-‬رسالة مفادها أن عليكم بالخلص في‬
‫كل أعمالكم وأقوالكم ‪ .‬فالخلص وهو قارب النجاة من الغرق في بحر‬
‫النفاق والشرك والرياء وحب الظهور وبوار العمال نعوذ بالله من ذلك ‪ .‬و‬
‫لعله الدرس الذي أراد الرسول صلى الله عليه وسلم من تشبيه المؤمن‬
‫بالنحلة أن يأخذه عنها و يتعلمه منها ‪.‬‬
‫اللقطة السادسة ‪- :‬‬
‫ويظهر فيها مجموعة الفات التي تعوق النحل عن العمل والنتاج والتميز هذه‬
‫الفات هي ‪- :‬‬
‫‪ – 1‬الظلم‬
‫‪ – 2‬الغيوم‬
‫‪ – 3‬الرياح‬
‫‪ – 4‬الدخان‬
‫‪ - 5‬الماء‬
‫‪ – 6‬النار‬
‫وكذلك المؤمن –له آفات تبعده عن العمل والنتاج والتميز في حياته منها ‪- :‬‬
‫‪ – 1‬ظلم الغفلة‬
‫‪ -2‬غيوم الشك‬
‫‪ – 3‬رياح الفتنة‬
‫‪ – 4‬دخان الحرام‬
‫‪ – 5‬ماء السمعة‬
‫‪ – 6‬نار الهوى ‪ .‬كما قال ابن الثير‬
‫اللقطة السابعة‪- :‬‬
‫ويظهر فيها مجتمع النحل وهو ل يستطيع أن يعيش أو ينتج أو يعمل إل في‬
‫جماعات ‪ .‬جماعات يحكمها تنظيم دقيق مبهر ‪ .‬تنظيم تتوزع فيه‬
‫الختصاصات المسؤوليات والمهام في عيش جماعي رائع وتكافل عجيب ‪.‬‬
‫فإذا ما انعزلت إحداها عن جماعتها لسبب من السباب فإنها تسارع إلى أن‬
‫تنضم إلى جماعة أخرى من طبيعتها ‪ .‬إذا قبلتها فنعمت ‪ .‬وإن لم تقبلها فإنها‬
‫‪73‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تموت ‪.‬نعم تموت ‪ .‬تموت ببعدها عن الجماعة ‪ .‬فكأنها تدرك أن (الجماعة‬
‫رحمة و الفرقة عذاب ( و‪ .‬كأنها تعلم ) أن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ‬
‫في النار( ‪،‬و كأنها وعت قول سيدنا على رضي الله عنه ‪ ):‬كدر الجماعة خير‬
‫من صفو الفرد)‪ .‬كأنها تريد إن تذكرنا‪ -‬ونحن في زمن التشرذم‪ -‬بما جاء في‬
‫من فارق الجماعة شبرا ً فمات‪ ،‬فميتة جاهلية«‪.‬‬
‫الصحيحين‪» :‬أن َ‬
‫اللقطة الثامنة‪- :‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ويظهر فيها إلى حسن استخدام النحل إلى الوقت ‪ .‬فالنحل لديه قدرة فائقة‬
‫على الستخدام المزدوج للوقت‪ .‬فهو ل يضيع وقته أبدا فيما ل فائدة منه‪ .‬بل‬
‫يستغل كل ثانية فيما هو نافع ‪ ".‬فمثل في طريقها الذي قد يصل إلى‬
‫عشرات الكيلو مترات من مكان رحيق الزهار إلى خلياها‪ .‬تجري النحلة عدة‬
‫عمليات كيميائية بالغة التعقيد لتحويل الرحيق إلى عسل‪ .‬ويتم هذا في‬
‫الطريق ول تنتظر حتى تعود‪ " .‬ولقد أخذ اليابانيون هذه الفكرة من النحل‬
‫في مجال الصناعة ‪ .‬فمعروف أن اليابان ليس عندها مواد أولية ‪ .‬وهم من‬
‫كبار مصدري الستانلس‪.‬هذه المادة تتواجد بوفرة في استراليا ‪.‬والمسافة‬
‫بين البلدتين شاسعة ‪ .‬فصنع اليابانيون بواخر عملقة تصل إلى أواخر استراليا‬
‫‪ .‬تأخذ المواد الولية من هناك ‪ .‬وفي الطريق إلى أسواق الشرق الوسط يتم‬
‫تصنيع هذه المواد الولية في البواخر أثناء العودة ‪ .‬ثم يتم تسليمها مصنعة‬
‫جاهزة إلى أسواق المستهلكين في كل مكان ‪ .‬وهذا ما تفعله النحلة ‪ .‬وهذا‬
‫ما يجب أن يتحلى به المؤمن الحق‪ .‬فالوقت سلح ارتقى من أتقن حسن‬
‫استغلله وتعس من عطله ‪ .‬وتاريخ المم خير شاهد‪ :‬فالمة التي ل تنشئ‬
‫أبنائها على كيفية إتقان إدارة الوقت والستفادة من كل وحداته أمة مهزومة‬
‫ل يمكن لها ول لبنائها أن يرتقوا أو يتبوؤا منزلة بين العظماء ‪.‬‬
‫وفي النهاية‬
‫هذا عرض سريع لعدد من اللقطات السريعة التي سجلها الباحث خلل هذه‬
‫الرحلة ‪ .‬ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم لما شبه المؤمن الحق بالنحلة‬
‫كان يدعونا إلى أن نتمثل هذه الصفات واقعا في حياتنا ‪:‬‬
‫‪ .1‬فمن خصائص ملك النحل أنه ليس له حمية يلدغ بها أحد في مملكته ‪.‬‬‫‪ .2‬أنه يتصف بالعدل والنصاف بين أعضاء مملكته ‪. .‬‬‫‪ .3‬ملك النحل ل يسمح لمتطفل ول لعدو أن ينتهك حرمة بيتها ‪.‬‬‫‪ .4‬ملكة النحل ترعى صغارها وتهتم بهم اهتماما ل حدود له‪.‬‬‫‪ .5‬إن اتخاذ القرار في عالم النحل عملية تحكمها أرقى درجات الشورى‬‫والتشاور ‪.‬‬
‫‪ .6‬النحل دائما ما يتنزه عن النجاسات والقذار ‪.‬‬‫‪ .7‬النحل ل يأكل إل طيبا ‪.‬‬‫‪ . 8‬النحل ل يأكل من كسب غيره ‪.‬‬‫‪ .9‬النحل ل يأكل إل قدر شبعه ‪.‬‬‫‪ - .10‬إذا قل غذاء النحل ) العسل ( قذفه بالماء ليكثر خوفا على نفسه من‬‫نفاذه ‪.‬‬
‫‪ - .11‬النحل ل يشرب من الماء إل ما كان صافيا عذبا ‪ .‬ويجد في طلبه مهما‬‫بعد ‪.‬‬
‫‪ .12-‬النحل أصغر المخلوقات حجما وأضعفها بنية إل أنها الكثر عطاء‬

‫‪74‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وتأثيرا ‪.‬‬
‫‪ .13‬بيت النحل تنطبق عليه أرقى المواصفات الهندسية في العمران‬‫والبنيان ‪.‬‬
‫‪ .14‬النحل يسير في سبيل جمع الرحيق بسرعة ‪ 60‬كم ‪ /‬ساعة وهو ما‬‫يعادل عشرة أمثال سرعة النسان ‪.‬‬
‫‪ .15‬يعرف عن النحل قلة آذاه ‪.‬‬‫‪ .16‬يعرف عن النحل النظافة الكاملة والتامة ‪.‬‬‫‪ .17‬النحل يسعى في النهار سعيا ل حدود له ‪.‬‬‫‪ .18‬النحل يوفر الجهد والوقت على بعضه البعض ‪.‬فإذا ما وقعت نحلة على‬‫مص رحيقها من قبل‬
‫زهرة وامتصت رحيقها فإنها تترك علمة أن هذه الزهرة ُ‬
‫حتى توفر الجهد والعناء على بني جنسها ‪.‬‬
‫إن حشرة بهذه الصفات وهذه القدرات وهذا السمو وهذا الرقي لجديرة بأن‬
‫يشبه بها المؤمن الحق كما يريده الله ورسوله‪.‬‬
‫ولما قال صلى الله عليه وسلم ) كل الذباب في النار إل النحل (جاء هذا‬
‫الكلم ‪.‬وكأنه يحمل في طياته بشارة للمسلم الذي تعرف على طبائع هذه‬
‫الحشرة وتعلم منها وسلك مسلكها أن يحرم جسده على النار‪ .‬فكما استثنى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم النحل من بين الذباب من دخول النار‪.‬‬
‫فلعل الله يستثنى المسلم العامل بهذه الخلق السامية وهذه الطبائع وهذه‬
‫المهارات من بين بقية البشر ويحرم جسده على النار لينعم بصحبة النبيين‬
‫والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا ‪.‬‬
‫طارق حسن السقا‬
‫‪alsaqa22@hotmail.com‬‬
‫برمبال القديمة‪ -‬أغسطس ‪2005‬م‬
‫‪----------------------------------‬‬‫المراجع ‪- :‬‬
‫‪ -1‬حياة الحيوان – الدميري – باب النحل – ص ‪1249‬‬‫‪ 2‬بحث بعنوان‪:‬التكوين الجتماعي في عالم النحل كما صوره القرآن الكريم‬‫– د‪ /‬يحيى البشتاوي – موقع الهيئة العالمية للعجاز العلمي في القرآن‬
‫والسنة ‪.‬‬
‫‪http://www.nooran.org/H/H5/2.htm‬‬
‫‪ --3‬ندوات العجاز العلمي ‪ :‬الندوة ‪ : 30 / 08‬النحل ‪ ،‬لفضيلة الدكتور محمد‬
‫راتب النابلسي‬
‫‪http://www.nabulsi1.com/text/10nadwat/913-all/913-02d.html‬‬
‫‪-4‬من أسرار عالم النحل – مقال الدكتور حسان شمسي باشا‬
‫‪http://www.khayma.com/chamsipasha/Bee.htm‬‬
‫طارق حسن السقا‬
‫)‪(3 /‬‬
‫لقطات من كأس العالم‬
‫المصدر‪/‬المؤلف‪ :‬موقع طريق السلم ‪ ...‬أرسلها لصديق‬
‫عرض للطباعة‬
‫عدد القّراء‪1460 :‬‬
‫الحمد لله وكفى وسلم على عباده الذين اصطفى أما بعد ؛‬

‫‪75‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فقد أظلنا توقيت مسابقة كأس العالم التي تطل علينا كل أربعة أعوام‪ ،‬ول‬
‫شك أن الرياضة شيء جميل حض عليه الشرع‪ ،‬بل الرياضة تتحول إلى‬
‫عبادة بالنية الصالحة ول شك‪ ،‬ولكن لنا وقفات مع لقطات حية من كأس‬
‫العالم‪.‬‬
‫الوقفة الولى‪:‬‬
‫تدشن الدول العربية والسلمية معظم مساحة إعلمها تقريبا ً لخدمة كأس‬
‫العالم‪ ،‬سواء الفضائي أو الصحافي‪ ،‬في الوقت الذي تنال الدعوة السلمية‬
‫من نفس العلم نذرا ً يسيرا ً في وقت يبني فيه الغرب حضارته على‬
‫أساسين؛ أولهما العقيدة الراسخة )من خلل أيدلوجيات فلسفية استبدلوا بها‬
‫دينهم( وثانيهما‪ :‬المنظومة الثقافية العلمية التي ل غنى لحضارة عنها‪ ،‬في‬
‫وقت تحتل مساحة البرامج العلمية والثقافية الهادفة أقل المساحات في‬
‫إعلم كأس العالم العربي والسلمي‪ ،‬وبالطبع في غير وقت كأس العالم‬
‫ل ول تم ّ‬
‫فالمسلسلت والفلم التي تدمر تصورات الجماهير ل تك ّ‬
‫ل مما يدل‬
‫ً‬
‫على أننا قلبنا هرم الولويات فجعلنا الرياضة الترفيهية أصل وبناء الحضارة‬
‫تابعًا‪ ،‬فأين العقول !!‬
‫الوقفة الثانية‪:‬‬
‫في الوقت الذي ل يجد فيه معظم شباب الدول السلمية والعربية والتي في‬
‫من‬
‫أغلبها من الدول النامية‪ ،‬ليجد معظم الشباب ما يسد رمقهم فضل ً ع ّ‬
‫تقوم بها أسر جديدة‪ ،‬تقوم هذه الدول بالصرف على مدربين أجانب ولعبي‬
‫وفَر لقامت به مشروعات تكفي لمعيشة‬
‫كرة ومعسكرات تدريب ما لو ت ُ‬
‫اللف من السر الشابة‪ ،‬فهل الكرة مقدمة على بناء المجتمعات؟!‬
‫الوقفة الثالثة‪:‬‬
‫يشارك في كأس العالم دول استعمارية استباحت ديار المسلمين فسفكت‬
‫الدماء وهتكت العراض على مسمع ومرأى من العالم الصامت‪ ،‬وبالطبع كل‬
‫لعب من لعبيها لو دعي إلى الدخول في قواها العسكرية ما استطاع‬
‫الرفض‪ ،‬فكيف بمن يهتف لمغتصب أخته وقاتل أخيه وأين الولء لله‬
‫وللرسول وأين البراء ممن عادى الله ورسوله ‪.‬‬
‫الوقفة الرابعة‪:‬‬
‫تتركز كاميرات مصوري هذا الحدث الرياضي على إبراز مفاتن نساء الغرب‬
‫من المشاهدات فيما ل يعد عيبا ً في عرفهم ول أخلقهم‪ ،‬فكيف بنا وقد قال‬
‫الله تعالى‪ :‬قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم فعليك بغض بصرك عما حرم‬
‫ربك‪ ،‬وكيف بنسائنا وقد أطلقن لعينهن العنان والله يقول‪ :‬وقل للمؤمنات‬
‫يغضضن من أبصارهن وكيف ببناتك المراهقات أخي الكريم وقد تأثرن بنساء‬
‫الغرب‪ ،‬والمصيبة في التقليد العمى وقد وصل المر إلى ظهور بنات العالم‬
‫العربي في ملعب كرة القدم بنفس طريقة الغربيات ممن ل خلق لهم ول‬
‫دين‪ ،‬فأين ذهبنا وأين ذهبت أخلقنا !‬
‫الوقفة الخامسة‪:‬‬
‫يتأثر المشاهد العربي والمسلم بالفرق الهائل في المستوى بين لعبي دولته‬
‫وبين لعبي الغرب مما يكسب البعض مْركبات النقص والنهزامية‪ ،‬بل قد‬
‫يصل ببعضهم الحال إلى عزوِ ما نحن فيه إلى السلم‪ ،‬ولهؤلء أقول‪ :‬إن‬
‫ما تركناه وراء ظهورنا واتبعنا كل‬
‫عزتنا الحقيقية في ديننا وما عََلتنا المم إل ل ّ‬
‫ناعق‪ ،‬والحق أننا تأخرنا حضاريا ً ولكن المتابع للتاريخ يعلم أن المة مرت‬
‫ما عادت لكتابها ودينها‬
‫بعصور ضعف أكبر بكثير من عصرنا الحاضر‪ ،‬ول ّ‬
‫عّزها‪ ،‬ولك أخي الكريم في وضع المسلمين‬
‫وعرفت ربها عادت لسيادتها و ِ‬
‫‪76‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ُ‬
‫وة‪ ،‬راجع ما اكتنف المسلمين من‬
‫قبل فتح صلح الدين بيت المقدس أ ْ‬
‫س َ‬
‫ضعف قبل الفتح وما علها من عزة بعده وتعلم عوامل الضعف وأسباب‬
‫العزة والقوة لتعلم أن السلم هو عزنا ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا‬
‫الله‪.‬‬
‫الوقفة السادسة‪:‬‬
‫لماذا ل نجعل من كأس العالم موسما ً دعويا ً لنشر الشريط والكتيب والحض‬
‫على التبرع للمنكوبين من المسلمين سواء المتضررين بالستعمار أو منكوبي‬
‫الزلزل والمحن‪ ،‬ولماذا ل ننشر على تجمعات مشاهدي مباريات كأس العالم‬
‫قوائم بالمواقع السلمية ومقتطفات من ثمارها اليانعة‪ ،‬والمجال مفتوح‬
‫للبتكارات الدعوية والمة وَ لدة ولله الحمد‪.‬‬
‫وأخيرا ً اللهم انصر عبادك المستضغفين في العراق وألف بين قلوبهم وأصلح‬
‫ذات بينهم اللهم انصر عبادك المستضعفين في فلسطين والشيشان‬
‫ب ذلك والقادر عليه‪.‬‬
‫وأفغانستان وفي كل مكان‪ ،‬إنك ر ّ‬
‫هذا والله أعلم وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن ل إله إل أنت أستغفرك‬
‫وأتوب إلي‬
‫)‪(1 /‬‬
‫لكل فتاة‬
‫هل حمدت الله عز وجل على اعظم نعمة انعم الله بها عليك ال وهي نعمة‬
‫السلم ‪0‬‬
‫هل تؤدين الصلوات الخمس على وقتها لن اول مايحاسب عنه العبد يوم‬
‫القيامة الصلة فان صلحت صلح سائر عمله وان فسدت فسد سائر عمله ‪،‬‬
‫وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ) :‬ان بين الرجل وبين الشرك والكفر‬
‫ترك الصلة ( رواه مسلم ‪0‬‬
‫هل تقرأين القران الكريم بتدبر وخشوع وحضور قلب وهل تعملين به ؟ قال‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ) :‬خيركم من تعلم القران وعلمه ( رواه‬
‫البخاري ‪0‬‬
‫هل انت بارة بوالديك ؟ هل تصلين ارحامك ؟‬
‫هل احببت الخير للمسلمين ؟ وهل امرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ؟‬
‫هل تكرمين اليتام والرامل والضعفاء والفقراء والمساكين وتتواضعين لهم‬
‫وترحمينهم وخصوصا القارب ؟‬
‫هل حافظت على اذكار الصباح والمساء ؟ وهل راقبت الله في السر‬
‫والعلن ؟‬
‫هل تحافظين على حجابك الشرعي الذي امرك به الله الذي خلقك ؟‬
‫هل اتخذت جليسات صالحات تذكرك بالله رؤيتهن ؟‬
‫هل تجنبت رفيقات السوء لنهن سبب الضلل والضياع فاحذريهن حفظك الله‬
‫؟‬
‫هل تجنبت الختلط بالرجال وهل قللت الخروج الى السواق ؟‬
‫هل تجنبت الكثار من المزاح وكثرة الضحك وهل بكيت من خشية الله ؟‬
‫هل طهرت قلبك من امراض ) النفاق ‪ ،‬الرياء ‪ ،‬العجب ‪ ،‬الغل ‪ ،‬الحقد ‪،‬‬
‫الحسد والبغضاء ( ؟‬
‫هل نظفت لسانك من الفاظ ) الشرك ‪ ،‬الكذب ‪ ،‬الغيبة ‪ ،‬النميمة ‪ ،‬واللغو( ؟‬
‫هل ابتعدت عن مزامير الشيطان ) الغناء ( ؟ فانها محرمة بالقران والسنة‬

‫‪77‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وهي بريد الزنا وسبب لقسوة القلب وسوء الخاتمة نعوذ بالله من سوء‬
‫الخاتمة ؟‬
‫هل اخذت حذرك من المكالمات الهاتفية ؟ فكم من القصص المؤلمة بدأت‬
‫بمكالمة وانتهت بمأساة والضحية الخت المسلمة فاحذري الذئاب البشرية ؟‬
‫‪0‬‬
‫فتاوى ورسائل للفتيات‬
‫جمع وترتيب ‪:‬‬
‫أحمد بن صالح بن فهد الخليف‬
‫)‪(1 /‬‬
‫لكل قول حقيقة ‪...‬‬
‫‪10-02-2005‬‬
‫الحمد لله والصلة والسلم على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ‪،‬‬
‫وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ‪ ،‬أما بعد ‪:‬‬
‫فمن السهل أن يتحدث المرء بما يريد ‪ ،‬بل لن يجد النسان أي صعوبة في‬
‫نشر التهامات وتوزيع اللقاب على الخرين ‪ ،‬وكذلك من السهل تغيير‬
‫الحقائق وقلب المور بحيث يصبح الصادق كاذبا ً ‪ ،‬والكاذب صادقا ً ‪ ،‬والمين‬
‫خائنا ً ‪ ،‬والخائن أمينا ً ‪ ،‬وتغيير الحقائق سياسة جديدة قديمة ‪ ،‬قد أشار إليها‬
‫القرآن الكريم فعلى سبيل المثال قوله تعالى عن فرعون عليه من الله ما‬
‫ف َأن ي ُب َد ّ َ‬
‫ن ذ َُروِني أ َقْت ُ ْ‬
‫يستحق ‪) :‬وََقا َ‬
‫ل‬
‫ه إ ِّني أ َ َ‬
‫خا ُ‬
‫ل فِْرعَوْ ُ‬
‫مو َ‬
‫سى وَل ْي َد ْع ُ َرب ّ ُ‬
‫ل ُ‬
‫دينك ُ َ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ساد َ )‪ (26‬غافر‪.‬‬
‫ض ال ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ِ َ ْ‬
‫م أوْ أن ي ُظهَِر ِفي الْر ِ‬
‫ً‬
‫وهذه الية الكريمة تضمنت أمورا عدة ‪:‬‬
‫‪ : 1‬اعتذار ‪ :‬ففرعون ل يريد أن يفعل أي فعل من تلقاء نفسه ‪ ،‬فهو يريد‬
‫موافقة قومه وإذنهم رغم أنه المتفرد بالقرار السائل الذي ل يسأل ‪ ،‬فهو‬
‫يستأذن قومه بقتل موسى‪ ،‬ولو أقبل على قتل موسى دون أن يستأذن قومه‬
‫لما واجه أي اعتراض ‪ ،‬فقومه قد أذعنوا له بالطاعة والنقياد وأقروا له‬
‫بالربوبية وهم على علم ويقين بأن ذلك ضلل محض وباطل ل حقيقة له قال‬
‫ف‬
‫قن َت َْها َأن ُ‬
‫ست َي ْ َ‬
‫م ظ ُْلما ً وَعُل ُوّا ً َفانظ ُْر ك َي ْ َ‬
‫ح ُ‬
‫ج َ‬
‫تعالى حاكيا ً عنهم ‪) :‬وَ َ‬
‫ف ُ‬
‫دوا ب َِها َوا ْ‬
‫سهُ ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (14‬النمل‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫عاقِب َ ُ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫كا َ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫دي َ‬
‫ولكنها الهواء التي تجعل من أصحابها ذيول ً ل عقول لهم ‪ ،‬ول إرادة ‪ ،‬تقّلبهم‬
‫المصالح في دياجير الباطل والظلم والستبداد دون أدنى تفكر أو اعتبار ‪،‬‬
‫ومع هذا يستأذن فرعون قومه ليجعل من نفسه الحاكم المين الذي ل يخطو‬
‫أي خطوة إل بموافقة قومه ومباركتهم ‪ ،‬فهم رأس ماله إذ ل وجود له إل بهم‬
‫‪ ،‬وهكذا تنبني حياة الكذب والباطيل بين الراعي والرعية ‪ ،‬فالراعي يعلم‬
‫حقيقة نفسه ‪ ،‬وكذلك الرعية يعرفون ذلك جيدا ً ‪.‬‬
‫‪ : 2‬تحدي ‪ :‬وذلك في قوله ‪ ) :‬وليدع ربه ( ‪ .‬فقد جاء هذا القول بعيد قوله‬
‫لقومه ذروني اقتل موسى ‪ ،‬فهو يريد قتل موسى بلهجة المتحدي الذي ل‬
‫يخاف عواقب المور ‪ ،‬فلسان حاله يؤكد لسان قاله ‪ ،‬فقد أنكر فرعون‬
‫رسالة موسى نافيا ً أن يكون للناس إله غيره ‪،‬إذن فمن الطبيعي أن يظهر‬
‫فرعون الثقة بنفسه وبموقفه أمام قومه ‪ ،‬وإن كان قومه عالمين بكذبه‬
‫وافترائه ‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫‪ : 3‬تعليل‪ :‬ففرعون ل يريد أن يقتل موسى ظلما وعدوانا بزعمه بل يريد‬
‫قتل موسى شفقة بقومه وإرادة للصلح وقطع دابر الفساد ‪ ،‬فهو يقبل على‬

‫‪78‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هذا المر الصعب خوفا ً من أن يبدل موسى معتقد قومه ‪ ،‬أو أن يظهر في‬
‫الرض الفساد ‪ ،‬إذن فهو درءا ً للفتنة يريد قتل موسى عليه السلم متحديا ً‬
‫بذلك رب موسى سبحانه جل في عله ‪.‬‬
‫والمتأمل في هذا النص القرآني يدرك سفاهة فرعون وكذبه وخداعه ‪ ،‬فأي‬
‫فساد يخافه فرعون على قومه ‪ ،‬وأي دين هذا الذي يخشى فرعون على‬
‫ن َيا أ َي ّها ال ْمَل ُ‬
‫تبديله ‪ ،‬أما دين فرعون فهو معروف قال تعالى ‪ ) :‬وََقا َ‬
‫ل فِْرعَوْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صْرحا ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ما ُ َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ري فَأوْقِد ْ ِلي َيا َ‬
‫ن َفا ْ‬
‫ها َ‬
‫كم ّ‬
‫م ُ‬
‫ما عَل ِ ْ‬
‫َ‬
‫جَعل لي َ‬
‫م ْ‬
‫ن إ ِل َهٍ غَي ْ ِ‬
‫ن عَلى الطي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لّ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (38‬القصص‬
‫بي‬
‫ذ‬
‫كا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ظ‬
‫ل‬
‫ني‬
‫إ‬
‫و‬
‫سى‬
‫مو‬
‫ه‬
‫ل‬
‫إ‬
‫لى‬
‫إ‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ط‬
‫أ‬
‫لي‬
‫ع‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫َِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ففرعون ل يرى لقومه إلها ً غيره ‪ ،‬فهو في زعمه المعبود المطاع ‪ ،‬وخل ذلك‬
‫كفر وضلل ‪.‬‬
‫ن‬
‫وأما الصلح الذي يراه ويخاف من تغييره فهو ما قاله الله سبحانه عنه ‪) :‬إ ِ ّ‬
‫ة منهم يذ َب َ‬
‫فرعَون عََل في اْل َرض وجع َ َ‬
‫ف َ‬
‫م‬
‫طائ ِ َ‬
‫ضعِ ُ‬
‫ل أهْل ََها ِ‬
‫ِ‬
‫ف ً ّ ُْ ْ ُ ّ ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫ْ ِ َ َ َ‬
‫ِ ْ ْ َ‬
‫شَيعا ً ي َ ْ‬
‫ح أب َْناءهُ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (4‬القصص‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ن ِ‬
‫ه كا َ‬
‫ست َ ْ‬
‫حِيي ن ِ َ‬
‫وَي َ ْ‬
‫ن ال ُ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫ساءهُ ْ‬
‫دي َ‬
‫م َ‬
‫وما يفعله فرعون قمة الفساد ‪ ،‬إل أن هذا الفساد بنظر فرعون إصلح ‪،‬‬
‫ودونه فساد يخشى على قومه منه ‪ ،‬والشاهد في المسألة أن فرعون‬
‫استطاع الحكم على موسى كليم الله سبحانه بالفساد ‪ ،‬وأنه يعمل كل ما‬
‫بوسعه من أجل التخلص من موسى عليه السلم للقضاء على مظاهر الفساد‬
‫جميعها ‪ ،‬وما يفعله فرعون لعنه الله تعالى في رأيه إصلحا ً ورشادا ً ‪ ،‬قال‬
‫ُ‬
‫تعالى حاكيا ً عن فرعون في مخاطبته لقومه ‪َ) :‬قا َ‬
‫ما‬
‫ل فِْرعَوْ ُ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫ما أِريك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سِبي َ‬
‫ل الّر َ‬
‫شاد ِ )‪ (29‬غافر‬
‫ما أهْ ِ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫أَرى وَ َ‬
‫فسبيل الرشاد في نظر فرعون ‪ ،‬محاربة دين الله سبحانه ‪ ،‬وقتل رسله‬
‫وأوليائه ‪ ،‬وإشاعة الفساد في الرض وغير ذلك من الجرائم البشعة ‪.‬‬
‫وإدعاء المور من غير أدلة سياسة فرعونية متكررة واجهها كل النبياء‬
‫والدعاة إلى الله سبحانه ‪ ،‬ول أدل على ذلك من موقف قريش وغيرهم من‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ‪ ،‬فقد ُإتهم صلى الله‬
‫عليه وسلم بتهم كثيرة منها ) الجنون ( قال تعالى ‪) :‬وَِإن ي َ َ‬
‫فُروا‬
‫ن كَ َ‬
‫كاد ُ ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قون َ َ‬
‫ن )‪(51‬القلم‬
‫مُعوا الذ ّك َْر وَي َ ُ‬
‫س ِ‬
‫ل َي ُْزل ِ ُ َ‬
‫جُنو ٌ‬
‫م ْ‬
‫قوُلو َ‬
‫ما َ‬
‫ه لَ َ‬
‫ن إ ِن ّ ُ‬
‫م لَ ّ‬
‫صارِهِ ْ‬
‫ك ب ِأب ْ َ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ه وََقاُلوا‬
‫وا عَن ْ ُ‬
‫ومنها )التلقي عن العداء والمغرضين ( قال تعالى ‪) :‬ث ُ ّ‬
‫م ت َوَل ّ ْ‬
‫ن )‪ (14‬الدخان‬
‫جُنو ٌ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫معَل ّ ٌ‬
‫ُ‬
‫فالرسول صلى الله عليه وسلم في نظر قومه متهم مجروح ‪ ،‬يعمل على‬
‫نشر الفساد في الرض ‪ ،‬ويرجعون ذلك إلى أسباب كثيرة منها ما ذكر‬
‫) الجنون والتلقي عن العداء ‪ ،‬والكهانة ‪ ،‬والسحر ( وغيرها من التهم الباطلة‬
‫حُزن ُ َ‬
‫ك‬
‫ه ل َي َ ْ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫التي يعرفون هم بطلنها كما قال تعالى مبينا ً حقيقتهم ‪) :‬قَد ْ ن َعْل َ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ل َ ي ُك َذ ُّبون َ َ‬
‫ن )‪(33‬‬
‫ذي ي َ ُ‬
‫ن ِبآَيا ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ح ُ‬
‫ج َ‬
‫ت الل ّهِ ي َ ْ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن فَإ ِن ّهُ ْ‬
‫مي َ‬
‫ك وَل َك ِ ّ‬
‫النعام‬
‫ً‬
‫إذن فليس المر راجعا بالنسبة للكافرين إلى إحقاق حق وإبطال باطل ‪ ،‬بل‬
‫إلى إتباع هوى ‪ ،‬فما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم مخالف‬
‫لهوائهم غير محقق لمصالحهم لذا خرجوا على الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم بكل الباطيل التي يعرفونها دفاعا ً عن أهوائهم ومصالحهم ‪ ،‬فلو كانوا‬
‫صادقين بما يفعلونه ضد الرسول صلى الله عليه وسلم لكفاهم أن يأتوا بأدلة‬
‫ْ‬
‫م ِإن ُ‬
‫ن )‪(157‬‬
‫كنت ُ ْ‬
‫على زعمهم كما قال تعالى ‪ ) :‬فَأُتوا ب ِك َِتاب ِك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫صادِِقي َ‬
‫‪79‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الصافات‬
‫فعدول الكافرين عن التيان بأدلة واضحة ونهج كل طريق مستطاع كإنفاق‬
‫أموالهم ‪ ،‬وتعريض أنفسهم للهلك في سبيل صد الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم عن دعوته ‪ ،‬لدليل واضح على عجزهم عن التيان ببينة تدل على‬
‫صدقهم وصحة مواقفهم ‪.‬‬
‫وهذا ما يقال للكافرين اليوم ‪ :‬هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ‪ ،‬ولكن حديثنا‬
‫ليس متوجها ً إلى الكافرين الذين يعملون على تشويه صورة السلم ‪ ،‬فهذا‬
‫ديدنهم وهذا حالهم ل يخفى على أي مسلم ‪ ،‬ولكن حديثنا ومع السف متوجه‬
‫إلى أولئك الذين يلبسون لباس الحق ‪ ،‬ويدعون أنهم أهل حق ودعوة صدق ‪،‬‬
‫ويطلقون للسنتهم العنان في تشويه صورة المخالفين لهم ‪ ،‬واتهامهم بكل‬
‫تهمة دون دليل أو برهان‪ ...‬اللهم إل حدثنا ثقة ؟ ‪...‬‬
‫فنقول لهؤلء جميعا ً ‪ :‬إن سياسة توزيع التهامات على المخالفين لكم من‬
‫غير برهان ‪ ،‬لهي سياسة فرعونية واجهها جميع النبياء والدعاة إلى الله‬
‫سبحانه ‪ ،‬فمجرد التهام ل يعتبر شيئا ً ‪ ،‬بل هو صفة ضعف وعجز ‪ ،‬فلو كان‬
‫المتهم صاحب دليل لتى بدليله وأراح نفسه من عناء التناقضات والتحذير‬
‫والتشويه ‪ ،‬بل كان يكفيه أن يظهر البينة وعندها سيرى الناس بينته ويأخذون‬
‫برأيه دون أن يتكلم بكلمة واحدة ‪ ،‬وهذا واضح للغاية ‪ ،‬أما أن يتعب نفسه‬
‫من أجل تحذير الناس من زيد وعمرو لمجرد مخالفة زيد وعمرو له فهذا‬
‫دليل إتباعه لهواه ونصرته لمذهبه أو حزبه دون تبصر أو هدى ‪.‬‬
‫فمن السهل أن أقول هذا رجل مدعوم ‪ ،‬أو هذا عميل للجهة الفلنية ‪ ،‬أو هذا‬
‫جاهل ل يفقه شيئا ً ‪ ،‬أو ‪ ...‬أو ‪ ،‬ولكن الصعب أن آتي ببينة تدل على صدق‬
‫قولي وعدم تعصبي لحزب ‪ ،‬أو إتباعي لهوى ‪ ،‬ومن ناحية ثانية ‪ ،‬فإن العدول‬
‫عن الرد العلمي المبني على دليل واضح إلى التهام والتشكيك دليل على‬
‫العجز والتجرد من الدليل والبينة ‪ ،‬وهذا عين ما وقع فيه الكافرون أعداء‬
‫الرسل والدعاة وقد قدمنا أمثلة على ذلك ‪.‬‬
‫بل أقول لهؤلء المتهمين للناس من غير بينة ‪ :‬أنتم أحق الناس بما ترمون‬
‫الناس به وأهل له ‪ ،‬وليس هذا قول مفترى بل هو حق ونور وعندنا عليه‬
‫برهان من الله سبحانه ‪ ،‬والدلة على ذلك من وجوه‪:‬‬
‫‪ : 1‬عموم الدلة ‪ ،‬فالكافرون كانوا يعملون على هدم المصالح العامة‬
‫المخالفة لهوائهم تحت ذريعة الصلح والحسان ‪ ،‬وكان واضحا ً وضوح‬
‫الشمس أن ما يرمي به الكافرون المؤمنين ‪ ،‬هو عين ما يقعون فيه ‪ ،‬وبل‬
‫شك فإن الذين يرمون الناس من غير بينة إنما حملهم على ذلك ما حمل‬
‫الكافرين ‪ ،‬فالعلة واحدة ‪ ،‬والصورة هي الصورة ‪.‬‬
‫‪ : 2‬إن المؤمن شديد التوقي والحرص على عدم مخالفة الحق ‪ ،‬فهو منضبط‬
‫بالضوابط الشرعية ‪ ،‬وما يحمله على ذلك خشية الله سبحانه ‪ ،‬وقد عظم‬
‫الله سبحانه مسألة التقول على عباد الله من غير بينة أو دليل ‪ ،‬قال‬
‫ُ‬
‫ملوا‬
‫سُبوا فَ َ‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مؤْ ِ‬
‫سبحانه ‪َ ) :‬وال ّ ِ‬
‫قد ِ ا ْ‬
‫ن ي ُؤُْذو َ‬
‫ما اك ْت َ َ‬
‫حت َ َ‬
‫ت ب ِغَي ْرِ َ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫ذي َ‬
‫مِبينا ً )‪ (58‬الحزاب‬
‫ب ُهَْتانا ً وَإ ِْثما ً ّ‬
‫وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال ‪ :‬قال رسول‬
‫ن َقا َ‬
‫ه‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫س ِفيهِ ا َ ْ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫سك َن َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ل ِفي ُ‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ‪ ) :‬وَ َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ٍ‬
‫ما َقا َ‬
‫ل ( ‪ .‬رواه المام أحمد في مسنده‪ ،‬ومن‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫ج ِ‬
‫خُر َ‬
‫ردغة الخبال َ‬
‫م ّ‬
‫يسمع هذه النصوص ويوقن بها ثم يتجرأ بعد ذلك على رمي الناس من غير‬
‫بينة لدليل على عدم صدقه وإيمانه ‪ ،‬وعليه يكون أهل ً لما يرمي به الغير ‪.‬‬
‫‪ : 3‬إن رمي المؤمنين بغير بينة لمجرد مخالفة فكر أو نهج ما ‪ ،‬إتباع للظن‬
‫‪80‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المتمخض عن إتباع الهوى ‪ ،‬وقد وصف الله سبحانه أتباع الظن بأنهم اتباع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضّلو َ‬
‫ل‬
‫ك َ‬
‫ض يُ ِ‬
‫عن َ‬
‫كذب والهوى ‪ ،‬قال تعالى ‪) :‬وَِإن ت ُط ِعْ أك ْث ََر َ‬
‫سِبي ِ‬
‫من ِفي الْر ِ‬
‫ن )‪ (116‬النعام‬
‫م إ ِل ّ ي َ ْ‬
‫صو َ‬
‫ن وَإ ِ ْ‬
‫الل ّهِ ِإن ي َت ّب ُِعو َ‬
‫ن هُ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫ن إ ِل ّ الظ ّ ّ‬
‫)‪(2 /‬‬
‫عند َ ُ‬
‫ل هَ ْ‬
‫وقال سبحانه ‪ ) :‬قُ ْ‬
‫ن‬
‫عل ْم ٍ فَت ُ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ل ِ‬
‫جوه ُ ل ََنا ِإن ت َت ّب ُِعو َ‬
‫خرِ ُ‬
‫كم ّ‬
‫ن إ ِل ّ الظ ّ ّ‬
‫م ْ‬
‫وإ َ‬
‫ن )‪ 148‬النعام‬
‫م إ َل ّ ت َ ْ‬
‫صو َ‬
‫َِ ْ‬
‫ن أنت ُ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫فاتباع الظن تخرص وكذب ‪ ،‬وإل فمن يتهم الخرين ل يخرج عن حالتين ‪،‬‬
‫الولى ‪ :‬أن يكون صاحب بينة ودليل ‪ .‬الثانية ‪ :‬صاحب ظن وهوى ‪ ،‬فإن فقد‬
‫الدليل الصريح الصحيح ‪ ،‬فهو صاحب هوى ‪ ،‬وقد دلت النصوص بشكل واضح‬
‫وقاطع على كذب أصحاب الظن اتباع الهوى ‪.‬‬
‫‪ : 4‬وكذلك فإن اتهام المؤمنين من غير بينة ‪،‬مخالفة صريحة للرسول صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ ،‬فقد جاء في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه‬
‫دعي‪ ،‬واليمين على من أنكر (‪ .‬فأي إدعاء يقع‬
‫وسلم قال ‪) :‬البين ُ‬
‫ة على الم ّ‬
‫على أي إنسان ل بد وأن تقوم عليه بينة ‪ ،‬فإن السلم شدد في حقوق‬
‫المسلمين وجعل ذلك من الضرورات فقد صح عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم أنه قال في خطبة الوداع في اليوم المشهود ‪) :‬أيها الناس اسمعوا‬
‫قولي ‪ ،‬فإني ل أدري لعلي ل ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا ‪ ،‬أيها‬
‫الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم‬
‫كحرمة يومكم هذا ‪ ،‬وكحرمة شهركم هذا ‪ ،‬وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم‬
‫عن أعمالكم ( ‪ .‬فأعراض المسلمين مصونة ل يجوز لي امرئ أن ينتهكها ‪ ،‬أو‬
‫يشهر بها ‪ ،‬فكيف إذا كان انتهاك عرض المسلم والتشهير به عن غير بينة ؟‬
‫فمن خالف ذلك المر يكون مخالفا ً للرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬ومن‬
‫الطبيعي أنه ل يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المسألة‬
‫العظيمة التي تقوم عليها مصالح العباد وحفظ أعراضهم إل متهم مجروح ‪.‬‬
‫‪ : 5‬وكذلك فإن اتهام المسلمين من غير بينة ‪ ،‬وسبهم وتجهيلهم وتحقيرهم‬
‫والعراض عن مقارعة الحجة بالحجة ‪ ،‬لهو دليل العجز والضعف وقلة العلم ‪،‬‬
‫وإل ما الفائدة وراء إطلق التهم المتعددة على العباد ـ كجاهل ‪ ،‬عميل ‪ ،‬حاقد‬
‫ـ وغيرها من غير التيان بدليل ؟ بل لماذا يلجأ المرء إلى مثل هذه التهم‬
‫وعنده البينة ؟ وقد وضحنا فيما مضى من القول ‪ :‬إن اتهام الناس وتوزيع‬
‫اللقاب عليهم من غير بينة ‪ ،‬هو سياسة ماكرة يستعملها الكافرون للصد عن‬
‫سبيل الله سبحانه لعدم استطاعتهم التيان ببينة تدل على صدق مزاعمهم ‪،‬‬
‫وهذا هو حال المسلمين الذين يصدرون التهامات على عباد الله من غير بينة‬
‫اللهم إل أنهم يخالفونهم الرأي ‪ ،‬أو يردون على بعض شبهاتهم ‪ .‬وهذه القضية‬
‫مبنية على أكذوبة أننا أصحاب دعوة حق ‪ ،‬ومن يخالفنا يكون مخالفا ً للحق ‪،‬‬
‫وكل مخالف للحق متهم مجروح ‪ ،‬نعم هذا هو دليلهم ‪ ،‬وهذه هي مرجعيتهم ‪،‬‬
‫فلو أنهم أقاموا ولءهم وبراءهم على قاعدة قولنا صواب يحتمل الخطأ ‪،‬‬
‫وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب ‪ ،‬لعلموا يقينا ً أنهم ل يمثلون الحق ‪ ،‬ول‬
‫ينحصر الحق في دعوتهم ‪ ،‬بل قد يكون الحق مع غيرهم ‪ ،‬وعليه ل ينظرون‬
‫إلى مخالفيهم على أنهم حجر عثرة أمام العمل السلمي ‪ ،‬وأنهم يهدمون ما‬
‫يبنون ‪ ،‬وأن من رد عليهم يعتبر مخالفا ً للحق حاقدا ً على أتباعه ‪ ،‬ولكنها‬
‫للسف التربية الحزبية السخيفة التي تربي أبناءها على تقديس الشخاص‬
‫واستلهام الحق من أفواههم وأعمالهم ‪ ،‬وأن كل من يخالفهم فهو مخالف‬

‫‪81‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫للحق معاد له ‪ ،‬ل بد من استباحة عرضه دون أدنى ورع ‪.‬‬
‫ويا ليت المسألة وصلت إلى هذا الحد ‪ ،‬بل تعدته إلى ما هو أعظم منه ‪،‬‬
‫تعدت إلى الحكم على بواطن العباد والشق عن قلوبهم ‪ ،‬فإنك ترى الرجل‬
‫يعتاد المساجد ‪ ،‬ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ‪ ،‬ول يقع في فاحشة ‪ ،‬ول‬
‫‪ ...‬ول ‪ ...‬إلى غيره ‪ ،‬ومع ذلك يتهم بنفسه ‪ ،‬كأن يقال‪ :‬هذا منافق ‪ ،‬أو هذا‬
‫حاقد ‪ ،‬فسبحان الله إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكشف عن‬
‫المنافقين الخلص الذين علم نفاقهم بالوحي رغم الخطار التي تصيب المة‬
‫حكم بنفاقه لمجرد أنه‬
‫منهم ‪،‬ولم يأمر المسلمين باتهامهم ‪ ،‬فكيف بمن ُ‬
‫مخالف للحزب الفلني أو منتقد له ؟؟؟؟‬
‫فسبحان الله ‪ ،‬كيف يعتبر أولئك أنفسهم أنهم أصحاب دعوة حق ‪ ،‬وموقف‬
‫صدق ‪ ،‬رغم ما فيهم من المخالفات الواضحات لليات المحكمات ‪ ،‬وما عليه‬
‫أهل السنة والجماعة ؟‬
‫أخي المسلم ‪ :‬إذا كان اتهام أي مسلم كبيرة من الكبائر ‪ ،‬فكيف بأن يكون‬
‫المسلم المتهم عالما ً أو داعيا ً قد وقف نفسه لنصرة هذا الدين ؟ كيف بأن‬
‫داما ً لفكار الكفر ‪ ،‬مبينا ً حقيقة الكافرين ؟؟‬
‫يكون المتهم مربيا ً لجيال ‪ ،‬أو ه ّ‬
‫وذنبه أنه غير موافق للحزب ‪ ،‬أو منتقد له مبينا ً أخطاءه ‪ ،‬ولو يعلم هؤلء‬
‫عظمة ما يقترفونه من آثام لقلعوا عن هذا الذنب العظيم الذي تبرأ صلى‬
‫الله عليه وسلم من أصحابه كما جاء في الحديث الصحيح ‪) :‬ليس منا من لم‬
‫يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ومن لم يعرف لعالمنا حقه ( ‪ .‬رواه الترمذي عن‬
‫أنس رضي الله تعالى عنه ‪.‬‬
‫فانظر أخي الحبيب كيف يتبرأ الرسول صلى الله عليه سلم من الذين ل‬
‫يعرفون للعلماء حقوقهم ‪ ،‬فكيف بمن يتهجم عليهم أو يتهمهم ؟ إنها والله‬
‫مسألة عظيمة ل يقع فيها إل أصحاب الهوى ضعاف اليمان أتباع الرجال‬
‫نسأل الله العافية ‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫واعلم أيضا ً أخي الحبيب ‪ ،‬أن العالم ل يجوز تتبع زلته أو إظهارها أو التحدث‬
‫بها إل أن تكون حدا ً من حدود الله سبحانه لما جاء في الحديث الصحيح أن‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم قال ‪ ) :‬أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إل‬
‫الحدود( ‪ .‬أخرجه أبو داود وأحمد‪.‬‬
‫وهذا حديث صريح الدللة بعدم جواز انتهاك حرمة العلماء وتتبع عثراتهم ‪،‬‬
‫وأنه يعفى عن زلتهم إل أن تكون حدا ً من حدود الله سبحانه ‪ ،‬فانظر يرحمك‬
‫الله إلى ما يقع فيه المتحزبون اليوم واحكم عليه من خلل المقاييس‬
‫الشرعية وانظر ماذا ترى ؟‬
‫شبة والرد عليها ‪:‬‬
‫أخي الحبيب ‪ :‬يحسن في هذا المقام أن أورد شبهة من شبهات المنتهكين‬
‫لعراض العلماء بسبب مخالفتهم وانتقادهم لهم من خلل ما يدل عليه لسان‬
‫حالهم ‪.‬‬
‫وتكمن هذه الشبهة بجواز الكذب على الخرين بغية تسويق الفكر أو الدفاع‬
‫عنه ‪ ،‬وهذه المسألة ترجع إلى ما ذكرت من كون هؤلء يعتبرون أنفسهم‬
‫على حق ‪ ،‬وأن من ينتقدهم يعتبر منتقدا ً للحق وعليه يجوز فضحه حتى بما‬
‫ليس فيه بناء على جواز الكذب للمصلحة العامة ‪.‬‬
‫والرد على هذه الشبهة واضح ويتلخص في وجهين ‪:‬‬

‫‪82‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الول ‪:‬‬
‫‪ : 1‬إن الكذب الجائزل يسار إليه إل في حال انعدام الصدق ‪ ،‬وسد الطرق‬
‫كلها إلى الحل ‪ ،‬أما إن كان هنالك طريق يوصلنا إلى الحل ‪ ،‬فالكذب في هذه‬
‫الحالة ل يجوز ‪.‬‬
‫‪ : 2‬إن الكذب الجائز ‪ ،‬هو الكذب الذي يؤدي إلى إصلح ذات البين ‪ ،‬ل‬
‫الكذب الذي يؤدي إلى الفساد وتشويه العباد ‪ ،‬كما هو الحال في هذه‬
‫المسألة ‪.‬‬
‫‪ : 3‬إن الكذب الجائز‪ ،‬هو الكذب الذي يصب في مصلحة المسلمين‪ ،‬ل‬
‫الكذب الذي يصب في مصلحة حزب أو جماعة أو شيخ وما إلى ذلك ‪ ،‬فهذا‬
‫قياس مع الفارق ‪.‬‬
‫الثاني ‪:‬‬
‫إن دعوة النبياء ما قامت على الكذب والخداع والتلبيس ‪ ،‬بل قامت على‬
‫اليات القاطعة والبراهين الواضحة ‪ ،‬والحجج الدامغة ‪ ،‬قال تعالى ‪) :‬ل َ َ‬
‫قد ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ط‬
‫ن ل ِي َ ُ‬
‫س ِ‬
‫س ِبال ْ ِ‬
‫ب َوال ْ ِ‬
‫سل ََنا ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫قو َ‬
‫ق ْ‬
‫سل َْنا ُر ُ‬
‫أْر َ‬
‫معَهُ ُ‬
‫ت وَأنَزل َْنا َ‬
‫م الّنا ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ه‬
‫ش ِ‬
‫ح ِ‬
‫وَأنَزل َْنا ال ْ َ‬
‫صُرهُ وَُر ُ‬
‫سل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫س وَل ِي َعْل َ َ‬
‫ديد ٌ وَ َ‬
‫من َين ُ‬
‫ديد َ ِفيهِ ب َأ ٌ‬
‫مَنافِعُ ِللّنا ِ‬
‫زيٌز )‪ (25‬الحديد‬
‫ب إِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫ه قَوِيّ عَ ِ‬
‫وهذه الية الكريمة تدل على حقائق عدة ‪:‬‬
‫‪ : 1‬أن الله سبحانه عزز الرسل بالبينات ‪ ،‬أي بالدلئل الواضحات المادية‬
‫والمعنوية ‪ ،‬فلم يرسل الله سبحانه النبياء بالغراءات المادية ‪ ،‬أو بالحديد‬
‫والنار ‪ ،‬والبينة تدل على الصدق والحقائق والبراهين والقوة ‪ ،‬وهذا خلف ما‬
‫يدل عليه الكذب وتغيير الحقائق ‪.‬‬
‫‪ : 2‬أن الله سبحانه أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط ‪ ،‬أي بالعدل وهذا ما‬
‫أمر المؤمنين به إذ قال سبحانه ‪ ) :‬إن الل ّه يأ ْمرك ُ َ‬
‫َ‬
‫ت إ َِلى‬
‫ماَنا ِ‬
‫ِ ّ‬
‫م أن ُتؤّدوا ْ ال َ‬
‫َ َ ُ ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ما ي َعِظكم ب ِهِ إ ِ ّ‬
‫ل إِ ّ‬
‫س أن ت َ ْ‬
‫أهْل َِها وَإ َِذا َ‬
‫ه ن ِعِ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫حك ُ ُ‬
‫حك َ ْ‬
‫موا ِبالعَد ْ ِ‬
‫مُتم ب َي ْ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ه َ‬
‫صيرا ً )‪ (58‬النساء‬
‫ميعا ً ب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫الل ّ َ‬
‫والعدل نقيض الظلم ‪ ،‬وهو يقتضي الصدق والحق ‪ ،‬ل الكذب والفتراءات ‪،‬‬
‫وهذا خلف ما عليه القوم ‪ ،‬إذ يرى هؤلء أن الكذب وظلم العباد من أجل‬
‫تحقيق مصالحهم أسلوبا ً شرعيا ً وهذا كما قلت قياس مع الفارق ‪.‬‬
‫‪ : 3‬بينت الية الكريمة أن الذين يتبعون الحق وينصرونه ‪ ،‬هم الذين يلتزمون‬
‫ب(‪.‬‬
‫صُره ُ وَُر ُ‬
‫سل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫بأحكام هذه الية إذ قال تعالى ‪ ) :‬وَل ِي َعْل َ َ‬
‫ه ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫من َين ُ‬
‫أي أرسل الله سبحانه رسله بالبينات وأمر الناس بالعدل ليعلم من يتبع الحق‬
‫ممن يعرض عنه ‪.‬‬
‫وبهذا أخي الحبيب تعلم أن ما يتبعه هؤلء في نهجهم يعارض بوضوح المنهج‬
‫الحق ‪ ،‬وعليه فإن كل كلمة تصدر بحق أي إنسان ل بد وأن تكون قائمة على‬
‫دليل حقيقي لنا فيها من الله برهان ‪ ،‬أما الخروج على عباد الله دون تثبت أو‬
‫دليل لهو إتباع للظن الذي ل يغني من الحق شيئا ً ‪ ،‬ودليل واضح على ضعف‬
‫وعجز أصحابه نسأل الله العفو والعافية ‪.‬‬
‫كلمة أخيرة ‪:‬‬
‫فظُ‬
‫ما ي َل ِْ‬
‫وأخيرا ً أذكر أولئك الذين يطعنون بالناس دون تثبت بقوله تعالى ‪َ ) :‬‬
‫ب عَِتيد ٌ )‪ (18‬ق‬
‫ِ‬
‫ل إ ِّل ل َد َي ْهِ َرِقي ٌ‬
‫من قَوْ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫م وَت َ ُ‬
‫وقوله تعالى ‪ ) :‬إ ِذ ْ ت َل ّ‬
‫س لكم ب ِهِ ِ‬
‫ه ب ِأل ِ‬
‫قولو َ‬
‫عل ٌ‬
‫واهِكم ّ‬
‫سن َت ِك ْ‬
‫قوْن َ ُ‬
‫ما لي ْ َ‬
‫ن ب ِأف َ‬
‫ّ‬
‫م )‪ (15‬النور‬
‫ه هَّينا ً وَهُوَ ِ‬
‫عند َ اللهِ عَ ِ‬
‫وَت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ظي ٌ‬
‫سُبون َ ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫سُبوا ف َ‬
‫قد ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ِ‬
‫مؤ ِ‬
‫وقوله تعالى ‪َ ) :‬وال ِ‬
‫ن ي ُؤذو َ‬
‫ما اكت َ َ‬
‫ت ب ِغَي ْرِ َ‬
‫ن َوال ُ‬
‫ن ال ُ‬
‫مِني َ‬
‫ذي َ‬
‫مِبينا ً )‪ (58‬النور‬
‫ا ْ‬
‫مُلوا ب ُهَْتانا ً وَإ ِْثما ً ّ‬
‫حت َ َ‬
‫‪83‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وقد جاء في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه ‪ ) :‬أويأخذ بما يقولون ؟ قال ‪:‬‬
‫ثكلتك أمك ‪ ،‬وهل يكب الناس على وجوههم يوم القيامة إل حصائد ألسنتهم (‬
‫‪.‬‬
‫وبهذا أخي الحبيب تعلم خطورة المر وأنك مسؤول عنه يوم القيامة ‪ ،‬نسأل‬
‫الله لنا ولك ولجميع المسلمين العفو والعافية إنه سميع مجيب‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‪.‬‬
‫وكتب ‪ :‬إبراهيم بن عبد العزيز بركات‬
‫‪ 1/1/1426‬هـ‬
‫)‪(4 /‬‬
‫لكل قول حقيقة‬
‫‪10-02-2005‬‬
‫الحمد لله والصلة والسلم على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ‪،‬‬
‫وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ‪ ،‬أما بعد ‪:‬‬
‫فمن السهل أن يتحدث المرء بما يريد ‪ ،‬بل لن يجد النسان أي صعوبة في‬
‫نشر التهامات وتوزيع اللقاب على الخرين ‪ ،‬وكذلك من السهل تغيير‬
‫الحقائق وقلب المور بحيث يصبح الصادق كاذبا ً ‪ ،‬والكاذب صادقا ً ‪ ،‬والمين‬
‫خائنا ً ‪ ،‬والخائن أمينا ً ‪ ،‬وتغيير الحقائق سياسة جديدة قديمة ‪ ،‬قد أشار إليها‬
‫القرآن الكريم فعلى سبيل المثال قوله تعالى عن فرعون عليه من الله ما‬
‫ف َأن ي ُب َد ّ َ‬
‫ن ذ َُروِني أ َقْت ُ ْ‬
‫يستحق ‪) :‬وََقا َ‬
‫ل‬
‫ه إ ِّني أ َ َ‬
‫خا ُ‬
‫ل فِْرعَوْ ُ‬
‫مو َ‬
‫سى وَل ْي َد ْع ُ َرب ّ ُ‬
‫ل ُ‬
‫دينك ُ َ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ساد َ )‪ (26‬غافر‪.‬‬
‫ض ال ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ِ َ ْ‬
‫م أوْ أن ي ُظهَِر ِفي الْر ِ‬
‫ً‬
‫وهذه الية الكريمة تضمنت أمورا عدة ‪:‬‬
‫‪ : 1‬اعتذار ‪ :‬ففرعون ل يريد أن يفعل أي فعل من تلقاء نفسه ‪ ،‬فهو يريد‬
‫موافقة قومه وإذنهم رغم أنه المتفرد بالقرار السائل الذي ل يسأل ‪ ،‬فهو‬
‫يستأذن قومه بقتل موسى‪ ،‬ولو أقبل على قتل موسى دون أن يستأذن قومه‬
‫لما واجه أي اعتراض ‪ ،‬فقومه قد أذعنوا له بالطاعة والنقياد وأقروا له‬
‫بالربوبية وهم على علم ويقين بأن ذلك ضلل محض وباطل ل حقيقة له قال‬
‫ف‬
‫قن َت َْها َأن ُ‬
‫ست َي ْ َ‬
‫م ظ ُْلما ً وَعُل ُوّا ً َفانظ ُْر ك َي ْ َ‬
‫ح ُ‬
‫ج َ‬
‫تعالى حاكيا ً عنهم ‪) :‬وَ َ‬
‫ف ُ‬
‫دوا ب َِها َوا ْ‬
‫سهُ ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (14‬النمل‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫عاقِب َ ُ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫كا َ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫دي َ‬
‫ولكنها الهواء التي تجعل من أصحابها ذيول ً ل عقول لهم ‪ ،‬ول إرادة ‪ ،‬تقّلبهم‬
‫المصالح في دياجير الباطل والظلم والستبداد دون أدنى تفكر أو اعتبار ‪،‬‬
‫ومع هذا يستأذن فرعون قومه ليجعل من نفسه الحاكم المين الذي ل يخطو‬
‫أي خطوة إل بموافقة قومه ومباركتهم ‪ ،‬فهم رأس ماله إذ ل وجود له إل بهم‬
‫‪ ،‬وهكذا تنبني حياة الكذب والباطيل بين الراعي والرعية ‪ ،‬فالراعي يعلم‬
‫حقيقة نفسه ‪ ،‬وكذلك الرعية يعرفون ذلك جيدا ً ‪.‬‬
‫‪ : 2‬تحدي ‪ :‬وذلك في قوله ‪ ) :‬وليدع ربه ( ‪ .‬فقد جاء هذا القول بعيد قوله‬
‫لقومه ذروني اقتل موسى ‪ ،‬فهو يريد قتل موسى بلهجة المتحدي الذي ل‬
‫يخاف عواقب المور ‪ ،‬فلسان حاله يؤكد لسان قاله ‪ ،‬فقد أنكر فرعون‬
‫رسالة موسى نافيا ً أن يكون للناس إله غيره ‪،‬إذن فمن الطبيعي أن يظهر‬
‫فرعون الثقة بنفسه وبموقفه أمام قومه ‪ ،‬وإن كان قومه عالمين بكذبه‬
‫وافترائه ‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫‪ : 3‬تعليل‪ :‬ففرعون ل يريد أن يقتل موسى ظلما وعدوانا بزعمه بل يريد‬
‫قتل موسى شفقة بقومه وإرادة للصلح وقطع دابر الفساد ‪ ،‬فهو يقبل على‬

‫‪84‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هذا المر الصعب خوفا ً من أن يبدل موسى معتقد قومه ‪ ،‬أو أن يظهر في‬
‫الرض الفساد ‪ ،‬إذن فهو درءا ً للفتنة يريد قتل موسى عليه السلم متحديا ً‬
‫بذلك رب موسى سبحانه جل في عله ‪.‬‬
‫والمتأمل في هذا النص القرآني يدرك سفاهة فرعون وكذبه وخداعه ‪ ،‬فأي‬
‫فساد يخافه فرعون على قومه ‪ ،‬وأي دين هذا الذي يخشى فرعون على‬
‫ن َيا أ َي ّها ال ْمَل ُ‬
‫تبديله ‪ ،‬أما دين فرعون فهو معروف قال تعالى ‪ ) :‬وََقا َ‬
‫ل فِْرعَوْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صْرحا ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ما ُ َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ري فَأوْقِد ْ ِلي َيا َ‬
‫ن َفا ْ‬
‫ها َ‬
‫كم ّ‬
‫م ُ‬
‫ما عَل ِ ْ‬
‫َ‬
‫جَعل لي َ‬
‫م ْ‬
‫ن إ ِل َهٍ غَي ْ ِ‬
‫ن عَلى الطي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لّ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (38‬القصص‬
‫بي‬
‫ذ‬
‫كا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ظ‬
‫ل‬
‫ني‬
‫إ‬
‫و‬
‫سى‬
‫مو‬
‫ه‬
‫ل‬
‫إ‬
‫لى‬
‫إ‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ط‬
‫أ‬
‫لي‬
‫ع‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫َِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ففرعون ل يرى لقومه إلها ً غيره ‪ ،‬فهو في زعمه المعبود المطاع ‪ ،‬وخل ذلك‬
‫كفر وضلل ‪.‬‬
‫ن‬
‫وأما الصلح الذي يراه ويخاف من تغييره فهو ما قاله الله سبحانه عنه ‪) :‬إ ِ ّ‬
‫ة منهم يذ َب َ‬
‫فرعَون عََل في اْل َرض وجع َ َ‬
‫ف َ‬
‫م‬
‫طائ ِ َ‬
‫ضعِ ُ‬
‫ل أهْل ََها ِ‬
‫ِ‬
‫ف ً ّ ُْ ْ ُ ّ ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫ْ ِ َ َ َ‬
‫ِ ْ ْ َ‬
‫شَيعا ً ي َ ْ‬
‫ح أب َْناءهُ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (4‬القصص‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ن ِ‬
‫ه كا َ‬
‫ست َ ْ‬
‫حِيي ن ِ َ‬
‫وَي َ ْ‬
‫ن ال ُ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫ساءهُ ْ‬
‫دي َ‬
‫م َ‬
‫وما يفعله فرعون قمة الفساد ‪ ،‬إل أن هذا الفساد بنظر فرعون إصلح ‪،‬‬
‫ودونه فساد يخشى على قومه منه ‪ ،‬والشاهد في المسألة أن فرعون‬
‫استطاع الحكم على موسى كليم الله سبحانه بالفساد ‪ ،‬وأنه يعمل كل ما‬
‫بوسعه من أجل التخلص من موسى عليه السلم للقضاء على مظاهر الفساد‬
‫جميعها ‪ ،‬وما يفعله فرعون لعنه الله تعالى في رأيه إصلحا ً ورشادا ً ‪ ،‬قال‬
‫ُ‬
‫تعالى حاكيا ً عن فرعون في مخاطبته لقومه ‪َ) :‬قا َ‬
‫ما‬
‫ل فِْرعَوْ ُ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫ما أِريك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سِبي َ‬
‫ل الّر َ‬
‫شاد ِ )‪ (29‬غافر‬
‫ما أهْ ِ‬
‫م إ ِّل َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫أَرى وَ َ‬
‫فسبيل الرشاد في نظر فرعون ‪ ،‬محاربة دين الله سبحانه ‪ ،‬وقتل رسله‬
‫وأوليائه ‪ ،‬وإشاعة الفساد في الرض وغير ذلك من الجرائم البشعة ‪.‬‬
‫وإدعاء المور من غير أدلة سياسة فرعونية متكررة واجهها كل النبياء‬
‫والدعاة إلى الله سبحانه ‪ ،‬ول أدل على ذلك من موقف قريش وغيرهم من‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ‪ ،‬فقد ُإتهم صلى الله‬
‫عليه وسلم بتهم كثيرة منها ) الجنون ( قال تعالى ‪) :‬وَِإن ي َ َ‬
‫فُروا‬
‫ن كَ َ‬
‫كاد ُ ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قون َ َ‬
‫ن )‪(51‬القلم‬
‫مُعوا الذ ّك َْر وَي َ ُ‬
‫س ِ‬
‫ل َي ُْزل ِ ُ َ‬
‫جُنو ٌ‬
‫م ْ‬
‫قوُلو َ‬
‫ما َ‬
‫ه لَ َ‬
‫ن إ ِن ّ ُ‬
‫م لَ ّ‬
‫صارِهِ ْ‬
‫ك ب ِأب ْ َ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ه وََقاُلوا‬
‫وا عَن ْ ُ‬
‫ومنها )التلقي عن العداء والمغرضين ( قال تعالى ‪) :‬ث ُ ّ‬
‫م ت َوَل ّ ْ‬
‫ن )‪ (14‬الدخان‬
‫جُنو ٌ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫معَل ّ ٌ‬
‫ُ‬
‫فالرسول صلى الله عليه وسلم في نظر قومه متهم مجروح ‪ ،‬يعمل على‬
‫نشر الفساد في الرض ‪ ،‬ويرجعون ذلك إلى أسباب كثيرة منها ما ذكر‬
‫) الجنون والتلقي عن العداء ‪ ،‬والكهانة ‪ ،‬والسحر ( وغيرها من التهم الباطلة‬
‫حُزن ُ َ‬
‫ك‬
‫ه ل َي َ ْ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫التي يعرفون هم بطلنها كما قال تعالى مبينا ً حقيقتهم ‪) :‬قَد ْ ن َعْل َ ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ل َ ي ُك َذ ُّبون َ َ‬
‫ن )‪(33‬‬
‫ذي ي َ ُ‬
‫ن ِبآَيا ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ح ُ‬
‫ج َ‬
‫ت الل ّهِ ي َ ْ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن فَإ ِن ّهُ ْ‬
‫مي َ‬
‫ك وَل َك ِ ّ‬
‫النعام‬
‫ً‬
‫إذن فليس المر راجعا بالنسبة للكافرين إلى إحقاق حق وإبطال باطل ‪ ،‬بل‬
‫إلى إتباع هوى ‪ ،‬فما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم مخالف‬
‫لهوائهم غير محقق لمصالحهم لذا خرجوا على الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم بكل الباطيل التي يعرفونها دفاعا ً عن أهوائهم ومصالحهم ‪ ،‬فلو كانوا‬
‫صادقين بما يفعلونه ضد الرسول صلى الله عليه وسلم لكفاهم أن يأتوا بأدلة‬
‫ْ‬
‫م ِإن ُ‬
‫ن )‪(157‬‬
‫كنت ُ ْ‬
‫على زعمهم كما قال تعالى ‪ ) :‬فَأُتوا ب ِك َِتاب ِك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫صادِِقي َ‬
‫‪85‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الصافات‬
‫فعدول الكافرين عن التيان بأدلة واضحة ونهج كل طريق مستطاع كإنفاق‬
‫أموالهم ‪ ،‬وتعريض أنفسهم للهلك في سبيل صد الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم عن دعوته ‪ ،‬لدليل واضح على عجزهم عن التيان ببينة تدل على‬
‫صدقهم وصحة مواقفهم ‪.‬‬
‫وهذا ما يقال للكافرين اليوم ‪ :‬هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ‪ ،‬ولكن حديثنا‬
‫ليس متوجها ً إلى الكافرين الذين يعملون على تشويه صورة السلم ‪ ،‬فهذا‬
‫ديدنهم وهذا حالهم ل يخفى على أي مسلم ‪ ،‬ولكن حديثنا ومع السف متوجه‬
‫إلى أولئك الذين يلبسون لباس الحق ‪ ،‬ويدعون أنهم أهل حق ودعوة صدق ‪،‬‬
‫ويطلقون للسنتهم العنان في تشويه صورة المخالفين لهم ‪ ،‬واتهامهم بكل‬
‫تهمة دون دليل أو برهان‪ ...‬اللهم إل حدثنا ثقة ؟ ‪...‬‬
‫فنقول لهؤلء جميعا ً ‪ :‬إن سياسة توزيع التهامات على المخالفين لكم من‬
‫غير برهان ‪ ،‬لهي سياسة فرعونية واجهها جميع النبياء والدعاة إلى الله‬
‫سبحانه ‪ ،‬فمجرد التهام ل يعتبر شيئا ً ‪ ،‬بل هو صفة ضعف وعجز ‪ ،‬فلو كان‬
‫المتهم صاحب دليل لتى بدليله وأراح نفسه من عناء التناقضات والتحذير‬
‫والتشويه ‪ ،‬بل كان يكفيه أن يظهر البينة وعندها سيرى الناس بينته ويأخذون‬
‫برأيه دون أن يتكلم بكلمة واحدة ‪ ،‬وهذا واضح للغاية ‪ ،‬أما أن يتعب نفسه‬
‫من أجل تحذير الناس من زيد وعمرو لمجرد مخالفة زيد وعمرو له فهذا‬
‫دليل إتباعه لهواه ونصرته لمذهبه أو حزبه دون تبصر أو هدى ‪.‬‬
‫فمن السهل أن أقول هذا رجل مدعوم ‪ ،‬أو هذا عميل للجهة الفلنية ‪ ،‬أو هذا‬
‫جاهل ل يفقه شيئا ً ‪ ،‬أو ‪ ...‬أو ‪ ،‬ولكن الصعب أن آتي ببينة تدل على صدق‬
‫قولي وعدم تعصبي لحزب ‪ ،‬أو إتباعي لهوى ‪ ،‬ومن ناحية ثانية ‪ ،‬فإن العدول‬
‫عن الرد العلمي المبني على دليل واضح إلى التهام والتشكيك دليل على‬
‫العجز والتجرد من الدليل والبينة ‪ ،‬وهذا عين ما وقع فيه الكافرون أعداء‬
‫الرسل والدعاة وقد قدمنا أمثلة على ذلك ‪.‬‬
‫بل أقول لهؤلء المتهمين للناس من غير بينة ‪ :‬أنتم أحق الناس بما ترمون‬
‫الناس به وأهل له ‪ ،‬وليس هذا قول مفترى بل هو حق ونور وعندنا عليه‬
‫برهان من الله سبحانه ‪ ،‬والدلة على ذلك من وجوه‪:‬‬
‫‪ : 1‬عموم الدلة ‪ ،‬فالكافرون كانوا يعملون على هدم المصالح العامة‬
‫المخالفة لهوائهم تحت ذريعة الصلح والحسان ‪ ،‬وكان واضحا ً وضوح‬
‫الشمس أن ما يرمي به الكافرون المؤمنين ‪ ،‬هو عين ما يقعون فيه ‪ ،‬وبل‬
‫شك فإن الذين يرمون الناس من غير بينة إنما حملهم على ذلك ما حمل‬
‫الكافرين ‪ ،‬فالعلة واحدة ‪ ،‬والصورة هي الصورة ‪.‬‬
‫‪ : 2‬إن المؤمن شديد التوقي والحرص على عدم مخالفة الحق ‪ ،‬فهو منضبط‬
‫بالضوابط الشرعية ‪ ،‬وما يحمله على ذلك خشية الله سبحانه ‪ ،‬وقد عظم‬
‫الله سبحانه مسألة التقول على عباد الله من غير بينة أو دليل ‪ ،‬قال‬
‫ُ‬
‫ملوا‬
‫سُبوا فَ َ‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مؤْ ِ‬
‫سبحانه ‪َ ) :‬وال ّ ِ‬
‫قد ِ ا ْ‬
‫ن ي ُؤُْذو َ‬
‫ما اك ْت َ َ‬
‫حت َ َ‬
‫ت ب ِغَي ْرِ َ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫ذي َ‬
‫مِبينا ً )‪ (58‬الحزاب‬
‫ب ُهَْتانا ً وَإ ِْثما ً ّ‬
‫وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال ‪ :‬قال رسول‬
‫ن َقا َ‬
‫ه‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫س ِفيهِ ا َ ْ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫سك َن َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ل ِفي ُ‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ‪ ) :‬وَ َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ٍ‬
‫ما َقا َ‬
‫ل ( ‪ .‬رواه المام أحمد في مسنده‪ ،‬ومن‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫ج ِ‬
‫خُر َ‬
‫ردغة الخبال َ‬
‫م ّ‬
‫يسمع هذه النصوص ويوقن بها ثم يتجرأ بعد ذلك على رمي الناس من غير‬
‫بينة لدليل على عدم صدقه وإيمانه ‪ ،‬وعليه يكون أهل ً لما يرمي به الغير ‪.‬‬
‫‪ : 3‬إن رمي المؤمنين بغير بينة لمجرد مخالفة فكر أو نهج ما ‪ ،‬إتباع للظن‬
‫‪86‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المتمخض عن إتباع الهوى ‪ ،‬وقد وصف الله سبحانه أتباع الظن بأنهم اتباع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضّلو َ‬
‫ل‬
‫ك َ‬
‫ض يُ ِ‬
‫عن َ‬
‫كذب والهوى ‪ ،‬قال تعالى ‪) :‬وَِإن ت ُط ِعْ أك ْث ََر َ‬
‫سِبي ِ‬
‫من ِفي الْر ِ‬
‫ن )‪ (116‬النعام‬
‫م إ ِل ّ ي َ ْ‬
‫صو َ‬
‫ن وَإ ِ ْ‬
‫الل ّهِ ِإن ي َت ّب ُِعو َ‬
‫ن هُ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫ن إ ِل ّ الظ ّ ّ‬
‫)‪(2 /‬‬
‫عند َ ُ‬
‫ل هَ ْ‬
‫وقال سبحانه ‪ ) :‬قُ ْ‬
‫ن‬
‫عل ْم ٍ فَت ُ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ل ِ‬
‫جوه ُ ل ََنا ِإن ت َت ّب ُِعو َ‬
‫خرِ ُ‬
‫كم ّ‬
‫ن إ ِل ّ الظ ّ ّ‬
‫م ْ‬
‫وإ َ‬
‫ن )‪ 148‬النعام‬
‫م إ َل ّ ت َ ْ‬
‫صو َ‬
‫َِ ْ‬
‫ن أنت ُ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫فاتباع الظن تخرص وكذب ‪ ،‬وإل فمن يتهم الخرين ل يخرج عن حالتين ‪،‬‬
‫الولى ‪ :‬أن يكون صاحب بينة ودليل ‪ .‬الثانية ‪ :‬صاحب ظن وهوى ‪ ،‬فإن فقد‬
‫الدليل الصريح الصحيح ‪ ،‬فهو صاحب هوى ‪ ،‬وقد دلت النصوص بشكل واضح‬
‫وقاطع على كذب أصحاب الظن اتباع الهوى ‪.‬‬
‫‪ : 4‬وكذلك فإن اتهام المؤمنين من غير بينة ‪،‬مخالفة صريحة للرسول صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ ،‬فقد جاء في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه‬
‫دعي‪ ،‬واليمين على من أنكر (‪ .‬فأي إدعاء يقع‬
‫وسلم قال ‪) :‬البين ُ‬
‫ة على الم ّ‬
‫على أي إنسان ل بد وأن تقوم عليه بينة ‪ ،‬فإن السلم شدد في حقوق‬
‫المسلمين وجعل ذلك من الضرورات فقد صح عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم أنه قال في خطبة الوداع في اليوم المشهود ‪) :‬أيها الناس اسمعوا‬
‫قولي ‪ ،‬فإني ل أدري لعلي ل ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا ‪ ،‬أيها‬
‫الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم‬
‫كحرمة يومكم هذا ‪ ،‬وكحرمة شهركم هذا ‪ ،‬وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم‬
‫عن أعمالكم ( ‪ .‬فأعراض المسلمين مصونة ل يجوز لي امرئ أن ينتهكها ‪ ،‬أو‬
‫يشهر بها ‪ ،‬فكيف إذا كان انتهاك عرض المسلم والتشهير به عن غير بينة ؟‬
‫فمن خالف ذلك المر يكون مخالفا ً للرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬ومن‬
‫الطبيعي أنه ل يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المسألة‬
‫العظيمة التي تقوم عليها مصالح العباد وحفظ أعراضهم إل متهم مجروح ‪.‬‬
‫‪ : 5‬وكذلك فإن اتهام المسلمين من غير بينة ‪ ،‬وسبهم وتجهيلهم وتحقيرهم‬
‫والعراض عن مقارعة الحجة بالحجة ‪ ،‬لهو دليل العجز والضعف وقلة العلم ‪،‬‬
‫وإل ما الفائدة وراء إطلق التهم المتعددة على العباد ـ كجاهل ‪ ،‬عميل ‪ ،‬حاقد‬
‫ـ وغيرها من غير التيان بدليل ؟ بل لماذا يلجأ المرء إلى مثل هذه التهم‬
‫وعنده البينة ؟ وقد وضحنا فيما مضى من القول ‪ :‬إن اتهام الناس وتوزيع‬
‫اللقاب عليهم من غير بينة ‪ ،‬هو سياسة ماكرة يستعملها الكافرون للصد عن‬
‫سبيل الله سبحانه لعدم استطاعتهم التيان ببينة تدل على صدق مزاعمهم ‪،‬‬
‫وهذا هو حال المسلمين الذين يصدرون التهامات على عباد الله من غير بينة‬
‫اللهم إل أنهم يخالفونهم الرأي ‪ ،‬أو يردون على بعض شبهاتهم ‪ .‬وهذه القضية‬
‫مبنية على أكذوبة أننا أصحاب دعوة حق ‪ ،‬ومن يخالفنا يكون مخالفا ً للحق ‪،‬‬
‫وكل مخالف للحق متهم مجروح ‪ ،‬نعم هذا هو دليلهم ‪ ،‬وهذه هي مرجعيتهم ‪،‬‬
‫فلو أنهم أقاموا ولءهم وبراءهم على قاعدة قولنا صواب يحتمل الخطأ ‪،‬‬
‫وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب ‪ ،‬لعلموا يقينا ً أنهم ل يمثلون الحق ‪ ،‬ول‬
‫ينحصر الحق في دعوتهم ‪ ،‬بل قد يكون الحق مع غيرهم ‪ ،‬وعليه ل ينظرون‬
‫إلى مخالفيهم على أنهم حجر عثرة أمام العمل السلمي ‪ ،‬وأنهم يهدمون ما‬
‫يبنون ‪ ،‬وأن من رد عليهم يعتبر مخالفا ً للحق حاقدا ً على أتباعه ‪ ،‬ولكنها‬
‫للسف التربية الحزبية السخيفة التي تربي أبناءها على تقديس الشخاص‬
‫واستلهام الحق من أفواههم وأعمالهم ‪ ،‬وأن كل من يخالفهم فهو مخالف‬

‫‪87‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫للحق معاد له ‪ ،‬ل بد من استباحة عرضه دون أدنى ورع ‪.‬‬
‫ويا ليت المسألة وصلت إلى هذا الحد ‪ ،‬بل تعدته إلى ما هو أعظم منه ‪،‬‬
‫تعدت إلى الحكم على بواطن العباد والشق عن قلوبهم ‪ ،‬فإنك ترى الرجل‬
‫يعتاد المساجد ‪ ،‬ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ‪ ،‬ول يقع في فاحشة ‪ ،‬ول‬
‫‪ ...‬ول ‪ ...‬إلى غيره ‪ ،‬ومع ذلك يتهم بنفسه ‪ ،‬كأن يقال‪ :‬هذا منافق ‪ ،‬أو هذا‬
‫حاقد ‪ ،‬فسبحان الله إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكشف عن‬
‫المنافقين الخلص الذين علم نفاقهم بالوحي رغم الخطار التي تصيب المة‬
‫حكم بنفاقه لمجرد أنه‬
‫منهم ‪،‬ولم يأمر المسلمين باتهامهم ‪ ،‬فكيف بمن ُ‬
‫مخالف للحزب الفلني أو منتقد له ؟؟؟؟‬
‫فسبحان الله ‪ ،‬كيف يعتبر أولئك أنفسهم أنهم أصحاب دعوة حق ‪ ،‬وموقف‬
‫صدق ‪ ،‬رغم ما فيهم من المخالفات الواضحات لليات المحكمات ‪ ،‬وما عليه‬
‫أهل السنة والجماعة ؟‬
‫أخي المسلم ‪ :‬إذا كان اتهام أي مسلم كبيرة من الكبائر ‪ ،‬فكيف بأن يكون‬
‫المسلم المتهم عالما ً أو داعيا ً قد وقف نفسه لنصرة هذا الدين ؟ كيف بأن‬
‫داما ً لفكار الكفر ‪ ،‬مبينا ً حقيقة الكافرين ؟؟‬
‫يكون المتهم مربيا ً لجيال ‪ ،‬أو ه ّ‬
‫وذنبه أنه غير موافق للحزب ‪ ،‬أو منتقد له مبينا ً أخطاءه ‪ ،‬ولو يعلم هؤلء‬
‫عظمة ما يقترفونه من آثام لقلعوا عن هذا الذنب العظيم الذي تبرأ صلى‬
‫الله عليه وسلم من أصحابه كما جاء في الحديث الصحيح ‪) :‬ليس منا من لم‬
‫يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ومن لم يعرف لعالمنا حقه ( ‪ .‬رواه الترمذي عن‬
‫أنس رضي الله تعالى عنه ‪.‬‬
‫فانظر أخي الحبيب كيف يتبرأ الرسول صلى الله عليه سلم من الذين ل‬
‫يعرفون للعلماء حقوقهم ‪ ،‬فكيف بمن يتهجم عليهم أو يتهمهم ؟ إنها والله‬
‫مسألة عظيمة ل يقع فيها إل أصحاب الهوى ضعاف اليمان أتباع الرجال‬
‫نسأل الله العافية ‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫واعلم أيضا ً أخي الحبيب ‪ ،‬أن العالم ل يجوز تتبع زلته أو إظهارها أو التحدث‬
‫بها إل أن تكون حدا ً من حدود الله سبحانه لما جاء في الحديث الصحيح أن‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم قال ‪ ) :‬أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إل‬
‫الحدود( ‪ .‬أخرجه أبو داود وأحمد‪.‬‬
‫وهذا حديث صريح الدللة بعدم جواز انتهاك حرمة العلماء وتتبع عثراتهم ‪،‬‬
‫وأنه يعفى عن زلتهم إل أن تكون حدا ً من حدود الله سبحانه ‪ ،‬فانظر يرحمك‬
‫الله إلى ما يقع فيه المتحزبون اليوم واحكم عليه من خلل المقاييس‬
‫الشرعية وانظر ماذا ترى ؟‬
‫شبة والرد عليها ‪:‬‬
‫أخي الحبيب ‪ :‬يحسن في هذا المقام أن أورد شبهة من شبهات المنتهكين‬
‫لعراض العلماء بسبب مخالفتهم وانتقادهم لهم من خلل ما يدل عليه لسان‬
‫حالهم ‪.‬‬
‫وتكمن هذه الشبهة بجواز الكذب على الخرين بغية تسويق الفكر أو الدفاع‬
‫عنه ‪ ،‬وهذه المسألة ترجع إلى ما ذكرت من كون هؤلء يعتبرون أنفسهم‬
‫على حق ‪ ،‬وأن من ينتقدهم يعتبر منتقدا ً للحق وعليه يجوز فضحه حتى بما‬
‫ليس فيه بناء على جواز الكذب للمصلحة العامة ‪.‬‬
‫والرد على هذه الشبهة واضح ويتلخص في وجهين ‪:‬‬

‫‪88‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الول ‪:‬‬
‫‪ : 1‬إن الكذب الجائزل يسار إليه إل في حال انعدام الصدق ‪ ،‬وسد الطرق‬
‫كلها إلى الحل ‪ ،‬أما إن كان هنالك طريق يوصلنا إلى الحل ‪ ،‬فالكذب في هذه‬
‫الحالة ل يجوز ‪.‬‬
‫‪ : 2‬إن الكذب الجائز ‪ ،‬هو الكذب الذي يؤدي إلى إصلح ذات البين ‪ ،‬ل‬
‫الكذب الذي يؤدي إلى الفساد وتشويه العباد ‪ ،‬كما هو الحال في هذه‬
‫المسألة ‪.‬‬
‫‪ : 3‬إن الكذب الجائز‪ ،‬هو الكذب الذي يصب في مصلحة المسلمين‪ ،‬ل‬
‫الكذب الذي يصب في مصلحة حزب أو جماعة أو شيخ وما إلى ذلك ‪ ،‬فهذا‬
‫قياس مع الفارق ‪.‬‬
‫الثاني ‪:‬‬
‫إن دعوة النبياء ما قامت على الكذب والخداع والتلبيس ‪ ،‬بل قامت على‬
‫اليات القاطعة والبراهين الواضحة ‪ ،‬والحجج الدامغة ‪ ،‬قال تعالى ‪) :‬ل َ َ‬
‫قد ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ط‬
‫ن ل ِي َ ُ‬
‫س ِ‬
‫س ِبال ْ ِ‬
‫ب َوال ْ ِ‬
‫سل ََنا ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫قو َ‬
‫ق ْ‬
‫سل َْنا ُر ُ‬
‫أْر َ‬
‫معَهُ ُ‬
‫ت وَأنَزل َْنا َ‬
‫م الّنا ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ه‬
‫ش ِ‬
‫ح ِ‬
‫وَأنَزل َْنا ال ْ َ‬
‫صُرهُ وَُر ُ‬
‫سل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫س وَل ِي َعْل َ َ‬
‫ديد ٌ وَ َ‬
‫من َين ُ‬
‫ديد َ ِفيهِ ب َأ ٌ‬
‫مَنافِعُ ِللّنا ِ‬
‫زيٌز )‪ (25‬الحديد‬
‫ب إِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫ه قَوِيّ عَ ِ‬
‫وهذه الية الكريمة تدل على حقائق عدة ‪:‬‬
‫‪ : 1‬أن الله سبحانه عزز الرسل بالبينات ‪ ،‬أي بالدلئل الواضحات المادية‬
‫والمعنوية ‪ ،‬فلم يرسل الله سبحانه النبياء بالغراءات المادية ‪ ،‬أو بالحديد‬
‫والنار ‪ ،‬والبينة تدل على الصدق والحقائق والبراهين والقوة ‪ ،‬وهذا خلف ما‬
‫يدل عليه الكذب وتغيير الحقائق ‪.‬‬
‫‪ : 2‬أن الله سبحانه أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط ‪ ،‬أي بالعدل وهذا ما‬
‫أمر المؤمنين به إذ قال سبحانه ‪ ) :‬إن الل ّه يأ ْمرك ُ َ‬
‫َ‬
‫ت إ َِلى‬
‫ماَنا ِ‬
‫ِ ّ‬
‫م أن ُتؤّدوا ْ ال َ‬
‫َ َ ُ ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ما ي َعِظكم ب ِهِ إ ِ ّ‬
‫ل إِ ّ‬
‫س أن ت َ ْ‬
‫أهْل َِها وَإ َِذا َ‬
‫ه ن ِعِ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫حك ُ ُ‬
‫حك َ ْ‬
‫موا ِبالعَد ْ ِ‬
‫مُتم ب َي ْ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ه َ‬
‫صيرا ً )‪ (58‬النساء‬
‫ميعا ً ب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫الل ّ َ‬
‫والعدل نقيض الظلم ‪ ،‬وهو يقتضي الصدق والحق ‪ ،‬ل الكذب والفتراءات ‪،‬‬
‫وهذا خلف ما عليه القوم ‪ ،‬إذ يرى هؤلء أن الكذب وظلم العباد من أجل‬
‫تحقيق مصالحهم أسلوبا ً شرعيا ً وهذا كما قلت قياس مع الفارق ‪.‬‬
‫‪ : 3‬بينت الية الكريمة أن الذين يتبعون الحق وينصرونه ‪ ،‬هم الذين يلتزمون‬
‫ب(‪.‬‬
‫صُره ُ وَُر ُ‬
‫سل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫بأحكام هذه الية إذ قال تعالى ‪ ) :‬وَل ِي َعْل َ َ‬
‫ه ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫من َين ُ‬
‫أي أرسل الله سبحانه رسله بالبينات وأمر الناس بالعدل ليعلم من يتبع الحق‬
‫ممن يعرض عنه ‪.‬‬
‫وبهذا أخي الحبيب تعلم أن ما يتبعه هؤلء في نهجهم يعارض بوضوح المنهج‬
‫الحق ‪ ،‬وعليه فإن كل كلمة تصدر بحق أي إنسان ل بد وأن تكون قائمة على‬
‫دليل حقيقي لنا فيها من الله برهان ‪ ،‬أما الخروج على عباد الله دون تثبت أو‬
‫دليل لهو إتباع للظن الذي ل يغني من الحق شيئا ً ‪ ،‬ودليل واضح على ضعف‬
‫وعجز أصحابه نسأل الله العفو والعافية ‪.‬‬
‫كلمة أخيرة ‪:‬‬
‫فظُ‬
‫ما ي َل ِْ‬
‫وأخيرا ً أذكر أولئك الذين يطعنون بالناس دون تثبت بقوله تعالى ‪َ ) :‬‬
‫ب عَِتيد ٌ )‪ (18‬ق‬
‫ِ‬
‫ل إ ِّل ل َد َي ْهِ َرِقي ٌ‬
‫من قَوْ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫م وَت َ ُ‬
‫وقوله تعالى ‪ ) :‬إ ِذ ْ ت َل ّ‬
‫س لكم ب ِهِ ِ‬
‫ه ب ِأل ِ‬
‫قولو َ‬
‫عل ٌ‬
‫واهِكم ّ‬
‫سن َت ِك ْ‬
‫قوْن َ ُ‬
‫ما لي ْ َ‬
‫ن ب ِأف َ‬
‫ّ‬
‫م )‪ (15‬النور‬
‫ه هَّينا ً وَهُوَ ِ‬
‫عند َ اللهِ عَ ِ‬
‫وَت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ظي ٌ‬
‫سُبون َ ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫سُبوا ف َ‬
‫قد ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ِ‬
‫مؤ ِ‬
‫وقوله تعالى ‪َ ) :‬وال ِ‬
‫ن ي ُؤذو َ‬
‫ما اكت َ َ‬
‫ت ب ِغَي ْرِ َ‬
‫ن َوال ُ‬
‫ن ال ُ‬
‫مِني َ‬
‫ذي َ‬
‫مِبينا ً )‪ (58‬النور‬
‫ا ْ‬
‫مُلوا ب ُهَْتانا ً وَإ ِْثما ً ّ‬
‫حت َ َ‬
‫‪89‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وقد جاء في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه ‪ ) :‬أويأخذ بما يقولون ؟ قال ‪:‬‬
‫ثكلتك أمك ‪ ،‬وهل يكب الناس على وجوههم يوم القيامة إل حصائد ألسنتهم (‬
‫‪.‬‬
‫وبهذا أخي الحبيب تعلم خطورة المر وأنك مسؤول عنه يوم القيامة ‪ ،‬نسأل‬
‫الله لنا ولك ولجميع المسلمين العفو والعافية إنه سميع مجيب‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‪.‬‬
‫وكتب ‪ :‬إبراهيم بن عبد العزيز بركات‬
‫)‪(4 /‬‬
‫لكن رائحته أزكمت النوف‬
‫وليد بن عثمان الرشودي ‪29/3/1425‬‬
‫‪18/05/2004‬‬
‫ً‬
‫من هذا الذي لم يمت كمدا على مشاهد الصور في سجن "أبوغريب" ومن‬
‫هو الذي لم ينفطر قلبه خوفا ً على جموع المسلمين المعتقلين في سجون‬
‫الحرية المريكية؟!‪.‬‬
‫للسائل أن يقول لماذا هذه السطر اليوم؟ وأين هي قبل أسبوعين حينما‬
‫ظهرت تلك الفضيحة؟ والجواب إنما أخرتها بانتظار العدالة المريكية التي‬
‫عودتنا خارجيتها بإخراج تقريرها السنوي عن حقوق النسان في العالم في‬
‫مثل هذه اليام‪ ،‬لرى مقدار العدالة والحرية التي تصطبغ بها أمريكا‪ ،‬وخرج‬
‫التقرير ليلة البارحة ‪17/5/2004‬م واكتفى نائب وزير الخارجية بتعبيره عن‬
‫مآسي "أبوغريب" بأن الرئيس اشمئز من هذه الفعلة‪ ،‬مما أضاف عقوبة ل‬
‫مثيل لها على السجناء مرة أخرى حينما يرون مثل هذا الستهجان المريكي‬
‫بهم‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الموقف أظهر دروسا وعبرا ألخصها في التي‪:‬‬
‫‪) -1‬ولن ترضى عنك اليهود ول النصارى حتى تتبع ملتهم(‪.‬‬
‫‪ -2‬ل تطلب الرحمة من عدوك‪ ،‬والحرب في العراق حرب دينية دنيوية اجتمع‬
‫فيها الثنان‪.‬‬
‫‪ -3‬العدالة والحرية المريكية هي للرجل البيض فقط‪.‬‬
‫‪ -4‬إن انتهاك الحقوق النسانية ل ُيتهم به إل المسلمون؛ أما غيرهم فلهم ما‬
‫يبرر ذلك‪ ،‬وخذ على ذلك مث ً‬
‫ل‪" :‬غزة" و"رفح" وما تصنعه الجرافات‬
‫السرائيلية هناك‪ ،‬والذي يقول عنها محامي الدفاع المريكي أنها‪" :‬دفاع عن‬
‫النفس"!!‬
‫‪ -5‬الدارة المريكية اليوم تنشر الرهاب وتؤجج ناره فهي تبحث عن حرب‬
‫عالمية ثالثة‪.‬‬
‫‪ -6‬الغرور بلغ بالدارة المريكية مبلغه‪ ،‬وهذا انكسار في قوتها؛ فلو أحسن‬
‫الناس استعماله في نشر الكراهية لمريكا وتفعيل المقاطعة القتصادية‬
‫والتوعية العامة عن الخطر المريكي!!‬
‫‪ -7‬كشفت الحداث أن هناك من هو أمريكي أكثر من المريكان‪ ،‬وذلك في‬
‫مقالت صحفية نشرتها صحف عربية دافعت عن حادث "أبوغريب" أشد من‬
‫دفاع رامسفيلد عن نفسه‪.‬‬
‫‪-8‬النفاق كشر عن نابه في هذه الحادثة‪ ،‬وأعلن ولءه لمريكا وبراءته من‬
‫بني جلدته؛ حيث شاهدنا هذا في مقابلت إعلمية‪ ،‬حتى إن بعضهم يقول‪:‬‬
‫"إن ما حصل في "أبوغريب" ل يستحق إثارة الضجة على أمريكا بسبب فعل‬

‫‪90‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بضع من الرجال والنساء‪ ،‬ول يرقى إلى تشويه سمعتها أمام العالم"!‬
‫‪ -9‬إن الحل الوحيد للخروج من أمام معضلة الغطرسة المريكية هو إعادة‬
‫التربية السلمية للمة‪ ،‬والبعد عن الستغراق في اللحظة الحاضرة أو تكدير‬
‫صفو المجتمعات السلمية بأعمال ل تحمد عقباها‪ ،‬وتكون ذريعة للمعتدي‬
‫في عدوانه‪.‬‬
‫‪ -10‬الواجب الوقوف مع سائر السجناء المسلمين في سجون الغرب؛ فإنهم‬
‫يلقون من الويلت ما ليعلمه إل الله؛ فالدعاء‪ ..‬الدعاء‪...‬‬
‫ً‬
‫‪ -11‬ل يجوز الغترار بتقارير الحكومة المريكية بعد اليوم خصوصا فيما يتعلق‬
‫بالحريات الدينية أو المدنية أو حقوق النسان‪.‬‬
‫وأخيرا ً فهذه نصيحة للشعب المريكي الذي يرغب في العيش بسلم في هذه‬
‫الحياة الدنيا أن يعلن براءته من أفعال حكومته؛ فإن رائحة أفعالهم أزكمت‬
‫النوف‬
‫)‪(1 /‬‬
‫لكي ينتصر السلم‬
‫يتناول الدرس التغيير الذي يفعله السلم بالنفوس ورفعه لهتماماتهم‬
‫وهممهم‪ ،‬وهذا الفرد المسلم الذي يسمو بالسلم عليه واجبات ومسئولية‬
‫تجاه نفسه ودينه ومجتمعه وقضايا المسلمين وتفاعله معها‪ ،‬ومن هنا كانت‬
‫الدعوة للمشاركة الفعلية الجادة في نصرة هذا الدين ‪.‬‬
‫ده‬
‫الحمد لله‪ ،‬وأشهد أل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا ً عب ُ‬
‫ورسوُله‪ ,‬بعثه الله تعالى على حين فترةٍ من الرسل‪ ،‬وانقطاٍع من السبل؛‬
‫فهدى به من الضللة‪ ،‬وبصر به من العمى‪ ،‬وجمع به بعد الفرقة‪ ،‬وأغنى به‬
‫بعد العيلة‪ ,‬فصلوات الله وسلمه عليه‪ ،‬وعلى صحبه والتابعين البرار‬
‫الطهار ‪ ..‬أما بعد‪،،،‬‬
‫فإن الله أنعم على هذه المة ببعثة خاتم الرسل‪ ،‬فجعلها خاتم المم كما كان‬
‫نبيها خاتم الرسل عليه‪ ..‬بعث الله هذا النبي المختار في أمة كان كل همها‬
‫وشغلها تتبع أصول أذناب البل في هذه الصحراء القاحلة‪ ,‬وكانت تركض وراء‬
‫اليرابيع و الضببة تأكل منها‪ ،‬وتشرب من ماء هذه الصحراء‪ ،‬ثم ل هم لها بعد‬
‫ذلك غير ذلك أبدا ً ‪.‬‬
‫فصاح فيها النبي صلى الله عليه وسلم بنداء 'ل إله إل الله محمد رسول الله'‬
‫فرفعت إليه رءوسها‪ ،‬وفتحت له عيونها‪ ،‬وأصاخت له آذانها؛ فاهتدت بهداه؛‬
‫فكانت بذلك خير أمة أخرجت للناس‪ ،‬تأمر بالمعروف‪ ،‬وتنهى عن المنكر‪،‬‬
‫وتؤمن بالله‪ ،‬وتجاهد في سبيله‪ ,‬فخرجت من هذه الصحراء القاحلة لتقول‬
‫لساتذة المدنية‪ ،‬وشيوخ الحضارة في فارس والروم‪:‬‬
‫'جئناكم لنخرج من شاء الله تعالى من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد‪،‬‬
‫ومن ضيق الدنيا إلى سعة العيش‪ ،‬ومن جور الديان إلى عدل السلم'‪.‬‬
‫هذا النبي الذي ُبعث في هذه المة كان من أعظم ما أهدى لها هداية السماء‪،‬‬
‫ونور التوحيد الذي عرف به النسان معنى إنسانيته وكرامته ‪ .‬ذلك النسان‬
‫الذي لم يكن له معنى في الجاهلية‪ ،‬وكان يرضى أن يطأطيء رأسه لله من‬
‫م‪ ،‬فيعبد اللت والعزى ومناة الثالثة الخرى‪.‬‬
‫ر‪ ،‬أو شج ٍ‬
‫حج ٍ‬
‫ر‪ ،‬أو صن ٍ‬
‫بعث إليه صلى الله عليه وسلم؛ ليعلمه أن‪ :‬ل إله إل الله‪ ،‬وأنه ل يجوز أن‬
‫يطأطيء رأسه إل لله عز وجل‪ ،‬فل يسجد لغيره‪ ،‬ول يعبد سواه‪ ،‬مخلصا ً له‬
‫الدين ولو كره الكافرون؛ فنفخ فيه روح العزة‪ ،‬ومعنى الحمية‪ ،‬وسر‬

‫‪91‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الشجاعة والنسانية‪ ،‬حتى عّلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النسان‬
‫العزل الفقير علمه أل يذل ويخضع لشيء من متاع الدنيا‪ ،‬وكيف يذل لغير‬
‫الله عز وجل!‬
‫تأبى عقيدتنا‪ ،‬تأبى أصالتنا أن يصبح الُعرب أشتاتا ً وقطعانا ً‬
‫ب نطأطئها بل ترفض الجبهة الشماء إذعانا ً‬
‫ق ول غر ٍ‬
‫فل لشر ٍ‬
‫فأصبح هذا العرابي الذي كان يركض وراء إبله وغنمه‪ ،‬وكل همه من الدنيا‬
‫ملبس‪ ،‬أو مطعم‪ ،‬أو مشرب‪ ,‬أصبح هذا النسان عزيزا ً مرفوع الهامة‪ ،‬ل يذل‬
‫لغير الله عز وجل‪ ،‬وليس لديه أي استعداد أن يهادن‪ ،‬أو يداهن في دين الله‬
‫عز وجل‪ ,‬حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في ضمن دروس العزة‬
‫ن قُت ِ َ‬
‫مال ِهِ فَهُوَ َ‬
‫شِهيد ٌ‬
‫ل ُدو َ‬
‫ن َ‬
‫والكرامة التي ألقاها على هذه المة العظيمة‪َ ':‬‬
‫م ْ‬
‫ن قُت ِ َ‬
‫ن قُت ِ َ‬
‫ن قُت ِ َ‬
‫مهِ فَهُوَ َ‬
‫ن ِدين ِهِ فَهُوَ َ‬
‫ن‬
‫ن دَ ِ‬
‫ل ُدو َ‬
‫ل ُدو َ‬
‫ل ُدو َ‬
‫شِهيد ٌ وَ َ‬
‫شِهيد ٌ وَ َ‬
‫وَ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫أ َهْل ِهِ فَهُوَ َ‬
‫د' رواه الترمذي‪ -‬وأصله في البخاري ومسلم‪. -‬‬
‫شِهي ٌ‬
‫فعّلم النبي صلى الله عليه وسلم النسان أن يكون أبيًا‪ ،‬رفيعًا‪ ،‬قويًا‪ ،‬عزيزًا‪،‬‬
‫منيعًا‪ ،‬وأل يكون همه هذه الحياة الدنيا ‪.‬‬
‫ى فوق هذه الدنيا‪ ،‬وأل‬
‫لبد أن يكون للنسان سٌر وراء هذه الحياة‪ ،‬ومعن ً‬
‫يكون النسان ترابا ً فحسب‪ ،‬بل هو حفنة من التراب عانقت هدي السماء؛‬
‫فارتفعت‪ ،‬وسمت‪ ،‬وشمخت‪ ،‬فأصبحت أعظم من كل معاني البشرية؛ لنها‬
‫ارتبطت بهدي الله‪ ،‬ونور الوحي النازل من السماء‪ ,‬فأصبح النسان بذلك‬
‫عزيزًا‪ ،‬مرفوع الهامة‪ ،‬شامخ النف‪ ،‬ل يذل لغير الله طرفة أو لحظة ‪<O:P .‬‬
‫لم يسمح النبي صلى الله عليه وسلم للقبيلة أن تهدر قيمة الفرد كما لم‬
‫يسمح للفرد أن يعتدي على كرامة القبيلة‪،‬‬
‫ً‬
‫أو المجتمع‪ ،‬أو الدولة بل جعل هذه الشياء كلها تسير جنبا إلى جنب‪ ،‬فل‬
‫قيمة لقبيلة أفرادها مجموعة من الضعفاء‪ ،‬والتباع المقهورين الذلء‪ ،‬الذين‬
‫ل يرون لنفسهم قيمة ول كرامة‪ ,‬ول قيمة لفرد ٍ ل ينتسب لذلك المجتمع‬
‫السلمي الكبير‪ ،‬الذي يتعاون أفراده على البر والتقوى‪ ،‬ول يتعاونون على‬
‫الثم والعدوان ‪.‬‬
‫مسئولية الفرد المسلم‪:‬‬
‫مل النسان ‪-‬كل إنسان‪ -‬مسئوليته على كافة‬
‫لقد جاء السلم الذي يح ّ‬
‫مله‬
‫المستويات‪ ،‬فإن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يخاطب الفرد؛ ليح ّ‬
‫مسئوليته على كافة الصعدة‪:‬‬
‫مسئوليته في تعلم العلم الشرعي أصوًل وفروعا ً عقيدة وأحكامًا‪ :‬فل يكون‬
‫ن تابعا ً‬
‫النسان مقلدا ً أو تابعًا‪ ،‬رضي أن يهدر عقله وفهمه‪ ،‬ويهدر إدراكه‪ ،‬ليكو َ‬
‫ن‪ ،‬دون حجة‪ ،‬ول هدى‪ ،‬ول كتاب منير‪ ،‬بل إن‬
‫ومقلدا ً لفلن وفل ٍ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر العذاب الذي يصيب الفاجر‪ ،‬أو الكافر‬
‫ن من أعظم أسباب هذا العذاب‪ :‬أن يكون النسان مقلدا ً في‬
‫نأ ّ‬
‫في قبره؛ ب َي ّ َ‬
‫دينه‪ ،‬لم يتعب في البحث عن الدين‪ ،‬ولم يجهد في استخراج الحجج‬
‫واستنباطها‪ ،‬ولم يستخدم هذا العقل الذي أنعم الله تعالى به عليه في‬
‫الوصول إلى الحق بالدليل الشرعي من آية‪ ،‬أو حديث‪ ،‬أو إجماع‪ ،‬و إنما‬
‫ن ‪ .‬فقد ذكر النبي صلى الله عليه‬
‫ن وفل ٍ‬
‫رضي أن يكون مجرد مقلد لفل ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا ُ‬
‫ه َيا هَ َ‬
‫ن‬
‫وسلم أن النسان إذا وضع في قبره‪ ':‬ي ُ َ‬
‫ما ِدين ُك وَ َ‬
‫ن َرب ّك وَ َ‬
‫ذا َ‬
‫لل ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن َب ِي ّ َ‬
‫ك' فأما المؤمن‪ ،‬أو الموقن‪ ،‬فيقول‪ :‬ربي الله وديني السلم ونبيي محمد‬
‫‪92‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صلى الله عليه وسلم ‪ ..‬وحينئذ ُيسأل سؤاًل رابعا ً ما علمك؟ من أين حصلت‬
‫على هذا العلم؟ هل هو بالهوى والتقليد‪ ،‬أو حصلت علية بالبحث والتباع ؟‬
‫ْ‬
‫ت' رواه أبوداود‬
‫ت ك َِتا َ‬
‫صد ّقْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ب الل ّهِ َفآ َ‬
‫فيقول المؤمن الموقن‪ ':‬قََرأ ُ‬
‫ت ب ِهِ وَ َ‬
‫وأحمد ‪.‬‬
‫حجة من كتاب الله تعالى‪،‬‬
‫ي على التحري والدليل‪ ،‬والتباع وال ُ‬
‫إذا ً هو عل ٌ‬
‫م مبن ٌ‬
‫أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقد أجهد هذا المسلم نفسه في‬
‫طلب العلم‪ ،‬وثنى ركبه في مجالس الذكر‪ ،‬واستمع إلى قال الله‪ ،‬وقال‬
‫رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وأعمل عقله حتى وصل إلى الهداية‪ ،‬وظفر بها‬
‫سد في قبره‪ ،‬ويتخلى عنه‬
‫وتمسك بها‪ ,‬ولهذا نجح في الختبار العظيم‪ ،‬يوم ُيو َ‬
‫كل أحبابه‪ ،‬وأتباعه‪ ،‬ويبقى وحيدا ً إل من عمله الصالح ‪.‬‬
‫ة‪ ،‬ودون أن يستخدم هذه‬
‫أما الكافر أو المنافق‪ ،‬فيقول ما يقولون دون حج ٍ‬
‫الجوهرة العظيمة‪ :‬العقل‪ ،‬في معرفة دين الله‬
‫وفهم النصوص القرآنية‪ ،‬والحاديث النبوية‪ ،‬والوصول إلى الحق‪ ,‬ولو كان‬
‫يردد في هذه الدنيا العبارات‪ ،‬واللفاظ دون أن يعيها‪ ،‬فإنه ُيخفق في الختبار‬
‫فيقول‪ :‬هاه هاه ل أدري كنت أقول ما يقول الناس ‪.‬‬
‫إذًا‪:‬كان يقول ويردد لكن دون وعي‪ ،‬ودون بصيرة‪ ،‬ودون أن يحرك إنسانيته‪،‬‬
‫أو يستخدم مواهبه‪ ,‬إنما كان مجرد مقلد لفلن وفلن؛ فيخفق ول يتذكر ماذا‬
‫كان يقول في الدنيا‪ ،‬وينسى ما يجب أن يقول في القبر فيقول‪ :‬ل أدري كنت‬
‫أقول ما يقول الناس‪ ,‬فيقال له‪ :‬ل دريت ول تليت‪ ،‬فيضرب بمطرقة من‬
‫حديد يصيح صيحة يسمعها من يليه إل الثقلن‪ ،‬ولو سمعها النس والجن‬
‫لصعقوا من هول ما يسمعون ‪.‬‬
‫فصور نفسك وأنت في هذا الموقف العسير‪ ،‬وأنت تتعرض لهذا البتلء الكبير‬
‫الذي لن ينفعك فيه مال‪ ،‬ول جاه‪ ،‬ول سمعة‪ ،‬ول شهرة‪ ،‬ول فلن ول علن‪,‬‬
‫م نافع‪ ،‬أو عمل صالح‪:‬‬
‫إنما ينفعك فقط‪ ..‬شيٌء واح ٌ‬
‫د‪ :‬عل ٌ‬
‫ن‬
‫ن الله تعالى بالحجة والبرهان والدليل‪ ،‬أم تلقيته من فل ٍ‬
‫فهل تلقيت دي َ‬
‫ن؟‬
‫وعل ٍ‬
‫وهل اهتممت بهذا الدين وتتبعت أحكامه‪ ،‬أم اكتفيت بالموروثات الجتماعية ؟‬
‫ً‬
‫ن‬
‫هذه الموروثات التي قد تكون صوابا ً في بعض الحيان‪ ،‬وخطأ في أحيا ٍ‬
‫أخرى ‪ .‬ونحن نرى اليوم أن الكثير من المسلمين يتعصبون لهذه الموروثات‪،‬‬
‫ويتناصرون من أجلها أكثر مما يتحمسون لبعض الحكام الشرعية التي‬
‫يسمعونها من أفواه العلماء‪ ،‬و الدعاة والمتحدثين ‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ة شخصي ً‬
‫إذا ً لقد جعل الله تعالى عليك أنت بالذات مسئولي ً‬
‫ة في ت َعَلم ِ دي ِ‬
‫الله‪ ،‬ومعرفة أحكام ما أنزل الله على رسوله بالدلة الشرعية‪ ،‬ول يغنيك أن‬
‫ة‪ ,‬ل يكفي أن تكون‬
‫ل أو حج ٍ‬
‫تكون مجرد مقلد ٍ أعمى‪ ،‬دون أن تبحث عن دلي ٍ‬
‫مقلدا ً لما نشأت عليه في مجتمعك ‪.‬‬
‫مسئوليته في وجوب تزكية النفس بهذا العلم ‪ :‬فأيُ معنى‪ ،‬أو قيمة لعلم‬
‫يكون محصورا ً في رأسك‪ ،‬لم يتحول إلى علم نافع بل هو علم مجرد‪ ,‬وكثيرا ً‬
‫ما نواجه في مجتمعنا وواقعنا أشخاصا ً إذا تكلموا كانوا كالفلسفة‪ ,‬يعرفون‬
‫ويتحدثون‪ ،‬وربما يستشهدون بالنصوص‪ ،‬وربما يقولون‪ :‬قال فلن وعلن‪..‬‬
‫لكن إذا أتيت إلى واقعهم الشخصي في عباداتهم‪ ,‬في علقاتهم بأهلهم‪:‬‬
‫الوضع المنزلي الذي يعيشون فيه‪ ,‬الوضع القتصادي‪ ,‬الوضع الجتماعي؛‬
‫لوجدت هؤلء الشخاص أبعد ما يكونون عن تمثل والتزام هداية السماء في‬
‫تزكية أنفسهم‪ ،‬وتزكية من حولهم ‪.‬‬
‫‪93‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كم من إنسان قد يتكلم بالحق في لسانه‪ ،‬ولكنك حين تنظر إلى سلوكه‬
‫الشخصي؛ تجد شيئا ً آخر‪ ،‬وحين تنظر إلى بيته؛ تجد ألوان المعاصي‬
‫والمنكرات‪ ،‬وتجد أهله وذريته وأولده في واد ٍ آخر‪ ،‬لم يتعاهدهم بالهداية‪ ،‬ولم‬
‫يعلمهم‪ ،‬بل ولم يمنعهم من الحرام‪ ،‬فأتاح لهم كل وسائل الفساد‪ ،‬وكل‬
‫وسائل التصال بالعالم كله‪ ،‬وهو يقول‪ :‬هؤلء على مستوى أن يميزوا الطيب‬
‫من الخبيث‪ ..‬نعم كانوا على مستوى أن يميزوا الطيب من الخبيث لو أنك‬
‫تعاهدتهم‪ ،‬وعلمتهم‪ ،‬وربيتهم‪ ،‬وهذبتهم‪ ،‬ووضعت لهم الموازين المستقيمة‬
‫التي يستطيعون أن يميزوا بها بين الحق والباطل‪ ،‬والهدى والضلل‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫أما أن تتركهم لعوادي الزمن‪ ،‬وخطط العداء‪ ،‬يشاهد في التلفاز‪ ،‬ويسمع في‬
‫المذياع‪ ،‬و يقرأ في الجريدة الكثير‪ ،‬ويسمع في المدرسة‪ ،‬ويجالس قرناء‬
‫السوء‪ ،‬وربما أتيح له كثيرا ً أن يشاهد أفلم الفيديو‪ ،‬بل أن يطلع على القنوات‬
‫الفضائية التي تبث من أنحاء العالم‪ ،‬ومنها قنوات تنصيرية‪ ،‬وقنوات جنسية‪،‬‬
‫وقنوات تخريبية‪ ،‬وقنوات تنقل لنا قاذورات العالم كله‪ ،‬وما فيه من خير‬
‫وشر‪ ,‬ثم تترك لهذا العقل الغض الطري البسيط‪ ،‬الذي لم ينضج بعد‪ ،‬ولم‬
‫يملك إمكانية التمييز‪ ،‬وتقول‪ :‬إنه قادٌر؛ فإن المر حينئذ يكون كما قيل ‪:‬‬
‫ك إيا َ‬
‫ألقاه في الي َم ِ مكتوفا ً وقال له إيا َ‬
‫ك أن تبت َ‬
‫ل بالماِء‬
‫أو تجد هذا النسان الذي قد يفهم بعض النصوص‪ :‬في تعاملته التجارية قد‬
‫يأكل الربا‪ ،‬ويأكل الحرام‪ ،‬وقد يغش‪ ،‬وقد يخدع‪ ،‬وقد يأخذ أموال الخرين‪ ،‬أو‬
‫يعتدي على أراضيهم‪ ،‬أو يأخذ مالهم بالباطل ل بالحق‪ ,‬ومع ذلك يلتمس‬
‫لنفسه ألف عذرٍ وعذر‪.‬‬
‫فأين التزكية إذًا؟ وأين العلم الذي يجيده هذا النسان في لسانه‪ ،‬والله تعالى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َز ّ‬
‫ها]‬
‫ها وَت َ ْ‬
‫يقول‪ {:‬وَن َ ْ‬
‫كا َ‬
‫وا َ‬
‫جوَر َ‬
‫وا َ‬
‫ها]‪[8‬قَد ْ أفْل َ َ‬
‫مَها فُ ُ‬
‫ما َ‬
‫ح َ‬
‫ها]‪[7‬فَأل ْهَ َ‬
‫س وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ق َ‬
‫س ّ‬
‫ف ٍ‬
‫ها]‪' }[10‬سورة الشمس' فل بد أن تزكي نفسك ثانيا ً‬
‫‪[9‬وَقَد ْ َ‬
‫سا َ‬
‫خا َ‬
‫ن دَ ّ‬
‫ب َ‬
‫م ْ‬
‫بهذا العلم ‪.‬‬
‫ب‬
‫وهذه التزكية ل يغني فيها أحد ٌ عن أح ٍ‬
‫ب عن قريبه‪ ،‬ول أ ٌ‬
‫د‪ ،‬ول ينفع فيها قري ٌ‬
‫َ‬
‫هّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ما ٌ‬
‫م َل ي َن ْ َ‬
‫ل وَل ب َُنو َ‬
‫عن ابنه‪ ،‬ول زو ٌ‬
‫ج عن زوجه‪ {:‬ي َوْ َ‬
‫ن أَتى الل َ‬
‫ن]‪[88‬إ ِل َ‬
‫فع ُ َ‬
‫م ْ‬
‫م]‪'} [89‬سورة الشعراء' ‪.‬‬
‫بِ َ‬
‫ب َ‬
‫قل ْ ٍ‬
‫سِلي ٍ‬
‫مسئوليته في حمل هموم المسلمين والتحمس لقضاياهم‪ :‬والسلم لم يقنع‬
‫ف إلي ذلك تزكية نفسك‬
‫منك أن تكون عالما ً بالشرع فقط‪ ،‬أو أن تضي َ‬
‫شخصيًا‪ ،‬وتزكية أولدك وزوجك ومن ائتمنك الله عليهم فحسب‪ ,‬بل لبد أن‬
‫تضيف إلى هذين المرين أمرا ً ثالثًا‪ :‬هو عربون دينك‪ ،‬وإيمانك‪ ،‬وانتسابك إلى‬
‫هذا السم الشريف العظيم‪ ' :‬السلم ' وإلى هذا المجتمع المسلم‪ ،‬أل وهو‬
‫أن تكون متحمسا ً لقضايا المسلمين‪ ,‬متعاطفا ً مع همومهم‪ ,‬فل تعتبر أن ما‬
‫ص‬
‫ة خارجي ٌ‬
‫يصيب المسلم في المشرق والمغرب قضي ٌ‬
‫ة ل تعنيك‪ ،‬أو شأ ٌ‬
‫ن خا ٌ‬
‫في دولةٍ من الدول‪ ,‬بل تعتبر أن من علمة صدق اليمان في قلبك أن‬
‫يتحرك المؤشر كلما سمعت خبرًا‪ ,‬فإن كان الخبُر سارًا؛ تحرك المؤشُر‬
‫بالفرِح والسرو وإن كان الخبُر مزعجًا؛ تحرك المؤشر بالحزن والتعاطف مع‬
‫قضايا المسلمين بقدر ما تستطيع ‪.‬‬
‫وأنت تستطيع الكثير‪ ..‬ولو لم تستطع إل الكلمة الطيبة؛ لكانت صدقة كما‬
‫قال النبي صلى الله عليه وسلم ‪ .‬فمن الذي يحول بينك وبين أن تتحدث عن‬
‫قضايا المسلمين وهمومهم‪ ،‬أو تشاطرهم أفراحهم وأحزانهم‪ ,‬أو تعمل على‬

‫‪94‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫توعية من حولك بما يعانيه المسلمون في مشارق الرض ومغاربها من ألوان‬
‫الضطهاد والتنكيل التي تبدأ بمحاولة نقلهم عن دينهم إلى دين آخر ‪ ,‬سواء‬
‫كان هذا الدين هو النصرانية‪ ،‬أو كان هذا الدين هو العلمانية‪ ،‬أو كان هذا‬
‫الدين هو العراض عن دين الله عز وجل والجهل به‪ ،‬بدءا ً بقضية التوحيد‬
‫وشهادة أن محمدا ً رسول الله‪ ،‬التي أصبح من المسلمين من يجهلها‪ ,‬وانتهاًء‬
‫بالحكام الشرعية التي ل يفهم الكثير منها إل أقل القليل‪ ,‬ومرورا ً بتجهيل‬
‫المسلمين أمور دنياهم؛ ليصبحوا عالة على عدوهم‪ ،‬فهم يستوردون من‬
‫عدوهم كل شيء‪ ،‬ويعتمدون على عدوهم في كل شيء‪,‬‬
‫فأصبح عدوهم يمسك بخناقهم ‪.‬‬
‫والكلمة الطيبة منك ل تكفي‪ ..‬لنك تملك أكثر من ذلك‪ ,‬تملك المشاركة‬
‫الحقيقية‪:‬‬
‫ً‬
‫المشاركة بالمال مثل في قضايا المسلمين‪ :‬فأنت تستطيع أن تشارك بالمال‪،‬‬
‫وأن تؤدي بعض شكر نعمة الله عليك بالزكاة‪ ،‬أو غيرها من الصدقات التي قد‬
‫ُتطِعم بها جائعًا‪ ،‬أو تكسو عاريًا‪ ،‬أو تروي ظمآن‪ ،‬أو تعالج بها مريضًا‪ ،‬أو يهدي‬
‫الله بها ضا ً‬
‫ل‪ ،‬أو متعرضا للتنصير والتكفير‪ ،‬والنبي صلى الله عليه وسلم‬
‫ج ٌ‬
‫صاِع‬
‫صاِع ب ُّرهِ ِ‬
‫ن ث َوْب ِهِ ِ‬
‫مهِ ِ‬
‫ن دِْرهَ ِ‬
‫ن ِديَنارِهِ ِ‬
‫ل ِ‬
‫صد ّقَ َر ُ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫يقول‪ ':‬ت َ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة' رواه مسلم والنسائي وأحمد‪.‬‬
‫ر‬
‫م‬
‫ت‬
‫ق‬
‫ش‬
‫ب‬
‫و‬
‫ل‬
‫و‬
‫ل‪-‬‬
‫قا‬
‫تى‬
‫َ ْ ِ ِ ّ َ ْ َ ٍ‬
‫ح ّ‬
‫مرِهِ ‪َ -‬‬
‫تَ ْ‬
‫إذًا‪ :‬ل تحقرن من المعروف شيئا ً ولو أن يكون ذلك شق تمرة‪ ،‬أو ريال ً واحدًا‪,‬‬
‫م‪,‬‬
‫فأنت لو تصورت أن ألف مليون مسلم اليوم‪ ،‬أو ألفا ً ومائتي مليو ِ‬
‫ن مسل ٍ‬
‫ل واحد ٍ فقط؛ لكان معنى ذلك أننا جمعنا‬
‫لو أن كل واحد منهم تخلى عن ريا ٍ‬
‫في حملةٍ واحدةٍ ألف ومائتي مليون ريال !! كم سوف تنفع هذه الموال ؟‬
‫كم سوف تدفع بإذن الله تعالى من الشرور عن المسلمين ؟‬
‫لكن المشكلة العظيمة‪ :‬أن الكثيرين تخلوا عن دورهم‪ ..‬ولو كان دورا ً‬
‫محدودًا‪ ..‬ولو كان دورا ً قلي ً‬
‫ة بالنفاق والبذل هي‬
‫ل‪ ،‬وظنوا أن المطالب َ‬
‫ة الغنياِء فقط‪ ,‬أو تخلوا عن دورهم في الدعوة والِهداية‪ ،‬وظنوا أن‬
‫مسئولي ُ‬
‫الدعوة‪ ،‬والهداية‪ ،‬والمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي مسئولية العلماء‪،‬‬
‫أوالدعاة‪ ،‬أوالخطباء فقط‪ ،‬ونسوا أن الله تعالى‬
‫)‪(3 /‬‬
‫خلقنا بشرا ً مسئولين مكلفين‪ ,‬وحين أنزل الدين لم يقل أبدًا‪ :‬إن الدين‬
‫مسئولية فئة خاصة‪ ،‬ول مسئولية طبقة معينة‪،‬‬
‫وإنما جعل مسئولية هذا الدين على عاتق كل واحد منا‪ ،‬سواء قام بها‬
‫وحفظها‪ ،‬أم ضيعها؛ فهو مسئول بين يدي الله عز وجل‪ ,‬قال الله تعالى‪{:‬‬
‫ك وس و ف ت َ‬
‫ه ل َذِك ٌْر ل َ َ‬
‫ن]‪'} [44‬سورة الزخرف' ‪.‬‬
‫ك وَل ِ َ‬
‫قو ْ ِ‬
‫سأُلو َ‬
‫م َ َ َ ْ َ ُ ْ‬
‫وَإ ِن ّ ُ‬
‫لبد من المشاركة ‪:‬‬
‫لنفرض جدل ً أنك ل تستطيع أن تتكلم‪ ،‬ول أن تعمل‪ ،‬ول أن تبذل المال‪ ،‬ول‬
‫صّبر ًًا‪ ,‬فإنك تستطيع‬
‫أن تقف بنفسك مع إخوانك معلمًا‪ ،‬وداعيًا‪ ،‬ومرشدًا‪ ،‬و ُ‬
‫م َ‬
‫ولبد أمرا ً بعد ذلك أل وهو‪ :‬المشاركة الوجدانية‪:‬‬
‫قدم الدليل العملي على أنك فعل ً تشعر بمشاعر المسلمين في كل مكان‪.‬‬
‫أثبت أنك لست شامتا ً تسخر مما يقع للمسلمين ‪.‬‬
‫قدم الدلة المادية على أن روح الخوة السلمية ما ماتت بعد ُ في قلبك ‪.‬‬
‫ً‬
‫إن المشاركة الشعورية والوجدانية هي أحد الشياء التي نحتاج إليها كثيرا ولو‬
‫لم تعمل‪ ,‬فإن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقول لصحابه‪ ،‬وهو في‬

‫‪95‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫م َوادًِيا‬
‫م ِ‬
‫ما ِ‬
‫م ِ‬
‫معركة تبوك يقول لهم‪ ':‬إ ِ ّ‬
‫سيًرا وََل قَط َعْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫سْرت ُ ْ‬
‫ما َ‬
‫وا ً‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫دين َةِ أقْ َ‬
‫إ ِّل َ‬
‫م ال ْعُذ ُْر' رواه البخاري وابن ماجة‪ .‬إذن لنفترض أنك‬
‫م َ‬
‫حب َ َ‬
‫سهُ ْ‬
‫معَك ُ ْ‬
‫كاُنوا َ‬
‫معذوٌر‪ ،‬ل تستطيع أن تتكلم لنك أبكم‪ ،‬ول تستطيع أن تنفقَ لنك فقيٌر‪ ،‬ول‬
‫تستطيع أن تشار َ‬
‫ض‪ ،‬ول تستطيع أن تعمل شيئًا‪:‬‬
‫ك بنفسك لنك مري ٌ‬
‫أثبت أن عندك قلبا ً يحزن للمهم‪ ..‬ويفرح لفرحهم‪.‬‬
‫ة مع إخوانك في كل مكان ‪.‬‬
‫ة وجداني ً‬
‫أثبت أن لديك مشارك ً‬
‫أثبت أن روح الخوة ل تزال تعمل في قلبك ‪.‬‬
‫يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوما ً وسرنا نحن أرواحا ً‬
‫حا‬
‫إنا أقمنا على عذرٍ نكابده ومن أقام على عذرٍ كمن را َ‬
‫ن ‪ ..‬سيتبعه على أقل تقدير‪ :‬دعوة‬
‫هذا الشعور الوجداني في قلبك سيتبعه تم ٍ‬
‫ب السماء‪:‬‬
‫ترفعها في الهزيع الخير من الليل إلى رب العالمين تفتح لها أبوا ُ‬
‫أتهزأ بالدعاء وتزدريه ول تدري بما صنع الدعاء‬
‫سهام الليل ل تخطي ولكن لها أج ٌ‬
‫ل وللجل انقضاء‬
‫المة التي قوام أعدادها ألف ومائتا مليون هل تعتقد أنه ل يوجد فيها واحد‬
‫مستجاب الدعوة ؟‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ':‬إ ِ ّ‬
‫ن لوْ أق َ‬
‫س َ‬
‫عَبادِ اللهِ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ه' رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبوداود وابن ماجة وأحمد ‪.‬‬
‫عََلى الل ّهِ َلب َّر ُ‬
‫نحن نجزم يقينا ً أن في هذه المة من الولياء من لو دعوا الله؛ لجابهم‪ ,‬ولو‬
‫استسقوا المطر من السماء؛ لسقاهم شرابا ً طهورًا‪ ,‬ولو سألوا الله تعالى؛ ما‬
‫رد سؤالهم‪ ...‬فأين هؤلء ؟ لماذا ل نحرك همم الناس ؟ العجائز‪ ،‬والطفال‪،‬‬
‫والكبار‪ ،‬والصغار‪ ،‬والسذج‪ ،‬والمتعلمين‪ ،‬والجميع‪ ،‬لنقل لهم‪ :‬ادعوا الله‬
‫لخوانكم المسلمين في كل مكان أن يفرج الله تعالى عنهم كروبهم‪ ،‬ويزيل‬
‫عنهم همومهم‪ ،‬ويؤمنهم من خوف‪ ،‬و يطعمهم من جوع‪ ،‬ويرويهم من ظمأ‪,‬‬
‫وقبل ذلك كله أن يعلمهم من جهل‪ ،‬وأن يبصرهم في دينهم ‪.‬‬
‫لن يصلح آخر هذه المة إل بما صلح به أولها‪:‬‬
‫ح به أولها‪ ,‬فإذا كان النبي صلى الله‬
‫صل ُ َ‬
‫صل ُ َ‬
‫ح إل بما َ‬
‫إن آخر هذه المة لن ي َ ْ‬
‫عليه وسلم َرّبى هذه المة على هذه المعاني‪ ,‬فرباها على المسئولية‬
‫الشخصية في طلب العلم الشرعي والتعب وراء تحصيله بدليله‪ ,‬وربى هذه‬
‫المة على مسئولية التزكية لهذا العلم للنفس وللغير‪ ,‬و ربى هذه المة على‬
‫مسئولية المشاركة‪ ،‬وأن تكون المة جسدا ً واحدًا‪،‬‬
‫إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر العضاء بالسهر والحمى كما قال عليه‬
‫مث َ ُ‬
‫ن ِفي‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫الصلة والسلم‪ ,‬وكما قال في الحديث الخر المتفق عليه‪َ ':‬‬
‫مِني َ‬
‫شت َ َ‬
‫مث َ ُ‬
‫سدِ إ َِذا ا ْ‬
‫ه‬
‫دا َ‬
‫كى ِ‬
‫م وَت ََعاط ُ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ضو ٌ ت َ َ‬
‫ه عُ ْ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫م وَت ََرا ُ‬
‫ج َ‬
‫عى ل َ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫م َ‬
‫فهِ ْ‬
‫مهِ ْ‬
‫واد ّهِ ْ‬
‫تَ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫مى' رواه البخاري ومسلم وأحمد‪ .‬فلن يصلح آخر‬
‫سهَرِ َوال ُ‬
‫سائ ُِر ال َ‬
‫سدِ ِبال ّ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫هذه المة إل بما صلح به أولها ‪.‬‬
‫فل بد إذا ً من دعوة لهذه المة‪:‬‬
‫دعوة إلى الدين كله ل بعضه‪ ،‬فل ندعو إلى بعض الدين ونغفل عن بعضه {‬
‫َ‬
‫ض ]‪' } [85‬سورة البقرة' ‪ .‬إننا ل نقبل‬
‫ب وَت َك ْ ُ‬
‫أفَت ُؤْ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ض ال ْك َِتا ِ‬
‫ن ب ِب َعْ ٍ‬
‫ن ب ِب َعْ ِ‬
‫تجزيء السلم‪ ،‬أو علمنته‪ ،‬فالدين جاء ليعلم النسان كيف يتوضأ‪ ،‬وكيف‬
‫يصلي‪ ،‬وكيف يبيع ويشتري‪ ،‬وكيف يحكم‪ ,‬جاء ليهيمن على حياة النسان‬
‫كلها‪ ،‬دقيقها وجليلها‪ ,‬ول يجوز التفريط بشيء من الدين‪ ،‬أو اعتبار أن جزًء‬
‫من الحياة غير داخل في مسألة الهداية الربانية ‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬

‫‪96‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ول بد أن تكون الدعوة إلى الدين ل إلى الهوى‪ ،‬فالدين واحد أما الهواء فهي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جعَل َْنا َ‬
‫ك عََلى َ‬
‫ن َل‬
‫واَء ال ّ ِ‬
‫ريعَةٍ ِ‬
‫م َ‬
‫ن اْل ْ‬
‫شتى‪ {:‬ث ُ ّ‬
‫ذي َ‬
‫مرِ َفات ّب ِعَْها وََل ت َت ّب ِعْ أهْ َ‬
‫م َ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما أن َْز َ‬
‫ع‬
‫ه وََل ت َت ّب ِ ْ‬
‫نا ْ‬
‫مو َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫م ب َي ْن َهُ ْ‬
‫حك ُ ْ‬
‫ي َعْل َ ُ‬
‫ن]‪'} [18‬سورة الجاثية' ‪ { .‬وَأ ِ‬
‫َ‬
‫م ]‪'} [49‬سورة المائدة' ‪ .‬يجب أن ندعو إلى دين الله ‪ :‬كتاب الله‪،‬‬
‫واَءهُ ْ‬
‫أهْ َ‬
‫وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قوًل وفعل ً ‪ ,‬لسنا ندعو إلى أهوائنا‪ ،‬ول‬
‫إلى أمزجتنا‪ ،‬ول إلى رغباتنا‪ ،‬ول إلى آرائنا الشخصية‪ ،‬وإنما ً ندعو إلى دين‬
‫الله تعالى‪.‬‬
‫ً‬
‫أما آراؤنا فقد نعرضها‪ ،‬ولكننا ل ُنلزم بها أحدا؛ لنها تحتمل أن تكون خطأ‪،‬‬
‫وتحتمل أن تكون صوابا ً ‪.‬‬
‫ة‪ ،‬أو‬
‫ولبد أن تكون دعوتنا إلى الدين فوق مستوى أن ندعو إلى لفتةٍ خاص ٍ‬
‫ن‪ ,‬و إنما نحن نهتم‬
‫رايةٍ خاص ٍ‬
‫ص‪ ،‬أو حز ٍ‬
‫ص معي ٍ‬
‫ص‪ ،‬أو شخ ٍ‬
‫ب خا ٍ‬
‫ة‪ ،‬واسم ٍ خا ٍ‬
‫بالدين‪ ،‬وندعو إلى الدين‪ ،‬ول يهمنا بعد ذلك أي جنس تكون‪ ،‬وأي لون تكون‪،‬‬
‫وأي اسم ٍ تنتحل‪ ،‬فإن المهم هو أن تكون ملتزما ً بحقيقة الدين‪ ،‬وجوهره‬
‫ومظهره‪.‬‬
‫فل بد من هذا‪:‬‬
‫أوًل‪ :‬أن نقوم بدعوة جادةٍ إلى دين الله عز وجل ‪.‬‬
‫ة للمة كلها فليست الدعوة إلى السلم‬
‫وثانيًا‪ :‬أن تكون هذه الدعوة موجه ً‬
‫منا أن ننقذ الناس بدين الله تعالى ‪.‬‬
‫حكرا ً على فئةٍ خاص ٍ‬
‫ة‪ ،‬فالذي ُيه ُ‬
‫اللهم أعز السلم والمسلمين‪ ،‬وأذل الشرك والمشركين‪ ،‬ودمر أعداءك‬
‫أعداء الدين‪ ،‬وصلى الله وسلم على نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫من خطبة‪:‬لكي ينتصر السلم ‪...‬للشيخ‪/‬سلمان العودة‬
‫)‪(5 /‬‬
‫للزواج فقط !!‬
‫إبراهيم عاصي *‬
‫‪ ...‬وإنه ما لم يحصل هذا النفتاح ‪ ،‬فيقارع الرأي الرأي ‪ ،‬وينازل الفكر الفكر‪،‬‬
‫منازلة علنية تحت ضوء الشمس ‪ ،‬حرة متكافئة ‪ ،‬بل كبت ول قهر ول إبعاد ‪..‬‬
‫إنه ما لم يحصل ذلك فإن الحقيقة تظل غائبة ضائعة ول تتمحص ! وهذا ليس‬
‫من مصلحة النسان في شيء ‪.‬‬
‫أيها السادة ‪:‬‬
‫بعد هذا الستطراد السريع ‪ ،‬وقبل البدء بقراءة نص البحث الذي هو موضوع‬
‫محاضرتنا لهذه المسية ‪..‬اسمحوا لي أن ألفت عنايتكم إلى النقاط التالية ‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ إن عبارة )للزواج فقط( تمثل عنوان المحاضرة وليس موضوعها ‪ .‬وهذا‬
‫العنوان أشبه ما يكون )بالمانشيت( الصحفي ليس أكثر‪ .‬إذ أن الموضوع ذو‬
‫مساس بالزواج وغير الزواج من الجنسين ‪ ،‬ممن هم على أهبة الزواج‬
‫القريب أو البعيد ‪ ،‬أو ربما على أهبة الطلق أيضا ً !!‬
‫حجر الزاوية في الموضوع هو )ظاهرة الخيانات الزوجية( إل أن البحث‬
‫يتشعب بعد ذلك ليتناول أمورا ً فرعية متعددة ‪ .‬وذلك عندما يتعرض الحديث‬
‫إلى أسباب الظاهرة ونتائجها وكيفية علجها ‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ لقد اصطنعت للبحث أسلوب الحوار بين اثنين أحدهما يسأل ‪ ،‬والثاني‬
‫يجيب ‪ .‬وما ذلك إل تحاشيا ً مقصودا ً مني لطريقة السرد المباشر الرتيب ‪،‬‬
‫التي من شأنها أن تدخل السأم والملل إلى نفس السامع عندما تطول ‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ إن المنطق العام للبحث ليس أرضية مجتمع بلدنا الضيق المحدود ‪ ..‬ل ‪،‬‬

‫‪97‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وإنما هي أرضية المجتمع العربي العام ‪ ،‬وحتى غير العربي من المجتمعات‬
‫الخرى ‪ .‬وأرجو أل أكون في هذا مبالغا ً ‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ قد يلحظ السامع فيما يلي ‪ ،‬أنني ألجأ أحيانا ً إلى عبارات تبدو فيها‬
‫الصراحة فاقعة ‪ ،‬إن لم نقل جارحة أو محرجة لمشاعر بعض الحاضرين ‪ ،‬أو‬
‫الحاضرات !!‬
‫وعذري الذي أبديه سلفا ً ‪ ،‬هو أنني رأيت الصراحة في الحديث كالخط‬
‫المستقيم في الهندسة ‪ .‬فكما أن الخط المستقيم في الهندسة هو أقصر بعد‬
‫بين نقطتين ‪ ..‬كذلك الصراحة هي أسلم طريق للفهم بين متخاطبين ‪ ،‬ل‬
‫سيما إذا كان التخاطب ينحو منحى الحديث الموضوعي ‪ ،‬الهادئ المتئد ‪.‬‬
‫والن هيا بنا في جولة مع الزواج ‪ ..‬ولكن ليس مع الزواج فقط !!‬
‫قلت لمحدثي ‪ :‬قد أفهم جنوح بعض العزبان من الشباب والفتيات نحو‬
‫ارتكاب الخطيئة ‪ ،‬ولكنني ل أفهم أبدا ً السبب في الخيانات الزوجية ‪ ،‬التي‬
‫بدت أسمع عنها الكثير من الناس ‪ ،‬أو أقرأ عنها باستمرار في صفحات "‬
‫أخبار المجتمع " وزوايا " مشكلت اجتماعية " لكثير من الجرائد والمجلت !!‬
‫قال ‪ :‬وما السبب في أنك تفهم أحيانا ً ‪ ،‬ول تفهم احيانا ً أخرى ؟‬
‫قلت ‪ :‬بالنسبة إلى غير المتزوجين ‪ ،‬قد يفهم المر على انه بحث عن إطفاء‬
‫شهوة وإشباع غريزة ‪ ،‬لم تتح لهم الظروف بعد أن يشبعوها بالحلل ‪،‬‬
‫فجنحت بهم نفوسهم المارة بالسوء بوسوسة من شياطينهم ‪ ،‬فأطفئوها‬
‫بالحرام ‪..‬‬
‫أما بالنسبة إلى المتزوجين فإنني ل أفهم المر على أنه بحث عن إطفاء‬
‫شهوة أو إشباع غريزة ‪ ،‬لن ذلك متيسر لهم متى شاءوا حلل ً طيبا ً !!‬
‫قال ‪ :‬بل يجب أن تفهم المر في حالته الثانية ‪ ،‬على أنه أيضا ً بحث عن‬
‫إطفاء شهوة حرام وإشباع غريزة ‪.‬‬
‫ً‬
‫قلت ‪ :‬ولماذا الزوجة إذن ؟ بل لماذا الزواج أصل ؟!‪.‬‬
‫قال ‪ :‬هذا هو السؤال الوجيه الذي أنتظره منك ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وجب عليك إذا ً أن تعطيني الجواب شافيا ً ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬لك ما تريد ‪ ..‬إن الزوج ـ ذكرا ً أو أنثى ـ خلق ليلبي أكثر من حاجة في‬
‫حياة زوجه الخر‪.‬‬
‫ومن ذلك ‪ :‬الحاجة الطبيعية المعروفة التي يترتب على تلبيتها دوام الجنس‬
‫وإنجاب الولد وعمارة المجتمع ‪ .‬وبعبارة أخرى ‪ ،‬إن الغاية من الزواج بشكل‬
‫عام هي ‪ :‬سكينة النفس ‪ ،‬بناء السرة ‪ ،‬استمرار النوع ‪ ،‬تلبية الرغبات‬
‫الطبيعية عند كل الجنسين بالطريق الطبيعي ‪ ،‬وبذلك يتميز النسان من‬
‫الحيوان ‪ .‬إل أن خلل ً ما قد يطرأ على الحياة الزوجية ‪ ،‬فيفسد توازنها ‪ ،‬وذلك‬
‫عندما تتعطل إحدى وظائف الزواج‪..‬‬
‫عندها يساق أحد الزوجين سوقا ً إلى الملل فالقرف ‪ .‬فالخيانة وما يتبع ‪...‬‬
‫قلت ‪ :‬وكيف ذلك ؟ أنا لم افهم عليك كيف يصل المر إلى جد " الخيانة وما‬
‫يتبع ‪!"...‬‬
‫ً‬
‫قال ‪ :‬تريث وأنا كفيل بإفهامك ‪ .‬ولكن قل لي أؤحدثك أول عن الخيانة‬
‫الزوجية وأسبابها لدى الزواج أم لدى الزوجات ؟‬
‫قلت ‪ :‬على رأيك ‪ ..‬وإذا لم يكن لديك مانع ‪ ،‬فل بأس بأسبابها عند الزواج ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬السباب كثيرة ‪ ،‬ولكن أبرزها في رأيي هو " عدم التكافؤ" ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وما عدم التكافؤ هذا ؟‬
‫قال ‪ :‬عدم التكافؤ له وجوه عديدة ‪ ..‬فهناك عدم التكافؤ في السن ‪ ،‬كأن‬
‫تكون الزوجة أكبر من زوجها بشكل ل يحتمل ‪ .‬وعدم التكافؤ في الشكل ‪.‬‬
‫‪98‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كأن تكون الزوجة دون المستوى الذي يطمح إليه الزوج من الحسن أو‬
‫تناسق الخلق ‪ .‬وعدم التكافؤ المزاجي والعاطفي ‪ ،‬كأن تكون الزوجة نزقة‬
‫انفعالية متغطرسة ‪ ،‬وهو متمهل متواضع وقور‪ .‬وعدم التكافؤ الثقافي ‪ ،‬كأن‬
‫تكون أمية وهو متعلم مثقف ‪ .‬إلى آخر ما هنالك من حالت وتناقضات ‪...‬‬
‫قلت ‪ :‬وماذا أيضا ً من أسباب ؟‬
‫قال ‪) :‬المجتمعات المفتوحة( ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وماذا تعني بالمجتمعات المفتوحة ؟‬
‫)‪(1 /‬‬
‫قال ‪ :‬أعني بها مجتمعات المسابح ‪ ،‬والملهي ‪ ،‬والنوادي ‪ ،‬وحفلت‬
‫الكوكتيل ‪ ...‬ومجتمعات السهرات المختلطة ‪ ،‬السهرات التي تقام من أجل‬
‫عرض المحاسن والمفاتن ‪ ،‬أو عرض الزياء ‪ ،‬أو عرض خفة الدم والروح ‪ ،‬أو‬
‫عرض الخدمات !!‬
‫قلت ‪ :‬ثم ماذا لديك من أسباب ؟‬
‫قال ‪ :‬كثرة )العرض( ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وما كثرة العرض هذه ؟‬
‫قال ‪ :‬أعني بكثرة العرض ‪ ،‬كثرة البضاعة النسائية المعروضة على الرجل‬
‫في الشوارع والسواق‪ ،‬والمحال التجارية والعامة ‪ ،‬والدوائر والمؤسسات‬
‫والشركات ‪ ..‬فحيثما تلفت الرجل وقع نظره على الفتاة المتبرجة المزركشة‬
‫‪ ،‬أو المرأة المتصدية المتحدية بآخر ما لديها من أفانين التزويق والغراء !‬
‫حتى ليحس المرء وكأنه يتحرك في متحف للشمع كبير‪ ،‬كل معروضاته أو‬
‫جلها إناث مصطبغات ملونات وليس من لفتة على أي واحدة منهن ‪ ،‬تحذر‬
‫المتفرج بقولها )احذروا الدهان( ‪ .‬ولو أن هذا التحذير وجد لسلم الكثير من‬
‫المتفرجين من شر الوقوع فيما ل تحمد عقباه !‬
‫قلت ‪ :‬وما هذا الذي ل تحمد عقباه ؟‬
‫ً‬
‫قال ‪ :‬أعني الوقوع في شرك إحداهن ‪ ،‬راغبا بها عن زوجته ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وكيف يحصل هذا ؟‬
‫قال ‪ :‬يحصل ذلك تلقائيا ً ‪ ،‬بمجرد المقارنة الذهنية ‪ ،‬من حيث يريد الزوج أو ل‬
‫يريد ‪ ..‬تلك المقارنة التي تنعقد في ذهنه بين زوجته من جهة ‪ ،‬وبين العداد‬
‫الغفيرة التي يعايشها في حياته العامة من جهة ثانية ‪ .‬مقارنة في اللون ‪،‬‬
‫ومقارنة في الحجم والتكوين الجسدي ‪ ،‬ومقارنة في الذوق )والتيكيت( ‪..‬‬
‫وإلى آخر ما هنالك من مقارنات يسهو معها جميعا ً أنه أمام مناظر أغلبها‬
‫صنعي استهلكي زائل ! كما يغفل وهو في غمرة المقارنة الذهنية عن أشياء‬
‫جوهرية جدا ً ‪ .‬منها ‪:‬‬
‫ً‬
‫ـ عامل الزمن الذي مسح شيئا من معالم زوجته ‪ ،‬التي مضى على زواجه‬
‫منها )كذا سنة( ‪ ،‬والذي سيمسح بدوره من معالم جمال هذه الصبية التي‬
‫خطرت من أمامه ‪ ،‬عاجل ً أم آجل ً ل محالة !‬
‫ـ وعامل الولدة ‪ :‬الذي لم تتعرض له تلك المراهقة أو هاتيك المتصابية التي‬
‫مرت قبل قليل !‬
‫ـ وعامل الجهد ‪ :‬الجهد في تربية الولد ورعاية الطفال ‪ ،‬والنهوض بأعباء‬
‫البيت من طبخ وجلي وكنس وترتيب ‪ ..‬ذلك الجهد المرهق الذي تبذله زوجته‬
‫على مر اليام ‪ ،‬بينما ل تعاني منه ول من بعضه تلك البطرة التي وجدها‬
‫تشرب القهوة وتدخن السيكارة وراء مكتبها لنها ألقت بتلك العباء جميعا ً‬

‫‪99‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫على الخادمة المسكينة رهينة البيت ‪ ،‬أسيرة الشغل الدائم !!‬
‫قلت ‪ :‬قف لقد ضبتك !‬
‫قال ‪ :‬بماذا ضبطتني ؟‬
‫قلت ‪ :‬بالتحيز للرجل ‪ .‬ومن فمك أدينك !‬
‫قال ‪ :‬وكيف ؟‬
‫قلت ‪ :‬ألم أقل )إنه يغفل وهو في غمرة المقارنة الذهنية( عن كذا وكذا مما‬
‫عددت من عوامل ؟! فالمسؤول هو الزوج إذا ً وليس الزوجة ‪ .‬أما هكذا ؟ إنه‬
‫هو الذي يغفل ‪ .‬فلماذا تحملها المسؤولية لها وتحملها له ؟!‬
‫قال ‪ :‬إنك لم تضبطني بشيء يا صاحبي ‪ .‬بل إني لراك كمن قبض على ريح‬
‫ل أكثر! إن الجل الذي كتب عليه أن يعيش في متحف الشمع الذي حدثتك‬
‫عنه ‪ ،‬كالرجل الذي ألقي به مكتوفا ً في البحر وقيل له ‪ " :‬إياك إياك أن تبتل‬
‫بالماء " !! ولو أن المرأة خرجت إلى أعمالها وقضاء حوائجها الضرورية وهي‬
‫في مظهرها الطبيعي ل تزييف ول إثارة لتحول البحر إلى جدول هادئ لطيف‬
‫ولما غرق فيه أحد ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬لننتقل إلى أسباب أخرى ‪ ،‬فهل لديك ؟‬
‫قال ‪ :‬الجعبة مليئة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬هات إذا ً ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬هناك من السباب ما يمكن أن أسميه )بالتعفن النفسي والخلقي( ‪.‬‬
‫وهو موجود عند بعض الزواج ‪ .‬وهذا سبب خاص بالزواج ل دخل للزوجات‬
‫فيه ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وكيف يكون ذلك ؟‬
‫قال ‪ :‬هناك صنف من الزواج لهم طبع القطط أو أخلق الخنازير ! فمعلوم‬
‫لديك أن أشهى لقمة يبتلعها قط ‪ ،‬هي تلك التي يسرقها سرقة من المائدة ‪،‬‬
‫أو من المطبخ أو النملية ‪ ..‬وكذا الخنزير فإن أشهى طعام لديه هو ما كان‬
‫أخبث من غيره وأنجس ! لدرجة أنه عندما حرم في المداجن الحديثة من‬
‫تناول النجاسات وذلك بربطه إلى معالف نظيفة الطعام ‪ ،‬قيل إنه أخذ يأكل‬
‫روثه ويلتذ بهذا الكل !! أقول ‪ :‬إن بعض الزواج ‪ ،‬لهم مثل هذه الطباع‬
‫والخلق الخنزيرية القططية ‪ .‬فهم يؤثرون الخبيث على الطيب ‪ ،‬والحرام‬
‫على الحلل ‪ ،‬والخيانة على المانة ‪ ،‬حتى ولو كانت أزواجهم أجمل وأنضر‪،‬‬
‫وأطيب وأطهر !!‬
‫والنكى من ذلك ‪ ،‬أن هؤلء )المتخنزرين( ل يستحيون من أن يلتمسوا‬
‫لخياناتهم بعض العذار الشيطانية المنمقة ‪ ،‬مثل قولهم ‪ " :‬الكل من طعام‬
‫واحد يدعو إلى الملل "‪ .‬وقولهم ‪ " :‬أكل المطاعم أحسن من أكل البيوت "!!‬
‫)‪(1‬‬
‫قلت ‪ :‬غريب والله أمر هؤلء ؟! ولكن ‪ ،‬زدني ‪ ..‬زدني معرفة بالسباب ‪.‬‬
‫زادك الله علما ً وفهما ً ‪.‬‬
‫قال ‪) :‬وقد غلبه الضحك( وهناك يا صاحبي نفر من الزواج يرتكبون الخيانة "‬
‫شهامة ومروءة "!!‬
‫ً‬
‫ضربت كفا ً بكف وقلت دهشا وأنا ل أكاد أصدق أذني ‪ :‬ماذا ؟ ماذا ؟‬
‫قال ‪ :‬يخونون )شهامة ومروءة( أفل سمعت ؟!!‬
‫قال ‪ :‬وهل تراك بدأت تسخر مني وتهزأ بي ؟!‬
‫قال ‪ :‬معاذ الله ‪ .‬وكيف أسخر منك وأهزأ بك وأنت جليسي وأنيسي ؟!‬
‫)‪(2 /‬‬

‫‪100‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قلت ‪ :‬إذا حدثتني عن أغرب )شهامة( وأعجب )مروءة( سمعت بهما في‬
‫حياتي !‬
‫قال ‪ :‬بعضهم ‪ ،‬وهم من )أكابر( الشعراء وكتاب المقالة في بعض المجلت‬
‫المشهورة ‪ ..‬يمارس الخيانة الزوجية بقصد )جبر خاطر( المرأة التي يزني بها‬
‫ليس إل !! وذلك بعد أن يقتنع اقتناعا ً بأنها تعاني من نقص في ذهنها أو في‬
‫جسدها )كذا(!! ول يخفى عليك يا صاحبي ما في هذا )الصنيع( من )إنسانية‬
‫وشهامة ومروءة(!!‬
‫قلت ‪ :‬بربك أجاد أنت في كلمك أم تمزح ؟‬
‫قال ‪ :‬ثق بأنني جاد ل مازح ‪ .‬وإليك بالحرف الواحد نص العتراف الذي أدلى‬
‫به الشاعر الكاتب العلم أمام امرأة اسمها )مريم( ‪ ،‬جاءت تستجوبه صحافيا ً‬
‫بقصد )نفع القراء( طبعا ً ‪:‬‬
‫س ‪ :‬ولكن هل مارست الخيانة فعل ً ؟ وفي أي ظروف ؟‬
‫ج ‪ :‬إنني ل أخون إل إذا كنت مقتنعا ً أن المرأة التي أخونها تعاني نقصا ً في‬
‫ذهنها وفي جسدها ‪ .‬وفي هذه الحالة تكون الخيانة تعويضا ً عما ينقصها )!!!(‪.‬‬
‫أما في حالة المتلء فل أبحث عن طعام آخر )!!!(‪.(2) .‬‬
‫قلت ‪) :‬هاتفًا( برافو ‪ ..‬وعاشت القناعة التي هي كنز ل يفنى ! وعاشت‬
‫الشهامة والمروءات !!‬
‫قال ‪ :‬وهل تريد مزيدا ً من السباب ؟‬
‫قلت ‪ :‬هات ‪ ..‬هات ‪ ..‬طيب الله أنفاسك ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬سأعطيك سببا ً واحدا ً إضافة لما سبق ‪ ،‬ولن أزيد عليه ‪ .‬وإنه عندي من‬
‫الهمية لفي مقام خطير‪ .‬ذلك لنه يتعلق بالزوجة وحدها فقط ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وما هو ؟‬
‫قال ‪) :‬عدم اهتمام الزوجة بزوجها(‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وكيف ؟‬
‫ً‬
‫قال ‪ :‬كثير من الزوجات ـ يا صاحبي ـ يرغمن أزواجهن إرغاما على النصراف‬
‫عنهن والملل منهن ‪ ،‬ومن ثم يكون النزلق إلى الخيانة الزوجية !! وإل فماذا‬
‫يصنع الزوج الذي ابتلي بزوجة مهملة لهندامها وزينتها ؟ ويفتح عينيه عليها‬
‫صباحا ً ليراها في ثياب المطبخ ! يطل عليها ضحى فيجدها ما تزال مبعثرة‬
‫الشعر ملطخة الوجه ! يرجع مكن عمله ظهرا ً ليبصرها في أهدام الغسيل !‬
‫يتفقدها مساًء فيلفيها قد سبقته إلى الفراش لتشخر وتشخر غاطة في نوم‬
‫عميق !‬
‫في حين يرى غيرها من بنات جنسها ‪ ،‬يملن الدنيا من حوله زينة وعطرا ً ‪،‬‬
‫وخفة ورشاقة ‪ .‬يجمزن ويقمزن مثل ذكران الحجل أو ديكة الحبش في كل‬
‫شارع وعند كل منعطف !!‬
‫ثم ماذا يصنع الزوج الذي يشتهي كلمة ملطفة واحدة فقط من لسان زوجته‬
‫)الوقور( ‪ ،‬مرة في اليوم ‪ ،‬في السبوع ولكنه ل يسمعها ‪ ،‬حتى لكأن لسانها‬
‫أكله القط ! بل إنه ل يسمع إل كلمة ‪ :‬هات ‪ ،‬هات !! وفي أحسن الحوال ل‬
‫يسمع إل شكاواها على الولد الذين خالفوا أوامرها بغيابه وفعلوا كيت‬
‫وكيت ‪ ..‬وعلى الجيران الذين أزعجوها فوبختهم بكيت وكيت ‪ ..‬وطبخة الغد‬
‫ولوازمها من كيت وكيت !!؟‬
‫في حين أن غيرها من بنات جنسها ‪ ،‬يحاصرن زوجها من كل جانب ‪ ،‬وفي‬
‫كل مكان ‪ .‬بحكم العمل أو الوظيفة ‪ ..‬بحكم التنقل أو التنزه ‪ ..‬يحاصرنه بكل‬
‫ابتسامة حلوة ‪ ،‬أو عبارة جذابة ‪ ،‬أو حديث مؤنس لطيف !!‬
‫مثل هذا الزوج المنكوب ماذا يصنع ؟ أليس من حقه أن يمل ويقرف ؟ أليس‬
‫‪101‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫من حقه أن يعاف ويكره ؟ ثم أليس مثل هذا الزوج ـ والحالة هذه ـ صيدا ً‬
‫سهل ً لية شيطانة أو زانية ؟!‬
‫قلت ‪ :‬بلى والله ‪ ..‬إنه لكذلك ‪ .‬ولكن قل لي ‪ ،‬ماذا عن أسباب الخيانة لدى‬
‫الزوجات ‪ ،‬وقد عرفنا أهم أسبابها عند الزواج ؟‬
‫***‬
‫قال ‪ :‬أول هذه السباب يا صاحبي هو )عدم التكافؤ( ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬عرفنا منك )عدم التكافؤ( هناك كيف يكون ‪ ..‬أما هنا فكيف أشكاله ؟‬
‫قال ‪ :‬ما قلته هناك ‪ ،‬أقوله نفسه هنا تقريبا ً ‪ ،‬ولكن بشكل آخر‪ ..‬كأن يكون‬
‫خلق شرس الطبع‬
‫هو الطاعن في السن وهي الصبية اللعوب ‪ ..‬أو دميم ال َ‬
‫جافيا ً غليظا ً ‪ .‬وهي الحسناء الرقيقة ‪ ..‬أو جاهل ً سقيم الذهن بليد العقل ‪،‬‬
‫وهي الذكية المرهفة الحس والشعور‪ ..‬أو كأن يكون من بيئة شعبية متواضعة‬
‫‪ ،‬وهي من وسط )راق( تعاني معه من )عقدة التعالي( فتسعى باستمرار عن‬
‫طريق )النخر والنرفزة( للتعويض عما ساقها إليه القدر من )سوء حظ( و‬
‫)تعاسة مصير( !!‬
‫أو كأن يكون هو الفقير الدرويش صاحب اليد السفلى ‪ ،‬وهي ذات الدخل‬
‫والوفر صاحبة المنصب والوظيفة ‪ ،‬صاحبة اليد العليا ‪ ...‬وإلى آخر ما هنالك‬
‫من مفارقات ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬جزاك الله خيرا ً على ما فصلت ‪ .‬ولكن هل من سبب آخر لخيانة‬
‫الزوجات أزواجهن ؟‬
‫قال ‪ :‬نعم ‪ ..‬والسباب كثيرة ووفيرة ‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫قلت ‪ :‬إذا ً زدني ‪ ،‬زدني معرفة بها ‪ .‬زادك الله علما وفهما ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ومن السباب الهامة ـ يا صاحبي ـ في خيانة الزوجة)الماضي العاطفي‬
‫والتجارب السابقة(‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وماذا تعني بذلك ؟‬
‫قال ‪ :‬بعضهن يكون لهن قبل الزواج روابط وعلقات معينة مع رجل ما ‪،‬‬
‫خطيبا ً أو عشيقا ً ‪ ،‬مخلصا ً أو متسليا ً ‪ ..‬ثم لمر ما انقطع حبل الصلة من جهة‬
‫ذلك الرجل ! كأن يكون خطب على خطبته شاب آخر أكثر منه مال ً أو أعلى‬
‫منصبا ً ‪ ،‬فمكنه ذلك من إغراء الهل بالتحول إليه ‪ ،‬ومكنه من الحتيال على‬
‫الفتاة للقبول به ‪ ،‬فتنفسخ الخطبة مع الول لتنقلب إلى زواج من الثاني ‪ ،‬ثم‬
‫ما تلبث أن )تذهب السكرة وتأتي الفكرة( ببروز الخطيب السابق عشيقا ً‬
‫لحقا ً من جديد !!‬
‫)‪(3 /‬‬
‫ـ أو كأن يكون الحبيب المتسلي العابث ‪ ،‬قد قضى أوطاره ‪ ،‬بعد أن ترك‬
‫بصمات حوافره ـ أعني أصابعه ـ على قلب تلك الفتاة فأسرها بعد أن ملكه ‪،‬‬
‫وهيهات أن يخلص من بعده لغيره !‬
‫ـ أو كأن تكون الحبيبة نفسها متسلية عابثة ‪ ،‬خطر لها وقد طرق الخطيب‬
‫بابها ‪ ،‬أن تجرب بيت الزوجية بعد أن جربت ما سواه مع الصدقاء ! ولكن‬
‫هيهات أن تمحى آثار الماضي بسهولة ولو حصل الزواج ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وهل عندك من دليل على ذلك ؟‬
‫قال ‪ :‬وما نوع الدليل الذي تريد ؟‬
‫قلت ‪ :‬أريده دليل ً عصريا ً علميا ً ‪ ،‬وحذار من الميتافيزيقيا ‪ ،‬فأنا ـ كما تعلم ـ‬
‫شاب عصري جدا ً !!‬

‫‪102‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال ‪ :‬فهمت عليك تماما ً ‪ ..‬أيرضيك أن يكون الدليل من مجلة طبية جنسية‬
‫مثل ً ؟‬
‫قلت ‪ :‬هذا بالضبط ما أريده ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وما رأيك إذا كانت مجلة لبنانية ؟‬
‫قلت ‪ :‬يا سلم ‪ ..‬هذا عز الطلب ‪ ..‬بل أكون شاكرا ً لك جدا ً ومسلما ً بكل‬
‫حرف مما تقول !‬
‫قال ‪ :‬وما رأيك إذا جئتك بأقوال لشخصية أجنبية ‪ ،‬تستطيع أن تتنطع باسمه ‪،‬‬
‫وتلوي لسانك بتلفظ أحرفه في أرقى المجالس ‪ ،‬وعلى أي وجه تشاء ؟!‬
‫قلت ‪ :‬عظيم ‪ ..‬عظيم جدا ً ‪ ..‬أنت ثاقب النظر‪ ..‬أنت تقرأ الفكار‪ ..‬أنت‬
‫تستشف الماورائيات !!‬
‫قال ‪ :‬اسمع إذا ً ‪:‬‬
‫يقول البحاثة )كنسي( ‪ ،‬أفهمت )كنسي( ‪ .‬يقول هذا البحاثة في الصفحة )‬
‫‪ (30‬من مجلة )طبيب العائلة( اللبنانية )‪: (3‬‬
‫"‪ ...‬فالمرأة التي اجتازت أحداثا ً عاطفية مع عدة رجال قبل الزواج ‪ ،‬يسهل‬
‫عليها الخيانة أكثر من الفتاة العذراء التي تزوجت مباشرة دون أية مغامرة ‪..‬‬
‫إن نسبة الخيانة في حال الزوجات من ذوات التجارب السابقة ‪ %33‬بينما لم‬
‫تتجاوز نسبة الخيانة لدى الفتيات اللواتي ابتعدن عن العلقات الجنسية قبل‬
‫ليلة الزفاف ‪." %13‬‬
‫قلت ‪) :‬دهشًا( أكمل ‪ ..‬أكمل ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وماذا أكمل ؟‬
‫قلت ‪ :‬بقية السباب في الخيانة عندهن ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬حاضر‪ ..‬حاضر‪ .‬ومن جملة السباب يا صاحبي ‪) :‬التزويج اللزامي(؟‬
‫قلت ‪) :‬وما هذا التزويج اللزامي( ؟ أنا سمعت )بالتعليم اللزامي( أما‬
‫التزويج فل ؟‬
‫قال ‪ :‬أشرحه لك ‪ :‬في بعض الحيان ترغم الفتاة على الزواج من شاب ل‬
‫تحبه أو أنه لم يحز على رضاها ‪ ..‬وهذا الرغام يأخذ في بعض الرياف شكل‬
‫القسر وممارسة العنف أو التلويح به ‪ ..‬على أنه قد يأخذ شكل الحراج‬
‫والخجال أحيانا ً ‪ ،‬أو يأخذ شكل الغراء المادي أو المعنوي أحيانا ً أخرى ‪.‬‬
‫والمقصود )بالمعنوي( ‪ :‬أن يكون الخاطب ذا منصب خطير أو مقام كبير مما‬
‫يورط الهل بشكل خاص في الموافقة بل تحفظ ! فيضغطون على بنتهم‬
‫قصد الموافقة ‪ ،‬فيحاورونها ويداورونها إلى أن تقع ‪ .‬ثم ل يمضي كبير وقت ـ‬
‫بعد الزواج ـ حتى تقع الواقعة بينهما ‪ .‬وعلى قدر ما يحرص هو عليها ‪ ،‬فإنها‬
‫تزهد فيه ‪ .‬ومع هذا وذاك فقد تستمر الحياة الزوجية ولكن في نطاق‬
‫المراسم المعتادة ل أكثر‪ .‬ويظل قلب الزوجة وتظل عواطفها موضوعة تحت‬
‫الطلب !‬
‫قلت ‪ :‬هذا كلم معقول ومنطقي ‪ ،‬أفل زدتني منه ؟‬
‫قال ‪ :‬سمعا ً وطاعة ‪ ..‬ثم استأنف موضحا ً ‪ :‬ومن أسباب الخيانة عندهن يا‬
‫صاحبي ‪) :‬المعاملة بالمثل( ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وكيف ذلك ؟‬
‫قال ‪ :‬يخون الزوج فتخون الزوجة ! قد ل تكون هي مهيأة للخيانة في‬
‫الصل ‪ ،‬ولكن ذلك يأتيها بالعدوى الخلقية ! ومرة قرأت اعترافا ً لحد‬
‫المجرمين في هذا الباب يقر فيه صراحة أن )الزوج الخائن يشجع زوجته‬
‫على خيانته بضمير مرتاح( !! على أن للمام الشافعي يا صاحبي شعرا ً ما‬
‫أروع أن نستشهد به في هذا المقام ‪ ..‬قال رضي الله عنه ‪:‬‬
‫‪103‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن به ‪ ،‬ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيبا ً فافهم !! "‬
‫ن ـ يز َ‬
‫" من يْز ِ‬
‫ً‬
‫قلت ‪ :‬لشك في هذا عندي أبدا ‪ ..‬ولكن أليس من سبب في الخيانة يخص‬
‫الزوجة وحدها أحيانا ً ؟‬
‫قال ‪ :‬بلى ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وما هو ؟‬
‫قال ‪) :‬خباثة المنشأ(‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وما )خباثة المنشأ( هذه ؟‬
‫قال ‪ :‬البنت تكون سليلة أسرة ملوثة من جهة الم أو الب ‪ ،‬أو من جهتهما‬
‫كليهما معا ً ‪ .‬في هذه الحالة ل يؤمن جانب البنت من النحراف ‪ ،‬لنها نشأت‬
‫في وسط منحرف وعايشته زمنا ً طويل ً ‪ ..‬وقديما ً قالوا ‪) :‬البنت سر أمها( ‪،‬‬
‫كما أنهم قالوا ‪) :‬الولد سر أبيه(‪ .‬من هنا ندرك أنه من المجازفة الخطرة جدا ً‬
‫أن يتخذ المرء لنفسه زوجة من وسط وضيع أو مشبوه بالوضاعة ‪ ،‬ول سيما‬
‫إذا كانت الشبهة من جهة الم ‪ .‬وقد جاء في الثر النبوي محذرا ً ومبصرا ً لنا‬
‫في هذا المجال فقال ‪:‬‬
‫" تخيروا لنطفكم فإن العرق نزاع "‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬كلمك سليم ‪ ،‬ورأيك سديد وقد أعجبني وأقنعني ‪ ،‬إل أنني سجلت‬
‫عليك ملحظة ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وما هي ؟‬
‫قلت ‪ :‬لماذا شددت على )عفة الم( أكثر من تشديدك على عفة الب ‪،‬‬
‫عندما قلت ‪) :‬ولسيما إذا كانت الشبهة من جهة الم( ؟ فهل الب ذنبه‬
‫مغفور ؟!‬
‫)‪(4 /‬‬
‫قال ‪ :‬شكرا ً لصراحتك أول ً ‪ ..‬وثق بأنني ما أردت أن أقول إن ذنب الرجل‬
‫مغفور‪ ..‬ولكنني إذا شددت على عفة الم ‪ ،‬فلن أثر الم يا صاحبي في بنتها‬
‫يفوق أثر الب أضعافا ً مضاعفة ‪ ..‬الم هي المثل العلى العملي في السلوك‬
‫بالنسبة إلى البنت ‪ .‬والبنت تعايش هذا المثل أربعا ً وعشرين ساعة ‪ ،‬في‬
‫الربع والعشرين ساعة !! وبذلك فهي تطلع على جميع الخفايا وتتلقن‬
‫وتحفظ جميع الدروس نظريا ً وعمليا ً ‪ .‬بينما ليس للب في بنته مثل هذا الثر‬
‫الواضح الشديد ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬هذا صحيح ‪ ،‬إنما قل لي لماذا لم تشر إلى )خباثة المنشأ( في الرجل‬
‫وكيف أنها قد تكون من أسباب اقترافه الخيانة دونما مسوغ آخر سوى‬
‫الخيانة ؟!‬
‫قال ‪ :‬الحق معك ‪ ،‬وافترضني سهوت ‪ ،‬وهأنذا أستدرك فأقول ‪ :‬إن خباثة‬
‫منشأ الزوج قد ل تنعكس خيانة زوجية وحسب ‪ ،‬بل قد تأخذ أحيانا ً شكل‬
‫)القوادة( والعياذ بالله !! ول تستغرب من هذا الحتمال أبدا ً ‪) ،‬فهذا الجرو‬
‫من ذلك الكلب( وفيما مضى قالوا ‪:‬‬
‫هذي العصا من هذي العصية = ل تلد الحية إل الحية‬
‫فعندما يكون الب زناء فاقد المروءة والشرف ‪ ،‬ل يستغرب أن يشب أبناؤه‬
‫على شاكلته وأسوأ !!‬
‫قلت ‪ :‬ل فض فوك ‪ ..‬ولكن أما ترى معي أن أحكامك تلك قاسية وشاملة ‪،‬‬
‫وقد أغفلت ما قد يكون لها من استثناءات ؟!‬
‫قال ‪ :‬وكيف ؟‬

‫‪104‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قلت ‪ :‬أليس الله قادرا ً على أن )يخرج الحي من الميت( ؟!‬
‫قال ‪ :‬بلى ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فلماذا تفعل بهذا )الحي( في مروءته وضميره ‪) ،‬الحي( في أخلقه‬
‫وسلوكه ‪ ،‬الذي أخرجه الله من صلب أبوين ميتين نخوة ومروءة ‪ ،‬ولسيما‬
‫إذا كان هذا الحي فتاة ؟!‬
‫قال ‪ :‬سؤال وجيه حقا ً ‪ ..‬ولفتة مهمة ودقيقة فعل ً ‪ ..‬ثم أضاف ‪ :‬ل مانع في‬
‫هذه الحالة من أن تتزوج هذه الفتاة ‪ ،‬أو تنصح بالزواج منها للباحثين عن‬
‫الزواج ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وإذا حصل شيء ما في المستقبل ؟‬
‫ً‬
‫قال ‪ :‬تذكر عبارتي السابقة قبل قليل )إنها مجازفة خطرة جدا( ‪ ،‬وبالتالي‬
‫فإن الذي يجازف عليه يتحمل مسؤولية مجازفته !‬
‫قلت ‪ :‬ولكن لماذا تسمي القدام على مثل هذا الزواج )مجازفة( ول تسميه‬
‫)تضحية( لنقاذ مخلوق من براثن الرذيلة المحتمة فيما لو لم تمتد لها يد‬
‫النقاذ ؟!‬
‫قال ‪ :‬سم عملك بأي اسم تشاء ‪ .‬فليكن )تضحية( أو )إنقاذ( أو )إنسانية( أو‬
‫ما شئت من تسميات ‪ .‬المهم هو أنه إذا ما اقتضتك التضحية ثمنا ً ما فعليك‬
‫أن تتحمله عن طيب خاطر لن العرق يا صاحبي دساس ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ولماذا أراك تقدم )الحذر( على )الثقة( في هذا الموضع بالذات ؟‬
‫قال ‪ :‬أعود فأقول لك ثانية )لن العرق دساس(‪ ..‬ومع هذا فأنا لم أوصك إل‬
‫بالحذر‪ ،‬فهل في هذه الوصية موضع لستغراب ؟‬
‫قلت ‪ :‬ل ‪ ..‬ولكن بعد الذي مضى كله ‪ ،‬هل من سبب في خيانة الزوجة ‪،‬‬
‫يكون الزوج وحده هو المسؤول عنه ؟‬
‫قال‪ :‬نعم ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وما هو ؟‬
‫قال ‪) :‬الحرمان( ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وماذا تعني بالحرمان ؟‬
‫قال ‪ :‬الحرمان على أنواع ‪ ،‬ولسوف أجتزئ لك بنوعين مهمين ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وما هما ؟‬
‫ً‬
‫قال ‪ :‬الحرمان الول )مادي( ‪ .‬الزوج يكون ميسورا ويكون في بحبوحة من‬
‫الرزق ‪ .‬ومع ذلك فهو يقتر على زوجته في النفاق ‪ ،‬ويضيق عليها في العيش‬
‫لشح متأصل فيه لبخل متمكن في نفسه !! على حين ترى هذه الزوجة‬
‫جاراتها ومعارفها يلبسن خيرا ً مما تلبس ويأكلن خيرا ً مما تأكل ‪ ،‬ويعشن في‬
‫سعادة ونعيم ‪ ،‬ترنو هي إليه ول تطاله ! تجد نفسها مستحقة له ولكن يبخل‬
‫عليها به !‬
‫فماذا تكون النتيجة ؟ الكره المحتم للزوج ومن ثم التطلع إلى من يعوضها‬
‫عن شحة وإمساكه ولؤمه كرما ً وإغداقا ً وذهبا ً ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وماذا عن الزوج عندما يكون فقيرا ً ؟ وبعبارة أخرى ‪ ،‬ما دور الحرمان‬
‫المادي عندما يكون سببه الفقر؟ ثم هل يكون الفقر ـ في هذه الحالة ـ‬
‫مسوغا ً كافيا ً لنحراف الزوجات وخيانتهن ؟!‬
‫قال ‪ :‬أراك ستخرجنا عن سياق حديثنا الصلي بمثل هذه التساؤلت ‪ .‬أما‬
‫تلحظ أننا نتحدث عن الحالة التي يكون فيها الزوج وحده هو المسؤول عن‬
‫النحراف ؟‬
‫قلت ‪ :‬ألحظ ذلك بدقة وأعيه ‪ .‬ولكن أما تعلم أن تداعي الفكار لبد منه وأن‬
‫الشيء بالشيء يذكر ؟‬
‫‪105‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال ‪ :‬بلى ‪ ..‬وهذا جواب سؤالك ‪:‬‬
‫ما من شيء يا صاحبي ‪ ،‬في أن الفقر هو علة العلل في أي مجتمع من‬
‫مجتمعات الرض ‪ ..‬وفي أن الفقر كفر أو كاد أن يكون كفرا ً ‪ ..‬وفي أن الفقر‬
‫هو أبو الخبائث ‪ ،‬وهو المستنقع الذي تفرخ فيه أبشع أنواع المفاسد‬
‫الجتماعية ‪ ،‬ابتداًء من السرقة إلى الزنى وحتى الجريمة بأوسع معانيها ‪.‬‬
‫إل أن الزوج ل يكون مسؤول ً عن النتائج ـ في هذه الحالة ـ بأي شكل وعلى‬
‫أي مقياس ‪ .‬المسؤول في هذه الحالة هو المجتمع بأسره ولسيما الدولة‬
‫الحاكمة فيه ‪.‬‬
‫والزنى عندئذ قد يكون شكل الرتزاق والتكسب ‪ ،‬ول يكون لمجرد التعويض‬
‫عن شح في الزوج مطاع أو بخل فيه وتكالب على المادة ‪ .‬وأنا ل أتصور‬
‫مجتمعا ً هو في سلم النحطاط أدنى دركه من مجتمع يرغم نساءه وفتياته‬
‫على البغاء من أجل تحصيل لقمة عيشهن ورقعة كسائهن !!‬
‫)‪(5 /‬‬
‫قلت ‪ :‬هل لي أن أفهم من كلمك إذا ً ‪ ،‬أنه ل ضير على الزوجة أو على الفتاة‬
‫في حال )الفقر( في أن ترتكب الفاحشة من أجل الرتزاق ؟!‬
‫قال ‪ :‬ويلك ! وكيف تفهم هذا مني ؟! يا هذا إن مبدأ الباء المتوارث منذ‬
‫القديم هو القائل ‪) :‬الحرة تموت ول تأكل بثديها(‪ .‬وهذا قول حق ‪ ،‬فالحرة‬
‫تموت جوعا ً ول تخون أو تزني من أجل اللقمة ‪ .‬ولكن ل تنس يا صاحبي أن‬
‫قولهم ذاك هو نوع من المثل العليا التي تعبر عن مدى عفتهم وتمسكهم‬
‫بالشرف والكرامة ‪ .‬والصراع قديم كما تعلم بين عالم المثل وعالم الواقع ‪،‬‬
‫وعلى قدر الظروف المتاحة لكل منهما فإنه يغلب ويسود ‪ ..‬وليس كالفقر‬
‫عامل ً مساعدا ً عنصر الرذيلة على غلبة عنصر الفضيلة ‪ ..‬وعلى أن تسود‬
‫الفاحشة على حساب الفعة والشرف ‪.‬‬
‫ثم إذا كانت المبادئ الكريمة والمثل الرفيعة متأصلة من نفوس الحرائر من‬
‫النساء بحيث تمنعهن من التردي في حمأة البغاء ولو تعرضن إلى الهلك ‪..‬‬
‫فما الذي يمنع غير الحرائر من التردي فيه ؟! والجوع كافر والحاجة مذلة‬
‫ملجئة !!!‬
‫قلت ‪ :‬إذا ً أنت ل تعتبر الفقر مسوغا ً للفاحشة ‪ ،‬وإنما تعتبره عامل ً جوهريا ً‬
‫وخطيرا ً قد يقود إليها ‪ ،‬ويغري بارتكابها ؟‬
‫قال ‪ :‬هذا ما أردته بالضبط ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬لنرجع الن إلى سياق حديثنا العام ‪ ..‬فماذا عن الحرمان الثاني الذي‬
‫ألمحت إليه منذ فترة ؟‬
‫قال ‪ :‬أتعبتني يا هذا ‪ ..‬أما كفاك تساؤلت ؟‬
‫قلت ‪ :‬بالله إل أتممت وأجبتني ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬لك ما تريد ‪ ..‬إنه )الحرمان العاطفي الجنسي( وكفى !‬
‫قلت ‪ :‬هذا الجواب المختصر ل يكفيني ! والخير بتمامه فهل فصلت ؟‬
‫قال ‪ :‬لبد لي قبل كل شيء من أن أشير إلى أن الرواء الجنسي والعاطفي‬
‫شيئان متلزمان في الغالب ‪ ،‬أو أن أحدهما وهو )الجنسي( وسيلة رئيسية‬
‫لبلوغ الرواء الثاني وهو )العاطفي( ‪ .‬وعلى هذا فإن )الحرمان العاطفي‬
‫الجنسي( يعني أول ما يعني حرمان الزوجة من المتعة الحسية التي هي‬
‫إحدى الروابط الرئيسية بين أي زوجين ‪ ..‬ومن هنا فإن الزوج الذي يغفل عن‬
‫هذه الناحية أو يتغافل عنها ‪ ،‬يكون قد فتح الباب على مصراعيه لزوجته كي‬

‫‪106‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تنحرف ‪ ،‬لتعوض حراما ً ما فاتها عن طريق الحلل ‪ ،‬ولسيما إذا كانت ما‬
‫تزال شابة أو قريبة العهد بسن الشباب ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وهل من المعقول أن يغفل زوج أو يتغافل عن هذه المسألة الحساسة‬
‫جدا ً في الحياة الزوجية ؟!‬
‫قال ‪ :‬الحق معك في أن تطرح هذا السؤال ‪ ،‬ولذا فإنني أميز لك بين نوعين‬
‫من الحرمان الول ‪ :‬الحرمان غير المقصود ‪ ،‬وهو ذلك الذي يتأتى عن قصور‬
‫فيزيولوجي طارئ ‪ ،‬وفي مثل هذه الحالة ليس أمام الزوج إل أن يسرح‬
‫زوجته سراحا ً جميل ً ‪ ،‬ما لم يكونا قد تخطيا سورة الشباب ونهم الكهولة إلى‬
‫أعتاب الهرم والشيخوخة ‪ ..‬عندها ل ضير من استمرار الحياة الزوجية ‪ ،‬إذ ل‬
‫خشية عندئذ من أية احتمالت ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬لو افترضنا أن الزوجة رضيت بزوجها على علته ‪ ،‬ولم ترد منه الفكاك‬
‫‪ ،‬فما الحل ؟‬
‫قال ‪ :‬الحل آنئذ عند الزوج وهو أدرى بظروفه ‪ ،‬فإن شاء أبقى عليها ‪ ،‬وإن‬
‫شاء انفصل عنها ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وهل هناك صورة ثانية للحرمان غير المقصود ؟‬
‫قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬وهي أكثر شيوعا ً مما سبق ‪ ..‬إنها )البرود الجنسي( ‪ ،‬وفي هذه‬
‫الحالة ليس أمام الزوج إل أن يلزم دكاكين العطارين مكثرا ً من تناول التوابل‬
‫الهندية ‪ ..‬وأن يظل على علم دائم بحقيقة )رأسماله( ‪ " .‬ومن عرف‬
‫رأسماله باع واشترى "!!‬
‫قلت ‪ :‬أل يحتمل أن يكون البرود الجنسي علة في الزوجة وليس في الزوج ؟‬
‫قال ‪ :‬بلى ‪.‬‬
‫ً‬
‫قلت ‪ :‬أفل يحتمل إذا أن يكون أحد السباب التي تدفع الزوج إلى الخيانة ؟‬
‫قال ‪ :‬بلى ‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫قلت ‪ :‬لماذا إذا لم تضفه إلى السباب المتعددة التي ذكرتها آنفا في خيانة‬
‫الزواج ؟‬
‫قال ‪ :‬أضفه الن إن شئت ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬لعلي عرفت الن صور الحرمان غير المقصود ‪ ،‬فماذا بعده ؟‬
‫قال ‪ :‬الحرمان الثاني ‪ :‬وهو الحرمان العاطفي الجنسي )المفتعل( ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وكيف يكون ؟‬
‫قال ‪ :‬بعضهم يهمل زوجته انشغال ً بأمور دنياه من بيع وشراء وربح وتجارة ‪،‬‬
‫وأسفار طويلة متتابعة ‪..‬‬
‫ـ وبعضهم يهملها زهدا ً فيها وتعلقا ً بغيرها أو بمجهولة !!‬
‫ـ وبعضهم يهملها زهدا ً في الحياة نفسها وفي متاعها من نساء وغير نساء !!‬
‫وفي هذه الحالت جميعا ً ‪ ،‬تصبح الزوجة المسكينة نهبا ً لحاسيس مؤلمة ‪:‬‬
‫من غربة وإهمال ‪ ،‬ووحشة ‪ ،‬وعزلة عاطفية ‪ ،‬وخواء روحي ‪ ،‬وتوق جنسي ‪،‬‬
‫ثم ما تلبث هذه الحاسيس أن تتضخم مع اليام ‪ ،‬حتى تصبح عقدة مزمنة‬
‫تبحث لنفسها عن حل ‪ ،‬وهنا ينبري الشيطان ـ شيطان النس أو الجن ـ‬
‫ليقود فريسته بهمة ونشاط ‪ ،‬فرحا ً مسرورا ً ‪ ،‬إلى أحضان الثم والثمين !!‬
‫***‬
‫قلت ‪ :‬طيب الله أنفاسك ‪ ،‬لشد ما أفدتني والله ‪ .‬ولكن قل لي ‪ ،‬هل‬
‫بمقدوري أن أثقل عليك زيادة عما فعلت حتى الن ‪ ،‬فأحظى منك بأجوبة‬
‫على بعض السئلة الخرى ؟‬
‫قال ‪ :‬إذا كانت ذات علقة بموضوعنا نفسه ‪ ،‬فعلى الرحب والسعة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬لها كل العلقة ‪.‬‬
‫‪107‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال ‪ :‬إذا ً ‪ .‬اسأل ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬هل تستطيع أن تحدثني عن عواقب الخيانات الزوجية ؟‬
‫)‪(6 /‬‬
‫قال ‪ :‬نعم ‪ ..‬وقد طلبت يسيرا ً ‪ ،‬العواقب متعددة وكثيرة ‪ ،‬وربما كان من‬
‫الممكن حصرها في مجالت أربعة هي ‪:‬‬
‫)المجال الخلقي ـ الصحي ـ الجتماعي ـ النفسي( ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فهل تتكرم بأن تتناولها لي تباعا ً بالتوضيح ؟‬
‫قال ‪ :‬أما في المجال الخلقي ‪ :‬فتبدو العواقب على شكل سقوط مروءة ‪،‬‬
‫وانعدام نخوة ‪ ،‬وضياع شرف وقيم ‪ ،‬وارتكاس إلى الحياة الحيوانية البهيمية‬
‫المتمثلة بصفتي )الكلبية والخنزيرية( !!‬
‫وأما في المجال الصحي ‪ :‬فإن شيوع الخيانات الزوجية يعني شيوع التزاني‬
‫على أوسع نطاق ‪ .‬إذ أن الدائرة تتسع عندئذ حتى تشمل الباء والبناء ‪..‬‬
‫وهذا أمر طبيعي جدا ً ‪ ،‬فقد قيل قديما ً )والصل تتبعه الفروع(‪ .‬وهكذا فإن‬
‫الفاحشة تشيع في المجتمع ‪ ،‬وشيوع الفاحشة أقل ما يترتب عليه صحيا ً ‪،‬‬
‫شيوع المراض الجنسية ولسيما مرض الزهري ‪ ،‬هذا المرض الرهيب الذي‬
‫يموت بسببه آلف الناس كل سنة في البلد الوروبية والمريكية ‪ ..‬والذي‬
‫يتشوه بسببه آلف الطفال تشوها ً ولديا ً ‪ ..‬عدا عن الجهاضات التي ل حصر‬
‫لها يلحقها بالحوامل !!‬
‫قلت ‪ :‬هذا فظيع والله وخطير !! فماذا عن العواقب في المجال الجتماعي‬
‫إذا ً ؟‬
‫قال ‪ :‬هناك اختلط في النساب ‪ ..‬وتفسخ السرة والسرة كما هو معلوم‬
‫حجر الزاوية في بناء المجتمعات ‪ ..‬ثم بعد التفسخ احتمالت الطلق وبعد‬
‫الطلق خراب البيوت ‪ ..‬فتشرد الولد ‪ ..‬فضياع الجيال ‪ ..‬فدمار المم !!‬
‫وإن كنت في ريب مما أقول فهاك اعترافا ً صريحا ً )لشاهد من أهله(‪ ..‬إنه‬
‫شهادة القاضية السويدية )بريجيدا أولف هامر( )‪ .(4‬تقول هذه القاضية في‬
‫معرض الكلم عن ضياع النساب واختلطها في بلدها )السويد( نتيجة‬
‫للباحية الجنسية التي آلت إليها المور هناك ‪ ،‬ما نصه حرفيا ً ‪:‬‬
‫"‪ ...‬وهذا هو السبب في أن النساب في السويد أصبحت أحيانا ً ‪) :‬سمك ‪ ،‬لبن‬
‫‪ ،‬تمر هندي( ! ثم هذا هو السبب في أن المرأة السويدية فجأة اكتشف أنها‬
‫وهما ًَ هائل ً بثمن مفزع ‪ ،‬هو سعادتها الحقيقية ‪ ...‬ولهذا فإنها تستقبل العام‬
‫العالمي لحقوق المرأة ـ عام ‪ 1975‬ـ بفتور مهذب ‪ ،‬وتحن إلى حياة‬
‫الستقرار العائلية المتوازنة جنسيا ً ‪ ،‬وعاطفيا ً ‪ ،‬ونفسيا ً ‪ ..‬فهي تريد أن تتنازل‬
‫عن معظم حريتها في سبيل كل سعادتها ! " )‪.(5‬‬
‫ً‬
‫قلت ‪ :‬وهذا أشد هول ً وفظاعة !! أفل حدثتني أخيرا عن العواقب في المجال‬
‫النفسي ؟‬
‫قال ‪ :‬إن أخطر ما يحصل في هذا المجال ‪ ،‬هو انقلب الخيانة المتقطعة إلى‬
‫عادة فإدمان ‪ ..‬وعندما يصل المر إلى هذا الحد ‪ ،‬يصبح الزنى شيئا ً مستباحا ً‬
‫لدى الزوجين ‪ ،‬يمارسه كل طرف بعلم الطرف الخر وبرضاه التام !!‬
‫قلت ‪) :‬وأنا ل أستطيع إخفاء دهشتي البالغة( أراك تبالغ كثيرا ً يا صاحبي ‪،‬‬
‫فهل من المعقول أن يصل المر إلى هذا الحد من الدياثة ؟!!‬
‫قال ‪ :‬ليس في كلمي أية مبالغة ‪ ..‬وإن كنت في ريب مما أقول فاسمع هذه‬
‫الطرفة ‪ ،‬وتمعن في مدلولها جيدا ً ‪ " :‬في إحدى الحفلت العائلية ـ وكان‬

‫‪108‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مكان الحتفال ناديا ً مرموقا ً ـ وقف عميد النادي ـ وقد لحظ شيئا ً ما على جو‬
‫الحفل ـ وقف مخاطبا ً المحتفلين فقال ‪ " :‬يرجى من السادة الذين‬
‫يصطحبون سيدات غير نسائهم ‪ ،‬ومن السيدات اللواتي يصحبن معهن رجال ً‬
‫غير أزواجهن ‪ ،‬أن يغادروا مكان الحتفال "‪ ..‬وما هي إل برهة حتى أقفر‬
‫النادي من جميع المدعوين !! " ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ولكنها نكتة ليس أكثر‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ولكنها إذ تطلق في مجتمع ما ‪ ،‬فإن لها دللتها التي ل تنكر ! ومع هذا‬
‫فاسمع ما وراه لي أحدهم عن يقين فقال ‪:‬‬
‫" ومن احدث المبتكرات ـ مما يدخل في باب الباحية الجنسية بين‬
‫المتزوجين ـ أن بعض السر )الراقية( في أكثر من عاصمة أو مدينة عربية ‪،‬‬
‫يجتمعون في سهرات عائلية بالتناوب ‪ ،‬كل مرة في بيت ‪ ،‬فيسمرون‬
‫ويشربون ويطربون ‪ ..‬حتى إذا ما انقضى وقت السهرة ‪ ،‬أقبلت الزوجات إلى‬
‫طاولة معينة في ركن من صالة البيت ‪ ،‬فالتقطت كل واحدة منهن مفتاحا ً ـ ل‬
‫على التعيين ـ من مجموعة مفاتيح السيارات الملقاة على تلك الطاولة ‪.‬‬
‫وهي مفاتيح سيارات الزواج رموا بها هكذا خصيصا ً من أجل )لعبة الحب(‬
‫اليومية أو السبوعية فيما بينهم !! وبعد ذلك يغادرن السهرة تباعا ً لتطابق كل‬
‫واحدة ما بين المفتاح الذي التقطته وإحدى السيارات المصطفة في‬
‫الشارع ‪ ،‬وبذا فإن تلك )الست( تكون في تلك الليلة من نصيب ذلك )السيد(‬
‫كما أن ذلك )السيد( يكون من )يا نصيب( تلك )الست( فينطلقان بسيارتهما‬
‫ليقضيا بقية الليل معا ً ‪ .‬وهكذا يفعل بقية )السياد( وبقية )السيدات( "!!!‬
‫قلت ‪ :‬أعوذ بالله ‪ ..‬أعوذ بالله ‪ ..‬أجاد أنت أم مازح يا هذا ؟ قل لي بالله‬
‫عليك ‪ ،‬أتغرف من خيالك أم تروي من الواقع ؟!‬
‫قال ‪ :‬ثق بأنه الواقع أنقله إليك بأمانة ‪ ،‬ليس إل !! والنكى من ذلك يا‬
‫صاحبي أن الباحية الجنسية هذه نتيجتها الحتمية هي جنون أفراد المجتمع‬
‫وانتحارهم السريع ‪ ،‬وبذلك ينهار بسرعة كيان المم والشعوب !!‬
‫واسمع معي ثانية إلى كلم القاضية السويدية نفسها إذ تقول ‪:‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫"‪ ...‬أباح القانون السويدي الحرية الجنسية للمرأة إلى أقصى حد ‪ ،‬لدرجة‬
‫جعلت الرجل هو الفريسة والمرأة هي الصياد ! فكانت النتيجة على مستوى‬
‫المة مذهلة حقا ً !! ففي تقرير رسمي خطير لوزارة الشؤون الجتماعية‬
‫السويدية تعلن الحكومة أن ‪ %25‬من سكان السويد مصابون بأمراض‬
‫عصبية نفسية ‪ .‬وأن ‪ %30‬من مجموع المصروفات الطبية في السويد تنفق‬
‫في علج المراض العصبية والنفسية ‪ .‬وأن ‪ %40‬من مجموع الشخاص‬
‫الذين يحالون إلى التقاعد ـ قبل سن المعاش ـ بسبب العجز عن العمل تماما ً‬
‫هم من المرضى المصابين عقليا ً !! وتفسر ظاهرة انتشار المراض العصبية‬
‫عن نفسها على هيئة ارتفاع مذهل في نسبة حوادث النتحار "‪.‬‬
‫***‬
‫ً‬
‫أطرقت مليا وأنا أفكر وأقدر‪ ،‬حتى كدت أصاب بالدوار‪ ،‬ثم رفعت رأسي إليه‬
‫قائل ً ‪ :‬وما الحل يا صاحبي ؟‬
‫قال ‪ :‬وأي حل تعني ؟‬
‫قلت ‪ :‬حل هذه المعضلة الوخيمة ‪ ،‬معضلة الخيانات الزوجية بجميع أشكالها ‪،‬‬
‫وبجميع أسبابها ومسبباتها !‬

‫‪109‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال ‪ :‬أو تريد الجواب مختصرا ً أم مطول ً ؟‬
‫قلت ‪ :‬الرأي رأيك ‪ ،‬فكما تريد أنت ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬لقد أتعبتني ـ ول مؤاخذة ـ وإني لمختصر لك الجواب قدر المستطاع ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ألف شكر وشكر‪ ..‬تفضل ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬أول ً ‪ " :‬قبل الرماء تمل الكنائن " هكذا قالت العرب قديما ً ‪ ،‬وهكذا‬
‫أقول لك الن ‪ ...‬بمعنى أنه يترتب على المتزوج ـ شابا ً أو فتاة ـ أن يحسن‬
‫النتقاء ‪ ،‬ويتروى في البحث ‪ ،‬ويتعمق في الدراسة ‪ ،‬قبل الزواج ل بعده ‪ .‬بل‬
‫قبل الخطبة إن استطاع ل بعدها ‪ .‬وهذا هو العامل الوقائي ‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬إذا جد ـ بعد الزواج ـ ما ليس في الحسبان ‪ ،‬واكتشف الزوج ـ رجل ً أو‬
‫امرأة ـ ما كان خافيا ً عليه من أخلق سيئة ‪ ،‬أو طبيعة منشأ ذميمة ‪ ،‬أو عدم‬
‫تكافؤ ‪ ،‬أو برود ‪ ،‬أو نحو ذلك ‪ ..‬فعليه أن يتناول المور بحكمة وأناة ‪ ،‬وأن‬
‫يعمل على إزالة ما يمكن إزالته من أسباب سواء أكان السبب قائما ً فيه أو‬
‫في الطرف الخر وما من شك أنه ما من داء إل وله دواء ‪ ،‬وما من مرض إل‬
‫وله شفاء ‪) ،‬وآخر العلج الكي(‪ .‬وهذا هو العمل العلجي ‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬أما ما يجمع الوقاية والعلج معا ً ‪ ..‬أما ما يقضي على معظم السباب ـ‬
‫إن لم أقل كلها ـ ابتداًء وانتهاًء ‪ ..‬أما ما يحول دون المشكلة من أساسها ‪،‬‬
‫وأنصح به أول ً وآخرا ً ‪ ..‬فهو " تقوى الله "‪ .‬تقوى الله لشباب ‪ ،‬وتقوى الله‬
‫للفتاة ‪ ..‬تقوى الله للزوجة ‪ ،‬وتقوى الله للزوج ‪.‬‬
‫ـ فمن يتق الله يتسع صدره للكثير من النقائص والهفوات ‪ ،‬ما لم تدخل في‬
‫باب محرم من حرمات الله ‪.‬‬
‫ـ ومن يتق الله يبتعد عن موطن السوء ‪ ،‬وطرق الشيطان ‪ ،‬ويترفع عن خلق‬
‫الكلب والخنازير‪ .‬ويحافظ على عفته وطهره في السر وفي العلن ‪.‬‬
‫ـ ومن يتق الله يعرف حقوق زوجه عليه ـ مادية ومعنوية ـ فيحافظ عليها ول‬
‫يفرط بها مهما كلفه ذلك من عناء ‪.‬‬
‫ـ ومن يتق الله يرض بقسمته ‪ .‬والزواج قسمة للمرأة كما هو قسمة للرجل ‪.‬‬
‫ـ ومن يتق الله يوفق إلى صفوة من أهل التقوى والعفاف والطهر‪ .‬فرسول‬
‫الله صلوات الله عليه يقول ‪ " :‬إن لله ملئكة يسوقون الهل إلى الهل " ‪.‬‬
‫وصدق الله العظيم القائل ‪:‬‬
‫]الخبيثات للخبيثين ‪ ،‬والخبيثون للخبيثات ‪ ،‬والطيبات للطيبين ‪ ،‬والطيبون‬
‫للطيبات[‪.‬‬
‫إنها إحدى المعادلت الربانية القرآنية الخالدة ‪ .‬ومن أصدق من الله قيل ً ؟!!‬
‫قلت ‪ :‬جزاك الله خيرا ً ‪ ،‬وأنا لك علي وعن كل السامعين أجرا ً ‪.‬‬
‫)وانفض مجلسنا(‬
‫* أديب سوري معتقل منذ عام ‪1979‬‬
‫الهوامش ‪:‬‬
‫•نص محاضرة ألقيت بدعوة من المركز الثقافي في جسر الشغور بتاريخ ‪12‬‬
‫نيسان ‪. 1975‬‬
‫)‪(1‬انظر المقابلة المنشورة في " أنوار الحد "‪ ،‬تاريخ ‪ 29‬تموز ‪ 1973‬تحت‬
‫عنوان " نزار قباني مسكون بالمرأة منذ ولدته "‪.‬‬
‫)‪(2‬انظر المقابلة السابقة ‪.‬‬
‫)‪(3‬العدد العاشر لسنة ‪ ، 1969‬وهذه المجلة من بنات عم )الشبكة(‬
‫و)الموعد( وأشباههما فتأمل !‬
‫)‪(4‬هذه القاضية السويدية أوفدتها المم المتحدة لتقوم بالطواف على‬
‫عواصم الشرق الوسط وقراه ودساكره بصحبة مترجمة من كل بلد في‬
‫‪110‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫محاولة لدراسة مشاكل المرأة الشرقية العربية على الطبيعة ‪ ،‬لحساب‬
‫المم المتحدة بمناسبة العام الدولي لحقوق المرأة ‪ ،‬عام ‪. 1975‬‬
‫)‪(5‬عن مجلة السبوع العربي ـ العدد )‪ (820‬تاريخ ‪ 24‬شباط ‪ 1975‬ـ ص )‬
‫‪.(50‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫للبيت رب يحميه ولكن‪ ..‬طارق مصطفى حميدة*‬
‫تعلمنا منذ الصغر أن النبي محمدا ً عليه الصلة والسلم قد ُولد عام الفيل ‪..‬‬
‫وتابعنا مع قصة أصحاب الفيل‪ ،‬الحوار الذي يقال أنه دار بين أبرهة الشرم‬
‫وعبد المطلب‪ ،‬حين طلب إليه أن يرد إبله‪ ،‬فاستغرب أبرهة كيف تكون البل‬
‫أغلى عنده من البيت الحرام‪ ،‬الذي يمثل دينه ودين آبائه وأجداده‪ ،‬فيرد عبد‬
‫المطلب‪ ،‬كما تقول القصة‪ ،‬أنا رب البل ‪ ..‬وللبيت رب يحميه!!‬
‫ولقد حمى الله تعالى بيته‪ ،‬وأهلك أصحاب الفيل‪ ،‬وخّلد ذلك الحدث في قرآن‬
‫يتلى إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫إن هذه القصة‪ ،‬بشعارها الختامي)للبيت رب يحميه(‪ ،‬قد أصبحت جزءا ً‬
‫أساسيا ًً من تكويننا الثقافي ‪،‬حيث حفرت لنفسها عميقا ً في عقولنا وأذهاننا‬
‫ونفسياتنا ‪ ..‬والخطر من ذلك ‪ ،‬في رأيي ‪،‬أن هذا الشعار قد أضحى أحد‬
‫مواقفنا المتكررة حيال الخطار الداهمة‪ ،‬والقضايا الستراتيجية ‪..‬بمعنى أننا‬
‫نتماهى مع الموقف المنسوب لعبد المطلب‪ ،‬فنترك العداء يجتاحون بلدنا‪،‬‬
‫ويهددون مقدساتنا‪ ،‬ويقتلون إخواننا‪ ،‬ول نملك إل أن نغمض أعيننا على حلم‬
‫أن يبعث الله تعالى على أعدائنا الطير البابيل ؟!‬
‫إن من عوامل قوة تأثير هذه العبارة قصرها‪ ،‬وكونها تسللت إلى عقولنا‬
‫وقلوبنا وهي لما تزل صفحة بيضاء ناصعة‪ ،‬ولم تجد ما يعارضها أو يزاحمها‪،‬‬
‫ولكونها تتعلق بجد الرسول عليه السلم فاعتبرناها نصا ً دينيا ً واجب اللتزام‪،‬‬
‫ثم إنها تتحدث عن قدرة الله تعالى المطلقة‪ ،‬ول ننسى أنها تتناغم مع‬
‫الطبيعة البشرية التي تؤثر الراحة‪ ،‬وتطلب السلمة‪ ،‬وتفضل غير ذات‬
‫الشوكة‪ ،‬وقد رأينا كيف التفت أبو بكر الصديق‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬إلى أن‬
‫الناس في عهده قد فهموا الية الكريمة‪ ) :‬يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم‬
‫ل يضركم من ضل إذا اهتديتم (‪ ،‬على غير وجهها‪ ،‬فوجدوها فرصة كي يتخلوا‬
‫عن واجب المر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪.‬‬
‫والسؤال الكبير الذي ينبغي التوقف عنده‪ :‬أنه حتى لو صحت هذه القصة‪،‬‬
‫وصحت نسبة هذا القول إلى عبد المطلب‪ ،‬علما ً بأن علماء الحديث لم‬
‫يحكموا بصحتها ‪،‬فهل يعتبر عبد المطلب مرجعية شرعية و قدوة للمسلم ؟؟‬
‫نعم ‪ ،‬قد نلتمس العذر لعبد المطلب وقريش‪ ،‬على اعتبار أنه ل قبل لهم‬
‫بأبرهة وجيشه‪ ..‬حيث إن عبارة )للبيت رب يحميه( فيها من الضعف والعجز‬
‫أكثر مما فيها من اليمان والتوكل على الله تعالى‪ ،‬لن التوكل الحقيقي ل بد‬
‫أن يرافقه الخذ بالسباب‪ ...‬وإذا قبلنا هذا الموقف من عبد المطلب ‪ ،‬فهل‬
‫ُيقبل من أمة التوحيد التي يبلغ تعدادها أكثر من المليار والنصف‪ ،‬أن يبلغ بها‬
‫الضعف وقلة الحيلة ‪ ،‬أن تتنحى وتلتزم جانب الخنوع ‪ ،‬تاركة الكفر‬
‫يتغطرس ‪ ،‬وتعجز حتى عن أضعف اليمان‪..‬‬
‫وتنام على أحلم الطير البابيل ‪ ،‬وشعارها ‪ :‬للبيت رب يحميه ‍؟؟‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪111‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫م ُترصد‪... ... ... !..‬‬
‫للخير مواس ٌ‬
‫الشبكة‬
‫حين يطغى النشغال ‪ ...‬وتسيطر المادة ‪ ...‬وتضعف الهمم ‪ ...‬و تسقى‬
‫بكأس الكسل والعجز ‪ ...‬حينا ً بعد حين ‪ ...‬ويقل الصاحب المعين ‪ ...‬و تشغل‬
‫النفس بمشاغل شتى ‪ ...‬متفرقة تفرق أودية الحياة الدنيا ‪...‬‬
‫ساعتئذ ‪. . .‬‬
‫الولى بالمسلم أن يتفحص كوامن نفسه ‪ ...‬يفتش فيها ‪ ...‬يلمس‬
‫حواشيها ‪ ...‬يحي فيها معاني اندرست ‪ ...‬وأحوال مضت ‪ ...‬يتربص بكل‬
‫حادث يربطه ‪ُ ...‬ويوصله بربه ‪ ...‬فيفر منه إليه ‪ ...‬ملتمسا ً القرب والقبول ‪...‬‬
‫رافعا من ثم لواء التوفيق والسداد ‪.‬‬
‫فالمسلم الصادق الحريص على أمر نفسه ‪ ...‬الطالب لنجاتها ‪ ...‬المجاهد‬
‫لها ‪ ...‬لحري به أن يلتمس مواسم الطاعات ليعمل فيها ‪ ...‬ول يترك لليام‬
‫أن تعمل فيه ‪ ...‬فيرتقي بنفسه ؛ ينميها ‪ ...‬يزكيها ‪ ...‬يعدها ليوم تشخص فيه‬
‫القلوب والبصار ‪ ...‬وما ثمة غير أصحاب البصيرة ينعمون برحمة الله ‪ ...‬وهم‬
‫فيها خالدون ‪.‬‬
‫فاقبل أخي ـ أختي ـ على هذا الخير الكبير ‪ ...‬واعمل فيه وبه ‪ ...‬واغتنم‬
‫ساعة بساعة ‪ ...‬فإنك اليوم في سعة من أمرك ‪ ...‬وبحبوحة من وقتك ‪...‬‬
‫اقبل أيها الحبيب ‪ ...‬وتذوق معنا ما سنخطه لك من معان ‪ ...‬وجدد عبيرها‬
‫في نفسك ‪ ...‬واعمل ‪ ...‬فإن الله يناله التقوى منك ‪ ...‬وادع الله تعالى أن‬
‫نكون جميعا من الغانمين ‪ ...‬الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ‪...‬‬
‫وكن على شوق ‪ ....‬وردد معي ‪....‬‬
‫يا سائرين إلى البيت العتيق لقد *** سرتم جسوما ً وسرنا نحن أرواحا ً‬
‫إنما أقمنا على عذر وقد رحلوا *** ومن أقام على عذر كمن راحا‬
‫* من فضائل عشر ذي الحجة أن الله تعالى أقسم بها جملة ‪ ،‬وببعضها‬
‫شرٍ * َوال ّ‬
‫ل عَ ْ‬
‫فِع َوال ْوَت ْرِ {‪ .‬وإنما‬
‫ش ْ‬
‫خصوصا ‪ .‬قال الله تعالى } َوال ْ َ‬
‫ف ْ‬
‫جرِ * وَل ََيا ٍ‬
‫أقسم الله تعالى بمخلوقاتها لنها تدل على بارئها ‪ ،‬وللشارة إلى فضيلتها‬
‫ومنفعتها ؛ ليعتبر الناس بها ‪ ..‬قال الحافظ ابن حجر في الفتح ‪ :‬وأخرج‬
‫النسائي من حديث جابر رفعه قال ‪ " :‬العشر عشر الضحى ‪ ،‬والشفع يوم‬
‫الضحى ‪ ،‬والوتر يوم عرفة " ‪.‬‬
‫* ومن فضائل هذه اليام ‪ :‬أنها اليام العشر التي أتمها الله تعالى لموسى‬
‫عليه الصلة والسلم ‪ ،‬والتي كلم الله تعالى موسى في تمامها ‪ ،‬والتي كانت‬
‫مرحلة إعداد وتهيئة لمرحلة جديدة في تبليغ رسالة الله ودعوته ‪ ،‬وذلك في‬
‫قول الله تعالى ‪ } :‬وواعَدنا موسى َثلِثين ل َيل َ ً َ‬
‫ها ب ِعَ ْ‬
‫ت‬
‫مي َ‬
‫مَنا َ‬
‫م ِ‬
‫َ ْ‬
‫َ َ َْ ُ َ‬
‫قا ُ‬
‫شرٍ فَت َ ّ‬
‫م ْ‬
‫ة وَأت ْ َ‬
‫َ‬
‫ة{‪.‬‬
‫ن ل َي ْل َ ً‬
‫َرب ّهِ أْرب َِعي َ‬
‫* قال ابن كثير " فالكثرون على أن الثلثين هي ذو القعدة ‪ ،‬والعشر هي ذي‬
‫الحجة ‪ ،‬قاله مجاهد ومسروق وابن جريج وروي عن ابن عباس وغيره" ‪.‬‬
‫* ) لقد انتهت المرحلة الولى من مهمة موسى التي أرسل لها ‪ .‬انتهت‬
‫مرحلة تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والهوان والنكال والتعذيب بين‬
‫فرعون ومله ‪ ،‬وإنقاذهم من أرض الذل والقهر إلى الصحراء الطليقة !؟ ‪،‬‬
‫ولكن القوم لم يكونوا بعد على استعداد لهذه المهمة الكبيرة ! ‪ .‬مهمة‬
‫الخلفة في الرض بدين الله ‪ .....‬وكانت هذه المواعدة إعدادا ً لموسى نفسه‬
‫‪ ،‬كي يتهيأ في هذه الليالي للموقف الهائل العظيم ‪ ،‬ويستعد لتلقيه ‪ ،‬وكانت‬
‫فترة العداد ثلثين ليلة ‪ ،‬أضيفت إليها عشرا ‪ ،‬فبلغت أربعين ليلة ‪ ،‬يروض‬
‫موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود ‪ ،‬وينعزل فيها عن شواغل الرض‬
‫‪112‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ليغرق في هواتف السماء ‪ ،‬ويعتكف فيها عن الخلق ليستغرق فيها في‬
‫الخالق الجليل ‪ ،‬وتصفو روحه وتشف وتستضيء ‪ ،‬وتتقوى عزيمته على‬
‫مواجهة الموقف المرتقب وحمل الرسالة الموعودة ‪. ( ....‬‬
‫* وكأن المعني بهذا الكلم كل مسلم يبتغي إعادة الرسالة إلى الرض ‪ ،‬كل‬
‫مسلم ينشد تهيئة روحه لما هو آت ‪ ،‬والله أعلم بما هو آت !! ‪ .‬وكأن الخوف‬
‫من تقلبات النفس التي تمثلت في بني إسرائيل ‪ ،‬كأنها خطر داهم يحرص‬
‫على تفاديه كل من أراد النجاة من عقبات اليوم الخر وعقوباته ‪.‬‬
‫* ول يكونن العيش مع النصوص القرآنية بمعزل عن الواقع ‪ ،‬فل يقف فهم‬
‫النص على بيئة بني إسرائيل التي خرجوا منها وفروا من فرعون وجنده ‪ ،‬ول‬
‫على مصر فرعون أو فرعون مصر ‪ ،‬ول على صحراء سيناء ‪.....‬؛ وإنما النص‬
‫القرآني يهيمن على كل بيئة مشابهة ‪ ،‬وحال مقارب ‪ ،‬وظرف مماثل ‪ ،‬ونفس‬
‫مارة بالسؤ ‪ ،‬محبة للدعة والراحة ‪ ،‬من آفات البيئة القديمة ‪ ،‬وما فيها من‬
‫أ ّ‬
‫معان سلبية بالية ‪ ،‬ولو على مستوى النظر والعتبار ‪ ،‬وإذا كان الله سبحانه‬
‫قد أنزل على بني إسرائيل المن والسلوى إذ هم في الصحراء ‪ ،‬فإن صحراء‬
‫منة من الله تعالى أن ينزل عليها اليقين والصبر والثبات‬
‫القلوب لتحتاج إلى ِ‬
‫ً‬
‫والصدق في جميع المر ‪ ،‬فيغتنم المؤمن أوقاتا كانت لعداد غيره ‪ ،‬عله يناله‬
‫منها بعض إعداد ‪ ...‬وهو فضل الله يؤتيه من يشاء ‪ ..‬والله واسع عليم ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫* و " عشر ذي الحجة " هي ذات اليام التي أكمل الله الدين لمحمد عليه‬
‫َ‬
‫الصلة والسلم ‪ ،‬وذلك في قوله تعالى ‪ } :‬ال ْيو َ‬
‫ت‬
‫َ ْ َ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫م وَأت ْ َ‬
‫م ِدين َك ُ ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫مل ْ ُ‬
‫م أك ْ َ‬
‫ن } ‪ .‬وهي أكبر النعم ‪ ،‬وقعت يوم‬
‫مِتي وََر ِ‬
‫سل َ‬
‫م اْل ِ ْ‬
‫م ِدينا ً فَ َ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫ضي ُ‬
‫م ن ِعْ َ‬
‫عَل َي ْك ُ ْ‬
‫م ِ‬
‫عرفة من هذه اليام المباركة ‪ ،‬نعمة أكمال الدين ‪... ... ... ... ... ،‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫للدعاة والغيورين هل موشي دايان أكثر تذكرا ً لحقائق ديننا منا!!!!‬
‫د‪ .‬مهدي قاضي‬
‫أحبتنا‬
‫ما هذا‬
‫ما الذي أنسانا عدم التذكير بحقائق هامة من ديننا‪ ,‬أهي عاطفتنا المتألمة جدا ً‬
‫لما نراه‪,‬‬
‫أم هو من تأثيرات العلم والواقع الذي ذابت فيه وبه مجتمعاتنا‪.‬‬
‫أستغرب جدا ً عندما أسمع دعوات الى الجهاد من الغيورين بدون تنبيه للمة‬
‫للتوبة والعودة الى حقيقة دينها وتطبيقه في كل المور والتي هي أهم عدة‬
‫وسلح تحمله المة في معركتها وأهم سبب لتحقيقنا النصر على العداء‪.‬‬
‫وأستغرب عندما أجد الذين يتكلمون بحرقة مطالبين المة بالقنوت والدعاء‬
‫بدون أن يذكروها بأن يكون مع ذلك بدأ بالتوبة من الذنوب والعودة الى الله‬
‫والتي هي أهم أسباب استجابة الدعاء‪.‬‬
‫أذكر منذ أكثر من ‪ 25‬سنة هذه الكلمة التي نقلت عن موشي دايان وزير‬
‫الدفاع السرائيلي أو غولدا مائير رئيسة الوزراء آنذاك عندما قيل لهم ‪ :‬إن‬
‫الحجر والشجر سيكون في صف المسلمين في القتال منبهين المسلمين عن‬
‫اليهود الذين يختبؤون خلفهم فقالوا ‪ :‬لستم أنتم هؤلء المسلمين الذين‬

‫‪113‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ينطبق معنى الحديث عليهم إنما هم )ما معناه( المسلمون الحقيقيون‬
‫المتمسكون بدينهم‪.‬‬
‫إخواني أنا ل أقول ل ندعو المة الى الجهاد والدعاء ؛ ولكن لنذكرها بأهمية‬
‫تصحيح مسارها وعودتها الى الله وأوبتها عندما نذكر ذلك‪.‬‬
‫بل إن بعض هذه الخطابات عندما تذكر الجهاد والدعاء بدون ذكر التوبة‬
‫والعودة – مع تقديرنا لها وأهميتها‪ -‬قد ينتج عنها تضعيف لدراك المة بحقيقة‬
‫أمراضها والنحرافات الخطيرة التي وقعت فيها حتى وصلت الى ما وصلت‬
‫اليه من ضعف وذل‪.‬‬
‫وهذا يذكرني بالمشكلة التي ذكرها صاحب الكتاب القيم )هكذا ظهر جيل‬
‫صلح الدين وهكذا عادت القدس( د ماجد الكيلني عندما بين خطورة التغني‬
‫ببطولة صلح الدين بدون التركيز وتذكير المة بالمنهج الصلحي الذي قاده‬
‫آل زنكي ثم صلح الدين والعلماء الصادقون قبلهم وبعدهم فأصلحوا‬
‫المسلمين وتحقق النصر‪ .‬ومما قاله في هذا الشأن إن هذا الفهم يصرف‬
‫النظار بعيدا ً عن المراض الحقيقية التي تنخر في جسم المة‪. (.......‬وأنصح‬
‫الدعاة والمصلحون بالطلع على هذا الكتاب القيم وايضا كتاب )الجهاد‬
‫والتجديد في القرن السادس عشر( للشيخ محمد الناصر‪ ,‬وأيضا رسالة‬
‫صغيرة قيمة بعنوان ) ما هو سبب تخلف المسلمين(لدار ابن المبارك‪.‬‬
‫قد يقول البعض لماذا أكثر وأكرر الحديث عن هذا الجانب ؟ وأقول كم والله‬
‫تمنيت أل أحتاج للكلم والتكرار عن هذا الموضوع ولكن‪.....‬ما إراه من‬
‫إستمرار عدم أخذ هذا الجانب الهام الساسي حقه من التذكير في واقع‬
‫كلماتنا وفي واقع شعوبنا هو الذي يدفعني لذلك‪.‬‬
‫وأدعوا الخوة معاودة النظر في الكلمة التي نقلتها عن الشيخ محمد‬
‫العثيمين رحمه الله عن هذا الجانب على الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.alfjr.com/showthread.php?s=&threadid=49695‬‬
‫وأيضا ً موضوع كلمة للدعاة والمصلحين‪ :‬الخطاب الدعوي ومذابح المسلمين(‬
‫على هذا الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.alfjr.com/showthread.php?s=&threadid=47749‬‬
‫أعود أيها الحبة وأكرر ؛إن ما ذكرته ل يعني ول يقصد به عدم حاجة المة‬
‫للجهاد والنصرة والدعاء‪........,‬ولكن المقصود أل نهمل ذكر وتذكر العودة‬
‫الى الله والتوبة عند توجهنا لذلك لنها أقوى سلح ننتصر به وتستجاب‬
‫دعواتنا‪ ,‬بل بدونه ل يمكن ان يتحقق النصر التام خاصة أننا نتكلم عن قضايانا‬
‫وواقعنا المؤلم على مدى أمتنا ككل وليس فقط على قضية فلسطين وحدها‪-‬‬
‫وإن كانت أهمها‪.-‬‬
‫على أي الجروح سأستريح‪-----‬وهذا الجرح في كبدي يصيح‬
‫فلنذهب للنصرة بل وواجبنا ذلك ولكن ليكن مع سلحنا الهم الساس‪ ,‬فمن‬
‫يذهب للنصرة ومعه سلحه بيده وهو قوي معافى ليس كمن يذهب وليس‬
‫معه سلحه الساس وصحته معلوله‪.‬‬
‫سنملك أمر دنيانا‪-----‬إذا القرآن أحيانا‬
‫ونور في مفاوزنا‪----‬وعدل في قضايانا‬
‫)‪(1 /‬‬
‫للشباب فقط في رمضان‬
‫محمد بن عبدالله الدويش‬

‫‪114‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫دار القاسم‬
‫أخي الشاب‪:‬‬
‫السلم عليكم ورحمة الله وبركاته ‪ ...‬وبعد‪:‬‬
‫فقبيل أيام استقبلنا وإياك شهر رمضان المبارك ‪ ,‬هذا الشهر أخي الفاضل‬
‫يعني لدينا ولديك الكثير ‪ ,‬وأنت شأنك شأن سائر المسلمين قد استبشرت‬
‫بهذا الشهر الكريم ولشك ‪.‬‬
‫ويسرني أخي الفاضل في هذا الشهر الكريم أن أتوجه لك بأغلى ما أملك‬
‫وأعز ما أقدم سالكا ً سبيل المصارحة والحديث تحت ضوء الشمس ‪.‬‬
‫مرة الطعم لكن نتائجها محمودة ‪ ,‬وقد‬
‫إن المصارحة أخي الفاضل قد تكون ُ‬
‫ذقنا جميعا ً مرارة التستر على العيوب ‪ ,‬ولمسنا شؤم دفن الخطاء باسم‬
‫المجاملة‪ .‬فآمل أن يتسع صدرك لسماع ما أقول ‪.‬‬
‫ورع ولكن‪:‬‬
‫أخي الشاب‪ :‬موقف نشاهده جميعا ً في شهر الصيام‪ :‬أن تجد شابا ً معرضا‪ً,‬‬
‫غارقا ً في وحل الشهوات ‪ ,‬يتجرأ على الكبائر والمعاصي ‪ ,‬ويتهاون في‬
‫الطاعات الظاهرة ‪ ,‬تجد هذا الشاب يتساءل عن قضايا دقيقة في الصيام ‪.‬‬
‫كأن يتوضأ فتنزل من أنفه قطرات من الدم دون قصد ‪ :‬فهل يؤثر هذا على‬
‫الصيام أم ل ؟ مر في الشارع فدخل جوفه غبار فما الحكم ؟ وهو يسأل جادا ً‬
‫ولديه استعداد تام لتحمل تبعة السؤال من قضاء أو حتى كفارة ‪ .‬إن السؤال‬
‫أخي الكريم عما ُيشكل على المرء في عبادته مبدأ ل حق لحد أن يرفضه ‪,‬‬
‫وإن وقوع المرء في معصية ليس مبررا ً لعدم عنايته بالطاعة والسؤال عنها ‪.‬‬
‫ولكن ‪ :‬أل توافقني أن مثل هذا الشاب يعيش تناقضا ً يصعب أن تجد تفسيرا ً‬
‫له ؟!‬
‫فلماذا يتورع هنا ويسأل ويحتاط عن أمر اشتبه عليه‪ .‬بينما يرتكب عن عمد‬
‫وسبق إصرار ما يعلم أنه حرام بل كبيرة من الكبائر ؟!‬
‫النضباط العجيب‪:‬‬
‫يحتج البعض من الشباب حين تنهاه عن معصية ‪ ،‬أو تأمره بطاعة أنه مقتنع‬
‫تمام القتناع لكن شهوته تغلبه وهو ل يستطيع ضبط نفسه ‪ ،‬وقد يبدو العذر‬
‫منطقيا ً لدى البعض لول وهلة ‪ .‬ولكن حين ترى حال مثل هذا الشاب مع‬
‫الصيام ترى منطقا ً آخر‪.‬‬
‫فما أن يحين أذان الفجر حتى يمسك مباشرة عن الطعام ولو كان ما بيده‬
‫هي أول لقمة لنه استيقظ متأخرا ً ‪ .‬ويبقى عنده مائدة الفطار ول يتجرأ على‬
‫مد يده قبل أن يسمع الذان وهو أثناء النهار مهما بلغ به العطش والجهد ل‬
‫يفكر في خرق سياج الصوم واستباحة حماه أل ترى أن هذا السلوك وهو‬
‫سلوك محمود ول شك يدل على أنه يملك القدرة على ضبط نفسه والنتصار‬
‫على شهوته ؟ إن الصيام أخي الشاب يعطينا درسا ً أننا قادرون بمشيئة الله‬
‫على ضبط أنفسنا والنتصار على شهواتنا ‪.‬‬
‫هل رأيت هؤلء؟‬
‫هل تفضلت أخي الشاب أن تأتي إلى مسجد من المساجد مما رزق الله‬
‫إمامه الصوت الحسن المؤثر فرأيت ذاك الجمع من الشباب الخيار ؟ وقد‬
‫عقدوا العزم على الوقوف بين يدي الله في تلك الصلة ولو امتدت إلى‬
‫السحر ‪ ،‬في حين ترك غيرهم صلة الجماعة أصل ً ؟ ولو أتيت في العشر‬
‫الواخر لم تجد إل القليل فقد توجهوا صوب البيت العتيق يبتغون مضاعفة‬
‫الجر ‪ ،‬وحط الوزر ‪ .‬في حين ترى غيرهم يقضي ليالي رمضان فيما ل يخفى‬
‫عليك ‪ .‬ماذا لو وجه ذاك الشاب الذي يجوب السواق هذا السؤال إلى‬
‫‪115‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نفسه ‪ :‬أل أستطيع أن أكون واحدا ً من هؤلء ؟ كيف نجحوا ؟ وهم يعيشون‬
‫في المجتمع نفسه ولهم شهوات ‪ ،‬وأمامهم عوائق كما أن لي شهوات‬
‫وأمامي عوائق ‪.‬‬
‫أل تطيق ما أطاقوا؟‬
‫أخي الكريم‪ :‬كثير هم الشباب الذين كانوا على جادة النحراف ‪ ،‬وفي طريق‬
‫ن الله عليهم بالهداية‬
‫الغفلة يمارسون من الشهوات ما يمارسه غيرهم ثم َ‬
‫م ّ‬
‫فتبدلت أحوالهم وتغيرت وساروا في ركاب الصالحين ومع الطائعين المخبتين‬
‫‪ .‬وربما كان بعضهم زميل ً لك ‪ .‬فكيف ينجح هؤلء في اجتياز هذه العقبة‬
‫ويفشل غيرهم ؟ ولماذا استطاعوا التوبة ولم يستطع غيرهم ؟‪ .‬إن العوائق‬
‫عند الكثير من الشباب عن التوية واللتزام ليس عدم القتناع ‪ ،‬بل هو‬
‫الشعور بعدم القدرة على التغيير ‪ .‬أفل يعتبر هذا النموذج مثل ً صالحا ً له ‪،‬‬
‫ودليل ً على أن عدم القدرة ل يعدو أن يكون وهما ً يصطنعه ‪.‬‬
‫قبل أن تذبل الزهرة‬
‫لقد أبصرت عيناك أخي الكريم ذاك الذي احدودب ظهره ‪ ،‬وصارت العصا‬
‫رجل ً ثالثة له وتركت السنون الطويلة آثارها على وجهه ‪ .‬أتراه ولد كذلك ؟ أم‬
‫أنه كان يوما ً من اليام يمتلئ قوة ونشاطا ً ؟ أل تعلم أني وإياك سنصير مثله‬
‫إن لم تتخطفنا المنية – وهذا أشد‪ -‬وتزول هذه النضارة ‪ ،‬وتخبو الحيوية ‪.‬‬
‫فماذا أخي الكريم لو حرصنا على استثمار وقت الشباب في الطاعة قبل أن‬
‫تفقده فنتمناه وهيهات ‪.‬‬
‫وعن شبابه فيم أبله ‪:‬‬
‫ً‬
‫أخي الكريم ‪ :‬ل شك أنك تحفظ جيدا قوله ‪ } :‬لن تزول قدما عبد يوم‬
‫القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه ‪ ،‬وعن شبابه فيما أبله ‪،‬‬
‫وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه {‪.‬‬
‫أخي الكريم ‪ :‬لنفكر مليا ً واقعنا الن فهل سنجد الجابة المقنعة ‪ ،‬المنجية‬
‫أمام من ل تخفى عليه خافية عن هذه الفقرة } شبابه فيما أبله { وهل حالنا‬
‫الن مع عمر الشباب تؤهل لجتياز هذا المتحان ‪ .‬أل ترى أن أمامنا فرصة‬
‫في اغتنام الشباب والعداد للمتحان ؟‬
‫سابع السبعة‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫أخبر أنه في يوم القيامة ‪ } :‬يوم تدنو الشمس من الخلئق فتكون قدر ميل ‪،‬‬
‫ويبلغ منهم الجهد والعرق كل مبلغ {‪ ،‬أنه في هذا اليوم هناك من ينعم بظل‬
‫الله وتكريمه‪ ،‬ومنهم } شاب نشأ في طاعة الله عز وجل { فماذا يمنع أن‬
‫تكون أنت واحدا ً من هؤلء ؟ وما الذي يحول بينك وبين ذلك ‪ .‬فأعد‬
‫الحسابات ‪ ،‬وصحح الطريق ‪ .‬واجعل من الشهر الكريم فرصة للوصول إلى‬
‫هذه المنزلة‪.‬‬
‫ما أعظم ما تقدمه في هذا الشهر الكريم‪:‬‬
‫أخي الشاب ‪ :‬ل شك أنك رأيت الناس وقد تبدلت أحوالهم في هذا الشهر ‪.‬‬
‫فالمساجد قد امتلت بالمصلين ‪ ،‬والتالين لكتاب الله ‪ .‬والماكن المقدسة‬
‫ازدحمت بالطائفين والعاكفين ‪ ،‬والموال تتدفق في مجالت الخير ‪ .‬فهذا‬
‫يصلي ‪ ،‬وهذا يتلو ‪ ،‬والخر ينفق ‪ ،‬والرابع يدعو ‪.‬‬
‫فأين موقعك بين هؤلء جميعا ً ؟ ألم تبحث لك عن موقع داخل هذه‬
‫الخارطة ‪ .‬أليس أفضل عمل تقدمه ‪ ،‬وخير إنجاز تحققه التوبة النصوح‬

‫‪116‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وإعلن السير مع قافلة الخيار ‪ .‬قبل أن يفاجئك هادم اللذات فتودع الدنيا‬
‫إلى غير رجعة ‪ .‬فهل جعلت هذا الهدف نصب عينيك في رمضان وأنت قادر‬
‫على ذلك بمشيئة الله ؟‬
‫التوبة والموعد الموهوم‪:‬‬
‫كثير من الشباب يقتنع من خطأ طريقه ‪ ،‬ويتمنى التغيير ‪ ،‬ولكنه ينتظر‬
‫المناسبة أل وهي أن يموت قريب له ‪ ،‬أو يصاب هو بحادث فيتعظ ‪ ،‬ويهزه‬
‫الموقف فيدعوه للتوبة ‪ ،‬ولكن ماذا لو كان هو الميت فاتعظ به غيره ؟ وكان‬
‫هذا الحادث الذي ينتظره فعل ً لكن صارت فيه نهايته ؟ ليس أخي الشاب‬
‫للنسان في الدنيا إل فرصة واحدة فالمر ل يحتمل المخاطرة‪.‬‬
‫فهل قررنا التوبة اللحظة وسلوك طريق الستقامة الن؟‬
‫إن القرار قد يكون صعبا ً على النفس وثقيل ً ‪ ،‬ويتطلب تبعات وتضحيات لكن‬
‫العقبى حميدة والثمرة يانعة بمشيئة الله‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫للشباب فقط هل أنت حقا ً سعيد؟!‬
‫من السئلة ما قد ل يكون الجواب عنها بالنفي أو الثبات مقصودًا‪ ،‬بل‬
‫المقصود منها تحريك الذهن الخامل أو المتخامل للتفكير فيها بما يدفع إلى‬
‫اتخاذ الخطوات الصحيحة السريعة‪ ،‬ولني أثرت معك ما هو من جنس هذه‬
‫عد ـ ببعض الحقائق‬
‫السئلة فاسمح لي أن أساعدك ـ وأنت أولى من ُيسا َ‬
‫لكي تعينك على أن تحسم مع نفسك ـ ولو نظريا ً ـ جواب هذا السؤال‪،‬‬
‫دد على ضوئه ما يلزمك من إجراء لدراك المتعة والسعادة بما بقي من‬
‫ولتح ّ‬
‫شبابك‪.‬‬
‫ّ‬
‫ولعلك تسلم معي ‪ -‬أخي ‪ -‬بأن السعادة الخروّية ل تكون إل بإحسان علقتك‬
‫برّبك ‪ -‬سبحانه ‪ ،-‬ولعل هذا ما يجعلك تقّرر في نفسك الصلح والقبال على‬
‫ت واستقراٍر‬
‫ل وزواٍج وبناِء بي ٍ‬
‫الله بعد إنجاز أهدافك الدنيوّية من تخّرٍج وعم ٍ‬
‫ي وُأسريّ ‪ ،...‬لكني أكاد أجزم أنه يغيب عنك كلّيا أو جزئّيا أن نفس هذا‬
‫مال ّ‬
‫ب لسعادتك الن‪ ،‬بل وللتوفيق في كل‬
‫اليمان والقبال على الله هو سب ٌ‬
‫خططك المستقبلّية‪.‬‬
‫مل معي في قوله‬
‫ملت معي آيات القرآن تبّين لك هذا المر‪ ،‬فتأ ّ‬
‫وأنت إذا تأ ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫حَياة ً طي ّب َ ً‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫حا ِ‬
‫ن عَ ِ‬
‫ه َ‬
‫ن فلن ُ ْ‬
‫صال ِ ً‬
‫حي ِي َن ّ ُ‬
‫ن ذ َكرٍ أوْ أنثى وَهُوَ ُ‬
‫تعالى‪َ )) :‬‬
‫مل َ َ‬
‫م ٌ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن(()‪ (97‬سورة النحل تجد أن الحياة‬
‫لو‬
‫م‬
‫ع‬
‫ي‬
‫نوا‬
‫كا‬
‫ما‬
‫ن‬
‫س‬
‫ح‬
‫أ‬
‫ب‬
‫م‬
‫ه‬
‫ر‬
‫ج‬
‫أ‬
‫َ‬
‫وَل َن َ ْ‬
‫ُ َْ َ‬
‫م ْ َ ُ ْ ِ ْ َ ِ َ‬
‫جزِي َن ّهُ ْ‬
‫الطيبة أي السعيدة إنما المقصود بها سعادة الدنيا لن الكلم عن الخرة جاء‬
‫َ‬
‫مستقل ّ بعدها‪ ،‬وقوله عّز وج ّ‬
‫م‬
‫ست َغْ ِ‬
‫ل‪)) :‬وَأ ْ‬
‫نا ْ‬
‫مت ّعْك ُ ْ‬
‫م ُتوُبوا إ ِل َي ْهِ ي ُ َ‬
‫م ثُ ّ‬
‫فُروا َرب ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ت كُ ّ‬
‫ه(()‪(3‬‬
‫مَتا ً‬
‫مى ـ أي في الدنيا ـ وَي ُؤْ ِ‬
‫ل فَ ْ‬
‫ل ِذي فَ ْ‬
‫سًنا إ َِلى أ َ‬
‫عا َ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫ضل َ ُ‬
‫س ّ‬
‫ل ُ‬
‫َ‬
‫ض ٍ‬
‫ج ٍ‬
‫فل الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬بالسعادة حتى لمن وقع عليهم الظلم‬
‫سورة هود ‪ ،‬بل تك ّ‬
‫واضط ُّروا إلى ترك بلدانهم ‪ -‬وهذه من أسباب التعاسة عند الكثيرين ‪ -‬في‬
‫م ِفي الد ّن َْيا‬
‫ن َ‬
‫جُروا ِفي اللهِ ِ‬
‫قوله سبحانه‪َ)) :‬وال ّ ِ‬
‫ها َ‬
‫موا ل َن ُب َوّئ َن ّهُ ْ‬
‫ما ظ ُل ِ ُ‬
‫ن ب َعْد ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫خَرةِ أ َك ْب َُر ل َوْ َ‬
‫ن(()‪ (41‬سورة النحل‪ .‬وإنما أكثرت‬
‫جُر اْل ِ‬
‫سن َ ً‬
‫مو َ‬
‫ة وََل َ ْ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫كاُنوا ي َعْل َ ُ‬
‫ة حتى عن بعض العقلء‬
‫معك من ذكر اليات لن هذه الحقيقة تكاد تكون غائب ً‬
‫من أمثالك‪.‬‬
‫ربة فإننا ندعوهم ـ‬
‫وبما أن بعض الشباب قد ل يقتنع إل بناًء على التج ِ‬
‫وندعوك إن كنت منهم ـ إلى البدء الجاد ّ في دروب الستقامة ل على سبيل‬
‫ربة للتأ ّ‬
‫كد من صدق المر؛ إذ كلم الله ل يتطرق إليه الش ّ‬
‫ك‪ ،‬ولكنها دعوةٌ‬
‫التج ِ‬
‫‪117‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫م من كل نعيم البدن الظاهري‬
‫أخوي ّ ٌ‬
‫ة لتذّوق هذه السعادة للقطع بكونها أعظ َ‬
‫ً‬
‫ب وقناعةٍ رغم‬
‫سك بها عن ح ّ‬
‫من مأكل ومنصب ومركب قطعا يدعوك للتم ّ‬
‫كثرة المغريات ودواعي الفساد في هذا العصر خاصة لمن هم في مرحلتك‪.‬‬
‫ويكفينا نحن في باب التجربة ما حكاه ابن القّيم ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬عن بعض‬
‫العارفين من قولهم‪ " :‬لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه ‪ -‬أي من‬
‫السعادة والسرور ‪ -‬لجالدونا عليه بالسيوف" وقول الخر‪" :‬مساكين أهل‬
‫الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها‪ ،‬قيل‪ :‬وما أطيب ما فيها؟ قال‪:‬‬
‫محبة الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬ومعرفته وذكره"‪.‬‬
‫ونحن وإن لم نصل إلى تذّوق هذه السعادة كما ذاقوها فإننا نجزم بصدق‬
‫م بصدق خبره ‪-‬‬
‫هؤلء في قولهم‪ ،‬وكمال إدراكهم وذوقهم بعد جزمنا التا ّ‬
‫سبحانه وتعالى‪.-‬‬
‫ّ‬
‫وك ّ‬
‫ل ما أرجوه منك ‪ -‬أخي ‪ -‬وقد صبرت معي إلى آخر المقال أل يكون هذا‬
‫آخَر عهدك به‪ ،‬واسمح لي بأن أثقل عليك بطلب منك أن تستصحب في‬
‫ذهنك هذه النقاط عند أخذك لفراشك ُقبيل خلودك للنوم‪ ،‬وأن تنظر في‬
‫حقيقة حالك التي ل يعلمها من البشر سواك‪ ،‬وأن تسأل نفسك بك ّ‬
‫ل صدق‬
‫قا ‪ -‬سعيد ؟‬
‫وتجّرد‪ :‬هل أنت ‪ -‬ح ّ‬
‫الطاهر أحمد الطاهر‬
‫)‪(1 /‬‬
‫للصلة والثورة‬
‫شعر‪ :‬نازك الملئكة‬
‫"شاعرة عراقية‪ ،‬تعد الشاعرة العربية الولى‪ .‬جمعت بين الموهبة الصيلة‪،‬‬
‫والثقافة الرفيعة‪ ..‬اعتصمت بالقيم العليا في لحظات ضياع الشعراء‬
‫المعاصرين لها‪ ،‬وعلى الرغم من ريادتها للشعر الجديد‪ ،‬لم تتنكر لعمود‬
‫الشعر العربي الصيل‪ .‬والنص الذي بين أيدينا‪ ،‬من أواخر نتاجها"‪.‬‬
‫"تلقت الشاعرة بطاقة تهنئة بعيد الفطر‪ ،‬عليها صورة لمسجد قبة الصخرة‬
‫بالقدس"‬
‫يا قب َ‬
‫ة الصخرهْ‬
‫يا ورُد‪ ،‬يا ابتهال‪ ،‬يا حضرهْ‬
‫ويا هدى تسبيحة علوية النبرهْ‬
‫يا صلوات عذبة الصداْء‬
‫جاشت بها البهاْء‬
‫يا حرقة المجهول‪ ،‬يا تطل ّعَ النسان للسماْء‬
‫ه الركوع"؛ يا ط ُهَْرهْ‬
‫يا َول َ‬
‫يا وردة الخشوع‪ ،‬يا نداه‪ ،‬يا عطرهْ‬
‫ن‬
‫ت تسبيحاته صهيو ْ‬
‫يا مسجدا ً أ ْ‬
‫سك َ َ‬
‫ن‬
‫من أجل حْلم وقٍح مجنو ْ‬
‫كب ّ َ‬
‫ل في أرجائه الصلة والخضرهْ‬
‫وث التاريخ والفكرهْ‬
‫ول ّ‬
‫***‬
‫يا قبة الصخرهْ‬
‫يا جرح‪ ،‬يا ضماد يا زهرة‬
‫يا َ‬
‫سهََر الجراح في ارتعاشة الشفاهْ‬
‫‪118‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يا حرقة الدعاء‪ ،‬يا تنهّد َ الصلهْ‬
‫هل تنبض الحياهْ‬
‫ه؟‬
‫في هذه الذرع والجبا ْ‬
‫ه؟‬
‫والميا‬
‫واللوان‬
‫هل تدفق العطور‬
‫ْ‬
‫ه؟‬
‫ينبجس النبع من الصخر ْ‬
‫ه؟‬
‫وينبت الفداء وردا ً ساخن الحمر ْ‬
‫نسقيه من تتمة الدعاْء‬
‫من حمرة الدماْء‬
‫نطعمه سنابل الفداْء‬
‫تختصر الزمان في تسبيحة ثّرهْ‬
‫يصرخ فيها عطش الثورهْ‬
‫***‬
‫يا قبة الصخرهْ‬
‫ً‬
‫مسدِل َ‬
‫شعَْرهْ‬
‫حيث الخراب ُ‬
‫يا رعشة التقوى‪ ،‬ويا انخطافة الصلهْ‬
‫يا أثر السجود في الجباهْ‬
‫ه‬
‫الشفا‬
‫عطورها‬
‫يا صلوات لمست‬
‫ْ‬
‫يا وردة روحية الخدود ْ‬
‫س موتها الوجود ْ‬
‫قد ذبلت ولم يح ّ‬
‫يا مسجدا ً عطشان للقرآن والسجود ْ‬
‫مسائ ً‬
‫ق؟‬
‫جد ُ الروا ْ‬
‫ل‪ :‬كيف اختفى ته ّ‬
‫ق؟‬
‫وأين تسبيحاته الصوفية الشوا ْ‬
‫ولهفة الجدران‪ ،‬وارتعاشة العمود ْ‬
‫س ن َد ٍ مفقود ْ‬
‫وسكرة البخور في أم ٍ‬
‫ب‬
‫كم ضرعت نوافذ؛ وأمطرت أدمَعها أبوا ْ‬
‫ب!‬
‫في صرعة العذا ْ‬
‫ب‬
‫ت حكاي َ‬
‫ة الرها ْ‬
‫كم رّتل ْ‬
‫لوردة يتيمة عذراء مصفّرهْ‬
‫عطورها اضطّرت إلى الهجرهْ‬
‫ّ‬
‫ه‬
‫قطر‬
‫ة‬
‫قطر‬
‫لى‬
‫المص‬
‫على‬
‫ت‬
‫ً‬
‫دماؤها تح ّ‬
‫ْ‬
‫ت وانسكب ْ‬
‫در ْ‬
‫***‬
‫يا قبة الصخرهْ‬
‫ق‪ ،‬يا إيمان‪ ،‬يا ثورهْ‬
‫يا ح ّ‬
‫ت‬
‫شمس حزيران طوتها غيمة في الفجر فانطو ْ‬
‫ت‬
‫وأسدل الستار‪ ،‬والرواية انته ْ‬
‫ت‬
‫أقمارها هو ْ‬
‫ت‬
‫ت عيونها‪ ،‬آفاقها خو ْ‬
‫أنجمها قد أغمض ْ‬
‫ت‬
‫ورودها تحت ثلوج الظلمة انحن ْ‬
‫ودولة اللصوص والقرود ْ‬
‫تر ّ‬
‫ت‬
‫ت دماءنا الحمراء وارتو ْ‬
‫شف ْ‬
‫ومّزقت أظفاُرها ليون َ‬
‫ة الخدود ْ‬
‫وأنشبت مخالب الحقود ْ‬
‫في لحمنا‪ ،‬في كبرياء الرض" في مراقد الجدود ْ‬
‫غدًا‪ ،‬غدًا‪ ،‬تنفجر السجون واللحود ْ‬
‫‪119‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فلتسقطي يا دولة اليهوْد!‬
‫مازل ِ‬
‫ت في َ‬
‫سكَرهْ‬
‫ْ‬
‫مّيتة الضمير؛ في تهوية قذرهْ‬
‫ه‬
‫والخضر‬
‫الماء‬
‫م والشلء بين‬
‫ْ‬
‫تبعثرين الس ّ‬
‫وتملين الكأس بالدماء والخمرةْ‬
‫ه؟‬
‫وباسم ماذا ُتمنع الصلة في الحضر ْ‬
‫ه؟‬
‫سَرقُ الرد ّ‬
‫وباسم ماذا ي ُ ْ‬
‫ن والبّيارة والنضر ْ‬
‫قت َ ُ‬
‫ه؟‬
‫وباسم ماذا ت ُ ْ‬
‫ل الزهر ْ‬
‫***‬
‫يا قبة الصخرهْ‬
‫ه!‬
‫ب عطر ْ‬
‫يا حقل قمح ناد ٍ‬
‫قط ّعَ الوتاْر‬
‫م َ‬
‫يا أرغنا ً ُ‬
‫مَروّعَ القباب والحجاْر‬
‫يا معبدا ً ُ‬
‫بين يدي جّزاْر‬
‫يقاتل الورود والسلم والقماْر‬
‫يسطو على الثماْر‬
‫وينسف البيوت ظلمًا؛ يحرق الشجاْر‬
‫يشّرد ُ الصغاَر والكباْر‬
‫من أرضهم في ليلة ضائعة النهاْر‬
‫أصابعٌ للغدر إرهابية الظفاْر‬
‫***‬
‫يا قبة الصخرهْ‬
‫ل فاقدٍ فجرهْ‬
‫يا جنح لي ٍ‬
‫متى ُترى‪ :‬ستنفض الغباْر‬
‫عن أرضنا؟ ونرفع الحصاْر؟‬
‫متى ُترى‪ :‬نقتحم السواْر؟‬
‫وغنوة المواج والخلجان والغواْر‬
‫تهمس في أسماعنا بأعذب الشعاْر‬
‫هتافها ينبض بالسراْر‬
‫فلنبدأ البحاْر‬
‫ة؛ لعلها تعيش في انتظاْر‬
‫قلو ُ‬
‫عنا واله ٌ‬
‫وفي المدى جزائر المرجان والمحاْر‬
‫***‬
‫يا قبة الصخرهْ‬
‫يا ذِك ُْر‪ ،‬يا ترتي ُ‬
‫ل‪ ،‬يا حضرهْ‬
‫ه؟‬
‫متى نصّلي فيك‪ ،‬هل ستنبت البذر ْ‬
‫ه؟‬
‫هل نعبر المسالك الوعر ْ‬
‫ترمقنا ذئاُبها بالنظرة والشْزرهْ‬
‫***‬
‫يا قبة الصخرهْ‬
‫ه؟‬
‫وجهُ ِ‬
‫ك‪ ،‬هل نحظى به يا عذبة النظر ْ‬
‫ّ‬
‫ونحن قد شط بنا المزاْر‬
‫تقاذفْتنا البيد والبحاْر‬
‫ت بركبنا وأهلنا السفاْر‬
‫وح ْ‬
‫وط ّ‬
‫‪120‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ترفضنا الكهوف‪ ،‬والغابات‪ ،‬والمصاْر‬
‫خيامنا على خطوط الناْر‬
‫وزادنا التقوى‪ ،‬وملح الدمع الِغزاْر‬
‫***‬
‫يا قبة الصخرهْ‬
‫ت؛ يا ضياع ُ يا حيرهْ‬
‫يا صم ُ‬
‫ه؟‬
‫متى نرى أبوابك القدسّية البّر ْ‬
‫وننتهي إليك عبر ال ّ‬
‫ه؟‬
‫شعب الخطر ْ‬
‫ة‪ ،‬متى ‪ -‬ترى ‪ -‬تمتلئ الجراْر؟‬
‫جراُرنا خاوي ٌ‬
‫ِ‬
‫ت؛ فهل – ُترى ‪ -‬ستسقط المطاْر؟‬
‫يبس‬
‫قد‬
‫حقولنا‬
‫ْ‬
‫وعند بواباتنا تنتظر القداْر‬
‫متى نصّلي؟ إنما صلتنا انفجاْر‬
‫صلتنا ستطلع النهاْر‬
‫تسّلح العّزل؛ تعلي راية الثواْر‬
‫صلتنا إنذاْر‬
‫داْر‬
‫إلى عدّو‪ ،‬خادع‪ ،‬غ ّ‬
‫تاريخه قد ُ‬
‫ت سطوره بريشة المكر وحبر العاْر‬
‫كتب ْ‬
‫صلتنا ستشعل العصاْر‬
‫ستزرع السلح والزنبق في القفاْر‬
‫ول اليأس إلى انتصاْر‬
‫تح ّ‬
‫صلتنا ستنقل الجدب إلى اخضراْر‬
‫وتطعم الصغاْر‬
‫فاكهة الصمود والصراْر‬
‫يا قبة الصخرة من صلتنا سيرتوي آذاْر‬
‫وتنبت الرايات والثماْر‬
‫جر النهاْر‬
‫صلتنا تف ّ‬
‫وتبعث الغناء‪ ،‬والليمون‪ ،‬والحراْر‬
‫تعيدنا للوطن المسروق‪ ،‬تمحو العاْر‬
‫***‬
‫ه‬
‫الصخر‬
‫قبة‬
‫يا‬
‫ْ‬
‫يا رمز‪ ،‬يا تاريخ؛ يا فكرهْ‬
‫غدًا‪ ،‬غدًا‪ ،،‬يختلج اسم الله في القدس وفي الخلي ْ‬
‫ل‬
‫)‪(1 /‬‬
‫مى صارخًا‪ ،‬يستيقظ القتي ْ‬
‫ل‬
‫ينتفض العدل المد ّ‬
‫تنبت من دمائه زهرهْ‬
‫م وتخفي كأسها جمرهْ‬
‫في عطرها س ٌ‬
‫تسكب في أشداق إسرائي ْ‬
‫ل‬
‫مذاق هول زاحف من الفرات العذب حتى الني ْ‬
‫ل‬
‫عندئذ ينطفئ الغلي ْ‬
‫ل‬
‫وترتوي جدائل الزيتون والنخي ْ‬
‫ل‬
‫وتنعس الثارات بعد السهر الطوي ْ‬
‫ل‬
‫ن من الرحي ْ‬
‫ل‬
‫كأنما خيامنا عُد ْ َ‬

‫‪121‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫***‬
‫يا قبة الصخرهْ‬
‫ْ‬
‫يا لغم‪ ،‬يا إعصار‪ ،‬يا سجينة خطرهْ‬
‫ه‬
‫قبر‬
‫سجنها‬
‫على الذي يسجنها؛ غدا ً يصير‬
‫ْ‬
‫يا قبة الصخرهْ‬
‫ي هوا َ‬
‫ك أن تر َ‬
‫حاشا ِ‬
‫ن المة الحرهْ‬
‫ض ْ‬
‫ن‬
‫سيهبط النصر على مرت ِّلي القرآ ْ‬
‫ن‬
‫مصّلين؛ وفي صوامع الرهبا ْ‬
‫على ال ُ‬
‫ن‬
‫على الفدائيين في أودية النيرا ْ‬
‫ن‬
‫غدًا‪ ،‬غدًا‪ ،‬ينفجر البركا ْ‬
‫ن‬
‫ويبدأ الطوفا ْ‬
‫ن‬
‫ينتفض الشهيد في الكفا ْ‬
‫ن‬
‫ويكسر القضبا ْ‬
‫ن‬
‫سجا ْ‬
‫يقاتل السر وال ّ‬
‫ن‬
‫ينتصر النسا ْ‬
‫ن‬
‫يرتفع الذا ْ‬
‫ه‬
‫الصخر‬
‫قبة‬
‫من‬
‫الصدى‬
‫ْ‬
‫حرا ً عبيريّ‬
‫ير ّ‬
‫ق ْ‬
‫طب المهامه ال َ‬
‫فرهْ‬
‫ويعلن الصلة والجهاد‪ ،‬والثورهْ‬
‫في القدس‪ ،‬في الجولن‪ ،‬في سيناْء‬
‫في المدن العذراْء‬
‫في الريف‪ ،‬في سجون إسرائيل‪ ،‬في الصحراْء‬
‫في الرض‪ ،‬في السماْء‬
‫سيستحيل الماء‪ ،‬والتراب‪ ،‬والهواْء‬
‫ة‪ ،‬وثورة ً حمراْء‬
‫مدافعا ً فاغر ً‬
‫َ‬
‫تزلزل العصابة السوداْء‬
‫ن‬
‫فيسقط الطغيا ْ‬
‫ن‬
‫وُيزهق الباطل والبهتا ْ‬
‫ن‪.‬‬
‫ويمكرون مكرهم‪ ،‬ويمكر الرحما ْ‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ه مشرق؟!!‬
‫للطلق ‪...‬وج ُ‬
‫فوزية الخليوي ‪4/8/1426‬‬
‫‪08/09/2005‬‬
‫يسير ك ّ‬
‫ل منا إلى المام‪ ،‬وقد وضع نصب عينيه آمال ً يريد تحقيقها‪ ،‬وفجأة‬
‫ً‬
‫تحدث الكارثة‪ ،‬وتنقلب حياته رأسا على عقب بوقوع الطلق!!‬
‫إن أزمة الطلق ليست فقط حالة نفسية صعبة!!‬
‫ً‬
‫فداخليًا‪ :‬هي حالة تتكاتف فيها النفس والجسد معا من انكسار للقلب و ضيق‬
‫بالنفس وإحساس بالمرارة وخيبة المل‪ ،‬والشعور بالوحدة وفقدان النوم‪.‬‬
‫وخارجيًا‪ :‬تكمن في الموروث الثقافي الجتماعي كقولهم‪) :‬ظل راجل ول ظل‬
‫دد المرأة‬
‫حيطة( ‪) ،‬دخول الرجل البيت رحمة ولو كان فحمة (‪ ...‬مما يه ّ‬
‫بالنبذ الجتماعي مستقب ً‬
‫ل!!‬
‫ومما يزيد من حيرتها في أمرها وإن كانت على شفا جرف هاٍر!!‬
‫‪122‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وخسارة المرأة عاطفية أكثر منها مادية؛ لنه موجود في إدراكها وعقلها‬
‫ووجدانها!!‬
‫ُ‬
‫أرِْقت فبات ليلي ل يزول ‪... ...‬‬
‫وليل أخي المصيبة فيه طو ُ‬
‫ل‬
‫وفقد الزوج بالطلق أصعب من فقده بالموت؟!‬
‫فكلهما موجع ولكن الول يشوبة الحساس بالخيانة والظلم وخيبةالمل!!‬
‫مما ليحدث في الثاني!!‬
‫ثم إن نظرة المجتمع للمرأة المطلقة نظرة فيها الكثير من الريبة وتحميلها‬
‫المسؤولية!! بينما فى الثاني هي نظرة عطف وشفقة!!‬
‫ً‬
‫وحالة الحباط هذه تقودها إلى الشعور بالكتئاب مما يمنحها إحساسا بالذنب‬
‫والندم تتسع هوّته بوجود البناء الذين سيدفعون الثمن من مشاعرهم‬
‫ومستقبلهم!!‬
‫لو ذاق طعم الفراق رضوى ‪... ...‬‬
‫لكاد من وجده يميد‬
‫ً‬
‫ملوني عذابا ً شوقا ‪... ...‬‬
‫قد ح ّ‬
‫يعجز عن حمله الحديد!!‬
‫وما يحدث نتيجة هذة الضغوطات أن يدخل كل من الرجل والمرأة في حالة‬
‫نفسية قد ل يستطيع الخروج منها فمن تناول الحبوب المهدئة إلى الترّدد‬
‫ن قلب الصفحات‬
‫على العيادات النفسية؟؟ ولن الكثير منا ليتقن ف ّ‬
‫ي هذه الصفحة من حياتنا علينا التفكير ببعض المور اليجابية‪:‬‬
‫بسهولة!! ولط ّ‬
‫)‪ (1‬تكفير الذنوب‪:‬‬
‫فر الله به من خطاياه قال‬
‫م ول أذى إل ك ّ‬
‫م ول غ ّ‬
‫فإنه ما أصاب المؤمن من ه ّ‬
‫ابن القيم فى مدارج السالكين‪ :‬أذى الخلق لك كالدواء الكريه من الطبيب‬
‫المشفق عليك! فل تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته!!ومن كان على يديه!!‬
‫وانظر إلى شفقة الطبيب الذى ر ّ‬
‫كبه لك وبعثه على يدي من نفعك بمضرته!!‬
‫)‪ (2‬تهذيب النفس‪:‬‬
‫هى فرصة كبيرة لن يتأمل الفرد حاله وينظر فى عيوبه والخطاء التي بدرت‬
‫منه فى حق الخرين على المدى الطويل‪.‬‬
‫)‪ (3‬المناجاة مع الله‪:‬‬
‫م الخطوب وتنغلق الفهام يعلم المرء يقينا ً أن لمناص إل في‬
‫عندما تدله ّ‬
‫القرب من الله قال ابن القيم‪ :‬أقرب ما يكون الله من عبده عند ذله‬
‫وانكسار قلبه ولجل هذا كان " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"‬
‫رواه مسلم لنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه!!‬
‫)‪ (4‬تعزيز الثقة بالنفس‪:‬‬
‫ففى اتخاذ قرار مصيري كالطلق والمضي فى تحقيقه! على سلبّيته يعزز من‬
‫ثقة المرء بنفسهوقدراته!!!‬
‫)‪ (5‬العدل مع العباد‪:‬‬
‫وأكثر ما يتحقق ذلك فى النساء فمتى ما رأت الظلم الواقع عليها من‬
‫تسريحها دونما سبب! أو تفضيل زوجة أخرى عليها! أو ضربها وشتمها! وما‬
‫يسبق الطلق من تبادل للتهامات بين الزوجين! وكيل كل منهما التهم للخر‬
‫فى أمور قد تخفى ويتفاجأ فيها الطرف الخر!! فهنا يدرك المرء مدى‬
‫خطورة بخس العباد لحقوقهم؟!‬
‫م الشمل‪:‬‬
‫)‪ (6‬ل ّ‬
‫ما يحدث من التفاف السرة على المطلق وإسباغهم الحنان ومؤازرته في‬
‫‪123‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هذه المرحلةلمر إيجابي ليحدث دائما ً فى زحمة الحياة!‬
‫)‪ (7‬تقوية أواصر الصداقة‪:‬‬
‫تتقوى العلقة مع الصدقاء الذين يبث لهم المطلق شكواه مما يخفف من‬
‫ألم المعاناة على نفسه ويجد في ذلك الكثير من المشاركة الوجدانية التي‬
‫تساهم في رفع الدعم المعنوي له!‬
‫)‪ (8‬العتبار في تقّلب الحوال‪:‬‬
‫في خوض غمار تجربه الطلق حيث تكمن صعوبتها في النقلب الشديد عما‬
‫كان المرء عليه؛ إذ تفقد المرأة الزوج المنزل وقد يشمل المر البناء أيضًا!!‬
‫فف من‬
‫وهذا من أشد العظات في أن الدنيا ل تدوم على حال!! ومما يخ ّ‬
‫وطأة هذا المر على النفس أن يرى المطلق أن هذا ليس له وحده!! بل هو‬
‫ة في الخلق‪ ،‬وأن هناك اللف ممن خاضوا هذه التجربة!!‬
‫ة ماضي ٌ‬
‫ة كوني ٌ‬
‫سن ٌ‬
‫وفي قصة عشق عبد الرحمن بن أبى بكر لزوجته ليلى بنت الجودي لعبرة؛‬
‫إذ إنه ُ‬
‫شغف بها فكانت أخته عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها تكلمه في‬
‫هذا!!‬
‫فقال لها‪ :‬دعيني فوالله إني لرشف من ثناياها حب الرمان!!‬
‫فسقطت أسنانها فتركها؟! فكانت عائشة تكلمة في رحمتها فيأبى!! وكان‬
‫أقصى ما فعله أن سرحها إلى أهلها!! فكانت عائشة تعجب من حاله معها!!‬
‫ب ك ُّلما ‪... ...‬‬
‫ي وَِقرنا ً ل ُيغال َ ُ‬
‫َفما ل ِ َ‬
‫َ‬
‫من وََرآِئيا‬
‫ت أمامي جاَءني ِ‬
‫مَنع ُ‬
‫َ‬
‫)‪ (9‬املئي قلبك بحب الله‪:‬‬
‫در الله أن المرء مع من‬
‫محبة الله هي البلسم الشافي لكل جراحناوقد ق ّ‬
‫أحب يوم القيامة‪...‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ب عن نفسه متص ٌ‬
‫ل بذكر ربه‬
‫والمحبة عندما سئل عنها الجنيد؟ قال‪ :‬عبد ٌ ذاه ٌ‬
‫م بأداء حقوقهناظٌر إليه بقلبه فإن تكلم فبالله وإن نطق فعن الله وإن‬
‫قائ ٌ‬
‫تحّرك فبأمر الله وإن سكن فمع الله فهو باللهولله ومع الله!!!‬
‫ولن الرجل هو صاحب السلطة والكلمة الخيرة إذ إن من كمال رجولته أن‬
‫ة للزوجة وحفظا ً لماء وجهها!!‬
‫يقدم بعض التنازلت!!! صيان ً‬
‫فله أقول‪:‬‬
‫)‪ (1‬لتلتمس العثرات‪:‬‬
‫ما أجمل أن يذكر كل من الزوجين صاحبه بالخير‪ .‬ول يبدي هفواته وسقطاته‬
‫للخرين ولو كانوا من أقرب الناس إليه!!‬
‫وب النسائي" باب النهي عن التماس عثرات النساء" لحديث‪ :‬نهى‬
‫وقد ب ّ‬
‫رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬أن يطرق الرجل أهله لي ً‬
‫ونهم أو‬
‫ل‪ .‬أن يتخ ّ‬
‫يلتمس عثراتهم" رواه البخارى ‪5243‬‬
‫وهذا من تمام الرجولة في حق الزوج ومن تمام العقل في حق الزوجة!!‬
‫حّتى َ‬
‫ه ‪... ...‬‬
‫ضيم ِ َ‬
‫دني ِبال َ‬
‫م َ‬
‫شكوت ُ ُ‬
‫ت َعَ ّ‬
‫ُ‬
‫كيا‬
‫س شا ِ‬
‫دم ِ‬
‫من َيشك ل َيع َ‬
‫وَ َ‬
‫م َ‬
‫ن النا ِ‬
‫)‪(2‬لتمعن فى القسوة‪:‬‬
‫ففى الطلق نفسه من اللم ما يكفى المرأة ويجرحها!!!فيا حبذا لو تنازل‬
‫الرجل عن بعض المور ووضع نصب عينيه معاناتها المكبوتة!!‬
‫وصرخاتها المخنوقة!!‬

‫‪124‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ويمضي قدما ً دون وضع العراقيل أو محاولت التشفي!!‬
‫ول أشك أن في هذه الحادثة شيء من القسوة عندما طلقت والدة الحجاج‬
‫ت‬
‫بعث زوجها لها من يبلغها على أل ّ يتعدى كلمتين!!!فقال لها الرسول‪ :‬كن ِ‬
‫ت؟‬
‫فِبن ِ‬
‫فردت ‪ُ :‬‬
‫كنا فما حمدنا!!‬
‫وِبنا فما ندمنا!!!‬
‫وإنه لفرق واضح بين فعل الحسن بن علي عندما طلق زوجته الخثعمية؛ إذ‬
‫بعث لها مبلغا ً كبيرا ً من المال تطييبا ً لخاطرها فقالت‪ :‬متاعُ قليل من زوج‬
‫ق!!‬
‫مفار ّ‬
‫)‪(3‬لتنسيا اليام الجميلة‪:‬‬
‫صاتوانطلقت الهات‪ ....‬ليمنع أن نذكر اليام الجميلة‬
‫حتى إذا ت ُ ُ‬
‫جّرعت الغ ّ‬
‫واللحظات الهانئة‪.....‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ول شك إن لتذكرها بلسما شافيا لجراحنا ‪..‬مما يخفف من وطأة المعاناة!!!!‬
‫)‪ (4‬أنفق على عيالك‪:‬‬
‫تبقى مسألة النفقة الورقة الرابحة في يد الزوج بعد الطلق وكثير من‬
‫ي يد الزوجة وإذللها!!‬
‫الزواج يستخدمها لل ّ‬
‫دهم جزءا ً منه‬
‫ويع‬
‫بل‬
‫المشكلة‬
‫عن‬
‫أبنائه‬
‫يفصل‬
‫الذي‬
‫والزوج العاقل هو‬
‫ّ‬
‫وإنفاقه عليهم كإنفاقه على نفسه!!‬
‫ورحم الله أيوب السختياني العالم الرباني الذي قال لتلمذته‪ :‬لو أعلم أن‬
‫أبنائي يحتاجون إلى بقلة ما جلست معكم ساعة!!‬
‫)‪ (5‬كن فتيًا‪:‬‬
‫الفتوة ‪ :‬هى فضيلة تأتيها ول ترى نفسك فيها!‬
‫وقد سئل المام أحمد عن الفتوة؟ فقال‪ :‬ترك ما تهوى لما تخشى!‬
‫ومن مظاهرها‪ :‬ترك الخصومة والتغافل عن الزلة ونسيان الذية‪.‬‬
‫ينسى صنائعه والله يظهرها ‪... ...‬‬
‫إن الجميل إذا أخفيته ظهرا‬
‫)‪(2 /‬‬
‫للعيد فرحة فلتقتلوها!‬
‫د‪ .‬عبد الوهاب الناصر الطريري ‪30/9/1424‬‬
‫‪24/11/2003‬‬
‫للعيد فرحة ‪ ،‬فرحة بفضل الله ورحمته ‪ ،‬وكريم إنعامه ‪ ،‬ووافر عطائه ‪،‬‬
‫فرحة بالهداية يوم ضلت فئام من البشر عن صراط الله المستقيم ‪ ،‬يجمع‬
‫العيد ُ المسلم بإخوانه المسلمين ‪ ،‬فيحس بعمق انتمائه لهذه المة ولهذا‬
‫دة ولتكبروا‬
‫الدين ‪ ،‬فيفرح بفضل الله الذي هداه يوم ضل غيره "ولتكملوا الع ّ‬
‫الله على ما هداكم"‪.‬‬
‫ن وأفضل من أن الله هدانا للسلم فلم يجعلنا‬
‫ن أم ّ‬
‫أيّ نعمةٍ أعظم ‪ ،‬وأيّ م ّ‬
‫مشركين نجثو عند أصنام ‪ ،‬ول يهود نغدو إلى بيعة‪ ،‬ول نصارى نروح إلى‬
‫كنيسة ‪ ،‬وإنما اجتبانا على ملة أبينا إبراهيم ودين نبينا محمد ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم –"هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم‬
‫هو سماكم المسلمين"‪.‬‬
‫ح‬
‫وللعيد فرحة ببلوغ شهر رمضان يوم تصّرمت أعماٌر عن بلوغه ‪ ،‬وفر ٌ‬
‫بتوفيق الله وعونه على ما يسر من طاعته ‪ ،‬فقد كانت تلك اليام الغّر‬
‫‪125‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هر متنزل الرحمات والنفحات ‪ ،‬اصطفت فيها جموع المسلمين‬
‫والليالي الّز ْ‬
‫ً‬
‫في سب ٍْح طويل ُتقطعُ الليل تسبيحا وقرآنا ‪ ،‬فكم تلجلجت الدعوات في‬
‫الحناجر ‪ ،‬وترقرقت الدموع في المحاجر ‪ ،‬وشفت النفوس ورقت حتى كأنما‬
‫يعرج بها إلى السماء تعيش مع الملئكة ‪ ،‬وتنظر إلى الجنة والنار رأي عين ‪،‬‬
‫حقّ لتلك النفوس أن تفرح‬
‫في نعمة ونعيم ل يعرف مذاقها إل من ذاقها ‪ .‬ف ُ‬
‫بعد ُ بنعمة الله بهذا الفيض اليماني الغامر ‪.‬‬
‫وللعيد فرحة بإكمال العدة واستيفاء الشهر ‪ ،‬وبلوغ يوم الفطر بعد إتمام‬
‫شهر الصوم‪ ،‬فلله الحمد على ما وهب وأعطى ‪ ،‬وامتن وأكرم ‪ ،‬ولله الحمد‬
‫على فضله العميم ورحمته الواسعة "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك‬
‫فيلفرحوا هو خير مما يجمعون"‪.‬‬
‫فهذا العيد موسم الفضل والرحمة ؛ وبهما يكون الفرح ويظهر السرور ‪ ،‬قال‬
‫العلماء‪" :‬إظهار السرور في العياد من شعار الدين"‪ ،‬و َ‬
‫شرع النبي ‪ -‬صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ -‬وتقريره إظهار الفرح وإعلن السرور في العياد ‪ ،‬قال أنس‬
‫رضي الله عنه ‪" :‬قدم رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬المدينة ولهم‬
‫يومان يلعبون فيهما ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن الله أبدلكم بهما خيرا ً منهما ‪ :‬يوم الضحى‬
‫ويوم الفطر"‪.‬‬
‫ففيه دليل على أن إظهار السرور في العيدين مندوب ‪ ،‬وأن ذلك من‬
‫الشريعة التي شرعها الله لعباده ؛ إذ في إبدال عيد الجاهلية بالعيدين‬
‫المذكورين دللة على أنه يفعل في العيدين المشروعين ما يفعله أهل‬
‫الجاهلية في أعيادهم من اللعب مما ليس بمحظور ؛ لن النبي ‪ -‬صلى الله‬
‫عليه وسلم – إنما خالفهم في تعيين الوقتين" ‪.‬‬
‫ي رسول الله ‪-‬‬
‫ويبين هذا خبر عائشة ‪ -‬رضى الله عنها قالت ‪" :‬دخل عل ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغّنيان بدّفين بغناء ُبعاث ‪ ،‬فاضطجع‬
‫جى بثوبه ‪ ،‬وحول وجهه إلى الجدار ‪ ،‬وجاء أبو بكر‬
‫على الفراش ‪ ،‬وتس ّ‬
‫فانتهرهما ‪ ،‬وقال ‪ :‬مزمارة الشيطان عند النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪، -‬‬
‫فكشف النبي وجهه ‪ ،‬وأقبل على أبي بكر ‪ ،‬وقال ‪ :‬دعهما ‪ ،‬يا أبا بكر إن لكل‬
‫قوم ٍ عيدا ً وهذا عيدنا"‪.‬‬
‫ومن مشاهد السرور بالعيد بين يدي النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬ما فعله‬
‫الحبشة ‪ ،‬حيث اجتمعوا في المسجد يرقصون بالدرق والحراب ‪ ،‬واجتمع‬
‫معهم الصبيان حتى علت أصواتهم ‪ ،‬فسمعهم النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫مْيراء أتحبين أن تنظري إليهم ‪ ،‬قالت ‪:‬‬
‫فنظر إليهم ‪ ،‬ثم قال لعائشة ‪" :‬يا ُ‬
‫ح َ‬
‫نعم ‪ ،‬فأقامها ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وراءه خدها على خده يسترها ‪ ،‬وهي‬
‫تنظر إليهم ‪ ،‬والرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يغريهم ‪ ،‬ويقول ‪ :‬دونكم يا‬
‫بني أرفدة ‪ ،‬لتعلم يهود أن في ديننا فسحة ‪ ،‬إني بعثت بالحنيفية السمحة" ‪.‬‬
‫فهذه مشاهد الفرح بالعيد ومظاهر السرور والبهجة تقام بين يدي النبي ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬فيقرها ويحتفي بها ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ولكنك تعجب لتجاوز هذا الهدي النبوي المنير عند من يحاولون قتل أفراح‬
‫العيد‪ ،‬والتضييق على مشاعر الناس‪ ،‬وكان ذلك يصدر في السابق من بعض‬
‫هاد والعُّباد‪ ،‬فروي عن بعضهم أنه رأى قوما ً يضحكون في يوم عيد ‪،‬‬
‫الُز ّ‬
‫قب ّ َ‬
‫ل منهم صيامهم فما هو فعل الشاكرين ‪ ،‬وإن كانوا‬
‫فقال ‪" :‬إن كان هؤلء ت ُ ُ‬
‫قب ّ ْ‬
‫ل منهم فما هذا فعل الخائفين"‪ ،‬وكان بعضهم يظهر عليه الحزن يوم‬
‫لم ي ُت َ َ‬

‫‪126‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العيد ‪ ،‬فيقال له ‪ :‬إنه يوم فرح وسرور ‪ ،‬فيقول ‪ :‬إنه ل يدري هل قُب ِ َ‬
‫ل صومه‬
‫هاد عن حسن‬
‫أم ل ؟ )لطائف المعارف ‪ ، (376‬ولئن صدر هذا من عُّباد وُز ّ‬
‫ً‬
‫نية ‪ ،‬فإن مثله يصدر اليوم من بعض الغيورين وعن حسن نيةٍ أيضا ‪ ،‬فيجعلون‬
‫العياد مواسم لفتح الجراحات‪ ،‬والّنواح على مآسي المسلمين‪ ،‬وتعداد‬
‫مصائبهم‪ ،‬والتوجع لما يحل بهم‪ ،‬ويذكرونك بأن صلح الدين لم يبتسم حتى‬
‫ت بيت المقدس ‪ ،‬وينسون قوله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬ممتنا ً على عباده "وأنه هو‬
‫فُِتح ْ‬
‫ل‪ ،‬ولكل مناسبة حا ً‬
‫أضحك وأبكى"‪ ،‬ويتناسون أن لكل مقام مقا ً‬
‫ل‪ ،‬وأن مآسي‬
‫مّرة لخطايانا وأخطائنا )قل هو من عند أنفسكم(‪ ،‬ولن يكون‬
‫المسلمين ثمار ُ‬
‫علجها بالوجوم والتحازن‪ ،‬ولكن بالرأي السديد والعمل الرشيد‪ ،‬والشجاعة‬
‫فعنا‬
‫أمام الخطأ‪ ،‬ولو أنا قتلنا كل فرحة‪ ،‬وأطفأنا كل بسمة‪ ،‬ولبسنا الحزن‪ ،‬وتل ّ‬
‫وعة‪ ،‬ول أغثنا لهفة‪،‬‬
‫بالغم‪ ،‬وتدرعنا بالهم ما حّررنا بذلك شبرًا‪ ،‬ول أشبعنا ج ْ‬
‫وإنما وضعنا ضغثا ً على إبالة ‪.‬‬
‫وإن خير الهدي هدي محمد ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وقد كان يستعيذ بالله‬
‫من الهم والحَزن ‪ ،‬يعجبه الفأل‪ ،‬دائم البشر‪ ،‬كثير التبسم ‪.‬‬
‫ب أحبطها‬
‫إننا بحاجة إلى أن نجعل من هذا العيد فرصة لدفق المل في قلو ٍ‬
‫دت مظاهر اليأس في صور شتى ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫اليأس‪ ،‬وأحاط بها القنوط ‪ ،‬وتب ّ‬
‫سرعة تصديق كواذب الخبار‪ ،‬ورواية أضغاث الحلم ‪ ،‬وقتل الوقات في‬
‫ن تروى على شكل أخبار من مصادر موهومة‬
‫رواية الشاعات ‪ ،‬والتي هي أما ٍ‬
‫تسمى موثوقة ‪ .‬وهكذا في سلسلة من الشكالت التي تدل على التخبط‬
‫بحثا ً عن بصيص أمل في ظلمة اليأس ‪.‬‬
‫ملوا ما يسركم ‪ ،‬فُعمر السلم أطول من‬
‫فيا أمة السلم ‪ ،‬أبشروا وأ ّ‬
‫أعمارنا ‪ ،‬وآفاق السلم أوسع من أوطاننا ‪ ،‬وليست المصائب ضربة لزب ‪ ،‬ل‬
‫ت فتحوا مكة ‪،‬‬
‫سنّيا ٍ‬
‫تحول ول تزول‪ ،‬فقد حصر المسلمون في الخندق ‪ ،‬وبعد ُ‬
‫وسقطت بغداد ‪ ،‬ثم بعد نحو قرنين فُِتحت القسطنطينية ‪ ،‬والله – عز وجل ‪-‬‬
‫ول سننه لهوائنا‪ ،‬فسنن الله لتحابي أحدًا‪ ،‬ولنتذكر‬
‫ل يعجل لعجلتنا ‪ ،‬ول تتح ّ‬
‫في هذا العيد ما أبقى الله لنا من خير‪ ،‬وما تطول به علينا من فضل‪ ،‬قطعت‬
‫رجل عروة بن الزبير ومات ولده فقال‪ " :‬اللهم إنك أخذت عضوا ً وأبقيت‬
‫أعضاًء‪ ،‬وأخذت ابنا ً وأبقيت أبناًء فلك الحمد‪ ،‬ونحن نقول‪ :‬لئن حلت بنا محن‬
‫فقد أبقى الله لنا منحًا‪ ،‬ولئن أصابتنا نقم فقد أبقى الله لنا نعما ً " وإن تعدوا‬
‫نعم الله لتحصوها"‪ ،‬ونحن أحوج ما نكون إلى أمل يدفع إلى عمل ‪ ،‬وفأل‬
‫ينتج إنجازا ً ‪ ،‬أما المهموم المحزون فهو غارق في آلمه ‪ ،‬متعثر في أحزانه ‪،‬‬
‫مدفون في هموم يومه ‪ ،‬ل يرجو خيرا ً ول يأتي بخير ‪ ،‬والله غالب على أمره‬
‫ن أكثر الناس ل يعلمون‬
‫ولك ّ‬
‫)‪(2 /‬‬
‫للمسلمين حقّ مشهود ولليهود باطل مردود‬
‫بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي‬
‫إن الحداث الخيرة التي تدور على أرض فلسطين ‪ ،‬وما يدور على صفحات‬
‫مل فيما‬
‫بعض الصحف والمجلت من آراء متضاربة ‪ ،‬تدفع النسان إلى التأ ّ‬
‫يجري اليوم ‪ ،‬وإلى استرجاع بعض أحداث الماضي في قضية فلسطين ‪،‬‬
‫رح من أفكار وآراء ‪،‬‬
‫وإلى جذور المشكلة ‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫م إلى الرد ّ على بعض ما ط ُ ِ‬
‫ومناقشتها من خلل الحقائق ل الظنون ‪ ،‬ومن خلل ميزان حقّ ل اضطراب‬
‫فيه ‪:‬‬

‫‪127‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ _1‬استغلل الشعار الديني لتسويغ ادعاء باطل وعدوان ظالم إجرامي ‪:‬‬
‫قهم الديني في فلسطين ‪ ،‬واستغلل هذا‬
‫مما يستوقف النظر ادعاء اليهود بح ّ‬
‫الشعار منذ عهد ليس بالقصير لتجميع اليهود حوله ‪ .‬ولكن قادة اليهود اليوم‬
‫ي في حياتهم ‪،‬‬
‫هم من أبعد الناس عن أيّ ت ّ‬
‫ي ‪ ،‬أو سلوك دين ّ‬
‫صور دين ّ‬
‫وسياستهم واقتصادهم ‪ ،‬ومختلف نواحي نشاطهم ‪ .‬إنهم علمانيون ‪ ،‬قدموا‬
‫من دول علمانية غربّية أو اشتراكية أو شيوعية ‪ .‬وك ّ‬
‫ل ما لديهم اليوم حزب‬
‫ُ‬
‫دين وسيلة خادعة‬
‫ديني أمام أحزاب أخرى غير دينية ‪ .‬فما بال هؤلء اتخذوا ال ّ‬
‫دقها‬
‫لتسويغ ادعاء باطل ؟! إنهم ُيس ّ‬
‫خرون العلم كّله للدعاية الكاذبة حتى ص ّ‬
‫ي ‪ ،‬وادعى تصديقها المجرمون من‬
‫الكثيرون من عامة الناس في العالم الغرب ّ‬
‫أصحاب المطامع والمصالح الظالمة ‪.‬‬
‫‪ _2‬التناقض الواضح في سياسة الدول العلمانية ‪:‬‬
‫ومما يلفت النظر التناقض الكبير في سياسة الدول العلمانية ‪ .‬ففي الوقت‬
‫ش ُ‬
‫دين في ُ‬
‫ؤون الدولة والمة ‪ ،‬نراهم هم‬
‫دعون فيه أنهم ل ي ُد ْ ِ‬
‫خلون ال ّ‬
‫الذي ي ّ‬
‫ولون الحركات التنصيرّية ‪ ،‬ويفتحون البواب لمؤتمراتها ‪ ،‬و ويغذونها‬
‫الذين ُيم ّ‬
‫بشتى الوسائل السّرّية والعلنّية ‪ .‬وأكثر من ذلك ‪ ،‬فقد جعلوا نشاط الحركات‬
‫التنصيرية بمختلف اتجاهاتها ومذاهبها تمهيدا ً لزحف الجيوش المعتدية في‬
‫شتى أنحاء الرض ‪ ،‬خلل فترة طويلة من تاريخ عدوانهم الظالم الممتد ‪،‬‬
‫وبصورة خاصة في عدوانهم الجرامي على العالم السلمي ‪ .‬إنه تناقض‬
‫ظاهر يضاف إلى ما نلقاه اليوم من تناقض في سياسة الدول العلمانّية‬
‫واليهود ‪ ،‬ومن اختلف الموازين والمكاييل ‪.‬‬
‫‪ _3‬من هم اليهود ؟! ومن هم النصارى ؟!‬
‫منذ أن ب ُِعث عيسى عليه السلم بدين السلم ‪ ،‬دين جميع النبياء والمرسلين‬
‫‪ ،‬والعلقات بين النصرانية واليهود عداء ممتد استمّر إلى عهد قريب ‪ ،‬وتمثل‬
‫في المجازر التي دارت في معظم الدول المنتمية إلى النصرانية ‪ .‬ولتوضيح‬
‫دقوه وآزروه كانوا‬
‫ذلك نقول إن الذين اتبعوا عيسى عليه السلم وص ّ‬
‫ً‬
‫مسلمين ‪ .‬والذين كفروا به وحاربوه وتآمروا عليه كانوا يهودا ‪:‬‬
‫س عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون‬
‫" فلما أح ّ‬
‫نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون " ] آل عمران ‪[52:‬‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫" يأّيها الذين أمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من‬
‫أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني‬
‫إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدّوهم فأصبحوا ظاهرين "‬
‫]الصف ‪[14:‬‬
‫فهاتان طائفتان من بني إسرائيل‪ :‬طائفة آمنت بعيسى عليه السلم وبرسالته‬
‫بدين السلم فكانوا مسلمين " ‪ ...‬واشهد بأن مسلمون ‪ ".‬وطائفة كفرت‬
‫وحاربت فكانوا يهودا ً ‪ .‬فلقد تآمروا على قتله حتى رفعه الله إليه ‪ .‬وامتد ّ‬
‫الصراع حتى العصر الحديث ‪ ،‬في تاريخ مليء بالصراع والمذابح ‪ .‬والنصارى‬
‫ب"‬
‫صل ِ َ‬
‫يؤمنون بأن اليهود الذين تآمروا على عيسى عليه السلم حتى " ُ‬
‫حسب ظّنهم ‪ .‬ولم يجد النصارى ول اليهود في تاريخهم أرحم ول أعدل ول‬
‫أصدق من السلم حين يحكم شرعه ومنهاجه ‪.‬‬
‫أما النصارى فهم الفئة التي انحرفت عن دين عيسى عليه السلم ‪ ،‬دين‬
‫السلم ‪ ،‬عندما اصطدموا بالوثنية في أوروبا ‪ ،‬فتأ َّثرت من خلل ذلك الطائفة‬
‫الغالّبة منهم بالوثنية ‪ ،‬ودخلوا في مساومات مع أباطرة الرومان ‪ ،‬فخرجوا‬
‫من ذلك بنظرية التثليث ‪ ،‬وُأبيدت الفئة التي ظلت متمسكة بأن عيسى عليه‬
‫‪128‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السلم رسول الله ‪ ،‬وليس أبنا ً لله ول هو الله سبحانه وتعالى عما يشركون ‪.‬‬
‫واستمّر الصراع بين النصرانّية واليهود في عداء مستمّر ومجازر ممتدة من‬
‫دة الصراع تآمر اليهود‬
‫إسبانيا إلى غيرها من دول أوروبا ‪ .‬وزاد من ح ّ‬
‫المستمّر على البلد الذي يؤويهم وخيانتهم الممتدة لكل من يعينهم ‪ ،‬حتى‬
‫ة ظاهرة في تاريخ اليهود برز في علقتهم مع فارس ‪،‬‬
‫أصبح هذا السلوك سم ً‬
‫ومع بابل ‪ ،‬ومع اليونان والرومان وغيرهم ‪.‬‬
‫‪ _4‬التقاء النصرانية واليهود اليوم في جبهة واحدة ‪:‬‬
‫ً‬
‫دة ‪ ،‬فما‬
‫إذا كان هذا هو تاريخ العلقات بين اليهود والنصارى قرونا طويلة ممت ّ‬
‫الذي حدث اليوم حتى َأصبحوا جبهة واحدة !‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ن جذور الديانتين واحدة في التوراة‬
‫ي وأ ّ‬
‫ن البعض أن سبب التلقي دين ّ‬
‫قد يظ ّ‬
‫والنجيل ‪ .‬ولو كان هذا هو السبب ‪ ،‬لكان اللقاء قد ّتم منذ عهد بعيد ‪ .‬ولو‬
‫كان هذا هو السبب لظهر لنا تمسك كل طائفة منهم بالدّين ومعانيه ولقّروه‬
‫في مجتمعاتهم ‪ .‬ولكن الدول الغربية أعلنت كلها عن نفسها أنها دول علمانّية‬
‫‪ ،‬واليهود أصبحوا علمانيين بظهور الحركة الصهيونية وغيرها ‪ ،‬ولم يكن هذا‬
‫دين كلما دعت المصالح الدنيوية إلى‬
‫يمنع كّل ً من الطائفتين من استغلل ال ّ‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫فاللقاء الظاهر اليوم بين النصارى و اليهود ‪ ،‬وإن حمل بعض المظاهر الدينية‬
‫أحيانا ً ‪ ،‬إل أنه ليس لقاًء دينيا ً ‪ .‬ونعتقد أن الذي جمع هذين الطرفين ‪ ،‬وهم‬
‫علمانيون ‪ ،‬وجود هدف علماني مشترك بينهما ‪.‬‬
‫إن الدول الغربية أعلنت دائما ً أن مصالحها القتصادية هي محور سياستها‬
‫دة في ثروا ت ا ُ‬
‫لمم‬
‫كلها ‪ .‬وهذه المصالح تمّثلت في أطماعهم الممت ّ‬
‫والشعوب ‪ ،‬وبخاصة ثروات العالم السلمي ‪ .‬ولقد وجدوا من خبراتهم خلل‬
‫القرون الطويلة أن السلم الذي ُأنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ‪،‬‬
‫ن أتباعه الصادقين الملتزمين بهذا الدين ‪ ،‬هم العقبة الكأداء أمام استغلل‬
‫وأ ّ‬
‫تلك الثروات ونهبها ونقلها إلى ديارهم ‪ .‬فماذا حدث في الهند وإندونيسيا‬
‫ي على ذلك فما هدأت‬
‫والعالم العربي وشمال أفريقيا ووسطها ‪ ،‬مثل جل ّ‬
‫المقاومة أبدا ً في بلد المسلمين منذ أن بدأ الغزو والعدوان الظالم ‪ .‬فإن‬
‫قدة في النفوس ‪.‬‬
‫هدأت حينا ً فإنها تعود و تشتعل ‪ ،‬ما دامت جذوة اليمان مت ّ ِ‬
‫ن حقائق هذا الدين العظيم ل تسمح بالمساومة ول التنازل ‪ ،‬ول‬
‫ووجدوا أ ّ‬
‫تسمح بالظلم والعدوان ‪ .‬فوجدوا مع طول الخبرة أنه ل مجال أمامهم إل‬
‫إزاحة السلم عن طريقهم ‪ ،‬وفتنة أبنائه بكل وسائل الفتنة والتخدير ‪،‬‬
‫وتجريد العالم السلمي من أسباب القوة الحقيقّية ‪ .‬فوضعوا خططهم لذلك‬
‫كيدا ً ومكرا ً ‪ ،‬وحقدا ً يخفونه حينا ً ويكشفونه حينا ً ‪ ،‬والتقت الطماع والمصالح‬
‫الدنيوية بين النصرانية العلمانّية واليهود العلمانيين ‪ ،‬وما كان ليع ّ‬
‫طل هذا‬
‫ي وجود منتسبين إلى السلم على ضعف وقلة إعداد‬
‫اللقاء العلمان ّ‬
‫واستعداد ‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ولقد َأبرز هذا اللقاُء العلماني تعاونا وثيقا حمل الحقد الذي يختفي في مرحلة‬
‫جر كلما ملكوا القوة ذبحا ً‬
‫ول إلى أساليب الرضاء بالفواه ‪ ،‬ثم يتف ّ‬
‫‪ ،‬ويتح ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ومجازر وتقتيل وتدميرا ‪:‬‬
‫" كيف إن يظهروا عليكم ل يرقبوا فيكم إل ول ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى‬
‫قلوبهم وأكثرهم فاسقون ‪ ] " .‬التوبة ‪[ 8:‬‬

‫‪129‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إن المطامع الدنيوّية وأهواءها دفعتهم إلى تحريف ما ُأنزل من عند الله ‪،‬‬
‫فحّرفوا التوراة وحّرفوا النجيل ‪ ،‬واشتروا بآيات الله ثمنا ً قليل ً ‪:‬‬
‫دوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ‪".‬‬
‫" اشتروا بآيات الله ثمنا ً قليل ً فص ّ‬
‫] التوبة ‪[9:‬‬
‫جر حقدهم‬
‫فكلما هاجت المطامع ‪ ،‬وهي هائجة دائما ً ‪ ،‬وكّلما ملكوا قوة تف ّ‬
‫عدوانا ً ومكرا ً وكيدا ً ‪ ،‬إنهم دائما ً هم المعتدون الظالمون ‪:‬‬
‫مة وأولئك هم المعتدون " ] التوبة ‪[ 10:‬‬
‫" ل يرقبون في مؤمن إل ً ول ذ ّ‬
‫ولقد تمّثل هذا العدوان والمكر في مواقع كثيرة من العالم السلمي ‪ ،‬وبرز‬
‫بوجهه الكالح وإجرامه المرّوع في فلسطين ‪ .‬واللحظات الحالية ‪ ،‬وما يدور‬
‫فيها من أحداث تمّثل أبشع تمثيل هذا الوجه الكالح ‪.‬‬
‫ويتحدث نيكسون عن دولة اليهود بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في‬
‫ن من بركات السياسة المريكية ضمان بقاء إسرائيل )‪. (1‬‬
‫المنطقة ‪ ،‬وبأ ّ‬
‫ويتحدث عن دولة اليهود في أكثر من مكان في كتبه الثلثة الخيرة ‪ ،‬ويبين‬
‫أن العلقة معها ل تقف عند حدود المعاهدة أو العطف ‪ ،‬ولكنها تمثل عمقا ً‬
‫في الستراتيجية المريكية وحمايتها ‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫)‪ (1‬نصر بل حرب ‪. 292 :‬‬
‫ويقول في مكان آخر إن محور علقات أمريكا مع ألمانيا وأوروبا وآسيا‬
‫والعالم كله هو مصالح أمريكا القتصادية ‪ ،‬وعلى العالم كله أن يخدم مصالح‬
‫أمريكا ‪(1) .‬‬
‫حق القيم ‪،‬‬
‫ومن خلل ممارسة هذا الدعم لدولة اليهود ‪ ،‬نرى كيف ُتس َ‬
‫حق النسان ‪ ،‬وتضطرب كل المكاييل ‪ ،‬إل مكيال ً واحدا ً هو " على العالم‬
‫وُيس َ‬
‫كله أن يخدم مصلحة أمريكا " ‪.‬‬
‫ويؤكد هذا المبدأ الجرامي قول نيكسون ‪ " :‬إن منطلق أمريكا يجب أن‬
‫يكون الحرص على حماية مصالحها بعيدا ً عن المثل واليديولوجيات ‪".‬‬
‫ولذلك منذ أن قامت دولة اليهود سنة ‪1948‬م ‪ ،‬توالت تصريحات وزراء‬
‫الخارجّية في دول أوروبا وأمريكا ‪ ،‬وتصريحات مسؤولين آخرين ‪ ،‬كلها‬
‫تقول ‪ " :‬إسرائيل وجدت لتبقى " !‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ت اليهود إلى فلسطين بقوتهم وحدهم ‪ .‬ولكنهم أتوا بهذا الدعم الكبير‬
‫ولم يأ ِ‬
‫من جميع دول أوروبا النصرانّية باختلف مذاهبها ومن أمريكا ومن دول أخرى‬
‫‪ .‬وذلك وفق مخطط مدروس التزمه سفراء تلك الدول في دولة الخلفة‬
‫السلمية ‪ ،‬الدولة التي قاومت هذا المخطط ‪ ،‬فكانت نتيجة المقاومة اعتقال‬
‫الخليفة عبد الحميد الثاني ونفيه ‪ ،‬ثم تمزيق العالم السلمي بجهود ساهم‬
‫فيها بعض المسلمين ‪ ،‬ثم إسقاط الخلفة السلمية على يد مصطفى كمال‬
‫أتاثورك ‪.‬‬
‫‪ _5‬لمن فلسطين ؟! وهل لليهود حق فيها ؟! )‪(2‬‬
‫إن فلسطين كلها حق للسلم فقط ‪ ،‬وللمسلمين ‪ .‬وهي أمانة في أعناقهم‬
‫ضل جنسا ً‬
‫إلى يوم القيامة سيحاسبون عليها ‪ .‬إن الله سبحانه وتعالى ل يف ّ‬
‫عل جنس ول دما ً على دم ‪ ،‬وإنما هي التقوى تتفاضل فيها الشعوب عند‬
‫الله ‪ ،‬والله بعث جميع الرسل والنبياء بدين واحد هو السلم ‪ .‬وبعث في ك ّ‬
‫ل‬
‫ُ‬
‫مة رسول ً يبّلغ رسالة رّبه ‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫‪130‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫)‪ (1‬اغتنام اللحظة لنيكسون ‪ ،‬الشرق الوسط في نشرها حلقات من الكتاب‬
‫ابتدأت في ‪19/12/1991‬م ‪.‬‬
‫)‪ (2‬يراجع كتاب ‪ " :‬فلسطين بين المنهاج الرّباني والواقع " ‪ ،‬و "ملحمة‬
‫فلسطين " و " ملحمة القصى" و" على أبواب القدس " للمؤلف ‪.‬‬
‫دين السلم ‪ .‬فلم يبعث الله أحدا ً ليدعوَ إلى جنس أو دم أو عصبية ‪ ،‬وإنما‬
‫ي‪:‬‬
‫بعثهم ليدعوا إلى التوحيد الخالص النق ّ‬
‫" ولقد بعثنا في ك ّ ُ‬
‫مة رسول ً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ‪] " ...‬النحل‬
‫لأ ّ‬
‫‪[36:‬‬
‫لقد كان جميع الرسل ومن اتبعهم مسلمين ‪ .‬فهذا إبراهيم وإسماعيل عليهما‬
‫السلم يدعوان ربهما الله ‪:‬‬
‫" رّبنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ‪ ] "...‬البقرة ‪[128 :‬‬
‫" قولوا آمنا بما ُأنزل إلينا وما ُأنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب‬
‫والسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم ل نفّرق بين‬
‫أحد منهم ونحن له مسلمون ‪ ] ".‬البقرة ‪[136 :‬‬
‫وكذلك مع موسى عليه السلم ‪:‬‬
‫"وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين"‬
‫] يونس‪[84:‬‬
‫ولقد سبق ذكر اليات الكريمة التي تنص على أن عيسى عليه السلم كان‬
‫مسلما ً وأن الذين اتبعوه كانوا مسلمين ‪ .‬فالّرب واحد هو الله الذي ل إله إل‬
‫دين واحد هو السلم ‪ ،‬ل يقبل الله من أحد غيره ‪:‬‬
‫هو ‪ ،‬وال ّ‬
‫" إن الدين عند الله السلم وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إل ّ من بعد ما‬
‫م بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب " ] آل‬
‫جاءهم العل ُ‬
‫عمران ‪[19:‬‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫ً‬
‫" ومن يبتِغ غير السلم دينا فلن ُيقبل منه وهو في الخرة من الخاسرين "‬
‫] آل عمران ‪[ 85:‬‬
‫ي بعده ‪ .‬فإن لم يؤمنوا فهم في ميزان‬
‫ي يجب أن يؤمنوا بالنب ّ‬
‫وأتباع كل ن َب ِ ّ‬
‫لله كافرون فيمتد ّ المسلمون مع التاريخ أمة واحدة تؤمن بالرسل كلهم‬
‫وبخاتم النبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ‪.‬‬
‫فجميع النبياء الذين دخلوا فلسطين ‪ ،‬دخلوا مسلمين باسم السلم يدعون‬
‫إلى السلم ويحكمون بالسلم ‪ ،‬وجميع النبياء والمرسلين على عهد مع الله‬
‫ي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم ‪.‬‬
‫أن يؤمنوا هم وأتباعهم بالنب ّ‬
‫م جاءكم رسول‬
‫" وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ث ّ‬
‫دق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري‬
‫مص ّ‬
‫قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ‪ ] ".‬آل عمران ‪[81 :‬‬
‫م محمد صلى الله عليه وسلم النبياء والمرسلين في المسجد القصى‬
‫ولقد أ ّ‬
‫ُ‬
‫يوم أن أسري به ‪ ،‬وجعل الله بذلك الدين والرض أمانة في عنق المسلمين‬
‫إلى يوم القيامة ‪ ،‬يحاسبون عليها ‪ .‬ففلسطين كلها شبرا ً شبرا ً ملك‬
‫المسلمين ‪ ،‬ملك للسلم ‪ ،‬ل حقّ لحد أن ينازعهم فيها أبدا ً ‪.‬‬
‫ولقد نشرت بعض الصحف بعض الراء حول ما أسموه الخلف على‬
‫دسات القصى ‪ :‬الحائط والصخرة والمسجد ‪ .‬والحق يأتي من عند الله ‪.‬‬
‫مق ّ‬
‫دساتها حق للمسلمين أبد الدهر ‪ .‬وإن‬
‫فكما ذكرنا ‪ ،‬ففلسطين كلها بجميع مق ّ‬
‫اّدعى اليهود بأن لهم حقا ً في فلسطين ‪ ،‬فهو افتراٌء على الله واّدعاء باطل ‪.‬‬
‫‪131‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فليس لليهود حقّ في أي شيء في فلسطين ‪ ،‬إل بالباطل الذي يدعمه‬
‫العلم ‪ ،‬وما يذكرونه من كتبهم المحّرفة ‪ .‬فالمسجد القصى كله بحائطه‬
‫دسات فلسطين ‪ .‬ويقول بعضهم‬
‫وصخرته ومسجده هو للسلم مع سائر مق ّ‬
‫إننا يجب أن نخاطب العالم بما يمكن أن يقبلوه ‪ ،‬ونبّين حقّ اليهود حتى‬
‫مع كلمنا ‪ .‬فأيّ حقّ لهم ؟! وبأي لغة نخاطب العالم ؟! أبغير ما خاطب به‬
‫يُ ْ‬
‫س َ‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم العالم كله ‪ ،‬وما خاطب به اليهود والنصارى ؟!‬
‫أن الله انزل كتابه لنخاطب به العالم كله ‪ ،‬ونخاطب به اليهود والنصارى ‪.‬‬
‫وأعجب كيف يخاطب اليهود العالم بآيات التوراة المحّرفة ليثبتوا باطلهم‬
‫المفترى ‪ ،‬ويترّدد المسلمون ول يخاطبون العالم بلغة القرآن ‪ ،‬الكتاب الوحيد‬
‫الذي لم ُيحّرف لدى البشرية ؟! إنه الحق كله ‪ ،‬ل يأتيه الباطل من بين يديه‬
‫ول من خلفه ‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫فللمسلمين في فلسطين حقّ مشهود ‪ ،‬ولليهود باطل مردود ‪ .‬وعلينا أن‬
‫نعلن ذلك باليات البّينات من كتاب الله ‪.‬‬
‫‪ _6‬هل هنالك مؤامرة ضد المسلمين ؟! ‪:‬‬
‫يعترض بعضهم حين ُيقا ُ‬
‫ن هناك مؤامرة ضد السلم والمسلمين ‪.‬‬
‫لإ ّ‬
‫سرون كل شيء بالمؤامرات ! كلمات‬
‫يعترضون ويقولون ‪ :‬أنتم تغالون وتف ّ‬
‫ن يسأل عن حجةٍ وبينة ‪ ،‬فتطمئن‬
‫عامة يطلقونها تترك أثرها في نفوس َ‬
‫م ْ‬
‫هذه النفوس إلى أنه ليس هناك مؤامرة أبدا ً ‪ .‬ثم يستيقظون على فاجعة بعد‬
‫فاجعة ‪ ،‬وهزيمة بعد هزيمة ‪ ،‬وقوارع بعد قوارع ‪ ،‬بين تدفق الدماء وتطاير‬
‫الشلء ‪.‬‬
‫سر ك ّ‬
‫سر المؤامرات‬
‫الحقيقة أنه ل ي ُ َ‬
‫ل شيء بالمؤامرات ‪ .‬ولكن ُتف ّ‬
‫ف ّ‬
‫بالمؤامرات حين تقوم الحجة والبّينة والواقع الذي يقنع ‪ .‬إذا لم يكن إخراج‬
‫أهل فلسطين من أرضهم وديارهم ‪ ،‬وإحضار اليهود من مختلف بقاع العالم‬
‫وإحللهم مكان أهل فلسطين ‪ ،‬وتشتيت أهل فلسطين في شتى أنحاء الرض‬
‫‪ ،‬تطردهم الرض بعد الرض ‪ ،‬إذا لم يكن هذا مؤامرة واضحة فكيف تكون‬
‫المؤامرة ؟! إذا لم يكن دعم أمريكا وأوروبا لليهود هذا الدعم الذي تخّلى عن‬
‫ك ّ‬
‫ل القيم وسحقها مؤامرة ‪ ،‬فماهي المؤامرة إذن ؟! إذا لم يكن ما يجري‬
‫في تيمور الشرقية مؤامرة فماهي المؤامرة إذا ً ؟! إذا لم يكن إسقاط‬
‫الخلفة السلمية مؤامرة فما هي المؤامرة إذا ً ؟! إذا لم يكن ما يجري في‬
‫كشمير والبوسنة والهرسك ‪ ،‬وإندونيسيا وغيرها من ديار المسلمين مؤامرة‬
‫فكيف تكون المؤامرة إذا ً ؟! إذا لم يكن ما جرى في الندلس ‪ ،‬في الحروب‬
‫الصليبية وغير ذلك من مؤامرة فكيف تكون المؤامرة !‬
‫إن تسلسل الحداث وترابطها وامتدادها ‪ ،‬وامتداد الطماع التي تتحقق ‪،‬‬
‫مد ‪ ،‬والجرائم المرّوعة ‪ ،‬لتشير بوضوح وجلء إلى المكر المبّيت‬
‫والفتك المتع ّ‬
‫والكيد المدّبر والمؤامرة التي يمسك بخيوطها المجرمون ويديرونها ‪.‬‬
‫ن الذين ل يشعرون بالمؤامرة والتآمر إما أن يكونوا نائمين غافلين غائبين ‪،‬‬
‫إ ّ‬
‫وإما أن يكونوا مشتركين في المؤامرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ‪،‬‬
‫ويريدون أن ي ُْبقوا الناس في غفلتهم ‪ ،‬ويصرفوهم عن اليقظة والوعي‬
‫والستعداد ‪ ،‬ويدفعوا عن أنفسهم التهمة والجريمة ‪.‬‬
‫المؤامرة تعني بإيجاز ‪ :‬مكر باطل وكيد ظالم وعدوان طاٍغ ‪ ،‬يمضي على‬
‫قق هدفه غير المعلن من ظلم واعتداء‬
‫خطة مدروسة ونهج مقّرر ‪ ،‬ليح ّ‬
‫‪132‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وإجرام !‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أو ليس الذي يجري في فلسطين مكرا وكيدا وعدوانا ‪ ،‬وأنه يمضي على نهج‬
‫وخطة؟! فكيف ل يكون مؤامرة وجريمة مرّوعة ‪.‬‬
‫لقد انطلق العلم منذ زمن يتهم المسلمين بالطائفية ‪ ،‬وهم بعيدون عن‬
‫الطائفية وغيرها وهو الذي يثير الطائفية ‪ ،‬حتى صار بعض المسلمين يخجل‬
‫من أن يثير قضية السلم ‪ ،‬أو شعار السلم حتى ل ي ُّتهم بالطائفية ‪ .‬ولكن‬
‫ظّلت الحركة التنصيرية عاملة سرا ً وجهارا ً دون أن ت ُّتهم بالطائفية ‪ ،‬ظّلت‬
‫تدعو إلى النصرانية وتكيد للسلم والمسلمين !‬
‫وي ُّتهم المسلمون اليوم بالرهاب لنهم يدافعون عن ديارهم وأعراضهم‬
‫وثرواتهم ‪ ،‬أما المجرمون المعتدون بالسلح المدمر ‪ ،‬المجرمون الذين‬
‫يبيدون اللف ومئات اللف فل يقال عنهم ِإنهم إرهابيون ‪.‬‬
‫إنها مؤامرة إجرامية بكل ما في كلمة مؤامرة من معنى ‪ ،‬تستغل العلم‬
‫قق أهدافها الجرامّية ‪.‬‬
‫دين لتح ّ‬
‫والدب والفكر وال ّ‬
‫عندما جاء اليهود إلى فلسطين أول مّرة زعموا أنهم يأتون للزيارة دون أن‬
‫م تحولت الزيارة إلى إقامة ‪ ،‬ثم إلى إقامة مستعمرات ‪،‬‬
‫يكون لهم أطماع ‪ .‬ث ّ‬
‫ّ‬
‫دة ‪ ،‬من سلح‬
‫دوا الع ّ‬
‫وتوالت الخطوات حتى كشروا عن أنيابهم ‪ ،‬بعد أن أع ّ‬
‫ي ‪ .‬مراحل متتالية تتم في غفلة من المسلمين ‪ ،‬أو‬
‫وإعلم واقتصاد ودعم دول ّ‬
‫شيء آخر أكبر من الغفلة ‪ .‬هذه هي المؤامرة في أبشع صورها من الكذب‬
‫والخداع ‪ ،‬والمكر والكيد ‪.‬‬
‫‪ _7‬الخلل في تخطيط المؤامرات عند اليهود ومن يواليهم ‪:‬‬
‫ّ‬
‫إنهم يظنون أن المر بيدهم وحدهم ‪ .‬وأنهم قادرون على تحقيق ما يخططون‬
‫له ‪ .‬وقد كشف نيكسون وغيره عن هذا الظن والوهم ‪ ،‬حين قال في كتاب‬
‫نصر بل حرب ‪ :‬ص‪ ": 335:‬نحن نقبض على ناصية المستقبل بأيدينا "‪ !:‬كبر‬
‫وغرور ليس بعده كبر أكبر ول غرور أض ّ‬
‫ن الله به‬
‫ل ‪ .‬ظنوا أن العلم الذي م ّ‬
‫عليهم ‪ ،‬والصناعة المتطورة التي بلغوها ‪ ،‬والتجوال في آفاق الفضاء البعيد ‪،‬‬
‫ف ليملكوا به ناصية المستقبل‬
‫والسلح المدمر الفتاك ‪ ،‬ظّنوا أن هذا كله كا ٍ‬
‫در كل شيء ‪ ،‬وأنه إذا أراد‬
‫وغاب عنهم أو تجاهلوا أن الله وحده هو الذي يق ّ‬
‫شيئا ً فإنما يقول له كن فيكون ‪ ،‬وأن ك ّ‬
‫دره الله يمضي على حكمة‬
‫ل ما يق ّ‬
‫ض ‪ ،‬سواء عرفنا الحكمة أو لم نعرفها ‪ ،‬وأن لله سننا ً ثابتة‬
‫بالغة وحقّ ما ٍ‬
‫ماضية في الكون كله ‪ .‬وأنه هو وحده يقبض على ناصية المستقبل كله !‬
‫)‪(4 /‬‬
‫ة لقوة تخطيطهم‬
‫فما يبلغه المجرمون الظالمون هو بقدر الله ‪ ،‬ل يكون نتيج ً‬
‫دعي النتساب إلى الحق والعدل وإلى دين الله ‪،‬‬
‫فحسب ولكن لغفلة من ي ّ‬
‫السلم ‪ ،‬ونتيجة لسنن الله الثابتة التي تمضي على هؤلء وهؤلء عدل ً منه‬
‫سبحانه وتعالى ‪ .‬فقد حّرم الله الظلم على نفسه وجعله محّرما ً بين الناس ‪.‬‬
‫ومن سنن الله الثابتة قوله سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫" وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ً بما كانوا يكسبون " ] النعام ‪[129 :‬‬
‫ومن السنن الثابتة أيضا ً ‪:‬‬
‫َ‬
‫" ولك ّ ُ‬
‫مة أجل فإذا جاء أجلهم ل يستأخرون ساعة ول يستقدمون "‬
‫لأ ّ‬
‫]العراف‪[34:‬‬
‫"‪ ...‬إنه ل يفلح الظالمون ‪ ] ".‬النعام ‪[ 135 :‬‬
‫"‪ ...‬إنه ل يفلح المجرمون ‪] ".‬يونس ‪[17 :‬‬

‫‪133‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫"‪ ...‬إنه ل يفلح الكافرون ‪ ] ".‬المؤمنون ‪[117:‬‬
‫ن الله عليهم به من أسباب بالقوة ‪ ،‬فسيأخذهم الله‬
‫فل ي ُغَّر هؤلء بما م ّ‬
‫بذنوبهم وتدول دولتهم وُيطوى عّزهم ‪ .‬ولكن على المسلمين في الوقت‬
‫نفسه َأن ينهضوا لما أمرهم الله ‪ ،‬وأن يتوبوا إلى الله ‪ ،‬فما نزل بنا هو ابتلء‬
‫ُ‬
‫من الله كذلك ‪ ،‬ليأخذ‬
‫ي هؤلء هو ابتلء ِ‬
‫من الله أو عقاب وتذكير ‪ ،‬وما أعط ِ َ‬
‫المجرمين بما كسبت أيديهم ‪.‬‬
‫ول يح ّ‬
‫ل للمسلمين أن يستكينوا ‪ ،‬فيقعدوا ول يحاسبوا أنفسهم ‪ ،‬ويكتفوا‬
‫بترديد البشرى التي جاءت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي‬
‫يرويه أبو هريرة ‪ ":‬ل تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ‪ .‬فيقتلهم‬
‫المسلمون ‪ ،‬حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشجر ‪ .‬فيقول الحجر أو‬
‫الشجر ‪ :‬يا مسلم ! يا عبد الله ! هذا يهوديّ خلفي فتعال فاقتله ‪ ،‬إل الغرقد‬
‫فإنه من شجر اليهود ‪](1)".‬رواه مسلم [‬
‫فسينال شرف تلك المعركة أولئك الذين يقومون بها في مقبل اليام ‪ ،‬وينالوا‬
‫أجرها وثوابها عند الله ‪ .‬وأما مسلمو اليوم فلهم أعمالهم ل أعمال من‬
‫سيأتون ‪ ،‬وهم‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫)‪ (1‬مسلم ‪52/18/2922 :‬‬
‫وغ للمسلم‬
‫محاسبون على ما ي ُ َ‬
‫فّرطون به اليوم ‪ .‬والحديث الشريف ل يس ّ‬
‫القعود والسترخاء ‪ ،‬ل اليوم ول في أي وقت ‪ ،‬لينتظر ُبشرى ذلك اليوم ‪.‬‬
‫والحديث الشريف ينبئ عن أمة مسلمة واحدة ‪ ...":‬حتى يقاتل المسلمون‬
‫اليهود ‪ ،"..‬والحجر والشجر يقول ‪":‬يا مسلم !يا عبد الله ! " فهو ل ينادي‬
‫قومّية ول عنصرّية ول إقليمية ‪ ،‬وإنما ينادي المسلم ‪ .‬إذا كان هنالك خلل في‬
‫در كل شيء ‪ ،‬ففي‬
‫تخطيط أعداء الله ‪ ،‬حين لم يوقنوا بأن الله هو الذي يق ّ‬
‫دي الله إل أن‬
‫واقع المسلمين اليوم خلل كذلك ‪ ،‬خلل سيحاسبون عليه بين ي َ‬
‫يتوبوا إلى الله توبة نصوحا ً ‪ .‬أن هنالك خلل ً كبيرا ً في واقع المسلمين اليوم ‪:‬‬
‫غفلة وجري لهث وراء الدنيا ‪ ،‬وعدم توافر نهج ول تخطيط ‪ ،‬ول إعداد ول‬
‫دة ‪.‬‬
‫ع ّ‬
‫‪ _8‬أهل الكتاب في السلم ‪:‬‬
‫مة السلم الولى ‪ ،‬ولماذا اصطفى الله هذا الدين لعباده ‪،‬‬
‫عندما ندرك مه ّ‬
‫ولماذا بعث به جميع المرسلين ‪ ،‬نستطيع أن ندرك أحكام السلم وشرعه‬
‫وفقهه ‪ ،‬حتى ل تتضارب التصورات في القلوب ‪ ،‬ول المواقف في واقع‬
‫الحياة ‪!.‬‬
‫مة السلم الولى الدعوة إلى الله ورسوله ‪ ،‬إلى اليمان والتوحيد ‪،‬‬
‫إ ّ‬
‫ن مه ّ‬
‫وتعهّد َ الناس على ذلك ‪ ،‬واجتثاث الكفر من الرض ‪ ،‬وتجفيف مستنقعاته‬
‫ورا ً وعاطفة وممارسة في‬
‫ومصادره ‪ ،‬ثم تبليغ رسالة الله كاملة نهجا ً وتص ّ‬
‫ُ‬
‫مد صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬دون تحريف ول‬
‫زلت على مح ّ‬
‫الحياة الدنيا كما أن ِ‬
‫تبديل ول تأويل فاسد ‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬ل مساومة معه ول مهادنة‬
‫موقف السلم من الكفر والشرك واضح جل ّ‬
‫‪،‬وإنما مهمة السلم تجفيف الكفر من الرض ‪ ،‬وإنقاذ الناس من نار جهنم‬
‫وعذابها ‪ .‬كيف ل تكون هذه هي مهمة السلم الولى ‪ ،‬ومصير الناس إما إلى‬
‫قل أن ترى أقواما ً يتساقطون في هوة عميقة‬
‫الجنة وإما إلى الّنار ؟! كيف ُيع َ‬
‫جج فيها اللهيب ‪ ،‬إذا مضوا في طريقهم ‪ ،‬وأنت تنظر إليهم ول تنهض‬
‫يتأ ّ‬
‫وتسرع لنقاذهم قبل أن يسقطوا ؟!‬
‫إذن موقف السلم من الكفر والشرك واضح ثابت ‪ :‬دعوة وبلغ دون توقف‬
‫‪134‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أبدا ً ‪ ،‬لن المر جلل ‪ ،‬وأنه أخطر ما في الحياة ‪ .‬فإذا أصّر الكافر على كفره‬
‫وأصّر على أن يصد ّ عن سبيل الله فالمواجهة واقعة ل محالة ‪ ،‬وعلى‬
‫دوا أنفسهم ليوفوا بعهدهم مع الله وأمانتهم التي حملوا ‪ .‬إنه‬
‫المسلمين أن ي ُعِ ّ‬
‫أمر الله إليهم وعهده معهم ‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫أما أهل الكتاب ‪ ،‬وهم النصارى واليهود ‪ ،‬فقد حّرفوا ما أنزل الله على‬
‫أنبيائهم ‪ ،‬وارتكبوا مظالم كثيرة ‪ .‬ولحكمةٍ يعلمها الله جعل لهم في السلم‬
‫مة المسلمين ‪،‬‬
‫منزلة غير منزلة الكافرين والمشركين ‪ .‬جعلهم السلم في ذ ّ‬
‫حاف ُ‬
‫ظ على أماكن عبادتهم ‪ ،‬ويتعاملون في‬
‫فل ُيؤذون ول ُيظلمون ‪ ،‬وي ُ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫الحوال الشخصية بشريعتهم ‪ ،‬ولكن ل ي ُكلفون بالجهاد في سبيل الله وإنما‬
‫يدفعون مقابل حمايتهم والدفاع عنهم جزاًء للمسلمين يسميه الله " الجزية "‬
‫‪ ،‬ول يسمح لهم بنشر ديانتهم المحّرفة ‪ ،‬ول الفساد في الرض ‪ ،‬ويخضعون‬
‫لشريعة السلم وحكمه ‪ ،‬ول يتآمرون أو يتصلون بأعداء السلم ‪ ،‬بل عليهم‬
‫أن يكونوا أعداًء لمن يعادي دولة السلم التي تحميهم وتعينهم ‪ .‬وفي الوقت‬
‫نفسه يجب أن تظ ّ‬
‫ل الدعوة السلمية ماضية فيهم عسى أن ُيسلموا ‪ .‬وإذا‬
‫سهل تبليغهم دين الله‬
‫أبيح الزواج من نسائهم أو أكل طعامهم فإنما ذلك لي ُ ّ‬
‫ودعوتهم إليه ‪ ،‬ل لمتعة دنيوية أو مصالح ماّدية ‪ .‬إن تشريع السلم يهدف‬
‫إلى شقّ السبيل أمام دعوته ‪ ،‬وتيسير سبل تبليغها وتعهد الناس عليها ‪،‬‬
‫وإبعاد الناس عن الكفر والشرك ‪ .‬ويجب تبليغ الدعوة السلمية لهل الكتاب‬
‫ض على أساليب معّينة ‪،‬‬
‫ن السلم لذلك ُ‬
‫سننا ً وح ّ‬
‫ي بها ‪ .‬وقد س ّ‬
‫‪ ،‬والمض ّ‬
‫مة قوّية ‪ ،‬تمضي إلى سائر أبواب‬
‫وتبتدئ بالحكمة والموعظة الحسنة من أ ُ‬
‫الجهاد في سبيل الله ‪ ،‬حتى تبلغ القتال العسكريّ على منهج وخطة ‪،‬‬
‫وإعداد ‪ .‬إن التشريع كله في السلم ‪ ،‬وإن الحكم والسياسة والقتصاد ‪ ،‬وكل‬
‫نشاط في الحياة يهدف إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور ‪ ،‬ومن‬
‫الكفر إلى اليمان ‪ ،‬ومن الضلل إلى الهدى ‪ .‬إن قضّية اليمان والتوحيد في‬
‫السلم هي الحقيقة الكبرى في الكون والحياة ‪ ،‬وهي القضّية الخطر في‬
‫دد مصير النسان والشعوب عند الله ‪ .‬لذلك‬
‫حياة كل إنسان ‪ ،‬وهي التي تح ّ‬
‫يقوم عليها التشريع والفقه كّله ‪ ،‬ويقوم الحكم ونظامه ‪ ،‬والسياسة والقتصاد‬
‫والجتماع وغير ذلك ‪.‬‬
‫فإذا نقض أهل الكتاب عهدهم مع المسلمين ‪ ،‬فقد خرجوا من ذمة المسلمين‬
‫ووقفوا مع الكافرين والمشركين ‪ ،‬فيجري عليهم حكم الكافرين‬
‫والمشركين ‪ .‬وكذلك إذا أعلنوا كفرهم بالله ونادوا باللحاد والشرك تحت أي‬
‫شعار ‪ ،‬مثل الشيوعية والشتراكية والبنيوية والعلمانية وغيرها من‬
‫الشعارات ‪ ،‬فيصبح حكمهم حكم الكافرين والمشركين ‪.‬‬
‫وأما إذا تغير الواقع وابتلى الله الناس بسلطان للكافرين أو أهل الكتاب ‪،‬‬
‫واضطر المسلم لموقف من مواقف الذ ّ‬
‫ل والهوان ‪ ،‬أو الفتنة والنحراف ‪ ،‬فل‬
‫يح ّ‬
‫مل ذلك على الفقه في السلم ‪ ،‬ول يلوي اليات والحاديث‬
‫ل لحد أن ُيح ّ‬
‫ّ‬
‫وغ لفتنته وضلله ‪ ،‬وذله وهوانه ‪ .‬وإنما عليه أن ينهض من‬
‫ليبحث عن مس ّ‬
‫مل عجزه‬
‫غفوته وغفلته ليوفي بعهده وأمانته ‪ ،‬فإن عجز واستكان فل يح ّ‬
‫على فقه السلم ‪.‬‬
‫ً‬
‫ل بد ّ أن يعي الفقيه والعالم والداعية وكل من يلي أمرا في السلم ‪ ،‬أن‬
‫مة جليلة ُأولى ‪ ،‬وهدفا ً أكبر ‪ ،‬يمثل عهدا ً مع الله وأمانة يحملها‬
‫للسلم مه ّ‬
‫‪135‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المسلمون مدى الدهر ‪ .‬وعلى هذه المهمة والهدف يقوم التشريع ‪ ،‬وتبنى‬
‫العلقات مع غير المسلمين على أساس من منهاج الله ‪ .‬لجل ذلك بّين الله‬
‫ف عليه ول‬
‫صراطا ً مستقيما ً واحدا ً يجب اتباعه ‪ ،‬وسبيل ً واحدا ً ‪ ،‬حتى ل ي ُ ْ‬
‫خت َل َ َ‬
‫يض ّ‬
‫ل عنه أحد ‪.‬‬
‫ُ‬
‫مة واحدة ‪ .‬وبغير أن‬
‫إنه صراط مستقيم وسبيل واحد ‪ ،‬يجمع المسلمين أ ّ‬
‫قوا لها ‪ ،‬والمانة‬
‫خل ِ ُ‬
‫مة واحدة ل يستطيعون أن يقوموا بالمهمة التي ُ‬
‫يكونوا أ ّ‬
‫ُ‬
‫مروا بها ‪ ،‬والعمارة‬
‫جعلت لهم ‪ ،‬والعبادة التي أ ِ‬
‫التي حملوها ‪ ،‬والخلفة التي ُ‬
‫التي يجب أن يحققوها ‪.‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ت للناس ‪ ،‬مادامت تحمل الخصائص‬
‫مة أخرِ َ‬
‫ج ْ‬
‫مة المسلمة هي خير أ ّ‬
‫إن ال ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ت للناس‬
‫مة التي أ ْ‬
‫خرج ْ‬
‫صلة في منهاج الله ‪ .‬وهي ال ّ‬
‫اليمانية الربانية والمف ّ‬
‫ّ‬
‫كاّفة ‪ ،‬للبشرّية كلها ‪ ،‬تحمل المانة الكبرى ‪ ،‬تحمل رسالة الله لتبلغها وتتعّهد‬
‫الناس عليها ‪ ،‬حتى تكون كلمة الله هي العليا في الرض كلها ‪ .‬فإذا تخّلى‬
‫المسلمون عن هذه المانة ‪ ،‬فعندئذ يتفّرقون شيعا ً وأحزابا ً ‪ ،‬فل ينالون رضاء‬
‫الله بهذا التمّزق ‪ ،‬ول يستطيعون مجابهة العدوّ وهم ممّزقون متفرقون ‪.‬‬
‫ن الذين فّرقوا دينهم وكانوا شيعا ً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى‬
‫"إ ّ‬
‫م ي ُن َّبئهم بما كانوا يفعلون " ]النعام ‪[159 :‬‬
‫الله ث ّ‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫" ول تكونوا كالذين تفّرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم‬
‫عذاب عظيم " ] آل عمران ‪[105:‬‬
‫عجبا ً ك ّ‬
‫ل العجب ! أل يقرأ ُ المسلمون هذه اليات ‪ ،‬أل يعرفون معناها ومبناها‬
‫وفحواها ؟! أل يخشعون بين يديها ويتوبوا إلى الله وينهضون ليصلحوا ما‬
‫أفسدوه بالتمّزق ‪ ،‬ثم يلتزموا أمر الله ليكونوا أمة واحدة ‪ ،‬أمة مسلمة ؟!‬
‫)‪(6 /‬‬
‫" وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقّبل منا إّنك أنت‬
‫مة مسلمة لك وأرنا‬
‫السميع العليم ‪ .‬ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذّرّيتنا أ ّ‬
‫مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم " ]البقرة‪127 :‬ـ ‪[128‬‬
‫سلم ؟!‬
‫‪ _9‬السلم الذي يدعون إليه ‪ ،‬أين هو ؟! ومن ُيريد ال ّ‬
‫كلمة سلم من أسماء الله الحسنى ‪ ":‬اللهم أنت السلم ومنك السلم ‪!:‬‬
‫ويرّدد المسلم الكلمة مّرات عديدة في يومه وهو يصلي ويدعو ‪ ،‬ويسعى‬
‫ويجاهد في سبيل الله ‪ .‬إن السلم الذي يريده السلم هو السلم من عند‬
‫الله ‍ ! إنه السلم الذي ينبع من شرع الله ودينه ‪ ،‬لتكون كلمة الله هي العليا‬
‫ودينه هو العلى ‪ .‬والمسلمون الصادقون الذين يوفون بعهد الله ويجاهدون‬
‫سون دعائم السلم‬
‫سلم الصادقون ‪ ،‬الذين ي ُْر ُ‬
‫في سبيل الله ‪ ،‬هم دعاة ال ّ‬
‫سلم‬
‫على الحقّ والعدل وحقوق النسان كما شرعها الله ‪ .‬وهؤلء هم دعاة ال ّ‬
‫سلم أن‬
‫سلم وبالجهاد في سبيل الله ‪ .‬وأّنى لل ّ‬
‫الحق لنهم يعبدون الله بال ّ‬
‫ً‬
‫يقوم في الرض إذا لم يكن قائما على قاعدة عظيمة هي الجهاد في سبيل‬
‫الله ‪.‬‬
‫سلم ‪ ،‬والطماع تحّركهم‬
‫إن المجرمين في الرض ل يمكن أن يكونوا دعاة لل ّ‬
‫سلم الحقّ إل‬
‫والهواء تحكمهم ‪ .‬وهذا هو التاريخ البشريّ كله لم يعرف ال ّ‬
‫في ظل السلم الحقّ ‪ .‬إنهم يخ ّ‬
‫ططون لجرائمهم وعدوانهم وظلمهم ‪،‬‬
‫ويجعلون السلم شعارا ً يخفي هول الجرائم التي ت ُْرتكب ‪ ،‬والتي تظ ّ‬
‫دة‬
‫ل ممت ّ‬
‫في حياة الشعوب ‪ ،‬تنتقل من مرحلة إلى مرحلة ‪ ،‬ومن مفاوضات إلى‬

‫‪136‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مفاوضات ‪ ،‬وتبقى الجرائم تنمو وتزداد ‪.‬‬
‫وهذا نيكسون رئيس الوليات المتحدة السابق ‪ ،‬يقول في كتابه "نصر بل‬
‫حرب " )ص‪ ": ( 39 :‬ليس السلم الحقيقي إنهاء المنازعات بل هو وسيلة‬
‫للعيش معها " ! نعم ! هكذا يرى المجرمون السلم شعارا ً كاذبا ً يخفي‬
‫الجريمة إن استطاعوا ‪.‬‬
‫ل يقوم السلم إل ّ عندما تنتهي الطماع ‪ ،‬ويتوقف الظلم والعدوان ‪ ،‬ويحكم‬
‫شرع الله بدل ً من أهواء المجرمين ‪ .‬والمجرمون يريدون أن تمتد ّ الجريمة‬
‫وتستمّر تحت شعار السلم ‪ ،‬الشعار الذي ل يعني إل الخضوع والستسلم‬
‫لهم في مذّلة وهوان !‬
‫ل يمكن أن يكون المجرمون في الرض والمفسدون فيها ‪ ،‬والغاصبون‬
‫المعتدون دعاة سلم ‪ .‬ولكنهم يعرفون السلم شعارا ً حتى يجري الضعفاء‬
‫درون المخدوعون وراءه ‪ ،‬يلهثون إليه ‪ ،‬بعد أن تركوا بذل الجهود‬
‫المخ ّ‬
‫ً‬
‫للعداد والبناء استعدادا لمجابهة العدوان والظلم والفساد ‪ .‬إن المجرمين‬
‫في الرض يحاولون دائما ً ترك الخرين ضعفاء دون عدة وإعداد ‪ ،‬يلهونهم‬
‫بشهوات الدنيا ‪ ،‬وبالتنافس عليها ‪ ،‬والصراع الذي تضيع فيه الجهود والقوى ‪.‬‬
‫ل يمكن للمجرمين أن يكونوا دعاة سلم ولو اّدعوا زورا ً وبهتانا ً انتسابهم إلى‬
‫النصرانّية أو اليهودية ‪ .‬وهذا النتساب الخادع يزيد من قدرتهم على الظلم‬
‫والفساد في الرض ‪ ،‬ونشر الفتنة بعد الفتنة ‪ .‬هؤلء المجرمون ‪ ،‬سواًء‬
‫أكانوا من الكافرين المشركين الملحدين ‪ ،‬أم من المنتسبين إلى أهل الكتاب‬
‫‪ ،‬أم من أي فئة أخرى ‪ ،‬فهم دائما ً المعتدون ‪:‬‬
‫مة وأولئك هم المعتدون " ] التوبة ‪[ 10 :‬‬
‫" ل يرقبون في مؤمن إل ّ ول ذ ّ‬
‫كيف يقوم سلم ودماء المظلومين في الرض تتدّفق ‪ ،‬وأشلؤهم تتطاير ‪،‬‬
‫والعاصير ‪ ،‬واليتامى ‪ ،‬والثكالى ‪ ،‬والرضيع ‪ ،‬والهوى يفتن الناس ويصنع فيهم‬
‫سك به الغاِفلون المستسلمون ‪ ،‬والمنافقون‬
‫العجائب ‪ ،‬والوهم الذي يتم ّ‬
‫فون ‪:‬‬
‫المتخ ّ‬
‫)‪(7 /‬‬
‫لله الحمد ُ على الحمد له د‪ .‬محمد عمر دولة*‬
‫ل حا َ‬
‫م َ‬
‫ن رّبنا‬
‫نإ ّ‬
‫ب عّنا الحَز َ‬
‫ل الجنةِ وقوَلهم‪) :‬الحمد ُ لله الذي أذ ْهَ َ‬
‫من تأ ّ‬
‫َ‬
‫ل أه ِ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫فوٌر َ‬
‫رين الذين‬
‫ل َغَ ُ‬
‫مةِ ِ‬
‫شكوٌر الذي أ َ‬
‫م ِفق َ‬
‫من فضِله(؛ عَل ِ َ‬
‫حلنا داَر المقا َ‬
‫ه الشاك ِ ِ‬
‫ي ُد ْرِ ُ‬
‫ل الله عّز وج ّ‬
‫ض َ‬
‫صيِلهم خيَر الدنيا والخرة‪ ،‬قال ابن‬
‫ح ِ‬
‫ل عليهم في ت َ ْ‬
‫كون فَ ْ‬
‫كثير رحمه الله‪" :‬قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره‪َ :‬‬
‫من‬
‫غفَر لهم الكثيَر ِ‬
‫السيئات‪ ،‬و َ‬
‫من‬
‫حّلنا داَر المقامةِ ِ‬
‫من الحسنا ِ‬
‫شكَر لهم اليسيَر ِ‬
‫ت )الذي أ َ‬
‫مّنه‬
‫َفضِله( يقولون‪ :‬الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام ِ‬
‫من َفضِله و َ‬
‫ن رسو َ‬
‫ل الله‬
‫ت في الصحيِح أ ّ‬
‫ورحمِته لم تكن أعماُلنا تساوي ذلك‪ ،‬كما ث َب َ َ‬
‫خ َ‬
‫ت‬
‫ل أحدا ً منكم َ‬
‫عمُله الجن َ‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪) :‬لن ي ُد ْ ِ‬
‫ة‪ .‬قالوا‪ :‬ول أن َ‬
‫يا رسو َ‬
‫ي الله تعالى برحمةٍ منه وَفضل(]‬
‫ل الله؟ قال‪ :‬ول أنا؛ إل أ ْ‬
‫ن َيتغَ ّ‬
‫مدن ِ َ‬
‫‪[2]."[1‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ل الله عليه؛ فل يغتّر بعمِله‪،‬‬
‫مله ِ‬
‫مأ ّ‬
‫فالعبد ُ الصال ِ ُ‬
‫ن عَ َ‬
‫ل وَيعل ُ‬
‫ح َيع َ‬
‫من َفض ِ‬
‫ل العباد ِ على أنها من ثناِء‬
‫من نسبةِ د ُ ُ‬
‫وينظر إلى ما وََرد َ ِ‬
‫ل الجنةِ إلى أعما ِ‬
‫خو ِ‬
‫ُ‬
‫فض ُ‬
‫من ِّته‬
‫عباِده وامتناِنه عليهم‪ ،‬وإل فال َ‬
‫اللهِ على ِ‬
‫ه والحمد ُ له على ِ‬
‫ل فَ ْ‬
‫ضل ُ‬
‫ج ّ‬
‫حدٍ أن َيغت َّر إذا قرأ قو َ‬
‫ل الجنة‪) :‬وتلك‬
‫ل الله عّز و َ‬
‫مِته؛ فما َينبِغي ل َ‬
‫وَر ْ‬
‫ح َ‬
‫ل له ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫الجن ُ‬
‫ملون(‪ [3]،‬وقوله جل جلله‪) :‬وُنوُدوا أ ْ‬
‫موها بما كنتم تع َ‬
‫ة التي أورِثت ُ ُ‬
‫‪137‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تلكم الجن ُ ُ‬
‫موها بما ُ‬
‫قوا‬
‫ح ّ‬
‫ن الِعباد َ قد است َ َ‬
‫مأ ّ‬
‫مُلون(؛]‪ [4‬فيتوهّ ُ‬
‫كنتم تع َ‬
‫ة أورِث ْت ُ ُ‬
‫ُ‬
‫موها بما ُ‬
‫كنتم‬
‫مجّردِ أ ْ‬
‫الجن َ‬
‫عماِلهم! قال القرطِبي رحمه الله‪" :‬معنى )أورِث ْت ُ ُ‬
‫ة بِ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫خولكم إياها برحمةِ الله وفضِله‪ ،‬كما‬
‫مِلكم‪ ،‬ود ُ ُ‬
‫منازِلها ب ِعَ َ‬
‫مُلون(‪ :‬أي وَرِثُتم َ‬
‫تع َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ضل(‪[6]،‬‬
‫ف‬
‫و‬
‫منه‬
‫ة‬
‫م‬
‫ح‬
‫ر‬
‫في‬
‫له‬
‫خ‬
‫د‬
‫ي‬
‫س‬
‫)ف‬
‫وقال‪:‬‬
‫[‬
‫‪5‬‬
‫الله(‪]،‬‬
‫من‬
‫ل‬
‫ض‬
‫َ‬
‫ف‬
‫ال‬
‫)ذلك‬
‫قال‪:‬‬
‫َ ُ ْ ِ‬
‫َ ْ َ ٍ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ت يا‬
‫أن‬
‫ول‬
‫قالوا‪:‬‬
‫الجنة‪،‬‬
‫له‬
‫عم‬
‫منكم‬
‫ا‬
‫أحد‬
‫ل‬
‫خ‬
‫د‬
‫ي‬
‫)لن‬
‫مسلم‪:‬‬
‫وفي صحيح‬
‫َ‬
‫ُ ْ ِ‬
‫َ‬
‫رسو َ‬
‫ر‬
‫حمةٍ منه وفَ ْ‬
‫ي الله ب َِر ْ‬
‫ل الله؟ قال‪ :‬ول أنا إل أ ْ‬
‫ن ي َت َغَ ّ‬
‫ض ٍ‬
‫مد َن ِ َ‬
‫ل(‪ ،‬وفي غي ِ‬
‫ل‪ ،‬فإذا دخ َ‬
‫من ْزِ ٌ‬
‫ل‬
‫مؤ ِ‬
‫الصحيح‪ :‬ليس ِ‬
‫ن إل وله في الجنةِ والنارِ َ‬
‫من كافِرٍ ول ُ‬
‫م ٍ‬
‫ة وأه ُ‬
‫أه ُ‬
‫منازِلهم‬
‫ل الجنةِ الجن َ‬
‫ل النارِ فنظروا إلى َ‬
‫ل النارِ الناَر ُرفَِعت الجنة له ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ملُتم بطاعةِ الله‪ ،‬ثم يقال‪ :‬يا أه َ‬
‫ل الجنة‬
‫منازِلكم لو عَ ِ‬
‫فيها فقيل لهم‪ :‬هذه َ‬
‫َ‬
‫ت‪ :‬وفي صحيح‬
‫رُِثوهم بما كنتم تعملون؛ فت ُ ْ‬
‫ق َ‬
‫منازِلهم‪ .‬قل ُ‬
‫ل الجنة َ‬
‫سم بين أه ِ‬
‫م إل أدخ َ‬
‫مسلم‪) :‬ل يموت رج ٌ‬
‫ل الله مكاَنه في النارِ يهوديا أو نصرانيا(‬
‫مسل ٌ‬
‫ل ُ‬
‫من شاء‪ ،‬وبالجملة‬
‫م بِ َ‬
‫فضِله من شاء‪ ،‬وعَذ ّ َ‬
‫ب ب ِعَد ِْله َ‬
‫فهذا أيضا ميراث؛ ن َعّ َ‬
‫ُ‬
‫منازُِلها ل ُتنا ُ‬
‫مِته‬
‫خلوها بأ ْ‬
‫مِته؛ فإذا د َ َ‬
‫فالجن ُ‬
‫عماِلهم؛ فقد وَرُِثوها ب َِر ْ‬
‫ل إل ب َِر ْ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ةو َ‬
‫ُ‬
‫ض ٌ‬
‫ل عليهم"‪[7].‬‬
‫ة منه لهم وت َ َ‬
‫مِته؛ إذ ْ أ ْ‬
‫ود َ‬
‫عمالهم رحم ٌ‬
‫ف ّ‬
‫خُلوها ب َِر ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫فُتم‬
‫سل ْ‬
‫جل‪) :‬كلوا واشَرُبوا َ‬
‫م قول الله عّز و َ‬
‫هنيئا بما أ ْ‬
‫وكذلك إذا قرأ المسل ُ‬
‫عمالهُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مُته؛ وأما أ ْ‬
‫في اليام ِ الخاِلية(‪ [8].‬لم ي ََتباد َْر إلى ِذهِنه إل فضل الله وَر ْ‬
‫ح َ‬
‫قى لها با ٌ‬
‫ل‬
‫سدة ٌ ل ُيل َ‬
‫سْلع ٌ‬
‫جَرها‪ ،‬ويرى أنها ِبضاع ٌ‬
‫ة كا ِ‬
‫مْزجاة و ِ‬
‫جَرها وب ُ َ‬
‫م عُ َ‬
‫ة ُ‬
‫فَيعل َ ُ‬
‫ول ي ُعَوّ ُ‬
‫ضل‬
‫ل عليها ِبحال! قال ابن كثير رحمه الله‪" :‬أي يقال لهم ذلك؛ ت َ َ‬
‫ف ّ‬
‫ت في الصحيح عن رسول الله‬
‫مِتنانا ً وإْنعاما ً وإ ْ‬
‫حسانًا؛ وإل فقد ثب َ‬
‫عليهم وا ْ‬
‫منكم‬
‫ن أحدا ً ِ‬
‫موا أ ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم أنه قال‪ :‬اعملوا و َ‬
‫سد ُّدوا وقاربوا واعل َ ُ‬
‫ت يا رسو َ‬
‫ل الله؟ قال‪ :‬ول أنا؛ إل أن‬
‫لن ي ُد ْ ِ‬
‫مُله الجنة! قالوا‪ :‬ول أن َ‬
‫خَله عَ َ‬
‫ضل("‪[9].‬‬
‫مةٍ منه وفَ ْ‬
‫دني الله ب َِر ْ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫َيتغ ّ‬
‫ن كثير رحمه الله‪" :‬روى النسائي وابن مردويه واللفظ له‪ ...‬عن أبي‬
‫وقال اب ُ‬
‫هريرة قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪) :‬ك ّ‬
‫ل الجنةِ يرى‬
‫ل أه ِ‬
‫ً‬
‫ل‪ :‬لول أن الله هداني فيكون له شاكرا‪ ،‬وك ّ‬
‫من النارِ فيقو ُ‬
‫ل النار‬
‫ده ِ‬
‫مقع َ‬
‫َ‬
‫ل أه ِ‬
‫هداني؛ فيكون له حسرة؛ ولهذا ِلما‬
‫ن الله َ‬
‫ده من الجنة فيقول‪ :‬لو أ ّ‬
‫مقعَ َ‬
‫يرى َ‬
‫موها ِبما كنتم‬
‫ن تلكم الجن ُ‬
‫ل النار ِ‬
‫من الجنة ُنوُدوا )أ ْ‬
‫ة أورِث ْت ُ ُ‬
‫أورثوا مقاعد َ أه ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫منازِلكم‬
‫ب أعماِلكم نالْتكم الرحمة؛ فد َ‬
‫خلتم الجن َ‬
‫مُلون( أي ب ِ َ‬
‫ة وتبوأُتم َ‬
‫تع َ‬
‫سب ِ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫حْين عنه‬
‫ص ِ‬
‫حي َ‬
‫ج َ‬
‫ب أعماِلكم؛ وإنما و َ‬
‫ب الحمل على هذا ِلما ثب َ َ‬
‫ت في ال ّ‬
‫بحس ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عمُله الجنة؛‬
‫له‬
‫خ‬
‫د‬
‫ي‬
‫لن‬
‫دكم‬
‫ح‬
‫أ‬
‫ن‬
‫أ‬
‫موا‬
‫ل‬
‫ع‬
‫وا‬
‫قال‪:‬‬
‫أنه‬
‫وسلم‬
‫عليه‬
‫الله‬
‫صلى‬
‫َ‬
‫ُ ْ ِ‬
‫ّ َ َ‬
‫ْ ُ‬
‫ي الله برحمةٍ منه‬
‫ت يا رسول الله؟ قال‪ :‬ول أنا؛ إل أن يتغ ّ‬
‫قالوا‪ :‬ول أن َ‬
‫مد َن ِ َ‬
‫وَفضل("‪[10].‬‬
‫خُلوا‬
‫ن قوَله‪" :‬الله تعالى يقول‪) :‬اد ُ‬
‫وَر ِ‬
‫س الدين الذهبي؛ ما أ ْ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫م الله شم َ‬
‫س َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ب الله كما‬
‫من َ‬
‫الجن َ‬
‫مله ِ‬
‫جي أ َ‬
‫حدا عَ َ‬
‫ن ل ي ُن ْ ِ‬
‫ة ِبما كنتم تع َ‬
‫عذا ِ‬
‫ملون(‪ [11].‬ولك ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫مّنا ول‬
‫ح؛ ب َلى أ ْ‬
‫عمالنا الصاِلح ُ‬
‫ل ِ‬
‫من ن ِعَ ِ‬
‫ل اللهِ عَلينا و ِ‬
‫ة ِ‬
‫مه‪ ،‬ل ب ِ َ‬
‫من فَ ْ‬
‫ص ّ‬
‫َ‬
‫حو ْ ٍ‬
‫ض ِ‬
‫ة؛ فله الحمد ُ على الحمد له!"‪[12].‬‬
‫ُقو ٍ‬
‫‪---‬‬‫)‪(1 /‬‬
‫]‪[1‬‬
‫]‪[2‬‬
‫]‪[3‬‬
‫]‪[4‬‬

‫راجع مقالة‪ :‬التواضع والشكر‪.‬‬
‫تفسير القرآن العظيم ‪.559-3/558‬‬
‫الزخرف ‪.72‬‬
‫العراف ‪.43‬‬

‫‪138‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫]‪ [5‬النساء ‪.70‬‬
‫]‪ [6‬النساء ‪.175‬‬
‫]‪ [7‬الجامع لحكام القرآن ‪.209-7/208‬‬
‫]‪ [8‬الحاقة ‪.24‬‬
‫]‪ [9‬تفسير القرآن العظيم ‪.4/416‬‬
‫]‪ [10‬تفسير القرآن العظيم ‪.2/216‬‬
‫]‪ [11‬النحل ‪.37‬‬
‫]‪ [12‬ميزان العتدال في نقد الرجال للذهبي ‪ .228-2/227‬دار المعرفة‬
‫بيروت‪ ،‬تحقيق البجاوي‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫________________________________________‬
‫لم تقولون ما ل تفعلون؟!‬
‫رئيسي ‪:‬أخلق ‪:‬‬
‫َ‬
‫هّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ما ل ت َ ْ‬
‫م تَ ُ‬
‫قًتا ِ‬
‫عن ْد َ الل ِ‬
‫قال تعالى‪َ }:‬يا أي َّها ال ِ‬
‫فعَلو َ‬
‫قولو َ‬
‫ن]‪[2‬كب َُر َ‬
‫ن َ‬
‫مُنوا ل ِ َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن]‪]{[3‬سورة الصف[‪.‬‬
‫ما َل ت َ ْ‬
‫ن تَ ُ‬
‫فعَُلو َ‬
‫أ ْ‬
‫قوُلوا َ‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنهما‪ ،‬قال‪ :‬كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض‬
‫ب العمال إليه فنعمل‬
‫ن الله عز وجل دّلنا على أح ّ‬
‫الجهاد يقولون‪ :‬لوِددنا أ ّ‬
‫ن به‪،‬‬
‫بها‪ ،‬فأخبر الله تعالى نبيه‪ ،‬صلى الله عليه وسلم أن أحب العمال‪ :‬إيما ٌ‬
‫قّروا به‪.‬‬
‫ل شك فيه‪ ،‬وجهاد ُ أهل معصيته‪ ،‬الذين خالفوا اليمان‪ ،‬ولم ي ُ ِ‬
‫فلما نزل الجهاد‪ ،‬كره ذلك ناس من المؤمنين‪ ،‬وشقّ عليهم أمره‪ ،‬فأنزل الله‬
‫َ‬
‫ن‪]'{...‬أخرجه‬
‫ما ل ت َ ْ‬
‫م تَ ُ‬
‫سبحانه وتعالى قوله‪َ}:‬يا أي َّها ال َ ِ‬
‫فعَُلو َ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن َ‬
‫مُنوا ل ِ َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫الطبري في تفسيره[‪.‬‬
‫وإذا كانت العبرة بعموم اللفظ ل بخصوص السبب‪ ،‬كما هو مقرر في علم‬
‫الصول‪ ،‬فإن الية الكريمة‪ ،‬تبقى أبعد مدى من الحادثة الفردية التي نزلت‬
‫لمواجهتها‪ ،‬وأشمل لحالت كثيرة غير الحالة التي نزلت بسببها‪ ،‬فهي تحيط‬
‫بكل حالة من الحالت التي يقع فيها النفصام بين اليمان‪ ،‬والحركة به‪ ،‬أو بين‬
‫القول والعمل‪ ،‬أو العلم والعمل‪.‬‬
‫ً‬
‫والعلم ل يراد به أصل ً إل العمل‪ ،‬وكل علم ل يفيد عمل‪ ،‬ول يتوقف عليه حفظ‬
‫مقاصد الشريعة‪ ،‬فليس في الشرع ما يدل على استحسانه‪ ،‬والعلم المعتبر‬
‫شرعًا‪ ،‬الذي مدح الله تعالى ورسوله أهله‪ ،‬على الطلق‪ ،‬هو العلم الباعث‬
‫على العمل‪ ،‬الذي ل يخّلي صاحبه جاريا ً مع هداه كيفما كان‪ .‬بل هو المقيد‬
‫صاحبه بمقتضاه‪ ،‬الحامل له على قوانينه طوعا ً أو كرهًا‪ .‬وعندئذ يصير العلم‬
‫وصفا ً من الوصاف الثابتة لصاحبه‪ ،‬يأبى للعالم أن يخالفه ؛ لن ما صار‬
‫كالوصف الثابت ل ينصرف صاحبه إل على وفقه اعتيادا ً وإن تخّلف فإنما‬
‫يكون تخّلفه لعناد ٍ أو غفلة]الموافقات ‪ 1/61‬وما بعدها[‪.‬‬
‫وليس عالما ً ذاك الذي لم يعمل بعلمه‪ ،‬ول يستحق وصف التكريم هذا‪ ،‬فعن‬
‫علي رضي الله عنه قال‪' :‬يا حملة العلم‪ :‬اعملوا به‪ ،‬فإن العالم من علم ثم‬
‫عمل‪ ،‬ووافق علمه عمله‪ ،‬وسيكون أقوام يحملون العلم‪ ،‬ل يجاوز تراقيهم‪،‬‬
‫حلقًا‪ ،‬يباهي‬
‫تخالف سريرتهم علنيتهم‪ ،‬ويخالف علمهم عملهم‪ ،‬يقعدون ِ‬
‫بعضهم بعضا ً ؛ حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره‬
‫ويدعه‪ ،‬أولئك ل تصعد أعمالهم إلى الله عز وجل'‪.‬‬
‫وقال الحسن البصري رحمه الله‪' :‬العالم الذي وافق علمه عمله‪ ،‬ومن خالف‬

‫‪139‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫علمه عمله فذلك راوية سمع شيئا ً فقاله' ‪.‬‬
‫وقال الثوري‪':‬العلماء إذا علوا عملوا‪ ،‬فإذا عملوا ُ‬
‫شِغلوا‪ .'...‬وقال‪':‬العلم‬
‫يهتف بالعمل فإن أجابه وإل ارتحل']الموافقات ‪.[76 - 1/75‬‬
‫فالذين ل يعملون بعلمهم‪ ،‬ول يتسق سلوكهم مع عملهم‪ ،‬فضل ً عن أن يكونوا‬
‫من الراسخين في العلم‪ ،‬وإنما هم رواة أخبار‪ ،‬وحفظة أسفار‪ ،‬والفقه فيما‬
‫رووه أمر آخر وراء هذا‪ ،‬أو هم ممن غلب عليهم الهوى فغ ّ‬
‫طى على قلوبهم‪.‬‬
‫جه اللوم‪ ،‬والعتاب ك ُ‬
‫ل العتاب‪ ،‬لمن يفعل ذلك‪ ،‬وحسبك أن‬
‫وهنا ينبغي أن يو ّ‬
‫ً‬
‫مى ذلك النفصام بين القول والعمل مقتا‪ ،‬بل جعله أكبر‬
‫الله تعالى س ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ن]‪{[3‬‬
‫ما ل ت َ ْ‬
‫ن تَ ُ‬
‫م ْ‬
‫قًتا ِ‬
‫فعَلو َ‬
‫عن ْد َ اللهِ أ ْ‬
‫قولوا َ‬
‫المقت‪ ،‬وأشد ّ البغض‪ ،‬فقال ‪}:‬ك َب َُر َ‬
‫]سورة الصف[‪.‬‬
‫ً‬
‫مى الله تعالى شيئا بهذا السم‪ ،‬ول أطلقه عليه إل في أمرين‪:‬‬
‫وما س ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫أولهما‪ :‬الجدال في الله‪ ،‬وآياته بغير سلطان وعلم‪ ،‬فقال سبحانه‪}:‬ال ِ‬
‫ذي َ‬
‫طا َ‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ وَ ِ‬
‫قًتا ِ‬
‫عن ْد َ ال ّ ِ‬
‫ن ِفي آَيا ِ‬
‫جادُِلو َ‬
‫يُ َ‬
‫ت الل ّهِ ب ِغَي ْرِ ُ‬
‫م ك َب َُر َ‬
‫ن أَتاهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫سل ْ َ ٍ‬
‫مُنوا‪]{[35] ...‬سورة غافر[‪.‬‬
‫آ َ‬
‫وثانيهما‪ :‬نكاح الرجل زوجة أبيه المتوفى عنها أو المطلقة‪ -‬كما كان يفعله‬
‫م ِ‬
‫ما قَد ْ‬
‫ما ن َك َ َ‬
‫الجاهليون‪ -‬فقال سبحانه‪ }:‬وََل ت َن ْك ِ ُ‬
‫ن الن ّ َ‬
‫ساِء إ ِّل َ‬
‫ح آَباؤُك ُ ْ‬
‫حوا َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ح َ‬
‫سِبيًل]‪]{[22‬سورة النساء[‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ش ً‬
‫ن َفا ِ‬
‫سل َ َ‬
‫كا َ‬
‫ساَء َ‬
‫قًتا وَ َ‬
‫َ‬
‫ة وَ َ‬
‫ف إ ِن ّ ُ‬
‫ومن هذا نعلم عظم الفة الكبيرة والداء الخطير في النفصام بين القول‬
‫والعمل‪ ،‬أو بين اليمان والسلوك‪.‬‬
‫إن اليمان ليس مجرد كلمات يديرها النسان على لسانه‪ ،‬ويتحلى بها أمام‬
‫الناس‪ ،‬ويتشدق بها في المناسبات دون أن يكون لها أثرها في سلوكه‬
‫وواقعه‪ ،‬ودون أن تترجم إلى واقع حي يراه الناس‪ ،‬فيكون هذا الواقع العملي‬
‫الظاهر واللتزام مؤشرا ً على اليمان الصحيح وعمقه في نفس صاحبه‪.‬‬
‫أثر القدوة الحسنة‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫والمؤمن ل يخالف قوله فعله‪ ،‬ويبدأ بنفسه أول ً فيحملها على الخير والبر‪،‬‬
‫قبل أن يتوجه بهما إلى غيره؛ ليكون بذلك السوة الحسنة‪ ،‬والقدوة المثلى‬
‫لمن يدعوهم‪ ،‬وليكون لكلمه ذلك التأثير في نفوس السامعين الذين‬
‫ب الناس أن ينظروا إلي‬
‫س ُ‬
‫يدعوهم‪ ،‬بل إنه ليس بحاجة إلى كثير عندئذ‪ ،‬فح ْ‬
‫واقعه وسلوكه‪ ،‬ليروا فيهما السلم واليمان حيا ً يمشي أمامهم على الرض‪،‬‬
‫وليشعّ بنوره على من حوله‪ ،‬فيضيء الطريق للسالكين‪ ،‬وتنفتح عليه العيون‬
‫ويقع في القلوب‪ ،‬فيحمل الناس بذلك على التأسي والتباع‪ ..‬فهو يدعو‬
‫بسلوكه وواقعه قبل أن يدعو بقوله وكلمه‪ ..‬ولنا في رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم خير أسوة‪ ،‬فقد كان عليه الصلة والسلم إذا أمر الناس بأمر كان‬
‫أشد الناس تمسكا ً به‪ ،‬وكان يحمل أهل بيته على ذلك قبل أن يدعو غيرهم‪.‬‬
‫شام‪ :‬قُل ْت يا أ ُم ال ْمؤْمِني َ‬
‫ن ُ ُ‬
‫و َقا َ‬
‫صّلى‬
‫ُ َ ّ‬
‫ق َر ُ‬
‫ل َ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫سو ِ‬
‫ن أن ْب ِِئيِني عَ ْ‬
‫ُ ِ َ‬
‫سعْد ُ ب ْ ُ‬
‫خل ِ‬
‫ن هِ َ ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫قَرأ ال ُ‬
‫ت تَ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ت‪ ':‬فَإ ِ ّ‬
‫قْرآ َ‬
‫ت‪ :‬أل ْ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ت‪ :‬ب َلى َقال ْ‬
‫ن قُل ُ‬
‫س َ‬
‫م َقال ْ‬
‫سل َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫خلقَ ن َب ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ن'‪.‬رواه مسلم ‪.‬‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫قْرآ َ‬
‫كا َ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫الل ّهِ َ‬
‫فمهما أمره القرآن بشيء امتثله‪ ،‬ومهما نهاه عنه تركه‪.‬‬
‫وهي إجابة دقيقة‪ ،‬وموجزة جامعة أيضًا‪ ،‬تحمل في طياتها كل ما يخطر على‬
‫بال المرء من أخلق الكمال وصفات العظمة‪ ،‬فحسبك أن يكون عليه الصلة‬
‫والسلم‪ ،‬ترجمة عملية حية لمبادئ القرآن الكريم‪ ،‬وإذا أردت أن ترى القرآن‬

‫‪140‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الكريم واقعا ً عمليا ً في حياة الناس‪ ،‬فانظر إلى خلق رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وادرس سيرته بكل وعي وبقلب مفتوح على الخير‪ ،‬وبعزيمة‬
‫صادقة‪ ،‬تحمل على التأسي والمتابعة‪ ..‬فكل واحد منهما يدل على الخر‪.‬‬
‫دعاوى اليمان‪:‬‬
‫وإنها لمصيبة كبيرة‪ ،‬وخسارة ما بعدها خسارة‪ ،‬أن يتحول اليمان والسلم‬
‫في سلوك أصحابه إلى كلمات ودعاوى‪ ،‬ل تتجاوز الحناجر‪ ،‬وأن ينطلق‬
‫المسلم‪ ،‬يدعو غيره إلى البر والهدى والخير‪ ،‬ولكنه يترك نفسه بمعزل عن‬
‫ذلك‪ ،‬ويعطيها إجازة تتمتع بها‪ ،‬ول يحملها حمل ً على أن تكون سّباقة إلى هذه‬
‫الدعوة والعمل بمقتضاها‪.‬‬
‫ولقد نعى الله سبحانه‪ ،‬على بني إسرائيل‪ -‬وبخاصة أولئك الحبار فيهم‪-‬‬
‫ووّبخهم علي سلوكهم‪ ،‬فهم يأمرون الناس بالبر‪ ،‬الذي هو جماع الخير‪،‬‬
‫ولكنهم ينسون أنفسهم فل يأتمرون بما يأمرون الناس به‪ ،‬مع علمهم بجزاء‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن]‬
‫ب أفََل ت َعْ ِ‬
‫قُلو َ‬
‫ن ال ْك َِتا َ‬
‫م ت َت ُْلو َ‬
‫صر في أوامره سبحانه‪ ،‬فقال‪...}:‬وَأن ْت ُ ْ‬
‫من ق ّ‬
‫‪]{[44‬سورة البقرة[‪.‬‬
‫وفي ظلل هذه الية الكريمة يتحدث الستاذ سيد قطب رحمه الله عن آثار‬
‫الدعوة إلى البر والمخالفة عنه في السلوك‪ ،‬فيقول‪':‬ومع أن هذا النص‬
‫القرآني كان يواجه ابتداًء حالة واقعة من بني إسرائيل فإنه في إيحائه للنفس‬
‫البشرية‪ ،‬ولرجال الدين بصفة خاصة‪ ،‬دائم ل يخص قوما ً دون قوم‪ ،‬ول يعني‬
‫جيل ً دون جيل‪..‬إن آفة رجال الدين حين يصبح الدين حرفة وصناعة ل عقيدة‬
‫حارة دافعة أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم‪ ،‬يأمرون بالخير ول‬
‫يفعلونه‪ ،‬ويدعون إلى البر ويهملونه‪ ،‬ويحرفون الكلم عن مواضعه‪ ،‬ويؤلفون‬
‫النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى‪ ،‬ويجدون فتاوى وتأويلت‪ ،‬قد تتفق‬
‫في ظاهرها مع ظاهر النصوص‪ ،‬ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين‪،‬‬
‫لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان! كما كان يفعل أحبار‬
‫يهود‪.‬‬
‫والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه‪ ،‬هي الفة التي‬
‫تصيب النفوس بالشك‪ ،‬ل في الدعاة وحدهم‪ ،‬ولكن في الدعوات ذاتها‪ ،‬وهي‬
‫تبلبل قلوب الناس وأفكارهم أنهم يسمعون قول ً جمي ً‬
‫ل‪ ،‬ويشهدون فعل ً قبيحًا‪،‬‬
‫فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل‪ ،‬وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها‬
‫العقيدة‪ ،‬وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشعه اليمان‪ ،‬ول يعودون يثقون في‬
‫الدين عدما فقدوا ثقتهم في رجال الدين'] في ظلل القرآن‪.[1/86 :‬‬
‫علماء السوء ‪:‬‬
‫وما أعظم ذنب أولئك الذين يصدون عن دين الله ويقفون حجرة عثرة أمام‬
‫الدخول فيه‬
‫فرون الناس من الدين‪ ،‬وتنطلق‬
‫والتمسك بأحكامه ؛ لنهم بسلوكهم ذاك ين ّ‬
‫اللسنة المتبجحة لتقول‪ :‬انظروا إلى فلن‪ ..‬إنه يدعونا إلى شيء ويخالفنا‬
‫إلى غيره‪ ،‬ولو كان ما دعونا إليه حقا ً لتبعه وتمسك به؟ فيتركون عندئذ‬
‫الدين‪ ،‬بسبب سلوكه ذاك!!‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وكم يتحملون من أوزار الذين تابعوهم في سلوكهم ذاك‪ ،‬إذ أنهم حملوهم‬
‫على المخالفة والثم باليحاء والقدوة العملية‪ ،‬ولولهم ما وقعوا في ذلك‪،‬‬
‫فهم الذين سّنوا هذه السنة السيئة‪ ،‬فكان عليهم إثمهم وآثام من اتبعهم‪ ،‬فقد‬

‫‪141‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ه‬
‫سن َ ً‬
‫سن ّ ً‬
‫ة َ‬
‫ح َ‬
‫سَلم ِ ُ‬
‫ن ِفي اْل ِ ْ‬
‫ن َ‬
‫ة فَل َ ُ‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪َ ] :‬‬
‫س ّ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫أ َجر َ َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫ن ي َن ْ ُ‬
‫ص ِ‬
‫ل ب َِها ب َعْد َه ُ ِ‬
‫ن عَ ِ‬
‫نأ ُ‬
‫ن غَي ْرِ أ ْ‬
‫ها وَأ ْ‬
‫ن َ‬
‫يٌء وَ َ‬
‫جورِهِ ْ‬
‫جُر َ‬
‫ق َ‬
‫س ّ‬
‫م ْ‬
‫ش ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫ن عَلي ْهِ وِْزُر َ‬
‫سي ّئ ً‬
‫سن ّ ً‬
‫ن ب َعْدِهِ ِ‬
‫مل ب َِها ِ‬
‫ن عَ ِ‬
‫ة كا َ‬
‫ة َ‬
‫سلم ُ‬
‫ِفي ال ْ‬
‫ها وَوِْزُر َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن غي ْ ِ‬
‫ق ِص م ِن أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يٌء[رواه مسلم‪.‬وقبل أن يدعو الداعية غيره إلى‬
‫ش‬
‫م‬
‫ه‬
‫ر‬
‫زا‬
‫و‬
‫أ ْ‬
‫ن ي َن ْ ُ َ ِ ْ ْ َ ِ ِ ْ‬
‫ْ‬
‫الخير ينبغي أن يتمسك هو به‪ ،‬ولن يستطيع المريض أن يعالج مريضا ً مثله ‪.‬‬
‫جزاء علماء السوء‪:‬‬
‫ً‬
‫وإذا كان لعدم الموافقة بين القول والعمل تلك الثار‪ ،‬فإنه ليس غريبا أن‬
‫يشدد السلم في عقوبة الذين يأمرون بالمعروف ول يأتونه‪ ،‬فيجعلونه‬
‫وراءهم ظهريًا‪ ،‬وينهون عن المنكر ويفعلونه‪ ،‬وأولئك هم علماء السوء‪،‬‬
‫وصفوا الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه إلى غيره‪ ،‬فلم يعملوا به‪:‬‬
‫قو ُ‬
‫سو َ‬
‫ن أ َِبي هَُري َْرةَ َقا َ‬
‫ن‬
‫م يَ ُ‬
‫س ِ‬
‫ل‪] :‬إ ِ ّ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ت َر ُ‬
‫ل َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫معْ ُ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫فعَ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ج ٌ‬
‫أ َوّ َ‬
‫ن‬
‫ه وَقََرأ ال ُ‬
‫س يُ ْ‬
‫مةِ عَلي ْ ِ‬
‫م ال ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫ه‪ ...‬وََر ُ‬
‫ق َ‬
‫ضى ي َوْ َ‬
‫م ُ‬
‫م وَعَل َ‬
‫م العِل َ‬
‫ل ت َعَل َ‬
‫قَيا َ‬
‫ل الّنا ِ‬
‫ُ‬
‫ت ِفيَها َقا َ‬
‫ه فَعََرفََها َقا َ‬
‫ه‬
‫ما عَ ِ‬
‫مت ُ ُ‬
‫م وَعَل ّ ْ‬
‫ت ال ْعِل ْ َ‬
‫م ُ‬
‫ل ت َعَل ّ ْ‬
‫مل ْ َ‬
‫ل فَ َ‬
‫م ُ‬
‫ه ن ِعَ َ‬
‫ي ب ِهِ فَعَّرفَ ُ‬
‫فَأت ِ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ت وَل َك ِن ّ َ‬
‫ت ِفي َ‬
‫قا َ‬
‫ن َقا َ‬
‫ت‬
‫م ل ِي ُ َ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫ل َ‬
‫قْرآ َ‬
‫م وَقََرأ َ‬
‫عال ِ ٌ‬
‫ت ال ْعِل ْ َ‬
‫م َ‬
‫ك ت َعَل ّ ْ‬
‫ل ك َذ َب ْ َ‬
‫وَقََرأ ُ‬
‫ُ‬
‫ل ثُ ُ‬
‫قا َ‬
‫ي ِفي‬
‫ل هُوَ َقارِئٌ فَ َ‬
‫ن ل ِي ُ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫س ِ‬
‫حّتى أل ْ ِ‬
‫مأ ِ‬
‫جهِهِ َ‬
‫ب عََلى وَ ْ‬
‫ح َ‬
‫قْرآ َ‬
‫مَر ب ِهِ فَ ُ‬
‫قد ْ ِقي َ ّ‬
‫ق َ‬
‫الّناِر‪ [...‬رواه مسلم ‪.‬‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫وَقا َ‬
‫ْ‬
‫قى ِفي الّناِر‬
‫مةِ فَي ُل ْ َ‬
‫يا‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ج‬
‫ر‬
‫بال‬
‫تى‬
‫ؤ‬
‫ي‬
‫]‬
‫م‪:‬‬
‫ل‬
‫س‬
‫و‬
‫ُ َ ِ ّ ُ ِ َ ْ َ ِ َ َ‬
‫ه عَل َي ْهِ َ َ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ب أمعاؤه وتخرج من جوفه بسرعة خارجة من‬
‫ب ب َط ْن ِ ِ‬
‫ه‪ -‬أي تنص ّ‬
‫فَت َن ْد َل ِقُ أقَْتا ُ‬
‫َ‬
‫معُ إ ِل َي ْهِ أهْ ُ‬
‫ن َيا‬
‫ل الّنارِ فَي َ ُ‬
‫دوُر ال ْ ِ‬
‫جت َ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫حى فَي َ ْ‬
‫ماُر ِبالّر َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫دبره ‪ -‬فَي َ ُ‬
‫ح َ‬
‫دوُر ب َِها ك َ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ما ل َ َ‬
‫قو ُ‬
‫ت‬
‫من ْك َرِ فَي َ ُ‬
‫معُْرو ِ‬
‫فَُل ُ‬
‫ل ب ََلى قَد ْ ك ُن ْ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مُر ِبال ْ َ‬
‫ن ت َأ ُ‬
‫ك أل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ف وَت َن َْهى عَ ْ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ه[رواه البخاري ومسلم ‪.‬‬
‫من ْك َرِ َوآِتي ِ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن ال ُ‬
‫مُر ِبال َ‬
‫آ ُ‬
‫ف وَل آِتيهِ وَأن َْهى عَ ْ‬
‫ول يغيّبن عن ذهنك صورة ذاك الذي آتاه الله آياته‪ ،‬فلم يعمل بما آتاه الله‬
‫حية من جلدها‪ ،‬وتتركه على الرض‪:‬‬
‫من العلم‪ ،‬فانسلخ منها كما تنسلخ ال َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫} َوات ْ ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫سل َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫خ ِ‬
‫م ن َب َأ ال ّ ِ‬
‫ن فَكا َ‬
‫شي ْطا ُ‬
‫ذي آت َي َْناه ُ آَيات َِنا َفان ْ َ‬
‫من َْها فَأت ْب َعَ ُ‬
‫ل عَل َي ْهِ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هأ ْ‬
‫ن]‪[175‬وَلوْ ِ‬
‫مث َل ُ‬
‫واه ُ فَ َ‬
‫شئ َْنا لَرفَعَْناه ُ ب َِها وَلك ِن ّ ُ‬
‫ض َوات ّب َعَ هَ َ‬
‫ال َْغاِوي َ‬
‫خلد َ إ ِلى الْر ِ‬
‫َ‬
‫ث ذ َل ِ َ‬
‫مث َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن ك َذ ُّبوا‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ه ي َل ْهَ ْ‬
‫ل عَل َي ْهِ ي َل ْهَ ْ‬
‫قوْم ِ ال ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ب إِ ْ‬
‫ك َ‬
‫ث أوْ ت َت ُْرك ْ ُ‬
‫كَ َ‬
‫ل ال ْك َل ْ ِ‬
‫ذي َ‬
‫مث َ ِ‬
‫ن ك َذ ُّبوا‬
‫مث ًَل ال ْ َ‬
‫م ي َت َ َ‬
‫ص ال ْ َ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫فك ُّرو َ‬
‫قو ْ ُ‬
‫ن]‪َ [176‬‬
‫ساَء َ‬
‫ص ل َعَل ّهُ ْ‬
‫ص َ‬
‫ق َ‬
‫ِبآَيات َِنا َفاقْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ص ِ‬
‫م َ‬
‫ن]‪]{[177‬سورة العراف[‪.‬‬
‫ِبآَيات َِنا وَأ َن ْ ُ‬
‫مو َ‬
‫ف َ‬
‫كاُنوا ي َظ ْل ِ ُ‬
‫سهُ ْ‬
‫وليس هذا شأن يهود فحسب‪ ،‬بل إن إخوانهم من المنافقين يلتقون معهم‬
‫في هذه السمة‪ ،‬وينهلون من نفس المنهل‪:‬‬
‫َ‬
‫ن ب َعْد ِ ذ َل ِ َ‬
‫ما‬
‫}وَي َ ُ‬
‫م ِ‬
‫ريقٌ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫مّنا ِبالل ّهِ وَِبالّر ُ‬
‫ك وَ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ل وَأط َعَْنا ث ُ ّ‬
‫نآ َ‬
‫م ْ‬
‫سو ِ‬
‫م ي َت َوَّلى فَ ِ‬
‫ُأول َئ ِ َ‬
‫م‬
‫ن]‪[47‬وَإ َِذا د ُ ُ‬
‫ريقٌ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫سول ِهِ ل ِي َ ْ‬
‫عوا إ َِلى الل ّهِ وََر ُ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ب َي ْن َهُ ْ‬
‫حك ُ َ‬
‫ك ِبال ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫م إ َِذا فَ ِ‬
‫ن]‪]{[48‬سورة النور[‪.‬‬
‫ضو َ‬
‫معْرِ ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قو ُ‬
‫َ‬
‫ل‪]...‬‬
‫ذي ت َ ُ‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫ة‬
‫َ‬
‫ف‬
‫ئ‬
‫طا‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ك‬
‫د‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ن‬
‫م‬
‫زوا‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫ف‬
‫ة‬
‫ع‬
‫طا‬
‫ن‬
‫لو‬
‫قو‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫و‬
‫}‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫م غَي َْر ال ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ ََ ُ‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫ُ ْ‬
‫َّ َ‬
‫ْ‬
‫‪]{[81‬سورة النساء[‪.‬‬
‫جب ُ َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا وَي ُ ْ‬
‫ه‬
‫ما ِفي قَل ْب ِ ِ‬
‫} وَ ِ‬
‫ه ِفي ال ْ َ‬
‫ه عََلى َ‬
‫شهِد ُ الل ّ َ‬
‫ك قَوْل ُ ُ‬
‫ن ي ُعْ ِ‬
‫س َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ث‬
‫ض ل ِي ُ ْ‬
‫حْر َ‬
‫وَهُوَ ألد ّ ال ِ‬
‫ف ِ‬
‫سد َ ِفيَها وَي ُهْل ِك ال َ‬
‫م]‪[204‬وَإ َِذا ت َوَلى َ‬
‫خ َ‬
‫صا ِ‬
‫سَعى ِفي الْر ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫س َ‬
‫ساَد]‪]{[205‬سورة البقرة[‬
‫ب ال َ‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ف َ‬
‫َوالن ّ ْ‬
‫ل َوالل ُ‬
‫هذه صورة المنافقين‪ ،‬وتلك صورة يهود‪ ...‬فليحذر المؤمنون أن يقعوا فيما‬
‫وقع فيه هؤلء إذ ليس اليمان بالتحلي ول بالتمني‪ ،‬ولكن ما وقر في القلوب‬
‫دقته العمال‪ ،‬من قال حسنا ً وعمل غير صالح؛ رّده الله على قوله‪ ،‬ومن‬
‫وص ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫صعَد ُ‬
‫قال حسنا وعمل صالحا‪ ،‬رفعه العمل‪ ،‬وذلك بأن الله يقول‪ ...}:‬إ ِلي ْهِ ي َ ْ‬
‫م ُ‬
‫ه‪]{[10]...‬سورة فاطر[ ‪.‬‬
‫صال ِ ُ‬
‫م الط ّي ّ ُ‬
‫ح ي َْرفَعُ ُ‬
‫ب َوال ْعَ َ‬
‫ال ْك َل ِ ُ‬
‫ل ال ّ‬

‫‪142‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(3 /‬‬
‫وما أروع كلمة شعيب‪ ،‬عليه الصلة والسلم‪ ،‬وما أكثرها إنصافا ً عندما قال‬
‫فك ُم إَلى ما أ َنهاك ُم عَنه إ ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما‬
‫ن أُ َ‬
‫صَل َ‬
‫َ َْ ْ ْ ُ ِ ْ‬
‫ما أِريد ُ أ ْ‬
‫ح َ‬
‫لقومه‪...}:‬وَ َ‬
‫ن أِريد ُ إ ِّل اْل ِ ْ‬
‫خال ِ َ ْ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ب]‪]{[88‬سورة هود[‪.‬‬
‫ما ت َوِْفي ِ‬
‫ت وَإ ِلي ْهِ أِني ُ‬
‫ا ْ‬
‫قي إ ِل ِباللهِ عَلي ْهِ ت َوَكل ُ‬
‫ت وَ َ‬
‫ست َط َعْ ُ‬
‫واقع بعض الدعاة المحزن‪:‬‬
‫وليت الدعاة‪ ،‬وليت الذين نصبوا أنفسهم للعمل السلمي يضعون هذا المبدأ‬
‫الذي أرشد إليه شعيب عليه الصلة والسلم نصب أعينهم‪ ،‬فل يخالفون إلى‬
‫ما ينهون عنه ليكون لكلمهم ذلك التأثير في نفوس المدعوين!‪.‬‬
‫وكم نجد أناسا ً يدعون إلى وحدة الكلمة‪ ،‬وجمع صفوف المسلمين على‬
‫الحق‪ ،‬وهم أنفسهم في واقعهم دعاة فرقة وضلل ؛ يدعون إلى التمسك‬
‫بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وهم أبعد الناس عن الكتاب‬
‫والسنة‪ ،‬يقدمون آراءهم وآراء من يقلدونهم ويتبعونهم علي الكتاب والسنة‪،‬‬
‫صراحة أو تأويل ً ‪.‬‬
‫يدعون إلى الحفاظ على الخوة اليمانية وحقوق الخوة‪ ،‬ولكنهم يزوّرون عن‬
‫إخوانهم‪ ،‬ول يفون بحقوقهم لمجرد خلف في الرأي‪ ،‬أو الفهم‪ ...‬يتحدثون عن‬
‫وجوب التثبت في نقل الخبار ولكنهم يجرون وراء الشائعات‪ ،‬ويرمون غيرهم‬
‫بفظائع التهم‪ ،‬ول يكّلفون أنفسهم الرجوع إلى مصدر صادق ليتثبتوا فيما‬
‫ينقلونه؛ لئل يظلموا إخوة لهم‪ ،‬أو يرمونهم بتهم باطلة!‬
‫يتحدثون عن تحريم الغيبة وآثارها وضررها‪ ،‬ولكنهم ل يتفكهون إل بأعراض‬
‫الخرين‪ ،‬ول يتندرون إل بما يتخيلونه من سيئ الخلل ‪.‬‬
‫ويتحدثون عن مفاصلة المشركين والعلمانيين والمرتدين والملحدين ول‬
‫يجدون بأسا ً أو غضاضة في مجالستهم ومداهنتهم‪ ،‬بل قد يرتمون في‬
‫ملون عند الله ويرجون‪...‬إلى غير‬
‫ملون عندهم ويرجون‪ ،‬ما ل يؤ ّ‬
‫أحضانهم ويؤ ّ‬
‫ذلك من المفارقات العجيبة الغريبة‪.‬‬
‫فليحذر المسلمون ذلك كله وأشباهه‪ ،‬فإنها أمراض جد خطيرة‪ ،‬ولها آثارها‬
‫السيئة‪ ،‬في حياة الدعوة والدعاة‪ ،‬نسأل الله تعالى أن يلهمنا الصواب في‬
‫القول والعمل‪ ،‬وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫من مقالة‪ ' ':‬للشيخ‪ /‬عثمان جمعة ضميرية‬
‫من‪ ] :‬مجلة البيان عدد ‪ – 1‬ذو الحجة ‪ 1406‬ه ‪ 1986‬م[‬
‫)‪(4 /‬‬
‫لماذا أسلمة المعرفة ؟‬
‫إن تقليد العلم الغربي ‪ ،‬أو استيراده ‪ ،‬ل ينشئ حضارة ‪ ،‬أو يعيد بناءها بعد‬
‫تفككها ودمارها‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إن هذا » يصنع« في أفضل حالت نجاحه عالما ثالثا يدور في فلك حضارات‬
‫الغير ‪ ..‬قد يتقدم في سّلم المدنية »المادية« لكنه على المستوى الحضاري‬
‫ل يملك خرائطه الثابتة المتميزة على سطح الكرة الرضية‪.‬‬
‫إن اليابان والصين ـ مثل ً ـ إذ قدرتا على تجاوز المرور عبر هذه القناة‬
‫ضرا ً ‪ ..‬وهما تملكان‬
‫دي وهما أكثر أصالة وتح ّ‬
‫الضّيقة‪ ،‬خرجتا من معركة التح ّ‬
‫في عالمنا المعاصر ثقلهما وحضورهما وتميزهما الملحوظ‪.‬‬
‫ماذا حدث بالنسبة لتركيا الكمالية سوى أنها أصبحت‪ ،‬حتى في منظور‬
‫در على أولئك الذين يحاولون اللحاق بالغير‬
‫الغربيين أنفسهم ‪ ،‬مثل ً يضرب للتن ّ‬

‫‪143‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وهم يتعاطون الكيدية منه ‪ ،‬ويقّلدونه صباح مساء ‪ ،‬متنازلين عن كل ما له‬
‫مساس بشخصيتهم وأصولهم الحضارية؟‬
‫إن أسلمة المعرفة ‪ ،‬من خلل هذا التحليل الموجز ‪ ،‬تبدو ضرورة بالغة لنها‬
‫ستتجاوز بمسلمي اليوم والغد إحدى اثنتين قد تأتيان عليهم كأمة متميزة ‪:‬‬
‫الذوبان في الغير ‪ ،‬أو العزلة الكلية عن الستفادة من تقدمه‪.‬‬
‫هاهنا ‪ ،‬وعندما يتاح لهذه المة أن تمارس نشاطها المعرفي في دائرة اليمان‬
‫‪ ،‬فإنها ستعرف كيف تنتزع النار المقدسة من الخرين ‪ ،‬ل لكي تحرق بها‬
‫وة والتكاثر والتكديس ‪ ،‬ولكن لكي تبني‬
‫العالم أو تدمر بها نفسها بإغراء الق ّ‬
‫ذاتها بمفردات المعرفة المنضبطة بمطالب اليمان‪ .‬بل إنها قد تمضي لكي‬
‫ي‪ :‬إعادة بناء العالم بالمعرفة المتّبصرة باليمان ‪،‬‬
‫تستعيد دورها المنس ّ‬
‫المستمدة من هدي الله سبحانه‪.‬‬
‫إن النشاط العلمي ينبثق في معظم الحيان عن رغبة في الكسب ‪ ،‬أو طموح‬
‫سعنا دائرة التحليل صوب الجماعات‬
‫وق‪ .‬فإذا و ّ‬
‫شخصي إلى الكتشاف والتف ّ‬
‫ً‬
‫مو القتصادي والعمراني‬
‫فإن النشاط العلمي يتخذ غالبا وسيلة للتح ّ‬
‫قق بالن ّ‬
‫والستراتيجي ‪ ،‬وبالقوة المسلحة‪.‬‬
‫وهذه كلها دوافع قد تكون مبررة ‪ ،‬خاصة وأنها قادت ـ بالفعل ـ إلى المضي‬
‫بالحركة العلمية صوب آفاق لم تخطر ببال إنسان ‪ ،‬وتمخضت عن نمو‬
‫وق للقوة يكاد يكون من قبيل السحر‬
‫اقتصادي وعمراني مذهل‪ ،‬وعن تف ّ‬
‫والخوارق‪.‬‬
‫لكن ماذا لو أضفنا إلى هذا كّله ‪ ،‬أو قبل هذا كله ‪ ،‬الدافع اليماني ‪ ،‬باعتباره‬
‫الدافع الكثر إلحاحا ً وإلزاما ً للنشاط العلمي الذي يجعل من سعي النسان‬
‫في العالم ضرورة أو فريضة يتقرب بها إلى الله ؟ ويتحتم على أولئك الذين‬
‫يملكون قدرة ما في نطاقها أن يواصلوا السعي لمزيد من الكتشاف ‪،‬‬
‫مو والقوة اللتين يأمر هذا الدين بالخذ‬
‫وبالتالي لمزيد من التحقق بالن ّ‬
‫بأسبابهما كشرط حاسم للتحول باليمان من مواقع العزلة والنفصال إلى‬
‫مراكز الندماج والتناغم في هذا العالم ‪ ،‬من أجل أن تكون كلمته فيه هي‬
‫الكلمة التي ل راد ّ لها‪.‬‬
‫إن »أسلمة المعرفة« تعني وفق هذا التحليل ‪ ،‬منح النشاط العلمي ‪ ،‬على‬
‫ي الكم والنوع ‪ ،‬وقودا ً جديدا ً يدفعه للمزيد من الشتعال والتألق‬
‫مستوي ْ‬
‫اللذين يكشفان عن الحقائق‪ ..‬يضيئان السنن والنواميس‪ ..‬يشيران إلى‬
‫مصادر القوة والطاقة المذخورة التي طالما أكد عليها كتاب الله ودعا‬
‫المسلمين إلى تمزيق الستار الذي يحجبها ‪ ،‬وإخراجها للناس كي تمنحهم‬
‫الخير الوفير‪.‬‬
‫المنار ‪ ،‬العدد ‪ ، 76‬ذو القعدة ‪1424‬هـ‬
‫العلوم النسانية ‪ ،‬بخلف العلوم الصرفة أو التطبيقية ‪ ،‬علوم احتمالية لكونها‬
‫تتعامل مع النسان فردا ً وجماعة ‪ ،‬وكل ما تطمح إليه هو أن تكون نتائجها‬
‫مقاربة للحقائق أو مضيئة لها‪ .‬وهذا ل يعني بطبيعة الحال أنها تخلو من‬
‫الحقائق النهائية أو القاطعة ‪ ،‬أو تفتقد نقاط الرتكاز الموضوعية‪.‬‬
‫ورغم أن عددا ً من علماء النفس والجتماع وغيرهما من العلوم النسانية ‪،‬‬
‫)ادعوا( اكتشافهم للحقيقة ‪ ،‬ومضوا أبعد من ذلك ‪ ،‬فقالوا بأن كشوفهم هي‬
‫الحق الوحيد وأن ما دونه الباطل ‪ ،‬مدفوعين في ذلك وراء إغراءات ذاتية‬
‫ليست موضوعية في معظم الحيان ‪ ،‬فإن مما يكاد يجمع عليه الباحثون‬
‫الجادون الكثر تجردا ً في دوائر العلوم النسانية ‪ ،‬أنه ليس بمقدور أحد كائنا ً‬
‫من كان ‪ ،‬أن يضع يديه على الحقائق النهائية التي ل تتعرض للتبديل أو‬
‫‪144‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫التحوير‪.‬‬
‫وعلى مدى عقود محدودة فحسب من القرن العشرين رأينا تساقط العديد‬
‫من النظريات والكشوف )النسانية( أو تعرضها للتآكل والنكسارات في أقل‬
‫تقدير ‪ ،‬لكي ما تلبث أن تخلي الطريق لمعطيات جديدة قابلة هي الخرى‬
‫للتعديل والتبديل ‪ ،‬أو اللغاء والنسحاب من مجرى التسلط العلمي ‪ ،‬ورغم‬
‫أن بعض هذه الكشوف حقق انتشارا ً كبيرا ً وأنشأ أجيال ً من الناس ‪ ،‬وأقام‬
‫دول ً وأنساقا ً فكرية شمولية فإن المصير الذي آلت إليه في نهاية المر هو‬
‫التدهور والسقوط‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫والعبرة بالنتائج كما يقول المثل ‪ ،‬ومن ثم فإن التسليم المطلق بالعلم‬
‫الغربي )النساني( من قبل العلماء العرب أو المسلمين بعامة ‪ ،‬والعتماد‬
‫عليه ‪ ،‬ونقله نقل ً اتباعيا ً أو استسلميا ً ‪ ،‬إنما هو خطأ علمي ‪ ،‬قبل أن يكون‬
‫خطيئة عقدية ‪ ،‬لكون هذه العلوم في العم الغلب ‪ ،‬تنبثق حينا ً أو تتمخض‬
‫حينا ً آخر عن منظومة من التصورات والفكار التي تتعارض ابتداًء مع التصور‬
‫الديني ‪ -‬عموما ً ‪ -‬للكون والحياة والنسان ومع التصور السلمي بوجه‬
‫الخصوص ‪ ،‬هذا التصور الذي يملك من الحيوية ما يمكنه من منح علماء‬
‫النسانية فرصا ً أفضل للتوصل إلى نتائج موضوعية‪.‬‬
‫وهذا بإيجاز شديد ‪ ،‬هو أساس الدعوة إلى أسلمة المعرفة ‪ ،‬أو التأصيل‬
‫السلمي للعلوم النسانية ‪ ،‬وهي دعوة اضطلعت بها مؤسسة كالمعهد‬
‫العالمي للفكر السلمي ‪ ،‬وتبناها بشكل عام حشد من العلماء والدارسين ‪،‬‬
‫بعد إذ رأوا فيها تعديل ً للوقفة الجانحة ‪ ،‬وعودة بالوضع الشاذ إلى سويته ‪،‬‬
‫فإن النشاط العلمي في مجال النسانيات لن يستكمل أسبابه ما لم يستهد‬
‫بمعطيات الوحي ومعاييره ‪ ،‬جنبا ً إلى جنب من معطيات الوجود ‪ ،‬إنه في هذه‬
‫الحالة سيتحرك وفق ضوابط تقيه النحراف والزلل ‪ ،‬وتقوده إلى نتائج أكثر‬
‫دقة وانضباطًا‪.‬‬
‫ولن يتحقق ذلك بطبيعة الحال ‪ ،‬ما لم تشهد الجغرافيا العربية والسلمية‬
‫حشودا ً من العلماء المتخصصين في هذا الحقل أو ذاك من حقول المعرفة‬
‫النسانية ‪ ،‬وما لم تتهيأ لهم المختبرات ووسائل العمل الملئمة والتقنيات‬
‫المتقدمة التي تعينهم في عملهم‪.‬‬
‫وحينذاك قد تستدعى كشوف )الخر( للفادة من حلقاتها اليجابية ‪ ،‬وتنميتها‬
‫والبناء عليها‪ .‬ولكن هذا الجهد ليس هو نهاية المطاف ‪ ،‬كما كان يحدث في‬
‫الماضي وإنما هو طبقة من عدة طبقات يصير فيها العالم المسلم أكثر‬
‫استقللية وأقدر على الكشف والبداع‪.‬‬
‫إن المعرفة النسانية هي في نهاية المر فرصة لتأكيد الذات ل لنفيها ‪ ،‬ولقد‬
‫مضى إلى غير رجعة ذلك الزمن البائس الذي كان العائدون من ديار الغرب ‪،‬‬
‫من المتخصصين في الفروع النسانية ‪ ،‬يرجعون وهم يحملون إحساسا ً مبالغا ً‬
‫فيه بقداسة الكشف الغربي وشموليته وقدرته على الدوام ‪ ،‬وكاد جيلنا في‬
‫خمسينيات القرن الفائت وستينياته يذهب ضحية هذه الرؤية ‪ ،‬ولول أن‬
‫تداركت رحمة الله ثلة من أبناء هذه المة رفضت النجراف بعيدا ً باتجاه‬
‫العلمانية الوربية المدعاة ‪ ،‬وتشبثت بثوابتها السلمية التي هي مع العلم‬
‫وليست نقيضه ‪ ،‬كما كان الحال في أوربا النصرانية ثم ما لبثت انهيارات‬
‫العلم النساني الغربي أن منحتهم اقتناعا ً أكثر عمقا ً بسلمة موقفهم ‪،‬‬

‫‪145‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فمضوا يشقون طريقا ً جديدًا‪.‬‬
‫ثمة ما يجب أن يقال في هذا المجال وهو أن العقل الغربي كان يملك في‬
‫الوقت نفسه القدرة المدهشة على نقد الذات ‪ ،‬ومحاولة تعديل الوقفة ‪،‬‬
‫وتغيير القناعات الخاطئة فإذا استطاع علماؤنا أن يدخلوا من هذه الثغرة‬
‫فإنهم سيفعلون الكثير‪.‬‬
‫مجلة المنار ‪ ،‬العدد ‪ ، 84‬رجب ‪1425‬هـ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لماذا اختاروا الجعفري ؟‬
‫أحمد فهمي‬
‫‪afahmee@hotmail.com‬‬
‫هل يمكن القول أن إبراهيم الجعفري مرشح السيستاني لمنصب رئاسة‬
‫الحكومة العراقية سيكون رجل إيران الول في العراق ؟ يبدو ذلك بالنسبة‬
‫للكثيرين أمرا مرجحا لسباب معروفة أبرزها أن الجعفري على علقة قوية‬
‫بإيران التي احتضنته تسع سنوات منذ فر سيرا على القدام هربا من نظام‬
‫صدام عام ‪1980‬م ‪ ،‬كما أنه يترأس حزب الدعوة الديني وهذا يقربه من‬
‫نظام المللي في طهران ‪ ،‬ولكن هل يكفي ذلك لعتباره رجل إيران في‬
‫بغداد ؟‬
‫حقيقة المر أن اختيار الجعفري لتولي رئاسة الحكومة لم يأت بسبب‬
‫تدافعات داخلية شيعية فقط ‪ ،‬فالرجل يمثل بحق نقطة اللتقاء الصلح بين‬
‫إيران والدارة المريكية ‪ ،‬وذلك عند مقارنته ببقية الزعماء الشيعة في قائمة‬
‫التحالف وأبرزهم عبد العزيز الحكيم وأحمد الجلبي ‪ ،‬وتبدو ملئمة شخصية‬
‫الجعفري للظرف السياسي الحالي في كونها تحمل كما ل بأس به من‬
‫المتناقضات والتي تجعله قابل لعادة الصياغة من جديد كما أنه لن يكون‬
‫مقيدا بأطروحات أيديولويجية تكبل تحركاته السياسية ‪ ،‬وقد كان الجعفري‬
‫يتخذ موقفا معارضا من الحملة المريكية على الفلوجة ‪ ،‬ويحاول أن يظهر‬
‫في موقف المعارض لسياسة الحتلل في نفس الوقت الذي يصر فيه على‬
‫عدم مطالبة الدارة المريكية بإعلن جدول زمني للنسحاب ‪ ،‬وهو مطلب‬
‫يظهره أتباع السيستاني أحيانا ‪ ،‬وقد صرح الجعفري بعد إعلن اختياره‬
‫لمنصب رئاسة الحكومة أنه لن يطلب من القوات المريكية مغادرة العراق‬
‫في الظرف الحالي لعدم وجود المن ‪ ،‬وهنا موطن الملئمة في شخصية‬
‫الجعفري فهو قريب من إيران أيديولويجا وسياسيا ولكنه براجماتي إلى الحد‬
‫الذي يسمح له بتأييد الحتلل المريكي دون مواربة ‪.‬‬
‫يضاف إلى ما سبق أن منصب رئيس الوزراء في الفترة القادمة تنحصر‬
‫أهميته في متابعة المهمة الرئيسة للمجلس الوطني المنتخب وهي كتابة‬
‫حدد لنتهاءها نهاية هذا العام حيث سيتم حل‬
‫دستور دائم للعراق ‪ ،‬وهي مهمة ُ‬
‫المجلس وإجراء انتخابات جديدة ‪ ،‬وهذا يعني أن الجعفري لن يسعد بمنصبه‬
‫أكثر من عشرة أشهر كحد أقصى وهي مدة متناسبة مع مواصفات المرحلة‬
‫ومع شخصية الجعفري أيضا ‪ ،‬ولتوضيح ذلك نقول أن الجعفري ل يتبنى‬
‫نموذج ولية الفقيه المطبق في إيران ‪ ،‬بل يفضل نموذجا أكثر انفتاحا ويمكن‬
‫اعتباره ممثل لليبرالية الشيعية داخل التيارات الدينية الشيعية وهذا يقربه من‬
‫الدارة المريكية ولذلك أعلن الجعفري بعد اختياره صراحة أنه لن تكون‬
‫هناك مساع لقامة دولة دينية في العراق ‪ ،‬وهو بذلك يرد على تصريحات‬

‫‪146‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫علوي التي حذر فيها من الدولة الدينية ‪.‬‬
‫وفي المقابل فإن نظام طهران صرح على لسان أكثر من مسؤول أنه ل‬
‫يكترث إذا ما أقيم نظام علماني في العراق ‪ ،‬وقال حسين موسويان رئيس‬
‫لجنة السياسة الخارجية بالمجلس العلى للمن القومي أن إيران ل تخشى‬
‫من قيام دولة ديمقراطية علمانية في العراق باعتبار ذلك يمثل تهديدا‬
‫للمؤسسة الدينية في طهران ‪ ،‬حيث ستدفع اليرانيين للمطالبة بمحاكاة‬
‫النموذج العراقي الشيعي وتطبيق تعديلت ديمقراطية ‪.‬‬
‫وقد كانت الدارة المريكية تراهن على ذلك بالفعل وتعتبر النظام العلماني‬
‫في العراق خطوة على طريق إسقاط نظام المللي في طهران وجاء اختيار‬
‫إياد علوي رئيسا للوزراء ضمن الجهود المريكية لقامة هكذا نظام ‪ ،‬ولكن‬
‫نجح مللي طهران في ممارسة ضغوطات قوية أدت إلى توحد الحزاب‬
‫الدينية الشيعية في قائمة واحدة لتركيز الدعم الشيعي الشعبي في اتجاه‬
‫الزعماء الدينيين لفرملة السعي المريكي تجاه علمنة الدولة القادمة في‬
‫العراق ‪ ،‬وهكذا وقف الطرفان في منتصف الطريق ‪ ،‬فل الجعفري يتبنى‬
‫إقامة الدولة الدينية ‪ ،‬ول الدارة المريكية حققت نجاحا في إقامة نظام‬
‫علماني ‪ ،‬ويبدو الوضع مرشحا لستمرار على هذا التأرجح حتى عند كتابة‬
‫الدستور الدائم ‪ ،‬فاحتمالت كل الدولتين ‪ :‬الدينية والعلمانية ‪ ،‬تبدو أضعف مع‬
‫مرور الوقت ويبقى النموذج المختلط رائجا والذي يناسبه ترشيح شخصيات‬
‫مثل إبراهيم الجعفري ‪ ،‬وإن كان ذلك ل ينفي أن النموذج الفضل – أمريكيا –‬
‫هو شخصية مثل إياد علوي ‪..‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ومن العوامل الداخلية التي دفعت بالجعفري للمام في اتجاه المنصب أيضا‬
‫التباينات القوية داخل الطائفة الشيعية التي تعاني من متضادات تذهب‬
‫بريحها ‪ ،‬فهناك تنافر بين العلماني والديني ‪ ،‬وبين الموالي للحتلل والموالي‬
‫ليران ‪ ،‬وبين المتشدد وبين المعتدل ‪ ،‬وبين الزعامتين السياسية والدينية ‪،‬‬
‫هذا فضل عن النقسام الحزبي ‪ ،‬وفي أغلب هذه المتضادات يحتل الجعفري‬
‫موقفا متوسطا تقريبا ‪ ،‬فهو ليس مواليا ليران بنفس مستوى ولء الحكيم‬
‫ومجلسه العلى ‪ ،‬كما أنه ليس دينيا في مستوى السيستاني والمرجعيات‬
‫الشيعية ‪ ،‬وهو أيضا زعيم سياسي لحزب ديني ‪ ،‬وعند مقارنة شخصية‬
‫الجعفري بشخصية علوي يتضح أن الثاني ل يناسب أبدا المرحلة القادمة ‪،‬‬
‫فالبعد العلماني لشخصيته وولؤه الواضح لمريكا سيمثل عامل استفزاز‬
‫للشيعة ولن يمكنه المساهمة الفعالة في تيسير عملية كتابة الدستور ‪ ،‬ومن‬
‫ناحية أخرى فإن علقة حزب الدعوة بالسنة ليست في مستوى العدائية التي‬
‫يتسم بها أداء المجلس الشيعي العلى وجناحه العسكري فيلق بدر ‪ ،‬وإن‬
‫كان الحزبان يتفقان في أيديولوجيا العداء لكن حزب الجعفري يمارس أداء‬
‫سياسيا أكثر احترافا من مجلس الحكيم ‪.‬‬
‫ويبقى لنا أن نقول أن العلقة بين أمريكا وإيران تحدد إلى درجة كبيرة طبيعة‬
‫الوضاع السياسية السائدة في العراق ‪ ،‬وعلى ضوء ذلك يمكن أن نفهم‬
‫المنحنى الزلق الذي تسير فيه إدارة بوش ‪ ،‬فهي من ناحية ل تريد أن تستفز‬
‫اليرانيين في العراق حتى ل تخرج الوضاع عن السيطرة ‪ ،‬ومن ناحية أخرى‬
‫تخشى من ردود العفل داخل العراق وبين الشيعة تجاه أي محاولة لسقاط‬
‫نظام المللي في طهران ولو بتنفيذ ضربات عسكرية للمواقع النووية ‪ ،‬وربما‬

‫‪147‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يكون سبب تأخر الضربة المريكية ليران حتى الن هو سعيها لتأمين الوضاع‬
‫السياسية في العراق وتحقيق نسبة إرضاء للشيعة تضمن سكوتهم عندما‬
‫تقوم بضرب " ماما إيران " ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لماذا السماء الحسنى !) ‪... ( 1‬‬
‫طريق القرآن ‪...‬‬
‫‪...‬‬
‫لماذا السماء الحسنى ! للجابة على هذا السؤال نقول ‪ :‬إن التوحيد كما هو‬
‫معلوم ومدلل عليه في الكتاب والسنة وأجمعت عليه المة بل وجميع الملل‬
‫هو رحى الدين والصل الصيل الذي ل يصح العلم والعمل إل به وهو الركن‬
‫َ‬
‫ن قَب ْل ِ َ‬
‫ن‬
‫ك ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ما أْر َ‬
‫الركين الذي جاءت الرسل للدعوة إليه قال تعالى?وَ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن?… ]النبياء‪.[25:‬‬
‫ل إ ِّل ُنو ِ‬
‫ه إ ِّل أَنا َفاعْب ُ ُ‬
‫َر ُ‬
‫ه ل إ ِل َ َ‬
‫حي إ ِل َي ْهِ أن ّ ُ‬
‫دو ِ‬
‫سو ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫قد ْ ب َعَث َْنا ِفي ك ّ‬
‫جت َن ُِبوا‬
‫وقال سبحانه‪ ? :‬وَل َ‬
‫ه َوا ْ‬
‫ن اعْب ُ ُ‬
‫مةٍ َر ُ‬
‫دوا الل َ‬
‫لأ ّ‬
‫سول أ ِ‬
‫ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫ت ?…]النحل‪.[36:‬‬
‫غو َ‬
‫َ‬
‫ك وَل َت َ ُ‬
‫مل ُ َ‬
‫نأ ْ‬
‫ن? …]الزمر‪[65:‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ت ل َي َ ْ‬
‫ن عَ َ‬
‫شَرك ْ َ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫كون َ ّ‬
‫حب َط َ ّ‬
‫وقال‪ ? :‬ل َئ ِ ْ‬
‫س ِ‬
‫وذلك لن العمال الصالحة التي هى ذروة سنام ما يصبو إليه كل مؤمن ما‬
‫هي إل بنيان أساسه هذا التوحيد وهذا الساس أمران ‪:‬‬
‫ـ صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته‬
‫ـ تجريد النقياد له ولرسوله دون ما سواه‬
‫ولما كانت منزلة التوحيد عظيمة ومكانته سامية فان العلماء قد اهتموا به‬
‫اهتماما ً بليغا ً تعلما ً وتعليما ً فكان في ذلك أن قسموه أقساما ً فبعضهم قال‪:‬‬
‫التوحيد ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫ـ توحيد اللهية وهو توحيد العبادة‬
‫ـ توحيد الربوبية بالعتراف بربوبية ورازقية وتدبير وحاكمية الله وحده ل‬
‫شريك له‬
‫ـ توحيد السماء والصفات‬
‫وبعضهم يفصل تفصيل ً آخر فيجعله قسمان ‪:‬‬
‫ـ توحيد في المعرفة والثبات‬
‫ـ توحيد في الطلب والقصد ‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحمه الله‪ » :‬واما التوحيد الذي دعت إليه الرسل ‪ ،‬ونزلت به‬
‫الكتب فهو نوعان ‪ :‬توحيد فى المعرفة والثبات وتوحيد فى الطلب والقصد‬
‫«‪.‬‬
‫ول تعارض بين هذين القسمين لعدة أوجه منها ‪:‬‬
‫ـ أن توحيد اللوهية نظير توحيد القصد والطلب وذلك لن مبنى هذا النوع أن‬
‫يكون الله عز وجل معبودا ً دون غيره من اللهة الباطلة تدين له القلوب‬
‫وتقصده الذوات فتكون في دينونتها ومقصدها متذللة له خاضعة معترفة‬
‫بتمام العبودية واللهية له فل تقصد بالعبادة غيره ول تطلب العون والرزق‬
‫والهداية والتوفيق وكشف الضر وجلب النفع ورفع البأس من غيره سبحانه‬
‫ضّر َ‬
‫فعُ َ‬
‫ن‬
‫ما ل ي َن ْ َ‬
‫وتعالى قال عز وجل‪َ ?:‬ول ت َد ْع ُ ِ‬
‫ك فَإ ِ ْ‬
‫ك َول ي َ ُ‬
‫ن الل ّهِ َ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ت فَإ ِن ّ َ‬
‫ن? … ]يونس‪ [106:‬وقال‪ ? :‬قُ ْ‬
‫ما‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ك ِإذا ً ِ‬
‫م َ‬
‫ل أفََرأي ْت ُ ْ‬
‫فَعَل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ضّر هَ ْ‬
‫ضّرهِ أوْ أَراد َِني‬
‫ش َ‬
‫ت َد ْ ُ‬
‫كا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ت ُ‬
‫ه بِ ُ‬
‫ن الل ّهِ إ ِ ْ‬
‫عو َ‬
‫فا ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ل هُ ّ‬
‫ن أَراد َن ِ َ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫م ْ‬
‫معَ الل ّهِ إ َِلها ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مت ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫ت َر ْ‬
‫ب َِر ْ‬
‫ن ي َد ْع ُ َ‬
‫ه?]الزمر‪ [38:‬وقال‪ ? :‬وَ َ‬
‫ح َ‬
‫سكا ُ‬
‫م ْ‬
‫ن ُ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫مةٍ هَل هُ ّ‬
‫‪148‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عن ْد َ َرّبه? …]المؤمنون‪ [117:‬وقال تعالى‪? :‬‬
‫آ َ‬
‫ه ِ‬
‫ما ِ‬
‫خَر ل ب ُْر َ‬
‫ها َ‬
‫ح َ‬
‫ساب ُ ُ‬
‫ه ب ِهِ فَإ ِن ّ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ك ن َعْب ُد ُ وَإ ِّياكَ‬
‫ل عَل َي ْهِ ? …]هود‪ ،[123:‬وجماع ذلك كله?إ ِّيا َ‬
‫َفاعْب ُد ْه ُ وَت َوَك ّ ْ‬
‫ن? …]الفاتحة‪ [5:‬فل تقصد غيره بالعبادة ول تطلب من غيره الستعانة‬
‫نَ ْ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫والتوفيق ‪.‬‬
‫فتأليهه إذا ً قصده بالعبادة والطلب منه على جهة الدعاء والدعاء هو العبادة‬
‫ن‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫ق ُ‬
‫فكان القصد والطلب هو عين العبادة تحقيقا ً لقوله تعالى‪ ? :‬وَ َ‬
‫ج ّ‬
‫ن?… ]الذريات‪ [56:‬أي ليوحدون‪.‬‬
‫س إ ِّل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫َواْل ِن ْ َ‬
‫دو ِ‬
‫ـ وأما توحيد المعرفة والثبات فل يعارض القسمة أيضا ً لنه شامل لفرعي‬
‫التوحيد الخرين فإنه من تمام المعرفة وكمال الثبات أن تعلم الموصوف‬
‫وصفاته وأفعاله على غرار ما يجب عليك نحو الموصوف وأفعاله ‪ ،‬ولذلك قال‬
‫ابن القيم ‪:‬‬
‫َ‬
‫» فالول ‪ -‬أي توحيد القصد والطلب – ما تضمنته سورة ‪ ? :‬قُ ْ‬
‫ل َيا أي َّها‬
‫ال ْ َ‬
‫ن?… ]الكافرون‪ ، [1:‬والثانى – أى توحيد المعرفة والثبات – هو‬
‫كافُِرو َ‬
‫إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه وتكلمه بكتبه ‪،‬‬
‫وتكليمه لمن شاء من عباده وعموم قضائه وقدره وحكمته « أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫فهذا الخير موجب لللهية والعبادة وقد تقدم ‪ ،‬ومتى علمت كونه رازقا ً مربيا ً‬
‫مدبرا ً حكما ً فقد وحدته بالمعرفة من جهة ووحدته بربوبيته من جهة أخرى‬
‫وإذا علمت أن له صفات ذات وأفعال وأن أسمائه مقتضية لتصافه بصفات‬
‫الكمال كعلمك مثل بكونه غفور رحيم قيوم عزيز فانك من خلل ذلك وحدته‬
‫بإثبات هذه السماء والصفات و عرفته بها وأثبت له ما تقتضيه من رحمة‬
‫ومغفرة وعزة وقيومية فتكون موحدا ً له في السماء والصفات من جهة‬
‫ثانية ‪ ،‬فثبت بهذا التوافق بين هذه النواع من هذه الجهة ‪ ،‬وأما الجهة الثانية‬
‫فهي ما قاله شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله من تضمن توحيد اللوهية‬
‫لتوحيد السماء والصفات حيث قال ‪ ) :‬التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما‬
‫يتضمن إثبات اللهية لله وحده بأن يشهد أن ل إله إل الله ول يعبد إل إياه ول‬
‫يتوكل إل عليه ول يوالي إل له ول يعادي إل فيه ول يعمل إل لجله وذلك‬
‫هَ‬
‫م إ ِل ٌ‬
‫يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من السماء والصفات قال تعالى‪? :‬وَإ ِل َهُك ُ ْ‬
‫م? … ]البقرة‪. [163:‬‬
‫ن الّر ِ‬
‫َوا ِ‬
‫ه إ ِّل هُوَ الّر ْ‬
‫حي ُ‬
‫ح َ‬
‫حد ٌ ل إ ِل َ َ‬
‫م ُ‬
‫قد تقدم قبل أن الله عز وجل أمر العباد بعبادته‪ ،‬وعد ّ ذلك أسمى مطلوب‬
‫خلق له هذا المخلوق الضعيف‪ .‬والعبادة من التعبد الذي هو التذلل والخضوع‪،‬‬
‫والشتقاق يواكب المعنى‪ ،‬فإن المعبد من الطريق هو المذلل للمشاة‪ ،‬ولكن‬
‫التذلل والخضوع للخالق له خاصية ‪ ،‬وهو أنه غير مجرد‪ ،‬إذ هو مصحوب‬
‫بالحب والرجاء‪.‬‬
‫والعبادة كما عرفها شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله‪:‬هي قول جامع للقوال‬
‫والفعال الظاهرة والباطنة التي يحبها الله ويرضاها‪.‬‬
‫فهي شاملة لعمال الجوارح والقلوب‪ ،‬بشرط أن تكون محبوبة لله عز وجل‪،‬‬
‫فاحفظ هذا وكن له على ذكر‪ .‬أما أنها كيف تكون محبوبة لله عز وجل‪ ،‬فهذا‬
‫ل يتم إل بأصلين تقدما‪ :‬التوحيد الخالص من شوائب المقاصد الدنّية‪ .‬العمل‬
‫الصالح الخالص من شوائب البدع والمبطلت الرّدية‪ .‬والذي أجمله الله بقوله‬
‫َ‬
‫شرِ ْ‬
‫م ْ‬
‫صاِلحا ً َول ي ُ ْ‬
‫حد ? … ]الكهف‪،[110:‬‬
‫ك ب ِعَِباد َةِ َرب ّهِ أ َ‬
‫ل عَ َ‬
‫تعالى‪ ? :‬فَل ْي َعْ َ‬
‫مل ً َ‬
‫وبقوله أيضا ً ? قُ ْ‬
‫م الّله ? رباه بنعمه‪،‬‬
‫م تُ ِ‬
‫ه َفات ّب ُِعوِني ي ُ ْ‬
‫حّبو َ‬
‫ل إِ ْ‬
‫حب ِب ْك ُ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫‪149‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ولنه هو الخالق البارئ؛ وذاك الطالب هو المخلوق الضعيف ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ميد ُ ? …‬
‫ف َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ح ِ‬
‫ي ال َ‬
‫قَراُء إ َِلى الل ّهِ َوالل ّ ُ‬
‫س أن ْت ُ ُ‬
‫قال تعالى‪َ ? :‬يا أي َّها الّنا ُ‬
‫ه هُوَ ال ْغَن ِ ّ‬
‫]فاطر‪.[15:‬‬
‫فإن قلت‪ :‬قد فهمنا هذا من جهة الدللة اللفظية‪ ،‬والعلقة العقدية ولكن ما‬
‫دليلك عليه؟ فالجواب‪ :‬طبعا ً الكتاب والسنة‪.‬‬
‫َ‬
‫أما الكتاب فقوله تعالى‪ ? :‬وََقا َ‬
‫ن‬
‫م اد ْ ُ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ج ْ‬
‫عوِني أ ْ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫ل َرب ّك ُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن ? … ]غافر‪ ،[60:‬وقال أيضا ً‬
‫سي َد ْ ُ‬
‫م َدا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫خُلو َ‬
‫ست َك ْب ُِرو َ‬
‫عَباد َِتي َ‬
‫يَ ْ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫ري َ‬
‫ن عَ ْ‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫هّ‬
‫ُ‬
‫ما ت َد ْ ُ‬
‫ن الل ِ‬
‫ن ِ‬
‫عو َ‬
‫م وَ َ‬
‫على لسان إبراهيم ـ عليه السلم ـ‪ ? :‬وَأعْت َزِلك ُ ْ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫ن الله ?… ]مريم‪ 48:‬ـ ‪،[49‬‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ي َعْب ُ ُ‬
‫م وَ َ‬
‫ما اعْت ََزل َهُ ْ‬
‫……… ?‪ ?48‬فَل َ ّ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫م ْ‬
‫فقابل الدعاء بالعبادة‪.‬‬
‫وأصرح منهما قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم‪ ) :‬الدعاء هو العبادة (…‬
‫] رواه الترمذي [‪.‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫سَنى َفاد ْ ُ‬
‫ماُء ال ُ‬
‫ح ْ‬
‫فنرجع إلى مقصودنا‪ ،‬وهو قول الله تعالى‪ ? :‬وَل ِلهِ ال ْ‬
‫عوهُ‬
‫س َ‬
‫ه ? … ]العراف‪ ،[180:‬فبأدنى تأمل تعلم أن المراد ] ولله السماء‬
‫بِ َ‬
‫الحسنى فاعبدوه به[‪ ،‬أو قل ] وله السماء الحسنى فادعوه بها‪ ،‬ودعاؤكم‬
‫إياه بها عبادة منكم له[‪ ،‬والله أعلم‪ .‬ولكن لعلك تقول‪ :‬كيف السبيل إلى‬
‫َ‬
‫سل ْ‬
‫مُنوا اد ْ ُ ُ‬
‫م‬
‫ذلك‪ ،‬وما مداه؟ فالجواب‪ :‬قال تعالى ? َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫خ ُلوا ِفي ال ّ ِ‬
‫َ‬
‫ة ? … ]البقرة‪ ،[208:‬قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ " إنهم أمروا أن يعملوا‬
‫كافّ ً‬
‫بجميع شعب اليمان‪ ،‬وشرائع السلم وهي كثيرة جدا ً " أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وهذا يشهد له قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) اليمان بضع وسبعون ـ‬
‫وفي رواية بضع وستون ـ شعبة‪ ،‬أعلها ل إله إل الله‪ ،‬وأدناها إماطة الذى عن‬
‫الطريق……الحديث ( … ] متفق عليه[‪ ،‬وعليه فيكون أعظم ما يمكنك أن‬
‫تلتزم به عند الدخول في السلم هو‪ ،‬ل إله إل الله‪ .‬قو ً‬
‫ل‪ :‬باللهج بها‪ ،‬فقد قال‬
‫النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي ل إله‬
‫ُ‬
‫إل الله (‪ .‬وعم ً‬
‫ه‬
‫م ْ‬
‫خل ِ ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫مُروا إ ِّل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ه ُ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫ل‪ :‬قال الله تعالى‪ ? :‬وَ َ‬
‫صي َ‬
‫ن ? … )البينة‪ :‬من الية ‪ (5‬وقال تعالى ? قُ ْ‬
‫ي‬
‫س ِ‬
‫م ْ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ال ّ‬
‫صلِتي وَن ُ ُ‬
‫كي وَ َ‬
‫ن َ‬
‫حَيا َ‬
‫دي َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ب الَعال ِ‬
‫ماِتي ل ِلهِ َر ّ‬
‫ن ?… ]النعام‪ .[162:‬واعتقادا‪ :‬قال تعالى‪ ?:‬فاعْل ْ‬
‫م َ‬
‫وَ َ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه …… ? … ]محمد‪ ،[19:‬ومن العلم ] بل إله إل الله [ العلم‬
‫ه إ ِل الل ُ‬
‫ه ل إ ِل َ‬
‫أن ّ ُ‬
‫بأسمائه وصفاته‪ ،‬ول يتم علم بل عمل‪ ،‬فقد قيل ‪ :‬هتف العلم بالعمل فإن‬
‫أجابه وإل ارتحل‪ ،‬فكن لهذا ذاكرا ً ‪ ،‬وهو أن أعلى شعب اليمان ] ل إله إل‬
‫الله [ ومنها السماء والصفات‪ .‬ثم نرجع بك إلى آلة هذه الشعب‪ ،‬وهي التي‬
‫جمعها شيخ السلم في تعريفه للعبادة‪ ،‬وهي العمال الظاهرة والباطنة‬
‫والقوال الظاهرة والباطنة‪.‬‬
‫أما العمل الظاهر فهو العمل بالجوارح‪ ،‬وأما العمل الباطن فهو المتعلق‬
‫بالقلب من جهة التأثر‪ ،‬كالخشية والرجاء مث ً‬
‫ل‪ ،‬وأما القول الظاهر فهو الذكر‪،‬‬
‫والقول الباطن هو العتقاد‪.‬‬
‫فكانت العبادة شاملة عامة‪ ،‬تجمع قلبك وقالبك لله‪ ،‬فأنت به وله وإليه وعليه‪،‬‬
‫ل تخرج عن طواعيته طرفة عين ‪ .‬قال تعالى‪ ? :‬ول َ َ‬
‫ن ِفي‬
‫هأ ْ‬
‫م َ‬
‫سل َ َ‬
‫َ ُ‬
‫م ْ‬
‫َْ‬
‫ن ? … ]آل عمران‪.[83:‬‬
‫ماَوا ِ‬
‫جُعو َ‬
‫وعا ً وَك َْرها ً وَإ ِل َي ْهِ ي ُْر َ‬
‫ال ّ‬
‫س َ‬
‫ض طَ ْ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫فلك في كل خطرة من خطراتك‪ ،‬وحركة من حركاتك عبادة‪ ،‬وكل عبادة في‬
‫عباداتك يجب أن تكون لله‪ ،‬ول يتم لك ذلك إل بأن تكون عالما ً بأسمائه‬

‫‪150‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وصفاته‪ ،‬فللقلب عبادة‪ ،‬وللبصر عبادة‪ ،‬ولليد عبادة‪ …… ،‬وهكذا‪.‬‬
‫فعلمك بأن الله عليم وأن علمه وسع السماوات والرض وأنه ل تخفى عليه‬
‫خافية وأنه يعلم السر وأخفى عبادة القلب لله باسمه العليم ‪ .‬استحضارك أن‬
‫الله عليم بأفعالك فتنزه لجله السمع عن سماع اللغو والباطل عبادة لله‬
‫باسمه )العليم( ‪ .‬استحضارك أن الله عليم بأفعالك فتنزه لجله البصر عن‬
‫النظر إلى المحرمات‪ ،‬عبادة لله باسمه ) العليم (‪.‬‬
‫وكذا علمه بأقوالك فتذكره‪ ،‬وتتنزه عن قول الزور والباطل واللغو‪ ،‬وهكذا‬
‫اليد والرجل وغيرها من الجوارح‪ ،‬وكل السماء على هذا كما سيأتي عند‬
‫شرحنا لكل اسم منها ‪ .‬قال ابن القيم رحمه الله في ]مفتاح دار السعادة[‬
‫ص )‪ " :(1/137‬والسماء الحسنى والصفات العلى مقتضية لثارها من‬
‫العبودية‪ ،‬فلكل صفة عبودية خاصة هي موجباتها ومقتضياتها‪ ،‬أعني موجبات‬
‫العلم بها‪ ،‬والتحقق بمعرفتها ‪.‬‬
‫وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية‪ ،‬التى على القلب و الجوارح‪ ،‬فعلم العبد‬
‫بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع‪ ،‬والعطاء والمنع‪ ،‬والخلق‪ ،‬والرزق والحياء‬
‫والماتة يثمر له عبادة التوكل عليه باطنا ً ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا‪.‬‬
‫وعلمه بسمعه تعالى وبصره وأنه ل يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ول‬
‫في الرض‪ ،‬وأنه يعلم السر وأخفى‪ ،‬ويعلم خائنة العين وما تخفي الصدور‬
‫يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما ل يرضي الله وأن‬
‫يجعل تعلق هذه العضاء بما يحبه الله ويرضاه فيثمر له ذلك الحياَء باطنا ً‬
‫ويثمر له الحياُء اجتناب المحرمات والقبائح‪.‬‬
‫ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء‬
‫وتثمر له ذلك في أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه …‬
‫" أ‪.‬هـ ‪ .‬وعليه فثمرة هذه المعرفة من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة‬
‫بحسب درجة المعرفة والعلم بهذه السماء والصفات‪ ،‬فمتى كانت المعرفة‬
‫بها عالية وصحبها العمل أثمرت ثمارا ً يانعة‪ ،‬وغمرت صاحبها بالمعارف‬
‫القلبية‪ ،‬والعمال الظاهرية‪ ،‬ومتى نقصت‪ ،‬نقصت ثمرتها‪ .‬وأكد هذا المعنى‬
‫رحمه الله في موضع آخر فقال في كتابه البديع ] طريق الهجرتين [ ص )‬
‫‪ " : ( 215‬ومن كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى واستقراء آثارها‬
‫في الخلق والفعل رأى الخلق والمر منتظمين بها أكمل انتظام‪ ،‬ورأى‬
‫سريان آثارها فيهما‪ ،‬وعلم بحسب معرفته ما يليق بكماله وجلله …… " ‪.‬‬
‫والمر كما قال ـ رحمه الله ـ فإن العبادة ل تتم إل بالمعرفة والعلم بهذه‬
‫السماء والصفات‪ ،‬لن من ل يدرك حقيقة اسم )العليم(‪) ،‬الخبير(‪) ،‬اللطيف(‬
‫…… ل يمكنه أن يعبده حق عبادته‪ ،‬ولذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‬
‫يقول‪ ) :‬أنا أعلمكم بالله (‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫وشتان بين مصليين‪ ،‬مصل قائم بين يدي ربه‪ ،‬عالم باطلع ربه على كل‬
‫صغير وكبير من حركاته ظاهرا ً وباطنًا‪ ،‬مستحضرا ً لذلك‪ ،‬وآخر ل يعلم من‬
‫اسم )العليم( إل رسمه‪ ،‬وما ورثه عن أبيه وأمه‪ ،‬إن كانا ورثاه من المعرفة‬
‫شيئًا‪ .‬والله أعلم‪ ،‬والحمد لله أول ً وأخرا ‪ ،،‬الحلقة القادمة " قواعد لمعرفة‬
‫السماء الحسنى "‬
‫)‪(4 /‬‬

‫‪151‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لماذا الدعوة إلى الّله عز وجل ؟‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله‪ ،‬نبينا‬
‫محمد وآله وصحبه‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫ن أيّ داعية إلى‬
‫أ‬
‫يعقل‬
‫ل‬
‫إذ‬
‫المقالة‪،‬‬
‫هذه‬
‫عنوان‬
‫غرابة‬
‫فقد يبدو لول وهلةٍ‬
‫ّ‬
‫ف الغاية من دعوته إلى الله عز وجل‪ ،‬وجهادهِ في سبيله‬
‫الله عز وجل ل يعر ُ‬
‫ن هناك فرقٌ بين المعرفةِ الذهنية‬
‫سبحانه؛ وهذا صحي ٌ‬
‫ح من حيث الجملة‪ ،‬ولك ْ‬
‫المجردة‪ ،‬وبين التحرك بهذه المعرفة‪ ،‬والسير على ضوئها في واقع الناس‬
‫ودعوتهم إلى الله عز وجل‪ ،‬وكم رأى الواحد من نفسه ومن غيره غفلت عن‬
‫ه مغالطات‬
‫هذه الهداف‪ ،‬أو مصادماتها لواقع الدعوة العملي‪ ،‬مما ينشأ عن ُ‬
‫وانحرافات‪ ،‬وسببها البعد ُ عن هذه الهداف‪.‬‬
‫س بين الحين والخر على‬
‫والمحافظة على هذه الهداف‪ ،‬ومحاسبة النف ِ‬
‫تحقيقها‪ ،‬كفي ٌ‬
‫ل إن شاء الله تعالى أن تنطلق الدعوة بعيدة عن حظوظ‬
‫النفس وأهوائها‪ .‬وبالتالي يجد ُ الداعي أثر دعوته وثمرتها جلّيا وسريًعا في‬
‫ضا الحماس والندفاع إلى‬
‫نفسه وفي واقع الناس‪ ،‬كما يجد ُ في نفسهِ أي ً‬
‫ل ول فتور‪ ،‬وأكبر من ذلك كله قبول سعيه عند الله‬
‫الدعوةِ والجهاد‪ ،‬بغير مل ٍ‬
‫عز وجل‪.‬‬
‫ن حصرها‬
‫يمك‬
‫وجل‪،‬‬
‫عز‬
‫الله‬
‫سبيل‬
‫في‬
‫والجهاد‬
‫للدعوة‬
‫الساسية‬
‫والهداف‬
‫ُ‬
‫فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬التعّبد لله عز وجل بهذه الشعيرة العظيمة‪ ،‬شعيرة المر بالمعروف‬
‫والنهي عن المنكر‪ ،‬والتي هي أصل الدعوة إلى الله عز وجل والجهاد في‬
‫ب ربه ويحب ما يحبه‬
‫ه عبد لله عز وجل‪ ،‬يح ّ‬
‫سبيله سبحانه‪ ،‬فشعور الداعية أن ّ ُ‬
‫ربه من الدعوة والجهاد‪ُ ،‬يعد ّ من أكبر الدوافع إلى بذل الجهد والجهاد في‬
‫سبيل الله تعالى‪ ،‬ولو لم يحصل الداعية في دعوته وجهاده إل ّ على شعوره‬
‫ة‬
‫ن في مصاحب ِ‬
‫بالعبودية لله عز وجل لكفى بذلك دافًعا وغاية عظيمة‪ .‬كما أ ّ‬
‫شعور العبادة لله تعالى في جميع تحركات الداعية‪ ،‬أكبر الثر في التربية على‬
‫الخلص‪ ،‬وتحري الحق والصواب‪ ،‬واللذان هما شرطا قبول العبادة‪ ،‬والعكس‬
‫ه متعبد ٌ لله تعالى بدعوته وحركته‪،‬‬
‫من ذلك عندما ينسى أو يغفل الداعية أن ّ ُ‬
‫ف إخلصه‪ ،‬وتبدأ حظوظ النفس والهوى يسيطران على‬
‫ه بذلك يضع ُ‬
‫فإن ّ ُ‬
‫ج عنه في نهاية‬
‫القلب‪ ،‬كما يضع ُ‬
‫ف مع ذلك اتباع الدليل وتحري الحق‪ ،‬مما ينت ُ‬
‫المر فتور الداعية‪ ،‬أو مزلة قدمه والعياذ بالله تعالى‪.‬‬
‫‪ -2‬الفوز برضوان الله تعالى وجنته في الدار الخرة‪ ،‬وهذا هو ثمرة التعّبد لله‬
‫عز وجل السابق ذكرها‪ ،‬وهي الغاية العظمى التي وعد الله عز وجل بها‬
‫عباده المرين بالمعروف والنا هين عن المنكر‪ ،‬والداعين إليه على بصيرة‪،‬‬
‫ولقد تكاثرت اليات في كتاب الله عز وجل التي تمدح الداعين إليه سبحانه‪،‬‬
‫والصابرين على ما أصابهم في سبيله‪ ،‬وما ُأعد لهم في الدار الخرة من‬
‫الرضوان والنعيم المقيم‪ .‬وعندما ينشد ُ الداعية إلى هذه الغاية‪ ،‬وتنجذب‬
‫ه يستسهل الصعاب‪ ،‬ويمضي في طريقه بقوةٍ وعزيمة وثبات‪،‬‬
‫نفسه إليها‪ ،‬فإن ّ ُ‬
‫ه بذلك ل يلتفت إلى‬
‫كما أنه عندما يتعلق بهذه الغاية العظيمة ول ينساها‪ ،‬فإن ّ ُ‬
‫أعراض الدنيا الزائلة‪ ،‬ول ينتظُر جزاَء عمله ودعوته وجهاده في الدنيا‪ ،‬وإّنما‬
‫ض نفسه وُيرّبيها على أن تعطي من صبرها وجهدها وجهادها‪ ،‬ول تأخذ‬
‫يرو ُ‬
‫ً‬
‫منه شيئا في الدنيا‪ ،‬وإنما تنتظر العطاء والثواب في الدار الخرة من ربها‬
‫ن أصحاب هذه النفوس المخلصة‪ ،‬ل‬
‫الكريم‪ ،‬في دار النعيم المقيم‪ ،‬ولذلك فإ ّ‬
‫يتطرق إليهم الوهن ول الفتور الذي يتعرض له أصحاب الغراض الدنيوية‬
‫القريبة‪ ،‬الذين إن حصلوا على أهدافهم في الدنيا رضوا وواصلوا العطاء‪ ،‬وإن‬
‫‪152‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تأخرت عليهم فتروا وكلوا وتوقفوا‪.‬‬
‫ن وقت ومكان‬
‫ما أصحاب الغاية العظيمة فهم ل يفترون ول يتوقفون‪ ،‬ل ّ‬
‫أ ّ‬
‫ه الدنيا‪ ،‬وإّنما فى الدارِ الخرة‪ ،‬دار الحساب والجزاء‪،‬‬
‫توفيت الجر ليس مجال ُ‬
‫ولذلك فهم يعملون وُيجاهدون حتى يأتيهم اليقين‪.‬‬
‫‪ -3‬إنقاذ الناس ‪ -‬بإذن الله تعالى ‪ -‬من عبادةِ العباد إلى عبادة الله وحده ل‬
‫شريك له‪ ،‬ومن ُ‬
‫ق الدنيا وشقائها إلى‬
‫ظلم الديان إلى عد ِ‬
‫ل السلم‪ ،‬ومن ضي ِ‬
‫ب النار يوم القيامة إلى جنات النعيم‪.‬‬
‫سعتها وسعادتها‪ ،‬ومن عذا ِ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وعندما يتذكُر الداعية هذه المهمة الجسيمة‪ ،‬وهذا الهدف الساس من دعوته‬
‫ف من جهده‪ ،‬ول يقّر له قرار وهو يرى الشرك‬
‫ه ُيضاع ُ‬
‫وجهاده‪ ،‬فإن ّ ُ‬
‫المستشري في المة‪ ،‬والفساد المستطير في مجتمعات المسلمين؛ والذي‬
‫يؤول بالناس إلى الشقاء والظلم وكثرة المصائب في الدنيا‪ ،‬وإلى العذاب‬
‫الليم في الخرة‪ .‬ولذلك فل ترى الداعية المدرك لهذه الغاية من دعوته‪ ،‬إل ّ‬
‫فا على نفسه وعلى الناس من عذاب الله عز وجل في الدنيا والخرة‪ ،‬ول‬
‫خائ ً‬
‫ما بهم‪ ،‬يريد من دعوته هداية الناس‪ ،‬وإنقاذهم بإذن‬
‫تراهُ إل ناص ً‬
‫حا للعباد رحي ً‬
‫الله تعالى من الظلمات إلى النور‪ ،‬ومن عذاب الله عز وجل في الدنيا‬
‫ن حاله ومقاله يردد ُ قول مؤمن آل فرعون لقومه‪ ،‬فى قول‬
‫والخرة‪ ،‬ولسا ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مث ْ َ‬
‫الله عز وجل‪ )) :‬وََقا َ‬
‫ب‬
‫ن َيا قَوْم ِ إ ِّني أ َ‬
‫خا ُ‬
‫م ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ل ي َوْم ِ اْل ْ‬
‫ف عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ذي آ َ‬
‫حَزا ِ‬
‫م َ‬
‫مث ْ َ ْ‬
‫ب قَوْم ِ ُنوٍح وَ َ‬
‫ريد ُ ظ ُْلما ً ل ِل ْعَِبادِ‬
‫ن ِ‬
‫مود َ َوال ّ ِ‬
‫ِ‬
‫ما الل ّ ُ‬
‫م وَ َ‬
‫ن ب َعْدِهِ ْ‬
‫عاد ٍ وَث َ ُ‬
‫ل د َأ ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ويا قَوم إني أ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ما‬
‫ن‬
‫ري‬
‫ب‬
‫د‬
‫م‬
‫ن‬
‫لو‬
‫و‬
‫ت‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫د‬
‫نا‬
‫ت‬
‫ال‬
‫م‬
‫و‬
‫ي‬
‫م‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ف‬
‫خا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ََ‬
‫ْ ْ َ ْ َ‬
‫ْ‬
‫َ ْ َ َ َ ُ ِْ ِ َ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ ِ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫هاد ٍ (( )غافر‪ 30 :‬ـ ‪. (33‬‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ما‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ض‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫م‬
‫ص‬
‫عا‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ َ ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ٍ َ َ ْ‬
‫ن مثل هذا الشعور‪ ،‬ليضفي الرفق بالناس والصبر على إعراضهم وأذاهم‪،‬‬
‫وإ ّ‬
‫والحرص على ك ّ‬
‫ح لهم أبواب الخير‪ ،‬أو يغلق عنهم أبواب الشر‪،‬‬
‫ل يفت ُ‬
‫ل مجا ٍ‬
‫ة المصلحين الداعين إلى الخير وهداية الناس في‬
‫ئ في القلب محب َ‬
‫كما ينش ُ‬
‫ه يدفعُ إلى بذل الجهد‪ ،‬والتخطيط والتعاون مع‬
‫أي مكان من الرض‪ ،‬كما أن ّ ُ‬
‫دا عن التعصب والحزبية والولء‬
‫جميع الداعين إلى الخير والبر والتقوى‪ ،‬بعي ً‬
‫ات الملوثة‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لماذا اللغة العربية ؟ !‬
‫بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي‬
‫وتهم‬
‫ِإن واقع اللغة العربية اليوم يتأّثر كثيرا ً بواقع المسلمين‪ ،‬فهي تقوى بق ّ‬
‫ة بكل‬
‫ديات‪ ،‬تبقى حي ّ ً‬
‫وتضعف بضعفهم‪ ،‬ولكنها تبقى في الميدان تصارع التح ّ‬
‫ضّيق عليها أو غزاها الظالمون‪ ،‬ومهما اشتد ّ المكر والكيد‬
‫خصائصها مهما ُ‬
‫لتوهينها أو عزلها عن الميدان‪.‬‬
‫ُ‬
‫ف‬
‫مها وتضع ُ‬
‫م ِ‬
‫وة أ َ‬
‫وجميع اللغات تخضع إلى هذه القاعدة‪ ،‬فهي تقوى بق ّ‬
‫بضعفها‪ ،‬ولكنها ل تستطيع كّلها الصمود أمام التحديات التي تظهر أمامها‪.‬‬
‫ويضرب لنا التاريخ أمثلة كثيرة على لغات وقفت ثم تراجعت‪ ،‬وعلى لغات‬
‫أصبحت مجّرد تاريخ‪ ،‬وعلى لغات بادت مع شعوبها‪.‬‬
‫واختلف اللغات بين ا ُ‬
‫لمم والشعوب آية من آيات الله‪ ،‬تحمل العبرة للتأمل‬
‫والتدبر ‪:‬‬

‫‪153‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫) ومن آياته خلق السموات والرض واختلف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك‬
‫ليات للعالمين (‬
‫] الروم ‪[ 22 :‬‬
‫ن اللغة العربية تمّيزت بخصائص لم تتوافر لي لغة ُأخرى‪ِ .‬إنها تمّيزت‬
‫ولك ّ‬
‫ديات حّية قوية‪ ،‬تدفع‬
‫بخصائص وهبتها القدرة العظيمة على الصمود أمام التح ّ‬
‫وتدافع وتصارع‪ .‬وبعض هذه المّيزات ينبع من إمكاناتها الذاتّية التي وهبها إياها‬
‫وها‪ ،‬ومنها ما هو نعمة من الله عليها وعلى‬
‫الله من خلل مراحل تاريخها ونم ّ‬
‫المسلمين وعلى الناس كافة‪ ،‬حين اختارها الله لغة رسالته ِإلى عباده ولغة‬
‫دينه‪ ،‬وحين تعّهد الله بحفظ الذكر الذي نزل بها‪.‬‬
‫ديات وصعوبات نابعة من واقع المسلمين‪ ،‬فلقد‬
‫وتمّر اللغة العربية اليوم بتح ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫فقد الكثيرون من المسلمين اليوم الحافز اليماني لتعلم اللغة العربّية‪ .‬ظ ّ‬
‫بعضهم أنه يمكن الستغناء عن اللغة العربية‪ ،‬وأنه يمكن دراسة القرآن‬
‫ُ‬
‫جما إليها‪ .‬فضعفت النية‬
‫الكريم والسنة المطهرة بأي لغة أخرى إذا ُتر ِ‬
‫والعزيمة لتعّلم لغة القرآن الكريم والتمسك بها في مناطق كثيرة في العالم‬
‫ي‪،‬‬
‫ي‪ ،‬مع ما أخذ المسلمون يعانون منه من غزو كاسح وفواجع ومآس َ‬
‫السلم ّ‬
‫وهزائم في أكثر من ميدان‪.‬‬
‫ولقد تبع هذه الظاهرة وصاحبها ضعف في التصور اليماني والتوحيد وضعف‬
‫في تدّبر منهاج الله وفهمه وممارسته في واقع الحياة‪.‬‬
‫وقد أدرك العداء أهمية اللغة العربية وخطورة منزلتها في السلم وفي فهم‬
‫كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فكان من أهم محاولتهم‬
‫ِإضعاف صلة المسلم بلغته العربية‪ ،‬وِإضعاف شعوره بضرورة التمسك بها‪،‬‬
‫وط َْرح أفكار غريبة مريبة تصرف المسلم عن لغة دينه ورسالته في الحياة‪.‬‬
‫ة‬
‫ة متواصل ً‬
‫واستمرت هذه المحاولت قرونا ً واستغرقت جهودا ً كثيرة‪ ،‬ومتابع ً‬
‫ت أفكار لتغيير قواعد اللغة العربية أو بعضها‪ ،‬وأفكار لتغيير‬
‫دون ملل‪ .‬فَط ُرِ َ‬
‫ح ْ‬
‫أحرفها وكتابتها‪ ،‬وأفكار لتغيير الشعر العربي‪ .‬وكانت هذه المحاولت والفكار‬
‫التي ت ُط َْرح مرتبطة بسائر المناهج والتخطيط الذي يضعونه لغزو العالم‬
‫ليمانية والفكرية والبشرية وغيرها‪.‬‬
‫لسلمي‪ ،‬وتدمير طاقاته ا ِ‬
‫ا ِ‬
‫لعل هذا الواقع المؤلم لم يشهد مثله تاريخ المسلمين الطويل‪،‬ول انحسرت‬
‫اللغة العربية مثل انحسارها اليوم‪ .‬ولكننا نسرع بالقول لنبّين ونؤكد أنها‬
‫ديات كلها‪ ،‬وأنها ستنتصر‪ ،‬وينتصر‬
‫مازالت صامدة في الميدان تجابه التح ّ‬
‫المسلمون‪ ،‬وتعلو كلمة الله لتكون هي العليا‪ ،‬تدّوي بها اللغة العربية ‪ :‬الله‬
‫أكبر‪ ،‬الله أكبر !‬
‫لم يكن المسلمون يسّنون قانونا ً عسكريا ً أثناء فتوحاتهم يفرضون على‬
‫الناس به تعّلم اللغة العربية‪ .‬لم يكن انتشار اللغة العربية في الرض انتشار‬
‫قسر وقهر‪ .‬لقد أقبلت الشعوب كلها على تعلم اللغة العربّية إقبال شوق‬
‫ورغبة‪ ،‬بعد أن أسلمت وآمنت‪ ،‬وبعد أن عرفت من إيمانها وإسلمها منزلة‬
‫اللغة العربية في السلم‪ .‬وظلت اللغة العربية تنتشر بين الشعوب سواء‬
‫مهزومين‪ .‬ون ََبغ من الشعوب غير العربية‬
‫أكان المسلمون منتصرين أم َ‬
‫لسلم للشعوب رسالته الربانّية‪،‬‬
‫عباقرة في اللغة وأئمة فيها‪ ،‬حين قدم ا ِ‬
‫ليمان والتوحيد‪ ،‬وحين تساوت الشعوب في ظلل هذه الرسالة وفي‬
‫رسالة ا ِ‬
‫ظلل العبودية لله رب العالمين‪.‬‬
‫ً‬
‫) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن‬
‫أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (‬
‫] الحجرات ‪[ 13 :‬‬
‫‪154‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ويوم فتح مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬يا معشر قريش إن‬
‫الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالباء‪ ،‬الناس من آدم‪ ،‬وآدم من‬
‫تراب " )‪. (1‬‬
‫وفي حجة الوداع خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس‪ ،‬فكان‬
‫من بين ما قاله ‪ " :‬أيها الناس ! إن ربكم واحد‪ ،‬وإن أباكم واحد‪ ،‬كلكم لدم‪،‬‬
‫ي فضل إل‬
‫وآدم من تراب‪ .‬أكرمكم عند الله أتقاكم‪ ،‬وليس لعربي على عجم ّ‬
‫بالتقوى‪ .‬أل هل بلغت ؟! اللهم اشهد ! قالوا ‪ :‬نعم‪ .‬قال ‪ :‬فليبّلغ الشاهد‬
‫الغائب "‪. (2) .‬‬
‫فلم يكن انتشار اللغة العربية بين الشعوب إل بحافز إيماني‪ ،‬يزيده قوة‬
‫ووضوحا ً امتداد السلطان والنفوذ‪ ،‬وامتداد الدعوة السلمية في الرض‪.‬‬
‫وأصبحت اللغة العربية أحد العوامل الجامعة للمة المسلمة‪ ،‬وستظل كذلك‬
‫على مدى التاريخ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ديات الشيء الكثير‪ .‬فقد‬
‫ولكننا اليوم نشهد واقعا ً جديدا ً يحمل من التح ّ‬
‫مُنوا بالهزائم تلو الهزائم‪،‬‬
‫انحسر سلطان المسلمين‪ ،‬وتمّزقت ديارهم‪ ،‬و ُ‬
‫وغلب العداء على مواقع كثيرة‪ ،‬وأخذ اليمان يضعف في بعض النفوس‪،‬‬
‫ف ويبهت‪ ،‬حتى غلب الهجر لمنهاج الله لدى كثير من‬
‫والعلم بمنهاج الله يج ّ‬
‫المسلمين ‪:‬‬
‫ب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ً (‬
‫) وقال الرسول يا ر ّ‬
‫] الفرقان ‪[ 30 :‬‬
‫وامتدت الفتنة في كثير من ديار المسلمين‪ ،‬وأخذت الفتنة أشكال ً مختلفة‬
‫لحباط ِإلى نفوس كثيرة‪ .‬وتبع ذلك كله ضعف عام لدى‬
‫متعدّدة‪ ،‬وتسّلل ا ِ‬
‫المسلمين في اللغة العربية !‬
‫فلقد انتشرت اللغات العامّية ولهجاتها‪ ،‬وأصبح العامة من العرب أنفسهم ل‬
‫يعرفون اللغة العربية الصحيحة‪ ،‬ول يعرفها كذلك كثير من المثقفين العرب‪.‬‬
‫وانتشرت الخطاء اللغوية في بعض الصحف والمجلت‪ ،‬والكتب وبعض‬
‫الذاعات‪ .‬وفي مناطق كثيرة في العالم السلمي غلبت اللغات القومية‬
‫وانحسرت اللغة العربية أو اختفت‪ ،‬وضعف الشعور باحترامها وتقدير منزلتها‬
‫ي بضرورة تعلمها‪،‬‬
‫في دين الله‪ ،‬وضعف الحافز اليماني والوعي السلم ّ‬
‫وضعفت النّية تبعا ً لذلك وهبطت الجهود‪ .‬وقد ترى الرجل المسلم ينال أعلى‬
‫الدرجات العلمية في أبواب شتى من العلوم‪ ،‬ويتقن من أجل ذلك اللغات‬
‫الجنبية ويبذل الجهد الكبير من أجل إتقانها‪ ،‬حافزه ُ في ذلك الدنيا ونيل‬
‫ي‬
‫ليمان ّ‬
‫الشهادة وما يتبعها من مصالح دنيوية‪ ،‬ول يجد في نفسه الحافز ا ِ‬
‫لدراسة اللغة العربية‪ ،‬ول الحافز الدنيوي‪.‬‬
‫ب فكره وأدبه بلغة أجنبية عنه وعن‬
‫وقد تجد المفكر المسلم أو الديب يص ّ‬
‫قومه وعن دينه‪ ،‬أو بلغته القومية‪ ،‬بعد أن هبط الشعور والحساس بضرورة‬
‫ي أو اختفى‪.‬‬
‫ليمان ّ‬
‫تعلم اللغة العربية‪ ،‬وهبط الحافز ا ِ‬
‫ونجد في بعض أقطار العالم السلمي أن اللغة العربية قد اختفت‪ ،‬واختفت‬
‫حروفها وقواعدها‪ .‬ونجد أن اللغة الجنبية‪ ،‬لغة المحت ّ‬
‫ل الظالم الطاغي الذي‬
‫ي أو ذاك‪ .‬وانتشرت مع هذه‬
‫يحارب السلم‪ ،‬سادت في هذا البلد السلم ّ‬
‫ومات‬
‫الظاهرة بعض العصبيات الجاهلية‪ ،‬وبهتت روح اليمان والعتزاز بمق ّ‬
‫السلم ولغة القرآن والوحي‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ونجد كذلك أن بعض المسلمين ل يتكلمون اللغة العربّية في المؤتمرات‬
‫العلمّية أو السلمية أو الدولية‪ ،‬بينما نجد آخرون يلتزمون لغتهم القومية في‬
‫مثل هذه المؤتمرات‪.‬‬
‫وتنحسر اللغة العربية في الفنادق والمطاعم وغيرها من مواقع السياحة في‬
‫كثير من أقطار العالم السلمي‪ ،‬وتنحسر كذلك في اللفتات على المحلت‬
‫التجارية والصناعية وغيرها من المراكز العلمّية والعلمية‪.‬‬
‫ديات بقوة‬
‫ومع هذا النحسار الشديد فإن اللغة العربّية واجهت هذه التح ّ‬
‫جلت انتصارات كثيرة في مواقع عديدة‪ .‬فهناك مسلمون‬
‫وثبات وصمود‪ ،‬وس ّ‬
‫في ك ّ‬
‫ل بلد إسلمي يصّرون على تعلم اللغة العربية وعلى استخدامها‪ ،‬سواء‬
‫لسلم ودراسة‬
‫أكان ذلك في بلدهم أم في بلد عرب ّ‬
‫ي يرتحلون إليه لدراسة ا ِ‬
‫اللغة العربية‪.‬‬
‫إنهم يفعلون ذلك بحافز إيماني واع ومبادرة ذاتية‪ .‬فهذه الجامعات السلمية‬
‫م الشباب المسلمين من أقطار شتى من‬
‫في المملكة العربية السعودية تض ّ‬
‫ُ‬
‫العالم السلمي‪ ،‬وكذلك جامعات بعض القطار العربية الخرى‪ .‬وترى بعض‬
‫المسلمين يصّرون على حفظ القرآن الكريم باللغة العربية دون أن يعرفوا‬
‫اللغة العربية‪ِ ،‬إنها ظاهرة تد ّ‬
‫ل على إصرار المسلم على اللغة العربية‬
‫ديات الشديدة التي برزت‬
‫وارتباطها بالقرآن الكريم‪ ،‬وتدل على مجابهة التح ّ‬
‫في العصر الحاضر‪.‬‬
‫وهناك مواقف كثيرة تد ّ‬
‫ديات القائمة‪،‬‬
‫ل على صمود المسلمين أمام التح ّ‬
‫وتدل على وعيهم لمنزلة اللغة العربية في السلم‪ .‬وإننا ندعو الله أن تنمو‬
‫م هذا الوعي جميع المسلمين‪.‬‬
‫هذه المواقف وتمتد وتنتشر ليع ّ‬
‫إن أعداء الله لم يلقوا سلحهم‪ ،‬ولم يوقفوا مكرهم ضد السلم والمسلمين‬
‫ورون أساليبهم‬
‫وضد اللغة العربية‪ ،‬بل على العكس من ذلك‪ ،‬فإنهم يط ّ‬
‫وكيدهم دون ملل أو يأس‪ .‬وعسى أن يرد ّ الله مكرهم إلى نحورهم‪ ،‬وعسى‬
‫أن يصبح ما ينفقون من أجل ذلك حسرة عليهم ‪:‬‬
‫)‪ ...‬ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (‬
‫] النفال ‪[ 30 :‬‬
‫) إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم‬
‫م يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (‬
‫تكون عليهم حسرة ث ّ‬
‫] النفال ‪[ 36 :‬‬
‫صل التخطيط لحماية‬
‫ولكن يجب علينا أن نضع نهجنا نحن المسلمين‪ ،‬وأن نف ّ‬
‫اللغة العربية وإعزازها وإعلء كلمة الله في الرض‪ .‬ومن أجل ذلك يجب أن‬
‫تعرف الناشئة منزلة اللغة العربية في دين الله‪ ،‬وواجبها الشرعي على ضوء‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ً‬
‫لقد كانت اللغة العربية لغة العرب وحدهم قبل أن يبعث الله محمدا صلى‬
‫الله عليه وسلم وقبل بدء الوحي‪ .‬فمن اللحظة التي نزل فيها الوحي على‬
‫ي الخاتم باللغة العربية واختار الله سبحانه وتعالى هذه اللغة العظيمة‬
‫النب ّ‬
‫لتكون لغة الوحي والن ُّبوة‪ ،‬ولغة القرآن الكريم‪ ،‬منذ تلك اللحظة أصبحت‬
‫اللغة العربية هي لغة رسالة السلم‪ ،‬لغة المة المسلمة مدى الدهر‪ ،‬لغة كل‬
‫مسلم‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬

‫‪156‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لقد نمت اللغة العربية من خلل تاريخ طويل مّرت به الجزيرة العربية وبلد‬
‫الشام والعراق‪ .‬واستقرت على صورة من القواعد والبناء والبيان في نثرها‬
‫ددت مفهومات مصطلحاتها وتعبيرها‪ ،‬وأساليب بيانها‪ ،‬حتى‬
‫وشعرها‪ ،‬وتح ّ‬
‫تمّيزت بذلك كله بروعة البيان وجمال التعبير وأسر الكلمة‪ ،‬وعبقرية شعرها‬
‫وحرفه بالوزن والقافية‪ ،‬وحتى أصبحت هذه اللغة العظيمة غنّية بكلماتها‬
‫ومشتقاتها وقواعدها وبلغتها‪ .‬وأصبحت غنية بنغمتها وموسيقاها‪ ،‬وأصبح‬
‫البيان يهّز العربي وغير العربي ممن عرف العربّية وأتقنها‪ ،‬وأصبحت اللغة‬
‫ي تؤثر في فكره ونهجه‪ ،‬وأصبح الشعر ديوان العرب‪،‬‬
‫كنزا ً في حياة العرب ّ‬
‫وأجمع رجال العربّية أن الشعر َ‬
‫ف بالوزن والقافية‪ ،‬كما يرد هذا التعريف‬
‫شُر َ‬
‫في المعاجم‪.‬‬
‫فما نزل الوحي الكريم من عند الله باللغة العربية إل بعد أن بلغت اللغة‬
‫نضجها واستقّرت بها قواعد السلم وآيات الكتاب المجيد وأحاديث الرسول‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ .‬وأصبحت اللغة العربية تتميّز " بجوامع الكلم "‪ ،‬مما ل‬
‫ي الخاتم محمد صلى الله‬
‫يتيسّر في لغة أخرى‪ ،‬حتى كان من خصائص النب ّ‬
‫عليه وسلم أنه أوتي جوامع الكلم‪ .‬فعن أبي موسى الشعري رضي الله عنه‬
‫عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫" ُأعطيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه "‬
‫] رواه أحمد وابن عمرو [)‪(3‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي الله عنه ‪:‬‬
‫ت بالرعب وأعطيت جوامع الكلم "‬
‫" نصر ُ‬
‫] رواه أحمد [)‪(4‬‬
‫وجاء القرآن الكريم ليبّين منزلة اللغة العربية في السلم‪ ،‬وليبّين أن اللغة‬
‫العربية من خصائص منهاج الله وأنها منه ‪:‬‬
‫ً‬
‫) ألر تلك آيات الكتاب المبين‪ .‬إنا أنزلناه قرآنا عربّيا لعلكم تعقلون (‬
‫] يوسف ‪[2،1 :‬‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫) وإنه لتنزيل رب العالمين‪ .‬نزل به الروح المين‪ .‬على قلبك لتكون من‬
‫ي مبين (‬
‫المنذرين‪ .‬بلسان عرب ّ‬
‫] الشعراء ‪192 :‬ـ ‪[ 195‬‬
‫ويؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة الهامة في عدد غير قليل من سوره ‪:‬‬
‫صلت‪ ،‬طه‪ ،‬الزمر‪ ،‬الشورى‪ ،‬الزخرف‪ ،‬الحقاف‪ ،‬ومع كل تأكيد ظ ِ ّ‬
‫ل‬
‫النحل‪ ،‬ف ّ‬
‫جديد‪ ،‬ففي سورة الرعد يأتي ظل ممتد مع التشريع والحكم الذي تتسع له‬
‫اللغة العربية ‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫) وكذلك أنزلناه حكما عربي ّا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما‬
‫ي ول واق (‬
‫لك من الله من ول ّ‬
‫] الرعد ‪[ 36 :‬‬
‫ويرتبط معنى الوضوح واستقامة المعنى والبيان والتشريع والعلم باللغة‬
‫العربية التي توّفر هذا كله في سورة الزمر ‪:‬‬
‫كرون‪ .‬قرآنا ً عربي ّا ً‬
‫) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذ ّ‬
‫غير ذي عوج لعلهم يّتقون (‬
‫] الزمر ‪[ 28،27 :‬‬
‫ً‬
‫ل يؤكد عظمة منزلة‬
‫ولو تابعنا جميع اليات الكريمة لوجدنا ظل يمتد ّ إلى ظ ٍ‬
‫اللغة العربية في القرآن الكريم‪ ،‬وتبعا ً لذلك في السلم‪.‬‬
‫ولقد جاءت رسالة السلم ونزل الوحي المين باللغة العربية ليخاطب القرآن‬
‫‪157‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الكريم شعوب الرض كلها بمختلف أجناسها وأعراقها ولغاتها بهذا اللسان‬
‫العربي المبين‪ .‬فانتقلت اللغة العربية مع أول آية نزل بها الوحي نقلة واسعة‬
‫هائلة تمل العصور والقطار والشعوب‪.‬‬
‫وحسبنا‪ ،‬لنعلم عظمة هذه اللغة‪ ،‬أن ندرك أن الله سبحانه وتعالى هو الذي‬
‫اختارها واصطفاها ورضيها لكتابه ودينه ولعباده المؤمنين‪ ،‬فوسعت كتاب الله‬
‫ب أو ً‬
‫ل‪ ،‬أهل الفصاحة والبيان‪ ،‬أن يأتوا‬
‫دى العر َ‬
‫آيا ً وحكمة وبيانا ً معجزًا‪ ،‬يتح ّ‬
‫ن‪.‬‬
‫بمثله‪ ،‬ويتحدى الناس كلهم ويتح ّ‬
‫لنس والج ّ‬
‫دى ا ِ‬
‫فأصبحت اللغة العربية لغة العبادة والطاعة في الصلة وسائر الشعائر‪ ،‬ول‬
‫ُيعتبر القرآن قرآنا ً إذا ُنقل إلى لغة أخرى‪ .‬إنما هو باب من أبواب التفسير‬
‫لعجاز والمنهاج‬
‫غير الدقيق‪ ،‬يصلح لينقل بعض المعاني ول يصلح لينقل ا ِ‬
‫الرباني‪ .‬ونعتقد أنه يستفاد منه مرحليًا‪ ،‬حتى إذا آمن القلب وأسلم النسان‬
‫هرع إلى دراسة اللغة العربية‪ ،‬ليدرك فضل الله ونعمته على عباده باصطفائه‬
‫هذه اللغة العربية لكتابه ولدينه‪.‬‬
‫ومن هنا ندرك مسؤوليتنا في توفير الفرصة الكاملة للنسان ليأخذ دينه من‬
‫كتاب الله باللغة العربية كما ُأنزل من عند الله‪ .‬فهذا واجب على المؤمنين‬
‫وحقّ لكل إنسان‪.‬‬
‫مي لدى المسلمين خاصة والناس عامة‬
‫نن‬
‫أن‬
‫في‬
‫مسؤوليتنا‬
‫ومن هنا ندرك‬
‫ّ‬
‫الشعور والحساس بضرورة دراسة اللغة العربية‪ ،‬حتى يفقهوا كتاب الله‬
‫زل وأد ّْينا المانة‪ .‬فقد أمر الله‬
‫وسنة نبيه‪ ،‬وحتى نكون أوفينا البلغ بما ُأن‬
‫ِ‬
‫رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الناس كافة ما ُأنزل إليه‪ ،‬فإن لم يفعل‬
‫ذلك فل يكون قد بّلغ رسالته ‪:‬‬
‫) يا أيها الرسول بّلغ ما ُأنزل إليك من ربك وإن لم تفع ْ‬
‫ل فما بّلغت رسالته‬
‫والله يعصمك من الناس إن الله ل يهدي القوم الكافرين (‬
‫] المائدة ‪[ 67 :‬‬
‫فقد حملت اللغة العربية بفضل من الله ‪ :‬تمام البلغ وكماله‪ ،‬والنذار‬
‫والب ْ‬
‫م الحق الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه‬
‫شرى‪ ،‬والرحمة للعالمين‪ ،‬والعل َ‬
‫سر للذكر‪ ،‬والهدى والنور والشفاء‪،‬‬
‫ول من خلفه‪ ،‬والبيان المعجز المي ّ‬
‫والموعظة والحكمة‪ ،‬والقول الفصل !‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫لذلك نرى أن اللغة العربية جزء ل يتجّزأ من منهاج الله ‪ ،‬فبغيرها ل يكون‬
‫الكلم كلم الله ول كلم رسوله‪ ،‬ول هو البلغ المبين‪.‬‬
‫ونرى كذلك أنه من واجب كل مسلم أن تكون اللغة العربّية هي لغته الولى‬
‫بالضافة إلى لغته القومية‪.‬‬
‫ومما يؤكد هذه الحقيقة الهامة أنه عند نقل القرآن والسنة إلى لغة أخرى‬
‫سَتوَفى كما هي مستوفاة باللغة العربية‪ ،‬وإن‬
‫غير العربية فإن المعاني ل ت ُ ْ‬
‫ن يفقد‬
‫العجاز الذي يحمله منهاج الله والذي تح ّ‬
‫لنس والج ّ‬
‫دى به العرب وا ِ‬
‫كثيرا ً من خصائصه‪ ،‬وِإن البيان المعجز المؤثر في النفس يختفي معظم‬
‫تأثيره ول يبقى الكلم عندئذ كلم الله‪ ،‬ول القرآن قرآنًا‪ ،‬ول التلوة تلوة‪.‬‬
‫وفي اللغة العربية‪ ،‬وألفاظ القرآن وتعبيراته بها‪ ،‬ما يتع ّ‬
‫ذر نقله إلى لغة‬
‫أخرى‪ .‬فكلمة الولء‪ ،‬وآية‪ ،‬الحسان‪ ،‬التقوى‪ ،‬عََرض هذا الدنى‪ ،‬قدم صدق‪،‬‬
‫وأملي لهم‪ ،‬إمام‪ ،‬عاكفين‪ ،‬وكلمات كثيرة‪ ،‬وتعبيرات قرآنية كثيرة أعجزت‬
‫العرب أن يأتوا بمثلها‪ ،‬فأّنى للغات غير العربية‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وّللغة العربية جمال متمّيز عن سائر اللغات‪ .‬إنه جمال الوضوح والدقة في‬
‫المعنى‪ ،‬وجمال الظلل الموحاة‪ ،‬وسائر أبواب الجمال الذي كشف عن بعضه‬
‫ددا ً تتفتح أبوابه مع‬
‫العلماء المسلمين في تاريخ طويل‪ .‬وسيظل الجمال متج ّ‬
‫اليام‪ .‬ول تنطبق قواعد الجمال في اللغات ا ُ‬
‫لخرى على قواعد اللغة العربية‪،‬‬
‫فّللغة العربية جمال آسر هّز جميع من درسها وعرفها‪ .‬ولقد هّزت الدباء‬
‫والشعراء وهّزت الشعوب‪.‬‬
‫ّ‬
‫لسلم وتشريعه على‬
‫ولقد تح ّ‬
‫ددت مصطلحاتها اللغوية‪ ،‬حتى تستقّر أحكام ا ِ‬
‫قواعد راسخة‪ ،‬وحتى تستوفي اللغة أسباب الوضوع والدقة والجمال‪ .‬ولقد‬
‫استقّر مفهوم النثر ومفهوم الشعر‪ ،‬حتى ل يختلط الكلم‪ ،‬وحتى يتمايز كلم‬
‫الله‪ ،‬وحتى تستقيم المعاني‪.‬‬
‫ُ‬
‫لذلك نرى أن اللغة العربية هي اللغة الولى للدب الملتزم بالسلم‪ ،‬الدب‬
‫الذي يريد أن يرقى من مراتب الجمال إلى مراتبه العالية‪.‬‬
‫ونرى أن اللغة العربّية هي اللغة الرسمية للمة المسلمة كلها‪ ،‬يخطئ من‬
‫يستبدل بها غيرها‪ ،‬وأن واجب المة المسلمة وعلمائها ودعاتها وقادتها أن‬
‫يبذلوا غاية جهدهم في هذا السبيل‪ ،‬فإنها عهد وأمانة‪.‬‬
‫ولقد تعّهد الله سبحانه وتعالى بحفظ الذكر الذي أنزله على رسوله ونبيه‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم وهذا يعني أنه تعّهد بحفظ دينه و قرآنه وسّنة‬
‫نبيه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬واللغة العربية التي هي وعاء الذكر كله وبيانه‬
‫ومادته ‪:‬‬
‫) إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (‬
‫] الحجر ‪[ 9 :‬‬
‫حص عباده المؤمنين‪ ،‬وليرى من‬
‫ولكنه ابتلء من الله سبحانه وتعالى ليم ّ‬
‫يوفي بالعهد والمانة‪ ،‬ومن ينهض للغة دينه و قرآنه وسنة نبيه صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬ومن يتوانى أو يدبر‪ ،‬ويمضي البتلء على سنن لله ماضية‪ ،‬وحكمة‬
‫بالغة وقدر وغالب‪.‬‬
‫ً‬
‫دي مع‬
‫ولن يستطيع الناس أبدا أن يأتوا بمثل هذا القرآن‪ ،‬ويمضي هذا التح ّ‬
‫الدهر ‪:‬‬
‫ن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ل يأتون بمثله‬
‫) قل لئن اجتمعت النس والج ّ‬
‫ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ً (‬
‫] السراء ‪[ 88 :‬‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫) أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم‬
‫من دون الله إن كنتم صادقين (‬
‫] هود ‪[ 13 :‬‬
‫وكذلك ‪:‬‬
‫) وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا‬
‫شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (‬
‫] البقرة ‪[ 23 :‬‬
‫دي ‪:‬‬
‫وأمام هذا التح ّ‬
‫) فإن َلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن ل إله إل هو فهل‬
‫أنتم مسلمون (‬
‫] هود ‪[ 14 :‬‬
‫فليمض المسلمون إلى نصرة ربهم ونصرة دينهم واللغة التي اختارها الله‬
‫لدينه‪ ،‬فليمضوا وهم مطمئنون إلى أن الله ناصر دينه ولغة دينه‪ ،‬وأنهم‬
‫‪159‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مبتلون‪ .‬فليسعوا إلى النجاة في الدنيا والفوز في الخرة‪ .‬والحمد لله رب‬
‫العالمين‪.‬‬
‫)‪ (1‬أحمد زكي صفوت ‪ :‬جمهرة خطب العرب ‪ ) :‬ج ‪ ) ،( 1 :‬ص ‪.( 154 :‬‬
‫)‪ (2‬المرجع السابق ‪ ) :‬ص ‪.( 157 :‬‬
‫)‪ (3‬صحيح الجامع الصغير وزيادته ‪.1/350/1069 :‬‬
‫)‪ (4‬الفتح الرباني ‪.22/41/732 :‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫لماذا المنهج؟ )‪ 1‬ـ ‪(2‬‬
‫أ‪ .‬د‪ .‬عماد الدين خليل ‪20/1/1427‬‬
‫‪19/02/2006‬‬
‫إن مسألة اعتماد منهج عمل دقيق‪ ،‬أو برنامج مرسوم‪ ،‬يجب أن تأخذ مكانة‬
‫متقدمة في سلم الولويات‪ ،‬ليس فقط بالنسبة للنشاط التاريخي‪ ،‬ولكن‬
‫بالنسبة للفكر السلمي المعاصر عموما ً من أجل أن يمضي إلى أهدافه بأكبر‬
‫قدر من التركيز‪ ،‬والقتصاد في الجهد‪ ،‬وتجاوز التكرار‪ ،‬وتغطية المواضيع‬
‫المّلحة وفق تسلسلها في الهمية‪.‬‬
‫دد المفردات‪ ،‬بّين الملمح‪ ،‬مثّبت‬
‫منهج‪ ،‬أو برنامج عمل‪ ،‬واضح البعاد‪ ،‬مح ّ‬
‫الهداف‪ ،‬من أجل حماية أنشطتنا الثقافية كافة من الرتجال والفوضى‪،‬‬
‫وربما التناقض والرتطام‪.‬‬
‫إن القوم في عالم الغرب يغزوننا اليوم بأكثر من سلح‪ ،‬وإن )المنهج( الذي‬
‫يستهدي بمقولته ونظمه معظم المفكرين‪ ،‬أفرادا ً ومؤسسات‪ ،‬لهو واحد من‬
‫أشد هذه السلحة مضاًء في تمكينهم من التفوق علينا وفرض فكرهم في‬
‫ساحاتنا الثقافية كافة‪.‬‬
‫هم منهجيون في كثير من أفعالهم وممارساتهم‪ ،‬بغض النظر عن مدى سلمة‬
‫هذا المنهج وصدق مفرداته وصواب أهدافه التي يتوخاها‪ ..‬منهجيون وهم‬
‫يتحاورون ويتناقشون ‪ ..‬منهجيون وهم يكتبون ويبحثون ويؤلفون ‪ ..‬منهجيون‬
‫وهم يدرسون ويقرؤون ويطالعون ‪ ..‬إن المنهج بالنسبة للمثقف الغربي يعني‬
‫ضرورة من الضرورات الفكرية‪ ،‬بل بداهة من البداهات‪ ،‬وبدونه لن تكون‬
‫الحركة الفكرية بأكثر من فوضى ل يضبطها نظام‪ ،‬وتخّبط ل يستهدي بهدف‪،‬‬
‫ومسيرة عمياء ل تملك معالم الطريق ‪..‬‬
‫ونحن‪ ،‬إل ّ قّلة من المفكرين‪ ،‬على النقيض من هذا في الكثير من أفعالنا‬
‫وممارساتنا‪ ..‬بل منهج في حوارنا ومناقشاتنا‪ ..‬بل منهج في كتاباتنا وأبحاثنا‬
‫وتآليفنا‪ ..‬بل منهج في دراساتنا وقراءاتنا ومطالعاتنا ‪ ..‬وأنشطتنا الثقافية‬
‫بعامة ‪..‬‬
‫لكأن الرؤية المنهجية التي منحنا إياها كتاب الله وسنة رسوله عليه السلم) (‬
‫قد غابت عنا‪ ،‬وأفلتت مقولتها من بين أيدينا‪ ،‬وتلقفها القوم كما تلقفوا الكثير‬
‫من معطياتنا الثقافية فذكروها ونسيناها‪ ،‬والتزموا بها وتركناها‪ ،‬وتحققوا‬
‫بحضورها الدائم‪ ،‬وغبنا نحن عنها‪ ،‬أو غابت هي عنا‪ ،‬فكان هذا الذي كان ‪..‬‬
‫ولكأن الخطط الخمسية التي قبسناها عنهم في أنشطتنا القتصادية هي‬
‫الخطط الوحيدة التي يمكن أن ُتؤخذ عنهم من أجل وضع مناهج عمل‬
‫لممارساتنا القتصادية تتضمن المفردات‪ ،‬ووحدات الزمن المطلوبة‪،‬‬
‫والهداف‪ ،‬في سياق إستراتيجية بعيدة المدى‪ ،‬قد تتحقق بعد عشر من‬
‫الخطط الخمسية أو عشرين ‪..‬‬

‫‪160‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أليس ثمة مجالت أخرى‪ ،‬غير القتصاد‪ ،‬أو مع القتصاد‪ ،‬يجب أن ُيبرمج لها‪،‬‬
‫ب ـ على‬
‫وأن ُتوضع لها الخطط والمناهج الزمنية المحددة‪ ،‬الصارمة‪ ،‬لكي تص ّ‬
‫هدى وبينة ـ في بحر الهداف الستراتيجية لمسارنا الثقافي؟‬
‫إن اعتماد المنهج في أنشطتنا الفكرية‪ ،‬ليس اقتباسا ً عن حضارة الغرب بقدر‬
‫ما هو رجوع إلى الجذور والتقاليد الصيلة التي صنعناها نحن على هدى كتاب‬
‫الله وسنة رسوله عليه الصلة والسلم‪ ،‬ومعطيات أتباع هذا الدين زمن‬
‫تألقهم الحضاري‪..‬‬
‫وإن حيثيات الصراع الراهن مع الحضارة الغربية تتطلب ـ فيما تتطلب ـ أن‬
‫يكون لنا منهج عمل فكري يمكننا‪ -‬من خلل النظم الصارمة التي يلزمنا بها‪-‬‬
‫من الخذ بتلبيب القدرة على الفاعلية والتحقق بالريادة والكشف والبتكار‬
‫والضافة والغناء‪..‬‬
‫ً‬
‫أن نكون ـ باختصار ـ أندادا للفكر الغربي‪ ،‬قديرين على أن ندخل معه في‬
‫حواٍر‬
‫يومي‪ ..‬وأن نتفوق عليه ‪..‬‬
‫ّ‬
‫إن العقيدة التي نملكها‪ ،‬والمضامين الثقافية التي تخلقت عبر تاريخنا الطويل‬
‫في مناخ هذه العقيدة‪ ،‬تعلو‪ ،‬بمسافات ل يمكن قياسها‪ ،‬على عقائدهم‬
‫وفلسفاتهم ورؤاهم ومضامينهم الثقافية‪ ..‬هم يقولون هذا مرارا ً ويؤكدونه‬
‫تكرارًا‪ ،‬قبل أن نقوله نحن ونؤكده‪ ،‬وبعده ‪..‬‬
‫والذي يعوزنا هو المنهج‪ ..‬هو طرائق العمل الستراتيجي المبرمج المنظم‬
‫المرسوم‪ ..‬وحينذاك فقط يمكن أن نطمح‪ ،‬ليس فقط إلى تأصيل ذاتنا‬
‫الثقافية وتحصينها ضد عوامل التفكك والغياب والدمار‪ ..‬بل على التفوق على‬
‫ثقافة الخصم واحتوائها‪ ،‬باطراح دمها الزرق الفاسد والتمثل بدمها القاني‬
‫النظيف ‪..‬‬
‫إن المنهج يعني‪-‬في نهاية التحلي‪ -‬حشد الطاقات وتجميعها والتنسيق بين‬
‫معطياتها لكي تصب في الهدف الواحد‪ ،‬فتكون أغنى فاعلية وأكثر قدرة على‬
‫التجدد والبداع والعطاء‪..‬‬
‫وغن غياب المنهج يعني ـ بالضرورة ـ بعثرة الطاقات وتفتيتها وإحداث‬
‫التصادم بينها ‪ ..‬فل تكون ـ بعد ـ جديرة بالضافة والفاعلية والعطاء ‪..‬‬
‫لقد أكد القرآن الكريم والرسول عليه السلم هذا المعنى أكثر من مرة‪..‬‬
‫وحذرنا نبينا ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬من أن الذئب ل يأكل من الغنم إل الشياه‬
‫القاصية‪..‬‬
‫إن العدسة )المفرقة( تبعثر حزمة الضوء فتفقد قدرتها على الحراق‪ ،‬أما‬
‫العدسة‬
‫مة( فتعرف كيف تجمع الخيوط لكي تمضي بها إلى البؤرة التي تحرق‬
‫)الل ّ‬
‫وتضيء ‪..‬‬
‫مة‪ ..‬وبدونه لن يكون بمقدور آلف الكتب‬
‫إن )المنهج( هو هذه العدسة الل ّ‬
‫التي تطرحها مطابعنا سنة بعد سنة أن تمنحنا )النار( التي نحن بأمس الحاجة‬
‫إليها في صراعنا الراهن‪..‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫تحرق الضللت والخرافات والوهام ‪ ..‬وتضيء الطريق للمدلجين‪..‬‬
‫________________________________________‬
‫) ( أنظر الفصل الول من كتاب )حول إعادة تشكيل العقل المسلم( للمؤلف‬

‫‪161‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫للطلع على خصائص التصور المنهجي الذي طرحه القرآن الكريم‪.‬‬
‫لماذا المنهج؟ )‪ 2‬ـ ‪(2‬‬
‫أ‪ .‬د‪ .‬عماد الدين خليل ‪5/2/1427‬‬
‫‪05/03/2006‬‬
‫هذا على مستوى الفكر السلمي عامة‪ ..‬أما على مستوى الفكر التاريخي‬
‫والكتابة‬
‫في حقل التاريخ السلمي‪ ،‬فإن المنهج يغدو ضربة لزب ‪ ..‬إذا ما أردنا بحق‬
‫أن نستعيد معطيات هذا التاريخ ونجعلها أكثر قدرة على التكشف والوضوح‪،‬‬
‫وأشد قربا ً من البيئة التي تخّلقت فيها‪ ،‬وأعمق انسجاما ً مع المناخ الذي‬
‫تنفست فيه واستوت على سوقها‪ ..‬ضربة لزب لكثر من سبب‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬غياب الهدف وانعدام الرؤية للكثير من مؤلفاتنا التاريخية القديمة‬
‫والحديثة‪ ..‬أي على مستوى المصادر والمراجع على السواء‪ ،‬يقابل ذلك‬
‫فوضى وارتجال وتخبط‪ ،‬كانت تعاني منها ـ ول تزال ـ الكثير من هذه‬
‫المؤلفات‪.‬‬
‫س النقدي‪ ،‬أو عدم حضوره بشكل مؤكد‪ ،‬في معظم العمال‬
‫ثانيًا‪ :‬غياب الح ّ‬
‫التاريخية‪ ،‬على خلف ما كان يحدث في ساحة المعارف الخرى وبخاصة‬
‫الحديث والمنطق والفلسفة ‪ ..‬إلى آخره‪ ..‬يقابل ذلك استسلم عجيب وصل‬
‫ببعض المؤرخين الكبار أنفسهم حد ّ تقبل الكذب والخرافات والضاليل‬
‫والوهام‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬طغيان النزعة )التجميعية( التي دفعت بعض المؤرخين القدماء وعددا ً‬
‫من‬
‫المؤرخين المحدثين إلى تحقيق نوع من التوسع الكمي الذي ُيقبل‪ ،‬من أجل‬
‫خمه المنشود‪ ،‬كل خبر أو رواية ‪ ..‬ويجيء ذلك على حساب نوعية‬
‫تحقيق تض ّ‬
‫النجاز التاريخي ومنهجيته وقدرته على التركيز والختزال‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬فقدان السلوب التركيبي الذي يعرف كيف يجمع الوقائع التاريخية ذات‬
‫النسغ الواحد والمسار المتوحد‪ ،‬في نسيج تركيبي يمكن المؤرخ من إضاءة‬
‫ملمحه وتعميق خطوطها وقسماتها‪ ،‬ومنحها المعنى والمغزى المستمد من‬
‫وش بين الوقائع‪ ،‬والتقاطع‬
‫خامة النسيج نفسه ‪ ..‬بدل ً من ذلك التداخل المه ّ‬
‫بين أنماطها المتباينة‪ ،‬حيث يصعب على المرء أن يتبين الخطوط المميزة‬
‫لهذا الحشد من التجارب التاريخية أو ذاك‪.‬‬
‫ل ل يرحم من التأثيرات )الذاتية(‬
‫خامسًا‪ :‬تعرض المعطيات التاريخية لسي ٍ‬
‫على حساب‬
‫)الموضوع(‪ ،‬أو من خلل الموضوع الذي اتخذ مركبا ً لعبور الهواء والظنون‬
‫والمصالح والتحزبات ‪ ..‬المر الذي غّير من مكونات الواقعة التاريخية من‬
‫جهة‪ ،‬وأضاف إليها ـ من جهة أخرى ـ الكثير الكثير مما لم يكن من صلب‬
‫تكوينها‪ ..‬فكان ذلك التزوير والتزييف الذي غطى على مجرى الرواية‬
‫التاريخية في كثير من مساحاته‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬غياب المؤسسات التي تأخذ على عاتقها مهمة تعضيد التأليف‬
‫التاريخي وتوجيهه ووضع أولوياته‪ ،‬على خلف ما كان يحدث في بعض حقول‬
‫المعارف النسانية الخرى‪ ،‬وبخاصة الفلسفة والجغرافيا‪.‬‬
‫سابعًا‪ :‬انطفاء آخر شمعات الفكر التاريخي في قرون الظلم الحضاري الذي‬
‫ّلف عالم السلم قبيل انبثاق الفجر الجديد‪ ..‬وظهور ذلك النقطاع المحزن‬
‫في حقل النجاز التاريخي‪ ،‬وتلك الهوة العميقة بين معطيات الجداد والحفاد‪،‬‬
‫والتي لعبت دورا ً سلبيا ً ول ريب في تمكين الفكر التاريخي من مواصلة‬
‫‪162‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مسيرة النضج والكتمال‪.‬‬
‫ثامنًا‪ :‬السبق الزمني الذي مارسه الغربيون في أعقاب هذا النقطاع‪ ،‬فأخذوا‬
‫بذلك زمام المبادرة في التعامل مع تاريخنا السلمي كشفا ً وإضاءة وتحقيقا ً‬
‫ونقدا ً وتركيبا ً ‪ ..‬ولكن بمناهجهم وأساليبهم وطرائقهم التي ألحقت بمعطياتنا‬
‫التاريخية كسورا ً وشروخا ً وتناقضات ليس من السهولة إزالة آثارها المدمرة‪،‬‬
‫دون اعتماد منهج أصيل قدير على حمل المانة والقيام بالمهمة الصعبة‪.‬‬
‫تاسعًا‪ :‬غياب الرؤية السلمية الصيلة لدى معظم أبناء الجيل الول والثاني‬
‫من المؤرخين المسلمين المحدثين أنفسهم ‪ ..‬فلم يكونوا في حقيقة المر‬
‫سوى امتداد للمدرسة الستشراقية الغربية‪ ،‬ولم يفعلوا سوى أن أضافوا إلى‬
‫الكسور التي أحدثتها في مسار التاريخ السلمي كسورا ً ‪ ..‬والرؤية السلمية‬
‫هي المفتاح الذي لبد ّ منه لدخول ساحة التاريخ السلمي‪ ،‬وبدونه لن يتحقق‬
‫دخول مشروع‪.‬‬
‫عاشرًا‪ :‬ظهور المدرسة المادية التاريخية وانتشارها وكسبها الكثير من التباع‬
‫والمعجبين‪ ،‬ومحاولة إقحام مقولتها الصارمة‪ ،‬الفجة‪ ،‬في مجرى تاريخنا‬
‫السلمي نقدا ً وتركيبا ً ‪..‬‬
‫وثمة أسباب أخرى كثيرة‪ ،‬أقل أهمية‪ ،‬تجعل من حضور منهج للفكر والنشاط‬
‫التاريخيين ضرورة ملحة ‪..‬‬
‫والن فإن محاولت عديدة‪ ،‬لحسن الحظ‪ ،‬شهدتها العقود الخيرة من هذا‬
‫القرن‪ ،‬استهدفت التحقق بالمنهجية المنشودة‪ ..‬على مستوى الفراد‬
‫والمؤسسات‪ ،‬وهذا يدل على تزايد الوعي التاريخي الذي كان يعاني في‬
‫الفترة السابقة من التسطح والضحالة والغياب‪.‬‬
‫إل أن معظم تلك المحاولت لم تأت بطائل‪ ،‬فما أن مضت خطوات حتى‬
‫توقفت‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وأعلنت‪ ،‬بلسان الحال أو بلسان المقال‪ ،‬عجزها عن مواصلة الطريق‪:‬‬
‫مؤسسات حكومية‪ ،‬وقيادات فكرية‪ ،‬وجامعات عربية‪ ،‬ومنظمات ثقافية‪،‬‬
‫وتجمعات تخصصية‪ ،‬وأفراد متفرقون هنا وهناك ‪ ..‬كلهم دعوا إلى )المنهج( ‪..‬‬
‫وإلى ما أسموه إعادة كتابة التاريخ ‪ ..‬وقاموا ببعض المحاولت الولية‬
‫وطرحوا بعض الضاءات‪ ..‬وليس ثمة أكثر من هذا‪ ..‬ومضت الدعوة إلى‬
‫اعتماد المنهج وإلى إعادة كتابة التاريخ تصدر من هنا أو هناك‪ ،‬ملحة في‬
‫الطلب‪ ،‬مؤكدة القول ‪ ..‬وهي دعوة تؤكد ـ مهما كانت النيات التي تختبئ‬
‫وراءها ـ حضور الوعي التاريخي‪ ،‬وتكشفه وانتشاره ‪ ..‬وتعّزز الوجهة العلمية‬
‫القائلة بأن اكتشاف قدرات أمة من المم وتمكينها من )المعاصرة( و‬
‫)الحركة( صوب المستقبل‪ ،‬والستجابة للتحديات‪ ،‬والتفوق عليها‪ ،‬ل يتحقق إل‬
‫بالرجوع إلى التاريخ وكشف النقاب عن معطياته وملمحه ومؤشراته ‪ ..‬المر‬
‫الذي لم يكن‪ ،‬في النصف الول من القرن الماضي‪ ،‬على هذه الدرجة من‬
‫الوضوح والتأكيد‪ ،‬يوم كان ُيرى في اللتفات صوب الماضي‪ ،‬على أثر الصدمة‬
‫الحضارية الغربية‪ ،‬نوع من النتحار الزمني في عصر سباق الحضارات‪ ،‬وكان‬
‫ُيرى فيه نزوع رجعي ‪ ،‬وغياب عن العصر ‪ ،‬وعرقلة للتوجه المستقبلي‪..‬‬
‫ويوم أن كانت ذيول المدرسة المادية التاريخية تطرح بفجاجة وسخف‬
‫مقولتها الخاطئة بضرورة تجاوز التوجه التاريخي‪ ،‬وقطع الجذور‪ ،‬وإلغاء‬
‫مقولت المسيرة‪ ،‬والنطلق من نقطة الصفر الزمنية صوب المستقبل!!‬

‫‪163‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫اليوم‪ ،‬غابت هذه الرؤى التي ينفيها العلم بحقائق الشياء ‪ ..‬واليوم اختنقت‬
‫تلك الصوات التي لم تكن تملك سببا ً للبقاء والستمرار ‪..‬‬
‫واليوم تحل محل هذا وذاك تلك الدعوات الملحة التي تصدر ـ كما رأينا ـ عن‬
‫العديد من مراكز الثقل والتوجيه والفاعلية‪ :‬أكاديميا ً وعقائديا ً وسياسيًا‪ ..‬المر‬
‫الذي يؤكد حضور‬
‫)التاريخ( في نسيج وجودنا الحاضر وحتمية اعتماد مكوناته في لحمة هذا‬
‫النسيج وسداه‪ ،‬حيث ل يكف النول عن الذهاب والياب ‪..‬‬
‫ترى ـ يتساءل المرء ـ‪ :‬لماذا لم تستطع أية محاولة من هذه المحاولت أن‬
‫تواصل الطريق وأن تحقق هدفها المنشود؟‬
‫إن الدعوة إلى التحقق بالمنهج وإلى إعادة كتابة التاريخ‪ ،‬أو ـ بعبارة أدق ـ‬
‫إعادة عرضه وتحليله‪ ،‬ليست طريقا ً مسدودًا‪ ..‬فلماذا كان هذا الذي كان؟‬
‫ثمة أسباب عديدة وقفت ـ ول تزال ـ في طريق هذا الهدف‪ ،‬ونحن إن‬
‫عرفناها جيدا ً فكأننا نكون قد عرفنا مواطن الداء فسهل علينا انتقاء الدواء ‪..‬‬
‫فمن هذه السباب‪ ،‬على سبيل المثال ل الحصر‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬عدم وضوح الرؤية بالنسبة لطبيعة العمل‪ .‬فمن قائل بضرورة إعادة‬
‫كتابة التاريخ السلمي كله من أقصاه إلى أقصاه‪ ،‬واعتماد بنية جديدة لوقائعه‬
‫وصيرورته ترفض بالكلية ما قدمه مؤرخنا القديم‪ ،‬ومن قائل بضرورة اعتماد‬
‫صيغة انتقائية تأخذ بهذا وترفض ذاك‪ ،‬ومن قائل بضرورة إعادة تفسير‬
‫وتحليل معطيات هذا التاريخ بدل ً من إعادة تركيبه‪ ..‬وآخرون ل يعرفون على‬
‫وجه الدقة واليقين ما الذي يقصدونه بالعمل المنشود؛ لن الضباب يّلف‬
‫تصورهم فل يتيح لهم الفرصة لستبانة ملمح الطريق ‪..‬‬
‫ثانيًا‪ :‬ومما يرتبط بهذا‪ ،‬غياب المنهج وضعف القدرة على التخطيط‪ ..‬فقد‬
‫تتضح الرؤية أحيانًا‪ ،‬وتتحدد طبيعة العمل‪ ،‬وتتكشف أبعاده ‪ ..‬لكن أسلوب‬
‫العمل وطرائقه‪ ..‬المنهج ـ بعبارة أخرى ـ غير متحقق‪ ..‬ونحن قوم ـ ولنقلها‬
‫بصراحة ـ نعاني ضعفا ً في قدراتنا التخطيطية‪ ،‬ليس هنا مجال استعراض‬
‫أسبابه‪ ،‬ولشد ما ينعكس هذا الضعف على عدم طرح برنامج عمل محدد‬
‫الخطوات‪ ،‬مكتمل المفردات‪ ،‬مثبت الهداف والغايات‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬ونحن قوم نعاني ـ كذلك ـ من فقدان الروح الجماعية التي علمنا إياها‬
‫هذا الدين وربانا عليها وألزمنا بها‪ ،‬ولكنا تخلينا عن الكثير من مقولتها‬
‫ومواضعاتها‪ ،‬وتجمدت تقاليدنا على صيغ فردية قد تبلغ حد الثرة والنانية في‬
‫كثير من الحيان‪ ،‬فتمحو القدرة على التوجه الجماعي الذي تتكامل فيه‬
‫الطاقات‪ ،‬وتتضافر القدرات‪ ،‬ويتدفق العطاء لكي يصب في الهدف الواحد ‪..‬‬
‫والمشاريع الكبيرة في ميادين العقيدة أو الفكر أو العمران والقتصاد‪ ،‬لهي‬
‫بأمس الحاجة إلى هذه الروح الجماعية التي يعرف الغربيون كيف يعتمدون‬
‫عليها لتحقيق العاجيب والمعجزات في ميادين النجاز ‪ ..‬وإعادة عرض‬
‫التاريخ السلمي‪ ،‬أو تحليله‪ ،‬عمل كبير ‪ ..‬ويوم نتحقق ثانية بروح الفريق‪ ،‬كما‬
‫أراد لنا السلم أن نكون‪ ،‬يوم نتجاوز الفرديات والحساسيات والنانيات صوب‬
‫ما هو أكبر وأشمل ‪ ..‬حينذاك نستطيع أن نضع خطواتنا على الطريق ‪..‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫رابعًا‪ :‬غياب التوحد في الرؤية ‪ ..‬فليس بمقدور فريق من المؤرخين يتجه‬
‫بعضهم يمينا ً ويمضي بعضهم الخر شما ً‬
‫ل‪ ،‬أن يحققوا الهدف المنشود‪ ..‬وكيف‬
‫سيكون العمل‪ ،‬الذي يفترض أن يتوحد نسيجه‪ ،‬كيف سيكون إذا كان بعض‬

‫‪164‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ساجين ليبراليًا‪ ،‬وكان بعضهم الخر ماديا ً وكان بعضهم الثالث إثّنيًا‪ ،‬وكان‬
‫الن ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بعضهم الرابع إقليميا‪ ،‬وكان بعضهم الخامس مصلحيا؟ كيف يتحقق مشروع‬
‫حد لمجرى التاريخ السلمي‪ ،‬إذا كانت بعض‬
‫ُيراد منه تقديم تحليل متو ّ‬
‫مساحاته منسوجة بالقطن وأخرى بالصوف وثالثة بالديولين ورابعة بالحرير؟‬
‫إنه لمر مستحيل ‪ ..‬بل هو مدعاة للسخرية يقينًا‪.‬‬
‫خامسًا‪ :‬وثمة ما ُيراد أحيانا ً بمشروع كهذا‪ :‬احتواؤه عقيديا ً وتوظيفه من أجل‬
‫هذه اليديولوجية أو تلك ‪ ..‬وهذا نقيض الموضوعية ‪ ..‬والموضوعية شرط‬
‫حاسم من شروط البحث العلمي الجاد ‪ ..‬ثم إن محاولت كهذه قد تملك‬
‫المال والقدرة‪ ،‬ولكنها ل تملك النفس الطويل الذي يمكنها من المضي في‬
‫الطريق حتى نهايته ‪ ..‬ذلك أنها رهينة بظروف مرحلية ومتغيرات زمنية‪..‬‬
‫ول صيغ معادلت الظروف المرحلية والمتغيرات‬
‫وسرعان ما تتوقف بتح ّ‬
‫الزمنية‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬وقد يرتبط بهذا انعدام النية الصادقة وتحويل الدعوة إلى عمل‬
‫دعائي صرف ‪ ..‬والعمال بالنيات ـ كما يقول رسولنا عليه السلم ـ ولكل‬
‫امرى ما نوى ‪ ..‬وإذا طال الطريق بين النية والفعل‪ ،‬بسبب ضخامة العمل‬
‫وانفساح المدى‪ ،‬فل ُتؤتمن العواقب‪ ،‬وربما ُيكتفى بالمظاهر السريعة‬
‫الخادعة بدل ً من الجوهر المخبوء‪ ،‬صعب المنال‪..‬‬
‫سابعًا‪ :‬وقد تلعب الحواجز الجغرافية والسياسية بين مؤرخي عالم السلم‪،‬‬
‫والتي يتزايد بمرور اليام‪ ،‬دورها في إعاقة المهمة وعرقلة مضّيها إلى الهدف‬
‫المرتجى ‪ ..‬فكلما تنادى حشد من المؤرخين‪ ..‬هنا ‪ ..‬وهناك ‪ ..‬وهنالك‪ ،‬لتنفيذ‬
‫هذا المطلب الملح‪ ،‬وجدوا‬
‫في طريقهم من السلك الشائكة والعقابيل‪ ،‬ما يجعل تحركهم صعبا ً قاسيا ً‬
‫ومهمتهم مستحيلة‪ ،‬فيكفون عن الدلج فيما ل بادرة ضوء فيه‪ ،‬ويعودون من‬
‫حيث جاؤوا‪.‬‬
‫ً‬
‫ثامنًا‪ :‬يرتبط بهذا ـ أحيانا ـ نقص ملحوظ في الختصاصات وعدم تكاملها‬
‫أحيانا ً ‪ ..‬فهي‬
‫قد تتزايد في جانب ما وتشح في جانب آخر‪ ..‬تبرز وتطغى في هذه المرحلة‬
‫وتنزوي وتذوى في مرحلة أخرى‪ ..‬والعمال الجماعية‪ ،‬ما لم تتحقق بالتوازن‬
‫والتكامل والتغطية لكافة الجوانب والمساحات‪ ،‬فلن ُيرجى تنفيذها‪ ..‬وإعادة‬
‫كتابة التاريخ السلمي‪ ،‬أو عرضه وتحليله مشروع كبير‪ ،‬فما لم تتبنه وتدعمه‬
‫م الطاقات وتوفير الختصاصات المتكاملة وتوازنها ‪..‬‬
‫مؤسسة قديرة على ل ّ‬
‫باء بالفشل المحتوم ‪ ..‬ولهذا كان هذا الخفاق المحتوم مصير عدد من‬
‫المحاولت التي ل تملك دعما ً يمكنها من التكامل ‪ ..‬وسيكون ‪..‬‬
‫تاسعًا‪ :‬وما ُيقال عن هذا يمكن أن ُيقال عن قلة المكانات المادية والفنية‬
‫دعي القدرة على العمل بعيدا ً عن الدعم والسناد ‪..‬‬
‫لكل مشروع ي ّ‬
‫والمكانات المادية والفنية ضرورة من ضرورات المشاريع الفكرية الكبيرة‪،‬‬
‫وإل كنا كمن يرجو من ماكنة ض ّ‬
‫خ ل تتجاوز العشرين حصانا ً أن تسقي مزرعة‬
‫تمتد مسافاتها إلى مئات الفدنة وألوفها ‪..‬‬
‫عاشرًا‪ :‬وثمة أخيرا ً ـ وليس آخرا ً ـ ذلك الحساس المتزايد بالحباط‪ ،‬والذي‬
‫يتراكم إثر إخفاق كل محاولة‪ ،‬وإخفاق كل مشروع بعد أن يمضي خطوات‬
‫فحسب في الطريق ‪ ..‬وهو إحساس ذو تأثير سيئ غاية السوء‪ ،‬يوحي فيما‬
‫يوحي بخطأ الفكرة واستحالة تحققها‪ ،‬ويكّبل الرادة المسلمة من الداخل‬
‫بالغ ّ‬
‫ل الذي يشّلها عن التهيؤ‪ ،‬وشحن الطاقة‪ ،‬والنطلق لتنفيذ العمال‬
‫الكبيرة‪.‬‬
‫‪165‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وما لم نتداع لنقاذ الدعوة من مزيد من الورطات والم ّ‬
‫طبات والخفاق‪ ،‬فإن‬
‫الحساس بالحباط سينتزع المبادرة من أيدينا وسيسلمنا إلى الشلل‬
‫المحتوم‪.‬‬
‫وبالتحقق بالبدائل في مقابل هذا كله يمكن أن نضع خطواتنا على الطريق‬
‫ونمضي بجد ّ إلى هدفنا المنشود‪.‬‬
‫أن تكون رؤيتنا لطبيعة العمل على قدر كبير من النقاء والتكشف والوضوح‪،‬‬
‫وأن نملك منهجا ً سليما ً للعمل‪ ،‬وقدرات ذكية على البرمجة والتخطيط ‪ ..‬وأن‬
‫تنمو في سلوكنا وتتغلغل في دمنا وشراييننا روح الفريق كما أراد لنا ديننا أن‬
‫نكون‪ ،‬هنالك حيث تذوب المصالح الخاصة والتوجهات الفردية والحساسيات‬
‫الذاتية والنانيات‪ ،‬وحيث تكون روح الجماعة وحدها هي المؤشر والدليل‪.‬‬
‫كذلك يتوجب أن تتوحد رؤيتنا‪ ،‬وأن يمسك بها قاسم عقديّ مشترك يمنعها‬
‫من التفتت والتناقض والتصادم والرتطام‪ ،‬يمنعها من أن يضرب بعضها بعضا‪ً،‬‬
‫وينفي بعضها بعضًا‪ ..‬منطلق واحد وتوجه واحد ونسيج واحد في العطاء تركيبا ً‬
‫وتحليل ً ‪..‬‬
‫أن يمسك العمل بتلبيب الموضوعية من بدء المسيرة حتى منتهاها‪ ..‬إن‬
‫الموضوعية هنا تعني )العلمية( وبدونها لن تتأتى النتائج المرجوة منبثقة عن‬
‫رحم التاريخ نفسه‪ ،‬كما تخلقت وقائعها في الزمن والمكان ‪ ..‬ل كما ُيراد لها‬
‫أن تكون‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫والنية المخلصة الصادقة‪ ،‬من وراء العمل‪ ،‬أمر ضروري‪ ،‬بل هي ضربة لزب‬
‫إذا ما أريد للمحاولة أن تكون شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء‪،‬‬
‫تؤتي أكلها كل حين‪ .‬وإل فليس ثمة إل الشجرة الخبيثة التي ما لها من قرار‪،‬‬
‫تعصف بها ذات اليمين وذات الشمال رياح التشريق والتغريب‪ ،‬وتتقاذفها‬
‫عواصف الهواء والنزعات والميول‪.‬‬
‫أما زوال الحواجز الجغرافية والسياسية فهو أمر يبدو للوهلة الولى مستحيل‪ً،‬‬
‫ولكننا إذا ما تذكرنا أننا في عصر السرعة‪ ،‬والختزال‪ ،‬والتصالت الخاطفة‪،‬‬
‫واللت الحاسبة‪ ،‬والمواصلت السريعة‪ ،‬والتيسيرات المدنية التي تتزايد‬
‫طردا ً بمرور اليام‪ ..‬وأننا في عصر النترنت والتواصل الثقافي والعلمي‬
‫اليومي‪ ،‬دقيقة بدقيقة وساعة بساعة‪ ،‬أدركنا أن المعادلة قد ل تكون في غير‬
‫صالحنا‪ ،‬وأن هنالك من القدرات والمكانات ما يمكن توظيفه لضرب الحواجز‬
‫وقطع السلك الشائكة وإزالة المتاريس ‪ ..‬هنالك حيث يمكن أن يلتقي بعضنا‬
‫ببعض‪ ،‬وأن نعمل سوية كفريق واحد يتداعى لعبوه المتمرسون من كل‬
‫مكان من أجل تحقيق الفوز بأي ثمن كان!!‬
‫ومسألة تكامل الختصاصات وتحقيق التغطية المتوازنة الشاملة لكافة‬
‫مساحات المشروع‪ ،‬أمر ليس صعب المنال‪ ،‬ونحن في عصر )الكاديمية( إذ‬
‫يزداد الخريجون المتخصصون‪ ،‬سنة بعد سنة‪ ،‬ويوما ً بعد يوم‪ ،‬بمعدل متواليات‬
‫هندسية وليست حسابية على أية حال‪ ..‬صحيح أن هذا التدفق الكاديمي قد‬
‫يطرح كميات ل تتضمن قدرا ً طيبا ً من التميز النوعي‪ ،‬إل أنها ـ على أية حال ـ‬
‫فرصة طيبة لتزايد العناصر الممتازة القديرة على الفعل الصادق والتنفيذ‬
‫الذكي المرسوم‪.‬‬
‫ً‬
‫أما قلة المكانات المادية والفنية فهي ‪-‬ول ريب‪ -‬أقل الموانع شأنا؛ لن إيجاد‬
‫الشروط المادية الفنية وتوظيفها لخدمة المشروع‪ ،‬أمر سهل المنال يسير‬

‫‪166‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫التحقيق في بلد تملك الكثير وتقدر على استيراد الكثير ‪..‬‬
‫ويوم أن تتحقق هذه البدائل اليجابية‪ ،‬وتوضع اللمسات الولى‪ ،‬وتنطلق‬
‫الخطوات على الطريق مغ ّ‬
‫ذة السير صوب الهدف‪ ..‬يومها لن يكون ثمة‬
‫إحساس بالحباط يشل الفاعلية ويكبل الخطا عن النطلق ‪ ..‬على العكس‬
‫فإن النجاز الذي ستنفذه المحاولة سيحقق نوعا ً من التسارع في القدرة‬
‫على الفعل ‪ ..‬هنالك حيث ُتختصر المسافات‪ ،‬وُتختزل حيثيات الزمان‬
‫والمكان‪..‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫لماذا تراجع الغرب عن عدائه للختان ؟‬
‫الدكتور حسان شمسي باشا‬
‫حتى سنوات قليلة فقط‪،‬كان الناس في أمريكا ينظرون إلى الختان على أنه‬
‫شعيرة دينية يمارسها اليهود هناك والمسلمون‪.‬‬
‫وكان الطباء هناك يناهضون فكرة إجراء الختان على الوليدين بشكل روتيني‬
‫‪ .‬ولكن إرادة الله تعالى قضت أن تتبدى لهم الفوائد العلمية لخصلة من‬
‫خصال الفطرة التي قال عنها الرسول عليه الصلة والسلم ‪ " :‬الفطرة‬
‫خمس ‪ :‬الختان والستحداد وقص الشارب وتقليم الظافر ونتف البط " ‪.‬‬
‫وقد أكدت مقالة نشرت في مجلة ‪ Postgraduate Medicine :‬أن مليون طفل‬
‫أمريكي يختن الن كل عام في أمريكا ‪ .‬وأكدت دراسات أخرى أن ‪80 – 60‬‬
‫‪ %‬من الوليدين في أمريكا يختنون بشكل روتيني ‪ .‬لماذا تراجع أعداء الختان‬
‫عن موقفهم ؟ وكيف تجلت لهم الحكمة من وراء الختان ؟ نشرت في‬
‫السنوات القليلة الماضية عشرات البحاث والمقالت العلمية التي أكدت‬
‫فوائد الختان في الوقاية من التهاب المجاري البولية عند الطفال ‪ ،‬ومن‬
‫المشاكل الطبية في القضيب ‪.‬‬
‫وكان هناك عدد من الطباء الذين يعارضون فكرة إجراء الختان بشكل‬
‫روتيني عند الوليدين ‪ .‬وكان من أشهر هؤلء البروفسور ويزويل – رئيس‬
‫قسم أمراض الوليدين في المستشفى العسكري في واشنطن ‪ . -‬وقد كتب‬
‫هذا البروفيسور مقال قال فيه ‪ " :‬لقد كنت من أشد الناس عداء للختان ‪.‬‬
‫وقد شاركت حينئذ في الجهود التي بذلها الطباء آنذاك للقلل من نسبة‬
‫الختان ‪ .‬ولكن الدراسات العلمية التي ظهرت في الثمانينات أظهرت بيقين‬
‫ازديادا في نسبة اللتهابات البولية عند الطفال غير المختونين ‪ .‬وما ينطوي‬
‫عليه من خطر حدوث التهاب مزمن في الكلى وفشل كلوي في المستقبل ‪.‬‬
‫وبعد إجراء المزيد من البحاث ‪ ،‬وإجراء تمحيص دقيق لكل الدراسات‬
‫العلمية التي أجريت في هذا المجال ‪ ،‬وصلت إلى نتيجة مخالفة تماما ‪،‬‬
‫وأصبحت من أشد أنصار الختان ‪ .‬وأيقنت أن الختان ينبغي أن يصبح أمرا‬
‫روتينيا عند كل مولود ‪ .‬ولم يكن البروفيسور ويزويل الوحيد الذي نادى‬
‫بضرورة إجراء الختان ‪ ،‬بل إن الكاديمية المريكية لطب الطفال قد تراجعت‬
‫تماما عن توصياتها القديمة ‪ ،‬وأصدت توصيات حديثة أعلنت فيها بوضوح‬
‫ضرورة إجراء الختان بشكل روتيني عند كل مولود ‪.‬‬
‫الختان يوفر على الدولة مليين الدولرات ‪:‬‬
‫وحتى من الناحية القتصادية التي تهم أصحاب المال والتخطيط ‪ ،‬فإن الختان‬
‫عملية توفر على الدولة مبالغ طائلة ‪ .‬ويشرح ذلك البروفيسور ويزويل‬
‫فيقول ‪ " :‬إذا افترضنا أن عملية الختان تكلف ‪ 1000‬دول تقريبا ‪ ،‬فإن الكلفة‬

‫‪167‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السنوية لختان جميع الطفال الذين يولدون في أمريكا ستبلغ ما يقرب من‬
‫‪ 180‬مليون دول ‪ .‬فما هي الكلفة السنوية لهؤلء لو تركناهم دون ختان ؟‬
‫إن الحقائق تقول أن ‪ % 15 – 10‬من الطفال الذكور غير المختونين سوف‬
‫يحتاجون إجراء الختان في سن متقدم من العمر بسبب حدوث تضيق في‬
‫القلفة أو التهاب متكرر في الحشفة ‪ ،‬وأن إجراء الختان عند الطفال الكبار‬
‫عملية مكلفة تصل إلى ‪ 5000 – 2000‬دول للعملية الواحدة ‪.‬‬
‫فلو تركنا ‪ 1.8‬مليون طفل يولدون سنويا في أمريكا دون ختان ‪ ،‬ولنفرض أن‬
‫‪ % 10‬منهم فقط سوف يحتاجون للختان في المستقبل ‪ ،‬فإن كلفة ذلك‬
‫سوف تصل إلى ‪ 900 – 360‬مليون دولر سنويا ) وهي أضعاف ما هي عليه‬
‫لو ختن كل هؤلء بعد الولدة ( ‪.‬‬
‫هكذا يحسبون ‪ ..‬ويقدرون ‪ ..‬وتأتي حساباتهم موافقة للفطرة السليمة ‪.‬‬
‫ولكن العناية اللهية قضت بأل تنتظر أجيال وأجيال من المسلمين ألفا وأربع‬
‫مئة عام حتى تكتشف تلك الحقائق العلمية في الغرب ‪ ،‬ثم نتبعهم فيما‬
‫يفعلون !!‬
‫هل تغني العناية الصحية بنظافة العضاء الجنسية عن الختان ؟ يقول‬
‫البروفيسور ويزويل ‪ " :‬لقد ادعى البعض أن العناية الصحية بنظافة العضاء‬
‫الجنسية يعطي وقاية مماثلة لتلك التي يمنحها الختان ‪ ،‬ولكن هذا مجرد‬
‫افتراض ‪ ،‬وحتى اليوم ل توجد أية دراسة علمية تؤيد هذا الفتراض ‪ .‬ول يوجد‬
‫أي دليل علمي يشير إلى أن النظافة الجيدة في العضاء التناسلية يمكن لها‬
‫بحال من الحوال أن تمنع الختلطات التي تحدث عند غير المختونين " ‪.‬‬
‫وقد أكد هذا القول الدكتور شوين الذي كتب مقال رئيسا في إحدى أشهر‬
‫المجلت الطبية في العالم ‪ .N.E.T.M‬عام ‪ 1990‬جاء فيه ‪ " :‬أن الحفاظ‬
‫على نظافة جيدة في المناطق التناسلية أمر عسير ‪ ،‬ليس فقط في المناطق‬
‫المختلفة من العالم ‪ ،‬بل حتى في دولة كبرى ومتحضرة كالوليات المتحدة ‪،‬‬
‫وكذلك الحال في إنجلترا ‪ ،‬فقد أكدت دراسة أجريت على أطفال المدارس‬
‫النجليز غير المختونين أن العناية بنظافة العضاء التناسلية سيئة عند ‪% 70‬‬
‫من هؤلء الطفال ‪.‬‬
‫هكذا يقول خبراؤهم في الغرب ‪ ..‬ولكن الله تعالى جعل لتلك المشكلة علجا‬
‫منذ القدم ‪،‬فكان إبراهيم عليه السلم أول من اختتن تطبيقا للفطرة الحنيفية‬
‫الخالصة ‪ .‬قالت تعالى ‪:‬‬
‫" ما كان إبراهيم يهوديا ول نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما "‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫" اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم "‬
‫الختان وقاية من سرطان القضيب ‪:‬‬
‫يقول الدكتور روبسون في مقال أن هناك أكثر من ‪ 60‬ألف شخص أصيب‬
‫بسرطان القضيب في أمريكا منذ عام ‪ . 1930‬ومن المدهش حقا أن عشرة‬
‫أشخاص فقط من هؤلء كانوا مختونين ‪ .‬واليهود ل يصابون عادة بسرطان‬
‫القضيب وهو يختنون أطفالهم في اليوم الثامن من العمر ‪.‬‬
‫ويؤكد الدكتور شوين فائدة الختان في الوقاية من سرطان القضيب ‪،‬‬
‫فيقول ‪ " :‬إن الختان الروتيني للوليدين يقضي تقريبا بشكل تام على احتمال‬

‫‪168‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حدوث سرطان في القضيب " ‪.‬‬
‫ويقول الدكتور كوتشين أن نسبة حدوث سرطان القضيب عند المختونين في‬
‫أمريكا هي صفر تقريبا ‪ .‬وأنه لو كان رجال أمريكا غير مختونين ‪ ،‬لصيب أكثر‬
‫من ثلثة آلف شخص سنويا بهذا السرطان المخيف ‪.‬‬
‫هل يقي الختان من المراض الجنسية ‪:‬‬
‫ليس هناك أدنى شك في أن المراض الجنسية أكثر شيوعا عند غير‬
‫المختونين ‪ .‬فقد ذكر الدكتور فنك – الذي ألف كتابا عن الختان وطبع عام‬
‫‪ 1988‬في أمريكا – أن هناك أكثر من ‪ 60‬دراسة علمية أجمعت على أن‬
‫المراض الجنسية تزداد حدوثا عند غير المختونين ‪.‬‬
‫وقد قام الدكتور باركر بإجراء دراسة على ‪ 1350‬مريضا مصابا بأمراض‬
‫جنسية مختلفة ‪ ،‬فوجد ازديادا واضحا في معدل حدوث ثلثة أمراض جنسية‬
‫شائعة عند غير المختونين ‪ .‬وهذه المراض هي ‪:‬‬
‫‪ .1‬الهربس التناسلي ‪Genital Herpes‬‬
‫‪ .2‬السيلن ‪Gonorrhea‬‬
‫‪ .3‬الزهري ‪Syphilis‬‬
‫وقد أكدت الدراسات العلمية الحديثة انخفاض حدوث مرض اليدز عند‬
‫المختونين ‪.‬‬
‫ولكن ينبغي أل يخطر ببال أحد أنه إن كان مختونا فهو في مأمن من تلك‬
‫المراض ‪ ،‬فهذه المراض تحدث عند المختونين وغير المختونين ممن‬
‫يرتكبون فاحشة الزنا أو اللواط ‪ ،‬ولكن نسبة حدوثها عند المختونين أقل ‪.‬‬
‫الختان وقاية من التهاب المجاري البولية عند الطفال ‪:‬‬
‫أثبتت دراسة أجريت على حوالي نصف مليون طفل في أمريكا أن نسبة‬
‫حدوث التهاب المجاري البولية عند الطفال غير المختونين بلغت عشرة‬
‫أضعاف ما هي عليه عند المختونين ‪.‬‬
‫والتهاب المجاري البولية عند الوليدين قد ل يكون أمرا بسيطا ‪ ،‬فقد وجد‬
‫الباحثون أن ‪ % 36‬من الوليدين المصابين بالتهاب المجاري البولية قد أصيبوا‬
‫في الوقت ذاته بتسمم من الدم ‪ ،‬كما حدثت حالت الفشل الكلوي والتهاب‬
‫السحايا عند البعض ‪ .‬وقد يحدث تندب في الكلية عند ‪ % 15 – 10‬من هؤلء‬
‫الوليدين ‪.‬‬
‫وأكدت دراسة أخرى أن حدوث التهاب المجاري البولية عند الطفال غير‬
‫المختونين يبلغ ‪ 39‬ضعف ما هو عليه عند المختونين ‪.‬‬
‫وقد أكد الدكتور جينزبرغ أن جعل الختان أمرا روتينيا في أمريكا قد جعل منع‬
‫حدوث ‪ 20.000‬حالة من حالت التهاب الحويضة والكلية عند الطفال‬
‫سنويا ‪.‬‬
‫وكانت نتائج هذه الدراسات هي العامل القوي الذي دفع أعداء الختان في‬
‫أمريكا إلى العدول عن عدائهم ‪ ،‬والمطالبة بجعل الختان أمرا روتينيا عند كل‬
‫طفل ‪ .‬وفي ذلك يقول البروفيسور ويزويل ‪ " :‬صوت أعضاء الجمعية الطبية‬
‫في كاليفورنيا بالجماع على أن ختان الوليد وسيلة صحية فعالة ‪ .‬لقد‬
‫تراجعت عن عدائي الطويل للختان ‪ ،‬وصفقت مرحبا بقرار جمعية الطباء في‬
‫كاليفورنيا " ‪.‬‬
‫وهكذا يصفقون مرحبين بإحدى خصال الفطرة ‪ ،‬بعد أن تأكدت لهم فوائدها‬
‫العظيمة ‪.‬‬
‫ورحم الله ابن القيم حين قال ‪ " :‬والفطرة فطرتان ‪ :‬فطرة تتعلق بالقلب ‪،‬‬
‫وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه‪ .‬وفطرة عملية ‪ :‬هي هذه‬
‫‪169‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الخصال ‪ ،‬فالولى تزكي الروح وتطهر القلب ‪ ،‬والثانية ‪ :‬تطهر البدن ‪ ،‬وكل‬
‫منهما تمد الخرى وتقويها ‪ ،‬وكان رأس فطرة البدن ‪ :‬الختان " ‪.‬‬
‫من شاء التوسع فليراجع كتابنا " أسرار الختان تتجلى في الطب الحديث " ‪،‬‬
‫وقد نشرته مكتبة السوادي بجدة ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لماذا تزوج زوجي؟‬
‫قالت إحدى الزوجات‪:‬‬
‫ت بجانبه منذ زواجنا وعشنا على الحلوة والمرة ‪...‬‬
‫'هذا زوجي ‪ ...‬وقف ُ‬
‫والسراء والضراء' حتى إذا صار غنًيا فاجأني بهذه المفاجأة ‪ ..‬زواجه‬
‫الثاني ‪..‬فهل هذا جزاء صبري معه‪ ,‬وصدق الشاعر حين قال‪:‬‬
‫وعلمته رمي السهام فلما اشتد ساعده رماني‬
‫انتهى كلمها‬
‫عزيزتي الزوجة الشاكية‪:‬‬
‫هل ح ّ‬
‫دا عن العواطف والدموع‪ ,‬إن‬
‫كمنا العقل والشرع في مسألة التعدد بعي ً‬
‫السلم حين يشرع وحين يبيح أمًرا ينظر إلى مصلحة العموم يقدمها على‬
‫مصلحة الذات‪ ،‬جلًبا للمصالح العامة‪ ,‬ودرًءا للمفاسد الهالكة ‪ ...‬وهو في هذه‬
‫الحالة يتفق والمنطق السليم والعقل الحكيم‪.‬‬
‫اللهم ل اعتراض‬
‫عزيزتي القارئة‪:‬‬
‫ل يحق لي مسلم أو مسلمة العتراض على مشروعية التعدد فذلك اعتراض‬
‫سأ َ ُ‬
‫ما‬
‫على المشرع الخالق الواحد الحد سبحانه وتعالى الذي قال‪' :‬ل ي ُ ْ‬
‫ل عَ ّ‬
‫ل وهم ي َ‬
‫ن' ]النبياء‪.[23:‬‬
‫يَ ْ‬
‫سأُلو َ‬
‫فعَ ُ َ ُ ْ ُ ْ‬
‫فكما أن المريض ل يحق له العتراض على الصحيح‪ ،‬وكذلك الفقير ل يحق له‬
‫العتراض على الغني والعقيم ل يحق له العتراض على من ُيرزق بالولد ‪..‬‬
‫وهكذا مما ل يعلم حكمته إل الله فكذلك التعدد ل يعترض عليه ول تشوه‬
‫ما وفوائد منها ما نعلمه ومنها ما نجهله‪.‬‬
‫صورته أمام الناس لن فيه حك ً‬
‫فالتعدد تقتضيه الحياة خاصة لفئة من الناس أعطاهم الله تعالى من‬
‫المقومات في الدين والعقل والصحة والمال ما يمكنهم من القيام بهذا‬
‫الواجب الشرعي بكماله وأداء حقوقه كاملة والرجال لهم النصيب الوفر من‬
‫هذه المقومات‪ ,‬ولذا جعل التعدد من نصيبهم دون النساء‪.‬‬
‫فلو تفهمنا تركيب الرجل النفسي والجسمي والعضوي وما كلفه الله به من‬
‫مهيأ للتعدد دون المرأة‪ ,‬فلو جمع الرجل أكثر من‬
‫العمل لدركنا أن الرجل ُ‬
‫امرأة بعقد شرعي لما حصل اختلط في النساب بخلف العكس‪.‬‬
‫والتركيب الجسمي للرجل أصح من المرأة في الغالب بحكم طبيعة عمله‬
‫وخلوه من الحيض والنفاس والحمل والرضاع عكس المرأة‪ ,‬والرجل في‬
‫الغالب يتحكم بعقله وبالتالي يستطيع الجمع بين امرأتين وثلث وأربع هذا‬
‫بخلف المرأة التي تتحكم فيها العاطفة لتحنو على الصغار وتصبر عليهم‪.‬‬
‫وما الحكمة من تعدد الزوجات؟‬
‫إن الحكمة من تعدد الزوجات ظاهرة جلية بالنسبة للرجل والمرأة والمجتمع‪,‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫والسلم دين شامل كامل يصلح لكل العصور والمكنة فالذي قال‪' :‬أل ي َعْل َ ُ‬
‫خِبيُر' ]الملك‪.[14:‬‬
‫ف ال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫طي ُ‬
‫خل َقَ وَهُوَ الل ّ ِ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ث‬
‫مثَنى وَثل َ‬
‫م ِ‬
‫ما طا َ‬
‫ضا سبحانه وتعالى‪' :‬فان ْك ِ ُ‬
‫قال أي ً‬
‫ن الن ّ َ‬
‫ساِء َ‬
‫ب لك ْ‬
‫حوا َ‬
‫م َ‬
‫‪170‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫َ‬
‫فت َ‬
‫م ذ َل ِ َ‬
‫ك أ َد َْنى أ َل ّ ت َُعوُلوا'‬
‫وا ِ‬
‫ن ِ‬
‫وَُرَباع َ فَإ ِ ْ‬
‫مان ُك ُ ْ‬
‫ت أي ْ َ‬
‫مل َك َ ْ‬
‫ما َ‬
‫حد َة ً أوْ َ‬
‫خ ْ ُ ْ‬
‫م أل ّ ت َعْدُِلوا فَ َ‬
‫]النساء‪.[3 :‬‬
‫وهناك حالت تستدعي التعدد ل محالة مثل حالت المطلقة والرملة والعانس‬
‫والعقيم أضف إليها حالت خاصة بطبيعة الرجل الجسمية والجنسية‪ ,‬وظروف‬
‫الحرب‪.‬‬
‫ما وحب الولد غريزة في النفس النسانية‪ ,‬وفي هذه‬
‫فقد تكون الزوجة عقي ً‬
‫الحالة الزوج أمام أمرين‪ :‬إما أن يطلق زوجته العقيم أو أن يتزوج عليها‬
‫أخرى‪ ,‬ول شك أن الزواج عليها أكرم بأخلق الرجال ومروءتهم من تطليقها‪,‬‬
‫وهذا الحل من مصلحة الزوجة وليس لضرارها‪.‬‬
‫ومن المبررات النسانية التي عالجها نظام تعدد الزوجات كامرأة يتوفى عنها‬
‫زوجها وما زالت شابة وعندها أطفال‪ ،‬فلو تزوج منها رجل متزوج لكان في‬
‫ذلك إعفاف للمرأة وصون لكرامتها وكفالة هؤلء اليتامى لقول النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم‪' :‬أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا' وأشار بالسبابة والوسطى‬
‫وفّرج بينهما شيًئا‪.‬‬
‫دا كذلك لرتفاع‬
‫ما ووحي ً‬
‫وفي حالة العنوسة ُيعد نظام التعدد وحل ً واقعًيا وحكي ً‬
‫نسبة العنوسة وعدد الفتيات المستعدات للزواج ولكنها ل تتزوج‪.‬‬
‫وقد تصل المرأة إلى سن اليأس ويظل الرجل قوًيا تغلبه شهوته‪ ،‬وقد تكون‬
‫طبيعة الرجل أنه يتمتع بقوة جنسية مما ل تكفي معه زوجه واحدة إما لكبرها‬
‫أو لكثرة اليام التي ل تصلح فيها للحياة الزوجية وهي أيام الحيض والنفاس‬
‫والمرض وما أشبهها‪ ,‬وقد يصبر بعض الرجال على ذلك لكن ماذا لو لم‬
‫يفعل؟‬
‫ضا لسباب‬
‫أضف إلى ذلك كثرة عدد النساء وقلة عدد الرجال لنهم أكثر تعر ً‬
‫الموت من الناث بسب الحروب أو الحوادث وغير ذلك‪ ,‬وهو من علمات‬
‫ما من‬
‫الساعة فلو اقتصر الرجل على واحدة لبقى عدد من النساء محرو ً‬
‫الزواج فيضطرون إلى ركوب الفاحشة‪.‬‬
‫سا أو‬
‫والحل في هذه الحالة هو تعدد الزوجات وبدون ذلك تبقى المرأة عان ً‬
‫عرضة لضياعها وسقوطها‪ ,‬وبالتالي ضياع الفضيلة وتفشى الرذيلة‬
‫والنحطاط الخلقي وضياع القيم النسانية‪.‬‬
‫وقال المام الشنقيطي رحمه الله في تفسيره أضواء البيان‪' :‬والذي يبيحه‬
‫السلم هو تعدد الزوجات ل تعدد العشيقات'‪.‬‬
‫إن إباحة تعدد الزوجات ينطوي على الخير وتحقيق المصالح ودفع المضار‬
‫والمفاسد حتى وإن لم تعلم الحكمة تفصيل ً منه‪ ,‬وما أعظم السلم حين يضع‬
‫لكل حالة دوائها‪ ,‬ويبصر عند التشريع كل الزوايا والدروب‪.‬‬
‫عزيزي القارئ‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ل تندفع وراء الناعقين‪ ,‬ول تردد شعارات الخرين‪ ,‬واقبل الشرع المنزل من‬
‫لدن حكيم عليم ‪ ..‬فنحن نريد أصحاب العقول الواعية ‪ ..‬فكم من مطلقة أو‬
‫عانس أو عقيم تلعن تلك الشعارات الزائفة التي حرمتها من العيش في كنف‬
‫رجل متزوج بدل ً من معاناة الكبت أو الضياع‬
‫)‪(2 /‬‬

‫‪171‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لماذا دعوة المام ولماذا الن‬
‫‪21/11/1424‬‬
‫أ‪ .‬د ‪.‬ناصر بن سليمان العمر‬
‫الحمد لله والصلة والسلم على رسول الله‪ ،‬وبعد‪ :‬ما فتئ أهل البدع يطلون‬
‫بقرنهم ملبسين في كل حين فترة وانقطاع من أهل العلم الذين ينفون عنه‬
‫تحريف الغالين‪ ،‬وانتحال المبطلين‪ ،‬وتأويل الجاهلين‪ ،‬وإذا كان الذين عقدوا‬
‫ألوية البدعة وأطلقوا عقال الفتنة مختلفين في الكتاب‪ ،‬مخالفين للكتاب‪،‬‬
‫مجمعين على مفارقة الكتاب‪ ،‬يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله‬
‫بغير علم‪ ،‬يتكلمون بالمتشابه من الكلم ويخدعون جهال الناس بما يشبهون‬
‫عليهم ‪-‬نعوذ بالله من فتن المضلين‪ -‬إذا كانوا كذلك فل عجب أن ينسبوا لهل‬
‫العلم ما هم منه برءاء‪ ،‬ول عجب كذلك من تعلقهم بحروف عجيبة من أجل‬
‫نصرة الراء والهواء‪.‬‬
‫وكلمنا هنا عما بدأ يشيع ويذاع في الونة الخيرة عن دعوة الشيخ المجدد‬
‫المام محمد بن عبدالوهاب –رحمه الله‪ -‬ومن بعده أتباع دعوة التوحيد من‬
‫الئمة المرضيين‪ ،‬وليس ذلك غريبا ً أو جديدًا‪ ،‬بل قد بدأ الكلم في المام‬
‫ودعوته مع بزوغ فجر هذه الدعوة المباركة‪ ،‬وهذه سنة الله في الذين خلو‬
‫جعَل َْنا ل ِك ُ ّ‬
‫ي‬
‫من قبل‪ ،‬فما من صاحب دعوة حق إل ّ أوذي وعودي "وكذلك َ‬
‫ل ن ِب ِ ّ‬
‫ضهُ ْ َ‬
‫عَد ُّوا َ‬
‫و‬
‫ف ال ْ َ‬
‫ض ُز ْ‬
‫خُر َ‬
‫ن ُيو ِ‬
‫شَيا ِ‬
‫حي ب َعْ ُ‬
‫س َوال ْ ِ‬
‫ل غُُروًرا وَل َ ْ‬
‫قو ْ ِ‬
‫ج ّ‬
‫طي َ‬
‫نا ِ‬
‫م إ ِلى ب َعْ ٍ‬
‫لن ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ل َ ي ُؤْ ِ‬
‫صَغى إ ِل َي ْهِ أفْئ ِد َةُ ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫فت َُرو َ‬
‫م وَ َ‬
‫مافَعَُلوه ُ فَذ َْرهُ ْ‬
‫شاء َرّبك َ‬
‫ن * وَل ِت َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫قت َرُِفون"‪ ،‬وقال‪" :‬وَك َذ َل ِ َ‬
‫جعَل َْنا ل ِك ُ ّ‬
‫ي‬
‫م ْ‬
‫وه وَل ِي َ ْ‬
‫ما ُ‬
‫ِبال ِ‬
‫ك َ‬
‫خَرةِ وَل ِي َْر َ‬
‫هم ّ‬
‫قت َرُِفوا ْ َ‬
‫ل ن َب ِ ّ‬
‫ض ْ‬
‫ْ‬
‫فى ب َِرب ّ َ‬
‫صيًرا"‪ ،‬وهكذا أتباع النبياء فأشد‬
‫ن وَك َ َ‬
‫ك َ‬
‫هادًِيا وَن َ ِ‬
‫جرِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ُ‬
‫عَد ُّوا ّ‬
‫مي َ‬
‫م َ‬
‫الناس بلء النبياء ثم المثل فالمثل كما ثبت عند البخاري وغيره‪.‬‬
‫ولكن الجديد هو عودة الطعن في هذه الدعوة من المعاصرين‪ ،‬بل من أناس‬
‫تنكروا لفضلها فصوبوا سهامهم وسلوا أقلمهم فيمن علمهم العقيدة‬
‫والتوحيد‪ ،‬متناسين تاريخا ً مظلما ً من الشرك والنحطاط عاشه من سبقهم‪،‬‬
‫لم يشهدوه ولم يكونوا رجاله بعد أن من الله عليهم بدعوة التوحيد‪.‬‬
‫هذا مع أنهم يرون النصال تتكسر تلو النصال دون أن تصاب تلكم الدعوة‬
‫المباركة بأذى‪ ،‬بل يرون كيف قامت بفضلها دولة إسلمية عجزت عن إقامتها‬
‫زرافات وجماعات‪ ،‬بل يرون كيف قامت بها الدولة ابتداًء‪ ،‬ثم لما سقطت‬
‫الدولة عادت بها فقامت ثم سقطت أخرى فقامت‪ ،‬وفي هذا مصداق كلمة‬
‫ابن خلدون في تاريخه ومقدمته التي قرر فيها أن لكل دولة عصبية تقوم‬
‫عليها‪ ،‬قال‪" :‬العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع‬
‫عليه‪ ،‬وقدعلمنا أن الدميين بالطبيعة النسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى‬
‫وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض‪ ،‬فل بد أن يكون متغلبا ً عليهم بتلك‬
‫العصبية‪ ،‬وإل لم تتم قدرته على ذلك"‪ ،‬ثم قال‪ " :‬إذا استقرت الدولة‬
‫وتمهدت قد تستغني عن العصبية والسبب في ذلك أن الدول العامة في أولها‬
‫يصعب على النفوس النقياد لها إل بقوة قوية من الغلبة للغرابة‪ ،‬وأن الناس‬
‫لم يألفوا ملكها ول اعتادوه‪ ،‬فإذا استقرت الرئاسة في أهل النصاب‬
‫المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحدا ً بعد آخر في أعقاب كثيرين‬
‫ودول متعاقبة نسيت النفوس شأن الولية‪ ،‬واستحكمت لهل ذلك النصاب‬
‫صبغة الرئاسة‪ ،‬ورسخ في العقائد دين النقياد لهم والتسليم‪ ،‬وقاتل الناس‬
‫معهم على أمرهم قتالهم على العقائد اليمانية‪ ،‬فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم‬
‫إلى كبير عصابة‪ ،‬بل كأن طاعتها كتاب من الله ل يبدل ول يعلم خلفه‪ ،‬ولمر‬
‫ما يوضع الكلم في المامة آخر الكلم على العقائد اليمانية‪ ،‬كأنه من جملة‬
‫‪172‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عقودها‪ ،‬ويكون استظهارهم حينئذ على سلطانهم ودولتهم المخصوصة‪ ،‬إما‬
‫بالموالي والمصطنعين الذين نشؤوا في ظل العصبية وغيرها‪ ،‬وإما بالعصائب‬
‫الخارجين عن نسبها الداخلين في وليتها‪.‬‬
‫ومثل هذا وقع لبني العباس‪ ،‬فإن عصبية العرب كانت قد فسدت في عهد‬
‫دولة المعتصم وابنه الواثق‪ ،‬واستظهارهم بعد ذلك إنما كان بالموالي من‬
‫العجم والترك والديلم والسلجوقية وغيرهم‪ ،‬ثم تغلب العجم الولياء على‬
‫النواحي وتقلص ظل الدولة فلم تكن تعدو أعمال بغداد‪ ،‬حتى زحف إليها‬
‫الديلم وملكوها‪ ،‬وصار الخلئق في حكمهم‪ ،‬ثم انقرض أمرهم وملك‬
‫السلجوقية من بعدهم فصاروا في حكمهم‪ ،‬ثم انقرض أمرهم وزحف آخر‬
‫التتار فقتلوا الخليفة ومحوا رسم الدولة"‪.‬‬
‫وحتى ليسهب بنا المقام ألخص أسباب فتح هذا الملف لدعاوى المعاصرين‬
‫على دعوة المام في النقاط التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬بيان خطر إسقاط هذه الدعوة التي نجحت في إقامة دولة‪ ،‬وأن نهايتها‬
‫تعني نهاية الدولة كما قرر ابن خلدون‪.‬‬
‫‪ -2‬بيان خطأ المنتسبين إليها ممن يسعون إلى إسقاطها بقصد أو بغير قصد‪،‬‬
‫وتنبيه العقلء لئل يكونوا أدوات يحركها الغربي متى شاء وكيف شاء‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫‪ -3‬تنبيه الغافلين على حقيقة المحرضين على الدعوة من الغربيين‪ ،‬ومرادهم‬
‫من ذلك‪ ،‬فهم ما أرادوا النيل ممن أفضوا إلى ربهم‪ ،‬ولكن مرادهم هدم‬
‫السلم وتغير معالمه‪ ،‬ولهم في ذلك مداخل عدة‪ ،‬منها‪ :‬محاربة السلم تحت‬
‫شعار محاربة ما يسمونه الوهابية‪ ،‬ومنها‪ :‬حربهم على السلم تحت شعار‬
‫حربهم على ما يسمونه الرهاب‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫‪ -4‬بيان أن هذه الدعوة ليست دينا جديدا‪ ،‬بل ليست مذهبا دخيل ً أو أقوال ً‬
‫مختصة بأناس ولكن ما جاءت به وقاله أئمتها أمر سبقهم أعلم السلم إليه‬
‫وقالوا به‪ ،‬ثم جاء هؤلء فجددوه‪.‬‬
‫‪ -5‬بيان أن هذه الدعوة ليست مختصة بأهل نجد أو المملكة‪ ،‬بل هي دعوة‬
‫لتفرق بين من يلتزم منهج أهل السنة والجماعة أين كان وحيث وجد‪ ،‬سواء‬
‫في أقصى الرض أو أدناها‪ ،‬منتم لجماعة أو دولة‪ ،‬لفرق طالما أنه يلتزم‬
‫الكتاب والسنة‪.‬‬
‫‪ -6‬بيان بعض الشبه التي رمي بها المام ورميت بها دعوته‪ ،‬والتي طالما تبرأ‬
‫منها المام وأتباعه‪ ،‬ومنها دعوى التكفير لغير مستحقه التي قال فيها المام‪:‬‬
‫"وأما القول إنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان العداء الذين يصدون به عن‬
‫هذا الدين‪ ،‬ونقول‪ :‬سبحانك هذا بهتان عظيم " )الرسائل الشخصية‬
‫‪ ،(15/101‬ومن ذلك أيضا ً رميها بأنها تتشوف للدماء‪ ،‬وهذا باطل قال الشيخ‬
‫المام‪" :‬وأما القتال فلم نقاتل أحدا ً إلى اليوم إل دون النفس والحرمة‪ ،‬وهم‬
‫الذين أتونا في ديارنا ول أبقوا ممكنًا‪ ،‬ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل‬
‫المقابلة " وجزاء سيئة سيئة مثلها "‪ ،‬وكذلك من جاهر بسب دين الرسول‬
‫بعد ما عرفه والسلم‪) " .‬الرسائل الشخصية ‪ ،(5/37‬إلى غير هذه الشبه مما‬
‫سيجمع مع الوقت ويفند‪ ،‬والله المستعان‪ ،‬هو حسبنا وعليه التكلن‪.‬‬
‫هذا وفي الختام‪ ،‬أنبه القارئ الكريم إلى أن دعوة الشيخ المام دعوة تجديد‬
‫لما اندرس من معالم التوحيد‪.‬‬
‫والتوحيد مما اتفقت عليه الشرائع السماوية فأنى له أن يأت بجديد فيها!‬

‫‪173‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فمن المقرر أن النبياء إخوة لعلت كما جاء في حديث البخاري وغيره‪ ،‬قال‬
‫الحافظ ابن حجر)الفتح ‪" :(6/489‬ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو‬
‫التوحيد‪ ،‬وإن اختلفت فروع الشرائع"‪ ،‬وقال من قبله الحافظ ابن‬
‫كثير)التفسير ‪" :(2/67‬ديننا واحد"‪ :‬يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل‬
‫رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله‪ ،‬كما قال _تعالى_‪" :‬وما أرسلنا قبلك‬
‫من رسول إل ّ نوحي إليه أنه ل إله إل ّ أنا فاعبدون"‪ ،‬وقال _تعالى_‪" :‬ولقد‬
‫بعثنا في كل أمة رسول ً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"‪" ،‬واسأل من‬
‫أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون"‪.‬‬
‫وهذه اليات ظاهرة في توحيد الله بأفعال العباد‪ ،‬قال القرطبي في تفسير‬
‫قول الله _تعالى_‪" :‬ولقد بعثنا في كل أمة رسول ً أن اعبدوا الله واجتنبوا‬
‫الطاغوت" )‪" :(10/103‬أي بأن اعبدوا الله ووحدوه‪ ،‬واجتنبوا الطاغوت‪ ،‬أي‪:‬‬
‫اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم وكل من دعا إلى‬
‫الضلل"‪.‬‬
‫أما توحيد الله بأفعاله كالخلق والرزق والتدبير‪ ،‬فهو مما أقرت به الخلئق‬
‫وإن جحده أفراد ظلما ً وعلوًا‪.‬‬
‫وكذلك مما اجتمعت عيه الشرائع توحيد الله بأسمائه وصفاته‪ ،‬فإن السماء‬
‫والصفات من قبيل الخبار المحققة والخبر المحقق ل يدخله النسخ ولو دخله‬
‫لكان كذبًا)‪.(1‬‬
‫فإذا كان المر كذلك‪ ،‬فكيف للشيخ أن يأتي بجديد في أمر اتفقت عليه‬
‫شرائع الرسل الصحيحة‪ ،‬فضل ً عن أئمة السلم المعتبرين من أهل السنة‬
‫على اختلف المذاهب‪.‬‬
‫هذا والله أسأل أن ينفع بهذا الجهد القراء‪ ،‬وأن يجزل للمشايخ المشاركين‬
‫فيه أحسن الجزاء‪ ،‬وأشكر كل من تجشم مشقة الكتابة في سبيل نصرة‬
‫السنة وأهلها‪ ،‬داعيا ً الله أن يجمعنا بهم عند حوض نبيه _صلى الله عليه‬
‫وسلم_ غير مبدلين ول مغيرين‪ ،‬والحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫_____________‬
‫)‪ (1‬انظر) المحلى ‪ ،(2/14‬وغيره‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لماذا رمضان؟‬
‫د‪ .‬وليد بن عثمان الرشودي ‪2/9/1424‬‬
‫‪27/10/2003‬‬
‫كم تتشوق النفوس إلى بلوغ شهر رمضان‪ ،‬وتلهج بالدعاء والتضرع إلى الله‬
‫أن يبلغنا هذا الشهر الكريم حتى إن السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم‬
‫رمضان وستة أشهر أن يتقبله منهم‪ .‬والسؤال‪ :‬لماذا رمضان؟‬
‫إن المقلب ناظره في الكتاب الكريم والسنة النبوية يجد أن الله بحكمته‬
‫يفضل بعض مخلوقاته على بعض‪ ،‬وجعل فضيلة شهر رمضان ظاهرة على‬
‫سائر الشهور؛ فقال سبحانه‪) :‬شهر رمضان الذي ُأنزل فيه القرآن(؛ بل فضل‬
‫سبحانه بعض أيامه على بعض فقال سبحانه‪) :‬إنا أنزلناه في ليلة القدر(‪،‬‬
‫وقال‪) :‬إنا أنزلناه في ليلة مباركة(‪ ،‬فهذا التفضيل وهذا الصطفاء اللهي لم‬
‫يكن إل لحكمة ظهر لنا بعضها وقد يخفى علينا بعضها‪ ،‬وحينما يقلب المرء‬
‫سنة النبوية تظهر له بعض أسرار الحكمة التي تدعو إلى التلهف‬
‫ناظره في ال ّ‬
‫والشغف لبلوغ شهر رمضان؛ ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم "إذا‬

‫‪174‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت‬
‫الشياطين" ]رواه البخاري وزاد الترمذي "وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا‬
‫باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة"[‪ ،‬وعند أحمد من حديث‬
‫أبي هريرة قال‪ .‬قال رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬يبشر أصحابه‪" :‬قد‬
‫جاءكم شهر رمضان شهر مبارك‪ ،‬افترض الله عليكم صيامه‪ ،‬يفتح فيه أبواب‬
‫الجنة‪ ،‬ويغلق فيه أبواب الجحيم‪